Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 011

آثار الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(11)
التنكيل
بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
محمد عزير شمس ومحمد أجمل الإصلاحي
المجلد الثاني
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(11/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(11/2)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(11/3)

البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية
وهو القسم الثالث من كتاب
"التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"
(11/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي من يُرِدْ به خيرًا يفقِّهْه في الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فهذه بضع عشرة مسألةً وردت فيها أحاديثُ ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" إنكارَ بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردَّها، فتعرض لها الأستاذ محمَّد زاهد الكوثري في كتابه "تأنيب الخطيب"، فتعقَّبه في ذلك كما تعقَّبه في غيره. وسأذكر في كل مسألة كلامه، وما له، وما عليه. وأسأل الله تعالى التوفيق.
***
(11/5)

المسألة الأولى إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لم ينجَسْ
في "تاريخ بغداد" (13/ 389 [405]) من طريق "الفضل بن موسى السِّيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: مِن أصحابي مَنْ يبول قلَّتين. يردُّ على النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجَسْ".
قال الأستاذ (ص 83): "وحديث القلَّتين (1) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين، (2) لأن في ذلك اضطرابًا عظيمًا، (3) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون، (4) ولم ينفع تصحيحُ من صحَّحه في الأخذ به، لعدم تعيّن المراد بالقلتين؛ (5) حتى إن ابن دقيق العيد يعترف في شرح "عمدة الأحكام" بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في "الصحيح". (6) فدَعُونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطِس في المستنقعات".
أقول: في هذه العبارة ستة أمور، كما أشرت إليه بالأرقام.
فأما الأمر الأول: فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصره مذهبان:
الأول: أن الماء سواء أكان قليلاً أم كثيرًا لا ينجَس إلا أن تخالطه النجاسة فتُغيِّر لونَه أو ريحَه أو طعمَه. وإليه ذهب مالك، وكذلك أحمد في روايةٍ، وهو أيسر المذاهب علمًا وعملًا. وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث أن الماء طَهورٌ لا يُنجَّسه شيء (1). وجاء في رواياتٍ
__________
(1) أخرجه أبو داود (66) والترمذي (66) والنسائي (1/ 174) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسَّنه الترمذي. قال الحافظ في "التلخيص" (1/ 13): صححه أحمد =
(11/6)

استثناءُ ما غيَّرت النجاسة أحدَ أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الإسناد (1)، لكن حكوا الإجماع على ذلك (2).
المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه. فأما القليل، فينجَس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تُغيَّر أحدَ أوصافه. والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي [2/ 6] لا يدركها الطرف، والتي تعمُّ بها البلوى، وميتة ما لا دم له سائل؛ وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلَّتين فهو كثير، وما دون ذلك فهو قليل. جاء في هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثُ القلَّتين (3)، وروي من قول عبد الله بن
__________
= ويحيى بن معين وابن حزم. وأخرجه أبو داود (68) والترمذي (65) وابن ماجه (370) من حديث ابن عباس، وصححه ابن خزيمة (91) وابن حبان (1241، 1242) والحاكم في "المستدرك" (1/ 159).
(1) أخرجه ابن ماجه (521) والدارقطني (1/ 28) والبيهقي (1/ 259) من حديث أبي أمامة الباهلي، وفي إسناده رشدين بن سعد وهو متروك.
وأخرجه الدارقطني (1/ 28) من طريق راشد بن سعد عن ثوبان مرفوعًا. وفي إسناده أيضًا رشدين. ورواه الدارقطني (1/ 28) من طريق الأحوص عن راشد بن سعد مرسلاً. قال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه.
وانظر "علل" الدارقطني (12/ 434 - 436) و"التلخيص الحبير" (1/ 26).
(2) قال الشافعي في "اختلاف الحديث" من "الأم" (10/ 87، 88): وما قلتُ من أنه إذا تغيَّر طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهٍ لا يُثبت مثلَه أهلُ الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا. وانظر "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (2/ 82).
(3) سيأتي كلام المؤلف عليه.
(11/7)

عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، ومن قول مجاهد (1) وغيره من التابعين، وأخذ به نصًّا عبيدُ الله بن عبد الله بن عمر وبعضُ فقهاء مكة. والظاهر أنَّ كلَّ مَن روى الحديث من الصحابة فمَنْ بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافه. ولم يصحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال:
أولها: عن ابن عباس، ذكر ذَنوبَين (2)، وفي سنده ضعف. ولو صحَّ لما تحتَّمت مخالفته للقلتين، فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة، فلعله حمل القلَّتين على الإطلاق، فرأى أنه يصدُق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كلٌّ منهما ذَنوبًا فقط.
ثانيها: عن سعيد بن جبير، ذكر ثلاثَ قِلال (3)، وسعيد كان بالعراق، فكأنه رأى قلال العراق صغيرةً، كما أشار الشافعي إلى ذلك في القِرَب، فحزَرَ سعيد أنَّ ثلاثًا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يُحْمَلُ عليهما الحديث.
ثالثها: عن مسروق قال: "إذا بلغ الماءُ كذا لم ينجَّسه شيء". ونحوه عن ابن سيرين، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (4). وهؤلاء عراقيون، فإما أن
__________
(1) انظر لهذه الآثار "مصنف" ابن أبي شيبة (1/ 144) و"سنن" الدارقطني (1/ 24، 25).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 144).
(3) أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (1/ 144).
(4) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة (1/ 144). وفيها جميعًا: "كُرًّا" بدل "كذا". والكُرُّ كَيْل يُقدَّر باثني عشر وَسَقًا، والوسق ستون صاعًا.
(11/8)

يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق، فأجملوا. وإما أن يكون كلٌّ منهم أشار إلى ماء معيَّن، فأراد بقوله: "كذا" أي بمقدار هذا الماء المشار إليه. وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولَأَنْ يُحْمَل ذلك على التقدير المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى من أن يُحمَل على تقديرٍ لا يُعلَم له مستند من الشرع.
رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ذكر أربعين قلة (1). ورُوِيَ مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة (2). وقيل عنه: أربعين غَرْبًا (3). وقيل: أربعين دلوًا (4). وهذا القول يحتمل معنيين: الأول المعنى المعروف لحديث القلتين. المعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجَس البتة، لا (5) بمخالطةِ نجاسةٍ لا تُغَيِّر أحد أوصافه لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطةِ نجاسةٍ تغيَّر أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة؛ إذ لا يُعرف في ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو [2/ 7] أزيد تقع فيه نجاسةٌ تغيِّره.
والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه، فيقال: إلا أن يتغير؛ ومن مفهومه فيقال: إلا بعضَ النجاسات كميتة ما لا دم له سائل. ومع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع، بل المنقول عن الشرع خلافه،
__________
(1) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (160) وابن أبي شيبة (1/ 144) والدارقطني (1/ 27).
(2) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (161) والدارقطني (1/ 27).
(3) أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (مسند ابن عباس) رقم (1091).
(4) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (162) والطبري برقم (1092).
(5) في المطبوع: "إلا". والمثبت يقتضيه السياق.
(11/9)

وأيضًا فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء.
فإما أن يترجح المعنى الثاني، وتكون فائدة ذاك القول أن مَن ورد ماءً فوجده متغيرًا، فإن كان من الكثرة بحيث لا يُعرف في العادة أن تقع فيه نجاسة تُغَيِّره، فله استعماله بدون بحث. وإن كان دون ذلك فعليه أن يَتروَّى ويبحث. وإما أن يُحمَل على المعنى الأول، ويُطرَح مفهومه، ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدار وقعت فيه نجاسة ولم تغيِّره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقييد.
هذا, ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء وغيرهم حرفًا واحدًا فيه التفاتٌ إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره. وكأنَّ الأستاذ شعر بهذا، فحاول عبثًا أن يُشرك مع مذهبه في ذلك مذهبَ القلتين، إذ قال: "لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين". وقد عَلِمتَ أنَّ القول بالقلَّتين مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم.
فأما الحنفية، فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير، لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه، وعندهم في ذلك روايات:
الأولى: أن الماء الراكد الذي تقع فيه نجاسة لا تُغَيِّر أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاجُ خلوصَ النجاسة من أحد طرفيه إلى الآخر= تنجَّس (1)، وإلا فلا.
__________
(1) في الأصل: "بنجس"، ولعل الصواب ما أثبتُّه كما سيأتي في السطر التالي. ويمكن أن يكون "ينْجَسُ".
(11/10)

الثانية: أنه إذا كانت بحيث إذا حُرِّك أدناه اضطرب أقصاه تنجَّس، وإلَّا فلا.
ولهم في الترجيح والتفريع اختلافٌ واضطرابٌ شديدٌ جدًّا، كما تراه في كتبهم المطولة (1). واستبعد بعضهم عدمَ اعتبار العمق، فاشترطوا عمقًا واختلفوا في قدره. فقيل: أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف. وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شِبْر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان!
واختلفوا على الرواية الثانية في الحركة، فقيل: حركة المغتسل، وقيل: المتوضئ، وقيل: [2/ 8] اليد. ولم يعتبروا وقوع الحركة، وإنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة. وسواءٌ في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكنًا أم تحرَّك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يستعمل من موضع النجاسة وإن لم يكن قد تحرَّك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوي القدر المشروط كفى، وإن كان دقيقًا كأن يكون طولُه مائة ذراع، وعرضُه ذراعًا! وقال محققهم ابن الهمام (2) في ترجيح الرواية الأولى: "هو الأليق بأصل أبي حنيفة، أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرِدْ فيه تقدير شرعي".
أقول: والرواية الأولى فيها تحكُّم. والبول مثلًا إذا وقع في الماء ثم حُرِّك الماء خلصتْ ذرَّات البول إلى جميع الماء، كما تشاهده إذا صببتَ قارورة مداد في حوض، فقد يظهر لون المداد في الماء واضحًا، وقد يظهر
__________
(1) انظر "فتح القدير" (1/ 77 وما بعدها)، و"حاشية ابن عابدين" (1/ 191 وما بعدها).
(2) في "فتح القدير" (1/ 77).
(11/11)

بتأمل، وقد لا يظهر. وذلك بحسب اختلاف قدر الماء، وقدر المداد، وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقَّق، وإنما لا يظهر اللون لتفرُّق الذرات. وظنونُ الناس لا ترجع غالبًا إلى دلالة، وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزِّز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنسانًا واحدًا بال فيه. وآخر لا ينفر، ولكن لو رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر. وثالث لا ينفر، ولو رأى عشرةً بالوا فيه! وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم لم يكد يتحصل منها إلا أنَّ قائلها وَكَل الناس إلى طباعهم، وفي عدِّ هذا قولًا ومذهبًا نظر.
وقد حكى الحنفية أن محمَّد بن الحسن كان يقول بعشرٍ في عشر، ثم رجع وقال: "لا أوقِّت شيئًا" (1). وعقد الشافعي لهذه المسألة بابًا طويلًا تراه في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج 7 ص 105 - 125) (2)، وذكر أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمَّد بن الحسن، وفي المناظرة (3): "قال: قد سمعتُ قولك في الماء، فلو قلتَ: لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفتَ أن الماء يزيل الأنجاس، كان قولًا لا يستطيع أحدٌ ردَّه ... قلت: ولا يجوز إلا أن لا ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير ... أو ينجس كلُّه بكلِّ ما خالطه. قال: ما يستقيم في القياس إلاَّ هذا, ولكن لا قياسَ مع خلافِ خبرٍ لازم. قلتُ: فقد خالفتَ الخبرَ اللازم، ولم تقل معقولًا, ولم تقِسْ". وقال في موضع آخر (4): "فقال: لقد سمعتُ أبا يوسف يقول: قول
__________
(1) انظر "حاشية ابن عابدين" (1/ 191).
(2) (10/ 82 - 95) ط. دار الوفاء.
(3) المصدر السابق (10/ 89، 90).
(4) المصدر السابق (10/ 93).
(11/12)

الحجازيين [2/ 9] في الماء أحسنُ من قولنا، وقولنا فيه خطأ". وقال في موضع آخر (1): "فقال: ما أحْسَنَ قولَكم في الماء! ".
أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين، وسقط ما يخالفهما.
وأما الأمر الثاني، وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث، فالاضطراب الضارُّ أن يكون الحديث حجةً على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتدُّ بحيث يدل أن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يَضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك، كما يُعلم من مراجعة "سنن الدارقطني"، و"المستدرك"، و"سنن البيهقي" (2).
وأما الأمر الثالث، وهو قول الأستاذ: "ولم يقُلْ بتصحيحه إلا المتساهلون"، ففيه مجازفة. فقد صحَّحه الشافعي (3)، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (4)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (5). وحكى الشافعي عن مناظره من الحنفية - ويظهر أنه محمَّد بن الحسن - أنه اعترف بثبوته، كما
__________
(1) المصدر السابق (10/ 93).
(2) انظر "سنن" الدارقطني (1/ 17، 18) و"المستدرك" (1/ 133) والبيهقي (1/ 260 - 262). وراجع "التلخيص الحبير" (1/ 29 وما بعدها) وتعليق أحمد شاكر على الترمذي (1/ 97 - 99).
(3) في "اختلاف الحديث" من كتاب "الأم" (10/ 89).
(4) نقل الترمذي (67) أقوال هؤلاء العلماء الذين أخذوا بهذا الحديث، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده، كما ذكر ذلك أحمد شاكر في شرح الترمذي (1/ 98).
(5) انظر كتاب "الطهور" له (ص 133).
(11/13)

في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج 7 ص 115) (1) ولفظه: "فقلتُ: أليس تثبت الأحاديث التي وصفتُ؟ فقال: أما حديث الوليد بن كثير [وهو حديث القلتين]، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان = فتثبت بإسنادها. وحديث بئر بضاعة، فيثبت بشهرته وأنه معروف". واعترف الطحاوي (2) بصحته، كما يأتي. وصححه ابن خزيمة (3)، وابن حبان (4)، والحاكم (5)، وغيرهم. قال الحاكم في "المستدرك" (ج 1 ص 132): "حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا جميعًا بجميع رواته ولم يخرجاه. وأظنهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلافٍ فيه ... " ثم ذكر الخلاف، وأثبت أنَّ ما هو متابعة تزيد الحديث قوة.
وأما الأمر الرابع، وهو قول الأستاذ: "ولم ينفَعْ تصحيحُ مَن صحَّحه لعدم تعيُّن المراد بالقلتين". ففي "فتح الباري" (6): "واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك [يعني بصحة الحديث]، لكنه اعتذر عن القول به بأن القُلَّة في العُرف تُطلَق على الكبيرة والصغيرة كالجَرَّة, ولم يثبت في الحديث تقديرُهما، فيكون مجملاً، فلا يُعمل به. وقوَّاه ابن دقيق العيد ... ".
__________
(1) (10/ 89) ط. دار الوفاء.
(2) رواه في "شرح معاني الآثار" (1/ 15) و"شرح مشكل الآثار" (2644) بإسناد صحيح، وبنى عليه الكلام.
(3) في "صحيحه" (92).
(4) في "صحيحه" (1249).
(5) في "المستدرك" (1/ 132، 133).
(6) (1/ 348).
(11/14)

[2/ 10] أقول: قال الله عزَّ وجلَّ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. ومن المساكين الصغير والكبير، والطويل الجسيم والقصير القضيف (1)، ومن المماليك الصغير والكبير. وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة، إذ يَصدُقان بتمرة تمرة وقَلَنْسُوَة قلنسوة. وأمثال هذا في النصوص كثير. وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك: إنه مجمل. بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط, ومنهم من يختار الأكمل.
فيمكن الأخذ بمقتضى الإطلاق في القلتين، فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين من أصغر ما يكون من القلال. ولا يَخْدِش في ذلك أنه قد يكون مقدار قُلَّةٍ كبيرة أو نصفها مثلاً، كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفي ما يُسمَّى كسوة مساكين.
ويمكن الأخذ بالأحْوَط كما فعل الشافعي وغيره. ولا ريب أنَّ ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجَس، وأن ما لم يبلغ قلَّتين من أصغر القلال المعهودة حينئذ داخلٌ في حكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس. فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين، وإنما يبقى الشك في ما بينهما، فيؤخذ فيه بالاحتياط.
__________
(1) أي النحيف.
(11/15)

وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (1): "قد اختُلِف في تفسير القُلَّتين اختلافًا شديدًا كما ترى، ففُسِّرتا بخمس قِرَب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلاً، وباثنين وثلاثين رطلاً، وبالجرَّتين مطلقًا، وبالجرّتين بقيد الكبر، وبالخابيتين، والخابية: الحُبُّ. فظهر بهذا جهالة مقدار القُلّتين، فتعذَّر العملُ بها".
أقول: أما الاختلاف في تفسير القُلة بمقتضى اللغة، فمَنْ تأمَّلَ كلامَ أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدِّثين السابقين ظهر له أن القُلّة هي الجَرَّة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين:
الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث (2) في ذكر سدرة المنتهى: "فإذا نَبِقُها مثلُ [2/ 11] قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفِيَلة". وقِلال هَجَر مشهورة بالكبر، وتفخيمُ شأن السدرة يقتضي الكبر.
الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين. وفي "سنن البيهقي" (ج 1 ص 264) عن مجاهد تفسيرُ القلَّتين بالجرَّتين. ونحوه عن وكيع، ويحيى بن آدم. وعن ابن إسحاق: "هذه الجِرار التي يُستقى فيها الماء والدواريق". وعن هشيم: "الجرَّتَين الكبار". وعن عاصم بن المنذر: "الخوابي العظام".
__________
(1) (1/ 265) بهامش "السنن الكبرى".
(2) أخرجه البخاري (3887) عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج. وانظر "أعلام الحديث" للخطابي (3/ 1680) و"معالم السنن" (1/ 57) و"النهاية" لابن الأثير (4/ 104).
(11/16)

وأكثرُ الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط، فاشترطوا الكبر. والخابية هي الحُبُّ، والحُبُّ هو الجرة أو الجرة الكبيرة. وعلى كل حال فما بلغ جرَّتين من أكبر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا، وما لم يبلغ جرتين من أصغر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم مفهومه حتمًا كما سلف.
وأما الاختلاف في مقدار ما تسع، فأكثرُ الأوجه التي ذكرها ابن التركماني جاءت في خبرٍ (1) رواه ابن جريج عن محمَّد بن يحيى، عن يحيى بن عُقَيل، عن يحيى بن يعمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا". رواه أبو قرة (2) عن ابن جريج وقال فيه: "قال محمَّد: فرأيت قِلالَ هَجَر، فأظنُّ كلَّ قُلَّة تأخذ قِرْبتَين".
ورواه الدارقطني (3)، عن أبي بكر النيسابوري، عن أبي حميد المِصِّيصي، عن حجاج، عن ابن جريج؛ وقال فيه: "قال: فأظن أن كلَّ قُلَّةٍ تأخذ الفَرَقَيْن".
ورواه البيهقي (4) عن أبي حامد أحمد بن علي الرازي، عن زاهر بن أحمد (5)، عن أبي بكر النيسابوري بإسناده مثله، وزاد: "والفَرَق ستة عشر
__________
(1) أخرجه البيهقي (1/ 263).
(2) أخرجه البيهقي (1/ 264) من طريقه.
(3) (1/ 24).
(4) (1/ 263).
(5) في الأصل: "طاهر" وهو خطأ. والتصويب من البيهقي. وهو أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي المترجم في "سير أعلام النبلاء" (16/ 476).
(11/17)

رطلًا".
ورواه الشافعي (1): "ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسنادٍ لا يحضرني ذكرُه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل خبثًا". وقال في الحديث: بقلال هَجَر. قال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هَجر، فالقُلَّة تَسَعُ قِربَتين أو قِربتين وشيئًا". قال الشافعي (2): "كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القِربة أو نصفُ القِربة، فيقول: خمسُ قِرَب هو أكثر ما يَسَعُ قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قِرَب". قال الشافعي (3): "فالاحتياط أن تكون القُلَّة قِربتين ونصف ... وقِرَبُ الحجاز كِبار ... ".
ومسلم بن خالد وإن ضعَّفه الأكثرون [2/ 12] ونسبوه إلى كثرة الغلط، فقد وثَّقه ابنُ معين وغيره، وقالوا: كان فقيه أهل مكة، وكانت له حلقة في حياة ابن جريج. وهذا الخبر مما يحتاج إليه الفقيه، فلا يُظَنُّ به الغلط فيه (4). وقد تابعه في الجملة أبو قُرَّة وهو ثقة. فلفظ "القِربتين" ثابت عن ابن
__________
(1) في كتاب "الأم" (2/ 10، 11) و"اختلاف الحديث" (10/ 85).
(2) "الأم" (2/ 23).
(3) "الأم": (2/ 11).
(4) قلت: هذا غير مُسلّم، فإن لازمه قبول أحاديث الأحكام والزيادات التي تفرد بها بعض الفقهاء المتكلم فيهم أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرهما؛ وهو مما لا يقوله المؤلف ولا غيره من أهل العلم، ثم لو سلمنا بذلك هنا فإسناد الزيادة من فوق مسلم بن خالد ضعيف لجهالة مَن فوق ابن جريج، فإن حمل على رواية أبي قرة عنه، فهي ضعيفة أيضًا لأن يحيى بن يعمر تابعي، ومحمد بن يحيى مجهول. وأما متابعة أبي قرة له في الجملة، فلا تفيد هنا لأن البحث خاص بزيادة "بِقلال هجر" =
(11/18)

جريج.
فأما لفظ "الفَرَقيْن"، فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قِلال هَجَر معروفة بالكِبَر بحيث يضرب بها المثل كما مرَّ. وقد قال الأزهري (1) بعد أَنْ عاش في هَجَر ونواحيها سنين: "قِلال هَجَر والأحساء ونواحيها معروفة، تأخذ القُلَّةُ منها مزادةً كبيرةً من الماء، وتملأ الراوية قُلتين". والقِربة تكون من جلد واحد، والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة، والراوية هي البعير الذي يحمل
__________
= وهي مما لم يتابعه عليها أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله: "وقال في الحديث: بقلال هجر" ليس صريحًا في الرفع، فكيف وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ: "قال ابن جريج زعموا أنها قلال هجر". فهذا صريح في الوقف. فسقط الاستدلال بها جملة.
ثم كيف يمكن أن تكون هذه الزيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طُرق الحديث المحفوظة التي بها ثبت أصل حديث القُلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد الحديثية تعطي أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعَّفه الأكثرون، ومن شاء الاستزادة من التحقيق فعليه ب "الإرواء" (1/ 60).
والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب إثباته, وعليه اعتراضات كثيرة لا قِبل لهم بردها, ولقد جهد المؤلف رحمه الله لتقرير الاستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقه ومفهومه، ولم يتعرض للإجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى تحقيق ابن القيم في "تهذيب السنين" (1/ 56 - 74).
والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى, لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة الشريعة ويُسرها. [ن].
(1) انظر "تهذيب اللغة" (8/ 288).
(11/19)

مزادتي الماء. فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يُستقَى فيهما على البعير تملآن قلتين، فكيف يعقل أن يكون [2/ 13] ما تسعُه القُلتان من قِلال هَجَر من الماء أربعة وستين رطلًا فقط؟ فإما أن يكون لفظ "الفَرقين" تصحيفًا من بعض الرواة، والصواب "القِرْبتين". وإما أن يكون "الفَرْقين" بسكون الراء، والفَرْق بسكون الراء مائة وعشرون رطلًا. وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر: "والفرق ستة عشر رطلاً" تقديرٌ من بعض الرواة ظنَّ الفرقين بفتح الراء. وزاهر فيه كلام (1).
وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القُلَّتين معًا باثنين وثلاثين رطلًا، فإنما أخذه من قوله (2): "وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي (3) من جهة المغيرة بن سِقْلاب، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان الماء قُلتين من قِلال هَجَر لم يُنجِّسه شيء"، وذكر أنهما فرقان" (4). قال ابن التركماني: "وهذا يقتضي أن تكون القلتان اثنين وثلاثين رطلًا. والمغيرة هذا ضعَّفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم (5) عن أبيه أنه صالح. وعن أبي زرعة: جَزَري لا
__________
(1) هذا إذا كان زاهر بن طاهر [الشحّامي المتوفى سنة 533]، كما أثبته المؤلف. وقد نبَّهنا أنه أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي المتوفى سنة 389، ولم نجد أحدًا تكلم فيه.
(2) "الجوهر النقي" (1/ 264).
(3) "الكامل" (6/ 359).
(4) كذا ذكره ابن التركماني. والذي عند ابن عدي: "وذكر أنهما من قِلال هَجَر"، وليس فيه ذكر "الفرق".
(5) "الجرح والتعديل" (8/ 224).
(11/20)

بأس به".
أقول: الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا لا يزيده ثناءُ بعض الغرباء عليه إلا وهنًا, لأن ذلك يُشعِر بأنه كان يتعمد التخليط، فتزيَّن لبعض الغرباء، واستقبله بأحاديث مستقيمة، فظن أن ذلك شأنه مطلقًا، فأثنى عليه. وعرف أهل بلده حقيقة حاله. وهذه حال المغيرة هذا، فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة. فقال أبو جعفر النفيلى: لم يكن مؤتمنًا. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يَسْوَى بَعْرةً. وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما، فسمعا منه، فتزيَّن لهما - كما تقدَّم - فأحسنا به الظنَّ. وقد ضعَّفه ممن جاء بعد ذلك: الدارقطني وابن عدي, لأنهما اعتبرا أحاديثه. وحسبك دليلًا على تخليطه هذا الحديث، فإن الناس رَووه عن ابن إسحاق، عن ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ولا ذِكر فيه لقِلال هَجَر، ولا للتقدير؛ فخلَّط فيه المغيرة ما شاء.
هذا، والذي في "الميزان" (1) في ترجمة المغيرة هذا: " ... عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: إذا كان الماء قُلتين لم ينجِّسه شيء، والقُلة أربعة آصُع" ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلاً، لا القُلتان معًا. والصاع عند العراقيين ثمانية أرطال، وقد [2/ 14] يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفَرْقين، فظنَّه بفتح الراء كما تقدم. وهو تالف على كل حال.
هذا، والفَرْقان بسكون الراء قريبٌ من قِربتين وشيء من قِرَب الحجاز،
__________
(1) (4/ 163)، وكذا في "الكامل" لابن عدي (6/ 359).
(11/21)

فإنها كِبار كما ذكره الشافعي، فالفرقان مائتان وأربعون رطلًا. ومرَّ عن الشافعي وشيخِه مسلم بن خالد صاحبِ ابن جريج جعلُ الشيء نصفًا، وحرَّر بعض أصحاب الشافعي القِرْبة بمائة رطل، فتكون القلة مائتين وخمسين رطلًا. فتقاربت روايتا الفَرْقين، والقِرْبتين وشيء.
فأما ما روي عن الإِمام أحمد أن القُلتين أربع قِرَب (1) فكأنه رجَّح رواية أبي قُرَّة عن ابن جريج، ورأى أن القُلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قِلالَ هَجَرٍ أكبر من قلال المدينة، فرأى أن الزيادة على أربع قِرَب غلوٌّ في الاحتياط لا حاجة إليه.
وأما قول إسحاق بن راهويه إن القُلتين ستُّ قِرَب، فكأنه أخذه من قول الشافعي: "خمس قِرَب" مع قوله: إن قِرَبَ الحجاز كبار، فاحتاط إسحاق، فجعلها ستَّ قِرَب بقِرَب العراق.
وعلى كل حال، فذاك المقدار - أعني خمسَ قِرَب من قِرَب الحجاز - داخل هو وما زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتمًا، أعني أنه لا ينجَس، لأنه يشتمل على قُلتين أو قلتين وزيادة، على جميع التفاسير؛ فدلالةُ الحديث على أنه لا ينجس حتمية. وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلَّتين في تفسير من التفاسير ينجَس= واضحة. فبطلت دعوى تعذُّر العمل بالحديث، وتحتَّم على مَن يعترف بصحته أن يعمل به فيما ذكر.
وأما الأمر الخامس، وهو الاحتجاج بحديث الماء الدائم، فإنه صح في
__________
(1) كما في "المغني" لابن قدامة (1/ 37).
(11/22)

ذلك حديثان:
الأول في النهي عن البول فيه. ففي "صحيح مسلم" (1) من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى أن يُبال في الماء الراكد، ومن حديث أبي هريرة (2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وفي رواية (3): "لا تَبُلْ في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل فيه". وحديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (4)، وفيه: "ثم يغتسل فيه".
فقد يقال من جانب الحنفية: ها هنا ثلاث قضايا:
الأولى: فرَّق الحديثُ بين الراكد وغيره، وهو قولنا.
[2/ 15] الثانية: دلَّ على أنَّ البول في الماء الراكد ينجِّسه، ولم يشترط التغيير، فهو حجة لنا على من يشترطه.
الثالثة: قال في رواية البخاري: "ثم يغتسل فيه". وهو ظاهر في شمول الحكم للماء الذي يُمكِن الإنسانَ أن يغتسل فيه، ولا بد أن يكون أكثر من قلتين؛ فهو حجة لنا على مَن يقول بالقُلتين.
أقول: أما القضية الأولى، فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بها، فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياسًا،
__________
(1) رقم (281).
(2) رقم (282).
(3) لمسلم رقم (282/ 96).
(4) رقم (239).
(11/23)

أو يقيموا على مخالفته له دليلًا آخر. أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة، ولكننا نقول: ليس وجه المخالفة ما توهَّمه الحنفية أو بعضُهم حتى قال بعضُهم (1): "إناءان ماءُ أحدِهما طاهر، والآخر نجس, فصُبَّا من مكان عالٍ، فاختلطا في الهواء، ثم نزلا = طهُرَ كلُّه! ولو أُجريَ ماءُ الإناءين في الأرض صار بمنزلة ماء جار"! وقال بعضهم (2): "لو حفر نهرًا من حوض صغير، أو صبَّ رفيقُه الماءَ في ميزاب وتوضأ فيه، وعند طرفه الآخر إناءٌ يجتمع فيه الماءُ = جاز توضُّؤُه به ثانيًا وثم وثم"! وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة الماء المستعمل.
وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرَّةٍ يصبُّ الماءَ منها في ميزاب، وقعد آخر على وسط الميزاب يبول فيه ويسيل بوله مع الماء، وعلى طرف الميزاب إناء يجتمع فيه ذاك الماء = كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك الإناء طاهرًا مطهرًا، مع أنه لو وُضع في الجرة ابتداءً شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها نجسًا!
ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يُعقَل له وجه. وإنما الماء البخاري الخارج بمفهوم المخالفة في الحديث هو - بمقتضى التبادر والنظر - ما كان جاريًا بطبعه كالأنهار والعيون، مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد، فإن الراكد يختلط به البول ويبقى بحاله؛ فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلًا بماءٍ مخالطُه البول من أول اغتساله إلى آخره. وأما البخاري كماء النهر، فإن الدفعة التي وقع فيها البول تذهب فورًا ولا تعود، فلا يمكن
__________
(1) كما في "حاشية ابن عابدين" (1/ 187، 326).
(2) كما في "حاشية ابن عابدين" (1/ 188).
(11/24)

البائلَ أن يعود فيغتسل فيها. وإنما يمكنه أن يعود فيغتسل في تلك البقعة، ولا ضَير؛ فإنَّ الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم يخالطه بوله. ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق، فلا تكاد تمرُّ الدفعة التي وقع فيها البول مسافةً لها قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدِّد فيتغلب [2/ 16] عليها. وعلى فرض أنها حفظت بعضَ حالها حتى مرّت بإنسان يغتسل، فسرعانَ ما تُجاوزه ويعقُبها الماء الجديد بل المتجدد، فيذهب بأثرها. فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد، فوجب البناء عليه. وبذلك عُلِمَ الجواب.
وأما القضية الثانية, فلو دل حديث جابر على تنجُّس الراكد بالبولة الواحدة لدلَّ على تنجُّس كل ماء راكد قلَّ أو كَثُر حتى البحر الأعظم. فالصواب أن هناك عدة علل إذا خُشيت واحدة منها تحقَّق النهي:
الأولى: التنجيس حالاً. إما بأن يكون الماء قليلاً جدًّا تغيِّره البولة الواحدة، وإما بأن يكون دون المقدار الشرعي، وقد تقدم الكلام فيه.
الثانية: التنجيس مآلاً. وذلك أنه لو لم يُنْهَ عن البول في الماء الراكد لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغيِّر الماء، فينجِّسه.
الثالثة: التقذير حالاً. قال الشافعي كما في هامش "الأم" (ج 7 ص 111) (1): "ومن رأى رجلاً يبول في ماء ناقع قذِرَ الشُّربَ منه والوضوءَ به". وقال قبل ذلك: "كما يُنهَى أن يتغوَّط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس إليها, لما يتأذى به الناس من ذلك".
__________
(1) "اختلاف الحديث" (10/ 86).
(11/25)

الرابعة: التقذير مآلًا. قد يكون الغدير أو المصنعة (1) كبيرًا جدًّا لا يقذَره الإنسان لبولةٍ واحدة، لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذِرَه.
الخامسة: فشوُّ الأمراض. فقد تحقق في الطب أن كثيرًا من الأمراض إذا بال المبتلى بأحدها خرجت جراثيم المرض مع البول. فإن كان البول في ماء راكد بقيت تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء، فيصابون بتلك الأمراض. والإصابةُ بذلك أكثرُ جدًّا من الإصابة بالجُذام للقرب من المجذوم. وقد ثبت في "الصحيح" (2): "فِرَّ من المجذوم كما تفِرُّ من الأسد". وكثيرٌ منها أشدُّ ضررًا من جَرَب الإبل. وقد ثبت في "الصحيح" (3): "لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحًّ".
وبهذا يبقى الحديث على عمومه، ولا يحتاج إلى إخراجه عن ظاهره بمجرد الاستنباط. فأما حال الضرورة فمستثنى من أكثر النواهي. ثم إن تحقَّق بعض [2/ 17] هذه العلل في ماء يصدق عليه أنه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم. أما على قول مَن لا يَعتَدُّ بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيُخَصُّ عمومُه بالقياس الواضح.
ولا ريبَ أن الشرع لا يبيح أن يُلْقَى في الماء الجاري ما يضرُّ بالناس أو يؤذيهم. وعلى هذا، فلا حاجة في التخصيص إلى القياس، بل النصوص الزاجرة عن الإضرار والإيذاء كافية.
__________
(1) المصنعة: شبه الحوض يُجمع فيه ماء المطر ونحوه.
(2) أخرجه البخاري (5707) من حديث أبي هريرة.
(3) أخرجه البخاري (5771) ومسلم (2221) من حديث أبي هريرة.
(11/26)

فإن قيل: لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم شمولُ المنع لكل ماء جارٍ، فيلزم اطِّراحُ المفهوم رأسًا.
قلت: بل تبقى مياه السيول ونحوها التي تمرُّ بنفسها على مواضع النجاسة، فلا يبقى وجهٌ لمنع الإنسان عن البول فيها؛ على أن الذين يعتدّون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلَّنا لو دقَّقنا للاحَ لنا أنه غير متحقَّق هنا. وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة، ويعتلّون بوجوهٍ إذا تدبرتَ وجدتَ بعضها واردًا هنا.
وأما حديث أبي هريرة، فإن كان قوله: "ثم يغتسلُ منه" على معنى الخبر - كما قرّره القرطبي، قال (1): كحديث: "لا يضرِبْ أحدكم امرأته ثم يضاجعُها" (2) - فالكلام فيه كما مرَّ، إلاَّ أنه زاد بقوله: "ثم يغتسل منه" التنبيهَ على بعض العلل. كأنه قال: كيف يبول فيه، ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه، فيتنجَّس أو يتقذَّر؛ أو يدع الاغتسال مع حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه، فغيرُه أولى بالاستقذار. والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى، فإنّ النهي عامٌّ، وقد جاء مثله بدون هذا التنبيه، وهو حديث جابر.
وإن كان المعنى على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال، انصبَّ النهيُ على الاغتسال بعد البول، كأنه قيل: لا يغتسل في ماء دائم قد بال فيه.
__________
(1) في "المفهم" (1/ 542).
(2) ذكره الحافظ في "الفتح" (1/ 347) نقلاً عن القرطبي. ولفظ الحديث كما عند البخاري (4942) ومسلم (2855) من حديث عبد الله بن زمعة: "يَعمِد أحدكم يَجْلد امرأته جَلْدَ العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه".
(11/27)

ويحتمل هذا النهي عللاً: إحداها التنجُّس، ثانيتها التقذر، ثالثتها أن يكون عقوبة للبائل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حُظِر عليه الاغتسالُ منه كان مما يمنعه عن البول. وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتَها، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتخلية الناقة (1)، كأنه جعل عقوبة المرأة على لعنها الناقةَ أن لا تنتفع بها, لكي تنزجر هي وغيرها عن اللعن. فأي واحدة من هذه العلل وُجِدَت وُجِدَ النهيُ، وبذلك يساوق التعليلُ عمومَ النص. وإن كان المعنى: لا يبُلْ في الماء الدائم، فإن عصى فبال، فلا يغتسلْ منه؛ فآخره كما ذكر، وأوله كما مرَّ في حديث جابر.
[2/ 18] وأما القضية الثالثة، فقد مرَّ ما يُعلم به الجواب عنها، على أن الماء إذا كان دون القُلتين بقليل، وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق، أمكن الانغماس فيه؛ لأنه إذا قعد ارتفع الماء من الجوانب فيغمره. ومع ذلك فالاغتسال في الماء يصدُق بأن يقعد وسطَه ويغرف على نفسه. وفوق هذا، فكلمةُ "فيه" كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذلك الوجه وغيره كلمة "منه" (2).
الحديث الثاني: النهي عن اغتسال الجنب فيه. وهو في "الصحيحين" (3) عن أبي السائب "أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا".
__________
(1) أخرجه مسلم (2595) من حديث عمران بن حصين.
(2) انظر "فتح الباري" (1/ 348).
(3) أخرجه مسلم (283). ولم أجده عند البخاري.
(11/28)

قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجسًا أو غير مطهِّر. فأما النجاسة، فرويت عن أبي حنيفة، ثم رغب عن ذلك الحنفيةُ أنفسهم. وأما سلب التطهير فوافقهم عليه فيما دون القُلتين الشافعية والحنابلة. ومن يأبى ذلك يقول: إن علة النهي هي التقذير. وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل، فيساوق التعليل عموم النص. وأما التفرقة بين الدائم والجاري فقد مرَّ ما فيها. وكذا إن قيل: إنَّ الحديث يدل على حصول المفسدة في الماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا فوق القُلتين. فقد مرَّ مثله، والجواب عنه.
وأما الأمر السادس، وهو قول الأستاذ: "فدعونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نَغْطِس في المستنقعات"، فيأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في السخرية (1)!
...
__________
(1) أقول: لقد فات المصنفَ رحمه الله تعالى النظرُ فيما ادعاه الأستاذ من اعتراف ابن دقيق العيد بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم، فإن الواقع خلافه. فهاك نصَّ كلامه في الشرح المذكور (1/ 121 - 125 بحاشية "العدّة"): "وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قُلتين، فإن الصيغة صيغة عموم. وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القُلتين. فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القُلتين جمعًا بين الحديثين، فإن حديث القُلتين يقتضي عدم تنجيس القُلتين فما فوقهما. وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه. والخاص مقدم على العام".
فليتأمل القارئ في كلام ابن دقيق هذا: أهو اعتراف أم اعتراض! [ن].
(11/29)

المسألة الثانية رفع اليدين
في "تاريخ بغداد" (13/ 389 [406]) من طريق وكيع: "سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلاً عاقلاً، فقال: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية! فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئًا".
قال الأستاذ (ص 83): " .... (1) مع ظهور الحجة في حديث ابن مسعود ... (2) لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة. (3) بل لم يصح حديث في الرفع غير حديث ابن عمر (4) وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش ... (5) ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة. (6) وإنما المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون. (7) فيدل ذلك على التخيير الأصلي، (8) وإنما خلافهم فيما هو الأفضل".
أقول: أما الأمر الأول، فحديث ابن مسعود كما قال الدارقطني (1): "تفرَّد به محمدُ بن جابر - وكان ضعيفًا - عن حماد، عن إبراهيم. وغيرُ حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله، غيرَ مرفوعٍ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصواب".
ومحمد بن جابر ذكره الأستاذ (ص 116) بمناسبة ما جاء عنه أنه قال: "سرق مني أبو حنيفة كتاب حماد" فقال الأستاذ: "الأعمى، قال فيه أحمد: لا يُحدِّث عنه إلا مَن هو شرٌّ منه". وترى ترجمته في قسم التراجم (2)،
__________
(1) في "السنن" (1/ 295).
(2) رقم (196).
(11/30)

والحاصل أنه ليس بعمدة.
وحماد بن أبي سليمان سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: "كان حماد يقول: قال إبراهيم: فقلت له: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطئ". وقال شعبة: "قال لي حماد بن أبي سليمان: يا شعبة لا توقِفْني على إبراهيم، فإن العهد قد طال. وأخاف أن أنسى، أو أكون قد نسيتُ". انظر: "تقدمة الجرح والتعديل" (ص 165). وقوله: "لا توقفني إلخ" معناه: إذا قلتُ: "قال إبراهيم" أو نحوَ ذلك، فلا تسألني: أَسمعْتَه من إبراهيم أم لا؟ فيتبين [2/ 20] بهذا أنه قد كان يقول (1): "قال إبراهيم" ونحوه فيما لا يتحقق أنه سمعه من إبراهيم.
وقد أجاب ابن التركماني (2) عن كلام الدارقطني، فدافع عن محمَّد بن جابر بما لا يُجدي، وقال: "إذا تعارض الوصل مع الإرسال، والرفع مع الوقف، فالحكم عند أكثرهم للرافع والواصل؛ لأنهما زادا، وزيادة الثقة مقبولة". كذا قال، وقد عُلِمَ أن محمَّد بن جابر ليس بثقة، وحمادًا سيئ الحفظ. فالحديث ضعيف من أصله، فكيف مع الخلاف؟ وقد قال الأستاذ (ص 153): "من أصوله - يعني أبا حنيفة - أيضًا: ردُّ الزائد متنًا كان أو سندًا إلى الناقص ... ". والذي عليه جهابذة الحديث الترجيح. هذا في اختلاف الثقات، وليس هذا منه، كما مرَّ.
وروى النسائي (3) من طريق ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن
__________
(1) في المطبوع: "يقال". والمثبت يقتضيه السياق.
(2) في "الجوهر النقي" (2/ 78).
(3) (2/ 195).
(11/31)

عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فقام، فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعُدْ. وقد روى الترمذي (1) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت حديثُ ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرفع يديه إلا أول مرة". وفي "سنن الدارقطني" (ص 110) (2) و"سنن البيهقي" (ج 2 ص 79) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت عندي ... " نحوه.
قد يقال: لعل ابن المبارك عنى حديث محمَّد بن جابر. لكن قد دلَّ جزمهُ بعدم الثبوت ومحافظتُه على رفع اليدين على أنه لا يرى فيما رواه عن سفيان ما يشدُّ حديث محمَّد بن جابر ولو من جهة المعنى. وحديث سفيان رجاله ثقات. وعاصم وإن قال ابن المديني: لا يُحتج به إذا انفرد، فقد وثَّقه جماعة، وأخرج له مسلم في "الصحيح" (3). لكن هناك علل:
الأولى: أن سفيان يدلِّس، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث عنه تصريحه بالسماع.
الثانية: أنه قد اختُلف عليه. قال أبو داود (4) عقب روايته عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع - وستأتي -: "ثنا الحسن بن علي، ثنا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده هذا قال: رفع يديه في أول مرة،
__________
(1) عقب الحديث (256).
(2) (1/ 293).
(3) انظر الأرقام (2078، 2725، 2992).
(4) رقم (751).
(11/32)

وقال بعضهم: مرة واحدة". وفي "مسند أحمد" (ج 1 ص 442) (1): "ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم ... قال عبد الله: أصلِّي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرفع يديه في أولٍ". وأخرجه أبو داود (2)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع. وفيه: "فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة".
[2/ 21] الثالثة: قال أحمد في "المسند" (ج 1 ص 418) (3): "ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد الله بن إدريس من كتابه، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، نا علقمة، عن عبد الله قال: علَّمَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ، فكبَّر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه. فبلغ سعدًا، فقال: صدق أخي. قد كنا نفعل ذلك، ثم أُمِرْنا بهذا - وأخذ بركبتيه - حدثني عاصم بن كليب بهذا".
فأعلَّ البخاريُّ في "جزء رفع اليدين" (4) حديث سفيان بحديث ابن إدريس، وقال: "ليس فيه: ثم لم يَعُدْ. فهذا أصح, لأن الكتاب أحفَظُ عند أهل العلم". يشير البخاري إلى أنَّ بعض الرواة لمَّا لم ير في القصة ذكر الرفع عند الركوع، وكان المشهور عن أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة، فَهِمَ أن الواقع في القصة كذلك. ثم لما روى من حفظه روى بحسب ما كان فَهِمَ.
__________
(1) رقم (4211).
(2) رقم (748).
(3) رقم (3974).
(4) (ص 80، 82).
(11/33)

وممّن أعلَّ حديث سفيان من الأئمة: أحمد، وأبو داود، وأبو حاتم، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم. فمنهم من حمل الوهم على وكيع، ومنهم من حمله على سفيان (1).
وزعم بعض الناس (2) أن اختلافهم في هذا يقتضي ردَّ قولهم جملةً، وليس هذا بشيء. والذي يظهر أنه إن كان سفيان دلَّسه، فالحملُ على شيخه الذي سمعه منه، وإلا فالوهم منه. وراجع "نصب الراية" (ج 1 ص 395).
الرابعة: أنه ليس في القصة تصريح من ابن مسعود بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرفع إلا في أول الصلاة. غاية الأمر أنه ذكر أنه سيخبرهم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قام فصلَّى بهم. فإن بنينا على رواية ابن إدريس عن عاصم، فليس فيها ذكرُ أن عبد الله لم يرفع في غير أول الصلاة. فقد يكون رفَعَ ولم يذكر الراوي ذلك، كما لم يذكر وضع اليدين على الصدر، والقراءة، والتكبير للركوع؛ كأنه إنما كان يهمه من ذكر القصة شأنُ التطبيق.
وفي "مسند أحمد" (ج 1 ص 413) (3) من طريق "أبي إسحاق، عن أبي الأسود (4)، عن علقمة والأسود: أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة، فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابنُ مسعود بأيديهما، فأقام أحدَهما عن يمينه، والآخرَ عن يساره. ثم ركعا، فوضعا أيديَهما على رُكَبهما، وضرب
__________
(1) راجع "العلل" لأحمد (1/ 369 - 371) ولابن أبي حاتم (2/ 123 - 125).
(2) هو الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 396).
(3) رقم (3927).
(4) كذا في الأصل وبعض نسخ "المسند"، والصواب "ابن الأسود"، وهو عبد الرحمن.
(11/34)

أيديَهما. ثم طبَّق بين يديه وشبَّك، وجعلهما بين فخذيه. وقال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فَعَله".
وبنحوه رواه منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، كما في "صحيح [2/ 22] مسلم" (1). وفيه (2) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة نحوه. وزاد: "قال: فلما صلى قال ... وإذا كنتم ثلاثة فصلُّوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمَّكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فلْيفرِشْ ذراعَيْه على فخذيه، ولْيجنَأْ ولْيطبِّقْ بين كفَّيه. فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأراهم".
فأكثر الروايات لا تذكر عدم الرفع كما ترى، وكثير منها لا تذكر حتى الرفع أول الصلاة. فيظهر من هذا أن الذي كان يهمُّ ابنَ مسعود من تعليمهم في تلك الصلاة ويهمُّهم من رواية القصة إنما هو مقام الثلاثة والتطبيق. ولذلك لم يذكر عقب الصلاة إلا هذين إذ قال: "إذا كنتم ثلاثة ... "، كما مرَّ.
فإن قيل: فقد اشتهر عن علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة. ولو رأياه رَفَع في غير ذلك - ولا سيَّما في تلك الصلاة - لكان الظاهر أن يأخذوا ذلك عنه، فقد أخذوا عنه التطبيق وغيره.
قلت: فقد أشار بعض أهل العلم إلى احتمال أن يكونا غفلا عن رفعه يديه في غير أول الصلاة، وأشار بعضهم إلى احتمال أن يكون ابن مسعود
__________
(1) رقم (534/ 28).
(2) رقم (534/ 26).
(11/35)

ذُهِلَ عن الرفع، كبعض ما يسهو الرجل؛ لأن المهم في تلك الصلاة كان بيان الموقف والتطبيق، كما مرَّ.
فإن قيل: هذه احتمالات بعيدة.
قلت: هي على كل حال أقربُ من دفع ما ثبت عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع، وما تواتر عنهم أنهم كانوا يرفعون.
فإن قيل: فقد ذهب بعضهم إلى احتمال النسخ.
قلت: من الممتنع جدًّا أن يقع نسخٌ في مثل هذا الحكم، ولا يطلعَ عليه جمهور الصحابة ويختصَّ به ابن مسعود، ثم يكتفي من تبليغه مع اشتهار الرفع والإطباق عليه بما وقع في القصة على فرض ثبوتها.
فإن قيل: فهل من شيء غير هذا؟
قلت: ذكر بعض أهل العلم أنه كما أن ابن مسعود طبَّق وأخبر بالتطبيق وأمر به، وقد تبين أن ذلك كان في أول الإِسلام ثم نُسِخ، واتفق الناس على ترك الطبيق؛ وكما قال إن موقف إمام الاثنين بينهما، وخالفه الناس في ذلك، واعتذروا باحتمال أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك في بيت ضيِّق = فكذلك حاله في عدم الرفع إن ثبت عنه. قد يكون الرفع في غير أول الصلاة لم يُشرع منذ [2/ 23] شُرِعت الصلاة، فرأى ابن مسعود النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في أول الإِسلام يصلِّي ولا يرفع إلا في أول الصلاة. فأخذ ابن مسعود بذلك، كما أخذ بالتطبيق والموقف، وإن كان كلُّ ذلك كان أولاً ثم تُرِك. وقد يكون رأى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم ترك الرفعَ في بعض الصلوات لبيان أنه ليس بواجب، فأخذ ابن مسعود بذلك.
(11/36)

فإن قيل: قضية الموقف قريبة, لأن غالب ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الجماعة بأكثر من اثنين. فاما قضيتا التطبيق والرفع، ففيما ذُكِر بُعْد.
قلت: قد فتح الله تعالى - وله الحمد - بوجه يقرِّب الأمر في الثلاث كلها. وهو أن يقال: كأنه كان من رأي ابن مسعود أن النسخ لا يثبت بالترك وحده، بل يبقى الأول مشروعًا في الجملة على ما يقتضيه حاله. ويرى أن على العالم إذا خشي أن ينسى الناس الأمر الأول أن يسعى في إحيائه.
فأما التطبيق، فقد علم ابن مسعود أنه كان مشروعًا، ثم تُرِك العملُ به. ورأى هو أن تركه ليس نسخًا له، بل إما أن يكون تركه رخصة؛ لأنه فيما يظهر أشقُّ من الأخذ بالرُّكَب. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما يدع الأمر المستحب كراهيةَ المشقة، كما كان يعجِّل صلاة العشاء إذا جمعوا (1)، وأبطأ بها ليلةً، ثم خرج، فصلَّى، وقال: "إنه لَوقتها, لولا أن أشُقَّ على أمتي" (2). وإما أن يكونا سواءً، والمصلَّي مخيَّر بينهما، وإما أن يكون التطبيق مندوبًا أيضًا وإن كان الأخذ بالركب أفضل. وقد علم ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ربما يدع ما هو في الأصل مندوبٌ، ليبيَّن للناس أنه ليس بواجب. وربما يفعل ما هو في الأصل مكروه، ليبيِّن للناس أنه ليس بحرام. وكان أبو بكر وابن عباس لا يضحُّون، كانوا يَدَعون التضحية ليبيِّنوا للناس أنها ليست بواجبة. فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على ترك التطبيق رأى أنه سنة قد أُمِيتتْ، فأحبَّ إحياءها، ففعَلَه، وأمر
__________
(1) كذا في (ط). والمعنى واضح، ولعله "اجتمعوا".
(2) أخرجه مسلم (638) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه البخاري (7239) ومسلم (642) من حديث ابن عباس بنحوه.
(11/37)

أصحابه بفعله. ولم يَخْشَ أن يؤدي ذلك إلى إماتة الأخذ بالركب، لعلمه أن مشروعية ذلك معلومة بين الناس. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قصَد بيان الجواز، فترك [ما هو في الأصل مندوب، أو فعلَ] (1) ما هو في الأصل مكروه؛ لا يخبر بقصده، بل يَكِلُ الناسَ إلى ما قد عرفوه من الدليل على ما هو الأصل في ذلك. وكذلك لم يُنقل [2/ 24] أن أبا بكر وعمر وابن عباس كانوا حين يتركون التضحية يبِّينون قصدهم، بل كانوا يتكلون على ما قد عرفه الناس من مشروعيتها.
وأما وقوف إمام الاثنين بينهما، فلعلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله مرةً، ثم تقدَّم. فعلم ابن مسعود الأمرين، ولكنه رأى أن الأول لم يُنسخ، وأن كلا الأمرين مشروع وإن كان المتقدم أفضل. ثم لما رأى الناس أطبقوا على التقدُّم أحبَّ إحياء تلك السنة.
وأما تركُ الرفع في غير أول الصلاة، فإن ثبت عن ابن مسعود فالظاهر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تَرَكه، إما في أول الإِسلام بأن يكون كان أولاً يقتصر على الرفع أول الصلاة، ثم رفع في بقية المواضع. وإما بعد ذلك بأن يكون ربما ترك الرفع في غير الموضع الأول لبيان أنه ليس في مرتبته، فإن الرفع أولَ الصلاة آكد، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه. فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على المواظبة على الرفع في بقية المواضع مواظبتَهم على الرفع أولَ الصلاة تَرَكه لمصلحة البيان. وحالُ ذلك عنده دون حال التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما، بدليل أنه عقِبَ تلك الصلاة أمرَ بهذين، ولم يَعْرِض للرفع كما مرَّ في حديث مسلم.
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق وبها يستقيم الكلام، وستأتي هذه العبارة بعد صفحتين.
(11/38)

وربما يقال: قد يكون ابن مسعود عَلِم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أولاً يطبَّق ولا يرفع عند الركوع والرجوع منه، ثم ترك التطبيق ورفع، فرأى ابن مسعود أن الرفع بدل من التطبيق. فأما الأخذ بالرُّكَب، فقد يكون رخصةً فقط. فلما بدا لابن مسعود إحياء التطبيق طبَّق ولم يرفع، لئلا يجمع بين البدل والمبدل. والله أعلم.
فهذا غاية ما يقتضيه حسنُ الظن بابن مسعود، وهو أهل أن يُحسَن الظنُّ به. وعلى كل حال، فقد ثبت الرفع قطعًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو فعل عباديٌّ متعلق بالصلاة، ولا يُعقَل أن يكون الفعل مندوبًا مطلقًا، ويكون الترك أيضًا مندوبًا مطلقًا، فما بقي إلا احتمال النسخ. والنسخ لا يثبت بمثل ما روي عن ابن مسعود، مع ما فيه من الكلام وما يطرقه من الاحتمال. وقد ترك الصحابة في عهد عثمان تكبيرات الانتقال أو الجهر بها، واستمرَّ ذلك حتى ظن بعضُ التابعين أن ذلك غير مشروع، كما يأتي. ولا يظهر للترك سبب إلا الترخُّص في ترك المندوب، ونحن لم نظن بابن مسعود في ترك الرفع ذلك، ولا ما هو أبعدُ عن الملامة كالنسيان والذهول؛ [2/ 25] وإنما ظننا به قصدَ البيان وتثبيتَ الحق.
فإن قيل: فقد يظهر أن ابن مسعود واظب على الترك، ورضي لأصحابه المواظبة عليه.
قلت: فكذلك في التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما، بل هو في هذين آكد؛ فإنه عَقِبَ تلك الصلاة أمَرَهم بهما ولم يَعرِضْ لترك الرفع، كما مرَّ في حديث مسلم. والحق أن غاية ما في الأمر أن يكون رضي لهم المواظبة مدةً ليكون ذلك أوفى بما قصده من البيان، كما واظب أبو بكر وعُمر وابن عباس
(11/39)

على ترك التضحية. ورأى ابن مسعود أنه إن خفي على أصحابه حقيقةُ الحال، فسيعلمونها عندما يرون غيره من الصحابة وكِبار التابعين، ويسمعون منهم ويتدبرون، فما اتفق مما يخالف ذلك فابن مسعود غير مسؤول عنه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قصَدَ البيان، فترَكَ ما هو في الأصل مندوب، أو فعَلَ ما هو في الأصل مكروه = ربما يراه مَن لم يعرف الدليل السابق، فيفهم خلاف المقصود، وربما توهَّم بعضهم النسخ. وربما يقع هذا التوهم لبعض فقهاء الأمة ويبقى ذلك في أتباعه. ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة حتى في نصوص القرآن مما يقع بسببه بعض الناس في الخطأ ويبقى ذلك في أتباعه، كما ترى ذلك واضحًا في اختلاف المذاهب. ولله تعالى في ذلك الحكمة البالغة، يستيقنها المؤمن وإنْ لم يُحِط بها علمًا. وليس هذا موضع النظر في ذلك.
وأما الأمران الثاني والثالث - وهما قول الأستاذ: "لم يسلم سند للرفع من علة، ولم يصح فيه إلا حديث ابن عمر" - فمجازفة! قال البخاري كما يأتي: "لا أسانيدَ أصحُّ من أسانيد الرفع". وحديث ابن عمر قطعي الثبوت عنه، وصحَّ معه عدة أحاديث. منها في "الصحيحين" (1) حديث مالك بن الحويرث، وفي "صحيح مسلم" (2) حديث وائل بن حجر. وأشار البخاري في "الصحيح" (3) إلى حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة.
__________
(1) البخاري (737) ومسلم (391).
(2) رقم (401).
(3) (2/ 221 مع "الفتح").
(11/40)

وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان (1)، وصحَّحا حديث علي (2) في ذلك. وفي "الفتح" (3): "قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (4): من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركُه. ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع، ... وذكر البخاري أيضًا أنه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة. وذكر الحاكم وأبو القاسم ابن منده ممن رواه العشرة المبشرة. وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع مَن رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً".
وتواتر باعتراف الكوثري الرفعُ [2/ 26] عن جماعة من الصحابة، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا (5). وتواترُه عنهم يستلزم تواتره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما يأتي في الأمر الخامس.
وأما الأمر الرابع - وهو قول الكوثري: إن ابن عمر "لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش" - ففيه مجازفة أيضًا؛ فإنَّ المراد رواية أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح" (6). ولو صح هذا عن مجاهد لما دل على أن ابن عمر لم يرفع،
__________
(1) "صحيح ابن خزيمة" (587) و"صحيح ابن حبان" (1865).
(2) "صحيح ابن خزيمة" (584) و"صحيح ابن حبان" (1771 - 1774).
(3) (2/ 220).
(4) (ص 129, 22).
(5) انظر "جزء رفع اليدين" للبخاري (ص 75) ومصنّف ابن أبي شيبة (1/ 235) و"التمهيد" (9/ 217) و"السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 75).
(6) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 237). قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (ص 55): "قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهُّم منه لا أصلَ له". وانظر
(11/41)

فكيف أن يدل على أنه لم يأخذ بالحديث!
وأنا أذكر جماعةً من العلماء وغيرهم صَحِبتُهم مدةً، وصلَّيتُ معهم، وأتذكر الآن هل أذكر رفعَهم عند الركوع أو تركَهم الرفع، فلا أذكر؛ ومنهم من عهدي به قريب. وذلك أنني لم أتحرَّ أن أتفقد صلاتهم. ولكني تحرَّيتُ ذلك في جماعة، فأنا الآن أذكر بعد طول العهد.
ومجاهد لم يقل: رأيت ابن عمر لا يرفع، وإنما قال - إن صحت الحكاية عنه -: "ما رأيت ابن عمر يرفع ... ". وهذا يُشعر بأنه لا ينفي أن يكون ابن عمر رَفَع ولم يره مجاهد. ومذهب مجاهد الرفع كما ذكره البخاري وغيره (1). فإن صح عنه ذاك القول فكأنه لم يتفق له أنْ يتحرَّى تفقُّد ابن عمر في رفعه، وإنما اتفق أنه شاهده رَفَع في أول الصلاة، ثم اشتغل مجاهد بصلاة نفسه.
وقد صح عن ابن عمر أنه كان ربما يرفع رفعًا تامًّا، وربما يتجوَّز. ذكر مالك في "الموطأ" (2) عن نافع "أن ابن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك". وفي "سنن أبي داود" (3) عن ابن جريج قال: "قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا، سواء. قلت: أشِرْ لي، فأشار إلى الثديَيْن وأسفل من ذلك". وصح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الرفع حذوَ المنكبين في
__________
(ص 150، 151) منه، و"معرفة السنن والآثار" (2/ 428، 429).
(1) انظر "جزء رفع اليدين" (ص 150) و"معرفة السنن والآثار" (2/ 428).
(2) (1/ 77).
(3) رقم (741).
(11/42)

الأولى وغيرها (1). قال الباجي في "المنتقى" (2): "ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعًا، ويرى ذلك واسعًا فيهما".
أقول: يدل مجموع الروايات عن ابن عمر أنه كان يرى أن أكمل الرفع أن تحاذي يداه منكبيه, وأنَّ أصل السنة يحصل بما دون ذلك، ولا سيَّما إذا كان هناك عذر. فكأن ابن عمر [2/ 27] لما كبِرَ وضَعُف كان ربما يتجوز في الرفع، فيرفع إلى الثديين أو نحو ذلك. وربما يرفع في الأولى رفعًا تامًّا لأنها آكد، ويتجوز في الباقي. وكأنَّ ابن جريج جوَّز أن يكون المشروع التفرقة بأن يكون الرفع في الأولى أعلى، وسأل عن فعل ابن عمر ليستدل به على ذلك، وفهم نافع هذا فأجابه بحسبه. فمحصل الجواب أن ابن عمر لم يكن يتحرى التفرقة تحرَّيًا يُشعِر بأنها مشروعة، بل كان ربما يتجوز في الأولى أيضًا. فمن الجائز في الحكاية عن مجاهد أنه كان وراء ابن عمر غيرَ قريبٍ منه، فاتفق أن ابن عمر رفع في الأولى رفعًا تامًّا رآه مجاهد، وتجوز في الباقي فلم يره. ومن الجائز أن يكون ابن عمر سها في تلك الصلاة التي رَقَبه فيها مجاهد إن كان رَقَبه.
وقد قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (3) في الجواب عن تلك الحكاية: "قال ابن معين: إنما هو توهُّم لا أصل له، أو هو محمول على السهو كبعض ما يسهو الرجل في صلاته. ولم يكن ابن عمر لِيدَعَ ما رواه [عن] النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع ما رواه عن ابن عمر مثلُ طاوس وسالم ونافع
__________
(1) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 75) ومن طريقه البخاري (735) وغيره.
(2) (2/ 32) ط. دار الكتب العلمية.
(3) انظر (ص 55، 54، 151) منه.
(11/43)

ومحارب بن دثار وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه ... ". وروى البخاري في "جزء رفع اليدين" (1) عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع، رماه بالحصى.
وإذا ترك ابن عمر الرفع في بعض صلاته سهوًا أو ضعفًا لم يصدق عليه مع ما تواتر عنه من الرفع أنه لم يأخذ بالحديث، فكيف والذي في تلك الحكاية إنما هو نفيُ الرؤية لا نفيُ الرفع، ولا تلازمَ بين النفيين، كما سلف!
ومع هذا كله، فأبو بكر بن عياش عندهم سيئ الحفظ، كثير الغلط. ولم يخرَّج له البخاري في "الصحيح" إلا أحاديث ثبتت صحتها برواية غيره، كما تراه في "مقدمة الفتح" (2). ولم يخرج له مسلم شيئًا إلا أنه ذكر في "المقدمة" (3) عنه عن مغيرة بن مِقْسم قال: "لم يكن يصدُق على عليٍّ رضي الله عنه في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". فلو كانت روايته هذه مخالفةً لما ثبت برواية الجماعة عن ابن عمر لوجب ردُّها، كما لا يخفى.
وأما الأمر الخامس - وهو قول الأستاذ: "ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة" - فكأن الأستاذ انتقل ذهنه من
__________
(1) (ص 53) عن نافع لا عن مالك. وقد أخرجه أيضًا كذلك الحميدي في "مسنده" (2/ 277) والدارقطني (1/ 289) والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص 218) وعبد الله في "مسائل الإِمام أحمد" (ص 70) وعنه ابن عبد البر في "التمهيد" (9/ 224). ولعل المؤلف اعتمد على "الفتح" (2/ 220)، ففيه: "عن مالك" سهوًا.
(2) "هُدى الساري" (ص 455).
(3) (1/ 14).
(11/44)

التواتر إلى الإجماع. فإن الإجماع هو الذي يسوغ أن [2/ 28] يقال: لا تسمع دعواه في موضع الخلاف المتوارَث لمنافاة الخلاف للإجماع. فأما التواتر، فلا منافاة بينه وبين الخلاف المتوارَث، كما ستراه. بل إنَّ الخلاف المتوارَث إذا لم يثبت أنَّ ابتداءه كان عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فورًا لم يمنع من دعوى إجماع سابق. فلنا أن ندَّعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة, لأن جماعة منهم رووا الرفع، وتواتر العملُ به عن كثير منهم، كما اعترف به الكوثري. بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يُعرَف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع.
فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه، فلم يثبت. وقد مرَّ الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره. ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة. وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قصَدَ بيانَ أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخَّص لعذر أو لغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا.
بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون (1). بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمرَّ ذلك حتى إن عليًّا لما قدم العراق وصلَّى بهم وأتى
__________
(1) انظر "مصنف عبد الرزاق" (4/ 381) و"السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 265).
(11/45)

بالتكبيرات وجَهَر بها قال عمران بن حصين كما في "الصحيحين" (1) وغيرهما: "ذكَّرَنا هذا الرجلُ صلاةً كنا نصلِّيها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح [كما] في "الفتح" (2): "ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنا نصلَّيها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما نسيناها وإما تركناها عمدًا". واستمر التَرك بالحجاز حتى إن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلَّى بهم، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كما في "صحيح مسلم" (3): "فقلنا: يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لَصلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وصلى بهم بمكة، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك. قال عكرمة كما في "صحيح البخاري" (4) وغيره: "فقلت لابن عباس: إنه أحمق. قال: ثكلتك أمك! سنَّةُ أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -".
فأما التواتر، فأمره أوضح؛ فإنه من المعلوم أنه قد يحصل لشخص دون آخر. وقد جاء [2/ 29] عن ابن مسعود أنه كان يقول: إن المعوذتين ليستا من القرآن (5)، واعتذر أهل العلم عنه بأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يصرِّح بقرآنيتهما, ولا تواتر ذلك عنده، مع أن من المقطوع به تواترُ
__________
(1) البخاري (784) ومسلم (393).
(2) (2/ 270). والحديث في "المسند" (19494).
(3) رقم (392/ 31).
(4) رقم (788).
(5) أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (21188) وغيره. وانظر "فتح الباري" (8/ 742, 743).
(11/46)

ذلك عند غيره. فلا يَخْدِش في تواتر الرفع مخالفةُ بعض التابعين من الكوفيين، إذ لا يلزم من تواتره عند غيرهم تواترُه عندهم. بل عرضت لأولهم شبهة الترك فتوهموا - أو بعضهم - أنه غير مشروع، كما توهَّم غيرُهم مِن تركِ عثمان وغيره تكبيراتِ الخفض والرفع أو الجهر بها أن ذلك غير مشروع، حتى أنكروه على أبي هريرة كما تقدم. ثم جاء بعدهم من الكوفيين مَن بلغته الأحاديث والآثار, ولعلها تواترت عنده، فلم تطِبْ نفسُه بترك ما ألِفَه واعتادَه، وفرَّ إلى احتمال النسخ، ورأى أن الترك أحوط له وأطيب لنفسه.
وقد اعترف الكوثري بتواتر الرفع عن جماعة من الصحابة، وذلك يستلزم (1) تواتره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه فعلٌ تعبُّدي في الصلاة، لو لم يعلموا أنه مشروع وفعلوه: فإن فعلوه لا على وجه التعبد كان تلاعبًا بالصلاة وإيهامًا لمشروعية ما لم يشرعه الله، وذلك كذبٌ على الله ورسوله ودينه؛ وإن فعلوه على وجه التعبد فذلك صريح البدعة [و] الضلالة، والكذب على الله، والتكذيب بآياته. فبهذا يثبت قطعًا أنهم كانوا يعتقدون أنه مشروع، ويمتنع اعتقادُهم ذلك من جهة الرأي، إذ لا مجال للرأي فيه. على أن الرأي إنما يُصار إليه في إثبات الفعل إذا لم يُعلَم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تركه تركًا مستمرًّا مع قيام السبب وانتفاء المانع. ويمتنع على الذين تواتر عنهم الرفعُ أن يجهلوا جميعًا أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفع أم لا، بعد أن طالت صحبتهم له ومراقبتهم لصلاته كما أُمِروا به.
__________
(1) في المطبوع: "لا يستلزم"، وهو خطأ.
(11/47)

وأما الأمر السادس - وهو قول الأستاذ: "المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون" - فالشطر الثاني وهو تواتر الرفع حق، وأما الشطر الأول فلا. وهذا إمام النقل أبو عبد الله البخاري يقول كما تقدم: "لم يثبت عن أحد منهم تركُه". وإنما نُقِل التركُ نقلاً فيه قوة ما عن ابن مسعود، وقد مرَّ النظرُ فيه. وروي أيضًا عن عمر وعليّ. فأما عمر، فقد جاء عنه الرفع من روايته ومن فعله (1).
وروى حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر, [2/ 30] عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صلَّيتُ مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا في افتتاح الصلاة" (2). وأُعِلّ هذا بثلاثة أوجه:
الأول: أن حسن بن عياش ليَّنه بعضُهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: "ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة" قال عثمان: "ليسا بذاك، وهما من أهل الصدق والأمانة". واتفقوا على تليين أبي بكر في حفظه حتى قال يحيى القطان: "لو كان أبو بكر بن عياش حاضرًا ما سألته عن شيء". وكان إذا ذُكِر عنده كلَح وجهه. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: "لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطًا منه".
وقد روى الثوري، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود "أن عمر كان يرفع يديه في الصلاة حذوَ منكبيه" (3). لم يذكر ما في رواية
__________
(1) أخرجه البيهقي في "الخلافيات" كما في "نصب الراية" (1/ 415، 416).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 237)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 227) و"شرح مشكل الآثار" (15/ 50).
(3) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (2532) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 25).
(11/48)

الحسن بن عياش عن ابن أبجر عن الزبير بن عدي. وكان الثوري لا يرفع، فلو كان في القصة ما ذكره الحسن لما أغفله الثوري. والخطأ في مثل هذا قريب، فإنه كان عند إبراهيم حكايات عن أهل الكوفة في عدم الرفع، فيقوى احتمال دخول الاشتباه على الحسن.
الوجه الثاني: أن إبراهيم ربما دلَّس. وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 108) من طريق "خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي ... وإبراهيم أيضًا يُدخِل بينه وبين أصحاب عبد الله مثلَ هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنْجاب، وخزامة الطائي؛ وربما دلَّس عنهم".
الثالث: أنه قد روي عن عمر الرفعُ من روايته ومن فعله. ويكفي في ذلك ما تواتر عن ابنه عبد الله، مع أنه كان ملازمًا لأبيه، متحرِّيًا الاقتداء به. قال زيد بن أسلم عن أبيه: "ما وُجِد قاصدٌ لباب المسجد داخلٌ أو خارجٌ بأقصَدَ من عبد الله لعمل أبيه" رواه ابن سعد (1). وقد جاء عن إبراهيم (2) أنه ذُكِر له حديثُ ابن وائل بن حُجْر عن أبيه في الرفع، فقال إبراهيم: "ما أرى أباه رأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ذاك اليوم الواحد (3)، فحفظ ذلك، وعبد الله [بن
__________
(1) في "الطبقات الكبرى" (4/ 150). وفيه: "ما رجلٌ قاصد ... "، ولعله الصواب.
(2) انظر "معاني الآثار" (1/ 225، 226).
(3) قلت: هذا مجرد رأي، ومع ذلك فقد صح ما يبطله. وهو ما أخرجه أبو داود [رقم 726] وغيره عن كليب وائل أنه قال: "لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يصلي ... ". قلت: فذكر الحديث، وفيه رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وقال فيه: =
(11/49)

[2/ 31] مسعود] لم يحفظ عنه! ". فيقال لإبراهيم - إن صح عنه ما رواه الحسن بن عياش -: ما نرى الأسود رأى عمر إلا ذاك اليوم الواحد، أفيكون أعلم به من ابنه عبد الله بن عمر!
ورواية وائل مثبتة محققة تُثبت رفعَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المواضع، ومعلوم أن الرفع لا يكون إلا تعبدًا، إذ ليس هنا داع طبيعي إلى فعله مكررًا في المواضع. وإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة واحدة ثبتت مشروعيته في الصلاة مطلقًا، كما هو الشأن في غيره من أعمال الصلاة، إلا ما يثبت اختصاصه. وقد قدَّمنا أنَّ ما يَثْبُت أو يقوى عن ابن مسعود لا يتحقق فيه منافاة لذلك.
فأما في الرواية عن الأسود - إن صحت إليه - فمن الجائز أن يكون عمر كان أمام الأسود غيرَ قريبٍ منه فرفع عمر أول الصلاة رفعًا تامًّا رآه الأسود، ثم رفع عمر عند الركوع وما بعده رفعًا تجوَّز فيه - كما تقدم عن ابن عمر - فلم يره الأسود، فظن أنه لم يرفع أصلاً.
وأما عليّ، فروى أبو بكر النهشلي (1)، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،
__________
= "ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب". وأخرجه أحمد (4/ 318) وله عنده (4/ 319) طريق أخرى عن عبد الجبار عن بعض أهله أن وائلًا قال: "أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون هكذا تحت الثياب". [المؤلف].
(1) أخرجه بهذا الطريق ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 236) وأحمد في "العلل" (1/ 374) والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 225) والبيهقي في "الكبرى" (2/ 80) و"المعرفة" (2/ 421).
(11/50)

عن عليّ رضي الله عنه "أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم لا يرفع في شيء منها".
وروى ابن أبي الزناد (1)، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حذوَ منكبيه، ويصنع ذلك أيضًا إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعها إذا رفع رأسه من الركوع ... وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك ... ".
في "نصب الراية" (2) وغيرها عن الإِمام أحمد بن حنبل أنه سُئل عن حديث ابن أبي الزناد هذا، فقال: "صحيح". وذكر البخاري في "جزء رفع اليدين" (3) أثر النهشلي، ثم ذكر حديث ابن أبي الزناد وقال: "وهذا أصح". وأخرج الترمذي حديث ابن أبي الزناد في كتاب الدعوات من "جامعه" (4) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان (5).
وفي "سنن البيهقي" (ج 2 ص 80) (6) عن عثمان بن سعيد الدارمي ذكر
__________
(1) أخرجه من طريقه البخاري في "جزء رفع اليدين" (ص 22) وأبو داود (744) والترمذي (3423) وابن ماجه (864) وابن خزيمة (584) وابن حبان (1771 - 1774).
(2) (1/ 412).
(3) (ص 46). في (ط): "جزء القراءة" ولعلّه سبق قلم.
(4) رقم (3423).
(5) سبقت الإشارة إليهما في التعليق.
(6) وكذا في "معرفة السنن والآثار" (2/ 422).
(11/51)

[2/ 32] أثر النهشلي وقال: "فهذا قد روي من هذا الطريق الواهي عن عليّ، وقد روى عبد الرحمن بن (1) هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفعهما عند الركوع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع. فليس الظن بعليّ رضي الله عنه أن يختار فعله على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يُحتَج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره".
اعترضه ابن التركماني (2) فقال: "بل الذي روي من الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع عن عليّ, لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد". ثم ذكر قول الدارمي: فليس الظن ... إلخ. فقال: "لخصمه أن يعكسه، فيجعله (3) بعد النبي عليه السلام دليلًا على نسخ ما تقدم".
أقول: إذا صرفنا النظر عن النهشلي وابن أبي الزناد، فسندُ المرفوع أثبت؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات احتجَّ بهم الجماعة. وسند الموقوف فيه مقال. عاصم وإن أخرج له مسلم ووثَّقه جماعة، فلم يُخرج له البخاري، وقال ابن المديني: "لا يحتج به إذا انفرد". وأبوهُ وإن وثَّقه ابن سعد وأبو زرعة، فلم يُخرج له البخاري ولا مسلم، وقال النسائي: "لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث".
فأما النهشلي وابن أبي الزناد، فلا شك أننا إذا وازنَّا بينهما إجمالًا فالنهشلي أثبت. أخرج له مسلم، ووثَّقه ابن مهدي وأحمد وابن معين
__________
(1) في المطبوع: "عن" تحريف.
(2) في "الجوهر النقي" (2/ 79).
(3) في كتاب ابن التركماني: "فيجعل فعلَه".
(11/52)

وأبو داود والعجلي. وقال أبو حاتم: "شيخ صالحٌ يكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي بكر الهذلي". والهذلي ضعيف جدًّا. وقال ابن سعد في النهشلي: "كان مرجئًا، وكان عابدًا ناسكًا, وله أحاديث، ومنهم من يستضعفه".
وأما ابن أبي الزناد، فلم يحتجَّ به صاحبا "الصحيح"، وإنما علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم في المقدمة. ووثَّقه جماعة، وضعَّفه بعضهم، وفصَّل الأكثرون. وههنا أمران:
الأول: أن أئمة الحديث قد يتبيَّن لهم في حديثٍ من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديثٍ من رواية مَن هو ضعيف عندهم أنه صحيح. والواجب على مَن دونهم التسليمُ لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد. وقد صحح الأئمة حديث ابن أبي الزناد المذكور، وليَّن البخاري والدارمي أثر النهشلي، كما مرَّ.
الأمر الثاني: إذا اختلفوا في راوٍ فوثَّقه بعضُهم، وليَّنه بعضهم، ولم يأت في حقِّه تفصيلٌ [2/ 33] فالظاهر أنه وسطٌ فيه لِينٌ مطلقًا، وهذه حال النهشلي. وإذا فصَّلوا أو أكثرُهم الكلامَ في راوٍ، فثبَّتوه في حال، وضعَّفوه في أخرى؛ فالواجب أن لا يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالاً، إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو. فأما إذا تبيَّن، فالواجب معاملته بحسب حاله. فمن كان ثقةً ثبتًا ثم اختلط كسعيد بن أبي عروبة, إذا نظرنا في حديثٍ من روايته، فإن تبيَّن أنه رواه قبل الاختلاط فهو غاية في الصحة، أو بعده فضعيف. وابن أبي الزناد من هذا القبيل، فإن أكثر الأئمة فصَّلوا الكلام فيه. قال موسى بن سلمة: "قدمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قدِمتُ إليك
(11/53)

لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد". ومالك مشهور بالتحري لا يرضى هذا الرضا إلا عن ثقة لا شكَّ فيه. ولذلك عدَّ الذهبي هذا توثيقًا، بل قال في "الميزان" (1): "وثَّقه مالك. قال سعيد بن أبي مريم: قال لي خالي موسى بن سلمة: قلتُ لمالك: دُلَّني على رجل ثقة. قال: عليك بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
وقال صالح بن محمَّد: "تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة - يعني الفقهاء - وقال: أين كنا عن هذا! ". وإنما روى هذا بعد أن انتقل إلى العراق، كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: "ما حدَّث بالمدينة فهو صحيح، وما حدَّث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان. قال: "ولقَّنه البغداديون عن فقهائهم". يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمَّد أن مالكًا أنكره. تبين أن ابن أبي الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابن مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حدَّث به بالعراق، كما يدل عليه كلام ابن المديني، ويأتي نحوه عن عمرو بن علي.
وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف. سمعت علي ابن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرتُ فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة". وقال عمرو بن علي: "فيه ضعف، فما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد. كان عبد الرحمن يخطُّ على حديثه". وقال الساجي: "فيه
__________
(1) (2/ 575). وانظر "تهذيب التهذيب" (6/ 171 - 173) لأقوال النقَّاد فيه.
(11/54)

ضعف، وما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد".
وقال أبو داود عن ابن معين: "أثبتُ الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد". [2/ 34] هذا مع أنه قد روى عن هشام مالك والكبار. وفيما حكاه الساجي عن ابن معين: "عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة". وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: "ضعيف". وفيما حكاه الساجي عن أحمد: "أحاديثه صحاح". وقال أبو طالب عن أحمد: "يُروَى عنه". قال أبو طالب: "قلت: يُحتمل؟ قال: نعم". وقال صالح بن أحمد عن أبيه: "مضطرب الحديث". وقال العجلي: "ثقة".
وقال الترمذي في "اللباس" من "جامعه" (1): "ثقة حافظ"، وصحّح عدة من أحاديثه. وأخرج له في "المسح على الخفين" (2) حديثه عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين على ظاهرهما (3). ثم قال: "حديث المغيرة حديث حسن صحيح (4)، وهو
__________
(1) عقب الحديث رقم (1755). وقد سقط من أكثر الطبعات كلمة: "حافظ". وهي ثابتة في نسخة الكروخي (ق 122 أ)، وفي طبعة الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط ورفاقه (3/ 540).
(2) رقم (98).
(3) في المطبوع: "ظاهرها".
(4) في المطبوعة: "حسن" قال أحمد شاكر في تعليقه بعد ما أشار إلى أن في نسخة (ب) "حسن صحيح": زيادة "صحيح" مخالفة لسائر الأصول الصحيحة. ويؤيد ذلك أن النووي في "المجموع" (1/ 517) وابن العربي في "شرح الترمذي" (1/ 146) والمنذري فيما حكاه في "عون المعبود" (1/ 63) والمجد ابن تيمية في "المنتقى" (1/ 232 من "نيل الأوطار") نقلوا عن الترمذي أنه قال: "حديث حسن".
(11/55)

حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ... ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة "على ظاهرِهما" غيرُه ... قال محمَّد - يعني البخاري -: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالاً:
الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة. قال ابن معين: إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة.
الحال الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة. ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة. وهذا قريب من الأول. وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين ما حدَّث به بالمدينة وما حدَّث به ببغداد. وهذا ممكن بأن يكون أتقنَ ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا فلم يوثِّر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثَّر فيه فيما لم يكن يُتقِن حفظَه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه.
الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة، فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصحُّ مما حدَّث به ببغداد. ونحو ذلك قول علي ابن المديني على ما حكاه يعقوب، وصرَّح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح. ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة والإرشادِ إلى السماع منه مخصِّصًا له من بين محدثي المدينة. ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قبل أن يلقِّنوه ويشبِّهوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه. وعلى ذلك تُحمل أحاديث [2/ 35] الهاشمي عنه لثناء ابن المديني عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصحَّ مما حدَّث به بالمدينة من حفظه.
(11/56)

الرابعة: بقية حديثه ببغداد، ففيه ضعف، إلا أن يُعلم في حديث مِن ذلك أنه كان يتقن حفظَه مثل إتقانه لما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا. وعلى هذا يدل صنيعُ الترمذي في انتقائه من حديثه وتصحيحه لعدة أحاديث منه. وقد دلَّ كلامُ الإِمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب. فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه.
فابن أبي الزناد في الحالين الأوليَيْن وما يلتحق بهما أثبَتُ من النهشلي بكثير، وفي الحال الثالثة إن لم يكن فوقه فليس بدونه، وفي الرابعة دونه.
وهذا الحديث مما حدَّث به بالمدينة، فإن ممن رواه عنه عبد الله بن وهب، كما في "سنن البيهقي" (ج 2 ص 33) بسند صحيح. وهو من أحاديث الهاشمي عنه، كما في "سنن أبي داود" (1) و"الترمذي" (2) وغيرهما. وجاء من غير وجه [عنه] على وتيرة واحدة، وصحَّحه من تقدَّم من الأئمة، فحاله فيه فوق حال النهشلي. وتأكد ذلك برجحان سنده على سند النهشلي كما مرَّ، وبموافقته للأحاديث الثابتة عن جماعة من الصحابة، ومخالفةِ أثر النهشلي لمقتضى تلك الأحاديث ومقتضى الآثار المتواترة عن الصحابة.
على أني أقول: لا مانع من صحة أثر النهشلي في الجملة. وبيان ذلك: أننا إذا علمنا الاختلاف في مسألة الرفع، ثم رأينا عالمًا لم نعرف مذهبه في ذلك، وأردنا أن نعرفه، فرقبناه في بعض صلاته، فلم نره رفع، فإنه يقع في
__________
(1) رقم (744).
(2) رقم (3423).
(11/57)

ظننا أن مذهبه عدمُ الرفع وأنَّ ذلك شأنه. فإذا مضت على ذلك مدة، ومات ذاك العالم، ثم بدا لنا أن نذكر حاله في الرفع، فقد نبني على ما تقدَّم، فنقول: لم يكن يرفع. فمن الجائز أن يكون اتفق لكليب أنه رَقَب عليًّا في بعض صلاته ليرى أمن مذهبه الرفع أم لا؟ فاتفق أن رفع عليّ عند الافتتاح رفعًا تامًّا رآه كليب، ثم تجوّز عليّ في الرفع عند الركوع فما بعده، فلم يره كليب، فظن أنه لم يرفع، وأن مذهبه عدم الرفع، فذهب يحكي عنه بحسب ذلك.
فإن قيل: لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن بُعدٍ.
قلت: لكنه أقرب الاحتمالات.
[2/ 36] فإن قيل: قد روي عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: "كان أصحاب عبد الله وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة" (1).
قلت: إنما أراد الذين صحبوا عبد الله، ثم صحبوا عليًّا, ولذلك قدَّم ذكر عبد الله، مع أن عليًّا أفضل. وكان أبو إسحاق يتشيَّع، وأصحاب عبد الله هم كانوا بعده المقتدى بهم مِن أصحاب عليّ. وفي مقدمة "صحيح مسلم" (2) عن المغيرة بن مِقْسَم قال: "لم يكن يصدق على عليّ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". وكان أصحاب عبد الله يلزمون ما أخذوه عنه، وإن رأوا عليًّا يخالفه، كما لزموا التطبيق وغيره. وقد تقدم الكلام على أخذهم عن عبد الله تركَ الرفع، فلا تغفلْ.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 236).
(2) (1/ 14).
(11/58)

فإن قيل: ولماذا لم ينكر عليهم عليّ؟
قلت: لعله لم يقف على ذلك من حالهم، أو أنكر عليهم فلم يَقْنَعوا، كما يحتمل ذلك في قضية التطبيق.
بقي قول ابن التركماني: "لخصمه أن يعكسه فيجعل فعل عليّ بعد النبي عليه السلام دليلًا على نسخ ما تقدم".
فأقول: ليس هذا بشيء، فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا ثبت، فادعى بعض الصحابة نسخَه، وخالفه غيره منهم = لم يثبت النسخ بتلك الدعوى، إذ قد يكون استند صاحبها إلى ما لا يوافقه غيرُه على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وخالفه غيره، ولم يرَ المخالف في قول صاحبه: "هذا منسوخ" حجةً، ولا رأى القائلُ قوله ذلك كافيًا في إثبات النسخ. فكيف يُظَنّ بعليّ أن يكون يرى أن الرفع منسوخ، ثم يخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعملون به عملًا شائعًا ذائعًا، ثم لا يتبع عليٌّ إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخه ويعلن ذلك؟ بل يقتصر على ما ليس بدليل على النسخ، ولا صريح في دعواه، ولا ظاهرٍ فيها، وهو الترك، إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رَقَبه بعضهم فقد يقول: لعله ترك لبيان الجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخَّص كما ترخَّص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أو الجهر بها كما تقدم. هذا ما لا يكون.
[2/ 37] فالحق ما تقدَّم من وهم أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري إنه لا يثبت عن أحدٍ من الصحابة تركُ الرفع، إلاَّ أن يكون
(11/59)

بعضهم تركَه في وقتٍ ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم. والله أعلم.
وأما الأمر السابع - وهو قول الكوثري: "فيدل ذلك على التخيير الأصلي" - فإن أراد بالتخيير الأصلي أن أحد الأمرين مندوب والآخر جائز، فهذا وجيه. ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع، فيكون تركه تركًا لمندوب، وهو جائز في الجملة، ولا يصح عكسه. فإن مَنْ يرفع إنما يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى، ولو كان الرفع غير مشروع لكان (1) فعله على وجه التعبد بدعة وكذبًا على الله تعالى وتكذيبًا بآياته، فكيف يقال: إنه جائز؟
وإن أُريد أن كلا الأمرين مندوب، فندبُ الرفع حق ثابت معقول، ولا دليل على ندب الترك مطلقًا. ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث نُدِب إنما يكون مكروهًا أو خلاف الأولى، والتخيير بين مندوبَيْن إنما يكون بين فعلين كالأذكار المأثورة في افتتاح الصلاة، إذا ثبت منها اثنان مثلاً، فيقال: أيهما أتى به المصلي فقد أحسن. وإذا أتى بأحدهما لم يكن تركه للآخر مكروهًا ولا خلافَ الأولى, لأنه إنما تركه إلى آخر يقوم مقامه.
فإن قيل: فها هنا أيضًا أمران: الرفع والسكون، فمن ترك الرفع فقد أتى بالسكون وهو مندوب.
قلت: السكون ترك، وإنما شُرع السكون في الصلاة عن الحركات التي لم تُشرع فيها، كما في "صحيح مسلم" (2) وغيره من حديث جابر بن سمرة
__________
(1) في المطبوع: "فكان". والمثبت يقتضيه السياق.
(2) رقم (431). وأخرجه أيضًا النسائي (3/ 64) والبيهقي في "الكبرى" (2/ 181).
(11/60)

قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذنابُ خَيل شُمُسٍ! إذا سلَّم أحدكم فَلْيلتفتْ إلى صاحبه ولا يومئْ بيده". وفي رواية (1): فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خَيلٍ شُمُس! اسكنوا في الصلاة". فأَمَرهم بالسكون عن تلك الحركة، وهي رفع الأيدي عند السلام، والإشارة بها يمنةً ويسرةً. وأمَرهم بالالتفات وهو حركة أيضًا، وإنما الفرق أن الحركة الأولى غير مشروعة، والثانية مشروعة. فعلى هذا يجري الأمر في سائر الحركات في الصلاة. فما كان واجبًا لم [2/ 38] يُعقل أن يكون السكون عنه جائزًا، وما كان مندوبًا لم يُعقل أن يكون السكون عنه إلاَّ مكروهًا أو خلاف الأولى، وما كان مباحًا فالسكون عنه مباح. والله الموفق.
وأما الأمر الثامن - وهو قول الكوثري: "وإنما خلافهم فيما هو الأفضل" - فوجيهٌ في الجملة، فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفِعل السنة أفضل من تركها. ومن التابعين فمَن بعدهم مَن لم تبلغه هذه السنة من وجه يثبت، أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهةٌ ترجَّح بها عنده أنها منسوخة، فيكون عنده أنَّ الرفع بدعة، وتركُ البدعة أفضل من فعلها. وكذلك من التبس عليه الحال، فإن ما يحتمل أن يكون سنةً وأن يكون بدعة، فتركُه أفضل. فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشبهات إيثارًا لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان.
...
__________
(1) عند مسلم برقم (430).
(11/61)

[2/ 39] المسألة الثالثة أفطر الحاجم والمحجوم
في "تاريخ بغداد" (13/ 388 [403]) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه قال: "ذُكِر لأبي حنيفة قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفطر الحاجم والمحجوم". فقال: هذا سجع".
قال الأستاذ (ص 81): "حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يُثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين ... ومَن أثبته يرى الحديث إما منسوخًا باحتجام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم، وإمّا مؤولًا بمعنى أنهما عرضة للإفطار ... ".
قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر: الإمامُ أحمد، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم. فأما ابن معين ففي "الفتح" (1): "قال المرُّوذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة".
وزعمُ الأستاذ أن مَن أثبته يراه منسوخًا أو مؤولاً، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث. قال ابن حجر في "فتح الباري" (2): "وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يُفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذَّ عطاء، فأوجب الكفارة أيضًا. وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان ...
__________
(1) (4/ 177).
(2) (4/ 174).
(11/62)

وبذلك قال الداودي من المالكية".
فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم، فالحديث رواه عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم" (1). ورواه وهيب عن أيوب بسنده: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو مُحرِم، واحتجم وهو صائم" (2). وفي "الفتح" (3): "ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله". وجاء عن مِقْسَم عن ابن عباس (4): "احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين مكة والمدينة، وهو صائم محرم". وذكر البيهقي (ج 4 ص 263) وقال: "ورواه أيضًا ميمون بن مهران عن ابن عباس" (5). وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، كما في "الفتح" (6). [2/ 40] وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد (ج 1 ص 305) (7) ذكر قصةَ اليهودية التي وضعت السمَّ في طعام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم، قال: فسافر مرة، فلما أحرم وجد من ذلك شيئًا، فاحتجم".
__________
(1) أخرجه البخاري (1939، 5694).
(2) أخرجه البخاري (1938).
(3) (4/ 177).
(4) أخرجه بهذا الطريق أبو داود (2373) والترمذي (777) وابن ماجه (1682، 3081) والبيهقي (4/ 263) وغيرهم.
(5) أخرجه بهذا الطريق الترمذي (776) والطحاوي في "معاني الآثار" (2/ 101).
(6) لم أجد الإشارة إليها في "الفتح". وهي في "مسند البزار" (11/ 214).
(7) رقم (2784).
(11/63)

وقد أجاب ابن خزيمة (1) عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائمًا ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر. وحاصل الجواب أنه - صلى الله عليه وسلم - أصبح في سفره صائمًا، ثم لما هاج به الوجع احتجم فأفطر. وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تُفطَّر الصائم، وعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبح صائمًا ثم رآه احتجم، ولم يبحث عمّا كان بعد الحجامة. فوقع في ظنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استمَّر على الصيام. ثم لما بلغه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ بعض الناس يرى أن الحجامة تفطِّر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه.
وهذا كما سَمع (2) أسامةَ يُحدّث بحديث: "لا ربا إلا في النسيئة" (3)، ولم يثبت عنده حديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، مثلاً بمثل، يدًا بيد" (4)، فكان يفتي بحِلِّ الذهب بالذهب مع التفاضل نقدًا، وكذا الفضة بالفضة. ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الآخر، فرجع (5).
وكما أخبره أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة فلم يصلِّ فيها، فكان يفتي بذلك (6). وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بين العمودين المقدمين (7).
وكما كان يرى أن لا قراءة في السِّريَّة، ويذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقرأ
__________
(1) في "صحيحه" (3/ 228).
(2) أي ابن عباس.
(3) أخرجه البخاري (2178، 2179) ومسلم (1596).
(4) أخرجه مسلم (1584).
(5) كما في "صحيح مسلم" (1594/ 100).
(6) أخرجه مسلم (1330).
(7) أخرجه البخاري (1598) ومسلم (1329).
(11/64)

فيها. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؛ فغضب (1). وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة (2).
وأمثال هذا كثير مما يحتج به الصحابي على حسب ظنه، ويتبين أن ظنَّه كان خطأ. وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس (3) ثم ذهب إلى الإفطار كما مرَّ (4).
فإن قيل: لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبِّين ذلك للناس.
قلت: يجاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الإفطار.
فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري (5) وعن أنس (6) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّص في الحجامة للصائم.
__________
(1) أخرجه الطبراني في "الكبير" (12005). وانظر "فتح الباري" (2/ 254).
(2) انظر "صحيح البخاري" (759 - 762) و"صحيح مسلم" (451 - 454).
(3) أخرجه البخاري (5695).
(4) انظر "الفتح" (4/ 174). وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 52) عنه: لا بأس بالحجامة للصائم ما لم يَخَفْ ضعفًا.
(5) أخرجه النسائي في "الكبرى" (3224، 3228) وابن خزيمة (3/ 230) والدارقطني (2/ 182)، قال الحافظ في "الفتح" (4/ 178): رجاله ثقات، ولكن اختُلف في رفعه ووقفه.
(6) أخرجه الدارقطني (2/ 182). وقال: كلهم ثقات, ولا أعلم له علة. وقال الحافظ في "الفتح" (40/ 178): رواته كلهم من رجال البخاري، إلاَّ أن في المتن ما يُنكَر, لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.
(11/65)

[2/ 41] قلت: في صحة ذلك عنهما كلام، كما ترى في "فتح الباري" (1). ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم في سفره، وقد مرَّ ما فيه.
وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره، فلا مسوِّغ له. والله أعلم (2).
__________
(1) (4/ 178).
(2) قلت: لا شك أن التأويل المذكور لا مسوغ له، ولكني أرى أن الجواب الصحيح هو أن الحديث منسوخ بنص حديثي أبي سعيد وأنس المذكورين، فإنهما حديثان صحيحان، له عن أبي سعيد طريقان، أحدهما صحيح، وعن أنس ثلاث طرق أحدها صحيح أيضًا، وأما الكلام الذي أحال المصنف فيه على "الفتح" فليس فيه ما يمكن أن يكون علة في الحديث لا سيما إذا نظر إليه من جميع طرقه، فإن كثرة الطرق للحديث تدل على أن له أصلاً، فكيف إذا كان بعض مفرداتها صحيحًا في نفسه، وليس هذا مجال شرح ذلك، ومحله في "إرواء الغليل" (931)، ولكن لا بأس من الإشارة إلى شيء من كلام الحافظ رحمه الله مع التعليق الموجز عليه، قال في بعض طرق أنس: "ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك".
قلت: وهذا سهو من الحافظ رحمه الله، فإنه ليس في الحديث ذكر للفتح أصلاً، وعليه فالحديث صحيح لا نكارة فيه، والعجيب أن الحافظ ادعى ما سبق بعد أن ذكر الحديث بدون ذكر الفتح، وهذا لفظه: "أخرجه الدارقطني ولفظه: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أفطر هذان، ثم رخصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. رواته كلهم ثقات ... ". وهكذا هو عند الدارقطني في "سننه" (ص 239). وإذا عرفت هذا اللفظ الصريح في النسخ يتبين لك أن قول المؤلف رحمه الله: "ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس ... " أنه غير ممكن، فتأمل. [ن].
(11/66)

[2/ 42] المسألة الرابعة إشعار الهدي
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [407]) عن يوسف بن أسباط: " ... وأشعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثْلَة".
قال الأستاذ (ص 87): "ليس من قوله فقط، بل هو أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي، كما يشير إلى ذلك الترمذي ... ، يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه، ولام التعريف تُحمل على المعهود في زمانهما ... على أن الأعمش يقول: لم نسمع إبراهيم النخعي يقول شيئًا إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في "الحلية" لأبي نعيم. فيكون قول النخعي هذا أثرًا يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره".
أقول: أما الترمذي (1)، فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: "سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة".
قال الترمذي: "سمعت أبا السائب (سَلْم بن جُنادة، وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أَشْعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقول أبو حنيفة: هو مُثْلَة! قال الرجل: فإنه قد رُوِي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقول: قال إبراهيم! ما أحقَّك بأن تُحبَس، ثم لا تخرج
__________
(1) رقم (906) من حديث ابن عباس.
(11/67)

حتى تَنزِعَ عن قولك هذا! ".
القائل: "فإنه قد رُوي عن إبراهيم" لا يُدرى من هو؟ وممن سمعه؟ وكيف إسناده؟ ولكن الأستاذ بنى على دعاوى:
الأولى: أن ذاك الرجل ثقة.
الثانية: أن قوله: "فإنه قد رُوِي" معناه فإن أبا حنيفة روى.
الثالثة: أنه سمع ذلك من أبي حنيفة.
[2/ 43] الرابعة: أن أبا حنيفة روى ذلك عن حماد، مع أنه لا ذِكر لحماد في الحكاية.
الخامسة: أن ذلك أثر, مع أن الأستاذ نقَمَ نحو ذلك في "الترحيب" (ص 28) فقال: "وإطلاق الأثر على ما لم يُؤثَر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح! ".
السادسة: أن إبراهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس، وإنما كان يقول ما يرويه بنصه. والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك. غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها، فيكون عرضة للخطأ كغيره.
السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدَّى منصوصها لا تشمل أقوالَ مَن قبله من التابعين ولا الصحابة، وإنما هي النصوص النبوية، فتكون أقوال إبراهيم وفتاواه كلُّها مراسيل أرسلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(11/68)

الثامنة: أن ذلك حجة.
ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخيرة بقوله: "يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه ... " ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: "الإشعار مُثلة" الحكم على الإشعار مطلقًا. ولو أراد ما زعمه الأستاذ لقال: "المبالغة في الإشعار مُثلة" أو نحو ذلك.
فأما إبراهيم، فلم يثبت ذاك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إنْ دَفعَ الملامة من جهة، أوقَعَ فيها من جهتين:
الأولى: الإطلاق الموهم للباطل.
الثانية: اتهامه جميعَ أهل زمانه - وفيهم بقايا الصحابة والتابعون - بالإطباق على ما لا يجوز، حتى استساغ أن يُطلِق ولا يفصِّل.
وأما أبو حنيفة، فقد اعتذر عنه الطحاوي (1) بقوله: "إنما كره ما يُفعل على وجه يُخاف منه هلاك البُدْن ... فأراد سدَّ هذا الباب عن العامة, لأنهم لا يراعون الحدّ في ذلك. وأما مَن كان عارفًا بالسنة في ذلك، فلا".
والمقصود هنا إثبات أن الإشعار سنة، وذلك حاصل على كل حال.
...
__________
(1) كما نقل عنه السرخسي في "المبسوط" (4/ 138) والحافظ في "الفتح" (3/ 544)، وعزاه الحافظ إلى كتابه "المعاني", ولم أجده في "معاني الآثار" المطبوع.
(11/69)

[2/ 44] المسألة الخامسة المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخفَّ ولا فديةَ عليه
في "تاريخ بغداد" (13/ 392 [409]) من طريق حماد بن زيد قال: "شهدتُ أبا حنيفة، وسُئل عن محرمٍ لم يجد إزارًا، فلبس سراويل. قال: عليه الفدية. قلت: سبحان الله! ... ".
قال الأستاذ (ص 94): " ... فهذان إنما أُبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه، فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية، كمن في رأسه أذًى فلَبِس، على ما في القرآن الكريم. وليس في الأحاديث ما يصرِّح بسقوط الفدية عن المعذور".
أقول: الذي في القرآن هو قول الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
فالذي في الآية الحلق. فقول الأستاذ: "فلبِسَ، على ما في القرآن الكريم" لا وجه له، اللهم إلا أن يريد: قياسًا على ما في القرآن؛ ففي عبارته تلبيس.
ومع ذلك، ففي صحة القياس نظر، لتوقُّفها على عدم فارق، والفارقُ هنا قائم؛ فإن الحلق شديد المنافاة للإحرام، بدليل أنه جُعل عَلَمًا للخروج من الإحرام - أعني التحلل - كما جُعل السلامُ عَلَمًا على الخروج من الصلاة. والسلامُ من خطاب الناس، وهو أشدُّ منافاةً للصلاة من غيره، بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه
(11/70)

لاستغاثة مثلاً، بخلاف الحركة مثلاً، فإنها وإن كانت منافيةً للصلاة أيضًا إلا أنه يجوز القليل منها مطلقًا، ويجوز الكثير في صلاة الخوف. فالتشديدُ في الحلق لا يستلزم التشديد فيما هو أخفُّ منه.
فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لُبْسِ عمامة لمرض مثلاً، فلا يقاس عليه لُبْسُ فاقدِ الإزار للسراويل، وفاقدِ النعلين للخفين, لأن ستر الرأس غير مطلوب شرعًا كطلب سترة العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشي إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني. فأما قياسُ لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن، فأبعَدُ عن الصحة، لاجتماع الفارقين معًا.
فإن قيل: أرأيت إذا تمكَّن فاقدُ الإزار من فَتْق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون [2/ 45] إزارًا كافيًا له، وتمكَّنَ فاقدُ النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟
قلت: لا يتجه إلزامه ذلك, لأنه يكثر أن لا يتمكن الإنسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفسادٌ للمال ينقص قيمته ومنفعته.
هذا، وقد صحَّ في الباب حديثان (1):
الأول: حديث ابن عمر في "الصحيحين" (2) وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا
__________
(1) وحديث ثالث عن جابر عند مسلم (1179) بنحو حديث ابن عباس الآتي.
(2) البخاري (1542) ومسلم (1177).
(11/71)

السراويلات ولا البرانس ولا الخِفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فَلْيلبسِ الخفَّين وَلْيقطَعْهما أسفلَ من الكعبين ... ". ويؤخذ منه من بابِ أولى الإذنُ في السراويل لمن لم يجد إزارًا, لأن الحاجة إلى ستر أسفل البدن أشد، وكونه مطلوبًا شرعًا أظهر. ويبقى النظر في القطع، فقد يقال: كما أمر بقطع أعلى الخفين، فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل. وقد يقال: إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين, لأن ما فوق ذلك إلى الركبة مشروع سترُه أيضًا وإنْ لم يجب، بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما. وقد يقال: لا يتعين القطع، بل الأولى العطفُ والتثبيتُ بالخياطة, لأن ذلك محصِّل للمقصود بدون إفساد. ولو كان يتأتَّى نحو ذلك في الخفَّين لقلنا به فيهما أيضًا. فأما فَتْق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون إزارًا، فقد دلَّ على عدم لزومه اكتفاءُ الحديث بما اكتفى به في الخفين، ولم يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين.
الحديث الثاني: حديث ابن عباس في "الصحيحين" (1) وغيرهما: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات: "مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومَن لم يجد نعلين فليلبس خفين". ففي هذا الحديث النصُّ على السراويل والخفين معًا, ولم يذكر القطع. فمن أهل العلم مَن أخذ به على إطلاقه، وقال: إنه ناسخٌ للأمر بقطع الخفين, لأن حديث ابن عباس متأخر. ومنهم من حمل المطلق على المقيد، فقال بقطع الخفين. فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى. أما على الثاني، فقد يتمسك فيه بالإطلاق، وقد يقال: بل يكون حكمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول.
__________
(1) البخاري (1841، 1843) ومسلم (1178).
(11/72)

وعلى كل حال، فسكوت الحديثين عن ذكر الفدية يدل أنها لا تجب، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. والبيان المتقدم في القرآن لم يتعرض لقضية السراويل والخفين، لا نصًّا ولا تنبيهًا، كما تقدم. والله أعلم.
***
(11/73)

[2/ 46] المسألة السادسة درهم وجوزة بدرهمين
في "تاريخ بغداد" (13/ 412 [439]) عن خالد بن يزيد بن أبي مالك قال: "أحلَّ أبو حنيفة الزنا، وأحلَّ الربا ... أما تحليل الربا فقال: درهم وجوزة بدرهمين نسيئةً لا بأس به ... ".
قال الأستاذ (ص 145): "فرية بلا مرية, لأنها على خلاف المدوَّن في مذهبه، وأبو حنيفة من أشد الفقهاء في النسيئة".
أقول: إن صح كلام الأستاذ، فقد يكون أبو حنيفة قال قولًا ثم رجع عنه. وقد يكون خالد رأى أنَّ إجازة ذلك نقدًا تستلزم إجازةَ نحوه نسيئةً كما يأتي. وبيان ذلك أن من فروع تلك القاعدة: صاع تمر ودرهم نقدًا (1) بخمسة آصُع من تمر نقدًا. يعتل الحنفية في إجازة ذلك بأنه في معنى بيعتين جائزتين: صاع بصاع نقدًا، وأربعة آصُع بدرهم نقدًا. فيقال لهم: فكذلك صاعُ تمر ودرهمٌ نقدًا بخمسة آصُع أحدها نقدٌ والباقي نسيئة، إذ يمكن أن يقال: هو في معنى بيعتين جائزتين: صاع بصاع نقدًا، وأربعة آصع نسيئة بدرهم نقدًا. فإن التزموا ذلك جاء ربا النسيئة. وإن قالوا: لا نجيزه، إذ قد يقصدان الربا كأن يكون عند رجل تمر جيد وعند آخر صاع تمر رديء لا يسدُّ حاجته، فيحتالان بتلك البيعة قاصدَين صاعًا بدرهم نقدًا، وصاعًا نقدًا بأربعة آصُع نسيئة. قلنا: فكذلك النقد قد يقصدان صاعًا بدرهم نقدًا، وصاعًا بأربعة آصع نقدًا. فالأستاذ تبرأ من ربا، فوقع في ربا.
__________
(1) في المطبوع: "نقد".
(11/74)

والحاصل أن هناك معنيين: أحدهما ربًا قصداه وقام الدليل على قصدهما إياه، والآخر جائز حاولا أن يُوهِماه. أفلا يُعاب من أعرض عن الأول، وبنى الحكم على الثاني؟ نعم، إذا لم يُعلم قصدُهما، واحتمل احتمالاً (1) قريبًا أنهما إنما قصدا المعنى الجائز، فقد يسوغ للعالم إذا لم يراعِ سدَّ الذريعة أن يصحِّح العقد إحسانًا للظن بالمسلمين، ويكره لهم هذه المعاملة مطلقًا؛ لأنها متهمة وذريعة إلى الربا. وربما يمكن الحنفيةَ تنزيلُ قول أبي حنيفة على هذا، وبذلك يدفعون المعرَّة عن إمامهم وأنفسهم. والله الموفق.
...
__________
(1) في المطبوع: "احتمال".
(11/75)

[2/ 47] المسألة السابعة خيار المجلس
في "تاريخ بغداد" (13/ 387 [403]) عن بشر بن المفضّل قال: "قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" قال: هذا رجز".
قال الأستاذ (ص 78): "إذا حمل - يعني الحديث - على خيار المجلس يكون مخالفًا لنص كتاب الله الذي يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما يخصُّه بمجرد تحقُّق ما يدل على التراضي. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: 29] ".
أقول: في "روح المعاني" (ج 2 ص 77) (1): "والمعنى: لا يأكُلْ بعضكم (2) أموال بعض. والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السُّدَّي، وهو المروي عن الباقر رضي الله عنه. وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابنُ جرير (3) أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنُسِخ ذلك بالآية التي في سورة النور: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ...} الآية [النور: 61]. والقول الأول أقوى،
__________
(1) (5/ 15) ط. المنيرية.
(2) في المطبوع: "بعضهم". والمثبت من روح المعاني.
(3) في "تفسيره" (6/ 627).
(11/76)

لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل. وقد أخرج ابن أبي حاتم (1) والطبراني (2) بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نُسِخت ولا تُنسَخ إلى يوم القيامة".
أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله "بالباطل" للسببية، وأن الباطل ما لا يَعتدُّ به الشرعُ سببًا للحِلِّ. والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل ما لا تحقُّق له. ونسبة المعنى الأول إلى السدِّي لا أراها تصح، وإنما قال السُّدّي كما في "تفسير ابن جرير" (ج 5 ص 19) (3): " {بِالْبَاطِلِ}: بالربا والقمار والبخس والظلم. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}: ليربَح في الدرهم ألفًا إن استطاع". فأول عبارته يصلح للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر؛ فأما الربا فإن مَن أقرض مائة ليقضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقُّق له. [2/ 48] فإن غايته أن يقول: لو لم أُقرِض المائة لعليّ كنت اتّجرتُ فيها فربحتُ، ولعل المستقرض اعتبر فيها، فربح. فيقال له: هذا لا تحقُّق له. ولعلك لو لم تُقرِضها لسُرِقت منك، ولعلك لو اتجرتَ فيها لخسرتَ، مع ما يلحقك من التعب والعناء. ولعل المستقرض لم يتجر فيها, ولعله اعتبر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن رَبح فبتَعَبِه.
ولتمام هذا موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن ذِكْرَ السُّدِّي للربا لا يحتِمُ أنه قائل بالمعنى الأول. وآخر عبارة السُّدِّي ظاهر في المعنى الثاني،
__________
(1) في "تفسيره" (3/ 926).
(2) في "المعجم الكبير" (10061).
(3) (6/ 626) ط. دار هجر.
(11/77)

وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد في الآية، ولكنه مستثنى استثناءً متصلاً على ما هو الأصل في الاستثناء.
ولنفرض مثالاً يبيِّن ذلك: ثوبانِ قيمةُ كلًّ منهما بحسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل البائع ذلك، ويظن قيمةَ كلٍّ منهما خمسة فقط فيبيعهما بعشرة. وقد يجهل المشتري فيظن قيمةَ كلٍّ منهما عشرين فيشتريهما بأربعين، فمن أخذهما بقيمة أحدهما، فقد أخذ أحدهما أو نصفيهما بما لا تحقُّق له. ومن باعهما بمثلَيْ قيمتهما، فقد أخذ نصف الثمن بما لا تحقُّق له. هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعدُّه الناس غابنًا أو مغبونًا البتة. لكنك إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقية مقدار ما غرِمه البائع على السلعة، أو مقدار ما ينقصه فقدها. فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشتري فقيمتهما مقدار ما تنفعه. وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير، فباع منه شَرْبةً لِمضطَرٍّ. ويبقى النظر في الثمن، ويخفى الأمر ويضطرب، وتضيق المعاملة جدًّا.
لا جَرَم، عَدلَ الشرعُ إلى اعتبار قيمة الزمان والمكان في ضمان المتلَفات وغير ذلك ما عدا التجارة. ولمَّا كان الاعتدادُ بذلك في التجارة يسدُّ بابَ الربح، فيرغب الناس عن التجارة، فتضيع المصالح = عدَلَ الشارعُ إلى اعتبار ما تراضى به المتبايعان. فما تراضيا به، فهو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة. لكن هذا لا يمنع أن يسمَّى الغبنُ أكلًا بالباطل بالنظر إلى التحقق. وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرَّمًا في الشرع. وفي الحديث: "كلُّ شيء يلهو به الرجل باطلٌ إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه،
(11/78)

وملاعبتَه امرأتَه فإنهن من الحق" (1). ومعلوم أنَّ فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعًا.
[2/ 49] فأما ما أُكِل على وجه مكارم الأخلاق، فإنه إذا عُمِل فيه بالمشروع لم يكن على كلا المعنيين من الأكل بالباطل. وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على إحسان سابق، وقد يرجو عوضًا مستقبلاً، إما مالاً وإما منفعةً، وأقلُّ ذلك: الثناء. والأكلُ في مقابل إحسان سابق أكلٌ بأمر متحقِّق. والمشروع للمبذول له على رجاء مستقبَل أن يقبل عازمًا على المكافأة فيكون بمنزلة من يقترض عازمًا على أن يقضي. وإنما كان بعض الصحابة أولاً يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم خشيةَ أن لا يتيسَّر لهم المكافأة المرضية. فبيَّن الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج في الأكل، يريد - والله أعلم -: ما دام ذلك جاريًا على المعروف. والمعروف أن الناس يكرم بعضهم بعضًا، ويكافئ بعضهم بعضًا بالمعروف، فمن أكل عازمًا على المكافأة بحسب ما هو معروف بين أهل المروءات، فلم يأكل بما لا تحقُّق له. نعم لو فرضنا أن رجلاً غنيًّا لئيمًا اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غيرَ عازمٍ على المكافأة المعروفة، كان هذا - والله أعلم - داخلًا في الباطل على كلا المعنيين.
وإذا تدبرتَ علمتَ أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع ما توهَّمه أولئك المتحرِّجون. وقد عُرِف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على مطلق البيان، فهذا - والله أعلم - من ذاك. وبهذا كله
__________
(1) أخرجه الترمذي (1637) من حديث عقبة بن عامر، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(11/79)

اندفع ما رُجِّح به المعنى الأول، وترجَّحَ المعنى الثاني، فيكون الاستثناء متصلاً، كما هو الأصل. والله أعلم.
وقوله تعالى: {عَنْ تَرَاضٍ} نصٌّ في اشتراط رضا كلًّ من المتبايعين. والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على المعنى الذي عليه مدارُ الحكمة كالرضا ها هنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط، فما هو الضابط ها هنا؟
بنى الأستاذ على أنه الصيغة، أي الإيجاب والقبول، كما في النكاح. وذلك مدفوع بوجهين:
الأول: أن الصيغة قد عُلِمت بقوله: "تجارة".
الثاني: أنها ليست بواضحة الدلالة على الرضا، إذ قد تكون عن هزل أو سبق لسان أو استعجال، قبل تمكُّن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل؛ بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلاَّ مرة، ويحتاط الناس له ما لا [2/ 50] يحتاطون للبيع.
والشارع يتشوَّف إلى تثبيت النكاح ما لا يتشوَّف إلى تثبيت البيع. جاء في الحديث: "أبغضُ الحلال إلى الله الطلاقُ" (1)، وجاء فيه: "من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرتَه يوم القيامة" (2). ومبنى البيع على المشاحَّة، ومبنى
__________
(1) أخرجه أبو داود (2178) وابن ماجه (2018) والحاكم في "المستدرك" (2/ 196) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 322). وإسناده ضعيف.
(2) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان في "صحيحه" (5029) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 27) من حديث أبي هريرة.
(11/80)

النكاح على المكارمة. وأوضح من هذا كلِّه أن في الحديث: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ، وهزلُهن جِدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة" (1). ففرَّق بين هذه الثلاث وبين غيرها كالبيع.
على أن تعيين الضابط إنما هو للشارع، فإذا لم يظهر من الكتاب وجب الرجوع إلى السنة، فنجدها قد ضبطت التراضي بحصول أحد أمرين بعد الإيجاب والقبول: إما اختيار اللزوم، وإما أن يستمرَّا على ظاهر حالهما من التراضي مدةَ اجتماعهما ويتفرقا على ذلك. ولا يخفى على المتدبر أن هذا بغاية المطابقة للحكمة. أما اختيار اللزوم، فواضح أنه بيَّن في استحكام التراضي. وأما الاستمرار على ظاهر الحال من التراضي والتفرق على ذلك، فلأن الغالب أنه إذا كان هناك هزل أو سبق لسان أو استعجال أن يتداركه صاحبه قبل التفرق، ولا سيَّما إذا علم أن التفرق يقطع الخيار.
فبان بهذا أن الحديث مفسِّرٌ للآية التفسيرَ الواضح المطابق للحكمة، لا مخالفٌ لها كما زعم الكوثري. وراجع "تفسير ابن جرير" (2). ويؤكد هذا المعنى ما في "سنن أبي داود" (3) وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "المتبايعان بالخيار ما لم
__________
(1) أخرجه أبو داود (2195) والترمذي (1184) وابن ماجه (2039) والحاكم في "المستدرك" (2/ 197، 198) والبيهقي في "الكبرى" (7/ 340، 341)، وحسَّنه الترمذي وصححه الحاكم.
(2) (6/ 631 - 637).
(3) رقم (3465). وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (6721) والترمذي (1247) والنسائي (7/ 251، 252)، وإسناده حسن.
(11/81)

يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار. ولا يحلُّ له أن يفارقَ صاحبَه خشيةَ أن يستقيلَه".
والمراد - والله أعلم - أنه لا يحلُّ لأحدهما أن يستغفل صاحبه، فيفارقه وهو لا يشعر؛ إذ قد لا يكون استحكم رضاه، وكان يريد الفسخ؛ إلا أنه أمهل اعتمادًا على أن ذلك لا يفوت، حتى لو رآه يريد المفارقة لبادر بالفسخ. فأما ما جاء عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارَقَ صاحبه (1)، فمحمول على مبادرته بالمفارقة وصاحبُه يراه، أو لا يكون وقف على هذه الزيادة (2).
وقوله: "حتى (3) يستقيله" لا يدل على لزوم العقد، فإن الاستقالة بعد لزوم العقد لا تمنع فيها المفارقة؛ إذ قد يستقيله بعد أن يفارقه ويمضي زمان. وإنما المراد - والله أعلم - أن صاحبه قد يندم [2/ 51] في المجلس، فلا يبادر إلى الفسخ، ويرى من حُسن الأدب والعشرة أن يقول له: "أَقِلْني"، ليكون الفسخ برضاهما فإنه أطيب للنفوس.
قال الكوثري: "على أن الحديث إذا حمل على خيار الرجوع بمعنى أن البائع أو المشتري (4) إذا أوجب فله حق الرجوع قبل قبول الآخر في المجلس، فيزول خيار الرجوع من الموجِب - بائعًا كان أو مشتريًا - بقبول الآخر قبل انقطاع المجلس = فهذا المعنى يكون غير مخالف لكتاب الله تعالى".
__________
(1) أخرجه البخاري (2107) ومسلم (1531/ 45).
(2) انظر "التلخيص الحبير" (3/ 20).
(3) كذا في المطبوع، ولفظ الحديث السابق: "خشية أن".
(4) في (ط): "والمشتري"، والتصويب من "التأنيب".
(11/82)

أقول: قد علمت أن الحديث بالمعنى الواضح من إثبات خيار المجلس لكلًّ من المتبايعين بعد تبايعهما غيرُ مخالف لكتاب الله تعالى. وأما هذا المعنى الذي ذكره الكوثري، فالحديث غير محتمل له كما يأتي. ولو احتمله وحُمِل عليه لبقي ما في القرآن في معنى المجمل, لأن قول أحدهما: "بعت" وقول الآخر فورًا: "اشتريت" لا يتضح به التراضي المشروط في القرآن، لاحتمال الهزل وسبق اللسان والاستعجال، كما مرَّ.
ثم حاول الأستاذ تقريب احتمال الحديث للمعنى الذي زعمه فقال:
"وعلى هذا التقدير يكون لفظ "المتبايعين" حقيقةً، إذ هذا اللفظ محمول على حالة العقد في تقديرنا، وحملُه على ما بعد صدور كلمتي المتعاقدين يجعله مجازًا كونيًّا. وفائدة الحديث أن خيار الرجوع ثابت لهما ما دام أحدهما أوجب، ولم يقبل الآخر في المجلس، لا كالخلع على مال والعتق على مال؛ لأنه ليس للزوج ولا المولى الرجوع فيهما قبل قبول المرأة والعبد".
أقول: المُلجئ إلى الفرار إلى هذا القول أن تأويل قدماء الحنفية "المتبايعان" بالمتساومين و"التفرق" بالإيجاب والقبول أُبطِلَ بوجوه:
منها: أنه إخراجٌ للَّفظ عن حقيقته بلا حجة.
ومنها: أن الحديث يبقى بلا فائدة، إذ لا يجهل أحد أن التساوم لا يلزم به شيء. وستعلم أن هذا الفارَّ كالمستجير من الرمضاء بالنار (1)!
قوله: "يجعله مجازًا كونيًّا"، تفسيره أن من الأصول المقررة أن المشتق
__________
(1) مثل مشهور، وهو شطر بيت، صدره: المستجير بعمروٍ عند كربتهِ قائله: التّكلام الضُبَعي، كما في "فصل المقال" (ص 377).
(11/83)

يصدُق على الموصوف حقيقةً حين وجود المعنى المشتق منه، فإن لم يمكن فآخر جزء منه. فأما قبل حصوله فمجاز كونيٌّ، أي باعتبار ما سيكون. واختلف فيما بعد زواله، فقيل: حقيقة، وقيل: مجاز كوني، [2/ 52] أي باعتبار ما كان.
فأقول: هذا الأصل يقضي بأنه لا يصدُق حقيقةً على الإنسان لفظُ "بائع" إلا حين وجود البيع حقيقة، وإنما يكون ذلك عند آخر حرفٍ من الصيغة المتأخرة. والحديث يُثبِت أن لكل منهما حينئذٍ الخيار، ويستمرُّ إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا.
وأوضح من ذلك أن الذي في الحديث: "المتبايعان"، والتفاعل إنما يوجد عند وجود فعل الثاني، ألا تراك إذا ضربتَ رجلاً أنه لا يصدق عليكما "متضاربان"، ولا عليك أنك أحد المتضاربَين، وإنما يصدق ذلك إذا عقب ذلك ضربُه لك، فحينما تصيبك ضرْبتُه يوجد التضاربُ حقيقةً، فيصدق عليكما أنكما متضاربان، وأنك أحد المتضاربين.
فإن قلت: كيف وقد زال فعلي؟
قلت: الزائل هو ضربك، والفعل المشتق منه هنا هو التضارب، وهو فعلٌ واحدٌ ضربُك جزء منه، والجزء لا يشترط بقاؤه ولا يضرُّ زواله. ألا ترى أنه يصدق حقيقةً على مَن يتكلم أنه "متكلم" عند آخر حرف من كلامه مع أن أكثر الحروف قد زالت! فإنما يصدق حقيقةً على المتبايعَين أنهما "متبايعان" عند آخر حرف من صيغة المتأخر منهما، وحينئذ يثبت لهما بحكم الحديث الخيار مستمرًّا إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا.
(11/84)

ووجه ثالث، وهو أن الحديث كما في "الموطأ" و"الصحيحين" (1) يُثبِت أن "لكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا". فهو ثابت للمتأخر قطعًا، يثبت له عند آخر حرفٍ من صيغته مستمرًّا إلى أن يتفرقا. ولا قائلَ بأنه يثبت للمتأخر دون المتقدم، فثبت لكل واحد منهما عند آخر حرف من صيغة الثاني مستمرًّا إلى أن يتفرقا، وهو قولنا.
ولو قال المحتسب للعون وهو يرى رجلاً يضرب آخر: أمسِك الضاربَ حتى تُحضِره عند الحاكم، لكانت كلمة "الضارب" حقيقةً، والحكمُ بالإمساك مستمرًّا إلى غايته، وإن كان الضرب ينقطع قبلها. وهكذا في السارق والزاني وغير ذلك. فقد اتضح أن قولنا مبني على الحقيقة، وضلَّ سعيُ الأستاذ في زعم أنه يكون مجازًا. فأما القول الذي اختاره، فلا يحتمله الحديث حقيقة ولا مجازًا.
فأما قوله: "وفائدة الحديث ... " فمبني على القول الذي قد فرغنا منه. ومع ذلك، فالحديث أثبتَ الخيارَ لكل واحدٍ من المتبايعين، وصيغةُ الموجِب للبيع لا تتضمن ما لا يحتاج إلى قبول، بخلاف موجِب الخلع أو العتق على مال، فإن إيجابه يتضمن الطلاق أو العتق. فإيجابه في معنى تعليق [2/ 53] الطلاق أو العتق، ولا رجوع في ذلك. فثبت أنه لا يتوهم في البادئ بالصيغة من المتساومَين أنه لا رجوع له، فحملُ الحديث على هذا المعنى الذي اختاره الأستاذ مثلُ حملهِ على المتساومين في أنه لا تكون له فائدة.
هذا, ولم يظفر الأستاذ بعد الجهد بشبهةٍ ما تُجرِّئه على زعم أن كلمة "يتفرقا" في الحديث إن حُمِلت على قولنا كانت مجازًا، وإن حُمِلت على
__________
(1) "الموطأ" (2/ 671) والبخاري (2111) ومسلم (1531).
(11/85)

قولهم كانت حقيقة. فعدل إلى قوله:
"والتفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البينة: 4]، وقوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ (1) اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130] , وفي الحديث: "افترقت اليهود .. " الحديث. بل التفرق بالأبدان من شأنه إفساد العقود في الشرع لا إتمامها، كعقد الصرف قبل القبض، وعقد السلم قبل القبض لرأس المال، والدَّين بالدَّين قبل تعيين أحدهما. وفي حمل الحديث على التفرق بالأبدان خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى. وأما حملُه على التفرق بالأقوال، فليس فيه خروج عن الأصول، ولا مخالفة لكتاب الله تعالى، مع كونه أشهر في الكتاب والسنة".
أقول: التفرقُ فكُّ الاجتماع، وهو حقيقةٌ في التفرق بالأبدان بلا شبهة. وكثيرًا ما يأتي الاجتماع والتفرق مجازًا في الأمور المعنوية بحسب ما تدل عليه القرائن، ومن ذلك: الشواهد [2/ 54] التي ساقها الأستاذ. ومجيءُ الكلمة في موضع أو ألف موضع أو أكثر مجازًا بقرينته لا يُسوِّغ حملَها على المجاز حيث لا قرينة. وهذه كلمة "أسد" كثُر جدًّا استعمالُها في الرجل الشجاع مع القرينة، حتى لقد يكون ذلك أكثر من استعمالها في معناها الحقيقي، ومع ذلك لا يقول عاقل: إنه يُسَوِّغ حملَها على المجاز حيث لا قرينة، وهذا أصل قطعي ينبغي استحضاره، فقد كثُر تغافلُ المتأولين عنه تلبيسًا على الناس.
__________
(1) وقع في "التأنيب" (ص 79): "إن تفرقا يغني"، واقتصر في إصلاح الأغلاط (ص 190) على إصلاح "يغن"! [المؤلف].
(11/86)

نعم إذا ثبت أن الشارع نقَلَ الكلمةَ إلى معنى آخر، صارت حقيقة شرعية في المعنى الذي نُقلت إليه. وهذا منتفٍ هنا، إذ لا يدّعي أحد أن الشارع نقل كلمة "التفرق" إلى معنى غير معناها اللغوي.
وأما كثرة مجيئها في القرآن في الأمور المعنوية، فإنما ذلك لأن تلك الأمور مهمة في نظر الشارع، فكثُر ذكرُها دون افتراق الأبدان. ولها في ذلك أسوة بكلمات كثيرة كالرقبة والكظم والزيغ والحَيْف واللين والغِلَظ وغير ذلك.
ولا اختصاص للشواهد التي ذكرها الأستاذ بالقول، بل كلها في تفرق معنوي قد يقع بالقول، وقد يقع بغيره. فالتفرقُ عن الاعتصام بحبل الله يحصل بأن يكفر بعض، ويبتدع [بعض] (1)، ويجاهر بالعصيان بعض، وكل من الكفر والابتداع والعصيان قد يقع بالاعتقاد، وبالفعل، وبالقول. وتفرُّق أهل الكتاب بعد مجيء الرسول هو بإيمان بعضهم، واشتدادِ كفر بعضهم، ولا اختصاص لذلك بالقول. وتفرُّقُ الزوجين قد يكون بالفعل كإرضاعها ضرَّةً لها صغيرة, وبالقول من جانب، وبالقول من الجانبين، وبنيَّة الزوج القاطعة على قول مالك. وافتراقُ اليهود باختلاف اعتقاداتهم وما يبنى عليها من الأفعال والأقوال.
ومع هذا، فالتفرق في هذه الأمثلة إنما هو عن اجتماع سابق، وتعاقدُ المتساومين أجدرُ بأن يسمَّى اجتماعًا بعد تفرق، كما لا يخفى. لكنني أُرفِد الأستاذ، فأقول: إن المتساومين يجتمعان بأبدانهما، وتحملهما الرغبة في
__________
(1) زيادة ليكون التقسيم ثلاثيًا.
(11/87)

البيع على أن يبقَيا مجتمعَين ساعة، ثم إذا تعاقدا زال سبب الاجتماع فيتفرقان بأبدانهما، فالتعاقد كأنه سبب للتفرق، فقد يسوغ إطلاق التفرق على التعاقد لذلك. لكن قد يقال: ليس التعاقد سببًا مباشرًا، ومثله في ذلك عدم الاتفاق على الثمن، فإنهما إذا يئسا من الاتفاق زال سبب الاجتماع. ثم إن ساغ ذاك الإطلاق فمجاز ضعيف لا دليل عليه ولا مُلجِئَ إليه. بل الحديث نص صريح في قولنا، ففي "الصحيحين" (1) من [2/ 55] حديث الإِمام الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا تبايع الرجلان فكلُّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا ... وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع".
قوله: "بل التفرق بالأبدان من شأنه إفساد العقود ... ".
أقول: فساد العقد في هذه المسائل ليس للتفرق من حيث هو تفرُّق، بل من جهة أخرى حصلت بالتفرق، وهي صيرورته ربًا في الأولى، وبيعَ دَينٍ بدين في الأُخريين. وتفرُّقُ المتعاقدين في شراء دارٍ أو فرس معينة بذهب أو فضة مثلًا لا يحصل به شيء من ذلك ولا ما يشبهه، بل يحصل به ما يُثبت العقدَ ويؤكِّده، وهو تبيُّنُ صحةِ التراضي المشروط في كتاب الله عزَّ وجلَّ، واستحكامه كما تقدم إيضاحه. وكثيرًا ما يُناط بالأمر الواحد حكمان مختلفان من جهتين مختلفتين، كإسلام أحد الزوجين ينافي النكاح إذا كان الآخر كافرًا، ويُثبِته إذا أسلم الآخر أيضًا، أو كان قد أسلم قبل ذلك على خلاف؛ وكإسلام المرأة الأيَّم يُحِلُّ نكاحَها للمسلم ويُحرِّمه للكافر، ويمنع إرثها من أقاربها الكفار، ويُثبِته لها من أقاربها المسلمين. وأمثال ذلك لا تحصى.
__________
(1) البخاري (2112) ومسلم (1531/ 44).
(11/88)

على أن الأثر الحاصل بالتفرق في مسألتنا ليس هو تصحيح العقد حتى تظهر مخالفته لتلك الصور، فإن العقد قد صح بالإيجاب والقبول. وإنما أثرُ التفرُّقِ قطعُ الخيار، وإن شئتَ فقلْ: إفساد الخيار.
قوله: "خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى".
أقول: أما الخروج عن الأصول فالمراد به مخالفة القياس، يسمُّونه خروجًا عن الأصول تمويهًا وتهويلًا وتستُّرًا! وقد تقدم الجواب الواضح عمّا ذكره الأستاذ من القياس. وبينما الأستاذ يتبجح في آخر (ص 161) بقوله: "أجمع فقهاء العراق على أن الحديث الضعيف "يُرجَّح على القياس"، ويقول (ص 181) في الحسن بن زياد: "كان يأبى الخوض في القياس في مورد النص، كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة"، يعني ببعض المشاغبين: الإِمام الشافعي ورفيقًا له أورد على الحسن بن زياد أنه يرى أن قذْفَ المحصَنات في الصلاة لا يُبطِل [2/ 56] الوضوء، فكيف يرى أن القهقهة تبطله؟! فقام الحسن، وذهب = إذا بالأستاذ يردُّ أحاديثَ خيار المجلس زاعمًا أنها مخالفة للقياس. هذا مع ضعف حديث القهقهة ووضوح القياس المخالف له، وثبوت أحاديث الخيار ووهن القياس المخالف لها.
وأما المخالفة للكتاب، فقد تقدَّم تفنيدُ زعمها. وبينما ترى الأستاذ يحاول التشبُّثَ بدعوى مخالفة الكتاب هنا، إذا به يُعرِض في مسألة القصاص في القتل بالمثقَّل، ومسألة مقدار ما يُقطع سارقه، عن الدلالات القرآنية الواضحة مع ما يوافقها من الأحاديث الصحيحة, وموافقة القياس الجلي في مسألة القصاص. إلى غير ذلك من التناقض الذي يؤلِّف بينه أمر
(11/89)

واحد هو الذبُّ عن المذهب، والغلوُّ في ذلك إلى الحد الذي يصعب معه تبرئةُ صاحبه من أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، واتخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله. والله المستعان.
قال الأستاذ: "ولا نصَّ فيما يُروى عن ابن عمر من القيام من مجلس العقد على أن خيار المجلس من مذهبه، بل قد يكون هذا منه لأجل أن يقطع على من بايعه حقَّ الرجوع، لاحتمال أنه ممن يرى خيار المجلس. وقد خوصم ابن عمر إلى عثمان في البراءة من العيوب، فحمله عثمانُ على خلاف رأيه فيها، فأصبح يرعى الآراء في عقوده".
أقول: قد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث صريحًا في إثبات خيار المجلس كما تقدم. وفي "صحيح البخاري" (1) من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا ... الحديث، ثم قال نافع: "وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يُعجِبه فارقَ صاحبَه". وفي "صحيح البخاري" (2) من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: "بعتُ من أمير المؤمنين عثمان ... فلما تبايعنا رجعتُ على عقبي حتى خرجتُ من بيته خشية أن يُرادَّني البيعَ، وكانت السنَّة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ... فلما وجب بيعي وبيعُه رأيتُ أني قد غبنتُه".
فصراحة الحديث نفسه، ثم جعلُه سببًا لمفارقة ابن عمر من يشتري منه ما يُعجِبه، وقوله: [2/ 57] "وكانت السنة ... "، وقوله: "فلما وجب بيعي وبيعه ... " بغاية الوضوح في بطلان قول الأستاذ: "قد يكون هذا منه ... ".
__________
(1) رقم (2107).
(2) رقم (2116).
(11/90)

قال الأستاذ: "ولأصحابنا حجج ناهضة".
أقول: بل شبه داحضة.
قال: "وعالم دار الهجرة مع أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة، ومن ظن وهنًا بما اتفق عليه إمام أهل العراق وإمام أهل الحجاز فقد ظنَّ سوءًا".
أقول: أما من اعتقد وهنَ قولِهما المخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رواية جماعة من الصحابة، وعمل به وقضى به جماعةٌ منهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة= فإنما اعتقد ما يجب على كل مسلم أن يعتقده. فمن زعم أن هذا المعتقِد قد ظنَّ سوءًا، فقد شارف الخطر الأكبر أو وقع فيه.
ثم ذكر الأستاذ كلمة ابن أبي ذئب، وهو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد ذكرتها في ترجمته من قسم التراجم (1).
وفي "تاريخ بغداد" (13/ 389 [405]) عن ابن عيينة قال: "ما رأيتُ أجرأَ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيردُّه. بلغه أني أروي: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فجعل يقول: أرأيتَ إن كانا في سفينة، أرأيت إن كانا في سجن، أرأيت إن كانا في سفر، كيف يفترقان! ".
قال الأستاذ (ص 82): "هكذا كان غوص أبي حنيفة على المعنى حتى اهتدى إلى أن المراد بالافتراق: الافتراق بالأقوال، لا الأبدان".
أقول: مغزى تلك العبارة أننا إذا قبلنا الحديث وَرَدَ علينا أنه قد يتفق أن لا يتمكن المتبايعان من التفرق. والجواب أن الحديث قد فتح لهما بابًا آخر
__________
(1) لم تَرِد ترجمته في قسم التراجم، ولعلها كانت في المسوّدة ثم حذفها المؤلف. وأما كلمته فستأتي قريبًا (ص 93).
(11/91)

يتمكنان به من إبرام العقد، وهو أن يختارا اللزوم، فيلزم من غير تفرق. وإن أرادا أو أحدهما الفسخَ فظاهر. وكأن أبا حنيفة لم تبلغه رواية مصرِّحة بذلك.
فإن قيل: قد يبادر أحدهما فيختار اللزوم، ويأبى الآخر أن يختار اللزوم أو يفسخ، فيتضرر المبادر؛ لأنه لا يمكنه إبرام العقد ولا فسخه.
قلت: هو المضيِّق على نفسه بمبادرته، فلينتظر التمكن من المفارقة بأن تصل السفينة إلى مرفأ، أو يطلَقا أو أحدُهما من السجن، أو يُنقل أحدُهما إلى سجن آخر، أو يبلغ المسافران حيث لا يخاف من [2/ 58] الانفراد والتباعد عن الرفقة.
فإن قيل: لكن المدة قد تطول مع جهالتها.
قلت: اتفاقُ أن يجتمع أن يبادر أحدهما، ويمتنع التفرق، وتطول المدة، وتفحش الجهالة = نادرٌ جدًّا. ويقع مثل ذلك كثيرًا في خيار الرؤية. وكذلك في الصَّرْف والسلَم وغيرها مما لا يستقر فيه العقد إلا بالقبض قبل التفرق. فمثلُ ذلك الاستبعاد إن ساغ أن يُعتدَّ به، ففي التوقف عن الأخذ بدليل في ثبوته أو في دلالته نظر. وليس الأمر ها هنا كذلك، فإن الحديث بغاية الصحة، والشهرة، ووضوح الدلالة. فهو في "الصحيحين" وغيرهما من طُرق عن ابن عمر، وصحَّ عنه من قوله وفعله ما يوافقه. وهو في "الصحيحين" (1) وغيرهما من حديث حكيم بن حزام. وصحَّ عن أبي برزة (2) أنه رواه وقضى به. وجاء
__________
(1) البخاري (2108، 2110) ومسلم (1532).
(2) أخرجه أحمد في "المسند" (19813) وأبو داود (3457) وابن ماجه (2182) =
(11/92)

من حديث عبد الله بن عمرو (1)، وأبي هريرة (2)، وسمرة (3)، وغيرهم (4). وجاء عن أمير المؤمنين عليّ القضاءُ به. ولا مخالفَ من الصحابة، وإنما جاء الخلاف فيه من التابعين عن ربيعة بالمدينة، وإبراهيم النخعي بالكوفة.
واشتد نكير ابن أبي ذئب إذ قيل له: إن مالكًا لا يأخذ بهذا الحديث، فقال: "يستتاب، فإن تاب وإلا يقتل" (5). ومالك إنما اعتذر في "الموطأ" (6) بقوله بعد أن روى الحديث: "ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمرٌ معمول به فيه". وتعقَّبه الشافعيُّ وغيرُه بأنّ الحدّ معروف نقلاً ونظرًا، فإنه معلوم أن التفرُّق حقيقة في التفرق بالأبدان، وحدُّه معروف في العُرف. وقد اتفقوا على نظيره في الصرف والسلم. والعمل ثابت عن الصحابة وكثير من
__________
= والبيهقي في "الكبرى" (5/ 270).
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه أحمد (8099) وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 125) والطيالسي في "مسنده" (2568) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 13) و"مشكل الآثار" (5265). وإسناده ضعيف، والحديث صحيح لغيره.
(3) أخرجه أحمد (20142, 20182 ومواضع أخرى) والطبراني في "الكبير" (6834، 6836، 6838) والبيهقي (5/ 271) من طريق الحسن البصري عن سمرة, والحسن مشهور بالتدليس. والحديث صحيح لغيره.
(4) منهم ابن عباس، أخرج حديثه ابن حبان في صحيحه (4914) والحاكم في "المستدرك" (2/ 14). وإسناده حسن.
(5) يراجع "التمهيد" (14/ 9، 10) و"تاريخ بغداد" (2/ 302). وانظر تعليق الذهبي عليه في "السير" (7/ 142، 143).
(6) (2/ 671).
(11/93)

أئمة التابعين بالمدينة وغيرها. وراجع كتاب "الأم" للشافعي أوائلَ المجلد الثالث (1).
...
__________
(1) (4/ 11 وما بعدها) ط. دار الوفاء. وانظر "المحلى" (8/ 351 - 365) و"التمهيد" (14/ 8 - 27) و"الفتح" (4/ 330 - 332).
(11/94)

[2/ 59] المسألة الثامنة رجل خلا خلوةً مريبةً بامرأة أجنبية يحِلُّ له أن يتزوجها، فعُثِر عليهما، فقالا: نحن زوجان
تقدم في المسألة السادسة قول خالد بن يزيد بن أبي مالك: "أحلَّ أبو حنيفة الزنا ... ". قال: "وأما تحليل الزنا فقال: لو أن رجلاً وامرأة اجتمعا في بيت، وهما معروفا الأبوين، فقالت المرأة: هو زوجي، وقال هو: هي امرأتي = لم أَعرِضْ لهما"
قال الأستاذ (ص 145): "قال الملك المعظَّم في "السهم المصيب": إذا جاء واحد إلى كل واحد من امرأة ورجل، فقالا له: نحن زوجان، فبأي طريقة يفرِّق بينهما أو يعترض عليهما؛ لأن كل واحد منهما يدعي أمرًا حلالًا؟ ولو فُتِح هذا الباب لكان الإنسان كلَّ يوم بل كلَّ ساعة يُشهِد على نفسه وعلى زوجه أنهما زوجان. وهذا لم يقل به أحد من الأئمة، وفيه من الحرج ما لا يخفى على أحد".
أقول: في كتب الحنفية (1): "إن إقرار الرجل أنه زوجها، وهي أنها زوجته يكون إنكاحًا، ويتضمن إقرارُهما الإنشاء". فهذه هي مسألة ابن أبي مالك استشنعها الأستاذ نفسه، وكذلك ملِكُه المعظَّم عنده، ولذلك لجأ إلى المغالطة. وحاصلها أننا إذا عرفنا رجلاً وامرأةً نعلم أنهما ليسا بزوجين، ثم وجدناهما في خلوة مريبة، فقال: هي زوجتي، وقالت: هو زوجي، فأبو حنيفة يقول: يكون اعترافهما عقدًا ينعقد به النكاح، فيصيران زوجين
__________
(1) انظر "فتاوى قاضي خان" (1/ 322) و"فتح القدير" (3/ 205) و"حاشية ابن عابدين" (3/ 13).
(11/95)

من حينئذ، ولا يعرض لهما! ففي هذا ثلاثة أمور:
الأول: أنه بلا ولي.
الثاني: أنه كيف يكون إنشاء، وإن لم يقصداه؟
الثالث: أنه كيف لا يُعرَض لهما بإنكار وتعزير على الأقل؟ لأنهما قد ارتكبا الحرام قطعًا وهو الخلوة, لأنهما إن كانا تلفظا بزواج قبل العثور عليهما فذاك باطل، إذ لا ولي ولا شهود. وإن لم يتلفظا إلا بدعواهما الزوجية، أو اعترافهما بها عند العثور عليهما، فالأمر أوضح. وأيضًا فالتعزير متّجه من وجه آخر، وذلك لئلا يكون هذا تسهيلًا للفجور، يخلو الفاجر بالفاجرة آمنَين مطمئنين قائلين: إن لم يُطَّلع علينا فذاك المقصود، وإن اطُّلِع علينا قلنا: نحن زوجان!
***
(11/96)

[2/ 60] المسألة التاسعة الطلاق قبل النكاح
في "تاريخ بغداد" (13/ 411 [438]): عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: قول أبي حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: "مسكين أبو حنيفة! كأنه لم يكن من العراق، كأنه لم يكن من العلم بشيء. قد جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وعكرمة. كيف يجترئ أن يقول: تطلق؟ ".
قال الأستاذ (ص 142): " ... على أن مذهب أبي حنيفة أنه لا طلاق إلا في مِلْك، أو مضافًا إلى مِلْك، أو عُلْقة من علائق الملك، ... وقد أجمعت الأمة أنه لا يقع طلاق قبل النكاح لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية [الأحزاب: 49]. فمن علَّق الطلاق بالنكاح وقال: إن نكحتُ فلانةَ فهي طالق، لا يُعَدُّ هذا المعلَّق مطلِّقًا قبل النكاح ولا الطلاقُ واقعًا قبل النكاح. وإنما يُعَدُّ مطلِّقًا بعده, حيث يقع الطلاق بعد عقد النكاح، فيكون هذا خارجًا من متناول الآية ومن متناول حديث: "لا طلاق قبل النكاح"؛ لأن الطلاق في تلك المسألة بعد النكاح لا قبله. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه الثلاثة وعثمان البَتِّي. وهو قول الثوري، ومالك، والنخعي، ومجاهد، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز فيما إذا خَصَّ. والأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب، والخلافُ طويل الذيل بين السلف فيما إذا عَمَّ أو خَصَّ. وقول عمر بن الخطاب صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه. وتابع الشافعي ابن المسيِّب سواء عمَّ أو خصَّ، وإليه ذهب أحمد".
(11/97)

أقول: قال البخاري في "الصحيح" (1): "باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]. وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح. ويروى في ذلك عن عليّ، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان، وعلي بن حسين، وشريح، وسعيد بن [2/ 61] جبير، والقاسم، وسالم، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وعامر بن سعد، وجابر بن زيد، ونافع بن جبير، ومحمد بن كعب، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والقاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن هرم، والشعبي = أنها لا تَطْلُق".
والآثار عن جماعة من هؤلاء صحيحة كما في "الفتح" (2). ولم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب. وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقًا. وروي عن ابن مسعود أنه إذا خَصَّ وقع، وإذا عَمَّ كأن قال: "كل امرأة ... " لم يقع. وعن ابن عباس (3) أنه أنكر هذا، فقال: "ما قالها ابن مسعود. وإن يكن قالها فزلَّةٌ من عالم ... قال الله تعالى .... " فتلا الآية. وممن نُقِل عنه هذا القول: الشعبي، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وهو المشهور عن مالك، وقيل عنه كالجمهور أنه لا يقع مطلقًا،
__________
(1) (9/ 381 مع "الفتح").
(2) (9/ 382 وما بعدها).
(3) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 320، 321).
(11/98)

وهذا مذهب الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يقع مطلقًا. ولا يُعلم له سلف في ذلك.
فأما الآية فاحتج بها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ثم زين العابدين علي بن الحسين (1)، ثم البخاري على عدم الوقوع مطلقًا. وزعم بعضهم كالأستاذ أنها لا تدل إلا على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها. فأما من قال: "إن تزوجتُ فلانةَ فهي طالق"، فلا تدل الآية على عدم وقوعه؛ لأنه إذا وقع فإنما يقع بعد النكاح.
وأقول: يقال: "طَلَقَتْ (بفتح اللام مخففة) فلانةُ" أي انحلَّت عقدةُ نكاحها بقول من الزوج. ويقال: "طلَّق فلان امرأته" أي جعلها تطلُق، كما يقال سرَّحها أي جعلها تسرح، وسيَّرها: جعلها تسير، وغير ذلك. فطلاق الرجل يتضمن أمرين: الأول: قوله الخاص. الثاني: وقوع الأثر على المرأة، فتنحلُّ به عقدةُ نكاحها.
وإذا قيل: "طلَّق فلان امرأته اليوم" فالمتبادر أن قوله وانحلال العقدة وقعا ذاك اليوم، فهذا هو الحقيقة. فمن قال لامرأته يوم السبت: "إذا جاء يوم الجمعة فأنتِ طالق" لم يصدُق على وجه الحقيقة أن يقال قبل يوم الجمعة: إنه طلَّق، ولا أن يقال: طلَّق يومَ السبت، ولا طلَّق قبل يوم الجمعة؛ ولكنه يقال بعد مجيء يوم الجمعة: إنه طلَّق. فإذا أُريد التفصيل قيل: علَّق طلاقَها يوم السبت وطَلَقَتْ يوم الجمعة.
ونظير ذلك: إذا جَرَح رجلٌ آخرَ يوم السبت جراحةً مات منها يوم
__________
(1) أخرجه عنه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (12/ 79).
(11/99)

الجمعة، فلا يقال حقيقةً قبل الموت: إنه قَتَل، ولكن يقال بعد الموت: إنه [2/ 62] قتله، ولا يقال: قتله يوم السبت، ولا يوم الجمعة، بل يقال: جرَحه يوم السبت، فمات يوم الجمعة.
فقوله تعالى في الآية: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} يقتضي تأخير الأمرين معًا: قول الرجلِ، وانحلال العقدة. ويؤيده أمران:
الأول: قوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}. وكلمة "ثم" تقتضي المهلة. وإذا كان الطلاق معلَّقًا بالنكاح، وقلنا: إنه يقع = وقَعَ بلا مهلة.
الثاني: قوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}. والتسريح هنا إرجاعها إلى أهلها، وإنما يكون ذلك إذا كانت قد زُفَّتْ إليه. ومن كان معلومًا أنه بنكاحه يقع طلاقُه فمتى تُزَفُّ إليه المرأة، حتى يقال له: سرِّحْها سراحًا جميلاً؟
وأما الحديث، فاحتج به جماعة من المتقدمين على عدم الوقوع، وتأوله بعضهم بما ذكر الأستاذ. وأقول: إن كان لفظ "طلاق" فيه اسمًا من التطليق كالكلام من التكليم، سقط التأويل كما يُعلم مما مرَّ. وإن كان مصدرَ قولنا: "طَلَقَتِ المرأةُ" كان للتأويل مساغ. والأول هو الأكثر والأشهر في الاستعمال. وقد دُفِع التأويلُ بأنه لا يجهل أحد أن المرأة لا تطلَّق ممن ليس لها بزوج، فحملُ الحديث على هذا النفي يجعله خِلْوًا عن الفائدة.
وأما النظر، فلا ريب أن الله تبارك وتعالى إنما شرع النكاحَ والطلاقَ لمقاصد عظيمة، وأن مثل ذلك الطلاق لا يحتمل أن يحصل به مقصد شرعي، وهو مضادٌّ لشرع النكاح.
(11/100)

وبعد، فإذا لم يثبت عن السلف قبل أبي حنيفة إلا قولان، وأحدهما تدفعه الأدلة المذكورة، وهو ضعيف في القياس = تعيَّن القول الآخر، وهو مذهب عليّ وابن عباس، ثم مذهب الشافعي وأحمد. والله الموفق (1).
...
__________
(1) قلت: بقي على المؤلف رحمه الله شيء مما زعمه الكوثري لم يتعقبه، وهو حقيق بذلك وهو قوله: "إن الأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب". فهذا القول على إطلاقه باطل، ما أظن يخفى بطلانه حتى على الكوثري نفسه! فإن في الباب أحاديث كثيرة ثلاثة منها خالية عن أي اضطراب أو علة قادحة، أحدها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من طرق عنه عند أي داود والترمذي وحسَّنه.
والثاني: عن جابر عند الطيالسي والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
والثالث: عن المسور بن مخرمة، أخرجه ابن ماجه بسند حسن كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ البوصيري. وهذه الأحاديث وغيرها مخرَّجة في "إرواء الغليل" رقم (1778، 2130). [ن].
(11/101)

[2/ 63] المسألة العاشرة العقيقة مشروعة
في "تاريخ بغداد" (13/ 411 [438]) عن أحمد بن حنبل: "في العقيقة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث مسندة، وعن أصحابه، وعن التابعين. وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية".
قال الأستاذ (ص 142): "نعم، كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة، وأبيحت في الإِسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه. قال الإِمام محمَّد بن الحسن الشيباني في "الآثار" (1): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام رُفِضت. قال محمَّد: وأخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا رجل عن محمَّد ابن الحنفية أن العقيقة كانت في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام رُفِضت".
ثم قال الأستاذ: "يرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية معتبرين وجوبَه عليهم إذا عُمِل به في الإِسلام لا يدل هذا العملُ إلا على الإباحة، لا على إبقاء الوجوب المعتبَر في الجاهلية .... ".
أقول: قول القائل: "من عمل الجاهلية" ظاهر في أنها محظورة، وكلمة "عمل" تدل أن كلامه في العقيقة نفسها لا في اعتقاد وجوبها فقط. وقول القائل: "فلما جاء الإِسلام رفضت" ظاهر في أنها غير مشروعة البتة، فيكون اعتقاد مشروعيتها ضلالًا كبيرًا وتديُّنًا بما لم ينزل الله به سلطانًا. فأما محمَّد ابن الحنفية، فلا يصح الأثر عنه، إذ لا يُدرى مَن شيخ أبي حنيفة؟ أثقة أم لا؟
__________
(1) رقم (809، 810) ط. كراتشي.
(11/102)

وأما إبراهيمُ فنافٍ، والمثبِتُ مقدَّم عليه.
وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية. منها: حديثان في "صحيح البخاري" (1) ذكرهما البيهقي في "السنن" (ج 9 ص 298)، فاعترضه ابن التركماني (2) قائلاً: "ظاهر هما دليل على وجوبها، فهما غير مطابقين لمدَّعاه". والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: "من وُلِد له ولد، فأحبَّ أن ينسُك عنه، فلينسُكْ: عن الغلام شاتان .. " (3). وهذا الحديث أيضًا يدل على مشروعيتها، فإنَّ النسك عبادة، إذا لم تكن [2/ 64] واجبة كانت مندوبة ولا بد. وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا، فإنها لم تُرفَض في الإِسلام، بل هي مشروعة فيه (4).
__________
(1) برقم (5471، 5472) عن سلمان بن عامر وسمرة بن جندب.
(2) "الجوهر النقي" (9/ 299).
(3) أخرجه أحمد (6822) وأبو داود (2842) والنسائي (7/ 162) والبيهقي (9/ 300، 312). وإسناده حسن.
(4) قلت: ليس في السنة ما يشهد لقول الكوثري أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون وجوبها، فهذه كتب السنة ليس فيها شيء من ذاك، وإنما هي مجرد دعوى منه, ليبني عليها ذلك التأويل الذي بيَّن المؤلف رحمه الله بطلانه بالدليل القاطع. ومما يؤكد بطلان ذلك التأويل ويدل أن أبا حنيفة نفسه كان لا يقول به قولُ الإِمام محمَّد في "موطئه" (ص 286): "أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية وقد فعلت في أول الإِسلام، ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله ... " قلت: هذا نص منه بنسخ مشروعية العقيقة، فهل يجوز العمل بالمنسوخ؟! ولو كان عند الكوثري شيء من الإنصاف لاعتذر عن أبي حنيفة بأي عذر مقبول، ولانتصر للسنة على الأقل مثلما ينتصر لإمامه، ولغار عليها أن تعطل عن العمل بها بجعلها أمرًا مباحًا فحسب كأي ذبيحة =
(11/103)

[2/ 65] المسألة الحادية عشرة للراجل سهم من الغنيمة، وللفارس ثلاثة: سهم له وسهمان لفرسه
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [407]) عن يوسف بن أسباط" ... قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "للفرس سهمان وللرجل سهم". قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهمَ بهيمةٍ أكثرَ من سهم المؤمن".
قال الأستاذ (ص 86): "فقوله: "للفرس سهمان وللرجل سهم" هكذا في بعض الروايات، وفي بعضها: "للفارس سهمان وللراجل سهم"، وهو الذي اختاره أبو حنيفة، وهو الذي وقع في لفظ مُجمِّع بن جارية المخرج في "سنن أبي
__________
= يذبحها الإنسان ليأكل من لحمها في غير مناسبة مشروعة! لو كان الكوثري منصفًا لقال كما قال العلامة أبو الحسنات اللكنوي - وهو حنفي مثله، ولكن شتان ما بينهما! - قال في تعليقه على كلمة الإِمام محمَّد المتقدمة: "وإن أُريد أنها كانت في الجاهلية مستحبة أو مشروعة فلما جاء الإِسلام رفض استحبابها وشرعيتها، فهو غير مسلم، فهذه كتب الحديث المعتبرة مملوءة من أحاديث شرعية العقيقة واستحبابها ... ".
قلت: ثم إن حديث عمرو بن شعيب: " ... فأحب أن ينسك ... " لا يصلح دليلًا على صرف الأمر إلى الندب فإنه كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أراد الحج فليتعجل"، فهل هذا يدل على أن الأمر بالحج ليس للوجوب؟ ولذلك فالقواعد الأصولية توجب إبقاء الأمر على ظاهره، وذلك يقتضي وجوب العقيقة، وبه قال الحسن البصري والإمام الليث بن سعد كما في "الفتح" (9/ 582) قال: "وقد جاء الوجوب أيضًا عن أبي الزناد، وهي رواية عن أحمد". [ن].
(11/104)

داود" (1) .... فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة ... نظر، فوجد أن الشرع لا يرى تمليك البهائم، فحكم على أن رواية "للفرس سهمان" المفيدة بظاهرها تمليكَ بهيمة ضِعْفَ ما يملك الرجلُ من غلط الراوي، حيث كانت الألف تُحذَف من الوسط في خط الأقدمين في غير الأعلام أيضًا، فقرأ هذا الغالط "فرسًا، و"رجلاً" ما تجب قراءته "فارسًا" و"راجلًا". فتتابعت رواةٌ على الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان، مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس، كما يراد بالخيل الخيَّالة عند قيام القرينة جمعًا بين الروايتين. ومضى آخرون على رواية الحديث على الصحة. فردَّ أبو حنيفة على الغالطين بقوله: إني لا أفضِّل بهيمةً على مؤمن، ليُفْهِمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل. وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه أيضًا لا يقول بمساواة البهيمة لمؤمن؛ لأن الكلام في الحديث المغلوط فيه ... وقولُ أبي يوسف في "الخراج" (2) بعد وفاة أبي حنيفة ومتابعةُ الشافعي له في "الأم" (3) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة ... وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارسي في بعض الحروب، فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعًا بين الأدلة, لأن الحاجة إلى الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أبهذا يكون أبو حنيفة ردَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ حاشاه".
أقول: لا يخفى ما في هذا التوجيه من التعسف. وقد كثرت الحكايات عن
__________
(1) رقم (2736). ولفظه: " ... كان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا". قال أبو داود: "حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع". يقصد بحديث أبي معاوية ما رواه (2733) من طريقه عن ابن عمر بلفظ: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهمَ لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه".
(2) (ص 19).
(3) (9/ 182، 183) ضمن كتاب "سير الأوزاعي".
(11/105)

أبي حنيفة في مجابهة من يعترض عليه بالكلمات الموحشة. فقد يقال: إنه كان يتبرَّم بالمعترضين، ولا يراهم أهلًا للمناظرة، فكان يدفعهم بتلك الكلمات لئلا يعودوا إلى التعرض، غيرَ مُبالٍ بما يترتب على [2/ 66] ذلك من اعتقادهم. فهل جرى على هذه الطريقة مع أصحابه حتى إن أخصَّهم به وآثرهم عنده وأعلمَهم بمقاصده - وهو أبو يوسف - لم يتفطَّن لما تفطَّن له الأستاذ؟
فأما حذف الألف في كتابة المتقدمين فيقع في ثلاثة مواضع: الأول: حيث يؤمن اللبس، إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن فلان، سليمان بن فلان، إسحاق بن فلان. فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا ألف لا يوجد ما يلتبس بها. وإما في كتابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين وتعم معرفته، بحيث إذا أخطأ مخطئ لم يلبث أن يُنَبَّه. وإما فيما يصح على كلا الوجهين مثل جبريل و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. وليس قوله في الحديث: "للفرس، للرجل" في شيء من هذا. اللهم إلا أن يخطئ الكاتب، يسمع "للفارس، للراجل"، فيحسب ذلك مما يجوز تخفيفه في الكتابة فيكتب "للفرس، للرجل". لكنه كما قد يحتمل هذا، فكذلك قد يحتمل أن يخطئ القارئ بأن يكون الكاتب سمع "للفرس، للرجل" فكتبها كذلك، ثم توهم القارئ أن الأصل "للفارس، للراجل"، وإنما حذف الألف تخفيفًا في الكتابة، فيقرؤها " للفارس، للراجل" ويرويها كذلك.
وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية "جَعلَ للفرس سهمين وللرجل سهمًا" (1)، ولا يتجه في قوله: "للفرس" مجاز، بل اللام
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (1762) من حديث ابن عمر. وهو بنحوه عند البخاري (2863, 4228).
(11/106)

لام التعليل، أي جعل لأجل الفرس.
فإن قيل: بل اللام لشبه التمليك.
قلنا: فما الحجة على أن لام شبه التمليك مجاز؟ فإن كانت هناك حجة فجَعْلُها للتعليل أَوْلى تقديمًا للحقيقة على المجاز، وكذلك لو ساغ أن يطلق "الفرس"، ويراد "الفارس"، كما زعم الأستاذ. على أن سواغ ذلك غير مسلَّم، فإنه غير معروف، ولا قرينة عليه. فأما إطلاق "الخيل" وإرادة "الفرسان"، فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش، حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها، فيكون بينهما ضرب من التلازم.
هَبْ أنه اتجه المجاز، فتقديمُ الحقيقة على المجاز محلُّه في الكلمة الواحدة، يجب حملها على معناها الحقيقي، ولا يجوز حملها على معنى مجازي بلا حجة، كما ارتكبه الأستاذ في غير موضع. فأما روايتان مختلفتان متنافيتان، والكلام في إحداهما حقيقة، وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته؛ فلا [2/ 67] يتجه تقديمُ الأولى لأنَّ المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه. بل احتماله أقرب, لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع من التصحيف كذلك. فقد رأيت ما لا أُحصيه اسم "زَبر" مصحفًا إلى "أنس"، واسم "سعر" مصحفًا إلى "سعد" ولا أذكر أنني رأيت عكسن هذا. وقال الشاعر (1):
__________
(1) هو النابغة الجعدي. انظر: "شعره" (160). ومن الكتب التي صحِّف فيها "الخنان" إلى "الختان": شرح شواهد المغني للسيوطي (615, 921).
(11/107)

فمَنْ يكُ سائلاً عني فإنَّي ... من الفتيان أيامَ الخُنانِ
وقال الآخر (1):
كساك ولم تَسْتكسِه فحمِدتَه ... أخٌ لك يعطيك الجزيل وياصِرُ
فصحَّف الناس قافيتي هذين البيتين إلى "الختان. ناصر" (2). وأمثال هذا كثيرة لا تخفى على من له إلمام.
وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة. فهشام بن عروة غالبُ روايته عن أبيه عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير. فقد يسمع رجل من هشام خبرًا بالسند الثاني، ثم يمضي على السامع زمان، فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف. ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن عائشة، فالغالب أن
__________
(1) هو أبو الأسود الدؤلي. انظر: "ديوانه" (166، 309) والحاشية الآتية.
(2) الأول تصحيف بلا ريب. أما "ناصر" فهي رواية ابن الأعرابي. وكذا في "الكامل" (2/ 701)، و"ديوان أبي الأسود صنعة السكري" (166) ورواية ابن جني (309) إن صحت قراءة المحقق. وعدَّها أبو نصر تصحيفًا فيما جرى بينه وبين ابن الأعرابي في مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر. انظر: "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" للعسكري (161 - 162). وفي "وفيات الأعيان" (2/ 538): "يروى (ناصر) بالنون و (ياصر) بالياء، ولكل واحد منهما معنى". وقد أشار المحقق في تخريج البيت إلى أن قافيته في كشف المشكل (1/ 640): "وشاكر". ولكن أغفل رواية (ياصر) البتة مع وجودها في مصادر التخريج التي ذكرها.
(11/108)

يقدِّموا الأول، ويخطِّئوا الثاني. هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى.
هَبْ أن الحقيقة تُقدَّم على المجاز في الروايتين المتنافيتين، فإنما لا يبعد ذلك جدًّا، حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجِّح قوي. وليس الأمر ها هنا كذلك، بل مَن تتَّبع الرواياتِ وجد الأمر بغاية الوضوح.
وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء:
أولها: حديث مُجمِّع، والجواب عنه أنه من رواية مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع عن أبيه بسنده. وفي "سنن البيهقي" (ج 6 ص 325) أن الشافعي قال: "مجمِّع بن يعقوب شيخ لا يعرف".
أقول: أما مجمِّع، فمعروف لا بأس به. فلعل الشافعي أراد أباه يعقوب بن مجمِّع، ففي "نصب [2/ 68] الراية" (1) عن ابن القطان: "علة هذا الحديث الجهلُ بحال يعقوب بن مجمِّع، ولا يُعرف روى عنه غير ابنه". وذكر المزي (2) راويين آخرين، ولكنهما ضعيفان. ولم يوثق يعقوبَ أحدٌ، فأما ذكرُ ابن حبان له في "الثقات" (3)، فلا يُجدي شيئًا لما عُرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في "الثقات". وقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم (4).
__________
(1) (3/ 417). وانظر "بيان الوهم والإيهام" (4/ 419).
(2) في "تهذيب الكمال" (8/ 178).
(3) (7/ 642).
(4) رقم (200).
(11/109)

وفي الحديث وهمٌ آخر، فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خيبر كانوا ثلاثمائة، والمعروف أنهم كانوا مائتين. وأبو داود وإن أخرج الحديث في "سننه" (1) فقد تعقبه - كما في "نصب الراية" (2) - بقوله: "هذا وهمٌ، إنما كانوا مائتي فارس، فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما".
وأخرج جماعة منهم الحاكم في "المستدرك" (ج 6 ص 326) (3) عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين".
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (4) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن صالح بن كيسان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر لمائتي فرس: لكل منهم سهمين. وهؤلاء كلُّهم ثقات متفق عليهم، وصالح من أفاضل التابعين.
وفي "سنن البيهقي" (ج 6 ص 326) بسند "السيرة" عن ابن إسحاق: "حدثني ابن لمحمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قالا: كانت المقاسم على أموال خيبر على ألفٍ وثمان مائة سهم: الرجال ألف وأربع مائة والخيل مائتي (5) فرس، فكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وللراجل سهم".
__________
(1) رقم (2736). قال أبو داود عقبه: أرى الوهم في حديث مجمع، قال: ثلاث مئة فارس، وكانوا مئتي فارس.
(2) (3/ 416).
(3) بل في (2/ 138) و"سنن البيهقي" (6/ 326).
(4) (12/ 397).
(5) كذا في المطبوع وفي "سنن" البيهقي.
(11/110)

وأكثر الروايات وأَثبتُها في عدد الجيش أنهم ألف وأربع مائة، وفي بعض الروايات: "ألف وخمس مائة". وجمع أهلُ العلم بين ذلك بأن عدد المقاتلة المستحقين للسهم كانوا ألفًا وأربع مائة، ومعهم نحو مائة ممن لا يستحق سهمًا من العبيد والنساء والصبيان.
وجاء عن بُشَير بن يسار (1) قال: "شهدها مائة فرس، وجعل للفرس سهمين". وهذا محمول على خيل الأنصار، فأما مجموع الخيل فكانت مائتين.
الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا". أخرجه الدارقطني (2)، ثم قال: "ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرَس. ثنا أبو بكر، ثنا محمَّد بن علي الوراق، نا [2/ 69] القعنبي عنه".
فقد شك العمري، وهو مع ذلك كثير الخطأ، حتى قال البخاري: "ذاهب لا أروي عنه شيئًا". ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط.
الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم. وسيأتي ذلك في الكلام على حديثه.
__________
(1) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 114).
(2) في "السنن" (4/ 106).
(11/111)

الرابع: قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (1): "غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: للفارس سهمان. قال شعبة: وجدته مكتوبًا عند (بياض) ".
وقال قبل ذلك (2): "معاذ، ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، عن أبي موسى أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا".
أما الأثر عن عليّ، فقول شعبة: "وجدته ... " عبارة مشككة. وقد روى الشافعي - كما في "سنن البيهقي" (ج 6 ص 327) - "عن شاذان (الأسود بن عامر)، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان، فأسهم لفرسي سهمين، ولي سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدَّثني هانئ بن هانئ عن عليّ، وكذلك حدَّثني حارثة بن مضرّب عن عمر".
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (3): "وكيع، ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بن عثمان، ومعي هانئ بن هانئ، ومعي فرسان، ومع هانئ فرسان؛ فأسهم لي ولفرسَيَّ خمسة أسهم، وأسهم لهانئ ولفرسَيْه خمسة أسهم".
وهذا غير مخالف لرواية زهير, لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهمًا فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا. وهذا بلا شك أثبَتُ مما ذكره شعبة. ومع هذا، فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق
__________
(1) (12/ 401).
(2) "المصنف" (12/ 400).
(3) (12/ 405).
(11/112)

وحده. قال ابن المدينى: "مجهول". وقال النسائي: "ليس به بأس". ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل، كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.
وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد. وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذو فرس، وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل. وفي هذا تعسف. وقد ذكر ابن التركماني (1) أن ابن جرير ذكر في "تهذيبه" أن هذا كان في واقعة (تُسْتَر). فكأن هذا رأي لأبي موسى فيما إذا كانت الوقعة قتالَ حصنٍ يضعفُ غَناءُ الخيل فيه. وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يُسهِمون لها شيئًا. ذكر [2/ 70] ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكر إنكار عمر بن عبد العزيز ذلك (2)، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم في غنائم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، مع أن خيبر كانت حصنًا. ولعلَّ أبا موسى اعتذر عن هذا بأنَّ مغانم خيبر قُسمت على أصحاب الحديبية ولم تكن الحديبية حصنًا. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في "التهذيب"، فليراجعه من تيسَّر له ذلك (3).
حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
عبيد الله هذا ثقة جليل أثبَتُ من أخيه عبد الله بما لا يُحصى، بل جاء عن
__________
(1) "الجوهر النقي" (6/ 326). والأثر في "تهذيب الآثار" (1016) تحقيق علي رضا.
(2) "المصنّف" (12/ 399).
(3) راجعناه فلم نجده تطرق إلى هذا المعنى، ولكنه ناقش الحنفية مناقشة طويلة في هذه المسألة، انظر (ص 538 - 542) من الطبعة المشار إليها.
(11/113)

يحيى بن سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبَتُ أصحاب نافع، وفيهم مالك وغيره. وقد وقعتُ على جماعة ممن روى عنه هذا الحديث.
الأول: الإِمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري. قال الإِمام أحمد في "المسند" (ج 2 ص 152) (1): "ثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا". ورواه الدارقطني في "السنن" (ص 467) (2) من طريق عبد الله بن الوليد العدَني عن سفيان - بسنده - (3) "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: للرجل سهم ولفرسه سهمان". ورواه البيهقي في "السنن" (ج 6 ص 325) من طريق أبي حذيفة عن سفيان - بسنده - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهَمَ للرجل ثلاثة أسهم: للرجل سهم وللفرس سهمان".
الثاني: الحافظ المقدَّم هُشيم بن بشير الواسطي. رواه عنه الإِمام أحمد في "المسند" (ج 2 ص 2) (4) وهو أول حديث في "مسند ابن عمر" ولفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا".
الثالث: أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير. رواه عنه الإِمام أحمد في
__________
(1) رقم (6394). وهو بهذا السند والمتن برقم (5518).
(2) (4/ 102).
(3) وقع في النسخة "عن عبد الله"، والصواب: "عن عبيد الله". [المؤلف].
(4) رقم (4448).
(11/114)

"المسند" (ج 2 ص 2) (1) ولفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهَمَ للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه".
[2/ 71] ورواه أبو داود في "السنن" (2) عن أحمد. وقد رواه عن أبي معاوية أيضًا علي بن محمَّد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه (3)، والحسن بن محمَّد الزعفراني عند الدارقطني (ص 467) (4)، وسعدان بن نصر عند البيهقي (ج 6 ص 325).
الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في "مسنده" (5) بهامش "الأم" (ج 6 ص 250) " ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم".
الخامس: سُلَيم بن أخضر. رواه مسلم في "صحيحه" (6) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه: " ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا". وقع عند بعض رواة الصحيح: "للراجل". وقد رواه عن
__________
(1) رقم (4448) و (4999).
(2) رقم (2733).
(3) رقم (2854). كذا قال الشيخ: "بن أبي الشوارب". والصواب أن "علي بن محمَّد" هو الطنافسي.
(4) (4/ 102).
(5) (ص 323) ط. دار الكتب العلمية، و (2/ 124) ترتيب السندي. وفي "سير الأوزاعي" من كتاب "الأم" (9/ 183) لم يذكر شيخه إسحاق الأزرق، بل قال: "وأُخبِرنا عن عبيد الله بن عمر ... ".
(6) رقم (1762).
(11/115)

سُلَيم أيضًا: عبد الرحمن بن مهدي ("مسند أحمد" ج 2 ص 62) (1)، وعفان ("مسند أحمد" ج 2 ص 72) (2)، وأحمد بن عبدة وحميد بن مسعدة عند الترمذي (3). وفي روايتهم جميعًا: "للرجل".
السادس: أبو أسامة. رواه عنه عبيد بن إسماعيل عند البخاري في "صحيحه" (4) في كتاب الجهاد: " ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا". وكذلك رواه عن أبي أسامة: محمدُ بن عثمان بن كرامة عند الدارقطني (ص 467) (5)، وأبو الأزهر عند البيهقي (ج 6 ص 324). ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (6) عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير، وسيأتي.
السابع: عبد الله بن نمير. رواه عنه الإِمام أحمد في "المسند" (ج 2 ص 143) (7): " ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم للفرس سهمين وللرجل سهمًا". وكذلك رواه الدارقطني (ص 467) (8) من طريق أحمد. ورواه مسلم في "الصحيح" (9) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وأحال على متن
__________
(1) رقم (5286).
(2) رقم (5412).
(3) رقم (1554).
(4) رقم (2863).
(5) (4/ 102).
(6) (12/ 397).
(7) رقم (6297).
(8) (4/ 102).
(9) رقم (1762).
(11/116)

سليم بن أخضر قال: "مثله، ولم يذكر: في النفل". ورواه الدارقطني (1) أيضًا من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن عبد الله بن نمير.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (2) باب "في الفارس كم يُقسَم له؟ من قال: ثلاثة أسهم: حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر ... : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا". وذكره ابن حجر في "الفتح" (3) عن "مصنف ابن أبي شيبة"، وذكر أن ابن أبي عاصم رواه في "كتاب الجهاد" (4) له عن ابن أبي شيبة كذلك.
وقال الدارقطني (ص 469) (5): "حدثنا أبو بكر [2/ 72] النيسابوري، نا أحمد بن منصور (الرَّمادي)، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة وابن نمير ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا. قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهمٌ من ابن أبي شيبة أو الرمادي, لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا، وقد تقدم ذكره عنهما، ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا أيضًا وقد تقدم".
أقول: الوهم من الرمادي، فقد تقدم عن "مصنف ابن أبي شيبة": "للفرس، للرجل". وكذلك نقله ابن حجر عن "المصنف"، وكذلك رواه ابن
__________
(1) (4/ 102).
(2) (12/ 397).
(3) (6/ 68).
(4) لا يوجد في القسم المطبوع منه.
(5) (4/ 106).
(11/117)

أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما مرَّ. ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبة صدَّر بهذا الحديث الباب الذي قال في عنوانه: "من قال ثلاثة أسهم" كما مرَّ، ثم ذكر بابًا آخر عنوانه: "من قال للفارس سهمان"، فذكر فيه حديث مجمِّع، وأثرَيْ عليّ وأبي موسى. فلو كان عنده أن لفظ ابن نمير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما: "للفارس، للراجل" لوضع الحديث في الباب الثاني.
فإن قيل: لعله تأول التأويل الذي تقدمت الإشارة إليه في الكلام على أثر أبي موسى.
قلت: يمنع من ذلك أمور:
الأول: بُعْد ذلك التأويل.
الثاني: تصديره باب "من قال: ثلاثة أسهم" بهذا الحديث.
الثالث: أن ذاك التأويل يحتمله أثرا علي وأبي موسى، ولم يُدرِجهما في هذا الباب، بل جعلهما في باب "من قال: للفارس سهمان".
فإن قيل: فقد قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (1): "وفي "الأحكام" لعبد الحق: وقد روي عن ابن عمر أنه عليه السلام جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا. ذكره أبو بكر ابن أبي شيبة وغيره". ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (ج 3 ص 417) حديث ابن أبي شيبة، وفيه: "للفارس، للراجل"، ثم قال: "ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في "سننه"، وقال: قال أبو بكر النيسابوري ... ".
أقول: أما عبد الحق، فلا أراه إلا اعتمد على رواية الرمادي. وأما ابن التركماني، فالمعتبة عليه؛ فإنه ينقل كثيرًا عن "مصنَّف ابن أبي شيبة" نفسه،
__________
(1) (6/ 325). وانظر "الأحكام الوسطى" (3/ 81 - 82).
(11/118)

بل نقل عنه بعد أسطرٍ أثرَ عليّ، فما باله [2/ 73] أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من "أَحكام عبد الحق"! وأما الزيلعي، فلا أراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع "المصنَّف" لظنه موافقته لما رواه الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من "المصنَّف" ولم يتنبَّه لتراجم الأبواب، وإما - وهو أبعد الاحتمالات - أن يكون وقع في نسخته في "المصنَّف" خطأ كما قاله الرمادي. والله المستعان.
الثامن: زائدة بن قدامة، عند البخاري في "صحيحه" (1) في "غزوة خيبر". رواه البخاري عن الحسن بن إسحاق، عن محمَّد بن سابق، عن زائدة ... : "قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا. فسَّره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرسٌ فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم".
وهذا التفسير يدلُّ أن الصواب في المتن "للرجل"، لكن وقع في نسخ "الصحيح" كما رأيت. وزائدة متقن، لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور. ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من "مقدمة الفتح" (2):"وثَّقه العجلي، وقوَّاه أحمد بن حنبل. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت: ليس له في البخاري سوى حديث واحد في "الوصايا" ... وقد تابعه عليه عبيد الله بن موسى".
__________
(1) رقم (4228).
(2) "هدى الساري" (ص 439).
(11/119)

كذا قال، وفاتَه هذا الحديث. وعذرُ البخاري أنه رأى أن الوهم في هذا الحديث يسيرٌ يجبره التفسير. ومع ذلك فلم يذكره في "باب سُهمان الخيل"، وإنما ذكره في "غزوة خيبر".
التاسع: ابن المبارك. رواه عنه علي بن الحسن بن شقيق، كما في "فتح الباري" (1). ذكر رواية الرمادي عن نعيم عن ابن المبارك الآتية، ولفظها: " ... عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا"، ثم قال: "وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق - هو أثبَتُ من نعيم - عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس". ولم يذكر بقيته, لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس، وقد قال قبل ذلك: " ... فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة ... بلفظ: أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني ... ".
فأما ما رواه الدارقطني (ص 469) (2) "حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا أحمد بن منصور (الرمادي)، نا نعيم بن حماد، نا ابن المبارك ... عن [2/ 74] النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال أحمد: كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم, لأن ابن المبارك من أثبت الناس".
أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جدًّا، كما في ترجمته من قسم التراجم (3). ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي، كما وهم على أبي بكر بن أبي شيبة. ولا أدري ما بليَّته في هذا الحديث مع أنهم وثَّقوه.
__________
(1) (6/ 68).
(2) (4/ 106).
(3) رقم (258).
(11/120)

وقال ابن التركماني (1): "رواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده، فقال فيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا. ذكره صاحب "التمهيد"".
أقول: وهذه معتبة أخرى على ابن التركمانى، إذ لم يذكر أن صاحب "التمهيد" إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم (2)! والله المستعان.
العاشر: حماد بن سلمة. قال الدارقطني (ص 468) (3): "حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا أحمد بن يوسف السُّلَمي، نا النضر بن محمَّد بن موسى اليمامي، نا حماد بن سلمة ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم للفارس سهمًا وللفرس سهمين. خالفه حجاج بن المنهال عن حماد، فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا".
أقول: حماد كثير الخطأ، إنما ثبَّتوه فيما يرويه عن ثابت وحميد. وكلام الحنفية فيه شديد، كما تراه في ترجمته من قسم التراجم (4)، وأولى روايتيه بالصحة ما وافق فيه الثقاتِ الأثباتَ.
وفي الباب مما يدل على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا.
في "نصب الراية" (ج 3 ص 416) عن الطبراني في "الأوسط" (5): "ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا هشام بن يونس، عن أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم له يوم
__________
(1) "الجوهر النقي" (6/ 325)، وانظر "التمهيد" (24/ 236).
(2) لم يروه ابن عبد البر بإسناده.
(3) (4/ 104).
(4) رقم (85).
(5) رقم (5558) وفيه: "يوم حنين"، تصحيف.
(11/121)

خيبر ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه". قال الطبراني: "ورواه الناس عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا تفرد به هشام بن يونس عن أبي معاوية".
أقول: وقد رواه جماعة عن أبي معاوية، فلم يقولوا: "عن عمر". وقالوا: "أسهم للرجل". نعم وقع في "سنن أبي داود" (1) عن أحمد عن أبي معاوية: "أسهم لرجلٍ". وهذا كأنه يشدُّ من رواية هشام، وهشام ثقة، ولا يبعد أن يكون الحديث عند عبيد الله عن نافع من الوجهين، ولكن الناس أعرضوا عن هذا لخصوصه بعمر، وعُنوا بالآخر لعمومه.
[2/ 75] وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي (2)، ومُحاضِر بن المورَّع عند الدارقطني (ص 471) (3) "عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهمًا للزبير، وسهمًا لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير، وسهمين للفرس". سعيد ومحاضر من رجال مسلم، وفي كلٍّ منهما مقال. واقتصر النسائي في "باب سهمان الخيل" على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يُشعر بأنه صحيح عنده لا يضرُّه الخلاف.
وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة (4)، ومحمدُ بن بِشْر
__________
(1) رقم (2733).
(2) (6/ 228).
(3) (4/ 111).
(4) في "المصنف" (12/ 400).
(11/122)

العبدي عند الدارقطني (ص 471) (1)، وابنُ عيينة عند الشافعي كما في "مسنده" (2) بهامش "الأم" (ج 6 ص 250) ثلاثتُهم عن هشام عن يحيى مرسلاً. ولفظ ابن عيينة: "أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم: سهمٍ له، وسهمين لفرسه، وسهمٍ في ذوي القربى".
وعند الدارقطني (ص 471) (3) عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة روايتان: إحداهما عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: "أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر أربعة أسهم ... ". والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير .. " بمعناه. وإسماعيل يخلط فيما يرويه من غير الشاميين.
وفي "مسند أحمد" (ج 1 ص 166) (4): "ثنا عتّاب، ثنا عبد الله، ثنا فليح بن محمَّد، عن المنذر بن الزبير، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الزبيرَ سهمًا، وأمَّه سهمًا، وفرسَه سهمين". ذكره أحمد في "مسند الزبير"، وليس من عادة أحمد في "المسند" إخراج المراسيل. وعتاب هو ابن زياد المروزي، وثَّقه أبو حاتم وغيره، ولم يغمزه أحد. وعبد الله هو ابن المبارك. وقد تصحّفت على بعضهم كلمة ["عن" إلى] "بن" بين محمَّد والمنذر، فجرى البخاري في "تاريخه" (5) ومن تبعه على ذلك، كما في ترجمة فليح في "تعجيل المنفعة" (6). ولم يذكر البخاري من رواه كذلك عن ابن
__________
(1) (4/ 111).
(2) (ص 323، 324) ط. دار الكتب العلمية.
(3) (4/ 110).
(4) رقم (1425).
(5) "الكبير" (7/ 133). وانظر "الجرح والتعديل" (7/ 85) و"الثقات" (9/ 11).
(6) (ص 335).
(11/123)

المبارك. فالصواب - إن شاء الله - رواية أحمد. أما فليح فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقوِّيه.
وفي الباب من حديث أبي عمرة عند أحمد في "المسند" (ج 4 ص 138) (1)، وأبي داود في "السنن" (2)، والدارقطني (ص 468) (3)، وابن منده كما في ترجمة أبي عمرة من "الإصابة" (4). ومن حديث ابن عباس (5)، والمقداد (6)، وأبي رهم (7)، وأبي كبشة (8)، وجابر (9)، وأبي هريرة (10).
__________
(1) رقم (17239). وفي إسناده المسعودي، وفيه مقال.
(2) رقم (2734).
(3) (4/ 104).
(4) (12/ 470). وانظر "معرفة الصحابة" لابن منده (1/ 223).
(5) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (2528)، والطبراني في "الأوسط" (6543)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "نصب الراية" (3/ 414).
(6) أخرجه البزار في "مسنده" (2118)، والدارقطني في "سننه" (4/ 102). وفي إسناده موسى بن يعقوب، فيه لين.
(7) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (19/ 186) والدارقطني (4/ 101). وفي إسناده قيس بن الربيع، ضعَّفه بعض الأئمة.
(8) أخرجه الطبراني في "الكبير" (22/ 342) والدارقطني (4/ 101). وفي إسناده محمَّد بن حمران القيسي، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وفي إسناده أيضًا عبد الله بن بسر السكسكي، تكلم فيه غير واحدٍ من الأئمة.
(9) أخرجه الدارقطني (4/ 105)، وفي إسناده محمَّد بن يزيد بن سنان عن أبيه، وكلاهما ضعيف. وأخرجه (4/ 111) من طريق آخر فيه الواقدي، متروك.
(10) أخرجه الدارقطني (4/ 111). وفي إسناده الواقدي.
(11/124)

تراها عند الدارقطني وغيره، كلُّها متفقة على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا.
[2/ 76] وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (1) مراسيل عن مجاهد، وخالد بن معدان، ومكحول، وغيرهم. وقد تقدَّم بعضها، كمرسل صالح بن كيسان، ومرسل بُشَير بن يسار.
وفي "المصنف" (2): "ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوَّار، عن الحسن وابن سيرين قالا: كانوا إذا غزوا فأصابوا الغنائم قسموا للفارس من الغنيمة حين تقسم ثلاثةَ أسهم: سهمين لفرسه، وسهمًا له (3)، وسهمًا للراجل".
وفيه (4): "حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل: ثنا أصحابنا عن أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا: للفرس سهمان، وللرجل سهم".
وفيه (5): "حدثنا محاضر قال: ثنا مجالد عن عامر (الشعبي) قال: لما فتح سعد بن أبي وقاص جَلُولاءَ أصاب المسلمون ثلاثين ألفَ ألفِ مثقال، فقسم للفارس ثلاثة آلاف، وللراجل ألف مثقال".
__________
(1) (12/ 398 وما بعدها).
(2) (12/ 399).
(3) في المطبوع: "سهمين له وسهمًا لفرسه" وهو خطأ، والتصويب من "المصنف".
(4) (12/ 397، 398).
(5) (12/ 400).
(11/125)

وفيه (1): "حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن هشام، عن الحسن (2) قال: لا يُسهَم لأكثر من فرسين، فإن كان مع الرجل فرسانِ أُسِهمَ له خمسة أسهم: أربعة لفرسَيْه وسهمٌ له".
وفي "نصب الراية" (ج 3 ص 419): "قال سعيد بن منصور (3): ثنا فرج بن فضالة، ثنا محمَّد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن أَسْهِمْ للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهمًا. فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهو جنائب".
وفي "سنن الدارقطني" (ص 470) (4) عن خالد الحذاء (وقد رأى أنسًا) قال: "لا يُختلف فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: للفارس ثلاثة، وللراجل سهم".
وذكر الأستاذ (ص 87) عن كتاب "اختلاف الفقهاء" لابن جرير (5) عن مالك قال "إني لم أزل أسمع أن للفرس سهمين، وللرجل سهمًا".
...
__________
(1) (12/ 405).
(2) في المطبوع: "الحسين" تصحيف، والتصويب من "المصنف". وهو الحسن البصري.
(3) في "سننه" (2776).
(4) (4/ 107).
(5) لم أجده في طبعة دار الكتب العلمية من الكتاب.
(11/126)

[2/ 77] المسألة الثانية عشرة أما على القاتل بالمثقل قصاص؟
في "تاريخ بغداد" (13/ 332) عن إبراهيم الحربي قال: "كان أبو حنيفة طلب النحو ... فتركه، ووقع في الفقه فكان يقيس، ولم يكن له علم بالنحو، فسأله رجل بمكة، فقال له: رجلٌ شجَّ رجلاً بحجر؟ فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء، لو أنه حتى يرميه بأبا قُبيس لم يكن عليه شيء".
قال الأستاذ (ص 23): "وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب ... وقد صحت أحاديث وآثار عند النسائي، وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان، وأحمد، وابن راهويه, وابن أبي شيبة، وغيرهم يؤيد ظاهرها هذا المذهب. وقد أعلَّ أبو حنيفة حديثَ الرضخ كما سيأتي".
وعلَّقَ على قوله: "وقد صحت أحاديث ... " قوله (1): منها: حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائةٌ من الإبل". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح. ومنها: حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "شبه العمد قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة". أخرجه ابن راهويه. ومنها: حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق. إلى غير ذلك من الأحاديث".
أقول: في هذه القضية آيات من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ أعرض عنها الأستاذ!
__________
(1) كذا في المطبوع، ولعله "بقوله". وسيأتي الكلام على الأحاديث فيما بعد.
(11/127)

الآية الأولى: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} إلى قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الآية [النساء: 92 - 93].
من المعلوم في العربية أن عمد القتل وتعمُّده هو قصده، وأن وقوعه خطأً هو أن يقع بلا قصد. ولا ريب أنه إذا كان هناك قتل يوصف بأنه خطأ شبيه بالعمد فإنما هو أن يُتعمَّد سببُ القتل كالضرب مثلًا ولا يُقصَد القتل، وإنما يُقصَد الإيلام بلا قتل، فهذا القتل خطأ لأنه لم يُقصد، ولكنه شبيه بالعمد من جهة أن سببه متعمَّد. ولا يشك عاقل أن مَن عمَدَ إلى طفل أو [2/ 78] ضعيف فوضع رأسه على صخرة، وجاء بأخرى فضرب بها رأسه حتى فضخه؛ أو وضع حبلًا في عنقه، ثم شدَّ طرفه بشجرة، ثم جذب طرفه الآخر جذبًا شديدًا بطيئًا حتى مات؛ أو غمسه في ماء كثير، وحبسه فيه مدةً طويلة حتى مات؛ أو أخذ هراوةً، فضربه بها ضربًا شديدًا رأسه وعنقه وصدره وظهره حتى مات = فقد قتله عمدًا. وأنّ من زعم أن القتل في هذه الصور وما في معناها ليس عمدًا وإنما هو خطأ شبه العمد، فقد خرج عن لغة العرب.
الآية الثانية: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} الآية [البقرة: 178].
نصَّت الآية على وجوب القصاص في كل قتيل يتأتى فيه، والقصاص يدل على المماثلة، والمقصود: المماثلة في المعاني التي يُعقل لها دَخْلٌ في الحكم، فلا تتناول القتيلَ بحقٍّ لأن قتل قاتله يكون بغير حق، ولا القتيلَ خطأً محضًا لأن قتل قاتله إنما يكون عمدًا, ولا القتيلَ الذي دلَّت شواهد الحال
(11/128)

على أنه إنما قُصِد إيلامه لا قتلُه كالمضروب ضرباتٍ يسيرةً بسوط أو عصا خفيفة؛ لأن قتل قاتله يكون مقصودًا. وتتناول الآية القتلى في الصور المتقدمة سابقًا، وهي فضخُ الرأس وما معه ونحوها إذا كان بغير حق؛ لأنه قُصِد فيها سببُ القتل وقُصِد فيها القتل، وقتلُ القاتل يقتضي مثل ذلك بدون زيادة فهو قصاص، فالآية تنص على وجوب القصاص في تلك الصور ونحوها حتمًا.
الآية الثالثة: قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].
والإسراف هو تعدي المماثلة التي تقدَّم بيانها، أو قُلْ: تعدي القصاص، فمن قُتل بحق فلم يُقتَل مظلومًا, ولا يكون قتلُ قاتله إلا إسرافًا. وبقية الكلام كما في الآية السابقة. وقتلُ القاتل في تلك الصور التي منها فضخُ الرأس وما معه وما في معناها لا يتعدى المماثلة المعتبرة، فلا إسراف فيه، فقد جعل الله تعالى للولي سلطانًا عليه، وذلك شرع القصاص.
الآية الرابعة: قوله سبحانه: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
ولا ريب أنه إذا لم يكن في القتل بالمثقّل قصاص لم يتَّقِه الناس، فيتحرَّون القتل بالمثقل [2/ 79] عدوانًا وانتقامًا، فيفوت المقصود من شرع القصاص.
الآية الخامسة قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]
(11/129)

الآية السادسة: قوله سبحانه: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60].
الآية السابعة: قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194].
الآية الثامنة: قوله تبارك وتعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَ} [الشورى: 40].
وأما الأحاديث التي ذكرها الأستاذ، فحديث "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ... " مختلَفٌ في إسناده. فقيل عن القاسم بن ربيعة مرسلًا (1)، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (2)، وقيل عنه عن عقبة بن أوس مرسلاً (3)، وقيل عنه عن عقبة عن رجل من الصحابة (4)، وقيل غير ذلك (5).
__________
(1) أخرجه كذلك النسائي (8/ 40 - 41، 42).
(2) أخرجه أحمد (6533، 6552) والنسائي (8/ 40) وابن ماجه (2627) والدارقطني (3/ 104) والبيهقي في "الكبرى" (8/ 44).
(3) أخرجه النسائي (8/ 41).
(4) أخرجه عبد الرزاق في "المصنّف" (3/ 172) وأحمد (15388، 23493) والنسائي (8/ 41 و42) والطحاوي في "معاني الآثار" (3/ 185، 186) والدارقطني (3/ 103 - 104، 105) والبيهقي (8/ 45).
(5) أخرجه من طريق القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: أبو داود (4547) والنسائي (8/ 41) وابن ماجه (2627) وابن حبان في "صحيحه" (6011) والبيهقي (8/ 45). وأخرجه من طريق علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب مرفوعًا: عبد الرزاق في =
(11/130)

وقد ساق النسائي (1) أكثر تلك الوجوه. وذلك الاختلاف والاضطراب قد يُتسامح فيه إذا لم يكن المتن منكَرًا. ومن قوَّاه من المحدثين لا يرى معناه ما يزعمه الحنفية مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة. ولو رأى أن ذلك معناه لأنكره، فردَّه بذلك وبذاك الاختلاف والاضطراب (2).
مع ذلك فعقبة بن أوس المتفرِّد به غير مشهور، وإنما وثَّقه مَن مِن عادته [2/ 80] توثيقُ المجاهيل، وإن كانوا مقلِّين، إذا لم ير في حديثهم ما ينكره. وقد شرحتُ ذلك في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.
__________
= "المصنّف" (17212) وأحمد (4583) وأبو داود (4549) والنسائي (8/ 42) وابن ماجه (2628) والدارقطني (3/ 105) والبيهقي (8/ 44).
(1) (8/ 40 - 42).
(2) قلت: بل الحديث صحيح السند كما قال الكوثري، والاضطراب الذي ذكره المصنف رحمه الله هو من الاضطراب الذي لا يؤثر في صحة الحديث، فقد ذكرت في "الإرواء" رقم (2259) أشهر وجوه الاضطراب فيه، ثم قابلت بينها على ما يقتضيه علم المصطلح والجرح والتعديل, فتبين لي أنها غير متماثلة في القوة وعدد رواة كل وجه، وأن أرجحها رواية من رواه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو، وعلى ذلك حكمت عليه بالصحة, لأن رجاله كلهم ثقات، وعقبة بن أوس قد وثَّقه ابن سعد والعجلي وابن حبان، وهؤلاء وإن كانوا متساهلين في التوثيق كما أشار إليه المصنف، فاتفاقهم عليه, مع عدم توجه أي انتقاد عليه، بل قَبِله الحفاظ مِن بعدهم ولم يردوه، مثل الحافظ ابن حجر فقال في "التقريب": "صدوق". زد على ذلك أن من جملة من خرج الحديث ابن الجارود في كتابه "المنتقى" رقم (773)، وذلك منه توثيق لرجاله كما لا يخفى. ولذلك فالاعتماد في الرد على الحنفية في استدلالهم بهذا الحديث على ما زعموا، إنما هو على المعنى الآخر الذي أوضحه المؤلف جزاه الله خيرًا. [ن].
(11/131)

ولو رأوا أن معنى هذا الحديث ما يزعمه الحنفية لَما أثنوا على عقبة، بل لعلهم يجرحونه بمقتضى قاعدتهم في جرح المتفرِّد بالمنكر، ولا سيَّما إذا كان مقلًّا غير مشهور. والحنفية يردون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في أسانيدها البتة بدعوى مخالفتها للقرآن حيث لا مخالفة، كما مرَّ في المسألة السابعة، وكما يأتي في المسألة الخامسة عشرة؛ فكيف يسوغ لهم أن يتشبثوا بهذا الحديث، مع ما في سنده من الاختلال، ومع وضوح مخالفة معناه الذي يعتمدونه للقرآن؟!
فإن قيل: وهل يحتمل معنى آخر؟
قلت: نعم، وبيان ذلك أن من القتل ما يتبين فيه أن القاتل قصَدَ القتل، كالصور التي تقدَّم التمثيلُ بها من فضْخ الرأس وما معه ونحو ذلك وما يقرب منه. ومنه ما يُتردَّد فيه أقصَد أم لم يقصِد؟ كمن أغضبه رفيقُه، وكان بيده فأس أو عصا كبيرة، فضرب رأسه، فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد، كمن ضرب رجلاً ضرباتٍ يسيرةً بسوط أو عصا خفيفةٍ فمات. فهذه ثلاثة أضرب.
وقوله في أول الحديث: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد" مُخْرِجٌ للضرب الأول حتمًا, لأنه عمْدٌ محض لا يُعقل أن يسمَّى خطأً شبه العمد، فبقي الأخيران، والظاهر أنه شامل لهما. أما الثالث فواضح، وأما الثاني فلأنه إذا لم يتبيَّن قصدُ القتل، فالأصل عدمُه. فقوله بعد ذلك: "ما كان بالسوط والعصا" حقُّه أن يكون تقييدًا لِيُخرج من الضرب الثاني ما كان بسلاح, لأن استعمال السلاح يدل على قصد القتل، وإن كانت قد تدافعه قرينة أخرى، فيقع التردد.
(11/132)

ومن الحكمة في ذلك زجرُ الناس عن استعمال السلاح حيث لا يحل لهم القتل. وفي "صحيح مسلم" (1) من حديث أبي هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان يَنْزِع في يده، فيقع في حفرة من النار". وفيه (2) من حديثه أيضًا: "من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنُه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأُمه". وفي "المستدرك" (ج 4 ص 290) (3) من حديث جابر قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُتعاطَى السيفُ مسلولًا". ومن حديث أبي بكرة (4) قال: "مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قومٍ يتعاطون سيفًا مسلولاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله من فعل هذا، أوَ ليس قد نَهيتُ عن هذا؟ إذا سلَّ أحدكم سيفًا يَنظر إليه فأراد أن [2/ 81] يناوله أخاه فليُغْمِدْه ثم لْيُناوِلْه إياه".
وعلى ذاك المعنى، فكلمة "ما" من قوله: "ما كان بالسوط والعصا" إما موصولة بدلُ بعضٍ من "الخطأ شبه العمد"، وإما مصدرية زمانية، أي: وقت كونه بالسوط (5) والعصا، كما قيل بكلًّ من الوجهين فيما قصَّه الله تعالى عن شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88].
__________
(1) رقم (2617).
(2) "صحيح مسلم" (2616).
(3) وأخرجه أيضًا أحمد (14201، 14981) وأبو داود (2588) والترمذي (2163) وابن حبّان في "صحيحه" (5946). وإسناده صحيح.
(4) وأخرجه أيضًا أحمد (20429). وإسناده حسن.
(5) في المطبوع: "بالسيف" خطأ.
(11/133)

ويؤيد ذلك أن في بعض الروايات عند النسائي (1) وغيره، منها روايةُ أيوب عن القاسم، وروايةُ هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم: " ... الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ... " ليس فيه "ما كان"، والتقييد في هذا ظاهر. على أن الشارع وإن قضى بأنه إذا كان القتل بسلاح ونحوه عمد (2) حيث يتردد في القصد، فإنه يبالغ في حضِّ وليِّ الدم على أن لا يقتص.
أخرج أبو داود في "السنن" (3) من حديث أبي هريرة قال: "قَتَل رجل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرُفِع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدفعه إلى ولي المقتول. فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردتُ قتله. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للولي: "أما إنه إن كان صادقًا ثم قتلتَه لَتدخلَنَّ النارَ". قال: فخلَّى سبيله".
ثم أخرجه (4) من حديث وائل بن حجر، وفيه: "قال: كيف قتلتَه؟ قال: ضربتُ رأسه بالفأس ولم أُرِدْ قتلَه ... قال للرجل: خذه. فخرج به ليقتله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمَا، إنه إنْ قَتَله كان مثلَه ... ".
وحديث وائل في "صحيح مسلم" (5)، وفيه: "كيف قتلتَه؟ قال: كنتُ أنا وهو نختبط من شجرة، فسبَّني، فأغضَبَني فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلته ... ".
__________
(1) (8/ 40 , 41).
(2) كذا في المطبوع مرفوعًا. والوجه النصب.
(3) رقم (4498). وأخرجه أيضًا النسائي (8/ 13) والترمذي (1407) وابن ماجه (2690). وإسناده صحيح.
(4) رقم (4501).
(5) رقم (1680).
(11/134)

وفي رواية (1): "فلما أدبر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القاتل والمقتول في النار ... ".
وتأوله بعضهم على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان سأل الوليَّ أن يعفو، فأبى. وهذا ضعيف من وجهين:
الأول: أنه ليس في القصة من الأمر بالعفو إلا ما وقع من بيان الإثم أو ما بعده.
الثاني: أنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر أحدًا بترك حقِّه أمرًا جازمًا يأثم المأمور إن لم يمتثله. وقد رغَّب صلى الله عليه وآله وسلم إلى بَرِيرة لمَّا عتقت أن لا تفسخ نكاح زوجها، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: "لا، وإنما أنا أشفع". قالت: فلا حاجة لي فيه (2). ولم يعتِبْ هو بأبي وأُمي ولا أحد من أصحابه على بريرة.
فالصواب ما دل عليه حديث أبي هريرة أنَّ إثمَ الولي إن قَتَل إنما هو مبني على قول القاتل: لم أُرِدْ قتلَه، مع قوة احتمال صدقه.
وقد ذكر [2/ 82] الطحاوي في "مشكل الآثار" (ج 1 ص 409) (3) الحديث، ثم قال: "فكان معنى ذلك - والله أعلم - أن البينة التي كانت شهدت عليه بقتله لأخي خصمه شهدَتْ بظاهر فعله الذي كان عندنا (4) أنه
__________
(1) رقم (1680/ 33).
(2) أخرجه البخاري (5283) من حديث ابن عباس.
(3) رقم (944).
(4) كذا في المطبوع، وفي "مشكل الآثار": "عندها".
(11/135)

عمدٌ له لا شكَّ عندنا (1) فيه، وكان المدَّعَى عليه أعلمَ بنفسه وأيما (2) كان منه في ذلك، فادعى باطنًا كان منه في ذلك، لا بحجة معه (3) ... ".
أقول: لم أر في شيء من الروايات إقامة بينة أي شهود، بل في بعض الروايات (4) أن الولي قال: "أمَا إنه لو لم يعترف لأقمتُ عليه البينة". فإنما كان في الواقعة اعترافُ الرجل بالضرب وبتعمُّده وبآلته وصفته، وضربُ الرأس بالفأس يقتضي قصد القتل، إلا أن هناك ما عارضه وهو أنه لم يسبق بينهما عداوة، وكانت الفأس بيد الجاني يختبط بها، فثار غضبه بسبب السبِّ، فضرب بما كان في يده، وادَّعى أنه لم يُرد القتل، وأقسم على ذلك. فالحديث يدل أنه في مثل هذه الحال يُقْضَى بأن القتل عمدٌ تأكيدًا للزجر عن القتل والتنفير عنه، ولا يُمنَع الوليُّ من الاقتصاص، ولكنه يحرُم عليه.
فإن قيل: وكيف لا يُمنَع مما يحرُم عليه؟
قلت: لأنه لو مُنع منه حُكْمًا لفات المقصود من تأكيد الزجر عن القتل. ويُشبِه هذا ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُعطي المُلْحِفَ في السؤال، وإن كان غير مستحق. وفي "مسند أحمد" (5) و"المستدرك" (6)
__________
(1) في "المشكل": "عندها".
(2) في "المشكل": "وبما".
(3) في "المشكل": "لا يجب عليه معه فيما كان منه فيه قَوَد".
(4) عند مسلم (1680).
(5) رقم (11004). وأخرجه أيضًا البزار (925 - كشف الأستار) والطحاوي في "مشكل الآثار" (5936) وابن حبان (3412، 3414). وإسناده صحيح.
(6) (1/ 46).
(11/136)

وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: "أمَا والله، إن أحدكم لَيخرُج بمسألته من عندي يتأبَّطُها، وما هي إلا نار! " قال عمر: لِمَ تُعطِيها إياهم؟ قال: "ما أصنع؟ يأبَون إلا ذلك، ويأبى الله لي البخلَ". وفي "صحيح مسلم" (1) من حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنهم خَيَّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني، فلست بباخل".
فإذا حُمِلَ ذاك الحديث على المعنى الذي ذكرنا، لم يكن مخالفًا لكتاب الله عزَّ وجلَّ، ولا للسنة الصحيحة, ولا للنظر المعقول؛ فلا يكون منكرًا. وعلى هذا بنى من قوَّاه من المحدثين، ووثَّق راويه المتفرد به، مع ما فيه من الخلل. فإن أبى الحنفية إلا المعنى الذي يتشبَّثون به، [2/ 83] قلنا: فعلى ذلك يكون الحديث منكرًا، فيُرَدُّ ويُضعَّف راويه اتفاقًا.
خُذَا (2) أنفَ هَرْشَى أو قَفاها فإنما ... كِلا جانبَي هرْشَى لهنَّ طريقُ
على أنَّه سيأتي في الحديث الثاني التقييد بأن يكون القتل في مناوشة بين عشيرتين بدون ضغينة ولا حمل سلاح، فيُقتَل رجلٌ لا يُدرَى مَن قاتله. وعلى هذا فلو صحَّ هذا الحديث وكان مطلقًا، لوجب حملُه على ذاك المقيَّد. ومقتضى الحديث أنه في تلك الصورة يُقضى بأن القتلَ شبهُ عمد، فينظر في العشيرتين المتناوشتين، فأيتهما كان المقتول منها كانت ديته مغلَّظة
__________
(1) رقم (1056).
(2) في المطبوع: "خذ" خطأ. والبيت لعَقِيل بن عُلَّفة في "الأغاني" (12/ 261، 262) ومعجم البلدان (5/ 398).
(11/137)

على الأخرى؛ لأن الظاهر أن القاتل منها وأنها عاقلته. فأما إذا كان هناك ضغينة وحمل سلاح، فإنه يُقضى بأن القتل عمد، فيجعل قسامة. وأما إذا عُرف القاتل فله حكمُه. والله أعلم.
قول الأستاذ: "ومنها حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "شبه العمد قتيلُ الحجر والعصا، فيه الدية مغلظة". أخرجه ابن راهويه".
أقول: ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (ج 4 ص 332) وذكر أن ابن راهويه رواه عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؛ وأنه مختصر، وأحال لتمامه (1) على ما تقدَّم له يعني (ج 4 ص 327). ومتنُ الحديث هناك: "العمدُ قوَد إلا أن يعفو وليُّ المقتول، والخطأ عقل لا قوَد فيه، وشبه العمد قتيل العصا والحجر ورمي السهم، فيه الدية مغلظة من أسنان الإبل". نسبه إلى ابن راهويه بالسند نفسه.
والحديث في "سنن الدارقطني" (ص 328) (2) من طريق: "يزيد بن هارون، نا إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قُتِل في عِمِّيَّةٍ بحجر أو عصا أو بسوط، فهو دية مغلَّظة في أسنان الإبل".
وإسماعيل بن مسلم (3) ضعيف، وقد اضطرب كما رأيت، وجعل فيه في رواية ابن راهويه رميَ السهم، وهو عمد عند الحنفية.
__________
(1) في (ط): "بتمامه". والتصويب من المخطوط.
(2) (3/ 94).
(3) في (ط): "أمية" خطأ. والتصويب من المخطوط. وهو المذكور في إسناد الحديث.
(11/138)

ورواه أبو داود (1) وغيره من طريق سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس يرفعه: "من قُتِل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا تكون بينهم بحجر أو سوط، فعقلُه عقلُ خطأ، ومن قتل عمدًا فقود يده". سليمان متكلَّم فيه.
ورواه الدارقطني (ص 328) (2) من طريق الحسن بن عمارة, عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا. والحسن بن عمارة ضعيف جدًّا.
ورواه الدارقطني [2/ 84] (ص 327) (3) من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار بسنده.
والصحيح عن حماد أنه رواه مرسلًا. قال أبو داود (4) في باب "عفو النساء عن الدم": "حدثنا محمَّد بن عبيد، نا حماد، ح ونا ابن السرح، نا سفيان - وهذا حديثه -, عن عمرو، عن طاوس قال: من قُتِل. وقال ابن عبيد: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قُتِل في عِمِّيَّا في رَمْي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضربٍ بعصا، فهو خطأ، وعقلُه عقلُ الخطأ. ومن قُتل عمدًا فهو قود. وقال ابن عبيد: "قَوَدُ يدٍ" ... وحديث سفيان أتم".
ورواه ابن السرح عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قوله، كما مرَّ عن أبي داود. ولكن رواه الشافعي كما في "سنن البيهقي"
__________
(1) رقم (4591). وأخرجه أيضًا النسائي (8/ 40).
(2) (3/ 93).
(3) (3/ 93).
(4) رقم (4539).
(11/139)

(ج 8 ص 45) (1) عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه البيهقي (2) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، [عن عمرو بن دينار] (3) عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا. والوليد شديد التدليس، يدلَّس التسوية.
وقد رواه الدارقطني (ص 328) (4) من طريق: "عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبر عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يقول: الرجلُ يصاب في الرمي في القتال بالعصا، أو بالسياط، أو بالترامي بالحجارة= يُودَى ولا يُقتل به، من أجل أنه لا يُعلم مَنْ قاتلُه؟. قال ابن جريج: وأقول: ألا ترى إلى قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهُذَليَّتين: ضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، إذ (5) لم يقتلها بها، ووداها وجنينها. أخبرناه ابن طاوس عن أبيه، لم يجاوز طاوس".
أقول: قصة الهذليتين ستأتي.
وأخرج أيضًا (6) من طريق: "عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: عند أبي كتاب فيه ذِكرُ العقول جاء به الوحي إلى
__________
(1) أخرجه الشافعي في كتاب "الرد على محمَّد بن الحسن" ضمن "الأم" (9/ 159، 160). وانظر "مسند الشافعي" (ص 345).
(2) في "السنن الكبرى" (8/ 45).
(3) ساقط من (ط). والاستدراك من البيهقي.
(4) (3/ 95).
(5) كذا في (ط). وفي الدارقطني: "أنه".
(6) (3/ 95).
(11/140)

النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ففي ذلك الكتاب وهو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قتلُ العِمِّيَّة ديتُه دية الخطأ، الحجر والعصا والسوط ما لم يحمل سلاحًا". ومن طريق (1) "عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: مَن قُتِل في عِمِّيَّةٍ رميًا بحجر أو عصا أو سوط، ففيه دية مغلَّظة".
فالروايات الصحيحة تجعله عن طاوس من قوله أو عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً، وتُفسِّره (2) بما سمعت، وقد مرَّ توجيهُ ذلك في آخر الكلام على الحديث السابق، فلا متشبَّثَ فيه للحنفية.
[2/ 85] و"العِمِّيَّا" فسَّرها أهلُ الغريب - كما في "النهاية" (3) - بقولهم: "أن يوجد بينهم قتيلٌ يَعْمَى أمرُه، ولا يتبيَّن قاتلُه".
وأخرجه الدارقطني (4) من طريق إدريس بن يحيى الخولاني: "حدثني بكر بن مضر، حدثني حمزة النصيبي، عن عمرو بن دينار، حدثني طاوس، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من قُتِل في عِمِّيَّا رميًا تكون بينهم ... ". ثم أخرجه (5) من طريق عثمان بن صالح: "أنا بكر بن مضر، عن عمرو بن دينار ... "، ومن وجه آخر (6) عن عثمان بن صالح: "نا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن دينار".
__________
(1) (3/ 95).
(2) (ط): "وتفسيره". والمثبت يقتضيه السياق.
(3) (3/ 304).
(4) (3/ 93).
(5) (3/ 94).
(6) (3/ 94).
(11/141)

حمزة النصيبى هالك، وعثمانُ بن صالح صالحٌ في نفسه، لكنه من الذين ابتلُوا بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه، فيملي عليهم ويخلِّط. وخالد هالك.
قول الأستاذ: "ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمِسْطَح - وهو عود من أعواد الخِباء - أخرجه عبد الرزاق".
أقول: جاءت القصة من رواية جماعة من الصحابة:
الأول: زوج المرأتين حَمَل بن مالك بن النابغة، ومنه سمعه ابن عباس. ففي "مسند أحمد" (ج 4 ص 80) (1): "ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريج قال: أنا عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يخبر عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه أنه نَشَدَ قضاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فجاء حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين بيتَي امرأتيَّ، فضربتْ إحداهما الأخرى بمِسْطَح، فقتلَتْها وجنينَها. فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغُرَّةٍ وأن تُقتَل بها. قلت لعمرو: لا، أخبرني عن أبيه بكذا وكذا. قال: لقد شكَّكتني".
ورواه أبو داود (2) عن أبي عاصم عن ابن جريج بمعناه إلى قوله: "أن تقتل". وبعده: "قال أبو داود: قال النضر بن شميل: المِسْطَح وهو الصَّوبَج. [و] قال أبو عبيد: المِسْطَح: عود من أعواد الخباء".
ورواه البيهقي (ج 8 ص 43) من طريق عبد الرزاق بنحوه، وفيه من قول ابن جريج: "فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه قضى بديتها وبغُرَّة
__________
(1) رقم (16729)، وهو أيضًا فيه برقم (3439).
(2) رقم (4572).
(11/142)

عن جنينها. قال: لقد شكَّكتني".
ورواه النسائي (1) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وفيه: "فرمَتْ إحداهما [2/ 86] الأخرى بحجر".
وروى الطبراني (2) من طريق أبي المَلِيح ابن أسامة الهذلي عن حَمَل بن مالك: أنه كان له امرأتان لِحْيانيَّة ومُعاويَّةٌ ... فرفعت المُعاويَّة حجرًا فرمتْ به اللحيانيةَ وهي حُبْلى، فألقت جنينًا، فقال حَمَل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة): أدِّ إليّ عقلَ امرأتي، فأبى. فترافعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "العقل على العصبة". وذكره ابن حجر في ترجمة عمران من "الإصابة" (3).
الثاني: أخو المقتولة عُوَيم، ويقال: عويمر الهذلي. في ترجمته من "الإصابة" (4): "أخرج ابن أبي خيثمة والهيثم بن كليب والطبراني (5) وغيرهم من طريق محمَّد بن سليمان بن سموأل (6) - أحد الضعفاء - عن عمرو بن تميم بن عُوَيم الهذلي، عن أبيه، عن جده قال: كانت أختي مُليكة وامرأةٌ منَّا يقال لها: أم عُفَيف ... تحت رجل منا يقال له: حَمَل بن مالك ... فضربتْ أمُّ عفيف أختي بمِسْطَحِ بيتها ... ".
__________
(1) (8/ 51, 52).
(2) في "المعجم الكبير" (3484).
(3) (7/ 501, 502).
(4) (7/ 567، 568).
(5) في "الكبير" (17/ 141).
(6) كذا في الطبعة القديمة من "الإصابة". والصواب "مسمول" كما في الطبراني و"ميزان الاعتدال" (3/ 569) والطبعة المحققة من "الإصابة".
(11/143)

الثالث: أسامة بن عمير الهذلي. روى الطبراني (1) من طريق أبي المليح بن أسامة الهذلي عن أبيه قال: "أُتِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له: حَمَل بن مالك، فضربت إحداهما الأخرى بعَمود خباء، فألقت جنينها ميتًا. فأتى مع الضاربة أخ لها يقال له: عمران بن عويم ... فقال عمران: يا نبيَّ الله إن لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمِّهم. قال: "أنتَ أحقُّ أن تعقل عن أختك ... ". ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من "الإصابة" (2). وذكر في "الفتح" (3) أن الحارث بن أبي أسامة أخرجه من طريق أبي المليح، وفيه: "فخذفت إحداهما الأخرى بحجر".
الرابع: المغيرة بن شعبة. وحديثه في "صحيح مسلم" (4) وغيره من طرق عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نَضْلة، عن المغيرة. وفيه: "بعمود فُسطاط". وفي رواية للترمذي (5): "بحجر أو عَمُود (6) فسطاط ... ". وروى النسائي (7) من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: "ضربت امرأةٌ ضرَّتَها بحجر وهي حُبلى، فقتلتها بحجر ... ".
__________
(1) في "الكبير" (514).
(2) (7/ 500, 501).
(3) (12/ 248). والحديث في "بغية الباحث" (584)، وفيه: "فقذفت ... ".
(4) رقم (1682). وأخرجه أحمد في "المسند" (18138)، وانظر تخريج المحققين.
(5) رقم (1411).
(6) في (ط): "عود". والتصويب من الترمذي.
(7) (8/ 51).
(11/144)

الخامس: أبو هريرة. وحديثه في "الصحيحين" (1) وغيرهما من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة "أن امرأتين من هذيل رَمتْ إحداهما الأخرى، فطرحَتْ جنينَها [2/ 87] ... ". وفي رواية أخرى في "الصحيحين" (2) من طريق يونس، عن ابن شهاب بسنده، وفيه: "فرمَتْ إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها (3)، وما في بطنها .. ". وفي "صحيح البخاري" (4) في باب الكهانة من كتاب الطب من طريق عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب: " ... فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلَتْ ولدَها الذي في بطنها ... ". وفيه (5): "ثنا قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن امرأتين رمَتْ إحداهما الأخرى بحجر، فطرحَتْ جنينَها ... ".
السادس: بُريدة الأسلمي. أخرج أبو داود (6) والنسائي (7) من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة حَذَفَتْ (أو خَذَفَتْ) اموأة، فأسقطَتْ ... ونهى يومئذٍ عن الخذف".
هذا ما تيسَّر الإشارة إليه من طرق القصة. وقد رأيتَ الاختلاف في
__________
(1) البخاري (6904) ومسلم (1681).
(2) البخاري (6910) ومسلم (1681/ 36).
(3) في الأصل: "فقتلها" والتصويب من الصحيحين.
(4) رقم (5758).
(5) رقم (5759).
(6) رقم (4578).
(7) (8/ 47).
(11/145)

الفعل: أضربٌ هو، أم رميٌ، أم حَذْفٌ أم خَذْفٌ؟ وفي الآلة: مِسْطح - حجر - عمود فسطاط؟ والطريق العلمية في مثل هذا أن يُجمَع، فإن لم يمكن فالترجيح.
فقد يقال: أما الفعل فحَذْفٌ, لأن الحذف هو الرمي عن جانب، فكلُّ حذفٍ رَمْيٌ، ولا عكس. وإنما كان ذلك سببًا للنهي عن الخذف, لأن كلًّا منهما رميٌ بحجر، ولتقاربهما لفظًا. وقد يُطلق على الرمي ضربٌ كما مرَّ في بعض الروايات: "ضربت امرأة ضرَّتَها بحجر".
وأما الآلة، فقد يقال: إنها حجرٌ كان صَوْبَجًا، وذلك أن في رواية زوج المرأة: "بمسطح"، وفي رواية عنه: "بحجر"، وفي رواية أخي المقتولة: "بمسطح". و"المسطح": كلمة مشتركة يطلق على الصَّوبج، وهو ما يرقَّق به العجين ويُخبَز، وقد يكون عند أهل البادية حجرًا. ويطلق على عمود الخباء والفسطاط. فجاء في رواية منصور، عن إبراهيم، عن عبيد، عن المغيرة: "بعمود فسطاط". وفي رواية: "بحجر أو عمود فسطاط". وفي رواية الأعمش عن إبراهيم: "بحجر". فكأنه كان في أصل الرواية: "بمسطح"، فحمله بعضُهم على أحد معنيَيه، وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي رواية أبي المليح عن أبيه: "بعمود خباء"، وفي الأخرى منه: "بحجر"، فكأنه كان في الأصل "بمسطح". وفي رواية أبي هريرة في "الصحيحين": "بحجر"، ولم يُختلَف عليه. فإن اتجه ذاك التوجيه، وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح.
إذا تقرَّر هذا فنقول: إن حذف المرأةِ صاحبتَها بحجر ليس مما يتبيَّن به مطلقًا قصدُ القتل.
(11/146)

[2/ 88] فإن قيل: عدم استفصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أن القتل بمثل ذلك شبهُ عمدٍ على كل حال.
قلت: لم يُذكر في شيء من الروايات اختلافٌ من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا في موجبه، بل تقدم في رواية أبي المليح عن حَمَل: "فقال حَمَل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أدِّ إليَّ عقلَ امرأتي، فأبى، فترافعا". وفي روايته عن أبيه: "فقال عمران: يا نبي الله إنَّ لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحقُّ أن يَعقِلوا عن أمهم". فقد اتفق الخصمان قبل الترافع وبعده على أن في القتل ديةً على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة: الأخ أم الابنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد.
وافرض أن خصمين ترافعا إلى قاض، فقال أحدهما: إن أختَ هذا قتلَتْ أختي شبه عمد، وهو عاقلتها، فأطالبه بالدية. فقال الآخر: قد صدق، ولكنْ للقاتلة بنون وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمهم. ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادُق الخصمين على أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟
قول الأستاذ: "وقد أعلّ أبو حنيفة حديثَ الرضْخ، كما سيأتي".
أقول: في "تاريخ بغداد" (13/ 387 [403]) من طريق "بشر بن مفضَّل قال: قلت لأبي حنيفة ... قتادة عن أنس أن يهوديًّا رضخ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فرضخ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رأسه بين حجرين. قال: هذيان". فهل هذا إعلال؟!
قال الأستاذ (ص 80): وأما حديثُ الرضخ، فمروي عن أنس بطريق هشام بن
(11/147)

زيد وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بيِّنة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرارُ القاتل، لكن عنعنة قتادة متكلَّم فيها". ثم راح يتكلم في أنس رضي الله عنه.
أقول: أما هشام، فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك، وحديثه هذا عن جدِّه في "الصحيحين" (1) وغيرهما. وهشام غير مدلس، وسماعُه من جدِّه أنس ثابت، ومع ذلك فالراوي عنه شعبة، ومن عادته التحفظ من رواية ما يُخشى فيه التدليس. وحديثه هذا في "الصحيحين"، [2/ 89] ومن عادتهما التحرز عما يُخشى فيه التدليس. فسماعُ هشام لهذا الحديث من جدِّه أنس بن مالك ثابت على كل حال.
وأما أبو قلابة، فهو عبد الله بن زيد الجَرْمي، وقد قال فيه أبو حاتم: "لا يُعرف له تدليس". وذكر ابن حجر في ترجمته من "التهذيب" ما يُعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروي عمن قد سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس، كما في قصة العُرَنيين وغيرها، وحديثه في "الصحيح" (2) أيضًا. فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس.
أما قتادة فمدلِّس، لكنه قد صرَّح بالسماع. قال البخاري في "الصحيح" (3) في "باب إذا أقرَّ بالقتل مرة قُتِل به": "حدَّثني إسحاق، أخبرنا حَبَّان، حدثنا همّام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهوديًّا رضَّ رأسَ جارية بين حجرين ... فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرُضَّ
__________
(1) البخاري (5295) ومسلم (1672).
(2) البخاري (4193، 4610) ومسلم (1671).
(3) رقم (6884).
(11/148)

رأسه بالحجارة. وقد قال همّام: بحجرين". وفي "مسند أحمد" (ج 3 ص 269) (1): "ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: أنا قتادة أن أنسًا أخبره ... فأُخِذ اليهوديُّ، فجيء به، فاعترف". وتمام الكلام في "الطليعة" (ص 101 - 103) وترجمة أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة "التنكيل" أوائلَ الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس.
قال الأستاذ: "ومن رأيه (يعني أبا حنيفة) أيضًا أن القوَد بالسيف فقط تحقيقًا لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب".
أقول: الخروج عن المماثلة كما يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان. وكما أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء، فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء. ومن قتل إنسانًا ظلمًا برضْخِ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يُقتَل مثل تلك القِتلة.
فإن قيل: ربما يقع في هذا زيادةٌ ما في الإيلام؟
قلنا: وربما يقع نقصٌ ما، فهذا بذاك؛ على أنها إن وقعت زيادة، فخفيفة غير مقصودة ولا محقَّقة ولا مانعة من أن يقال: إنه قتل مثل قِتلته. وفي تمكين الوليِّ من ذلك شفاءٌ لغيظه، وتطييبٌ لنفسه، وزجرٌ للناس، وردعٌ عن الجمع بين القتل ظلمًا وإساءة القتلة. وقد شرع الله تبارك وتعالى رجمَ الزاني المحصن إبلاغًا في الزجر، والقتل ظلمًا أشدُّ من الزنا. نعم، قال الله تبارك وتعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]. وكما أن العفو قد يكون بترك المجازاة البتة، فقد يكون
__________
(1) رقم (13840).
(11/149)

بتخفيفها، فغاية الأمر أن يكون الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يُحمل ما ورد في ذلك على ضعفه ومعارضة غيره له. والله الموفق.
***
(11/150)

[2/ 90] المسألة الثالثة عشرة لا تعقل العاقلة عبدًا
قال الأستاذ (ص 24): "قول صاحب القاموس (ع ق ل): وقول الشعبي لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ... معناه أن يجنى على عبد ... قال الأصمعي: كلَّمتُ أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرِّق بين (عقلتُه) و (عقلتُ عنه) حتى فهَّمتُه".
قال الأستاذ: "وعقلته يستعمل في معنى عقلت عنه. قال الأكمل في "العناية" (1): وسباق الحديث وهو: "لا تعقل العاقلة عمدًا"، وسياقه وهو: "ولا صلحًا ولا اعترافًا" يدلان على ذلك, لأن معناه: عمَّن عمَدَ، وعمَّن صالح وعمّن اعترف. اه. ويؤيده ما أخرجه أبو يوسف في "الآثار" (2) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: لا تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ؛ وما أخرجه محمَّد بن الحسن في "الموطأ" (3) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك ... اه. و"ما جنى المملوك" نصٌّ على أن المراد بقوله: "لا تعقل العاقلة عبدًا": أن العاقلة لا تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقوِّل. وأخرج البيهقي (4) بطريق الشعبي عن عمر: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة. ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ أنه من قول الشعبي".
__________
(1) (10/ 407) بهامش "فتح القدير".
(2) رقم (978).
(3) رقم (666).
(4) في "السنن الكبرى" (8/ 104).
(11/151)

ثم حكى عبارة أبي عبيد، وفي آخرها: "قال أبو عبيد: فذاكرتُ الأصمعي، فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى، وعليه كلام العرب. ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان: لا تعقل العاقلة عن عبد".
ثم قال الأستاذ: " ... ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب (عقل عنه) بمعنى: وَدَى. بل (عقله) في هذا الباب بمعنى: عقل عنه، على الحذف والإيصال؛ لأن أصل الكلام: عقل فلان قوائم الجمال ليدفعها ديةً عن فلان، فاستغنى عن المفعول الصريح، وأوصل إلى المدفوع عنه بحذف (عن)، وهذا من أسرار العربية. والقصد من الآثار المروية عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد ... ".
أقول: عاقلة الإنسان: عَصَبته، على تفصيل معروف في كتب العلم. فإذا قتل حرٌّ حرًّا خطأ [2/ 91] محضًا أو شبهَ عمد، وثبتَ القتل ببينة، فالدية على عاقلة القاتل. ومن الحكمة في ذلك أن أولياء المقتول يطلبون بثأره، ومن شأن عصبة القاتل أن تقوم دونه، وهم مُحِقُّون في ذلك، فيقال لهم: من شأنكم أن تقوموا دونه، فاغْرَموا ما لزم بفعله. وإن كان القتل عمدًا أو لم يثبت إلا باعتراف القاتل لم يلزم العاقلةَ شيء؛ لأنهم قد يقولون في العمد: لو طُلِب دمُه لم نقم دونه، ولا يحِلُّ لنا ذلك، وهو أوقع نفسه باختياره. ويقولون في الاعتراف: هو جرَّ البلاء باختياره. وهكذا إذا لم يلزمه (1) شيء إلا بمصالحته, لأن ذلك كاعترافه.
وبقيت مسألتان:
الأولى: أن يقتل عبد حرًّا، فليس في هذا شيء على عاقلة العبد ولا على
__________
(1) في (ط): "يلزم". والتصويب من المخطوط.
(11/152)

عاقلة سيده. أما عاقلة العبد، فلأنه ما دام عبدًا في معنى الأجنبي عنهم. وأما عاقلة سيده، فلأنهم يقولون: القاتل المطالَب هو العبد، ولا شأنَ لنا به، ولا نقوم دونه.
الثانية: أن يقتل حرٌّ عبدًا، فقيل: إذا كان عمدًا ثبت القوَد. وقيل: لا قودَ بحال, لأن هذا ليس من مظنة الفتنة، فإن سيد العبد لا يهمُّه أن يأخذ بثأر عبده، وإنما يهمُّه أن يأخذ مالاً يستعيض به منه. فأما إذا كان خطأ محضًا أو شبهَ عمد، فلا قود اتفاقًا، وإنما يجب المال.
واختلفوا في الواجب، فقال قوم: الواجب قيمة العبد بالغةً ما بلغتْ، لأن سيده يستحق ما يعادل ما فاته، ومقدارُ ذلك معروف وهو القيمة، كما لو كان المقتول فرسًا. وإلى هذا رجع أبو يوسف، وهو قول الشافعي وغيره.
وقيل: الواجب دية، لكن مقدارها هو القيمة بشرط أن لا تساوي ديةَ الحرِّ ولا تزيد عليها. فإن ساوت أو زادت لم يجب إلا دون دية الحر بعشرة. وهذا قول أبي حنيفة، ولا يخفى ما فيه.
ثم اختلفوا في تغريم العاقلة، فقال قوم: ليس عليها شيء لأنه إن كان الواجب قيمةَ العبد (1) فكما لو كان المقتول فرسًا. وإن كان ديةً فليس من شأن سيد العبد أن يطلب دم القاتل، فيكونَ ذلك من مثار تعصب عاقلته. وقال أبو حنيفة: تُغْرَم (2) العاقلة. احتج مخالفوه بما روي عن الشعبي: "لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا". فقال أبو حنيفة: إنما معنى هذا وارد في المسألة الأولى، وهي أن يكون العبد هو القاتل، فردَّه
__________
(1) "العبد" ساقطة من (ط)، والاستدراك من المخطوط.
(2) (ط): "تلزم". والمثبت من المخطوط.
(11/153)

الأصمعي بما مرَّ, وأجاب الأستاذ بما سمعت.
[2/ 92] وأقول: أما ما ذُكر عن إبراهيم، فقوله: "قتل" لا أدري أبالبناء للفاعل أم المفعول؟ فإن كان للمفعول - وهو الظاهر - فهو نصٌّ في خلاف قول أبي حنيفة. فإن قيل: رواية أبي حنيفة له تدل على أنه عنده بالبناء للفاعل، قلنا: بل رواية أبي يوسف له تدل أنه عنده بالبناء للمفعول. والحقُّ اطراح هذين، فإن إبراهيم تابعي، والعالمُ كأبي حنيفة وأبي يوسف قد يروي من أقوال التابعين ما لا يقول به. لكن إذا ثبت أن المعروف في اللغة "عقلت القتيل" دون "عقلت القاتل". تبيَّنَ أن الفعل في قول إبراهيم مبني للمفعول، وهو الظاهر.
وأما الأثر عن ابن عباس، فليس من الواجب مطابقته لما روي عن غيره. بل هي خمس مسائل اتفق القولان على ثلاث، وانفرد كل منهما بواحدة، ويتعين الجزم بهذا إذا كان المعروف في اللغة "عقلت القتيل"، لا "عقلت القاتل". فتبيَّن أن المدار على اللغة.
فأما ما ذكره صاحب "العناية" فليس بشيء، بل المعنى: لا تعقل (1) العاقلة دية عمد، ولا قيمة عبد، ولا واجب صلح، ولا واجب اعتراف.
وأما تحقيق الأستاذ، فيقال له: العبارة التي زعمت أنها الأصل - وهي "عقل فلان قوائم الإبل ليدفعها ديةً عن فلان" - إنما تعطي بمقتضى العربية أن فلانًا الثاني هو القاتل، فإننا نقول: "دفعت عن فلان الدَّين الذي عليه، وأديتُ عنه الدية التي لزِمتْه". ويصح أن يقال بهذا المعنى: "وَدَيتُ عنه" أي:
__________
(1) في المخطوط: "لا تغرم".
(11/154)

أدَّيتُ عنه الدية التي لزمته. فأما المقتول، فإنما يقال: "وديته"، وقد يقال: هذه دية من القتيل، أي بدل عنه. قال الشاعر (1):
عَقَلنا لها من زوجها عددَ الحصَى
قال ابن قتيبة في كتاب "المعاني" (2): "يقول: قتلنا زوجها، فلم نجعل عقلَه إلا همَّها ... والمغموم يُولَع بلَقْط الحصى وعدِّه". و"مِنْ" هذه هي البدلية، مِثلُها في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38]. وفي صغار كتب العربية أن "عن" للمجاوزة، وإذا أديتَ الدية فإنما جعلتَها تُجاوِز ذمةَ القاتل، كما تقول: أديتُ عن فلان الدين الذي كان عليه. ولا معنى لمجاوزتها المقتول.
وبعد، فلا ريب أن الأصل "عقلت قوائم الإبل"، لكن استغنوا عن القوائم على كل حال، فقالوا: "اعقِلْ ناقتك". ثم كثر عقلُ الإبل في الدية، فاستغنوا في ذكر الدية عن لفظ الإبل. [2/ 93] يقول ولي المقتول أو المصلح: اعقِلوا. ويقول أولياء القاتل: سنعقِل. وكثر ذلك حتى صار المتبادر من العقل في قضايا القتل معنى الدية، فاستُعمل في معناها حتى جُمِع جمْعَها فقيل: "عقول" بمعنى "ديات". فإذا قيل في قضايا القتل: عقلتُه فمعناه: وديتُه، أي أدَّيتُ ديته. وإذا قيل: عقلتُ عنه، فالمعنى: وديتُ عنه، أي أدَّيت عنه الدية التي كانت مستقرةً عليه، فجعلتُها تجاوزه. هذا هو المعروف في العربية.
__________
(1) عجزه: مع الصبح أو في جنح كل أصيلِ.
والبيت بلا نسبة في "الحيوان" (1/ 65).
(2) "المعاني الكبير" (2/ 1007).
(11/155)

المسألة الرابعة عشرة تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا
في "تاريخ بغداد" (13/ 391 [408]) حكايتان عن أبي عوانة: "كنت عند أبي حنيفة جالسًا، فأتاه رسول من قبل السلطان ... فقال: يقول الأمير: رجل سرق وَدِيًّا، فما ترى؟ فقال غير متعتع: إن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه ... ".
قال الأستاذ (ص 92): "قال الإِمام محمد بن الحسن الشيباني في "الآثار" (1): أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: لا يُقطع السارق في أقلَّ من ثمن المِجَنِّ، وكان ثمنه يومئذ عشرة دراهم، ولا يُقطَع بأقل من ذلك ... قال الإِمام محمَّد في "الموطأ" (2): قد اختلف الناس فيما تُقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة: ربع دينار، ورووا أحاديث. وقال أهل العراق: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ورووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن عمر، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير واحد. فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعني أن ربع الدينار نحو ثلاثة دراهم. والحدود مما يدرأ بالشبهات، فالأخذُ برواية عشرة دراهم في القطع أحوطُ، فيؤخذ بها حيث لم يُعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الآثار المختلفة".
أقول: رأيت للحنفية مسالكَ في محاولة التخلُّص من الأحاديث الصحيحة في هذه المسألة، نشِطتُ للنظر فيها هنا.
__________
(1) رقم (629).
(2) (ص 239).
(11/156)

المسلك الأول: هذا الذي تقدم. وحاصله أن الدليلين إذا تعارضا عُمِل بالناسخ، فإن لم يُعلم فبالراجح. تعارضت الأدلة هنا ولم يُعلَم الناسخ فتعيَّن العملُ بالراجح. ومن المرجِّحات نفيُ [2/ 94] الحد، أي أنه إذا كان أحدُ الدليلين المتعارضين مثبتًا لحدٍّ والآخرُ نافيًا له، كان ذلك مما يقتضي ترجيح الثاني. فالأحاديث الموجبة للقطع في ربع دينار مثبِتة للحدِّ في ما ساوى ذلك وما زاد عليه. والأحاديث الدالة على أنه لا قطع في أقلَّ من عشرة دراهم نافية للحدّ فيما دون ذلك، فجاء التعارض فيما يساوي ربع دينار، أو يزيد عليه ولكنه لا يبلغ العشرة، ولم يُعلم الناسخ، فترجَّح النافي.
والجواب عن هذا أن ما يذكر في أنه لا قطع فيما دون العشرة لا يَثبتُ، كما ستراه مفصلاً، فليس بدليلٍ أصلاً. هَبْه ثبَتَ، فعدُّ نفي الحدِّ من المرجِّحات فيه نظر، وما يذكر فيه من السنة لا يثبت. هَبْه ثبَتَ، فلا حجة فيه، للاتفاق على أن الحد يثبت بخبر الواحد ونحوه مما يقول الحنفية إنه دليل فيه شبهة. وإنما الشبهة التي يُدرأ بها الحدُّ ما يقتضي عذرًا ما للفاعل، كمن أخذ ما له فيه حق، فإن له أن يقول: لم أسرق وإنما توصلت إلى أخذ حقي؛ وكالواطئ في نكاح بلا ولي، فإن له أن يقول: لم أزْنِ وإنما أتيت امرأتي. فأما من يقول: سرقتُ عالِمًا بأن السرقة حرام، لكن قد تعارضت الأدلة في أن سرقتي هذه توجب الحد، فلا عذر له، ولا يُدرأ عنه الحدُّ، كما لا يُدرأ عمن قال: سرقت عالمًا بأن السرقة حرام، ولكن لم أعلم بأن حكم الإِسلام قطع يد السارق. بل ذاك أولى، فإنه إذا لم يُعذر بجهل وجوب الحد من أصله، فكيف يُعذر بالتردد فيه؟ هَبْه ثبت أن نفي الحد من مقتضيات الترجيح، فللمثبت مرجحاتٌ أقوى من ذلك كما ستراه إن شاء الله.
(11/157)

المسلك الثاني للطحاوي. بدأ في كتابه "معاني الآثار" (1) بذكر حديث ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع في مِجَنٍّ ثمنُه ثلاثة دراهم"، وهو في "الموطأ" و"الصحيحين" (2) وغيرها. رواه مالك وجماعة عن نافع عن ابن عمر، فهو في أعلى درجات الصحة. ثم ذكر الطحاوي أنه لا حجة فيه على أنه لا يُقطَع فيما دون ذلك. ثم روى (3) من طريق أبي واقد صالح بن محمَّد بن زائدة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رفعه: "لا يُقطَع السارق إلا في ثمن المِجَنِّ". قال الطحاوي: "فعلمنا بهذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقَفَهم عند قطعه في المجنِّ على أنه لا يُقطع فيما قيمته أقلُّ من قيمة المجن".
[2/ 95] أقول: أبو واقد هذا ذُكر بصلاح في نفسه وغزو. قال أحمد: "ما أرى به بأسًا". لكنهم ضعَّفوه في روايته، قال ابن معين: "ضعيف الحديث". وضعَّفه أيضًا علي ابن المديني، والعجلي، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وابن عدي. وقال البخاري وأبو حاتم والساجي: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأخبار والأسانيد ولا يعلم، ويُسند المرسل ولا يفهم، فلما كثر ذلك في حديثه وفحش استحقَّ الترك". ومما أنكروه عليه حديثُه عن سالم عن أبيه عن عمر رفعه: "من وجدتموه قد غَلَّ فأحرِقوا متاعَه" (4) قال البخاري: "هو حديث باطل ليس له أصل".
__________
(1) (3/ 162).
(2) "الموطأ" (2/ 831) والبخاري (6795) ومسلم (1686).
(3) (3/ 163). وضعَّفه الحافظ في "الفتح" (12/ 105).
(4) أخرجه أحمد (144) وأبو داود (2713) والترمذي (1461) وغيرهم، قال =
(11/158)

وقد ذكر الطحاوي حديثه هذا عن سالم في "مشكل الآثار" (1) على ما في "المعتصر" (ج 2 ص 238) (2). وفي "المعتصر" عن الطحاوي (3): "وكتاب الله يخالف ذلك، قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] فإذا لم يكن في سرقة مال - ليس للسارق فيه شركة - سوى قطع اليد، لا جزاء له غير ذلك، فأحرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظٌّ إحراقُ رحله".
أقول: دلالةُ الآية على أنه لا جزاء غير ذلك دلالةٌ لا يقول بها الجمهور. وعلى القول بها فإنما يتجه ما بناه الطحاوي عليها لو كان على الغالِّ قطعٌ، إذ يقال: ليس على السارق إلا القطع مع أنه لا شبهة له، فكيف يُزاد الغالُّ على القطع مع أن له شبهة؟ فأما أن يكون على السارق الذي لا شبهة له القطع وليس على الغال لشبهته قطع، ولكن عليه عقوبة دون ذلك = فليس في هذا ما يُنكَر، كما أن على الزاني المحصَن الرجم فقط، وليس على غير المحصن
__________
= الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ثم قال: وسألتُ محمدًا (أي البخاري) عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمَّد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال محمَّد: وقد روي في غير حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغال، ولم يأمر فيه بحرق متاعه. وقال الجوزقاني في "الأباطيل" (588): حديث منكر. وقال الدارقطني (كما في "العلل المتناهية" 2/ 584): أنكروا هذا الحديث على صالح، وهو حديث لم يُتابَع عليه، ولا أصل له في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي "علل" الدارقطني (2/ 53): أبو واقد هذا ضعيف.
(1) رقم (4240 - 4242).
(2) الطبعة الثانية. [المؤلف].
(3) "مشكل الآثار" (10/ 449).
(11/159)

رجم ولكن عليه الجلد. وكما أن من ارتكب موجبَ الحدِّ يُحَدُّ ولا يعزَّر، ومن ارتكب ما دون ذلك لم يُحَدَّ ولكنه يعزَّر.
ردَّ الطحاوي حديث أبي واقد في الغالِّ بدعوى مخالفة لا حقيقة لها، لدلالة لا يقول بها الجمهور، ثم احتج بحديث أبي واقد نفسه هنا مع مخالفته مخالفةً محققةً لدلالة متفقٍ عليها من الآية نفسها. فإن حديثه هنا ينفي القطع عن عدد كثير يحقُّ على كلًّ منهم اسم "السارق"، وهم كلُّ مَن كان مسروقه أقل من قيمة المجنّ، والآية توجب بعمومها قطعَ كلِّ مَن يحق عليه [2/ 96] اسمُ "السارق". ودلالة العموم متفق عليها، بل يقول الحنفية: إنها قطعية. ثم يبالغ الطحاوي فيقول: "فعلمنا بهذا ... " كأنه يرى أبا واقد معصومًا يوجب حديثه العلم، ويجعل ذلك أمرًا مفروغًا منه، وإنما الشأن في معرفة قيمة المجن!
ومع ذلك نجاري الطحاوي في النظر في قيمة المجن. ذكر الطحاوي أن بعض أهل العلم يقول: إنها ثلاثة دراهم بحديث ابن عمر السابق. قال (1): "وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يُقطَع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعدًا، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود (وهو إبراهيم بن سليمان بن داود الأسدي البُرُلُّسِي) و (أبو زرعة) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان قيمة المجنّ الذي قَطع فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
__________
(1) "معاني الآثار" (3/ 163).
(11/160)

أقول: ابن إسحاق متكلَّم فيه، وفي حفظه شيء، كما في "الميزان"، وقد اضطرب في الخبر كما يأتي، فخبره هذا غير صالح للحجة أصلاً، فكيف يعارَض به حديثُ "الموطأ" و"الصحيحين" وغيرهما المتواتر عن نافع عن ابن عمر؟
ومع هذا فالظاهر أن هذا لفظ ابن أبي داود، كما يشير إلى ذلك تقديم الطحاوي له. فأما الدمشقيُّ، فقال الحاكم في "المستدرك" (ج 4 ص 378): "حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب (الأصم)، ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجنِّ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقوَّم عشرةَ دراهم".
وهذا هو الصواب من حديث الوهبي، كذلك أخرجه الدارقطني في "السنن" (ص 369) (1): "نا محمَّد بن إسماعيل الفارسي، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، نا أحمد بن خالد الوهبي". وكذلك أخرجه البيهقي في "السنن" (ج 8 ص 257): "ثنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي ... " كلاهما بلفظ الأصم عن الدمشقي، إلا أن ابن نجدة قدَّم كلمة "يقوَّم"، ذكرها بعد كلمة "المجن".
فإن قيل: فالمعنى واحد.
قلت: كلّا، لفظ الطحاوي يجعل العشرة قيمة "المجنّ الذي قطَع فيه
__________
(1) (3/ 192).
(11/161)

النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -". والمحفوظ - وهو لفظ الدمشقي وابن نجدة [2/ 97] والسلمي - يجعلها قيمة المجنّ مطلقًا، كما تقول: كانت الغنم رخيصة في عهد فلان، كان ثمن الشاة يقوَّم درهمين.
فإن قيل: وكيف يستقيم ذلك والمجانُّ تختلف جودةً ورداءةً، وجِدَّةً وبِلىً، وسلامةً وعيبًا، وتَرخُص في وقت وتغلو في آخر؟
قلت: كأَنَّ قائل ذلك بلغه أن أقلَّ ما قطَع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مجنٌّ، ورأى أنه لا ينبغي القطعُ في أقل من ذلك، وأعوزه أن يعرف ذاك المجنَّ، أو يعرف قيمتَه على التعيين، أو يجد دليلًا يُغنيه عن ذلك؛ ففزع إلى اعتبار جنسه، ليحمله على أقصى المحتملات احتياطًا، أو على أولاها في نظره، فرأى أن العشرة أقصى القِيَم، أو أوسطها، أو غالبها، أو أقصى الغالب، أو أوسطه.
فإن قيل: فهلَّا تَحملُ كلمةَ "المجن" في لفظ الجماعة على ذلك المجنِّ المعهود الذي قطع فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فتوافق لفظَ الطحاوي؟
قلت: يمنع من ذلك أمور:
الأول: أن الظاهر إرادة الجنس.
الثاني: قوله "كان ... يقوَّم". وهذا يقتضي تكرار التقويم، ولا يكون ذلك في ذاك المجنِّ المعيَّن.
الثالث: أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذَّ بما يخالف الحديث الثابت المحقَّق، وهو حديث ابن عمر.
فإن قيل: قد يكون ابن عمر قوَّم [ذلك المجن المعين] باجتهاده، فقال:
(11/162)

[ثلاثة، وقوَّمه غيرُه باجتهاده، فقال:] (1) عشرة.
قلت: هذا باطل من أوجه:
الأول: أن الواجب في التقويم أنه إذا رُفعت إلى الحاكم سرقةٌ، وكان (2) المسروق مما لا يُعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يُقطَع فيه أو لا: أن يبدأ الحاكمُ، فيأمر العدولَ العارفين بتقويم المسروق. وابنُ عمر في دينه وتقواه وورعه، وعلمِه بأنه سيُبنَى على خبره قطعُ أيدٍ كثيرةٍ، لا يُظَنُّ به أن يَجزم إلا مستندًا إلى ما جرى به التقويمُ بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: أن أثبت الروايات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ: "ثمنه"، كما تراه في "صحيح البخاري" مع "فتح الباري" (3). وأصل الفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن هو ما يقع عوضًا عن السلعة، والقيمة ما تقوَّم به السلعة. فمن اشترى سلعة بثلاثة دراهم، وكانت تساوي أكثر أو أقل، فالثلاثة ثمنها، والذي تساويه هو قيمتها. فإذا أتلف رجلٌ سلعة الآخر فقُوِّمت بثلاثة دراهم، [2/ 98] فقضى بها الحاكم، فقد لزمت الثلاثةُ عوضًا عن السلعة، فصحَّ أن تسمى ثمنًا لها. فهكذا السلعة المسروقة لا يحسن أن يقال: "ثمنها ثلاثة دراهم" إلا إذا كانت قُوِّمت بأمر الحاكم بثلاثة دراهم، فقضى بحسب ذلك، وكأن هذا هو السرُّ في اعتناء البخاري باختلاف الرواة في قول بعضهم: "ثمنه"، وبعضهم: "قيمته"، مع أن قول بعضهم: "قيمته" لا يخالف ما تقدَّم؛ لأن ما وقع به التقويم فالقضاء يصح أن يسمى "قيمةً"، لكن ما لم يُعلَم أنه
__________
(1) ما بين المعكوفتين ساقط من (ط)، استدركناه من المخطوط، وبه يستقيم السياق.
(2) (ط): "فكان". والتصويب من المخطوط.
(3) (12/ 97, 105).
(11/163)

وقع به التقويم فالقضاء، فإنه لا يصح أن يسمَّى ثمنًا. فتدبَّرْ.
الثالث: أن ابن عمر لو بنى على حَدْسه لكان الغالب أن يتردَّد.
الرابع: أن الاختلاف في تقويم السلعة بين عارفيها وعارفي قِيَم جنسها في المكان والزمان الواحد لا يكون بهذا القدر، يقول هذا: ثلاثة، ويقول الآخر: عشرة. قال ابن حجر في "الفتح" (1): "محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش ... وإنما يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل لا يبلغ المثل غالبًا". ومع هذا فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عمر - كما في "سنن أبي داود" والنسائي (2) - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطَع يد سارقٍ سرَق تُرْسًا من صُفَّةِ النساء ثمنه ثلاثة دراهم". وهذا يدل على إتقان ابن عمر للواقعة ومعرفته بها، فهو المقدَّم على غيره.
هذا كلُّه على فرض صحة خبر ابن إسحاق، وقد علمتَ أنه لا يصح، وسيأتي تمام ذلك. والصواب - مع صرف النظر عن الصحة - أن القائل: "عشرة دراهم" إنما النظر إلى الجنس، على ما تقدَّم بيانه.
فإن قيل: فقد قال أبو داود في "السنن" (3): "حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن أبي السَّرِيّ العسقلاني - وهذا لفظه، وهو أتم - قالا: ثنا ابن نمير، عن محمَّد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد رجلٍ في مجنٍّ قيمته دينار أو عشرة دراهم".
__________
(1) (12/ 102).
(2) أبو داود (4386) والنسائي (8/ 77).
(3) رقم (4387).
(11/164)

قلت: هذا لفظ ابن أبي السَّري كما صرَّح به أبو داود. وابن أبي السَّري وإن حكى ابن الجنيد أن ابن معين وثَّقه، فقال: قال أبو حاتم: "لين الحديث". وقال مسلمة: "كان كثير الوهم، وكان لا بأس به". وقال ابن وضاح: "كان كثير الحفظ، كثير الغلط". وقال ابن [2/ 99] عدي "كثير الغلط". والمحفوظ عن ابن نمير كما تقدم (1): "نا شعيب بن أيوب نا عبد الله بن نمير ... ". والظاهر أن لفظ عثمان بن أبي شيبة هكذا.
فإن قيل: فقد قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (2): "حدثنا عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس: لا يُقطَع السارق في دون ثمن المجن، وثمنُ المجن عشرة دراهم". وذكره البخاري في "التاريخ" (ج 1 قسم 2 ص 26) عن عياش عن عبد الأعلى نحوه. فكلمة "المجن" الأولى للعهد، فكذلك الثانية.
قلت: ليس هذا بلازم، بل الثانية للجنس كما في غالب الروايات، على أنه يمكن أن تكون الأولى للجنس أيضًا، ويمكن أن تكونا معًا للعهد، ولكن التقويم استنباطي على ما تقدَّم، لا تحقيقي.
فإن قيل: فقد قال ابن التركماني (3): "قال صاحب "التمهيد": ثنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا محمَّد، ثنا يوسف، ثنا ابن إدريس، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "قُوِّم المجنُّ الذي قطَع فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عشرةَ دراهم".
__________
(1) لم يتقدم، ولكنه في "سنن الدارقطني" (3/ 192) بهذا الإسناد.
(2) (9/ 474).
(3) "الجوهر النقي" (8/ 257). وانظر "التمهيد" (14/ 380).
(11/165)

قلت: المحفوظ عن ابن إدريس ما قاله الدارقطني (ص 368) (1): "ثنا ابن صاعد، ثنا خلاد (2) بن أسلم، ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "كان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم". سندُ الدارقطني أقصَرُ وأثبَتُ، فإن محمَّد بن وضاح كان ممن يخطئ، وقاسم بن أصبغٍ اختلط بأخرةٍ".
هذا، وقد اضطرب ابن إسحاق في هذا الحديث، فرواه مرةً عن عطاء عن ابن عباس كما هنا، ومرةً عن أيوب بن موسى عن عطاء كما مرَّ، وقال مرة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما يأتي، ومرةً عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله، ذكره البخاري في "التاريخ" (3)، ومرةً عن عمرو بن شعيب عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: "ثمنه يومئذ عشرة دراهم"، أخرجه النسائي (4)، وذكره البخاري في "التاريخ" (ج 1 قسم 2 ص 26). ورواه مرةً عن عمرو بن شعيب عن عطاء مرسلًا كما في "الفتح" (5)، ومرةً عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسلاً، لم يذكر فيهما ابن عباس وجعله من كلام عطاء. ذكر النسائي (6) الثانية قال: "أخبرني [2/ 100] محمَّد بن وهب قال: حدثنا محمَّد بن سلمة قال: حدثني
__________
(1) (3/ 191).
(2) (ط): "ابن خلاد" خطأ، والتصويب من الدارقطني.
(3) "الكبير" (2/ 26).
(4) (8/ 83).
(5) (12/ 103).
(6) (8/ 83).
(11/166)

ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء. مرسل".
فإن قيل: فقد قال أبو داود (1): "رواه محمَّد بن سلمة وسعدان بن يحيى عن ابن إسحاق بإسناده"، وظاهر هذا الوصل.
قلت: لم يذكر أبو داود مَن حدَّثه عن محمَّد بن سلمة، والنسائي ذكر ذلك وحقَّقه، فهو أولى. وفي كلام النسائي ما يدل على ترجيح الإرسال، فإنه قال عقب ذلك (2): "أخبرني حُميد بن مَسعدة عن سفيان - هو ابن حبيب - عن العرزمي - هو عبد الملك بن أبي سليمان - عن عطاء قال: أدنى ما يُقطع فيه ثمنُ المجن. قال: وثمن المجن يومئذ عشرة دراهم". وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (3): "حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: أدنى ما يُقطع فيه السارق ثمن المجن. وكان يقوَّم المجن في زمانهم دينارًا أو عشرة دراهم". وقال ابن التركماني (4): "في كتاب "الحجج" لعيسى بن أبان ... "، ثم قال: "وفي كتاب "الحجج" عن مصعب بن سلَّام ويعلي بن عبيد قالا: ثنا عبد الملك عن عطاء أنه سئل: ما يُقطع فيه السارق؟ قال ثمن المجن، وكان في زمانهم يُقوَّم دينارًا أو عشرةَ دراهم".
وهذا الحديث في حُكمٍ مختلَفٍ فيه تعمُّ به البلوى، وعطاء إمام جليل فقيه معمَّر، كان بمكة حيث ينتابها أهل العلم من جميع الأقطار، وله
__________
(1) عقب رقم (4387).
(2) النسائي (8/ 83).
(3) (9/ 475).
(4) "الجوهر النقي" (8/ 258، 259).
(11/167)

أصحاب أئمة حفاظ فقهاء كانوا أعلمَ به وألزمَ له من أيوب بن موسى وعمرو بن شعيب، فلو كان عنده هذا الحديث عن ابن عباس لما فاتهم. وهذا عبد الملك بن أبي سليمان، وهو من أثبت أصحاب عطاء، لم يكن عنده عنه إلا قوله كما تقدَّم.
وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه أنه قال: "لزمتُ عطاءً سبع عشرة سنة" وقال: "جالستُ عمرو بن دينار بعد ما فرغتُ من عطاء"، وكان يدلِّس عن غير عطاء، فأما عن عطاء فلا. قال: "إذا قلتُ: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعتُ". وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء فإذا سمع رجلاً يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحِلَّ أن يحكيه عن عطاء. وهذا كما قال أبو إسحاق: "قال أبو صالح (ذكوان) و (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج: ليس أحد يحدِّث عن أبي [2/ 101] هريرة إلا علِمنا أصادق هو أم كاذب". يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علِما أنه كاذب، لإحاطتهما بحديث أبي هريرة. وقال الإِمام أحمد: "ابن جريج أثبتُ الناس في عطاء"، وكان ابن جريج يذهب إلى هذا المذهب. قال ابن التركماني (1): "في "مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج قال: كان يقول (2): لا تُقطع يدُ السارق في أقل من عشرة دراهم". ومع هذا كله لم يكن عند ابن جريج عن عطاء في هذا إلا ما ذكره الطحاوي في أواخر كلامه، قال (3): "حدثنا إبراهيم بن
__________
(1) "الجوهر النقي" (8/ 259). وانظر "المصنف" (18947).
(2) كذا في (ط) و"الجوهر النقي". وفي المصنف: "كان عطاء يقول".
(3) "معاني الآثار" (3/ 167).
(11/168)

مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب: لا تُقطَع اليد في أقل من عشرة دراهم". وهذا يُشعِر بأن عطاء إنما أخذ هذا القول عن عمرو بن شعيب، وهذا عكسُ ما زعمه ابن إسحاق. أفيجوز أن يكون عند ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، فيترك أن يقول: كان قول عطاء على قول ابن عباس، ويعدل إلى عمرو بن شعيب؟!
وقد كان لابن عباس أصحاب حفَّاظ فقهاء كانوا ألزمَ له وأعلمَ به من عطاء، ولم يروِ أحد منهم عنه في هذا الباب شيئًا. فأما ما روى عبد الرزاق (1)، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ثمن المجنّ الذي يُقطع فيه دينار" ذكره ابن التركماني (2) = فليس بشيء. إبراهيم ساقط، ولا سيَّما إذا لم يُصرِّح بالسماع. وأما حسنُ ظنِّ الشافعي به، فكأنه كان متماسكًا لمَّا سمع منه الشافعي، ثم ظهر فساده.
وقد قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (3): "حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد (بن مهران الحذاء)، عن عكرمة قال: تُقطع اليد في ثمن المجن. قال قلت له: ذكرَ لك ثمنَه؟ قال: أربعة أو خمسة". وعبد الوهاب وخالد من الثقات المشهورين. أفتراه يكون عند عكرمة عن مولاه ابن عباس أنه دينار أو عشرة دراهم، فيعدل عنه إلى ما لا يدري عمن أخذه مع شكِّه فيه؟
فهذا كلُّه يبيِّن أن ابن عباس لم يقل ما رواه ابن إسحاق قطُّ، وأن عطاء
__________
(1) في "المصنف" (18956).
(2) في "الجوهر النقي" (8/ 257).
(3) (9/ 471).
(11/169)

لم يحدِّث به عن ابن عباس قط. وإنما هو قول عطاء، وقد علمتَ مع ذلك أنه مبني على الحدس. والله الموفق.
فإن قيل: فقد قال البخاري في "التاريخ" (1): "وقال الوليد بن كثير: حدثني مَن سمع عطاءً عن ابن عباس - مثله".
قلت: وصله الدارقطني (ص 369) (2) "حدثنا أحمد، نا شعيب بن [2/ 102] أيوب، نا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني مَن سمع عطاءً، عن ابن عباس أن ثمن المجن يومئذ عشرة".
قلت: أبو أسامة كان يدلِّس، ثم ترك التدليس بأَخَرة، ولا يُدرى متى حدَّث بهذا؟ وشيخ الوليد لا يُدرى من هو؟ ولو كان به طِرْق لما كنى عنه. وقد كان من أهل بلد الوليد ممن يحدِّث عن عطاء: محمَّد بن عبد الله العرزمي الهالك، ولا يبعد أن يكون الوليد إنما سمعه منه، فليس في هذا ما يُجدِي. والصواب ما تقدم.
قال الطحاوي (3): "حدثنا ابن أبي داود وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قالا (4): ثنا الوهبي قال: ثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - مثله". يعني مثلَ حديثه المتقدم الذي رواه بهذا السند عن ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، وقد أقمنا
__________
(1) "الكبير" (2/ 26).
(2) (3/ 192). قال الدارقطني: خالفه منصور، رواه عن عطاء عن أيمن، وأيمن لا صحبة له.
(3) في "معاني الآثار" (3/ 163).
(4) (ط): "قال". والتصويب من الطحاوي.
(11/170)

الحجة على أنَّ ذاك اللفظ ليس هو لفظ الدمشقي ولا الوهبي ولا ابن إسحاق، فيأتي مثل ذلك هنا. وقد قال الدارقطني (ص 369) (1): "نا محمَّد بن القاسم بن زكريا، نا هارون بن إسحاق، نا المحاربي، نا محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجنّ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم. نا محمَّد بن مخلد، نا محمَّد بن هارون الحربي أبو جعفر هو أبو نشيط، نا أحمد بن خالد الوهبي، نا محمَّد بن إسحاق بإسناده نحوه".
وفي "نصب الراية" (ج 3 ص 359) أنَّ ابن أبي شيبة روى في "مصنفه" (2) عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق "عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُقطع السارق في دون ثمن المجن". قال عبد الله: وكان ثمن المجن عشرة دراهم". وفي "تفسير ابن كثير" (3) أن ابن أبي شيبة روى عن ابن نمير وعبد الأعلى عن ابن إسحاق - فذكر مثله.
والذي وجدته في النسخة التي وقفتُ عليها من "المصنف" (4): "حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: القطع في ثمن المجن". وفيها (5): "حدثنا عبد الأعلى وعبد الرحيم بن سليمان، عن محمَّد بن
__________
(1) (3/ 193).
(2) (9/ 474). وقد حصل هنا تداخلٌ بين روايتين، وسيشير إليه المؤلف.
(3) (3/ 396).
(4) (9/ 470).
(5) (9/ 474).
(11/171)

إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان يقول: ثمن المجن عشرة دراهم".
وفي "سنن البيهقي" (ج 8 ص 259) من طريق أبي يعلى "ثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا محمَّد بن إسحاق [عن عمرو بن شعيب] (1) عن أبيه، [2/ 103] عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
وقال الدارقطني (ص 368) (2): "حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق ح ونا محمَّد بن القاسم بن زكريا، نا هارون بن إسحاق، نا المحاربي، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
وفي "مسند أحمد" (ج 2 ص 180) (3): "ثنا ابن إدريس، ثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن قيمة المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عشرة دراهم".
وقال النسائي في "السنن" (4): "أخبرنا خلاد بن أسلم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
__________
(1) سقطت من الأصل. [ن].
(2) (3/ 190).
(3) رقم (6687). وفي (ط): "ج 2 ص 18"، والتصويب من المخطوط.
(4) (8/ 84).
(11/172)

وفي "نصب الراية" (ج 3 ص 466) عن "مسند إسحاق بن راهوية": "حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت محمَّد بن إسحاق يحدِّث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما بلغ ثمنَ المجنّ ففيه القطع. وكان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم. قال: وسئل عن اللقطة؟ فقال: عرِّفها سنة". هذه الرواية تدل أن هذا الحديث هو في الأصل قطعة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في اللقطة وغيرها (1).
وفي "مسند أحمد" (ج 2 ص 203) (2): "ثنا ابن إدريس، سمعت ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلًا من مزينة يسأله عن ضالَّة الإبل ... وسأله عن الحَرِيسة التي تُوجد في مراتعها، قال: فقال: فيها ثمنُها مرتين وضربُ نكالٍ. قال: فما أُخِذ من أعطانه، ففيه القطعُ إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. فسأله, فقال: يا رسول الله، اللقطةُ نجدها في السبيل العامر؟ قال: عرَّفها سنة ... ".
وفي "المسند" (ج 2 ص 207) (3): "ثنا يزيد (بن هارون)، أنا محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رجلاً من مُزينة وهو يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر نحو حديث ابن إدريس. قال: وسأله عن الثمار ... فقال ... ومن وجدته (4) قد احتمل، ففيه ثمنه مرتين وضرْبُ نَكالٍ،
__________
(1) أخرجه أحمد (6683، 6891) وأبو داود (1710) والدارقطني (3/ 194 - 195) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 190) وغيرهم.
(2) رقم (6891). وفي (ط): "ج 2 ص 303". والتصويب من المخطوط.
(3) رقم (6936).
(4) في "المسند": "ومن وُجِد قد".
(11/173)

فما أُخِذ من جِرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن ... ".
فأما الحديث المختصر في القطع وقيمة المجن، ففي "المسند" (ج 2 ص 204) (1): "حدثنا نصر بن باب، [2/ 104] عن الحجاج (بن أرطاة)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا قَطْعَ فيما دون عشرة دراهم".
وأخرج الدارقطني (ص 369) (2) من طريق أبي مالك الجَنْبي عن حجاج بسنده نحوه. وكذلك من طريق زفر بن الهذيل عن حجاج. وأخرج (3) من طريق سلمة بن الفضل "عن حجاج بإسناده: لا يُقطع السارق في أقلَّ من ثمن المجن، وكان ثمنُ المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
والحجاج بن أرطاة معروف بالتدليس عن الضعفاء, وفيه كلام غير ذلك. وفي "نصب الراية" (4): "قال في "التنقيح": والحجاج بن أرطاة مدلّس، ولم يسمع من عمرو هذا الحديث". وابن إسحاق أيضًا مدلِّس، وهو ممن يروي عن الحجاج، فأخلِقْ به أن يكون سمع بعض رواياته لهذا الحديث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب، فرواها عن عمرو بن شعيب تدليسًا على تدليس.
__________
(1) رقم (6900).
(2) (3/ 192، 193).
(3) (3/ 193).
(4) (3/ 359).
(11/174)

لكن قال البخاري في "التاريخ" (ج 1 قسم 2 ص 26): "قال لنا علي: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب أن شعيبًا حدَّثه أن عبد الله بن عمرو كان يقول - وحدثني أن مجاهدًا أخبره أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدَّثه أن ثمن المجن يومئذ عشرة". فهذا اللفظُ الذي في هذه الرواية قويٌّ، لتصريح ابن إسحاق بالسماع.
وقال الدارقطني (ص 368) (1): "نا أحمد بن علي بن العلاء، نا أبو عبيدة بن أبي السفر، نا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن [يومئذٍ] (2) عشرة دراهم". وأبو أسامة كان أولاً يدلِّس كما سبق، فإن سَلِمتْ هذه الرواية من تدليسه كانت متابعةً جيدةً لابن إسحاق في هذا اللفظ الذي صرَّح فيه بالسماع.
فإن أغمضنا عن اضطراب ابن إسحاق وعن تدليس أبي أسامة قلنا: إنه يثبت أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جدِّه هذا القدر الذي اتفقت عليه رواية ابن إسحاق المصرِّحة بالسماع ورواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير، وهو: "كان ثمنُ المجن يومئذٍ عشرةَ دراهم".
ويبقى النظر في عمرو بن شعيب. وقد لخَّص ابنُ حجر كلامهم فيه بقوله: "ضعَّفه ناس مطلقًا، ووثَّقه الجمهور. ومن ضعَّفه مطلقًا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده. فأما روايته عن أبيه، فربما دلَّس ما في الصحيفة ... فإذا قال: حدثني أبي، فلا ريب في صحتها ... وقد صرَّح شعيب بسماعه
__________
(1) (3/ 191).
(2) الزيادة من الدارقطني.
(11/175)

من عبد الله بن عمرو في أماكن ... لكن هل سمع منه جميعَ ما روى [2/ 105] عنه، أم سمع بعضَها والباقي صحيفة؟ الثاني أظهر عندي، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه، وعليه ينحطُّ كلام الدارقطني وأبي زرعة".
فإن قيل: فإذا لم يصرِّح بسماعه من أبيه من عبد الله بن عمرو، فغاية ذلك أن يكون من الصحيفة. وقد قال ابن حجر: "قال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه, وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قِبَل أنه مرسل، وجَدَ شعيب كُتُبَ عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جدِّه إرسالاً، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها". قال ابن حجر: "فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصحَّ سماعه لبعضها، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة، وهو أحد وجوه التحمل". وذكر بعد ذلك كلامًا ليعقوب بن شيبة، وفيه: "وقال علي ابن المديني: وعمرو بن شعيب عندنا ثقة، وكتابه صحيح".
قلت: الساجي لم يدرك ابن معين، وقول ابن المديني: "كتابه صحيح" لعله أراد كتابه الخاص الذي قيَّد فيه سماعاته لا تلك الصحيفة. وقد قال الإِمام أحمد: "له أشياء مناكير، وإنما يُكتب حديثُه يُعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا". وقال مرة: "ربما احتججنا به، وربما وَجَس في القلب منه شيء"، كأنه يريد أن يحتج به إذا لم يكن الحديث منكرًا. وفي كلام لأبي زرعة: "ما أقلَّ ما نُصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر! ". وهذا يدل أن في روايته عن أبيه عن جده مناكير غير قليلة. وبذلك صرَّح ابن حبان في "الثقات" (1).
__________
(1) بل في "المجروحين" (2/ 72). ولم يترجم له في "الثقات".
(11/176)

وراجع "أنساب ابن السمعاني" (الورقة 319 ألف) (1). وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن تكون تلك الصحيفة - مع صحتها في الجملة عن عبد الله بن عمرو - لم تُحفَظ كما يجب، فوقع العبث بها. وإما أن يكون عمرو أو أبوه أو كلاهما كما يدلِّس عن الصحيفة، يدلِّس عن غير الصحيفة.
فالذي يتحصل أنَّ ما صرَّح فيه عمرو بالسماع من أبيه، وبسماع أبيه من عبد الله بن عمرو، فإنها تقوم به الحجة. وما لم يصرِّح بذلك ففيه وقفة. ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث التصريحَ بسماع أبيه من عبد الله بن عمرو. فأما سماعه من أبيه، فوقع التصريح به في لفظ "كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم" في رواية ابن إسحاق عن عمرو، ورواية أبي أسامة عن [2/ 106] عمرو، ورواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن عمرو؛ إلا أن فيه اضطرابَ ابن إسحاق وتدليسَ أبي أسامة، مع عدم التصريح بسماع شعيب.
وقد قال الشافعي (2) لمن ناظره من الحنفية: "عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا وتخالف أقاويلكم عن الثقات، فرددتموها، ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون. إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه التي وافقناها وخالفتموها أو أكثرها - وهي نحو ثلاثين حكمًا - حجة عليكم، وإلا فلا تحتجُّوا به".
وبعد اللَّتيا والتي، إن صحَّ شيء عن عبد الله بن عمرو فهو: "كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم"، فعلى فرض صحته فهو محمول على الجنس
__________
(1) (7/ 201).
(2) في كتاب "الأم" (6/ 345).
(11/177)

كما توضَّحه أكثر الروايات: "كان ثمن المجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم". وقد مرَّ أنه لا حجة بذلك بعد قيام الحجة المحققة أن المجن الذي قطع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت قيمته ثلاثة دراهم.
فأما الجملة المرفوعة، ولفظها فيما نسبه الزيلعي وابن كثير إلى "مصنَّف ابن أبي شيبة": "لا يُقطَع السارق في دون ثمن المجن"، وفي النسخة التي وقفتُ عليها من "المصنَّف": "القطع في ثمن المجن"، وفي رواية ابن راهويه، عن ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن عمرو: "ما بلغَ ثمنَ المجن ففيه القطع" = فقد تقدم أنها قطعة من حديث اللقطة الطويل، وقد تقدم رواية ابن إسحاق له عن عمرو.
ورواه النسائي (1) من طريق ابن عجلان عن عمرو "عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الثمر المعلَّق قال: ... ومن خرج بشيء منه فعليه غرامةُ مثلَيْه والعقوبة، ومن سرق شيئًا بعد أن يُؤويه الجَرينُ، فبلغ ثمنَ المجن، فعليه القطع ... ".
ومن طريق ابن وهب (2) "أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رجلاً من مُزينة أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله كيف ترى في حَرِيسة الجبل؟ فقال: هي ومثلُها والنكال، وليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما آواه المُرَاحُ، فبلغ ثمنَ المجن، ففيه قطع اليد ... ".
__________
(1) (8/ 85).
(2) (8/ 86).
(11/178)

ومن طريق عبيد الله بن الأخنس (1) "عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في كم تُقطَع اليد؟ قال: لا تُقطَع اليد في ثمر معلَّق. فإذا ضمَّه الجَرينُ قُطِعت في ثمن المجن، ولا تقطَع في حَرِيسة الجبل، فإذا آوى المراحُ قُطِعت في ثمن المجن".
وأخرجه أبو داود (2) في "اللقطة" من طرق عن [2/ 107] عمرو، ويظهر منه أن الحديث أطول مما ساقه النسائي.
فمدار تلك الجملة المرفوعة على هذا الحديث. ولم أر في شيء من طرقه التصريحَ بسماع عمرو من أبيه، ولا بسماع أبيه من عبد الله بن عمرو.
وقد ذكر البيهقي في "السنن" (ج 8 ص 263) حديث رافع بن خديج مرفوعًا: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" وحديثَ عمرو بن شعيب هذا. فقال ابن التركماني (3): "ذكر الطحاوي أن الحديث الأول تلقَّت العلماء متنه بالقبول، واحتجُّوا به. والحديث الثاني لا يحتجون به، ويطعنون في إسناده، ولا سيما ما فيه مما يدفعه الإجماع من غُرم المثلَيْنِ".
أقول: وإنما الطعن في إسناده، لمكان عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فليس للطحاوي أن يحتج بتلك القطعة من هذا الحديث ولا بشيء من رواية عمرو عن أبيه عن جده. وقد أخرج مالك في "الموطأ" (4) قطعة من الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) (8/ 84). وفيه "عبد الله" مكبرًا، خطأ.
(2) رقم (1710 - 1713).
(3) في "الجوهر النقي" (8/ 263).
(4) (2/ 831).
(11/179)

وابن أبي الحسين إنما سمعه من عمرو بن شعيب كما صرَّح به مالك في رواية الشافعي عنه، كما في "مسنده" (1) بهامش "الأم" (ج 6 ص 255).
وعلى فرض صحة حديث اللقطة، فالمراد بكلمة "المجن" ذاك المجن المعهود الذي قطع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، كأنه بعد أن قطع في المجن جاءه ذلك السائل، فاستشعر من سؤاله حرصَه على الالتقاط وما يقرب من السرقة أو يكونها، فشدَّد عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذكر غرامة المثلين وجَلَدات النكال. ثم ذكر له القطعَ، وعدَلَ عن أن يقول: "ما بلغ ثلاثة دراهم" أو "ما بلغ ربع دينار"، ليتنبه السائل لموضع العبرة، ويعلم أن ذلك أمر مفروغ منه، قد نفذ به الحكم وجرى به العمل، ليكون ذلك أبلغ في المقصود من رَدْعه.
ولمثل هذا كثر في القرآن ترداد التذكير بأيام الله تعالى في الأمم السابقة. وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا على عتبة بن ربيعة أوائل سورة (فصلت)، فلما بلغ {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} بادر عتبةُ فوضع يدَه على فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناشده الرحمَ أن يكُفَّ (2).
__________
(1) (2/ 84 من ترتيب السندي). وهو في كتاب "الأم" (7/ 376).
(2) أخرجه البغوي في "تفسيره" (7/ 327) من طريق الحماني ثنا ابن فضيل عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله. وأعلَّه الحافظ ابن كثير في تفسيره (3197) بالأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي فقال: "وقد ضعف بعض الشيء". قلت: والذيال هذا ترجمه ابن أبي حاتم (1/ 2/ 451) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحماني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي قال الحافظ: "صدوق يخطئ". وسيأتي كلام المصنف فيه ص 110 [ص 185]. [ن]. والذي تكلم فيه المصنف هو يحيى بن عبد الحميد الحماني.
(11/180)

وكأن عبد الله بن عمرو حفظ هذا, ولم يبحث عن قيمة ذاك [2/ 108] المجن، ولا بلغه ما يُغني عن ذلك؛ فلما سئل بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطُرَّ إلى الحدس باعتبار الجنس، كما تقدَّم شرحه. وقد علم عبد الله بن عمر بن الخطاب قيمة ذاك المجن على التحقيق. وإذا جاء نهرُ الله بطَلَ نهرُ مَعْقِل (1).
قال الطحاوي (2): "حدثنا فهد، قال ثنا محمَّد بن سعيد ابن الأصبهاني، أخبرني معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أدنى ما يُقطَع فيه السارق ثمنُ المجن". قال: وكان يُقوَّم يومئذٍ دينارًا".
أقول: هذا بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه، وابن الأصبهاني كثير الغلط (3). وقد قال النسائي في "السنن" (4): "حدثنا محمود بن غيلان قال:
__________
(1) هذا مثل، انظر "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب" (ص 30، 31).
(2) في "معاني الآثار" (3/ 163).
(3) كذا الأصل، وهو سهو من المصنّف رحمه الله تعالى، أراد أن يقول: "معاوية بن هشام" فسبقه القلم وقال: "ابن الأصبهاني ... " ثم لم ينتبه لذلك، فأعاده في الموضع الآخر ص 110 س 5 [ص 184]، وجلَّ مَن لا يسهو ولا ينسى. أقول هذا لأن ابن الأصبهاني متفق على توثيقه، وهو من شيوخ البخاري في "الصحيح"، ولم يجرحه أحد البتة، ولذلك قال الحافظ في ترجمته من "التقريب": "ثقة ثبت". وأما معاوية بن هشام فهو الذي ينطبق عليه قول المصنف: "كثير الغلط"، وهو أخذه من قول أحمد فيه: "كثير الخطأ"، وقول الحافظ: "صدوق له أوهام" فهو علة هذا اللفظ, حفظه عنه ابن الأصبهاني. [ن].
(4) (8/ 82).
(11/181)

حدثنا معاوية قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء (1)، عن أيمن قال: لم يقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - السارقَ إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار". محمود أثبَتُ جدًّا من ابن الأصبهاني.
وأخرجه النسائي (2) من طريق ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن: "لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المجن، وقيمته يومئذ دينار". ومن طريق (3) محمَّد بن يوسف، عن سفيان، عن منصور (4)، عن الحكم، عن مجاهد، عن أيمن مثله. أدخل في هذه الرواية الحكم بين منصور ومجاهد. وكذلك رواه الحسن وعلي ابنا صالح عند النسائي (5). وكذلك رواه أبو عوانة وشيبان عند البخاري في "التاريخ" (ج 1 قسم 2 ص 25) كلُّهم عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن. ورواه جرير عن [2/ 109] منصور، فلم يذكر الحكَم. أخرجه النسائي (6). وكذلك رواه شريك، كما يأتي.
والمحفوظ ذكرُ الحكَم، والحكم مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع. وأيمن هو أيمن الحبشي كما صُرِّح به في الرواية. ولفظ البخاري في "التاريخ" (7):
__________
(1) في النسخة "عن مجاهد عن عطاء". [المؤلف].
(2) (8/ 82).
(3) (8/ 82).
(4) "عن منصور" ساقط من (ط)، وهو موجود في المخطوط والنسائي.
(5) (8/ 83).
(6) (8/ 83).
(7) (2/ 25).
(11/182)

قال "قال لنا موسى (بن إسماعيل) عن أبي عوانة - وتابعه شيبان - عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي ... ". فإما أن يكون هو أيمن الحبشي والد عبد الواحد، كما يدل عليه ما رواه الدارقطني (1) من طريق عبد الله بن داود: "سمعت عبد الواحد بن أيمن [يذكر] عن أبيه قال: وكان عطاء ومجاهد قد رويا عن أبيه"، ووالد عبد الواحد تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين؛ وإما أن يكون آخر لا يعرف.
فإن قيل: فقد قال النسائي (2): "أخبرنا علي بن حجر، قال أنبأنا شريك، عن منصور، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن ابن أم أيمن [يرفعه قال: "لا يُقطع إلاَّ في ثمن المجنِّ، وثمنه يومئذٍ دينار". وقال البخاري في "التاريخ" (3): "قال لنا أبو الوليد: عن شريك، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن ابن أم أيمن] (4) - قال أبو الوليد: رفعه: لا يُقطَع السارقُ إلا في مجنٍّ أو حَجَفةٍ قيمته دينار".
قلت: شريك - على فضلِه - سيئ الحفظ كثير الغلط. ونسبه الدارقطني وعبد الحق إلى التدليس. وأيمن ابن أم أيمن ليس بحبشي، بل هو - كما نسبه غير واحد - أيمن بن عبيد بن زيد ... بن عوف بن الخزرج. فهو عربي أنصاري.
فإن قيل: لعله قيل له: الحبشي, لأن أمه حبشية.
__________
(1) (8/ 194).
(2) (8/ 83) وكذا في "السنن الكبرى" (7394).
(3) (2/ 25 - 26).
(4) ما بين المعكوفتين ساقط من (ط)، استدركناه من (خ).
(11/183)

قلت: هذا بعيد. ومع ذلك، اختُلف في أم أيمن، نسبها غير واحد كابن عبد البر في "الاستيعاب" (1): " ... بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان". فعلى هذا هي عربية لا حبشية.
فإن قيل: لعل أمها كانت حبشية.
قلت: وما الموجِب لهذا التعسف؟ وقد ذكر أهل المغازي وغيرهم أن أيمن ابن أم أيمن استُشهد يوم حنين. وشريك قد تقدم حاله، وقد تفرَّد بقوله: "ابن أم أيمن"، ويجوز أن يكون زاد ذلك وهمًا، أو يكون قال: "أيمن ابن أم أيمن" كما يقال: "أحمد ابن أم أحمد"، وإن لم تكن كنية أمه أم أحمد. وفي محاورةٍ جرت بين سلمان وحذيفة أن حذيفة قال: يا سلمان ابن أم سلمان. فقال سلمان: يا حذيفة ابن أم حذيفة (2).
[2/ 110] فلهذا الخبر علتان: الأولى: تدليس الحكم. الثانية: أن أيمن تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين، أو غير معروف.
هذا، وقد تفرَّد شريك بقوله: "قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم". وشريك قد تقدم حاله، والأئمة الأثبات لا يذكرون ذلك. ورواية الطحاوي عن فهد، عن ابن الأصبهاني، عن سفيان شاذة، بل باطلة. وابن الأصبهاني كثير الغلط جدًّا (3).
فإن قيل: فقد قال الطحاوي (4): "ثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن
__________
(1) (4/ 1793).
(2) أخرجه أحمد في "المسند" (23721).
(3) قلت: بل هو ثقة حجَّة. والعلة من معاوية بن هشام، كما بيَّنَّاه (ص 108) [ص 181]. [ن].
(4) في "معاني الآثار" (2/ 163).
(11/184)

عبد الحميد الحِمَّاني قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن، عن أم أيمن، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُقطع السارق إلا في حَجَفة"، وقُوِّمت يومئذٍ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم".
قلت: زاد ابن الحِمَّاني ضِغْثًا على إبَّالة. وهو متكلَّم فيه، وإن ألحَّ ابن معين في توثيقه. وفي كتاب "العلل" لابن أبي حاتم (ج 1 ص 457): "سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح ... قال أبي: هو مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن، وليست له صحبة. قلت لأبي: قد روى هذا الحديث يحيى الحِمَّاني .. ؟ قال أبي: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن أصحاب شريك لم يقولوا: عن أم أيمن ... والوجه الآخر: أن الثقات رووه عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن أيمن قوله".
فأما المتن في رواية الجماعة، ففيه جملتان:
فالأولى: في رواية سفيان: "لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المِجنّ". وفي رواية علي بن صالح: "لم تقطع اليد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المجن". وفي رواية جرير: "لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن". وفي رواية الحسن بن صالح وأبي عوانة وشيبان: "يقطع السارق في ثمن المجن". وسفيان إمام، وعلي ثقة، والباقون جماعة. وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين يقول: "ما رأيت أحدًا إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح".
والجملة الثانية: لم تقع في رواية جرير، ولفظها (1) في رواية سفيان: "ثمن المجن يومئذ [2/ 111] دينار". وفي رواية الباقين نحوه إلا الحسن بن
__________
(1) في (ط): "ولفظه". والمثبت من المخطوط.
(11/185)

صالح فلفظها عنده: "كان ثمن المجن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارًا أو عشرة دراهم"، ولعل هذا هو الأصل، فاختصره الجماعة.
وعلى كل حال، فهذا من قبيل ما تقدَّم من اعتبار الجنس، وقد ثبت التحقيق بحديث ابن عمر، فسقط الحدس.
قال الطحاوي (1): "فلما اختُلِف في قيمة المجن الذي قَطَع فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - احْتِيطَ في ذلك، فلم يُقطَع إلا فيما أُجمِع أن فيه وفاءً بقيمة المجن التي جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدارًا لا يُقطع فيما هو أقل منها، وهو عشرة دراهم".
أقول: قد علمتَ أنه ليس فيما ذكره الطحاوي ما يصلح دليلًا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أنه لا قطعَ فيما دون قيمة ذاك المجن، ولا ما يصلح دليلًا يخالف الحجة الواضحة المحققة أن قيمته ثلاثة دراهم.
ثم قال الطحاوي (2): "وقد ذهب آخرون إلى أنه لا يُقطع إلا في ربع دينار فصاعدًا، واحتجُّوا على ذلك بما حدثنا يونس، أخبرنا به ابن عيينة ... كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع في ربع دينار فصاعدًا. قيل لهم: ليس هذا حجة، لأن عائشة إنما أخبرت عمَّا قَطَع فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قوَّمت ما قُطِع فيه [فكانت قيمته عندها ربع دينارٍ، فجعلت ذلك مقدارَ ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه] (3) ".
__________
(1) "معاني الآثار" (3/ 163).
(2) (3/ 163، 164).
(3) زيادة من كتاب الطحاوي لإكمال المعنى. وفي المخطوط بياض مكان كلام الطحاوي كله.
(11/186)

أقول: روى ابن شهاب الزهري وجماعة، عن عمرة، عن عائشة في القطع في ربع دينار، واختلفوا. ثم وقع خلاف عن بعض أصحاب الزهري، ثم وقع خلاف يسير عن ابن عيينة في روايته عن الزهري. وهذا الذي ذكره الطحاوي هو رواية يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة. وهكذا رواه جماعة عن ابن عيينة، منهم يحيى بن يحيى عنك مسلم (1)، وأحمد في "مسنده" (2)، وإسحاقُ وقتيبةُ عند النسائي (3). وخالفهم جماعة عن ابن عيينة.
قال ابن حجر في "الفتح" (4): "أورده الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقطع اليد - الحديث". ولفظ الشافعي كما في "مسنده" (5) بهامش "الأم" (ج 6 ص 254): "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: القطع في ربع دينار". ولفظ الحميدي كما ذكره الطحاوي (6) فيما بعد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا". [2/ 112] وأخرجه الطحاوي (7) فيما بعدُ من طريق الحجاج بن منهال عن ابن عيينة، ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السارق إذا سرق ربعَ دينار قُطِع".
__________
(1) رقم (1684).
(2) رقم (24078) ومن طريقه أبو داود (4383).
(3) (8/ 78، 79).
(4) (12/ 102).
(5) (2/ 83 - ترتيب السندي). وهو في كتاب "الأم" (7/ 372).
(6) "معاني الآثار" (3/ 166). وهو في "مسند الحميدي" (279) بلفظ: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
(7) (3/ 167).
(11/187)

ولنجب عن قول الطحاوي: "ليس هذا بحجة"، ثم ننظر في الروايات.
فأما الجواب: فإن أراد أن الحديث بذاك اللفظ ليس بحجة على أنه لا قطع فيما دون ربع دينار، فجوابه مبني على رأي أصحابه في إهدار مفهوم المخالفة، ولا شأن لنا به الآن. وإن أراد: ليس بحجة على القطع فيما دون عشرة دراهم، فقد أبطل.
قوله: "يحتمل أن يكون ذلك لأنها قَوَّمت ما قطع فيه". قلنا: وعلى هذا الاحتمال يكون حجة.
فإن قيل: قد خالفها غيرها.
قلنا: كلا، لم يخالفها أحد.
فقد اتضح بما تقدم أنه لا يثبت مما ذكره الطحاوي غيرُ حديث ابن عمر، وهو موافق لهذا الحديث؛ لأن صرف الدينار كان حينئذ اثني عشر درهمًا. وقول الحنفية: كان صرفه عشرة دراهم، مردود كما بُيِّن في محلِّه. وهَبْ أنه كان صرفه في وقتٍ ما عشرة، فذلك لا يدفع أن يكون صرفه في وقت آخر اثني عشر. وهَبْ أن صرفه كان في طول العهد النبوي عشرة دراهم، فالفرق نصف درهم. وليس في حديث ابن عمر نفيٌ للقطع فيما دون ثلاثة دراهم. وهَبْ أن عائشة قوَّمت ذاك المجنَّ درهمين ونصفًا، فقد اتفقنا على القطع في ثلاثة دراهم, لأنه إذا قُطِع فيما دونها قُطِع فيها.
وأما الروايات، فالواجب أن يُبدَأ باستقصاء النظر في الاختلاف عن ابن عيينة عن الزهري، ثم بالنظر في رواية غيره عن الزهري، ثم برواية غير الزهري عن عمرة. والطحاوي عدل عن هذا، فأخذ إحدى الروايتين عن ابن
(11/188)

عيينة، وهي المخالفة لرواية غيره. وإنما بدأ بها الطحاوي، ثم قال (1): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" (2) ثم قال: "يونس بن يزيد عندكم لا يقارب [2/ 113] ابن عيينة". ثم ذكر بعض روايات غير الزهري عن عمرة، وأنهم اختلفوا، فمنهم من رفعه ومنهم من وقفه، وحاول ترجيح الوقف، ثم عاد فذكر رواية الحميدي والحجاج بن منهال عن ابن عيينة، وروايةَ إبراهيم بن سعد عن الزهري بنحوها، ثم قال (3): "فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختلف على غيره عن عمرة على ما وصفنا، ارتفع ذلك، فلم تجب الحجة بشيء منه، إذ كان بعضه ينفي بعضًا". كذا قال، حسيبه الله! فلندَعْه، ولنسلكِ الجادة.
أما الروايتان عن ابن عيينة، فقد ترجَحُ رواية الشافعي والحميدي ومن وافقهما بأمور:
الأول: أن رواتها عن ابن عيينة ممن سمع منه قديمًا. وقد جاء عن يحيى القطان (4): "قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدِّث اليوم وتزيد في
__________
(1) (3/ 164).
(2) قلت: هذا أخرجه مسلم أيضًا في "صحيحه" (5/ 112) من طرق أخرى قالوا: حدثنا ابن وهب به مرفوعًا بلفظ: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". [المؤلف].
(3) (3/ 167).
(4) كما في "تهذيب التهذيب" (4/ 121).
(11/189)

إسناده أو تنقص منه. فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت" (1). كأنه يريد: سئِمَ من مراجعة أصوله.
الوجه الثاني: أن من رواتها عنه الشافعي والحميدي، وكان لهما مزيد اختصاص به، وجاء عن الحميدي أنه لزمه سبع عشرة سنة. وقال الإِمام أحمد: "الحميدي عندنا إمام". وقال أبو حاتم: "هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام".
الوجه الثالث: أن الحميدي لما روى هذا في "مسنده" عن ابن عيينة ذكر كلام ابن عيينة في الحديث، فقال - كما ذكره الطحاوي وقرأتُه في نسخة من "مسند الحميدي" (2) -: "عن سفيان قال: حدثنا أربعة عن عمرة عن عائشة لم ترفعه: عبد الله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى، وعبد ربه ابنا (3) سعيد، والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطعُ في ربع دينار فصاعدًا". فهذا يدل أن ابن عيينة لما حدَّث الحميديَّ اعتنى بالحديث واحتفل له. وذلك أحرى أن يتحرى التحقيق في روايته، ولعله راجَعَ أصلَ كتابه.
الوجه الرابع: أن الذين رووه عن الزهري غير ابن عيينة رووه بلفظ الحميدي عن ابن عيينة عن الزهري أو معناه.
الوجه الخامس: أن الذين رووه عن عمرة غير الزهري، رواه أكثرهم بلفظ الحميدي أو معناه أيضًا.
__________
(1) في التهذيب: "سمنت" تحريف.
(2) رقم (279).
(3) (ط): "بن". والمثبت من (خ). ويحيى وعبد ربه كلاهما ابنا سعيد.
(11/190)

[2/ 114] الوجه السادس: أن في "الصحيحين" (1) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "لم تُقطَع يدُ سارقٍ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في أدنى من ثمن المِجَنِّ: تُرْسٍ أو حَجَفةٍ. وكان كل واحد منهما ذا ثمن". فقولها: "تُرس أو حَجفة" يدل أنها لم تعرفه، وإذا لم تعرفه لا يمكنها أن تُقوِّمه.
وقولها: "وكان كل واحد منهما ذا ثمن" ظاهر في أنها لم تعرف ثمن ذاك المجن، وإلا لَبيَّنته لتتم الفائدة المقصودة.
فإن قيل: لا يلزم من عدم معرفتها بقيمة ذاك المجنّ أن لا تعرف قيمة غيره مما قَطَع فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
قلت: قد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارقَ رداءِ صفوان، وكان ثمنه ثلاثين درهمًا (2). وقطع يدَ المخزومية التي كانت تستعير الحُلِيَّ وتجحده (3). وهاتان الواقعتان ليس فيهما ربع دينار، فكيف تأخذ عائشة منهما أو من إحداهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقطع في ربع دينار.
فإن قيل: لعلها أخذت ذلك من واقعة أخرى غير هذه الثلاث.
قلت: لا يُعرَف ذلك، ولو كان ذاك عندها لما احتاجت أن تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها، بل كانت تذكر ذاك الشيء الآخر الذي عَرَفَتْ قيمته،
__________
(1) البخاري (6794) ومسلم (1685).
(2) أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 834) عن صفوان بن عبد الله بن صفوان مرسلًا. ووصله النسائي (8/ 68، 69) وابن ماجه (2595).
(3) أخرجه مسلم (1688/ 10) من حديث عائشة.
(11/191)

فذلك أوفى بمقصودها من ذكر ما لم تَعرفْه (1) ولا عَرفَتْ قيمته.
فإن قيل: قد قال النسائي (2): "أخبرنا قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن حفص بن حسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قطع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في ربع دينار"
قلت: جعفر فيه كلام، وحفص مجهول.
فإن قيل: فقد يُعكَس عليك الأمر فيقال: لو كان عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا" أو نحوه لما احتاجت أن تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها.
قلت: هناك مسألتان:
[2/ 115] الأولى: هل يقطع في ربع دينار؟
الثانية: هل يُقطَع فيما دون ذلك؟
فحديثها مرفوعًا: "تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا" يدل على المسألة الأولى بمنطوقه، ولا يدل على الثانية إلا بمفهوم المخالفة. فكأنها لما أرادت الاحتجاج على أنه لا يُقطَع في الشيء التافه، استضعفت أن تخصِّص القرآن بمفهوم المخالفة، فلم تحتجَّ بهذا الحديث، وعدلتْ إلى ما رواه هشام عن أبيه عنها. وكأنها كانت تُجوِّز أن تكون قيمة ذاك المجنّ كانت أقلَّ من ربع دينار، فأخبرت بما عندها، وهو أنه أقلُّ ما يَقطَع فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وتركت النظرَ لغيرها.
__________
(1) (ط): "لم تعرف". والمثبت من (خ).
(2) (8/ 77).
(11/192)

فإن قيل: فقد جاء في بعض روايات حديث عمرة عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا"، وهذا واضح الدلالة على المسألة الثانية.
قلت: هذا اللفظ مرجوح. والمحفوظ: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" أو ما في معناه، كما يأتي بيانه إن شاء الله. وكأن من روى بلفظ: "لا تُقطع ... " إنما روى بالمعنى، فصرَّح بمقتضى مفهوم المخالفة.
إذا تقرر هذا فلو صحَّ عنها أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع اليد في ربع دينار" لوجب حملُه على أنها إنما أخذته من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا"، بناء على أن من شأنه - صلى الله عليه وسلم - أن يوافق فعلُه قولَه، فإذا قال: "تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا"، عُلِمَ منه أنه كان إذا رُفِع إليه في سرقة ربع دينار قَطَع. فان لم يقع القطع بالفعل لعدم الرفع، فهو واقع بالقوة.
والحق أن ذاك اللفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقطَع في ربع دينار فصاعدًا" لا يثبت عن عائشة. ولكن يمكن أن تكون تلك حال ابن عيينة، سمع الحديث بلفظ: "تُقطَعُ يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا"، فرواه تارة كذلك، وذلك حين اعتنى بالحديث عند تحديثه للحميدي كما مرَّ، وتارة بلفظ: "القطع في ربع دينار"، وتارة: "السارقُ إذا سَرَقَ ربع دينار قُطِع"، وتارة: "قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ربع دينار فصاعدًا". والثلاثة الأخيرة كلها من باب الرواية بالمعنى. أما الثاني والثالث، فظاهر. وأما الرابع فلِمَا استقرَّ [2/ 116] في نفس ابن عيينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال شيئًا فقد عمل به أو كأنه قد عمل به.
(11/193)

وقد ذكر الطحاوي في "مشكل الآثار" (ج 2 ص 270) (1) حديثًا من طريق شجاع بن الوليد عن ابن شبرمة بسنده: "قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الناس أحقُّ مني بحسن الصحبة؟ قال: "أمك". قال: ثم مَن؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك" - ثلاث مرات. قال: ثم مَن؟ قال: "أبوك". ثم رواه (2) من طريق ابن عيينة، وفيه ذكر الأم مرتين فقط. ثم قال الطحاوي (3): "قد يحتمل أن يكون ابن عيينة ذهب عنه في ذلك ما حفِظه شجاع, لأن ابن عيينة كان يحدِّث من حفظه، وشجاع (4) كان يحدَّث من كتابه". وعَبَّرَ عن هذا (5) صاحب "المعتصَر" (ج 2 ص 286) (6) بعبارة منكرة.
وفي "المعتصر" (ج 2 ص 205) في الكلام على حديث: "أخرجُوا يهودَ الحجاز وأهلَ نجران من جزيرة العرب" أن ابن عيينة روى: "أخرِجُوا المشركين من جزيرة العرب" (7)، ثم قال في "المعتصر": "ففيه غلط من ابن عيينة, لأنه كان يحدَّث مِن حفظه، فيحتمل أن يكون جعل مكان "اليهود والنصارى": المشركين، إذ لم يكن عنده من الفقه ما يميِّز [به] بين ذلك". كذا في "المعتصر"، وقوله: "إذ لم يكن ... " عبارة بَشِعة لا أرى الطحاوي
__________
(1) رقم (1666) من حديث أبي هريرة.
(2) رقم (1670، 1671).
(3) في "مشكل الآثار" (4/ 371).
(4) "كان يحدث ... وشجاع" ساقطة من (ط). وهي في (خ) والطحاوي.
(5) "عن هذا" ساقطة من (ط)، استدركناها من (خ).
(6) طبعة ثانية. [المؤلف].
(7) "مشكل الآثار" (2766) من حديث ابن عباس. وقد أخرجه البخاري (3053، 3168) ومسلم (1637).
(11/194)

يتفوَّه بها (1)، وإنما هي من تغيير المختصِر الذي ليس عنده من العلم ما يعرف به مقام ابن عيينة، كما فعل المختصِر في الموضع السابق.
والمقصود هنا إنما هو أن ابن عيينة كان كثيرًا ما يروي من حفظه، ويروي بالمعنى. هذا، وصنيع مسلم في "صحيحه" يقتضي أنه لا فرق في المعنى، فإنه صرَّح أولاً بلفظ ابن عيينة الأول (2): "قالت عائشة: كان رسول الله ... "، ثم ساق الإسناد عن معمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير؛ وقال: "كلهم عن الزهري بمثله"، مع أن لفظ معمر وإبراهيم كلفظ الحميدي عن ابن عيينة، ولفظ سليمان كلفظ الشافعي عن ابن عيينة. أما البخاري، فأعرض عن رواية ابن عيينة البتة، كأنه يقول: اختلفت الرواية عنه، وفي رواية غيره الكفاية.
والحق أن رواية الحميدي ومَن وافقه هي أرجح الروايتين عن ابن عيينة، وأنه لو لم يُعرَف أرجحُ الروايتين بصرف النظر عن رواية غيره، فإنه يعرف بالنظر في رواية غيره. فنقول مثلاً: يونس وابن عيينة من جانب، وابن عيينة [2/ 117] وحده من جانب، أيهما أرجح؟ على أن مع يونس جماعة كما يأتي.
وفي "فتح الباري" (3): "وأما نقلُ الطحاوي عن المحدِّثين أنهم يقدِّمون ابن عيينة في الزهري على يونس، فليس متفقًا عليه عندهم، بل أكثرهم على العكس. وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزهري:
__________
(1) بل هو كذلك في "مشكل الآثار" (7/ 192). ولم يغيّره المختصِر.
(2) رقم (1684/ 1).
(3) (12/ 102, 103).
(11/195)

يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري. وذكر أن يونس صحب الزهري أربع عشرة سنة، وكان يزامله في السفر، وينزل عليه الزهري إذا قدم أَيلَة. وكان يذكر أنه كان يسمع الحديث الواحد من الزهري مرارًا. وأما ابن عيينة، فإنما سمع منه سنة ثلاث وعشرين ومائة. ورجع الزهري، فمات في التي بعدها".
أقول: أما الحفظ، فابن عيينة أحفظ وأضبط بلا شك، ولاسيَّما فيما رواه قديمًا، إلا أنه كثير الرواية بالمعنى. ويونس دونه في الحفظ، ولكن كتابه صحيح، كما شهد له ابن المبارك وابن مهدي. وعلى كل حال فلا معنى للموازنة بينهما هنا, ولكن الطحاوي لأمرٍ ما ذكر رواية ابن عيينة المرجوحة، وعقَّبها برواية يونس، ونصب الخلافَ بينهما. وقد علمتَ أن الواقع رواية ابن عيينة المرجوحة من جانب، وروايته الراجحة ويونس من جانب؛ فأيُّ معنى للموازنة بين الرجلين؟
أما بقية الرواة عن الزهري فجماعة:
الأول: يونس بن يزيد. تقدمت رواية الطحاوي عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عنه. وبنحوه رواه البخاري في "الصحيح" (1) عن ابن أبي أويس عن ابن وهب. وكذلك رواه عن ابنِ وهبٍ: الحارثُ بن مسكين عند النسائي (2)، وابن السرح ووهب بن بيان وأحمد بن صالح عند أبي داود (3).
__________
(1) رقم (6790).
(2) (8/ 78).
(3) رقم (4384).
(11/196)

ورواه مسلم (1) عن حرملة والوليد بن شجاع عن ابن وهب، وقالا في المتن: "لا تُقطَع اليدُ إلا في ربع دينار فصاعدًا". وهذه رواية بالمعنى بالتصريح بمفهوم المخالفة، والأولون أكثر وأثبت.
وأخرج الإِمام أحمد في "المسند" (ج 6 ص 36) (2) عن عتَّاب، وأخرج النسائي (3) عن حبان بن موسى، كلاهما عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا: "تُقطع اليدُ في ربع دينار فصاعدًا". وهذا أثبت مما تقدم, لأن ابن المبارك أثبت من ابن وهب، وكان يقول: كتاب يونس صحيح. وكان من عادة ابن المبارك تتبُّعُ [2/ 118] أصول شيوخه، فالظاهر أنه أخذ هذا عن يونس من أصل كتابه. ويشهد لذلك أنه لم يذكر عروة، وبقية الرواة عن الزهري غير يونس في رواية ابن وهب لا يذكرون عروة، وحديث عروة عن عائشة ليس بهذا اللفظ.
وفي "الفتح" (4): "يحتمل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه، وحمل يونس حديثَ عروة على حديث عمرة، فساقه على لفظ عمرة. وهذا يقع لهم كثيرًا".
أقول: وإنما يتصرف يونس هذا التصرف إذا حدَّث من حفظه أو من فرعٍ خرَّجه من أصوله. فأما إذا حدَّث من أصله فإنما يكون على الوجه. فبان بهذا أن ابن المبارك أخذ الحديث عن يونس من أصل كتابه، ولِقوَّة هذه الرواية
__________
(1) رقم (1684/ 2).
(2) رقم (24079). وفي (ط): "ص 311" خطأ.
(3) (8/ 78).
(4) (12/ 104).
(11/197)

ذكرها الإِمام أحمد عقبَ رواية ابن عيينة، كأنه يشير إلى أن رواية يونس هذه هي الصواب.
الثاني: إبراهيم بن سعد. عند البخاري في "الصحيح" (1) عن القعنبي عن إبراهيم بمثل رواية ابن المبارك عن يونس. وكذلك ذكره الطحاوي (2): "ثنا ربيع المؤذن، ثنا أسد، ثنا إبراهيم". وأخرجه مسلم في "الصحيح" (3) عن أبي بكر بن أبي شيبة "ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان بن كثير وإبراهيم ... " ولم يسق المتن. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (4): "القطع في ربع دينار فصاعدًا"، وهذا لفظ سليمان.
الثالث: سليمان بن كثير. تقدمت روايته قريبًا.
الرابع والخامس والسادس: قال البخاري في "الصحيح" (5) عقب رواية إبراهيم: "وتابعه عبد الرحمن بن خالد، وابن أخي الزهري، ومعمر".
وفي "الفتح" (6): "أما متابعة عبد الرحمن .. فوصلها الذهلي في "الزهريات" عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عنه نحو رواية إبراهيم ... وأما متابعة ابن أخي الزهري ... فوصلها أبو عوانة في "صحيحه" من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه ... وأما
__________
(1) رقم (6789).
(2) "معاني الآثار" (3/ 167).
(3) رقم (1684).
(4) (9/ 468 , 469).
(5) رقم (6789).
(6) (12/ 101).
(11/198)

متابعة معمر، فوصلها أحمد عن عبد الرزاق عنه. وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق لكن لم يسُقْ لفظه. وساقه النسائي، ولفظه: "تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا". ووصلها هو أيضًا وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي عروبة عن معمر. وقال أبو عوانة في آخره: قال سعيد: نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه [2/ 119] وهو شابٌّ ... وسعيد أكبر من معمر، وقد شاركه في كثير من شيوخه. ورواه ابن المبارك عن معمر لكن لم يرفعه، أخرجه النسائي".
أقول: رواية أحمد في "المسند" (ج 6 ص 163) (1). ورواية مسلم (2) هي عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد عن عبد الرزاق. ورواية النسائي (3) هي عن إسحاق عن عبد الرزاق. وكذلك أخرجه البيهقي في "السنن" (ج 8 ص 254) من طريق أحمد بن يوسف السُّلَمي عن عبد الرزاق. ورواية سعيد بن أبي عروبة عند النسائي (4) هي عن عبد الوهاب الخفاف عنه. وقد عدُّوا عبد الوهاب من أثبت الناس عن ابن أبي عروبة، لكن ذكر بعضهم أنه سمع من قبل الاختلاط وبعده. وهذا لا يضرُّ هنا، فإن قول سعيد: "نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه وهو شاب" يقضي بأن سعيدا روى هذا قديمًا، فإن معمرًا ولد سنة ست أو سبع وتسعين، وسعيد بدأ به الاختلاط أواخر سنة 143، واشتد به قليلاً سنة 145 ه, واستحكم سنة 148. هذا هو الجامع بين الحكايات المتصلة في ذلك، فأما المنقطعة فلا عبرة بها.
__________
(1) رقم (25304).
(2) رقم (1684).
(3) (8/ 78).
(4) (8/ 78).
(11/199)

فأما رواية ابن المبارك فهي عند النسائي (1) عن سويد بن نصر عنه. وسويد مات سنة 240، وعمره 91 سنة. فقد أدركه الشيخان، ولكنهما لم يخرجا عنه في "الصحيح". وإنما روى له النسائي والترمذي، ووثَّقه النسائي ومسلمة بن قاسم. وقال ابن حبان: "كان متقنًا"، فالله أعلم. وقد روى النسائي (2) عنه، عن ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: يُقطع في ربع دينار فصاعدًا.
وأثبت الروايات عن يحيى ما رواه مالك (3) وابن عيينة (4) عنه عن عمرة عن عائشة: "ما طال عليَّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار فصاعدًا". فإن لم يكن وهم في روايته عن ابن المبارك عن معمر فالتقصير من معمر. وقد قال الإِمام أحمد (5): "حديث عبد الرزاق عن معمر أحبُّ إلى من حديث هؤلاء البصريين (عن معمر)، كان (معمر) يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن (حيث سمع منه عبد الرزاق)، وكان يحدِّثهم حفظًا بالبصرة".
وسعيد بن أبي عروبة أقدم سماعًا، فإن لم يكن الوهم من سويد، فكأنَّ معمرًا حدَّث بالحديث مرةً من حفظه حيث سمع منه ابن المبارك فشكَّ في
__________
(1) (8/ 78).
(2) (8/ 79).
(3) في "الموطأ" (2/ 832) ومن طريقه النسائي (8/ 79) والطحاوي (3/ 165) وابن حبان (4462).
(4) أخرجه من طريقه الحميدي في "مسنده" (280) والنسائي (8/ 79) والطحاوي (3/ 165).
(5) كما في "تهذيب التهذيب" (6/ 312).
(11/200)

الرفع، فقصَّر به، كما كان يقع مثل هذا لحماد بن زيد. وقد حدَّث به معمر قبل ذلك حيث سمع منه ابن أبي عروبة، فرفعه. وحدَّث به باليمن حيث كان يتعاهد كتبه فرفعه. والإمام [2/ 120] أحمد إنما سمع من عبد الرزاق من أصوله، كما تراه في ترجمة عبد الرزاق من "التهذيب".
السابع: زَمْعة بن صالح. في "مسند أبي داود الطيالسي" (ص 220) (1): حدثنا زمعة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا".
فهؤلاء سبعة رووه عن الزهري كما رواه الحميدي والشافعي وغيرهما عن ابن عيينة عن الزهري. وإنما هناك اختلاف على ابن عيينة ومعمر، وأرجح الروايتين عن كل منهما هي الموافقة للباقين وهَبْ أن الاختلاف عنهما ضارٌّ، فبروايتهما فقط، ويثبت الحديث برواية الباقين. وليس وراء ذلك إلا اختلاف يسير في الألفاظ، مع اتحاد المعنى. فليس في حديث الزهري ما يسوغ أن يسمَّى اضطرابًا، فضلاً عن أن يكون اضطرابًا مُسْقِطًا، كما زعم الطحاوي بقلة مبالاة، مع تشبُّثه بحديث ابن إسحاق الذي تقدم حاله!
وأما بقية الرواة عن عمرة فجماعة:
الأول: ابن ابن أخيها محمَّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد (2) بن زرارة الأنصاري. قال البخاري في
__________
(1) رقم (1582).
(2) (ط): "سعدة" خطأ، والتصويب من (خ). وراجع "التهذيب" (9/ 298).
(11/201)

"الصحيح" (1): حدثنا عِمران بن ميسرة، ثنا عبد الوارث، حدثنا الحسين (المعلم)، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن حدَّثَته أن عائشة حدثتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تُقطَع اليد في ربع دينار".
ورواه عن عبد الوارث أيضًا ابنه عبد الصمد، وصرَّح بسماع يحيى بن أبي كثير. ورواه عن يحيى أيضًا حرب بن شداد وهمام بن يحيى، كما في "الفتح" (2) عن الإسماعيلي. ورواية حرب في "مسند أحمد" (ج 6 ص 252) (3). وكذلك رواه هِقْل بن زياد عن يحيى كما في "الفتح" (4) عن "مسند أبي يعلى".
وقال النسائي (5): "أنا حُميد بن مسعدة، ثنا عبد الوارث، ثنا حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري، ثم ذكر كلمةً معناها: عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار". لم يُتقِن حميدٌ بدليل قوله: "فذكر كلمةً معناها"، والصواب: "تُقطع اليد في ربع دينار" كما مرّ.
وروى النسائي (6) من طريق إبراهيم بن عبد الملك أبي إسماعيل
__________
(1) رقم (6791).
(2) (12/ 101).
(3) رقم (26141).
(4) (12/ 101). وليس فيه ذكر "مسند أبي يعلى" وإنما عزاه إلى أبي نعيم في "المستخرج".
(5) (8/ 80).
(6) (8/ 80).
(11/202)

القنَّاد، عن يحيى بن أبي كثير، [2/ 121] عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عمرة، عن عائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقطع اليد في ربع دينار. والقنَّاد ليس بعمدة، وذكر الساجي أن ابن معين ضعَّفه. وقال العقيلي: "يهم في الحديث". وقال ابن حبان في "الثقات" (1): "يخطئ". فقد وهم في السند بقوله: "بن ثوبان"، ووهم في المتن كما رأيت.
الثاني: أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم. رواه عنه جماعة، منهم يزيد بن الهاد عند مسلم في "صحيحه" (2) من وجهين، وعند الطحاوي (3) من وجهين آخرين، ومنهم عبد الرحمن بن سلمان عند النسائي (4)، ومنهم ابن إسحاق عند الطحاوي (5) والبيهقي (6). وقال في المتن المرفوع: "لا تُقطَع اليد إلا في ربع دينار".
وفي رواية البيهقي (ج 8 ص 255) من طريق ابن إسحاق عن أبي بكر: "أُتِيتُ بنبطي قد سرَق، فبعثتْ إليَّ عمرةُ بنت عبد الرحمن: أي بُنيَّ إن لم يكن بلغ ربع دينار فلا تقطعه؛ فإن عائشة حدثتني أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) (6/ 26).
(2) رقم (1684/ 4).
(3) (3/ 165).
(4) (8/ 80). وعبد الرحمن بن سلمان إنما يرويه عن يزيد بن الهاد كما في "السنن الكبرى" (7376) و"التحفة" (17951) وقد سقط "يزيد بن الهاد" من نسخ المجتبى سهوًا.
(5) (3/ 166).
(6) في "الكبرى" (8/ 255).
(11/203)

يقول: لا يُقطع في دون ربع دينار".
وفي "مسند أحمد" (ج 6 ص 80) (1) و"سنن البيهقي" (ج 8 ص 255) من طريق أحمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني قال: "قدمتُ المدينة, فلقيتُ أبا بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وهو عامل على المدينة، فقال: أُتِيتُ بسارق (زاد البيهقي: من أهل بلادكم حوراني قد سرق سرقة يسيرة. قال) فأرسلتْ إليَّ خالتي عمرةُ بنت عبد الرحمن أن لا تَعجَلْ ... قال: فأتتْني، فأخبرتْني أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقطعوا في ربع الدينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك".
الأثبت عن عمرة لفظ "تُقطَع اليد في ربع دينار فصاعدًا". وقد دل حديث عروة - كما تقدَّم - على أن هذا هو اللفظ الذي كان عند عائشة، فما وقع في هذه الرواية: "لا تُقطَع اليد إلا ... " ونحوه = من الرواية بالمعنى. والمقتضي لذلك هنا - والله أعلم - أن الحديث يدل على حكمين:
الأول: إثبات القطع في ربع دينار.
الثاني: نفي القطع فيما دون ذلك.
فإذا كان الأول هو الأهم، فحقُّه أن يقال مثلاً: "تُقطع اليد في ربع دينار". وإذا [2/ 122] كان الثاني هو الأهم، فحقُّه أن يقال مثلاً: "لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار". وإذا كانا سواءً جُمع بين اللفظين. فلما كان الأهم في الواقعة التي ذكرها أبو بكر هو الحكم الثاني وقع التعبير بما يوافقه. والأشبه أن التصرف من أبي بكر، سمع الحديث في صدد بيان الحكم الثاني، فثبت
__________
(1) رقم (24515).
(11/204)

في ذهنه بالمعنى المقتضي للفظ الثاني، فعبَّر بذلك. ثم كأنه استشعر حيث أخبر الغساني أن أصل لفظ عمرة يقتضي المعنيين على السواء، فجمع بين اللفظين. وإنما كان لفظ الحديث يقتضي أهمية الأول، والمقام يقتضي أهمية الثاني، فتدبَّرْ.
الثالث: سليمان بن يسار. أخرجه مسلم في "الصحيح" (1) من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير بن الأشج "عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدِّث أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تُقطَع اليدُ إلا في ربع دينار فصاعدًا". وأخرجه الطحاوي (2) عن يونس عن ابن وهب مثله، إلا أنه قال: "يد السارق".
قال الطحاوي (3): "أنتم تزعمون أن مخرمة لم يسمع من أبيه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا ابن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة قال: سألت مخرمةَ بن بكير: هل سمعت من أبيك شيئاً؟ فقال: لا".
أقول: قال أبو داود: "لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر". فقد سمع من أبيه في الجملة، فإن كان أبوه أذن له أن يروي ما في كتابه ثبت الاتصال، وإلا فهي وجادة؛ فإن ثبت صحة ذاك الكتاب قوي الأمر. ويدل على صحة الكتاب أن مالكًا كان يعتدُّ به. قال أحمد: "أخذ مالك كتاب مخرمة، فكل شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار، فهو من
__________
(1) رقم (1684/ 3).
(2) (3/ 164).
(3) (3/ 164).
(11/205)

كتاب مخرمة عن أبيه عن سليمان". وربما يروي مالك عن الثقة عنده عن بكير بن الأشج. وقد قال أبو حاتم: "سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا (1) الذي يقول مالك: حدثني الثقة - مَن هو؟ قال: مخرمة بن بكير".
وأخرج النسائي (2) من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن عمرة أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا تُقطَع اليد إلا في ثمن المجنِّ". قيل لعائشة: ما ثمنُ المجنِّ؟ قالت: ربع دينار". ومن طريق مخرمة (3) عن أبيه [2/ 123] "سمعتُ عثمان بن الوليد (4) الأخنسي يقول: سمعت عروة بن الزبير يقول: كانت عائشة تُحدِّث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تُقطع اليد إلا في المجنّ أو ثمنه"، وزعم أن عروة قال: المجن أربعة دراهم. وسمعتُ سليمان بن يسار يزعم أنه سمع عمرة تقول: سمعتُ عائشة تحدِّث أنها سمعتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه".
أقول: ابن إسحاق في حفظه شيء، ويدلِّس، وكأنه أو مَنْ فوقه سمع الحديث كما ذكره مخرمة عن أبيه، فخلط الحديثين. والصواب حديث مخرمة. فذكرُ المجنّ إنما هو من رواية بُكير عن عثمان بن الوليد عن عروة، ورواية سليمان لا ذِكر فيها للمجن. وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان في
__________
(1) (ط): "هذا هو". والمثبت من (خ).
(2) (8/ 81).
(3) (8/ 81).
(4) عند النسائي: "بن أبي الوليد". وكلاهما يقال. انظر "التقريب".
(11/206)

"الثقات" (1)، وذاك لا يخرجه عن جهالة الحال، لما عُرِف من قاعدة ابن حبان. لكن إن صحت رواية بكير بن الأشج عنه، فإنها تُقوِّيه، فقد قال أحمد بن صالح: "إذا رأيت بكير بن عبد الله (بن الأشج) روى عن رجل فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شك فيه". وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المراد بقوله: "فلا تسأل عنه". أي: عن ذاك المروي. أي: لا تلتمس لبكير متابعًا، فإنه أي بكيرًا الثقةُ الذي لا شك فيه، ولا يحتاج إلى متابع.
الوجه الثاني: أن يكون المراد: فلا تسأل عن ذاك الرجل، فإنه الثقة. يعني أن بكيرًا لا يروي إلا عن ثقة لا شك فيه. والله أعلم.
وعلى كل حال، فالصواب من حديث عروة ما في "الصحيحين" (2) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "لم تُقطَع يدُ سارقٍ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في أدنى من ثمن المِجَنِّ: تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلُّ واحد منهما ذا ثمن".
الرابع: أبو الرجال. وهو محمَّد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان. قال النسائي (3): "أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يُقطَع يد
__________
(1) (7/ 193).
(2) البخاري (6794) ومسلم (1685).
(3) (8/ 80).
(11/207)

السارق في ثمن المجن، وثمنُ المجن ربع دينار".
ذكر ابن حجر هذه الرواية في "الفتح" (1) بقوله: "أخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن [2/ 124] أبي الرجال، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرة". كذا وقع في النسخة، والصواب إسقاط كلمة "عن" الواقعة قبل "محمَّد".
هذا، وأبو الرجال ثقة عندهم، وعمرة أمه. وابنه عبد الرحمن وثَّقه أحمد وابن معين وغيرهما، لكن ليَّنه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود. وقال ابن حبان في "الثقات" (2): "ربما أخطأ". وأُراه خلط حديثين، فإنه لا يُعرَف عن عمرة ذكرُ المجن. وقد دل حديث "الصحيحين" عن عروة أن عائشة لم تكن تَحُقُّ ثمنَ المجن، كما تقدَّم شرحُه.
الخامس والسادس والسابع: قال الطحاوي (3): "حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن العلاء بن الأسود بن جارية (ويقال: الأسود بن العلاء بن جارية) وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكثير بن خُنَيس، أنهم تنازعوا في القطع، فدخلوا على عمرة يسألونها، فقالت: قالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يُقطَع إلا في ربع دينار".
قال الطحاوي: "أما أبو سلمة فلا نعلم لجعفر بن ربيعة عنه سماعًا, ولا
__________
(1) (12/ 101).
(2) (7/ 92).
(3) "معاني الآثار" (3/ 166). وفيه تصحيف في رجال الإسناد، صححه المعلمي.
(11/208)

نعلمه لقيه أصلاً".
أقول: ذكروا أن جعفر بن ربيعة رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وعبد الله توفي سنة 86 على الراجح، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها، وقيل: بعدها بسنتين؛ فيشبه أن يكون مولد جعفر نحو سنة 75. وقد اختلف في وفاة أبي سلمة، فقيل: سنة 94، وقيل: سنة 104، فاللقاء ممكن. والله أعلم.
وكان في المدينة ربيعة الرأى الفقيه، وكان قوله: القطع في ما يبلغ درهمًا، فكأن هذا هو الباعث على ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الحديث بلفظ "لا تُقطع اليد ... " أو نحو ذلك، كما وقع في رواية سليمان بن يسار وغيرها.
الثامن: أبو النضر. فيما رواه ابن لهيعة "ثنا أبو النضر، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُقطع يد السارق إلا في ثمن المجن فما فوقه". قالت عمرة بنت [2/ 125] عبد الرحمن: فقلت لعائشة: ما ثمن المجن يومئذ؟ قالت: ربع دينار". أخرجه البيهقي (ج 8 ص 256). وابن لهيعة ضعيف.
التاسع: يحيى بن يحيى الغساني. فيما أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (ص 3 وص 89) (1) عن أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي المقري، وعن خالد بن أبي روح الدمشقي، كل منهما عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن عمرة، عن عائشة
__________
(1) (1/ 10، 159). والصواب في اسم شيخ الطبراني: "خالد بن روح" كما في مصادر ترجمته.
(11/209)

قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
قال الطبراني: "لم يروه عن يحيى بن يحيى إلا ولده"، زاد في الموضع الثاني: "وهُم ثقات". وإبراهيم بن هشام ذكره ابن حبان في "الثقات" (1)، وأخرج له في "صحيحه". لكن طعن فيه أبو حاتم (2)، وذكر قصة تدل على أن إبراهيم كان به غفلة. والله أعلم.
العاشر: يحيى بن سعيد الأنصاري. وهو أجلُّ (3) من كثير من الذين تقدموا، وإنما أخرته لأن بعضهم نسب رواة هذا الحديث عنه إلى الخطأ كما يأتي. قال النسائي (4): "أخبرنا الحسن بن محمَّد (بن الصباح الزعفراني)، قال: حدثنا عبد الوهاب (بن عطاء)، عن سعيد (بن أبي عروبة)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا". أخبرني يزيد بن محمَّد بن فضيل قال: أنبأنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا". وقال الطحاوي (5): "حدثنا محمَّد بن خزيمة، ثنا مسلم بن إبراهيم ... " فساقه مثله.
الحسن ثقة من رجال البخاري. وعبد الوهاب من رجال مسلم، وثَّقه
__________
(1) (8/ 79).
(2) "الجرح والتعديل" (2/ 142).
(3) في (ط): "من أجل" خطأ.
(4) (8/ 79).
(5) "معاني الآثار" (3/ 164).
(11/210)

جماعة مطلقًا، وليَّنه آخرون. وقدَّموه في روايته عن سعيد، قال الإمام أحمد: "كان عالمًا بسعيد". وسُئل أبو داود عنه وعن السهمي في حديث ابن أبي عَروبة؟ فقال: عبد الوهاب أقدم. فقيل له: عبد الوهاب سمع زمن الاختلاط (يعني اختلاط سعيد). فقال: مَن قال هذا؟ سمعت أحمد يقول: "عبد الوهاب أقدم". وقال ابن سعد: "لزم سعيد بن أبي عروبة، وعُرف بصحبته، وكتب كُتبه ... ". وقال البخاري: "يُكتب حديثه" قيل له: يُحتَج به؟ قال: [2/ 126] "أرجو، إلا أنه كان يدلِّس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير". وسعيد ثقة جليل إلا أنه اختلط بأَخَرةٍ، وسماع عبد الوهاب منه قديم.
وأما السند الثاني، فشيخ النسائي لم يوثَّق، ولكن قد تابعه محمَّد بن خزيمة كما رأيت. ومسلم ثقة متفق عليه. وأبان من رجال مسلم، وأخرج له البخاري في "الصحيح" (1) بلفظ: "قال لنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبان ... ".
وبالجملة فمجموع السندين صالح للحجة حتمًا. لكن أعلَّه بعضهم بأن مالكًا (2) وابن عيينة (3) رويا عن يحيى عن عمرة: قالت عائشة: "ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطع في ربع دينار". وبنحوه رواه جماعة عن يحيى. وروى أخوه عبد ربه وعبد الله بن أبي بكر ورُزَيق بن حكيم عن عمرة: قالت عائشة: "القطع في ربع دينار". بل حاول الطحاوي إعلال الحديث من أصله.
__________
(1) عقب الحديث رقم (2320).
(2) في "الموطأ" (2/ 832)، ومن طريقه النسائي (8/ 79) والطحاوي (3/ 165) وابن حبان (4462) والبيهقي في "المعرفة" (12/ 371).
(3) أخرجه الحميدي في "مسنده" (280) والنسائي (8/ 79) والطحاوي (3/ 165) والبيهقي في "المعرفة" (12/ 370، 371).
(11/211)

وأجاب البيهقي (1) وغيره بأنه لا منافاة بين أن يكون الحديث عند عائشة، فتخبر به تارة، وتُستفتى فتفتي بمضمونه أخرى. وفي "الموطأ" (2) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة قالت: "خرجت عائشة ... إلى مكة ومعها مولاتان لها ... فسئل العبد عن ذلك فاعترف، فأمرت به عائشة ... فقُطعت يده. وقالت عائشة: القطع في ربع دينار فصاعدًا".
ويؤيد الجمعَ أن لفظ المرفوع في أثبت الطرق وأكثرها: "تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا". ولفظ الموقوف في جميع طرقه إلا ما شذَّ: "القطع في ربع دينار فصاعدًا". وزاد يحيى قبله: "ما طال عليَّ ولا نسيتُ". والمدار في هذا الباب على غلبة الظن، ولا ريب أن من تدبَّر الروايات غلب على ظنه غلبة واضحةً صحةُ كلًّ من الخبرين، وأنه لا تعارض بينهما، وعلم أن الحمل على الخطأ بعيد جدًّا.
هذا، وقد قال ابن التركماني (3): "قال الطحاوي: حدثني غير واحد من أصحابنا من أهل العلم عن أحمد بن شيبان الرملي، ثنا مؤمَّل بن إسماعيل الرملي (كذا)، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمرة، عن عائشة قالت: يُقطع السارقُ في ربع دينار فصاعدًا. قال أيوب: وحدَّث يحيى، عن عمرة، عن عائشة، ورفعه. فقال له عبد الرحمن: إنها كانت لا ترفعه، فترك يحيى رفعه".
__________
(1) في "المعرفة" (12/ 372).
(2) (2/ 832، 833).
(3) في "الجوهر النقي" (8/ 255).
(11/212)

وبمثل هذا السند لا يثبت هذا الخبر عن حماد بن زيد (1)، لكن يظهر أن [2/ 127] له أصلاً. فقد تقدم رواية سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد، عن يحيى، عن عمرة, عن عائشة مرفوعًا باللفظ الذي رواه الأثبات الذين رفعوا الحديث: "تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا". وروى مالك وابن عيينة، عن يحيى، عن عمرة أن عائشة قالت: "ما طال عليَّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار". وقوله: "القطع في ربع دينار" هو اللفظ الذي رواه الواقفون، فهذا يدل أنه كان عند يحيى كلا الخبرين، فكان يحدِّث بالمرفوع، فأنكر عليه بعضُ من لم يسمعه وسمع الموقوف، فأعرض يحيى عن رواية المرفوع صوتًا لنفسه عن أن يتهمه مَن لا يعلم حقيقة الحال بالإصرار على الخطأ.
هذا، وقد ذكر ابن عيينة رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق ثم قال: "إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطع في ربع دينار". اعترضه (2) الطحاوي بقوله: "قد يجوز أن يكون معناها في ذلك: ما طال عليَّ ولا نسيتُ ما قطع فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما كانت قيمته عندها ربع دينار".
أقول: قد مرَّ دفعُ الاحتمال، وبيانُ أنه لا يُعرف فيما قطع فيه النبي
__________
(1) قلت: يعني لأن مؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ، كما سبق في ترجمته من الكتاب برقم (252). وهو بصري نزيل مكة. فالظاهر أن الذي عند الطحاوي (الرملي) صوابه: (المكي). والله أعلم. [ن].
(2) في (ط): "اعترف به". والمثبت من (خ). وقول الطحاوي في "معاني الآثار" (3/ 165).
(11/213)

صلى الله عليه وآله وسلم ما هو قليل إلا المجن. وقد دل حديث "الصحيحين" (1) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة على أنها لم تكن تعرف المِجنَّ ولا قيمته. وبهذا يتبين أن رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق تدل أيضًا على الرفع، فإن التقدير بربع دينار ليس مما يقال بالرأي، ولا يُعرف ما تأخذ عائشة منه ذلك إلا ما ثبت عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم جعجع الطحاوي بما عُلِم ردُّه مما تقدَّم، ثم قال (2): "فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختُلِف على غيره عن عمرة كما وصفنا، ارتفع ذلك كله: فلم تجب الحجة بشيء منه إذ كان بعضه ينقض بعضًا". [2/ 128] كذا قال، وقد أقمنا الحجة الواضحة على أنه لا اضطراب ولا تناقض (3).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) (3/ 167).
(3) قلت: ومما يُسهَّل على القارئ المنصف تبيّن سقوط كلام الطحاوي أنه لو سلمنا جدلًا بصحة ما ادعاه من الاضطراب في الحديث فهي محصورة في الطرق التي ساقها هو إلى الزهري، ومَن تابعه في روايته عن عمرة, ولكن الطحاوي لم يستوعب الطرق كلها أو جلَّها إليه وإليها، كما فعل المصنف جزاه الله خيرًا، فقد ذكر متابعة عشرة من الثقات للزهري عن عمرة عن عائشة. وكلهم اتفقوا على رفعه، إلا يحيى بن سعيد في إحدى الروايات عنه، وهي في حقيقتها لا تخالف الروايات الأخرى المرفوعة، وهَبْ أن الرواية عند يحيى مضطربة أيضًا. ففي الروايات التسع ما يكفي ويشفي، وكلها متفقة على الرفع، وبأقل من ذلك يثبت الرفع كما لا يخفى على المنصف، وهي وإن اختلفت في ضبط المتن، هل هو "تقطع اليد ... " أو "لا =
(11/214)

ثم قال: "ورجعنا إلى أن الله عَزَّ وَجَلَّ قال في كتابه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فأجمعوا أن الله عَزَّ وَجَلَّ لم يَعْنِ بذلك كل سارق، وإنما عني به خاصًّا ... فلا يدخل إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه، وقد أجمعوا أن الله تعالى عنى سارق العشرة الدراهم".
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: دعواه الإجماعَ غير مقبولة. وفي "الفتح" (1) في تعداد المذاهب: "الأول: يُقطع في كل قليل وكثير، تافهًا كان أو غير تافه. نُقِل عن أهل الظاهر والخوارج، ونُقل عن الحسن البصري. وبه قال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ... الثالث: مثل الأول إلا إن كان المسروق شيئًا تافهًا، لحديث عروة الماضي: "لم يكن القطع في شيء من التافه"، ولأن عثمان قَطَع في فخارة خسيسة، وقال لمن يسرق السياط: لئن عُدْتم لأقطعنَّ فيه. وقطع ابن الزبير في نعلين. أخرجهما ابن أبي شيبة (2). وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مُدٍّ أو مُدَّين. الرابع: تُقطع في درهم فصاعدًا. وهو قول عثمان البتِّي ... من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة ... ".
وأقول: لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقةً على إبقاء الآية على
__________
= تقطع ... " والمؤلف رجح الأول، وقد يمكن ترجيح الآخر بقاعدة: "زيادة الثقة مقبولة"، وسواء كان هذا أو ذاك، فالحجة في الحديث قائمة على أن اليد تقطع في ربع دينار، وذلك ما لا يقوله الطحاوي تبعًا لمذهبه. والله المستعان. [ن].
(1) (12/ 106).
(2) "المصنف" (9/ 473).
(11/215)

عمومها. وإنما المدار على تحقُّق اسمِ "السارق"، فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحقُّ عليه اسمُ "السارق"، ولا ريب أنَّ مَن أخذ لوزةً أو تمرةً أو نحو ذلك لا يتبيَّن أنه يحقُّ عليه اسمُ "السارق". وهذا لازم [2/ 129] للمذهب الأول، إذ يمتنع أن يقول عالم أن مَن أخذ حبةَ بُرًّ مثلًا حقَّ عليه اسم "السارق". وأما المذهب الثالث، فلعل قائله نحا هذا المنحى أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحقُّ على آخذه اسمُ "السارق" = لا يتبيَّن دخولُه في الآية، والقطع إنما هو على من يتبيَّن دخولُه فيها. وأما المذهب الرابع، فالبتَّي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقَّه ويتعانى الرأيَ والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبيَّن بها الدخول في الآية معنًى غيرُ منضبط، فرأيا ضبطَها بالدراهم.
الأمر الثاني: هَبْ أنه سلِمَ للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علِمنا أن ظاهر القرآن وجوبُ القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعًا. ويوافقه حديث "الصحيحين" (1): "لعن الله السارقَ يسرق البيضةَ فتُقطَع يدُه، ويسرق الحبلَ فتُقطَع يدُه". وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة. فإن لم يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع، فإن كان هناك إجماع على خروج شيءٍ خَرجَ ذاك الشيء. فأما ما اختلُف فيه، فقيل بخروجه، وقيل ببقائه؛ فهو باقٍ على ظاهر القرآن؛ لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجةٌ يُترَك بها ظاهرُ القرآن.
فإن قيل: فقد اختلف النُّظَّارُ في العامَّ الذي قد خُصَّ، فقال بعضهم: إنه
__________
(1) البخاري (6783، 6799) ومسلم (1687) من حديث أبي هريرة.
(11/216)

لا يبقى حجة في الباقي.
قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام الكلام في ردِّه في أصول الفقه.
الأمر الثالث: هَبْ أنه قويتْ دعوى الإجماع، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة؛ ففي السنة الثابتة ما يكفي. فقد صحَّ حديث ابن عمر، واندفع ما عورض به. وصحَّ حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابه. فثبت القطعُ في ثلاثة دراهم، وفي ربع دينار. وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس هذا موضع البحث فيه.
ثم ذكر الطحاوي (1) خبرَ المسعودي، عن القاسم، عن ابن مسعود: "لا تُقطَع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم". ورواه بعضهم (2)، عن المسعودي، عن القاسم، عن أبيه.
والمسعودي اختلط. ثم هو منقطع, لأن القاسم لم يدرك ابن مسعود. وكذلك أبوه عبد الرحمن، نفى جماعةٌ سماعَه من [2/ 130] ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعَه منه لأحرفٍ معدودة ذكرها ابن حجر في "طبقات المدلسين" (ص 13)، ثم قال: "فعلى هذا يكون الذي صرَّح فيه بالسماع من أبيه (ابن مسعود) أربعة، أحدها موقوف. وحديثه عنه كثير ... معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس".
__________
(1) في "معاني الآثار" (3/ 167). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" (18950) وابن أبي شيبة (9/ 474) والطبراني في "الكبير" (9742).
(2) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (7142) والدارقطني (3/ 193).
(11/217)

أقول: وليس هذا الخبر من تلك الأربعة.
وروى الثوري (1) عن "حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لا تُقطَع اليدُ إلا في تُرْس أو حَجَفة. قلت لإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار". والثوري يدلِّس. وحماد سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: "وكان حماد يقول: قال إبراهيم. فقلت: والله إنك لتكذب أو إن إبراهيم ليخطئ". وقد قال حماد نفسه لما قيل له: قد سمعتَ من إبراهيم؟: "إن العهد قد طال بإبراهيم".
وإبراهيم عن عبد الله منقطع. وما روي عنه (2) أنه قال: "إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله" لا يدفع الانقطاع، لاحتمال أن
__________
(1) أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة (9/ 475).
(2) قلت: تصدير المصنف رحمه الله لقول إبراهيم المذكور بقوله: "روي" مما يشعر اصطلاحًا بأنه لم يثبت عنده, ولعل عذره في ذلك أنه لم يقف على إسناده، وإلا لجزم بصحته، فقد أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (6/ 190): أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال: حدثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند، قال: إذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان". وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي في "تاريخ دمشق" (ق 131/ 2): حدثنا أحمد بن شبويه قال: حدثنا عمرو بن الهيثم به, إلا أنه قال: "فحدثني وحده".
أقول: وإذا تأمل الباحث في قول إبراهيم "من غير واحد من أصحابه" يتبين له ضعف بعض الاحتمالات التي أوردها المصنف على ثبوت رواية إبراهيم إذا قال: قال ابن مسعود، فإن قوله: "من أصحابه" يبطل قول المصنف: "أن يسمع إبراهيم من غير واحد ممن لم يلق عبد الله"، كما هو ظاهر. وعذره في ذلك أنه نقل قول إبراهيم هذا من "التهذيب"، ولم يقع فيه قوله: "من أصحابه" الذي هو نص في الاتصال. [ن].
(11/218)

يسمع إبراهيم من (1) غير واحد ممن لم يلق عبد الله، أو ممن لقيه وليس بثقة (2)، واحتمالِ أن يغفُلَ [2/ 131] إبراهيم عن قاعدته، واحتمالِ أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ "قال عبد الله"، ثم يحكي عن عبد الله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف، فلا يتنبه مَن بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ "قال عبد الله"، ولاسيَّما إذا كان فيمن بعده مَن هو سيئ الحفظ كحماد.
وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 108) من طريق "خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلَّسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم بن يزيد النخعي ... وإبراهيم أيضًا يُدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنجاب، وخِزامة الطائي، وربما دلَّس عنهم".
وقد ذكر الأستاذ (ص 56) قول يحيى الحِمَّاني: "سمعت عشرة كلُّهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق". فقال الأستاذ: "قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات".
وما روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "لا تُقطَع اليدُ في أقل من ثمن الحَجَفة، وكان ثمنها عشرة دراهم" قولُ إبراهيم، وقد يكون إنما
__________
(1) (ط): "عن". والمثبت من (خ).
(2) قلت: هذا فيه بُعد. فإننا لا نعلم في أصحاب ابن مسعود المعروفين مَن ليس بثقة، ثم إن عبارته المتقدمة مِنّا آنفًا صريحة في أنه لا يسقط الواسطة بينه وبين ابن مسعود إلا إذا كان الذي حدثه عنه أكثر من واحد من أصحابه. فكون الأكثر منهم - لا الواحد - غير ثقة بعيد جدًّا. لا سيَّما وإبراهيم إنما يروي كذلك مشيرًا إلى صحة الرواية عن ابن مسعود. والله أعلم. [ن].
(11/219)

أخذ من عمرو بن شعيب، أو مما روي عن مجاهد وعطاء، وقد تقدَّم ما فيه.
وقد روى الثوري (1) أيضًا عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجنٍّ ثمنه خمسة دراهم. قال ابن التركماني (2): "فيه ثلاث علل: الثوري مدلِّس وقد عنعن. وابن أبي عزة ضعَّفه القطان، وذكره الذهبي في كتابه في "الضعفاء". والشعبي عن ابن مسعود منقطع".
أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العُقَيلي (3)، وهو لم يدرك القطَّان (4)، [2/ 132] ومع ذلك فهو جرح غير مفسَّر، وابن أبي عزة وثَّقه أحمد وابن معين وابن سعد. فأما الذهبي، فمعلوم أن قاعدته أن يذكر في "الميزان" (5) كلَّ مَن تُكُلِّم فيه، ولو كان الكلام يسيرًا لا يقدح. وأما
__________
(1) أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" (9/ 469) وأبو داود في "المراسيل" (243) والنسائي (8/ 82).
(2) في "الجوهر النقي" (8/ 262).
(3) في "الضعفاء الكبير" (3/ 390).
(4) كذا قال المصنف رحمه الله، وعُمدتُه في ذلك قول الحافظ في "التهذيب": "وذكره العقيلي في "الضعفاء" وقال: ضعَّف حديثه يحيى بن سعيد القطان", فإن ظاهره أن العقيلي حكى التضعيف ولم يروه بسنده كما هو الغالب عليه وعلى أئمة الجرح والتعديل، ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد قال العقيلي في كتابه المذكور: "حدثنا محمَّد بن عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي، قال سألت يحيى عن حديث عيسى بن أبي عزة (قلت: فذكره وقال:) فضعَّف الحديث". [ن].
وعلي هو ابن المديني الحافظ، وقد تقدمت ترجمته برقم (162).
(5) قلت: "الميزان" غير "الضعفاء"، وهذا هو الذي عزى إليه ابن التركماني تضعيف =
(11/220)

الثالثة فنعم، ولكن الشعبي جيِّد المرسَل، قال العجلي: "لا يكاد الشعبي يُرسل إلا صحيحًا". وقال الآجري عن أبي داود: "مرسل الشعبي أحبُّ إليَّ من مرسل النخعي".
والظاهر أنه إن صح عن ابن مسعود شيء، فهو في ذكر القطع في المجنِّ مطلقًا. وأما التقويم، [2/ 133] فممن بعده أخذًا من حديث أنس عن أبي بكر وسيأتي، أو يكون ابن مسعود إنما ذكر قطع أبي بكر.
__________
= القطان. وجواب المصنف يشعر بأنه هو "الميزان" نفسه، وليس كذلك، فإنهما كتابان، قاعدته في الأول منهما كما ذكره المصنف، وقاعدته في الآخر كما نص عليه هو في مقدمته: "فهذا ديوان أسماء الضعفاء والمتروكين، وخلق من المجهولين، وأناس ثقات فيهم لين". وقد طبع أخيرًا بتحقيق الشيخ حماد الأنصاري، وطريقته فيه, إما أن يذكر رأيه في المترجم، كأن يقول فيه: "ضعيف" أو "متروك" أو "متهم" ونحوه، كما هو أسلوب الحافظ ابن حجر في "التقريب". وإما أن ينقل الجرح عن بعض الأئمة، كأن يقول: "ضعَّفه الدارقطني" أو "قال النسائي: ليس بقوي" أو "قال أبو حاتم: لا يحتج به" وهكذا، فكل من يورده فيه ضعيف إلا أفرادًا قليلين يصرح بتوثيقهم، إما تمييزًا وإما لدفع التهمة عنه، فمن الأول قوله: "إبراهيم بن نافع الحلاب البصري قال أبو حاتم: كان يكذب. أما إبراهيم بن نافع عن عطاء المكي فثقة". ومن الآخر قوله: "أحمد بن الحسن بن خيرون، ثقة حافظ تكلم فيه ابن طاهر بكلام بارد، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير"، وقد لاحظنا أنه كثيرًا ما يختلف اجتهاده في هذا الكتاب، عنه في "الميزان"، ومن الأمثلة القريبة على ذلك، عيسى بن أبي عزة هذا، فإنه حكى فيه تضعيف القطان له، ثم توثيق جماعة من الأئمة له، ثم ختم ذلك برأيه فيه فقال: "حديثه صالح". وهذا معناه أنه مقبول عنده، ومع ذلك أورده في ديوانه "الضعفاء" وضعَّفه بقوله: "قال القطان: حديثه ضعيف". والظاهر أن المصنف لم يراجع "الميزان" حين كتب الجواب، وإلا لكان يجد فيه ردًّا أقوى في قول الذهبي: "حديثه صالح"، وذلك بيِّن لا يخفى. والمعصوم مَن عصمه الله. [ن].
(11/221)

وروى الشافعي (1) عن ابن عيينة عن حميد الطويل قال: "سمعت قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع. فقال: حضرتُ أبا بكر قَطَع سارقًا في شيء ما يسوَى ثلاثة دراهم. أو: ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم". وقد رواه أبو حاتم الرازي، عن الأنصاري، عن حميد. وفيه: "ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم" بدون شك. أخرجه البيهقي (2). ولا يلزم من قول أنس: "ما يسرني ... " أن تكون القيمة أقل من ثلاثة دراهم؛ فإنَّ من لا يحتاج إلى سلعة لا يسرُّه أنها له بقيمة مثلها، وإنما يسرُّه أن تكون بأقل من قيمتها, ليبيعها فيربح فيها، أو يدَّخرها لوقت الحاجة.
وقد روى قتادة عن أنس قصة أخرى، وهي أنه قُطِع في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. رواه النسائي (3) والبيهقي في "السنن" (ج 8 ص 259) من طريق الثوري، عن شعبة، عن قتادة. ورواه النسائي (4) أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي قال: "حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: سرق رجل مجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع". ورواه أبو هلال محمَّد بن سليم عن قتادة فقال: "عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ". وأبو هلال ليس بعمدة، ولا سيَّما في قتادة. ورواه هشام عن قتادة فوافق أبا هلال. وسئل هشام مرةً فقال: "هو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فهو عن أبي بكر". ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن أبا بكر قطَع في
__________
(1) في كتاب "الأم" (7/ 321، 373).
(2) في "الكبرى" (8/ 259).
(3) (8/ 77).
(4) (8/ 77).
(11/222)

مجنٍّ قيمته خمسة دراهم، أو أربعة دراهم. شكَّ سعيد. وصوَّب النسائي وغيره رواية شعبة، وذلك واضح. ومن أحبَّ تتبُّعَ هذه الروايات، فليراجع "سنن النسائي"، و"سنن البيهقي" (1).
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (2) عن شريك، عن عطية بن مِقْسم، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: "أُتيَ عمرُ بسارق، فأمر بقطعه. فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم، قال: فأمرَ به عمرُ، فقُوِّمتْ ثمانيةَ دراهم، فلم يقطعه". القاسم لم يدرك عمر ولا كاد. وعطية مجهول الحال. وشريك سيئ الحفظ، ونسبه بعضهم إلى التدليس، كما مضى.
ورواه الثوري (3)، عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي، عن القاسم قال: "أُتيَ عمرُ بن الخطاب بسارق قد سرَق ثوبًا، فقال لعثمان: [2/ 134] قوِّمه، فقوَّمه ثمانية دراهم، فلم يقطعه".
ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم (4) أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك. فإن صحَّ هذا، فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول، ولو صحت القصة، فلفظ الثوري أقرب، ويكون تركُ القطع لمانع آخر كشبهة ظهرت. وسيأتي عن عثمان أنه قطَع في أُتْرُجَّة قُوِّمَتْ ثلاثةَ دراهم، ومرَّ عنه أنه قطع في فخارة خسيسة، فكيف يقول ما وقع في لفظ شريك!
__________
(1) انظر النسائي (8/ 77) والبيهقي (8/ 259، 260).
(2) (9/ 476). وفي بعض النسخ: "وكيع" بدل "شريك".
(3) أخرجه من طريقه عبد الرزاق في "المصنف" (18953) والبيهقي (8/ 260).
(4) انظر "التاريخ الكبير" (7/ 10) و"الجرح والتعديل" (6/ 383).
(11/223)

وفي "نصب الراية" (ج 3 ص 363) أن في "مصنف عبد الرزاق" (1): "عن معمر، عن عطاء الخراساني أن عمر بن الخطاب قال: مَنْ أخذ من الثمر شيئًا، فليس عليه قطعٌ حتى يأويَ الجرين، فإن أخذ منه بعد ذلك ما يساوي ربعَ دينار قُطِع". عطاء الخراساني لم يدرك عمر، لكن هذا أقوى من رواية عطية.
وفي "الفتح" (2): "أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال: إذا أخذ السارق ربعَ دينار قُطِع". وفيه (3) أن ابن المنذر أخرج من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن المسيب، عن عمر: "لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمس". ابن المسيب عن عمر منقطع، إلا أنه جيد، لكن لا نعلم كيف السند إلى منصور؟ وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (4) من طريق قتادة عن ابن المسيب، وقتادة مشهور بالتدليس.
وروى مالك في "الموطأ" (5)، وابن عيينة - كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (6) - عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أن سارقًا سرَقَ في زمن عثمان أترجَّةً، فأمر بها عثمان أن تُقوَّم، فقُوِّمت ثلاثَة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطَع عثمان يدَه". وعمرة يقال: إنها ماتت سنة 98، وعمرها سبع وسبعون سنة. فعلى هذا يكون سنُّها لمقتل عثمان فوق أربع عشرة سنة.
__________
(1) رقم (18918).
(2) (12/ 107).
(3) المصدر نفسه.
(4) (9/ 472).
(5) (2/ 832)، ومن طريقه الشافعي في "الأم" (7/ 320، 373) والبيهقي (8/ 262).
(6) (9/ 472).
(11/224)

وقد جاء عن عثمان ما هو أشدُّ من هذا، كما تقدم.
وروى حاتم بن إسماعيل كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (1)، وسليمان بن بلال كما في "سنن البيهقي" (2) عن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه أنه قطَع يد سارق في بَيضة حديد ثمنُها ربع دينار.
وقال الشافعي في "الأم" (ج 6 ص 116) (3): "أخبرنا أصحاب جعفر، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا رضي الله عنه قال: القطع في ربع دينار". محمَّد بن علي لم يدرك عليًا، لكن لم يعارِض هذا عن علي ما هو أقوى منه.
وإنما ذكر البيهقي [2/ 135] في "السنن" (ج 8 ص 261) أثرًا عن علي فيه: "لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم". ثم قال: "هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء" (4). فقال ابن التركماني (5): "قد جاء من وجه آخر
__________
(1) (9/ 470).
(2) (8/ 260).
(3) (7/ 323) ط. دار الوفاء.
(4) قلت: بل هو ضعيف جدًا، فإن مِن رواته جويبرًا وهو ابن سعيد البلخي أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: "متروك الحديث". وقال الحافظ في "التقريب": "ضعيف جدًّا".
قلت: ومع هذا فهو خير من الحسن بن عمارة الآتي روايته، فإنه لم يُنسب إلى كذب أو وضع، بخلاف ابن عمارة، فإنه أشد ضعفًا منه، قد نسبوه إلى الوضع كما يأتي في الكتاب، وقال الإِمام أحمد: أحاديثه موضوعة. فهل خفي هذا على ابن التركماني حتى زعم أن روايته أجود من رواية جويبر، أم هو التعصب للمذهب؟! [ن].
(5) في "الجوهر النقي" (8/ 261).
(11/225)

ضعيف، إلا أنه أجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك. فروى عبد الرزاق (1) عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي قال: لا تُقطع الكف (2) في أقلَّ من دينار أو عشرة دراهم. فعدلَ البيهقي عن هذه الرواية إلى تلك لزيادة التشنيع".
أقول: وهذه ليست مما يُفرَح به! الحسن بن عمارة طائح، قال شعبة: "أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم، فلم يكن لها أصل". ونصَّ شعبة على أمثلةٍ منها سئل الحكمُ عنها فلم يعرفها. قال شعبة: "قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي - سبعة أحاديث، فسألتُ الحكم عنها فقال: ما سمعتُ منها شيئًا". وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة: "كان يضع".
المسلك الثالث: لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر. كان الرجل مشهورًا بطول الباع وسعة الاطلاع والزهد والعبادة (3)، وكان يقرِّر أن
__________
(1) في "المصنَّف" (18952).
(2) (ط): "اليد". والمثبت من (خ) والجوهر النقي، ولا يوجد في المصنف شيء منهما.
(3) هو العلاّمة الشيخ محمَّد أنور الكشميري، وكلامه الذي أشار إليه المؤلف مذكور في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (4/ 446 - 447)، وهو بحق كما وصفه المصنف في سعة العلم، ولكنه مع الأسف لم يستفد كثيرًا من علمه، صده عن ذلك التقليد المتوارث مع أنه من أحق العلماء المتأخرين بالخلاص منه، والاستقلال في النظر والاختيار، فانظر إليه مثلاً في موقفه من مسألة رفع اليدين في الركوع التي لا يمكن للباحث في أدلتها إلا أن يقول بمشروعيتها واستحبابها, ولو كان حنفيًّا غير متعصب مثل العلامة اللكنوي رحمه الله فإنه لم يسعه إلا القول بالاستحباب في بحث له جيد في "التعليق الممجد"، أما الشيخ الكشميري فلم يستطع التصريح =
(11/226)

أحاديث "الصحيحين" قطعية الثبوت. [2/ 136] وكان مع ذلك غايةً في الجمود على المذهب، والتفاني في الدفاع عنه. وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علوُّ طبقته في ذلك. ذكر أن لأصحابه طرقًا في التملُّص من أحاديث "الصحيحين" في هذه المسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يَرْتضِ شيئًا من ذلك، واختار طريقًا جديدًا يجمع بين الأدلة في زعمه. وهو أن القطع أولاً كان في ثمن المجنّ، كما في حديث "الصحيحين" عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولاً قليلة، ثم أخذتْ تزيد بزيادة اتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأُقِرَّ الأمرُ عليها، وتُرِكَ اعتبارُ ثمن المجن. وذلك كما هو الحال عنده في الدية. قال: "وعلى نحو هذا حملتُ حدَّ الخمر ومقدارَ المهر".
أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك، لكن قد يقال: كان
__________
= بالاستحباب، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يُلزِمه ذلك، فهو يقول في الكتاب المذكور (2/ 257 - 259): فقد ثبت الأمران عندي (الرفع والترك) ثبوتًا لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز". ثم نقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ما ذكره من الجواز، ثم قال: "فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع"! كذا قال، وفي عبارته من الركة ما لا يخفى، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوي فيه الفعل والترك، فلم يأت بشيء جديد بإثباته الرفع, لأن القائلين به لا يقولون بوجوبه، وإن أراد به جوازًا مع استحباب فهلا صرح به، وغالب الظن أنه هو الذي أراده، وإلا كان الرفع عبثًا لا يقول به فقيه مثله، وإنما لم يصرح به؛ لأنه لم يجد في مذهبه مَن سبقه إلى ذلك! ثم إذا صح ظننا به، فهل كان يرفع يديه كسبًا للثواب، بل وبيانًا للجواز ولو بالمعنى الأول؟ عِلْم ذلك عند أصحابه، وظني أنه لم يفعل، لغلبة العصبية المذهبية على مَن حوله. والله المستعان. [ن].
(11/227)

المعيار الشرعي لما يجب فيه القطع هو قيمة المجن، فكأنها كانت أولاً لا تزيد عن أقلَّ ما يحقُّ على آخذه اسم "السارق"، وحينئذ أنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، ثم كأنها ترقَّتْ قليلاً فصارت كقيمة الحبل والبيضة، وحينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لعن الله السارقَ يسرق الحبلَ فتُقطعُ يده، ويسرق البيضة فتقطع يده" ثم ترقَّتْ فصارت ربع دينار، وهو عند الحنفية درهمان ونصف، وحينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا"، ثم ترقت فصارت ثلاثة دراهم، وحينئذ قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجنًّ قيمته ثلاثة [2/ 137] دراهم.
ثم كأنها بقيت كذلك إلى أن قطع أبو بكر في شيء يقول أنس: "ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم". ثم كأنها ترقَّت، فصارت خمسة دراهم. وحينئذ قطَع أبو بكر في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. وكأنها بقيت على ذلك إلى أوائل عهد عمر، وحيئذ قال - لو صحَّ عنه -: لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمسٍ. ثم كأنها نقصت إلى درهمين ونصف، فحينئذ قال عمر - لو صحَّ عنه-: إذا أخذ السارقُ ربعَ دينار قُطِع. ثم كأنها ترقَّتْ، فصارت عشرة دراهم. وحينئذ امتنع - لو صحَّ عنه - من القطع في ما قيمته ثمانية دراهم.
ثم نقصت في عهد عثمان، وحينئذ قَطَع في أترجَّةٍ قيمتها ثلاثة دراهم، ثم ازدادت نقصًا، وحينئذ قَطَع في فخارة خسيسة. ثم تحسنت الحال قليلاً في زمن علي، وحينئذ قَطَع في بيضة حديد قيمتها ربع دينار، وأفتت عائشةُ بالقطع في ربع دينار. ثم لا أدري متى عادت فترقَّتْ إلى عشرة دراهم، وحينئذ - بمقتضى هذا المسلك - نزل الوحيُ بإلغاء اعتبار قيمة المِجنّ، وأن يكون المعتبر هو العشرة الدراهم!
(11/228)

ولعمري، لقد تكرَّر في الأخبار ذكرُ المِجنّ، وإنَّ بعضَ الألفاظ لَيُوهِم اعتبارَ المِجنّ، إلا أن الناس فهموا أن سبب التكرر هو أن أقلَّ ما قطع [فيه] النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِجَنٌّ، وحملوا ما يُوهِم اعتبارَ المجن على ما تقدَّم مفصلًا. ولم يُعرِّجْ أحد منهم على هذا المسلك الطريف، ولكن:
لكل ساقطةٍ في الأرض لاقطةٌ ... وكلُّ كاسدةٍ يومًا لها سوقُ (1)
ومن العجيب أنه لم يرتضِ دعوى بعض أسلافه النسخَ، ثم وقع فيها؛ وأنه يقول: إن أحاديث "الصحيحين" قطعية الثبوت، ثم يخالف صرائحها، ويتشبث بما لم يثبت مما فيه ذكر العشرة!
فأما حديث هشام عن أبيه عن عائشة فاختلف فيه الرواة عن هشام سندًا ومتنًا.
أما السند، فمنهم من ذكر عائشة، ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلًا من قول عروة. نبَّه على ذلك البخاري في "الصحيح" (2)، والصواب ذكر عائشة.
وأما المتن، فعلى ثلاثة أوجه:
[2/ 138] الأول: ما رواه البخاري (3) عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، عن هشام، عن أبيه, عن عائشة "أن يد السارق لم تُقطَع على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) لم أجد البيت في المصادر، والمثل "لكل ساقطة لاقطة" في "الحيوان" (1/ 201).
(2) عقب الحديث رقم (6793)، قال: "رواه وكيع وابن إدريس عن هشام عن أبيه مرسلاً".
(3) رقم (6792).
(11/229)

إلا في مجنٍّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ". ثم روى البخاري (1) عن عثمان أيضًا، عن حميد "ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة. مثله".
الثاني: ما رواه البخاري (2) عن محمَّد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة "لم تكن تُقطَع يدُ السارق في أدنى من حَجَفة أو تُرْسٍ كلُّ واحدٍ منهما ذو ثمن".
الثالث: رواه البخاري (3) "حدثني يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة أخبرنا عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في أدنى من ثمن المِجنّ تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلٌّ منهما ذا ثمنٍ".
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما. فرواه مسلم في "صحيحه" (4) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير عن حميد بسنده: "لم تُقطع يدُ سارق في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في أقلَّ من ثمن المِجنّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلاهما ذو ثمن". وهذا على الوجه الثالث كما ترى.
ورواه البيهقي في "السنن" (ج 8 ص 256) من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بسنده "لم تكن يد تُقطَع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أدنى من ثمن مِجنًّ حَجَفة أو تُرْسٍ". وهذا على الوجه الثاني كما ترى.
__________
(1) عقب الحديث السابق.
(2) رقم (6793).
(3) رقم (6794).
(4) رقم (1685).
(11/230)

وبهذا بان ضعفُ الوجه الأول، بل ظاهره باطل؛ لأنه يعطي أن القطعَ لم يقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة في ذاك المجن. وقد ثبت قطعُ سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا. وثبت قطعُ يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحده.
وأما الوجه الثاني، فقد اختُلِف على عبدة كما رأيت. وكذلك اختُلِف على ابن المبارك. رواه النسائي (1)، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "لم تقطَع يدُ سارقٍ في أدنى من حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلُّ واحد منهما ذو ثمن".
وهذا على الوجه الثالث كما ترى. فبان رجحان الوجه الثالث, لأنه رواه عن هشام [2/ 139] أبو أسامة، ولم يُختلَف عليه فيه. ورواه ابن نمير، عن حميد، عن هشام؛ وابنُ نمير أثبتُ من عثمان بن أبي شيبة. ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام.
وقد رجَّح الشيخان والنسائي الوجه الثالث.
أما البخاري، فساقها على هذا الترتيب، ثم عقَّب بحديث ابن عمر، فأشار - والله أعلم - بالترتيب إلى ترتيبها في القوة. فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما. أو قل: أشار إلى أن الثاني يُفسِّر الأول من وجه، والثالث (2) يُفسِّرهما جميعًا. وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا
__________
(1) (8/ 82).
(2) في (ط): "والثاني". وذكر الشيخ الألباني في تعليقه أنه كذا في الأصل، والظاهر أن الصواب: والثالث. وهو في مسودتنا على الصواب كما قال الشيخ.
(11/231)

الحديث وحديث ابن عمر عن واقعة واحدة. فعائشةُ حفظت أنَّ أقلَّ ما قطَع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابنُ عمر حفظ قيمتَه ولم يذكر أنه أقلُّ ما قطع النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فيه.
وأما مسلم، فصدَّر بحديثه عن محمَّد بن عبد الله بن نمير وساقه بتمامه، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ثم قال (1): "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة = كلُّهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي (2). وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: "وهو يومئذ ذو ثمن". فحمَلَ سائر الروايات على حديث ابن نمير، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ولم يعتدَّ بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة، مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير: "وكلاهما ذو ثمن"، وقول عبد الرحيم وأبي أسامة: "وهو يومئذ ذو (3) ثمن". ثم عقَّب مسلم ذلك بحديث ابن عمر.
وأما النسائي، فإنه مع تصدِّيه لجمع الروايات في ذكر المجنّ لم يسُقْ من طرقِ حديث هشام المذكورة إلا روايةَ سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام، وهي على الوجه الثالث.
وصاحب هذا المسلك إنما يكون له متشبَّثٌ ما في الوجه الثاني، وقد
__________
(1) رقم (1685).
(2) (ط): "الرواس". والتصويب من مسلم، وانظر "التقريب".
(3) كذا على الصواب في مسودتنا. وقد ذكر الشيخ الألباني في تعليقه على المطبوعة أن في الأصل "ذون".
(11/232)

علمتَ أنه مرجوح من جهة الرواية. وهكذا هو مرجوح من جهة النظر لما يأتي. وعلى فرض أنه لا يتبين أنه مرجوح، فلا يصحُّ التمسكُ بما اختص به بعض الروايات وخالفها غيرها؛ لأن الاختلاف إنما جاء [2/ 140] من جهة الرواية بالمعنى، فلا يصح التشبث بواحدة منها حتى يترجح أنها باللفظ الأصلي أو موافقة له.
ومع هذا، فاللفظ الواقع في الوجه الثاني لا يتعين حمله على ما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يحتمل أن يكون المراد أن السارق لم يكن يُقطَع فيما دون ثمن ذاك المجن الذي قطَع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولا مانع أن تعرف عائشة هذا, ولا تعرف قيمة ذاك المجن. وهذا المعنى أقرب وأولى مما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يزعم أن المعنى أن اليد لم تكن تُقطَع إلا فيما يبلغ ثمنَ مجنٍّ من المَجان أيَّ مجنٍّ كان. وهذا بغاية البعد، فإن من المجانِّ الرديءَ البالي المعيب الذي تكون قيمته درهمًا واحدًا أو دونه، ومنها ما يزيد على ذلك زيادة متفاوتة، ولم يُعهَد من حكمة الشارع وإيثارِه الضبطَ: أن ينوط مثل هذا الحكم العظيم بمثل هذا الأمر الذي لا ينضبط.
فإن قيل: قد يختار مجنٌّ من أوسط الغالب على نحو ما قدَّمتَ أول المسألة.
قلت: أوسط الغالب بعيد أيضًا عن الانضباط، والذي تقدَّم إنما هو من بعضِ مَن بعدَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رأى أنه لا ينبغي القطع في أقل مما قطع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعرف أنه ذاك المجن ولم يعرف ثمنه، فاضطُرَّ إلى الحدس. والشارع لا ضرورة تُلجِئه ولا حاجة تدعوه إلى مثل هذا، فلماذا يعدل عن سنته من إيثار الضبط، وهو قادر على
(11/233)

الضبط بالذهب أو الفضة، فيكون المناط ظاهرًا منضبطًا سهلَ المعرفة جاريًا على ما يعرفه الناس ويتعارفونه؟
فأما تقدير الدية بالإبل فذلك معروف متعارف من قبل الإِسلام، وكان أغلب أموالهم الإبل، ووصفها الشارع بصفات معروفة تقرِّبها من الانضباط، ولا يُخشى بعد ذلك التباسٌ ولا مفسدة، كما يُخشى في نَوط القطع بثمن مِجنّ. فإنَّ مَنْ وجبت عليه الدية لا يلزمه أن يدفع النفيسة. فلو كانت عنده [ناقة] (1) نفيسة، وأراد أن يشتري بها عشرًا كلُّهن على وصف الدية مُكِّن من ذلك، فيشتري بتلك الناقة عشرًا ويدفعها، فتُحسَب له عشرًا. واحتمالُ أن لا يتمكن من ذلك بعيد. فإن اتفق ذلك، فللفقيه أن يقول: هي بمنزلة المعدومة، ويعدل إلى قيمة القدر الواجب من [2/ 141] الغالب، كما قيل بنحو ذلك في الزكاة. فأما إذا طابت نفسُ صاحبها فدفَعَها، فلا إشكال. والحنفية لم ينكروا وجوب الإبل، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وإن التعيين بالتراضي أو القضاء.
وأقول: أما التراضي، فلا إشكال فيه. وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة، وهو قيمة الإبل. وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها، فجعلُ الخِيَرةِ للقاضي منافٍ للعدل، وفتحٌ لباب اتباع القضاة للهوى، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا أنه لا مفسدة في جعل الدية (2) من الإبل، فإن الواجب الحقيقي هو أقلُّ ما يتحقق به الصفة. فالمستحق بين أن يحصل له حقه، وأن يحصل له دونه برضاه، وأن يحصل
__________
(1) الزيادة من (خ).
(2) في (ط): "الزكاة"، والمثبت يقتضيه السياق.
(11/234)

له فوقه برضا الدافع.
وعلى فرض أن المقوِّم أخطأ في التقويم، فالخطب سهل، إنما هو خسارة مالية يجبُرها الله عَزَّ وَجَلَّ من فضله.
وأما المجن، فإن قيل: إنه يُقطع في سرقته مطلقًا بأي صفة كان، فلا يخفى ما فيه. وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص، فما هو ذاك الوصف؟ وما الدليل على تعيينه؟ وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا بلغت قيمته حدًّا معينًا، كما يدل عليه قول أنس (1): "سرق رجلٌ مِجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع"، فهذا قولنا، وبطل هذا المسلك الطريف رأسًا.
وإذا كان المسروق ذهبًا أو فضة، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أو لا؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السِّلع بالذهب والفضة. وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج إلى تقويمين، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة، وتقويم المجن الذي لم تبيَّن صفته بالذهب أو الفضة، واحتمالُ الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد.
فإن قيل: إنما كان ذلك في أول الأمر، ثم استقر الحال على العشرة الدراهم.
قلت: فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر؟ وقد قال الشاعر:
رأى الأمرَ يُفضي إلى آخِرٍ ... فصيَّر آخرَه أوَّلا (2)
__________
(1) أخرجه النسائي (8/ 77).
(2) من أبيات لمحمود الوراق في "عيون الأخبار" (3/ 54) و"طبقات" ابن المعتز =
(11/235)

[2/ 142] وإذا كان المجن لا يصلح أن يُجعل معيارًا مستمرًّا، فكذلك لا يصلح أن يكون معيارًا موقتًا بلا ضرورة ولا حاجة.
فإن قيل: قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المِجنَّ المعيَّن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فيلزم أن يكون ذاك المِجنُّ بقي محفوظًا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في بيوت الخلفاء. فكلما رُفِعَ سارقٌ قُوِّم المسروقُ، ثم أُخرج ذاك المجنُّ، فقُوِّم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه:
منها: أنه لم يُنقل، ولو كان لَنُقِل لغرابته. ومنها: أن النقل يأباه، ومنها: أنه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تُبرِّره حكمة. وكثيرٌ مما تقدَّم يرد على هذا أيضًا. وأشدُّ ذلك: الداهية الدهياء، وهي النسخُ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: لعل صاحب هذا المسلك إنما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كلُّه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: ظاهر صنيعه خلاف ذلك، لتنظيره بحدِّ الخمر، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء في ذكر العشرة (1)، وإنما يصح - إن صحَّ شيء - عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين. وهَبْ أنه إنما أراد
__________
= (ص 367) وغيرهما. وتنسب إلى علي بن أبي طالب. انظر تخريجه في "ديوان الوراق" (139).
(1) قلت: في هذا نظر، فإن المومى إليه قد صرح بتصحيح حديث ابن عباس في العشرة! [ن].
(11/236)

ما زعمت، لم يأت عليه بشبهة فضلاً عن حجة، ويرد عليه أكثر ما تقدم. وكيف يقول: إن أحاديث "الصحيحين" قطعية الثبوت، ثم ينسخها بما لم يثبت!
وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده، وإنما اقتصر الحنفية قياسه على ما يُقطَع فيه السارق. والأصل باطل، والقياس أبطل.
وأما حدُّ الخمر، فالحق أنه أربعون. واستنبط الصحابة من تدريج الأمر في الخمر من حُكمٍ إلى أشدَّ منه رعايةً للحكمة جوازَ زيادة التشديد تعزيرًا، واستأنسوا لتحديد الزيادة بقولهم: "إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى" (1)، مع علمهم بأنه لا يلزمه بمجرد الاحتمال حكمُ [2/ 143] المرتد ولا حكم المطلِّق، ولا غير ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه. والسرقةُ لم يقع في تحريمها تدريجٌ، لا من حال إلى أشدَّ منها, ولا من حال إلى أخفَّ منها.
فإن قيل: قد يقال: إن للتدريج حكمةً، وهي أن الناس كانوا في ضيق، فكان المسروقُ منه يتضرَّر بأخذ اليسير من ماله، ثم اتسعوا فصار لا يتضرَّر إلا بأخذ أكثر من ذلك، وهكذا.
قلت: تعقُّلُ الحكمةِ لا يثبت به الحكم، مع أن ما ذكرتم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفَّف على السارق لكثرة الحاجة. وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول، وذلك بدَرْء (2) الحد
__________
(1) هذا من قول علي بن أبي طالب، أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 842). قال الألباني في تعليقه: "هذا لم يصح، وهو معلل في إسناده ومتنه، وقد بينت ذلك في "إرواء الغليل" (2446) ".
(2) (ط): "يدرء". والتصويب من (خ).
(11/237)

عن المضطر، وما يُروَى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة (1).
فإن قيل: إن المقدار لم يتغير في المعنى, لأن السِّلَع كلها أو غالبها تساير المجنّ، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسةً حين بلغ ثمنُ المجنِّ خمسة، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة، وهكذا الدراهم نفسها، فإن الثلاثة كانت أولاً تُغْني غَناءً لا تُغْنيه أخيرًا إلا الخمسة (2) مثلًا.
قلت: هذا كله لا يُغْني فتيلاً فيما نحن بصدده. ثم هو غير مستقيم، فقد تغلو سلعة وترخص أخرى، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعًا وانخفاضًا إلى يوم القيامة. ولماذا إذا كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيرًا بالعشرة؟ وقد يزيد الاتساع، فتصير خمسة عشر لا تُغني إلا غناء الثلاثة، وقد يعود الضيق ويشتد أشدَّ مما كان أولاً، والمعروف إنما هو ضبط أثمان السلع بالدنانير والدراهم، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع، فكيف بسلعةٍ لا تنضبط؟
وقد أطلتُ في ردِّ هذا المسلك، مع أنه لا يحتاج في ردِّه إلى هذا كلِّه، ولكن دعا إلى ذلك شهرةُ قائله. والله المستعان.
...
__________
(1) قلت: يشير إلى ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا قطع في غدق، ولا في عام سنة". لكن في سنده جهالة كما بينته في المصدر السابق (2496). [ن].
(2) (ط): "الخمسة".
(11/238)

[2/ 144] المسألة الخامسة عشرة القضاء بشاهد ويمين في الأموال
قال الأستاذ (ص 185): "وأما القضاء بشاهد ويمين، فلم يرد فيه ما هو غير معلَّل عند أهل النقد. وحديث مسلم فيه انقطاعان مع عدم ظهور دلالته على المتنازع (1) فيه، كما فُصِّل في محلَّه. والليث بن سعد ردَّ على مالك ردًّا ناهضًا في رسالته إليه ... حتى إن يحيى الليثي راوية "الموطأ" وغيرهم من كبار المالكية خالفوا مالكًا في المسألة. وكم بين الشافعية من خالف الشافعيَّ في المسألة! فسَلْ قضاةَ العصر ماذا كانت تكون النتيجة في الحقوق لو حكموا للناس بما يطالبون به بدون تكامل نصاب الشهادة؟ فضلاً عن الضعف الظاهر فيما يحتجُّون به في الأخذ بشاهد ويمين".
أقول: حديث مسلم هو قوله في "صحيحه" (2): "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: ثنا زيد - وهو ابن حُباب - ثني سيف بن سليمان، أخبرني قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمينٍ وشاهد".
فأما الانقطاعان المزعومان، فأحدهما بين عمرو وابن عباس، والآخر بين قيس وعمرو.
أما الأول، فقال ابن التركماني (3): "في "علل الترمذي": سألت محمدًا
__________
(1) في (ط): "التنازع". والتصويب من (خ).
(2) رقم (1712).
(3) "الجوهر النقي" (10/ 1679).
(11/239)

(البخاري) عنه - أي هذا الحديث - فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس".
أقول: ليس لهذه العندية ما يُسنِدها سوى أمرين:
الأول: أن محمَّد بن مسلم بن سَوْسَن الطائفي روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، فقال بعض الرواة عنه: عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس. وبعضهم قال: عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس.
الثاني: استبعاد صحة الحديث، لعدم اشتهاره عن ابن عباس ومخالفته لظاهر القرآن.
فأما الأول، فقد أجاب عنه البيهقي (1) بأنه إنما جاء ذلك عن بعض الضعفاء. فأما [2/ 145] الثقات، فرووه عن الطائفي، عن عمرو، عن ابن عباس، كما يأتي. ورواية الثقات لا تُعلَّل برواية الضعفاء.
أقول: ومع ذلك فلو صحَّ الوجهان المذكوران أو أحدهما لصحَّ الحديث أيضًا، كما صحَّح الشيخان (2) حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد بن علي، عن جابر في لحوم الخيل؛ مع رواية ابن عيينة وغيره له عن عمرو عن جابر (3). ولهذا نظائر.
وأما الثاني، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن ذاك الاستبعاد إن كان له وجه، فلا يُزيله إلا دعوى أن بين
__________
(1) في "السنن الكبرى" (10/ 168).
(2) البخاري (5520) ومسلم (1941).
(3) انظر "فتح الباري" (9/ 649, 650).
(11/240)

عمرو وابن عباس واسطة ضعيفة، إذ لو كان بينه وبينه ثقة لصح الحديث أيضًا كما مرَّ. وليس لأحد أن يفرض الواسطة الضعيفة هنا، فإن عمرًا لا يدلِّس مثل هذا التدليس، وإنما قد يُرسل ما سمعه من ثقة متفق عليه، كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة.
وقد تتبعت ما قيل إن عمرًا أرسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق، فلم أجد إلا حديثًا حالُه كحال الحديث السابق. وذلك أن في "مسند أحمد" (ج 3 ص 368) (1): "ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر ... ، قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا". والحديث في "صحيح البخاري" (2) من طريق ابن عيينة "قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابرًا ... ". فبيْنَ عمرو وجابر في هذا عطاء بن أبي رباح، وهو إمام حجة.
ووجدت حديثين آخرين لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صحَّ فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما، وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات. فإن ساغ أن يقال في حديث رواه عمرو عن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه، فإنما يسوغ أن يُفرَض أن عمرًا سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس.
وفي ترجمة عمرو من "تهذيب التهذيب" (3): "قال الترمذي: قال
__________
(1) رقم (14957).
(2) رقم (5208).
(3) (8/ 30).
(11/241)

البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثَه عن عمر في البكاء على الميت. قال ابن حجر: قلت: ومقتضى ذلك أن يكون مدلِّسًا".
[2/ 146] أقول: لم أظفر برواية عمرو ذاك الحديثَ عن ابن عباس، والقصة - وفيها الحديث - ثابتة في "صحيح مسلم" (1)، و"مسند الحميدي" (2) من رواية عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. فإن كان بعضهمٍ روى الحديث عن عمرو عن ابن عباس، فلا ندري مَن الراوي؟ فإن كان ثقة، فالحال في هذا الحديث كما تقدَّم، حدَّث به عمرو مرارًا عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس حتى عرف أن الناس قد عرفوا أنه لم يسمعه من ابن عباس، ثم قال مرةً على سبيل الفتيا أو المذاكرة: "قال ابن عباس"، وليس هذا بالتدليس. على أنه لا مانع من أن يسمع من ابن أبي مليكة عن ابن عباس القصة وفيها الحديث، ويسمع من ابن عباس نفسه الحديث. ولا مانع من أن يسمع الرجل الحديث من رجل عن شيخ، ثم يسمعه من ذلك الشيخ نفسه، ثم يرويه تارة هكذا، وتارةً هكذا. وهذا النوع يسمى "المزيد في متصل الأسانيد". وقد عد بعضهم منه حديث عمرو في لحوم الخيل.
وقد ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" (3) أمثلةً مما قد يقع من غير المدلس من إرسال ما لم يسمعه، وذكر منها حديث عمرو بن دينار في لحوم الخيل، وقد مرَّ. وهذا حكمٌ من مسلم بأن عمرًا غير مدلس، وأن ما قد يقع عن (4) مثل
__________
(1) (2/ 642).
(2) رقم (220).
(3) (1/ 31، 32).
(4) كذا في (ط)، ولعل الصواب: "من".
(11/242)

ذاك الإرسال ليس بتدليس. واحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمرو التي لم يُصرِّح فيها بالسماع. واحتج مسلم (1) بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمرو عن جابر، مع أنه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمرًا لم يصرِّح فيه بالسماع من جابر. وهذا الترمذي (2) حاكي الحكايتين عن البخاري صحَّح في حديث لحوم الخيل روايةَ ابن عيينة التي فيها: "عمرو عن جابر"، وخطَّأ حماد بن زيد في قوله: "عمرو، عن محمَّد بن علي، عن جابر" مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمرًا يدلِّس لَما كان عنده بين الروايتين منافاة. والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس، كما مرَّ.
فأما ما في "معرفة الحديث" للحاكم (ص 111) في صدد كلامه في التدليس: "فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة"، فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قطُّ ولا سمع منه شيئًا. فإن تلك العبارة هي في صدد قوله (ص 109): "الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قطُّ ... ". وحاصل ذلك أن عمرًا يرسل عمن لم يره من الصحابة. وهذا - على قلة ما قد يوجد [2/ 147] عن عمرو فيه - ليس بتدليس، وإنما يسمِّيه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. فأما أن يرسل المحدِّث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم يلقه، فلا إيهام فيه، فلا تدليس.
وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن
__________
(1) رقم (1536/ 93).
(2) رقم (1793).
(11/243)

ينصُّوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول، والحسن البصري، وأبي قلابة عبد الله بن زيد، وغيرهم. ولم نجد في ترجمة عمرو إلا قول ابن معين: "لم يسمع من البراء بن عازب". ولعله لم يرسل عن البراء إلا خبرًا واحدًا (1). وسماع عمرو من ابن عباس ثابت.
والحكم عندهم فيمن ليس بمدلِّس، ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته محمولة على السماع، إلا أن يتبين أنه لم يسمع، كالحديث الذي رواه شعبة عن عمرو عن جابر، وقد تقدم. ووجه ذلك أنه لم يثبت عليه إلا أنه قد يُرسل لا على وجه الإيهام، ومعنى ذلك أنه لا يرسل إلا حيث يكون هناك دليل واضح على أنه لم يسمعه، فحيث وجدنا دليلًا واضحًا على عدم السماع فذاك، وحيث لم نجد كان الحكم هو السماع.
ألا ترى أن الثقة قد يخطئ، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يُحكَم بالاتصال في حديث من لم يُعرف عنه إلا الإرسالُ حيث لا إيهام؛ لأن المخطئ قد يخطئ حيث لا دليل على خطائه، بخلاف المرسل.
والحكم عندهم فيمن عُرف بالتدليس وكثُر منه، إلا أنه لا يدلِّس إلا فيما سمعه من ثقة لا شك فيه، أن عنعنته مقبولة، كما قالوه في ابن عيينة، فما بالك بما نحن فيه؟
__________
(1) وهو عن البراء مرفوعًا: "يا معشر التجار، إنكم تكثرون الحلف، فاخلطوا بيعكم هذا بالصدقة". أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 21، 22) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2082) والبيهقي في "شعب الإيمان" (4848).
(11/244)

وأما عدم اشتهار الحديث عن ابن عباس، فلا يضرُّه بعد أن رواه عنه ثقة جليل فقيه، وهو عمرو بن دينار. وكم من حديث صحَّحه الشيخان وغيرهما مع احتمال أن يقال فيه مثلُ هذا أو أشدُّ منه. هذا حديث "إنما الأعمال بالنيات" عظيم الأهمية عند أهل العلم حتى قالوا: إنه نصف العلم، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وفي روايته ما يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب به على المنبر (1)، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وذُكِر فيه أن عمر بن الخطاب رواه وهو يخطب على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره. ومع ذلك لم يروه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر غير علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة غير محمَّد بن إبراهيم [2/ 148] التيمي، ولا رواه عن محمَّد غير يحيى بن سعيد الأنصاري. ومع ذلك صحَّحه الشيخان وغيرهما, وجعلوه أصلاً من أصول العلم، بل جعلوه نصف العلم، كما مرَّ.
فإن قيل: لكن له شواهد.
قلت: وحديث القضاء بالشاهد واليمين كذلك، فقد جاء من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد جيدة قد صححوا نظائرها. وجاء من رواية آخرين بأسانيد تصلح للاستشهاد. وجاء من مرسل عدةٍ من التابعين، وكان عليه عمل أهل الحجاز لا يُعرف عندهم خلافُه.
فإن قيل: فقد قلتَ في حديث ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس في قطع يد السارق في ثمن المِجنّ، ما قلتَ.
__________
(1) كما في "صحيح البخاري" (6953).
(11/245)

قلت: ذاك خبر اضطرب فيه ابن إسحاق أشدَّ اضطراب، وابن إسحاق في حفظه شيء، وجاءت أدلة تقضي بأنه من قول عطاء، لا من روايته عن ابن عباس، كما تقدم تفصيلُه في المسألة السابقة. وليس الأمر ها هنا كذلك، ولا قريبًا من ذلك. وقد تجتمع عدة أمور يقدح مجموعها في صحة الحديث، ومنها ما لو انفرد لم يَضُرَّ.
وأما مخالفته لظاهر القرآن - كما قد يشير إليه صنيع البخاري في "صحيحه" (1) - فكم من حديث صححه هو وغيره، وهو مخالف لظاهر القرآن، كحديث المنع من الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (2)، وحديث النهي عن أكل كل ذي ناب أو مخلب (3)، وحديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية (4)، وغير ذلك. وكم من دلالة ظاهرة من القرآن خالفها الحنفية أنفسهم، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في المسألة الثانية عشرة، وذكر ابن حجر في "الفتح" (5) أمثلة من ذلك، وبسط الشافعي الكلام في "الأم" (ج 7 ص 6 - 31) (6). ومع ذلك فمخالفةُ حديث القضاء بشاهد ويمين لظاهر القرآن مدفوعةٌ، كما ستراه.
__________
(1) (5/ 280 مع "الفتح").
(2) أخرجه البخاري (5109) ومسلم (1408) من حديث أبي هريرة.
(3) أخرجه البخاري (5530) ومسلم (1932) من حديث أبي ثعلبة الخشني. وأخرجه مسلم (1934) من حديث ابن عباس.
(4) أخرجه البخاري (5521) ومسلم عقب (1936) من حديث ابن عمر. وفي الباب أحاديث أخرى في الصحيحين وغيرهما.
(5) (5/ 281، 282).
(6) (8/ 36 - 83).
(11/246)

قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلى أن قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} إلى أن قال: {ذَلِكُمْ [2/ 149] أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} إلى أن قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 282 - 283].
إن قيل: أمر الله تعالى أن يُستشهد عند المداينة رجلان، فإن لم يكونا فرجل وامرأتان؛ فدل ذلك على أنه لا يثبت الحق عند التداعي عند الحاكم إلا بذلك.
فالجواب: إن أردتم أنه لا يثبت مطلقًا إلا بذلك، فهذا باطل؛ إذ قد يثبت الحق بالاعتراف، وبالنكول فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا. وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إلا كذلك، فهذا لا يفيدكم؛ فإن الحديث إنما أثبته بالشاهد واليمين، لا بالشاهد وحده.
فإن قيل: لو كان يثبت بشاهد ويمين لما كان بالأمر برجلين أو رجل وامرأتين فائدة.
قلنا: بلى، له فوائد عظيمة:
الأولى: ما نصت عليه الآية: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282]، وهذا كما يحصل بالكتابة مع أن الحق لا يثبت بالكتاب وحده، فكذلك يحصل بالشهادة التامة. فإن القضاء بشهادة تامة
(11/247)

أظهر في القسط والعدل من القضاء بشاهد ويمين، وأقوم للشهادة لأن كلاًّ من الشاهدين يبالغ في التحفظ لئلا تخالف شهادته شهادة الآخر، وأبعد عن الريبة كما لا يخفى. وقد دل الإتيان بصيغة التفضيل على أن أصل القسط، وقيام الشهادة، والبعد عن الريبة = قد يحصل بما هو دون ما ذُكر، فما هو؟ ليس إلا الشاهد واليمين، كما دل عليه الحديث. فالآية تدل على صحة الحديث, لأنه لو لم يكن صحيحًا لما كان هناك ما يحصل به ما اقتضته الآية.
الفائدة الثانية: أن ذلك أحوط للحق، إذ لو استُشهِد رجلٌ واحد فقط، فقد يموت قبل أداء الشهادة، أو يعرض له ما تفوت به شهادته، كالجنون أو النسيان أو الفسق أو الغَيبة، فإذا كانا اثنين فالغالب أنه لا يعرض لهما ذلك معًا. وهذه أدنى درجات الاحتياط نبهتْ عليها الآية، ولم تمنع مما فوقها، بل في هذا إشارة إلى أنه إذا اقتضت الحال ينبغي مظاهرة الاحتياط، وذلك كأن تكون مدة الدَّين طويلة كخمس عشرة سنة، ووجد شاهدان شيخين كبيرين، فينبغي الزيادة في عدد الشهود بحيث يغلب أنهم لا يموتون جميعًا قبل حلول الدين، أو يعرض لهم جميعًا ما تفوت به شهادتهم.
[2/ 150] الفائدة الثالثة: أن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق، بل لا بد معه من اليمين، وقد يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس، أو لأنه قد نسي القضية أو صفتها، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثه الذي قد مات. وقد يُجَنُّ الدائن أو يموت ويكون وارثه صبيًّا أو مجنونًا، فتتعذر اليمين وقت المطالبة، فيتأخر القضاء بالحق إلى أن يكمل صاحبه أو يموت.
(11/248)

فإن قيل: ذكر البخاري في "الصحيح" (1) عن ابن شبرمة أنه احتج على أبي الزناد بالآية، وذكر قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]. قال: "قلت: إذا كان يُكتفَى بشهادة شاهد ويمين المدعي، فما يحتاج أن تُذكِّر إحداهما الأخرى؟ ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ".
قلت: قد تقدم ما يُعلم منه الجواب. ولا بأس بإيضاحه، فأقول: يصنع بذكر الأخرى أنه إذا كان الرجل باقيًا حاضرًا جائز الشهادة أن تتم الشهادة، فيكون ذلك أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأبعد عن الارتياب. ولا يتوقف ثبوتُ الحق على يمين المدعي، وقد تكبر عليه، أو تتعذر منه، فيضيع الحق أو يتأخر، كما تقدم. وإن كان الرجل قد مات أو عرض له ما فوَّت شهادته، شهدت المرأتان، وحلف المدعي معهما، وثبت الحق كما هو مذهب مالك. والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد، وهو مذهب قوي؛ فإن الآية أقامت المرأتين مقام رجل. وفي "الصحيحين" (2) من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العيد ومروره على النساء وموعظته لهن: "قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى". وهذا قاضٍ بأن شهادة المرأتين في ما تُقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل. فأما اشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل، فإنما هو - والله أعلم - لأن المطلوب في حق النساء الستر والصيانة، والشهادة تستدعي البروزَ، وحضورَ مجالس الحكام، والتعرضَ لطعن المشهود عليه.
__________
(1) (5/ 280 مع "الفتح").
(2) البخاري (304). وأخرجه مسلم (889) وليس فيه لفظ الموعظة.
(11/249)

فقد اتضح بحمد الله تبارك وتعالى أنه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال: إن الحديث مخالف لظاهر القرآن، بل ثبت أن فيها ما يشهد له بالصحة.
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة, فذكروا ها هنا ما جاء في قصة الأشعث بن قيس [2/ 151] أنه ادعى علي رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "شاهداك أو يمينه" (1). وحديث "الصحيحين" (2) عن ابن عباس مرفوعًا: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالَهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" لفظ مسلم.
والجواب عن الحديث الأول: أنه في "الصحيحين" وغيرهما من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن الأشعث بن قيس، واختلفت ألفاظ الرواة في ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ففي رواية (3): "شاهداك أو يمينه"، وفي أخرى (4): "بيِّنتك أو يمينه"، وفي ثالثة أنه بدأ فقال للأشعث: "ألك بينة؟ ". قال الأشعث: قلت: لا. قال: "فليحلف". هكذا في "صحيح البخاري" (5) في كتاب الأحكام في باب الحكم في البئر من طريق سفيان الثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل. وهكذا رواه أبو معاوية عن الأعمش إلا أنه قال: "فقال لليهودي: احلفْ". أخرجه البخاري (6) في كتاب
__________
(1) أخرجه البخاري (6677) ومسلم (138) من حديث الأشعث.
(2) البخاري (4552) ومسلم (1711).
(3) عند البخاري (2516، 2670) ومسلم (138/ 221).
(4) عند البخاري (4550، 6677).
(5) رقم (7183).
(6) رقم (2667) وأيضًا (2417).
(11/250)

الشهادات من "صحيحه"، باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟ ونحوه في "صحيح مسلم" (1) و"مسند أحمد" (ج 5 ص 211) (2) من طريق أبي معاوية ووكيع عن الأعمش - إلى غير ذلك.
فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطقَ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنْ أجلُّ مَن روى الحديث عن أبي وائل منصورٌ والأعمش، وأجلُّ مَن رواه عنهما سفيان الثوري، وهو إمام في الإتقان والفقه، وروايته هي الأشبه بآداب القضاء: أن يبدأ القاضي فيسأل المدعي: أله بيِّنة؟ فإن لم يكن له بينة وجَّه اليمينَ على المدعى عليه. والبينة كلُّ ما بيَّن الحق، فتصدق على البينة التامة، وهي ما لا يحتاج معها إلى يمين، وبالبينة (3) الناقصة وهي ما يحتاج معها إلى يمين.
على أنه لو ثبت أن لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "شاهداك أو يمينه" فدلالةُ هذا على نفي القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوية، ودلالة أحاديث القضاء بالشاهد واليمين واضحة.
فإن قيل: يقوِّي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قلت: فإن ظاهرها يقتضي أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين.
فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبولَ رجل وامرأتين.
قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين. والحق أنه يجوز أن لا يكون قد [2/ 152] علِمَ ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور؛ لأن من شأن
__________
(1) رقم (138/ 220).
(2) رقم (21837).
(3) كذا في الأصل، والأوفق للسياق: "على البينة".
(11/251)

المدعي أن يكون حريصًا على إظهار كلِّ ما يؤمِّل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان، أو شاهد فقط، أو امرأة واحدة، وقيل له: "شاهداك أو يمينه" = لقال: لا أجد شاهدين، ولكني أجد كذا. وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة، فإن فيها "قلت: يا رسول الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر". أفتراه ينازع في هذا، ويأخذ بما يُشعِر به قولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ما قاله "شاهداك"، فلا يقول: لي شاهد واحد، إن كان له؟
وأما الحديث الثاني، فأوله يبيِّن آخره، ويدل على أن محلّ قوله: "اليمين على المدعى عليه" حيث لا يكون للمدعي إلا دعواه فقط. وكما أنه لا يتناول من له شاهدان, لأنه لم يُعطَ بمجرد دعواه، وإنما أُعطِي بدعواه مع شهادة الشاهدين، فكذلك لا يتناول من له شاهد, لأنه إن أُعطِي فلم يُعطَ بمجرد دعواه.
وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديثُ القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالفٌ للأصول = فتهويل. ويمكن دفعه بأن المدعي لما أقام شاهدًا عدلاً صار الظاهر بيده، فإذا أصرَّ المدعى عليه على الإنكار فهو مدّعٍ لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه، وصار المدعى عليه في معنى المدعي. ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: أنه لا يحلَّف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعي.
فإن قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة.
قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه أنه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة. ويبقى ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددًا بين هذين الأصلين، فيؤخذ فيه بالدليل
(11/252)

الخاص به، وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي، فإن حلف صارت البينة في معنى التامة، وإن أبى صار في معنى من لا شاهدَ له أصلاً. والله الموفق.
وأما الانقطاع الثاني (1) وهو بين قيس وعمرو، فلا وجه له، ولم يقله من يُعتَدُّ به. وقد تقدم أن البخاري كأنه استبعد صحة الحديث، ثم لم يكن عنده إلا أنه حدس أن عمرًا لم يسمعه [2/ 153] من ابن عباس، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. وهو الذي يشدِّد في اشتراط العلم باللقاء، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرو لما تركه البخاري والتجأ إلى ذاك الحدس الضعيف الذي لا يُجدِي. وقيس وُلِدَ بعد عمرو، ومات قبله. وكان معه بمكة، وسمع كلٌّ منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من "طبقات ابن سعد" (2). وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضًا (3). وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم، ولم يدركهم قيس. فهل يُظَن بقيس أنه لم يلقَ عمرًا، وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟ أو لم يكونا يصلّيان معًا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء وغيره في المسجد؟ ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أوَ يُظنُّ بقيس أنه استنكف عن (4)
__________
(1) تقدَّم الانقطاع الأول (ص 239).
(2) (5/ 479).
(3) المصدر السابق (5/ 483).
(4) (ط): "من". والمثبت من (خ).
(11/253)

السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه، ثم يرسل عنه إرسالاً؟ وقد قاتل الأستاذ أشدَّ القتال لمحاولة دفع قولهم: إن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها مُعرضًا عن سماع الحديث لم يسمع من أنس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين، وقيل: بعدها بسنة أو سنتين. وليس بيده إلا أنه قد قيل: إن أبا حنيفة رأى أنسًا! وقد تعرضت لذلك في ترجمة أحمد بن محمَّد بن الصلت من قسم التراجم. ثم ترى الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال.
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال (1): "وأما حديث ابن عباس فمنكر, لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدَّث عن عمرو بن دينار بشيء". فتوهم جماعة - من آخرهم الأستاذ الكوثري - أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسًا عن عمرو منقطع، لعدم ثبوت اللقاء، بناءً على القول باشتراط العلم به، القول الذي ردَّه مسلم في مقدمة "صحيحه"، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه.
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهَّموه، فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجَّه ذلك بقوله: "لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدِّث عن عمرو بن دينار بشيء", ولم يتعرَّض لسماعه منه ولقائه له [2/ 154] بنفي ولا إثبات. ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرًا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم، ثم لم يحدِّثوا عنهم بشيء.
فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.
__________
(1) "معاني الآثار" (4/ 145).
(11/254)

قلت: بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضَّل بن فَضالة القِتْباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمَّد بن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري. فكأن الطحاوي رأى أن قيسًا لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث, لأن عمرًا كان أقدم وأكبر وأجلّ، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه بمكة منذ ولد. فحدَسَ الطحاوي أن قيسًا كان ممتنعًا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره، كما قد نستنكر أن نرى حديثًا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمَّد بن يحيى.
فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه.
قلت: كيف يُبنَى على ظنِّ امتناع قيسٍ من الرواية عن عمرو نفسه أن يُحمَل هذا الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسِه كان أشد امتناعًا من أن يروي عن رجل عنه، فضلاً عن أن يُرسِل عنه، أو بعبارة أخرى يدلِّس، وقيس غير مدلّس.
فإن قيل: فعلى ماذا يُحمل؟
قلت: أما الطحاوي، فكأنه خشي أن يكون سيف - وهو راوي الحديث عن قيس - أخطأ في روايته عن قيس عن عمرو.
فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟
قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يُعرِّجوا عليه. هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث - فيما يظهر - إنما حدسَ أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس،
(11/255)

وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو. وهذا مسلم أخرج الحديث في "صحيحه" (1)، وثبَّته النسائي (2) وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ. وسيف ثقة ثبت، لو جاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم [2/ 155] عن محمَّد بن يحيى، لوجب قبوله؛ لأن المحدِّث قد يمتنع عن الرواية عن شيخ، ثم يُضطرُّ إلى بعض حديثه. هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟
بل قد جاء عن قيس عن عمرو حديث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: "سمعت قيس بن سعد يحدِّث عن عمرو بن دينار ... " ووهب وأبوه من الثقات الأثبات. ذكر البيهقي ذلك في "الخلافيات"، ثم قال: "ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا". نقله ابن التركماني في "الجوهر النقي" (3)، ثم راح يناقش البيهقي بناءً على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع، ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مرَّ إبطال هذا الوهم. والطحاوي أعرف من أن يدّعي ذلك، لظهور بطلانه، مع ما يلزمه من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهِم للقاء والسماع، على فرض أن هناك مجالاً للشك في اللقاء.
وقد بيَّنا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع،
__________
(1) رقم (1712).
(2) في "السنن الكبرى" (5967). قال: هذا إسناد جيد، وسيف ثقة، وقيس ثقة، وقال يحيى بن سعيد القطان: سيف ثقة.
(3) (10/ 168). والحديث قد أخرجه الدارقطني (2/ 296) والخطيب في "تاريخ بغداد" (14/ 214) بالإسناد المذكور.
(11/256)

ولكن قيسًا عاجله الموت. ولما كان يحدِّث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيًّا في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو، فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو, لأن عمرًا معهم بالمسجد. فكان قيس يحدِّث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرًا عن ذاك الحديث، فحدَّثهم به، فرووه عنه، ولم يحتاجوا إلى ذكر قيس. واستغنى سيف في هذا الحديث، وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس, لأنه ثقة ثبت؛ ولعله عرض لهما عائق عن سؤال عمرو.
هذا، وقد تابع قيسًا على رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار محمدُ بن مسلم بن سَوسَن الطائفي. ذكر أبو داود في "السنن" (1) حديث سيف، ثم قال: "حدثنا محمَّد بن يحيى وسلمة بن شبيب، قالا: ثنا عبد الرزاق، نا محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار - بإسناده ومعناه. قال سلمة في حديثه: قال عمرو: في الحقوق". وأخرجه البيهقي في "السنن" (ج 10 ص 168) من طريق عبد الرزاق ومن طريق أبي حذيفة، كلاهما عن الطائفي.
والطائفي استشهد به صاحبا "الصحيح"، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم. وقال [2/ 156] ابن معين مرة: "ثقة لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه. وكان إذا حدَّث من حفظه يخطئ، وإذا حدَّث من كتابه فليس به بأس. وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحب إليَّ من داود العطار في عمرو". وداود العطار هذا هو داود بن
__________
(1) رقم (3609).
(11/257)

عبد الرحمن، ثقة متفق عليه، وثَّقه ابن معين وغيره.
وقال عبد الرزاق: "ما كان أعجب محمَّد بن مسلم إلى الثوري". وقال البخاري عن ابن مهدي: "كتبه صحاح". وقال ابن عدي: "لم أر له حديثًا منكرًا". وضعَّفه أحمد، ولم يبيِّن وجه ذلك، فهو محمول على أنه يخطئ فيما يحدِّث به من حفظه.
فأما قول الميموني: "ضعَّفه أحمد على كل حال، من كتاب وغير كتاب"، فهذا ظن الميموني، سمع أحمد يطلق التضعيف، فحمل ذلك على ظاهره. وقد دل كلام غيره من الأئمة على التفصيل، ولا يظهر في هذا الحديث مظنة للخطأ، وقد اندفع احتماله بمتابعة سيف (1).
هذا, وللحديث شواهد. منها حديث ربيعة الرأي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (2): "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد". كان سهيل أصيب بما أنساه بعضَ حديثه، ومن ذلك هذا الحديث، فكان سهيل بعد ذلك يرويه عن ربيعة ويقول: "أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدَّثته إياه، ولا أحفظه". والنسيان علة غير قادحة. وقد رواه يعقوب بن حميد (3) عن محمَّد بن عبد الله العامري "أنه سمع سهيل بن أبي صالح يحدِّث عن أبيه، فذكره".
__________
(1) كذا في الأصل. وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب: "قيس"، فهو المتابع للطائفي، كما هو ظاهر. [ن].
(2) أخرجه أبو داود (3610) والترمذي (1343) وابن حبان (5073) والبيهقي في "الكبرى" (10/ 168).
(3) أخرجه من طريقه البيهقي (10/ 169).
(11/258)

وذكر ابن التركماني (1) أنه اختُلِف على سهيل. رواه عثمان بن الحكم، عن زهير بن محمَّد، عن سهيل، عن أبيه، عن زيد بن ثابت.
قلت: إن كان هذا مخالفًا لذاك، فذاك أثبت (2). عثمان مصري، قال فيه أبو حاتم: "ليس بالمتين"، وزهير أنكروا [عليه] الأحاديث التي يرويها عنه غير العراقيين.
وروى [2/ 157] المغيرة بن عبد الرحمن الحِزامي (3) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد". قال ابن التركماني (4): "مغيرة قال فيه ابن معين: ليس بشيء".
أقول: هذا حكاه عباس عن ابن معين. وقد قال الآجري: "قلت لأبي داود: إن عباسًا حكى عن ابن معين أنه ضعَّف مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، ووثَّق (مغيرة بن عبد الرحمن) المخزومي. فقال: غلط عباس". والحزامي احتج به الشيخان وبقية الستة. وقال أبو زرعة: "هو أحبُّ إلى من [ابن] أبي الزناد وشعيب"، يعني في حديث أبي الزناد، كما في "التهذيب" (5). وشعيب هو ابن أبي حمزة ثقة متفق عليه. قال أبو زرعة:
__________
(1) في "الجوهر النقي" (10/ 169).
(2) قلت: قد صحح الطريقين عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت الإمامان: أبو حاتم وأبو زرعة الرازي، كما بينته في "الإرواء"، فإشارة ابن التركماني إلى إعلاله انتصارًا لمذهبه لا قيمة له. [ن].
(3) أخرجه من طريقه البيهقي (10/ 169).
(4) "الجوهر النقي" (10/ 169).
(5) (10/ 266).
(11/259)

"شعيب أشبَهُ حديثًا وأصحُّ من ابن أبي الزناد". وابن أبي الزناد تقدم ذكره في المسألة الثانية. وقد حكى الساجي عن ابن معين أنه قال: "عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة". وحكى البيهقي (1) عن الإِمام أحمد أنه قال: "ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا".
قال ابن التركماني (2): "قال صاحب "التمهيد": أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديث حديث ابن عباس. وهذا بخلاف ما قال ابن حنبل".
أقول: كلاهما صحيح، ولا يفيد الحنفيةَ الاختلافُ في أيهما أصح.
وذكر ابن عدي أن ابن عجلان وغيره رووا عن أبي الزناد عن ابن أبي صفية عن شريح قوله (3). وهذا لا يوهن رواية المغيرة، إذ لا يمتنع أن يكون الحديث عن أبي الزناد من الوجهين، وإنما كان يكثر من ذكر المروي عن شريح لأن شريحًا عراقي، والخلاف في المسألة مع العراقيين، ومن عادتهم أنهم يخضعون للمقاطيع عن أهل بلدهم، ويردون الأحاديث المرفوعة من حديث الحجازيين.
ولذلك جاء عن محمَّد بن علي بن الحسين أنهم سألوه: أقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد؟ قال: "نعم، وقضى به علي رضي الله عنه بين أظهركم". ذكره البيهقي (ج 10 ص 173).
__________
(1) (10/ 169).
(2) (10/ 169). وانظر "التمهيد" (2/ 138).
(3) قلت: عزو هذا لابن عدي فيه نظر، فإنه ليس عنده في ترجمة المغيرة من "الكامل" (ق 386/ 1 - 2)، والمصنف أخذه من "التهذيب"، ولكن هذا لم يصرح بعزوه إلى ابن عدي وإنما هو من قول الذهبي في "الميزان" مصرحًا به أنه من قوله. [ن].
(11/260)

وذكر البخاري عن زكريا بن عدي أن ابن المبارك ناظر [2/ 158] الكوفيين في النبيذ، "فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار من أهل المدينة. قالوا: لا, ولكن من حديثنا! قال ابن المبارك ... عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب، لا يحل له أن يعود فيه أبدًا. فنكَّسوا رؤوسهم. فقال ابن المبارك للذي يليه: رأيتَ أعجبَ من هؤلاء؟ أُحدِّثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه والتابعين فلم يعبؤوا به، وأذكر عن إبراهيم فنكَّسوا رؤوسهم! " حكاه البيهقي في "السنن" (ج 8 ص 298).
وروى عبد الوهاب الثقفي (1) - وهو ثقة - عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد". أعلَّه جماعة بأن جماعة رووه عن جعفر عن أبيه مرسلًا. ونازع في ذلك الدارقطني (2) ثم البيهقي (3) (4).
وفي الباب أحاديث أخرى ومراسيل ومقاطيع عند الدارقطني والبيهقي (5) وغيرهما. والحديث أشهر من كثير من الأحاديث التي يدّعي
__________
(1) أخرجه الترمذي (1344) وابن ماجه (2369) والدارقطني (4/ 212) من طريقه.
(2) في "العلل" (3/ 96 - 98).
(3) في "السنن الكبرى" (10/ 169، 170).
(4) قلت: وهَبْ أن الراجح أنه مرسل. فهو مرسل صحيح الإسناد، وهو حجة عند الحنفية، لا سيَّما وله شواهد موصولة كما تقدم، فالحديث صحيح حجة عند الجميع لولا العصبية المذهببة عافانا الله منها. وقد خرجت كثيرًا من الشواهد لهذا الحديث عن جماعة من الصحابة في "إرواء الغليل". [ن].
(5) انظر "سنن" الدارقطني (4/ 212 وما بعدها) والبيهقي (10/ 170 وما بعدها).
(11/261)

لها الحنفية الشهرة، ويحتجون بها على خلاف القرآن والسنن المتواترة.
وأما قول الأستاذ: "مع عدم ظهور دلالته على المتنازع فيه"، فيشير به إلى تأويلات أصحابه. فمنها زعمُ بعضهم في حديث مسلم: "قضى بيمين وشاهد" أن المعنى قضى بيمين حيث لا شاهدين، وقضى بشاهد حيث وجد الشهود، والمراد ب (شاهد) الجنس. وهذا التأويل كما ترى!
أولاً: لأنه خلاف الظاهر.
ثانيًا: لأنه يجعل الكلام لا فائدة له، فإنه لا يخفى على أحد أنه يُقضى باليمين حيث لا بينة، ويقضى بالشاهدين حيث وُجدا.
ثالثًا: حَمْلُ "شاهد" على الجنس، ثم إخراج الواحد منه لا يخفى حاله.
[2/ 159] رابعًا: هذا اللفظ رواية زيد بن الحباب عن سيف. وقد رواه عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي عن سيف، فقال: "قضى باليمين مع الشاهد". رواه الإمامان الشافعي وأحمد عن عبد الله بن الحارث، كما في "الأم" (ج 6 ص 273) (1) و"مسند أحمد" (ج 1 ص 323) (2). وزاد في رواية الشافعي: "قال عمرو: في الأموال". وفي رواية أحمد: "قال عمرو: إنما ذاك في الأموال".
وعبد الله بن الحارث كأنه أثبت من زيد بن الحباب، فإن زيدًا قد وُصِف بأنه يخطئ، ولم يُوصَف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال
__________
(1) (7/ 624، 625) ط. دار الوفاء.
(2) رقم (2968). وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (5967) وابن ماجه (2370) بهذا الإسناد واللفظ.
(11/262)

مسلم. وهكذا رواه محمَّد بن مسلم الطائفي (1) عن عمرو، إلا أنه قال: "قال عمرو: في الحقوق".
فقوله: "قضى باليمين مع الشاهد" لا يمكن - ولو على بُعد بعيد - إجراءُ تأويلهم المذكور فيه. وراويه عن ابن عباس - وهو عمرو بن دينار ثقة جليل فقيه - أقرَّه على المعنى الذي نقول به، ولهذا خصَّه بالأموال. والقضاء باليمين حيث لا شهود قد يكون في غير الأموال، وكذلك القضاء بالشاهدين.
وهكذا جاء لفظ هذا الحديث "قضى باليمين مع الشاهد" في حديث أبي هريرة وحديث جابر (2) وغيرهما. وفي بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع التصريحُ الواضح.
ومن التأويلات: قول بعضهم في لفظ "قضى باليمين مع الشاهد": إن المعنى قضى بيمين المدعى عليه مع وجود شاهد واحد للمدعي.
ورُدَّ بأوجه:
منها: أنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن المعية بين اليمين والشاهد، وأنه قضى بهما معًا.
ومنها: أن الرواية الأولى تردُّ هذا التأويل.
ومنها: أن راويه عن ابن عباس - وهو ثقة جليل فقيه - أقرَّه على ظاهره كما سلف.
__________
(1) أخرجه من طريقه أبو داود (3609) والبيهقي (10/ 168).
(2) سبق تخريجهما.
(11/263)

ومنها: ما ورد في بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع من التصريح الواضح.
وفي "الفتح" (1) عن ابن العربي أن بعضهم حمله على صورة خاصة، وهي أن رجلاً اشترى من آخر عبدًا مثلًا فادعى المشتري أن به عيبًا، وأقام شاهدًا واحدًا. فقال البائع: بعته بالبراءة، فيحلف المشتري أنه ما اشترى بالبراءة، ويردُّ العبد.
أقول: حاصل هذا التأويل أن البائع أنكر أولاً العيب، فأقام المدعي وهو المشتري شاهدًا واحدًا، فاعترف المدعى عليه وهو البائع، ولكنه ادّعى دعوى أخرى، وهي أنه باع [2/ 160] بالبراءة. فأنكر المشتري، ولم يكن للبائع بينة، فيحلف المشتري. وأنت خبير أن هذه قضيتان: قضى في الأولى بالاعتراف، وفي الثانية باليمين، وذهب الشاهد لغوًا. فكيف يعبِّر الصحابة عن هذا بلفظ "قضى باليمين مع الشاهد"، و"قضى بيمين وشاهد"؟ فإن كلاًّ من هاتين العبارتين تعطي أن القضاء وقع باليمين والشاهد معًا.
فإن قيل: قد يقال: لم يعترف البائع بل قال: لا عيب، فإن كان فلا يلزمني لأنني بعت بالبراءة.
قلت: فعلى هذا إن حلف المشتري على وجود العيب وعدم البراءة، فقد قضى له في القضية الثانية بيمينه فقط، وفي الأولى بشاهده ويمينه وهو الذي تفرُّون منه. دان حلف على عدم البراءة فقط ومع ذلك قضى له بردَّ العبد، فقد قضى له في الثانية بيمينه فقط، وفي الأولى بشاهد واحد بلا يمين،
__________
(1) (5/ 282).
(11/264)

وهو أشدُّ مما تفرُّون منه. على أن الذي ينبغي في هذه الصورة أن لا يُقبَل قولُ البائع: "لا عيب ... "، بل يقال له: إما أن تعترف بوجود العيب، وإما أن تُصِرَّ على إنكارك. فإن اعترف فقد تقدم، وإن أصرَّ على إنكاره، قيل للمشتري: ألك شاهد آخر؟ فإن قال: لا، فعلى قولكم يقال للبائع: احلف، فإن حلف قضي له بيمينه (1) وذهب الشاهد لغوًا, ولم يحتج إلى دعوى البراءة. وإن أبى قضي بوجود العيب لنكول المدعى عليه، وذهب الشاهد لغوًا، وتمَّت القضية الأولى، ثم ينظر في القضية الثانية.
وعلى قولنا: يقال للمشتري: احلف مع شاهدك، فإن حلف ثبت العيب بشاهده ويمينه، ثم ينظر في القضية الأخرى. وإن أبى قيل للبائع: احلف أنه لا عيب، فإن حلف قُضي له بيمينه واستُغني عن الدعوى الثانية وذهب الشاهد لغوًا. وإن أبى قيل للمشتري: احلف على وجود العيب (وهذه يمين مردودة ليست هي التي تكون مع الشاهد)، فإن حلف قُضي له بيمينه مع نكول البائع واستُغني عن الشاهد، ثم ينظر في القضية الثانية. وان أبى سقط حقه واستُغني عن القضية الثانية.
فإن قال قائل: أنا أخالفكم في ردِّ اليمين وفي القضاء بالشاهد واليمين إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا كان للمدعي شاهد واحد ونكَلَ المدعى عليه عن اليمين، فيحلف المدعي [2/ 161] ويستحق، ففي هذه يقضى له بشاهده مع يمينه.
قلنا: فأنت تقضي للمدعي الذي لا شاهد له بمجرد نكول خصمه، ولا تقضي للمدعي الذي له شاهد بمجرد نكول خصمه، بل تكلِّفه اليمين فوق
__________
(1) في (ط): "يمينه". والتصويب من (خ).
(11/265)

ذلك. فكأن وجود شاهد للمدعي يوهن جانب المدعي، حتى لو لم يكن له شاهد لكان جانبه أقوى، فهل يقول هذا أحد؟!
وأما قول الأستاذ: "والليث بن سعد ردَّ على مالك ردًّا ناهضًا في رسالته إليه". فهذه الرسالة في "إعلام الموقعين" (ج 3 ص 82) (1) وهي تفيد أن مالكًا كتب إلى الليث يعاتبه في إفتائه بأشياء على خلاف ما عليه جماعة أهل المدينة، فأجابه الليث بهذه الرسالة. فذكر أولاً أنه قد كان في الأقطار الأخرى جماعة من الصحابة، وكان الخلفاء يكتبون إليهم، قال: "ومن ذلك القضاء بشاهدٍ ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يُقضى بالمدينة به ولم يقضِ به أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشام ولا بحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ثم ولي عمر بن عبد العزيز، وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجِدِّ في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما قد مضى من أمر الناس. فكتب إليه رُزيق ... إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين".
مقصود الليث - فيما يظهر - أن الأحكام على ضربين: منها ما لا يسع فيه الاختلاف، ومنها ما دون ذلك. وأن الخلفاء كانوا يكتبون إلى مَن
__________
(1) (3/ 94 - 100) ط، محمَّد محيي الدين عبد الحميد. وقد نقلها ابن القيم من كتاب "المعرفة والتاريخ" للفسوي (1/ 687 - 695). ورواها أيضًا ابن معين في "التاريخ" (4/ 487 - 497).
(11/266)

بالأقطار الأخرى من الصحابة في الضرب الأول كيلا يخالفوا فيه، وإذا وقع منهم فيه خلاف كتب إليهم الخلفاء ينهونهم عنه. وأما الضرب الثاني فكانوا يُقِرُّون فيه كلَّ مجتهد على اجتهاده، وأنّ هذه القضية من الضرب الثاني. كان الخلفاء في المدينة يقضون بالشاهد واليمين، وكان مَن بالأقطار التي سمَّاها الليث من الصحابة لا يقضون بذلك فيما يعلمه الليث، ولم يكتب إليهم الخلفاء يأمرونهم بالقضاء به، فدلَّ ذلك أنها عندهم من الضرب الثاني. واستشهد لذلك بما ذكره عن عمر بن عبد العزيز، وأنه لما كان بالمدينة كأن فقهاءها ناظروه فقوي عنده قولهم فكان يقضي به. ثم لما صار بالشام كأن [2/ 162] فقهاءها ناظروه، فقوي عنده قولهم فصار إليه. فيرى الليث أن ما كان من الضرب الثاني فليس لمالك أن يجعل عمل أهل المدينة فيه حجةً على الناس كلهم، ولا أن ينكر على من يخالفه فيه.
أقول: فهذا معنى معقول مقبول في الجملة، والمدار على الحجة، وإن حُمِل كلامُ الليث على غير هذا المعنى صار زللًا داحضًا لا ردًّا ناهضًا.
ونحن لم نَدَّعِ أن القضاء بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق من الضرب الأول الذي لا يسع خلافه وينقض قضاء القاضي بخلافه، وإنما ادعينا أنه ثابت بالحجة، وأن المخالف له مخطئ. وليس في رسالة الليث ما يدفع هذا.
وأما قول الأستاذ: "حتى إن يحيى الليثي ... "، فمخالفة بعض المالكية والشافعية للإمامين إنما تدل أنه قَوِيَ عند المخالفين أنه لا يُقضى بذلك، وقوته عندهم لا تستلزم قوته في نفسى الأمر، والمدار على الحجة وقد أقمناها.
(11/267)

وأما قول الأستاذ: "فسَلْ قضاة العصر ... "، فجوابه: أنها إذا روعيت العدالة الشرعية كما يجب لم يكن هناك اختلال يُعتدُّ به، وقد قضى أهل العلم بذلك ويقضُون به إلى اليوم في بعض الأقطار، ولا يدرك اختلال؛ وإنما الاختلال في جواز القضاء بشهادة فاسقَيْن على ما يقوله الحنفية. أوَ رأيتَ لو قال قضاة العصر: قد فسد الزمان، فلا يُقضى بأقل من ثلاثة شهود على شرط أن تكون القرائن مساعدة لشهادتهم؟ وكما أن الفساد يُخشى مِن ادعاء الباطل، فإن أشدَّ منه يُخشَى مِن جحد الحق.
فإن شدَّدتَ بالشهادة دفعًا لما يُخشى من ظلم المدعي للمدعى عليه، فقد سهَّلتَ بذلك ظلمَ المدعى عليه للمدعي. وهذا أشدُّ، فإن الغالب أن يكون المطالِب عند الحاكم هو الضعيف الذي لا يمكنه استيفاء الحق من المدعى عليه، فكيف أن يظلمه؟ فالقسطاس المستقيم هو اتباع الشريعة، والله عَزَّ وَجَلَّ متكفِّل بحفظها، وضامن بقدره أن يسدِّد المتبعَ لها، ويسُدَّ ما قد يقع من الخلل في تطبيق العمل بشرعه على حكمته في نفس الأمر أو يَجْبُرَه. وهو سبحانه اللطيف الخبير، على كل شيء قدير.
****
(11/268)

[2/ 163] تتمة
يعلم من مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن (1) في هذه المسألة أن محمدًا - مع إنكاره أن يقضي بشاهد ويمين، وردِّه الأحاديث في ذلك، وزَعْمه أن ذلك خلاف ظاهر القرآن - كان يقول: إنَّ نسبَ الطفل إلى المرأة، وبالتالي إلى صاحب الفراش، مع ما يتبع ذلك من أحكام الرق والحرية والتناكح والتوارث واستحقاق الخلافة وغير ذلك، يثبت بشهادة القابلة وحدها. فاعترضه الشافعي بأن عمدته في ذلك أثر "رواه عن علي رضي الله عنه رجل مجهول يقال له: عبد الله بن نجي، ورواه عنه جابر الجعفي (2) وكان يؤمن بالرجعة".
فحاول الأستاذ الجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن قبول شهادة القابلة إنما هو في استهلال المولود ليصلَّى عليه أو لا يصلَّى.
الثاني: أن ابن نجي غير مجهول، فقد روى عنه عدة، ووثَّقه النسائي وابن حبان.
الثالث: أن جابرًا الجعفي روى عنه شعبة مع تشدده، ووثَّقه الثوري.
الرابع: أنه قد تابعه عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي.
__________
(1) انظر "معرفة السنن والآثار" (14/ 261).
(2) أخرجه من طريقه عبد الرزاق في "المصنف" (13986) والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 151).
(11/269)

الخامس: أنه قد روى عبد الرزاق بسنده إلى عمر قبول شهادة القابلة، والأسلمي الذي في السند مرضي عند الشافعي.
السادس: قال الأستاذ: "محمَّد بن الحسن استنبط قبول قول المرأة فيما يخصها معرفته من قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، ووجه دلالته أن الاستهلال مما تشهده النساء دون الرجال عادةً، فإبطالُ شهادتهن ينافي قبول قول المرأة فيما تخصُّها معرفته كما هو المستفاد من الآية".
أقول: أما الأول، فالموجود في كتب الحنفية أنه يثبت النسب بشهادة القابلة عند أبي حنيفة وصاحبيه في بعض الصور، وعندهما في صور أخرى. فمن شاء فليراجع كتبهم (1)، وليقل معي: أحسن الله عزاء المسلمين في علم الأستاذ محمَّد زاهد الكوثري! فأما القبول في الاستهلال ليصلَّى عليه أو لا يصلَّى، فهذا يوافق عليه الشافعي وغيره، وليس بشهادة، وإنما هو خبر لا يترتب عليه أمر له خطر.
[2/ 164] وأما الثاني، فابن نجي كان مجهول الحال عند الشافعي. وقال البخاري: "فيه نظر". وهذه الكلمة من أشد الجرح عند البخاري، كما ذكره الأستاذ في كلامه في إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وتراه في ترجمة إسحاق من قسم التراجم (2). فأما توثيق ابن حبان فقاعدته توثيق المجاهيل، كما ذكره الأستاذ غير مرة، ومرَّت الإشارة إليها في القواعد، وفي ترجمة
__________
(1) انظر "فتح القدير" (4/ 356 وما بعدها) و"حاشية ابن عابدين" (3/ 545).
(2) رقم (42).
(11/270)

ابن حبان من قسم التراجم (1). وتوثيق النسائي معارَض بطعن البخاري، على أن النسائي يتوسع في توثيق المجاهيل، كما تقدَّم في القواعد.
وأما الثالث، فجابر الجعفي استقرَّ الأمر على توهينه، ثم هو معروف بتدليس الأباطيل، ولم يصرِّح بالسماع.
وأما الرابع، فذاك الخبر تفرد به سويد بن سعيد (2)، وهو إنما يصلح للاعتبار فيما صرَّح فيه بالسماع وحدَّث به قبل عماه، أو بعده وروجع فيه فثبت. وهَبْ أنه يصلح للاعتبار في هذا، فأي فائدة في ذلك، وخبر الجعفي طائح؟!
وأما الخامس، فالأسلمي هو إبراهيم بن محمَّد بن أبي يحيى هالك، وارتضاء الشافعي له إنما هو فيما سمعه عنه، إما لأنه سمع من أصوله، وإما لأنه كان متماسكًا ثم فسد بعد ذلك (3)، وهذا الخبر لم يسمعه منه الشافعي. ومع ذلك فشيخه فيه إسحاق بن عبد الله الفَرْوي، وهو هالك باتفاقهم. والزهري عن عمر منقطع.
ثم إن كان المراد بالقبول على الاستهلال القبولَ لأجل الصلاة على
__________
(1) رقم (200).
(2) في "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 151): "سويد بن عبد العزيز"، وضعَّفه البيهقي. وانظر "تهذيب التهذيب" (4/ 276).
(3) قلت: وإما لأنه لم يتبين له حاله، ولم يعرفه كما عرفه غيره من الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما، قال ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه" (ص 223) بعد أن روى عن الشافعي أنه كان يقول فيه: كان قدريًّا: "لم يَبِنْ له أنه كان يكذب، وكان يحسب أنه طعن الناسُ عليه من أجل مذهبه في القدر". [ن].
(11/271)

المولود، فليس هذا محل النزاع كما سلف.
[2/ 165] وأما السادس، فقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] الكلام فيه على التوزيع، أي: لا يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها. والنهي عن الكتمان يقتضي أنه مظنة أن يقع، وإنما يظن بالمرأة أن تكتم حيث كان لها غرض. فمآل النهي عن الكتمان إلى الأمر بالاعتراف، فغايةُ ما في هذا الدلالةُ على أنه يُقبل منها الاعتراف. فإذا ذكرت أنها قد تمَّت أقراؤها كان هذا اعترافًا بأنه لا نفقةَ لها، وادعاءً لأنه لا رجعةَ للزوج عليها. فيُقبل منها الاعتراف، ويُنظر في الادعاء، فإن قُبِل منها الادعاء أيضًا، فهل تجعلون الولادة من هذا القبيل؟
فإن قلتم: نعم، لزمكم أن تقبلوا قول الأم نفسها: هذا ابني من فلان، وتُثْبِتوا بذلك نسبه وميراثه وغير ذلك.
فإن قلتم: إنما موضع الاستنباط أن الآية أشعرتْ بأنه يُقبل قول المرأة في الحيض والحمل، وأن علة ذلك هو أنه يتعسر العلم بذلك إلا من جهتها؛ فقلنا: والولادة يعسر العلم بها إلا من جهة النساء، فأخذنا من ذلك قبول شهادتهن (1) فيها.
قلنا: أما قبول قولها وحدها في حيضها وحملها، فهذا مما تختصُّ هي بمعرفته دون غيرها. والولادة ليست كذلك، بل يطلع عليها غيرها من النساء. أفرأيتم إذا أخذتم من ذلك قبول شهادة النساء على الولادة، فمن أين أخذتم أنها تكفي امرأة واحدة؟ فقد تحضر عدة قوابل، وقد تحضر مع القابلة
__________
(1) في (ط): "شهادتين"، والتصويب من (خ).
(11/272)

عدة نساء، وقد يحيط رجال بالخيمة مثلًا بعد كشفها، والعلمِ بأنه ليس فيها إلا المرأة الحامل، ثم يحرسون الخيمة إلى أن تكشف فلا يكون فيها إلا المرأة وطفل معها، فيشهد الرجال شهادة محققة أنها ولدت ذاك الطفل. دع قضية الرجال فإنها نادرة، ولكن هلَّا (1) قلتم: دلَّت هذه الآية على قبول شهادة النساء في الولادة، ودلت آية الدَّين على اشتراط العدد، فيؤخذ من الآيتين قبول شهادة أربع نسوة كما يقول الشافعي؟ أوَ ليس إذا قبلتم شهادة امرأة واحدة فيما يختص به النساء لزمكم قبول رجل واحد فيما يختص به الرجال، كما يتفق في الجامع يوم الجمعة، بل في كل شيء؟ إلا أنه إذا كفت امرأة واحدة فيما يختص به النساء، ورجل فيما يختص به الرجال، فما لا يختص لا يتجه فيه إلا أحد أمرين: إما أن يكفي الواحد رجلاً كان [2/ 166] أو امرأة، وإما أن يشترط رجل أو امرأتان، فقد دلت السنة على هذا فيما يتعلق بالأموال وزادتكم يمينًا.
فإن قلتم: لكن الشافعي لا يقول بقبول شهادة المرأتين مع اليمين.
قلنا: قد قال بذلك أستاذه مالك، وهو مذهب قوي، كما سلف. والله الموفق.
...
__________
(1) في (ط): "هل" خطأ، والتصويب من (خ).
(11/273)

المسألة السادسة عشرة نكاح الشاهد امرأة شهد زورًا بطلاقها
في "تاريخ بغداد" (13/ 371 [373]) من طريق الحارث بن عمير قال: "سمعت أبا حنيفة يقول ... , قال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضٍ أن فلان بن فلان طلَّق امرأته، وعلما جميعًا أنهما شهدا بالزور، ففرَّق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين، فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم. قال: ثم علم القاضي بعد، أله أن يفرِّق بينهما؟ قال: لا".
قال الأستاذ (ص 37): "مسألة نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضى الأدلة، وإن كان شاهد الزور يأثم إثمًا عظيمًا، لكن لا يحول ذلك دون نفاذ حكم القاضي ظاهرًا أو باطنًا، وإلا لزم إباحة وطئها للزوج الأول في السرِّ فيما بينه وبين الله، وإباحة وطئها للزوج الجديد بحكم الحاكم، وأي قول يكون أقبح وأشنع من هذا؟ يكون لامرأة واحدة زوجان في حالة واحدة، أحدهما يجامعها في السر والآخر في العلانية. ونعترف أن أبا حنيفة لا يمكنه أن يرى مثل هذا الرأي رغم كل تشنيع، بل التشنيع يرتد على مخالفيه ومشنِّعيه كما صوَّرناه. وأبو حنيفة من أبرأ الناس من أن يُحدِث الفوضى في الأحكام، وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه بحال الشاهدين، فليس من مسائل أبي حنيفة، وإنما مذهبه التروَّي في الحكم مطلقًا".
أقول: يتفوَّه الأستاذ بالقبح والشناعة، وينسى ما في صنيعه هذا منهما! أما إباحتها لزوجها الحقيقي، فذلك حكم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات! وأما إباحتها لذلك الشاهد الفاجر، فإنما يقول بها أبو حنيفة. فأما مخالفوه - ومنهم: أصحابه أبو يوسف ومحمَّد وزفر - فإنهم قائلون
(11/274)

[2/ 167] بحرمتها عليه أشدَّ التحريم. والحاصل أن أبا حنيفة يقول: هي حرام في حكم الله تعالى على زوجها، مباحة في حكم الله تعالى للشاهد الفاجر! ومخالفوه يقولون بعكس هذا. غاية الأمر أن القاضي لجهله بما في نفس الأمر يحول بينها وبين زوجها، ويسلِّط الشاهد الفاجر عليها, ولا قبح في هذا ولا شناعة. أرأيت إذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته فحكم القاضي بذلك، وكانت المرأة في نفس الأمر أمَّ المدعي أو أختَه أو بنته، والقاضي لا يعلم، أليس يسلِّطه عليها في قول أبي حنيفة وغيره؟
ونظير مسألتنا ما إذا كان لزياد أَمَة، فادعى بكر أنها أَمَته، وأقام شاهدي زور، فقضى له القاضي. فأبو حنيفة يوافق في هذه أن الأَمَة لا تزال في مِلك زيد حلالاً له وحرامًا على بكر، وإن كان القاضي يحول بينها وبين زيد، ويسلِّط عليها بكرًا.
وليت الأستاذ كان ذكر الأدلة التي زعم أن نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضاها فكنت أنظر فيها، وعسى أن تكون في ذلك فائدة، ولكن الأستاذ عدلَ عنها إلى سلاحه الوحيد من المغالطة والتهويل على عادته. ومن العجيب قوله: "وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه ... ". أليس من المعلوم أنه في قول أبي حنيفة إذا علم حقيقة الحال قضى بأنها امرأة ذلك الشاهد الفاجر حلال له ظاهرًا وباطنًا؟ أوَ ليس إذا كان هذا قضاءه لم يكن هناك وجه عنده للتفريق بينهما؟
***
(11/275)

[2/ 168] المسألة السابعة عشرة القرعة المشروعة
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [407]) من طريق يوسف بن أسباط قال: "وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار".
قال الأستاذ (ص 87): "وأما مسألة القرعة، فقد قصرها أبو حنيفة على موردها وقال: إنما يجري الإقراع عند إرادة السفر بين النساء، وعند القسمة التي ليس فيها إبطال حق ثابت، باعتبار أن القرعة وردت في ذلك على خلاف القياس".
أقول: الذي في كتب الحنفية عن أبي حنيفة أنه لا حكم للقرعة، وإنما تُستحبُّ تطييبًا للنفس، ثم لا يلزم العمل بها، فللزوج أن يخرج بأي أزواجه شاء، حتى لو أقرَعَ فخرج سهمُ إحداهن، فله الخروج بغيرها. وهكذا في القسمة يكون حق التعيين للقاضي. وقد بقيت للقرعة موارد أخرى. ودعوى أنها خلاف القياس كأنه أريد بها أنها في الأصل قمار. وسنوضَّح بعون الله عَزَّ وَجَلَّ بطلان ذلك، ونُثبت أن القرعة في بابها قياس من أعدل الأقيسة وأقومِها وأوفقها بالأصول، وأن جعل التعيين إلى الزوج والقاضي في الفرعين السابقين هو المخالف للأصول.
اعلم أن صورة القرعة قد تستعمل في أربعة أبواب:
الباب الأول: أن يُقصد بها إبطالُ حقِّ صاحب الحق وجعلُه لمن لا حق له، كأن يقول الرجل لصاحبه: ألقِ خاتمَك، وأُلقي خاتمي، ونقترع عليهما، فأيُّنا خرج سهمُه استحقَّ الخاتمين. أو يقول أحدهما: أُقارِعك على خاتمي
(11/276)

هذا، فإن خرج سهمك أخذته أنت. أو يتداعيا دارًا في يد أحدهما، فيقال: أقرعوا بينهما، فإنْ خرج سهم المدعي أخذ الدار.
الباب الثاني: أن يتنازعا حقًّا يمكن أن يكون لهما معًا, ولا دليل يرجِّح جانب أحدهما، كأن يتنازعا دارًا بيدهما معًا, ولا دليل لأحدهما، وحلف كلٌّ منهما أنها جميعها له، ليس لصاحبه منها شيء.
[2/ 169] الباب الثالث: أن يختص الحقُّ بأحدهما بعينه، ويتعذَّر تعيينه، كمن طلَّق بائنًا إحدى امرأتيه، وتعذَّر تعيينُها.
الباب الرابع: أن يكون الحق في الأصل ثابتًا لكلٍّ منهما، لكن اقتضى الدليل أن يُخَصَّ به أحدُهما، لا بعينه.
فأما الباب الأول، فلا نزاع أن القرعة إذا استُعمِلت فيه فهي قمار، وكذلك الباب الثاني.
وأما الباب الثالث ففيه نظر، وقد قال بعض الأئمة بصحة القرعة فيه.
وأما الباب الرابع، فهو مورد القرعة. والفرق بينه وبين الأبواب الأولى بغاية الوضوح، فإنه إذا اقتضى الدليل أن يُخصَّ به أحدهما لا بعينه فما بقي إلا طلبُ طريقٍ للتعيين لا ميلَ فيه ولا حيفَ، فإذا ظفرنا بطريقٍ كذلك، لم يكن فيه إبطالُ حقٍّ ثابت ولا إثباتُ حقٍّ باطل، فما هو هذا الطريق؟
من كانت له امرأتان واحتاج إلى السفر واستصحابِ إحداهما فقط، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أن له ذلك، وبقي التعيين. ومن مات عن ابنين، فقسم القاضي المال نصفين، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أنه ينبغي تخصيص أحدهما بأحد النصفين والآخر بالآخر، وبقي التعيين.
(11/277)

فأبو حنيفة يقول: يعيِّن الزوج والقاضي، ومخالفوه يقولون: الزوج والقاضي منهيَّان عن الميل وعن كل ما يظهر منه الميل، ولا ريب أن تعيينهما برأيهما ميلٌ، أو يظهر منه الميل، والأصل في ذلك التحريم. فإباحتُه لهما مخالف للأصول والقياس، وفتحٌ لباب الهوى، ومنافٍ للحكمة. وإذا عيَّن الزوجُ برأيه إحدى امرأتيه ظنَّت الأخرى أنه إنما عيَّنها ميلًا إلى هواه، فحَزَنها ذلك، وأدَّى ذلك إلى مفاسد. وإذا عيَّن القاضي برأيه أحد النصفين لزيد، وكان بكرٌ يريده لنفسه، ظنَّ بكرٌ أن القاضي إنما مال مع هواه، وساءت ظنون الناس بالقاضي، وجرَّ ذلك إلى مفاسد.
فإن قال أبو حنيفة: فما المخلص؟ قالوا: قد بيَّنه الله تعالى ورسوله، وهو القرعة. فإن قال: القرعة قمار. قيل له: إنما تكون قمارًا في غير هذا الباب كما تقدم شرحه. وإذا صحَّ أن أبا حنيفة استحبَّ القرعة، فقد لزمه أنها ليست في هذا الباب بقمار وأنها مشروعة. وإذا اعترف بأنها مشروعة، فما بقي إلا أن يجب العمل بها، أو يجوز تركُها وجعلُ [2/ 170] التعيين إلى الزوج والقاضي. والحجة قائمة على منع أن يكون التعيين إلى الزوج والقاضي, لأنه فتحٌ لباب الميل كما تقدَّم، ولا ضرورة إليه ولا حاجة.
وقد وردت القرعة في فروع أخرى من الباب الرابع، وبذلك ثبت أنها في ذلك الباب أصل من الأصول الشرعية يقاس عليه ما يشبهه.
قال الله تبارك وتعالى في قصة مريم: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} إلى أن قال: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 37 - 44].
(11/278)

فالقوم - وفيهم نبي الله زكريا عليه السلام - اختصموا في كفالة مريم، ففزعوا إلى القرعة، وظاهرٌ أنهم إنما يرضون بالقرعة عند تساويهم في أصل الاستحقاق واقتضاء مصلحة الطفلة أن يختص بكفالتها أحدهم. فقص الله تبارك وتعالى ذلك في كتابه، وأخبر أنه كفَّلها زكريا، أي - والله أعلم - بأن أخرج سهمه في القرعة، فكان هو القارع.
وقال عَزَّ وَجَلَّ في قصة يونس: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 140 - 142] ذهب يونس إلى ذلك مشحون - أي مُوقَر - ليركب فيه، فكأنه - والله أعلم - طلع إلى الفلك هو وجماعةٌ حاجتهم كحاجته، فكأن صاحب الفلك أخبرهم أنه لا يمكنه أن يسافر بهم جميعًا لأن فلكه مشحون أي موقر، وطلب إليهم أن ينزل بعضهم، فتشاحُّوا، فاقترعوا، فطلع سهم يونس في المدحضَين، أي في الذين خرجت القرعة بأن ينزلوا. والظاهر أن الفلك كان لا يزال بالمرفأ، وليس في النزول منه خطر ظاهر، لكن الله عَزَّ وَجَلَّ قضى على يونس بما قضى.
وفي "الصحيحين" (1) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ... ". وفي "صحيح مسلم" (2) من حديثه أيضًا مرفوعًا: "لو تعلمون - أو يعلمون - ما في الصف المقدَّم لكانت قرعةً". أي أنهم يحضرون معًا، ويكثُرون
__________
(1) البخاري (615، 653) ومسلم (437).
(2) رقم (439).
(11/279)

ويتشاحُّون، ولا يكون هناك مُرجِّح، فيحتاج إلى القرعة.
وفي "صحيح البخاري" (1) وغيره من حديث أم العلاء قالت: "طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين ... ".
[2/ 171] وفيه (2) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "مَثَلُ القائمِ على حدود الله والواقعِ فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة ... ".
وفي "صحيح مسلم" (3) وغيره عن عمران بن حصين: "أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرعَ بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة".
ووجه ذلك أن تصرُّفَ المريض مرضَ الموت وصيةٌ يصح منها الثلث فقط، ومن الأصول الشرعية مراعاةُ أن تَعتِق الرقبةُ كاملةً، كما ثبت فيمن أعتق في حال صحته بعضَ مملوكه أنه يَعتِق عليه كلُّه، وفيمن أعتق شركًا له في مملوك أنه إن كان المُعِتقُ موسرًا عتَق المملوك كلُّه وغرِم المعتِقُ قيمةَ ما زاد على نصيبه لشريكه. وإن كان مُعسِرًا فقد قال بعض أهل العلم: يعتق
__________
(1) رقم (1243). وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" (27457، 27458) والطبراني في "الكبير" (25/ 140) والحاكم في "المستدرك" (1/ 378) والبيهقي في "الكبرى" (4/ 76).
(2) البخاري (2493).
(3) رقم (1668). وأخرجه أيضًا أبو داود (3958 وما بعدها) والترمذي (1364) والنسائي (4/ 64). ورواه مالك في "الموطأ" (2/ 774) عن الحسن البصري وابن سيرين مرسلاً.
(11/280)

المملوك كلُّه، ويسعى في قيمة ما زاد على نصيب المعتِق حتى يدفعها إلى الشريك، وقال آخرون: قد عتَق منه ما عتَق، ويبقى باقيه على الرق.
ومن المعنى في مراعاة عتق الرقبة كاملةً أن مقصود العتق هو أن يحصل للمملوك وعليه جميع الحقوق المختصة بالأحرار، ويغني عن المسلمين غناء الحر، وليس المبعَّض كذلك. فإن من حقوق الأحرار ما لا يحصل له ولا عليه منها شيء، ومنها ما يحصل له جزء منه فقط، ومع ذلك يكون التبعيض منشأ نزل مستمر بين المبعَّض ومالك بعضه، فيلحق الضرر بكلًّ منهما. ويشتبه الحكم في كثير من الفروع على المفتي والقاضي، كما تراه في أحكام المبعَّض في كتب الفقه. فجاءت السنة بأن يُجزَّأ الستّةُ ثلاثةَ أجزاء، ليَعتقَ اثنان كاملان، فكلُّهم متساوون في أصل الحق، واقتضى الدليل أن يُخَصَّ اثنان منهم، وبقي التعيين. فهذه الصورة من الباب الرابع الذي وردت فيه القرعة. فثبت أن القرعة في ذاك الباب أصل من الأصول الشرعية قرَّره الكتاب والسنة، واقتضاه العدل والحكمة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه وسلم.
(11/281)

القائد إلى تصحيح العقائد
وهو القسم الرابع من كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"
(11/283)

[2/ 174] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا أعلمَ به من نفسه، ولا أصدقَ نبأً عنه من وحيه، ولا آمنَ على دينه من رسله، ولا أولى بالحقّ ممن اعتصم بشريعته ورضي بحكمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهمّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ورضي الله عمن اختارهم لصُحْبة رسوله، وحِفْظ شريعته، وعن أتباعهم المُقتدين بأنوارهم، المقتفين لآثارهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن صاحب كتاب "تأنيب الخطيب" تعرَّض في كتابه للطعن في عقيدة أهل الحديث، ونبَزَهم بالمُجَسِّمة، والمشبّهة، والحَشوية، ورماهم بالجهل والبدعة والزيغ والضلالة. وخاض في بعض المسائل الاعتقادية كمسألة الكلام والإرجاء، فتجشَّمتُ أن أتعقبه في هذا، كما تعقّبته في غيره، راجيًا من الله تبارك وتعالى أن يُثبِّتَ قلبي على دينه، ويهديني لما اختُلِفَ فيه من الحقّ بإذنه، ويتغمَّدني بعفوه ورحمته، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
****
(11/285)

[2/ 175] مقدمة
قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].
تضافر العقل والشرع على إثبات أن الله تبارك وتعالى غنيّ عن العالمين، وأنه سبحانه الحكيم الحميد، فخلقُ اللَّهِ تعالى الخلقَ وتكليفُه لهم لا يكون إلا موافقًا لما ثبت من غناه سبحانه وحمده وحكمته.
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. وعبادته سبحانه هي طاعته بامتثال ما أمر به ورضِيَه، واجتناب ما نهى عنه وكرهه. ولم يكن الغني الحميد، الحكيم العليم، ليأمر عباده إلا بما هو خير لهم، ولا لينهاهم إلا عمّا هو شرّ لهم. فإن أمرهم أو نهاهم للابتلاء فقط، فطاعته نفسها خير لهم، وعصيانه شر لهم.
وقد قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].
تقول العرب: لا أرضى منك بكذا، وأرضى منك بكذا، إذا كانت الفائدة للمتكلم. فإذا كانت إنما هي للمخاطَب، ولكن المتكلم بكرمه ورحمته يحبّ الخير ويكره الشر، قالوا: لا أرضى لك كذا، وأرضى لك كذا.
وقال تعالى فيما قصَّه عن لقمان: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12].
وفيما قصَّه عن سليمان: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].
(11/286)

وقال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
[2/ 176] وفي "صحيح مسلم" (1) وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدِكم. يا عبادي! كُلُّكم جائعٌ إلا مَن أطعمتُه، فاستطعموني أُطْعِمْكم. يا عبادي! كلُّكم عارٍ إلا من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكُم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفرْ لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجَرِ قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي! لو أن أولكَم وآخَركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كل إنسان مسألتَه، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه".
__________
(1) رقم (2577).
(11/287)

فنستطيع أن نفهم من هذا كله أن الله تبارك وتعالى اقتضى كمالُ جوده أن يجود بالكمال إلى الحدَّ الممكن، ولا يفي بهذا أن يخلق خلقًا كاملين، فإنما ذلك بمنزلة خلقهم حِسان الصور، وذاك كمالٌ يتمحَّض فيه الحمد للخالق من كل وجه، ولا يُحْمد عليه المخلوق البتة، فلا يُعتدّ به كمالًا له. وكذلك أن يخلقهم غير كاملين ويجبرهم على الكمال، فإنما الحمد منوط بالاختيار. وقريبٌ من هذا أن يخلقهم غير كاملين ولا مجبورين، ويُيسِّر لهم اختيارَ الكمال بحيث لا يكون فيه مشقّة عليهم، فإن المخلوق إنما يُحْمَد على اختياره الكمال حيث يكون عليه فيه مشقة، وكلما كانت المشقّة أشدّ، كان الحمد أحقَّ، والكمال أعظم (1).
****
__________
(1) يريد أن الحكمة الإلهية التي يُحمد الله عليها أن يخلق عباده من الإنس في حالة نقص ويتدرج بهم إلى الكمال باختيارهم فيما كلَّفهم به مما يتدرج بهم إلى الكمال بأعمالهم الاختيارية، ولو خلقهم كاملين لما عاد عليهم حمد وثناء لهذا الكمال، ولو أجبرهم على الكمال لما حُمدوا أيضًا على ما أجبروا عليه، فكان الحمد والثناء عليهم أن يسَّر لهم طريق الكمال التدريجي باختيارهم مع شيء من المشقة. [محمد عبد الرزاق].
(11/288)

[2/ 177] 1 - فصل
لنا أن نقول: إن مدار كمال المخلوق على حبّ الحق وكراهية الباطل، فخَلَق الله تعالى الناس مفطورين على ذلك، وقدَّر لهم ما يؤكد تلك الفطرة، وما يدعوهم إلى خلافها, ليكون عليهم في اختيار الكمال - وهو مقتضى الفطرة - مشقةٌ وتعب وعناء، ولهم في خلاف ذلك شهوة وهوى. فمن اختار منهم مقتضى الفطرة، وصبر على ما فيه من المشقة والعناء، وعمَّا في خلافه من الراحة العاجلة واللذة = استحق أن يُحمَد، فاستحقَّ الكمالَ، فناله. ومن آثر الشهوةَ واتبع الهوى استحقَّ الذمَّ، فسقط.
وفي "صحيح مسلم" (1) من حديث أبي هريرة وأنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات". وهو في "صحيح البخاري" (2) من حديث أبي هريرة بنحوه.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم (3) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريلَ إلى الجنة، فقال: انظر إليها. قال: فرجع إليه فقال: وعزّتِك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فأمر بها، فحُفَّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزَّتِك لقد خِفْتُ أن لا يدخلها أحد. قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها. فرجع، فقال: وعزَّتِك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها،
__________
(1) رقم (2822، 2823).
(2) رقم (6487).
(3) أبو داود (4744) والترمذي (2560) والنسائي (7/ 3 - 4) وابن حبان (7394) والحاكم في "المستدرك" (1/ 26 - 27). وإسناده حسن.
(11/289)

فحُفَّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خشيتُ أن لا ينجو منها أحد". راجع "فتح الباري" (1): كتاب الرقاق.
وقال الله عَزَّ وَجَلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
[2/ 177] وقال قبل ذلك: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 153 - 157].
والمقصود بالابتلاء هو أن يتبين حالُ الإنسان، فيفوز من صبَر على تحمُّل المشاق، ثابتًا على الحق، معرضًا عما يراه في الباطل من المخارج التي تُخلِّص من تلك المشاقّ أو تخفِّفها، عالمًا أن الدنيا زائلة، وأن الذي يستحق العناية هو أمر الآخرة، ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاقّ أو من شدّتها.
__________
(1) (11/ 320).
(11/290)

ولا يقتصر الابتلاء على الشدائد، بل قال الله عزَّ وجلَّ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]. وذلك من وجهين:
الأول: أن الإنسان كما يشُقُّ عليه الثباتُ على الحق عند الشدائد، فكذلك عند النعيم والرخاء؛ لأن النعيم يدعو إلى التوسّع في اللذّات والاستكثار من الشهوات، والتكاسل عن الطاعات، والتكبّر على الناس، وغير ذلك. وفي الصبر عن ذلك ما فيه من المشقّة.
الوجه الثاني: أن من استحوذ عليه إيثار الباطل تكون الدنيا أعظمَ همِّه. فهو من جهةٍ إذا توفّرتْ له نِعمُ الدنيا ولم تنَلْه مصائبها رضي عن ربه ودينه، وإذا أصابته المصائب سَخِط. ومن جهةٍ أخرى يعُدُّ نِعَم الدنيا ومصائبها أعظم دليل على رضا الله عَزَّ وَجَلَّ وسخطه، فإذا يُسِّرت له نعمُ الدنيا ولم تنله مصائبها زعم أن الله عَزَّ وَجَلَّ راضٍ عنه وعن دينه وعن عمله، وإلا زعم أن الله عَزَّ وَجَلَّ ساخط عليه وعلى دينه وعلى عمله! وهذه كانت شبهةَ فرعون كما بينته في "كتاب العبادة" (1).
وقال الله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ [2/ 179] وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16].
وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ
__________
(1) انظر (ص 832 وما بعدها).
(11/291)

عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود: 9 - 11].
وقال تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 49 - 51].
وقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].
واقرأ من سورة الفرقان: [7 - 11] ومن سورة الزخرف: [31 - 35].
والإنسان لا يكره الحقّ من حيث هو باطل، ولكنه يحب الحق بفطرته، ويحب الباطل لهواه وشهوته، ومدار الفوز أو الخسران على الإيثار. قال الله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
ولك أن تقول: إن الله تبارك وتعالى في جانب، والهوى في جانب. وقد قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 43 - 44]. وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
(11/292)

عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23].
وفي الحديث: "حُبُّكَ الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ" (1).
وقال البُريق الهذلي (2):
[2/ 180] أبِنْ لي ما ترى، والمرءُ تأبى ... عزيمتُه، ويَغلِبُه هواه
فيَعْمَى ما يَرى فيه عليه ... ويَحسِبُ ما يراه لا يراه
****
__________
(1) أخرجه أحمد (21694) وأبو داود (5130) وغيرهما من حديث أبي الدرداء. وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. ويروى موقوفًا، وهو أشبه بالصواب. انظر تعليق المحققين على "المسند".
(2) انظر: عيون الأخبار (1/ 38). وفي شرح أشعار الهذليين (2/ 758): "يأتي عزيمتَه". وفي البيت الثاني: "من رآه لا يراه".
(11/293)

2 - فصل
الدين على درجات: كَفٌّ عما نُهي عنه، وعملٌ بما أُمر به، واعترافٌ بالحق، واعتقادٌ له وعلمٌ به. ومخالفة الهوى للحق في الكف واضحة، فإنّ عامة ما نُهي عنه شهوات ومستلذات، وقد لا يشتهي الإنسان الشيء من ذلك لِذاته، ولكنه يشتهيه لعارض. ومخالفة الهوى للحق في العمل واضحة لما فيه من الكلفة والمشقة.
ومخالفة الهوى للحق في الاعتراف بالحق من وجوه:
الأول: أن يرى الإنسان أنَّ اعترافَه بالحق يستلزم اعترافَه بأنه كان على باطل. فالإنسان ينشأ على دين أو اعتقاد أو مذهب أو رأي يتلقَّاه من مربَّيه ومعلِّمه على أنه حقٌّ، فيكون عليه مدةً، ثم إذا تبين له أنه باطل شقَّ عليه أن يعترف بذلك. وهكذا إذا كان آباؤه أو أجداده أو متبوعه على شيء، ثم تبيَّن له بطلانه. وذلك أنه يرى أن نقصَهم مستلزمٌ لنقصه، فاعترافه بضلالهم أو خطئهم اعتراف بنقصه. حتى إنك لترى المرأة في زماننا هذا إذا وقفتْ على بعض المسائل التي كان فيها خلاف بين أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة أخذت تُحامي عن قول عائشة، لا لشيء إلا لأن عائشة امرأة مثلها، فتتوهم أنها إذا زعمت أن عائشة أصابت وأن مَن خالفها من الرجال أخطأوا، كان في ذلك إثبات فضيلة لعائشة على أولئك الرجال، فتكون تلك فضيلةً للنساء على الرجال مطلقًا، فينالها حظٌّ من ذلك. وبهذا يلوح لك سرُّ تعصُّبِ العربي للعربي، والفارسي للفارسي، والتركي للتركي، وغير ذلك. حتى لقد يتعصب الأعمى (1) في عصرنا هذا للمعرِّي!
__________
(1) يشير إلى الدكتور طه حسين الذي ألَّف عن أبي العلاء المعري، وقوَّله ما لم يقلْه، =
(11/294)

الوجه الثاني: أن يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشقُّ عليه أن يعترف بأنه باطل، فتذهب تلك الفوائد.
الوجه الثالث: الكِبْر. يكون الإنسان على جهالة أو باطل، فيجيء آخر فيبيِّن له الحجة [2/ 181] فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه. ولهذا ترى من المنتسبين إلى العلم مَن لا يشقُّ عليه الاعترافُ بالخطأ إذا كان الحقُّ تبيَّن له ببحثه ونظره، ويشقٌّ عليه ذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن له.
الوجه الرابع: الحسد. وذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن الحق، فيرى أن اعترافه بذلك الحقِّ يكون اعترافًا لذلك المبيِّن بالفضل والعلم والإصابة، فيَعْظُم ذاك في عيون الناس، ولعله يتبعه كثير منهم. وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم مَن يَحرِص على تخطئة غيره من العلماء ولو بالباطل، حسدًا منه لهم، ومحاولةً لحطِّ منزلتهم عند الناس.
ومخالفةُ الهوى للحقِّ في العلم والاعتقاد قد تكون لمشقَّة تحصيله، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر، وفي ذلك مشقّة. ويحتاج إلى سؤال العلماء والاستفادة منهم، وفي ذلك ما مرَّ في الاعتراف. ويحتاج إلى لزوم التقوى طلبًا للتوفيق والهدى، وفي ذلك ما فيه من المشقة. وقد تكون لكراهية العلم والاعتقاد نفسه، وذلك من جهات:
الأول: ما تقدم في الاعتراف. فإنه كما يشقُّ على الإنسان أن يعترف
__________
= ونسب إليه كلَّ إلحاد وزندقة. فانبرى له العلامة عبد العزيز الميمني وردَّ عليه في كتابه المشهور "أبو العلاء وما إليه".
(11/295)

ببعض ما قد تبيَّن له، فكذلك يشقُّ عليه أن يتبيَّن له، فيشقُّ عليه أن يتبيَّن بطلانُ دينه، أو اعتقاده، أو مذهبه، أو رأيه الذي نشأ عليه، واعتزَّ به، ودعا إليه، وذَبَّ عنه، أو بطلانُ ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه، ولا سيّما عندما يلاحظ أنه إن تبيَّن له ذلك تبيَّن أن الذين يُطريهم ويعظِّمهم، ويُثني عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق، هم على خلاف ذلك، وأن الذين يحقِرهم ويذمُّهم ويسخَر منهم وينسبُهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المُحِقُّون. وحسبك ما قصَّه الله عَزَّ وَجَلَّ من قول المشركين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].
فتجد ذا الهوى كلَّما عُرِضَ عليه دليل لمخالفيه أو ما يُوهن دليلًا لأصحابه شقَّ عليه ذلك، واضطرب، واغتاظ، وسارع إلى الشغب. فيقول في دليل مخالفيه: هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات، وهذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال .... ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه، ويعدِّد المشاهير منهم، ويُطريهم [2/ 182] بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح، أو أنه باطل!
ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم - كما تراهم - على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة؛ ثم تراهم كما قال الله تبارك وتعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبُت عليه يرجع عنه إلا القليل.
(11/296)

وهؤلاء القليل يكثُر أن يكون أولَ ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراض دنيوية.
ومن جهات الهوى أن يتعلق الاعتقاد بعذاب الآخرة، فتجد الإنسان يهوى أن لا يكون بعثٌ لئلا يؤخذ بذنوبه، فإن علِمَ أنه لا بد من البعث هَوِي أن لا يكون هناك عذاب، فإن علِمَ أنه لا بد من العذاب هَوِي أن لا يكون على مثله عذاب كما هو قول المرجئة، فإن علِمَ أن العصاة معذَّبون هَوِي التوسُّعَ في الشفاعة، وهكذا.
ومن الجهات أنه إذا شقَّ عليه عملٌ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هَوِي عدمَ وجوبه، وإذا ابتُلِي بشيء يشقُّ عليه أن يتركه كشرب المسكر هَوِي عدم حرمته. وكما يهوى ما يخفُّ عليه، فكذلك يهوى ما يخفُّ على من يميل إليه، وما يشتد على من يكرهه؛ فتجد القاضي والمفتي هذه حالهما. ومن المنتسبين إلى العلم من يهوَى ما يُعجِب الأغنياء وأهل الدنيا، أو ما يُعجب العامة، ليكون له جاء عندهم، وتُقْبِل عليه الدنيا. فما ظهرت بدعة، وهَوِيها الرؤساء والأغنياء وأتباعهم إلا هوِيَها وانتصر لها جمعٌ من المنتسبين إلى العلم. ولعل كثيرًا ممن يخالفها إنما الباعث لهم على مخالفتها هوًى آخر وافق الحقَّ. فأما من لا يكون له هوى إلا اتباع الحق فقليل، ولا سيّما في الأزمنة المتأخرة، وهؤلاء القليل يقتصرون على أضعف الإيمان, وهو الإنكار بقلوبهم والمسارَّة به فيما بينهم، إلا من شاء الله.
فإن قيل: فلماذا لم يجعل الله عَزَّ وَجَلَّ جميع حجج الحق مكشوفةً قاهرةً لا تشتبه على أحد، فلا يبقى إلا مطيع يعلم هو وغيرُه أنه مطيع، وإلا
(11/297)

عاصٍ يعلم هو وغيرُه أنه عاصٍ، [2/ 183] ولا يتأتى له إنكار ولا اعتذار (1)؟
قلت: لو كان كذلك لكان الناس مجبورين على اعتقاد الحق، فلا يستحقُون عليه حمدًا ولا كمالًا ولا ثوابًا, ولكانوا مُكرَهين على الاعتراف، كمن كان في مكان مظلم، فزعم أن ذاك الوقت ليل، وراهن على ذلك، ففُتحت الأبواب، فإذا الشمس في كبد السماء. ولكانوا قريبًا من المُكرَهين على الطاعة من عملٍ وكفًّ، لفوات كثير من الشبهات التي يتعلل بها من
__________
(1) علق الأخ العلامة الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة على هذا الموضع ما لفظه: "يريد الشيخ بالسؤال والجواب أن يبيَّن حكمة الله تعالى في ابتلاء الناس بالهوى والشبهات والشهوات، ليحصل الجهاد والابتلاء، ويحمد المجاهد ويؤجر، وإلا فوضوح الحق والباطل أمر لاخفاء به، ليهلك من هلك من بينة، ويحيى من حي عن بينة".
وعلق على ما يأتي أول الفصل الثالث ما لفظه: "الحق أن حجج الله تعالى التي سماها بيَّنات هي مكشوفة واضحة لا خفاء بها، وإنما تخفى على من في قلبه كِنٌّ، وفي أذنيه وقر، وعلى بصره غشاوة من هواه وأخلاقه وما اعتاد".
قال المؤلف: لا أراه يخفى أن مرادي بالقضية المكشوفة القاهرة هو أن تكون بحيث لا تخفى هي ولا إفادتها اليقين على عاقل، حتى لو زعم زاعم أنه يجهلها، أو أنه يعتقد عدم دلالتها أو يرتاب فيها, لقطع العقلاء بأنه إما مجنون الجنونَ المنافيَ للتكليف أو كاذب. ولا يخفى أنه ليس جميع حجج الحق هكذا, ولكنها بيَّنات البيانَ الذي تحصل به الهداية وتقوم به الحجة. ثم هي على ضربين: الضرب الأول: الحجج التي توصل الإنسان إلى أن يتبين له أنه يجب عليه أن يكون مسلمًا. الثاني: ما بعد ذلك، فالأول حجج واضحة، لكن من اتبع هوًى قد بان أنه يصد عن الحق، أو قصّر في القيام بما قد بان أن عليه أن يقوم به = فقد يرتاب أو يجهل. والضرب الثاني على درجات، منه ما هو في معنى الأول فيكفر المخطئ فيه، ومنه ما لا يكفر ولكن يؤاخذ، ومنه ما يعذر، ومنه ما يؤجر أيضًا على اجتهاده. [المؤلف]
(11/298)

يضعف حُبُّه للحق، فيغالط بها الناسَ ونفسه أيضًا.
فإن قيل: فإن المؤمن إذا كان مُوقنًا كانت الحجة في معنى المكشوفة عنده, أفلا يكون مُثابًا على إيمانه واعترافه وطاعته؟
قلت: ليس هذا من ذاك في شيء. أما الاعتقاد فمن وجهين:
الأول: أن الحجة لم تكن كلها مكشوفةً للمؤمن من أول الأمر، وإنما بلغ تلك الدرجة بنَظَره وتدبُّره ورغبته في الحق ومخالفته الهوى. وبهذا ثبت صدقُ حبه للحق وإيثاره [2/ 184] على الهوى، فيستمرُّ له حكم ذلك بعد انكشاف الحجة. وهو بمنزلة الظمآن الذي يطلب الماء حتى ظفر به، فأراد أن يشربَ فقال له مسلِّط: إن لم تشرب ضربتُك أو سجنتُك. فمثل هذا لا يقال إذا شرب: إنه إنما شرب مكرهًا.
الوجه الثاني: أن وضوح الحجة للمؤمن لا يستمرُّ بدون جهاد, لأن الشبهات لا تزال تحوم حول المؤمن لتحجبَ عنه الحجة وتُشكِّكه فيها، والشهوات تساعدها، فثباتُه على الإيمان برهانٌ على دوام صدق محبته للحق، وإيثاره على الهوى.
وأما الاعتراف، فالأمر فيه واضح. فإنّ وضوح الحجة عند المؤمن لا يكون مكشوفًا لغيره, فليس في معنى المكره على الاعتراف، بل إنه إذا ذكر (1) أن الحجة واضحة عنده وَجَدَ كثيرًا من الناس يكذِّبونه أو يرتابون في دعواه.
وهكذا حاله في الطاعة من عملٍ وكفٍّ، فإن انكشاف الحجة في الإيمان الاعتقادي لا يستلزم انكشاف الحجج الأخرى التي تترتب عليها
__________
(1) في (ط): "ذكرنا"، والسياق يقتضي ما أثبتناه.
(11/299)

الطاعات. وهَبْ أن هذه انكشفت له أيضًا، فقد بقيت شُبهات أخرى، لولا صِدْقُ حبه للحق وإيثارُه على الهوى لأمكنه التشبث بها، كأن يقول: ينبغي أروِّح (1) عن نفسي فإنّ لي حسنات كثيرة لعلها تغمُر هذا التقصير، أو لعلها تنالني شفاعة الشافعين، أو لعل الله يغفر لي، أو أتمتع الآن ثم أتوب.
وقال الله تبارك وتعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].
وفي "الصحيحين" (2) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون. وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها"، ثم قرأ الآية. ونحوه من حديث أبي ذر (3)، وابن مسعود (4)، وأبي سعيد الخدري (5)، وصفوان بن عسَّال (6)، وعبد الرحمن بن عوف (7)،
__________
(1) كذا في الأصل بحذف "أن".
(2) البخاري (4635، 4636) ومسلم (157).
(3) أخرجه مسلم (159).
(4) أخرجه عنه مرفوعًا الحاكم في "المستدرك" (4/ 521 - 522)، وهو ضعيف. وثبت عنه موقوفًا في عدة روايات، انظر "الدر المنثور" (6/ 266، 275، 276).
(5) أخرجه أحمد (11266) والترمذي (3071)، وفي إسناده ابن أبي ليلى، وهو ضعيف.
(6) أخرجه أحمد (18093) وابن ماجه (4070). وإسناده حسن.
(7) أخرجه أحمد (1671) والطبري في "تفسيره" (10/ 17) والطبراني في "الكبير" (19/ 381) من حديث معاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص جميعًا. وإسناده حسن.
(11/300)

وعبد الله بن عباس (1)، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص (2)، وغيرهم (3).
والأخبارُ بأن الشمس سوف تطلع من مغربها متواترةٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومعنى ذلك أن ما يشاهَد الآن من سيرها ينعكس. فسكَّان هذا الوجه الذي كان فيه النبي [2/ 185] صلى الله عليه وآله وسلم يرونها تغرُب في مغربها على العادة، ثم يرونها في اليوم الثاني طالعةً من مغربها. وأما سكان الوجه الآخر فإنها تطلع عليهم من مشرقهم على عادتها، ثم يرونها تسير إلى مغربها ما شاء الله تعالى، ثم ترجع القهقرى حتى تغرب في مشرقهم. وعلى زعم (4) أن الأرض هي التي تدور، فإن دورة الأرض تنعكس، فيكون ما ذكر.
فأما إيمان الناس جميعًا، فوجهه - والله أعلم - أن النفوس مفطورة على اعتقاد وجود الله عَزَّ وَجَلَّ وربوبيته، ومن شأن ذلك أن يسوق إلى بقية فروع الإيمان. وآيات الآفاق والأنفس تؤكّد ذلك، ولكن الشبهات والأهواء تغلب على أكثر الناس حتى يرتابوا فيتبعوا أهواءهم. فإذا طلعت الشمس من مغربها لحقهم من الذُّعْر والرعب لشدة الهول ما يمحق أثرَ الشبهات والأهواء، وتفزع النفوس إلى مقتضى فطرتها. قال الله تعالى في ركاب البحر: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ
__________
(1) أخرجه الطبري في "تفسيره" (10/ 21) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (5/ 1428).
(2) أخرجه مسلم (2941).
(3) راجع "الدر المنثور" (6/ 268 وما بعدها).
(4) كذا قال المصنف رحمه الله، ولعله من باب التقية، وإلا فكون الأرض تدور في الفضاء أصبح من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل. وليس في الكتاب ولا في السنة نص ينافي ذلك، خلافًا لبعضهم. [ن].
(11/301)

فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32].
فتلك الآية في حقّ مَن يكون قد بلغه أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بها = حجة مكشوفة قاهرة، وكذلك هي في حقَّ من لم يبلغه لكن بمعونة الرعب والفَزَع وشدة الهول.
وقد دلت الآية على أنَّ من لم يكن آمن قبل تلك الآية لا ينفعه إيمانُه عندها، ومن لم يكن من المؤمنين قبلها يكسب الخير لا ينفعه كسبُ الخير عندها. وفُهِم من ذلك أن من كان مؤمنًا قبلها ينفعه الإيمان عندها، ومن كان من المؤمنين يكسب الخير قبلها ينفعه كسبُ الخير عندها. والنظر يقتضي أنه إنما ينفعه من كسبِ الخير عندها ما كان عادة له.
وفي "صحيح البخاري" (1) وغيره من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". وجاء نحوه من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص (2)، وأنس (3)، وعائشة (4)، وأبي هريرة (5). وأشار إليها ابن حجر في
__________
(1) رقم (2996). وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" (19679) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 230) والبيهقي في "الكبرى" (3/ 374) وغيرهم.
(2) أخرجه أحمد (6482) وابن أبي شيبة (3/ 230) والدارمي (2/ 316) والبخاري في "الأدب المفرد" (500)، وإسناده صحيح.
(3) أخرجه أحمد (12503، 13501، 13712) وابن أبي شيبة (3/ 233) والبخاري في "الأدب المفرد" (501). وإسناده حسن.
(4) أخرجه النسائي (3/ 257).
(5) أخرجه أبو داود (564) والنسائي (2/ 111) والحاكم في "المستدرك" (1/ 208). =
(11/302)

"الفتح" (1).
[2/ 186] فمن كان معتادًا للعمل من أعمال الخير مواظبًا عليه، ثم طرأ عليه بغير اختياره أو باختياره مأذونًا له عارضٌ يعجز معه عن ذاك العمل، أو يُشرَع له تركُه، أو يدَعُه وهو نفل لاشتغاله عنه أو لزيادة المشقة فيه = فقد ثبت باعتياده أنه لولا ذاك العارض - وهو غير مقصِّر فيه - لاستمرَّ على عادته، فلذلك يكتب له ثواب ذاك العمل. فأولى من هذا من كان معتادًا لعمل، ثم عرض باعث آخر على ذاك العمل، واستمرَّ العامل على عادته.
وقال الله عَزَّ وَجَلَّ في قصة نوح: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 27، 28].
يريد - والله أعلم - أن كراهيتكم للحق وهواكم أن لا يكون ما أدعوكم إليه حقًّا يحول بينكم وبين أن يحصل لكم العلم واليقين بصحته.
وفي "تفسير ابن جرير" (12/ 17) (2) عن قتادة قال: "أما والله لو استطاع نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - لألزمها قومَه، ولكن لم يَمْلك ذلك، ولم يُمَلَّكْه". والرسول لا يحرص على أن يُكره قومه إكراهًا عاديًّا على إظهار قبول الدين،
__________
= قال الحافظ في "الفتح" (6/ 137): "إسناده قوي". وسقط في إسناد الحاكم ذكر أبي هريرة، وهو ثابت في تلخيص الذهبي.
(1) (6/ 137).
(2) (12/ 383) ط. دار هجر. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (6/ 2023).
(11/303)

فإنه يعلم أن هذا لا ينفعهم بل لعله أن يكون أضرَّ عليهم، وإنما يحرص على أن يقبلوه مختارين. ولذلك يحرص هو وأصحابه على أن يُظهِر الله تعالى الآياتِ على يده أملًا أن يحصل للكفّار العلمُ إذا رأوها، فيقبلوا الدين مختارين. ويزداد الحرص على هذا عندما يطالب الكفار بالآيات. وهذه كانت حال محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. فبيَّن الله تعالى لهم في عدة آيات أنه ليس على الرسول إلا البلاع، وأن الهداية بيد الله، وأن ما أوتِيَه من الآيات كافٍ لأن يؤمن مَن في قلبه خير، وأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا، لكن حكمته إنما اقتضت أن يهديَ من أناب بأن كان يحبُّ الهدى، ويؤثره على الهوى.
فأما من كره الحق واستسلم للهوى، فإنما يستحق أن يزيده الله تعالى ضلالًا. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)} إلى أن قال: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ [2/ 187] أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد:27 - 31].
وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 109 - 110].
وقال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13].
(11/304)

وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}. [الإسراء: 101 - 102].
وقال تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 12 - 14].
فلما تبيَّن لموسى وهارون أن فرعون وقومه قد استحكم كفرهم انتهى مقتضى الحرص على أن يهتدوا، واقتضى حبُّهما للحق أن يحبَّا أن لا يهديهما الله. قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 88 - 89].
[2/ 188] وفي القرآن آيات كثيرة في أن الله تعالى لا يهدي الكافرين، والمراد بهم من استحكم كفرُهم. وليس كلُّ كافر كذلك، فقد هدى الله تعالى ويهدي من لا يُحْصىَ من الكفار، وإنما الحق أن لا يهدي الله تعالى من استحكم كفرُه.
(11/305)

3 - فصل
وكما اقتضت الحكمة أن لا تكون حجج الحق مكشوفةً قاهرةً، فكذلك اقتضت أن لا تكون الشبهات غالبة. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 33 - 35].
وذلك أنه لو كان كلُّ من كفر بالله خصَّه الله تعالى بذلك النعيم دون المؤمنين، لكانت تلك شبهة غالبة توقع الناسَ كلهم في الكفر.
فتلَخَّص أن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات، وأن لا تكون البينات قاهرة، ولا الشبهات غالبة. فمن جرى مع فطرته مِن حبَّ الحق، وربَّاها ونمَّاها وآثر مقتضاها، وتفقَّد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها, لم تزل تتجلَّى له البينات، وتتضاءل عنده الشبهات، حتى يتجلَّى له الحق يقينًا فيما يُطْلَب فيه اليقين، ورجحانًا فيما يكفي فيه الرجحان. وبذلك يثبت له الهدى، ويستحق الفوز والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق. ومن أَتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا، تبرقعت دونه البينات، واستهوته الشبهات، فذهبت به "إلى حيثُ ألقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَمِ" (1).
__________
(1) عجز بيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وصدره:
فشَدُّوا ولم تفزَعْ بيوتٌ كثيرةٌ
انظر "ديوانه" بشرح ثعلب (ص 22).
(11/306)

4 - فصل
إن قيل: لا ريب أن الإنسان ينشأ على دين واعتقاد ومذهب وآراء يتلقاها من مربِّيه [2/ 189] ومعلِّمه، ويتبع فيها أسلافه وأشياخه الذين تمتلئ مسامعه بإطرائهم وتأكيدِ أن الحقَّ ما هم عليه، وبِذَمّ مخالفيهم وثلبهم، وتأكيدِ أنهم على الضلالة. فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه، وبُغْض مخالفيهم، فيكون رأيه وهواه متعاضِدَين على اتباع أسلافه ومخالفة مخالفيهم. ويتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهله وأصحابه بالكفر والضلال، وهجروه وآذوه وضيَّقوا عليه عِيشته. ولكن هذه الحال يشترك فيها من نشأ على باطل، ومن نشأ على حق، فإذا دعونا الناس إلى الاستيقاظ للهوى، وبينَّا لهم أثره وضرره، فمن شأن ذلك أن يُشكّكهم فيما نشأوا عليه. وهذا إنما ينفع من نشأ على باطل. فأما من نشأ على حق، فإن تشكيكه ضرر محض؛ لأن غالب الناس عاجزون عن النظر.
قلت: المطالب على ثلاثة أضرب:
الأول: العقائد التي يُطْلَب الجزمُ بها ولا يسع جهلُها.
الثاني: بقية العقائد.
الثالث: الأحكام.
فأما الضرب الأول، فسنبيِّن إن شاء الله تعالى أن النظر فيه ميسَّر لكلِّ أحد، وأن النظر العقلي المتعمَّق فيه لا حاجة إليه، وهو مَثار الشبهات، وملجأ الهوى (1)، ومنشأ الضلال، كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى. فمن استجاب
__________
(1) (ط): "الهدى" خطأ.
(11/307)

لتلك الدعوة، فإنما تدعوه إلى النظر الفِطْري الشرعي مخلصًا من شوائب الهوى. فإن كان الناظر سابقًا على حقٍّ، فإنه يتبين له بهذا النظر أنه حقٌّ، فيلزمه وقد صفا له وخلص، ونجا من اتباع الهوى، وصَفَتْ له الطُّمأنينة.
وأما الضرب الثاني، فمن كان قائلًا بشيء منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لتلك الدعوة لا تزيد تلك الحجة إلا وضوحًا مع الخلاص عن الهوى، وإلا فالجهلُ بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة، وإن صادف الحق.
وأما الضرب الثالث، فالمتواتر منه والمُجْمَع عليه لا يختلف حكمُه، وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذلُ الوسع لتعرُّف الراجح أو الأرجح أو الأحوط فيؤخذ به. وإنما يجيء البلاء فيها من أوجه:
الأول: التقصير في بذل الوسع.
[2/ 190] الثاني: التمسّك بما ليس من الحق.
الثالث: الاعتداد بترجيح النفس الذي يكون منشؤه الهوى.
الرابع: عدم الرجوع عما يتبين أن غيره أولى بالحق منه.
الخامس: معاداة المخالف مع احتمال أنه هو المصيب، وظهور أنه إن كان مخطئًا فهو معذور.
فمن شأن تلك الاستجابة لتلك الدعوة أن تدفع هذه المفاسد.
****
(11/308)

5 - فصل
هذه أمور ينبغي للإنسان أن يقدّم التفكُّر فيها ويجعلها نُصْبَ عينيه.
1 - يفكَّر في شرف الحق وضَعَةِ الباطل. وذلك بأن يفكَّر في عظمة الله عَزَّ وَجَلَّ وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من أَتبع الحق استحقَّ رضوانَ رب العالمين، فكان سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كلَّ ما يعلمه خيرًا له وأفضل وأنفع وأكمل وأشرف وأرفع، حتى يتوفَّاه راضيًا مرضيًّا، فيرفعه إليه ويقرِّبه لديه، ويُحِلَّه في جواره مكرمًا منعَّمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهامُ عظمتَه؛ وأن من أخلد إلى الباطل استحقَّ سخطَ ربِّ العالمين وغضبه وعقابه. فإن آتاه شيئًا من نعيم الدنيا، فإنما ذلك لهوانه عليه، ليزيده بُعْدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدَّته.
2 - يفكِّر في نِسْبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة، ويتدبر قول الله عزَّ وجلَّ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 31 - 35].
(11/309)

ويُفْهَم من ذلك أنه لولا [2/ 191] أن يكون الناسُ أمةً واحدةً لابتلى الله المؤمنين بما لم تجرِ به العادة من شدّة الفقر والضرّ والخوف والحزن وغير ذلك. وحسبك أن الله عَزَّ وَجَلَّ ابتلى أنبياءه وأصفياءه بأنواع البلاء.
وفي "الصحيحين" (1) من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَثَلُ المؤمنِ كمثل الخامة من الزرع تُفِيئُها الرياحُ، تَصْرعُها مرةً وتَعدِلها أخرى حتى يأتي أجله. ومَثَلُ المنافق كمثل الأَرْزة المُجْذِية التي لا يُصيبها شيء حتى يكون انْجعافُها مرةً واحدة". وفي "الصحيحين" (2) أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة.
ومعنى الحديث - والله أعلم - أن هذا من شأن المؤمن والمنافق، فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله لا يناله ضرر ولا مصيبة إلا القاضية.
والمقصود من الحديث تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب، ويتلقَّاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجيًا أن تكون خيرًا له عند ربه عزَّ وجلَّ. ولا يتمنى خالصًا من قلبه النعمَ، ولا يحسد أهلها, ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقَّاها بخوف وحذر وخشية أن تكون إنما هُيِّئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فلا يُخْلِد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يُعجَب بما أوتيَه ولا يستكبر ولا يغترّ.
ولم يتعرَّض الحديث لحال الكافر, لأن الحجة عليه واضحة على كل حال.
__________
(1) البخاري (5643) ومسلم (2810).
(2) البخاري (5644) ومسلم (2809).
(11/310)

وأخرج الترمذي (1) وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الناس أشدّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل. يُبْتَلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ هُوِّن عليه ... " الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور. وابتلى يعقوب بفقد ولدَيْه وشدَّد أثر ذلك على قلبه، فكان كما قصَّه الله عَزَّ وَجَلَّ في كتابه: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84].
وابتلى محمدًا عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في أوائل السيرة. فكلَّفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعًا [2/ 192] لآبائهم من الشرك والضلال، ويُصارِحَهم بذلك سرًّا وجهارًا، ليلاً ونهارًا، ويدورَ عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم. فاستمرَّ على ذلك نحو ثلاثَ عشرة سنة، وهم يؤذونه أشدّ الأذى، مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذَى، إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقَّرة، في بيتٍ شريف محترم موقَّر، ونشأ على أخلاقٍ كريمة احترمه لأجلها الناسُ ووقّروه. ثم كان مع ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزَّة النفس. ومن كانت هذه حاله يشتدّ عليه غاية الشدة أن يؤذَى، ويشقّ عليه غاية المشقة الإقدامُ على ما يعرِّضه لأن يؤذَى. ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء: هذا يسخر منه، وهذا يسبُّه،
__________
(1) برقم (2400). وأخرجه أيضًا الدارمي (2/ 320) وابن ماجه (4023). وصححه ابن حبان (2901) والحاكم (1/ 41).
(11/311)

وهذا يبصُق في وجهه - بأبي هو وأمي -, وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سَلىَ (1) الجَزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنُقه، وهذا ينخُس دابته حتى تُلقيه (2)، وهذا عمُّه يتبعه أنَّى ذهب، يؤذيه ويُحذِّر الناسَ منه ويقول: إنه كذَّاب، وإنه مجنون. وهؤلاء يُغْرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دمًا. وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شِعْب ليموتوا جوعًا. وهؤلاء يعذَّبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يُضْجِعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا وَدَكُ ظهره، ومنهم امرأةٌ عذَّبوها لترجع عن دينها، فلما يئسوا منها طعنها أحدُهم بالحربة في فرجها، فقتلها (3). كلُّ ذلك لا لشيء إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، [2/ 193] ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى
__________
(1) السَّلَى: غشاء يحيط بجنين البهيمة.
(2) علق الشيخ عبد الرزاق حمزة: نخسُ الدابة كان لزينب بنت الرسول، فسقطت عنها وأجهضت حينما هاجرت رضي الله عنها.
يقول المؤلف: بل روي مثل ذلك في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه. راجع ترجمة ضباعة بنت عامر من "الإصابة" [14/ 7 ط. دار هجر، قال الحافظ: هذا مع انقطاعه ضعيف].
قال الألباني: لكن في إسناد الرواية المشار إليها: الكلبي، وهو متهم.
(3) من تدبر هذه الحال علم أنها من أعظم البراهين على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوى النبوة. فإن العادة تُحيل أن يُقدِم مثله في أخلاقه وفيما عاش عليه أربعين سنة لما يعرَّضه لذلك الإيذاء ثم يصبر عليه سنين كثيرة وله عنه مندوحة. ولهذا كان العارفون به من قومه لا ينسبونه إلى الكذب وإنما يقولون: مسحور، مجنون. قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]. [المؤلف]
(11/312)

رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم. ولم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحُجّة، وإنما كان همُّهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم.
ومن وجه آخر ابتلى الله عَزَّ وَجَلَّ نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قَبَض أبويه صغيرًا، ثم جدَّه، ثم عمَّه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأتَه التي كانت تؤنسه، وتُخفِّف عنه. ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه وآله وسلم، وتفصيل ذلك يطول. وهذا وهو سيدُ ولد آدم وأحبُّهم إلى الله عزَّ وجلَّ.
فتدبرْ هذا كلَّه لتعلم حقَّ العلم أنَّ ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشيء في جانب رضوان الله عَزَّ وَجَلَّ والنعيم الدائم في جواره؛ وأنَّ ما نفرُّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيءٍ في جانب سخط الله عَزَّ وَجَلَّ وغضبه والخلود في عذاب جهنم.
وفي "الصحيح" (1) من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتَى بأنعَمِ أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصْبَغ في النار صَبغةً، ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قطّ؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ. ويؤتَى بأشدِّ الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصْبَغ صَبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيتَ بؤسًا قط، وهل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ما مرَّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط".
3 - يفكِّر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية. فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعةَ راغبًا نشيطًا لا يريد إلا وجه الله عَزَّ وَجَلَّ والدار الآخرة. فإن عرضت له رغبة في الدنيا، فإلى الله تعالى فيما يرجو معونته على السعي
__________
(1) أخرجه مسلم (2807).
(11/313)

للآخرة. فإن كان ولا بد، ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبَّطه عن السعي للآخرة. وهو على كل حال متوكِّلٌ على الله، راغبٌ إليه سبحانه أن يختار له ما هو خير وأنفع. ثم يباشر الطاعة خاشعًا خاضعًا مستحضرًا أن الله عزَّ وجلَّ يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله عزَّ وجلَّ. وهو مع ذلك كما قال الله تعالى: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] , فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة.
وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان, وقد تكون من ضعيفه الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصةً بل يمازجها رغبةٌ في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أو رغبةٌ في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. كالذي [2/ 194] يصوم ويقوم ليكون من أهل الكشف، فيطلع على العجائب والمُغَيَّبات، فيلتذّ بذلك، ويعظُم جاهه بين الناس. وكذلك [من] يتعبد ليحصل له الكشف، فيصفو إيمانه، ويستريح من الوسوسة ومدافعة الشبهات. فإنَّ هذه الطريقة غير مشروعة، ومن شأنها أن تجرّ إلى تعاطي الأسباب الطبيعية لتقوية النفس، وإن كانت منهيًّا عنها في الشرع، كما هو معروف في بدع المتصوِّفة. ومن حَصَل له الكشف بهذه الطريق، فهو مظنة أن يضْعُف إيمانُه أو يزول عقوبةً له على سلوكه غير السبيل المشروع، حتى لو كُشِف له عن شيء مما يجب الإيمان به فشاهَدَه لم ينفعه هذا الإيمانُ كما يُعلم مما تقدَّم. وإنما المشروع أن يجاهد نفسه، ويصرفها عن الشبهات والوساوس، مستعينًا بطاعة الله تعالى والوقوف عند حدوده، مبتهلاً إليه عَزَّ وَجَلَّ أن يثبِّت قلبه بما شاء سبحانه، فهذا إنما يحمل على اتباع الشرع والاهتداء بهداه.
(11/314)

وكمنفعة البدن، كالذي يصوم ليصحَّ، ويصلِّي التراويح لينهضم طعامه. وكموافقة الإلف والعادة كمن اعتاد الصلاة من صباه، فيجد نفسَه تُنازِعه إلى الصلاة فلا تستقرّ حتى يصلي؛ فإن هذا قد يكون كالذي اعتاد العبث بلحيته، فيجد نفسَه تنازعه إلى ذلك، حتى لو كفَّ عن ذلك أو مُنِع منه شقَّ عليه. وكحبِّ الترويح عن النفس، كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم. وكمراعاة الناس لكي يمدحوه ويُثنوا عليه، فيعظُم جاهه، ويصل إلى أغراضه، ولا يمقتوه، إلى غير ذلك من المقاصد، كالمرأة تتزين وتتعطر وتخرج إلى الصلاة لتشاهد الرجالَ وتلفتَهم إليها. وكالعالم يريد أن يراه الناس ويعظِّموه ويستفتوه، فيشتهر علمه، ويعظم جاهه. وكالمنتسب إلى الصلاح يريد أن يعظِّمه الناس ويقبِّلوا يديه ورجليه، ويشتهر ذكره، ويتساقط الناس في شبكته. وكالحاكم النابه يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته، ويتزاحموا، وترتفع أصواتهم بمدحه وغير ذلك.
والمؤمن ولو خَلَصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه.
[2/ 195] والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وذلك من أوجه:
منها: أن للصلاة مثلًا شرائط وأركانًا وواجباتٍ قد اختُلِف في بعضها، والمجتهدُ إنما يراعي اجتهاده، فيخشى أن يكون قصَّر في اجتهاده أو استزلَّه الهوى. والعامّيُّ إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه، فيخشى أن يكون قصَّر أو تبع الهوى في اختيار قول ذاك المفتي، أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختُلِف فيه.
(11/315)

ومنها: أن روح الصلاة الخشوع، والنفسُ تتنازعها الخواطرُ فلا يثق المؤمن بأنه خشَع كما يجب. فإن حاولت نفسُ المؤمن أن تُقنِعه بإخلاصها في نيتها واجتهادها وخشوعها خشي على نفسه أن يكون مغرورًا مسامحًا لنفسه.
وهكذا تستمرُّ خشيةُ المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون قَبِلها الله تعالى بعفوه وكرمه، ويخشى أن تكون رُدَّت لخللٍ فيها، وإن لم يشعر به، أو لخلل في أساسها وهو الإيمان.
هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)} [الأعراف: 201 - 202].
فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، فقد يُطيف به الشيطان، فيُغفِله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه، فيصرعه. وهو حالَ مباشرة المعصية ينازع نفسَه، فلا تصفو له لذتها، ثم لا يكاد جنبُه يقع على الأرض حتى يتذكَّر، فيستعيد قوة إيمانه، فيثِبُ يعَضُّ أناملَه أسفًا وحزنًا على غفلته التي أعان بها عدوَّه على نفسه، عازمًا على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة.
وأما إخوان الشياطين، فَتمُدُّهم الشياطين في الغيِّ، فيمتدُّون فيه، ويمنُّونهم الأماني فيقنعون. فمِنَ الأماني أن يقول: اللهُ قدَّره عليَّ، فما شاء فعل. قد اختلف العلماء في حُرمة هذا الفعل. قد اختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هَيِّن. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب. لعل الله يغفر لي. لعل فلانًا يشفع لي. سوف أتوب! وأحسنُ حاله أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومُحِيَ ذنبه.
(11/316)

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ [2/ 196] خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 119 - 124].
وقال عزَّ وجلَّ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 169].
وفي "مسند أحمد" و"المستدرك" (1) وغيرهما من حديث شدّاد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعَمِل لما بعد الموت. والعاجزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني".
وفي "الصحيحين" (2) عن عبد الله بن مسعود قال: "إن المؤمن يرى
__________
(1) "المسند" (17123) و"المستدرك" (1/ 57، 4/ 251). وأخرجه أيضًا الترمذي (2459) وابن ماجه (4260) والبيهقي في "الكبرى" (3/ 369)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي في الموضع الأول بقوله: لا والله، أبو بكر [بن أبي مريم] واهٍ.
(2) أخرجه البخاري (6308). أما مسلم (2744) فلم يخرج هذا الحديث الموقوف، بل أخرج منه الجزء المرفوع: "لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن ... ".
(11/317)

ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وان الفاجر يرى ذنوبه كذُبابٍ مرَّ على أنفه، فقال به هكذا - أي بيده - فذبَّه عنه".
4 - يفكر في حاله مع الهوى. افرِضْ أنه بلغك أنَّ رجلاً سبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآخرَ سبَّ داود عليه السلام، وثالثًا سبَّ عمرَ أو عليًّا رضي الله عنهما، ورابعًا سبَّ إمامك، وخامسًا سبَّ إمامًا آخر. أيكون سخطك عليهم وسعيك في عقوبتهم وتأديبهم أو التنديد بهم موافقًا لما يقتضيه الشرع، فيكون غضبُك على الأول والثاني قريبًا من السواء وأشدَّ مما بعدهما جدًّا، وغضبُك على الثالث دون ذلك وأشد مما بعده، وغضبك على الرابع والخامس قريبًا من السواء ودون ما قبلهما بكثير؟
افرضْ أنك قرأت آيةً، فلاحَ لك منها موافقةُ قولٍ لإمامك، وقرأتَ أخرى، فلاحَ لك منها [2/ 197] مخالفة قول آخر له. أيكون نظرُك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبيَّن منهما بعد التدبُّر صحةُ ما لاح لك أو عدم صحته؟
افرِضْ أنك وقفتَ على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولًا لإمامك، والآخر يخالفه. أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصحَّ سندُ كلًّ منهما أو يضعف؟
افرِضْ أنك نظرت في مسألةٍ قال إمامُك فيها قولاً، وخالفه غيره. ألا يكون لك هوًى في ترجيح أحد القولين، بل (1) تريد أن تنظر لتعرف الراجح منهما، فتبيِّن رجحانَه؟
افرِضْ أن رجلاً تحبه وآخر تبغِضه تنازعا في قضية، فاسْتُفْتِيتَ فيها ولا
__________
(1) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: "هل".
(11/318)

تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر؛ ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟
افرِضْ أنك وعالمًا تحبه وآخرَ تكرهه أفتى كلٌّ منكم في قضية، واطلعت على فتويَيْ صاحبيك فرأيتهما صوابًا، ثم بلغك أن عالمًا آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى وشدَّد النكير عليها. أتكون حالك واحدة، سواء كانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك؟
افرِضْ أنك تعلم من رجل منكرًا، وتعذُر نفسَك في عدم الإنكار عليه. ثم بلغك أن عالمًا أنكر عليه وشدَّد النكير. أيكون استحسانك لذلك سواءً فيما إذا كان المنكِر صديقَك أم عدوَّك، والمنكَر عليه صديقَك أم عدوَّك؟
فتِّشْ نفسَك تجدْك مبتلىً بمعصية أو نقصٍ في الدين، وتجدْ من تبغضه مبتلىً بمعصية أو نقصٍ آخر ليس في الشرع بأشدّ مما أنت مبتلىً به. فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنتَ عليه، وتجد مقتَك نفسَك مساويًا لمقتك إياه؟
وبالجملة، فمسالك الهوى أكثر من أن تُحْصى. وقد جَرّبتُ نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي، فيلوح لي فيها معنى، فأقرِّره تقريرًا يُعجبني. ثم يلوح لي ما يخْدِش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرَّم بذلك الخادش، وتُنازعني نفسي إلى تكلُّف الجواب عنه، وغضِّ النظر عن مناقشة ذاك الجواب. وإنما هذا لأني لمَّا قررتُ ذاك المعنى أولاً تقريرًا أعجبني صرتُ أهوَى صحته. هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنتُ قد أذعتُه في الناس، ثم [2/ 198] لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يَلُح لي الخدش، ولكنّ رجلاً آخر اعترض عليّ به؟ فكيف لو كان المعترضُ ممن أكرهه؟!
(11/319)

هذا ولم يكلَّف العالِمُ بأن لا يكون له هوى، فإنّ هذا خارج عن الوسع. وإنما الواجب على العالِم أن يفتِّش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويُمعِنَ النظرَ في الحق من حيث هو حق؛ فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه. وهذا - والله اعلم - معنى الحديث الذي ذكره النووي في "الأربعين" (1) وذكر أن سنده صحيح، وهو: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به" (2).
والعالِم قد يُقصِّر في الاحتراس من هواه، ويسامح نفسَه، فتميل إلى الباطل، فينصره وهو يتوهّم أنه لم يخرج من الحق ولم يُعادِه. وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يَكثُر منه الاسترسال مع هواه ويفحُش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمِّد، ومنهم من يقِلُّ ذلك منه ويخِفُّ. ومن تتبَّعَ كتب المؤلفين الذين لم يُسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العُجاب، ولكنه لا يتبين له ذلك إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل
__________
(1) هو الحديث رقم (41). وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (15) والخطيب في "تاريخ بغداد" (4/ 369) والبغوي في "شرح السنة" (104) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2) قلت: أنى له الصحة وفي سنده نعيم بن حماد، وقد سبقت ترجمته, وما فيه من الضعف، ثم هو قد اختلف عليه في إسناده كما بينه الحافظ ابن رجب الحنبلي في "شرح الأربعين" (ص 282 - 283)، وقال: "تصحيح هذا الحديث بعيد جدًّا من وجوه، منها تفرد نعيم به ... ". ثم بيَّنها، فمن شاء التفصيل فليرجع إليه، وقد أشار البخاري إلى ضعفه في "جزء رفع اليدين" (ص 16) [ن].
(11/320)

مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلَّهم متبعون للهوى. وقد كان من السلف من يبالغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ من الجانب الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوّه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق، ويكون عن يمينه مزلَّة، فيتَّقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزِلَّة عن يساره!
5 - يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا. فعلى الأول إن استمرّ على ذلك كان مستمرًّا على النقص، ومصرًّا عليه، ومزدادًا منه، وذلك هو نقص الأبد وهلاكه. وإن نظر، فتبيَّن له الحق، فرجع إليه، حاز [2/ 199] الكمال، وذهبت عنه معرَّة النقص السابق؛ فإن التوبة تجُبُّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]. وفي الحديث: "كلكم خطَّاؤون وخير الخطَّائين التوابون" (1).
وأما الثاني، وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير، فلا يلزمه بما تقدم منه نقصٌ يُعاب به البتة. بل المدار على حاله بعد أن ينبَّه، فإن تنبَّه وتدبَّر فعرف الحقَّ فأتبعه فقد فاز. وكذلك إن اشتبه عليه الأمر، فاحتاط. وإن أعرض ونَفَر، فذلك هو الهلاك.
6 - يستحضر أن الذي يهمُّه ويُسأل عنه هو حالُه في نفسه. فلا يضرُّه عند
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (13/ 187) والترمذي (2499) والبيهقي في "الشعب" (7127) من حديث أنس بن مالك بلفظ: "كلُّ بني آدم خطّاء ... ". وإسناده حسن.
(11/321)

الله تعالى ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلِّمه أو مربِّيه أو أسلافه أو أشياخه على نقص. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يَسْلَموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين. هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم يُنَبَّهوا ولم تقم عليهم الحجة. وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به، فاتِّباعُك لهم وتعصُّبك لا ينفعهم شيئًا بل يضرُّهم ضررًا شديدًا، فإنه يلحقهم مثل إثمك ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة. كما يلحقك مع إثمك مثلُ إثم من يتبعك إلى يوم القيامة. أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كلِّ حال؟
7 - يتدبر ما يُرْجَى لِمُؤْثر الحقِّ من رضوان رب العالمين، وحسنِ عنايته في الدنيا، والفوزِ العظيم الدائم في الآخرة؛ وما يستحقه متبعُ الهوى من سخطه عزَّ وجلَّ، والمقتِ في الدنيا والعذابِ الأليم الخالد في الآخرة. وهل يرضى عاقلٌ لنفسه أن يشتري لذَّةَ اتباع هواه بفواتِ حُسنِ عنايةِ ربِّ العالمين وحرمانِ رضوانه والقربِ منه والزُّلْفى عنده والنعيمِ العظيم في جواره، وباستحقاقِ مقتِه وسخطِه وغضبِه وعذابِه الأليم الخالد؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقلِّ الناس عقلاً، سواء أكان مؤمنًا موقنًا بهذه النتيجة، أم ظانًّا لها، أم شاكًّا فيها، أم ظانًّا لعدمها؛ [2/ 200] فإن هذين يحتاطان. وكما أن ذلك الاشتراء متحقِّق ممن يعرف أنه متَّبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه، فلا يناقشها ولا يحتاط.
8 - يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبيَّن له، فلا يسامحها في ترك واجب أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية أو ما يقرب منها, ولا في هجوم على مشتبه. ويروضُها على التثبت والخضوع للحق، ويشدِّد عليها في ذلك
(11/322)

حتى يصير الخضوعُ للحق ومخالفةُ الهوى عادةً له.
9 - يأخذ نفسَه بالاحتياط في ما يخالف ما نشأ عليه، فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أنه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول: إنها شرك أو بدعة أو حرام، فليأخذ نفسه بتركها حتى يتبيَّن له بالحجج الواضحة صحةُ ما نشأ عليه. وهكذا ينبغي له أن ينصح غيرَه ممن هو في مثل حاله. فإن وجدتَ نفسَك تأبى ذلك، فاعلم أنّ الهوى مستحوِذ عليها، فجاهِدْها.
واعلم أنّ ثبوت هذا القدر على المكلَّف - أعني أن يثبت عنده أنَّ ما يُدعى إليه أحوطُ مما هو عليه - كافٍ في قيام الحجة عند الله عزَّ وجلَّ. وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفّار. فمِنْ ذلك المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يَدْعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أنَّ مالكَ الضرِّ والنفعِ هو الله عزَّ وجلَّ وحدَه، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدّةٍ دَعَوا الله وحده. قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: 32]. وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67].
وكانوا يرون مَن هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم في أحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثلَ ذلك، ثم عُرض عليهم الإِسلام، وعرفوا - على الأقل - أنه يمكن أن يكون حقًّا، وأنه إن كان حقًّا ولم يتبعوه تعرَّضوا للمضارّ الدنيوية وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يُسْلِموا؛ لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإِسلام فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهُم لما كانوا عليه لا يضرُّهم كما لا يتضرَّر من
(11/323)

خالفهم، [2/ 201] فلم يمنعهم من الإِسلام إلا اتباعُ الهوى، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52].
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10].
وتكذيبُهم للحق وإعراضُهم عنه - بعد أن قامت الحجة عليهم بأنَّ تصديقه واتباعه أحوطُ لهم وأقربُ إلى النجاة - ظلمٌ شديدٌ منهم، استحقُّوا به أن لا يهديهم الله عَزَّ وَجَلَّ إلى استيقان أنه حق. وهذا كما تقدم في قصة نوح، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101]. ونحوها في سورة يونس [74] وفيها: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 109، 110].
وفي "تفسير ابن جرير" (7/ 194) (1): " ... عن ابن عباس: قوله:
__________
(1) (9/ 490) ط. دار هجر.
(11/324)

{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ...} قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تَثْبُتْ قلوبُهم على شيء، ورُدَّتْ عن كلِّ أمر". وهذا هو الصحيح. الكاف في قوله: "كما" للتعليل.
وكذلك هي في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198].
قال ابن جرير في "تفسيره" (2/ 163) (1): "يعني بذلك جلَّ ثناؤه: واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه والشكر له على أياديه عندكم، وليكن ذكركم له بالخضوع له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق".
وهو الظاهر في قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239].
[2/ 202] قال ابن جرير (3/ 337) (2): " ... فاذكروا الله في صلاتكم وفي غيرها بالشكر له والحمد والثناء عليه، على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضلَّ عنه أعداؤكم".
وقد ذكر ابن هشام في "المغني" (3) هذا المعنى للكاف، فراجعه.
وفي "الإتقان" (4): "الكاف حرف جرّ له معانٍ أشهرها التشبيه ...
__________
(1) (3/ 523، 524).
(2) (4/ 395).
(3) (1/ 192).
(4) (3/ 1136) ط. مجمع الملك فهد.
(11/325)

والتعليل نحو: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} [البقرة: 151]. قال الأخفش: أي لأجل إرسالنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني، {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]، أي لأجل هدايته إياكم ... ".
10 - يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات، فإنه إذا تمَّ له ذلك هان عليه الخَطْب. فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج - إن كان راغبًا في الحق قانعًا به - إلى الإعراض عن شيء جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات. لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملوَّنة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهلُ الحق. والله الموفق.
***
(11/326)

[2/ 203] الباب الأول في الفرق بين معدن الحق ومعدن الشبهات وبيان مآخذ العقائد الإِسلامية ومراتبها
مآخذ العقائد الإِسلامية أربعة: سَلَفيَّان، وهما الفطرة والشرع. وخَلَفيَّان، وهما النظر العقلي المتعمَّق فيه، والكشف التصوفي.
أما الفطرة، فأريد بها ما يعمُّ الهداية الفطرية، والشعور الفطري، والقضايا التي يسمِّيها أهل النظر: ضروريات وبديهيات، والنظر العقلي العادي، وأعني به ما يتيسَّر للأُميين ونحوهم ممن لم يعرف علم الكلام ولا الفلسفة.
وأما الشرع، فالكتاب والسنة.
وأما النظر العقلي المتعمَّق فيه، فما يختصّ بعلم الكلام والفلسفة.
وأما الكشف التصوفي، فمعروف.
فأما المأخذ السلفي الأول، فالهداية والشعور الفطريَّان يتضحان ويتضح علوُّ درجتهما بالنظر في أحوال البهائم والطير والحشرات كالنحل والنمل. وأذكر من ذلك مثالاً واحدًا: لو أنك أخذت فِراخَ حمامٍ عقب خروجها من البَيض، فاعتنيت بحفظها وتغذيتها وتربيتها بعيدةً عن جنسها، لَوجدتَها بعد أن تكبر يأتلف الذكر والأنثى منها، فلا يلبثان أن يبادرا إلى تهيئة موضع مناسب لوضع البيض وحفظه وحضنه، فيختاران موضعًا صالحًا لذلك. ثم يتلمَّسان ما يمهِّدانه به من الحشيش ونحوه، ثم تضع
(11/327)

الأنثى البيض، ثم يتناوبان حضنه. فإذا خرجت الفِراخ تناوبا حَضْنها وتغذيتها بما يصلح لها. فإذا كبرت وقويت على تناول الحَبّ والماء بأنفسها أخذا يُلجئانها إلى ذلك بالإعراض عن زَقِّها. فإذا قويت على الطيران هجراها وطرداها كأنهما لا يعرفانها.
فإذا تدبَّرتَ هذا الصنيع ونتائجه وجدته صوابًا كلَّه. ولعلك لو تتبعت أحوال [2/ 204] الطير لوجدت ما هو ألطفُ من هذا وأدقُّ، وكذلك من تتبع أحوال النحل والنمل وجد أكثر من هذا وألطف.
فإن كان للحمام شعور بأن الائتلاف سبب البيض، وأن البيض يحتاج إلى ما ذُكِر، فتخرج منه فِراخ، إلى غير ذلك، فهذا هو الشعور الفطري. وإن لم يكن هناك شعور، وإنما هو انسياق إلى تلك الأفعال مع الجهل بما يترتب عليها، فتلك هي الهداية الفطرية.
وعلى كل حال، فالإصابة في ذلك أكثر من إصابة الإنسان في كثير مما يستدل عليه بعقله. ومن تدبر حال الإنسان وجد له نصيبًا من ذلك في شأن حفظ حياته وبقاء نسله. نعم، إنه اكتفي له في بعض الأمور بعقله، لكن ذاك العقل العادي، فأما العقل التعمّقي فلم يُوكَل إليه في الضروريات، فإذا أحاطت العناية الربانية الطير والبهائم والحشرات إلى تلك الدرجة، وحاطت الإنسان أيضًا في حفظ حياته وبقاء نسله وغير ذلك، فما عسى أن يكون حالها في حياطة الإنسان فيما إنما خُلِق لأجله!
فإذا وجدنا للإنسان شيئًا من هذا القبيل في شأن وجود الله تبارك وتعالى، وعلوِّه على خلقه، وعلمه وقدرته، وغير ذلك من صفاته؛ فمن الحق على العقل أن لا يستهين بذلك، زاعمًا أنه قضية وهميّة، كيف وقد
(11/328)

شهد له العقل والشرع كما يأتي.
وأما القضايا الضرورية والبديهية، فقد اتفق علماء المعقول أنها رأس مال العقل، وأن النظر إنما يُرْجَى منه حصولُ المقصود ببنائه عليها وإسناده إليها.
وأما النظر بالعقل العادي، فقد اعتدَّت به الشرائع، وبنَتْ عليه التكليفَ، ودعت إليه، وحضَّت عليه. وعلماء المعقول مصرِّحون بأن الدليل العقلي كلَّما كان أقرب مَدْرَكًا وأسهل تناولًا وأظهر عند العقل كان أجدر بأن يوثق به.
ولا ريب أنه يُخْشى قصورُ العقل العادي في بعض المطالب، لكن ذلك فيما ليس مطلوبًا [2/ 205] شرعًا. فأما المطلوب شرعًا فإن الله تعالى أعدّ العقولَ العادية لإدراكه، وأعدَّ لها ما يسدِّدها فيه من الفطرة والآيات الظاهرة في الآفاق والأنفس، ثم أكمل ذلك بالشرع. فإذا انقاد العقل العادي للشرع، وامتثل هُداه واستضاء بنوره؛ فقد أمِن ما يُخْشى من قصوره.
وأما المأخذ الثاني وهو الشرع، فما عسى أن يقال فيه! وإنما هو كلام الله عَزَّ وَجَلَّ وكلام رسوله، لا يُخْشى فيه جهل ولا خطأ، ولا كذب ولا تلبيس، ولا تقصير في البيان {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
هذا، والله سبحانه إنما خَلَق الناس ليكمُلوا بعبادته، كما مرَّ في المقدمة، وهو سبحانه الحكيم العليم القدير، فلا بد أن يكون خلقهم على الهيئة التي ترشَّحهم لمعرفته ومعرفة ما فرض عليهم الإيمان به, لأن ذلك رأس العبادة وأساسها. ولا نزل أن الميسَّر لهم قبل الشرع هو المَأْخذ الأول، فلا بد أن
(11/329)

يكون فيه ما يغني فيما يثبت به الشرعُ بعد تنبيه الشرع، ثم يكون فيه وفي الشرع ما يكفي لتحصيل القدر المطلوب منهم.
ويؤكد هذا أن تحصيل الدرجة التي يُعتدُّ بها في النظر العقلي المتعمَّق فيه صعب جدًّا. قال ابن سينا كما في "مختصر الصواعق" (1/ 243): "فإن المبرّزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعاتِ عمرهم على تثقيف أذهانهم وتذكية أفهامهم وترشيح نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهُّم هذه المعاني إلى فَضْل بيانٍ وشرح عبارة".
فمن الممتنع أن يكلِّف الله تعالى جميعَ عباده بهذا، ومن الممتنع أن يكتفي منهم في الأصول التي يلزمهم اعتقادُها بالتقليد الصِّرْف لمن ليس بمعصوم. كيف وقد علم سبحانه أن النُّظار سيختلفون، فيكون فيهم المُحِقّ والمُبْطِل، ومعرفةُ العامة بالمُحِقَّ مع جهلهم بما هو الحقُّ وعدمِ العصمة ظاهرُ الامتناع.
وقد نصَّ الله تبارك وتعالى في كتابه على أنه خلق الناسَ على الهيئة التي تُرشِّحهم لمعرفة الحق. قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ [2/ 206] لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
وعدم العلم إنما هو لأمرين:
الأول: ما يطرأ على الفطرة مما يغشاها، فيصرِف عن مراعاتها. وفي "الصحيحين" (1) من طرقٍ عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) البخاري (1358، 1359، 4775، 6599) ومسلم (2658).
(11/330)

وآله وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ, هل تُحِسّون فيها مِن جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} الآية [الروم: 30] ". لفظ مسلم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
الثاني: الإعراض عما أعدَّه الله تعالى لجلاء الفطرة عن تلك الغواشي، وهو الشرع. قال الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} خواتيم الشورى.
هذا، وقد أرسل الله تبارك وتعالى رسله، وأنزل كتبه، وفرض شرائعه، معرضًا عن علم الكلام والفلسفة. فأرسل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس، واختار أن يكون أولُ مَن يُدعَى إلى الحق العربَ الأميين، وكلّفهم بالنظر والإيمان. وقبِلَ إيمانَ من آمن منهم، وأثنى عليهم بأنهم خير أمة أُخرجت للناس، وبأنهم هم المؤمنون حقًّا. وقضى بقيام الحجة على من كفر منهم، ولم يكن فيهم أثر لعلم الكلام ولا الفلسفة، ولا أرشدهم الشرعُ إلى تحصيل ذلك، بل حذَّرهم منه. هذه سورة (الفاتحة) أعظم سورة في أعظم كتابٍ أنزله الله تبارك وتعالى، فرض الله سبحانه على العباد قراءتهَا في كلِّ يوم بضع عشرة مرةً، وفيها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}.
(11/331)

ومعلوم من أمره إياهم بسؤال الهداية إلى هذا دون ذاك: أنه يأمرهم بلزوم هذا واجتناب ذاك. والمُنْعَم عليهم هم الأنبياء ومن اهتدى بهديهم، فهم من هذه الأمة: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وخيارُ أصحابه، ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم.
[2/ 207] ولا خفاء أن المأخذَين السلفيَّين هما سراط هؤلاء، وأن علم الكلام والفلسفة ليسا من سراطهم. وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير "المغضوب عليهم" و"الضالين" باليهود والنصارى (1). ولا خفاء أن موسى وعيسى عليهما السلام ومَن كان على هديهما هم من المنعَم عليهم، وإنما وقع الغضب والضلال على اليهود والنصارى الذين خالفوا هديَ موسى وعيسى وأصحابهم وأتباعهم المهتدين بهديهم. وكان من تلك المخالفة الأخذُ في علم الكلام والفلسفة اتباعًا لسراط الأمم التي هي أوغلُ في الضلال كاليونان والرومان.
فمن الواضح الذي لا يخفى على أحد أن علم الكلام والفلسفة ليسا من سراط المُنْعَم عليهم، بل هما من سراط المغضوب عليهم والضالِّين. فثبت بهذا أوضحَ ثبوتٍ أن الشرع لم يقتصر على الإعراض عن علم الكلام والفلسفة، بل حذَّر منهما، ونفَّر عنهما. فهل يقول مسلم بعد هذا: إن المأخذين السلفيين غير كافيين في معرفة الحق في العقائد، وأن ما يؤخذ من علم الكلام والفلسفة مقدَّم على المأخذين السلفيين ومهيمنٌ عليهما؟!
__________
(1) أخرجه أحمد (19381) والترمذي (2954) وابن حبان (6246، 7206) من حديث عدي بن حاتم.
(11/332)

وقد قال الله تبارك وتعالى لمحمد وأصحابه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. وإكمالُ الدين وكمالُ إيمان الصحابة صريحٌ في أن جميع العقائد المطلوب معرفتها في الإِسلام كانت مبيَّنَةً (1) موضَّحةً حاصلةً لهم. وليس هذا كالأحكام العملية، فإنه لا يُطلب معرفةُ ما لم يقع سببه منها، فقد يُكتفَى في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببيان الأصل الذي إذا رُجِع إليه عند وقوع سبب الحكم عُرِف منه الحكم.
ثم رأيتُ في "شرح المواقف" (2) بعد ذكر الأحكام العملية ما لفظه: "وإنها لا تكاد تنحصر في عدد، بل تتزايد بتعاقب الحوادث الفعلية، فلا يتأتى أن يُحَاط بها ... بخلاف العقائد فإنها مضبوطة لا تزايُدَ فيها أنفسِها، فلا تَعَذَّرُ الإحاطةُ بها".
وأيضًا فتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند [2/ 208] الجمهور، فأما تأخيره عن وقت الحاجة فممتنع باتفاق الشرائع، كما نقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني. ووقتُ الحاجة إلى العقائد المطلوب اعتقادُها في الشرع لا يمكن تأخّرُه عن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ووقتُ الحاجة في
__________
(1) (ط): "مبنية" خطأ.
(2) (1/ 38).
(11/333)

النصوص المتعلقة بالعقائد هو وقت الخطاب, لأن المكلَّف يسمع، فيعتقد. والقضية العملية التي تستدعي الحكمَ لا محيصَ للقاضي عن النظر فيها والقضاءِ عندما تحدُث. فأما العقائد فلو فُرِض أن فرعًا منها لم يُعرَف حالُه من المأخذَين السلفيَّين فحقُّه تركُ الخوض فيه، وأن يكون الخوض فيه بدعة ضلالةٍ، إذ لا مُلجِئ إلى النظر فيه، فضلاً عن الكلام!
وقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرقٍ أنه قال: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (1) في أحاديث كثيرة في أفضلية الصحابة وكمال إيمانهم ثم أتباعهم. ولا خفاء أنه لم يكن إذ ذاك عند المسلمين خبر لعلم الكلام ولا الفلسفة، وأنه لما حدث بعضُ النظر في الكلام كان بقايا الصحابة ثم أئمة التابعين ينكرونه. وهكذا لم يزل علماء الدين العارفون بالكتاب والسنة المتحققون باتباع السلف ينكرون الكلام والفلسفة، ويشدِّدون على من ينظر فيهما إلى أن قلَّ العلماء، وفَشَتِ الفتنة.
وبالجملة، فشهادةُ الإِسلام بكفاية المأخذين السلفيَّين في العقائد وتحذيرُه مما عداهما بغاية البيان، ودلالةُ العقل بذلك واضحة، والله المستعان.
فهل يسوغ مع هذا لمسلمٍ أن يرضى طعن الكوثري في أئمة السنة باقتباسهم العقائد من المأخذين السلفيَّين وردِّهم ما يخالف ذلك؟ كقوله
__________
(1) أخرجه البخاري (2651، 3650) ومسلم (2535) من حديث عمران بن حصين بلفظ: "خير الناس قرني ... "، وأخرجه البخاري (6429) ومسلم (2533) من حديث ابن مسعود، وأخرجه مسلم (2534) من حديث أبي هريرة. وفي الباب عن غيرهم من الصحابة.
(11/334)

(ص 115) في الإِمام ابن الإِمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: "وقد ذكر في كتاب "الرد على الجهمية" ما يدلّ على ما أُصيب به عقله ... وهو الذي اعترف أنه يجهل علم الكلام ... ومع ذلك تراه يدخل في مضايق علم أصول الدين ... ".
وقال (ص 151) في الإِمام ابن الإِمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: "وعبد الله بن أحمد صاحب كتاب "السنة"، وما حواه كتابه هذا كافٍ في معرفة الرجل، ومثلُه لا يصدَّق في أبي حنيفة ... ".
[2/ 209] وقوله (ص 16) في الإِمام الجليل عثمان بن سعيد الدارمي: "وعثمان بن سعيد في السند هو صاحب "النقض" (كتابٌ في الرد على الجهمية) مُجَسِّم مكشوف الأمر، يعادي أئمة التنزيه ... ومثلُه يكون جاهلاً بالله سبحانه".
وقوله (ص 19) في الإِمام الشهير محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: "واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب "التوحيد" ... وعنه يقول صاحب "التفسير الكبير" ... إنه كتاب الشرك. فلا حبَّ ولا كرامة".
ويتتبع أصحابَ الإِمام أحمد طاعنًا في اعتقادهم، يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء، يقصد الطعن في الإِمام أحمد. بل رمز في بعض المواضع إلى الطعن في الإِمام أحمد بما هو أصرح من هذا.
وطعن (ص 5) في رواة السنة وفي أئمتها الذين امتحنهم المأمون وآله، فقال: "وكانت فلَتاتٌ تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته بما ينبذه الشرع (الفلسفي) والعقل (الجهمي) في آنٍ واحد، فرأى المأمونُ امتحانَ المحدِّثين والرواة في مسألة كان يراها من أجلى المسائل ليوقفهم موقف التروَّي فيما يرون ويروون. فأخذ يمتحنهم في مسألة القرآن، يدعوهم إلى القول بخلق القرآن ... فمنهم من أجاب مرغَمًا من غير أن يعقِل المعنى، ومنهم من تورَّع من الخوض فيما لم يخُضْ فيه السلف".
(11/335)

ولا ذنبَ لهؤلاء الأئمة إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا كتاب الله وسنة رسوله، ولم يلتفتوا إلى ما زعمه غيرُهم أنه لا يوثق بالفطرة والعقل إلا بعد إتقان علم الكلام والفلسفة، وأن النصوص الشرعية من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا تصلح حجةً في العقائد؛ لأنها لا تفيد اليقين، كما في "المواقف" وشرحها (1) في أواخر الموقف الأول: "الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل: لا تفيد، وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، .. وقد جزم الإِمام الرازي بأنه لا يجوز التمسُّك بالأدلة النقلية".
فلو أنَّ الطاعنَ في أئمة السنة طعن فيهم من جهة العقل ساكتًا عن الدين لكان الخطبُ أيسرَ، إذ يقال: إنه لم يتناقض، بل غاية أمره أنه سكت عن الطعن في القرآن والنبي اكتفاءً بما يلزم منه ذلك. فأما الطاعن فيهم من جهة الدين، فينسبهم إلى الزيغ والبدعة والجهل بعقائد الإِسلام، فلا يخفى كذبه على عارف. والله المستعان.
****
__________
(1) (2/ 51, 58).
(11/336)

[2/ 210] فصل
وأما المأخذ الخَلَفي الأول، وهو النظر المتعمَّق فيه، أعنى الكلامي والفلسفي، فقد تقدَّم بعض ما فيه.
وقد يقال: إن من شأنه أن يشهد للمأخذ السلفي الأول فيما أصاب فيه، ويكشف عن خطائه فيما أخطأ فيه, ويتغلغل إلى ما قَصَر عنه، وأن يبيِّن المراد من المأخذ السلفي الثاني؛ فعلى هذا لا معنى لنفور أهل الدين الحق عنه.
فأقول: أما من جهة النظر الإِسلامي، فما يُخشَى من خطأ المأخذ السلفي الأول قد تكفَّل الشرعُ بكشف الحال فيه، كما أبطل نسبةَ الولد إلى الله عزَّ وجلَّ، واستبعادَ الحشر، واستحقاقَ غير الله عَزَّ وَجَلَّ للعبادة، وغيرَ ذلك.
وما يقصُر عنه المأخذُ السلفيُّ الأول في العقائد قد تكفَّل الشرعُ ببيانه، فإن بقي شيء فالخوض فيه بدعة. وما يُخْشَى من الخطأ في فهم النصوص، لا بد أن يكون في المأخذَين السلفيَّين ما يكشف الحق فيه ضرورةَ أنهما كافيان مُغنيان بشهادة العقل والشرع القاطعة، كما تقدَّم.
فبقي النظر المتعمَّق فيه لا حاجة إليه في معرفة العقائد في الإِسلام، وهو مثار للشُّبُهات والتشكيكات كما يأتي، لا جَرَمَ وجب التنفير عنه والتحذير منه، وقد تقدم من الحجة على ذلك ما فيه غنًى لطالب الحقّ. فأما النظر فيه لكشف شبهات أهله، فسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى.
ولنذفِّفْ على هذا المأخذ بسلاح أهله، لينكشفَ عُوارُه، وتنهتكَ (1)
__________
(1) (ط): "وتنتهك" خطأ.
(11/337)

أستارُه، وتندفعَ شبهةُ المغترِّين به والمرعوبين منه:
علماء المعقول يقسّمون العلم إلى ضروري ونظري، ويقولون: إن النظر إنما يحصل به العلم إذا كانت المقدّمة من الضروريات أو لازمة لها لزومًا تُعْلم صحته بالضرورة. ثم قسّموا [2/ 211] الضروريات إلى أنواع ردَّها بعضهم إلى ثلاثة: الوجدانيات، والحسّيات، والبديهيات. قالوا: والوجدانيات قليلة الفائدة في إقامة الحجة على المخالف, لأنه قد ينكر أن يكون يجد من نفسه ما يزعم المدَّعي أنه يجده. قالوا: فالعمدة في العلم هي الحسيات والبديهيات.
ثم ذكروا أن جماعةً من الفلاسفة - منهم على ما حكاه الفخر الرازي إماما الفلسفة أفلاطون وأرسطو - قدحوا في الحِسّيات، وأن آخرين قدحوا في البديهيات، وآخرين في الجميع؛ وأن قومًا قدحوا في إفادة النظر للعلم مطلقًا، وآخرين قدحوا في إفادته العلم في الإلهيات.
فأما القادحون في الحِسّيات، فاحتجوا بأن الحواس كثيرًا ما تغلط، وذكروا من ذلك أمثلةً تراها في "المواقف" (1) وغيرها، ومن تدبّر وجد كثيرًا من أمثالها. ثم قالوا: فهذه المواضع تنبَّهنا لغلط الحواسِّ فيها لوجود أدلة نبَّهتْنا على ذلك، فيحتمل في كثير من المواضع التي نرى الحواس فيها مُصيبةً أن تكون غَلَطًا في نفس الأمر، ولكن لم يتفق أن نطلع على دليل ينبِّهنا على ذلك. ومن الأصول المقررة أن عدم وجدان الدليل لا يستلزم عدمَ المدلول.
__________
(1) انظر "شرح المواقف" (1/ 127 وما بعدها).
(11/338)

أجاب العَضُد (1) وغيره بأن المدار على جزم العقل، وهو لا يجزم بمجرّد الإحساس بل مع أمور تنضمُّ إليه، لا يُدْرَى ما هي؟ ولا كيف حصلت؟ ولا من أين جاءت؟
أشار بعضهم إلى القدح في هذا الجواب بأن الجزم مقدوح فيه كما يأتي، أي أن العقل قد يجزم ثم يتبين خطاؤه، وبأننا إذا تأملنا أمثلة الغلط وجدنا منها ما كانت عقولنا تجزم فيها بالصحة قبل أن تشعر بالدليل الدال على الغلط.
أُجِيب بأن ذاك الجزم ظن قوي، ليس هو بالجزم اليقيني المشروط، وهذا الجواب لا يُجدي لاشتباه الجزمين. غاية الأمر أنكم سمَّيتم ما تبيَّن غلطُه: ظنًّا، وما لم يتبين غلطه: يقينًا. ولو فُرِض أنه تبيَّن الغلط في بعض ما تسمُّون الجزم فيه يقينًا لعُدْتُم فسمَّيتموه ظنًّا.
[2/ 212] ومما يقوِّي ذلك القدح أنه لو تواطأ جماعةٌ على تشكيك إنسان في بعض ما يحسُّ به ويجزم، ولم يشعر بتواطئهم، لأمكنهم تشكيكه. بل ربما يكفي لتشكيكه واحد، بل يتشكّك بنفسه إذا كان يرى أن هناك ما يحتمل التغليط كالسحر.
هذا، وقد ردّ علماء الطبيعة المتأخرون عدة نظريات ذهب إليها الفلاسفة مسندين لها إلى الحسّ. ومن ذلك ما كانوا جازمين به، ويبنون عليه مقالات أخرى حتى في الإلهيات. فثبت بهذا أن عقول الفلاسفة قد تجزم ببعض ما تغلَط فيه الحواسّ، ثم تبني عليه في الإلهيّات، وتَعدُّ ذلك
__________
(1) المصدر السابق (1/ 144، 145).
(11/339)

من اليقينيات التي يوجب أسلافُ الكوثري ردَّ ما يخالفها من كلام الله تعالى وكلام رسوله.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: من تدبَّر أمثلة الغلط وجدها على ضربين: ضرب يُخْشى أن يكون سببًا قريبًا لمضار ومفاسد، وضرب لا يُخْشى فيه ذلك، لكن يُخشى أن يَغْلَط فيه المتعمّقون فيبنُوا عليه نظريات تعظم مفاسدها. ووَجَد الضربَ الأول جميعَه مما ينكشف فيه الحال عن قرب. فمنه أن الإنسان إذا تحاوَلَ (1) رأى الشيء اثنين، ولو كان هذا مما يتكرر للإنسان بغير شعوره لأوجب ضررًا ومفاسد، فاقتضت عناية الله عَزَّ وَجَلَّ أن لا يكون ذلك، بل اقتضت أن يرى الأحولُ الشيء واحدًا كغيره، مع أنه كان يجب أن يرى الشيء اثنين كالمتحاول. وهذا كما اقتضت العناية أن يكون لكل إنسان صورة يمتاز بها عن جميع الناس، فلا يلتبس بصاحبك الذي عرفتَه معرفةً محقَّقةً أحدٌ من أهل الأرض. وهكذا ترى العناية شاملة. والله عَزَّ وَجَلَّ إنما خلق الناس لعبادته، فإذا كانت عنايته بهم في معاشهم على ما تقدَّم، وهو وسيلة فقط، فأولى من ذلك عنايته بهم في المقصد الذي لأجله خلقهم. وهذا يقتضي حفظ المأخذ السلفي الأول عن أن يستمر فيه غلطٌ حِسِّيٌّ يؤدي إلى ضلال في الاعتقاد. على أنه لو كان شيء من ذلك لكشفه المأخذ السلفي الثاني، وهو الشرع.
__________
(1) أي: صرف إحدى عينيه عن الأخرى حتى ترى كلُّ واحدة منهما غير ما تراه الأخرى. [م ع].
(11/340)

فأما المتعمِّقون، فإنهم هم الذين يجلبون الضرر على أنفسهم، فلا بِدْعَ أن يكِلَهم اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى أنفسهم، بل ويزيدهم ضلالًا إلى ضلالهم. ونظير ذلك: أن الله تبارك وتعالى إنما هيّأ [2/ 213] للناس ابتداءً من الأسلحة ما لا يصيب به الإنسان في مرة واحدة إلا شخصًا واحدًا، وبذلك يحصل التكافؤ بين الناس، ويخفُّ ضرر الفتن. ولا تكاد تصيب من لم يتعرض لها (1) من الصبيان والنساء والعَجَزة والبهائم. ولكن الإنسان أخذ يدقَّق في اصطناع الأسلحة حتى اصطنع القنابل التي تُهلِك الواحدة منها ناحيةً بما فيها، ويفكِّر في اصطناع ما هو أشدُّ من ذلك.
وأما القادحون في البديهيات فاعتلّوا بأمور:
الأول: أن أجلى البديهيات قولنا: الشيء إما أن يكون، وإما أن لا يكون. قالوا: وإنه غير يقيني، وأوردوا للقدح في يقينيَّته عدة شبهات ذكرها وأجاب عنها صاحب "المواقف". فراجعه مع شرحه وحواشيه (2)، لتعلم ما يتضمنه النظر المتعمَّق فيه من التشكيك في أوضح الأشياء وأجلاها، تشكيكًا يشتمل على شبهات يصعب على الماهر حلُّها، وعلى من دونه فهمُ الحلِّ. ولو أُورِد بعض تلك الشبهات على أمرٍ خفيّ جاء به الشرع لجزم المتعمّقون بأنها براهين قاطعة.
الأمر الثاني: أننا نجزم بالعادِيّات (3) كجزمنا بالأوليات. فنجزم أن هذا الشيخ لم يتولد دفعةً بلا أب ولا أم، بل تولد منهما ونشأ بالتدريج ... ، وأن
__________
(1) (ط): "لهما" خطأ.
(2) (1/ 151 وما بعدها).
(3) من العادة.
(11/341)

أواني البيت لم تنقلب بعد خروجي أناسًا فضلاء، ولا أحجاره جواهر، ولا البحر دهنًا وعسلاً، مع أنه من الجائز خلاف هذا. أما عند المتكلمين، فلاستناد الأشياء جميعها إلى القادر المختار، فلعلَّه أوجبَ شيئًا من ذلك. وأما عند الحكماء، فلاستناد الحوادث الأرضية إلى الأوضاع الفلكية، فلعلَّه حدثَ شكل غريب فلكي لم يقع مثله، أو وقع ولكنه لم يتكرر مثله إلا في ألوف من السنين.
أجاب العَضُد بأنّ الإمكان لا ينافي الجزم كما في بعض المحسوسات. قال السيد في "شرحه" (1): "فإنا نجزم بأن هذا الجسم شاغل لهذا الحَيّز في هذا الآن جزمًا لا يتطرق إليه شبهة، مع أن نقيضه ممكن في ذاته، فقد ظهر أن الجزم في العاديّات واقعٌ موقعَه".
كذا [2/ 214] قال الشارح. وفيه أن القادحين لم يستندوا إلى الإمكان الذاتي المشترك بين أمثلتهم ومثال الشارح، وإنما استندوا إلى احتمال الوقوع في نفس الأمر. فإن أحجار البيت كما يمكن بالإمكان الذاتي انقلابها جواهر، فإنه يحتمل وقوع الانقلاب بعد خروجك. وليس مثال الشارح هكذا، فإنه مفروض في الحاضر المشاهَد.
وقد قال تبارك وتعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} إلى أن قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ
__________
(1) "شرح المواقف" (1/ 173).
(11/342)

تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 9 - 21].
فلما كان موسى عليه السلام مع أهله كانوا يشاهدون عصاه، فيجزمون بأنها عصا لم تنقلب حية؛ فهذا جزم كالجزم في مثال الشارح. ثم لما فارقهم، وأُمر بإلقاء عصاه، وانقلبت حيةً؛ إذا كان أهله - وهو غائب عنهم - يجزمون في الوقت الذي انقلبت فيه حيةً، يجزمون بمقتضى العادة أنها لم تنقلب حية = فهذا جزمٌ كالجزم في أمثلة القادحين. ولا يخفى الفرق بين الجزمين، وأنه لا يلزم من صحة الأول صحة الثاني، ولا من القدح في الثاني القدح في الأول، وأن الثاني في قصة أهل موسى مخالف للواقع، وفي أمثلة القادحين محتمل لذلك = فكيف يقال: إنه جزم واقع موقعه؟
دعْ عنك خرقَ العادة، ويغني عنه النقض العادي الذي لم يُعْهَد، كالرجل يُمسي بالمغرب، ثم يُصبح في المشرق. فإن هذا كان من المحال العادي عند الناس، فانتقض بالطيارات، فلو بقي الآن أهلُ جهة لم يسمعوا بخبر الطيارات لكانوا يجزمون بامتناع ما هو واقع بدون خرق عادة.
وربما يقال: لا يمتنع أن يكون مراد الشارح أن الاحتمال البعيد جدًّا لا ينافي الجزم، ففي مثاله يحتمل نقيض ما جزم به لاحتمال خطأ الحسّ، فكذلك احتمال خرق العادة.
والظاهر أن مراد المتن والشرح: أنه كما أن الحسَّ يحتمل الغلط ومع ذلك يسلِّم القادحون [2/ 215] في البديهيات أن ذلك لا يقتضي القدح في الحسيات مطلقًا، فهكذا يلزمهم في العاديات أن لا يقتضي احتمالُ الخرق القدحَ فيها مطلقًا.
(11/343)

وكأن العَضُد يقول في الجزم بالعادة مثل ما قاله في الجزم بالحس: إن المدار على جزم العقل، وهو إنما يجزم بأمور تنضم إلى الحس أو إلى العادة، لا يُدرى ما هي؟ ولا كيف حصلت؟ ولا من أين جاءت؟ فإذا كان هذا مراده، فقد تقدم في الكلام على الحسِّيات ما علمت.
والحق الذي لا ريب فيه: أن العقل قد يجزم في الحسيات بمجرد الإحساس، وفي العاديات بمجرد العادة، وإنما يقف إذا عرض له ما يشكِّكه. فالذي يجوِّز السحر إذا قال له من يثق به: إن هنا ساحرًا، فأدخله عليه، فناوله تفاحةً، فإنه لا يجزم بأنها تفاحة أثمرتها شجرة، بل يجوِّز أن تكون روثةً - مثلًا - وأن حسَّه أخطأ لأجل السحر، أو أن تكون روثة انقلبت تفاحة بعمل السحر، فلا يجزم هنا بإحساس ولا عادة. ومع هذا فإن هذا الذي يجوِّز السحر تجده حيث لا مظنة للسحر يجزم بالإحساس والعادة كما يجزم غيره. وقد يجزم، ثم تشكَّكه، فيرجع عن جزمه.
فالحق أن النفس قد لا تعرف وجه الاحتمال فتجزم، وقد تعرفه ولكنها تجحده فتجزم، وقد تعرفه وتعترف به وتستحضره، ولكنها تستبعده جدًّا، فتجزم (1) ولا تبالي به. فاحتمال الجزم للخطأ لا محيصَ عنه. وسيأتي اعترافهم بذلك.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: قد مرَّ في الكلام على الحسيات ما فيه كفاية، ويُعْلَم منه الجواب عنهم في شأن البديهيات، ويأتي إن شاء الله تعالى لذلك مزيد.
__________
(1) (ط): "فيجزم" خطأ.
(11/344)

وأما العاديَّات، فهم يعترفون بجواز خرق العادة، وإنما يحتجُّون بها في مواطن:
الأول: حيث تكون من المأخذ السلفي الأول، بأن يعلم أن من شأنها أن تحمل الأميين على اعتقاد شيء في الدين، ولم يأتِ الشرعُ بما يخالفها. ووجهُ الاحتجاج هنا هو تقرير الشرع، مع القطع بأنها لو كانت مختلّة لكشف الشرعُ عن حالها.
الثاني: حيث تكون من المأخذ السلفي الثاني، كأن يتواتر أثر عن النبي صلى الله عليه [2/ 216] وآله وسلم في الدين. ووجهُ الاحتجاج هنا أن الخرق إنما يكون بفعل الله عزَّ وجلَّ، ومن الممتنع أن يقع الخرق هنا بأن يتواتر ما هو كذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدين. فإن هذا تضليل يتنزَّه الله عَزَّ وَجَلَّ عن مثله.
فإن قيل: فقد رُوي أنه يظهر على يد الدجال بعض الخوارق.
قلت: قد كشف الشرعُ حالها بالدلالات القاطعة من المأخذين السلفيين على كذب الدجال. ولم يكتف بذلك، بل نصَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على خروج الدجال وكذبه وظهور ما يظهر على يده، وأن ذلك ابتلاء محض.
الثالث: حيث لو فُرِضَ خرقُها لكان الخرقُ حجةً أخرى تقوم مقام العادة، كما تقول: إن من الحجة على إعجاز القرآن أن العرب لم يأتوا بسورةٍ مِن مِثله مع تحدِّيه لهم وتوفُّر الدواعي أن يفعلوا لو أمكنهم. ففي هذا القول إن فُرِض الخرقُ بأن يقال: لعلهم كانوا قادرين، ولكن صرفهم الله عزَّ وجلَّ، فهذا الصرف حجة أخرى على الإعجاز.
(11/345)

الرابع: حيث يكون مع العادة حُجَج أخرى لو فُرِض أن بعضها كالعادة لا يفيد إلا الظن لم يضرَّ ذلك؛ لأن القطع حاصل بالمجموع.
الخامس: حيث يكفي الظن. والله الموفق.
الأمر الثالث: أن للأمزجة والعادات تأثيرًا في الاعتقادات. فقويُّ القلب يستحسن الإيلام، وضعيف القلب يستقبحه، ومن مارس مذهبًا من المذاهب بُرْهةً من الزمان ونشأ عليه فإنه يجزم بصحته وبطلان ما يخالفه ....
قال العضد (1): "والجواب: أنه لا يدل على كون الكل كذلك".
أقول: هذا حق، ولكن فيه اعتراف بأن ذلك واقع في كثير، وهذا كافٍ في القدح في جزم العقل في الجملة؛ لأنه إذا ثبت أن جزمه قد يكون خطأً لسبب لم يُؤمَن أن يكون خطأ في موضع آخر لذلك السبب أو لسبب آخر.
نعم، قد تتضح القضية جدًّا، فلا يُخْشى فيها ذلك، كقولنا: الثلاثة أقل من الستة. والقضايا التي يختصّ بها المتعمّقون ليست من هذا القبيل ولا قريبًا منه، ولا سيما قضاياهم التي [2/ 217] يناقضون بها المأخذين السلفيين، وكفى بمناقضتهما لها حجةً على اختلالها. فأما قضايا السلفيَّين فما لم يكن منها من ذاك القبيل فهو قريب منه، وقد أُمِنَ اختلالها بإقرار الشرع لها. فأما ما لم يقتصر الشرع على إقرارها، بل جاء على وَفْقها، فتلك الغاية.
الأمر الرابع: مزاولة العلوم العقلية دلّت على أنه يتعارض دليلان قاطعان بحسب الظاهر بحيث نعجز عن القدح فيهما، وما هو إلا للجزم بمقدماتهما مع أن أحدهما خطأ قطعًا.
__________
(1) "المواقف" (ص 19).
(11/346)

أجاب العضد (1): بأن البديهي ما يُجْزَم فيه بتصوُّر الطرفين، فيتوقف على تجريدهما، فلعل فيه خللًا.
أقول: هذا اعتراف بأن الجزم قد يكون خطأ، فقد يكون هناك خلل يخفى على الناظر الماهر، فيجزم بأنه لا خلل. غاية الأمر أنه عند تعارض الدليلين العقليين يتنبه، فيعرف أن هناك خللًا، فكيف بما يلوح للمتعمّق من الدلائل العقلية بدون أن يلوح له ما يعارضه؟ فأما النصوص الشرعية، فإنهم لا يعتدُّون بها، على أن المتعمّقين ربما يرجّحون الدليل الخفيّ المعقَّد الذي هو مَظِنّة الخلل على البديهي الواضح، ميلًا مع الهوى ورعبًا ممن يرونه أمهرَ في التعمق منهم، ولأنه يصعب عليهم معرفة الخلل في الخفي المعقّد، ويسهل عليهم أن يدفعوا البديهي الواضح، بأن يقولوا: هذه قضية وهمية.
الأمر الخامس: أنا نجزم بصحة دليل آونةً، وبما يلزمه من النتيجة، ثم يظهر خطاؤه؛ فجاز مثله في الكل.
أجاب الشارح (2) بقوله: "لا نسلِّم أن مقدّمات الدليل الذي نجزم بصحته آونةً بديهيةٌ، ولئن سُلِّم ذلك فالبديهي قد يتطرّق إليه الاشتباه لخلل في تجريد طرفيه وتعقُّلهما على الوجه الذي هو مناط الحكم بينهما، وذلك لا يعم البديهيات".
أقول: هذا اعتراف بأن الناظر الماهر قد يجزم بأن المقدمة بديهية، والواقع أنها غير بديهية، وقد يجزم بعد تدبره وإنعام نظره أنه لا خلل. وتمام
__________
(1) المصدر نفسه (ص 19).
(2) "شرح المواقف" (1/ 183).
(11/347)

الكلام كما مرَّ في "الأمر الرابع".
الأمر السادس: "أن في كل مذهب قضايا يدَّعي صاحبه فيها البداهة، ومخالفوه ينكرونها. وهو يوجب الاشتباه ورفع الأمان، فلنعدَّ عِدَّةً منها ... ". فذكروا إحدى عشرة قضية، ثم [2/ 218] قالوا (1): "وقد أُجيب عنها بأن الجازم بها بديهة الوهم، وهي كاذبة، إذ تحكم بما ينتج نقائضها. قلنا: فيتوقَّف الجزم بها على هذا الدليل فيدور، وأيضًا فلا يحصل الجزم بما لا يتيقن (2) أنه لا ينتج نقيضه، ولا يتيقن، بل غايته عدم الوجدان".
لم يجب العضد عن هذا الأمر السادس ولا السيد، غير أنه قال (3) في الجواب عن تلك الأمور كلها: "وأُجيب عن ذلك بأنا لا نشتغل بالجواب عنها، لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبّ عنها، وليس يتطرق إلينا شك فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها".
أقول: لا ريبَ أن القدح في البديهيات بما يشمل الأوليات لا سبيل إليه، لأن هناك قضايا واضحة متفق عليها، وهؤلاء القادحون لم يدَّعوا ما يناقضها، وإنما حاولوا التشكيك فيها بما لا يُعتدّ به. وذلك كقولنا: "الثلاثة أقلُّ من الستة" و"الشيء أعظم من جزئه"، و"الشيء لا يكون موجودًا معدومًا معًا"، و"الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد بأن يكون كله في أحدهما وكله في الآخر". لكن الوثوق ببعض البديهيات لا يستلزم الوثوق بجميعها، وقد اعترف بذلك المحتجون بها، فبقي الكلامُ معهم في هذا.
__________
(1) "المواقف" (ص 19، 20).
(2) كذا في (ط). وفي المواقف: "الجزم ما لم يتيقن ... "، وهو المناسب للسياق.
(3) "شرح المواقف" (1/ 186).
(11/348)

فيقال لهم: تلك القضايا المعدَّدة في الأمر السادس وهي إحدى عشرة، وما يشبهها اعترفتم جميعًا بأنها بديهية، ثم اختلفتم في الأخذ بها. وكلُّ فرقة منكم تزعم أن ما أخذت به من تلك القضايا بديهي عقلي يقيني، وأن ما ردّته منها بديهي وهمي. فإن كان مردُّ ذلك إلى التحكُّم، مَنْ هَوِيَ قضيةً قال: إنها بديهية عقلية تفيد اليقين، ومن خالفت هواه قال: بديهية وهمية = فهذا ليس من العلم في شيء.
وإن كان المردُّ إلى الجزم، فمن أحسَّ بأنه جازم بالقضية قال: عقلية يقينية، ومن أحسّ بأنه مرتاب فيها قال: وهمية= فهذا قريب من سابقه، إذ قد ثبت أن الجزم يخطئ ويغلط؛ وقد تقدَّم أدلةٌ على ذلك، وكفى بالاختلاف في هذه القضايا دليلاً.
وإن كان المردُّ إلى قوة المعارض، فمن لم يقوَ عنده معارض القضية سمَّاها: عقلية، وقطع بها. ومن قَوِي عنده المعارض سمَّاها وهمية، فردَّها= فهذا كسابقيه، إذ غايته الجزم بالقضية أو الجزم بمعارضها، وقد ثبت أن الجزم يخطئ ويغلط.
[2/ 219] وإن كان هناك معيار صحيح، فما هو؟ قالوا: المعيار أن تُعرض القضية البديهية المنظور فيها على البديهيات الأخرى، فإن وُجد فيها ما يُنتج نقيضَ هذه القضية علمنا أن هذه وهمية.
قلت: هَبُوا أني تمسّكتُ بقضية بديهية، وقلت: إنها عقلية يقينية، فخالفني مخالف وذكر بديهيةً أخرى زعم أنها عقلية يقينية، وأنها تُنتج نقيضَ قضيتي، فقد لا أُسَلّم أن القضية التي ذكرها عقلية يقينية، بل أحتجّ على أنها وهمية بإنتاجها نقيض قضيتي، وما أنتجَ نقيض الحق فهو باطل. وإن سلّمتُ
(11/349)

أن قضيته عقلية، فقد لا تكون من القضايا المتفق عليها بين العقلاء، وإذا لم تكن منها لم يُؤمَن أن تكون في نفس الأمر وهميةً وتابعتُ صاحبي على الخطأ. وإن كانت من القضايا المتفق عليها بين العقلاء أو بيني وبين صاحبي فقد لا أسلِّم صحة استنتاجه، إذ غايته أن تكون صحته بديهية، فلعلّ بداهته وهمية، بدليل مناقضته لقضيتي، وما ناقض الحقَّ فهو باطل. فالمعيار الذي ذكرتم لا يفيد إلا حيث تكون القضية المعتبر بها من القضايا المتفقِ عليها بين العقلاء، وتكون صحة إنتاجها كذلك، وهذه فائدة ضئيلة لا تتأتى في شيء من القضايا التي اختلفتم فيها.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: يقولون: القضية المحتاج إلى التثبُّت فيها (1) إما غير ماسَّة بالدين البتةَ، وإما ماسَّة به.
فالأولى لا شأن لهم بها، بل يدَعُونها لعلماء الطبيعة.
وأما الثانية، فإما أن لا تكون من المأخذ السَّلفي الأول، وإما أن تكون منه.
فالأولى لا يعتدُّون بها، إلا أن بعضهم قد يتعرّض لها إذا وافقت المأخذين السلفيَّين.
وأما الثانية، فيحكِّمون فيها الشرع، فإن وجدوه جاء بما يخالفها علموا أنها باطلة، وإن وجدوه أقرَّ الناسَ على اعتقادهم الديني بحسبها علموا أنها حق؛ لأن الشرع لا يُقرّ على مثل هذا إلا وهو حق. فأما إذا زاد الشرع فجاء على وَفْقها، فتلك الغاية.
__________
(1) احتراس من القضايا الواضحة، ومنها ما لا يثبت أصل الشرع إلا به. [المؤلف].
(11/350)

فهذا المعيار هو الذي ارتضاه الله عَزَّ وَجَلَّ لعباده، وكره لهم ما عداه. فهو الصراط المستقيم، [2/ 220] وسبيل الله، وسبيل المؤمنين. وله مزايا لا تُحْصى.
منها: أنه أتمُّ وأعمُّ من معيار المتعمّقين الضئيل الفائدة.
ومنها: أنه لا يؤدِّي إلى ما وقعوا فيه من الخروج عن الشرع والعقل بنسبتهم الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يأتي شرحه.
ومنها: أنه لا يؤدي إلى الاختلاف في الدين وتفريقه، بدليل أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يختلفوا. فإن أدَّى إلى اختلافٍ مَّا فلا يكاد يكون إلا من قبيل الاختلاف في فروع الفقه، لا يلزم المخطئَ فيه كفر ولا ضلال. على أنه إن خيف اختلاف في الدين كان الواجب على الأكثر في زمن غَلَبة الخير عدم التدقيق، وعلى الأقل كتمان قولهم، كما جرى عليه السلف في مسألة القَدَر.
ومنها: أن المخطئ إذا لم يقصّر تقصيرًا بيِّنًا يرجى له العفو، لأنه لم ينشأ خطاؤه عن اتباع غير سبيل المؤمنين، والتماس الهدي من غير الصراط المستقيم.
ومنها: تيسُّر المعرفة بدون خروج عن الصراط المستقيم ولا اتباع السبل المفرقة عن سبيل الله عزَّ وجلَّ. إذ يكفي للمعرفة العلمُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، بدون حاجة إلى التعمّق والمنطق والفلسفة.
ومنها: أن العامة لا يحتاجون معه إلى التقليد المريب المُوقِع للمسلمين في الاختلاف والتفرُّق والتنابذ والتنابز والفتن، لأن القضية إما أن يتفق عليها
(11/351)

علماء الدين فتكون إجماعًا، وإما أن لا يظهر فيها مخالفة إلا ممن يشذّ، فيكون اتباع الجمهور المعلوم أنهم إنما يتبعون كتاب الله تعالى وسنة رسوله أخذًا بالراجح الواضح.
وهذا إنما يحتاج إليه في فروع العقائد التي لا يضرُّ عدم استيقانها. هذا مع أنه يسهل على العلماء أن يذكروا للعامة الحجة النقلية، فيفهمها العامة فيكونون متبعين للشرع، وبذلك تطمئن قلوبهم، ويزيد إيمانهم، ويعظم ثوابهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وأما القادحون في الجميع، فهم السوفسطائية. وهم ثلاث فرق، أمثلها وأفضلها كما في "المواقف" و"شرحها" (1) اللا أدرية، يشكُّون في كل شيء.
الثانية: العنادية، يزعمون أن لا موجود أصلاً.
الثالثة: العندية، يقولون: حقائق الأشياء تابعة للاعتقاد، فمذهب كل طائفة حق بالنظر إليهم، وليس في نفس الأمر شيء بحق.
[2/ 221] قال السيد في "شرح المواقف" (2): "إنما نشأ هذا من الإشكالات المتعارضة ... وبالجملة ما من قضية بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة مثلها في القوة تقاومها".
أقول: فيعلم بهذا أن طريق المتعمّقين مشتبهة مُوقِعةٌ في كثرة الخطأ والغلط والاختلاف والارتياب والجنون، وحُقَّ لمن رغب عن سبيل الله عزَّ وجلَّ وابتغى الهدى في غيرها أن يقع في مثل هذا التيه.
__________
(1) "المواقف" (ص 21) و"شرحها" (1/ 186).
(2) (1/ 187).
(11/352)

وأما القادحون في إفادة النظرِ العلمَ مطلقًا فهم السُّمَنِيَّة، وتمسكوا بوجوه سأحاول حكاية بعضها، وما أجيب به عنها (1) بالمعنى تقريبًا للفهم.
الوجه الأول: إفادة النظر الصحيح للعلم لا تُعْلَم، إذ لو عُلِمتْ فإما بضرورة أو نظر، وكلاهما باطل. أما الضرورة فلاختلاف الناس في ذلك وللجزم بأنه دون قولنا: "الواحد نصف الاثنين" في القوة، وليس ذلك إلا لاحتمال النقيض ولو على أبعد وجه. وأما النظر فلاستلزامه إثبات الشيء بنفسه.
أجاب بعضهم باختيار الضرورة، وأن الضروريّ قد لا يكون تصوُّرُ طرفَيْه جليًّا، ولا تجريدهما سهلًا، ولا يكثر وروده على الذهن فيؤلَفَ ويُسْتأنسَ به؛ فمثلُ هذا قد يخالف فيه قليل من الناس، ويُدرِكُ أنه دون قولنا: "الواحد نصف الاثنين"؛ وذلك لا يُخرِجه عن كونه ضروريًّا. واختار بعضهم النظر، وأجابوا بما فيه طول وتعقيد، فراجعه في "المواقف" و"شرحها" (2)، لما قدّمناه في أول الكلام مع منكري البديهيات.
الوجه (3) الثاني: الاعتقاد الجازم عقب النظر لا يُعلَم أنه عِلْم، لأنه لا يُعْلَم إلا بضرورة أو نظر، وكلاهما باطل. أما الضرورة فلأنه "قد يظهر للناظر بعد مدة بطلانُ ما اعتقده وأنه لم يكن علمًا وحقًّا، وكذلك نقل المذاهب ودلائلها لما مرَّ من أنه قد يظهر صحة ما اعتقد بطلانه وبالعكس". كذا في
__________
(1) انظر "المواقف" (ص 24 - 26) و"شرحها" (1/ 219 وما بعدها).
(2) (1/ 220، 221).
(3) الأصل: "الأمر" وكذا ما سيأتي، وقد سبق أنه يذكر الوجوه، ثم قال: "الوجه الأول"، فغيرناها لتتوافق.
(11/353)

"المواقف" و"شرحها" (1).
وأما النظر فلاحتياجه إلى نظر آخر، ويتسلسل.
[2/ 222] أجاب العضد (2) بقوله: "الذي يظهر خطاؤه لا يكون نظرًا صحيحًا والنزاع إنما وقع فيه".
الوجه الثالث: النظر لا يفيد العلم إلا إذا عُلِم عدمُ المعارض، إذ معه يحصل التوقف، "وعدمه ليس ضروريًّا وإلا لم يقع المعارض، أي لم ينكشف وجوده (3) بعد النظر، وكثيرًا ما ينكشف، فهو نظري ويحتاج إلى نظر آخر، وهو أيضًا محتمل لقيام المعارض، ويتسلسل". كذا في "المواقف" و"شرحها" (4).
أجاب العضد (5) بقوله: "النظر الصحيح (6) في المقدّمات القطعية كما يفيد العلم بحقية النتيجة يفيد العلم بعدم المعارض، فعدم المعارض في نفس الأمر ضروري".
الوجه الرابع: "الاعتقاد الجازم قد يكون علمًا لكونه مطابقًا مستندًا لموجب، وقد يكون جهلًا لكونه غير مطابق مستندًا إلى شُبهة أو تقليد، فلا يمكن التمييز بينهما. فإذًا ماذا يُؤمِننا أن يكون الحاصل عقيب النظر جهلًا؟ ".
__________
(1) (1/ 220).
(2) "المواقف" (ص 24).
(3) (ط): "وجود".
(4) (1/ 224).
(5) "المواقف" (ص 24).
(6) (ط): "صحيح" خطأ.
(11/354)

لخّصت هذه العبارة من "المواقف" و"شرحها" (1).
قال العضد (2): "هذا إنما يلزم المعتزلةَ القائلين بمماثلة الجهل للعلم".
قال الشارح (3): "أما نحن (أي الأشعرية) فنقول: إذا حصل للناظر العلم بالمقدمات الصادقة القطعية وبترتيبها المُفْضي إلى المطلوب، فإنه يعلم بالبديهة أن اللازم عنه علم لا جهل".
أقول: إذا كان القادحون يسلّمون إمكان علم الناظر بأن نظره صحيح علمًا يقينيًّا باتًّا، فلا ريب في سقوط شبهاتهم هذه والسبع الباقية المذكورة في "المواقف" (4). وإن كانوا يمنعون ذلك ويقولون: غايته أن يجزم، وهذا الجزم لا يوثق به، فكلامهم قويّ بالنسبة إلى النظر المتعمّق فيه في الإلهيات ونحوها. وليس فيما أُجيب به عن ذلك ما يُجدِي، إذ غايته أنه إذا عُلِمَت صحة النظر علمًا يقينيًّا باتًّا حصل العلم بالنتيجة قطعًا، وحصل العلم بأن ذلك علم، وحصل العلم بعدم المعارض، وحصل الأمن من أن يكون الاعتقاد جهلًا. وهذا إنما يفيد إذا ثبت إمكان العلم اليقيني الباتّ بصحة النظر، فيبقى البحث في هذا الإمكان. ولا ريب أنه ليس عند الناظر في النظر المتعمّق فيه في الإلهيات ونحوها إلا جزمه بالصحة إن صَدَق في دعوى الجزم، وهذا الجزم قد ثبت بالتجارب الكثيرة والدلائل الواضحة أن مثله كثيرًا ما يكون [2/ 223] خطأ وغلطًا، واعترف المتعمّقون بذلك كما مرّ
__________
(1) (1/ 234).
(2) "المواقف" (ص 26).
(3) (1/ 234).
(4) (ص 24 - 25).
(11/355)

مرارًا. وإذا احتمل - ولو على غاية البعد - أن يكون الجزم خطأ لم يكن الجزم بصحة النظر علمًا بصحته، ولا الجزم بإفادته العلم علمًا بذلك، ولا الجزم بأن ما أفاده عِلْمٌ عِلْمًا بذلك، ولا الجزم بعدم المعارض علمًا بعدمه، ولا يحصل الأمن من أن يكون كل ذلك جهلًا.
فإن قيل: إننا نقطع مع هذه الشبهات كلِّها بأن من الأنظار ما هو صحيح.
قلت: إن كان المراد الصحة في الجملة أي أنه يمتنع أن تكون الأنظار كلها فاسدة، فهذا لا يُجدي في الأنظار الجزئية واحدًا واحدًا، وإنما يفيد في كل منها الاحتمال. فكلُّ نظر يُجزم بصحته، فإنه يحتمل أن يكون فاسدًا في نفس الأمر، ولا ينافي ذلك امتناع أن يعمَّ الفسادُ جميعَ الأنظار.
وإن كان المراد القطع في بعض الأنظار بعينها، فهذا لا يسلِّم بالنسبة إلى النظر المتعمَّق فيه في الإلهيات ونحوها. وإنما غاية ما يحصل لكم في ذلك الجزم، وقد علمتم ما فيه. وإنما يسلّم في القضايا السهلة الواضحة التي تؤول إلى البديهيات المتفق عليها عن قُرْب.
نعم قد يحصل القطع بالأمر لدليل آخر غير النظر الدقيق، كاجتماع أدلة يحصل اليقين بمجموعها، وكأن تكون القضية بديهية قوية، وهي في الدين ويُقِرُّها الشرع؛ وكأن يصرِّح بها الشرع تصريحًا لا يمكن تأويله إلا بحمله على الكذب أو التلبيس. وسيأتي شرح هذا إن شاء الله تعالى. لكن اليقين بهذه القضايا لا يستلزم صحةَ نظرٍ دقيقٍ يوافقها بنتيجته، إذ قد تصحّ النتيجة مع فساد النظر، كما لو أشرتَ إلى جسم أبيض وقلتَ: هذا جسم وكل جسم أبيض، فإن النتيجة "هذا أبيض" وهي صادقة، والنظر فاسد، كما لا يخفى.
(11/356)

وأما القادحون في النظر في الإلهيات فقالوا: إن النظر إنما قد يفيد العلم في الهندسيات والحسابيات، دون الإلهيات، فإنها بعيدة عن الأذهان جدًّا، والغاية القصوى فيها الظن والأخذ بالأحرى والأخلق. واحتجوا بوجهين:
الأول: الحقائق الإلهية من ذاته تعالى وصفاته لا تُتَصوَّر، والتصديق بها فرع التصور.
الثاني: أقرب الأشياء إلى الإنسان هُويَّتُه التي يشير إليها بقوله: "أنا" وإنها غير معلومة، لا من حيثُ وجودُها فإنه لا خلاف فيه، بل من حيث تصوُّرُها بكنهها، ومن [2/ 224] حيث التصديقُ بأحوالها من كونها (1) عَرَضًا أو جوهرًا، مجردًا أو جسمانيًّا، منقسمًا أو غير منقسم. وقد كَثُر الخلاف فيها كثرةً لا يمكن معها الجزم بشيء من الأقوال المختلفة. وإذا كان أقربُ الأشياء إلى الإنسان هذا حاله، فما الظنُّ بأبعدها؟
ذُكِر هذا كلُّه في "المواقف" (2)، ثم ذكر أنه أُجيب عن الوجه الأول بأنه يكفي التصوُّر بعارض يكون هو مناط الحكم. وعن الثاني بقوله: "لا نسلّم أن هوية الإنسان غير معلومة له، وكثرة الخلاف فيها لا تدل إلا على العسر". قال السيد في "شرحه" (3): "فلم يثبت بما ذكرتم أن هناك نظرًا صحيحًا لا يفيد علمًا، بل ثبت أن تميُّز النظر الصحيح عن غيره [في شأن الهوية] مشكل جدًّا، فيكون ذلك في الإلهيات أشكل، ولا نزاع فيه".
__________
(1) (ط): "لونها" خطأ.
(2) (ص 26).
(3) (1/ 238).
(11/357)

أقول: الذي يظهر من كلام القادحين وما استدلوا به أنهم لم يزعموا أن النظر الصحيح في الإلهيات لا يترتب عليه نتيجة صادقة، ولا أنه لا يمكن فيها نظر صحيح في نفس الأمر. وإنما زعموا أنه لا يمتاز فيها النظر الصحيح من غيره لشدة البعد والغموض والاشتباه والإشكال، فلذلك لا تُعْلَم صحةُ النظر علمًا يوثَقُ به، فلا تُعْلَم صحة النتيجة، فلا يفيد علمًا. وعلى هذا، فلهم أن يقولوا: التصوُّر بعارض يكون هو مناطَ الحكم محلُّ غموضٍ واشتباه شديد، لاحتمال مخالفة الإلهيات لغيرها في العوارض وما يترتب عليها. والعُسْرُ وشدةُ إشكال تمييز النظر الصحيح من غيره في شأن الهوية، وكونُه في الإلهيات أشدَّ وأشدَّ= كافٍ في القدح، إذ غاية ما قد يحصل للناظر أن يجزم، وقد تقدم مرارًا أن الجزم كثيرًا ما يكون خطأً وغلطًا. إذا كان قد يقع ذلك في الحِسّيات ونحوها، فما الظن بما هو من البُعْد والإشكال بالدرجة القصوى؟
هذا، ويردُّ على القادحين أن من أحوال الإلهيات ما هو على خلاف ما ذكروا، كالعلم بوجود الخالق عزَّ وجلَّ، وبأنه حىٌّ عليم قدير حكيم. لكن لهم أن يقولوا: أما ما كان من هذا القبيل، فهو من الضروريات، كعلم الإنسان بوجود هويَّته وبعض صفاتها، أو أوضح من ذلك. وإنما دخل التشكك من جهة النظر المتعمَّق فيه، وتجاهل وهنِه، حتى جرَّ أصحابه إلى إنكار الضروريات، كما وقع للسوفسطائيين وغيرهم.
[2/ 225] أقول: فعلى هذا يختص القدح بالنظر المتعمَّق فيه. فأما السلفيون فإنما يعتمدون المأخذ السلفي الأول لإثبات جلائل الأمور التي أعدَّه الخالق عزَّ وجلَّ لإدراكها. وبذلك يثبت الشرع يقينًا، فيسلِّمون أنفسهم لخبر من يمتنع عليه الجهل والخطأ والكذب والتلبيس والتقصير في البيان.
(11/358)

فقد اتضح بحمد الله عَزَّ وَجَلَّ أن النظر العقلي المتعمَّق فيه كثيرًا ما يُوقِع في الغلط، إما بأن يبنيَ على إحساس غلط لم يتنبه لغلطه، وإما بأن يبنيَ على قضية وهمية يزعمها بديهية عقلية، وإما بأن يبنيَ على شُبهة ضعيفة فيردَّ بها البديهية العقلية زاعمًا أنها وهمية، وإما بأن يبنيَ على لزوم باطل يراه حقًّا. وقد تبيَّن بالفلسفة الحديثة المبنية على الحسّ والتجربة وتحقيق الاختبار بالطرق والآلات المخترعة غَلَطُ كثير من نظريات الفلسفة القديمة في الطبيعيات. وكثير من تلك النظريات كانت عند القوم قطعية يبنُون عليها ما لا يُحْصَى من المقالات حتى في الإلهيات، فما ظنك بغلطهم في الإلهيات؟ وهم إنما يعتمدون فيها على قياس الغائب على الشاهد، فقد يقع الغلط في اعتقاد مشاركة الغائب للشاهد في بعض الأمور، أو في اعتقاد مخالفته له، أو في اعتقاد اللزوم في الشاهد لبنائه على استقراءٍ ناقص أو غيره من الأدلة التي لا يؤمَن الغلط فيها، أو في اعتقاد أنه غير محقَّق إذا لزم في الشاهد لزم في الغائب، أو في تركيب القياس، أو غير ذلك مما يشتبه ويلتبس، كما يتضح لمن طالع كتب الكلام والفلسفة المطوَّلة، ولا سيما إذا طالع كتب الفريقين المختلفين كالأشاعرة والمعتزلة. فالنظر العقلي المتعمَّق فيه مع أنه لا حاجة إليه في معرفة الحق - كما تقدم - فهو مظنة أن يشكِّك في الحقائق، ويُوقع في اللبس والاشتباه والضلال والحيرة.
وتجد في كلام الغزالي وغيره ما يصرِّح بأن النظر العقلي المتعمَّق فيه لا يكاد ينتهي إلى يقين، وإنما هي شُبهات تتقارع، وقياسات تتنازع. فإما أن ينتهي الناظر إلى الحَيْرة، وإما أن يعجز فيرضى بما وقف عنده ولا سيما إذا كان موافقًا لهواه، وإما أن لا يزال يتطوَّح بين تلك المتناقضات حتى يفاجئه الموت.
(11/359)

وقد قال الغزالي في "المستصفى" (1/ 43): "أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا، وسكنت إليها، فلها ثلاثة أحوال:
[2/ 226] أحدها: أن تتيقن وتقطع به. وينضاف إليه قطعٌ ثانٍ، وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس. فلا تجوِّز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لو حُكِي لها عن نبيّ من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها، فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبيّ وأن ما ظُنّ أنه معجزة فهي مَخْرَقة. فلا يؤثّر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خَطَر ببالها إمكانُ أن يكون الله قد أطْلَع نبيًّا على سرٍّ به انكشف له نقيضُ اعتقادها، فليس اعتقادها يقينًا. مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة، وشخص واحد لا يكون في مكانين، والشخص الواحد لا يكون قديمًا حادثًا، موجودًا معدومًا، ساكنا متحرِّكًا، في حالٍ واحدة.
الحال الثانية: أن تصدِّق بها تصديقًا جزمًا، ولا تشعر بنقيضها البتة. ولو أُشعِرتْ بنقيضها تعسَّر إذعانُها للإصغاء إليه. ولكنها لو ثبتت، وأصغَتْ، وحُكي لها نقيضُ معتقدها عمن هو أعلى (1) الناس عندها كنبيّ أو صدِّيق [أو جمعٍ من الفلاسفة وكبار المتكلمين أو المتصوفة] (2) = أورث ذلك فيها
__________
(1) كذا في (ط). وفي المستصفى: "أعلم".
(2) ما بين المعكوفين زيادة من المؤلف أو من الشيخ عبد الرزاق حمزة على كلام الغزالي.
(11/360)

توقفًا. ولنسمِّ هذا الجنس اعتقادًا جزمًا، وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم، بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم. فإنهم قَبِلوا المذهب والدليل بحسن الظنّ في الصِّبا، فوقع عليه نَشْؤهم. فإن المستقلّ بالنظر الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإِسلام عزيز.
الحال الثالثة: أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به. وهي تُشعر بنقيضه أو لا تُشعر، ولكن لو أُشْعِرت لم ينفِر طبعُها عن قبوله. وهذا يسمى ظنًّا، وله درجات ... ".
أقول: إذا قُرِن هذا بما تقدم في حال النظر المتعمَّق فيه في الإلهيات تبيَّن بيانًا واضحًا أن غالب أقيسته أو عامتها خصوصًا ما يخالف المأخذين السلفيين لا تفيد اليقين، بل تَقْصُر عند النُّظَّار العارفين عن إفادة الاعتقاد الجازم.
[2/ 227] فإن قيل: فكذلك أو قريب منه أدلة المأخذين السلفيين، لأنها تقبل التشكيك ولو بصعوبة.
قلت: أما جلائل الأدلة من المأخذ السلفي الأول، وهي التي يتوقَّف عليها ثبوتُ أصل الشرع، فإنها تقبل التشكيك عند من ابتُلِي بالنظر المتعمَّق فيه. وهذا لا يضرُّنا، فإن من هؤلاء من شكَّ في البديهيات كلها، ومنهم من يشكّ في كل شيء، ومنهم من يجحد كلّ شيءٍ فيقول: ليس في نفس الأمر شيء بحقٍّ، كما تقدم. على أننا إن سلّمنا قبول التشكيك مطلقًا، فإننا نقول: إن ذلك إنما يكون في حقِّ من لم يقبل الشرع الحق ويمتثل أوامره. ووجوب قبول الشرع يكفي فيه العلم بأنه أولى بالحق والصدق والنجاة والسعادة،
(11/361)

وهذا يحصل قطعًا لكل مكلَّف أصغى للحجة. فإذا قَبِل الإنسانُ الشرع وامتثل أوامره مع صدق رغبةٍ في الحق هيَّأ الله تعالى له اليقين بما شاء، إن لم يكن بدليل واحد فبمجموع أدلة كثيرة، وفوق ذلك العناية. قال تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادله: 22].
وقال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].
كلمة "لمَّا" تؤذِن بأن المنفيّ بها هو بصدد أن يثبت قريبًا، فهذا وعد من الله عزَّ وجلَّ بأن يُدْخِل الإيمان في قلوبهم جزاء لقبولهم الإِسلام.
وقوله: {وَإِن تُطِيعُوْا ...} قال بعض أهل العلم: المعنى إنكم إن أطعتم، رزقكم الله تعالى الإيمانَ، فتستحقون ثواب الأعمال.
وقال عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17].
وقال تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر: 36 - 37].
وقد ذكر الغزاليّ نفسُه أنه كان في أول أمره يشكّ في كل شيء حتى البديهيات [2/ 228] الضرورية الأولية. قال (1): "حتى شفى الله تعالى عني ذاك المرض والإعلال، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية موثوقًا بها على أمن ويقين. ولم يكن ذلك بنظم دليل
__________
(1) في "المنقذ من الضلال" (ص 86) ط. دار الأندلس.
(11/362)

وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف". نقله عنه شارح "العقيدة الأصفهانية" (ص 94 - 95) (1)، ونقل عنه (ص 98) (2): "وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستُها والمسالك التى سلكتُها في تفتيشي عن صنفَي العلوم الشرعية والعقلية إيمانٌ يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، واليوم الآخر. وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرّر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها".
أقول: وذاك النور الذي يقذفه الله تعالى في الصدور ليس لكل أحد، فإنه لم يحصل لمنكري البديهيات، وقد ذكر الغزالي أنه بقي نحو شهرين على الشكّ. بلى قد يقال: إنه في الأصل بالنسبة إلى الضروريات عامٌّ، ولكن من خاض في النظر المتعمَّق فيه وحاول اكتساب اليقين من جهة النظر احتجب عنه ذلك النور. فإن استمرَّ على ذلك استمرّ على الشك كالسوفسطائية، وإن رجع إلى القناعة بالفطرة عاد له ذلك النور كما وقع للغزالي. وكذلك ليس قذفُ النور محصورًا في الضروريات العقلية التي يعنيها (3) الغزالي، بل يتناول جميع القضايا العقلية التي لا يثبت الشرع بدونها, ولكن حصوله فيها كلِّها موقوف على صدق الرغبة في الحق والخضوع لما ظهر منه، وإيثاره على كلّ هوى.
والأسباب والقرائن والتجارب التي تُحصِّل الإيمانَ اليقيني بالله تعالى
__________
(1) (ص 581) ط. دار المنهاج.
(2) (ص 591). وهو في "المنقذ من الضلال" (ص 134).
(3) (ط): "يعينها" خطأ.
(11/363)

وبالنبوة واليوم الآخر ليست مقصورةً على النوع الذي ذكر الغزالي أنه اتفق له بممارسته للعلوم، بل ييسِّر الله تعالى لمن شاء ما هو أقرب منها وأقوى: بالنظر العادي في آيات الآفاق والأنفس، وتدبُّرِ الكتاب والسنة. وإنما الشأن في التعرُّض لفضل الله عزَّ وجلَّ، فمن اكتفى أوَّلًا برجحان صحة الشرع، فآثره على هواه، وأسلم له نفسَه، وخضع لما جاء به، ووقف عند حدوده، فقد تعرَّض لنيل ذلك النور وذلك اليقين على وجه هو أصفى مما قد يحصل بممارسته العلوم، وأضوأ وأبهى وأهنأ؛ لأن ممارسة المعقولات في شأن الإلهيات تعترض فيها الشبهات والتشكيكات. بل الأمرُ أشدُّ من ذلك، فإن الخوض في النظر المتعمَّق فيه طلبًا للهدى من جهته عدولٌ عن الصراط المستقيم، [2/ 229] وخروجٌ عن سبيل المؤمنين، فهو تعرُّضٌ للحرمان والخذلان والإضلال. لكن قد يعذر الله تعالى بعض عباده، فلا يَحرِمه فضلَه، إلا أن الشبهات تنغِّصه عليه، بل لا تزال تغالبه. وقد تكون العاقبة لها، والعياذ بالله.
هذا، ومن حصل له اليقينُ بصحّة الشرع جملةً فقد حصل له اليقين بصدق جميع ما جاء به الشرع، وأنه لا يتطرق إليه اختلالٌ البتة، إذ يستحيل ها هنا الجهل، والخطأ، والكذب، والتلبيس، والتقصير في البيان. وهذا هو حال المأخذَين السلفيَّين.
غاية الأمر أنه قد تعرِضُ لمن حصل له ذلك شبهةٌ يتعسَّر عليه حلُّها، فإذا رجع إلى إيمانه وتصديقه لربه لم يُبالِ بتلك الشبهة. وقد تقدّم عن النُّظَّار فيما أجابوا به عن الأمور التي أوردها القادحون في البديهيات قولهم: "لا نشتغل بالجواب عنها, لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبَّ عنها, وليس
(11/364)

يتطرّق إلينا شكٌ فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها". فهكذا يقول السلفي في دفع الشبهات المناقضة لِما أيقن به من صدق الشرع. والخائب الخاسر من نسي إيمانه ويقينه، واغتَّر بالشبهات، فهلك.
قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 175 - 178].
أما قول الغزالي (1): "فإن المستقلّ بالنظر الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز"، فقد يُنكَر هذا عليه، ويقال: كيف يُمدَح من يستوي ميلُه في نظره إلى الباطل والحق؟! ويُجاب عن هذا بأن مقصوده أن أكثر المتكلّمين يميلون إلى الإِسلام بدون استيقانٍ منهم أنه الحق، بل لأنهم نشأوا عليه، فألِفوه واعتادوه. ولذلك يُرى من نشأ على اليهودية أو النصرانية أو غيرهما يميلون إلى ما نشأوا عليه مع أنه باطل في نفس الأمر.
لكني أقول: أما أئمة السنة الذين وَفَوا بشرط الله عزَّ وجلَّ من التسليم والخضوع [2/ 230] والطاعة له، فلا شأن لهم في هذا؛ لأنهم قد تعرّضوا لأن يكتب الله في قلوبهم الإيمان, ويؤيدهم بروح منه، ويزيدهم هدًى، ويرزقهم
__________
(1) في "المستصفى" (1/ 44). وقد سبق نقله فيما مضى.
(11/365)

النور واليقين. فقنعوا بالمأخذَين السلفيَّين، واهتدوا بهما (1) عن بصيرة ويقين. ومن اختار ما علم أنه الحق، وثبت عليه، وأعرض عن الشبهات، لا يقال: إنه غير مستقلًّ بالنظر كما أن النظَّار المستقلّين قطعوا بالبديهيات، وأجابوا عن الأمور التي أوردها القادحون بما تقدّم. وكما أن الغزاليّ وهو يرى أنه مستقل بالنظر، قال: إنه أيقن بالضروريات بدون دليل، بل بنور قُذِفَ في صدره، وأنه حصل له الإيمان بالله تعالى وبالنبوة واليوم الآخر بدون دليل محرَّر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تُحْصَى. ولا ريب أنه لا يمكنه أن يشرح ما حصل له للخصم شرحًا وافيًا يُحصِّل للخصم اليقينَ.
بل أقول: إن عامة المسلمين المحبِّين للحق، الخاضعين له، الذين يغلب عليهم التقوى والطاعة= هم ممن تعرَّض لذاك النور، وذلك التأييد، وتلك الهداية. وكثير منهم لهم من اليقين الحقيقي الناشئ عن الفطرة، والنظر العادي، واجتماع أمور كثيرة يفيد مجموعُها اليقين، مع عناية الله عزَّ وجلَّ وتأييده= ما ليس لأكابر النظار (2)، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
__________
(1) (ط): "بها".
(2) ثم رأيتُ نقلًا عن "فيصل التفرقة" للغزالي عبارة طويلة تراها في "روح المعاني" (ج 8 ص 119) فيها: "لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس، ولكن ذلك ليس بمقصور عليه، وهو نادر أيضًا ... فالإيمان المستفاد من الدلائل الكلامية ضعيف جدًّا، مشرِفٌ على التزلزل بكل شبهة, بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصِّبا بتواتر السماع، والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها". [المؤلف].
وانظر "فيصل التفرقة" (ص 94) ط. دار الكتب العلمية، و"روح المعاني" (26/ 64) ط. المنيرية.
(11/366)

فأما المتكلمون فلا يبعد أن يكون كثرهم كما قال الغزالي (1)، وذلك أنهم لم يتعرّضوا لذلك النور والتأييد والهداية، بل تعرَّضوا للحرمان والإضلال بعُدولهم عن الصراط المستقيم وسلوكهم غير سبيل المؤمنين، فإذا حصل لأحدهم شيء من الاعتقاد حَمِد نفسه قبل ربه! وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}. اقرأْ من سورة القصص [78]، ومن سورة الزمر [49].
وإذا قيل لهم: صدِّقوا بما جاءت به الرسل، قالوا: لا نُصدِّق فيما يتعلق بالمعقولات [2/ 231] إلا بما أدركته عقولُنا أو كشفُنا، واستهزأوا بمن يأخذ دينه من النصوص، وسمَّوهم: الحشوية، والغُثاء، والغُثْر، وغير ذلك. قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]. وقال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85].
وإذا قيل لهم: آمنوا بالنصوص كما آمن بها السلف الصالح، قالوا: أولئك أعراب أُمِّيون جُفاة لا يدرون ما المعقول. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]. وآل بهم الزيغ إلى نِسْبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يجيء في الباب الآتي، فأنَّى يهديهم الله تعالى؟ قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 104 - 105].
__________
(1) في "فيصل التفرقة" (ص 93): "من أشد الناس غلوًّا وانحرافًا طائفة من المتكلمين ... ".
(11/367)

فالقوم خالفوا كثيرًا من العقائد الإسلامية، ويوشك أن يكون حالهم فيما لم يصرِّحوا بمخالفته على نحو ما قال الغزالي، أي أنهم لم يحافظوا على تلك البقية عن إيمان ويقين، ولكن نشأوا على الإسلام، واعتزُّوا بالانتساب إليه، فكرهوا أن يقطعوا التعلُّق به البتة. والعلم عند الله عزَّ وجلَّ.
والتحقيق أن الاستقلال بالنظر محمود، ولكن الشأن في النظر. فالنظرُ بحسب المأخذين السلفيين - مع الوقوفِ عند الحدّ الذي حدَّه الشرع، وامتثالِ ما أرشد إليه وعمل به الصحابة وتابعوهم بإحسان من اتقاءِ الشبهات وتجنُّبِ الاختلاف في الدين وتفريقه - محمود. فالاستقلال فيه محمود، والنظر المتعمّق فيه مذموم؛ لأنه لا يكاد يُثمِر إلا التشكيكَ في الحقائق، والاختلافَ في الدين وتفريقَه. ويوشك أن يكون الحرص على الاستقلال بالنظر فيه من أمضى أسلحة الشيطان، فإنه قد يحصل للإنسان الإيمان واليقين بالقضايا الفِطرية والواضحة من المأخذ السلفي الأول، وبما ذكر الغزالي من اجتماع قضايا كثيرة ظنية يحصل اليقين بمجموعها، ومِن قَذْفِ الله عزَّ وجلَّ في القلب؛ ثم يعرض له في النظر المتعمَّق فيه شبهة أو أكثر تُخالف ذاك اليقين وذاك الإيمان, فيتعذَّر عليه حلُّها، فيدعوه حبُّ الاستقلال بالنظر إلى اتباعها [2/ 232] وتركِ ذاك اليقين وذاك الإيمان, متّهمًا نفسَه بأنّ ثقتها ببطلان تلك الشبهة إنما هو لهواها في الإسلام. فمثله مثل القاضي يتباعد عن هواه، فيظلم أخاه، كما مرَّ في المقدمة.
بل أقول: إن الاستقلال بالنظر على الحقيقة هو تركُ النظر المتعمَّق فيه رأسًا فيما يتعلق بالإلهيات، أو على الأقل تركُ الاعتداد بما خالف المأخذين السلفيَّين منه، كما يتضح لمن تدبَّر ما تقدَّم وما يأتي.
(11/368)

وقد أبلغ الله تبارك وتعالى في إقامة الحجة على اختلال النظر المتعمَّق فيه في الإلهيات، بأن يسَّر لبعض أكابر النُّظَّار المشهورين بالاستقلال أن يرجعوا قُبيل موتهم إلى تمنِّي الحال التي عليها عامةُ المسلمين. فمنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري، وأبو المعالي ابن الجُويني الملقَّب إمام الحرمين، وتلميذه الغزالي، والفخر الرازي.
أما الأشعري فكان أولًا معتزليًّا، ثم فارق المعتزلة وخالفهم في مسائل وبقي على التعمُّق، ثم رجع أخيرًا كما يظهر من كتابه "الإبانة" إلىَ مذهب أصحاب الحديث. وكتابه "الإبانة" مشهور، وقد طبع مرارًا، والأشعرية لا يكادون يلتفتون إليه.
وأما ابن الجويني فصحَّ عنه أنه قال في مرض موته: "لقد قرأتُ خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خلَّيتُ أهلَ الإِسلام بإسلامهم فيها، وعلومه الظاهرة، وركبتُ البحر الخِضَمَّ، وغُصْتُ في الذي نهى أهلُ الإِسلام عنها = كلُّ ذلك في طلب الحق. وكنت أهربُ في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعتُ عن الكل إلى كلمة الحق: "عليكم بدين العجائز". فإن لم يُدرِكْني الحقُّ بلطف برِّه فأموتَ على دين العجائز، وتُختمَ عاقبةُ أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق، وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويلُ لابن الجويني! ". وقال: "اشهدوا عليَّ أني رجعتُ عن كل مقالة يُخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عجائز [2/ 233] نيسابور". إلى غير ذلك مما جاء عنه، وتجده في ترجمته من "النبلاء" (1) للذهبي، و"طبقات الشافعية" (2) لابن السبكي وغيرها.
__________
(1) "سير أعلام النبلاء" (18/ 471، 474).
(2) (5/ 185، 191). وانظر "المنتظم" (9/ 19).
(11/369)

فتدبَّرْ كلامَ هذا الرجل الذي طبَّقت شهرته الأرضَ يتضِحْ لك منه أمور:
الأول: حُسْن ثقته بصحة اعتقاد العجائز وبأنه مقتضٍ للنجاة.
الثاني: سقوط ثقته بما يخالف ذلك من قضايا النظر المتعمَّق فيه وجزمُه بأن اعتقاد تلك القضايا مقتضٍ للويل والهلاك.
الثالث: أنه مع ذلك يرى أن حاله دون حال العجائز, لأنهن بَقِينَ على الفطرة وسَلِمن من الشك والارتياب، ولزمن الصراط، وثبتن على السبيل، فرجا لهنّ أن يكتب الله تعالى في قلوبهن الإيمان, ويؤيدهن بروح منه، فلهذا يتمنى أن يعود إلى مثل حالهن، وإذا كانت هذه حال العجائز، فما عسى أن يكون حال العلماء السلفيين؟!
وأما الغزالي، فكان يغلب عليه غريزتان:
الأولى: التوَقانُ إلى تحصيل المعارف.
الثاني: شدة الحرص على حَمْل الناس على ما يراه نافعًا، لكنه نشأ في عصر وقطر كان يسود فيهما - ولا سيّما على علماء مذهبه وفرقته وخصوصًا أساتذته - أمور:
الأول: اعتقاد أن المذاهب والمقالات قد تأسست، فما بقي على طالب العلم إلا أن يعرف مذهبه، ومقالة فرقته، ويتقن الأصول، والجدل، والكلام، ثم يتجرد للدفاع عن مذهبه، ومقالة فرقته.
الأمر الثاني: اعتقاد أن النصوص الشرعية قد فُرِغَ منها، فما كان منها يتعلق بالفقه قد أحاط به المجتهدون، وقد زعم الغزالي أن الاجتهاد قد انقطع. وما كان متعلقًا بالعقائد قد لخَّصه وهذَّبه أئمة الكلام، مع ما اشتهر أن
(11/370)

مدار العقائد على العقل، وإذا خالفته النصوص وجب تأويلها. وقد كثر فيها ذلك حتى استقرَّ عندهم أنه لا سلطان لها على العقائد، ولهذا كان هو وأستاذه إمام الحرمين من أبعد الناس عن معرفة السنة، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من "تلخيص الحبير" (1)، وفي الكلام على قول الله عزَّ وجلَّ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (2) [التوبة: 80]، [2/ 234] وفي ترجمة محمَّد بن مُحَيريز من "لسان الميزان" (3) و"تخريج أحاديث الإحياء" (4)، وغيرها.
وبذلك يتبين أن هذين الإمامين كانا قليلَي الاعتداد بالنصوص، فإن احتاجا إلى ذكرها تعسَّفَا بدون مبالاة، لا يكاد يهمُّهما أن يحتجَّا بحديث لا يدريان لعله موضوع، ولا أن ينكرا وجود حديث في "الصحاح"، وهو فيها كلِّها!
الأمر الثالث: اشتهار أن المذهب والمقالة اللذَين نشأ عليهما الغزالي هما أقوم المذاهب والمقالات. فاشتهر أن مذهب الشافعي هو المستوفي لجهتي الأثر والنظر، وأن ما عداه مخلّ بأحدهما؛ وأن مقالة الأشعرية هي المستوفية للنقل والعقل، وأن ما عداها مخلٌّ بأحدهما كمقالة المعتزلة ومقالة أصحاب الحديث.
__________
(1) (1/ 293 - 294، 2/ 20, 53)
(2) انظر "فتح الباري" (8/ 338).
(3) (7/ 495). وانظر "سير أعلام النبلاء" (18/ 471). وقول الغزالي: "بضاعتي في الحديث مُزجاة" في رسالته "قانون التأويل" (ص 30) تحقيق محمود بيجو.
(4) لم أجد التنصيص عليه فيه, ولكن تخريج أحاديثه وبيان أن كثيرًا منها لا أصل لها يدلّ على ذلك.
(11/371)

الأمر الرابع: اعتقاد أن مقالات الفلاسفة متينة جدًّا لبنائها على التحقيق البالغ في المعقول، مع البراءة من التقليد والتعصُّب.
الأمر الخامس: توهم أن عند الباطنية علمًا غريبًا لمعرفتهم بالفلسفة، ودعواهم معرفة أسرار الدين، ونشاط دعاتهم في ذاك العصر.
الأمر السادس: توهُّم أن عند الصوفية جليةَ الأمر، لدعواهم أنهم بتهذيبهم أنفسهم انكشفت لهم حقائق الأمور كما هي، مع ما يظهر منهم من شرح بعض الحقائق بأدقَّ مما يشرحها الفلاسفة والباطنية، وما يظهر لشيوخهم من الكشف عن الخواطر والإخبار عن بعض المُغَيَّبات والأحوال الغريبة، مع شهادة الفِرَق كلَّها أن لرياضة النفس وتهذيبها أثرًا بالغًا في ترقية مداركها.
الأمر السابع: زعمُ أن متكلمي الأشاعرة قد فَرَغوا من الردّ على أصحاب الحديث وعلى المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، وبقي مقالة الفلاسفة والباطنية والصوفية.
وهذا الأمر السابع هو كالنتيجة للأمور التي قبله، فكان هو المستولي على ذهن الغزالي، كما يتضح من شرح حاله في كتابه الذي سماه "المنقذ من الضلال"، وترى ملخَّص ذلك في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 94) (1) فما بعدها.
[2/ 235] ومما ذكره: أنه كان أولاً يشكُّ في صحة الحِسّيات والبديهيات، ثم زال ذلك. قال (2): "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،
__________
(1) (ص 580 وما بعدها) ط. دار المنهاج.
(2) "المنقذ من الضلال" (ص 86 وما بعدها).
(11/372)

بل بنورٍ قذفَه الله تعالى في الصدور ... ولما كفاني الله تعالى هذا المرضَ انحصرتْ أصنافُ الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون ... والباطنية ... والفلاسفة ... والصوفية ... فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء السالكون سبيل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم فلا يبقى في دَرْك الحق مطمع ... فابتدأت (1) لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق". ثم ذكر أنه ابتدأ بتحصيل الكلام، فحصَّله، وعقَلَه، وصنَّف فيه. قال (2): "فلم يكن الكلام في حقي كافيًا, لا لدائي الذي أشكوه شافيًا ... فلم يحصل فيه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة". ذكر تحصيله الفلسفة والتبحر فيها ثم قال (3): "علمت أن ذلك أيضًا غير وافٍ بكمال الغرض، فإن العقل ليس مستقلًّا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات". ثم ذكر الباطنية إلى أن قال (4): "فهؤلاء أيضًا جرَّبناهم وسَبَرنا باطنهم وظاهرهم". وذكر أنه لم يجد مطلوبه عندهم، قال (5): "ثم إني لما فرغت من هذه أقبلتُ على طريق الصوفية ... " فذكرها وأطال في إطرائها، على عادته في إطراء ما يحصل له، كما أطرى الفلاسفة أولًا فقال: إن من لا يعرف المنطق لا ثقة له بعلمه (6)، ولأنه كان يرى أن
__________
(1) كذا في (ط) و"شرح الأصفهانية" ونسخة من "المنقذ". وفي مطبوعة "المنقذ": "فابتدرتُ". وهو أولى.
(2) "المنقذ" (ص 92).
(3) المصدر السابق (ص 117، 118).
(4) المصدر السابق (ص 129).
(5) المصدر السابق (ص 130).
(6) قاله في "المستصفى" (1/ 10).
(11/373)

التصوف آخر ما يمكنه، فلم يكن له بدٌّ من محاولة إقناع نفسه به.
ثم صار كلامه في كتبه ترددًا بين هذه الطرق، وكثيرًا ما يختلف كلامه في القضية الواحدة، يوافق هذه الفرقة في موضع، ويخالفها في آخر، حتى ضرب له ابن رشد (1) مثلًا قول عِمْران بن حِطَّان:
يومًا يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ ... وإن لقيتُ مَعَدِّيًّا فعدناني
وذلك يدل أن إحاطته بتلك الطرق لم تحصِّل مقصوده من الخروج عن الحَيْرة، بل أوقعته في التذبذب. وكأنّ ذلك مما بعثه على الرجوع في آخر عمره إلى ما كان أولًا يرغب عنه، ويرى أنه لا شيء فيه، فأقبل على حفظ القرآن، وسماع "الصحيحين"، فيقَال: إنه مات و"صحيح البخاري" على صدره، لكن لم يُمَتَّع بعمره حتى يظهر أثر ذلك في تصنيفه. والله أعلم.
[2/ 236] وأما الفخر الرازي، ففي ترجمته من "لسان الميزان" (4/ 429) (2): "أوصى بوصية تدلّ على أنه حسُنَ اعتقاده". وهذه الوصية في ترجمته من كتاب "عيون الأنباء" (2/ 26 - 28) (3) قال مؤلف الكتاب: "أملى في شدّة مرضه وصيةً على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني ... وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول العبد الراجي رحمةَ ربه الواثقُ بكرم مولاه محمَّد بن عمر بن الحسين
__________
(1) في "فصل المقال" (ص 30). والبيت في "الأغاني" (18/ 112) و"التذكرة الحمدونية" (8/ 243).
(2) العبارة في "اللسان" (6/ 321 ط. أبي غدة) في الهامش نقلًا عن حاشية نسخة (ص).
(3) (3/ 40 - 42) ط. دار الثقافة.
(11/374)

الرازي، وهو في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كلُّ قاسٍ، ويتوجَّه, إلى مولاه كلُّ آبق ... إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلُّقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين:
الأول: أنه إن بقي منه عملٌ صالح صار ذلك سببًا للدعاء، والدعاء له أثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال ... .
أما الأول، فاعلموا أني كنت رجلًا محبًّا للعلم.
(أ) فكنتُ أكتب في كل شيء شيئًا، لا أقف على كمية وكيفية، سواء كان حقًّا أو باطلاً، غثًّا أو سمينًا"
(ب) إلا أن الذي نظَّرته (نصرته!) في الكتب المعتبرة لي: أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبِّرٍ منزَّهٍ عن مماثلة المتحيِّزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
(ج) ولقد اختبرتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم؛ لأنه يسعى في تسليم العَظَمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمُّق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحلُّ في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية.
(د) فلهذا أقول: كلُّ ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به. وأمَّا ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة
(11/375)

والغموض، فكلُّ ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين ... وأقول: ديني متابعة محمَّد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ... ".
[2/ 237] فبيَّن في وصيته هذه أنه تدرَّج إلى أربع درجات:
الأولى: الجري مع خاطره حقًّا كان أو باطلًا.
الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة.
الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخَلَفي وهو النظر الكلامي والفلسفي.
الرابعة: ما استقرَّ وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكَّده الشرع.
ثم قسم الباقي إلى قسمين:
الأول: ما بيَّنه الكتاب والسنة، فهو كما بيَّناه.
الثاني: ما عدا ذلك، فبيَّن عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحُسْن النية.
فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمَّق فيه بما سمعتَ، بعد أن أفنَوا فيه أعمارهم من أوضح الحُجَج على من دونهم.
هذا، والمشهورُ بعد الاعتراف بكفاية المأخذَين السلفيَّين والنهي عن الخوض في علم الكلام والفلسفة: الاعتذارُ عن الخائضين من المنتسبين إلى السنة بأنهم اضطُرُّوا إلى ذلك لدفع شبهات الكفار والزنادقة والملحدين
(11/376)

والمبتدعة الذين يخوضون في دقائق المعقول، ثم يطعنون في الإِسلام والسنة. قال المعتذرون: ولم يكن ذلك في عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدث أخيرًا بعد ضعف الإيمان وتشوُّف الناس إلى دقائق المعقول وإعجابهم بأهله، فالخوضُ محدَث، لكن لحدوثِ داعٍ إليه وباعثٍ عليه ومقتضٍ له.
وأقول: أما من خاض وحافظ على العقائد الإسلامية كما تُعرَف من المأخذين السلفيين وكما كان عليه السلف، فعسى أن ينفعه ذاك العذر، وإن كنا نعلم أن في حجج الحق من المأخذين السلفيين ما يغني من يؤمن {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
وأما من خاض، فغيَّر وبدَّل، فهؤلاء هم المبتدعة وأتباعهم. فهَبْ أن منهم من يُعْذَر في خوضه، فما عذرُه في تغييره وتبديله؟ ولا سيّما من بلغ به التغيير والتبديل إلى القول بأن النصوص الشرعية لا تصلح حجةً في العقائد! حتى صرَّح بعضهم بزَعْم أن الله تبارك وتعالى أقرَّ الأممَ التي بعث [2/ 238] فيها أنبياءه على العقائد الباطلة، وقرَّرها في كتبه وعلى ألسنة رسله، وثبَّتها وأكَّدها وزادهم عليها أضعافها مما هو - في زعم هؤلاء - باطل!
فهل هذا هو الذبُّ عن الإِسلام وعقائده الذي يمتنُّ به عليه أولئك الخائضون؟!
****
(11/377)

فصل
وأما المأخذ الخَلَفي الثاني، وهو الكَشْف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف اسمًا ولا رسمًا، خلا أنه كان منهم أفراد صادقو الحبِّ لله تعالى والخشيةِ له، يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة. فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله عزَّ وجلَّ بعض دعائه أو عنايته به على ما يقلُّ في العادة، ويُلَقَّى الحكمةَ في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير. وإذا كان من أهل العلم ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة، فقد يفهم من الآية أو الحديث معنىً صحيحًا، إذا سمعه العلماء وتدبروا وجدوه حقًّا, ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبَّههم ذلك العبد الصالح.
ثم جاء القرن الثاني، فتوغَّل أفرادٌ في العبادة والعُزْلة، وكثرة الصوم والسهر، وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحالُ في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوقعوا في طرف من الرياضة، فظهرت على بعضهم بعض آثارها الطبيعية كالإخبار بأن فلانًا الغائب قد مات أو سيقدم وقت كذا، وأن فلانًا يُضمِر في نفسه كذا، وما أشبه ذلك من الجزئيات القريبة، فكان الناس يظنون أن جميع [2/ 239] ذلك من الكرامات. والواقع أن كثيرًا منه كان من آثار الرياضة، وهي آثار طبيعية غريبة تحصل لكل من كان في طبعه استعداد، وتَعانَى الرياضة بشروطها، سواء أكان مسلمًا - صالحًا أو فاجرًا - أم كافرًا، فأما الكرامات الحقيقية فلا دخلَ فيها لقوى النفس. فلما وقعوا في ذلك وجد الشيطانُ مسلكًا للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنة، فمنهم من كان عنده من
(11/378)

العلم ما دافع به عن دينه، كما نقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "ربما تقع في قلبي النُّكتة من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلَيْن: الكتاب والسنة". ذكرها ونحوَها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في "الاعتصام" (106 - 121) (1).
[2/ 240] ومنهم من سَلِم لهم أصل الإيمان, لكن وقع في البدع العملية. ومنهم من كان سلطانُ الشيطان عليه أشدَّ، فأوقعه في أشدَّ من ذلك، كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عَمْرو القيسي من "لسان الميزان" (2). ثم صار كثيرٌ من الناس يتحرَّون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار, فقوي سلطانُ الشيطان عليهم. ثم نُقِلتْ مقالات الأمم الأخرى، ومنها الرياضة وشرحُ ما تُثمِره من قوة الإدراك والتأثير، فضمَّها هُواتُها إلى ما سبق، مُلْصِقين لها بالعبادات الشرعية، وكثر تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة. فمنهم من تعاطاها ليروِّج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام والوحي، ويتدرَّع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى. ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلًّا للشكوك والشبهات التي أوقعه فيها التعمّقُ في الكلام والفلسفة.
ومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارثُ المحاسبي، ثم اشتدّ الأمر في الذين أخذوا عنه فمَن بعدهم. وكان من نتائج ذلك قضية الحلَّاج، ولعله كان في أقران الحلَّاج مَن هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم مَن هو أوغلُ
__________
(1) وانظر "الاستقامة" (1/ 95 وما بعدها)، و"الرسالة القشيرية" (1/ 86).
(2) (3/ 488).
(11/379)

منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلَّاجَ إلى إظهار ما أظهره حبُّ الرئاسة.
وكذلك مَزْجُ الفلسفة بالتصوف كان معروفًا عند بعض الفلاسفة الأقدمين، وتجد في كلام الفارابي وابن سينا نُتفًا من ذلك. وكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره.
وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوُّف، فلما جاء الغزالي نصب التصوفَ منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحقَّ لا يعدو هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهرًا للتصوف مع ذكره كغيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الإباحة المحضة، وفي ذلك نَبْذُ الشرائع البتة. ثم لم يزل الأمر يشتدُّ حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، ومقالاتهم معروفة.
ومن تتبع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرِّح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعمَ النظرَ في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم= عَلِمَ يقينًا أنه لا يمكنه - إن لم يُغالطْ نفسه -[2/ 241] أن يصدَّق الشرعَ ويصدَّقهم معًا. وإن غالط نفسَه وغالطتْه، فالتكذيب ثابت في قرارها ولا بدَّ.
هذا، والشرع يقضي بأنَّ الكَشْف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي "صحيح البخاري" (1) من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لم يبقَ من النبوة إلا المبشَّرات"، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".
__________
(1) رقم (6990).
(11/380)

وورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذُكِر في "فتح الباري" (1)، منها: حديث ابن عباس عند مسلم (2) وغيره، وحديث أمّ كُرْز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان (3) , وحديث حُذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني (4)، وحديث عائشة عند أحمد (5)، وحديث أنس عند أبي يعلى (6).
وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يُعتدَّ به. فدلّ ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا، والسرُّ في ذلك أن الغيب على مراتب:
الأولى: ما لا يعلمه إلا الله، ولم يُعْلِم به أحدًا أو أَعْلَم به بعض ملائكته.
الثانية: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق.
__________
(1) (12/ 375).
(2) رقم (479). وأخرجه أيضًا أبو داود (876) والنسائي (2/ 189، 218)، والدارمي (1/ 304) وغيرهم.
(3) "مسند أحمد" (27141) وابن ماجه (3896) والدارمي (2/ 123) وابن حبان (6047).
(4) لم أجده في "المسند", ولم يعزه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 173). وهو في "المعجم الكبير" للطبراني (3051) وإسناده حسن.
(5) "مسند أحمد" (24977). وإسناده حسن.
(6) في "مسنده" (3934). وأخرجه أيضًا أحمد (13824) وابن أبي شيبة (11/ 53)، والترمذي (2272) والحاكم في "المستدرك" (4/ 391). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث المختار بن فلفل.
(11/381)

الثالثة: ما عليه قرائن ودلائل، إذا تنبه لها الإنسان عرفه، كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما.
فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط، وفي معناه التحذير. والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية. وإنما الفرق بينها - والله أعلم - أن التحديث والإلهام من إلقاء المَلَك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان. والكشف قوة طبيعية غريبة، كما يسمى في هذا العصر: قراءة الأفكار.
نعم قد يقال: إن الرياضة قد تؤهِّل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه، فيكون الكشف ضربًا من الرؤيا.
[2/ 242] وأقول: إن صحَّ هذا، فقد تقدَّم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير. وفي "الصحيح" (1): أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكونُ من حديث النفس. والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قصّ من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة. ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تَصْلُح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجةً شرعية صحيحة، كما ثبت عن
__________
(1) أخرجه البخاري (7017) ومسلم (2263) من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" ثم ذكر تقسيم الرؤيا إلى ثلاث: حديث النفس، وتخويف من الشيطان، وبشرى من الله. وهذا التقسيم موقوف على أبي هريرة من قوله، وقد رفعه بعض الرواة. انظر "الفتح" (12/ 407).
(11/382)

ابن عباس أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعضُ أصحابه رؤيا توافق ذلك، فاستبشر ابن عباس (1).
هذا حال الرؤيا، فقِسْ عليه حالَ الكشف إن كان في معناها. فأما إن كان دونها فالأمر أوضح. وتجد في كلام المتصوِّفة أن الكشف قد يكون حقًّا، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيُّلًا موافقًا لحديث النفس. وصرَّحوا بأنه كثيرًا ما يُكْشَف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلًا. ولهذا تجد في المتصوِّفة من ينتسب إلى قول أهل الحديث، ويزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه. وهكذا تجد فيهم الأشعري والمعتزلي والمتفلسف وغيرهم، وكلٌّ يزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه، ومخالفُه منهم لا يكذِّبه ولكنه يكذِّب كَشْفَه. وقد يُكْشَف لأحدهم بما يوافق مقالات الفرقة التي ينتسب إليها، وإن لم يكن قد عرف تلك المقالات من قبل، كأنه لحسن ظنه بهم وحرصه على موافقتهم إنما تتجه هِمَّته إليهم، فيقرأ أفكارهم، وترتسم في مخيلته أحوالُهم.
فالكشف إذن تبعٌ للهوى، فغايته أن يؤيّد الهوى، ويرسِّخه في النفس، ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار. فكأنّ الساعي في أن يحصل له الكشف، إنما يسعى في أن [2/ 243] يُضلَّه الله عزَّ وجلَّ، ولا ريب أن من
__________
(1) أخرجه البخاري (1567) - واللفظ له - ومسلم (1242) من طريق شعبة عن أبي جمرة الضبعي، قال: تمتعتُ، فنهاني ناسٌ، فسألتُ ابن عباس رضي الله عنهما، فأمرني، فرأيتُ في المنام كأن رجلًا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبَّلة، فأخبرتُ ابن عباس، فقال: سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال لي: أقِمْ عندي فأجعل لك سهمًا من مالي. قال شعبة: فقلتُ: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيتُ.
(11/383)

التمس الهدى من غير السراط المستقيم مستحقٌّ أن يُضِلَّه الله عزَّ وجلَّ. وما يزعمه بعضُ غلاتهم من أن لهم علاماتٍ يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل= دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنة. لكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي كان يفهمها بها السلف الصالح.
فأما ما عُرِف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية، فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضحَ شهادة بأنه من أبطل الباطل.
أولًا: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة، فإذا شهدت ببطلان قولهم عُلِم أنه باطل.
ثانيًا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاجٌ إلى شهادة الشرع، فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع، فالكشف شهد لنفسه، فمن يشهد له على تأويله؟
وأما التحديث والإلهام، ففي "صحيح البخاري" (1) وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر". وأخرجه مسلم (2) من حديث أبي سلمة عن عائشة، وفيه: "فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم". وجاء في عدة روايات تفسيرُ التحديث بالإلهام.
__________
(1) رقم (3689).
(2) رقم (2398).
(11/384)

وهذه سيرة عمر بين أيدينا، لم يُعْرَف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم استدلالٌ بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية، بل كان يَخْفى عليهم الحكمُ، فيَسألون عنه، فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيصيرون إليه. وكانوا يقولون القول، فيخبرهم إنسان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلافه، فيرجعون إليه.
وأما الفراسة، فإن المتفرِّس يمكنه أن يشرح لغيره تلك الدلائل التي تنبَّه لها، فإذا شرحها عُرِفت، فإن كانت مما يُعتدُّ به عُمِل بها لا بالفراسة.

[2/ 244] فصل
مهما يكن في المأخذَين الخَلَفيين من الوهن، فإننا لا نمنع أن يُسْتند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفَّل ببيان ما ليس من الدين.
وكذلك لا نرى كبيرَ حرجٍ في الاستئناس بما يوافق المأخذَين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما أن لا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يُسْتَدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين.
ولم يقتصر المتعمّقون على هذا الزعم الباطل، بل صاروا إلى عزلهما عن بيان الحق في العقائد البتة، حتى آل بهم الضلال إلى نِسْبة الكذب إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل إلى رب العالمين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
(11/385)

[2/ 245] الباب الثاني في تنزيه الله ورسله عن الكذب
المتعمّقون يردُّون كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة في العقائد. فمنهم من ردَّها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يَحمِلُ إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع إنما أتى بها مجاراةً لعقول الجمهور ليمكن انقيادهم للشرع العملي.
ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقًا، زاعمًا أن ظهورَها في معنى اعتقادي، أو صراحتَها فيه، أو مبالغَتها في تأكيده= كلُّ ذلك لا يمكن أن يُعلم به أن ذاك المعنى هو مراد المتكلم، لدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه أو الكشف التصوفي على بطلان كثير من تلك المعاني في زعمه، واحتمال مثل ذلك في الباقي.
ومنهم من لم يصرِّح بما مضى، ولكنه قدَّم غيرَها عليها، وتعسَّف في تأويلها تعسُّفًا مُخرِجًا عن قانون الكلام، أو اقتصر - مع زعمه أن المعاني المفهومة منها باطلة - على زعم أن لها معاني أخرى صحيحة لا حاجة إلى معرفتها.
فتحصَّل من كلامهم حملُهم لتلك النصوص على الكذب. أما القول الأول فواضح، وأما الثاني فقريب منه كما يأتي، وأما الثالث فيلزمه ذلك.
****
(11/386)

تنزيه الله تبارك وتعالى عن الكذب
مما عُلِم من الدين بالضرورة، وشهدت به الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة أن من المحال الممتنع أن يقع كذبٌ من رب العالمين. وكيف يُتصوَّر وقوعه منه، وهو عالم الغيب والشهادة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الحكيم الحميد الذي له الحمد كله؟ وإنما تخبَّط في ذلك متأخرو الأشعرية. وكأن المُوقِعَ لهم في التخبط ما ألزمهم به المعتزلةُ في مسألة القدر. [2/ 246] والخوضُ في القدر أمُّ كلِّ بلية، ولأمير ما ورد في الشرع النهيُ عن ذلك، وشدَّد فيه السلف.
وإيضاح هذا أن الأشعرية لما صار قولهم إلى أن العباد مجبورون على أفعالهم قال لهم المعتزلة: كيف يُجبِر الله تعالى خلقه على الكفر والفجور ثم يعاقبهم عليه، وهذا قبيح ومفسدة، والله تعالى منزَّه عن القبائح، وأفعاله مبنية على المصالح. فاضطرب الأشعرية في هذا، ثم لم يجدوا محيصًا إلا أن يجحدوا هذين الأصلين، فقالوا: الأفعال كلها سواء عند العقل لا يُدرِك منها حُسنًا ولا قبحًا، والله عزَّ وجلَّ لا يفعل لشيء، ولا لأجل شيء، إنما يفعل ما يريده، وإرادته لا تُعلَّل بشيء البتة. فقال المعتزلة: فيلزمكم أن يجوز عقلًا أن يكذب الله تعالى، فحاول بعض الأشعرية التملُّصَ من هذا الإلزام بوجهين:
الأول: أن الكذب نقص، والله سبحانه منزَّه عن النقص.
الثاني: أنه لو جاز لكان قديمًا، وما ثبت قِدَمُه استحال عَدَمُه، فيمتنع الصدق.
فلم ير بقية الأشعرية هذين الوجهين شيئًا.
(11/387)

أما الأول، فلأنه لم يقم برهان عندهم - زعموا - على براءته تعالى من النقص، ومن قال منهم بالبراءة، إنما يقول به في الصفات لا في الأفعال، فأما النقص في الأفعال فهو القبح العقلي الذي ينكرونه.
وأما الثاني، فلأنه لو تمَّ فإنه يختص بما يسمُّونه الكلام النفسي، والنزاع إنما هو في الكلام اللفظي.
فصار الأشعرية إلى التزام أنه يجوز عقلًا أن يقع الكذب من الله تبارك وتعالى. ثم حاولوا القول بأنه وإن جاز عقلًا فلا يقع, لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن كلام الله تعالى كله صدق.
فقالت المعتزلة: إنما ثبتت نبوة النبي بإخبار الله عزَّ وجلَّ بأنه صادق، وذلك بإظهار المعجزة على يده إظهارًا مستلزمًا لذاك الإخبار؛ إذ هو بمنزلة أن يقول تعالى: صدَق في دعواه أنني أرسلته. قالوا: فإن كان العقل يجوِّز وقوعَ الكذب من الله تعالى جاز أن يكون هذا الخبر كذبًا، فلا يكون مدعي النبوة نبيًّا، فتجويزكم عقلًا أن يقع الكذب من الله تعالى [2/ 247] يلزمه أن لا تثبت نبوة محمد، فكيف يكون لكم أن تحتجوا على نفي وقوعه بخبره؟
أجاب الأشعرية بأن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة عادية، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقبها، قالوا (1): "فإن إظهار المعجز على يد الكاذب، وإن كان ممكنًا عقلًا، فمعلوم انتفاؤه عادة".
قال العضد (2): "وقد ضربوا لهذا مثلًا قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد
__________
(1) انظر "المواقف" (ص 341).
(2) المصدر نفسه.
(11/388)

الجمِّ الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال للملك: إن كنتُ صادقًا فخالِفْ عادتك، وقم من الموضع المعتاد لك من السرير، واقعد بمكان لا تعتاده، ففعل= كان ذلك بمنزلة التصديق بصريح مقاله، ولم يشكَّ أحد في صدقه بقرينة الحال، وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا للتفهيم".
أقول: الذين شاهدوا المعجزات لم يوقنوا جميعًا، بل بقي كثيرون منهم مرتابين. وفي القرآن نصوص كثيرة تصرِّح بذلك، وهذا يدفع أن يكون الله عزَّ وجلَّ أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقب المعجزة.
فإن قيل: الذين بَقُوا مرتابين إنما ارتابوا لعدم علمهم بأن ذلك فعل الله عزَّ وجلَّ، بل جوَّزوا السحر.
قلت: فإذا لم يقع العلم بالصدق إلا لمن علم أن ذلك فعلُ الله عزَّ وجلَّ، فهذا نظير المثال الذي ذكروه. فلو فرضنا فيه أن ذلك الجم الغفير كانوا يعتقدون أن الملك لا يبالي أصدق أم كذب، ولا أَفَعَل ما تقتضيه الحكمة أم ما تأباه= لم يحصل لهم بقيامه وقعوده أدنى ظن، فضلًا عن الظن الغالب، فضلًا عن العلم. فأما إذا كانوا يعتقدون أنه لا يفعل شيئًا لأجل شيء، فالأمر أشدُّ. فثبت أن الذين يعلمون أن المعجزة من فعل الله عزَّ وجلَّ إنما يصدِّقون لاعتقادهم أن الله تعالى منزَّه عن أن يقع منه كذب أو فعل مناقض للحكمة، وهذا الاعتقاد هو مقتضى الفطر الزكية والعقول النقية، وهو اعتقاد كلِّ من يؤمن حق الإيمان بوجود الله تعالى وكمال علمه وقدرته حتى من الأشاعرة أنفسهم، يعتقدون ذلك بمقتضى فطرهم، وإن أنكروه بألسنتهم.
****
(11/389)

[2/ 248] تنزيه الأنبياء عن الكذب
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله عزَّ وجلَّ، وأن من كذّب نبيًّا في خبر من ذلك فقد كفر. ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله عزَّ وجلَّ، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه.
فإن قيل: قد جوَّز بعضُ الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوَّز أن يخطئ النبي، لكنه إن أخطأ نبَّهه الله عزَّ وجلَّ فورًا. ولعل مَن يجيز مِن هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة.
قلت: إن جاز الخطأ، فإنما يخبر النبيُّ بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق. فإن بان خطأُ ظنه لم يُقَلْ له: كذبتَ، وإن قيل: كذب ظنك. فأما الأمور الدنيوية، فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبرًا عن الله عَزَّ وَجَلَّ فكالأمور الدينية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمُّد الكذب فيها.
وأُورِد على ذلك كلمات إبراهيم عليه السلام. وفي "الصحيحين" (1) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ... "، فذكر تلك الكلمات. وفي "مسند أحمد" (2) من حديث ابن عباس نحوه. وفي "الصحيحين" (3) من حديث أنس مرفوعًا ذكر فزع الناس إلى الأنبياء
__________
(1) البخاري (3357، 3358) ومسلم (2371).
(2) رقم (2546، 2692). وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
(3) البخاري (7510) ومسلم (193/ 322).
(11/390)

يوم القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم، فنوحًا، فإبراهيم، فموسى؛ فيعتذر كلٌّ من هؤلاء بتقصيرٍ كان منه في الدنيا. فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: "فيقول: لستُ هناكم. ويذكر خطيئته". زاد مسلم: "التي أصابَ فيستحيي ربَّه منها". وفي رواية للبخاري (1) في كتاب التوحيد: "فيقول: لستُ هناكم. ويذكر خطاياه التي أصابها". وفي أخرى (2): "ويذكر ثلاث كذبات كذبهن". وفي "الصحيحين" (3) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه مِنْ قول إبراهيم في عذره: "إن ربي قد غضب اليوم ... وإني قد كنت كذبتُ ثلاثَ كذبات" لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء)، ولفظ مسلم: "إن ربي قد غضب اليوم ... ، وذكر كذباته". وقد جاء [2/ 249] الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة.
فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات "كذبات" يدفع أن تكون من المعاريض التي لا رائحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديد التوقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. صح عنه أنه قال: "نحن أولى بالشك من إبراهيم ... " (4). وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم" (5). فكيف يُظَنُّ به أن يقول: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" وهو يعلم أنها ليست من الكذب في شيء، مع أنه تحرَّى
__________
(1) رقم (7410).
(2) رقم (7440).
(3) البخاري (4712) ومسلم (194).
(4) أخرجه البخاري (4537) ومسلم (151) من حديث أبي هريرة.
(5) أخرجه مسلم (2369) من حديث أنس بن مالك.
(11/391)

في هذا الحديث الثناء على إبراهيم؟ فبيَّن أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث، ثم قال: "ثنتين منهن في ذات الله عزَّ وجلَّ: قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتى على جبَّار من الجبابرة ... ".
فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة (1):
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهن فلولٌ من قِراع الكتائبِ
قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح الخروج من المستثنى منه، وليس الأمر ها هنا كذلك. وقد سمَّاها في الحديث الآخر "خطايا"، ونظَمها في سلك أكلِ آدم من الشجرة وقتلِ موسى للنفس. وحكَمَ إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتقتضي (2) استحياءَه من ربه لأجلها. وبالجملة فالجواب عن تلك الكلمات بأنها ليست بكذب كما ترى.
وثَمَّ جوابٌ آخر، وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم عليه السلام قبل نبوته، كما أن قتل موسى للنفس كذلك، فقد قصَّ الله تعالى عنه أنه ذُكّر بتلك الفعلة فقال: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 20، 21].
وقريب من ذلك حال آدم، فإنَّ أكلَه من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.
__________
(1) "ديوانه" (ص 44).
(2) ط: "وتتقضى". ولعله خطأ مطبعي.
(11/392)

وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وهي إحدى الكلمات: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ... بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 60 - 63].
[2/ 250] والكلمة الثانية وهي قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، كانت قبل ذلك.
فأما الثالثة، وهي قوله: "هي أختي"، فالظاهر - والله أعلم - أنها بعد ذلك، لكن في سياق القصة ما قد يُشعر بأنها كانت قبل النبوة.
فإطلاقهم عليه "فتى" ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في "المصباح" (1)، وقد صرَّح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نُبَّئوا بعد بلوغ كلًّ منهم أربعين سنة، كما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام. وجزم به القاضي أبو بكر ابن العربي وآخرون، وتأولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب.
فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعو قبل النبوة؟
قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ثم ذكر القمر والشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا
__________
(1) "المصباح المنير" (ص 462).
(11/393)

رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ...} [الأنعام: 75 - 80]. فكان يُحاجُّ قومَه بما هداه الله إليه بنظره.
فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشدّ.
قلت: قد ذُكِر في بعض الروايات، لكن قيل: إنه خطأ من الراوي (1). وعلى هذا فقد يقال: إنما لم تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم، وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذباتٍ" يعمُّ الطفولة.
وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يُرِد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، وردَّه (2). وروى عن ابن عباس (3) ما ينص على أن الكلام على الإخبار، وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه. ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر [2/ 251] وجَّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك
__________
(1) راجع "الفتح" (6/ 391).
(2) انظر "تفسير الطبري" (9/ 360، 361) ط. دار هجر.
(3) المصدر السابق (9/ 356) و"تفسير ابن أبي حاتم" (4/ 1328، 1329) من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(11/394)

أقربَ إلى جرِّهم إلى الحق. وعلى هذا فهذه الكلمة بل الكلمات أشدُّ من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك كما مرَّ.
فإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقًا؟
قلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع، فإن إبراهيم عليه السلام قال ذلك قبل أن تُعرَض عليه - فضلًا عن أن تقوم عليه - حجة بنظر ولا غيره، وهو حريص على معرفة الحق، باذلٌ وسعَه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق. فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح.
فإن قيل: فعلى هذا أيضًا يبقى الإشكال بحاله أو أشدَّ. فإن قوله: "هذا ربي" يكون خبرًا مخالفًا للواقع ظاهرًا وباطنًا، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها مخالفًا الواقع، فظاهرًا فقط.
قلت: تلك الثلاث كانت عمدًا أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع، وأمَّا قوله: "هذا ربي" فخطأ محض غير مؤاخذ به (1).
والمتبادر من قولهم "لم يكذب فلان" نفيُ أن يكون وقع منه إخبار بخلاف الواقع يُلام عليه. وفي "صحيح مسلم" (2) في أحاديث البكاء على
__________
(1) هذا هو الجواب عن عدم ذكرها مع الثلاث. ثم ظهر لي جواب آخر، وهو أن قوله: "هذا ربي" لم يكن إخبارًا منه لغيره, بل لعله لم يكن عنده أحد، وإنما قال ذلك على وجه الاعتراف كالمخاطب لنفسه. وجواب ثالث وهو أن القرائن تدل أنه إنما بنى على ظنه، فكأنه قال: "أظن هذا ربي". ومن ظن أمرًا فأخبر بأنه يظنه فهو صادق، وإن أخطأ ظنه كما مرَّ، ويأتي إيضاحه. [المؤلف]
(2) رقم (932/ 27).
(11/395)

الميت: "فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ". وفي رواية (1): "قالت: إنكم لتحدِّثون عن غير كاذبين ولا مكذَّبين، ولكن السمع يخطئ".
وقولهم: "كذب فلان" المتبادر منه أنه تعمَّد أو أخطأ خطأً حقُّه أن يُلام عليه. ومن ذلك حديث: "كذب أبو السنابل" (2)، وقول عبادة: "كذب أبو محمَّد" (3)، وقول ابن عباس: "كذب نَوف" (4)، وما أشبه ذلك.
والكذب لغةً هو مخالفة الخبر - أي [2/ 252] ظاهره الذي لم تُنصَب قرينةٌ على خلافه - للواقع مطلقًا، لكن لشدة قبح الكذب وأن العمد أغلب من الخطأ كان قولنا: "كذَب فلانٌ" مُشعِرًا بذمِّه، فاقتضى ذلك أن لا يؤتى بذلك حيث ينبغي التحرُّز عن الإشعار بالذم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
__________
(1) لأحمد في "المسند" (288) والنسائي (4/ 19).
(2) أخرجه الشافعي في "الرسالة" (1711) وفي "المسند" (2/ 51) وسعيد بن منصور في "سننه" (1506) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 429) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن سُبَيْعة. وأخرجه أحمد في "المسند" (4273) من طريق عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود. وأصل الحديث ثابت في الصحيحين عن سُبَيعة أخرجه البخاري (5319) ومسلم (1484)، ولكن ليس عندهما اللفظ المذكور.
(3) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 123)، وأحمد في "المسند" (22693)، وأبو داود (1420)، والنسائي (1/ 230).
(4) أخرجه مسلم (2380/ 171).
(11/396)

هذا, ولم يُرِد إبراهيم عليه السلام بقوله: "هذا ربي" ربَّ العالمين، وإنما بني على ما كان يقوله قومه في الكواكب: إن أرواح الملائكة متعلقةٌ بها، مدبِّرةٌ بواسطتها ما أقدرها الله عليه، أو شافعة إليه، ولما رأوا أن الكواكب لا تكون ظاهرةً أبدًا اتخذوا الأصنام تذكاراتٍ لها ولأرواحها. وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب تقربًا إلى تلك الأرواح، ويقولون: إن الله ربُّ الأرباب وإلهُ الآلهة. وقد أوضحتُ هذا بدلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف والآثار التاريخية والمقالات في كتاب "العبادة" ولله الحمد.
وعلى كل حال، فتلك الكلمات إنْ ترجَّحَ أنها داخلةٌ فيما يسمَّى كذبًا، فهي من أخفِّ ذلك وأهوَنِه. ولنبيِّنْ ذلك في إحداها:
دخل إبراهيم ومعه امرأته (سارة) بلدًا كان ملكه جبارًا، إذا سمع بامرأة جميلة أخذها، فإن كان لها زوج بطش به. فلما سمع الجبار بسارة أرسل إلى إبراهيم، فسأله عنها، فخاف أن يقول: امرأتي، فيبطش به؛ وأن يقول: أجنبية عني، فيقال: فما شأنك معها؟ فقال: هي أختي، وأراد الأخوة الدينية. فإطلاق أخ وأخت في الأخوة الدينية شائع ذائع، فاحتمال الخبر للمعنى الواقع قريب كما ترى. ومع ذلك فهناك قرينة من شأنها إذا تنبَّه لها المخاطب أن توهن الظاهر، وهي أن تلك الحال يحتاج مَن وقع في مثلها إلى التورية وإيهام خلاف الواقع، ليدفع عن نفسه الظلم، ويدفع عن مخاطبيه الوقوع في الظلم، ولا تترتب على ذاك الإيهام مفسدة. فقد يقال: إن هذه الحال إذا نُظِر إليها على هذا الوجه ولوحظ أن الخبر محتمل احتمالًا قريبًا لغير ظاهره، صار الخبرُ مجملًا محتملًا لكلٍّ من المعنيين على السواء، فعلى هذا لا يكون كذبًا. لكن قد يَرِد على هذا أن تلك الحال إذا لوحظت إنما تقتضي أن
(11/397)

من وقع فيها قد يترخص في الكذب، فالاعتدادُ بها لا يبرئ الخبر عن اسم الكذب. ألا ترى أنه لو علم الجبَّار بالواقع لكان له أن يقول لإبراهيم: لِمَ كذبتَ؟
[2/ 253] وعلى كل حال، فالأحاديث أطلقت على تلك الكلمات: "كذبات"، فإن كانت كذلك حقيقة، فقد يتعيَّن أنها كانت قبل النبوة كما مرَّ، وإلا فسواء أكانت قبلها أم بعدها فالأحاديث صريحة في أنها - بالنظر لما فيها من شبه الكذب - هي مما يُعَدُّ وقوعُه من مثل إبراهيم عليه السلام خطيئة. فينبغي أن لا يكون وقع مثلُها - فضلًا عما هو أشدُّ منها - من محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه مبعوث إلى الناس كافةً من حين بُعث إلى يوم القيامة، فالعناية بشأنه آكدُ، وهذا هو الواقع.
أما قبل النبوة، فقد شهد له أعداؤه بالصدق والأمانة حتى سمَّوه "الأمين", ولم يستطيعوا مع إسرافهم في عداوته، واضطرارهم إلى صدِّ الناس عن اتِّباعه، أن يذكر أحدهم أنه كذَب، أو وقع منه ما يُشبه الكذب. وقد سأل هرقلُ أبا سفيان أشدَّ المشركين عداوةً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ وأحرصهم على أن يعيبه، كما يُعلَم من سياق القصة في أوائل "صحيح البخاري" (1) وغيره. قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه (يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم) بالكذب قبل أن يقول ما قال (يعني قبل النبوة)؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن لِيذَرَ الكذبَ على الناس، ويكذب على الله.
__________
(1) رقم (7).
(11/398)

وقال الله تبارك وتعالى لرسوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]. يعني - والله أعلم -: لا ينسبونك إلى تعمُّد الكذب. وهذا بيِّن واضح من كلماتهم، كقولهم: "مجنون" أي لا يعقل ما يقول، "كاهن" أي تُلقي إليه الشياطين ما تُلقي فيحسبُه من عند الله. فأما قولهم: "شاعر" فقصدوا به توجيه بلاغة القرآن. وأما قولهم: "ساحر" فقصدوا به توجيه المعجزات، ومنها بلاغةُ القرآن وعجزُهم عن معارضته.
فإن كان في كلماتهم ما فيه ذكرُ تعمُّدِ الكذب، فذاك من باب اللجاج الذي يعرف قائلُه قبلَ غيره أنه لا يخفى بطلانه على أحد. وإنما اعتنى القرآن بحكاية ذلك وإبطاله إبلاغًا في إقامة الحجة، وليبيَّن للناس أنه لا شبهة لهم إلا مثل ذلك اللجاج. وهذا مثل ما قصَّه الله عزَّ وجلَّ من قول بعض اليهود (1):
__________
(1) علَّق عليه الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة بقوله: "هذا قول بعض المفسرين مستدلًّا على ذلك برد الله عليه بإنزال التوراة التي يعترفون بها. ولكن السياق والأسلوب يدل على أن ذلك من قريش، ورد الله عليهم بإنزال التوراة من باب الإفحام بما لا يمكن رده، فشهرة التوراة وأنها كتاب الله مما لم يجحده قريش، فالحجة قائمة على جاحد الوحي من قريش بشهرة التوراة وأنها كتاب الله، واعتراف جمهور الناس بذلك من يهود ونصارى وعرب وعجم. أفاده المحقق ابن القيم في بعض كتبه".
فتعقبَّه المؤلف بقوله: "جمهور المفسرين على أن القائلين بعض اليهود، وهو المنقول عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة، وسيأتي في تفسير (قل هو الله أحد) رأي الشيخ في روايته, وعن عكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والسدي وغيرهم، ويعينه أو يكاد قوله تعالى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} هكذا قرأها جمهور القراء، وقرأها ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الالتفات. وأما =
(11/399)

[2/ 254] {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} , قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]. حمل اللجاجُ ذلك اليهودىَّ على أن جحد أساسَ دينه، على حدِّ قول الشاعر (1):
اقتلوني ومالكًا ... واقتلوا مالكًا معي
وفي "جامع الترمذي" و"تفسير ابن جرير" (2) وغيرهما بسندٍ رجالُه رجالُ "الصحيح" (3) [2/ 255] عن ناجية بن كعب قال: "قال أبو جهل
__________
= القول بأن القائلين من قريش، فنقل عن مجاهد واختاره ابن جرير وقال: "والأصوب من القراءة في قوله {يجعلونه قَرَاطِيسَ يبدونها ويخفون كَثِيرًا} أن يكون بالياء لا بالتاء" كذا قال، واستبعاد أن يقول بعض اليهود ذاك القول ليس في محله؛ لأن اليهود بهت، وقد قالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} , وقالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} قاتلهم الله أنى يؤفكون، وأما السياق والأسلوب فلا يقاوم دلالة {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}. على أنه لا مانع من الجمع بين الوجهين، القائل من اليهود، وقريش توافقه على ذاك القول. والله أعلم".
(1) هو عبد الله بن الزبير، كما في "مجمع الأمثال" (2/ 105).
(2) أخرجه الترمذي (3064) والحاكم في "المستدرك" (2/ 315) من طريق ناجية عن علي بن أبي طالب. وأخرجه ابن جرير الطبري (9/ 222, 223) من قول ناجية.
(3) قلت: لكن هذا السند ينتهي إلى ناجية بن كعب, وهو تابعي يروي عن علي، فالقصة مرسلة، بيد أن الترمذي قد وصله في إحدى روايتيه وكذا الحاكم (2/ 315) عنه عن علي. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وأقره ابن كثير، ورده الذهبي في "التلخيص" بقوله: "قلت: ما خرجا لناجية شيئًا".
قلت: وأيضًا فقد قال الترمذي عقب الطريق الأول المرسل: "وهذا أصح". [ن]
(11/400)

للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا نكذِّبك، ولكن نكذِّب الذي جئتَ به". وفي رواية: "ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئتَ به". وفي "تفسير ابن جرير" (1) وغيره عن السدِّي قصةٌ وقعت قبيلَ بدر، وفيها: "فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم ... فقال أبو جهل: ويحك، والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كذبَ محمَّد قطُّ، ولكن إذا ذهب بنو قُصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ ".
وأما بعد النبوة، فالأمر أوضح. فمن المشركين من كان مرتابًا فيما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم من استيقنت نفسُه ولكنهم عاندوا، وكلا الفريقين عرفوا من حاله - صلى الله عليه وسلم - سابقًا ولاحقًا أنه لا مجال لاحتمال تعمُّده الكذب، وأن اتهامه بذلك مكابرة مفضوحة، إلى حدِّ أنهم رأوا أن أقرب منها أن يقولوا: مجنون، مع علمهم وعلم كلِّ من عرف النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه أعقل الناس.
وفي "المستدرك" (ج 3 ص 45) (2) وغيره في قصة ابن أبي سرح لما جيء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبايعه "فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا [ثم بايعه] ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففتُ يدي عن بيعته، فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأتَ إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" (3).
__________
(1) (9/ 222)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (4/ 1283).
(2) من طريق أبي داود في "السنن" (2683).
(3) قلت: قال الحاكم عقبه: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. قلت: وفيه أحمد بن المفضل وهو صدوق في حفظه شيء. عن أسباط بن نصر، وهو صدوق =
(11/401)

وجاءت قصة أخرى (1) في رجل من المشركين كان شديدًا على المسلمين، فنذرَ أحدُهم قتلَه، ثم جاء المشرك لِيُسلم، فكفَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مبايعته مرارًا، ثم بايعه، فقال الناذر: إني نذرت ... القصة. وفيها أيضًا: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ قتلَ الرجلين، إما لأنه قد سبق منهما من شدة الكفر [2/ 256] والإسراف ما أحبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينالهما عقابه في الدنيا والآخرة، كما قصَّ الله تعالى من دعاء موسى وهارون على آل فرعون: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88].
وإما لمعنى آخر يُعلَم بالتدبر، وكأنه ألطَفُ من هذا. فقد أحبَّ - صلى الله عليه وسلم - قتل الرجلين، لكن كره أن يصرَّح بالأمر بذلك في تلك الحال، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل من جاءه تائبًا. فأما إذا قُتِلا بدون أمر جديد منه، فإنه
__________
= كثير الخطأ، كما في "التقريب". وهما من رجال "الميزان" للذهبي، والآخر من "الضعفاء" له. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود أيضًا (2683 و4359) والنسائي (2/ 170) وإلى هذا وحده عزاه الحافظ في "الفتح" (6/ 120) وسكت عليه؛ وما بين المعكوفين، إنما وضعه المصنف بينهما إشارةً إلى أنها ليست في "المستدرك"، وإنما هي عند من ذكرنا بلفظ "فبايعه". ثم خرّجت للحديث شاهدًا حسنًا في "الصحيحة" (1723) [ن].
(1) أخرجها البيهقي في "دلائل النبوة" (5/ 60) من حديث أنس بن مالك. وأخرجها ابن سعد في "الطبقات" (2/ 141) عن سعيد بن المسيب مرسلًا نحوه. والرجل هو ابن أبي سرح المذكور، والناذر أحد الأنصار.
(11/402)

يقال: إنهما قُتلا بدون أمره. وكره أن يُومِض, لأن الإيماض من شعار أهل الغدر لا ينبغي للأنبياء.
أقول: فإذا لم ينبغِ للأنبياء الإيماضُ في الحق, لأنه في الجملة من شعار أهل الغدر؛ فكيف ينبغي لهم الكذب، وهو نفسه قبيح مذموم؟!
وقال ابن حجر في "الفتح" (1) في شرح "باب الكذب في الحرب": "قال النووي: الظاهر إباحة الكذب حقيقة في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى ... ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي (2) ... في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ... ". ثم قال ابن حجر: "والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقًا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتعاطى شيئًا من ذلك وإن كان مباحًا لغيره. ولا يعارض ذلك ما تقدَّم مِنْ أنه كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها (3)، فان المراد أنه كان يريد أمرًا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزو جهة الشرق، فيسأل عن أمر في جهة الغرب، ويتجهز للسفر ... ".
أقول: كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد غزوةً شرَعَ في التجهُّز، وأمَرَ أصحابه بذلك. فقد تكون هناك قرينةٌ تُشعِر بالجهة التي يريد، وقد يكون هناك جاسوس لأهل تلك الجهة. فإذا رأى التجهُّز وعرف تلك القرينة أسرع فأنذرهم فتحرَّزوا. فكان النبي صلى الله عليه [2/ 257] وآله وسلم يقول ما يدافع تلك القرينة ليلتبس الأمر على الجاسوس، فإما أن يتأخر ليعرف الحال، فيسبقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. وإما أن
__________
(1) (6/ 159). وكلام النووي في "شرح صحيح مسلم" (12/ 45).
(2) (7/ 105, 106).
(3) أخرجه البخاري (2947، 2948) ومسلم (2769/ 54) من حديث كعب بن مالك.
(11/403)

يرجع إلى جهته، فيخبرهم بأمر محتمل، فلا يقوى الباعث لهم على التحرز. فإن التورية تحصل بهذا, وليس من لازمها أن يكون ما يقوله صلى الله عليه وآله وسلم ظاهرًا في غير ما في نفسه.
واختصاصُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أفراد أمته بوجوب تنزُّهه عن كلِّ ما يقال إنه كذب = حكمٌ معقولُ المعنى , لأن وقوعَ مثل ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينفكُّ عن احتمال ترتُّب المفاسد عليه.
منها: أنه لو ترخَّص في بعض المواضع لكان ذلك حاملًا على اتهامه في الجملة، فيجرُّ ذلك إلى ما عدا ذاك الموضع. وهو صلى الله عليه وآله وسلم مبلِّغٌ عن الله، فوجب أن لا يكون منه ما قد يدعو إلى اتهامه، ولو في الجملة.
ومنها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل منذ بعثه الله تعالى محاربًا أو في معنى المحارب. فلو وقع منه شيء مما يقال إنه كذبٌ في الحرب لجرَّ ذلك إلى الارتياب في كثير من أخباره؛ إذ يقال: لعله كايَد بها المشركين، لعله، لعله.
ومنها: أن الناس يقيسون، فيقولون: إنما ساغ ذلك في الحرب للمصلحة، فينبغي أن تكون هي المدار، فيسوغ مثلُ ذلك للمصلحة ولو في غير الحرب، فيرتابون في أكثر أخباره صلى الله عليه وآله وسلم حتى في الدين.
ومنها: أنه فتحُ بابٍ للملحدين ولكلِّ من غلبه هواه. لا يشاء أحدهم أن يدفع نصًّا من النصوص النبوية إلا قال: إنما كان للمصلحة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم، وهلم جرًّا. فيصبح الدين ألعوبةً، كما وقع فيه الباطنية.
(11/404)

إلى غير ذلك من المفاسد التي تكون صغراها أكبر جدًّا من جميع المفاسد التي كانت تَعرِض في حروبه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يمكنه أن يدفعها ببعض ما يقال: إنه كذب. فوجب أن تكون كلماته كلها حقًّا وصدقًا.
فأما الخطأ، فلا ريب أن الأنبياء قد يخطئ ظنُّهم في أمور الدنيا، وأنهم يحتاجون إلى [2/ 258] الإخبار بحسب ظنهم، لكنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدُهم بأنه يظنُّ، وذلك - كما تقدم - صدق، حتى على فرض خطأ الظن. فمن ذلك: ما جاء في قصة تأبير النخل. نشأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وليست بأرض نخل، ورأى عامة الأشجار تُثمِر ويَصلُح ثمرها بغير تلقيح، فلا غروَ ظنَّ أن الشجر كلها كذلك. فلما ورد المدينة مرَّ على قوم يؤبِّرون نخلًا، فسأل، فأخبروه، فقال: "ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا" (1) وفي رواية (2): "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، فتركوه، فلم يصلح. فبلغه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتُكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله". وفي رواية (3): "إنما أنا بشر، إذا أمرتُكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر" أو كما قال.
أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث طلحة بن عبيد الله، والثانية من
__________
(1) أخرجه مسلم (2361) عن طلحة بن عبيد الله.
(2) أخرجها مسلم (2362) عن رافع بن خديج.
(3) هي رواية رافع.
(11/405)

حديث رافع بن خديج. ثم أخرج (1) من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ وعن ثابت عن أنس القصة مختصرةً، وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لو لم تفعلوا لصَلُح". وحماد على فضله كان يخطئ، فالصواب ما في الروايتين الأوليين. وقولُه صلى الله عليه وآله وسلم: "ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنى لن أكذِبَ على الله"، و"إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به" واضحُ الدلالة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - من الكذب خطأً فيما يخبر به عن الله وفي أمر الدين.
ومن ذلك قصة ذي اليدين: سلَّم - صلى الله عليه وسلم - في الظهر أو العصر من ركعتين، فقام إليه ذو اليدين فقال: أقَصُرَت الصلاة يا رسول الله أم نسيتَ؟ فقال: "كلُّ ذلك لم يكن". فقال ذو اليدين: بل بعض ذلك قد كان. فسأل - صلى الله عليه وسلم - الناس، فصدَّقوا ذا اليدين. فقام فأتمَّ بهم الصلاة (2).
فقوله: "كلُّ ذلك لم يكن" يتضمن خبرين: الأول: عن الدين، وهو أن الصلاة لم تقصُر، وهو حق. والثاني: عن شأن نفسه، وهو أنه لم ينسَ، والواقع أنه كان قد نسي. والقرائن واضحة في أنه إنَّما اعتمد في الخبر الثاني على ظنه، فهو في قوة قوله: "لم أنسَ فيما أرى".
ومما يدخل في هذا ما جاء في رضاع الغَيْل، ففي "صحيح مسلم" (3)
__________
(1) رقم (2363).
(2) أخرجه مسلم (573) من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. وأخرجه البخاري (1227, 1228) نحوه.
(3) رقم (1443) من حديث أسامة بن زيد أنه أخبر سعدَ بن أبي وقاص. وهو من مسند أسامة في "مسند أحمد" (21770) و"المعجم الكبير" للطبراني (382).
(11/406)

من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ذُكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لو كان ذلك ضارًّا لأضرَّ فارسَ والرومَ".
وفيه (1) من حديث جُذامة (2) بنت وهب مرفوعًا: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يُغيلون أولادهم، فلا يضرُّ أولادهم ذلك شيئًا".
وفي "سنن أبي داود" (3): حدثنا أبو توبة، نا محمد بن مهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغَيل يدرك الفارس، فيُدَعْثِرُه عن فرسه". أبو توبة ومحمَّد بن مهاجر من رجال "الصحيح"، ومهاجر روى عن (4) جماعة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (5) فالله أعلم.
__________
(1) رقم (1442).
(2) كذا الأصل بالذال المعجمة، وهو رواية لمسلم، وفي أخرى له: "جدامة" بالدال المهملة، قال مسلم: "وهو الصحيح". وقال الدارقطني [في "المؤتلف" (2/ 899)]: "هي بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة فقد صحف". وعلى الصواب وقع فيما يأتي بعد سطور، وبالذال أيضًا، فكأن المصنف ذكره على الروايتين، مشيرًا بذلك إلى أنه لم يترجح عنده الصواب منهما. [ن].
(3) رقم (3881).
(4) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: "عنه".
(5) قلت: وهو معروف بتساهله في التوثيق كما سبق بيانه من المؤلف ومنا (ج 1 ص 436 - 438) [730 - 734]، ولم نر أحدًا قد وافقه على توثيقه، بل إن ابن أبي حاتم لما أورده في كتابه (4/ 1/ 261) سكت عنه، مشيرًا بذلك إلى أنه غير معروف عنده، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في تعليقنا (ص 436). ولذلك لم يعتمد توثيقه =
(11/407)

[2/ 260] زعم الطحاوي (1) أن حديث أسماء كان أوّلًا، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى ذلك على ما هو المشهور بين العرب، ثم كان حديث سعد وجُدامة بعد ذلك عندما اطلع - صلى الله عليه وسلم - على أن الغَيل لا يضر.
هذا معنى كلامه وليس بمستقيم.
أولاً: لأن حديث أسماء جزمٌ بالنهي، وحديث سعد وجُدامة ظنٌّ مبنيٌّ على أنه - صلى الله عليه وسلم - بلغه عن فارس والروم أنهم يُغيلون، ثم لا يظهر بأولادهم ضرر لا يظهر مثله بأولاد العرب الذين لم يكونوا يُغيلون، فيتجه حملُه على أنه عن الغَيل.
__________
= الحافظ ابن حجر، فقال في "التقريب": "مقبول" يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص على ذلك في المقدمة. ولذلك، فإن القلب لا يطمئن لصحة هذا الحديث، وقد أشار إلى تضعيفه العلامة ابن القيم في "تهذيب السنن" بقوله (5/ 362): "فإن كان صحيحًا فيكون النهي عن (الغيل) أولًا إرشادًا وكراهة، لا تحريمًا".
قلت: وهذا التأويل وإن كان بعيدًا عن ظاهر حديث أسماء كما بينه المصنف، فالمصير إليه واجب لحديث عبد الله بن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاغتيال، ثم قال: "لو ضر أحدًا لضر فارس والروم".
قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 298): "رواه الطبراني والبزار ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وكذلك رواه ابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 401) لكنه قال عن أبيه: "الصحيح مرسل" لكن له شاهد من حديث أبي هريرة مثله. رواه الطبراني في "الأوسط" [رقم (5134)]، وفيه ليث بن حماد وهو ضعيف. [ن]
(1) في "شرح معاني الآثار" (3/ 47، 48). وانظر "شرح مشكل الآثار" (9/ 284 وما بعدها).
(11/408)

ثانيًا: في حديث أسماء جزمٌ بضرر يخفى على الناس، فإنما يكون ذلك عن الوحي. وحديث سعد وجُدامة إنما فيه نفيُ الضرر الذي يظهر.
ثالثًا: في حديث جُدامة: "لقد هممت أن أنهى"، وفي حديث أسماء نهي صريح.
وكلٌّ من هذه الأوجه يقتضي تأخُّرَ حديث أسماء - على فرض صحته - وأن حديث سعد وجُدامة كان رأيًا رآه - صلى الله عليه وسلم - وظنًّا ظنَّه.
هذا، وقد أطلتُ في هذا الفصل، ومع ذلك بقيتْ أمور مما يشتبه على بعض الناظرين، كتأخير البيان إلى وقت الحاجة عند جماعة من أهل العلم، وما روي في نزول قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه: "أسرَعُكن لحوقًا بي أطولُكن يدًا" (1).
فأما المجمل الذي لا ظاهر له، فواضح أنه ليس فيه رائحة من الكذب. وأما الذي له [2/ 262] ظاهر، فإنما يتأخر بيانه إذا كانت هناك قرينة تدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل الذي لا ظاهر له. وأما الآية والحديث، فالحق أن فهمَ غيرِ المراد منهما إنما كان من تقصير السامع، ولو تدبر سياق الكلام ولاحظ القرائن لما فهم غير المراد. وقد شرحتُ ذلك بأدلته في رسالة "أحكام الكذب" (2)، وشرحت فيها ما حقيقة الكذب؟ وما الفرق بينه وبين المجاز؟ وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك.
__________
(1) أخرجه البخاري (1420) ومسلم (2452) من حديث عائشة.
(2) واسمها: "إرشاد العامِه إلى معرفة الكذب وأحكامه"، وهي ضمن مجموع رسائل أصول الفقه.
(11/409)

و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 43].
***
(11/410)

[2/ 262] الباب الثالث في الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد
كان من المعلوم المقطوع به في عهد السلف الصالح أنَّ أثبتَ ما يُحتَجُّ به في العقائد وغيرها كلامُ الله تعالى وكلامُ رسوله. ثم لما حدث التعمق في النظر العقلي كان بعض المتعمقين ربما يزيغ عما يعرفه الناس، فيردُّ عليه أئمة الدين، ويبدِّعونه، ويضلِّلونه، ويحتجُّون بالنصوص. فربما تأوَّل هو النصَّ أو ردَّ الحديثَ زاعمًا أنه لا يثق بسنده، فيردُّ عليه أئمةُ الدين تأويلَه بأنه خلاف المعنى الذي تعرفه العرب من لسانها، وخلافُ ما أُثِر من التفسير عمن سلف. ويردُّون عليه ردَّه للحديث بأن رجاله ثقات وأن أئمة الرواية يصححونه. واستمرَّ الأمرُ على هذا زمانًا.
وفي القرن الثاني نبغ من المبتدعة مَن يردُّ أخبارَ الآحاد حتى في الفقهيات، واقتصر بعضهم على ردَّها إذا خالفت القياس، وظاهرٌ أن هذا يردُّها إذا خالفت المعقول في زعمه. وقد ردَّ أئمةُ الدين على هؤلاء، وفي كتب الشافعي كثير من الرد عليهم، وكذلك تعرض له البخاري في "الصحيح". وعلى كل حال، فكان معروفًا بين الناس أن أولئك المتأولين للنصوص على خلاف معانيها المعروفة والرادِّين للأخبار الصحيحة هم مبتدعة.
ثم عندما كثُر المتعمِّقون، والتبس بعضهم بأهل السنة، كثر القائلون بأن أخبار الآحاد إذا خالفت المعقول يجب تأويلها أو ردُّها, ولبَّسوا بذلك، فإن المعقول المقبول - وهو ما كان من المأخذ السلفي الأول - لا يصح نصٌّ
(11/411)

بخلافه، بل إذا صحَّ نصٌّ ظاهرُ لفظه خلافُه، فالعقل حينئذ قرينة صحيحة لا بد في فهم الكلام من ملاحظتها. فالظاهر الحقيقي الذي هو معنى النص هو ما يظهر منه مع ملاحظة قرائنه. كلُّ هذا، وأهل السنة المتبعون لأئمتها المتَّفق على إمامتهم فيها ثابتون على ما كان عليه السلف من الاحتجاج بالنصوص، وتضليلِ مَن يَصرِفها عن معانيها المعروفة، أو يردُّ الأخبار الصحيحة.
ثم نشأ المتوغلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا، فكان مما خالفوه من العقائد الإِسلامية أمر المعاد، فاحتجَّ عليهم المتكلمون بالنصوص، فغافصَهم ابن سينا مغافصةً شديدة، كما تراه في "مختصر الصواعق" (ج 1 ص 241) (1). [2/ 263] وعبارته طويلة جدًّا، وأنا أحاول تلخيص المقصود منها.
زعم أن الشرائع إنما وردت لخطاب الجمهور، وأنها لو جاءتهم بذكر التوحيد والتنزيه على ما يراه الفلاسفة ومن يوافقهم من المتكلمين، قال (2): "لسارعوا إلى العناد، أو اتفقوا على أن الإيمانَ المدعوَّ إليه إيمانٌ بمعدوم لا وجود له أصلا". فزعم أن الحكمة اقتضت أن تجيئهم الشرائع بما يمكن تصديقهم به من التجسيم والتشبيه ونحو ذلك ليمكن قبولهم للشرائع العملية. وذكر أن التوراة كلها تجسيم، وأن في نصوص القرآن ما لا يحصى
__________
(1) (ص 146 وما بعدها) ط. دار الكتب العلمية بيروت 1405.
(2) انظر "الرسالة الأضحوية في أمر المعاد" لابن سينا (ص 45 وما بعدها). ونقله ابن تيمية في "درء التعارض" (5/ 11 وما بعدها) وابن القيم في "مختصر الصواعق" (ص 146 - 149) وردَّا عليه.
(11/412)

من ذلك. قال: "وبعضه جاء تنزيهًا مطلقًا عامًّا جدًّا لا تخصيص ولا تفسير له". ثم ذكر أن من النصوص ما هو صريح في التجسيم والتشبيه، "ولا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية، ولا يراد فيها شيء غير الظاهر". قال: "فإن كان أريد بها ذلك (يعني غير الظاهر) إضمارًا (يعني أن المتكلم أضمر في نفسه إرادة غير الظاهر، وإن كان الكلام لا يحتمله) فقد رضي (المتكلم بالقرآن) بوقوع الغلط والتشبيه (يعني التجسيم ونحوه) والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحًا". ثم ذكر أن الحال في أمور المعاد كذلك، قال: "ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقرِّبة إلى الأفهام ... فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًّا من الناس لا عامًّا أن ظاهر الشرائع غيرُ محتَجٍّ به في هذه الأبواب".
ويمكن ترتيب مقاصده في تلك العبارة على ما يأتي:
المقصد الأول: أن من تلك النصوص ما هو ظاهر في تلك المعاني، ومنها ما هو صريح فيها.
الثاني: أن الصريح منها يدفع احتمال الاستعارة والمجاز، ويأبى أن يكون المراد منه إلا ذاك المعنى الذي هو صريح فيه.
الثالث: أنه ليس في الكتاب ولا السنة نصٌّ ينفي تلك المعاني التي دلَّتْ عليها تلك النصوص الكثيرة بظهورها أو صراحتها نفيًا بينًا، وإنما هناك إشارات يسيرة ليست بالبينة.
الرابع: أن تلك المعاني موافقة لعقول المخاطبين الأولين، وهم العرب الذين بُعث فيهم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، حتى لو خوطبوا بنفيها
(11/413)

لأنكرته عقولهم وردَّتْه, وحالهم في ذلك كحال الجمهور من الناس في عصرهم وقبلهم وبعدهم.
[2/ 264] الخامس: أن تلك المعاني في رأي ابن سينا ومن يوافقه من المتكلمين وغيرهم باطلة بدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه.
السادس: أن صحة الدين الإسلامي ومجيئه بتلك النصوص على ما تقدم من حالها متناقضان ظاهرًا، إذ كيف يأتي الدين الحق بالاعتقاد الباطل؟!
السابع: أن صحة الدين الإسلامي ثابتة بالبرهان، وبطلان تلك المعاني ثابت - في زعمه ومن وافقه - بالبرهان.
الثامن: أنه لا مخلصَ من هذا التناقض مع ثبوت كلا الأمرين بالبرهان إلا القول بأن الدين الحق قد يأتي بالاعتقاد الباطل رعايةً لمصلحة البشر، ليقبلوا الشرائع العملية التي تصلح شؤونهم!
التاسع: أنه إذا كان الأمر هكذا، فاللائقُ بالجمهور قبولُ ما جاء به الدين الحق على أنه حق، واللائق بالخاصة - وهم الذين تنبَّهوا لبطلان بعض تلك المعاني - أن يعرفوا أن الدين إنما جاء لإصلاح الجمهور وأنه جاراهم على اعتقادهم وما يوافقه، وإن كان باطلًا في نفس الأمر، فَلْيَدَعِ الخاصةُ الاحتجاجَ بالنصوص للجمهور، وَلْيحقِّقوا لأنفسهم!
العاشر: أنه كما وقع في الدين ذاك التلبيس في العقائد في ذات الله وصفاته، ولا مفرَّ للمتكلمين الذين اعترفوا ببطلان تلك المعاني من الاعتراف به، فكذلك وقع في أمور المعاد. ووقوعُه فيها أهون، والمدارُ إنما
(11/414)

هو على اقتضاء المصلحة، وهي تقتضي التلبيس في أمور المعاد؛ فإن الجمهور لا يُخضِعهم إلا الرغبة والرهبة، ولا تؤثِّر فيهم الرغبة والرهبة إلا فيما يتعلق بالجسمانيات التي عرفوها وأَلِفوها.
وقد رأيتُ أن أفرض أنه انعقد مجلسٌ للنظر في هذه المفاسد حضره متكلم وسلفيّ وناقد، فجرى ما يأتي شرحه:
(11/415)

[2/ 265] النظر في المقصد الأول
المتكلم: النصوص التي نوافق على بطلان ظواهرها لا نسلِّم أنها في تلك المعاني صريحةٌ صراحةً مطلقةً أو ظاهرةٌ ظهورًا مطلقًا، كيف والقرينة قائمة على صرفها عنها، وهي العقل والإشارات التي ذُكرت في المقصد الثالث؟
الناقد: أما العقل، فقد زعم ابن سينا - كما مرَّ - أن عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون موافِقةٌ لتلك المعاني، فإن منعتَ هذا فنؤجل البحث فيه إلى المقصد الرابع، وإن سلَّمتَه بطلت دعواك هنا؛ فإن قانون الكلام أن تكون القرينة كاسمها مقترنة بالخطاب في ذهن المخاطَب أو بحيث إذا تدبَّرَ عرَفَها وعرَفَ صَرْفَها عن الظاهر؛ إذ المقصود من نصب القرينة أن يكون الخبر صدقًا من حقِّه أن لا يفهم المخاطَب منه خلافَ الواقع ما لم يقصِّر. وإذا كانت عقول الجمهور - ومنهم المخاطبون الأولون - توافق تلك الظواهر، وتجزم بوجوبها عقلًا أو جوازها، أو لا تشعر بامتناعها؛ فكيف يُعتَدُّ عليهم بما قد يدركه المتعمِّق في النظر بعد جهد جهيد؟ مع العلم بأنهم لم يعرفوا التعمق في النظر، ولا خالطوا متعمِّقًا؛ بل نهاهم الشرع عن ذلك.
وهل هذا إلا كما لو غزا جماعة إلى أرض بعيدة، ثم عادوا بعد مدة دون واحد، فسُئلوا عنه، فأَخبروا بأنه قُتِلَ، فحزن أهلُه، ثم قسموا تركته، واعتدَّتْ نساؤه، وتزوجن، إلى غير ذلك. ثم قدم رجل، فزعم أنه رأى ذلك الذي قيل: إنه قُتِل، رآه بعد خبر القتل بمدة في الثغر حيًّا صحيحًا. فافرِضْ أنه ذُكِر ذلك للمخبِرين بالقتل، فصدَّقوا هذا المخبِر الأخير، واعتذروا عن إخبارهم
(11/416)

بالقتل بأنهم أرادوا بذاك الخبر خلاف ظاهره، فقيل لهم: فهلَّا نصبتم قرينة؟ فقالوا: كان الرجل حال خبرنا حيًّا صحيحًا سالمًا، وكفى بذلك قرينة. فهل يقبل منهم هذا العذر؟ أوَلا يردُّه عليهم العقلاءُ قائلين: ذاك لو كانت حياته وصحته وسلامته بحيث يدركها المخاطبون - وهم أهله - عند إخباركم لهم. فأما وهم لا يعلمون ذلك ولا يدركونه لبعده عنهم بمراحل كثيرة، فليس هذا بقرينة؛ إذ [2/ 266] ليس من شأن العلم به أن يقترن عند المخاطب بالخطاب، فيصرفَه عن فهم الظاهر (1).
وأما تلك الإشارات، ففي المقصد الثالث أنها ليست بالبينة، فإذًا لا تصلح أن تكون صارفة عن معاني النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة الموافقة لعقول المخاطبين. بل يكون الأمر بالعكس، وهو أن عقولهم وتلك النصوص الكثيرة تَصْرف عما قد يظهر من تلك الإشارات. فإن كنت تزعم أن تلك الإشارات صريحة، فنؤجل الكلام إلى المقصد الثالث.
المتكلم: إنما يصح الأخذ بظاهر الخبر إذا عُلِمَ أن ذلك الأمر المخبَر بوقوعه غيرُ ممتنع عقلًا، فأما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا فإنه يجب التوقف، ويكون هذا الاحتمال قرينةً تُدافع ظاهر الخبر، فتوجب التوقف فيه.
الناقد: في المقصد الرابع أن معاني تلك النصوص كانت موافقة لعقول المخاطبين، فإن سلَّمتَ ذلك سقط كلامك هنا؛ لثبوت أنها لم تكن عندهم
__________
(1) وفي "صحيح مسلم" [1653] وغيره حديث "يمينُك على ما يصدِّقك به صاحبُك". وهذا صريح في أن إضمار المتكلم في نفسه معنى غيرَ المعنى الذي حقُّه أن يفهمه المخاطبُ لا يغني عن المتكلم شيئًا، إذا كان المعنى الذي حقُه أن يفهمه المخاطبُ غير واقع. [المؤلف].
(11/417)

محتملة للامتناع. فعلى فرض أن احتمال الامتناع يُعَدُّ قرينةً فلم يكن حاصلًا لهم، فكيف يُعتَدُّ عليهم به؟ وقد مرَّ الكلام في هذا. وإن لم يُسَلَّم فينظر فيه في المقصد الرابع.
المتكلم: لم يكن القوم ماهرين في علوم المعقول، فلا يُعتدُّ بإدراك عقولهم الوجوبَ أو الجواز، بل يبقى الحكم في حقهم الاحتمال. فإن لم يشعروا بقصورهم القاضي عليهم بالتوقف فقد قصَّروا.
السلفي: كيف لا تَعتدُّ بعقولهم، وقد اعتدَّ بها ربُّ العالمين، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم بالنظر والتفكر والاعتبار والتدبر، وقبِلَ إيمانَ من آمن منهم وأثنى عليه، ونقَمَ كفرَ من كفر منهم، وعاقبه عليه؟! وقد مرَّ في صدر هذه الرسالة ما فيه كفاية.
المتكلم: فدع هذا, ولكن لي نظرٌ في دعوى أن عقولهم كانت موافقة لتلك المعاني.
الناقد: فيأتي الكلام في المقصد الرابع.
[2/ 267] السلفي: هَبْ أن تلك المعاني كانت محتملة في عقول القوم، أي أنهم لا يدركون وجوبها ولا امتناعها, ولا تقطع عقولهم بجوازها، فدعواك أن احتمال الامتناع عقلًا قرينةٌ توجب التوقف في ظاهر الخبر = دعوى باطلة عقلًا وشرعًا وعملًا.
أما العقل، فإنه يقتضي قبول ظاهر الخبر إذا كان المخبِر ثقةً أمينًا لا يُخشى منه الكذب ولا التلبيس، إذ الغالبُ صدقُه، والغالبُ في الأخذ به حفظُ المصلحة واتقاء المفسدة. ولا يفرِّق العقلُ في هذا بين ما يقطع
(11/418)

المخاطبُ بجوازه وما لا يقطع, لأن خبر الثقة الأمين غالبٌ صدقُه في الحالين، وحفظُ المصلحة غالبٌ في الأخذ بظاهر خبره في النوعين. فأما إذا ثبت عقلًا أن المخبِر معصوم عن الجهل والغلط وعن الكذب والتلبيس، فوجوبُ قبول خبره بغاية الوضوح، بل إذا قطَع عقلُ المخاطب بعصمة المخبر عما ذُكِر، وقطَعَ بأن ظاهر خبره هذا هو المعنى، وبأنه لا قرينة صحيحة تَصرِف عنه = فإنه يقطع عقلُه بوقوع ذاك المعنى، وإن كان قبل ذلك يجوِّز امتناعه عقلًا.
وأما الشرع فظاهر، فقد طالب الأنبياءُ الناسَ أن يصدِّقوهم فيما يُخبرون به عن ربهم، وأن يوقنوا له بذلك (1)، وقضَوا بإيمان المصدِّق الموقِن ووالَوه، وبكفر الممتنع عن التصديق وعادَوه، مع أن مما أخبروا به وطالبوا الناس بالإيقان به ما كانت عقولُ المخاطبين تستبعده، وعقولُ الفلاسفة وبعضِ المتكلمين تُصوِّب ذاك الاستبعاد، وذلك كحشر الأجساد. بل مما أخبر به الأنبياءُ وطالبوا الناسَ بالإيقان به ما تزعم الفلاسفة أنه ممتنع عقلاً، ووافقهم المتكلِّمون على ما وافقوهم من ذلك.
وأما العمل، فلا يخفى على من تصفَّح أحوال الناس أنهم كانوا ولا يزالون ولن يزالوا يعتمدون على خبر الثقة الأمين فيما يقطعون فيه بعدم الامتناع وفيما لا يقطعون. واعتبِرْ ذلك بأخذهم بأخبار علماء الحساب والهندسة والمساحة ونحو ذلك من العلوم العقلية، وهكذا العقائد، فإن الناس يأخذونها من علمائهم تقليدًا في كثير منها، ويرضى منهم علماؤهم بذلك ويحضُّونهم عليه.
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل "له" مقحمة، والسياق مستقيم بدونها.
(11/419)

هذا، والخبرُ بوقوع الأمر يتضمَّن قطعًا الخبرَ بعدم امتناعه، فكأن المخبِر أخبرَ بعدم الامتناع، واحتجَّ بمشاهدته الوقوع. ولو وجب أن يُتوقَّف عن قبولِ ظاهرِ خبرِ الثقة الأمين في مثل هذا لوجب مثلُه فيما عُلِم جوازُه عقلاً؛ لأن جوازه لا يقتضي وقوعه، وما لم يقع فالحكم بوقوعه ممتنع.
[2/ 268] وتفسير هذا أنه إن كان ينبغي التوقف عن حمل الخبر على ظاهره فيما إذا احتمل أن يكون ذاك الظاهر ممتنعًا لذاته، فكذلك فيما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا لثبوت نقيضه، حتى لو كنتَ قد علمتَ أن زيدًا في بيته فأَخبر بأنه خرج منه، فإن خروجه ذلك يحتمل أن يكون ممتنعًا عقلاً لثبوت نقيضه؛ إذ يحتمل أنه لم يخرج من بيته بعد أن عهدته فيه، وإذا كان لم يخرج، فمن الممتنع عقلًا أن يكون خرج.
المتكلم: إنما فرَّقنا بين النوعين لأنه قد يحتمل في الأول أن يقوم بعد وقت الخطاب - ولو بمدة طويلة - دليلٌ على أن ذاك الظاهر ممتنع عقلًا، فيجب حينئذ صرفُ الخبر عن ظاهره، أو الاعترافُ بأن المتكلم به غير معصوم.
السلفي: إن ساغ هذا الاحتمال في الأول ساغ في الثاني، فيحتمل فيما أخبر النصُّ بأنه وقع أو سيقع في وقت كذا أن يقوم فيما يأتي دليل على خلاف ذلك. فليس هناك إلا سبيلان:
الأولى: سبيل المؤمنين أنه يستحيل عقلًا أن يكون [من] المتكلم بالقرآن أو من النبيِّ عليه الصلاة والسلام فيما يخبر به عن ربه جهلٌ أو غلطٌ أو كذبٌ أو تلبيسٌ. ففرضُ أن يقوم دليل قاطع على خلاف الثابت قطعًا، الصريح قطعًا، أو الظاهر قطعًا ولا قرينة معه قطعًا= فرضٌ للمستحيل.
(11/420)

الثانية: سبيل ابن سينا ومن وافقه من تجويز الجهل والغلط، أو الكذب والتلبيس. {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
المتكلم: وهل كلامنا إلا في القطع؟ فهَبْ أن احتمال الامتناع العقلي لا يصلح أن يكون قرينة، فمن أين يأتي القطع؟ ومن المحتمل أن يخطئ الناظر فيعتقد أن الحديث ثابت، وليس بثابت؛ أو يعتقد صراحة الآية أو الحديث الثابت فيما فهمه، وليس كذلك؛ أو يعتقد ظهور ما ليس بظاهر؛ أو يعتقد انتفاء القرينة وهناك قرينة غفل عنها.
السلفي: سيأتي إثباتُ حصول القطع في الكلام مع الرازي والعضد. فأما الخطأ، فالخطأ في هذا الباب إنما يكون في الظن، وليس كالنظر العقلي المتعمِّق الذي يكثر فيه الغموض والاشتباه والقطع بالباطل، كما مرَّ في الباب الأول.
والنظرُ في النصوص على وجه [2/ 269] الإيمانِ بها والتسليمِ لها اهتداءٌ يحبُّه الله تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]. والنظرُ في الشبهات التعمقيَّة على وجه الوثوقِ بها وتقديمِها على النصوص زيغٌ عن سبيل الله. {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5]. ومن الواضح أن المهتدي أهل أن يعفى عن خطائه بخلاف الزائغ.
وفوق ذلك، فكلامنا هنا إجمالي، فتتبعوا إن شئتم التفصيل، فبيَّنوا على طريق المأخذين السلفيين خطأ من أخطأ منا إن استطعتم. فأما تعمُّقكم، فقد
(11/421)

أثبتنا أنه ليس بحجة في الدين، فلا علينا أن لا نلتفت إليه. فإن رضيتم بما عندكم، فنحن بما عندنا أرضى {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 15 - 16].
****
(11/422)

المقصد الثاني
المتكلم: لا أسلِّم أن فيما أزعم بطلانَ ظاهره من النصوص المتعلقة بالعقائد ما هو من الصراحة بحيث يدفع احتمال الاستعارة والمجاز ونحو ذلك، ويأبى أن يكون المراد به إلا ظاهره، بل أقول: يمتنع أن يكون في النصوص المتعلقة بالمعقولات ما هو كذلك.
السلفي: النصوص كلام، ومعلوم أن الكلام كثيرًا ما يكون صريحًا بنظمه، أو بسياقه، أو بتأكيده، أو بتكراره في مواضع كثيرة على وتيرة واحدة، أو بالنظر إلى نظائره، أو إلى حال المخاطب التي يعلمها المتكلم - إلى غير ذلك. وهكذا حال النصوص، وهي بحمد الله تعالى معروفة، وأمرها أوضح من أن يحتاج إلى بيانه، وليس هذا موضع التفصيل. والتفرقة بين المعقولات وغيرها مبنية على شبهة قد مرَّ إبطالُها، على أن الظهور وحده قد يكفي للقطع كما تقدم. وسيأتي في الكلام مع الرازي وغيره مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
****
(11/423)

[2/ 270] المقصد الثالث
المتكلم: كيف تكون تلك الإشارات غير بينة، وفيها قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] , واسمه تعالى "الواحد"، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} السورة؟
السلفي: أما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فمثل الشيء في لغة العرب: نظيره الذي يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه. وعند أكثر المتكلمين: مشاركة في جميع الصفات النفسية. وعند أكثر المعتزلة: مشاركة في أخصِّ وصف النفس. وقال قدماء المتكلمين كما في "المواقف" (1): "ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: الوجوب، والحياة [التامة] (2)، والعلم التام، والقدرة التامة ... ". قال السيِّد في "شرحه" (3): "قالوا ولا يرِدُ علينا قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} , لأن المماثلة المنفية ها هنا المشاركة في أخصِّ صفات النفس، دون المشاركة في الذات والحقيقة".
وقال النجَّار: مثلُ الشيء مشارِكُه في صفة إثبات، وليس أحدهما بالثاني. وألزموه: "مماثلة الرب للمربوب إذ يشتركان في بعض الصفات الثبوتية كالعالمية والقادرية". كذا في "المواقف" و"شرحها" (4)، وفيها بعد
__________
(1) (ص 269).
(2) الزيادة من المؤلف.
(3) (8/ 15).
(4) (4/ 67، 68).
(11/424)

ذلك (1): "هل يسمَّى المتخالفان المتشاركان في بعض الصفات النفسية أو غيرها مثلينِ باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردد وخلاف، ويرجع إلى مجرد الاصطلاح ... وعليه ... يحمل قول النجار ... فالله مماثل عنده للحوادث في وجوده عقلًا، أي بحسب المعنى؛ والنزاع في الإطلاق ... ".
أقول: وليس في النصوص التي ينكر المتكلمون معانيها ما يظهر منه إثباتُ مناظرة على الإطلاق بين الله عزَّ وجلَّ وغيره، ولا مشاركة في جميع الصفات النفسية، ولا في أخصِّ وصف النفس. فإذا حُملت المماثلة المنفية في الآية على واحد من هذه المعاني، فليس بين الآية وبين شيء من المعاني الظاهرة لتلك النصوص منافاةٌ ما.
فأما المماثلة في بعض الصفات دون بعض، فقد علمتَ أن المتكلمين يثبتونها في الجملة. ولذلك ذكر الفخر الرازي (2) أنه لا يصلح حملُ الآية على ما ينفي ذلك.
وأجاب الآلوسي (3) بقوله:
[2/ 271] "من المعلوم البيِّن أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله عزَّ وجلَّ وقدرته جل وعلا، أي ليسا سادَّين مسدَّهما".
أقول: قد تؤخذ المماثلة في مطلق العالمية والقادرية ونحو ذلك.
فإن قيل: ذاك أمر لا يلتفت إليه، إذ ليس الواقع إلا قدرة ذاتية تامة لله عزَّ
__________
(1) (4/ 76).
(2) في تفسيره "مفاتيح الغيب" (27/ 151).
(3) "روح المعاني" (25/ 19).
(11/425)

وجلَّ، وقدرة مستفادة ناقصة للعبد، وهكذا.
قلت: فهذا المعنى أيضًا غير منافٍ لشيء من تلك الظواهر.

تحقيق معنى الآية
مَن تتبَّع موارد استعمال نفي المثل في الكتاب والسنة وكلام البلغاء علم أنه إنما يراد به نفيُ المكافئ فيما يراد إثباتُه من فضل أو غيره. فمن ذلك: قولُ الشاعر (1):
ليس كمثلِ الفتى زهيرٍ ... خَلْقٌ يُدانيه في الفضائلْ
وقول الآخر (2):
سعدَ بنَ زيدٍ إذا أبصرتَ جَمْعَهُمُ ... ما إنْ كمثلهِمُ في الناس مِن أحدِ
وقال الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88].
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 6 - 8]. أي - والله أعلم - في قوة الأجسام، كما يومئ
__________
(1) البيت في "الكشف والبيان" للثعلبي (8/ 306) و"الجنى الداني" (89) غير منسوب. وقد نسب في "البحر المحيط" (7/ 510) إلى أوس بن حجر، وتبعه ابن السمين في "الدر المصون" (9/ 545) وابن عادل في "اللباب" (17/ 174). والظاهر أنه وهم. والرواية: "خلق يوازيه".
(2) البيت في "تفسير الطبري" - طبعة التركي (20/ 477) و"الكشف" (8/ 306) والمصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والرواية: "أبصرتَ فضلهم".
(11/426)

إليه السياق وآيات أخرى.
وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [خاتمة سورة محمَّد] أي في التولِّي والبخل.
وفي حديث أبي أمامة في "المسند" (1) وغيره أنه قال: يا رسول الله مُرْني بعمل. فقال: "عليك بالصوم فإنه لا مثلَ له".
ودونك الآيات التي فيها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونظائرها:
{حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ [2/ 272] يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ
__________
(1) قلت: هو في "المسند" (5/ 255 و258) من طريق مهدي بن ميمون، ثنا: محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي، عن رجاء بن حيوة, عن أبي أمامة. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (929)، وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن رواه شعبة عن محمَّد هذا قال: سمعت أبا نصر الهلالي عن رجاء بن حيوة. أخرجه ابن حبان (930) والحاكم (1/ 421) وقال: "صحيح الإسناد وأبو نصر الهلالي هو حميد بن هلال العدوي". ووافقه الذهبي. كذا قالا، وأبو نصر هذا ليس هو حميد ابن هلال، بل هو رجل لا يدرى مَن هو كما قال الذهبي نفسه في "الميزان". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول". لكن ذكره في الإسناد شاذ، فقد رواه ثقتان آخران كما رواه مهدي بن ميمون بإسقاطه، وصرح بعضهم بسماع ابن أبي يعقوب من رجاء فهو إسناد متصل صحيح. وقد صححه الحافظ في "الفتح" كما بينته فيما علقته على "الترغيب والترهيب". [ن].
(11/427)

لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} فواتح سورة الشورى [1 - 12].
ومن نظائر هذه الآيات في الجملة قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16].
وقوله سبحانه: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ [2/ 273] أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31 - 32].
وقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا
(11/428)

بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 59 - 60].
وقوله تبارك اسمه: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 84 - 92].
الآيات في هذه المواضع وأمثالها مسوقة لإقامة الحجة على المشركين الذين يتخذون من دون الله تعالى وبغير سلطان منه أولياء يعبدونهم، أي يخضعون لهم طلبًا للنفع الغيبي. فالقرآن يبيِّن أن مناط استحقاق العبادة أن يكون المعبود مالكًا للتدبير الغيبي، قادرًا مختارًا أن ينفع به ويضر كما يشاء، لا على وجه الطاعة منه لمن هو أعلى منه، ولا مفتقرًا إلى إذن خاص ممن هو أعلى منه. فإن هذا المالك هو الذي يكون خضوعُ مَن دونه له سببًا لأن ينفعه، وإعراضُه عنه مظنةً أن يضرَّه، فحينئذ يحق لمن دونه أن يخضع له. فأما من ليس كذلك فلا يمكن أن ينال من دونه منه نفع ولا ضر. نعم، إن الله عزَّ وجلَّ يأمر الملائكة بما يريد فيفعلونه، ويأذن لهم في الشفاعة لمن يحب فيشفعون. وهم كما قال تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
(11/429)

يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28].
فإذا أمرهم سبحانه بنفع عبد فعلوا ذلك طاعةً لربهم فقط، وإذا أذن لهم في الشفاعة شفعوا رغبةً في رضا ربهم. ولو فُرِض أنهم لم يشفعوا بعد الإذن فلم يأذن لهم ربهم إلا وقد [2/ 274] ارتضى الأمرَ الذي أذن لهم أن يشفعوا فيه، فهو كائن لا محالة وإن لم يشفعوا. وبهذا يتضح يقينًا أن سؤال العبد من الملائكة أو خضوعَه لهم عبثٌ من جهة، وسببٌ لغضب الله عزَّ وجلَّ على السائل، فتغضب الملائكة لغضب ربهم من جهة أخرى.
ولو كان الملائكة يتصرفون بأهوائهم لاختلفوا، إذ قد يهوى هذا نصرَ أحد الجيشَين المقتتلين، ويهوى الآخر نصرَ الجيش الآخر، فيعمل كلٌّ منهما بحسب هواه، ويبذل جهده في التصرف بكل ما يمكنه. هذا مع عِظَم قوة الملائكة وقدرتهم، فتختلُّ الأمور، ويفسُد النظام. قال الله عزَّ وجلَّ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]. وقال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].
ولما أذن الله عزَّ وجلَّ للبشر إذنًا قدريًّا عامًّا في عمل ما يريدون - لأن مقصود التكليف لا يتم في حقِّهم إلا بذلك - جعل قدرتهم محدودة، فيقع من الفساد ما يناسب قدرتهم، كما هو مشاهد. وكلما زادت قدرتهم بواسطة الآلات والمخترعات زاد الفساد، كما تراه في هذا العصر. ولولا أنَّ الله عزَّ وجلَّ يكفكف شدةَ ذلك بقدره لكان الفساد أعظم. قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251].
وإن كان الله عزَّ وجلَّ يأذن لأرواح الصالحين الموتى بأمر يتعلق
(11/430)

بالأحياء، فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء. بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرُّف (1) [2/ 275] بأهوائها، فإنها في غير دار
__________
(1) علَّق عليه الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة بقوله: "والحق أن الأرواح بعد [الموت] في قبضة الواحد القهار لا تصرف لهم في شؤون الأحياء، بل قد انقطع عملهم كما في الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وهذه الثلاثة الباقية له بعد موته هي آثار أعماله في الحياة قبل موته، فليست عملًا له بعد الموت. وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. فالذي مات أُمسك في قبضة القهار، بخلاف الحي الذي أُرسل إلى أجل مسمى. وما فتح الشرك على من أشركوا بالأموات والصالحين إلا اعتقادهم فيهم أنهم يفعلون بعد موتهم مثل ما كانوا يفعلون في حياتهم أو أشد وأقوى على سبيل الكرامة بزعمهم، فتوكلوا على الأموات وعبدوهم، ونسوا الحيَّ القيوم فلم يتَّكلوا عليه ولم يخلصوا له العبادة, كما هو مشاهد من أحوال عباد القبور والمنتصرين لهم في شرق الأرض وغربها. والله المستعان" اه.
وعقَّب عليه المؤلف قائلًا: "إنما فرضت الإذن للأرواح فرضًا، وأوضحت أنه على فرضه فلن يكون حالها إلا كحال الملائكة، في أن تصرفها إنما يكون تنفيذًا لما يأمر الله عزَّ وجلَّ، وكما أن ثبوت ذاك التصرف للملائكة لا شبهة فيه لمن يعبدهم فكذلك الأرواح. وهذا واضح جدًّا وهو أقطع للنزاع مِن بسط الكلام في نفي التصرف البتة. وفي "كتاب الروح" لابن القيم ما يؤخذ منه أنه يثبت للأرواح تصرفًا في الجملة، وسمعت بعض الإخوان يستعظم ذلك، كأنه يرى أن ذلك يروِّج شبهةَ دعاة الموتى. ولا أشك أن هذا لم يغب عن ذهن ابن القيم، ولكنه يعلم أن الشبهة إنما تروج إذا أثبتنا للأرواح تصرفًا بأهوائها، فاما ما كان من قبيل تصرف الملائكة فلا. وما ذكره الشيخ من انقطاع العمل حق، لكن لابن القيم أن يقول: قد تحب الأرواح أن تعمل عملًا في طاعة الله عزَّ وجلَّ تلذذًا بالطاعة كصلاة الأنبياء ليلة الإسراء ونحو ذلك، =
(11/431)

تكليف لا تخشى عقوبةً على ما يقع منها، بخلاف الملائكة.
وبعض المسلمين يتردد في عصمة بعض الملائكة. والقائلون بالعصمة يقولون بالتكليف مع شدة الخشية، كما تقدم في بعض الآيات السابقة. والمشركون الذين يزعمون أن الملائكة يتصرفون بأهوائهم، يزعمون أنهم غير معصومين، بل يجعلون حالهم كحال البشر مع عظم القدرة. ويقولون: كما أن للإنسان أن يسأل إنسانًا آخر أغنى أو أقدر منه ويخضع له، فكذلك له أن يسأل الملائكة ويخضع لهم؛ لأنهم يعملون ما يشاؤون، ويشاؤون ما يهوون كالبشر، وقدرتُهم أعظم. وهذا الشرك يوجد في بعض مشركي الهند وغيرهم، وعليه كان أكثر الأمم المشركة.
أما مشركو العرب فإنهم قلَّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط، كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبَّثون بالشفاعة فقط، مع تردُّد فيها. ولما حاجَّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله عزَّ وجلَّ. وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًّا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامةُ المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشدَّ جدًّا مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما البشر الأحياء، فقدرتهم معروفة، ولا تكون لهم قدرة غير عادية. نعم، قد يتفق قدرة عادية غريبة، كما يقع لبعض المرتاضين والسحرة، وسيأتي الكلام فيها. فأما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فليست
__________
= فيكون ذاك التصرف في حقَّها من جملة النعيم تلتذُّ به نفسُه ولا تثاب عليه، وعلى كل حال فإنما فرضت فرضًا، ليس فيه أدنى متشبَّث لدعاة الموتى، فتدبر".
(11/432)

بقدرتهم ولا في ملكهم. قال الله عزَّ وجلَّ لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17].
وكان الصحابة إذا احتاجوا إلى نفع [2/ 276] غيبي إنما يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاءَ كما في الاستسقاء، وقلة الأزواد في السفر، وغير ذلك؛ والدعاءُ داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى. وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا، على ما جرت به العادة. فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: اللهم أخبِرْ عنَّا رسولَك، كما قال عاصم بن ثابت (1)، وجاء نحوه عن خبيب بن عدي (2). وما يُحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت، ولو ثبتَ وجبَ حملُه على المعنى المعروف. ودعاؤهم مرجوُّ الإجابة، وليس ذلك بحَتْم. قال الله عزَّ وجلَّ لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] وقال سبحانه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
وأما الجن، فإنه مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في الوسوسة لبني آدم، وذاك كالأمر الطبيعي لهم، إنما يُستدعَى بمعصية الله عزَّ وجلَّ والغفلة عن ذكره، ويُستدفَع بطاعته سبحانه والتعوذ به. فأما أن ينفعوا الناس أو يضرُّوهم، فلو
__________
(1) أخرجه البخاري (3045، 3989، 4086) من حديث أبي هريرة في قصة عاصم بن ثابت وأصحابه.
(2) انظر "سيرة ابن هشام" (2/ 173).
(11/433)

كان مأذونًا لهم فيه إذنًا قدريًّا عامًا يُشبِه الإذنَ للناس، لفسدت الدنيا. فإن كان قد يقع شيء من ذلك، فإنما يكون بإذن قدري خاص لا يُفسِد قواعد الدنيا. والإنسان لا يحتاج إلى الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك, لأن الله عزَّ وجلَّ قد أغنى الناس بالأسباب العادية، وبدعائه سبحانه. أوَ ليس أن تسأل المالكَ الحقيقيَّ القادرَ على كلِّ شيء أقربَ وأولى من أن تسأل جنيًّا على أمل أن يأذن له الله عزَّ وجلَّ إذنًا قدريًّا خاصًّا في فعل مطلوبك؟ فإن فُرِضَ أن إنسانًا رغب إلى الجن، فحصل له نفع، أو اندفع عنه ضرٌّ؛ فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه، فإنهم قد ينفعونه. وليس ذلك بعذر له، بل الأمر أبعد؛ فإن المشركين مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في النفع والضر على ما جرت به العادة.
وحال السحر كحال الجن. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ [2/ 277] اللَّهِ} [البقرة: 102] أي - والله أعلم - إذنًا قدريًّا خاصًّا، وإنما يقع ذلك نادرًا. نعم، قد يُعَدُّ من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب، كالتنويم المغناطيسي، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة، فيحسبه الجاهل كرامة.
هذا، وإذا أمر الله عزَّ وجلَّ بطاعة أحدٍ، أو الخضوعِ له، أو بفعلٍ هو في الصورة خضوعٌ له؛ ففعَلَ المأمورُ ذلك طلبًا للنفع الغيبي من الله عزَّ وجلَّ = فهذه عبادة لله عزَّ وجلَّ. وهذا كسجود الملائكة لآدم. وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله عزَّ وجلَّ، كاستقبالِ الكعبة، والطوافِ بها، وتقبيلِ الحجر الأسود، وغير ذلك مما أمرهم الله به، ففعلوه طاعةً لله غيرَ مجاوزين ما حدَّه لهم. وكذلك توقيرُ النبي، وإكرامُ الأبوين وأهلِ العلم والصلاح،
(11/434)

بدون مجاوزة ما حدَّه الله تعالى من ذلك.
والحاصل أن الخضوع طلبًا للنفع الغيبي عبادة. فإن كان عن أمرٍ من الله تعالى ثابتٍ بسلطان، فهو عبادة له سبحانه، ولو كان في الصورة لغيره كالكعبة؛ وإلا فهو عبادةٌ لغيره. ويتعلق بهذا الباب مباحث عديدة قد بسطتُ الكلام عليها في كتاب "العبادة" (1)، وإنما ذكرتُ هنا شذرةً منه.
وأصل المقصود هنا تفسير الآية، فأقول: إن القرآن يذكر التدبير الغيبي جملةً، أو يذكر بعض أنواعه تفصيلًا، ويبيِّن أن المالك له القادر عليه المختار فيه، بدون توقُّفٍ على أمرِ آمرٍ أو إذنِ آذنٍ أو تسليطِ مسلِّطٍ، هو الله وحده لا شريك له، وأن ذلك هو مناط استحقاق العبادة. فإذا كان سبحانه هو المتفرد بذلك، فهو المتفرد باستحقاق العبادة. فتدبَّر الآيات المتقدمة تجدها على ما وصفت. وتدبَّر آيات الشورى التي فيها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] تجدها من هذا القبيل. فإذا كان الأمر هكذا فالظاهر أن المراد بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} نفيُ [2/ 278] المثل فيما ذُكر فى السياق من أنه تعالى يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن إليه الحكم، وأنه فاطر السماوات والأرض، إلى غير ذلك. وجِماعُ ذلك كلِّه ملكُ التدبيرِ الغيبيِّ، والقدرة عليه، والاختيار فيه، على ما تقدم وصفه. والمقصود بذلك إثبات أنه لا إله إلا الله.
__________
(1) كتاب من تأليفي استقرأتُ فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره. يسَّر الله نشره. [المؤلف].
(11/435)

وهَبْ أنه يسوغُ حملُ قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} على ما يخالف تلك الظواهر التي يفِرُّ منها المتكلمون، فهو احتمال مرجوح. وهَبْه مساويًا أو راجحًا، فهل يصح أن يُعتدَّ بها قرينةً تَصرِف عن ظواهر تلك النصوص التي لا تحصى، منها الظاهر البيِّن، ومنها الصريح الواضح، ومنها المؤكَّد المثبت، ومعها عقل المخاطبين الأولين من الصحابة وغيرهم وجمهور الناس؟ وهل هذا إلا قلبٌ للمعقول الواضح؟
هذا، والقائلون إن ذات الله تعالى مجرَّدة أكثرهم يُثبتون أو يجوِّزون وجودَ ذوات كثيرة مجردة من عقول ونفوس وأرواح غيرها! فليتدبر مَن له عقلٌ: أليسوا أولى بزعمِ أن لله عزَّ وجلَّ مثلًا بل أمثالًا ممن لا يقول بالتجرد المحض الذي يزعمونه؟ فإن الذوات المخلوقة غيرَ المجردة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا جدًّا، فما الظنُّ بذات الخالق تبارك وتعالى؟ فأما المجردة على فرض وجودها، فكيف يُعقل التفاوت العظيم بينها حتى تكون هذه ذات رب العالمين، وهذه ذات روح بعوضة؟ وما قيل إن التجرد أمر عدمي لا يدفع ذلك، على أنه عندهم براءة لأمر وجودي احتيج إليه؛ لأنه ليس في اللغات لفظ يدل على ذاك المعنى, لأن اللغات تابعة للعقول الفطرية، والعقولُ الفطرية لا تَعقل وجودَ ذات مجردة ذاك التجرد، وإنما تعبِّر عن ذاك المعنى بقولها: "معدوم" (1).
قال السلفي: وأقتصر من النظر في تلك الآية على ما ذكرت راجيًا أن يكون فيه الكفاية لمن لم يستحوذ عليه الهوى. فأما من خُتِم على قلبه فلا مطمع فيه. والله الموفق.
__________
(1) يأتي لهذا مزيد في مسألة الجهة. [المؤلف].
(11/436)

وأما اسم الله تعالى "الواحد"، فلفظ "واحد" يراد به في اللغة ما يقابل المتعدد، ومن تتبع مواقعه في القرآن وغيره من الكلام العربي الفصيح وجده يأتي وصفًا لموصوف، ويكون هناك شيء محكوم عليه بالموصوف مع وصفه، فعدم التعدد يكون للمحكوم عليه باعتبار [2/ 279] الموصوف. قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً} [البقرة: 213] حكم على الناس فيما كانوا عليه بقوله "أمة واحدة"، فعدم التعدد ثابت للناس باعتبار "أمة"، أي لم يكونوا أمتين أو أكثر. وقد يُصرَّح في الكلام بالمحكوم عليه وبالموصوف كما رأيت، وقد يُطوى ذكرُ أحدهما، فيُعرف بالتدبر. ولا أطيل بأمثلة ذلك. وعلى كل حال، فإنه يأتي على أحد معنيين:
الأول: نفي التعدد في المحكوم عليه نفسه كالمثال السابق، نفَى أن يكون الناس كانوا أمتين أو أكثر.
المعنى الثاني: نفي أن يكون مع المحكوم عليه مثلُه أو مثلاه أو أمثاله باعتبار الموصوف، فيكون المجموع متعددًا. ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [البقرة: 163] أي: ليس معه إله آخر أو أكثر فيكون المجموع متعددًا. ومن هذا الثاني قولهم: فلان واحد في فنه، أو واحد زمانه، أي: لا نظير له في ذلك.
إذا تقرر هذا فلنذكر الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. قال تعالى فيما قصَّه عن يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} [يوسف: 39 - 40]
(11/437)

وقال عزَّ وجلَّ: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16].
وقال سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} خواتيم سورة إبراهيم.
[2/ 280] وقال تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص: 65 - 66].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 3 - 4].
وقال سبحانه: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16].
هكذا جاء هذان الاسمان الكريمان "الواحد القهار" في القرآن مقترنين معرَّفَيْن في المواضع كلها، وكلُّ ذلك في سياق إقامة الحجة على المشركين
(11/438)

في الألوهية الزاعمين أن لله شركاء في استحقاق العبادة.
فالكلام جارٍ على المعنى الثاني، وهو نفي التعدد الحاصل بوجود مثلِه معه في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة. وسياق الآيات واضح جدًّا في ذلك، وإنما ادعى بعضُهم المعنى الأول في آية (الزمر) فقال: إن إمكانَ أن يكون له ولد يستدعي التركيب والانفصال، والوحدةَ تنافي التركيب. والتركيب الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون ليس من التعدد الذي تعقله العقول الفطرية في شيء. و"الواحد" بالمعنى الثاني ينفي الولد بدون تكلُّف، فإنه لو كان له سبحانه ولد لكان نظيرًا له في القدرة وغيرها، فيكون ربًّا مستحقًّا للعبادة. وقد قال تعالى: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 92 - 93].
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116].
وقال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26].
فحصل المقصود مع بقاء الاسم "الواحد" على معناه المعروف الموافق لسائر الآيات.
[2/ 281] هذا, ولما كان الاسم "الواحد" إنما هو صريح في نفي النظير في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة، وليس بالصريح في نفي المشارك في ذلك مشاركةً تقتضي استحقاق العبادة في الجملة= أردف في الآيات
(11/439)

كلِّها بالاسم "القهار" ليتمِّم المعنى المقصود، وجاء الاسمان معرَّفين لأن ذلك معروف مسلَّم عند المشركين، كما يوضحه الآيات الأخرى التي تقدم ذكرُ بعضها في الكلام على قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، والله الموفق.
وأما سورة الإخلاص، ففي "صحيح البخاري" (1) وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم، ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني ... وأمَّا شتمُه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤا أحد". وفي رواية (2): "وأنا الصمد الذي لم ألد ... ".
وقال الترمذي (3): "حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو سعد - هو الصاغاني -, عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انسُبْ لنا ربك. فأنزل الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمد: الذي لم يلد ولم يولد, لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، ولا شيء يموت إلا سيورث، وإن الله عزَّ وجلَّ لا يموت ولا يورث. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء".
__________
(1) رقم (4974).
(2) البخاري (4975).
(3) رقم (3364). وأخرجه أيضًا أحمد (21219). وإسناده ضعيف، وسيأتي الكلام عليه.
(11/440)

ثم قال الترمذي (1): "حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك. فأتاه جبريل بهذه السورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصحُّ من حديث أبي سعد".
[2/ 282] أقول: أبو سعد قال فيه الإمام أحمد: "صدوق، ولكن كان مرجئًا"، وقال أبو زرعة: "كان مرجئًا ولم يكن يكذب". وضعَّفه الباقون، قال ابن معين في رواية: "ضعيف"، وفي أخرى: "كان جهميًّا وليس هو بشيء"، وفي ثالثة: "صاحب ابن أبي دؤاد كان ها هنا وليس هو بشيء"، وفي رابعة: "جهمي خبيث". وقال البخاري في موضع: "فيه اضطراب"، وفي آخر: "هو متروك الحديث"، وفي ثالث: "ليس بثقة ولا مأمون".
لكن لم ينفرد أبو سعد بوصل الحديث، فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" (ج 2 ص 540): "أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن علي قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا: يا محمد، انسُبْ لنا ربَّك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}. قال: الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد ... " بمثل حديث أبي سعد. ومحمد بن سابق ثقة جليل إلا أن في ضبطه شيئًا حتى قال أبو حاتم: "يُكتَب حديثه ولا
__________
(1) رقم (3365).
(11/441)

يُحتَجُّ به". وقد صحح ابن خزيمة (1) والحاكم هذا الحديث (2).
وأخرج ابن جرير (3) من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن جابر قال: "قال المشركون: انسُبْ لنا ربك، فأنزل الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ". وأخرج عن قتادة (4) قال: "جاء ناس من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: انسُبْ لنا ربك، فنزلت ... ". وعن سعيد بن جبير (5) نحوه مطولًا. وعن عكرمة (6): أن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبِرْنا عن ربَّك، صِفْ لنا ربَّك، ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ".
والذي يصح في الباب حديث البخاري، ثم يليه حديث أبي العالية، وقد شهد له حديث جابر، وسنده صالح للمتابعة.
[2/ 283] وحديث البخاري يدل على أن أشدَّ ما كان المشركون يعتَدُون فيه في حق الله تبارك وتعالى هو شكُّهم في قدرته على البعث، وقد أخبَرَ به، ونسبتُهم إليه الولد. والقرآنُ يؤيد ذلك، فإنه كرَّر تثبيتَ البعث ونفيَ الولد في مواضع كثيرة.
__________
(1) في كتاب "التوحيد" (45).
(2) قلت: وكذا صححه الذهبي في "تلخيص المستدرك" وفيه بُعد؛ لأن أبا جعفر الرازي فيه ضعف كما سبق بيانه في التعليق على حديث القنوت في الفجر ج 1 ص 147. لكن حديث جابر الآتي بعده يشهد له في الجملة. [ن].
(3) في "التفسير" (24/ 728).
(4) المصدر نفسه (24/ 729).
(5) المصدر نفسه (24/ 728، 729).
(6) المصدر نفسه (24/ 728).
(11/442)

فأما شركهم في الألوهية، فكان عندهم مرتبطًا بدعوى الولد، كما هو بيِّنٌ من عدة آيات. وقد أوضحتُ ذلك في كتاب "العبادة". وتبيَّن لي أن أولَ ما سرى إلى العرب نسبةُ الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى أنهم مقرَّبون إليه. ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه، فقالوا: بنات الله؛ لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن. ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يُثبتون أن لله عزَّ وجلَّ صاحبةً، ولذلك احتجَّ عليهم القرآن بقوله: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101]، فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلَّم. وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعةٌ معه إلى أبي بكر، فقال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزَّى، فقال أبو بكر: وما اللات والعزى؟ فقال طلحة: بنات الله. فقال أبو بكر: ومن أمهم؟ فأُسْكِتَ طلحة، ثم قال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فأُسْكِتوا، فأسلم طلحة (1).
فأما قول الله عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158]، فالمراد بالجنة ها هنا: الملائكة، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بناتٍ له. وما روي أنهم كانوا يقولون: إن أمهاتهم بناتُ سَرَوات الجن (2)، لم يصح. ولو صحَّ لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة. واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماء لتلك الإناث التي زعموا أنها الملائكة وأنها بنات الله، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسمَّوها بأسمائها، كما جرت به عادة
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (13/ 206).
(2) أخرجه الطبري في "تفسيره" (19/ 645) عن مجاهد. وانظر "الدر المنثور" (12/ 484).
(11/443)

المشركين في أصنامهم، بل عادة الناس جميعًا في إطلاقهم على التمثال والصورة اسمَ من يرون أن ذلك تمثال أو صورة له. وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم، وقد أوضحتُ ذلك في كتاب "العبادة" بما يُثلج الصدر. والحمد لله.
[2/ 284] والمقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله، ويزعمون أنها الملائكة، وأنها بنات الله، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظِّمونها تعظيمًا لها، وصارحهم بتنزيه الله عن الولد = قالوا: انسُبْ لنا ربك، طمعًا منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهةً يشُدُّون بها قولهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة.
فأما تحقيق معناها، فلفظ "أحد" زعم ابن سينا ومن وافقه أنه الواحد من جميع الوجوه، المنزَّه "عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة". هذا ما نقلوه من عبارته المموهة. وهو ومن وافقه يوهمون أنهم إنما يجتهدون في تنزيه الله عزَّ وجلَّ، وهو في نفس الأمر بعيد عن ذلك، كما يُعلم من نفيهم صفاتِ الكمال عنه. وإنما غرضهم توجيه وجوب وجوده تعالى، أي وجوده من غير علة. وبعبارة أوضح في العقول الفطرية: توجيهُ وجوده من دون أن يُوجده موجِد. وذلك أن الفطرة والعقل قاضيان بأن الموجود من هذه الأشياء التي نراها لا بد له من موجِد، وأنه مهما كان لبعضها صانع منها، فإن فوقها جميعًا ربًّا هو الموجِد الحقيقي. ولكن كثيرًا من النفوس لا تَقنَع بهذا حتى تقول: فهذا الموجِد الحقيقي من أوجده؟ فإن قيل: لا موجد له. قالت: وكيف وُجد من غير موجِد؟
(11/444)

فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي فيما ثبت أو جاز أنه لم يكن ثم كان. وذلك كأن تمرَّ ببقعة لا بيت فيها، ثم تمرَّ بها وفيها بيت. وكالشمس فإن العقول الفطرية حتى الساذجة تُجيز أن يخلق الله تعالى شمسًا أخرى غير هذه الشمس، وتجيز أن يكون قد مضى زمان لا شمس فيه، ثم خلق الله تعالى هذه الشمس. وهكذا سائر المخلوقات. وإنما قد تتوقف العقول الفطرية في بعض الأشياء التي لا ضيرَ في التوقف فيها من جهة العقل. وذلك كالفضاء والزمان، فإنهما إنْ كانا أمرين عدميين كما عليه المتكلمون فالأعدام أزلية، [2/ 285] وإن كانا وجوديين فلا يصلحان ولا واحد منهما أن يكون ربًّا أوجد هذه الموجودات. والمقصود أنه في مثل البيت والشمس يأتي ذاك السؤال فيقال: لم يكن موجودًا، فمَن أوجده؟ فأما الموجود الحق الذي ثبت أنه لم يزل، فلا يأتي في حقِّه ذاك السؤال أصلًا.
= فقد لا تطمئنُّ النفس (1) لهذا حقَّ الاطمئنان. وقد نبه الشرع على هذا وعلى علاجه. ففي "الصحيحين" (2) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فَلْيستعِذْ بالله وَلْيَنْتَهِ" لفظ البخاري في "بدء الخلق".
وفيهما (3) من حديث أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلَقَ
__________
(1) السياق: "فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي ... فقد لا تطمئن النفس".
(2) البخاري (3276) ومسلم (134/ 214).
(3) البخاري (7296) ومسلم (136).
(11/445)

الله؟ " لفظ البخاري في "الاعتصام".
وفي "مسند أحمد" (1) من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الأول، وفيه: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنتُ بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه".
فمن أيقن بما قدَّمناه أولَ الرسالة من مرتبة الشرع فزع إليه، فوجد الشفاء من تلك الوسوسة. ومن لم يفزع إليه وحاول الاكتفاء بذلك الجواب، وهو أن ذلك السؤال لا يرِدُ أصلًا، جاءه الشيطان من طريق أخرى، فقال: إن كان هذا الذي تقول: إنه الموجد الحقيقي أو إنه واجبُ الوجود شبيهًا بهذه المحسوسات، فحكمُه حكمُها، وإلا فماذا عساه أن يكون؟ [2/ 286] فإذا دفع ذلك بنفي المشابهة المقتضية للافتقار، وكفَّ نفسَه عن التفكّر في تلك الذات المقدسة بحجة أنه لم يرها, ولا رأى ما تكون من جنسه، وما كان هكذا فلا سبيل إلى تصوره، فالأكمه لا يتصور الألوان حتى إنه لا يحلُم في نومه بأنه أبصر شيئًا= جاءه الشيطان من جهة أخرى، فاستعرض ما يُثبته العقل والشرع لله عزَّ وجلَّ، فيعمِد إلى أمرٍ من ذلك فيقول: إن ثبت هذا لتلك الذات كانت شبيهةً بهذه المحسوسات، فيلزم الافتقار. فأما من وفَّقه الله عزَّ وجلَّ، فإنه لا يعدَمُ مخلصًا. وأما المخذول فإنه يرى أنه مضطر إلى نفي ذلك الأمر، ثم يعمِد الشيطان إلى أمر آخر فيقول: وهذا كالأول، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور، ومنها لوازم الوجود، فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد إنتفاء لوازمه.
__________
(1) رقم (26203) بإسنادٍ اختُلِف فيه على هشام بن عروة عن أبيه. انظر تعليق المحققين على "المسند" و"العلل" لابن أبي حاتم (2/ 158، 159).
(11/446)

وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له: وكيف تعقل مثل هذا؟ وما تظنه حجةً على الوجود قد جرَّبتَ أمثالَه في تلك الأمور. فليس هناك حجة، وإنما هي شبهاتٌ نسجتْهَا الأوهامُ والأغراضُ في العصور المظلمة. فكن حرَّ الفكر قويَّ الإرادة، وخلِّص نفسَك من تلك القيود والأغلال، فإنك في عصر العلم!
فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موَّه ابن سينا عبارته عنها. فإنه يزعم أن ذات الله عزَّ وجلَّ ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، ليست خارجةً عنه ولا هي فيه، ليست مباينةً له ولا محايثةً، لم تُوجد الذوات الأخرى حين وُجِدت خارجَ ذات الله عزَّ وجلَّ قريبًا أو بعيدًا, ولا داخلَ ذاته. والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل، ثم يقع [2/ 287] الخلاف في التفريع. فابن سينا وموافقوه يقولون: لا قدرة لله عزَّ وجلَّ ولا إرادة ولا علم بالجزئيات. واستحيا بعضهم فقال: يعلم ذاته. وعندهم أنه لا شأن لله عزَّ وجلَّ بخلق ولا تقدير ولا اختيار ولا تدبير، بل عندهم أنه سبحانه ليس بربٍّ للعالم، وإنما هو السبب الأول لوجوده في الجملة.
وذلك أن أصول الموجودات عندهم أشياء قديمة: أحدها: وجود محض هو عندهم الواجب لذاته، أو قل: "الله". الثاني: شيء نشأ عن الأول بدون قدرة للأول ولا إرادة ولا علم! ويسمون هذا الثاني "العقل الأول". قالوا: ونشأ عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك، وهكذا إلى عشرة عقول، وتسع أنفس، وتسعة أفلاك! قالوا: والعقل العاشر هو العقل الفعال، وهو المدبِّر للعالم السُّفلي بواسطة الكواكب وتغيُّر مواضعها. ولا شأن عندهم لله تعالى بالموجودات البتة، خلا أنه كان في القدم سببًا محضًا
(11/447)

لوجود العقل الأول بدون قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولا علم!
ومَن تدبَّر هذا علِمَ أن البعوضة فما دونها تملك من العلم والقدرة والإرادة والاختيار والتصرف ما لا يسمحون لله عزَّ وجلَّ بملْكِ عُشْرِ مِعشاره! تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. هذا مع ما في ترتيبهم المذكور ممّا هو على أصولهم - فضلًا عن غيرها - بغاية الاختلال، بل هو هوسٌ محض يخجَل العاقلُ من نسبة القول به إلى من يشاركه في الإنسانية!
وقولهم: إن ذات الواجب وجود محض، أُورِدَ عليه أن الوجود عندهم من المعقولات الثانية، وهي عندهم أمور معدومة؛ فعلى هذا تكون ذاته عندهم عدمًا، والعدم لا يكون سببًا لوجود. أجاب بعضهم بأن الوجود الذي هو ذات الواجب في زعمهم وجود خاص، وهو موجود؛ وإنما المعدوم الوجود المتعارف. قالوا: والداعي لهم إلى القول بأن ذات الواجب وجود خاص: أنها لو كانت شيئًا آخر احتاجت إلى ما يفيدها الوجود، فإن كان غيرها كانت ممكنة، أو بلسان الجمهور: مخلوقة. وإنْ كانت هي أوجدتْ نفسَها، فهذا محال.
وقد أطال المتكلمون البحث في هذا. ويمكن أن يقال على وجه الإلزام: ذاك الوجود الخاص إن لم [2/ 288]، يكن متصفًا بهذا الوجود المتعارف، اتصف ضرورةً بنقيضه وهو العدم، والمعدوم مفتقر في أن يوجَد إلى غيره حتمًا. وإن كان متصفًا به وقعتم فيما فررتم منه!
وفي "حواشي عبد الحكيم" على "شرح المواقف" (1): "الصواب
__________
(1) (2/ 141).
(11/448)

عندي أن لا إيجاد ها هنا بل هو اقتضاء الماهية للوجود، والمقتضي لا يلزم أن يكون موجِدًا. ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها ... كيف والإيجاد الخارجي لا بد له من موجود وموجِد في الخارج، وليس في الخارج ها هنا إلا الماهية المقتضية للوجود. واعتبارُ التعدد فيها باعتبار أنها من حيث هي موجِد، ومن حيث الاتصاف بالوجود موجَد، إنما هو في الذهن".
أقول: فمن فهم هذا وقنع به فذاك، وإلا فينبغي أن يدع التعمقَ، ويرجع إلى اليقين، وهو أن الله عزَّ وجلَّ هو الحق الذي لم يزل، وأنه خالق كلِّ شيء، وَلْيَستعِذ بالله وَلْيَنْتَهِ.
وقد سمعتُ بعض الأكابر يذكر عن جدِّ أبيه - وهو من المشهورين - أنه كان إذا ذُكِر له ما يسمِّيه المتأخرون "علم التوحيد" قال: "إنما هو علم التوحيل".
أقول: وتلك المناقضات والمعارضات والوساوس بحر من الوحل لا ساحل له إلا من جهة [2/ 289] واحدة، فمن جاء من تلك الجهة فخاض في ذاك الوحل لم يزده الإمعانُ فيه إلا تورطًا. فالسعيد من أعانه الله عزَّ وجلَّ على الرجوع إلى الساحل.
والمقصود هنا أن المتفلسفين لما أصَّلوا ذاك الأصل، وهو أن ذات الله تعالى ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، أمعنوا في النفي كما تقدم. فأما المتكلّمون الذين وافقوا على هذا الأصل، فيضطربون في التفريع، يُثبت أحدُهم أمرًا، فيجيء الذي بعده، فيجد أنه مضطَرٌّ إلى نفيه بمقتضى الاعتراف بذاك الأصل، وهكذا.
(11/449)

وعلى كل حال، فابن سينا نفسه معترف بأن تلك الوحدة تأباها العقول الفطرية - وهي عقول الجمهور ومنهم الصحابة والتابعون - وتقطع بأنَّ حاصلها العدم المحض. ويعترف بأن الشرائع جاءت بضد تلك الوحدة، وقد مرَّ كلامه. ويوافق عليه من يتعانى التحقيق من المتكلمين كما يأتي في مسألة الجهة عن الغزالي والتفتازاني. وإذا كان الأمر هكذا فلا ريب أنه لا وجه لحمل قولِ الله عزَّ وجلَّ "أحد" على تلك الوحدة، فلنطلب معنى آخر.
قال بعض السلفيين: إنه "الواحد في الربوبية والألوهية، لا ربَّ سواه، ولا إله إلا هو". وهذا المعنى محتاج إلى التطبيق على السياق، وسبب النزول. وذلك ممكن بنحو ما مرَّ في "الواحد"، لكن يبقى هنا سؤال وهو: لماذا جاء الاسم "الواحد" في القرآن معرَّفًا، وجاء "أحد" غير معرَّف؟
وها هنا معنى ثالث. في كتب اللغة (1) أنه يُقال "رجل وَحَد: لا يعرف نسبُه وأصلُه". وعن ابن سيده أنه يقال: "رجل أحد" بهذا المعنى. وفي "القاموس" (2): "رجلٌ وَحَدٌ وأَحَد - محرَّكتَيْن - ووَحِد ووَحِيد ومتوحِّد: منفرد". قال شارحه (3): "وأنكر الأزهري قولهم: رجل أحد، ... لأن أحدًا من صفات الله عزَّ وجلَّ التي استخلصها لنفسه". وفي "القاموس" (أح د) (4): "الأحد بمعنى الواحد، أو الأحد لا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى". قال
__________
(1) انظر "لسان العرب" (وحد).
(2) (1/ 343).
(3) "تاج العروس" (9/ 266) ط. الكويت.
(4) (1/ 273).
(11/450)

الشارح (1) بعد قوله: الأحد: "أي: المعرَّف باللام الذي لم يُقصد به العدد المركب كالأحدَ عشرَ ونحوه". ثم قال الشارح أخيرًا: "وهو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر. وقيل: أحديته معناها أنه لا يقبل [2/ 290] التجزِّي لنزاهته عن ذلك. وقيل: الأحد الذي لا ثاني له في ربوبيته، ولا [في] ذاته، ولا في صفاته".
أقول: فالظاهر أن "وَحِد وأحد" الذي قالوا: إنه بمعنى لا يُعرف نسبُه وأصلُه، إنما حقيقته أنه بمعنى: منفرد. ثم لوحظ فيه التقييد، أي: "منفرد عمن يكون من نسبه وأصله"، أي لا يوجد من يكون نسيبًا له. ولكن لما كان هذا ممتنعًا في الرجل، إذ لا بد في غير آدم وعيسى من أن يكون له أب، ويغلب أن يكون له عم وابن عم وإن بعد وغير ذلك، وإنما غايته أن لا يَعرف نسبَه وأصله = عبَّروا بهذا. والمعنى الحقيقي ثابت لله تبارك وتعالى، فإنه لا نسيبَ له ولا نسبَ البتة. وبهذا يتضح موافقة سبب النزول، وهو قول المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: انسُبْ لنا ربَّك. ولما كان هذا الوصف قد يطلق على غيره تعالى، بمعنى أنه لا يُعرف نسبه، وقد يطلق على آدم بمعنى أنه لا أب له وإن كان مخلوقًا من الطين، وكذلك عيسى وإن كان له نسب من جهة أمه، ونحو هذا يقال في الملائكة وأبي الجان = لما كان الأمر كذلك قيل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، ولم يقل: "الأحد". وأكَّد ذلك أن المشركين لما قالوا: انسُبْ لنا ربَّك، اقتضى ذلك أنهم يزعمون أن الله عزَّ وجلَّ ليس أحدًا بذاك المعنى، بخلاف "الواحد" في الربوبية، فإنهم يعترفون به كما تقدم. وهذا المعنى هو المناسب لسبب النزول كما مرَّ، ومناسبته للسياق واضحة أيضًا.
__________
(1) (7/ 376).
(11/451)

وقوله سبحانه: {اللَّهُ الصَّمَدُ} تقدَّم في حديث البخاري (1) في رواية: "شتمُه إياي قولُه: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد ... ". وفي حديث أبي العالية (2): "فالصمد الذي لم يلد ولم يولد .. ". وأخرج ابن جرير (3) عن محمَّد بن كعب: "الصمد الذي لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد". ويظهر أن المراد أن الصمد يستلزم أنه لم يلد ولم يولد. وتوجيه ذلك يُعلم مما يأتي:
أخرج ابن جرير (4) من وجهين صحيحين عن مجاهد قال: "الصمد: المُصْمَت الذي لا جوف له". ومِنْ وجه صحيح عن الحسن البصري (5) قال: "الصمد: الذي لا جوف له". ومن وجه صحيح عن سعيد بن جبير (6) سئل عن الصمد فقال: "الذي لا جوف له". ومن وجه صحيح عن عكرمة (7) قال: "الصمد: الذي لا جوف له". ومن وجه آخر صحيح عن عكرمة (8) أيضًا قال: "الصمد: الذي [2/ 291] لا يخرج منه شيء". زاد في رواية (9):
__________
(1) رقم (4974).
(2) عند الترمذي (3364).
(3) "تفسيره" (24/ 735).
(4) المصدر نفسه (24/ 731).
(5) المصدر نفسه (24/ 732).
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه (24/ 733).
(8) المصدر نفسه (24/ 734).
(9) المصدر نفسه.
(11/452)

"لم يلد ولم يولد". ومن وجه صحيح عن الشعبي (1) قال: "الصمد: الذي لا يطعم الطعام". وفي رواية (2): "الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب". ومن وجه فيه ضعف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (3)، قال عبد الله: "لا أعلمه إلا قد رفعه (يعني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الصمد: الذي لا جوف له". ومن وجه فيه ضعف عن ابن عباس (4) قال: "الصمد: الذي ليس بأجوف". ومن وجه ضعيف عن ابن المسيب (5) قال: "الصمد: الذي لا حِشْوةَ له".
هذه الأقوال كلها تعود إلى مثل قول مجاهد، واستلزامُ هذا المعنى لنفي الولد والوالد - كما في حديث البخاري وحديث أبي العالية وقول محمد بن كعب - ظاهر. وذلك أن من يكون كذلك لا يمكن أن يكون له ولد على الوجه المعروف في التناسل أو نحوه؛ لأن ذلك يتوقف على أن يخرج من جوف الأب شيء يتكون منه الابن. وهكذا من كان كذلك لا يكون له أب، لأن الأب لا بد أن يكون شبيه الابن في الذات، ففرضُ أبٍ للمصمَت الذي لا جوف له يستلزم نفيَ الأبوة. وهذا المعنى مع صحته عن أكابر من التابعين - كما رأيت - واضح المناسبة للسياق، ولحديثي البخاري وأبي العالية، ولتقديم "لم يلد"؛ فإن دلالة هذا المعنى على أنه لم يلد أقربُ من دلالته على
__________
(1) المصدر نفسه (24/ 732).
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه (24/ 733).
(4) المصدر نفسه (24/ 731).
(5) المصدر نفسه (24/ 733).
(11/453)

أنه لم يولد، كما لا يخفى.
لكن أخرج ابن جرير (1) من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: "الصمد: السيد الذي قد انتهى سؤدده". وقال (2): "حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: {اْلصَّمَدُ} يقول: السيد الذي قد كمُلَ في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُلَ في شرفِه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار [2/ 292] الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد. وهو الله سبحانه، هذه صفته التي لا تنبغي إلا له".
والسند عن أبي وائل فيه الأعمش، وهو مدلِّس مشهور بالتدليس، وربما دلَّس عن الضعفاء (3). والسند عن ابن عباس فيه كلام، وهو مع ذلك منقطع.
__________
(1) المصدر نفسه (24/ 735).
(2) المصدر نفسه (24/ 736).
(3) رواية الأعمش عن أبي وائل معتمدة في "الصحيحين" لاختصاصه به، فلا يضره وجود شيء من التدليس في غير روايته عن أبي وائل. ولو تنطَّعنا في رد رواية مَن رمي بشيء من التدليس لرددنا رواية كثير من الأئمة كمالك والثوري وغيرهما. راجع رسالة الحافظ ابن حجر في مراتب المدلسين. وأما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فأقصى ما يكون من أمرها أن يكون أخذها عن مجاهد وابن جبير، وهما من خيار ثقات أصحاب ابن عباس، فاستندت إلى أقوى ركنين من أركان الرواة عن ابن عباس فزادت قوةً بما يُظن أنه يوهنها, ولذلك اعتمدها أئمة التفسير المأثور كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما. والله أعلم. [م ع].
قلت: ما ذكر فضيلته في رواية الأعمش عن أبي وائل وجيهٌ، وكذلك رواية علي عن =
(11/454)

علي بن أبي طلحة أجمع الحفاظ - كما في "الإتقان" (1) عن الخليلي - على أنه لم يسمع من ابن عباس. وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أو سعيد بن جبير. ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما. والثابت عنهما في تفسير الصمد خلاف هذا، [2/ 293] كما مرَّ.
لكن ابن جرير قال (2): "الصمد عند العرب هو السيد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقه، وبذلك تُسمَّي به أشرافَها. ومنه قول الشاعر (3):
__________
= ابن عباس، إن ثبت أن بينهما مجاهد وسعيد [كذا]، ولكن أين السند بذلك؟ وما ذكره من اعتماد ابن جرير وابن أبي حاتم لروايته عن ابن عباس، فيه نظر، فإن مجرد الاعتماد على الرواية لا يدل على ثبوت إسنادها, لجواز أن يكون هناك ما يشهد لها من سياق أو سبب نزول، أو غير ذلك مما يسوغ به الاعتماد على الرواية مع كون إسنادها في نفسه ضعيفًا. على أنه ليس من السهل إثبات أن الإمامين المذكورين اعتمدا هذه الرواية في كل متونها، اللهم إلا إن كان المقصود بالاعتماد المذكور إنما هو إخراجهما لها، وعدم الطعن فيها، وحينئذ فلا حجة في ذلك لثبوت إخراجهما لكثير من الروايات بالأسانيد الضعيفة. وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك من رواية ابن أبي حاتم في بعض تآليفي، منها قصة نظر داود عليه السلام إلى المرأة وافتتانه بها، وقصة هاروت وماروت، وقد خرَّجتهما في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (314/ 170).
على أنه لو سلمنا بما ذكره فضيلته من الاتصال، فلا يسلم السند إلى علي من كلام كما ذكره المصنف، مشيرًا بذلك إلى الضعف الذي عُرف به صالح كاتب الليث، ففي "التقريب": "صدوق كثير الغلط، ثبْت في كتابه، وكانت فيه غفلة" [ن].
(1) (6/ 2332).
(2) "تفسيره" (24/ 737).
(3) هو سبرة بن عمرو الأسدي، والبيت في "مجاز القرآن" (2/ 316) و"جمهرة اللغة" =
(11/455)

ألا بكَرَ الناعي بخيرَي بني أسَدْ ... بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيَّد الصَّمَدْ
وقال الزَّبْرِقان (1):
............................. ولا رهينةَ إلا سيِّدٌ صمدُ
فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام مَن نزل القرآن بلسانه. ولو كان حديث ابن بريدة صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة, لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بما عنى الله جل ثناؤه وبما أنزل عليه".
أقول: الذي يدل عليه البيتان مع مراعاة الاشتقاق أن "صمد" بمعنى: مصمود إليه كثيرًا. فأما زيادة "الذي لا أحد فوقه"، فتؤخذ في الآية من القصر الذي يقتضيه تعريفُ الجزئين. وهذا المعنى وإن كان كأنه أشهر في العربية، فالمعنى الأول معروف فيها، والاشتقاق يساعد المعنيين.
وفي "اللسان" (2): "قال أبو عمرو: الصمد من الرجال: الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب، وأنشد:
__________
= (ص 657) و"سمط اللآلئ" (2/ 932). ونسبه ابن هشام في "السيرة" (1/ 572) إلى هند بنت معبد بن نضلة. وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للزجاج (5/ 378) و"إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص 58) و"أمالي القالي" (2/ 288) و"تهذيب اللغة" (12/ 150) و"لسان العرب" (صمد، خير).
(1) كما في "مجاز القرآن" (2/ 316). وصدره كما في "تفسير القرطبي" (20/ 245):
* سيروا جميعًا بنصف الليل واعتمدوا *
(2) مادة (صمد).
(11/456)

وساريةٍ فوقَها أسوَدٌ ... بكفَّي سَبَنْتَى ذفيفٍ صَمَدْ
السارية: الجبل المرتفع الذاهب في السماء كأنه عمود، والأسود: العَلَم بكفَّ رجل شجاع".
أقول: وهذا على المبالغة، أي كأنه لا جوف له فيجوع ويظمأ.
وكفى دلالةً على صحة المعنى الأول ثبوتُ القول به عن أئمة التابعين، ثم هو الأوضح مناسبةً للسياق وسبب النزول. وذهب بعض الأجلة (1) إلى تصحيح كلا المعنيين. وهذا إما مبني على صحة استعمال اللفظ [2/ 294]
__________
(1) كأنه يعني به شيخ الإِسلام ابن تيمية في "تفسير سورة الإخلاص" له. وتصحيحه للمعاني الواردة عن أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ليس من باب استعمال المشترك في معنيَيه أو معانيه، ولا من باب التخيير الإباحي، ولكنه رضي الله عنه صححها كلها لأنها متلازمة, وكل معنى منها وجه من وجوه معنى الصمد، فالسيد الذي كمل في سؤدده وعلمه وحلمه وحكمته وغناه هو الذي استغنى عن الطعام والشراب، وتعالى عن الجوف والبطن والمعدة والأمعاء.
وشيخ الإسلام يرى فيما نقل من أقوال السلف في التفسير أنها متلازمة متشابهة لا اختلاف فيها. وكثير منها بل أكثرها من باب التمثيل وتقريب المعنى، يذكر وجه من وجوهه ونوع من أنواعه، كما لو سألك أعجمي عن الخبز فأشرت إلى رغيف وقلت له هذا، وأشار غيرك إلى رغيف بشكل آخر وقال: الخبز هذا، وأشار ثالث إلى فطير أو بقسماط أو بقلاوة، وقال: مثل هذا؛ فتجتمع هذه التفاسير عند الأعجمي على معنى كلَّي أنه ما صُنع من دقيق الحبط ولو تنوَّعت كيفيات الصناعة، فكلها خبز أو من نوع الخبز أو شبيه به، وحينئذ فلا تعارض ولا تضاد ولا تناقض. وكذلك إذا تأملنا تفاسير السلف للصمد وجدناها متلازمة يشرح بعضها بعضًا ويبني بعضها بعضًا، تجتمع كلها على إثبات عظمة الله وتنزيهه عن النقائص. والله أعلم. [م ع].
(11/457)

المشترك في معنييه معًا، وإما على ما يشبه التخيير الإباحي، كأنه قيل: مَن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب، ومن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب.
والمتكلمون يقولون: إن المعنى الأول محال على الله عزَّ وجلَّ, لأن ذلك من صفات الأجسام. ولا شأن لنا الآن بهم، وإنما الكلام ها هنا فيما فهمه المخاطبون الأولون، وقد سمعتَ قول كبار التابعين المروي عن بعض الصحابة. ومن الواضح أنه لا ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون من آيات الصفات وأحاديثها. وكذلك المعنى الثاني لا ينافيها، وإنما حاصله أن الله سبحانه هو الذي يَعمِدُ الخلقُ إلى قصده فيما يهمُّهم. وحاصله أنه سبحانه المنفرد بالربوبية واستحقاق الألوهية.
قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} واضح، ليس فيه ما ينافي تلك المعاني.
قوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} مرَّ في حديث أبي العالية (1): "ولم يكن له شبيه ولا عِدْل وليس كمثله شيء". وأخرج ابن جرير (2) من نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "ليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار". وأخرج (3) من وجه صحيح عن مجاهد قال: "صاحبة". والمعنى الأول متضمن للثاني، والمنفي ها هنا هو الكفء. والمشاركة الإجمالية في الوجود والعالمية والقادرية وغيرها ليست مكافأة،
__________
(1) عند الترمذي (3364). وانظر "تفسير الطبري" (24/ 738).
(2) "تفسيره" (24/ 738).
(3) المصدر نفسه (24/ 739).
(11/458)

إذ الواقع إنما هو وجود ذاتي واجب كامل، ووجود مستفاد ممكن ناقص، وقِسْ على ذلك. فلو فُرِض أن تلك المشاركة يصح أن يطلق عليها مشابهة، فالمنفي هنا هو الشبيه المكافئ، فليس في هذا أيضًا ما ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون.
****
(11/459)

[2/ 295] المقصد الرابع
المتكلم: أمهِلوني حتى أعيد النظر في المقاصد الثلاثة الأولى، وأفكِّر فيها.
الناقد: فليتكلم السلفي في بقية المقاصد: الرابع فما بعده.
السلفي: كان العرب الذين خوطبوا بالقرآن والسنة أولًا - كغيرهم من الناس - يعلمون بعقولهم الفطرية وما توارثوه عن الشرائع أن الله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. فكانوا يعلمون أنه سبحانه ليس بحجر ولا شجر ولا كوكب ولا إنسان ولا طائر ولا جنِّي ولا ملَك ولا مخلوق من المخلوقات التي عرفوها والتي لم يعرفوها، بل هو ربُّ كلِّ شيء وخالقُه. وقد شهد لهم القرآن بأنهم كانوا يعتقدون وجود الله عزَّ وجلَّ وربوبيته، وأنه الذي يرزق من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبِّر الأمر كلَّه، وله الأرض وما فيها. ربُّ السماوات السبع، وربُّ العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه. خلَقَ السماوات والأرض، وسخَّر الشمس والقمر. يبسط الرزق لمن يشاء ويَقدِر له. ينزَّل من السماء ماء، فيُحيي به الأرض. خلَقَ السماوات والأرض، وهو العزيز العلم. إلى غير ذلك، انظر سورة (يونس): 31، وسورة (المؤمنون): 84 - 89، وسورة (العنكبوت): 61 - 63، وسورة (الزمر): 38، وسورة (الزخرف): 9 و87، وسورة (البقرة): 21 - 22 و"تفسير ابن جرير" (ج 1 ص 126) (1).
__________
(1) (1/ 393) ط. دار هجر.
(11/460)

وكانوا كغيرهم من أصحاب العقول الفطرية يعقلون أن لله سبحانه وتعالى ذاتًا قائمة بنفسها, ولم يكن ذلك موجبًا أن يتوهَّموا أنه من جنس ما يرونه ويلمسونه، ولا مماثلًا لشيء من ذلك. فقد كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، وهم لا يرونها, ولا يسمعون كلامها، ولا يُحسُّون بمزاحمتها لهم. ويعلمون أن الله عزَّ وجلَّ أعلى وأجلُّ وأبعدُ عن مماثلة ما يرونه ويلمسونه. وكانوا كغيرهم من الناس يعلمون أن الموجود القائم بنفسه حقيقةً لا يمكن أن يكون لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، لا قريبًا من غيره من [2/ 296] الذوات ولا بعيدًا عنها. فكانوا يعتقدون أن الله تبارك وتعالى فوق عرشه الذي فوق سماواته.
ولم يكونوا إذا قيل لهم: يد الله - مثلًا - ليفهموا من ذلك يدًا كأيديهم، فإنهم يعلمون أن المضاف يختلف باختلاف المضاف إليه. يقال: رأس نحلة رأس جرادة، رأس حمامة، رأس إنسان، رأس حصان؛ فيختلف كما ترى، فما بالك بنحو "يد الله"؟ مع ما قدَّمنا أنهم كانوا يعلمون أنه تعالى ليس بإنسان ولا جنِّي ولا ملَك، ولا مماثل لشيء من ذلك ولا لغيرها من مخلوقاته؛ وأنه أعلى وأجلُّ وأكبر من ذلك كلِّه، وأنهم كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، لا يرونها ولا يسمعون كلامها ولا يدركون لها حسًّا ولا أثرًا. ويعلمون أن الله تبارك وتعالى أعلى وأجلُّ وأبعد عن مماثلة المحسوسات.
والإنسان إذا كان يعرف المضاف إليه أو مثلَه أمكنه تصوُّرُ المضافِ تحقيقًا أو تقريبًا، يتأتى معه أن يقال: مثل، أو شبيه، وإلَّا لم يبقَ هناك إلا أمر إجمالي. فإذا كان المضاف إليه هو الله عزَّ وجلَّ لم يتصور من يده مثلًا إلا ما
(11/461)

يليق بعظمته وجلاله وكبريائه. فلا يلزم من تلك المشاركة الإجمالية أن تكون يدُه مثلَ المخلوق ولا شبيهةً بها بمقتضى لسان العرب الفطري، فإنه لا يُطلق في مثل ذلك "ذاك شبيه بهذا". وقد سبق في أواخر الكلام على قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ما ينبغي تذكُّره.
فينبغي استحضار هذا، لئلا يُتوهَّم أن العرب كانوا يعتقدون أن لله عزَّ وجلَّ يدين: يَدَيْ إنسان أو مثلهما، أو يجوِّزون ذلك، أو فهموا ذلك من قول الله تعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]. وقِسْ على هذا، فإن كان في بعض النصوص ما يُوهم ظاهرُه المماثلةَ، فعقول القوم كانت قرينة كافية لصرفه عن ذلك، إلا أن تكون مماثلةٌ في مطلق أمر، فهذه قد تقدَّم تحقيقُها في الكلام على قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
قال السلفي: وليست جميعُ النصوص المتعلقة بالعقائد موافِقةً لما كان عليه العرب، فقد كانوا ينسبون إلى الله تعالى الولد، وينكرون البعث، إلى غير ذلك مما ردَّه عليهم القرآن.
****
(11/462)

[2/ 297] المقصد الخامس إلى الثامن
قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمَّق فيه، بل نقول: كلُّ ما كان حقًّا في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكلُّ ما كان باطلاً في نظرهما فهو باطل. وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بُني عليها.
وحاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله تبارك وتعالى في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه. فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانَه ما هو ظاهر بيِّن، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت؛ مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن يُعدّ قرينةً تَصرف أفهامَ المخاطبين الأولين ومن كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيهما ما هو واضح كلَّ الوضوح في تثبيت تلك الظواهر.
ولا يقتصر أمرهم على هذا، بل يلزمه أن يتناول الكذبُ في زعمهم جميعَ النصوص الواردة في الثناء على الله عزَّ وجلَّ، وعلى رسوله، وعلى كتابه، وعلى دين الإِسلام = بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحو ذلك، كقول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] وغير ذلك مما لا يحصى.
ومن المعلوم من دين الإِسلام بالضرورة تنزيهُ الله عزَّ وجلَّ عن الكذب، وتنزيه أنبيائه عن الكذب عليه، أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزُّههم عن تعمُّدِ الكذب فيما عدا ذلك. فإن ثبت
(11/463)

أن كلمات إبراهيم عليه السلام مما يُطْلَق عليه اسمُ الكذب، فالظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مرَّ. وبالجملة فهي أشدُّ ما حكي عن الأنبياء، فقد سمَّاها إبراهيم ومحمد عليهما السلام "كذبات"، وسُمِّيت في الحديث (1) "خطايا"، ويرى إبراهيم عليه السلام أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحيي من ربِّه عزَّ وجلَّ.
وأرى أن أوازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمِّقون بطلانَ معانيها [2/ 298] الظاهرة، ليتضح للناظر أنه يلزمهم أن يكون إبراهيم أصدقَ من ربِّ العالمين - لا من محمَّد فحسب - بدرجات لا نهاية لها. وذلك من وجوه:
الأول: أن كلمات إبراهيم ثلاث فقط، لم يقع منه طول عمره غيرُها. وتلك النصوص تبلغ آلافًا، على أنهم يزعمون أن نصوص التوراة وسائر كتب الله عزَّ وجلَّ كذلك.
الثاني: أن كلمات إبراهيم في مقاصد موقتة، وتلك النصوص تعُمُّ الأزمنةَ إلى يوم القيامة.
الثالث: أن كلمات إبراهيم تتعلق بالذين خاطبهم فقط، وتلك النصوص تعُمُّ حاجةَ الناس إليها إلى يوم القيامة.
الرابع: أن كلمات إبراهيم في مقاصد دنيوية، ليس فيها إخبار عن الله عزَّ وجلَّ ولا عن في دينه؛ وتلك النصوص في أصل الدين وأساسه.
الخامس: أن إبراهيم لم يكن عند الذين خاطبهم نبيًّا، فيشتدَّ وثوقُهم
__________
(1) حديث الشفاعة الطويل الذي سبق تخريجه.
(11/464)

بخبره، وفي الحديث (1): "كبرتْ خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب". وتلك النصوص مخاطَب بها المسلمون الذين يؤمنون بأن القرآن كتاب الله وأن محمدًا رسول الله.
السادس: أن إبراهيم لم يكن قد التزم لمخاطبيه أن لا يحدِّثهم إلا بالصدق، وتلك النصوصُ في الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33] وغير ذلك.
السابع: أن كلمات إبراهيم قريبةُ الاحتمال للمعنى الواقع، وتلك النصوصُ أكثرها بغاية البعد عما يزعم المتعمِّقون أنه الواقع.
الثامن: أنَّ كلمات إبراهيم لم تؤكَّد، وتلك النصوص كثير منها مؤكَّدة فيما هي ظاهرة فيه غايةَ التأكيد.
التاسع: أنَّ كلمات إبراهيم لم تُكَرَّر، وتلك النصوص تكرَّر كثيرٌ منها في الكتاب والسنة.
[2/ 299] العاشر: أن حال إبراهيم كانت ظاهرةً للمخاطبين، مقتضيةً أن يترخَّص في إيهامهم. وتلك النصوصُ على خلاف ذلك، فلم تكن حالُ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم تقتضي إلا الصدق المحض، فأما ربُّ العالمين فما عسى أن يقال فيه!
__________
(1) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (393) وأبو داود (4971) من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي، وإسناده ضعيف. وأخرجه أحمد في "مسنده" (17635) من حديث النواس بن سمعان، وإسناده ضعيف جدًّا.
(11/465)

الحادي عشر: أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات، ولم يكن يمكنه قبلَ ذلك الاستعدادُ لتلك الحوادث بما يُغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها. وتلك النصوصُ على خلاف هذا لو لم تكن حقًّا. فإن الله عزَّ وجلَّ إنما خلق الناس لعبادته، كما تقدَّم تقرِيرُه أوائلَ الرسالة، فلو كان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمِّقون لَخَلَق الله تعالى الناسَ على الهيئة التي تُرشِّحُهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة. وذلك بأن يزيد في عقولهم ويُهيَّئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرِّب إدراكَ الحق إلى أذهانهم، حتى إذا خاطبهم به في كتبه، وعلى ألسنة رسله، ونبَّههم على الدلائل القريبة في ذلك = أمكن مَن يُحِبُّ الحقَّ منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويُدركه.
فنقول للمتعمِّقين: ألم يعلم الله عزَّ وجلَّ ما يكون عليه حال الناس؟ أم علِمَ ولكن لم يَقْدِر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر؟ أم علِمَ وقَدَر، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة، فاضْطُرَّ سبحانه - وحاشاه - أخيرًا إلى الكذب والتلبيس الذي يُوقعُ الناسَ في نقيض ما خلقهم لأجله في الأصول، وحرصًا على أن يقبلوا بعض الفروع؟ (1) هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي.
الثاني عشر: أن كلمات إبراهيم كان إبراهيمُ محتاجًا إليها حاجةً محقَّقة، وتلك النصوص - لو لم تكن حقًّا - على خلاف ذلك، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع. فلو بنى الشرعُ أولًا على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمِّقون أنه حقٌّ في نفس الأمر، وعلى ما يُشبهه ويقرُب منه، وسكت عن
__________
(1) كذا العبارة في (ط)، وفيها خلل أو نقص.
(11/466)

غيره مما تأباه عقولهم = لم يكن في ذلك ما ينفِّرهم عن قبول الشرع، فأيُّ حاجة دعت إلى أن يخاطَبوا بما يزعم المتعمِّقون أنه باطل؟
بل أقول: لو جاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمِّقون، وهو أن الله [2/ 300] عزَّ وجلَّ ليس داخلَ العالم ولا خارجه، ثم كرَّر الدعوةَ والاستدلالَ كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله عزَّ وجلَّ على حشر الأجساد، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو تُوجبه من أن لله عزَّ وجلَّ ولدًا= لكان فيهم من يخضع لذلك، ثم لا يزالون يزدادون. وأنت ترى من لا يحصى من المنتسبين إلى العلم وطلبه قبلوا ذاك الأصل الجامع وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظنَّ من المتكلمين، فقلَّدوه في ذلك، وتعصبوا له، وعادَوا من يخالفه، غير مبالين بعقولهم، ولا بنصوص الكتاب والسنة، ولا بمخالفة من هو أجلُّ عندهم ممن قلَّدوه.
وقد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية، ويردُّها النظر المتعمَّق فيه، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى. والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم أوسطهم نسبًا، وأفضلهم خلقًا، معروفًا بينهم بالصدق والأمانة والعدل وحبِّ الحقِّ والحرصِ عليه، لا يريد رياسةً ولا جاهًا. ثم جاءهم بالمعجزات، فلو جاءهم بذاك الأصل ونحوه، أما كان يجد منهم من يقلِّده ويتَّبعه، كما وَجَد المتعمِّقون والأفراد الآخرون، بل كما وَجَد الرسولُ نفسه فى نفى نسبة الولد إلى الله عزَّ وجلَّ، وفي إثبات حشر الأجساد؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر زيادة على هذا.
وهَبْ أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصلَ
(11/467)

وبعضَ فروعه، وأنه ساغ ذلك؛ فقد كان يكفي نصٌّ أو نصَّان أو ثلاثة مما هو ظاهرٌ في غير ما يوافقهم محتملٌ لما يوافقهم، فيحملون ذلك على ما يوافقهم بمقتضى عقولهم وأهوائهم. فإن كان ولا بد، فممَّا يحتمل المعنيين على السواء، أو يكون ظاهرًا فيما يوافقهم ظهورًا ضعيفًا، غايته أن يكون نحو كلمات إبراهيم. فما بال الكتاب والسنة مملوءين بتلك النصوص التي يزعم المتعمِّقون أن ظاهرها باطل، ومنها ما هو ظاهر بيِّن، وما هو صريح واضح، وما هو محقق مثبت مؤكد، فهل كانت الضرورة تدعو إلى ذلك كله؟
الثالث عشر: كلمات إبراهيم لم تقتض الحكمةُ أن يتداركها بالبيان في الدنيا, لأنها كانت في قضايا موقتة، ولم تترتب عليها مفسدةٌ ما كما تقدم. وتلك النصوص لو كانت كما (1) يزعم [2/ 301] المتعمقون لاقتضت الحكمة اقتضاءً باتًّا أن يُتْبِعها الشرعُ بما يبيِّن الحق، ولم يقع من هذا شيء. فأما الإشارات المذكورة في المقصد الثالث، فقد مرَّ الكلام فيها.
فإن قيل: وكَلَهم الشرعُ إلى العقل.
قلنا: العقل الفطري يوافق تلك النصوص كما تقدم، والنظر المتعمَّق فيه جاء في الشرع التنفيرُ عنه وعن أهله. هذا مع الأمر المؤكَّد بالوقوفِ مع الكتاب والسنة والاعتصام بهما، والحكم بالزيغ والضلال والكفر على من خالفهما، وتأكيدِ أنَ الحقَّ كلَّه فيهما وأنَّ الدين قد كمل بهما، والأمرِ بالرجوع عند التنازع إليهما، وبيانِ أن الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم، وغير ذلك.
__________
(1) (ط): "لما" تحريف.
(11/468)

الرابع عشر: كلمات إبراهيم عليه السلام يظهر من تسميتها خطايا، ومِن خجله واستحيائه من ربِّه في المحشر من أجلها أنه ندِمَ عليها في الدنيا، وعزَمَ أن لا يعود إلى مثلها. وتلك النصوص لم يَرِدْ ما يشير إلى ندَمِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجلها، بل الواردُ خلاف ذلك. فأما الربُّ عزَّ وجلَّ فهو عالم الغيب والشهادة.
الخامس عشر: أن كلمات إبراهيم لم تترتَّب عليها مفسدةٌ ما، بل ترتَّبَ عليها درءُ مفاسد عظيمة، وتحصيلُ مصالح جليلة. فقوله: "هي أختي" ترتَّبَ عليها سلامةُ إبراهيم من بطش الجبار، وسلامةُ الجبار وأعوانه من ذاك الظلم. وقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ترتَّبَ عليها تمكُّنُه من تحطيم الأصنام، وما تبع ذلك من إقامة الحجة. والثالثة ترتَّبَ عليها إقامةُ الحجة على عُبَّاد الأصنام حتى اضطُرُّوا إلى الاعتراف، فقال بعضهم لبعض: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64]. وأما النصوص التي يكذِّب المتعمِّقون معانيها التي هي فيها ما بين ظاهرٍ بيِّنٍ، وصريحٍ واضحٍ، ومحققٍ مؤكدٍ؛ فإن كانت كما يزعم المكذِّبون فقد ترتَّب عليها مفاسد لا تحصى:
الأولى: لزوم النقص، كما تقرَّر في الوجوه السابقة، حتى لو لم يخلق الله تعالى الناسَ لما لزم مثلُ ذاك النقص، ولا ما يقاربه، بل لا يلزم نقصٌ البتة فيما أرى.
الثانية: تثبيت الاعتقاد الباطل في أصل الدين، وحملُ الناس عليه.
[2/ 302] الثالثة: حملُ كثير ممن يسمِّيهم ابنُ سينا "الخاصة" - وهم المتعمِّقون في النظر العقلي - على تكذيب الشرع البتة, لأنهم يرون فيه تلك
(11/469)

النصوص التي يرون أن معانيها باطلة، فيقولون: لو كان هذا الشرع حقًّا ما جاء بالباطل، والله تعالى أعزُّ وأجلُّ مِن أن يجهل أو يكذب، والأنبياءُ الصادقون لا يجهلون ربَّهم ولا يكذبون عليه. واعتذار ابن سينا باطل كما ترى.
فإن قيل: أما هذه المفسدة، فهي حاصلة على كل حال.
قلت: لكن إن كانت النصوص كما يقول المكذَّبون كانت تبعةُ هذه المفسدة عليها. فأما إذا كانت حقًّا - كما يقول السلفيون - فإن تبعة هذه المفسدة تكون، على التعمُّقِ في النظر، وتقديمِ ما يلوح منه على الفطرة والعقول الفطرية وكلام الله وكلام رسوله. وبعبارة أخرى تكون تبعتُها على اتباع الهوى، وإيناره على الحق، ويكون ذلك بالنظر إلى الشرع مصلحة.
الرابعة: حملُ أشدِّ المؤمنين إخلاصًا، وأقواهم إيمانًا بالله ورسوله، وألزمِهم اعتصامًا بالكتاب والسنة= على تضليلِ أو تكفيرِ من يُظهر خلاف ما دلَّتْ عليه تلك النصوص من "الخاصة"؛ وحملُ "الخاصة" على تجهيل أولئك المخلصين وتضليلهم والسخرية منهم.
ومن أعجب العجب أن الفريقين إذا علما ما في الافتراق في الدين من الفساد طلبا من الدين نفسِه الذي أوقعهما - على زعم المتعمقين - في الافتراق، وقد زجر عنه، أن يدلهما على المخلص، فلا يجدان إلا قول الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
فيتداعى الفريقان إلى تحكيم الكتاب والسنة. فأما السلفيون، فيقولون: ذلك ما كنا نبغي. وأما "الخاصة"، فيعلمون أنهم إن أجابوا قضى الكتاب
(11/470)

والسنة قضاءً باتًّا بتلك النصوص، وإن أعرضوا تلا السلفيون ما يلي تلك الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61]. [2/ 303] وقوله بعد ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
الخامسة: أن وقوع الكذب في بعض النصوص الشرعية يفتح الباب لتكذيب الشريعة كلِّها، حتى على فرض قبول اعتذار ابن سينا. هذا هو نفسه لما علم أن المتكلمين يوافقونه في بعض النصوص الاعتقادية فيزعمون أن ظواهرها باطلة جرَّ ذلك إلى نصوص أخرى في العقائد، ثم إلى نصوص تتعلق بالملائكة والنبوة والأرواح، ثم إلى النصوص المتعلقة بالبعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك. ثم ختم بأن قضى على كل من يريد أن يكون من "الخاصة" بأن لا يلتفت إلى الشرع فيما للرأي فيه مجال. ففتح البابَ بمصراعيه، ومهَّد لأصحابه الباطنية وغيرهم.
ولا ريب أنه لو جاز أن يكون في النصوص الشرعية كذب وتلبيس دعت إليه مصلحةٌ ما، وإن عارضتها عدة مفاسد، لم يسلم نصٌّ من النصوص من احتمال ذلك. وإنما حاصل هذا أن الشرع باطل، وأن الأنبياء إنما اتبعوا أهواءهم. وأحسنُ أحوالهم عند "الخاصة" أن يكونوا اتّبعوا تخيلاتهم.
والحقُّ الذي لا يرتاب فيه مؤمن: تنزيهُ الله عزَّ وجلَّ وكتبه ورسله عما
(11/471)

يقول الظالمون الذين يسمُّون أنفسهم "الخاصة"، وأن اتباع الأهواء والتخيلات هي صفة أولئك الفجار. {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ} ثم لرسله (1) {الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60].
****
__________
(1) بل المثل الأعلى لله وحده وهو تفرده بالصمدية والسؤدد والكمال، وتنزُّهه عن كل عيب ونقص وشَين وذم. فالكُتَّاب العصريون الذين استعملوا المثل الأعلى في مطمح النظر والكمال المرجوَّ لمن يتطلبه قد حرفوا المثل الأعلى عما أراده الله منه. والتعبير الأوفق لمعنى المثل الأعلى أن يقال: ولله المثل الأعلى في الوصف بالكمال، ولرسله البيان الواضح والبلاغ المبين فيما أخبروا عن الله ووصفه كما قال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182]. قال الشيخ ابن تيمية ما معناه: "نزَّه نفسه عما وصفه به المبطلون، وسلَّم على المرسلين لسلامة أقوالهم عما لا يليق بالله تعالى إثباتًا ونفيًا، وحمد نفسه على وصفه بربوبية رب العالمين" اه ملخصًا بالمعنى في تفسير الآية من "الواسطية". وأما استنكار وصف غير الله تعالى بأنه له المثل الأعلى، فقد استفدته من محاورة بعض شيوخ الهند المحققين. والله أعلم. [م ع].
(11/472)

[2/ 304] المقصد التاسع
قال السلفي: المقصد التاسع مبنيٌّ على ما قبله، وقد عُلِم حالُه. وما ذُكِر من أن الفرض على هؤلاء كذا وعلى هؤلاء كذا، لم يذكره ابن سينا؛ ولكنه قد يؤخذ من كلامه. وقد نحا الغزالي في بعض كتبه قريبًا من هذا المنحى. وصرَّح به ابن رشد في كتبه (1)، وزاد، فأوجب على "الخاصة" أن يكتموا نتائج تعمُّقهم المخالفة للدين، وأن إظهارها كفر لأنَّه يحمل العامةَ على الكفر.
وأقول: كان الحق على المتعمِّقين عندما يرون مخالفةَ بعض نتائج تعمقهم للدين أن يعملوا بنصيحة ذاك الفريق من الفلاسفة القائلين: إن النظر المتعمَّق فيه لا يوثق به في الإلهيات، كما تقدَّم في الباب الأول. وحينئذ يحصرون تعمُّقَهم في البحث عن الطبيعيات ونحوها، فإن أبى أحدهم فَلْيقصُرْ داءه على نفسه، فلا يعلِّم ولا يصنِّف ولا يناظر. فإن اضطُرَّ إلى الذبِّ عن الدين فَلْيَخلُ بمن يطعن في الدين، وَلْيقل له: لم يَخْفَ عنَّا ما بدا لك، ولكن عرفنا ما لم تعرف. فإن الشرائع الحقة جاءت بما تنكره، فإما أن يكون الحق ما جاءت به؛ إذ من المحال أن يخطئ الله وأنبياؤه، وتصيبَ أنت بنظرك الذي قد جرَّبتَ عليه الخطأ والغلط غير مرة. وإما أن تكون الشرائع جاءت بما يُصلح الجمهورَ على علمٍ بما فيه. وعلى كلا الحالين لا ينبغي معارضتُها، فإن أبيتَ فإني أرى عليَّ أن أردَّ عليك، وأقدح فيما تستدل به.
أقول: ومَنْ تأمَّلَ طرقَ استدلالهم ومناقضاتهم ومعارضاتهم عَرَفَ أنه لا
__________
(1) انظر "الكشف عن مناهج الأدلة" (ص 45) طبعة دار الآفاق، بيروت.
(11/473)

يصعب على الماهر في كلامهم الدفاعُ عن تلك النصوص، ولو فَعَلَ مع اعتقاده خلافها لم يكن عليه عند نفسه غضاضةٌ في علمه ولا دينه إن كان متدينًا, لأنه إنما رضي لنفسه من ذلك ما يرى أن ربَّ العالمين رضيه لنفسه ولأنبيائه ورسله. وقد وبَّخ الله عزَّ وجلَّ المشركين في قولهم: إن له سبحانه بناتٍ مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات. قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22]. وقال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ [2/ 305] لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 16 - 18].