Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 010


آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبَد الرّحمن بن يحيى المُعَلِّمِيّ
(10)

التنكيل
بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران ومحمد أجمل الإصلاحي
المجلد الأول
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 10/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(م 10/2)

راجع هذا الجزء
عادل بن عبد الشكور الزرقي
(م 10/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(م 10/4)

مقدمة التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" أهم وأكبر كتاب ألفه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (ت 1386) رحمه الله. وهو بأقسامه الثلاثة (الحديث- والفقه - والعقائد) يعدّ من المؤلفات النادرة المعدودة في القرون المتأخرة؛ من حيث التدقيقُ والتحقيقُ وكثرةُ الفوائد، أفصح فيه مؤلفه عن نفَسٍ عالٍ من القدرة على البحث، والتمكّن من نواصي العلوم، والبراعة النادرة فيها، والخوض في لُجَج المشكلات العلمية، وحلها بتحقيق بالغ وتجرّد نادر، يحيط بذلك ويؤازره: قوة الحجة، وإنصاف الخصم، وعلوّ الأسلوب، ولغة معتدلة في النقد والمناظرة.
وهذا الكتاب الجليل هو الذي عرّف الشيخَ المعلمي رحمه الله إلى قرّائه، فيه عرفوا قوّتَه العلمية وتحقيقه النادر، إذ إنه لم يطبع من كتبه في حياته إلا ثلاثة كتب هي (طليعة التنكيل، والأنوار الكاشفة، ومقام إبراهيم) الأول والثالث كتابان لطيفان، و"الأنوار" جرى فيه أيضًا على الاختصار وردّ الشُّبَه بلا توسع بل بما يكفي في رد الشبهة.
ولم يطبع كتاب "التنكيل" في حياة مؤلفه، بل بعد وفاته في سنة 1386 ه وهي السنة التي توفي فيها، مع أنه كان قد انتهى منه في حدود سنة 1370 ه, بدليل أن "طليعتَه" طبعت سنة 1368 ه، وذكر فيها أن كتاب "التنكيل" على وشك التمام.
(م 10/5)

ومع ما لهذا الكتاب من مكانة علمية يشهد بها كل من وقف عليه من العلماء والباحثين = فقد ألَّفه الشيخ في مدة وجيزة لا تتعدى سنتين، مع عدم التفرغ لذلك، بل ربما مكث الشهر أو أكثر مشغولًا عنه، كما سيأتي إيضاحه.
وسنعقد مفْتَتَح تحقيقه عدة مباحث تقودنا إلى التعرّف على الكتاب، وهي:
- عنوان الكتاب.
- سبب تأليفه.
- تاريخ تأليفه.
- أقسام الكتاب ومنهج المؤلف فيها.
- قيمة الكتاب العلمية.
- الكتب التي لها علاقة بالتنكيل.
- مبيّضة الكتاب ومسوّداته.
- طبعات الكتاب.
- منهج التحقيق.
- نماذج من المخطوطات.
ثم أتبعنا الكتاب بفهارس متنوعة للآيات والأحاديث والآثار والأعلام والكتب والأشعار والموضوعات، قام على صنعها الشيخ نبيل بن نصار السندي والشيخ مصطفى بن سعيد إيتيم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(م 10/6)

* عنوان الكتاب
سماه مؤلفه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) كما هو ثابت في مقدمة الكتاب، وكما هو ثابت أيضًا بخطّه وفي مقدمة طليعته (ص 3) التي سماها (طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) وطُبعت في حياته.
وكان المؤلف قد سماه أول الأمر (النقد البريء) كما في ورقة كتبها لبعض من طلب منه رأيه في كتاب "تأنيب الخطيب"، وطبعت خطأً على أنها مقدمة للطليعة في طبعتها الأولى، كما أشار إلى ذلك المؤلف في "الترحيب" (ص 190).

* سبب التأليف
نص المؤلفُ على ذلك في مقدمة الكتاب باختصار (ص 3)، وبأوسع منه في "طليعة التنكيل" (ص 3 - 4) فقال: "فإني وقفت على كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ العلامة محمَّد زاهد الكوثري، الذي تعقَّب فيه ما ذكره الحافظ المحدث الخطيب البغدادي في ترجمة الإِمام أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" (1) من الروايات عن الماضين في الغَضِّ من أبي حنيفة.
فرأيتُ الأستاذ تعدَّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم من توقير أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبِّت من المغالطات المضادّة
__________
(1) (13/ 323 - 454).
(م 10/7)

للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونَقَلَتها، حتى تناول بعضَ أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة مالكًا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نَقَلَته، والردّ لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، وأساء في ذلك جدًّا حتى إلى الإِمام أبي حنيفة نفسه، فإنه من يزعم أنه لا يتأتَّى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يُثْني عليه.
فدعاني ذلك إلى تعقُّب الأستاذ فيما تعدَّى فيه، فجمعتُ في ذلك كتابًا ... ". وشرَحَ ذلك أيضًا في مقدمة "شكر الترحيب" (ص 189 - 191).

* تاريخ التأليف
للمؤلف كلام مفيد في تاريخ تأليف الكتاب ذكره في "شكر الترحيب" (ص 193 - 194) قال: "الواقع الذي يعرفه جماعةٌ هنا (1): أن "التأنيب" لم يصل إلى الدائرة إلى الآن، وأني إنما وقفت عليه في شهر ربيع الثاني سنة (1366)، جاء بعض الأفاضل بنسخة منه، وعرض عليّ أن أنظر فيها، فأبيت؛ لأنني كنت أكره الخوض في تلك القضية، وقد عرفتُ مما اطلعتُ عليه قبلُ من تعاليق الأستاذ على بعض الكتب أنه كثيرًا ما يتطرَّف في نظري.
فألحَّ عليّ ذلك الفاضل، فأطعتُه، وهنالك رأيتُ ما هالني! فبدا لي أن أكتب شيئًا، فشرعتُ في ذلك - لعله - الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الثاني سنة (1366).
__________
(1) يعني في "الهند".
(م 10/8)

ومع ذلك، لم أكن أواصل العمل، وربما يمضي الشهر وأكثر لا أنشط لكتابة شيء، وأنا إلى الآن لم أكمل قسم العقائد. هذا هو الواقع، أحوجني الأستاذ إلى شرحه, وإن كان لا تتعلق به فائدة" اه.
فهذا فيه دلالة واضحة على أنه بدأ به في أواخر شهر ربيع الثاني سنة 1366 ه، وأرسل "الطليعة" للطبع سنة 1368 ه وطبعت في تلك السنة، وكان قد أتمّ الكتابَ إلا القسم الأخير منه المتعلق بالعقائد بقيت فيه بقية.
وهذا يدلّنا على الوقت الذي استغرقه في تأليف الكتاب، إذ يكون أقل من سنتين، مع عمله الوظيفي في دائرة المعارف، والانقطاعات التي أشار إليها التي قد تمتد إلى أكثر من شهر.
وفي هذا دليل على قوة المؤلف العلمية واكتمال ملَكَة الاجتهاد لديه في العلوم المختلفة، وقُدرته على البحث والمطالعة والجَلَد عليهما.

* أقسام الكتاب، ومنهج المؤلف فيها
ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه قسمه إلى أربعة أقسام، هي:
القسم الأول: القواعد.
القسم الثاني: التراجم.
القسم الثالث: الفقهيات (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضيّة).
القسم الرابع: العقائد (القائد إلى تصحيح العقائد).
وسنتكلم على كل قسم منها، ومنهج المؤلف فيه فنقول:
(م 10/9)

قدّم المؤلف خمسة فصول قبل أن يشرع في القسم الأول من الكتاب، وهي أشبه بالتوطئة والتمهيد للكتاب؛ ذكر في الفصل الأول الغرضَ الأهمَّ من تأليف كتاب التنكيل، وهو ردّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة ورواتها، ثم شرح الأمر الذي اضطرّه إلى ذلك وخطورة هذا الأمر على السّنة.
وفي الفصل الثاني تكلم على الغلوّ في الأفاضل، وأنه هو الذي جرّ الكوثريَّ إلى الطعن في غيره، واتهامهم جميعًا بمعاداة أبي حنيفة. ثم تكلم على كلام العلماء بعضهم في بعض، وما يقع أحيانًا من الشدة في كلامهم، وتخريج ذلك على معنى لطيف، مع عدة أمثلة تشهد لما ذهب إليه المؤلف من المعنى.
وفي الفصل الثالث تكلم على محاولة الكوثري التبرّؤ مما نُسِب إليه من الطعن في أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي هشام بن عروة بن الزبير.
وفي الرابع بحَثَ معه في العُذر الذي ذكره الكوثري في أثَر مسألة القول بخلق القرآن، وأنها هي السبب الذي أوغر صدور المحدّثين على أبي حنيفة، باعتبار أن من قام فيها ينتسبون لمذهب أبي حنيفة. وقد أجاب المؤلف عن ذلك بخمسة أمور.
وفي الخامس تكلم المؤلف عن ميول الكوثري المذهبية والثقافية وكيف أثّرت على كتاباته، فهو من أهل الرأي ومن غُلاة المقلّدين في الفقه، ومن مقلّدي المتكلمين، ومن المجارين لكُتّاب العصر، ثم تكلم على كل صفة من هذه الصفات وكيف أثرت على الكوثري فكرًا وسلوكًا.
ثم شرع في القسم الأول من الكتاب، وهو قسم القواعد، فذكر تحته
(م 10/10)

تسع قواعد تتعلق بعلم الجرح والتعديل والكلام على الرواة، نذكر عنواناتها هنا:
1 - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
2 - التهمة بالكذب.
3 - رواية المبتدع.
4 - قدح الساخط ومدح المحبّ ونحو ذلك.
5 - هل يشترط تفسير الجرح؟
6 - كيف البحث عن أحوال الرواة؟
7 - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟
8 - قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ...
9 - مباحث في الاتصال والانقطاع.
وهذه القواعد صدّر بها المؤلف الكتاب لغرضين:
الأول: لأن الكوثري خلّط فيها في مواضع عديدة من كتابه، فأراد المؤلف أن يجمع الكلام فيها في مكان واحد، ويتكلم عليه على وجه التحرير والتحقيق.
الثاني: لكيلا يضطر المؤلف لإعادة الكلام في هذه المسائل في كل موضع يجيء مقتضى الكلام عليها، فنرى المؤلف يحيل في استيفاء الكلام على هذه القواعد كلّما احتاج إلى ذلك.
(م 10/11)

والسبب الذي اقتضى من المؤلف الكلام على هذه القواعد التسع دون غيرها من قواعد الجرح والتعديل ومعرفة الرجال هو أن الكوثري في كلامه على الرواة في كتابه موضوع النقد = قد أكثر من الاعتماد على مجموع هذه القواعد؛ إما على خلاف الراجح المعروف عند أهل الحديث والنقد، أو على وجهٍ فيه تَعْمِية وتلبيس على القارئ غير الممارس، أو بإلحاق راوٍ بما لا يناسبه من هذه القواعد، أو بتنزيل قاعدة على راوٍ لا يصح أن تنزّل عليه، وهكذا. وقد لخَّص المؤلف كل هذه التصرّفات من الكوثري ب "التخليط في القواعد".
وقد جرى المؤلف في هذه القواعد على طريقته المعهودة من التأصيل والتحرير والمناقشة والترجيح، وصارت هذه القواعد مصدرًا ثرًّا لمن كتب فيها بعد ذلك من الدارسين.
ثم شرع في القسم الثاني من الكتاب، وهو قسم التراجم. وقد صدّره ببيان أن هؤلاء الرواة هم الذين تكلم عليهم الكوثري في كتابه، وقد يذكر غيرهم لاقتضاء الحال، وأن ما لم ينسبه من الأقوال في الرواة فهو من "تهذيب التهذيب" أو "اللسان"، وما كان من غيرهما فإنه يسمي الكتاب والجزء والصفحة غالبًا. وهذا القسم هو أكبر أقسام الكتاب، وهو الغرض الأساسي والأهم من تأليف "التنكيل" كما سلف.
ويمكننا أن نلخص طريقة المؤلف في هذا القسم في عدة نقاط:
1 - عدد التراجم المذكورة في هذا القسم ثلاث وسبعون ومِئَتا ترجمة.
2 - رتبهم المؤلف على حروف المعجم، مع رقم تسلسلي لكل ترجمة.
(م 10/12)

3 - طريقته في سياق الترجمة: أنه يذكر أولاً اسم الراوي، ثم عبارة الخطيب من "تاريخ بغداد" - بالجزء والصفحة - التي انتقدها الكوثري وورد فيها اسم الراوي، ثم ينقل كلام الكوثري من كتابه "التأنيب" بالصفحة قائلاً: "قال الأستاذ"، ثم يبدأ بتعقّبه ومناقشته والردّ عليه. هذه طريقته في جميع تراجم الكتاب.
4 - لم يقتصر المؤلف على مقصود التعقّب، بل حرَص أن يكون الكتاب جامعًا لفوائد عزيزة في علوم السنة مما يعين على التبحّر والتحقيق فيها، كما صرّح بذلك في "الطليعة" (ص 4).
5 - حرَص أيضًا على توخّي الحق والعدل واستعمال لغة العلم بعيدًا عن الأسلوب العنيف الذي انتهجه الكوثري في كتابه، غير أن إفراط الكوثري في إساءة القول في الأئمة جرّأه على التصريح ببعض ما يقتضيه صنيعه، كما نص على ذلك أيضًا.
6 - كانت تعقّبات المؤلف تختلف من ترجمة إلى أخرى طولاً وقصرًا وبحثًا ونظرًا بحسب ما يقع من الكوثري من الوهم أو الإيهام، وقد لخص المؤلف أوجه النقد الموجّهة إلى الكوثري في كتابه هذا في ثمانية من صور التغيير والمغالطات والمجازفات، وهي كما لخّصها في "طليعة التنكيل":
أ - أوابده في تبديل الرواة.
ب - عوامده في جعل ما لا علاقة له بالجرح جرحًا.
ت - عجائبه في اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا ما وافق هواه.
(م 10/13)

ث - غرائبه في تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل.
ج - فواقره في تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل.
ح - عواقره في الاحتجاج بجرح لم يثبت وحكايته بصيغة الجزم.
خ - تجاهله ومجازفاته.
د - أعاجيبه في اختلاق صيَغ الجرح من غير بيّنة.
هذه الأنواع الثمانية التقط منها المؤلف نماذج، ولخّصها في "الطليعة" ثم ذكر في "الطليعة" (ص 87) أنه بقيت ستة فروع أخرى ذكرها بالتفصيل في "التنكيل"، وهي:
ذ - أنه قد يكون في الرجل كلام يسير لا يضرُّ، فيزعمُه الأستاذُ جرحًا تُردّ به الرواية.
ر - أن الأستاذ قد يحكي كلامًا في الرجل مع أنه لا يضره بالنسبة إلى الموضع الذي يتكلّم عليه.
ز - تكلّفه الكلام في أسانيد بعض الكتب بالصحة والثبوت بما لا
يقدح في ثبوت الكتاب.
س - أن الأستاذ يعمد إلى كلامٍ قد ردّه الأئمة، فيتجاهل الأستاذ ردَّهم ويحتج بذلك الكلام.
ش - أنه يعمد إلى ما يعلم أنه لا يُعد جرحًا البتة، فيعتدّ به ويهوِّل.
ص - أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتُهَم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي وغيره.
(م 10/14)

فهذه الأنواع من المغالطات والمجازفات هي أغلب ما ناقش المؤلف الكوثريَّ فيه، وبيَّن تهافتَ كتابه، وسقوطَ حججه أمام التحقيق والبرهان، وأظهر بجلاء أن صياغة الكوثري المُحْكمة لكتابه ما هي إلا ستر خفيف للتغطية على بناء مهلهل من الداخل.
7 - جرى المؤلف في كتابه على نمطٍ صعب من التحليّ بأدب النقاش، وجمال العبارة، ومنهاج ثابت من الخلق الحسن والإنصاف للخصم. فقد جرى في طول الكتاب وعرضه على وصف الكوثري ب (الأستاذ)، وكان عفيف العبارة لم يجرح ولم يبكّت ولم يُجار الكوثريَّ حتى فيما يمكن مجاراته فيه من باب {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]. غير أنه قد يشتد في مواضع نادرة جرّأه عليها إساءةُ الأستاذ القول في أئمة السنة، كما قال في "الطليعة" (ص 4)، وكما هو واقع في "التنكيل" في التراجم ذوات الأرقام (23 و98 و189 و191).
8 - صرّح المؤلف في ترجمة البخاري رقم (191) أنه سلك في هذا الكتاب سبيل المجاملة، قال: "وليس هذا موضع استيفاء الحق"، وأنه قد أعدّ لاستيفاء الحق عدّته إن لزم الأمر.
أما القسم الثالث الخاص بالفقه، فقد بحث فيه سبع عشرة مسألة، وكان سبب الكلام عليها تعقب الأستاذ الكوثري في كتابه "التأنيب" على الخطيب البغدادي لإيراده أحاديث في ترجمة الإِمام أبي حنيفة من "تاريخ بغداد"، ونقل إنكار بعض المتقدمين على الإِمام بسبب ترك العمل بها وردّها.
والمسائل الواردة في الكتاب كما يلي:
(م 10/15)

1 - إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس.
2 - رفع اليدين في الصلاة.
3 - أفطر الحاجم والمحجوم.
4 - إشعار الهدي.
5 - المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخف ولا فدية عليه.
6 - درهم وجوزة بدرهمين.
7 - خيار المجلس.
8 - رجل خلا بأجنبية ثم قالا: نحن زوجان.
9 - الطلاق قبل النكاح.
10 - العقيقة مشروعة.
11 - سهام الخيل من الغنيمة.
12 - القتل بالمثقّل.
13 - لا تعقل العاقلة عبدًا.
14 - تقطع اليد في ربع دينار.
15 - القضاء بشاهد ويمين.
16 - نكاح الشاهد امرأة شهد بطلاقها زورًا.
17 - القرعة.
ومنهج الشيخ في بحث كل مسألة: أنه ينقل أولاً ما في "تاريخ بغداد"،
(م 10/16)

ثم يذكر كلام الكوثري، ثم يعقب عليه بما له وما عليه. وقد فصل الكلام حول بعض المسائل، مثل قطع اليد في ربع دينار (رقم 14)، والقضاء بشاهد ويمين (رقم 15)، ومسألة رفع اليدين (رقم 2)، وإذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (رقم 1)، وخيار المجلس (رقم 7)، والقتل بالمثقل (رقم 12). وأطال في نقد الأحاديث الواردة في الباب وبيان فقهها ومذاهب العلماء فيها، وناقش الكوثري وبين ما في كلامه من التعسف ومجانبة الحق والصواب، ورد على تضعيفه للأحاديث الصحيحة وتأويلها. كل ذلك بأسلوب علمي هادئ رصين يقنع الباحث المنصف، وينبغي أن يقتدى به في بحث المسائل الفقهية دون همز أو لمز أو جناية على الآخرين.
وقد نظر المؤلف في الأحاديث والآثار التي احتج بها الأستاذ الكوثري ومَن سبقه، وبين درجتها من الصحة والضعف، وتكلم على أسانيدها ومتونها وما يستنبط منها، وذكر وجوه التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ورد على دعوى الاختلاف والاضطراب فيها. ونثر في أثنائها فوائد حديثية ودقائق علمية قد لا توجد في المطوَّلات.
أما القسم الرابع من التنكيل فهو "القائد إلى تصحيح العقائد"، ألفه الشيخ ردًّا على الكوثري عند ما تعرض في كتابه "تأنيب الخطيب" للطعن في عقيدة أهل الحديث، ونبزهم بالمجسمة والمشبهة والحشوية، ورماهم بالجهل والبدعة والزيغ والضلالة، وخاض في بعض المسائل الاعتقادية كمسألة الكلام والإرجاء، فتعقبه الشيخ في هذا كما تعقبه في غيره.
ويتكون الكتاب من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، أما المقدمة فقد بدأها بذكر أن الله غني عن العالمين، وقد خلق الخلق لعبادته وطاعته بامتثال
(م 10/17)

ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وجعل مدار كمال المخلوق على حب الحق وكراهية الباطل، فخلق الله الناس مفطورين على ذلك، وقدَّر لهم ما يؤكد تلك الفطرة وما يدعوهم إلى خلافها، ليكون عليهم في اختيار الكمال مشقة وتعب، ولهم في خلاف ذلك شهوة وهوى. والمقصود أن يتبين حال الإنسان، فيفوز مَنْ صبر على تحمل المشاق، ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاق أو من شدتها، فمدار الفوز أو الخسران على إيثار الحق أو الباطل.
وعقد فصلاً ذكر فيه أن الدين على درجات: كفٌّ عما نهي عنه، وعمل بما أمر به، واعتراف بالحق، واعتقاد له وعلم به. وبيَّن كيف يكون مخالفة الهوى للحق في هذه الأمور، ولم يجعل الله جميع حجج الحق مكشوفة قاهرة لا تشتبه على أحد, لأنها لو كانت كذلك لكان الناس مجبورين على اعتقاد الحق، فلا يستحقون عليه حمدًا ولا كمالًا ولا ثوابًا، وكذلك اقتضت الحكمة أن لا تكون الشبهات غالبة حتى لا توقع الناس كلهم في الكفر، بل اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات، فمن جرى مع فطرته وآثر مقتضاها وتفقد مسالك الهوى فاحترس منها تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشبهات، ومن أَتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا تبرقعت دونه البينات واستهوته الشبهات.
ثم عقد فصلاً ذكر فيه أن المطالب على ثلاثة أضرب: الأول: العقائد التي يُطلَب الجزم بها ولا يسع جهلها. الثاني: بقية العقائد. الثالث: الأحكام.
(م 10/18)

فأما الضرب الأول فالنظر فيه ميسر لكل أحد، والنظر العقلي المتعمق فيه لا حاجة إليه، بل هو مثار الشبهات.
وأما الضرب الثاني فمن كان قائلًا بشيء منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لا تزيد تلك الحجة إلا وضوحًا مع الخلاص عن الهوى. وإلا فالجهل بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة.
وأما الضرب الثالث فالمتواتر منه والمجمع عليه لا يختلف حكمه، وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذل الوسع لتعرف الراجح أو الأرجح أو الأحوط، فيؤخذ به.
وفي الفصل الخامس الأخير من المقدمة ذكر عشرة أمور ينبغي للإنسان أن يقدم التفكر فيها ويجعلها نصب عينيه. عليه أن يفكر في شرف الحق وضعة الباطل، ويفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ويفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية، ويفكر في حاله مع الهوى، ويستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو من أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا، فعلى الأول إن استمر على ذلك كان مستمرًّا على النقص ومصرًّا عليه، وذلك هو هلاك الأبد، وإن نظر فتبين له الحق فرجع إليه حاز الكمال. ويستحضر أن الذي يهمه ويسأل عنه هو حاله في نفسه، فلا يضره عند الله ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه أو أسلافه أو أشياخه على نقص. ويتدبر ما يرجى لمؤثر الحق من رضوان الله والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقه متبع الهوى من سخطه والمقت في الدنيا والعذاب الأليم الخالد في الآخرة.
(م 10/19)

ويأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له، فلا يسامحها في ترك واجب ولا في ارتكاب معصية ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق. ويأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه، فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يقول أهل العلم: إنها شرك أو بدعة أو حرام، فليأخذ نفسه بتركها، حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه. والأمر الأخير أن يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخطب.
والباب الأول في الفرق بين معدن الحق ومعدن الشبهات، وبيان مآخذ العقائد الإِسلامية ومراتبها. ذكر فيه أن مآخذ العقائد أربعة: سلفيان وهما الفطرة والشرع، وخلفيان وهما النظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف الصوفي. وفصّل الكلام عليها، وبين أن الله فطر الناس على الهيئة التي ترشحهم لمعرفة الحق، والشرع هو كلام الله وكلام رسوله، لا يخشى فيه جهل ولا خطأ، ولا كذب ولا تلبيس، ولا تقصير في البيان، فهل يقول مسلم بعد هذا: إن المأخذين السلفيين غير كافيين في معرفة الحق في العقائد، وأن ما يؤخذ من علم الكلام والفلسفة مقدم على المأخذين السلفيين ومهيمن عليهما؟!
أما المأخذ الخلفي الأول (وهو النظر العقلي المتعمَّق فيه) فلا حاجة إليه في معرفة العقائد في الإِسلام، وهو مثار للشبهات والتشكيك، ولذا وجب التنفير عنه والتحذير منه. وقد كشف المؤلف عواره وهتك أستاره بسلاح أهل الكلام والفلسفة، فنقل كلامهم وبين اختلافهم، وقدح بعضهم في الحسيات والبديهيات وجواب بعضهم عنه وتناقضهم في ذلك. ثم
(م 10/20)

تطرق المؤلف إلى ذكر القادحين في إفادة النظر العلم، والوجوه التي تمسكوا بها وما أجيب به عنها. وذكر في آخر هذا الفصل بعض أئمة المتكلمين الذين رجعوا قبل وفاتهم إلى تمني الحال التي عليها عامة المسلمين، مثل الشيخ أبي الحسن الأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي. فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمَّق فيه بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم.
ثم تكلم المؤلف عن المأخذ الخلفي الثاني وهو الكشف الصوفي، فذكر أن أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي، ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم، حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، ومقالاتهم معروفة، ومن تتبع ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعم النظر في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم، علم يقينًا أنه لا يمكنه أن يصدق الشرع ويصدقهم معًا. والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ونجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقًّا، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيلًا موافقًا لحديث النفس، وصرحوا بأنه كثيرًا ما يُكْشَف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلاً، فالكشف إذن تبع للهوى، فغايته أن يؤيد الهوى ويرسخه في النفس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار، فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضلَّه الله عزَّ وجلَّ. وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل، دعوى فارغة.
(م 10/21)

وختم المؤلف كلامه على المأخذين الخلفيين بقوله: "مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يُستَند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين".
أما الباب الثاني فقد عقده لبيان تنزيه الله ورسله عن الكذب، قصد به الرد على طوائف المتكلمين الذين يردون نصوص الكتاب والسنة في العقائد، فمنهم من ردها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يحمل إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع أتى بها مجاراةً لعقول الجمهور، ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقًا. ومنهم من لم يصرح بذلك، ولكنه قدّم غيرها عليها وتعسّف في تأويلها تعسفًا مخرجًا عن قانون الكلام. فتحصل من كلامهم حملهم تلك النصوص على الكذب.
وقد فصَّل الكلام على تنزيه الله والأنبياء عن الكذب، وبين معنى حديث ثلاث كذبات وغيره مما يورَد على هذا الأصل، وللمؤلف رسالة مستقلة بعنوان "إرشاد العامِه إلى الكذب وأحكامه"، شرح فيها حقيقة الكذب والفرق بينه وبين المجاز، وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك، وهي مطبوعة ضمن رسائل الأصول في هذه الموسوعة. وقد أشار إليها الشيخ في آخر هذا المبحث.
والباب الثالث في الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد، وهو أطول أبواب الكتاب، ذكر فيه أن التعمق في النظر العقلي أدى إلى ترك الاحتجاج بالنصوص وردّها أو تأويلها، وصرح بعضهم بأن أخبار الآحاد إذا
(م 10/22)

خالفت المعقول يجب تأويلها أو ردُّها، ثم نشأ المتوغِّلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا، وكان مما خالفوه من العقائد الإِسلامية أمر المعاد، فاحتج عليهم المتكلمون بالنصوص، فغافصهم ابن سينا مغافصة شديدة. وقد نقل المؤلف بعض عباراته، ولخص المقصود منها في عشرة مقاصد، ثم عقد مجلسًا للنظر في هذه المقاصد، حضره متكلم وسلفي وناقد، وأجرى الحوار على لسانهم في هذه الموضوعات، ليبين الحق والصواب فيها ويرد على ابن سينا وأتباعه في إنكار الاحتجاج بالنصوص الشرعية. وتطرق في أثنائها إلى أبحاث وتحقيقات، مثل الكلام على معنى آية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وبيان معنى اسم الله تعالى الواحد والرد على تفسير ابن سينا له، والرد عليه في زعمه أن ذات الله ليست منفصلة عن العا لم ولا متصلة به، وبيان أن حاصل كلامه نسبة الكذب إلى الله والرسول، والموازنة بين كذبات إبراهيم عليه السلام وبين النصوص التي زعم بطلان معانيها من وجوه. وختم المؤلف كلامه في الرد على ابن سينا بمبحث في حشر الأجساد هل هو بجميع أجزائها المتفرقة أم بإنشاء أجساد أخرى؟
بعد الرد على ابن سينا انتقل إلى كلام الفخر الرازي في الاحتجاج بالنصوص الشرعية، ولخصه في ثلاثة مطالب:
الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته (كوجود الله وعلمه بالمعلومات كلها، وصدق الرسول)، فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشارع.
الثاني: ثبوت أو انتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته وإمكان انتفائه، إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا أدركه بحسه، استحال العلم به إلا من جهة الشرع.
(م 10/23)

الثالث: وجوب الواجبات وإمكان الممكنات واستحالة المستحيلات يُعلَم من طريق العقل، فأما العلم به بإخبار الشارع فمشكل, لأن خبر الشارع في هذا المطلب إن وافقه عليه العقل فالاعتماد على العقل، وخبر الشارع فضل، وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر، وإن لم يعلم موافقة العقل الخبر ولا مخالفته له كان محتملًا أن يكون العقل مخالفًا له فيجب تأويله، ومع هذا الاحتمال لا يفيد العلم.
ناقش المؤلف رأي الرازي، ورد عليه بتفصيل في منعه الاحتجاج بالنصوص في العقائد، وألزمه بإلزامات لا مفرَّ منها، وذكر أن كثيرًا من النصوص التي ينكر المتعمقون ظواهرها كانت عقول المخاطبين الأولين تقطع بوجوب ما دل عليه بعضها وجواز ما دل عليه الباقي.
ثم ذكر المؤلف كلام العضد وغيره في هذه المسألة، ورد عليه وعلى الشريف الجرجاني والسعد التفتازاني في قولهم: إن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين، وتَوصَّل في النهاية إلى أن من تدبر القرآن والسنة وآثار السلف لم يَخْفَ عليه الحق في كثير منها، وأنه لا يمنعه من القطع والاستيقان - إن منعه - إلا الشبهات المحدثة المبنية على التعمق، فأما من يقوى إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات، فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها، وأما من لا إيمان له وهو مفتون بالشبهات فإنه لا يقطع بتلك الدلالة ويكفر بها.
وفي آخر الباب الثالث بحث نفيس عن المحكم والمتشابه، تطرق إليه المؤلف لأن كثيرًا من المتكلمين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن اتباعه. ذكر المؤلف في معنى المحكم والمتشابه قولين عن السلف:
(م 10/24)

الأول: أن المحكم كل آية بينة بنفسها، والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبينها غيرها، كالمنسوخ والمجمل.
الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع (مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه) أن يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه، والمتشابهات ما عدا ذلك.
شرح المؤلف ذلك بالأمثلة، وذكر أن القولين يمكن تطبيقهما على سياق الآية، وبين وجه تسمية بعض الآيات متشابهات، وتكلم على جواز الوقوف على قوله تعالى: {إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] وتركه، وتحدث عن معنى التأويل مع ذكر أمثلة من القرآن، ورد على المتكلمين في تعلُّقهم بهذه الآية.
أما الباب الرابع الأخير فهو في بيان عقيدة السلف والكلام على عدة مسائل منها. ذكر فيه أن السلف لم يكن لهم مأخذ لعقائدهم غير المأخذين السلفيين الفطرة والشرع، وأنهم كانوا يقطعون بما يفيدان فيه القطع، وأن كلمة العقل فيها تدليس، فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه، وهو الذي كان حاصلًا للأمم التي بعث الله فيها رسله وأنزل فيها كتبه، وهو الذي كان حاصلًا للصحابة ومن بعدهم من السلف، فهذا هو الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعًا فهو حق. وهناك نظر متعمَّق فيه، مبني على تدقيق وتخرُّص ومقاييس يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه، ويكثر الخطأ واللغط، فهذا هو الذي اعتمده المتكلمون مع اعترافهم بوهنه ورجوع بعض أكابرهم عنه.
ثم درس المؤلف بعض المسائل من عقيدة السلف التي انتقدها الكوثري،
(م 10/25)

وهي: الأينية أو الفوقية (أو كما يقولون: الجهة)، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وبين ما كان عليه السلف، ورد على الكوثري بنصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف.
وفي آخر الكتاب خاتمة فيما جاء في ذم التفرق، وأنه لا تزال طائفة قائمة بالحق، وما يجب على أهل العلم في هذا العصر. نصح فيها أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط المستقيم، وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه، ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شِيَعًا. وختم المؤلف الكتاب بذكر البرنامج العملي لذلك.

* قيمة الكتاب العلمية
تتجلى أهمية هذا الكتاب من بين الكتب التي ألفت في العصر الحديث أنه جمع بين دفتيه بيان منهج أهل الحديث في تقرير العقيدة، وبحث المسائل الفقهية، وتحرير قواعد الجرح والتعديل، ورد المطاعن عن أئمة السنة وثقات رواتها.
وهو فريد في هذا الباب، لا نجد له نظيرًا في منهجه وأسلوبه، سواء في علوم الحديث والجرح والتعديل وتراجم الرجال، أو تحقيق الكلام في المسائل الفقهية، أو تقرير صحة عقيدة أهل الحديث بالحجج الواضحة إجمالًا ثم دراسة عدة مسائل منها. فالكتاب مرجع مهم للباحثين في علوم مختلفة، يجدون نظرات دقيقة، وتنبيهات على نكت وفوائد، واستنباطات لم يُسبق إليها المؤلف.
(م 10/26)

وتحتوي الفصول الخمسة التي تعتبر تمهيدًا للكتاب على بيان أن السنة مدارها على النقل، ومدار النقل على أولئك الثقات الذين طعن فيهم الكوثري، وأن الغلوّ في الأفاضل من أوسع أودية الباطل، وأنه يؤدي إلى الطعن في الأئمة الآخرين وبيان حقيقة ما روي من المثالب في الإِمام أبي حنيفة، وطريقة نقد الروايات في المدح والقدح، والموقف الحكيم تجاه ما أورده الخطيب من الحكايات في تاريخ بغداد، وبيان أن السنة لا يمكن الإحاطة بها، واجتهاد أصحاب الحديث في جمعها، وتشددهم في قبولها، ومنهج أهل الرأي والمتكلمين في رد الأحاديث الصحيحة التي تخالفهم وتكلفهم في تأويلها، واستنباطهم لأصول بمقابل أهل الحديث.
وقد قصد المؤلف بهذه الفصول بيان المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل من يخوض في هذه الموضوعات, فالدفاع عن إمام أو عالم لا يتم بالغلو فيه والقدح في الأئمة الآخرين، وعلى الباحث أن يدرس الروايات وينقدها في ضوء أصول أهل الحديث، ولا يتبع قواعد أهل الرأي وأصول المتكلمين لرد الأحاديث الصحيحة أو تأويلها.
ومن الخصائص التي يتميز بها الكتاب: تحرير قواعد في علوم الحديث والجرح والتعديل بما لا يوجد مثله في عامة المؤلفات، منها: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي، والتهمة بالكذب وأنها على وجهين، ورواية المبتدع وتفصيل القول فيها مع التحقيق، وبيان أن قدح الساخط ومدح المحب وغير ذلك في كلام العالم على وجهين، وهل يشترط تفسير الجرح؟ وذكر عشرة أمور يجب على من نظر في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها، وإذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟ ومعنى قولهم:
(م 10/27)

من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، ومباحث في الاتصال والانقطاع وهذه الأبحاث يتكون منها القسم الأول من الكتاب، وفي أثناء الكتاب ضمن الأقسام الأخرى أبحاث أخرى حقق المؤلف الكلام فيها مما يدل أنه من المجددين في علوم الحديث والجرح والتعديل، ولا نجد بعد الحافظين الذهبي وابن حجر من تكلم في هذه الموضوعات مثل المعلمي الذي راعى الجانب النظري والتطبيقي، وتتبع كلام أئمة الحديث والجرح والتعديل وصنيعهم في الحكم على الأحاديث والرجال، وذكر من الأدلة والشواهد على ما قاله ورجحه ما يقنع الباحث المنصف.
ومما يدل على أهمية الكتاب أن فيه ردًّا على شبهات أهل الكلام وأهل الرأي التي يرددونها دائمًا في كتب الكلام والأصول، وقد أطال المؤلف فيه مناقشتهم، ونقل كلام أئمتهم وعقب عليه بما يبطله ويبين وهاءه. وفي القسم الرابع من الكتاب (القائد) وغيره أمثلة من هذه الردود والمناقشات للدفاع عن منهج أهل الحديث لا توجد بعد شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم بمثل هذه القوة إلا عند المؤلف.
وفي الكتاب حل مشكلات في علوم الحديث والفقه والأصول والعقيدة والجرح والتعديل، وتفسير بعض الآيات القرآنية، وتحقيق الكلام على بعض الأحاديث، مما لا يوجد مثله في المصادر المعروفة، وأغلبه من بنات فكر المؤلف واجتهاده. وبعضه استدراك وتعقيب على كلام الآخرين.
ونجد في "القائد" تأصيل منهج أهل الحديث في مسائل الاعتقاد، ونقد مناهج المتكلمين والفلاسفة بسلاحهم، وبيان تناقضهم وتهافتهم، والكلام على مآخذ العقائد ومراتبها، وهي الفطرة والشرع عند السلف وأهل
(م 10/28)

الحديث، والنظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف التصوفي عند الخلف من المتكلمين والفلاسفة والصوفية، وموقفهم من الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد، ونقد أقطاب الفلسفة والكلام (مثل ابن سينا والغزالي والرازي والعضد وغيرهم) في هذا الباب، والاحتجاج لصحة عقيدة السلف ودراسة بعض المسائل منها.
أما معالجته للقضايا الفقهية فقد توسع في الكلام على بعضها، ودراسة الأحاديث الواردة فيها وتخريجها، ودفع إيرادات الكوثري وغيره عليها، والنظر في أدلة الحنفية والكلام عليها.
وللمؤلف نفس حديثي وفقهي، فكما أنه يتكلم على الأحاديث والآثار الواردة في الباب، ينظر في تعليل وتوجيه المسائل عند الفقهاء ويبين سبب الخلاف بينهم، مع الاحترام للجميع.
والكتاب أكبر شاهد على تعدد معارف المؤلف وسعة اطلاعه على المكتبة الإِسلامية في كافة الفنون، وعدم اقتصاره على النقل منها، بل الاستدراك عليها والإضافة إليها من فكره واجتهاده، ويظهر ذلك بمقارنة ما عند المؤلف هنا بغيره من الكتب، فهو يبحث الجوانب التي لم يفصل فيها السابقون، ويناقش المؤلفين فيما ذهبوا إليه ويعقَّب عليهم.
ومن أهمِّ ما يميِّز الكتاب والمؤلف أيضًا: الأسلوب العلمي القائم على الأدلة والبراهين، دون تجريح شخص أو القدح في آخر. وقد كان المؤلف يرد على الكوثري الذي عُرِف بعدائه لأهل الحديث والطعن فيهم بشتى الطرق، ولكن المؤلف التزم المنهج العلمي في مناقشته وبيان تناقضه، ولم
(م 10/29)

يقدح في شخصيته، فاحتار الكوثري في "الترحيب" كيف يرد على المعلمي، الذي هدم كل ما بناه في "التأنيب" بإظهار تناقضه وبيان تدليسه وإيهام القراء خلاف الحق والصواب، دون أن يمسَّ ذاته وشخصه.
ومما يتصل بالأمر السابق الإنصاف في البحث، والأمانة العلمية، ونسبة كل قول إلى قائله، وعدم تقويله ما لم يقله، ودون تحوير الكلام وتحريف معناه (كما هو صنيع الكوثري). كان غرض المؤلف دائمًا أن يصل إلى الحق، ويبين ما في كلام الخصم من الخطأ والصواب مع ذكر الأدلة والقرائن على ذلك، وقد يعذره إذا خفي عليه الأمر. والقسم الثاني الخاص بالتراجم شاهد لما ذكرناه، ومن الخير للباحثين في الجرح والتعديل أن يضمُّوا كلام المؤلف على هؤلاء الرجال (الذين عددهم 273 شخصًا) إلى مصادر ترجمتهم، لتتم الفائدة المرجوة، ولا يغتروا ببعض الأقوال فيهم، ويفهموها على حقيقتها.
هذه بعض الجوانب المضيئة للكتاب، تبين أهميته ومكانته بين الكتب التي ألفت في بابه، ويكفي أن المؤلف قَصَد من كتابه هذا بما فيه من تحقيق وتحرير: أن يعين على التبحّر في العلم، كما نص عليه في "الطليعة" وحسبك بهذه الكلمة من مثل المعلمي رحمه الله.

* الكتب التي لها علاقة بالتنكيل
1 - " تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب"
ألَّف الشيخ محمَّد زاهد الكوثري (ت 1371 ه) كتابًا عنونه ب "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب" انتقد فيه ما ساقه
(م 10/30)

الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463 ه) في ترجمة أبي حنيفة من كتابه "تاريخ بغداد" من المثالب عن السالفين. وطبع كتابه في مصر عام 1360 ه. في 189 صفحة، ثم طبع طبعات أخرى فيها تصحيحات وتعليقات للكوثري كان علّقها على نسخته، وتعليقات لتلميذه أحمد خيري.
فلما اطلع عليه المؤلف بطلب من أحد الأفاضل - بعد أن اعتذر أول مرة من عدم النظر فيه - رأى أنه بحاجة إلى جوابٍ مفصّل عما وقع فيه الكوثري من الأخطاء العلمية والطعن في أئمة السنة ورواتها، فألف كتابًا - وهو في الهند - سماه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" وقسمه إلى أربعة أقسام: قسم القواعد، وقسم الرواة، وقسم الفقهيّات، وقسم العقائد.

2 - " طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"
ولما كان كتاب "التنكيل" على وشك التمام رأى المؤلف أن يقتضب منه نموذجًا يذكر فيه أهم ما وقع فيه الكوثري من الأخطاء، وسماه "طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل". طُبع لأول مرة بمصر سنة 1368 ه في نحو 100 ص من القطع المتوسط. بيّن فيه مغالطات الكوثري فيما يتعلّق برواة الحديث خاصةً، وجعلها أنواعًا ثمانية، ذكرناها بالتفصيل عند التعريف بموضوعات الكتاب ص 13 - 14.
وقد طبع الكتاب والمؤلف في الهند فلم يطلع على بروفاته الأخيرة، فوقعت فيه جملة من الأخطاء المطبعية، وتصرف وزاد المعلَّق عليه الشيخُ محمَّد عبد الرزاق حمزة بعض العبارات القاسية نكاية بالكوثري، فلم يرتضها المؤلف، واستغلّها الكوثري في نقده الآتي ذكره.
(م 10/31)

3 - " الترحيب بنقد التأنيب"
فلما اطلع الكوثري على "الطليعة" كتب ردًّا عليها سماه "الترحيب بنقد التأنيب" وهو جزء لطيف، بناه على أمرين:
الأول: الطعن في قصد المؤلف، واتهامه بالطعن في أبي حنيفة، والتعليق على عبارات قاسية وردت في متن الكتاب وتعليقاته.
الثاني: ناقش ما أورده الشيخ من أمثلة وحاول أن يتملّص من عُهدة التغيير والتبديل التي أثبتها المؤلف عليه.
وقد أُلْحِق فيما بعد بكتاب "التأنيب" في طبعة تلميذه أحمد خيري.

4 - " تعزيز الطليعة"
فما كان من المعلمي حين وقف على "الترحيب" إلا أن أردف "الطليعة" برسالتين يجيب فيهما عما أورده الكوثري، وهما: "تعزيز الطليعة" و"شكر الترحيب" ولم يطبعا في حياة المؤلف ولا بعد ذلك.
أما تعزيز الطليعة: فقد شرح المؤلف في أولها سبب تأليفها، وبيَّن الظروف التي طبعت فيها "الطليعة" مما أدى إلى وقوع بعض الأخطاء المطبعية، وزيادات في المتن والتعليقات ليست منه وإنما ممن قام على طبع الرسالة.
وقسّم الرسالة إلى بابين:
الباب الأول: مطالب متفرّقة. وفيه أربعة فصول:
الأول: شرح فيه أمورًا تتعلق بكتاب "التنكيل" وخطورة ما فعله
(م 10/32)

الكوثري على السنة.
الثاني: تعليقه على محاولة الكوثري التبرُّؤ مما نسبه إليه.
الثالث: تكلم على مسألة الغلو في الأفاضل.
الرابع: في تفريق الكوثري الأمة إلى حنفية وعامة المسلمين ثم خلص إلى تحرير قاعدة التهمة.
ثم دلف إلى عدة قواعد خلّط فيها الكوثري، ومع أنه لم يعنونها - سهوًا كما أظن - إلا أنها هي الباب الثاني من الكتاب، وما زال يشير إليها في مواضع عدة بالقواعد، ولذا فقد وضعت لها عنوانًا بين معكوفين هكذا:
[الباب الثاني: في قواعد خلّط فيها الكوثري]، وذكر فيه أربع قواعد:
1 - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
2 - التهمة بالكذب.
3 - رواية المبتدع.
4 - قدح الساخط ومدح المحب.
ويلاحظ هنا أن المؤلف قد ذكر جميع هذه القواعد في التنكيل، لكنه صرح بأنه أعادها هنا للحاجة إليها، قال (ص 33): "فالنظر في شأنهم يتوقف على تحرير قاعدة التهمة، وقد كنت بسطته في "التنكيل" ثم دعت الحاجة إلى تلخيصه هنا". وكذلك في (ص 38) وضرب عليها.
(م 10/33)

5 - " شكر الترحيب".
وقد بدأه المؤلف بمقدمة شرح فيها سبب تأليف "التنكيل"، وأنه لخص نموذجًا منه وطبعَه، ثم رأى رسالة الكوثري في الرد عليها، ثم شرح ما وقع من ملاحظات على طبعة "الطليعة" في ثلاث نقاط.
وقد جعل الرسالة في بابين:
[الباب الأول] (1): النظر في خطبة الكتاب وما للكوثري فيها من الوهم.
الباب الثاني: النظر في أجوبة الكوثري على ما أورده في الطليعة، وذكر ما وقع في كل فرع على حدة.

6 - " حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه"
وهو كتاب لطيف ألفه الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة رحمه الله رد فيه على كتاب الكوثري "الترحيب ... "، وناقشه في عشر مسائل رئيسة، غالبها في قضايا الاعتقاد، أو ما أخذَه الكوثريُّ على الشيخ المعلمي في "الطليعة". وقد طبعت طبعته الأولى في حياة مؤلفه، ثم طبعها وعلق عليها تلميذه عبد الله بن صالح المدني بعد وفاته سنة 1393 ه، عن مكتبة العلوم. واختار لها أحد العنوانين اللَّذين اختارهما المؤلف، وهو "المقابلة بين الهدى والضلال (ثم بخط أصغر) حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه".
فائدة: صرح مؤلف الكتاب (ص 85 - 87) أن الألفاظ الجارحة الواقعة
__________
(1) ذهل المؤلف عنه فأضفناه.
(م 10/34)

في الطبعة الأولى من "الطليعة" هو الذي زادها وليست من المؤلف ولا من الطابع، وذَكَر أن غرضه من ذلك: أن يلفتَ الكوثري عن أعراض الأئمة الكبار الحفاظ، فيشتغل الكوثري بالرد عليه وتتوفّر أعراض الأئمة التي يبيح فيها عرضَه من أجل أن تُصان أعراضُهم.

* مبيضة الكتاب ومسوَّداته
طُبع الكتاب بالاعتماد على مبيضة المؤلف التي كانت شاملةً للأقسام الأربعة، والتي قرأ القسم الرابع منها الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة وعلَّق على مواضع منه، وفرغ من قراءته بالطائف في 25 ذي الحجة سنة 1370، كما هو مثبت في آخر المطبوع (2/ 393). ثم نظر المؤلف في تعليقاته، وعقَّب عليه في مواضع لتوضيح المراد. وهذه المبيضة هي التي اعتمد عليها الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني سنة 1386 في إخراجه للكتاب والتعليق عليه برغبة من فضيلة الشيخ محمَّد نصيف. ولم نعرف مصير هذه النسخة (الأصل) بعد طباعة الكتاب، فلا وجود لها في مكتبة الشيخ محمَّد نصيف التي آلت إلى مكتبة الملك عبد العزيز بجدة، ولا في مكتبة الشيخ الألباني التي آلت إلى مكتبة الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، ولا عند الشيخ زهير الشاويش صاحب المكتب الإِسلامي الذي قام بنشره لأول مرة، وكنّا قد راسلنا الشيخ زهير الشاويش عن مصير هذه النسخة، فأجاب بأنه أعادها إلى الشيخ محمَّد نصيف ولم يدرِ مِن خبرها بعد ذلك شيئًا، فالله أعلم أين وُضِعت هذه النسخة فاختفت عن الأنظار.
وقد بقي من الكتاب مسوَّدات وقِطع بخط المؤلف في مكتبة الحرم
(م 10/35)

المكي، تختلف عن المطبوع اختلافًا كثيرًا في السياق والترتيب والزيادة والنقص، وفيما يلي وصفها وبيان محتوياتها:
1) قطعة في دفتر كبير في 194 ورقة برقم [4710]، تمثّل الإخراج الأول للكتاب، وقد كشفت لنا هذه المسودة أمرًا مهمًّا عن الكتاب، وهو أن المؤلف كان قد قسم "التنكيل" إلى خمسة أقسام، الأقسام الأربعة المعروفة، أما القسم الخامس (وهو الأول في هذه المسودة) فهو ما طبعه المؤلف في حياته كمقدمة وتمهيد وسماه "طليعة التنكيل". وهذه القطعة تحتوي على ثلاثة أقسام من خمسةٍ كان المؤلف قد قسّم الكتابَ إليها على هذا النحو:
الباب الأول: في تقييد أبوابده من المغالطة والتجاهل ونحوهما. (ق 1 - 57). وقد تبيّن بالمقارنة أن هذا الباب هو ما أفرده المؤلف وطبعه باسم "طليعة التنكيل".
الباب الثاني: في تحرير القواعد التي بني عليها الكلام في جماعة منهم. (ق 49 - 110). ذكر في هذا الباب سبع قواعد، وفي المبيضة ذكر تسع قواعد، وقد توسّع في المسوّدة في مسألة الاتصال والانقطاع أكثر من المبيضة.
الباب الثالث: في المسائل الفقهية التي تعرّض الأستاذ للبحث فيها. (ق 111 - 194) وهذا القسم أكثر الأقسام ضربًا وتغييرًا.
الباب الرابع: في نظم فرائد التراجم على ترتيب الحروف.
ثم ختم بتقرير العقائد التي طعن باعتقادها في جماعة من أئمة السنة.
(م 10/36)

2) قطعة من قسم التراجم برقم [4661] في 173 ورقة، كتب عليها المفهرس "تحقيقات في بعض مرويات الأحاديث"! في أولها ثلاث صفحات تحتوي على فهرس للرجال المتكلم فيهم مع ذكر الصفحة، ثم شطب الشيخ على كل واحدٍ منها.
ولما تأملنا فيها وجدنا أنها إشارة إلى صفحات "تأنيب الخطيب"، والشطب يدلُّ على أن الشيخ فرغ من الكلام على ذلك الرجل ومناقشة الكوثري فيه في هذه المسوَّدة.
وفي هذه الصفحات إشارة أيضًا إلى موضوعات أخرى غير التراجم، مثل:
- ص 53 مسألة القرآن وزعم تحقيقها (لم يشطب عليها الشيخ لأنه لم يكتب في هذا الموضوع في هذه المسودة، وتكلم عليها في "القائد").
- ص 181 حملة شديدة على الخطيب.
- نسب الشافعي ص 101.
وفيها ذكر بعض الأعلام الذين تكلم فيهم الكوثري في صفحات مختلفة من "التأنيب"، ولم يكتب الشيخ فيهم شيئًا في هذه المسودة، ولذا لم يشطب على أسمائهم، مثل:
- الشافعي 3، 4، 21، 26، 27، 101، 139.
- أحمد 6، 76، 141.
- مالك 27، 100, 105, 117.
(م 10/37)

وهذه القطعة هي المسوَّدة الأولى للكتاب، تُبين لنا طريقة تأليف الشيخ له، وقد بدأها بترجمة الدارقطني، ثم أحمد بن الحسن بن خيرون، ثم عثمان بن سعيد الدارمي، ثم ابن أبي داود ... وهكذا بدون ترتيب في الغالب، وأحيانًا بشيء من الترتيب بداخل حرف معين، وآخر ترجمة فيها: ترجمة عمرو بن سعيد بن سالم. وكأن الشيخ كان ينشط للبحث في ترجمة معينة ومراجعتها في المصادر ثم الكتابة عنها، وينتقل إلى ترجمة أخرى، وكلما انتهى من ترجمة رجلٍ شطب على اسمه في فهرس الرجال المتكلم فيهم في "التأنيب". ثم رأى الشيخ أن الكشف عن ترجمة شخص معين في هذه المسوَّدة يصعب، ويحتاج إلى تقليب كثير من الصفحات فيها، فصنع فهرسًا للتراجم على الحروف بقيد الصفحات في آخرها (في تسع صفحات).
ولما أراد تبييض هذه المسوَّدة استفاد منها في الترتيب، وزاد ونقص في كل ترجمة، وصاغها صياغةً جديدة، وأدمج بعض التراجم في بعض، وكتب التراجم التي كان يريد أن يطيل فيها أكثر، مثل ترجمة الإِمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، والخطيب البغدادي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومسعود بن شيبة، وغيرهم، فليس في المسوَّدة من تراجمهم شيء، وكأنه أرجأ الكتابة فيها إلى وقت آخر.
وبعد مقابلة الفهرس الذي صنعه الشيخ بالفهرس في النسخة المطبوعة نجد أن هناك تراجم ذُكرت في المسوَّدة لا توجد في المطبوع، فإما أنها أُدمجت في تراجم أخرى، أو حذفها الشيخ ولم يَرَ داعيًا للكلام فيها عند تبييض المسوَّدة. وهذه التراجم فيما يلي مع ذكر الصفحات:
(م 10/38)

34 سعد بن مرزوق.
148 سلم بن سالم.
148 سلم بن عبد الله.
41 سليم بن عيسى.
38 سليمان بن الحسان الحلبي.
43 سوَّار بن عبد الله.
154 عبد الرحمن بن داود.
154 عبد الملك بن محمَّد.
154 عتيبة الدباب.
155 عمر بن مطرف.
155 عمر بن الهيصم.
44 عمرو بن أبي عثمان الشمري.
87 القاسم بن أبي صالح.
149 محمَّد بن أحمد بن إبراهيم الحليمي.
89 محمَّد بن أحمد بن سهل.
162 محمَّد بن إسماعيل التمار.
162 محمَّد بن أيوب الذارع.
(م 10/39)

90 محمَّد بن بشر الرقي.
92 محمَّد بن حيويه.
162 محمَّد بن جعفر الخزاعي.
96 محمَّد بن سعيد الباهلي.
98 محمَّد بن شجاع ابن الثلجي.
43 محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو بكر الشافعي.
99 محمَّد بن عبد الوهاب الفراء الحافظ.
76 محمَّد بن علي البلخي.
102 محمد بن مسلمة.
57 محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
170 نوح بن أبي مريم.
172 الهيثم بن خلف الحافظ.
50 أبو عاصم العباداني.
107 أبو محمَّد.
34 ابن سختويه.
130 ابن أبي يعلى.
73 البربهاري.
(م 10/40)

وعلى كلًّ فهذه المسوَّدة تفيدنا كيف بدأ الشيخ كتابة قسم التراجم، وما هي التعديلات والزيادات التي قام بإدخالها في المبيضة، وما هي التراجم التي حذفها أو أدمجها في تراجم أخرى. ويمكن الاستئناس بكلامه فيها، والاستفادة منها عند دراسة هذه التراجم، ولا يغني المطبوع عنها.
3) دفتر برقم [4681] كتب عليه أحد المفهرسين "بعض المسائل الفقهية الجنائية"! وهو في الواقع مسوَّدة القسم الثاني من "التنكيل" (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية) في 115 ورقة، ويختلف ترتيبها ومادتها عن النسخة المطبوعة، وفيما يلي ذِكْر عناوين المسائل من المسودة ورقمها في المطبوع:
1 - أقل ما يقطع سارقه: الورقة 1 - 73 (= رقم 14).
2 - القتل بالمثقّل: الورقة 9 ب - 23 ب (= رقم 12) كتب في صفحات (ب) منها فقط، أما (أ) فالكلام فيها مستمر على المسألة السابقة.
3 - المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخف، ولا فدية عليه: الورقة 74 (= رقم 5).
4 - العقيقة: الورقة 74 (= رقم 10).
5 - الطلاق قبل النكاح: الورقة 76 (= رقم 9).
6 - درهم وجوزة بدرهمين: الورقة 79 (= رقم 6)، وفي آخر الدفتر صفحتان في هذه المسألة، وقد شطب على كثير منهما.
7 - القضاء بشاهد ويمين: الورقة 82 - 111 (= رقم 15).
8 - لا تعقل العاقلة عبدًا: الورقة 112 - 115 (= رقم 13).
(م 10/41)

وبهذا الاستعراض يظهر أن المؤلف لم يتكلم في هذه المسوّدة على جميع المسائل السبع عشرة المذكورة في المطبوع، وإنما تناول ثمانيًا منها، وأطال الكلام في مسألتي أقل ما يقطع فيه السارق، والقضاء بشاهد ويمين. وكثير من صفحات المسوَّدة مضروب عليها، وفي مواضع منها إشارة إلى اللحق والتكملة. وقد كتب الشيخ في أكثر المسائل من جديد، وصاغها صياغةً تختلف اختلافا كبيرًا عن المسوَّدة بالزيادة والنقص، ولذا ينبغي الاعتماد على ما أقرَّه أخيرًا وطُبع. إلاَّ أن هذا لم يمنعنا من مراجعة هذه المسوّدة في مواضع عديدة كان فيها خطأ أو خلل في المطبوع، فاستفدنا التصحيح منها ونبَّهنا عليه غالبًا.
4) قطعة برقم [4706] تحتوي على مباحث البابين الأول والثاني من "القائد"، في أولها سبع ورقات متفرقة من الباب الأول (2/ 210 - 231)، ثم 12 صفحة من أول الباب (= 2/ 203 - 210)، ثم 7 ورقات (= 2/ 237 - 244)، ثم أوراق متفرقة ومتناثرة من البابين (= 2/ 245 - 261). وفي أثنائها بعض الأوراق التي لا علاقة لها بالكتاب، مثل الورقتين (27 و48) اللتين من "أصول التصحيح"، والأوراق (28 - 31) من "التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي".
وقد كتب المفهرس في المكتبة عنوان هذه القطعة: "أوراق من كتاب العبادة ورسائل متفرقة"! وهو غلط محض، فلا علاقة لها بكتاب "العبادة".
5) دفتر برقم [4657] تتعلق عشرون صفحة منه بالقسم الرابع من الكتاب (القائد)، وتشتمل على تمهيد ومقدمة وفصل بعنوان "نصوص
(م 10/42)

الكتاب والسنة وما كان عليه السلف". تبدأ هذه القطعة بعد البسملة بقول المؤلف: "الأستاذ مولع بالطعن في عقيدة أهل الحديث، فتعرَّض في "التأنيب" لذلك في مواضع، تارةً لأنه جاء في بعض الروايات نسبة ما يخالف ذلك إلى أبي حنيفة، فزعم الأستاذ أن الطعن إنما يلزم الطاعن. وتارةً في القدح في بعض الرواة بقوله "مجسّم"، "زائغ"، "حشوي" ونحو ذلك. فأحببتُ أن ألخّص شيئًا من ذلك، راجيًا أن يوفقني الله تعالى للاعتصام بالحق، وينفع بذلك مَن شاء مِن خلقه".
ثم عنون بقوله "مقدمة" ذكر فيها أن الاعتقاد هو جزم الإنسان في نفسه بثبوت أمر أو انتفائه، وهذا الجزم على ثلاثة أضرب: الأول ما يحصل للناس عادةً بدون حاجة إلى فضل نظر. الثاني: ما يحصل بفضل نظر تكفي في مثله العقول الفطرية. الثالث: ما يحصل بنظر دقيق لا تكفي لمثله العقول الفطرية، بل لا بد من تربية العقل وتمرينه شيئًا فشيئًا حتى يتأهل لذلك النظر.
فصَّل المؤلف الكلام على هذه الأقسام، وبيَّن ضرر القسم الثالث، وانتقد منهج المتكلمين. ثم عنون بقوله "نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف". ذكر فيه منهج السلف في الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة في العقيدة، وقرَّر ذلك من ستة وجوه، وبيَّن الفرق بين منهجهم ومنهج المتكلمين. وبه تنتهي هذه القطعة.
وفي هذا الدفتر أيضًا 45 ورقة تبدأ بعنوان "الخاتمة في الاعتقاديات" قال فيه: "تعرَّض الأستاذ في "التأنيب" للكلام في مسائل من العقائد، وطعن بها في جماعة من الأئمة وحفّاظ الآثار ونَقَلَتها، ووعدتُ النظر في ذلك. فها
(م 10/43)

أنا أتجشم الوفاء بما وعدتُ، سائلًا الله تبارك وتعالى أن يعصمني بالحق بفضله ورحمته".
ثم كتب "مقدمة فيها فوائد"، وشطب على "مقدمة فيها". ذكر فيها تسع فوائد، منها الكلام على قول أهل العلم: لا يجوز التقليد في العقائد، وأن المطلوب في العقائد اليقين القاطع، وبيان منهج المتكلمين في دفع حجة المخالف، وادعاؤهم الاعتماد على البراهين القاطعة.
ثم ذكر ستة فصول تحدث فيها عن منهج السلف ومنهج المتكلمين في تقرير العقيدة، وبيَّن أن الله تعالى لم يكلِّف عبادَه الخوض في المعقولات والتعمق فيها، واستعرض تاريخ نشوء البدع إلى زمن المأمون وما وقع في عهده من المحنة وآثارها فيما بعد، وتأليف كتب السنة للرد على الجهمية وغيرهم وغرض المؤلفين فيها.
ثم عنون بقوله: "مطالب: آرَاء الخائضين في الاعتقاديات في نصوص الكتاب والسنة هل يُحتجُّ بها فيها"، ذكر فيه رأي ابن سينا والفخر الرازي وغيرهما، وردَّ عليهم بتفصيل. وفي آخر الدفتر أوراق في الكلام على مسألة العلو والاستواء وكلام الله تعالى.
ويبدو أن ما في هذا الدفتر كتابة أولية لبعض المباحث المتعلقة بالعقائد وبيان منهج السلف فيها، والفرق بينه وبين منهج المتكلمين الخائضين في المعقولات. ثم أراد الشيخ أن يبسط هذه الموضوعات ويتوسع في الكلام عليها، فألَّف القسم الرابع من الكتاب (القائد)، ووفّى الموضوعات السابقة حقَّها من الدراسة والبحث. وفيه مناقشة آراء الفلاسفة والمتكلمين في
(م 10/44)

الاحتجاج بنصوص الكتاب والسنة في مباحث العقيدة، مثل ابن سينا والغزالي والرازي وغيرهم.

* طبعات الكتاب
طبع الكتاب أول مرة سنة 1386 في المكتب الإِسلامي بدمشق، وقام على طبعه وتحقيقه والتعليق عليه الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني رحمه الله، كما سبق. وقد طبعت معه طليعة التنكيل أيضًا.
ثم صدرت عدة طبعات من الكتاب مصورة من الطبعة الأولى أو مأخوذة عنها، دون إذن من ناشره ومحققه، غير أن إحداها جعلته بتحقيق الشيخ الألباني والشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة، وأثبتت الاسمين على الغلاف، كما ذكر الشيخ الألباني في مقدمة الطبعة الثانية الصادرة من مكتبة المعارف بالرياض.
وفي سنة 1406 أخرج المكتب الإِسلامي بدمشق الطبعة الثانية من الكتاب، مع التغيير في ملامحه الخارجية والتصرف في محتواه الداخلي على الوجه الآتي:
1 - أثبت على الغلاف الخارجي بعد عبارة "مع تخريجات وتعليقات" ثلاثة أسماء في سطر واحد على هذا الترتيب: محمَّد ناصر الدين الألباني، زهير الشاويش، عبد الرزاق حمزة.
لكن الغريب أن هذا الترتيب انقلب في الغلاف الداخلي للجزء الأول هكذا: عبد الرزاق حمزة، محمَّد ناصر الدين الألباني، زهير الشاويش؛
(م 10/45)

فصار الشيخ عبد الرزاق حمزة هو المحقق الأول!
2 - أضيف إلى هذه الطبعة شيئان: الأول مقال للشيخ محمَّد بهجة البيطار نشره في مجلة الرابطة العربية بمصر سنة 1357 بعنوان "الكوثري وتعليقاته". والثاني رسالة "المقابلة بين الهدى والضلال حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه" للشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة بتحقيق عبد الله صالح المدني الفقيه، بعد حذف مقدمته.
وقد أشار إلى ذلك الأستاذ زهير الشاويش في مقدمته لهذه الطبعة قائلا: "فهذه الطبعة الثانية من التنكيل .. .أقدمها للقراء بعد العناية المتوجبة لهذا الكتاب القيم، الذي بذل فيه مؤلفه وأساتذتي العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي، والعلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة، والعلامة الشيخ محمَّد بهجة البيطار، والمحدث الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني، ما بذلوه فيه من جهد، مضيفًا إلى جهدهم الكريم بعض التيسير والتعليق والإضافة، مع إعادة صف الكتاب بحروف جديدة واضحة، وتصحيح وترتيب يتناسب والأهمية التي يستحقها".
3 - حذف من الكتاب الباب الرابع منه، وهو الذي عنوانه: "القائد إلى تصحيح العقائد" بحجة "أنه بحث خاص، وعمل غير مرتبط بما سبق".
وقد أشار الشيخ الألباني إلى هذه التغييرات التي حصلت في هذه الطبعة التي صدرت دون استئذان منه، ثم قال: "وأما ما يتعلق بما في داخلهما (يعني هذه وطبعة أخرى ذكرها) من الأخطاء المطبعية، فهذا بحر لا ساحل له، فإنها من طبيعة الطبعات التجارية المسروقة".
(م 10/46)

وهذا ما دفع الشيخ لإعادة طبع الكتاب في جهة أخرى، فطبعته مكتبة المعارف في الرياض مصورًا من الطبعة الأولى، وسميت بالطبعة الثانية مع التنبيه على كونها "مصححة منقحة"، وصدرت في سنة 1406، وهي السنة التي صدرت فيها طبعته "الثانية" من المكتب الإِسلامي.
ثم صدرت الطبعة الثالثة من مكتبة المعارف بالرياض سنة 1426، وهي مصورة من الثانية، فلا فرق بينهما.
وقد جاءت طبعتا مكتبة المعارف على غرار الطبعة الأولى، فاشتملت بعد مقدمة المحقق على ترجمة المؤلف (ص 9 - 14) بقلم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، وعليها تعليقات للشيخ محمَّد نصيف؛ ثم كتاب "طليعة التنكيل" (15 - 77)، ثم كتاب "التنكيل" الذي استغرق مع الفهرس من الجزء الأول 548 صفحة، ومن الجزء الثاني 414 صفحة.
ونبَّه الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمته على أنه ميَّز تعليقاته على الكتاب بالرمز لها بحرف النون، وأن في القسم الرابع من الكتاب تعليقات للشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة، وقد رمز لها بحرفي (م ع)، وربما صرَّح باسمه. أما التعليقات التي لا رمز لها، فذكر الشيخ أنها للمؤلف غالبًا.
قد استعمل الشيخ كلمة "غالبا"، فهل بعض التعليقات الغُفْل لشخص مجهول غير المؤلف والمحقق والشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة؟ أو يقصد أن بعضها له هو، ولكن فاته وضع الرمز في آخرها؟
مثل هذه التعليقات التي ليست للمؤلف وليس في آخرها رمز النون
(م 10/47)

يبلغ عددها نحو ثلاثين تعليقًا بين طويل وقصير. وكثير منها لا يخفى أنها للشيخ الألباني فإنه أشار فيها إلى بعض مؤلفاته، ومنها ما يقطع نصه بأنه ليس للمؤلف، ولكن لا يدل على صاحبه. ومنها ما قد يشتبه أمرها على القارئ، فلا يبعد أن ينسبه إلى المؤلف.
ومن أمثلة هذه التعليقات الغفل: تعليقان في أول الكتاب (1/ 5): التعليق الأول على كلمة "يعيد" الواردة في كلام المؤلف: "بل يعيد الملحدون الإِسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من روى ... "، فقال المعلق: "كذا في الأصل، ولعله (يتخذ) ". لا شك أن هذا التعليق للمحقق، لا للمؤلف.
والتعليق الثاني على قول المؤلف في وصف "تأنيب الخطيب": "ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة". قال المعلق: "مع أنه يشير في صفحة 14 من (الترحيب) إلى كتب ابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويقول: "طبع كثير منها تحت ظلال الحرية ... بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها تمهيدًا للإضلال بأقاويلهم"! ". هذا التعليق يجوز أن يكون للمؤلف، ولكن نرجح أنه للمحقق، فإنه ختم التعليقات التي قبل هذين في ص 3 وص 7 بكلمة "المؤلف" بين هلالين صغيرين، فكأنه أراد في بداية أمره أن يميز بهذه الطريقة تعليقات المؤلف، ويترك تعليقاته هو دون رمز. ثم غيَّر رأيه، وعكس الأمر، فختم تعليقاته بحرف النون، وترك تعليقات المؤلف دون رمز. ولكن ليته التزم منهجه، فلم يترك نحو ثلاثين تعليقًا منها غُفْلاً! ثم إن كان فاته وضع الرمز في الطبعة الأولى، فما الذي منعه من استدراك الأمر في الطبعة الثانية "المصححة المنقحة"؟
(م 10/48)

فإن قيل: إن التعليقات الغفل المذكورة ظاهرة الدلالة على أنها للمحقق، لا للمؤلف، ومن ثم لا يضرها عدم وجود الرمز. قلنا: ليس الأمر كذلك، بل قد يشتبه بعضها على القارئ كما سبق، ثم إن التعليقات التي حرص الشيخ على إثبات الرمز في آخرها، كثير منها أشد ظهورًا من تلك الغفل على كونها للمحقق.
وقد بذل الشيخ الألباني رحمه الله جهدَه في تصحيح النص، ومع ذلك لا يستغرب أن تندّ أخطاء من أخطاء الطبع وغيره، وإليكم نماذج منها:
- المجلد الأول ص 38 س 14 "إلى صدقه". الصواب: لي صدقُه. وقد صحح هذا الخطأ في الطبعة الثانية الصادرة من المكتب الإِسلامي.
- ص 64 س 4: "على ابن معين". الصواب: عن ابن معين.
- ص65 س 13: "سئل عن إسحاق". الصواب: سئل عن ابن إسحاق.
- ص 81 س 14: "عاصم وغيره عن قتادة". الصواب: عاصم وغيره عن معاذة.
- ص 110 س 2: "عبد الله أبان الهيتي". الصواب: عبد الله بن أبان الهيتي.
- ص 130 السطر الأخير: "دخل بغداد نخلًا". الصواب: نخَلَ بغداد نخلًا.
- ص 133 السطر الأخير: نقل المؤلف عبارة من "تذكرة الحفاظ"
(م 10/49)

جاء فيها: "دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي". "الحسن" تحريف طريف لكلمة "الجنّ". انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 282.
- ص 154 س 10: "من طريق ابن عبد الحكيم". الصواب: من طريق ابن عبد الحكم. وقد تكرر هذا التحريف في عدة مواضع. انظر هذا المجلد ص 155 س 15، ص 291 س 9، ص 454 س 8.
- ص 173 س 15 "وبذلك علل [و] أمر ابنه بالكتابة عنه". زاد المحقق واو العطف بين معكوفين، إذ ظن "أمر" فعلًا ماضيًا، وهو مصدر مفعول به للفعل "علَّل" مضاف إلى "ابنه".
- ص 202 س 2: "كتب عن الحسن بن محمَّد الخلال". الصواب: كتب عنه الحسن ....
- ص 239 س 21: "من أقال نادمًا عثرته". سقط هنا بعد "نادمًا": أقال الله.
- ص 288 س 4: "سمعت هبة الدين ... ". الصواب: هبة الله.
- ص 303 س 9: "يبالغون في سبيل ... ". الصواب: يبالون ....
- ص 350 س 8: "علي بن جرير البارودي". الصواب في نسبه: الباوردي، بتقديم الواو على الراء.
- ص 350 س 13: "بن قهزاز". الصواب: بن قهزاد، بالدال مكان الزاي الثانية.
- ص 411 س 9: "أبي عمر الزاهي". الصواب: أبي عمر الزاهد.
(م 10/50)

- المجلد الثاني ص 103 س 5: "وفي (مسند أحمد) ج 2 ص 18". والصواب: "ج 2 ص 180".
- ص 108 س 12: "سفيان عن الحكم". والصواب: "سفيان عن منصور عن الحكم".
- ص 109 س 9: "عن أيمن بن أم أيمن - قال أبو الوليد ... ". سقط بعد "أيمن بن أم أيمن" سطران لانتقال النظر، فاستدركناهما من المخطوط.
- ص 116 س 6 - 7: "لأن ابن عيينة كان يحدّث من كتابه". والصواب: "كان يحدث من حفظه، وشجاع كان يحدث من كتابه". وهذا السقط استدركناه من المخطوط.
- ص 143 س 7: "وذلك يدرء الحدَّ ... ". والصواب: "وذلك بِدَرْء الحدِّ ... ".
- ص 165 س 18: "ولكن هل قلتم ... ". والصواب: "ولكن هلَّا قلتم ... ".
- ص 189 س 13: "وملجأ الهدى ... ". والصواب: "وملجأ الهوى".
- ص 300 س الأخير: "لو كانت لما يزعم". والصواب: "كما يزعم".
- ص 347 س 7: "لم يعتمدوا الباطل". والصواب: "لم يتعمَّدوا الباطل".
وقد بقيت هذه الأخطاء دون تصحيح في الطبعة الثانية "المصححة المنقَّحة" أيضًا.
(م 10/51)

* منهج التحقيق
اشتركنا نحن الثلاثة في تحقيق الكتاب والتعليق عليه، وقد قام أولاً محمَّد أجمل الإصلاحي بمقابلة النص على الطبعة الأولى للكتاب وضبطه، ووضع علامات الترقيم وتغيير الفقرات، ثم قام ثانيًا علي بن محمَّد العمران بتحقيق المجلد الأول منه بمراجعة نصوصه في المصادر وتخريج أحاديثه والتعليق عليه بما يلزم، وقام محمَّد عزير شمس بتحقيق المجلد الثاني كذلك، وشارك في التصحيح والمقابلة والمراجعة أخبرنا الشيخ نبيل بن نصار السندي.
ومنهجنا في التحقيق هو الذي سِرنا عليه في بقية الكتب التي أصدرناها في هذه الموسوعة وغيرها، من الاهتمام بتحقيق النصّ وضبطه بالاعتماد على الأصول، مع الإشارة إلى ما فيه من وهم أو خطأ، والتعليق عليه بما يفيد، وتخريج الأحاديث والأخبار والأشعار والنصوص من المصادر باختصار، وربط كلام المؤلف بعضه ببعض، وغير ذلك من الأمور التي تدعو إليها الحاجة.
ولما لم نجد مبيضة المؤلف للكتاب اعتمدنا على طبعة الكتاب الأولى، مع الاستفادة من المسوَّدات التي سبق وصفها، والتي تختلف اختلافًا كبيرًا عن المطبوع. وقد كان الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني علَّق على الكتاب تعليقات قليلة متفرقة، وعزا بعض الأحاديث وحكم عليها، وعلَّق الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة على مواضع من "القائد"، فأبقينا من هذه التعليقات ما ينسجم مع المنهج الذي سرنا عليه، ونسبناه لصاحبه.
(م 10/52)

وكان في مواضع من النصّ بين معكوفين زيادات على كلام المؤلف، لم نُثبت أكثرها, لأن النصّ واضح ويُعطي المعنى بدونها، إلاَّ في بعض المواضع التي لا يستقيم الكلام بدونها، وقد قمنا بمراجعة المسوَّدات فيها واستفدنا منها في التصحيح.
وقد جعلنا كلام الكوثري الذي ينقله المؤلف بين هلالين () بخط أصغر لتمييزه عن كلام المؤلف، وقمنا بمراجعة كتاب "التأنيب" للتأكد من نصّه المنقول، وصححنا بعض التطبيعات الواقعة فيه. وقد كان المؤلف رحمه الله يضيف بعض التصحيحات أو التنبيهات في كلام الكوثري ويجعلها بين معكوفين [] هكذا. وهكذا صنع أيضًا في النقول التي ينقلها من "تاريخ بغداد"، وكنا نحن بدورنا نراجع "التاريخ" بطبعتيه: القديمة، والطبعة التي بتحقيق د. بشار عوّاد، وننبّه إلى ما يقتضيه المقام. وكان عزو الكوثري والشيخ إلى الطبعة الأولى من الكتاب قبل إضافة التعليقات إلى المجلد الثالث عشر الذي فيه ترجمة أبي حنيفة، فألحقنا بين معكوفين [] أرقام الصفحات للطبعة المتداولة، وهي تزيد على الطبعة الأولى بنحو 10 إلى 25 صفحة تقريبًا.
وقد اقتضى كل قسمٍ من الأقسام الأربعة للكتاب عنايةً خاصّة، فالقسم الأول (القواعد) احتاج إلى مراجعة كتب المصطلح والرجال، لتوثيق أقوال أئمة الجرح والتعديل ونقّاد المحدثين في هذه الموضوعات, وزيادة توضيحها، وتأييد كلام المؤلف فيها. أما قسم (التراجم) فقد قمنا فيه بمراجعة جميع المصادر التي أحال إليها المؤلف، وغيرها من كتب الجرح والتعديل والتاريخ والتراجم، واستفدنا منها في التصحيح والتعليق، وبيَّنا إذا
(م 10/53)

كان في الكتاب أو في المصادر خطأ أو وهم. وفي قسم (الفقه) تمت مراجعة كتب الفقه والحديث للمحدثين والحنفية، للتأكد من صحة النصّ وسلامته من التصحيف والتحريف. أما القسم الرابع (القائد) فقد تطلَّب منا الرجوع إلى كتب الفلاسفة والمتكلمين وكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، بالإضافة إلى المصادر التي نقل منها المؤلف.
وبعد الفراغ من تحقيق الكتاب أُعِدّت له فهارس لتيسير الاستفادة منه، وسرعة الوصول إلى المطلوب، وهو مليء بالأبحاث والتحقيقات النادرة التي قلّما توجد في غيره بهذا التحرير والتنقيح.
وفي الختام نرجو أننا قد وُفِّقنا لخدمة هذا الكتاب الجليل وإخراجه كما ينبغي، وندعو الله أن ينفع به طلّاب العلم وأهله، ويهدينا جميعًا إلى الحق والصواب فيما اختُلف فيه، إنه سميع مجيب.
(م 10/54)

نماذج من النُّسخ الخطية
(م 10/55)

مقدمة التنكيل، نماذج من النسخ الخطية
(م 10/57)

آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبَد الرّحمن بن يحيى المعَلِّمِيّ
(10)
التنكيل
بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران ومحمد أجمل الإصلاحي
المجلد الأول
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(10/1)

[1/ 3] (1) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
أما بعد: فهذا كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، تعقّبتُ فيه ما انتقدته من كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ العلامة محمَّد زاهد الكوثري مما يتعلق بالكلام في أئمة السنة ورواتها، غير عامد إلى ذبًّ عَن الإِمام أبي حنيفة ولا خلافه. ورتبتُه على أربعة أقسام:
الأول: في تحرير قواعد خلط فيها الأستاذ.
الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين تكلّم فيهم الأستاذ، وأفرادٍ حاول الدفاع عنهم.
الثالث: في النظر في مسائل فقهية تعرّض لها.
الرابع: في تثبيت عقيدة السلف التي طعن الأستاذ فيها وفي المعتصمين بها، ومسائل اعتقادية تعرّض لها.
__________
(1) ما بين المعكوفين إشارة إلى رقم الجزء والصفحة من الطبعة الأولى للكتاب.
(10/3)

وقد قدَّمتُ قبل هذا نموذجًا من مغالطاته طبع بمصر بعنوان "طليعة التنكيل" (1)، [1/ 4] وأجاب عنها برسالة سماها "الترحيب بنقد التأنيب" (2)، سأنظر فيما يُلتفت إليه مما فيها في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وأسأل الله التوفيق.
وأقدِّم فصولًا.
__________
(1) انتقد الأستاذ في "الترحيب" كلمات نابية - كما يقول - وقعت في متن "الطليعة" والتعليق عليها. وقد انتقدتُها قبله، وهي من تصرف المعلق الأستاذ محمَّد عبد الرزاق حمزة باجتهاده، وقد صرح بذلك في رسالته "حول ترحيب الكوثري" (ص 37). وذكر لي بعض المطلعين أن عامة تلك الكلمات كانت على وجه التعليق، لكن التبس الأمر عند الطبع، فأدرجت في المتن. [المؤلف].
(2) كتب المؤلف رسالةً سمّاها "تعزيز الطليعة" ذكر فيها أن العبارات النابية ليست منه وإنما من المعلّق على الكتاب، وشرح أمورًا أخرى، ثم صنف رسالة في الرد على "ترحيب الكوثري" سمّاها "شكر الترحيب"، وقد جعلنا هذه الكتب الثلاثة "الطليعة، وتعزيزها، وشكر الترحيب" في موسوعتنا هذه في مجلد قبل "التنكيل".
(10/4)

1 - فصل
المقصود الأهمّ من كتابي هذا هو ردُّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات رواتها. والذي اضطرني إلى ذلك أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها، ومعرفة العربية، وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه = إنما مدارها على النقل، ومدارُ النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضرابِهم؛ فالطعنُ فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله، بل في الدين من أصله.
وحسبك أنَّ مِن المقرّر عند أهل العلم: أنه إذا نُقِل عن جماعة من الصحابة القولُ بتحريم شيء، ولم يُنقَل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قولٌ بالحِلِّ، عُدَّ ذاك الشيء مُجمعًا على حُرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حِلِّه. فإن ذهب إلى حِلِّه غافلًا عن الإجماع كان قوله مردودًا، أو عالمًا بالإجماع فمِن أهل العلم من يضلِّله، ومنهم من قد يكفِّره.
لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قولٌ بحلِّ ذلك الشيء كانت المسألة خلافية، لا يُحظَر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذلك الصحابي، أو بقول مفصّل يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء؛ ولا يحرم على المقلد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل، إما على سبيل الترجيح والاختيار إن كان أهلاً، وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه.
وثبوتُ ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقَّف على ثقة رجال السند إليه، والعلمُ بثقتهم يتوقّف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكلٍّ منهم، والاعتدادُ بتوثيق الموثَّق يتوقَّف على العلم بثقته في نفسه وأهليته، ثم على
(10/5)

صحة سند التوثيق إليه، وثقتُه في نفسه تتوقف على أن يوثّقه ثقةٌ عارف، وصحةُ سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والثقة لرجاله، وهلم جرًّا.
والسعيُ في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق، أو الطعنُ فيه بغير حق سعيٌ في إفساد [1/ 5] الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه. فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية، أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين كان الأمر أشدَّ جدًّا كما يعلم بالتدبر. ولولا أن أُنسب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة، يترتب على الطعن فيهم - زيادةً على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولةُ توثيق جمًّ غفير ممن جَرّحوه، وجرحُ جمًّ غفير ممن وثّقوه.
ففي "التأنيب" الطعن في زُهاء ثلاثمائة رجل، تبيّن لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظًا، وجماعةٌ من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟! على أن الأمر لا يقف عندهم، فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتهم غير محصورة، فيمكن كلَّ من يهوى ردَّ شيء من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثّقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك. بل يعدُّ (1) الملحدون الإِسلامَ نفسَه ذريعةً لاتهام كلّ مَن روى مِن المسلمين ما يثبت النبوة والقرآن ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض.
__________
(1) في (ط): "يعيد" وعلّق عليها في الهامش: "كذا الأصل، ولعله يتخذ". ولم يرمز بعد التعليق ب[ن]. وما أثبتناه هو المناسب، ولعله القراءة الصحيحة للكلمة.
(10/6)

ولو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان الخطب، ولكنه من رجل مشهور ينعتُه أصحابه بأمثال ما كُتِب على لوح كتابه "تأنيب الخطيب" الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه: "تأليف الإِمام الفقيه المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... ". ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (1). ويتبعه الحنفية وهم - كما يقول - السواد الأعظم، ويتابعه في الجملة كلّ مَن تخالف السنةُ هواه من غلاة المقلدين وأتباع المتكلمين وعُبّاد القبور، ويعتضد بكلامه الملحدون.
بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ، ولكن تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها. والله المستعان.
****
__________
(1) مع أنه يشير في (صفحة 14) من "الترحيب" إلى كتب ابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويقول: "طبع كثير منها تحت ظلال الحرية ... بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها تمهيدًا للإضلال بأقاويلهم"! [المؤلف].
(10/7)

[1/ 6] 2 - فصل
من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل. ومِن أمضى أسلحته: أن يرمي الغالي كلَّ من يحاول ردَّه إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم.
يرى بعضُ أهل العلم أن النصارى أولَ ما غلوا في عيسى عليه السلام، كان الغلاة يرمون كلَّ من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك، فكان هذا من أعظم ما ساعد على انتشار الغلوّ؛ لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نُسبوا إلى ما هم أشدُّ الناس كراهيةً له، من بغض عيسى وتحقيره، ومَقَتهم الجمهور، وأوذوا؛ فثبَّطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان. وقريب من هذا حال الغلاة الروافض، وحال القبوريين، وحال غلاة المقلّدين.
وعلى هذا جرى الأمر في هذه القضية. فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه وفي أئمة الحديث وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين، وأسْكَتَ أهلَ العلم في مصر وغيرها برمي كلّ من يهمُّ أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته.
ولما اطلع الأستاذ على "الطليعة" جرَّد على صاحبها ذلك السلاح. ومَن تصفَّح "الترحيب" علم أن ذلك - بعد المغالطة والتهويل - هو سلاحه الوحيد، فهو يبدئ فيه ويعيد، ونفسه تقول: هل من مزيد! ومع ذلك يضطرب، فمن جهةٍ يقول في "الترحيب" (ص 15):
"أخبار الآحاد على فرض ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلاً عن المتواتر، وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأمة بالتواتر".
(10/8)

ويقول بعد ذلك: "خبر الآحاد يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلاً عن مصادمته لما تواتر".
ويقول (ص 17): "وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيُرَدُّ، حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر، على تقدير سلامة رجاله من المآخذ".
ويقول (ص 39): "من المقرّر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن".
ويعدُّ حسناتي ذنوبًا، فيقول (ص 99): "وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، [1/ 7] فلو ذكرها كلّها مع كلام الكوثري (1) في موضوع المسألة لنبذ السامعُ نقدَ هذا الناقد في أول نظرة، لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مُسقط، فيكون ذكر المتون قاصمًا لظهره".
ويقول (ص 25): "ولو كان الناقد ذكر في صلب متنه الخبر المتحدَّث عنه، كان القارئ يحكم بكذب الخبر بمجرّد سماعه، لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاءً لحاله".
ومن جهة أخرى يقول (ص 19): "وعادتي أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلُّب ضعفاء بين رجال السَّنَد (2) بادئ ذي بدء، ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات".
__________
(1) "التأنيب" مطبوع، والأستاذ أقدر على إعادة طبعه. وسواء أكان مقصودي ما شرحته في أول "الطليعة" في الفصل الأول، أم الغرض الذي يرميني به الأستاذ، أم كلاهما؛ فعلى كل حال لا داعي لي إلى ما اقترحه الأستاذ من نقل كلامه. [المؤلف].
(2) أرجو من القارئ أن يتدبر قول الأستاذ: "وعادتي ... "، مع مراجعة "الطليعة" (ص 11 - 43) [المؤلف]. [ص 5 - 31].
(10/9)

ويقول (ص 19): "ومن المضحك تظاهره بأنه لا يعادي النعمان، مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح، ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله، مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها".
وأقول: أما الباعث لي على تعقُّب "التأنيب" فقد ذكرته في أول "الطليعة" (1)، وتقدم شرحه في الفصل الأول (2). وهب أن غرضي ما زعمه الأستاذ، وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات، فلا يخلو أن يكون كلامي مبنيًّا على الأصول المألوفة والقواعد المعروفة، أو يكون على خلاف ذلك. فإن كان الأول، فلازم الحقِّ حقٌّ. وإن كان الثاني، ففي وُسْع الأستاذ أن يوضّح فساده بالأدلة المقبولة. فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين "طليعتي" و"ترحيبه" حتى يتبين لهم أقام بنقض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم أم أردف ما في "التأنيب" من تهويل ومغالطة وتمحُّل بمثلها؟ ولم يكد يضيف إلى ذلك إلا رمي مؤلف "الطليعة" ببغض أبي حنيفة! كأنَّ الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تُتّقى إلاَّ بالهوى، فأثاره ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمه شأنهم، ليضرب به بينهم وبين "الطليعة" و"التنكيل" حجابًا لا تمزِّقه حجة، ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدّة.
[1/ 8] والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق، ولذلك أهملتُ ذِكْر المتون لأنها خارجة عن مقصودي. ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:
__________
(1) (ص 3 - 4).
(2) (ص 5 - 7).
(10/10)

الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة، وهو أن يطّلع عليها حنفيٌّ متحمّس، فيحمله ذكرُ المتن على أن يعرض عن كلامي البتة، ولا يستفيد إلا بُغض من نُسِب إليه المتن من الأئمة.
الثانية: أن يطلع عليها رجلٌ من خصوم الحنفية، فيجتزئ بذاك المتن، ويذهب يعيب أبا حنيفة غير مبال أصحّ ذاك المتن أم لم يصح.
الثالثة: أن يطلع عليها عامّي لا يميز، فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض، ويكبر ذلك عليه، ويسيء الظنَّ بهم جميعًا.
فإهمال ذكر المتن يمنع هذه المفاسد كلها, ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشتُ فيها الأستاذ.
والواقع أيضًا أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذمّ، ولا يلزمني قصد ذلك، ومن تأمّل عبارات الأستاذ في الجهة الأخرى كما قدَّمتها بان له صحة قولي.
وأزيدُ ذلك إيضاحًا وشرحًا وتتميمًا، فأقول: وعامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في بعض رجال تلك الأسانيد، وقد وافقته على ضعف جماعة منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقةَ رجلٍ مِن رجال السند، ثبوتُ ثقةِ غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإن المقالة المسندة، إذا كان ظاهرها الذم أو ما يقتضيه، لا يثبت الذمُّ [بها] (1) إلا باجتماع عشرة أمور:
الأول: أن يكون هذا الرجل المعيَّن الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(10/11)

الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلّهم ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند ظهورًا تقوم به الحجة.
الرابع: ظهور أنه ليس هناك علة خفية يتبين بها انقطاع، أو خطأ، أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد تُوقع فيه الروايةُ بالمعنى.
[1/ 9] السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره.
السابع: ظهور أن الذامَّ بنى ذمه على حجة، لا نحو أن يبلَّغه إنسان أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا، وهو كاذب أو غالط.
الثامن: ظهور أن الذامَّ بنى ذمه على حجة، لا على أمر حمله على وجه مذموم، وإنما وقع على وجه سائغ.
التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر، أو تأويل فيما أنكره الذام.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذمّ لم يرجع عنه صاحبه.
والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة.
وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
فهذه الأمور إذا اختلّ واحدٌ منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل.
والذي تصدّيتُ لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم
(10/12)

من تثبيته تثبيت الثاني، فضلاً عن الجميع. وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني، لكن لا يلزم من ذلك تثبيت الثالث، فضلاً عن الجميع. وما قد يتفق في بعض المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف، فالمقصود من ذلك كشف مغالطته، ولا يلزم من ذلك تثبيت تلك الأمور كلها. وقد يتهم الأستاذ رجلاً في رواية مع علمه بأنه قد توبع متابعة تبيِّن صدقه في تلك الرواية, فيضطرني إلى التنبيه على تلك المتابعة. وقد يشنِّع على الخطيب بإيراده روايةَ مَن فيه كلام في صدد ما زعم أنه المحفوظ عنده، ويتبين لي سقوط الشناعة من هذه الناحية، إما لأنه إنما ذكر رواية ذلك الراوي في المتابعات، وإما لأن الراوي إنما غُمز بأنه يخطئ أو يَهِم، وليس تلك الرواية مما يُخشى فيه الخطأ أو الوهم، فأحتاج إلى بيان ذلك. وكلّ هذا لا يلزم منه تثبيت تلك الأمور كلها، وأذكر هنا مثالاً واحدًا:
قال إبراهيم بن بشّار الرمادي: "سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله من أبي حنيفة. ولقد أتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها. قال: هاتها. فهل سمعتم أحدًا أجرأ على الله من هذا! ".
هذه الحكاية [1/ 10] أول ما ناقشت الأستاذ في بعض رجال سندها في "الطليعة" (ص 12 - 20) فإنه خبط في الكلام في سندها إلى الرمادي بما ترى حاله في "الطليعة". وتكلم في الرمادي، وستأتي ترجمته. وزاد في "الترحيب" فتكلم في ابن أبي خيثمة بما لا يضره. وذكر ما قيل أن ابن عيينة اختلط بأخرة، وهو يعلم ما فيه، وستأتي ترجمته. وقد ذكر الأستاذ في
(10/13)

"التأنيب" جوابًا معنويًّا جيدًا، ولكنه مزجه بالتخليط، فقال بعد أن تكلّم في السند بما أوضحت ما فيه في "الطليعة": "وابن عيينة بريء من هذا الكلام قطعًا بالنظر إلى السند".
كذا قال. ثم قال بعد ذلك: "وأما من جهة المتن فتكذِّب شواهدُ الحال الأخلوقةَ تكذيبًا لا مزيد عليه ... رجل يبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها، ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبُّث ولا تريّث".
كذا قال. وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسألة واحدة، فضلاً عن مائة ألف. ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألة واحدة، فضلاً عن مائة ألف، فضلاً عن أن يكون ذلك كلّه بين عشية وضحاها. وكان يمكن الأستاذ أن يجيب بجواب بعيد عن الشَّغَب كأن يقول: يبعد جدًّا أو يمتنع أن تُجمع في ذاك العصر مائة ألف مسألة، ليأتي بها رجل من خُراسان، ليسأل عنها أبا حنيفة. وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون السائل إنما أراد: أتيتك بمسائل كثيرة، فبالغ. وإما أن يكون بطَّالاً لم يأت ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد إظهار التشنيع والتعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذاك الجواب الحكيم. فإن كان الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز، ففي ذاك الجواب إرغامه. وإن كان عنده مسائل كثيرة نظر فيها أبو حنيفة على حسب ما يتسع له الوقت، ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب.
فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بين الأستاذ ذلك في "التأنيب" (1)) فكأنه كره قول أبي حنيفة: "هاتها"، لما يشعر به من
__________
(1) (ص 156).
(10/14)

الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة. وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم - إذا سئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه - أن يفتي، للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلّا يبقى الناسُ حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في [1/ 11] قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما فيه فساد العلم والدين.
ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني، وإن حمدنا الفريق الأول حيث يكفّ أحدُهم عن الفتوى مبالغةً في التورُّع واتكالًا على غيره حيث يوجد. فأما الجرأة فمعناها الإقدام، والمقصود هنا كما يوضّحه السياق وغيره: الإقدام على الفتوى؛ فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله. وهذا إذا كان عن معرفةٍ موثوقٍ بها فهو محمود، وإن كرهه المبالغون في التورُّع كابن عيينة.
وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: "لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمتُ أنه أوتي علمًا" (1). وعنه أيضًا أنه قال: أكثر أبو هريرة. فقيل له: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا, ولكنه اجترأ وجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (2)؟ راجع "الإصابة" (3) (ترجمة ابن عباس وترجمة أبي هريرة).
وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود. وقد روى الخطيب نفسه ... الحكايتين اللتين ذكرهما الأستاذ في "التأنيب". فهذا وغيره يدلّ على
__________
(1) أخرجه أبو نعيم في "الحلية": (1/ 320).
(2) أخرجه أبو داود (1261)، وابن خزيمة (1120)، والبيهقي (3/ 45).
(3) (4/ 147 و 7/ 441).
(10/15)

بُعد أبي حنيفة عن الجرأة المذمومة. فأما إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة، فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى باب عظيم النفع في فهم ما يُنقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض.
وحاصله: أن أكثر الناس مُغْرَون بتقليد من يعظُم في نفوسهم والغلوَّ في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ، والدليل قائم على خلاف قوله في كذا، فدلَّ ذلك على أنه أخطأ، ولا يحلّ لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه = قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه، فالظاهر أنه قد عَرف ما يدفع دليلَكم هذا. فإن زاد المنكرون فأظهروا حُسْن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلوّ متبعيه. خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفَّهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة، فقال: "والله إنها لزوجة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي". أخرجه البخاري في "الصحيح" (1) من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار. [1/ 12] فلم يؤثِّر هذا في كثير من الناس، بل رُوي أن بعضهم أجاب قائلاً: "فنحن مع من شهدْتَ له بالجنة يا عمار" (2).
فلهذا كان من أهل العلم والفضل مَن إذا رأى جماعةً اتبعوا بعض
__________
(1) (7100, 7101).
(2) أخرجه الطبري في "تاريخه": (3/ 27) وفي سنده سيف بن عمر الضبّي أخباريّ متروك.
(10/16)

الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه - إمّا لأنّ حالهم غير حاله، وإما لأنه يراه أخطأ - أطلق كلمات يظهر منها الغضُّ مِن ذاك الفاضل، لكي يكفَّ الناس عن الغلوِّ فيه الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه. فمِنْ هذا ما في "المستدرك" (2 ص 329) " .... عن خيثمة قال: "كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر، فذكروا عليًّا، فشتموه، فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك ويُسَمِّيك (1) "الأخنس". فضحك سعد حتى استعلاه الضحك، ثم قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلغ ذلك أمانته .... ". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، وأقرَّه الذهبي.
وفي "الصحيحين" (2) وغيرهما عن عَليّ رضي الله عنه قال: "ما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد ارمِ فداك أبي وأمي".
وتُروى عن عَليّ كلمات أخرى من ذا وذاك. وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة، فكان عَليّ إذا كان في جماعة يخشى أن يتّبعوا سعدًا في القعود ربما أطلق غير كاذب كلماتٍ تُوهم الغضَّ من سعد. وإذا كان مع مَن لا يخشى منه القعود، فذكر سعدًا، ذَكَر فضله.
ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكًا من إطلاق كلمات فيها غضٌّ من مالك، مع ما عُرف عن الشافعي من تبجيل
__________
(1) في المطبوعة: "وسميك". والصواب ما أثبتنا من المستدرك.
(2) البخاري (4059)، ومسلم (2411).
(10/17)

أستاذه مالك. وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: "مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين" (1) كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى (2).
ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدمة "صحيحه" (3) مما يظهر منه الغضُّ الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عُرِف عن مسلم تبجيلُه للبخاري.
وأنت إذا تدبّرتَ تلك الكلمات وجدتَ لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد (4).
وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حيّ من "تهذيب التهذيب" (5) كلمات قاسية أطلقها بعض [1/ 13] الأئمة فيه مع ما عُرِف من فضله، وفيها: "قال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن (بن صالح) بن حيّ، فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم؛ ومن أطراهم كان أضرَّ عليهم".
أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب": (10/ 8).
(2) من كتابنا هذا برقم (183).
(3) (1/ 28 - 32).
(4) وقد ذكر المصنف هذا المعنى أيضًا في كتاب "العبادة" (ص 82 - 84).
(5) (2/ 286).
(10/18)

معذورون مأجورون فيما أخطؤوا فيه، كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحرِّي الحق؛ لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلوَّ في تقليدهم.
على أن الأستاذ إذا أحبَّ أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأن ابن عيينة كان يعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعلّ ابن عيينة رأى أناسًا قاصرين عن رتبة أبي حنيفة، يتعاطَون مثل ما كان يقع منه من الإكثار من الفتوى والإسراع بها، غير معترفين بقصورهم، اغترارًا منهم بكثرة ما جمعوا من الأحاديث والآثار؛ فاحتاج ابن عيينة في ردعهم إلى تلك الكلمة القاطعة لشغبهم. والله أعلم.
****
(10/19)

3 - فصل
حاول الأستاذ في "الترحيب" (1) التبرّؤ مما نُسِب إليه في "الطليعة" من الكلام في أنس رضي الله عنه وفي هشام بن عروة بن الزبير، وفي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
فأما كلامه في أنس، فتراه وما عليه في "الطليعة" (ص 98 - 106) (2) ويأتي تمامه في ترجمته إن شاء الله تعالى (3).
وينبغي أن يُعلَم أن منزلة أنس رضي الله عنه عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومَن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإِمام الأعظم وعقليته الجبارة؟ كما أشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص 24) إذ قال: "وأسماء الصحابة الذين رغب الإِمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في "المؤمل" لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحرِّيًا بالغًا في المرويات يدلّ على عقلية أبي حنيفة الجبارة". [1/ 14] فزادنا مع أنس جماعةً من الصحابة رضي الله عنهم، وإلى ما غالط به من الترجيح الذي دفعتُه في "الطليعة" (ص 105 - 106) (4) التصريحَ بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعضُ أولئك الصحابة.
__________
(1) (ص 315 - 316 و337 - 338).
(2) (ص 77 - 83) من طبعتنا.
(3) من كتابنا هذا رقم (56).
(4) (ص 83).
(10/20)

هذا مع أن رواية أنس في الرَّضْخ (1) تشهد لها أربع آيات من كتاب الله عزَّ وجلَّ، بل أكثر من ذلك كما يأتي في "الفقهيات" (2) إن شاء الله تعالى، ومعها القياس الجلي. ولا يعارض ذلك شيء إلاَّ أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدَّم قوله على ذلك كله.
وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في "التأنيب" (ص 139) عند كلامه على ما رُوي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. قال الأستاذ هناك: "ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل. ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلاً، ففرّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة، حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلاً ففرَّع عليه الفروع ... ".
إلا أن يقول الأستاذ: إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب، وإنما قلّد فيها بعضَ التابعين كشريح وإبْراهيم. فعلى هذا يختصّ تقديم العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة القَوَد على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعيّ الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول: لعل أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحد من الصحابة، بل هو موافق لغيره في أن
__________
(1) أخرجه البخاري (5295) ومسلم (1672).
(2) (2/ 128 - 130).
(10/21)

انفراد الصحابيّ مقبول على كلّ حال؛ وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث, لأنه لم يبلغه من وجهٍ يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه. وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين، فيجعله أصلاً لباب عظيم من أبواب الشرع، كشريح في الوقف، وإبْراهيم في المزارعة = فكيف يرغب عن سنة لتفرّد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت "المؤمل" (1) فرأيت عبارته تُشعر بأن الكلام فيما تفرّد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان روايةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فأما التحرّي البالغ، فإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه أن يُقبَل ورَدِّ ما حقُّه أن يُرَدَّ، [1/ 15] فلا موضع له هنا. وإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه الردُّ، كرأي شريح في الوقف، ورأي إبْراهيم في المزارعة؛ وإلى ردَّ ما حقُّه القبول، كما يتفرّد به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كردِّ حديث الرّضْخ مع شهادة القرآن والقياس الجليّ له = فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة المخالفة له أو ذَهَل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله. وإن وقع ممن عرف ذلك كلّه، فهو تجرٍّ بالجيم لا تحرٍّ بالحاء، أو قل: تحرٍّ للباطل، لا للحق.
فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يردُّ انفرادَ الصحابي -
__________
(1) (ص 62 - 63 ت مقبول)، وهذا النص ليس في الطبعة الجديدة, بتحقيق د. جمال عزّون (ص 133 - 134)، فهل سقط منها أو ليس في الأصول التي اعتمدها؟
وقد نقد المؤلف هذا الخبر في "الأنوار الكاشفة" (ص 241 - 242) ثم قال - بما يؤيد كلامه هنا -: "والحكاية لا تتعرض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلّق بقول الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أن أبا حنيفة يقول: إنه لا يخالف قول أحدٍ من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة .. ".
(10/22)

أيَّ صحابي كان - أن يقول: إن ذلك تحرًّ بالغ. بل من يردّ السننَ كلّها سوى المتواتر، بل من يرد المتواتر أيضًا، فيقول: إن التحرّي البالغ يقضي أن لا يُنسب إلى شرع الله إلا ما نصّ عليه كلامه. بل من يردّ الدلالات الظنية من القرآن، ويردّ الإجماع، ولم يُبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن (1)، وشيوخ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها، كما يأتي في (الاعتقاديات) (2) إن شاء الله تعالى. فأما القياس فهو بأن يسمّى إلغاؤه تحريًّا واحتياطًا في دين الله أولى من ذلك كلّه، فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل:
ويذهبُ بينها المرئيُّ لغوًا ... كما ألغيتَ في الدية الحُوارا (3)
والمقصود هنا أن منزلة أنس رضي الله عنه عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلا غرو أن يزعم الأستاذ أنه ليس في كلامه فيه ما يُنتقد! وفي "فتح الباري" (4) في باب المصرَّاة: "قال ابن السمعاني (5) في "الاصطلام": التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة". ذكر ذلك في صدد ردّ كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة
__________
(1) كذا، والكلام مفهوم، وتقديره: يزعم أيضًا أنه تحرًّ بالغ.
(2) (2/ 336، 503).
(3) من قصيدة لذي الرمة في هجاء هشام بن قيس المرئي. انظر "ديوان ذي الرمة" (1379)، و"الأمالي": (2/ 141).
(4) (4/ 365).
(5) هو أبو المظفر منصور بن عبد الجبار. كان أهل بيته حنفية, ونشأ على ذلك، ومهر في المذهب، ثم تشفَّع تديّنًا. وترجمته في "طبقات ابن السبكي" (ج 4 ص 21). وقد أسرف الشافعية في التبجّح بذلك كما تراه هناك. [المؤلف].
(10/23)

حديث المصرَّاة.
وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة - وفي رواية للدارمي (ج 1 ص 51) (1): هشام، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة (2) - قال: "لم يزل أمر [1/ 16] بني إسرائيل معتدلاً، حتى ظهر فيهم المولّدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا". فذكرها الأستاذ في "التأنيب" (ص 98) ثم قال:
"وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه مالك، لقول مالك فيه بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي، عن أحمد بن محمَّد البغدادي، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمَّد بن فليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذاب. قال: فسألت يحيى بن معين؟ فقال: عسى أراد في الكلام، فأما في الحديث فهو ثقة". وعلَّق في الحاشية: "هذا من انفرادات الساجي، وأهلُ العلم قد تبدُر منهم بادرة، فيتكلمون في أقرانهم بما لا يُقبل، فلا يتخذ ذلك حجة. على أنَّ ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمرٌ يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ".
ففهمت من قوله: "وإنما أراد هشام النكاية ... " أنه يريد أن هشامًا أفترى هذه الحكاية لذاك الغرض، وأن ذلك من الكذب الذي عني بالكلمة المحكية عن مالك: "هشام بن عروة كذاب"، ومن الكذب في الكلام على ما في الحكاية عن ابن معين، ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في
__________
(1) رقم (122) - تحقيق حسين أسد.
(2) وهكذا في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي من مقدمة كتاب "الجرح والتعديل" [1/ 254] لابن أبي حاتم. [المؤلف].
(10/24)

الحاشية. وبنيت على ذلك في الكلمة التي كنت كتبتها إلى بعض الإخوان، فاتفق أن وقعت بيد المعلق على "الطليعة" أو طابعها، فطبعت كمقدمة للطليعة بدون علمي. قلت فيها كما في "الطليعة" المطبوعة (ص 4): "وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، حتى نَسَب إليه الكذب في الرواية". فتعرّض الأستاذ لذلك في "الترحيب" (ص 48) وتوهَّم أو أوهم أنني إنما بنيتُ على ما في الحكاية التي ينقلها مما نسب إلى مالك من قوله: " ... كذاب"، فأعاد الأستاذ الحكاية هنالك، ثم قال: "أهذا قولي أم قول مالك أيها الباهت الآفك؟! ".
فأقول: أما قولك، فقد قدَّمتُ ما فيه من إفهام أن هشامًا افترى تلك الحكاية انتقامًا من مالك. وأما قول مالك، فلم يصح، بل هو باطل. ومن لطائف الأستاذ أنه اقتصر فيما تظاهر به في صدر الحاشية من محاولة تليين الحكاية عن مالك على قوله: "من انفرادات الساجي" وهو يعلم أن زكريا الساجي حافظ ثقة ثبت، وإن حاول في موضع آخر أن يتكلم فيه كما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى (1). هذا مع جزمه في المتن بقوله: "لقول مالك فيه".
والحكاية أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (ج 1 ص 223)، وتعقبها بقوله: [1/ 17] "فليست بالمحفوظة إلا من الوجه الذي ذكرناه، وراويها عن إبراهيم بن المنذر غير معروف عندنا".
يعني أحمد بن محمَّد البغدادي. وبغداديٌّ لا يعرفه الخطيب الذي
__________
(1) من هذا الكتاب رقم (94).
(10/25)

صرف أكثر عمره في تتبع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولاً، فهذا هو المسقط لتلك الحكاية من جهة السند. ويسقطها من جهة النظر أن مالكًا احتج بهشام في "الموطأ" مع أن مالكًا لا يجيز الأخذ عمن جُرِّب عليه كذب في حديث الناس، فكيف الرواية عنه؟ فكيف الاحتجاج به!
صح عن مالك أنه قال: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن سفيه معلِن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يُتهم أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص 116) وذكره ابن عبد البر في "كتاب العلم" كما في "مختصره" (ص 122) (1)، وقال: "وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في كتاب "التمهيد" (2) ... ".
وكأنّ الأستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثقون الرجل إذا رأوا أنه لا يكذب في الحديث النبويّ، وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاول أن يدخل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة. وهكذا ما يرويه أحدهم عن غيره مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة، ولو مِن بُعْد، كرواية هشام المذكورة. وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كلُّ كلام إلا ما فيه إسناد خبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو - والعياذ بالله - تمَّ هذا للأستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك
__________
(1) "جامع بيان العلم": (2/ 821).
(2) (1/ 66).
(10/26)

والمؤمنون.
أما السنة فإنها لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيقُ الأئمة للرواة كلامٌ ليس فيه إسناد خبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن أن يكذبوا فيه. وتوثيق مَنْ بعدَهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا الكذب، بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذبًا وإن كان قائله ثقة. وهكذا رواية مَن بعد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام. وبالجملة فيشمل ذلك سائر كلمات الجرح والتعديل، والمدح [1/ 18] والقدح: قولها وروايتها، وحكاية مقتضيها وروايته. وأما ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين وغير ذلك، فكلُّه كلام.
وسيأتي تمام الكلام في القاعدة الأولى من قسم القواعد إن شاء الله تعالى (1).
وأما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، فسيأتي إن شاء الله تعالى في تراجمهم (2). ويكفي العبارة التي قالها في "التأنيب" (3) في معرض الثناء عليهم زَعَم، ونقلها في "الترحيب" (4) في معرض التبرّؤ عن الطعن فيهم.
__________
(1) (ص 53 - 58).
(2) في هذا الكتاب رقم (183، 189، 32) على التوالي. وقد أفرد المؤلف الرد على مطاعن الكوثري في الإِمام الشافعي برسالة مستقلة سماها "تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري" وهي ضمن هذه الموسوعة.
(3) (ص 11 - 15).
(4) (ص 31 - 317 - مع التأنيب).
(10/27)

وحقيقة الحال أن الأستاذ يرى، أو يتراءى، أو يفرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصَّل من مجموع كلامه في "التأنيب". ويرى أنه قد تفضَّل على الأئمة الثلاثة، وجامل أتباعَهم بأن أوهم في بعض عباراته رفعَهم عن تلك المنزلة قليلاً. فلما رآني لم أعتدّ بذاك الإيهام الفارغ كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهالَ براءَته، ويُفهم العلماء أن تلك منازلهم عنده، رضوا أم كرهوا. وتمام الكلام في التراجم إن شاء الله تعالى.
****
(10/28)

4 - فصل
ذكر الأستاذ في "التأنيب" (1) أسبابًا اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم، وأطنب في فتنة القول بخلق القرآن. ثم ذكر في "الترحيب" (ص 18 - 19) أنه يتحتم عليَّ أن أدرس ملابسات تلك الفتنة. يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة كبِشْر المريسى وابن أبي دُواد، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، واستحوذوا على الدولة، فسعت في تنفيذ تلك المقالة بكلّ قواها في جميع البلدان. فكان علماء السنة يكلَّفون بأن يقولوا: إن القرآن مخلوق، فمن أجاب مظهرًا الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة، وأُنعِمَ عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك. ومن أبى حُرم عطاءه، وعُزل عن القضاء أو الولاية، ومُنع من نشر العلم. وكثير منهم سُجنوا، ومنهم من جُلد، ومنهم من قُتل. وأسرف الدعاة في ذلك، حتى كان القضاة لا يجيزون شهادة شاهد حتى يقول: إن القرآن مخلوق، فإن أبى ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهًا ربما سجنوه وربما أطلقوه مسخوطًا عليه. وفي كتاب "قضاة مصر" (2) طرفٌ من وصف تلك المحنة. فيرى الأستاذ أن ذلك أوغر صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة، فكان فيهم من يذمه، ومنهم من يختلق الحكايات في ثلبه.
[1/ 19] فأقول: ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.
__________
(1) (ص 16 - 20).
(2) للكندي (ص 445 - 447).
(10/29)

أما أولاً: فلأن أصحاب الحديث منهم من صرَّح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المرُّوذي عن أحمد بن حنبل. ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة القول بأن القرآن غير مخلوق، وتلك الروايات معروفة في "تاريخ بغداد" و"مناقب أبي حنيفة" وغيرها. فكيف يُظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه، ويخرجوه من صَفّهم - مع عدم استغنائهم عنه - إلى صفِّ مخالفهم؟
وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلُّهم بين سفيه فاجر كذّاب، وأحمق مغفَّل يستحلُّ الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عَظْم الدين وهو الاعتقاديات، ويتبعون فيها الأهواء والأوهام! يقال لأحدهم: قال الله عزَّ وجلَّ ... ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتلتوي عنقه، ويتقبَّض وجهُه تبرُّمًا وتكرُّهًا. ويقال له: قال ابن سينا ... ، فيستوي قاعدًا، ويسمو رأسه، وينبسط وجهه، وتتسع عيناه، وتصغي أذناه، كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها. فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ!
وأما ثالثًا: فإن ما يسميه الأستاذ "مثالب أبي حنيفة" أكثرها كان معروفًا قبل المحنة. ولهذا احتاج الأستاذ إلى مُساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفَزَاري، وسفيان بن سعيد الثوري، وحماد بن سلمة.
(10/30)

وأما رابعًا: فقد أثبتها في كتبه، أو أثبت مقتضاها مَنْ عاصر المحنة وعرف ما لها وما عليها كيعقوب بن سفيان والبخاري، وهل يتَّهم البخاريَّ إلا مجنون!
وأما خامسًا: فإن تلك المشادّة لم تقتصر على أصحاب الحديث، بل كان لأصحاب أبي حنيفة النصيب الأوفر من اختلاق الحكايات في مناقبه. بل جاوزوا ذلك إلى وضع الأحاديث كحديث: "يكون في أمتي رجل اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة. هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي". وزاد بعضهم فيه: "وسيكون في أمتي رجل يقال [1/ 20] له محمد بن إدريس، فتنته على أمتي أضرُّ من إبليس" (1).
وتناول الأعاجم هذه الفرية، فاختلقوا لها عدة طرق، وقبلها علماء الحنفية واحتجُّوا بها، حتى إن البدر العيني شارح "صحيح البخاري" الذي يحاول الأستاذ تفضيله على الحافظ الشهاب ابن حجر، ويقول في تفضيل شرحه على "فتح الباري": "وليس الشهاب كلّ حين بثاقب، بينما البدر ملتمع الأنوار من كل جانب" (2). ذكر العيني تلك الطرق ثم قال كما نقله الأستاذ في "التأنيب" (ص 30): "فهذا الحديث - كما ترى - قد رُوي بطرق مختلفة (بل مختَلَقة) ومتون متباينة ورواة متعدّدة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على
__________
(1) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (870 و871) وغيره، وهو متفق على وضعه.
(2) لا أحب أناقش الأستاذ في هذا، فإنه يعرف حقيقة الحال، والله المستعان. [المؤلف].
أقول: ذكر هذا الكوثري في تعليقه على "لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ" لابن فهد (ص 334).
(10/31)

أن له أصلًا وإن كان بعض المحدّثين بل أكثرهم ينكرونه، وبعضهم يدّعون أنه موضوع. وربما كان هذا من أثر التعصب. ورواةُ الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه الصلاة والسلام ... ".
ولا أدري أأقول: هذا مبلغ علم العيني، أم مبلغ تعصّبه؟ وقد سعى الأستاذ في تأييد كلام العيني، وسيأتي الكلام في ذلك في ترجمة محمد بن سعيد البورقي (1) إن شاء الله تعالى.
والذي تفنن في طرق تلك الفرية هو يونس بن طاهر النضري الملقب شيخ الإِسلام. ومن جملة رواياته ما ذكر الموفق في "مناقبه" (ج 1 ص 16) من طريق النضري بسنده: "رأى أبو حنيفة في المنام ... فارتحل إلى البصرة، فسأل محمد بن سيرين عن هذه الرؤيا، فقال: لستُ بصاحب هذه الرؤيا، صاحب هذه الرؤيا أبو حنيفة. فقال: أنا أبو حنيفة. فقال: اكشف عن ظهرك. فكشف، فرأى بين كتفيه خالًا، فقال له محمد بن سيرين: أنت أبو حنيفة الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يخرج في أمتي رجلٌ يقال له أبو حنيفة، بين كتفيه خال، يُحيي الله على يديه السنة". ولا يخفى ما في ذكر الخال بين الكتفين من المضارعة لخاتم النبوة.
فالأستاذ - عافانا الله وإياه - يأخذ روايات الحنفية في مناقب أبي حنيفة كأنها مسلَّمة، بل يصرّح بأنها متواترة، ويتجلّد حقّ التجلّد، فيدافع عن أحمد بن محمد بن الصّلْت، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى (2).
__________
(1) من هذا الكتاب رقم (207).
(2) رقم (34).
(10/32)

ويطعن في أئمة الدين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وأضرابهما، كما يأتي في التراجم إن شاء الله تعالى (1)؛ مع أن ابن الصّلْت مُجمَع [1/ 21] على تكذيبه، والفزاريّ والحميدي وجماعة من أضرابهما الذين طعن فيهم الأستاذ مُجمَع على أنهم أئمة أثبات.
ولا ريب أن في أَتْباع أصحاب الحديث جهّالًا ومغفّلين وفجّارًا، وأنه وقع مِن هؤلاء الكذب؛ ولولا أن الخطيب اجتهد فلم يورد في حكايات الغضّ ما بان له سقوطه لجاء بالعجب العجاب. لكن الجهل في الجانب الآخر أعمّ وأطمّ، لغلبة الجهل بالسنة، وقلة الرواية التي يراقب صاحبها ألسنة النقاد صباح مساء، ويخاف أن يفقد رأس ماله بكلمة واحدة منهم.
وكان مقتضى الحكمة اتّباع ما مضى عليه أهل العلم منذ سبعمائة سنة تقريبًا مِن سَدْل الستار على تلك الأحوال، وتقارض الثناء، واقتصار الحنفية في بعض المناسبات على التألُّم من الخطيب بأنه أورد حكايات لا تصح. فيقتصرون على هذا الإجمال ونحوه، ولا يطعنون في الخطيب، ولا في راوٍ بعينه، ويعوضون أنفسهم بالاستكثار من روايات المناقب؛ فإن جاوز بعضهم ذلك، فعلى قدرٍ ومراعاةٍ للجانب الآخر. فليت الأستاذ اكتفى بما يقرب من ذلك، وطوى الثوب على غَرِّه (2). فإن أبت نفسُه إلاَّ بعثرة القبور، فليتحرَّ الحق إما تدينًا، وإما علمًا بأن في الناس بقايا، وفي الزوايا خبايا (3)!
__________
(1) رقم (8 و121).
(2) في (ط): "غرة" وهو خطأ.
(3) ومنهم من يقول: =
(10/33)

أما أنا فقدَّمتُ بيان مقصودي، ولا شأن لي بما عداه. ولو أُلجئت إلى نقد الروايات من الجانبين لتحريت الحق إن شاء الله تعالى. وذلك بالنظر في أحوال الرواة من الفريقين، فمن وثقه أهل العلم فلا بد من قبوله، ولا يُعدُّ ميلُه إلى أبي حنيفة ولا انحرافُه عنه مسوغًا لاتهامه بالكذب، كما سيأتي في قاعدة التهمة إن شاء الله تعالى. ولا يلزم من ثقته بنفسه توجُّهُ الذمّ ولا تحقُّقُ المدح، لما تقدم في الفصل الثاني (1). كما لا يلزم من اتجاه عدم قبول المرويّ سقوطُ رجال السند كلهم، بل ولا سقوطُ المتفرَّد به، وإن كان مَنْ فوقه في السند كلّهم ثقاتٍ أثباتًا؛ لاحتمال الخطأ والغلط والتأويل وغير ذلك، كما يعترف الأستاذ. نعم قد لا يكون مساغ لشيء من ذلك، ويتحقّق البطلان؛ لكن الحكم بمثل هذا يحتاج إلى معرفة بالغة، واطلاع واسع، وصدر غنيّ بالتقوى بعيد عن الهوى. وسترى في التراجم ما ترى إن شاء الله تعالى.
****
__________
= فإن تمنعوا عنا السلاحَ فعندنا ... سلاحٌ لنا لا يُشترى بالدراهم
جنادلُ أملاءُ الأكفِّ كأنها ... رؤوسُ رجالٍ حُلِّقَتْ بالمواسم [المؤلف].
(1) (ص 11 - 12).
(10/34)

[1/ 22] 5 - فصل
الأستاذ من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلِّدين في فروع الفقه، ومن مقلِّدي المتكلّمين، ومن المجارين لكُتَّاب العصر إلى حدٍّ ما. وكلّ واحدة من هذه الأربع تقتضي قلَّةَ مبالاة بالمرويات، ودربةً على التمحُّل في ردِّها، وجرأةً على مخالفتها واتهام رواتها.
أما أهل الرأي، فهذه بدايتهم:
في "الصحيح" (1) عن أبي هريرة قال: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله الموعد. إني كنتُ امرأً مسكينًا أصحَب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مِلء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفَقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ... ".
ومَن تتبّع السيرة والسنة علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ربما يقضي بالقضية، أو يحدِّث بالحديث، أو يفتي في مسألة، وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان. ثم كان معظم أصحابه لا يحدِّثون بالحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا عندما تدعو الحاجة (2)، ومِن لازمِ ما تقدّم مع احتمال نسيان بعضهم، أو موته قبل أن يخبر بالحديث: أن يكون كثير من السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحادُ الصحابة. ثم تفرَّق الصحابةُ في الأقطار، فمنهم من هو في باديته، ومنهم مَن صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كلّ جهة أحاديث من السنة لم تكن
__________
(1) البخاري (7354، 2350، 2047) ومسلم (2492).
(2) وانظر "الأنوار الكاشفة" (ص 58 وما بعدها) للمؤلف.
(10/35)

عند غيرهم في أول الأمر، كما رُوي عن مالك (1)؛ ثم اجتهد أصحاب الحديث في جمع السنة من كلّ وجه.
وقد عُلِم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن مَنْ شهد له أهلُ العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاء أو فتوى أن ينظر في كتاب الله عزَّ وجلَّ وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النصَّ على تلك المسألة سأل مَن يَسْهُل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل. فإن لم يجد وعَرَف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة لم يَعْلَم له مخالفًا أخذ به، وإن علم خلافًا رجَّح. فإن لم يجد قول صحابيّ ووجد قول تابعيّ ممن تقدمه لم يعلم له مخالفًا فيه أخذ به، وإن علم خلافًا رجَّح.
[1/ 23] وكان الغالب في الترجيح أن يرجِّح العالمُ قولَ مَن كان ببلده من الصحابة أو التابعين، لمزيد معرفته بهم المقتضية لزيادة الوثوق، هذا مع ما للإلف والعادة من الأثر الخفيّ. فإن لم يجد شيئًا مما تقدّم اجتهد رأيه، وقضى وأفتى بما يظهر له. ثم إذا قضى أو أفتى مستنِدًا إلى شيء مما تقدم، ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه يخالف ما ذهب إليه سابقًا، أخذ من حينئذ بالأقوى.
على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم، كما هو مبسوط في مواضعه، ومنها: "إعلام الموقعين" (2).
__________
(1) في قصته مع أبي جعفر المنصور، لما عزم أن يلزم الناس بما في "الموطأ" فقال مالك: "لا تفعل فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ... " إلخ. أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": (1/ 532).
(2) (2/ 153 - 158).
(10/36)

وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتَّقون النظر فيما لم يجدوا فيه نصًّا، وكان منهم من يتوسّع في ذلك. ثم نشأ من أهل العلم ولا سيَّما بالكوفة من توسَّع في ذلك، وتوسّع في النظر في القضايا التي لم تقع، وأخذوا يبحثون في ذلك، ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك. واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا بذلك، ورأوه أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان، والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم والإمعان في ذلك؛ ليعرف الصحيح من السقيم، والصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص، والمطلق والمبين وغير ذلك. فوقعوا فيما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يَعُوها، وتفلّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم". راجع "إعلام الموقعين" طبعة مطبعة النيل بمصر (ج 1 ص 62) (1)، وراجع "كتاب العلم" (2) لابن عبد البر.
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا به وأفتوا مسائلُ ثبتت فيها السنةُ مخالفةً لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا فيه؛ لمخالفته ما ذهب إليه أسلافُهم واستمرَّ عليه عملُهم، ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس). فمِن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث قَهَرهم، فلم يجدوا بدًّا من الأخذ به. وكثير منها كانوا يردُّونها، ويتلمَّسون المعاذير، مع أن منها ما هو أثبت وأظهر
__________
(1) (2/ 102 - دار ابن الجوزي).
(2) (2/ 1042).
(10/37)

وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها. لكن هذه التي أخذوا بها - مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس - وردت عليهم قبل أن يذهبوا إلى خلافها، فقبلوها اتباعًا. وتلك التي ردُّوها مع [1/ 24] قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد أن استقرَّ عندهم خلافُها، واستمروا على العمل بذلك، ومضى عليه أشياخهم. وربما أخذوا بشيء من النقل، ثم بلغهم من السنة ما يخالفه، فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم، والخطأ من الصواب، والراجح من المرجوح؛ فقنعوا بالرأي، كما ترى أمثلة لذلك في قسم الفقهيات، ولا سيَّما في مسألة ما تقطع فيه يد السارق (1). وهذا ديدنهم، وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.
ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجَّحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق تقديم الحديث الضعيف على القياس - وقد ذكر الأستاذ ذلك في "التأنيب" (ص 161) - إذا بهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث الصحيحة, لمخالفتها آراءَ سلفهم، وآراءَهم التي أخذوا بها. وقد كان الشافعي ينعى عليهم ذلك. ومن كلامه كما في "سنن البيهقي" (ج 1 ص 148): "والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض، ولكنه يتبع الآثار. فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنه يردّ منها الصحيح الموصول المعروف، ويقبل الضعيف المنقطع".
فالحنفية يعرفون شناعة ردِّ السنة بالرأي، ولكنهم يتلمَّسون المعاذير، فيحاولون استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث
__________
(1) (2/ 156 - 238).
(10/38)

التي ردُّوها بعذر سوى مخالفة القياس، وسوى الجمود على اتباع أشياخهم. ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطَّرد لهم؛ لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها؛ ولهذا يكثر تناقضهم. وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم، بل من تدبَّر ما كتبوه في أصول الفقه بأن له كثير من التناقض. كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم حتى إن الأستاذ الكوثري ذكر في "التأنيب" (ص 152 - 153) عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة، ومنها ما خالف فيه مَن تقدَّمه منهم. ولما تعقبته في "الطليعة" (ص 102) (1) في قوله: "عنعنة قتادة متكلم فيها" بأن ذلك الحديث في "صحيح البخاري" (2) وفيه: "حدثنا قتادة حدثنا أنس ... "، وفي "مسند أحمد" (3) وفيه: "أنا قتادة أن أنسًا أخبره ... " أجاب في "الترحيب" (ص 49) بقوله: "مِنْ مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في "شرح علل الترمذي" ردُّ الزائد [1/ 25] إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا. وهذا احتياط بالغ في دين الله ... فهل عرفت الآن يا معلِّمي مذهب الإِمام لتقلع عن نسج الأوهام؟ ".
هذا، والأستاذ يعلم أولًا: أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قول رجل حنبليّ بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون!
ويعلم ثانيًا: ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثًا: أن قول الراوي: "قتادة عن أنس"، وقوله مرة أخرى أو قول
__________
(1) (ص 80).
(2) (6884).
(3) (13840).
(10/39)

غيره: " قتادة حدثنا أنس"، ومرة أخرى: "قتادة أن أنسًا أخبره" ليس من باب النقص والزيادة، وإنما هو من باب المحتمل والمعيَّن، أو المجمل والمبيَّن.
ويعلم رابعًا: أن من أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو متردّد بين الاتصال والانقطاع أولى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكد.
ويعلم خامسًا: أنه لا ينبغي له أن يدافع عن نفسه بإلقاء التُّهَم على إمامه.
فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يموِّه به الأستاذ، فالتحرِّي (1) البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث، فلا نعيده.
هذا، وحديث الرّضْخ سيأتي بسط الكلام فيه في الفقهيات إن شاء الله تعالى (2).
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودُرْبة في دفع الروايات الصحيحة, ومحاولة القدح في بعض الرواة، حتى لم يسلم منهم الصحابة رضي الله عنهم؛ على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه، بل أربى عليهم جميعًا، كما تراه في "الطليعة" (3) ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.
__________
(1) كذا في (ط) ولعلها: "فكالتحرِّي .. " يعني: أن ما زعمه الأستاذ هنا من الاحتياط البالغ فهو مثل التحرَّي المزعوم الذي سبق كشفه، وبيان أن نتيجته ردّ السنة. انظر (ص 22 - 23).
(2) (2/ 147 وما بعدها). وتقدم تخريجه.
(3) (ص).
(10/40)

وأما غلاة المقلّدين، فأمرهم ظاهر. وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة، وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطئ أو يزلّ، فيقع في قول تجيء الأحاديث بخلافه، فيحتاج مقلِّدوه إلى دفعها والتمحّل في ردها. ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عُرِف عنهم لهان الخطب، ولكنه يعدُّ غلوّهم تقصيرًا!
وأما المتكلِّمون، فأول مَن بلغنا أنه خاض في ذلك عمرو بن عبيد. ذُكر له حديث يخالف [1/ 26] هواه، رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمرو: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عزَّ وجلَّ يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا" (1). وتعدّى إلى القرآن، فقال في: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]، وقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11]: "لم يكونا في اللوح المحفوظ" (2). كأنه يريد أن الله تبارك وتعالى لم يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد.
ثم كان في القرن الثاني جماعة ممن عُرف بسوء السيرة، والجهل بالسنة، ورقة الدين، كثمامة بن أشرس، والنظَّام، والجاحظ؛ خاضوا في
__________
(1) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد": (12/ 170) في ترجمته.
(2) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد": (12/ 170).
(10/41)

ذلك كما أشار إليه ابن قتيبة (1) وغيره. وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام يردُّون الأخبار كلَّها. وآخرون يردُّون أخبار الآحاد أي ما دون المتواتر، كسر الله تعالى شوكتهم بالشافعي، حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه. قال الشافعي في "الأم" (ج 7 ص 250) (2): "باب حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها"، ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعد ذلك: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة"، فذكر كلامه معهم. وبسط الكلام في ذلك في "الرسالة"، وفي "كتاب اختلاف الحديث".
ثم كانت المحنة (3) وويلاتها. وكان دعاتها لا يجرؤون على ردِّ الحديث، وسيأتي في ترجمة علي بن عبد الله ابن المديني (4) بعض ما يتعلّق بذلك. ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الردّ، وإنما لفَّق ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة - كما يأتي في ترجمة حماد (5) إن شاء الله تعالى - وجمع كتابًا تكلَّف فيه تأويل الأحاديث، وتَبِعه من الأشعرية ابنُ فُورَك في كتابه المطبوع (6). ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله عزَّ وجلَّ ونحوها
__________
(1) في "تأويل مختلف الحديث" (ص 61 وما بعدها).
(2) (9/ 5 - 19).
(3) يعني محنة القول بخلق القرآن.
(4) في هذا الكتاب رقم (163).
(5) رقم (85).
(6) يعني كتابه "مشكل الحديث وبيانه".
(10/42)

من الاعتقاديات، وصرَّحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد ك "المواقف" و"شرحها". والأمر أشدُّ من ذلك، كما يأتي في الاعتقاديات (1) إن شاء الله تعالى. والأستاذ يدين بالكلام ويتشدّد.
ومع هذا كله، فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يُقدِموا على [1/ 27] اتهام الرواة الذين وثَّقهم أهلُ الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين. أما الأستاذ، فبرَّز على هؤلاء جميعًا!
وأما كُتَّاب العصر، فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإِسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب، ولا يعرفون معظم الموانع منه (2).
فمن الموانع: التديُّن والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة، وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105]. وفي "الصحيح" (3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "علامة المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذَب، وإذا اؤتُمِن خان، وإذا وعد أخلَفَ". وإخلاف الوعد أغلب ما يكون
__________
(1) (2/ 411 وما بعدها).
(2) وانظر "الأنوار الكاشفة" (ص 397 - 399) للمؤلف.
(3) أخرجه مسلم رقم (59) بنحوه من حديث أبي هريرة، وروي بألفاظ أخرى في الصحيحين وغيرهما.
(10/43)

إذا كان الوعد كذبًا، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى.
وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان" (1).
فأما توهُم حِلّ الكذب في مصلحة الدين، فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدّهم غفلة؛ لأن حَظْر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية.
وأولئك الكُتَّاب لا يعرفون هذا المانع, لأنهم لا يجدونه في أنفسهم، ولا يجدون فيمن يخالطونه مَن تقهرهم سيرتُه على اعتقاد اتصافه بهذا المانع؛ لضعف الإيمان في غالب الناس ورقَّة التديُّن. ولا يعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع, لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب ك "الأغاني" ونحوها.
وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة، كان فَجَرةُ الأخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراض منها: دفع الملامة عن أنفسهم. يقولون: ليس هذا العيب خاصًّا بنا، بل كان مَن قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفضل. ومنها: ترويج الفجور والدعاية إليه، ليكثر أهلُه، فيجد الداعي مساعدين عليه؛ ويقوى عذرُه. ومنها: ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور، وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدِّبون مراعي خصبة يتمتّعون فيها بلذّاتهم وشهواتهم. ومنها: التقرُّب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذّ لهم سماعُها، إلى غير ذلك. وما يوجد في تلك [1/ 28] الكتب من الصدق إنما يصوِّر طائفةً مخصوصة كالأمراء المترفين، والشعراء والأدباء ونحوهم.
__________
(1) أخرجه أحمد في "المسند" (16)، ووكيع في "الزهد" (399) وغيرهما. وهو صحيح.
(10/44)

ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم، لعلموا أن هذه الطائفة - وهي طائفة أصحاب الحديث - كان ذلك المانع غالبًا فيهم.
وقد احتجّ بعضُهم بما في "الأغاني" في أخبار عُمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل، عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .... ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث، وفكَّر في أحوالهم وفي حال القصة، لعَلِم بطلان القصة حتمًا.
ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي. وأولئك الكُتَّاب يعرفون شطر (1) هذا المانع، وهو الضرر المادي؛ فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنَّبون الخيانةَ والكذبَ في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم، فيعدلوا إلى معاملة غيرهم. بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبًا، وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق، بل لعلها تتعطل الأسواق؛ فليتدبر القارئ ذلك.
فأما الشطر المعنويّ فإن أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره. فأقول: كان العرب يحبون الشرف، ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل. وفي أوائل "صحيح البخاري" (2) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دعا بمن كان بالشام من تجّار قريش،
__________
(1) (ط): "شرط" تحريف.
(2) (7).
(10/45)

فأُتي بأبي سفيان ورهطٍ معه. قال: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبًا. قال أدنُوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذِّبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثُروا عليَّ كذبًا لكذبتُ عليه". قال ابن حجر في "فتح الباري" (1): "وفي قوله: "يأثروا" دون قوله "يكذبوا" دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كَذَب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لكنه ترك ذلك استحياءً وأنَفَةً من أن يتحدّثوا بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابًا. وفي رواية ابن إسحاق التصريحُ بذلك".
أقول: وهذا هو الذي أراده هرقل. ثم جاء [1/ 29] الإِسلام، فشدَّد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105]. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلًا كذب عليه، فبعث عليًّا والزبير، وقال: "اذهبا، فإن أدركتماه فاقتلاه" (2).
__________
(1) (1/ 35).
(2) بهذا اللفظ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": (5/ 308) عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير مرسلًا، وفي إسناده رجل لم يسمّه. وأخرجه بنحوه الطبراني في "طرق حديث من كذب عليّ" (178) وابن الجوزي في "الموضوعات" (44) عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث. وروي بألفاظ وطرق أخرى كلها ضعيفة. قال الذهبي: "لم يصح بوجه". وأخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (550)، وابن عدي في "الكامل": (4/ 53 - 54) وابن الجوزي في "الموضوعات" (41، =
(10/46)

وتوهَّم رجل من صغار الصحابة أمرًا، فأخبر بما توهّمه وما يقتضيه، ففضحه الله عزَّ وجلَّ إلى يوم القيامة، إذ أنزل فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (1) [الحجرات: 6].
ثم كان الصحابيُّ يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس، ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم، ومقتوه، واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال، ودام ذلك زمانًا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث. وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذَّب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطِّئه.
وكان المهلَّب بن أبي صُفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رُخِّص فيه للمحارب من التورية الموهمة، فعاب الناس عليه ذلك حتى قيل فيه:
أنت الفتى كلُّ الفتى ... لو كنتَ تصدق ما تقولُ (2)
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشَّح لطلب الحديث وهو طفل،
__________
= 42) من طريقهما من حديث بريدة مرفوعًا في سياق أطول. وفي سنده صالح بن حيان وهو ضعيف.
(1) وهي قصة الوليد بن عقبة لما أرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحارث الخزاعي لأخذ الزكاة، أخرجه أحمد (18459)، والطبراني في "الكبير" (3395) وغيرهما، وفي سنده كلام، وله شواهد يعتضد بها. وانظر حاشية المسند (30/ 405).
(2) انظر "الكامل" (1249). والبيت لزياد الأعجم. انظر "الشعر والشعراء" (443).
(10/47)

ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة، كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة؛ وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث، ويسمعوا منه، ويرووا عنه.
وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11 ص 183): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: [1/ 30] "كنت قاضيًا وأميرًا ووزيرًا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (1): مَنْ ذَكَرت؟ رضي الله عنك".
وفيه (ج 6 ص 314): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلّقت بالكعبة وقلت: يا ربِّ ما لي؟ أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاؤوني".
وقد عَلِم طالب الحديث في أيام طلبه تشدُّدَ علماء الحديث وتعنُّتهم، وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه، فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت، يحاول إمساكها، وبيده مخلاة يُريها البغلةَ، ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها. فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فتركوا الشيخ وذهبوا، وقالوا: إنه كذاب. كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرًا، والواقع أنه ليس فيها شيء (2).
__________
(1) كان إذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيِّت يسمع إملاء الشيخ الحديث، ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون. فهذا الرجل يقال له "المستملي". [المؤلف].
(2) ذكرها المؤلف أيضًا في "الأنوار الكاشفة" (ص 112) بنحوها.
(10/48)

وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11 ص 284): "وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بَكَّر عليه، فسألته أن يملي عليَّ شيئًا، فأخذ الكتاب يملي؛ فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ ... فإذا بآخر يدق الباب، قال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين. فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: "قدم علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقدمتُ بغداد، وقَبِلني يحيى بن معين، والحمد لله".
فمن تدبَّر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرَّز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب. كما أنه من تدبّر كثرة ما عندهم من الرواية, وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه؛ وتدبَّر تعنُّت أئمة الحديث، بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه، بل العجب ممن وثقوه.
ومن العجب أن أولئك الكُتَّاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا بل في وقائعهم اليومية، فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق، فيثقون بخبره، ولو كان مخالفًا لبعض ما يظهر لهم من القرائن (1)، بحيث لو كان المدار على القرائن، لكان الراجح خلاف ما في الخبر؛ ويعرفون آخر بأنه لا يتحرّز عن الكذب، فيرتابون في خبره، ولو ساعدته قرائن لا تكفي وحدها لحصول الظن [1/ 31] وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي الصحف وفي الصحف أنفسها، فمن الصحف ما تعوَّد الناس منها أنها لا تكاد تنقل إلا الأخبار الصحيحة, فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن،
__________
(1) (ط): "القرآن" خطأ.
(10/49)

وفيها ما هو على خلاف ذلك.
وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائمة على الأخبار الظنية، ولو التزم الناس أن لا يعملوا بخبر مَن عرفوا أنه صدوق، حتى توجد قرائن تغني في حصول الظن عن خبره، لاستغنوا عن الأخبار، بل لفسدت مصالح الدنيا. ولست أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكُتَّاب من الحقّ، ولكنني أقول: ينبغي للعاقل أن يفكر في الآراء التي يتظنَّاها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن، أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم، وطباع أهله وأغراضهم، وسهولة الاطلاع على العلامات والقرائن؛ فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع الأمر ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع ثم يقع! فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون، ولا سيَّما إذا لم يتهيّأ للناظر تتبُّع ما يمكن معرفته من القرائن والأمارات، ولم يلاحظ الموانع؛ فأما إذا كان له هوى فالأمر أوضح. والناظر إنما يشتدّ حرصه على الإصابة في القضايا العصرية، لأنه يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم، فأما التي مضت عليها قرون، والباحثون عنها قليل، فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متدينًا محترسًا من الهوى. على أن الأستاذ لم يخلص لطريقة الكُتَّاب، بل كثيرًا ما يرمي بالقرائن القوية والدلالات الواضحة خلف ظهره، ويحاول اصطناع خلافها وسدَّ الفراغ بالتهويل والمغالطة، كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب، وأسأل الله لي وله التوفيق.
(10/50)

القسم الأول في القواعد
(10/51)

1 - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي
تقدم في الفصل الثالث (1) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن [سفيه] مُعْلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في حديث الناس إذا جُرِّب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... ". أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص 116) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (ص 117): "باب في أن الكاذب في غيرِ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تُرَدُّ روايته - قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس. ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبتت (2) توبته". ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند (ص 23 - 24) إلى الشافعي: " ... ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدَّثَ به ثقةً في دينه معروفًا بالصدق في حديثه ... ". وهذه العبارة ثابتة في "رسالة الشافعي" (3).
وفي "لسان الميزان" (ج 1 ص 469) (4): "قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يُكْتَب عنه".
__________
(1) (ص 26).
(2) (ط): "ثبت" والمثبت من الكفاية.
(3) (ص 370).
(4) (2/ 223). وهو في "الجرح والتعديل": (2/ 289 - 290).
(10/53)

وفي "النخبة وشرحها" (1): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ... ترتيبها على الأشدّ فالأشدّ في موجِب الردّ على سبيل التدلِّي ... (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبويّ ... متعمِّدًا لذلك (أو تُهْمتِه بذلك) بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة. وكذا مَن عُرِف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث [1/ 33] النبوي، وهو (2) دون الأول. (أو فحش غلطه) أي: كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) ... (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهّم (أو مخالفته) أي الثقات (3) (أو جهالته) ... (أو بدعته) ... (أو سوء حفظه) ... ".
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام تُرَدُّ به الرواية مطلقًا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتّب عليها ضرر ولا مفسدة. وقد ساق صاحب "الزواجر" الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال (ج 2 ص 169): "عَدُّ هذا هو ما صرحوا به. قيل: لكنه مع الضرر، ليس كبيرة مطلقًا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون - انتهى -. وفيه نظر بل الذي يتجه أنه حيث اشتدّ ضررُه بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة. بل صرَّح الروياني في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: مَن كذب قصدًا رُدّت شهادته وإن لم يضر بغيره, لأن الكذب حرام بكل حال؛ وروى فيه حديثًا. وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان كالغيبة على ما مرَّ فيها عند جماعة".
__________
(1) (ص 87 - 89 - ط. العتر).
(2) في "النزهة": "وهذا".
(3) في "النزهة": "للثقات".
(10/54)

أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يُتسامح في الراوي لوجوه:
الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على خصومة، ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرَّض للجرح فورًا. فمن جُرِّبت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوفُ أن يجرَّه تساهلُه في ذلك إلى التساهل في الرواية أشدُّ من خوف أن يجرَّه إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق، ومعقول أن يشدَّد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدَّد في الشهادة. وقد خُفِّف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفَّف في الشهادة. تقومُ الحجةُ بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالبَ منفعةٍ إلى نفسه أو أصله أو فرعه، أو ضررٍ على عدوّه - كما يأتي - بخلاف الشهادة. فلا يليق بعد ذلك أن يخفَّف في الرواية فيما يمسُّ عمادَها.
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشدُّ جدًّا من الضرر الذي [1/ 34] يترتّب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد. وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته. والتخفيف في الرواية بما تقدّم من قيام الحجة بخبر الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط؛ لأن لذلك التخفيف حِكمًا أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك، فتزداد تخفيفًا على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم محصورون ينشؤون على العلم والدين والتحرُّز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن
(10/55)

المعاملات والحوادث التي يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد، ولا يحضرها غالبًا إلا أوساط الناس وعامتهم الذين ينشؤون على التساهل. فمعقولٌ أنه لو رُدَّت شهادةُ كلَّ من جُرِّبت عليه كذبة لضاعت حقوق كثيرة جدًّا، ولا كذلك الرواية. نعم الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل عمره ثم يقلع عنه ويتوب منه، وما يدفع به ضرر شديد ولا ضرر فيه، وصاحبه مع ذلك مستوحش منه = ربما يُغتفر. والله أعلم.
فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث النبوي، فلا خفاء في سقوط صاحبه؛ فإن الكذب في روايةِ أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر من يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويردّ به بعض أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول. ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قولٍ عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقلُّ ما في ذلك أن يقلّده العامي.
وهكذا الكذب في روايةِ تعديلٍ لبعض الرواة، فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك الراوي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذب في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة، وذلك أشد من الكذب في حديث واحد. وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه. وهكذا الكذب في الجرح والتعديل كقوله: "هو ثقة"، "هو ضعيف".
(10/56)

فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث [1/ 35] النبوي أو قريب منه، وتترتب عليه مضارُّ شديدة ومفاسد عظيمة. فلا يتوهّم محلٌّ للتسامح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس.
فالأستاذ يرمي بعض أئمة السنة فمَن دونهم مِن ثقات الرواة بتعمّد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل كذبًا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير، ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم، فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين، كذا يقول (1)! وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا. وليت شعري مَن الذي يعادي أبا حنيفة؟ أمن يقتضي صنيعه أنه لا يمكن الذبُّ عنه إلا بمثل هذا الباطل، أم مَن يقول: يمكن المتحرِّي للحق أن يذبَّ عنه بدون ذلك؟

تنبيه:
ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع، محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا، وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور، بحيث إذا تدبر السامعُ صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء، كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجئ، وكالكلام المرخَّص به في الحرب، وكالتدليس، فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: "قال فلان" - ويسمي شيخًا له - ظاهرًا في الاتصال بل يكون محتملًا، وهكذا من عُرِف بالمزاح إذا مَزَح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يُرِدْ بها ظاهرها، وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك،
__________
(1) وسيأتي ما فيه في القاعدة الآتية. [المؤلف].
(10/57)

إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبَّه في المجلس. وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو - وقد مرت الإشارة إليها في الفصل الثاني (1) -، على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع. وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في "رسالتي في أحكام الكذب" (2).
فأما الخطأ والغلط، فمعلوم أنه لا يضرُّ وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر وفحش من الراوي قدَحَ في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق.
****
__________
(1) (ص 16 وما بعدها).
(2) واسمها "إرشاد العامه إلى الكذب وأحكامه" انظرها في "مجموع رسائل أصول الفقه" ضمن هذه الموسوعة.
(10/58)

[1/ 36] 2 - التهمة بالكذب
تقدم (1) أن أشدَّ موجبات ردِّ الراوي: كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي. فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحوُ ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة. وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين بل درجات، ونصوا على أن مَن كان مِن أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته، سواء منها ما طُعِن فيه بسببه وغيره.
والأستاذ يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثَّقين من رواتها، فيرمي بعضهم بتعمّد الكذب، وبعضهم بالتهمة بذلك، ويجمع لبعضهم الأمرين: يكذِّب أحدَهم في خبر، ويتهمه في آخر؛ ويجزم بأنهم متهمون في كلِّ ما يتعلق بالغضّ من أبي حنيفة وأصحابه، ولو على بعد بعيد، كما يأتي في ترجمة أحمد بن إبراهيم (2)؛ ويصرِّح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك. فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقًا، ولا يُعتدُّ عليهم بتكذيب الأستاذ ولا اتهامه؛ لأنه خَرْق للإجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين، ولأنَّ الأستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ولأنّ كلامه فيهم أمر اقتضته مصلحة مدافعة اللامذهبية التي يقول:
__________
(1) (ص 54).
(2) رقم (11).
(10/59)

إنها قنطرة اللادينية (1)! كما يقول بعض سلفه من المتكلّمين: إن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله عزَّ وجلَّ ونحوها صريحة في الباطل مع علم الله عزَّ وجلَّ ورسوله بالحق في نفس الأمر، ولكن دعت إلى ذلك مصلحةُ اجترار العامة إلى قبول الشريعة العملية (2)! فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح، وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة - وهي الغضّ من أبي حنيفة وأصحابه - كذابون ومتهمون، وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للإجماع فيما نعلم.
نعم، [1/ 37] هناك أمور قد يتشبَّث بها في دعوى اجتماع التهمة والعدالة، وقد أشار الأستاذ إلى بعضها، وسأكشف عنها إن شاء الله.
وينبغي أن يُعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدّثين: "فلان متهم بالكذب". وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحَمْل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمَّد الكذبَ، أم غلِط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنُّه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن
__________
(1) للكوثري مقال بهذا العنوان ضمن "مقالاته" (ص 106).
(2) ترى الكلام عن ذلك في الاعتقاديات [ص] إن شاء الله تعالى. [المؤلف]. وانظر "الحموية" (ص 267 - 268) لشيخ الإِسلام.
(10/60)

يجزم به. فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب"، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعضُ المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرَّد به، فيجد له بعضُ أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح. فأما مَن وثَّقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذِّبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيَّأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرَّد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني (1) الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به. بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذَّبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (2)، وترجمة محمد بن سعيد البورقي (3)؛ وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك، فيصدِّق من كذَّبه الأئمة وكذبُه واضح، كما يكذِّب أو يتَّهم من صدَّقوه وصدقُه ظاهر، شأنَ المحامين في المحاكم، معيارُ الحق عند أحدهم مصلحةُ موكِّله!
هذا، والأستاذ فيما يهوِّل بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح،
__________
(1) كذا في (ط) وأخشى أن تكون مصَحّفة.
(2) رقم (34).
(3) رقم (207).
(10/61)

حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، [1/ 38] فالدعوى غير صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس" (1): "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على هذا كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس (2). فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإِسلام والعدالة والصدق، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره (3) أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي:
__________
(1) (ص 1507 - الرسالة).
(2) (ص 43 - 50).
(3) كذا في (ط) بفتح الهمزة في الأولى وكسرها في الثانية.
(10/62)

شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ ... فزعتُ منه بآمالي إلى الكذِبِ (1)
حتى إذا لم يَدَع لي (2) صدقُه أملًا ... شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
وكأنه أخذه من قول الأول (3):
إنّي أتَتني لِسانٌ ما أُسَرُّ بها ... من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءَتْ مُرَجَّمَةً قد كنتُ أَحْذَرُها ... لو كان يَنفعُني الإشفاقُ والحَذَرُ
تأْتي على النّاس لا تَلوي على أَحدٍ ... حتى أتَتْنا، وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعَادُ لها ذِكْرٌ أُكَذِّبُهُ ... حتى أتَتْني بهِا الأنْبَاءُ وَالخَبَرُ
وجماعة من الصحابة روى كلٌّ منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقَّت الأمةُ ذلك بالقبول. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذمِّ الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول. وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبارَ الرجل منهم بثناء [1/ 39] غيره عليه، فيتلقى أهل ذلك بالقبول. وقبلوا من الثقة دعواه ما يمكن من صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأصحابه، أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك، مما فيه فضيلة للمدعي،
__________
(1) كذا في (ط). والرواية: "طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه ..... ".
انظر: شرح الواحدي لديوان المتنبي (608) وغيره.
(2) (ط): "إلى".
(3) هو أعشى باهلة. والأبيات بهذه الرواية في جمهرة أشعار العرب - طبعة البجاوي (568 - 569). وانظر طبعة الهاشمي (714) والأصمعيات (88).
(10/63)

وشرف له، وداع للناس إلى الإقبال عليه، وتبجيله، والحاجة إليه.
ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الراوي يسألون إلّا عما يمسّ دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة. وفي "التحرير" لابن الهمام الحنفي مع "شرحه" لابن أمير حاج (ج 3 ص 245) (1): " (وأما الحرية والبصر وعدم الحدّ في قذف و) عدم (الولاء) [أي القرابة من النسب أو النكاح ...] (و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي: تشترط فيها، لا في الرواية".
فأما الشهادة فإن الشرع شَرَط لها أمورًا أخرى مع الإِسلام والعدالة، كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذَكَرين، وفي الأموال ونحوها رجلاً وامرأتين إلى غير ذلك.
فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تقبل. وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدوّ ففيها خلاف. وفي بعض كتب الفقه (2) أن الردّ في ذلك لأجل التهمة، وظاهر هذا أن التهمة هي العلة، فيُبنى عليها قياسُ غير المنصوص عليه. وهذا غير مستقيم، إذ ليس كلُّ شاهدٍ لنفسه حقيقًا بأن يتّهم. ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدُهم لنفسه لم نتهمه، ولا سيّما إذا كان غنيًّا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود
__________
(1) (3/ 46) وما بين المعكوفين منه.
(2) انظر "المحيط البرهاني": (9/ 189)، و"حاشية العدوي": (7/ 207)، و"الحاوي": (11/ 328).
(10/64)

عليه معروفًا بجحد الحقوق. أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط. وليس ذلك خاصًّا بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدِّلونه ولا الواثقون بتعديل المعدِّلين. فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدّلين، ومتى ثبت التعديل الشرعيّ لم يُلتفت إلى من لا يثق به.
ولو كان لك أن تعدِّل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدِّل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا. وهذا باطل قطعًا، فإنَّ تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة "مَلكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ... " فكيف [1/ 40] يسوغ لك أن تشهد بهذه المَلَكة لمن تتهمه بما ذكر؟ ولو كان كلُّ عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل.
وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر، كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده، ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى، فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر، فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها، ولكنك ظلمتني مائة درهم، فأدِّها إليَّ إن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد= فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
وفي أصحابنا مَن لو اؤتُمِن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة ادعى ما
(10/65)

يحتمل من تلفها، أو أنه ردَّها على صاحبها الذي قد مات، لَما اتهمناه. نعم قد يتهمه مَن لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به. فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، ولا يكاد يعرف عدالتهم، ولو كانوا جيرانه.
فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر تخلُّفها في سض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر: إنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترَفِّه. قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقَّة، فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس، أو دعوى كما يومئ إليه حديث: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ... " (1).
فعلى هذا لا يتأتَّى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمّال المقيمين ما مشقَّته أشدّ من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة؟
فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة، كما أن الشهادة للنفس مظنة لها. قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشقّ وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عداوة.
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرِّج على
__________
(1) أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711) مختصرًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(10/66)

التهمة، ولكنه لما علم أن [1/ 41] جماعةً ممن قبله ذهبوا إلى الردّ ولم يَعْلَم لهم مخالفًا، هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله: أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ثم قال كما في "الأم" (ج 7 ص 42) (1): "وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا". كأنه ذكر هذا تقويةً لذاك الاستدلال، واعتذارًا عما فيه من الضعف. ولما علم بعض حُذّاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول (2). وليس المقصود هنا إبطال القول بردِّ الشهادة للأصل والفرع والزوج، وإنما المقصود أن الاستدلالَ عليه بقياس مبنيٍّ على أن التهمة علة غيرُ مستقيم.
فأما الشهادة على العدوّ، فالقائلون أنها لا تُقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. فأما العداوة الدينية، والدنيوية التي لم تبغ ذاك المبلغ، فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه (3) أن العداوة لا تقتضي ردّ الشهادة إلا أن تبلغ أن تَسْقُطَ بها العدالة.
أقول: وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوِّه على صديقه. ويقوِّي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. وهذا يتضمّن (4) أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا، والزنا ببناته،
__________
(1) (8/ 114).
(2) انظر "البيان": (13/ 311) للعمراني.
(3) انظر "رد المحتار": (8/ 225 - 226).
(4) (ط): "يتمنى" تصحيف، والإصلاح من "تعزيز الطليعة" (ص 70).
(10/67)

وارتداد زوجاته ونحو ذلك؛ وقس على ذلك الحزن لفرحه، وهذا مسقط للعدالة حتمًا.
فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يُحْزن عدوَّه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين.
قلت: إن لم يغلب حزنُه فرحَه فليس بعَدْل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر، وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه، ولا يأمن من أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كلُّ ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم؟ وهَبْه صحّ الردّ بالعداوة مع بقاء العدالة فالقائلون بذلك يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتّى للأستاذ إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية. وهب أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية فلا يتأتَّى للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحدّ، أي: أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. وهبه بلغ، فقد تقدم أن الرواية لا تردّ بالعداوة. هذا على فرض مجامعة ذلك للعدالة، وإلا فالردّ لعدم العدالة.
[1/ 42] وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية (1)، فالشافعي إنما عنى العصبية لأجل النسب، كما هو صريح في كلامه. وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة. ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادة ولا رواية البتة، سواء
__________
(1) في "الأم": (7/ 512).
(10/68)

أكانت دنيوية، أم مذهبية، أم دينية؛ كمن يسرف في الحنق على الكفار فيتعدَّى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر.
فقد اتضح بما تقدّم الجوابُ عن بعض ما يمكن التشبُّث به في ردِّ رواية العدل. وبقي حكاية عن شريك ربما يُؤخَذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا يقبلها في الكثير (1)، وفرعٌ للشافعي قد يتوهّم فيه نحو ذلك (2)، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه.
فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة (3)، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئنّ إليه نفسه. فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقّظهما، وإنما عدَّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا
__________
(1) أما أثر شريك ففي تاريخ بغداد (13/ 499): عن شريك أن رجلًا قدّم إليه رجلًا فادّعى عليه مائة ألف دينار قال: فأقرّ به قال: فقال شريك: أما إنه لو أنكر لم أقبل عليه شهادةَ أحدٍ بالكوفة إلا شهادة وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير.
وعلق عليه المصنف في رسالة له في "العدالة" بقوله: "يعني أن المال عظيم، فلا تنتفي تهمة الشاهد فيه حتى يكون عظيم العدالة، ولو كان ألف دينار فقط لكان بالكوفة يومئذٍ ألف عدل أو أكثر مِمَّن تنتفي التهمة بشهادة رجلين منهم فيه".
(2) ذكر الشافعي في "الأم": (6/ 309) أنه ينبغي للقاضي إذا سأل عن الشهود مَن يطلب منه بيان حالهم أن يبين للمسؤول مقدار ما شهدوا فيه، قال: "فإن المسؤول عن الرجل قد يعرف ما لا يعرف الحاكم من أن يكون الشاهد ... وتطيب نفسه على تعديله في اليسير، ويقف في الكثير".
(3) لأن راوي القصة عن شريك هو ابن عباد لم يسمعها منه بل قال: "أُخْبِرتُ عن شريك".
(10/69)

بقي في نفسه ريبة. وقد بيَّن أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروِّي والتثبت، فإذا تروّى وبقيت الحال كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة، ويعرض عما في نفسه.
وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل. ومع ذلك فقد ردَّه إمامُ الحرمين وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه (1).
وأما رواية المبتدع، وجرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، فأُفردُ كلًّا منهما بقاعدة.
****
__________
(1) انظر "نهاية المطلب في دراية المذهب": (18/ 492).
(10/70)

3 - رواية المبتدع
لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإِسلام لم تقبل روايته, لأن من شرط قبول الرواية: الإِسلام.
وأنه إن ظهر عناده، أو إسرافه في اتباع الهوى، والإعراض عن حجج الحق، ونحو ذلك مما هو أدلّ على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا، فليس بعدل فلا تقبل روايته؛ لأن من شرط قبول الرواية: العدالة.
[1/ 43] وأنه إن استحلَّ الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق. فإن عذرناه فمِنْ شرط قبول الرواية: الصدق، فلا تقبل روايته.
وأن من تردّد أهلُ العلم فيه، فلم يتجه لهم أن يكفِّروه أو يفسِّقوه، ولا أن يعدِّلوه؛ فلا تقبل روايته, لأنه لم تثبت عدالته.
ويبقى النظر فيمن عدا هؤلاء. والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم (1) إجماع أئمة السنة عليه أن المبتدع الداعية لا تقبل روايته، وأما غير الداعية فكالسُّنّي.
واختلف المتأخرون في تعليل ردّ الداعية، والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة، فالداعية إليها الذي حقّه أن يسمى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى، إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم
__________
(1) كلام ابن حبان في "المجروحين": (3/ 63). وكلام الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص 133).
(10/71)

يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالتُه.
وإلى هذا أشار مسلم في "مقدمة صحيحه" (1) إذ قال: "اعلم - وفقك الله - أن الواجب على كلّ أحدٍ عرفَ التمييزَ بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عَرف صحة مخارجه والسِّتارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان [منها] عن أهل التُّهَم والمعاندين من أهل البدع. والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] وقال جل ثناؤه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]. فدل بما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم".
فالمبتدع الذي يتضح عناده إما كافر وإما فاسق. والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتّهم بذلك فهو (2) في معنى الفاسق؛ لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته. والداعية - الذي الكلامُ فيه - واحدٌ من هذين ولا بد.
وقد عرَّف أهلُ العلم العدالةَ بأنها: "مَلَكَة تمنع عن اقتراف الكبائر
__________
(1) (1/ 8).
(2) (ط): "وهو".
(10/72)

وصغائر الخسة ... ". زاد السبكي: "وهوى النفس"، وقال: "لا بد منه [1/ 44] فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها، فيرتكبه. ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة".
نقله المحلي في "شرح جمع الجوامع" (1) لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة إلى زيادة القيد. قال: "لأن من عنده مَلَكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي، فلا يكون عنده مَلَكَة تمنع منه".
أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينا في العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "المَلكة"، فيكتفي في التعديل بأنه قد خَبَر صاحبَه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة، فيعدِّله. ولعله لو تدبَّر لعلم أن لصاحبه هوًى غالبًا يخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيّأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظنّ المعدِّل حصولُ تلك المَلَكة - وهي العدالة - لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له كما هو معنى التعديل؟
وأهل البدع كما سماهم السلف "أصحاب الأهواء"، واتّباعُهم لأهوائهم
__________
(1) (2/ 148 - 150 - مع حاشية البناني) وأشار المحليّ إلى أن هذه الزيادة موجودة في بعض نسخ "جمع الجوامع"، وهي مأخوذة من والده تقي الدين السبكي. وهي ثابتة في نسخة الأصل لشرح ابن حلولو. "الضياء اللامع": (2/ 216 - 218).
(10/73)

في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومَن ثبت تعمّده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمَن كذبُه. وفي "الكفاية" للخطيب (ص 123) عن عليّ بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي". يريد - والله أعلم - أنهم مظنة ذلك، فيُحْتَرس من أحدهم حتى يتبين براءته.
هذا، وإذا كانت حجج السنة بينةً، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا، أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق. واتباعُ الهوى والإعراضُ عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يُعذَر صاحبه. فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر، فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل. وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند، أو منقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، معرض عن حجج الحقّ إعراضًا شديدًا؛ لكان أقلّ أحواله أن يحمله النظر في الحقِّ على الارتياب في بدعته، فيخاف إن كان متدينًا أن يكون على ضلالة، ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله تبارك وتعالى أن يعذره. فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه، وأحقُّ إن كانوا على خطأ أن لا يضرَّهم ذلك؛ لأنهم إنما [1/ 45] يتبعون الكتاب والسنة، ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين، ولزوم صراط المنعَم عليهم: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وخيار السلف. فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل، فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة. ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يكفِّر أهلَ السنة ولا يضلِّلهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه، فلا يكون داعية.
فأما غير الداعية؛ فقد مرَّ نقلُ الإجماع على أنه كالسُّنّي، إذا ثبتت عدالته
(10/74)

قُبِلت روايته، وثبت عن مالك ما يوافق ذلك، وقيل عن مالك إنه لا يُروى عنه أيضًا، والعمل على الأول. وذهب بعضهم إلى أنه لا يُروى عنه إلا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته. وحكى بعضُهم أنه إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخَذ عنه (1).
ولا ريب أن ذلك المرويّ إذا حَكَم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إلا لبيان حاله. ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجّح أنه تعمّد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتة، فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره. وإن ترجّح أنه إنما أخطأ، فلا وجه لمؤاخذته بالخطأ. وإن ترجح صحة ذلك المروي، فلا وجه لعدم أخذه. نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يخشى أن يغترَّ بعض السامعين بظاهره، فيقع في البدعة.
قرأت في جزء قديم من "ثقات العجلي" (2) ما لفظه: "موسى الجهني قال: جاءني عمرو بن قيس المُلائي وسفيان الثوري فقالا (3): لا تحدّث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي عليه السلام قال لعَليّ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (4) ". كان في الكوفة جماعة يغلون بالتشيع ويدعون إلى الغلو، فَكَرِه عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا هذا الحديث، فيحملوه على ما يوافق غلوَّهم، فيشتدّ شرُّهم.
__________
(1) انظر للأقوال في المسألة "علوم الحديث" (ص 114 - 115) لابن الصلاح، و"فتح المغيث": (2/ 58 - 70).
(2) (2/ 183 - تحقيق البستوي).
(3) (ط): "فقال" والمثبت من كتاب العجلي.
(4) أخرجه البخاري (3706)، ومسلم (2404).
(10/75)

وقد يمنع العالمُ طلبةَ الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث، لعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يُروى. لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم يُنسب إلى بدعة.
هذا، وأول من نسب إليه هذا القول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وكان هو نفسه مبتدعًا [1/ 46] منحرفًا عن أمير المؤمنين عليّ، متشددًا في الطعن علي المتشيِّعين، كما يأتي في القاعدة الآتية. ففي "فتح المغيث" (ص 142) (1): "بل قال شيخنا: إنه قد نص على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل (2): ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثُه، لكنه مخذول (3) في بدعته، مأمون في روايته. فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف وليس بمنكر، إذا لم تقوَ به بدعتُهم، فيتهمونه بذلك" (4).
والجوزجاني فيه نَصْب، وهو مولع بالطعن في المتشيِّعين كما مرّ. ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيُّع جماعة أجلة اتفق أئمة السنة على توثيقهم، وحسن الثناء عليهم وقبول رواياتهم، وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى
__________
(1) (2/ 66).
(2) (ص 11 - ت البستوي). واسم كتابه "الشجرة" وطبع باسم "أحوال الرجال".
(3) في كتاب الجوزجاني: "إذ كان مخذولًا ... ".
(4) في كتاب الجوزجاني: "إذا لم يقوِّ به بدعتَه، فيتهم عند ذلك".
(10/76)

التشيع، حتى قيل لشعبة: حدِّثنا عن ثقات أصحابك، فقال: "إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدِّثكم عن نفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحَكَم بن عُتيبة، وسَلَمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور" (1). راجع تراجم هؤلاء في "تهذيب التهذيب" (2).
فكأنَّ الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا حاول أن يتخلّص مما يكرهه من مرويّاتهم، وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت. وعبارته المذكورة تعطي أن المبتدع الصادق اللهجة، المأمون في الرواية، المقبول حديثه عند أهل السنة، إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم، إلا أنه مما قد تُقوّى به بدعتُه، فإنه لا يؤخذ وأنه يُتَّهم. فأما اختيار أن لا يؤخذ، فله وجه رعاية للمصلحة كما مرَّ. وأما أنه يُتَّهم، فلا يظهر له وجه بعد اجتماع تلك الشرائط، إلا أن يكون المراد أنه قد يتهمه مَن عَرَف بدعته ولم يعرف صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر، فيسيء الظن به وبمروياته. ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى، فبهذا تستقيم عبارتُه.
أما الحافظ ابن حجر، ففهم منها معنًى آخر قال في "النخبة وشرحها": "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوِّي مذهبه، فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي". وسيأتي [1/ 47] الكلام معه إن شاء
__________
(1) "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 138).
(2) على التوالي: (2/ 432 - 434 و4/ 155 - 157 و2/ 118 و10/ 312 - 315).
(10/77)

الله تعالى (1).
ولابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" (2) كلام حاصله أن المبتدع الصادق المقبول لا يُقبل منه ما يقوِّي بدعتَه، ويُقبل منه ما عدا ذلك. قال: "وإنما يَمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه أن نفسه تريه أن الحقَّ فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله عزَّ وجلَّ في تثبيته بكل وجه. ولا يؤمَن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص". كذا قال، واحتجّ بأن شهادة العدل لا تُقبل لنفسه وأصله وفرعه. وقد مر الجواب عن ذلك، ولا أدري كيف ينعت بالصادق من لا يؤمَن منه تعمدُ التحريف والزيادة والنقص؟ وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثَق بتقواه، وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب - بأيّ وجه كان - منافٍ للتقوى، مجانبٌ للإيمان.
ولا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة - وكذا من أهل السنة - من يقع في الكذب إما تقحُّمًا في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق. ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها، كما يُعلَم من مراجعة كتب الموضوعات. وأعداءُ الإِسلام وأعداءُ السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة، كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به
__________
(1) (ص 83 وما بعدها).
(2) (ص 141).
(10/78)

العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا. ولم يزل الناس يغُشُّون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها, ولم يَحُل ذلك دون معرفة الصحيح. والخالقُ الذي هيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإِسلام، وتكفّل بحفظه إلى الأبد. وعنايتُه بحفظ الدين أشدّ وآكد، لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها. وفي "تهذيب التهذيب" (ج 1 ص 152): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا، فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتُها! فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله [1/ 48] من أبي إسحاق الفَزاري وابن المبارك ينخُلانها حرفًا حرفًا! ".
وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1) [الحجر: 9]. والذكر يتناول السنة بمعناه، إن لم يتناولها بلفظه؛ بل يتناول العربية وكلّ ما يتوقّف عليه معرفة الحق. فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمةً إلى يوم القيامة، لأن محمدًا صلى الله عليه
__________
(1) "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 3 و2/ 18)، "التعديل والتجريح": (1/ 33).
(10/79)

وآله وسلم خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله عزَّ وجلَّ إنما خلق الخلق لعبادته، فلا يقطع عنهم طريق معرفتها. وانقطاعُ ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاعٌ لعلَّة بقائهم فيها.
قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج 1 ص 267) (1): "رُوِّينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. ورُوّينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلًا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. ورُوِّينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب".
والمقصود هنا أن من لا يؤمَن منه تعمّدُ التحريف والزيادة والنقص - على أيّ وجهٍ كان - فلم تثبت عدالتُه. فإن كان كلّ من اعتقد أمرًا ورأى أنه الحق وأن القُربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمَن منه ذلك، فليس في الدنيا ثقة. وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتجّ بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها.
والعدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر ... " وتعديل الشخص شهادةٌ له بحصول هذه المَلَكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له. وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك المَلَكة تمنعه من تعمُد التحريف والزيادة والنقص، ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك، فكيف لا يؤمَن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمَن أن يقع منه
__________
(1) (ص 124).
(10/80)

ذلك، فلم يغلب على الظن أن له مَلَكةً تمنعه من ذلك. ومن خيف أن يغلبه ضربٌ من الهوى، فيوقعه في تعمُّد الكذب والتحريف، لم يؤمَن أن يغلبه ضرب آخر، وإن لم نشعر به. بل الضربُ الواحدُ من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة. فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن عَليّ رضي الله [1/ 49] عنه، ويروي أحاديث منكرة في فضل عليّ، ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان" (1).
وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي، عن حَبَّان بن هلال أحد الثقات الأثبات، عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت ثم خلق نفسه منها" (2). وفي "الميزان" (3) أن غرض الجهمية من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" عزَّ وجلَّ إنما المراد بها بعض مخلوقاته.
أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرُّع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة، كما يأتي في ترجمته (4).
__________
(1) (8/ 205).
(2) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (231).
(3) (5/ 24 - 25).
(4) رقم (85).
(10/81)

الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل.
والشيعيُّ الذي لا يؤمَن أن يكذب في فضائل أهل البيت، لا يؤمَن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليرى الناس أنه غير متشدّد في مذهبه، يُمهِّد بذلك لِيُقبَل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه.
وعلى كلّ حال فابن قتيبة - على فضله - ليس هذا فنَّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق.
وفي "فتح المغيث" (ص 140) (1) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره. وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده - مع ما وصفنا من صِدْقه وتحرّزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته - فينبغي أن تقدَّم مصلحةُ تحصيلِ ذلك الحديث ونشرِ تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".
ويظهر أن تقييده بقوله: "وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته" إنما مغزاه: أنه إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره، بل المصلحة في عدم روايته، كما مرَّ. ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به، وذلك يدعو إلى التثبت فيه. وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا ظاهرًا، فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مرّ ما فيها.
__________
(1) (2/ 60 - 61) وكلام ابن دقيق العيد في كتابه "الاقتراح" (ص 294).
(10/82)

وقال ابن حجر في "النخبة وشرحها" (1): [1/ 50] "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوَّي مذهبه (2) فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرَّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قاله متّجه, لأن العلة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المروي يوافق مذهبَ المبتدع، ولو لم يكن داعية. والله أعلم".
أقول: الضمير في قوله: "فيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أوقَعَ الردَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه. وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكفَّر ببدعة" والمراد برد الراوي: رد مروياته كلها. وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المرويّ المقوّي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يُقبل منه ما عداه، وقد يُشعِر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني.
فأقول: إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة، وإن كان محكومًا بصحته؛ فهذا هو المعنى الذي تقدَّم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذاك الحديث اتهامًا لصاحبه، ويردُّ معه سائر رواياته؛ فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذلك الحديث اتهامًا لراويه فيه، ومع ذلك يبقى مقبولًا فيما عداه؛ فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا ولا ظاهرة فيه كما مرَّ، وإنما هو قول ابن قتيبة.
__________
(1) (ص 104).
(2) في "النزهة": "بدعته".
(10/83)

وسياق كلام ابن حجر - ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني - يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا، أو رد ذاك لحديث وسائر روايات راويه، وذلك لأمور، منها: أن ابن حجر صرَّح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قدَّم أن العلة في الداعية هي "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه". ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته - كما تقدم - فيردّ مطلقًا. ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى, لأن الداعية يردّ مطلقًا، وإن لم يَروِ ما يوافق بدعته، وهذا قد روى.
هذا، وقد وثَّق أئمة الحديث جماعةً من المبتدعة، واحتجوا بأحاديثهم، وأخرجوها في الصحاح. ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرُه بدَعَهم. وأهلُ العلم يتأوّلون تلك [1/ 51] الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها, ولا في راويها بروايته لها (1). بل في رواية جماعة منهم
__________
(1) كحديث مسلم [78] من طريق الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر قال: قال علي: "والذي فَلَق الحبة وبرأ النَّسَمة، إنه لعهد النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق". عديّ قال فيه ابن معين: "شيعي مفرط". وقال أبو حاتم: "صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم". وعن الإِمام أحمد: "ثقة إلا أنه كان يتشيع". وعن الدارقطني: "ثقة إلا أنه كان غاليًا في التشيع". ووثقه آخرون. ويقابل هذا رواية قيس بن أبي حازم عن عَمرو بن العاص: عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جهارًا غير سرًّ يقول: "ألا إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، إن لهم رحمًا سأبلها ببلالها". ورواه غندر عن شعبة بلفظ: "إن آل أبي ... " ترك بياضًا، وهكذا أخرجه الشيخان. وقيس ناصبي منحرف عن علي رضي الله عنه. ولي في هذا كلام. [المؤلف].
(10/84)

أحاديث ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلا أن لها عللًا أخرى. ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعَّفها أهل العلم، بعضها بضعف بعض مَن فوق الأعمش في السند، وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس. ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص 68) (1) ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.
هذا، وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمَن منه ما ينافي العدالة. فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوّي بدعته، ولو لم يكن داعية، وجب أن لا يُحتج بشيء مِن مرويات مَن كان كذلك، ولو فيما يوهن بدعته؛ وإلاّ - وهو الصواب - فلا يصح إطلاق الحكم، بل يدور مع العلة. فذاك المروي المقوِّي لبدعة راويه إما غير منكر، فلا وجه لرده، فضلًا عن ردّ راويه. وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف. فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة، كرميه بتعمّد الكذب أو اتهامه به، سقط البتة. وإن اتجه الحمل على غير ذلك، كالتدليس المغتفَر والوهم والخطأ، لم يجرح بذلك. وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول مَن هو أعرف منه، أو وقف. وقد مرَّ أوائلَ القاعدة الثانية (2) بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر، فلا تغفل.
__________
(1) (2/ 802 - ط الرشد) والصحيح أنه التاريخ الأوسط طبع خطأ باسم "الصغير".
(2) (ص 61).
(10/85)

[1/ 52] وبما تقدم يتبين صحةُ إطلاق الأئمة قبولَ غير الداعية إذا ثبت صلاحُه وصدقه وأمانته. ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيهًا على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول، وهو ثبوت العدالة.
هذا كله تحقيق للقاعدة. فأما الأستاذ، فيكفينا أن نقول له: هب أنه اتجه أن لا يقبل من المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته، فغالب الذين طعنتَ فيهم هم من أهل السنة عند مخالفيك وأكثر موافقيك، والآراء التي تعدُّها هوى باطلًا، منها ما هو عندهم حق، ومنها ما يسلَّم بعضهم أنه ليس بحق ولكن لا يعدُّه بدعة. وسيأتي الكلام في الاعتقاديات والفقهيات، ويتبين المحقّ من المبطل إن شاء الله تعالى. وفي الحق ما يُغنيك لو قنعتَ به، كما مرت الإشارة إليه في الفصل الثاني. ومن لم يقنع بالحق أوشكَ أن يُحرَم نصيبَه منه، كالراوي يروي أحاديثَ صادقةً موافقةً لرأيه، ثم يكذب في حديث واحد، فيفضحه الله تعالى، فتسقط أحاديثه كلُّها! {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
****
(10/86)

4 - قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك
كلام العالِم في غيره على وجهين:
الأول: ما يخرج مخرج الذمّ بدون قصد الحكم. وفي "صحيح مسلم" (1) وغيره من حديث أبي هريرة سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لم تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سَبَبْته أو جلدته فاجعلها له كفارةً وقُربةً تُقرِّبه بها إليك يوم القيامة". وفي رواية: "فأيّ المسلمين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة ... ".
وفيه (2) نحوه من حديث عائشة ومن حديث جابر، وجاء في هذا الباب عن غير هؤلاء، وحديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (3) مختصرًا.
ولم يكن صلى الله عليه وآله ومسلم سبّابًا ولا شتّامًا ولا لعّانًا، ولا كان الغضب يخرجه عن الحق، وإنما كان كما نَعَتَه ربُّه عزَّ وجلَّ بقوله: [1/ 53] {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وقوله عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
__________
(1) (2601). وأخرجه أحمد في "المسند" (10403). والرواية الأخرى عند مسلم أيضًا.
(2) حديث عائشة رقم (2600) وحديث جابر (2602).
(3) (6361).
(10/87)

رَحِيمٌ} [التوبة: 128]. وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم أو يُخِلُّ بالمصلحة العامّة أو مصلحة صاحبه نفسه، فيكره صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وينكره، فيقول: "ما له تربت يمينه" (1) ونحو ذلك مما يكون المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعوّ عليه وشدة الإنكار لذلك. وكأنه - والله أعلم - أطلق على ذلك سبًّا وشتمًا على سبيل التجوُّز بجامع الإيذاء. فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادرًا عند شدة الإنكار. ومن الحكمة في ذلك إعلام الناس أن ما يقع منه صلى الله عليه وآله وسلم عند الإنكار كثيرًا ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب، لا على وجه الحكم. وفي مجموع الأمرين حكمة أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم من طباع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السبّ والشتم واللعن والطعن ما لو سُئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته ولكني غضبت. فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبه أمته على هذا الأصل ليستقر في أذهانهم، فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك حالَ الغضبِ على ظاهره جزمًا.
وكان حذيفة ربما يذكر بعض ما اتفق من كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند غضبه، فأنكر سلمان الفارسي ذلك على حذيفة رضي الله عنهما، وذكر هذا الحديث (2). وسئل بعض الصحابة - وهو أبو الطفيل
__________
(1) بهذا اللفظ أخرجه أبو يعلى (4220)، وأخرجه أبو داود (186) وأحمد (18212) وغيرهما بلفظ: "تربت يداه" من حديث المغيرة بن شعبة، وأخرجه أحمد (12609) بلفظ: "تربت جبينه" من حديث أنس بن مالك.
(2) أخرجه أحمد (23721) وأبو داود (4659).
(10/88)

عامر بن واثلة - عن شيء من ذلك، فأراد أن يخبر، وكانت امرأته تسمع، فذكَّرتْه بهذا الحديث، فكفَّ (1). فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب، وأن يراعوا فيما نُقل منها هذا الأصل.
بل قد يقال: لو فُرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتدَّ بذلك حُكْمًا. ففي "الصحيحين" (2) وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" لفظ البخاري. والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبُّر وتثبُّت أشدَّ مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات. فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة [1/ 54] دراهم. فأما الحكم على العالم والراوي، فيخشى منه تفويت علم كثير، وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا.
ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم: ما يقصد به الموعظة والنصيحة. وذلك كأن يبلغ العالِمَ عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكفَّ عما كرهه له. وربما يأتي بعبارة ليست بكذب، ولكنها خشنة موحشة، يقصد الإبلاع في النصيحة، ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حيّ (3)، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس
__________
(1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (2309) وقال الهيثمي في "المجمع": (8/ 479): "فيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك".
(2) البخاري (7158) ومسلم (1717) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(3) انظر "تهذيب التهذيب": (2/ 285).
(10/89)

به، بل قد يكون خيرًا، ولكن يخشى أن يجرَّ إلى ما يكره، كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى. وقد يكون أمرًا مذمومًا، وصاحبه معذور، ولكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع منه أولًا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين. ومن هذا: كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني (1).
وقد يتسمَّح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم، فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه، كحكاية منقطعة، وخبر من لا يُعَدُّ خبرُه حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك. وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: "لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك" (2). وكلام العالم - إذا لم يكن بقصد الرواية، أو الفتوى، أو الحكم - داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا يُنظر إليه. وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت، كما يتحفظ ويتثبت في الرواية والفتوى والحكم.
هذا، والعارف المتثبت المتحرِّي للحق لا يخفى عليه - إن شاء الله تعالى - ما حقُّه أن يُعَدَّ من هذا الضرب، مما حقُّه أن يعَدَّ من الضرب الآتي.
__________
(1) تقدمت الإشارة إلى ذلك وغيره (ص 13 - 19).
(2) انظر "تهذيب الكمال": (1/ 308) للمزي.
(10/90)

وأن ما كان من هذا الضرب، فحقه أن لا يُعتدَّ به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق.
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يُخشى فيه الخطأ. وأئمة الحديث عارفون، [1/ 55] متبحرون، متيقظون يتحرَّزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك. ومهما بلغ الحاكِم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدة، فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبِرَ تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر، فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره. وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره. وأن تخطئ في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك.
وغالب الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت. فمن الظنون المعتدّ بها: ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة. ومنها: ما ضابطه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّبَ النفس منشرحَ الصدر. [والنفوس تختلف في المعرفة والتوقي والتثبُّت] (1) فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزم. وهذا هو الذي يطعن
__________
(1) ما بين المعكوفين استدركناه من "تعزيز الطليعة" (ص 179).
(10/91)

أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: "يحدث على التوهم - كثير الوهم - كثير الخطأ - يهم - يخطئ". ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبُّت.
كان في اليمن في قَضاء الحُجَرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون، وكنت أحضر مع أخي، فلاحظتُ أن ذلك القاضي - مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى - لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: "في حفظي كذا، في ذهني كذا" ونحو ذلك. فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح.
وفي ثقات المحدّثين مَن (1) هو أبلغ تحرّيًا مِن هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشكِّ فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال.
روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشكُّ فيه. فقال شعبة: شكُّك أحبُّ إليَّ من يقين غيرك (2).
وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعته" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت (3). وعن شعبة قال: "شكُّ ابنِ عون وسليمانَ التيمي يقين" (4).
وذكر يعقوبُ بن سفيان حمادَ بن زيد، فقال: معروف بأنه يقصر في
__________
(1) (ط): "مع" خطأ.
(2) انظر "تهذيب التهذيب": (1/ 349).
(3) "الجرح والتعديل": (5/ 131).
(4) "تهذيب التهذيب": (4/ 176).
(10/92)

الأسانيد، ويوقف المرفوع، [1/ 56] كثير الشك بتوقّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه (1).
وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السِّلَفي: سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب فقال: "جبل، لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله. وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه" (2).
وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر - وإن كان ضعيفًا عنده - ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها. والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها. وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله. فالنفس بمنزلة المحامي عند ما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحَاكم.
والعالم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمر ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه. فلا يؤمَن أن يقوَى عند العالم جرحُ مَن
__________
(1) "تهذيب التهذيب": (3/ 11).
(2) "كتاب الأربعين" (ص 537) لعلي بن المفضل، و"السير": (18/ 575).
(10/93)

هو ساخط عليه لأمرٍ، لولا السخط لَعلِمَ أنه لا يُوجب الجرح. وأئمة الحديث متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ.
وأهل العلم يمثِّلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح (1). ولَمَّا ذكر ابن الصلاح ذلك في "المقدمة" (2) عقَّبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نُسِب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أنّ عين السُّخْط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمى عنها بحجاب السُّخْط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمّدًا لقدح يعلم بطلانَه".
وهذا حق واضح، إذ لو حُمل على التعمّد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا، وكلّ ما يُخشى في الذمّ والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل. فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية، لكنه صالح في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمَّل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى؛ فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء، غير قاصدين الحكم [1/ 57] له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن، فيبالغ هو في المدح، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكِر له طعن شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة (3).
وقد يكون العالم وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحو ما تقدم، فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولا سيما عند الغضب، كأن تسمع رجلًا يذمّ صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء
__________
(1) انظره في "تهذيب التهذيب": (1/ 37).
(2) (ص 391).
(3) "من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه" (ص 40) لابن شاهين.
(10/94)

من ذمه، وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات (1) الترغيب. وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويُحسِن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره. واحتمالُ التسَمُّح في الثناء أقرب من احتماله في الذمّ، فإن العالم يمنعه من التسمُّح في الذمّ الخوفُ على دينه لئلّا يكون غيبة، والخوفُ على عرضه، فإن مَن ذمَّ الناس فقد دعاهم إلى ذمِّه.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحقّ وبالباطل (2)
ومع هذا كله، فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح. ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارحٍ كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدِّل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوَّة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا. فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ مَن صَدَر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمّد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله مِنْ مثله، فهذا يحتاج إلى بيِّنة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًّا.
وفي "لسان الميزان" (ج 1 ص 16) (3):
"وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن
__________
(1) الأصل: "كلمات" [ن].
(2) من أبيات في "الأغاني": (14/ 157)، وهو في "رسائل الجاحظ": (1/ 355)، و"الحماسة البصرية" (854) ونُسِب لغير واحد.
(3) (1/ 212).
(10/95)

جرحه عداوة، سببُها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدّة انحرافه في النّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذَكَره منهم بلسان ذَلْق (1) وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يليِّن مثلَ الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، [1/ 58] فوثَّق رجلًا ضعَّفه قُبِلَ التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش المحدّث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد. ويلتحق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين [لهذا] (2) وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل".
أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده - كما لا يخفى - التوقّف على وجه التأنّي والتروِّي والتأمل. وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله ... قبل التوثيق" محلّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمّدِ الحكم بالباطل، أو الغلطِ الفاحش الذي يندر وقوعُه. فأما إذا لزم شيء من هذا، فلا محيص عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبّعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيِّعين، فلم أجده
__________
(1) (ط): "ذلقة". والمثبت من "اللسان".
(2) من "اللسان"، وهو ساقط من الطبعة القديمة التي ينقل منها المؤلف.
(10/96)

متجاوزًا الحدَّ. وإنما الرجل - لما فيه من النَّصْب - يرى التشيُّع مذهبًا سيئًا، وبدعةَ ضلالةٍ، وزيغًا عن الحقّ وخذلانًا؛ فيطلق على المتشيِّعين ما يقتضيه اعتقاده، كقوله: "زائغ عن القصد - سيِّئ المذهب"، ونحو ذلك.
وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمّ بالتشيع والتدليس. وهذا أمر متفق عليه: أن الأعمش كان يتشيَّع ويدلّس، وربما دلس عن الضعفاء, وربما كان في ذلك ما يُنْكَر. وهكذا كلامه في أبي نعيم. فأما عُبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإِمام أحمد وغيره بأشدّ من كلام الجوزجاني.
وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضَمْرة. وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني. راجع "سنن البيهقي" (ج 3 ص 51). غاية الأمر أن الجوزجاني هوَّل، وعلى كلِّ حال فلم يخرج من كلام أهل العلم. وكأنّ ابن حجر توهّم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم (1) يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (2). وهذا تخيّل لا يُلتفت إليه.
وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر" (3). ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي مع ما
__________
(1) انظر كلام الجوزجاني في "الشجرة" (ص 34 - 42) وتعقب الحافظ في "التهذيب": (5/ 45).
(2) "يُسِرُّ حسوًا في ارتغاء" مثلٌ يضرب لمن يُظهِر أمرًا وهو يريد خلافه. انظر "مجمع الأمثال": (3/ 525) و"فصل المقال" (ص 76). يريد أن الحافظ توهّم أن الجوزجاني أراد اتهام عاصم بالكذب وإن لم يفصح في كلامه بذلك.
(3) (ص 50).
(10/97)

عرف عنه: "ليس بثقة". واتفقوا على غلوّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة. قيل له: ما هي؟ قال: إنه ليسأل في قبره: مَن وليّك؟ فإن [1/ 59] قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نَصْبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
وأشدُّ ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق ... " (1). وقد تقبل ابن حجر ذلك، على ما فهمه من معناه، وعظَّمه، كما مرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (ج 1 ص 11) (2). وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر رحمه الله يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك، ويعظمه، مع ما فيه من الشدة والشذوذ - كما تقدم - ويشنِّع عليه ههنا ويهوِّل فيما هو أخفُّ من ذلك بكثير عندما يتدبر! والله المستعان.
****
__________
(1) (ص 76).
(2) (1/ 204).
(10/98)

5 - هل يشترط تفسير الجرح؟
اعلم أن الجرح على درجات:
الأولى: المجمل وهو ما لم يبيَّن فيه السبب كقول الجارح: "ليس بعدل"، "فاسق". ومنه - على ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص 108) عن القاضي أبي الطيب الطبري -: قول أئمة الحديث: "ضعيف"، أو "ليس بشيء". وزاد الخطيب قولهم: "ليس بثقة".
الثانية: مبيَّن السبب، ومثَّل له بعض الفقهاء بقول الجارح: "زان"، "سارق"، "قاذف".
ووراء ذلك درجات بحسب احتمال الخلل وعدمه، فقوله: "فلان قاذف" قد يحتمل الخلل من جهة أن يكون الجارح أخطأ في ظنه أن الواقعَ قَذْف، ومن جهة احتمال أن يكون المرمي مستحقًّا للقذف، ومن جهة احتمال أن لا يكون الجارح سمع ذلك من المجروح وإنما بلغه عنه، ومن جهة أن يكون إنما سمع رجلًا آخر يقذف فتوهَّم أنه الذي سمّاه، ومن جهة احتمال أن يكون المجروح إنما كان يحكي القذف عن غيره، أو يفرض أن قائلًا قاله فلم يسمع الجارح أول الكلام، إلى غير ذلك من الاحتمالات. نعم إنها خلاف الظاهر، ولكن قد يقوى المعارض جدًّا فيغلب على الظن أن هناك خللًا وإن لم يتبين.
واختلف أهل العلم في الدرجة الأولى - وهي الجرح المجمل - إذا صدر من العارف بأسباب الجرح، فمنهم مَن قال: يجب العمل به، ومنهم من قال: لا يعمل به؛ لأن الناس اختلفوا في أشياء يراها بعضهم فسقًا ولا
(10/99)

يوافقه غيره.
وفصَّل الخطيبُ - فيما نقله عنه العراقي والسخاوي (1) - قال: "إن كان الذي يرجع إليه [في الجرح] عدلًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح [1/ 60] وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك؛ قُبِلَ قوله فيمن جَرَحه مجملًا، ولا يُسأل عن سببه" (2). يريد أنه إذا كان عارفًا باختلاف الفقهاء، فالظاهر أنه لا يُجرَح إلا بما هو جرح باتفاقهم.
وأقول: لا بدّ من الفرق بين جرح الشاهد وجرح الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالف الجرح، وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه. فأما الشاهد فله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون (3) قد ثبتت عدالتُه في قضية سابقة وقضى بها القاضي، ثم جُرح في قضية أخرى.
الثانية: أن لا يكون قد ثبتت عدالتُه، ولكن سئل عنه عارفوه، فمنهم من عدَّله، ومنهم من جَرَّحه.
الثالثة: أن لا يكون قد ثبتت عدالته، وسئل عنه عارفوه، فجرَّحه بعضهم، وسكت الباقون.
__________
(1) انظر "شرح العراقي للألفية" (ص 151)، و"فتح المغيث": (2/ 28).
(2) كلام الخطيب في "الكفاية" (ص 101). وما بين المعكوفين منه ومن المصادر التي عزا إليها المؤلف.
(3) (ط): "تكون" وكذا في الموضع الثاني. والصواب بالياء كما في الموضع الثالث.
(10/100)

فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبل شهادة من لم يعدَّل، فأي فائدة في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها فلضعفها يكفي الجرح المجمل.
وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه. وإذا كان القاضي متمكِّنًا من الاستفسار لحضور الجارح عنده، أو قُرْبه منه، فينبغي أن يستوفيه على كل حال؛ لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة وأدْفَع للتهمة.
وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرح مجمل ولو مع بيان السبب، بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل.
وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه من أوجه:
الأول: أن الذين تكلّموا في الرواة أئمة أجلّة، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها.
الثاني: أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكّام، وقد قال الفقهاء: إن المنصوب لجرح الشهود يُكتفى منه بالجرح المجمل.
الثالث: أن القاضي متمكّن من استفسار جارح الشاهد كما مرّ، والذين جرحوا الرواة [1/ 61] يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسرهم أصحابهم، ولم يبقَ بأيدي الناس إلا نقل كلامهم، ولم يزل أهل العلم يتلقّون كلماتهم ويحتجون بها.
وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال: "ولقائل أن يقول:
(10/101)

إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث ... وقلَّما يتعرّضون [فيها] لبيان السبب، بل يقتصرون على ... "فلان ضعيف"، و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك ... ، فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك، وسدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر. وجوابه: أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقَّفْنا عن قبول حديث مَن قالوا فيه مثل ذلك، بناءً على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قويةً يُوجِب مثلُها التوقّف. ثم مَن انزاحت عنه الريبة منهم ببحْثٍ عن حاله أوجبَ الثقة بعدالته قبِلنا حديثه، ولم نتوقف؛ كالذين احتج بهم صاحبا "الصحيحين" وغيرهم (1) ممن مسَّهم مثل هذا الجرح من غيرهم. فافهم ذلك، فإنه مَخْلَص حسن" (2).
وتبعه النووي في "التقريب" (3) و"شرح صحيح مسلم" (4) ولفظه هناك: "على مذهب من اشترط في الجرح التفسيرَ نقول: فائدة الجرح فيمن جُرِحَ مطلقًا أن يتوقّف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح ... ".
وذكر العراقي في "ألفيته" و"شرحها" (5) بعض الذين أشار ابن الصلاح إلى أن صاحبي "الصحيحين" احتجَّا بهم وقد جُرِحوا، فذكر ممن روى له البخاري: عكرمةَ مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق الباهلي، وممن روى
__________
(1) في "المقدمة": "وغيرهما".
(2) "مقدمة ابن الصلاح" (ص 108 - 109).
(3) (1/ 360 - 361 - مع تدريب الراوي).
(4) (1/ 62).
(5) (ص 148 - 149).
(10/102)

له مسلم: سويدَ بن سعيد. وهؤلاء قد سبق جرحهم ممن قَبْل صاحبي "الصحيح"، وكذلك سبق تعديلهم أيضًا. فهذا يدل أن التوقف الذي ذكره ابن الصلاح والنووي يشمل مَن اختُلف فيه، فعدَّله بعضهم، وجَرَحه غيره جرحًا غير مفسر. وسياق كلامهما يقتضي ذلك، بل الظاهر أن هذا هو المقصود؛ فإن مَن لم يعدَّل نصًّا أو حُكمًا ولم يُجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به، ومَن لم يعدَّل وجُرح جرحًا مجملًا فالأمر فيه أشدّ من التوقف والارتياب.
فالتحقيق: أن الجرح المجمل يثبت به جرحُ مَن لم يعدَّل نصًّا ولا حُكمًا، ويوجب التوقُّف فيمن قد عدِّل، حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أو ردّه. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى (1).
****
__________
(1) (ص 125 وما بعدها).
(10/103)

[1/ 62] 6 - كيف البحث عن أحوال الرواة؟
مَن أحبّ أن ينظر في كتب الجرح والتعديل عن حال رجل وقع في سند، فعليه أن يراعي أمورًا:
الأول: إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبّت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل، فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه، ويقع الغلط والمغالطة فيها، كما يأتي في الأمر الرابع. وراجع "الطليعة" (ص 11 - 43) (1).
الثاني: لِيستوثقْ من صحة النسخة ولْيراجعْ غيرها - إن تيسَّر له - ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب. راجع "الطليعة" (ص 55 - 59) (2).
الثالث: إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة، فلينظر: أثابتة هي عن ذاك الإِمام أم لا؟ راجع "الطليعة" (ص 78 - 86) (3).
الرابع: ليستثبِتْ أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة، فإن الأسماء تتشابه. وقد يقول المحدّث كلمة في راو، فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك. وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه، ويخطئ بعض من
__________
(1) (ص 5 - 31 من طبعتنا).
(2) (ص 39 - 47).
(3) (ص 59 - 66).
(10/104)

بعده فيحملها على آخر.
ففي الرواة: [المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عيَّاش المخزومي، و] (1) المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحِزَامي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي. حكى عبّاس الدوري (2) عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث. وحكى (3) ابن أبي حاتم (4) عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني، ووهمَّه المزي (5). ووثَّق أبو داود الثالث وضعَّف الأول، فذُكِرَت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال: غلط عباس (6).
وفي الرواة: محمد بن ثابت البناني، ومحمد بن ثابت العبدي وغيرهما. فحكى ابن أبي حاتم (7) عن ابن أبي خيثمة، عن ابن معين أنه قال في الأول: "ليس بقوي ... ". وذكر ابن حجر (8) أن الذي في "تاريخ ابن أبي
__________
(1) إضافة لازمة يدلّ عليها كلام المؤلف بعدها في الإشارة إلى ترتيب الأسماء، ولعلها سقطت أثناء الطبع ظنًّا من الطابع أنها تكرار وليس كذلك.
(2) في "التاريخ" (928 و929).
(3) (ط): "فحكى".
(4) في "الجرح والتعديل": (8/ 225).
(5) في "تهذيب الكمال": (7/ 199).
(6) انظر "تهذيب الكمال": (7/ 199)، ولم أجده في سؤالاته المطبوعة.
(7) في "الجرح والتعديل": (7/ 217).
(8) في "تهذيب التهذيب": (9/ 83).
(10/105)

خيثمة" حكاية تلك المقالة في الثاني. وحكى عثمان الدارمي (1) عن ابن معين في الثاني أنه ليس به بأس. وحكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه يُنكَر على الثاني [1/ 63] حديث واحد (2). وحكى الدوري (3) عن ابن معين أنه ضعَّف الثاني، وقال الدوري: "فقلت له: أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط".
وفي الرواة: عمر بن نافع مولى ابن عمر، وعمر بن نافع الثقفي. حكى ابن عدي (4) في ترجمة الأول عن ابن معين أنه قال: "ليس حديثه بشيء" فزعم ابن حجر (5) أن ابن معين إنما قالها في الثاني.
وفي الرواة: عثمان البَتِّي، وعثمان البُرِّي. حكى الدوريّ (6) عن ابن معين في الأول: "ثقة". وحكى معاوية بن صالح عنه فيه: "ضعيف" (7). قال النسائي: "وهذا عندي خطأ، ولعله أراد عثمان البُرِّي".
وفي الرواة: أبو الأشهب جعفر بن حيّان، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث. وثَّق الإِمام أحمد الأول، فحكى ابن شاهين ذلك في الثاني، كما
__________
(1) في "تاريخه" (ص 216).
(2) كما في "تهذيب التهذيب": (9/ 85).
(3) في "تاريخه" (4537).
(4) في "الكامل": (5/ 46).
(5) في "التهذيب": (7/ 499 - 500). ونقل التوهيم عن الذهبي. انظر "الميزان": (4/ 146).
(6) في "تاريخه" (3682).
(7) كما في "التهذيب": (7/ 153 - 154) ونقل قول النسائي من كتاب "الكنى".
(10/106)

في نبذة من كلامه طبعت مع "تاريخ جرجان" (1). وضعَّف جماعة الثاني، فحكى ابن الجوزي (2) كلماتهم في ترجمة الأول.
وفي الرواة أحمد بن صالح ابن الطبري الحافظ، وأحمد بن صالح الشُّمومي. حكى النسائي (3) عن معاوية بن صالح عن ابن معين كلامًا عدَّه النسائي في الأول، فذكر ابن حبان (4): إنما قاله ابن معين في الثاني.
وفي الرواة: معاذ بن رفاعة الأنصاري، ومُعان بن رفاعة السلَامي. نقل الناسُ عن الدوريّ (5) أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الثاني وهو معان: "ضعيف". ونقل أبو الفتح الأزدي (6) عن عباس أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الأول وهو معاذ: "ضعيف". فكأنه تصحَّف على الأزدي.
وفي الرواة: القاسم العمري، وهو ابن عبد الله بن عمر بن حفص؛ والقاسم المعمري، وهو ابن محمد. فحكى عثمان الدارمي (7) عن ابن معين
__________
(1) (ص 554) وانظر تعليق المؤلف هناك بما يقضي بتوهيم السهمي.
(2) في "الضعفاء والمتروكين": (1/ 170). ونبّه عليه الحافظ في "التهذيب": (2/ 89).
(3) ذكره الحافظ في "التهذيب": (1/ 41).
(4) في "الثقات": (8/ 24 - 25).
(5) انظر "تاريخه" (5134) وتصحفت فيه "معان" إلى "معاذ" مع أن أحد قرّاء النسخة قد كتب فوقها (معان) على الصواب. وانظر "الكامل": (6/ 3)، و"الضعفاء": (4/) للعقيلي، و"تهذيب الكمال": (7/ 149)، و"تهذيب التهذيب": (10/ 201).
(6) نقله الحافظ في "التهذيب": (10/ 190).
(7) في "تاريخه" (ص 193).
(10/107)

أنه قال: "قاسم المعمري كذاب خبيث". قال الدارمي: "وليس كما قال يحيى". والمعمري قد وثَّقه قتيبة. أما العمري فكذَّبه الإمام أحمد، وقال الدوري (1) عن ابن معين: "ضعيف ليس بشيء". فيشبه أن يكون ابن معين إنما قال: "قاسم [1/ 64] العمري كذاب خبيث" فكتبها عثمان الدارمي، ثم بعد مدَّة راجعها في كتابه، فاشتبه عليه، فقرأها: "قاسم المعمري ... ".
وفي الرواة: إبراهيم بن أبي حَرّة، وإبراهيم بن أبي حيَّة. روى ابن أبي حاتم (2) من طريق عثمان الدارمي عن (3) ابن معين توثيق الثاني. ومن تدبَّر الترجمتين كاد يجزم بأن هذا غلط على ابن معين، وأنه إنما وثَّق الأول.
وحكى أبو داود الطيالسي قصة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي (4)، وحكى هو عن شعبة قصّةً نحو تلك لمحمد بن الزبير التميمي البصري (5). وأخشى أن يكون الطيالسي وهِم في أحدهما.
وذكر ابن أبي خيثمة في كلامه في فِطْر بن خليفة ما لفظه: "سمعت قُطْبة بن العلاء يقول: تركت فطرًا, لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان" (6).
__________
(1) في "تاريخه" (686).
(2) في "الجرح والتعديل": (2/ 96 و149)، والرواية في "تاريخ الدارمي": (ص 73).
(3) في (ط): "على".
(4) انظر "تهذيب التهذيب": (9/ 442).
(5) انظر "تهذيب التهذيب": (9/ 167).
(6) انظر "تهذيب التهذيب": (8/ 302).
(10/108)

وذكر هو في كلامه في فُضيل بن عياض: "سمعت قُطبة بن العلاء يقول: تركتُ حديث فضيل, لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان" (1).
وأخشى أن تكون كلمة قُطبة إنما هي في "فِطْر"، فحكاها ابن أبي خيثمة مرة على الصواب، ثم تصحّفت عليه "فطر" ب "فضيل" فحكاها في فضيل بن عياض.
وحكى محمد بن وضَّاح القرطبي أنه سأل ابن معين عن الشافعي فقال: "ليس بثقة" (2). فحكاها ابن وضَّاح في الشافعي الإِمام، فزعم بعض المغاربة أن ابن معين إنما قالها في أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الأعمى المشهور بالشافعي، فإنه كان ببغداد، وابن وضَّاح لقي ابن معين ببغداد، فكأنه سأل ابنَ معين عن الشافعيّ - يريد ابن وضَّاح الإِمام - فظنّ ابن معين أنه يريد أبا عبد الرحمن لأنه كان حيًّا معهما في البلد. وفي ترجمة والد أبي عبد الرحمن من "التهذيب" (3) أن ابن معين قال: " .. ما أعرفه، وهو والد الشافعي الأعمى".
الخامس: إذا رأى في الترجمة "وثَّقه فلان"، أو "ضعَّفه فلان"، أو "كذَّبه فلان" فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: "هو ثقة" أو "هو ضعيف"،
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب": (8/ 296).
(2) انظر "جامع بيان العلم": (2/ 1114 - 1115) لابن عبد البر، و"تهذيب التهذيب": (9/ 31). وانظر رسالة المؤلف "تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري" (ص 32 فما بعدها)، وترجمة الشافعي في كتابنا هذا رقم (189).
(3) (11/ 251).
(10/109)

أو "هو كذاب". ففي "مقدمة الفتح" (1) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حيّان المدني: "وثَّقه ابن معين وأبو زرعة". [1/ 65] والذي في ترجمته من "التهذيب" (2): "قال أبو زرعة: ليس به بأس".
وفي "المقدمة" (3) في ترجمة إبراهيم بن المنذر الحزامي: "وثَّقه ابن معين ... ، والنسائي". والذي في ترجمته من "التهذيب" (4): "قال عثمان الدارمي: رأيتُ ابنَ معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب، ظننتها المغازي. وقال النسائي: ليس به بأس".
وفي "الميزان" و"اللسان" (5) في ترجمة معبد بن جمعة: "كذَّبه أبو زرعة الكَشّي". وليس في عبارة أبي زرعة الكَشّي ما يعطي هذا، بل فيها أنه ثقة في الحديث (6). وقد شرحتُ ذلك في ترجمة معبد من قسم التراجم (7).
السادس: أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار، أو غيره؛ وربما يخلّ ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها.
__________
(1) (ص 388).
(2) (1/ 126).
(3) (ص 388).
(4) (1/ 167).
(5) "الميزان": (5/ 265)، و"اللسان": (8/ 104).
(6) انظر عبارته في "سؤالات حمزة السهمي" (369)، و"تاريخ جرجان" (ص 475).
(7) رقم (248).
(10/110)

السابع: قال ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 1 ص 17) (1): "وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكّين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوريّ قال: [سُئل ابن معين عن محمد بن إسحاق فقال: ثقة، فحكى غيره] (2) عن ابن معين أنه سئل عن ابن (3) إسحاق، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة. وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق وليس بحجة. ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونس، أو عُقيل؟ فقال: عُقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس. وسئل عن عُقيل، وزَمْعة بن صالح، فقال: عُقيل ثقة متقن. وهذا حكم على (4) اختلاف السؤال. وعلى هذا يُحْمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح (5) والتعديل ممن وثَّق رجلًا في وقت، وجرَّحه في وقت آخر ... " (6).
أقول: وكذلك ما حكوا من كلام مالك في ابن إسحاق (7)، إذا حُكِيت القصة على وجهها تبيَّن أن كلمة مالك فلتةُ لسان عند سَورة غضب، لا يقصد بها الحكم. وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال لشجاع بن الوليد: "يا
__________
(1) (1/ 213).
(2) ما بينهما ساقط من (ط) والاستدراك من "اللسان".
(3) سقطت من (ط) وهي ثابتة في "اللسان".
(4) في "اللسان - المحققة": "على حكم ... ".
(5) في "اللسان - المحققة": "كلام أئمة أهل الجرح ... ".
(6) في مقدمة "رجال البخاري" للباجي باب في هذا المعنى. [المؤلف].
(7) انظر "تهذيب التهذيب": (9/ 41).
(10/111)

كذاب". فحملها ابن حجر على المزاح (1).
ومما يدخل في هذا أنهم قد يضعِّفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه، أو إلى بعض الرواة [1/ 66] عنه، أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه، أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه؛ وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك. فإسماعيل بن عياش ضعَّفوه فيما روى عن غير الشاميين (2). وزهير بن محمد ضعَّفوه فيما رواه عنه الشاميون (3). وجماعة آخرون ضعَّفوهم في بعض شيوخهم، أو فيما رووه بعد الاختلاط.
ثم قد يُحكى التضعيف مطلقًا، فيتوهَّم أنهم ضعَّفوا ذلك الرجل في كل شيء. ويقع نحو هذا في التوثيق. راجع ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (4). قال أحمد مرة: ثقة. وكذا قال ابن معين. ثم بيَّن كلٌّ منهما مرة أنه اختلط. وزاد ابن معين، فبيَّن أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه، غير صحيح الحديث عنهم.
ومن ذلك أن المحدِّث قد يُسأل عن رجل، فيحكم عليه بحسب ما عَرف من مجموع حاله. ثم قد يسمع له حديثًا، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث. ثم قد يسمع له حديثًا آخر، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني. فيظهر بين كلامه في هذه
__________
(1) في "هُدى الساري" (ص 409).
(2) انظر "تهذيب التهذيب": (1/ 324).
(3) انظر "تهذيب التهذيب": (3/ 349).
(4) انظر "تهذيب التهذيب": (6/ 210 - 212).
(10/112)

المواضع بعض الاختلاف. وقع مثل هذا للدارقطني في "سننه" (1) وغيرها، وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم (2). وقد يُنْقَل الحكم الثاني أوالثالث وحده، فيتوهم أنه حكمٌ مُطْلق.
الثامن: ينبغي أن يُبْحَث عن معرفة الجارح أو المعدِّل بمن جرَّحه أو عدَّله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستُهم له وتمكَّنت معرفتُهم به، بل قد يتكلم أحدُهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيءٌ من حديثه، وفيمن كان قبله بمدّة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاريَّ سمَّاه في "تاريخه" من القدماء وإن لم يَعرف ما روى، وعمّن روى، ومَن روى عنه. ولكن ابن حبان يشدّد، وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا. والعجليُّ قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد.
وابنُ معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثّقون مَن كان من التابعين أو أتباعهم، إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو
__________
(1) كما في (1/ 62 و3/ 135) عند ذكر إبراهيم بن أبي يحيى، و (1/ 320 و4/ 96) عند ذكر إسحاق بن أبي فروة ... وغير ذلك.
(2) رقم (164).
(10/113)

شاهد (1)، وإن لم يرو عنه إلّا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث [1/ 67] واحد. فممن وثّقه ابنُ معين مِن هذا الضّرْب: الأسقع بن الأسلع، والحَكَم بن عبد الله البلَوي، ووهب بن جابر الخَيواني وآخرون. وممن وثقه النسائيُّ: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
وقد روى العوّام بن حَوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص حديثًا (2). ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثَّقهما ابن معين (3). وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرة، عن سمرة بن جندب حديثًا (4). ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثَّقه ابن معين (5)، مع أن الحديث غريب وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (ج 3 ص 248).
ومن الأئمة من لا يوثِّق مَن تقدَّمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثُر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت مَلَكة لذاك الراوي. وهذا كله يدل على أن جلَّ اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سَبْر حديث الراوي. وقد صرّح ابنُ حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة،
__________
(1) (ط): "مشاهد" خطأ.
(2) الحديث أخرجه أحمد (6538، 6929)، والنسائي في "الكبرى" (8498)، وغيرهما.
(3) كما في رواية الدارمي (ص 65 و88).
(4) الحديث أخرجه أحمد (20087)، وأبو داود (1053، 1054)، والنسائي (1372) وغيرهم.
(5) في رواية الدارمي (ص 191).
(10/114)

حتى يتبين منهم ما يوجب القدح. نص على ذلك في "الثقات" (1). وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 1 ص 14) (2) واستغربه. ولو تدبَّر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبَّع أحدُهم أحاديثَ الراوي، فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط، ولَم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه = وثَّقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف (3) وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره.
وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سئل عن الشيخ = وثَّقه. وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك، أو يخلِّط بعد ذلك. ذكر ابن الجنيد (4) أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي، فقال: "ما كان [1/ 68] به بأس". فحكى له عنه أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ
__________
(1) (1/ 11 - 13).
(2) (1/ 208 - 209).
(3) يشير إلى ابن حبان، فإنه قد يوثق الرجال بإيراده إياه في الكتاب المذكور "الثقات" مع أنه لا يعرفه. ويؤيد ذلك أنني رأيته قال في بعض المترجمين عنده: "لا أعرفه، ولا أعرف أباه"! وعلى مثل هذا التوثيق أقام كتابه "الصحيح" المعروف به، فأحفظ هذا، فإنه مهم، لم يتنبه له إلا أهل التحقيق في هذا العلم الشريف، منهم المصنف رحمه الله وجزاه خيرًا، كما تقدم (وانظر كلامه الآتي في آخر الصفحة التالية: الأمر التاسع) وقد بسطت القول في هذه المسألة في "الرد على التعقيب الحثيث" (ص 18 - 21) فليراجع. [ن].
(4) "سؤالاته" (ص 887). وانظر "تراجم منتخبة" رقم (267) للمؤلف.
(10/115)

روى هذا فهو كذّاب، وإلا فإني رأيت الشيخ مستقيمًا". وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" (1). وقد كذَّبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة". وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة" (2).
وهكذا يقع في التضعيف، ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره، وقد يكون له عذر.
ورد ابنُ معين مصر، فدخل على عبد الله بن [عبد] الحكم، فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعدَّ جماعةً روى عنهم قصة. فقال ابن معين: "حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه وبعضُهم ببعضه؟ " فقال: "لا، حدثني جميعُهم بجميعه"، فراجعه، فأصرَّ. فقام يحيى، وقال للناس: "يكذب" (3).
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلًّا منهم حدَّثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم. وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلًّا منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذَّبه في ذلك. وقد أساء الساجيُّ إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: "كذّبه ابنُ
__________
(1) هذه رواية ابن أبي خيثمة عنه، نقلها عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (8/ 65) وغيره. وهذه من مفردات ابن أبي خيثمة عن يحيى، فكل الرواة عن يحيى على تضعيفه بل تكذيبه؛ ففي رواية الدوري (3082): "ذَكَر محمد بن القاسم ... فلم يرضه"، وفي رواية ابن الجنيد (534): "ليس بشيء"، وفي رواية ابن محرز (3): "ليس بشيء، كان يكذب، قد سمعت منه".
(2) انظر "تهذيب التهذيب": (9/ 407).
(3) "تهذيب التهذيب": (5/ 289 - 290).
(10/116)

معين" (1)
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدِّث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى، فقال: "من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدِّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ " وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا، فقام فقال: "هو ذا أنا". فتبسَّم يحيى، وقال: "أما إنك لست بكذاب ... " (2).
وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان: "ضعيف مضطرب الحديث" فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم" (3).
التاسع: ليبحث عن رأي كلِّ إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق (4) رأيَ بعضِ من يوثِّق المجاهيل من
__________
(1) فائدة عن كتاب الساجي: قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": (5/ 405): "كان لابن حزم اعتناء بكتاب أبي يحيى الساجي - أي الضعفاء - حتى اختصره، ورتَّبه على الحروف، وشاع اختصاره المذكور لِنُبْلِهِ، وكان في كتاب الساجي تخليط لم يأْبَه له ابن حزم حين الاختصار، فجرَّ لغيره الخطأ" اه.
(2) انظر "تهذيب التهذيب": (1/ 12).
(3) انظر "تهذيب التهذيب": (1/ 130).
(4) (ص 113 وما بعدها).
(10/117)

القدماء إذا وَجَد حديثَ الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد. فإن شئتَ فاجعل [1/ 69] هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"، كأن يُراد بها استقامة ما بلغ الموثِّقَ من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثِّق أحدهم تارة ويضعِّفه أخرى. منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوَّار، والجرَّاح بن مليح الرؤاسي، وحَرْب (1) بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حِبّان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله بن (2) الحسين أبو حَريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم.
وجاء عنه توثيق جماعة ضعَّفهم الأكثرون. منهم: تمام بن نجيح، ودَرَّاج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعبَّاد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزَّنْجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزَّمْعي، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني. وهذا يشعر بأن ابن
__________
(1) (ط): "جرير" تصحيف. انظر "تهذيب التهذيب": (2/ 225)، و"تاريخ الدوري" (2750).
(2) سقطت من (ط). وترجمته في "الجرح والتعديل": (5/ 34).
(10/118)

معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمّد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة"، ومرة: "ثقة" أو: "لا بأس به"، أو نحو ذلك. (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي، وزكريا بن منظور، ونوح بن جابر). وربما يقول في الراوي: "ليس بثقة" ويوثقه غيرُه. (راجع تراجم عاصم بن علي، وفُلَيح بن سليمان، وابنه محمد بن فُليح، ومحمد بن كثير العبدي". وهذا قد يشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة "ليس بثقة" على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه: "ثقة" على المعنى المشهور لكلمة "ثقة".
فأما استعمال كلمة "ثقة" على ما هو دون معناها المشهور، فيدل عليه - مع ما تقدم - أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف. قال أبو زرعة في عمر بن عطاء بن وَرَاز: "ثقة لين" (1). وقال العجلي (2) في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: "ثقة يُكتب حديثه، وليس بالقوي". وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضُّبَعي: "ثقة وبه ضعف" (3). وقال ابن معين في عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: "ليس به بأس، وهو ضعيف" (4). وقد ذكروا
__________
(1) "الجرح والتعديل": (6/ 126) في إحدى النسخ، وعنها نقل الحافظ المزي: (5/ 376)، والحافظ: (7/ 4).
(2) تصحّف في (ط) إلى: "الكعبي"، وانظر عبارة العجلي في "الثقات": (2/ 212)، و"التهذيب": (8/ 2).
(3) "الطبقات الكبرى": (9/ 289).
(4) رواية الدوري (5075) وفيه: "وفيه ضعف".
(10/119)

أن ابن معين يطلق كلمة: "ليس به بأس" بمعنى "ثقة" (1). وقال يعقوب بن شيبة في ابن أنْعُم هذا: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، [1/ 70] رجل صالح" (2). وفي الربيع بن صَبيح: "صالح صدوق ثقة، ضعيف جدًّا" (3).
وراجع تراجم إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن جعفر بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعليّ بن زيد بن جُدعان، ومحمد بن مسلم بن تَدْرُس، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان.
وقال يعقوب بن سفيان في أجْلَح: "ثقة، حديثه لين" (4). وفي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليِّن الحديث عندهم" (5).
وأما كلمة "ليس بثقة" فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعة، منهم صالح مولى التوأمة، وشعبة مولى ابن عباس. وفي ترجمة مالك من "تقدمة الجرح والتعديل" (6) لابن أبي حاتم عن يحيى القطان أنه سأل مالكًا عن صالح هذا، فقال: "لم يكن من القُرّاء". وسأله عن شعبة هذا
__________
(1) انظر "علوم الحديث" (ص 124) لابن الصلاح.
(2) "تاريخ بغداد": (10/ 217).
(3) "تهذيب الكمال": (2/ 463).
(4) "تهذيب التهذيب": (1/ 190).
(5) "المعرفة والتاريخ": (3/ 94) ليعقوب بن سفيان.
(6) (ص 23) وفيه كلامه على شعبة، أما كلامه في صالح مولى التوأمة ففي "تهذيب التهذيب": (4/ 405).
(10/120)

فقال: "لم يكن من القراء". فأما صالح فأثنى عليه أحمد وابن معين وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط. وأما شعبة مولى ابن عباس فقال أحمد: "ما أرى به بأسًا". وكذا قال ابن معين. وقال البخاري: "يتكلم فيه مالك ويحتمل منه". قال ابن حجر (1): "قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله: "ويحتمل منه". يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه. قال: ومالك لم يضعِّفه، وإنما شح عليه بلفظة ثقة. قلت: هذا التأويل غير شائع، بل لفظة: "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر".
أقول: ابن حِبّان كثيرًا ما يهوِّل مثل هذا التهويل في غير محلِّه، كما يأتي في ترجمته وترجمة محمد بن الفضل من قسم التراجم (2). وكلمة: "ليس بثقة" حقيقتها اللغوية نفيُ أن يكون بحيث يقال له: "ثقة". ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في "الكفاية" (3) في أمثلة الجرح غير المفسر. واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: "لم يكن من القراء" يُشعر بأنه أراد هذا المعنى. نعم، إذا قيل: "ليس بثقة ولا مأمون" تعيَّن الجرح الشديد. وإن اقتصر على "ليس بثقة" فالمتبادر جرح شديد، ولكن إذا كان هناك ما يُشعر بأنها اسْتُعملت في المعنى الآخر حُمِلت عليه.
__________
(1) "التهذيب": (4/ 347).
(2) برقم (200 و228).
(3) (ص 111 - 112).
(10/121)

وهكذا كلمة: "ثقة"، معناها المعروف: التوثيق التام، [1/ 71] فلا تُصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية كقول يعقوب: "ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق" وبقية الأمثلة السابقة. وإما حالية منقولة، أو مستدَلّ عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مرَّ في الأمر السابع عن "لسان الميزان"، أو عن غيره، ولا سيّما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص 15) قال: "وكم من راو يوثّق ولا يحتج به، كما في كلام يعقوب الفسوي. بل كم ممن يوصف بأنه صدوق، ولا يُعَدُّ ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خَلْدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة".
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه.
الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله: "كتبتُ عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة، إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل بالعراق" (1). أوردتها في "الطليعة" (ص 21) إلى قوله: "ثقات". ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثَّق، لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في "الترحيب" أنني اقتصرت على أول العبارة، لأوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به! وهذا كما ترى:
__________
(1) في "المعرفة والتاريخ": (3/ 361).
(10/122)

أولًا: لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب، فأما الاحتجاج وعدمه فلا ذِكْر له هناك.
ثانيًا: لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي أن شيوخه كلهم غير الأحمدين لا يحتج بأحد منهم في الرواية. كيف وفيهم أئمة أجلة قد احتج براويتهم الأحمدان أنفسهما، بل قام الإجماع على ذلك؟ وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله مَن يؤخذ بروايته ورأيه وقوله وسيرته.
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الأستاذ، فإنها تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان. ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من [1/ 72] كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلًا ضابطًا تقوم الحجة بروايته فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها. وأين هذا من مقصود الأستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن أبا خَلْدة قد قال فيه يزيد بن زُرَيع والنسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني: "ثقة". وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ".
وأصل القصة: أن ابن مهدي كان يحدِّث فقال: "حدثنا أبو خلدة". فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي: أن السائل فخَّم
(10/123)

كلمة: "ثقة"، ورفع يده وشدَّها، بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك. فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات. وذلك لا ينفي أن يقال في مَن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف. وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر مَن نبَّه عليه.
وقريب منه أن المرُّوذي (1) قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان". وقد وثَّق أحمد مئات من الرواة يعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير.
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة: "ثقة" - كما قدمت أنا أمثلته - لا يسوِّغ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل.
العاشر: إذا (2) جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذاتِ بين الراوي وجارحه أو معدِّله من نُفرة أو محبة. وقد مرَّ إيضاح ذلك في القاعدة الرابعة (3).
****
__________
(1) في "سؤالاته لأحمد" (48).
(2) "الأصل: "إذ". [ن].
(3) (ص 87 - 98).
(10/124)

[1/ 73] 7 - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟
قد ينقل في راو جرح وتعديل، ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط أحدهما، أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة. فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان، فالمشهور في ذلك قضيتان:
الأولى: أن الجرح إذا لم يبيَّن سببه فالعمل على التعديل. وهذا إنما يطرد في الشاهد, لأن معدِّله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب؛ فإذا أبى أن يفسِّر كان إباؤه موهنًا لجرحه.
فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلقًا بالعدالة مثل: "هو فاسق". والتعديل مطلق، والمعدِّل غير خبير بحال الراوي، وإنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه. وذلك كما لو قال مالك في مدني: "هو فاسق"، ثم جاء ابن معين فقال: "هو ثقة". وقد يكون المعدِّل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة، فعدَّله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة؛ والجارح من أهل بلد الراوي.
وذلك كما لو حجَّ رازيّ، فاجتمع به ابن معين ببغداد، فسمع منه مجلسًا، فوثَّقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: "ليس بثقة ولا مأمون". ففي هذه الأمثلة لا يخفى أن الجرح أولى أن يؤخذ به.
فالتحقيق أن كلًّا من التعديل والجرح الذي لم يبيَّن سببُه يحتمل وقوع الخلل فيه. والذي ينبغي أن يؤخذ به منهما هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد
(10/125)

من احتماله في الآخر، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع. والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة، كما إذا وجدنا البخاري ومسلمًا قد احتجّا أو أحدُهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرحٌ غير مفسَّر، فإنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبًا، وقس على ذلك. وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة (1) عن ابن الصلاح وغيره. لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل، فقد يحتجّان أو أحدُهما بالراوي في شيء دون شيء، وقد لا يحتجان به، وإنما يُخرِّجان له ما توبع عليه. ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة، [1/ 74] بل يحملانه على أمر خاص، أو على لينٍ في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ، أو فيما توبع عليه ونحو ذلك. راجع الفصل التاسع من "مقدمة فتح الباري" (2).
القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسَّرًا، فالعمل عليه. وهذه القضية يُعرَف ما فيها بمعرفة دليلها، وهو ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص 105) (3) قال: "والعلةُ في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد عَلِمه، ويصدِّق المعدّل، ويقول له: قد علمتَ من حاله الظاهرة ما علمتَها، وتفردتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره. وإخبارُ المعدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح ...
__________
(1) (ص 99 - 103).
(2) (ص 384 وما بعدها).
(3) (ص 105 - 107).
(10/126)

ولأن مَن عمل بقول الجارح لم يتهم المزكِّي، ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته، وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك".
أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبيَّن السبب مقدَّم على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة (1) من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء أنَّ الجارح إذا كان كذلك قُدِّم جرحُه الذي لم يبيِّن سببَه على التعديل، لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرحَ الذي يقدَّم على التعديل بأن يكون مفسّرًا. والدليل المذكور يرشد إلى الصواب، فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: "ليس بعدل"، أو "فاسق"، أو "ضعيف"، أو "ليس بشيء"، أو "ليس بثقة"، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسببٍ موجِب للجرح إجماعًا؟ أوَ لا يحتمل أن يكون جهِلَ، أو غفل، أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه؟ أوَ ليس في كلّ مذهب اختلافٌ بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟
فإن بيَّن السبب فقال مثلًا: "قاذف"، أو قال المحدث: "كذاب"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه"، أفليس إذا كان المتكلَّم فيه راويًا قد لا يكون المتكلِّم قصد الجرحَ، وإنما هي فلتة لسان عند ثورة (2) غضب، أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أوَ لم يختلف الناس في بعض الكلمات أقَذْفٌ هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أوَ ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر
__________
(1) (ص 100).
(2) كذا في (ط)، وفي الصفحة الآتية: "سَورة" وهو الأشبه.
(10/127)

أو قرينة واهية كما في قصة الإفك؟ وقد يستند المحدِّث إلى خبر واحد يراه ثقة، وهو عند غيره غير ثقة. أوَ ليس قد يبني المحدَّث كلمة: "كذاب"، أو "يضع الحديث"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه" على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فإن فصَّل الجارحُ القذفَ [1/ 75] أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أوَ ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب، كما وقع من محمد بن الزبير، أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرُس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة (1)، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة؟ (2).
إذا تدبرتَ هذا علمتَ أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبيَّنًا مفسَّرًا مثبتًا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمّد الكذب، ويظهر أن المعدَّل لو وقف عليه لما عدَّل. فما كان هكذا، فلا ريب أن العمل فيه على الجرح، وإن كثر المعدِّلون. وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى.
****
__________
(1) انظر ما سبق (ص 108).
(2) انظرها في "تهذيب التهذيب": (7/ 127).
(10/128)

8 - قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ...
قال البخاري في "جزء القراءة" (1): "والذي يُذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين ... ولو صح ... فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها. وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فُليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في "الموطأ"، وهما مما يحتج بحديثهما. ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يُذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتأويل بعضهم في العرض والنفس. ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيانٍ وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان (2) وحجة ... وقال بعضُ أهل المدينة: إن الذي يذكر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه ... وجائزٌ أن يكون سمع منها وبينهما حجاب، وهشام لم يشهد".
وفي "فتح المغيث" للسخاوي (ص 130) (3) عن محمد بن نصر المروزي: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبيِّن ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة".
وفي ترجمة عكرمة من "مقدمة فتح الباري" (4) عن ابن جرير: "من
__________
(1) (ص 36 - 37).
(2) في "الجزء": "ببرهان ثابت".
(3) (2/ 30).
(4) (ص 429).
(10/129)

ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: [1/ 76] "لا تكذب عليَّ"، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة".
وقال ابن عبد البر (1): "الصحيح في هذا الباب: أن مَن صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته (2)، وبانت ثقته وعنايته بالعلم؛ لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببيّنة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها (3) من المشاهدة والمعاينة".
قال السخاوي في "فتح المغيث" (4): " .. ليس المراد إقامة بينة على جرحه، بل المعنى أنه يستند في جرحه إلى ما يستند إليه الشاهد في شهادته، وهو المشاهدة ونحوها".
قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح، فهذا إنما يكثر في الشهود. وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أيِّ حالٍ كان، فهذا لا وجه له. فقد تقدم في القاعدة السادسة (5) ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت، ويحتمل كثير منه الخلل، كما يحتمله الجرح الذي لم يُشرح كل الشرح، أو أشد. ومن تتبع
__________
(1) في "جامع بيان العلم": (2/ 1093).
(2) كذا في الطبعة التي نقل منها المؤلف، وفي المحققة و"فتح المغيث": "إمامته".
(3) في "فتح المغيث": "بما فيها".
(4) (2/ 30).
(5) (ص 104 وما بعدها).
(10/130)

صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيرًا ما يقدّمون الجرح الذي لم يُشرح كل الشرح على التوثيق، كما في حال إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما. وكثيرًا ما يقع للبخاري وغيره القدحُ فيمن لم يدركوه، وقد سبق أن عدَّله معدِّل أو أكثر، ولم يسبق أن جرحه أحد.
فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين:
الأولى: استقامة السيرة. وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة يظهر (1) فيمن تظهر عدالته، ويعدَّل تعديلًا معتمدًا، وتمضي مدة، ثم يجرح. فأما ما عدا ذلك فالمدار على الترجيح، وقد مرَّ في القاعدة السابقة.
الجهة الثانية: استقامة الرواية. وهذا يثبت عند المحدِّث بتتبعه أحاديثَ الراوي، واعتبارِها، وتبيُّن أنها كلّها مستقيمة تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة. وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا، لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروه من حديثه، بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم، فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث؛ فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته.
وقد حاولتُ العمل بهذا [1/ 77] في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل (2). فأما ما عدا هذا، فإننا نحتاج إلى الترجيح، فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في "صحيحه"؛ لظهور أن البخاري إنما احتجَّ به بعد أن تتبع أحاديثه وسَبَرها
__________
(1) (ط): "تظهر".
(2) انظر رقم (68 و263).
(10/131)

وتبيّن له استقامتها. وقد علمنا مكانة البخاري، وسعة اطلاعه، ونفوذ نظره، وشدّة احتياطه في "صحيحه". وقس على ذلك، وراجع ما تقدم في القواعد السابقة. والله الموفق.
هذا وقد تعرَّض ابنُ السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من "طبقات الشافعية" (1) لهذه القاعدة، وزاد فيها فقال: "فنقول مثلًا: لا يُلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح؛ لأن هؤلاء أئمة مشهورون، صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صحَّ لتوفرت الدواعي على نقله، وكان القاطع قائمًا على كذبه ... ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما: أصل عدالة الإِمام المجروح ... ، وأصل عدالة الجارح ... فلا نلتفت إلى جرحه، ولا نجرحه بجرحه. فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات ... فنحن نقبل قول ابن معين ... ولا نقبل قوله في الشافعي، ولو فسَّر وأتى بألف إيضاح؛ لقيام القاطع على أنه غير مُحِقٍّ بالنسبة إليه".
أقول: هوَّل على عادته، والإنصاف أن الشافعي لم يكن معصومًا، ولم يقم القاطعُ اليقينيُّ على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صح أن يُجرح به. ولم يكن الشافعي طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جمٌّ غفير، تقضي العادةُ حتمًا بأنه لو وقع منه شيء مما ذُكِر لتوفّرت الدواعي على نقله. نعم، لو فرضنا أن الجارح ذكر أمرًا يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواترًا, ولم يكن ذلك، فإنه لا يقبل منه. ولو أن السبكيَّ
__________
(1) (2/ 9 - 22).
(10/132)

ترك أن يفرض ما لم يقع، واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها، وبيَّن وجوهها؛ لأجاد وأفاد. وقد تعرضتُ لما وقفت عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم (1)، ولله الحمد.
****
__________
(1) انظر الأرقام (183 و189 و20) مالك، والشافعي، وأحمد بن صالح.
(10/133)

[1/ 78] 9 - مباحث في الاتصال والانقطاع
المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره، ولم يثبت لقاؤه له.
ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" (1) عن بعض أهل عصره: أنه شَرَط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يُحكم لما يرويه عنه بالاتصال. وذكروا أن الذي شَرَط ذلك هو البخاري وشيخه عليُّ بن المديني (2). وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سَلَفًا وخَلَفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفَه أن لا يَحكم بالاتصال فيما لم يصرِّح فيه الراوي بالسماع، وإن ثبت اللقاء في الجملة، ولم يكن الراوي مدلسًا.
وتوضيح هذا الإلزام: أنه كما أن الراوي الذي [لم] (3) يُعرَف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرَفْ ويشتهِرْ بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فإن كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول، فلْيوجِبْه في الثاني. وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول.
أجاب النووي (4) بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن
__________
(1) (1/ 28 - 35).
(2) انظر "الإكمال": (1/ 164) للقاضي عياض. وعنه نقله غالب من بَعْده.
(3) سقطت من (ط).
(4) في "شرح مسلم": (1/ 128).
(10/134)

قد لقيه وسمع منه، الظاهر منها السماع، والاستقراء يدلّ أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلِّس.
أقول: فمُسْلِم يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره. والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومَن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا، وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص 357).
وذَكَر مسلم (1) أمثلةً فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تُعَدَّ تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين. ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع. وقد كنتُ بسطتُ ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن [1/ 79] الشافعي أن التدليس يثبت بمرة (2) , لأنا نقول: هذا مسلَّم، ولكن محلّه حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام. والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
__________
(1) في مقدمة "صحيحه": (1/ 33 - 35).
(2) انظر "الرسالة" (ص 379) للشافعي.
(10/135)

وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" (1) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور. وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرة زعم أنه لم يُصرَّح فيها بالسماع ولا عَلِمَ اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا.
هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلّا بأن نفيَ مسلمٍ العلمَ باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره. وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله: إنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر (2) بأنه لا يكفي في الردّ على مسلم، مع العلم بسعة اطلاعه.
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري". وكنتُ أظنهم قد بحثوا، فلم يظفروا بما هو صريح في ردّ دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي. ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع في حديث منها (3). وسبحان من لا يضل ولا
__________
(1) (1/ 14).
(2) لعله يقصد الشيخ شبّير العثماني في كتابه "فتح الملهم بشرح صحيح مسلم": (1/ 109 و402). فإنه أشار إلى مثل ذلك.
(3) للمؤلف بحث في الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط =
(10/136)

ينسى! وأما بقية الأحاديث، فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك.
وزعم بعضُ علماء العصر (1) أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرِّجه في "صحيحه" لا للصحة في الجملة. كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدّة من كتبه ك "جزء القراءة" وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.
المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتدّ بها على قول مسلم. ضَبَطها مسلم بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكن له لقاؤه والسماعُ منه لكونهما كانا في عصر واحد ... " (2). وجمعُه بين "جائز وممكن" يُشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب [1/ 80] في العادة، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكَّد هذا، فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العُرف - ولا سيما عُرف المحدّثين وما جرى عليه عملهم - ظاهرة في السماع. فهذا الظهور يحتاج إلى دافع، فمتى لم يُعلم اللقاء، فإن
__________
= العلم باللقاء، وهو ضمن هذه الموسوعة - الرسائل الحديثية. وللمؤلف أيضًا بحث في مسألة اشتراط العلم باللقاء عَقَده على صورة مناظرة بين فريقين. انظره في آخر رسالة "عمارة القبور في الإِسلام - المسوّدة" (ص 94 - 108). واختصره في "المبيّضة" (ص 93 - 99).
(1) وقد ذكر ذلك قديمًا الحافظ ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (1/ 169) والبلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص 158). وردّه الحافظ ابن حجر في "النكت": (2/ 595 فما بعدها) وأطال.
(2) "الصحيح": (1/ 29 - 30).
(10/137)

كان مع ذلك مستبعدًا، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع؛ لأن ظهور عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة. وقد يكون الراوي عدَّ ظهورَ عدم اللقاء قرينةً على أنه لم يُرد بالصيغة السماع. وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجّح أحدُ طرفيه، فظهور الصيغة لا معارض له. فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا، فلا محيص عن الحكم بالاتصال، وذلك كمدني روى عن عمر، ولم يُعلم لقاؤه له نصًّا، لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلًا، فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا.
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا، كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار، فإنه يُحكم باللقاء حتمًا. والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشاميٍّ روى عن يمانٍ، لمجرّد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. وانظر ما يأتي في الفقهيّات في مسألة القضاء بالشاهد واليمين (1).
المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مسمًّى، ففي كلامهم ما يدلّ على أنه يحكم بالاتصال. وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .. " ونحو ذلك. راجع "فتح المغيث" (ص 62) (2).
والفرق بين التسمية والإبهام: أن ظاهر الصيغة السماع. والثقةُ إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلّس يعتدّ بأنه قد عُرِف منه
__________
(1) (2/ 253).
(2) (1/ 178).
(10/138)

التدليس قرينة. وأما غيره فإذا سمّى شيخًا، ولم يثبت عندنا معاصرته له، فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه، فاعتدَّ بعلمهم بذلك قرينةً. وأهلُ العلم كثيرًا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان مَن حدّث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف ك "مراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة.
فأما إذا أبهم، فلم يسمِّ، فهذا الاحتمال منتف؛ لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عينَ ذلك الصحابي، فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة، وإذا انتفت ظهر السماع، وإلا لزم التدليس، والفرضُ عدمُه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقّف.
[1/ 81] المبحث الرابع: اشتراط العلم باللقاء أو بالمعاصرة، إنما هو بالنظر إلى من قُصدت الرواية عنه. فأما من ذُكر عَرَضًا، فالظاهر أنه يكفي فيه الاحتمال. فإذا كان غير مسمّى فالأمر أوضح، لما مرَّ في المبحث السابق، وذلك كما في حديث "الصحيحين" (1) من طريق عبد العزيز بن صُهيب قال: سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعتَ نبيَّ الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر في الثوم؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ... " لفظ مسلم. ولفظ البخاري: "سئل أنس عن الثوم، فقال: قال النبي صلى الله عليه ... " عبد العزيز معروف بصحبة أنس، ولا ندري مَن السائل؟
ومِن ذلك ما في "صحيح مسلم" (2) من طريق حنظلة قال: "سمعت
__________
(1) البخاري (856)، ومسلم (562).
(2) (16).
(10/139)

عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ... ". وأخرجه البخاري (1) من طريق حنظلة: "عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ... ".
وقد يأتي شبه هذا، ويكون المبهَم هو الراوي نفسه، وإنما كنّى عن نفسه لغرض؛ كحديث "الصحيحين" (2) عن معاذة: "أن امرأة قالت لعائشة: أتُجْزي (3) إحدانا صلاتُها إذا طهرت؟ فقالت: أحَرُوريّة أنت؟ ... " لفظ البخاري. وفي "الفتح" (4): "بيَّن شعبةُ في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية. أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة (5) ".
أقول: في "صحيح مسلم" (6) من طريق يزيد الرِّشْك: "عن معاذة أن امرأة سألَتْ ... ". ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: "سألتُ عائشة فقلتُ ... ".
وقد يجيء نحو ذلك، والراوي لم يشهد القصة، ولكنه سمعها بتمامها
__________
(1) (8).
(2) البخاري (321)، ومسلم (335).
(3) (ط): "أيجزي" والمثبت من البخاري.
(4) (1/ 421 - 422).
(5) (ط): "قتادة" تصحيف.
(6) (335/ 67 و69).
(10/140)

ممن قصد الرواية عنه؛ كما في حديث البخاري (1) من طريق علقمة قال: "كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا نزلت (2)! فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه ... ". ورواه مسلم (3) من وجه آخر عن علقمة: "عن عبد الله قال. كنتُ بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأتُ عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت ... ".
فإن لم يكن التصرف من الرواة، فالجمع بين الروايتين: أن علقمة كان مع عبد الله بن مسعود بحمص، ولكنه لم يشهد القصة، وإنما سمعها من عبد الله؛ ولما كان المقصود الرواية عنه هو [1/ 82] عبد الله لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة. وهكذا ما في قول معاذة: "أنّ امرأة سألَتْ ... " من إيهام أن السائلة غيرها، فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه.
والسرُّ في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه. ومَن شكّ في هذا لزمه أن يشكّ في اتصالِ قولِ ثقةٍ غيرِ مدلِّس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: "طار غراب، فقال ابن المبارك ... "، أو "هبت ريح، فقال ابن المبارك ... "، وهذا لا سبيل إليه، فكذا ذاك. والله الموفق.
المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب "العنعنة"، مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي لفظ مَن دونه. وذلك
__________
(1) (5001).
(2) في البخاري: "أنزلت".
(3) (801).
(10/141)

كما لو قال هَمَّام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام، لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا"، وهي من قول همّام. ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول: "عن فلان" وإنما يقول: حدثنا أو أخبرنا أو قال أو ذَكَر أو نحو ذلك. وقد يبتدئ فيقول: "فلان .. " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من "فتح المغيث" (1) وغيره. ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال" في أثناء الإسناد قبل "حدثنا" و"أخبرنا". وذلك في نحو قول البخاري: "حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد". وكثيرًا ما تُحذَف، فيزيدها الشرّاح أو قرّاء الحديث، ولا تثبت قبل كلمة "عن". وتصفَّح إن شئت "شرح القسطلاني على صحيح البخاري" فبهذا يتضح أنه في قول همام: "حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرَى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: "حدثني أنس"، أو "قال أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "سمعتُ أنسًا"، أو غير ذلك من الصِّيَغ التي تصرِّح بسماعه من أَنَس أو تحتمله. لكن لا يحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس"، إذ لو قال هكذا لزم همامًا أن يحكي لفظه أو معناه كأن يقول: "حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس"، وإلا كان همام مدلّسًا تدليس التسوية، وهو قبيح جدًّا، وإن خفَّ أمره في هذا المثال؛ لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد (2).
والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يُعرف بتدليس التسوية: "حدثني
__________
(1) (1/ 212).
(2) رقم (71).
(10/142)

عبد العزيز بن صهيب عن أنس" كان متصلًا، لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلّس، مع أننا لا ندري كيف قال [1/ 83] عبد العزيز، فقد يكون قال: "قال أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو ابتدأ فقال: "أنس". فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها. وقد صرَّحوا بذلك كما تراه في "فتح المغيث" (ص 69) (1) وغيره.
وما ذكروه (2) من الخلاف في كلمة "أنّ" إنما هو في نحو أن يجيء "عن عبد العزيز أنّ أنسًا سأل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم". ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك. ومَن حَمَله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس، فكأنه قال: "حدثني أنس أنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم .. ". وفي هذا المثال لا مزيَّة لكلمة "أن"، بل لو قال عبد العزيز: "سأل أنسٌ النبيَّ صلى الله عليه .. " لكان هذا كقوله: "عن عبد العزيز أن أنسًا سأل ... ". بل إن كلمة "أنّ" في المثال ليست من لفظ عبد العزيز، وإنما هي من لفظ الراوي عنه، فقوله: "حدثني عبد العزيز أنّ أنسًا سأل" إنما تقديره: "حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل"، وقد يكون عبد العزيز قال: "سأل أنس"، وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم.
انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني في التراجم.
__________
(1) (1/ 196 - 197).
(2) انظر "فتح المغيث": (1/ 197 - 198).
(10/143)

القسم الثاني
في التراجم
(10/145)

[1/ 84] القسم الثاني في التراجم
أسوقُ في هذا القسم - على الحروف - تراجم الأئمة والرواة الذين تكلّم فيهم الأستاذ في "التأنيب"، وربما ذكرتُ غيرَهم لاقتضاء الحال. فأذكر في كلّ ترجمة كلامَ الأستاذ وما له وما عليه متحرّيًا إن شاء الله تعالى الحقَّ. فما لم أنسبه من أقوال أئمة الجرح والتعديل إلى كتاب فهو من "تهذيب التهذيب" أو "لسان الميزان" (1)، وعادةُ مؤلّفهما أن لا يجزم بالنقل فيما لم يثبت عنده (2)، فإن تبين لي خلاف ذلك نبَّهتُ عليه؛ وما عدا ذلك فإني أسمّي الكتاب وأبيّن الجلد والصفحة غالبًا إن كان مطبوعًا. وأعوذ بالله من شرِّ نفسي وسيِّئ عملي، وأسأله التوفيق، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

1 - أَبان بن سفيان.
في "تاريخ بغداد" (13/ 399 [420] (3)): " ... علي بن حرب، حدثنا أبان بن سفيان، حدثنا حماد بن زيد ... ".
قال الأستاذ في "التأنيب" (ص 113): "في سنده أبان بن سفيان، قال ابن
__________
(1) رجعنا إلى هذين الكتابين لمزيد التوثق، ولم نعز إليهما بالجزء والصفحة اكتفاءً بإشارة المؤلف هذه إلا إن وجدنا فرقًا أو بدت ملاحظة.
(2) وانظر كتابنا هذا (1/ 693)، و"تنزيه الإِمام الشافعي" (ص 303 - ضمن الرسائل الحديثية) للمؤلف.
(3) انظر التنبيه الآتي في الصفحة التالية حاشية رقم (2) من كلام الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(10/147)

حبان: يروي عن الثقات أشياءَ موضوعة. وقال الدارقطني: متروك".
أقول: في "الميزان" و"اللسان" (1) ذكر رجلين يقال لكلٍّ منهما: أبان بن سفيان. أحدهما بصريّ نزل الموصل من بلاد الجزيرة، روى عن أبي هلال محمد بن سُليم البصري. قال فيه الدارقطني: "جَزَريّ متروك". والثاني مقدسيّ، روى عن الفُضيل بن عياض وعبيد الله بن عمر. روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي. قال فيه ابن حبان: "روى أشياء موضوعة" وأورد له حديثين وقال: "هذان موضوعان". وناقشه الذهبيُّ في "الميزان"، ثم استظهر الذهبيّ أن الرجلين واحد. وذكر ابن حجر أن النَّباتي فرَّق بينهما.
أقول: والفرق هو الظاهر. فأما الذي في سند الخطيب فإن كان غير هذين فلا نعرفه، وإن كان أحدهما فالظاهر أنه الأول؛ فإن حماد بن زيد بصريّ من طبقة محمد بن سُليم، وعليُّ بن حرب موصلي. والله أعلم.

2 - [1/ 85] إبراهيم بن بشّار الرمادي.
في "تاريخ بغداد" (13/ 389 (2) [405]): " ... إبراهيم بن بشّار
__________
(1) "الميزان": (1/ 7 - 8)، و"اللسان": (1/ 222 - 224).
(2) كذا الأصل، وكذا في "التأنيب". والظاهر أنهما ينقلان عن نسخة غير النسخة المتداولة اليوم من "التاريخ" الطبعة الأولى سنة 1349 بمصر، فإن الرواية فيها (13/ 405)، وكذلك الأرقام في سائر التراجم الآتية تختلف عن الواقع في هذه الطبعة، فزد على كل رقم نحو عشرة تجد الرواية فيها إن شاء الله. وسبب هذا التفاوت بين النسخ - فيما بلغني - أن هذا الجزء الثالث عشر من "التاريخ" لما نزل إلى السوق واطلع عليه بعض المتعصبين لأبي حنيفة رحمه الله هالهم ما جاء في ترجمته من طعون رواها الخطيب بأسانيده، فكُلِّف الشيخُ الكوثري بالتعليق عليها، =
(10/148)

الرمادي، حدثنا سفيان بن عُيينة ... ".
قال الأستاذ (ص 82): "عنه يقول ابن أبي حاتم: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سمعت أبي وذكر إبراهيم بن بشّار الرمادي فقال: كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا -كأنه يغيِّر الألفاظ، فتكون زيادة ليس في الحديث - فقلت له: ألا تتقي الله؟ تملي عليهم ما لم يسمعوا! وذمَّه في ذلك ذمًّا شديدًا".
أقول: وقال ابن معين: "ليس بشيء، ولم يكتب عند سفيان، وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان". وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وقال أبو حاتم: "صدوق". وقال أبو عوانة في "صحيحه": "ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة وممن سمع منه قديمًا". وقال الحاكم: "ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة". وقال يحيى بن الفضل: "كان والله ثقة". وقال ابن حبان في "الثقات" (1): "كان متقنًا ضابطًا، صَحِب ابنَ عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارًا ... ولقد (2) حدثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار
__________
= ففعل؛ وأعيد طبع الجزء مع التعليقات المذكورة. [ن].
نقول: من أجل هذا أضفنا رقم الصفحة من الطبعة المتداولة اليوم بين معكوفين [] بعد رقم الصفحة التي أحال إليها المؤلف والكوثري. ثم رجعنا للطبعة الجديدة التي حققها د. بشَّار عوّاد للتثبّت، وقيّدنا ما وجدناه من فروق أو فوائد فيها. وقول الشيخ الألباني: إن الذي علّق على هذا الجزء الكوثري ليس بدقيق، بل الذي علق لجنة من علماء الأزهر تحت إشراف شيخ الأزهر. انظر "الترحيب" (ص 305 - مع التأنيب).
(1) (8/ 72 - 73).
(2) كذا، وهو كذلك في النسخة الخطية التي ينقل منها المؤلف وفي "التهذيب". ووقع في مطبوعة "الثقات" عن نسخة أخرى: "واحد" تابع للجملة قبلها ...
(10/149)

الرمادي قال: حدثنا سفيان بمكة وعبَّادان، وبين السماعَين أربعون سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحُمَيدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة، وإبراهيمُ بن بشار أحفظهما".
أقول: يتحصَّل من مجموع ما ذُكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عُيينة قديمًا، ثم كان يحضر مجالسه، فربما حدَّث سفيانُ ببعض تلك الأحاديث، فربما أبدل كلمة بأخرى أو نحو ذلك - على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى - وكان بعض الحاضرين لا يتمكَّنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع، فإذا فرغ المجلس رغبوا إلى إبراهيم فيملي عليهم ذاك المجلس، فربما أملى عليهم كما حفظ سابقًا، ويكون في ذلك ألفاظ مغايرة للألفاظ التي عبَّر بها سفيان في ذاك المجلس. فذاك [1/ 86] الذي أنكره عليه أحمد ويحيى.
وقد يقال: إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف، فالخَطْب سهل، وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدَّث سفيان قديمًا، وإن كان هو إنما سمعه بتغييرٍ ما في الألفاظ؛ كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغييرٍ ما في الألفاظ؛ بل هذا أسوغ، فإن اللفظين كلاهما صحيح عن سفيان.
وبالجملة فهذا توسُّعٌ في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحًا. وظاهر قول أحمد: "كأنه يغير الألفاظ" أنه جوَّز أن إبراهيم يغيِّر الألفاظ من عنده، وذلك أشدّ. وهكذا ما يُروى عن ابن معين أنه قال في إبراهيم: "رأيته ينظر في كتاب - وابن عيينة يقرأ - ولا يغيِّر شيئًا، ليس معه ألواح ولا دواة". فالكتاب الذي
(10/150)

كان ينظر فيه سماعُه القديم من ابن عيينة، فكان يعيد سماعه ليتثبت. وقد عَرَف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى، فلم يكن يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ، ولعله لو رأى اختلافًا معنويًّا لراجع ابن عيينة إما في المجلس وإما بعده.
وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من الاختلاف، فقال ابن عيينة: "عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت". كما في "فتح المغيث" (ص 492) (1). وفي "التهذيب" (2): "وقال أحمد: كأنَّ سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة. يعني: مما يُغرِب عنه، وكان مكثرًا عنه".
أقول: وحق لمن لازم مثل ابن عيينة في كثرة حديثه عشرات السنين أن يكون عنده عنه ما ليس عند غيره ممن صحبه مدة قليلة.
نعم قال البخاري (3) في إبراهيم: "يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق". وأورد له حديثًا رواه ابن عيينة مرفوعًا، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلًا (4). قال الن عدي: "لا أعلم أُنكِر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وباقي حديثه مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق" (5).
__________
(1) (4/ 386).
(2) (1/ 109).
(3) "التاريخ الكبير": (1/ 277).
(4) المصدر نفسه: (2/ 140).
(5) "الكامل": (1/ 267).
(10/151)

أقول: فإن كان وَهِم في هذا، فهو وهمٌ يسير في جانب ما روى. فالرجل ثقة ربما وَهِم. والسلام.
هذا، وقد توبع إبراهيم على الرواية التي ساقها الخطيب، وذكر الأستاذ نفسه متابعةَ عليِّ ابن المديني له. غاية الأمر أن بين اللَّفظين اختلافًا ما، وجهه أن ابن عيينة قال مرة كما ذكره إبراهيم، ومرة كما ذكره ابن المديني. راجع (ص 4) (1) والله أعلم.

3 - [1/ 87] إبراهيم بن الحجاج.
في "تاريخ بغداد" (13/ 392 [410]). " ... الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد (2) بن زيد ... ".
قال الأستاذ (ص 94): "قدري، ففي قبول قوله في أئمة السنة وقفة".
أقول: في ترجمة إبراهيم بن الحجاج السامي من "تهذيب المزي" (3) أنه يروي عن حماد بن زيد، ويروي عنه الحسن بن سفيان. وكذا في ترجمة إبراهيم بن الحجاج النيلي (4)، وكلاهما موثَّق. ولم أجد نسبة أحدهما إلى القَدَر، وليس كل بصريٍّ قدريًّا، ولا غالبهم قدرية؛ بل غالبهم غير قدرية كما
__________
(1) الظاهر أن الإحالة على النسخة التي بخط المؤلف، ولعل الإحالة على ما سبق في أول الكتاب (ص 13 - 14).
(2) نص "التاريخ": "قُرئ على الحسن بن سفيان حدثكم إبراهيم بن الحجاج حدثنا حماد ... ".
(3) (1/ 106).
(4) (1/ 106)
(10/152)

يأتي في ترجمة طلق بن حبيب (1). وعلى فرض أن الرجل قدري، فلم يكن داعيةً، والمخالفةُ في المذهب لا تخدش في الرواية، كما مرَّ في القواعد (2). والله الموفق.

4 - إبراهيم بن راشد الأَدَمِيّ.
في "تاريخ بغداد" (13/ 406 [432]): " ... إبراهيم بن راشد الأدميّ قال: سمعت أبا ربيعة فهد (3) بن عوف ... ".
قال الأستاذ (ص 129): "المتهم عند ابن عدي، كما ذكره الذهبي".
أقول: تعقّبه ابن حجر في "اللسان" (4) قال: "لم أر في "كامل ابن عدي" ترجمته". وقد قال ابن أبي حاتم: "صدوق". وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان من جلساء يحيى بن معين". وفي ترجمة علي بن صالح الأنماطي من "الميزان" (5) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني: "أنا عمر بن شاهين، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، ثنا إبراهيم بن راشد الأدمي، ثنا علي بن صالح الأنماطي ... " استنكره الذهبي وقال: "المتهم بوضعه علي، فإن الرواة ثقات سواه". تعقَّبه ابن حجر في
__________
(1) رقم (114).
(2) (1/ 71 فما بعدها).
(3) في "التاريخ": "محمد" تحريف، ووقع على الصواب في الطبعة المحققة: (15/ 560). وانظر الترجمة رقم (177) من هذا الكتاب.
(4) (1/ 278).
(5) (4/ 53).
(10/153)

"اللسان" (1) بأن عليًّا ذكره ابن حبان في "الثقات" (2) وقال: "مستقيم الحديث". قال ابن حجر: "وينظر فيمن دون صاحب الترجمة".
أقول: أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة، فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن ذاك الشيخ، فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ "أخبرنا" على اصطلاحه في الإجازة - كما يأتي شرحه في ترجمته (3) - فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بين أبي نعيم وابن شاهين، ويبرأ غيره. والله أعلم.

5 - إبراهيم بن سعيد الجوهري.
راجع "الطليعة" (ص 66 - 68) (4).
قال الأستاذ [1/ 88] في: "الترحيب" (ص 50): "لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه، من غير أن يتكرر ذلك منه".
أقول: أما كلمة حجاج فلا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: "وكان حجاج يقع فيه"، فإن عنى تلك الكلمة فقد بان حالها. وإن عناها وغيرها، فالوقيعة في الإنسان معناها مطلق الذم، كأن يكون قال مرة تلك الكلمة، وقال مرة: "لم يكن بالذكي"، وقال أخرى: "مغرم بالكتابة عن كل
__________
(1) (5/ 550).
(2) (8/ 470 - 471).
(3) رقم (22).
(4) (ص 50 - 51).
(10/154)

أحد ليقال: مكثر" ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحًا.
ثم مال الأستاذ إلى الإنصاف، فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد، ولكنه جعل الحَمْل على عبد الرحمن بن خراش، وستأتي ترجمته (1).

6 - إبراهيم بن شَمَّاس.
في "تاريخ بغداد" (13/ 414 [443]): " ... إبراهيم بن شماس يقول: كنت مع ابن المبارك في الثغر، فقال: لئن رجعت [من هذه] (2) لأُخرِجنَّ أبا حنيفة من كتبي". وفيه بعد ذلك: " ... إبراهيم بن شماس يقول: سمعت ابن المبارك يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة".
قال الأستاذ (ص 150): "إبراهيم بن شماس ذلك المتعبَّد الغازي ... على علوّ طبقته لم يُخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة ... بطل مغوار متعبد متعصب ... مِلءُ إهابه التعصّب، على زهده".
أقول: أما العبادة والزهد والجهاد والبطولة، فنعم. وأما التعصُّب، فإنما وصفه به بعض مَن لم يدركه، وهو الإدريسي الذي ولد بعد إبراهيم بأكثر من مائة سنة، وإنما قال: "كان شجاعًا بطلًا ثقة ثبتًا متعصبًا لأهل السنة".
فأما الذين أدركوه فإنما وصفوه بالسنة. قال الإِمام أحمد: "كان صاحب سنة". وقال أحمد بن سَيَّار: "كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم،
__________
(1) لم نجد ترجمة مفردة لابن خراش، فلعل المؤلف ذهل عن إفرادها.
(2) من "التاريخ".
(10/155)

وجالس الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم [ابن راهويه] يعظم من شأنه ويحرِّضنا على الكتابة عنه".
وممن روى عنه: الإِمام أحمد، وأبو زرعة، والبخاري في غير "الصحيح"، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما يأتي في ترجمة محمد بن أَعْين (1). وأبو زُرعة من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416) (2). والبخاري نحو ذلك، كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله [1/ 89] أبو عبد الرحمن (3). ووثَّقه الدارقطني وابن حبان وغيرهما. وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدلُّ على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في "الثقات" (4): "كان متقنًا ... سمعت عمر بن محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتابًا على الناس في الثغر، فلما مرَّ على ذكر أبي حنيفة قال: اضربوا عليه. وهو آخر كتاب قرأ على الناس ثم مات".
فأما عدم إخراج البخاري عنه في "صحيحه" فكأنَّه إنما لقيه مرة، فإن إبراهيم كان دائبًا في الجهاد، فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في "الصحيح"، وقد أدرك البخاريُّ مَن هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادًا.
__________
(1) رقم (194).
(2) (3/ 396).
(3) رقم (23). وهكذا وقع في (ط): "أبو".
(4) (8/ 69 - 70).
(10/156)

وكم من ثقة ثبت لم يتفق أن يُخرج عنه البخاري في "صحيحه"، وأخرج عمن هو دونه بكثير.
فأما بقية الستة، فأبو داود ولد سنة 202 فقد أدرك إبراهيم، فإن إبراهيم استشهد سنة 220، ولكن لعلّه لم يلقه، وإنما روى في مسائل مالك (1) عن رجل عنه على ما يظهر من "التهذيب". وقد سمع أبو داود جماعةً ممن هو أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم. ومسلم ولد سنة 204، والباقون بعد ذلك.
وجامعو الكتب الستة يتحرَّون علوَّ الإسناد والاختصار، ولا ينزلون إلّا لحاجة. والرواية عن إبراهيم قليلة، لاشتغاله بالجهاد، ولأنه لم يعمَّر حتى يحتاج إليه. وقد روى عنه مَن هو أجلّ من أصحاب الكتب الستة، كما مرَّ.
وقد ساق الأستاذ في تعليقه على "شروط الأئمة" (2) كلامًا طويلًا فيه ما فيه، وقال في أواخره: "ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقط، فقد ظن باطلًا. وجرَّد الحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات".
__________
(1) كذا، والذي في "تهذيب الكمال": (1/ 114)، و"تهذيب التهذيب": (1/ 127) الرمز قبل اسمه ب "ل، فق" و"ل" هو رمز مسائل أبي داود للإمام أحمد. وقد صرّح المزي بذلك في آخر الترجمة بقوله: "روى له أبو داود في كتاب المسائل في باب زيادة الإيمان ونقصانه". وانظر كتاب "المسائل" (ص 364 - 365) روى عن الإِمام أحمد عنه ثلاث مسائل، ولعل المؤلف ذهل إلى رمز (كد) وهو علامة ما أخرجه أبو داود في مسند حديث مالك بن أنس. والله أعلم.
(2) "شروط الأئمة الخمسة" (ص 63 - 64).
(10/157)

فأما المخالفة في المذهب والتعصُّب للسنة، فلا يخدش في الرواية, كما مرَّ في القواعد (1).
بقي أن الأستاذ قال بعد ما تقدم: "ويقضي على مختَلَقات الخصوم في هذا الكتاب كثرةُ رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة في "المسانيد السبعة عشر" له ... فأنَّى تصح رواية ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة! ".
أقول: الأستاذ يتذرَّع بهذا إلى الطعن في جماعة من الثقات الأثبات: إبراهيم وغيره، كما يأتي في تراجمهم. وذلك يضطرنا إلى مناقشته هنا، فأقول:
[1/ 90] المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة، منها ما جامِعُه مجروح، وما كان جامعه ثقة ففي أسانيده إلى ابن المبارك مجروح أو أكثر، وما عساه يصح إلى ابن المبارك لا يصح (2) حَمْله على أنه مما حدَّث به ابن المبارك قديمًا، فإنه لا يلزم من تركه الروايةَ عن أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة أن لا يروي الناسُ عنه ما سمعوه قبل ذلك، ولا سيما الذين لم يحضروا أمره بالضرب أولم يعملوا به، والله المستعان.

7 - إبراهيم بن أبي الليث.
في "تاريخ بغداد" (13/ 417 [447]): " ... إبراهيم بن أبي الليث قال: سمعت الأشجعي غير مرة ... ".
قال الأستاذ (ص 160): " ... عنه يقول ابن معين: لو اختلف إليه ثمانون كلهم
__________
(1) (1/ 71 فما بعدها).
(2) كذا في (ط)! ولا يستقيم المعنى، وتصح العبارة بحذف "لا".
(10/158)

مثل منصور بن المعتمر ما كان إلا كذابًا. وكذَّبَه غير واحد".
أقول: ترجمة إبراهيم هذا في "تاريخ بغداد" (ج 6 ص 191). فأما هذه الكلمة التي ذكرها الأستاذ، فإنما رواها الخطيب من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن محرِز (1)، وترجمة ابن محرِز هذا في "تاريخ بغداد" (ج 5 ص 83) ليس فيها تعريف بحاله وإنما فيها: "يروي عن يحيى بن معين. حدث عنه [عبد الله بن] جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي". وكلمة ابن الدَّورقي المذكورة في "اللسان" (2) و"التعجيل" (3) هي في قصة طويلة رواها الخطيب من طريق أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ. والأزدي اتهموه، ونحتاج إلى الاعتذار عن ابن حجر في جزمه بها مع أنها من طريق الأزدي (4). وما في "اللسان" تبعًا لأصله (5) أن ابن معين قال في إبراهيم: "ثقة، لكنه أحمق" إنما رواها الخطيب من طريق بكر بن سهل عن عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين. وبكر بن سهل هذا إن كان هو الدمياطي المترجَم في "الميزان" و"اللسان" - كما بنيتُ عليه في "الطليعة" (ص 78) (6) وتأتي الإشارة إليه في ترجمة الحسن بن الربيع (7) - ففيه كلام
__________
(1) انظر "معرفة الرجال" (366) لابن محرز.
(2) (1/ 337).
(3) (1/ 273 - 275).
(4) يعني وقد تقرر أن ابن حجر لا يجزم إلا بما ثبت عنده.
(5) أي "الميزان": (1/ 54).
(6) (ص 60).
(7) رقم (75).
(10/159)

شديد، وعقَّبها الخطيب بقوله: "وهذا القول من يحيى في توثيقه، كان قديمًا ثم أساء القول فيه بعدُ، وذمَّه ذمًّا شديدًا".
والذي يتلخَّص من مجموع كلامهم: أنهم لم ينقموا عليه شيئًا في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع كان يعترف أنه لم يسمعها. فقَصَده الأئمة: أحمد، ويحيى، وابن المديني، وغيرهم؛ يسمعون منه كتب الأشجعي. [1/ 91] فكانوا يسمعون منه، ثم حدَّث بأحاديث عن هُشيم وشَريك وغيرهما مِن حِفْظه، فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرَّد بها عنهم، وكان عندهم أنها مما تفرد به غيرُ أولئك الشيوخ.
منها: حديث رواه عن هشيم، عن يعلي بن عطاء. وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى. فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث، حتى بان له أن غير حماد قد حدَّث به. وعذَره أحمدُ في بقية الأحاديث.
وأما ابن معين فشدَّد عليه، وتبعه جماعة. واختلف عن ابن المديني؛ فقيل: لم يزل يحدِّث عنه حتى مات. وقيل: بل كَفَّ بأَخَرةٍ. وقال أبو حاتم: "كان أحمد يُجْمِل القول فيه، وكان يحيى بن معين يحمل عليه، وعبيد الله القواريري (وهو ثقة عندهم من رجال الصحيحين) أحبُّ إليَّ منه" (1). وذكره ابن حبان في "الثقات" (2). وقال أبو داود عن ابن معين: "أفسد نفسه
__________
(1) "الجرح والتعديل": (2/ 141).
(2) لم أجده في المطبوع منه، والمؤلف اعتمد على عزو الحافظ في "اللسان" و"التعجيل"، فلعلها كانت في نسخته.
(10/160)

في خمسة أحاديث" فذكرها. قال ابن حجر في "التعجيل" (1): "وهذا عندي أَعْدَل الأقوال فيه".
أقول: قد ظهرت عدالةُ الرجل أولًا، ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها، فمنهم مَن عَذَره، ومنهم من رماه بسرقتها. فالذي ينبغي: التوقفُ عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي، وقبولُ ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعًا، ولم ينكروا منها شيئًا. وأحسب أن رواية الإِمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي. وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري، فقد احتجَّ (ص 99): "حدثنا ... قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي .. ". فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي، لكنها حكاية لا يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم.

8 - إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري.
في "تاريخ بغداد" (13/ 373 [376]): " ... سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد. قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر الصديق: يا رب ... ".
قال الأستاذ (ص 40): "الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه، من جهة أنه كان أفتى أخاه على موازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور، فقتل في الحرب ... وحكمُ شهادة العدو في مذهب الشافعي ... معروف ... ويقول ابن سعد
__________
(1) (1/ 275).
(10/161)

في "الطبقات الكبرى": [1/ 92] كان كثير الغلط في حديثه. ويقول ابن قتيبة في "المعارف": إنه كان كثير الغلط في حديثه. ومثله في "فهرست محمد بن إسحاق النديم". لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض ... مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته ... ".
وقال الأستاذ (ص 71): "سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فَقَد اتزانه من فَقْد أخيه، فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل، حتى في مجلس الرشيد، كما تجد ذلك في "تقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم .... غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه".
وقال الأستاذ (ص 73): "إنما شأنه في السير والمغازي، ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الإِمام الكبير في السير والمغازي ... ".
وقال (ص 77): "قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه".
أقول: مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين:
الأول: قوله: إنه كان يعادي أبا حنيفة لإفتائه أخاه بالخروج، فخرج، فقتل.
الثاني: كثرة الخطأ.
فأما العداوة فيحاول الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى، مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في روايةٍ ذُكِرت في "تاريخ بغداد" (13/ 384 [397]) في سندها يزيد بن يوسف الشامي، فتكلم الأستاذ فيها (ص 70):
(10/162)

قال: "يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة. ويقول النسائي: متروك".
والكلام فيه أكثر من ذلك، حتى قال ابن شاهين في "الضعفاء" (1): "قال ابن معين: كان كذابًا". وقال ابن حبان: "كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، يرفع المراسيل [ولا يعلم]، ويسند الموقوف ولا يفهم. فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده" (2).
فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في "تاريخ بغداد" (13/ 384 [398]) فيها عن أبي إسحاق: "قُتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة، فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي: من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المَصِّيصة وأردت أخًا [1/ 93] لي قُتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قُتِلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه ... ".
وهناك رواية ثالثة في "تقدمة الجرح والتعديل" (3) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان. وفي إسنادها نظر، ولا ذِكْر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدلّ على عدم الفتوى.
فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتلُ أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور، فقَدِم فلقي أبا حنيفة، فسأله
__________
(1) (ص 198).
(2) "المجروحين": (3/ 106). وما بين المعكوفين منه.
(3) (1/ 284).
(10/163)

أبو حنيفة، فأجابه أنه جاء من المَصِّيصة - الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودَفْعهم عن بلاد الإِسلام - فقال أبو حنيفة: "لو أنك قُتِلْت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه".
ومن المعلوم أن أبا إسحاق حَبَس نفسَه غالبَ عمره على المرابطة في الثغر، والتعرّض للشهادة صباح مساء، فلم يكن ليغمَّه قتلُ أخيه إلا لكونه في فتنة، ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه فتنة، ولا ليستعظم قول من قال له: "لو أنك قتلت مع أخيك ... " إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كُنْهِه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإِسلام.
فهذا وغيره - مما يوجد في الروايات الأخرى، منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة - هو الذي أحْفَظ أبا إسحاق على أبي حنيفة. فإن بلغ ذلك أن يسمَّى عداوة، فهي عداوة دينية، لا تُرَدّ بها الرواية بإجماعهم، كما تقدم في القواعد (1). وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة، أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق؟ فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور، وإما مخطئ مأجور. ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر:
كان أبو حنيفة يستحبّ أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار؛ وأبو إسحاق ينكر
_________
(1) (1/ 67).
(10/164)

ذلك. وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمَنْ كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين، وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم، وشغلٌ لهم بقتل بعضهم بعضًا؛ فتَهِنُ قوتُهم وتقوى شوكةُ عدوهم، وتتعطل ثغورهم فيستولي عليها [1/ 94] الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويُذِلُّونهم، وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعًا.
وقد جرَّب المسلمون الخروج، فلم يروا منه إلا الشرَّ. خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظّمهم (1) أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللَّتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية، ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحَرّة، ثم خرج القُرّاء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن عليّ، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى، فخذلوه، فكان ما كان. ثم خرجوا مع بني العباس فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروجَ عليها. واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه، ولو كُتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!
هذا، والنصوص التي يحتجُّ بها المانعون من الخروج والمجيزون له
__________
(1) كذا في (ط) وربما كانت: "ومعظّموهم".
(10/165)

معروفة. والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظنّ أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به، جاز الخروج، وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب مَن اعتبر بالتاريخ، وكان كثيرَ المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق.
وأما حال أبي إسحاق في الرواية، فنبدأ بتلك الكلمة: "كثير الخطأ في حديثه". هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد، وابن قتيبة، وابن النديم. فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم. وإنما فنّ ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب. وابن النديم رافضيّ ورَّاق، فنُّه معرفة أسماء الكتب التي كان يَتَّجِر فيها؛ وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد.
وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب (1) في ترجمته: أن مصعبًا الزبيري قال لابن معين: "حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا" فقال ابن معين: "كذَب". [1/ 95] واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: "محمد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه .. ". وقال أبو حاتم: "يصدق" (2).
ووفاة ابن سعد سنة 230، فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكًا واضحًا، وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يتردَّدون، وهو مُكثر من الحديث
__________
(1) (5/ 321).
(2) "الجرح والتعديل": (7/ 262).
(10/166)

والشيوخ، وعنده فوائد كثيرة؛ ومع ذلك لم يُخرجوا عنه شيئًا، إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد - وستأتي ترجمته (1) - عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: "يقولون: قبيصة بن وقّاص له صحبة" (2). وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر، ولا ترفعُ حكمًا ولا تضعُه.
والأستاذ كثيرًا ما يتشبَّث في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر، كما تقدّم في ترجمة إبراهيم بن شَمَّاس. فأما ابن سعد، فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه.
وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: "الإِمام"، ولم يقتصر عليه بل قال: "الإِمام الكبير"، وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة، فإنه ذكره في موضعين من "الطبقات" (ج 6 ص 256) (3) و (ج 7 قسم 2 ص 67) (4) وقال في كلا الموضعين: "وكان ضعيفًا في الحديث" ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق، فلم يقل: "ثقة"، ولا "فاضل"، ولا "صاحب سنة"!
ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حدَّ أن يُقبَل منه تليينُ مَنْ ثبَّته غيرُه، على أنه في أكثر كلامه إنما
__________
(1) رقم (25).
(2) هذه العبارة ذكرها المزي في "تحفة الأشراف": (8/ 276)، و"تهذيب الكمال": (6/ 99)، وليست في "سنن أبي داود" عند حديث قبيصة (434).
(3) (8/ 489).
(4) (9/ 324).
(10/167)

يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف. وفي "مقدمة الفتح" (1) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح: "شذَّ ابن سعد فقال: منكر الحديث. ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا، فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد". وفيها (2) في ترجمة مُحارب بن دِثار: "قال ابن سعد: لا يحتجّون به. قلت: بل احتجَّ به الأئمة كلُّهم ... ولكن ابن سعد يقلِّد الواقدي". وفيها (3) في ترجمة نافع بن عمر الجمحي: "قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر، لاعتماده على الواقدي".
وقد ردَّ الأستاذ (ص 168) قول إمام النقَّاد عليِّ ابن المديني في أبي حنيفة: "روى خمسين حديثًا أخطأ فيها". فقال الأستاذ: "لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب، [1/ 96] وهو على كل حال جرح غير مفسَّر".
وذكر (ص 158) قول ابن أبي داود: "إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه". فقال الأستاذ: "فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافًا من غير أن يبيّن ما هو خطؤه، وفي أي حديث كان ذلك الخطأ".
وذكر الأستاذ (ص 90) قول ابن حبان (4) في أبي حنيفة: "كان أجلَّ في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من
__________
(1) (ص 417).
(2) (ص 443).
(3) (ص 447).
(4) عزا الكوثري هذا النقل إلى "الضعفاء" لابن حبان، ولم أجد في ترجمته في "المجروحين": (3/ 63) هذه العبارة بهذا النص بل بنحوها.
(10/168)

حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم. حدَّث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلَبَ إسنادها أو غيَّر متنها". فأجاب الأستاذ جوابًا إجماليًّا يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان (1) إن شاء الله.
يدفع الأستاذ هذه النصوصَ وأضعافَها بأنها لم تفسَّر، ويتشبث في الغضِّ من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة "كثير الخطأ في حديثه" محاولًا أن ينطح بها ذلك الجبل الشامخ! وإذ قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها، فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (2):
أما ثقته، فقال ابن معين: "ثقة ثقة". وقال أبو حاتم: "الثقة المأمون الإِمام". وقال النسائي: "ثقة مأمون أحد الأئمة". ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في "الصحيحين" وبقية الستة والناس.
وأما فقهه، فقال ابن المبارك: "ما رأيت رجلًا أفقه من أبي إسحاق الفزاري". وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: "لَقول أبي إسحاق أحبُّ إليَّ من قول إبراهيم النخعي".
وأثنى عليه آخرون في الفقه.
وأما معرفته بالسير، فقال ابن عيينة: "ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه". وقال الخليلي: "أبو إسحاق يقتدى به
__________
(1) رقم (200).
(2) من "تقدمة الجرح والتعديل" [1/ 281] لابن أبي حاتم و"تذكرة الحفاظ" [1/ 273] الذهبي و"تهذيب التهذيب" [1/ 151]. [المؤلف].
(10/169)

وهو صاحب "كتاب السير". نظر فيه الشافعي وأملى كتابًا على ترتيبه ورَضِيَه". وقال الحميدي: "قال لي الشافعي: لم يصنِّف أحد في السير مثله".
وأما إمامته وفضله، فقال سفيان بن عيينة: "كان إمامًا". وقال أيضًا: "والله ما رأيت [1/ 97] أحدًا أقدِّمه عليه". وقال الفضيل بن عياض: "ربما اشتقتُ إلى المَصِّيصة، وما بي فضل الرباط، بل لأرى أبا إسحاق". وقال أبو داود الطيالسي: "مات أبو إسحاق الفَزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه". وقال عبد الرحمن بن مهدي: "إذا رأيت شاميًّا يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئنّ إليه، كانا إمامين في السنة". وقال أبو أسامة: "سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري".
والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية.
فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته "أصحاب الأغراض".
وقال الأستاذ (ص 66) في شأن أبي إسحاق: "حاله في عِلْمه كما علمت، وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين، فرفعوه إلى غير مرتبته"!
أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخطَ الذي يصوِّره الأستاذ، فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال: إنه راض
(10/170)

عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كُسَير وعُوَير، وثالث ما فيه خير!
وقال الأستاذ (ص 77): "قال الحافظ (؟) ابن أبي العوّام: حدثني ... سمعت إسماعيل بن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة، فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المَصَّيصة - لم يحدِّث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء، ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك".
أقول: إن صحت هذه الحكاية، فإنما تدلُّ على أدب كل من الإمامين مع صاحبه، وحُسْن اعتقاده فيه. ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة، ويحكي عنه ما لم يكن، ويتكلم فيه بالهوى؛ ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.
وإن تعجب فعجبٌ ما في التعليق على صفحة (387) من المجلد (13) من "تاريخ بغداد" (1)، ونص ذلك: "أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث، وهذان الخبران من مناكيره". أما إني لا أكاد أصدِّق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره! وقريب من هذا ما يأتي في [1/ 98] ترجمة صالح بن أحمد (2)، فإن القضية التي كشفتُ عنها في "الطليعة" (ص 12) (3) يعتذر عنها الأستاذ في "الترحيب" (4) بأنه قد سبقته إليها اللجنة
__________
(1) لم نجد هذا التعليق في الطبعة الثانية من التاريخ, وقد تقدم (ص 376) في التعليق قوله: "وفي الروايتين أبو إسحاق الفزاري، وهو منكر الحديث". وجاء في (ص 401) قوله: "في هذه الروايات أبو إسحاق الفزاري، وقد تقدَّم القول في ضعفه".
(2) رقم (109).
(3) (ص 5 - 11).
(4) (ص 321 - مع التأنيب).
(10/171)

الأزهرية. والله المستعان.

9 - إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكِّي النيسابوري.
في "تاريخ بغداد" (13/ 385 [398]): "أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكّي النيسابوري، حدثنا محمد بن المسيب .. ".
قال الأستاذ (ص 71): "لم يكن البَرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب".
أقول: قال الخطيب في "التاريخ" (6/ 168): " ... وكان ثقة ثبتًا مكثرًا مواصلًا للحج ... وكان عند البَرقاني عنه سَفَط أو سَفَطان، ولم يخرج عنه في "صحيحه" شيئًا، فسألته عن ذلك، فقال: حديثه كثير الغرائب، وفي نفسي منه شيء، فلذاك لم أرو عنه في "الصحيح". فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها ... فأثنوا عليه أحسن الثناء، وذكروه أجمل الذِّكْر. ثم لما رجعت إلى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال: قد أخرجت في "الصحيح" أحاديث كثيرة بنزول، وأعْلَم أنها عندي بعلوّ عن أبي إسحاق المزكي، إلا أني لا أقدر على إخراجها؛ لكبر السن، وضعف البصر، وتعذُّر وقوفي على خطي لِدِقّته، أو كما قال".
أقول: فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكّي، وعاد فَرضِيَه. وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث. وحكى الخطيب عن الحاكم قال: "كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العُبّاد المجتهدين ... عُقد له
(10/172)

الإملاء بنيسابور سنة 336، وهو أسود الرأس واللحية، وزُكِّيَ في تلك السنة. وكنا نعدُّ في مجلسه أربعة عشر محدِّثًا، منهم أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو عبد الله الصفار، ومحمد بن صالح، وأقرانهم".
وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرةً عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
ففي الحال الأولى: تكون تَبِعة النكارة على الراوي نفسه، لظهور براءة من فوقه عنها. وفي الحال الثانية: يقال: من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما [1/ 99] قال ابن نُمير في أبي هشام الرفاعي: "كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب" (1). وحُفَّاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة الحديث، ولازِمُ ذلك كثرةُ الغرائب. وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثَّبْت، فلم يشكُّوا فيه، وهم أعرف به. ولذلك رجع البَرْقاني إلى قولهم.

10 - إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجُوزَجاني.
قال الأستاذ (ص 115): "في كتاب "الجرح والتعديل": أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - فيما كتب إليَّ - عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كان أبو حنيفة يحدّثنا، فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل. ثم قال: أخبرنا
__________
(1) انظر "الجرح والتعديل": (8/ 129).
(10/173)

إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - فيما كتب إليَّ - حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني".
ثم قال الأستاذ: "وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة، حتى استقرَّ قول أهل النقد فيه على أنه لا يُقبل له قول في أهل الكوفة. وكان ناصبيًّا خبيثًا حريزي المذهب. أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌّ يَذبح في ضحوة نيفًا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدِّقه ذلك التقي في أبي حنيفة".
أقول: أما الحكاية الأولى، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث، كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى (1). والحنفية - ومنهم الأستاذ - يعتذرون عن ذلك بما هو معروف. وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأيُّ مانع أن يحدِّث بأشياء من ذلك، ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى (2).
وأما الجوزجاني فحافظ كبير متقن عارف، وثَّقه تلميذه النسائي جامع "خصائص علي" وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون. فأما ميل الجوزجاني إلى النَّصْب، فقال ابن حبان في "الثقات" (3): "كان حَرِيزيّ المذهب ولم يكن بداعية، وكان صلبًا في السنة ... إلا أنه [1/ 100] من صلابته ربما كان يتعدَّى طورَه". وقال ابن عدي: "كان شديد الميل إلى
__________
(1) (2/ 6، 30، 62، 77، 92، 102، 104، 147، 276).
(2) رقم (196).
(3) (8/ 81).
(10/174)

مذهب أهل دمشق في الميل على عليّ" (1). وليس في هذا ما يبيِّن درجته في الميل.
فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (2): "قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجةً ... ". فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري. ترجمته في "لسان الميزان" (ج 5 ص 140) (3)، تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث. والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في "معجم البلدان" (جوزجانان) (4) من عبد الله بن أحمد بن عَدَبَّس. ولابن عدبَّس ترجمة في "تاريخ بغداد" (ج 9 ص 384) و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" (ج 7 ص 288) (5) ليس فيهما ما يبيِّن حاله، فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة. وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض، فقد يقولها من يرى أن فعل عليّ عليه السلام كان خلاف الأولى، أو أنه اجتهد فأخطأ.
وفي "تهذيب التهذيب" (ج 10 ص 391) عن ميمون بن مهران قال: "كنت أفضِّل عليًّا على عثمان، فقال عمر بن عبد العزيز: أيهما أحبّ إليك:
__________
(1) "الكامل": (1/ 310). وفيه: "في التحامل على ... ".
(2) (1/ 181).
(3) (7/ 92).
(4) (2/ 183).
(5) وانظر أصله: (27/ 61).
(10/175)

رجل أسرعَ في المال أو رجل أسرعَ في كذا - يعني الدماء؟ - قال: فرجعتُ وقلت: لا أعود". وهذا بيِّن في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل عليّ خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد. ولا يُعدُّ مثل هذا نصبًا، إذ لا يستلزم البغض، بل لا ينافي الحبّ. وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضِّلونه.
فأما حطُّ الجوزجاني على أهل الكوفة، فخاصٌّ بمن كان شيعيًّا يبغض بعض الصحابة أو يكون ممن يُظَنُّ به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك. ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد (1) النظر في حَطِّ الجوزجاني على الشيعة، واتضح أنه لا يجاوز الحدّ، وليس فيه ما يسوِّغ اتهامه بتعمّد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غضّ منهم أو طعن فيهم. وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة، كما تقدم في القواعد. والله الموفق.

11 - أحمد بن إبراهيم.
راجع "الطليعة" (ص 31 - 32) (2).
وقع في "الطليعة" (ص 31): [1/ 101] "وذكر سماعه من شريك". اعترَضَها الأستاذ في "الترحيب" (3) بأنه ليس في "تهذيب التهذيب" ذِكْر
__________
(1) (1/ 96 - 98).
(2) (ص 21 - 22).
(3) (ص 325).
(10/176)

ذلك. وصدق الأستاذ، وقع الوهم في "الطليعة" لسبب الاختصار، وصواب العبارة هكذا: "ذكر الخطيب سماعه من شريك، وذكر المزي في "التهذيب" شريكًا في شيوخه".
ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو متّهم فيه.
وأقول: قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة (1)، والخطيب حجةٌ على كلّ حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد بن إبراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن إبراهيم (2)، حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب! ولو علمه لنصَّ على السماع عند تلك الحكاية نفسها. وكأن هَمّ الأستاذ في "الترحيب" أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب!

12 - أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القَطِيعي.
في "تاريخ بغداد" (13/ 411 [438]): "أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ... ".
قال الأستاذ (ص 141): "مختلط فاحش الاختلاط .... ".
أقول: قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في "التاريخ" (ج 4 ص 73) قال: "حدثت عن أبي الحسن بن الفرات .... "، وذكرها الذهبي في "الميزان" (3)
__________
(1) (1/ 59 فما بعدها).
(2) (4/ 5).
(3) (1/ 87 - 88).
(10/177)

عن ابن الصلاح قال: "اختلّ في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه. ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات". والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري من حدَّث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة، لكن ابن حجر شدَّها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال: "قدمت بغداد، وأبو بكر بن مالك حي .... فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك، فإنه قد ضَعُف واختلَّ، ومنعتُ ابني السماع منه". وهذه الحكاية في "التاريخ" (ج 4 ص 4)، لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط، وقد قال الذهبي في "الميزان" بعد ذكر الحكاية الأولى: "فهذا القول غلوّ وإسراف".
[1/ 102] أقول: ويدل على أنه غلوّ وإسراف: أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر، كالدارقطني والحاكم والبرقاني، لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيُّرًا.
وقد غمزه بعضهم بشيء آخر. قال الخطيب: "كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نسخَها من كتاب لم يكن فيه سماعه، فغمزه الناس؛ إلا أنَّا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به. وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال: كان شيخًا صالحًا ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسَخَها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة". قال الخطيب: "وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يُشكُّ في سماعه، وإنما كان فيه بَلَه. فلما غرقت القطيعةُ بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بَدَل ما غرق من
(10/178)

كتابٍ لم يكن فيه سماعه".
أقول: أجاب ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 7 ص 93) عن هذا بقوله: "مثل هذا لا يُطعَن به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قُرئت عليه وعُورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم" (1).
أقول: وقال الحاكم: "ثقة مأمون". ونَسخُه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي، ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقةٍ آخر كان رفيقه في السماع، فعرف مطابقته لأصله. والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون. وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك، فكان هو الظاهر.
ولا أدري متى كان غرق القطيعة بالماء الأسود، وقد فتشتُ أخبار السنين في "المنتظم" فلم أره ذكر غرقًا بالماء الأسود (2)، وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة 367 غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر. فإن كان ذلك هو المراد، فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع
__________
(1) وبنحوه أجاب الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية": (15/ 391).
(2) ذكر الخطيب في "التاريخ": (1/ 76، والجديدة 1/ 386) قال: "حدثني عليّ بن المُحَسِّن، قال: قال لي القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي: انبَثَق البَثْق من قُبَيِّن وجاء الماء الأسود فهدم طاقات باب الكوفة، ودَخَل المدينة فهدم دورَنا، فخَرَجنا إلى المَوْصل وذلك في سني نَيِّفٍ وثلاثين وثلاث مئة، وأقمنا بالمَوْصل سنين عدة ثم عُدنا إلى بغداد فسكنَّا طاقات العَكَّيّ".
وعليه فيكون هذا الغرق قد وقع قبل وفاة القطيعي بثلاثين سنة.
(10/179)

الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا، وأُخِذت منها عدة نسخ.
والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه [1/ 103]، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير. وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك؛ وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه. وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص 109): "ومذاهب النقَّاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لردِّ الحديث ولا مسقطًا للعدالة. ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاءَ إن كان الراوي حيًّا أن يحمله على التحفُّظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزِّله مَنْ نَقَل عنه منزلتَه، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعةُ ما سَمِع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى يُنْظَر هل [له] من أخوات ونظائر ... ".
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغيّر، وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعُه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدَّث بعد تغير شديد، أو حدَّث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له رواية واحدة، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم = تبيَّن بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.
هذا، وكتب الإِمام أحمد ك "المسند" و"الزهد" كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية
(10/180)

الكتب من طريقه لعلوِّ السند. ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المُذْهِب (1). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

13 - أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم.
في "تاريخ بغداد" (13/ 369 [370]): "أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم [الخُتَّلي] قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبَّار ... ".
قال الأستاذ (ص 32): "فابن رزق ... وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة".
أقول: ترجمة ابن سلم هذا في "التاريخ" (ج 4 ص 71) وفيها: "كان صالحا ديِّنًا مكثرًا ثقة ثبتًا، كتب عنه الدارقطني. ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: "توفي أبو بكر بن سلم ... سنة 369، وكان ثقة".
[1/ 104] والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الأبَّار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما، عن ابن سلم، عن الأبَّار. فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الأبَّار، فهو ثابت عن الأبَّار حتمًا، لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعة فعلى الأبَّار، وستأتي ترجمته (2).
__________
(1) رقم (78).
(2) رقم (27).
(10/181)

14 - أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحَّال صاحب أحمد ابن حنبل:
في "تاريخ بغداد" (13/ 418 [448]): " ... أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... ".
قال الأستاذ (ص 163): "وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقلّ تعصّبًا من عبد الله بن أحمد، وإن روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في المغازي. وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء".
أقول: هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة. أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة، وهما ممن روى عنه. وروى عنه أبو زُرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416) (1). ولم يذكر بشيء من التعصب، لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كافٍ عند الأستاذ لرميه بشدَّة التعصب. وقد تقدم تحقيق حكم التعصّب في القواعد (2).
أما قلة رواية البخاري عنه, فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرَّى علوَّ الإسناد، فلا يكاد يروي في "الصحيح" عمن هو أكبر منه بقليل، فضلًا عن أقرانه؛ إلا ما أعوزه أن يجده عند مَنْ هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في "الصحيح" فلأن تُؤخذ عنه الحكايات أولى.
__________
(1) (3/ 396).
(2) (1/ 87 - 98).
(10/182)

15 - أحمد بن الحسن بن خيرون.
قال الأستاذ (ص 31): "تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان [وصيَّ الخطيب عند وفاته وكأن] (1) الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من "تاريخ بغداد" حتى روى الناس "تاريخ الخطيب" من نسخة ابن خيرون لا عن [خط] الخطيب، وبَلَوْا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها [1/ 105] حتى رمى أبو الفضل [ابن طاهر] (2) المقدسي ابنَ خيرون بكل سوء؛ وإن لم يعجب ذلك الذهبي، وقد نقل في "ميزان الاعتدال" عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون: إن الخطيب أوصى [إلى] ابن خيرون أن يزيد وُرَيقات في "تاريخه" وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته. فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شكّ فيها، لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب، فتكون تَبِعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه؛ أو الزائد هو ابن خيرون، فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل [ابن طاهر] المقدسي ... ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في "تاريخ الخطيب" لم تُذَعْ إلا بعد أن تحنَّف عالمُ الملوك الملك المعظَّم عيسى الأيوبي، ولذلك كان هو أول من ردّ عليها. ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم. وسبط ابن الجوزي ردَّ على الخطيب أيضًا في عصر الملك المعظَّم ... ".
أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 87) وقال: "روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدَّثنا عنه أشياخنا، وكان من الثقات. وشهد
__________
(1) من "التأنيب" وكذا ما سيأتي إلا ما نبَّهت على أنه من المؤلف نفسه.
(2) "ابن طاهر" من زيادات المؤلف وكذا في الموضع الثاني.
(10/183)

عند أبي عبد الله الدامغاني [قاضي القضاة الحنفي المشهور] (1) ثم صار أمينًا له".
وفي "تذكرة الحفاظ" (ج 4 ص 7): "ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية ... سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئيَ مثل أبي الفضل بن خيرون، لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع، وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به ... ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته ... ، وقد ذكرتُ في "ميزان الاعتدال" كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود، وأنه كان يُلحق بخطه أشياء في "تاريخ الخطيب"، وبيَّنَّا أن الخطيب أذن له في ذلك. وأما خطه فمشهور، وهو بمنْزلة الحواشي، فكان ماذا؟ ".
وفي "الميزان" (2): "أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدِّثُ بغداد. تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف (3) سَمِج، فقال: حدثني ابن مرزوق، حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من "تاريخ الخطيب" فحملته إليه، فردَّه [عليَّ] [1/ 106] وقد ألحَقَ فيه في ترجمة محمد بن علي رجلَين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني [الحنفي] (4): "كان
__________
(1) المعكوفان من المؤلف.
(2) (1/ 92).
(3) في "الميزان": "زيف".
(4) المعكوفان من المؤلف.
(10/184)

نَزِهًا عفيفًا". وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يُلحق وُرَيقات في كتابه ما أحبَّ الخطيبُ أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية، وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبدًا، وما زال الفضلاء يفعلون ذلك. وهو أوثق من ابن طاهر بكثير، بل هو ثقة مطلقًا ... ".
أقول: "تاريخ الخطيب" قُرئ عليه في حياته، ورواه جماعة. ويظهر أنها أُخِذت منه عدة نسخ في حياة الخطيب، على ما جرت به عادة المُثْرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم، أن يستنسخ كلٌّ منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ، ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته. وكثير منهم يستنسخ قبل كلّ مجلسٍ القطعةَ التي يتوقع أن تُقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتمّ الكتاب.
وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي. وفي ترجمته من "المنتظم" (ج 9 ص 100): "أكثر عن أبي بكر الخطيب بصُور، وأهدى إليه الخطيب "تاريخ بغداد" بخطه، وقال: لو كان عندي أعزُّ منه لأهديته له". ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة، فلا بدَّ أن تكون عنده نسخة أخرى. ومن البيِّن أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تآليفه، فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن. فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون - كما يقول الأستاذ - فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته، فألْحَقَ ما ألْحَق؛ فإن كان ألحق على
(10/185)

أنه من الكتاب، فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح.
وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون، لا أتحققه. نعم، ذكروا احتراقًا، ولكن لم أجد نصًّا على أن نسخة الخطيب من "تاريخه" احترقت، ولا أن الناس إنما رووا "التاريخ" بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب؛ بل هذا باطل حتمًا. وقد علمتَ أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نُسَخ مما صُحِّح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه. وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي، وأبو [1/ 107] اليُمْن الكندي أستاذُ الملك المعظَّم، وخليلُه سبطُ ابنِ الجوزي "تاريخ بغداد" عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: "أخبرنا الخطيب" أو نحو ذلك. وفي ترجمته من "المنتظم" (ج 10 ص 90): "سَمَّعه أبوه وعمُّه الكثير، وكان صحيح السماع". ولا بدّ أن تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها من الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه.
ثم رأيت في "معجم الأدباء" (ج 4 ص 38) (1): "قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي "تاريخ الخطيب" بخط شجاع بن فارس الذهلي [الحافظ الثبت] الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ... ".
__________
(1) (1/ 390 - دار الغرب).
(10/186)

فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه، وسمع فيها القزّاز وولده على الخطيب، وصُححت على نسخته. ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها، أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخةً أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة، وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب، ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن، ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون، ولا بنسخة ابن خيرون، ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز، ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك، وكان المعظم ملكًا مسلَّطًا متعصّبًا، وصاحبه سبط ابن الجوزي جوّالًا متفانيًا في هواه، وهما أول مَن ردّ على الخطيب كما ذكر الأستاذ، ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى، فلو عرفا أن بين النسخ اختلافًا في الموضع الذي ردَّا عليه؛ لما سكتا عن بيان ذلك.
فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الردِّ على الخطيب مع ردهم على غيره، فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع. فأما ما في ذاك الموضع من "تاريخ بغداد" فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير، لا يقف عليه إلا الأفراد، فتكلُّفُ الجواب إنما هو سعيٌ في انتشار ذلك واشتهاره، فعلموا أن السكوت أسلم. ولما خالفهم [1/ 108] الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش!
وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر "تاريخ دمشق" (ج 1 ص 45 -
(10/187)

46) (1).
وقد حَقَّر الأستاذُ ابنَ خيرون، وعظَّم ابنَ طاهر والملكَ عيسى. فأما محمد بن طاهر فترجمته في "الميزان" و"لسانه" (2) و"المنتظم" (ج 9 ص 157) ويأتي له ذكر في ترجمة الخطيب (3). ومن طالع ذلك وتدبر ما يعتمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غضٌّ من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحطَّ الأستاذ عليه أشنع حطٍّ، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره، فضلًا عن تفسيقه. وأما الملك عيسى فحسبك أن تتتبع ما يحكيه عنه خليله (4) في المجلد الأخير من تاريخه "مرآة الزمان" في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكي عنه ما يدلّ على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم.

16 - أحمد بن خالد الكرماني.
في "تاريخ بغداد" (2/ 178) "محمد بن إسماعيل التمار الرقي قال:
__________
(1) ذكر ابن عساكر روايته عن رجلين كل منهما عن الخطيب ثم قال: "كذا في النسختين من تاريخ بغداد ... ". ووقع هناك "في الشيخين" وهو خطأ ظاهر. وفي "تذكرة الحفاظ" (4/ 61) في ترجمة أبي بكر السمعاني أنه سمع "تاريخ بغداد" من أبي محمد بن الأبنوسي. وأبو محمد من الرواة عن الخطيب. [المؤلف].
(2) "الميزان": (5/ 33)، و"اللسان": (7/ 211).
(3) رقم (26).
(4) يعني سبط ابن الجوزي.
(10/188)

حدثني أحمد بن خالد الكرماني قال: سمعت المُقَدَّمي بالبصرة يقول: قال الشافعي ... ".
قال الأستاذ (ص 183): "الكرماني مجهول".
أقول: وأنا أيضًا لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار (1)، لكن مثل هذا لا يسوِّغ لأمثالنا أن يقول: "مجهول". وراجع "الطليعة" (ص 86 - 98) (2).

17 - أحمد بن الخليل.
راجع "الطليعة" (ص 20 - 22) (3)، وما تقدم في القواعد أواخر القاعدة السادسة (4). (5)

18 - أحمد بن سعد بن أبي مريم.
في "تاريخ بغداد" (13/ 420 [450]): " ... أحمد بن سعد بن أبي مريم قال: وسألته - يعني يحيى بن معين - عن أبي حنيفة فقال: لا تكتب حديثه".
__________
(1) في "تاريخ بغداد": (2/ 45).
(2) (ص 66 - 77).
(3) (ص 13 - 15).
(4) (1/ 122).
(5) أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب: يأتي في ترجمة صالح بن أحمد [رقم 109]. [المؤلف]
(10/189)

[1/ 109] قال الأستاذ (ص 168): "كثير الوهم وكثير الاضطراب في مسائله، مع مخالفة روايته هذه لرواية الثقات عن ابن معين، ويبدو عليه أنه غير ثقة، حيث يخالف ثقات أصحاب ابن معين فيما يرويه عنه في أبي حنيفة وأصحابه".
أقول: ممن روى عن أحمد هذا: النسائيُّ وقال: "لا بأس به". وأبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة الحسين بن علي بن الأسود، وترجمة داود بن أمية. وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في ترجمة أحمد هذا من "تهذيب التهذيب" (2).
فأما كثرة وهمه وكثرة اضطرابه في مسائله فلم أعرفه، وكان على الأستاذ أن ينقل ذلك عمن يُعتدّ بقوله، أو يذكر عدة أمثلة لما زعمه. وقد ردَّ الأستاذ قول إمام النقاد علي ابن المديني في أبي حنيفة: "أخطأ في خمسين حديثًا" بأنه لم يفصِّل ذلك، كما سلف مع نظائره في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث (3)، فكيف يطمع الأستاذ أن نقبل من مثله هذه المجازفة؟
وأما دعوى مخالفة روايته هذه لروايات الثقات عن ابن معين، فالجواب من أوجه:
الأول: المطالبة بتثبيت تلك الروايات.
الثاني: أنه - كما يعلم الأستاذ - قد جاءت عن ابن معين روايات أخرى
__________
(1) (2/ 344، 3/ 180) على التوالي.
(2) (1/ 30).
(3) رقم (8).
(10/190)

في التليين لعلها أثبت من روايات التوثيق.
الثالث: أن ابن معين كثيرًا ما تختلف أقواله، وربما يطلق الكلمة يريد بها معنى غير المشهور، كما سلف في القواعد في القاعدة السادسة (1).
الرابع: أن كلمة "لا تَكْتب حديثَه" ليست بصريحة في الجرح، فقد يكون ابن معين - مع علمه برأي غيره من المحدِّثين - عَلِم أن أحمد قد استكثر من سماع الحديث، ويمكنه أن يشتغل بما هو أنفع له من تتبُّع أحاديث أبي حنيفة.
وعلى كل حال فأحمدُ هذا قد قَبِله الأئمة واحتجوا به، ولم يطعن فيه أحد منهم. والله الموفق.

19 - [1/ 110] أحمد بن سلمان النجَّاد.
في "تاريخ بغداد" (13/ 383 [393]): "أخبرنا محمد بن عبد الله [ابن] أبان الهِيتي، حدثنا أحمد بن سلمان النجَّاد، حدثنا عبد الله ... ".
قال الأستاذ (ص 65): "يقول فيه الدارقطني: يحدِّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله".
وفي "تاريخ بغداد" (13/ 404 [429]) خبر آخر من طريق النجَّاد.
فقال الأستاذ (ص 125): "والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه، كما نص على ذلك الدارقطني، كما في (4/ 191) من "تاريخ الخطيب". وليس قول
__________
(1) (1/ 118 - 120).
(10/191)

الدارقطني فيه: قد حدَّث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يُزال بلعل ولعل".
أقول: لفظ الدارقطني: "حدَّث ... "، كما في "تاريخ بغداد" في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ، وهكذا في "تذكرة الحفاظ" وفي "الميزان" و"اللسان" (1). وهذه الكلمة تصدق بمرَّة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال: "كان قد كُفَّ بصره في آخر عمره، فلعل بعض طلبة الحديث قرأ عليه ما ذكر الدارقطني"؛ بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال: "يحدِّث من كتاب غيره ... "، "ممن يروي عما ليس عليه سماعه"، فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مرارًا!
وقد تصرَّف الأستاذ مثل هذا التصرُّف وأشدّ منه في مواضع، راجع "الطليعة" (ص 66 - 72) (2)، ويعتذر الأستاذ في "الترحيب" (ص 16) بقوله: "وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كلّ وقت، وكفى بالاحتفاظ بجوهر المعنى".
أقول: على القارئ أن يراجع تلك الأمثلة في "الطليعة" ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسَّر عليه المراعاة؟ ألعله كالط بعيدًا عن الكتب، فلم يتيسر له مراجعتها، وإنما اعتمد على حفظه؟ أَوَ لا يحقُّ لي أن أقول: إن الذي عسَّر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي
__________
(1) "تذكرة الحفاظ": (3/ 868)، و"الميزان": (1/ 101)، و"اللسان": (1/ 475) وكلام الدارقطني في "سؤالات السلمي" (رقم 12).
(2) (ص 50 - 54).
(10/192)

تصرف فيها ذاك التصرُّف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه، فاضطُرَّ إلى ما وقع منه. ويدل على هذا أني لم أر كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرَّف فيها، فجاءت عبارته أخفَّ من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافيًا لغيظه، [1/ 111] كما يأتي في الترجمة رقم (23) وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافًا بما قلته في "الطليعة" (ص 66) (1).
وقول الأستاذ: "مما يُزال بلعل ولعل" يريد به قول الخطيب: " .. فلعل بعض الطلبة ... ". وقد مر. ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدِّثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلًا: فعلى هذا ينبغي التثبُّت فيما يرويه عن النجاد مَنْ لم يكن في عصره معروفًا بالتيقظ، وراوي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهِيتي قال فيه الخطيب: " ... وكان مغفَّلًا مع خلوِّه عن علم الحديث ... ". وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمَن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدَّث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله.
أقول: لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه. فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتدُّ بها في حمل غيرها عليها، وإنما الحمل على الغالب؛ فقد يمكنه أن ينازع في هذا. أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني: "بما
__________
(1) (ص 50).
(10/193)

لم يكن في أصوله"، ولم يقل: "بما لم يكن من حديثه" أو نحو ذلك، فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدَّث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته، وإن لم يكن في أصوله. وذلك كأن يكون سمع شيئًا فحفظه، ولم يثبته في أصله، ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه، فحدَّث به. أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب، ولم يثبت اسمه فيه، ثم رأى ذلك الكتاب وهو واثق بحفظه، فحدَّث منه بما كان سمعه. أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به، ثم رأى نسخة موثوقًا بها منه، فحدَّث منها.
نعم، كان المبالغون في التحفُّظ في ذاك العصر لا يحدِّث أحدهم إلا بما في أصوله، حتى إذا طولب أبرز أصله. ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم، لكنه لا يتحتم جرح من أخلَّ بذلك، إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه، وكان ما وقع منه محتملًا لوجه صحيح. وقد قال أبو علي ابن الصواف: "كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين، ونعلُه في يده، فيقال له في ذلك، فيقول: أحبُّ أن أمشي في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حافيًا". وقال أبو إسحاق الطبري: "كان النجاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدَّق بذلك [1/ 112] الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها". وكان ابن رزقويه يقول: "النجاد ابن صاعدنا". قال الخطيب: "عنى بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته". وقال الخطيب: "كان صدوقًا عارفًا، صنف كتابًا كبيرًا في السنن، وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى، وحلقة
(10/194)

بعدها للإملاء". هكذا في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 80) (1). وقال الذهبي أول الترجمة: "النجاد الإِمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد".
وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم - وأكثرَ عنه في المستدرك - وابن منده وابن مردويه وغيرهم، ولم يُنكَر عليه حديث واحد. الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لا احتمال فيها، كما تقدم في القواعد (2). والله الموفق.

20 - أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري.
في "تاريخ بغداد" (8/ 422): " ... أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة بن خالد ابن أبي النجاد، حدثنا يونس - يعني ابن يزيد (3) - قال: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة".
قال الأستاذ في حاشية (ص 173): "أحمد بن صالح مختلف فيه".
أقول: اقتصارك في صدد القدح في الرواية على قولك في الراوي: "مختلف فيه" ظاهر في أنه لم يتبين لك رجحان أحد الوجهين. والأستاذ يعلم إجماع أهل العلم على رد كلام الموهن لأحمد بن صالح هذا، حتى نصوا على ذلك في متون المصطلح. قال العراقي في "ألفيته" (4):
ورُبّما رُدَّ كلامُ الجارحِ ... كالنَّسَئي في أحمدَ بن صالحِ
__________
(1) (3/ 868)، وانظر "السير": (15/ 502 - 506).
(2) (1/ 99 - 103).
(3) (ط): "زيد" تصحيف، وهو يونس بن يزيد الأيلي.
(4) (ص 183).
(10/195)

فرُبّما كان لِجَرحٍ مَخرجُ ... غطَّى عليه السُّخْطُ حين يُحْرِجُ
وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة، وزاد عليها وبالغ، واتخذها عكازة يتوكأ عليها في ردِّ كلام كثير من الأكابر، وتخطى ذلك إلى رد روايتهم، وتعدَّاه إلى الطعن فيهم.
فأما ابن الطبري، فوثَّقه الجمهور وعظَّموا شأنه. وقال النسائي: "غير ثقة ولا مأمون، تركه [1/ 113] محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب". وبيَّن رمي يحيى بقوله: "حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف". وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف.
فأما قوله: "غير ثقة ولا مأمون" فمبنية على ما بعدها. وأما قوله: "تركه محمد بن يحيى" فوهم، فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة. وقال ابن عدي: "حدَّث عنه البخاري والذهلي [محمد بن يحيى] واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز". وكأنَّ الذهلي لما سمع منه النسائيُّ لم يحدِّثْه عن أحمد بن صالح، فظن النسائي أنه تركه. ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حيًّا، ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي. وأما رواية معاوية بن صالح عن ابن معين، فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري: "ثقة صدوق، وما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي [ابن المديني] وابن نمير وغيرهم يثبِّتون أحمد بن صالح، وكان يحيى [بن معين] يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت.
فإن كان هناك وهم في النقل، فالظاهر أنه في رواية معاوية؛ لأن
(10/196)

البخاري أثبت منه، ولموافقة سائر الأئمة. وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزَعَم ابنُ حبان أن أحمد بن صالح الذي كذَّبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الأُشمُومي كان يكون بمكة. ويقوِّي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري، وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف. وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة (1) أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي (2)، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة (3).

21 - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نُعيم الأصبهاني الحافظ.
في "تاريخ بغداد" (13/ 325): "أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي ... ".
قال الأستاذ (ص 17): "قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإِمام الشافعي رضي الله عنه في "حلية الأولياء" بسند فيه أحمد بن موسى النجار، وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذابان معروفان ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعي الموتور في الثأر. نسأل الله الصون. [1/ 114] ومن المعروف أن عادة
__________
(1) (1/ 104 - 109).
(2) في "الكامل": (1/ 180 - 184).
(3) (1/ 87 فما بعدها).
(10/197)

أبي نعيم سَوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضًا ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين: حدثنا. وهذا تخليط فاحش، وليس جرح ابن منده فيه مما يُتغاضى عنه بهوى الذهبي".
أقول: أما الرحلة، فباطلة بذلك السياق حتمًا، وهل تنبَّه أبو نعيم لبطلانها؟ الله أعلم.
وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير منها بالوضع، فمعروف. ولم ينفرد بذلك، بل كثير من أهل عصره ومَنْ بعدهم شاركوه في ذلك، ولا سيَّما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة. ثم يجيء مَن بعدهم، فيحذفون الأسانيد، ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب (1)، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في "الإحياء" وغيره. وفي "فتح المغيث" (ص 106) (2) في الكلام على رواية الموضوع: "لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإن صَنَعه أكثرُ المحدّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًّا، خصوصًا الطبراني، وأبو نعيم، وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... قال شيخنا: وكأنَّ ذِكْر الإسناد عندهم من جملة البيان ... ".
__________
(1) بعده في (ط): "وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة إلى تلك الكتب" وهو تكرار وانتقال نظر.
(2) (1/ 296). وكلام الحافظ في "النكت": (2/ 638).
(10/198)

أقول: مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: "مَنْ حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (1). ومَن تدبَّر علم أنه إنما يكون كاذبًا على أحد وجهين:
الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول: "قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ".
الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق، أو محتمل أن يكون صدقًا، فيكون موهمًا خلاف الواقع، فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا. وقد عَلِمنا أن قول مَن صَحِب أنسًا: "قال أنس ... " موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس، إلا أن يكون مدلّسًا معروفًا بالتدليس. فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: "قال أنس ... " لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا، وإنما يلام على شرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعْرَف، فلا تُحمل على عادة غيره. وذلك أنه لما عُرِف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول: [1/ 115] "قال أنس ... " إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام، فزال الكذب. فهكذا وأولى منه مَنْ عُرِف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلوِّ الإسناد يروي ما سمعه من أخبار وإن كان باطلًا ولا يبيِّن، فإنه إذا عُرِف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدِّث غير مبيِّن إلا بما هو عنده صدق، أو محتمل للصدق. فزال الإيهام، فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شَرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعرف. وكما
__________
(1) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه, وأحمد (20163)، وابن ماجه (39)، وابن حبان (29) من حديث سمرة بن جندب، وله شاهد من حديث المغيرة بن شعبة أخرجه أحمد (18368)، ومسلم في المقدمة، والترمذي (2662). ومن حديث علي رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه (38)، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (903).
(10/199)

يكفي المدلس أن يعرفَ عادتَه أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم، فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء؛ على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوَّل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟
فعلى هذا نقول في أبي نعيم ومَن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل، فعذرهم ظاهر. وهو أنهم لم يحدِّثوا بما يرون أنه كذب، وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء. وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك، فقد عُرفت عادتُهم، فلم يكن في ظاهر حالهم ما يوجب الإيهام؛ فلا إيهام، فلا كذب. فإن اغترَّ ببعض ما ذكروه مَن قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التَّبعَة، أو مَن لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فَمِن تقصيره أُتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية. ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه، بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
قول الأستاذ: "وهو ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد، ويقول في الاثنين: حدثنا".
أقول: يشير إلى ما في "تذكرة الحفاظ" (1): "قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النَّخْشَبي يقول: لم يسمع أبو نعيم "مسند الحارث بن أبي أسامة" بتمامه من ابن خلَّاد، فحدَّث به كلِّه".
__________
(1) (3/ 1096).
(10/200)

أقول: عقب هذا في "التذكرة": "قال ابن النجار: وهم [النخشبي] في هذا، فأنا [1/ 116] رأيت نسخة الكتاب عتيقة، وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع منى فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلّاد، فلعله روى باقيه بالإجازة".
أقول: وقول النخشبي "فحدَّث" إنما تعطي أن أبا نعيم حدَّث السامعين عنه، لا أنه ذكر في كل حديث من "المسند" أن ابن خلَّاد حدَّثه. وابن منده ومَن فوقه مِن خصوم أبي نعيم، كانت بين الفريقين نُفْرة شديدة كما يأتي، فلا يُقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال، على ما سلف في القواعد (1).
بقي أمران: أحدهما: يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (2).
الثاني: قال الذهبي: "قال الخطيب: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها. منها: أنه يقول في الإجازة: أخبرنا، من غير أن يبيّن". قال الذهبي: "فهذا ربما فعله نادرًا، فإني رأيته كثيرًا ما يقول: كتب إليَّ جعفر الخُلْدي، وكتب إلي أبو العباس الأصم، وأنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قُرئ عليه، فالظاهر أن هذا إجازة".
وفي "فتح المغيث" للسخاوي (ص 222) (3) عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرَّح به، فقال: إذا قلتُ: "أخبرنا" على الإطلاق
__________
(1) (1/ 87 فما بعدها) القاعدة الرابعة.
(2) (3/ 1095).
(3) (2/ 307 - 308).
(10/201)

من غير أن أذكر فيه إجازة، أو كتابة، أو كتب إليَّ، أو أذن لي = فهو إجازة؛ أو: "حدثنا" فهو سماع. قال ابن حجر: "ويقوّي التزامه لذلك أنه أورد في "مستخرجه على علوم الحديث للحاكم" عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقًا، وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة ... ".
أقول: وإذ قد عُرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازةِ: الإجازةُ العامة، بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته، أو جميع علومه، فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة. فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعًا أنه من مرويات المجيز، فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة. وإن بان لنا أو احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقةً عنده يحدِّث به عن المجيز، فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة؛ لأنه بمنزلة قوله: [1/ 117] حدثني ثقة عندي. وإن بان لنا في رجل أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غيرَ ثقة يحدِّث به عن المجيز، فالتوقف في المروي أوجب، فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات. فإن كان قد عُرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يَدَي عدل (1).
وإذا تقرّر هذا فقد رأيت في "تاريخ بغداد" (ج 8 ص 345): "أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا جعفر الخُلْدي في كتابه قال: سألت خير
__________
(1) "على يدي عدل" كناية عن الضعف والسقوط. قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": (9/ 142): "قوله: "على يدي عدل" معناه قرب من الهلاك، وهذا مثل للعرب كان لبعض الملوك شرطي اسمه "عَدْل" فإذا دفع إليه من جنى جناية جزموا بهلاكه غالبًا، ذكره ابن قتيبة وغيره, وظن بعضهم أنه من ألفاظ التوثيق فلم يصب" اه.
(10/202)

النسَّاج ... ". فذكر قصة غريبة، ثم قال الخطيب: "قلت: جعفر الخُلْدي ثقة، وهذه الحكاية طريفة جدًّا يسبق إلى القلب استحالتها. وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مِقْسَم عن الخُلْدي، ورواها عن الخلدي نفسه إجازة، وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم".
أقول: فقول أبي نعيم: "أخبرنا الخُلْدي في كتابه" أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه، فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي، وابن مقسم غير ثقة. فهذا أشدّ ما يقدح به في أبي نعيم، لكن لعله اغترَّ بما كان يظهره ابن مقسم من النُّسُك والصلاح، فظنه ثقة. فإن ابن مقسم - وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم - ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 429) وفيها: "حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ، ومحمد بن عمر ... وكان يظهر النسك والصلاح، ولم يكن في الحديث بثقة". وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه، فجزاؤه أن لا يُعتدَّ بشيء من مروياته إلا ما صرَّح فيه بالسماع الواضح، كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة: "حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي". بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص 107) وفيه عن أبي نعيم: "أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي". فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجِعَابي مُتكلَّم فيه.
ولكن كما أن لأبي نعيم اصطلاحًا خاصًّا في صيغة "أخبرنا"، فكذلك
(10/203)

للأستاذ اصطلاح خاص في كلمتي "العقل" و"التواتر"؛ وإنما الفرق أن أبا نعيم بيَّن اصطلاحه، والأستاذ لم [1/ 118] يبيِّن، بل يعامل ما يطلق عليه تينك الكلمتين كما ينبغي أن يعامل به العقل والتواتر بمعناهما المعروف، فيحتج بما يوافق ذلك، وإن كان سنده ساقطًا؛ ويردُّ ما يخالفه وإن كان بغاية القوة. فإذا رأى أن مخالفيه يظلمونه، فلا يقبلون منه ذلك، استحلَّ أن يكيلَ لهم الكيل الذي كشفتُ عنه في "الطليعة". والله المستعان.
وأما كلام ابن منده في أبي نعيم، فقد مرَّ بعضُه وتبيَّن حاله. ولن يكون باقيه إلا طعنًا في العقيدة، أو من كلمات النفرة والتنفير، أو ما لا يتحصَّل منه - إذا نُظر فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد - ما يثبُت به الجرح؛ إذ قد عرف الناس أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جرَّ إلى عداوة شخصية شديدة؛ وعند الأستاذ: أن الحقَّ فيما اختلف فيه الفريقان مع أبي نعيم.
وقد ذكر الذهبي في "التذكرة" (ج 3 ص 377) (1) عن السِّلَفي: "سمعت محمد بن عبد الجبار الفرساني: حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي المعدَّل في صِغَري، فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليقم، وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصُّب زائد يؤدِّي إلى فتنة وقال وقيل وصداع = فقام إلى ذلك الرجل أصحابُ الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد أن يُقتل".
__________
(1) (3/ 1095).
(10/204)

والذهبي معروف بالميل إلى الحنابلة فهواه مع ابن منده، فلم يكن للأستاذ أن ينسبه إلى عكس ذلك.

22 - أحمد بن عبد الله الأصبهاني.
قال الأستاذ (ص 151) في طعنه في عبد الله بن حنبل وستأتي ترجمته (1) إن شاء الله: "مثله لا يصدَّق في أبي حنيفة، وقد بُلي فيه الكذب (!) وقد روى علي بن حَمْشاذ - وأنت تعرف منزلته في العلم - أنه سمع أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: أتيت عبد الله بن [أحمد بن] (2) حنبل فقال: أين كنت؟ فقلت: في مجلس الكُدَيمي، فقال: لا تذهب إلى ذاك فإنه كذاب. فلما كان في بعض الأيام مررت به، فإذا عبد الله يكتب عنه! فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عن هذا فإنه كذاب؟ قال: فأومأ بيده إلى فيه أن اسْكُت. فلما فرغ وقام من عنده قلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردت بهذا أن لا يجيء الصبيان فيصيروا معنا في الإسناد واحدًا. اه.
وإن سعى [1/ 119] الخطيب في إعلاله في (3/ 439) بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول. كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ، مترجم في "تاريخ أصفهان" لأبي نعيم؟ وليس ابن حمشاذ الحافظ الثقة ممن يروي عن المجاهيل، ولا هو ممن يعوِّل على من لا يعوَّل عليه. وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس، فليس ذلك بضائره".
أقول: في هذا الكلام أمور:
الأول: قوله في عبد الله بن أحمد: "وقد بُلي فيه الكذب". ثم ساق القصة
__________
(1) رقم (118).
(2) من "التأنيب".
(10/205)

لإثبات ذلك، وستعلم مَن الكاذب!
الثاني: قوله: "قد روى علي بن حَمْشاذ" بصيغة الجزم والتحقيق مع أنه إنما أخذ الحكاية من "تاريخ الخطيب"، وإنما قال الخطيب: "حُدّثت عن أبي نصر محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول ... ". فلم يذكر الخطيب من حدَّثه، فكيف يجزم الأستاذ ويحقق؟
فإن قيل: إن الخطيب أعلّ القصة بالأصبهاني، فدلَّ ذلك على ثقة الخطيب بمن حدَّثه.
قلت: ليس هذا بلازم، فقد لا يكون الخطيب وثق بمن حدَّثه حق الثقة، ولكن رأى إعلال الحكاية بالأصبهاني كافيًا. ومع ذلك فقد ذكر الأستاذ (ص 56) قول الحِمَّاني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: "قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات". فهل يستثني الأستاذ أبا بكر الخطيب من هذه القاعدة، ويزيد فيرى أنه إذا لم يسمِّ شيخه وأشار إلى أنه لم يتهمه ثبت بذلك ثقةُ شيخه؛ فتقوم الحجة بقول الخطيب: "حُدِّثت عن فلان"، ولا تقوم بقول غيره: "حدثني عشرة كلهم ثقات"؟!
الثالث: قوله: "بأن يقول [الخطيب]: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول".
وإنما قال الخطيب: "قلت: كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يكذِّب من هو عنده صادق، ويحتجَّ بما حكى عنه هذا الأصبهاني. وفي هذه
(10/206)

الحكاية نظر من جهته". وليس في العبارة كلمة "مجهول" ولا هي صريحة في معناها؛ إذ يحتمل أن يكون الخطيب عرف الأصبهاني بالضعف، ويحتمل أنه لم يعرفه، ولكن استدل بنكارة حكايته على ضعفه. ولا يلزم من [1/ 120] عدم معرفته له أن يجزم بأنه مجهول، فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة: "مجهول" إلا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنما يقول: "لا أعرفه". ومن لم يراع هذا وقع فيما وقع فيه الأستاذ في مواضع تقدمت أمثلة منها في "الطليعة" (ص 86 - 93) (1).
الرابع: قوله: "كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ". لا أضايق الأستاذ في إطلاقه أن هذا الرجل من شيوخ ابن حمشاذ، وإن لم يعرف لابن حمشاذ عنه إلا هذه الحكاية، إن صحَّ أن ابن حمشاذ حكاها؛ ولا في جزمه بذلك مع ما مرَّ في الأمر الثاني. وإنما النظر في جزمه بأن هذا الرجل من الثقات، فمن أين لك ذلك؟ أنقلًا؟ فلماذا لم يذكره؟ أم اجتهادًا؟ فما حجته؟ أم مجازفة؟ فالله حسيبه.
والذي يظهر - إن كان ابن حمشاذ حكى هذه الحكاية - أن الأصبهاني أصغر منه. فإن كان ابن حمشاذ - كما يأتي - يروي فيكثر عن عبد الله بن أحمد وعن الكُديمي، وسماعه منهما ببغداد كما هو ظاهر، فلو سمع الحكاية حين كان ببغداد أو قبل ذلك لكان الظاهر أن يستثبت عبد الله بن أحمد، ولو فعل لحكى ذلك مع الحكاية. فدل هذا على أنه إن كان حكاها
__________
(1) (ص 66 - 72).
(10/207)

فإنما سمعها بعد ذلك، كأنَّ هذا الأصبهاني زعم له أنه دخل بغداد بعده، وجرى له ما حكاه.
الخامس: قوله: "مترجم في "تاريخ أصبهان" لأبي نعيم" قد ذكرت هذا في "الطليعة" (ص 92 - 93) (1) وقلت هناك: "كذا قال! وقد فتشت "تاريخ أبي نعيم" فوجدت فيه ممن يقال له: (أحمد بن عبد الله) جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يُشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير مُوثَّقين". فتحامى الأستاذ في "الترحيب" التعرُّض لذاك الموضع البتة!
السادس: قوله: "وليس ابن حمشاذ ممن يروي عن المجاهيل ولا هو ممن يعوِّل على مَن لا يعوَّل عليه".
إن أراد بالتعويل الاعتماد، فمن أين عرف أن ابن حمشاذ اعتمد على تلك الحكاية؟ وها نحن نجده يروي عن عبد الله بن أحمد، وعن الكُديمي. فمن روايته عن عبد الله في "المستدرك" (ج 1 [1/ 121] ص 63 و301، و453)، و (ج 2 ص 165)، و (ج 3 ص 269، و612) وغيرها. ومن روايته عن الكُدَيمي في "المستدرك" (ج 1 ص 68)، (ج 3 ص 556)، و (ج 4 ص 13)، وغير ذلك.
وإن أراد بالتعويل مطلق الرواية, أي: أن ابن حَمْشاذ لا يروي إلا عن ثقة، فمن أين عرف ذلك؟ وقد وجدنا ابن حمشاذ يروي عن جماعة ممن يكذبهم الأستاذ ظلمًا، فمنهم أحمد بن علي الأبَّار كما في "المستدرك" (ج 1 ص 33 و227). ومنهم محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما في
__________
(1) (ص 72). ووقع في (ط): "مما يقال" والمثبت من "الطليعة" وهي بخط المؤلف.
(10/208)

"المستدرك" (ج 3 ص 146 و395). وكذلك يروي عن جماعة تكلموا فيهم والعمل على التوثيق، كالحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم بن ديزيل، والحسن بن علي المَعْمري. وعن جماعة متكلَّمٍ فيهم، كالكُديمي وقد مرَّ، ومحمد بن منده الأصبهاني كما في "المستدرك" (ج 1 ص 359) و (ج 2 ص 315)، و (ج 3 ص 107 و507)، و (ج 4 ص 593)، وقد كذَّبوا محمد بن منده هذا، راجع "لسان الميزان" (ج 5 ص 393) (1)، وعليَّ بن صقر السكري كما في "المستدرك" (ج 1 ص 240)، وراجع "لسان الميزان" (ج 4 ص 235) (2)، وعبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير كما في "المستدرك" (ج 1 ص 187)، وراجع "لسان الميزان" (ج 3 ص 262) (3)، وهناك: "قال الدارقطني: متروك". ولم يذكر في الترجمة ما يخالف ذلك، وإسحاق بن إبراهيم بن سنين كما في "المستدرك" (ج 3 ص 210) وراجع "لسان الميزان" (ج 1 ص 348) (4)، وجنيد بن حكيم الدقاق كما في "المستدرك" (ج 3 ص 61)، ومحمد بن المغيرة السُّكّري كما في "المستدرك" (ج 2 ص 53، و189، و330، و483، و541)، وراجع "لسان الميزان" (ج 5 ص 386) (5).
ولعل ابن حمشاذ قد روى عمن هو أضعف من هؤلاء، فتجنب الحاكم
__________
(1) (7/ 526).
(2) (5/ 551).
(3) (4/ 440).
(4) (2/ 35).
(5) (7/ 514).
(10/209)

الرواية عن ابن حمشاذ عنهم في "المستدرك على الصحيحين". فابن حمشاذ كغالب محدِّثي عصره، يروي عن الثقات وعن الضعفاء الأحاديث النبوية، فما بالك بالحكايات!
السابع قوله: "وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس، فليس ذلك بضائره".
الظاهر أنه يعني ابن حمشاذ، ولا أدري من أين أخذ أن الخطيب تجاهل ابن حمشاذ؟ إن كان أراد أن الخطيب تجاهل أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة، فقد علمتَ ما فيه. وإن كان [1/ 122] أراد أنه لم يورد له ترجمة في "التاريخ" فليس على شرطه، وإنما التزم أن يذكر من الغرباء من دخل بغداد وحدَّث بها، ولا دليل على أن ابن حمشاذ حدَّث ببغداد.
فليتدبر العاقل: هل يسوغ لعالم يصفه أصحابه - أو قُل: يصف نفسه - بما في عنوان "التأنيب": "الإِمام الفقيه المحدّث والحجة الثقة المحقق العلامة" أن يُقْدِم على تكذيب عبد الله بن أحمد بن حنبل الإِمام ابن الإِمام في الحق حقًّا، محتجًّا في زعمه بهذه الحكاية؛ ثم يخلِّط هذا التخليط مع التخاليط الأخرى مما ترى الكشف عن بعضه في "الطليعة"، وفي مواضع أخر في هذا الكتاب؟ أو أن يرمي مثل أبي بكر الخطيب فيما قاله في هذه الحكاية بأنه: "لحاجة في النفس"، ولا يلتفت إلى ما في نفسه!

23 - أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي (؟).
في "تاريخ بغداد" (13/ 406 [431]): " ... الأبَّار حدثنا أحمد بن عبد الله العكي أبو عبد الرحمن - وسمعت منه بمرو - قال: حدثنا مصعب بن خارجة بن مصعب سمعت حمادًا ... ".
(10/210)

قال الأستاذ (ص 127): "أحمد بن عبد الله هو الفِرياناني المروزي، قال أبو نعيم: مشهور بالوضع. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: يروي عن الفضيل وعبد الله بن المبارك وغيرهما المناكير. وقال الدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس في حديثهم، وعن الأثبات ما لم يحدِّثوا به. وقال ابن السمعاني: وكان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، وكان محمد بن علي الحافظ سيئ الرأي فيه". ثم قال: "الصواب: العتكي، كما في "أنساب ابن السمعاني"".
أقول: ذكره ابن السمعاني في (الفرياناني) (1)، ووقع في النسخة: "العتكي الهاشمي" (2) كذا، والهاشمي لا يجتمع في حقّ النسب مع العتكي ولا مع العكي، وليس في "الميزان" ولا "اللسان" (3) أنه هاشمي ولا عتكي ولا عكي، وليس فيهما ولا في "الأنساب" أنه يروي عن مصعب بن خارجة ولا أنه يروي عنه (4) الأبَّار؛ لكن لم أجد غيره يصلح أن يكون هو الواقع في السند، فالظاهر أنه هو. ومما قاله ابن السمعاني أن (فريانان) خَرِبت قال: "وبقي قبر أبي عبد الرحمن بها يزوره الناس ويدورون حوله، زُرْته غير مرة". قال: "وسئل أحمد بن سيَّار عنه، فقال: لا سبيل إليه".
وهذا يدل أن الرجل كان له شهرة وصيت في تلك الجهات، وقد روى
__________
(1) "الأنساب": (9/ 293).
(2) في مطبوعة "الأنساب" قال محققه إنه لم يستطع قراءة هذه الكلمة فأسقطها من النص.
(3) "الميزان": (1/ 108)، و"اللسان": (4/ 196).
(4) (ط): "عن" خطأ.
(10/211)

عنه الحسن بن سفيان وغيره كما في "الميزان"، وقال الذهبي: "وقد رأيت البخاري يروي عنه في كتاب "الضعفاء"".
أقول: في باب الإِمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي" (1): "قال محمد بن إسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه، لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكلّ من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا". والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: "لا أروي عنه" أي: بواسطة. وقوله: "وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا" يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فَلَأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيرًا ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة.
وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييزُ صحيح حديثه من سقيمه. وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل، فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه.
فإن قيل: قد يُعرف بموافقته الثقات. قلت: قد لا يكون سَمِع، وإنما سرق من بعض أولئك الثقات. ولو اعتدَّ البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة، فإن ابن أبي ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات في كثير من أحاديثه، ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمَن غلطُه حتى فيما وافق عليه الثقات. وقريب منه من عُرف بقبول التلقين، فإنه قد يلَقَّن من أحاديث شيوخه ما حدَّثوا به ولكنه لم
__________
(1) عقب حديث (364). وما بين المعكوفين بعده من المؤلف.
(10/212)

يسمعه منهم. وهكذا من يحدِّث على التوهُّم، فإنه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم.
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات, وإنما تحصل بأحد أمرين:
إما أن يكون الراوي ثقةً ثبتًا، فيُعرف صحيح حديثه بتحديثه. وإما أن يكون صدوقًا يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصًّا بجهة كيحيى بن عبد الله بن بكير روى عنه [1/ 124] البخاري، وقال في "التاريخ الصغير" (1): "ما روى يحيى [بن عبد الله] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه" ونحو ذلك.
فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح، فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته فأيُّ فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيحَ حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في كتب البخاري غير "الصحيح" أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟
قلت: أما ما نَّبه على عدم صحته، فالخطب فيه سهل. وذلك بأن يُحْمَل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته. ويبقى النظر فيما عدا ذلك، وقد
__________
(1) لم أجده في المطبوع منه، وهو مطبوع باسم "الأوسط" على الصحيح. والنص في "تهذيب التهذيب": (11/ 238) والمؤلف صادر عنه.
(10/213)

يقال: إنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيحُ حديثه من سقيمه تَرَكه البتةَ ليعرف الناسُ ضعفَه مطلقًا، وإذا رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك فإنه يروي ما عَرَف صحته وما قاربه أو أشبهه مبيِّنًا الواقع بالقول أو الحال. والله أعلم.
والمقصود هنا أن رواية البخاري عن الفِرياناني تدلّ أنه كان عنده صدوقًا في الأصل. وقد لقيه البخاري، فهو أعرف به ممن بعده، وقد تأيَّد ذلك بأن الرجل كان مشهورًا في تلك الجهة بالخير والصلاح كما مرَّ. وأن أحمد بن سيار على جلالته لما سئل عنه قال: "لا سبيل إليه"، كأنه يريد أنه لا ينبغي الكلام فيه بمدحٍ لضعفه في الرواية، ولا قدحٍ لصلاحه في نفسه؛ على أن أكثر الذين تكلموا فيه لم يرموه بتعمّد الكذب. فأما أبو نعيم فمتأخر، وقد تتبعنا كلام من تقدمه فلم نجد فيه ما تحْصُل به النسبة إلى الوضع فكيف الشهرة؟
هذا، والحكاية التي ذكرها الخطيب عن أحمد بن عبد الله ليست من طريق البخاري، وإنما هي من طريق الأبَّار، والأبَّار ناقل لا ناقد. ولكن الأستاذ لم يقنع بتوهين تلك الحكاية، بل قال: "ومن يعوِّل على الوضاع لا يكون إلا من طراز الأبَّار المأجور". ولا يبعد أن يكون أراد التعريض بالبخاري، وما أوهن رأيًا يضطرُّ الجَدِل النِّحرير في الدفاع عنه إلى الطعن في مثل البخاري!
[1/ 125] فأما الأبَّار، فهو أحمد بن علي بن مسلم حافظ فاضل تأتي
(10/214)

ترجمته (1). وقول الأستاذ: "المأجور" كلمة فاجرة مبنية على خيال كاذب، وسوء ظن صدَّقه الأستاذ على عادته! حاصل ذلك الخيال: أن الأستاذ زعم أن الحافظ الفاضل دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي - وستأتي ترجمته (2) - كان يصل الأبَّار بالمال الوافر، فكان الأبَّار يجمع الروايات الموافقة لهوى دَعْلج. وسيأتي في ترجمة الأبَّار ما يتضح به أنه ليس هناك أيّ دلالة على أن دعلجًا وصل الأبَّار بفَلْس واحد. وهَبْ أنه ثبت أنه وصله بمال كثير، فمثلُ ذلك لا يسوِّغ اتهام ذينك الحافظين تهمة ما، فضلًا عن هذه التهمة الخبيثة. كيف وقد ثبتت عدالتهما وفضلهما، وكانا من أول عمرهما إلى آخره على مذهب واحد، وهو مذهب أهل الحديث المعروف؟
أفرأيت إذا ثبت أن بعض تجَّار الحنفية يَصِل الأستاذ، أيحلّ لمخالفي الأستاذ أن يطلقوا عليه تلك الكلمة؟ هذا مع أن بين الرجلين بُعْدَ المشرقَين، وكذلك بين صنيعيهما. فالأبَّار لم يزد على رواية ما سمع، والأستاذ يتصرف التصرفات التي ترى الكشف عن بعضها في "الطليعة" وهذا الكتاب. وإنما يحق أن يسمَّى مأجورًا مَن يأتي ما يرى أنه مخالف للدين والشرف والمروءة طمعًا في المال ونحوه. بلى، إن الأبَّار لمأجور أجرًا عظيمًا إن شاء الله تعالى على صدقه وحُسن قصده ونيل الكوثري من عرضه!

24 - أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود.
ذكر الأستاذ (ص 125) رواية للخطيب من طريق عبد الله بن محمد بن
__________
(1) رقم (27).
(2) رقم (90).
(10/215)

جعفر، وستأتي ترجمته (1)، ثم قال: "وقد فعل مثل ذلك في أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرَّقَّي الذي كذَّبه هو ... ".
أقول: كذَّب الخطيب أحمد هذا، وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين. ولا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان، وابن جريج، وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من "الميزان" (2): "يعلي بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرفُ صدقَه من كذبه".

25 - أحمد بن عُبيد بن ناصح أبو عَصيدة النحوي.
في "تاريخ بغداد" (13/ 373 [378]): "أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد ... ".
قال الأستاذ (ص 42): "فلم يكن بعمدة، كما ذكره [1/ 126] الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من "الميزان". وقال الخطيب (2/ 260): "قال ابن عدي: يحدَّث بمناكير. وقال أبو أحمد [الحاكم الكبير]: لا يتابعَ في جُلِّ حديثه".
أقول: لفظ ابن عدي على ما في "تهذيب التهذيب" (3): "حدَّث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير". قال ابن حجر: "قال الحاكم
__________
(1) رقم (130).
(2) (5/ 3).
(3) (1/ 60). ونصه في "الكامل": (1/ 188): "يحدّث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب ما لا يحدّث به غيره".
(10/216)

أبو عبد الله: هو إمام في النحو، وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه، وقال ابن حبان في "الثقات" (1): "ربما خالف". وقال ابن عدي: "هو عندي من أهل الصدق".
أقول: كأنَّ ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يتعمَّد الكذب، ولكن يخطئ ويَهِم؛ مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فإنه ضعيف يروي المناكير، واتهمه بعضهم.
فأما الأصمعي فثقة. ويأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته (2) ذِكْر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن الأصمعي، واستنكره هو وغيره، فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة. فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله المستعان.

26 - أحمد بن عليّ بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، مؤلف "تاريخ بغداد" (3).
قال ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 267): "كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا [الحنابلة] لِمَا رأوا
__________
(1) (8/ 43).
(2) رقم (146).
(3) اطلعت بعد كتابة هذه الترجمة وغيرها ببضع سنين على ترجمة للخطيب بقلم الدكتور يوسف العش، أجاد فيها، فاستفدت منها فائدتين سألحقهما في موضعهما وأنبه على ذلك. [المؤلف].
(10/217)

من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي".
أقول: أقدِّم النظر في عقيدة الخطيب.
زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري، فردَّ الذهبي ذلك بقوله: "قلت: مذهب الخطيب في الصفات أنها تُمَرُّ كما جاءت، صرَّح بذلك في تصانيفه" (1). فاعترضه ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (ج 3 ص 13) (2) بقوله: "قلت: هذا مذهب الأشعري ... وللأشعري قول آخر بالتأويل".
أقول: الذي شهَّره المتعمِّقون عن الأشعري التأويل، وإن كان آخر مصنفاته "كتاب [1/ 127] الإبانة" أعلن فيه اعتماده مذهب الإِمام أحمد وأهل الحديث. فالقائل: إن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أَوْهَم أنه كان من المتأوّلين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام ولكن ابن السبكي لغلوَّه شديد العقوق لأستاذه الذهبي.
وقد نقل الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 319) (3) فصلًا من كلام الخطيب في الاعتقاد (4) ينفي عنه التأويل والتعطيل. قال الخطيب: "أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهبُ السلف:
__________
(1) الزاعم هو عبد العزيز الكتاني، ذكره الذهبي في "السير": (18/ 277) وتعقّبه بنحو ما ذكره المؤلف. والمؤلف ينقل من "طبقات الشافعية" للسبكي كما سيأتي.
(2) (4/ 33).
(3) (3/ 1142 - 1143).
(4) كلام الخطيب هذا محفوظ في بعض مجاميع الظاهرية. [أن].
(10/218)

إثباتُها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفيُ الكيفية (1) والتشبيه عنها. وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله. وحقَّقها قوم من المثبتين، فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف. والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ... ".
ويظهر أن ابن الجوزي أَمْيَل إلى المبتدعة من الخطيب. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 68) (2): "وأما الانتساب، فانتسابُ الأشعري وأصحابه إلى الإِمام أحمد خصوصًا وسائر أئمة الحديث عمومًا ظاهر مشهور في كتبهم كلها. وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفًا للإمام أحمد وغيره من الأئمة، فيوجد في كلام كثيرٍ من المنتسبين إلى أحمد - كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي، وصدقة بن الحسين، وأمثالهم - ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه".
وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينةً لعقائد المبتدعة، فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع.
الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد: أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد، وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه
__________
(1) مراده كغيره: نفيُ الكيفية المدركة بالعقول كما جاء عن ربيعة الرأي ومالك وغيرهما: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول". وليس المراد نفي أن يكون في نفس الأمر كيفية، كيف وذلك من لوازم الوجود؟ [المؤلف].
(2) (ص 517 - 518 - ط المنهاج).
(10/219)

العلم. فما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: [1/ 128] إن ذلك لميل الحنابلة عليه وإيذائهم له. فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا من ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة، وذلك ينفي أن يكون ميلُه إليهم رغبةً منه في بدعتهم أو موافقةً عليها، فما معنى الميل؟ وما الباعث عليه؟
كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحقٍّ مِن كلِّ مَن يقال: إنه أشعري أو معتزلي، وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم. وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه، فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية، ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم؛ وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردَّد إلى حنفي أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه. وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في "المنتظم" (ج 9 ص 213) عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون منى هجرانَ جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا". وتقدم (1) في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه: "قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل - وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصُّب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع - فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد أن يُقتل". مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث، لا للدعوة إلى الأشعرية.
وقد قال ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 267) في وصف
__________
(1) (رقم 22). والنص من "تذكرة الحفاظ" كما سبق.
(10/220)

الخطيب: "كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه". وقال قبل ذلك بورقة: "أول ما سمع الحديث في سنة 403 وهو ابن إحدى عشرة سنة ... وأكثَرَ من السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة ... وقرأ "صحيح البخاري" على كريمة ... في خمسة أيام".
أقول: فحرصُه على تحصيل العلم وولوعُه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كلَّ من عُرِف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته، وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحقٍّ أن يقع في البدعة، وإذ كانت نَهمتُه تَضطرُّه إلى الانطلاق في مخالفتهم، وغيرتُهم تضطرُّهم إلى المبالغة في كفِّه = بلغ [1/ 129] الأمر إلى الإيذاء. وكان - وهو حنبلي - لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه، ويحميه، وينتصر له؛ فاحتاج أن يتحوَّل إلى مذهب الشافعي، ليحميه الشافعيون، ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته؛ لأن الشافعية لم يكونوا يضيِّقون في ذلك، مع أنهم إنما استفادوا الخطيب، فهم أشدّ مسامحةً له. وهذا، وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء، لكن من شأنه أن يزيد حنقَ الحنابلة عليه وغيظَهم منه. وكانت بغداد مقرَّ الحنابلة، وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفى إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا.
قال الكوثري في "التأنيب" (ص 12): "وفي "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي: وقال ابن طاهر: جاء جماعة من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع
(10/221)

المنصور، فناولوا حَدَثًا صبيحَ الوجه دينارًا، وقالوا له: قِفْ بإزائه ساعة وناوِلْه هذه الرقعة. فناوله الصبيُّ وإذا فيها (ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا) ثم قال: وكانوا يعطون السقَّاء قطعة يوم الجمعة، فكان يقف من بعيد بإزائه، ويُميل رأس القربة، وبين يديه أجزاء، فيبتلُّ الجميع، فتتلف الأجزاء. وكانوا يطيِّنون عليه باب داره في الليل، فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر، فتفوته ... ".
قال الكوثري: "وفي ذلك عِبَر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن واحد".
أقول: السبط ليس بعمدة، كما يأتي (1)؛ وابن طاهر لم يدرك الخطيب، لكن ما تضمنته القصة من تتبُّع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي. وكذلك يوافق ما في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 318) (2) عن الحافظ المؤتَمَن الساجي: "تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه".
وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في "المنتظم" (ج 10 ص 253) بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس: "وكان يومًا مشهودًا لم يُر مثلُه، ودخل على قلوب أهل المذهب غمٌّ عظيم". وزاد سبطه في "المرآة" عنه: "لأنهم حسدوني". قال السبط: "وكان جدِّي يقول: والله لولا أحمد والوزير ابن هُبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنت حنفيًّا أو شافعيًّا لحملني القوم على رؤوسهم".
__________
(1) (1/ 232 - 233).
(2) (3/ 1142).
(10/222)

وليس السبط بعمدة، لكن عبارة "المنتظم" تُشعر بصحة الزيادة. هذا حال [1/ 130] ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فإنه كان انتقاله في حداثته؛ ليتمكَّن من طلب العلم، لا ليُحمل على الرؤوس. وكأنَّ كلام ابن الجوزي هذا مما جرَّأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقرُّبًا إلى الملك عيسى بن أبي بكر الأيوبي. وقد دافع عنه صاحب "الذيل" على كتابه "المرآة" - كما في "لسان الميزان" (1) - بقوله: "وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة". وهذا العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تديُّنًا، ويعيِّن أنه إنما انتقل لأجل الدنيا.

فصل
قد علمتَ بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت إملاء الحديث، وفي بيته إذ كانوا يطيِّنون عليه بابه، فيحُولون بينه وبين شهود الجماعة. عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك المؤذون يتعاقبونه نهارًا وليلًا يتمنَّون أن يقفوا له على زلَّة، أو يعثروا له على عثرة، فيشيعوها ويذيعوها، ويدوِّنها خصومه في كتبهم وتواريخهم، لكنه لم يكن من ذلك شيء. أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته؟
اللَّهم إلا أن في "معجم الأدباء" لياقوت (ج 4 ص 29) (2) عن ابن السمعاني عن عبد العزيز النخشبي أنه قال في "معجم شيوخه": "ومنهم
__________
(1) (8/ 565).
(2) (1/ 390 - 391).
(10/223)

أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ... حافظ فَهِم، ولكنه كان يُتَّهم بشرب الخمر. كنت كلما لقيته بدأني بالسلام، فلقيته في بعض الأيام، فلم يسلِّم عليَّ، ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيتَ أبا بكر الخطيب سكران؟ فقلت له: قد لقيتُه متغيرًا، واستنكرتُ حاله، ولم أعلم أنه سكران. ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى". قال ابن السمعاني: "ولم يذكر عن (1) الخطيب رحمه الله هذا إلا النخشبي، مع أني لحقتُ جماعة كثيرة من أصحابه".
أقول: النخشبي لم يكن من أهل بغداد، وإنما دخلها في رحلته. وابن السمعاني نَخَل (2) بغداد [1/ 131] نَخْلًا، وجمع تاريخًا لها، ولقي جماعةً لا يُحصَون من موافقي الخطيب ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين. ومعروف في العادة أنه لا يشرب المسكِر فيتغير، ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شربُ المسكر عادةً له، لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمرَّ زمانًا. فلو كانت هذه حال الخطيب لَما خفيت على جميع أهل بغداد، وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون حركاته وسكناته، ويطيِّنون عليه باب داره بالليل، ويتعطَّشون إلى أن يظفروا له بعثرة ليذيعوها، فيشتفوا بدلًا مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى مَن ينتسبون إليه أكثر من إساءتهم إلى الخطيب.
وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشبي أنه إنما أخذ التهمة من
__________
(1) (ط): "من" ولعله كذلك في طبعة المؤلف، والتصحيح من الطبعة الجديدة.
(2) (ط): "دخل" تحريف والسياق يقتضي ما أثبت.
(10/224)

القصة (1) التي حكاها. وحاصلها: أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام، حتى لقيه مرة، فلم يبدأه بالسلام. والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام، فردَّ عليه الخطيب، ولم ينبسط إليه؛ فإن النخشبي من أهل العلم، فلم يكن ليترك السلام معتذرًا بأن الخطيب لم يبدأه، مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن مات قبله، والسنَّةُ أن الأصغر أولى أن يبتدئ بالسلام. ولو سلَّم على الخطيب فلم يردَّ عليه لحكى ذلك، فإنه أدلُّ على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم يبدأه بالسلام، ولا انبسط إليه على عادته، فعدَّ ذلك شبهَ تغيُّر، ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه مِن هَمٍّ أو غم، أو تفكير في حل مشكل، أو تكدُّر خاطر من سماع مكروه، أو إيذاء مؤذٍ؛ فيقصِّر عما جرت به عادته من الانبساط وحُسن الخلق.
والنخشبي يقول: "لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيتَ الخطيب سكران؟ " أحسبه يعني بقوله: "أصحابنا" الحنابلة. فكأنه لقي الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويؤذونه كما سلف، وكأنه آذى الخطيب وأسمعه المكروه، فأعرض الخطيب وتغافل متكدِّرًا، وأسرع في المشي، فمرَّ بالنخشبي - وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه - فلم ينبسط إليه، وكذلك صنع باللاحق. فهذا هو شبه التغير الذي رآه النخشبي، وهو السكر الذي أطلقه ذلك اللاحق (2). هذا كله دفع للاحتمال، فأما
__________
(1) (ط): "الفقيه" تحريف.
(2) هذا إذا كانت كلمتا "لقي" و"لحق" في عبارة النخشبي على ظاهرهما، وإلا فيحتمل أن ذلك اللاحق هو المؤذي نفسه. [المؤلف].
(10/225)

الثبوت الشرعي فلا حظَّ [1/ 132] لتلك الحكاية فيه بحال (1).

فصل
بعد أن قضى الخطيب قريبًا من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في العلم ليلًا ونهارًا، حتى كان يمشي في الطريق وبيده جزء يطالعه، وفي تلك الصيانة والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين، فلم يعثروا له على عثرة = خرج من بغداد في أيام الفتن، وقصد دمشق وأقام بها. وكانت إذ ذاك تحت ولاية العُبيديين الرافضة الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرُّض لعلماء السنة، فاستمرّ الخطيب على أعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمسًا وستين سنة. وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق. فأما مؤرخ دمشق الحافظ الثبت ابن عساكر فقال: "سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش، وقال: هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق".
فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العُبيديين رافضة باطنية يكفِّرون الصحابة والعباس، ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصحابة والعباس على رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحدِّيًا لهم، وتنفيرًا عنهم، ودعوةً إلى الخروج عليهم، ودعايةً لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها.
وأما ابن طاهر - وما أدراك ما ابن طاهر - فحكى سببًا آخر، وقبل أن
__________
(1) ولا حاجة بنا هنا إلى نحو ما يأتي في ترجمة الحسن بن [أحمد بن] إبراهيم رقم (73). [المؤلف].
(10/226)

أشرحه أذكر شيئًا من حال ابن طاهر. يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من "المنتظم" (ج 9 ص 178): " ... فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث، وإلا فالجرح أولى به. ذكره أبو سعد ابن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال: سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر، فأساء الثناء عليه، وكان سيئ الرأي فيه، وقال: سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول: محمد بن طاهر لا يُحتجُّ به، صنَّف كتابًا في جواز النظر إلى المُرْد، وأورد فيه حكاية عن يحيى [1/ 133] بن معين قال: رأيت جاريةً بمصر مليحةً صلى الله عليها، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح! ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. قال ابن السمعاني: وذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد الدقَّاق الحافظ، فأساء الثناء عليه جدًّا، ونسبه إلى أشياء. ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فوا عجبًا ممن سيرته (1) قبيحة فيترك الذمَّ لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب! ما أبله هذا المنتصر!
ويدلُّ على صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة: ما أنبأنا به أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري قال: أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
دع التصوفَ والزهدَ الذي اشتغلتْ ... به جوارحُ أقوامٍ من الناسِ
وعُجْ على دير داريا فإن به الرْ ... رُهبانَ ما بين قِسِّيس وشَمَّاسِ
فاشرَبْ معتَّقةً من كفِّ كافرةٍ ... تسقيك خمرَين من لحظ ومن كاسِ
__________
(1) وقع في (ط) و"المنتظم": "سيره"، فلعل الصواب ما أثبت. وفي العبارة خلل ما، فلعلّ في الكلام سقطًا.
(10/227)

ثم استمِعْ رنَّةَ الأوتار من رشَأٍ ... مهفهَفٍ لحظُه أمضَى من الماسِ"
وذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (4/ 37) (1) وذبَّ عنه. قال: "الرجل مسلم، معظِّم للآثار، وإنما كان يرى إباحة السماع [يعني سماع الغناء والملاهي] لا الإباحة المطلقة ... معلوم جواز النظر إلى المِلاح عند الظاهرية، فهو منهم". وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في "لسان الميزان" (2). والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال وتعلُّق به وتسمُّح فيه، وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق. وإنما ذكرته هنا, لأن له أثرًا على حكايته الآتية، كما سترى.
في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 318) (3): "قال ابن طاهر في "المنثور": أخبرنا مكي الرملي [صوابه الرُّمَيلي] قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبيٌّ مليح، فتكلَّم فيه الناس، وكان أمير البلد رافضيًّا متعصبًا، فجعل ذلك سببًا للفتك بالخطيب، فأمر صاحبَ شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله، وكان سنِّيًّا، فقصده تلك الليلة في جماعته، فأخذه، وقال له بما أُمر به، ثم قال: لا أجد لك حيلةً إلا أنك تفرُّ منَّا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ... ففعل ذلك. فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال له: أيها [1/ 134] الأمير ... ليس في قتله مصلحة ... أرى أن تُخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى صُورٍ، وأقام بها مدة".
__________
(1) (4/ 1244).
(2) (7/ 211 - 216).
(3) (3/ 1141).
(10/228)

وذكر ياقوت في "معجم الأدباء" (ج 4 ص 34) (1) عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه: " ... كان يختلف إليه صبيّ مليح الوجه - قد سمّاه مكيٌّ، وأنا نكَبتُ عن ذكره -".
أقول: قد عرفتَ ابن طاهر. فأما مكّي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه، فحافظ فاضل شافعي كالخطيب، ومن تلامذة الخطيب المعظِّمين له. ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (ج 4 ص 22) (2)، و"الطبقات الشافعية" (ج 4 ص 20) (3). وذكروا أنه سمع من الخطيب بصُور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من "ترجمة الخطيب"، وكان مبجِّلًا للخطيب. روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب "تاريخه" ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب لقراءة التاريخ على العادة، فرأى رجلًا لم يعرفه، فسأل عنه، فقيل له: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء ليسمع "التاريخ". انظر الرؤيا مبسوطة في "طبقات الشافعية" (ج 3 ص 15) (4) وذكرها الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 321) (5) قال: "قال غيث الأَرْمَنازي: قال مكي الرُّميلي: كنت ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة "تاريخه" على العادة ... ".
__________
(1) (1/ 393).
(2) (4/ 1229).
(3) (5/ 332).
(4) (4/ 36).
(5) (3/ 1145).
(10/229)

ويؤخذ مما تقدَّم أن الرُّميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق، فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج، فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟
قد عرفنا الخطيب، وعرفنا الرميلي، وعرفنا ابن طاهر؛ فما الذي يُتوقّع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجَّل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟
أما السؤال الأول: فالعادةُ قاضيةٌ أن العالم الفاضل المستغرق في العلم، الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة، يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان.
وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفُّظَه، علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شَينًا مُزرِيًا.
[1/ 135] وأما الثالث: فيبعد جدًّا أن يحكي الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجِّله ذاك التبجيل.
وأما الرابع: فقد طهَّر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكايةً لها علاقةٌ ما بالجمال الذي كان مولعًا به متسمِّحًا في شأنه، فتصطبغ في نفسه صبغةً تناسب هواه، فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي - على ما تقدَّم عن ابن عساكر - توقَّف؛ لأن أكثر أهل الشام أهل سنة، ويخشى أن يعلموا أنه تعرَّض للخطيب لأجل
(10/230)

المذهب، ففكَّر أولئك السُّعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا، فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة، وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس، ثم قالوا للأمير: تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدَّث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة، فقد يقع مثلها لأفضل الناس، ويُخبر بوقوعها له أعقلُ الناس وأحزمُهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرَّصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبرُّ الناس وأوفاهم، لكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألَّف فيه. ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمَّى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضةً عليه، فلما حكاها ابن طاهر لم يسمِّه، بل قال: "قد سماه مكي وأنا نكَبتُ عن ذكره"؛ لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي. ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه، كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم استمِعْ لسبط ابن الجوزي وتصرُّفه! قال الذهبي في "الميزان" (1): "يوسف بن قِزُغْلي (2) الواعظ المؤرّخ شمس الدين
__________
(1) (6/ 145).
(2) (ط): "فرغلي" تصحيف، انظر في ضبطه "الأعلام": (8/ 246) للزركلي، وحاشية الجواهر المضية (2/ 441)، وترجمته فيها: (4/ 633 - 635). وقِزُغْلي لفظ تركي معناه "ابن البنت".
(10/231)

أبو المظفر سبط ابن الجوزي. روى عن جده وطائفة، وألَّف "مرآة الزمان" فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يَجْنِفُ ويجازف. ثم إنه ترفَّض وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محيي الدين .... : لما بلغ جدِّي موتُ سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه الله! كان رافضيًّا. قلت: كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية".
[1/ 136] أقول: قد تقدم أنه كان حنبليًّا، ثم تحنَّف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيِّلُ "مرآته" (1)؛ لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب، الذي يلقبه الكوثري: "عالم الملوك الملك المعظَّم". فإن هذا الملك كان أهله شافعية، فتحنَّفَ وتعصَّبَ. قال فيه المُلَّا عليّ القاري الحنفي - كما في "الفوائد البهية في مناقب الحنفية" (ص 152) -: "كان متغاليًا في التعصّب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترتَ مذهب أبي حنيفة، وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم! ".
وهذا الملك قد أثنى عليه خليلُه السِّبْط في "المرآة"، ومع ذلك ذكَرَه في مواضع متفرقة بفظائع. وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون (2)، وذكرتُ المانع من تتبّع هفواته.
فأما السِّبْط، فقد مرَّ عن الذهبي ما علمتَ، ومَن طالع "المرآة" علم
__________
(1) يعني اليافعي في "ذيل مرآة الزمان": (1/ 39 - 43).
(2) رقم (15).
(10/232)

صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة، والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه. ويظهر من "المرآة" ما يوافق قول صاحب "الذيل عليها" أنه إنما تحنَّف في الصورة الظاهرة. وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي، فكأنه إنما ألَّف كتابه في الترفُّض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى، وقد عرفتَ بعضَ حاله في التعصّب، فتحنَّف السِّبطُ إرضاءً له، وألَّف كلّ منهما ردًّا على الخطيب، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون. وحاول السِّبْط التقرّبَ إلى عيسى بذمِّ الخطيب، وذكر حكاية ابن طاهر، فزاد فيها.
قال الأستاذ (ص 12): "قال سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان": قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشقَ، فصحبه حَدَثٌ صبيحُ الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا، حتى بلغ واليَ المدينة - وكان من قبل المصريين شيعيًّا - فأمر صاحبَ الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله، وكان صاحب الشرطة سُنِّيًّا فهجم عليه، فرأى الصبي عنده، وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد رحمتُك ... فأخرجوه فمضى إلى صُور، واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال فيه الأشعار فمن شعره ... ".
فيقال لهذا الجانف المجازف: توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدُّك، فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر، حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات [1/ 137] الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي، فلم يذكروا فيها ما ذكرت. بل نقلها خليلُك الملك عيسى في "رده على الخطيب" (ص 277) من خط ابن طاهر - كما قال - ولم يذكر هذه
(10/233)

الزيادة ولا ما يشير إليها. استفدتُ هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العُش (1).
وكانت القصة وابن طاهر في سنِّ تسع سنين، ولم يكن بدمشق، فممَّن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكّي الرميلي، فإنه حكى ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكيّ بما يُعْلَم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيًّا لم يشهد القصة، فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها. ولو كان السبط ثقة لاتجه الحملُ على ابن طاهر وتثبيت مجازفته، لكن حال السِّبْط كما علمت، وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يُغتفر في الجملة، فالحملُ على السِّبط.
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب، فلا أدري ما يصح منها. وما وُجد منها بخطه قد يكون لغيره، وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظٍّ من الأدب؛ يقول أحدهم الأبياتَ على طراز ما عُرِف من شعراء زمانه، كما ينقل عن ابن سُريج وغيره.
وما في "معجم الأدباء" (2) عن أبي العز ابن كادش لا يُعبأ به. ترجمة ابن كادش في "لسان الميزان" (ج 1 ص 218) (3) وفيها عن ابن النجار: "كان مخلِّطا كذَّابًا لا يُحتجُّ بمثله". وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن
__________
(1) انظر ترجمته في "الأعلام": (8/ 230 - 231)، وقال: إن الفصيح في (العش) ضمّ العين لكن الدارج كسرها.
(2) (1/ 394) وهي أبيات من الشعر نقلها عن الخطيب.
(3) (1/ 532).
(10/234)

عساكر أن ابن كادِش أخبره أنه وضع حديثًا في فضل أبي بكر وتبجَّح بذلك قائلا: "بالله أليس فعلت جيدًا؟ ".
فقد اتضح بحمد الله عزَّ وجلَّ سلامةُ الخطيب في عقيدته، ونزاهته في سيرته، وأنَّ ما ظُنَّ غمزًا في سيرته - مع وضوحِ أنه ليس مما يُعتدُّ به شرعًا - ليس مما يسوغ احتماله تخرُّصًا، بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.
ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول (ص 10) في الخطيب: "على سوء سلوكٍ يُنسب إليه، ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هُجر القول وسوء الفعل". ويقول (ص 51): "إذًا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق"، ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجًّا بها. وفي مقابل ذلك يرى كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذَّبه [1/ 138] ابن معين وابن نُمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة: "ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم، يُتهم بداء سوء، وليس في الحديث بشيء". وفي "لسان الميزان" (ج 2 ص 209) (1): "قال أبو داود عن الحسن بن علي الحُلْواني: رأيت اللؤلؤي قبَّل غلامًا وهو ساجد، ... وقال أحمد بن سليمان الرُّهاوي: "رأيته يومًا في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصف، فلما سجد مدَّ يده إلى خدِّ الغلام فقرَصَه". وصالح والحُلواني والرُّهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات= فيضِجُّ الأستاذ من هذا ويعِجُّ،
__________
(1) (3/ 49).
(10/235)

ويقول (ص 188): "والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القَذَفة؛ ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل".
يقول هذا، ثم يرمي الخطيب بما رماه، ويصرِّح أو يكاد، مع أن القصة - ولو كما حكاها سبط ابن الجوزي - ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل، فضلًا عن غيره، ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر، وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه، وأن ابن طاهر لم يدرك القصة، ولا ذكر في رواية السبط مَن أخبره بها، وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في "تذكرة الحفاظ" لم يشهد القصة، ولم يذكر عمن أخذها، ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذ قال (ص 121): "تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه .... ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين"!
فليتدبر القارئ: أيهما أولى بأن يكون قذفًا شرعيًّا، أكلمات الأستاذ بانيًا على ما ليس بشيء، أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: "يتهم بداء سوء"، وإخبار الحافظَين الآخرَين بما شاهداه من اللؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد! وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يُتصور قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القَذَفة! وأيّهما أولى وأحق بأن يقال فيه: "لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل"!
وكذلك الرُّميلي الحافظ الفاضل ليس يترتب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة [1/ 139] شرعية على أن "تاريخ الخطيب" كلّه حق، فأيّ حجة
(10/236)

أو شبهة تُبعد أن يكون صادقًا فيما حكى؟ فمَن الأولى برقَّة الدين والنفاق الكمين!

فصل
قال ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 266) بعد أن عدَّد جملة من مصنفات الخطيب: "فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته. ومَن نظر فيها عرف قدرَ الرجل وما هُيِّئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره. وقد روي لنا عن أبي الحسين ابن الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصُّوري ابتدأ بها". قال ابن الجوزي: "وقد يضع الإنسان طريقًا فيُسْلَك، وما قصَّر الخطيب على كل حال".
أقول: لم يسمِّ ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري. وابن الطيوري هذا هو المبارك بن عبد الجبار، وثَّقه جماعة، وكذَّبه المؤتمن الساجي الحافظ. والصُّوري هو محمد بن عبد الله الساحلي، ترجمته في "التذكرة" (ج 3 ص 293) (1)، وفيها: أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة، ووفاته سنة 441، فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة. ومع حفظه ففي "التذكرة" (ج 3 ص 298) (2) في ترجمة أبي نصر السِّجْزي المتوفى سنة 444: "قال ابن طاهر: سألت الحافظ أبا إسحاق الحبَّال عن أبي نصر السِّجزي والصُّوري: أيهما أحفظ؟ فقال: كان السِّجزي
__________
(1) (3/ 1114).
(2) (3/ 1119).
(10/237)

أحفظ من خمسين مثل الصُّوري". وفي "التذكرة" (ج 3 ص 314) (1): "قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفنّنًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفَرْده ومنكره ومطروحه. ثم قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصُّوري عن الخطيب وأبي نصر السِّجْزي، ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا". وقد علمتَ أن الصُّوري توفي سنة 441 أي: قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاةُ السِّجزي سنة 444، وابنُ طاهر لقي الحبَّال سنة 470 كما في "التذكرة" (ج 3 ص 363) (2). فتفضيلُ الحبَّال بين السِّجزي والصُّوري كان بعد موتهما، فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما. وأما تفضيل الصوري [1/ 140] بين الخطيب والسِّجزي ففي حياتهما، لكن أحدهما وهو السِّجزي كان في أواخر عمره، والآخر وهو الخطيب في وسط عمره؛ لأن الصوري مات سنة 441 كما مرَّ، فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك. فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلًا، حيث كان سنُّ السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده 422، كان قبل وفاة السّجزي بنحو ثلاث سنين، وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنتين وعشرين سنة.
فيخرج مما تقدم أن الخطيب - باعتراف الصوري - كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضَّل تفضيلاً بيّنًا على مَنْ هو بحكم الحبَّال
__________
(1) (3/ 1137). ووقع في (ط): (ج 1) خطأ.
(2) (3/ 1194).
(10/238)

أحفظ من خمسين مثل الصُّوري، فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟
وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه، فما معنى ما حكي عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تُنسب إلى الخطيب ولم يُتمَّ شيئًا منها؟ يقول ابن السمعاني: إن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا. فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفًا أو نحوها ولم يتمّ شيئًا منها؟ فإن كان أتمَّ شيئًا منها أو قارب، أو على الأقل كتب منه كراسة مثلًا، فقد كان ابن الطيوري من أخصِّ الناس بالصوري - كما يؤخذ من "لسان الميزان" (ج 5 ص 10) (1) - أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري، فيُبرزه للناس تصديقًا لقوله؟
ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من "معجم الأدباء" (2): أن الكتب التي كانت في ملك الصُّوري صار جملةٌ منها بعد موته إلى الخطيب، فاستفاد منها الخطيب. لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئًا إلا بأسانيده المعروفة، ومَن تدبَّر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها (3).
هذا، وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصُّوري كان ترك كتبه عند أختٍ له بصُور، وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني: عند
__________
(1) (6/ 453).
(2) (1/ 387 - 388).
(3) وعلق الذهبي على الخبر بقوله: "ما الخطيبُ بمفتقرٍ إلى الصوري، هو أحفظ وأوسع رحلة وحديثًا ومعرفة". "السير": (16/ 228).
(10/239)

دخوله صور، وذلك بعد إقامته بدمشق).
واحتج الدكتور (1) بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله، لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام - وذكر دليل ذلك -، وبأن الصُّوري أقام (2) ببغداد نيفًا وعشرين سنة وبها مات، فكيف يُعقل أن لا يطلب كتبًا تركها عند أخته!

[1/ 141] فصل
قال ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 267) بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه: "وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمِّهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه. فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: "سيد المحدثين"، وفي ترجمة الشافعي: "تاج الفقهاء"، فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أيَّ شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة. وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة. وله دسائس في ذمهم، من ذلك: أنه ذكر مهنأ بن يحيى ... ومال الخطيب على أبي الحسن [عبد العزيز بن الحارث] التميمي ... ومال الخطيب على أبي [عبد الله] عبيد الله بن [محمد بن] بطة ... ومال الخطيب على أبي علي [الحسن بن علي] ابن المُذْهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما: الجري على عادة عوامِّ المحدثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس بجرح؛ وذلك لقلة فهمهم. والثاني:
__________
(1) يعني يوسف العش في كتابه عن الخطيب، وسبقت إشارة المؤلف إليه.
(2) (ط): "إمام" تحريف.
(10/240)

التعصب على مذهب أحمد وأصحابه ... ".
أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري، أجاوزتَ الحدَّ في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها - كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه - فدعتك نفسُك إلى التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم يُرَ مثلُه غمٌّ عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدّثين من قلة الفهم؟
أما ما قاله الخطيب في ترجمتَي أحمد والشافعي، فلفظه في المطبوع (ج 4 ص 412) في ترجمة أحمد: " ... إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة ... ". وفي آخر الترجمة (ج 4 ص 423): "قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها، فلذلك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردناه منها". وعبارته في ترجمة الشافعي (ج 2 ص 56): " ... زين الفقهاء، وتاج العلماء .. ".
فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث، فإن كنت لا تراه مُحدِّثًا فقد سلبتَه أعظم الفضائل، ولزم [1/ 142] من ذلك سلبُه الفقهَ والعلمَ الذي يعتدّ به، وإن كنت تراه محدِّثًا فقد جعلتَ أحمد إمامًا له أو سيِّدًا للمحدثين مطلقًا، فشمل ذلك الفقهاء منهم، فلزم أن يكون إمامَ الفقهاء أو سيِّدَهم مطلقًا. ومع ذلك لم تذكر الشافعيَّ بنصرة الدين، ولا النضال عن السنة، فأما قولك: "زين الفقهاء وتاج العلماء" فلا يدفع ما تقدم، لأن المتزين أفضل من الزينة، ولابس التاج أفضل من التاج.
والصواب: أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصِّلين، وإنما
(10/241)

الحاصل أن المترجِم يتحرَّى في صدر الترجمة أشهر الصفات. فأحمدُ لِتبحُّره في معرفة الحديث وتجرُّده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لِتجرُّده للفقه كان أشهر به.
وأما قضية الكرابيسي، فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته (ج 8 ص 64) عن يحيى بن معين أنه: "قيل له: إن حسينًا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل. قال: ما أحوجه أن يُضرَب". وروى عن يحيى أيضًا أنه قال: "ومَنْ حسين الكرابيسي لعنه الله ... "، ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة، ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه. ثم ذكر قصةً فيها غضُّ الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن رجلًا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكذِّب الكرابيسي.
فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين: الأولى: تفسير ما تقدَّم إجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ. الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي. فمن توهَّم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غضُّ الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب محاولةٌ من الخطيب لانتقاص علي! وابنُ الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم، وهذه حاله!
وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مُهَنّأ والجماعة الذين سماهم، فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.
وقد وثَّق الخطيبُ جمعًا كثيرًا بل جمعًا غفيرًا من الحنابلة، وأطاب
(10/242)

الثناء عليهم. فإن ساغ أن يُرمى بالتعصّب على الحنابلة لذكره القدح في أفرادٍ منهم، فليسُغْ رميُه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسُغْ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم. وقد [1/ 143] مرَّ قريبًا ما ذكره في الكرابيسي، وهكذا حال بقية المذاهب. فهل يسوغ أن يقال: إن الخطيب كان يتعصّب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل: بل ينظر في كلامه. قلت: فستراه في التراجم.

فصل
قال ابن الجوزي (1): "وقد ذكر في "كتاب الجهر" أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي "كتاب القنوت" أيضًا. وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يدري أنه موضوع، فاحتجَّ به ولم يذكر عليه شيئًا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (2).
وذكر الكوثري في "التأنيب" (ص 10) عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة، فذكر مما أخرجه الخطيب في "كتاب الجهر بالبسملة": "مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان، وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذابًا. ومثل حديث حفص بن سليمان، قال أحمد: هو متروك
__________
(1) في كتاب "المنتظم": (8/ 268 - 269)، وكذلك في "التحقيق": (1/ 464، 2/ 77).
(2) تقدم تخريجه (ص 199).
(10/243)

الحديث". ومما يتعلق ب "كتاب القنوت": "ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات. قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثارًا موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه".
أقول: الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قَصَد بجَمْع تلك الرسائل جمعَ ما ورد في الباب فلا احتجاج. وإن كان قصد الاحتجاج، فبمجموع ما أورده، لا بكل حديث على حِدَة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرُّعَه في الحكم بالوضع والبطلان، وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث "الموضوع" (1).
الثالث: أن من جملة ما أورده في "الموضوعات" وحدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها [1/ 144] الإِمام أحمد في "مسنده"، ولعله أورد في "الأحاديث الواهية" أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإِمام أحمد ما علمتَه من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة، فما نراك أحسنتَ الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب أولى أن يخفى عليه. وإن كنت
__________
(1) انظر "علوم الحديث" (ص 99) لابن الصلاح، و"النكت": (2/ 847 - 850) للحافظ.
(10/244)

ترى أن الإِمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة، ومع ذلك أثبتها في "مسنده" ولم ينبِّه عليها، فكفى به أسوة للخطيب.
الرابع: لا يلزم مِن زَعْم ابن الجوزي أن الحديث موضوع (1) باطل، أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا، ولم يتنبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا رُوي الحديث بسند ساقط، لكنه قد رُوي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلانه، لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل مَنْ رواه بالإسنادين معًا في حديث: "من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"؛ لأنه لا يرى الحديث نفسه كذبًا. وقد يُتوسع في هذا، فيُلحق به ما إذا كان المتن المرويّ بالسند الساقط، ولم يُرو بسندٍ أقوى، لكن قد رُوي معناه بسند أقوى. ويقَّوي هذا أن المفسدة إنما تعظُم في نسبة الحكم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ، وشاهدُ هذا جواز الرواية بالمعنى.
الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: "أجمعوا على ترك حديثه" فيه نظر، فقد أكثر عنه ابنُ وهب ووثَّقه على ما في "مختصر كتاب العلم لابن عبد البر" (ص 199) (2)، ومجموعُ كلامهم فيه يدل أنه صدوق
__________
(1) كذا ولعله سقط "أو" كما سيأتي في "الخامس".
(2) انظر أصله "جامع بيان العلم وفضله": (2/ 1106).
(10/245)

في الأصل، فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد (1).
[1/ 145] وأما حفص، فروى عبد الله وحنبل عن أحمد: "متروك الحديث". وروى عبد الله أيضًا عن أبيه: "صالح"، وروى حنبل عن أحمد أيضًا "ما به بأس". فيأتي في حديثه نحوُ ما مرَّ (2).
وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في "سنن الدارقطني"، و"سنن البيهقي" وغيرهما. وفي ذلك آثار عن الصحابة منها الصحيح فما دونه.
وحديث أنس النافي للجهر قد أُعِلَّ بعدة علل، كما ترى ذلك في بحث المعلَّل من "تدريب الراوي" (3).
وجمع الشيخُ تقي الدين ابن تيمية (4) بأن الأصل عدم الجهر، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما جهر ليعلِّم أصحابه، وكذلك
__________
(1) ترجمته في "التاريخ الكبير": (5/ 96)، و"الأوسط" (798)، و"الجرح والتعديل": (5/ 60 - 61)، و"الضعفاء": (2/ 254) للعقيلي، و"الكامل": (4/ 125)، و"المجروحين": (2/ 7)، و"لسان الميزان": (4/ 496).
(2) ترجمته في "التاريخ الكبير": (2/ 363)، و"الأوسط" (1268)، و"الجرح والتعديل": (3/ 173 - 174)، و"الضعفاء": (1/ 270) للعقيلي، و"الكامل": (2/ 380).
(3) (1/ 297 - 302)، وانظر "النكت على ابن الصلاح": (2/ 753 - 756) للجواب عن بعض ما أُعِلّ به.
(4) في "مجموع الفتاوى": (22/ 410 - 437).
(10/246)

أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم مَن [1/ 146] يسمعه. وفي "الصحيح" (1) عن أبي قتادة: "كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورةٍ سورةٍ ويُسْمِعنا الآيةَ أحيانًا". وللنسائي (2) عن البراء: " .. فنسمع منه الآيةَ بعد الآيةِ .. ". ولابن خزيمة (3) عن أنس نحوُه كما في "فتح الباري" (4). فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد, لأنه إذا أسرَّ بها وجهَر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة.
فمن لم يقع له هذا الجمع، أو لم يقوَ عنده، وقوي عنده ما ورد في الجهر، فأخذ به مطلقًا كالشافعي، فلا لوم عليه. ومن احتجَّ من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية، وألحق بها ما يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان، فلا حرج عليه.
[1/ 147] وأما حديث: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في الصبح حتى مات" (5)، فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن
__________
(1) (759).
(2) (971).
(3) (503).
(4) (3/ 245).
(5) أخرجه عبد الرزاق (3/ 110)، وأحمد (12657)، والدارقطني: (2/ 370)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار": (1/ 145)، والبيهقي في "الكبرى": (2/ 201) وغيرهم. قال البيهقي: قال أبو عبد الله [الحاكم]: هذا إسناد صحيح سندُه، ثقة رواتُه، والربيع بن أنس تابعي معروف. وتعقبه ابن التركماني بتضعيف أبي جعفر عيسى بن ماهان الرازي. وانظر "البدر المنير": (3/ 620 - 627)، و"تنقيح =
(10/247)

أنس، صحح بعضُ الحفاظ بعضَها. وجاء نحو معناه من وجوه أخرى. راجع "سنن الدارقطني"، و"سنن البيهقي". وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت (1).
فإذا أخرج الخطيبُ الحديثَ من تلك الأوجه القوية، ثم ألحق بها رواية دينار؛ لم يلزمه أن يبيَّن في ذاك الموضع حالَ دينار، لما مرَّ في الوجه السادس. على أنه قد بيَّن الخطيب في موضع آخر حال دينار، وبيَّنه غيرُه، واشتهر ذلك. وقد بيَّن الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حالَ الكلبي، ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذبًا ولا يذكرون حاله.
[1/ 148] وأما النهي عن صوم يوم الشك، فلم أعثُر عليه (2)، غير أن الأدلة على ذلك معروفة في "الصحيحين" وغيرهما. وعن الإِمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيمٌ رواية أنه لا يصام، واختارها بعض المحققين من أصحابه. فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة، وبقية الكلام يُعلم مما مرَّ.
__________
= التحقيق": (2/ 439 - 443)، و"السلسلة الضعيفة" (1238).
(1) "زاد المعاد" (1/ 273 - 274).
(2) لعله أراد حديث عمار: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم". ذكره ابن طاهر في "تذكرة الموضوعات" (ص 71) نقلًا عن الفيروزابادي في الخلاصة. قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص 92): "وهو مجازفة، فإنه أخرجه أهل السنن وأحمد والبخاري تعليقًا، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم". وانظر "البدر المنير": (5/ 691 - 692).
(10/248)

وأما قول ابن الجوزي: "وقاحة عظيمة وعصبية باردة وقلة دين" فابن الجوزي أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع.

فصل
في "تاريخ بغداد" (2/ 177): "أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا (1) محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان (2) قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرتُ أحدًا إلا تمعَّر وجهه، ما خلا محمد بن الحسن. أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دَعْلَج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي الأبَّار قال: حدثني يونس - يعني ابن عبد الأعلى - قال سمعت الشافعي يقول: ناظرتُ محمدَ بن الحسن وعليه ثياب رِقاق، فجعل تنتفخ أوداجُه، ويصيح حتى لم يبق له زِرٌّ إلا انقطع. قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم، ولا كان لصاحبي أن يسكت. قال: قلت له: نشدْتُك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: نعم. قال: قلت: فهل كان عالمًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم. قال: قلت: أفما كان عاقلًا؟ قال: نعم. قلت: فهل كان صاحبك جاهلًا بكتاب الله؟ قال: نعم. قلت: وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم. قلت: أوَ كان (3) عاقلًا؟ قال: نعم. قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون
__________
(1) كذا في (ط) وفي "التاريخ": "أنبأنا"
(2) "بن سليمان" ليست في "التاريخ".
(3) (ط): "وكان" والمثبت من "التاريخ".
(10/249)

قاضيًا إلا بهن - أو كلامًا هذا معناه -".
قال الأستاذ (ص 180) في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن: [1/ 149] "هذا خلاف ما صح عنه في "انتقاء ابن عبد البر" ص 24، وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه".
أقول: الذي في "الانتقاء" في تلك الصفحة (1): "حدثنا خلف بن قاسم قال: نا الحسن بن رشيق قال: نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا: نا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرتُ محمد بن الحسن يومًا، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تَدُرّ (2) وتنقطع أزرارُه، فكان فيما قلت له يومئذ: نشدتُك بالله هل تعلم أن صاحبنا - يعني مالكًا - كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم. قلت: وعالمًا باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: اللهم نعم". فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغيُّر محمد اختلاف يسير، لا تكاد تخلو عن مثله حكايةٌ تُروى من وجهين مختلفين.
أما قول الأستاذ: "وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق ... " فقد قدَّم الخطيبُ روايته في ذلك، وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار. قال الأستاذ: إنه غير موثَّق، كما يأتي في ترجمته (3). ولا منافاة، بل معنى قوله:
__________
(1) (ص 57 - المحققة).
(2) (ط): "تدور" تحريف، والمثبت من "الانتقاء".
(3) لم يَذْكُر في الكتاب إلا محمد بن إسماعيل الترمذي أبا إسماعيل رقم (193).
(10/250)

"ما ناظرت أحدًا إلا تمعَّر وجهه" على العموم، فيعمُّ كلَّ مناظر في كل مناظرة. فقوله: "ما خلا محمد بن الحسن" يصح أن يراد أنه لم يكن يتمعّر وجهه في كل مناظرة، فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة واحدة مثلًا.
ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال: "لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك قاضيًا .. ".
أقول: هذا هيِّن، فإنَّ مِن لازم أهلية القضاء أهلية الاجتهاد.
ثم قال: "وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلًا، بل هذه تغيير من الخطيب حتمًا، وقد زاد في الآخر: "أو كلامًا هذا معناه" ليتمكَّن من التملُّص من تبعة هذا التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له: استقصينا طرق تلك الحكاية من طريق يونس بن عبد الأعلى وغيره استقصاءً لا مزيد عليه، فلم نجد تلك العبارة في شيء منها، فتكون أنت غيَّرتَ وبدَّلتَ! فيجيب الخطيب قائلًا: ما ادعيتُ أن ما سبق ذكره هو نصُّ عبارة الرواية، بل هذا معناه. وكفى أن نقول لمثل هذا المحرِّف المنحرف: أفليس في روايتك: "ما كان [1/ 150] لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت"؟، فكيف تتصور أن يُوجب محمدُ بن الحسن الكلامَ والإفتاءَ على من هو جاهل بكتاب الله وسنة رسوله، ويحرِّم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله؛ على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... عَلِمَ عِلْمَ اليقين منزلة صاحبه عنده من معرفة الكتاب والسنة".
أقول: قولك: "لم ترد في رواية من الروايات أصلًا" إن أردت الإطلاق، فهذه مجازفة، فإن كثيرًا من كتب الحديث - فضلًا عن كتب الحكايات - منها ما قد فُقد، ومنها ما ليس في متناول الأيدي. وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد عليه، ومع ذلك فاتك في كلامك أثبَتُ الطرق،
(10/251)

وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم، وهي في موضعين من كتاب "تقدمة الجرح والتعديل" (1) الذي نقلتَ عنه في غير موضع، منها ما مرَّ في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث (2). وفي "تهذيب التهذيب" (3) في ترجمة مالك التنبيه عليها، وهو في متناول يدك كلّ وقت. وهذا لفظ ابن أبي حاتم: "حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم بالقرآن (4): صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس. قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بالقرآن: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، يعني: مالكًا. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بالسنة: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمتقدمين: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء؛ فمن لم يعرف الأصول، فعلى أي شيء يقيس؟ ".
فاتت الأستاذَ - مع زعمه أنه استقصى استقصاءً لا مزيد عليه - هذه الرواية، مع أن في ترجمة مالك من "تهذيب التهذيب": "وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: ... ". نعم، نقل الأستاذ متنَ هذه الرواية عن كتابٍ لم تُسْنَد فيه ولا أشير إلى
__________
(1) (1/ 4، 12 - 13).
(2) (رقم 8).
(3) (10/ 8).
(4) "بالقرآن" كذا وقع في هذه الرواية, وفي الرواية الأولى بدونها، ولعلها الأشبه.
(10/252)

إسنادها فقال: "ولفظ أبي (1) إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" (ص 42) بدون سند: قال الشافعي ... ".
وذكر الأستاذ رواية ابن عبد الحكم من وجهين آخرين:
الأول: عن (ص 23) (2) من "انتقاء ابن عبد البر" من طريق "إبراهيم بن نصر سمعت محمد بن [1/ 151] عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم، أم صاحبكم؟ - يعني أبا حنيفة ومالكًا - وما كان على صاحبكم أن يتكلم، وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت، وقلت: نشدتك الله، من كان أعلم بسنة رسول - صلى الله عليه وسلم -: مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أَقْيَس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام".
الثاني: عن "مناقب أحمد" لابن الجوزي (ص 498) من طريق "محمد بن يحيى بن آدم الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم، أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف. قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس. قال: قلت: أنشدك، أصاحبنا أعلم بكتاب الله، أم صاحبكم؟ قال: إذ نشدتَني بالله
__________
(1) (ط): "ابن أبي" خطأ، وهو على الصواب في "التأنيب".
(2) (ص 55 - 57).
(10/253)

فصاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن ندّعي القياس أكثر مما تدعونه، وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس".
ثم نقل عن "كتاب ذم الكلام" (1) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن الشافعي، وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى. ومثل ذلك يكثر في رواية الأحاديث النبوية، كما سترى أمثلته في "قسم الفقهيات" من هذا الكتاب، فما بالك بالحكايات!
وأثبَتُ هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظَ الذي قاله الشافعي: روايةُ ابن أبي حاتم، لجلالته ولأنه أثبتَها في موضعين من كتابه بلا فرق، فدلَّ ذلك أنه أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم، ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنَّف. فأما بقية الروايات، فلم تُقيَّد في كتاب إلا بعد زمان، بعد أن تداولها جماعة من الرواة، وذلك مظنة للتصرُّف على جهة الرواية بالمعنى. نعم، رواية الخطيب من طريق الأبَّار عن يونس مقيّدة في مصنَّف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند، لكن لم يقم دليل على أن الأبَّار أثبتها في أصله عند السماع، إلا أن رواية ابن [1/ 152] عبد البر دلت على ضبط الأبَّار. وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي، ولم يتقن حفظها، فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط.
__________
(1) (1/ 129 - 130).
(10/254)

وإيضاح ذلك: أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبَّر عنها بالجمع كأن يقال: "أيهما أعلم"، وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: "أما كان فلان كذا؟ "، ثم يقال في الآخر: "فهل كان فلان كذا؟ " على الوجه الذي يؤدي التفضيل. فرواية ابن عبد الحكم من طرقها الثلاث - وكذا رواية الربيع - سلكت طريق الجمع "أيهما أعلم". أما يونس فسلك طريق التفريق، فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: "هل تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم ... ؟ "، فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في المقابل: "فهل كان صاحبك جاهلًا؟ ". فجرى الأمر على ذلك كما في رواية الخطيب. وكأنَّ يونس أحسّ بالخلل في الظاهر، فقال في رواية الخطيب: "أو كلامًا هذا معناه". فأما في رواية ابن عبد البر، فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدَّث الأبَّار واستوفى القصة قال: "أو كلامًا هذا معناه"، فكذلك لما حدَّث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على أولها، وترك ما يتبين به الخلل.
وقد يكون - وهو الظاهر - الاقتصار من عبد البر، وذلك لأسباب:
الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه.
الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في "الانتقاء" من الإجمال والمجاملة.
الثالث: أنه شعر أن في بقيتها خللًا بحسب الظاهر.
أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط، فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة "جاهل" الجهل النسبي. وفي "فتح المغيث"
(10/255)

(ص 162) (1): "فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتجّ به ولا ممن يُرَدُّ، إنما ذاك بالنسبة لمن قُرِن معه ... قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ... فقال: ليس به بأس. قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يُرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا، بدليل قوله: إنه لا بأس به. وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري".
وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر، فمثل ذلك جائز عند الجمهور في الحديث [1/ 153] النبوي، فكيف الحكايات! وفي "تدريب الراوي" (2): "قال البُلْقيني: يجوز حذف زيادةٍ مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيرًا تورُّعًا".
وأما قولي: إن التغيير من يونس، فلوجهين:
الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن القصة مطوَّلة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر من طريق يونس لا تفي بذلك.
الثاني: أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذِكْر مالك بلفظ "عالم" وذلك من يونس اتفاقًا، وهو مقتض - كما تقدم - أن يقال في مقابله "جاهل"، فبان أن هذا أيضًا من يونس. ولولا رواية ابن عبد البر لجاز أن يكون التغيير من الأبَّار، بأن يكون لما سمع القصة لم يُثبتها
__________
(1) (2/ 127 - 128).
(2) (1/ 541)، وكلام البلقيني في كتابه "محاسن الاصطلاح" (ص 336 - 337).
(10/256)

في أصله، ولم يُتقن حفظها، فلما احتاج إلى ذكرها في مصنَّفه رواها بالمعنى، ولما أحسَّ بالخلل بحسب الظاهر قال: "أو كلامًا هذا معناه".
فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأً، فباطل لأوجه:
الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق.
الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار.
الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه. وفي "تذكرة الحفاظ" (ج 4 ص 4) (1): "قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه". وفي الصفحة التي تليها عن السِّلَفي: "سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب؟ فقال: جبل لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه". وفيها (ج 3 ص 318) (2) عن عبد الوارث الشيرازي: "كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة".
الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبُّع عثرات المحدِّث، مع أنه قد أوغر قلوب كثير منهم، فلو تساهل بالرواية من حفظه لِما أخذه من مصنَّف معروف - كما صنع الأستاذ ذلك في مواضع معتذرًا بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان (3) - لقالوا له: هذا كتاب معروف [1/ 154] متداول،
__________
(1) (4/ 1203).
(2) (3/ 1142).
(3) (رقم 19).
(10/257)

وليس فيه كما ذكرت. فإن قال: قد قلت: "أو كلامًا هذا معناه" قالوا: لم تبيِّن أن هذا من عندك، ومع ذلك فعادتك التثبت الزائد حتى إذا سُئلت عن شيء أحلتَ على الكتاب، فكيف يُعقل أن تتساهل فيما تثبته في مصنَّفك!
هذا، وقد علمنا أن الأئمة وثَّقوا الخطيب وثبَّتوه، وبالغوا في إطرائه، ولم يعثر له المتعنَّتون على أدنى خلل في الرواية. وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغضَّ من الخطيب، فلم يظفر بشيء من باب الرواية، وإنما تعنَّتَ في أمور أُخر قد مرَّ ما فيها. فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تَناوُشٌ من مكان بعيد.
قول الأستاذ: "أليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ... فكيف تتصور ... ".
أقول: قد يكون هذا من جملة التغيير، ويكون الصواب في رواية ابن الجوزي من طريق ابن عبد الحكم (1): "ما كان على صاحبكم أن يتكلم". لكن في رواية الهروي من طريق الربيع: "قد رأيت مالكًا، وسألته عن أشياء، فما كان يحل له أن يفتي". وقد مرّ بيان أن كلمة "جاهلًا" في رواية الخطيب المراد به الجهل النسبي، وحاصله أنه دون مالك في العلم بالكتاب والسنة.
ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكّدون أمر الرأي والقياس، ويقولون: مَن كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه، وكان جيّد النظر في الرأي والقياس كان عليه أن يفتي. ومن كان ضعيف النظر في الرأي والقياس لم يكن له أن يفتي، وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة.
__________
(1) (ط): "عبد الحكيم" تحريف.
(10/258)

وقد أشار الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعفَ مالك في القياس. ففي "الأم" (ج 4 ص 6) (1): "أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم: إنما يتخرَّص، فيلقي ما جاء على لسانه ... ". وفيها (ج 7 ص 257) (2): "فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله: ما كان لفلان أن يفتي، لنقص عقله وجهالته؛ وما كان يحلّ لفلان أن يسكت [يعني] آخر من أهل العلم". على أن المحاجَّة والملاجَّة التي تبلغ بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنةٌ للإسراف في القول.
قول الأستاذ: "على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... ".
أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفيُ محمد أن يكون لأبي حنيفة علمٌ بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك. فأما العلم بالسنة، فيكفي [1/ 155] في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما روى عن مالك. وأما العلم بالكتاب، فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه، فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جوابًا معقولًا.
ولقائل أن يقول: إن محمدًا لما ضايقه الشافعي، وسأله بالله عزَّ وجلَّ وناشده إياه، وشرط عليه الإنصاف = راجع نفسه، فلم يسعه إلا الاعتراف. ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة اعترافه.
__________
(1) (5/ 157).
(2) (9/ 28) وما بين المعكوفين منه، وكان مكانه في (ط): "-".
(10/259)

قال الأستاذ: "ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر ... والمعروت أنه صحبه إلى أن أتم سماع "الموطأ" منه في نحو ثمانية أشهر. وأما محمد بن الحسن، فقد لازم مالكًا ما يزيد على ثلاث سنين، فلا يتصور أن يسأل محمدُ بن الحسن الشافعيَّ عن مبلغ علم أبي حنيفة ومالك كما وقع في رواية الشيرازي؛ لأن أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يُتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكًا أكثر من محمد بن الحسن. فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم والحالة هذه غير مستساغة".
أقول: الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبَتِ الروايات، وهي رواية ابن أبي حاتم التي فاتت الأستاذ، مع زعمه أنه استقصى استقصاءً لا مزيد عليه. وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكم (1). والشافعي حجازي، فلعله عاد إلى المدينة بعد قراءته "الموطأ" وخروجه منها، بل لعله تردد مرارًا. وكان الشافعي يدين أوّلًا بقول مالك ويذبُّ عنه، فإن لم يكن تلقَّى جميع ذلك منه، فقد تلقى بعضه منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيها نظرة في كتبه وكتب أصحابه. وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم، بل على وجه السؤال عن رأيه. والشافعي حجازي كمالك كان أولًا يدين بقوله، ثم صار ربما خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذٍ وقعت القصة. وإنما كثر خلافه لمالك بعد دخوله مصر، وذلك بعد موت محمد بن الحسن. ومحمدُ بن الحسن عراقيّ كأبي حنيفة، ينتسب إليه، ويتَّبعه في أصوله، ويذبُّ عن قوله غالبًا. فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي: "صاحبكم" يريد مالكًا، و"صاحبنا" يريد أبا حنيفة؟
__________
(1) (ط): "عبد الحكيم" خطأ.
(10/260)

[1/ 156] هذا، وقد أشار الأستاذ فيما علَّقه على "الانتقاء" لابن عبد البر (ص 24) (1) إلى الروايات واختلافها. ثم قال: "والمخلص من ذلك: النظر في الأسانيد، والمقارنة بينها، وضربُ ما يروى بغير إسناد عرض الحائط".
ثم حاول عبثًا الرجوع عن هذا القضاء العدل في "التأنيب" (183) إذ قال: "ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في "مبسوطه" حيث قال في كتابه المذكور: إن الشافعي سأل محمدًا: أيما أعلم: مالك أو أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله. قال: أبو حنيفة. فقال: من أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني، ومالك أهدى للألفاظ"!
منًى إن تكن حقًّا تكن أحسنَ المنى ... وإلَّا فقد عِشْنا بها زمنًا رَغْدا (2)

فصل
قال الخطيب (13/ 369) بعد ذكر المناقب: "قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخبارًا كثيرة تتضمن تقريظ (3) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظُ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين - وهؤلاء المذكورون (4) منهم - في أبي حنيفة خلاف ذلك".
__________
(1) (ص 56) وتعليقات الكوثري أبقاها محقق الطبعة الجديدة الشيخ أبو غدة بعجرها وبجرها.
(2) البيت لرجل من بني الحارث، انظر "الحماسة": (2/ 144) لأبي تمام.
(3) الأصل (تقريض) والتصويب من "الخطيب". [ن].
(4) (ط): "المذكورين" والمثبت من "التاريخ" بطبعتيه.
(10/261)

فأخذ الأستاذ يتكلم على الروايات ثم يقول: "وهذا من المحفوظ عند الخطيب" ويشنِّع.
فأقول: قال ابن حجر في "النخبة" (1)، وقرره السخاوي في "فتح المغيث" (ص 82) (2): "فإن خولف - أي: الراوي - بأرجحَ منه لمزيد ضبطٍ، أو كثرة عددٍ أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ".
فالمحفوظ عندهم ما كان أرجح من مقابله، فنَقْد كلمة الخطيب إنما هي بالموازنة، فإن بان رُجْحان ما ذكره أخيرًا صحَّ كلامه حتى على فرض أن يكون الثاني ضعيفًا، فإن الضعيف أرجح من الأضعف. ولا يضرُّه أن يكون فيما ذكره أخيرًا رواية ساقطة توافق أخرى قوية، أو [1/ 157] تكون عمن لم يتقدم في المناقب عنه شيء. ولا يحتسب على الخطيب ولا له بما عند غيره، ولا يؤاخذ في أحوال الرواة بخلاف اعتقاده واجتهاده، فإن مدار صدق كلمته على الرجحان عنده. وقد كنتُ جمعتُ ما في الترجمة عن أيوب والسفيانين وأبي بكر بن عيّاش ونظرتُ فيها، ثم كرهت شرح ذلك هنا لطوله، وإن كان فيه إظهار حجة الخطيب وتصديق كلمته.
وأقتصرُ في ترجمة الخطيب على هذا القَدْر، وأدَعُ الكلمات المفرقة في "التأنيب"، وسينكشف حال غالبها إن شاء الله تعالى.
__________
(1) (ص 71 - مع شرحها).
(2) (1/ 230).
(10/262)

27 - أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبَّار.
في "تاريخ بغداد" (13/ 325): "أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم الخُتَّلي، حدثنا أحمد بن علي الأبَّار ... ".
قال الأستاذ (ص 19): "والأبَّار من الرواة الذين كان دَعْلَج التاجر يُدِرُّ عليهم الرزق، فيدوِّنون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول، فللأبَّار قلم مأجور ولسان ذَلْق في الوقيعة في أئمة أهل الحق. وكفى ما يجده القارئ في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة وأصحابه، لتعرف مبلغ عداوته وتعصبه، وروايةُ العدوّ المتعصب مردودة عند أهل النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارئ الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال".
أقول: في "تذكرة الحفاظ" للذهبي (ج 2 ص 192) (1): "الأبَّار الحافظ الإِمام أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدِّث بغداد، يروي (2) عن مسدَّد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فرّوخ، وأمية بن بسطام، ودُحيم، وخلق كثير. حدَّث عنه دَعْلَج، وأبو بكر النجَّاد، وأبو سهل بن زياد، والقطيعي، وآخرون. قال الخطيب: كان [ثقة] حافظًا متقنًا حسن المذهب. قال جعفر الخُلْدي: كان الأبَّار أزهد الناس. استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، فلما ماتت رحل إلى بلخ، وقد مات قتيبة، وكانوا يعزُّونه على هذا. قلت:
__________
(1) (2/ 639) وما بين المعكوفين منه.
(2) في "التذكرة": "حدّث".
(10/263)

وله تاريخ وتصانيف. مات يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين".
[1/ 158] رأى الأستاذُ في الرواة عن الأبَّار دَعْلَج بن أحمد السِّجزي، ورأى في ترجمة دَعْلج أنه كان تاجرًا كثير المال كثير الإفضال على أصحاب الحديث وغيرهم، وأنه أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بقوله = فاستنبط الأستاذ أن دَعْلجًا كان متعصِّبًا لابن خزيمة في الأصول - يعني العقائد - وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسِّم، وأبو حنيفة عنده منزِّه - التنزيه الذي يسمِّيه خصومُه تعطيلًا وتكذيبًا - فعلى هذا كان دعلج متعصبًا على أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معًا! ثم استنبط الأستاذ في شأن الأبَّار أنه جمع ما جَمَعَه في الغضِّ من أبي حنيفة تقرُّبًا إلى دعلج المُثْري المنفق، وأن دعلجًا كان يوسع العطاء للأبّار لأجل ذلك!
فأقول: لا يخفى على عارف بالفقه والحديث أنه يكفي في ردِّ هذه التهمة أن يبيَّن أن الأبَّار ودَعْلجًا من الحفّاظ المعروفين، روى عنهما أئمة الحديث العارفون بالعدالة والرواية، ووثَّقوهما، وأثنوا عليهما. ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما، ولم يذكر أحد دعلجًا بتعصب، بل كان فضله وإفضاله كلمة وفاق. ولم يذكر أحدٌ الأبَّار بحرص على الدنيا كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما، بل وصفه شيخ الزهاد وراوية أخبارهم جعفر بن محمد بن نصير الخُلْدي بأنه كان أزهد الناس، كما سلف.
ومع هذا فالأبَّار كان ببغداد، وسُكْنى دَعْلج بها، وحصولُ الثروة له، وما عُرف به من الإنفاق، وتجردُ ابن خزيمة للكلام في العقائد، وأخذُ دَعلجٍ كتبَه واتَّباعُه له = كلُّ ذلك إنما كان بعد وفاة الأبَّار بمدة. فإن أقدم من سُمِّي
(10/264)

من شيوخ الأبَّار مسدَّد المتوفى سنة 228، فعليّ بن الجعد المتوفى سنة 230، فأمية بن بسطام المتوفى سنة 231. وبذلك يظهر أن مولد الأبَّار كان بعد سنة 210، وتوفي سنة 290 كما مرَّ. ومولد دَعْلج سنة 260 بسجستان، وبها نشأ، ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم والتجارة.
ويظهر أن أول دخوله بغداد كان في أواخر سنة 282 أو أوائل التي تليها، فإن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد - كما يؤخذ من ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (1) - محمد بن رِبْح البزَّاز ومحمد بن غالب تمتام، وكانت وفاتهما سنة 283. وقد كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة وهو أسنُّ منهما وأعلى إسنادًا وأشهر ذكرًا، وتوفي يوم عرفة سنة 282، ولم يذكروا لدعلج عنه روايةً، ولو أدركه ما فاته.
فعلى هذا أول ما لقي دعلج الأبَّار سنة 283، وسنُّ الأبَّار يومئذ نحو [1/ 159] سبعين سنة، وسنُّ دعلج نحو ثلاث وعشرين سنة. ولم يكن دعلج حينئذ ذا ثروة ولا إنفاق, لأنه أقام بعد ذلك بمكة زمانًا، وسمع بها من الحافظ المعمَّر عالي الإسناد علي بن عبد العزيز البغوي المتوفى سنة 286.
وكان البغويُّ بغاية الفقر حتى كان يُضطر إلى أخذ الأجرة على الحديث، ويقول - كما في "تذكرة الحفاظ" (ج 2 ص 179) (2) -: "يا قوم أنا بين الأخشبَين، وإذا ذهب الحُجَّاج نادى أبو قبيس قُعَيقعانَ يقول: من بقي؟
__________
(1) (3/ 881 - 884).
(2) (2/ 623).
(10/265)

فيقول: المجاورون. فيقول: أطبِقْ! ". وبقي على ذلك إلى أن مات، إذ لو كَفَّ قبل موته، لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذتُه الأجلَّاء، وهم كثير، ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عِيب به، فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كفَّ عن ذلك. ولو كان دعلج تلك المدةَ قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديرًا بأن يعطي شيخه ما يخلَّصه من انطباق الأخشبَين والمشاحَّة على الدرهم والدرهمين.
وفي "تاريخ بغداد" (ج 8 ص 390) قصة من سخاء دعلج، وفي آخرها أنه سُئل عن ثروته وإنفاقه، فقال: "نشأتُ وحفظتُ القرآن وسمعت الحديث، وكنت أتبزَّز، فوافاني رجل من تجار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم. فقال: قد رغبتُ في تسليم مالي إليك لتتَّجر فيه، فما سهَّل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي. وسلَّم إليّ البرنا مجات بألف ألف درهم ... ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا، والبضاعة تنمي، فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها. قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه، فهذا المال لك، على أن تتصدَّق منه، وتبني المساجد، وتفعل الخير".
ففي أي سنٍّ ترى اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة، حتى يأتمنه تاجرٌ سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس، تعلمُ أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة، ويتوفر رأس ماله، وتسخو نفسه بالإنفاق، إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظتَ أن دعلجًا لم يكن متجرِّدًا للتجارة، بل كان كثير التطواف لسماع الحديث؟ والأبَّار توفي سنة 290 أي: وسنُّ دعلج ثلاثون سنة, وعاش دعلج بعده فوق
(10/266)

ستين سنة، فإنه توفي سنة 351؛ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زمانًا أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة [1/ 160] الأبَّار بمدة = فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة أن يكون دعلج وصل الأبَّار بفَلْس واحد.
أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة 311 أي: بعد وفاة الأبَّار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره. وفي "تذكرة الحفاظ" (ج 2 ص 262) (1) عن الحاكم عن جماعة: "لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرُّد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا .. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع (؟) (2) من الكلام وينهى عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري، فإنهم على مذهب الكلابية (3) ... ". ثم ذكر كلامًا فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافةٍ عملها ابن خزيمة "في جمادى الأولى سنة تسع" يعني سنة 309، وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد. وعلى كلّ حال فالظاهر البيِّن أن أخذَ دعلجٍ كتبَ ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأبَّار بمدة.
وإنما الثابت أن الأبَّار كان ساخطًا على أبي حنيفة سخطًا ما، كما يدل عليه جمعه ما جمع، وذلك شأن أهل الحديث في عصره كالبخاري
__________
(1) (2/ 724).
(2) كذا وضعها المؤلف استشكالًا للكلمة وهي في "السير": (14/ 377): "لا يُسْرِع في ... ". وبه يستقيم السياق.
(3) (ط): "الكلامية" خطأ، والمثبت من "التذكرة" و"السير".
(10/267)

ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم. فإن صح أن يسمَّى ذلك عداوةً وتعصبًا، فهي عداوة دينية لا تُرَدُّ بها الشهادة، فكيف الرواية؟ وقد مرَّ إيضاح ذلك في القواعد (1).
قول الأستاذ: إن الأبَّار "يروي عن مجاهيل بل الكذابين".
أقول: كلُّ من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأبَّار ترى تراجمهم في هذا الكتاب، فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب، فلا اعتداد بروايته، ولا يضرُّ الأبَّار ذلك شيئًا؛ فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب.
قول الأستاذ: "فلا يحتاج القارئ الكريم ... ".
أقول: الكريم من اتقى الله عزَّ وجلَّ، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأبَّار وقبله محل النزاع، كما يعلم الأستاذ. والله أعلم.

28 - [1/ 161] أحمد بن الفضل بن خزيمة.
راجع "الطليعة" (ص 91) (2). وفي "معجم الأدباء" (ج 4 ص 30) (3) عن ابن السمعاني: "والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي ابن المديني .. وطبقتهم .. ". وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم (4) فيما مضى.
__________
(1) (1/ 67).
(2) (ص 71).
(3) (1/ 391).
(4) (رقم 11).
(10/268)

29 - أحمد بن كامل القاضي.
في "تاريخ بغداد" (13/ 374 [378 - 379]): "أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب. وأخبرنا ابن الفضل أيضًا، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى البربري، حدثنا ابن الغلابي، عن سليمان بن حرب ... ".
قال الأستاذ (ص 43): "وأحمد بن كامل القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العُجْب، كان متساهلًا في الرواية، ربما حدَّث من حفظه بما ليس عنده. كما رواه الخطيب".
أقول: ذكرتُ في "الطليعة" (ص 69) (1) أن عبارة الدارقطني كما في "تاريخ بغداد" وغيره: " .. بما ليس عنده في كتابه". وهذا القيد "في كتابه" يدفع القدح، فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه". فلأمْرٍ ما حذف الأستاذ ذاك القيد!
أجاب الأستاذ في "الترحيب" (ص 51) بقوله: "ليس عادة النقاد أن يقولوا لما ليس في كتاب الراوي: إنه عنده، فلا يكون سقوط "في كتابه" مغيرًا للمعنى ولا مقصودًا، فهم الناقد [يعني المعلمي]، أم لم يفهم".
أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم "عنده" يتناول ما في كتابه وما في حفظه، وعادة النقَّاد جاريةٌ على هذا الظاهر. وتجد أمثلة من ذلك في "تهذيب التهذيب" (ج 1 ص 110) ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك ما دام هو الموافق للظاهر، كما تقدم. وكفى دليلًا على ذلك تقييد الدارقطني بقوله:
__________
(1) (ص 52).
(10/269)

"في كتابه". فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سلمان (1).
وعلى كل حال، فقد ثبت - كما اعترف به الأستاذ - أن كلمة الدارقطني فيما حدَّث به أحمد بن كامل: "وليس عنده في كتابه" لا تنفي أن يكون عنده في حفظه، بل قد تُثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح. غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه، وإن كان يحفظه. وتَرْكُ الراوي للأحوط [1/ 162] لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركُه روايةَ ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتمانًا للعلم وتعريضًا للضياع وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد بن جعفر بن حمدان (2).
وأما قول الدارقطني: "أهلكه العُجْب". ففسرها الدارقطني بقوله: "فإنه كان يختار، ولا يضع لأحد من الأئمة أصلًا. فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال: "بل خالفه، واختار لنفسه، وأملى كتابًا في السنن وتكلم على الأخبار" (3).
فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهبَ إمامٍ معيّن، بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قولُه عنده.
أقول: وهذا أيضًا ليس بجرح، بل هو بالمدح أولى. وقد قال الخطيب:
__________
(1) (رقم 19).
(2) (رقم 12).
(3) كلام الدارقطني في سؤالات السهمي (176).
(10/270)

"كان من العلماء بأيام الناس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث. قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله".
أقول: فيحق له أن ينشد:
إن أكن مُعْجَبًا فعُجْبُ عجيبٍ ... لم يجد فوقَ نفسِه من مزيدِ (1)

30 - أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المرُّوذي.
في "تاريخ بغداد" (13/ 411 [437]): "أخبرنا البرقاني، حدَّثني محمد بن العباس أبو عمر الخزّاز (2)، حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي - وأثنى عليه أبو عمر جدًّا - حدثني المرُّوذي أبو بكر أحمد [بن محمد] بن الحجاج: سألت أبا عبد الله - وهو أحمد بن حنبل - عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، قال: أبو حنيفة أشدّ على المسلمين من عمرو بن عبيد؛ لأن له أصحابًا".
قال الأستاذ (ص 141): " ... المرُّوذي هو صاحب الدعوة إلى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسِّمة علوًّا كبيرًا ... فيا سبحان الله متى كان أحمد يقول: إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له، وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرًّا، حتى أوقعوا أحمد في تلك المحنة، وكان أحمد يترحم على أبي حنيفة ويثني عليه، كما سبق من الخطيب (ص 327) ".
__________
(1) البيت للمتنبي في "ديوانه" (ص 21).
(2) تصحفت في (ط) إلى "الخزندار". وتصحف "أبو عمر" في "التاريخ" إلى "أبو عمرو"، وهو على الصواب في الطبعة المحققة (15/ 567).
(10/271)

أقول: قد أفردت للاعتقاديات قسمًا من هذا الكتاب. والمقام المحمود قد اختلف السلف في تفسيره، وروى ابن جرير في "تفسيره" (ج 15 ص 92) (1): "عن مجاهد قال: يجلسه معه على عرشه"، ثم قال: "ما قاله مجاهد مِن أنّ الله يُقْعِد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على عرشه، قولٌ غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر .. ". وأطال في ذلك وأطاب، وقد أعطى الله رسوله في ليلة الإسراء ما أعطى، وقال له: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4].
ولم يُرِد أحمد أن عمرو بن عبيد لا أصحاب له البتة، وإنما أراد أنه ليس له أصحاب في مثل غُلوّه جادِّين في نشر شرِّهم. كان عمرو غاليًا جدًّا كما أشرت إليه في الاعتقاديات (2)، ولا أعرف أحدًا ممن لقيه وتأثر بكلامه كان غاليًا مثله. ولا أعرف أن عمرو بن عبيد تكلم إلا في القدر والوعيد، والمعتزلة الذين ينتسبون إليه لم يوافقوه في غلوه، ولكنهم تابعوا جهمًا في مسائل لم يتكلم فيها عمرو. والذين دعوا إلى المحنة كبِشر المريسي وابن أبي دواد معروفون بأنهم من أصحاب أبي حنيفة، واشتهروا بأنهم جهمية، ومسألة القول بخلق القرآن ليست من مسائل عمرو بن عبيد بل هي من مسائل جهم.
نعم، إن المعتزلة المنتسبين إلى عمرو بن عبيد لاتِّباعهم له في الجملة وافقوا جهمًا فيها، ولعل من يقول: إن دعاة المحنة معتزلة اغترَّ بموافقتهم
__________
(1) (15/ 47 - دار هجر).
(2) لم نجد الإشارة إليه في الاعتقاديات، وإنما سبقت في (ص 41).
(10/272)

المعتزلة في تلك القضية وقضايا أخرى تتفرع عن قول جهم. والصواب أن يُنظر في قولهم في القدَر والوعيد، فإن كانوا لا يوافقون المعتزلة فيهما، وهذا هو الظاهر، فهم جهمية ولا ينبغي أن يسمَّوا معتزلة. وقد كان لهم من إعلان ضلالتهم والدعوة إليها إلى أن جرى ما جرى ما لم يكن للمنتسبين إلى عمرو بن عبيد ما يقاربه. وكانوا ينسبون جهميَّتهم إلى أبي حنيفة، وفي روايات غيرهم عنه اضطراب. وقد روى الخطيب من طريق المرُّوذي عن أحمد أنه لم يَثبت عنده أن أبا حنيفة قال: إن القرآن مخلوق، فكأنه قَوِي عنده عدم الثبوت، فترحَّم، إن صح ما رواه الخطيب (ص 327)؛ وقوي عنده الثبوت مرةً، فشدَّد، والله أعلم. وعلى كل حال فصدقُ المرّوذي وأمانته وفضله كلمةُ وفاق قبل الأستاذ، كما يعلم من ترجمته في "تاريخ بغداد" (1) وغيره.

31 - أحمد بن محمد بن الحسين الرازي.
يأتي مع محمود بن إسحاق (2) إن شاء الله تعالى.

32 - أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، إمام أهل السنة.
قال أحمد الدورقي: [1/ 164] "من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتَّهِموه على الإِسلام". ومرَّ في ترجمة الخطيب (3) أن ابن معين بلغه أن
__________
(1) (4/ 423).
(2) (رقم 242).
(3) (ص 242).
(10/273)

الكرابيسي يتكلم في أحمد، فقال: "ومَن حسين الكرابيسي لعنه الله ... ". وعن سفيان بن وكيع قال: "أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق". وقال ابن أعْيَن:
وإذا سمعتَ لأحمدٍ متنقَّصًا ... فاعلَمْ بأنَّ ستورَه ستُهَتَّكُ (1)
عرض الأستاذ في مواضع بالطعن في عقيدة الإِمام أحمد، وتتبَّع أصحابه وأصحابهم طاعنًا في عقيدتهم؛ ليلجئ من يقرأ كتابه إلى اعتقاد الطعن في عقيدة أحمد نفسه. وقد أفردت البحث في العقائد بقسم خاص من هذا الكتاب، وهو بمثابة تتمة لترجمة الإِمام أحمد، وأقتصر هنا على ما عدا ذلك.
قال الأستاذ (ص 4): "من تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك، لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى".
أقول: نفيه عن أحمد التمحيص والغوص كذب مكشوف. فإن زعم الأستاذ أنه إنما أراد أن أبا حنيفة كان أبلغ في ذلك، قلنا: أما تمحيص الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم، والراجح من المرجوح، والناسخ من المنسوخ؛ فأحمد أرجح الأئمة في ذلك, لأنه أوسعهم رواية، وأعلمهم بأحوال الرواة وعلل الحديث، وأعلمهم بآثار الصحابة والتابعين.
وأما تمحيص النصوص لمعرفة معانيها، فأحمد من أحسن الأئمة
__________
(1) "تاريخ بغداد": (4/ 421) وفيه: "وإذا رأيت ... ". ونسبه في "سير النبلاء": (11/ 299) لمحمد بن عبد الله بن طاهر.
(10/274)

معرفةً لذلك. وهَبْ أن غيره قد يفوقه في هذا، فإنما يمحِّص الإنسان ما يعرفه، ويغوص فيما يَجده؛ فمن لم يبلغه النص، فأيَّ شيء يمحَّص؟ وفي أي شيء يغوص؟
وقد تقدم في ترجمة الخطيب (1) قول الشافعي لمحمد بن الحسن بعد اعتراف محمد بأن مالكًا كان أعلم بالكتاب والسنة والآثار من أبي حنيفة: "لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء، ومن لم يعرف الأصول على أيّ شيء يقيس؟ ".
وقد ذكر الأستاذ (ص 139) ما نُقِل عن الشافعي: "أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها". فقال الأستاذ: " ... ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، [1/ 165] فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب المزارعة، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع ... ".
أقول: فلم ينفعه في تلك الكتب تمحيصه وغوصه، إذ لم يطلع على ما ثبت من السنة وآثار الصحابة.

فصل
قال الأستاذ (ص 26): "وأما أحمد، فدونك "مسائل أبي داود"، ولا إسحاق بن منصور الكوسج"، و"عبد الله بن أحمد"؛ فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟ ".
__________
(1) (ص 252).
(10/275)

أقول: أما أنا فلم أقف على نسخة من هذه المسائل (1)، فإن كان الأستاذ وقف عليها، فهل ما وقف عليه هو بخطوط هؤلاء الذين سمَّاهم؟ فإن لم تكن بخطوطهم ولا بخطوط تلامذتهم، بل تداولها النساخ والرواة، فمن أين يتجه أن يَعُدَّ ما فيها من خطأ هو من أحمد نفسه؟ ونحن نرى النساخ يغلطون كثيرًا حتى في كتابة القرآن، مع أنهم ينقلون من مصاحف واضحة الخط منقوطة مضبوطة. ولم أر أحدًا قبل الأستاذ حاول الطعن في عربيَّة أحمد، ولا نسب إليه شيئًا من اللحن، كما نُسب إلى غيره من الأئمة.

فصل
قال الأستاذ (ص 141): "تفقه أول ما تفقه على أبى يوسف القاضي وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم، كما في أوائل "سيرة ابن سيد الناس"، و"تاريخ الخطيب" (3/ 177) ".
أقول: الذي في "تاريخ الخطيب" في ذاك الموضع: " ... إبراهيم بن جابر حدثني عبد الله بن أحمد قال: كتب أبي عن أبي يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، فقلت له: كان ينظر فيها؟ قال: كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي". وهذا لا يُعطي أنه تفقه على أبي يوسف. فأما الكتابة عنه وعن محمد - إن صحَّت - فالظاهر أنه إنما كتب عنهما مما يرويانه من [1/ 166] الآثار، ومع ذلك لم يرو عن أحد منهما ولا بنى على روايته حكمًا.
__________
(1) وقد طبعت هذه المسائل جميعها ولله الحمد، وطبع غيرها من مسائل الإِمام كمسائل ابن هانئ، وبعض مسائل حرب الكرماني، ومسائل المرّوذي، وبعض الجامع للخلال.
(10/276)

وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما، كثير النظر في كتب الواقدي. هذا مع أنه من أسوأ الناس رأيًا في الواقدي، فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمُّه، فيبحث عنه من غير طريق الواقدي، على حدِّ قول الله تبارك وتعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبيُّن، فخبر الفاسق يكون تنبيهًا يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به، والاستعداد له، وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه، حتى يبحث عنه، فيتبيَّن الحال.

فصل
قال الأستاذ: "وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن، كما روى عنه إبراهيم الحربي على ما في "تاريخ الخطيب" (2/ 177) ".
أقول: الراوي عن إبراهيم غير موثَّق، على أن محمدًا لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع، مما يحتاج إلى دقيق الحساب، فيضخِّم بها كتبَه. ومن عرف النصوص الشرعية وفهِمَها وعلِمَ الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعةٌ يحتاج تفصيل الحكم فيها إلى حساب دقيق، فاستعان بحاسب، لم يكن في ذلك ما يُتوهم منه أنه تعلَّم الفقه من الحاسب.

فصل
ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد: "كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه". ثم قال: "يقول الملك المعظَّم: أنا أصدِّق هذا لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم
(10/277)

"الجامع الكبير" ولا عرف ما فيه، ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ينكره، فخلَّ عنك باقيَ كتب أصحاب أبي حنيفة". ثم قال الأستاذ: "ومن جهل شيئًا [أنكره و] (1) عاداه".
[1/ 167] أقول: هذا موضع المثل:
سألته عن أبيه ... فقال: خالي شعيب! (2)
لم يعب أحمد كلَّ مسألة تكلم فيها أبو حنيفة، ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخَّم بها محمدٌ كتبَه، وإنما عاب ما يراه مخالفًا للسنة. وهذا يتحقق عند أحمد، سواء أفَهِم أتباعُه "الجامع الكبير" لمحمد (3) وهل نظر فيه وتفهَّمه غيرهم من غير الحنفية؟
وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة إلى حاله في ترجمة الخطيب: "ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه (4) ينكره" مجازفة. نعم، ينكِر ما فيه مما يراه مخالفًا للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة.
__________
(1) سقطت من قلم المصنف رحمه الله تعالى، فاستدركتها من "التأنيب"، وقد سقطت منه في الموضع الآتي أيضًا، ولكنه تنبه لذلك هناك فاستدركه كما يدل عليه أثر الكشط، وفاته الاستدراك هنا. [ن]
(2) ذكره الحصري في "جمع الجواهر" (ص 139) وأتبعه ببيت آخر هو:
وما كنى عن أبيه ... إلا وثَمّ سُبيب
(3) كذا، ولعله سقط "أم لم يفهموه".
(4) (ط): "أن" وقد تقدمت على الصواب.
(10/278)

وقول الأستاذ: "ومن جهل شيئًا أنكره وعاداه" لا محل لها هنا، فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي ردَّ بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال، ويعرفون بطلانه، كما ستراه في قسم الفقهيات. وسترى هناك بعض ما يُروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل عليه، إن صحَّت.

فصل
قال الأستاذ: "وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء، باعتبار أنه محدَّث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء! ".
أقول: يشير بهذا إلى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألَّفه في "اختلاف الفقهاء". ولَأن يُعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أنه - كما يُعْلَم من النظر في كتابه - إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورُتِّبت كتبهم. ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد، فإنه رحمه الله لم يقصد أن يكون له مذهب ولا أتباع يعكفُون على قوله، وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يُكتَب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرةً بأيدي الطلبة والمستفتين، وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتَّبها وجمَعها أبو بكر الخلَّال، وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين (1).
__________
(1) ولد ابن جرير سنة 224 وتوفي سنة 310، وولد الخلال سنة 234 أو بعدها بسنة، وتوفي سنة 311.
(10/279)

[1/ 168] وقول هذا الخائب: "وأنى لغير الفقيه ... " كلمةٌ أدَعُ جوابها إلى القارئ. وفقه أحمد أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى ذكر شهادات الأكابر. ويغني في ذلك قول الشافعي: "خرجتُ من بغداد، وما خلَّفتُ بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل" (1).
هذا رأي الشافعي في أحمد قبل أن يموت أحمد بنيِّف وأربعين سنة.

فصل
ذكر الأستاذ (ص 143) ما روي من قول أحمد: "ما قولُ أبي حنيفة والبعرُ عندي إلا سواء".
قال الأستاذ: "المصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء، فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة؛ لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفرًا أو بدعة شنيعة ... فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لايصدرعمن له دين".
أقول: هذه مخاطرة فاجرة، ومحاولة خاسرة.
أولًا: لأن من المعلوم قطعًا أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره، كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات)، والعموم يُخَصُّ بما هو دون هذه الدلالة بكثير.
ثانيًا: هَبْه سَلِم العمومُ، فمعلوم أن ما في تلك الكلمة إنما هو حكمٌ على القول من حيث هو قولُ ذاك القائل، فلا يتعدَّاها إلى حيثية أخرى.
__________
(1) انظر "تاريخ بغداد": (4/ 419).
(10/280)

ثالثًا: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات. فإذا قيل: سواء زيدٌ والأسد، لم يُفهم منه إلا التسوية في بعض المعاني، وهي الشجاعة. فالتسوية بين القول والبَعَر إنما هي في عدم الاعتداد، فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتدُّ بقول أبي حنيفة دليلًا أو خلافًا، كما لا يعتدُّ بالبعر مالًا. فأما عدم اعتداده به دليلًا فلا غبار عليه، ولا يقول أحد: إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم مَن بعده من المجتهدين الأخذُ به. وأما عدم الاعتداد به خلافًا، فكما قاله بعضهم في قول داود الظاهري (1). فلو كلَّف الأستاذُ نفسَه الاتزانَ لَحمَلَ الكلمةَ على عدم الاعتداد دليلًا، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافًا، فغير مسلَّم له ....
[1/ 169] هذا، وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يُثنوا به على أحد من الأئمة، كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و"تاريخ بغداد" وغيرهما.
وأكتفي ههنا ببعض ما في "تهذيب التهذيب" (2):
قال إبراهيم بن شمَّاس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفةَ مثلُ ذاك الفتى - يعنيان أحمد. وقال القطان: ما قدم عليّ مثل أحمد. وقال مرّةً: حبر من أحبار الأمة ... وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع. وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحدٌ غيره يحسن
__________
(1) يعني أنه لا يُعتدّ بقول الظاهرية، ذكره النووي غير مرة في كتبه, انظر "شرح مسلم": (7/ 92 و14/ 29).
(2) (1/ 72 - 76).
(10/281)

الفقه. وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا. وقال الشافعي ... (قد مرَّ). وقال عبد الله [بن داود] الخُرَيبي: كان أفضل زمانه .... وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإِسلام مثله .... وقال العباس بن الوليد بن مزيَد: قلت لأبي مُسْهِر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمرَ دينها؟ قال: لا، إلا شابٌّ في ناحية المشرق - يعني أحمد. وقال بشر بن الحارث: أُدخِل الكِيرَ، فخرج ذهبًا أحمر. وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسدٍ أفضل من أحمد بن حنبل. وقال أحمد الدَّورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتَّهِموه على الإِسلام".

33 - أحمد بن سعيد بن عقدة.
في "تاريخ بغداد" (13/ 387 [402 - 403]): " ... أحمد بن [محمد بن] (1) سعيد الكوفي حدثنا ... عن بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا". قال: هذا رجز. قلت: قتادة عن أنس أن يهوديًّا رضخ رأس جارية بين حجرين، فرضخ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رأسه بين حجرين. قال: هذيان".
وفيه (13/ 403 [426]): "عبد الله بن المبارك قال: من نظر في "كتاب الحيل" لأبي حنيفة أحلَّ ما حرَّم الله، وحرَّم ما أحلَّ الله".
قال الأستاذ (ص 78): "وأحمد بن سعيد في السند هو ابن عُقْدة الكوفي، شيعي جَلْد. وكلام الخطيب فيه شديد، فيلزمه أن لا يعوِّل عليه".
وقال (ص 122): "حاول بعض الكذابين رواية "كتاب الحيل" عن أبي
__________
(1) زيادة من "التاريخ".
(10/282)

حنيفة ... وهو أبو الطيب محمد بن الحسين ... وقد قال مطيَّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب بن كذاب. وأقرَّه [1/ 170] ابنُ عقدة ... وقد قوَّى ابن عدي أمر ابن عقدة وردَّ على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي: ... من كبار الحفاظ، وثَّقه الناس، وما ضعَّفه إلا عصريٌّ متعصب".
أقول: ما نقله عن السيوطي مجازفة (1). ولم أر في "الميزان" و"اللسان" ما نسبه إلى ابن عدي (2). وابن عقدة لا نزاع في سعة حفظه ومعرفته. قال البرقاني: "قلت للدارقطني: أيشٍ أكثرُ ما في نفسك من ابن عقدة؟ قال: الإكثار بالمناكير". وفي "الميزان" (3): "قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي: سئل الدارقطني عن ابن عقدة، فقال: لم يكن في الدين بالقوي، وأكذِّب من يتهمه بالوضع، إنما بلاؤه هذه الوجادات". وفيه: "قال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتديَّن بالحديث، لأنه كان يحمل شيوخًا بالكوفة على الكذب، يسوِّي لهم نسخًا ويأمرهم أن يرووها، ثم يرويها عنهم". وفي "اللسان" (4): "وقال ابن عدي أيضًا: سمعت أبا بكر الباغَندي يقول: كتب إلينا ابن عقدة: قد خرج شيخ بالكوفة عنده نُسَخ الكوفيين؛ فقدِمنا عليه، وقَصَدْنا الشيخ، فطالبناه بالأصول، فقال: ما عندي أصل، وإنما جاءني ابن عقدة بهذه النسخ، وقال لي: اروِ هذه يكون لك ذِكْر
__________
(1) كلام السيوطي في "التعقبات على الموضوعات" (ص 57).
(2) ترجمه ابن عدي في "الكامل": (1/ 206) والذي فيه تأييد من اتهمه بتسوية النسخ ودفعها للشيوخ لروايتها وقد جرّب هو عليه ذلك. مع ثنائه عليه بالحفظ والمعرفة.
(3) (1/ 138).
(4) (1/ 605).
(10/283)

ويرحل إليك أهل بغداد. قال: وسمعت ابن مُكْرم يقول: كُنَّا (1) عند ابن عثمان بن سعيد في بيت، وقد وضع بين أيدينا كتبًا كثيرة، فنَزع ابن عقدة سراويله، وملأه منها سرًّا من الشيخ ومنَّا، فلما خرجنا قلنا: ما هذا الذي تحمله؟ فقال: دعونا من ورعكم هذا! ". وفيه أيضًا: "وقال ابن الهَرَواني (؟) (2): أراد الحضرمي أبو جعفر - يعني مُطيَّنًا - أن ينشر أن ابن عقدة كذَّاب، ويصنِّف في ذلك، فتوفي رحمه الله قبل أن يفعل".
أقول: الذي يتحرَّر من هذه النقول وغيرها أن ابن عقدة ليس بعمدة، وفي سرقة الكتب، والأمر بالكذب، وبناء الرواية عليه = ما يمنع الاعتماد على الرجل فيما ينفرد به. وانظر ما يأتي في ترجمتي محمد بن حسين بن حميد، ومحمد بن عثمان (3).

34 - أحمد بن محمد بن الصَّلْت بن المغلِّس الحِمَّاني.
وقد ينسب إلى جده وإلى أبي جده، ويقال له: أحمد بن عطية، وغير ذلك. أخرج الخطيب من طريقه في مناقب أبي حنيفة عدة حكايات، ثم أخرج عنه (13/ 419 [449 - 450]) حكايتين:
__________
(1) (ط): "لنا" تصحيف.
(2) كذا وضع المؤلف علامة الاستفهام شكًّا في الاسم، وهو صحيح على الصواب، وهو محمد بن عبد الله بن الحسين أبو عبد الله القاضي الجعفي الكوفي (ت 402). ترجمته في ""تاريخ بغداد": (5/ 472 - 473)، و"الجواهر المضيئة": (3/ 186 - 187). وانظر ضبط (الهرواني) في "اللباب": (3/ 289).
(3) (رقم 202 و219).
(10/284)

[1/ 171] الأولى: قوله: "سمعتُ يحيى بن معين وهو يُسأل عن أبي حنيفة: أثقةٌ هو في الحديث؟ قال: نعم، ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وهو أجلُّ قدرًا من ذلك".
الثانية: قوله: "سُئل يحيى بن معين: هل حدَّث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقًا في الحديث والفقه، مأمونًا على دين الله".
ثم قال الخطيب: "أحمد بن الصَّلْت هو أحمد بن عطية، وكان غير ثقة".
قال الأستاذ (ص 165): "سبق أن تحدثتُ عن أحمد بن الصَّلْت هذا في هامش (ص 353) من "تاريخ الخطيب" ... ".
أقول: عبارته هناك: "وعنه يقول ابن أبي خيثمة لابنه عبد الله: اكتب عن هذا الشيخ يا بني، فإنه كان يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة. وفي شيوخه كثرة، وقد أخذ عنه أناس لا يحصون من الرواة. وتحامل ابنُ عديّ عليه كتحامله على البغوي، ولعل ذنبه كونه ألَّف في مناقب النعمان. وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته [بل له متابع] (1). والكلام في حقه طويل الذيل، ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من ورائه يردِّدون صدى الطاعن، أيًّا كانت قيمة طعنه".
أقول: أما الحكاية عن ابن أبي خيثمة، فأعادها الأستاذ في "التأنيب" (ص 167) ثم أتبعها بقوله: "وهذا مما يغيظ الخطيب جدًّا، ويحمله على ركوب كلِّ مركب للتخلُّص منه بدون جدوى".
__________
(1) مستدركة من هامش "التاريخ".
(10/285)

وقد نعيتُ على الأستاذ في "الطليعة" (ص 93) (1) أنه: "يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه"، ثم ذكرت (ص 93) هذه الحكاية، وقلت: "كذا قال، ثم لم يبيِّن ما يُعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب". فتعامى الأستاذ في "الترحيب" عن ذلك، فلم يذكر فيه شيئًا! فلننظر في سند هذه الحكاية أصحيح هو؟ حتى يسوغ للأستاذ أن يجزم بقوله: "يقول ابن أبي خيثمة". وماذا قال الخطيب في هذه الحكاية؟ أرَكِبَ كلَّ مركبٍ للتخلص منها بدون جدوى؟
قال الخطيب (ج 4 ص 209): "أخبرنا علي بن المحسِّن التنوخي، حدثني أبي، ثنا أبو بكر محمد بن [1/ 172] حمدان بن الصباح النيسابوري بالبصرة، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد الرازي، قال: قال لي عبد الله بن أبي خيثمة: قال لي أبي أحمد بن أبي خيثمة: اكتب عن هذا الشيخ يا بُني، فإنه يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة - يعني أبا العباس أحمد بن الصلت المغلِّس الحِمَّاني"
قال الخطيب: "قلت: لا أُبعِد أن تكون هذه الحكاية موضوعة، وفي إسنادها غير واحد من المجهولين، وحالُ أحمد بن الصلت أظهر من أن يقع فيها الريبة".
فلندع الجملة الأولى والثالثة، ولننظر في الوسطى، هل جميع رجال السند معروفون ثقات، حتى يسوغ للأستاذ أن يعوِّل بدون جدوى، وأن يجزم بنسبة ذاك القول إلى ابن أبي خيثمة؟ أما عليّ بن المحسِّن وأبوه
__________
(1) (ص 72).
(10/286)

فمعروفان. فمَن أبو بكر محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري؟ ومَن شيخه؟ وهل يُعرف لابن أبي خيثمة ابنٌ اسمه عبد الله؟
أما الأول ففي "لسان الميزان" (ج 5 ص 147) (1): "محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي، وعنه علي بن الحسن (2) (صوابه: المحسِّن) التنوخي. قال الخطيب: مجهول". ولم يتعقبه بشيء. نعم، عرفنا محمد بن حمدان هذا بأنه يروي فيُكثِر عن ابن الصلت صاحب هذه الترجمة، وعنه التنوخي. أخرج الخطيب في مناقب أبي حنيفة بهذا الطريق عدة حكايات منها في (ص 339) مرتين، وفي (ص 340 وص 343 وص 345 (3) وص 346 وص 353 وص 358) وأكِلُ الاستنتاجَ إلى القارئ.
وأما الثاني: ففي "لسان الميزان" (ج 2 ص 253) (4): "الحسن بن محمد بن نصر بن عثمان بن الوليد بن مدرك الرازي أبو محمد (كذا) المتطيب (5)، قال الحاكم: قدم نيسابور سنة 337، وكان يحدِّث عن
__________
(1) (7/ 104).
(2) الذي وقع في "اللسان" بطبعاته المتعددة: "الحسن بن علي" فتصحّف "المحسِّن" إلى "الحسن". ويبدو أن الاسم انقلب على المؤلف فالثابت في "اللسان": "المحسّن بن علي" وهو الذي يروي عن محمد بن حمدان كما في الأسانيد التي أشار إليها المؤلف، وليس ابنه "عليّ بن المحسّن".
(3) في (ط): (ص 443 وص 445) خطأ.
(4) (3/ 118 - 119).
(5) كذا في (ط) تبعًا للطبعة التي ينقل منها المؤلف، وفي المحققة: "المتطبّب".
(10/287)

الكُدَيمي وأقرانه بعجائب. فمنها: ... " فذكر حكايةً. قال ابن حجر: "قلت: هذا لا يحتمله الكُدَيمي وإن كان ضعيفًا. وروى الخطيب في "تاريخه" عن علي بن الحسن (كذا) بن علي التنوخي، عن أبيه، عن أبي بكر بن أحمد (كذا) (1) النيسابوري، عن الحسن بن محمد الرازي، عن محمد (كذا) (2) بن أحمد بن أبي خيثمة حكاية باطلة، وقال: في إسنادها غير واحد من المجهولين، وعنى بذلك الحسنَ بن محمد والراويَ عنه".
أقول: وللحسن هذا عجائب في "مناقب أبي حنيفة" للموفَّق.
[1/ 173] وأما الثالث: فلم أر أحدًا ذكر أن لأحمد بن أبي خيثمة ابنًا اسمه عبد الله، وما سبق عن ابن حجر مِن جعله بدل عبد الله "محمد". فهل وقع في نسخته من تاريخ الخطيب "محمد"، أم وقع فيها "أبو عبد الله" وهي كنية محمد، أم وقع فيها - كما في النسخ المطبوع عنها - "عبد الله"، ولكنه ظن أن الصواب "أبو عبد الله"، وأن كلمة "أبو" سقطت من الناسخ؟ الأشبه هذا الثالث، ولو تمَّ هذا لنجا الثالث من الجهالة والضعف، فإن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة معروف ثقة، لكن وجدت الحكاية في "تهذيب تاريخ ابن عساكر" (ج 2 ص 57) وفيها "عبد الله"، فضعُفَ ما ظنَّه ابن حجر. هذا حال الإسناد، فكيف ترى حال الأستاذ!
وهَبْ أن الحكاية صحَّت عن أحمد بن أبي خيثمة، فأيّ شيء فيها؟ لم
__________
(1) هذا الموضع والذي سبقه وقعا في الطبعة المحققة على الصواب "بن المحسن ... أبي بكر بن حمدان".
(2) وهو كذلك في الطبعة المحققة.
(10/288)

يُعرف ابن أبي خيثمة بالتوقِّي عن الرواية عن الضعفاء, فضلًا عن الكتابة عنهم. بل عامة المحدِّثين يكتبون عن كل أحد، إلا أن منهم أفرادًا كانوا يتقون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة، كما مر في ترجمة الإمام أحمد (1) مِن نَظَرِه في كتب الواقدي. وأحمد بن أبي خيثمة وابنه محمد، لو اتجه ظنُّ ابن حجر، كانا مشتغِلَين بجمع "التاريخ"، والتاريخ يحتاج إلى موادَّ وتسامحٍ في الرواية عن الضعفاء، فلو صحت القضية لما كان فيها إلا شهادة ابن أبي خيثمة لابن الصلت أنه كان يكتب معهم من زمان طويل. وبذلك علَّل أمرَ ابنِه بالكتابة عنه، على ما جرت عادتهم من الحرص على الكتابة عن المعمَّر، ولو كان ضعيفًا، رغبةً في العلوِّ. وعلى كل حال فليس فيها توثيق.
قول الأستاذ: "وفي شيوخه كثرة".
أقول: سيأتي كلام الأئمة فيه، وبه تَعرف أن من كان في مثل حاله، فالناس كلهم شيوخه!
قوله: "وقد أخذ عنه أناس لا يحصون".
أقول: أما المذكورون في ترجمته فقليل، ومع ذلك فليس فيهم من عُرِف بأنه لا يروي عن الساقطين. وهذا الكلبي أشهر الرواة بالكذب، روى عنه السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة، فلم ينفعه ذلك.
[1/ 174] قوله: "وتحامل عليه ابنُ عدي كتحامله على البغوي".
__________
(1) (ص 276).
(10/289)

أقول: لا سواء، البغوي - وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تأتي ترجمته (1) - تحامل عليه ابن عدي بما ليس بجرح، ثم عاد فأثنى عليه، ووثَّقه الناس. وابن الصلت جَرَحه ابنُ عدي جرحًا صريحًا مفسّرًا، وجرحه الناس كما يأتي، ولم يثن عليه أحد. ومع ذلك فقد رجع الأستاذ حين احتاج إلى الكلام في البغوي، فلم يعدَّ كلام ابن عدي فيه تحاملًا، بل بنى على ذاك التحامل، وهوَّل، ورمى البغوي بالكذب!
قوله: "ولعل ذنبه كونه ألَّف في مناقب النعمان".
أقول: لم يخب رجاء الأستاذ، فإن من ذنب ابن الصلت عندهم أنه خلط في المناقب، كما يأتي. وذلك واضح لكل متدبر، وسيأتي أن أعلى الجارحين لابن الصلت حافظ حنفي!
قوله: "وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته". وزاد في "التأنيب" (ص 166): "بل أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (ج 1 ص 45) بسند ليس فيه ابن الصلت".
أقول: في الموضع المذكور من كتاب "العلم" (2): "وأُخبِرنا أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العُقَيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: حججتُ مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة .. ". ذكر
__________
(1) (رقم 133).
(2) (1/ 203 - 204). وسلمت الطبعة المحققة من الأخطاء التي سيذكرها المؤلف.
(10/290)

القصة. فيُنظر في المخبِر لابن عبد البر مَن هو؟ وفي الصيدلاني، فإني لم أجد من وثَّقه.
ومع هذا، ففي بقية السند تحريف لم يشر إليه الأستاذ رجاء أن يغترَّ به من لا معرفة له! فإن الصيدلاني لم يدرك ابن سماعة، والعقيلي لم يدرك أبا يوسف ولا ابن سماعة، وعبد الله بن جعفر هذا قد جاء - كما يأتي - هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة. فصواب هذه العبارة كما يعلم من "الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية" للقرشي (1/ 273) (1): " ... العقيلي ثنا أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ثنا (أو: عن) محمد بن سماعة .. ".
ترجم القرشيُّ عبدَ الله بن جعفر هذا أخذًا من هذا الموضع في "كتاب العلم" فقط، كما يتضح من مراجعة كلامه. ولما شعر أن عبد الله بن جعفر هذا لا يُدرى مَن هو، رأى حقًّا عليه أن يموِّه، فخلع عليه لقب "الإمام"!
وفي "مناقب أبي حنيفة" للموفق (1/ 25) عن الجعابي: [1/ 175] "حدثني أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة، حدثنا أبي، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: "حججت مع أبي سنة ست وتسعين ولي ست عشرة سنة ... " وذكر القصة. زاد في السند كما مرَّ، وقال: "سنة ست وتسعين" وفي كتاب "العلم" و"الجواهر المضيئة" عنه: "سنة ثلاث وتسعين". تارةً حاول أن يقرِّب التاريخ من وفاة عبد الله بن الحارث، وتارةً راعى المعروف من مولد أبي حنيفة.
__________
(1) (2/ 300 - 301).
(10/291)

وفي "لسان الميزان" (1)، و"ذيل اللآلئ" (2) للسيوطي من طريق أبي علي الحسن بن علي الدمشقي، عن عبد العزيز بن حسن الطبري، عن مكرم بن أحمد، عن محمد بن أحمد بن سماعة، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، فذكر القصة. قال في "اللسان": وهو باطل أيضًا. وللحسن بن علي الدمشقي ترجمة في "لسان الميزان" (2/ 236) (3). وفي "شرح مسند أبي حنيفة" (4) لعلي قاري: "الأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء عنه أنه قال: حملني أبي على عاتقه، وذهب إلى عبد الله بن الحارث ... ".
ولا أدري ما ذاك السند؟ ومَن بلال بن أبي العلاء؟ وربما كان عند القوم غير هذا!
قال الأستاذ: "فثبت أنه لم ينفرد بروايته, فيجب أن تزول نقمة الذهبي عليه بزوال سببها".
أقول: هذا إذا كان سند المتابعة مقبولًا. أما إذا كان ساقطًا، فلا يدفع التهمة، بل يقال: بعضهم وضع، وبعضهم سرق أو وهِم أو لُقِّن أو أُدخل عليه، على أنه إذا كان مقبولًا والمروي منكرًا، فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه. ومع ذلك، فلا ينفع ابنَ الصلت زوالُ تَبِعَة ذلك الحديث عنه إلى
__________
(1) (1/ 613).
(2) (ص 110). وقال: وأخرجه ابن الجوزي في الواهيات وقال: الحماني كان يضع الحديث.
(3) (3/ 91).
(4) (ص 586).
(10/292)

[مَن] (1) فوقه, لأن له بلايا أُخر لا تحصى.
قال الأستاذ: "ولكن لا يمكنهم أن يسامحوه, لأنه بروايته الحديث المذكور بطريق أبي حنيفة يثبت أن أبا حنيفة من التابعين حتى عند من لا يكتفي بالمعاصرة أو الرؤية في ذلك، وهذا مما لا يمكن مسامحته والصفح عنه ... ".
أقول: لخصمك أن يقول: أنت أحقُّ بالتهمة وأهلُها، بل الأمر أوضح من أن يسمى تهمة. ومع ذلك لو جئت بحجة صحيحة لوجب قبولها، فكيف ترجو أن تُردَّ حججُ الأئمة باتهامك لهم؟
وفي "التأنيب" (ص 165) بعد الإشارة إلى قول الذهبي في هذا الحديث: "هذا كذب، [1/ 176] فابن جزء مات بمصر، ولأبي حنيفة ستُّ سنين"، قال الأستاذ: "تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا لتقدُّمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة، فلا يُبَتُّ في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة. وها هو أُبيّ بن كعب رضي الله عنه من أشهر الصحابة، اختلفوا في وفاته من سنة 18 إلى سنة 32، والذهبي يُصرُّ على أن وفاته سنة 22 في كتبه جميعًا، مع أنه عاش إلى سنة 32، وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد. وأين منزلة ابن جزء من منزلة أُبيّ حتى يُبَتَّ بوفاةٍ تُروى له عن ابن يونس وحده؟ وقد قال الحسن بن علي الغزنوي: إن وفاته سنة 99، كما في "شرح المسند" لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته".
أقول: الجواب من وجوه:
الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(10/293)

أدلَّة الأحكام، لا يبيح إلغاء الجميع جملة؛ بل يؤخذ بما لا مخالف له، وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحهما، فإن لم يظهر الرجحان أُخِذ بما اتفقا عليه. مثال ذلك: ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة 51، 54، 55، 56، 57، 58. فإن لم يترجَّح أحدها أُخِذ بما دلَّ عليه مجموعُها أنه لم يعش بعد سنة 58. فإن جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعدًا بمكة سنة 65 مثلًا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند، فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته حملوا عليه. فابن جَزء قيل في وفاته سنة 85, 86, 87، 88، وأرجحها الثاني؛ لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر، وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة 88. فلما جاءت تلك الرواية أنه لقي بمكة سنة 96 أو 98 استنكرها أهل العلم، ووجدوا أحقَّ مَن يُحمل عليه ابن الصلت.
فأما قول الغزنوي المتأخر: إن ابن جزء توفي سنة 99، فهو من نمط ما في "المناقب" للموفق (ج 1 ص 26) روى من طريق الجِعابي القصة، وفيها أن اللقاء كان سنة 96، ثم حكى عن الجِعابي أن ابن جزء مات سنة 97 = فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة. رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم، وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها "سَفْط القُدور" كما جاء عن الطحاوي، وأن من شَهِد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية [1/ 177] = فبنيا على ذلك، ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحُش المخالفة لما نُقِل عن المؤرخين جدًّا.
الوجه الثاني: ابن جَزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أُبي بن كعب، ففي "فهرست ابن النديم" (ص 281) أن لليث بن سعد تاريخًا،
(10/294)

وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات، والليث ولد سنة 94، ومات سنة 175، ومن أشهر شيوخه يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة 128، وهو أشهر الرواة عن ابن جَزء. وفي "تدريب الراوي" (1) في شرح النوع الستين: "وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذبَ استعملنا لهم التاريخ" والثوري ولد سنة 97، ومات سنة 161. فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شُرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء، وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته، فلم يكن بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد، يسأله فيُخبره عما أدركه؛ بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أُبيّ بن كعب متوافرين، فلم يكن لطلبة العلم كبير حرص على لقائه؛ لأنهم يجدون غيره من الصحابة، ويرون أنه إن مات لم يَفُتهم شيء لبقاء كثير من الصحابة. وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه، حتى نُسِب إلى شراسة الخلق، فلعله لم يكن يتجشم لقاءَه إلا ذوو الأسنان. فإذا نظرنا في الرواة عنه، فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر؛ لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر.
فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر، فطلبةُ العلم بغاية الحرص على السماع منه؛ لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًّا آخر، ونزلوا طبقة عظيمة. وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا، كما كان سهل بن سعد يقول: "لو متُّ لم تسمعوا أحدًا يقول:
__________
(1) (2/ 866). أخرجه عنه ابن عدي في "الكامل": (1/ 84).
(10/295)

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" كما في ترجمته من "الاستيعاب" (1)، يحرِّضهم بذلك - والله أعلم - على السماع منه. ولما مات أنس قال مورِّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالَفَنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2). فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سنَّ الطلب في حياة ابن جزء كان أهمَّ شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه. فلو عاش ابن جزء إلى سنة 97 أو 99 لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سنَّ الطلب إلا قبل ذلك بقليل. ولو كان فيهم من هو كذلك لاشتهر أمره لعلو [1/ 178] سنده، ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء.
وقد تتبعتُ الرواة عن ابن جزء، فإذا آخرهم وفاةً عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة 131، وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة ووفاة ناعم سنة 80 على ما قيل، ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع: لو حجَّ ابن جَزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، وحدَّث في الموسم، واجتمع الناس حواليه - كما تزعمه تلك الرواية - لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرصَ الناس على لقائه والسماع منه؛ لأنه لم يبق حينئذ على وجه الأرض صحابيٌّ سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحدَّث عنه إلا هو - على فرض صحة
__________
(1) (2/ 665). والخبر في "تاريخ ابن أبي خيثمة": (4/ 59)، و"التعديل والتجريح": (3/ 1131).
(2) ذكره البخاري في "التاريخ الكبير": (2/ 28).
(10/296)

الرواية - ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوِّه، ولا سيَّما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية: "من تفقَّه في دين الله كفاه الله همَّه ورَزَقه من حيث لا يحتسب"؛ فإن فيه بشارةً عظيمةً لهم، وفضيلةً بيِّنةً وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره = فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمَّنته تلك القصة!
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم، لكن لذلك شواهد وعواضد، منها ما روي عن عبد الرحمن بن أَبْزَى أنه قال: "قلت لأُبيّ لما وقع الناس في أمر عثمان: يا أبا المنذر ... " (1). ومنها: ما روي عن زِرِّ بن حبيش أنه لقي أُبيًّا في خلافة عثمان (2)، ومنها: ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أُبيًّا مات قبل مقتل عثمان بجمعة (3). فأما الرواية في لُقِيّ ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، فلا شاهد لها ولا عاضد.
فإن قيل: أرأيت لو وُجِد لها شواهد وعواضد قوية، أتقبلونها؟ قلت: إن صحَّ سندها فنعم، وأيُّ شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه البينة العادلة بما يوجب القتل، أيدرأ عنه القتلَ أن يقال: لو وُجِدتْ بينة عادلة بجرح الشهود لَما كان عليه قَتْل؟
__________
(1) ذكره البخاري في "التاريخ الكبير": (2/ 39 - 40).
(2) انظر "طبقات ابن سعد": (8/ 150).
(3) انظر "الإصابة": (1/ 27).
(10/297)

الوجه السادس: متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم، لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا. فعبد الله بن أبي أوفى سنة 86، 87، 88، وسهل بن سعد الساعدي سنة 88، 91، وأنس سنة 91، 93، 95. وأشدُّ ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة [1/ 179] السائب بن يزيد، وذلك نادر، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وللسائب نحو سبع سنين، وعامة روايته عن الصحابة، وقد يُرسل. أما ابن جزء فروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماعًا، ولم يذكروا له رواية عن غيره، فالحرص على السماع من ابن جزء محقَّق، بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ: "على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي عمن يزيد [عددهم] (1) على مائة ألف من الصحابة، ولم تَحْتوِ الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك، ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب، لا سيّما المقلِّين في الرواية".
أقول: حاصل هذا أنه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبدَ الله بن الحارث بن جَزء الزُّبيدي في الاسم واسم الأب والنسب، فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة 97 أو 98. ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم، مع أنه قد عُلم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال. فإن كان الأستاذ يشير بقوله: "في الاسم واسم الأب والنسب" - ولم يذكر اسم الجد - إلى عبد الله بن الحارث الزُّبيدي النجراني المُكْتِب، فذاك تابعي معروف.
__________
(1) سقطت من (ط) واستدركتها من "التأنيب".
(10/298)

ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر: "نص على أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن جَزء الزبيدي روايةً عن ابن سعد".
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا. ولم أر في "الطبقات" المطبوع لا ذا ولا ذاك، فلا أدري أفي كتاب آخر لابن سعد، أم حكاية مفردة رويت بسند (1)؟ فإن كان الثاني، فلا أدري ما حال ذاك السند؟ وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة: "وعبد الله بن جَزء الزبيدي"؟ مع أني لم أعرف سيف بن جابر (2)، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة. مع أن صنيع ابن عبد البر في "الاستيعاب" يقتضي أنه لم يعتدَّ بما حكاه في "كتاب العلم" من رؤية أبي حنيفة لابن جَزء، فإنه قال في ترجمة أنس (3) بعد أن ذكر أنه توفي سنة 91 و92 و93: "ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبا الطفيل". وقال في ترجمة ابن جزء (4): "كانت وفاته بعد الثمانين، وقد قيل: سنة ثمان أو سبع وثمانين، وقيل: سنة خمس وثمانين".
__________
(1) هذا الاحتمال هو ما وجدته، فقد ذكره أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى": (4/ 176) بإسناده إلى محمد بن سعد صاحب الواقدي حدثنا أبو الموفق سيف بن جابر ... به.
(2) له ترجمة في "المقتنى": (2/ 106) للذهبي قال: "أبو الموفق سيف بن جابر قاضي واسط" وذكر روايته عن أبي حنيفة ورواية ابن سعد عنه.
(3) (1/ 111).
(4) (3/ 883).
(10/299)

[1/ 180] فصل
في "تاريخ بغداد" (4/ 207) من طريق ابن الصلت: "حدثنا بِشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، حدثنا أبو حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". ثم قال الخطيب: لم يروه عن بِشر غيرُ أحمد بن الصلت، وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي حنيفة سماع من أنس بن مالك. والله أعلم. حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني - وأنا أسمع - عن سماع أبي حنيفة من أنس يصح؟ قال: لا، ولا رؤيته. لم يلحق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة".
أشار الأستاذ إلى هذا، ثم قال: "مع أن أبا حنيفة كان أكبر سنًّا من أقلِّ سنِّ التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس، مع ثبوت قدومه إلى الكوفة قبل وفاته اتفاقًا".
أقول: أما أنا فلم أعرف أن أنسًا قدم الكوفة في أواخر عمره. فإن بنى هذا على ما اشتهر من تحديثه للحَجَّاج بحديث العُرَنيين وإيذاء الحَجَّاج له وكتابة أنسٍ إلى عبد الملك يشكوه، فهذا كان بالبصرة سنة 75. على أن الحجاج انتقل من الكوفة إلى واسط سنة 86، وفيها مات عبد الملك كما هو معروف في التاريخ. وإن بنى على ما حكى عن ابن سعد في رؤية أبي حنيفة لأنس فقد مر ما فيه (1).
__________
(1) (ص 199).
(10/300)

وإن بنى على أن الدارقطني - على ما في "تبييض الصحيفة" عن حمزة السهمي - قال: "لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه"، كما نقله الأستاذ (ص 15)؛ وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره (ص 15) أيضًا = فلا أرى في هذا حجة.
أما ما حكاه السيوطي عن حمزة، فقد عارضه ما مر عن الخطيب. والخطيب يروي في مواضع كثيرة من "تاريخه" عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره، كما ترى شواهد ذلك في المقدمة لِ "تاريخ جرجان" (1). فيعلم مما ذُكر مع النظر إلى عادة الخطيب وعادة أهل عصره التي أشرتُ إليها في "الطليعة" (ص 110) (2) أنه كان عنده نسخة من كتاب حمزة، وسمعها من علي بن محمد بن نصر، فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة.
وأما حكاية [1/ 181] السيوطي، فإن كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخةُ الخطيب أثبتُ لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة، ولِما عُرِف من تثبُّت الخطيب. وإن كان أخذها من مأْخَذ آخر فلا ندري ما حاله؟
وزعم الأستاذ أن ما وقع في "التاريخ": "مما غيَّرته يدٌ أثيمة، وكم لمصحِّح
__________
(1) (ص 18 - 19).
(2) (ص 88).
(10/301)

الطبع من إجرام في الكتاب! وكان أصل الكلام " ... إلا رؤيته"، فغيَّرته اليد الأثيمة إلى: ولا رؤيته".
أقول: الكتاب أي "تاريخ بغداد" طبع بمصر، ولعل الأستاذ إن كان شكَّ في تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه، أو روجع له، كما عُرف من عادته في الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه. فلو وَجَد في الأصل "إلا رؤيته" لصرَّح به. فإن عاد فحمَل على الأصل نفسه، فما باله يذكر مصحِّحَ الطبع؟ هل أَذْكَرتْه كلمةُ "الطبع" قولهم: قيل للغراب: لم تسرق الصابون؟ قال: الأذى طبعي (1)!
وعلى كلا الحالين، أليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح "تبييض الصحيفة"، أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معًا بأن يقال: كان الدارقطني استند فيما في "تبييض الصحيفة" من قوله: "إلَّا أنه رأى أنسًا بعينه" إلى رواية ليِّنة أو شهرة بين حنفية عصره تسمح بذلك, لأن ذكر الرؤية وحدها "من باب المناقب الذي يُتساهل فيه"، كما قال الأستاذ (ص 21) في قضية أخرى؛ فلما سُئل في رواية الخطيب عن الصحة نفاها.
وقول الأستاذ (ص 15): "ونفيه لسماعه بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي". يردُّ عليه أن دعوى الرؤية دعوى مجرَّدة أيضًا.
__________
(1) وعاد الأستاذ، فعلَّق على ص (167) قوله: "وما نسب إلى الدارقطني في (4/ 208) من نفي رؤيته لأنس من تصرُّف مصحح الطبع، كما سبق تحقيقه في صدر الردود على الخطيب ... ". كذا يجازف هذا الرجل هذه المجازفة، ثم يضجُّ ويعجُّ إذا نُسِب إلى بعض ذلك! [المؤلف].
قلت: المثل ذكره في "المستطرف": (1/ 86).
(10/302)

فإن قيل: الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا: هذا الظاهر لا يبلغ أن يكون حجة، ولا سيما مع التساهل في المناقب. ومع هذا، فكذلك الظاهر أنه لم ينف السماع إلا عن حجة، قد تكون بنفيٍ خاصٍّ تُقبَل على مثله الشهادة.
[1/ 182] فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني، فبنَوا على اشتهار ذلك بين متأخري الحنفية، وأنه "من باب المناقب الذي يتساهل فيه"، كما نص عليه الأستاذ.

فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده، فلا بأس بالنظر فيها هنا. في "تاريخ بغداد" (13/ 330) من طريق ابن عُقْدة بسنده إلى: "مزاحم بن ذوَّاد بن عُلَيَّة يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين ... ". قال الخطيب: "لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا".
قال الأستاذ (ص 19): "ألَّف في رواية أبي حنيفة الأحاديثَ عن جملة من الصحابة مباشرةً جماعةٌ من القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي ... وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء، وإلا ما ساغت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عداد مسموعاته ... ".
أقول: ابن عُقْدة هو أحمد بن محمد بن سعيد، تقدمت ترجمته (1). ومزاحم وأبوه ضعيفان، على أنه لم يُدْرَ أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألَّفوا في رواية أبي حنيفة عن جملة من الصحابة، فليسوا متقدمين على عصر
__________
(1) (رقم 33).
(10/303)

الخطيب، ولا هم ممن يُعتدُّ به في هذا الشأن. بلغهم شيء، فرووه، ووكلوا النقد إلى أهله.
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قَلَمية من "ضعفاء ابن حبان" تاريخ ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين، وأن بعض المطالعين صحَّح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في "أنساب ابن السمعاني" المطبوع بالزنكوغراف في مادة "الخزاز": سنة سبعين، وفي موضع آخر من الكتاب: سنة ثمانين، وأن في "ملخصه" لابن الأثير في مادة "الخزاز": سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السِّمناني عصريَّ الخطيب ذكر قولين: سبعين، ثمانين، وأن صاحب "الجواهر المضيئة" ذكر ثلاث روايات: 61، 63, 80، وأن العيني ذكر في "تاريخه" ثلاثًا أيضًا: 61, 70، 80.
أقول: أما رواية 61، فقد مرَّ ما فيها. وأما رواية 63 فتفرَّد بذكرها في جملة ما قيل صاحب "الجواهر المضيئة" (1) المتوفى سنة 775، ولم يذكر من قالها. وأما رواية 70، فحكاها السِّمناني [1/ 183] عصريُّ الخطيب ولم ينسبها إلى قائل، ووقعت في نسخة من "الضعفاء" لابن حبان، وفي موضع من نسخة من "الأنساب" كما مرَّ عن الأستاذ مع ما فيه = فغاية الأمر أنه قيل بها في القرن الرابع.
وأما سنة ثمانين فثبتت من طرق في "انتقاء ابن عبد البر" (ص 122 - 123) (2) و"تاريخ بغداد" (13/ 330) عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وهو
__________
(1) (1/ 53).
(2) (ص 188 - 192).
(10/304)

إمام جليل كوفي كأبي حنيفة، سمع منه وروى عنه. وكذلك في "تاريخ بغداد" عن زُفَر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضًا (ص 325 - 326) عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: "ولد جدِّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ... ". وفي السند نظر، لكن الأستاذ احتجَّ بتلك الرواية في تعليقه على "مناقب أبي حنيفة" للذهبي (ص 7) فقال: "صحَّ عن إسماعيل بن حماد ... ". وكذلك في "الانتقاء" عن يحيى بن نصر بن حاجب، وهو حنفي توفي سنة 215. وفي "الانتقاء" آخِر (ص 123) من طريق أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي الذي يُكثِر الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه ويعبِّر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال: "سمعت القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين ... ". والنيسابوري هذا متقدم على الذين ذكروا سنة سبعين.
ومن العجب أن الأستاذ قال (ص 20): "قول ابن عبد البر: "وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده ... " يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق ... ". ولا أدري أغلط هذا أم مغالطة! فإن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقيٍّ متقدم كما رأيت.
وعلى كل حال فتاريخ المولد يثبت ببعض ما ذُكِر فضلًا عن جميعه، ولم يعارض ذلك ما يستحق أن يُلتفت إليه، ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى إنما بُنيت على رواية بعض تلك الأحاديث الواهية دفعًا لوضوح البطلان عنها كما تقدم في قول من قال: إن وفاة عبد الله بن الحارث بن جزء سنة 97 أو 99، ثم أخذها بعضُ من لم ينظر فيها!
(10/305)

ومن عجيب شأن التعصب أنه يبلغ بصاحبه من العمى أن يسعى جاهدًا في الإضرار بمن يتعصب له، متوهمًا أنه إنما يسعى في نفعه. لو كان مولد أبي حنيفة متقدمًا كما زعموا، بحيث أدرك [1/ 184] جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، كان الذي ينبغي له أن يتحرَّى السماعَ منهم لأحاديث كثيرة يحتج بها في كتبه، ويرويها عنه أصحابه كأبي يوسف ومحمد في كتبهم الثابتة عنهم. فلو ثبت مع ذلك أحاديث عن أولئك لكنها قليلة، وكان معظم روايته عمن سِنُّه قريب من سنِّه كحماد بن أبي سليمان، لكانت شُنْعةً عليه أن يتشاغل عن الاستكثار من أولئك حتى يبلغ عمره ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر، بالمخاصمة في الإرجاء والقدر كما يأتي. وسيأتي (1) في ترجمة أبي العطوف جرَّاح بن مِنهال عن سلمة بن سليمان أحد ثقات أصحاب ابن المبارك قال: "قال رجل لابن المبارك: هل كان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا، ما كان خليقًا لذاك. ترك عطاء، وأقبل على أبي العطوف! ". وقد نازع الأستاذ في صحة هذه الحكاية عن ابن المبارك بما فيه ما فيه، وهَبْ أنها لم تصح عن ابن المبارك، فالشُّنْعةُ بحالها. ولذلك حاول الأستاذ أن يُثبت أن أبا حنيفة استكثر من عطاء، وربما أنظر في ذلك في ترجمة أبي العطوف، وعلى كل حال فهذه الشُّنعة أخفُّ بكثير من عدم الاستكثار من الصحابة وكبار التابعين، فكيف إذا لم تثبت عنه رواية واحدة عن صحابي أو تابعي كبير؟! فأولئك المساكين والأستاذ معهم يركبون - كما يعبَّر به الأستاذ - كلَّ مركب لمحاولة إثبات أن أبا حنيفة أدرك عدة من الصحابة، ويحتمل أن يكون قد سمع منهم، وفي ذلك عبرة!
__________
(1) (رقم 62).
(10/306)

قال الأستاذ: "والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول".
أقول: قد مرَّ ما فيه (1)، وهو على كلِّ حال لا يسوِّغ التشكُّك فيما قامت عليه الحجة من ذلك.
قال: "والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة 80 ترجيحًا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد وأقدمها في الوفيات، أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو الانقطاع".
أقول: لا أثر ههنا للاحتياط المذكور، بل القطع بسنة ثمانين أخذًا بالحجة الواضحة التي لم يعارضها ما يستحق أن يُلتفت إليه.
قال الأستاذ: "هنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون".
أقول: فلننظر فيها واحدًا واحدًا.
قال: "منها ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مَخْلَد العطَّار المتوفى سنة 331 في جزئه الذي [1/ 185] سماه: "ما رواه الأكابر عن مالك" حيث عَدَّ حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر، فساق حديثًا بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك. وحماد هذا وإن توفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين لكن عدَّه من الأكابر لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك أيضًا، فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة 80 بمدة لا تقل عن عشر سنين ... وابن مخلد من الحفاظ البارعين من شيوخ الدارقطني، فلا يحيد عن التحقيق فيما يكتب. وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع رقم 98، وعليه تسميعات وخطوط كثيرة من حملة الرواية".
أقول: يكفي لحل هذه الشبهة أن الأستاذ نفسه قال في تعليقه على
__________
(1) (ص 293 - 298).
(10/307)

"الانتقاء" (1) لابن عبد البر: "وفي هذا الجزء رواية الزهري ... والثوري ... وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وورقاء وغيرهم".
ومولد مالك سنة 93، والثوري سنة 97، وحماد بن زيد سنة 98، ولعل في الجزء مَن ولد بعد ذلك (2). وإبراهيم بن طهمان لم يذكروا ميلاده، ويظهر من أسامي شيوخه أنه أصغر من حماد بن زيد، لكنه صار من الأكابر في حياة مالك ومات قبله، فإن مالكًا عُمِّر. فإذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة 80، فإنه يبلغ سنُّه آخر سنة 98 - وهي السنة التي ولد فيها حماد بن زيد - تسع عشرة سنة، فأيُّ مانع من أن يولد له في هذه السنة أو قبلها؟ والأقرب أن ابن مخلد - إن صح ما في ذاك الجزء - إنما نظر إلى أن حماد بن أبي حنيفة بلغ مبلغ الأكابر في حياة مالك، ومات قبله، ولم يدقَّق في ميلاده، لأنه غير معروف. وبالنظر إلى سن أبيه يحتمل أن يكون ولد سنة 97 كالثوري، أو سنة 98 كحماد بن زيد، أو قريبًا من ذلك.
فاتضح أنه ليس فيما وقع في ذلك الجزء ما يخدش فيما قامت عليه الحجة الواضحة أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين.
هذا كلُّه إذا بنينا على صحة ما وقع في ذلك الجزء، وإلا فالغالب على الظن خلاف ذلك؛ [1/ 186] فإن ذاك الحديث وقع في ذاك الجزء هكذا: "نا
__________
(1) (ص 42).
(2) قلت: صدق ظن المؤلف رحمه الله تعالى، ففي الجزء المذكور رواية عبد الله بن وهب عن مالك في عدة مواضع منه (ق 205/ 2 - 207/ 2 و 208/ 2) ومولد ابن وهب سنة 125، وفيه (ق 206/ 2) رواية أشهب وهو ابن عبد العزيز عنه, ومولده 145. [ن].
(10/308)

أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة، ثنا (1) مالك ... ". كما نقله الأستاذ فيما علَّقه على
__________
(1) كذا هو في تعليق الكوثري على "الانتقاء" (ص 13)، ولعله خطأ غير -[كذا ولعل الصواب حذف "غير" بدلالة سياق الكلام]- مقصود من الكوثري لغرض في نفسه، فإن الذي في الجزء المذكور من النسخة التي أشار إليها الكوثري نفسه (ق 204/ 2): " ... عن مالك ... ". ليس فيها تصريح حماد بالتحديث. وكذلك هو في نسخة أخرى محفوظة أيضًا في ظاهرية دمشق، وعليها سماعات كثيرة (ق 38/ 2)، وإسناد الرواية فيهما هكذا: "ثنا أبو محمد القاسم بن هارون بن جمهور بن منصور الأصبهاني - وكتبه لي بخطه - قال: ثنا أبو سعيد عمران بن عبد الرحيم الباهلي الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن الأصبهاني، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن مالك بن أنس ... ". فتأمل كيف تعمَّد الكوثري أن يسقط من السند نسبَ عمران "بن عبد الرحيم الباهلي" منع ثبوت ذلك في النسختين من الجزء! وما ذلك - والله أعلم - إلا تعميةً لحاله، وتمشيةً لحال إسناد روايته، ليتم له الاستدلال بها على ما رمى إليه من إثبات رواية حماد بن أبي حنيفة عن مالك، التي حاول أن يستنبط منها أن ميلاده كان قبل ميلاد مالك! وأن ميلاد أبي حنيفة كان قبل سنة 80! وهيهات هيهات، فإنها ظلمات بعضها فوق بعض، فقد كشف المؤلف رحمه الله تعالى أن عمران هذا هو ابن عبد الرحيم كما جاء في السند، وأنه متهم بالوضع، وأن ما استلزمه الكوثري من روايته - على فرض ثبوتها - غير لازم.
وأزيد عليه فأقول: إن حماد بن أبي حنيفة نفسه ليس بحجة في الرواية، فقد ضعَّفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه، ولهذا أورده الذهبي في كتاب "الضعفاء" وقال (ق 35/ 1): "مقل ضعيف الحديث".
ثم إن ما استظهره المصنف رحمه الله تعالى من أن أصل الجزء المذكور إنما هو "حماد بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة ... " وأن الناسخ زاغ نظره من "أبي حنيفة ... " لا يساعد عليه أن النسخة الأخرى متفقة مع الأولى في عدم ذكر أبي حنيفة، زد على =
(10/309)

"الانتقاء" (1)، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في "غرائب مالك"، وابن شاهين عن "محمد بن مخزوم، عن جده محمد بن الضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك ... ". فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من "الميزان" عن السليماني: "هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك".
[1/ 187] فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة، وإنما اكتفى بما قد رُوي، فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة، لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى؛ فإنه لا بد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتّبَعَ ما يصلح أن يُذكر فيه، ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة وهي أدلُّ على مقصوده. وقد ذكر الأستاذ أنه ليس في ذلك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره: "حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة, ثنا مالك"، فزاغ نظر ناسخ ذاك الجزء من (حنيفة) الأولى إلى الثانية. ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عِدَّة من الأصول القديمة عليها كثير من التسميعات والتصحيحات، وبقي فيها مثل هذا الخلل أو أشدُّ منه. راجع "التاريخ الكبير" للبخاري (ج 1 قسم 1 ص70, 79، 80، 101، 105، 154, 157).
__________
= ذلك أنه قد كتب ناسخ الأولى على الوجه الأول منها وتحت اسم الكتاب أكثر أسماء الرواة عن مالك، وفيهم حماد بن أبي حنيفة دون أبي حنيفة. فهذا وذاك يرجح أن لا زوغ من الناسخ، وأن الرواية هكذا وقعت لابن مخلد. والله أعلم. [ن].
(1) (ص 42).
(10/310)

ومن غرائب الأستاذ أن يحاول تثبيت ما وقع في الجزء المذكور مع احتماله كما رأيت، ثم يحاول في "التأنيب" (1) أن يخفي اصطلاح ابن مخلد في "الأكابر" ويثبت أنه إنما يعني بهم الذين ولدوا قبل مالك، ثم يبالغ في الثناء على ابن مخلد ليخدش بصنيعه المزعوم في نصوص المتقدمين الصريحة = كلُّ ذلك لِيثبتَ أن أبا حنيفة أدرك جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، ويحتمل أن يكون سمع منهم، مع علمه أنه لا تثبت عن أبي حنيفة رواية واحدة عن واحد منهم، ويغفل عن النتيجة التي سلفت الإشارة إليها!
قال الأستاذ: "ومنها أن العُقيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن إبراهيم بن يزيد النخعي لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا نحو أربعين ألف درهم، ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم. وكانت وفاة إبراهيم النخعي سنة 95، ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين لكان سِنُّه عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن يكون في مثل هذا السنِّ لا يتصوَّر أن يهتمَّ هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي ... ".
أقول: قال الأستاذ نفسُه فيما علَّقه على "مناقب أبي حنيفة" للذهبي (ص 7): "قال العُقَيلي في "الضعفاء": حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا [1/ 188] إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا أربعين ألف درهم، وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في
__________
(1) (ص 20 القديمة و38 الجديدة).
(10/311)

الإرجاء، فأبى عليهما الحكم. فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا له، فأجابهم، وأخذ الأربعين ألف درهم"!
لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية. فالهروي والبلخي لم أجدهما (1). وإسماعيل لم يتضح لي من هو؟ وابن الأصبهاني متكلَّم فيه، قال أبو حاتم: "لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به" (2). وأخرج له النسائي حديثًا (3) ثم قال: "هذا خطأ، ابن الأصبهاني ضعيف". وقال ابن عدي (4): "مضطرب الحديث، قليل الحديث، مقدارُ ما له قد أخطأ في غير شيء [منه] ". وكانت وفاته سنة 181. ويظهر من وفَيَات شيوخه أنه لم يدرك موت إبراهيم. فإن صحّ سندُ الحكاية إليه، فممن سمع القصة؟ وما عسى أن يكون أخطأ في سياقها؟
ثم أيُّ شيء فيها؟! كان إبراهيم شديدًا على المرجئة، وفي ترجمته من "طبقات ابن سعد" (5) عدة حكايات في ذلك. منها عن الحارث العُكْلي عن إبراهيم قال: "إياكم وهذا الرأي المحدَث - يعني المرجئة". وعن مُحِلِّ بن مُحرِز عن إبراهيم قال: "كان رجل يجالس إبراهيم يقال له: محمد، فبلغ
__________
(1) أما الهروي أحمد بن محمد فيحتمل أنه ابن ياسين صاحب "تاريخ هراة" (ت 334) ترجمته في "سير النبلاء": (15/ 340). قال الخليلي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك.
(2) "الجرح والتعديل": (7/ 267 - 268).
(3) رقم (1811).
(4) في "الكامل": (6/ 229) وما بين المعكوفين منه.
(5) (8/ 391 - 392).
(10/312)

إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء، فقال له إبراهيم: لا تجالسنا". وعن مُحِلِّ أيضًا: "قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم - يعني المرجئة". وعن حكيم بن جبير عن إبراهيم قال: "لأنا على هذه الأمة من المرجئة أخوَفُ عليهم من عِدَّتهم من الأزارقة". وعن غالب أبي الهذيل (1) أنه كان عند إبراهيم، فدخل عليه قوم من المرجئة قال: فكلَّموه، فغضب وقال: "إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علَيَّ".
وفي "تهذيب التهذيب" (2) في ترجمة ذرِّ بن عبد الله المُرْهِبي: "قال أبو داود: كان مرجئًا، وهَجَره إبراهيمُ النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء". وفيه (3) في ترجمة محمد بن السائب الكلبي: "وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما دمتَ على هذا الرأي لا تقرَبْنا. وكان مرجئًا". [1/ 189] فكأنهم كانوا مقموعين في حياته، فلما مات خلا لهم الجوّ واستعانوا بالمال.
وفي ترجمة إبراهيم من "تهذيب التهذيب" (4): "روى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن أبي سليمان ومغيرة بن مِقسَم الضبَّي، وخلق". وهؤلاء سوى حماد منكرين (5) للإرجاء، ولما دخل فيه
__________
(1) (ط): "بن أبي الهذيل"، والتصحيح من "الطبقات" ومن ترجمته في "التاريخ الكبير": (7/ 99)، و"الجرح والتعديل": (7/ 47).
(2) (3/ 218).
(3) (9/ 179).
(4) (1/ 177).
(5) كذا في (ط) والوجه "منكرون" خبر هؤلاء.
(10/313)

حماد أنكروا ذلك عليه. وفي "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة حماد: "قال أبو حذيفة: ثنا الثوري قال: كان الأعمش يلقى حمادًا حين تكلَّم في الإرجاء، فلم يكن يسلِّم عليه، ... وقال شعبة: كنت مع زبيد فمررنا بحماد، فقال: تنحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث". وفيه (2) في ترجمة عَمْرو بن مرة: "قال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه".
وعلى فرض صحة سند الحكاية إلى ابن الأصبهاني وأنه سمعها من ثقة، فالظاهر أنها تأخرت عن موت إبراهيم مدة. وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج 2 قسم 2 ص 146): "نا أحمد بن سنان الواسطي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا ورقاء، عن المغيرة قال: لما مات إبراهيم جلس الحكم وأصحابه إلى حماد، حتى أحدث ما أحدث. قال المقرئ: يعني الإرجاء". ورجاله ثقات.
وعلى صحة تلك الحكاية وأنها على ظاهرها في أن القضية وقعت عقب موت إبراهيم، فقد يكون ذكر أبي حنيفة مدرَجًا أوقع فيه اشتهارُه بالإرجاء مقرونًا بعمر بن قيس الماصر، كما قُرنا في البيتين اللَّذين في "تاريخ بغداد" (13/ 380 [388])، و"التأنيب" (ص 59).
وبعد اللَّتيَّا والَّتي، فإبراهيم توفي في أوائل سنة 96 (3)؛ وذلك أن
__________
(1) (3/ 17).
(2) (8/ 103).
(3) (ط): "97" خطأ لعله من الطباعة، وما بعده يدل على صواب ما أثبت.
(10/314)

أبا نعيم الفضل بن دكين قال: سنة 96، وقال ابن حبان: "مات بعد الحجاج بأربعة أشهر". والحجاج هلك في شوال سنة 95، وقيل: في رمضان منها، فإذا كان أبو حنيفة ولد أول سنة ثمانين، فإنه يتم له عند وفاة إبراهيم ست عشرة سنة، ومن كان في هذا السن وهو جَلْد ذكيّ لا يمتنع أن يستعين به أصدقاء أبيه في جمع المال ونحوه، ولا سيما إذا كان أبوه مرجئًا فإنه ينشأ متحمسًا لرأي أبيه جاهدًا فيه.
قال الأستاذ: "ومنها: أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه كان جدليًّا يشتغل بعلم الكلام، حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر القدرية وغيرهم. ثم [1/ 190] انصرف إلى الفقه، ومن تكون سِنه عند وفاة النخعي كما ذكرناه، لا يمكن له الاشتغال الطويل بالجدل قبل انصرافه إلى الفقه".
أقول: ما تضافرت الروايات، بل تنافرت. ففي "تاريخ بغداد" (13/ 331) من طريق "محمد بن شجاع الثلجي، ثنا الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ طلبَ العلم جعلت أتخيَّر العلوم، وأسأل عن عواقبها ... قلت: فإن نظرتُ في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلَم مَن نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام، فيرُمى بالزندقة ... قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل وتفتي الناس، وتُطلب للقضاء وإن كنت شابًّا. قلت: ليس في العلوم شيء أنفعُ من هذا. فلزمت الفقة وتعلَّمته". والروايات المخالفة لهذه والموافقة لها يُعلم ما فيها بالنظر في أسانيدها.
وهَبْ أنه صحَّ أن أبا حنيفة كان جدليًّا ثم انصرف إلى الفقه، فمتى انصرف؟ إن قيل: قد جاء عنه أنه لازم حمَّادًا ثماني عشرة سنة. قلت: إن
(10/315)

صح ذلك فلعله لازمَه أولًا للإرجاء، فإن حمادًا كان يقول به في الجملة كما مرَّ، ثم أكمل المدة للفقه. فإن صح هبوطه البصرةَ نحو عشرين مرة لمخاصمة القدرية، فليس مِن لازمِ انصرافه إلى الفقه هجرُه الكلامَ في القدر البتة، ولا مِن لازمِ ملازمته حمادًا أن لا يغيب عنه في السنة الأسبوع والأسبوعين، والشهر والشهرين للحج (1) والحاجة. على أن حمادًا توفي سنة 120 كما قاله أبو بكر ابن أبي شيبة، وحكى ابن سعد (2) إجماعَهم عليه. وقول البخاري - وتبعه ابن حبان - سنة 119 متأخر عن هذا الإجماع. وملازمة أبي حنيفة حمادًا ثماني عشرة سنة معناه إذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة 80 (3) أنه ابتدأ في الملازمة وسِنُّه نحو ثلاث وعشرين سنة، فلا مانع أن يكون قد مَهَر في مسائل الكلام المعروفة حينئذ كالإرجاء والقدر. وهذا ابن سينا يزعم أنه أحكم المنطقَ وأقليدس والمِجَسْطي والطبيعي والإلهي والطبَّ، وألَّف فيها أو في أكثرها، وكان مع ذلك يتلقى الفقه ويناظر فيه، وأخذ الأدب = كلُّ ذلك وعمره إحدى وعشرون سنة! ولذلك نظائر.
وبالجملة فلم يأتِ الأستاذ بعد اللَّتيَّا والَّتي بما يصح أن يُعَدَّ معارضًا لما ثبت من أن مولد أبي [1/ 191] حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضييع وقته ووقت من يتعقَّبه، والسعي فيما لو صحَّ لأنتج نقيضَ مقصوده كما سلف! والله المستعان.
__________
(1) (ط): "للحجج" تحريف.
(2) في "الطبقات": (8/ 452).
(3) (ط): "180" خطأ.
(10/316)

فصل
ولنعطف على ابن الصَّلْت. هَبْ أن أبا حنيفة ولد سنة 61 أو قبلها، وأنه سمع من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فإن هذا لا يدفع إنكار الخطيب ذاك الحديثَ على ابن الصلت، من جهة أنه لم يروه غيرُه عن بِشْر، ولا يُحفظ عن أبي يوسف ولا يَثبت عن أبي حنيفة. وهذا الحديث مما تتوفر الدواعي على كثرة روايته واشتهاره، فلو كان عند أبي حنيفة لَكثُر تحديثُه به لعلوِّ السند، وإثباتِ السماع من الصحابي، والترغيبِ فيما كان يدعو إليه من طلب العلم. ولو حدَّث به لَكثُر تحديثُ تلامذته به وإثباتُه في كتبهم. فلو قال قائل: لو كان عنده لَتواتَرَ عنه، لَما أبعدَ.
وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث، ويتطلَّبون له إسنادًا صحيحًا، فلا يجدونه. ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركَّبة أو مدلَّسة أو نحو ذلك، واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة. ذكره ابن عبد البر في أوائل "كتاب العلم" (1) ثم قال: "هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة كلُّها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد". ثم ذكر (2) عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة 238 "أنه كان يقول: طلب العلم واجب، ولم يصح في الخبر". قال ابن عبد البر: "يريد إسحاق - والله أعلم - أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم
__________
(1) (1/ 23).
(2) (1/ 52).
(10/317)

بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم ... ".

فصل
ثم روى الخطيب (1) من طريق ابن الصَّلْت: "حدثنا محمد بن المثنَّى صاحب بِشر بن الحارث قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة [1/ 192] في زمانه [والثوري في زمانه] ". قال الخطيب: "قلتُ: ذِكْر أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادةٌ من الحِمَّاني (ابن الصَّلت)، والمحفوظ ما أخبرناه عليُّ بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذَّاء، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سالم (صوابه: سَلْم) الخُتَّلي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق، حدثنا أبو بكر المروزي (صوابه: المرُّوذي) حدثني محمد بن أبي محمد (2) (صوابه: محمد بن أبي عمر، كما قاله الأستاذ) عن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه.
ثم قال: "فإن قيل: ما أنكرتَ أن تكون رواية الحِمَّاني صحيحة، والرواية الثانية (3) فيها ذِكْر أبي حنيفة، وحَذَفه بعضُ النقَلَة؟ قلتُ: مَنَع من ذلك أمران: أحدهما: أن عبد الرزاق بن هارون (4) يروي عن ابن عيينة مثل
__________
(1) (4/ 208) وما بين المعكوفين منه.
(2) ووقع هذا الخطأ أيضًا في الطبعة الجديدة من "تاريخ بغداد": (5/ 341).
(3) (ط): "الثابتة" تحريف، والعبارة في الطبعة المحققة من التاريخ: "والرواية الثانية نقصَ منها ذِكر ... ". والنص واضح بدونها.
(4) كذا في (ط) و"التاريخ" الطبعة القديمة، وصححها في المحققة إلى "همام".
(10/318)

هذا القول الثاني سواء. والأمر الآخر: أن المحفوظ عن ابن عيينة سوء القول في أبي حنيفة. من ذلك ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحِنَّائي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي، حدثنا أحمد بن محمد المنكدري، حدثنا محمد بن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول (ح) (1) وأخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي عمر - يعني العدَني - قال: قال سفيان: ما وُلِد في الإِسلام مولود أضرُّ على أهل الإِسلام من أبي حنيفة. وهكذا روى الحميدي عن ابن عيينة. ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير شبهه في المعنى. ثم (2) ذكرناه في أخبار أبي حنيفة".
أشار الأستاذ (ص 166) إلى رواية ابن الصَّلْت عن محمد بن المثنى صاحب بِشر بن الحارث بقوله: " ... وبأنه روى عن محمد بن المثنى عن ابن عيينة ... ". وأشار إلى رواية ابن أبي عمر، وقال في الحاشية: "الفرق بين الروايتين عن ابن عيينة: فرقُ ما بين محمد بن المثنى ومحمد بن أبي عمر العدني، نسأل الله المعافاة، فبهذا اطلعت على جليِّة صنيع الخطيب هناك أيضًا".
أقول: لا يكاد الأستاذ يقول: "نسأل الله الصون" أو "السلامة"، أو "المعافاة" إلا حيث يكون قد فعل إحدى الفَعَلات! والفَعْلة هنا أنه لم يسُقْ السند، وفيه: عن ابن الصلت "حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث". واقتصر في أصل "التأنيب" وفي "حاشيته" في [1/ 193] ذكره
__________
(1) زيادة من المؤلف.
(2) كذا في (ط) تبعًا للطبعة القديمة، وفي المحققة: "يشبهه في المعنى قد ذكرناه ... " وهو أصح.
(10/319)

شيخ ابن الصلت على قوله: "محمد بن المثنى"، لم يقل: "صاحب بشر بن الحارث". وأشار إلى رجحان محمد بن المثنى على محمد بن يحيى بن أبي عمر، يريد إيهام أنه محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنَزي أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزَّمِن، فإنه هو الذي يُفهَم عند إطلاق "محمد بن المثنى". وليس في كتب أسماء الرجال المتداولة مَن يقال له: "محمد بن مثنى" غيره، وقد سمع من ابن عيينة وأدركه ابن الصَّلت. فعلم الأستاذ أن من يطالع "التأنيب"، ولا يقف على "تاريخ الخطيب"، أو لا يراجعه في ذاك الموضع؛ لا يقع إلا على هذا الحافظ.
والواقع أن الذي في السند: "محمد بن مثنى صاحب بِشر بن الحارث" كما مضى. وهذا رجل آخر، ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 286): "محمد بن المثنى بن زياد أبو جعفر السِّمسار، كان أحد الصالحين، صحِب بِشرَ بن الحارث وحفظ عنه، وحدَّث عن نوح بن يزيد وعفَّان بن مسلم وغيرهم ... ". ثم ذكر قول ابن أبي حاتم: "كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق"، وأنه "مات سنة 260". وهذا دون ابن أبي عمر بكثير، ولم يخرِّج له أحد من الستة. وابن أبي عمر روى عنه مسلم في "صحيحه" مائتي حديث وستة عشر حديثًا على ما في "التهذيب" (1) عن كتاب "الزهرة". وستأتي ترجمته (2)، والنظر في كلام الأستاذ فيه.
__________
(1) (9/ 520).
(2) لم أجد ترجمته في "التنكيل" فلعله كتبها في المسوّدة ثم ضرب عليها، أو ذهل عن كتابتها.
(10/320)

وفوق ذلك، فالسِّمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأن ابن الصلت افتُضح في روايته عنه أنه قال: "سمعت ابن عيينة"؛ فإن ابن عيينة مات سنة 198، والمسمَّون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان. فبشر بن الحارث سنة 227، وعفان 220، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته، لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة 198 - كما في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 181) - وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخرَّاز المقرئ المتوفى سنة 286 كما في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 303) = فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين، أو بعد ذلك. أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلَّهم، فلو عرفوا للسِّمسار سماعًا من ابن عيينة، أو أحد أقرانه، أو مَن قَرُب منهم؛ لكان أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفَّان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب، فما الذي منعه أن يسمِّي شيخًا أشهرَ من السمسار وأثبتَ، لا يُشَكُّ في سماعه من ابن [1/ 194] عيينة؟
قلت: منعه علمُه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يُفتضح، لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهلُ العلم في استقصاء ما رووه.
ومع ما تقدَّم، فلا معنى للموازنة بين شيخ ابن الصَّلْت وبين ابن أبي عمر، ما دام ابن الصَّلْت فيه ما فيه. ومع ذلك فقد عضد الخطيب رواية ابن
(10/321)

أبي عمر برواية عبد الرزاق بن هارون (1)، وهي عنده في ترجمة سفيان من "التاريخ" (ج 9 ص 154) من وجهين بنحو رواية ابن أبي عمر. وقريب منها رواية العباس بن يزيد البحراني في "تاريخ بغداد" (ج 3 ص 227).
فقد اتضح جدًّا صحة قول الخطيب: إن المحفوظ عنده اقتصار ابن عيينة على الثلاثة، لم يذكر أبا حنيفة؛ فإنَّ المحفوظ عندهم هو الطرف الراجح، كما مرَّ في ترجمة الخطيب (2). ولا يخفى على عارف اطلع على ترجمة ابن الصلت أنَّ روايتَه بالنسبة إلى ما قال الخطيب إنه المحفوظ عنده: نسبةُ الوهمِ إلى الظن!
وأما قول الخطيب: "الأمر الآخر أن المحفوظ عن ابن عيينة ... " فالحكاية التي ذكرها ساقها بسندين في أحدهما المنكدريّ، وفي الآخر ابن درستويه، وستأتي ترجمتاهما (3).
وحاصل الكلام فيهما: أن المنكدريّ ليس بعمدة، ولكنه أحسنُ حالًا من ابن الصلت بكثير؛ وأن ابن درستويه موثَّق لا يضرُّه ما قيل فيه. مع أن رواية الخطيب من طريقه عن يعقوب بن سفيان إنما يأخذها الخطيب من "تاريخ يعقوب بن سفيان"، فرجحانُ هذه الرواية وحدها على رواية ابن الصلت واضح جدًّا. فقول الأستاذ: "أفبمثل هذين الإسنادين يكون الخبر محفوظًا؟ " لا وجه له، على أن الخطيب ضمَّ إلى ذلك رواية الحميدي، وهي
__________
(1) كذا وقد تقدم (ص 318) أن صوابه: "همام".
(2) (رقم 26).
(3) (برقم 36 و119).
(10/322)

عنده في "التاريخ" (ج 13 ص 399 [419 - 420]) من وجهين رجالُ كلٍّ منهما ثقات، وإن تكلم الأستاذ في بعضهم بما بيَّنتُ حاله في تراجمهم. والحميدي إمام، وإن كره الأستاذ. ثم أشار الخطيب إلى الكلمات الأخرى وهي معروفة.
ومن تأمل ما تقدَّم، وعرف ابنَ الصلت معرفة جيدة، ولم يُعمِه الهوى = لم يَرْتَبْ في صحة حكم الخطيب على ابن الصلت بأنه زاد تلك الزيادة من عنده. على أن المدار في هذه الأمور على غلبة الظن، فلا يُلتفت إلى الاحتمالات البعيدة؛ بل من تدبر ما يرويه ابن الصلت في [1/ 195] المناقب، وقارَنَ ذلك بما رواه الثقات فيها وفي غيرها = عرف تزيُّدَه في غير موضع. والله المستعان.
ثم قال الأستاذ: "فكأنَّ ابن الصلت كَفَر في نظر الخطيب بذكره أبا حنيفة في عداد (1) هؤلاء الثلاثة ... وهذا هو محض الإجحاف. أبو حنيفة الذي ملأ ما بين الخافقين علمًا ... إذا ذُكِر في صفِّ هؤلاء الثلاثة يكون ذلك من أبرز الحجج على كذب ابن الصلت كذبًا بيِّنًا. هذا ما لا يقوله إلا من اعتلَّ قلبه اعتلالًا لا دواء له ... ".
أقول: هذا ديدن الأستاذ: إذا أعْوَزته الحجة لجأ إلى التهويل على العامة! قد ذكر الخطيب حجَّتَه كما تقدم شرحه، وأئمة الحديث كثيرًا ما يطعنون مثل ذاك الطعن بنحو تلك الحجة، وإن كان المرويُّ فضيلةً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأحد كبار أصحابه، كما تراه في كتب الموضوعات وكتب الضعفاء, فهل يُرَدُّ كلامُهم بمثل هذا التهويل! فلينظر
__________
(1) (ط): "عدد".
(10/323)

الأستاذ، أو غيرُه من العارفين في "دلائل النبوة" لأبي نعيم، أو في "الخصائص الكبرى" للسيوطي، وليراجع نفسَه فيما يستنكره، وعمَّ نشأ استنكاره؟ أعن اعتقاده نقصًا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بغضٍ له، أو حرصٍ على غمط فضله؟ فالخطيب لم يجعل زيادةَ ابن الصلت من أبرز الحجج على كذبه من جهة أنها منقبةٌ لأبي حنيفة، بل من الوجهين اللذين نصَّ عليهما، مع ما عُرِف من حال ابن الصلت بغير هذه الحجة. وماذا يغني الضجيج أمام الحجة إلا كما قيل:
أوسعتُهم سبًّا، وأودَوا بالإبلْ (1)!
أو كما قال الآخر:
فلا تُكثِروا فيها الضِّجاجَ فإنه ... محا السَّيفُ ما قال ابنُ دارةَ أجمعا (2)

فصل
ثم ختم الأستاذ كلامه بقوله (ص 168): "ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من الرواة يركضون وراءه، يردِّدون صدى الطاعن أيًّا كانت قيمة طعنه، ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يُغبَطون عليه".
__________
(1) مثل مشهور قاله كعب بن زهير في قصة له، انظر "الأمثال" (ص 321) لأبي عبيد، و"مجمع الأمثال": (3/ 426).
(2) نسبه أبو عبيدة وابن الأعرابي والآمدي إلى الكميت بن ثعلبة. انظر: "المغتالين - نوادر المخطوطات" (2/ 157)، و"اللسان" (دور). وقال المرزباني في "معجم الشعراء" (238): "وغيرُ أبي عبيدة يروي هذه الأبيات للكميت بن معروف وهو أولى بالصواب"، وله في "الوحشيات" (116) و"البيان والتبين" (1/ 389).
(10/324)

[1/ 196] أقول: مات ابن الصلت سنة 308. ولم يذكروا مولده، لكن قال ابن عدي: "رأيته سنة 297، فقدّرت أن له سبعين سنة، أو أكثر". فلنجعل الزيادة المحتملة سبعًا، فيكون مولده سنة 220. لكنه يروي عمن مات سنة 228 كمسدَّد ويحيى الحِمَّاني، وسنة 227 كبشر بن الحارث وسعيد بن منصور وأحمد بن يونس، وسنة 226 كإسماعيل بن أبي أويس ومحمد بن مقاتل، وسنة 224 كأبي عبيد، وسنة 222 كمسلم بن إبراهيم، وسنة 221 كالقعنبي وعاصم بن علي، وسنة 220 كعفَّان، وسنة 219 كأبي نعيم وأبي غسان، وسنة 215 كثابت بن محمد الزاهد. ومِن هؤلاء مَن لم يكن بالكوفة منشأِ ابن الصلت، فلو كان أدركهم وطبقتَهم وسمع منهم لكان مولده تقريبًا على رأس المائتين، فيكون بلغ من العمر مائة سنة وثماني سنين. ولو صحَّ ذلك أو احتمل الصحة عند محدِّثي عصره لَفُتِنوا به، كعادتهم في الحرص على علوِّ الإسناد، ولو كان في الشيخ لِين. وقد تشبَّث الأستاذ بذلك في كلامه في عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي كما يأتي في ترجمته (1). فزُهْدُهم في ابن الصلت واضحُ الدلالة على أنهم كانوا يرون أنه لم يدرك أولئك القدماء الذين يحدِّث عنهم، وقد صرَّحوا بذلك كما يأتي. وليس بيد الأستاذ إلا تلك الحكاية عن ابن أبي خيثمة، وقد علمتَ حالها.
فأما الطاعنون، فوقفتُ على جماعة منهم:
الأول: حافظ الحنفية عبد الباقي بن قانع البغدادي (ولد سنة 265 أو في التي تليها، ومات سنة 351). وكان مع ابن الصلت في بغداد، ولما بلغ
__________
(1) (رقم 133).
(10/325)

أوانَ الطلب كان ابن الصلت على فرض صحة سماعه من أولئك القدماء في نحو ثمانين سنة من عمره، فلا بدّ أن يكون ابن قانع قد قَصَده وجالسه، وسمع منه؛ طلبًا للسماع مع علوّ السند والموافقة في المذهب. ولكنه بعد اختباره لابن الصلت قال فيه: "ليس بثقة". فهل كان ذنبُ ابن الصلت عند ابن قانع الحنفي ما قاله الأستاذ (ص 167): "لكن ذنبُ الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة"!
الثاني: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ الشافعي (277 - 365). ينظر تمام كلامه في ابن الصلت في "كامله" (1) والمنقول منه في "لسان الميزان" (2): "رأيته سنة سبع وتسعين ومائتين (3) ... ما رأيت في الكذَّابين أقلَّ حياءً منه. كان ينزل إلى (4) الورّاقين، فيحْمِل مِن عندهم [1/ 197] رِزَمَ الكتب،
__________
(1) (1/ 199). وتمام كلام ابن عدي: "رأيته في سنة سبع وتسعين ومائتين يحدث عن ثابت الزاهد، وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قومًا قد ماتوا قبل أن يولد بدهر. قال الشيخ: وما رأيت في الكذابين أقلَّ حياء منه. وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحْمِل مِن عندهم رِزَمًا فيحدِّث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد؛ منهم من ذكرت ثابت الزاهد، وعبد الصمد بن النعمان، ونظراؤهما. وكان تقديري في سِنّه لما رأيته سبعين سنة أو نحوه. وأظن ثابت الزاهد قد مات قبل العشرين بيسير أو بعده بيسير. وعبد الصمد قريب منه، وكانوا قد ماتوا قبل أن يولد بدهر" اه.
(2) (1/ 612).
(3) (ط): "وثلاثمائة" خطأ.
(4) في (ط) تبعًا للطبعة القديمة: "يترك (() "، والمثبت من الطبعة المحققة. وفي =
(10/326)

ويحدِّث عمّن اسمُه فيها، ولا يبالي متى مات، وهل مات قبل أن يولد أو لا". قال ابن حجر: "ثم ذكر له أحاديث" يعني مما يبيِّن كذبه.
الثالث: أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتي الحافظ (قبل 280 - 354). قال في ابن الصلت: "راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءًا لأنتخب فيه، فرأيته قد حدَّث عن يحيى بن سليمان بن نضلة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "ردُّ دانِقٍ من حرام أفضل عند الله من سبعين حَجةً مبرورةً". ورأيته حدَّث عن هنّاد، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "لردُّ دانقٍ من حرام أفضل من مائة ألف يُنفق في سبيل الله"، فعلمتُ أنه يضع الحديث، فلم أذهب إليه. ورأيته يروي عن جماعة ما أحسبه رآهم! " (1).
وابن عدي دخل بغداد سنة 297، وابن حبان دخلها بعد سنة 300، وكان أحمد بن علي الأبَّار قد توفي سنة 290؛ ولكن الأستاذ يقول: "ذنب الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنَّون أن يصفو الجوُ للأبَّار الذي كانوا حملوه على تدوين مثالب أبي حنيفة إفكًا وزورًا، فتحاملوا على الحِمَّاني هذا؛ ليُسقطوا رواياته"!
الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (306 - 385). قال في ابن الصلت: "يروي عن ثابت الزاهد وإسماعيل ابن أبي أويس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومَن بعدهم، يضع الحديث" هكذا في
__________
= "الكامل": "ينزل عند".
(1) "المجروحين": (1/ 153).
(10/327)

"تاريخ بغداد" (ج 5 ص 104). وفيه (ج 4 ص 209): "حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سُئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني - وأنا أسمع - عن جمع مُكْرَم بن أحمد فضائلَ أبي حنيفة، فقال: موضوع كلُّه كذب، وضعه أحمد بن المغلِّس الحِمَّاني". وراجع "الطليعة" (ص 96 - 97) (1).
الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب "المستدرك" (321 - 403). قال: "روى ابن الصَّلْت عن القعنبي ومسدَّد وابن أبي أويس وبِشر بن الوليد أحاديث وضعها، وقد وضع أيضًا المتون مع كذبه في لُقِيِّ هؤلاء" (2)، وبِشر بن الوليد مات سنة 238، فإن صح ما فرَضْناه من مولد ابن الصلت، فقد أدرك بشرًا، وعن بشر روى حديث: "طلب العلم فريضة" كما تقدم.
[1/ 198] السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني الحافظ (333 - 425). عدَّ ابنَ الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين.
السابع: أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (336 - 430). قال في ابن الصلت: "روى عن شيوخ لم يَلْقَهم بالمشاهير والمناكير" (3).
الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (338 - 412). قال في ابن الصلت: "كان يضع". هكذا في "تاريخ بغداد" (4). وفي
__________
(1) (ص 74 - 76).
(2) كلام الحاكم في كتاب "المدخل إلى الصحيح": (1/ 128 - ط العبيكان).
(3) "الضعفاء" (ص 65).
(4) (4/ 209).
(10/328)

"الميزان" و"اللسان": "كان يضع الحديث" (1).
التاسع: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ (392 - 463). قال في ابن الصلت: "حدَّث عن ثابت بن محمد الزاهد وأبي نعيم ... أحاديثَ أكثرها باطلة هو وضَعها. وحكى أيضًا عن بشر بن الحارث، ويحيى بن معين، وعليّ ابن المديني أخبارًا جمعها بعد أن صنَّفها (في "اللسان": وضعها) (2) في مناقب أبي حنيفة".
وذكر المثالين السابقين: حديث طلب العلم، والزيادةَ في الحكاية عن ابن عيينة.
العاشر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (673 - 748). قال في ابن الصلت مرةً: "هالك"، ومرةً: "وضَّاع"، ومرةً: "كذَّاب" (3). وأورد له الحكاية في لُقِيِّ أبي حنيفة لعبد الله بن الحارث بن جَزء، وقد مرَّ ذلك.
الحادي عشر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 - 852). ذكر في "لسان الميزان" (4) كلام الأئمة في ابن الصلت، ثم قال: "ومن مناكيره: روايتُه عن بِشر الحافي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: "ازهد في الدنيا يحبك الله ... " الحديث ... وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل".
__________
(1) "الميزان": (1/ 140)، و"اللسان": (1/ 612).
(2) في الطبعة المحققة: "صنعها" وهو أقرب.
(3) انظر "الميزان": (1/ 140)، و"المغني": (1/ 55).
(4) (1/ 612 وما بعدها).
(10/329)

فهؤلاء أحد عشر إمامًا طعنوا في ابن الصلت، وجرحوه جرحًا مفسَّرًا مشروحًا. ولو تتبعنا لوجدنا معهم غيرَهم كابن عساكر وابن السمعاني وآخرين، ولكن الأستاذ الذي جاء بعدهم بقرون يأبى إلا أن يجعلهم "أسرابًا يركضون وراءه يردِّدون صدى الطاعن أيًّا كانت قيمةُ طعنه، ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يُغبطون عليه" مع أنه قد عَرف حُججَهم، ولم يجد ما يصح [1/ 199] أن يُعَدَّ مخالفًا لهم، وينسى موقفه يوم القيامة كأنه مرفوع عنه القلم دونهم! ويذكر في ابن درستويه ما هو بالنسبة إلى ما في ابن الصلت كالهباءة بالنسبة إلى الجبل العظيم، ثم يقول: "وتضعف كواهلُ الخطيب وأذنابه عن حَمْلِ أثقال التهم التي رُكِّبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي"؛ ولكن لا تضعف كواهله عما على ابن الصلت، كأنَّ الخطيب وغيره من أئمة الحديث كما قال حسَّان (1):
لو يدِبُّ الحوليُّ من ولد الذَّرْ ... رِ عليها لأندبتها الكلومُ
لكنه هو "ثَهْلانُ ذو الهضَبات ما يتحلحلُ" (2)!
ولو اكتفى بقوله (ص 165): "متكلَّم فيه، ولسنا بحاجة إلى رواياته في مناقب أبي حنيفة، وعندنا بطرقِ رجالٍ لم يُتكلَّم فيهم روايات كثيرة بمعنى ما رواه" لاستراح وأراح، لكنه عاد فدل على وثوقه بدعواه. وخير للحنفية أن يغسلوا أيديهم من ابن الصلت، فإن المدافعة عن مثله شهادة من المدافِع عن نفسه بماذا؟
__________
(1) "ديوانه": (1/ 40) تحقيق وليد عرفات، دار صادر، 1974.
(2) كذا أنشده أبو عبيد وغيره. انظر "تهذيب اللغة": (3/ 441) و"جمهرة ابن دريد": (1/ 188)، وقال الفرزدق "ديوانه": (2/ 157):
فادفَع بكفِّك إن أردتَ بناءنا ... ثهلانَ ذا الهضبات هل يتحلحلُ
(10/330)

35 - أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [407]): " ... حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوساوسي، حدثنا عبد الله ... ".
قال الأستاذ (ص 85): "تكلموا فيه، فلا يُلتفت إلى وساوسه".
أقول: سئل عنه الدارقطني، فقال: "تكلموا فيه". وقال الخطيب في "التاريخ" (ج 5 ص 58): "سألتُ البَرْقاني عن أبي طلحة الفَزاري، فقال: ثقة". فكلمة: "تكلموا فيه" ليست بجرح، إذ لا يُدرى من المتكلِّم، وما الكلام؟ والتوثيق صريح فالعمل عليه.

36 - أحمد بن محمد بن عمر المنكدري:
تقدَّم في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (1) رواية المنكدري، بمتابعة يعقوب بن سفيان.
أشار إليها الأستاذ (ص 166) وقال: "أما المنكدري فكثير الانفراد والإغراب. قال الإدريسي: في حديثه المناكير. وأنكر عليه أيضًا أبو جعفر الأَرْزُنَاني. وقال الحاكم: كان له إفرادات وعجائب. وقال السمعاني: يقع في حديثه المناكير والعجائب والإفرادات".
أقول: الذي في "الميزان" و"اللسان" (2) عن الإدريسي: "يقع في حديثه
__________
(1) رقم (34).
(2) "الميزان": (1/ 147)، و"اللسان": (1/ 638).
(10/331)

المناكير، ومثلُه [1/ 200] إن شاء الله لا يتعمّد الكذب. سألت محمد بن أبي سعيد السمرقندي الحافظ، فرأيته حسَنَ الرأي فيه. وسمعته يقول: سمعت المنكدري يقول: أناظر في ثلاثمائة ألف حديث. فقلت: هل رأيت بعد ابن عُقدة أحفظ من المنكدري؟ قال: لا". ومن يضاهي ابنَ عُقدة في الحفظ والإكثار، فلا بد أن يقع في حديثه الأفراد والغرائب، وإن كان أوثق الناس. فأما المناكير، فقد يكون الحمل فيها على مَن فوقه. وعلى كل حال فلم يذكروا فيه جرحًا صريحًا ولا توثيقًا صريحًا، لكنهم قد أنكروا عليه في الجملة، فالظاهر أنه ليس بعمدة، فلا يحتج بما ينفرد به. والله أعلم.

37 - أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلَّاف:
في "تاريخ بغداد" (13/ 414 [442]): "أخبرنا الحسن بن أبي طالب، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن جعفر المَطِيري ... ".
قال الأستاذ (ص 150): "تكلَّم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المَطِيري، وطعن فيه. وقال الأزهري: ابن دوست ضعيف، رأيت كتبه كلها طريَّة، قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويترِّبها لِيُظَنَّ أنها عُتُق. والكلام فيه طويل. راجع "تاريخ الخطيب" (ج 5 ص 125) ".
أقول: ذكر الخطيب ما حكاه الأستاذ عن ابن أبي الفوارس، ثم روى عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهَمَذَاني كلامًا يتعلَّق بابن دوست، وفيه من قول عيسى: "كان محمد بن أبي الفوارس ينكر علينا مُضِينَّا إليه وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه". فكأن ابن أبي الفوارس تكلَّم أولًا في سماع ابن دوست من المَطيري؛ لأنه كان عند موت المطِيري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبيَّن لابن أبي الفوارس صحة السماع، فعاد، فقصد ابن دوست
(10/332)

وسمع منه. وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة. ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 3 ص 409)، ووفاته سنة 381، ومولد أحمد سنة 323. فقد وُلد له في شبابه، فكأنه اعتنى به، فبكَّر به للسماع، وقيَّد سَماعه وضَبطه له على عادة أهل العلم في ذاك العصر، وقد صحَّح المحدِّثون سماع الصغير المميِّز. وأما الأزهري، فتمام عبارته: " ... وكان يذكر أن أصوله العُتُق غرقت، فاستدرك نسخها"، فالتضعيف مفسَّر بما بعده.
واعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقَّاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان [201] حديثه مستقيمًا وثَّقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع فشدَّد النقاد، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوقَ به المقيَّدَ سماعُه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصل لم يعتمدوا عليه، وربما صرَّح بعضهم بتضعيفه. فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد. ولا ريب أنَّ في هذه الحال الثالثة احتياطًا بالغًا، لكن إذا عُرِفت عدالة الرجل وضبطه وصدقه في كلامه، وادعى سماعًا محتملًا ممكنًا، ولم يُبرِز به أصلًا، واعتذر بعذر محتمل قريب، ولم يأت بما ينكَر = فبأيّ حجَّة يُرَدُّ خبرُه؟
وقد قال الخطيب: "حدثني أبو عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك، فلم لا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيما أمليه، فإن كان لك فيه زلل أو خطأ لم أُمْلِ من حفظي. وإن كان جميعه صوابًا، فما الحاجة إلى
(10/333)

الكتاب؟ أو كما قال".
فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه، بل اعتنى بتحفيظه ما سمع. فإذا كانت أصوله بعد حِفْظه ما فيها غرقت فابتلَّتْ، وخِيفَ تقطُّعُ الورق، وبقيت الكتابة تُقرأ، فاستنسخ منها، أو ذهبت فنسخ من حفظه، أو من كتبٍ قد كانت قوبلت على أصوله، أو لم تُقابَل ولكنه اعتبرها بحفظه فأيُّ حرج في ذلك؟ وإذ كان اعتماده على حفظه، فهَبْ أنه لم يكن له أصول البتة، أو كانت فتلِفَتْ، ولم يستدرك نسخها = ألا يكون له أن يروي من حفظه؟ أوَ لا تقوم الحجة بخبره إذا كان عدلًا ضابطًا؟
وأما قضية التتريب، فهي في عبارة للبرقاني. قال الخطيب: "سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلَّموا فيه. وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويُترَّبها لِيُظَنَّ أنها عُتُق". فقوله: "قيل: ... " لا يُدرَى من القائل؟ وعلى فرض صحة ذلك، فهو تدليس خفيف أراد به دفعَ تعنُّتِ بعض الطلبة. وكان إذا سئل يبيِّن الواقع، كما في بقية عبارة الأزهري التي تركها الأستاذ. وأما قول البرقاني: "تكلموا فيه" وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه، فمحمول على ما صرَّحوا به مما مرَّ، ومرَّ ما فيه.
وبعد، فقد وصفوا ابن دوست بالحفظ والمعرفة. قال الخطيب: "كان مكثرًا من الحديث، [1/ 202] عارفًا به، حافظًا له. مكث مدةً يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر المخلِّص، ثم انقطع عن الخروج، ولزم بيته. كتب عنه الحسن بن محمد الخلَّال، وحمزة بن محمد بن طاهر الدقَّاق، وأبو القاسم الأزهري، وهبة الله بن الحسن (1) الطبري، وعامة أصحابنا،
__________
(1) في (ط) و"التاريخ" بطبعتيه: "الحسين" تصحيف.
(10/334)

وسمعت منه جزءًا واحدًا". ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًّا، والله أعلم.

38 - أحمد بن المعذَّل (1):
في "تاريخ بغداد" (13/ 393 [411 - 412]) "أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصَّيْمَري ... لأحمد بن المعذَّل: إن كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتِني ... ".
قال الأستاذ (ص 95): "هو أول من قام بنشر مذهب مالك بالبصرة، بعد أن تفقه على عبد الملك بن الماجشون، وشيخه هذا حينما رحل إلى العراق من المدينة المنورة رحل ومعه مَن يُغَنِّيه، فزهد فيه أهل العلم ... وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذَّل يقول فيه:
أضاعَ الفريضةَ والسنَّهْ ... فتاهَ على الإنس والجِنَّهْ
الأبيات".
أقول: أما البيت، فالرواية فيه: "أطاع الفريضة ... " كما شرحته في "الطليعة" (ص 63) (2).
فتجلَّد الأستاذ، وقال في "الترحيب" (ص 45): "هذا تمحُّل. لو كان مراده هذا لقال: أقام، .. وإنما الطاعة لله ولرسوله لا للعمل، وهذا ظاهر". كذا قال! ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه "أطاع"، ولم يكن في السياق
__________
(1) بفتح الذال المعجمة المشددة كما في "المشتبه" للذهبي، وقال: "من أئمة المالكية ... ". ولم ترد هذه النسبة في "أنساب السمعاني". ووقع في "تاريخ الخطيب": "ابن المعدل" بالدال المهملة، وهو تصحيف. [ن].
(2) (ص 47 - بتحقيقي).
(10/335)

وغيره ما يدلّ على صحة ذلك، ما ساغ لعالمٍ تغييرُه, لأن العربية لا تضيق بمن "أطاع الفريضة"، بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك؛ فكيف بالتغيير إلى: "أضاع"، مع إبطال الأدلة المعنوية، كعجز البيت، والبيت الثاني، وسبب قول ذلك الشعر، وما هو معلوم من حال أحمد! هذا كلُّه توضيح للواضح، وقابِلْ هذا بما يأتي في ترجمة الشافعي (1) في الكلام على ما وقع في "مختصر المزني": "وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان".
[1/ 203] وأما عبد الملك، فلم يزهَدوا فيه لاستجازته الغناء، فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المُجْمَع على توثيقه. وإنما زهِدوا في عبد الملك لمنكرات في روايته، ولاتهامه برأي جهم، كما ترى ذلك في ترجمته من "التهذيب" (2).
وأحمد بن المعذّل لم يطعن أحدٌ في روايته ولا عقيدته، ولا عُرِف بالترخيص في الغناء - فيما علمتُ - وقد وُثَّق. ولا يضرُّ العالمَ أن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمدُ بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في "التأنيب"، ونبَّهتُ عليه في "الطليعة" (ص 87 - 89) (3) فاعترف الأستاذ في "الترحيب" (4). وسمع أحمد أيضًا من بشر بن
__________
(1) (رقم 189).
(2) (6/ 408).
(3) (ص 68 - 69).
(4) (ص 47 - القديمة).
(10/336)

عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك.
وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسأُلِمُّ بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى (1).

39 - أحمد بن موسى النجَّار:
قال الأستاذ (ص 17) في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: "أخرج رحلة ... بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذَّابان معروفان".
أقول: البلاء من البلوي، وهو الكذاب المعروف. فأما النجار فلم يُعرَف (2). (3)

40 - أحمد بن يونس:
في "تاريخ بغداد" (13/ 379 [386]) من طريق "عباس بن عبد العظيم (4)، حدثنا أحمد بن يونس قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة
__________
(1) (رقم 183).
(2) قال عنه الذهبي في "الميزان": (1/ 159 - 160): "حيوان وحشي ذكر محنةً مكذوبةً للشافعي فضيحة لمن تدبّرها".
(3) أحمد بن نصر الذارع، يأتي في ترجمة محمد بن جعفر الراشدي. [المؤلف].
(4) كذا في (ط) تابع فيه المؤلف ما وقع في "التأنيب" (ص 56)، وهو وهم وانتقال نظر، فإن عباس بن عبد العظيم روى عن أحمد بن يونس رواية أخرى غير هذه، ثم ساق الخطيب هذه الرواية لكنها من طريق محمد بن العباس - المؤدب -، حدثنا أبو محمد - شيخ له - أخبرني أحمد بن يونس ... الحكاية.
(10/337)

عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة ... ".
قال الأستاذ (ص 56): "إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفى سنة 227 فلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سنًّ تُمَكَنه من الحضور في مثل تلك المجالس، فيكون الخبر مقطوعًا. وإن كان أحمد بن يونس هذا غير اليربوعي، فمجهول".
أقول: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، فإنه غالبًا يُنسب إلى جدَّه، ولا يُفهم عند إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره، ومولده سنة 133 أو في التي تليها. وقد صح عنه أنه قال: "مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة، ورأيت أبا حنيفة ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحُيَّض". ومات الأعمش سنة 147، وقيل: في التي تليها، ومات ابن [1/ 204] أبي ليلى سنة 148. وعمرُ أحمد خمس عشرة سنةً على المشهور من وفاة الأعمش. وقد يبرز الأمير للناس، أو يأذن لهم إذنًا عامًّا، أو يدخل عليه الغلام ابن أربع عشرة سنة مع أبيه أو عمِّه مثلًا. والله أعلم.

41 - الأحوص بن الجوَّاب أبو الجوَّاب:
في "تاريخ بغداد" (13/ 407 [433]) من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: "حدثنا أبو الجوَّاب ... ".
قال الأستاذ (ص 133): "لم يكن بالقوي عند ابن معين".
أقول: في "تهذيب التهذيب" (1): "قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس
__________
(1) (1/ 192).
(10/338)

بذاك القوي". وهذا إنما يعطي أنه ليس غايةً في الإتقان (1)، فكأنّ ابن حبان فسَّر ذلك إذ قال في "الثقات": "كان متقنًا ربما وهم"؛ وهذا إنما يظهر أثره عندما يخالف مَن وثَّقوه مطلقًا. والأحوص من رجال مسلم في "صحيحه".

42 - إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني:
في "تاريخ بغداد" (13/ 396 [415]) من طريق: "الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك .. ".
قال الأستاذ ص 105: "ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء"، وقال الذهبي: صاحب أوابد. وقال البخاري: في حديثه نظر - وهو من أشد كلمات الجرح عنده -. وقال الحاكم أبو أحمد: [في حديثه بعض المناكير. وقال البزَّار] (2): كُفَّ بصرُه، فاضطرب حديثه. وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح. وقال النسائي: ليس بثقة".
أقول: وقال الذهبي في "الميزان" (3): "كان ذا عبادة وصلاح. وقال عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي: كان مالك يعظم الحُنيني". وفي "تهذيب "التهذيب" (4): "قال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ. وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظِّمه ويكرمه ... وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه".
__________
(1) (ط): "الاتفاق" تحريف.
(2) ما بين المعكوفين زيادة من المؤلف تصحيحًا لنقل الكوثري.
(3) (1/ 180).
(4) (1/ 222).
(10/339)

وذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر"، أو "سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جدًّا. قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص 161) (1): "وكثيرًا ما يعبِّر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها". ولم يقل البخاري في الحُنيني: "فيه نظر"، إنما قال: "في [1/ 205] حديثه نظر" وبينهما فرق، فقوله: "فيه نظر" تقتضي الطعن في صدقه (2). وقوله: "في حديثه نظر" تُشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلة، أو سوء حفظ.
ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحُّل. فيقال له: ألم تقل (ص 48): "وأما قوله في "تاريخه الكبير": كان مرجئًا، سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، فبيانٌ لسبب إعراض من أعرض عنه". وقد علمت أن "سكتوا عنه" هي أخت "فيه نظر" بل هي الكبرى.
والمقصود هنا أن الحنينيّ كان صالحًا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك. فأما حديثه، فكلمةُ البخاري تقتضي أنه مُطَّرَح لا يصلح حتى للاعتبار، وكذلك كلمة النسائي. وصنيع ابن حبان يقتضي أنه يعتبر به، وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد. ويوافقهما قول ابن عدي: "ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه". وكلمةُ البزار تقتضي أن حديثه كان قبل عَماه مستقيمًا، فيُنظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟
__________
(1) (2/ 122)
(2) لكن قال الحافظ ابن حجر في "بذل الماعون" (ص 92): "إنها عبارته فيمن كان وسطًا".
(10/340)

43 - إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
في "تاريخ بغداد" (14/ 249) من طريق: "محمد بن أبي الأزهر، حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي، حدثني أبي ... ".
قال الأستاذ: (ص 176): "حماد بن إسحاق الموصلي ... هو وأبوه من رجال الأغاني ... ".
أقول: تراجع ترجمتاهما في "تاريخ بغداد" (1). وزعم الأستاذ أن في القصة غضاضةً على أبي يوسف، وليس ذلك بظاهر. وفيما هو منقول عن الحنفية من الحيل المباحة عندهم ما هو أقرب إلى الإيحاش منها. أما الخطيب فلعله إنما قصد بإيراد تلك الحكاية الظريفة تزيين "التاريخ".

44 - إسحاق بن عبد الرحمن:
في "تاريخ بغداد" (13/ 378 [384 - 385]). من طريق: "جعفر بن محمد الصَّنْدَلي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم [بن عبد الرحمن البغوي] (2) ابن عم ابن منيع، حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن، حدثنا حسن بن أبي مالك ... ".
قال الأستاذ (ص 52): "وإسحاق بن عبد الرحمن لا يُعلَم"
أقول: شيخ الصَّنْدَلي قديم، يروي عن إسماعيل ابن عُلَية المتوفى سنة 193، وعنه البخاري في "الصحيح" وغيره. والحسن بن أبي مالك توفي
__________
(1) ترجمة حماد في (8/ 159)، ووالده (6/ 338 - 344).
(2) ما بين المعكوفين من زيادة المؤلف.
(10/341)

سنة 204. فلو كان للأستاذ غرض في تصحيح تلك الرواية لربما جَزَم بأن لفظ: "حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن" كان بهامش أصل [1/ 206] قديم على أنها نسخة بدل: "حدثنا إسحاق بن إبراهيم"، وذلك بنسبة إسحاق إلى جده، فتوهَّم الناسخ أن تلك الحاشية لَحَق، فأدرجها في المتن. ولذلك نظائر في النسخ الخطية!

45 - إسحاق بن عبد الرحمن:
ذكر الأستاذ (ص 184) رواية أبي نعيم الأصبهاني، عن أبي الشيخ، عن عبد الرحمن بن داود، عن عبيد بن خلَف، عن إسحاق بن عبد الرحمن، عن الحسين الكرابيسي - فذكر قصة.
قال الأستاذ: "إسحاق بن عبد الرحمن مجهول ... فلا يُجدي تكلُّفُ التاج ابن السبكي في ترقيع السند".
أقول: إنما قال ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (ج 1 ص 253) (1): "كذا في السند: عبيد عن إسحاق. وعبيد صاحب الكرابيسي، ولا يمتنع أن يسمع عنه كما سمع منه"، فأين الترقيع؟

46 - أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي:
يقال له: أسد السنة. في "تاريخ بغداد" (13/ 383 [393]) من طريق: "الربيع بن سليمان يقول: سمعت أسد بن موسى قال ... ".
قال الأستاذ (ص 65): "منكر الحديث عند ابن حزم".
__________
(1) (2/ 121 - المحققة).
(10/342)

أقول: قد قال البخاري: "مشهور الحديث". وهذا بحسب الظاهر يُبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قولُ ابن يونس: "حدَّث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره"، وقول النسائي: "ثقة، ولو لم يصنَّف كان خيرًا له". وذلك أنه لما صنَّف احتاج إلى الرواية عن الضعفاء, فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أسد، ورأى ابن يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة، وحقَّق البخاري فقال: "حديثه مشهور". يريد - والله أعلم - مشهورٌ عمن روى عنهم، فما كان فيه من إنكار فممن (1) قَبْلَه. وقد قال ابن يونس أيضًا والبزار وابن قانع حافظ الحنفية: ثقة. وقال العجلي: ثقة، صاحبُ سنة. وفي "الميزان" (2): "استشهد به البخاري، واحتجَّ به النسائي، وأبو داود. وما علمتُ به بأسًا".
وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جدًّا إذ يقتصر على كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال، ولكن!

47 - إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر أبو معمَر الهذلي الهروي الكوفي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 400 [421]) من طريق إبراهيم بن عبد الرحيم ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل [1/ 207] قال كل منهما: "حدثني أبو معمر ... ".
قال الأستاذ (ص 114): "هو ممن أجاب في المحنة، وقال: كفرنا وخرجنا.
__________
(1) (ط): "فمن" والصواب ما أثبت.
(2) (1/ 207).
(10/343)

ويقال: إن ابن معين قال: خرج الهذلي هذا إلى الرقة وحدّث بخمسة آلاف حديث أخطأ في ثلاثة آلاف منها".
أقول: قال الله تبارك وتعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]. فأبو معمر ممن أُكرِه، والأستاذ يعلم مَن هو الذي شرح صدره بتلك المقالة. وأما ما جاء عن الإِمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة، فليس ذلك على معنى جَرْحِ مَن أجاب مُكرهًا، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامة. أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قبل تحقّق الإكراه، وأما العامة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن انشراح صدر. فإن كان مغزى الأستاذ الطعن علي أبي معمر، لإيمانه بأن القرآن غير مخلوق، وقوله: إن القول بأنه مخلوق كفر، فتلك شَكاةٌ ظاهر عنك عارُها (1).
وأما الحكاية عن ابن معين، فقد أنكرها الخطيب وغيره من أئمة الحديث، ولكن الأستاذ مولَع بالتقاط السواقط. وما أحسب أحدًا أشدَّ إزراءً بأبي حنيفة من الأستاذ، فإنه مع إظهاره أنه متهالك في الدفاع عنه، يُكثر من التشبث بالأشياء المردودة والباطلة، ويلجأ إلى المغالطة والتهويلات الفارغة. وذلك يُلجئ الناظرَ إلى ما يلجئه، فيقول: لولا أن تلك المطاعن أو
__________
(1) من قول أبي ذؤيب الهذلي:
وعيَّرها الواشون أني أحبُّها ... وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها
انظر: شرح أشعار الهذليين (1/ 70).
(10/344)

أكثرها حقٌّ لما اضطُرَّ مثلُ الكوثري في سعة اطلاعه وقوة عارضته إلى ما اضطرّ إليه في الإجابة عنها.
والمعروف عن ابن معين توثيق أبي معمر. قال عباس الدوري (1): "سئل يحيى بن معين عن أبي معمر، وهارون بن معروف، فقال: أبو معمر أكيَس". هذا مع قوله هو وغيره في هارون: "ثقة". وقال ابن سعد في أبي معمر: "هو من هذيل أنفسِهم، صاحب سنة وفضل، وهو ثقة ثبت". وقال ابن قانع حافظ الحنفية: "ثقة ثبت". وروى عنه البخاري ومسلم في "الصحيحين".

48 - إسماعيل بن بِشر بن منصور السُّلَيمي أبو بِشر البصري:
في "تاريخ بغداد" (13/ 396 [416]) من طريق: "عبد الله بن أحمد الجصاص، حدثنا إسماعيل بن بشر، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي: يقول ... ".
قال الأستاذ (ص 107): "قدَري يعادي مثبتي القدر، فلا يثبت بسند فيه مثلُه ومثلُ أبي المفضل عزوُ هذا القول إلى ابن مهدي، كما لا يثبت ما يعزوه إليه أبو نعيم في "الحلية" بطريق رُسْته لما سيأتي في رُسْته".
أقول: قد تقدم في القواعد (2) أن العداوة الدينية لا تُرَدُّ بها الشهادة، فكيف الرواية؟ ولم يكن إسماعيل داعية، وقد قال أبو داود: "صدوق"،
__________
(1) " تاريخ الدوري" (4996).
(2) (ص 64).
(10/345)

وروى عنه في "سننه"، ولا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (1). وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبُّته. وأخرج له النسائي في "السنن". وذكره ابن حبان في "الثقات" (2).
ورُسْته هو عبد الرحمن بن عمر، تأتي ترجمته (3).

49 - إسماعيل بن أبي الحكم:
في "تاريخ بغداد" (13/ 380 [387]) من طريق: "الأثرم، حدثني هارون بن إسحاق، قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد ... ".
قال الأستاذ (ص 58): "فيكون إسماعيل هذا مجهولًا".
أقول: ذكره المزَّي في شيوخ هارون (4). وفي كتاب ابن أبي حاتم (5) "إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي روى عن عمران بن عيينة وعيسى بن يونس. روى عنه أبو زرعة. سئل أبي عنه فقال: شيخ". وفي "لسان الميزان" (ج 3 ص 416) (6): "فمن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة".
__________
(1) (رقم 18).
(2) (8/ 103).
(3) (رقم 139).
(4) "تهذيب الكمال": (7/ 373).
(5) (2/ 165).
(6) (3/ 396).
(10/346)

50 - إسماعيل بن حمدويه:
ذكرتُه في "الطليعة" (ص 90) (1) وذكرت هناك أنه وقع في نسخة "الثقات": "السكندري". ثم وقفت على نسخة أخرى أصح من الأولى محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدراباد دَكَن، وفيها "البِيكَنْدي" (2) على الصواب.

51 - إسماعيل بن عَرْعَرة:
قال الأستاذ (ص 48): "وأما قول أبي عبد الله الجعفي [البخاري صاحب الصحيح] في "تاريخه الصغير": سمعت إسماعيل بن عَرعَرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا فأدَّبتْ نساءنا، فليس بأحسن حالًا من سابقه، بالنظر إلى تأخر طبقة إسماعيل بن عَرعَرة، فبينه وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها حتى البخاري ... نعم، [1/ 209] له ذكر في كتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد في (ص 27 و154) بما يدل أنه بصري معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري. وليس في هذا أدنى غَناء، بعد أن عُلِم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا".
أقول: في "إكمال ابن ماكولا" (3) "بِرِنْد": أن لعَرْعَرة (4) بن البِرِنْد
__________
(1) (ص 69).
(2) وهو كذلك في النسخة المطبوعة (8/ 105).
(3) (1/ 252).
(4) (ط): "عروة" في الموضعين، تحريف.
(10/347)

البصري ابنًا اسمه إسماعيل. وعَرْعَرة ولد سنة 110، ومات سنة 193، فلا مانع أن يكون له ابن أدرك أبا حنيفة، ثم عاش حتمًا حتى أدركه البخاري. وقد مر في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي عبد الرحمن (1) أن البخاري لا يروي إلا عن صدوق يتميَّز صحيح حديثه من سقيمه. وقد يكون الرجل ثقة مقلًّا من الرواية، إنما يروي قليلًا من الحكايات، فلا يعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست. وراجع ما مرَّ في ترجمة إبراهيم بن شمَّاس (2).

52 - إسماعيل بن عيّاش الحمصي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 394 [413]) من طريق: "محمد بن عوف، حدثنا إسماعيل بن عباس الحمصي، حدثنا هشام بن عروة ... ".
قال الأستاذ (ص 100): "الصواب: إسماعيل بن عياش ... وروايته عن غير الشاميين مردودة عند أهل النقد".
أقول: إسماعيل ثقة في نفسه، لكن عن غير الشاميين تخليط كثير، فحدُّه إذا روى عن غير الشاميين أن يصلح في المتابعات والشواهد. وتلك الحكاية تابعه عليها سفيانُ بن عيينة وغيرُه، كما يأتي في ترجمة هشام (3). وراجع (ص 9) (4).
__________
(1) (رقم 23). ووقع في (ط): "أبو عبد الرحمن". والوجه ما أثبت.
(2) (رقم 6).
(3) (رقم 261).
(4) (1/ 12 - 13).
(10/348)

53 - إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 387 [401]) من طريق: "عبد السلام بن عبد الرحمن، حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي، قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري ... ".
قال الأستاذ (ص 77): "إسماعيل بن عيسى من المجاهيل".
أقول: الصواب أن يقول: "لم أعرفه"، فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا. راجع "الطليعة" (ص 86 - 98) (1).

54 - الأسود بن سالم:
في "تاريخ بغداد" (13/ 409 [435]) من طريق أبي عبيد: "كنت جالسًا مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة، فتذاكروا مسألة، فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت. فقال لي الأسود: تذكر أبا حنيفة في المسجد! فلم يكلِّمني حتى [1/ 210] مات".
قال الأستاذ (ص 134): "أين الأسود بن سالم من أبي عبيد الإِمام في كل علم! وكان الأسود بن سالم من العُبَّاد المتقشفين المقبلين على الله، ولم يكن له سعة في العلم ولا الالتفات إلى الفقه. كان يصعب عليه أن يشتغل في المسجد بغير ذكر الله، غير شاعر بأن مذاكرة الفقه من ذكر الله. وله رأيه، ولأهل العلم رأيهم، ولم يكن هو ممن يُحتجُّ بقوله في هذا الموضوع. ولا أدري لماذا تكلَّف الخطيب الرواية عنه، وحالُه معلومٌ مما رواه الخطيب نفسه في (ج 7 ص 36) حيث قال: أخبرنا ... سمعت حبش بن برد يقول: رُئي أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة
__________
(1) (ص 66 - 76).
(10/349)

إلى نصف النهار، فقيل له: أيشٍ خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعًا فأنا أغسل وجهي منذ رأيته إلى الساعة، وأنا أظنه لا ينقَى"!
أقول: وأنا ما أدري لماذا تكلَّف الأستاذ التأويل المُسْتَكْره؟ فإنه لا يخفى أن الأسود لم ينكر المذاكرة من حيث هي، ولو كان كذلك لأنكرها عليهم عند شروعهم فيها، ولما كان لذِكْر أبي حنيفة وجه، ولما حكى أبو عبيد الإِمام في كلِّ فنًّ القصةَ على ما حكاها.
فأما قصة غسل الوجه، فالذي في "التاريخ": حَبَش بن الورد، وكأنه حبش بن أبي الورد المترجَم في "التاريخ" (1) أيضًا باسم محمد بن الورد، ولقبه حَبَش، وهو من المذكورين بالعبادة والزهد يروي الحكايات، ولم يوثَّق.
والأستاذ يعدُّ قول الراوي: "قيل لفلان"، أو "سئل فلان" منقطعًا، للجهل بالقائل أو السائل، وقد رددتُ عليه ذلك في القواعد وغيرها (2). وقولُ حَبَش: "رئي أسود" ظاهرٌ في الانقطاع، بخلاف "قيل" و"سئل"، فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائل أو السائل غيره دونه، فأما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا، إلا أن يكون أعمى. فليبحث الأستاذ لعلَّه يجد نصًّا على أن حَبَشًا كان أعمى! فيصير قوله: "رئي أسود" بمنزلة قول غيره: "قيل لفلان"، و"سئل فلان" ونحو ذلك، كقول سلمة: "قال رجل لابن المبارك"! فإن صحَّت القصة، فالظنُّ بالأسود أنه إنما قصد تنفير الناس عن البدع وأهلها!
__________
(1) (3/ 335).
(2) (ص 135 وما بعدها).
(10/350)

55 - أصبغ بن خليل القرطبي:
قال الأستاذ (ص 105): "روى الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي عن أبي القاسم أصبغ بن خليل القرطبي الذي دارت عليه الفتوى في مذهب مالك [1/ 211] خمسين عامًا وتوفي سنة 273 أنه قال: لَأَنْ يكون في تابوتي رأسُ خنزيرٍ أحبُّ إليَّ من أن يكون فيه "مصنف ابن أبي شيبة""!
أقول: "مصنف ابن أبي شيبة" مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف، وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم، والظنُّ بأصبغ أنه لم يقصد ذمَّ الأحاديث، كيف وكان هو يروي "الموطأ" وغيره؟
وبعدُ، فماذا على المالكية من أصبغ هذا، وقد كذَّبه أجِلَّتُهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفَرَضي وعياض! ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولةُ موافقةٌ لهم على ذلك، وكان هو عارفًا بها جامدًا عليها. وفي المالكية من حفَّاظ الحديث والمتَّبعين له - إذا خالفه المنقول في مذهبهم - عددٌ غير قليل، لعلهم يَفْضُلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى!
ومَن تأمَّلَ حالَ كثيرٍ من علماء المذاهب رأى أن كثيرًا منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شرًّا من حال أصبغ. وذلك أنهم يُظهرون التديُّنَ بقبول الحديث وتعظيم "الصحيحين"، ويزيد بعضُهم - حتى من أهل عصرنا هذا - فيقول: إن الحديث إذا كان في "الصحيحين" أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاؤوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرَّفوه أقبحَ تحريف (1).
__________
(1) لعله من أشار إليه المؤلف في قسم الفقهيات من هذا الكتاب (2/ 226 - 227) =
(10/351)

فالردُّ الصريحُ أخفُّ ضررًا على المسلمين وأهونُ مؤنةً على أهل العلم والدين من إثارة الشُّبَه والتطويل والتهويل الذي يغترُّ به كثيرٌ من الناس، ويَضطرُّ العالمَ إلى صَرْف وقته في كشف ذلك! والله المستعان.

56 - أنس بن مالك صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -:
تقدم ما يتعلق به في "الطليعة" (ص 98 - 106) (1)، وفي الفصلين الثاني والخامس من أوائل هذا الكتاب (2). وذكرت (ص 100 - 101) من "الطليعة" بعض المعمَّرين من ثقات التابعين المحتجِّ بهم مطلقًا إجماعًا، ويُزاد عليهم: معرور بن سويد، وزِرُّ بن حُبيش، وأبو عثمان النهدي. بلغ الأول مائة وعشرين سنة، والثاني مائة وسبعًا وعشرين سنة، والثالث مائة وثلاثين - وقيل: أربعين - سنة.
وذكرت في (ص 103) من "الطليعة" شاهدًا لرواية أنس في أبوال الإبل، ثم رأيت في "تفسير ابن جرير" (ج 6 ص 119 - 120) (3): "حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: [1/ 212] أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدَّثني سعيد بن حبير عن المحاربين، فقال: كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ... ثم قالوا: إنّا نجتوي المدينة. فقال النبي
__________
= وانظر التعليق عليه هناك.
(1) (ص 77 - 84).
(2) (ص 8 - 19 و35 - 49).
(3) (8/ 362 - ط. دار هجر).
(10/352)

صلى الله عليه وآله وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا أبوالها وألبانها ... " فذكر القصة. وسياقها مخالف لسياق رواية أنس، وفي آخرها الإشارة إلى حديث أنس، وذلك يدل أن سعيد بن جبير تلقَّاها من غير أنس من الصحابة. والحديث مرسل صحيح رجاله ثقات كلهم، وتأتي ترجمة محمد بن علي، وترجمة أبي حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري (1).
وعلي بن الحسن بن شقيق من متقدمي أصحاب أبي حمزة، يظهر أن سماعه منه كان قبل أن يعمى أبو حمزة. وعليٌّ من المتثبتين، وفي ترجمته من "تهذيب التهذيب" (2) أنه قيل له: "سمعتَ "كتاب الصلاة" من أبي حمزة السُّكَّري؟ " فقال: "نعم، سمعت، ولكن نهَقَ حمار يومًا، فاشتبه عليَّ حديثٌ، فلا أدري أيُّ حديث هو، فتركتُ الكتاب كلَّه".
وكلام الأستاذ في "الترحيب" في العنعنة تقدَّم ما فيه في الفصل التاسع (3) من أوائل الكتاب. والله الموفق.

57 - أيوب بن إسحاق بن سافري:
راجع "الطليعة" (ص 59 - 60) (4) أشار الأستاذ إلى ذلك في (ص 44) من "الترحيب"، فلم يأت بشيء؛ بل حاول الطعن في مهذِّب (5) "تاريخ ابن عساكر"، وذلك لا يغني عنه شيئًا. ثم قال: "لم يكن السافري إلا داعرًا سافر
__________
(1) (رقم 221 و236).
(2) (9/ 486).
(3) (ص 135 - 144).
(4) (ص 44 - 45).
(5) هو الشيخ العلامة عبد القادر بن بدران الحنبلي (ت 1346).
(10/353)

الوجه، أصبحت الدعارة خلقًا فيه وملكةً عنده، رغم أنف هذا الناقد".
أقول: أرغم اللهُ أنفَ من يكابر، ويدفع الحق بالباطل! وانظر "طبقات [ابن] أبي يعلى" (1/ 171). (1)

58 - بشر بن السَّرِيّ:
في "تاريخ بغداد" (13/ 391 [408]) من طريق "رجاء بن السِّندي، سمعت بِشر بن السَّري قال: أتيت أبا عوانة .. ".
قال الأستاذ (ص 92): "يقول عنه الحميدي: جهمي لا يحِلُّ أن يُكتَب عنه".
أقول: ثبَّته عبد الرحمن بن مهدي جدًّا، وقال أحمد: "حدثنا بشر السري، وكان متقِنًا للحديث عجَبًا". ووثَّقه ابن معين وغيره، واحتجَّ به الشيخان في "الصحيحين" وبقية الستة (2).
[1/ 213] فأما التجهُّم، فقال ابن معين في بشر: "رأيته يستقبل البيت يدعو على قوم يرمُونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا". وقال أحمد: "سمعنا منه، ثم ذكر حديث {نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] فقال: ما أدري ما هذا، أيْشٍ هذا؟ فوثب به الحميدي وأهل مكة، فاعتذر، فلم يُقبل منه، وزهِدَ الناسُ فيه. فلما قدمتُ المرة الثانية كان يجيء إلينا، فلم نكتب عنه".
أقول: لم ينصفوه، فلعله إنما كان سمع ما صحَّ عن مجاهد من تفسيره "ناظرة" في الآية بقوله: "تنتظر الثواب"، فلما سمع الوجه الآخر استنكره من جهة كونه تفسيرًا للآية، لا من جهة إنكار الرؤية.
__________
(1) بشار بن قيراط يأتي في ترجمة أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم. [المؤلف].
(2) ترجمته في "التهذيب": (1/ 450 - 451).
(10/354)

أما ما زاده محمد بن حميد في الحكاية عن مجاهد: "لا يراه من خلقه شيءٌ" فمحمد بن حميد مُتَّهَم (1). فإن كان بِشرٌ استنكر الرؤية، فقد كان حقُّهم أن يبيِّنوا له النصوص في إثباتها، فإذا أقرَّ تبيَّن أنه كان معذورًا فيما فَرَط منه، وإن أصرَّ هجروه عن بيِّنة. على أن الإجماع انعقد بعد ذلك على عذره والاحتجاج بروايته.

59 - بقيَّة بن الوليد:
في "تاريخ بغداد" (2/ 179) من طريق "بقيّة يقول: قيل لإسماعيل بن عياش ... ".
قال الأستاذ (ص 186): "حالُه إذا لم يقل: "سمعتُ" ردُّ روايته عند الجميع".
أقول: بقية يدلِّس عن الضعفاء, فإذا لم يصرِّح بالسماع وجب التوقف؛ لاحتمال أنه إنما سمع من ضعيف.

60 - تمَّام بن محمد بن عبد الله الأَذَني:
في "تاريخ بغداد" (13/ 419 [449]): "أخبرنا العتيقي، حدثنا تمَّام بن محمد بن عبد الله الأَذَني بدمشق، أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجَلي ... ".
ذكر الأستاذ (ص 164): بلفظ "تمام بن محمد بن عبد الله الرازي". وكتب في الحاشية: "وقع بدله (الأذني) في الطبعات الثلاث، وهو تحريف، ومبلغ تعصُّب تمَّام وشيخه معلوم عند من عرف أحوالهما".
__________
(1) ترجمته في "التهذيب": (9/ 127 - 131).
(10/355)

أقول: ترجمتاهما في "تاريخ دمشق" (1)، ولتمَّام ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 243) (2). ولم أر مَنْ نسبهما ولا أحدهما إلى تعصُّب، ولا عرفتُ من أحوالهما ما يدل على ذلك. والمخالفة للمذهب لا تستلزم التعصب. وقد تقدَّم الكلام في التعصب في القواعد (3).

61 - [1/ 214] ثعلبة بن سهيل التميمي الطُّهَوي:
راجع "الطليعة" (ص 78 - 81) (4) وما ذكرتُه هناك من أن ابن معين قد يطلق كلمة "ليس بشيء" لا يريد بها التضعيف، وإنما يريد قلة الحديث، ترى مستنده في ترجمة عبد العزيز بن المختار من "مقدمة الفتح" (5)، وترجمة كثير بن شِنْظِير من "تهذيب التهذيب" (6). ويعترف به الأستاذ، كما ستراه في الترجمة الآتية.

62 - جرَّاح بن منهال أبو العطوف:
في "تاريخ بغداد" (13/ 406 [432]) من طريق: "سلمة بن سليمان يقول: قال رجل لابن المبارك (7): أكان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا، ما كان
__________
(1) (11/ 43 و35/ 57).
(2) (3/ 1056 - 1058).
(3) (ص 29 وما بعدها).
(4) (ص 60 - 62).
(5) (ص 420 - 421).
(6) (8/ 418 - 419).
(7) تكرر قوله: "سلمة بن ... المبارك" في (ط).
(10/356)

بخليق لذاك. ترك عطاءً، وأقبل على أبي العطوف! ".
قال الأستاذ (ص 128): "فيه انقطاع ومجهول؛ لأنه لم يبيِّن أنه سمع الرجل يقول، وأنه حضر القصة، كما لم يبيِّن من هو هذا الرجل .... ثم من الغريب أن يزعم زاعم ... مع أنه ما من مسند من المسانيد السبعة عشر المؤلفة في أحاديث أبي حنيفة إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة. وأما أبو العطوف ... فهو متأخر الوفاة عن أبي حنيفة بنحو ثماني عشرة سنة، وقد قلَّت رواية أبي حنيفة عنه جدًّا، ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة به. وقد ذكره أحمد بالغفلة فقط. وقال ابن معين: ليس بشيء. وهو كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلّ حديثه. ومن ظن بأبي حنيفة أنه لا يميِّز بين مَنْ به غفلة أو تهمة [وبين غيره] (1) فقد ظنَّ باطلًا. وأبو حنيفة يُكثر جدًّا عن عطاء ... بل ليس بين شيوخه بعد حماد بن أبي سليمان مَن يُكثِر عنه قدرَ إكثاره عن عطاء. وأما أبو العطوف فرواياته عنه كلُّها لا تزيد على نحو خمس روايات ... ".
أقول: أما الانقطاع والمجهول فقد تقدم النظر فيه في القواعد (2). وأما قوله: "ما من مسند من المسانيد السبعة عشر ... إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة"، وقوله: "وأبو حنيفة يُكثِر جدًّا عن عطاء"؛ ففيه نظر ظاهر, لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متَّهَمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهمًا يكثر أن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة مَنْ لا يُعتدُّ بروايته. ومع ذلك فقد تصفَّحْتُ "جامع المسانيد" فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية، لعله لا يصحُّ منها عن أبي حنيفة [إلّا] (3) خمسٌ
__________
(1) ساقط من (ط). والزيادة من التأنيب.
(2) (ص 134 - 143).
(3) زيادة يستقيم بها السياق.
(10/357)

أو ستٌّ، فأين الكثرة، فضلًا عن الإكثار جدًّا! على أن الحميدي قد قال: "حدثنا وكيع قال: حدَّثنا أبو حنيفة أنه [1/ 215] سمع عطاءً، إن كان سمعه! " أخرجه الخطيب (1)، ورواه ابن أبي حاتم في كتابه "تقدمة الجرح والتعديل" (2) في باب "ما ذكر من معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار ورواة الآثار وكلامه فيهم" رواه عن أبيه عن الحميدي.
وذكره الأستاذ (ص 130) فزعم أن كلمة: "إن كان سمعه" من قول الحميدي. ولم يصنع الأستاذ شيئًا، هي من قول وكيع، لكن ليس المقصود بها كما ذكر الأستاذ الشكّ في سماع أبي حنيفة مطلقًا، وإنما المقصود الشك في سماع خبر معيَّن ذكره وكيع ولم يذكره الحميدي، إذ كان قصد الحميدي إنما هو حكاية تلك الكلمة عن وكيع. وقد يحتمل أن الشك ليس من وكيع، وإنما هو من أبي حنيفة نفسه، كأن يكون قال في ذلك الخبر: سمعتُ عطاءً، إن كنت سمعته؛ فعبَّر وكيع بما تقدم. فإن كان هذا هو الواقع، فليس فيه طعن من وكيع في أبي حنيفة كما فهموه. والله أعلم.
قوله: "ولا مانع من الرواية عنه قبل طروَّ الغفلة". هذه دعوى مجردة، فلم يذكر أحد قبل الأستاذ أن أبا العطوف طرأت عليه الغفلة، بل قدحوا فيه على الإطلاق، كما ترى بعض ذلك في "الطليعة" (ص 80) (3). ولو كان إنما بليَّته الغفلة وكانت طرأت عليه بعد أن سمع أبو حنيفة أو غيره لما طعنوا فيه،
__________
(1) في "التاريخ": (13/ 425).
(2) (1/ 226) وانظر (8/ 449).
(3) (ص 61).
(10/358)

بل كانوا يعدُّونه في جملة المختلطين الذين يوثِّقهم أهلُ العلم ويحتجُّون بما سمع منهم قبل الاختلاط.
فأما قوله: "ذكره أحمد بالغفلة فقط"؛ فأحمد إمام ورع، إذا كفاه غيرُه الكلامَ في رجل، ورأى الناسَ قد تركوا حديثه؛ لم يستحسن أن يشيع الكلام فيه. ومع ذلك فلم يشر أحمد إلى أن الغفلة طرأت، كما زعم الأستاذ، بل قضية كلامه أن الرجل لم يزل كذلك.
وأما قول ابن معين: "ليس بشيء"، فلا ريب أنه قد يقولها في الراوي بمعنى قلَّة ما رواه جدًّا، يعني أنه لم يسند من الحديث ما يُشْتَغَل به، كما مرت الإشارة إليه في ترجمة ثعلبة. فأما أنه كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه، فهذه مبالغة الأستاذ! وعلى ذلك، فقد مضى تحقيقُ ذلك في ترجمة ثعلبة من "الطليعة" (1). وحاصله: أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة الجرحُ، فلا يُعدَل عنه إلا بحجة، فلما كان ابن معين قد وثَّق ثعلبة، ولم يقدح فيه غيرُه، وثعلبة قليل الحديث جدًّا = تبيَّن أن مراد ابن معين بتلك الكلمة - لو ثبتت - قلة الحديث.
وأبو العطوف لم يوثِّقه ابن معين ولا غيره، بل أوسعوه جرحًا، وحديثه غير قليل. فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي [1/ 216] "لسان الميزان" (2) ثلاثة أخرى، لو لم يكن له غيرها لما كانت من القلة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء. ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غيرَ ما ذُكر.
__________
(1) (ص 60 - 62).
(2) (2/ 246).
(10/359)

ولعله لولا أن جامعي المسانيد السبعة عشر علموا أن أبا العطوف تالف لوجدنا له في تلك المسانيد عشرات الأحاديث. فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف: "ليس بشيء" إنما محملها الجرح الشديد، فمحاولة الأستاذ أن يعكس القضيةَ قلبٌ للحقائق.

63 - جرير بن عبد الحميد:
راجع "الطليعة" (ص 43 - 46) و (ص 83) (1). واقتصر الأستاذ في "الترحيب" (ص 40) على أنه ليس فيما ذكرتُه ما يجدر التحدُّثُ عنه. كذا قال!
وقال في "التأنيب" (ص 110): "مضطرب الحديث ... وكان سيئ الحفظ، انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع، والكلام فيه طويل الذيل، وليس هو ممن يساق خبرُه في صدد سرد المحفوظ عند النقَلة إلا في مذهب الخطيب".
أقول: أما قوله: "مضطرب الحديث"، فكلمة لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يُقبَل منه مثلُ هذا. غايةُ الأمر أن تُعَدَّ دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة طلاق الأخرس وعليه في ذلك أمران:
الأول: أن القصة تفرَّد بها سليمان بن داود الشاذَكُوني، وليس بثقة. قال البخاري: "فيه نظر"، وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري، كما مرَّ في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني (2). وقال أبو حاتم: "متروك الحديث". وقال النسائي: "ليس بثقة". وقال صالح بن محمد الحافظ: "كان
__________
(1) (ص 32 - 34 وص 64).
(2) (رقم 42).
(10/360)

يكذب في الحديث". والكلام فيه كثير. وفي القصة ما يُنكَر، فإن الشاذكوني قال: "قدمتُ على جرير فأُعجب بحفظي، وكان لي مكرِمًا، فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه، وأنا ثَمَّ، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك ... ". وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما عصرهما: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن الممتنع أن يكذب يحيى بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش.
الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطرابًا، وإنما تفيد تدليسًا. زعم الشاذكوني أن جريرًا [1/ 217] ذكر أولًا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس، ثم ذكره ثانيًا عن سفيان عن مغيرة، ثم ثالثًا عن ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: "حدثنيه رجل خراساني عن ابن المبارك". فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد، ثم ذكره على وجهه. ولهذا قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (1): "إن صحَّت حكاية الشاذكوني، فجريرٌ كان يدلِّس". ولم يذكره في طبقات المدلِّسين، لأن القصة لم تصحَّ، وقد ذكر أبو خيثمة جريرًا، فقال: "لم يكن يدلِّس".
وقول الأستاذ: "كان سيئ الحفظ" لم يقلها أحد قبله أيضًا، وإنما المعروف أن جريرًا كان لا يحدِّث من حفظه إلا نادرًا، وإنما يحدِّث من كُتبه. ولم ينكروا عليه شيئًا حدَّث به من حفظه، وأثنوا على كتبه بالصحة.
__________
(1) (2/ 76).
(10/361)

فأما ما حكاه العقيلي (1) عن أحمد أنه قال: "لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول، حتى قدِمَ عليه بَهْزٌ، فعرفه". فقد ذكر هذا لابن معين فقال: "ألا تراه قد بيَّنها". يعني أن جريرًا بيَّن لمن يروي عنه أن حديث أشعث وعاصم اختلط عليه حتى ميَّز له بهزٌ ذلك. وعلى هذا فلم يحدَّث عنهما حتى ميَّز له بهزٌ، فكان يحدِّث عنهما ويبيِّن الحال. وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والإتقان، فإنه لا يُطلب من المحدِّث أن لا يَشُكَّ في شيء، وإنما المطلوب منه أن لا يحدَّث إلا بما يتقنه؛ فإن حدَّث بما لا يتقنه بيَّن الحالَ، فإذا فعل ذلك فقد أمِنَّا من غلطه، وحصل بذلك المقصود من الضبط.
فإن قيل: فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ، وإنما اعتماده على كتبه.
قلت: هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ "أنه كان سمع الحفظ". فإن هذه الكلمة إنما تُطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ، ومع ذلك يحدِّث من حفظه فيخطئ، فأما من لا يحدِّث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير، فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيِّد الحفظ.
وأما قول الأستاذ: "انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع"، فهذا تقليدٌ من الأستاذ للشاذَكوني، فإنه هو الذي حكم على ذلك الخبر بأنه موضوع، والشاذكوني قد عرفتَ حالَه. فأما الخبر، فإنما حدَّث به جرير عن
__________
(1) في "الضعفاء": (1/ 200).
(10/362)

مغيرة قوله، كما في "الميزان" (1) عن عثمان بن أبي شيبة، وليس [1/ 218] بموضوع ولا ضعيف، سواء أتوبع عليه جرير أم لم يتابع، فإنه لا يُنكَر لمثل جريرٍ أن يتفرّد بحديث مرفوع، فضلًا عن شيء من قول مغيرة بن مقسم.
وأما قول الأستاذ: "والكلام فيه طويل الذيل"، فلم يبق إلا كلام الموثَّقين! قال الإِمام أحمد: "جريرٌ أقلُّ سقطًا من شريك، وشريك كان يخطئ". وقال ابن معين نحوه. وقال العجلي والنسائي: "ثقة".
وقال ابن أبي حاتم (2): "سألت أبي عن أبي الأحوص وجرير في حديث حصين، فقال: كان جرير أَكْيَس الرجلين، وجرير أحبُّ إليّ. قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحبُّ إليَّ في هشام بن عروة من يونس بن بُكير".
وقال ابن عمار: "حجة، كانت كتبُه صحاحًا". وقال أبو أحمد الحاكم: "هو عندهم ثقة". وقال الخليلي: "ثقة متفق عليه". وقال اللالكائي: "مجمع على ثقته". وقال قتيبة: "ثنا جرير الحافظ المقدَّم، لكني سمعته يشتم معاوية علانيةً".
أقول: لم يبيِّن ما هو الشتم؟ ولم يضرَّه ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيت، واحتجَّ به صاحبا "الصحيحين" وبقية الستة والناس.
قول الأستاذ: "وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب".
__________
(1) (1/ 396).
(2) "الجرح والتعديل": (2/ 506).
(10/363)

أقول: ومذهب أهل العلم كافة، كما رأيت!

64 - جعفر بن محمد بن شاكر:
راجع "الطليعة" (ص 109) (1). قال الأستاذ في "الترحيب": "لا أريد التكلم عن ابن المنادي، وحاله معروف".
أقول: نعم بالثقة والأمانة، ومعه إمام عصره أبو بكر الخطيب.

65 - جعفر بن محمد الصندلي:
راجع "الطليعة" (ص 91 - 93) (2) ذكر الأستاذ في "الترحيب" أن الخطيب لا يُحْتجّ به فيما هو متهم فيه.
أقول: الخطيب ثقة مأمون إمام، قد تقدمت ترجمته (3). وذكر ابن السمعاني أنه من نُظراء يحيى بن معين وعلي ابن المديني وأبي خيثمة وطبقتهم، كما تراه في ترجمته من "معجم الأدباء" (4) لياقوت. والكلام في التهمة قد تقدم في القواعد (5)، ومع الخطيب جماعة، كما في "الطليعة".

66 - [1/ 219] جعفر بن محمد الفِرْيابي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 418 [448]) من طريق العقيلي: "ثنا
__________
(1) (ص 86 - 87).
(2) (ص 71 - 72).
(3) (رقم 26).
(4) (1/ 384 - 396).
(5) (ص 59 وما بعدها).
(10/364)

سليمان بن داود العقيلي قال: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: (قال الخطيب: ح) وأخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، [حدثنا أبي] (1) حدثنا عثمان بن جعفر بن محمد السبيعي، حدثنا الفريابي جعفر بن محمد، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد ابن حنبل ... ".
قال الأستاذ (ص 163): "جعفر بن محمد الفريابي كان يجتمع عليه في مجلس تحديثه ثلاثون ألف رجل، بينهم نحو عشرة آلاف أصحاب محابر، فإذا روى مثلُه شيئًا يسير به الركبان. وهو الذي أذَّن على أُذُن مجنون على ملأ الأشهاد، فنادى الجنيُّ هاربًا بحيث يسمع الجماعة: "مَنْ بِشَوَمْ محمد مَكُو" على لسان المجنون. بمعنى: أنا أنصرف ولا تقل محمد، كما في "تاريخ الخطيب". ومئل هذا الراوي لا نستطيع أن نقول فيه شيئًا، والله من ورائهم محيط".
أقول: هذا الرجل من كبار الحفاظ والإثبات. فأما قصة التأذين في أذن المصاب، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرقي ويأمر بالرقية، وكثيرًا ما تظهر فائدة ذلك حالًا. ومن المعروف بين الناس سلفًا وخلفًا أن المصاب يتكلم بكلام كأنه كلام شخص آخر، فيقول الناس: إن ذاك كلام الجني على لسان المصاب.
هذا، وذاك الكلام إنما سُمِع من المصاب، والقائلُ إنه كلام الجني هو راوي القصة، ولم يقع من الفريابي إلا التأذين في أذن المصاب اتِّباعًا لما ورد في الأثر، فأيُّ شيء في ذلك؟!
__________
(1) سقطت من (ط)، واستدركتها من "التاريخ".
(10/365)

67 - حاجب بن أحمد الطوسي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 401 [423]): "أنبأنا القاضي [أبو بكر] أحمد بن الحسن الحَرَشي، أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب قال: قال عفان ... ".
قال الأستاذ (ص 117): "قال الحاكم: لم يسمع حديثًا قط، لكنه كان له عمٌّ قد سمع، فجاء البَلاذُري إليه، فقال: هل كنت تحضر مع عمِّك في المجلس؟ قال: بلى، فانتخب له من كتب عمِّه. ويقال: إنه كان ابن مائة وثماني سنين كما ذكره الذهبي، ولفظ عبد الرحيم لفظ انقطاع".
أقول: تتمة الترجمة في "الميزان" (1) بعد قوله "من كتب عمه": "تلك الأجزاء الخمسة، قال الحاكم في "تاريخه": بلغني أن شيخنا أبا محمد البلاذري كان يشهد له بلُقِيَّ هؤلاء، وكان [1/ 220] يزعم أنه ابن مائة وثماني سنين، سمعتُ منه ولم يصل إلى ما سمعتُ منه ... ". فظهر بهذا أن قوله أولًا: "لم يسمع حديثًا قط". إنما أراد به أنه لم يتصدَّ للسماع بنفسه، وإنما كان عمُّه يُحضِره معه مجالسَ السماع. والبلاذري حافظ أثنى عليه الحاكم، انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 101) (2). ولم يغمزوا حاجبًا في عدالته، ولا أنكروا عليه شيئًا من مروياته.
ويؤخذ مما تقدم أنه إنما كان يروي تلك الأجزاء التي انتخبها له البلاذري من أصول عمِّه لم يتعدَّها. وأحاديثه في "سنن البيهقي" أحاديث معروفة تدلّ
__________
(1) (1/ 429).
(2) (3/ 892).
(10/366)

على صدقه وأمانته. وقد روى عنه ابنُ منده، والقاضي أحمد بن الحسن الحَرَشي راوي هذه الحكاية، وهما من الثقات الأثبات. وعبد الرحيم ثقة غير مدلس. فقوله: "قال عفان" حكمه الاتصال، كما سلف في القواعد (1).

68 - الحارث بن عُمير البصري نزيل مكة:
في "تاريخ بغداد" (13/ 370 [372]) من طريق: "الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام ... ".
قال الأستاذ (ص 36): "مختلَف فيه، والجرح مقدَّم. قال الذهبي في "الميزان": وما أراه إلا بيِّن الضعف، فإن ابن حبان قال في "الضعفاء": روى عن الأثبات الموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة. وفي "تهذيب التهذيب": قال الأزدي: منكر الحديث، ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب".
أقول: الحارث بن عمير وثَّقه أهل عصره والكبار. قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: "كان حماد بن زيد يقدَّم الحارث بن عُمير ويُثني عليه". زاد غيره: "ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب". وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأثرم (2) عن أحمد: "إذا حدَّث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة". وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: "ثقة". زاد أبو زرعة: "رجل صالح".
__________
(1) (ص 135 وما بعدها).
(2) (ط): "الأكرم" تحريف، وانظر الخبر في "تاريخ بغداد": (10/ 243).
(10/367)

وفي "اللآلئ المصنوعة" (ص 118 - 119) (1) عن الحافظ ابن حجر في ذكر الحارث: "استشهد به البخاري في "صحيحه"، وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة، واحتج به أصحاب السنن". وفيها بعد ذلك: "قال الحافظ ابن حجر في أماليه ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقًا ... ".
[1/ 221] ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقلَّ من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة، كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمين فيه وكلامهم:
أما الأزدي، فقد تكلَّموا فيه حتى اتهموه بالوضع. راجع ترجمته في "لسان الميزان" (ج 5 رقم 464) (2) مع الرقم الذي يليه من "قال الخطيب" إلى آخر الترجمة فإنه كله متعلِّق بالأزدي. وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من "مقدمة الفتح" (3): "لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف، فكيف يُعتمد في تضعيف الثقات! ". وذكر نحو ذلك في ترجمة خُثَيم بن عِراك وغيرها (4). وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: "قدَّمتُ غيرَ مرة أن الأزدي لا يُعتبر تجريحه لضعفه هو" (5). على أن
__________
(1) (1/ 229).
(2) (7/ 90).
(3) (ص 386).
(4) (ص 400).
(5) (ص 430).
(10/368)

الأزدي استند إلى ما استند إليه ابن حبان، وسيأتي ما فيه.
وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة (1)، ولا نعلمُ ابنَ الجوزيّ التزمَ الصحةَ فيما يحكيه بغير سند. ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر، لأنه كثير الأوهام. وقد أثنى عليه الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (2) كثيرًا، ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: "كان كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره".
قال الذهبي: "نعم، له وهم كثير في تواليفه، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر، ومن أنَّ جُلَّ علمِه (3) من كتُب صُحُفٍ ما مارس فيها أربابَ العلم كما ينبغي". وذكر ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 3 ص 84) (4) حكاية عن ابن الجوزي، ثم قال: "دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقُد ما يحدِّث به".
وقد وقفتُ أنا على جملة من أوهامه:
منها: أنه حكى عن أبي زرعة وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن
__________
(1) وقد ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء": (1/ 173) ولم ينقل كلمة ابن خزيمة. ونقلها عنه الحافظ في "التهذيب": (2/ 153)، وانظر "تراجم منتخبة" (80) للمؤلف.
(2) (4/ 1342).
(3) (ط): "ومن أجل أنّ علمه" لعله من تصرف الطابع، والمثبت من "التذكرة": (4/ 1347) بتحقيق المؤلف.
(4) (2/ 400).
(10/369)

عمرو بن زهير: "منكر الحديث" (1). وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على "تاريخ البخاري" (ج 2 قسم 1 ص 215).
ومنها: أنه حكى (2) في إسحاق بن ناصح عن الإِمام أحمد كلامًا إنما قاله أحمد في إسحاق بن نَجِيح. راجع "لسان الميزان" (ج 1 ص 376) (3).
ومنها: أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطَّاف: "كان يحيى بن سعيد يثني عليه، وقال ابن مهدي لا تَرْوِ عنه شيئًا" (4). وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من "التهذيب" (5).
ومنها: أنه حكى (6) في سوَّار بن عبد الله بن سوَّار أن الثوري قال فيه: "ليس بشيء"، مع أن سوارًا هذا إنما [1/ 222] وُلِد بعد موت الثوري. وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جدَّه سوَّار بن عبد الله، كما في "التهذيب" (7).
ومنها: أنه حكى (8) في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عديّ وابن حبان اتهماه بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد - ويقال ابن
__________
(1) "الضعفاء والمتروكين": (1/ 266).
(2) المصدر نفسه: (1/ 104).
(3) (2/ 79).
(4) "الضعفاء": (1/ 282).
(5) (3/ 249).
(6) "الضعفاء": (2/ 31).
(7) (4/ 269).
(8) (2/ 53).
(10/370)

عبد الله - الحاجبي المروزي. راجع "التهذيب" و"اللسان" (1).
ومنها: أنه حكى (2) في جعفر بن حيَّان أبي الأشهب البصري كلامًا عن الأئمة إنما قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع "التهذيب" (3).
ومنها: أنه ذكر معاوية بن هشام (4)، فقال: وقيل: هو معاوية بن أبي العباس، روَى ما ليس من سماعه، فتركوه. كذا قال! ومعاوية بن هشام من الثقات، لم يرو ما ليس من سماعه، ولم يتركه أحد. وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري؛ فقال ابن نمير - وأخذه عنه أبو زرعة وغيره -: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك، كان جارًا للثوري، فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه، فرواها عن شيوخه، فسمعوا منه. ثم فطنوا لصنيعه، فافتضح، وتركوه؛ وبقي مروان يروي عنه.
ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان، ثم دلَّس مروان اسمه، وأسقط الثوريَّ من السند، فدلَّس مروانُ [تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم. وهذا القول على وهنه - كما بيَّنتُه في تعليقي على "الموضح" (5) - لا يفيد أن معاوية بن هشام
__________
(1) "التهذيب": (4/ 413)، و"اللسان": (4/ 308).
(2) "الضعفاء": (1/ 170).
(3) (2/ 89).
(4) "الضعفاء": (3/ 128).
(5) (2/ 426 - 427).
(10/371)

روى ما لم يسمع، ولا أنهم تركوه؛ ولكن ابن الجوزي جمع بين القولين. فإن القائل: إن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه، بنَى على أنه غيرُ معاوية بن هشام. والقائل: إنه هو، لم يقل إنه روَى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه.
ومنها: أنه ذكر في "موضوعاته" (1) حديثًا رواه الطبراني قال: "حدثنا أحمد، حدثنا إسحاق بن وهب العلَّاف، حدثنا بِشر بن عبيد الدّارسي (2) ... ". ثم قال ابن الجوزي: "إسحاق كذاب ... ". قال السيوطي في "اللآلئ" (1/ 206) (3): "إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطُّهُرْمُسي، فالتبس على المؤلف ... " يعني ابن الجوزي. وصدق السيوطي، العلاف موثَّق، وهو من شيوخ البخاري في "صحيحه"، والطهرمسي كذَّبوه. إلى غير ذلك من أوهامه.
وأما الحاكم، فأحسبه تَبِع ابنَ حبان؛ فإن ابن حبان ذكر الحارث في "الضعفاء" (4)، وذكر ما أنكره من حديثه. والذي يُستنكر من حديث الحارث حديثان:
الأول: رواه [1/ 223] محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، عن حميد.
والثاني: رواه ابن زنبور أيضًا عن الحارث، عن جعفر بن محمد.
__________
(1) (452).
(2) في (ط): "الفارسي" تحريف.
(3) (1/ 204).
(4) (1/ 223).
(10/372)

فاستنكرها ابن حبان، وكان عنده أن ابن زنبور ثقة، فجعل الحَمْل على الحارث. وخالفه آخرون، فجعلوا الحمل على ابن زنبور. قال مسلمة في ابن زنبور: "تُكُلِّم فيه، لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها، وهو ثقة". وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: "ليس بالمتين عندهم، تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة". وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي.
وساق الخطيب في "الموضِّح" (1) فصلًا في ابن زنبور، فذكر أن الرواة عنه غيَّروا اسمه على سبعة أوجه. وهذا يُشعِر بأن الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلِّسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من "التهذيب" (2): "قال ابن حِبَّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات, وساق له عن جعفر بن محمد ... " فذكر الحديث الثاني وقولَ ابن حبان: "هذا موضوع لا أصل له". ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (ج 1 ص 118) (3). وابن أبي الأزهر هو ابن زنبور. وأسند الخطيب في "الموضِّح" هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: "والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث". يعني من ابن زنبور. وخالفهم جميعًا النسائي، فوثَّق الحارث، ووثَّق ابن زنبور أيضًا، وقال مرة: "ليس به بأس".
__________
(1) (2/ 369).
(2) (2/ 153).
(3) (1/ 228).
(10/373)

قال المعلمي: لو كان لا بدّ من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح, لأن عدالة الحارث أثبت جدًّا وأقدَم؛ لكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين. ويُحمَل الإنكارُ في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في "الثقات" (1): "ربما أخطأ". والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث، كما يُعلَم من تأمُّل ترجمتهما.
وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديثُ أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديثُ سمعها من بعض الضعفاء, ولم ينتبه لذلك كما تنبه جرير. فكأنَّ ابن زنبور في أوائل طلبه كَتَب أحاديثَ عن الحارث، ثم سمع من رجل آخر أحاديثَ كتبها في تلك الورقة، ولم يسمِّ الشيخَ، ثقةً بأنه لن يلتبس عليه، ثم غَفَل عن ذاك الكتاب مدةً، ثم نظر فيه، فظنَّ أن تلك الأحاديث كلَّها مما سمعه [1/ 224] من الحارث.
وقد وثَّق الأئمةُ جماعةً من الرواة، ومع ذلك ضعَّفوهم فيما يروونه عن شيوخ معيَّنين. منهم: عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء. ومنهم: عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة. ومنهم: عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد. ومنهم: هشيم فيما يرويه عن الزهري. ومنهم: ورقاء فيما يرويه عن منصور بن
__________
(1) (9/ 116).
(10/374)

المعتمر. ومنهم: الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك (1). فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفُه فيما يرويه عن الحارث بن عمير.
فإن قيل: فأين أنت عما في "الميزان" (2): "ابن حبان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمود بن غيلان، أنبأنا أبو أسامة، ثنا الحارث بن عمير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال العباس: لأعلَمَنَّ ما بقاءُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا؟ فأتاه، فقال: يا رسول الله لو اتخذنا لك مكانًا تكلِّم الناسَ منه. قال: "بل أصْبِر عليهم، ينازعوني ردائي، ويطؤون عقبي، ويصيبني غبارُهم، حتى يكون الله هو يُريحني منهم". رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله، أو أن ابن عباس قاله - شك -". فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحملُ عليه غير الحارث.
قلتُ: ليس في هذا الحديث ما يُنكَر، وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده، وقد قال يعقوب بن شيبة: "حمَّاد بن زيد أثبتُ من ابن سلمة، وكلٌّ ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه". فأيُّ مانع من أن يكون هذا مما قصَّر فيه حماد، وحفظه الحارث؟ وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدِّمه، كما مرَّ. فإن شدَّد مشدِّد، فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله.
__________
(1) وانظر كتاب "الثقات الذين ضعَّفوا في بعض شيوخهم" للدكتور صالح الرفاعي.
(2) (1/ 440)
(10/375)

وهل الخطأ من الحارث، أو ممن بعده؟ وعلى فرض أنه من الحارث، فليس ذلك مما يُوجب الجرح؛ ومثل هذا الخطأ وأظهرُ منه قد يقع للأكابر كمالك والثوري. والحُكْم المُجْمَع عليه في ذلك: أن من وقع منه ذلك قليلًا لم يضرَّه، بل يحتج به مطلقًا، إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه. فالحارث بن عمير ثقة حتمًا. والحمد لله ربِّ العالمين.

69 - [1/ 225] حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك:
في "تاريخ بغداد" (13/ 396 [416]) من طريق: "الأبَّار، حدثنا أبو الأزهر (1) النيسابوري، حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس، عن مالك ... ".
قال الأستاذ (ص 106): "يقول عنه أبو داود: من أكذب الناس. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة. وقال أحمد: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات".
أقول: اتفقوا على جرحه، فلا معنى للرواية عنه، ولو في المتابعات.

70 - الحجاج بن أرطاة:
في "تاريخ بغداد" (13/ 415 [445]) من طريق: "حماد بن زيد يقول: سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: ومَن أبو حنيفة؟! .. ".
قال الأستاذ (ص 155): "من فقهاء الكوفة ومحدثيها، ويتكلم النقاد في حديثه".
__________
(1) في "التاريخ": "الأزهري" تحريف.
(10/376)

أقول: ليس له هنا رواية، وإنما هو شيء من قوله. وحاصل كلامهم في حديثه: أنه صدوق مدلِّس يروي بالمعنى. وقد لخَّص ذلك محمد بن نصر المروزي قال: "والغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ". فإذا صرَّح بالسماع فقد أمِنَّا تدليسه، وهو فقيه عارف لا يُخشى من روايته بالمعنى تغييرُ المعنى، لكن إذا خالفه في اللفظ ثقةٌ يتحرَّى الروايةَ باللفظ، وكان بين اللفظين اختلافٌ ما في المعنى = قُدِّم فيما اختلفا فيه لفظُ الثقة الآخر. فأما محلُّ الحَجَّاج في علمه، فقال ابن عيينة: "سمعت ابن أبي نَجيح يقول: ما جاءنا منكم (يعني أهل الكوفة) مثلُه - يعني الحجاج بن أرطاة". وقال سفيان الثوري: "عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرفُ بما يخرج من رأسه منه". وقال حماد بن زيد: "قدِمَ علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة. فلبثنا ما شاء الله، ثم قدِمَ علينا الحجاجُ ابن ثلاثين أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان. رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطر الورَّاق = جُثاةً على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ ".

71 - الحجاج بن محمد الأعور:
في "تاريخ بغداد" (13/ 405 [430]) من طريق "سُنَيد بن داود حدثنا حجاج قال: سألت قيس بن الربيع عن أبي حنيفة قال: أنا [من] (1) أعلم الناس به ... ".
قال الأستاذ (ص 126): "سُنَيد إنما روى عن الحجاج بعد أن اختلط اختلاطًا
__________
(1) زيادة من "التاريخ".
(10/377)

شديدًا، وقد [1/ 226] رآه أهل العلم يلقَّن الحجاج فيتلقَّن منه، والملقِّن كالمتلقِّن في السقوط عند أهل الفقه، وقال النسائي (في سنيد): "غير ثقة"".
أقول: أما سُنَيد، فستأتي ترجمته (1). وأما الحجاج، فمدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقُّن، وها هنا مباحث:
الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط، فهل حدَّث بعد اختلاطه؟
قال ابن سعد: "كان قد تغيَّر في آخر عمره حين رجع إلى بغداد" (2). وقال إبراهيم الحربي: "أخبرني صديق لي قال: لما قدِمَ حجَّاج الأعور آخرَ قدمةٍ إلى بغداد خلَّط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خلّط، فقال لابنه: لا تُدخِلْ عليه أحدًا. قال: فلما كان بالعشيّ دخل الناس، فأعطوه كتابَ شعبة فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عيسى بن مريم، عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلت لك".
فكلمة ابن سعد ليست بصريحة في الاختلاط, لأن التغيير (3) أعمّ من الاختلاط. وحكاية إبراهيم الحربي صريحة في الاختلاط، لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوتُ الحفاظ الأيقاظ كابن معين وأحمد وأبي خيثمة - وكلهم بغداديون - عن نقل اختلاط حجَّاج، وبيان تاريخه، وبيان من سمع منه فيه؛ مع إطلاقهم توثيقَ حجاج، وتوثيق كثيرين ممن روى عن حجاج =
__________
(1) (رقم 107).
(2) في "الطبقات الكبرى": (9/ 335 و395) وزاد في الموضع الثاني: "فمات على ذلك".
(3) كذا في (ط) ولعلها: "التغيُّر".
(10/378)

يدلُّ حتمًا على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغيَّر تغيرًا يسيرًا لا يضر؛ وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه. والثاني أقرب.
فكأنّ يحيى بن معين ذهب إلى حجاج عقبَ قدومه، فأحسَّ بتغيره، فقال لابنه: لا تُدخِلْ عليه أحدًا. ثم عاد يحيى عشيَّ ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه، خشيةَ أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك: أذِنَ لهم الابنُ، فدخلوا، ويحيى معهم، فسكت أولًا، فلما أخذ حجَّاجٌ الكتابَ فخلَّط، قال يحيى للابن: ألم أقل لك؟ فكأنهم قطعوا المجلس، وحجبوا حجَّاجًا حتى مات، فلم يسمع منه أحد في الاختلاط. فلما وثِق يحيى وبقيةُ أهل العلم بذلك لم يروا ضرورة إلى أن يُشِيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثِّقونه ويوثِّقون كثيرًا من الذين سمعوا منه مطلقًا؛ لعلمهم أن ما بأيدي الناس من روايته كلَّه كان في حال تمام ضبطه.
وفي ترجمة حجاج من "مقدمة الفتح" (1): "أجمعوا على توثيقه، [1/ 227] وذكره أبو العرب الصقلي في "الضعفاء" بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضرَّه الاختلاط؛ فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يُدخِلَ عليه بعد اختلاطه أحدًا". فأما قوله في "التهذيب" (2): "وسيأتي في ترجمة سُنيد بن داود عن الخلال ... "، فستعلم
__________
(1) (ص 396).
(2) (2/ 106).
(10/379)

ما فيه قريبًا.

المبحث الثاني: متى سمع سُنيد من الحجَّاج؟
روى الأثرم - وهو ثقة - عن الإِمام أحمد أنه قال: "سُنيد لزم حجَّاجًا قديمًا، قد رأيت حجَّاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق". وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "رأيت سُنيدًا عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتابَ "الجامع" لابن جريج (1): أخبِرتُ عن الزهري. وأخبِرتُ عن صفوان بن سليم. وغير ذلك. قال: فجعل سُنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: ابن جريج عن الزهري. وابن جريج عن صفوان بن سليم. قال: فكان يقول له هكذا". قال عبد الله: "ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجَّاج، وذمَّه على ذلك. قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي ممن أخذها". حكى هذا في "تهذيب التهذيب" ثم قال: "وحكى الخلَّال عن الأثرم نحو ذلك، ثم قال الخلَّال: وروى (؟ ونُرى) أن حجاجًا كان هذا منه في وقت تغيُّره، ويرى (؟ ونُرى) أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سُنيد".
أقول: هذا حَدْسٌ يردُّه نصُّ الإِمام أحمد، كما تقدم. ومبنى هذا الحدس على توهم أن في القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: "ابن جريج عن فلان" يحمل على سماع ابن جريج من فلان، وليس الأمر كذلك؛ لأن ابن جريج مشهور بالتدليس. فإذا قيل:
__________
(1) كان بعده في (ط) بين معكوفين: [فيه] والظاهر أنها مقحمة من الناشر أو ممن قرأ الكتاب قبل طبعه.
(10/380)

"ابن جريج عن الزهري"، ولم يجيء بيان السماع من وجه آخر، فإنه لا يُحْكَم بالاتصال، بل يُبنى على أوهن الاحتمالين، وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس.
وعلى هذا، فسيَّانِ قيل: "ابن جريج أخبِرتُ عن الزهري" و"ابن جريج عن الزهري". ولهذا قال الإِمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك، لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة. وفي [1/ 228] "الكفاية" (ص 187) من طريق: "عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مرَّ بأبي لحن فاحش غيَّره، وإذا كان لحنًا سهلًا تَرَكه، وقال: كذا قال الشيخ". فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن، فما ظنُّك بما تقدَّم!
فإن قيل: فما الحامل لسُنيد على التماس ذلك من حجَّاج؟ قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري.
فتدبَّرْ ما تقدم يتبيَّنْ لك أنه ليس في الحكاية ما يُشعر بوهنٍ في تثبُّت حجاج، حتى يقوى الحدس بأنها كانت في وقت تغيُّره، ويتضحْ لك أن ما تقدَّم من الدليل على أن حجَّاجًا لم يُحدِّث في وقت تغيُّرِه هو على إطلاقه.

المبحث الثالث: في التلقين.
التلقين القادح في الملقِّن هو أن يوقع الشيخَ في الكذب ولا يبيِّن، فإن كان إنما فعل ذلك امتحانًا للشيخ وبيَّن ذلك في المجلس لن يضرَّه. وأما الشيخ، فإن قبِلَ التلقين وكثُر ذلك منه فإنه يسقط. دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي، فوجدا عنده أبا شيخٍ جاريةَ بن هرِم الفُقَيمي، فجعل حفص يقول لموسى امتحانًا: حدَّثتْك عائشةُ
(10/381)

بنت طلحة عن عائشة بكذا، وحدَّثك القاسمُ بن محمد عن عائشة بكذا، وحدَّثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؛ ويذكر أحاديث قد علِمَ أن موسى لم يسمعها ممَّن ذكر، فأجابه موسى بالإثبات. وكان أبو شيخ مغفَّلًا، فكتبها. فلما فرغ حفص مدَّ يده إلى ما كتبه أبو شيخ، فمحاه وبيَّن له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية في "لسان الميزان" (1).
وما وقع من سُنَيد ليس بتلقين الكذب، وإنما غايته أن يكون تلقينًا لتدليس التسوية. وتدليس التسوية: أن يترك الراوي واسطة بعد شيخه، كما يُحكى عن الوليد بن مسلم أنه كان عنده أحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وأحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن نافع، فكان يقول فيها: حدثني الأوزاعي عن الزهري، وحدثني الأوزاعي عن نافع! وهذا تدليس قبيح، لكنه في قصة سُنَيد وحجَّاج لا محذور فيه، لاشتهار ابن جريج بالتدليس، كما مرّ.
[1/ 229] وبذلك يتبيَّن أن حجَّاجًا لم يتلقَّن غفلةً ولا خيانةً، وإنما أجاب سُنيدًا إلى ما التمسه، لعلمه أنه لا محذور فيه. وكره أحمد ذلك لما تقدم.
ومن ثناء الأئمة على الحجاج: قال الإِمام أحمد: "ما كان أضبطَه وأشدَّ تعاهُدَه للحروف". وقال المعلَّى الرازي: "قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجَّاج". وقال علي ابن المديني والنسائي: "ثقة". وكذا وثَّقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلمة بن قاسم وغيرهم، واحتج به الجماعة.
__________
(1) (8/ 196 - 198) و (2/ 413 - 415).
(10/382)

72 - حرب بن إسماعيل الكِرماني السِّيرجاني:
لم ينقم عليه الأستاذ رواية، ولكنه علم أنه من أصحاب الإِمام أحمد، فتناوله من بُعد يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (1)!
قال (ص 115) في ابن أبي حاتم: "أفسده حرب بن إسماعيل السِّيرجاني في المعتقد، حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق".
وقال السُّها يا شمسُ أنتِ خفيَّةٌ ... وقال الدجى يا صبحُ لونُكَ حائلُ (2)
وقد أفردتُ المعتقد بقسم. وحرب من ثقات أصحاب أحمد، لم يتكلم فيه أحد. (3)

73 - الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر:
في "تاريخ بغداد" (13/ 399 [420]): "أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي ... ".
قال الأستاذ (ص 113): "يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ".
أقول: قال الخطيب (ج 7 ص 279): "كتبنا عنه، وكان صدوقًا صحيح الكتاب، وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري. وكان مشتهرًا بشرب النبيذ إلى أن تركه بأخرة. كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البَرْقاني ... سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول: أبو علي بن شاذان من أوثق من برأ الله
__________
(1) "يسرّ حسوًا في ارتغاء" مَثَل تقدم ذكره وعزوه (ص 97).
(2) لأبي العلاء في "سقط الزند" (195) طبعة دار بيروت، 1400.
(3) حريث بن عبد الرحمن أبو عمرو، يأتي مع محمود بن إسحاق. [المؤلف].
(10/383)

في الحديث، وسماعي منه أحبُّ إليَّ من السماع من غيره، أو كما قال". فسماع البرقاني وغيره منه يدل أنه إنما كان على مذهب العراقيين في الترخّص في النبيذ، ومثلُ ذلك لا يُجرَح به اتفاقًا؛ ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة. وسماعُ الخطيب منه [1/ 230] متأخر، وغالب السماع أو جميعه في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: "كان صدوقًا صحيح الكتاب" (1).

74 - الحسن بن الحسين بن العباس بن دُوما النِّعالي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 374 [380]): "أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، حدثنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء. أخبرنا ابن رزق، أخبرنا جعفر الخُلْدي، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... " بمثله، وزاد فيه: "فأبيت".
قال الأستاذ (ص 46): "النَّعالي هو ابن دُوما المزوِّر، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمرَه بأن ألْحَق لنفسه السماعَ في أشياء لم يكن عليها سماعُه، فكيف تكون روايةُ مثله في عِداد المحفوظ عند النقلة! هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب! وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهدًا فيه ابن رزق والحضرمي. ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب! ولا مانع من أن
__________
(1) أقول: من المعروف عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يرخص في شرب النبيذ، فيكون هو سلف أبي علي في ذلك، فكيف يجعل الكوثري ذلك طعنًا في أبي علي، ثم ينسى أنه يصيب به إمامه! [ن].
(10/384)

يكون أبو حنيفة داعيًا إلى الإرجاء بالمعنى الذي سبق".
أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة، تأتي ترجمته (1). والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته (2). فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظًا بسند صحيح لم يزده سَوقُه مع ذلك بسندٍ فيه مقال إلا تأكيدًا. على أن المقال في ابن دُوما لا يضرُّ ها هنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنَّف الأَبَّار، والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقًا بها؛ كما لو روى أحدنا بسندٍ له من طريق البخاري حديثًا ثابتًا في "صحيحه"، فإنه لا يقدح في ذلك أن يكون في السند إلى البخاري مطعون فيه، وقد شرحتُ هذا في "الطليعة" (3) وغيرها، والأبَّار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته (4)، والخطيب معروف بشدة التثبُّت، بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنُّت = فلم يكن ليروي عن مصنَّف الأبَّار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دُوما.
وفوق ذلك، فالطعن في ابن دوما فيه نظر. ذكره الخطيب [1/ 231] فقال: "كان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه ... ". العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: "وذكرت للصُّوري جزءًا من حديث الشافعي حدثنا ابن دُوما، فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء، وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه
__________
(1) رقم (187).
(2) رقم (212).
(3) (ص 75 - 76).
(4) رقم (27).
(10/385)

مع اسم أخيه". فمن الجائز أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه، ولم يكتبوا إسماعه لصغره، فرأى أنه كان مميِّزًا وأن له حق الرواية بذلك. فإن كان كتب بخطه العادي أنه سمع، فلعله صادق. وإن كان قلَّد خط كاتب السماع الأول إيهامًا أنه كتب سماعه في المجلس، فهذا تدليس قبيح قد يكون استجازه بناءً على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها، بعلّة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال، فكما أن الخطيب لم يرو عنه من الجزء الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي، فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئًا إلا مما ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة.

75 - الحسن بن الربيع أبو علي البَجَلي الكوفي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 414 [443]) من طريق: "أبي بكر الأعيَن عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة".
قال الأستاذ (ص 151): "يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدِّث بالمغازي، ما كان يُحسن يقرؤها. ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع".
أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع "الطليعة" (ص 78) (1). ولذلك لم تُذكر في "التهذيب"، ولا ذُكِر الحسن في "الميزان"، ولا ذكره ابن حجر في "مقدمة الفتح" فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب. وفي "التهذيب" (2): وقال ابن
__________
(1) (ص 60).
(2) (2/ 278).
(10/386)

شاهين في "الثقات" (1): قال عثمان بن أبي شيبة: "الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة". وهذه الحكاية منقطعة لأن ابن شاهين إنما ولد بعد وفاة عثمان بنحو ستين سنة، ولا نعلمه التزم الصحة فيما يحكيه في "ثقاته" عمن لم يدركه، وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنَّت. وكلمة "ليس بحجة" لا تنافي الثقة، فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: "ثقة وليس بحجة". وراجع "فتح المغيث" (ص 157) (2).
والحسن قد وثَّقه الناس (3). قال أبو حاتم مع تشدُّده: "كان من أوثق أصحاب ابن إدريس". وقال العجلي: "كوفي ثقة [1/ 232] صالح متعبّد". وقال ابن خراش: "كوفي ثقة". وروى عنه البخاري ومسلم في "الصحيحين"، وأبو داود في "السنن" وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (4). وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416) (5). وأخرج له بقية الستة بواسطة. وقال ابن حبان في "الثقات" (6): "هو الذي غمَّضَ ابن المبارك ودَفَنه". وليس بمدلس، فقوله: "ضرب ابن المبارك" محكوم له
__________
(1) (ص 94) وفي النسخة تخليط.
(2) (2/ 113).
(3) راجع ترجمته في "التهذيب": (2/ 278).
(4) رقم (18).
(5) (3/ 396).
(6) (8/ 172).
(10/387)

بالاتصال، كما سلف في القواعد (1). (2)

76 - الحسن بن الصبَّاح أبو علي البزار الواسطي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 396 [415]) من طريق: "يعقوب بن سفيان، حدثني الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني ... ".
قال الأستاذ (ص 105): "ليس بقوي عند النسائي".
أقول: عبارة النسائي: "ليس بالقوي"، وبين العبارتين فرق لا أراه يخفى على الأستاذ ولا على عارف بالعربية. فكلمة: "ليس بقوي" تنفي القوة مطلقًا، وإن لم تُثبِت الضعف مطلقًا. وكلمة: "ليس بالقوي" إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة. والنسائي يراعي هذا الفرق، فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء، منهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، فبيَّن ابن حجر في ترجمتيهما من "مقدمة الفتح" (3) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما. وقال في ترجمة الحسن بن الصباح (4): "وثَّقه أحمد وأبو حاتم. وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هيِّن، وقد روى عنه البخاري وأصحاب "السنن" إلا ابن ماجه، ولم يُكثِر عنه البخاري".
__________
(1) (ص 135 وما بعدها).
(2) الحسن بن زياد اللؤلؤي، يأتي في ترجمة محمد بن سعد العوفي. [المؤلف].
(3) (ص 416 - 417).
(4) (ص 397).
(10/388)

77 - الحسن بن علي بن محمد الحُلْواني نزيل مكة:
في "تاريخ بغداد" (13/ 398 [418]) من طريق: "الأبَّار، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا أبو توبة ... ".
قال الأستاذ (ص 109): "لم يكن أحمد يحمده، كما ذكره الخطيب".
أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله: "القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا" امتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن. فكأنَّ أحمد رأى أن امتناع العالِم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعةً لانتشار تلك البدعة التي جدَّ أهلها، والدولة معهم في نشرِها وحملِ الناس عليها. ولعل الحُلواني لم ينتبه لهذا، وعارَضَ ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: "لا أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه" فحق وصدق. أحمد في بلد، والحُلْواني في بلد آخر. وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: "ما رأيته طلب حديثًا قط"، ولم يعدُّوا هذا تضعيفًا. والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: "كان ثقة ثبتًا". وقال النسائي: "ثقة". وقال الترمذي: "كان حافظًا". وقال الخليلي: "كان يُشْبِه أحمد في سَمْته (1) وديانته". وقال الخطيب: "كان ثقة حافظًا". وروى عنه البخاري ومسلم في "صحيحهما"، وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعته لأحمد (2).
__________
(1) (ط): "سمعته" تحريف. وفي "التهذيب": "كان يُشَبَّه بأحمد ... ".
(2) انظر ترجمته في "التهذيب": (2/ 302 - 303).
(10/389)

78 - الحسن بن علي بن محمد أبو علي ابن المُذْهِب التميمي:
له ذِكْر في ترجمة الخطيب، وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر. وحاصل الكلام أن الخطيب قال في "التاريخ" (ج 7 ص 390): "كان يروي عن ابن مالك القطيعي "مسند أحمد بن حنبل" بأسره. وكان سماعه صحيحًا إلا لأجزاء منه، فإنه ألحق اسمَه فيها. وكذلك فعل في أجزاء من "فوائد ابن مالك". وكان يروي عن ابن مالك أيضًا كتاب "الزهد" لأحمد بن حنبل، ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كَتَبها بأخَرَة. وليس بمحلٍّ للحجة. حدثنا ابن المُذْهِب ... ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحُرَقي قالا: ثنا أبو شعيب الحرَّاني، ثنا البابْلُتِّي ... وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه. حدثني ابن المذهب، حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عمر بن مهدي قالوا: حدثنا الحسين بن إسماعيل ... فأنكرته عليه وأعلمتُه أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن مهدي، فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي. وكان كثيرًا يَعرض عليَّ أحاديثَ في أسانيدها أسماءُ قوم غير منسوبين، ويسألني [1/ 234] عنهم، فأذكر له أنسابهم، فيلحقها في تلك الأحاديث، ويزيدها في أصوله موصولةً بالأسماء. وكنت أنكر عليه هذا الفعل، فلا ينثني عنه".
أقول: أما الأمر الأول - وهو إلحاق السماع - فأجاب ابن الجوزي في "المنتظم" (ج 8 ص 155) بقوله: "هذا لا يوجب القدح، لأنه إذا تبين سماعَه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه. والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل: أخبرني فلان، ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو
(10/390)

إلحاق سماعه فيها بما يتقنه! ".
أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كلّ مجلس، فمن لم يسمَّع له في بعض المجالس دلَّ ذلك على أنه فاته، فلم يسمعه. فإذا ادعى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه، لأنه خلاف الظاهر. فإذا زاد فألحق اسمه أو تسميعه بخط يحكي به خطَّ كاتب التسميع الأول قالوا: زَوَّر. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح. ولا ريب أن من استيقن أنه سمع جاز له أن يُخبرَ أو يكتبَ أنه سمع، وأن من ثبتت (1) عدالتُه وأمانتُه ثم ادعى سماعًا ولا معارض له، أو يعارضه ما مرَّ ولكن له عذر قريب كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتب التسميع = فإنه يُقبل منه. ولعل هذا هو الواقع، فقد دلَّ اعتمادُ الخطيب عليه في كتاب "الزهد" كما يأتي واقتصارُه في الحكم على قوله: "ليس بمحل للحجة" أنه كان عنده صدوقًا.
وذكر ابن نقطة كما في "الميزان" (2) أن مسنَدَي فضالة بن عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهِب، وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه. قال: "ولو كان يُلحق اسمه - كما زعم الخطيب - لألحَقَ ما ذكرناه". يعني لو كان يُلحق اسمه فيما لم يسمَع. والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه ألحق اسمه؛ لأن ثبوت السماع
__________
(1) (ط): "تثبت" والصواب ما أثبت.
(2) (2/ 34)، وكلام ابن نقطة في "التقييد لرواة السنن والمسانيد": (1/ 280).
(10/391)

بمجرّد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة. وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص 109): "ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره ... رجاء إن كان الراوي حيًّا أن يحمله ذلك على التحفظ ... وإن كان ميتًا أن يُنزِّله من ينقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من [1/ 235] ذلك المغمز ... ". وقال شجاع الذهلي: "كان شيخًا عسِرًا في الرواية, وسمع الكثير، ولم يكن ممن يُعتمد عليه في الرواية، كأنه خلط في شيء من سماعه". وقال السِّلَفي: "كان مع عُسْرِه متكلَّمًا فيه ... ". والعَسِرُ في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد، وهذه الصفة تنافي التزيُّد ودعوى سماع ما لم يسمع. إنما يدعي سماعَ ما لم يَسمع من له شهوة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثُرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغِّبهم في ذلك. فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد، فأيُّ داع له إلى التزيُّد؟
وأما الأمر الثاني: وهو قضية كتاب "الزهد"، فقد قال السِّلَفي عقب ما مرَّ عنه: "حدَّث بكتاب الزهد - بعد ما عدِمَ أصلَه - من غير أصله". فدل هذا على أنه كان لابن المُذْهِب أصل بكتاب "الزهد"، ولكن عدِمَه وبقيت عنده نسخة بخطه، فلعله كان قد عارضها بأصله أو أصل آخر علِمَ مطابقته لأصله. ويقوِّي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب "الزهد"، وروى منه أشياء.
وأما الأمر الثالث: وهو قول الخطيب: "وليس بمحلٍّ للحجة"؛ فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به. وهذا لا يدفع أن يُعتمد عليه في الرواية عنه من مصنَّف معروف: ك "المسند"، و"الزهد". وسيأتي في ترجمة
(10/392)

عبد العزيز بن الحارث (1) طعنُهم فيه، وتشنيعُهم عليه، وتشهيرُهم به بسبب حديثين نسبهما إلى "المسند"، وهم يرون أنهما ليسا منه. ولم يغمزوا ابن المُذهِب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما "المسند" و"الزهد" لسائر النسخ الصحيحة. فالكلام فيه وفي شيخه لا يقتضي أدنى خَدْش في صحة "المسند" و"الزهد"، فليخسأ أعداء السنة!
وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذي يظهر لي أن ابن المُذْهِب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث، فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه، ثم يتصفح أصوله؛ فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتَبَ اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه، وهكذا، وهذا الصنيع مظِنَّة للغلط، كأنْ يريد أن يكتب [1/ 236] اسم الشيخ على حديث، فيخطئ، فيكتبه على حديث آخر. أو يرى السند متفقًا، فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك. وقد قال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح" (2). وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: "كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحوِّل، فإن وقع فيه شيء فمن النقل، وسليمان ثقة" (3). والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحوُ ما ذكرتُ من التخريج. وكأنّ ابن المُذْهِب شعر بهذا من نفسه، ولذلك ضرب
__________
(1) رقم (144).
(2) انظر "التهذيب": (3/ 12).
(3) انظر "التهذيب": (4/ 208).
(10/393)

على الاسم.
وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيبُ من أنساب غير المنسوبين، فتساهلٌ لا يوجب الجرح، ولكنه يدل على أن ابن المُذْهِب لم يكن بمتقن، وأنه كان فيه سلامة وحسن ظنٍّ بالخطيب ومعرفته. ولا نشكُّ أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستيقنه، فالخَطْب - إن شاء الله تعالى - سهل.
وعلى كل حال، فلم ينصف ابن الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها ليس فيها ما يستحقّ الذكر في ترجمة الراوي، وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوامِّ المحدِّثين يجرحون بما ليس بجرح، مع ميل من الخطيب على الحنابلة. كذا قال! فهو لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الأمور.
ومن عرف وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد، وأنه مع ذلك لم يعتدَّ بهذه الأمور مُسقطًا للرواية البتة، وإنما قال: "ليس بمحل للحجة". وقد قدمت ما يُبيِّن ذلك ويُهوِّنه. والله المستعان.

79 - الحسن بن الفضل البُوصَرائي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 417 [447]): "أخبرنا البَرْقاني، أخبرنا محمد بن الحسن السِّراجي، أخبرنا عبد الرحمن (1) بن أبي حاتم الرازي، حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول ... ". فذكر حكاية، ثم
__________
(1) في "التاريخ": "عبد الله" تحريف، وفي النشرة المحققة على الصواب.
(10/394)

أردف ذلك بقوله: "أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتُّوثي، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن الفضل البُوصَرائي قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي ... " فذكر نحوه.
قال الأستاذ (ص 161): "قال ابن المنادي: أكثَرَ الناسُ عنه، ثم انكشف أمره، فتركوه، وخرقوا حديثه. قاله الذهبي. ومثله في كتاب الخطيب نفسه، وهكذا المحفوظ عنده".
[1/ 237] أقول: قد روى عن البُوصَرائي جماعة من الأكابر كابن صاعد والصفار، وكلام ابن المنادي غير مفسَّر، وقد كانوا ربما يغضبون على المحدِّث، ويخرقون حديثه لغير موجِب كما مرَّ في "الطليعة" (ص 49) (1)، وكما تراه في ترجمة محمد بن بِشر الزَّنْبَري من "لسان الميزان" (2).
والحكايةُ ثابتة بالسند الأول عن ابن أبي حاتم، وقد أثبتها في كتابه "الجرح والتعديل"، وفي المعنى المقصود منها روايات أخرى كثيرة، وبذلك يثبت أنه هو المحفوظ. فأما رواية البوصرائي فإن لم تؤكِّد ذلك لم توهِّنه، فلا وجه لقول الأستاذ: "وهكذا المحفوظ عنده".

80 - الحسين بن أحمد الهروي الصَّفَّار:
في "تاريخ بغداد" (13/ 423 [453]): "أخبرنا محمد بن عمير بن بكير المقرئ، أخبرنا الحسين بن أحمد الهروي الصفار ... ".
__________
(1) (ص 36).
(2) (7/ 13 - 14).
(10/395)

قال الأستاذ (ص 170): "قال البَرْقاني: ... عندي عنه رِزْمة، ولا أخرج عنه في "الصحيح" حرفًا واحدًا. سمع من أبي القاسم البغَوي ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث، ثم حدَّث عنه بشيء كثير. كتبتُ عنه، ثم بأن لي أنه ليس بحجة. وقال الحاكم: كذَّاب لا يُشتغل به. فبرئتْ بذلك ذمةُ الثوري من مثل تلك الكلمة الساقطة، وركبتْ على أكتاف الخطيب الذي يَعلم كلَّ ذلك".
أقول: الهروي هذا له مستخرج على "صحيح مسلم"، وروايته عن البغوي ما لم يسمعه منه قد تكون عملًا بالإجازة أو إعلام الشيخ. وعبارةُ البَرْقاني إنما فيها أن الرجل ليس بحجة، ولا يُخرِّج عنه في "الصحيح". وهذا يُشعر بأنه يروي عنه في غير "الصحيح" للاعتبار. فأما قول الحاكم: "كذاب"، فبناها على ظاهر روايته عن البغوي ما لم يسمعه منه، وقد مرَّ ما في ذلك. ثم قال الحاكم: " ... انصرف الرجل من الحج، ورفض الحشمةَ، وحدَّث بالمناكير". والتحديث بالمناكير إنما يضرُّه إذا كانت النكارة من جهته، والمقصود هنا أنه لا يثبت بما ذكر تعمُّدُ الهروي للكذب المسقِط، وهو - على ما اقتضاه كلام البرقاني - ممن يُكتَب حديثه وُيروَى عنه للاعتبار.
وتلك الكلمة التي في حكايته توجد لها في الترجمة عند الخطيب عدةُ أخوات عن الثوري توافقها في المعنى الذي ادعاه الخطيب بقوله: "والمحفوظ ... ". أقربها إليها حكايتان قَبْلها عن أبي عاصم عن الثوري، وأبو عاصم هذا هو النبيل الثقة المأمون، حاول الأستاذ أن يجعله العبَّاداني المجروح، كما شرحته في "الطليعة" (ص 29 - 30) (1).
__________
(1) (ص 20 - 21).
(10/396)

81 - [1/ 238] الحسين بن إدريس الهروي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 408 [433]): "أخبرنا البَرْقاني، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خَمِيرُويَه، أخبرنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار ... ".
قال الأستاذ (ص 133): "يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له أحاديث باطلة: لا أدري البلاءُ منه، أم من خالد بن هيَّاج. والهروي وخالد مذكوران في "ثقات ابن حبان" جهلًا منه بحالهما، وتساهلُه في التوثيق مردودٌ عند أهل النقد".
أقول: الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور، وعثمان بن أبي شيبة، وداود بن رُشَيد، وهشام بن عمار، وابن عمار - وهو محمد بن عبد الله بن عمار - وخلق، منهم خالد بن هيَّاج.
وخالد بن هيَّاج يروي عن جماعة، منهم أبوه هيَّاج بن بسطام. وهيَّاج قال فيه الإِمام أحمد: "متروك الحديث". وقال يحيى بن معين: "ضعيف الحديث ليس بشيء". وقال أبو داود: "تركوا حديثه". وألان أبو حاتم القول فيه قال: "يُكتَب حديثه ولا يُحتَج به". وخالد بن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة، روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها. فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هيَّاج، ويبرأ منها خالد والحسين. ويجوز أن تكون من خالد، ويبرأ منها هيَّاج والحسين. ويجوز أن تكون من الحسين، ويبرأ منها هياج وخالد.
فأما ابن أبي حاتم فكان عنده عن أبيه أن هياجًا "يُكتَب حديثه ولا يُحتَج به"، وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ،
(10/397)

يحدِّث بما لا يتقِنُ حفظَه، فيغلط ويضطرب، كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر (1). فرأي ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالدًا ولا الحسين، فجعل الأمر دائرًا بينهما. ومقتضى كلام الإِمام أحمد ويحيى بن معين وأبي داود في هيَّاج أن تبرئته منها ليست في محلِّها.
والطريق العلمي في هذا اعتبار ما رواه غير خالد من الثقات عن هيَّاج، وما رواه خالد عن الثقات غير هيَّاج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد، وبذلك يتبين الحال. فإذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هيَّاج مناكيرَ يتجه الحملُ فيها عليه، ووجدنا خالدًا قد روى عن غير هيَّاج من الثقات [1/ 239] أحاديثَ عديدة كلُّها مستقيمة، ووجدنا الحسينَ قد روى عن الثقات غير خالد أحاديثَ كثيرة كلُّها مستقيمة = سقط هيَّاج، وبرئ خالد والحسين.
وهذا هو الذي تبيَّن لابن حبان، فذكر هيَّاجًا في "الضعفاء"، وقال: "كان مرجئًا يروي الموضوعات عن الثقات". وذكر خالدًا في "الثقات"، وكذلك ذكر الحسين وقال: "كان ركنًا من أركان السنَّة في بلده"، وأخرج له في "صحيحه"، وقد عرفه حقَّ المعرفة. وتوثيقُ ابن حبان لمن عرفه حقَّ المعرفة من أثبت التوثيق، كما يأتي في ترجمة ابن حبان (2). وقد وافقه غيره على توثيق الحسين، فوثَّقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: "كان من الحفاظ
__________
(1) في كتاب "الجرح والتعديل": (2/ 133).
(2) انظر ترجمة "محمد بن حبان". [المؤلف]. رقم (200).
(10/398)

المكثرين".
وقال ابن عساكر (1) عقب كلمة ابن أبي حاتم: "البلاء في الأحاديث المذكورة من خالد بلا شك". فإما أن يكون ابن عساكر يبرِّئ هيَّاجًا أيضًا، ويجعل الحمل على خالد، كما فعل الحاكم ويحيى بن أحمد بن زياد الهروي. وإما أن يكون مراده تبرئة الحسين، ويكون الأمر دائرًا بين خالد وهياج، فالحسين ثقة اتفاقًا. وأما خالد والهيَّاج، فالأشبه صنيع ابن حبان؛ فإن كبار الأئمة طعنوا في هيَّاج، كما مرَّ. وفي ترجمته من "الميزان" (2) أحاديث انتقدت عليه رواها غير خالد عنه، ولم يذكروا لخالد شيئًا من المناكير رواه عن غير هيَّاج. والمقصود هنا بيان حال الحسين وقد اتضح - بحمد الله تعالى - أنه ثقة.

82 - الحسين بن حُميد بن الربيع:
ذكر الأستاذ (ص 122): محمدًا ولد الحسين هذا، فقال: "الكذاب ابن الكذاب ... وقد قال مطيَّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، وأقرَّه ابن عقدة، ثم أقرَّ ابنُ عدي وأبو أحمد الحاكم ابنَ عقدة في ذلك".
أقول: الحكاية عن مطيَّن تفرَّد بها أحمد بن سعيد بن عقدة، وقد تقدَّم في ترجمته أنه ليس بعمدة (3). لكن ابن عدي قوَّى الحكاية فيما يتعلق بالحسين بقوله: "سمعت عَبْدان يقول: سمعت حسين بن حميد بن الربيع
__________
(1) في "تاريخه": (14/ 43).
(2) (5/ 443).
(3) رقم (33).
(10/399)

يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلَّم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه: "من أقال نادمًا [أقال الله] (1) عثرتَه"؟ هو ذا كتُبُ حفصِ بن غياث عندنا، وكتُب ابنهِ عمر بن حفص، ليس فيها من ذا شيء". وقال ابن عدي: "هذه الحكاية لم يحكها عن أبي بكر غيرُ حسين [1/ 240] هذا، وهو متهم فيها. ويحيى أجلُّ من أن يقال فيه مثل هذا ... وهذا الحديث قد رواه زكريا بن عدي عن حفص بن غياث ... ". ثم ذكر أنه قد رواه عن الأعمش أيضًا مالك بن سُعَير (2)، ثم قال: "الحسين متهم عندي كما قال مطيَّن".
أقول: كلمة مطيَّن لم تثبت، وقد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفرَّدوا به، وربما شدَّد؛ فلعله بلغ أبا بكر بعضُ ذلك، فرآه تشديدًا في غير محلِّه، فذكر ما حكاه الحسين عنه، يريد أنه كما تفرد يحيى بهذا وليس في كتب حفص ولا ابنه، ومع ذلك نقبله من يحيى لثقته وأمانته = فكذلك ليس ليحيى أن يشدِّد في مثل ذلك على من عُرِفَتْ ثقتُه وأمانتُه.
وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن في يحيى، كما فهمه الحسين وابن عدي، وبنى عليه ابن عدي استنكارَ الحكاية واتهامَ الحسين، لكن ابن عدي علم أن يحيى تكلَّم في حُميد بن الربيع كلامًا شديدًا، قال مرة: "أخزى الله ذاك ومَن يَسأل عنه"، وقال أخرى: "أوَ يُكتَب عن ذاك! خبيث غير ثقة ولا
__________
(1) سقط من (ط).
(2) في "اللسان" "قد رواه الأعمش أيضًا عن مالك بن سعير". خطأ. [المؤلف]. وهو على الصواب في الطبعة المحققة: (3/ 159).
(10/400)

مأمون، يشرب الخمر، ويأخذ دراهم الناس ويكابرهم عليها حتى يصالحوه". فوقع في نفس ابن عدي أن الحسين أراد الانتقام لأبيه من يحيى.
وأقول: هذا وحده لا يوجب اتهام الحسين باختلاق الحكاية، بل يكفي اتهامه بأنه أبرزها في ذاك المعرض: "يتكلم في يحيى بن معين". وليس هذا بالكذب المُسقِط، على أنه قد يكون فهم ذلك ولم يتنبه لمقصود أبي بكر. والحسين مكثر عارف. قال الخطيب: "روى عن أبي نعيم، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن طريف البَجَلي، وأحمد بن يونس وغيرهم ... وكان فهِمًا عارفًا، له كتاب مصنَّف في التاريخ". فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنكَر عليه شيء إلا تلك الحكاية، فلا أرى اتهامه بالكذب لأجلها إلا ظلمًا. والله أعلم.

83 - الحسين بن عبد الأول:
في "تاريخ بغداد" (13/ 379 [386]) من طريقه: "أخبرني إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة: القرآن مخلوق".
قال الأستاذ (ص 56): "قال أبو زرعة: لا أحدِّث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. وقال الذهبي: كذَّبه ابن معين".
[1/ 241] أقول: ذكر الخطيب هذه الحكاية في أثناء الروايات عن أبي حنيفة في تلك المسألة، فذكر أولًا: رواياتٍ تبرِّئ أبا حنيفة عن تلك المقالة، ثم قال: "ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القولَ بخلق القرآن ... ". فساق رواياتٍ هذه واحدة منها، فلم يعتمد الخطيب على رواية الحسين هذه، ولا جزم بما تضمَّنَتْه هي والروايات القوية التي معها، بل قدَّم الروايات
(10/401)

في نفي ذلك؛ على أن نسبة إسماعيل هذه المقالة إلى جدِّه مشهورة. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" و"لسان الميزان". والأستاذ وإن طعن في الراوي، فإنه يُثبت المرويَّ ويتبجَّح به.

84 - الحسين بن علي بن يزيد الكَرابيسي:
قال الأستاذ (ص 184): "متكلَّم فيه".
أقول: تكلَّموا فيه لخوضه في طرف من الكلام واسخفافه بالإمام أحمد بن حنبل، كما مرَّ في ترجمة الخطيب (1). أما الرواية, فلم أر مَن غمزه فيها، بل قال ابن حبان في "الثقات" (2): "كان ممن جمع وصنَّف، ممن يُحسن الفقه والحديث، أفسده قلة عقله". (3) (4)

85 - حماد بن سَلَمة بن دينار:
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [408]) عنه: "أبو حنيفة هذا يستقبل السنَّة، يردُّها برأيه". وفيه (13/ 406 [432]) من طريق فهد (5) بن عوف: "سمعت حماد بن سلمه يكني أبا حنيفة: أبا جيفة".
قال الأستاذ (ص 91): "حماد بن سلمة ليس ممن يفرَّق بين من يأخذ بالسنة
__________
(1) (رقم 26).
(2) (8/ 189).
(3) حسين بن محمد بن أيوب الذارع. انظر ترجمة عبد الله بن محمد العتكي. [المؤلف]. رقم (134).
(4) حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي. مرَّ في ترجمة أبيه. [المؤلف]. رقم (43).
(5) في "التاريخ": "محمد" تحريف، وهو على الصواب في المحققة: (15/ 560).
(10/402)

ومن يردُّها، وهو راوي تلك الطامَّات في الصفات، منها رؤية الله في صورة شاب. ومثله يجب أن يسكت عن الأئمة, حتى يسكت الناس عن تخليطه".
وقال (ص 139): "يروي تلك الطامات المدوَّنة في كتب "الموضوعات"، وقد أدخل في كتبه ربيباه ما شاءا من المخازي، كما قال ابن الجوزي. وتحاماه البخاري، ولم يذكر مسلم من أحاديثه إلا ما سلم من التخليط من رواياته قبل أن يختلط. وكان المسكين على براعته في العربية وصِيته الطيِّب مبدأ أمره، ساءت سمعته وأصبح أداةً صمَّاءَ بأيدي الحشوية في أواخر عمره ... ".
أقول: الكلام في حماد يعود إلى أربعة أوجه:
الأول: أنه كان سيئ الحفظ يغلط (1). وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنهم خصُّوه بما يرويه [1/ 242] عن غير ثابت وحميد، واتفق أئمة عصرهم على أنه أثبت الناس في ثابت. قال أحمد: "أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة"، وقال أيضًا: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حُمَيد وأصحُّ حديثًا". وقال في موضع آخر: "هو أثبت الناس في حميد الطويل ... ".
وقال ابن معين: "من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد"، وقال أيضًا: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح". يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحوِّل من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح.
وقال علي ابن المديني: "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن
__________
(1) انظر ترجمته في "التهذيب": (3/ 11 - 16).
(10/403)

سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح".
الوجه الثاني: أنه تغيَّر بأَخَرة. وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقاشقُ أستاذه ابنِ فُورَك المتجهِّم الذي حذا حذوَ ابن الثَّلْجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها. وإنما قال البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري. وأما مسلم، فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمع منه قبل تغيُّره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد" (1).
أقول: أما التغيُّر فلا مستند له، ونصوص الأئمة تبيِّن أن حمادًا أثبتُ الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظَ حديثهما. فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدَّث من حفظه، أو حين يحوِّل إلى الأصناف التي جمعها كما مرَّ.
ولم يتركه البخاري، بل استشهد به في مواضع من "الصحيح" (2). فأما عدم إخراجه له في الأصول، فلا يوجب أن يكون عنده غيرَ أهلٍ لذلك. ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبتِ الناس في ثابت، وأنه أثبتُ فيه من حماد بن زيد، وقد ثبَّته الأئمة جدًّا. قال أحمد: "ثبت ثبت". وقال
__________
(1) نقله مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال": (4/ 145) من كتاب "الخلافيات" للبيهقي، وعنه الحافظ في "التهذيب": (3/ 17). وانظر الذهبي في "السير": (7/ 452)، ووقع فيه تخليط فنُسِب بعض الكلام إلى أحمد بن حنبل!
(2) انظر الأرقام (739، 1048، 2363, 2730 وغيرها).
(10/404)

ابن معين: "ثقة ثقة". والثناء عليه كثير، ولم يغمزه أحد. ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتجَّ به، ولم يُخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (1).
وقد عَتَب ابنُ حبان (2) على البخاري في شأن حماد بن سلمة، وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير، كأبي بكر بن عياش، وفُلَيح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر [1/ 243] أبو الفضل بن طاهر عن ذلك بكلام شريف، قال: "حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلَّم بعضُ منتحلي الصنعة (كما يأتي) أن بعض الكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري معتمدًا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبيِّن أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لأنه رأي جماعةً من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته" (3).
الوجه الثالث: زعم بعضهم أنه كان له ربيب يُدخِل في كتبه، وقيل: ربيبان. وصحَّف بعضهم "ربيب حماد" إلى "زيد بن حماد" راجع "لسان الميزان" (ج 2 ص 506) (4). ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي. قال
__________
(1) رقم (509)، واستشهد به في عدة مواضع (63، 1303، 7241).
(2) في كتاب "الثقات": (6/ 216 - 217).
(3) نقله في "التهذيب": (3/ 14).
(4) (3/ 553 - 554).
(10/405)

الذهبي في "الميزان" (1): "الدولابي، حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يُعْرَف بهذه الأحاديث - يعني التي في الصفات - حتى خرج مرةً إلى (عبَّادان)، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عبّاد بن صهيب يقول: إنَّ حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّتْ في كتبه، قد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه، فكان يدُسُّ في كتبه". قال الذهبي: "قلت: ابن الثلجي ليس بمصدَّق على حماد وأمثاله، وقد اتُّهِم. نسأل الله السلامة" (2).
أقول: الدولابي حافظ حنفيّ له ترجمة في "لسان الميزان" (ج 5 ص 41) (3) وهو بريء من هذه الحكاية - إن شاء الله - إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابنُ الثلجي من أتباع بشر المريسي جهميًّا داعيةً عدوًّا للسنة وأهلها. قال مرة: "عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة". وأوصى أن لا يُعطَى من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثَّقه، بل اتهموه وكذَّبوه. قال ابن عدي: "كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسُبُها إلى أصحاب الحديث، يثلِبهم بذلك". وذكر ما رواه عن حَبَّان بن هلال - وحبان ثقة - عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس، فأجراها فعرقت؛ ثم خلق نفسَه منها". وكذَّبه أيضًا الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب. فأما ما نُسِب إليه من
__________
(1) (2/ 116).
(2) وعلق الحافظ في "التهذيب": "وعبّاد أيضًا ليس بشيء".
(3) (6/ 506).
(10/406)

التوسع في الفقه [1/ 244] وإظهار التعبد، فلا يدفع ما تقدَّم.
وحكايته هذه يلوح عليها الكذب. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي ولد أبوه سنة 135، فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي - كما ذكر عن نفسه - سنة 181، فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من "التهذيب" (1) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم عن أبيه، وهذا يُشعِر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة 198، فإذا كان إبراهيم مات سنة 200، فمتى تراه وُلد؟ وقد قال الخليلي: "مات وهو شاب. لا يُعرف له إلا أحاديث دون العشرة. يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من الضعفاء". وحماد بن سلمة توفي سنة 167. ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيًّا صغيرًا وإما لم يولد، فمتى صَحِب حمادَ بن سلمة حتى عَرَف حديثه، وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى "عبَّادان"! وكيف عرف هذا الأمر العظيمَ، ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلُّهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي.
ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد. وذِكْرُ ابن حبان له في "الثقات" (2) لا يُجدي، لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يُعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال: لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى، بل الحملُ على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي.
__________
(1) (8/ 393).
(2) (8/ 67).
(10/407)

وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب، مع أن عبَّادًا متروك. وقال عبدان: "لم يكذِّبه الناس، وإنما لقَّنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديثَ في آخر الأمر". فعلى هذا، فعبَّاد هو (1) المبتلى بابن أخيه يُدخِل عليه في حديثه. وفي "الميزان" (2) أحاديث من مناكيره.
الوجه الرابع: أن حمادًا روى أحاديث سماها الكوثري: "طامات"، وأشار إلى أن أشدَّها حديث رؤية الله في صورة شاب.
والجواب: أن لهذا الحديث طرقًا معروفةً، في بعضها ما يُشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرِّح بذلك. فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأسًا، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف. وفي "اللآلئ المصنوعة" (3) أن محقق الحنفية ابن الهمام سئل عن الحديث، فأجاب بأن ذلك "حجاب الصورة". وبقية الأحاديث إذا كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد [1/ 245] أو مما حدَّث به من أصوله، فهي كما قال الله تبارك وتعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89].
ولنختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته، ليتبين هل ساءت سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ!
قال ابن المبارك: "دخلتُ البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَل من حماد بن سلمة". وقال عفان: "قد رأيت من هو أعبد من حماد بن
__________
(1) (ط): "وهو". والصواب ما أثبت.
(2) (3/ 81).
(3) (1/ 31).
(10/408)

سلمة، ولكن ما رأيت أشدَّ مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة". وقال رجل لعفان: أحدِّثك عن حماد؟ قال: مَن حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين! وقال عبد الرحمن بن مهدي - والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب -: "لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدَر أن يزيد في العمل شيئًا". وقال أيضًا: "حماد بن سلمة صحيحُ السماع، حسنُ اللُّقِيِّ، أدرك الناس، لم يُتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسَنَ ملكةَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد، فسلِمَ، حتى مات". وقال حماد بن زيد: "ما كنا نرى أحدًا يتعلَّم بنيَّةٍ غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم من يعلِّم بنيةٍ غيرَه". وقال إسحاق بن الطبَّاع: قال لي ابن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: "الأول كحماد بن سلمة ... ". وقال علي ابن المديني: "من تكلم في حماد بن سلمة فاتَّهِموه في الدين".

86 - حنبل بن إسحاق:
في "تاريخ بغداد" (13/ 371 [372]) من طريقه: "حدثنا الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبيّ، ولكن لا أدري هو الذي قبرُه بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا ... ".
(10/409)

وفيه (13/ 389 [406]) من طريقه: "حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أمِّ خَصيب بالكوفة، فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف، فأفتاه. فقلت: يا أبا حنيفة [1/ 246] إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد اختلفوا في هذه، فغضب، وقال للذي استفتاه: اذهَبْ فأعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو عليَّ".
قال الأستاذ (ص 36): "يتكلم فيه بعض أهل مذهبه، ويرميه ابن شاقْلا بالغلط في روايته، كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم. لكن لا نلتفت إلى كلامهم، ونعدُّه ثقةً مأمونًا، كما يقول ابن نقطة في "التقييد"". وقال (ص 84): "غالِط، غيرُ مرضيٍّ عند بعض أهل مذهبه".
أقول: قال الدارقطني: "كان صدوقًا". وقال الخطيب: "كان ثقة ثبتًا". وتخطئته في حكاية إنما تدلُّ على اعتقاد أنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقةَ المُكثِر كحنبل. وقد خطَّأ أهلُ العلم جماعةً من أجلة الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين، ولكن ينبَّهون في الحال لمكان العصمة في التبليغ. وقد تعرضتُ لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعًا أن الثقة الثبت قد يخطئ، فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يُترك ذاك الشيء. فأما بقية روايته، فهي على الصواب. ومن ادعى الخطأ في شيء، فعليه البيان. والأستاذ يعلم ذلك كله، ولكن ... والله المستعان.

87 - خالد بن عبد الله القَسْري:
في "تاريخ بغداد" (13/ 381 [390]) من طريق: "محمد بن فُليح
(10/410)

المدني عن أخيه سليمان - وكان علَّامةً بالناس - أن الذي استتاب أبا حنيفة خالد القسري ... ".
قال الأستاذ (ص 62): "هو الذي بنى كنيسةً لأمه تتعبد فيها، وهو الذي يقال عنه: إنه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحيةً عنه ... ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر الدين .. وسفكُ دمِ من وجب قتلُه شيء، وذبحُه على أن يكون أضحيةً شيء آخر. وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الإِسلام".
أقول: كان خالد أميرًا مسلمًا، خلط عملًا صالحًا - كإقامة الحدود - وآخَرَ سيئًا، الله أعلم ما يصح عنه منه. وقد جاء عن جماعة من الأئمة - كما في "التأنيب" نفسه - أن أبا حنيفة استتيب في الكفر مرتين. فإن كان خالد هو الذي استتابه في إحداهما، وقد شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر، فأيُّ معنى للطعن في خالد؟ هَبْه كان كافرًا! أيجوز أن يحنَق عليه مسلم, لأنه [1/ 247] رُفِع إليه إنسان يقول قولًا شهد علماء المسلمين أنه كفر، فاستتابه منه؟
وكان خالد يمانيَّ النسب، وكان له منافسون على الإمارة من المُضَريين، وأعداءٌ كثيرٌ يحرصون على إساءة سمعته. وكان القصاصون ولا سيما بعد أن نُكِب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه، ولا ندري ما يصح من ذلك؟
وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون برَّ أمَّه بمال، فبنى لها وكيلُها كنيسةً، فإنها كانت نصرانية. وليس في هذا ما يعاب به خالد، فقد أحلَّ الله عزَّ وجلَّ نكاحَ الكتابيات والتسرِّي بهن، ونهى عن إكراههن على
(10/411)

الإِسلام، وأمر بإقرارهن على دينهن، وأمر ببرِّ الأمهات.
فأما قضية الجعد، فإن أهل العلم والدين شكروا خالدًا عليها ولا يزالون شاكرين له إلى يوم القيامة. ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يُضحِك ويُبكي. يُضحِك لتعجرفه، ويُبكي لوقوعه من رجل ينعته أصحابه أو ينعت نفسه: "الإِمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... "!!
لا يخفى على أحد أن الأضحية الشرعية هي ذبح شاة أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحِّي وأهله، ويهدي من لحمها إلى أصحابه، ويتصدَّق منه على المساكين؛ وأن خالدًا لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويُهدي ويتصدَّق، وإنما سماه تضحيةً لأنه إراقة دم يوم الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى. فشبَّهه بالأضحية المشروعة من هذا الوجه، كما سمَّى بعضُ الصحابة وغيرهم قتلَ عثمان رضي الله عنه تضحيةً لأنه وقع في أيام الأضحى. فقال حسَّان (1):
ضحَّوا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به ... يُقطِّع الليلَ تسبيحًا وقرآنا
وقال أيمن بن خُرَيم (2):
__________
(1) ديوان حسان (96).
(2) كذا ورد البيت في "الجوهرة" للبرِّي (2/ 189) و"نهاية الأرب" للنويري (19/ 319)، وغيرها. وهو ملَّفق من بيتين روايتهما في "المعارف" لابن قتيبة (198):
تفاقَدَ الذابحو عثمانَ ضاحيةً ... فأيَّ ذِبْحٍ حرامٍ وَيحَهم ذَبَحوا
ضحَّوا بعثمانَ في الشهر الحرام ولَمْ ... يخشَوا على مطمحِ الكفرِ الذي طَمَحوا
وانظر: "الكامل" للمبرد (919) و"التنبيه والإشراف" - طبعة ليدن (292).
(10/412)

ضحَّوا بعثمانَ في الشهر الحرام ضحًى ... وأيَّ ذِبْحٍ حرامٍ وَيْلَهم ذَبَحوا
وقال القاسم بن أمية (1):
لَعَمْري لَبئس الذِّبْحُ ضحَّيتُمُ به ... وخُنْتُم رسولَ الله في قتل صاحبِهْ
فإن قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدًا لم يضحِّ، بل اجتزأ بذبح الجعد. قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كلَّ يوم عدة ذبائح، وهَبْ أنه لم يضحِّ ذاك اليوم، فغاية [1/ 248] الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحدّ من جهة كونه قربةً إلى الله عزَّ وجلَّ وإقامةِ حدٍّ من حدوده. والأضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبة، فلا إثم على من تركها. فإن كان مع تركه لها قد قام بقربة عظيمة، ورأى أن ما يفوته من أجر الأضحية وإقامة الشعائر بها (2) يَجبُره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى، فهو أبعد عن الإثم. ولو ضحَّى الرجلُ ألف أضحية لَما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن تُوازِنَ إقامةَ الحدِّ على الجعد، وإماتةَ فتنته.

88 - خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك:
في "تاريخ بغداد" (13/ 412 [439]) عنه قال: "أحَلَّ أبو حنيفة ... ".
__________
(1) انظر: "الجوهرة" (2/ 190) و"نهاية الأرب" (19/ 320). وله بيت آخر من أبيات حائية في رثاء عثمان - رضي الله عنه - أيضًا.
لَعَمْري لبئس الذِّبْحُ ضحَّيتُمُ به ... خلافَ رسولِ الله يومَ الأضاحي
انظر: "تاريخ خليفة بن خياط" (177)، و"الإصابة" - طبعة التركي (9/ 10).
(2) (ط): "بما".
(10/413)

قال الأستاذ (ص 145): "يقول عنه ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يُدفن: "كتاب الديات" لخالد بن يزيد بن أبي مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه، حتى كذب على الصحابة. قال ابن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد، ثم أعطيته للعطَّار، فأعطى الناسَ فيه حوائج. قال النسائي: غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء".
أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائلَ فقهية انتُقِدَتْ على أبي حنيفة، قد نظرتُ فيها في قسم الفقهيات. ومع ذلك فقد وثَّقه أحمد بن صالح المصري، والعجلي، وبلديُّه أبو زرعة الدمشقي. وقال ابن عدي (1): "لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كلَّ ما يُحتمَل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه، فيكون البلاءُ من الضعيف لا مِنْه". وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين، مما أخذه خالد عن الضعفاء فأرسله. والله أعلم. (2)

89 - داود بن المحبَّر:
في "تاريخ بغداد" (13/ 392 - 393 [409 - 410]) عدة روايات تتعلق بالمُحرِم إذا لم يجد إزارًا فلبس سراويل، أو لم يجد نعلًا فلبس خفَّين. وقد ذكرت المسألة في الفقهيات.
تكلَّم الأستاذ (ص 94) في الروايات إلى أن قال: "وأما ما رواه ابن عبد البر في "الانتقاء" (ص 140) من أنه لما قيل لأبي حنيفة ... قال: لم يصح في هذا عندي ... وينتهي كل امرئ إلى ما سمع؛ فغير ثابت عنه، لأن في سنده داود بن المحبَّر، متروك
__________
(1) "الكامل": (3/ 13).
(2) خلف بن بيان يأتي في ترجمة محمد بن الحسين بن حميد. [المؤلف]. رقم (202).
(10/414)

باتفاق .. بل حديث إباحة لبس الخفين ... مخرج في "مسانيد أبي حنيفة". ففي "مسند أبي محمد البخاري الحارثي" عن أبي سعيد بن جعفر، عن أحمد بن سعيد الثقفي، عن المغيرة بن عبد الله، عن [1/ 249] أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس .... فهذا الحديث بهذا السند يردُّ على من يقول: إنه لم يبلغه حديث في هذا الباب ... فينهار بهذا البيان جميعُ تلك المزاعم ... هكذا يفضح الله الأفَّاكين".
أقول: داود وثَّقه ابن معين. وقال أبو داود: "ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثِّقه". وبهذا يُعلم ما في قول الأستاذ: "متروك باتفاق"، وإن كان الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط. ومع ردِّ الأستاذ ذاك الخبرَ هنا، فقد احتج به (ص 74) إذ قال: "وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... - كما في "الانتقاء" لابن عبد البر (ص 141) - كيف يخالف حديثًا صحَّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن زعم ذلك فقد أبعَدَ في البَهْتِ، نسأل الله الصون". وقوله: "لعن الله ... ". قطعة من خبر داود الذي ردَّه الأستاذ هنا.
وغرض الأستاذ في الموضعين واحد، وهو ردُّ الروايات القوية. فإنه احتج به في (ص 74) على ردِّ روايات قوية متعددة، وختم بقوله: "نسأل الله الصون"! وردَّه (ص 94) ليردَّ روايات قوية، ثم احتج على الردِّ بما هو أسْقَط من خبر داود، وهو خبر الحارثي بذاك الإسناد. والحارثي قد أشرتُ إليه في "الطليعة" ص 64 ويأتي له ذكر في ترجمة علي بن جرير.
وترجمة الحارثي في "لسان الميزان" (ج 1 ص 27) (1) وفيها: "قال ابن
__________
(1) كذا وقعت هذه الإحالة في (ط)، وهي خطأ قطعًا، وصواب الإحالة على الطبعة التي =
(10/415)

الجوزي: قال أبو سعيد الروَّاس: يُتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد. وهذا ضرب من الوضع ... وقال الخليلي: ... له معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعَّفوه. حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب". وسترى ما يكشف بعضَ حاله في ترجمة علي بن جرير (1).
وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبَّا بن جعفر، ترجمته في "لسان الميزان" (ج 1 ص 27) (2). وفيها "قال ابن حبان: كان يقعد يوم الجمعة بحذاء مجلس الساجي ... ذهبت إلى بيته للاختبار ... فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلثمائة حديث ما حدَّث بها أبو حنيفة قط ... ". قال ابن حجر: "وقال حمزة (السهمي الحافظ) (3) عن الحسن بن علي بن غلام الزهري (الحافظ): أبّا بن جعفر كان يضع الحديث، وحدَّث بنسخة نحو المائة عن شيخٍ له مجهولٍ زعم أن اسمه أحمد بن سعيد بن عمرو المطوعي، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن [1/ 250] ميسرة، عن أنس. وفيها مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو (محمد) الحارثي في "مسند أبي حنيفة"".
وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يُعرف أو لم يُخلَق! وهكذا
__________
= يعزو إليها المؤلف هو (3/ 348). وفي الطبعة المحققة (4/ 580).
(1) رقم (159).
(2) (1/ 231).
(3) كلام حمزة في "سؤالاته" 176.
(10/416)

المغيرة بن عبد الله. ومن العجائب أن صاحب "جامع المسانيد" زعم أنه المغيرة بن عبد الله اليشكري الذي يروى عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين! وأعجب من ذلك قول الأستاذ: "فهذا الحديث بهذا السند يُرَدُّ ... ". وهذه سخرية من الأستاذ، لا أدري أبالعلم، أم بنفسه، أم بالذين يرى أنهم سيتلقَّون كلامه بالقبول والإعجاب! ثم ختم الأستاذ بقوله: "هكذا يفضح الله الأفاكين". ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة! والله المستعان.

90 - دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 379 [386 - 387]) من طريقه: "أخبرنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا سفيان بن وكيع، قال: جاء عمر بن حماد ... ".
قال الأستاذ (ص 57): "فدعلج تاجرٌ مُثْرٍ، كان عنده قِفافٌ مملوءة ذهبًا تَبهَر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلُب ألبابهم. يتعانى الرواية, ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه. وكان عنده تعصُّب وتغفُّل. وكان الرواة الأظِنَّاء يبيتون عنده، ويُدخلون في كتبه أشياءَ، فيرويها بسلامة باطن. وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يُدخلون في كتبه اثنين: أحدهما علي بن الحسين الرُّصافي، وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله. قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ، ثم عُمِل محضرٌ بأحاديث أدخلها على دعلج. وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرِّمي أحاديث على دعلج أيضًا، كما ذكره الذهبي. ويجعلهما ابن حجر شخصًا واحدًا بدون حجة".
أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبَّار (1) أن دعلجًا
__________
(1) رقم (27).
(10/417)

سِجِستاني كان يطوف البلاد لسماع العلم وللتجارة، ودخل بغداد وسنُّه نيف وعشرون سنة، وسنُّ الأبَّار فوق السبعين، فسمع منه ومن غيره، ومات الأبَّار بعد ذلك بسنوات. وبقي دعلج في تطوافه، ثم سكن مكة مدة، ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة 351. وذلك بعد وفاة الأبَّار بإحدى وستين سنة. وتقدَّم أيضًا أن دعلجًا إنما أثرى بعد موت الأبَّار بدهر.
فأما مطاعن الأستاذ في دعلج، فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ ذلك من ذكرهم أن دعلجًا أخذ عن ابن خزيمة كتبه، وكان يفتي بقوله، وابن خزيمة عند الأستاذ مشبِّه! وهَبْه ثبت أن دعلجًا كان [1/ 251] على عقيدة ابن خزيمة، وعقيدةُ ابن خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث، وهي محض الإيمان. وقد أفردتُ الاعتقاديات بقسم.
وثانيها: أنه كان متعصبًا. وهذا تخرُّص من الأستاذ. فأما ما جاء من طريقه من الروايات، فشيء سمعه، فرواه. وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين، كان الثناء عليه كلمةَ وفاقٍ بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
وثالثها: أن الرواة الأظِنَّاء كانوا يبيتون عنده وُيدخلون في كتبه! وهذا تخرُّص أيضًا. نعم، حُكِي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده وأراه ماله، ولم يقل إن كتبه كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يُخشَى منه العبث بها. فأما إدخال بعضهم عليه أحاديث، فذلك لا يقتضي الإدخال في كتبه، بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من أصوله أحاديثَ، وسلَّمها إلى رجل لِيرتِّبها وينسخها، فذهب الرجل، ونسَخها، وأدخل فيها أحاديث ليست [من] (1)
__________
(1) زيادة مناسبة ليست في (ط).
(10/418)

حديث الشيخ، وجاء بالنسخة، فدفعها إليه ليحدِّث بها = صَدَقَ أنه أدخل عليه أحاديثَ. ثم إذا كان الشيخ يقِظًا، فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله، أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني، فاعتبرها، فأخرج تلك الزيادة، ولم يحدِّث بها الشيخُ = لم يكن عليه في هذا بأس. ولعله هكذا جرى، فقد قال الخطيب في دعلج: "كان ثقةً ثبتًا، قبِلَ الحكَّامُ شهادته وأثبتوا عدالته ... وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنِّف له كتبَه، فحدَّثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال: صنفتُ لدعلج "المسند الكبير"، فكان إذا شكَّ في حديث ضرب عليه. ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه ... حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد، فقال: كان ثقةً مأمونًا، وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله". وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (ج 3 ص 92) (1): "دعلج بن أحمد بن دعلج الإِمام الفقيه محدث بغداد .... روى عنه الدارقطني، والحاكم، وابن رزقويه، وأبو إسحاق الإسفراييني (2)، وأبو القاسم بن بشران، وعدد كثير. وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنّفتُ لدعلج (3) "المسند الكبير" ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه ... ".
وجَعْلُ الأستاذ المُدْخِلِين جماعةً من أمانيه! والمعروف رجل واحد
__________
(1) (3/ 881).
(2) (ط): "الإسفرائني" خطأ.
(3) (ط): "صنف الدعلج" و"التذكرة": "صنف لدعلج"، والمثبت من "السير": (16/ 33).
(10/419)

ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 11 ص 385): "علي بن الحسين (1) بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن [1/ 252] كَرْنِيب، وبابن العطار المُخَرِّمي ... بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله (2) النيسابوري قال: ذكر الدارقطني (3) ابنَ العطار، فذكر من إدخاله على المشايخ شيئًا فوق الوصف، وأنه أشْهَد عليه، واتخذ محضرًا بإدخاله أحاديث على دعلج". وذكره (4) الذهبي في "الميزان" (5)، واقتصر على قوله: "أدخل على دعلج أحاديثَ. قاله الدارقطني". ثم ذكر (6) "علي بن الحسين الرصافي"، وقال: "قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخَل على الشيوخ، ثم عُمِلَ محضرٌ عليه بأحاديث أدخلها على دعلج". فقال ابن حجر في "اللسان" (7): "هذه صفة علي بن الحسن بن كَرْنِيب، وقد مرَّ".
وحجته في ذلك أن القصة متفقة، والاسم متفق، واسم الأب متقارب؛ فإن اسم "الحسن" و"الحسين" يكثر تحرُّفُ أحدهما إلى الآخر، وليس في "تاريخ بغداد" إلا رجل واحد، والمخرِّم والرصافة محلَّتان ببغداد وقد يكون
__________
(1) كذا في (ط): "الحسين" وفي "تاريخ بغداد": "علي بن الحسن" وهو الصواب ومقتضى السياق كما يأتي.
(2) (ط): "عبد" خطأ.
(3) كذا في (ط) وتاريخ بغداد، وفي الطبعة المحققة: "ذكرتُ للدارقطني".
(4) (ط): "وذكر".
(5) (4/ 40).
(6) (4/ 44).
(7) (5/ 529).
(10/420)

مسكنُ الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه. وابن حجر مُطَّلِع على مآخذ الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد.
وهذه الأمور إن لم تَكْفِ للجزم بأنه رجل واحد، فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنهما اثنان. وهب أنهما اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضرّ دعلجًا وروايتَه، ما لم يثبت أن ذلك كان على وجهٍ يُوجب القدحَ فيه. وذلك مدفوع بأن المُخبِر بذلك وكاتبَ المَحْضر أو المَحْضَرين أو المحاضر - كما يتمناه الأستاذ - هو الإِمام أبو الحسن الدارقطني، وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج، والمصنِّف له كتبه، وهو الذي وثَّقه أثبتَ توثيق كما سلف. وفي ذلك ما يقطع نزاعَ مَنْ يخضع للحق. فأما المعاند، فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه أعضاؤه!

91 - الربيع بن سليمان المرادي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 410 [437]) عنه: "سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأً، ثم يقيس الكتاب عليها".
قال الأستاذ ص 139: "الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول".
أقول: في ترجمته من "التهذيب" (1): "قال أبو الحسين الرازي الحافظ والد تمَّام: أخبرنا عليّ بن محمَّد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثَّبَت، وإنما أخذ أكثر الكتب من آل البُوَيطي بعد موت البُوَيطي. قال
__________
(1) (3/ 246).
(10/421)

أبو الحسين: وهذا لا يُقبل من أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع [1/ 253] أثبَتُ منى. وقد سمع أبو زرعة الرازي كتب الشافعي كلَّها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين".
وقول القراطيسي: "ليس بالثبت" إنما مفاده نفيُ أن يكون غايةً في الثبت. ويُفهم من ذلك أنه ثَبَتٌ في الجملة، كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصبَّاح (1). ويوضِّح ذلك هنا ما بعده. وحاصله أنه لم يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصولٌ خاصة محفوظة عنده؛ لأنه إنما أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي. وهذا تشدُّد من أبي يزيد في غير محَلّه، فقد يكون للربيع أصولٌ خاصة محفوظة عنده، ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة البويطي ليحفظها. وعلى فرض أنه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما كان سماعه لها في كتب البويطي، وأن البويطي كان يخرجها لمن يريد سماعها من الربيع كأبي زرعة؛ فسماعُ الربيعِ لها ثابتٌ، وقد عرَفَ الكتبَ وأتقنها، فإذا وثِقَ بأنها لم تزل محفوظة في بيت البويطي حقَّ الحفظ حتى أخذها، فأيُّ شيء في ذلك؟
وقد قال الخليلي في الربيع: "ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع". ووثَّقه آخرون، واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي وغيرها.
ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ الجواب عنها حكاية مفردة، قال الربيع فيها: "سمعت الشافعي ... ". واعترف الأستاذ بمضمونها، كما
__________
(1) رقم (76).
(10/422)

يأتي في ترجمة الشافعي (1). وقد روى الربيعُ عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش "الأم" (ج 6 ص 57). وكان عُمر القراطيسيّ حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة، ولم يأخذ عن الشافعي، وإنما رآه رؤيةً؛ فلا خبرة له بما سمعه الربيع، وإنما بنَى على الحدس، كما سلف.

92 - رجاء بن السندي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 391 [408]) عنه: "سمعتُ بِشْر بن السَّرِي قال: أتيت أبا عوانة ... ".
قال الأستاذ (ص 92): "طويل اللسان، وقد أعرض عنه أصحاب الأصول الستة".
أقول: أوهم الأستاذُ بهذه العبارة أن رجاءً كان بذيئًا، وأن أصحاب الأصول لم يرضوه. وليس الأمر كذلك، ولكن كان فصيحًا، قال بكر بن خلف: "ما رأيت أفصح منه". فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الإيهام، فعَلَ ذلك في مواضع!
وتوفي رجاء سنة 221، فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه [1/ 254] مَن هو مثلُه أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجل عنه؛ لإيثارهم العلوَّ. وأدركه أبو داود في الجملة, لأنه مات وسنُّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يَلْقَه.
__________
(1) رقم (189).
(10/423)

فأما مسلم، فإنه كان له حين مات رجاء نحوُ ست عشرة سنة، وهو بلديُّه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعًا لائقًا بأن يعتمده في "الصحيح". ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسنُّ من رجاء، وأعلى إسنادًا، ففاته رجاء.
وأما البخاري، فقد ذَكَر [في] (1) "الكمال" أنه روى عنه، لكن قال المزي: "لم أجد له ذكرًا في الصحيح" (2). فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرةً فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاريُّ أقرانَهم، فلم يحتَجْ إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصَّلَ من هذا أنهم إنما لم يُخرجوا عنه إيثارًا للعلوِّ من غير طريقه، على النزول من طريقه. وراجع ترجمة إبراهيم بن شمّاس (3).
هذا، وقد روى عنه الإِمام أحمد، وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما يأتي في ترجمة محمَّد بن أعيَن (4). وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: "صدوق". وقال الحاكم: "ركن من أركان الحديث".
__________
(1) زيادة لازمة، و"الكمال في أسماء الرجال" لعبد الغني المقدسي (ت 600) لم يطبع بعد، وهو الذي هذَّبه المزَّي.
(2) "تهذيب الكمال": (2/ 478) علق ذلك في هامش كتابه، وبقية كلامه: "ولا ذَكَره أحدٌ من المصنفين في رجاله، وإنما قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": روى عنه البخاري، ولم يقل في "الصحيح"، فلعله روى عنه خارج الصحيح، وليس من شرط هذا الكتاب فإن له نظراء لم نذكرهم. والله أعلم" اه.
(3) رقم (6).
(4) رقم (194).
(10/424)

93 - رَقَبة بن مَصْقَلة:
في "تاريخ بغداد" (13/ 416 [446]) عن أبي أسامة "مرَّ رجل على رَقَبة فقال: من أين أقبلت؟ قال: من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأي (1) ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة".
قال الأستاذ (ص 158): "ليس من رجال الجرح والتعديل, وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبُّون التنكيت والتندّر. وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلَّب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج! يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوّق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات .. ".
أقول: رقبة روى عن أنس - فيما قيل - وعن أبي إسحاق، وعطاء، ونافع، وعبد العزيز بن صُهيب، وثابت البُناني، وطلحة بن مصرِّف، وغيرهم. وعنه جرير بن عبد الحميد، وأبو عَوانة، وابن عُيينة، وغيرهم. قال الإِمام أحمد: "شيخ ثقة من الثقات مأمون". وقال ابن معين والعجلي والنسائي: "ثقة". واحتج به الشيخان في "الصحيحين" وغيرهما. ومثلُه لو جَرَح أو عَدَّل لَقُبِل منه. فأما الدعابة، فلم تبلغ به بحمد الله عَزَّ وَجَلَّ ما يخدش في دينه وأمانته. وقصة الفالوذج - إن صحت -[1/ 255] إنما فيها أنه أكل فالوذجًا، فتأذَّى به، فقال ما قال تلطُّفًا ونصيحةً لغيره، فكان ماذا؟
ومع هذا كلِّه، فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرحٌ لأبي حنيفة. وقوله: "ترجع إلى أهلك بغير ثقة" يعني: بالرأي, لأنه قد يرجع أبو حنيفة
__________
(1) في "الانتقاء" (ص 274): "يكفيك من رأيه ... " معزوّة إلى مسعر بن كدام.
(10/425)

عنه بعد ساعة. وقد قال حفص بن غياث: "كنت أجلس إلى أبي حنيفة، فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد، فيفتي فيها بخمسة أقاويل. فلما رأيتُ ذلك تركتُه، وأقبلتُ على الحديث". ذكره الأستاذ (ص 123).
وقال زفر صاحب أبي حنيفة: "كنا نختلف إلى أبي حنيفة ... فقال يومًا أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتُبْ كلَّ ما تسمعه مني، فإني قد أرى الرأي اليومَ فأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا فأتركه بعد غد". ذكره الأستاذ (ص 118).

94 - زكريّا بن يحيى السّاجي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 325) عنه: "سمعت محمَّد بن معاوية الزيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زَوْطَرة، فسمَّى نفسه النعمان، وسمَّى أباه ثابتًا".
قال الأستاذ (ص 18): "شيخ المتعصبين، كان وقَّاعًا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل، وتجد في "تاريخ بغداد" نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة. ونضالُ الذهبي عنه من تجاهل العارف. وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم وضعَّفه آخرون. وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثًا بطريقه: انفرد به السَّاجي ولم يكن مأمونًا. وكفى في معرفة تعصُّب الرجل الاطلاعُ على أوائل كتاب "العلل" له".
أقول: أما التعصُّب، فقد مرَّ حكمُه في القواعد (1)، وبيَّنَّا أنه إذا ثبتت ثقةُ الرجل وأمانتُه لم يقدح ما يسمِّيه الأستاذ تعصُّبًا في روايته. ولكن ينبغي
__________
(1) (ص 87 فما بعدها).
(10/426)

التروِّي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمُّدِ الكذب والحكمِ بالباطل، بل لاحتمال أنَّ الحنَقَ حال بينه وبين التثبُّت. وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي - إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته - فلا نقبلها منه بغير مستند، مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله. ولأمرٍ ما سَتَر الأستاذُ على نفسه وعلى الرازي، فلم يذكر الحديث ولا بيَّن موضعه (*)!
فأما قوله: "كان وقَّاعًا" فمن تصدَّى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف السنة، احتاج [1/ 256] إلى ما يسمَّيه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما لا يراه حقًّا، أو بما لا يُعذَر في جهلِ أنه باطل.
وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل - إن صحَّ - فلا يضرُّه، وإنما الحَمْل على أولئك المجاهيل، ولا يترتب على ذلك مفسدة. ومثلُ ذلك ما يرويه عن الضعفاء, كالحديث الذي في ترجمته في "لسان الميزان" (1) سمعه من الساجي أبو داود وعَبْدان والبزَّار وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفَرْوي. وعبد الله هذا يقال له: "أبو علقمة الصغير" له ترجمة في "تهذيب التهذيب" (ج 12 ص 172). وفيها: "قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث ... وقال ابن عدي: له مناكير ... وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الدارقطني في "غرائب مالك": "متروك الحديث". فإن كان ذاك الحديث منكرًا، فالحملُ فيه على الفَرْوي، كالأحاديث الأخرى التي أُنكِرَت عليه.
__________
(1) (3/ 522).
(10/427)

وأما كلمة ابن القطان (1)، فلم يبيِّن مَنْ هم الذين ضعَّفوه؟ وما هو التضعيف؟ وما وجهه؟ ومثلُ هذا النقل المرسَل على عواهنه لا يُلتفت إليه أمام التوثيق المحقَّق. وأخشى أن يكون اشتبه على ابن القطان (2) بغيره ممن يقال له: "زكريا بن يحيى"، وهم جماعة (3). وابن القطان ربما يأخذ من الصحُف، فيصحِّف. فقد وقع له في موضعٍ تصحيفٌ في ثلاثة أسماء متوالية. راجع "لسان الميزان" (ج 2 ص 201 - 202) (4). قد قال ابن حجر في "اللسان" (5) متعقبًا كلمةَ ابن القطان: "ولا يغترَّ أحد بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحدٌ قط ... وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف الفقهاء وأحكام القرآن ... وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة". والذهبي إنما قال في "الميزان" (6): "أحد الأثبات، ما علمتُ فيه جرحًا أصلاً. قال أبو الحسن بن القطان ... ". فما الذي تجاهله الذهبيُّ؟ أما كلمة ابن القطان، فقد ذكرها.
وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يُذكَر في هذا
__________
(1) في آخر كتابه "بيان الوهم والإيهام": (5/ 640).
(2) (ط): "ابن قطان"!
(3) يُستبعد هذا الاحتمال؛ لأن ابن القطان أفرده بالترجمة، وذكر نَسَبه وموطنه ووفاته، ونقل من كتابه في "الضعفاء" ...
(4) (3/ 28).
(5) (3/ 521).
(6) (2/ 269).
(10/428)

الشأن، حتى يتتبعَ الذهبيُّ وغيره كلامَه، فيسوغَ أن يُظَنَّ بالذهبي أنه وقف على كلمته، وأعرض عنها لمخالفتها هواه، كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ!

95 - [1/ 257] سالم (1) بن عصام:
ذكرته في "الطليعة" (ص 50 - 51) (2) فأشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص 40 - 41) وتعرَّض لأبي الشيخ عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن حيّان، وستأتي ترجمته (3). وهو حافظ ثقة جبل، وإن كره الأستاذ! وذكر أن كلمة "صدوق" دون كلمة "ثقة"، وصدق في ذلك، ولكن أبا الشيخ أردفها بقوله: "صاحب كتاب". وصاحب الكتاب يكفيه كونُه في نفسه صدوقًا وكونُ كتابه صحيحًا. وقد توبع سالم، كما ذكرته في "الطليعة".

96 - سعيد بن سَلْم بن قتيبة بن مسلم (4) الباهلي الأمير:
في "تاريخ بغداد" (13/ 375 [380 - 381]) عنه (5): "قلت لأبي
__________
(1) كذا في (ط) وفي "الطليعة" (ص 37)، وصوابه "سَلْم"، وانظر تعليقي على "الطليعة" هامش (1).
(2) (ص 37 - 38).
(3) رقم (129).
(4) كذا في (ط): "بن سَلْم .. بن مسلم ... " وانظر ما سيأتي.
(5) الذي في "تاريخ بغداد": (13/ 380 - 381 القديمة و15/ 512 - 513 الجديدة): "حدثنا أبو جُزَي بن [سقطت من ط القديمة] عَمرو بن سعيد بن سالم، قال: سمعت جدي ... " فالذي وقع في السند هو "سعيد بن سالم"، وقد بحث الكوثري في "التأنيب" (ص 46) في تعيين مَن يكون، وكان من احتمالاته أن يكون هو "سعيد بن سلم عامل أرمينية في عهد الرشيد ... " وتكلّم عليه, فذكره المؤلف ودافع عنه من =
(10/429)

يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ قال: نعم. قلت: أكان جهميًا؟ قال نعم. قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرِّسًا، فما كان من قوله حسنًا قبلناه، وما كان قبيحًا تركناه".
قال الأستاذ (ص 46): "عامل أرمينية في عهد الرشيد، وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شؤونَ الحكم، وابتعادِه في الحكم عن الحكمة والسداد، كما في "تاريخ ابن جرير" وغيره. وليس هو ممن يُقبل له قولٌ في مثل هذه المسائل".
أقول: حُسن السياسة شيء، والصدقُ في الرواية شيء آخر. ولسعيد ترجمة في "تاريخ بغداد" (ج 9 ص 74) وفيها: " ... قال العباس بن مصعب: قدم مروَ زمان المأمون ... وكان عالمًا بالحديث والعربية، إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس". ولو قال الأستاذ: "لم يوثَّق" لكفاه.

97 - سعيد بن عامر الضُّبَعي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 397 [417]) عنه: "حدثنا سلَّام بن أبي مطيع قال: كان أيوب قاعدًا في المسجد الحرام، فرآه أبو حنيفة، فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه، قال لأصحابه: لا يُعْدِنا (1) بجَرَبه! قوموا، فتفرَّقوا".
قال الأستاذ (ص 109): "في حديثه بعض الغلط، كما قال ابن أبي حاتم".
__________
= أجل ذلك لا جزمًا منه بأنه الذي في السند. وانظر تعليق بشار عوَّاد على هذا الموضع من طبعته من التاريخ.
(1) كذا في (ط) و"التأنيب". وفي "التاريخ" بطبعتيه: "يَعرُّنا" يقال: فلان يَعُرُّ قومَه، أي: يُدخل عليهم مكروهًا يلطخُهم به. "مختار الصحاح" (ص 423).
(10/430)

أقول: إنما حكى ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه قال: "كان رجلاً صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط" (1). وقد وقفتُ لسعيد على خطأ في إسناد حديث أو حديثين، وذلك لا يضرُّه، وإنما حدُّه أنه إذا خالف مَن هو أثبت منه ترجَّح قولُ الثبت. وقد أثنى عليه الإمامان ابن [1/ 258] مهدي والقطان. وقال ابن معين: "ثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون". ووثقه أيضًا ابن سعد، والعجلي، وابن قانع حافظ الحنفية. وروى عنه الأئمة: ابن المبارك، وأحمد، ويحيى، وإسحاق، وأبو خيثمة، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم.

98 - سفيان بن سعيد الثوري:
في "تاريخ بغداد" في ترجمة أبي حنيفة عدة كلمات منسوبة إلى الثوري (2)، فيها غضٌّ من أبي حنيفة، تعقَّبها الأستاذ في "التأنيب" بما تعقَّبها. وفي بعض ذلك ما يؤول إلى الطعن في الثوري. فمن ذلك: ما يتعلق بالإرجاء (3)، وقد ذكرته في قسم الاعتقاديات (4). ومن ذلك: الروايات في أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين (5). جاءت تلك الروايات عن الثوري وجماعةٍ، فتكلم الأستاذ في الروايات بما لا شأن لنا به هنا.
__________
(1) "الجرح والتعديل": (4/ 49).
(2) انظر: (13/ 391، 394، 399، 418، 419، 429، 430، 436، 447, 453).
(3) (13/ 378، 399).
(4) (2/ 555 وما بعدها).
(5) (13/ 391 - 392).
(10/431)

وقال (ص 65): "روى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله [بن] (1) داود الخُرَيبي الحافظ تكذيبَ استتابته مطلقًا. فليراجع "الانتقاء"".
أقول: تلك الرواية في "الانتقاء" (ص 150) (2) وهي من طريق محمَّد بن يونس الكُدَيمي، وقد قال الأستاذ (ص 60): "الكُدَيمي متكلَّم فيه راجع "ميزان الاعتدال"".
أقول: وراجع أيضًا "تهذيب التهذيب" (3)، وحاصل ذلك أن الكُدَيمي ليس بثقة، وقد كذَّبه جماعة.
وقال الأستاذ (ص 66): "وهناك رواية أخرى ... وذلك ما حدَّثه ابن أبي العوَّام الحافظ (؟) عن الحسن بن حمَّاد سجَّادة قال: حدثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم البصري ... ". ثم قال الأستاذ: "وفي ذلك القول الفصل, لأن أبا القاسم بن أبي العوام الحافظ (؟) - صاحبَ النسائي - وسجَّادة وأبا (4) قطن كلَّهم من الثقات الأثبات".
أقول: ابن أبي العوام ذكرته في "الطليعة" (ص 27 - 28) (5) فراجعها. ولم يتعقب الأستاذ في "الترحيب" ذلك بشيء، وأي قيمة لتوثيق الكوثري! ومع ذلك فلم يدرك سجّادة, لأن سجادة توفي سنة 241، والنسائي نفسه يروي عن رجل عنه. ويظهر أنه إنما وقع في كتاب ابن أبي العوام "حُدِّثْتُ
__________
(1) سقطت من (ط).
(2) (ص 287 - المحققة).
(3) (9/ 539 - 544).
(4) (ط): "وأبو" خطأ، والمثبت من "التأنيب".
(5) (ص 18 - 20).
(10/432)

عن الحسن بن حماد سجادة". فقول الأستاذ: "وذلك ما حُدِّثه" حقُّها أن [1/ 259] تُقرأ هكذا بالبناء للمجهول. فعلى هذا لا يُدرى مَنْ شيخ ابن أبي العوّام، إن كان له شيخ غير نفسه، وصحَّ الخبر عنه.
ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات (1) عن الثوري والأوزاعي قال: "ما وُلد في الإِسلام مولودٌ أشأمُ على هذه الأمة من أبي حنيفة".
فقال الأستاذ (ص 72): "لو كان هذا الخبر ثبَتَ عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هُوَّة الهوى والمجازفة، كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطًا لا نهوض لهما أمام الفقه الناضج. وقد ورد: "لا شؤم في الإِسلام". وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة، وأن صاحبنا مشؤوم، فمن أين لهما معرفةُ أنه في أعلى درجات المشؤومين؟ ... ".
أقول: لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع، وإنما أرادا الشؤم الذي يُثبته الشرع والعقل. إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانةً وعادةً وقوعُ الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه، ويتعدّى ذلك إلى غيرهم، ووقع ذلك ولم يزل ينتشر، ودلَّت الحالُ على أنه لن يزال في انتشار = صحَّ أن يقال: إنه مشؤوم. وإذا ظُنّ أن ما يَلْحق الأمةَ من الضرر بسبب رجل [أكثر مما يلحقها بسبب رجلٍ] (2) آخر = صحَّ أن يقال: إنه لم يولد مولودٌ أشأَمُ على الأمة منه.
كان الثوري والأوزاعي - كجمهور الأئمة قبلهما وفي عصرهما - يريان
__________
(1) (13/ 418 - 419).
(2) زيادة يقتضيها السياق، لعلها سقطت بسبب انتقال النظر.
(10/433)

الإرجاءَ، وردَّ السنة بالرأي، والقولَ ببعض مقالات الجهمية = كلَّ ذلك ضلالةً، من شأنها أن يشتدَّ ضررُها على الأمة في دينها ودنياها، ورَأَيا صاحبَكم وأتباعَه - مخطئين أو مصيبين - جادِّين في نشر ذلك، ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجُرُّ إلى ما هو شرٌّ منها، حتى جرَّت قومًا إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقًا، وآخرين إلى ردِّ الأخبار مطلقًا، كما ذكره الشافعي. ثم جرَّت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يُحتجُّ بها في العقائد! ثم إلى نسبة الكذب إلى أنبياء الله عَزَّ وَجَلَّ وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات (1).
شاهدَ الثوريُّ والأوزاعي طرفًا من ذلك، ودلَّتهما الحالُ على ما سيصير إليه الأمرُ، فكان كما ظنَّا. وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب "قضاة مصر" (2) طرف من وصف ذلك. وهل جرَّ إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأيُّ ضَرٍّ نزل بالأمة أشدُّ من هذه المقالات!
[1/ 260] فأما سقوطُ مذهبيهما، فخِيرةٌ اختارها الله تبارك وتعالى لهما. فإن المجتهد قد يخطئ خطأً لا يخلو عن تقصير، وقد يقصَّر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليدَ الذي نرى عليه كثيرًا من الناس منذ زمان طويل، الذي يتعسَّر أو يتعذَّر الفرقُ بينه وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله = فقد يلحق المجتهدَ كِفْلٌ من تلك التبعات؛ فسلَّم الله تعالى الثوري
__________
(1) (2/ 464 وما بعدها).
(2) لمحمد بن يوسف الكندي (ص 445 وما بعدها).
(10/434)

والأوازعي من ذلك.
فأما ما يرجى من الأجر على الاتباع في الحق، فلهما من ذلك النصيبُ الأوفر بما نشراه من السنة علمًا وعملًا. وهذه الأمهات الستُّ المتداوَلة بين الناس حافلةٌ بالأحاديث المروية من طريقهما, وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد! وقد قال الإِمام أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري في "تاريخه الكبير" (1) في ترجمة الثوري: "قال لنا عبدان عن ابن المبارك: كنتُ إذا شئتُ رأيتُ سفيان مصلِّيًا، وإذا شئتُ رأيته محدثًا، وإذا شئتُ رأيته في غامض الفقه. ومجلسٌ [آخر] شُهِدَ (في "التاريخ الصغير" (2) ص 187: شهدته) ما صُلَّي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: مجلس النعمان" ولهذه الحكاية طرف في "تاريخ بغداد" (3) و"تقدمة الجرح والتعديل" (4) لابن أبي حاتم وغيرهما.
وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم:
أولاً: أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة، بدون تعب في طلب الأحاديث وسماعها وحفظها والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك؛ إذ رأوا أنه يكفي الرجلَ أن يحصل له طرف يسير من ذلك، ثم يتصرَّف برأيه، فإذا به قد صار رئيسًا!
__________
(1) (4/ 92).
(2) في "الأوسط": (3/ 600) طبع خطأً باسم الصغير.
(3) (13/ 428).
(4) (ص 65, 115 - 116).
(10/435)

ثانيًا: وليَ أصحابكم قضاءَ القضاة، فكانوا يحرصون على أن لا يولُّوا قاضيًا في بلد من بلدان الإِسلام إلا على رأيهم، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاء. ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان.
ثالثًا: كانت المحنة على يدي أصحابكم، واستمرت خلافةَ المأمون وخلافةَ المعتصم وخلافةَ الواثق. وكانت قوى الدولة كلُّها تحت إشارتهم، فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار. وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه، فقصدوه بأنواع الأذى. ولذلك تعمدوا [1/ 261] أبا مُسْهِر عبد الأعلى بن مسهر عالمَ الشام وارثَ فقه الأوزاعي (1)، والإمامَ أحمد بن حنبل حاملَ راية فقه الحديث (2)، وأبا يعقوب البُوَيطي خليفة الشافعي (3)، وابنَ عبد الحكم وغيرَه من المالكية بمصر. وفي كتاب "قضاة مصر" (4) طرف مما صنعوه بمصر. وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم بمصر:
ولقد بجستَ العلمَ في طُلَّابه ... وفجَرتَ منه منابعًا لم تُفْجَرِ
فحميتَ قولَ أبي حنيفة بالهدى ... ومحمدٍ واليوسفيِّ الأذكرِ
وفتى أبي ليلى وقولَ قريعهم ... زُفرِ القياسِ أخي الحِجاج الأنظرِ
__________
(1) تأتي ترجمته [رقم 137]. وقد حُمِل إلى العراق، وهُدَّد بالقتل، ثم أودع السجن حتى مات. [المؤلف].
(2) قصته معروفة. [المؤلف].
(3) حُمل من مصر في القيود والأغلال، ثم أُودع السجن مقيدًا إلى أنصاف ساقيه مغلولةً يداه إلى عنقه إلى أن مات. [المؤلف].
(4) للكندي (ص 445 وما بعدها). وانظر "رفع الإصر عن قضاة مصر": (2/ 387 وما بعدها) للحافظ ابن حجر.
(10/436)

وحطَمتَ قولَ الشافعيِّ وصَحْبِه ... ومقالةَ ابنِ عليةٍ لم تُصْحِرِ
ألزقتَ قولَهم الحصيرَ فلم يجُزْ ... عرضَ الحصيرِ فإنْ بدا لك فاشبُرِ
والمالكيةُ بعد ذكرٍ شائعٍ ... أخملتَها فكأنَّها لم تُذْكَرِ
ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك. راجع كتاب "قضاة مصر" (ص 452).
رابعًا: غلبت الأعاجم على الدولة، فتعصَّبوا لمذهبكم لعلة الجنسية، وما فيه من التوسع في الرُّخَص والحيل!
خامسًا: تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة.
سادسًا: قام أصحابكم بدعايةٍ لا نظير لها، واستحلُّوا في سبيلها الكذب حتى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما نراه في كتب المناقب.
سابعًا: تمَّمُوا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في "تأنيبه" كما شرحتُ أمثلة من ذلك في "الطليعة" وفي هذا الكتاب، ومرَّ بعضها في هذه الترجمة نفسها.
[1/ 262] فأما النضج الذي يدّعيه الأستاذ، فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في المسألة الأولى منها!
وقد كان خيرًا للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يُطوَى الثوبُ على غَرِّه، ويُقَرَّ الطيرُ على مَكِناتها، ويدعَ ما في "تاريخ بغداد" مدفونًا فيه، ويذَر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورًا عليهم، ويتمثَّل قول زهير (1):
__________
(1) شرح شعر زهير بن أبي سلمى، صنعة ثعلب (26 - 28).
(10/437)

وما الحربُ إلا ما علمتُمْ وذقتُمُ ... وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمِ
متى تَبعثُوها تَبعثُوها ذميمةً ... وتَضْرَ إذا أضريتموها فتَضْرَمِ
فتَعْرُكُكُم عَرَكَ الرَّحى بِثفَالها ... وتَلْقَحْ كِشافًا ثم تُنْتَجْ فتُتْئِمِ
فتنتَجْ لكم غلمانَ أشأمَ كلُّهم ... كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفْطِمِ
فتُغْلِلْ لكم ما لا تُغِلُّ لأهلها ... قُرًى بالعراق مِن قفيزٍ ودرهمِ
وقد جرَّني الغضبُ للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شرِّ نفسي وسيِّئ عملي {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي، فليراجع تراجمهما في "تقدمة الجرح والتعديل" (1) لابن أبي حاتم، و"تهذيب التهذيب" (2) وغير ذلك.
ولنتبرَّك بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث". وقال عبد الله بن المبارك: "كتبتُ عن ألف ومائة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سفيان"، ثم قال: "ما رأيت أفضل من سفيان". وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: "ما رأيت أفقه من سفيان".
وقال أبو إسحاق الفَزاري: "ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي
__________
(1) (ص 55 - 125 و184 - 218).
(2) (4/ 111 - 115 و6/ 238 - 242).
(10/438)

والثوري ... ولو خُيَّرتُ لهذه الأمة لاخترتُ لها الأوزاعي ... وكان والله إمامًا إذ لا نُصيب اليومَ إمامًا". وقال ابن المبارك: "لو قيل لي: اختر لهذه الأمة لاخترتُ الثوري والأوزاعي، ثم لاخترتُ الأوزاعي؛ لأنه أرفق الرجلين". وقال الخُريبي: "كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه".

99 - [1/ 263] سفيان بن عُيينة:
شارك الثوريَّ في بعض الكلمات التي نقَمَها الأستاذ، ولا حاجة لذكر ذلك هنا, ولعلك ترى طرفًا منه في مواضعه. وأكتفي بالنظر فيما ذكره الأستاذ في "الترحيب" (ص 27) قال: "لم أذكر في "التأنيب" أن سفيان بن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر، فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط".
أقول: قال الذهبي في "الميزان" (1): "روى محمَّد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعُه لا شيء. قلتُ: سمع منه فيها محمَّد بن عاصم صاحب ذاك الجزء العالي. ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع. وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات، ولم يَلْقَه أحد فيها؛ لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر. وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان، وأعُدُّه غلطًا من ابن عمار؛ فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحديثهم (2) عن
__________
(1) (2/ 360 - 361).
(2) في "الميزان": "وتحدّثهم".
(10/439)

أخبار الحجاز، فمتى تمكَّن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان، ثم يشهد عليه بذلك، والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع، مع أن يحيى متعنِّت جدًّا في الرجال، وسفيان فثقة مطلقًا، والله أعلم".
قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (1): "ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حجَّ في تلك السنة، واعتمد قولَهم، وكانوا كثيرًا، فشهد على استفاضتهم؟ وقد وجدتُ عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عن ابن عمار في حق ابن عيينة. وذلك ما أورده أبو سعد (2) ابن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من "ذيل تاريخ بغداد" بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنتَ تكتب الحديث، وتحدِّث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه! فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة "كتاب الإيمان" لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إنّ ابن عيينة تغيّر أمرُه بأَخَرة، وإن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب".
أقول: كان ابن عيينة بمكة، والقطان بالبصرة، ولم يحج القطان سنة سبع؛ فلعله حجَّ سنة [1/ 264] ستٍّ، فرأى ابنَ عيينة قد ضعف حفظُه قليلاً، فربما أخطأ في بعض مظانَّ الخطأ من الأسانيد. وحينئذ سأله, فأجابه، كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر. ثم كأنه بلغ القطانَ في أثناء سنة سبع أو
__________
(1) (4/ 120 - 121).
(2) (ط): "سعيد" تصحيف.
(10/440)

أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة أخطأ في حديثين، فعَدَّ ذلك تغيُّرًا، وأطلق كلمة "اختلط" على عادته في التشديد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على عَلَم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحيّ لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثيرٌ من أهل العلم وشاع وذاع. وهذا "جزء محمَّد بن عاصم" سمعه من ابن عيينة في سنة سبع، ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفًا واحدًا. فالحق أن ابن عيينة لم يختلط، ولكن كبر سنُّه، فلم يبق حفظُه على ما كان عليه، فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها، كحديثه عن أيوب. والذي يظهر أن ذلك خطأ هيِّن، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة، ووثَّقوا ابن عيينة مطلقًا.
ومع هذا فالحكاية التي تكلَّم فيها الأستاذ، هي واقعة جرَتْ لابن عيينة أخبر بها, وليس ذلك من مظان الغلط. وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه. قال أبو عَوانة في "صحيحه" (ج 1 ص 365): "كان ثقة من كبارأصحاب سفيان وممن سمع قديمًا منه".
ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها (1). ومن ذلك: قال ابن وهب صاحب الإِمام مالك: "ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة". وقال الشافعي: "ما رأيت أحدًا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدًا أكفَّ عن الفُتْيا منه"، وقال أحمد: "ما رأيت أحدًا أعلمَ بالقرآن والسنن منه".
__________
(1) انظر "تقدمة الجرح والتعديل": (ص 32 - 54)، و"تهذيب التهذيب": (4/ 117 - 122).
(10/441)

100 - سفيان بن وكيع:
في "تاريخ بغداد" (13/ 379 [387]) عنه قال: "جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابنُ أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق ... ".
قال الأستاذ (ص 57): "كان ورَّاقه كذَّابًا يُدخِل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو، فنبَّهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يغيِّر ورَّاقه، فلم يفعل؛ فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد".
أقول: حسَّن الترمذي بعضَ أحاديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (1)، وقال: "كان شيخا فاضلًا صدوقًا إلا أنه ابتلي بورَّاقِ سَوءٍ .... وهو من الضرب الذين لَأَنْ يخِرَّ أحدُهم من [1/ 265] السماء أحبُّ إليهم من أن يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وذكر له ابن عدي (2) خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللًا ثم قال: "إنما بلاؤه أنه كان يتلقَّن. يقال: كان له ورَّاق يُلقِّنه من حديثٍ موقوفٍ فيرفعه، أو مرسلٍ يُوصله، أو يبدِّل رجلاً برجل". والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب. فإذا صحَّ أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعنِ فيه بقصة الوراق فائدة هنا. وأكبرُ ما في الحكاية قولُ أبي حنيفة
__________
(1) بل في "المجروحين": (1/ 355) ونص كلامه هناك. والمؤلف نقل كلام ابن حبان من "تهذيب التهذيب": (4/ 124) ولم يعزه الحافظ إلى "الثقات" فسبق ظن المؤلف أنه فيه لأجل ثناء ابن حبان عليه ولم يكن كتاب "الثقات" قد طبع في ذلك الوقت.
(2) (3/ 419).
(10/442)

المقالةَ المذكورة، والأستاذ يُثبت ذلك ويتبجَّح به.

101 - سلَّام بن أبي مُطيع:
مرَّت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر (1).
قال الأستاذ (ص 109): "قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ".
أقول: هذا رجل من رجال "الصحيحين" منسوب إلى العقل، لا إلى الغفلة؛ فكأنَّ الحاكم صحَّف (2). قال أبو داود: "كان يقال: هو أعقل أهل البصرة". وقال البزَّار: "كان من خيار الناس وعقلائهم". وقال أحمد وأبو داود: "ثقة". وقال ابن عدي: "لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كلِّه عندي لا بأس به".
فكأنَّ ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبًا، فأطلق. وروايته هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصةٌ جرت لأيوب شهدها سلَّام. وليس ذلك من
__________
(1) رقم (97).
(2) كلام الحاكم في كتابه "المدخل إلى معرفة الصحيح": (2/ 723 - 724) ونصه: "هو منسوب إلى الغفلة في الأخْذ وإلى سوء الحفظ في الأداء" ثم ذكر قصة فيها أنه كان ينام وقت الإملاء ثم يقوم وينسخ من كتاب أقرانه. فهذا ما عناه الحاكم بالغفلة في الأخذ، ولم يقصد الغفلة التي هي ضد العقل. وبنحوه قال ابن حبان في "المجروحين": (1/ 341) وعبارته: "كان سيئ الأخذ كثير الوهم" ولعل الحاكم أخذها عنه بدليل أنه ساق القصة نفسها التي ساقها ابن حبان، وكثيرًا ما يتابعُ الحاكمُ ابنَ حبان في عبارات الجرح خاصة.
(10/443)

مظنة الغلط. راجع (ص 9) (1).

102 - سلامة بن محمود القيسي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 374 [380]) عنه: "حدثنا عبد الله بن محمَّد بن عمرو قال: سمعتُ أبا مُسْهِر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة".
قال الأستاذ (ص 45): "من الزهاد المستثنِين في كل شيء إلا في مثل هذا"!
أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن، قال: إن شاء الله. وليس هذا بقادح، وقد ذكرتُ هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (2). (3)

103 - سلمة بن كُلْثوم:
في "تاريخ بغداد" (13/ 397 [418]): من طريق أبي توبة: "حدثنا [1/ 266] سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيا منه. قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله، إن كان لينقضُ الإِسلامَ عروةً عروةً".
قال الأستاذ (ص 109): "يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم".
__________
(1) (ص 12 - 13).
(2) (2/ 569 - 577).
(3) سلم بن سالم الباهلي، لم أجده.
سلم بن عبد الله، يأتي في سليمان بن عبد الله. [المؤلف]. رقم (104).
(10/444)

أقول: عبارة الدارقطني على ما في "التهذيب" (1): "يهم كثيرًا". وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع (ص 9) (2). وقال أبو اليمان: "كان يقاس بالأوزاعي". (3)

104 - سليمان بن عبد الله:
في "تاريخ بغداد" (13/ 382 [392]) من طريق: "أحمد بن مهدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني سَلْم (وفي طبعة الهند: سليمان) بن عبد الله، حدثنا جرير، عن ثعلبة ... ". وفيه: (13/ 398 [419]) مثل هذا السند، وفيه "سليمان بن عبد الله" باتفاق النسخ.
قال الأستاذ (ص 65): "واه إن كان سَلْمَ بن عبد الله الزاهد. وليس بشيء إن كان سليمانَ بن عبد الله الرَّقِّي. وإن كان غيرَهما، فمجهول". وقال (ص 110): "هو أبو الوليد الرَّقَّي. قال ابن معين: ليس بشيء".
أقول: ذكر الذهبي في "الميزان" (4) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرَّقِّي، وذكر قول ابن معين: "سليمان بن عبيد الله الرَّقِّي ليس بشيء". وذكر قبله (5) بتراجم: "سليمان بن عبد الله أبو الوليد الرقي، قال ابن معين: ليس
__________
(1) (4/ 155).
(2) (ص 12 - 13).
(3) سليم بن عيسى. راجع "الطليعة" (ص 83 - 85 [65 - 67]).
سليمان بن حسان الحلي. راجع "الطليعة" (ص74 [57]). [المؤلف].
(4) (2/ 404).
(5) (2/ 402).
(10/445)

بشيء". تعقبه ابن حجر في "اللسان" (1) في هذا، فقال: "ما أعلم أن هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو، فقد ذكر المؤلف في ترجمته قول ابن معين هذا". وابن حجر واسع الاطلاع، وقد استدرك على الذهبي عدة أوهام. ويظهر أن الذهبي كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيَّده في مذكِّرته ليلحقه في موضعه من "الميزان". فقد يقع التصحيف والوهم إما من المأْخَذ الذي نقل عنه الذهبي، وإما من سرعة كتابة الذهبي في مذكرته.
وعلى كل حال، فقد جازف الأستاذُ بجزمه أنَّ الواقعَ في السند هو هذا الذي ذكره الذهبي؛ لأنه إن كان هذا الذي ذكره الذهبي لا وجود له فواضح، وإن كان موجودًا فلا يُدرَى في أيِّ عصر كان، وعمَّن روى، ومن روى عنه؟ وليس هو من بلد أحمد بن إبراهيم، ولا من [1/ 267] بلد جرير.
وهذا الاسم "سليمان بن عبد الله" ليس بغريب حتى يقِلَّ الاشتراك فيه. أرأيت لو قال قائل: بل المذكور في السند هو سليمان بن عبد الله بن محمَّد بن سليمان بن عبد الله بن محمَّد بن سليمان بن أبي داود الحراني، لأنه موجود قطعًا، وكان في تلك الطبقة قطعًا؛ ألا يكون هذا أقرب من قول الأستاذ بكثير؟
وحينئذ يضِجُّ الأستاذ ويقول: هذا سَعْيٌ في تصحيح المثالب التي يأبى العقلُ صحتها. فنقول له: إن كان العقل الذي يعرفه الناس، فلا يضرُّك معه أن يكون هذا الواقع في السند هو الحرَّاني أو مَن هو أثبت منه؛ لأن الخبر المخالف للعقل لا يُقبل ولو من الثقة، كما ذكرتَه أنت في "الترحيب"، وإذا
__________
(1) (4/ 162).
(10/446)

تفرد الثقة بما لا يُقبل حُمِلَ على الخطأ واسترحتَ منه.
وإن كان المراد بالعقل ما يسمِّيه الناس "الهوى"، فليس لك أن تتبعه. فإن لم تستطع إلا اتباعه، فعلى الأقل لا تَرْمِ بِدائك مَن هو أقربُ إلى الحق منك. فإن صحَّ أن له هوى مضادًّا لهواك، فليس لك أن تلومه. هَبْ أن الناس أعطوك حكمَك أنَّ لك أن تتَّبعَ هواك، وتُنكِرَ على من خالفك، فهل يبلغ من ذلك أن يَدَعُوك تنكر على مخالفك ما هو حقٌّ لا شبهة فيه، ولا يمكنك أن تجحده بقلبك وإن جحدتَه بلسانك، كأن يقال: أن المتنَين المرويَّين بهذا السند قد رُويا وما في معناهما من طرق أخرى قوية، قد ذكرتَها أنت أو بعضها في "تأنيبك"؛ بل لعل أحدهما متواتر التواترَ في اصطلاح أهل العلم، لا في اصطلاحك الخاصَّ إنْ حَسَّنَّا الظن بك؛ فإنك تطلق كلمة "متواتر" على ما يشتهر في كتب المناقب، وإن كان أصله مما لا تقوم به الحجة!

105 - سليمان بن عبد الحميد البَهْراني:
ذكر الخطيب من طريقه حكايةً في ترجمة محمَّد بن الحسن، فقال الأستاذ (ص 186): "مختلف فيه. يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة".
أقول: قد أحسن الأستاذ بقوله: "مختلف فيه"، فإن سليمان هذا وثَّقه مَسْلمة. وقال ابن أبي حاتم (1): "هو صديق أبي كتب عنه، وسمعتُ منه بحمص، وهو صدوق". وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (2). وذكره ابن حبان في
__________
(1) "الجرح والتعديل": (4/ 130).
(2) رقم (18).
(10/447)

"الثقات" (1) وقال: "كان ممن يحفظ الحديث ويتنصَّب". والنسائي رحمه الله نُسِب إلى طرف [1/ 268] من التشيُّع، وهو ضد التنصُّب؛ فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم، وهي النصب. وقد قال الأستاذ (ص 163): "فلا يُعتدُّ بقول من يقول: فلان يكذِب. ما لم يفسِّر وجهَ كذبه ... "!

106 - سليمان بن فُليَح:
تقدمت من طريقه حكاية في ترجمة خالد القَسْري (2). وفي "تاريخ بغداد" (14/ 256) من طريق: "هارون بن موسى الفَرْوي، حدثني أخي عمران بن موسى قال: حدثني عمّي سليمان بن فُلَيح قال: حضرت مجلس هارون الرشيد ... ".
قال الأستاذ (ص 62): "قال أبو زرعة: لا أعرفه، ولا أعرف لفليح ولدًا غير محمَّد ويحيى". وذكر نحو ذلك (ص 175)، وزاد: "قلت: وله أيضًا موسى إلا أنه في عداد المجاهيل. وأما ما يقوله ابن حجر في "اللسان" من احتمال كون الاسم مقلوبًا عن فليح بن سليمان، فبعيد عن القبول والاحتمال ... فسليمان بن فليح مجهول على كل حال. فمجردُ تصوُّرِ شخص يغشى مجلس الرشيد ويردُّ على مثل أبي يوسف ولا تكون شخصيته معلومة عند أهل العلم سلفًا وخلفًا كافٍ في معرفة أن الخبر مختلَق، والسند مركَّب".
أقول: في "الأغاني" (ج 18 ص 73) من طريق: "أبي محمَّد اليزيدي
__________
(1) (8/ 281).
(2) رقم (87).
(10/448)

قال: كان الرشيد جالسًا في مجلسه، فأُتي بأسير من الروم، فقال لذُفَافة العبسي: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه. فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه أيضًا. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدَّمَتْني ضَرْبة عَبَسية ... ".
وفيها (ج 14 ص 59): "أخبرني الحَرَمي ابن أبي العلاء، ثنا الزبير بن بكَّار، عن عمه، عن فليح بن سليمان قال: مررنا يومًا مع خالصة (جارية للرشيد) في موكبها ... " (1).
__________
(1) أقول: ومما وقفت عليه من أخباره ما يلي:
- قال العيني في "مغاني الأخيار": (1/ 443): "ذكره ابنُ يونس في العلماء الذين قدموا مصر، وقال: روى عنه عمرو بن الربيع بن طارق ولم يزد على هذا شيئًا ...
قلت: روى له أبو جعفر الطحاوي".
- وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق": (50/ 81) من طريق الزبير بن بكار حدثني عمران بن موسى بن فليح حدثني عمي سليمان بن فليح قال: استنشدني يومًا أمير المؤمنين هارون الرشيد لكثيّر فأنشدته نسيب قصيدة له ... ".
- وفي "تاريخ الطبري": (4/ 455): "حدثني محمَّد بن يحيى قال: حدثني الحارث بن إسحاق قال: أغاروا على دار مروان ودار يزيد، وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر، فلم يدعوا فيهما شيئًا، قال: وشَخَص سليمانُ بن فليح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر".
- وله ابن اسمه محمَّد، ذكره ابن حبان في "الثقات": (9/ 146) وابن يونس في "تاريخه - المجموع": (2/ 206) وساق نسبه وقال: "محمَّد بن سليمان بن فليح ابن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين الخزاعي يكنى أبا جعفر، مديني، قدم إلى مصر، له دار بمصر بناها في سنة إحدى وثمانين ومائة".
(10/449)

وفليح بن سليمان المشهور توفي سنة 168 قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد، ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها، ومع ذلك فليس هو من آل أبي فروة. وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما. والأشبه - والله أعلم - أنه كان لفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء: محمَّد ويحيى وموسى وسليمان، وجهل أبو زرعة سليمان كما جهل موسى. ثم كان لموسى ابنان: هارون وعمران المذكوران في السند. فسليمان أخو محمَّد كما قال محمَّد، وعمُّ عمران كما قال عمران. وهو ابنُ فليح الذي ذكره اليزيدي. و (1) الواقع في [1/ 269] رواية "الأغاني" الثانية باسم "فليح بن سليمان" إما أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل "ابن فليح بن سليمان"، فسقطت كلمة "ابن".
ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث، فيعرفه أهل الحديث، وإنما كان كما قال أخوه: "علاَّمة بالناس"، يعني: بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية اليزيدي: "تقدمتني ضربة عَبَسية". يشير إلى قصة وَرْقاء بن زهير العبسي التي ذكرها الفرزدق في قوله:
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضَرَبوا به ... نبا بيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالدِ (2)
وكان منقطعًا إلى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئًا، كما يأتي في ترجمة
__________
(1) (ط): "وهو" والصواب ما أثبتّ، والسياق يدلّ عليه.
(2) انظر: النقائض (1/ 384).
(10/450)

أبي جزي (1). ومثلُ هذا لا مانع أن تكون له دالَّة تُجَرِّئه على الكلام في مجلس الرشيد. وعلى كل حال فليس هو ممن يثبت بروايته خبر، فإن كان هناك ما يدفع صحة خبره - كما يقول الأستاذ - فالحمل عليه، ولا مسوِّغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع "الطليعة" (ص 27 - 28 و93 - 94) (2).

107 - سُنَيد بن داود.
مرَّت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه في ترجمة حجاج بن محمَّد (3). وبقي قول النسائي: "غير ثقة" وقول أبي داود: "لم يكن بذلك" وقول أبي حاتم: "ضعيف". كذا في كتاب ابنه (4). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (5)، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416) (6). وقال الخطيب: "كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي شيء غَمَصوا عليه؟ وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال: بغدادي صدوق". قال الخطيب: "كان له
__________
(1) رقم (270).
(2) (ص 15 - 20 و72 - 73). ووقع في (ط) العزو إلى الطليعة (و93 - 64) خطأ.
(3) رقم (71).
(4) هذا القول نقله المؤلف من "تهذيب التهذيب": (4/ 244) والحافظ تَبَع للمزي في "تهذيب الكمال": (3/ 303)، والذي في "الجرح والتعديل": (4/ 326): "صدوق".
(5) (8/ 43).
(6) (3/ 396).
(10/451)

معرفة بالحديث وضبطه".
أقول: ما أراهم غَمَصوا عليه إلا ما تقدَّم في ترجمة حجاج. ولعل من شدَّد لم يتدبر القصة، وقد تقدَّم الجواب الواضح عنها، وكفى بقول حاكيها نفسِه وهو الإِمام أحمد: "كان سنيد لزم حجاجًا قديمًا، وقد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق".

108 - شريك بن عبد الله النخعي القاضي:
في "تاريخ بغداد" (13/ 372 [376]) عنه: "كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى ... " وفيه (13/ 381 [389]) عن أحمد بن إبراهيم قال: [1/ 270] "قيل لشريك: استتيب أبو حنيفة؟ قال: قد علم ذلك العواتقُ في خدورهنّ". وعن يحيى بن آدم: "سمعت شريكًا يقول: استتبتُ أبا حنيفة مرتين". وعن يحيى بن حمزة: "حدثني شريك بن عبد الله قاضي الكوفة أن أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرتين". وعن أبي معمر (إسماعيل بن إبراهيم بن معمر) قال: "قيل لشريك: ممَّ استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر". وفيه (3/ 397 [417]) عن شريك: "لو كان في كلِّ رُبْعٍ من أرباع الكوفة خمَّار يبيع الخمر كان خيرًا من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة".
قال الأستاذ (ص 40): "معروف أن شريكًا كان له لسان ذلق لا واخذه الله. وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرَّق بين مدلولَي الدين والإيمان, ولا يهتدي إلى وجه الجمع بين الظواهر المتضاربة في ذلك، وتَابعَ الخوارج أو المعتزلة من حيث لا يعلم".
وقال (ص 61): "والتحقيق أن شريكًا ثقة في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس".
(10/452)

وقال (ص 64): "الخبر كذب ملفَّق، وخاصةً بهذا اللفظ (استتبت أبا حنيفة) لأن شريكًا إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي حنيفة بخمس سنين". وقال بعد ذلك: "وشريك يكاد (1) يكون ممن لا يعرف ما هي الزندقة؟ ".
وقال (ص 108): "ولو فرضنا أن شريكًا قال هذا لكان آذى نفسه ... لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر، كانوا يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك ... فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه منعُ أصحاب أبي حنيفة من احتساء النبيذ، حتى تمنّى أن يكون في كل حيّ من الأحياء خمَّار لينتشي كما يشاء ... وشريكٌ ممن عُرِف بطول اللسان، وقد اضطربت أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقولُ أهل النقد فيه معروف، وحسابُه على الله".
أقول: أما القضية الأولى وهي في الإرجاء، فقد ذكرت المسألة في قسم الاعتقاديات (2).
وأما حال شريك في نفسه، فمن أجلَّة العلماء وأكابر النبلاء. فأما في الرواية, فكثير الخطأ والغلط والاضطراب، فلا يُحتجُّ بما ينفرد به أو يخالف. ونَسَبه الدارقطني وابن القطان وعبد الحق إلى التدليس.
وأما قوله: "استتبت أبا حنيفة"، وقولهم له: "استتبتم أبا حنيفة؟ " فلا مانع من صحته. وقد جاء نحو ذلك عن سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل: "تُبْ". فقد يقول العالم وإن لم يكن قاضيًا ولا أميرًا ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على [1/ 271] واحد، فيقولون له: "تُبْ"، وقد يهدِّدونه بأنه إذا لم يتب رفعوه إلى الحاكم، وقد يُحضر الحاكمُ بعضَ
__________
(1) (ط): "كان" والتصحيح من "التأنيب".
(2) (2/ 555 فما بعدها).
(10/453)

العلماء ويتساورهم (1) في رجل، فيستتيبونه بحضرته.