Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 015

آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبد الرّحمن بن يحيى المُعَلِّمِيّ
(15)

مجموع الرسائل الحديثية
(1 - 14)
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمَّد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الرّاجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 15/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(م 15/2)

راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
عادل بن عبد الشكور الزّرقي
(م 15/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(م 15/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا مجموع يضم عدة رسائل في علوم الحديث وما يتعلّق به، من تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (ت 1386) رحمه الله تعالى، وهذه الرسائل كتبها المؤلف في فترات مختلفة، فبعضها إبّان إقامته في الهند، كرسالة "علم الرجال" و"التعليق على الأربعين" وغيرها، وبعضها إبَّان استقراره في مكة المكرمة.
وهذا مسرد الرسائل بحسب ترتيبها في هذا المجموع:
1 - الاستبصار في نقد الأخبار.
2 - رسالة في أحكام الجرح والتعديل.
3 - إشكالات في الجرح والتعديل.
4 - الحاجة إلى معرفة علم الجرح والتعديل.
5 - الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء.
6 - رسالة في الصيغ المحتملة للتدليس، أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
7 - فوائد في كتاب "العلل" لابن أبي حاتم.
8 - أحكام الحديث الضعيف.
(م 15/5)

9 - محاضرة في علم الرجال وأهميته.
10 - مُلَخّص طبقات المُدلِّسين.
11 - تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري.
12 - شرح حديث: "آية المنافق ثلاث ... ".
13 - التعليق على "الأربعين في التصوف" للسلمي.
14 - صفة الارتباط بين العلماء في القديم.
وسنتحدّث عن كل رسالة بما يُعرِّف بها، ويكشف عن غرضها وموضوعها، وبيان أصولها المعتمدة في التحقيق وطريقة العمل عليها.

1) الاستبصار في نقد الأخبار.
هذه الرسالة سمَّاها مؤلفها بهذا الاسم، كما هو واضح على صفحة الغلاف. وغرض المؤلف منها كما يقول في مقدمتها (ص 5): "رسالة في معرفة الحديث، أتوخَّى فيها تحرير المطالب، وتقرير الأدلة، وأتتبع مذاهب أئمة الجرح والتعديل؛ ليتحرر بذلك ما تعطيه كلماتهم في الرواة ... ".
ثم شرح الأسباب التي دفعته إلى تأليفها، فأشار إلى أمرين رئيسين:
الأول: اختلاف اصطلاحات الأئمة في إطلاق عبارات الجرح والتعديل.
الثاني: اختلافهم في الاستدلال على أحوال الرواة.
وتمنَّى إنْ تَمّت رسالتُه هذه أن يتضح بها سبيل القوم في نقد الحديث،
(م 15/6)

ويتبيّن أن سلوكَه ليس بالأمر العسير على أولي الهمم العالية، فيكون منهم أئمة مجتهدون في ذلك. انظر (ص 6).
ثم ذكر أن نقد الخبر على أربع مراتب هي:
الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا.
الثانية: النظر في اتصاله.
الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطأ إن كان.
الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
وأراد أن يعقد لكل واحدة من هذه الأربع مقالةً خاصّة، لكن لم يصلنا إلا كلامه على المقالة الأولى، ولا ندري هل كتب غيرها فَضَاع أو توقف عندها فلم يكملها؟
وقد قسَّم المؤلف الكلامَ في هذه المقالة إلى أربعة أبواب:
الأول: الإِسلام. الثاني: البلوغ.
الثالث: العقل. الرابع: العدالة.
ثم بعد أن تكلم عن كل باب ختم بالكلام على العدالة وتعريفها وأدلتها، ثم عقد عشرة فصول متعلّقة بها وهي: 1 - الصحابة (ص 19 - 29). 2 - التابعون (ص 30 - 34). 3 - فصل حدّ الكبيرة (ص 35). 4 - فصل في الإصرار على الصغيرة (ص 35 - 36). 5 - فصل صغائر الخسة (ص 36 - 38). 6 - فصل في خوارم المروءة (ص 38 - 40). 7 - فصل في التفسيق (ص 40). 8 - فصل إذا وقع ما تقرَّر أنه كبيرة فَلْتة (ص 41 - 43).
(م 15/7)

9 - فصل في المبتدع (ص 43 - 44). 10 - فصل في المعدّل والجارح (ص 44 - 62). وبهذا القدر ينتهي الموجود من الرسالة، ولم ينته الكلام في نظري على هذه المقالة وهي "النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا".
وهذه المقالة تمثّل نحو ربع الرسالة من حيث التقسيم الذي ذكره في أولها لا من حيث حجم الرسالة (1).

النسخة الخطية:
تحتفظ مكتبة الحرم المكي الشريف بنسخة الرسالة الوحيدة برقم [4783]، كتبت في دفتر معتاد بخط مؤلفها المعروف، تقع الرسالة في 62 صفحة بترقيم المؤلف. كتب المؤلف عنوان الرسالة في صفحتها الأولى: "الاستبصار في نقد الأخبار" ثم كتب في منتصف الصفحة على الجهة اليسرى بقلم الرصاص - ثم أعاد عليه بقلم أسود -: "قوله تعالى: {وَكانُوا مُستبصِرينَ} يحتمل معنيين، الأول: أنهم كانوا عارفين، فيكون استفعل بمعنى فعل مع ما .... الثاني: أنهم كانوا معتقدين أنهم ذوو معرفة، فيكون استفعل للاعتقاد، على ما في شرح الرضيّ للشافية. ومثَّل له بقوله: "استكرمته" أي: اعتقدت فيه الكرم، واستسمنته، أي: اعتقدت فيه السّمن، واستعظمته أي: عددته ذا عَظَمَة".
والنسخة أقرب إلى كونها مبيَّضة مقارنةً بما تركه المؤلف من كتب ورسائل، على أنها لا تخلو من الضرب والتخريج والبياضات.
__________
(1) انظر في احتمال ارتباط هذه الرسالة بالتي تليها (ص 11).
(م 15/8)

والرسالة لم يصلنا منها إلا هذا القَدْر، وتنتهي عند قوله: "من الإسناد رجل أو نحو ذلك". وهذا القدر لا يمثل إلا نحو الربع كما سلف.
****

2) رسالة في أحكام الجرح والتعديل:
هذه الرسالة لم يسمها مؤلفها بهذا الاسم، ولكنا أخذناه من قوله: "وقد عنَّ لي أن أجمع رسالة في أحكام الجرح والتعديل ... ".
وكان غرض المؤلف منها أمرين، الأول: حل مشكلات الفن. الثاني: تيسير طرق الاجتهاد في هذا الفن، ليتمكَّن العالم من الحكم على الرواة بنفسه بالحجة والدليل.
لكن القَدْر الذي وصلنا من هذه الرسالة ناقص الأول والآخر، مشوّش الترتيب، وهي تقع بحسب ما وصلنا ضمن مجموعة أوراق للشيخ فيها مسائل عدة (تصحيح الكتب، وبحث إعادة الصلاة، والكلام على الفاتحة، وهذه الرسالة).
وهي تبدأ من الورقة 25 ب (1)، فقد وضع المؤلف خطًّا في الثلث الأخير من الورقة وبدأ بقوله: "هذا وضبط الخبر وإتقانه يحتاج ... " وكان قبله قد كتب سطرًا وضرب عليه. وهذه البداية تدلّ على أن هناك كلامًا سبق لكن لم نجده ضمن هذه الأوراق.
ويستمرّ الكلام متواصلًا في موضوع الضبط إلى ص 28، ثم تبدأ
__________
(1) الترقيم حديث وليس من الشيخ.
(م 15/9)

ص 29 بقوله: "وقد عنَّ لي أن أجمع ... " - كما سبق نقله - وبيَّن غرضه من تأليف الرسالة ... وعند النظر والتأمل يتبين أن هذا الكلام هو الأشبه أن يكون بدايةً للرسالة، لذا فقد قدّمناه إلى أولها، فالقطعة من [ص 25 - 28] في موضوع الضبط، ومن [ص 29 - 34] في موضوع العدالة، والعدالة كما لا يخفى مقدَّمة في الكلام على الضبط.
هذا ما يتعلق بترتيب الرسالة والتقديم والتأخير فيها.
أما موضوعات الرسالة، فقد مهّد المؤلف للكلام على العدالة والصدق ومَن هو الذي ينبغي أن يُصدّق بالكلام على آية: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ...} [التوبة: 61] ودلالتها على تصديق المؤمنين فيما أخبروا به.
ثم عَقَد فصلًا في المراد بالمؤمنين في الآية، وذَكَر الاحتمالات في ذلك، واختار أنه مَن أظهر الإِسلام وظهرت دلائلُ إيمانه.
ثم عَقَد فصلاً في دلالة الآية على قبول خبر العدل بخلاف غيره ممن تلبّس بالفسق.
وانفصل منه إلى فصل في العدالة، تكلم فيه عن معناها لغة، ثم ذكر قولَه تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ...} ودلالتها على العدالة.
ثم عقد فصلًا في المقصود من العدل وما الذي يخرم العدالة، وتخريج ما ورد من إشكالات في الباب، ثم فصلًا مختصرًا في الصغائر متى تخلّ بالعدالة.
(م 15/10)

ثم تبدأ الورقة 33 بالبسملة (1)، ثم تكلم عن الطعن في العدالة بالبدعة وذكر الأقوال في ذلك، ثم أورد سؤالًا لبعضهم وهو: كيف يكون الرجل عدلًا في شيء وغير عدل في شيء آخر؟ وأجاب عنه. وبه ينتهي الكلام على العدالة.
ثم تبدأ القطعة التي أخرناها [25 ب - 28] وسلف الحديث عنها (2) بالكلام على ضبط الخبر، وأنه يحتاج إلى التيقظ في ثلاثة مواضع: عند تلقي الخبر، وبين التحمل والأداء، وعند الأداء. وتكلّم عليها.
ثم ذكر أمثلةً على التساهل والغفلة في الرواية من بعض الصالحين، وأن المدار في قبول الرواية على الأمن من وقوع الغلط في الرواية, وأنه لا بد من التمييز بين الرواة، وأن الأخبار المحتج بها ثلاثة أقسام، ومعرفة الرواة يُحتاج إليها في كل الأقسام، وشَرْح ذلك.
ثم تكلم على قلّة من يُتقن هذا الفن، وأنه في القرون المتأخرة صار نسيًا منسيًّا، وأن الناظرين في العلم من المعاصرين فريقان، وذَكَرهما. وانقطع الكلام عند قوله: "وإيضاح ذلك بوجوه".
وبدأ ورقة جديدة بقوله: "فصل المجهول" ولم يكتب تحته شيئًا، فهل استكمل المؤلف مباحث هذه الرسالة أو لا؟ الله أعلم.
وهذه الرسالة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالرسالة التي قبلها "الاستبصار"؛ فإنّ
__________
(1) وهذه طريقة للمؤلف عرفناها في عدد من كتبه أنه إن طال الفاصل الزمني بين كتابة فصلين أو بحثين في رسالة واحدة أن يبدأ الكتابة بالبسملة أو الحمدلة.
(2) (ص 9).
(م 15/11)

موضوعهما واحد، وهو الجرح والتعديل، وموضوع العدالة ...
وأخشى أن تكون هذه الرسالة مسوّدة لرسالة "الاستبصار"، مع أن فيها فوائد ومعلومات ومكمّلات ليست في "الاستبصار"، كالحديث عن الضبط وتفاصيل الكلام على العدالة.

النسخة الخطية:
للرسالة نسخة واحدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4693] ضمن مجموع في عشر ورقات [25 ب - 34]، تقع في دفتر غير مسطّر من القطع الكبير، بخط مؤلفها المعروف. وهي نسخة مسوّدة كتب بعضها بالمداد الأسود وبعضها بقلم الرصاص، كثيرة الضرب والتخريج كشأن مسوّدات المؤلف. وقد مضى الكلام على إعادة ترتيب النسخة، بحيث جعلناها تبدأ من [29 - 34] ثم من [25 - 28].

3) إشكالات في الجرح والتعديل:
صدَّر المؤلف هذه الخاطرة بقوله: "مهمة"، ثم قرَّر أن أئمة الجرح والتعديل كثيرًا ما يوثقون رواة لم يدركوهم، وضَرَب عدة أمثلة، وأنه لا يُنكر على المتبحر في هذا العصر إذا تتبّع حديثَ الراوي أن يخلُص إلى حكم فيه، لكن بقيت إشكالات تتعلق بذلك، فذكر أربعة إشكالات ولم يجب عنها.
والظاهر أن الشيخ قيَّد هذه الأسئلة على أمل أن يجيب عنها لاحقًا بجواب مفصّل، أو يعثر على مَن أجاب عنها من الأئمة، أو على سبيل التنزّل للاحتجاج لمن لديهم اعتراضات على هذا الفن، وهذه طريقة للمؤلف معروفة أنه قد يحتج لبعض الأقوال والمذاهب بما لم يخطر لهم على بال،
(م 15/12)

ثم يكر عليها بالجواب والتفنيد. وعلى كل حال فهي تفتح أُفقًا في البحث والنظر في هذا العلم. وإن كان المؤلف لم يجب عن هذه الأسولة في هذه الورقات فقد أجاب عنها في أواخر ما وُجِد من رسالة "الاستبصار في نقد الأخبار - ضمن هذا المجموع" (ص 59 - 62) فإنه قال هناك: "قد يتوهَّم من لا خبرةَ له أنّ كلام المحدِّث فيمن لم يدركه إنّما يعتمد النقلَ عمّن أدركه، فالمتأخّر ناقلٌ فقط، أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل.
وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل، فإنّ المتأخِّر يذكره، فإن لم يذكره مرّة ذكره أخرى، أو ذكره غيره. والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقلٌ يوافق ذلك الحكم أم لا، وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم. واعتمادهم في اجتهادهم على طرق".
ثم ذكر ثلاث طرق تكفي في الجواب عن عُظْم هذه الإشكالات هنا.
ويمكن أن يُجاب عن تلك الأسولة بجواب جُمْليّ فيقال:
لا يخلو الناظر في كلام أولئك الأئمة من حالين: إما أن يكون خبيرًا في فن الجرح والتعديل عارفًا به، أو يكون مقلَّدًا لا خبرة له فيه.
فالثاني يسوغ له تقليد إمامٍ في الفنّ كما يسوغ له التقليد في الحكم الشرعي.
والأول عنده أهليّة النظر والحكم، فينظر في حال الراوي كما نظر فيه النقَّاد قبله، فقد يوافقهم على الحكم أو يخالفهم، كما هو واضح من عمل الأئمة واختلافهم في الراوي الواحد بين مُضعِّف وموثِّق وغير ذلك.
(م 15/13)

أما كون الإِمام الناقد قد يخطئ في حكمه فأمْرٌ وارد؛ لأن حكمه مبنيّ على النظر والتأمل في القرائن، والحكم يكون نتيجة لغلبة الظن، كما هو الشأن في تصحيح الحديث وتضعيفه.
ثم لا يتصوّر أن يوجد راوٍ أو حديث يوثَّقه أو يصححه إمام - ويكون مخطئًا في نفس الأمر - وتمضي الأمةُ على الخطأ ولا يوجد مَن يصحح هذا الخطأ أو يخالف هذا الناقد، فإن هذا يخالف حفظ الله للسنة الثابت بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}. والله أعلم.

النسخة الخطية:
لهذه الرسالة نسخة واحدة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4658/ 4] ضمن مجموع غير مرقم، يحوي عدة رسائل، وتقع في 3 صفحات في دفتر عادي متوسط الحجم.
****

4) الحاجة إلى معرفة علم الجرح والتعديل:
لم يعنون المؤلف هذه الرسالة الموجزة، فاجتهدتُ في وضع عنوان مناسب لموضوعها؛ إذ أراد المؤلف منها بيانَ أهمية علم الجرح والتعديل، وأنه لا بد من معرفته لمن أراد الاجتهاد.
وطريقته التي سلكها في التمهيد لهذه النتيجة: أنه قرَّر أن الله خلق الناس لعبادته وطاعته، وطاعته لا تكون إلا باتباع خاتمة الشرائع شريعة نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - التي تكفل الله بحفظها، فقيَّض للدين حَفَظة وللسنة نَقَلَة. وذكر حُسْبان
(م 15/14)

بعض الناس: أن الجهاد في تمييز الحق من الباطل قد انتهى دوره، وأن هؤلاء على أقسام ... فأخذ في حوار الفرقة الثانية منهم، القائلة بأنه لا طريق إلى معرفة صحاح الأحاديث من ضعافها إلا بأقوال أئمة الحديث الذين ميزوا الصحيح من غيره ... فوصل معهم إلى أن معرفة صحاح الحديث وضعافه ليس بمتعسّر ويمكن لمن سلك سبيل القوم أن يصل إليه.
ثم أخذ في حوار الفرقة الثالثة، وهم مَن يرون أنه لا طريق إلى معرفة أحوال الرواة إلا بما قاله فيهم أئمةُ الحديث كما هو مدوّن في كتب الرجال ... فوصل معهم إلى أنه ينبغي البحث عن أحوال الرواة والتعرُّف على مذاهب أئمة الجرح والتعديل.
وختم الرسالة بتقرير أن أهل العلم يحتاجون إلى أمرين:
الأول: تحقيق الحق فيما اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل, ومعرفة عادة كل إمام في إطلاقاته.
الثاني: معرفة الطريق التي سلكها الأئمة لنقد الرواة، ثم السعي في اتباعهم فيها.

النسخة الخطية:
للرسالة نسخة واحدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف ضمن مجموع برقم [4693] وتقع في صفحتين (40 أ - ب) من القطع الكبير، كتبت بقلم الرصاص وهي مسوّدة فيها الكثير من الضرب والتخريج واللحق.
****
(م 15/15)

5) الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء.
هذا العنوان كتبه المؤلف في رأس الصفحة الأولى من نسخة الرسالة التي بخطه. وواضح من العنوان موضوع هذه الرسالة، وهي تندرج تحت بحث "رواية الرجل بصيغةٍ محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت له لقاؤه" وقد كفانا المؤلف رحمه الله شرح هذه المسألة، وما المقصود بهذه الأحاديث التي استشهد بها مسلم، وذلك في كتابه "التنكيل" (1)، فقد ذكر فيه أنه كان يريد الكلام على تلك الأحاديث هناك إلا أن المكان لم يتسع لذلك، فكانت هذه الرسالة المكان المناسب للتوسع في الكلام عليها، وننقل هنا نصَّه بطوله، ففيه ما يكفي لبيان موضوع الرسالة، وما المقصود بهذه الأحاديث.
قال المعلمي: "ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" (2) عن بعض أهل عصره: أنه شَرَط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يُحكم لما يرويه عنه بالاتصال. وذكروا أن الذي شَرَط ذلك هو البخاري وشيخه عليُّ بن المديني (3)، وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سَلَفًا وخَلَفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفَه أن لا يَحكم بالاتصال فيما لم يصرِّح فيه الراوي بالسماع، وإن ثبت اللقاء في الجملة، ولم يكن الراوي مدلسًا.
__________
(1) (1/ 134 - 137).
(2) (1/ 28 - 35).
(3) انظر "الإكمال": (1/ 164) للقاضي عياض. وعنه نقله غالب من بَعْده.
(م 15/16)

وتوضيح هذا الإلزام: أنه كما أن الراوي الذي يُعرَف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرفْ ويشتهرْ بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فإن كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول، فلْيوجبه في الثاني. وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول.
أجاب النووي (1) بما إيضاحه أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه، الظاهر منها السماع، والاستقراء يدلّ أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلِّس.
أقول: فمُسْلِم يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره. والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومَن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا، وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص 357).
وذَكَر مسلم (2) أمثلةً فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تُعَدَّ تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين. ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة
__________
(1) في "شرح مسلم": (1/ 128).
(2) في مقدمة "صحيحه": (1/ 33 - 35).
(م 15/17)

كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع. وقد كنتُ بسطتُ ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه.
ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة (1) , لأنا نقول: هذا مسلَّم، ولكن محلّه حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام. والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" (2) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور. وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرة زعم أنه لم يُصرَّح فيها بالسماع ولا عَلِمَ اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا.
هذا, ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلَّا بأن نفيَ مسلمٍ العلمَ باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره. وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله: إنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر (3) بأنه لا يكفي في الردّ على مسلم، مع العلم بسعة اطلاعه.
__________
(1) انظر "الرسالة" (ص 379) للشافعي.
(2) (1/ 14).
(3) لعله يقصد الشيخ شبّير العثماني في كتابه "فتح الملهم بشرح صحيح مسلم": (1/ 109 و402). فإنه أشار إلى مثل ذلك.
(م 15/18)

أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري". وكنتُ أظنهم قد بحثوا، فلم يظفروا بما هو صريح في ردّ دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي. ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع في حديث منها. وسبحان من لا يضل ولا ينسى! وأما بقية الأحاديث، فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك".

النسخ الخطية:
للرسالة نسختان خطيتان:
الأولى: بخط مؤلفها، وهي محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4677]، وتقع في أربع صفحات من القطع الكبير، في كل صفحة نحو 38 سطرًا، وقد كتبت بخط دقيق جدًّا، وقد وقع تآكل في أطراف الورقة السُّفلية أتى على بعض الكلام، وقد اسْتُدرك من النسخة الثانية الآتي وصفها، وهي كعادة ما كتب المؤلف فيها الضرب واللحق إلا أنها مع ذلك قد وصلتنا كاملة، وإن لم يبتدئ المؤلف فيها بمقدمة ولا خاتمة.
الثانية: بخط الشيخ حماد الأنصاري (ت 1417 ه) رحمه الله، كتبها من النسخة السالفة بتاريخ (20/ 4/ 1382) أي في حياة مصنفها، وهي محفوظة أيضًا في مكتبة الحرم المكي الشريف.
****
(م 15/19)

6) رسالة في الصِّيَغ المحتملة للتدليس أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بسؤال طويل استغرق أربع صفحات، وظاهر السؤال أنه من إنشاء غيره، ففي أوله: "ما قولكم - رحمكم الله - في قول المحدّث ... ". وواضح من السؤال والمناقشة الواردة فيه وصياغته أنه للمؤلف، افترض أن هناك سائلًا يستشكل ويحاور ليظهر البحث على شكل حوار بين شخصين أو فريقين، وقد صنع المؤلف ذلك في غير موضع من كُتُبه ورسائله.
والسؤال على طوله لم يكن مجرّد سؤال، بل فيه حوار وأجوبة وإشكالات؛ غرضها تحديد مناط الخلاف، وتخليص الإشكال المراد الجواب عنه.
والمسألة التي ناقشها المؤلف هنا هي قول المحدّث "عن فلان" أو "قال فلان" أو "ذكر فلان" ونحوها من الصَّيَغ المحتملة للتدليس هل هي ظاهرةٌ في السماع أم لا؟
ثم شرع المؤلف في جواب السؤال بقوله: "الجواب ... " واختار أن هذه الصيغة ليست ظاهرة في السماع وبيَّن وجه ترجيحه، وأجاب عما يمكن أن يُعترض به عليه.
ثم ذكر مسألة مغفولًا عنها في الكتب وهي العنعنة المتكررة في الأسانيد في نحو قوله في الحديث: "حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة" ... فذكر ما في كتب المصطلح
(م 15/20)

وأنه وهمٌ، وذكر الاحتمالات الممكنة فيمن يقول: "عن".
وهذه الرسالة ناقصة لم يصلنا منها إلا هذا القدر، فهل أكملها المؤلف ولم نظفر بباقيها، أو وقف المؤلف عن إكمالها؟
وقد بحث المؤلف مسألة التدليس في العديد من كتبه، وتطرّق إلى هذه المسألة في كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل": (1/ 141 - 143)، وتكلم فيه بنحو كلامه هنا.
وقد ألحقنا بالرسالة فائدة قيّدها المؤلف في أحد كنانيشه تتعلق بهذا البحث، غالبها ملخّص من "فتح المغيث" للسخاوي رحمه الله.

النسخة الخطية:
نسختها الوحيدة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4784]، وتقع في 6 صفحات، في أوائل دفتر من القطع المتوسط، يليها رسالة في "حقيقة التأويل" وهي ضمن رسائل العقيدة في هذه الموسوعة.
وهي بخط مؤلّفها المعروف، شِبْه مبيضة، قليلة الضرب والإلحاق، ولم يعنونها المؤلف، أما العنوان المكتوب على ظهر الدفتر وهو "رسالة في التدليس" فمن صُنع المفهرس.
****

7) فوائد في كتاب "العلل" لابن أبي حاتم الرازي:
في هذه الورقات استخرج المؤلف عدة فوائد من كتاب "العلل" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327)، وقد بلغت أكثر من خمسين
(م 15/21)

فائدة. كتبها المؤلف بحسب ورودها في الكتاب، ولم يرتبها ترتيبًا معينًا، بل حرص على ذكرها مرتبة بحسب ورودها في الكتاب، وكان يشير إلى رقم الحديث للدلالة على موضع الفائدة.
وهذه الفوائد المقيّدة في الأوراق تقف عند حديث رقم [488]، وعدد أحاديث العلل [2840]، فتكون الفوائد مستخرجة من نحو سدس أحاديث الكتاب، ولا ندري هل استكمل المؤلف بقية فوائد الكتاب في أوراق مستقلّة أو وقف عند هذا الحد؟
لكنّا وجدنا المؤلف قد قيَّد على نسخته من كتاب "العلل" المحفوظة في مكتبة الحرم المكي بعض الفوائد على غلاف المجلد الثاني وبدأ بالحديث رقم [1410]؛ فجعلناها ذيلًا لهذه الفوائد بحسب ترتيبها.
وكانت طريقة المؤلف الإشارة إلى الفائدة بأوجز عبارة وألْخَص إشارة، وهذه التقييدات أشبه بالتنبيهات والإشارات التي يفهمها العارف بالفن والمدقِّق فيه، فقد يكتفي المؤلف بذكر رأس الحديث، أو كلمتين، أو كلمة واحدة.

النسخة الخطية:
لهذه الفوائد نسخة بخط مؤلفها في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4662]، تقع في 3 صفحات من القطع العادي، بخط دقيق، ويظهر منها حرصه على ترتيب الفوائد على حسب أرقام الأحاديث فكان يدخل الفائدة في مكانها من الترتيب بين الأسطر.
****
(م 15/22)

8) أحكام الحديث الضعيف:
لم يسمّ المؤلف رسالته هذه، لكنه قال في صدرها: "فهذه رسالة في أحكام الحديث الضعيف ... " فاقتبسنا هذا العنوان منه.
وقد بيَّن المؤلف سبب تأليفها بقوله: "جمعتُها لما رأيتُ ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه؛ فنَسَب بعضُهم إلى كبار الأئمة الاحتجاجَ به، ونَسَب غيرُه إلى الإجماع استحبابَ العمل به في فضائل الأعمال ونحوها، وتوسّع كثيرٌ من الناس في العمل به، حتى بنوا عليه كثيرًا من المحدَثات، وأكَّدوا العمل بها، وحافظوا عليها أبلغ جدًّا من محافظتهم على السنن الثابتات، بل والفرائض القطعيات. بل كثيرًا ما بنوا عليه عقائد مخالفة للبراهين القطعية من الكتاب والسنة والمعقول. ولم يقتصروا على الضعاف بل تناولوا الموضوعات"، ثم قال بعد أن ذكر بعض جَدَل المثبتين للعمل به: "وتلك المطاولة هي التي ألجأتني إلى تأليف رسالة مستقلة".
وأشار أيضًا إلى أمرٍ آخر كان سببًا في إفرادها بالتأليف قال: "وذلك أنني ألَّفت كتابًا نبَّهتُ في مقدمته على الأمور التي يسلُكُها كثير من المتأخرين في الاحتجاج وهي غير صالحةٍ لذلك، وذكرتُ من جملتها العمل بالضعيف، وحاولت أن أحقِّق الكلامَ فيه، فطال الكلام جدًّا قبل أن أستوفي البحث كما أحبّ، فآثرت إفراده برسالة مستقلة".
وهذا الكتاب الذي عناه المؤلف هو كتاب "العبادة" انظر (1/ 243)، فقد أشار هناك إلى أنه أفرد الحديث الضعيف برسالة مستقلة، وقد أشار أيضًا إلى أنه أفرد الحديث الضعيف برسالة في رسالة "حقيقة البدعة" (ص 87) ضمن رسائل العقيدة في هذه الموسوعة المباركة.
(م 15/23)

بدأ المؤلف رسالته بذكر موضوع الرسالة والسبب الذي دعاه لتأليفها - كما سلف - ثم ذكر الأقوال في حكم العمل بالحديث الضعيف، ومحصّل ما ذكره ثلاثة مذاهب: المنع مطلقًا، الجواز، الاستحباب، وذَكَر من قال بذلك وحجج بعضهم، وأن هذا الاختلاف والمطاولة دعته إلى تأليف الرسالة.
ثم عقد فصلاً ذكر فيه مهماتٍ خمسًا تتعلق بالحديث الضعيف، أما تعريفه فمذكور في كتب المصطلح (ص 156 - 158). وتقرير هذه المهمّات في بداية الرسالة كان لغرض الإحالة إليها فيما يأتي من فصول الرسالة، كما في الفصل الذي يليه.
ثم عَقَد فصلاً ذكر فيه القوادح التي قيلت في حكاية الإجماع على أن الأحكام لا تثبت بالحديث الضعيف، فذكر خمسة قوادح، وأجاب عنها جميعًا، فسَلِمَت حكايةُ الإجماع من أيّ قادح مؤثّر.
ثم عَقَد فصلًا ذكر فيه التسلسلَ التاريخيَّ للكلام في مسألة العمل بالحديث الضعيف، فذكر أن أول مَن تكلم في هذه المسألة القاضي أبو بكر ابن العربي (ت 543)، ثم ذكر مَن بعده، وما وقع لهم من الاختلاف ... وأنه ليس من غرضه في الرسالة استيعاب أقوالهم، بل علينا أن نعترض الحجج والدلائل ونغترف الحق من معدنه.
وفَصَل منه إلى فَصْل ذكر فيه الآثار المروية عن أئمة السلف التي استند إليها مَن حكى الإجماعَ على جواز العمل بالضعيف ... وأنه عند إنعام النظر فيها لا تدل على الجواز بل هي صريحة في خلافه.
(م 15/24)

فذكر عبارة عبد الرحمن بن مهدي المشهورة وعبارة للإمام أحمد، وأن العبارات الأخرى لا تخرج عن هذا المعنى، وأن ابن الصلاح قد لخَّص في "مقدمته" ما جاء عن السلف باحتياطٍ تام، وساق عبارته ... بخلاف النووي الذي لخَّص كتاب ابن الصلاح فإنه زاد زيادةً نابية غيَّرت كلام ابن الصلاح وخرجت عن مراد عبارات أئمة السلف.
ثم عَقَد فصلاً في أن عبارات السلف تلك إنما فيها تساهلهم في رواية الضعيف لا العمل به ولا استحبابه، وذكر كيف فهم النووي منها جواز العمل بالضعيف بل استحبابه.
وخَلَص منه إلى فصلين في ردّ ذلك الفهم الذي أوقع النوويّ وغيره في ذلك القول، وما المراد بتساهل الأئمة في الرواية, وما هو الضعيف الذي تساهلوا فيه. وعقد مناظرة بين مَن يرى أن المباح يجوز أن يُعمل على زَعْم أنه عبادة ...
ثم عَقَد فصلًا في زيادة إيضاح هذا المعنى الذي تقرر في الفصول السابقة، وجعله على شكل مناظرة أيضًا.
ثم ذكر ما وقع في "مستدرك الحاكم" في عبارة ابن مهدي السابقة من زيادة لفظ "المباحات والدعوات" بما يخالف المصادر الأخرى الخالية من هذه الزيادة، فشكَّك في صحة هذه الزيادة، وأنها ربما تكون إقحامًا من الناسخ، وذَكَر مستند هذا الاحتمال. ثم تكلم عليها على اعتبار ثبوتها، فخرَّجها بتخريج يدل على عبقرية المؤلف وتمكُّنه رحمه الله، ولا أظن أحدًا سبقه إليه ولا حام طائره عليه.
(م 15/25)

ثم عَقَد فصلًا في بيان أن هذا التساهل المرويّ عن بعض السلف لم يكن إجماعًا، بل وُجد من يتشدّد مطلقًا فلا يروي إلا عن ثقة.
وعقد فصلًا بعده ذكر فيه فرضيَّة ثبوت ذلك الإجماع المحكيّ في التساهل، وأنه إن ثبت فهو إجماع سكوتيّ ضعيف.
ثم توّج هذه الفصول بفصلٍ ذكر فيه أمورًا أخرى استدلَّ بها المجوَّزون على جواز العمل بالحديث الضعيف؛ فذكر خمسة أدلة، وأجاب عنها جميعًا.
وبهذا الفصل تنتهي هذه القطعة من الرسالة، ولا أدري أهي آخر ما كتب الشيخ من هذه النسخة المبيَّضة، أم كتب شيئًا مكمّلًا لها؟
ولتمام الفائدة فقد أتْبَعنا هذه القطعة المبيَّضة من الرسالة فصلين من النسخة المسوَّدة، الأول: فصل ذَكَر فيه المؤلف نصوص الإِمام الشافعي في هذا البحث، مع تخريج نصوصه الموهمة للعمل بأحاديث وُصِفت بالضعف. وتأتي أهمية ذِكْر نصوص الشافعي هنا وتخريجها: أن المصنف استظهر أن كلام الشافعي من ضمن الحجج التي استند إليها النواوي في حكايته الاتفاق على جواز بل استحباب العمل بالحديث الضعيف.
أما الفصل الثاني الذي ألحقناه فهو يتعلّق ببعض الأفعال التي استحسن بعضُ الأكابر العملَ بها وظهر أن مستندهم حديث ضعيف.
ثم تطرّق إلى موضوع البدعة وأدلة ذمّها بإطلاق، وأنه إذا ثبت ذلك فإن البدعة من الكبائر، ولا يخرج العمل المُحْدَث عن كونه بدعة إلا بحجّة يحصل بها اليقين، والضعيفُ بعيد عن ذلك.
(م 15/26)

ثم نقل نقلاً طويلًا من "إعلام الموقعين" لابن القيم في مسألة "هل لترك النبي - صلى الله عليه وسلم - دلالة" مع التعليق عليه وتأييده.
ثم ذكر بعض حجج القائلين بالعمل بالحديث الضعيف، فذكر حجتين، الأولى: الإجماع على أن المباح يصير قُرْبة بالنية. والثانية: أنه يُعمل بالضعيف احتياطًا. وأجاب عنهما، وقد تقدمت هاتان الحُجّتان في القطعة الأولى مع ثلاثٍ أُخريات، لكنه هنا تبسّط وأطال في الجواب عنهما.

وصف النسخ الخطية:
وصلنا من هذه الرسالة أربع قطع كلها محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف، وهذا وصفها:
القطعة الأولى: وهي برقم [4658/ 10] وتقع في 40 صفحة في دفتر من القطع العادي غير مرقمة الصفحات، ويبدو أنها آخر ما حرّره المؤلف في هذه الرسالة، لاكتمال مادتها مقارنة ببقية القطع، وتحرير مباحثها، وقلة الضرب والتغيير فيها، وتسلسل موضوعاتها.
القطعة الثانية: وهي برقم [4658/ 10] أيضًا وتقع في الدفتر السالف نفسه لكن من طرفه الآخر، وتقع في 26 صفحة، وتبدأ بقوله: "وكثيرًا ما يحتجون بالحديث مع اعترافهم ... " وأكثر مباحث هذه القطعة موجودة في القطعة السالفة أو في القطع الأخرى التي سيأتي وصفها، مع اختلاف في بعض العبارات أو الإضافات القليلة.
القطعة الثالثة: وهي برقم [4658/ 8] وتقع في 35 صفحة في دفتر من القطع العادي مرقَّمة ترقيمًا حديثًا، ويبدو أنها الإخراج الأول للكتاب؛ فقد
(م 15/27)

أعاد المؤلف كتابة صدر الرسالة مرتين، وهي كثيرة الضرب والتغيير واللحق، وغالب موضوعاتها موجودة في القطعة الأولى غير بحث في نصوص الإِمام الشافعي في هذا البحث، فإنه لا وجود له في باقي القطع، فأخذناه وألحقناه في ذيل القطعة الأولى كما سلف الإشارة إليه.
القطعة الرابعة: وهي برقم [4658/ 10] وتقع في 28 صفحة مضروب على 10 صفحات منها، وهي بخط أحد تلاميذ المؤلف أو ورّاقيه ممن استعان بهم في تبييض بعض كتبه (1)، وعليها خط الشيخ في مواضع متفرقة بالزيادة والضرب والتخريج، وفيها خرم عدة أوراق في موضعين أو أكثر، عُرِف ذلك باستخدام الناسخ لنظام التعقيبة، ومن خلال اختلال سياق الكلام، وتبدأ هذه القطعة بقوله: "في صلاة النافلة وكذلك إذا ثبت ... ".
وهذه الورقة مضروب عليها، وأغلب هذه القطعة في مبحث حُجج مَن قال بجواز أو استحباب العمل بالحديث الضعيف والجواب عما استدلوا به، وقد ألحقنا هذه القطعة في ذيل الرسالة.
****

9) محاضرة في علم الرجال وأهميته.
كانت دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد دكن تعقد لقاءً ثقافيًا سنويًّا، وتدعو فيه جمعًا من العلماء لإلقاء كلمات أو محاضرات، فشارك المؤلف في موسم سنة 1354 بمحاضرته هذه التي عنونها ب "علم الرجال وأهميته".
__________
(1) وهذا التلميذ هو مَن نسخ رسالة "العبادة" في إحدى نسخها المبيّضة.
(م 15/28)

فبدأ كلامه في تفاوت العلوم في مقدار شرفها، وأن لدين الإِسلام ينبوعين عظيمين: القرآن والسنة، ثم عرَّف السنة وكيف انتقلت إلينا عبر الرواية, وأن الرواة متفاوتون في القوة والضعف، ومن هنا نشأ علم الرجال ومعرفة الرواة، وذكر تأصيل الكلام في الجرح والتعديل ومَن أوّل من تكلم في الرجال؟ وكيف تطوَّر إلى أن صار عِلْمًا برأسه. ثم تطرّق إلى طرق اختيار الأئمة للرواة فذكر جملةً منها.
ثم عقد عنوانًا وسمه ب "حفظ علماء السلف لتراجم الرجال" ذكر فيه حفظ الأئمة لرواة الحديث ومعرفتهم بأحوالهم.
ثم عنون ب "طائفة من مشاهير المكثرين من الجرح والتعديل" فعدّ منهم اثنين وخمسين عالمًا؛ بدأهم بشعبة بن الحجاج (ت 161) وانتهى بالسخاوي (ت 902).
ثم عنون ب "تدوين العلم وحظّ علم الرجال منه" فذكر طائفةً من أخبار مَن دوَّن العلم من السلف من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم.
ثم عنون ب "طريقة العلماء في صنع كتب الرجال" فذكر أن ترتيبهم كان على حروف المعجم، وأن أجود ذلك طريقة "التهذيب"، وذَكَر فوائد الترتيب على هذا النحو ونماذج منها، وما وقع في بعض الكتب من خلط الطابعين وتصحيفاتهم.
ثم عنون ب "وضع التراجم" وذكر فيه طريقة العلماء في الترجمة للرواة، وبماذا يبدؤون، وأهمّ ما يذكرون، وبماذا ينتهون؟ وفوائد ذلك كله.
(م 15/29)

ثم ذكر أنواع كتب التراجم، فمنها ما هو خاص بالأنساب، أو المشتبه، أو بالكنى, وذكر بعض كتب هذه الأنواع وفوائدها، وما وقع من أوهام لمن لم يتنبّه لفوائد استعمالها.
ثم عقد عنوانًا سماه "إحياء كتب الرجال ولمن الفضل في ذلك؟ " ذكر في هذا المبحث أنواع الكتب المؤلفة في علم الرجال وما الذي طُبع في كل نوع، مع ذِكْر جهة الطبع وفي أيّ بلد، خلص بعده إلى نتيجة هي: أن للهند ولا سيما حيدراباد دكين الفضل الأكبر في نشر كتب الرجال والحديث ومتعلقاتهما.
وفي ختامها أنشأ قصيدة في مدح الدائرة والقائمين عليها.

نسخة الرسالة:
اعتمدنا في إخراج هذه الرسالة على مطبوعة قديمة للرسالة ضمن مجموع ضمّ عدّة محاضرات ألقيت في دائرة المعارف العثمانية سنة 1937 م، وتقع هذه الرسالة في المجموع (ص 73 - 97)، وهي نسخة صحيحة نادرة الغلط، استفدت منها في تقويم الطبعات التالية للرسالة، وقد طبعت المحاضرة عدة طبعات تالية، وتبيّن لنا عند الوقوف على الطبعة القديمة ومقارنتها أنهم حذفوا جميعَ حواشي المؤلف التي فيها العزو والدلالة على مصادر النقول! ولا أدري ما الذي حملهم على ذلك؟! وقد أثبتناها معزوّة إلى [المؤلف] بين معكوفين.
****
(م 15/30)

10) ملخَّص طبقات المدلسين لابن حجر
هذا جزء لطيف في الرواة الذين وُصفوا بالتدليس، اختصره المؤلف رحمه الله تعالى من كتاب "طبقات المدلسين" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852) رحمه الله، المسمى "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس".
وكتاب الحافظ مِن أجْمع ما كُتِب فيمن وُصف من الرواة بالتدليس، رتّبهم على خمس طبقات ذكرها في مقدمة كتابه، وقد بلغ عدد تراجم الكتاب كله مئة وإحدى وخمسين ترجمة.
ولم يبين المؤلف رحمه الله سببَ اختصاره للكتاب، وإخراجه في هذا الحجم اللطيف، إلا أن يقال: إنه اختصره ليخفّ ويسهل استحضاره لأسماء الرواة ومن وُصِفوا بالتدليس.
ويمكننا أن نذكر أهم معالم اختصاره للكتاب، ثم طريقة العمل فيه في النقاط الآتية:
1 - لم يحذف المؤلف أي ترجمة من الكتاب، بل ذكر جميع التراجم المئة وإحدى وخمسين.
2 - تصرف المؤلف في سياق الأسماء للرواة، فقد يختصرها حتى لا يُبقي إلا اسم العَلَم فقط، مثل "عطية" و"بقية" و"مكحول"، أو يقتصر على اللقب فقط.
3 - حرص المؤلف على ذِكْر مَن وصَفَ الراوي بالتدليس.
(م 15/31)

4 - حافظ المؤلف على ذكر الرموز التي تبيّن مَنْ أخرج له من أصحاب الكتب، وربما ذهل فأغفل ذكر الرموز في عدد من التراجم، انظر رقم (67، 103، 112 - 116, 133).
5 - قد يعلق على بعض التراجم بفائدة، أو استدراك على ابن حجر، كما في التراجم رقم (41، 47، 60، 68).
6 - يبدو أن الطبعة التي اختصر منها المؤلف ليست بالجيدة، فوقع فيها بعض الأخطاء في الأسماء كما في ذوات الأرقام (44، 103، 107، 133)، وفي الرموز كما في الأرقام (47، 59، 56، 124، 138، 145) وإن كانت ليست بالكثيرة، وقد أصلحنا ما وقع فيها من وهم وتحريف مع الإشارة إليه؛ إما بالرجوع إلى الأصل "الطبقات" أو بالرجوع إلى المصادر الأخرى؛ إلاَّ أنّ الأصل أيضًا في طبعته التي اعتمدنا العزو إليها على جودتها (1) هي الأخرى لم تخلُ من بعض ذلك أو من خلافٍ مع المصادر الأخرى.
7 - لم نعزُ كلّ ترجمة إلى مكانها في "الطبقات"؛ لأن الكتابين مرقّمان ترقيمًا متطابقًا في التراجم، فأغنى عن الإحالة في كل ترجمة.
8 - ذكرتُ الخلافَ المهم بين ما اختصره الشيخ وبين أصله "الطبقات".
9 - أحلت على الكتب التي ذكرها المؤلف.
10 - صنعت فهرسًا في آخر الكتاب مرتبًا على حروف المعجم، مع الرمز للترجمة من أي مراتب المدلسين هي.
__________
(1) بتحقيق د. أحمد بن علي سير المباركي ط الأولى 1413.
(م 15/32)

النسخة الخطية:
النسخة بخط مؤلفها العلامة المعلمي، محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف، ضمن مجموع رقم [4717]، في الصفحات (ص 107 - 132) بترقيم المؤلف. وخطها واضح، تكاد تخلو من الضرب والتخريج على غير عادة الشيخ في كتبه، وقد يعلق في هامشها بعض الفوائد أو التصحيحات.
****

11) تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري
هذه الرسالة تتبّع المؤلف فيها مطاعن الشيخ محمَّد زاهد الكوثري (ت 1371) التي ذكرها في كتابه "تأنيب الخطيب" وفي تعليقاته على كتاب "الانتقاء" لابن عبد البر، وكان المؤلف قد تعرَّض لذلك في كتابه العظيم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" في ترجمة الإِمام الشافعي (رقم 189)؛ لكن رأى أن يُفْرد الكلام على ذلك في رسالة مستقلة مع زيادات وإضافات كما سيأتي. وسأتكلم في التعريف بهذه الرسالة في عدة مباحث:

أولًا: عنوان الرسالة
عنوان الرسالة أثبته المؤلف على الورقة الظهرية بخطه المعروف، وهو (تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري) ثم كتب تحته: "تأليف العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي حفظه الله". وكان كتب أولًا: "تأليف الشيخ ... " ثم ضرب على "الشيخ" وأخّر مكانها إلى بعد
(م 15/33)

"المحقق". وكل هذا بخط الشيخ فيما يظهر. والسؤال المتبادر كيف يكتب الشيخ عن نفسه "العلامة المحقق ... "؟ وقد عُلم ما كان عليه الشيخ من التواضع وهضم النفس، بل كان كثيرًا ما يشير إلى نفسه ب "الحقير" زيادةً في التواضع؟ فجوابي الآن أمران:
الأول: إما أن يكون كاتب هذا غيره كبعض طلابه أو أقرانه، حاول محاكاة خطه فقارب جدًّا، وقد وقفت على بعض مصنفات الشيخ بغير خطه بل بخط يشبهه ويحاكيه، وقد يؤيد هذا الاحتمال قوله في آخر الاسم: "حفظه الله" فليس من عادة من يكتب اسمه أن يقول هذا، وإنما جرت العادة أن يقال: "لطف الله به" أو "كان الله له" أو "ستر الله عيبه ... " ونحوها من العبارات.
وحينئذٍ ننفصل من هذا الإشكال.
الثاني: أنه بخط الشيخ، فحينئذٍ نقول: لعل الشيخ لما انتهى من الكتاب، وجهَّزه للطباعة وحَرَص على نشره (كما سيأتي) كأنما قيل له: إن الطابع يريد أن يكتب على الغلاف ثناء على المؤلف من نحو هذه العبارات، وربما اقترحها عليه وطلب منه أن يكتبها، فاستجاب له الشيخ نزولًا عند رغبته ... خاصة وأن الناشر يريد أن يَنْفُق كتابه ...
وأيضًا هو ردّ على الكوثري، وهو معروف في الأوساط العلمية في مصر وغيرها بكونه وكيل المشيخة العثمانية سابقًا، وقد أضفى عليه طلابُه وغيرُهم من الألقاب والأوصاف (1) ما يخيف أيّ ناشر من التجاسُر على أن
__________
(1) وقد أشار المؤلف في مواضع عديدة في "التنكيل" إلى هذه الألقاب وأنها تُخْلَع عليه لإرهاب من يريد تعقبه والردّ عليه.
(م 15/34)

يطبع كتابًا في الردّ عليه إلا أن يتقيه بنفس السلاح ... فكان ما ذكرته سابقًا. والله أعلم.

ثانيًا: سبب التأليف
ذكر المؤلف في مقدمة رسالته هذه (ص 3) أن الأستاذ محمَّد زاهد الكوثري ألَّف كتابًا سماه "تأنيب الخطيب" وفيه ما لا يوافقه عليه أهل العلم ... فجمع كتابًا في الرد عليه سماه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" وأنه قد طَبَع "طليعتَه" بمصر، فبدا له أن يفرد ما يتعلّق بردّ مزاعم الكوثري التي حاول بها الطعن في الإِمام الشافعي في كتاب مفرد، وهو هذا.
إذًا كان هذا الردّ جزءًا من "التنكيل" ثم أفرده الشيخ وجعله رسالةً مستقلّة وسماه باسم مستقل.
وأعاد ذلك في رسالته "شكر الترحيب" (ص 9 و24) إذ قال في الموضع الثاني: "وقد شرحتُ ذلك في ترجمة الشافعي من "التنكيل"، ورأيت أن أفردها عن "التنكيل" لطولها".
وقد كان الشيخ حريصًا على طبع هذه الرسالة مفردة، هي وترجمة الخطيب البغدادي التي في "التنكيل"؛ ففي رسالة بعث بها المؤلف إلى العلامة المحدّث أحمد محمَّد شاكر (ت 1377) قال فيها: "في عزمي أن أفرد من كتابي (يعني التنكيل) ترجمةَ الإِمام الشافعي وترجمة الخطيب؛ لأن الكلام طال فيهما فصار كل منهما يصلح أن تكون رسالة مستقلة. فهل هناك في القاهرة مِن الشافعية مَن ينشط لطبع تينك الرسالتين على نفقته؟ فإن كان فأرجو من فضلكم أن تعرّفوني حتى أرسلهما إليكم، وتنوبوا عني فيما يلزم".
(م 15/35)

لكن السؤال هل ترجمة الشافعي في "التنكيل" متطابقةٌ مع هذه الترجمة المفردة؟ الجواب: كلا، ففي كل منهما ما ليس في الأخرى فالترجمة المفردة فيها زيادات في أثناء المباحث، وتوسّع في الكلام والنقاش كما في (ص 6، 9، 10، 12، 13 - 16, 25، 26 - 27، 28 - 30)، كما تمتاز بأنّ فيها فصلاً كاملاً من (ص 51 - 66) ليس في الترجمة التي في "التنكيل". وهذا الفصل يتعلّق بتتبّع تعليقات الكوثري على "الانتقاء" لابن عبد البر، فيما حاول به الطعن علي الإِمام الشافعي.
فيكون المؤلف في رسالته هذه - المفردة - قد ردّ مطاعن الكوثري التي في "التأنيب" والتي في تعليقاته على "الانتقاء".
نعم في الرسالة المفردة نقصٌ سببه فقدان بعض الأوراق من أوائل الرسالة، فيها مبحث الطعن في نسب الشافعي، والرد على خمس كلمات للشافعي طعن الكوثريُّ في فصاحتها. وهذه المباحث موجودة في "التنكيل": (1/ 406).

ثالثًا: موضوعات الرسالة
كتب المؤلف للرسالة مقدمة مقتضبة بيَّن فيها سبب تأليف الكتاب، ولماذا أفرده عن "التنكيل" ...
وتقدم القول أنه قد سقط من النسخة ما يتعلق برد مطاعن الكوثري حول نسب الشافعي، وبعض الألفاظ اللغوية. وتبدأ الرسالة بالكلام على بقية المآخذ اللغوية عند شرح معنى "الفِهْر" ...
(م 15/36)

ثم عقد المؤلف فصلًا لرد محاولة الأستاذ إثبات تتلمذ الشافعي على محمَّد بن الحسن، وأطال في الرد وأطاب بالروايات التاريخية، والواقع العملي من مناظرات الشافعي مع أصحاب محمَّد ومع محمَّد نفسه مما هو ثابت في "الأم" للشافعي ...
ثم عقد فصلًا مختصرًا في مناظرة الحسن بن زياد مع الشافعي وفيه تقويم لعلم الحسن من أخبار تاريخية ...
بعده فصَّل المؤلف بما لا مزيد عليه في قضية كلام ابن معين في الشافعي فأتى فيها بتحقيق بالغ ... (ص 32 - 41).
ثم نظر في كلام الشافعي في فقه أبي حنيفة، وزَعْم الكوثري أن الشافعية حائرون في تطبيق فروع الشافعي على أصوله (ص 41 - 46).
وأخيرًا رد مزاعم الكوثري في كون الشافعي رجع عن جميع أقواله في القديم ... (ص 46 - 50).
ثم توّج الرسالة فعقد فصلًا في نقض ما علقه الكوثري على كتاب "الانتقاء" لابن عبد البر فيما يتعلّق بمطاعنه على الشافعي.
وذكر الشيخ أن الكوثري علق على "الانتقاء" إلى ص 88 من طبعة حسام الدين القدسي ثم أوقفه القدسيُّ عن التعليق بعد ما اكتشف أنه مدخول في علمه وعمله كما صرح بذلك في مقدمته.
وهذا الفصل برمّته ليس في "التنكيل"، والمرجّح أن المؤلف حذفه من التنكيل بعد أن كان قيده في مسوّداته اكتفاءً بوجوده في هذا الجزء.
(م 15/37)

رابعًا: النسخة الخطية
نسخة الكتاب محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف رقم [2791 عام] وهي بخط الشيخ المعلمي رحمه الله.
تقع في 45 صفحة في حقيقة الأمر، وإن كان الترقيم الذي تنتهي به الرسالة هو 43؛ لأنه لم يدخل في الترقيم صفحة المقدمة وصفحة كاملة ملحقة ب (ص 4) ضلَّت طريقها فجُلّدت في آخر المخطوط.
وإذا اعتبرنا أن المؤلف قد أحال بأن ينقل ما في (ص 108 - 110)، فإن العدد لصفحات المخطوط يكون 48 صفحة.
في صفحة العنوان أربعة أسطر في رأس الصفحة مضروب عليها لعلها كانت جزءًا من ترجمة سابقة. ثم كتب عنوان الرسالة في منتصف الصفحة "تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري" وبعده "تأليف العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي حفظه الله".
وتحته فهرس مقتضب لمحتويات الرسالة في ستة أسطر.
والنسخة أشبه بالمبيضة، ولا تخلو من الضرب والإلحاق والإحالات، وواضح أن هذا الدفتر الذي كتب فيه الرسالة كان إحدى مسوّدات كتاب "التنكيل"، فحذف منه المؤلف التراجم التي قبل ترجمة الشافعي وأضاف ورقةً كتبَ فيها العنوان والمقدمة. ثم لما انتهت ترجمة الشافعي بدأ بترجمة محمَّد بن أبي الأزهر، وهي كذلك في "التنكيل": (رقم 190). لكن يشهد أنها مسوّدته أن رقم الترجمة في المسوّدة هو 215، بينما رقمها في المطبوعة 190. فقد نقَّح الشيخ كتاب "التنكيل" وحذف نحو 25 ترجمة من المبيّضة.
(م 15/38)

وقد وقع نقص في النسخة يتعلق بمطاعن الكوثري في نسب الشافعي، ومطاعن في خمس كلمات أُخِذت على عربيته. وهي موجودة في "التنكيل" فلا أدري أسقطت من النسخة أم أراد الشيخ أن يبيضها فلم يتمكن.
وقد عاد الشيخ على النسخة مرة ثانية فأصلح فيها واستكمل مواضع بالإحالة والترتيب، وعلق كل ذلك بقلم الرصاص كما في (ص 4، 31، 27 وظهر 26).

خامسًا: منهج التحقيق.
نسختُ الكتاب من المخطوط، وقابلته مرة ثانية لمزيد الاطمئنان والتأكد، ثم قابلته من جديد على ترجمة الشافعي التي في "التنكيل"، واستفدت منها. وقابلت النصوص التي ينقلها المؤلف عن الكوثري على كتابه "التأنيب" في طبعته الجديدة، وكذلك تعليقاته على "الانتقاء" لابن عبد البر، وقد راجعت طبعتَه الجديدة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، فإنه قد أثبت تعليقات الكوثري بعُجَرها وبُجَرها!
وأبقيتُ النقص الذي في أول المخطوط على حاله ولم أكمله من "التنكيل" لأمرين:
الأول: لأني لاحظتُ أن غالب المباحث في كتابنا هذا تختلف بالزيادة أو النقص أو تغيير العبارة عما في "التنكيل".
الثاني: أن هذه المواضع موجودة في "التنكيل" وهو ضمن هذه الموسوعة فليراجعها مَن أحبّ.
****
(م 15/39)

12) شرح حديث: "آية المنافق ثلاث ... "
لم يعنون المؤلف هذه الرسالة، فوضعت لها هذا العنوان اجتهادًا، وإن كان بداية البحث تتعلق ب "إذا" وإفادتها التكرار. ثم ذكر حديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب ... " وأن (إذا) يُقصد بها التكرار والمداومة ومَن غلبت عليه هذه الخصال، ثم ذكر الحديث الآخر الذي ذكرت فيه أربع خصال، وأنها تعود في حقيقة الأمر إلى الثلاث الواردة في الحديث الأول. ثم ذكر بعض ما يَرِد على معنى الحديث وأجاب عنه.
ثم ذكر خلاصة البحث وهي: أن من غَلَب عليه الكذب في الحديث والغدر بالعهد والخيانة بالأمانة مهما كانت = فهو منافق خالص.

وصف النسخة:
للرسالة نسخة واحدة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4691] بخط مؤلفها المعروف، وتقع في 3 صفحات من القطع الكبير.
****

13) التعليق على الأربعين في التصوّف للسُّلَمي
ألَّف الشيخ محمَّد بن الحسين أبو عبد الرحمن السُّلَمي (ت 412) كتابًا جمع فيه أربعين حديثًا في التصوُّف، ووضع لكل حديث بابًا ... فلما رأت دائرة المعارف العثمانية طبع هذه الأربعين التمس مجلس الدائرة من الشيخ المعلمي أن يكتب تعليقًا يُطبع مع الأربعين يتضمن النظر في أحاديث الكتاب صحة وضعفًا (1).
__________
(1) انظر تقديم المؤلف (ص 363).
(م 15/40)

فلبَّى المعلمي الطلب وكتب هذا التعليق، إلا أنه لم يُطْبَع مع الأربعين، لسبب غير معلوم لدينا.
وقد كتب الشيخ تقديمًا بين يدي تخريجه لأحاديث الأربعين نبَّه فيه إلى سبعة أمور مهمة تتعلّق بالكتاب وبعلوم الحديث.
ومما ذكره مما يتعلق بأحاديث الكتاب أنه مشتمل على ما حقه أن يُحْكَم بثبوته، وما حقه أن يحكم ببطلانه، وما هو على الاحتمال.
وذكر أيضًا أن عادة رواة الحديث الحرص على شيئين: العلو والغرابة، وهذا ما وقع فيه السلمي.
وذكر أيضًا أن المؤلفين في استدلالهم بالحديث على قسمين:
الأول: من يكون اعتقاده مبنيًّا على دليل يريد أن يبيِّنه، فيذكر المسألة ثم يذكر الدليل.
والثاني: مَن يكون اعتقاده مبنيًّا على أمر آخر، ويريد أن يستدلّ عليه بالحديث، كالمقلد يعتقد المسألة تقليدًا ثم يحاول الاستدلال بالحديث. والسلمي من القسم الثاني كما سيتبين من عنوانات أبوابه.
ثم شرع المؤلف في الكلام عليها حديثًا حديثًا ...
وقد سلك المؤلف طريقة الاختصار في التخريج بما يتناسب مع حجم الرسالة، فيذكر مَن أخرج الحديث غير السلمي، وينظر في إسناده، فيذكر من طُعِن عليه فيه، ويذكر شواهده إن وُجدت، ويعزو إلى المصادر بالجزء والصفحة غالبًا.
(م 15/41)

وينبغي التنبيه إلى أن الشيخ لم يحقق نص الأربعين (1) وإنما تركّز عمله في التخريج والتعليق على ما يورده من الأحاديث.

وصف النسخة الخطية:
للكتاب نسخة واحدة بخطّ مؤلفها، محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4832]، وتقع في 9 صفحات من القطع الكبير، في كل صفحة نحو 31 سطرًا.
وهي مبيّضة بخط واضح جميل دقيق. ثم ألحق المؤلف بين الأسطر أو في الهوامش بعضَ الفوائد والزيادات بقلم الرصاص، وبعضها يتعلق بمعلومات طبع بعض الكتب، فأثبتّها مُنبِّهًا على ذلك.
كتب المؤلف في رأس الورقة الأولى بعد البسملة: "تعليق على الأربعين في التصوّف للسلمي". وكتب آخرها: "عبد الرحمن بن يحيى اليماني، المصحح بدائرة المعارف العثمانية 27 رجب سنة 1369".
ثم ألحقَ ورقةً بالمراجع التي اعتمدها في العزو والإحالة مع تواريخ طبعاتها، وقد بلغت واحدًا وثلاثين كتابًا.

العمل في الكتاب:
لما كان المؤلف قد كتب تعليقاته في أوراق منفصلة عن الأحاديث بحيث تطبع معها = ذهبت إلى طبعة دائرة المعارف من الأربعين فأثبتّها مع
__________
(1) والمتن الذي أوردناه للأربعين هو من طبعة دائرة المعارف ط 2، 1402 مع بعض التصحيحات التي نبهنا عليها في الحواشي.
(م 15/42)

أبوابها جاعلًا الإسناد بحرف أصغر قليلاً من المتن، ثم أتبعته بتعليق الشيخ مصدِّرًا له ب "قال المعلمي" ويبدأ التعليق بسطر جديد، فإذا انتهى التعليق فصلت بينه وبين الحديث الآتي بعدة نجوم صغيرة (****) ... وهكذا حتى نهاية الكتاب.
علقت على الكتاب بالعزو إلى الكتب التي لم يُشر المؤلف إلى صفحاتها أو إلى الكتب التي اختلفت طبعاتها عن طبعات المؤلف، وجعلت العزو برقم الحديث إن وُجد أو إلى الجزء والصفحة.
أكملت التخريج بالعزو إلى كتبٍ أخرى لم يذكرها المؤلف، وكثير منها طُبعت لاحقًا؛ إذ كَتَب المؤلفُ التعليقَ قبل أكثر من ستين عامًا.
ومما يجدر ذكره أن الإِمام السخاوي (ت 902) قد ألَّف تخريجًا لأحاديث الأربعين لم يطّلع عليه المؤلف، وقد طبع سنة 1408 ه بتحقيق علي حسن الأثري في جزء، وقد استفدتُ منه وضمنت فوائدَه وزوائدَه في هوامش الكتاب، وقد اتفقت أحكام المؤلف والسخاوي في غالب الأحاديث بحمد الله تعالى.
وأخيرًا ذكرت قائمة المراجع التي اعتمدها المؤلف وأثبتها في ورقة في آخر التعليق.
****

14) صفة الارتباط بين العلماء في القديم
هذا العنوان من وضع المؤلف رحمه الله، وهذه الرسالة عبارة عن محاضرة ألقاها المؤلف سنة 1356 في أحدِ المواسم الثقافية التي كانت
(م 15/43)

تعقدها دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد دكن، كما سلف في الكلام على رسالة "علم الرجال وأهميته". وكانت بمناسبة زيارة وفد من علماء الأزهر دائرة المعارف العثمانية. فألقيت عدد من الكلمات كان من جملتها كلمة الشيخ هذه.
قصد المؤلف برسالته أن يبين كيف كان التواصل بين العلماء في القديم، وما كان يجري بينهم من المراسلات، سواء منها الأخوية أو العلمية، وأن كثيرًا من المؤلفات كانت بسبب تلك المراسلات ... وأن الأمر اختلف في الأعصار المتأخرة فلا صِلَة بين علماء الأقطار، ولا بين علماء القُطر الواحد ...
وذَكَر الحجَّ وأنه من أعظم مواسم التواصل العلمي عند العلماء، وأن العالم ربما أنفق ضنائنه ليتزوّد للسفر ليجتمع بعالم آخر، أو لتحصيل سماع، وذكر أمثلة لذلك عن السلف.
وأعاد الشكاية مما حصل ويحصل في عصره من قلة التواصل بين أهل العلم وطلابه مع أنهم من أحوج الناس إليه.
ثم حثّ على التواصل العلمي بين الجهات والمجامع العلمية كالأزهر والدائرة وغيرها.

نسخة الرسالة:
طُبعت هذه المحاضرة في حياة الشيخ رحمه الله، ضمن مجموع يضم كلمات العلماء التي أُلقيت في المؤتمر السالف الذكر، وهو بعنوان "رسالة علمية تاريخية نُشرت تذكارًا لورود البعثة الأزهرية إلى عاصمة الدولة
(م 15/44)

الآصفية"، فقابلتها عليها، وأصلحت ما بدا من خطأ أو نحوه على قلّته.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب
علي بن محمد العمران
في 15/ 5/ 1433
aliomraan@hotmail.com
(م 15/45)

نماذج من النُّسخ الخطية
(م 15/47)

الورقة الأولى من "الاستبصار في نقد الأخبار"
(م 15/49)

الورقة الأخيرة من "الاستبصار"
(م 15/50)

ورقة من رسالة "الأحاديث التي استشهد بها مسلم"
(م 15/51)

ورقة من رسالة في الصيغ المحتملة للتدليس
(م 15/52)

ورقة من رسالة "أحكام الحديث الضعيف"
(م 15/53)

ورقة من نسخة أخرى من "أحكام الحديث الضعيف"
(م 15/54)

ورقة من "ملخّص طبقات المدلسين"
(م 15/55)

الورقة الأولى من "تنزيه الإمام الشافعي"
(م 15/56)

الورقة الأخيرة من "تنزيه الإِمام الشافعي"
(م 15/57)

الورقة الأولى من "التعليق على الأربعين للسلمي"
(م 15/58)

آثَار الشّيخ العَلامَة
عَبد الرّحمن بن يَحيَى المُعَلّمِيّ
(15)
مجَمُوعُ الرسَائِل الحَدِيِثَيّةَ
(1 - 14)
تَأليِف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تَحقيِق
عَلِي بن مُحَمَّد العِمرَان
وَفقَ المنَهَجّ المعُتَمَد مِنَ الشَيخّ العَلَامَة
بَكر بن عْبَد الله أَبو زَيْد
(رَحِمَهُ الله تعالى)
تَمويل
مُؤَسَّسَةِ سُليْمان بن عَبْدِ العَزيْز الرّاجِحيِّ الخَيْريَّةِ
دَارُ عَالم الفَوَائد
للنشر وَالتّوزيع
(15/1)

الرسالة الأولى
الاستبصار في نقد الأخبار
(15/3)

[ص 1] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلّ على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فهذه - إن شاء الله تعالى - رسالة في معرفة الحديث، أتوخّى فيها تحريرَ المطالب، وتقرير الأدلة، وأتتبع مذاهبَ أئمة الجرح والتعديل فيها؛ ليتحرَّر بذلك ما تعطيه كلماتُهم في الرواة.
فإنّ منهم من لا يطلق "ثقة" إلا على مَن كان في الدرجة العُليا مِن العدالة والضبط، ومنهم مَن يطلقها على كلّ عدلٍ ضابط وإن لم يكن في الدرجة العليا، ومنهم من يطلقها على العدل وإن لم يكن ضابطًا، ومنهم مَن يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا واحدًا قد تُوبع عليه، ومنهم مَن يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا له شاهد، ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا لم يستنكره هو، ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى عنه ثقة، إلى غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 2] وهم - مع ذلك - مختلفون في الاستدلال على أحوال الرواة؛ فمنهم المبالغ في التثبُّت، ومنهم المسامح. ومَنْ لم يعرف مذهب الإِمام منهم ومنزلته من التثبُّت لم يعرف ما تعطيه كلمتُه، وحينئذٍ فإما أن يتوقَّف،
(15/5)

وإما أن يحملها على أدنى الدرجات، ولعل ذلك ظلم لها. وإما أن يحملها على ما هو المشهور في كتب المصطلح، ولعلَّ ذلك رفعٌ لها عن درجتها. وبالجملة، فإن لم يتوقف قال بغير علم، وسار على غير هدى.
وأرجو - إذا يسَّر الله تبارك وتعالى إتمام هذه الرسالة كما أحبّ - أن يتضح لقارئها سبيل القوم في نقد الحديث، ويتبين أن سلوكها ليس من الصعوبة بالدرجة التي يُقطع بامتناعها، وعسى أن يكون ذلك داعيًا لأولي الهمم إلى الاستعداد لسلوكها، فيكون منهم أئمة مجتهدون في ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا؛ ونقد الخبر على أربع مراتب:
الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا.
الثانية: النظر في اتصاله.
الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطأ إن كان.
الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
فلنعقد لكلِّ واحدة من هذه الأربع مقالةً، ونسأل الله تبارك وتعالى التوفيق.
***
(15/6)

[ص 3] المقالة الأولى: في النظر في أحوال الرواة
شرط قبول الخبر: أن يكون المُخبِر حين أَخبر به مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلاً ضابطًا.

الباب الأول: في الإِسلام
أما الإِسلام فلاشتراطه أدلّة:
منها: أنَّ عامَّة الأدلة على مشروعية العمل بخبر الواحد في الدّين خاصة واردةٌ في خبر المسلم.
ومنها: قول الله تبارك وتعالى في المنافقين والرد عليهم: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61].
أي: ويصدِّق المؤمنين.
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
والكفر أشدّ الفسق قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} إلى قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [الجرز (1): 18 - 20].
__________
(1) كذا في الأصل: "الجُرُز" وقد سمّاها المؤلف كذلك في عدة مواضع من كتبه، ولم أجد من سمى سورة السجدة بهذا الاسم، وقد ورد فيها قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ}.
(15/7)

وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99].
والآيات في ذلك كثيرة.
وتبادُر المسلم من نحو قولك: "رأيتُ رجلاً فاسقًا" من العُرف الحادث [ص 4] بعد صدر الإِسلام، وسببه: أنه صار الغالب إذا ذُكِر الكافر أن يُذْكر بلفظه الخاص به "كافر" أو ما يعطي ذلك مثل: "يهودي، ونصراني، ومجوسي". وإذا ذُكِر المسلم الذي ليس بعَدْل أن يُذكر بنحو: "فاسق، وفاجر"، ومثل هذا العرف لا يعتدّ به في فهم القرآن.
وغَفَل بعضهم عن هذا فظنَّ أن دخول الكافر في الآية إنما هو من باب الفحوى، قال: لأنه أسوأ حالاً من الفاسق.
ونُوقش في ذلك بأن الفسق مظنة التساهل في الكذب، إذ المانع من الكذب هو الخوف من الله عزَّ وجلَّ، ومن عيب الناس، ومرتكب الكبيرة قد دلَّ بارتكابه إياها على ضعف هذا الخوف من نفسه.
وأما الكافر فقد يكون عدلاً في دينه بأن يكون يحسب أنه على الدين الحقّ، ويحافظ على حدود ذلك الدين، ويخاف الله عَزَّ وَجَلَّ والناس بحسب ذلك.
أقول: في هذا نظر؛ فإن الحجة قد قامت على الكافر، فدلَّ ذلك على كذبه في زعمه أنه يعتقد أنَّ دينه حقّ.
(15/8)

والكافر الذي بلغته دعوة الإِسلام لا يخلو عن واحد من ثلاثة أمور:
الأول: التقصير في البحث عن الدين الحق.
الثاني: الهوى الغالب.
الثالث: العناد.
ولو برئ من هذه الثلاثة لأسلم، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت (1): 68 - 69].
[ص 5] وقد اتفقوا على أنّ من كان مسلمًا مخالطًا للمسلمين، ثم ارتكب كبيرة قد قامت الحجة القاطعة بأنها كبيرة - كأن ترك صوم رمضان - فهو فاسق، فإن زاد على ذلك فزعم أنه لا حجَّة عنده على تحريم ما ارتكبه كان مرتدًّا، وهو في باب الأخبار أسوأ حالاً من المسلم المرتكب الكبيرة مع اعترافه بأنها كبيرة.
فإن قيل: إننا نجد من الكفار من يبالغ في تحرِّي الصدق والأمانة، حتى إن مَن يَخبر حاله، ويتّبع أخباره، قد يكون أوثق بخبره من خبر كثير من عدول المسلمين.
قلت: وكذلك في فُسّاق المسلمين ممن يترك الصلاة المفروضة - مثلًا - من يكون حاله في إظهار تحرِّي الصدق والأمانة كحال الكافر المذكور.
__________
(1) عبارة المؤلف: "خاتمة العنكبوت".
(15/9)

وحل الإشكال من أوجه:
الأول: أنَّ الظاهر من حال الكافر والفاسق الذي يُعرف بتحرِّي الصدق أن المانع له من الكذب الخوف من الناس، وحبُّ السمعة الحسنة بينهم، وعلى هذا فهذا المانع إنّما يؤثر في الأخبار التي يخافُ من اطلاع الناس على جَليَّة الحال فيها، فلا يُؤمن ممن هذا حاله أن يكذب إذا ظن أنه لا يُوقَفُ على كذبه.
فالعدل في خبر هذا أن نتبيّن [ص 6] فيه، فإن ثبت بدليل موثوق به أنه صَدَق عُمل به لذلك الدليل، وإلا اطُّرح لعدم الوثوق به حينئذٍ.
الوجه الثاني: أنه لا يُسْتنكر من الشارع أن لا يعتدّ بصدق مثل هذا؛ لأنه ليس بصدقٍ يحمده عليه الشارع؛ إذ الباعثُ عليه هو رئاء الناس كما علمت.
الوجه الثالث: أنه لو فُرِض أنه يحصل من الوثوق بخبره كما يحصل بخبر المسلم العدل، فقد يكون الشارع جعل كفرَ هذا الرجل أو فسقَه مانعًا من قبول خبره في الدين؛ زجرًا له، وعونًا له على نفسه، لعله يستنكف من تلك الحال فيتوب، ورفعًا لتلك المرتبة العليّة - وهي أن يُدان بخبر الرجل - عمن لا يستحقها.
الوجه الرابع: أن السبب الباعث على الحكم قد يكون خفيًّا، أو غير منضبط، فإذا كان هكذا فلو كلَّف الشارعُ الناس ببناء الحكم عليه كان في ذلك مفاسدُ، منها: أنه من باب التكليف بما لا يطاق، ومنها: أنه فتحٌ لباب اتباع الهوى، ولكثرة الاختلاف، ولاتهام الحكام، وغير ذلك.
فاقتضت الحكمةُ أن يبني الشارعُ الحكمَ على أمر آخر يشتمل على
(15/10)

ذلك السبب غالبًا، ثم تكفَّل الله عَزَّ وَجَلَّ بتطبيق العدل بقضائه وقدره.
مثال ذلك: أن السبب الباعث على شرع العقوبة للمذنب هو الذنب، فإذا شُرعت العقوبة على وجهين - مثلًا -[ص 7] فإنما ذلك لاختلاف حال ذلك الذنب. فمن ذلك الزنا شُرِع الحدُّ عليه على وجهين:
الأول: الجلد.
الثاني: الرجم.
ولا يخفى أن الجلد أخفّ من الرجم، وأنّ حقّه أن يكون الرجم عقوبة لمن يكون زناه جرمًا أغلظ مِنْ زنا عقوبته الجلد، ولكنَّ الغِلَظَ والخِفَّة في الإجرام بالزنا أمرٌ لا ينضبط؛ لأن شديد الشهوة أقرب إلى العذر من ضعيفها، وشدّتها وضعفُها أمرٌ خفيٌّ وغير منضبط، والعاشق أقرب إلى العذر من غيره، والعشق يخفى ولا ينضبط. والمصادف للمرأة بغتةً أقرب إلى العذر من المتصدّي لها. والعاجز عن التزوّج بالمرأة أقرب إلى العذر من القادر على زواجها، في أمورٍ أخر.
فلذلك علّق الشارع الفرق بالإحصان وعدمه؛ لأن الغالب أن يكون المحصَن أضعف عذرًا من غيره، على أنه قد يتَّفق خلاف ذلك، فقد يكون شابٌّ فقيرٌ، قوي البنية، شديدُ الشهوة، عاشقًا لامرأة عاجزًا عن التزوّج بها، وهو يحبس نفسه عن التعرُّض لها، والقرب من مكانها، ثم حاول أن يدافع داعيته فتزوج امرأة فقيرة، فبات معها ليلة فهلكت، ثم لم يستطع الزواج بغيرها, ولم تزل نفسُه متعلّقة بمعشوقته، فبينا هو ليلةً في خلوة لم يفجأه إلا دخول معشوقته عليه، ورميها نفسها [ص 8] بين ذراعيه، فلم يتمالك أن كان ما
(15/11)

كان.
وآخر غنيٌّ ضعيفُ البنية، ضعيف الشهوة، لم يتزوّج حتى شاخ وضعف، فتعرَّض مرةً لامرأة لو شاء لتزوّجها, ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، بل تَبِعها ووقع عليها.
فظاهرٌ أنَّ ذنب هذا الشيخ الذي لم يُحصَن أغلظ من ذنب ذلك الشاب الذي قد أُحْصِن بدرجات، ولكن مع ذلك حدُّ الشابِّ المحصن الرجم، وحدُّ الشيخ الذي لم يحصَن الجلد.
إلا أننا نقول: إن الحكمة اقتضت في القانون الكلي أن يُناط الفرقُ بالإحصان وعدمه، والله سبحانه وتعالى هو الرقيب على عباده، يطبق العدل بقضائه وقدره، كأن يستر ذلك الشاب، ويفضح هذا الشيخ، أو غير ذلك، فإنه سبحانه بكل شيء خبير، وعلى كل شيء قدير.
ومن ذلك: القاتل إذا تعمّد الضرب قد تكون عقوبته الدية، وقد تكون القتل قودًا، والمعقول أنَّ جرمه إنما يختلف بأن يكون قَصَد القتل أو لم يقصده، ولكنَّ قَصْده القتل أمرٌ خفيٌّ لا يُعْلَم كما ينبغي إلا بقوله، والقاتل غالبًا يدفع عن نفسه القتل، فهو - وإن قصد القتل - حريٌّ بأن يقول: لم أقصده، والقرائن عامتها مشتبهة، فناط الشارعُ الفرقَ بأقوى القرائن، وهي الآلة، وموضع الضرب بها، فإن كان الضرب في ذلك المكان بمثل تلك الآلة من شأنه أن يقتل حُكِم [ص 9] بالقَوَد؛ إذ الغالب أن القاتل قَصَد القتل، وإلا فلا.
وكأنه - والله أعلم - بناءً على هذا ذهب مالك رحمه الله إلى أن الوالد إذا
(15/12)

قتل ولده قِتْلَة شنيعة - كأن أضجعه فذبحه - وجب القصاص، وإلا فلا. كأنه بنى دفعَ القصاص عن الوالد بأن الغالب أنه لا يقصد القتل، فلم يوجب القصاص عليه إلا في الحال التي يمتنع فيها أن يكون لم يقصد القتل.
هذا وقد يتفق في مَنْ حقّه - بحكم الشرع - أن يُقاد منه أن لا يكون قصد القتل، وفي مَن حقه أن لا يقاد منه أنه قصد القتل، فمثل هذا يُطبق الله سبحانه وتعالى العدل فيه بقضائه وقدره.
إذا تقرّر هذا فمظنّة أن لا يكذبَ المخْبِر في خبرٍ عن الشرع مما لا ينضبط، فضبطه الشارع بالإِسلام والعدالة، وقد يتفق في المسلم العدل أن يكذب خطأ أو عمدًا، وفي غيره أن يصدق، ولكن الله تبارك وتعالى يطبق العدل بقضائه وقدره، فيهدي أهلَ العلم إلى معرفة خطأ ذاك أو عَمْده، ويغنيهم عن خبر الكافر أو الفاسق بأن ييسر لهم علمه من غير طريقه.
فإن قيل: قد لا يهتدي بعضهم إلى الخطأ، وقد لا يقف بعضهم على الدليل.
قلت: إن قصَّر فهو الموقِعُ نفسَه في ذلك، وإن لم يقصّر [ص 10] فذلك داخل في تدبير الله عزَّ وجلَّ، وتطبيقه العدل والحكمة بقضائه وقدره، والبحث طويل، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
***
(15/13)

[ص 11] الباب الثاني: في البلوغ
وأما البلوغ فهو حدُّ التكليف، ولا يتحقق الخوف من الله عزَّ وجلَّ والخوف من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يخاف الله عزَّ وجلَّ، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتمَّ عقلُه لتحرَّز.
ومع هذا فلا تكاد تدعو الحاجة إلى رواية الصبي؛ لأنه إن روى فالغالب أن المرويّ عنه حيّ فيراجع، فإن كان قد مات فالغالب - إن كان الصبي صادقًا - أن يكون غيره ممن هو أكبر قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي، فمثل هذا الخبر لا يوثَقُ به.
هذا وعامة الأدلة على شَرْع العمل بخبر الواحد موردها في البالغين.
***
(15/14)

الباب الثالث: في العقل
وأمّا العقل فالأمر فيه أظهر، إذ المراد به هنا أن لا يكون مجنونًا، فأما المغفّل فيأتي الكلام فيه في الباب الخامس إن شاء الله تعالى.
***
(15/15)

[ص 12] الباب الرابع: في العدالة
وأما العدالة، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] , وقال سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]. وقال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95].
والشهادة والحكم كالإخبار، والأصل اتحاد الحكم فيهما وفي الرواية إلا ما قام الدليل على الافتراق فيه.
وقد تقدّم في الكلام على الشرط الأول ما يتعلق بهذا (1)، فلا حاجة إلى إعادته.
هذا؛ و"العدالة" مصدر عَدُل الرجل صار عادلاً، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه مِن عَدْل الغرارتين على البعير مثلاً، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه.
فالعدل في الحكم إذًا: أن ينظر ميل المائل عن الحقّ فيردّه إليه، وحاصله: أن يتحرَّى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا هي الاستقامة على حدود الشرع.
والفِسْقُ هو: الخروج عن هذه الصفة. قالوا: وأصله من فَسَقت الرطبةُ إذا خرجت عن قشرتها.
هذا، وقد تقرّر في أقوال أهل العلم سلفًا وخلفًا أنّ المعصية الصغيرة لا
__________
(1) (ص 5 - 6).
(15/16)

تقتضي الخروج عن العدالة، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [ص 13] وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 31، 32].
فههنا احتمالان:
الأول: أن يقال: إن الفسوق يختص بالخروج الفاحش، فلا يسمَّى ارتكاب الصغيرة فسوقًا وإن كان عصيانًا، وقد يستدلُّ على هذا بقول الله تبارك وتعالى - بعد آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ..} الآية -: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].
فكما أن الفسوق أعمُّ من الكفر؛ لأن من الفسوق ما هو دون الكفر، فكذلك يظهر أنّ العصيان أعمُّ من الفسوق، وأنّ من العصيان ما هو دون الفسوق.
الاحتمال الثاني: أن يُقال: الفسوق من الأشياء التي تتفاوت كالعلم مثلاً، فكما لا يوصَف من علم مسألةً أو مسألتين بأنه عالم على الإطلاق، فكذلك لا يوصف من فَسَق بصغيرة أو صغيرتين بأنه فاسق على الإطلاق.
[ص 14] والآية الأولى وهي قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ} إنما بُنيت على من هو فاسق لا على من وقع منه فسوق.
(15/17)

وقال الله عَزَّ وَجَلَّ في سورة الحجرات في سياق الآيتين السابقتين وهما: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ} {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
وقال الله تبارك وتعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الْحَجِّ} [البقرة: 197].
وقال سبحانه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4].
لمّا ذكر الكبيرة الموجبة للحدّ ورد الشهادة قال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. ولمّا ذكر ما قد يكون دونها - أي صغيرة - من السخرية بالمسلم، [ص 15] ولمزه، ونبزه بلقب، ومضارة الكاتب أو الشاهد، وما قد يقع في الحج من ذلك وما يشبهه سماها: فسوقًا.
****
(15/18)

[ص 27] (1) فصل -1 الصحابة
اسم الصحابي يعمُّ عند الجمهور كلَّ من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلمًا ومات على ذلك.
والمراد رؤيته إياه بعد البعثة وقبل الوفاة.
والاسم يشمل من ارتدَّ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممن كان قد رآه مسلمًا إذا عاد إلى الإِسلام ومات عليه، كطُلَيحة بن خويلد، وعُيينة بن حصن، وأضرابهما.
لكن قضيّة ما نُقِل عن الشافعي وغيره - مِن أنّ الردة تُحبط العمل الصالح قبلها ولو عَقَبَتْها توبة - أن هؤلاء لا حظّ لهم في فضل الصحبة.
وذهب الجمهور إلى أن الصحابة كلَّهم عدول، قال ابن الأنباري: "وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلُّف للبحث عن أسباب العدالة والتزكية (2)، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد. فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير، فإنه لا يصح، وما
__________
(1) هذه الورقة (27) كان قد كتب عليها المؤلف: "الفرع السابع" ثم ضرب عليها وكتب ما هو مثبت، ثم كتب بقلم الرصاص: "من هنا إلى ص 44 محلّه بعد صفحة 15".
(2) في "فتح المغيث": "وطلب التزكية".
(15/19)

صحَّ فله تأويل صحيح" فتح المغيث (ص 378) (1).
وقال الخطيب في "الكفاية" (ص 46) (2): "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم ... " فذكر عدة آيات [ص 28] وأحاديث في الثناء عليهم، إلى أن قال: "فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحدٍ ارتكاب ما لا يحْتَمِل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيُحْكَم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورَفَع أقدارهم [عنه]، على أنه لو لم يرد من الله عَزَّ وَجَلَّ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد والنُّصرة، وبذل المُهَج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين = القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمُزَكَّين الذين يجيئون مِنْ بعدهم أبد الآبدين".
أقول: أما الآيات فمنها:
1 - {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ
__________
(1) (4/ 100 - ط السلفية ببنارس).
(2) طبعة دائرة المعارف (ص 46، 49)، وما بين المعكوفين منه.
(15/20)

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 - 10].
2 - [ص 29] {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
3 - {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117].
4 - {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
5 - {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح (1): 29].
6 - [ص30] {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
__________
(1) عبارة المؤلف: "خاتمة الفتح".
(15/21)

جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 172 - 174].
7 - {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
8 - {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 121، 122].
9 - {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110].
10 - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].
[ص 31] ومن تدبَّر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجدَ الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تتبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك، سوى فلتاتٍ ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.
فمنها: ما جرى منهم يوم بدر، مِنْ ترجيح أخذ الفداء، فأقرّهم الله عزَّ وجلَّ عليه وأنزل: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(15/22)

(68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) [الأنفال: 68 - 69].
ومنها: تولي بعضهم يومَ أحد فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (2) [آل عمران: 155].
ومنها: قصة مِسْطَح بن أُثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3) [النور: 22].
ومنها: قصة حاطب بن أبي بلتعة (4).
وأشدّ ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي صلى الله [ص 32] عليه وآله وسلم يوم الفتح بقتله فلم يقتل وأسلم (5).
__________
(1) أخرجه مسلم (1763)، وأحمد (208) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (4066) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأحمد (490) في حكاية بين عبد الرحمن بن عوف والوليد بن عقبة.
(3) أخرجه البخاري (4750) عن عبد الله بن عتبة عن عائشة. وأخرجه البخاري (2595)، ومسلم (2770) عن عروة عن عائشة.
(4) أخرجها البخاري (3007)، ومسلم (2494) من حديث عليّ رضي الله عنه.
(5) أخرجه أبو داود (2685)، والنسائي في "الكبرى" (3516)، والحاكم: (3/ 47) وصححه على شرط مسلم، والبيهقي: (4/ 70) من حديث مصعب بن سعد عن أبيه.
(15/23)

قال ابن عبد البر (1): "فحسن إسلامه، فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك، هو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش". ثم ذكر ولايته مصر وفتحه أفريقية والنوبة، ثم قال: "ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره".
ومع ذلك فلم يُرْوَ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه.
وأمّا الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج بل كان منهم أفراد منافقون.
وقد ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلاً، كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يُعْلَم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرًا، لكانوا أظهروا كُفْرَهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، إن لم يكن عِلْمَ اليقين فالظن، قال الله عزَّ وجلَّ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [القتال (2): 29 - 30].
__________
(1) في "الاستيعاب" (2/ 375 - 378 - بهامش الإصابة).
(2) كذا عبارة المؤلف، يعني سورة محمَّد.
(15/24)

[ص 33] وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله عَزَّ وَجَلَّ فيهم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4].
وكانوا مع ذلك إلى نقص بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أنّ من بقي منهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرَّض أحدٌ منهم لأن يذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم أنَّ أحدَهم لو أخبر بشيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكَذَب فيه لأنكره عليه المؤمنون وفضحوه بما كانوا يظنونه من نفاقه، أو لأعْلَمهم بنفاقه حذيفةُ أو غيرُه ممن كان قد أسرَّ إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء المنافقين.
وأمّا الأعراب فقد قال الله عزَّ وجلَّ: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].
والظاهر أنَّ أهلَ هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم، كما تقتضيه كلمة "لمّا".
وقد ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ فِرقَهَم في سورة التوبة [95 - 105] فذكر أنّ منهم منافقين، ومنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم مخلّطون يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: {وَقُلِ اعْمَلُوا [ص 34] فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].
ثم ابتلاهم الله عَزَّ وَجَلَّ بعد غزوة العُسْرة بوفاة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فارتدَّ أقوامٌ من الأعراب، فعرفهم المؤمنون حقّ المعرفة.
(15/25)

وأمّا الطُّلقاء من أهل مكة فلم يرتدّ منهم أحد بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقد شملتهم بعضُ الآيات المتقدّمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث، كالحديث المشهور: "خير الناس قرني ... " (1).
وبالجملة فتعديل الله عَزَّ وَجَلَّ ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجئ مايخصِّصه.
وأمّا الأنصار؛ فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحدٌ بيعةَ العقبة، ولا شهد بدرًا ولا أحدًا، فإنَّ كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أحدٌ منهم، وقد قيل: إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع وقد سُمّي (2).
وقول الله عَزَّ وَجَلَّ في ذكر تخلُّفهم عن غزوة تبوك: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} الآية [التوبة: 46، 47] يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحدٌ منهم.
ولكن رُوي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مَرْجِعَه من تبوك، وأرادوا تَرْديته من العقبة (3).
__________
(1) أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) هو الجدّ بن قيس أخو بني سَلِمة. انظر "السيرة النبوية": (ق 2/ 3/ 316) لابن هشام.
(3) أخرجه البيهقي في "الكبرى": (9/ 23) من مرسل عروة بن الزبير، وذكره الواقدي في "المغازي" (3/ 1042).
(15/26)

[ص 35] وقد يقال - إن صح الخبر -: لعلّ هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنّما ترصَّدوا قدومَه صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك، فالتقوه ببعض الطريق لمَّا هموا به. ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.
هذا، وقد سبق أن الظاهر أنّ من بقي من المنافقين لم يُرْوَ عن أحدٍ منهم شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمّا الأعراب فقد تمّ امتحانهم بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَن ثبت منهم على الإِسلام فقد ثبتت عدالته، ومن ارتدّ فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإِسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.
وأمّا الطُّلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفتَ، ولم تقع منهم ردّة.
ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن مَنْ تأخَّر إسلامُه وقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم لكان لقوله وجهٌ في الجملة. وأوجه من ذلك مَنْ كان من الأعراب، ويحتمل أنّه ممن ارتدّ عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما من عُلِم أنه ممن ارتدّ فالأمر فيه أظهر.
هذا، وقد كان العرب يتحاشَون من الكذب، وتأكَّد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم - وإن رقَّ دينُه - لا يبلغُ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون، وأنه إن تجرَّأ أحدٌ على الكذب افْتُضِح.
[ص 36] ولو قال قائل: إنّ الله تبارك وتعالى منعَ القومَ مِن تعمُّدِ الكذب على نبيه عليه الصلاة والسلام بمقتضى ضمانه بحفظ دينه، ولا سيّما مع إخباره بعدالتهم لَمَا أبْعَد.
(15/27)

ومَنْ تدبّر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلَّم فيه من الطلقاء ونحوهم = ظهر له صِدْق القوم؛ فإنَّ المرويّ عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثًا يصحّ عن أحدٍ منهم إلا وقد صحَّ بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار. وقد كانت بين القوم إحَنٌ (1) بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو استساغ أحدٌ منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذمَّ خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعوا عصمةَ القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبت لهم أصل العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها. والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حقِّ بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح، وأن ما صحَّ منها لا يقتضي زوال العدالة استتبَّ الأمر. فأمّا من ثبتَ شهادةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أوّلًا وآخرًا. والله الموفق.

[ص 37] تنبيه:
أما الخطأ فقد وقع من بعض الصحابة، كقول ابن عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر مرةً في رجب (2)، وغير ذلك مما يعرف بتتبع كتب السنة (3).
__________
(1) أي: حقد وعداوة.
(2) أخرجه البخاري (1775، 1776)، ومسلم (1255) وقد استدركت عليه عائشة رضي الله عنها هذا القول، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر في رجب قط.
(3) وقد تتبّع الزركشيّ ما استدركته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على الصحابة في كتاب سمّاه "الإجابة عما استدركته عائشة على الصحابة".
(15/28)

مسألة:
قال الخطيب في "الكفاية" (ص 52): "ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيًّا: تظاهرُ الأخبار بذلك. وقد يُحْكَم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينًا مقبول القول، إذا قال: "صَحِبتُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثر لقائي له ... وإذا قال: أنا صحابي ولم يُحْكَ عن الصحابة رَدُّ قوله ولا ما يعارضه ... = وجبَ إثباته صحابيًّا حكمًا بقوله لذلك، أو قول آحاد الصحابة: [إنه صحابي] (1) ".
أقول: فعُرِف من هذا أن من لم تثبت صحبتُه إلا بقوله حُكْمه حكم التابعين في البحث عن عدالته؛ لأنها لا تثبت صحبته حتى تثبت عدالته.
****
__________
(1) من "الكفاية".
(15/29)

[ص 39] فصل- 2 التابعون
التابعيُّ: مَن أدرك بعض الصحابة، ورأى بعضهم، وسمع منه سماعًا يُعتدُّ به، بأن يكون السامع مميزًا، وقيل: بل تكفي الرؤية مع التمييز.
والذي يظهر في حديث: "خيرُ الناسِ قر ني، ثمّ الذين يلو نهم" (1) أن الدخول في "الذين يلونهم" يُشْترط فيه زيادة على ما تقدَّم، قال ابن الأثير في "النهاية" (2) عن أبي عبيد الهروي: "فيه: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" يعني الصحابة ثم التابعين (3)، والقرن أهلُ كلّ زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثما نون، وقيل: مائة".
أقول: والقول الثاني كأنّه ضابط تقريبيّ للأول.
هذا، والقرون تتداخل - أعني أن القرن الأول إذا أخذَ في النقصان أخذ الذي يليه في الزيادة، وهكذا - فقد يقال: إن قَرْنه صلى الله عليه وآله وسلم بقي على الغلبة إلى تمام ثلاثين سنة من الهجرة، ثم أخذ في الضعف، وذلك حين بدأ الناسُ في الإنكار على أمراء عثمان، وأخذ القرنان يصطرعان، فكان
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) (4/ 51)
(3) "الغريبين": (5/ 1533 - ط نزار الباز).
(15/30)

[ص 40] بعد خمس سنين قتل عثمان، وذلك مصداق حديث البراء بن ناجية عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تدور رحى الإِسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل مَنْ هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا". قال: فقلت: مما بقي أو ممّا مضى؟ قال: "ممّا مضى" (1).
وفي بعض الروايات "مما بقي".
وروى شريك عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن رحى الإِسلام ستزول بعد خمس وثلاثين، فإن اصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عامًا رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سَنَن من قبلهم" (2).
فكان لخمس وثلاثين حَصْر عثمان، ولم يقم الدين كما ينبغي؛ إذ لم يصطلحوا على غير قتال، بل كان هلاك ما بالقتل والفرقة والفتنة، فكان سبيلهم سبيل الأمم الماضية من الاختلاف، ثم تمت الغلبة للقرن الثاني بعد سنوات بقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام، ثم بتسليم ابنه الحسن الخلافة لمعاوية، وذلك مصداق حديث سفينة مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الخلافة ثلاثون
__________
(1) أخرجه أحمد (3730)، وأبو داود (4254)، والطيالسي (383)، والحاكم (3/ 123) وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد.
(2) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في "إتحاف الخيرة": (8/ 11) - والبزار: (5/ 323)، والطبراني في "الكبير": (10/ 158)، قال البوصيري: بسندٍ ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.
(15/31)

عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك" (1).
أقول: فتمَّت الغلبة للقرن الثاني بنحو أربعين سنة من الهجرة، فثلاثون سنة منها كانت للقرن الأول، وعشر بينه وبين الثاني، ثم تمَّت للقرن الثاني ثلاثون سنة لستين من الهجرة، فكانت ولاية يزيد، ثم قتل الحسين بن عليّ عليه السلام.
وقد صحَّ عن أبي هريرة [ص 41] أنه كان يتعوَّذ من عام الستين وإمارة الصبيان (2)، فمات قبلها.
ثم كانت وقعة الحرَّة، وإحراق الكعبة، ثم كان بعد السبعين رمي الكعبة بالمجانيق، وقتل ابن الزبير، واستتباب الأمر لعبد الملك.
وعلى هذا المنوال يكون انتهاء القرن الثاني سنة سبعين، وانتهاء الثالث على رأس المائة.
ومن أسباب الفضل للثاني والثالث: أنه لم يزل فيهما بقايا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهى ذلك بعد انتهاء المائة بقليل، مصداقًا
__________
(1) أخرجه أحمد (21919)، وأبو داود (4647)، والترمذي (2226)، والنسائي في "الكبرى" (8099)، وابن حبان (6943)، والحاكم: (3/ 71، 145) وغيرهم من طرق عن سعيد بن جُمهان عن سفينة به. والحديث صححه أحمد كما في "السنة" (636) للخلال، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن" وصححه ابن حبان.
(2) تعوّذه من عام الستين وإمارة الصبيان أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1397) وقال: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا حماد، تفرّد به رَوح بن عبادة.
ورواه أبو هريرة مرفوعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعوّذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" أخرجه أحمد (8319، 8320)، والبزار (16/ 249).
(15/32)

لقوله صلى الله عليه وآله وسلم قبيل موته: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن [على] رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ" (1).
هذا، والظاهر أنه يدخل في القرن الأول من أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجتمع به، وكذلك من أسلم بعده بقليل، وكذا من ولد بعده بقليل، بحيث يكون منشؤه في عهد كثرة الصحابة وظهورهم؛ فإنه يقتدي بهم، ويقتبس من أخلاقهم وآدابهم، حتى يستحكم خلقُه على ذلك. ولا مانع من أن يكون هؤلاء في القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة.
وعلى هذا فالدرجات تتفاوت. فمَنْ وُلد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرب إلى نيل خصائص القرن الأول ممن ولد بعده بخمس [ص 42] سنوات - مثلًا - وهكذا، حتى إن من ولد بعده صلى الله عليه وآله وسلم بخمس عشرة سنة أقرب إلى القرن الثاني، وقد يكون بعض من يولد متأخرًا أمكن في خصائص القرن الأول ممن ولد متقدِّمًا لأسباب أخرى، ككثرة مجالسة أفاضل الصحابة، وقس على هذا.
ومن استحكمت قوَّته في عهد القرن الأول فهو منهم، وإن بقي إلى الثاني والثالث، وهكذا. وقد يكون هذا هو السرّ - والله أعلم - في الشكِّ في أكثر روايات الحديث: أكرّر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم "ثم الذين يلونهم" مرتين أم ثلاثًا؟ وذلك أنه بعد انتهاء قَرْنه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، تبقى جماعة من أهل الثالث يعيشون في الرابع.
__________
(1) أخرجه البخاري (116)، ومسلم (2537) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وما بين المعكوفات منهما.
(15/33)

[ص 43] هذا، وقد احْتُجَّ بهذا الحديث على أن الظاهر في التابعين وأتباعهم العدالة، فمن لم يُجْرَح منهم فهو عدل.
وقد يوجَّه ذلك بأنَّ الخيرَ لم يرتفع من الأمة جملةً بعد تلك القرون، فثناؤه صلى الله عليه وآله وسلم عليها، وذمه من بعدها إنما هو بناء على الأغلب، فكأنه يقول: إن غالب أهلها أخيار، وغالب من بعدها أشرار. وإذا ثبت أن غالبهم أخيار، فمن لم يُعْرَف حاله منهم حُمِل على الغالب.
أقول: وفي هذا نظر من وجهين:
الأول: أنه قد يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم راعى الكثرة، فيكون حاصل ذلك أن القرن الأول - وهم الصحابة ومن انضمَّ إليهم - غالبهم عدول، والقرن الثاني نصفهم عدول، والقرن الثالث ثلثهم عدول، والثلث كثير، وأما بعد ذلك فإن العدالة تقلُّ عن ذلك. وعلى تسليم الغلبة في القرن الثاني - أيضًا - فقد يكون في الثالث التعادل، واستحقوا الثناء لأنّ شرّهم لم يكن أكثر من خيرهم، بخلاف من بعدهم.
الوجه الثاني: أن الغلبة تصْدُق بخمسة وخمسين في المائة - مثلًا -، ومثل هذا [ص 44] لا يحصل به الظن المعتبر في أنَّ مَنْ لم يُعْرَف حاله من المائة فهو من الخمسة والخمسين، ولو قال المحدِّث: "أكثر مشايخي ثقات"، لما كان توثيقًا لمن لا يُعْرَف حاله منهم.
وتمام هذا البحث يأتي في الكلام على المجهول إن شاء الله تعالى (1).
****
__________
(1) لم يتمكن المؤلف من كتابة هذا البحث.
(15/34)

[ص 16] (1) فصل - 3
اختلف في حدِّ الكبيرة اختلافًا كثيرًا، ومن أحبَّ الاطلاع على ذلك فليراجع كتاب "الزواجر" (2) لابن حجر المكي.
وقد وردت الأحاديث في النصَّ على بعض الكبائر، وثبت بالأدلة أن من الذنوب الأخرى ما هو أشدُّ من بعض النصوص أو مثله، فالمدار على الاجتهاد.
****

فصل - 4
اشتهر بين أهل العلم أنّ الإصرار على الصغيرة يصيّرها كبيرة، وقال جماعة: كالكبيرة في ردِّ الشهادة والرواية, وقيَّده جماعة بالإصرار على كثير من الصغائر، بحيث تصير معاصي الرجل أغلب من طاعاته، لنصِّ جماعةٍ من الأئمة كالشافعي وغيره على أنَّ من غلبت طاعاتُه معاصيه فهو عدل. وعبارة الشافعي: "لا أعلم أحدًا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليه السلام، ولا عُصِي الله فلم يُخْلَط بطاعته، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرَّح". أسنده الخطيبُ في "الكفاية" (ص 79) وذكر هناك أقوالًا أخرى في هذا المعنى، وبَسَط الكلامَ فيه ابنُ حجر المكي في "الزواجر" (2/ 187).
__________
(1) عدنا إلى هذا الموضع (ص 16) بإشارة المؤلف في آخر (ص 44).
(2) (1/ 4 - 10).
(15/35)

[ص 17] أقول: قد يصعب الحكم على من يجتنب الكبائر كلها بأنَّ الغالب عليه المعصية، والغالب على من يستكثر من الصغائر إلى ما يقارب هذا الحدّ أنه لا يسلم من بعض الكبائر، وفي "الصحيحين" (1) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه". فالصغائر حِمَى الكبائر، فمن وقع في الصغائر إلى الحدِّ المتقدّم ذِكْره فالغالب أنه يقع في الكبائر، والله أعلم.
فان فُرِضَ أنه لم يوقَفْ له على كبيرة فقد يقال: يجعل حكمه حكم مرتكب الكبيرة؛ لما تقدَّم أنَّ الغالب أنه لا يسلم منها.
****

فصل - 5
عدُّوا مما يُسْقط العدالة: صغائر الخِسّة، ومثَّلوه بالتطفيف بحبَّةٍ، وسرقة باذنجانة. وكذلك قالوا في الرشوة، وأكل مال اليتيم، والغصب، وجزم كثيرون بأنَّ هذه كلّها كبائر، سواء وقعت في كثير أو قليل. راجع "الزواجر" (1/ 221).
أقول: الظاهر أنها كبائر، وعلى فَرْض أنها صغائر فالغالب أن صاحبها لا يسلم من الكبائر؛ لأنَّ مَنْ لم يمنعه دينه وإيمانه وتقواه من المعصية لتحصيل منفعة تافهة، فَلأَنْ لا يمنعه ذلك من تحصيل ما هو أعظم منها = أولى
__________
(1) البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(15/36)

وأحرى. قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]. [ص 18] أي أنّ منهم من هو عظيم الأمانة، حتى لا يغلب هواه وشهوتُه أمانتَه ولو عَظُمت المنفعةُ التي تحصل له بالخيانة. والقنطار جاء عن الحسن البصري: أنه ملء مَسْك ثور ذهبًا (1).
ومنهم من ليس عنده من الأمانة ما يغلب به هواه وشهوته في اليسير كالدينار، أي: وإذا كان هواه وشهوته يغلبان أمانته في الدينار فأولى من ذلك أن يغلباها فيما هو أكثر منه.
[ص 19] ومما يلتحق بهذا الفرع: تقبيل الأجنبية، أو معانقتها على رؤوس الأشهاد، ويظهر - والله أعلم - أنه كبيرة من جهة المجاهرة بالفحش. وفي "الصحيحين" (2) وغيرهما: "كلُّ أُمتي مُعافى إلا المجاهرين ... " الحديث.
وفي المجاهرة بالمعصية عدة مفاسد، منها: حَمْل الناس على فعل مثلها.
وفي "صحيح مسلم" (3): " ... ومن سنَّ في الإِسلام سنةً سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
__________
(1) انظر "معاني القرآن": (1/ 383) للز جاج، و"المفردات" (ص 677) للر اغب الأصبهاني.
(2) البخاري (6069)، ومسلم (2990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) (1017) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
(15/37)

ومثل هذا الفعل ظاهر في انتفاء الحياء أو ضعفه. وفي "الصحيح" (1): "إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت".
ومعناه - والله أعلم - إذا فقد الإنسان الحياء صنع ما شاء، أي: فالظنُّ به أنه لا يحجم عن ارتكاب كل ما تدعوه إليه نفسُه (2).
****

[ص 20] فصل - 6
اشتهر بين أهل العلم: أنّ ممّا يخرم العدالة: تعاطي ما ينافي المروءة، وقيَّده جماعةٌ بأن يكثر ذلك من الرجل، حتى يصير إخلاله بما تقتضيه المروءة غالبًا عليه، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: "ليس من الناس أحدٌ نعلمه - إلا أن يكون قليلاً - يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة، فإذا كان الغالب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قُبِلَت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادتُه". "مختصر المزني - بهامش الأم": (5/ 256) (3).
أقول: ذكروا أنّ المدار على العرف، وأنه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يعدُّ الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع مِنْ رجل من أهل
__________
(1) أخرجه البخاري (3483، 3484) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.
(2) انظر "فتح الباري": (6/ 523).
(3) (5/ 310 - طبعة المعرفة).
(15/38)

العلم، لا إذا كان من تاجر - مثلًا -. وقد يُعدّ ذلك الفعل مِنْ مِثْل ذلك الرجل خرمًا للمروءة في الحجاز - مثلًا - لا في الهند. وقد يُعدّ خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء. أو يعدُّ خرمًا في عصر ثم يأتي عصرٌ آخر لا يعدُّ فيه خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يعدُّه أهلُ العرف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون - مع صرف النظر عن عرف الناس - مطلوبًا فعله شرعًا، وجوبًا أو استحبابًا.
الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
[ص 21] فأمّا الأول، فلا وجه للالتفات إلى العرف فيه؛ لأنه عُرْفٌ مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعل رجل حفظًا لمروءته في زعمه، كان أحقّ بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأمّا الثاني، فالعرف فيه معاضد للشرع، فالاعتداد به في الجملة متجه؛ إذ يقال في فاعله: إنه لم يستحيِ من الله عَزَّ وَجَلَّ ولا من الناس، وضعف الحياء من الله عَزَّ وَجَلَّ ومن الناس أبلغ في الذمِّ من ضعف الحياء من الله عزَّ وجلَّ فقط، وقد مرَّ حديث "كلُّ أُمّتي معافَى إلا المجاهرين" (1).
__________
(1) سبق (ص 35).
(15/39)

وأمّا الثالث فقد يقال: يلتحق بالثاني؛ إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي: تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
[ص 22] هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه، بأن كان مجتنبًا الكبائر وكذا الصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يُلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصوّر فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فَرْض إمكان ذلك، فقد تبيّن من قوَّة إيمانه وتقواه وخوفه من الله عزّ وجلَّ ما لا يحتاج معه إلى معاضدة خوفه من الناس، بل يظهر في هذا أنّ عدم مبالاته بالنّاس إنما هو من كمال إيمانه وتقواه.
وأمّا من كثر منه ارتكاب الصغائر، ومع ذلك كثر منه مخالفة المروءة، ولم يبلغ أن يقال: إن معاصيه أغلب من طاعاته = فهذا محلُّ النظر، وفَصْل ذلك إلى المعدِّل؛ فإن كان يجد نفسه غير مطمئنة إلى صدقه، فليس ممن يُرْضى، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].
****

فصل - 7
التفسيق مَنوطٌ بالإثم، فمن ارتكب مفسِّقًا جاهلاً أو ناسيًا أو مخطئًا فلم نؤثَّمْه لعذره فكذلك لا نفسِّقُه. راجع كلام الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم" (6/ 210).
****
(15/40)

فصل - 8
[ص 23] ما تقرّر في الشرع أنه كبيرة إذا وقع من الإنسان فلتة، كمن أغضبه إنسان فترادّا الكلامَ حتى قذفَه على وجه الشّتْم، ففي الحكم بفسقه نظر؛ لأن مثل هذا قد لا يوجب سوء ظن الناس بالمشتوم، فإن سامع مثل هذا قد يفهم منه الشتم فقط، لا أن الشاتم يثبت نسبة الفاحشة إلى المشتوم.
والذي يدفعُ الإشكالَ من أصله أن يتوب ويستغفر، فعلى فرض أنها كبيرة فقد تاب منها، وقد تقرّر في الشرع أن التوبة تجبُّ ما قبلها، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا يُحْمَل ما روي عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة: أنه ذَكَر أبا الزبير: محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس وسماعه منه قال: "فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟! قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك شيئًا". ذَكَر هذا في ترجمة أبي الزبير في "التهذيب" (1). لكن قال في ترجمة محمَّد بن الزبير التميمي: "وأسند ابنُ عديّ من طريق أبي داود الطيالسي قلت لشعبة: مالَك لا تحدِّث عن محمَّد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجل فافترى عليه، فقلت له، فقال: إنه غاظني" (2).
واتفاق القصة لكلٍّ من الرجلين: محمَّد بن الزبير، ومحمد بن مسلم أبي الزبير ليس بممتنع، لكن تقارب الاسمين يقرب احتمال الخطأ، والله أعلم.
__________
(1) "تهذيب التهذيب": (9/ 442). وانظر لتحقيق حال أبي الزبير "عمارة القبور - المبيضة" (ص 77 - 81) و"المسوّدة" (ص 82 - 87) للمؤلف.
(2) المصدر نفسه: (9/ 167).
(15/41)

[ص 24] وفي ترجمة أبي حُصَين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي من "التهذيب": "وقال وكيع: كان أبو حصين يقول: أنا أقرأ من الأعمش، فقال الأعمش لرجل يقرأ عليه: اهمز الحوتَ، فهمزه، فلما كان من الغد قرأ أبو حصين (1) في الفجر (نون) فهمز الحوتَ، فقال له الأعمش - لمّا فرغ -: أبا حصين كسرتَ ظهرَ الحوت! فقذفه أبو حصين، فحلف الأعمش ليحدَّنّه، فكلَّمَه فيه بنو أسد فأبى، فقال خمسون منهم: [والله لنشهدنَّ أن أمه كما قال.] (2) فغضب الأعمش وحلف أن لا يساكنهم وتحوَّل عنهم" (7/ 127).
أقول: هذه الرواية منقطعة؛ لأنّ أبا حصين توفِّي قبل مولد وكيع أو بعده بقليل على اختلاف الروايات في ذلك (3).
فإن صحَّت، فهمز الحوت معناه أن يقال: "الحؤت" بهمزة بدل الواو، وهي لغة قد قرأ ابن كثير {بِالسُّؤْقِ وَالْأَعْنَاقِ} (4) [ص: 33] قالوا: "وكان أبو حيَّة النُّميري يهمز كلَّ واوٍ ساكنة قبلها ضمة" (5) "روح المعاني": (7/ 354).
فكأنّ أبا حصين ظنَّ أنَّ مراد الأعمش بقراءة "الحوت" مهموزًا إظهار
__________
(1) بعده في الأصل، والتهذيب: "قرأ". خطأ.
(2) سقط من الأصل والتهذيب، والاستدراك من "تاريخ دمشق": (38/ 413)، و"السير": (5/ 414).
(3) في سندها أيضًا محمَّد بن يزيد أبو هشام الرفاعي. ضعيف.
(4) انظر "المبسوط" (ص 279) لابن مهران.
(5) وانظر "المحرر الوجيز": (4/ 262)، و"البحر المحيط": (7/ 59)، و"الدرّ المصون": (8/ 619)
(15/42)

أنه يعرف ما لا يعرف غيره، فقرأ بها أبو حصين إعلامًا بأنه يعرفها.
فأما القذف فلم يُرِد به أبو حصين الإثبات، وإنما هو شتم جرّ إليه الغضب، ولم يلتفت أحدٌ من أئمة الحديث والفقه إلى هذه القصة، بل احتجّوا بأبي حُصين، وأطابوا الثناء عليه.
****

[ص 25] فصل - 9 في المبتدع
البدعة التي جَرَت عادتُهم بالبحث عن صاحبها عند الكلام في العدالة، هي البدعة في الاعتقاديات وما بُني عليها أو أُلْحِق بها.
وأهلُ العلم مختلفون في هذا الضرب من البدعة أيكون جرحًا في عدالة صاحبه؟ والذي يظهر لي أنه ينبغي أولاً النظر في أدلة تلك المقالة، ثم في أحوال الرجل وأحوال عصره وعلاقته بها، فإن غلب على الظن - بعد الإبلاغ في التثبُّت والتحرّي - أنه لا يخلو في إظهاره تلك المقالة عن غَرَض دنيوي من عصبية، أو طَمَع في شهرة، أو حبّ دنيا، أو نحو ذلك = فحقّه أن يُطْرَح، وكذلك إن احْتُمِل ذلك احتمالًا قويًّا بحيث لا يغلب على ظنِّ العارف به تبرئته ممّا ذُكِر.
وإن ظهر أنه أنّما أداه إليها اجتهادُه، وابتغاؤه الحقَّ، وأنه حريص على إصابة الحق في اتباع الكتاب والسنة، فلا ينبغي أن يُجْرَح بمقالته، بل إن ثبتت عدالتُه فيما سوى ذلك، وضبطُه، وتحرِّيه، نُظِر في درجته من العلم والدين والصلاح والتحري والتثبُّت. فإنْ كان عالي الدرجة في ذلك احتجَّ
(15/43)

به مطلقًا، وإلا فقد قيل: يُقبل منه ما لا يوافق مقالته، ويتوقَّف عما يوافقها لموضع التهمة.
وليس هذا بشيء؛ لأنه إن كان حقيقًا بأن يُتَّهم في شيء من روايته بما ينافي العدالة فلم تثبت عدالته، وقد شرحت هذا في "التنكيل" (1).
****

[ص 45] فصل - 10 في المُعَدِّل والجارح
أما المعدِّل: فشرطه أن يكون في نفسه: بالغًا، عاقلاً، عدلاً، عارفًا بما يُثبت العدالةَ وما ينافيها، ذا خبرة بمن يعدِّله. ولا بدّ أن يكون متيقِّظًا، عارفًا بطباع الناس وأغراضهم (2).
وهل يكفي الواحد؟ اختلف في ذلك:
فقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: لا بد من ثلاثة، واحتجَّ بما في "صحيح مسلم" (3) من حديث قَبيصة بن المُخَارق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن المسألة لا تحلّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمّل حَمالة ... ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قَوامًا من عيش".
__________
(1) (1/ 71 - 86). وكان المؤلف قد كتب: "تعزيز الطليعة" ثم ضرب عليها وكتب ما هو مثبت.
(2) تحتمل: "أعرافهم" وما أثبته أقرب.
(3) (1044).
(15/44)

قال أبو عبيد: "وإذا كان هذا في حقِّ الحاجة فغيرها أولى". "فتح المغيث" (ص 123) (1).
أقول: وممّا يساعده أنَّ العدالة تتعلق بما يخفى من حال الإنسان كالحاجة، ولكن يَرِد عليه أمور:
منها: أنّ هذا الحديث تفرّد به عن قبيصةَ كنانةُ بن نعيم، ولم يعدِّله ثلاثة تعديلاً سالمًا (2) وإنما قال ابن سعد (3): "وكان معروفًا ثقة إن شاء الله " فلم يجزم. ووثَّقه العجلي، وسيأتي في بحث المجهول أنَّ في توثيقه نظرًا، وأن مذهبه قريب من مذهب ابن حبان. ووثَّقه ابنُ حبان، ومذهبه معروف في التسامح، ويأتي بيانه أيضًا (4). فإذا عدَدْنا إخراج مسلم لحديثه توثيقًا، فلم يسلم له إلا مسلم.
[ص 46] الأمر الثاني: أنّ هؤلاء كلّهم لم يدركوا كنانة، وإنما وثَّقوه بناء على مذاهبهم: أن من روى عنه الثقات، ولم يُجْرَح، ولم يأت بمنكر، فهو ثقة، وسيأتي الكلامُ في هذا إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: ظاهر الحديث أنه لا يحلّ للمحتاج المسألة حتى يقوم ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه فيخبروا أنه نزلت به فاقة، ولا يُعْرَف أحدٌ قال بهذا، بل مدار الحلِّ عند أهل العلم على نفس الحاجة، فإن احتاجَ في نفسه
__________
(1) (2/ 8 - 9).
(2) "تعديلًا سالمًا" كتبت فوق السطر بخط غير واضح فلعلها ما أثبت.
(3) "الطبقات": (9/ 226).
(4) لم يتسنَّ للمؤلف كتابة هذا المبحث هنا، وقد تكلم عن توثيق العجلي وابن حبان في "التنكيل": (1/ 113 - 114، ورقم 200).
(15/45)

إلى المسألة حلَّت له، ولا نعلم أحدًا تكلَّف العملَ بهذا. وليس هذا من ردِّ السنة بعدم العمل بموافق لها، أو عامل بها، وإنما المقصود أنَّ مثل هذا قد يُسْتنكر فيصير الحديث منكرًا، فيقدح في راويه - أعني كنانة بن نعيم - مع قِلَّة ما له من الحديث، ومع أنّه في حديثه هذا شيء من الاختلاف:
فرواه حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة، كما مرَّ.
ورواه ابنُ عيينة عن هارون فقال في أوله: "إن المسألة لا تصلح" وقال مرة: "حرمت" أخرجه أحمد في "المسند" (3/ 475) (1).
ورواه إسماعيل بن عُلَيّة، عن أيوب، عن هارون فلم يذكر محلَّ الشاهد أصلاً، بل قال: "إنّ المسألةَ لا تحلّ إلا لثلاثة ... ورجلٌ أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قَوامًا من عيش" أخرجه أحمد في المسند (5/ 60) (2).
[ص 47] الأمر الرابع: أنَّ مقتضى حَمْل الشاهد والمخبر على المحتاج أن لا يحلَّ أن يشهد أحدٌ أو يخبر حتى يعدِّله ثلاثة، وهذا لا قائل به، ولا يعلم واحد - فضلاً عن ثلاثة - عدَّل كنانةَ قبل أن يخبر.
الأمر الخامس: أنّ الأولوَّية التي ادّعاها أبو عبيد غير ظاهرة، بل الصواب عكس ما قال، وبيان ذلك: أن الحكمة في تحريم المسألة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحِجا من قوم مَن يريد المسألة هي:
أولاً: منع أهل الستر عن المسألة بدون حاجة؛ لأن أحدَهم يرى أنه لو
__________
(1) رقم (15916).
(2) رقم (20601). لكن رواه اثنان عن ابن عُليّة بالشاهد عند الطبراني في "الكبير" (15337) قال: واللفظ لحديث ابن عُليّة.
(15/46)

اسْتَشهد ثلاثةً من قومه لا يشهدون له، وإن أقدم على المسألة بدون شهادة، كان عند الناس أنه أقدم على محرَّم، وهو يكره ذلك لحبّه السِّتْر.
وثانيًا: شَرْع طريقٍ يُرجى أن يستغني بها المحتاج من أهل الصلاح أو الستر، فلا يحتاج إلى المسألة البتة، وإيضاحه: أنه لا يقدم على المسألة بدون استشهاد، فيضطرّ إلى أن يطالب ثلاثة من ذوي الحجا من قومه بأن يشهدوا له، ولا ريب أنهم إذا علموا حاجته وجب عليهم أحدُ أمرين: إما أن يقوموا فيشهدوا، وإما أن يواسوه من أموالهم بما يغنيه عن المسألة. ولعلّ هذا الثاني يكون أيسر عليهم؛ لأنهم يرون أنّ اقتصارهم على أن يقوموا فيشهدوا يحمل الناس على أن يَرْموهم باللؤم، ويقول الناس: أما كان في أموال هؤلاء الثلاثة متَّسَع لأن [ص 48] يواسوا ابنَ عمّهم بما يسدّ فاقته إلى أن يجد قوامًا من عيش؟ ولهذا - والله أعلم - شَرَط في الحديث أن يكونوا من قومه، وأن يكونوا من ذوي الحجا، وأن يكونوا ثلاثة؛ لأن الغالب أن الثلاثة لا يكونون كلهم فقراء أو لؤماء.
وعلى فرض أنهم قاموا فشهدوا، فالغالب أن قومه عندما يسمعون شهادة الثلاثة من ذوي الحجا فيهم، يجمعون له ما يكفيه بدون أن يحتاج إلى مسألة، وعلى هذا فقد أغنى الله عَزَّ وَجَلَّ ذلك المحتاج بدون مسألة؛ لأن مطالبته الثلاثة بأن يشهدوا ليست مسألةً لهم، وإظهاره الحاجة ليس بمسألة صريحة، وإظهاره العزمَ على المسألة ليس بمسألة، فتدبَّر.
وليس في الشهادة والإخبار أثر لهذا المعنى، على أن المحتاج مضطر إلى أن يستشهد الثلاثة، فلا يكون في اشتراط ذلك مفسدة، والشاهد والمخبر غير مضطرين إلى الشهادة والإخبار. بل إن شَرَط أن يتقدّم تعديل الثلاثة على
(15/47)

الشهادة والإخبار - كما هو مقتضى حملهما على المسألة كما مر - وَجَد الشاهدُ عذرًا لعدم حضوره إلى الحاكم، وأما المخبر فيجد عذرًا لكتمانه العلم.
[ص 49] وقال جماعة: لا بد من اثنين، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص 123) (1): حكاه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية صفة فيحتاج في ثبوتها إلى عدلين. كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياسًا على الشاهد بالنسبة لما هو المُرَجَّح فيها عند الشافعية والمالكية، بل هو قول محمَّد بن الحسن، واختاره الطحاوي".
وعارض الخطيب في "الكفاية" (ص 47) هذا القياس بقياس آخر حاصله: أنه لا يكفي في شهود الزنا إلا أربعة، ومع ذلك اكْتُفِيَ في إثبات الإحصان الذي به يثبت الرجمُ باثنين، وقد اكْتُفِيَ في الأخبار بواحد، والعدالة صفة كالإحصان، فيجب أن يُكْتَفى في إثباتها بدون ما اكْتُفِيَ به في الأخبار، إلا أنه غير ممكن.
وكأنّ الخطيبَ عَدَل عما هو أوضح من هذا خوفَ النقض؛ وذلك أنَّ أوضح من هذا أن يقال: لم يكتف في عدد شهود الزنا بأقلّ من أربعة واكْتُفِيَ في عدد مزكِّيهم باثنين اتفاقًا وبواحد عند قوم، فقياس ذلك أن يكفي في عدد مزكّي المُخبِر دون ما يكفي في عدد المخبر.
ونقضُه أن يقال: قد اكتفى قوم في الأموال بشاهد ويمين، ولم يكتفوا في تعديل [ص 50] هذا الشاهد إلا باثنين.
__________
(1) (2/ 8).
(15/48)

وهذا كلّه جعاجع، والصواب إنما هو النظر في النصوص، فإن وُجِد فيها دلالة بيِّنة فذاك، وإلا نُظِر في التعديل أشهادة هو أم خبر؟ أم شهادة في تعديل الشاهد وخبر في تعديل المخبر؟ فإن تعيَّن واحدٌ من هذه الثلاثة فذاك، وإلا نُظِر في الحكمة التي لأجلها فرّق الشارع بين الشهادة والخبر، ثم ينظر في التعديل أمثل الشهادة في تلك الحكمة، أم كالخبر؟ فهذه ثلاثة مسالك.
فأما النصوص فهاكها، فمنها حديث "الصحيحين" (1) عن أنس في الثناء على الميّت وفيه: مُرَّ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وجبت"، ثم مَرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت [له] الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
ولهما (2) من طريق أبي الأسود عن عمر نحو هذه كقصته، فقال أبو الأسود: فقلت: وما "وجبت" يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أيُّما مسلم شهد له أربعة بخبر أدخله الله الجنه"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد.
أقول: وتفسير هذا ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث أنس مرفوعًا: "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا
__________
(1) البخاري (1367)، ومسلم (949).
(2) هو في البخاري (1368) دون مسلم. وأخرجه الترمذي (1059)، والنسائي (1934).
(15/49)

يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون" (1). ذكره الحافظ في "الفتح" (2) وإيضاحه: أن في "الصحيحين" أيضًا عنه صلى الله عليه وآله وسلم [ص 51]: "كلُّ أُمتي معافى إلا المجاهرين" (3). وعقَّبه البخاري (4) بحديث ابن عمر مرفوعًا: "يدنو أحدُكم من ربه حتى يضع كَنَفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم".
وفي معنى هذا أحاديث أخرى في أنَّ من ستره الله عزَّ وجلَّ من المؤمنين في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.
ومن السرِّ في ذلك - والله أعلم - أن الإنسان إذا أظهر المعصية كان ذلك مما يجرِّئ الناسَ عليها، أولاً: لأنه يكثر تحدّثهم بها فتتنبَّه الدواعي إلى مثلها (5)، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
وثانيًا: لأنه إذا لم يُعاجل بالعقوبة هانت على الناس.
ثالثًا: لأن العاصي يتجرأ على المعاصي بعد ذلك؛ لأنه كان يخاف أولاً
__________
(1) أخرجه أحمد (13541)، وابن حبان (3026)، والحاكم: (1/ 534).
(2) (3/ 231).
(3) تقدم تخر يجه.
(4) (6070).
(5) تحتمل: "فعلها".
(15/50)

على شرفه وسمعته، وبعد الفضيحة لم يبق ما يخاف عليه، بل يقول كما تقول العامة: "يا آكل الثوم كل وأكثر".
رابعًا: أنه يحرص على أن يدعو الناس إلى مثل فعله؛ ليشاركوه في سوء السمعة، فتخف الملامة عنه.
خامسًا: يخرج بذلك عن قول الله عزَّ وجلَّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] , لأنه إن أمر بمعروف أو نهى عن المنكر، قيل له: ابدأ بنفسك ألم تفعل كذا وكذا.
سادسًا: يكون سببًا لعدم إفادة أمر غيره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأن [ص 52] مَن يُؤمر أو يُنهى يقول: لستُ وحيدًا في هذا، قد فعل فلان كذا، وفلان كذا، وأنا واحد من جملة الناس.
سابعًا: أن ذلك يقلِّل خوف الناس من الله عزَّ وجلَّ، يقول أحدهم: أنا من جملة عباد الله العاصين، هذا فلان وهذا فلان وذاك فلان، وقد تقدم في فصل (5) (1) حديث: "ومن سنَّ في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده".
وفي "الصحيحين" (2): "لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سنّ القتل".
وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25].
__________
(1) (ص 37).
(2) البخاري (3335)، ومسلم (1677) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(15/51)

وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يصح أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول معًا، فيدخل فيه أن المتبوع يحمل من أوزار مَن تَبِعه وإن لم يعلم بأنهم يتَّبِعونه، كما أنَّ ابن آدم الأول لم يكن يعلم بمن سيستنّ به في القتل.
وليس ما تقدَّم بمخالفٍ لقول الله عزَّ وجلَّ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 38]. وما في معناها؛ لأن التحقيق أنَّ المتبوع إنما عُذِّب بوزره. وبيان ذلك: أنّ أصل الإثم في المعصية مَنوطٌ بتعمّدها، وأما زيادة قدره فمَنوطٌ بما ينشأ عنها من المفاسد. ألا ترى لو أنّ ثلاثة صوبوابنادقهم إلى ثلاثة قاصدين [ص 53] رميهم، ثم أطلقوابنادقهم، أنّ أصل الإجرام قد وقع من كلٍّ منهم، وأما زيادة مقداره فموقوف على ما ترتَّب على ذاك الفعل، فلو أخطأ أحدهم، وأصاب آخر فجَرَح، وأصاب الثالث فقَتَل، لكان جرم الثالث أغلظ من جرم الثاني، وجرم الثاني أغلظ من جرم الأول.
وقد حرّم الله عزَّ وجلَّّ ما حرّم ولم يفصَّل ما يترتَّب على المحرَّمات من المفاسد، فمن علم بالتحريم ثم أقدم على الفعل، فقد التزمَ ما يترتَّب عليه من المفاسد، فدخلت كلُّها في وِزْره وإن لم يعلم بتفصيلها، فتدبّر.
هذا وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: "وغفرت له ما لا يعلمون" ظاهرٌ في أن شهادتهم إنما تنفع إذا كانت مطابقةً لعلمهم لأنه إنما يغفر له ما لا يعلمون، فإن كانوا علموا شرًّا فكتموه، وقالوا: لم نعلم إلا خيرًا أو نحو ذلك، لم ينفعه ذلك، بل يضرهم؛ لأنهم شهدوا زورًا.
وبناءُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الحكم على ثناء الناس بقوله: "وجبت" صريحٌ في أن الذين أثنوا كانوا عدولًا عنده صلى الله عليه وآله
(15/52)

وسلم، فبنى على أن شهادتهم مطابقة للواقع في أن الذي أثنوا عليه خيرًا لم يظهر منه للناس إلا الخير.
وإذا كان الإنسان بحيث لا يظهر منه لجيرانه الأَدْنين ونحوهم من أهل الخبرة إلا الخير، فهو العدل، والمثني عليه منهم بذلك مُعَدِّل له، فالمثنون [ص 54] على الميت من جيرانه وأهل الخبرة به معدِّلون له. وقد نصَّ في الحديث على أنه يكفي في ذلك الأربعة، ويكفي الثلاثة، ويكفي الاثنان، ففي هذا دليل واضح على كفاية الاثنين في التعديل.
ويبقى النظر في الواحد، فقد يقال: قد ثبت من حديث جابر وغيره أنه كان للصحابة رضي الله عنهم أن يراجعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّتين، فإذا قال الثالثة، لم يكن لهم أن يراجعوه بعدها (1). وشواهد هذا في الأحاديث كثير، فابتداؤه صلى الله عليه وآله وسلم بذكر الأربعة يشعر بالنهي عن السؤال عن الواحد، وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لعله إنما ابتدأ بالأربعة مستشعرًا أنهم سيراجعونه فيسألونه عن الثلاثة، ثم يراجعونه ثانية، فيسألونه عن الاثنين، ثم يقفون لما تقرَّرَ عندهم من المنع عن المراجعة فوق اثنتين.
وفي هذادلالة ما على أنّ ثناء الواحد لا يكفي لبناء الحكم بوجوب الجنّة، فأما وجوب الجنة في نفس الأمر فقد ظهر ممّا تقدّم أنها تجب لمن لم يَظْهر منه إلا الخير، وإن لم يثن عليه أحد، ففائدة الشهادة على هذا إنما
__________
(1) قصة حديث جمل جابر في الصحيح ليس فيها ذلك، ووقع التصريح بذلك عند أحمد في "المسند" (14846) قال: "كنّا نراجعه مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمَرَنا الثالثة لم نراجعه .. ". وانظر رسالة المؤلف في "حجيّة خبر الواحد".
(15/53)

هي لحكم (1) من يسمعها ممن لم يخبر حال الميت بمقتضاها؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم "وجبت".
وقد يحتمل أن الشهادة تنفع، فمن لم يشهدوا له في الدنيا، وكان في نفسه لم يظهر للناس منه إلا الخير، فيحتاج في الآخرة إلى أن يسأله الله عزَّ وجلَّ، كما في حديث [ص 55] ابن عمر المتقدم (2)، ثم يقول له: "إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم"، ومن شهدوا له لم يحتج إلى هذا السؤال. والعلم عند الله عزَّ وجلَّ.
وقد يُقال: إنّ قول عمر: "ثم لم نسأله عن الواحد" يُشعر بأنه لم يفهم من الحديث أنّ الواحد لا يكفي.
وأقول: إذا صحّ أنّ في الحديث إشارة إلى ذلك لم يضرها أن يتردّد فيها الصحابي.
لكن لقائل أن يقول: سلّمنا إشارة ما إلى أنه لا يكفي ثناء الواحد على الميت في الحكم له بالجنة، ولكن لا يلزم من هذا عدم الاكتفاء بتعديل الواحد للشاهد والمخبر، فإنَّ الحكمَ للميت بالجنة لا ضرورةَ إليه ولا كبير حاجة. فإذا كان من أهل الجنة ولم يحكم له الناس بذلك، لم يترتَّب على ذلك مفسدة، بخلاف الشهادات والأخبار، فإنّ الضرورة فيها قائمة، وفي ردّ شهادة العدل وخبر الصادق ما لا يخفى من المفاسد، فتأمّل.
ومن النصوص: ما وقع في قضية الإفك من سؤال النبي صلى الله عليه
__________
(1) تحتمل: "بحكم".
(2) (ص 48).
(15/54)

وآله وسلم أسامة عن عائشة، فأخبر أنه لا يعلم إلا خيرًا، وكذلك سأل بريرة، وسأل أيضًا زينب بنت جحش وكلتاهما أثنت خيرًا، وبنى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك قوله على المنبر: "من يعذرني مِن رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما عَلِمتُ على أهلي إلا خيرًا" (1).
وفي الاحتجاج بهذا نظر؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان هو نفسه خبيرًا بعائشة، وإنما استظهر بسؤال غيره؛ لئلا يقول المنافقون: إنَّه لحبِّه إيّاها ... (والعياذ بالله).
وهذا - والله أعلم - من الحكمة في تأخير الله عَزَّ وَجَلَّ إنزال براءتها.
وقال البخاري في "الصحيح" (2): " (باب إذا زكى رجلٌ رجلاً كفاه)، وقال أبو جميلة: وجدت منبوذًا فلما رآني عمر قال: عسى الغُوَير أبؤسًا، كأنّه يتهمني. [ص 56] قال عريفي: إنه رجل صالح، قال: كذاك، اذهب وعلينا نفقته".
وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ" (3)، وفيه بعد قوله "كذاك" قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حُرّ ولك ولاؤه، وعلينا نفقته.
والحجة فيه: أن عمر قَبِل تعديل التعريف وحده، وبنى على ذلك تصديق أبي جميلة في أنّ ذلك الطفل كان منبوذًا، وأقرّه في يده، ولا يقرّ اللقيط إلا في يد عدل، وحكم له بولائه، وأنفق عليه من بيت المال.
__________
(1) أخرجه البخاري (2661)، ومسلم (277) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) كتاب الشهادات، باب 16 قبل حديث (2662). معلقًا، ووصله البيهقي: (6/ 201). وانظر "فتح الباري": (5/ 275).
(3) (2155).
(15/55)

وقد أُجيب عن هذا بأنه مذهبٌ لعمر، مع أنّ أبا جميلة إما صحابي، وإما من كبار التابعين، فلا يلزم من الاكتفاء في تعديله بواحد أن يُكْتَفى بذلك فيمن بعد ذلك.
وهذا الجواب ضعيف، والظاهر أنّ هذا مذهب عمر، فإن لم يكن في النصوص ما يخالفه، ولا نُقِل عن الصحابة ما يخالفه صحّ التمسُّكُ به.
ثم ذكر البخاري (1) في الباب حديث أبي بكرة: أثنى رجلٌ على رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "ويلك قطعت عنقَ صاحبِك، قطعتَ عنقَ صاحبِك" مرارًا، ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه ولا أزكِّي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه".
قال ابن حجر في "الفتح" (2): "ووجه احتجاجه بحديث أبي بكرة: أنّه صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد؛ لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح. واعترضه ابنُ المنيِّر بأنّ هذا القدر كافٍ في قبول تزكيته، وأمّا اعتبار النصاب فمسكوت عنه. وجوابه: أنّ البخاريَّ جرى على قاعدته بأنّ النصاب [ص 57] لو كان شرطًا لذُكِر؛ إذ لا يُؤخَّر البيانُ عن وقت الحاجة".
أقول: لا يخفى حال هذا الجواب، فإنه ليس في الحديث أنّ الممدوح شهد أو أخبر، ولا أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بنى على مدح المادح
__________
(1) (2662).
(2) (5/ 276).
(15/56)

حكمًا يحتاج فيه إلى عدالة الممدوح، وليس هناك حاجة لبيان نصاب التعديل.
نعم الأشبه بدقة نظر البخاري - رحمه الله تعالى - ولُطْف استنباطه، أنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمادح: "قطعتَ عنقَ صاحبِك" ثناءً على الممدوح؛ فإنّ قَطْع العنق كناية عن الإهلاك، والمعنى كما قال الغزالي: "إنّ الآفة على الممدوح أنّه لا يأمن أن يُحْدِث فيه المدح كِبرًا أو إعجابًا، أو يتّكِل على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأنّ الذي يستمرّ على العمل غالبًا هو الذي يعدّ نفسَه مقصّرًا" ذكره في "الفتح" (1).
فكأنّ البخاري - رحمه الله - فهم أنّ المدح إنّما يقطع عنق من له عنق، والكافر والفاسق مقطوعة أعناقهما، ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "قطعت عنق صاحبك" دلالة على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قضى بأنّ للممدوح عنقًا، يخشى أن يقطعها المادحُ بمدحِه، والعنق هي العدالة، فقد تضمّن ذلك القضاء بأنّ الممدوح عدل. وهذا - على لُطْفه - لا يكفي للحجة، وفيه بَعْد ذلك أنّه ليس في الحديث أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعرف الممدوح، حتّى يُقال: [ص 58] إنّه إنّما أثبت له سلامة العنق بثناء ذاك المادح.
وأمّا المسلك الثاني: فالأقرب أنّ تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر فإن كانت ممّن جاوره وصَحِبه مدّة فظاهر أنّها خبر، وإن كانت ممّن تأخّر عنه كتعديل الإِمام أحمد لبعض التابعين فقد يُقال إنها حكم؛ لأنّ أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأئمة (2)، لبيان
__________
(1) (10/ 478)، وهو في "الإحياء": (3/ 170).
(2) تحتمل: "الأمة".
(15/57)

أحوال الرواة ورواياتهم. وقد يقال: إنّها فتوى لأنّها خبر عمّا أدّى إليه النظر والاجتهاد، وهو إن لم يكن حكمًا شرعيًّا فتُبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى.
والأقرب أنّها خبر أيضًا.
وأمّا المسلك الثالث: فقد شرحت في "رسالة الاحتجاج بخبر الواحد" (1) بعضَ ما ظهر لي من الحكمة في أنّه لا يكفي في الزنا أقلّ من أربعة شهود، وفي الدماء وغيرها بشاهدين، وفي الأموال بشاهد ويمين المدَّعِي عند قوم، والاكتفاء في الخبر بواحد. والذي يظهر من ذلك: أنّ تعديل الشاهد كالشهادة بالدماء ونحوها في أنه لا يكفي إلا اثنان، وأنّ تعديل المخبر كالخبر.
وعلى كلّ حال فخبر من عدَّلَه اثنان أرجح من خبر من لم يعدِّله إلا واحد، وإن قامت الحجةُ بكلًّ منهما، والله أعلم.
[ص 59] هذا كلّه حال المعدِّل، فأمّا الجارح فشرطه: أن يكون عدلاً، عارفًا بما يوجب الجرح إن جَرَح ولم يفسِّر، وقلنا بقبوله. واشترط بعضُهم أيضًا أن لا يكون بينه وبين المجروح عداوة دنيوية شديدة, فإنها ربما أوقعت في التحامل، ولا سيّما إذا كان الجرح غير مفسّر. وزاد غيره: العداوة الدينية، كما يقع بين المختلفين في العقائد، وقد بسطتُ القولَ في ذلك في "النقد البريء" (2).
__________
(1) (ص 28 فما بعدها).
(2) هذا العنوان القديم لكتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل". وانظر البحث فيه: (1/ 87 - 98).
(15/58)

فرع
تقدَّم أنّ من شَرْط المعدِّل أن يكون ذا خبرة بمن يعدِّله، وذكروا أنّ الخبرة تحصل بالجوار أو الصحبة أو المعاملة. ولا شكّ أنّه لا يكفي جوار يوم أو يومين، وكذلك الصحبة، وكذا المعاملة لا يكفي فيها أن يكون قد اشترى منه سلعة أو سلعتين، بل لا بدّ من طول الجوار أو الصحبة أو المعاملة مدّة يغلب على الظنّ حصول الخبرة فيها، والمدار في ذلك على غَلَبة ظنّ المزكِّي الفَطِن العارف بطباع الناس وأغراضهم.
واشتراط الخبرة بهذا التفصيل في مزكِّي الشاهد لا إشكال فيه، وإنّما الإشكال [ص 60] في تزكية الرواة، فإنّ ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدّمين غالبه من كلام من لم يُدْرِكهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة 306 يتكلّم في التابعين فيوثِّق ويضعِّف.
قد يتوهَّم من لا خبرةَ له أنّ كلام المحدِّث فيمن لم يدركه إنّما يعتمد النقلَ عمّن أدركه، فالمتأخّر ناقلٌ فقط، أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل (1).
وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل، فإنّ المتأخِّر يذكره، فإن لم يذكره مرّة ذكره أخرى، أو ذكره غيره. والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقلٌ يوافق ذلك الحكم أم لا، وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
__________
(1) وهذا التوهم ساقه المؤلف على شكل أسولة في (الرسالة الثالثة) من هذا المجموع ولم يجب عليها هناك، فخذ جوابها من هنا.
(15/59)

[ص 61] واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإن لم يرو عنه إلا بعض المتَّهمين، كابن الكلبي والهيثم بن عدي، طرحوه ولم يشتغلوا به.
وإن كان قد روى عنه بعضُ أهل الصدق، نظروا في حال هذا الصدوق، فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى: أن يكون يروي عن كلّ أحدٍ حتى من عُرِف بالجرح المسقط.
الثانية: كالأولى إلا أنه لم يرو عمّن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة: كالأولى إلا أنه لم يُعْرَف بالرواية عمّن عُرِف بالجرح، وإنّما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة: كالثالثة إلا أنّ المجاهيل من شيوخه قليل.
الخامسة: أن يكون قد قال: "شيوخي كلهم عدول" أو: "أنا لا أحدِّث إلا عن عَدْل".
فصاحبُ الحال الأولى لا تفيد روايته عن الرجل شيئًا، وأمّا الأربع الباقية فإنها تفيد فائدةً ما، تَضْعُف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن؛ كأن يوصَف التابعيّ بأنّه كان من أهل العلم، أو من سادات الأنصار، أو إمامًا في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو مؤذنًا لعمر أو قاضيًا لعمر بن عبد العزيز، أو يذكر الراوي عنه أنّه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع، كما قال الزهري.
(15/60)

وعكس هذا أن يوصَفَ الرجلُ بأنّه كان جنديًّا أو شرطيًّا أو نحو ذلك من الحِرَف التي يكثر في أهلها عدم العدالة.
[ص 62] الطريقة الثالثة - وهي أعمّ الطرق -: اختبار صدقه وكذبه بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها.
فأمّا النظر في الأسانيد، فمنه: أن ينظر تاريخ ولادته، وتاريخ وفاة شيخه الذي صرّح بالسماع منه. فإن ظهر أنَّ ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي، أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادةً أن يكون سمع منه ووعى = كذَّبوه.
ومنه: أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ، فإذا بيّنه وتبين أنّ الشيخ قد كان مات قبل ذلك = كذَّبوه.
ومنه: أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ، فإن ذكر مكانًا يعرف أن الشيخ لم يأته قط = كذَّبوه. وقريب من ذلك: أن يكون الراوي مكيًّا لم يخرج من مكة، وصرَّح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنّه لم يأت مكة بعد بلوغ الراوي سنَّ التمييز، وإن كان قد أتاها قبل ذلك.
ومنه: أن يحدِّث عن شيخٍ حيّ، فيُسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه.
فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال شيوخه ما يدلّ على كذبه، نُظِر في حال شيوخه المعروفين بالصدق، مع الشيوخ الذين زعم أنّهم سمعوا منهم على ما تقدّم. فإذا كان قد قال: حدّثني فلان أنّه سمع فلانًا، فتبيَّن بالنظر أن فلانًا الأوّل لم يلق شيخه = كذَّبوا هذا الراوي.
(15/61)

وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا، ممّن عُرِفَت عدالته وصدقه، وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون، فيكذِّبه بعضهم، ويقول غيره: إنما أخطأ هو، أو شيخه، أو سقط من الإسناد رجل، أو نحو ذلك (1).
__________
(1) هذا آخر ما وُجد من الكتاب، ولا أدري هل أكمله المؤلف أو لا؟
(15/62)

الرسالة الثانية
رسالة في أحكام الجرح والتعديل
(15/63)

[ص 29] (1) وقد عنَّ لي أن أجمع رسالة في أحكام الجرح والتعديل, ومذاهب أئمة الفن في ذلك تفصيلًا بقدر الإمكان، وأرجو إذا يسّر الله عزَّ وجلَّ ذلك أن تنحلّ به كثير من مشكلات الفن، بل أن يتيسَّر للعالم في هذا العصر السبيلُ إلى أن يعرف بالحجة والدليل درجات التابعين وأتباعهم فمن بعدهم، حتى يمكنه أن يوثّق من لم يعلم أحدًا وثقه، ويجرح من لم يعلم أحدًا جرحه.
هذا, ولست بجاهلٍ قصور باعي، وقلة اطلاعي، ولكن عسى أن يكون الله تبارك وتعالى قد أراد إظهار شيء من هذا العلم على يدي، والله على كل شيء قدير.
فإذا أتمَّ الله عَزَّ وَجَلَّ ذلك شرعتُ إن شاء الله تعالى في رسالة في أحكام الاتصال والانقطاع، ثم أخرى في أحكام الشذود والعلل. والله المستعان، وعليه التكلان.
قال الله تبارك وتعالى في صفات المنافقين: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة: 61].
قولهم: {هُوَ أُذُنٌ} معناه كما في كتب اللغة والتفسير: أنه يُكثر الاستماعَ والتصديقَ لما يقال (2). يريدون أنه يصدّق ما يُخْبَر به صدقًا كان أو كذبًا.
__________
(1) لم يتحرر ترتيب الرسالة، فابتدأناها بهذا الموضع؛ لأنه أشبه شيء ببدايتها، وأخرنا [ص 25 ب - 28 ب] إلى آخرها.
(2) الكلمة غير واضحة ولعلها ما أثبت.
(15/65)

واختلف المفسرون (1)؛ فقال قوم: المعنى أن هؤلاء كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيبلغه أذاهم، فيصدّق من بَلّغه، فيلومهم بعض المؤمنين فيما قالوه، فيجحدون، ويقولون (2): محمَّد أذن.
وقال قوم: بل المعنى أنهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويقولون: لا علينا أن نقول ما شئنا، فإذا بلغ محمدًا، فلامنا، أتيناه فجحدنا ذلك، وحلفنا له فصدَّقَنا، فإنه أذن.
والمعنى الأول هو الصواب إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} الظاهر أن الخطاب هنا عام، كأنه قيل: خير لكم أيها الناس، ويشهد له قوله فيما بعد: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}.
وخصَّ جماعةٌ الخطاب بالمؤذِين القائلين: هو أذن.
وعليه، فوَجْه كون إيمان الرسول بالله وإيمانه للمؤمنين خيرًا لهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا عرف أذاهم يَعِظُهم ويذكِّرهم، وفي ذلك أعظم الخير لهم إن انتفعوا به، فإن لم ينتفعوا فخير رفضوه.
وقوله تعالى: {يُؤمِنُ بِاللهِ} فيه معنى التصديق بما يوحى إليه، وذلك تنبيه على أن من أخبارهم التي يحاولون جَحْدها ما جاء به الوحي من عند الله عزَّ وجلَّ.
__________
(1) انظر تفسير ابن جرير: (11/ 354 - 356)، وابن عطية: (3/ 52).
(2) غير محررة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
(15/66)

وقوله: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} اتفقوا على أن المعنى: أي ويصدِّق المؤمنين، كما قالوا في قوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف في خطابهم أباهم: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] أن المعنى: وما أنت بمصدِّق لنا.
قالوا: وأصله من الأمن الذي هو طمأنينة النفس، وانتفاء الخوف عنها. فقوله: آمنت لفلان، معناه: جعلته آمنًا من تكذيبي له.
ثم قالوا: والأصل: "آمنت فلانًا"، ثم قال بعضهم: إنما يزاد اللام للتقوية. وقال غيره: بل على تضمين "آمن" معنى أذعن وسلَّم.
وقد يقال: مما حسَّن ذلك هنا: إن قولك "آمنت فلانًا"، المتبادر منه عند الإطلاق: جعلته آمنًا فقط، فإذا قيل: آمنت لفلان، عُرِف أن المراد الأمن من التكذيب.
ويلوح لي أن أصل التقدير: آمنت نفسي لفلان، أي جعلتُها آمنةً له لا تخاف كذبه، فهذا أقرب إلى إفادة التصديق من التقدير الأول، ويمكن غير ذلك.
والمقصود هنا إنما هو أن {يُؤْمِنُ لِلمُؤمِنِينً} في الآية بمعنى يصدِّقهم. وهذا لا خلاف فيه.
[ص 30 ب] (1) فقد نصّت الآية على أن تصديق المؤمنين فيما يخبرون به من صفات الحقّ التي أثنى الله عَزَّ وَجَلَّ بها على رسوله، وقد أمر أُمته باتباعه
__________
(1) ضرب المؤلف على [ص 30 أ] كاملة.
(15/67)

والتأسّي به، فكان حقًّا على الأمة تصديق المؤمنين فيما يخبرون به.

فصل
المراد بالمؤمنين في الآية إما مَنْ أظهر الإِسلام، وإما مَن أظهره ولم يعلم منه ما يريب في إيمانه، وإما مَن أظهره وظهرت دلائل إيمانه، بمحافظته على مقتضى الإيمان, ومجانبته ما يخالفه، حتى اطمأنت إليه نفوسُ من عَرَفه ويخالطه بأنه مؤمن صادق. وإما من أعْلَم الله عَزَّ وَجَلَّ رسولَه بأنه مؤمن حقًّا.
الأولان باطلان؛ لأن مجرد إظهار الإِسلام ليس بإيمان على الحقيقة، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14].
ومجرد عدم العلم بما يريب، بدون اختبار ولا مخالطة، لا يدلُّ على ثبوت الإيمان. ويؤكَّد ذلك أنه قد تقرّر في الأصول أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلَّة ما منه الاشتقاق، فإيمان المؤمنين هو العلة المقتضية لتصديقهم.
ولا شك أن فيمن كان يظهر الإِسلام من لم يؤمن، بل ومن هو منافق. والحاصلُ لهؤلاء بإظهارهم الإِسلام لا يقتضي أن لا يكذبوا، فلا يقتضى تصديقهم.
وأما الرابع: ففيه بعد؛ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ لم يكن يُطْلِع رسولَه على حال كلّ واحد في صدق الإيمان أو عدمه, بل قد قال سبحانه لرسوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101].
(15/68)

وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ} [القتال: 30].
والمعرفة بلحن القول لا يختص به صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كنا لا ننفي أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ أطلعه على بعضهم، أو على جميعهم بعد ذلك.
فالمتعيّن هو الثالث، وهو أن المراد بالمؤمنين في الآية هم الذين ظهرت دلائل الإيمان عليهم بمحافظتهم على مقتضاه، ومجانبتهم ما يخالفه، وعُرِف أن ذلك [ص 32] صار خُلقًا لهم، بحيث تطمئنّ نفوسُ عارفيهم إلى صدق إيمانهم، فيكون كلّ منهم بذلك قد آمن عارفيه، أي جعلهم آمنين من أن يقع منه ما يخالف الإيمان من كذب أو غيرهم (1)، فاستحقّ أن يؤتمن ويؤمَّن من التكذيب.
وقريب من هؤلاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: "المؤمنُ مَن أَمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم" (2).
وإنما يأمنه الناس إذا كانوا قد اختبروه فعرفوه بعدم الاعتداء والخيانة، فكذلك في الآية. والله أعلم.
ويؤكد هذا المعنى مفهوم قوله تعالى عزَّ وجلَّ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
__________
(1) كذا ولعلها: "أو غيره".
(2) أخرجه الترمذي (2627)، والنسائي (4995)، وأحمد (8931)، وابن حبان (180)، والحاكم: (1/ 10) وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط مسلم.
(15/69)

فَتَبَيَّنُوا} (1) [الحجرات: 6].
والمراد بالفاسق عندهم: أي من بان لهم أنه فاسق، فإنهم لم يكلَّفوا علم الغيب.
ومن التزم الإيمان, واستمرّ مدّةً محافظًا على ما اقتضاه، مجانبًا لما نافاه، حتى اطمأنت النفوس إلى أن ذلك خلق ثابت له، فليس بفاسق عندهم اتفاقًا. فهؤلاء هم المؤمنون في الآية الأولى، ويزيده في حق الآية وضوحًا، بل يصل درجة اليقين القاطع: ما عرف من الدلائل على وجوب العمل بخبر الواحد الثقة، وقد ذكرت كثيرًا منها في رسالة "العمل بخبر الواحد" (2). والله أعلم.

فصل
دل قوله تعالى: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} بمنطوقه، وقوله: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} بمفهومه: أن من عُرِف بالإيمان والمحافظة على ما يقتضيه، واجتناب ما ينافيه، حتى اطمأنت النفوس إلى أن ذلك خلق له، فهو حقيق بأن يصدَّق في خبره، وهو المسمى عندهم بالعدل.
ودلت الأولى بمفهومها، والثانية بمنطوقها على أن من عُثِر منه على ما يقتضي الفسق، وجب التبيُّن في خبره.
فخبر العدل بَيِّن بنفسه، وخبر الفاسق غير بَيِّن بنفسه، بل يحتاج إلى
__________
(1) في الأصل سقط من الآية {بِنَبَإٍ}.
(2) وهي مطبوعة ضمن "رسائل أصول الفقه" في هذه الموسوعة المباركة.
(15/70)

التبين، أي بالنظر، فإن وُجدت بينة على صدقه أُخذ به؛ لدلالة تلك البينة، وإلّا طُرِح.
****
(15/71)

فصل
العدالة
يقال: حَكَم عَدْل، وشَاهِد عَدْل، أي لا يخشى أن يميل عن الحق، كما يقال: هو رضًا ومأمون، أي: يرضاه الناس ويأمنونه، لثقتهم بأنه لا يجور.
فالعدل في الرواية هو من يوثَق بأنه لا يكذب؛ لأنه مسلم معروف بالاستقامة في الدين، ولزوم ما يقتضيه، واجتناب ما ينافيه من الكذب وغيره.
وقال الله عَزَّ وَجَلَّ في ما حكاه عن المنافقين، وردَّه عليهم: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة: 61].
كان هؤلاء يؤذون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بألسنتهم بأشياء يقولونها، فتبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فربما ذَكَر لهم ذلك، ووعظهم، فكانوا يجحدون ذلك، ثم يقولون لمن لقوه من المؤمنين: محمَّد أُذُن. يعنون: يقبل ما يُبَلِّغه الناس عنا ويصدِّقه، مع أننا لم نقله، فردَّ الله عَزَّ وَجَلَّ عليهم بقوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ}. يظهر أن الخطاب هنا عام، أي أُذُن خيرٍ لكم أيها الناس، بقرينة قوله بعد ذلك: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}.
فإن كان خطابًا للمؤذين فقط، فوَجْه كون قبوله لما يَبْلُغه عنهم خيرًا لهم أنه يبعثه ذلك على أن يَعِظَهم وينصحهم، وفي ذلك خير لهم إن أرادوا الانتفاع به.
(15/72)

وقول: {يُؤمِنُ بِاللهِ} تنبيه على أن من أخبارهم التي تبلغه ما يأتيه به الوحي من عند الله، وهو مؤمن بالله، فكيف لا يصدّق ما يوحيه إليه؟
وقوله: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي يصدَّقهم، كما اتفق عليه المفسرون.
فالمعنى: إن الأخبار التي تبلغه عنكم [ص 32] فيصدقها, ليست إلا من أحد هذين الوجهين:
الأول: الو حي.
الثاني: إخبار المؤمنين.
إما بمعنى: الذين آمنوه وغيره من أن يكذبوا.
وإما بمعنى: المؤمنين بالله ورسوله.
وإما بالمعنى الثاني مع الإشارة إلى المعنى الأول.
ويظهر أن هذا الأخير أرجح، فالمعنى: أنه يصدِّق المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، وظهر للرسول وغيره بطول اختبارهم ما بان به صحةُ إيمانهم، وتحرّيهم ما يقتضيه الإيمان من الصدق وغيره، وتجنّبهم ما ينافيه، فبذلك جعلوا النبيّ وغيره ممن عَرَف حالَهم لا يخافون منهم أن يأتوا ما ينافي الإيمان الراسخ من الكذب وغيره، فكما آمنوا النبيَّ وغيرَه من أن يَكْذِبوا كان من الحق أن يؤمِنَهم من أن يكذِّبهم، بل كان من الحقّ أن يصدّقهم.
فحاصل المعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما يصدق من الأخبار ما كان صدقًا، إما يقينًا وهو الوحي، وإما ظاهرًا شرعًا وعقلاً، وهو خبر من عرف إيمانه واستقامته.
(15/73)

وقد تقرر في الأصول أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذِنُ بعِلّية ما منه الاشتقاق، فكأنه قيل: وإنما يصدقهم لإيمانهم، فيفهم منه أن من ليس بمؤمن لا يحقّ أن يصدَّق.
وقد تقدم أن المراد الإيمان مع الثبات على ما يقتضيه، بحيث يحصل لمن عرف صاحبه الوثوق به، والركون إليه. وعلى هذا فيخرج الكافر والفاسق، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فنصّ على أن خبر الفاسق لا يحق أن يصدَّق، بل ينبغي التبيّن فيه، فإن وُجِدت بيّنة على صدقه، وإلّا طُرِح. والكافرُ فاسقٌ وزيادة.

فصل
جاء عن الإِمام الشافعي وغيره: أنه ليس من شرط العدل أن لا يعصي الله عَزَّ وَجَلَّ البتة، فإن هذا يؤدّي إلى أن لا تُقْبَل شهادة ولا رواية, ولا يُقام إمام ولا قاضٍ، إلى غير ذلك، ولكن المراد من كانت الطاعات أغلب عليه من المعاصي (1).
أقول: وفي كلام الشافعي وغيره أنه لا تُقْبَل شهادة من شرب الخمر، أو زَنَى، إلى غير ذلك، إلا (2) من ظهر منه شيء من ذلك ثم ظهرت توبته.
فواجبٌ حَمْل النقل الأول على هذا، أي أنّ مَن كان الغالب عليه الطاعة، وإنما تقع المعصية منه زلة، ثم يتوب منها، ثم أخرى ثم يتوب منها، فإنه يقبل، يعني عند ظهور توبته مما سبق منه من المعاصي.
__________
(1) حكاه عنه المزني في "مختصره" (5/ 310 ط المعرفة).
(2) في الأصل: "إلى" سبق قلم.
(15/74)

فأما من كان الغالب عليه المعصية، فإنه ما دام على ذلك لا تتحقق له توبة.
وفي كتب الفقه ما يوضّح هذا، وهو أن يشترط في قبول من ظهرت معصيته وتاب منها: أن تظهر توبته بأن تمضى مدةٌ يظهر منه فيها الندم على تلك المعصية، والامتناع عن العَوْد إليها، حتى يكون الظاهر أنه لن يعود.
أقول: والظاهر أنه يُغْتَفر لمن عُرِفت عدالته، وظهرت استقامته من الرواة ما قد يقع منه مما يكون الظاهر أنه وقع فلتة. فقد حكى وكيع قصةً لأبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي مع الأعمش، وفيها: أن أبا حصين قذف الأعمش [فحلف] ليحدّنّه، فكلّمه فيه بنو أسد. القصة (1).
والقذف كبيرة، ولا سيَّما لمثل الأعمش، ولكن لم يجرح أحدٌ أبا حصين بهذا، بل وثقوه، وأحسنوا الثناء عليه، فكأنهم حملوا هذا على أنه فلتة جرى على لسان الرجل عند الغضب. والظاهر أنه تاب في الحال؛ لما عُرِف من فضله وصلاحه قبل ذلك وبعد.
وجاء عن أبي داود الطيالسي عن شعبة: أنه سمع أبا الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس غاضَبَه إنسانٌ، فافترى عليه. يريدُ: فَقَذَفه (2).
لكن عندي في صحة هذا وقفة، فقد جاء عن أبي داود الطيالسي مثل
__________
(1) القصة في "تاريخ دمشق": (38/ 413)، و"السير": (5/ 415).
(2) القصة في "تهذيب الكمال": (6/ 503) و"تهذيب التهذيب": (9/ 440). وانظر ما سلف (ص 41).
(15/75)

هذا في محمَّد بن الزبير التميمي الحنظلي (1)، فلعلّ محمَّد بن الزبير هو صاحب الواقعة، ووقع الوهم في جَعْلها لأبي الزبير محمَّد بن مسلم. والله أعلم.

فصل
وذكروا أن المعاصي الصغيرة لا تخلُّ بالعدالة إلا في صورتين:
الأولى: أن تدل على الخِسّة، كسرقة تمرة، وخيانة فلس.
الثانية: أن يصرّ صاحبها عليها.
****
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب": (9/ 167). وانظر "الاستبصار في نقد الأخبار - ضمن هذا الكتاب" (ص 41) للمؤلف.
(15/76)

[ص 33] بِسمِ اللهِ الرّحَمنِ الرّحَيمِ
العدالة مباحثها مستوفاة في كتب الفقه ومصطلح الحديث، وقد نظرتُ في عدة من كتب الجرح والتعديل, فرأيتُ تصريحَ الأئمة بالجرح بالمعاصي قليلاً، وإنما أقصد في رسالتي هذه قَصْد ما تكثر الحاجة إليه، مع الحاجة إلى تحقيقه.
فمن ذلك: البدع التي لا يُحْكَم بكفر أصحابها؛ فقيل: جرح مطلقًا.
وقيل: جرح إذا كان صاحبها داعيةً، يدعوا الناسَ إلى بدعته.
وقيل: ليست بجرح مطلقًا, ولكن لا يقبل من صاحبها ما يرويه مما يوافق بدعته لمكان التهمة.
وقيل: ليست بجرح، ويقبل من صاحبها ما رواه، وإن وافق هواه.
أقول: [الذي] (1) ينبغي اختياره أن المدار على قوَّة التهمة، فالرواة على طبقات:
الأولى: من اشتهر بالثقة والصدق والأمانة، وكثر ثناء أهل العلم عليه.
فهذا ينبغي أن يُقْبل منه كلّ ما روى، وإن كان له هوً ى يدعو إليه، وروى ما يوافقه، وذلك أن الذي يغلب على الظن في مثله (2) أنه إنما يدعو لاعتقاده أنه يدعو إلى حقّ، وأنه صادق فيما رواه مما يوافق هواه، وهو من جملة ما أداه إلى ذلك الهوى.
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(2) الأصل: "مثل" سهو.
(15/77)

الطبقة الثانية: مَنْ لم يبلغ تلك الدرجة، وقد وثَّقه بعض الأئمة.
فهذا ينبغي التوقُّف عما يرويه موافقًا لهواه، ولا سيما إن كان داعية، فإن الداعية تكثر منه الخصومة، والخصومة توقع في اللجاج، واللجاج مظنة المجازفة.
فقد يتأوّل أحدهم إذا لج أنه لا حَرَج عليه في أن يكذب لنصرة ما هو الحق عنده، وقد لا يشمل الكذب، ولكن يورِّي تورية خفيَّة، ويدلِّس تدليسًا خفيًّا، وإن كان ممن يتقي التدليس في غير ذلك.
فأما الطبقة الأولى فلا يُعْرَف أحد منهم كان يخاصم ويلجّ.
الثالثة: من لم يوثق.
فهذا أولى بالاتهام، فإن كان ممن يصلح للمتابعة في الجملة، فالصالح من حديثه للمتابعة هو ما لا يُتَّهم فيه.
وبهذا أجبتُ لمَّا حُكِي لي عن بعض المتأخرين - ممن كان يُظهر التشيع بلا غلوّ شديد - أنه ناظر بعضَ العلماء من أهل السنة، واحتج بأحاديث.
فأجابه السنِّي: أنها ضعيفة؛ لأن في أسانيدها مَنْ ضعَّفه الأئمة.
فقال: إنما ضعفوه بأنه كان يتشيّع، فلي الحق أن أردّ الأحاديث التي تحتجّون بها؛ لأن في رواتها من كان يُظهر النصب، فإن ما تسميه أنت تشيعًا، أقول أنا: هو السنة في الحقيقة، وما تسميه أنت مذهب أهل السنة، أسميه أنا: نصبًا، وأقول: هو البدعة في الحقيقة.
(15/78)

قال: فقال ذلك العالم السني: إذن يسقط الاحتجاج بالأحاديث من الجانبين. هذا معنى الحكاية.
وعلى ما قدمتُه لا تسقط الأحاديث بحمد الله عزَّ وجلَّ، ولكن الإنصاف أن لا يحتج على المتشيع بأحاديث الطبقة الثانية ممن عرفوا بالسنة ولا يحتج هو بأحاديث الطبقة الثانية ممن عرفوا بالتشيُّع.
فإذا وافق على هذا، وكان الإنصاف، فما أسرع ما يكون الاتفاق، وإن أبى فقد سقطت شبهتُه، وظهرَ عنادُه.
وقد ذكرتُ هذا لبعض أهل العلم، فقال: وكيف يكون الرجل عدلاً في شيء، وغير عدل في شيء؟
والجواب: أن العدالة تتفاوت قوة وضعفًا، كما لا يخفى.
[ص 34] وقد جاء عن شريك أن رجلاً ادّعى على آخر عنده بمائة ألف دينار، فأقر، فقال: أما إنه لو أنكر لم أقبل عليه شهادة أحدٍ بالكوفة إلا شهادة وكيع وعبد الله بن نُمير (1).
يعني أن المال عظيمًا (2)، فلا تنتفي تهمة الشاهد فيه حتى يكون عظيم
__________
(1) القصة في "تاريخ بغداد": (13/ 499). وقد حكم عليها المؤلف بالانقطاع، وأجاب عنها بأنها "لو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه، فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقظهما وإنما عدّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة ... ". انظر "التنكيل": (1/ 69) و"تعزيز الطليعة" (ص 132 - 133) للمؤلف.
(2) كذا والوجه "عظيم".
(15/79)

العدالة، ولو كان ألف دينار فقط لكان بالكوفة يومئذٍ ألف عدل أو أكثر ممن تنتفي التهمة بشهادة رجلين منهم فيه.
وذكر الشافعي في "الأم" أنه ينبغي للقاضي إذا سأل عن الشهود مَنْ يطلب منه بيان حالهم أن يبين للمسؤول مقدار ما شهدوا فيه، قال: "فإن المسؤول عن الرجل قد يعرف ما لا يعرف الحاكم من أن يكون الشاهد ... وتطيب نفسه على تعديله في اليسير، ويقف في الكثير" الأم (6/ 309) (1).
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75].
يعني أن منهم من هو عظيم الأمانة حتى لو ائتمن على قنطار لأداه، ومنهم من هو ضعيف الأمانة حتى لو ائتمن على دينار واحد لخان فيه. والقنطار المال العظيم، جاء عن الحسن البصري: أنه ملء مَسْك ثورٍ ذهبًا (2).
وغالبُ المسلمين تطيب أنفسُهم ببذل الزكاة المفروضة، والسفر للحج، والقتال في سبيل الله عند رجاء السلامة، ولو كُلِّفوا أعظم من هذا ما فعله إلا قليل.
قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا
__________
(1) (7/ 508).
(2) ذكر القول في "تفسير الطبري": (5/ 259) و"تفسير ابن المنذر": (1/ 259) لكن منسوبًا إلى أبي نضرة العبدي.
(15/80)

وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [القتال: 36 - 37].
يعني - والله أعلم - لا يسألكم أموالكم كلها فرضًا محتومًا.
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66].
وقد تقرر في الشهادة أنه لا تقبل شهادة الرجل لنفسه، ولا حيث يجرّ لنفسه نفعًا، إلى غير مما هو معروف في الفقه بدون تفرقة بين الناس، حتى لو كان الرجل بغاية العدالة لما خرج عن ذلك، وعللوه بالتهمة.
وتقرر في الشريعة قبول إقرار الرجل على نفسه، وإن كان غاية في الكفر، أو الفجور، وإنما ذلك لبعد التهمة. والله أعلم.
***
(15/81)

(1) [ص 25 ب] هذا، وضبط الخبر وإتقانة يحتاج إلى التيقُّظ في ثلاثة مواضع:
الأول: عند تلقّي الخبر، فيجب على المتلقّي أن يتثبّت في حال المخبِر أنه فلان بن فلان، وفي إخباره بالخبر أنه أخبر به من لفظه جازمًا به، أو قُرئ عليه وهو منصت لا يخفى عليه من القراءة شيء حتى أقرَّ به، أو عُرض عليه مكتوبًا فتأمله حقّ التأمل، وهكذا في سائر أنواع التحمّل، كلٌّ بحسبه.
ثم يتثبّت في أخذه للخبر، فإن كتبه بإملاء الشيخ، تثبَّت في كتابته حتى يثق بأنه كتبه كما تلقَّاه، لم يزد ولم ينقص ولم يغير. ويدخل في ذلك نَقْط ما يحتاج إلى النقط، وضَبْط ما يحتاج إلى ضبط.
وإن كَتَبه مما قُرئ على الشيخ تثبَّت في المنقول عنه أنه مكتوب كما قُرئ على الشيخ، ثم في المنقول أنه كُتِب كما في المنقول عنه.
وإن حَفِظه راجع نفسه حتى يثق بأنه حفظه كما يجب، وإن اقتصر على فهمه راجع نفسه حتى يثق بأنه فهمه كما يجب، وقس على هذا.
الموضع الثاني: بين التحمّل والأداء، فإن كان مسموعه في كتاب احتاط لحفظ الكتاب، فلا يزيد فيه ولا ينقص ولا يغير، ولا يُمَكِّن منه مَن يُحْتَمل أن يصنع ذلك.
وإن كان حَفِظَه أو فَهِمَه تعاهَد حِفْظه أو فَهْمه، [ص 26] وذاكر الحفَّاظ،
__________
(1) أخرنا من هذا الموضع [ص 25 ب - 29] إلى آخر الرسالة مع تقدمه في الترقيم؛ ليتناسب مع ترتيب موضوعات الرسالة.
(15/82)

وتفطّن لمظان الاشتباه والالتباس، فاحترز منها.
الموضع الثالث: عند الأداء، فأولاً: يمرّ بفكْرِه على الموضعين الأولين ليستحضر هل تثبَّت فيهما كما يجب، ثم يتثبَّت في الإلقاءبحيث يثق بأنه ألقاه كما تلقاه.
ومن اختبر الناسَ، وعرفَ أحوالهَم، عرف أن من المؤمنين الصالحين [من] (1) تغلب عليه الغفلة، وقلّة التيقّظ، كأن ترى في زمن سفيان بن عيينة رجلاً، فيقول لك هو: أنا سفيان بن عيينة، أو يقول لك آخر لا تعرفه: هذا سفيان بن عيينة، ثم يخبرك بخبر، فتذهب فتقول: أخبرني سفيان بن عيينة.
هذا مع أنه لم يقم عندك دليلٌ يحقق أن الذي أخبرك سفيان بن عيينة حقًّا.
والضابطُ المتيقِّظ يقول في مثل هذا: لقيتُ رجلاً لا أعرفه زعم، أو قال لي رجل آخر لا أعرفه: إنه سفيان بن عيينة، فأخبرني.
هذه صورة من صور الغفلة، وصورها كثيرة، فقد تغلب الغفلة على الرجل حتى إن من يعرف حاله لا يثق بخبره ألبته، فيصير حينئذٍ في الحال (2).
ومن اختبر أحوال الناس وجدهم يتباينون في الضبط والإتقان، فقد تكون مؤمنًا صالحًا، فيلقاك رجل لا تعرفه، فيقول لك: أنا فلان بن فلان، ويخبرك بخبر، فتذهب فتقول: أخبرني فلان بن فلان.
__________
(1) الأصل: "مع" سهو.
(2) كذا، وتقدير باقي الكلام "بحيث لا تُقبل روايته" وقد كرر المؤلف هذا المعنى في الفقرة التالية.
(15/83)

ولو تيقظت لكنت تقول: لقيت رجلاً لا أعرفه، فزعم لي أنه فلان بن فلان، وأخبرني.
وقد ترى رجلاً يقرأ ورقةً على شيخ، فتذهب فتنسخ تلك الورقة، وتقول: أخبرنا الشيخ.
ولو كنت يقظًا لكنت أولاً تتفقّد حالَ الشيخ عند القراءة عليه، فلعلّه يكون ساهيًا، أو ناسيًا، ثم تتفقّد حالَ القراءة، فلعلها أن تكون فيها خلاف المقروء.
في صور كثيرة أمثال هذه يتفاوت الناس في الاحتراز منها؛ فرُبَّ مؤمن صالح لا يتهمه العارف به بكذب، ولكنه لا يثق بكثير من أخباره. فخبر هذا لعدم ضبطه في معنى خبر الفاسق الذي لا يوثق بخبره لفسقه.
وقد يكون الرجل مؤمنًا صالحًا ضابطًا, ولكن يتفق في بعض أخباره أن يكون مظنّة للغلط، وتقوم قرينة على الغلط، فيكون خبره في هذا الموضع في معنى خبر الفاسق أو أضعف منه.
وذلك أن من قضية الإيمان أن تؤمِّن الناسَ من أن تأتي إليهم ما لا يحل لك، كما في الحديث المشهور: "المؤمن مَن أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم" (1).
ومما لا يحل: الكذب، فإذا أمنت الناس من الكذب كان عليهم أن يؤمِّنوك من التكذيب.
__________
(1) سبق تخريجه (ص 69).
(15/84)

والفاسق قد أخاف الناسَ فهو خارج عن (1) نص الآية وكما هو خارج من الحديث، فخبر المؤمن بيِّن بنفسه، فلا يحتاج إلى تبين، بخلاف الفاسق. وفي هذا كالإيماء إلى أن المدار على الأمن والبيان.
وعلى هذا فإذا لم يحصل الأمن والبيان بخبر المؤمن الذي ليس بفاسق، كأنْ كان مغفّلًا يكثر وهمه وجب التبين في خبره.
[ص 27] وكذلك المؤمن الذي [ليس] (2) بفاسق ولا مغفّل إذا عرض في بعض أخباره ما يَريبُ فيه، كأن يكون مظنة خطأٍ وهناك قرينة على الخطأ، فيجب التبين في ذلك الخبر وأشباهه.
فلا سبيل إلى معرفة ما يجب قبوله من المنقول من غيره إلا بمعرفة أحوال الناقلين، ثم بمعرفة ما يوقف على مظان الخطأ وقرائنه (3).
وإذا كانت الآية مفتقرة إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان على علمائها أن يعرفوا أحوال الرواة؛ ليعرفوا من يجب قبول روايته من غيره.
وإذا كان المخبر مؤمنًا غير فاسق ولا مغفّل أو في معناه، ولم يكن هناك مظنة خطأ، ولا دلالة عليه، فخبره بيّن بنفسه، يجب قبوله منه وتصديقه فيه.
فأدى الصحابةُ رضي الله عنهم ما تحمّلوه بعضهم إلى بعض، وإلى
__________
(1) تحتمل قراءتها: "من".
(2) زيادة يستقيم بها السياق.
(3) ضرب المؤلف على أكثر الصفحة وبقي قوله: "هذا وإذا كثرت الوسائط فالمأمور به" ثم انقطع الكلام فالظاهر أنه كلام تابع للمضروب عليه أيضًا.
(15/85)

التابعين، وأدى التابعون بعضهم إلى بعض، وإلى أتباعهم، وهكذا.
وصار في وسع المتأخّر أن يعرف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتلقي ممن قبله، إلا أن المنقول اختلط فيه الحق بالباطل، والصحيح بالسقيم، فلم يكن بُدٌّ للعلماء من تمييز ذلك.
وقد أرشد الكتاب والسنة إلى طريق التمييز، وتلقّى الأئمةُ ذلك فشرحوه، وعملوا به، كلٌّ بقدر وُسْعه.
وملخص ذلك: أن المحتجّ به من الأخبار ثلاثة:
الأول: المقطوع بصحته، كالمتواتر.
الثاني: ما جمع ثلاث شرائط: أن يكون راويه عدلاً ضابطًا، وأن يكون متصلاً، وأن لا يكون شاذًّا ولا معللًا.
الثالث: ما قصر عن هذه الدرجة إذا وُجِد ما يعضده، بحيث يحصل بالمجموع ظنّ قويّ، كالحاصل بخبر من اجتمعت فيه الشرائط.
[ص 28] ومعرفة أحوال الرواة في العدالة والضبط مفتقرٌ إليها في الأضْرُب الثلاثة، أما في الثاني والثالث فواضح، وأما في المقطوع به فلأن معظم الموجود منه في الأحاديث هو ما يفيد القطع بمعونة القرائن، والعدالةُ والضبط من أعظم القرائن.
وكما يفتقر إلى معرفة ثبوت العدالة والضبط أو انتفائهما، أو أحدهما، فإنه يفتقر إلى معرفة درجة الراوي في ذلك.
أما في الضرب الأول: فلأن العدالة التامة والضبط التام أقوى مما
(15/86)

دونهما، فقد يفيد القطع خبر الثلاثة إذا كانوا تامي العدالة والضبط، ولا يفيده خبر الأربعة أو الخمسة من العدول الضابطين دون درجة أولئك.
وأما في الثاني: فليعرف الراجح، فيقدّم عند التعارض.
وأما في الثالث: فليعرف ما يصلح للشواهد والعواضد والمتابعات، ومقدار صلاحيته لذلك، فقد يصدق على ثلاثة أنهم ليسوا من أهل العدالة والضبط، بحيث لو تابعه آخر مثله لصار الخبر صالحًا للحجة.
ودرجة الثاني متوسطة بحيث لو تابعه آخر مثله لم يبلغ ذلك، بل يحتاج إلى متابعة اثنين أو ثلاثة مثلاً، وهكذا.
ودرجة الثالث بعيدة بحيث لو تابعه عشرة مثله لم يغن شيئًا، بل يقال: كأنهم تواطؤوا أو سرقه بعضُهم من بعض، أو وضعه بعضُ الدجّالين على هؤلاء فلقَّنهم، أو نحو ذلك.
وكذلك معرفة الاتصال، ومعرفة الشذود والعلة، يُحْتَاج إليها في الأضرب الثلاثة، كما يعلم بالتأمل.
وقد بلغ هذا العلم أوْجَه في القرون الأولى، ثم تباعد الناس عنه في القرون الوسطى؛ لاستغناء جمهورهم عن الاتباع بالتقليد، ومن احتاج إلى السنة من المقلدين إنما همّه نُصرة مذهبه، فينظر إلى الأحاديث المروية، فيرى منها ما يوافق مذهبه ومنها ما يخالفه، فيجتهد في تقوية ما يوافقه، وتضعيف ما يخالفه، فإذا وجد في الأصول المختلف فيها ما يساعده التزمه ونَصَره، وسعى في توهين ما يخالفه، وإن لم يجد أصلاً يساعده على هواه اخترع أصلاً وسعى في تثبيته بين أهل مذهبه على الأقل، ولهذا يكثر
(15/87)

تناقضهم حتى في الأصول.
والمقصود: أن مرتبة التحقيق في هذا الفن عزَّ وجودُها في القرون الوسطى، إلا الواحد بعد الواحد.
فأما القرون المتأخرة فصار هذا العلم نسيًا منسيًّا؛ لأن كلَّ فرقةٍ قنعت بما عندها في كتب مذهبها، وأقرت مخالفيها على ما عندهم في كتب مذهبهم. وضَعُف العلمُ جملةً، بل هُجِرت كتب السنة نفسها، فكم من كتاب من كتبها لا يوجد في مكاتب العالم منه إلا نسخة أو نسختان، ومنها ما فُقِد ألبته، إلا أنّ الاعتناء بالسنة في الجملة بقيت منه بقيّة في اليمن والهند، ثم في هذا القرن بدأ الناس يتراجعون إلى الاعتبار بالسنة شيئًا فشيئًا. ولله الحمد.
والناظرون في هذا الفن من أهل العصر فريقان:
فريق ليسوا من المعتنين بالسنة أصلاً، وإنما يضطرّ أحدُهم إلى تثبيت حديث أورده، فيتعاطى الكلام عليه.
وهؤلاء لا يُعْبأ بهم، ولا بغلطهم.
وفريق لهم عناية بالسنة في الجملة، وأكثرهم من يرى أنه إذا طالع بعضَ كتب المصطلح ك "شرح ألفية العراقي"، و"شرح تدريب النواوي"، ثم حَصَلت له نسخةٌ من "تهذيب التهذيب"، ونسخة من "لسان الميزان" فقد أخذ بناصية الفن!
وهيهات هيهات العقيقُ وأهلُه ... وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيق نُحاوله (1)
__________
(1) البيت لجرير في "ديوانه" (ص 385). وفيه:
(15/88)

وإيضاح ذلك بوجوه (1).
فصل
المجهول (2)
__________
= فأيهات أيهات العقيقُ ومَن به ... وأيهات وصلٌ بالعقيق تواصله
وبسياق المؤلف في "الصحاح": (6/ 2258)، و"اللسان": (13/ 552).
(1) هنا انقطع الكلام فلعله سقط صفحة أو أكثر.
(2) لم يكتب المؤلف تحت هذا العنوان شيئًا وأبقى باقي الصفحة بياضًا، فهل كتب المؤلف بقية المبحث في مكان آخر أم وقف به القلم هنا؟ فالله أعلم.
(15/89)

الرسالة الثالثة
إشكالات في الجرح والتعديل
(15/91)

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرّحَيمِ

مُهمّة
نَجِد أئمة الجرح والتعديل يوثِّقون كثيرًا ممن لم يروهم ولم يدركوهم، وذلك كأبان بن صالح، توفي سنة بضع عشرة ومئة، ووثَّقه ابن معين والعجليّ ويعقوب بن شيبة وأبو زُرعة وأبو حاتم. وهؤلاء كلهم لم يُدْركوه، وأكبرهم ابن معين، وإنما ولد سنة 158 أي بعد وفاة أبان بنحو أربعين سنة.
ونعجة بن عبد الله الجهني توفي سنة مئة ولم يصرح بتوثيقه غير النسائي، ومولد النسائي سنة 215. ومثل هذا كثير.
فلا يُنكَر على المتبحّر في الحديث حتى في عصرنا هذا أن يقضي للتابعي فمَن دونه بتحرِّي الصدق في الحديث والضبط له؛ وذلك بأن يتتبّع أحاديث الراوي ويعتبرها، فيجد لها أو لأكثرها متابعات ثابتة وشواهد صحيحة، وإن لم يجد للقليل منها متابعة ولو شاهدًا خاصًّا وجد لها شواهد عامة بمطابقتها القواعد الشرعية وموافقة للقياسات الجليّة، فيغلب على ظنه أن ذلك الراوي صدوق في الحديث ضابط له.
لكن بقيت إشكالات:
الأول: أننا نجد بعض الأئمة يوثّق مَن لم يُدركه مع أنه لم يقف له إلا على الحديث والحديثين، ومثل هذا لا يظهر منه صدق الراوي ولا ضبطه. وهب أنه ترجح عند النسائي صدق الراوي وضبطه لمّا وجد ثقةً قد تابعه فروى ذينك الحديثين عن شيخه كما رواهما، فما يُدريه لعل لذلك الراوي أحاديث أُخَر قد تفرّد بها, ولا يلزم من صدقه وضبطه في الحديثين صدقه
(15/93)

وضبطه مطلقًا، وهو إذا وثَّقه قَبِلَ الناسُ ذلك منه، فاحتجوا بذلك الراوي مطلقًا.
الإشكال الثاني: أن الحفَّاظ يختلفون في الرجال فقد يعتمد الحافظ في توثيق الراوي على أنه وجد له متابعًا هو ثقة عنده، وقد اطلع غيره على جرح ذلك المتابع. ومَن يجيء بعده يعتمد توثيقه ولا يشعر أنه إنما وثَّقه لظنه أن المتابع له ثقة.
الإشكال الثالث: أن الحفّاظ لا يستنكرون تفرُّد الصحابي بل ولا تفرُّد التابعي بل ولا تفرُّد الراوي عن التابعين إذا روى عن تابعيّ لم تَكْثُر الرواةُ عنه. وعلى هذا فإذا وجد أحدُ الحفَّاظ لبعض أتباع التابعين حديثين قد رواهما عن بعض التابعين الذين لم يكثر الرواةُ عنهم عن بعض الصحابة، ولم يجد ذينك الحديثين من جهةٍ أخرى = فالظاهر أنه يعتمد على الشواهد المعنوية. وقد يُخطئ الحافظ في فهم الشواهد المعنوية، فقد يكون ذانك الحديثان في القدر، ويكون مذهب ذلك الحافظ على وفق معناهما، فلا يستنكرهما، وقد يكون مذهبه خطأ. وإذا وثّق ذلك الراوي قبل الناسُ توثيقه مطلقًا.
وربما كان ظاهر الحديثين على معنى منكر، ولكن الحافظ تأوّلهما على معنى صحيح فوثَّق الراوي، فيأتي مَن بعده يحتج بهما على ظاهرهما.
الإشكال الرابع - وهو أشدها -: أنه لا يلزم من معرفة الصدق في الحديث والضبط له معرفة العدالة المطلقة، وقد تقرَّر في الفقه أن المعدِّل لا بدّ أن يكون ذا خبرة بمن يعدّله، وأيّ خبرةٍ للحافظ بمن مات قبله بزمان طويل؟!
(15/94)

فإن قيل: لعله ثبت عنده تعديل الراوي عن بعض الثقات الذين خَبَروه من أهل عصره.
قلت: هذا قد يقع وقد يُحتَمل ولكن في بعض الأفراد، فأما احتماله في جميع الموثقين فكلّا، بل من سَبَر هذا الفنّ عَلِم أنّ الأئمة كثيرًا ما يوثقون مِن عندهم بدون نقل، ولو كان هناك نقل لكان الأولى بالموثِّق أن يذكره.
ومع ذلك فهب أنه كان عند الموثّق نقل بذلك، فهذا النقل يحتاج إلى معرفة رواته، وإذا لم يُسمّهم الموثق كان إطلاقه التوثيق بمنزلة إرساله الحديث، وأكبر أمْرِه أن يكون بمنزلة قوله: "حدثني الثقة عن الثقة". وقد قالوا: إن الحديث لا يثبت بذلك فكذلك التعديل، فلو صرّح به فقال: أخبرني ثقة عن ثقة عن ثقة: أنّ فلانًا كان عدلاً، هل تثبت العدالةُ بهذا؟ (1).
__________
(1) ذكر المؤلف هذه الإشكالات ولم يجب عنها هنا، لكنه أجاب عنها في آخر رسالة "الاستبصار في نقد الأخبار - ضمن هذا المجموع" (ص 59 - 62) فلتراجع. وقد ذكرتُ ذلك وما يمكن أن يُجاب به عن بعض هذه الأسولة في المقدمة (ص 13 - 14).
(15/95)

الرسالة الرابعة
الحاجة إلى معرفة علم الجرح والتعديل
(15/97)

قال تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وعبادته سبحانه وتعالى هي طاعته، وطاعتُه هي امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فلذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وعلّمهم الكتابَ والحكمةَ، ليبينوا للناس أمرَ الله عَزَّ وَجَلَّ ونهيَه، فيكون لمن أراد أن يقوم بما خُلق لأجله سبيلٌ إلى معرفته، فيسعى في تحصيله، وذاك السعي بنفسه عبادة، وتقوم الحجة على من لم يُرِد ذلك، فيحيا من حيَّ عن بيّنة، ويَهْلِك من هلك عن بيّنة.
ولما قضى سبحانه وتعالى أن نبوّة محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وشريعتَه خاتمةُ الشرائع قضى أن تبقى محفوظةً إلى قيام الساعة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
والذِّكْر متناولٌ للسنة إن لم يكن بلفظه فبمعناه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن إنما هو حفظ ما يعلم به أمر الله عَزَّ وَجَلَّ ونهيه، وهذا ثابت للسنة.
ومَنْ أوفى بعهده من الله؟ فقد وفّى سبحانه وتعالى بعهده، فقيَّض للدين حَفَظَة، وللسنة نَقَلَة.
فإن قيل: قد اختلط بها ما ليس منها.
قلنا: أما أن تلتبس بها ألبتة بحيث لا يمكن تمييز الحق من الباطل، فلا والله.
وأما بحيث يشتبه، فيتوقف التمييز على النظر والاجتهاد، فنعم، وتلك سنة الله عزَّ وجلَّ.
(15/99)

قال الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113].
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].
وقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [خاتمة العنكبوت].
يحسب كثير من الناس أن الجهاد في تمييز الحق من الباطل في السنة قد انتهى دوره، وهم فرق:
الأولى: غُلاة المقلدين، الذين يزعمون أنه لم يبق للناس طريق إلى معرفة الشريعة إلا بأقوال أئمتهم أو القياس عليها.
الثانية: من يترقّى عن هذه الدرجة، ولكنه يزعم أنه لا طريق إلى معرفة صحاح الأحاديث من ضعافها إلا بأقوال أئمة الحديث الذين ميزوا الصحيح من غيره.
الثالثة: من يترقّى عن هذه الدرجة، ولكنه يرى أنه لا طريق إلى معرفة أحوال الرواة إلا بما قاله فيهم أئمة الحديث، كما هو مدون في كتب الرجال.
فأما الفرقة الأولى: فليس هذا مقام البحث معها.
(15/100)

وأما الفرقة الثانية: فيقال لهم: أرأيتم أولئك الأئمة أمعصومين كانوا؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فالعادة تقضي بأنهم لم يسلموا من الخطأ.
فإن قالوا: العبرة بالغالب.
قيل لهم: أفرأيتم إذا كانت الطريق لمعرفة ما غلطوا فيه موجودة، لماذا تسدونها؟
أو رأيتم ما اختلف فيه إمامان، فصححه أحدهما، وضعفه آخر؟
فإن قلتم: يُتوقّف فيه.
قيل لكم: فإذا كانت السبيل إلى معرفة المصيب منهما موجودة، لماذا تقطعونها؟
أو رأيتم ما لم يُنْقَل عن الأئمة فيه تصحيح ولا تضعيف، ومعرفة حاله ممكنة، لماذا تتركونها؟
فإن قالوا: إنما ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه لقصور عِلْم الناس، فإن غاية أحدهم أن يعرف أن رواة هذا الحديث ثقات، قد سمع كلٌّ منهم ممن قبله، وهذا وحده لا يقتضي الصحة؛ فإن شَرْط الصحيح أن يسلم من الشذوذ والعلة، ومعرفة العلل بغاية الصعوبة.
قيل لهم: أرأيتم تلك الصعوبة، أتَبْلُغ أن يُقْطَع لأجلها بأن بلوغ تلك الرتبة مستحيل؟
فإن قالوا: نعم.
(15/101)

قيل لهم: هذا خلاف قضاء الله السابق، ووعده الصادق، فإن معرفة حكم تلك الأحاديث من الدين الذي تكفَّل الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه.
وإن قالوا: أما الاستحالة فلا, ولكن بلوغها متعسّر.
قيل لهم: فهلموا إلى السعي في سبيلها، والاجتهاد في تحصيلها، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ...} الآية [العنكبوت: 69].
وأما الفرقة الثالثة؛ فيقال لهم: أرأيتم من لم يوثّق، ولم يجرَّح؟
فإن قالوا: مجهول.
قلنا: أرأيتم إن أريناكم الطريق إلى معرفة أحوال كثير من هؤلاء، أتسلكونها على ما فيها من التعب؟
أو رأيتم من قال فيه بعض الأئمة: روى عنه ثقة ولم أر في حديثه ما يدلُّ على ضعفه، أيكون هذا توثيقًا؟
فإن قالوا: لا.
قيل: فإنّ من أهل العلم مَن يقول في مثل هذا: هو "ثقة"، فمَنْ عُلِم أن هذا مذهبه، هل يُعتدّ بتوثيقه؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فلعل كثيرًا من الموثِّقين يرى هذا المذهب، فكيف تستندون إلى توثيقهم بدون أن تعرفوا مذهبهم؟
أو رأيتم ألفاظ الجرح والتعديل، هل الأئمة متفقون على معانيها؟
(15/102)

فإن قلتم: غالبًا.
قلنا: بل هناك اختلاف، لا بد لكم مِن معرفة مَن مِن الأئمة يقول بهذا ومَن منهم يقول بذاك، لتُعرف قيمة الكلمة الصادرة عن كل منهم.
أو رأيتم من اختُلِف فيه، فوثقه بعض، وجرحه بعض؟
فإن قالوا: الجرح إن كان مفسّرًا مقدّم.
قيل لهم: فهل حققتم ما هو المفسر من ألفاظ الجرح والتعديل؟ فإن الظاهر من رأيكم أن نحو قولهم: "ضعيف" غير مفسَّر، أفرأيتم من كان منهم لا يطلق هذه الكلمة إلا لمعنى ترونه جرحًا، ألا تكون هذه الكلمة من المفسَّر؟
وبالجملة، فإنه ينبغي لكم أن تبحثوا عن مذاهب أئمة الجرح والتعديل, لتعرفوا مذهب كلِّ واحد في حدّ مَن يُطلِق عليه "ثقة" وفي حدّ مَن يُطلِق عليه "ضعيف" وغير ذلك.
بل وأن تبحثوا عن الطريقة التي سلكها أئمة الحديث في تعرُّف أحوال الرواة، وتسعوا في اتباعهم فيها.
فإن قالوا: هذا صعب. كان الكلام معهم كما تقدم مع الفرقة الثانية.
وبالجملة، فإن بأهل العلم أشدّ الحاجة إلى أمرين:
الأول: تحقيق الحق فيما اختلف فيه بما يقتضي القبول أو الرد، مع السعي في معرفة رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل في ذلك، ومعرفة عادة كل إمام في استعماله ألفاظ الجرح والتعديل, في أيّ حال يطلق "ثقة"،
(15/103)

وفي أيّ حالٍ يطلق "ضعيف" إلى غير ذلك.
الثاني: معرفة الطريق التي سلكها الأئمة لنقد الرواة، ثم السعي في اتباعهم فيها.
(15/104)

الرسالة الخامسة
الأحاديث التي استشهد بها مسلم
في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء
(15/105)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأحاديث التي استشهد بها مسلم رحمه الله في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء (1)
1 - حديث هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة: "كنت أُطيِّبُ" (2).
ورواه جماعةٌ عن هشام عن أخيه عثمان عن أبيه (3).
أقول: فهذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في "مقدمة الفتح" (4) و"معرفة الحديث" للحاكم (ص 104).
2 - هشام عن أبيه عن عائشة: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف" (5).
ورواه مالك عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة (6).
في أبواب الاعتكاف "باب لا يدخل البيت إلا لحاجة" عندما روى
__________
(1) انظر مقدمة "صحيح مسلم": (1/ 31 - 33).
(2) أخرجه النسائي في "الكبرى" (4149)، والدارمي (1842)، وابن حبان (3772).
(3) أخرجه البخاري (5928)، ومسلم (1189)، والنسائي وغيرهم (2690)، وأحمد (24988)، وغيرهم.
(4) (ص 448). وانظر "التنكيل" رقم (261).
(5) مقدمة صحيح مسلم (1/ 31).
(6) في "الموطأ" (866). وعنه أخرجه مسلم (297)، وأبو داود (2467)، والترمذي (804)، وأحمد (24731).
(15/107)

البخاري (1) المتن بمعنى هذا عن الليث عن الزهري عن عروة وعَمرة، ذكر الحافظ (2) أن منهم من اختصر على عروة، ثم قال: "اتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذِكرَ عَمْرة، وأن ذِكْر عَمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد".
أقول: ويؤيد ذلك ما في كتاب الحيض من "صحيح البخاري" (3) من طريق هشام عن أبيه، وفيه من قوله: "أخبرتني عائشة أنها كانت تُرجِّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ مجاور في المسجد، يُدني لها رأسه فتُرَجَّله وهي حائض".
3 - الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة عن عائشة: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبِّلُ وهو صائم" (4).
فقال يحيى بن أبي كثير: أخبرنى أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته" (5).
أقول: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه بنزولٍ توقيرًا لعمر بن عبد العزيز وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس.
__________
(1) (2029).
(2) "فتح الباري" (4/ 273).
(3) (296).
(4) أخرجه أحمد (26196).
(5) أخرجه أحمد (25613)، والنسائي في "الكبرى" (3055).
(15/108)

4 - وروى ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر، قال: "أطعمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحومَ الخيل ... " (1).
ورواه حمَّاد بن زيد، عن عَمرو، عن محمَّد بن علي عن جابر (2).
أقول: عمرٌو ذكره ابنُ حجر في "طبقات المدلسين" (3) وقال: "أشار الحاكم في "علوم الحديث" إلى أنه كان يدلس".
أقول: عبارة الحاكم في "المعرفة" (ص 111) (4) في الكلام على المدلسين: "هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحَسَن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن الأعمش لم يسمع من أنس ... وأنَّ قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس، وأنَّ عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة".
وقد حمل الترمذي رواية حماد على الوهم، وقال: "سمعت محمدًا - البخاري - يقول: ابن عيينة أحفظ من حماد".
ولكن ذكر الحافظ في "الفتح" (9/ 513) (5) أنَّ حمادًا توبع، ثم قال:
__________
(1) أخرجه الحميدي (1309)، والترمذي (1793)، والنسائي (4328)، وابن حبان (5268). قال الترمذي بعد أن ذكر الطريق الأخرى: "ورواية ابن عيينة أصحّ، وسمعت محمدًا يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد".
(2) أخرجه النسائي في "الكبرى" (4820).
(3) (ص 88 - 89).
(4) وقع في الأصل (ص 11) سهو.
(5) (9/ 646 - السلفية).
(15/109)

"والحق أنه إن وُجِدت روايةٌ فيها تصريحُ عمرو بالسماع من جابرٍ، فتكون روايةُ حمادٍ من المزيد في متصلِ الأسانيد، وإلاَّ فرواية حمادِ بن زيدٍ هي المتصلة".
أقول: إن لم يثبت عن عَمرو ما يدلّ على التدليس غير هذا، فينبغي حملُ كلام الحاكم على الصحابة الذين لم يلقهم عمرٌو، وقد بيَّن الأئمة كثيرًا منهم، كما في ترجمة عمرو من "التهذيب" (1)، وهذا عند الحاكم تدليس كما صرَّح به.
والحق [أنه] لا يلزم من ثبوتِ هذا عن الراوي أن يُحْكَم عليه بالتدليس في شيوخه الذين قد سمع منهم. ثم يُحمل ما وقع في هذا الحديث على نحو ما تقدم في الذين قبله، وهو أن عمرًا أراد تكريم محمَّد بن علي؛ لقرابته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفضله، فروى عنه ما قد سمعه هو من شيخه، والله أعلم.
ثم رأيت في "مسند أحمد (3/ 268) (2): "ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: "كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، يعني العَزْل، قال: قلت لعمرو: أنتَ سمعتَه من جابر؟ قال: لا". والحديث في "الصحيحين" (3) من طريق عمرو عن عطاء عن جابر مصرحًا فيه بالسماع، فقد يقال: إن عمرًا إنما يفعل مثل هذا فيما سمعه نادرًا، حيث يكون قد حدَّث بالحديث على وجهه، ويكون سمعه من ثِقة متفق عليه.
__________
(1) (8/ 28).
(2) (14957).
(3) البخاري (5209)، ومسلم (1440/ 136).
(15/110)

5 - "عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عن حذيفة حديثًا، وعن أبي مسعود حديثًا, ولم يصرح بالسماع، ولا علمنا لُقِيَّهُ لهما" (1).
أقول: أما حديث حذيفة فذكر النووي أنه قوله: "أخبرني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بما هو كائن". الحديث خرَّجه مسلم (2).
أقول: أخرج أولاً (3) معناه مطولًا من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة، ثم ذكره، فهو متابعة. والحديث مشهور عن حذيفة، فإن صحَّ قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة، فالجواب أنه لمَّا لم يكن له عنه إلا حديث واحدٌ، والحديث مشهورٌ من غير طريقه عن حذيفة، لم يحتَجْ أهلُ العلم إلى الكلام فيه، بل رووا الحديثَ على أنه متابعة، فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع.
وأما حديثه عن أبي مسعود ففي "شرح النووي" (4) أنه حديث: نفقة الرجل على أهله.
أقول: والحديث في "الصحيحين" (5) من طُرُق، وفي رواية للبخاري: " ... عن عبد الله بن يزيد أنه سمع أبا مسعود ... " (6) فقد ثبت اللقاء والسماع
__________
(1) مقدمة مسلم: (1/ 33) باختصار وتصرّف.
(2) (2891/ 24).
(3) (2891/ 22).
(4) (1/ 137).
(5) البخاري (4006، 5351)، ومسلم (1002) وغيرهما.
(6) هي التي برقم (4006).
(15/111)

لهذا الحديث نفسه. راجع "الفتح" (9/ 401) (1).
6 - "أبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصَحِبا البدريِّين، ونقلا عنهم الأخبار، حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة. قد أسند كلُّ واحد منهما عن أُبيّ بن كعب حديثًا, ولا يُعلم لقاؤهما له" (2).
أقول: حديث أبي عثمان قال النووي (3): إنه قوله: "كان رجلٌ لا أعلم أحدًا أبعدَ من المسجد بيتًا منه ... " خرَّجه مسلم (4).
والجواب عنه: أن في "مسند أحمد" (5/ 133) (5): "ثنا سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن أُبيّ ... " فذكر الحديث، ثم قال أحمد: "ثنا علي بن إسحاق، ثنا عبد الله بن المبارك، أنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبيُّ بن كعب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَا إنّ لكَ ما احتسبتَ".
وهي قطعة من هذا الحديث، فثبت اللقاء والسماع (6).
[ص 2] قال النووي (7): "وأما حديث أبي رافع عنه فهو: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) (9/ 498).
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/ 34).
(3) في "شرح مسلم": (1/ 139).
(4) (663).
(5) (21213).
(6) "وهي قطعة ... " من نسخة الأنصاري، وقد أتى عليها التَلَف في النسخة التي بخط المؤلف.
(7) "شرح مسلم": (1/ 139).
(15/112)

كان يعتكف في العشر الأُخَر، فسافر عامًا، فلما كان في العام المُقبل اعتكف عشرين يومًا" رواه أبو داود (1).
أقول: لم يخرجه مسلم رحمه الله في "الصحيح"، وذلك يدلّ على توقُّفٍ له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحة يورِدُها، ويجعلَ هذه متابعةً لها، والحديث في حُكمٍ وسُنَّةٍ. وقد أنصف بذلك.
7 - "أسند أبو عمرو الشيباني، وأبو معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، كلُّ واحدٍ منهما عن أبي مسعود، خبرَيْن" (2).
قال النووي (3): "حديثا الشيباني أحدُهُمَا حديث: "جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنه أُبْدعَ بي ... "، والآخر: "جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: لك بها يوم القيامة سبعمائة"، أخرجهما مسلم (4)، وأسند أبو عمرو أيضًا عن أبي مسعود حديث: "المستشار مؤتمن" رواه ابن ماجه" (5).
أقول: ومتن الأول: "مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله".
__________
(1) (2463). وأخرجه ابن ماجه (1770)، والنسائي في "الكبرى" (3330)، والطيالسي (555)، والحاكم: (1/ 439).
(2) مقدمة مسلم (1/ 34).
(3) "شرح مسلم": (1/ 140).
(4) (1893 و1892) على التوالي.
(5) (3746). وأخرجه أحمد (22360).
(15/113)

وأما الثاني (1)، فمتنه "لتأتينَّ" أي الناقة، وكلها في فضائل الأعمال، وشواهدُ الأول من السنن الثابتة معروفةٌ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سنَّ سنَّةً حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها" (2)، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجورِ مَن تبعه" (3).
ودليل الثاني: قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261].
وللثالث شواهد من حديث جابر وابن عباس وأبي هريرة ومعناه ثابتٌ في العقول: أنَّ الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك فقد ائتمنك.
قال النووي (4): "وأما حديثا أبي معمر، فأحدهما: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة" أخرجه مسلم (5)، والآخر: "لا تجزي صلاةٌ لا يقيم الرجل صلبَه فيها في الركوع" أخرجه أصحاب السنن وغيرهم (6)، وقال الترمذي: "هو حديث حسن صحيح".
__________
(1) "وأما الثاني" ضرب عليها المؤلف سهوًا.
(2) أخرجه الترمذي (2675)، وابن ماجه (203)، وأحمد (19200) من طرق عن جرير البجلي.
(3) أخرجه مسلم (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) "شرح مسلم": (1/ 140).
(5) (432).
(6) أخرجه أبو داود (855)، والترمذي (265)، والنسائي (1026).
(15/114)

أقول: أما الحديث الأول فأخرج معه مسلمٌ عدّة أحاديثَ صحيحة تؤدّي معناه، فهو في حكم المتابعة، وأقربُ تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير (1)، فهو إذًا في معنى المتابعة.
وأما الحديث الثاني فلم يخرِّجه مسلم، ولعلّ ذلك لأنه في حُكْمٍ مختلَفٍ فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا.
ومن شواهده: حديث المسيء صلاتَه وفيه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ارجع فصلِّ فإنك لم تُصَلّ"، وهو في "الصحيحين" (2)، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصَّر بأنه لم يُقم صُلبَه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح" (3).
ومن شواهده قول زيد بن وهب: "رأى حذيفةُ رجلاً لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت، ولو متَّ مِتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - " أخرجه البخاري (4)، ولكن في الحكم له بالرفع خلافٌ، والله أعلم.
8 - قال مسلم: "وأسند عُبيدُ بن عُمير عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا، وعُبيد بن عمير ولد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -" (5).
__________
(1) أخرجه مسلم (436).
(2) البخاري (757، 793)، ومسلم (397).
(3) (2/ 220).
(4) (389).
(5) مقدمة الصحيح: (1/ 34).
(15/115)

قال النووي: "هو قولها لمَّا مات أبو سلمة، قلت: غريبٌ وفي أرض غريبة، لأبكينَّه بكاء يُتَحدثُ عنه. أخرجه مسلم" (1).
أقول: حاصله أنه بعد موت أبي سلمة جاءت امرأةٌ لتسعدها في البكاء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمرأة: "أتريدين أن تُدْخِلي الشيطانَ بيتًا قد أخرجه الله منه" فهو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابت.
9 - قال مسلم: "وأسند قيسُ بن أبي حازم - وقد أدرك زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أخبار" (2).
قال النووي: "هي حديث: "إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدَّادين" وحديث: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموث أحد"، وحديث: "لا أكاد أُدرك الصلاة مما يطوَّلُ بنا فلان" أخرجها كلها البخاري ومسلم" (3).
أقول: قال البخاري في "الصحيح" (4) في كتاب الكسوف: "حدثنا شهاب بن عَبّاد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت أبا مسعود يقول ... " فذكر الحديث الثاني.
__________
(1) شرح مسلم: (1/ 140). والحديث في مسلم (2131).
(2) مقدمة الصحيح: (1/ 34).
(3) شرح مسلم: (1/ 140).
الحديث الأول عند البخاري (4387)، ومسلم (51).
والحديث الثاني عند البخاري (1041)، ومسلم (911).
والحديث الثالث عند البخاري (90)، ومسلم (466).
(4) (1041).
(15/116)

وقال في أبواب الإمامة (1): "حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا إسماعيل، قال: سمعت قيسًا قال: أخبرني أبو مسعود ... " فذكر الحديث الثالث، فثبت اللقاء والسماع، ولله الحمد.
10 - قال مسلم: "وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر، وصَحِب عليًّا - عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا" (2).
قال النووي: "وهو قوله: "أمر أبو طلحة أمَّ سُلَيم، اصنعني طعامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه مسلم" (3).
أقول: هو عنده في كتاب الأشربة والأطعمة "باب جواز استتباع غيره" (4) ساق مسلم الحديثَ من طريق "إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة أنه سمع أنسًا"، ثم من طريق "بُسر بن سعيدٍ، حدثني أنس"، ومن طريق أخرى عنه "سمعتُ أنسا"، ثم ذكر رواية ابن أبي ليلى، فهي عنده متابعةٌ، ثم ذَكَره من طريق خمسةٍ آخرين عن أنس.
[ص 3] 11 - قال مسلم: "وأسند ربعيُّ بن خِراش، عن عِمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين. وعن أبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا. وقد سمع ربعيٌّ من عليًّ، وروى عنه" (5).
__________
(1) (702).
(2) مقدمة الصحيح: (1/ 34).
(3) شرح مسلم: (1/ 140 - 141).
(4) (2040/ 142 - 143).
(5) مقدمة الصحيح: (1/ 35).
(15/117)

قال النووي: "أما حديثاه عن عمران فأحدهما في إسلام حُصين والد عِمران، رواه عبد بن حُمَيد في "مسنده" والنسائي في كتابه "عمل اليوم والليلة" بإسناديهما الصحيحين. والحديث الآخر: "لأعطينَّ الرايةَ رجلاً يحبّ اللهَ ورسولَه" رواه النسائي في "سننه"" (1).
أقول: لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد توبع ربعيٌّ على كلًّ منهما.
قال النووي: "وأما حديثه عن أبي بكرة فهو: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على حرف جهنم" أخرجه مسلم، وأشار إليه البخاري" (2).
أقول: ذكراه في المتابعات.
12 - قال مسلم: "وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا" (3).
قال النووي: "أما حديثه فهو حديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره" أخرجه مسلم في كتاب الإيمان هكذا، وقد أخرجه البخاري ومسلم أيضًا من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري" (4).
__________
(1) شرح مسلم: (1/ 141).
(2) مسلم (2888)، وعلقه البخاري في كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (7083).
(3) مقدمة الصحيح: (1/ 35).
(4) شرح مسلم: (1/ 141).
(15/118)

أقول: أخرج مسلم (1) حديثَ أبي هريرة بمثل أبي شُرَيح، ثم أخرجَ حديث نافع عن أبي شريح (2)، فهو شاهدٌ مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبريّ سماعًا من أبي شريح.
13 - قال مسلم: "وأسند النعمانُ بن أبي عيّاش، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أحاديث" (3).
قال النووي: "الأول: "من صام يومًا في سبيل الله ... "، والثاني: "إن في الجنة شجرة ... "، أخرجهما معًا البخاري ومسلم، والثالث: "إن أدنى أهل الجنة ... " أخرجه مسلم" (4).
أقول: قال البخاري في "التاريخ" (4/ 2/ 77): "النعمان بن أبي عيّاش الزُّرَقي الأنصاري، سمع أبا سعيد الخدري ... "، وقال في "الصحيح" (5) في كتاب الرِّقاق، في باب صفة الجنة والنار: "وقال إسحاق بن إبراهيم: أنبأنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وُهيبٌ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ ... قال أبو حازم: فحدّثتُ به النعمان بن أبي عياش، فقال أخبرني (6) أبو سعيد ... "
__________
(1) (47).
(2) (48).
(3) مقدمة مسلم: (1/ 35).
(4) شرح مسلم: (1/ 141 - 142).
الحديث الأول: البخاري (2840)، ومسلم (1153).
الحديث الثاني: البخاري (6553)، ومسلم (2828).
الحديث الثالث: مسلم (188).
(5) (6553).
(6) في نسخة: "حدثني".
(15/119)

فذكر الحديث الثاني، بل رواه مسلمٌ نفسه في أوائل كتاب الجنة (1) بهذا السند نفسه، وفيه: "قال: أبو حازمٍ فحدثتُ به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري".
14 - قال مسلم: "وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا" (2).
قال النووي: "هو حديث: "الدين النصيحة"" (3).
أقول: أخرجه مسلم (4) في كتاب الإيمان, باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وذكر معه أحاديث تؤدي معناه، منها: حديث أبي هريرة: "لا تؤمنوا حتى تحابوا" (5)، وحديث جرير: "بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" (6).
وقد رُوي "الدين النصيحة" من حديث ثوبان وغيره (7)، ومعناه ثابتٌ بنصوص كثيرة، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله
__________
(1) (2827 - 2828).
(2) مقدمة مسلم: (1/ 34).
(3) شرح مسلم: (1/ 142).
(4) (55).
(5) (54).
(6) (56)
(7) من حديث ثوبان أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1184). ورُوي من حديث ابن عباس عند أحمد (3281)، ومن حديث أبي هريرة عند النسائي (4199) وأحمد (7954).
(15/120)

صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمُه" (1)، وقوله: "من غَشّنا فليس منّا" (2) إلى غير ذلك.
15 - قال مسلم: "وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا" (3).
قال النووي: "هو حديث المحاقلة أخرجه مسلم" (4).
أقول: في باب كِراء الأرض بالطعام (5)، وأخرج له عدة متابعاتٍ، وشواهد.
[ص 4] 16 - قال مسلم: "وأسند حُميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث" (6).
قال النووي: "من هذه الأحاديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" أخرجه مسلم". ثم ذكر عن الحميدي: أنه ليس للحميري عن أبي هريرة في الصحيح غيره، قال النووي: "وربما اشتبه بحُميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وقد رَوَيَا له في "الصحيحين" أحاديث كثيرة ... وليس للحميري عن أبي هريرة أيضًا
__________
(1) أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2580) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) أخرجه مسلم (101) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) مقدمة الصحيح: (1/ 35).
(4) شرح مسلم: (1/ 142).
(5) (1547).
(6) مقدمة صحيح مسلم: (1/ 35).
(15/121)

في سنن أبي داود والترمذي والنسائي غير هذا الحديث" (1).
أقول: ولم أرَ له في حديث أبي هريرة من "مسند أحمد" على طوله غير هذا الحديث على ما فيه.
قال مسلم في (باب: فضل صوم المحرم)، والترمذي في (باب: ما جاء في صوم المحرم)، والنسائي في (باب: فضل صلاة الليل) (2): "حدَّثنا (وقال النسائي: أخبرنا) قتيبة (زاد مسلمٌ والنسائي: ابن سعيدٍ)، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حُميد بن عبد الرحمن (الحميري، كذا قال مسلم والترمذي، أما النسائي فقال: هو ابن عوفٍ) عن أبي هريرة".
وقال أبو داود (3): (باب: في صوم المحرّم): "حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، قالا: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة".
وقال أحمد في "المسند" (3/ 344) (4): "ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر عن، حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة".
وأخرجه النسائي (5) عن سويد بن نصر، عن عبد الله، عن شعبة، عن أبي بشرٍ جعفر بن أبي وحشيَّة، أنه سمع حُميد بن عبد الرحمن يقول: قال
__________
(1) شرح مسلم: (1/ 143).
(2) مسلم: (2/ 821)، والترمذي: (3/ 117)، والنسائي: (3/ 206).
(3) (2/ 298).
(4) (8534).
(5) (1614).
(15/122)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... "، قال النسائي: "أرسله شعبة".
ورواه أحمد (2/ 535) (1): عن أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة، عن عبد الملك، عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي في "السنن" (4/ 291) من طريق "مسدَّدٍ، ثنا أبو عَوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمَّد بن المُنتَشِر، عن حُميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة".
وقد رواه مسلم (2) أيضًا من طريق جرير، عن عبد الملك بن عُمير، عن محمَّد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ومن طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير، قال مسلم: "بهذا الإسناد في ذكر الصيام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله".
وقد أخرجه ابن ماجه (3) من طريق "زائدة عن عبد الملك بن عمير، عن محمَّد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال: أيُّ الصيام أفضلُ بعد شهر رمضان؟ قال: شهر الله الذي تدعونه المحرَّم".
قال البيهقي: "وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو الرَّقيُّ" ثم ساقه من طريق الربيع بن نافع، عن عبيد الله، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان البجلي، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول، فذكره.
__________
(1) (10915).
(2) (1163/ 203).
(3) (1742).
(15/123)

أقول: ورجاله ثقات، ويمكن أن يكون شعبة - والله أعلم - إنما أرسله لهذا الاختلاف.
وقال البخاري في "التاريخ" (1/ 2/ 343): "حُميد بن عبد الرحمن الحميري البصري عن أبي هريرة وابن عباس ... ".
أقول: وفي الحديث نظرٌ من وجوه:
الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم ل "حميد الحميري" لقاءٌ لأبي هريرة.
الثاني: ما سمعتَ من الاختلاف.
والثالث: أنه لا يُتابَعُ عن أبي هريرة، ولا عن جُندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.
الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهدٌ - فيما أعلم- إلاَّ ما رواه الترمذي (1) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد عن علي، وقال الترمذي: "حسن غريب" (2).
وعبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن شيبةَ الواسطيَّ، قال أحمد: ويحيى: "ليس بشيء"، وقال أحمد وغيره: "منكر الحديث"، وقال مرة: "ليس بذاك، وهو الذي يُحدّثُ عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير"، وضعَّفه غيرهم أيضًا.
__________
(1) (2527).
(2) وفي نسخة "غريب" فقط.
(15/124)

والنعمان بن سعدٍ تفرَّد عنه عبد الرحمن بن إسحاق، فيما قال أبو حاتم (1)، وكذا قال البخاري (4/ 3/ 77)، كما ثبت في بعض نسخ "التاريخ". قال ابن حجر في "التهذيب" (2): "والراوي عنه ضعيف فلا يحتجُّ بخبره".
أقول: وذكره ابن حبان في "الثقات" (3) والثقة عنده: مَن روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يروِ منكرًا. وهذا الشرط مع تساهله مفقودٌ هنا؛ لأنّ الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مرَّ.
الخامسُ: أن الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن يصومُ شهرًا كاملًا إلا أنه كان يكثرُ الصيامَ في شعبان، والله أعلم.
__________
(1) "الجرح والتعديل": (8/ 446).
(2) (10/ 453).
(3) (5/ 472).
(15/125)

الرسالة السادسة
رسالة في الصيغ المحتملة للتدليس
أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
(15/127)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم - رحمكم الله - في قول المحدث: "عن فلان" أو "قال فلان" أو "ذكر فلان" ونحوها من الصِّيَغ المحتملة للتدليس، أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
فإن قلتم: نعم، فيلزم من ذلك أن يكون المتكلّم بها مريدًا خلافَ ظاهرها، كاذبًا إذا لم ينصب قرينةً تصرفها عن ظاهرها؛ لما تقرَّر في موضعه (1): أن نيّة التورية بدون قرينة لا تُخرج الكلامَ عن كونه كذبًا. وليس هذا من المواضع التي رُخِّص في الكذب مع التورية فيها ولا يشبهها؛ لأن الكذب فيها لدفع مضرَّة ولا تترتّب عليه مفسدة، وما هنا ليس كذلك؛ لأن المفسدة قائمة وهي ظنّ السامع الحديثَ صحيحًا، فيحلّ به الحرام ويحرم الحلالَ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون التدليس جرحًا.
فإن قلتم: إن المدلِّس إذا اشتهر بالتدليس صارت هذه الصِّيَغ غير ظاهرةٍ في السماع بالنسبة إليه، وهذه قرينةٌ كافية, لأن الكلام يكون معها محتملًا فيخرج عن الكذب حتمًا.
قيل: نعم ولكن ما حصلت هذه القرينة إلا بعد أن وقع منه التدليس مرارًا، فقد دلَّس مرارًا قبل أن تحصل القرينة بمعرفة عادته، وهذا كافٍ في الجرح.
__________
(1) انظر رسالة "أحكام الكذب" للمؤلف ضمن مجموع رسائل أصول الفقه.
(15/129)

على أنه بعد أن عُرِفت عادتُه، كثيرًا ما يقع أن يسمع منه مَن لم يعرف عادتَه من الغرباء ونحوهم [ص 2] وربما كان يحضر حَلْقة المحدِّث مائة ألف أو أكثر.
وإذا راجعنا تراجم المدلسين من كتب الرجال وجدنا الرجلَ منهم قد يوثِّقه جماعة ولا يذكرون التدليس، وإنما يذكره واحد أو اثنان، وذلك قاضٍ بأنه لم يكن مشهورًا بالتدليس الشهرةَ الكافية.
ولا يظهر كبيرُ فرقٍ بين من يدلس عن الضعفاء مطلقًا كبقية بن الوليد ومَن لا يدلّس إلا عن ثقة عنده، ومَن لا يدلّس إلا عن ثقة متفق عليه، كسفيان بن عُيينة.
أما الثاني فلأنّ الثقة عنده قد يكون مجروحًا عند غيره، فالمفسدة باقية وإن كانت أخفّ من الأول.
وأما الثالث فلأن الثقات يتفاوتون في الحفظ والإتقان، ويظهر أثرُ ذلك عند التعارض، فإذا روى رجلٌ مكافئ لابن عُيينة حديثًا بالسماع من عَمرو بن دينار عن ابن عمر، وروى ابنُ عيينة حديثًا يعارضه عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة.
فربما رجّح من يظن أن ابن عُيينة سمع الحديث من الزهري حديثَ الزهري، ويكون ابن عُيينة إنما سمع الحديث من عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، ولكنه دلَّسه. ولو علم المرجّح بهذا لرجّح حديث عَمرو بن دينار.
نعم، إن مثل هذا قليل ولكن أصل الكذب باقٍ ولم تُدْفَع به مضرّة كما
(15/130)

في الكذب على الزوجة ونحوه مما رخّص فيه، وإيهام العلوّ ليس فيه دفع مضرّة بل ولا جلب [3] مصلحة. وقد صدق الخطيب في قوله: "وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة؛ من التواضع في طلب العلم، وترك الحميّة في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه" (1).
هذا، ويشتدّ الأمر فيمن كان يقول: "حدثنا" ثم يسكت، ثم يقول: "فلان ... " يريد: قال فلان ولم يسمعه منه.
ومَن كان يقول: "حدثنا فلان وفلان" ولم يسمعه من الثاني إنما أراد: وقال فلان أو نحوه.
ومَن كان يدلّس تدليس التسوية كالوليد بن مسلم فيقول: "حدثنا الأوزاعي عن الزهري" مع أن الأوزاعي إنما رواه عن إبراهيم بن مرة عن الزهري، وإبراهيم بن مرة قد ضعَّفه الوليدُ نفسُه.
وإن قلتم: ليست الصيغة ظاهرةً في السماع، فإنه ينحلّ الإشكال المتقدّم، لكن يورد إشكال أشدّ منه، وهو أنهم صرَّحوا بأنها إذا صدرت ممن لم يوصف بالتدليس تُحْمَل على السماع، تحسينًا للظن بمن ثبتت عدالتُه.
فيقال لهم: الفَرْض أنها ليست ظاهرةً في السماع، وعليه فلا يكون إطلاقها مع عدم السماع قبيحًا ولا مكروهًا حتى يلزم من احتماله إساءة الظن بالراوي. وإذا ثبت هذا لم يبق حجة لحملها على السماع إلا في حق مَن ثبت
__________
(1) "الكفاية" (ص 358).
(15/131)

أنه لم يكن يطلقها إلا إذا سمع كشعبة. وأما مَن لم يوصَف [ص 4] بالتدليس، ولا بِعَدَمِه - وهم غالب الرواة - فلا وجه لِحَمْلِها على السماع، سواء أثبتَ اللقاء أم لم يثبت.
الجواب:
أننا نختار الشق الثاني، وهو أن الصيغة ليست ظاهرةً في السماع، ولكن كانت عادة أكثر السلف الاحتياط، بأن لا يذكر أحدُهم صيغةً تحتمل السماع وتحتمل خلافه إلا وقد سمع. وسلكَ المدلّسون مسلك التوسُّع، فمَن لم يكن يدلّس فهو محتاط ملتزم ما لو أخلَّ به لما أثِمَ، ومَن دلّس فهو غير محتاط ولكن لا يصدق عليه الكذب؛ لأن الصيغة في نفسها محتملة الأمرين على السواء.
ثم إن أئمة الحديث تتبّعوا الرواة وفتَّشوا عن أحوالهم، فمَن عثروا منه على ترك ذلك الاحتياط أخبروا الناس بأنه مدلّس، ومَن لم يجدوه أخلَّ بها أصلاً اقتصروا على تعديله وتوثيقه والثناء عليه. وبهذا التقرير سلم المدلِّسون من الكذب، وثبت أن من كَثُرت مخالطةُ المحدّثين له والسماع منه، ولم يصفوه بالتدليس = فهو ممن لم يكن يطلق الصَّيَغ المتقدمة إلاَّ للسماع، ما لم تكن هناك قرينة واضحة كالعلم بأنه لم يدرك مَن حَكى عنه.
فيبقى من لم يرو إلاَّ بضعةَ أحاديث ولم يُعْنَ أئمة الحديث بامتحانه. ومثل هذا إن كان قد عدّله بعضُ أئمة الحديث فالظنّ بالمعدّل أنه قد احتاط حتى عرف أن ذلك الشيخ لا يدلّس، والظن بذلك الشيخ أنه يحتاط كما كان أكثر الرواة يحتاطون، ولو لم يكن إلا الحَمْل على الغالب لكفى.
(15/132)

[ص 5] وههنا فائدة مغفولٌ عنها (1) [وهي أن "عن" المتكررة في] (2) ثاني حديث في "صحيح البخاري" (3) وهو قوله: "حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة" جرى علماء المصطلح في نحو ذلك على أن كلمة "عن" الأولى من لفظ مالك، والثانية من لفظ هشام، والثالثة من لفظ عروة. ولذلك يقولون: إن المدلّس إذا عنعن لم يكن حجة. وغير ذلك مما تجده في فصل التدليس من "فتح المغيث" (4) وغيره.
وهو عندي سهو وإنما الأُولى من قول عبد الله بن يوسف متعلّقة بقوله: "أخبرنا"، والثانية والثالثة محتملتان، فيحتمل أن تكونان (5) أيضًا من قول عبد الله بن يوسف، ويكون التقدير هكذا: "أخبرنا مالك عن هشام أنه أخبره (عن أبيه) أنه أخبره (عن عائشة).
ويحتمل أن يكون هكذا: " ... عن هشام قال: أخبرنا هشام (عن أبيه) قال: أخبرني أبي (عن عائشة).
ويحتمل أن يكون مالك ابتدأ وقال: "هشام ... " وقِسْ عليه.
__________
(1) ذكر المؤلف هذا المبحث في "التنكيل": (1/ 142 - 144).
(2) ضرب المؤلف على ما بين القوسين، ربما أملًا في صياغةٍ جديدة للعبارة لكنه ذهل عن كتابتها فأبقيتها من أجل السياق.
(3) رقم (2).
(4) (1/ 208 فما بعدها). وانظر "تدريب الراوي": (1/ 256 فما بعدها).
(5) كذا، والوجه: "أن تكونا".
(15/133)

ولم يكن أحدٌ من المدلسين يقول في ابتداء الحديث: "عن فلان". ولكن كانوا كثيرًا ما يبتدئون بالاسم، كما تجد أمثلته في فصل التدليس من "فتح المغيث" (1)، واعترف بكثرته، وقد اطّلعتُ على أمثلةٍ أخرى، ولم أجد مثالاً واحدًا أن أحدًا من المدلسين أو غيرهم ابتدأ بقوله: "عن فلان".
وهذا السهو لا يُغيّر حكمًا ولكن ما حقّقتُه يساعد على ما قدّمته: أن الصيغة غير ظاهرة [ص 6] في السماع، وذلك أن قول ابن عُيينة مثلًا "الزهري ... " (2).
...
__________
(1) (1/ 208 - 229).
(2) هنا انتهى ما وُجد من هذه الرسالة، وترك المؤلف باقي ص 6 بياضًا.
(15/134)

فائدة (1):
قد ترِدُ (عن) ولا يُقصد بها الرواية, بل يكون المراد سياق قصَّة، سواء أدركها [أو لم يُدركها] (2)، ويكون هناك شيء محذوف تقديره "عن قصة فلان" وله أمثلة كثيرة، مِن أَبْيَنِها: ما رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه": ثنا أبي ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو إسحاق - هو السبيعي - عن أبي الأحوص - يعني عوف بن مالك - أنَّه خرج عليه خوارج فقتلوه.
قال شيخنا: فهذا لم يردْ أبو إسحاق بقوله "عن أبي الأحوص" أنه أخبره به [ص 15] وإن كان قد لقيه وسمع منه, لأنه يستحيل أن يكون حدثه به بعد قتله، وإنما المراد على حذف مضاف تقديره "عن قصة أبي الأحوص". وقد روى ذلك النسائي في "الكنى" (3): من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش سمعت أبا إسحاق يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج فقاتلهم فقتلوه.
ولذا قال موسى بن هارون - فيما نقله ابن عبد البر في "التمهيد" (4) عنه -: كان المشيخة الأولى جائزًا عندهم أن يقولوا: "عن فلان" ولا يريدون بذلك الرواية, وإنما معناه "عن قصة فلان" اه.
__________
(1) من "فتح المغيث": (1/ 194).
(2) الاستدراك من "فتح المغيث": (1/ 194).
(3) عزاه أيضًا إلى "الكنى" الحافظ في "التهذيب": (8/ 169). وهو في "السنن الكبرى": (8517).
(4) (23/ 343).
(15/135)

ابن الصلاح (1): إنَّ (التدليس) رواية الراوي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنّه سمعه منه، أو عمّن عاصره ولم يلقه موهمًا أنّه قد لقيه وسمعه اه.
(وفرَّق الجمهور فسمَّوا الثاني: الإرسال الخفي).
قال الحافظ أبو الحسن بن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2) له قال: "والفرق بينه وبين الإرسال: هو أن الإرسال روايته عمَّن لم يسمع منه ... " وارتضاه شيخنا لتضمنه الفرق بين النوعين، وخالف شيخه في ارتضائه هذا من شرحه (3) حَدَّ ابن الصلاح، وفي قوله في "التقييد" (4): إنه المشهور بين أهل الحديث. وقال: إن كلام الخطيب في "كفايته" يؤيِّد ما قاله ابن القطان.
قلت: وعبارته فيها: هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلَّسه عنه بروايته إياه على وجهٍ أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان لذلك (5).
قال: "ولو بيَّن أنَّه لم يسمعه من الشيخ الذي دلَّسه عنه وكشف ذلك لصار بيانه مرسلًا للحديث غير مدلس فيه؛ لأنّ الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه، و (لا) (6) مُلاقيًا لمن لَمْ
__________
(1) (ص 73). والنقل من "فتح المغيث": (1/ 208 - 209).
(2) (5/ 493).
(3) انظر (ص 73 - 75).
(4) (1/ 452).
(5) (ص 358) وفيه: "بذلك".
(6) في الأصل: "ما"، ووضع المؤلف بجوارها ما هو مثبت؛ تصحيحًا منه لهذا الحرف. وفي "فتح المغيث": (1/ 209) بدونها، والنص مستقيم بلا إضافة.
(15/136)

يلْقه؛ إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة.
وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط، وهو المُوهِنُ لأمره، فوجب كون التدليس متضمِّنًا للإرسال، [ص 18] والإرسال لا يتضَمَّن التدليس، لأنّه لا يقتضي إيهام السَّماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذمّ العلماء من أرسل، يعني: لظهور السقط وذمُّوا من دلّس".
وأصرح منه قول (ابن) عبد البر في "التمهيد" (1): "التدليس عند جماعتهم اتفاقًا هو: أن يروي عمَّن لقيه وسمع منه وحدّث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه ممن تُرضى حاله أو لا تُرضى. على أنَّ الأغلب في ذلك أنه لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره".
قال: وأما حديث الرجل عمّن لم يلقه كمالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، فاختلفوا فيه:
فقالت فرقة: إنَّه تدليس ...
وقالت: طائفة من أهل الحديث: إنما هو إرسال ...
قال: وإن كان هذا تدليسًا؛ فما أعلم أحدًا من العلماء قديمًا ولا حديثًا سلِمَ مِنه، إلا شعبة والقطان ... انتهى.
وكلامه بالنظر لما اعتمده يُشير أيضًا إلى الفرق بين التدليس والإرسال
__________
(1) (1/ 15).
(15/137)

الخفي والجليّ، لإدراك مالك لسعيد في الجملة، وعدم إدراك الثوري للنخعي أصلاً ...
صرَّح في مكان آخر فيه (1) بذمّه في غير الثقة فقال: ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن حدَّث عمَّن لم يسمع منه، فقد جاوز حدَّ التدليس الذي رخَّص فيه مَنْ رخَّص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمُّونه ولا يحمدونه.
وسبقه لذلك يعقوب بن شيبة كما حكاه الخطيب عنه (2)، وهو مع قوله في موضع آخر: إنّه إذا وقع فيمن لم يلقه أقبح (وأشنع) (3). يقتضي أن الإرسال أشد، بخلاف الأول فهو مشعر بأنه أخف فكأنّه (هنا) (4) عيَّن (5) الخفيّ لما فيه من إيهام اللقي والسماع معًا، وهناك عين الجليّ لعدم الالتباس فيه ... (6).
__________
(1) (1/ 28).
(2) في "الكفاية" (ص 362).
(3) في الأصل: "واسمع"، ووضع المؤلف بجوارها ما هو مثبت؛ تصحيحًا لهذه الكلمة. والذي في "فتح المغيث": "وأسْمَج".
(4) في الأصل: "هذا"، ووضع المؤلف بجوارها ما هو مثبت؛ تصحيحًا لهذا الحرف. وفي "فتح المغيث" على الصواب.
(5) في "الفتح": "عنى" في الموضعين.
(6) "فتح المغيث": (1/ 211).
(15/138)

"مسند أحمد" (1): يحيى عن شعبة قال: حدثني الحكم قال: قلت لمِقْسَم: أُوتر بثلاثٍ ثم أخرج إلى الصلاة مخافة أن تفوتني؟ قال: لا وَتْر إلا بخمس أو سبع، قال: فذكرت ذلك ليحيى بن الجزَّار ومجاهد فقالا لي: سلْه عمَّن؟ فقلت له. فقال: عن الثقة، عن عائشة وميمونة [عن النبي - صلى الله عليه وسلم -].
__________
(1) (25616).
(15/139)

الرسالة السابعة
فوائد في كتاب "العلل" لابن أبي حاتم
(15/141)

فوائد في كتاب العلل
- العمل بالضعيف في الدعاء. [13] (1).
- إذا روى الرجلُ الحديثَ على وجهين: تارةً كذا، وتارةً كذا، ثم رواه فجمعهما معًا دلَّ ذلك على صحتهما معًا. [25، 469].
- منكر. [48، 53، 55, 73, 105, 108, 117, 130, 158, 166, 196, 197، 267، 416، 417، 437، 459، 467، 470، 472، 478، 480، 496].
- تدليس ابن عيينة يَقْدَح؟ [60].
- "لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عَروبة". قاله في حديث استنكره، رواه ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة. [60].
- أصحُّ حديثٍ في المسح على الخفّين. [65].
- دخل حديثٌ في حديثٍ. [63، 86، 207، 226، 237، 245، 265، 319، 503].
- "لو أنَّ عروة سمع من عائشة لم يُدخل بينهم أحدًا، وهذا يدلُّ على وَهَنِ الحديث" [74].
- "يخرج فيبول فيمسحُ فيُقال له: الماءُ قريبٌ. فيقول: ما أدري لعلَّي لا أبلغُ" لا يصح في هذا الباب حديث. [94].
__________
(1) الرقم هنا وما سيأتي هو رقم الحديث الذي منه الفائدة، وهو من وضع المؤلف رحمه الله.
(15/143)

- زيد العَمِّي يقال له: زيد بن أسلم؟ [100].
- اختصار شعبةَ لحديثٍ [107].
- قول أبي حاتم: الذي أرى أن يُذكر الله على كلِّ حالٍ على الكنيفِ وغيره [124].
- حميدة بنت عبيد بن رفاعة تُكنى أم يحيى. [126].
- ليس في "إسباغُ الوضوءِ يزيد في العمر" حديثٌ صحيحٌ. [128].
- إبراهيم بن طهمان قد يَصِلُ الحديثَ في كلامه لا يُمَيّزِه المُسْتَمعُ. [170].
- سببُ الخطأ في حديثٍ. [207، 226, 237, 245, 265].
- "فلو كان عند ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة لم يُحَدِّث به عن محمَّد بن عَمرو، عن مَلِيح، عن أبي هريرة". [223].
- بعضُ أصحابِ قتادةَ وتفاضلهم. [228].
- سببُ الخطأ في حديث. [236].
- سببُ الخطأ في حديث. [237].
- لم يَضبِط هذا الحديث، وكان ثِقَةً. [239].
- من وجوه الإنكار. [239].
-[ص 2] يتعلق برواية الليث، عن سعيد بن أبي هلال. [240].
- هذا زادَ رجلاً، وذاك نقص رجلاً، وكلاهما صحيحين (1)؟ [241].
- حديثُ قتيبة في الجمع. [245].
__________
(1) كذا، والوجه: "صحيحان".
(15/144)

- حكمٌ من الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يُشاركه فيه أحدٌ؟ [248].
- عبد الملك بن أبي سليمان لم يرو عن نافع. [253].
- الحسن بن عياش. [256].
- الثوري [258].
- لولا أنهم سمعوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا يقولونه. [270].
- الحِمَّاني، عن علي بن سويد، عن نُفَيْع. علي بن سويد هنا هو مُعَلَّى بن هلال بن سويد. [286].
- محمَّد بن مسلم بن أبي الوَضَّاح، عن زكريا، عن الشعبي. زكريا هو ابن حكيم الحَبَطي ليس هو ابن أبي زائدة. [295].
- أبان العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد - من أَزْدِ شَنُوءَةَ -, عن أبي هريرة: أوصاني خليلي بثلاثٍ.
ورواه سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة.
قال أبو زرعة وأبو حاتم: سعيد أحفظهم. [297].
[نعم, ولكن لعل قتادة: "ثنا أبو سعيد" فحَسِبَه ابن أبي عروبة "الحسن البصري"؛ لأنَّ كنيته "أبو سعيد"] (1).
__________
(1) كتب الشيخ هذا التعقيب بين معكوفين. وقد وضعنا تعليقات الشيخ بعده بين معكوفات.
(15/145)

- "فكيف سمع عطاءٌ من ابن عمر، وهو قد سمِعَ من سعد بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو ... ". [309].
[كأنه يعني أن رواية عطاءٍ للحديث نازلًا تدل أنه ليس عنده عن ابن عمر، وإلَّا لاجتزأ به].
- المتصلُ أشبه؛ لأنه اتفق اثنان. [330].
- موقوفٌ أصَحُّ، لا يجيءُ مثل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [334].
- شريكُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال (1): "كان لا يُداري ولا يُماري" مَن هو؟ [350].
- اضطرابُ يونسَ في حديث، وتصحيح رواية ابن المبارك عنه. [357، 358].
- "هذا حديث كذب، لا أصل له، ومحمد بن الصلت لا بأس به، كَتَبْتُ عنه" [374].
-[ص 3] "لو كان عند قيس، عن المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتج أن يفتقر إلى أن يُحَدَّث عن عمر، موقوف". [376].
- قول ابن معين: "أنا نظرت في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا".
ورَدَّ أبي حاتم بقوله: "كيف نظر في كتبه كله، إنما نظر في بعضٍ، وربما كان في موضعٍ آخر". [378].
__________
(1) في الأصل "كان" سبق قلم. والمقصود قول الشريك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(15/146)

- النكارةُ للتفرد. [391].
- حديث استحبَّ إسحاق بن راهويَه العمل به، وقال أبو حاتم: إنه "باطل موضوع". [410].
- مدرج. [419].
- وقع في سند (أبو إسحاق الفَزَاري) قال أبو حاتم: "هذا خطأ، إنما هو أبو إسحاق الحجازي، وهو عندي إبراهيم بن أبي يحيى". [420].
- إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم الخَثْعَمِي، عن نافع سألتُ عائشة.
نافع هو مولى ابن عمر. [423].
- جعل إسنادين في إسنادٍ. [424].
- زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" غير محفوظة. [465].
- باطل بهذا الإسناد. [473].
- منكر بهذا الإسناد. [478].
- "كان الوليدُ صنَّف كتابَ الصلاةِ، وليس فيه هذا الحديث". [487].
- "قلتُ لأبي: لِمَ حَكمتَ لرواية ابن لهيعة؟ فقال: لأنَّ في رواية ابن لهيعة زيادةَ رجلٍ، ولو كان نقصانُ رجلٍ كان أسهل على ابن لهيعة حفظه". [488].
***
(15/147)

- (1) حديث عِراك بن مالك عن عائشة: "حوّلوا مقعدي إلى القبلة" موقوف. [50].
- مكان القلم من أُذُن الكاتب. [141].
- "أحلوا حلاله وحرِّموا حرامه". [1410].
- كيفية الغلط. [1667].
- قول أبي حاتم: "حسن". [1676].
- "يُشَرِّفون المترَفين". [1856].
- وحسَّن صورته. [1858].
- معاوية بن يحيى الأطرَابُلُسي أيدلّس؟ [1892].
- محمَّد بن مصعب وَهِمَ في معنى الحديث. [1897].
- هشام بن عمار وصورة التلقين. [1899، 1482، 1576، 2615].
- محمَّد بن يزيد الأسلمي. [1902].
- محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي = محمَّد بن فُلَيح. [2311].
- خطأ شديد من شريك. [2319].
- تدليس بقيَّة للموضوعات، ومنها: حديث "النظر إلى الفرج"، و"من أصيب بمصيبة"، و"لا تأكلوا بهاتين، ولكن كلوا بثلاث". ثلاثة أحاديث موضوعة من تدليس بقية. [2394].
__________
(1) هذه الفوائد قيَّدها الشيخ على غلاف نسخته من العلل.
(15/148)

- "من خضب بالسواد". [2411].
- زيادة الحافظ على الحافظ تُقبل. [2416].
- "إذا بلغكم عني حديث". [2445].
- حديث غلط، خفي على أحمد. [2451].
- "أنا سابق العرب". [2577].
- سلوك الجادة. [2582].
- دَوْس. [2592].
- معاوية. [2594، 2601, 2634].
- زهير بن العلاء. [2616].
- من أعاجيب الغلط. [2622].
- إسماعيل بن عياش وابنه. [2637].
- العرب. [2641].
- مِنْ تدليس ابن عيينة. [2648].
- عبد الرحمن بن مَغْراء. [2657].
- "ادعي لي". [2660].
- "أقدمكم سِلْمًا". [2664].
- "وأَخبِرْه أنه يلي الأمةَ من بعدي". [2671].
(15/149)

- "لا تخبرهما يا عليّ". [2677].
- آخى بين نفسه وبين عليّ. [2678].
- "سُدُّوا هذه الأبواب". [2672، 2657، 2661].
- محمَّد بن كثير. [2681].
- حكاية للفَلَّاس مردودة. [2731].
- يَتثبَّت دُحيم دون سليمان بن عبد الرحمن، وهشام بن عمار، وهشام بن خالد. [2462].
(15/150)

الرسالة الثامنة
أحكام الحديث الضعيف
(15/151)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد، فهذه رسالة في أحكام الحديث الضعيف، جمعتُها لما رأيت ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه؛ فنَسَب بعضُهم إلى كبار الأئمة الاحتجاجَ به، ونَسَب غيرُه إلى الإجماع استحبابَ العمل به في فضائل الأعمال ونحوها، وتوسّع كثيرٌ من الناس في العمل به، حتى بنوا عليه كثيرًا من المحدَثات، وأكَّدوا العمل بها، وحافظوا عليها أبلغ جدًّا من محافظتهم على السنن الثابتات، بل والفرائض القطعيات.
بل كثيرًا ما بنوا عليه عقائد مخالفة للبراهين القطعية من الكتاب والسنة والمعقول. ولم يقتصروا على الضعاف بل تناولوا الموضوعات.
وأنكر جماعةٌ جواز العمل بالضعيف مطلقًا، حتى قال بعضهم كما نقله ابن حجر الهيتمي في "شرح الأربعين النووية" (1): "إن الفضائل إنما تُتلقى من الشارع، فإثباتها بما ذُكِر اختراعُ عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله".
ومَن تأمل هذه العبارة وجدها تُنبئ أن إثبات الفضائل بالضعيف شرك؛ لأن شَرْع ما لم يأذن به الله كذلك، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله} [الشورى: 21]. وسيأتي تقرير هذا المعنى إن شاء الله تعالى (2).
__________
(1) (ص 6).
(2) (ص 174 - 175).
(15/153)

ومن المانعين القاضي أبو بكر ابن العربي، والمحقق الشاطبي صاحب [ص 2] كتاب "الموافقات" في أصول الفقه وغيره.
ثم نصّ بعضُ الفقهاء الشافعية كالزركشي في مقدمة "الذهب الإبريز" (1) والخطيب الشربيني في "شرح المنهاج" (2) أن العمل بالحديث الضعيف جائز فقط لا مستحبّ، وردّه بعضهم كابن قاسم في "حواشيه على التحفة" (3) وأثبت الاستحباب. هذا، وقد نصّ النوويّ نفسُه في كتاب "الأذكار" (4) على الاستحباب.
واستشكل جماعةٌ القولَ بالجواز أو الاستحباب مع الإجماع على أن الضعيف لا يثبت به حكم، والجواز والاستحباب من الأحكام الخمسة.
وأُجيب من طرف القائلين بالجواز والاستحباب بأجوبةٍ عامّتها من قبيل ما عُرِف في الجدليّات من المطاولة وتشتيت ذهن الناظر، ليقْنَع بالتقليد الصِّرْف. وتلك المطاولة هي التي ألجأتني إلى تأليف رسالة مستقلة.
وذلك أنني ألَّفت كتابًا (5) نبَّهتُ في مقدمته على الأمور التي يسلكُها كثير من المتأخرين في الاحتجاج وهي غير صالحةٍ لذلك، وذكرتُ من جملتها العمل بالضعيف، وحاولت أن أحقِّق الكلامَ فيه، فطال الكلام جدًّا قبل أن أستوفي البحث كما أحبّ، فآثرت إفراده برسالة مستقلة.
__________
(1) في تخريج أحاديث فتح العزيز، لم يطبع بعد.
(2) (1/ 62).
(3) (1/ 240).
(4) (ص 8).
(5) هو كتاب "العبادة" ذكر المؤلف فيه (ص 669) هذا البحث وأنه أفرده في رسالة.
(15/154)

هذا، وبعد أن توسطت هذه الرسالة، ووجدتُ الكلام في هذه المسألة مرتبطًا بالكلام على البدع والمحْدَثات عزمتُ على إفراد رسالةٍ أخرى في تحقيق ما هي البدعة؟ (1) ومِن الله أستمدُّ التوفيق والعون بفضله وكرمه.
...
__________
(1) طُبعت ضمن هذا المشروع المبارك ضمن الرسائل العقدية.
(15/155)

[ص 3] فصل
تعريف الضعيف مذكور في كتب المصطلح وغيرها فلا نطيل بذكره، وإنما ننبّه هنا على مهمّات:
الأولى: يُعْلَم من إمعان النظر في فصل "الحسن" من كتب الاصطلاح المطوّلة ك "فتح المغيث" (1) أنه إنما استقرّ الاصطلاح على جَعْل الحسن قسمًا برأسه من الترمذي فمَنْ بعدَه.
ويتحقق بذلك ما قاله بعض الأجلّة (2): أن ما استقر الاصطلاح على تسميته بالحسن كان المتقدّمون يطلقون عليه تارةً "صحيح" وتارة "ضعيف". فإذا نظروا إليه من حيث هو صالح للحجة قالوا: صحيح، وإذا نظروا إليه من حيث هو قريب مما لا يصلح للحجة قالوا: ضعيف.
ويقرُب من هذا ما قاله السخاوي: "ينبغي أن تتأمل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يُحتج بحديثه ولا ممن يُردّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه ... وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل". "فتح المغيث" ص 142 - 143 (3).
الثانية: إذا وجدنا مسألةً ذهب إليها إمام، وشاع أنه إنما استند إلى حديث ضعيف، لم يَجُز أن نَنْسب إليه أنه يرى الاحتجاج بالضعيف، بل
__________
(1) (1/ 71 وما بعدها).
(2) لعله أراد الشيخ محمَّد تقي العثماني في مقدمة كتابه "فتح الملهم شرح مسلم".
(3) (2/ 127).
(15/156)

نقول: لعله ظن الحديث صحيحًا، إما لعدم علمه [ص 4] بجرح الراوي، وإما لأنه اعتضد عنده بدليل قويّ عنده، إما بفهمه من القرآن، أو الأحاديث الثابتة، أو قياس، أو قول صحابيّ، أو إجماع ظنّه، أو عَمَل أهل بَلَدِه، أو غير ذلك.
الثالثة: إذا عَرَضتْ للمجتهد مسألة لم يجد لها دليلًا وإنما بلَغَه فيها حديثٌ ضعيف، فيجوز أن يؤدّيه اجتهاده إلى تصحيحه؛ لأن أمامه ثلاثة احتمالات:
أحدها: أن تكون الشريعةُ أهملت هذه المسألة.
الثاني: أن الأمة أضاعت الدليلَ الخاصَّ بتلك المسألة.
الثالث: أن يكون هناك دليل محفوظ، ولكن خفي على المجتهد.
والأوّلان باطلان فيتعيّن الثالث، وفيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون ذلك الدليل غير هذا الضعيف ومخالفًا له.
الثاني: أن يكون هو ذلك الضعيف يُروى من طريق ثابتة، أو دليلًا آخر موافقًا له، والنظر يُساعد على ترجيح هذا الثاني.
فعلى هذا لم يَبْقَ هذا الضعيف ضعيفًا عند المجتهد، بل ترقّى عنده إلى رتبة الحسن بهذا النظر. فتدبّر.
الرابعة: قد يكون نوع أو فرد من الحديث صحيحًا في نظر مجتهد وهو ضعيف عند غيره، فإذا احتجّ ذلك المجتهد بما هذا حاله من الحديث أو عَمِل به فإنما عمل بالصحيح [ص 5] في رأيه، فمِنَ الغفلة والمغالطة أن
(15/157)

يُنسَب إليه أنه يعمل بالضعيف أو يُحتج بفعله على جواز العمل بالضعيف مطلقًا.
الخامسة: قد يكون نوع أو فرد من الحديث ضعيفًا عند مجتهد ضعفًا يسيرًا، فينصّ أنه إذا اعتضد بكذا (ويذكر عاضدًا ضعيفًا) صار حجةً، مع أنّ ذلك العاضد لا يُصَيّر كلَّ حديث ضعيف حجة عند ذلك المجتهد، وعلى هذا فلا يصح أن يُنسَب إلى ذلك المجتهد العمل بالضعيف.

[ص 6] فصل
نقل بعضُهم حكايةَ الإجماع على أن الأحكام لا تثبت بالضعيف، كما سيوافيك في كلام الدواني، وقد يخدش في ذلك أمور:
الأول: ما نُسِب إلى أبي حنيفة رحمه الله أنه يحتج بالضعيف ويقدّمه على القياس (1). ولم يُنقل عن أبي حنيفة نصّ بهذا على أنه أصل وقاعدة، وإنما حُكيت عنه مسائل ذهب إليها ولم يوجد لها دليل إلا حديث ضعيف مع مخالفتها للقياس. ولما كان المشهور عن أبي حنيفة أنه يقدّم القياس على الأحاديث الصحيحة, ولهذا سمّوه وأصحابَه "أهل الرأي" حاول بعض أتباعه أن يدفع هذا ويبالغ في نفيه فقال: بل مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، وحكى تلك المسائل، وأضاف إلى ذلك:
__________
(1) انظر "أصول البزدوي" (ص 5)، و"الإحكام" (7/ 54) لابن حزم، و"إعلام الموقعين": (2/ 145).
وانظر للمؤلف: "التنكيل": (1/ 37 - 40)، و"تنزيه الإِمام الشافعي": (ص 329 - 330 ضمن هذا المجموع).
(15/158)

أن أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهبه تقديم الضعيف على القياس، كأنه أراد أن جميع أصحابه ينقلون عنه تلك المسائل ويذكرون في الاستدلال لها تلك الأحاديث الضعيفة.
وهذا كلّه مناورة، وقد عُلم جوابه من المهمّة الثانية (1). ومن راجع أصول الحنفية تبيَّن له الصواب.
الأمر الثاني: ما نُقل عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه يحتج بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره (2)، وقد عُلِم جوابه من المهمّة الأولى (3)، وبذلك أجاب بعض المحققين من أتباعه. ويؤيّده أن الناقلين مثّلوا الضعيفَ الذي يأخذ به إذا لم يجد غيره [ص 7] بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو من قبيل الحسن عند أحمد، كما يظهر من كلامه فيه؛ قال مرة في عَمْرو: له أشياء مناكير وإنما يُكتب حديثُه يُعتبر به، فأما أن يكون حجةً فلا. وقال مرةً: أنا أكتبُ حديثَه، وربما احتججنا به، وربما وَجَس في القلب منه شيء. وقال مرة: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإذا شاؤوا تركوه (4). وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي ابن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عُبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحدٌ
__________
(1) (ص 156).
(2) انظر "إعلام الموقعين": (2/ 55 و145 - 146).
(3) (ص 156).
(4) انظر نصوص أحمد في "موسوعة أقوال أحمد في الرجال": (3/ 99 - 100).
(15/159)

من المسلمين (1). "تهذيب التهذيب" (2) ترجمة عَمرو.
ويتلخّص من كلام أحمد: أن حديث عَمرو ليس عنده بحجة مطلقًا وإنما يُحتج بأحاديثه التي لم يجس في النفس منها شيء، فإذا وَجَس في النفس من حديثه شيء لم يحتج به، وذلك بأن يكون الحديث منكرًا أي مخالفًا لدليل أقوى منه.
وهذا شأن الثقات كلهم ولكن كأنّ هذا الضرب من المناكير وقع في حديث عَمرو أكثر مما وقع في حديث وكيع وأضرابه، ولم يبلغ في الكثرة إلى حدّ يوقع الشكَّ في جميع حديثه. على أنّ يعقوب بن شيبة قال: "والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقومٍ ضعفاء رووها عنه، وما روى عنه الثقات فصحيح". وقال أبو زُرعة: "عامة المناكير تُروى عنه إنما هي عن المثنّى بن الصبّاح وابن لهيعة والضعفاء, وهو ثقة في نفسه ... ". وقال إسحاق بن راهويه: "إذا كان الراوي [ص 8] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر". "تهذيب التهذيب" (3) أيضًا.
فإن ثبت عن أحمد الاحتجاج بالضعيف المصطَلَح عليه إذ (4) لم يجد في الباب غيره، فقد مرَّ توجيه ذلك في المهمة الثالثة (5).
__________
(1) انظر نحوه في "التاريخ الكبير": (6/ 343).
(2) (8/ 48 - 55).
(3) نفسه.
(4) كذا في الأصل.
(5) (ص 157).
(15/160)

وأما ما رواه عبد الله بن أحمد: "أنه سأل أباه عن الرجل يكون ببلدٍ لا يجد فيها إلا صاحبَ حديث لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحبَ رأي، فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحبَ الحديث" (1).
فوجْهُه أنه رأى أن كلام الرجلين يمكن أن يصيب ويمكن أن يُخطئ، والخطأ مع قَصْد الاتِّباع خير من الخطأ على قَصْد العمل بالرأي، والفَرْضُ أن صاحبَ الرأي جاهل بالحديث كما هو ظاهر.
وفي مذهب أحمد كثير من المسائل بناها على القياس وخالف أحاديث ضعيفة وردت فيها، منها المسائل التي نُسِب إلى أبي حنيفة أنه بناها على أحاديث ضعاف مخالفة للقياس، كانتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة وغيرها.
الأمر الثالث: ما حُكي عن أبي داود أنه يحتجّ بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره. وكأنّهم أخذوا ذلك من قوله في "رسالته إلى أهل مكة" (2): "وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى ... فإذا لم يكن مسند غير (3) المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يُحتجّ به، وليس هو مثل المتصل في القوّة ... وأما ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينتُه، ومنه ما لم يصح سندُه. وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح".
هذا مع أن في كتابه أحاديث ضعيفة سكت عنها.
__________
(1) في "مسائل عبد الله" (ص 275) بنحوه، وانظر "تاريخ بغداد": (13/ 448)، و"ذم الكلام": (2/ 264) للهروي.
(2) (ص 64 - 69).
(3) كذا، والذي في الأصول الخطية للرسالة "ضد" وهو الأصح من جهة المعنى.
(15/161)

وعبارته تُشْعِر بأنه متردّد في تصحيح المرسل مطلقًا، ومال إلى تصحيحه إذا لم يوجد غيره، وكأنّ ذلك لِمَا مرَّ في المهمة الثالثة (1). مع أن "غير المراسيل" (2) بلفظ الجمع ربما يُشْعِر باشتراطه اعتضاد المرسل بمرسل آخر كما هو رأي الشافعي على ما يأتي.
وأما قوله: "وما كان في كتابي فيه وهن شديد .. إلخ" فقد بيَّن المحققون أن مراده بالصالح ما هو أعم من الصالح للحجة والصالح للاعتبار، فيُحْمَل ما في الكتاب من [ص 9] أحاديث ضعيفة سكت عنها على أنها عنده صالحة للاعتبار فقط. ويرشد إلى هذا قوله: "وهن شديد" فإنه يدل على أنه لم يبيِّن ما فيه وهن وليس بالشديد. انظر "فتح المغيث" (3) وغيره.
الأمر الرابع: ما ذهب إليه مالك وغيره من الاحتجاج بالمرسل، وقد عُلِم جوابه من المهمة الرابعة (4).
الأمر الخامس: ما ذهب إليه الشافعي من الاحتجاج بالمرسل إذا اعتضد بمرسل آخر من وجه آخر، أو بقول صحابيّ أو نحوه على تفصيل له في ذلك (5). وقد عُلِم الجواب عنه من المهمة الخامسة (6).
__________
(1) (ص 157).
(2) سبق أن الثابت في الأصول في لفظة "غير المراسيل" = "ضد المراسيل" وعليه يكون المعنى: إذا لم يوجد مسند مضاد للمرسل، ولم نجد مسندًا يُغني عنه فإنه يُقبل.
(3) (1/ 88).
(4) انظر (ص 157).
(5) ذكره في كتاب "الرسالة" (ص 462 فما بعدها).
(6) انظر (ص 158).
(15/162)

[ص 10] فصل
قال الجلال الدواني في كتابه "أنموذج العلوم" (1): "اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحبّ العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ... وفيه إشكال؛ لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة". نقله السيد الإِمام عبد الرحمن بن سليمان الأهدل في "المنهج السوي" (2).
أقول: أول من أحفظ عنه الكلام في مسألة العمل بالضعيف في الفضائل صراحةً هو القاضي أبو بكر بن العربي المتوفى سنة 543، فإنهم نقلوا عنه أنه أنكر جواز العمل به (3)، ولعله صاحب العبارة التي حكاها ابن حجر الهيتمي عن بعض المانعين: "إن الفضائل إنما تُتلقّى عن الشارع فإثباتها بما ذكر اخْتِراع عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله" (4).
ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في شروط جواز العمل بالضعيف ثلاثة شروط (5):
أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين
__________
(1) (ص 2) ونقله عنه جمال الدين القاسمي في "قواعد التحديث" (ص 117 - 118).
(2) (ص).
(3) انظر "فتح المغيث": (1/ 333)، و"تدريب الراوي": (1/ 351).
(4) في "الفتح المبين" (ص 36).
(5) في "تبيين العجب لما ورد في فضل رجب" (ص 9).
(15/163)

والمتهمين بالكذب ومَن فَحُش غلطُه. ونَقَل العلائيُّ الاتفاقَ عليه (1).
الثاني: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٍ به.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.
وقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد. هكذا نقله السيوطي في "تدريب الراوي" (2).
ثم ابن دقيق العيد ولد سنة 635 وتوفي سنة 703. وقد مرَّ نقل ابن حجر عند اشتراط الشرطين السابقَين.
وقال الزركشي في مقدمة "الذهب الإبريز" (3) [ص 11] بعد أن ذكر جواز العمل بالضعيف: "وههنا أمران: أحدهما: قال أبو الفتح القُشيري - هو ابن دقيق العيد - حيث قلنا: يُعْمَل بالحديث الضعيف لدخوله تحت العمومات، فشرطه أن لا يقوم دليل على المنع منه أخصّ من تلك العمومات، مثاله: الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب، فإن الحديث فيها ضعيف، فمن أراد فِعْلها وإدراجها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة
__________
(1) نقله السيوطي في "التدريب".
(2) (1/ 351).
(3) كتاب "الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز" للزركشي (795) لا يزال مخطوطًا. انظر "الفهرس الشامل - قسم الحديث": (2/ 797). وكلام ابن دقيق العيد في كتابه "إحكام الأحكام بشرح عمدة الأحكام": (2/ 150 - بحاشية الصنعاني) وقد نقله أيضًا ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام": (2/ 398 - 404).
(15/164)

والتسبيحات لم يستقم؛ لأنه صح عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نَهْيٌ أن تُخَصّ ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخصّ من العمومات الدالة على فضيلة الصلاة".
والنووي ولد سنة 631 وتوفي سنة 676. وهو الذي اشتهر عنه هذا القول، ونصّ عليه في عدة [من] كتبه، وحَكَى الاتفاقَ عليه، وفي أكثر كتبه ذِكْر الجواز فقط (1)، وفي "الأذكار" (2) الجواز والاستحباب، ولم ينص على شرطٍ أصلاً كما قاله السيوطي في "التدريب" (3) إلا أن الشروط المذكورة تؤخذ من كثير من أقواله.
ويظهر لي أن الصلاة ليلة أول جمعة من رجب هي التي أثارت هذا البحث، فقد حكى أبو شامة في كتابه "الباعث" (4) أن ابن الصلاح كان متولّيًا لمنصب الفتوى، فاسْتُفْتي عن الصلاة المذكورة، فأجاب بإنكارها وأنها محْدَثة، ثم اسْتُفتي مرة أخرى، فأجاب بنحو جوابه الأول. ثم فُصِل عن منصب الفتوى وأُقيم فيه الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، فشدّد النكير على صلاة الرغائب، فعارضه ابنُ الصلاح [ص 12] وجوَّزها؛ معتذرًا بأنه قد ورد فيها حديث، وبأنها داخلة في عموم الترغيب في الصلاة، وصلاة الليل خاصة، فردّ ابنُ عبد السلام وتلامذتُه كأبي شامة وابن دقيق العيد بما تراه في
__________
(1) انظر "الأربعين" (ص 3)، و"المجموع": (1/ 59).
(2) (ص 8).
(3) (1/ 351).
(4) (ص 145).
(15/165)

كتاب "الباعث" لأبي شامة (1).
وكان النوويّ من جملة من ردّ على ابن الصلاح، وصرّح بأن الصلاة المذكورة بدعة قبيحة (2).
ثم كأنَّ النوويَّ استخلص من البحث جواز العمل بالضعيف في الفضائل، وأيّد ذلك بما نقله عن أئمة السلف من النصوص في تساهلهم في رواية ما لم يكن فيه حُكم، كما ستراها. وكأنّه اعتضد ذلك عنده بفروعٍ للشافعي سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فجزم بالاتفاق على ذلك، ثم رأى أن الجواز لا فائدة له؛ لأن الفَرْض أنه ثابت بدون الضعيف فزاد الاستحباب كما صرّح به في "الأذكار" (3).
ومن العجب أن كتاب أبي شامة "الباعث على إنكار البدع والحوادث" لم يتصدَّ للكلام في العمل بالحديث الضعيف، مع أن القصد الأول منه إبطال الصلاة المذكورة، وتعرّض فيه لغالب ما جرى من الاحتجاج من الطرفين، نعم يؤخذ منه ما يخالف قولَ النوويِّ كما ستراه إن شاء الله.
ثم جاء مَن بَعْد النووي، فمنهم من ردّ عليه قوله أصلاً كالمحقق الشاطبي في "الاعتصام" (4). ومنهم من أرْعَبَتْه حكاية الاتفاق ولكنه لم ير
__________
(1) (ص 145 وما بعدها)، وهناك رسالة بعنوان "مساجلة علمية بين الإمامين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة"، من مطبوعات المكتب الإِسلامي بتحقيق الشيخ الألباني.
(2) انظر "المجموع شرح المهذب": (4/ 56).
(3) (ص 8).
(4) (2/ 16 - 20 ت مشهور).
(15/166)

وجهًا للاستحباب.
قال الزركشي في مقدمة "الذهب الإبريز" بعد ما تقدم نقله عنه: "الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات يريد به في الفعل [ص 13] لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج إلى دليل عليه ولا بدّ، بخلاف ما إذا بُني على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص [بذلك الوقت] (1) ولا بتلك الهيئة. وهذا هو الذي قلنا باحتماله وجواز العمل به".
ونحو هذا قال الخطيب الشربيني في "شرح المنهاج" (2) فاعترضه ابنُ قاسم وأثبت الاستحباب.
ومنهم من تحيّر وقرر الإشكال كالدواني (3)، ومنهم من قلّد النووي وتمحّل في الاعتذار كابن حجر الهيتمي (4)، على أنه قال في "رسالة البسملة": "إنما يُعمل به حيث لم يعارضه ما هو أولى منه بالاعتماد والعمل، وهذا معلوم من كلامهم بلا شكّ، فإذا دلّ ضعيف على ترغيب في فعل شيء خاصة وقد عارضه صحيح يدل على كراهيته - مثلًا - ولو بطريق العموم = وجب أن يعمل بمدلول ذلك العام في هذا الشيء الخاص، ولم يَجُز العمل بالضعيف فيه".
__________
(1) مستدركة من كتاب ابن دقيق العيد.
(2) (1/ 62)، وكلام ابن قاسم في حاشيته على "تحفة المحتاج": (1/ 240).
(3) سبق العزو إلى كتابه "أنموذج العلوم".
(4) في "شرح الأربعين" وقد سبق.
(15/167)

وهذا - وإن لم يتنبّه قائله - يقتلع جواز العمل بالضعيف من أصله، كما سترى إن شاء الله تعالى.
ومنهم من فصَّل، ولا داعي لاستيعاب أقوالهم، بل علينا أن نعترض الحجج والدلائل ونغترف الحقَّ من معدنه فأقول:

[ص 14] فصل
الآثار المروية عن أئمة السلف - وإليها استند النووي في حكاية الإجماع فيما يظهر - لم أر فيها ما هو ظاهر في جواز العمل بالضعيف ولا استحبابه. بل إذا أمعنت النظرَ وجدتها صريحة في خلافه، وهذا أشهرها:
قال السخاوي في "فتح المغيث" (1): "قال الحاكم: سمعت أبا زكريا الغُبَري (2) يقول: الخبر إذا ورد لم يحرّم حلالًا, ولم يحلّ حرامًا, ولم يوجب حكمًا، وكان في ترغيب أو ترهيب = أُغْمِض عنه وتُسُهِّل في رواته.
ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في "المدخل" (3): إذا روينا عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب
__________
(1) (1/ 332).
(2) كذا في الأصل، كما في الطبعة التي نقل عنها المؤلف وصوابه: "العنبري" كما في ط المحققة، وقول العنبري ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص 134).
(3) ليس في المطبوع منه، وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك": (1/ 490) وفي "المدخل إلى الإكليل" (ص 59).
(15/168)

سهّلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال. ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: الأحاديث الرقائق يُحتمل أن يُتَسَاهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم" اه "فتح المغيث" ص 130.
وقال الخطيب في "الكفاية" (1): "باب التشدّد في أحاديث الأحكام والتجوّز في فضائل الأعمال. قد ورد عن غير واحدٍ من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلاَّ عمن كان بريئًا من التهمة بعيدًا عن الظِّنّة. وأما أحاديث الترغيب والمواعظ فإنه يجوز كَتْبها عن سائر المشايخ".
ثم أسند عدة آثار منها عن الإِمام أحمد أنه قال: "إذا روينا عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم [ص 15] في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في الفضائل وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد" "الكفاية" ص [134].
وقال ابن عبد البر في كتاب "فضل العلم" بعد أن ذكر حديثًا ضعيفًا في فضل العلم: "الفضائل تُرْوَى عن كل أحد والحجة من جهة الإسناد إنما تُتقصَّى في الأحكام وفي الحلال والحرام" "مختصر جامع بيان العلم" ص (2).
__________
(1) (ص 133).
(2) بيَّض المؤلف رقم الصفحة، وكلام ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": (1/ 152).
(15/169)

وثَمَّ عبارات أخرى لا تخرج عن هذا المعنى، أي التساهل في الأخذ والرواية عن الضعفاء فيما رووه في الفضائل، مما ليس فيه حكم ولا حلال ولا حرام ولا سنة.
وقد لخص ابن الصلاح في "مقدمته" (1) عبارات القوم باحتياطٍ تامٍّ رغمًا عما حُكي عنه من تمحّله أخيرًا لصلاةِ ليلةِ أول جمعة من رجب وأشياء تُشْبهها، كما ذكره أبو شامة في "الباعث" (2).
وكأنّ ابن الصلاح - غفر الله له - أراد أن يكون كتابه "المقدمة" أصلاً لأهل الحديث إلى يوم القيامة، فتورّع أن يحْدِث فيه حَدَثًا أو يؤوي محدثًا.
وأما النووي رحمه الله فإنه رغمًا عن إنكاره الصلاةَ المذكورة زاد في "مختصره لمقدمة ابن الصلاح" (3) زيادةً نابية، وهذه عبارته: "ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه، في غير صفات الله تعالى والأحكام كالحلال والحرام وغيرهما، وذلك [ص 16] كالقصص وفضائل الأعمال والمواعظ وغيرها مما لا تعلُّق له بالعقائد والأحكام، والله أعلم".
فقوله: "والعمل به" من زيادته. ولولا أن القول بجواز العمل متواتر عن النووي، نصّ عليه في كثير من كتبه لقلتُ: إن هذه الكلمة ملحقة في عبارته؛ لأنها كما ستعرف مناقضة لما قبلها وما بعدها، ومناقضة للنصوص التي
__________
(1) (ص 103).
(2) (ص 145).
(3) "التقريب لسنن البشير النذير": (1/ 350 - مع شرحه تدريب الراوي).
(15/170)

لخَّصها, وليست في عبارة أصله.
إنني قد استعجلتُ بهذا الحكم قبل أن أضطَرَّ الناظر في هذه الرسالة إلى مشاركتي فيه, ولكنَّ الخطب سهل.

[ص 17] فصل
أنت ترى النصوص المتقدّمة عن ابن مهدي وغيره ليس فيها ذِكْر لجواز العمل بالضعيف ولا استحبابه، وإنما فيه تساهلهم في روايته بشرطه، لكن قد لا يبعد أن يكون النووي رحمه الله رأى تساهلهم في رواية الضعيف في الفضائل دون الأحكام يستلزم جواز العمل به في الفضائل، وإلّا لَمَا كان هناك معنى للفرق، فإن تشدّدهم في رواية ما فيه حُكم إنما هو لعلمهم أنهم إذا لم يُشدّدوا في روايته يُخشَى أن يَعملَ به من يسمعه، وذلك لا يجوز، فتساهلهم في الفضائل يدلّ على أنهم لم يروا محذورًا في أن يعمل بها من يسمعها، وهذا معنى الجواز.
ثم رأى أن العمل المتوقّع من العامة إذا سمعوا الضعيف في الفضائل هو العمل طلبًا للفضل، ومعنى ذلك أنهم يرونه مظنّة لأن يُؤجروا عليه، وعليه فلو كان أولئك الأئمة يرون أن العمل به ليس مظنة للأجر لكانوا يرون العمل به طلبًا للأجر بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، فكيف يقع منهم تساهل يؤدّي إلى إيقاع الناس في الضلالة؟! فتعيّن أنهم كانوا يرون العملَ به مظنَّة للأجر، وهذا هو الاستحباب، فلهذا صرَّح النووي في "الأذكار" (1) بالاستحباب، وكأنه حمل ما صرَّحوا به من أنهم لا يتساهلون في رواية ما فيه حكم أو سنة
__________
(1) (ص 8).
(15/171)

أو يرفع حكمًا أو يضعه = على ما عدا ذلك الضرب من الجواز والاستحباب.

[ص 18] فصل
يجب أولاً أن نعلم ما هو التساهل الذي كان يعتمده ابن مهدي وغيره، فأقول: حاصل ما في "فتح المغيث" (1): أن التساهل هو أن لا يَنصّ على ضعف الحديث بل يكتفي بسياق إسناده، أو ذِكْره بصيغة التمريض، نحو رُوِي ويُروَى.
أقول: وعندي في هذا نظر؛ فإننا نجد في الكتب أحاديث ضعيفة في العقائد والأحكام قد رواها ابنُ مهدي وغيره ولم يبين ضعفها. وهذا "مسند أحمد" فيه أحاديث كثيرة ضعيفة في العقائد والأحكام ولم يبيِّن ضعفها، بل غالب مصنفات المتقدمين كذلك، كمصنَّفَي عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسانيد إسحاق والحميدي وعبد بن حُمَيد، وسنن النسائي الكبرى, وسنن الدارمي وابن ماجه، وتاريخ البخاري، وغيرها.
والذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمَّل الحديثَ الذي قد سمعه، فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبيَّن له أن الحديث شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يَرْوِه أصلاً، فإن اضطرّ لروايته بيَّن ضعفه. وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام رواه ما لم يعلم أنه موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلاً، فإن اضطر إلى روايته بيَّن وضعَه. فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على ما نجده
__________
(1) (1/ 331 - 332).
(15/172)

في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد وأكثر الأئمة، فاعْلَمْه، والله أعلم.

[ص 19] فصل
ثم يجب ثالثًا أن نحقق الأمور التي كانوا يتساهلون في رواية ما ورد فيها مما ليس بموضوع ولكنه غير صالح للمتابعة، فأقول:
يُعلَم من صنيع النووي ومَن وافقه: أنه يدخل في ذلك ما وَرَد بفضيلة لعملٍ خاصّ ولم تثبت له تلك الفضيلة، ولكنه مندرج تحتَ عمومٍ ثابت بالاستحباب.
وهذا كأنْ يَرِد ضعيفٌ بفضيلةٍ لصيامِ أولِ يومٍ من صفر أو قيام ليلته، أو بفضيلةٍ لقراءة سورة الأنعام في صلاة الصبح أو في ركعتَيْ تطوّع. ويظهر من كلام بعضهم إلحاق ما اندرج تحت عموم ثابت بالإباحة، كأنْ يَرِد ضعيف بفضل التختُّم بخاتم فضة عقيق.
فقال النووي بجواز واستحباب العمل بأشباه هذا، واقْتَصَر بعضهم على الجواز، واستشكله بعضهم كما مر. ورأى العلائي أن مثل هذا إن جاز في الضعيف الصالح للمتابعة فلا يتصوّر جوازه في شديد الضعيف، فلذلك زاد هذا الشرط وحكى الاتفاقَ عليه، كما تقدم مع ابن الصلاح والنووي قالا: "ما سوى الموضوع".
وعلينا أن نتدبّر النصوصَ السابقةَ وغيرها لتحقيق الأمور التي يتساهلون فيها، فأقول: [ص 20] الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال على أضْرُب:
الأول: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ قد ثبت أنه مشروع بخصوصه، كأن يَرِدَ ضعيفٌ بفضيلةٍ للصلوات الخمس وصوم رمضان وصوم التطوّع مطلقًا،
(15/173)

وصوم الاثنين والخميس ونحو ذلك.
الثاني: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ خاصّ قد ثبتت مشروعيةُ ما هو أعمّ منه ولم تثبت له خصوصية، كأن يَرِد ضعيفٌ بفضيلةٍ لصيامِ ثاني يوم من صفر أو قيام ليلته، أو بفضيلةٍ لقراءة سورة الأنعام في صلاة الصبح أو في ركعتي تطوّع.
الثالث: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ هو مع صرف النظر عن الضعيف مباح، كأن يَرِد ضعيف بفضيلة للقيام في الشمس على رجلٍ واحدة.
الرابع: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ قد دلّ غير الضعيف على أنه حرام أو مكروه.
فأما الرابع فلا نزاع أنه لا يجوز العمل به، وقد تقدَّم كلام [ص 21]، ابن دقيق العيد وابن حجر الهيتمي.
وأما الثالث فَلِكَي تعلم ما فيه يجب أن تنظر في المباح هل يجوز أن يُعْمَل على زَعْم أنه عبادة؟ ومن أمثلته أن يتحرّى إنسانٌ الجلوس مستقبِلًا مطلع سُهيل، أو النوم في ضوء القمر، أو الإمساك عن المُفَطِّرات ليلة العيد، زاعمًا أن هذه الأعمال يُرجى لفاعلها الأجر والثواب.
فإننا نقول لمن زَعَم زَعْمًا من هذا الضرب: أمِن المشروع فِعْل هذا العمل التماسًا للأجر والثواب؟
فإن قال: لا، فقد كفانا شأنه.
وإن قال: نعم، قلنا: آللهُ عزَّ وجلَّ شَرَعَه أم غيرُه؟
(15/174)

فإن قال: غيره، فقد أشرك. قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله} [الشورى: 21].
وإن قال: بل الله عزَّ وجلَّ شرعه.
قيل له: فهل أعْلَمَ به رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم؟
فإن قال: لا!
قيل له: فأَنَّى عَلِمْتَه؟ أتعلم الغيب؟ أم تدّعي النبوَّة لك أو لأحدٍ بعد محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. نزلت قُبيل موت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وجاء عن عمر وابن عباس وغيرهم [ص 22] كمالك والشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم تفسيرها بأن جميع أحكام الدين قد أوحاها الله إلى نبيّه صلَّى الله عليه وآله وسلم، وبلَّغها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أمّته (1).
وإن قال: بل أعْلَم الله عزَّ وجلَّ رسولَه صلَّى الله عليه وآله وسلم مشروعيّة هذا العمل.
قيل له: هل أمره بتبليغ ذلك؟
فإن قال: لا!
قيل له: فليست إذن مما شرعه للأمة، إذ لو كان مما شُرِع للأمة لأمره بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَ أنتَ أنَّ الله شَرَعَه؟!
__________
(1) انظر تفسير الطبري: (8/ 79 - 80)، و"الدر المنثور": (2/ 456).
(15/175)

وإن قال: بل أمره بتبليغه.
قيل له: فهل بلّغه؟
فإن قال: لا، فقد كفر؛ لاتهامه النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم بعدم تبليغ ما أمره الله بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَها أنت؟
وإن قال: بل بلّغَه.
قيل له: فهل حَفِظَتْها الأمة؟
فإن قال: لا.
قيل له: فأين قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. الآية تدل على حفظ السنة أيضًا؛ لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمًة إلى يوم القيامة، حتى لا تدعو الحاجة إلى بعث نبي بعد خاتم الأنبياء صلَّى الله عليهم وسلم.
ولذلك لما قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1). فاحتجَّ بالآية على حفظ السنة من أن يُلْصَق بها ما ليس منها على وجهٍ لا يمكن تمييزه، ونحن نحتجّ بها على حفظ السنة من أن يضيع منها دليل لا يُغني عنه غيره. [ص 23] وأيضًا فكيف علمته أنت؟!
وإن قال: بل حفظَتْها الأمة.
قيل له: فأوْجِدْنا في الشريعة ذلك.
__________
(1) "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 3 و2/ 18).
(15/176)

فإن قال: أنا لا أستحضر ذلك، ولكن لعله في دلالة آيةٍ من القرآن لم أتنبّه لها، أو في سنة ثابتة محفوظة لم أقف عليها.
قيل له: فمن أين علمتَ أن ذلك موجود محفوظ؟ والأصل عدم الشرع، ولو كان هناك دليل على شَرْع هذه الأعمال لَعَلِمه العلماء أو بعضُهم، ولو علموه لأخبروا به وتُنُوقِل عنهم.
وادّعاؤك على الله عزَّ وجلَّ أنه شَرَع ذلك العمل، وليس بيدك دليل على ذلك، كذب على الله، وقد قال تعالى: [{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]] (1).
[ص 24] فأنت ترى أن مَن تحرّى شيئًا من المباحات زاعمًا أنه يُرجى لعامله الأجر والثواب دائرٌ بين الشرك والكفر والكذب على الله والتكذيب بآياته، وأقلّ أحواله أنه مبتدع ضالّ إذا عَذَرْناه فلم نُكفّره.
إذا تقرر هذا فكيف يسوغ قلب الحكم لمجرّد حديث ضعيف فيقال: لو لم يَرِد الحديث الضعيف لكان تحرِّي هذا العمل رجاءً للأجر والثواب إما شركًا وإما كفرًا، وإذا عُذِر صاحبه لم يكفَّر ولكنه مبتدع ضال، ولمّا ورد الحديث الضعيف بالدلالة على استحبابه صار تحرّيه رجاء الأجر والثواب جائزًا أو مستحبًّا.
وبعبارة أخرى: لولا الضعيف لما كان هذا العمل من الدين، ولكن
__________
(1) ترك المؤلف مكان الآية بياضًا، والظاهر أنه أراد الآية التي أثبتّها.
(15/177)

ورود الضعيف جَعَله من الدين!!
وبالنظر إلى النصوص السابقة نقول: ألا ترى هذا الضعيف فيه حُكم وحلال وحرام وسنة ويضع حُكمًا ويرفعه؟ فارجع إلى تلك النصوص وانظر هل تدل على أن القوم كانوا يتساهلون في رواية ما هذا شأنه؟
[ص 25] بالأدلة (1) الثابتة جملةً وتفصيلاً، فليس في ذلك الضعيف أمر زائد على الثابت، فهذا هو الذي تدلّ النصوص السابقة على أن العلماء يتساهلون في روايته؛ لأنهم يرون أنه لا يُخشى من تساهلهم فيه إلا أن يسمعه بعض المسلمين فيُجوِّز كونه صحيحًا، فيزداد إقبالًا على الطاعة، وهذه هي الفائدة في تساهلهم في رواية ما هذا شأنه.

فصل
ونزيد ذلك إيضاحًا فنقول: لو سألتَ عالمًا هل صوم يوم عَرفة لغير الحاج سنة ومستحبّ؟ لبادرك بالجواب قائلاً: نعم!
فلو قلتَ له: فهل صوم ثاني يوم من صفر سنة ومستحبّ؟ لبادر قائلاً: لا!
فإن احتاط في الجواب قال: أما من حيث خصوصه فلا, ولكن صيام التطوّع مستحبّ في أيّ يوم كان، ما عدا ما ثبت النهي عنه.
فقد علمتَ من هذا أن إثبات السّنِّية والاستحباب على الخصوص حكم
__________
(1) كذا تبدأ هذه الورقة [25] وفي الكلام نقص، يدل على أنّ هناك سقطًا في صفحات المخطوط.
(15/178)

مستقلّ.
[ص 26] ولو سألتَه: هل يمكن أن يكون مِنْ أَجْر المكثر من صيام التطوّع غيرِ خارجٍ عن المشروع أن يُسْقَى من حوض النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قبل مَن كان أقلّ صيامًا منه؟ لقال لك: يمكن!
فلو قلتَ له: فهل يمكن أن يكون مِن أجْر صائم يوم الأربعاء وثاني صفر أن يُسقى من الحوض قَبْل صائمِ اليومِ الذي قبله وسائر الأيام؟ لقال لك: لا!
فإن طالبتَه بالفرق، قال: الشرع لم يُحدّد أجر صيام التطوّع وغيره من الطاعات، بل نصّ على بعض الأجر ووعد بالمزيد والمضاعفة، فيمكن أن يكون التقديم في السقي من الحوض من ذلك المزيد، ولا يلزم من عدم نص الشرع عليه - على فرض أنه واقع في نفس الأمر - نقصٌ في الدين. ولا يلزم من تجويز ذلك كَذِبٌ على الله تعالى ولا زيادةٌ في دينه ولا غير ذلك مما تقدم.
وأمّا ثاني يوم من صفر فلو كان له هذه المزيّة لخَصَّه الشارع بالحضّ على صيامه كما خصّ يوم عرفة ويوم عاشوراء، فلو جوَّزنا له هذه المزيّة، مع أن الشرع لم ينص على مزيّة له، لكُنّا قد جوّزنا أن يكون صيامه سنةً ومستحبًّا على الخصوص. وهذا حُكْم مستقل، لو كان واقعًا ولم ينص عليه، لكان الدين ناقصًا. [ص 27] وإذ قد عُلِمَ أن الدين كامل؛ فإنّ في زَعْم أن [صيامَ] ثاني صفر سُنةٌ ومستحبّ على الخصوص شرعًا لِمَا لم يأذن به الله، وكذبًا عليه ... إلى غير ذلك من الموبقات.
(15/179)

فلو ورد حديثان ضعيفان، أحدهما: أن المكثرين من صيام التطوع يُسْقَون قبل غيرهم. والآخر: أن صائمي ثاني يوم من صفر يُسقون قبل غيرهم. فأيُّ الحديثين تدلّ النصوص التي تقدمت عن الإِمام أحمد وغيره على أنهم يتساهلون في روايته؟ آلأول الذي ليس فيه حكم زائد ولا سنة ولا حلال ولا حرام؟ أم الثاني وفيه حكم زائد وسنة وحلال وحرام، على ما مرَّ تقريرُه؟
بقي شيءٌ وهو أن الحاكم قال في أول كتاب الدعوات من "المستدرك": ["وأنا بمشيئة الله أُجري الأخبار التي سقطت على الشيخين في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي في قبولها؛ فإني سمعت أبا زكريا يحيى بن محمَّد العنبري يقول: سمعت أبا الحسن محمَّد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي، يقول: إذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد"] (1) "المستدرك" ج 1 ص 490.
فزاد في عبارة ابن مهدي "المباحات والدعوات" فلقائل أن يقول: هذه الزيادة تمنع حمل التساهل في كلام ابن مهدي على التساهل في رواية الضعيف على الضرب الأول، وتُعيِّن أنه أراد الضرب الثاني والثالث.
وأقول: أما المباحات فلم يُرِد ابن مهدي أنه يتساهل في الضعاف الواردة بفضائل لما ثبت في الشرع أنه مباح، فإن هذه الضعاف فيها سنن
__________
(1) ترك المؤلف ثلاثة أسطر لكلام الحاكم، فأضفناها من "المستدرك".
(15/180)

[ص 28] وأحكام وحلال وحرام كما سمعتَ، وإنما أراد أن يَرِدَ ضعيف يقتضي إباحة شيء وقد ثبت من الشرع أنه مباح.
وأما الدعوات فعندي كالشكّ في صحة زيادتها, ولا آمن أن يكون بعض النّسّاخ زادها في "المستدرك" ظنًّا منه أنها سقطت من الأصل، وأنها لولا أنها في عبارة ابن مهدي لما استند إليها الحاكم معتذرًا بها عن إيراده أحاديث ضعيفة في الدعوات، ولم يتنبّه لاحتمال أن يكون الحاكم استند إلى عبارة ابن مهدي = يرى أن الدعوات تدخل في "فضائل الأعمال والثواب والعقاب".
ويَقْوى الشكُّ إذا لاحظنا أن قوله: "والدعوات" وقع آخر الأنواع: "فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات" والأخير موضع الزيادة.
وقد ذكر السخاويُّ (1) عبارة ابن مهدي ونَسَبَها إلى "المدخل" (2) للبيهقي ولم يذكر فيها المباحات والدعوات كما سبق.
وقد وقع في "المستدرك" المطبوع شبيه بهذا.
[ص 29] ولنصرف النظر عن ذلك ونبني على أن زيادة "والدعوات" صحيحة عن ابن مهدي، ثم نقول: الدعاء يُفارق سائر الأعمال، فإن الدعاء غير محدود، بل لكلّ إنسان أن يُنشئ ما شاء من الأدعية، وله أن يحفظ دعاء غيره ويُكثر من الدعاء به إذا وجده مناسبًا لحاله، حاويًا لما يُسْتحْسَن شرعًا
__________
(1) في "فتح المغيث": (1/ 332).
(2) تقدم أنه ليس في المطبوع (ص 18).
(15/181)

في الدعاء؛ من تعظيم الربّ، وإظهار الخضوع والافتقار، مع جَمْع المقاصد واختصار اللفظ ونحو ذلك. ولا يُعَدُّ بحفظه له والإكثار من الدعاء به مُحْدِثًا. وله أن يتلقّف الدعاء من كافر إذا رآه دعاءً حسنًا.
وعَلِمَ ابنُ مهدي أن أكثر الناس لا يُحْسِنون الدعاء، ويحتاجون إلى أن يتحَفَّظوا أدعيةَ غيرهم، [ص30] وإذا أنشأ أحدُهم دعاءً لنفسه، أو تلقَّفَ دعاءً من غيره ممن هو قريب منه لم يُؤمَن أن يكون في ذلك الدعاء مخالفةٌ للشرع باعتداء، أو وصف الله عزَّ وجلَّ بما لا ينبغي.
فرأى ابن مهدي أن تعريض العامة لتلقّف الدعاء الذي ورَدَ به الضعيف، وهو دعاءٌ حَسَن في نفسه، وليس فيه مخالفة للشرع = خير لهم من تركهم يُنْشِؤون الأدعية لأنفسهم، فربما وقعوا في المحظور.
ولم يخش ابن مهدي من العامة أن يسمع أحدهم الدعاء في الحديث الضعيف فيحفظه ويدعو به لمجرّد أنه منسوب إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم؛ فإن العامةَ في ذلك الزمان كانوا يعلمون أن فيما يُروَى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ما يثبت (1) وما لا يثبت [ص31]، وكانوا أيضًا يعلمون قُبْح الإحْداث والابتداع، فلم يكن يَتَوقّع من العامة إذا رَوى لهم الحديثَ المشتملَ على الدعاء إلا أن يقول أحدهم: لا أدري أثبتَ هذا عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أم لا يثبت، ولكنني أراه دعاء بليغًا موجزًا، جامعًا للمقاصد، مناسبًا لحالي، وقد علمتُ برواية العلماء له وسكوتهم عنه أنه ليس فيه ما يُنْكَر شرعًا؛ مِن اعتداء، أو وصفٍ لله عَزَّ وَجَلَّ بما لا يجوز،
__________
(1) الأصل: "ما لا يثبت" سبق قلم.
(15/182)

فَلَأن أتحَفَّظه وأدعو به أسْلَم لي من أن أُنشئ دعاءً لنفسي أو أتَلَقّف دعاءً من غيري ممن هو قريب منّي.
ولسنا نشكّ أن العاميَّ في ذلك الزمان لم يكن ليقدِّم مثل هذا الدعاء على الأدعية التي أخبر بثبوتها عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ولا يتحرَّاه كما يتحرّاها، ويواظب عليه كما يواظب عليها.
فقد تبيَّن بحمد الله عَزَّ وَجَلَّ أنه ليس في النصوص المتقدّمة مُتَمَسَّك لما ذهب إليه النووي وموافقوه، بل إنها تدلّ على خلاف ما قالوه، والله أعلم.

[ص 32] فصل
هذا التشديد والتساهل المرويّ عن ابن مهدي ومن معه ليس إجماعًا، فإن من الأئمة من كان يشدّد مطلقًا فلا يروي إلا عن ثقة، وفي "كفاية الخطيب" آثار من ذلك؛ ففيها "باب ما جاء أن الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لا يُقبل إلا عن ثقة"، "ذم الرواية عن غير الأثبات" (1)، "باب السماع من الأُمناء وكراهة النقل والرواية عن الضعفاء" (2)، "باب كراهة الرواية عن أهل المجون والخلاعة" (3). ونَقَل في هذه الأبواب عن الأئمة نصوصًا توافقها.
__________
(1) "الكفاية" (ص 31 - 34).
(2) (ص 132) وفيها: "باب في اختيار السماع ... ".
(3) (ص 156 - 158).
(15/183)

فلو فَرَضْنا أن النصوص الواردة في التساهل تدلّ على ما ذهب إليه النووي وموافقوه، فإن نصوصَ غيرهم ممن ذكره الخطيب في هذا الأبواب تخالف ذلك؛ فبطلت دعوى الإجماع قطعًا.

ولا يجوز أن يقال: تُحمل نصوص التشديد مطلقًا على النصوص المفصلة؛ لأن ممن جاء عنه التشديد مطلقًا مَن لم يجئ عنه التفصيل، ولا يصح تخصيصُ أو تقييدُ نصِّ إمام بنصّ غيره.
ألا ترى أن نصوص مالك العامة لا يجوز تخصيصها أو تقييدها بنصوص الشافعي؟!

[ص 33] فصل
ولو سَلِمَت دعوى الإجماع من النقض فغايتُه أن يكون إجماعًا سكوتيًّا ضعيفًا، والإجماعُ السكوتيّ القويّ: أن يُنْقَل أن بعض المجتهدين قال: كيتَ وكيتَ، وبلغ ذلك سائرَ المجتهدين في ذلك العصر فسكتوا. والضعيف هو: أن يُنْقَل عن بعض المجتهدين، ثم يبحث المطّلع فلا يعلم لهم مخالفًا. وقد أنكر الإمامان الشافعي وأحمد تسمية مثل ذلك إجماعًا، وقالا: ينبغي أن يقول: "قال جماعة ممن قبلنا, ولا أعلم لهم مخالفًا" أو نحو هذا.
ويظهر من مذهبيهما أن مثل هذا حجة ضعيفة يُصار إليه إذا لم يوجد دلالة من الكتاب ولا من السنة، وعلى هذا تدلّ الآثار عن الصحابة. وعلى كل حال فإن القائلين بحجيّة الإجماع السكوتي يعترفون بأنه حجة ظنيّة، والدلائل الظنية لا تثبت بها مسائل الأصول، ومسألتنا منها.
(15/184)

[ص 34] فصل
وقد استدلّ المجوّزون بأمور أخرى:
منها: حديث رُوي عن جابر عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من بَلَغه عن الله شيء وفيه فضيلة فأخَذَ به إيمانًا رجاء ثوابه أعطاه الله ذلك". ورُوي نحوه عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أنسٍ مرفوعًا.
وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (1) والسيوطي في "اللآلئ المصنوعة" ج 1 ص 111 - 113 (2). وطرقه تدور على الكذابين والمتهمين.
واعلم أن الزنادقة والضُّلّال والكذّابين في تلك القرون كان ربما اجتمع منهم (3) جماعة، فتواطؤوا على وضع حديث، ثم يذهب كلّ منهم يرويه بإسنادٍ غير إسناد صاحبه ليُشَبِّهوا على الناس. وكان جماعةٌ منهم إذا سمعوا حديثًا غريبًا من كذّاب ذهب كلّ منهم يخترع له إسنادًا. وكانوا كثيرًا ما يُغَلّطون المغفّلين من الرواة إما بالتلقين وإما بالإلحاق في كتبهم، وإما بغير ذلك.
كل هذا معروف لمن مارس الحديث، فلا يغرّنّك تعدد الطرق مع دورانها على الهلْكَى والمتروكين والمغفّلين، وإن نُسِب بعضهم إلى الزهد والصلاح؛ فقد كان كثيرٌ من الزنادقة والضُّلّال يُظهرون الزهد والصلاح، و [كان] كثير من الزُّهّاد جُهّالًا يستحبّون الكذب في الحديث ترغيبًا للناس
__________
(1) (501). وحديثا ابن عمر وأنس أخرجهما ابن الجوزي في "الموضوعات" أيضًا (1642 و1643).
(2) (1/ 214)
(3) الأصل: "منهما" سبق قلم.
(15/185)

في الخير - زعموا - حتى تأوّل بعضهم الحديث المتواتر: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوّأ مقعدَه من النار" فقالوا: إنما نكذب له لا عليه!!! (1).
هذا، ولو صحّ الحديث المذكور لما كان فيه حجة للمجوّزين، بل يُحْمَل على مَن بلغه حديث ظاهره الصحة [ص 35] وهو في نفس الأمر باطل، توفيقًا بينه وبين أدلة المنع من العمل بالضعيف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد رأيت رسالةً لبعض الإمامية في هذه المسألة، نَقَل فيها عن علمائهم المنعَ من العمل بالضعيف، ثم ذهب يتأوّل ويتمحّل، وذكر أثرًا عن الإمام جعفر الصادق في معنى الحديث الذي ذكرناه، فإن صحّ فقد علمتَ محله، والله أعلم.
ومنها: أن في العمل بالضعيف احتياطًا، والاحتياط مرغّب فيه شرعًا.
والجواب: أن الاحتياط إنما يُطْلَب في مواضع الاشتباه، كما في الحديث المتفق عليه: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن ترك الشُّبُهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه" (2). وفيما رُوي عن الحسن بن علي عن جده صلَّى الله عليه وآله وسلم: "دَعْ ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" (3).
__________
(1) انظر "الموضوعات": (1/ 138) لابن الجوزي. وعلامات التعجّب الثلاث من المؤلف.
(2) البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(3) أخرجه أحمد (1723)، والترمذي (2518)، والنسائي (5711)، وابن حبان (722) وغيرهم. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم: (2/ 13).
(15/186)

وأنت إذا تأملت ما تقدم وما يأتي عَلِمتَ أن الحديث الضعيف المتفرّد بعمل لا يوقع في الشُّبْهة بل الراجح أنه باطل، وعلى فَرْض الاشتباه فالاحتياط ترك العمل به؛ لأن غاية ما يحتمل في ترك العمل أن يكون تركًا لمستحبّ، وأما العمل فيُخشى منه الابتداع والإحْداث في الدين، والكذب على الله تعالى، واتهام سلف الأمة بالتفريط، وغير ذلك مما تقدّم.
فالمُقْدِم على العمل إن كان الأمر عنده مشتبهًا، بمنزلة من يُقْدِم على [ص 36] الوقوع على امرأةٍ يشك أأُمه هي أم زوجته!
ومنها: أن المباح يصير قُرْبةً بالنية.
والجواب: أن محلّ ذلك في مباح من شأنه أن يُعين على عبادة ثابتةٍ شرعًا، كالأكل بنيّة التقوِّي على الجهاد، فأما أن يعمد جاهل إلى أمر مباح، فيزعم أنه عبادة مقصودة، ويتعبد به، ويحافظ عليه؛ فذلك هو الإحْداث في الدين والكذب على ربّ العالمين، والتكذيب بآياته في حفظ الذكر وإكمال الدين، إلى غير ذلك مما مرّ.
ومنها: ما أجاب به ابنُ حجر الهيتمي في "شرح الأربعين" (1) عمن قال من المانعين: "إن الفضائل إنما تُتلقّى من الشارع، فإثباتها بما ذُكِر اختراعُ عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله". قال الهيتمي: "وليس ذلك من باب الاختراع والشرع المذكورَين، وإنما هو من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بأمارةٍ ضعيفة من غير ترتُّب مفسدة عليه".
__________
(1) (ص 32).
(15/187)

والجواب: أن ابتغاء فضيلةٍ ورجاءها بأمارةٍ ضعيفة إنما يجوز فيما يكفي في ثبوته دلالة الحسّ والمشاهدة والقرائن، وذلك كمعرفة أن فلانًا عا لم، وفلانًا فقير، وفلانًا صالح؛ فإنّ توقير العالم والصالح ومواساة الفقير فضائل ثابتة بالشرع. ولكن معرفة أن فلانًا عالم وفلانًا صالح وفلانًا فقير [ص 37] لا تتوقّف على الحجج النقلية بل مدارها على الحسّ والمشاهدة والتسامع والقرائن، فإذا وُجِدت أمارة ضعيفة أن فلانًا فقير - مثلًا - كان للمكلّف ابتغاءُ فضيلة الصدقة عليه استنادًا إليها، وذلك كأن يرى ثوبَه خَلَقًا. ويُعتدّ هنا بالأمارات التي لا تثبت بها الأحكام الشرعية، وذلك كخبر الكافر والفاسق والصبي، وكالرؤيا ونحوها.
وليس مسألتنا من هذا القبيل في شيء وإنما هي من قبيل الأحكام الشرعية التي إنما يُستدلّ عليها بالحجج المعتبرة شرعًا في ثبوت الأحكام. وهذا واضح والحمد لله.
ومنها: أن يُقال: إذا جاز أن يفعل المباح، ويختار صيام يوم معيّن، وقيام ليلةٍ معيّنة لمجرَّد سبب دنيوي، وذلك كالتختُّم بالعقيق تزيُّنًا به، وصوم ثاني يوم من صَفَر لأنه كان فارغًا فيه، وقيام ليلته لأنه سهر فيها، فكيف لا يجوز لسبب ديني وهو التماس فضيلة زائدة ولا سيما إذا ورد بها ضعيف.
والجواب: أن التزيّن واغتنام الفراغ والسهر ليس فيها كَذِب على الله ولا تكذيب بآياته ولا زيادة في دينه، وعليك أن ترجع إلى ما قدمنا من الأسئلة التي تورَد على من تحرّى النومَ في ضوء القمر ونحو ذلك، زاعمًا أنه يُرجى لفاعله الأجر والثواب.
(15/188)

وقد قدمنا أن الأسئلة بعينها تورَد على من تحرّى [ص 38] صوم ثاني صفر، زاعمًا أنه يُرجَى لصائمه أجرٌ وثواب أفضل مما يُرجَى لصائم اليوم الذي قبله ونحوه.
فإنه يقال لهذا: أمِن المشروع صوم هذا اليوم لهذا الرجاء؟
فإن قال: نعم، قيل له: آلله عزَّ وجلَّ شَرَعَه أم غيره؟ .. (إلى آخر ما تقدّم) (1).
فأما المتزيّن ومغتنم الفراغ ومغتنم السهر؛ فإنهم لو سُئلوا الأسئلة المذكورة لمرّوا في أجْوِبتها على الوجه الصحيح إلى أن يقال لهم: "فأوْجِدونا في الشريعة ذلك" فيقولون: قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} [الأعراف: 32]، {فَإِذَا فَرَغتَ فَآنصب} [الشرح: 7]، والسهر ضرب من الفراغ، والإجماع المحقق منعقد على الجواز. فتدبَّر (2).
...
__________
(1) (ص 175 وما بعدها).
(2) هنا تنتهي هذه القطعة من الكتاب. وقد ألحقنا بها موضعين من القطع الأخرى كما سيأتي التنبيه عليه.
(15/189)

[فصل] (1) نصوص الإمام الشافعي في هذا البحث
قال الإمام الشافعي في صدر "الرسالة" (2): " ... وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا وصورًا استحسنوها، ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهةً عبدوها، فإذا استحسنوا غيرَ ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه ... فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلَّى الله عليه وآله وسلم أهلَ كفر في تفرُّقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله ... فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها".
وقال: "والعلم طبقات شتى، الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة (3)، ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ولا نعلم له مخالفًا منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في ذلك، الخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يُصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما
__________
(1) هذا الفصل ألحقناه هنا، وهو من القطعة الثانية من الرسالة [4658/ 10] (17 ب - 19 ب). ولعله من ضمن ما استدل به النواوي على جواز العمل بالضعيف، كما ذكر المؤلف [ص 6] من هذه القطعة من الرسالة.
(2) (ص 10).
(3) "إذا ثبتت السنة" ليست في ط دار الوفاء.
(15/190)

موجودان". "الأم" (7/ 246) (1).
وقال: " ... لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم، وذلك الكتاب ثم السنة، أو ما قاله أهلُ العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض. هذا، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان ... " "الأم" (7/ 271) (2).
وقال - رحمه الله - بعد أن ساق المأثور عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في دعاء الافتتاح: "فإن زاد فيه شيئًا أو نقصه كرهته ولا إعادة" "الأم" (1/ 92).
ونحو هذا ذكر في التلبية، وروى فيها "عن عبد الله بن أبي سلمة أنّه قال: سمع سعدٌ بعضَ بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج، فقال سعد: المعارج؟ إنّه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم". "الأم" (2/ 132 - 133) (3).
وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر تلبية النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: "ولا أحبّ أن يزيد على هذا في التلبية حرفًا إلا أن يرى شيئًا يعجبه فيقول: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة، فإنّه لا يُرْوَى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنّه زاد في التلبية حرفًا غير هذا عند شيء رآه فأعجبه". (2/ 173) (4).
__________
(1) (8/ 764 - دار الوفاء).
(2) (9/ 67 - 68).
(3) (3/ 391 - 392).
(4) (3/ 525).
(15/191)

أقول: ومثل هذا ما جاء أنّ رجلًا عطس عند ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، علّمنا أن نقول: "الحمد لله على كل حال". "جامع الترمذي" (2/ 123) (1)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2) وقال: صحيح غريب، وأقرّه الذهبي.
وقال الشافعي (3): "وأحبّ أن يستلم الركنَ اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله؛ لأنّي لم أعلم أحدًا روى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنّه قبّل إلا الحجر الأسود، وإن قبّله فلا بأس به، ولا آمره باستلام الركنين اللذين يليان الحجر الأسود، ولو استلمهما أو ما بين الأركان من البيت، لم يكن عليه إعادة ولا فدية، إلا أني أحبّ أن يقتدي برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم".
وبعد كلام روى "عن محمد بن كعب القُرَظي أنّ رجلًا من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يمسح الأركان كلها، ويقول: لا ينبغي لبيت الله تعالى أن يكون شيء منه مهجورًا. وكان ابن عباس يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ... " "الأم" (2/ 146 - 147) (4).
وذكر بعد ذلك أنّ الذي كان يستلمه ابنُ الزبير، وذَكَر قولَ ابن عباس ثم
__________
(1) (2738) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع".
(2) (4/ 265) وعبارته: "هذا حديث صحيح الإسناد غريب في ترجمة شيوخ نافع".
(3) (3/ 428).
(4) (3/ 430 - 431).
(15/192)

قال: "وبهذا نقول" (1).
وقد روى الإمام أحمد (2) وغيره أنّ ابن عبّاس طاف مع معاوية فكان معاوية يستلم الشاميين وابن عباس يمنعه ويقول: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". وفي بعض الروايات: أنّ معاوية رجع عن ذلك (3).
وقد عقد البيهقي في "السنن" بابًا لذلك، وذكر فيه جواب الشافعي عن شبهة الهجران بقوله: "قال الشافعي: ولم يدَّع أحدٌ استلامهما هجرةً لبيت الله ونسكه، ولكنّه استلم ما استلم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمسك عمّا أمسك عنه". "سنن البيهقي" (5/ 77).
وقد جاء عن عمر وعثمان عدم استلام الشاميين واحتجَّا بأنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يفعله (4).
أقول: وقول الشافعي: "وإن قبّله فلا بأس به ... " يمكن أن يكون أراد بالبأس الإعادة والفدية، أي: أنّه لا إعادة عليه ولا فدية كما بيّنه بعد ذلك، ولكنّه قال في موضع: "وأيّ البيت قَبَّل فحَسَنٌ غير أنّا نأمر بالاتباع"، وهذا لا يخلو عن إشكال، ولعله أراد أنّه مباح إذا لم يزعم فاعله أنّه من الدين، بل فعله بباعث المحبة، كالذي كان يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في كل ركعة، مع أنّ بينهما فرقًا، فإنّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في الصلاة ثابت إجمالًا، وتقبيل ما
__________
(1) (3/ 435).
(2) (2210)، وأخرجه البخاري (1608) معلقًا، والحاكم: (3/ 542).
(3) في "المسند" (1877) وفيه قول معاوية لما ذكر له ابنُ عباس الآية: "صدقت".
(4) خبر عمر رواه أحمد (253، 313)، وخبر عثمان رواه أحمد أيضًا (512).
(15/193)

بين الأركان لم يثبت إجمالًا ولا تفصيلًا، والقياس فاسد الاعتبار لمخالفته النص، فإنّ تقبيل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الحجرَ الأسود، وتركه تقبيل غيره واضح في الدلالة على الفرق، هذا مع ما جاء من مزيّة الحجر الأسود على سائر البيت، والله أعلم.
وذكر الشافعيُّ في الحجِّ أدعيةً بعضها عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بسندٍ لا يثبت، وبعضها حكاها عن بعض التابعين وبعضها لم يحكه عن أحد، ويعبر عنها بقوله: "أستحب" ونحوه، وقد يتوهّم أنّ تلك الأدعية مستحبة على التعيين، وليس هذا مراد الشافعي إن شاء الله، وإنّما مراده - إن شاء الله - أنّ الدعاء المناسب للمقام مستحب، وذلك الدعاء الذي ذكره مناسب، وروايته عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أو عن بعض السلف يُكْسِب النفسَ طمأنينة بسلامة الدعاء ممّا يكره، ولو عَدَل الحاجُّ عنه إلى دعاء آخر مناسب كان قد أتى بالمستحب؛ ولهذا قال الشافعي في باب القول عن رؤية البيت بعد أن ساق بعض الأدعية: "فأستحبّ للرجل إذا رأى البيت أن يقول ما حكيت، وما قال مِنْ حَسَن أجزأه إن شاء الله تعالى". (2/ 144) (1).
وهذا كثيرٌ في كلام الشافعي يقول: أستحبُّ كذا، ويذكر مثالًا خاصًّا يريد - والله أعلم - أنّه فَرْد من أفراد المستحب المطلق لا أنّه مستحب بعينه.
فمن ذلك أنّ مالكًا - رحمه الله - كره عند الذبح أن يُصَلّى على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم (2)، فقال الشافعي: "والتسمية على الذبيحة "باسم
__________
(1) (3/ 423).
(2) انظر "البيان والتحصيل": (3/ 281)، و"مواهب الجليل": (1/ 383).
(15/194)

الله" فإذا زاد على ذلك شيئًا مِنْ ذِكْر الله عَزَّ وَجَلَّ فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته عند (1) الذبيحة أن يقول: صلَّى الله على محمد رسول الله، بل أحبُّه له، وأحب أن يُكثر الصلاةَ عليه، فصلّى الله عليه في كل الحالات؛ لأنّ ذكر الله عزَّ وجلَّ والصلاة عليه إيمان بالله تعالى وعبادة له يُؤجَر عليها إن شاء الله تعالى من قالها ... قال: ولسنا نعلم مسلمًا، ولا نخاف عليه أن تكون صلاته عليه صلَّى الله عليه وآله وسلم إلا إيمان بالله (2)، ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدْخَلَ على بعض أهل الجهالة النهيَ عن ذِكْر اسم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عند الذبيحة، ليمنعهم الصلاةَ عليه في حالٍ لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة ... ". "الأم" (2/ 305) (3).
يعني بقوله: "لمعنى ... " إلخ أن ينوي الذبح لله وللرسول، أو يظن ذِكْر الرسول لازمًا لزوم ذكر اسم الله أو نحو ذلك. وقوله: "فالزيادة خير" يريد الخيرية المطلقة المشتركة بين هذا الموضع وغيره، وهكذا قوله: "بل أحبه له" مراده أنّ الصلاة على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم محبوبة مطلقًا، وهذا الموضع من أفراد ذلك المطلق، وهذا ظاهر في سياق عبارته، وإن غلط في هذا بعض الفقهاء فزعم أنّها مستحبة في هذا الموضع بعينه على الخصوص.
وقد يُحْتَجّ لمالك بأنّ الصلاة على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم عند الذبح لم تُنقل عنه صلَّى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه ولا
__________
(1) في "الأم": "على".
(2) كذا في الأصل، وفي ط. دار الوفاء: "الإيمان بالله".
(3) (3/ 621 - 622).
(15/195)

أئمة التابعين، وقد احتجّ الشافعي بمثل هذا في مواضع قد تقدم بعضها (1). وتَرْكُه صلَّى الله عليه وآله وسلم من سنّته، وقد مرّ احتجاج ابن عباس بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (2) [الأحزاب: 21]، ومثلها في الحجة قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]. وغيرها من الآيات في الأمر بطاعته صلَّى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّ مِنْ اتباعه تَرْكَ ما تركه، وقد غضب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم على النفر الذين أراد بعضهم أن يصوم ولا يفطر، وأراد الآخر أن يقوم الليل ولا ينام، وأراد الثالث أن يتجرّد للعبادة فلا يتزوّج، وممّا قاله صلَّى الله عليه وآله وسلم في زَجْرهم وزجر أمثالهم: "فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومرّ احتجاج عمر وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في بيان أن ترك النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم حجة (3).
وذكر الشافعي - رحمه الله - في باب (الاغتسال للعيد) (4) [قال: كان مذهب سعيد وعروة في أن الغسل في العيدين سنة، أنه أحسن وأعرف وأنظف، وأنْ قد فعله قومٌ صالحون، لا أنه حَتْمٌ بأنه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -].
...
__________
(1) (ص 191).
(2) (ص 192).
(3) (ص 200 وما بعدها).
(4) (2/ 489). إلى هنا انتهت هذه القطعة من النسخة الثانية من الرسالة، وقد نقلتُ باقي كلام الشافعي من "الأم".
(15/196)

[فصل] (1)
نعم قد توجد مسائل عن بعض الأكابر استحسنوا فيها العمل بحديث يظهر أنه ضعيف، ولكن مثل ذلك لا يثبت به أصل عظيم من الأصول الشرعية تُعارَض به الأصول القطعية؛ لاحتمال أن ذلك الحديث كان عند مَن قال بموجبه صحيحًا، أو كان له عاضد ولو من القياس، أو يكون ذلك سهوًا منه، أو غير ذلك.
وقد يُروى عن بعضهم المحافظة على بعض المباحات على هيئة يتوهَّم الناسُ أنه كان يرى أنها مستحبة، ولم يكن هو يراها مستحبة، وقد تكون له نية يصيرُ ذلك المباح بها قربة، ولكن لا تتفق هذه النية لكل أحد. كما يروى أن مالكًا رحمه الله كان إذا أراد الخروج إلى مجلس الحديث اغتسل (2)، وأن البخاري قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (3). فكأنهما كانا يغتسلان لأن الغسل يورث ...... (4).

[فصل]
[ص 21] [والبدعة] بالتعريف المذكور (5) مذمومةٌ قطعًا ولا يُستثنى منها
__________
(1) من هنا إلى آخر الرسالة أضفناه من القطعة الثانية من الرسالة [4658/ 10] (ق 23 ب - 33 ب) وقد حصل فيها خرم في موضعين كما سيأتي التنبيه عليه.
(2) انظر "تهذيب الأسماء واللغات": (ق 1/ 2/ 76).
(3) انظر "تاريخ بغداد": (2/ 9)، و"السير": (12/ 402).
(4) هنا خرم ورقة أو أكثر.
(5) بسبب الخرم السالف سقط ما قبل هذا من الكلام، وواضح أن حديث المؤلف عن =
(15/197)

شيء، وأدلة ذلك لا تحصى، وقد بسطها الشاطبي في "الاعتصام" (1)، وسأشير إلى بعضها:
فمنها: أن الله تعالى قسَّم الكفر في كتابه إلى قسمين: الكذب عليه، والتكذيب بآياته، والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68]، وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32].
وكلّ من عمل عملًا يرجو ثوابه من الله تعالى، فقد نَسَب ذلك العمل إلى الدين، فإن كان عنده سلطان أنه من الدين وإلا فهو كاذب على الله تعالى، والسلطان إما يقينيّ بذاته كآيةٍ من القرءان قطعية الدلالة، وإما مُسْتَنِد إلى يقينيّ كحديث صحيح، فإنه ليس قطعيًّا في نفسه عند أكثر العلماء، ولكنه مستند إلى أصل قطعي، وهو وجوب العمل بالحديث الصحيح، فإن مجموع الأدلة على ذلك يفيد اليقين، وإن كان كلّ فرد منها لا يفيده.
وما لم يكن قطعيًّا ولا يستند إلى قطعيّ فهو من الخَرْص الذي قال الله تعالى فيه: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: 10]، ومن الظن الذي قال فيه: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]، فصاحبه كاذب على الله عزَّ وجلَّ ولا بدّ.
__________
= البدعة فأضفناه بين معكوفين، والتعريف الذي أراده المؤلف هو "إلصاق أمر بالدين وليس من الدين". انظر "حقيقة البدعة" (ص 88 - ضمن رسائل العقيدة) للمؤلف.
(1) (3/ 62 - 66).
(15/198)

والبدعةُ المذمومةُ التي سبق تعريفها (1) كلها داخلة في هذا، ولكن من النّاس من يُعْذَر، على ما يأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى (2).
ومن هنا تضافرت الأحاديث على ذمها كلها، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم وغيره من طرق متواترة إلى جعفر الصادق عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كانت خطبة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول بعد ذلك - وقد علا صوتُه -: "أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" مسلم ج 3 ص 11 (3).
ولولا عِظَم خطر الإحداث في الدين لما كرّر النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم هذا الكلام كلَّ جمعة.
وقد اتفق المحققون أنّ المرادَ بالبدعة في هذا الحديث البدعةُ في الدين - على ما قدمنا تعريفها - ولكن منهم من أدخل فيها ما كان مِنْ هَدْيه صلَّى الله عليه وآله وسلم بالقوّة، فاحتاج إلى استثنائه من هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة.
ومنهم مَن نَظَر إلى أنّ البدعة لغةً أعمّ من البدعة في هذه الأحاديث، فاحتاج إلى قسمتها إلى الأحكام الخمسة. وقد نصّ هذا الحديثُ وغيرُه [ص 22] من الأحاديث أنّ البدع شر الأمور، وأنّ كلّ بدعة ضلالة. فأقلّ ما
__________
(1) انظر (ص 197) حاشية رقم (5).
(2) (ص 211 - 212).
(3) (867).
(15/199)

يدلّ عليه ذلك أنّها من الكبائر، وحينئذٍ فلا يخرج العمل عن كونه بدعة إلا بحجّةٍ يحصل بها اليقين، أو غَلَبة الظن المستنِد إلى يقين = بأنّ ذلك العمل من هدي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، والضعيفُ بعيد عن ذلك، ولا ينفعه ثبوتُ عمومٍ يندرج تحته، فإنّ الأمر بمطلق قيام الليل وصيام التطوع يدلّ على تساوي الليالي والأيام، فمن قام ليلة النصف من شعبان أو صام يومها رجاء ثوابٍ أعظمَ من ثواب ليلة النصف من صفر، فإن واظب عليها احتاج إلى سلطانٍ بأن من هَدْي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم المواظبة عليها، فإن لم يكن له سلطان على ذلك، فعمله بدعة، وقد علمتَ أنّ ذلك العموم لا يدلّ على ما ذكر، وأنّ الحديث الضعيف لا يصلح سلطانًا، وقس على ذلك.
ولا يُظَنّ بالصحابة والتابعين وسلف الأمة أن تفوتهم سنةٌ من سنن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فينفرد بها بعض الضعفاء, والمنفردُ بها إن كان واحدًا فذلك حديث غريب، وقد أَبْلَغ الأئمةُ في ذمّ الغرائب كما سلف (1).

[تَرْك النبي - صلى الله عليه وسلم - وهل هو حجة]
واعلم أنّ عامة الفضائل التي يحاول المتأخرون إثباتها بالأحاديث الضعيفة مما لم يُنْقَل من وجه صحيح أنّه عمل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بها ولا أصحابه، ولا أئمة التابعين، وكثيرٌ منها لم يعمل به [ص 26] مَنْ بعدهم إلى قرون، وما كان كذلك وجب الحكم بأنّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لم يعملوا به ....
وفي "إعلام الموقعين": "فصل، وأمّا نقلهم لتركه صلَّى الله عليه وآله
__________
(1) من هنا ضرب المؤلف على 9 صفحات إلى أواخر [ق 25 ب].
(15/200)

وسلم فهو نوعان، وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنّه ترك كذا ... والثاني عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هِمَمهم ودواعيهم أو أكثرِهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدّث به في مجمع أبدًا عُلِم أنه لم يكن".
أقول: وما نُقِل من وجه غير ثابت فكأنّه لم يُنْقَل.
ثم ذَكَر أمثلة من ذلك، إلى أن قال: "ومن ههنا يُعلَم أنّ القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإنّ (1) تَرْكه صلَّى الله عليه وآله وسلم سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا استحببنا فِعْل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرْك ما فَعَله ولا فرق ... ".
أقول: يعني أنّ استحباب ترك السنة الثابتة تكذيب له صلَّى الله عليه وآله وسلم، وشَرْعٌ في الدين يناقض ما شرعَه، واستحبابُ فعلِ ما تركه كَذِبٌ على الله تعالى، وشَرْعٌ في الدين ما لم يشرعه. فأمّا إذا تركنا للتكاسل ما فَعَلَه فإنّه أهون جدًّا من استحبابنا فعل ما تركه؛ لأنّ غاية الأوّل أن يكون معصية أو مكروهًا أو خلاف الأولى، وليس فيه كذب على الله ولا تكذيب بآياته. وأمّا الثاني فهو كذب على الله وشَرْعٌ في الدين لما لم يأذن به الله، وفيه مع ذلك تكذيب فيما نصّ عليه من إكمال الدين، وفيما تكفّل به من حفظ الشريعة أو رَمْيٌ للنبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم بأنّه لم يبلّغ ما أنزل الله إليه، أو للصحابة بأنّهم لم يبلغوا ما سمعوا، أو لأئمة التابعين أو من بعدهم. ورَمْيٌ لهم جميعًا بأنّهم كانوا مقصرين عن فضيلة من الفضائل حتى جاء هذا المبتدع فأحياها والعياذ بالله".
__________
(1) الأصل: "وما" والمثبت من "الإعلام".
(15/201)

ثم قال: "فإن قيل: من أين لكم أنّه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ السؤال وقُبِل (1) لاستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنّه لم يُنْقَل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغُسلَ لكلّ صلاة، وقال: من أين لكم أنّه لم ينقل؟ ... واستحبّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أنّ إحياءها لم يُنقل؟ وانفتح بابُ البدعة، وقال كلُّ من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل". "إعلام الموقعين" (2/ 440) (2).
أقول: والسؤال الذي فرضَه مردودٌ إجماعًا، ويكفي لدفعه من الشرع [ص 27] قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وما عُلِم من الدين بالضرورة بأنّ محمدًا صلَّى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع. ومن جهة العقل والعادة ما عُلِم بالتواتر من شِدّة حرص النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم على تبليغ جزئيات الدين، وحرص أصحابه - مع كثرتهم - على حفظ ذلك وتبليغه إلى من بعدهم وهلمّ جرًّا، حتّى لقد أنكر بعضُ العلماء الحديثَ الذي يجمع شروط الصحة ولكنه فرد، وأنكر مالكٌ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة؛ لأنّه وجد عملَ أهلِ المدينة على خلافها. وكذا أبو حنيفة رحمه الله فإنّه يتردّد في الأحاديث الأفراد إذا خالفت العمل.
__________
(1) الأصل: "وقيل" خطأ. والمثبت من "الإعلام".
(2) (4/ 264 - 265).
(15/202)

ونحن نرى العمل بالأحاديث الأفراد الصحيحة؛ لأنّها داخلة في الأصل القطعي الموجِب للعمل بالحديث الصحيح؛ ولأنّا نرى أنّ ما تكفَّل الله تعالى به من حفظ الشريعة يحصل بذلك.
وقد يجوز أن ينفرد الصحابيُّ بالسنة، ويتفق له أن يحدِّث بها جماعةً محصورين، فيبلّغها واحد منهم فقط. على أنّنا نتردَّدُ في الحديث الفَرْد وإن كان رواته ثقات، إذا كان عن عمل يتكرّر سببُه كثيرًا، أو من شأنه أن تتوفر الرغبات على نقله، وانضمَّ إلى ذلك غرابةُ المعنى؛ بأن لم يوجد له شبيه في الشريعة.
• وممّا احتجّ به القائلون بالعمل بالضعيف: الإجماعُ على أنّ المباح يصير قُربةً بالنية.
والجواب: أن محلّ ذلك في المقاصد الشرعية الثابتة إذا كان يمكن تحصيلها بوسائل كثيرة، كلّ واحدةٍ منها كافية في ذلك، ولم يعيِّن الشرعُ وسيلةً منها على سبيل التحديد، بل ترك النظر للمكلف؛ فإنه يعلم حينئذ أنّ على المكلّف أن يتوصل إلى ذلك المقصد بأي وسيلة شاء من الوسائل المباحة في نفسها، فإذا كان المقصد واجبًا ثبت أنه يجب على المكلّف أن يتوسل إليه بوسيلة من تلك الوسائل، وهي حينئذ واجبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار ذلك الواحد قربة؛ لأنّه حينئذٍ واجب، وإن كان المقصد مندوبًا كانت تلك الوسائل مندوبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار مندوبًا، ويكون التوسل بأحدها إلى ذلك المقصد من هدي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بالفعل إن ثبت عنه أنّه تولسل به لذلك المقصد، ومن هديه صلَّى الله عليه وآله وسلم بالقوة إن كان استغنى عنه بغيره، ولكن
(15/203)

على العامل أن يعلم أنّ تلك الوسيلة [ص 28] ليست قربةً بذاتها، وإنّما تكون قُربة للتوسل بها إلى قربة، وعليه إذا كان متبوعًا أن يحترز عن إيهام تابعيه أنّها قربة بذاتها.
فمن ذلك الحج والجهاد مقصدان شرعيّان أُمِرْنا بهما ويمكننا التوسل إليهما بأمور متعددة، كالسفر إلى الحج مشيًا وركوبًا على الخيل والبغال والحمير والجمال والفِيَلة، وفي السفن البحرية شراعية أو بخارية، وفي القطار والسيارات والطيارات وغير ذلك، ولم يحدد لنا الشرع شيئًا منها على سبيل التقييد. وتوسَّل النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم بالركوب على الناقة وكثير من أصحابه بالمشي، فكانت هاتان الوسيلتان من هديه صلَّى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وأمّا التوسل بركوب الباخرة أو القطار أو السيارة أو الطيارة، فلم يقع في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، ولكنّه من هديه بالقوة. وممّا يصرح بذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. وركوب السيارة والطيارة ونحوهما سبيل من السبل، وقس على هذا حال الجهاد، فالتوسّل إليه بالسيف والرمح من هديه صلَّى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وبالبندق والمدفع وغيرهما من هديه بالقوة، وممّا يصرّح بذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
ومن ذلك: أنّ قراءة القرآن مقصد شرعي أُمِرنا به مطلقًا أي: بدون تعيين وسيلة من وسائله على وجه التحديد والتقييد، فكان ذلك أمرًا بوسائله على وجه التخيير، فيدخل في ذلك التوسل بالنظارات الزجاجية فهي من هدي
(15/204)

النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بالقوة؛ لأنّها إنّما لم تُستعمل في عهده؛ لأنّها لم تكون موجودة. وقد يكون للمقصد الشرعي وسيلة متيسرة في عهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فيعمل به ثم بعده تختل تلك الوسيلة، إمّا بحيث لا تبقى كافية لتحصيل المقصد، وإمّا بحيث يصير غيرها أصلح منها، وحينئذٍ فينبغي العدولُ عن الوسيلة التي كانت في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقد تتعين وسيلةٌ لم تكن على عهده فتصير واجبة لعينها، وذلك كتحصيل البنادق والمدافع ونحوهما من آلات الجهاد. وقد تصير وسيلةً لم تكن على عهده أصلح من التي كانت على عهده، فتصير مستحبةً لعينها، وعلى هذين القسمين يدور قسم الواجب والمستحب من أقسام البدعة على ما قَسّمه بعضُ [ص 29] العلماء.
ويدخل فيما تقدم اغتسال مالك عند إرادة التحديث، والبخاري عند إرادة إثبات الحديث في الصحيح (1)؛ لأنّ من المقاصد الشرعية وجوب التحفُّظ عن الخطأ في الحديث عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وفي الحكم على الحديث بالصحة، ولا سيما إذا كان الحاكم يرى أن حكمه سيُعْمَل به إلى يوم القيامة, ومن الوسائل إلى التحفّظ الاغتسال ليكون أقوى للنشاط وصفاء الذهن ولطف الفطنة، وكان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مستغنيًا عن ذلك بما وهبه الله تعالى له من القوة والعصمة، وأمّا أصحابه فكانوا أحضر أذهانًا وأقوى فطنة مما بعدهم، مع أنّهم لا يكادون يخشون الخطأ؛ لأنّهم سمعوا الحديث من فيه صلَّى الله عليه وآله وسلم مرارًا، فهم على يقين لا شكّ فيه، ويدخل في هذا كلّ ما لعله يصح ممّا يشبه ذلك عن
__________
(1) انظر تخريجهما فيما سلف (ص 197).
(15/205)

أئمة السلف، على أنّنا نعلم أنّه لم يكن أحد منهم معصومًا عن الخطأ، والله أعلم.
إذا أحطت خبرًا بما تقدم، ثم وزنتَ به مسحَ الرقبة في الوضوء، وتخصيصَ ليلة النصف من شعبان بالقيام، ويومها بالصيام، اتضح لك الفرق، فإنّ هذه وأمثالها مقاصد لا وسائل، والعامل بها إنّما يتديَّن بها على أنّها قربة بذاتها، والحجة قائمة على أنّها ليست من هدي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لا بالفعل ولا بالقوة، بل الحجة قائمة على أنّ من هديه صلَّى الله عليه وآله وسلم تركها بالفعل، وليس هناك ما يقتضي أنّها من هديه بالقوة، بل إنّ الهدي بالقوة إنّما يتصوّر في الوسائل كما تقدم، فأمّا المقاصد الشرعية فكلها من هديه صلَّى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وتحقيق هذا يحتاج إلى إطالة.
• وممّا احتجُّوا به: أنّ في العمل بالضعيف احتياطًا.
والجواب: يا حبذا الاحتياط، فإنّ الشرع يحثّ عليه، وفي القرآن آيات كثيرة تشير إليه، والأحاديث فيه كثيرة، قد ذكرنا بعض ذلك في موضع آخر، وإنّما علينا أن نعرف ما هو الاحتياط، فأقول: محل الاحتياط عند الاشتباه، فينبغي للمكلف حينئذ أن يختار ما لا خطر فيه، أو ما هو أقلّ خطرًا. والحديثُ الضعيف بعد ثبوت ضعفه ليس بحجة، بل قد قدمنا ما يُعْرَف منه أنّ الحجة قائمة على بطلانه.
ثم نقول: لا يخلو الضعيف أن يكون يقتضي فعلاً أو تركًا، فأمّا الأوّل فإنّك إن عملت ما دلّ عليه وقعت في البدعة، وهي حرام أو شرك، كما يأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -, وإن تركتَ العملَ به فغاية الأمر أنّ هناك احتمالاً ضعيفًا
(15/206)

أنّك تركت مستحبًّا، [ص 30] فأخبرني الآن كيف الاحتياط؟ أليس هو أن تترك العمل بالضعيف لئلا تقع في البدعة الحرام أو الشرك؟! تدبّر.
وأمّا الثاني فكذلك؛ لأنّ الضعيف إن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه واجب أو مستحب فواضح، وإن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه مباح، فَتَرْك المباح الذي قام الدليل على إباحته خوفًا من أن يكون حرامًا أو مكروهًا تدين بتركه، والتدين بما قام الدليل على أنّه ليس من الدين بدعة حرام أو شرك، قال تعالى {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 118 - 121].
وجاء في أسباب النزول ما حاصله: أنّ شياطين الجن والإنس أوحوا إلى المشركين أن يقولوا للمسلمين: أمّا ما ذبح الله تعالى - يعنون الميتة - فلا تأكلون، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فتأكلون. وهذه شبهة قد تحمل بعض الناس على أن لا يأكل اللحم أصلاً، يقول: إذا حرم ما ذبح الله فما ذبحت أولى، وتحمل آخرين على كل الميتة قائلين: إذا أحلّ لنا ما ذبحناه فما ذبح الله تعالى أولى، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبيّن فيها أنّ كلا القولين شرك منافٍ للإيمان؛ لأنّ كلاًّ منهما تديُّن بما لم يشرعه الله عزَّ وجلَّ.
فإن قلت: إنّما كان التديُّن بالامتناع عن أكل ما ذبحناه وسمينا الله عليه
(15/207)

ممّا أحلّه لنا كفرًا منافيًا للإيمان؛ لأن حِلّه قطعىّ، ولا كذلك التدين بالامتناع عمّا ورد بتحريمه حديثٌ ضعيف، ولم يكن حِلّه قطعيًّا.
قلت: الفرق ضعيف؛ لأنّ الدليل الشرعي المعتدّ به يجب العمل به قطعًا، وذلك كالحديث الصحيح فإنّه، وإن كان ظنيًّا في ذاته إلا أن وجوب العمل بالحديث الصحيح مطلقًا قطعي، وكذلك سائر الأدلة الظنية المعتدّ بها شرعًا، فإنّ كلَّ فردٍ منها يرجع إلى أصلٍ من أصول الفقه، وأصول الفقه قطعية، وما كان منها ظنيًّا فإنّه يرجع إلى أصل فوقه قطعيّ من أصول الشريعة، وإنّما يتوقف عن التكفير [ص 31] للعذر.
وافرض أنّ رجلاً قال: أنا أعْلَم أن وجوب العمل بالحديث الصحيح أصلٌ قطعيّ من أصول الشريعة، وأعْلَم أن الحديث في حلِّ لحم الضبّ صحيح، وليس عندي ما يعارضه، ولكنّي أقول: إنّ لحم الضبّ حرام، فإنّ العلماء يكفِّرون هذا الرجل، وسيأتي نقل بعض عباراتهم.
ومنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في كتابه "الإعلام بقواطع الإسلام"، قال: "ووقع قريبًا أنّ أميرًا بني بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة، فقال: قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: "لا تُشدُّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد"، وأنا أقول: تُشدّ الرحال إلى هذا البيت أيضًا. وقد سُئلت عن ذلك، والذي يتّجِه ويتحرّر فيه أنّه بالنسبة لقواعد الحنفية والمالكية وتشديداتهم = يكفر بذلك عندهم مطلقًا، وأمّا بالنسبة لقواعدنا وما عُرِف من كلام أئمتنا السابق والّلاحق = فظاهر هذا اللفظ أنّه استدراك على حَصْره صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأنّه ساخر به، وأنّه شَرَع شرعًا آخر غير ما شرعَه نبيُّنا صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأنّه ألْحَقَ هذا البيت بتلك المساجد الثلاث في
(15/208)

الاختصاص عن بقية المساجد بهذه المزية العظيمة، التي هي التقرُّب إلى الله تعالى بشدّ الرحال إليها.
وكلُّ واحد من هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفرٌ بلا مِرْية، فمتى قَصَد أحدَهما فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفر أيضًا؛ لما علمتَ أنّ الّلفظ ظاهر في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية كما عُلِم من فروع كثيرة مرّت وتأتي.
وإن أُوِّل بأنّه لم يُرِد إلا هذا البيت لكونه أعجوبةً في بلده، يكون ذلك سببًا في مجيء الناس إلى رؤيته، كما أنّ عَظَمة تلك المساجد اقتضت شدّ الرحال إليها، قُبِل منه ذلك، ومع ذلك فيُعَزَّر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى اقتضاءَ (1) التعزيرِ إلى القتل كما سيأتي عن أبي يوسف لأراح الناسَ من شرِّه ومجازفته، فإنّه بلغ فيها الغايةَ القصوى. تاب الله علينا وعليه آمين". "الإعلام" ص 36 (2).
والحاصل أنّ محلّ الاحتياط إنّما هو عند الاشتباه، كما يُروى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنّه رأى تمرةً مُلقاة فقال: "لولا أنّي أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" (3). كأنّه كان وجدها في موضع يحتمل أن تكون من تمر الصدقة وأن تكون من غيره، والاحتمالان متكافئان ولو كان في موضعٍ
__________
(1) في المطبوعة: "إفضاء".
(2) (ص 253 - 254 - ط دار إيلاف).
(3) أخرجه أحمد (6720) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحسَّنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (2/ 99)، وقال الهيثمي في "المجمع": (3/ 88): رجاله موثقون.
(15/209)

الغالبُ فيه أن لا تكون من تمر الصدقة لما (1) كفّ عنها، والله أعلم.
والدليل على ذلك أنّه صرّح أنه إنّما مَنَعه عنها خشيةَ أن تكون من تمر الصدقة، مع أنّه يحتمل أن تكون [ص 32] لفقيرٍ تَرِبٍ لها عنده بال، ولكن لما كان هذا الاحتمال ضعيفًا لم يعتدّ به النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم. فتدبّر.
والمسلم لا يخلو أن يكون مجتهدًا أو مقلّدًا، فأمّا المجتهد فإنّه ينبغي له إذا بلغه حديثٌ لم يتبين له أصحيح هو أم ضعيف أن يتوقّف عن الحكم حتى يتبين له، ولكنّه إذا اضطر إلى العمل في تلك المسألة قبل التبيُّن عمل بحسب ما عنده من الأدلة الثابتة وأعرض عن ذلك الحديث. وعلى هذا جرى عمل الأئمة.
ألا ترى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كثيرًا ما يبلغه الحديث لا يعلم صحَّتَه فيجزم بالحكم بخلافه ثم يقول: إلا أن يصح الحديث فيؤخذ به. وقد جمع الحافظ ابن حجر في ذلك كتابًا سماه "المنحة فيما علّق الشافعيُّ القولَ به على الصحة". ولكن إذا كان ذلك الحديث يقتضي تحريمًا فقد قال إمام الحرمين في حديث المستور: يجبُ الانكفاف حتى يتبين (2). ونازعه ابنُ السبكي بأنّ اليقين لا يزال بالشك (3). وفي "فتح المغيث" عن الحافظ ابن حجر ما يوافق إمام الحرمين، وأنّ ذلك ما دام يُرجى التبيُّن، فأمّا إذا يئس منه فلا يجب الانكفاف، وتنقلب الإباحة كراهية. وتردد السخاوي في معنى انقلاب
__________
(1) الأصل: "كما" سهو.
(2) في "البرهان": (1/ 614).
(3) في "جمع الجوامع - مع حاشية العطار": (2/ 176).
(15/210)

الإباحة كراهية، أإثبات للكراهية هو أم نفي لها. "فتح المغيث" ص 138 (1).
وأقول: الظاهر أنّه إثبات لها، أي: أنّ ذلك الشيء الذي كان قبل سماع الحديث باقيًا على الإباحة الأصلية يصير بعد سماع الحديث واليأس من معرفة حال راويه مكروهًا احتياطًا، جرى الحافظُ في هذا على ما تقدم عن النووي. والذي أراه أنّ المجتهد إذا سمع حديثًا يقتضي تحريمًا من مستور، وهو يستطيع البحث عن حاله عن قُرْب؛ فالظاهر ما قاله إمام الحرمين وتبعه الحافظ من وجوب الانكفاف والبحث. وإذا بحث ولم يتبين له ولكنّه يرجو أن يتبين له في المستقبل، فالظاهر استحباب الانكفاف احتياطًا لبقاء الشبهة. فأمّا إذا ترجّح أنّ ذلك المستور لا سبيل إلى معرفة حاله فلا يستحب الانكفاف، بل يحرم الانكفاف لأجل ذلك الحديث؛ لأنّه قد تبين واستقرّ أنّه ليس بحجة فلم تبق الشبهة.
وذلك مثل أن يقف المجتهد على حديث رُوي عن مستور كان قبل عصره بقرون، وتتبَّع كلام الحفّاظ في ذلك الرجل فلم يجد لهم كلامًا فيه أو وجد بعضهم قد نصّ على أن ذلك الرجل مستور.
هذا حكم المستور، فأمّا مَن قد عُلِم ضعفه فإنّه لا يقام لحديثه وزن أصلاً؛ لأنّه لما عُلم ضعفُه فقد عُلم أنّ حديثه ليس بحجة، فزال تعادل الاحتمالين الذي يتحقق به الاشتباه الداعي إلى الاحتياط. والله أعلم.
وأمّا المقلّد إذا سمع أنّ من العلماء مَن يخالف إمامَه، فالظاهر أنّه ينبغي له الاحتياط إلا أن يظفر بعالمٍ متبحِّر عارف بكتاب الله وسنة رسوله، مطلع
__________
(1) (2/ 53 - 54).
(15/211)

على مذاهب العلماء وأدلتهم، معروف بالتورّع والتقوى في ... (1).
فإن لم يغنه ذلك فألتمس منه أن ينظر هل العمل بالضعيف مستند إلى أصل قطعيّ كالصحيح والحسن؟ فسيعلم إن شاء الله أنّه ليس كذلك، وإذا علم هذا فليعلم أنّ الأئمة قد نصُّوا على أنّ أصولَ الفقه لا بد أن تكون قطعية والعمل بما ليس بقطعيٍّ ولا يستند إلى قطعيٍّ تديُّن بغير سلطان، وهو كذب على الله، وتكذيب له، وهما مصدر الكفر والشرك، كما في آيات كثيرة من القرآن، وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى.
فإن بقي في نفسه شيء فليوازن بين الأجر الذي يرجوه من العمل بالضعيف وبين ما يُخْشَى عليه من العمل به من البدعة بل الكفر بل الشرك، وليعلم أنّ الاحتياط واجب عليه كما في حديث "الصحيحين": "الحلال بَيّن والحرام بَيّن" (2) وغيره، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وليعلم أنّه إن ترك العمل خوفًا أن يكون بدعة أو كفرًا أو شركًا كتب الله له أجرَ ذلك الخوف وأجرَ ذلك العمل لو كان مشروعًا، كما ورد فيمن ترك التطوُّع لسفرٍ أو مرض أو شغل بل هذا أولى؛ لأنّ تارك التطوع لسفر ونحوه تركه لحظ نفسه، وتارك العمل خوفًا أن يكون مسخطًا لله تعالى تركه طاعة لربه عزَّ وجلَّ، وأنّه إن أقْدَم عليه مع احتماله أنّه بدعة أو كفر أو شرك كان عليه وزر من فَعَل ذلك، كمن أقْدَم على وطء امرأة يتردّد فيها أزوجته هي أم أمه، والله أعلم.
__________
(1) هنا سقطت ورقة أو أكثر.
(2) تقدم تخريجه.
(15/212)

ولله درّ الإمام مالك بن أنس رحمه الله فإنّه كان أحْذَر الأئمة من البدع، وأدقّهم نظرًا في معرفة مسالكها وغوائلها، وعلمًا بما حُفَّت به من الشهوات، وما للناس إليها من الرغبات، والأصل الذي قال به في سَدّ الذرائع هو أعظم سدٍّ لصدِّ سيلها الجارف، والله المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل.
(15/213)

الرسالة التاسعة
محاضرة في علم الرجال وأهميته
(15/215)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
إنه قد استقر في الأذهان، واستغنى عن إقامة البرهان، ما للعلم من الشرف والفضيلة، وأنه هو الوسيلة لرفع الإنسان في المعنى عما ارتفع عنه في الصورة من البهائم.
وممّا لا نزاع فيه أنّ العلوم تتفاوت في مقدار ذلك الشرف؛ منها الشريف والأشرف، والمهمّ والأهمّ.
ومهما يتصور لعلوم الفلسفة والطبيعيات والرياضيات والأدبيات والصناعيات وغيرها من العلوم الكونيات - مهما يُتَصوّر لها من الشرف والفضيلة، والمرتبة الرفيعة - فإنها لا تُداني في ذلك العلمَ الذي مع مشاركته لها في ترقية المدارك، وتنوير العقول، ينفرد عنها بإصلاح الأخلاق، وتحصيل السعادة الأبديَّة، وهو علم الدين.
ومهما ترقّى الإنسان في الصنائع والمعارف الكونية، وتسهيل أسباب الراحة؛ فإن ذلك إن رفعه عن البهمية من جهة، فإنه ينزل به عنها من جهة أخرى، ما لم تتطهّر أخلاقُه، فيتخلَّق بالرأفة والرحمة، والإيثار والعفة والتواضع، والصدق والأمانة، والعدل والإحسان, وغيرها من الأخلاق الكريمة.
كل من كان له وقوفٌ على أحوال الأمم والأفراد في هذا العصر، عَلِم أنه بحق يسمى عصر العلم، ولكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يسمى - بالنظر
(15/217)

إلى تدهور الأخلاق - اسما آخر!
النفوس الأرضية تربة، من شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسْقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليها شمسُ العلم الديني الصحيح، وتهبّ عليها رياح التذكير الحكيم.
فأيّ أرضٍ أَمْحَلت من ذلك الماء، وحُجِب عنها شعاع تلك الشمس، وسُدَّتْ عنها طرق تلك الرياح؛ كان نباتها كما قال الملائكة عليهم السلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].
للدين - وهو الإسلام - ينبوعان عظيمان: كتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
السنة عبارة عما ثبت عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من الأقوال والأفعال وغيرها مما هو تبيينٌ للقرآن، وتفصيل للأحكام، وتعليم للآداب، وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد.
أوّل من تلقّى السنّة هم الصحابة الكرام، فحفظوها وفهموها، وعلموا جملتها وتفصيلها، وبلّغوها كما أُمِروا إلى من بعدهم.
ثمّ تلقّاها التابعون، وبلّغوها إلى من يليهم وهكذا! فكان الصحابيّ يقول: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول كيت وكيت، ويقول التابعي: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، ويقول الذي يليه: سمعتُ فلانًا يقول: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهكذا.
(15/218)

كلُّ من علم أنّ محمدًا صلَّى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وأنّ شريعتَه خاتمة الشرائع، وأنّ سعادة المعاش والمعاد والحياة الأبدية في اتّباعه = يعلم أنّ النّاس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب.
قد وقعت الروايةُ ممّن يجب قبولُ خبرِه، وممّن يجب ردُّه، وممّن يجب التوقف فيه. وهيهات أن يعرف ما هو من الحقّ الذي بلَّغه خاتمُ الأنبياء عن ربّه عزَّ وجلَّ، وما هو من الباطل الذي يُبرَّأ عنه الله ورسوله؛ إلاّ بمعرفة أحوال الرواة.
وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدُّ؛ لغلبة التساهل في نَقْلها. على أنّ معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهمّ فروع التاريخ.
وإذ كان لا بدّ من معرفة أحوال الرواة؛ فلا بدّ من بيانها؛ بأن يخبر كلُّ مَن عَرَف حالَ راوٍ بحاله ليعْلَمَه الناسُ. وقد قامت الأمّة بهذا الفرض كما ينبغي.
أوّل من تكلّم في أحوال الرجال القرآن، ثمّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، ثم أصحابه.
والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالًا، وذم المنافقين إجمالًا، ووردت آياتٌ في الثناء على أفراد مُعَيَّنين من الصحابة - كما يُعلم من كتب الفضائل - وآيات في التنبيه على نفاق أفراد مُعَيَّنين، وعلى جرح أفراد آخرين.
وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}
(15/219)

[الحجرات: 6]. نزلت في رجل بِعَينه، كما هو معروف في موضعه (1)، وهي مع ذلك قاعدة عامّة.
وثبتت عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أحاديثُ كثيرة في الثناء على أصحابه جملةً، وعلى أفراد منهم معينين؛ معروفة في كتب الفضائل. وأخبارٌ أُخَر في ذمّ بعض الفِرَق إجمالًا؛ كالخوارج، وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين؛ كعيينة بن حصن (2)، والحَكَم بن أبي العاص (3).
وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين، وآثار في جرح أفراد منهم.
وأمّا التابعون؛ فكلامهم في التعديل كثير، ولا يُروى عنهم من الجرح إلا القليل، وذلك لقرب العهد بالسراج المنير، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، فلم يكن أحدٌ من المسلمين يجترئ على الكذب على الله ورسوله.
وعامّة المُضَعَّفين من التابعين إنّما ضُعّفوا للمذهب؛ كالخوارج أو لسوء الحفظ، أو للجهالة.
ثمّ جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكَثُر الضعفاء والمغَفَّلون،
__________
(1) نزلت في الوليد بن عقبة في قصة بعثه لأخذ الزكاة من الحارث بن أبي ضرار. أخرجه عنه أحمد (18459) والطبراني في "الكبير" (3395). وأخرجه الطبري في "تفسيره": (21/ 349) من حديث أم سلمة، والبيهقي في "الكبرى": (9/ 54) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) صحيح البخاري طبع المصطفائي بالهند - ص 894. [المؤلف].
(3) الإصابة - وفتح الباري في تفسير سورة الأحقاف. [المؤلف].
(15/220)

والكذّابون والزنادقة، فنهض الأئمة لتبيين أحوال الرواة وتزييف ما لا يثبت، فلم يكن مِصْرٌ من أمصار المسلمين إلَّا وفيه جماعة من الأئمة يمتحنون الرواة، ويختبرون أحوالهم وأحوال رواياتهم، ويتتبَّعون حركاتهم وسكناتهم، ويُعلنون للناس حكمهم عليهم.
واستمرّ ذلك إلى القرن العاشر، فلا تجد في كتب الحديث اسمَ راوٍ إلّا وجدت في كتب الرجال تحقيقَ حاله. وهذا مصداق الوعد الإلهي؛ قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟! قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1) [الحجر: 9].
وكان نشاط الأئمة في ذلك آيةً من الآيات؛ فمن أمثلة ذلك: قال العراقي في "شرح مقدمة ابن الصلاح" (2): "رُوّينا عن مؤمّل (3) أنّه قال: حدّثني شيخ بهذا الحديث - يعني حديث فضائل القرآن سورة سورة - فقلت للشيخ: من حدّثك؟ فقال: حدّثني رجلٌ بالمدائن، وهو حيٌّ، فصرت إليه، فقلت: من حدّثك؟ قال: حدثني شيخٌ بواسط، وهو حيٌّ، فصرت إليه، فقال: حدّثني شيخٌ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدّثني شيخٌ بعبّادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخٌ، فقال: هذا الشيخ حدّثني، فقلت: يا شيخ من حدّثك؟ فقال: لم يحدّثني أحد، ولكننا
__________
(1) فتح المغيث للسخاوي ص 109. [المؤلف]. وهو في "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 3 و2/ 18).
(2) "التقييد والإيضاح": (1/ 547 - ت خياط).
(3) هو ابن إسماعيل توفي سنة 206. [المؤلف].
(15/221)

رأينا النّاس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن!! " (1).
لعلّ هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد.
وللأئمة طرق في اختبار الرواة؛ منها: النظر إلى حال الراوي في المحافظة على الطاعات واجتناب المعاصي، وسؤال أهل المعرفة به.
قال الحسن بن صالح بن حَيّ: "كنّا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه، حتّى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟! " (2).
ومنها: أن يحدث أحاديث عن شيخ حيٍّ، فيسأل ذلك الشيخ عنها.
مثاله: قول شعبة: قال الحسن بن عمارة: "حدّثني الحكم، عن يحيى بن الجزّار، عن علي: سبعةَ أحاديث، فسألتُ الحَكَم عنها، فقال: ما سمعتُ منها شيئًا! " (3).
ومنها: أن يحدّث عن شيخ قد مات، فيقال للرّاوي: متى ولدت؟ ومتى لقيت هذا الشيخ؟ وأين لقيته؟ ثم يقابل بين ما يجيب به وبين ما حفظ من وفاة الشيخ الذي روى عنه ومحل إقامته وتواريخ تنقله.
مثاله: ما جاء عن عُفَير بن مَعْدان أنّ عمر بن موسى بن وجيه حدّث عن
__________
(1) "التقييد والإيضاح" ص 112 - 113. [المؤلف].
(2) "الكفاية" ص 93. [المؤلف].
(3) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [الؤلف]. وأخرجه في "الجرح والتعديل": (1/ 138).
(15/222)

خالد بن مَعْدان، قال عُفير: فقلت له: في أيّ سنة لقيته؟ قال: في سنة ثمان وخمسين ومائة، في غزاة إرْمِينِيَّة. قلت: اتق الله يا شيخ، لا تكذب! مات خالد سنة أربع وخمسين ومائة، أزيدك أنّه لم يغز إرْمِينية!! (1).
ومنها: أن يسمع من الراوي أحاديث عن مشايخ قد ماتوا، فتُعْرَض هذه الأحاديث على ما رواه الثقات عن أولئك المشايخ، فينظر: هل انفرد هذا الراوي بشيء أو خالف أو زاد أو نقص؟ فتجدهم يقولون في الجرح: "ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه"، "في حديثه مناكير" "يخطئ ويُخالف"، ونحو ذلك.
ومنها: أن يسمع من الراوي عدّة أحاديث، فتُحْفَظ أو تُكْتَب، ثم يَسأل عنها بعد مدة، وربّما كَرَّر السؤال مرارًا لينظر أيُغيّر أو يُبدّل أو يزيد أو ينقص؟
دعا بعض الأمراء أبا هريرة، وسأله أن يحدّث، وقد خبَّأ الأمير كاتبًا حيث لا يراه أبو هريرة، فجعل أبو هريرة يحدّث، والكاتب يكتب، ثم بعد سنة دعا الأمير أبا هريرة، ودسّ رجلًا ينظر في تلك الصحيفة، وسأل أبا هريرة عن تلك الأحاديث، فجعل يُحدِّث والرجل ينظر في الصحيفة، فما زاد ولا نقص، ولا قدّم ولا أخّر (2).
وسأل بعضُ الخلفاء ابنَ شهاب الزُّهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربع مائة حديث، ثمّ إنّ الخليفة قال للزهري بعد
__________
(1) "لسان الميزان" ترجمة عمر. [المؤلف]. وأخرجه في "الجرح والتعديل": (6/ 133)، و"الكفاية" (ص 119).
(2) انظر "المستدرك" ج 3 ص510. [المؤلف]. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (9/ 33)، والحاكم: (3/ 510) وقال: صحيح الإسناد.
(15/223)

مدّة: إنّ ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاها عليه، ثمّ قابلوا الكتابَ الثاني على الكتاب الأوّل، فما غادر حرفًا (1).
وكانوا كثيرًا ما يبالغون في الاحتياط، حتّى قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَون (2).
وقال جرير: رأيت سِماك بن حرب يبول قائمًا، فلم أكتب عنه (3).
وقيل للحكم بن عُتَيبة: لِمَ لَمْ تروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام (4).
وكانوا يطعنون فيمن خالط الأمراء، أو قبل عطاياهم، أو عظَّمهم، بل ربّما بالغوا في ذلك، كما وقع لمحمد بن بشر الزَّنْبَري المصري مع سعة علمه، كان يملي الحديث على أهل بلده، فاتفق أن خرج الملك غازيًا، فخرج الزَّنْبري يشيّعه، فلمّا انصرف وجلس يوم الجمعة في مجلسه، قام إليه أصحاب الحديث فنزعوه من موضعه، وسبّوه وهمُّوا به، ومزّقوا رواياتهم عنه.
ثمّ ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر" فقال: "لم يكن يشبه أهل العلم" (5).
__________
(1) انظر ترجمة الزهري في "تهذيب التهذيب". [المؤلف]. وهو في "المحدّث الفاصل" (ص 397).
(2) "الكفاية" (ص 112).
(3) "الضّعَفاء": (2/ 178)، و"الكامل": (3/ 460).
(4) هذه الآثار من "الكفاية" وغيرها. [المؤلف]. وانظر "شرح الألفية" للعراقي (ص 146).
(5) انظر ترجمة الزنبري في "لسان الميزان" [7/ 13 - 14]. [المؤلف]. وانظر "تاريخ ابن يونس - المجموع": (1/ 436 - 437).
(15/224)

وإنّما كانوا يتسامحون فيمن بلغ من الجلالة بحيث يُعلَم أنّه إنّما يُخالط الأمراء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويكفَّهم عن الباطل ما استطاع؛ كالزُّهري، ورجاء بن حَيْوة.
روى الشافعيّ قال: حدّثنا عمّي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان! الذي تولّى كِبْره من هو؟ يعني في قول الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]. قال: عبد الله بن أُبيّ، قال: كذبت؛ هو فلانٌ! قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول. فدخل الزُّهريّ، فقال: يا ابن شهاب! من الّذي تولى كِبْره؟ قال: ابنُ أُبَيّ، قال: كذبت، هو فلان! فقال الزُّهريّ لهشام: أنا أكذب لا أبا لك؟! والله لو نادى منادٍ من السماء: إن الله أحلَّ الكذب ما كذبت! حدّثني عروة وسعيدٌ وعبيد الله وعلقمة، عن عائشة: أنّ الذي تولّى كِبْره عبد الله بن أُبيّ (1).
وذكر تمام القصة، وفيها خضوع هشام للزُّهري واسترضاؤه له (2).
وقد وقعت للزُّهري قصة تشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك، وفيها: أنّ الوليد قال له: يا أبا بكر، من تولّى كِبْره، أليس فلانًا؟ قال الزهري: قلت: لا! فضرب الوليد بقضيبه على السرير: فمن؟ فمن؟ حتى ردّد ذلك مرارًا، قال الزهري: لكن عبد الله بن أُبيّ (3).
__________
(1) القصة في "سير النبلاء": (5/ 339).
(2) انظر "فتح الباري" في باب حديث الإفك في المغازي، وانظر ترجمة ابن شهاب في "تهذيب الكمال". [المؤلف].
(3) انظر "فتح الباري". [المؤلف]. وهو في "فوائد ابن أخي ميمي الدقاق" (ص 113 - ت نبيل جرار).
(15/225)

وفي جواب سليمان لهشام لطيفة، حيث لم يقل: "أمير المؤمنين أعلم" ويسكت، بل قال: "أعلم بما يقول" أي: أعْلمُ بقول نفسه، لا أعلم بحقيقة الحال، ولكنّ المقام لم يكن لتُغني فيه مثل هذه الإشارة، فلذلك قيّض الله تعالى الزُّهريّ ووفّقه فقال ما قال. وقوله لهشام - وهو الملك -: "لا أبا لك" جرأةٌ عظيمة.
وكانوا من الورع وعدم المحاباة على جانب عظيم، حتى قال زيد بن أبي أُنَيسة: أخي يحيى يكذب (1).
وسُئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنّه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه (2).
وروى عليُّ بن المديني عن أبيه، ثم قال: "وفي حديث الشيخ ما فيه" (3)! وأشار إلى تضعيفه غير مرّة.
وقال أبو داود: ابني عبد الله كذّاب (4).
وكان الإمام أبو بكر الصِّبْغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق (5).
__________
(1) "تهذيب التهذيب" [11/ 184] ترجمة يحيى. [المؤلف].
(2) "لسان الميزان" ترجمة أنس. [المؤلف]. وهو في "الجرح والتعديل": (2/ 289).
(3) "تهذيب التهذيب" [5/ 175] ترجمة عبد الله بن نجيح. [المؤلف].
(4) "لسان الميزان" ترجمة عبد الله. [المؤلف]. وانظر "الكامل": (5/ 436).
(5) انظر ترجمة محمد في "لسان الميزان". [المؤلف]. وهو في "الميزان": (4/ 398) ذكره الحاكم عنه.
(15/226)

حفظ علماء السلف لتراجم الرجال
كان الرجل لا يسمى عالمًا حتى يكون عارفًا بأحوال رجال الحديث؛ ففي "تدريب الراوي" (1): "قال الرافعي وغيره: إذا أُوصيَ للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا عِلْم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة ... وقال الزركشي: أما الفقهاء؛ قاسم المحدِّث عندهم لا يُطلق إلا على من حفظ متن الحديث، وعَلِم عدالةَ رواته وجرحها ... وقال التاج السبكي: ... إنما المحدِّث مَن عَرَف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال ... ".
وذَكَر عن المِزِّي أنه سُئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال: "أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم؛ ليكون الحكم للغالب" (2).
فكان العالم يعرف أحوال من أدركهم؛ إما باختباره لأحوالهم بنفسه، وإما بإخبار الثقات له، ويعلم أحوال من تقدمه بإخبار الثقات، أو بإخبار الثقات عن الثقات، وهكذا، ويحفظ ذلك كله، كما يحفظ الحديث بأسانيده، حتى كان منهم من يحفظ الألوف، ومنهم من يحفظ عشرات الألوف، ومنهم من يحفظ مئات الألوف بأسانيدها (3).
فكذلك كانوا يحفظون تراجم الرواة بأسانيدها، فيقول أحدهم: أخبرني فلان أنه سمع فلانًا قال: قال فلان: لا تكتبوا عن فلان فإنه كذاب، وهكذا.
__________
(1) (1/ 30 - 35).
(2) المصدر نفسه (1/ 37).
(3) انظر مقدمة "تدريب الراوي". [المؤلف].
(15/227)

طائفة من مشاهير المكثرين من الجرح والتعديل
1 - شُعبة بن الحجَّاج. ولد سنة (82)، وتوفي سنة (160)، وهو أول من تجرَّد لذلك وشدَّد فيه. جاء عنه أنه قال: سمعت من طلحة بن مُصَرِّف حديثًا واحدًا، وكنتُ كلما مررتُ به سألته عنه، فقيل له: لِمَ يا أبا بسطام؟! قال: أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غيَّر فيه شيئًا تركته (1).
2 - سفيان الثوري (97 - 161). وله في ذلك نوادر؛ قال في ثور بن يزيد: "خذوا عن ثور، واتقوا قَرْنَيْه" (2). وكان ثور قدريًّا، يميل إلى النَّصْب، فهذان قرناه.
3 - الإمام مالك بن أنس (93 - 179). وكان لا يروي إلا عن ثقة.
4 - ابن المبارك (118 - 181). وكان ربما جعل كلامه في الرجال شعرًا ليشتهر، فمنه قوله (3):
أيها الطالبُ علمًا ... ائتِ حمادَ بن زيد
فاطلبنَّ العلمَ منه ... ثم قيده بقيد
لا كثورٍ وكجَهْم ... وكعَمْرو بن عُبيد
وفي ترجمة أبي إسحاق الفَزَاري من "تهذيب التهذيب" (4) وغيره: أن هارون الرشيد أخذ زنديقًا فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث
__________
(1) "الكفاية" 133. [المؤلف].
(2) "تهذيب التهذيب": (2/ 34).
(3) المصدر نفسه: (2/ 35).
(4) (1/ 152) وانظر "سير النبلاء": (8/ 542).
(15/228)

وضعتها؟! فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا؟!
5 - يحيى بن سعيد القطان (120 - 198). من المُشدِّدين.
6 - عبد الرحمن بن مهدي (133 - 198). من المعتدلين.
7 - محمد بن سعد صاحب "الطبقات" (168 - 230).
8 - يحيى بن معين (158 - 233). وهو أكثر الأئمة كلامًا في الجرح والتعديل، وله "كتاب الضعفاء" و"كتاب الكنى". وجمع تلميذه عباس الدُّوري من كلامه "تاريخًا"، وكذلك فعل غير واحد من تلامذته.
9 - علي بن المديني (161 - 234). ومن مؤلفاته: "كتاب الضعفاء"، "العلل"، "المدلّسون"، "الأسماء والكنى"، "المسند بعلله" (1).
10 - أبو خيثمة (160 - 234). وله كلام كثير في الرجال، نقله ابنه أحمد في "تاريخه".
11 - الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241). وكلامه كثير، يرويه عنه ابنه عبد الله وغيره من تلامذته، وله كتاب "العلل" (2).
12 - البخاري (194 - 256). وله من التصانيف: "التواريخ الثلاثة"، "الكنى المجرَّدة"، "الضعفاء".
13 - مسلم (204 - 261). له "التاريخ"، "الطبقات"، "الأسماء والكنى"، "المفاريد والواحدان".
__________
(1) في "فهرست ابن النديم" ص 322. [المؤلف].
(2) في "فهرست ابن النديم" ص 320. [المؤلف].
(15/229)

14 - أحمد بن عبد الله بن صالح العِجْلي (182 - 261). وهو أكبر من البخاري ومسلم، ولكن تأخرت وفاته، له "كتاب الثقات".
15 - أبو زُرْعة الرازي (200 - 264). وله كلام كثير، غالبه في كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم.
16 - أبو داود صاحب "السنن" (202 - 275). سأله عن الرجال تلميذه أبو عُبيد الآجُرِّي، وجمع من ذلك كتابًا.
17 - أبو حاتم الرازي (195 - 277). له كلام كثير، غالبه في كتاب "الجرح والتعديل" لابنه.
18 - صالح بن محمد جزرة (205 - 293). له "تاريخ الري"، وغيره.
19 - النسائي (215 - 303). له كتاب "الضعفاء"، وغيره.
20 - زكريا الساجي (تقريبًا 220 - 307). له كتاب "العلل"، وغيره.
21 - أبو بشر الدّولابي (224 - 310). له كتاب "الكنى" وغيره.
22 - أبو جعفر العُقَيلي (؟ - 322). له كتاب "الضعفاء".
23 - ابن أبي حاتم (240 - 327). له كتاب "الجرح والتعديل" وغيره.
24 - أبو سعيد بن يونس (281 - 347). له "تاريخ مصر".
25 - ابن حبّان (تقريبًا 275 - 354). له كتاب "الثقات"، وكتاب "الضعفاء" وغيرهما.
26 - أبو أحمد بن عدي (277 - 365). له كتاب "الكامل في الضعفاء وغيرهم ممن تُكلِّم فيه".
27 - أبو أحمد الحاكم (284 - 378). له كتاب "الكنى".
(15/230)

28 - الدارقطني (306 - 385). له كتاب "العلل" وغيره.
29 - ابن شاهين (298 - 385). له كتاب "الثقات".
30 - أبو عبد الله الحاكم (321 - 405). له "تاريخ نيسابور" وغيره.
31 - حمزة السَّهمي (تقريبًا 340 - 427). قال الذهبي: صنّف التصانيف، وجرّح وعدّل وصحّح وعلّل (1)، وله "تاريخ جرجان" (2).
32 - ابن حزم الأندلسي (384 - 456). له كلامٌ كثيرٌ في الرجال في كتابه "المحلّى" وغيره.
33 - الخطيب البغدادي (392 - 463). له "تاريخ بغداد" وغيره.
34 - ابن ماكولا (422 - 475 وقيل بعدها). له كتاب "الإكمال" وغيره.
35 - شجاع الذُّهلي (430 - 507). سأله السِّلَفي عن المشايخ، وجمع من ذلك كتابًا.
36 - الشَّنْتَريني (443 - 522). له كتابٌ في "رجال مسلم" وغيره.
37 - أبو سعد ابن السَّمعاني (506 - 562). له كتاب "الأنساب" وغيره.
38 - ابن عساكر (499 - 571). له "تاريخ دمشق" وغيره.
39 - ابن بَشْكُوال الأندلسي (494 - 578). له كتاب "الصلة" وغيره.
40 - ابن الجوزي (510 - 597). له "التاريخ المنتظم" (3)، وكتاب
__________
(1) تذكرة الحفاظ - ج 3 ص 273. [المؤلف].
(2) ستطبعه الدائرة إن شاء الله تعالى قريبًا. [المؤلف]. وقد طُبع بتحقيق المؤلف رحمه الله في مجلد واحد.
(3) قد طبعت الدائرة جزئين منه، والباقي تحت الطبع. [المؤلف].
(15/231)

"الضعفاء" وغيرهما.
41 - عبد الغني المقدسي (541 - 600). له كتاب "الكمال" وغيره.
42 - أبو الحسن ابن القطّان (لعله قبل 570 - 628). له كتاب "الوهم والإيهام" يتضمّن كلامًا كثيرًا في الرجال.
43 - ابن الدُّبَيْثي (558 - 637). له "تاريخ واسط"، وذيل ل "تاريخ السمعاني لبغداد" وغيرهما.
44 - ابن النّجّار (578 - 643). له "ذيل تاريخ بغداد" في ستة عشر مجلدًا.
45 - الزَّكي المُنْذري (581 - 656). له "معجم" في مجلّدين، وغيره (1).
46 - الدِّمْياطي (613 - 705). له "المعجم" وغيره. وشهد له المِزّيُّ أنّه أعلم من أدركه من الحفّاظ بالرّجال.
47 - المِزِّيّ (654 - 742). له "تهذيب الكمال"، وغيره.
48 - الذّهبيّ (673 - 748). له "تاريخ الإِسلام"، و"الميزان"، و"تذكرة الحفاظ"، و"الكاشف"، و"المغني"، و"تذهيب التهذيب"، وغيرها (2).
49 - مُغُلْطاي (689 - 761). له "إكمال تهذيب الكمال" وغيره.
50 - العراقي (725 - 806). له معجم جماعة من رجال القرن الثامن (3).
__________
(1) وله "التكملة في وفيات النقلة" طبع في أربعة مجلدات.
(2) ومن أهمّها "سير أعلام النبلاء" مطبوع في خمسة وعشرين مجلدًا.
(3) وله "ذيل ميزان الاعتدال" طبع في مجلد.
(15/232)

51 - ابن حجر (773 - 852). له "تهذيب التهذيب"، و"لسان الميزان"، و"تعجيل المنفعة"، و"الدرر الكامنة" وغيرها.
52 - السّخاوي (830 - 901). له "الضوء اللامع" وغيره.
قال في كتابه "فتح المغيث" (1) بعد أن سرد أسماء جماعة من أئمة الجرح والتعديل, وختم بذكر شيخه ابن حجر ما لفظه: "وطُوِيَ البِساط بعده إلاّ لمن شاء الله، ختم الله لنا بخير".
****
__________
(1) (4/ 360).
(15/233)

تدوينُ العلم وحَظُّ علم الرجال منه
ذكروا أنّ تدوين العلم في الكتب في العهد الإسلامي شُرِعَ فيه حوالي نصف القرن الثاني؛ فألّف ابنُ جُريج (80 - 150)، وابن أبي عَرُوبة (؟ - 156)، والربيع بن صُبَيح (؟ - 160).
ويتوهّم بعض الناس أنّه قبل ذلك لم يكن عند أحدٍ من المسلمين كتابٌ ما، يتضمّن علمًا غير كتاب الله عزّ وجلَّ.
وهذا خطأ؛ فقد كان عند جماعةٍ من الصحابة صحائف (1) في كلٍّ منها طائفة من الأحاديث النبوية، منها: صحيفةٌ كانت عند أمير المؤمنين عليٍّ - عليه السلام. ذكرها البخاري (2) وغيره، وجمع ابن حجر في "فتح الباري" (3) قِطَعًا منها.
وكان عند عَمرو بن حزم كتابٌ كتبه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، فيه أحكامٌ كثيرة (4).
وكان عند أنس كتابٌ في أحكام الزكاة كتبه أبو بكر الصديق، قال في
__________
(1) جمع الأستاذ أحمد الصويان كتابًا جيدًا سماه "صحائف الصحابة" طبع سنة 1410، جمع فيه نماذج منها، وتكلم على طرقها وأسانيدها ومظان وجودها.
(2) ص 251. [المؤلف]. "صحيح البخاري" (111 و1870 و3047 وغيرها).
(3) (4/ 85).
(4) "المستدرك" ج 1 ص 295 - 296. [المؤلف]. وأخرجه النسائي (4855) وفي "الكبرى" (7031) من مرسل الزهري، وأخرجه البيهقي في الكبرى: (4/ 91 و92 و94) من طُرق عدة.
(15/234)

أوّله: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم على المسلمين" (1).
وفي رواية عند الحاكم وغيره: "كتب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عُمّاله حتّى قُبِض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتّى قُبِض ... " وذكر الكتاب (2).
وكان لسَمُرة بن جندب كتبٌ فيها ما سمعه من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم؛ يروي عنها الحسن البصري (3).
وكان لجابر بن عبد الله صحيفة كذلك، يروي عنها الحسن (4) أيضًا وطلحة بن نافع (5).
وكان لعبد الله بن عمرو صحيفة كتبها بإذن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، يرويها عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه
__________
(1) البخاري ص 195. [المؤلف]. أخرجه البخاري (1454)، وأبو داود (1567)، وابن ماجه (1800).
(2) "المستدرك" ج 1 ص 392. [المؤلف]. وأخرجه أيضًا أبو داود (1568) ومن طريقه البيهقي في "الكبرى": (4/ 105) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه ...
(3) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [المؤلف]. (4/ 198 و246)، وساق منها البزار في مسنده نحو مئة حديث.
(4) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [المؤلف].
(5) "تهذيب التهذيب" ترجمة طلحة. [المؤلف]. وذكر صحيفته البخاري في "التاريخ": (6/ 451 و7/ 186) وفي "الجرح والتعديل": (7/ 135)، وفي "السير": (6/ 197) وغيرها.
(15/235)

عن جدّه (1).
وفي "المستدرك" (2) عن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري قال: حدثت عن أبي هريرة بحديث؛ فأنكره، فقلت له: إنّي قد سمعته منك! قال: إن كنت سمعته منّي فإنه مكتوبٌ عندي، فأخذ بيدي إلى بيته، فأراني كتابًا من كتبه ... فذكر القصة.
استنكره الذهبي لما في "البخاري" (3) وغيره عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أحدٌ أكثر حديثًا عنه منّي، إلاّ ما كان من عبد الله بن عَمرو؛ فإنّه كان يكتب ولا أكتب".
لكن قال ابن عبد البر: يمكن أنّه لم يكن يكتب في العهد النبوي، ثمّ كتب بعده (4).
وأمّا التابعون؛ فقلّ عالمٌ منهم لم يكن عنده كتب، ولكن كانت الأحاديث تُجمع كيفما اتّفق، بلا تأليف ولا ترتيب؛ كما في "صحيفة همّام بن منبّه اليماني عن أبي هريرة"، وهي نحو من مائة وأربعين حديثًا، تجدها في "مسند أحمد" (2/ 312 - 319).
__________
(1) "طبقات ابن سعد" ج 4 قسم 2 ص 9. [المؤلف]. وذكرها الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص 367)، والخطيب في "تقييد العلم" (ص 84) وكان يسميها "الصحيفة الصادقة" وقد ساق الإمام أحمد في مسنده كثيرًا من أحاديثها بطريق عمرو بن شعيب، وجمع أحاديثها الإمام مسلم والضياء في كتابين مفردين.
(2) ج 3 ص 511. [المؤلف].
(3) (113).
(4) "فتح الباري" [1/ 207] باب كتابة العلم. [المؤلف].
(15/236)

وهي في "الصحيحين" وغيرهما مفرّقة (1)

التدوين
فأمّا التدوين بالترتيب والتأليف: فقد رُويت عن زيد بن ثابت الصحابي المشهور رسالة طويلة، كتبها في أحكام المواريث حوالي سنة 40 للهجرة (2).
وفي "سنن البيهقي" (3) قِطَعٌ كثيرة منها.
وذكر غير واحد أنّ الحسن بن محمد ابن الحنفية المتوفّى سنة (95) وضع كتابًا في بعض العقائد.
ولكن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (4) ما يؤخذ منه أنّها رسالة صغيرة.
وفي ترجمة الحلّاج من "تاريخ الخطيب" (5) أنّ للحسن البصري (21 - 110) كتابًا اسمه كتاب "الإخلاص" كان يُروى ويسمع في القرن الثالث.
وفي "فهرست ابن النديم" (6) أنّ لمكحول الشاميّ المتوفّى (سنة 112) أو بعدها كتابين: "كتاب السُّنن"، و"كتاب المسائل" في الفقه.
__________
(1) وقد طبعت مفردة بتحقيق د. رفعت فوزي في مجلد عن دار الخانجي بمصر.
(2) "سنن البيهقي" ج 6 ص 248. [المؤلف].
(3) (6/ 213، 225، 226، 227، 229 وغيرها).
(4) (2/ 320 - 321).
(5) ج 8 ص 138. [المؤلف].
(6) ص 318. [المؤلف].
(15/237)

فأمّا ما ذكروه (1) أنّ أوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزُّهري في سنة مائة أو نحوها، بأمر عمر بن عبد العزيز، وبعث به عمر إلى كل أرضٍ له عليها سلطان (2)؛ فلا أدري أمُرتَّبًا كان ذلك الكتاب أم لا؟!
فأمّا التأليف في أحوال الرجال؛ فإنّه تأخر قليلًا، وقد ذكر ابن النديم، أنّ لِلَّيث بن سعد (94 - 175) "تاريخًا"، وأنّ لابن المبارك (118 - 181) "تاريخًا" (3).
وقال الذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم الدّمشقي (119 - 195): "صنّف التصانيف والتواريخ" (4).
ثمّ ألّف ابن معين وابن المديني وغيرهما؛ واتّسع التأليف جدًّا.
ولكن في القرن العاشر وهَلُمّ جرًّا تقاصرت الهمم، وهُجِرَ علم الرجال، فقلَّ من بقي يعتني بقراءة كتب الرجال أو نسخها أو نشرها.
فأمّا التأليف، فأقلّ وأقلّ، الّلهم إلا أن يجمع أحدهم تراجم لبعض المجاذيب والدّراويش يملؤها بالخوارق، أو يجمع آخرُ تراجمَ لبعض
__________
(1) "فتح المغيث" ص 339. [المؤلف].
(2) أخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه": (4/ 247) ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع": (1/ 331).
والذي ذكره البخاري في "صحيحه" في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ...
(3) "الفهرست" ص 281 وص 319. [المؤلف].
(4) "تذكرة الحفاظ" ج 1 ص 275. [المؤلف]. وهو في "السير": (9/ 211).
(15/238)

الأدباء، ينتقي من شعرهم ما يستظرفه من الغزل ونحوه، ممّا إن لم يضرّ لم ينفع، إلاّ ما شاء الله تعالى.
حتّى أيقظ الله تعالى الأمّةَ لعلم الحديث وعلم الرجال، والفضل في ذلك - بعد الله عزَّ وجلَّ - للهند، وأعظمه لدائرة المعارف كما سيأتي.
****
(15/239)

طريقة العلماء في وضع كتب الرِّجال
أمّا ترتيب التراجم فمعروف، وأجوده طريقة "التهذيب" وفروعه؛ فإنّه على ترتيب حروف الهجاء باعتبار اسم الراوي بجميع حروفه، وكذا باعتبار اسم أبيه وجدّه فصاعدًا.
مثاله: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، وبعده إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله.
وكذلك يُرتّب باعتبار النسب، مثاله: إبراهيم بن ميمون الصّنعاني، إبراهيم بن ميمون الكوفي، إبراهيم بن ميمون النحّاس.
وإفادة الترتيب سهولة الكشف واضحة، ولكن ثَمّ فائدة أعظم منها، وهي التنبيه على ما قد يقع من سقط، أو زيادة, أو تصحيف، أو تحريف.
مثال السَّقط: ما وقع في "التقريب" المطبوع بدهلي سنة (1320)؛ ذكر في المحمدين تراجم من اسمه محمد بن إبراهيم، ثم ذكر بعدها محمد بن كعب الأنصاري، ثم محمد بن أحمد!!
وكيف يكون كعبٌ بين إبراهيم وأحمد؟! والصواب كما في "تهذيب التهذيب" وغيره: محمد بن أُبيّ بن كعب.
ومثال الزيادة: ما وقع في "الميزان" المطبوع بمصر (1)، ذُكر في آخر تراجم البكرين: بكر بن يونس، ثم بكر بن الأعنق! والصواب: بكرٌ الأعنق
__________
(1) ووقع في ط البجاوي على الصواب: (1/ 349).
(15/240)

كما في "لسان الميزان" (1).
ومن عادتهم أنّ من عُرفَ باسمه ولقبه فقط أن يذكروه آخر الأسماء الموافقة لاسمه.
وفي "الميزان" (2) بعد بكر هذا بكر بن بشر! والصواب بُكير بن بشر؛ كما في "الّلسان" (3).
وأما التصحيف، فأمثلته في "الميزان" كثيرة، فمنها ذكر إبراهيم بن حميد، ثم إبراهيم بن أبي حنيفة، ثم إبراهيم بن حبَّان، والصواب: ابن حيَّان كما في "اللسان" (4).
وذكر إبراهيم بن خيثم وبعده إبراهيم بن الخضر! وخيثم تصحيف، والصواب: خُثَيم؛ كما في "اللسان" (5)؛ بل ليس في الأسماء خيثم، وإنّما فيها خثيم وخيثمة.
وذكر أصبغ بن محمد وبعده أصبغ بن بنانة تصحيف، والصواب: نباتة، كما في "اللسان" (6).
وذكر الحارث بن شريح وبعده الحارث بن سعيد، وشريح تصحيف،
__________
(1) (2/ 358).
(2) طبعة مصر سنة 1325 ه، وكذا ما سيأتي من إحالات المؤلف عليه.
(3) (2/ 360).
(4) (1/ 270).
(5) (1/ 273).
(6) (9/ 262).
(15/241)

والصواب: سُريج؛ كما في "اللسان" (1).
والتحريف في "الميزان" كثيرٌ أيضًا؛ فمنه أنّ فيه (أسامة بن يزيد بن أسلم) وبعده (أسامة بن يزيد الليثي)، ثم (أسامة بن سعد)، ويزيد في الأوّلين تحريف، والصواب: زيد فيهما، كما في "اللسان" (2) وغيره.
وفيه إسماعيل بن مسلم، وبعده إسماعيل بن سلمة، وسلمة تحريف، والصواب: مسلمة؛ كما في "اللسان" (3).
فهذه الأغلاط الواقعة في "الميزان" المطبوع بمصر يُنبّه عليها ترتيب الأسماء في التراجم كما هو ظاهر، على أنّه ربّما أخلَّ الذهبيّ في "الميزان" بالترتيب، ولكن "اللسان" يحُوّل الترجمة المخالفة للترتيب إلى موضعها، وربّما أبقاها حيث وقعت في "الميزان".

وضع التراجم
طريقهم في ذلك: أن يذكروا أوّلًا اسم الراوي ونسبه وكنيته ولقبه، ونسبته إلى قبيلته وبلدته وحِرْفته، ونحو ذلك ممّا يميزه عن غيره؛ فإنّه كثيرًا ما يشترك الرجلان فأكثر في الاسم واسم الأب، ونحو ذلك، فيُخْشى الاشتباه.
ذكر ابن أبي أُصيبعة في "عيون الأنباء" (4) أنّ النضر بن الحارث بن
__________
(1) (2/ 514).
(2) (9/ 255)
(3) (9/ 161).
(4) (2/ 19).
(15/242)

كلدة - الذي كان يؤذي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم - هو ابن الحارث ابن كلدة الثقفي، طبيب العرب! وتبعه الآلوسي في "بلوغ الأرب" (1) فقال: "النضر بن الحارث الثقفي" وهذا خطأ؛ فإنّ الطبيب هو الحارث بن كلدة بن عمرو بن عِلاج (2) بن أبي سلمة بن عبد العزّى بن غيرة بن عوف بن قُسيّ (3). وقَسيٌّ هو ثقيف (4).
والنّضر هو ابن الحارث بن كلدة بن علقمة (5) بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر؛ وهو قريش، وقيل: فِهر هو قريش (6).
وذكر الفاضل محمد فريد وجدي في "كنز العلوم واللغة" في ترجمة أُبيّ بن كعب الصحابيّ المشهور أنّه ابن كعب الأحبار التابعيّ المشهور! وكذا ذكر في ترجمة كعب، وهذا خطأ؛ فإنّ أُبيًّا هو ابن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجّار (7)، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج (8)، والخزرج وإخوتهم الأوس هم الأنصار،
__________
(1) (3/ 335).
(2) وقع في ترجمة الحارث من "الإصابة" المطبوع بمصر سنة 1318 بمطبعة السعادة: "ابن أبي علاج". وفي ترجمة ابنه الحارث بن الحارث: "ابن علاج". [المؤلف].
(3) "الإصابة" ووقع فيها: "قصي" وهو تحريف. [المؤلف].
(4) "السيرة" و"القاموس". [المؤلف].
(5) ويقال: ابن الحارث بن علقمة بن كلدة. [المؤلف].
(6) "السيرة". [المؤلف].
(7) "تهذيب التهذيب" وغيره. [المؤلف].
(8) "السيرة" و"التاج". [المؤلف].
(15/243)

وكعب الأحبار هو ابن ماتع الحميري، من آل ذي رُعين، أو من ذي الكلاع (1).
ووقع في بعض كتب الخطيب البغداديّ (2): "قرأتُ على القاضي أبي العلاء الواسطي، عن يوسف بن إبراهيم الجُرجاني، قال: ثنا أبو نعيم ابن عدي ... " فعمد بعض أفاضل العصر، فكتب بدل "أبو نعيم": "أبو أحمد"! وكتب على الحاشية ما لفظه: "أبو نعيم أصل، وليس بشيء! " وحاصله أنّ الصواب: أبو أحمد، لا أبو نعيم، وهذا خطأ أوقعه فيه أنه يعرف أبا أحمد عبد الله بن عديّ (3) الجُرجاني الحافظ مؤلّف كتاب "الكامل" توفي سنة (365)، ولا يعرف أبا نُعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الإستراباذي الحافظ المتوفّى سنة (323).
ولكلٍّ من الحافظين ترجمةٌ في "تذكرة الحفّاظ"، و"أنساب السمعاني"، و"طبقات الشافعية"، و"معجم البلدان": جُرجان. ولأبي نُعيم ترجمة في "تاريخ الخطيب".
وكذا ترجم الخطيب ليوسف بن إبراهيم المذكور، فقال: "قدم بغداد، وحدّث بها عن أبي نُعيم عبد الملك بن محمد بن عَديّ الجرجاني ...
__________
(1) "تهذيب "التهذيب". [المؤلف].
(2) هو كتاب "الكفاية" انظر (ص 115 - 116) وتعليق الشيخ المعلمي هناك يدلّ على أن هناك من توهَّم فعلّق بما يجلّي الأمر.
(3) في "طبقات الشافعية": "عبد الله بن محمد بن عدي"، فإن صحّ فهو منسوب في "تذكرة الحفاظ" وغيرها إلى جدّه .. [المؤلف].
(15/244)

حدّثنا عنه القاضي أبو العلاء الواسطي ... " (1).
• ثم يذكرون مشايخه والرواة عنه، ولذلك فوائد كثيرة.
منها: معرفة مقدار طلبه للعلم ونشره له.
ومنها: أنّه كثيرًا ما يقع في أسانيد كتب الحديث ونحوها ذكر الاسم - مثلًا - بدون ما يتميز به، كأن يقع "محمد بن الصبّاح الدُّولابي عن خالد عن خالد عن محمد عن أنس"، وطريق الكشف أن تنظر ترجمة الدّولابي تجد في شيوخه خالد بن عبد الله الواسطيّ الطحان، ثمّ تنظر في ترجمة الطحّان تجد في شيوخه خالد بن مهران الحذَّاء، ثم تنظر ترجمة الحذَّاء تجد في شيوخه محمد بن سيرين، ثم تنظر ترجمة ابن سيرين تجد في شيوخه أنس بن مالك.
وإن شئت فابدأ من فوق فانظر ترجمة أنس بن مالك تجد في الرواة عنه محمد بن سيرين، وهكذا.
وممّا وقع لنا في هذا أنّنا وجدنا في بعض الكتب (2) التي تُصحَّح وتطبع في الدائرة سندًا فيه: " ... يحيى بن روح الحرّاني، قال: سألت أبا عبد الرحمن بن بكّار بن أبي ميمونة - حرّاني من الحفّاظ - كان مخلد بن يزيد يسأله ... " فذكر قصة.
وقد كان بعض أفاضل العصر صحَّح ذلك الكتاب، فكتب على قوله:
__________
(1) "تاريخ الخطيب" ج 14 ص 325. [المؤلف].
(2) هو كتاب "الكفاية" أيضًا. انظر (ص 115).
(15/245)

"سألتُ أبا عبد الرحمن بن بكّار بن أبي ميمونة": "كذا"! كأنّه خشي أن يكون الصواب: سألت أبا عبد الرحمن بكّار بن أبي ميمونة على ما هو الغالب من صنيعهم؛ أن يذكروا اسم الرجل بعد كنيته، فأردنا أن نُحقّق ذلك، فلم نجد فيما بين أيدينا من الكتب ترجمة لبكّار بن أبي ميمونة! ولا ليحيى بن روح الحرّاني! ولا وجدنا في الكنى أبا عبد الرحمن بن بكّار! ولا أبا عبد الرحمن بكارًا! فراجعنا بعض مظانّ القصة، فإذا فيها "أبا عبد الرحمن بكار بن أبي ميمونة"، ولكن لم يُقنعنا ذلك، ثمّ انتبهنا إلى ما في القصة أنّ مخلد بن يزيد كان يسأل هذا الرجل، فقلنا: عسى أن نجد له ذكرًا في ترجمة مخلد، فلمّا نظرنا فيها وجدنا في الرواة عن مخلد أحمد بن بكّار، فأسرعنا إلى ترجمته، فإذا هو ضالّتنا، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن بكّار ابن أبي ميمونة.
ومنها: دفع شبهة التكرار، فقد يُتَوهّم في المثال المذكور أنّ "عن خالد" الثانية مزيدة تكرارًا.
ومنها: التنبيه على السّقط، كأن يقع في المثال الماضي: "عن خالد" مرّة واحدة.
وعلى الزيادة كأن يقع فيه: "عن خالد" ثلاث مرّات.
وعلى التصحيف والتحريف كأن يقع فيه "عن خاله".
وعلى التقديم والتأخير كأن يقع فيه: "عن خالد الحذّاء، عن خالد الطحّان"، والصواب عكسه.
ومنها: أن يُعرف تاريخ ولادة صاحب الترجمة، وتاريخ وفاته تقريبًا إذا
(15/246)

لم يعرف تحقيقًا.
مثاله: بُكير بن عامر البَجَلي، لم يُعلَم تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكن روى عن قيس بن أبي حازم، وروى عنه وكيع وأبو نعيم، ووفاة قيس سنة 98، ومولد وكيع سنة 128، ومولد أبي نعيم سنة 130، وهؤلاء كلُّهم كوفيّون، وقد ذكر ابن الصلاح (1) وغيره أنّ عادة أهل الكوفة أن لا يسمع أحدُهم الحديث إلّا بعد بلوغه عشرين سنة، فمقتضى هذا أن يكون عُمْرُ بُكير يوم مات قيس فوق العشرين، فيكون مولد بُكير سنة 78 أو قبلها، ويُعلم أنّ سماع وكيع وأبي نُعيم من بُكير بعد أن بلغا عشرين سنة، فيكون بُكير قد بقي حيًّا إلى سنة 150، فقد عاش فوق سبعين سنة.
وهناك فوائد أخرى.
وبذلك يُعلَم حسن صنيع المزيّ في "تهذيب الكمال" فإنّه يحاول أن يذكر في ترجمة الرّجل جميع شيوخه وجميع الرواة عنه، ولنِعْمَ ما صنع، وإن خالفه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (2).
ومن لم يهتد إلى الكشف على الطريق السابق وقع في الخطأ.
• ثم يذكرون في الترجمة ما يتعلّق بتعديل الرّجل أو جرحه مفصّلًا.
وفائدة ذلك واضحة، وتفصيله يطول. ولكن أذكر أمرًا واحدًا، وهو أنّهم قد يذكرون في ترجمة الرجل ما يُعلم منه أنّه ثقةٌ في شيء دون آخر، كأن يكون مُدلسًا فيُحتج بما صرّح فيه بالسماع فقط، أو يكون اختلط بأخرة
__________
(1) (ص 129).
(2) (1/ 4).
(15/247)

فيُحتج بما حدّث به قبل الاختلاط فقط، أو يكون سيئ الحفظ، فيُحتج بما حدّث به من كتابه فقط، أو نحو ذلك، فربّما أخرج البخاري ومسلم، أو أحدُهما لبعض هؤلاء من صحيح حديثه، فيقع الوهم لبعض العلماء أنّ ذلك الرّجل ثقة مطلقًا بحجّة أنّه أخرج له صاحب "الصحيح"!
• ثمّ يذكرون في آخر الترجمة تأريخ ولادة الرّاوي، وتأريخ وفاته.
ولذلك فوائد كثيرة ذكرها في "فتح المغيث" (ص 460) (1).
وممّا وقع لنا ممّا يتعلّق بهذا أنّه وقع في بعض الكتب (2) التي تُصحّح وتُطبع في الدائرة سندٌ فيه " ... أحمد بن محمد بن أبي الموت أبو بكر المكيّ، قال: قال لنا أحمد بن زيد بن هارون ... "، وقد كتب عليه بعض الأفاضل ما معناه: "الصواب: أحمد عن يزيد بن هارون، وأحمد هو الإمام أحمد بن حنبل، ويزيد بن هارون هو الواسطيّ الحافظ المشهور"!
وإنّما حمله على هذا أنّه لم يجد ترجمةً لأحمد بن زيد بن هارون، وهكذا نحن، فقد جهدنا أن نظفر له بترجمة في الكتب التي بين أيدينا فلم نجد! ولكنّنا مع ذلك نعلم أنّ ما كتبه ذلك الفاضل خطأ؛ لأنّ الإمام أحمد توفي سنة 241، وابن أبي الموت له ترجمة في "لسان الميزان" (3)، وفيها ما لفظه: "وأرّخ ابن الطحّان في "ذيل الغرباء" وفاتَه في ربيع الآخر سنة 351
__________
(1) (4/ 310 - 313).
(2) هو "الكفاية" أيضًا. انظر (ص 20) ووقع التعليق هناك في هذا الموضع: "كذا في الأصلين". فلعلّ التعليق كان على نسخة هذا الفاضل.
(3) (1/ 652).
(15/248)

بمصر، وعاش تسعين سنة"، فعلى هذا يكون مولده سنة 260، أي: بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل بنحو عشرين سنة، فكيف يحمل قوله: "قال لنا أحمد" على الإمام أحمد بن حنبل؟!
هذا، ومن المؤلفات في علم الرجال ما هو خاصٌّ بالأنساب، ك "أنساب السمعاني"، وهو حقيقٌ بأن يطبع (1)؛ فإنّ النسخة التي طبعت بالتصوير في أوروبا كثيرة التصحيف والتحريف مع تعليق الخط وغير ذلك. وفائدته عظيمة، ولا سيّما في أنساب الرجال الذين لا توجد تراجمهم في الكتب المطبوعة. وكثيرًا ما يُستفاد منه في غير الأنساب.
ومن غريب ذلك: أنّه تكرّر في "المستدرك" (2) و"سنن البيهقي" (3) ذكر الحسن بن محمد بن حليم المروزيّ، فتارة يأتي هكذا، وتارة يقع ابن حكيم! وبعد أن كدنا نيأس من تصحيحه قلنا: قد يجوز أن يكون ربّما نسب إلى الجد المشتبه، فيقال: الحليميّ، أو: الحكيميّ، فراجعنا "الأنساب" فإذا به ذكره في "الحليمي" باللام، وذكر أنّه منسوب إلى جده "حليم".
ومن الكتب ما يكون خاصًّا بالمشتبه، والمطبوع منها ك "المؤتلف والمختلف" لعبد الغني، و"المشتبه" للذهبي، غير وافٍ بالمقصود.
وقد قرّرت الدائرة طبع كتاب "الإكمال" لابن ماكولا، وهو أهمّ الكتب
__________
(1) تولّى المؤلف تحقيق كتاب "الأنساب" فأنجز منه ستة مجلدات، واخترمته المنيّةُ قبل إتمامه، وتولّى اتمامه بعده جماعة من الباحثين فطبع في 13 مجلدًا.
(2) (1/ 83، 84، 225 وغيرها) على الوجه الأول، وعلى الثاني: (4/ 433).
(3) (1/ 17، 51, 270، 187 وغيرها) على الوجه الأول، وعلى الثاني: (1/ 368).
(15/249)

في هذا الشأن (1).
ولابن حجر كتابُ "تبصير المنتبه" هذّب فيه كتاب "المشتبه" للذهبيّ، وسدّ ما فيه من الخلل، وزاد زيادات مهمّة، وفيه أشياء ليست في "الإكمال".
وفي المكتبة الآصفية نسخةٌ منه جيدة، وهو حريٌّ بأن يُطبع (2)، وقد استفدنا منه كثيرًا.
ومن غريب ذلك أنّه تكرّر في "سنن البيهقي" ذكر أبي محمد أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن حيّان الأصبهاني، فيقع تارة "حيّان"، وتارة "حبان"! ونظرنا في "التبصير" (3) فوجدناه عدّد "حَبان" و"حِبان" وغيرهما ممّا يقع على هذه الصورة، إلاّ "حيّان" فإنّه تركه اعتمادًا على أنّ كلَّ ما وقع على هذه الصورة ممّا لم يذكره فهو "حيّان"، كعادته في أمثال ذلك! وهذا وإن كان كافيًا لحصول الظنّ، ولكن لم نقنع به، ثم قلنا فيه: يجوز أن يكون ربّما نسب إلى جده هذا، فنظرنا في "مشتبه النسبة" من "التبصير" (4) فإذا هو فيه (الحيّاني)، ذكره في حرف الجيم مع الجُبّائي.
ومن الكتب ما يختصّ بالكنى، وهو مهمٌّ لمعرفة ضبط الكنية، فإنّها تقع في الكتب مصحّفة ومحرّفة، أبو سعد وأبو سعيد، أبو الحسن وأبو الحسين، أبو عبد الله وأبو عبيد الله.
__________
(1) وقد تولى المؤلف تحقيقه، وأنجز منه ستة مجلدات طبعت في حياته.
(2) طبع في أربعة مجلدات بتحقيق علي محمد البجاوي.
(3) (1/ 277).
(4) (1/ 290).
(15/250)

والعالم محتاج إلى جميع كتب الرجال؛ لأنّه يجد في كلًّ منها ما لا يجد في غيره، وإن لم يكن عنده إلا بعضها فكثيرًا ما يبقى بحسرته، وكثيرًا ما يقع في الخطأ.
زعم بعض علماء العصر أنّ الحديث الذي في "صحيح مسلم" (1) عن أبي وائل، عن أمير المؤمنين عليًّ عليه السلام (2) في تسوية القبور ضعيفٌ؛ لأنّ أبا وائل هو عبد الله بن بَحِير بن ريسان القاصّ قد جرّحه العلماء. كأنّ هذا العالم نظر في فصل الكنى من "الميزان"، وليس فيه أبو وائل إلا واحد، هو عبد الله بن بَحِير، فرجع إلى ترجمته من "الميزان" ونقل كلام الأئمة فيه، ولم ينظر أنّه ليس عليه علامة مسلم! والحديث في "صحيح مسلم" كما عُلِم، وإنّما عليه علامة أبي داود والترمذي وابن ماجه، ولا نظر أنّه لم يذكر لعبد الله بن بحير رواية إلاّ عن أوساط التابعين، وأبو وائل الذي في الحديث يرويه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام!
ولو ظفر هذا العالم ب "التقريب" أو "الخلاصة" أو "تهذيب التهذيب" لوجد في فصل الكنى أبا وائل آخر، هو: شقيق بن سلمة، تابعيٌّ كبير مخضرم، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. واتفق الأئمة على توثيقه، ولذلك لم يذكر في "الميزان" لأنّ "الميزان" خاصٌّ بمن تُكلِّم فيه.
__________
(1) (969).
(2) هكذا في رواية، وفي أخرى: "عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي". وأرى كليهما صحيحًا. [المؤلف].
(15/251)

وأغرب من هذا ما وقع في "مجلّة المنار" (1)؛ رأيت في بعض أجزائها القديمة ذكر كلام ابن حزم في ترتيب كتب الحديث، أظنه نقله من "تدريب الرّاوي" ووقع في العبارة: "وكتاب ابن المنذر"، فكتب في حاشية المجلّة: "ابن المنذر: إبراهيم وعلي" (2) كأنّه نظر فصل الأبناء من "الخلاصة"، فوجد فيه ذلك!
وإبراهيم بن المنذر وعليُّ بن المنذر لم يُذكر لأحدهما كتابٌ، وإنّما "ابنُ المنذر" في عبارة ابن حزم هو الإمام محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، صاحب التصانيف، توفي سنة 318، ولم يُذكر في "الخلاصة" لأنّه لم يرو عنه أحدٌ من الأئمة الستة لتأخره، وهو مُترجَم في "تذكرة الحفاظ" و"الميزان" و"لسانه" و"طبقات الشافعية" وغيرها.
****
__________
(1) (22/ 273).
(2) كذا، وقد جاء التعليق على المجلة هكذا: "لا أدري هل هو إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة 236 أو علي بن المنذر المتوفى سنة 256". فمقتضى هذا يكون صواب العبارة "إبراهيم أو علي".
(15/252)

إحياء كتب الرجال، ولمن الفضل في ذلك؟
قد أسلفت أنّه في القرن العاشر من الهجرة وما بعده هُجر علم الرِّجال، حتّى أحياه الله عزَّ وجلَّ بواسطة المطابع، وأذكر الآن ما طُبع من كتبه ليُعلم لمن الفضل في ذلك.

الكتب الخاصة بأسماء الصحابة:
1 - " الإصابة" طبع بالهند، سنة 1264 ه, ثم بمصر، سنة 1323 ه.
2 - "أسد الغابة" طبع بمصر، سنة 1286 ه.
3 - "تجريد أسماء الصحابة" طبع بدائرة المعارف، سنة 1315 ه.
4 - "الاستيعاب" طبع بدائرة المعارف، سنة 1318 ه، ثم بمصر، سنة 1323 ه.
وقرّرت الدائرة طبع كتابين آخرين: كتاب "أسماء الصحابة" لابن منده، و"درّ السحابة" للصاغاني.

الخاصة بالحفاظ:
1 - " طبقات الحُفاظ" للسيوطي، طبع في أوربا، سنة 1250 ه.
2 - "تذكرة الحفّاظ" للذهبي، طبع بدائرة المعارف، سنة 1334 ه.
3 - "ذيله" طبع بدمشق، سنة 1347 ه.

توابع أسماء الرجال:
1 - " المشتبه" للذهبي، طبع في أوربا سنة 1300 ه.
2 - "الأسماء والكنى" للدولابي، طبع في دائرة المعارف، سنة 1322 ه.
(15/253)

3 - "المؤتلف والمختلف" لعبد الغني، طبع في الهند، سنة 1327 ه.
4 - "أنساب السمعاني"، طبع بالتصوير (1) في أوربا، سنة 1330 ه.
وقرّرت دائرة المعارف طبع "الإكمال" لابن ماكولا، وهو أجلّ الكتب في بابه، ولعلّها تطبع كتاب "الأنساب" (2) و"التبصير" لابن حجر.

أسماء الرجال:
1 - " التقريب"، طبع بالهند مرّات أوّلها سنة 1271 ه.
2 - "الخلاصة"، طبع بمصر مع "فتح الباري" على نفقة المرحوم السيد صديق حسن، سنة 1301 ه.
3 - "الميزان"، طبع بالهند سنة 1301 ه، ثم بمصر سنة 1325 ه.
4 - "إسعاف المُبطّأ في رجال الموطأ"، طبع بحيدراباد دكن، سنة 1320 ه.
5 - "طبقات ابن سعد"، طبع في أوربا سنة 1322 ه.
6 و7 و8 - "الضعفاء الصغير" للبخاري، "الضعفاء" للنسائي، "المنفردات والوحدان" لمسلم، طبعت في حيدراباد سنة 1323 ه، ثمّ طبع الأولان بالهند سنة 1325 ه.
9 - "الجمع بين رجال الصحيحين" (3)، طبع في دائرة المعارف سنة 1323 ه.
__________
(1) أي: المخطوط، في مجلد ضخم.
(2) انظر ما سلف (ص 249 - 250) حول كتابي الإكمال والأنساب.
(3) لأبي الفضل بن طاهر المقدسي (ت 507).
(15/254)

10 - "تعجيل المنفعة"، طبع في دائرة المعارف، سنة 1324 ه.
11 - "تهذيب التهذيب"، طبع في دائرة المعارف، سنة 1325 ه.
12 - "التاريخ الصغير" للبخاري، طبع في الهند، سنة 1325 ه.
13 - "لسان الميزان"، طبع في دائرة المعارف، سنة 1329 ه.
وقرّرت الدائرة طبع أمّهات الكتب في الفنّ: "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة (1).
ولعلّها تطبع "التاريخ الأوسط" للبخاريّ، فإنَّ نسخته موجودة (2).
وقد طبعت كتب أخرى يُستفاد منها كثير من تراجم الرجال، ولكن منها ما لم يوضع لذلك بخصوصه، ومنها ما هو خاص ببلد أو طائفة.
وقد طبعت دائرة المعارف من هذا الضرب "مرآة الجنان" لليافعي، و"الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية"، وقررت طبع تاريخ "المنتظم" لابن الجوزي، و"طبقات الحنابلة" (3) لابن رجب، ولعلها تطبع "تاريخ جرجان" (4).
__________
(1) طُبع الأوّلان عن الدائرة، وكان للمؤلف اليد الطولى في العمل عليهما، أما الثالث فلم يطبع فيها، وطبع قريبًا الموجود منه طبعتين في دار الفاروق الحديثة وفي دار غراس.
(2) طبع في مجلد واحد في الهند، ثم حقق في رسالتين جامعيتين وطبع في 5 مجلدات عن مكتبة الرشد بالرياض.
(3) يعني: "ذيل الطبقات"، أما الطبقات فلابن أبي يعلى الحنبلي حققه الفقي أيضًا في مجلدين وطبعت مع الذيل.
(4) طبع "المنتظم" و"تاريخ جرجان" عن الدائرة، أما "ذيل الطبقات" فطبع بمصر بعناية =
(15/255)

وكلّ من له إلمام بالفن يعلم أنه ليس في كتب الرجال المطبوعة أجمع ولا أوسع ولا أنفع من "تهذيب التهذيب" و"لسان الميزان"، ويشاركهما "تعجيل المنفعة" في عظمها، وكلها من طبع دائرة المعارف.
وليس فيما لم يطبع منها أجلّ من "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة، وقد قررت دائرة المعارف طبع هذه الثلاثة (1).
ومن تتبع ما أنتجته النهضة العلمية في القرن الرابع عشر بالهند ومصر والشام وغيرها من المعارف والمؤلفات والرسائل وغيرها، علم أن للهند - ولا سيما حيدراباد دكن - الفضل الأكبر في ذلك بما نشرته من كتب الحديث، وكتب الرجال؛ فإن شأن الهند - وخاصة دائرة المعارف - في الحديث لا يقلّ عن شأنها في الرجال، وحسبك أنّ من مطبوعات دائرة المعارف: "كنز العمّال" و"مسند الطيالسي" و"المستدرك" و"السنن الكبرى" للبيهقي وغيرها.
وقد قررت طبع "مسند الإمام إسحاق بن راهويه"، و"مسند أبي عوانة" (2).
كما طبعت في علم مصطلح الحديث أهمّ المؤلفات فيه: "علوم
__________
= الشيخ حامد الفقي سنة 1952، ثم حققه أستاذنا د. عبد الرحمن العثيمين وطبع سنة 1420 في خمسة مجلدات.
(1) انظر ما سبق (ص 255).
(2) طبع الثاني منهما في الدائرة، مع نقص فيه، ثم طبع ما يكمله في خمسة مجلدات، ثم حقق كاملًا في عدة رسائل جامعية بالجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية المنورة.
(15/256)

الحديث" للحاكم، وكتاب "الكفاية" للخطيب البغدادي.
وقد أخذت الدائرة بنصيبٍ من سائر العلوم؛ كاللغة والنحو والفلسفة والرياضيات والتاريخ, ولكن إذا كان في طبع مؤلفات أسلافنا في هذه العلوم ونحوها حفظ ونشر لأعمال نوابغ الإِسلام؛ ففي طبع كتب الحديث والرجال فوق ذلك حفظ ونشر للإسلام نفسه.
على أنّ حاجة التاريخ إلى معرفة أحوال ناقلي الوقائع التاريخية أشدّ من حاجة الحديث إلى ذلك، فإنّ الكذب والتساهل في التاريخ أكثر، بل إنّ معرفة أحوال الرجال هي من أهم أنواع التاريخ، والعلومُ الدينية والتاريخية أَوْلَى العلوم بالحفظ؛ لأنّه إذا ضاع منها شيء لم يمكن تداركه بعد ختم النبوّة.
وأمّا العلوم الأخرى فليست كذلك؛ لأنّها نتيجة العقول والتجارب، فإذا ضاع منها شيء يمكن استنتاجه ثانيًا، وهكذا.
ولن تزال الدائرة إن - شاء الله تعالى - مُجِدّة في سعيها، مستمرة في عملها، معتمدة على فضل الله تبارك وتعالى، وحسن توفيقه، ثمّ على عناية صاحب الجلالة السلطان - سلطان العلوم - السلطان مير عثمان علي خان بهادر -حفظه الله -، كشأنه دائمًا في العناية بالدائرة وبغيرها من معاهد العلم التي عُمِرت بها البلاد وحييت بها العباد.
طوبى لدكن ما حوت ... هُ من معاهد للمعارف
فيها رياض العلم تُتْ ... حِف باللطائف كلّ طائف
أثمارها متدليا ... تٌ طَوع كفّي كلّ قاطف
(15/257)

وحياضها بالعذب تر ... وي كل مرتشفٍ وغارف
فيها الجوامع والمدا ... رس والمطابع والمتاحف
ومن الجوامع أمُّها ال ... كبرى تحيّر كل واصف
بحر به التقت العلو ... م من السوالف والخوالف
وترى بها دارًا لتر ... جمة التآليف الطرائف
وبها كماعلمت رجا ... لُ العلم دائرة المعارف
نشرت علومًا ما لها ... من معدن إلا الصحائف
هذا رشاشٌ من فوا ... ضل ذي الفضائل والعوارف
عثمان من عمّت موا ... هبه الموافق والمخالف
يرعى المخالف من رعيّ ... ته كما يرعى المؤالف
مغرًى بما فيه السعا ... دةُ والعُلى لا بالزخارف
فليحي سلطان العلو ... م وإنّها معنا هواتف
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
(15/258)

الرسالة العاشرة
مُلَخّص طبقات المُدلِّسين
(15/259)

الحمد لله

ملخَّص من "طبقات المدلسين" للحافظ
أ) من لم يوصف بالتدليس إلا نادرًا (1):
1 - أبو نعيم الأصبهاني: يطلق في الإجازة "أخبرنا".
2 - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حازم السمرقندي، أبو يحيى الكرابيسي: يدلس عن محمد بن نصر الإجازة.
3 - أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي القاضي: يدلس عن أبيه بالإجازة.
4 - (خ 4) إسحاق بن راشد الجَزَري: يقول في الوجادة: "حدثنا".
5 - (ع) أيوب السِّخْتياني: يدلِّس عن أنس بالعنعنة (2).
6 - [خ م س] أيوب بن النجَّار اليمامي: صح أنه قال لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا، وقد روى عنه أكثر من حديث.
7 - (ع) جَرير بن حازم: ممن وصفه بالتدليس يحيى الحِمَّاني في حديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
8 - (م 4) الحسين بن واقد المروزي: ثقة، وصفه الدارقطني وأبو يعلى الخليلي بالتدليس.
9 - [ص 108] (م 4) حفص بن غِياث: وصفه أحمد والدارقطني.
__________
(1) وعددهم ثلاثة وثلاثون.
(2) فقد رأى أنسًا ولم يسمع منه، ومع ذلك حدث عنه عدة أحاديث بالعنعنة.
(15/261)

10 - (ع) خالد بن مِهْران الحذَّاء: روى عن عِراك بن مالك حديثًا سمعه من خالد بن أبي الصلت عنه في استقبال القبلة في البول.
11 - (ع) زيد بن أسلم: روى عن ابن عمر في "رد السلام بالإشارة" قال ابن عيينة (1): قلت لإنسان: سله أسمعه من ابن عمر؟ فسأله، فقال أما أنا فكلَّمني وكلّمته، أخرجه البيهقي (2).
وفي هذا الجواب إشعار بأنه لم يسمع هذا بخصوصه منه، مع أنه مكثر عنه، فيكون قد دلسه.
12 - (س) سلمة بن تمام الشَّقَرِي: ذكر ابن أبي حاتم ما يدل أنه كان يدلس.
13 - (د س ق) شِبَاك الضبِّي، صاحب إبراهيم النخعي: وصفه الدارقطني والحاكم.
14 - (ع) طاوس: يدلس عن ابن عباس، وروى عن عائشة، وقد قال ابن معين: لا أراه سمع منها، وقال أبو داود لا أعلمه سمع منها.
15 - [ص 109] (ع) أبو قِلابة الجَرْمي: وصفه الذهبي والعلائي.
16 - (م 4) عبد الله بن عطاء الطائفي: قضيته في التدليس مشهورة (3)، رواها شعبة عن أبي إسحاق السَّبيعي.
__________
(1) الأصل: "ابن عبيد" تحريف.
(2) في "السنن الكبرى": (2/ 259).
(3) أخرجها البخاري في "التاريخ الكبير": (5/ 165)، و"الأوسط" رقم (651) وغيره.
(15/262)

17 - (ع) ابن وهب: وصفه ابن سعد في "الطبقات" (1).
18 - (خ م د س ق) عبد ربه بن نافع أبو شهاب الحَنّاط: أشار الخطيب في مقدمة "تاريخه" (2) إلى أنه دلس حديثًا.
19 - الدارقطني: قال أبو الفضل بن طاهر: كان يقول: "قُرئ على أبي القاسم البغوي: حدثكم فلان"، فيوهم أنه سمع منه، لكن لا يقول: وأنا أسمع.
20 - (ع) عَمْرو بن دينار: أشار الحاكم في "علوم الحديث" (3) إلى أنه كان يدلس.
21 - (ع) الفضل بن دُكَين أبو نعيم: وصفه أحمد بن صالح المصري.
22 - (ع) مالك: كان يسوّي.
23 - (ق س) البخاري: في قوله: "قال فلان" (4).
24 - محمد بن عِمران بن موسى المَرْزباني: الكاتب الأخباري كان يطلق التحديث والإخبار في الإجازة. ذكر ذلك الخطيب وغيره.
__________
(1) (9/ 526 - ط الخانجي).
(2) "تاريخ بغداد": (1/ 30).
(3) (ص/ 355 - ط ابن حزم).
(4) وصفه بذلك ابن منده، قال الحافظ في "الطبقات" (ص 91): "ولم يوافَق ابن منده على ذلك. والذي يظهر أنه كان يقول فيما لم يسمع "قال", وفيما سمع "قال لنا" لكن لا يكون على شرطه، أو موقوفًا "قال لي" أو "قال لنا". وقد عرفت ذلك بالاستقراء من صنيعه" اه.
(15/263)

25 - [ص 110] (ت ق) محمد بن يزيد بن خُنَيس العابد: قال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا بيَّن السماعَ في روايته.
26 - محمد بن يوسف بن مَسْدي الحافظ الأندلسي: نزيل مكة في المائة السابعة، كان يدلس الإجازة، وله معجم مشهور مات بمكة سنة (663).
27 - (بخ (1) م د س) مَخْرمة بن بُكَير: يدلس عن أبيه، انظر ترجمته.
28 - (ت) مسلم صاحب "الصحيح": قال ابن منده: كان يقول في ما لم يسمعه من مشايخه: "قال لنا فلان" وهو تدليس، وردَّ ذلك شيخنا أبو الفضل بن الحسين (2)، وهو كما قال.
29 - (ع) موسى بن عقبة المدني: وصفه الدارقطني، أشار إلى ذلك الإسماعيلي.
30 - (ع) هشام بن عروة: في الحكاية المشهورة أنه قدم العراق ... الخ (3).
31 - (ع) لاحق بن حُمَيد أبو مِجْلَز: أشار ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه كان يدلس، وجزم بذلك الدارقطني.
32 - [ص 111] (ع) يحيى بن سعيد الأنصاري: وصفه ابن المديني والدارقطني.
__________
(1) الأصل: "خ" والمثبت من المصادر.
(2) يعني الإمام العراقي صاحب الألفية في الحديث ت (806).
(3) انظرها في "تهذيب التهذيب": (11/ 50).
(15/264)

33 - (ع) يزيد بن هارون: قال: ما دلست إلا في حديث واحد فما بورك فيه.
ب) من احتمل الأئمة تدليسه لإمامته، أو لأنه كان لا يروي إلا عن ثقة (1):
34 - إبراهيم بن سليمان الأفطس الدمشقي: عن مكحول وغيره، وعنه يحيى بن حمزة وجماعة. قال أبو حاتم: لا بأس به، وأشار البخاري إلى أنه كان يدلس.
35 - (ع) إبراهيم النخعي: وصفه الحاكم (2). وقال أبو حاتم: لم يلق أحدًا من الصحابة، إلا عائشة رضي الله عنها، ولم يسمع منها (3).
36 - (ع) إسماعيل بن أبي خالد: وصفه النسائي.
37 - (خت (4) 4) أشعث بن عبد الملك الحُمْراني: قال معاذ: سمعته يقول: كلّ شيء حدّثتكم عن الحسن سمعته منه إلا ثلاثة أحاديث: حديث "الذي يركع دون الصف"، وحديث "عدة الحائض"، وحديث "علي في الخلاص".
38 - [ص 112] (م 4) بشير بن المهاجر الغَنَوي: قال ابن حبان في "الثقات" (5): كان يدلس.
__________
(1) وهم ثلاثة وثلاثون شخصًا.
(2) في "علوم الحديث": (ص/ 349).
(3) علق الشيخ بعد هذا: "في "التقريب" في ترجمة إبراهيم بن يزيد التيمي: "ثقة إلا أنه يرسل ويدلس".
(4) زيادة من المصادر.
(5) (6/ 98).
(15/265)

39 - (م 4 (1)) جُبير بن نُفير: قال الذهبي في "طبقات الحفاظ" (2): ربما دلَّس عن كبار الصحابة.
40 - (ع) الحسن البصري: وصفه بتدليس الإسناد النسائيُّ وغيره.
41 - الحسن بن التميمي أبو علي المُذْهب: راوي "مسند أحمد" عن القَطيعي. فيه نظر، انظر "الميزان" (3).
42 - (ع) الحسن بن مسعود أبو علي الدمشقي ابن الوزير: محدِّث مكثر، مذكور بالحفظ، وصفه ابن عساكر بالتدليس، وقال: مات سنة (543).
43 - (ع) الحَكَم بن عُتَيبة: وصفه النسائي، وحكاه السُّلمي عن الدارقطني.
44 - (ع) حماد بن أسامة أبو أسامة: قال المُعَيطي (4): كان كثير التدليس ثم رجع عنه.
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ويدلّس ويبين تدليسه.
45 - (م 4 (5)) حماد بن أبي سليمان: ذكر الشافعي أن شعبة حدث بحديث عن حماد عن إبراهيم قال: فقلت لحماد: سمعته من إبراهيم؟ قال: لا، أخبرني به مغيرة بن مِقْسَم عنه.
__________
(1) زيادة في التقريب: "بخ".
(2) (1/ 52).
(3) (2/ 33 - 35). وقوله: "فيه نظر، انظر الميزان" من كلام المعلمي. يعني أن وصفه بالتدليس فيه نظر، وقد ناقش الذهبي دعوى الخطيب في "الميزان".
(4) الأصل: "القبطي". والمثب من "الطبقات" و"الميزان".
(5) زاد في التقريب رمز (بخ).
(15/266)

46 - [ص 113] (ع) خالد بن معدان: قال الذهبي: كان يرسل ويدلس.
47 - (ع (1)) زكريا بن أبي زائدة: قال أبو حاتم: كان يدلس عن الشعبي، وابن جريج. ووصفه الدارقطني بالتدليس.
"قلت (2) وكذا أبو زرعة قال: كان يدلس كثيرًا عن الشعبي، ووصفه أيضًا أبو داود".
48 - (ع) سالم بن أبي الجعد: ذكره الذهبي في "الميزان" (3) بذلك.
49 - (م 4) سعيد بن عبد العزيز الدمشقي: روى عن زيادة بن أبي سَوْدَة، فقال أبو الحسن بن القطَّان: لا ندري سمعه منه، أو دلَّسه عنه.
50 - (ع) سعيد بن أبي عَرُوبة: وصفه النسائي وغيره.
51 - (ع) سفيان الثوري: وصفه النسائي وغيره، وقال البخاري: ما أقلّ تدليسه!
52 - (ع) سفيان بن عيينة: وصفه النسائي وغيره، وكان لا يدلس إلا عن ثقة، وادعى ابنُ حبان أن ذلك كان خاصًّا به.
53 - [ص 114] (خت م 4) أبو داود الطيالسي: قال يزيد بن زُرَيع: سألته عن حديثين لشعبة، فقال: لم أسمعهما منه، قال: ثم حدث بهما عن شعبة. قال الذهبي: دلَّسهما عنه، فكان ماذا؟
__________
(1) الأصل: "م" والمثبت من المصادر.
(2) من كلام المعلمي.
(3) (2/ 299).
(15/267)

قلت (1): ويحتمل أن يكون تذكرهما، وإن كان دلسهما نُظِر، فإن ذكر صيغةً محتملة فهو تدليس الإسناد، وإن ذكر صيغةً صريحة، فهو تدليس الإجازة.
54 - (ع) سليمان بن طَرْخان: وصفه النسائي.
55 - (ع) الأعمش: وصفه الكرابيسي والنسائي والدارقطني وغيرهم.
56 - (خت م 4 (2)) شَريك القاضي: كان من الأثبات، ولما ولي القضاء تغير حفظه، وكان يتبرأ من التدليس، ونَسَبه عبد الحق في "الأحكام" إلى التدليس، وسبقه إلى وصفه به الدارقطني.
57 - (4) شعيب، والد عَمْرو بن شعيب: فيه نظر (3).
58 - [ص 115] (ع) عبد الرازق: نسبه بعضهم إلى التدليس، وقد تبرأ منه (4) في قصته في تعلّقه بالكعبة، ويحتمل أن يكون نفى الإكثار من التدليس، بقرينة ذكره بقيَّة.
59 - (خ م د ت (5) س) عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص بن هشام المخزومي: وصفه الذهبي والعلائي.
__________
(1) هذا من كلام (ابن حجر).
(2) الأصل: "ت" فقط، والمثبت من المصادر.
(3) من كلام المعلمي.
(4) الأصل: "عنه".
(5) الأصل: "ن".
(15/268)

60 - (4) عَمرو بن شعيب: فيه نظر (1).
61 - (ع) محمد بن خازم أبو معاوية: وصفه الدارقطني.
62 - (ق) محمد بن حمَّاد الطَّهراني: الراوي عن عبد الرزاق، أشار أبو محمد ابن حزم إلى أنه دلّس حديثًا.
63 - (ع) يحيى بن أبي كثير: وصفه النسائي. ويقال: لم يصح له سماع من صحابي.
64 - (ع) يونس بن عُبيد: وصفه النسائي، وكذا السلمي عن الدارقطني.
65 - (م س ق) يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي: روى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجَنَدي: حديث أنس الذي أخرجه ابن ماجه، وأشار الذهبي إلى أن يونس سوَّاه.
66 - [ص 116] (م 4) يونس بن أبي إسحاق السبيعي: يقال: إنه روى عن الشعبي حديثًا، وهو حديثه عن الحارث عن علي رضي الله عنه حديث: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة، فأسقط الحارث.
ج) من أكثر من التدليس فلم يحتجّ إلا بما صرّحوا، وقَبلهم بعضٌ مطلقًا، وردَّهم بعضٌ مطلقًا (2):
67 - [د] أحمد بن عبد الجبار العُطَاردي: تكلموا فيه. وقال ابن عدي: لا أعلم له خبرًا منكرًا، وإنما نسبوه إلى أنه لم يسمع من كثير ممن حدَّث عنهم.
__________
(1) قوله: "فيه نظر" من كلام المعلمي.
(2) وعدتهم مئه وستة عشر نفسًا.
(15/269)

68 - (4) إسماعيل بن عَيَّاش أبو عتبة العَنْسي: مختلَفٌ في توثيقه، وحديثه عن الشاميين مقبول عند الأكثر، وأشار ابن معين، ثم ابن حبان في "الثقات" (1) إلى أنه كان يدلس.
(في "تهذيب التهذيب" (2) في ترجمته: وقال نصر بن محمد الأسدي عن (ابن معين): إذا حدَّث إسماعيل بن عياش عن الشاميين - وذكر الخبر - فحديثه مستقيم، وإذا حدَّث عن الحجازيين والعراقيين خلَّطَ ما شئت) (3).
69 - (ع) حبيب بن أبي ثابت: يكثر التدليس، وصفه ابن خزيمة، والدارقطني وغيرهما.
70 - (خ د ت ق) الحسن بن ذكوان: مختلَف في الاحتجاج به، وله في "صحيح البخاري" حديث واحد (4)، وأشار ابنُ صاعد إلى أنه كان مدلسًا.
71 - [ص 117] (ع) حُمَيد الطويل: كثير التدليس عن أنس، حتى قيل إن معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتادة، ووصفه النسائي وغيره.
72 - (د) شعيب بن أيوب الصريفيني: وصفه ابن حبّان والدارقطني.
__________
(1) كذا في الأصل و"الطبقات": (ص/ 132)، ولم أجد له ترجمة في "الثقات" المطبوع، وترجم له ابن حبان في "المجروحين": (1/ 124 - 126) ولم يصفه بالتدليس.
(2) (1/ 321 - 324).
(3) ما بين القوسين من كلام المعلمي رحمه الله.
(4) رقم (6566).
(15/270)

73 - شعيب بن عبد الله: قال علي بن المديني ... قصة فيها ذكر فرقد ونوف.
74 - (د ت س) صفوان بن صالح بن دينار: وثقه أبو داود وغيره، ونُسِب إلى التسوية.
75 - (ع (1)) طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان: الراوي عن جابر، معروف بالتدليس، ووصفه الدارقطني وغيره.
76 - عبد الله بن مروان أبو شيخ الحراني: روى عن زهير عن معاوية وغيره، روى عنه حسين بن منصور وإبراهيم بن الهيثم. قال ابن حبان في "الثقات" (2): يُعتبر حديثه إذا بيَّن السماع في خبره.
77 - عبد الله بن أبي نَجِيح المكي: المفسّر عن مجاهد، وكان يدلس عنه، وصفه بذلك النسائي.
78 - [ص 118] (بخ د س) عبد الجليل بن عطية القيسي في أبو صالح البصري: وثقه ابن معين. وقال البخاري: يهم في الشيء، وقال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا بين السماع.
79 - (خت 4 (3)) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: يدلس عن أبيه، وصرح بالسماع في حديث الضب، حديث ثأخير الصلاة، محرم الحرام.
80 - (ع) عبد الرحمن بن محمد المحاربي: وصفه العقيلي.
__________
(1) كذا في الأصل، والتقريب والتهذيب. وفي "الطبقات": (ص/ 135): "خت م 4".
(2) (8/ 345).
(3) رمز له في "التقريب" و"الطبقات": (ص/ 137): "ع".
(15/271)

81 - عبد العزيز بن عبد الله القرشي البصري أبو وهب الجدعاني: روى عن سعيد بن أبي عَروبة، وخالد الحذّاء، وبَهْز بن حكيم. روى عنه الحسن بن مدرك وغيره. قال ابن حبان في "الثقات" (1): يعتبر حديثه إذا بين السماع.
وتكلم فيه ابن عدي وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
82 - (م 4) عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد: صدوق ونُسِب إلى الإرجاء، وفي حفظه شيء، ونسب إلى التدليس، وممن ذكره فيهم العلائي.
83 - [ص 119] (ع) ابن جُريج: وصفه النسائي وغيره. وقال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جُريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح.
84 - (ع) عبد الملك بن عُمير القبطي الكوفي: مشهور بالتدليس، وصفه الدارقطني وابن حبان وغيرهما.
85 - (م 4) عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف: قال البخاري: كان يدلس عن ثور الحمصي وأقوام أحاديث مناكير.
86 - [ت ق] عُبيدة بن الأسود بن سعيد الهَمْداني: أشار ابن حبان في "الثقات" (2) إلى أنه كان يدلس.
__________
(1) (8/ 394).
(2) (8/ 437).
(15/272)

87 - عثمان بن عمر (1) الحنفي: عن ابن جُريج، وعنه محمد بن حرب النسائي (2). قال ابن حبان في "الثقات" (3): يُعْتَبر حديثه إذا بيَّن السماع.
88 - (خت م 4) عكرمة بن عمار اليمامي: وصفه أحمد والدارقطني.
89 - (س ق) علي بن غراب الكوفي القاضي: اختلف فيه، ووثقه ابن معين، ووصفه الدارقطني وغيره بالتدليس.
90 - [ص 120] عمر بن علي بن أحمد بن الليث البخاري الليثي أبو مسلم: الحافظ المشهور، كان واسع الرحلة كثير التصانيف في المتأخرين. مات سنة (466) وقيل: مات سنة (68)، وصفه يحيى بن منده. وقال شيرويه: كان يحفظ ويدلس.
91 - (ع) عَمرو بن عبد الله السبيعي: مشهور بالتدليس، وصفه النسائي وغيره.
92 - (ع) قتادة: مشهور بالتدليس، وصفه النسائي وغيره.
93 - (خت د ت ق) مبارك بن فضالة: مشهور بالتدليس، وصفه به الدارقطني وغيره، وقد أكثر عن الحسن البصري.
94 - محمد بن البخاري: روى عن وكيع، وعنه ولداه عمر وإبراهيم،
__________
(1) كذا في الأصل وبعض نسخ "الطبقات"، وفي النسخ الأخرى والمصادر: "عمران".
(2) الأصل: "الساحى" بلا نقط، وفي نسخ الطبقات اختلاف، والمثبت من "اللسان": (5/ 403).
(3) (8/ 453).
(15/273)

أشار ابن حبان إلى أنه كان يدلس.
95 - محمد بن صدقة الفَدَكي: من أصحاب مالك، وصفه الدارقطني وابن حبان.
96 - (خ د س ت) محمد بن عبد الرحمن الطُّفاوي: وصفه أحمد والدارقطني.
97 - [ص 121] محمد بن عبد الملك الواسطي الكبير أبو إسماعيل: روى عن إسماعيل بن أبي خالد وطبقته، وعنه وهب بن بقية، وصفه ابن حبان بالتدليس، وكذا أطلق الذهبي في "تذهيب التهذيب".
98 - (خت م 4) محمد بن عجلان: وصفه ابن حبان.
99 - (خ ن (1) د س ق) محمد بن عيسى بن نجيح أبو جعفر ابن الطباع: قال صاحبه أبو داود: كان مدلسًا. وكذا وصفه الدارقطني.
100 - محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الحافظ البغدادي أبو بكر: المشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة، مات بعد الثلاثمائة. قال الإسماعيلي: لا أتهمه ولكنه يدلس. وقال [ابن] المظفَّر: لا ينكر منه إلا التدليس. وقال الدارقطني: يكتب عن بعض أصحابه، ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة.
101 - [ص 122] (ع) أبو الزبير: مشهور بالتدليس. ووهم الحاكم في
__________
(1) كذا، وفي "الطبقات" و"التقريب" بدلاً من "خ ن": "خت".
(15/274)

"كتاب علوم الحديث" (1) فقال في سنده: وفيه رجال (2) غير معروفين بالتدليس. وقد وصفه النسائي وغيره.
102 - (ع) ابن شهاب: وصفه الشافعي والدارقطني.
103 - [س ق] محمد بن مصفَّى (3): قال أبو حاتم ابن حبان: سمعت أبا الحسن بن جَوْصا يقول: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: كان صفوان بن صالح، ومحمد بن مُصفَّى يسوِّيان الحديث كبقية بن الوليد. ذكره في آخر مقدمة "الضعفاء" (4).
104 - (ق) مُحْرز بن عبد الله أبو رجاء الجزري: وصفه ابن حبان في "الثقات" (5).
105 - (ع) مروان بن معاوية الفزاري: كان مشهورًا بالتدليس، وكان يدلس الشيوخ أيضًا، وصفه الدارقطني بذلك.
106 - مصعب بن سعيد أبو خيثمة المِصّيصي: [ص 123] أصله من خراسان، روى عن أبي خيثمة الجعفي وابن المبارك وغيرهما. وعنه الحسن بن سفيان وأبو حاتم الرازي وجماعة. قال ابن عدي: كان يصحِّف.
__________
(1) (ص 199 - ت السلوم).
(2) كذا وفي "الطبقات": (ص 152): "فقال في سندٍ هو فيه: رجاله ... ".
(3) الأصل: "مصطفى" وكذا في الموضع الثاني، سبق قلم.
(4) (1/ 94).
(5) (7/ 504).
(15/275)

وقال ابن حبان في "الثقات" (1): كان يدلّس، وكُفّ في آخر عمره.
107 - (ع) المغيرة بن مِقْسَم: وصفه النسائي بالتدليس، وحكاه العجلي عن ابن (2) فضيل. قال أبو داود: كان لا يدلس. وكأنه أراد ما حكاه العجلي: أنه كان يرسل عن إبراهيم، فإذا وُقِف أخبرهم ممن سمعه.
108 - (م 4) مكحول: يقال: إنه لم يسمع من الصحابة إلا عن نفر قليل. ووصفه بذلك ابن حبان. وأطلق الذهبي أنه كان يدلس، ولم أره للمتقدمين إلا في قول ابن حبان.
109 - (ت ق) ميمون بن موسى المرائي: وصفه النسائي والدارقطني، وكذا حكاه ابن عدي عن أحمد بن حنبل.
110 - [ص 124] (ع) هشام بن حسَّان: وصفه ابن المديني وأبو حاتم ... يرون أنه أرسل حديث الحسن عن حوشب.
111 - (ع) هُشَيم: مشهور بالتدليس، وصفه النسائي وغيره، وله قصة.
112 - [م 4] يزيد بن أبي زياد الكوفي: من أتباع التابعين، تغير في آخر عمره، وضُعّف بسبب ذلك، وصفه الدارقطني والحاكم وغيرهما بالتدليس.
113 - [4] يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: مشهور بكنيته، وهو من أتباع التابعين، وثقه ابن معين وغيره، وصفه حسين الكرابيسي بالتدليس.
__________
(1) (9/ 175).
(2) الأصل: "أبي" تحريف.
(15/276)

114 - [د س ق] يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهَمْداني الدمشقي: وصفه أبو مُسْهِر بالتدليس.
115 - [م قد س] أبو حَرّة الرقاشي البصري: صاحب الحسن وعنه القطان، وصفه أحمد والدارقطني.
116 - [ع] أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثقة مشهور، حديثه عن أبيه في السنن وعن غير أبيه في الصحيح .. والأكثر على أنه لم يسمع من أبيه، وثبت له لقاؤه، وسماع كلامه.
د) من اتفق على أنه لا يحتج إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل:
117 - (م 4 (1)) بقية: له في مسلم حديث واحد (2)، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين، وصفه الأئمة بذلك.
118 - (م 4) حجَّاج بن أرطاه: أخرج له مسلم مقرونًا بآخر، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء ....
119 - حُميد بن الربيع الكوفي الخَزّاز - بمعجمات - اللخمي: مختلَف فيه، وقد وصفه بالتدليس عن الضعفاء عثمان بن أبي شيبة ...
120 - (م ق) سويد بن سعيد الحَدَثاني: وصفه الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما، وتغير في آخر عمره بسبب العمى، وسماع مسلم منه قبل ذلك.
__________
(1) زاد في "الطبقات": "خت".
(2) رقم (1429).
(15/277)

121 - (خت 4) عبَّاد بن منصور الناجي البصري: ذكره أحمد والبخاري والنسائي والساجي وغيرهم بالتدليس عن الضعفاء.
122 - [ص 126] (بخ (1) د ت ق) عطية [العوفي]: ضعيف الحفظ، مشهور بالتدليس القبيح.
123 - (ع) عمر بن علي المقدَّمي: شديد الغلو في التدليس، وصفه بذلك أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد. وقال ابن سعد: ثقة، وكان يدلس تدليسًا شديدًا، يقول: ثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش أو غيرهما.
قلت (2): وهذا ينبغي أن يسمى: تدليس القطع.
124 - (خت (3) ق) عيسى بن موسى البخاري، لقبه غُنْجار: صدوق، لكنه مشهور بالتدليس عن الثقات ما حمله عن الضعفاء والمجهولين.
125 - (خت م مقرونًا 4) ابن إسحاق: صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، وعن شرّ منهم. وصَفَه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما.
126 - (د س ق) محمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع: دمشقي فيه ضعف، وصفه بالتدليس ابن حبان.
__________
(1) الأصل: "خ" تحريف.
(2) هذا من كلام الحافظ ابن حجر.
(3) الأصل: "خ ت" والمثبت من المصادر.
(15/278)

127 - [ص 127] (ع) الوليد بن مسلم الدمشقي: معروف موصوف بالتدليس الشديد مع الصدق.
128 - (س) يعقوب بن عطاء بن أبي رباح: في ترجمته في "ثقات ابن حبان" (1) ما يقتضي ذلك.
ه) من ضُعِّف بأمر آخر سوي التدليس: فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع، إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة (2):
129 - (ق) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: ضعفه الجمهور، ووصفه أحمد والدارقطني وغيرهما بالتدليس.
130 - (ت ق) إسماعيل بن أبي خليفة أبو إسرائيل المُلائي: ضعفوه، وأشار الترمذي إلى أنه كان يدلس.
131 - بشير بن زاذان: روى عن رِشْدين بن سعد وغيره، روى عنه قاسم بن عبد الله السرَّاج. ضعفه الدارقطني، ووصفه ابن الجوزي بالتدليس عن الضعفاء.
132 - (ت) تَلِيد بن سليمان المُحَاربي الكوفي: مشهور بالضعف، قال أحمد والعجلي والدارقطني: يدلس.
133 - [د ت ق] جابر (3) بن يزيد الجُعْفي: ضعَّفه الجمهور، ووصفه الثوري والعجلي وابن سعد بالتدليس.
__________
(1) (7/ 639).
(2) وهم أربعٌ وعشرون نفسًا.
(3) رسمها في الأصل: "حسان"! تحريف.
(15/279)

134 - (ت (1) ق) الحسن بن عُمارة: ضعَّفه الجمهور، وقال ابن حبان: كان بليته التدليس.
135 - الحسين بن عطاء بن يسار المدني: عن أبيه، قال أبو حاتم: منكر الحديث.
وقال ابن الجارود: كذاب. وقال ابن حبان في "الثقات" (2): كان يخطئ ويدلس. وقال في "الضعفاء" (3): لا يجوز أن يحتج به.
136 - (ت ق) خارجة بن مصعب الخراساني: ضعفه الجمهور، وقال ابن معين: كان يدلس عن الكذابين.
137 - (بخ ت ق) سعيد بن المَرْزُبان أبو سعد (4) البقَّال: من أتباع التابعين، ضعيف مشهور بالتدليس، وصفه أحمد وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم.
138 - (4 (5)) صالح بن أبي الأخضر: ذكر رَوْح بن عبادة أنه سئل عن حديثه عن الزهري، فقال: سمعت بعضًا، وقرأت بعضًا. وذكر رَوْح بن عبادة: ووجدت بعضًا، ولست أفصل ذا من ذا.
__________
(1) الأصل: "خت د" والمثبت من المصادر.
(2) (6/ 209).
(3) (1/ 243).
(4) الأصل وبعض نسخ الطبقات: "سعيد"، والتصحيح من المصادر.
(5) الأصل: "د تم" والمثبت من المصادر.
(15/280)

139 - (مد ق) عبد الله بن زياد بن سمعان (1) المدني: ضعفه الجمهور، ووصفه ابن حبان بالتدليس.
140 - (م د ت ق) ابن لهيعة: قال ابن حبان: كان صالحًا، ولكنه كان يدلس عن الضعفاء.
141 - عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام: روى عن هشام بن عروة .. ، روى عنه الفلاس وغيره. ضعفه البخاري والنسائي، وأشار ابن حبان إلى تدليسه.
142 - (ق (2)) عبد الله بن واقد أبو قتادة الحرَّاني: متفق على ضعفه. وصفه أحمد بالتدليس.
143 - (بخ د ت ق) عبد الرحمن بن زياد بن أَنعُم: ذكر ابن حبان في "الضعفاء" (3) [ص 130] أنه كان مدلسًا، وكذا وصفه الدارقطني.
144 - عبد العزيز بن عبد الله بن وهب الكلاعي: ضعيف. قال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا بين السماع.
145 - (ق (4)) عبد الوهاب بن مجاهد بن جَبْر: قال الحاكم: كان يدلس عن شيوخ ما سمع منهم قط. وروى عن الحسن بن محمد بن عبد الله بن أبي يزيد أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما أخذ الكتب.
__________
(1) كتب فوقها بخط أصغر: ظ: سليمان. والصواب ما هو مثبت.
(2) كذا في الأصل، ولم يرمز له في الطبقات بشيء وقد رمز له في"التقريب": "تمييز". فلعله اشتبه على المؤلف بعبد الله بن واقد الحنفي، فهو الذي أخرج له ابن ماجه.
(3) (2/ 50).
(4) سقط الرمز من مطبوعة "الطبقات".
(15/281)

146 - (د س ق) عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي: قال ابن حبان: روى عن قوم ضعاف أشياء فدلسها عنهم.
147 - علي بن غالب المصري: عن واهب بن عبد الله، وعنه: يحيى بن أيوب. ضعفه أحمد وغيره، وقال ابن حبان: كان كثير التدليس.
148 - عَمْرو بن حكّام: قال الحاكم: كان يدلس عمن لم يسمع منه. قال ابن المديني: سمع في شبابه عن شعبة، فلما مات أخذ كتبه.
149 - مالك بن سليمان الهروي قاضي هراة: ضعفه النسائي. ووصفه ابن حبان بالتدليس.
150 - (د ت س) محمد بن كثير الصنعاني: قال العقيلي في ترجمة عمرو الأموي: أحد الضعفاء. روى عن الثوري عن أبي حازم عن سهل حديث: "ازهد في الدنيا" قال: وهذا لا أصل له عن الثوري، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن الثوري، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد.
151 - الهيثم بن عدي الطائي: اتهمه بالكذب البخاري. وتركه النسائي وغيره. وقال أحمد: كان صاحب أخبار وتدليس.
152 - (د ت ق) ويحيى بن أبي حَيَّة الكلبي أبو جَناب: ضعَّفوه. وقال أبو زرعة وأبو نعيم وابن نُمير ويعقوب بن سفيان والدارقطني وغير واحد: كان مدلسًا.
(15/282)

فائدة:
وقال البيهقي في "المعرفة" (1): رُوِّينا عن شعبة قال: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: "ثنا" و"سمعت" حفظته، وإذا قال: "حدث فلان" تركته.
قال: وروينا عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة.
قلت: فهذه قاعدة جيّدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة؛ أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع (2)، ولو كانت معنعنة.
ونظيره: الليث عن أبي الزّبير من جابر.
__________
(1) (1/ 86).
(2) الأصل: "السما" سهو.
(15/283)

الرسالة الحادية عشرة
تنزيه الإمام الشافعى عن مطاعن الكوثري
(15/285)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإني لما وقفت على كتاب (تأنيب الخطيب) للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، ورأيته تعدّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم؛ من توقير الإمام أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه، إلى الطعن في غيره من أئمة الفقه والحديث= جمعتُ كتابًا في ردّ الباطل من مطاعن الكوثري سميته (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل). ثم اقتضبتُ منه نموذجًا سمّيته (طليعة التنكيل)، وقد طُبعت الطليعة بمصر. والآن بدا لي أن أفرد ما يتعلّق برَدِّ مزاعم الكوثري التي حاول بها الغضّ من الإمام الشافعي، وهذا هو.
الإمام الشافعي هو [محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المطَّلبي الشافعي أبو عبد الله] (1).
__________
(1) ترك المصنف بعد قوله: "الشافعي هو" بياضًا، فلعل هناك أوراقًا أراد المؤلف أن يلحقها بهذا الموضع لم تكن قد تحرّرت مادتها، أو ألحقها لكنها لم تبق في موضعها وضاعت ضمن ما ضاع (كما مرّ شرحه في المقدمة)؛ فأكملتُ اسمه وجرّ نسبه من "التنكيل": (رقم 189) وتركتُ باقي بحث المصنف مع الكوثري في محاولة طعنه في نَسَب الإِمام الشافعي، فقد أطال فيه المصنف بما لا مزيد عليه هناك: (1/ 688 - 700).
(15/287)

[الجواب عن مطاعن الكوثري على الإمام الشافعي في اللغة]
[ص 1] قال الأستاذ (1): "وقوله في تفسير الفِهْر في قول عمر: (كأنهم اليهود قد خرجوا من فِهْرهم): البيت المبني بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم ودرسهم مطلقًا، سواء كان في بنيان أو صحراء".
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: لم يذكر ما يثبت التفسير المذكور عن الشافعي.
الثاني: أن الأثر منسوب إلى عليّ كما في "نهاية ابن الأثير" (2) لا إلى عمر، ولفظه في "النهاية": "خرجوا من فهورهم".
الثالث: قوله: "مطلقًا، سواء كان في بنيان (3) أو صحراء". لم أجدها في كتب اللغة ولا الغريب، ولا يلزم من إطلاقهم أن يكون مطلقًا في نفس الأمر. راجع "مفردات الراغب" يتبين لك كثرة الكلمات التي أطلقوها وحقّها أن تقيّد.
الرابع: قول الأثر نفسه: "خرجوا من فهورهم" ظاهر في التقييد.
__________
(1) "تأنيب الخطيب" (ص 49 - ط الكليات الأزهرية). وهذا سادس الكلمات التي ذكرها الكوثري في محاولته الطعن في فصاحة الشافعي، وليس في المخطوط الذي بين أيدينا الجواب عن المواضع الخمسة قبله وهي في "التنكيل": (1/ 701 - 703). فلعلها سقطت من النسخة كما سقط ما يتعلّق بالنسب كما مرّ قريبًا.
(2) (3/ 482).
(3) الأصل: "بناء" سبق قلم، وقد سبق نقل الكلمة على الصواب من نصّ الكوثري في الصفحة السابقة.
(15/288)

الخامس: قد اختلفوا في تفسير الفهر، وفي "القاموس" (1): "مدراس اليهود تجتمع إليه في عيدهم، أو هو يوم يأكلون فيه ويشربون"، فلماذا لا يجعل قول القائل: "البيت المبني بالحجارة الكبار" قولًا آخر - إن صحّ - عمن يُعتدّ به كالشافعي.
السادس: الكلمة نبطية أو عبرانية كما في "النهاية". والغلط في تفسير الكلمة الأعجمية لا ينافي فصاحة العربي، فقد قال قائلهم:
"لم تدر ما نسج اليَرَنْدَج قبلها" (2)
فزعم أن اليَرَنْدَج شيء يُنسج، وإنما هو الجلد الأسود.
وقال الآخر:
"ولم تذق من البقول الفستقا" (3)
فزعم أن الفستق بقلة. ولهذا نظائر معروفة، والله أعلم.
قال الأستاذ: "ووصف الماء بالمالح مع أن الماء لا يوصف به، وفي القرآن: {مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53، فاطر: 12]، [ص 2] وأما المالح فيوصف به نحو السمك".
__________
(1) (ص 589).
(2) صدر بيت عجزه:
* ودراس أعوص دارسٍ متجدّد *
لعمرو بن أحمر الباهلي. انظر "الشعر والشعراء" (1/ 359) و"الجمهرة" (ص 1328). وفي بعض المصادر: "متخدّد".
(3) عجز بيت صدره:
* برّيّة لم تأكل المرقَّقا *
لأبي نُخيلة الراجز. انظر "الشعر والشعراء": (2/ 602)، و"الجمهرة" (ص 1329).
(15/289)

أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أن لا يقال "مالح" لا في الماء ولا في السمك ونحوه. وذكر ابن السِّيد في "الاقتضاب" (ص 116) ذلك، ثم نقضه بعدَّة حُجَج أثبت بها أنه يقال: "سمك مالح" و"شجر مالح"، ثمّ قال: "وحكى عليّ بن حمزة عن بعض اللغويين أنه يقال: ماء ملح، فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال: ولا يقال: ماء مالح؛ لأن الماء هو الملح بعينه. وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس؛ لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك؛ لأنهم قالوا: مَلُح الماءُ وأمْلَح، فأسندوا إليه الفعل كما يُسند إلى الفاعل، ولم يقل أحد: ملح السمك، إنما قالوا: ملَحْتُ السمكَ، إذا جعلتَ فيها الملح". ثم قال: "وأنشد أبو زياد الأعرابي قال: أنشدني أعرابيٌّ فصيح:
صَبَّحن قوًّا والحمامُ واقعُ ... وماءُ قوًّ مالحٌ وناقع (1) "
وفي "اللسان" (2) عن ابن الأعرابي: "ماء أجاج ... وهو الماء المالح". وعن الجوهري: "ولا يقال: مالح، قال أبو الدُّقَيش: ماء مالح ومِلْح". ثم قال: "قال ابن برّي: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء ... وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولو تَفَلت في البحر والبحرُ مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
قال ابن برّي: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد (3) ابن أبي صُفرة .... ".
__________
(1) البيت في "مقاييس اللغة": (5/ 347)، و"اللسان": (2/ 599).
(2) (2/ 599).
(3) كذا في "اللسان" وصوابه: "أبي عيينة بن محمد". انظر التعليق على "التنكيل": (1/ 685).
(15/290)

أقول: والحاصل أن قولهم: "ماء مالح" ثابت عن العرب الفصحاء نصًّا، وثابت قياسًا، لكن أكثر ما يقولون: "ملح"، ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي "مالح" أتى بها الشافعيُّ في كتبه؛ لأنه كان يتحرَّى التقريب إلى فهم الناس كما يأتي عن الربيع (1).
[ص 3] قال الأستاذ: "وقوله: ثوب نسوي لفظة عامية".
أقول: هذا أيضًا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي، ولم أجده في مظانه، ومع ذلك فإن كان نسبةً إلى (النساء) ففي "القاموس" و"شرحه" (2): "قال سيبويه في النسبة إلى نساء: نِسْوي". وإن كان نسبة إلى بلد (نسا) فقد قال ياقوت (3): "والنسبة الصحيحة إليها: نَسائي وقيل: نَسَويّ أيضًا، وكان من الواجب كسر النون". كذا قال، ونسويّ هو القياس كما لا يخفى.
قال الأستاذ: "وقوله: العَفْريت - بالفتح - مما لم يقله أحد".
أقول: ولا قاله الشافعي، ولو قاله لعددناها لغةً لبعض العرب.
قال: "وقوله: أشْلَيت الكلبَ، بمعنى زجرته، خطأ صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره".
أقول: لم يكفِ هذا المعترض الأنْوَك (4) أنْ كذَب على الشافعي حتى كذَب على ثعلب وغيره أيضًا، والموجود في كتب الشافعي استعمال
__________
(1) وانظر: "التنكيل": (1/ 408).
(2) "تاج العروس": (20/ 238).
(3) "معجم البلدان": (5/ 282).
(4) أي: الأحمق.
(15/291)

الإشلاء بمعنى الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته". وصحح غيرُه استعمال "أشليته" بمعنى أغريته وبمعنى دعوته.
أقول: وقد يكون أصله بمعنى الدعاء فيشمل ما إذا دَعَوتَه إليك وكان نائمًا مثلًا، وما إذا دَعَوتَه ليحمل على الصيد، فالأول هو الدعاء والثاني يتضمّن الإغراء والثالث يتضمّن الزجر، والقرينة تبيّن المراد. والذي في كلام الشافعي الإغراء كما في قول الشاعر:
قَصَدْنا أبا عمرو فأشلى كلابَه ... علينا فكِدْنا بين بيتيه نؤكل (1)
قال (2) الأستاذ: "وقوله في (مختصر المزني): وليست الأذنان من الوجه فيغسلان. والصواب: فيغسلا".
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أن النصب في مثل هذا إما ممتنع وإما مرجوح، وفي "الهمع" (2/ 12): "وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قادم فيحدثنا، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدل على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه، وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور .... ".
__________
(1) البيت لزياد الأعجم. انظر "مقاييس اللغة": (3/ 210)، و"الصحاح": (6/ 2395).
(2) من هنا إلى قوله " ... يجزمون بها" كتبه المؤلف في ورقة مفردة لتلحق في مكانها، لكنها ضلَّت طريقها فوضعت في آخر النسخة، وجُلد المخطوط فاستقرت الورقة في المكان الخطأ!
(15/292)

فإن قيل: بأنّ "ليس" فعل. قلتُ: هي فعل جامد فلا دلالة فيها على المصدر، فأما دلالتها على النفي فهي كدلالة حرف النفي، بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء مطلقًا ليس بواجب.
وقال الرضي في "شرح الكافية" (2/ 245): "وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا، كقوله تعالى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36]. وقوله (1):
* ألم تسأل الرَّبْعَ القواء فينطق *
وقوله (2):
* لم تَدْرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ *
جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب .... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى ... ".
ومع هذا فقد جاء إهمال "أن" مضمرة وظاهرة، وعدّ ابنُ هشام (3) من الأوّل قول الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64]، وقوله:
__________
(1) صدر بيت عجزه:
* وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سَلْمق *
انظر "اللسان": (1/ 300)، و"خزانة الأدب": (8/ 527).
(2) عجز بيت صدره:
* فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً *
من قصيدة لمويلك المزموم. انظر "الحماسة": (1/ 439) لأبي تمام.
(3) في "مغني اللبيب": (2/ 839 و1/ 46).
(15/293)

{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم: 24]. ومن الثاني قراءة ابن محيصن: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233].
وفي "الهمع" (2/ 3): "قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون ب "أنْ" وأخواتها الفعلَ، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها".
[ص 4] الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول "المختصر" (1): "اختصرت هذا الكتاب مِنْ عِلْم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ومن معنى قوله؛ لأقرّبه على من أراده". وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتب الشافعي المطبوعة في "الأم" فإذا قابلنا العبارتين وجدناهما مختلفتين. فقول المعترض: "وقوله ... " يعني الشافعي جهل أو مجازفة.
الثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم الزمان يخطئون ويزيدون وينقصون؛ فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقّف على وجودها في النسخة التي بخطه (2).
الرابع: قول المعترض: "يغسلا" لحن عند النحويين، والصواب "تغسلا"؛ لأن الأذن أنثى، وقد قالوا في قول الشاعر (3):
__________
(1) (ص 1).
(2) زاد في التنكيل: "أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها".
(3) هو عامر بن جُوين الطائي. وصدره:
* فلا مزنة ودَقَت وَدْقها *
والبيت في "الكامل" للمبرد: (2/ 841)، وانظر هامشه.
(15/294)

* ولا أرضَ أبْقَلَ إبقالَها *
وقول الآخر (1):
إن السماحة والشجاعة ضُمِّنا ... قبرًا بمرو على الطريق الواضح
إنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، [ص 5] ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ التأويل بعد النص على التأنيث في قوله: "ليست" وكذلك مع التصريح بالتأنيث لا يتّجه الحمل على مذهب الكوفيين من جواز نحو: الشمسُ غَرَب.
فإن زعم أنها كذلك في "مختصر المزني": "فيغسلان" وأن المعترض لم يخف عليه ما ذكرنا لكنه سامَحَ في ذلك لاحتمال أن يكون التصحيف من النسّاخ.
قلنا: فكذلك إثبات النون على فرض أنه لحن.
ثم قال الأستاذ: "ولفظ الشافعي إثبات النون، وحَذْفها من تصرّف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... ".
أقول: قوله: "ولفظ الشافعي" مجازفة كما مرّ. وقوله: "وحذفها من تصرف الطابع" مجازفة من وجهين:
الأول: أن الأستاذ لم يراجع الأصول القَلَمية المطبوع عنها وإلا لصرّح بذلك، وهبه راجعها فقد يكون إسقاط النون من تصرّف ناسخ المسودة ولم
__________
(1) هو زياد الأعجم من قصيدة في رثاء المغيرة بن المهلب. انظر "الأغاني": (15/ 371) و"الشعر والشعراء": (1/ 431).
(15/295)

يتضح ذلك عند المقابلة على الأصول، كما يقع مثل ذلك كثيرًا.
الوجه الثاني: أن الذي في خاتمة طبع "الأم" أن القائم بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصر (1) بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولعل مع هؤلاء غيرهم. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا كله فلم يزل المصححون للكتب - والأستاذ منهم - يصلحون ما يتبيّن لهم أنه خطأ في الإعراب، حملًا على أن ذلك من النسّاخ كما عُرِف من عادتهم حتى في كتاب الله عزَّ وجلَّ.
وجرت عادة المصحّحين في مصر على مثل ذلك الإصلاح بدون تنبيه في الحواشي على ما كان في الأصل أو بعض الأصول، ولو تُتُبَّعتْ [ص 6] الأصولُ القَلَمية التي طُبِعت عنها الكتب التي صَحّحها الأستاذ لوُجِد فيها من ذلك شيء كثير إن لم يوجد فيها ما يثبت المحذور حقًّا.
وأول ما نقله في "التأنيب" عن "تاريخ الخطيب" قوله ص 15: "رأى أبو حنيفة أنس بن مالك ... ". وكلمة "أبو حنيفة" ليست في التاريخ. ونقل ص 37 عبارة عن التاريخ حذف منها كلمة "بن محمد" وزاد كلمة "قال". ونقل ص 38 عن التاريخ عبارة فحذف منها كلمة "مؤمن". وليس مقصودي الاعتراض في هذه الأمثلة على الأستاذ؛ فإن هذه الأمور وأمثالها لا يسلم منها الإنسان، ولعله قد وقع لي أمثالها أو أشدّ منها!
على أنه قد وقع للأستاذ ما يمسّ الأمانة مسًّا واضحًا، ومرّ أمثلة من
__________
(1) في "التنكيل": "نصري".
(15/296)

ذلك في "الطليعة" (1)، ومع ذلك كابر في "الترحيب" (2) مكابرةً مكشوفة، كما ترى ذلك في مواضعه من هذا الكتاب (3).
واغتياظ الأستاذ من السيد الحسيني لطبعه بعض كتب الشافعية يُنبئ عن هوًى مُطْبق وغلوٍّ مفرط.
وقد وقفتُ على "مُنية الألمعي" للعلامة قاسم بن قُطلوبغا الحنفي ومقدمة الأستاذ عليها، وتصفّحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي، ومع ذلك أصلحها أحباب الكوثري في الطبع بدون تنبيه، فاعتذر الأستاذ في المقدمة بقوله: "وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفَطِن بنفسه لظهور أنها من قبيل سَبْق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب مِن فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفًا على أحد".
فترى الأستاذ يناقش طابع كتاب الشافعي في حرف واحد، ويعدّ فعله خيانة، أما تصرّف أحباب الكوثري الكثير ... (4) في كتاب الزيلعي بدون تنبيه فيعدّه من فضل الله عليهم. ولا ريب أن الأستاذ يرى فضل الله عزَّ وجلَّ عليه أعظم من فضله على أولئك المتقدمين بدرجات كثيرة، فكم نراه يتصرّف في الكتب التي يطبعها مستندًا إلى أن ذلك من فضل الله عزَّ وجلَّ عليه!
__________
(1) انظر (ص 5 - وما بعدها).
(2) (ص 318 وما بعدها - مع التأنيب).
(3) يعني "التنكيل" وذلك باعتبار هذه الرسالة كانت جزءًا من التنكيل ثم أفردها المؤلف.
(4) كلمة غير واضحة.
(15/297)

قال الأستاذ (1): "وقوله: الواو للترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان، بل الأولى للجمع مطلقًا، والثانية للإلصاق".
أقول: هذه مجازفة قبيحة، أما في الواو فمن وجهين:
الأول: زعم أن الشافعي قال: "الواو للترتيب" ولم يقل الشافعيُّ هذا قطّ ولا ما يؤدّي معناه. فأما إيجابه ترتيب الوضوء فهذه عبارته كما في "الأم" (2): "قال الله عزَّ وجلَّ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] قال: وتوضأ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كما أمره الله عزَّ وجلَّ، وبدأ بما بدأ الله تعالى به، قال: فأشبه - والله تعالى أعلم - أن يكون على المتوضئ شيئان: أن يبدأ بما بدأ الله ثم رسوله عليه الصلاة والسلام منه ... فمن بدأ بيده قبل وجهه [ص 7] ... كان عليه عندي أن يعيد ... وإنما قلت: يعيد، كما قلتُ وقال غيري في قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، فبدأ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله به" (3). ولم أعلم خلافًا أنه لو بدأ بالمروة ألغى طوافًا حتى يكون بدؤه بالصفا. وكما قلنا في الجمار: إن بدأ بالآخرة قبل الأولى أعاد حتى تكون بعدها، وإن بدأ بالطواف بالصفا والمروة قبل الطواف بالبيت أعاد، فكان الوضوء في هذا المعنى أوكد من بعضه عندي، والله أعلم".
__________
(1) (ص 50).
(2) (2/ 65).
(3) أخرجه مسلم (1218) بلفظ: "أبدأ بما ... ".
(15/298)

فلم يزعم الشافعي أن الواو للترتيب ولكنه نظر إلى قاعدة التقديم والتأخير وإلى البيان الفعلي من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مع ... (1) ظنية على ذلك، فقد تقرّر في علوم البلاغة أن تقديم ما لا يقتضي التركيب تقديمه يحتاج في الكلام البليغ إلى نكتة، والقرآن أبلغ الكلام، فتقديمه في آية الوضوء الوجهَ على ما عداه، واليدين على الباقي، والرأسَ على الرجلين لا بدّ له من نكتة.
ويرى الشافعي أنه إذا كان المجموع عبادة واحدة فأظهر النُّكت هي أنه ينبغي الترتيب كذلك، واحتج على هذا بحديث: "نبدأ بما بدأ الله به" ودلالته على ذلك ظاهرة، وعلى هذا فهذه هي النكتة الظاهرة في مثل هذا فلا يُعدَل عنها إلا بدليل.
الوجه الثاني: زَعْم المعترض أنه لا يعرف أحدٌ من أئمة اللسان أنَّ الواوَ للترتيب فيه مجازفة؛ فقد نُقِل القولُ بأنها للترتيب عن قُطْرب والربعي والفرّاء وثعلب وأبى عمر الزاهد (2) وهشام. ذكر ذلك ابنُ هشام في "المغني" (3) وذكر معهم الشافعي، فردّه الأمير بقوله "لا يكفي في [ص 8] هذه النسبة مجرّد قوله بالترتيب في الوضوء لأن له دليلًا آخر".
وأقول: يمتنع أن يخفى على الأئمة المذكورين ما جاء في الكلام البليغ وفي كلام الفصحاء مما يبطل أن تكون الواو للترتيب بمنزلة (الفاء وثم)، فيظهر أنهم إنما أرادوا أن الظاهر معها في الكلام البليغ هو الترتيب، ومرجع
__________
(1) كلمة غير محررة في الأصل.
(2) تحرف في "التنكيل" إلى "الزاهي".
(3) (ص 464 - دار الفكر).
(15/299)

ذلك في التحقيق إلى قاعدة التقديم والتأخير كما مرّ إيضاحه، وعلى هذا فلا قائل بأنها للترتيب، ولا مُنكر من أئمة اللغة لقاعدة التقديم والتأخير. وبهذا يرتفع الخلاف البتة، والله الموفق.
وأما الباء فمن وجهين أيضًا:
الأول: زعم أن الشافعي قال: "الباء للتبعيض" ولم يقل الشافعي هذا، وهذه عبارته في "الأم" (1/ 22) (1): " ... كان معقولًا في الآية أن مَن مسح مِن رأسه شيئًا فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا، وهذا أظهر معانيها، أو مسح الرأس كله، ودلّت السنةُ على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... ".
وهذا قد يأتي على كون الباء للإلصاق، فقد مثّل له أهلُ العربية بقولهم: "أمسكت بزيد". ولا يخفى أن معناه إلصاق اليد ببعض بدنه.
لكن انظر إلى ما زعَمَه بعض الحنفية: أن التقدير "وامسحوا أيديكم برؤوسكم"، ففيه نظر من جهات: منها أن تقدير "أيديكم" لا حجة عليه، فلماذا لا يكون المقدَّر عامًّا، فيصدق بمسح أيِّ شيء كان بالرأس، ومن ذلك طرف الإصبع، وبذلك يتحقَّق قول الشافعي.
ومنها: أن الباء في "مسحت ذا بكذا" باء الآلة كما لا يخفى، وهي تعطي أن الآلة غير مقصودة لذاتها وإنما المقصود غيرها، وذلك كقولك: مسحتُ يدي بالمنديل، [ص 9] فيلزم من ذلك أن يكون المقصود فيما لو كان التقدير: "وامسحوا أيديكم برؤوسكم"، هو تنشيف الأيدي؛ فعلى هذا يكون تنشيفها
__________
(1) (2/ 56).
(15/300)

بعد غسلها فرضًا. غايةُ الأمر أن النصّ على الآلة الخاصة وهي الرأس يدلّ على تعيّنها فيدل أنها مقصودة أيضًا، وهذا لا ينفعهم؛ لأن الفرض حينئذٍ يكون هو تنشيف اليد بالرأس، فلا بد من تحقق ما يحصل به تنشيف اليد بالرأس. ثم إذا أمكن تنشيفها بقدر إصبع من الرأس كفى، كما لو نشّف يده بقَدْر إصبع من المنديل، بأن يمرّ بعض اليد على ذاك القدر ثم بعض آخر وهكذا.
وقد اضطرب الحنفيةُ في تطبيق مذهبهم على الآية اضطرابًا شديدًا راجع "روح المعاني" (2/ 257 - 258).
الوجه الثاني: قول المعترض: إن القول بأن الباء قد تجيء للتبعيض لا يعرفه أحدٌ من أئمة العربية؛ مردود فقد قال ابن هشام في "المغني" (1): "أثبت ذلك الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك، قيل: والكوفيون".
فتدبّر ما تقدّم ثمّ فكِّر في سير هؤلاء القوم في الطعن في فصاحة الشافعي تجده من جهةٍ أحثّ سير وأنصبه وأتعبه، ومن جهةٍ أخرى كالإنسان الذي يقف في مكان لا يجاوزه ولكن يرفع رجليه ويضعهما كهيئة الماشي بأقصى ما يمكنه من السرعة، فينصب نفسَه (2) أشدّ النصب وهو لم يقطع من الأرض مقدار أصبع واحد!
وقدِّر ما يصيب هذا (3) الخائب من الحسرة إذا كان يتوهَّم أنه يسير ويقطع الأرض ينضو إلى مطلوبه، ثمّ لمّا بلغ به الإعياء كلّ مبلغ وخارت
__________
(1) (ص 142).
(2) تكررت في الأصل.
(3) هذه الكلمات الثلاث غير محررة في الأصل، وهذا ما استظهرته.
(15/301)

قواه وسقط على الأرض سُئل عن حاله وتبيّن له أنه لم يقطع من الأرض مقدار أصبع!! ثم انظر ألا يكون هذا أوضح حجة على فصاحة الشافعي؟
والعلماء يعرفون أن في لغة العرب اتساعًا تضيق عنه قواعد النحو أو تكاد، حتى إن في القرآن مواضع يصعب تطبيقها على تلك القواعد، كقوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النساء: 162]، وقوله: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63]، وقوله: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ} [الزخرف: 88]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [المائدة: 69]، وقوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ} [البقرة: 177] وغير هذا، حتى ألَّف بعض أهل العلم في مشكل إعراب القرآن خاصة. ولولا العلم اليقيني بأنه يستحيل أن يكون في القرآن لحن لَجَزم كثير من المتقيّدين بقواعد النّحاة بأن كثيرًا من تلك المواضع لحن.
بل قد روي عن بعض المتقدمين أنه زعم أن الكاتب أخطأ! وأُجيب عن ذلك بما هو معروف (1). ومما يُجاب به عن ذلك: أن القائل بأنه خطأ غَفَل عن تقدير معنويّ يصحّ به ذلك اللفظ، أو جَهِل لغة قبيلة من العرب غير قبيلته، ثم ظن أن القائل له: "هي في المصحف كذا" إنما عني مصحفًا خاصًّا لا المصحف الإمام، أو لم يكن قد بلغه العناية التي قِيمَ بها في المصحف الإمام. ولا مانع أن يخفى التواتر عن رجل، كما يقال: إنه خفي على ابن مسعود في شأن المعوّذتين (2).
__________
(1) انظر "جامع البيان": (7/ 684 و17/ 240) للطبري.
(2) أخرجه البخاري (4977)، وأحمد (21181 و21186).
(15/302)

والمقصود هنا أن في القرآن مواضع كثيرة تشكل فصاحتها على كثير من الناس، فما الظنّ بعربيّ فصيح نُقِل عنه كلام كثير جدًّا؟! فإذا تدبّرت هذا ثم تدبّرت ما تقدّم وأنعمتَ النظر اتضح لك حالُ الشافعي في فصاحته.
ثم اسمع الآن بعض الثناء عليه بالفصاحة، فمما ذكره الحافظ ابن حجر في "توالي التأسيس" (1) - ومن عادته أن لا يجزم إلا بما كان ثابتًا -: "قال زكريّا الساجي: حدثنا جعفر بن أحمد قال: قال أحمد بن حنبل: كلام الشافعي في اللغة حُجّة".
"قال داود بن عليّ إمام أهل الظاهر في "مناقب الشافعي" له: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهمًا ... " (2).
[ص10] "وقال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام (صاحب السيرة وهو من أهل العلم بالعربية): الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم: وحُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضًا: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان. قال: وكتب إليَّ عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت
__________
(1) كذا أثبت المؤلف اسم الكتاب كما هو في طبعته الأولى، وصواب اسمه "توالي التأنيس" بالنون كما نص عليه تلميذه السخاوي في "الجواهر والدرر": (2/ 682). والنص فيه (ص 85 - ط. دار الكتب).
(2) انظر "توالي التأنيس" (ص 90).
(15/303)

جعفر بن محمد الخوارزمي يحدَّث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأتُ شِعر الشَّنْفَرى على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: قلنا لعمّي: على مَن قرأت شعرَ هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس" (1).
"وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أوضح شأنًا، ولا أبين بيانًا، ولا أفصح لسانًا من الشافعي، مع قرابته من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم" (2).
"وقال الحاكم: سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أُخِذَت على الشافعي، مثل قوله: "ماء مالح". ومثل قول: "انبغى أن يكون كذا وكذا"؟ فقال لي: كلام الشافعي صحيح. وقد سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه" (3).
"وقال الآبري: أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي: سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارًا: لو رأيتَ الشافعيّ وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولو أنه ألَّف هذه الكتب على عربيّته التي كان يتكلّم بها معنا في المناظرة لم يُقْدَر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضّح للعوام" (4).
__________
(1) هذه الأخبار في "توالي التأنيس" (ص 96 - 97).
(2) المصدر السابق (ص 101).
(3) المصدر السابق (ص 103).
(4) المصدر السابق (ص 151).
(15/304)

[ص11] فصل [زَعْم الكوثري: تتلمذ الشافعي على محمد بن الحسن]
يحاول الأستاذ أن يثبت أن الشافعي تلميذ محمد بن الحسن، ولا أرى حاجة إلى الكلام معه في كلِّ عبارة، ولكني ألخص هذا البحث فأقول:
ثبت بالروايات الجيّدة أن الشافعي شرع في طلب العلم وسِنّه نحو عشر سنين، وذلك نحو سنة 160، فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج مرة أو أكثر إلى اليمن، وأقام بالبادية مدّة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة مَن كان على طريقة أهل العراق كسعيد بن سالم القدّاح. وكان الشافعيّ يبحث مع مَن يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي "توالي التأسيس" (ص 58) (1): "قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حجّ بشر المريسي [الحنفي] سنة إلى مكة، ثم قدِم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا ولا مجيبًا - يعني الشافعي -. قال: فقدِم الشافعيُّ علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس، فجئت إلى بِشر فسألته فقال: إنه قد تغيّر عما كان عليه ... ".
وفيها (ص 56) (2) "وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنّا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين، فدرسته في ليلتين، ثم تقدّمت إلى حَلْقة بشرٍ فناظرته فيه فقطعته، فقال: ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا".
__________
(1) (ص 91).
(2) (ص 81).
(15/305)

فواضح أن اجتماع بشر بالشافعي كان قبل ورود الشافعي بغداد لأول مرة وإلا لِمَ احتاج إلى أن يقول "بالحجاز رجلًا" أو "كلام رجل رأيته بمكة" بل كان يسميه لأنهم قد عرفوه.
والمقصود أن الشافعي بقي نحو عشرين سنة في طلب العلم وكتابته والمناظرة فيه بمكة والمدينة وما [ص 12] حولهما، ثم تولى بعض الولايات باليمن وكان يقضي ويفتي. وفي "توالي التأسيس" (ص 78) (1): "قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إدريس ورّاق الحميدي، حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي: .... ثم وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف .... وتظلّم عندي ناس كثير، فجمعتهم وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون مَن عدّلوه عدلًا ومَن جرّحوه مجروحًا، ففعلوا .... حتى أتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم وأسجّل .... حتى حُمِلت إلى العراق، وكان محمد بن الحسن جيّد المنزلة عند الخليفة، فاختلفتُ إليه، وقلت: هو أولى من جهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه، وعرفتُ أقاويلهم، وكان إذا قام ناظرتُ أصحابَه، فقال لي: بلغني أنك تُناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعتُ، فألحّ عليّ، فتكلّمت معه، فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني".
وقد ذكر الأستاذ طرفًا من هذه الحكاية ص 184 وثبّتها ثم حمّلها ما لا تطيقه، فمِن جملة ما قاله: "وبها يعلم أيضًا أن محمد بن الحسن بعد أن درّب الشافعي على الأخذ والردّ هكذا رفع حديثه إلى الرشيد". ولا أثر للتدريب في هذه الرواية ولا غيرها، وإنما حقيقة الأمر أن الشافعي جالس محمد بن
__________
(1) (ص 127 - 128).
(15/306)

الحسن ليأخذ عنه كتب أهل الرأي سماعًا ليعرف أقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران:
الأول: مغزى كلّ عالم متديّن، وهو أن يعرف أقوالهم وما يحتجّون به، حتى إذا بان له في بعض المسائل حجةٌ لم يكن قد وقف عليها أو خللٌ في حجة كان من قبل يحتجّ بها أخذ بذلك. وهذا لا يستأنف عنه المجتهد المتديّن، فإن غالب حجج الفقه ظنّيات لا يأمن المجتهد أن يكون [ص 13] أخطأ في كثير مما قد قاله وأن يكون عند غيره ما ليس عنده.
المغزى الثاني: ما صرّح به في بعض الروايات أنه أراد أن يعرف أقاويلهم وما يحتجون به، ليتمكّن من الردّ عليهم فيما يراه خطأً ومناظرتهم فيه؛ فإن عِماد المناظرة أن يحتجّ على المخالف بأقواله فيبين له تناقضه. وهذا النوع لا تكاد تخلو عنه مناظرة من مناظرات الشافعي معهم، ولو لم يعرف أقاويلهم ما أمكنه ذلك. فلا نزاع أن الشافعي سمع تلك الكتب من محمد، والشافعيُّ باقٍ على مذهبه لم يقلّد محمدًا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمَّد إذا قام ناظر الشافعيُّ أصحابَ محمد، يقرّر الشافعيُّ مذهبه؛ ليبيّن لأصحاب محمد أنه الصواب.
وتأبّيه من مناظرة محمد أوّلًا من كمال عقله ووفور أدبه؛ لأنه كان هو المحتاج إلى سماع تلك الكتب من محمد، ويخاف أن يتكدّر محمدٌ فيتعسّر على الشافعي في تلك الكتب.
وفي "توالي التأسيس" (ص 55) (1) من طريق الربيع قال: "قال لي
__________
(1) (ص 78 - 79).
(15/307)

الشافعي: سالت محمد بن الحسن كتابًا فدافعني به، فكتبت إليه:
قل لمن (1) لم ترعي ... نا مَن رآه مثلَه
ومَن كأنّ مَن رآ ... ه قد رأى مَن قبله
العلمُ ينهى أهلَه ... أن يمنعوه أهلَه
لعلّه يبذله ... لأهله لعلّه
قال: فحمل محمدٌ الكتابَ في كُمّه وجاءني به معتذرًا من حينه".
[ص 14] وقول الأستاذ: "رفع حديثه إلى الرشيد" بناه على أن كلمة "رفع" في الحكاية مبنيّة للفاعل، والذي تدلّ عليه الروايات الأخرى أنها مبنيّة للمفعول وأن الرافع غير محمد.
ومما بناه الأستاذ على تلك الحكاية قوله: "فبهذه الرواية يعلم أن ما في "الأم" من محادثات للشافعي مع بعض الناس في مسائل ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض أصحابه، على خلاف ما توهّمه بعضهم".
أقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمّي مَن ناظره؛ لأن المقصود إنما هو تقرير الحقّ ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسميةُ المناظر يُتوهّم فيها حظّ النفس، كأنه يقول: ناظرتُ فلانًا المشهورَ فقطعته. وفيها غضٌّ ما مِن المناظر فيما يبينه من خطائه واحتجاجه بما ليس بحجة.
والواقع أن المناظرات التي في "الأم" منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته، وربما صرّح الشافعي
__________
(1) كتب المؤلف بعدها علامة استفهام بين هلالين (؟)، ولعله استشكل وزن البيت.
(15/308)

باسم محمد بن الحسن لفائدة. فقد صرّح الشافعي باسم محمد بن الحسن وأن المناظرة كانت معه في مواضع من كتابه "الرد على محمد بن الحسن" كما تراه في "الأم" (ج 7 ص 278 سطر 1 وص 283 سطر 24 وص 301 سطر 15) (1). وذلك أنّ الكتاب معنون ب "الردّ على محمد بن الحسن" فربما رأى الشافعيّ أن الحاجة تدعو إلى التصريح بأن المناظرة معه توكيدًا للحجة؛ لئلا يقول قائل: إنما تردّ عليه بعد موته، فلعلّه لو كان حيًّا لعرفَ كيف يجيب.
[ص 15] وربما بدأ الشافعيّ المناظرةَ مع غير مسمّى ثم احتاج في أثنائها فسمّى محمد بن الحسن، كما تراه في "الأم" (ج 3 ص 106) (2) ساق المناظرة مِن غير مسمّى ثم قال في آخر الصفحة: "وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب .... " صرّح به هنا ليتصل إسنادُ ذاك الخبر بالرجال المعروفين، ثم ذكره بعد ذلك في أثناء المناظرة (ص 107 سطر 16) (3)؛ لأنه قد عُرِف سابقًا فلم يبق معنًى لإبهامه، وانظر (ج 7 ص 82). وربما لم يسمّه ولكن يكني عنه بما يظهر أنه محمد بن الحسن كما في (ج 1 ص231 وج 4 ص 5 وج 7 ص 79) (4). وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في (ج 1 ص 56
__________
(1) (9/ 86 و92 و96 و106 - 109).
(2) (4/ 252).
(3) (4/ 253).
(4) هذه المواضع وما بعدها يصعب تحديد الصفحة (من الطبعة الجديدة)؛ لأن المؤلف لم ينقل نصًّا معينًا يمكن البحث عنه.
(15/309)

وج 3 ص 189 وج 4 ص 17 وج 5 ص 119).
هذا ومناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في الشاهد واليمين معروفة في تلك الرواية وغيرها، ومع ذلك ذكر الشافعي في "الأم" (1) المناظرةَ في هذه المسألة ولم يصرّح باسم محمد بن الحسن.
فالتحقيق أن المناظرات التي في "الأم" منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع غيره، فمنها ما يُعرف أنه مع محمد كما مرّ، ومنها ما يعرف أنه مع غيره كما في (ج 3 ص 195 وص 275) (2)، ومنها ما هو على الاحتمال.
ولا يلزم من تمنّع الشافعي أوّلًا من مناظرة محمد ألا يكون ناظره بعد ذلك مرارًا، فإن محمدًا اغتبط بمناظرةِ الشافعيِّ، وعرفَ الشافعيُّ إنصافَ محمد فكثرت المباحثةُ بينهما.
وفي "توالي التأسيس" (ص 71) (3) من طريق "أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبًا، فنظر فرأى الشافعي قد جاء، فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: اذهب فاعتذر، فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا [ص 16]، قال: لا، وأخذ بيده فدخلا الدار. قال أبو حسان: وما رأيت محمدًا يعظم أحدًا إعظام الشافعي".
__________
(1) (8/ 15 وما بعدها).
(2) انظر الحاشية رقم (4) ص 309.
(3) (ص 132).
(15/310)

ومن تدبّر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدًا، وأن محمدًا كان مع مكانته من العلم والسنّ والمنزلة من الدولة وكثرة الأتْباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر وإن لم يرجع في كثير من ذلك أو أكثره عن قوله.
وكان الشافعي على وفور أدبه وحُسْن معاشرته لمحمد وغيره لا يقصّر في إظهار حجته؛ ومن اللطائف في ذلك ما تراه في "الأم" (ج 6 ص 160) (1) ذكر الشافعيُّ مناظرته مع بعض الناس إلى أن قال: "وكانت حجته في أن لا تُقتل المرأةُ على الردّة = شيئًا رواه عن عاصم عن أبي رزين
__________
(1) (7/ 417). وقال في "التنكيل": (1/ 720): "ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة: أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب "اختلاف الحديث" بابًا تراه في هامش "الأم" (ج 7/ ص 105 - 125) في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع مَن لم يسمّه، لكن يتبين بالسياق أنها مع محمد بن الحسن إلى أن قال (ص 115): "وقلت له: ما علمتكم اتبعتم في الماء سنةً ولا إجماعًا ولا قياسًا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال ما قُلْتُم لكان قد أحسن التخاطؤ"! ثم ذكر الأحاديث وسأله: أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال (ص 116): "فقلت له: لقد خالفتها كلها وقلت قولًا اخترعته مخالفًا للأخبار خارجًا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القَدْرَ ... قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب أقصاه" فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال (ص 120): "قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا: القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ"، ثم ساق إلى أن قال: (ص 121 - 122): "فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع .... ".
(15/311)

عن ابن عباس رضي الله عنهما في المرأة ترتدّ عن الإِسلام: تُحبَس ولا تُقتل.
وكلّمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث، فما علمتُ واحدًا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يُثبت أهلُ العلم حديثَه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شكّ في علمهم بحديثك، وقد روى بعضهم عن أبي بكر أنه قتل نِسوة ارتددن عن الإِسلام فكيف لم تصرْ إليه؟ قال: إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... ".
فكأنّ الشافعي كان متوقعًا البحث في ذاك المجلس في حكم المرتدّة، وعَلِم أن مناظره سيحتجّ بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعيّ أن يقول هو في أبي حنيفة ما يسوء القوم، فأحضر الشافعيُّ معه مَن لا نزاع في معرفتهم بالحديث ورُواته؛ حتى إذا جاء ذاك الحديث سألهم ليكون الغضُّ [ص 17] من أبي حنيفة منهم، فتقوم حجةُ الشافعي، ويسلم بما يتوقّاه من سوء العشرة.
وأعجب من هذا أن الشافعي حاول الجري على هذه الطريقة بعد أن فارق القومَ ومضت على ذلك مدة، فأثبت الحكايةَ في كتابه على ما مرّ لم يعرض فيها تسمية أبي حنيفة، بل حاول أن يعمِّيه حتى كأنه لا شأن له بذلك الحديث ولا بكلام أولئك الذين حضروا من أهل المعرفة بالحديث.
وقد ذكر البيهقي في "السنن" (8/ 203) حكاية الشافعي، فقال صاحبُ "الجوهر النقي": "أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلّم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء، وقال ابن سعد: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه.
(15/312)

فإن ضعّفوا هذا الأثرَ لأجله فالأمر فيه قريب فقد وثّقه جماعةٌ، خرّج له في "الصحيحين" مقرونًا بغيره، وخرّج له الحاكم في "المستدرك" وابن حبان في "صحيحه". وإن ضعّف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلّم فيه بعضُهم فقد وثّقه كثيرون وأخرج له ابن حبان في صحيحه ... " (1).
ولا يشك عالمٌ أن قول الجماعة: "الذي روى هذا ليس ممن يُثبتُ أهلُ العلمِ حديثَه" لا يصلح أن يُراد به عاصم، فإن حال عاصم عندهم أعلى من ذلك، وقد قال أحمد وأبو زُرعة: "ثقة"، فأما أبو حنيفة فالكلام في روايته وخاصة لهذا الحديث معروف، ومنزلته عند ابن حبان تُعرف مما قاله في "الضعفاء" (2). وقد نقل الأستاذ بعضه كما يأتي في ترجمة محمد بن حبان (3).
ومع هذه المجاملة الشريفة من الشافعي وأنه قائل تلك الكلمة التي يبالغ بعض الناس فيقول: تكاد تكون هي رأس مال الحنفية: "الناسُ عيال في الفقه على أبي حنيفة"، وعَرْضه أقوال أهل الرأي مع أقوال فقهاء أهل الحديث جنبًا لجنب وكانت قبله مهجورة، حتى إن ابن المبارك ذكر شيئًا (4) في كتبه فلم يزل به الناس حتى جاء عنه أنه قال في أواخر عمره: "لأن عشت لأخرجنّ أبا حنيفة من كتبي" (5). وحتى تذاكر أهلُ العلم في مسألةٍ فقال
__________
(1) وقد أطال المؤلف في "التنكيل": (1/ 734) في نقد ابن التركماني.
(2) "الضعفاء والمجروحون": (3/ 61 - 73).
(3) من "التنكيل": (1/ 745)، وانظر"التأنيب" (ص 145).
(4) غير محررة في الأصل ولعلها ما أثبت.
(5) "تاريخ بغداد": (13/ 443).
(15/313)

أبو عبيد: "قال أبو حنيفة"، فأنكر عليه الأسود بن سالم أشدّ الإنكار، كما ترى في ترجمة الأسود (1).
أقول: إنه مع هذا كان جزاء الشافعي في ذلك كله من الأستاذ ما ترى بعضه في هذه الترجمة، حتى إنه حاول الطعن في نَسَبِه المجمع عليه؟!
وحَسْبكمُ هذا التفاوتُ بيننا ... وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ (2)
دع كثرة المؤلفين في مناقب أبي حنيفة من الشافعية! فأما الخطيب فإنما سرد أقوال الناس [ص 18] في الغضِّ كما ساق ما روي في المناقب، وذاك واجبه من جهة أنه مؤرّخ ومحدّث، ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب، بل منهم مَن عارضه، ومنهم من ردّ عليه كما حكاه الأستاذ. ولما تعرّض للردّ عليه الملك عيسى ومأجوره ابن قُزْغلي - وفي ردّهما ما فيه من التهافت - لم يعرض لهما أحدٌ من الشافعية بل استمروا على مجاملتهم التي قد تبلغ في بعضهم أن تكون إدهانًا واضحًا!
وكذلك لما أشيع ذلك الكتيب المجهولُ مؤلِّفُه "كتاب التعليم" - وفيه ما فيه من الطعن في الشافعي وغيره - مرّ به الشافعيةُ مرور الكرام، وأقصى ما كان منهم أنْ ذَكَر بعضُهم أن مؤلفه مجهول.
وكأنّ الأستاذ اغترّ بتلك المجاملة والإدهان فظنّها استكانة لا حَراك بعدها؛ فجاء بما جاء به, ولم يدر أن للصبر حدًّا، وأن للحق أنصارًا، وأن وراء الأكمة رجالًا!
__________
(1) من "التنكيل" رقم (54).
(2) البيت للحيص بيص في "ديوانه": (3/ 404) ضمن أبيات.
(15/314)

وعلى كلِّ حال فلسنا نطالب الأستاذ ولا غيره بالتغاضي عن عيبٍ للشافعيِّ إن وجدوه، ولا على أن يذكروا ما فيه شُبهة ونظر، وإنما نلوم على الاختلاق ومحاولة تقوية ما لا شكّ في أنه اختلاق، والله الهادي.

فصل
قال الأستاذ ص 187: "وكان (الحسن بن زياد) يأبى الخوض في القياس في مورد النص، كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة".
أقول: الحكاية في ترجمة الحسن من "لسان الميزان" (1). وعُذْر الأستاذ بارد، فقد كان يمكن الحسنَ أن يجيب بما عنده من النص ويقول: "لا قياس مع النص". والحقّ أن الحسن أعْرَف من الأستاذ بالمناظرة؛ فرأى أنه إذا أجاب بما ذُكِر وَرَدَ عليه ما لا قِبَل له به، فعمل بقولهم: إن الفرار بقراب أكْيَس (2).
وقد ذكر الحنفية أن أبا يوسف كان يتبرّم بمناظرة الحسن بن زياد، فقال أبو يوسف يومًا لأصحابه: إذا جاء الحسن فابدأوه بالسؤال، فجاء الحسن فقال: السلام عليكم، ما تقول يا أبا يوسف في كذا؟ وذَكَر مسألةً.
فهذا يدلّ أن الحسن كان ضعيف الاستحضار، ولكنه كان يتحفّظ في بيته بعض المسائل ويراجع وينظر، ويستكثر من الأسئلة والمعارضات،
__________
(1) (3/ 48 - 49).
(2) انظر "الصحاح": (1/ 200)، و"تاج العروس": (2/ 310). و"بقراب" ضُبطت بضم القاف وكسرها. والمعنى: أن نفرّ ونحن بقربٍ من السلامة أكيس من أن نتورط بثباتنا.
(15/315)

وعلِم أبو يوسف هذا فأحبّ أن يسألوا الحسنَ عن مسألة لم يكن قد استعدّ لها فيضعف الحسن، فخاف الحسن من ذلك فبَدَرَهم.

[ص 19] فصل
قال الأستاذ ص 165: "ومن الغريب أنه إذا روى ألف راو عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا، تعدّ هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه".
أقول: قد كان على الأستاذ أن يذكر ثلاث روايات أو روايتين على الأقل ويقابل بينها وبين الروايات في حقّ أبي حنيفة. والكلمة المذكورة "ليس بثقة" تُذْكَر عن محمد بن وضّاح الأندلسي عن ابن معين. قال ابن عبد البر في كتاب العلم (1) كما في "مختصره" ص 201: "ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضًا قوله في الشافعي: إنه ليس بثقة، وقيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين يتكلّم في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعيَّ؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف (2) ما يقول الشافعي - أو نحو هذا - ومن جَهِل شيئًا عاداه!
قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حُكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمّم فلم يعرفها. ولقد أحسن أكثم بن صيفي في قوله: ويل لعالمِ أمرٍ مِن
__________
(1) "جامع بيان العلم": (2/ 1114 - 1115).
(2) كتب المؤلف: "ولا يقول (؟ ولا يعرف) " إشارة إلى وقوع خطأ في المختصر، وهو على الصواب في الأصل كما أصلحه المؤلف.
(15/316)

جاهله، مَن جَهِل شيئًا عاداه، ومن أحبَّ شيئًا استعبده.
وعن أحمد بن زهير قال: سئل يحيى بن معين وأنا حاضر عن رجل خَيَّر امرأته فاختارت نفسها، فقال: سل عن هذا أهلَ العلم.
وقد كان عبد الله الأمير بن عبد الرحمن بن محمد الناصر يقول: إن ابن وضّاح كَذَب على ابن معين في حكاية عنه أنه سأله عن الشافعي فقال: "ليس بثقة". وزعم عبد الله أنه رأى أصل ابن وضّاح الذي كتبه بالمشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي؟ فقال: هو ثقة. قال: وكان ابن وضَّاح يقول: ليس بثقة [ص20] فكان عبد الله الأمير يحمل على ابن وضّاح في ذلك. وكان خالد بن سعد يقول: إنما سأله ابنُ وضّاح عن إبراهيم بن محمد الشافعي، ولم يسأله عن محمد بن إدريس الشافعي الفقيه.
وهذا كلُّه عندي تخرُّص وتكلُّم على الهوى، وقد صحّ عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدّمتُ لك حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك قط مثل الشافعي" (1).
وفي "تهذيب التهذيب" (2): "قال ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم": كان الأمير عبد الله بن الناصر يقول: رأيتُ أصلَ محمد بن وضّاح الذي كتبه بالمشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: ثقة. وقال الحاكم: تتبّعنا التواريخ وسواد الحكايات عن يحيى بن معين فلم نجد في رواية واحد منهم طعنًا على الشافعيّ، ولعل من حكى عنه غير ذلك قليل
__________
(1) هنا ينتهي كلام ابن عبد البر. وفي (ط) زيادة: "ونبَّهه على موضعه من العلم" بعد قوله: "نهاه أحمد بن حنبل".
(2) (9/ 31).
(15/317)

المبالاة بالوضع على يحيى والله أعلم".
وفي ترجمة محمد بن وضّاح من "لسان الميزان" (1): "وقال ابن عبد البر: كان الأمير عبد الله ... قال عبد الله: قد رأيتُ أصلَ ابن وضّاح الذي كتبه بالمشرق، وفيه: سألتُ يحيى بن معين عن الشافعي؟ فقال: دَعْنا، لو كان الكذب حلالًا لمنعَتْه مروءتُه أن يكذب".
وفي الترجمة قبل ذلك: "قال ابن الفَرَضي .... وكان (ابن وضّاح) عالمًا بالحديث زاهدًا عابدًا، وكان أحمد بن خالد لا يقدّم أحدًا عليه، وكان يعظّمه جدًّا ويصف فضله وورعه، غير أنه كان يكثر الردّ للحديث فيقول: ليس هذا "من كلام النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم"، وهو ثابت من كلامه، وله خطأ كثير يُحْفَظ عنه، وأشياء كان [ص 21] يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه ولا بالعربية".
أقول: فحاشا ابن وضّاح أن يُتَّهم بالكذب، فأما أن يخطئ ويغلط فمحتمل، إذ قد وُصف بذلك كما رأيت. ويُستدل على خطائه هنا بأمور:
الأول: ما تقدّم أنه رُئي في أصله، والأصل أولى بالصحة من الحفظ، ولا سيَّما إذا كان الراوي معروفًا بالخطأ والغلط.
الثاني: تفرّده بهذه الكلمة عن ابن معين مع كثرة أصحاب ابن معين الملازمين له، الذين هم أحرص على سؤال ابن معين ونَقْل كلامه من ابن وضَّاح، كابن أبي خيثمة، وعباس الدوري، وعثمان الدارمي، وإسحاق الأزرق، وأحمد بن سعيد بن أبي مريم، والغلابي وأضرابهم.
__________
(1) (7/ 568).
(15/318)

فأما الحكاية التي قدَّمها ابن عبد البر وفيها: "أن يحيى بن معين يتكلَّم في الشافعي" فإن صحّت هذه الحكاية فهذه كلمة مجملة، يحتمل أن يُراد بها ما ليس بجرح، فإنّ مَن قال في رجلٍ قولًا، يغضّ به منه فقد تكلّم فيه وإن لم يكن ذلك جرحًا.
وقد ذكر ابن عبد البر كما في مختصر كتاب "العلم" (ص 193) (1): أن ابن معين سُئل عن الشافعي فقال: "ما أحبّ حديثَه ولا ذِكْرَه". فهذا تكلُّم في الشافعي وليس بجرح. ولم أقف لابن معين على كلمة ظاهرة في الجرح تشهد لما رُوي عن ابن وضّاح. وقد تقدَّم عن الحاكم نفي ذلك البتة.
الأمر الثالث: أنه لم يأت عن غير ابن معين من الأئمة طعن في الشافعي، وقد قال ابن عبد البر (ص 193) (2) عَقِب الكلمة المارّة قريبًا: "لم يتابع يحيى بن معين أحدٌ في قوله في الشافعي".
والذين أحسنوا الثناء عليه ووثّقوه كثير ممن هو أكبر من ابن معين، ومن أقرانه، وممن دونه، حتى قال أبو زُرعة الرازي: "ما عند الشافعي حديث غلط فيه". [ص 22] وقال أبو داود: "ليس للشافعي حديث أخطأ فيه". وقال النسائي: "كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقةً مأمونًا". أما ثناء أحمد عليه وتبجيله فمشهور.
وبالنظر إلى اشتهار الشافعي وانتشار علمه وكثرة مخالفيه وحُسَّاده = لو كان هناك ما يقتضي أن يقال فيه: "ليس بثقة" أو ما يَقْرُب من ذلك لما تفرّد بها
__________
(1) "جامع بيان العلم": (2/ 1083).
(2) المصدر السابق.
(15/319)

ابن معين لو صحّت عنه.
الأمر الرابع: أنه بالنظر إلى ما ذُكِر لو كان ابن معين قال تلك الكلمة أو نحوها؛ لكَثُر تناقل الناس لها، ولم ينفرد بها رجل من أهل الأندلس.
الأمر الخامس: في ترجمة الشافعي من "تذكرة الحفاظ" (1/ 330): "قال ابن معين: ليس به بأس". وفي ترجمته من "تهذيب التهذيب" (1): "قال الزعفراني عن يحيى بن معين: لو كان الكذب له مطلقًا لكانت مروءتُه تمنعه أن يكذب".
فهذه الأمور تجعلنا نشكّ في صحة تلك الكلمة عن ابن معين، ولو جاءت عن ابن معين كلمة في غير الشافعي واتفق فيها نحو هذا لشكّكنا فيها أيضًا، فأما أن تعتدل الروايتان في القوّة فنصدِّق إحداهما ونكذِّب الأخرى اتباعًا للهوى، فنرجو أن لا يكون ذلك منّا، فكيف أن نكذِّب روايةَ ألفٍ ونصدّق روايةَ واحد كما زعمه الأستاذ؟!
فإن قيل: دع تلك الرواية, فقد تعدّدت الروايات في غضّ ابن معين من الشافعي في الجملة، وذلك يدلّ على لينٍ ما في الشافعي.
قلت: أما في ظنّ ابن معين فنعم، وأما في نفس الأمر فلا. وقد تقدّم قول أحمد ردًّا على ابن معين: "من أين يعرف يحيى الشافعيَّ، هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف [ص 23] ما يقول الشافعي" أو كما قال.
وتقدَّم ما قاله ابن عبد البر عَقِب ذلك، وهذا يُشعر بأنّ ابن معين استنكر بعضَ أقوال الشافعي، وقد جاء أنه استنكر تسمية الشافعي مَنْ حارب عليًّا
__________
(1) (9/ 30).
(15/320)

عليه السلام بُغاة، وفيهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير، كأن يحيى عدّ ذلك تشيّعًا، فردّ عليه أحمد، وبيَّن أنَّ الشافعي لم يزد على اتباع القرآن. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9].
هكذا أحفظ معنى هذه الحكاية ولم أهتد عند كتابة هذا إلى موضعها (1). وقد يكون عرَض ليحيى ما أورثه نُفرةً طبيعية عن الشافعي؛ فكان يبدر منه ما فيه خشونة.
وقد أشار أحمد على إسحاق بن راهويه بمجالسة الشافعي، فقال إسحاق: ما أصنع به؟ سِنّهُ قريب من سِنّنا، أترك ابن عُيينة والمقرئ؟ " كما في "الجرح والتعديل" (3/ 2/ 202).
وفي "الانتقاء" (ص 75) (2): عن صالح بن أحمد بن حنبل: "لقيني يحيى بن معين فقال لي: أما يستحي أبوك مما يفعل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي، والشافعي راكب وهو راجل، ورأيته قد أخذَ بركابه. فقلت ذلك لأبي، فقال لي: قل له إذا لقيته: إن أردت أن تتفقّه فتعال فخُذ بركابه الآخر".
وفي "توالي التأسيس" (ص 57) (3) نحو ذلك مختصرًا، ثم قال:
__________
(1) ذكر معنى هذه الحكاية شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى": (4/ 438)، فلعل المؤلف قرأها فيه. ولم أجدها في مصدر آخر.
(2) (ص 126).
(3) (ص 86).
(15/321)

"وأخرج ابن عدي من وجه آخر: أن الشافعيَّ لما قدم بغداد لزمه أحمد مع بغلته، فأخلى الحلقة التي كان يجتمع فيها مع يحيى بن معين وأقرانه، فذكر نحوه".
فكان ابن معين يرى العلمَ كلَّ العلم هو [ص 24] جمع الأحاديث وتتبّعها، ثم النظر فيما يصحّ وما لا يصح، والبحث عن الخطأ والعلل وأحوال الرجال، ونحو ذلك مما يتعلق بالرواية. وكان يجتمع هو وأحمد وأقرانهما لذلك، وكان سنّ الشافعي قريبًا من سنهم، وليس بالمكثر من الحديث، بل كلّ من أحمد ويحيى أكثر منه حديثًا وأعلم بالرواة منه. فلم ير ابن معين لانقطاع أحمد إلى الشافعي ولزومه له معنى. فأما الفقه فلم يكن يحيى يبالي به؛ فإنه كان في نفسه يأخذ بما يتّضح له من السنة، ويقلّد في الباقي، ولا يبحث مع أحدٍ ولا يناظر، ولا يهمه اختلاف الناس شيئًا.
وكان أحمد على خلاف ذلك، فإنه كان يتفقّه ويرى وجوب الاجتهاد، ويسوؤه ردّ بعض الناس للسنة. وكان هو وكثير من أهل الحديث ينكرون على أهل الرأي ولا يستطيعون مناظرتهم، فكان أهل الرأي يسخرون من أهل الحديث ويستضعفونهم ويرمونهم بالجهل والغباوة ويستطيلون عليهم.
وفي كتاب ابن أبي حاتم (3/ 2/ 203) و"توالي التأسيس" (ص 56) (1) عن أحمد: "كانت أقضيتنا - أصحاب الحديث - في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنْزَع حتى رأينا الشافعي ... ".
__________
(1) (ص 83 - 84).
(15/322)

وكان الشافعي قد تمكّن من العلم بالكتاب والسنة، وعرف طرق الاجتهاد، وعرف كلامَ أهل الرأي وأقوالَهم، مع ما أوتيه من العقل والفهم وقوّة العارضة، والتمكُّن من مناظرة أهل الرأي والاستعلاء عليهم؛ فوجد به أحمد ضالّته المنشودة، ولم يكن لابن معينٍ شأن في ذلك، فاختلف نظرُ الشيخين - أحمد وابن معين - فكان ابن معين يرى أن أحمد يضيّع أوقاته فيما لا يعني ويترك [ص 25] ما هو العلم حقًّا- في رأي ابن معين - وهو ما كانوا يجتمعون عليه من قبل من علوم الرواية, فلذلك كان ابن معين يلوم أحمد فيبالغ كما مرّ وأحمد لا يُصغي إليه.
ولما كان السبب في هذا هو الشافعي، تولّدت في نفس ابن معين شِبْه نُفرةٍ عن الشافعي. وقد يكون انضمّ إلى ذلك أن الشافعي كان يشعر في نفسه بفضله على أهل الحديث لما تقدّم، ويرى أن يحيى لا شأن له بالفقه، فلم يختلف الشافعيُّ إلى يحيى، ولا اعتنى بتبجيله واسترضائه، وقد كان يحيى تعوّد من المشايخ الذين يَرِدون بغداد مراعاة جانبه، والإبلاغ في ملاطفته (1)، فكان ذنب الشافعي إلى ابن معين أنه سلبه صاحبَه ورفيقَه وأنيسَه وصديقَه الذي كان لا يكاد يفارقه حَضَرًا وسفرًا منذ شرعا في طلب الحديث [ص 26]؛ وبذلك فوّت عليه ما كان يجده فيٍ الاجتماع والمذاكرة من فائدة ولذَّة، وأنه مع ذلك لم يهَبْه ولم يعرف له حقًّا كما اعتاده من سائر المشايخ الذين هم أكبر من الشافعي سنًّا وأقدم سماعًا، وفيهم مَن هو أكثر حديثًا.
__________
(1) ذكر المؤلف أمثلة من ذلك من "تهذيب التهذيب"، ثم ضرب عليها. انظر "التهذيب": (11/ 280 - 288) في ترجمة يحيى بن معين، و (1/ 334) في ترجمة موسى بن إسماعيل.
(15/323)

أضف إلى ذلك ما كان أحمد يستقبل به عتاب ابن معين كقوله: "إن أردتَ الفقهَ فتعال فالزم ذَنب هذه البغلة". وغير ذلك من الكلمات التي مِن شأنها أن تزيد في حَنَقِه (1).
فإن قيل: فإذا كان هناك نُفرة كما وصفتَ، فماذا عليكم من أن تصح تلك الكلمة عن ابن معين، فتجيبوا عنها بنحو ما أُجيب عن كلام النسائي في أحمد بن صالح، بل قد يكون الجواب عن هذه أظهر؛ لأنه قد رُوي عن ابن معين نفسه ما يخالفها، بل يمكنكم أن تقولوا: تلك الكلمة جرح غير مفسَّر فلا يُعتَدّ بها في مقابل توثيق الجمهور.
قلت: الأمرُ كما وصفتَ، ولكن الباعث على الشكّ في صحّتها أن هناك أمورًا تخدش في ذلك كما تقدّم، وأن القول بصحتها يقتضي التشنيع على ابن معين عند أهل العلم لمخالفته الجمهور بلا حجة ولا شبهة، حتى حَمَل ذلك ابن عبد البر المالكي على أن يقول ما تقدّم في حق ابن معين (2).
وإذا كان الغضّ ابن معين بغير حق واضح فدَفْعه عنه أوجب علينا من دفع مثله عن الشافعي؛ لأن الطعن في ابن معين أضرّ على السُّنَّة وأرْوَج للبدعة؛ فإنه يفتح لأهل الباع البابَ إلى ردِّ كثير من الأحاديث والآثار الصحيحة، وتقوية كثير من الموضوعات والواهيات والضعاف؛ يقول أحدهم في الراوي: إنما وثَّقه أو إنما صرّح بجرحه ابنُ معين، وقد طعنتم فيه.
__________
(1) زاد في "التنكيل": (1/ 725): "وقد كان الشافعيّ حَسَن الظنّ بإبراهيم بن أبي يحيى يكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذّبون ابنَ أبي يحيى".
(2) (ص 32 - 33).
(15/324)

[ص 27] فصلٌ
قال الأستاذ ص 135 - بعد أن ذكر ما رُوي عن الشافعي أنه قال: أبو حنيفة يضع أوَّل المسألة خطأ ثم يقيس الكتابَ كلَّه عليها -: "ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي (كتاب الوقف) أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلاً، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه، وهكذا فَعَل في (كتاب المزارعة)، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا ففرّع عليه الفروع.
ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) (1) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العدّ عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أنّ ما عند ذلك العائب من هذا القبيل بحيث يَحارُ منه كبار الفقهاء من أهل مذهبه، فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشَّفْعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: (فيها قولان)، فيَشْكُون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه وله محلّ آخر".
أقول: الكتاب من كتب الفقه، مثل (كتاب الوقف)، قد يتفرّع عنه آلاف المسائل كما لا يخفى. ولا أعلم للشافعي كتابًا واحدًا يكون من ذاك القبيل الذي يوجد لأبي حنيفة. فأما المسائل فالكتب في فقه أبي حنيفة التي ليست من ذاك القبيل لا يُحْصَى ما فيها من المسائل المضطَرب فيها.
هذه مسألة من أول مسائل الطهارة، وهي تحديد الماء الكثير الذي [ص 28] لا ينجس بوقوع نجاسة فيه لم تُغيّره، نَقَل الحنفيةُ عن أئمتهم: أنه ما
__________
(1) علامة الاستفهام من المؤلف، ولعلها إشارة منه إلى إيهام الكوثري أن المنتقَد على أبي حنيفة مجرّد مسائل وليس أبوابًا كما هو الواقع.
(15/325)

إذا وُضِعت النجاسةُ في أحد طرفيه لم تخلص إلى الآخر، وأنَّ المرجع في ذلك إلى ظنِّ المبتلى، ولا يخفى أن المبتلى المسكين يضطرب نظره؛ لأنه يشعر بالفرق بين ما إذا كانت النجاسة قليلة وما إذا كانت كثيرة، وبين ما إذا (1) كانت مما يذوب أو ينتشر كالدّهن، وما إذا لم تكن كذلك. وهكذا يرى أن الحال يختلف باختلاف عمق الماء، ثم يرى أنَّ الماء لو كان بحيث يظنّ أن النجاسة إذا وقعت في أحد طرفيه لم تخلص إلى الطرف الآخر، هل له أن يتوضأ من موقعها أو مما قرب منه؟ إلى غير ذلك.
ونقلوا عن أئمتهم أيضًا أن الكثير ما إذا حُرِّك أحدُ جانبيه لم يتحرّك الآخر. واضطربوا في تعيين الحركة؛ أحَرَكة المتوضّئ أم حركة المغتسِل؟ مع أن كلًّ منهما غير منضبطة. ثم عادوا فقالوا: إن الاضطراب إنما هو ضابط للخلوص، فلم يخلّصوا المبتلىَ المسكين من ملاحظة الخلوص بما مرّ فيه. ثم عادوا فأطبقوا أو أكثرهم على التحديد بعشرٍ في عشر، وذكروا أنّ محمدًا كان يقول به ثم رجع عنه، ولكنه أيسر لهم من القولين الأوّلين.
ثم عادوا فقالوا: إنما ذلك ضابط للخلوص، فنكسوا المبتلَى على رأسه؛ لأنه يرى أنَّ هذا الضابط ليس من الشارع حتى يسوغ أن يُقْصَر النظر عليه ولا يُلتفت إلى المعنى، بل ولا من الإمام ولا أحد أصحابه. وقولُ أحدِ أصحابه به ثم رجوعه عنه يزيده وهنًا؛ لأنه لولا أنه بان له فساده لما رجع عنه.
ومع ذلك اضطربوا في تقدير العمق، فقيل: أن يكون [ص 29] الماء بحيث لا ينحسر بالاغتراف، وهذا لا يخلو عن تردّد. وقيل: أربع أصابع
__________
(1) الأصل: "إذ".
(15/326)

مفتوحة. وقيل: ما بلغ الكعب، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان. إلى غير ذلك. راجع كتبهم المطوّلة.
ومَن طالع كتب الحنفية وكتب الشافعية عَرَف أن المسائل المضطربة عند الحنفية أكثر جدًّا منها عند الشافعية.
فأما قديم المسائل وجديدها فهي معروفة عند الشافعية، والمذهب هو الجديد باتفاقٍ منهم، وإنما هناك بضع عشرة مسألة عُرف للشافعي فيها قول قديم وقول جديد، ثم جاء في الجديد ما أوجب ترجيح القديم، وذلك كامتداد وقت المغرب إلى دخول وقت العشاء، كان الشافعي يقول به قديمًا؛ لأنه قول جمهور أهل العلم، ثم وقف عنه في الجديد لحديث صلاة جبريل، فقال بعدم الامتداد إلاَّ أن يصحّ الحديثُ الآخر، وهو حديث الشّفَق، فصحّ الحديثُ عند أصحابه فقالوا به.
وأما المسائل التي يقول الشافعي: "فيها قولان" ولا يرجّح، فقد ذكروا أنّ ذلك اتفق في ستّ عشرة مسألة، فهذه يؤخذ الترجيح فيها مِن عَرْضها على أصول الشافعي، وما من إمام إلا وتوجد مسائل لا تحصى لم ينصّ عليها؛ لأن الفروع أكثر من أن يُحاط بها. وتركه الترجيح فيها لا يزيد عن تركه ذكرها رأسًا، ثم يستنبط أصحابه الحكمَ فيها من أصوله، فهكذا يستنبطون الترجيح.
فإن قيل: لكن تركه الترجيح فيها مع ذكره لها يدلّ على عجزه.
قلت: أما العجز عند نصّه عليها فلا بأس به؛ إذ ليس من شَرْط المجتهد أن لا تعرض له مسألة إلّا عَرَف الحكمَ فيها فورًا، فرُبّ مسألة تُعَنِّي المجتهدَ أيّامًا أو أشهرًا أو أكثر، ورُبّ مسألة لا تزال مشكلة عنده. هذا عمر بن
(15/327)

الخطاب أشكلت عليه مسائل حتى [ص 30] أوصى بأنه لا يقول فيها شيئًا.
وأما العجز المطلق فهذا غير لازم، فلو أن الشافعيَّ صبَر نفسَه وداوم النظر في تلك المسائل لكان الظاهر أن يتبيَّن الراجح فيها، ولكن لم يكن هناك ما يدعوه إلى ذلك؛ إما لأن تلك المسائل لم يتفق وقوعُها حينئذٍ فيلزم الشافعي أن يعمل أو يفتي أو يقضي فيها، وإمّا لغير ذلك. ودلالة عدم ترجيحه فيها على ديانته وورعه لا تخفى.
وقد جاء عن حفص بن غِياث أنه قال: "كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل، فلما رأيتُ ذلك تركته وأقبلتُ على الحديث" (1).
وأجاب عنه الأستاذ ص 119 بقوله: "يوجد بين الأئمة من يُروى عنه عدة أجوبة في مسألة واحدة؛ كالروايات الستّ عن مالك في المسح على الخفّين، وكالأجوبة المشفّعة في "الأم" للشافعي ... وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولًا واحدًا منه في كل مسألة. وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذّة ... على أن قيمة روايات النوادر تقدّر بأحوال رواتها".
كذا قال! وعليه في هذا ما لا يخفى. أما الروايات الستّ عن مالك فليست كلها في درجة واحدة، فالراجح منها واحدة، وباقيها كروايات النوادر عند الحنفية. وأما الأجوبة المشفّعة فقد مرّ الكلامُ فيها. وأما الروايات عن أحمد ففيها راجح ومرجوح، فالراجح بمنزلة ظاهر الرواية عند الحنفية، وليس في ذلك ما يدلّ على أن مالكًا أو الشافعي أو أحمد كان يقول
__________
(1) أخرجه الخطيب في "تاريخه": (13/ 425).
(15/328)

في اليوم الواحد في المسألة الواحدة خمسة أقاويل؛ يجزم بهذا ثم يجزم بهذا وهكذا ولا ما يقرب من ذلك، بل لا أراه اتفق لواحد منهما مثل ذلك في قولين فكيف خمسة؟
والاضطراب في اليوم الواحد يشعر بما لا يشعر به أن يقول العالم قولًا ثم يرجع عنه بعد سنة - مثلًا - فتدبّر.
[ص 31] وقول الأستاذ: "إنه لا يوجد في كتب ظاهر الرواية إلا قول واحد لأبي حنيفة في كل مسألة" مجازفة! وهذه كتبهم موجودة بأيدي الناس. وعلى فرض صحة ذلك فإنما وجهه: أنّ مؤلفي تلك الكتب نقلوا آخر أقواله أو أقواها عندهم؛ ولهذا رجّحت كتبهم لا لضعف الكتب الأخرى مطلقًا.
فأما قوله: "إن الشافعية يَشْكُون من عدم مشي الفروع على الأصول"، فلا أدري مَن هو الذي شكا ذلك من الشافعية؟ ولا شكّ أنّ في الفروع ما يصعب على بعض المتفقّهة تطبيقه على الأصول، ولكن عامة هذا في الفروع التي لم ينص عليها الإمام، والإمامُ غير مسؤول عن ذلك. فأما الفروع التي نصّ عليها فلا يكاد يوجد فيها ذلك إلا أن يكون قليلًا. لكن طالع كتب الحنفية وتأمل العجب العُجاب من ذلك، بل طالع مناظرات الشافعي مع أئمتهم ليتبين لك كثرة تناقضهم.
هذا مع أن أصول الفقه عند الشافعية حرّة غالبًا؛ ولهذا لا تكاد تجد في كتبهم الأصولية محاولة تطبيق الفروع عليها، فأما أصول الفقه عند الحنفية فمبنية على الفروع، فكم من فرع شاذٍّ حاولوا أن يخترعوا أصلًا يردونه إليه؛ ولهذا يكثر التناقض في أصولهم نفسها بينا تراهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث
(15/329)

الصحيحة المشهورة لمخالفتها القياس - زعموا - إذا بهم يدَّعون أن الحديث الضعيف مقدّم عند أبي حنيفة على القياس، إلى غير ذلك مما يطول.
هذا كلام استجراني إليه الأستاذ وأنا كاره، والذي لا أشكّ فيه أن في كلِّ مذهب من المذاهب فروعًا غير مرضيّة بل وأصولًا ضعيفة، وأنّ فرض الله عزَّ وجلَّ على العالم أن يتفقّد ذلك تفقّدَ محترِسٍ من هواه مؤثرٍ لعبادة الله، والله المستعان والمسؤول منه الهداية والتوفيق (1).

فصل
ذكر الأستاذ ص 137 قول ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم: "قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددتُ فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة". قال ابن أبي حاتم: "لأن الأصل كان خطأً فصارت الفروع ماضية على الخطأ".
قال الأستاذ: " .... بل أفرضُ أن متن الرواية مما أسرّ به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة، وأنه حَمَل من محمد بن الحسن حِمْل جمل من علمه، وأنه أمنّ الناس عليه في الفقه ... وعلى فرض أن أحد أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كُتيّب، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعيُّ نفسُه رجع عما حواه (كتاب الحجة) كله المعروف بالقديم، وأمر بغسله والإعراض عنه ... ولولا أن الشافعي رأى قديمه كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا
__________
(1) كتب في أسفل الصفحة بقلم الرصاص: "يلخص هنا ما يأتي ص 106". ولقد لخصه المؤلف في ظهر ص 31.
(15/330)

الرجوع ولا شدّد هذا التشدّد ... وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعدُ بالخطأ اعترافَ الشافعيّ بخطئه في القديم ... وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ... ألَّف كتابًا سماه: "ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله ... " فهل نصدّقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: "ليس تحت قبّة السماء أحد أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم". ولو كان أصل الحكاية: نظرتُ في كتابٍ لأبي حنيفة لاستقام المعنى، على تقدير التغاضي .... ".
أقول: أما فرض (1) أن تلك الحكاية مما أسرّ به الشافعيُّ إلى ابن عبد الحكم؛ فلا معنى للإسرار، فلم يكن الشافعي يخاف من الحنفية وقد هاجمهم وصادمهم في مقرّ ملكهم بغداد في حياة محمد بن الحسن وبعده، حتى كادت قُواهم تضمحلّ، لولا أنهم لجأوا إلى قوة الدولة كما هو معروف في التاريخ, ومرّت الإشارة إلى طَرَف منه في ترجمة محمد بن سعد العوفي (2)، فبقوّة الدولة ثم بتعصّب الدول التي جاءت بعد ذلك، وبتعصّب الأعاجم، وباختلاق المناقب الغالية، كما مرّ بعضُ أمثلته في ترجمة محمد بن سعيد البورقي (3) انتشر مذهب أبي حنيفة. فالملوك والأمراء يرون مذهب أبي حنيفة أقرب إلى أهوائهم لتحليل بعض المسكر وغيره، ولا سيَّما مع ما فيه من الحِيَل التي كان يتقرّب بها القُضاة إلى الأمراء، حتى
__________
(1) هنا أشار المؤلف بعلامة (=) إلى أن تكملة الكلام في (ص 108)، وما أحال إليه الشيخ كان قد ضرب عليه هناك، لكنه وضع أمامه علامة (=) إشارة إلى نقله في هذا الموضع.
(2) من "التنكيل": (1/ 755 - 759) وليس فيها ما أشار إليه المؤلف.
(3) من "التنكيل": (2/ 759 - 763).
(15/331)

قيل في أبي جعفر الطحاوي ما قيل، كما ذكره ابن النديم في "الفهرست" (1) وغيره.
ثم الأعاجم من ملوك وأمراء وغيرهم يميلون إلى أبي حنيفة؛ للموافقة في الجنسية، كما أن من أسباب غلوّ الفارسيين في الحسين بن علي وابنه عليّ عليهم السلام [ص 109] ما قيل: إن أمّ علي بن الحسين هي ابنة كسرى ملك الفرس، والأستاذ نفسه يشهدُ عليه مَن هو مِن أخصِّ أصحابه وهو الحسام القدسي بشدّة التعصّب لقومه الشراكسة! (2).
وقول الأستاذ: "على خلاف ما تواتر عن الشافعي ... " مجازفة لعلّ الأستاذ لا يستطيع إثبات صحة تلك الكلمات عن الشافعي فضلًا عن تواترها، ولا سيّما مع تكلُّم الأستاذ في الربيع، ومع ذلك فلا منافاة بين تلك الكلمات وبين ما رواه ابن عبد الحكم. وقد أشار ابن أبي حاتم ثم الخطيب إلى أن مراد الشافعي بتلك الكتب بعضَ ما أشار إليه في الرواية الثانية واعترف به الأستاذ؛ ك (كتاب الوقف) و (كتاب المزارعة) وغيرهما.
وما زعمه الأستاذ في الكتاب القديم للشافعي علَّق عليه في الحاشية ما (3) فيه: " ... قال البيهقي: رأيت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي بإسناده عن البويطي قال: سمعت الشافعيّ رضي الله عنه يقول: لا أجعل في حلٍّ من روى عني كتابي البغدادي. وهو قديمه، ويروي الراعي الأندلسي في "الانتصار": أمر الشافعيُّ بغسل قديمِه كلِّه".
__________
(1) (ص 260).
(2) وانظر "التنكيل": (1/ 790).
(3) كذا في الأصل.
(15/332)

وهذا لا يكفي في إثبات ذلك؛ إذ لم يبيّن فيه سند الساجي وسند الراعي. وعلى فرض صحة ذلك فلا يَفْهم منه عاقلٌ أن الشافعيَّ رجع عن قديمه كله؛ لأن في القديم مسائل مقطوعًا بها، ومسائل مجمعًا عليها، ومسائل ناظر الشافعيُّ الحنفيّةَ فيها، ثم حكى في الجديد مناظرته لهم، فغايةُ الأمر أنه رجع عن عددٍ من المسائل كانت مفرَّقةً في الأبواب، وألَّف في مصر كتبَه وهذّبها؛ فصارت حاويةً لما كان في (كتاب الحجة)، مع تهذيب وتنقيح، وخالية عن تلك الفروع التي رجع عنها الشافعي، فإذا رأى أنه بعد ذلك لم يبق لكتابه القديم حاجة للاستغناء عنه بالكتب الجديدة المهذَّبة المنقَّحة، فليس في ذلك ما يعادل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة ولا يقاربه.
فقول الأستاذ: "ولولا أن الشافعي رأى قديمَه [ص 110] كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع" مِن أقبح المجازفات التي تقدح في عقل صاحبها فضلًا عن علمه وتديّنه، والأستاذ مع ذلك يكثر من قوله: "نسأل الله السلامة. نسأل الله العافية" ونحو ذلك!
فأما ما ادّعاه الشافعي من مخالفة نحو ثلثي تلك الكتب للكتاب والسنة، فقد اعترف بذلك أصحاب أبي حنيفة، ومنهم الأستاذ كما تقدَّم في ذِكر (كتاب الوقف) و (كتاب المزارعة) وغيرهما.
وأما تأليف ابن عبد الحكم كتابًا فيما خالف فيه الشافعيُّ الكتابَ والسنة، فليس لنا ولا للأستاذ تصويب ابن عبد الحكم ولا تخطئته حتى نعرف ما هي المسائل التي ذكرها، فإن اكتفينا بالإجمال كان الظاهر أنه أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها, وليس الشافعي بمعصوم عن الخطأ،
(15/333)

ولا ابن عبد الحكم بمحجوب عن الصواب؛ فإن قَصَرْنا النظرَ على حالِ الرجلين إجمالًا فالشافعي أولى بالصواب.
والعلم بالاتفاق والاختلاف في أقاويل الصحابة والتابعين لا يستلزم العلم بمعاني النصوص ودقائق الفقه. وابن عبد الحكم وإن ترك مذهب الشافعي لعدم ظَفَرِه برئاسة أصحابه فقد كان يُعْظِم الثناءَ عليه، ومن ذلك قوله: "وإن كان أحدٌ من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء". كما في ترجمة الشافعي من "تهذيب التهذيب" (1). وذكر ابن خزيمة أنه لا يعرف عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم سنةً لم يودعها الشافعي كتابه كما في "تعجيل المنفعة" (ص 5) (2) (3).
...
__________
(1) (9/ 30).
(2) (1/ 239 - ط البشائر).
(3) هنا انتهى النقل من (ص 108 - 110) الذي أحال عليه الشيخ في ظهر ص 31.
(15/334)

[ص 32] فصل [النظر في مطاعن الكوثري على الإمام الشافعي في حواشي "الانتقاء"]
جرت عادة الأستاذ فيما يوكَلُ إليه من تصحيح الكتب التي يُراد طبعها أن يعلّق عليها آراءه بل مقاصده، فيأتي بدواهي! والواجب على ملتزمي الطبع أن لا يمكّنوه من ذلك بعد أن علموا غُلوَّه، فإنَّ فَرْض المصحّح إنما هو تصحيح الألفاظ، فإن كان ولا بدّ من تعرّضه للمعاني فليقتصر على ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم، لا أن يسعى في تأييد مذهبه وانتقاص غيره. فإن كان لملتزم الطبع هوًى في ذلك فعلى الأقل يقتصر على ما لا يشكّ في تحقيقه.
وقد حَرَصت في كتابتي هذا النقد على أن لا أراجع الكتب التي علّق عليها الأستاذ خوفًا من التطويل، وإن كنت أعلم أنني لو راجعتها لظفرتُ بعِدّة مناقضات للأستاذ، لكن دعت الحاجة إلى مراجعة "الانتقاء" لابن عبد البر، فرأيتُ الأستاذ قد علَّق عليه على عادته، فأحببتُ أن أشير إلى تعاليق الأستاذ عليه وبيان حالها.
فمن ذلك: أن ابن عبد البر بدأ بمناقب مالك ثم الشافعي ثم ذكر أبا حنيفة، فذكر الأستاذ (ص 9) (1) أن ابن عبد البر اقتصر على هؤلاء كما
__________
(1) (ص 34) من الطبعة التي حققها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، ومما يؤسف له أنه قد أبقى جميع تعليقات الكوثري ورمز لها ب (ز)، وعلّل إبقاءها بقوله في المقدمة (ص 22): "استمرارًا لطيّب عَرفها وزاكي نفعها"! مع أنه يعلم أن ناشرها الأول الحسام القدسي أوقف الكوثري عن التعليق ص 88 من الكتاب معللًا ذلك بأنه "اطلع على دِخلة في علمه وعمله" ولم يشر لذلك أبو غدة! وكان المأمول أن يُبقي المفيدَ من التعليقات - إن كان -, ويطوي البساط على باقيها.
(15/335)

اقتصر عليهم أبو داود في أثرٍ روي عنه (1).
ومقصود الأستاذ هنا إخراج أحمد من الفقهاء! فهذه إحدى عقاربه! ولم يكن له في ذكر ذلك حاجة. وقد ذكرتُ في ترجمة أحمد (2) ما فيه كفاية.
ثم ثنّى الأستاذ بزعم أن ابن عبد البر إنما اختار ذاك الترتيب؛ لأنه يفضّل البلدان كذلك، فيفضّل المدينة على مكة، ومكة على الكوفة، ولولا ذلك لقدّم التابعي - يعني أبا حنيفة -. ثم قال الأستاذ: "ومراتبهم [ص 33] في الفقه الإسلامي مما يستغني عنه التنويه" يزعم أن أبا حنيفة أعلاهم مرتبةً.
وأقول: لا يخفى أن ابن عبد البر إن كان رأى أنّ المدينة أفضل من مكة فإنما ذاك من جهة العلم؛ لأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان معظم أيام التشريع بالمدينة وبها قُبِض. وكان عامة علماء الصحابة بالمدينة، فكان أهلها أعلم من أهل مكة.
ثم لا يخفى أن ابن عبد البر مالكيّ، فمالكٌ عنده أعلاهم مرتبةً في العلم، وقد أكّد ذلك في "الانتقاء" بأنه لم يذكر في ترجمة مالك والشافعي شيئًا عِيبا به، إلا أن يعرض له عارض فيدفعه، وقال (ص 15) (3): "رواية هؤلاء الأئمة الجِلّة عن مالك وهو حيّ دليل على جلالة قدره، ورفيع مكانه، في علمه ودينه وحفظه وإتقانه".
__________
(1) الأثر هو: "رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا" أخرجه ابن عبد البر في "الانتقاء" (ص 67).
(2) من "التنكيل" رقم (32).
(3) (ص 44 - 45 ط المحققة).
(15/336)

وقال في مقدمة ترجمة الشافعي: "ونقتصر ... على ما يكفي ويدلّ ويشهد بتقدّمه في علم الحلال والحرام، وإمامته عند جمهور أهل الإسلام" (1).
وقال في مقدمة ترجمة أبي حنيفة: "وأذكر ... بعضَ ما حضر في ذِكره من أخبار أبي حنيفة وفضائله، وذِكْر بعض من أثنى عليه وحَمِده، ونبدأ بما (2) طُعِن فيه عليه، لردِّه بما أصَّله لنفسه في الفقه، وردّ بذلك أخبار الآحاد الثقات ... وكان مع ذلك أيضًا لا يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان ... وقد أثنى عليه قوم كثير لفهمه ويقظته وحُسن قياسه وورعه ومجانبته السلاطين، فنذكر في هذا الكتاب عيونًا من المعنيين جميعًا ... " (3).
وذَكَر المطاعن من ص 147 إلى ص 152 (4). وبذلك علمت منازلهم عند ابن عبد البر. فلو سكت الأستاذ لكان خيرًا له.
وقال ابن عبد البر (ص 12) (5): "روى عنه - يعني مالكًا - من الأئمة سوى هؤلاء [ص 34] أبو حنيفة". فعلّق الأستاذ على ذلك تعليقًا طويلًا؛ بيَّن أولًا أنه لم يثبت رواية أبي حنيفة عن مالك، ثم قال: "نعم ثبت نظر مالك في كتب أبي حنيفة وانتفاعه بها ... " وأطال في ذلك وذَكَر روايات فيها نظر، ودَفَع روايات تذكُر انتفاعَ أبي حنيفة بعلم مالك، وبعضها قويّ فلا أطيل بمناقشته.
__________
(1) (ص 115).
(2) كذا في الطبعة القديمة، وفي المحققة: "ونُبَذًا مما" وهو الصواب.
(3) (ص 184). ووقع فيها بدل "وردّ بذلك أخبار الآحاد": "وردّ بذلك كثيرًا من ... ".
(4) في المحققة (ص 271 - 298).
(5) (ص 41).
(15/337)

وذكر ابن عبد البر (ص 24) (1) محاورة الشافعي ومحمد بن الحسن فعلّق عليها الأستاذ ما يعلم ما فيه مما قدّمته في ترجمة الخطيب (2).
وذكر ابن عبد البر (ص 27 - 28) (3) قولَ ابن وهب: "لولا أني أدركت مالكًا والليث بن سعد لضللت". فعلّق عليها الأستاذ بنقل رواية أخرى فيها: "يعني لاختلاف الأحاديث" ثم قال: "كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين ما قارن العمل به عما سواه".
ومقصوده بهذا: الإشارة إلى أن الأحاديث الصحيحة التي ردّها أبو حنيفة أو لم يطلع عليها مِن هذا القبيل الذي لا يُعْتَدّ به. وقد ذكرنا في الفقهيّات طرفًا (4) من الكلام معه في بعض تلك الأحاديث.
وذكر ابن عبد البر (ص 29) (5) ما جاء عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سُئل: مَن أعلم، مالك أو أبو حنيفة؟ فقال: مالك أعلم من أستاذ أبي حنيفة ... " فعلّق عليها الأستاذ: "هذا على حسب معياره وتقديره، وهو الذي استعصى عليه وجه الجواب لما اعترضوا عليه حين صلَّى بعد أن احتجم من غير إحداث وضوء ... وإن كان لا ينكر فضل هذا الديلمي في الرواية والكلام في الحديث ورجاله، ولكن لكل علم رجال وميزان".
__________
(1) (ص 56).
(2) من "التنكيل" رقم (26).
(3) (ص 60 - 61).
(4) كانت العبارة: "وقد تقدم في الباب الثالث طرف". فأصلحها إلى ما هو مثبت ونسي أن يضرب على "الثالث" وأن يصلح "طرف" لتكون مفعولًا.
(5) (ص 63).
(15/338)

والحكاية التي ذكرها هي في "الانتقاء" نفسه (ص 72) (1) وليس فيها أنه استعصى عليه الجواب وإنما فيه أنهم "عابوه وأنكروا عليه، وكان سبب كتابه إلى الشافعي بذلك [ص 35] فوجّه (إليه الشافعي) بالرّسالة". فيظهر أن ابن مهدي أجابهم ولكن لما رأى أنه قد يَرِد عليه من المسائل ما يحتاج إلى مناظرة أهل الرأي فيه - وكان الشافعي قد اشتهر بتفوّقه عليهم - أحبَّ ابنُ مهدي أن يستفيد ببعض ما يكتبه الشافعي. ومن البعيد أن يكتب ابنُ مهدي إلى الشافعي يسأله عن تلك المسألة، فيكتب إليه الشافعيُّ برسالته في أصول العلم.
وقول الأستاذ: "هذا الديلمي" مِن بالغِ أدبه!
وذكر ابن عبد البر (ص 34 - 35) (2) من طريق "عبد الله بن أحمد قال: نا أبي قال: نا سُريج بن النعمان، قال: نا عبد الله بن نافع، قال: كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل، ويقول: القرآن كلام الله، ويقول: مَن قال: "القرآن مخلوق" يوجع ضربًا ويُحْبَس حتى يتوب. وكان مالك يقول: الله في السماء وعِلْمه في كلّ مكان لا يخلو منه شيء". فعلَّق عليه الأستاذ: "ابن نافع وسُريج في حفظهما وضبطهما على ما تعرف، ولم يروِ أحدٌ من أصحاب مالك عنه مثل هذا، بل المتواتر عنه عدم الخوض ... ويأتي عنه أيضًا بسنده ما ذكر هنا بدون زيادة - وكان مالك يقول: الله في السماء إلخ، فآثار الافتعال ظاهرة على هذه الزيادة، على أنّ هذه الرواية مما شذّ به عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقول أبيه في ابن نافع الصائغ معروف، وكم فيما يُنْسَب إلى عبد الله ما يضرب به عرض الحائط، وَيرُوج على من لا ينظر إلى ما يدخل في روايات المكثرين عن آبائهم".
__________
(1) (ص 122 - 123).
(2) (ص 71).
(15/339)

أقول: أما عبد الله بن نافع فقال أبو طالب عن أحمد: "لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه". وقال أبو داود عن أحمد: "كان عبد الله بن نافع أعلم الناس برأي مالك وحديثه، وكان يحفظ حديثَ مالك كلَّه [ص 36] ثم دخله بأَخَرةٍ شكّ". قال أبو داود: "وكان عبد الله عالمًا بمالك، وكان صاحب فقه، وكان ربّما أدلّ على مالك". قال: "وسمعت أحمد بن صالح يقول: كان أعلم الناس بمالك وحديثه". وقال ابنُ معين - لما سُئل: مَن الثّبْت في مالك؟ - فذكرهم ثم قال: وعبد الله بن نافع ثبت فيه". وذكر البخاري وأبو حاتم وابن حبان لِينَ حفظه وصحَّة كتابه، ويتلخّص من كلامهم أنه ثقة ثبت في روايته عن مالك، فأما روايته عن غيره فما كان من كتابه فصحيح، وما كان من حفظه ففيه لِيْن.
فأما قول أحمد: "ثم دخله بأخرةٍ شكّ". فالظاهر أن هذا لا يضره هنا، فإن عبد الله توفي سنة 204، وسُريج كبير يروي عن فُلَيح بن سليمان المتوفى سنة 168، مع أنّ الشكّ لا ينافي الضبط، فإنه يبيّن فيما يشكّ فيه أنه شكّ، ولم يشكّ ابن نافع في هذه الرواية.
وأما سُريج فقال ابن معين والعجلي وأبو داود وابن سعد: "ثقة"، زاد أبو داود: "حدثنا عنه أحمد بن حنبل، غَلِط في أحاديث". والمُكْثِر إذا غلط في أحاديث فحكمه أن يحتجّ به فيما لم يتبيَّن غلطه فيه.
وقال الحاكم عن الدارقطني: "ثقة مأمون".
وأما عبد الله بن أحمد فقد مرّت ترجمته (1)، وهو ثقة فاضل وإن رَغِم الجهميةُ.
__________
(1) من "التنكيل": (1/ 284 - 285).
(15/340)

وأما أنه لم يرو أحدٌ من أصحاب مالك عنه مثل هذا، فلم أتتبّع ذلك، ولا أثق بمجازفة الأستاذ! وهب أن الأمر كذلك فلا ضير، فإن عبد الله بن نافع كان أعلمهم بمالك وألْزَمهم له ومِن أثبَتهم فيه.
وأما أن المتواتر عنه عدم الخوض، فذاك فيما يَدِقّ، فأما أن الله في السماء وعلمه في كلّ مكان، أي أنه يعلم كلّ شيء، فهذا صريح الفطرة والعقل، صريح في القرآن والسنن الصحاح.
وأما قول: "ويأتي عنه أيضًا بسنده ما ذُكر هنا بدون زيادة ... ". فالذي جاء بعد ذلك هو: "جعفر بن محمد الصائغ يقول: سمعت [ص 37] سُريج بن النعمان يقول: سمعتُ عبد الله بن نافع الصائغ يقول: كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (1). وهذه رواية مختصرة؛ لأن الرواية الأولى جمعت عِدّة أقوال كما رأيت، فاقتصر الراوي في هذه على بعض تلك الأقوال؛ لأن الحال كان يقتضيه وحده. ومثل هذا كثير من صنيعهم، وقد قدمتُ بعض الكلام في ذلك في ترجمة الخطيب (2).
أما قول الأستاذ: "فآثار الافتعال ظاهرة على هذه الزيادة". فمِن أماني الأستاذ!
وعلق الأستاذ (ص 59) (3) كلامًا في مسألة القضاء بالشاهد واليمين وقد بسطتها في الفقهيات (4).
__________
(1) "الانتقاء" (ص 73).
(2) في "التنكيل" رقم (26).
(3) (ص 107).
(4) من "التنكيل": (2/ 239 وما بعدها).
(15/341)

ثم علّق الأستاذ على ترجمة الشافعي فبدأ (ص 66) (1) بما يتعلّق بنسب الشافعي، وقد مرّ (2).
وعلّق على (ص 67) (3) عند ذِكْر أن الشافعي قَدِم بغداد سنة 195 ثم سنة 198 فقال: "وقَدِم العراق قبلها في عهد طلبه للعلم حين حُمِل مع بعض العلوية من اليمن سنة 184، وإذ ذاك تلقى الفقه عن محمد ... ". وقد تقدّم (4) الكلامُ فيه في هذا، وأثبتنا أن الشافعي في قَدْمته الأولى كان مجتهدًا، وأشرنا إلى بعض مناظراته مع محمد في "الأم" (5). وفي ذلك ما يكفي لكشف تَعْمِية الأستاذ.
وعلّق على (ص 69 وص 74) (6) ما له فيه غرض لا حاجة بنا إلى التشاغُل به.
وعلَّق على (ص 76 - 77) (7) عند ذِكْر ثناء أحمد على الشافعي: "وأما ما يرويه أبو الحسين بن أبي يعلى في "طبقاته" في ترجمة أبي بكر المرّوذي أنه قال: قلت لأحمد: أترى أن يكتب الرجلُ كتبَ الشافعي؟ قال: لا. قلت: أترى أن
__________
(1) (ص 116).
(2) مبحث نسب الشافعي سقط من أول النسخة كما سبق الإشارة إليه، وانظر المبحث في "التنكيل": (1/ 688 - 701).
(3) (ص 117).
(4) (ص 21 وما بعدها).
(5) (ص 24 - 26).
(6) (ص 119 - 125).
(7) (ص 129).
(15/342)

يكتب "الرسالة"؟ قال: لا تسألني عن شيء مُحْدَث، قلت: كتَبْتَها؟ قال: معاذ الله لا نكتب كلامَ [ص 38] مالك ولا سفيان ولا الشافعي ولا إسحاق بن راهويه ولا أبي عبيد.
وما يروونه عنه أيضًا أنه سُئل عن "موطأ مالك" و"جامع سفيان" أيهما أحبّ إليك؟ قال: لا هذا ولا ذاك. وما يرويه أبو موسى المديني في "النُّصح الجلي" بطريق الحسين بن عبد الله عن الأثرم عن أحمد أنه قال: كنت أجالسه - يعني الشافعي - هنا كثيرًا، فلما قدم مصر تغيّر وجاء بالتأويل والرأي. ونحوها = فأخبار تالفة اختلقها الحشويةُ على لسانه لصرف وجوه الأمة عن أئمة الفقه، كما فعلوا مثل ذلك مع أبي حنيفة ... ".
أقول: الذي يسمّيهم الأستاذ "حشوية" ويريد بهم الحنابلة؛ فيهم ثقات أفاضل وفيهم غير ذلك، فإذا كان رجال هذه الحكايات مِن ثقاتهم فإننا نقبلها على الرأس والعين، ونقول: قد ثبت عن أحمد أنه كان يكره كتابة كلامه وكلام غيره، ويرى للعالم أن يكتب السننَ والآثارَ، وينظر في كلام العلماء يستعينُ به على الفهم، فقد لا يكون أحمد كتب شيئًا من كتب الشافعي وإن كان قد سمعَ بعضَها وطالعَ بعضها، وكذلك كُتُب غيره. وقد يكون أحمد يفرّق بين الناس، فلم يَرَ للمرّوذي أن يكتب كتب الشافعي ورخَّصَ لغيره.
وأما قوله في "الموطأ" و"جامع سفيان" فإنما أراد به ما فيهما من المسائل. فأما الأحاديث والآثار فقد كتبها أحمدُ نفسُه وأثبتها في "مسنده" و"زهده".
وأما الرواية الثالثة وفيها: "فلما قَدِم مصر تغيّر وجاء بالتأويل والرأي". فالحسين بن عبد الله إن كان هو ورّاق داود فقد ضعّفه الدارقطني ورُمي
(15/343)

بسرقة الحديث، وإن كان غيره فمجهول كما ذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 2 رقم 1317) (1).
وهب أنّ الحكاية صحّت فقد كان أحمد يكره الكلام في المسائل التي لم تقع، فلا يمتنع أن يكره توسّع الشافعي فيها في كتبه المصرية، ولعله لم يعجبه رجوع الشافعي عن بعض مسائله البغدادية. وليس في ذلك ما ينافي استمراره على ولاء الشافعي والثناء عليه كما ثبت من وجوه كثيرة، وإنما مقصوده بهذا القول - إن كان قاله - التحذير من تقليد الشافعي [ص 39] والإعراض عن الكتاب والسنة، والشافعيُّ نفسُه على هذا، وإنما ألّف تلك الكتب لينتفع الناسُ بها في تعلّم طريق النظر. وهذا المزني يقول في أول "مختصره" (2): "اختصرتُ هذا الكتاب من عِلْم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، ومن معنى قوله؛ لأقرِّبه على من أراده مع إعْلامِيه نَهْيَه عن تقليده غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه".
وللأستاذ في هذا التعليق أغراض:
الأول: الطمع في التخلّص مما رواه ثقات الحنابلة في الكلام في أبي حنيفة وأصحابه.
الثاني: الطمع في التخلّص مما رووه في العقائد.
الثالث: أن يفتن بين الشافعية والحنابلة.
الرابع: أن يحكي شيئًا يرى فيه غضًّا من الشافعي.
__________
(1) (3/ 175 - 176).
(2) (ص 1).
(15/344)

فلينظر الأستاذ كيف خاب أملُه وبان فَشَلُه!
وذكر ابنُ عبد البر (ص 78) (1) ذمَّ الشافعي النظرَ في الكلام، فعلّق عليه الأستاذ: "يعني نظر مثل مخاطبه في مثل كلام حفص الفَرْد، بقرينة السباق والسياق، جمعًا بين الأقوال المرويّة عن الشافعي. ولم يزل السلف ينهون العوام عن الخوض في الكلام لا سيّما في كلام أهل البدعة، ولكلّ علمٍ رجال".
أقول: هذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه، والشافعيُّ وغيره من الأئمة ينهون عن النظر في الكلام مطلقًا، وليس من الكلام إظهار ما تعرفه الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة، وجاءت به نصوصُ الكتاب والسنة وآثار السلف، بدون تعمّق في اللازم، ولازم اللازم، وهلمَّ جرًّا.
والأستاذ يحاول أن يجعلَ أئمة السنة سلفًا وخَلَفًا عامَّةً جُهّالًا في العقائد، ويجعلَ الجَعْدَ بن درهم [ص40]، والجهمَ بن صفوان في أكثر أقواله، وأبا حنيفة فيما يقال، وأتباعه دُعاة المحنة في عهد المأمون، وأتباعَهم كابن الثلجي والأشعري - قبل أن يرجع - والماتريدي وأتباعَهم هم فرسان الكلام، وهم العلماء بالله، حتى أراه يجعلهم أعلم بذلك من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وقد كاد الأستاذ يصرِّح بهذا في بعض تعاليقه، وقد توغّل بعض أئمته إلى أبعد من هذا مما يلزمهم، وهو معروف في محلّه.
وقد قال موسى بن سيار الأسواري في أوائل القرن الثاني: "إن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كانوا أعرابًا جُفاةً فجئنا نحن
__________
(1) (ص 131 - 132).
(15/345)

أبناء فارس فلخّصنا هذا الدين" كما في "لسان الميزان": (6/ 136) (1). وكأني بالأستاذ يقف على هذه المقالة فيقول في نفسه: "صدق"!
وذكر ابن عبد البر (ص 79) (2) عن الشافعي: ما في أهل الأهواء أشْهَد بالزور من الرافضة. فقال الأستاذ: "وهم الخطّابية الذين يستجيزون الكذب على المخالف، وعَدَت عدواها بعض الحمقى من الرواة". يشير إلى ما افتراه ابن السبكي على الحنابلة (3).
وذكر ابن عبد البر (ص 81) (4) عن الشافعي قوله: "الإيمان قول وعمل وعقد، ويزيد وينقص". وفي السند عبيد الله بن عمر البغدادي، فعلّق عليه الأستاذ: " ... يرمى بالرواية عمن لم يلحق ... ليس في موضع التعويل فيما ينفرد به"
وقد اعتمد الأستاذ ما رواه عبيد الله هذا في أن محمد بن الحسن هو الذي خلّص الشافعي من القتل لمّا حُمل إلى بغداد!
وذكر ابن عبد البر في (ص 80 - 81) (5) بعضَ ما يُروى عن الشافعي مما يدلّ على تصديقه بالقدر والرؤية، ثم قال: "هذا هو الصحيح عنه [ص 41] وقد روى عنه بعضُ أهلِ الكلام خلافَ ذلك ولا يصح عنه".
__________
(1) (8/ 232).
(2) (ص 133).
(3) كتب المؤلف بعده: "وقد تقدم الكلام فيه في الباب الثاني" ثم ضرب عليه. وكلام ابن السبكي في "طبقات الشافعية": (2/ 119 و4/ 34).
(4) (ص 134).
(5) (ص 135).
(15/346)

فقال الأستاذ: "لعله يريد القاضي عبد الجبار الهَمَذاني، حيث قال في "طبقات المعتزلة": إن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني أخذ المذهب عن عَمرو بن عبيد. ولا نزاع في كون إبراهيم معتزليًّا. ومسلم بن خالد الزنجي أخذ المذهب عن غيلان بن مسلم الدمشقي، وكان الشافعي تلميذًا لإبراهيم بن أبي يحيى ولمسلم بن خالد، فاجتمع للشافعي رجلان من أهل الحق من القائلين بالعدل والتوحيد: إبراهيم ومسلم. اه. إلى آخر ما ينقله الرازي عنه.
وصِلَته بحفص الفرد وبِشر بن غياث وإبراهيم بن عُليّة صِلَةُ ردٍّ عليهم. وأما أخْذ أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي عنه ببغداد، وكونه أول من خَلَفه هناك، فلا عَتْب به عليه، فكم من تلميذ حاد عن طريقة أستاذه. وما يُروى عن المزني في القرآن فغير ثابت عنه ... وأما التمسّك بأنه لم يُمتحَن غير البويطي مِن أصحابه في القرآن فأوهن (1) من بيت العنكبوت، فإن موافقتهم إنما كانت (2) في اللفظ ولا تثريب في ذلك عليهم".
أقول: ظاهر هذا الكلام لا بأس به، ولكن قد عوّدنا الأستاذ أنه إنما يحوم حول أغراضه، فلا لوم علينا إذا قلنا: قد يكون للأستاذ في هذا الكلام أغراض:
منها: أن يرى الناسُ أنه كما نُسِبت المذاهبُ المستشنعةُ إلى أبي حنيفة فقد نُسبت إلى الشافعي.
ومنها: أن يخيّل للقارئ بجمع هذه الأمور صحّة نِسبة البدعة إلى الشافعي.
__________
(1) الأصل: "فأوهى" والمثبت من كتاب الكوثري.
(2) في تعليق الكوثري: "ما كانت إلا".
(15/347)

ومنها: أن يباعد الشافعيَّ وأصحابَه عن فضيلة القول بخلق القرآن؛ فإنها في زَعْم الأستاذ فضيلة!!
ثم أقول: أما إبراهيم بن أبي يحيى فَقَدريّ، وإنما أخذ الشافعيُّ عنه أحاديث وآثارًا. ولم يزل أهل العلم يروون عن [ص 42] القدريّة. وقد ثبتت براءةُ الشافعي من القدر بعدَّة كلمات منقولة عنه، ولم يُنقل عنه خلافها. وقد جالسه أحمد بن حنبل وغيره فلم يروا من اعتقاده إلا ما يسرّهم.
وأما مسلم بن خالد فلم يثبت عنه القول بالقَدَر.
وأما بِشر المريسي فضالّ مُضلّ، واتفق للشافعي الاجتماع به، فكان يذاكره في الفقه ويعذله في الكلام وينصحه في تركه، فلم يقبل، فهجره الشافعي.
وأما ابن عُليّة فكان الشافعي مهاجرًا له.
وأما حفص الفَرْد فتعرّض للشافعي مرة أو مرتين فكفّره الشافعي.
وقد اجتمع الشافعي ببعض من يغلو في الرأي ويردّ السنن، فناظرهم عدة مناظرات، كما تراه في "الرسالة" و"الأم" و"اختلاف الحديث" فكَسَر الله تعالى به شوكَتَهم، ولم يتعلّق به شيء من أوضارهم.
وأما أبو عبد الرحمن البغدادي فأخذ عن الشافعي الفقه، ثم مال إلى الدنيا في أيام المأمون فوافق الجهمية، والشافعيُّ بريٌّ من بدعته.
وأما المحنة بخلق القرآن فقد صَبَر لها خليفةُ الشافعي، وهو أبو يعقوب البُوَيطي حتى مات في قيوده. فإن كان دُعاة المحنة اكتفوا به لكونه رئيس الجماعة فلم يعرضوا لغيره من أصحاب الشافعي فذاك، وإن كانوا عَرَضوا
(15/348)

لهم، فاتقوا بإظهار القول كما اتقى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره فعذرهم ظاهر.
وعلّق الأستاذ (ص 85 - 87) (1) في مسألة القضاء بشاهد ويمين، وقد بسطناها في الفقهيَّات (2)، وذكر الأستاذ أشياء قد أجاب عنها الشافعي بما لا مزيد عليه.
وعلق الأستاذ على (ص 88) (3) كلامًا في ابن جهضم الذي روى ابن عبد البر من طريقه رؤيا فيها بشارة للشافعي، وههنا استيقظ الحسام القدسي القائم بطبع الكتاب لعقارب الأستاذ فأوقفه عن التعليق - أحوجَ ما كان إليه وأحْرَصَ ما كان عليه - كما نبّه على ذلك في المقدمة إذ قال: "كان الشيخ محمد زاهد الكوثري يصحّح الكتاب ويعلّق [ص 43] عليه، ثم أوقفتُ ذلك في الصفحة 88 لما اطلعتُ عليه مِن دِخْلَة في علمه وعمله ... ".
فلقد أحسن القُدسيّ إلى العلم وأهله وإلى نفسه ومكتبته وإليّ خاصةً؛ إذ كفاني مُؤْنة الردّ على تخرّصات الأستاذ. وههنا أخْتِم ترجمة الإمام الشافعي، فأما فضائله ومناقبه فمعروفة.
__________
(1) (ص 141).
(2) من "التنكيل": (2/ 239 وما بعدها).
(3) (ص 142).
(15/349)

الرسالة الثانية عشرة
شرح حديث: "آية المنافق ثلاث ... "
(15/351)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعلم - وفقني الله وإيّاك - أنّ (إذا) قد تفيد التكرار في نحو قولك: ما لي أرى زيدًا إذا دَخَل عمروٌ قام، وعلامتها أن تحلّ محلها (كلّما) وذلك خاصٌّ بما إذا تجرَّدت عن الاستقبال وصارت للاستمرار، فتدبّر أيُّها الذوَّاق.
إذا تقرّر ذلك فقوله - صلَّى الله عليه وآله وسلم -: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخْلَفَ، وإذا اؤتمن خان" رواه البخاريُّ (1)، وكذا مسلمٌ (2) بزيادة بعد ثلاث: "وإنْ صامَ وصلى وزعم أنَّه مسلم".
ورَوَيا أيضًا (3): "أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كان فيه خَصلة من نفاقٍ حتى يدعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ه.
ف (إذا) فيهما من هذا الباب - أعني -: أنّ المراد مَنْ غلبت عليه هذه الخصالُ أضدادَها فهو منافق؛ لأنه يبعد أن يُحمل الحديث على ظاهره مِنْ عموم هذه الخصال الأربع وانتفاء أضدادها قطعًا، فلم يبقَ إلا أن نحمله على أقرب شيءٍ إلى المحضيّة، وذلك الغلبة.
فنحن نعتقد أنّ هذه الخصال لا تغلب إلا على منافق خالصِ النفاق الشرعي الذي هو خلاف الإيمان.
__________
(1) (33) من حديث أبي هريرة.
(2) (59/ 109) من حديثه أيضًا.
(3) البخاري (34)، ومسلم (58) من حديث عبد الله بن عمرو.
(15/353)

ومعنى الحديثين واحدٌ، فإنّ قوله في الأول: "وإذا وعد أخلفَ" يشمل قوله في الثاني: "وإذا عاهد غدر" فما في الأول مطلقٌ، وما في الثاني مقيَّدٌ.
وقد يقال: يُحمل المطلق على المقيّد - كما هو مقرّر في الأصول - فعليه لا يكون إخلاف الوعد آيةً للنفاق إلا إذا غدر بعهدٍ، وهذا هو الموافق لمذهب الشافعيّة: أنّ الوفاء بالوعد لا يجب.
فأمّا قوله تعالى في الثناء على إسماعيل - عليه السلام -: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] فإنه لا يفيد إلا أنّ ذلك من الخصال المحمودة، وهي تشمل الواجب والمندوب فلا يدلُّ على الوجوب.
ويدلُّ على ذلك قوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "وإذا وعد الرجل أخاه ومِن نيّته أن يفي فلم يفِ ولم يجئْ للميعاد فلا إثم عليه" رواه أبو داود والترمذي عن زيد بن أرقم (1).
ثم قوله فيهما: "وإذا حدّث كذب" يشمل قوله في الثاني: "وإذا خاصم فجر" فهو من عطف المقيّد على المطلق، وذلك يفيدُ مزيد الاهتمام بشأنه.
وبهذا تقرَّر أن معنى الحديثين واحدٌ فلا حاجة لما قاله بعضُهم: "إنّ الشيء قد يكون له علاماتٌ كثيرة" فإنّه يفيد التغاير، والتوفيق بين الحديثين أولى عند العارفين مع أنّه واضحٌ. وقد استفدنا بذلك مسألة نفيسة، ولمّا غفلوا عن نيّة التكرار وقعوا في إشكالٍ حتى قال أكثرُهم: إنّ ذلك خاصٌّ
__________
(1) أبو داود (4995)، والترمذي (2633) وقال: "هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي، علي بن عبد الأعلى ثقة، ولا يُعرف أبو النعمان ولا أبو وقاص وهما مجهولان".
(15/354)

بمنافقي زمانه - عليه الصلاة والسلام -، وهذه دعوى لا دليل عليها.
فأمّا ما رواهُ مقاتل عن الحسن أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم لمّا قال ذلك شغل قلوبَ أصحابه أن يسألوه؛ فأمروا فاطمة ابنته أن تسأله، وذكروا لها شغل قلوبهم، فأخبرت فاطمة النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، فأمر سلمانَ فنادى: الصلاة جامعة، فصعد المنبر ثم قال: "أيُّها الناس إني كنتُ قلتُ لكم: ثلاث من كنَّ فيه فهو منافقٌ، ولم أعنكم به إنّما عنيتُ المنافقين، أمّا قولي: إذا حدث كذب فإنهم أتوني فقالوا لي: إيمانُنا كإيمانك، وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك فأنزل الله تعالى: {إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ...} إلى {.. لَكَاذِبُونَ} وأمّا قولي: "وإذا اؤتمن خان" فإنّ الصلاة والدين كلُّه أمانة فإنهم {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ ...} الآية [النساء: 142]، وفيهم قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ} إلخ [الماعون: 4 - 5]، وأمّا قولي: "وإذا وعد أخلف" فإنّ ثعلبة بن حاطبٍ أتاني وقال: إنّي مولَعٌ بالساعة ولي غُنيمات فادعُ الله أن يبارك لي فيهنَّ، فعليَّ عهدُ الله لأتصدقنَّ وأكوننّ من الصالحين، فدعوتُ الله فَنَمَت وزادت حتى ضاقت عليها الفجاج فسألته الصدقة فبخل بها؛ فأنزل فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ...} الآية [التوبة: 75] " فسُرّي عن الصحابة وتصدّقوا بمالٍ عظيم".
كذا نقلتُ هذا الحديث من "تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن" (1)
__________
(1) (ص70). والحديث أخرجه بطوله الثعلبي في "الكشف والبيان": (5/ 73 - 75)، وذكر الطبري طرفًا منه: (11/ 585).
(15/355)

للحسين بن عبد الرحمن الأهدل، فإن صحَّ فليس فيه إلا أنَّه لم يَعْنِ مخاطبيه، وذلك حقٌّ؛ فإنّهم رضي الله عنهم لم تغلب عليهم تلك الخصال، فأمّا المنافقون فإنها غالبةٌ عليهم، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ...} فإنّ (إذا) فيها مفيدةٌ للتكرار، وكذلك قوله: "فإنّ الصلاة والدين كلّه أمانة ... إلخ". و (إذا) في قوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} مفيدةٌ للتكرار. وأمّا قصةُ ثعلبة فإنّه لم يتكرر منه الغدر بالعهد، لكنّه لما كان لله ورسوله وأصرّ عليه غُلِّظ عليه.
وهذا الحديث - إن صحَّ - فليس بيانًا لاختصاص الحديث السابق بمنافقي زمانه - عليه أفضل الصلاة والسلام - وإنّما هو بيانٌ لمصداقه من القرآن، فإنه تعالى خصَّ بالمنافقين بتكرر أنّهم إذا جاؤوه كذبوا فصارت علامةً لهم، وخصَّهم بالوصف بتكرّر خيانة الأمانة، ومنها الصلاة فصارت علامةً لهم، وحكم على ثعلبة (1) بالنفاق لغدره بالعهد المغلّظ وإصراره عليه فصارت علامةً.
وقصّة ثعلبة تعضد ما قلناه مِن أنّ إخلافَ الوعد لا يكون آية النفاق حتى تكون غدرًا بالعهد، وإذا علمتَ أن الصلاة والدين كلّه أمانة سَهُل عليك الأمرُ، وحقًّا هي أمانة يدلُّ عليها هذا الحديث وغيره كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] إلى غير ذلك من الآيات مع
__________
(1) لا تثبت قصة ثعلبة من وجه يصح، وانظر كتاب "ثعلبة من حاطب الصحابي المفترى عليه" لعداب الحمش.
(15/356)

قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (1).
رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (2) عن أنس قال: قلّما خطَبنا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إلاّ قال.
بل ظاهر هذا الحديث أنّ كلاًّ من الخيانة والغدر بالعهد كفرٌ على حِدَته.
وأمّا قول من قال: "المقصود بالنفاق النفاق اللغوي وهو مخالفة الباطن للظاهر" (3).
فيقال له: كلامُ الشارع محمولٌ على اصطلاحه، ولا يحمل على خلافه إلا بدليلٍ ولا حاجة إليه.
فخلاصة البحث: أنّ من غلب عليه الكذب في الحديث، والغدرُ بالعهد، والخيانةُ بالأمانة مهما كانت = فهو منافقٌ خالصٌ. لا يقال: إنّ الحديثين مُطْلِقان للأمانة وحديث مقاتل عن الحسن - إن صحّ - مقيِّدٌ لها بالدِّين فيُحْمَل المطلق على المقيّد؛ لأننا نقول: إنّما يُحْمَل المطلق على المقيَّد إذا كان ذكرُ المقيّد تأصيلاً، كذكر الغدر بالعهد في الحديث الثاني، وأمّا إذا ذُكِر تمثيلاً كحديث مقاتل فلا؛ لأنّه إنّما استدل على أنّ خيانة الأمانة
__________
(1) أخرجه أحمد (12383)، وأبو يعلى (2863)، وابن حبان (194)، والبيهقي (6/ 288) وغيرهم من حديث أنسٍ رضي الله عنه. وسنده حسن.
(2) (4045) وليس فيه هذا اللفظ، وهو في "سننه الكبرى": (6/ 288)، وفي "مسند أحمد".
(3) انظر "إكمال المعلم": (1/ 222) للقاضي عياض.
(15/357)

من آيات النفاق بأنّ الله تعالى خصَّ المنافقين بتضييع الصلاة ونحوها، وهي من الأمانة، فتدبّر.
على أنّه ما مِن واحدة من الثلاث إلا وقد ورد أنّها كفرٌ؛ فأمّا الخيانة والغدر بالعهد فقد مرّ حديث البيهقي، وأمّا الكذب فقوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] (1)، مع الحديث [الذي] (2) رواه مالكٌ والبيهقي في "شعب الإيمان": "أيكون المؤمن كذابًا" (3). والحديث الآخر وفيه: "أيكذب المؤمن؟ " قال: "لا، {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ...} الآية" (4) وهو في "منتخب كنز العمال" وله طرقٌ. وحديث أحمد والبيهقي: "يطبع المؤمن على الخلال
__________
(1) وعنه صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث رواه أبو داود [3599] قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك ثلاث مرات ثم قرأ: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30 - 31]. [المؤلف].
(2) زيادة ليستقيم السياق.
(3) مالك في "الموطأ" (2832)، والبيهقي في "الشعب" (4472) من حديث صفوان بن سليم مرسلًا.
(4) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (474) و"مكارم الأخلاق" (140)، والطبري في "تهذيب الآثار": (مسند علي - 224) وغيرهم من طريق يعلي بن الأشدق عن عبد الله بن جراد عن أبي الدرداء. قال الذهبي في "الميزان": عبد الله بن جراد مجهول لا يصح خبره؛ لأنه من رواية يعلي بن الأشدق الكذَّاب.
(15/358)

كلها إلا الخيانة والكذب" (1)، وقوله: "يُطْبَع المؤمن" يدلّك على ما قلناه من شرط التكرار، ومثله قوله في حديث متفق عليه (2): "وما يزال الرجل يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذابًا" (3).
__________
(1) أحمد (22170)، وابن أبي عاصم في "السنة" (101) من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبي عاصم (102)، والبيهقي في "الشعب" (4471) وغيرهم من حديث ابن عمر. وله شواهد أخرى، وكلها لا تخلو من ضعف. انظر "السلسلة الضعيفة" (3215).
(2) البخاري (6094)، ومسلم (2607) واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(3) وأمّا قولهم في إخوة يوسف إنّ أباهم ائتمنهم على يوسف فخانوه ووعدوه بحفظه وأخلفوا وحدّثوه بأنّ الذئب أكله فكذبوا.
فنقول: أمّا الخيانة فوقعت، وكذا الكذب ولكن ذلك لم يتكرر منهم فضلاً عن أن يغلب عليهم، وأمّا إخلاف الوعد فقد قررنا أنه لا يكون آيةً للنفاق إلا أن يكون غدرًا بالعهد وقد رأيت حين أخذ عليهم أبوهم الموثق كيف حافظوا عليه فارتفع الإشكال، ولله الحمدُ.
ثم إنَّ قصتهم هذه ممّا يُشكل على مذهب القائل: إنّ الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها:
فأولاً: يُنظر هل هم أنبياء أم لا؟
نقول: إنّهم أنبياء لقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136]، وقوله جل شأنه: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [النساء: 163] إلى غير ذلك. ثم واقعتهم مع يوسف كانت قبل النبوة لقوله فيها: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)}.
وعلى هذا فيبقى الإشكال على قول إنّ الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها. وأمّا المعصية التي ارتكبوها فالظاهر أنّها كبيرة, ولا يتخرّج هذا إلا على قول من قال: =
(15/359)

ثم اعلم أن نقائض هذه الخصال من شعب الإيمان كما تدلّ على ذلك آيات القرآن، كقوله تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3] وقوله - جلّ شأنه - في صفة عباده: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] إلى غير ذلك.
وهذا آخر ما استرسل به القلم في هذا البحث، وفقنا الله تعالى لما يحبه ويرضاه، وجنَّبنا ما لا يحبه ويرضاه. وفقنا الله للإيمان، وجنّبنا مداحض الخذلان، وحَفِظَنا من الخسران، وأعاذنا من الشيطان، وكتب لنا النجاة من النيران، والخلود في الجنان في الرَّوح والريحان، والفضل والرضوان. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد سيّد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان. والحمد لله رب العالمين.
والله وليُّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
__________
=إنّهم قبل النبوة غير معصومين، وهذا قول خطرٌ، فالأولى التوقّف حتى يبيّن الله تعالى الحقَّ في ذلك.
والله وليُّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [لمؤلف].
تنبيه: من قوله: "ثم إنّ قصتهم ... " إلخ، وُجد بآخر الرسالة والظاهر أنها متعلقة بما تقدم في الحاشية من مسألة إخوة يوسف وما جرى لهم.
(15/360)

الرسالة الثالثة عشرة
التعليق على "الأربعين في التصوف" للسلمي
(15/361)

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإنه عَرَض عليَّ مجلسُ (دائرة المعارف العثمانية) كتاب (الأربعين في التصوّف) لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلَمي النيسابوري، وهو كتاب يشتمل على أربعين حديثًا تتعلق بالتصوّف، فقرَّر المجلس طَبْعه في مطبعة الدائرة، وأن يُرتّب ويُطبع معه تعليق يتضمّن النظرَ في حال تلك الأحاديث صحةً أو ضعفًا، فأُمِرتُ بترتيب ذاك التعليق، فحاولت أن أقوم بما تيسّر لي من ذلك، وأقدِّم قبل ذلك التنبيهَ على أمور:
الأول: رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم حديثٌ لفظه: "مَن حفظ على أمتي أربعين حديثًا من السنة كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة" (1). قال النووي (2): "اتفق الحفّاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه". فعمل جماعةٌ بما فهموه من هذا الحديث، فجمع كل منهم أربعين حديثًا في مؤلَّف.
__________
(1) هذا الحديث له طرق كثيرة وألفاظ متعددة، خرّجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (161 - 184) من طريق ثلاثة عشر صحابيًّا، وضعَّفه من جميع طرقه، واتفقت كلمة الحفاظ على تضعيفه. وانظر "المقاصد الحسنة" (ص 411)، و"البدر المنير": (7/ 278).
(2) في خطبة "الأربعين" (ص 5).
(15/363)

وقد ذكر صاحب "كشف الظنون" (1) طائفة كثيرة من الأربعينات، وذكر عن النووي أنّ أول مَن عَلِمه عَمِل ذلك: عبد الله بن المبارك المتوفي سنة 188، ثم تعدّى الأمر إلى غير الحديث، فألّف فخر الدين الرازي المتوفي سنة [606] (2) مؤلّفًا في علم الكلام يشتمل على أربعين مسألة، وسمَّاه "كتاب الأربعين في أصول الدين". وقد طُبع في دائرة المعارف سنة [1353] (3).
الأمر الثاني: الأحاديث المرويّة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما حقّه أن يُحكم بثبوته.
الثاني: ما حقّه أن يُحكم ببطلانه.
الثالث: ما هو على الاحتمال، لا يترجّح فيه جانب الثبوت ولا جانب البطلان.
وكان المتثبّتون من أئمة الحديث يحتاطون في الرواية، فيروون ما تبيّن لهم أنه من القسم الأول، ولا يروون ما تبيَّن أنه من القسم الثاني إلا إذا احتاجوا إلى بيان بطلانه أو جرح راويه، أو تعليل حديثٍ آخر به، أو نحو ذلك، فحينئذٍ يروونه ويبيّنون بطلانه.
وأما القسم الثالث، فإن كان فيه حُكم أو سُنَّة لم تثبت بغيره لم يرووه إلا مع بيان أنه لا يصلح للحجة وحده، وإن كان على خلاف ذلك تسهَّلوا في
__________
(1) (1/ 52 - 61).
(2) ترك المؤلف سنة وفاته بياضًا.
(3) ترك المؤلف سنة الطبع بياضًا.
(15/364)

روايته، وذلك كأنْ يكون فيه حُكْم أو سُنَّة ثابتة بغيره، أو يكون فيه ترغيب في عمل ثابت، كالصلوات الخمس وقيام الليل وصيام رمضان، أو تنفير عما ثبتت حُرمته، كالزنا والربا وشرب الخمر. وقد عقد الخطيب البغداديّ لهذا المطلب بابًا في "الكفاية" ص 133.
وكان الأئمة كما يحتاطون في أنفسهم يبينون لمن دونهم من الرواة الذين لا يتمكّنون من التمييز، فيقولون: لا ترووا عن فلان، أو: لا ترووا عن فلان إلا ما كان في الرقائق، ويقولون للراوي: لا تروِ هذا الحديث. ثم كثُر التساهل من جهتين:
الأولى: قول بعض المتأخرين: إنه يجوز العمل بالحديث الضعيف، وزاد غيره فقال: بل يُستحبّ، وقد كشف غلط هؤلاء أبو إسحاق الشاطبي في "الاعتصام" ج 1 ص 303 - 308.
الجهة الثانية: تساهل الحُفَّاظ في رواية كل ما سمعوه بلا بيان، وإن كان من القسم الثاني فضلًا عن الثالث. وكانوا يعتذرون بأنهم لم يلتزموا الصحة، وقد بيَّنوا الأسانيد، فمَن أحبّ معرفة صحة الحديث أو بطلانه أو ضعْفه فعليه أن ينظر في إسناده ويسأل العلماء.
وأُلفت على هذه الطريقة كثير من المؤلفات، ثم جاء قوم فحذفوا الأسانيد واقتصروا على جمع الأحاديث منسوبةً إلى الكتب المسندة فيها، ثم جاء آخرون فأخذوا كثيرًا من تلك الأحاديث فضمّنوها مؤلفاتهم غير مسندة ولا منسوبة.
[ص 2] والسُّلمي أورد في "الأربعين" الأحاديث بأسانيدها، وفيها من الأقسام الثلاثة كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(15/365)

الأمر الثالث: لا يلزم من ضعف السند ضعف الحديث لاحتمال أن يكون ثابتًا بإسنادٍ آخر، وقد لا يكون ثابتًا ولكن معناه ثابت بدليل آخر من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وكذلك لا يلزم من ثقة رجال الإسناد وثبوت أنَّ كلًّا منهم قد لقي شيخَه أن يكون الحديث صحيحًا، لاحتمال أن يكون هناك خطأ أو غلط لو فتَّش عنه العارفُ الماهرُ لوَجَده.
فلهذا كان الواجب على مَن يتكلّم في الأحاديث ولم يبلغ درجة التحقيق أو لم يعمل بِحَسَبها أن يحتاط فيقول في التضعيف: "لا يصح بهذا السند"، "في سنده فلان وهو ضعيف" أو نحو ذلك. ويقول في التصحيح: "رجاله ثقات" أو "رجاله رجال الصحيح" أو نحو ذلك، فإذا كان بعض الأئمة قد ضعَّف الحديث أو صحّحه أحال عليه.
الأمر الرابع: الإنسان مُولَعٌ بالحرص على التفوّق بأن يُظهر أن عنده ما ليس عند غيره، فرواة الحديث يحرصون على شيئين:
الأول: علوّ الإسناد، بأن يكون الحديث عند الرجل بوسائط أقل مما عند نُظرائه، كأن يكون بينه وبين النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أربعة، وبين نُظرائه وبين النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أكثر من ذلك.
الثاني: الغرابة، كأن يكون عنده أحاديث لا توجد عند غيره، أو تكون عنده وعندهم من وجوه مشهورة، وهي عنده من أوجهٍ أخرى ليست عندهم.
وكثيرًا ما جرّ الحرص على العلوّ والغرابة إلى تقديم الصحيح على الأصح، والضعيف على الصحيح، والغلط على الصواب، والباطل على
(15/366)

الثابت، بل جرَّ بعضَ لا خير فيه إلى الكذب، وأوقع بعضَ أهلَ الصدق في أن اتُّهم بالكذب، ومنهم السلميّ؛ فإن أكثر مطالبه التي ترجم بها في "الأربعين" استدلّ عليها بأحاديث واهية - كما ستراه - وقد كان يمكنه أن يستدلّ بما هو أثبت منها، كما سأنبّه على بعضه، ولكن الحرص على العلوّ والغرابة أوقعه في اختيار تلك الواهيات.
الأمر الخامس: إذا كان الحديث صحيحًا فلا بدّ أن يكون مرويًّا في القرون الأولى كما هو واضح، لكن كانت الأحاديث أولاً منتشرة، فقد يكون الحديث مرويًّا معروفًا عند أهل الشام ولم يبلغ أهلَ اليمن مثلًا، وقِس على ذلك، فلم يزل أهل الحديث يرحلون ويجمعون، حتى كان في أوائل القرن الثالث أئمة لا يكاد يوجد حديث صحيح لا يعرفونه, كالإمام أحمد ويحيى بن معين ثم البخاري وأبو حاتم وأبو زُرعة، وحينئذٍ أُلّفت الكتب من مسانيد ومصنفات. فإذا وُجِد في كتب المتأخرين حديث لا يوجد في كتب المتقدمين فتلك علامة ظاهرة على وهنه، فإما أن يكون كذبًا خطأً أو عمدًا، وإما أن يكون مما تركه المتقدمون عمدًا لعلمهم ببطلانه.
الأمر السادس: الأحاديث التي لا توجد إلا في التواريخ وكتب الرجال عامتها ضعيفة جدًّا؛ لأن أهل التواريخ إنما يذكرونها غالبًا للطعن علي الراوي الذي تفرَّد بها؛ ولهذا الأمر والذي قَبْله قال السيوطي في مقدمة " جمع الجوامع" (1) كما نقله علي المتقّي في مقدمة "كنز العمال" (2): أن ما نَسبَه إلى كتاب "الضعفاء" للعُقيلي، أو "الكامل" لابن عدي، أو "تاريخ
__________
(1) (1/ 44 - ط الأزهر).
(2) (1/ 10).
(15/367)

بغداد" للخطيب، أو "تاريخ دمشق" لابن عساكر، أو "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي، أو "تاريخ نيسابور" للحاكم، أو "تاريخ ابن الجارود" أو إلى "مسند الفردوس" للديلمي = "فهو ضعيف، فيُستغنَى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه".
الأمر السابع: المؤلفون في استدلالهم بالأحاديث على قسمين:
الأول: مَن يكون اعتقاده مبنيًّا على دليل يريد أن يبيّنه، فيذكر المسألة ثم يذكر الدليل الذي لأجله اعتقد ما اعتقد.
الثاني: مَن يكون اعتقاده مبنيًّا [3] على أمر آخر، ويريد أن يستدلّ عليه بالحديث، وذلك كالمقلّد يعتقد المسألة تقليدًا ثم يحاول الاستدلال بالحديث. فالأول بمنزلة القاضي العادل، والثاني بمنزلة المدعي أو المحامي عنه؛ ولهذا يغلب في القسم الأول صحة الدليل وصحة دلالته، ويكثر في الثاني خلاف ذلك. والسلميّ من القسم الثاني كما سيتبيّن لك، والله المستعان.
وأَشْرعُ في الكلام على الأحاديث بحسب ترتيبها.
(15/368)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلَّى الله على سيدنا محمد وسلم.
أخبرني شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله، عن أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن أبي المجد قراءة قال: أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم ابن النشو إجازة، أنا أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن رواج، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي، أنا أبو الطيب طاهر بن المسدد الجنزي، أنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن النيسابوري، أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي رحمه الله قال (1).

[1] باب الدليل على أن الصوفية هم رُفقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أخبرنا محمد بن محمد بن سعيد الأنماطي ثنا الحسن بن علي بن يحيى بن سلام ثنا محمد بن علي الترمذي ثنا سعيد بن حاتم البلخي ثنا سهل بن أسلم عن خلاد بن محمد عن أبي حمزة السكري عن يزيد النحوي عن عكرمة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا على أصحاب الصُّفّة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: "أبشروا يا أصحاب الصُّفة من بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيًا بما فيه فإنه من رُفقائي يوم القيامة".

قال المعلمي:
رجال السند بين المؤلف وبين أبي حمزة السُّكّري لم أعرفهم إلا محمد بن عليّ الترمذي، وهو الحكيم الترمذي المشهور، ترجمته في
__________
(1) بعدها في (ط): " [اتصل] هكذا بين معكوفين، ولم يتضح لي المراد منها.
(15/369)

"لسان الميزان" ج 5 ص 308 (1)، والحديث في "كنز العمال" ج [16577] (2) نَسبَه إلى "تاريخ بغداد" (3) فقط. وقد تقدّم في الأمر السادس من المقدمة (4) قول السيوطي: إن ما ينسبه إلى "تاريخ بغداد" أو إلى "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي فهو ضعيف (5).
****

[2] باب من صفة الفقراء
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن متويه البلخي ثنا فهدي بن جَسْنَسْفَنَّة ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني ثنا الوازع بن نافع عن أبي سلمة:
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حوضي ما بين عدن إلى عَمّان؛ شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، وأول مَن يَرِدُه صعاليك المهاجرين"، قلنا: ومَن هم يا رسول الله؟ قال: "الدُّنْس الثياب، الشُّعْث الرؤوس، الذين لا تُفْتَح لهم أبواب السُّدَد، ولا يزوَّجون المنعّمات، الذين يُعطُون ما عليهم ولا يُعطَون ما لهم، وليأتينَّ أقوام فيقولون: أنا فلان بن فلان ولأقولن: إنكم بدّلتم بعدي".
__________
(1) (7/ 386 - 389 - ط المحققة).
(2) ترك المؤلف بقية الإحالة غفلًا فأكلمته برقم الحديث فيه.
(3) (13/ 276) أخرجه من طريق السلمي.
(4) (ص 367).
(5) والحديث أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس". وذكره الألباني في "السلسلة الضعيفة" (1589) وقال: ضعيف جدًّا مظلم ...
(15/370)

قال المعلمي:
في سنده الوازع بن نافع، ضعيف جدًّا. قال فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو داود: "ليس بثقة". والكلام فيه كثير، راجع ترجمته في "لسان الميزان" ج 6 ص 213 (1).
لكن قد جاء الحديث مع اختلاف غير كثير من غير طريقه. راجع "مسند أحمد" ج 5 ص 275 (2)، و"المستدرك" ج 4 ص 184 (3).
****

[3] باب استعمال الخُلُق ولو مع الكفار
أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ثنا علي بن محمد بن الفرج الأهوازي ثنا سليمان بن الربيع الخزاز ثنا كادح بن رحمة عن أبي أمية بن يعلى عن سعيد بن أبي سعيد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوحى الله سبحانه وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام: إنك خليلي، حَسِّن خُلقك ولو مع الكفار تدخل
__________
(1) (8/ 367).
(2) رقم (6162) من حديث عبد الله بن عمر.
(3) راويه عن أبي سلمة - وهو الوازع - مُجمع على ضعفه، فقد روى أحاديث موضوعة. لكن أخرج هذا الحديث الترمذي (2444)، وأخرجه ابن ماجه (4303) وأحمد (22367)، والطيالسي في "مسنده" (1088) ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (10003)، والحاكم في "المستدرك": (4/ 184) وغيرهم من طرقٍ عن محمد بن مهاجر عن العباس بن سالم عن أبي سلام ممطور الحبشي. قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ونحوه قال الطبراني في "الأوسط"، وحسَّن إسناده البزار، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
(15/371)

مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حَسُن خلقه، أظِلُّه تحت عرشي وأُسكنه حظيرة قدسي، وأُدْنيه من جواري".

قال المعلمي:
في سنده ثلاثة في نَسَق ضعفاء جدًّا.
الأول: أبو أمية إسماعيل بن يعلى الثقفي. قال فيه ابن معين: "متروك الحديث"، وقال البخاري: "سكتوا عنه". وراجع "لسان الميزان" ج 1 ص 445 (1).
الثاني: سليمان بن (2) الربيع النهدي. تركه الدارقطني وقال: "ضعيف". راجع "لسان الميزان" ج 3 ص 91 (3).
الثالث: كادح بن رحمة. قال فيه ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة ولا يُتابع في أسانيده ولا في متونه". وقال الحاكم وأبو نعيم: "روى عن مِسْعر والثوري أحاديث موضوعة". راجع "لسان الميزان" ج 4 ص 480 (4) (5).
__________
(1) (2/ 186).
(2) وقع في الأصل: "بن أبي" سبق قلم.
(3) (4/ 152).
(4) (6/ 407).
(5) ذكر السخاوي في تخريجه (3) أن كادحًا ضعيف جدًّا لكن لم ينفرد به, فقد رواه الطبراني في "الأوسط" وعنه أبو نعيم في "الأربعين".
قال الطبراني: لا يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد.
قال: ومداره على إسماعيل بن يعلي بن أُمية, وهو ضعيف عندهم.
(15/372)

[4] باب فيمن تخلّى من جميع ماله ثقةً بالله عزَّ وجلَّ
أخبرنا أبو الحسن محمد [بن محمد بن الحسن] بن الحارث الكارزي أنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:
سمعت عمر يقول: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا كان عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ماذا أبقيتَ لأهلك؟ " قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: "يا أبا بكر، ماذا أبقيتَ لأهلك؟ " قال: الله ورسولَه، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.

قال المعلمي:
الحديث في "سنن أبي داود" ج 4 ص 235 (1) في كتاب الردة (2)، و"سنن الترمذي" ج 2 ص 292 (3). وقال: "حديث حسن صحيح"، و"المستدرك" ج 1 ص 414 وقال: "صحيح على شرط مسلم" وأقرّه الذهبي (4) (5).
__________
(1) (1678). كتب المؤلف فوقها بقلم الرصاص: "الهند سنة 1371" يقصد تاريخ طبعة السنن التي يعزو إليها.
(2) "في كتاب الردة" ملحقة بقلم الرصاص بخط المؤلف.
(3) (3675). كتب المؤلف فوقها بقلم الرصاص: "مصر سنة 1393" يشير إلى سنة طبع نسخته من الترمذي.
(4) قال السخاوي: مسلم لم يخرج لهشام بن سعد أصلًا، إنما أخرج له متابعة. لكن قال البزّار (1/ 394): وهشام لم أر أحدًا يتوقّف في حديثه لعلّة توجب التوقّف. وكتب المؤلف بعده بقلم الرصاص: "قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا".
(5) وأخرج الحديث الدارمي في "مسنده" (1701)، وابن أبي عاصم (1240)، والضياء في "المختارة"، وغيرهم.
(15/373)

[5] باب في جواز الكرامات للأولياء
أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ ثنا أحمد بن عبد الوارث بن جرير العسال بمصر أنا الحارث بن مسكين أنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع:
عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه بعث جيشًا فأمَّر عليهم رجلًا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب فجعل يصيح: يا ساريةَ الجبل، يا ساريةَ الجبل. فقَدِم رسولٌ من الجيش، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، فإذا صائح يصيح: يا سارية الجبل، فاسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله تعالى، فقلنا لعمر: كنت تصيح بذلك.
قال ابن عجلان: وحدثني إياس بن معاوية بن قرة أنا عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا أيوب بن محمد الوزان ثنا خطاب بن سلمة الموصلي ثنا عمر (1) بن أبي الأزهر عن مالك بن أنس عن نافع:
عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه خطب يومًا بالمدينة فقال: يا سارية الجبل من استرعى الذئب فقد ظلمه، فقيل: يذكر السارية والسارية بالعراق فقال الناس لعلي رضي الله عنه: ما سمعت [عمر] (2) يقول: يا سارية وهو يخطب على المنبر؟ فقال: ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شيء إلا خرج منه، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى قدم سارية فقال: سمعت صوتَ عمرَ فصعدت الجبلَ.
__________
(1) في المصادر: "عمرو". وعمرو بن الأزهر ممن رُمي بالوضع.
(2) في المطبوعة "عمن" والتصحيح من هامشها.
(15/374)

قال المعلمي:
القصة بالسند الأول أخرجها البيهقي في "الدلائل" (1) وجماعة، ذكر ذلك ابن حجر في ترجمة سارية من "الإصابة" (2) وقال: "وهذا إسناد حسن". وفي السند يحيى بن أيوب الغافقي صدوق يخطئ لا يحتجّ بما ينفرد به. راجع ترجمته في "الميزان" ج 3 ص 282 (3)، و"تهذيب التهذيب" ج 11 ص 186.
ورويت القصة من وجوه أخرى ضعيفة كما في "الإصابة".
وأما السند الثاني (4) ففيه خطاب بن سلمة وشيخه لم أعرفهما (5).
****

[6] باب استعمال مكارم الأخلاق والحث على الإنفاق كراهية الادخار والوقوف عند الشبهات
أخبرنا إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء ثنا أبو الطيب الزراد المنبجي، ثنا هلال بن العلاء ثنا عمر بن حفص ثنا حوشب ومطر عن الحسن:
عن عمران بن حصين قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطرف عمامتي من ورائي ثم قال: يا عمران، إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار، فكُلْ وأطعم ولا تصره صرًّا
__________
(1) (6/ 370) من طريق السلمي. وذكر الحافظ معه اللالكائي في "شرح السنة" والديرعاقولي في "فوائده" وابن الأعرابي في "كرامات الأولياء".
(2) (3/ 6).
(3) (4/ 362).
(4) أخرجه اللالكائي في "كرامات الأولياء" (67)، والخطيب في "الرواة عن مالك".
(5) وللقصة شواهد أخرى. انظر "المقاصد الحسنة" (ص 474).
(15/375)

فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله يحب البصر النافذ عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية.

قال المعلمي:
الحديث في "كنز العمال" ج 3 ص 313، نسَبه إلى "تاريخ ابن عساكر" (1) فقط، وقد تقدم في الأمر السادس من المقدمة (2) قول السيوطي: إن ما كان كذلك فهو ضعيف.
وفي السند عمر بن حفص لم أعرفه، وفي الضعفاء بهذا الاسم جماعة، والله أعلم (3).
****

[7] باب في صفة المؤمنين وصفة العلماء
أخبرنا أحمد بن محمد القحطي التاجر ثنا محمد بن أحمد بن ثوبان ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا أبو الصلت الهروي ثنا يوسف بن عطية عن قتادة عن الحسن:
__________
(1) (52/ 138).
(2) (ص 7).
(3) والحديث أخرجه البيهقي في "الزهد"، وأبو نعيم في "الأربعين".
قال البيهقي: تفرّد به عمر بن حفص. وقال السخاوي في "تخريجه": "لكن العلاء والد هلال قال فيه أبو حاتم: "منكر الحديث، ضعيف" وقال ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج به، وكذا ضعَّفوا شيخه عمر بن حفص. وأما رواية الحسن عن عمران فجزم ابن معين وابن المديني وأبو حاتم وآخرون بأنه لم يسمع منه وهو المعتمد".
(15/376)

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلِّي ولكن ما وَقَر في القلب وصدَّقه العمل، والعلم علمان: علم باللسان وعلم بالقلب، فعلم القلب النافع وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم.

قال المعلمي:
في سنده ضعيفان:
الأول: أبو الصلت الهروي، واسمه عبد السلام بن صالح، أثنى عليه ابن معين ووهّنه الأكثرون. قال النسائي: "ليس بثقة"، وقال أبو حاتم: "لم يكن بصدوق وهو ضعيف" وضرب أبو زرعة على حديثه وقال: لا أحدِّث عنه ولا أرضاه. راجع "الميزان" ج 2 ص 139 (1)، و"تهذيب التهذيب" ج 6 ص 319، وفيه ج 7 ص 388 عدة مناكير الحَمْلُ فيها على أبي الصلت. وراجع كتاب ابن أبي حاتم ج 3 قسم 1 ص 48 رقم 357.
والثاني: يوسف بن عطية بن ثابت الصفّار. قال فيه ابن معين وأبو داود "ليس بشيء" وقال [ص 4] البخاري: "منكر الحديث" وقال أبو حاتم وأبو زرعة والعجلي والدارقطني: "ضعيف الحديث". وراجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 11 ص 418.
والحديث قطعتان:
الأولى: إلى قوله: "وصدّقه العمل" ذكرها السيوطي مفردة في "الجامع الصغير" (2) ونَسَبها إلى "تاريخ ابن النجّار" و"مسند الفردوس"، وقد مرّ في
__________
(1) (3/ 330).
(2) (5/ 355 - مع شرحه "فيض القدير").
(15/377)

الأمر السادس من المقدمة (1) ما يعلم منه أن مثل ذلك ضعيف.
القطعة الثانية: قوله: "العلم علمان ... " إلخ نسبها في "الجامع الصغير" (2) إلى ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي، وأنها عندهما عن الحسن البصري مرسلًا، ونسبَها أيضًا إلى "تاريخ بغداد"، وأنها فيه من حديث جابر. وفي شرح الجامع الصغير ج 2 ص 439: "قال المنذري: حديث صحيح" يعني القطعة الثانية، والله أعلم.
ثم رأيت القطعة الثانية في "تاريخ بغداد" ج 3 ص 346 من طريق يحيى بن يمان عن هشام عن الحسن عن جابر. والحديث في مصنّف ابن أبي شيبة رواه عن ابن نُمير عن هشام عن الحسن مرسلًا، وهذا أصحّ، يحيى بن يمان تغيّر حفظه وكثر خطاؤه، كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ج 11 ص 306، وعبد الله بن نُمير أثبت منه بكثير، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 6 ص 57 (3).
****

[8] باب في الاكتفاء من الدنيا بأقلّ القليل وكراهية مخالطة الأغنياء
أخبرنا إبراهيم بن أحمد بن محمد البزاري أنا الحسن بن سفيان ثنا مخلد بن محمد ثنا سعيد بن محمد الوراق عن صالح بن حسان الأنصاري عن عروة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أردْتِ اللحوق بي فليكْفِك من الدنيا بقدر زاد الراكب، وإياك ومخالطة الأغنياء".
__________
(1) (ص 367).
(2) (4/ 512 - مع شرحه).
(3) وانظر تخريج السخاوي (7).
(15/378)

قال المعلمي:
في سنده صالح بن حسّان قال فيه الإمام أحمد وابن معين: "ليس بشيء"، وقال البخاري وأبو حاتم: "منكر الحديث". راجع "تهذيب التهذيب" ج 4 ص 384.
والحديث ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (1) وأعلّه بصالح بن حسان. راجع "اللآلئ المصنوعة" ج 2 ص 173 (2).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ج 4 ص 312 من وجهٍ آخر عن سعيد بن محمد الورّاق عن صالح بن حسّان وقال: "صحيح الإسناد" تعقّبه الذهبي فقال: "قلت: الورّاق عدم" يعني أنه شديد الضَّعْف.
أقول: وصالح بن حسّان مثله أو أضعف.
أخرجه الترمذي في آخر كتاب اللباس (3) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسّان، سمعت محمدًا يقول: صالح بن حسّان منكر الحديث، وصالح بن [أبي] حسّان الذي روى عنه ابنُ أبي ذئب ثقة ... إلخ.
****
__________
(1) (1618).
(2) (2/ 323).
(3) (1780).
(15/379)

[9] باب في القناعة
أخبرنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب الأصم ثنا الربيع بن سليمان ثنا أسد بن موسى ثنا أبو بكر الداهري ثنا ثور (1) بن يزيد عن خالد بن مهاجر:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ابنَ آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابنَ آدم لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، إذا أصبحتَ معافًى في جسمك، آمنا في سِرْبك, عندك قوت يومك؛ فعلى الدنيا العفاء".

قال المعلمي:
في سنده أبو بكر الداهري، واسمه عبد الله بن حكيم، قال فيه الإِمام أحمد وابن المديني: "ليس بشيء"، وقال ابن معين والنسائي: "ليس بثقة". وراجع ترجمته في "لسان الميزان" ج 3 ص 277 (2)، والحديث في "كنز العمال" [7081] (3) منسوبًا إلى "كامل ابن عديّ" (4) وغيره (5).
****

[10] باب في طلب المدعين بصحة دعواهم
أخبرنا علي بن الفضل بن محمَّد بن عقيل ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان
__________
(1) (ط): "سرير" والتصحيح من هامشها كما في نسخة من الأربعين.
(2) (4/ 464).
(3) تركه المؤلف بياضًا، فأضفنا الرقم.
(4) (4/ 140).
(5) والحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (8875) والبيهقي في "الشعب" (9876) ولكنه عند الطبراني من حديث عمر، فإن كان كذلك فهو منقطع، وللحديث شواهد.
(15/380)

الحضرمي ثنا محمَّد بن العلاء ثنا زيد ثنا ابن لهيعة ثنا خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن محمَّد بن أبي الجهم:
عن الحارث بن مالك رضي الله عنه أنه مرّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "كيف أصبحت يا حارثة"، فقال أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقال: "انظر ما تقول إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عَزفَتْ نفسي عن الدنيا كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون، فقال: "يا حارثة عرفت فالزم" قالها ثلاثًا.

قال المعلمي:
في سنده ابن لهيعة واسمه عبد الله مشهور بالضعف، راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 5 ص 373.
وللحديث طُرق أخرى (1). راجع "الإصابة" (2) ترجمة الحارث بن مالك بن قيس، وفيها عن ابن صاعد: "هذا الحديث لا يثبت موصولاً".
****

[11] باب المجاهدة في استواء السر مع الظاهر
أخبرنا أبو عمرو محمَّد بن محمَّد بن أحمد الرازي ثنا علي بن سعيد العسكري ثنا عباد بن الوليد ثنا أبو شيبان كثير بن شيبان ثنا الربيع بن بدر عن راشد بن محمَّد قال:
قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة من يرى الناس فيه خيرًا ولا خير فيه".
__________
(1) فقد رُوي من حديث أنس بن مالك، ومن مرسل زيد السلمي وزبيد اليامي. راجع تخريج السخاوي (10).
(2) (1/ 596).
(15/381)

قال المعلمي:
الحديث في "الجامع الصغير" مع شرحه ج 1 ص 203 ونَسَبه إلى هذا الكتاب "الأربعين للسلمي" وإلى "مسند الفردوس". قال الشارح: "وهو حديث ضعيف. وصاحب الفردوس متأخر فلعلّه إنما أخذه من هذا الكتاب، فيكون مما انفرد به المؤلف.
وفي سند المؤلف: الربيع بن بدر، ضعيف جدًّا، راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 3 ص 239.
****

[12] باب المواظبة على الذكر والشكر والصبر
أخبرنا أبو عمرو محمَّد بن جعفر بن مطر ثنا آدم بن موسى الولاهنجي ثنا محمود بن غيلان ثنا المؤمل ثنا حماد بن سلمة عن طلق بن حبيب:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أربع من أعطيهن فقد أُعْطي خيرَ الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، ونفسًا على البلاء صابرًا، وثقةً بما تكفّل الله".

قال المعلمي:
الحديث في "الجامع الصغير" مع الشرح ج 1 ص 178 بلفظ: " ... والآخرة لسان ذاكر وقلب شاكر، وبَدَن على البلاء صابر، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها". ونَسَبه إلى الطبراني في "الكبير" (1) والبيهقي في "الشعب" (2).
__________
(1) (11275)، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في "الحلية": (3/ 65).
(2) (4115).
(15/382)

وفي الشرح: "قال العلقمي: بجانبه علامة الحُسْن" (1).
وفي سنده المؤمّل بن إسماعيل، وثّقه ابنُ معين وضعَّفه الأكثرون لكثرة غلطه. راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 1 ص 380.
****

[13] باب في سبيل المنقطعين إلى الله تعالى
أخبرنا أبو الحسن محمَّد بن أبي الحسن بن منصور ثنا إسحاق ابن أبي حسان الأنماطي ثنا محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق ثنا إبراهيم بن الأشعث ثنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن:
عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة (2) ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكلَه الله عَزَّ وَجَلَّ إليها".

قال المعلمي:
الحديث في "كنز العمال" ج 2 ص 24 بلفظ: "من توكّل على الله كفاه مؤنته ... " إلخ، ونَسَبه إلى الديلمي والشاشي وابن جرير (3).
وفي سند المؤلف: إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل غَمَزه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات" (4) وقال: "يغرب وينفرد فيخطئ ويخالف".
__________
(1) وحسَّنه السخاوي في "تخريجه" (12). وفي الباب أيضًا عن ثوبان وحذيفة.
(2) كذا في (ط) وأشار في هامشها إلى نسخة ب "مؤونته".
(3) ليس في "مسند الشاشي" المطبوع، وليس في "تفسير الطبري" ولا "تهذيب الآثار" المطبوع.
(4) (8/ 66).
(15/383)

راجع ترجمته في "لسان الميزان" ج 1 ص 36 (1).
****

[14] باب في تركهم الدنيا وإعراضهم عنها
أخبرنا علي بن عبد الحميد الغضائري ثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ثنا ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا ألين من هذا. فقال: "ما لي وللدنيا أو ما للدنيا ولي، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف، حتى أتى شجرة، فاستظلّ في ظلها ساعة، ثم راح وتركها".

قال المعلمي:
الحديث في "مسند أحمد" ج 1 ص 301 (2)، و"المستدرك" ج 4 ص 304 وقال: "صحيح على شرط البخاري" وأقرَّه الذهبيّ، وأصله في "الصحيحين" (3) من رواية ابن عباس عن عمر (4).
__________
(1) (1/ 245). والحديث أخرجه الطبراني في "الصغير" (321) و"الأوسط" (3359)، والبيهقي في "الشُّعَب" (1044). ومع ضعف إبراهيم فإن سماع الحسن من عمران قد تقدم ما فيه في الحديث السادس.
(2) (2744).
(3) البخاري (2468)، ومسلم (1479) في الحديث الطويل في قصة تطليق النبي - صلى الله عليه وسلم - لنسائه.
(4) والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (6352)، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الترمذي (2377)، والحاكم (4/ 310) قال الترمذي: "حسن صحيح".
(15/384)

[15] باب في حب الفقراء والفقر وسؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه
أخبرنا الحسين بن علي التميمي ثنا أبو قريش محمَّد بن جمعة ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو خالد الأحمر عن يزيد بن سنان عن ابن المبارك عن عطاء بن أبي رباح:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أَحِبَّ المساكين؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهم أحيني مسكينًا وأمِتْني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين".

قال المعلمي:
الحديث في "المستدرك" ج 4 ص 322، قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وأقرَّه الذهبي (1).
****

[16] باب في ترك ما لا يعنيهم من الأمور
أخبرنا أبو الحسين العطار الحافظ ببغداد ثنا محمَّد بن محمَّد بن سليمان ثنا زياد بن بارويه القصري ثنا يحيى بن المتوكل البصري ثنا يحيى بن أبي أنيسة عن الزهري عن علي بن الحسين عن [الحارث بن هشام]:
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

قال المعلمي:
في سنده يحيى بن أبي أُنَيْسَة، وهو ضعيف جدًّا. راجع ترجمته في
__________
(1) والحديث أخرجه ابن ماجه (4126)، والطبراني في "الدعاء" (1425) وله شواهد من حديث أنس وعبادة بن الصامت.
(15/385)

"تهذيب التهذيب" ج 11 ص 183 (1).
والحديث في "سنن الترمذي" ج 2 ص 52 (2) من طريق أخرى عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم. وهو مرسل ولا ذِكر فيه للحارث بن هشام. والترمذي (3) من طريق أخرى عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ... قال: "لا نعرفه إلا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا إلا من هذا الوجه" (4).
****

[17] باب في كتمانهم المصائب
أخبرنا أبو علي حامد بن محمَّد الرفاء ثنا محمَّد بن صالح ثنا عبد الله بن عبد العزيز حدثني أبي عن نافع:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من كنوز البر كتمان المصائب".
__________
(1) أخرجه من طريق السلمي أبو الفضل بن طاهر في "صفة التصوّف" وذكر له طرقًا أخرى إلى علي بن أبي طالب. كما ذكر السخاوي. وليس في المطبوعة (ص 154 - 155) هذا الطريق.
(2) (2318).
(3) (2317). وأخرجه ابن ماجه (3976)، وابن حبان (229).
(4) من قوله: "والترمذي من طريق ... " إلى هنا مكتوب بقلم الرصاص بخط المؤلف ومكان النقاط كلمة لم تتبين لي.
والحديث رُوي عن جماعة من الصحابة نحو العشرة، انظر "تخريج السخاوي" (16) و"جامع العلوم والحكم": (1/ 287)، وكل طرقه ضعيفة ولم يصح إلا من حديث عليّ مرسلًا كما قال البخاري.
(15/386)

قال المعلمي:
في سنده رجلان فيهما نظر.
الأول: محمَّد بن صالح، وهو الأشجّ الهَمَذاني، ذكره ابنُ حبّان في "الثقات" (1) وقال: "يُخطئ". وترجمته في "لسان الميزان" ج 5 ص 203 (2).
الثاني: عبد الله بن عبد العزيز وهو - فيما أرى - ابن أبي روّاد، قال فيه ابنُ الجُنيد: "لا يساوي شيئًا، حدّث بأحاديث كذب" راجع "لسان الميزان" (3) ج 3 ص 310 (4).
****

[18] باب في أحوال الاستقامة
أخبرنا محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبلة ثنا إبراهيم بن علي ثنا يحيى بن يحيى أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه:
عن عروة رضي الله عنه قال: قال سفيان بن عبد الله الثقفي للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قل لي في الإِسلام قولًا لا أسأل أحدًا بعدك، قال: "قل: آمنتُ بالله ثم استقم".
__________
(1) (9/ 148).
(2) (7/ 202).
(3) (3/ 310).
(4) والحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" (9574)، والروياني في "مسنده" (1472)، وأبو نعيم في "الحلية": (8/ 197) وغيرهم. وهو حديث ضعيف بل باطل قاله أبو زرعة في "العلل" (2518). وروي الحديث من طريق جماعة من الصحابة. وانظر تخريج السخاوي (17)، و"السلسلة الضعيفة" (693).
(15/387)

قال المعلمي:
في السند مقال وظاهره أنه مرسل. لكن الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" (1) - كتاب الإيمان - باب جامع وصف الإِسلام، من وجهٍ آخر متصلًا.
****

[19] باب في لبس البِذْلة من الثياب
أخبرنا محمَّد بن أحمد بن حمدان وأبو بكر محمَّد بن عبد الله بن قريش وجماعة قالوا: أنا الحسن بن سفيان ثنا ابن أبي الحواري ثنا أبو الفقير عبد العزيز بن عمير من أهل خراسان نزيل دمشق ثنا زيد ابن أبي الزرقاء ثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم:
عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مصعب بن عُمير مقبلاً، عليه إهاب كَبْش قد تنطَّق به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"انظروا إلى هذا الذي نوَّر (2) الله قلبَه، رأيته بين أبوين يَغْذُوانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة اشتراها أو شريت بمائتي درهم، فدعاه حبُّ الله وحب رسوله إلى ما ترون".

قال المعلمي:
روى المؤلف هذا الحديث من طريق الحسن بن سفيان، ثنا ابن أبي الحواري، ثنا أبو الفقير بن عمير (3) ... ، وقد رواه أبو نعيم في "الحلية"
__________
(1) (38).
(2) (ط): "نزل". والتصحيح من هامشها كما في نسخة من الأربعين.
(3) كذا في طبعة الأربعين وهو تحريف صوابه: "ثنا إبراهيم الحوارني، ثنا أبو الفقير عبد العزيز بن عمير"، كما هو عند أبي نعيم، وقد أخرجه من طريق السلمي البيهقيُّ =
(15/388)

ج 1 ص 108 من طريق الحسن بن سفيان، ثنا إبراهيم الحوراني، ثنا عبد العزيز بن عمير.
وابن أبي الحواري معروف واسمه أحمد بن عبد الله بن ميمون، يروي عن عبد العزيز بن عمير كما في ترجمة عبد العزيز من كتاب ابن أبي حاتم، وصفة الصفوة ج 4 ص 208.
وإبراهيم الحَوْراني معروف أيضًا، وهو إبراهيم بن أيوب، له ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم (1)، و"تهذيب تاريخ دمشق" ج 2 ص 99 (2)، وذكره ابن السمعاني في "الأنساب" (3) 180 ب، وذكره ابنُ ماكولا في "الإكمال" (4)، وله ترجمة في "لسان الميزان" ج 1 ص 36 (5). وفي النسخة تخليط آخر الترجمة قوله في السطر الذي قبل الأخير "بمصر" وبعد ذلك كلمة لا محلّ لها، والسطر الأخير ابتداء ترجمة رجلٍ آخر.
فأما ابن أبي الحواري فموثّق، وأما إبراهيم بن أيوب الحوراني ففيه كلام، كما تراه في "لسان الميزان". وأما عبد العزيز بن عمير فعابدٌ لم يذكروا حاله في الرواية.
والحديث منقطع؛ لأن يزيد بن الأصم لم يثبت إدراكه لعمر بل ذكر
__________
= في "الشعب" (5779) بهذا الإسناد على الصواب.
(1) (2/ 88).
(2) انظر أصله "تاريخ دمشق": (6/ 358).
(3) (4/ 303).
(4) (3/ 25).
(5) (1/ 246). ولا تخليط في الطبعة المحققة.
(15/389)

الواقدي كما في "تهذيب التهذيب" ج 11 ص 314 أن يزيد مات سنة 103 وعمره 73 سنة، فيكون مولده بعد وفاة عمر بمدّة.
****

[20] باب الدليل على أن لله في الأرض أولياء وبُدَلاء
حدثنا محمَّد بن جعفر بن مطر ثنا أحمد بن عيسى بن هارون ثنا عمرو (1) بن يحيى ثنا العلاء بن زيدل:
عن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بُدلاء أمتي أربعون رجلاً: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كلما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، إذا جاء الأمر قُبِضوا".

قال المعلمي:
في سنده العلاء بن زيدل نسبوه إلى وضع الحديث. راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 8 ص 182 (2).
لكن جاءت في معناه روايات أخرى، راجع "اللآلئ المصنوعة" ج 2 ص 178 (3).
****
__________
(1) كذا وهو تصحيف وصوابه "عُمر".
(2) والحديث أخرجه ابن عدي: (5/ 220 - 221)، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (1640) وغيرهم. قال ابن حبان عن العلاء: روى عن أنسٍ نسخةً موضوعة لا يحلّ ذكره إلا تعجُّبًا. "المجروحين": (2/ 180).
(3) (2/ 330).
(15/390)

[21] باب في السخاء بالطعام ووضع المائدة دائمًا
أخبرنا محمَّد بن أحمد بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا أبو نعيم ثنا مندل عن عبد الله بن يسار مولى عائشة بنت طلحة:
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة".

قال المعلمي:
[ص 6] لم أجد هذا الحديث في غير هذا الكتاب (1)، وفي سنده رجلان فيهما نظر.
الأول: مِنْدَل، وهو مندل بن علي العنزي فيه ضعف، راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 10 ص 298.
الثاني: عبد الله بن يسار مولي عائشة بنت طلحة، ولم أعرفه (2)، ولعل البلاء منه، فإن الحديث أراه منكرًا، الله أعلم.
****
__________
(1) أخرجه من طريق السلمي البيهقيُّ في "الشعب" (9179)، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (4729) ومن طريقه أبو نُعيم في "الأربعين" (29). قال السخاوي: ومداره على مندل، والأكثرون على ضعفه. وضعَّفه الهيثمي في "المجمع": (5/ 24) به. وانظر "السلسلة الضعيفة" (5272).
(2) ذكره البخاري في "الكبير": (5/ 110)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (5/ 76) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات": (7/ 17) فلم يزد عليهما. والذي أبعد نظر المؤلف عن الوقوف عليه أنهم ذكروه في رسم "عبد الله بن سَيَّار"، قال ابن حبَّان: "وقيل: يسار، وقيل: سنان".
(15/391)

[22] باب الدليل على أن اليد العليا هي المتعفِّفة عن السؤال
أخبرنا محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن إسحاق الحافظ ثنا صالح بن محمَّد بن يونس ثنا الحسين بن عبد الرحمن الخراساني ثنا محمَّد بن يوسف ثنا موسى بن طارق عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اليدُ العليا المتعفِّفة واليدُ السُّفلى السائلة".

قال المعلمي:
الحديث في "الصحيحين" (1) وغيرهما من طرق أخرى عن ابن عمر، والمحفوظ فيه: "اليد العليا هي المنفقة" وجزم جماعة بأن مَن قال: "المتعفِّفة" فقد صحَّف. راجع "فتح الباري" (2) - كتاب الزكاة - باب لا صدقة إلا عن ظَهْر غِنى.
****

[23] باب فيمن عبد الله سرًّا فكافأه على ذلك
أخبرنا محمَّد بن جعفر بن مطر ثنا حميد بن علي القيسي المعروف بزَوْج غَنَج ثنا هُدْبة بن خالد ثنا حماد بن سلمة عن ثابت:
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان يوم القيامة بعث الله قومًا عليهم ثياب خضر بأجنحة خضر، فيسقطون على حيطان الجنة، فتشرف عليهم خَزَنَة الجنة، فيقولون لهم: من أنتم؟ أما شهدتم الحساب وما شهدتم الوقوف بين يدي الله؟ فقالوا: لا، نحن قوم عَبَدْنا الله سرًّا فأحبّ أن يدخلنا الجنة سرًّا".
__________
(1) البخاري (1429)، ومسلم (1033).
(2) (3/ 297) وتخريج السخاوي (22).
(15/392)

قال المعلمي:
في سنده حُمَيد بن علي القيسي، قال الحاكم: "كذّاب خبيث" (1)، وذكر ابن حبّان (2) أنه أتاه فحدّث بأحاديث هذا أحدها، قال ابن حبان: "فقمنا وتركناه، وعلمنا أنه [إن لم] يتعمّد، فإنه لا يدري ما يقول" راجع "لسان الميزان" ج 2 ص 365 (3).
****

[24] باب في القناعة والوَرَع والشفقة على المسلمين وحُسْن المجاورة وقلة الضحك
أخبرنا محمَّد بن زيد بن محمَّد ثنا أحمد بن العباس بن حزم ثنا محمَّد بن إسماعيل ثنا المحاربي عن أبي رجاء الخراساني عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قَنِعًا تكن أشكر الناس، وأحِبّ للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا، وأقِلّ الضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميت القلب".
__________
(1) "المدخل إلى الصحيح": (1/ 140).
(2) في "المجروحين" (1/ 263 - 264) وعبارته: "فقمنا وتركناه، وعلمت أنه لا يخلو أمره من أحد شيئين إما أن يكون هو الذي يتعمَّد قلب هذه الأحاديث، أو قُلِبت له فحدّث بها، فلا يجوز الاحتجاج به بعد روايته مثل هذه الأشياء عن هؤلاء الثقات ... ".
(3) (3/ 300). وكان في الأصل: "أنه لا يتعمد" والتصحيح من "الميزان" و"اللسان".
(15/393)

قال المعلمي:
الحديث في "سنن ابن ماجه" ج 2 ص 277 (1) من طريق أخرى عن أبي رجاء عن بُرْد بن سنان، قال السندي في حواشيه: "قال في الزوائد: هذا إسناد حسن، وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد الله الجزري" هكذا قال، ومحرز هو أبو رجاء الجزري. ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 10 ص 56 - 57. وفي سند المؤلف "عن أبي رجاء الخراساني" وهو رجل آخر اسمه عبد الله بن واقد، ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 6 ص 64.
وأخرج الترمذي في "سننه" ج 2 ص 50 (2) نحوه من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة ثم قال: "غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا ... وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قولَه، لم يذكر فيه: عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم".
وأخرج الطبراني في "المعجم الصغير" ص 219 من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه، وفي هذه الطرق كلها مقال، والله أعلم (3).
****
__________
(1) (4217).
(2) (2305).
(3) وأخرجه هناد في "الزهد" (1031)، والبخاري في "الأدب المفرد" (252)، وأبو يعلى (5865)، والبيهقي في "الشعب" (5366) وغيرهم.
(15/394)

[25] باب في اختيار الفقر على الغنى
أخبرنا سليمان بن محمَّد بن ناجية المديني ثنا أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي ثنا أبو خالد الفراء ثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زَحَر عن علي بن يزيد عن القاسم:
عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عرض عليَّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبعُ يومًا وأجوعُ يومًا، فإذا جعت تضرّعتُ إليك، وإذا شبعتُ حمدتك وذكرتك".

قال المعلمي:
الحديث في "مسند أحمد" ج 5 ص 254 (1)، و"سنن الترمذي" ج 2 ص 56 (2). والسند واهٍ؛ يحيى بن أبوب هو الغافقي تقدم ذكره في الكلام على الحديث الخامس، وعبيد الله بن زَحَر ضعَّفه الجمهور حتى قال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زَحَر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الله لم يكن متن ذاك الخبر إلا مما عملته أيديهم". وعليّ بن يزيد هو ابن أبي هلال الألهاني، اتفقوا على ضعفه، والقاسم هو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي مُختَلف فيه. راجع تراجمهم في "تهذيب التهذيب" ج 7 ص 13 وص 396 وج 8 ص 322 (3).
****
__________
(1) (22188).
(2) (2347) وقال: "حديث حسن" وذكر ضَعْف علي بن يزيد.
(3) والحديث أخرجه من طريق السلمي البيهقي في "الشعب" (1394).
(15/395)

[26] باب في الابتداء بتعهُّد الفقراء دون الأهل والعيال
أخبرنا محمَّد بن نصر بن أشكيب الزعفراني البخاري ثنا حامد بن سهل ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه:
عن علي رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: "لا أعطيكم وأَدَعُ أهلَ الصُّفة تطوى بطونُهم من الجوع".
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني أنا محمَّد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني ثنا حامد بن يحيى ثنا سفيان بمثله.

قال المعلمي:
الحديث في "مسند أحمد" ج 1 ص 79 (1) عن سفيان وهو ابن عُيينة عن عطاء بن السائب. وأخرجه أحمد أيضًا ج 1 ص 106 (2) مطوّلًا عن عفّان عن حمّاد عن عطاء بن السائب. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ج 8 ص 15 - 16 (3) قال: "أخبرنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أخبرنا عطاء بن السائب ... " فذكره مطوّلًا. وعطاء بن السائب ثقة إلا أنه تغيَّر بأَخَرة. ويظهر من ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 7 ص 205 - 206 أن سماع ابن عُيينة منه جيد. والله أعلم (4).
****
__________
(1) (596).
(2) (838).
(3) (10/ 25 - 26).
(4) وأخرجه من طريق السلمي البيهقيُّ في "الشعب" (3205). وأخرجه أيضًا الحميدي (48)، والعدني في مسنديهما. قال السخاوي: سنده صحيح.
(15/396)

[27] باب إباحة الكلام على لسان التفريد
أخبرنا محمَّد بن الحسن بن إسماعيل السراج ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مُطيَّن ثنا علي بن منذر ثنا ابن فضيل ثنا أبي عن نافع:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قُبِض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى أبو بكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن كان محمَّد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماوات فإن إلهكم حي لا يموت، ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144].

قال المعلمي:
الحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" (1) مطوّلاً، رواه عن ابن فضيل بسنده، وهو صحيح، والقصة مشهورة من حديث ابن عباس كما في "صحيح البخاري" (2) وغيره. والمعنى متقارب.
****

[28] باب في خدمة المشايخ بأنفسهم الوافدَ عليهم والغريبَ
أخبرنا أبو العباس الأصم ثنا هلال بن العلاء الرقّي؛ وأخبرنا عبد الله بن محمَّد بن علي بن زياد ثنا محمَّد بن حمدون ثنا هلال بن العلاء ثنا أبي ثنا طلحة بن زيد ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة:
عن أبي قتادة قال: قدم وفد النجاشي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام بخدمتهم، فقال له
__________
(1) (38176)، وأخرجه من طريق ابن فضيل البزار (103) وقال: ولا نعلم رواه عن نافع عن ابن عمر إلا فُضيل بن غزوان. قال السخاوي: وهو صحيح.
(2) (3667) ومواضع أخرى هذا أتمها. وأخرجه ابن حبان (6620) والحاكم (2/ 295).
(15/397)

أصحابه: نحن نكفيك ذلك، قال: "إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم".
وأخبرنا أحمد بن علي المقرئ ثنا هلال بنحوه.

قال المعلمي:
في سنده طلحة بن زيد وهو القرشي أبو مسكين، قال فيه الإِمام أحمد وعلي بن المديني: "يضع الحديث". راجع "تهذيب التهذيب" ج 5 ص 15 - 16 (1).
****

[29] باب في اتخاذ المُرَقَّعة ولبسها
أخبرنا علي بن بندار بن الحسين الصوفي ثنا محمَّد بن علي بن سعيد المركب ثنا محمَّد بن عبد الله المخرمي ثنا محمَّد بن حفص ثنا ورقاء عن أبي إسحاق عن يحيى:
عن أم الحصين قالت: كنتُ في بيت عائشة رضي الله عنها وهي ترقع قميصًا لها بألوان من رقاع، بعضها بياض وبعضها سواد وبعضها غير ذلك، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: قميص لي أرقعها، فقال: "أحسنت لا تضعي ثوبًا حتى ترقعيه فإنه لا جديد لمن لا خَلَق له".

قال المعلمي:
لم أجده في كتاب آخر (2)، وفي سنده جماعة لم أعرفهم، وأبو إسحاق
__________
(1) أخرجه أبو نعيم في "الأربعين" (26) والبيهقي في "شعب الإيمان" (8704). قال أبو نعيم: غريب تفرَّد به ابن العلاء. وهلال بن العلاء قال النسائي: رأيت له أحاديث مناكير، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره.
(2) أخرجه أبو نعيم في "الأربعين" (40) من حديث محمَّد بن علي المركب بسند =
(15/398)

هو عَمْرو بن عبد الله الهَمْداني السبيعي، مدلس ولم يذكر السماع.
ولفظ البخاري في "الأدب المفرد" (1): [حدثنا حَرَمي بن حفص، حدثنا] عبد الواحد قال: حدثنا سعيد بن بشر بن عبيد قال: حدثني أبي قال: دخلتُ على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: أمسك حتى أخيّط نقبتي، فأمسكتُ فقلت: يا أمّ المؤمنين لو خرجت فأخبرتهم لعدّوه منكِ بخلاً، قالت: أبصِر شأنك، إنه لا جديد لمن لا يلبس الخَلَق. (باب 218 الرفق في المعيشة ص 68) (2).
****

[30] باب في أَخْذ الرَّكْوة في الأسفار
أخبرنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم الأبهري ثنا محمَّد بن عبد الرحمن بن أسد القاضي ثنا أسد بن محمد ثنا أبو جابر ثنا سعيد بن يزيد عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جده عن أبيه:
عن جده قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - البَراز (3) فأخذت الرَّكْوة خرجت في أثره - وذكر الحديث.

قال المعلمي:
لم أجده أيضًا، وفي سنده جماعة لم أعرفهم (4).
__________
= المؤلف ولفظه. قال السخاوي: ورجاله ثقات.
(1) رقم (471). وما بين المعكوفين مستدرك منه. ط. الخانجي.
(2) من قوله: "ولفظ البخاري ... " ملحق بقلم الرصاص بخط المؤلف.
(3) كذا في (ط) وفي تخريج السخاوي: "إلى البراز".
(4) ومثله قال السخاوي في تخريجه (30).
(15/399)

[31] باب السنة في الاجتماع على الطعام وكراهية الأكل فُرادَى
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني أنا محمَّد بن الحسن بن قتيبة ثنا أحمد بن عبد العزيز الواسطي ثنا الوليد بن مسلم ثنا وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه:
عن جده: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّا نأكل فلا نشبع! فقال: "لعلكم تفترقون على طعامكم، اجتمعوا عليه واذكروا اسم الله عَزَّ وَجَلَّ يبارك لكم فيه".

قال المعلمي:
الحديث في "مسند أحمد" ج 3 ص 501 (1)، و"سنن أبي داود" ج 3 ص 172 (2)، وفي سنده وحشيّ بن حرب عن أبيه وفيهما مقال. راجع "تهذيب التهذيب" ج 11 ص 111.
****

[32] باب إباحة الكلام في باطن العلم وحقيقته
أخبرنا حامد بن عبد الله الهروي ثنا نصر بن محمَّد بن الحارث البوزجاني ثنا عبد السلام بن صالح ثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من العلم كهيئة المكنون لا بعرفه إلا العلماء بالله عزَّ وجلَّ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغِرَّة بالله تعالى".
__________
(1) (16078).
(2) (3764)، وأخرجه ابن ماجه (3286)، وابن حبان (5224)، والحاكم (2/ 103) وغيرهم. وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة. راجع حاشية "المسند". و"السلسلة الصحيحة" (664).
(15/400)

قال المعلمي:
الحديث في "منتخب كنز العمال" ج 5 ص 51 ونسبه إلى الديلمي (1) فقط، وهو متأخّر عن المؤلف، وقد تقدم في الأمر السادس (2) ما يُعلم منه أنه ضعيف. وفي سنده نصر بن محمَّد البوزجاني عن عبد السلام بن صالح، فنصر لم أعرفه، وعبد السلام تقدّم بيان حاله في الكلام على الحديث السابع (3).
يرويه عن سفيان بن عُيينة عن ابن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة، وكلٌّ من هؤلاء الأربعة كان مشهورًا بالإمامة والجلالة وكثرة الحديث والأصحاب، وأهلُ الحديث بغاية الحرص على حفظ حديث هؤلاء ونَقْله، فمن الممتنع أن يكون مثل هذا الحديث عند أولئك الأربعة ولا يُروى إلا بهذا الإسناد.
وعبد السلام وإن كان ضعيفًا لا أحسبه إلاَّ بريئًا من عُهْدةَ هذا الحديث؛ إذ لو كان حدَّث به لاشتهر عنه وعُدّ في مناكيره، فلا أحسب البلاءَ إلا ممن دونه، والله المستعان (4).
****
__________
(1) في "مسنده" (799). وأخرجه الخطيب في "تلخيص المتشابه" (953).
(2) (ص 7).
(3) (ص 377).
(4) وقال السخاوي: "سنده ضعيف". وانظر "السلسلة الضعيفة" (870 و5116).
(15/401)

[33] باب ترك التكلف للضيف وإحضاره ما حضره
أخبرنا محمَّد بن محمَّد بن يعقوب الحافظ ثنا محمَّد بن سعيد بن عمران ثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الإيادي ثنا موسى بن محمَّد السكري ثنا بقية بن الوليد ثنا إسماعيل بن يحيى التيمي عن مسعر عن عَمرو بن مرة عن أبي البختري قال:
نزلنا على سلمان الفارسي بالمدائن فقَرَّب إلينا خبزًا وسمكًا وقال: كلوا، نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التكلُّف ولولا ذلك لتكلفتُ لكم.

قال المعلمي:
في سنده إسماعيل بن يحيى التيمي، رموه بوضع الحديث. راجع "لسان الميزان" ج 1 ص 441 (1). لكن قد رُوي الحديث عن سلمان من أوجهٍ أُخر. راجع "مسند أحمد" ج 5 ص 441 (2)، و"المستدرك" ج 4 ص 123.
****

[34] باب في ترك التنعُّم
أخبرنا محمَّد بن محمَّد بن يعقوب الحافظ ثنا سعيد بن عبد العزيز ثنا ابن مصفى ثنا بقية ثنا السري بن يَنعُم عن مُريح بن مسروق الهوزني:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال: "إياك والتنعُّم، فان عباد الله ليسوا بالمتنعّمين".

قال المعلمي:
الحديث في "مسند أحمد" ج 5 ص 243 (3) من وجهٍ آخر عن بقيّة،
__________
(1) (2/ 181).
(2) (23732). وقد أخرج البخاري (7293) عن عمر: "نُهينا عن التكلُّف".
(3) (22105). وفي "الزهد" (ص 6).
(15/402)

وسنده صالح.
****

[35] باب في ما جاء في تصحيح الفراسة
أخبرنا أحمد بن علي الرازي ثنا محمَّد بن أحمد بن السكن ثنا موسى بن داود ثنا محمَّد بن كثير الكوفي ثنا عمرو بن قيس عن عطية:
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى".

قال المعلمي:
في سنده محمَّد بن كثير الكوفي، ضعيف جدًّا. راجع "تهذيب التهذيب" ج 9 ص 418، وتابعه مصعب بن سلام في "تاريخ البخاري" ج 4 قسم 1 ص 354، و"سنن الترمذي" ج 3 ص 191 (1)، ومصعب كثير الغلط تنقلب عليه الأحاديث. راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ج 10 ص 161. وقد قال الترمذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه". وللحديث شاهدان ضعيفان في تفسير ابن جرير ج 14 ص 19 (2). والله أعلم.
****
__________
(1) (3127)، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (7843)، والعقيلي في "الضعفاء": (4/ 129)، وأبو نعيم في "الحلية": (10/ 281) وغيرهم، من طرق عن محمَّد بن كثير الكوفي وقد ذكر المؤلف ضعفه وله شواهد عديدة لكنها ضعيفة، انظر "السلسلة الضعيفة" (1821).
(2) (14/ 96 - 97 - دار هجر).
(15/403)

[36] باب استجلاب محبة الله تعالى بالمداومة على خدمته
أخبرنا أحمد بن محمَّد بن عبدوس الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب أنا ابن زَحَر عن علي بن يزيد عن القاسم:
عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال الله تبارك وتعالى: ما زال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه [فإذا أحببته] فأكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته".

قال المعلمي:
سنده ساقط كما تقدّم في الكلام على الحديث الخامس والعشرين (1)، لكن له عدة شواهد (2)، أصحّها ظاهرًا في "صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب التواضع". قال البخاري (3): "حدثني محمَّد بن عثمان بن كرامة حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة ... ".
وذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" ج 3 ص 268 - 269 (4) ثلاثةً غير البخاري رووه عن ابن كرامة ثم قال: "فهؤلاء الأربعة من الثقات رووه عن
__________
(1) وأخرجه الطبراني في "الكبير" (7739)، والبيهقي في "الزهد" (710) من طريق السلمي.
(2) عن عدد من الصحابة، منهم ميمونة, وأبو هريرة, وابن عباس، انظر "تخريج الأربعين" (36) للسخاوي.
(3) (6502).
(4) (3/ 1085).
(15/404)

محمَّد [بن عثمان بن كرامة] وهو مما انفرد به، وليس هو في "مسند أحمد" على كبره.
وذَكرَ ترجمة خالد بن مخلد في "الميزان" ج 1 ص 300 وفيها: "قال أحمد: له مناكير، وقال يحيى وغيرُه: لا بأس به، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه ولا يُحتج به، وقال ابنُ سعد: منكر الحديث ... ، وذكره ابن عدي (1) ثم ساق له أحاديث استنكرها ... "، ثم ذكر له أحاديث غلط فيها يقلب أسانيدها، ثم قال: "ومما انفرد به: ما رواه البخاري في "صحيحه" ... " فذكر الحديث المذكور ثم قال: "فهذا غريب جدًّا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدَدْته في منكرات خالد ... ".
وترجمة خالد في "تهذيب التهذيب" ج 3 ص 116 - 118 وفيها: "وقال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: لم أجد في حديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها توهّم منه أو حملًا على حِفْظه".
قال ابن حجر في "فتح الباري" ج 11 ص 270 (2): "لكن للحديث طُرق أخرى يدلّ مجموعها أن له أصلاً ... " فذكرها ونصّ على ضعفها، قال: "وفيها عن أبي أمامة أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد، وسنده ضعيف".
****

[37] باب كراهية جمع المال لئلا يرغب العبد في الدنيا
أخبرنا أبو عمرو بن مطر ثنا أبو خليفة ثنا الرمادي ثنا ابن عيينة عن الأعمش عن
__________
(1) في "الكامل": (3/ 34).
(2) (11/ 341).
(15/405)

شِمر بن عطية عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه:
عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا".

قال المعلمي:
[ص 8] الحديث أخرجه الترمذيّ ج 2 ص 53 (1)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ج 4 ص 332 وقال: "صحيح الإسناد" وأقرَّه الذهبي. وهذا مبنيٌّ على التوسُّع، فإنه لا يثبت عن المغيرة بن سعد بن الأخرم إلا هذا الحديث، ولا يُعرف أبوه إلا بهذه الرواية, وقد قيل: إن لسعدٍ صحبة، وردّ ذلك البخاري كما في ترجمة سعد من "الإصابة" (2).
وأئمةُ الحديث مختلفون في توثيق من لم يَرْوِ عنه إلا واحد، ومَنْ لم يَرْو إلا حديثًا واحدًا، فمنهم مَن لا يوثقه ولا يُصحِّح الحديث، ومنهم من يوثّقه ويصحح الحديث إذا وُجِد له متابع صحيح، ومنهم مَن يكتفي بأن يكون له شاهد صحيح، ومنهم من يكتفي بأن لا يكون الحديث منكرًا. واشتهر هذا الأخير عن ابن حبّان؛ ولذلك ذكر المغيرةَ وأباه في "الثقات" (3)، ولم يُنقَل توثيق سعدٍ عن غيره. فأما المغيرة فذكره العجلي في "ثقاته" (4) أيضًا. وقد تتبَّعتُ توثيق العجليّ فوجدته قريبًا من ابن حبان، والله أعلم.
__________
(1) (2328) وحسَّنه الترمذي. وأخرجه أحمد (3579)، وابن حبان (710)، والطيالسي (377) وغيرهم.
(2) (3/ 46).
(3) (3/ 150 و7/ 463).
(4) (2/ 292) وقال: "ثقة كوفي".
(15/406)

[38] باب في صفة العقلاء
أخبرنا عبد الله بن محمَّد بن علي ثنا علي بن سعيد العسكري ثنا أحمد بن يحيى بن مالك السوسي ثنا داود بن المحبّر ثنا عباد بن كثير عن عبد الله بن دينار:
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العاقلُ الذي عَقَل عن الله أمره".

قال المعلمي:
في سنده داود بن المحبّر، أثنى عليه ابن معين في نفسه ووهَّنه الجمهور، ويُروى عنه "كتاب العقل"، قال الدارقطني: "كتاب العقل وضعه أربعة: أولهم: ميسرة بن عبد ربه [أحد الدجالين] ثم سرقه منه داود بن المحبّر فركّبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة ... ". وقال ابن عدي: "عن داود كتاب قد صنفه في فضل العقل وفيه أخبار كلها أو عامتها غير محفوظات ... ". وقال الحاكم: "حدَّث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة، حدّثونا عن الحارث بن أبي أسامة عنه بكتاب العقل، وأكثر ما أودع ذلك الكتاب من الحديث الموضوع على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم". راجع "تهذيب التهذيب" ج 3 ص 199 - 201.
أقول: والظاهر أن هذا الحديث من ذاك الكتاب (1).
****
__________
(1) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (812) عن داود، وأخرجه الديلمي في "مسنده". وأخرجه البيهقي في "الشعب" (4359) من قول أنس بن مالك موقوفًا.
(15/407)

[39] باب في إباحة السماع
أخبرنا محمَّد بن محمَّد بن يعقوب الحافظ ثنا محمَّد بن عبد الله بن يوسف الهروي بدمشق ثنا سعيد بن محمَّد بن زُريق الرسْعَني ثنا عبد العزيز الأوَيسي ثنا إبراهيم بن سعد عن محمَّد بن إسحاق عن عثمان بن عروة عن أبيه:
عن عائشة قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيام التشريق وعندي جاريتان لعبد الله بن سلام تضربان بدفّين لهما وتغنيان، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: أمسكا، فتنحّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سرير في البيت، فاضطجع وسجَّى بثوبه، فقلت: ليحلنّ اليومَ الغناء أو ليحرّمن قالت: فأشرتُ إليهما أن خُذا، قالت: فأخذتا فوالله ما نسيت (1) ذلك أن دخل أبو بكر وكان رجلاً مطارًا يعني حديدًا وهو يقول: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فكشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه وقال: يا أبا بكر لكل قوم عيد، وهذا أيام عيدنا (2).

قال المعلمي:
في سنده محمَّد بن إسحاق، وهو مدلَّس ولم يصرّح بالسماع. والقصة ثابتةٌ في "الصحيحين" (3) من أوجهٍ أُخر بسياق فيه مخالفة لما هنا، فراجعها مع الكلام عليها في "فتح الباري" ج 2 ص 300 - 304 (4) وذلك في أوائل (كتاب العيدين).
****
__________
(1) كذا في (ط)، وفي هامشها: "لعله: ما نشبت".
(2) قال السخاوي: "أخرجه بطوله أبو علي بن خزيمة في الجزء الثالث من "حديثه"".
(3) البخاري (987 و3529)، ومسلم (892).
(4) (2/ 440 - 441).
(15/408)

[40] باب في إباحة الرقص
أخبرنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني الفقيه بمرو ثنا محمَّد بن سعيد المروزي ثنا الترقفي ثنا عبد الله بن عمرو الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور ثنا غياث البصري عن إبراهيم بن محمَّد الشافعي: أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقّة مكة فسمع الأخضر الجُدّي يتغنّى في دار العاص بن وائل:
تضوّع مسكًا بطن نَعمان أن مَشَت ... به زينبٌ في نِسوةٍ عَطِراتِ
فلما رأتْ ركْبَ النميريِّ أعرضَتْ ... وكنّ مِنَ أن يلقينَه حَذِراتِ
قال: فضرب برجله الأرض زمانًا وقال: هذا ما يلذ سماعه، وكان يرون أن الشعر لسعيد (1).

قال المعلمي:
في السند مَن لم أعرفه. والقصة في "الأغاني" ج 6 ص 38 قال: "أخبرني محمَّد بن خلف وكيع، قال حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال:
__________
(1) أخرجها أبو الفضل بن طاهر في "صفوة التصوّف" (ص 333) من طريق السلمي.
قال السخاوي في "تخريجه" (40): "وقد ذكر ابن طاهر في هذا الباب حديث هشام بن عروة, عن أبيه، عن عائشة: بينما الحبشة يَزْفنون بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. الحديث. وهو حديث صحيح. وعجبتُ للمؤلف [السلمي] رحمه الله كيف اقتصر على هذه الحكاية المنقطعة، ولم يذكر هذا الحديث.
وقد ترجم البيهقي في الشهادات من "سننه": "من رخَّص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسُّر وتخنُّث". وأورد فيه حديث هانئ بن هانئ, عن علي، قال: "أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وجعفر وزيد ... " ثم قال عقبه: هانئ بن هانئ ليس بالمعروف جدًّا، وفي هذا - إن صحَّ - دلالة على جواز الحَجْل، وهو أن يرفع رِجْلاً ويقفز على الأخرى من الفرح، فالرقص الذي يكون على مثاله يكون مثله في الجواز، والله أعلم.
(15/409)

حدثني الحسن بن علي بن منصور، قال: أخبرني أبو عتاب، عن إبراهيم بن محمَّد بن العباس المطّلبي ... ". وكذلك هي في "أمالي القالي" ج 2 ص 24 قال: "حدثني أبي وعبد الله (؟) بن خلف، قالا: حدثنا ابن أبي سعيد (؟) قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن (؟) الشافعي، قال: سمع سعيد بن المسيّب ... ".
وفي الأسانيد ما نراه من الاختلاف، والراوي عن ابن المسيّب هو إبراهيم بن محمَّد بن العباس المطّلبي الشافعي، وله ترجمة في "تهذيب التهذيب" ج 1 ص 154 وأرّخ وفاته سنة 237 أو بعدها بسنة. ويُعْلَم من الترجمة أنه لم يدرك ابن المسيب ولم يَرْوِ عمن أدركَ ابنَ المسيّب، وابن المسيب توفي سنة 93 وقيل بعدها وقيل قبلها و (1).
فالقصة معضلَة، وليس في رواية "الأغاني" قوله: "الأرض زمانًا" وإنما فيها "فضرب رجله وقال". وليس في "الأمالي" الضرب بالرِّجل أصلاً.
ويظهر من تدبُّر القصة أن ابن المسيب لم يطرب للغناء وإنما أعجبه الشعر لما فيه من وصف المرأة بالحياء والخفر والتقوى والتستُّر. راجع الأبيات في "الأغاني".
وما وقع في "الأربعين": "وكان يرون أن الشعر لسعيد" إيهام أوْقَعَ فيه الاختصار، وإنما البيتان من قطعة لمحمد بن عبد الله - أو عبيد الله - بن نُمير الثقفي النصري، ولكن في القصة أن ابن المسيب بعد أن قال كلمته أنشد ثلاثةَ أبيات ليست من قطعة النُّميري أولها:
__________
(1) كذا في الأصل.
(15/410)

وليست كأخرى أوسعت جيب درعها ... وأبْدَتْ بنانَ الكفّ للجمرات
ذكرها في "الأغاني" ثم قال: "قال: فكانوا يرون أن هذا الشعر [يعني هذه الثلاثة الأبيات] لسعيد بن المسيّب، ونحوه في "الأمالي".
****
وقد تم بحمد الله عزَّ وجلَّ الكلام على "الأربعين"، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه وسلّم.
27 رجب سنة 1369 عبد الرحمن بن يحيى اليماني
المصحح بدائرة المعارف العثمانية
(15/411)

المراجع (1)
الكتب المُحال عليها في التعليق
- الإصابة، لابن حجر - طبع مصر سنة 1320 ه.
- الاعتصام، للشاطبي - طبع مصر سنة 1331 ه.
- الأغاني - طبع مصر سنة 1323 ه.
- إكمال ابن ماكولا - نسخة خطية للمكتبة الآصفية بحيدراباد دكين.
- أمالي القالي - طبع مصر سنة 1344 ه.
- الأنساب، لابن السمعاني - المطبوع بالزنكوغراف بأوربا سنة 1912 م.
- تاريخ البخاري الكبير - طبع دائرة المعارف سنة 1360 ه.
- تاريخ بغداد، للخطيب - طبع مصر سنة 1349 ه.
- تفسير ابن جرير- طبع مصر سنة 1321 ه.
- تهذيب تاريخ ابن عساكر - طبع الشام سنة 1329 ه.
- تهذيب التهذيب - طبع دائرة المعارف سنة 1325 ه.
- الجامع الصغير, للسيوطي - مع شرح العزيزي طبع مصر سنة 1324 ه.
- الحلية، لأبي نعيم - طبع مصر سنة 1351 ه.
- سنن الترمذي - طبع مصر سنة 1292 ه.
- سنن أبي داود - طبع الهند سنة 1271 ه.
- سنن ابن ماجه - مع حواشي السندي طبع مصر سنة 1313 ه.
- صحيح البخاري - مع فتح الباري طبع مصر سنة 1319 ه.
__________
(1) من صُنع المؤلف.
(15/413)

- صحيح مسلم - مع شرح الأبي والسنوسي طبع مصر سنة 1327 ه.
- صفة الصفوة، لابن الجوزي - طبع دائرة المعارف سنة 1359 ه.
- طبقات ابن سعد - طبع أوربا سنة 1322 ه.
- فتح الباري - طبع مصر سنة 1319 ه.
- كتاب ابن أبي حاتم - نسخة مأخوذة بالتصوير عن النسخة المحفوظة
- بخزانة كوبريلي في إستانبول.
- كتاب ابن أبي حاتم - المجلد الثالث طبع دائرة المعارف سنة 1360 ه.
- الكفاية، للخطيب - طبع دائرة المعارف سنة 1357 ه.
- كنز العمال - طبع دائرة المعارف سنة 1312 ه.
- اللآلي المصنوعة، للسيوطي - طبع مصر سنة 1317 ه.
- لسان الميزان - طبع دائرة المعارف سنة 1329 ه.
- المستدرك - طبع دائرة المعارف سنة 1334 ه.
- مسند الإِمام أحمد - طبع مصر سنة 1313 ه.
- مصنف ابن أبي شيبة - نسخة قلمية ملك دائرة المعارف.
- المعجم الصغير, للطبراني - طبع الهند سنة 1311 ه.
- منتخب كنز العمال - بهامش مسند أحمد طبع مصر سنة 1313 ه.
- الميزان، للذهبي - طبع مصر سنة 1325 ه.
(15/414)

الرسالة الرابعة عشرة
صفة الارتباط بين العلماء في القديم
(15/415)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرانا بأعيننا ما كنا نتمنّى أن نراه من مظاهر الارتباط والتعاون العلمي بين العلماء، فأصبح علماء الهند يستقبلون وفدًا كريمًا من خيرة إخوانهم علماء مصر، تكلّفوا المشاقَّ والمتاعب حُبًّا في تعرّف أحوال إخوانهم في الهند، وتوثيق عُرى التواصل معهم، تمهيدًا للتعاون معهم فيما يرفع شأن الإِسلام والعلم.
كان العلماء في العصور الأولى متواصلين على بُعْد الأقطار وصعوبة الأسفار، فلا تكاد تطّلع على ترجمة رجل منهم إلا وجدت فيها ذِكْرَ ارتحاله في أوان الطلب إلى الأقطار النائية للقاء العلماء والأخذ عنهم، وسياحته بعد التحصيل، وكلما دخل بلدةً سأل عمن بها من العلماء، واجتمع بهم، واستفاد منهم وأفادهم، وبقي يواصلهم طول عمره بالمكاتبة والمراسلة، وكانت المكاتبات لا تنقطع بين علماء الأقطار لتبادل الأفكار في المسائل العلمية.
وفي الجزء الأول من "إعلام الموقعين" (ص 28 وما بعدها) ذَكَر رسالةً من الليث بن سعد إلى مالك تشتمل على عدة مسائل، وفيها ما يدل أنّ المكاتبة بينهما في المسائل العلمية كانت متواصلة.
وهكذا كانت المكاتبة بين الشافعي وأحمد بن حنبل.
في "توالي التأسيس" (1) لابن حجر العسقلاني: "قال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابًا، فوضع له
__________
(1) (ص 78). وسبق أن اسمه الصحيح "توالي التأنيس".
(15/417)

كتاب الرسالة".
وفيه (1): "عن عبدوس العطار: سمعت علي ابن المديني يقول للشافعي: اكتب كتاب خبر الواحد إلى عبد الرحمن بن مهدي، فإنه يُسَرّ بذلك".
وأمثلة هذا كثيرة.
وكثير من المؤلفات العلمية كان سببها المكاتبة بين العلماء، وكثير من الفتاوى المطولة صادر عن ذلك كما يعلم بمراجعتها ك "فتاوى السبكي الكبير" وغيره.
كما أنّ كثيرًا من التواريخ استفاد مؤلفوها كثيرًا مما فيها أو أكثره بمكاتبة العلماء، ك "تاريخ ابن خلكان" و"إنباء الغمر" و"الدرر الكامنة" لابن حجر العسقلاني، و"الضوء اللامع" للسخاوي، وغير ذلك مما تقدم أو تأخر.
وقد كان هذا العمل - أعني المكاتبة بين العلماء في المسائل العلمية - جاريًا في اليمن إلى مدّة غير بعيدة، وقد رأيتُ في المخطوطات اليمنية كثيرًا من ذلك.
فأصبح العلماء في هذا العصر متقاطعين، لا صِلَة بين علماء هذا القُطْر وعلماء القطر الآخر، بل ولا بين علماء القطر الواحد! بل ولا علماء البلد الواحد!!
فقد كان علماء البلد الواحد في العصور السابقة لا يكاد يمرّ عليهم يوم إلا وهم يجتمعون فيه ويتذاكرون.
__________
(1) الموضع نفسه.
(15/418)

أمّا الآن فقد تمر على العالم شهور، بل سنون، لا يجتمع بعالم آخر قد يكون معدودًا من جيرانه! وإذا جمعتهما الجماعة أو الجمعة أو العيد فقد يرجعان عن المصلى ولم يلتقيا! وإذا التقيا تجنَّب كلٌّ منهما فتح باب المذاكرة، إمّا رغبة عن العلم، وإمّا استحقارًا لصاحبه، وإمّا أَنَفَة أن يظن الناس أنّ صاحبه أعلم منه، وإمّا خوفًا من أن تجرّ المذاكرةُ إلى المنازعة أو غير ذلك!!
وهكذا يحج كل سنة جماعةٌ من العلماء، ويرجع كل منهم ولم يجتمع بأحد من علماء الحرمين، أو العلماء الذين حجوا في ذلك العام.
وقد كان العلماء في العصور السابقة على خلاف هذه الحال، فكان من أعظم ما يهتمّ به العالم إذا حجّ: الاجتماع بالعلماء والاستفادة منهم وإفادتهم.
ولقد كان بعض العلماء يحجّ وأعظم البواعث له على الحج الاجتماع بالعلماء، مع أنّ هذه العبادات أعني الجماعة والجمعة والعيد والحج مِن أعظم الحِكَم في شَرْعِها: الاجتماع والتعارف، وتبادل الفوائد العلمية وغيرها.
وهكذا قد يتفق لأحد علماء هذا العصر سفر إلى بلد من البلدان فيَرِدُه، ويمكث فيه مدّةً لا يسأل عمن به من العلماء، ولا يجتمع بهم، وإذا اجتمع بهم تجنَّب المذاكرة العلمية، فلا يكاد يفيد ولا يستفيد، وإذا كان يصنع هذا مع جيرانه من العلماء، فكيف يُرْجَى منه خلافُه مع علماء البلدان البعيدة عنه؟!
وكم من عالم تُشْكِل عليه مسألة، أو يخشى أن يكون مخطئًا فيها، فلا
(15/419)

يدعوه التوفيق إلى الاجتماع بغيره من العلماء والبحث معهم فيها، أو إلى مكاتبتهم في ذلك.
هذا مع تيسر طرق المواصلات في هذه الأعصار، فأصبحت المسافة التي كانت لا تُقْطَع إلا في أشهر أو سنين، مع المشاق والمخاوف والعوائق والقواطع تُقْطَع الآن في أيام، مع الأمن والراحة، وكذلك حال المكاتبات.
ولقد كان العالم يبيع ضنائنه لكي يتزوَّد لسفر بعيد ليجتمع بعالم آخر، وكثيرًا ما كانت تعرض لهم المشاق الشديدة في البر والبحر، ويُعرّضون أنفسهم للمهالك، كلُّ ذلك رغبةً في العلم.
حتى لقد كان بعض الصحابة - رضي الله عنهم - يسافر من المدينة إلى مصر ليجتمع بصحابي آخر هنالك ليستثبته في حديث واحد سمعاه معًا من النبي - صلى الله عليه وسلم -!!
ففي "مسند الإِمام أحمد" (ج 4، ص 62) و (ج 5 ص 375) (1) من طريق عبد الملك بن عُمير عن مُنيب (2) عن عمه قال: بلغ رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يحدث ... فرحل إليه وهو بمصر، فسأله عن الحديث، فقال: نعم سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة". قال: وأنا سمعته من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) (16596 و23185).
(2) وقع في النسخة المطبوعة في الموضع الأول: "مسيب"، وفي الثاني: "هييب"، وفي "تعجيل المنفعة" المطبوع بمطبعتنا - دائرة المعارف -: "منيب" ذكره بعد منصور. [المؤلف].
(15/420)

وفي "المسند" أيضًا (جلد 4، ص 153) (1) عن ابن جريج قال: سمعت أبا سعيد (2) يحدث عن عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر ... فأتى عقبة، قال: حدِّثْنا ما سمعتَ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبق أحدٌ سمعه. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ سَتَر على مؤمن في الدنيا ستره الله يوم القيامة". فأتى راحلته فركب ورجع. وعقبةُ بن عامر كان بمصر.
لمّا بلغتُ إلى هنا انتبهت لاتفاق عجيب، وهو أنّ الآثار التي استشهدت بها تدور على مصر، فالليث بن سعد مصري، والشافعي استوطن مصر، والأثران اللذان نقلتهما عن "المسند" كانت الرحلة فيهما إلى مصر، و"المسند" طبع مصر، وكتابا "تهذيب التهذيب" و"تعجيل المنفعة" كلاهما من تأليف الحافظ ابن حجر المصري!!
وفي "سنن أبي داود" (3) وغيرها عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إنّي جئتك من مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لحديث بلغني أنّك تحدّثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما جئت لحاجة - يعني غير ذلك -.
هكذا كان القوم، فأصبح أحدنا يتثاقل عن بضع خطوات يمشيها إلى عالم، أو يضنّ ببضعة أَفْلُس يبتاع بها طوابع للبريد ليكتب بها إلى عالم.
__________
(1) (17391).
(2) كذا في "المسند" المطبوع، وفي "تهذيب التهذيب" المطبوع بمطبعتنا - دائرة المعارف -: (أبو سعد الأعمى)، وفي "تعجيل المنفعة": (أبو سعد، ويقال: أبو سعيد) [المؤلف].
(3) (3641).
(15/421)

وكم من عالم أخطأ في مسألة فلم يهتم إخوانه من العلماء بأن يزوروه ويذاكروه فيها، أو يكاتبوه في شأنها، بل غاية ما يصنع أحدهم أن ينشر اعتراضه في مجلة أو رسالة يُشنِّع على ذلك العالم ويُجَهّله، أو يبدّعه ويكفّره، فتكون النتيجة عكس المطلوب.
وكم من مسائل يُفْتَى فيها بمصر بشيء، وبالشام بخلافه، وفي الهند بخلاف ذلك، ولو كانت المواصلات جارية بين العلماء لما وقع هذا الخبط الشديد الذي يوسع خَرْقَ الافتراق ويؤول إلى النزاع والشقاق.
وعلماء الدين أحوج الناس إلى التواصل والتعاون خصوصًا في العصر الذي تفشّى فيه وباء الإلحاد، وقلَّت الرغبة في العلوم الدينية، بل كادت تعم النُّفْرة عنها، واستغنى كلّ أحد برأيه.
فعلماء الدين مفتقرون إلى التعاون لإيجاد طرقٍ تقرَّب المسافة بينهم وبين المتعلّمين العلومَ الحديثة، وتُجْلى فيها المسائل الدينية في معارض تتفق وطريقَ التفكير العصري، فيُسْتطاع بذلك إيقاف الوباء عن زيادة الانتشار ومعالجة المرضى، بل والدعاية المثمرة إن شاء الله.
فأمّا الدواء المعروف الآن، وهو التكفير والتضليل، فإنه لا يزيد الداء إلا إعضالاً، ومثله مثل رجل ظهر ببعض أصابعه برص فقطعه! فظهر البرص بأخرى فقطعها!! فقيل له: حنانيك قبل أن تقطع جميع أعضائك!
وهذا موضوع واسع، أكتفي بالإلماع إليه. وأهم من ذلك حال الجوامع والمدارس والدوائر العلمية، فإن احتياجها إلى التواصل والتعاون أشد؛ لأنّ النقص في بعضها يضر الأمة جمعاء، خصوصًا في هذا العصر الذي
(15/422)

اضطربت فيه نُظُم التعليم، واحتاج الناس إلى التغيير فيها والتبديل بحسب ما تقتضيه المصلحة.
فمن الواجب أن تكون المدارس الإِسلامية والمعاهد العلمية في العالم كله على صلة بالأزهر المعمور وتَوَاصلٍ بينها لتوحيد نظام التعليم على حسب ما تقتضيه الدواعي العصرية، فمن المؤسف أن نرى بعض المدارس لا تزال تشغل طلبتها بعلم الكلام والطبيعة على ما كان مألوفًا منذ ألف سنة، وتشغلهم في النحو والصرف بالكتب التي ألفت قبل مئات من السنين، فربما مكث الطالب سنين في المدرسة ثم خرج منها كيوم ولدته أمه!
ولو وُثَّقت الروابط بين الجوامع والمدارس لاستفاد بعضها من بعض، وانتفع جميعها بما يهتدي إليه بعضها، فتكون يدًا واحدة على ترقية العلم ونشره، واختيار الطرق الصحيحة القريبة الفائدة.
وحال المطابع وخزائن الكتب على هذا القياس، فكم من مطبعة تظفر بنسخة ناقصة من كتاب تريد طبعه، وقد يكون ذلك الكتاب في بعض المكاتب في قُطر آخر، أو في ملك أحد العلماء، ولكن عدم التواصل يحول بين المطبعة وبين العلم بذلك، فإما أن تطبعه ناقصًا، فيكون في ذلك مضرّة عظيمة؛ لأنّ المطابع الأخرى تُعرض عن طبعه مرة أخرى، مخافة الخسارة المالية، وإمّا أن تهمل طبعه، وقد يؤدي ذلك إلى تلفه، وعلى الأقلّ إلى تأخير الفائدة المرجوّة من نشره.
إنّنا بهذه المناسبة نعلن شكرنا للحكومة المصرية الجليلة والخزانة الخديوية، فإنّنا بالمواصلة معها استطعنا أن نستفيد ونفيد العلم وأهله فوائد عظيمة، فمن ذلك:
(15/423)

- أنّها أفضلت علينا بإرسال نسخة من "السنن الكبرى" للبيهقي أخذَتْها من النسخة المحفوظة فيها بالتصوير الشمسي.
- وكذلك بنسخة من "التاريخ الكبير" للبخاري.
- ونسخة من "الأربعين في أصول الدين" للفخر الرازي.
- وتكفلت لنا بطبع "علوم الحديث" للحاكم، و"إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه، وغير ذلك.
ولا نزال نستفيد منها، وسوف تبقى مواصلتنا معها مستمرة إن شاء الله.
وكذلك حاولنا أن نستفيد من الأزهر المعمور، وبعض أكابر العلماء بمصر، فكاتبناهم لاقتباس رأيهم في الكتب التي ينبغي طبعها، فتفضلوا علينا بآرائهم في ذلك كما أثبتناه في "برنامج الجمعية".
بل وكاتبنا في ذلك أكثر مشاهير علماء العالم، ووردت الأجوبة من بعضهم كما أثبت في البرنامج.
وبالجملة فجمعيتنا هذه مَدِينة للحكومة المصرية وعلماء مصر أعظم الدَّين، ولن يزال اتصالنا بهم مستمرًّا - إن شاء الله تعالى -، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجزيهم عنّا وعن العلم وأهله أفضل الجزاء.
هذا مثالٌ مِن أمثلة التواصل العلمي بين الدوائر العلمية وما ينطوي عليه من الفوائد العظيمة. والحاجة داعية إلى توسيع نطاق التواصل، ولا سيما بتبادل بعض الوفود من قُطْر إلى قُطْر، ومن بلد إلى بلد، ومن مدرسة إلى مدرسة.
(15/424)

وقد أخذت مصر بفضيلة السبق إلى هذا الأمر ببَعْثها هذا الوفد المحترم، وعسى أن تكون قدوة صالحة لغيرها من الأقطار، وسوف يكون لهذا التزاور ثمرةٌ عظيمة إن شاء الله تعالى.
وإنّي وإخواني الأفاضل رفقاء الدائرة نشكر لأعضاء الوفد الأجلة تفضلهم علينا، وعنايتهم بنا، وستبقى أشخاصُهم الكريمة ماثلةً في قلوبنا وكلماتهم التشجيعية رنانة على أسماعنا, ولن تزال الروح التي نفخوها فينا بلطفهم وحنانهم باعثةً لنا على دوام الجد في العمل بنفوس لا تعرف الكسل ولا الملل - إن شاء الله تعالى -.
وحبذا لو كان من الممكن طول إقامة الوفد ها هنا مدة طويلة، ليتكرر اجتماع العلماء بهم، وشفاء الصدور بالاستفادة والمذاكرة، فإنّ قلوب علماء هذه العاصمة وفضلائها حرّى متعطشة إلى الارتشاف من علم علماء الوفد، والتشفي بمذاكرتهم.
ولكن إذا كان طول إقامة الوفد متعذرًا، فإنّنا نعللْ أنفسنا بعودة أخرى - والعود أحمد - وبالمواصلة بالمكاتبة التي ستبقى - إن شاء الله تعالى - مستمرة.
ونرجو من حضرات الأساتذة الأجلة أعضاء الوفد أن يفسحوا لنا جانبًا من صدورهم، ويربطونا بصلة من عنايتهم، فإنّه لا غنى بنا عن ألطافهم بالإرشاد والإمداد العلمي والدعوات المقبولة إن شاء الله.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعًا لدوام الاجتهاد في خدمة العلم والدين، وأن ينجح مقاصد الوفد، ويثمر أعماله.
(15/425)

وفي الختام نُحمِّل الوفد تحيتنا إلى رجال الأزهر المعمور، وسائر إخواننا المصريين، فليحيى الأزهر! ولتحيى مصر!
(15/426)

آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبَد الرّحمن بن يحيى المعَلِّمِيّ
(16)

مجموع رسائل الفقه
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
محمد عُزير شمس
المجلد الأول
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 16-17/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(م 16-17/2)

راجع هذا الجزء
مُحَمَّد أجمَل الإصلَاحي
سُليمَان بن عبَد الله العمير
(م 16-17/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 - فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(م 16-17/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه المبين: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}، والصلاة والسلام على رسوله القائل: "من يُردِ الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين"، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فبين أيدينا مجموعة الرسائل الفقهية للعلّامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله، الذي عرفه الناس بتحقيقاته ومؤلفاته المطبوعة في الدفاع عن الحديث وأهله مثل "التنكيل" و"الأنوار الكاشفة"، وجلُّ آثارِه التي ألَّفها بقيت مخطوطة في حياته، وكان تلاميذه والمحبون له يحثُّونه على نشرها، فيقول: إن كان فيها فائدة فسيأتي فيما بعدُ مَن يقوم بطبعها. وقد آن الأوان لنشرها في هذا المشروع العلمي المبارك إن شاء الله، الذي يجمع جميع آثاره وكتاباته في المسوَّدات والدفاتر، ويُخرِج كثيرًا منها إلى النور لأول مرة.
ورسائل هذه المجموعة كتبها الشيخ في فتراتٍ مختلفة من حياته التي تقلَّب فيها في بلدان مختلفة، فقد كتب بعضها في اليمن ناقش فيها أحد فضلاء الزيدية في مسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف، وهذا قبل أن يرتحل إلى جازان سنة 1336، وهو في ريعان شبابه في الثالثة والعشرين من عمره، وقد كان الشريف محمَّد بن علي الإدريسي حاكمًا لعسير والمخلاف
(م 16-17/5)

السليماني آنذاك، فولاّه رئاسة القضاء هناك، ولما ظهر له ورعه وعلمه وزهده وعدله لقَّبه بشيخ الإِسلام، وكان إلى جانب القضاء يشتغل بالتدريس والمذاكرة مع الإدريسي والتأليف في بعض المسائل. ومنها "مسألة منع بيع الأحرار" التي كتب فيها مرارًا، وعرضها على الإدريسي لينظر فيها.
ولما توفي الإدريسي سنة 1341 وتغيرت الأحوال ارتحل الشيخ إلى عدن، وبقي فيها سنةً مشتغلاً بالتدريس والوعظ، ومما ألَّفه هناك رسالة في "حقيقة الوتر ومسماه في الشرع"، فقد ألَّفها في رمضان سنة 1342. وفي أواخر هذه السنة سافر الشيخ إلى إندونيسيا، وبقي فيها إلى سنة 1344، ثم انتقل إلى الهند، واستقر فيها بحيدر آباد إلى سنة 1371، اشتغل فيها مصححًا لأمهات الكتب في الحديث والرجال والتراجم وغيرها من الفنون بدائرة المعارف العثمانية، وهو إلى جانب ذلك يكتب في بعض المسائل الفقهية التي يرى الحاجة إلى تحرير القول فيها، منها "جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا" الذي ردَّ فيه على بعض علماء الهند، ومنها "رسالة في المواريث" التي ردَّ فيها على كتاب "الوراثة في الإِسلام" (المطبوع بالهند سنة 1341) الذي أثار ضجة في الأوساط العلمية. وهناك كتبٌ ورسائل في علوم أخرى غير الفقه ألَّفها الشيخ في الهند، دخلت ضمن هذه الموسوعة.
انتقل الشيخ في أواخر سنة 1371 إلى مكة المكرمة، وعُيِّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي في شهر ربيع الأول سنة 1372 وبقي على هذا المنصب إلى وفاته سنة 1386. وكان يشتغل في هذه الفترة بفهرسة المخطوطات، وتصحيح الكتب وتحقيقها لتطبع في دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد،
(م 16-17/6)

وتأليف أغلب الرسائل والكتب في الفقه وغيره، ولم ينشر منها في حياته إلاَّ القليل، مثل "مقام إبراهيم" و"الأنوار الكاشفة" و"طليعة التنكيل". وتوفي الشيخ وترك وراءه مجموعة من المسوَّدات في أوراق ودفاتر بأحجام مختلفة، استُخْرِج منها ما يُنشر في هذه السلسلة.
وقد أُسنِدَ إليَّ تحقيق الرسائل الفقهية منها، وهي 38 رسالة متفاوتة في الحجم، بعضها تامَّة حرَّرها المؤلف، وأخرى ناقصة لم يُكمِلها، أو ضاعت بعض أوراقها، فلم نجدها في الدفاتر. ثم بعضها مبيَّضة، وأخرى مسوَّدة كثُر فيها الشطب أو الزيادة بين الأسطر وفي الهوامش، أو الإلحاق في أوراق مستقلة وجزازات. وبعد كلِّ هذا وذاك فبعضها مضطربة الأوراق، تحتاج إلى إعادة الترتيب بعد التأمل فيها ومعرفة سياق الكلام، وسيأتي في منهج التحقيق ذِكر ما بذلنا في تحقيقها وإخراجها من جُهد.
ويهمنا هنا بيان منهج الشيخ في تناوله لهذه المسائل الفقهية، والسمات البارزة لكتاباته. وأوّل ما نذكره بهذا الصدد أنه كتب في النوازل المهمة التي وقعت في عهده، مثل بيع الأحرار الذي شاع في زمنه، وحول أجور العقار بمكة المكرمة، وتوسعة المسعى، ونقل مقام إبراهيم، وتوكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته، ومسألة الطلاق الثلاث المجموع، وغيرها من القضايا والنوازل التي كانت بحاجة إلى تفصيل القول وبيان ما هو الحق والصواب أو الراجح فيها، ودفع الشُّبَه الواردة عليها. وقد كان لكتاباته أثرٌ ملموسٌ في الأوساط العلمية، فأَيَّده العلماء، وكان سندًا قويًّا للحكّام فيما نفَّذوا من إصلاحات. ومع أن الشيخ كان يشتغل بتحقيق المخطوطات وتصحيح الكتب والعمل في المكتبة، إلاَّ أنه لم ينقطع عما يجري في
(م 16-17/7)

المجتمع من أمور تحتاج إلى تحرير القول فيها من الناحية الشرعية، فقام بها أحسن قيام، ووقف موقفَ الفقيه الذي ينظر إلى مقاصد الشرع ويتأمل في النصوص ويستنبط منها ما فيه صلاح العباد والبلاد.
والأمر الثاني الذي نلاحظه في هذه الرسائل أنه يردُّ على من يثير الشغب في المسائل المجمع عليها، مثل ما فعل الجيراجي في كتابه "الوراثة في الإِسلام" الذي أراد أن يهدم به نظام المواريث، فانبرى له الشيخ، وألَّف في الردّ عليه، وأطال في مناقشته، وفسَّر آيات المواريث تفسيرًا صحيحًا يجلو كلَّ غبار، وينسف ما بناه الجيراجي في كتابه المذكور. وهذا يدل على غيرته وحميته للدين، ودفاعه عن القرآن والسنة وإجماع الأمة.
وهكذا ردّ في رسالته عن الربا على من يُجوِّز بعض أنواعه، مثل فائدة البنوك والبيع المسمَّى ببيع الوفاء أو بيع العهدة، وأطال المناقشة والحوار معه، وذكر مفاسدها من وجوه.
أما المسائل الخلافية مثل سنة الجمعة القبلية، وعدد الركعات في قيام رمضان، والوتر، وإعادة الصلاة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع وغيرها، فقد تأنّى فيها الشيخ، ونظر في الأدلة الواردة في هذه المسائل، وتكلم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، ثم تطرَّق إلى دلالتها وبيان اختلاف العلماء فيها، ورجَّح ما رآه راجحًا دون القدح في المذاهب أو الأئمة. يقول في آخر رسالته في الوتر: "هذا ما اقتضاه قول الحق الذي أوجبه الله على كلِّ مسلم على مَبْلغِ علمه ومقدار فَهْمِه. وليس فيما قلنا غضاضة على أئمة مذهبنا، فإنهم حَفَظَة الدين وأئمة اليقين، وهم جبال العلم وبحاره، وشموس الحق وأقماره، وإنما معنا آثار فوائدهم وأسْقاطُ موائدهم".
(م 16-17/8)

ويقول في آخر رسالته في عدم إدراك الركعة بإدراك الركوع: "لا يُنكَر أن للقول بالإدراك قوَّةً مَّا لذهاب الجمهور إليه، فلا لومَ على مَن قوِي عنده جدًّا فقال به. فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها".
ويقول في قيام رمضان: "أما الحدّ المحتَّم فلا، وأما الأفضل فالاقتصار على الإحدى عشرة، وفي بعض الليالي ثلاث عشرة، إلا إذا شقَّ عليهم إطالتها حتى يستغرق الوقتَ الأفضل، فلهم أن يزيدوا في العدد، على حسب ما يخفُّ عليهم، وعلى هذا جرى عمل السلف".
وبمثل هذه الآراء النيَّرة يُنهي كتاباته في المسائل الخلافية، فهو مع ترجيحه لرأي معيَّن يجعل الأمر واسعًا، فلا يتعصب لمذهب ولا يتشدد في الدفاع عنه. وقد كانت نشأة الشيخ على المذهب الشافعي، وله اطلاع واسع على نصوص الإِمام الشافعي في كتاب "الأم"، وأقوال الشافعية في كتب الفقه، إلاَّ أن ذلك لم يمنعه من مناقشة الإِمام وأصحابه في بعض المسائل، مثل سنة الجمعة القبلية، حيث خالف المذهب وناقش الأصحاب، وردّ على جميع ما استدلوا به. وقال في آخره: "مَن كان منكم يحبُّ ثبوتها انتصارًا لمن أثبتها من العلماء فهذا غرض آخر، ليس من الدين في شيء. والعلماء مأجورون على كل حال، وليس في المخالفة لهم تبعًا للدليل غضاضةٌ عليهم، إذ ليس منهم من يُبرَّئ نفسَه عن الخطأ ويدَّعي لنفسه العصمة. ومَن كان منكم يحبُّ ثبوتها لكونه من المقلدين للمذهب القائل بثبوتها، فهذا لا ينبغي له أن يُعوِّل على ثبوتها من حيث الدليل وعدمه, لأنه مقلِّد لا يَسأل عن حجة، ولا يُسأل عن حجة، فهو ملتزم لقول من قلَّده. فإن تاقت نفسُه إلى
(م 16-17/9)

الاحتجاج فليوطَّن نفسه على قبول الحجة، ولو على خلافِ قولِ إمامه، وإلاَّ وقع في الخطر من تقديم هواه على ما جاء به الرسول، وجَعْلِ كلامِ مقلَّدِه أصلًا يُرَدُّ إليه ما خالفه من كلام الله ورسوله. والله يهدي من يشاء إلى سراطٍ مستقيم".
كان الشيخ عالمًا بالحديث والرجال والعلل، وتغلب عليه هذه النزعة عندما يذكر الأحاديث، فيتكلم عليها تصحيحًا وتضعيفًا، ويأتي بالطرق والشواهد، ويترجم لرجال الأسانيد، ويشير إلى بعض العلل الخفية، ويُعقَّب أحيانًا على الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما من النقّاد. والأمثلة على ذلك كثيرة في هذه الرسائل، ويكفي مراجعة رسالته "سنة الجمعة القبلية"، و"هل يُدرِك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام"، و"القبلة وقضاء الحاجة"، وبحث في حديث قيس بن عمرو في صلاة ركعتي الفجر بعد الفرض، ومسألة إعادة الصلاة، وبحث في حديث معاذ بن جبل في صلاته بقومه، وبحث في وقت تشريع ونزول آية صلاة الخوف، وغيرها، فقد أطال الشيخ فيها الكلام على نقد الأحاديث الواردة في الباب، وناقش بعض العلماء في القديم والحديث من الذين تكلموا عليها وعلى فقهها، ووفَّق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض. وقلَّما تخلو رسالة من هذه الرسائل الفقهية من فائدة حديثية، أو تنبيه على إشكال وحلّه، أو تعقيب على وهم، أو كلام على الرجال والعلل، يكون من بنات فكره ودقائق استنباطه.
وإلى جانب تمكُّنه من علوم الحديث والرجال كان واسعَ الاطلاع على كتب التراث في فنون مختلفة، وقد استفاد منها وأحال إليها كثيرًا في هذه الرسائل، ولو قرأنا مثلًا رسالته "مقام إبراهيم" و"توسعة المسعى" و"سير
(م 16-17/10)

النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج" و"مسألة منع بيع الأحرار" نعرف سعة اطلاعه على كتب التاريخ والتفسير واللغة والفقه وغيرها، وقد مكَّنه الاشتغال بتحقيق الكتب والعمل في المكتبة من الاطلاع على أغلب ما وصل إلينا من كتب التراث، يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء مع التنبيه على ما فيها من أوهام وأخطاء.
ويميل الشيخ كثيرًا إلى أسلوب الحوار والمناقشة، لتوضيح بعض المسائل والردّ على بعض الشبه والإشكالات، وقد ألَّف بعض رسائله بصورة أسئلة وأجوبة، ومنها في هذه المجموعة أسئلة وأجوبة في المعاملات، بسّط فيها مسائل البيوع وسهَّلها، وهي من أكثر الأبواب الفقهية تعقيدًا وصعوبةً.
وكان للشيخ خبرةٌ في القضاء عدة سنوات، فاستطاع بذلك أن ينقد بعض الأحكام التي صدرت من أحد القضاة، ويبيِّن ما فيها من خللٍ من الناحية القضائية، ومخالفةٍ لحكم الشريعة، كما في الرسالتين (24، 33) ضمن هذه المجموعة. وكذلك في مسألة منع بيع الأحرار انتقد صنيع القضاة في الحكم بالرق على شخص دون النظر في ذلك من جميع الجوانب، وردَّ على أولئك الذين توهَّموا من بعض النصوص في كتب الفقه تأييدًا لمطلبهم، وعكَف على هذه الكتب واستخرج منها نصوصًا كثيرة من أبواب مختلفة تُؤيّد ما ذهب إليه، وبيَّن بعض أحكام الرقّ في الشريعة بتفصيل.
وقد ظهر لي في أثناء تحقيق هذه الرسائل أن الشيخ لا يُصرِّح غالبًا باسم الشخص المردود عليه من المعاصرين، فينقل كلامه ويناقشه دون أن يجرح شخصه أو يفضحه، وإذا ذكر اسمه ذكره بكل ثناء وتبجيل دون تشهير وتجهيل، وهذه عادة مطّردة للشيخ في سائر مؤلفاته مع جميع المعاصرين له
(م 16-17/11)

حتى مع أشدّ المخالفين لأهل الحديث، كما هو معروف.
ويبدو جليًّا من قراءة هذه المجموعة وغيرها من مؤلفاته أن الشيخ كان يستحضر نصوص كتاب "الأم" للشافعي، وتحقيقات الحافظ ابن حجر في "الفتح"، وتراجم الرجال في "الميزان" و"اللسان" و"التهذيب"، وآثار الصحابة والتابعين في "تفسير" الطبري، فهو كثير الاعتماد عليها والإحالة إليها في بحوثه، ويعقّب عليها أحيانًا ويستدرك. كما أنه كثير التتبع ل "مسند" الإِمام أحمد و"السنن الكبرى" للبيهقي لمعرفة طرق الحديث وألفاظه، أما الصحيحان والسنن الأربع فقد كانت منه على طرف الثمام، يعتمد عليها بالدرجة الأولى، ويستنبط منها ما يفيد في المسألة المبحوث عنها.
هذه بعض الملامح العامة لهذه الرسائل الفقهية، وهناك استطرادات وفوائد كثيرة منثورة في أثنائها، فلا يغتر القارئ بعناوين الرسائل التي لا تُبيَّن له كلَّ ما بداخلها، وعليه أن يقرأها بعناية، ويجني ثمارها بنفسه، ويستفيد من أسلوب الشيخ وطريقته، ويستمتع بمناقشته واستنباطه، ويطّلع على آرائه ونظراته، ويقتبس من دراساته وتحقيقاته.
(م 16-17/12)

التعريف بهذه الرسائل وأصولها
توجد هذه الرسائل مثل سائر مؤلفات الشيخ في مكتبة الحرم المكي، التي كان أمينًا لها من سنة 1372 إلى وفاته سنة 1386، وهي في دفاتر وكراسات وأوراق من أحجام مختلفة، وقد سُجِّلت كلها في السجلّ العام للمكتبة، ووُضِعت عليها أرقام. وأخطأ المفهرسون أحيانًا فرتّبوا الأوراق ورقّموها دون رعاية الترتيب الصحيح لها. وقد عانيتُ كثيرًا في بعض الرسائل المضطربة وإعادة ترتيبها، حتى استقام السياق.
وأصابَ بعضَ هذه الرسائل البللُ أو الاهتراء من أطرافها أو القطع من المجلد أو الخرق، فأثَّر كلُّ ذلك على الكلام الموجود في تلك الأوراق، وبعضها مخرومٌ من أولها أو من آخرها، ولم أجد بقية الكلام في الدفاتر والأوراق. وأحيانًا كتب الشيخ تتمةً أو ملخصًا في أوراق مستقلة ضاع بعضها وبقي البعض.
وفيما يلي تعريف بهذه الرسائل ومخطوطاتها، وذِكرٌ لمناسبة تأليفها إن وُجدتْ، واستعراضٌ لأهم موضوعاتها ومباحثها، يكون مدخلاً للقراء إليها إن شاء الله، وقد رتبتها بحسب مكانها من الكتب الفقهية.

1 - القِبْلة وقضاء الحاجة:
توجد نسختها الخطية في مكتبة الحرم المكي برقم [4692] في قطعتين، أولاهما في 13 صفحة، والثانية في عشر صفحات، وبعدها صفحات مشطوب عليها، وكلتاهما بخط المؤلف في قطع طويل مقاسه 32 × 21 سم. وفيهما تخريجات وزيادات في مواضع.
(م 16-17/13)

أما القطعة الأولى فقد بدأها الشيخ بذكر أحاديث النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهي سبعة أحاديث تكلم على أسانيدها ومتونها واختلاف ألفاظها. ثم بيَّن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أتى أحدكم الغائط" وهل يفيد إخراج الأبنية؟ فذكر أن المراد هنا المعنى الكنائي، أي إرادة قضاء الحاجة بغضّ النظر عن الحقيقة، فيشمل الأبنية وغيرها، وأيَّد ذلك بأمور، وتوصّل إلى أنه لا حجة فيه لمن خصَّص الحكم المذكور بغير الأبنية.
ثم ذكر الأحاديث التي تدلُّ على الرخصة، وتكلم عليها وعلى معانيها، فذكر أن من الناس من أخذ بها وقال بنسخ النهي، وفرَّق بعضهم بين البناء والفضاء، فحملوا النهي على الفضاء، والفعل على البناء. ومن أهل العلم من بقي على عموم النهي، ورجَّح المؤلف هذا الرأي بقوله: "وهو الحق إن شاء الله تعالى". وأيَّد ذلك بأمور، ثم أورد ثلاثة اعتراضات وإيرادات على هذا الرأي، وردَّ عليها، وأطال الكلام على حديث ابن عمر: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته" أو "مستقبل الشام مستدبر القبلة"، وناقش أقوال العلماء في تأويله وكونه ناسخًا للنهي، وتكلم على تعليل النهي.
ثم عقد "الباب الثاني في الرخصة"، وكأن ما سبق كان هو الباب الأول، ذكر فيه بقية الأحاديث الدالة على الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وأطال الكلام في نقدها وتحقيقها، ودراسة رجال أسانيدها، وبه تنتهي القطعة الأولى.
أما القطعة الثانية فعنون لها ب "حكم القبلة وقضاء الحاجة"، وأورد
(م 16-17/14)

حديث أبي أيوب الأنصاري وبعض الأبحاث المتعلقة به، وتكلم على فقه الحديث وبسط الكلام فيه. ثم ذكر حديث عائشة قالت: ذُكِر لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: "أوَ قد فعلوها؟ حَوِّلوا مقعدي قِبَلَ القبلة". وأطال الكلام في تخريجه وبيان الاختلاف فيه على خالد الحذاء، وأورد كلام النقاد في تضعيف الحديث، وكيف أن بعض المتأخرين حسَّنه بل صححه. ثم تكلم عن سماع عراك من عائشة وردّ على من أثبت السماع، وأطال الكلام حوله. وهو المبحث الأول من المباحث التي كان الشيخ يريد أن يكتبها، ولم أجد المباحث الأخرى المتعلقة بالحديث في هذه القطعة. وفي أثنائها الكلام على اشتراط اللقاء أو الاكتفاء بالمعاصرة بين الرواة لصحة الحديث، تناوله المؤلف بطريقة جديدة.

2 - فائدة في السِّواك:
توجد ضمن مجموع في مكتبة الحرم المكي برقم [4707]، ذكر فيها أولاً الأحاديث الواردة في فضل السّواك، وتكلم على أسانيد بعضها، ثم انتقل إلى بيان أهمية السِّواك، وأنه مطهرة للفم وطريق القرآن، وكما أن مسَّ المصحف مع الحدث حرام، وتلطيخه بالنجس المستقذر إن قارنه استهزاءٌ فكفرٌ وإلَّا فحرام، وكذا تلطيخ الذكر أو اسم من أسماء الله أو اسم من أسماء أنبيائه أو ملائكته ونحوه يحرم في الأماكن النجسة ويُكره في الأماكن المستكرهة، فكان القياس أن يحرم القراءة والذكر ونحوها عند تغيُّر الفم؛ لأن التلفظ بالقرآن بمنزلة كتابته، بل هو أبلغ. وأما مجرد الريق وما عسُر إزالتُه من التغيُّر فيُعفى عنه للضرورة.
(م 16-17/15)

3 - مسألة بطلان الصلاة بتغيير الآيات في القراءة:
لم يذكر لها الشيخ عنوانًا، وهي برقم [4708] في مكتبة الحرم المكي، وقد ألَّفها سنة 1339 م، ومناسبة تأليفها أن الإِمام في صلاة الجمعة قرأ سورة الغاشية، فأبدل لفظ الغاشية بالخاشعة، ففتح عليه المصلُّون فلم يتنبه، فلما سلَّم قال السيد صالح بن محسن الصيلمي: أعيدوا الصلاة، فنازعه السيد العربي محمَّد بن حيدر النعمي بأنه لا يلزم في مذهبهما (أي المذهب الزيدي) إعادة في مثل ذلك، ثم قال له: الإِمام حاكم وهو شافعي.
فسُئل المؤلف عن هذه الصلاة في مذهب الشافعية، فقال: صحيحة، فطلب منه الصيلمي دليل الشافعية على عدم بطلان الصلاة، فأجاب وقرّر المسألة ناقلاً فيها الآيات والأحاديث، ومحرِّرًا مذهب الشافعية في ذلك.
وقد استدل على استصحاب الأصل فيه بحديث علي بن أبي طالب الذي رواه أبو داود أن رجلاً دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما الخمر قبل أن تُحرَّم، فأمَّهم علي في المغرب، فقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فخلَّط فيها. وليس فيه أنهم أُمِروا بالإعادة.
وردَّ على قول الصيلمي: "إن سبب البطلان هو الإتيان بكلمة ليست من القرآن"، فلفظ "الخاشعة" قد جاءت في القرآن مع أن إتيانه بها خطأ، والكلام الأجنبي لا يبطل صلاة المعذور فيه، سواء كان جاهلاً أو ناسيًا أو مخطئًا، كما يدل عليه حديث معاوية بن الحكم السلمي وحديث ذي اليدين وغيرهما. وتكلم في أثنائه على تحريم الكلام في الصلاة ومتى كان ذلك، واختلاف العلماء في المدة التي لا يجوز للمسافر أن يقصر فيها إذا مكث
(م 16-17/16)

بمنزلٍ، ومسألة القراءة خلف الإِمام، وأطال الكلام في هذه المسألة، وتكلم على حديث عبادة بن الصامت وأبي هريرة، وتوصَّل إلى أن الفاتحة لا بدّ منها للإمام والمأموم في كل ركعة لحديث المسيء صلاته. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] فقيل: نزلت في القراءة خلف الإِمام، وقيل: في الكلام والإمام يخطب، وقيل: في الكلام في الصلاة، ورجَّح الثاني، وقال: وهو الذي يميل إليه المفسرون، وهو موافق لحديث: "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: "صَهْ" فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له". وعليه فالظاهر وجوب الإنصات إلا إذا كان الكلام لمصلحة الخطبة، كما ورد في بعض الأحاديث.
وختم الرسالة بحكم النفخ والتنحنح ونحوه هل يُعدُّ كلامًا يُبطل الصلاة؟ فقال: الأصح عند أصحاب الشافعي: نعم، والصحيح هو الصحيح، والله أعلم. ومراده بالصحيح أي في المذهب الشافعي، وهو يقابل الأصح.

4 - هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام؟
لم تصل إلينا نسختها بخط المؤلف؛ لأنه كان قد أهداها إلى تلميذه الشيخ محمَّد أحمد المعلمي في مكتبة الحرم المكي الشريف، عندما أراد العودة إلى وطنه اليمن سنة 1373 بعد ملازمته لمدة سنتين، وحصل عليها منه الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت المؤلف) سنة 1395، فبادر بنسخها في دفتر خاص، وأعطى النسخة الأصلية لأحد الأقارب ليقوم بعضهم بنشرها في صنعاء، ولكنها لم تُنشر هناك، بل فُقدت تلك النسخة ولم يُعرَف مصيرها.
(م 16-17/17)

ثم قام بتحقيقها الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي بالاعتماد على منسوخته التي كانت طبق الأصل كما شهد بذلك تلميذ المؤلف الشيخ محمَّد أحمد المعلمي، ونشرتها مكتبة الإرشاد بصنعاء سنة 1414. وعلى هذه الطبعة اعتمدتُ في تحقيقها وإخراجها من جديد حسبَ المتبع في تحقيق هذه السلسلة المباركة، وقد أذن المحقق جزاه الله خيرًا بالإفادة من طبعته والاعتماد عليها. وقد أصلحتُ بعض الأخطاء والتصحيفات بالرجوع إلى المصادر، ونقلتُ بعض حواشي المؤلف إلى مكانها الصحيح.
ومناسبة تأليفها أن الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة أطلعَ المؤلفَ على رسالته في اختيار إدراك المأموم الركعةَ بإدراكه الركوعَ مع الإِمام، وأشار عليه أن يكتب ما يظهر له في هذه المسألة، فكتب هذه الرسالة وناقش فيها الشيخَ محمَّد عبد الرزاق حمزة فيما ذهب إليه، فأجمل أولًا ذكر الأدلة الخمسة التي احتجَّ بها الشيخ، ثم تكلم عليها واحدًا واحدًا، ونظر في جميع الأحاديث على طريقة المحدثين، وبحث عن معانيها وفقهها.
وقد أطال الكلام على حديث أبي بكرة، وعلى معنى "الركعة" في حديث: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" هل هي بمعنى الركوع لغةً وشرعًا كما ادعى الشيخ، وأورد من الأحاديث والنصوص ما يدل على خلاف ذلك. وتكلم على ضعف زيادة "قبل أن يقيم الإِمام صلبه" في هذا الحديث. وفي أثنائها أبحاث وتحقيقات في علوم الحديث والرجال، نثرها المؤلف بمناسبة الكلام على الأحاديث.
وختم الرسالة بقوله: "لا يُنكَر أن للقول بالإدراك قوةً مَّا لذهاب الجمهور - ومنهم جماعة من علماء الصحابة - إليه، وما جاء مما يدلُّ عليه
(م 16-17/18)

على ما فيه، فلا لومَ على مَن قوي عنده جدًّا فقال به. فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها، واشتغال الذمة بالصلاة كاملةً، والله الموفق".
ولا أدري هل طبعت رسالة الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة أم لا، وينبغي أن تُطبع وتُقرأ مع رسالة العلامة المعلمي هذه للاطلاع على أدلة الفريقين ومناقشتها مناقشة علمية هادئة. وقد ألَّف العلماء كثيرًا في هذه المسألة وخاصة في بلاد الهند، ولم أر مَن حرَّر القول فيها وتناولها بالأسلوب الذي تميَّز به المؤلف.

5 - بحث في حديث قيس بن عمرو في صلاة ركعتي الفجر بعد الفرض:
توجد نسخته الخطية ضمن مجموع في مكتبة الحرم المكي برقم [4693] في ورقتين (ق 8 - 9)، تكلم فيه الشيخ على حديث قيس بن عمرو قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال: "أصلاةَ الصبح مرتين؟ " فقال الرجل: إني لم أكن صلَّيتُ الركعتين اللتين قبلهما فصلَّيتهما الآن، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر الشيخ طُرق الحديث وألفاظه من كتب الحديث أولاً، ولاحظ اختلاف الألفاظ في موضعين: الأول في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصلاة الصبح مرتين" فقد روي بألفاظ مختلفة. والثاني أن في عامة الروايات: "فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - "، وفي رواية الدراوردي وحدها: "فقال: فلا إذًا". وتكلم على الموضعين، وبيَّن المعاني المحتملة لهما، ورجَّح من حيث الإسناد والمعنى ما هو الراجح في نظره. وردَّ على بعض الحنفية (وهو الشيخ أنور شاه الكشميري)
(م 16-17/19)

تأويله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا إذًا" بمعنى: "فلا جوازَ إذًا"، وبيَّن أنه ليس فيما استشهد به ما تقوم به الحجة.
وكان مقصود المؤلف هنا الكلام على هذا الحديث، لا على أصل المسألة، فإن للكلام فيها موضعًا آخر. ونبَّه في آخره على حديث المغيرة في إدراك النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس وهم يصلون الصبح خلفَ عبد الرحمن بن عوف وقد صلَّوا ركعة، قال المغيرة: "قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى الركعةَ التي سُبق بها، ولم يَزِد على ذلك"، وردَّ على الكشميري تأويله لقوله: "ولم يزد على ذلك" على أنه لم يتدارك ركعتي الفجر.

6 - إعادة الصلاة:
هكذا عنون المؤلف هذه الرسالة، وهي ضمن المجموع السابق برقم [4693] (الورقة 10 - 26). وقد بدأها بذكر حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" بطرقه وألفاظه في كتب الحديث، وتكلم على معنى إعادة الصلاة، هل هو صلاتها مرتين أو أكثر، ثم أورد بعض الآثار عن ابن عمر في مشروعية الإعادة مع الجماعة، وذكر الأحاديث المرفوعة الدالة على مشروعية الإعادة، وهي عشرة أحاديث خرَّجها وتكلم على أسانيدها. وبعد الانتهاء منها عنون بقوله: "الفقه"، تكلم فيه على فقه هذه الأحاديث، وأن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وأن دلالة الأحاديث المذكورة على مشروعية الإعادة في أربع صور، فما عداها باقٍ على الأصل. وهذه الصور هي:
1 - من صلَّى في بيته أو نحوه، ثم أدرك الجماعة في المسجد.
2 - إذا رأى إنسانًا يريد الصلاة وحدَه، فيتصدَّق عليه.
(م 16-17/20)

3 - أن يكون الرجل إمامًا راتبًا، فيصلَّي في غير مسجده، ثم يرجع إلى مسجده فيصلَّي بهم.
4 - في صلاة الخوف.
ثم شرح معنى حديث ابن عمر بألفاظه المختلفة: "لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" أو: "لا تُعاد الصلاة في يومٍ مرتين" أو: "لا صلاةَ مكتوبة في يومٍ مرتين"، وتوصَّل إلى أنه عام، وأحاديث الباب خاصَّة، فيُعمل بها فيما دلَّت عليه، وما بقي فللعام.
وذكر المؤلف اختلاف الناس في إعادة صلاة الفجر والعصر والمغرب، فقد منع بعضهم من إعادة الصبح والعصر للنهي عن الصلاة بعدهما، ومن إعادة المغرب قياسًا على الوتر، ورجَّح المؤلف إعادتها كلها، وناقش أدلة القائلين بكراهتها.
ثم عقد فصلاً بقوله: "هل يُعيد إمامًا؟ "، فذكر أدلة المجيزين، وهي ثلاثة أحاديث:
1 - حديث جابر في قصة معاذ، وتكلم على طرقه، ومن رواه عن جابر (مثل عمرو بن دينار، وعبيد الله بن مقسم، وأبي الزبير، وأبي صالح، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن جابر) وما وقع في رواياتهم من الاختلاف، وأطال الكلام عليها، وعلى أن معاذًا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب أو العشاء.
2 - حديث جابر في صلاة الخوف، ذكره من طرق وخرَّجه من كتبٍ مختلفة، وتكلم على رجال الأسانيد، ثم قال: إن حديث جابر قد يُحمل على
(م 16-17/21)

ثلاثة أوجه: الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتمَّ تلك الصلاة، وأتموها لأنفسهم. والثاني: أن يكون أتمَّ وقصَروا. والثالث: أن يكون قَصَر وقصروا، ولكنه أعاد صلاته، فصلَّى بهؤلاء صلاةً كاملة، وبهؤلاء صلاةً كاملة. ورجَّح المؤلف الوجه الثالث، وأبطل الوجهين الأولين، وأيَّد موقفه ببعض الروايات التي تصرَّح بذلك. وفي أثناء الكلام على ذلك تحدَّث عن مشروعية صلاة الخوف متى كانت، وذكر اختلاف الروايات في هذا الأمر، وحقَّق الكلام حوله بعد ما سرد هذه الروايات.
3 - حديث أبي بكرة في صلاة الخوف، خرَّجه من المصادر وذكر طرقه وألفاظه وتكلم عليها.
وبعد ذكر أدلة المجيزين وضع عنوان "أجوبة المانعين" منها: أنه يحتمل في هذه الوقائع أن تكون الإعادة لما كانت الفريضة تُصلَّى مرتين، ثم نُسِخ ذلك. ومنها في خصوص قصة معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بذلك. وردّهما المؤلف، واستحسن ما قاله الشيخ شبير أحمد العثماني الحنفي في "شرحه لصحيح مسلم" بشأن حديث معاذ بحيث تتفق الروايات المختلفة في الظاهر. وشرح معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "إما أن تُصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك".
وذكر من أجوبتهم الخاصة بقصة معاذ: احتمال أن يكون معاذ كان يُصلَّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنها نافلة له، ثم يُصلَّي بقومه على أنها فريضته، ثم ردَّه. كما ذكر دعواهم النسخ بما لا طائل تحته.
ثم عقد فصلًا ردّ فيه على بعض الحنفية في تأويله لحديث معاذ وحديث صلاة الخوف، واستبعد ذلك التأويل جدًّا.
(م 16-17/22)

ثم عقد فصلاً ذكر فيه أن أجود ما رأى للمانعين قول الشيخ شبير أحمد العثماني في "شرحه لصحيح مسلم" في الاحتجاج لما ذهبوا إليه، فقد احتجوا بحديث: "الإِمام ضامن" وحديث: "إنما جُعِل الإِمام ليُؤتمَّ به" وقوله: "فلا تختلفوا عليه". وناقشهم المؤلف في دلالة هذه الأحاديث على المنع.
وفي الفصل الأخير من الرسالة تكلم على مسألة اقتداء المفترض خلف المتنفل، واحتج لصحتها، وردَّ على شبه المانعين. وبه ختم الرسالة.
هذا استعراض سريع لموضوعاتها ومباحثها، وهي من أهم الرسائل التي أُلَّفت في الباب، وقد أكثر من التأليف فيه علماء الهند من أهل الحديث والحنفية باللغة الأردية، ولم أجد من استوفى الكلام عليه مثل المؤلف، فرحمه الله رحمةً واسعة.

7 - بحث في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في صلاته بقومه:
توجد مخطوطته ضمن مجموع في مكتبة الحرم المكي برقم [4665] (الورقة 6/ أ - 8/ ب)، وهي متآكلة من بعض الجوانب، والخط دقيق لا بأس به، وفي بعض المواضع كُتِب بقلم الرصاص.
ويبدو أن أوله ناقص، فقد بدأ بقوله: "أقول: معنى هذا بنحو لفظه في رواية ابن عيينة في صحيح مسلم وغيره، وقد تقدم". يشير بذلك إلى حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ بن جبل، وقد أخرجه مسلم (465) وغيره، والكلام التالي كله مبني عليه. فقد تكلم على معنى الحديث، وأن شكوى الناس كان من تأخير معاذ وتطويله في القراءة، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتعجيل في الإتيان إلى الصلاة والاختصار في القراءة. وعليه يُحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية
(م 16-17/23)

أخرى: "إما أن تصلّي معي وإما أن تخفِّف على قومك".
وتكلم بعد ذلك على إعادة الصلاة وذكر أن دلائلها قد تقدمت، ومنها ما كان في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنها ما أمر أصحابه أن يعملوا به من بعده. أما حديث ابن عمر في النهي عن الإعادة فتاريخه مجهول، وغايته أن يكون عامًّا يُخصُّ منه ما قام الدليل على خصوصه، ومنه قصة معاذ وما في معناها. وردَّ على الطحاوي وبعض الحنفية من الهند في تأويلهم لقول معاذ: "إما أن تصلّي معي وإما أن تخفّف على قومك". وناقش ما قاله الشيخ شبير أحمد العثماني الحنفي في شرحه لصحيح مسلم بهذا الصدد، وردّ على من قال من الحنفية بالهند من أن أصل القصة أن معاذًا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم يرجع إلى قومه فيصلَّي بهم العشاء، وادعى حذفَ "المغرب" من الرواية، وأن بعض الرواة وهموا في ذلك، ليستقيم له ما أراد من عدم تكرار الصلاة كما هو مذهب الحنفية. وقد أطال الكلام على هذا، وشدَّد النكير عليه وقال: إن ما ذهب إليه من توهيم الرواة يلزم منه وهمهم جميعًا، فإن الروايات على كثرتها ليس فيها رواية واحدة تحتمل ما قاله احتمالًا قريبًا. وإذا كان العالم لا يخشى على دينه من ارتكاب مثل هذه التأويلات، فينبغي له على الأقل أن يستحضر أن ارتكابه لها يُجرِّئ مخالفيه على ارتكاب مثلها في معارضته.
ثم عقد المؤلف فصلاً ذكر فيه تأويلات بعض الحنفية لحديث معاذ، منها أن ما فعله كان بغير علم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنها أنه كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصلَّى مرتين ثم نُسِخ، وردَّ عليها جميعًا في ضوء الأحاديث وأقوال المحققين من العلماء. وبه ينتهي الموجود من المخطوط، ويبدو أن
(م 16-17/24)

له تتمة لم نجدها ضمن المجموع، فقد أشار في أثناء الكلام على بعض الموضوعات إلى أنها ستأتي فيما بعد. ولعل ما سبق من كلامه في رسالته "إعادة الصلاة" يقوم مقام المفقود.

8 - حقيقة "الوتر" ومسماه في الشرع:
وصلت إلينا هذه الرسالة بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4245]، وهي أوراق متفرقة عددها 25 ورقة، وقد رُقّمت ترقيمًا مسلسلًا دون ترتيبها بعناية.
وسبب تأليفها أن بعض الإخوان سأل الشيخ في رمضان سنة 1342 عن بعض أحكام الوتر المختلف فيها، طالبًا بيانَ الراجح من الأقوال مع ذكر الدليل. ولما بدأ الشيخ بتصفح الأدلة وجد أحكام الوتر مترابطةً آخذًا بعضها برقابِ بعض، فعزَم على تأليف كتاب يشتمل على عامة أحكام الوتر. وقد ذكر الشيخ في ورقة منها العناوين الرئيسة، وهي: (وجوب، عدد، نية، قراءة مخصوصة، سبْقُ شَفْع، أول وقته وآخره، في السفر على الدابة، قضاء، قنوت، محلّ قنوت، ما يقال فيه، فصل ووصل، الركعتان بعده، فعله من قعود، أفضليته). ولكن الأوراق الموجودة لا تحتوي إلاَّ على أبحاثٍ معدودة منها.
ويبدو لي أن الشيخ كتب هذه الأوراق في أوقاتٍ مختلفة، بدليل اختلاف الخط والورق، وتكرار بعض الصفحات في تناول موضوع واحد بأسلوبٍ واحد مع قليل من الخلاف، ومن أظهر الأدلة على أن الشيخ كتبها في أوقات مختلفة أنه يبدأ الكتاب بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي لا تنحصر مواهبه .... مقدمة في حقيقة الوتر ... ". وفي ورقة أخرى
(م 16-17/25)

يقول: "الحمد لله. مبحث في الوتر. (مقدمة) بعد استقراء الأحاديث والآثار تلخص لنا ... ". وفي ورقة مستقلة يكتب: "الحمد لله. مبحث في الوتر. أجاز الشافعية الاقتصار على واحدة ... ". وفي ورقة رابعة يبدأ بقوله: "الحمد لله. بحث في حقيقة الوتر ومسماه في الشرع ... " ثم يورد الأحاديث الواردة في الباب.
فهو كلّ مرة يبدأ الكتابة من جديد، ويكرِّر بعض الموضوعات التي تحدَّث عنها سابقًا.
وكان غرضه - كما ذكر في مقدمة الكتاب - أن يبيِّن حقيقة الوتر أولاً، أي المعنى الذي يكون إطلاق لفظ الوتر عليه حقيقة شرعية، ثم يشرع في بيان الوجوه المختلف فيها، مُفرِدًا كلَّ وجهٍ بمقالة. وقد عنون "المقالة الأولى في حقيقة الوتر"، كما ذكر بعد الخطبة: "مقدمة في حقيقة الوتر". ولم نجد بعدها عناوين المقالات الأخرى، ولكنه عنون بقوله: "مبحث في الوتر"، و"بحث في حقيقة الوتر ومسماه في الشرع"، و"الفصل الثاني في الاقتصار على ثلاث". وهي فصول متفرقة ضاعت بعض أوراقها، وما بقي منها يحتوي على مباحث في الوتر فصَّل الكلام عليها، وتوسَّع في مناقشة آراء بعض العلماء فيها.
وقد قمتُ أولاً بنسخ كل ورقة على حدة، ثم تأملتُ في سياق الكلام، ورتَّبتُ الأوراق حسب ما يقتضيه الموضوع والسياق، ووجدتُ أحيانًا تكرارًا في الكلام في بعض الصفحات فحذفته، واتبعتُ إشاراتِ المؤلف في الإلحاقات والتكملة وفي ترتيبِ أول الكتاب، فقد كتب في أعلى صفحة الخطبة إلى اليسار: (الخطبة، ثم المقدمة، ثم المقالة الأولى، ثم كلام
(م 16-17/26)

الشافعي، ثم تلخيصه، ثم كلام الباجي، ثم كلام ابن رشد، ثم تلخيصهما).
وهو خلاف الترتيب الذي في النسخة، فكأن الشيخ أراد ترتيب الموضوعات فيما بعد حسب الترتيب المذكور، فجعلتُه كما أراد، وهو أولى بالسياق.
أما الإلحاقات والزيادات فقد أشار إليها بالأرقام، وربما يكتبها في صفحات مستقلة، فقمتُ بإلحاقِ هذه الزيادات في أماكنها. وأرجو أن يستفاد منها مع النقص الحاصل في النسخة.
ويمكن تلخيص محتويات الموجود من هذه الرسالة بما يلي:
بدأه الشيخ بالخطبة وبيان سبب التأليف، ثم نقل عن الحافظ في "الفتح" الموضوعات التي وقع الخلاف فيها في الوتر. ثم كتب مقدمة في حقيقة الوتر، فذكر أن الوتر أُطلِق على ثلاثة معانٍ في السُّنَّة كما يظهر ذلك باستقراء الأحاديث والآثار:
أولها: أن يُراد به صلاة الليل التي غايتها ثلاث عشرة، سواء صُلِّيتْ وصلًا أو فصلاً.
والثاني: أن يُراد به الركعة الفردة، سواء وقعتْ موصولةً أو مفصولةً.
والثالث: أن يُراد به ما كان وِترًا بتسليمة واحدة، سواء كان واحدةً أو ثلاثًا أو خمسًا.
وقد مثّل لها بالأحاديث الواردة في الباب، وقال: إن المعنى الثالث هو الذي عليه أكثر الأحاديث.
(م 16-17/27)

بعد بيان حقيقة الوتر في السُّنَّة ذكر في المقالة الأولى رأي الإِمام الشافعي في "الأم" في بيان حقيقة الوتر وأنها ركعة واحدة، وذكر مذهب الإِمام مالك وأبي حنيفة نقلاً عن الباجي وابن رشد، وأورد الأحاديث الواردة في الاقتصار على ركعة واحدةٍ في الوتر، وذكر صنيع أصحاب السنن وخاصةً الإمام النسائي في بيان عدد الوتر، فإنه قصد بعقد أبواب الوتر أن الوتر ما صُلَّي وترًا بتسليمةٍ واحدة، سواء كان ركعةً أو ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، وهذا المعنى هو الذي عليه عامة الأحاديث والآثار. وإذا أُطلق الوتر على أكثر من ذلك فالمراد به صلاة الليل.
ثم تكلم على معنى حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل"، وأنه لا يفيد الحصر، فقد منعت منه قرائن، منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه الوصل بثلاث وبخمس وبسبع وبتسع. وأورد بعض الأحاديث التي تُوهم أن الإحدى عشرة والثلاث عشرة كانت موصولة، ولكن عامة الأحاديث أنها لم تقع إلاّ مفصولةً.
ثم ذكر الأحاديث التي احتج بها الشافعية للاقتصار على ركعة واحدة في الوتر، وقال: في كلّ أدلتهم نظرٌ. ثم تكلم على هذه الأحاديث، وبيَّن معانيها، وناقشهم طويلاً، وقرَّر أن إطلاق الوتر على الركعة الواحدة خاصٌّ بما إذا كانت مفصولةً، ويُشترط الشفع قبل الواحدة، ولا يكفي في ذلك سنة العشاء.
ثم عقد "الفصل الثاني في الاقتصار على الثلاث"، وذكر مذهب الشافعية والحنفية في ذلك، وأورد أحاديث الإيتار بثلاثٍ وحديث النهي عن الثلاث: "لا توتِروا بثلاثٍ تشبِّهوا بصلاة المغرب"، وبيَّن المقصود منهما بعد
(م 16-17/28)

ما نقل عن الحافظ في "الفتح"، وعقَّب عليه بأنه ليس المراد من إطلاق "أوتر بواحدة" و"أوتر بثلاثٍ" الاقتصار عليها بدون سبق غيرها، كما يدلُّ عليه صنيع الإِمام النسائي في سننه. ثم حقَّق الكلام على حديث: "لا توتروا بثلاث" وبيَّن صحته، ثم ذكر أن النهي عن التشبيه بصلاة المغرب هل هو فيما يتعلَّق بالكمّ وحده أو بالكيف وحده أو بهما معًا؟ ورجَّح أن الحديث باللفظين (اللذين أوردهما) نصٌّ أو ظاهرٌ في إرادة الكم، فلو اقتصر في ليلةٍ على ثلاث ركعات عدا سنة العشاء والفجر فقد شبَّه، سواءٌ وصلها بتشهدٍ واحد أو تشهدين، أو فَصَلَها بزمن قصير أو طويل.
وفي النهاية لخَّص كلامه في الفصلين، فقال: لا بُدَّ أن يتقدم الواحدةَ شَفْعٌ غير سنة العشاء، كما يدلُّ عليه سياق حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى". وهذا الشَّفع الذي يتقدم الواحدةَ لا بدَّ أن يكون أربعًا فأكثر، نظرًا لحديث: "لا تُوتِروا بثلاثٍ، أوتِروا بخمسٍ ... ". فتقرر أنه لا بدَّ أن يُصلّي الإنسان بعد سنة العشاء وقبل سنة الصبح خمسًا على الأقل.
وبهذا ينتهي هذا البحث المتعلق بالاقتصار على الواحدة أو الثلاث في الوتر. ووجدنا في المخطوط ثلاثة أوراق تتعلق بالموضوع، فألحقناها في آخر الرسالة، ولم نجد تتمة الكلام الموجود فيها.

9 - مبحث في الكلام على فرضية الجمعة وسبب تسميتها:
توجد ثمان صفحات بخط الشيخ في مكتبة الحرم المكي برقم [4691]، وهي أوراق مفرقة كتبها الشيخ في أوقات مختلفة، تتناول الكلام على فرضية الجمعة، وتاريخ نزول سورة الجمعة، وبيان المراد بقوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}، وسبب تسمية الجمعة، ودراسة ما ورد في هذا الباب من
(م 16-17/29)

الروايات والأقوال. وبعد إمعان النظر فيها ظهر لي أن الشيخ نفسه أشار إلى بحث مستقل له في هذا الموضوع، حيث قال (ص 5 من المخطوط): "أقول: قد بسطتُ الكلام على الحديثين وعلى تاريخ نزول سورة الجمعة في مبحث مستقل، أفردتُه لبيان المراد بقوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}، وبينتُ فيه أن الذي يظهر أن معظم سورة الجمعة نزل قبل إسلام أبي هريرة بمدةٍ قد لا تبلغ سنةً فيما يظهر، والله أعلم".
والمبحث المشار إليه هو ما في الصفحات الأربع الأولى من هذا المخطوط، إلاَّ أنه ناقص الأول مع الأسف. أما الصفحتان (5 - 6) ففي بدايتهما الكلام الذي نقلتُه الآن، فيبدو أن الشيخ كتب مرةً ثانية في موضوع تسمية الجمعة، ويختلف الخط والورق هنا عن الصفحات السابقة. ثم كتب مرة ثالثة في ورقة ذات وجهين (ص 7 - 8) في هذا الموضوع، والصفحة (8) منهما مشطوب عليها.
وبعد دراسة هذه الأوراق المتفرقة وترتيبها كما سبق جمعتُها تحت عنوان واحدٍ، وإن كان فيها شيء من التكرار بسبب كتابة المؤلف لها في أوقاتٍ مختلفة، فلا تخلو من فائدة جديدة ونظرات في الموضوع من جوانب متعددة.
ومن أهم المباحث التي حوتها هذه الأوراق بيان المراد من قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3]، وأنهم العرب كما يظهر من سياق الآية، ولكن يعارضه ما رواه الترمذي (1) عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول
__________
(1) رقم (3310).
(م 16-17/30)

الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال له رجل: يا رسول الله! مَن هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلِّمه، قال: وسلمان الفارسي فينا، قال: فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سلمان يده فقال: "والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجالٌ من هؤلاء". فما معنى الحديث؟ ذكر المؤلف أنه ليس فيه التصريح بأن فارسًا هي المراد بقوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}، بل أعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السائل ليردَّه الإعراض إلى التدبُّر، ثم نبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه كان الأولى بالسائل أن يسأل عن أمر آخر، وهو: هل التعليم والتزكية يختص بالأميين أو لا يختص؟ فأجاب عن هذا بقوله: "لو كان الإيمان بالثريا ... "، أي أنه لا يختص. وهذا هو الذي يسمّيه البلاغيون "الأسلوب الحكيم". قال المؤلف: "هذا بحمد الله ظاهر جدًّا، وإن لم أرَ من نبَّه عليه". وهذا تحقيق نفيس يُشَدُّ إليه الرحال، يُدفع به التعارض بين سياق الآية وظاهر ما يُفهم من الحديث، ولم يسبقه أحدٌ فيما أعلم.
وفي الرسالة أبحاث وتحقيقات أخرى متناثرة في اللغة والتاريخ والرجال، وفيها أيضًا الكلام على الإسناد المشهور في كتب التفسير: (أسباط عن السدّي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ....)، ما المراد بذلك؟ وكيف صار هذا الإسناد في أول تفسير كثير من الآيات بهذا الشكل؟ قال المؤلف بعد ما ذكر أقوال بعض العلماء: والذي يقع لي: أن هذه كانت نسخة عند السدّي لم يكن فيها إسناد، فأخذها أسباط، وسأله عن إسنادها، فقال: "عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن
(م 16-17/31)

ابن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -". يريد السدّي أن في النسخة ما سمعه من أبي مالك من قوله، وفيها ما سمعه من أبي صالح عن ابن عباس، وفيها ما سمعه من مرة عن ابن مسعود، وفيها ما بلغَ السديَّ عن بعض الصحابة. والذي يدل على هذا اتفاق لفظ الإسناد في السياق في جميع المواضع، كما في تفسير ابن جرير، ولو كان السدّي هو الذي يذكر السند في أول كلَّ أثر لاختلف سياقه حتمًا، كما تقضي به العادة".
ثم قال الشيخ: لا أدري أسباطٌ أم مَن بعده مزج هذه النسخة ببقية تفسير السدّي مما يقوله هو أو يرويه مما ليس في النسخة، فعمدَ إلى هذا السند فأثبته في أول كلّ أثر من الآثار التي كانت في النسخة، ومن هنا جاء الضعف والنكارة فيما يُروى بهذا السند".
وهذا تحقيق علميٌّ نفيس بشأن تفسير السدّي، لم أجد مَن سبقه إليه، وبناء عليه بيَّن خطأ الحاكم الذي يختصر هذا السند فيقول: "عن أسباط عن السدّي عن مرة عن ابن مسعود". وينظر تفصيل الكلام حوله في الرسالة.

10 - سنة الجمعة القبلية:
توجد نسختها في مكتبة الحرم المكي برقم [4684] في 22 صفحة، وهي مسوَّدة المؤلف فقد كثر فيها الشطب والاستدراك في الهوامش بخطه الدقيق المعروف، وهو يُقرأ بصعوبة في بعض المواضع.
وقد ألَّف هذه الرسالة عندما سُئل: هل للجمعة سنة قبليَّة؟ فأجاب أن المقرر في المذهب أنها كالظهر في ذلك، فسُئِل النظر في ثبوت ذلك وعدمه من حيث الدليل، فاستجاب لذلك، وقبل الكلام في هذه المسألة بحثَ عن التنفل يوم الجمعة قبل الزوال، وتحقيق وقت الجمعة، وقرَّر في ضوء
(م 16-17/32)

الأحاديث والآثار التي ذكرها أن التنفل يوم الجمعة قبل الاستواء مرغَّبٌ فيه، وأنها نفلٌ مطلقًا لكونها واقعةً قبل دخول وقت الجمعة على ما عليه الجمهور. وذهب الإِمام أحمد وإسحاق بن راهويه إلى أن وقت الجمعة يدخل قبل الزوال، واستُدِلَّ لهما بأحاديث ذكرها المؤلف وتكلم على فقهها ومعانيها، ثم قرَّر أن تأخير أذان الجمعة إلى خروج الخطيب دليل ظاهر على أنه ليس للجمعة سنة قبلية؛ لأن صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوعة، فلو كانت ثابتة لسُنَّ الأذان قبل خروج الخطيب حتى يتمكن الناس من فعلها بعد الأذان، فإن وقت الرواتب القبلية بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمت لم تقع الموقعَ.
ثم ذكر المؤلف أدلة القائلين بسنة الجمعة القبلية، وناقشها مناقشة تفصيلية، وتوسَّع في الكلام على الاحتجاج باللفظ الوارد في بعض الروايات في قصة سُليك الغطفاني: "أصلَّيت ركعتين قبلَ أن تجيء"، وأن زيادة "قبل أن تجيء" لم تثبت، وأن الاستدلال بها على ثبوت سنة الجمعة القبلية لا يصح.
وختم الرسالة بنصيحة للمثبتين أن يُبكِّروا إلى الجامع فيصلُّوا النفل المطلق إلى خروج الإِمام ليحوزوا بذلك فضيلةً أعظم، وذكر أن الانكفاف عن الراتبة القبلية للجمعة امتثال للسنة، والإقدام عليها بعد العِلم بقيام الدليل على عدم مشروعيتها معصية.
وقد اختلف العلماء قديمًا في هذه المسألة، وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من المانعين، ووافقهما المؤلف وأتى باستنباطات وفوائد ومناقشات لا توجد عند غيره، وحرَّرها تحريرًا بالغًا. وللشيخ الألباني كلام في هذه المسألة ضمن كتابه "الأجوبة النافعة" (ص 21 - 35).
(م 16-17/33)

11 - بحث في وقت تشريع ونزول آية صلاة الخوف:
توجد النسخة الخطية منه ضمن المجموع رقم [4665] (الورقة 8/ ب - 9/ أ)، وينطبق عليها الوصف الذي ذكرناه سابقًا. ويبدو أنه تتمة للكلام السابق على رواية قتادة عن سليمان بن قيس، كما أشار إليه المؤلف في أوله. ويقصد بهذه الرواية حديث جابر بن عبد الله في قصة قصر الصلاة في الخوف، الذي أخرجه الطبري في تفسيره (7/ 414). فذكر أنه يعارضه حديث أبي عياش الزرقي أن آية صلاة الخوف نزلت بعُسفان، وخرَّجه من مصادر مختلفة، ثم ذكر أحاديث أخرى في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وخالد بن الوليد، وتكلم عليها. وبه ينتهي المخطوط الذي بين أيدينا.
وقد فصَّل المؤلف الكلام على هذا الموضوع في رسالته "إعادة الصلاة"، وبيَّن اختلاف الروايات في الباب، ولم يترجح له شيء كما صرَّح به هناك.

12 - قيام رمضان:
وصلت إلينا نسخة المؤلف من هذه الرسالة في مكتبة الحرم المكي برقم [4685] في 14 صفحة من القطع الطويل. وهي بخط واضح، وكأنها مبيضة، ومع ذلك ففيها إلحاقات وزيادات وشطب في بعض الصفحات، على منهج المؤلف في أغلب ما وصل إلينا بخطه.
وتوجد منها نسخة أخرى منسوخة عن أصلٍ آخر للمؤلف بخط تلميذه الشيخ عبد الرحمن بن أحمد المعلمي، انتهى من نسخها في 29 صفر سنة 1383، وقال في آخرها: "إلى هنا انتهى النقل لتأليف قيام رمضان، وأفاد
(م 16-17/34)

المؤلف أن له بقية، فبحثنا عليه أن يُكمل التأليف بإلحاح، ولشغلتِه (كذا) بما هو أهم لم يفرغ لإكماله، وصارت هذه النسخة ناقصة الإكمال".
هذه العبارة تدل على أن المؤلف كان ينوي أن يضيف إليها أشياء أخرى، ولكنه لم يجد الفرصة لذلك، فبقيت كما هي في النسختين.
وقد اعتمدتُ في تحقيقها على نسخة المؤلف، ثم بعث الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت المؤلف) مشكورًا بالنسخة الثانية أخيرًا، فقابلتها عليها، ووجدتُ في بعض المواضع من هذه النسخة اضطرابًا في الترتيب ونقصًا وأخطاءً، فلم أشر إلى شيء منها لعدم الفائدة، وإنما أثبتُّ تلك الفروق التي لها وجه صحيح، وكانت كذلك في أصل المؤلف.
تناول المؤلف في هذه الرسالة مباحث تتعلق بقيام رمضان، واستوفى الكلام عليها، فذكر أولاً فضل قيام الليل مطلقًا ثم في رمضان خاصةً، وبيَّن عدة صفاتٍ إذا اتصف بها قيام الليل عظُم أجره، وسمَّاها مكملات، وهي: أن يكون تهجدًا أي بعد النوم، وأن يكون بعد نصف الليل، وأن يستغرق ثلث الليل، وأن يكثر فيه من قراءة القرآن، وأن يكون مثنى مثنى ثم يوتر بركعة، وأن لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، وأن يكون فرادى، وأن يكون في البيت. وأورد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب، وعقد فصلاً للمقارنة بين حديثي زيد بن ثابت وعائشة رضي الله عنهما في صفة قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الليالي وصلاة بعض الناس خلفه، وعدم خروجه في بعض الليالي خشية أن تفرض عليهم صلاة الليل. وأجاب عن بعض الإشكالات الواردة على الحديثين.
(م 16-17/35)

ثم ذكر مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبوي، وما صار إليه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث استمر قيامهم في المسجد في جميع ليالي رمضان، فجمعهم عمر على إمام واحد، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، فكان في ذلك حجة على صحة اجتهادهم، وعلى أنه لو اتفق مثل ذلك في العهد النبوي لما أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا خرج ذلك العمل المتصل عن البدعة، فإنه إذا قام الدليل على أن الحكم مشروع، وتُرِك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدم مقتضيه، ثم وُجد المقتضي بعده، فالعمل به حينئذٍ سنة لا بدعة.
أما عدد الركعات فقد تكلم عليه المؤلف، وذكر الأوجه التي وردت في الأحاديث والآثار، ونقل عن بعض الأئمة آراءهم، وقال في آخر البحث: "أما العدد المحتم فلا، وأما الأفضل فالاقتصار على الإحدى عشرة، وفي بعض الليالي ثلاث عشرة، إلاَّ إذا شقَّ عليهم إطالتُها حتى يستغرق الوقتَ الأفضلَ، فلهم أن يزيدوا في العدد، على حسب ما يخفُّ عليهم. وعلى هذا جرى عمل السلف".
وعقد فصلاً لبيان الاختلاف في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟ وفرادى أم جماعةً؟ ذكر فيه بعض الآثار وأقوال الأئمة نقلاً عن كتاب محمَّد بن نصر المروزي وغيره، وقال في آخره: "ومن تدبَّر السنة وحقَّق ثم تتبع أحوال الناس، علم أنه قد تطرَّق إلى هذا الأمر غير قليل من الخطأ والغلط ومخالفة السنة، وشرحُ ذلك يطول". وبهذه الإشارة ختم الرسالة، ولم يدخل في التفصيل والشرح، فإن بيان السنة الثابتة يُغني عن الخوض فيما يخالفها.
(م 16-17/36)

وبعد الانتهاء من الرسالة ألحق المؤلف بها الجواب عن الإشكال الوارد على حديث خشية افتراض قيام الليل، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: "هنَّ خمسٌ وهي خمسون، لا يُبدَّلُ القول لديَّ". فإذا أُمِنَ التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وقد ذُكِرتْ عنه عدة أجوبة كما في "فتح الباري" وغيره، وكان المؤلف قد ترك التعرض لهذا البحث لدقته، ولكن لما أثاره الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة رأى أن ينظر فيه، فتكلم عليه بكلام لم يُسبَق إليه، وردَّ على بعض الأجوبة الضعيفة وبيَّن وهاءها. وقال: تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز على الصحيح، وإنما الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة. ومثَّل له بقصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه.

13 - مسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف:
لم يعنون لها المؤلف، وتوجد مخطوطته في أربع صفحات من الحجم الكبير في مكتبة الحرم المكي برقم [4676]. ومناسبة تأليفها أنه جرت مذاكرة بينه وبين السيد صالح بن محسن الصيلمي الزيدي في اشتراط الصوم في الاعتكاف، فقال الصيلمي: علماؤنا يُلزِمونكم القول باشتراط الصوم في الاعتكاف بقياس العكس، فقال المؤلف: ما وجهُ تأتّي قياس العكس هنا؟ (ثم تكلم عن هذا القياس في ضوء كتب الأصول)، فإن لنا في النصوص الصحيحة ما يُقِرُّ الناظر.
ثم ذكر الأحاديث الواردة في الباب وتكلم عن معانيها، واختلاف العلماء فيها، وتكلم على لفظ "لا اعتكاف إلا بصوم" في الحديث هل هو مدرج من كلام الزهري أو من كلام عائشة، وليس مسندًا إلى السنة؟ وردّ على من استدل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتكف إلا صائمًا، بقوله: إن هذا دليل الاستحباب لا
(م 16-17/37)

الوجوب. ونقل ما يستلزم أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف بلا صوم، وهو حديث عائشة عند البخاري ومسلم أنه اعتكف عشرًا من شوال، وفي رواية لمسلم: "اعتكف العشر الأول من شوال"، فإن أول شوال يوم العيد، وصومه حرام.
واحتج أيضًا بحديث الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، قال: فأوفِ بنذرك". والليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره - صلى الله عليه وسلم - به.
وذكر أيضًا الحديث الذي رواه الحاكم: "ليس على المعتكف صيامٌ إلاَّ أن يجعله على نفسه".
وقد أجاب عنه الصيلمي بما نقل المؤلف خلاصته، ثم ردّ عليه المؤلف بتفصيل، وناقشه في تأويله لحديث: "ليس على المعتكف صيام إلاَّ أن يجعله على نفسه"، وطالبه الدليل الذي يقتضي اشتراط الصوم، وحديث "لا اعتكاف إلا بالصيام" سبق ما فيه. ولو فُرِض اعتباره دليلاً فهناك طرقٌ مسلوكة في الجمع بينه وبين سائر الأدلة، وهي أن نقول بنفي الكمال، كما قالوه في الأحاديث التي وردت بمثل هذه الصيغة.
وبعد ما انتهى المؤلف من بحث هذا الموضوع ألحق به رسالةً منه إلى الصيلمي وردّ الأخير عليه، فيهما خلاصة ما سبق من الكلام في هذه المسألة. وتوجد على حاشية الصفحة الثانية تعليق نحوي لا علاقة له بموضوع هذه الرسالة، يشرح فيه جزءًا من متنٍ في النحو، وهو قوله: (الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع. وكل كلمة إما معربة وإما مبنية، والمعرب إما أن يكون أصليَّ الإعراب أو فرعيَّه، والمبني إما أن يكون أصليّ البناء وإما فرعيَّه).
(م 16-17/38)

14 - مقام إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
نُشرت هذه الرسالة بعناية الشيخ محمَّد حامد الفقي بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة في محرم سنة 1378، ولم نعثُر على الأصل الذي اعتُمد عليه في هذه النشرة. والموجود في مكتبة الحرم المكي برقم [4687] مسودة أولية لها بخط الشيخ في دفتر صغير مسطّر في 31 صفحة، مع ملاحق في 9 صفحات، وفيها شطب كثير واستدراكات وتخريجات طويلة. وعندما قابلناها بالمطبوع ظهر لنا فرق كبير بينهما، ففي المطبوع زيادات كثيرة لا توجد في المسوَّدة، وتعديلات في مواضع في الكلمات والفقرات، وبذلك عرفنا أن النسخة المطبوعة نسخة محرَّرة من هذه الرسالة، وأنها طبعت بالاعتماد على مبيضة المؤلف، فهي أجدر بأن يُعتمد عليها عند إعادة تحقيقها دون المسوَّدة التي كتبها المؤلف كتابةً أولية. ومع ذلك فقد استفدنا من هذه المسودة تصحيح بعض الأخطاء الموجودة في المطبوع.
وكانت مناسبة تأليفها أن الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله عندما بدأ بتوسعة المسجد الحرام وتوسعة المطاف حول الكعبة المشرفة، اقتضى ذلك نقل "مقام إبراهيم" وتأخيره عن موضعه، حتى لا يؤدي الطائفين، ولا يعوقهم عن سيرهم. فظنَّ بعض الناس أن في ذلك مخالفةً وتغييرًا للمشاعر، فكتب المؤلف هذه الرسالة لبيان أن الحق والهدى هو في نقل "المقام" وتأخيره عن موضعه، اقتداءً بفعل عمر بن الخطاب الذي أقرَّه عليه الصحابة رضي الله عنه وعنهم وأرضاهم جميعًا.
وقد اطلع مفتي المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ على هذه الرسالة فقرظها بما يلي:
(م 16-17/39)

"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه.
وبعد، فقد قُرئتْ عليَّ هذه الرسالة التي ألَّفها الأستاذ عبد الرحمن المعلمي اليماني، بشأن "مقام إبراهيم" وتنحيته عن مكانه الحالي، فيما إذا أُريد توسيع المطاف. فوجدتُها رسالة بديعة، وقد أتى فيها بعين الصواب في هذه المسألة.
وفَّقنا الله وإياه لما يحبُّه ويرضاه، وجعل عملَ الجميع خالصًا لوجهه الكريم.
أملاه الفقير إلى عفو ربه: محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ. وصلى الله على عبد الله ورسوله محمَّد وآله وصحبه وسلم".
لقيت رسالة المعلمي هذه قبولًا من العلماء، ولكن الشيخ سليمان بن حمدان ردَّ عليها بكتابه "نقض المباني من فتوى اليماني، وتحقيق المرام فيما تعلق بالمقام" أساء فيه للمعلمي، ووصفه بأوصاف لا تليق، فأشار عليه الشيخ محمَّد بن إبراهيم بأن لا ينشره لما فيه من أخطاء وأغلاط، ولكنه بادر إلى طبعه وتوزيعه دون أن يغيِّر شيئًا من الأخطاء. فألَّف الشيخ محمَّد بن إبراهيم ردًّا عليه بعنوان "نصيحة الإخوان ببيان ما في "نقض المباني" لابن حمدان، من الخبط والخلط والجهل والبهتان" (1).انتصر فيه للمعلمي، وبيَّن ما وقع فيه ابن حمدان من الأخطاء الفاحشة والأغلاط الشنيعة. وأعقبها أيضًا برسالة "الجواب المستقيم في جواز نقل مقام إبراهيم" مؤيدًا فيها ما قاله المعلمي.
__________
(1) طبع ضمن فتاواه (5/ 56 - 132).
(م 16-17/40)

وقد ألّف بعض العلماء في ذلك الوقت رسالة باسم "سبيل السلام في إبقاء المقام" تأييدًا لابن حمدان. وفي هذا الموضوع قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (ت 1399) في كتابه "الحج - أحكامه ومنافعه" (ص 35، 36): "وقد حصل خلافٌ هذه السنوات في تحويل المقام عن مكانه إلى ما يعادله من الشرق بسبب الضيق والازدحام، وقد أفتى أكثر العلماء بجوازه للضرورة التي هي أشد من الضرورة التي حدت بأمير المؤمنين إلى تحويله، وقد أبدوا تعليلات كافية لكل منصف. ولكن حصلت معارضة في وقت كانت السماء كثيفةً بالغيوم، فتوقف التنفيذ إلى تحريك جديد نرجو من الله تعجيله ما دامت السماء صحوًا" (1).
قدَّم المعلميّ لهذه الرسالة بمقدمة فسَّر فيها بعض الآيات، واستنبط منها ضرورة توسعة المطاف، ونقل المقام من مكانه إذا كان مظنة تضييق على الطائفين، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده، وأقرَّه سائر الصحابة، فكان إجماعًا. ولا ريب أنه إذا تحققت العلة ولم يكن هناك مانع من تأخير المقام، فتأخيره هو الطريقة المثلى.
ثم أشار إلى ثلاث معارضات يعتبرها بعضهم موانع، فذكرها مع ما لها وما عليها:
المعارضة الأولى: قول بعضهم: إن المقام ليس هو الحجر فقط، بل هو الحجر والبقعة التي هو فيها الآن، وتأخير البقعة غير ممكن. فإذا نُقِل الحجر عنها فإما أن يفوت العمل بالآية، وإما أن يبقى الحكم للبقعة لأنها موضع الصلاة.
__________
(1) هذه الفقرة من إفادات الشيخ سليمان العمير حفظه الله.
(م 16-17/41)

المعارضة الثانية: تأخير المقام عن موضعه مما تنكره قلوب الناس، فينبغي اجتنابه، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبقى الكعبة على بناء قريش، ولم يَبنِه على قواعد إبراهيم لهذا السبب.
المعارضة الثالثة: أن المقام استقرَّ في موضعه طوال هذه القرون، مع كثرة الحجاج وازدحامهم في المطاف في كثير من الأعوام، ولو كان تأخيره جائزًا لما غفل عنه الناس طول هذه المدة، وفي ذلك دلالة واضحة على اختصاصه بموضعه الذي استمر فيه.
أما المعارضة الأولى فقد ردّ عليها بتفصيل، وعقد لذلك عدة فصول:
الأول: في بيان ما هو المقام؟
الثاني: لماذا سُمّي الحجر مقام إبراهيم؟
الثالث: أين وضع إبراهيم المقام أخيرًا؟
الرابع: أين كان موضعه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
الخامس: لماذا حوّل عمر رضي الله عنه "المقام"؟
السادس: متى حوَّل عمر رضي الله عنه "المقام"؟ ولماذا قدَّره المطَّلب واحتاج عمر إلى تقديره؟
وتوصّل أخيرًا إلى أن القول بأن موضعه الآن هو موضعه الأصلي ضعيف، بحيث لا يحتاج إلى فرض صحته وما يتبع ذلك.
وردَّ على المعارضة الثانية أيضًا بثلاثة أوجه، وعلى المعارضة الثالثة بأن إعراض من بيننا وبين الصحابة عن تأخير المقام مرةً ثانية محمول على عدم
(م 16-17/42)

تحقُّق العلة، وأن مثل هذا الإجماع الفعلي - لو تحقق - لا يمنع من العمل بما يأمر به القرآن وما أجمع عليه الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه.
وختم الرسالة بتلخيص وتوضيح لما توصَّل إليه بعد البحث والتحقيق.
وبعد، فهذه أول رسالة علمية تناولت هذه الموضوع بهذا التفصيل، وبأسلوب علمي هادئ يدلُّ على تمكن المؤلف من علوم الحديث واللغة والتاريخ والتفسير، واطلاعه الواسع على المكتبة الإِسلامية، ودقة استنباطه، وقوة مناقشته للمعارضين دون تجريح أو تحقير، مع تواضع جمّ واعترافٍ بالآخرين. رحمه الله رحمةً واسعة.

15 - رسالة في توسعة المسعى بين الصفا والمروة:
توجد نسخته بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4683] في 5 ورقات، وفيها شطب في بعض المواضع وإلحاقات. ويبدو أنه ألَّفها عندما قام الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله بتوسعة المسجد الحرام سنة 1377، واقتضى ذلك توسعةَ المسعى أيضًا تيسيرًا للحجاج والمعتمرين، فبيَّن المؤلف حكم الشرع في هذه المسألة.
بدأها بذكر قوله تعالى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وكيفية سعي النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وكيف كان حال الصفا والمروة فيما مضى، وهل يمتنع توسيعه وقوفًا على عمل من مضى وإن ضاق وضاق؟ أم ينبغي توسيعه؟
ذكر الشيخ أن الطريق الذي بينهما كان واقعًا بين الأبنية من الجانبين، يتسع تارةً ويضيق أخرى، وذلك يدلُّ على أنه لم يحدَّد، ولم يجيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه ومن بعدهم بيانٌ لتحديد عرض المسعى، وهذا
(م 16-17/43)

يُشعِر بأن تحديده غير مقصود شرعًا، وإلّا لكان أولى بالتحديد من عرفات ومزدلفة ومنى، وقد ورد في تحديدها ما ورد.
فهل يبقى المسعى كما هو وقد ضاق بالساعين وأضرَّ بهم؟ أم ينبغي توسعته؟ لأن المقصود هو السعي بين الصفا والمروة، وهو حاصل في المقدار الذي يوسع به هذا الشارع. نقل المؤلف بعض النصوص من كتب الفقه للدلالة على أن السعي كالطواف، وكما أن المكان الذي يختص به الطواف لا يقتصر على ما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد وُسَّع المسجد وزيد فيه مرةً بعد أخرى، وما زيد فيه صحَّ الطواف فيه، فكان المسعى أولى.
واستدل المؤلف بقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] أن التطهير يشمل التطهير من الأرجاس المعنوية والحسّية، ويقتضي كذلك أن يكون الموضع بحيث يسعهم، وتوسعة المسجد هي نفسها توسعةٌ للمطاف. وردّ على شبهة من توقَّف عن تأخير مقام إبراهيم، واختصر الكلام الذي قاله في رسالته "مقام إبراهيم". وانتقل بعد ذلك إلى حكم توسعة المسعى، وقال إنه مثل توسعة المطاف، فإن أمر الله سبحانه بالسعي بين الصفا والمروة يوجب تهيئةَ موضعٍ يسعى الناس فيه يكون بحيث يكفيهم، وعدمَ الاقتصار على ما كان يكفي الناسَ في الماضي وضاق بهم الآن، وإذا وُسِّع الآن بحيث يكفي الناسَ فقد يجيء زمانٌ يقتضي توسعتَه أيضًا.
وقد صدق ظنُّ المؤلف، فقد جاء هذا العصر الذي ازدحم الناس فيه للحج والعمرة، وضاقت التوسعة الأولى للمسعى، واضْطُرَّ إلى التوسعة
(م 16-17/44)

الثانية التي عُمِلت في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله، وعادَ الكلام من جديد في هذا الموضوع وخالفَ بعض العلماء وكتبوا فيه، وسيزول الخلاف بمرور الأيام، ولا يبقى له أثر في المستقبل إن شاء الله.
وقد استعرض المؤلف بعض التغييرات التي حصلت للمسعى في بعض جهاته فيما مضى، ونقل من كتب التاريخ نصوصًا تدل على ذلك، وذكر إشكال القطبي أن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية، ولا تُعتبر تلك العبادة إلا في ذلك المكان المخصوص الذي سعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، ثم أورد جواب القطبي عنه أن المسعى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عريضًا، وبُنِيت الدُّور بعد ذلك في عرض المسعى القديم، فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام، وترك بعضها للسعي فيه، ولم يُحوِّل تحويلًا كليًّا، وإلّا لأنكره علماء الدين.
رد المؤلف على القطبي قوله: "إن المسعى كان عريضًا، فبُنِيت فيه الدور"، وقال: إن المسعى لو كان محدَّدًا لبَعُد أن يجترئ الناس على البناء فيه، ويُقِرَّهم العلماء والأمراء. ولو صحَّ قول القطبي لدلَّ إقرار أهل العلم للمهدي أنهم يرون جواز توسعة المسعى من الجانب الآخر، فيرون أنه إذا ضاق ما أبقاه المهدي بالناس أمكن توسعة المسعى من الجهة الأخرى، فهذا أيضًا يدل على جواز التوسعة عند الحاجة.
واستشهد بقول عمر بن الخطاب للذين نازعوا في بيع دورهم لتوسعة المسجد: "إنما نزلتم على الكعبة فهو فِناؤها, ولم تنزل الكعبة عليكم" على أن ما حول الكعبة هو من اختصاصها، وكذلك ما بين الصفا والمروة من اختصاصهما، فإذا جُعِل بعضُه مسعًى صار مسعًى يصح السعي فيه، وبقي
(م 16-17/45)

الباقي صالحًا لأن يُزاد في المسعى عند الحاجة، فما زيد فيه صار منه.
ثم إن الصفا والمروة هما الشعيرتان بنصّ القرآن، فأما ما بينهما فهو بمنزلة الوسيلة ليُسعَى فيه بينهما، والوسائل تحتمل أن يُزاد فيها بحسب ما هي وسيلة له، ولا يجب أن تُحدَّد تحديدَ الشعائر نفسها.
بهذا الفقه الدقيق ختم المؤلف كلامه في هذه الرسالة، التي تعتبر أولَ بحثٍ علمي رصين في هذا الموضوع، ولم أجد أحدًا سبقه إلى التأليف فيه، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.

16 - رسالة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج، والكلام على وادي محسِّر:
توجد نسختها بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4704] في أربع صفحات، ويبدو أنها مبيضة، فليس فيها الشطب والإلحاق والتخريج كما في سائر مسوَّداته. وهي بقطع طويل 25 × 20 سم. وليس عليها تاريخ التأليف أو النسخ.
بدأها المؤلف بذكر الأحاديث الواردة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج بين المشاعر، وشرح كلمتي "العَنَق" و"النصّ" وأنهما من سير الإبل، وبيَّن أنه من عرفة إلى مزدلفة لم يُسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق العادة، وأنه ليس بينهما مكانٌ يُشرَع فيه الإبطاء أو الإسراع المعتاد، وإنما المدار على الزحام وعدمه.
أما من مزدلفة إلى جمرة العقبة فقد كان يسير سيرًا لينًا، حتى أتَى واديَ محسِّر، فقرعَ ناقتَه فيه لتُسرِع فوق العادة، حتى جاوز الوادي. ففهم الصحابة منه أن مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان.
وقد اختُلِف في سبب الإسراع هناك على أقوال:
(م 16-17/46)

الأول: أن ذلك الوادي مأوى للشياطين.
الثاني: أن النصارى كانوا يقفون بمحسّر، فأوضعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفةً لهم.
الثالث: أن المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم.
الرابع: أن وادي محسِّر موضع نزل به عذاب.
وقد ضعَّف المؤلف الأقوال الثلاثة الأولى، ورجَّح الرابع وذكر له شاهدًا، وهو الإسراع في أرض ثمود. ثم قال: ولا يخدش في هذا الوجه أن نجهل ما هو العذاب الذي نزل بمحسّر، فقد ذكروا أنه عذاب أصحاب الفيل، وهو مخالف للمشهور أنه كان بالمغمَّس حذاءَ عرفة. وقيل: إن العذاب هو أن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار فأحرقتْه.
ثم عقد فصلاً لبيان أن محسِّرًا هل هو من منًى أو مزدلفة أم لا؟ فقد جاء ما يدلُّ على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدلُّ على أنه من منًى في الاسم، وجاء ما يدلُّ على أنه ليس من منى ولا مزدلفة.
وقد أورد المؤلف الروايات الواردة في هذا الباب وتكلم عليها، ورجَّح القول الأخير: إنه ليس من مزدلفة ولا من منًى، وهو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. واستغرب قول ابن حزم: إن محسّرًا من الحلّ، وختم الرسالة بنقل كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم اللذين صرَّحا بأن محسِّرًا برزخ بين مزدلفة ومنًى، لا من هذه ولا من هذه.
هذه خلاصة مباحث هذه الرسالة الصغيرة، وفيها فوائد أخرى تتعلق
(م 16-17/47)

بنقد الأحاديث والأخبار والكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا، ومناقشة للأدلة التي احتجّ بها كل فريق. ولم أجد من أفردها بالبحث والدراسة غير المؤلف.

17 - فلسفة الأعياد وحكمة الإِسلام:
توجد نسختها بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4668/ 1] (5 ورقات بقطع طويل 32 × 21 سم). ذكر فيه أولاً معنى العيد في العرف العام، وتحدث عن منشأ الأعياد عند الأمم، وأن غالب الأعياد الدينية في غير الإِسلام اصطلاحيٌّ. ثم عنونَ بقوله: "نظرية الإِسلام في الأعياد" وذكر أن الشريعة الإِسلامية لم تنظر إلاَّ إلى النعم الحقيقية التي تعمُّ جميعَ المسلمين، والموجود من هذه النعم الذي يتكرر كلَّ عام أمرانِ: تمام صيام شهر رمضان والخروج من مشقة الصيام، وتمام الحج والخلاص من مشقة الإحرام، فشُرِع عيد الفطر وعيد الأضحى لمن لم يحج، واقتضت الحكمة أن تكون الأعمال المشروعة في العيد جامعةً بين الزينة والعبادة، وأن يكون الاجتماع الحسي باعثًا على الاجتماع المعنوي.
وبعد الانتهاء من ذكر حكمة الإِسلام في الأعياد أشار إلى أن المسلمين لا يكاد يوجد منهم من يستحضر هذه المعاني ويبني عمله على تلك المقاصد، ولا يكاد يوجد من علمائهم من يبيِّن لهم ذلك. ثم ذكر أن الأعياد الاصطلاحية لم تلتفت إليها الشريعة الإِسلامية من حيث هي أعياد، وفي عيدي الفطر والأضحى ما يفي بذلك، فعيد الفطر تذكارٌ لنزول القرآن في رمضان، وعيد النحر تذكارٌ لتمام الدين وعزِّه.
(م 16-17/48)

ثم نظرت الشريعة إلى الأيام التي حدثت فيها نعم عظمى عامة فرأتْ أن المثلية تُذكِّر بالنعم، فشرعت في أمثال تلك الأيام عباداتٍ مخصوصة، فإذا حدثت النعمة في يوم عيَّنت العبادة في مثله من كل أسبوع، وإذا حدثت النعمة في شهر عيَّنت العبادة في مثله من كلِّ سنة. فمن الأول: يوم الجمعة، وقد تحدَّث عن فضله وأهميته, وردَّ على من يعدُّونه عيدًا لأن كثيرًا مما شُرِع في العيد شُرِع فيه، وناقشهم في الأمور التي ذكروها، ومنها النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام وليله بقيام، وبيَّن الحكمة في ذلك، كما ذكر حكمة تشريع صيام يوم الاثنين شكرًا على النعمتين العظيمتين: ولادة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنزال القرآن عليه، كما في حديث أبي قتادة الذي رواه مسلم (1162).
ثم تطرَّق إلى الرد على القائلين بالاحتفال بالمولد النبوي بطريقة لطيفة حيث قال: "إن المسلمين - ويا للأسف - نسُوا صوم يوم الاثنين وما في صومه من شكر الله عزَّ وجلَّ، وما يتضمن ذلك من محبته - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن أكثرهم يجهل ذلك، ولم أرَ طولَ عمري من يصومُه بتلك النية ولا من يذكره. إلاَّ أنني سمعتُ من يذكر الحديث احتجاجًا على مشروعية الاحتفاء بثاني عشر ربيع الأول، فالله المستعان".
ثم تكلم عن مشروعية صوم عاشوراء، وهناك أيام حدثت فيها نِعَمٌ في العهد النبوي، ولم يُشرَع تخصيص أمثالها بعبادةٍ اكتفاءً عنه بغيرها، وهكذا الأيام التي حدثت فيها النِّعم بعد العهد النبوي ليس لأحدٍ تخصيص أمثالها بعبادة مخصوصة, لأن الدين قد كمُل في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولأن كلَّ نعمةٍ عامة للمسلمين حدثتْ بعده - صلى الله عليه وسلم - فهي فرع عن النعم التي حدثت في عهده.
والمقصود من الكلام السابق كله بيان أن الأيام التي تحدُثُ فيها النِّعم العظام لا يجعلها الشرع أعيادًا، وإنما يجعلها مواسم للعبادات شكرًا على
(م 16-17/49)

تلك النعم، مع حِكَمٍ أخرى.
وختم المؤلف هذه الرسالة بذكر أهم المقاصد في الأعياد، وهو الاجتماع، وبيَّن كيف راعت الشريعة الاجتماع في تعاليمها، فقد شُرِعت الجماعة في الصلوات الخمس لأهل كل قرية أو محلة، ثم شُرِعت الجمعة ليجتمع أهل كل مدينة في مسجد واحد، ثم شُرِع العيد لاجتماعٍ أعمَّ من الجمعة، ثم شرع الحج ليجتمع في موضع واحدٍ جميع المسلمين. ولكن المسلمين - ويا للأسف - جهلوا هذه الحكم، فقليلٌ منهم يجتمعون هذه الاجتماعات المشروعة، والمجتمعون قليلاً ما يبحثون عن مصالحهم، حتى إن الخطب الجمعية والعيدية والحجية نراها بمعزلٍ عن هذا.

18 - توكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته:
وصلت إلينا هذه الرسالة بخط المؤلف، وهي محفوظة في مكتبة الحرم المكي برقم [4688] في 34 صفحة من الدفتر الصغير من الدفاتر التي صُنعت بالهند، كما يدلُّ على ذلك صفحة الغلاف.
ويُستنبط منه أن الشيخ ألَّفها في الهند قبل سنة 1371. والنسخة بخط واضح، وفيها شطب في بعض الصفحات، وفي هوامشها إلحاقات وزيادات في مواضع.
ومناسبة تأليفها كما ذكر المؤلف أنه جرت المذاكرة في توكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته إذا وقع التوكيل قبل إذنها، وبعد مراجعة المظانّ وجد الحاجة ماسة إلى البسط والتحقيق في المسألة، فألَّف هذه الرسالة عند ذلك. نقل فيها أولاً كلام الإِمام الشافعي من كتاب الأم وكلام الفقهاء
(م 16-17/50)

الشافعية من المصادر الأخرى، ثم تكلم على قياس غير المجبر على المجبر، وقياسه على الوصي والقيم كما ذكر بعضهم، وتحدَّث عن وجوه الفرق بينهما.
ثم ذكر شُبه القائلين بجواز توكيل غير المجبر قبل إذنها، وهي عشر شبه، وردَّ عليها من وجوه كثيرة، وأطال في الردّ والمناقشة، وانتهى في الأخير إلى أن التعسُّفات التي ذكرها الفقهاء المتأخرون لا تقوى على تخصيص أو تقييد نصّ الإِمام الشافعي على بطلان توكيل غير المجبر إلا بأن تأذن له المرأة أن يوكّل بتزويجها، فالحق الذي لا يجوز غيره إبقاء نصّه على ظاهره.
وفي أثناء هذه الردود والمناقشات تكلم عن الوكالة وشروطها والمباحث المتعلقة بها، وعلَّق على النصوص التي نقلها من كتب الفقه، وردّ على ابن حجر الهيتمي وغيره فيما ذهبوا إليه. وهذه الرسالة تدل على سعة اطلاع المؤلف على كتب الفقه الشافعي، ورسوخه في الفقه، وقوة مناقشته للفقهاء، فيما خالفوا فيه الحقَّ والصواب، وفهم نصوص الإِمام الشافعي كما ينبغي.

19 - الحكم المشروع في الطلاق المجموع:
توجد مخطوطته بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4682]. وهي عبارة عن أوراق متفرقة من الكتاب، كتب الشيخ فصولًا منه، وزاد عليها زيادات في ملاحق، وأشار إلى أنها توضع في أماكنها.
وقد بدأها المؤلف بالآيات وتفسيرها، ولما انتهى منها في خمس
(م 16-17/51)

صفحات قال في آخرها: "هذا ما يتعلق بهذه المسألة من كتاب الله عزَّ وجلَّ، فلننظر الآن ما يتعلق بها من السنة". ثم عنون بقوله: "الأحاديث التي احتجَّ بها مَن يرى أن من قال: طلقتُ ثلاثًا أو ألفًا أو كعدد ذرات العالم أو نحو ذلك فهي مرة واحدة، تكون له بعدها الرجعة". ثم كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" وسرد هذه الأحاديث وتكلم عليها طويلاً، وخاصة حديث ابن عباس المشهور الذي رواه مسلم، ومرسل عروة، وغيرهما من الأحاديث والآثار.
ثم بدأ الشيخ من جديد بعد كتابة البسملة وعنوان الكتاب: "الحكم المشروع في الطلاق المجموع"، فقال: "الباب الأول في الطلاق المأذون فيه"، وذكر ثلاثة مذاهب للعلماء في ذلك، مع الاحتجاج لكل منها ومناقشتها، وردّ كلّ فريق على الآخر وجوابه.
وبعد ما انتهى من الباب الأول عقد بعد البسملة "الباب الثاني في الوقوع" وذكر تحته: "المسألة الأولى في وقوع الطلاق البدعي"، فذكر مذهب الجمهور القائلين بوقوعه ومذهب المانعين، واحتجاج الجمهور بحديث ابن عمر المشهور الذي لهم فيه أربع حجج، وقد سردها، ثم ذكر جوابَ المانعين وردَّهم عليها، مع مناقشة ما قاله كلُّ فريق ودفع ما لا يصح منه. وبه انتهى ما وصل إلينا أو ما ألَّفه الشيخ من هذا الكتاب، فلم يتكلم في الباب الثاني إلاَّ على مسألة واحدة، ولعله كان يريد أن يضيف إليها مسائل أخرى من مسائل الطلاق، ولكنه لم يفرغ لها.
والقضية الأساسية التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة في الكتاب قضية الطلاق الثلاث المجموع، التي كثر التأليف فيها منذ زمن شيخ
(م 16-17/52)

الإِسلام ابن تيمية وابن القيم إلى الآن (1)، وخاصةً في بلاد الهند وباكستان. والجمهور من أتباع المذاهب الأربعة يدَّعون الإجماع على وقوعها ثلاثًا، والقائلون بوقوعها واحدةً يذكرون الخلاف في ذلك منذ زمن الصحابة والتابعين، ويردُّون دعوى الإجماع، ويقولون: إنها من مسائل الخلاف. وقد ذكر الشيخان (ابن تيمية وابن القيم) في كتبهما نصوصًا كثيرة من مصادر مختلفة تبيِّن اختلاف السلف في هذه المسألة، بل من أتباع المذاهب الأربعة جماعة من العلماء ممن كان يفتي بأنها واحدة، كما فصَّل ذلك الشيخ سليمان العمير في كتابه "تسمية المفتين".
وقد احتدَّ النقاش في هذه القضية في هذا العصر بعد ما ألَّف العلامة المحدث أحمد محمَّد شاكر كتابه المشهور "نظام الطلاق في الإِسلام" وقرَّر فيه أن الثلاث تقع واحدةً، ونصر مذهب شيخ الإِسلام وغيره في هذا الباب، واحتجَّ لها بحجج شرعية ولغوية. فقام بالردّ عليه الشيخ محمَّد زاهد الكوثري الحنفي بكتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق"، ودافع عن مذهب الجمهور، ولكنه على عادته لم يقتصر على البحث العلمي في القضية، بل تعدَّاه إلى التضليل والتبديع والتفسيق، حتى قال في موضع منه (ص 89): "إن كان ابن تيمية لا يزال بعدُ شيخ الإِسلام فعلى الإِسلام السلام". فانبرى له العلامة المعلَّمي، وألَّف هذا الكتاب، وناقش أدلة الفريقين مناقشة علمية هادئة، دون أن يصرِّح باسم الكوثري أو أحد من المخالفين، وتكلَّم على المسألة بمختلف جوانبها، وحقّق الأحاديث والآثار الواردة فيها، ونثر في
__________
(1) ذكر الشيخ سليمان العمير في كتابه "تسمية المفتين أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة" (ص 27 - 34) أكثر هذه الكتب المفردة.
(م 16-17/53)

أثنائها فوائد علمية كثيرة على طريقته في البحث والتحقيق. وهكذا أصبح كتابه هذا متميزًا بين الكتب التي أُلَّفت في هذه المسألة.

20 - رسالة في المواريث:
كان الشيخ أسلم الجيراجي الهندي (1) قد ألَّف كتابًا بعنوان "الوراثة في الإِسلام"، ونشره بالمطبعة الملية في علي كره بالهند سنة 1341. وقد أحدث هذا الكتاب ضجَّةً في الأوساط العلمية لآراء المؤلف الجريئة والمخالفة لإجماع الأمة في باب المواريث، فصرَّح في مقدمته أنه وجد غالب أصول علم الفرائض مختلَّة، وأكثر مبانيه سقيمة ومعتلَّة، تخالف الكتاب، وتباين العقل والصواب، وذلك لأن الفقهاء قد خلطوا بأحكام الكتاب آراءهم، وتشبثوا بالروايات الضعيفة، وأسسوا عليها أصول الميراث، وسار عليها سلفهم وخلفهم. فقام الجيراجي في ظنه بالنقد والتصحيح، وبيان مواضع الزلل والخطأ، وتفسير آيات المواريث، وتمهيد القواعد وتحريرها بمقتضاها.
__________
(1) هو ابن الشيخ سلامة الله الجيراجْفوري، نسبةً إلى "جَيْراج فور" من مديرية أعظم كره في شمال الهند، ولد سنة 1299/ 1881 م، وحفظ القرآن في صباه، ودرس العلوم الشرعية على المشايخ في بوفال، واشتغل مدرسًا في جامعة علي كره والجامعة الملية الإِسلامية, وألَّف كتبًا في تاريخ الإِسلام وتاريخ القرآن، وله دراسات قرآنية ومقالات دعا فيها إلى إنكار حجية السنة، والاقتصار على القرآن الكريم في أمور الدين، واعتبار الحديث شيئًا تاريخيًّا لا حاجة إليه في التشريع. توفي سنة 1375/ 1955 م.
(م 16-17/54)

ويذكر في إحدى مقالاته (1) أنه أثناء دراسته للسراجية توقف في مسألة حجب ابن الابن مع عمه، ولم تلقَ في نفسه قبولاً، فبحث في كتب علم الفرائض، فلم يجد له موافقًا، ثم قال: "وأخيرًا وجدتُ القرآن يوافقني في ذلك". وأخرج كتابًا بالأردية بعنوان "محجوب الإرث" (2) نقدًا لقواعد الميراث المجمع عليها بين المسلمين.
وقد بني الجيراجي كتابيه على أسس باطلة، واستنبط من القرآن الكريم استنباطات خاطئة، وادَّعى أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على المسلم، وعليه أن يكتبها في حياته لوالديه ولأقربيه ويجعل ماله بينهم حسب ما تقتضي مصالحهم الشخصية، فإنه أدرى بها، ولم يعتبرها منسوخةً بآية المواريث كما يقوله جمهور الأمة، وقال: إنما يُقسَم المالُ بين الورثة إذا مات المورث بلا وصية، فحينئذٍ يُعمَل بآية المواريث ويُعطى كل ذي حق حقه.
وخالف إجماع العلماء على أن أولاد الأم من ذوي الفروض، وأن بني الأعيان والعلات ملحقون بالعصبة، وانتقد صنيعهم في ذلك، وفسَّر آية الكلالة تفسيرًا بعيدًا، وقال: إن الفقهاء ظلموا الأَقرباء لأنهم جعلوا الأباعد من أولاد الأم ذوي فرض، والأقربين من بني الأعيان والعلات عصبة، وهي لا ترث إلا ما بقي من ذوي الفروض. وتوصَّل إلى أن أولاد الأم ليسوا بذوي فرض، بل حكمهم كحكم سائر الإخوة والأخوات، وهم يرثون إذا لم يكن هناك أحدٌ من بني الأعيان والعلّات.
__________
(1) مجلة "طلوع إسلام" (عدد يناير 1956) ص 15.
(2) أول ما نُشر في مجلة "معارف" (عدد يوليو وسبتمبر 1919 م)، ثم طُبع مستقلًّا.
(م 16-17/55)

ونفى أن يكون الجد والجدة من ذوي الفروض, لأنه ليس لهما فرضٌ مقدر في الكتاب، ولم يأخذ بالسنة والآثار الواردة في هذا الباب، بل استهزأ بها وقال: أشكلت مسألة الجد على عمر رضي الله عنه حتى قضى فيها بمئة قضية.
وأنكر العصبة وتعريفَ الفقهاء للعصبة (وهو: كل من ليس له فرض معيَّن في كتاب الله، ويأخذ من التركة ما أبقته أصحاب الفرائض)، وافترض مسائل يرى فيها خللًا عظيمًا بسبب هذا التعريف، وخالف الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فِلأَولَى رجلٍ ذكرٍ"، فقال: إنه ليس بحكم كلّي، بل قضى به - صلى الله عليه وسلم - في قضية خاصة، وتوصَّل إلى أن العصوبة ليست بشيء، وأن المال كله للأقربين.
وخالف تعريف الفقهاء لذوي الأرحام (وهم أقرباء الميت الذين ليسوا بذوي فرضٍ ولا عصبة) وتقسيمهم أربعة أقسام، وقال: إن هذا كله ليس عليه دليل ولا برهان، بل هو مناقض للقرآن، ورأى أن ذوي الأرحام كالعصبة ليسوا من الوراثة في شيء إلاَّ أن يكونوا أقربين. وهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب: 6] , فالأقرباء من الأصول والفروع والأطراف - كالوالدين والأولاد والإخوة والأخوات والأعمام - كلهم داخلون في ذوي الأرحام.
ويطول بنا الكلام لو استعرضنا أراءه الشاذة في العول والرد والحجب وغيرها من القضايا، وأخطاءه في تفسير آيات الوراثة, وقد أشرنا إلى بعض
(م 16-17/56)

ما في كتابه من الضلالات لبيان أنه يهدم علم المواريث المجمع عليه. فانبرى له بعض علماء الهند وقاموا بالرد عليه باللغة الأردية (1). ولما كان العلامة المعلمي في الهند آنذاك، وأدرك خطورة هذا الأمر، ألَّف هذه الرسالة التي بين أيدينا، وقد سمّاها الأستاذ عبد الله المعلمي في ترجمته للشيخ: "إغاثة العلماء من طعن صاحب الوراثة في الإِسلام"، ولم أجد هذا العنوان بخط المؤلف.
توجد النسخة الخطية منها ضمن مجموع في مكتبة الحرم المكي برقم [4701] (الصفحات 1 - 26، 33 - 39، 54 - 58، 67 - 74، 81 - 84، 92 - 100) بخط المؤلف، وقد كانت مضطربة الأوراق، فقمتُ بترتيبها حسب سياق الكلام، وفي النسخة تخريجات وإضافات كثيرة تبدأ من صفحة وتنتقل إلى صفحة أخرى، وشطبٌ في مواضع وبياضات في أخرى. ويبدو أنه كتب لبعض مباحثها تكملة في دفتر آخر يشير إليها بالصفحات بعد ما يذكر بعض العبارة من أولها، ولم أجد هذه التكملة ضمن مسوَّدات المؤلف.
وقد بني المؤلف كتابَه - كما ذكر في أوله - على تفسير الآيات التالية:
1 - آية الوصية [سورة البقرة: 180].
2 - آية الوصية للزوجة [سورة البقرة: 240].
3 - {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ......} الآيات [سورة النساء: 7 - 12].
4 - {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ .......} [سورة النساء: 176].
__________
(1) ردَّ عليه الشيخ أبو الحسنات الندوي في مجلة "معارف" (عدد يوليو 1923 م) وآخرون.
(م 16-17/57)

5 - {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ ....} [سورة النساء: 33].
6 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا .... وَأُولُو الْأَرْحَامِ ....} [سورة الأنفال: 72 - 75].
7 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ...} [سورة المائدة: 106].
وقال: "فلنبدأ بتفسير الآيات على هذا الترتيب، ثم نقتصُّ أثر الجيراجي على حسب ترتيبه".
والمسوَّدة التي وصلتنا تحتوي على تفسير الآيات الأربع الأولى، ثم الردّ على الجيراجي فيما قاله بشأن آية الوصية، وبيان أنها منسوخة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ثم الكلام على ذوي الفروض وأن أولاد الأم منهم، ثم الكلام على العصبة وسياق أدلة القول بالتعصيب والردّ على ما قاله الجيراجي، ثم الكلام على ذوي الأرحام ومناقشة الجيراجي فيما قاله.
وبقي الكلام على "العَوْل" الذي عنونَ له المؤلف في المسوَّدة (ص 74)، وترك بعده بياضًا، وأشار في أثناء الرسالة إلى مبحث "الحجب" كثيرًا، ولكنه لا يوجد في المسوَّدة، فهل كتب المؤلف هذين المبحثين في الدفتر الآخر أو لم يتمكن من كتابتهما؟ لا نستطيع الجزم بشيء من ذلك. وقد خالف الجيراجي الجمهورَ في العول والحجب، وعنون لهما في كتابه، ولذا أراد المعلمي مناقشته في هذين البابين أيضًا. ولكن المسوَّدة للأسف تخلو من الكلام عليهما، ويوجد فيها (ص 81 - 84، 92 - 100) بدلاً من ذلك تفسير قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ....} [سورة النساء: 11] مرتين، فأثبتناه كما هو، لما فيه من زيادة الفائدة
(م 16-17/58)

على ما ذكر من تفسير الآيات سابقًا، وتوضيح لبعض المباحث في المواريث وأسباب اختلاف العلماء فيها.

21 - مسألة منع بيع الأحرار:
توجد مخطوطتها في مكتبة الحرم المكي برقم [4696]، وقد كتب فيها الشيخ أربع مرات لأهميتها، فإنهم كانوا آنذاك يبيعون الأحرار ويجعلونهم رقيقًا دون بينة ولا شهادة، بل يُكرِهونهم على الإقرار بأنهم عبيد، وكان القضاة يوافقونهم على ذلك، ولا يسمعون الشهادة ولا يقبلون الدعوى. فأراد الشيخ أن يحرّر المسألة بأدلتها، فنقل كلام الفقهاء والشراح من كتب الفقه الشافعي، وترجَّح لديه إثبات البينة وسماع شهادة الحسبة.
بدأ الشيخ الرسالة الأولى منها ببيان أهمية الحرية وعِظَمها، وفضل عتق الرقبة في الكتاب والسنة، وذكر أن سبب الرقّ أصله الكفر، وإنما يُسترقُّ الكافر بالسبي أو الأسر أو نحوه، وهذا من مدة طويلة إن لم يكن مفقودًا فنادر. وأما غير الكافر فإنما يُسترقّ بتبعيته له. ثم ذكر حكم الإماء المجلوبة في حال الجهل أنه لا يجوز بيعها ولا شراؤها، كما حرَّر السبكي الأحكام المتعلقة بهنَّ، ثم تحدَّث عن كيفية ثبوت الرقّ، فقال: إنما يثبت باليد أو بالبينة أو بالإقرار ونحو ذلك، وفصَّل في ذكر الشروط المتعلقة بكل قسم منها، ونقل نصوص الفقهاء الشافعية فيما إذا ثبت الإقرار المعتبر فهل تُسمَع الدعوى بعده؟ وقرَّر أن الإقرار بالرقّ لا حكمَ له لغلبة السفه وعدم المعرفة، وقيام أمارة الإكراه، مع غلبة الحرية - وهي الأصل - وندورِ الرقّ المتيقن. فعليه كلُّ مسترَق ادَّعى الحرية فالقول قوله بيمينه، سواء سبق منه إقرار بالرق
(م 16-17/59)

أم لا، إلاَّ أن يقيم مسترِقُّه بينةً برقِّه. وحذَّر المؤلف من التساهل في هذا الأمر، فإنه من أخطر الخطر، ثم قدَّم ما كتبه للإمام الإدريسي للنظر فيه. وأشار في آخره أنه أراد أن ينقل عبارات شرّاح المنهاج والمنهج والحواشي في أبواب مختلفة فلم تساعده العزيمة.
وقد بدأ الرسالة الثانية بذكر ضياع حقوق الله بين الناس وفُشوّ السوء والفحشاء بينهم، ومن ذلك ما شاع من بيع الأحرار وإكراههم على الإقرار. وربما يحضر بعض هؤلاء العبيد إلى القاضي فيدَّعي الحرية، أو تجيء شهادة حسبة، فلا يسمعها اعتمادًا على ظاهر كلام أهل المذهب. ونظرًا إلى أهمية هذا الموضوع نقل المؤلف هنا من أبواب مختلفة من المنهاج والتحفة والحاشية للشرواني لإيضاح هذا الحكم في الفقه الشافعي، ثم قدَّم ما كتبه للإمام الإدريسي للنظر والجزم بما تبرأ به الذمة، وهو بحمد الله من العلم والتحقيق بمرتبة الاجتهاد.
وذكر في أول الرسالة الثالثة أنه قد حمله على تأليفها ما طرأ على الناس من أحكام الأرقاء، وجرأة كثير من الناس على بيع الأحرار، مع إكراههم على الإقرار أو ترغيبهم به. ومع ذلك فإن بعض الحكَّام يقضي بمجرد الإقرار بالرقّ، ولا يقبل دعواه الحرية، ولا يسمع شهادة الحسبة. فأحبَّ المؤلف أن يذكر هنا عبارات كتب الفقه الشافعي، للردّ على هؤلاء القضاة، وتقرير ما يراه المؤلف من سماع البينة على الحرّية.
وفي أول الرسالة الرابعة ذكر أنه وقعت المذاكرة فيما اشتهر آنذاك في بعض البلدان من بيع الأحرار والاعتماد على الإقرار، وما يقضي به بعض الحكام من عدم سماع دعوى من أقرَّ بالرقّ إذا ادَّعى الحرية، وعدم سماع
(م 16-17/60)

شهادة حسبة على ذلك، كيف حكمه؟ فذكر المؤلف نصوص كتب الفقه الشافعي، وتوصَّل إلى أن الحرية من أعظم حقوق الله تعالى، والأصلية أولى من العتق، ولا فرقَ بين كون العتق وقع ممن يريد أن يتملكه أو يبيعه أو من غيره. فالذي يظهر أن شهادة الحسبة لا تُردُّ في هذا، إذ هو مما لا يتأثر برِضا الآدمي. وبه انتهت الرسالة الرابعة.
وقد تناول المؤلف هذا الموضوع في كل رسالة من هذه الرسائل بأسلوب مختلف وبخطبة جديدة وتمهيد مستقل، ففي بعضها اهتم بذكر نصوص الفقه الشافعي، وفي بعضها ذكر أحكام الإماء المجلوبة حسب ما فصَّلها السبكي، وفي بعضها تحدَّث عن أحكام الإقرار وشهادة الحسبة، وفي بعضها تكلَّم عن فضل عتق الرقبة في الإِسلام. ويبدو أن الشيخ كان مهتمًّا جدًّا بهذه النازلة، وأراد من الإِمام الإدريسي أن يَبُتّ في الأمر للقضاء على ظاهرة بيع الأحرار، وتوجيه القضاة إلى سماع دعوى الحريّة وإقامة البينة عليها بعد الإقرار بالرق، واعتبار شهادة الحسبة في هذا الأمر، لدفع المفاسد المترتبة على الرق.

22 - أسئلة وأجوبة في المعاملات:
لم يضع لها الشيخ عنوانًا في مخطوطته التي وصلتنا منها بمكتبة الحرم المكي برقم [فلم 3555] في 7 ورقات، وعنون لها المفهرس "رسالة أسئلة وأجوبة في البيع". وقد بدأها الشيخ بتعريف البيع وما الذي يجوز بيعه وما الذي لا يجوز بيعه، والبيوع المنهي عنها في الأحاديث وتفسيرها، ثم عقد باب الربا تحدث فيه عما يتعلق به، ثم باب بيع الأصول والثمار، وباب الخيار، تكلم فيه عن أقسامه السبعة وأحكامها، وبعده باب السَّلم وباب
(م 16-17/61)

القرض وباب أحكام الدين. وفي الأخير عنونَ باب الحوالة والضمان، ولم يكتب بعده شيئًا.
والرسالة بصورة سؤال وجواب بأسلوب سهل مبسط، لعلَّ الشيخ ألَّفها لطلاب العلم الذين يصعب عليهم فهمُ ما في المتون الفقهية المختصرة، التي يتشعب فيها الكلام، ويكثر ذِكْرُ الاختلافات والحدود والقيود، وكل ذلك باختصار شديد وإيجاز مخل بالمعنى. فأراد الشيخ أن يوضح أبواب المعاملات بطريقة السؤال والجواب، فإنها أدعى إلى فهمها واستيعابها. ولم يُكمل الشيخ للأسف هذه الرسالة، وتوقف عند باب الحوالة والضمان، ومع ذلك فما كتب منها يصلح أن يكون أنموذجًا يُحتذى لتدريس الفقه للمبتدئين والمتوسطين، وينبغي أن يُؤلَّف في جميع أبواب الفقه على هذا المنوال. وقد حاول بعضهم ذلك فيما صدر من كتب ورسائل، ولكنها لا ترقى إلى مستوى رسالة المؤلف هذه في الوضوح والاختصار، واستيعاب أهم الموضوعات ورؤوس المسائل في الباب، دون التعرض لاختلافات الفقهاء والمناقشات.

23 - الإِسلام والتسعير ونحوه (أو) حول أجور العقار:
كتب الشيخ مرتين في هذا الموضوع، وذكر كلاًّ من هذين العنوانين بخطه في أول كل كتابة بعد البسملة، وهما في مجموعة واحدة ضمن مكتبة الحرم المكي برقم [4694]. والكتابة الأولى في ثلاث صفحات، والثانية في صفحتين. ولعلَّ الشيخ كان يريد أن يتوسع في الكلام على هذا الموضوع المهم، ولكنه لم يتفرغ لذلك بسبب أشغاله الأخرى.
(م 16-17/62)

بدأ الشيخ الكتابة الأولى بالإشارة إلى كثرة الضجيج من ارتفاع أجور العقار، وكتابة أحد العلماء في هذا الباب بما يفهم منه أن غلوّ الملّاك في زيادة الأجور عمل مذموم، فهو إما حرامٌ عليهم وإما قريبٌ منه. وما دام الأمر كذلك فعلى ولي الأمر منعُ الناس منه، وعليهم طاعته كما في الكتاب والسنة، وقد أورد المؤلف بعض هذه النصوص.
ثم ذكر أن أحاديث التسعير ليس فيها نهيٌ عنه، وإنما فيها أن الناس طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُسعِّر فقال: "إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعَّر، وإني لأرجو أن ألقى الله عزَّ وجلَّ ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال". فهذه واقعة حال، وقوله هذا تعليل للامتناع عن التسعير في تلك الواقعة. ويحتمل أن يكون غلاء السعر الذي حدث حينئذٍ لم يكن مصطنعًا، فليس للإمام أن يسعّر حتى يتبينَّ له جَشَعُ التجار وتواطؤهم.
وتكلم بعد ذلك عن أحاديث النهي عن الاحتكار، وما رُوي عن سعيد بن المسيب ومعمر أنهما كانا يحتكران حملَه على وجهٍ غير الوجه المنهي عنه، فإن التمر مثلًا يكثر في الموسم ويُعرَض للبيع، فشراء التاجر حينئذٍ وادخاره إلى أن يحتاج الناس إلى التمر لقوته، وحينئذٍ ترتفع الأسعار في الجملة، فيُخرِجه للبيع، عملٌ لا تظهر فيه مفسدة، بل لو مُنِع التجار من الشراء حينئذٍ لتضرَّر أهل النخل. فهذا - والله أعلم - هو الذي كان يفعله معمر وسعيد، فلا يُترك لأجله العمل بالنهي عن الاحتكار. وبهذا ينتهي الكلام في الكتابة الأولى.
أما الكتابة الثانية فهي بعنوان "حول أجور العقار". وقد بدأها الشيخ أيضًا بذكر ارتفاع أجور العقار، وأن الشيخ عبد الله الخياط وغيره كتبوا في
(م 16-17/63)

ذلك، والقضية تحتاج إلى تحقيق علمي مُشبع. وتواضع المؤلف فذكر أنه لا يزعم أنه أهل له، ولكنه سيحاول كتابة ما عسى أن يكون حافزًا لمن هو أهل له على النظر في القضية وفصْل القول فيها.
ثم أدار الحوار بين أرباب العقار وغيرهم في هذه القضية، وفيه احتجاج كل فريق لما ذهب إليه، وأطال في ذكر حجج أصحاب العقار، وتوقف في أثنائها، ولم يتمكن من استيفاء الكلام في الموضوع، ولعله لم يجد الفرصة لذلك.

24 - مناقشة لحكم بعض القضاة في قضية تنازع فيها رجلان:
توجد نسختها الخطية في مكتبة الحرم المكي برقم [4690] في ثلاث صفحات طوال، وهي ليست بخط المعلمي، ولعله أملاها على كاتبه عند ما كان شيخ الإِسلام عند الإدريسي، ثم أضاف إليها إضافاتٍ بخطه في مواضع عديدة في الهوامش.
وموضوع الرسالة يدور حول نقض المعلمي لقضاء قاضٍ في قضية تشاجر فيها رجلان، وفيها بحث مسائل في الدعوى والشهادة واختلاف البينات وتعارضها، ومسألة غرز الأخشاب في جدار الغير.
وقد ذكر فيها أولاً أنه ليس من وظيفة المدَّعي والمدعى عليه بيان الأحكام الشرعية، بل وظيفتهما الدعوى والإجابة بشروطها المعروفة، وأن دعوى الحسبة المعتمد قبولُها فيما تُقبل فيه شهادتها غير حقوق الله المحضة، لكنها لا تُسمَّى حسبة إلاّ إذا كانت ممن لا يجرُّ بها لنفسه نفعًا أو يدفع بها ضررًا. وذكر أنه يُشترط لأداء الشهادة لفظ "أشهد"، ولا يكفي لفظ
(م 16-17/64)

"أعلمُ" كما صرَّحوا به، فالشهادة الموردة من طرف المدَّعي بهذا اللفظ باطلة. وعلى فرض صحتها فقد عارضتها الشهادة الواردة من طرف المدعى عليه، ولا سيَّما المصرِّحة بالملك.
ثم تحدث عن اختلاف البينات وتعارضها، ونقل من كتب الشافعية ما يخالف حكم القاضي في هذه القضية، ففيها: "لو وُجِدتْ دكّة في شارع ولم يُعرَف أصلُها، كان محلُّها مستحقًّا لأهلها، فليس لأحدٍ التعرض لها بهدمٍ وغيره ما لم تقم بينة بأنها وُضِعتْ تعديًا".
وبهذا يظهر بطلان ما حكم به الحاكم من هدم الدكاكين المذكورة، بل الحق الذي لا ريب فيه بقاؤها على ما هي عليه.
ثم تكلم عن مسألة غرز الأخشاب في جدار الغير، فإن المدَّعي ذكر في دعواه مذهب الشافعي خلاف ما هو مثبت في الكتب المعتمدة، وحكم الحاكم بمضمون ذلك. فبيَّن المؤلف صوابَ ذلك نقلاً عن "المنهاج"، وذكر أنه عكس ما فهمه المدَّعي والقاضي.
***
(م 16-17/65)

رسائل المجلد الثالث (1)
25 - مسائل القراءة في الصلاة والردّ على أحد شرَّاح الترمذي:
توجد نسخته الخطية في مكتبة الحرم المكي برقم [4695] ضمن دفتر طويل في 94 صفحة حسب ترقيم المؤلف، إلاَّ أن إحدى عشرة صفحة من أولها (بعد المقدمة) لا توجد ضمن الدفتر، ولم نجدها في مسوّدات المؤلف الأخرى. وتوجد في أثنائها صفحات عديدة غير مرقمة، وكأنها كانت مسوَّدات من الكتاب كتبها الشيخ وتركها كما هي، وفي بعضها تكرار لما كتبه في المبيَّضة، وبعضها جديد يحتوي على إضافات ومناقشات مهمة تخلو منها المبيَّضة، فاستخرجنا هذا الجديد وألحقناه بآخر الكتاب، واستغنينا عن المكرر الذي ليس فيه أيّ إضافة.
والنسخة أصابها بلل في بعض الصفحات، وفيها إلحاقات وزيادات كثيرة في الهوامش، وشطب وضرب على بعض الصفحات والأسطر.
وكان سبب التأليف كما ذكر المؤلف في المقدمة أنه وقف على شرحٍ ل "جامع الترمذي" لأحد علماء الحنفية من المعاصرين، اعتنى فيه بالمسائل الخلافية وسرْد الأدلة وتنقيحها روايةً ودرايةً، وقد طالعه المؤلف من أوله إلى أواخر كتاب الصلاة، فظهرت له مواضع تحتمل التعقُّب والمناقشة، فقيَّد ذلك، ثم رأى أن الكلام في مسائل القراءة في الصلاة يطول، فأفرده مرتبًا في هذا الكتاب.
__________
(1) هذه الرسائل عثرنا عليها بعد الانتهاء من تحقيق الرسائل السابقة، فأفردناها في المجلد الثالث، وعرَّفنا بأصولها ومحتوياتها هنا.
(م 16-17/66)

وقد جاء في بالي في أول الأمر أنه أحد الشروح المعروفة لعلماء الحنفية في الهند، مثل "الكوكب الدرّي" للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (ت 1323)، أو "العرف الشذي" للشيخ أنور شاه الكشميري (ت 1352)، أو "الطيب الشذي" للشيخ أشفاق الرحمن الكاندهلوي (ت 1377). ولكن بعد مراجعتها ظهر لي أن الشرح المقصود غير هذه الكتب. ويبدو أن مؤلفه أحد علماء حيدرآباد، فإن الشيخ ذكره في أثناء "جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا" وأشار إلى أنه أستاذ صاحب "الاستفتاء". فقال: "وقد سلك بعض متأخري الحنفية مسلكًا رديئًا في التفصّي من الأدلة التي تخالفهم من الكتاب والسنة، وذلك أن أحدهم يذكر الدليل ثم يبيِّن صورةً قد خُصَّت من عمومه ويقول: هذا متروك الظاهر إجماعًا. ويرى أنه بذلك قد أسقط الاستدلال بذلك الدليل البتة. وكثيرًا ما يسلكه صاحب الاستفتاء وأستاذه في "شرح سنن الترمذي"، ولعله يُنشر فيقف العلماء على ما فيه من العجائب" (ص 447).
وقال: "وهذه قاعدة أخرى له ولأستاذه في "شرح الترمذي"، يَعمِد إلى الأحاديث التي تخالفه وتكون بغاية الصحة، فيذكر اختلافًا لفظيًّا أو قريبًا منه أو معنويًّا، والترجيح ممكن، فيزعم ذلك اضطرابًا قادحًا. وليس هذا سبيل أهل العلم" (ص 460).
أفادنا المؤلف أن شارح الترمذي هذا أستاذ صاحب "الاستفتاء" وأن شرحه لم يُنشَر حتى يطلع العلماء على غرائبه وأوهامه، وأنه اتخذ منهجًا لردّ الأحاديث الصحيحة والتفصّي منها مما لا يوافقه عليه أهل العلم.
والكتاب الذي بين أيدينا ناقش فيه المعلمي الشارحَ المذكور، ووصفه
(م 16-17/67)

أحيانًا ب "المفتي" (ص 42، 43 وغيرها). وقد كان المفتي آنذاك في مدينة حيدرآباد السيد محمَّد مخدوم الحسيني مفتي المدرسة النظامية، وكان بينه وبين المعلمي علاقة كما يظهر من الرسالة السابعة والعشرين. فهل الشارح هو المفتي المذكور؟ وسواء كان هو أو غيره فأين شرحُه على الترمذي الآن؟ لقد بحثنا عنه في فهرس مكتبة الجامعة النظامية بحيدرآباد، فلم نعثر عليه. ولو وجدناه لاستفدنا منه في تصحيح هذا الكتاب وترتيبه، فقد اقتبس المعلمي نصوصًا كثيرةً منه في أوراق متفرقة دون ترقيم، ثم ردّ عليها وأطال الكلام في المناقشة.
تكلَّم المؤلف في هذا الكتاب على ست مسائل، وناقش شارح الترمذي فيها:
1 - [المسألة الأولى: هل يجب قراءة الفاتحة في الصلاة؟]. لم يظهر عنوان هذه المسألة بسبب ضياع الصفحات الأولى من الكتاب، إلاَّ أن الكلام فيها على أحاديث وجوب القراءة في الصلاة، وتخريجها وبيان معناها وما يستنبط منها. وقد بيَّن المؤلف هنا ما وقع فيه شارح الترمذي من أخطاء في الكلام على الأحاديث.
2 - المسألة الثانية: هل تجب الفاتحة في كل ركعة؟ استدلَّ بالأحاديث على الأمر بالفاتحة في كل ركعة. واختصر المؤلف الكلام هنا، فلم يزد على صفحة.
3 - المسألة الثالثة: هل تجب الزيادة على الفاتحة؟ تكلم فيها على حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا" كما ورد في بعض رواياته، وقد فصَّل القول في زيادة "فصاعدًا"، وردَّ على شارح الترمذي فيما
(م 16-17/68)

ذهب إليه من بيان معنى "فصاعدًا" في الحديث، وتوسَّع في مناقشته في ضوء أقوال أئمة اللغة، مع بيان نظائره في الأحاديث والآثار.
4 - المسألة الرابعة: قراءة المأموم الفاتحة. وقد أطال فيها الكلام أكثر من مئة صفحة، استعرض فيها أدلة من أوجبها، ثم أدلة القائلين بأن المأموم لا يقرأ مطلقاً أو لا يقرأ فيما يجهر فيه الإِمام، وتكلم بتفصيل على آية الإنصات وسبب نزولها، وحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وحديث: "ما لي أنازع القرآن"، وقول الزهري: "فانتهى الناس عن القراءة ... "، وحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وحديث أبي بكرة: "زادك الله حرصًا ولا تعُدْ"، ودعوى الإجماع على عدم القراءة خلف الإِمام، وغير ذلك من الموضوعات والأبحاث.
5 - المسألة الخامسة: هل يزيد المأموم في الأُولَيين من الظهر والعصر على الفاتحة؟ ذكر المؤلف أولًا أدلة المنع من ذلك وأجاب عنها، ورجَّح الجواز، واستدلَّ لذلك ببعض الأحاديث والآثار.
6 - المسألة السادسة: إذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإِمام لا يسمع قراءته، فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر؟ ذكر فيها أن ظواهر الأحاديث المنعُ من ذلك من حيث ألفاظها، أما من حيث المعنى فالظاهر عدم المنع. ثم قال: والذي أختاره لنفسي عدم القراءة بغير الفاتحة لظواهر الأحاديث، ولأنه قد يُخِلّ باستماع غيره من المقتدين الذين يسمعون، وهذا ظاهر في الأصمّ وممكن في البعيد.
إلى هنا ينتهي الكلام على المسائل الست، وبعده أوراق متفرقة كتبها المؤلف في الرد على شارح الترمذي ووضعها في أثناء الكتاب في مواضع،
(م 16-17/69)

فأفردناها وألحقناها بآخره، وفيها نقول من كلام الشارح ثم الرد عليه ومناقشته.

26 - مسألة في إعادة الإمام الصلاةَ دون من صلَّى وراءه في الجماعة:
توجد نسختها ضمن المجموع رقم [4696] في ثلاث صفحات، وفيها السؤال والجواب. والسؤال هو ما دليل قول الفقهاء: "لو بان حدثُ الإِمام بعد الصلاة وقد صلَّى بجماعة، لزمته الإعادة دونهم".
بدأ المؤلف الجواب ببيان أن الأصل في جميع الأعمال عدم الوجوب، فلا يجب علينا شيء إلا بدليل، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، فلا يلزم من بطلان صلاة الإِمام بطلانُ صلاة المأموم إلاَّ حيث وقع من المأموم تقصير. ولا يُنكَر أن بين الإِمام والمأموم رابطة قوية، بحيث يؤدي تمام صلاة الإِمام إلى تمام صلاة المأموم ونقصُها إلى نقصها، وكذا العكس. أما أن يؤدي بطلانها إلى بطلانها فلا يطلق ذلك. وقد استدل على ذلك ببعض الأحاديث والآثار.

27 - صيام ستة أيام من شوال:
توجد نسخته بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4911] في 15 صفحة طويلة. وفيها زيادات واستدراكات وضرب وشطب في بعض الصفحات، وملاحق وتتمات في مواضع. وهي تامة من أولها إلى آخرها، وقد حصل اضطراب في ترتيب بعض الصفحات، إلاّ أن ترقيم المؤلف عليها يدلُّنا على الترتيب الصحيح.
(م 16-17/70)

وقد ألَّف الشيخ هذه الرسالة ردًّا على من قال: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث.
فردَّ على كونه بدعةً ببيان صحةِ الحديث، وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباق المذاهب على استحباب صيامها. وأما القول بأنه موضوع فلا يُتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث، وأعجب من ذلك توجيه وضعه بأنه تفرد به سعد بن سعيد. قال المؤلف: "وستعلم حال سعد وتَعلم طرقَ الحديث". ثم ذكر أن هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقف المؤلف على رواية عشرةٍ منهم، وتكلم عليها في عشرة فصول:
الفصل الأول: في حديث أبي أيوب.
الفصل الثاني: في حكم الحديث.
الفصل الثالث: في المتابعات.
الفصل الرابع: في حديث ثوبان.
الفصل الخامس: في حديث أبي هريرة.
الفصل السادس: في حديث جابر.
الفصل السابع: في بقية الأحاديث.
الفصل الثامن: في الآثار.
الفصل التاسع: في مذاهب الفقهاء.
الفصل العاشر: في معنى الحديث.
(م 16-17/71)

أطال المؤلف الكلام في هذه الفصول، وقام بتحقيق جميع الأحاديث والآثار وبيان مذاهب الفقهاء بما يشفي ويكفي. وقد سبقه إلى التأليف في هذا الموضوع بعض المؤلفين، فللدمياطي (ت 705) "تحرير الأقوال في صوم الست من شوال"، وللعلائي (ت 761) "رفع الإشكال عن صيام ستة من شوال"، ولقاسم بن قطلوبغا (ت 879) "تحرير الأقوال في صوم الست من شوال" طبع في لقاء العشر الأواخر رقم 26، ولمحمد بن طولون الصالحي (ت 953) "تكميل الأعمال بإتباع رمضان بصوم ست من شوال" ذكره في "الفلك المشحون" (ص 88)، ولمرتضى الزبيدي (ت 1205) "الاحتفال بصوم الستّ من شوال". وجمع ابن الملقّن (ت 804) طُرق هذا الحديث وتكلم عليها في "تخريج أحاديث المهذب" كما أشار إليه في "البدر المنير" (5/ 752) وجمع العراقي طرق الحديث عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد، كما في "فيض القدير" للمناوي (6/ 161). ولم يطلع المؤلف على شيء من هذه المؤلفات، بل قام بتتبع كتب الحديث والرجال والفقه بنفسه، وألَّف هذه الرسالة التي بين أيدينا.

28 - جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا:
وصل إلينا هذا الكتاب في دفترين:
الأول في مكتبة الحرم المكي برقم [4244]، ويحتوي على المقدمة والقسم الثاني، وهو دفتر صغير عادي، والنص فيه ضمن الأوراق (5 - 42)، وقد أشار المؤلف في الورقة (13/ ب) إلى "ملحق طويل ص 333"، وقد وجدناه في الدفتر الثاني، فنقلناه إلى مكانه، وهذا الملحق في 12 صفحة من القطع الطويل.
(م 16-17/72)

والثاني برقم [4686]، ويحتوي على القسم الأول من الكتاب كما أشار إليه المؤلف في آخره. وهو دفتر طويل في 50 صفحة. ويلاحظ أن الصفحة 15 في الواقع 6 صفحات، رقَّمها المؤلف 15/ 1، 15/ 2 ... وهكذا إلى الأخير.
والأوراق الستة الأولى من المخطوط مخرومة الأطراف ومبلولة، ذهب بسببها كثير من الكلمات والجمل في أعلى الصفحات وجوانبها، فأثبتنا ما استطعنا أن نقرأ منها، وتركنا البياض لما ضاع، ولا سبيل إلى استرجاعها إلاَّ إذا وُجِدت نسخة أخرى، والأمل في الحصول عليها ضعيف.
كان سبب تأليفه أن بعض الفضلاء في حيدرآباد نشر سنة 1347 رسالة بعنوان "الاستفتاء في حقيقة الربا" أجلب فيها بخيله ورَجِله لتحليل ربا القرض، وأُرسِلتْ من طرف الصدارة العالية (مشيخة الإِسلام) إلى علماء الآفاق لِيُبدوا رأيهم فيها (1). فوردتْ بعض الأجوبة منهم، وأجودها جواب الشيخ أشرف علي التهانوي (ت 1362) بعنوان "كشف الدجى عن وجه الربا"، حرَّره الشيخ ظفر أحمد التهانوي تحت إشرافه.
وقد راجع الشيخ المعلمي صاحب رسالة الاستفتاء وناقشه في بعض المباحث، وأراد أن يكتب عنها جوابًا بعد ما تنبَّه لدقائق في أحكام الربا وحِكَمه، واطلع على كلام الشاطبي في "الموافقات" وغيره، فألَّف هذا
__________
(1) نشر السيد رشيد رضا نصَّ الاستفتاء في مجلة "المنار" ثم ردَّ عليه وكتب مقالاً طويلاً في الربا (30/ 273، 419، 449).
(م 16-17/73)

الجواب وقسَّمه قسمين: الأول لبيان أحكام الربا وأنواعه، والثاني في البحث مع صاحب الاستفتاء.
أما القسم الأول فسوف نلقي نظرةً سريعة لمعرفة محتوياته. بدأه الشيخ بمعرفة الحِكَم للأحكام الشرعية، وفوائد البحث عنها، ثم تطرق إلى الكلام على البيع وبيَّن أصوله، ثم انتقل إلى الحديث عن الربا، وأن ما ينشأ عنه من المفسدة غير موجود في البيع والقرض والهبة، وردّ على أولئك الذين يقولون: إن الربا ليس بظلم لكونه برضا الطرفين مثلما هو في البيع، ولأن فيه فائدةً للمقرض (لما يحصل له من النفع) والمستقرض (لأنه يتجر به فيستفيد). كما ردّ على شُبههم في بيان مضرة القرض (بدون ربا) بالنسبة للمقرِض، وذكر فوائد كثيرة للإقراض بدون ربًا.
ثم وضع عنوان "مفاسد الربا"، وقدم لها بتمهيد في بيان أن المقصود من تشريع الأحكام هو تطبيق العدل، ومن أجله وُضعت العقوبات، وتحدث على سبيل المثال عن عقوبة الزنا لبيان أن حكمة التشريع تقتضي أن يكون بناء الأحكام على الغالب، وأن سنة الله فيها التدريج.
ثم انتقل إلى الكلام على مفاسد الربا، وتوصَّل في النهاية على أن مَنْع الربا يضطرُّ كلَّ فردٍ من الأفراد إلى أن يكون عضوًا عاملًا نشيطًا، ينفع الناس وينتفع، ويفتح باب الغنى لأهل الكدّ والعناء، ويستخرج الأموال من أيدي من لا يستحقها.
وبعد إيضاح الفرق بين البيع والربا ووجه التحليل والتحريم في الشريعة أورد سؤالاً، وهو أن الفقهاء يحلِّلون بيع السلعة نَساءً بأكثر من ثمنها نقدًا،
(م 16-17/74)

كما يجوِّزون أن يُسلِم الرجل عشرة دراهم في خمسة عشر صاعًا إلى الحصاد مثلاً، مع أن السعر حين العقد عشرة آصُع. فما الفرق بين المسألتين وبين الربا؟ أجاب عنه المؤلف بعدة أجوبة، وفصَّل الكلام فيها.
ثم تكلم على الدين الممطول به والمال المغصوب، ولماذا لم تَفرِض الشريعة على المماطل والغاصب ربح المال مدةَ المطل والغصب عقوبةً له؟ وإنما شرعت عقوبته بالحبس والتعزير.
ثم تحدث عن الربا مع الحربي الذي أجازه أبو حنيفة وحرَّمه الجمهور، وعن المضاربة التي يمكن لذوي الأموال من العجزة والكسالى أن يربحوا فيها ولكن بدون ضرر على غيرهم.
وعنون بعد ذلك بقوله: "وجوه الربا"، وتكلم فيها عن بعض الصور التي تحتاج إلى إيضاح، مثل: العِينة، والانتفاع بالرهن (الذي يقال له: بيع العهدة، وبيع الوفاء ... إلى غير ذلك من الأسماء)، وأطال البحث فيهما، وذكر رأي الحنفية في بيع الوفاء واضطراب أقوالهم في كتبهم، وقام بتحرير المسألة على أصول مذهبهم، كما ردَّ على الحضارمة الشافعية الذين أجازوه بدعوى احتياج الناس واضطرارهم إلى هذه المعاملة، وبحثَ عن الضرورة وعن حكمها في فصل مستقل، ثم ردَّ عليهم في قولهم: إنهم لم يقصدوا الضرورة المتعارفة، وإنما أرادوا الحاجة. فأبطل المؤلف هذه أيضًا، وأدار الحوار معهم لبيان بطلانها، وذكر أن المفاسد التي تترتب على بيع الوفاء شديدة، وأشدها أنه ربًا في القرض، وعدَّد بعض المفاسد الأخرى.
ثم وضع عنوان "ربا البيع"، وأورد الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الذهب بالذهب إلاَّ مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيد، وهكذا الفضة بالفضة إلى
(م 16-17/75)

آخرها، وجواز بيع جنسٍ منها بجنس آخر متفاضلًا نقدًا، ومَنْعه نسيئةً.
وعقد بعد ذلك فصلاً أوضح فيه الفرق الذي ذكره سابقًا بين القرض بربًا وبين بيع السلعة بثمن إلى أجل أزيد من ثمنها نقدًا، وبين السَّلَم في سلعة إلى أجلٍ بأقل من ثمنها نقدًا، وبيَّن أن العلة في الذهب والفضة الثمنية، وفي الأربعة الباقية الطعم أو القوت مع الادخار. ورجَّح أن العلة في النهي عن بيع الفضة بالذهب نساءً هو الربا فقط لأمور ذكرها، وأن العلة في الأربعة الأخرى يحتمل أن تكون الربا، ويحتمل أن تكون الاحتكار، وأن تكون مجموع الأمرين.
وفي آخر هذا القسم عقد بابين لبيان أحكام هذه الأجناس الستة:
الباب الأول في تبايعها مع النسيئة، وفيه فصلان: الفصل الأول فيما اتحد فيه جنس العوضين، تكلم عليه في فرعين: الأول فيما تظهر فيه زيادةٌ ما في العوض المؤجل لا يقابلها شيء في المعجل، والثاني فيما لم تظهر فيه زيادة ما في المؤجل. وذكر صورهما. والفصل الثاني: في بيع واحدٍ من الستة بآخر منها نسيئةً.
الباب الثاني في تبايعها نقدًا، ذكر فيه أن الذي حرَّمه الشارع هو البيع بالزيادة والرجحان، فقد صحَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن زاد أو ازداد فقد أربى"، وأرشد إلى المخلص من ذلك بقوله: "بعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشترِ بالدراهم جَنِيبًا"، وقال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كلبف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ". وتكلم المؤلف على معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ربا إلاَّ في النسيئة"، وبيَّن كيف جمع العلماء بينه وبين الأحاديث الأخرى، ورجَّح أن الربا في عرف اللغة خاصّ بالنسيئة، وقد دلَّ القرآن وحديث "لا ربا إلاَّ في النسيئة" على أنه في
(م 16-17/76)

الشرع كذلك، وإطلاق الربا في البيع المحرم نقدًا إنما هو من باب التشبيه، والجامع بينهما أن كلاًّ منهما زيادة محرمة.
وخصَّص فصلاً للكلام على الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم، تحدث فيه عن احتكار الذهب والفضة، واحتكار بقية الأصناف، وتوصل إلى أن الربا والاحتكار أخوان، يتعاونان على الظلم والعدوان، ولذلك حرَّمهما الشرع.
وذكر في الخاتمة ملخَّص ما ذكره سابقًا في موضوع الربا والاحتكار، وقال في آخرها: "المسألة تستدعي بسطًا لا أرى هذا محله". وأشار إلى أن هذا نهاية القسم الأول.
أما القسم الثاني من الكتاب فهو في البحث مع صاحب الاستفتاء. ذكر المؤلف أولاً خلاصة الاستفتاء، وقال إن صاحبه لخَّصه في أربعة مقاصد:
الأول: أن الربا المنهي عنه في القرآن مجمل عند الحنفية وغيرهم.
الثاني: أن السنة فسَّرته بحديث عبادة وغيره: "الحنطة بالحنطة ... " وبالآثار في ربا الجاهلية، وهو الزيادة عند حلول أجل الدين في مقابل مدّ الأجل. والقرض ليس بدَين, لأنه لا يكون إلى أجل عند الفقهاء، فعلى هذا لا يكون الربا إلاَّ في البيع.
الثالث: أن النفع المشروط في القرض ليس بربًا منصوص.
الرابع: أن النفع المشروط في البيع لا يصح قياسه على الربا المنصوص، ولو صحَّ فالأحكام القياسية قابلة للتغيُّر بتغيُّر الزمان، فلا محيصَ من تحليله في هذا الزمان، كما قالوا بجواز الاستئجار على تعليم
(م 16-17/77)

القرآن والأذان والإمامة وغيرها، مع أن حرمة الاستئجار في بعض ذلك ثابت بالنص.
تكلم المؤلف بعد ذلك على جميع هذه الأمور، وناقش صاحب الاستفتاء وردّ على حججه بتفصيل، وبيَّن وهاءها.
وقد تكلم في أثنائها على معنى الربا في اللغة، وأنه في القرآن مبيَّن وليس مجملاً، وأن الزيادة المشروطة في القرض ربًا منصوص في الكتاب والسنة، ثم أورد بعض الشُّبه والمعارضات ودفعها. ثم عنون بقوله: "أدلة تقتضي التحريم وليس فيه لفظ الربا". ثم ذكر الإجماع على تحريم اشتراط الزيادة في القرض، ونقل بعض الآثار عن الصحابة والتابعين، وردَّ على قول صاحب الاستفتاء في أثر: إنه موقوف وليس في حكم المرفوع، وإنه متروك العمل، وإنه يعارضه الأحاديث الصحيحة, لأنه لا يصلح لبيان الربا المذكور في القرآن. وقد ناقش المؤلف جميع هذه الأمور، وتكلم على جميع الآثار الواردة في الباب، وقال في آخرها: هذه نصوص الصحابة والتابعين ما بين صحيح وما يقرب منه كلها متفقة على المنع من الزيادة المشروطة وتحريمها. وصاحب الاستفتاء لم يستطع أن يحكي حديثًا - ولو موضوعًا - ولا أثرًا عن صحابي أو تابعي أو فقيه يدلُّ على أن الزيادة المشروطة وما في معناها ليست بربًا، وإنما بيده أحاديث حسن القضاء وقياسٌ ساقط.
تكلم المؤلف على أحاديث حسن القضاء والألفاظ الواردة بها، وبيَّن معناها، وردَّ على احتجاج صاحب الاستفتاء بها على تجويز اشتراط الزيادة في القرض. ثم تكلم على القياس في هذه المسألة، وناقش صاحب الاستفتاء في ذلك. ثم انتقل إلى الحديث عن تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان،
(م 16-17/78)

وقال إن هذا جرى على ألسنة بعض العلماء يريدون به شيئًا محدودًا، فأراد دعاة الضلالة في عصرنا أن يوسِّعوا دائرتَه، بحيث يزلزلون به قواعد الشريعة من أساسها.
وفي آخر الكتاب تحدَّث المؤلف عن أحوال هذا العصر، وذكر أن المرض الحقيقي هو التبذير والكسل، ونتيجتهما الفقر، ثم ينشأ عن الفقر أمراض أخرى. والذي يُرخِّص في الربا إنما نظر إلى أمر واحد، وهو فقر جماعة المسلمين، وعلاجه هذا لا يُغني في ذلك شيئًا. وفقر جماعة المسلمين إنما نشأ عن التبذير والكسل وتوابعهما، فالتبعة عليهم. ولا يُعقَل أن يكون التقصير منهم والغرامة على الشريعة.
ثم قام المؤلف بوصف أحوال المسلمين في حيدرآباد، فذكر أن نصف التبذير في الرسوم والعادات الاجتماعية، وثلثه في الملاهي، وسدسه في المعيشة، وفصَّل الكلام على هذه الأمور، وبيَّن العلاج وما يجب على العلماء والمرشدين بشأنها. وبه انتهى الكتاب.

29 - كشف الخفاء عن حكم بيع الوفاء:
توجد نسخته ضمن الدفتر الذي فيه "جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا" برقم [4244]، وهي أربع صفحات من القطع الصغير من آخر الدفتر، وقد كتبها المؤلف مقلوبًا على خلاف الكتاب السابق للتمييز بينهما، ولم يتمه.
كتبه المؤلف عندما سأله بعض الإخوان عن حكم بيع الوفاء وبيع العهدة وغير ذلك من الأسماء، وهو شائع في بلاد حضرموت وكثير من البلدان. فراجع بعض ما تيسَّر من كتب علماء حضرموت، ونقل منها
(م 16-17/79)

نصوصًا، وتلخَّص له منها أمور:
الأول: أن هذه المعاملة إذا كانت على ما ذكروه - من تقدُّم المواطأة ووقوع العقد باتًّا - حكمها في مذهب الشافعي ما قدَّمتْ من نفاذ العقد وبتاته، ويكون رضا المشتري قبل العقد بما تواطأ عليه وعدًا منه يُستحبُّ له الوفاء به ولا يجب.
الثاني: أن العمدة في إلزام المشتري بالوفاء هو تقليد الإِمام مالك.
الثالث: أنه يمكن الاعتماد في ذلك على مذهب أحمد في جواز البيع بشرط.
الرابع: إمكان الاعتماد على مذهبه في جواز تأبيد الخيار.
الخامس: إمكان الاعتماد على مذهب أبي حنيفة.
السادس: العذر عن الخروج عن المذهب بالضرورة.
السابع: اعتماد المتأخرين على عمل من قبلهم من العلماء.
كان المؤلف يريد أن ينظر في هذه الأمور واحدًا واحدًا، ولكنه توقف في أثناء الكلام على الأمر الثاني، ولم يتمّه. وقد سبق في "جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا" الكلام على بيع الوفاء، وتكلم فيه على بعض الأمور السابقة، فيؤخذ رأي المؤلف فيها من هناك.

30 - النظر في ورقة إقرار:
توجد نسخته في مكتبة الحرم المكي ضمن المسوَّدات التي عثرنا عليها أخيرًا، وهي في ثلاث صفحات من القطع الطويل، وفي بعضى المواضع منها
(م 16-17/80)

شطب وإلحاق وزيادات في الهوامش.
تكلم فيه المؤلف على ألفاظ ورقةٍ يُفهم منها الإقرار ومناقضة الإقرار، وذكر أنه إذا نُظر إلى السياق وإلى تسامح العوامّ في ألفاظهم وإلى كيفية الاشتراك بين المقرّ وإخوته = لم تكن تلك الألفاظ ظاهرةً فيما يناقض الإقرار، بل هي محمولة على ما يوافقه.
ثم شرح ما فيها من الألفاظ والعبارات مع الاستناد إلى نصوص الكتب من الفقه الشافعي.

31 - قضية في سكوت المدعى عليه عن الإقرار والإنكار:
توجد مخطوطتها ضمن المجموع رقم [4696] في صفحتين. والقضية هي أن رجلين ادُّعِي عليهما قتلُ شخص عمدًا وعدوانًا، فأجابا أنهما هجما عليه لقصد ضربه لا قتله، وأخذا يضربانه، فاستلَّ سكّينًا من حزام أحدهما، فأمسكا يده، وتجاذبا السكّين، فوقعتْ به طعنةٌ في جانب ظهره الأيسر. وكلٌّ منهما قال: لا أدري ممن الطعنة، ثم قال أحدهما: أنا القاتل، ثم رُوجع الآخر على أن يُقرّ أو يُنكر، فأصرَّ على قوله: لا أدري ممن؟
تكلم المؤلف على هذه القضية في ضوء ما وجده في كتب الفقه الشافعي، وذكر أن كون لفظ "لا أدري" في فعل نفسه يُعتبر إقرارًا غير ظاهر، لأن مبنى الإقرار على اليقين، ولا نظير لها في باب الإقرار يُقاس عليه، ولكنها قد تؤدّي إلى ما هو في حكم الإقرار، بأن يُصرَّ المدَّعى عليه، فيحكم القاضي بأنه كالمنكر الناكل، ويحلف المدعي اليمين المردودة.
(م 16-17/81)

32 - الفسخ بالإعسار:
توجد النسخة الخطية منها في مكتبة الحرم المكي برقم [4707] في صفحة واحدة بقطع صغير ضمن مجموع.
ذكر فيها المؤلف أن الفسخ بالإعسار ثابت في المذهب الشافعي، وإذا بحثنا عن علته ظهر لنا أن النكاح عقدٌ بمقابلٍ كالبيع، فهو إباحة الانتفاع بالبضع إلى مقابل الصداق والإنفاق. والمذهب أن المشتري إذا أعسر بالثمن أو كان ماله غائبًا بمسافة قصرٍ فللبائع الفسخ. وإذا بحثنا عن علة الفسخ بالإعسار ظهر لنا أنها تعذُّر تسليم العوض. والعلة موجودة فيما إذا غاب غيبةً منقطعةً، أو امتنع ولم يُقدَر على ضبطه.

33 - مسألتان في الضمان والالتزام:
توجد مخطوطتهما ضمن المجموعة السابقة برقم [4707] في أربع صفحات، وفي هوامشها زيادات وإلحاقات.
تكلم فيها الشيخ على قضيتين حكم فيهما القاضي بما هو مخالف للحق والصواب، ونقل من كتب المذهب الشافعي ما يُبيَّن ذلك. وقد حرَّر القضية الأولى في ربيع الثاني سنة 1337.

34 - مسألة الوقف في مرض الموت:
هي في ثلاث صفحات من الأصل ضمن المجموعة السابقة برقم [4707]، وفي الصفحة الأخيرة منها كتابات على الهوامش وفي أولها نقص.
(م 16-17/82)

نقل فيها الشيخ نصوصًا من كتب المذهب الشافعي تُصرِّح بأنه لو وقف في مرض الموت ما يخرج من ثلثه على ورثته بقدر أنصبائهم صحَّ، من غير احتياج إلى الإجازة. ثم ذكر ما يخالف هذا في الظاهر، وتكلم عليه في ضوء كتب المذهب.

35 - الفوضى الدينية وتعدُّد الزوجات:
توجد مخطوطتها في مكتبة الحرم المكي ضمن المسوَّدات والأوراق التي عثرنا عليها أخيرًا، ولم تفهرس حتى الآن. وهي في ثمان صفحات من القطع الطويل، وفي كل صفحة منها 34 سطرًا. وفيها شطب كثير وطمس في بعض المواضع.
ذكر الشيخ في مقدمتها أن حبّ الاشتهار بحرية الفكر جعل الناس يُغفِلون النظر في صواب الفكر وخطئه، وأصبحت حرية الفكر مرادفةً للخروج عما كان عليه الآباء والأجداد، فهل يستحق صاحبها أن يقال له حرَّ الفكر؟ ومن يترك تقليد أسلافه ويُقلِّد بعض الملحدين فهل خرج هذا من الرق إلى الحرية؟ كلّا، بل خرج من رقًّ إلى رقًّ.
ثم تكلم على مسألة تعدد الزوجات، وبيَّن أنها مسألة معلومة من دين الإِسلام بالضرورة، بل ومن الفطرة ومن المصلحة. وردّ على الشبهة التي أثارها بعض المتأخرين استنادًا إلى آيتي سورة النساء (3، 129) أن إحداهما تُلزِم المسلم إذا خاف عدمَ العدل أن يقتصر على واحدة، والأخرى تُفيد أن كلَّ مسلم يعلم أنه لا يستطيع العدل، فأنَّى يتصور أن لا يخاف عدم العدل؟
(م 16-17/83)

ردَّ الشيخ على هذه الشبهة وبيَّن أن ظاهر القرآن لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على الجواز. ثم فسَّر الآيتين تفسيرًا يوضّح المقصود منهما، وذكر أربعة أدلة بالتأمل في آية {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا} تدلُّ أن المراد بالعدل هنا العدل الكامل.
ثم عنون بقوله: "تعدد الزوجات والفطرة" و"تعدد الزوجات والمصالح" ذكر تحتهما أمورًا تدلُّ على أن التعدد مناسب للفطرة وفيه مصالح عديدة. ثم تحدث تحت عنوان "مفاسد تعدد الزوجات" عن ثماني مفاسد يذكرها الناس، ونظر فيها واحدةً واحدةً، وبيَّن أنها أقلّ بمقابل المصالح. بل إن الزوج إن عدلَ عن طلاق زوجته ووقع في الزنا = تحصل به مفاسد أشدُّ من مفاسد التعدُّد. ثم عدَّدها، وقال: إن وراء ذلك مفاسد أخبث وأخبث، من فساد الأخلاق وخراب الدين وغير ذلك.

36 - مسألة في رجل حنفي تزوَّج صغيرة بولاية أمها:
توجد نسختها في مكتبة الحرم المكي ضمن المسوَّدات التي لم تفهرس، وهي صفحتان من القطع الطويل، وقد أصابها البلل فطمسَ بعض الكلمات. وفي آخرها نقص.
كتبها الشيخ ردًّا على سؤال السيد محمَّد مخدوم الحسيني مفتي المدرسة النظامية بحيدرآباد، ذكر فيها المذهب الشافعي في هذه المسألة نقلًا عن كتاب "الأم" وغيره، وبيَّن الخلاف بينه وبين المذهب الحنفي.
(م 16-17/84)

37 - مسألة في صبيَّين مسلمين أخذهما رئيس الكنيسة فنشآ على دينه وبلغا عليه وتزوجا ثم أسلما:
عثرنا عليها ضمن المسودات والأوراق غير المفهرسة في مكتبة الحرم المكي. وقد كتب الشيخ جواب هذه المسألة مرتين، والأولى كأنها مسوّدة، فقد شطب على كثير منها، وهي ناقصة. والثانية كاملة تحتوي على تفصيل أكثر، مع ذكر النصوص من كتب الفقه، وهي التي أثبتنا نصَّها هنا. وفيها تداخل وشطب وضرب على بعض الكلمات والفقرات.
ذكر الشيخ أن لهذين الصبيين خمس حالات:
1 - حالة صغرهما قبل دخول الكنيسة.
2 - حالة دخولها والتلبس بالنصرانية.
3 - حالة بلوغهما على ذلك.
4 - حالة عقد الزواج بينهما.
5 - حالة عودهما إلى الإِسلام.
ثم تكلم عن كل حالة بتفصيل، وذكر نصوص كتب الفقه الشافعي، واستنبط منها ما يبيِّن حكم ذينك الصبيين اللذين بلغا وتزوجا على النصرانية ثم أسلما.
(م 16-17/85)

38 - بحث في قصة بني هشام بن المغيرة واستئذانهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزوِّجوا عليًّا رضي الله عنه:
توجد مخطوطته ضمن المسوَّدات والأوراق التي اكتشفناها أخيرًا في مكتبة الحرم المكي. ولم نجد منه إلا ورقةً واحدة بقطع طويلٍ وفيها زيادات وإلحاقات في الهوامش، وبحثنا عن البقية فلم نعثر عليها. وقد كان الشيخ أراد أن يتناول عدة مباحث متعلقة بالحديث المذكور، كما أشار إليها في ركن الصفحة في آخرها بقوله: (الأول: الطعن في المسور وابن الزبير، الثاني: صغر سنّهما، الثالث: التفرد، الرابع: استبعاد ذلك لما عُرِف من فضل علي وإجلاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإكرامه لفاطمة، وبُغضه لأبي جهل وحزبه).
والموجود منه يحتوي على تخريج الحديث الوارد في الباب، والكلام على المبحث الثاني فقط. وفيه تحقيق تاريخ ولادة راوي الحديث المسور بن مخرمة، فإن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خِطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين أو سبع. ردَّ عليه الشيخ برواية الصحيحين في هذه القصة أن المسور قال: "فسمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذٍ محتلم". وتخريج الشيخين والإمام أحمد في "المسند" بدون إنكار لهذا اللفظ يدلُّ دلالةً ظاهرة على أن ما حكاه المؤرخون لا يُعرَف له أساس ثابت.
***
(م 16-17/86)

منهج التحقيق
سُلَّمت إليَّ أغلبُ هذه الرسائل الفقهية بعد نسخها من أصولها الخطية المحفوظة في مكتبة الحرم المكي، وقد قابلتُها على الأصول مقابلةً دقيقة، واضطررتُ إلى مراجعة أصولِ كثيرٍ منها، إما لرداءة التصوير، أو لاضطراب الأوراق، أو لمعرفة السياق الصحيح للتخريجات والزيادات بقلم المؤلف. وقد قام بنسخ كثيرٍ منها من الأصول أو المصورات مجموعة من الأفاضل تُراجَع أسماؤهم في مقدمة المشروع، وقمتُ بنسخ وقراءة ما لم يُنسَخْ منها. وكان أصعب هذه الرسائل "رسالة في المواريث" التي كثرت فيها الزيادات والإلحاقات من المؤلف، والتخريجات التي تبدأ من صفحة وتستمر إلى الصفحة التي قبلها أو بعدها في الهوامش، ثم الكتابة الدقيقة بين الأسطر في مواضع كثيرة منها، وأحيانًا تكون مقلوبة الصفحة.
وبعد الانتهاء من النسخ والمقابلة قمتُ بضبط النصّ، ووضعه في فقرات متناسبة، وتخريج الأحاديث والأقوال والأشعار والنصوص من المصادر التي ذكرها المؤلف، ومن غيرها، وعلّقتُ تعليقات مختصرة للتنبيه على خطأ أو خلل في العبارة، أو فائدة تتعلق بالموضوع، واستدركتُ بعض الكلمات ووضعتُها بين المعكوفتين في النص للدلالة على أنها ليست من الأصل، وينبغي إضافتها ليستقيم السياق، ومثل هذه الزيادات قليلة، وكثير منها مأخوذ من المصادر التي ينقل منها المؤلف. وإذا كان هناك خرمٌ في الأصل أو بياض فإني أضع مكانه معكوفتين أو نقطًا، وأشير إلى ذلك في الهامش في بعض الأحيان، وقد لا أشير إذا كثر ذلك وتتابع.
(م 16-17/87)

وقد أشار المؤلف إلى بعض المصادر بذكر الجزء والصفحة، فأبقيتها كما هي في النصّ، وأحلتُ إلى الطبعات المحققة المتداولة في الهامش، وإذا كانت الطبعة التي يذكرها المؤلف هي المعروفة فاكتفيتُ بالإحالة إليها في النصّ، ولم أكرَّرها في الهامش.
ورسائل هذه المجموعة كانت متفرقة، كتبت في فترات مختلفة، ويصعب ترتيبها تاريخيًا، فرتبتها حسب الأبواب الفقهية، فقدَّمتُ منها ما كانت متعلقة بالعبادات، وأتبعتُها بما كانت في المعاملات.
ثم صنعتُ لها فهارس لفظية وعلمية تكشف عمّا فيها من أبحاث وتحقيقات نادرة، وفوائد واستدراكات مهمة، تدلُّ على تفوق العلامة المعلمي على كثير من أهل عصره في علوم الحديث والفقه والرجال.
وفي الختام أدعو الله أن يوفقنا جميعًا لخدمة ديننا ولغتنا، وإخراج دفائن الكنوز من تراثنا، إنه سميع مجيب.
محمَّد عزير شمس
(م 16-17/88)

نماذج من النُّسخ الخطية
(م 16-17/89)

القبلة وقضاء الحاجة
(م 16-17/91)

فرضية الجمعة وسبب تسميتها
(م 16-17/92)

سنة الجمعة القبلية
(م 16-17/93)

حقيقة الوتر ومسماه في الشرع
(م 16-17/94)

حقيقة الوتر ومسماه في الشرع
(م 16-17/95)

مقام إبراهيم
(م 16-17/96)

توسعة المسعى
(م 16-17/97)

رسالة في سير النبي صلَّى الله عليه وسلم في حجه بين المشاعر
(م 16-17/98)

فلسفة الأعياد في الإِسلام
(م 16-17/99)

الحكم المشروع في الطلاق المجموع
(م 16-17/100)

توكيل الولي غير المجبر
(م 16-17/101)

الإِسلام والتسعير ونحوه
(م 16-17/102)

أسئلة وأجوبة في المعاملات
(م 16-17/103)

جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا
(م 16-17/104)

رسالة في المواريث
(م 16-17/105)

رسالة في المواريث
(م 16-17/106)