Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 005


آثار الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(5)
عمارة القبور في الإسلام
(المبيضة) و (المسودة)
ويليه:
يسر العقيدة الإسلامية
تأليف
الشيخ العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(5/ 1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(5/ 1/2)

راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
سعود بن عبد العزيز العريفي
(5/ 1/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(5/ 1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذه رسالة محررة من مؤلفات الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في مسألة من مسائل الفقه من حيثُ أصلُها, ولها تعلُّق بالعقيدة من حيث نتائجُها وما تفضي إليه، وهي مسألة البناء على القبور وحكمها في الإِسلام؛ فحرّر القولَ فيها على طريقة الاجتهاد؛ من ذكر النصوص في المسألة، ثم النظر فيها ثبوتًا ودلالةً، على نحوٍ لم يسبقه إليه أحد ممن تكلم في المسألة، على عادة المصنف رحمه الله في التحقيق والتحرير.
وقد كُتب في هذه المسألة عدة مصنفات، وذكر المؤلف في مقدمة رسالته هذه أنه اطلع على بعض ما أُلف في هذه المسألة، فأراد هو أن ينظر فيها نظرَ متحرٍّ للحق بدليله من الكتاب والسنة. فكان ذلك ولله الحمد.

* فمِن المصنفات في المسألة على نهج أهل السنة ما يلي:
1 - رسالة في أن ما يوضع على القبور باطل، لنوح الرومي (ت 1070 ه)، مخطوط في دار الكتب المصرية (1).
__________
(1) انظر "معجم الموضوعات المطروقة": (2/ 955).
(م 5/ 1-2/5)

2 - شرح الصدور في تحريم رفع القبور، للشوكاني (ت 1250 ه). وهي رسالة صغيرة لا تزيد على ست عشرة صفحة. وقد اطلع عليها المؤلف ونقل منها في مسوّداته لهذا الكتاب، انظر مجموع رقم (4717) في مكتبة الحرم المكي ص 57. لكنه لم ينقل منه في هاتين النسختين (المبيضة والمسوّدة) اللتين بين يديك.
3 - العِلْم المأثور والعَلَم المشهور واللواء المنشور في بدع القبور (1).
4 - كتاب القاضي العدل في حكم البناء على القبور، كلاهما لتقي الدين محمَّد بن عبد القادر الهلالي (ت 1407 ه). وهذا الأخير طبع سنة 1346 ه. وكان قد نُشر قبل ذلك في السنة نفسها في "مجلة المنار"، ثم أعيد طبعه سنة 1430 ه بتحقيق د. صادق بن سليم. وهو رد على القزويني الرافضي.

* ومن المصنفات على طريقة أهل البدع:
5 - البيت المعمور في عمارة القبور، لعلي النقوي اللكهنوي الرافضي (ت 1408 ه). وقد طبع في الهند سنة 1345 ه (2). وهو ردّ على الوهّابية كما ذكر مؤلفه (3)!
__________
(1) ونُشرت هذه الرسالة أولًا في "مجلة الهدي النبوي" مجلد 30 الأعداد 3 - 5، 7 - 10 عام 1385 ه بعنوان "العلم المأثور والعَلَم المنصور واللواء المنشور في الرد على أهل الغرور المستنجدين بالمقبور".
(2) انظر "معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية" (ص 317 - 318).
(3) انظر ترجمته لنفسه المنشورة في مجلة ينابيع عدد 32 لعام 1430 ه.
(م 5/ 1-2/6)

6 - إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء القباب على القبور، لأحمد بن الصديق الغماري (ت 1381 ه). ولا أدري هل اطلع المصنف على هاتين الرسالتين؟
7 - الردّ على الوهابية لحسن صدر الدين الكاظمي الرافضي (ت 1354 ه). وهذه الرسالة طبعت سنة 1345 ه. وهي لا تختصّ بمسألة البناء على القبور، بل معها جملة من المسائل في التوحيد والتوسل والشفاعة. وهذه الرسالة هي التي تعرّض المصنف لها بالنقد في عدّة مواضع من الكتاب، وسمّى مؤلِّفَها صراحةً، كما سيأتي في مبحث سبب تأليف الكتاب.
****
ورسالتنا هذه كتبها المؤلّف عدة مرات في عدة نسخ، وقفتُ منها على ثلاث (سيأتي وصفها ص 22 - 24)، مع تقييدات أخرى متفرقة في المجاميع تتعلق بالموضوع، لكن ليست فيها نسخة مبيّضة نهائيّة، فكلها مسوّدات يكثر فيها الضرب والشطب والإلحاق والبياضات ... ، لكن أكملها وأمثلها ترتيبًا هي التي أطلقتُ عليها (المبيضة)، وسميت النسخة الأخرى (المسوّدة). وأوضحت في مبحث مستقل (انظر ص 20 - 22) الفروق بينهما ودواعي نشر النسختين معًا , ولماذا لم نكتف بما اعتبرناه (المبيّضة).
وقد قدّمتُ بين يدي هذه الرسالة في نسختيها عددًا من المباحث لمزيد التعريف بها، وهي:
- أولاً: اسم الكتاب.
- ثانيًا: ثبوت نسبته للمؤلف وتاريخ تأليفه.
(م 5/ 1-2/7)

- ثالثًا: سبب تأليفه.
- رابعًا: عرض موضوعات الكتاب في نسختيه.
- خامسًا: بين المسوّدة والمبيضة، ودواعي طبعهما.
- سادسًا: وصف النسخ الخطية.
- سابعًا: منهج التحقيق.
وختمته بالفهارس المتنوّعة، اللفظية والعلمية.
وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب
علي بن محمد العمران
في 23 ربيع الأول 1432 ه
Aliomraan@hotmail.com
(م 5/ 1-2/8)

التعريف بالكتاب في نسختيه
* أولاً: اسم الكتاب:
ترك المصنف عدة نسخ من هذه الرسالة (كما سيأتي الكلام عليها) ليس على شيء منها اسمٌ لا على صفحة العنوان ولا في مقدمة الكتاب. لكن وجدت المؤلف قد ذكر اسم الكتاب صريحًا في مسوّدة الكتاب ضمن المجموع رقم (4717) إذ قال في ص 4 ما نصّه: "يلحق برسالة عمارة القبور في الإِسلام". فهذا هو الاسم الكامل الذي وجدناه للكتاب.
ويؤيده ولا يناقضه أن المؤلف قد ذكره في كتابه الكبير "العبادة" في موضعين، وسماه هناك (عمارة القبور). قال في الموضع الأول: "وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا (عمارة القبور) " (1). وفي الثاني: "وقد عَثَرْتُ له على عِلَّةٍ قادحةٍ بيَّنتُها في رسالَتي (عمارة القبور) " (2). وعدم ذكر عبارة "في الإِسلام" لا يعدو أن يكون اختصارًا أو تخفيفًا كما جرت العادة بذلك.
وهذه التسمية لا نجزم أنها التسمية العَلَمية للكتاب، ولا أنها التي استقرّ المصنف على إطلاقها على كتابه؛ لأنه من عادة المؤلف أن يختار عنوانات مسجوعة لكتبه كما ذكرتُ في موضع آخر، ولأنه عادةً ما يُتسامح في تسمية الكتب إذا جاءت في غير صفحة العنوان أو مقدّمة المؤلف، فتُذكر بموضوع الرسالة أو يُختصر العنوان أو يُتصرّف فيه. ومهما يكن من أمر فإن ذِكر المؤلف له بهذا العنوان في ثلاثة مواضع قد قرّب لنا تسمية هذه الرسالة.
__________
(1) (ص 729).
(2) (ص 815).
(م 5/ 1-2/9)

* ثانيًا: ثبوت نسبته للمؤلف وتاريخ تأليفه:
الكتاب ثابت النسبة لمؤلفه، فهو بخط مصنّفه المعروف في كل نسخه التي وُجدت، وهي نسخ (كما سيأتي وصفها) مسوّدة كثيرة الضرب والتعديل، وهذه لا تكون إلا من صنيع مؤلف الكتاب أو الرسالة كما هو معروف.
ومما يدلّ على ثبوت الكتاب له أنه قد ذكره في كتابه الكبير "العبادة" في موضعين (ص 729, 815) قال في الموضع الأول: "وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا (عمارة القبور) "، وقال في الثاني: "وقد عَثَرْتُ له على عِلَّةٍ قادحةٍ بيَّنتُها في رسالَتي (عمارة القبور) ". ولكن يُشكل على هذا أننا لم نجد هذين البحثين في الكتاب، ولعلهما في أوراق لم نعثر عليها.
ثم هو جارٍ على طريقة الشيخ المعهودة في عرض المسائل والاستدلال عليها، والتمكّنُ في الكلام على الحديث والعلل والرجال ظاهر في الرسالة.
أما وقت تأليفها، فلم يظهر بالتحديد وقت تأليفها لكني أميل إلى أنه ألّفها بعد مَقدمه إلى مكة المكرمة بعد سنة 1371 ه, وذلك أن المؤلف تعرّض في ردّ الشبهات إلى ما أورده حَسَنٌ الصدر في رسالته "الرد على الوهابية" وسمى مؤلفها في (المبيّضة ص 126). أما في (المسوّدة ص 58) فلم يذكره صراحة، لكنه ذَكَر أن بعض المتطرّفين الجهّال الذين يستحبّون البناء على القبور ... وأنه إذا أنكر عليهم أحدٌ قالوا: "وهّابي" ... وظني أن قضية الوهابية والنبز بها إنما برزت عند الشيخ ولمسها لمّا جاء إلى مكة، فالله أعلم.
(م 5/ 1-2/10)

* ثالثًا: سبب تأليفه:
بين المؤلف سبب تأليفه لرسالته هذه فقال في مقدمتها: "فإني اطلعت على بعض الرسائل التي ألفت في هذه الأيام في شأن البناء على القبور، وسمعت بما جرى في هذه المسألة من النزاع، فأردتُ أن انظر فيها نظرَ طالبٍ للحق، متحرٍّ للصواب، عملًا بقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} " (1).
ولم يسمّ المصنف هذه الكتب المؤلفة في هذه المسألة، لكنه ذكر واحدًا منها في أثناء كتابه، وهو كتاب "الرد على الوهابية" لحسن صدر الدين الكاظمي الرافضي (ت 1354 ه)، فذكره صراحة في موضع واحد، فبعد أن ذكر رواية موضوعة أوردها هذا الرافضي قال: "من أراد الاطلاع على تلك الرواية, فلينظرها في رسالة حسن صدر الدين الكاظمي" (2). وكان المؤلف قد ذكرها باسمها "الرد ... " إلا أنه ضرب عليه.
وذكر المؤلف كلام الصدر الرافضي في مواضع أخرى من الكتاب وردّ عليه، فإياه عني بقوله (ص 62): "وزعم بعض الجهال أن الحديث مضطرب". وإياه عني بقوله: "وقد قال قائل ... " فذكر قوله ثم قال: "والجواب: أن هذا كذب من ثلاثة أوجه"، وكذلك عناه (ص 124) حين قال: "وقال آخر" ثم ردّ عليه. فهذه أربعة مواضع من المبيّضة رد فيها على
__________
(1) (ص 3 - المبيضة) وبنحوه في المسوّدة.
(2) (ص 126 - المبيضة).
(م 5/ 1-2/11)

ذاك الرافضي. وفي الرسالة مواضع أخر يظهر منها تعرّض الشيخ لبعض الشُّبَه التي أثارها الصدر في كتابه. أما النسخة الأخرى (المسوّدة ص 58 - 59) فقد ذكر بعض شُبه الصدر وأنها شُبَه الغلاة الجهال الذين يَصِمون كلّ مَن خالفهم بأنه "وهّابي"! ثم ردّ عليه.
ورسالة الصدر هذه ناقش فيها أهل السنة (ويسميهم الوهابية) في مسائل من توحيد العبادة، وزيارة القبور والبناء عليها والتبرك بها والدعاء عندها، وطلب الشفاعة، وإيقاد السُّرج، والذبائح والنذور عندها. ورأى جواز ذلك كله بل استحبابه! مستدلًّا في كثير من المسائل بمراجع أهل السنة وأحاديثهم زيادة في التلبيس والتضليل! ولأجل هذا التلبيس المتعمّد - فيما يظهر - خصّه الشيخ بالذكر والتعقّب.

* رابعًا: عرض موضوعات الكتاب في نسختيه:
1 - موضوعات المبيّضة:
بدأ المؤلف ببيان سبب تأليفه للكتاب، وأنه اطلع على بعض الرسائل المؤلفة في مسألة البناء على القبور، وعَلِم ما في المسألة من نزاع، فأراد أن يجتهد فيها طالبًا للحق، متحرّيًا للصواب بحسب الأدلة من الكتاب والسنة.
ثم ذكر أن رسالته مكونة من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة.
بدأ بالمقدمة (ص 4 - 15) وقد استغرقت اثنتي عشرة صفحة، وتطرق فيها إلى قضيتين:
الأولى: كمال الدين، وأنه لا هدي إلا هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، واستدل على ذلك بآيتين وحديثين، ذكرهما في صدر الكلام، ثم تكلم على وجه الاستدلال منها واحدًا واحدًا.
(م 5/ 1-2/12)

الثانية: أن الأصل في الأشياء التي خلقها الله الإباحة ولا تنتقل عن هذا الأصل إلا بدليل، وأن أمور الدين توقيفية ليس لأحد أن يتدين بشيء إلا إذا ثبت بالكتاب أو السنة. واستدل على ذلك أيضًا بآيتين وحديثين، ذكرهما ثم ذكر وجه الاستدلال منهما، وهذه قاعدة كلية في المقاصد.
ثم خَلَص إلى القول في الوسائل وأنها على نوعين: وسيلة لا يمكن أن يؤدَّى المقصَد إلا بها، ووسيلة يمكن أن يؤدَّى بها وبغيرها.
ثم نظر المؤلف في النوع الثاني، وجعله ثلاثة أقسام:
1 - إن كان للوسيلة مزية دينية لا توجد في غيرها = كان لها حكم المقصد، وضَرَبَ مثالاً عليها.
2 - إن لم يكن لها مزية دينية، وإنما اختيرت اتفاقًا = فلا مزية لها على غيرها.
3 - إن لم يترجح أحد الجانبين فمحلّ نظر.
فإن تعدّدت الوسائل انطبقتْ عليها الأقسام الثلاثة.
ثم ذكر مثالاً وهو جمع المصحف وتكييف مشروعيته، ومن أي الوسائل هو؟ وأطال وأطاب، ثم ذكر باقي ما يَستدلّ به مَن يرى جواز بعض البدع وخرّجه على نظرية الوسائل السابقة.
ثم بيَّن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سنَّ سنَّة حسنة" وأن المراد بالحُسن الحُسن الشرعي الذي يُعلَم بالكتاب والسنة، وخَلَص إلى أن الحاكم في الأمور الدينية الشرع، وفي الأمور الدنيوية الأمر على الإباحة والسَّعَة.
(م 5/ 1-2/13)

وبه خلص المؤلف إلى النظر في أمر أحوال القبور هل هي من الأمور الدينية فتكون توقيفية أو لا؟ ورجَّح أنها من الأمور الدينية بدلائل عدّة، فينبغي أن يبحث عن الكيفية التي قررها الشارع للقبور.
فبدأ بالفصل الأول (ص 16) فيما ثبت في كيفية القبر المشروعة.
ذكر فيه أولاً أن البحث يتركز على الكيفية الظاهرة، ثم ذكر آية {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ...}.
وحديث فَضالة بن عُبيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بتسوية القبور، فَسَاق الحديث من "صحيح مسلم" بلفظه ثم عقد عنوانًا (بيانُ طرقه)، وخلص إلى أن الحديث صحيح نظيف لا غبار عليه وإن وُجد في إحدى طريقيه ابن إسحاق ... ثم ذكر أحاديث أخرى تشهد له وإن اختلفت ألفاظها، ثم ذكر بعض الآثار.
بعده عقد المؤلف عنوانًا (الأحكام المستنبطة من هذه الأدلة)، فبدأ بالآية، ثم حديث فضالة وأطال فيه، وبحث في معنى "التسوية" الواردة في الحديث، وخَلَص إلى القول: "فالمراد بتسوية القبر جعله سويًّا قويمًا على ما اقتضته الحكمة من غير إفراط ولا تفريط، وذلك على الهيئة التي قررها الشارع للقبور".
ثم تكلم على الألفاظ الواردة في بقية الأحاديث ومعانيها، وبحث بشيء من التفصيل عن لفظ "مبطوحة" التي وردت في حديث القاسم، ومعانيها المحتملة، وخَلَص إلى أن الراجح هو المعنى الرابع وهو جعل البطحاء على الشيء، وذلك يقتضي تسطيح القبر.
(م 5/ 1-2/14)

وخلص في آخر المبحث إلى أن ما يتعلق بظاهر القبور من الهيئة المشروعة أمور:
1 - "رد تراب الحفرة إليها وجمعه عليها بهيئة التسنيم حتى ترتفع نحو شبر باعتبار الوسط، ولا يُزَاد على ذلك إلا ما ثبت، كوضع شيء من الحصى لا يزيد في الارتفاع، ووضع حجر عند رأس القبر علامة بشرطه.
2 - إبراز القبر" اه.
ثم عقد الفصل الثاني وهو تتمّة لبيان الهيئة المشروعة فيما يتصل بالقبر، وذكر صفة الهيئة المشروعة للقبر، وبحث في علة النهي عن الرفع والتجصيص ونحوه، ومال إلى أنها الخشية من أن يؤدي تمييز القبور إلى تعظيمها.
- ثم ذكر أثرين في الباب وهما في "صحيح البخاري" الأول: أثر الحسن بن الحسن لما ضربت امرأتُه قبةً على قبره سنة. والثاني: أثر خارجة ابن زيد: رأيتني ونحن شَبَبة ... إلخ. وبيَّن ضعفَ الأثرين سندًا ونكارتهما من جهة المعنى.
- ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ... (ص 50 - 69) فتكلم على رواياته وألفاظه، ثم تكلم على الاختلاف في أسانيده، ثم تكلم عن الاختلاف في متنه، ثم ذكر تنبيهين يتعلّقان بالصناعة الحديثية.
- ثم عقد عنوانًا جانبيًّا (رجوع) ذكر فيه أن ما زعمه بعضُ الجهّال (يعني حسنًا الصدر الرافضي) من أن الحديث مضطرب = مدفوع، وتعقّبه المؤلف أيضًا في قضايا حديثية عدة.
(م 5/ 1-2/15)

- ثم ذكر حديث جابر (ص 70 - 89): "سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقعد الرجل على القبر .... "، فتكلم على طُرقه وأسانيده وألفاظه، وروايات أخرى عن جابر في الباب نفسه.
- ثم عقد عنوانًا لبيان حال أبي الزبير المكي (أحد رواة حديث جابر)، وعنوانًا آخر لبيان حال سليمان بن موسى الراوي عن أبي الزبير.
- ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يُبنى على القبر". فذكر رواياته وأسانيده، وبحث حال القاسم بن مخيمرة أحد رواته (ص 90 - 92).
- ثم خلص إلى بحث اشتراط اللقاء بين الرَّاويَيْن (ملخّصًا) (1) (ص 93 - 99).
- ثم ذكر حديث أمّ سلمة: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُبنى على القبر أو يجصّص" وتكلم على إسناده ورواته، ثم ذكر أثرين في الباب. (ص 100 - 104).
- ثم عقد عنوان (الأحكام المستنبطة من هذه الأدلّة) (ص 104 - 108) - يعني الأدلة التي أوردها في الفصل الثاني - من الأثرين المعلّقين في "صحيح البخاري"، فذكر ما يُستنبط منهما على فَرْض صحّتهما، فإنه قد رجّح ضعفَهما.
- ثم عقد الفصل الثالث وهو: شرح حديث عليّ المتقدم (ص 50) (ص 109 - 128)، وشرح معه بعض الآثار في الباب.
__________
(1) توسّع فيه في النسخة المسوّدة.
(م 5/ 1-2/16)

- ثم تكلم المؤلف على عدة مسائل تتعلق بالقبور هي (الكتابة، الزيادة على القبر، الجلوس على القبر - وأطال فيه -, البناء على القبر - وأطال فيه - وأخذ يردّ فيه على بعض شُبه الرافضي حسن صدر الدين الكاظمي (ت 1354 ه). في البناء على القبور من رسالة له سماها "الرد على الوهّابية". (راجع مبحث سبب تأليف الكتاب).
- ثم عقد المؤلف عنوانًا سماه (آية الكهف: 21) وهي قوله تعالى: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}، فذكر الأقوال فيها والخلاف في تفسيرها، ثم نظر فيها نظر اجتهاد وتحليل، واختار في قوله: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ} أي: ابنوا عليهم مسجدًا يكون جداره سادًّا لباب الكهف، وأيّده بأنواع من الأدلة والترجيحات (ص 129 - 136). وبنهاية الكلام عليها ينتهي الكتاب.

2 - موضوعات (المسوّدة):
- بدأ المؤلف بمقدمة بيَّن فيها سبب تأليفه الكتاب كما سبق في (المبيضة) وأنه لا بد من الرد إلى كتاب الله تعالى لتبيين الحق في المسألة، ومن الرد إلى كتاب الله سؤال أهل العلم.
- ثم عنون ب (عرض هذه القضية على كتاب الله) فذكر آية: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21] , وذكر وجه استدلال مَن قال بجواز البناء على القبور منها.
- ثم ذكر عنوانًا (تحليل الاستدلال) فذكر فيه ما احتج به مَن يجيز ذلك ثم ناقشه وردّ عليه فقرة فقرة (ص 6 - 24).
(م 5/ 1-2/17)

- بعده ذكر عنوان (تحديد محلّ النزاع) ذكر فيه أن المقصود من دفن جثث الموتى هو مواراتها، والأصل فيه الاقتصار على القدر الكافي للمواراة، ثم ذكر حكم تعدِّي ذلك، وتتطرّق إلى الدفن في المقبرة المسبّلة، وإلي الدفن في الموات، والوصية بالدفن في المِلك، والدفن في مِلك الدافن.
فحرر محل النزاع بقوله: "بقي رفع القبر في غير الملك، بدون إحكام ولا بناء، وإنما هو بزيادة حصى ورمل وتراب يُرْكَم عليه حتى يرتفع.
وبقي الرفع، والتوسعة، والإحكام، والبناء فيما إذا كان في ملك الفاعل، وهذا هو الذي يصلح أن يكون محلًّا للنزاع" (ص 25 - 28).
- ثم بدأ بالكلام على مسألة الرفع في غير الملك، فذكر أدلة المجيزين، ثم أجاب عنها واحدًا واحدًا (ص 29 - 38).
- ثم عقد فصلاً في تسوية القبور، فذكر حديث فَضالة بن عُبيد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بتسويتها، وذكر طُرقه ورواياته وألفاظه.
- ثم عقد عنوانًا في (معنى التسوية) وخلص إلى أن معنى التسوية إذا أُطلقت كان المراد بها تسوية الشيء في نفسه ولا تُحمل على التسوية بالأرض إلا بقرينة. وقد وُجِدت قرينة في الحديث تدل على التسوية بالأرض (ص 43 - 46).
- بعده ذكر بحثًا عَنونه ب (تحقيق الحق في هذا البحث) أي في معنى التسوية، وأنها لا تعارض رفع القبر قليلاً من تراب حفرته، وكذلك إذا أريد تمييزه لمقصد شرعي صحيح بوضع علامة عليه ... (ص 47 - 49).
(م 5/ 1-2/18)

- بعده عنون ب (القدر المشروع لرفع القبر) وذكر في ذلك حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُفع قبره نحوًا من شبر.
- ثم تكلم على (كيفية رفع القبر) وعن معنى قوله "مبطوحة" وما قيل فيها، والراجح من ذلك، ثم ذكر جملة من أدلة التسنيم (ص 51 - 58).
- ثم تكلم على مسألة (البناء على القبر) وهو خاص ببحث مسألة البناء على القبور في المِلك، وذكر أن الناس فريقان: القائلون بالكراهة في المِلك والحرمة في المسبّلة. الفريق الثاني من غلاة الجهّال الذين يقولون بأنه مستحب أو واجب، وهم لفرط جهلهم يتهمون من ينكر عليهم بقولهم (وهابي)!! وغير ذلك ... ويستدلون على هذا القول بأدلة والرد عليها.
- ثم ذكر أدلة النهي عن البناء ونحوه ووجه دلالتها على الحرمة (ص 59 - 65).
- ثم ذكر المؤلف حديث جابر في النهي عن البناء على القبور، وذكر رواياته وألفاظه، والكلام عليه وما يشهد له. وتضمَّن مباحث حديثية دقيقة.
- ثم عنون ب (تحقيق حال أبي الزبير) (ص 81 - 87).
- بعده عنون ب (تحقيق حال سليمان بن موسى) (ص 88 - 91).
- بعده تكلم على حديث أبي سعيد الخدري، وتكلم على حال القاسم بن مخيمرة (92 - 93).
ثم عقد بحثًا عنونه ب (بحث شرط اللقاء) وعقد البحث على صورة مناظرة بين فريقين، جعل لمذهب مسلم رقم (1)، ومقابله رقم (2) وجرى هذا إلى آخر البحث (ص 94 - 108).
(م 5/ 1-2/19)

- ثم ذكر حديث أم سلمة في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُبنى على القبر أو يجصص وتكلم على ثبوته (ص 109 - 111).
- ثم عقد ما يشبه الاستدراك أو الإضافة فقال: (تتمة لحديث جابر وأبي سعيد وناعم) (ص 112 - 113).

* خامسًا: بين المسوّدة والمبيّضة، ودواعي طبعهما:
نعقد هذا المبحث لنوازن بين هاتين النسختين من هذه الرسالة، من حيثُ التقسيمُ، والترتيبُ، والزيادات وما تميّزت به كلٌّ منهما، وبه يظهر لنا دواعي طبعهما معًا وعدم الاكتفاء بإحداهما عن الأخرى، فنقول:
1 - التقسيم: في المبيضة صرّح المؤلف بتقسيمها إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، وقد وفى بترتيبه هذا في الجملة، غير أن الخاتمة لم يتمكن من كتابتها بعد أن كتب عنوانها فقط.
أما المسوّدة فلم يقسمها تقسيمًا واضح المعالم، وإنما يعنون عنوانات جانبية ويبحث تحتها المسائل، ويحيل إلى مباحث أنه سيأتي ذكرها ولم نجدها في هذه النسخة.
2 - الترتيب: ظهر من عرض الرسالة في نسختيها أنّ هناك اختلافًا في ترتيبهما، إذ بعد اتفاقهما في التصدير تبدأ المبيّضة بمقدّمة طويلة عقدها المؤلف للتدليل على أن أمور الشرع توقيفية لا تؤخَذ إلا من الشارع، ثم تكلّم على الوسائل وخَلَص إلى أن شأن القبور شأن شرعيّ يجب أن ينظر فيه بنظر الشرع. بينما المسوَّدة تخلو من هذا البحث.
(م 5/ 1-2/20)

فبدأت المبيضة بالفصل الأول: فيما ثبت في كيفية القبر المشروعة. ثم عقد الفصل الثاني وهو تتمة لبيان الهيئة المشروعة فيما يتصل بالقبر وذكر فيه جملة من أحاديث الباب وشرحها. ثم عقد المؤلف عنوانًا سمّاه (آية الكهف: 21). ثم ختم بالفصل الثالث: شرح حديث عليّ المتقدم.
أما المسودة فبدأت بعنوان (عرض هذه القضية على كتاب الله) فذكر آية 21 من سورة الكهف، ثم ذكر في عنوان مستقلّ (تحليل الاستدلال) أي من الآية، وضمَّنه افتراضات عقلية لم ترد في النسخة المبيضة لأنه رأى أن الأمر أوضح من ذلك. بعده ذكر عنوان (تحديد محلّ النزاع)، ثم بدأ بالكلام على مسألة الرفع في غير الملك، ثم عقد فصلاً في (تسوية القبور)، وآخر في (القدر المشروع لرفع القبر)، ثم تكلم على (كيفية رفع القبر)، ثم تكلم على (البناء على القبر) وهو خاص ببحث مسألة البناء على القبور في المِلك، فذكر حديثي جابر وأبي سعيد في النهي عن البناء وتكلم عليهما. ثم عقد بحثًا عنونه ب (بحث شرط اللقاء) وتوسع فيه على شكل مناظرة بين فريقين، أما المبيّضة فالبحث فيها ملخص وليس على صورة مناظرة. ثم ختم النسخة بحديث أم سلمة في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُبنى على القبر أو يجصص، ثم الاستدراك والإضافة.
3 - الزيادات والميزات: تميزت المبيضة بحسن الترتيب ووضوح فكرة المؤلف، واكتمال البحث في صورته الأخيرة, وتحديد موضع النزاع، واستيعاب الأحاديث والآثار في المسألة والكلام عليها سندًا ومتنًا. وفيها أيضًا الرد على الرافضي حسن الصدر الكاظمي في جملة من المسائل. وتمتاز المسودة بالإضافة والإفاضة في بحث آية 21 من سورة الكهف، وبحث شرط اللقاء، وذكر بعض المسائل المتعلقة بالقبور لم تذكر في المبيّضة.
(م 5/ 1-2/21)

فكانت تلك الأمور مجتمعة داعيةً إلى نشر النسختين لما في كل واحدة منهما من ميزة يحسن الوقوف عليها والإفادة منها. أما ترك المسوّدة دون طباعة فسيفقدنا تلك الفوائد، وأما التلفيق بين النسختين فغير مرضيّ لأنا سنُخرِج حينئذ كتابًا لم يكتبه المؤلف، وأما ذكر الزوائد في الحواشي فسيفقدها قيمتها، وربما تصدُّ القارئَ عن الوقوف عليها.

* سادسًا: وصف النسخ الخطية.
1 - نسخة المبيضة: محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4668/ 2] فليم رقم (3592) تقع في 120 ورقة بخط مؤلفها العلامة المعلمي، عدد الأسطر متفاوت في غالب الصفحات، كُتِبت في دفتر مسطّر معتاد بخطًّ متفاوت في الثخانة والدّقة والوضوح، ويعود ذلك لاختلاف أقلام الكتابة، واختلاف أوقاتها.
والرسالة كغالب كتب الشيخ؛ كثيرة الضرب (فقد يضرب على صفحة أو أكثر) واللحق والإضافة والتحويل والبياضات (فقد يترك ورقة كاملة أملاً في إلحاق شيء). وكان من المفترض أن تكون هذه هي مبيّضة الكتاب الأخيرة؛ لأن الشيخ قد كتب عدّة نسخ من هذه الرسالة هذه آخرها فيما أرجح، لكنها عادت مسوّدة كما بدأتْ. وقد أطلقنا عليها (المبيّضة) باعتبارها آخر ما كتب الشيخ من نُسَخ هذه الرسالة، لا باعتبار حقيقة الحال.
تبدأ النسخة بعدة صفحات تبلغ التسع فيها مقيّدات لفوائد متنوعة انتقاها الشيخ من كتاب "الاعتصام" للشاطبي (دون أن يصرح باسمه) (1) أشبه
__________
(1) وفي مجموع رقم 4717 انتقى أيضًا فوائد من "الاعتصام" مع التصريح باسمه (ص 121 - 137).
(م 5/ 1-2/22)

بالفهرس للفوائد، يذكر رقم الصفحة ثم يذكر الفائدة كاملة تارة ومُشارًا إلى رأسها تارة أخرى. وقد استمرّت كتابة هذه الفوائد إلى بداية مقدمة الكتاب وصفحة تليها، والظاهر أن الشيخ كان قد ترك ورقات من أول الدفتر فارغة وكتب المقدمة بعد عدة صفحات، فلما قرأ كتاب "الاعتصام" قيّد فوائده في تلك الصفحات الفارغة وطالت حتى تجاوزت مقدمة الرسالة.
وكلها تقييدات دون تعليق إلا في موضع واحد فقد استدرك على الشاطبي في معنى "الجماعة" الواردة في الأحاديث فقال: " ... معنى الجماعة في الأحاديث، ولم يأتِ فيها بتحقيق شافٍ. والصواب والله أعلم أن الجماعة هي السواد الأعظم من علماء الأمة المُسلّم كونهم علماء، فيدخل في ذلك عامة الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين وهلمّ جرًّا. والشاذّ من الجماعة المراد به عالم زلّ، وعلى ذلك جاء التحذير من زلّة العالم، فالغاية واحدة، وعلى هذا فعامة أهل البدع خارجون عن الجماعة أصلاً إذ ليس عامتهم من العلماء، فإن اتفق أن عالمًا ابتدع فهو الشاذّ في النار ونهبة الشيطان". والله أعلم.
وفي آخر الدفتر بعد تمام الرسالة كتب الشيخ منتقيات وفوائد من "مختصر جامع بيان العلم وفضله" و"المعجم الصغير" للطبراني - ولم يُسَمّ الأخير - في 27 ورقة.
2 - نسخة المسودة: نسختها في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4669] فليم رقم (3591) تقع في 141 ورقة. ويقال في وصفها ما قيل في وصف سابقتها. وفي أول الدفتر خمس صفحات قيد فيها المؤلف بعض الآيات والنقول من "تهذيب التهذيب" وغيره.
(م 5/ 1-2/23)

3 - المسوّدة الثانية: نسخة مسوّدة كُتبت قبل النسخة السالفة فيما أرجح تقع ضمن مجموع رقم (4717) في مكتبة الحرم المكي الشريف في 87 صفحة بترقيم المؤلف، تبدأ النسخة بتعاليق تتعلق بمسند الإِمام أحمد وكأنه تخطيط لترتيب أحاديثه، ثم تقييد لأرقام صفحات كثيرة وكُتب فوقها: "يلحق برسالة عمارة القبور في الإِسلام" ولم أهتدِ إلى مراده بهذه الأرقام!
ثم تبدأ هذه المسودة من ص 9 بقوله: "الحمد لله، الحكم الذي تدل عليه الأحاديث ... وقدمنا أن المراد ... " فالإشارة إلى ما تقدم لعله في دفتر آخر ولم نقف عليه، والنسخة ينقصها الكثير من المباحث، فلعلها في هذه النسخة المحال إليها.
وفي هذه النسخة بعض الفوائد ليست في النسخ الأخرى أثبتُّ بعضها في الهوامش، وبعضها في ملحق آخر الكتاب. وفي المجموع أيضًا مختصر ل "طبقات المدلسين" لابن حجر، وفوائد من "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية، وفوائد منتقاة من "الاعتصام" للشاطبي.

- سابعًا: منهج التحقيق
أثبتنا الكتاب في نسختيه كما تركه مؤلفه، وتتبّعنا إلحاقاته وتحويلاته في تقديم مبحث أو نصّ إلى مكانه الذي حوله إليه (انظر ق 55 و93) وغير ذلك من إشاراته، ولم نتدخّل في كبير شيء إلا في موضع واحد قدمنا فيه جملةً من الآثار كان حقها التقديم.
أما المسودة الثانية فاستعرضتُها فرأيت فيها موضعين مفيدين يحسن إثباتهما، فأثبتّ الأول في هامش ص 114 وهو تعليق للشيخ على كلام ابن حجر الهيتمي، والموضع الثاني في مسألة البناء على القبور وشُبهة قد يثيرها
(م 5/ 1-2/24)

مَن يجيز البناء مع الجواب عليها، ومع أنها مذكورة في (المبيَّضة) إلا أنها هنا تختلف في طريقة عرضها وزيادة الجواب في جوانب منها. فأثبتها في آخر الرسالة للوقوف عليها.
وانتهجنا النهجَ. نفسَه في خدمة كتب الشيخ كما ذكرناه في غير موضع، وكما شرحناه في مقدمة المشروع.
والحمد لله رب العالمين.
(م 5/ 1-2/25)

آثار الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(5)

عمارة القبور في الإسلام
(المبيضة)
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(5/ 1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضح لنا سواء السبيل، وحفظ علينا كتابَه وسننَ رسوله، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلّ على محمَّد وأزواجه وذرِّيته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وأزواجه وذرِّيته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإني اطلعتُ على بعض الرسائل التي أُلَّفت في هذه الأيام في شأن البناء على القبور (1)، وسمعتُ بما جرى في هذه المسألة من النزاع، فأردتُ أن أنظرَ فيها نظرَ طالبٍ للحق، متحرٍّ للصواب، عملًا بقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) ...} إلى قوله جل ذكره: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء: 59 - 65].
ولا ريب أن الردَّ إلى الله ورسوله بعد وفاة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم، إنما يحصل بالردَّ إلى الكتاب والسنة، وتحكيمه بتحكيمهما.
ومن الرد إلى الله ورسوله سؤال الجاهل للعالم.
وهذه الرسالة مؤلفة من مقدّمة، وثلاثة فصول، وخاتمة. ومن الله عزَّ وجلّ نسأل الإعانة والتوفيق.
__________
(1) من هذه الرسائل التي ذكرها المؤلف هنا وردَّ عليها رسالة حسن الصدر الرافضي (ت 1354) "الرد على الوهابية". انظر (ص 62، 111، 124).
(5/ 1/3)

[ص 3] المقدمة
قال الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [سورة المائدة: 3] (1).
وقال عزَّ وجلَّ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى: 21].
وفي "الصحيحين" (2) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "مَن أحْدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ".
وفي "صحيح مسلم" (3) عن جابر قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمَّد، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكلّ بدعة ضلالة".
الآية الأولى صريحةٌ أن الله عزَّ وجلَّ أكمل لهذه الأمة دينها قبل وفاة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم. ولا ريب أن الدين عبارة عن مجموع الأحكام الشرعية؛ من اعتقادية وعملية، فإكماله عبارة عن إكمالها.
__________
(1) اسم السورة من وضع المؤلف في غالب الرسالة، وقد يذكر رقمها، وإن أغفله ذكرناه.
(2) البخاري رقم (2697)، ومسلم رقم (1718).
(3) رقم (867).
(5/ 1/4)

وفي "الدر المنثور" (1): أخرج ابن جرير (2) وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان, فلا تحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمَّه فلا ينقص أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا.
وفيه (3): وأخرج ابن جرير (4) عن السُّدِّي في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قال: هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حرامٌ ولا حلال ...
وأخرج ابن جَرير (5) عن ابن جُريج قال: مكثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلةً، قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.
وفيه (6): وأخرج ابن جرير (7) وابن المنذر عن ابن عباس قال: "كان المشركون والمسلمون يحجّون جميعًا، فلما نزلت (براءة)، فَنُفِي المشركون عن البيت الحرام، وحجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحدٌ من المشركين، فكان ذلك من تمام النِّعْمة، وهو قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. اه.
__________
(1) (2/ 456).
(2) تفسيره: (8/ 80). من رواية علي بن أبي طلحة.
(3) (2/ 458).
(4) تفسيره: (8/ 80).
(5) تفسيره: (8/ 81).
(6) (2/ 456).
(7) تفسيره: (8/ 83).
(5/ 1/5)

وعلى هذا يُحْمَل ما في كلام بعض السلف مما يوهم أن هذه الأمور التي عدَّها ابن عباس من تمام النعمة هي إكمال الدين، فمرادهم أنها من تمام النعمة المذكورة في الآية.
ومما يدل على ذلك ما ذكره في "الدر المنثور" (1) قال: وأخرج الحُمَيدي وأحمد وعَبْد بن حُمَيد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في "سننه" عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آيةً في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آيةٍ؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. قال عمر: والله إني لأعلم اليومَ الذي نزلت على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عشيَّة عرفة في يوم جمعة.
وذكر آثارًا أخرى في معنى هذا.
ولو كان معنى إكمال الدين هو مُجَرَّد إكمال الحج، وإعزاز الدين في مكة، ونحوه، لما استحقَّ هذه العناية كلها.
ثم إن إنزال الله عزَّ وجلَّ الآية يوم عرفة، ويوم الجمعة، في أفضل ساعة منه، يدلُّ على عَظَمتها، وإنما تتمّ عظمتُها بما ذكرنا.
__________
(1) (2/ 456).
أخرجه الحميدي رقم (34)، وأحمد رقم (188)، وعَبْد بن حميد رقم (30 - المنتخب)، والبخاري رقم (45)، ومسلم رقم (3017)، والترمذي رقم (3043)، والنسائي رقم (5012)، وابن جرير: (8/ 86)، وابن حبان رقم (185)، والبيهقي: (3/ 181).
(5/ 1/6)

هذا مع أن ما ذكرناه هو صريح الآية، لِمَا قدّمنا أن الدين عبارة عن مجموع الأحكام، ولكن أردنا زيادة الإيضاح.
فأيُّ شيءٍ أُحْدِث بعد وفاته صلَّى الله عليه وآله وسلم، فهو خارجٌ عن الدين، ضرورةَ أن الدينَ قد تمّ وكَمُل قبل حدوثه.
فإن قيل: قد يكون زيادة كمال.
قلنا: وهل يختار الله تعالى لرسوله غير الأكمل؟ مع أن كل متنازَعٍ فيه لا يخلو أن يكون مما شرعه الله أو [لا].
وعلى الثاني فالأمر واضح، وعلى الأول فلا يخلو أن يقال: هو (1) مما
أعْلَم الله به رسوله، أو لا؟ والثاني باطلٌ؛ لأنّ كل ما شرعه الله فقد أعْلَم به
رسولَه، مع أنه لا يُعْلَم الشرعُ إلا من قِبَلِه، وعلى الأول؛ فلا يخلو أن يكون
أمره بتبليغه أو لا؟
إن قيل: لا. قلنا: فهل بلَّغه تبرُّعًا؟
إن قيل: لا. قلنا: فمن أين علمتموه؟
وإن قيل: بلَّغ. قلنا: أرونا ذلك لكن أول التابعين.
[ص 4] وعلى الأمر بالتبليغ، فهل بلَّغ؟ إن قيل: نعم. قلنا: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].
والآية الثانية تدل أنه ليس لأحدٍ أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله،
__________
(1) "يقال هو" تداخلت مع المضروب عليه من الكلام، ومكتوب تحتها: "يكون". وتحتمل العبارة أن تكون: "فلا يخلو أن يكون مما ... ".
(5/ 1/7)

والإذن إنما يُعْلَم بالكتاب والسنة، وأن مَن شَرَع ما لم يأذن به الله فقد ادّعى الشرك في الألوهية، والعياذ بالله.
ومعنى الحديثين واضحٌ.
****
وقال الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29].
وقال جل ذكره: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
وفي "الصحيحين" (1) عن سعد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا مِن سأل عن شيءٍ لم يحرَّم على الناس، فحُرِّم من أجل مسألته".
وأخرج الترمذي وابن ماجه عن سلمان قال: سئل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن السَّمْن والخبز والفِراء؟ قال [ص5]: "الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه, وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (2).
__________
(1) البخاري رقم (7289)، ومسلم رقم (2358).
(2) أخرجه الترمذي رقم (1726)، وابن ماجه رقم (3367)، والدارقطني: (2/ 137)، والبيهقي: (9/ 320). قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأنّ الحديث الموقوف أصحّ. وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أُراه =
(5/ 1/8)

فالآية الأولى صريحةٌ في أن جميع ما في الأرض [مخلوق] (1) لبني آدم. وإذا كان لهم، فهو مباح لهم. ففي الآية عموم الإباحة، فهي الأصل، وتحريم بعض ما في الأرض تخصيصٌ لهذا العموم، فلا يُصَار إليه إلا بدليل.
ونحوها الآية الثانية.
وكذا الحديث الأول، فإنه لو كان الأصل الحَظْر لكان الظاهر أن يقول: "عن شيءٍ قد أبيح" كما هو واضح.
والحديث الثاني ظاهرٌ، والمراد ب "كتاب الله" فيه حُكْمُه، أو القرآن، وما السنةُ إلا تفصيل لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ونحوها.
[ص 6] فتقرر أن أمور الدين توقيفية، أي أنه ليس لأحدٍ أن يتديَّن بشيءٍ إلا إذا ثبت بكتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وهذه كُلِّية لا تُنْقَض بالنسبة إلى المقاصد.
فأما الوسائل فهي على نوعين: وسيلة لا يمكن أن يؤدَّى المقصدُ إلا بها، وهذه لا كلام فيها. ووسيلة يمكن أن يؤدّى المقصدُ بها، ويمكن أن يؤدّى بغيرها.
فهذا النوع يُنْظر فيه إلى الوسيلة التي أُدّيَ بها المقصد في حياته
__________
= محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا. قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمَّد بن عاصم ذاهب الحديث" اه.
وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أبو داود رقم (3800).
(1) بعد "الأرض" بياض بمقدار كلمة, والسياق يناسب مع أثبتّ.
(5/ 1/9)

صلَّى الله عليه وآله وسلم، ونَزِنُها بباقي الوسائل، فإن ترجَّح لنا أن لها مزيَّة دينية لا توجد في غيرها، كان لها حكم المقصد، إلا أن يطرأ عليها ما يوهّنها حتى يُخْشى من الجمود عليها الإخلال بالمقصد الأصلي.
فمن ذلك: المساجد، مقصد ديني، يمكن أن يؤدَّى ببناء غير مزخرف، وببناء مزخرف، فنظرنا إلى الطريق التي اختارها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهي عدم الزخرفة، هل لها مزية دينية؟
فكانت النتيجة إيجابًا، كما تدل عليه الأحاديث؛ فوجب أن نتمسّك بها، فهي السنة، وخلافها بدعة.
لكن لو أن حكومةً ظالمة منعت أهل بلدٍ أن يبنوا مسجدًا إلا مزخرفًا، فقد يقال: إنه يجوز لهم ذلك للضرورة, وإلا فات المقصد من أصله.
[ص 7] ونعني بالزخرف: ما ليس حرامًا لذاته، فأما الحرام لذاته، كالصور فلا يجوز بحال.
وإن ترجَّح لنا أن الوسيلة التي أُدَّي به المقصد في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلم ليس لها مزية دينية على غيرها، وإنما اختيرت اتفاقًا، أو لكونها أرفق، أو لكونه لم يمكن ذلك الوقت غيرها، فالجمهور لا يرون لها مزيَّة على غيرها، وابن عمر يرى الاتباع أفضل.
وإن لم يترجَّح أحد الجانبين، فمحلّ نظر. والظاهر أن له حكم الأول. هذا فيما إذا كان المأتيّ به في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وسيلة واحدة.
فأما إذا تعددت، فإن ترجّح لنا أن لها جميعها مزايا دينية لا توجد في
(5/ 1/10)

سائر الوسائل الممكنة، فكالقسم الأول. وإن ترجح أنه ليس لشيء منها مزية فكالثاني، وإن لم يترجح شيءٌ فكالثالث.
أما إذا ترجَّح أن بعضها لم يكن لها مزية، فهي وسائر الوسائل الممكنة، كالقسم الثاني، وتمتاز الأخرى عنها بالأفضلية فقط، وبقيت تفريعات تُعْلَم بالتأمل.
ومن هذا الأخير مسألة جمع القرآن في مصحف [ص 8] فالمقصد، وهو دوام سلامة القرآن من التغيير، يمكن أن يؤدّى بالحفظ استظهارًا، ويمكن أن يؤدَّى بجمعه بالكتابة. والذي كان مستعملًا في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم الحفظ، لكن مع جواز الجمع بالكتابة، بدليل أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بكتابة القرآن، وهذا الأمر أعمّ من أن يُكْتب متفرقًا أو مجتمعًا، وإنما جاء التفريق من قلة القراطيس، فكان يكتب في العُسُب، واللِّخاف، ونحوهما مما لا تسع القطعة منه إلا قليلاً.
ومع ذلك فلم يبلغنا أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم أمر أن لا يكتب في القطعة الواحدة إلا آية واحدة، أو نحو ذلك، ولا أنه نهى أن يُكْتَب من القرآن إلا ما يُكْتَب بين يديه عقب نزوله، فبقي الأمر على إطلاقه. ولا أنه نهى أن تُجْمع طائفةٌ من القِطَع المكتوب فيها القرآن في مكان واحد، وذلك معرّض للوقوع بلا ريب، فَتَرْك النهي عنه إذْن فيه (1). والإذن بجمع طائفة من القِطَع مؤذِنٌ بجواز جمع جميع القطع. وجواز جمعها في قطع متفرقة يدل على جواز جمعها متصلة.
__________
(1) من قوله: "وذلك معرض .. " إلى هنا ضرب عليه المؤلف أولاً، ثم كتب فوقه بخط واضح (صح) على طول العبارة, إشارةً منه إلى إلغاء الضرب.
(5/ 1/11)

ومع أن الصحابة كانوا يبتدرون الآية إذا نزلت فيحفظونها، فكان الأمر بالكتابة مستمرًّا، وهذا يدلّ صريحًا أن الحفظ لا يُغْني عن الكتابة، وأنهما لازمان معًا، وإذًا فكما جاز جمع القرآن حفظًا، فكذا كتابةً، لا يظهر فرقٌ في شيء من ذلك.
[ص 9] نعم، للحفظ مزايا لا تُنكر:
منها: أن يكون القرآن نُصْب عيني المؤمن.
ومنها: العدل بين القرآن في الصلاة.
ومنها: تمكّن الإنسان من التلاوة كل وقت. إلى غير ذلك.
ولكن للكتابة مزيَّة أيضًا، وهي كونها أبعد عن الاشتباه والالتباس والخطأ والنسيان، إلا أن شيوعها يَحْمِل على التهاون بالحفظ، لاتّكال كل أحدٍ على أن في بيته مصحفًا، ويحصل الجمع بين المصلحتين بوجود مصحف واحد في القرية مثلاً، وأن يُقْبِل الناسُ على الحفظ.
وعلى هذا كان الحال في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، وفي خلافة الشيخين.
أما في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم فكان في قِطَع متفرقة بأيدي الصحابة، وذلك أقرب إلى الإنصاف من جَمْع القطع في يدِ واحدٍ وحدَه، سواءً أبقيت كما هي، أم نُسِخت في مصحف واحد.
أما جمعها ثم أخذها مناوبة، فمع كونه تكلُّفًا لا يخلو من المحذور المذكور، لاتّكال كلَّ أحدٍ على أن المصحف سيصل إليه ويبقى في نوبته مدة، فيتهاون في الحفظ والمدارسة، وهذا الذي قَدَرْنا عليه، ولا يضرُّنا
(5/ 1/12)

القدحُ فيه شيئًا، لما قدّمنا أن الجمع كان جائزًا في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يقع بالفعل، وربما تُصُوّرت موانعُ أُخر لا حاجة إلى الإطالة بها.
فلما كان في عهد أبي بكر واستحرَّ القتلُ بالقُرَّاء في اليمامة خشي الشيخان من تزلزل الوسيلة العظمى وهي الحفظ، ففزعا إلى تأييد الوسيلة الأخرى، وهي [ص 10] الكتابة، فاقتصرا على جمعها في مصحف واحد يبقى ببيت الخليفة، فكان ثمرةُ عملهما ذلك الاحتياطَ من أن تضيع قطعة من تلك القطع، أو يطرأ عليها شيءٌ.
وبقي الناس مقبلين على الحفظ مُسْتَغْنين به خلافةَ أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، وكتب بعضهم مصحفًا لنفسه (1) كابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب.
ثم غزا صاحبُ سِرِّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم حذيفة بن اليمان، فسمع بعضَ اختلاف في القراءات، منه ما نشأ عن اختلاف الأحرف، وكلٌّ صحيحٌ ولكنه أدى إلى النزاع، ومنه ما نشأ عن خطأ من الأعاجم الذين أسلموا ونحوهم، فأفزعه ذلك، فجاء فأشار على عثمان بتدارك القضية، فتداركها بنسخ عدة مصاحف، وإرسال كل مصحف إلى مِصْرٍ، وهو تقريبًا كما كان في عهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، مصحفٌ بالمدينة، فصارت كل مدينة محتاجة إلى مصحف، وهذا هو فعل عثمان.
وأما بعد ذلك فهُجِرَت الوسيلة العظمى وهي الحفظ، وفترت الهِمَم،
__________
(1) يحتمل أن تكون مضروبًا عليها.
(5/ 1/13)

حتى لو لم توجد المصاحف بكثرة لهجروا القرآن رأسًا، فتعيَّن حينئذٍ تكثير المصاحف.
والمقصود أن جمع القرآن في مصحف واحد مع كونه جائزًا في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، فلم يُقْدِم عليه الصحابة إلا عند الاضطرار إليه.
وأحد هذين الأمرين كافٍ في الجواز، ولكنهم لم يكتفوا إلا بهما معًا، رضي الله عنهم.
وأما إجلاء يهود خيبر، فهو توصيته صلَّى الله عليه وآله وسلم.
[ص 11] وصلاة التراويح سُنته، وإنما تركها خشيةَ أن تُفْرض، وزال هذا المانع بوفاته.
وجَمْع كتب الحديث سنته بإذنه لعبد الله بن عَمْرو، وغير ذلك.
واختراع النحو والصرف من القسم الأول والثاني معًا؛ لأن العربية يحتاجها الناس لدينهم ودنياهم، وكانت أولاً محفوظة متوارثة، فلما اختلطت العرب بالعجم ضَعُف الحفظ والتوارث، ففزع العلماء رحمهم الله إلى وسيلة أخرى تضمن سلامة اللغة.
فهذا جُلُّ ما يتمسك به أنصار البدع، قد أوضحنا حقيقته، ولله الحمد.
****
وأما قوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "من سن سنةً حسنة ... " الحديث.
فالمراد بالحُسْن، الحُسْن الشرعي؛ لأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم إنما يتكلم بلسان الشرع، والحُسْن الشرعي إنما يُعْلَم من الكتاب والسنة. مع
(5/ 1/14)

أن القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي يعترفون أن بعد ورود الشرع وبلوغ الدعوة لا حاكم إلا الشرع.
قال في "إرشاد الفحول" (1) (ص 7): "اعلم أنه لا خلاف في كون الحاكم: الشرعَ بعد البعثة وبلوغ الدعوة" اه.
فهذا ما يتعلق بالأمور الدينية.
[ص 12] وأما الدنيوية؛ فقد ثبت بالأدلة السابقة أنها موسَّعة، ليس لأحد أن يحظر شيئًا منها إلا إذا ثبت الحَظْر بكتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
إذا علمت هذا، فألقِ نظرةً في أحوال القبور، أهي من الأمور الدينية، فتكون توقيفية، يجب أن يُقْتَصر فيها على ما ثبت بالشرع، أم دنيوية فتكون موسَّعة، إلا ما ثبت حظره بدليل شرعي؟
لا ريب بأنها من الأمور الدينية؛ ألا ترى إلى الأمر بأن تكون مستقبلَة، وأن يوضع الميت فيها على يمينه مستقبلاً، وأن لا يوضع إلا مغسولًا مكفَّنًا، إلى غير ذلك.
إذن، فأول ما يلزمنا أن نبحث عن الكيفية التي قررها الشارع للقبور، ثم نعضّ عليها بالنواجذ، ولا نعتدي إن الله لا يحب المعتدين (2).
__________
(1) (1/ 78 - دار الفضيلة).
(2) اقتباس من سورة الأعراف {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [55].
(5/ 1/15)

[ص13] الفصل الأول فيما ثبت في كيفية القبر المشروعة
الذي يهمنا من كيفية القبر الكيفية الظاهرة؛ لأنها موضع النزاع، ولا نتعرض لغيرها إلا تبعًا.
قال الله تبارك وتعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31].

* حديث فَضَالة.
" صحيح مسلم" (1): أبو الطاهر أحمد بن عَمْرو بن سَرْح، نا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن الحارث، ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، نا ابن وهب، حدثني عَمْرو بن الحارث - في رواية أبي الطاهر:- أنَّ أبا عليّ الهَمْداني حدَّثه،- وفي رواية هارون: أن ثمامة بن شُفَيّ حدّثه - قال: كنا مع - فَضَالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فضالة بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها. اه.

* بيانُ طرقه:
حدث أبو علي ثُمامة بن شُفَي الهَمْداني قال: كنا مع فَضَالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسُوَّي، ثم قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها.
__________
(1) رقم (968).
(5/ 1/16)

رواه عن ثمامة عَمْرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، ومحمد بن إسحاق.
أما عَمْرو؛ فعنه ابن وهب.
وعن ابن وهبٍ أبو الطاهر أحمد بن عَمْرو بن السَّرْح، وهارون بن سعيد الأيلي، وسليمان بن داود (1).
فعن ابنِ السرح مسلمٌ في "صحيحه" (2)، وأبو داود في "سننه" (3)، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "سننه" (4).
[ص 14] وعن هارونَ مسلمٌ في "صحيحه" (5) أيضًا، ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي عند البيهقي (6).
وعن سليمانَ النسائيُّ في "سننه" (7).
والروايات كلها مسلسلة بمعنى التحديث، والألفاظ متقاربة، وجميعها مشتركة في قوله: "فأمر فَضالة بقبره فسُوِّي ... " إلخ.
__________
(1) ويضاف: يونس بن عبد الأعلى عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (3267)، وعبد العزيز بن مقلاص المصري عند الطبراني في "الكبير": (18/ رقم 811).
(2) تقدم.
(3) رقم (3219).
(4) (4/ 2).
(5) الموضع السالف.
(6) الموضع السالف أيضًا.
(7) رقم (2030).
(5/ 1/17)

وأما ابن إسحاق؛ فعنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عُبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأحمد بن خالد الوهبي (1).
فعن الأوَّلَيْن: الإِمام أحمد في "مسنده" (2) (جزء 6/ ص 18)؛ إلا أن في النسخة في رواية محمَّد بن عبيد: ثنا محمَّد (بن يحيى) (3) بن إسحاق عن ثمامة.
وأما في رواية إبراهيم فقال الإِمام (4): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ثُمامة ... إلخ.
وعن الثالث: أبو زُرْعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عَمْرو بن صفوان النصري، وعنه أبو العباس الأصم، وعن الأصم الحاكم وغيره، كما في "سنن البيهقي" (5).
وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق.
ولفظ رواية محمَّد بن عبيد: " ... فأصيب ابنُ عمٍّ لنا، فصلى عليه فَضَالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوَّينا على حفرته، قال: أخِفّوا عنه، فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور".
__________
(1) ويضاف: عبد الأعلى عند ابن أبي شيبة (3/ 222)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (3268).
(2) رقم (23934).
(3) يعني أن "ابن يحيى" مقحمة وإنما هو محمَّد بن إسحاق، وهكذا جزم في النسخة الأخرى (42)، ومحققو المسند.
(4) رقم (23936).
(5) (3/ 411).
(5/ 1/18)

وفي رواية إبراهيم: "فقال فضالة: خَفِّفوا فإني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسوية القبور".
وفي رواية أحمد بن خالد عند البيهقي: " ... فتوفي ابنُ عمٍّ لنا يقال له: نافع بن عبد، قال: فقام فَضالة في حفرته، فلما دفناه قال: خَفِّفوا عليه التراب، [ص 19] فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور".
هذا الحديث صحيحٌ، نظيفٌ لا غبار عليه، ووجود ابن إسحاق في إحدى الطريقين لا يقدح، مع أنه إنما يُخْشى منه التدليس، وقد صرح بالتحديث.
نعم، قال الذهبي في "الميزان" (1) في آخر ترجمة ابن إسحاق: "ما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا".
وقد انفرد بزيادة "أخِفّوا عنه" كما في رواية, أو "خَفِّفوا" كما في أخرى، أو "خَفِّفوا عليه التراب" كما في ثالثة، لكنها في الحقيقة ليست بزيادة، وإنما هي في مقابل ما في رواية عَمْرو: "فأمر فضالة بقبره فسُوِّي"، فهي تفسير لها، مع أن ههنا قرينة تدلّ على أن ثمامة أوضح القصة لابن إسحاق أتمّ من عَمْرو، وهي وجود اسم المتوفى في رواية ابن إسحاق، وذِكْر ابن إسحاق لاسم المتوفى واسم أبيه (نافع بن عبد) يدل على جودة حفظه للقصة.
على أن الذهبي لم يقل: إن ما انفرد به فهو منكر، بل قال: "ففيه نكارة"، أي نكارة خفيفة، بدليل قوله عقبه: "فإن في حفظه شيئًا"، والنكارة اليسيرة،
__________
(1) (4/ 395).
(5/ 1/19)

وإن كانت تقتضي التوقف، فذلك إذا لم تقم قرينة على الحفظ، كما هنا.
* في "كنز العمال" (1): "سووا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم". طب عن فَضَالة بن عبيد.
* [ص 20] ابن حبان في "صحيحه" (2): أخبرنا السجستاني ثنا أبو كامل الجحدري ثنا الفضل بن سليمان عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أُلْحِد له، ونُصِب عليه اللبن نصبًا، ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر".
* القاسم بن محمَّد في "سنن أبي داود" (3): عن القاسم بن محمَّد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّاه! اكشفي لي عن قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء".
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (4): وزاد: "فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم".
قال الحاكم: صحيح. وأقره الذهبي.
* [ص 21] أبو جعفر بن شاهين في "كتاب الجنائز" له: بسنده عن جابر
__________
(1) رقم (42387). وهو عند الطبراني في "الكبير": (18/ رقم 812). وانظر "السلسلة الضعيفة" (5897).
(2) رقم (6635).
(3) رقم (3220).
(4) (1/ 369).
(5/ 1/20)

قال: "سألتُ ثلاثةً كلهم له في قبر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أبٌ: أبا جعفر محمَّد بن علي، وسألت القاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله: أَخْبِروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة؟ فكلهم قالوا: إنها مُسَنَّمة".
نقلته من "مِرْقاة المفاتيح" (1)، ولا أدري ما صحته!
وقد مرَّ عن جابر صفةُ دفن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، ويبعد أن لا يحضر دفن الشيخين، فكيف يحتاج إلى السؤال، مع أن الصحابة كانوا يدخلون بيت عائشة, فيسلمون على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه.
* "فتح الباري" (2): روى أبو بكر الآجُرِّي في "كتاب صفة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم" من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غُنَيم بن بسطام المديني قال: "رأيت قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحو أربع أصابع ... " إلخ.
لا أدري ما صحته.
* ابن الهمام في "شرح الهداية" (3): روى ابن الحسن (4) أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال: أخبرني من رأى قبر النبي
__________
(1) (2/ 371).
(2) (3/ 302).
(3) (2/ 140). وكان المؤلف قد ضرب على هذه الجملة، ثم كتب فوقها (صح) مطولة على كامل الجملة.
(4) في كتاب "الآثار": (2/ 182).
(5/ 1/21)

صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقبر أبي بكر وعمر ناشِزةً من الأرض، وعليها فِلْق من مَدَرٍ أبيض".
نقلته من "المرقاة" (1)، ونحوه في "جامع المسانيد" (2)، وفيه: أن حمادًا لم يسمّ شيخَه.
* [ص 22] ابن أبي شيبة (3): حدثنا عيسى بن يونس عن سفيان التمَّار: "دخلتُ البيتَ الذي فيه قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فرأيتُ قبره وقبر أبي بكر وعمر مُسَنَّمة".
أيضًا: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: "رأيت قبور شهداء أحد جثىً مُسنَّمة". اه.
نقلتهما من "الجوهر النقي" (4).
والأثر الأول: في "صحيح البخاري" (5)، ولفظه: "أنه رأى قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مُسنَّمًا".
والثاني: رجاله رجال الصحيح، ولا تضر عنعنة سفيان ههنا؛ لأن الراوي عنه القطان، وهو لا يروي عنه إلا ما ثبت سماعه. انظر "فتح
__________
(1) (2/ 371).
(2) (1/ 454).
(3) (3/ 215). وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (423)، وعبد الرزاق: (3/ 505) من طريق الثوري أخبرني بعض أصحابنا عن الشعبي بمثله.
(4) (4/ 4 - بهامش سنن البيهقي).
(5) كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. عقب حديث رقم (1390).
(5/ 1/22)

المغيث" (1) (ص 77).
* الشافعي (2): أخبرنا إبراهيم بن محمَّد عن جعفر بن محمَّد عن أبيه: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم رشّ على قبر إبراهيم ابنه، ووضع عليه حصباء.
والحصباء لا تثبت إلا على قبرٍ مسطَّح.
أقول: إبراهيم بن محمَّد أجمع الأئمة على تضعيفه، إلا ابن الأصبهاني والشافعي، قال الشافعي: كان لأن يخرّ من السماء - أو قال: من بُعْد - أحبّ إليه من أن يكذب.
وصرَّح جماعةٌ من الأئمة بأنه يكذب، وقال الإِمام أحمد: يضع.
وقال ابن عدي: قد نظرت أنا الكثير من حديثه، فلم أجد له حديثًا منكرًا، إلا عن شيوخ [ص 19] يُحْتَمَلون، وقد حدَّث عنه الثوري وابن جريج والكبار.
وعلى كل حال، فالرجل ضعيف، ومع هذا فالحديث مرسل. وفي الاحتجاج بالمرسل خلافٌ، لا حاجة لذكره.
* المطلب، أبو داود (3): روى بسنده إلى المطلب بن أبي وداعة قال:
__________
(1) (1/ 219 - ط الجامعة السلفية).
(2) في "المسند" رقم (599 - مع تخريجه). وله شاهد عند أبي داود في "المراسيل": (424).
(3) رقم (3206). وأخرجه من طريقه البيهقي: (3/ 412)، ولفظهما: "أتعلَّم". والمطلب ليس صحابيًّا. قال الحافظ في "التلخيص": (2/ 141): "وإسناده حسن =
(5/ 1/23)

لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدُفِن، فأمر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وحسر عن ذراعيه. قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: كأني انظر إلى بياض ذراعي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم [ص 22] حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: "أُعَلِّمُ بها قبرَ أخي، وأدفنُ إليه من مات من أهلي". اه.
* في "الصحيحين" (1): عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبره، غير أنه خشي أن يكون مسجدًا". اه.
...
__________
= ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب، وهو صدوق. وقد بيّن المطلب أن مخبرًا أخبره ولم يسمّه، ولا يضر إبهام الصحابي ... ".
(1) البخاري رقم (1330)، ومسلم رقم (529).
(5/ 1/24)

* آثار
- الشافعي في "الأم" (1): لم أرَ قبور المهاجرين والأنصار مجصَّصة.
- مالك: من مذهبه حُجّية عمل أهل المدينة، وقد قرر التسنيم، وترك التجصيص والبناء، وقضيته أن عمل أهل المدينة كان على التسنيم، وترك التجصيص والبناء (2).
- "الجوهر النقي" (3): عن الطبري: هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يُسَنِّمون قبورهم. ثم قال: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد ابن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنَّمًا.
- محمَّد بن الحسن في "الآثار" (4): عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم كان يقال: ارفعوا القبر حتى يُعْرَف أنه قبر فلان.
- "النهاية" (5) (جمهر): وفي حديث موسى بن طلحة أنه شهد دفن رجل، فقال: جمهروا قبره، أي اجمعوا عليه التراب جمعًا, ولا تطيّنوه، ولا تسوّوه.
...
__________
(1) (2/ 631).
(2) انظر "تهذيب المدونة": (1/ 346)، و"الذخيرة": (2/ 478 - 479).
(3) (4/ 4).
(4) (2/ 190).
(5) (1/ 180).
(5/ 1/25)

[ص 23] الأحكام المستنبطة من هذه الأدلة
أما الآية؛ فيُستدل بها على أن المقصود من شَرْع دفن الميت هو مواراة جثته، فالقَدْر الذي يحصل به تمام المواراة هو الأصل الثابت المقرر، وما زاد عن ذلك فإنه مفتقرٌ إلى دليل؛ لما مرَّ في المقدمة (1): أن أحكام القبور شرعية، والشرع توقيف.
وأما حديث فضالة؛ فمداره على كلمة "التسوية"، فنقول: المتبادر من التسوية في الحديث أن يكون وجه القبر مساويًا لوجه الأرض في البقعة المحيطة به.
ولكن نوزع بأن هذا إنما هو معنى تسوية القبر بالأرض، والذي في الحديث تسوية القبر فحسب. وتسوية القبر عبارة عن جعله متساوي الأطراف، كما في قوله عزَّ وجلَّ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4]. وهذا لا يقتضي التسوية بالأرض، بل أن يسوَّى القبر في ذاته، بأن لا يُترك فيه تسنيم أو زيادة في بعض أطرافه، بل يُجْعَل مسطَّحًا.
وأجيب: بأن التسوية إذا أُطْلِقت على شيء ناشز على وجه الأرض كالبناء والربوة، فمعناها: تسويته بالأرض.
ومنه قول الله تبارك وتعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14]، قال الراغب (2): أي سوَّى بلادَهم بالأرض.
__________
(1) (ص 15).
(2) في "المفردات" (ص 440).
(5/ 1/26)

ويدل عليه في هذا الحديث نفسه أن الصحابيَّ جعل الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف من التراب، حيث قال: "أخِفُّوا عنه"، "خَفّفوا"، "خَفّفوا عليه التراب فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بتسوية القبور".
[ص 26] وإنما يكون الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف إذا أُرِيْد بها التسوية بالأرض، فأما تسوية القبر في ذاته، فإنها تُمْكِن مع كثرة التراب، كما تُمكن مع قلته.
والصحابيُّ لم ينقل لفظ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بنصِّه حتى يسوغ لنا أن نستقلّ بفهمه، وإن خالف فهم الصحابي، وإنما مؤدَّى كلامه أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بتسوية القبور، التسوية المقتضية لتخفيف التراب. أي أن بيان كون التسوية المأمور بها هي التي تقتضي تخفيف التراب مرفوعٌ تقوم به الحجة.
وقد مر عن "كنز العمال" (1) حديث: "سووا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم". فإن صحَّ فهو صريح في التسوية بالأرض، إذ لا يصح أن يقال: "سووا القبور" أمرٌ بتسويتها في ذاتها، و"على وجه الأرض" حالٌ؛ إذ لا معنى للحال، فالقبور على وجه الأرض على كل حال، فما بقي إلا أن يكون سووها بوجه الأرض.
وقال الباجي في "شرح الموطأ" (2): قال ابن حبيب: وروى جابر: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن تُرْفع القبور أو يُبْنى عليها، وأمر
__________
(1) رقم (42387). وانظر (ص 20).
(2) (2/ 494).
(5/ 1/27)

بهدمها، وأمر بتسويتها بالأرض ... إلخ.
وسيأتي (1) في حديث علي رضي الله عنه: "ولا قبرًا. مشرفًا إلا سويته"، فجعل التسوية: إزالة الإشراف، والإشراف هو الارتفاع، أعم من أن يكون القبر متساويًا في نفسه، وأن يكون غير متساوٍ، فالتسوية التي هي إزالة الإشراف، هي التسوية بالأرض، كما هو واضح.
[ص 27] أقول: الحقُّ أن التسوية إذا أطلقت (2) كان المراد تسوية الشيء في ذاته. وتسويةُ الشيء في ذاته، لها معنيان:
[المعنى] الأول: جَعْل الشيء متساوي الأجزاء، وهذا على ثلاثة أوجه:
1 - (3): أن يكون الشيء المراد تسويته واحدًا اختلفت أجزاؤه، كقطعة من الأرض فيها حُفر وجُثًى، فيؤمر بتسويتها، أي: إزالة تلك الجُثَى، وطمّ تلك الحفر، حتى تكون القطعة سواء.
2 - أن يكون جماعة، ويُراد تسوية كل واحدة منها في نفسه، كقطع من الأرض في كل واحدة منها حُفر وجُثًى، فيؤمر بتسوية القِطَع، أي: تسوية كل واحدة منها في ذاتها، بمثل ما تقدم، مع قطع النظر عن مساواة كل قطعة لبقية القطع أو عدمه.
3 - أن يكون جماعة، ويراد تسويتها، أي: جعلها متساوية. كأنْ يؤمر
__________
(1) (ص50، وشرحه 109).
(2) الأصل: "طلقت" سهو.
(3) كتب المؤلف: " (1) الأول" وفي التي تليها جعلها بالأرقام فقط فجعلنا الجميع كذلك.
(5/ 1/28)

الخبَّاز بتسوية الأرغفة، أي: جعلها كلها على قَدْر واحد، بحيث لا يبقى تفاوت بين رغيف ورغيف.
[ص 28] المعنى الثاني: جَعْل الشيء سويًّا، أي: قويمًا على ما اقتضته الحكمة، بلا إفراط ولا تفريط، ومنه قول الله عزَّ وجلّ: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7].
وقوله جل ذكره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37].
قال الراغب (1): أي: جعل خِلْقتك على ما اقتضت الحكمة.
ومنه قوله عزَّ وجلَّ: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17].
أي - والله أعلم -: كامل الخلقة بالنظر إلى الهيئة المشتركة بين البشر التي اقتضت الحكمة جَعْلَهم عليها.
وقال الراغب (2): السويّ: ما يُصان عن الإفراط والتفريط.
[ص 29] إذا تقرر هذا، فالوجه الأول من المعنى الأول هو المراد في الآية: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14]، أي - والله أعلم -: جعلها متساوية الأجزاء، وهذا كناية عن الخراب البالغ، فإن البلاد العامرة تكون متفاوتة بارتفاع الأبنية على العَرَصات، وارتفاع بعض الأبنية على بعض، وإنما تتساوى إذا خَرِبت الخرابَ البالغ. ولا يأتي هذا الوجه في
__________
(1) في "المفردات" (ص 440).
(2) نفسه.
(5/ 1/29)

حديث فَضَالة، ويمكن أن يأتي في حديث عليّ الذي سيأتي: "ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته".
والتسوية على هذا الوجه لا تنافي التسنيم، فإن القبر إذا كان مُسنَّمًا تسنيمًا محكمًا بأن يكون سطحه أملس، بحيث لو بُسِطَ عليه ثوب للصق بجميع أجزائه، يقال له: مسوّى.
ولو رأينا كرتين إحداهما ملساء السطح، والأخرى يوجد في سطحها هنات ناشزة، وحُفيرات منخفضة، فإننا نسمي الأولى مستوية، وإذا أمرنا بإصلاح الثانية، قيل: أمر بتسويتها.
ولكنه على كل حال لا يصلح هذا الوجه للتسوية في حديث علي؛ [ص 30] لأن فيه أن التسوية هي إزالة الإشراف، أي: الارتفاع، وتسوية القبر في ذاته على ما قررنا في هذا الوجه لا تنافي الإشراف.
الوجه الثاني هو ممكن في حديث فَضالة، والتسوية عليه لا تنافي التسنيم؛ لما مرَّ في الوجه الأول.
ولكن يردّ هذا الوجه قولُ فَضالة: "خَفّفوا" الدال على أن التسوية في حديثه هي المقتضية للتخفيف، والتسوية في الوجه الثاني لا تقتضي التخفيف، فإنه يمكن تسوية القبر مع كثرة التراب، كما يمكن مع قلته.
ويردّه أيضًا عدم صلاحية هذا المعنى لأن تُفَسَّر به التسوية في حديث علي. والظاهر أن معنى التسوية في الحديثين واحد.
الوجه الثالث هو ممكن في حديث فضالة، فيكون المعنى: اجعلوا القبور متساوية لا يزيد قبر على قبر ولا ينقص عنه.
(5/ 1/30)

ولما كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قد حضر دفن جماعة من أصحابه، وقرر كيفية قبورهم، لزم أن تكون تلك القبور هي الإِمام، فيُجْعَل كل ما يطرأ من القبور على هيئتها.
ويردُّ بأمرين:
الأول: بما قدمناه أن هذا المعنى لا يأتي في حديث [ص 31] علي، والظاهر أن معنى التسوية في الحديثين واحد، وقد يُعْتَذر عن هذا يحمل التسوية في حديث عليّ على تسوية القبر المشرف بسائر القبور المعروفة المقررة هيئتها شرعًا.
ويردّه ما (1) سبق: أن التسوية إذا أُطلقت كان الأصل أن المراد بها تسوية الشيء في ذاته، لا تسويته بغيره.
الثاني: أن حديث وضع الحجر وغيره يدل على جواز تمييز القبر بعلامة يتعرَّف بها لقصدٍ شرعي. وهذا ينافي التسوية على الوجه الثالث، والتزام التخصيص لا حاجة إليه ما دام اللفظ محتملاً لمعنًى آخر لا يحتاج إلى تخصيص.
على أن هذا الوجه يؤول إلى موافقة المعنى الثاني الذي هو المختار.
المعنى الثاني هو المختار عندي، فالمراد بتسوية القبر جعله سويًّا قويمًا على ما اقتضته الحكمة من غير إفراط ولا تفريط، وذلك على الهيئة التي قررها الشارع للقبور.
فالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان قد بيَّن لأصحابه الهيئة التي ينبغي
__________
(1) الأصل: "بما".
(5/ 1/31)

أن تكون القبور عليها، وبعد أن عَقَلوها وعلموا أنها هي الهيئة السوية القويمة, أمرهم بلزومها في ما يطرأ من القبور، وردّ ما خالفها إليها.
وهذا هو معنى ما في "كنز العمال" - إن صح -: "سووا القبور على وجه الأرض ... " إلخ (1).
[ص 32] وإنما زاد قوله: "على وجه الأرض" تنبيهًا على ما هو الأهم؛ لأن الغالب أن المخالفة إنما تقع في ظاهر القبور بالتجصيص والإشراف والبناء وغيره، وهذه الأشياء منافية لكون القبر سويًّا بالنسبة لما على وجه الأرض منه، فأمر بتسويتها على وجه الأرض.
وأما ما رواه ابن حبيب (2)، وفيه: "وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض"؛ فلم يصحّ عندنا، فيلزمنا النظر فيه، على أن الباجيّ قال عقب ذكره: قال ابن حبيب: وينبغي أن يسوّى تسوية تسنيم.
قال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه: ومعنى ذلك عندي - والله أعلم - أن يسوَّى نفس القبر بالأرض، ويُرْفع رفع تسنيم دون أن يُرْفَع أصله". اه.
أقول: يعني أن تبقى أطرافه مساويةً للأرض، ويرتفع وسطه مسنمًا، كما هي هيئة المسنم الذي يقتصر على إعادة تراب حفرته إليها، وجمعه عليها.
وهذه الهيئة تلاقي الهيئة التي قررها الشارع للقبور، ولكن ليس معنى التسوية هنا، هو المعنى المختار في الحديثين، ولا ضير، فإن هذه الزيادة لم يُعْلَم صحتها كما تقدم، ويمكن أن يكون قوله: "بالأرض" من زيادة بعض
__________
(1) تقدم (ص 20).
(2) فيما نقله عنه الباجي، في "شرح الموطأ": (2/ 494)، وسبق نقله (ص 31 - 32).
(5/ 1/32)

الرواة، رواه بالمعنى الذي فهمه (1).
[ص 33] حديث ابن حبان: فيه أن من الهيئة المشروعة رَفْع القبر نحو شبر، وهذا من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وخيارهم فيهم، وهم مجتمعون، فلا يصنعون بقبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم إلا ما يعلمون أنه المشروع، ولم ينقل عن أحدٍ منهم خلاف، ولا بأيدينا دليل يخالف فعلهم، وعليه فهو حجة.
والأصل عدم الخصوصية، فالذي صُنِعَ بقبره صلَّى الله عليه وآله وسلم هو المشروع في القبور مطلقًا، أعني مما ذكره ابن حبان. فأما الدفن في المُلك، وفي البناء، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى (2).
ولا يظهر فرق فيما تضمَّنه الحديث بين أن يكون القبر في الملك، وأن يكون في غير الملك، فالظاهر أن ذلك الفعل هو المشروع مطلقًا، ويؤيده ما يأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 34] الخلاصة: رفع القبر نحو شبرٍ مشروع (3).
حديث القاسم فيه قوله: "لا مشرفة، ولا لاطئة".
المشرف: المرتفع. واللاطئ: اللاصق بالأرض. فمعناه: أنها ناشزة عن الأرض قليلاً، وقد عُلِم من حديث ابن حبان قدر الرفع ابتداءً، ويحتمل أن يكون تناقص، وعلى كل حال فهو مؤيِّد لحديث ابن حبان في هذا.
وفيه قوله: "مبطوحة ... " الخ. ومدار الحديث فيه على هذه الكلمة.
__________
(1) تقدم (ص 27).
(2) في (المسوّدة) (ص 27 - 28).
(3) كتب المؤلف الخلاصة عدة مرات، ثم استقر على هذه العبارة.
(5/ 1/33)

فأقول: البطح يأتي على معانٍ:
1 - بسط الشيء وجعله مسطَّحًا مستويًا.
قال الزمخشري في "الفائق" (1) مادة (رفف): " [ابن الزبير رضي الله عنه] (2) لما أراد هدم الكعبة ... وكانت في المسجد جراثيم، فقال: يا أيها الناس أبْطِحوا. وروي: كان في المسجد حُفَر منكرة، وجراثيم وتَعادٍ، فأهاب بالناس إلى بطحه ....
البطح: أن يُجْعَل ما ارتفع منه منخفضًا حتى يستوي ويذهب التفاوت ... ". اه.
2 - جعله مرتفعًا ارتفاعًا يسيرًا، وهذا المعنى يؤخذ من الحديث "كانت كِمامُ أصحاب رسول الله [ص 35] صلَّى الله عليه وآله وسلم بُطْحًا".
قال في "النهاية" (3): أي لازقة بالرأس غير ذاهبة في الهواء. الكِمَام: جمع كُمّة، وهي القُلُنسوة. اه.
3 - إلقاء الإنسان على وجهه، ومنه قوله في حديث الزكاة: "بُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَر" (4). وقد يستعمل في غير الإنسان تشبيهًا به في ذلك.
4 - جعل البَطْحاء - وهي الحَصْباء - على الشيء.
__________
(1) (2/ 74).
(2) الأقواس من المؤلف.
(3) (1/ 83).
(4) أخرجه مسلم رقم (987) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5/ 1/34)

قال في "النهاية" (1): "وفي حديث عمر أنه أول من بَطَح المسجد، وقال: ابْطَحْه من الوادي المبارك، أي: ألقى فيه البطحاء". اه.
فكون القبور مبطوحة بالمعنى الأول يقتضي التسطيح، وقد حاول ابنُ التُّرْكماني (2) أن يدفع ذلك فلم يصنع شيئًا، وذلك أنه نقل عبارة "الفائق": "البطح: أن يجعل ... " إلخ، كما مر، ثم قال: "فعلى هذا قوله: "مبطوحة" معناه ليست بمشرفة، وقوله: "لا مشرفة ولا لاطئة" يدل على ذلك" اه.
وقد كان له أن يقول: إن استواء الشيء وذهاب تفاوته لا يقتضي التسطيح، بل يصح أن يكون المسنَّم مستويًا لا تفاوت فيه، وذلك باعتبار ظاهر سطحه، بحيث لو بُسِطَ عليه ثوبٌ للصق بجميع [ص 36] أجزاء سطحه، نظير ما قلناه في التسوية، فإن هذا التوجيه لا يخلو من قوة، وإن كان الحق أن "البطح" بالمعنى الأول ينافي "التسنيم"، وبينه وبين لفظ "التسوية" فرقٌ لا يخفى على المتأمل.
وبالمعنى الثاني؛ يقتضي التسنيم فيما يظهر.
وبالمعنى الثالث؛ يقتضي التسنيم قطعًا؛ لأن القبر المسنَّم يشبه هيئة الإنسان المبطوح، ولا سيما مع اعتبار ظاهر القبر ظهرًا له.
وبالمعنى الرابع؛ يقتضي التسطيح على ما ذكره الشافعي في حديث جعفر بن محمَّد عن أبيه، كما مر (3)، قال: "والحصباء لا تثبت إلا على قبرٍ مسطَّح".
__________
(1) (1/ 134). وصُحّح فيها إلى "ابطحوه" من المصادر الأخرى.
(2) في "الجوهر النقي": (4/ 3 - بهامش سنن البيهقي).
(3) (ص 23).
(5/ 1/35)

ولا أدري ما وجهه، وإنما يمتنع ثباتُ الحصباء على الشيء المسنَّم إذا كان صلبًا، فأما إذا كان ترابًا غير منعقد، فإن الحصباء تثبت عليه كما لا يخفى. فالذي نفهمه أن البطح بالمعنى الرابع لا يقتضي تسطيحًا ولا تسنيمًا.
وأما الترجيح بين هذه المعاني، فالراجح الأخير، [ص 37] لقوله: "ببطحاء العَرْصة الحمراء"، وذلك أن البطحاء على المسيل المتسع الذي فيه صغار الحصى، وتُطلق على نفس الحصى، كما مر.
قال الطِّيبي في "شرح المشكاة" (1): "والمراد به ههنا الحصى؛ لإضافته إلى العرصة" اه.
أي: لأن العرصة هي كل موضع واسع لا بناء فيه، وإضافة المسيل الواسع إلى الموضع الواسع غير ظاهرة.
أقول: والباء في قوله: "ببطحاء" تدل على أن المراد بالبطحاء الحصى، وب "مبطوحة" موضوع عليها الحصى، وذلك أن الباء على هذا المعنى للتعدية، وعلى غيره للظرفية، ومجيء الباء للظرفية قليلٌ، بخلاف مجيئها للتعدية، كما هو واضح.
[ص 38] ولرجحان هذا المعنى على بقية المعاني استغنينا عن الترجيح بين المعاني الباقية.
ثم الظاهر أن الحال التي كانت عليها القبور حين رآها القاسم هي الحال التي وُضِعت عليها من أول مرة، إذ يبعُد أن يجترئ أحدٌ من الصحابة على تغييرها عما اتفقوا عليه فيها، ويؤيده أنها في بيت أم المؤمنين عائشة،
__________
(1) (4/ 1412).
(5/ 1/36)

وهي من الراسخين في العلم والدين.
ويؤيد مشروعية وضع الحصى مرسلُ محمَّد بن علي، وإن كان ضعيفًا كما مرّ (1)، لكن بشرط أن لا يزيد في رفع القبر؛ لأن قدر الرفع في حديث ابن حبان هو الحاصل من التراب والحصباء، فلا يُزاد عليه.
الخلاصة: رفع القبر قليلاً، وإلقاء الحصى عليه مشروع.
[ص 39] جابر - برواية أبي حفص بن شاهين -: نصٌّ في أن قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه كانت مسنَّمة، ولكننا لم نعلم صحته.
غُنيم بن بسطام المديني: "رأيتُ قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحو أربع أصابع" اه.
فيه دليل على أن المشروع ترك تعاهد القبور بالزيادة عليها، وإن نقصت عن القدر المشروع أول مرة، وذلك أن القدر المشروع في الرفع والمصنوع بالفعل في قبره صلَّى الله عليه وآله وسلم هو نحو شبر، كما في حديث ابن حبان، فدل كونه بعد زمان بقدر أربع أصابع أنه لم يُتَعاهَد بزيادة مع تناقصه، إلا أننا لا نعلم ما صحة هذا الأثر.
[ص 40] إبراهيم النخعي: فيه أن من الهيئة المشروعة الارتفاع ووضع الحصباء ونحوها، إلا أنه لم يصح كما علمت.
سفيان التمَّار: فيه أن من الهيئة المشروعة التسنيم، والظاهر أن تلك الحال هي التي وُضِعَت عليها القبور؛ لأنه لم يثبت أنها كانت مسطَّحة كما علمت، ولأن قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه لا يجْسُر أحدٌ أن
__________
(1) في (ص 23).
(5/ 1/37)

يُقدِم على تغييرها عما اتفق عليه الصحابة، خصوصًا في تلك المدة، والصحابة رضي الله عنهم أحياء, وفي التابعين أئمة فضلاء.
والتغيير الذي وقع في إمارة عمر بن عبد العزيز إنما هو بناء الجدار للاضطرار، ولم يثبت تغيير في هيئة القبر، ولا ضرورة تدعو إليه، ولو احتيج إلى إصلاح زالت به الهيئة الأولى، لما أُرْجِعَ إلا بنحوها. وحسبك بعمر بن عبد العزيز علمًا وورعًا ودينًا، وهو يومئذٍ حاضرٌ وهو الأمير، ولا بد أن يكون استشار من هنالك [ص 41] من العلماء، وعمل بمشورتهم (1).
وقد مرّ أن عمل الصحابة الذي اتفقوا عليه ولا معارض له حجة.
الخلاصة: التسنيم مشروع.
حديث الشعبي: "رأيت قبور شهداء أُحد جُثًى مسنَّمة".
قال في "اللسان": "في حديث عامر: رأيت قبور الشهداء جُثى: يعني: أتربة مجموعة، وفي الحديث الآخر: فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوةً من تراب" اه.
ظاهره أنه رأى قبور شهداء أحد كلها كذلك، وهي كثيرة يبعد كلَّ البعد أن تُغيَّر كلُّها عما جُعِلَت عليه بحضرة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وأن يتفق [ص 42] الصحابة على تغييرها، أو التقرير عليه، فلو كان قبرًا واحدًا أو
__________
(1) قال ابن عبد البر في "الاستذكار": (9/ 101): "ومعلوم عند جماعة العلماء أن عمر بن عبد العزيز كان لا يُنفذ كتابًا, ولا يأمر بأمر، ولا يقضي بقضية إلا عن رأي العلماء الجِلة ومشاورتهم، والصدر عما يجمعون عليه ويذهبون إليه، ويرونه من السنة المأثورة عن النبي صلَّى الله عليه وسلم وعن أصحابه المهتدين بهديه المقتدين بسنته، وما كان ليُحْدِث في دين الله ما لم يأذن الله له به مع دينه وفضله" اه.
(5/ 1/38)

اثنين أو ثلاثة، لجاز تغييرها، فأما نحو أربعين قبرًا فبعيدٌ جدًّا، فدلالة هذا الأثر قوية جدًّا.
الخلاصة: جمع التراب على القبور بهيئة التسنيم مشروع.
مرسل محمَّد بن علي: فيه أن وضع الحصى على القبر مشروع، وقد مر ثبوته بأثر القاسم، ومر الجواب عن قول الإِمام (1): "والحصباء لا تثبت إلا مع قبر مُسَطَّح".
وفيه: أن رشَّ القبر مشروع، وقد رويت فيه أدلة أخرى، وليس هو من محلَّ النزاع، فلم نستوفِ البحثَ فيه.
حديث المطلب: فيه أن من المشروع إعلام القبر إذا احتيج إلى معرفته بعد ذلك؛ لقصدٍ شرعي، وقوله: "عند رأسه" محتمل أن تكون فوق القبر، وأن تكون بجانبه، والثاني هو المتعيِّن، للنهي عن الرفع والزيادة.
ثم لا يخفى أن العلامة إنما يُحْتاج إليها إذا خُشي الاشتباه أو الانطماس، وفي الاحتمال الأول في قبر عثمان نظر؛ لأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم حضر الدفن هو وأصحابه، فكيف يُخْشى أن يشتبه عليه قبرٌ مسنَّم نحو شبر حَضَره مع أصحابه، مع أنه ورد أن عثمان بن مظعون أول مدفون بتلك البقعة، وخُصَّت لدفن المسلمين، وكانت سنة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يحضر دفن موتاهم جميعًا.
وأما الثاني؛ فلا يخلو من بُعْد؛ لأن القبر إذا كان مسنَّمًا نحو شبر، لم ينطمس إلا بعد سنين.
__________
(1) أي: الشافعي.
(5/ 1/39)

لكن ههنا احتمال آخر، وهو أن يكون تراب الحفرة نقص عن تكوين ارتفاع يسير، وكره رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يزيد على القبر من غير حفرته، فاكتفى بوضع حجرٍ عن رأسه، وقد يكون ذلك الحجر من أحجارٍ أُخْرِجت من الحفرة، وكانت هي السبب في نقص تراب الحفرة.
وعلى هذا فلا يكون في الواقع زيادة، بل هي من نفس الحفرة، ومع هذا فالظاهر أنه إذا احتيج للعلامة لم يضر أن تكون من غير الحفرة، ولكن شرطها الاحتياج [ص 46] إليها لقصد شرعي، وأن لا توضع فوق القبر، بل بجانبه عند الرأس، وأن لا تزيد عن قدر الحاجة، لا في القدر، ولا في الهيئة، فإن اختلّ شرطٌ من هذه لم يكن في الحديث دلالة على الجواز، وفي غيره من الأدلة التي ذكرنا بعضها في هذه الرسالة ما يدل على المنع. والله أعلم.
الآثار معناها واضحٌ، وهي مقررة لما ثبت بالأدلة المذكورة.
****

فَذْلكة (1) ما يتعلق بظاهر القبور من الهيئة المشروعة:
1 - رد تراب الحفرة إليها وجمعه عليها بهيئة التسنيم حتى ترتفع نحو شبر باعتبار الوسط، ولا يُزَاد على ذلك إلا ما ثبت، كوضع شيء من الحصى لا يزيد في الارتفاع، ووضع حجر عند رأس القبر علامة بشرطه.
2 - إبراز القبر.
__________
(1) الفذلكة هنا بمعنى الخلاصة.
(5/ 1/40)

الحمد لله

الفصل الثاني
[ص 47] تتمّة
هذه هي الهيئة المشروعة في نفس القبر باعتبار ظاهره، فكل ما زاد عنها فهو بدعة ضلالة، يتناوله عموم النهي عن البدعة، كالتسطيح، فإنه ينافي التسنيم، وكالرفع فوق شبر، فإنه ينافي الاقتصار على الرفع نحو شبر، وكالتجصيص، فإنه ينافي كون القبور جُثًى مُسنَّمة وغيره، مع منافاته لعدم الزيادة والبناء على جوانب القبر القريبة، بحيث يسمى البناء قبرًا، فإنه بمعنى الرفع فوق شبر، مع منافاته لعدم الزيادة، سواءً أكان بحجر أم آجُرّ، أم خشب كالتوابيت، أو بغير ذلك، فهذه الأشياء منهيٌّ عنها ما لم يُخَصَّص بعضُها بدليل.
وقد بقي علينا بيان الهيئة المشروعة فيما يتصل بالقبر.
فأقول: الهيئة المشروعة هي ما كان في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقد عُلِم أنه لم يكن يبني على القبور بناءً واسعًا (1)، ولا يُبْنى بناء لتُجْعَل القبور فيه، ولا تُجْعَل القبور في بناء معدًّ للسُّكْنى.
فأما قبره صلَّى الله عليه وآله وسلم فله سبب خاص، يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (2).
__________
(1) كذا ضبطه المؤلف على أن الفعل مبني للمعلوم، والذي بعده مبنيّ للمجهول.
(2) انظر ما سبق (ص 37 - 38). ولم يأت شيء آخر بخصوص هذه المسألة.
(5/ 1/41)

ولا كانت توضع أستار على القبور، ولا تُنْصَب عليها الرايات، وغير ذلك.
فالهيئة المشروعة عدم هذه الأشياء، فهذه الأشياء ونحوها بدعة ضلالة، يتناولها عموم النهي عن البدعة، وإلا فإنه يُؤخَذ منه النهي عنها بالقياس الجلي، سواءً أقلنا: إن العلة في النهي عن الرفع والتجصيص ونحوه هي كراهية معاملة القبر الذي هو بيت البِلَى بما ينافيه من الإحكام والتزيين. أم قلنا: إنها كراهية تمييز القبر بما قد يؤدي إلى تعظيمه.
وقد ورد التعليل بالأولى عن المذاهب الأربعة.
ففي "المنتهى" (1) من كتب الحنابلة متنًا وشرحًا: "وتسنيمٌ أفضل لحديث التمَّار، ولأن التسطيح أشبه ببناء أهل الدنيا". اه.
وفي "الأم" (2) للإمام الشافعي: "وأحب أن لا يُبْنَى ولا يُجَصَّص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما". اه.
[ص 48] وفي "الجوهرة المضية" (3) من كتب الحنفية: "قوله: (ويكره الآجُرّ والخشب) لأنهما لإحكام البناء، وهو لا يليق بالميت؛ لأن القبر موضع البلى". اه. ثم حكى تقرير هذا التعليل عن السرخسي.
وفي "شرح الموطأ" (4) للباجي من المالكية: "فأما بنيانه ورفعه على
__________
(1) (2/ 144 - مع شرح البهوتي ت: التركي).
(2) (2/ 631).
(3) (1/ 427). وهكذا وقع اسم الكتاب عند المؤلف، وصوابه "الجوهرة النيِّرة" وهو شرح لمختصر القدوري لأبي بكر الحدادي.
(4) (2/ 494).
(5/ 1/42)

وجه المباهاة، فممنوع". اه.
وورد التعليل بالعلة الثانية عن بعض أهل العلم مستدلًّا بتواتر الأحاديث بلعن من اتخذ القبور مساجد، واشتداد غضب الله عليه، وفي بعضها تفسير ذلك ببناء المسجد على القبر، وصحة الأحاديث بالنهي عن الصلاة في المقبرة, وعن الصلاة إلى القبر، مع ما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف في تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا ...} الآية [نوح: 23]: أن هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ... إلخ. في "صحيح البخاري" (1).
وفي بعض الأحاديث لَعْن من اتخذ على القبر سراجًا (2).
وصرَّح العلماء في أهل المذاهب أن النهي عن الصلاة إلى القبر خشية أن يؤدّي ذلك إلى تعظيمه، وسيأتي نقل شيءٍ من هذا عند الكلام في المساجد على القبور.
فكل هذا يدلُّ أن خشيةَ أن يؤدي تمييز القبور إلى تعظيمها، أمرٌ يعتبره
__________
(1) رقم (4920) كتاب التفسير، باب: ولا تذرنّ ودًّا ولا سواعًا ....
(2) ولفظه: "لعن الله زوّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج". أخرجه أحمد رقم (2030)، وأبو داود رقم (3236)، والترمذي رقم (320)، والنسائي رقم (2043)، وابن ماجه رقم (1575)، وابن حبان رقم (3179). وغيرهم من طرقٍ عن محمَّد بن جُحادة عن أبي صالح عن ابن عباس به.
وفيه أبو صالح مولى أم هانئ ضعيف مدلس، وقد تفرّد بزيادة "والمتخذين عليها المساجد والسُّرج". فهي من مناكيره وباقي الحديث له شواهد يتقوى بها.
(5/ 1/43)

الشرع، فتكون هذه هي العلة في منع الرفع ونحوه؛ لِمَا هو مشاهد أن القبر المميز على غيره برفعٍ وتجصيصٍ وبناءٍ وسترٍ ونحوه يُعَظِّمه الجُهّال دون غيره، والعلة المنصوصة أرجح من المستنبطة، مع أن القياس يصح على كلا (1) العلتين.

النتيجة:
ثبت النهي عن تسطيح القبر، ورفعه فوق شبر، والزيادة عليه من تراب غير حفرته، إلا لتسويته بالأرض إذا نقص، وإلا شيئًا من حصى، وحَجَرًا للعلَامة عند الحاجة.
وعن تجصيصه والبناء عليه، سواء أكان على جوانبه القريبة أم أوسع، وسواءً أبُنِي بعد القبر أم قبله لأجله، أم قبله لسُكْنى ونحوها.
وعن سَتْره بالثياب، ونصب الرايات عنده، والكتابة عليه، وكل ما صُنِع لأجله مما لم يثبت له دليلٌ شرعيٌّ.
فكل هذه الأشياء ثبت النهي عنها:
أولاً: بدخولها تحت عموم "كل بدعة ضلالة"، وغيره من الأدلة.
ثانيًا: لمنافاتها لتسوية القبور المأمور بها، أو منافاة بعضها لها، وإلحاق الباقي بالقياس الجلي. والله أعلم.
...
__________
(1) كذا، والوجه: "كلتا".
(5/ 1/44)

[الأحاديث والآثار الواردة في مسألة البناء على القبر]
[ص 49] البخاري في "صحيحه" (1) تعليقًا: "لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره سنةً، ثم رُفِعت، فسمعت صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا".
أقول: علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمولٌ على أنه صحَّ لديه في الجُمْلة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل. وفي هذا إجمالٌ، فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم "غيره" من يتساهل في التصحيح.
ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذّبه غيره، فلا بدّ من النظر في رجال السند، وقد راجعنا "فتح الباري" (2)، فذكر فيه ما لفظه (جزء 3/ ص 161): "أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ: "الفُسْطاط" كما رُوّيناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي - رواية الأصبهانيين عنه - وفي كتاب ابن أبي الدنيا، في "القبور" (3)، من طريق المغيرة بن مِقْسَم قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر نحوه". اه.
[ص 50] ولا ندري ما حال السندَين، إلا أن المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ومدلسًا.
__________
(1) في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (2/ 88 - ط الميرية).
(2) (3/ 238).
(3) لم أجده في المطبوع منه، والمطبوع فيه نقص. وهو في "هواتف الجان" له (131).
(5/ 1/45)

وقد ذكر البخاري هذه القصة في باب ما يُكره من اتخاذ المساجد على القبور، قال في "الفتح" (1): "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفُسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة.
وقال ابن المُنيِّر: إنما ضَربت الخيمةَ هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا ... ومكابرةً للحسّ .... فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتِفَيْن بتقبيح ما صنعوا ... إلخ.
أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضَربت الخيمةَ للاجتماع لقراءة القرآن.
وهذا مع كونه ممنوعًا أيضًا، مردودٌ بقول الهاتِفَيْن: هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا.
فالقصة فيها زراية على زوجة الحسن، وهي كما في "الفتح": فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذٍ كلهم.
فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله عزَّ وجلَّ وأكمل عقولاً، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة، [ص 51] وفي الحديث: "لعن زوَّارات القبور" (2) أي: المكثرات لزيارتها، وضَرْب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنةً أبلغ من إكثار الزيارة, وأهل البيت أولى من
__________
(1) (3/ 238).
(2) سبق تخريجه (ص 43).
(5/ 1/46)

يُنَزَّه عن ذلك.
هذا، مِع عِلْمنا أن مثل هذا لا تقوم به حُجّة، بل القصة بنفسها في ذِكْر كلام الهاتِفَين تدل على قُبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقًّا علينا الذبّ عن أهل البيت رضي الله عنهم.
****
[ص 52] البخاري في "صحيحه" (1) تعليقًا أيضًا، في باب الجريد على القبر: "وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شُبّان في زمن عثمان رضي الله عنه، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".
قال في "الفتح" (2): وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق ابن إسحاق.
أقول: قال في "التاريخ الصغير" (ص 23) (3) طبعة إله آباد: حدثنا عَمْرو بن محمَّد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعتُ خارجةَ بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وإن أشدّنا وثبةً الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. اه.
وقد مر قريبًا (4) الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد علم ههنا سنده، فأقول:
__________
(1) (2/ 95 - ط الميرية).
(2) (3/ 265).
(3) "التاريخ الأوسط" رقم (126 - ط الرشد).
(4) (ص 45).
(5/ 1/47)

شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة (1)، وابن إسحاق كما تقدم في حديث فَضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة، فإنّ في حفظه شيئًا" (2).
1 - [ص 53] ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثمَّة قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرُّده، ففي الأثر نكارة.
2 - بل على القول بأنه يفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذٌ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن تُرفع في ذلك العصر.
3 - بل نفس قبر عثمان بن مظعون، ورد أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم [وضع] حجرًا، وقال: "أُعَلِّم به قبر أخي" (3)، وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض.
4 - ومع ذلك فيبعد جدًّا أن يخرج الشباب من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث إنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وَثْبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قبر إبراهيم، وغيره.
نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعين - ومنهم خارجة - لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثُّب، وقد كان أبناء الصحابة رضي الله عنهم بغاية التمسّك بالآداب الشرعية، ولا سيما مثل خارجة بن زيد.
__________
(1) ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير": (8/ 284)، وابن حبان في "الثقات" (7/ 603).
(2) "الميزان": (4/ 395).
(3) سبق تخريجه (ص 23 - 24).
(5/ 1/48)

5 - [ص 54] وفي "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمْرو بن علي: مات سنة (99). وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. اه.
فالأكثر كما ترى أنه مات سنة مائة.
وقال ابن عساكر في "تاريخه" (2): "الصحيح الذي عليه أكثر الروايات أنه توفي سنة مائة". اه.
وذكر قبل ذلك ما لفظه: "وقال العجلي: خارجة مدني ... وقال: رأيتُ في المنام كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت (3)، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. فمات فيها" اه.
أقول: وقد ذكر هذه القصة ابنُ سعد في "الطبقات" (4) من روايته عن الواقدي بسنده، ونقلها عنه ابن خلِّكان (5)، فإن صحَّ هذا كان مولده سنة (30). فيكون سِنّه يوم قتل عثمان نحو خمس سنين؛ لأن عثمان قتل سابع ذي الحجة سنة (35)، فكيف يكون من الشبّان زمن عثمان.
...
__________
(1) (3/ 95).
(2) (15/ 395 - 396).
(3) كذا هنا وفي (المسوّدة ص 31) والتاريخ, وفي بعض المصادر: "تدهورت".
(4) (7/ 258 - ط الخانجي).
(5) في "الوفيات": (2/ 223).
(5/ 1/49)

[ص 55] حديث علي رضي الله عنه (1)
قال الإِمام أحمد في "مسنده" (2) (جزء 1/ ص 128 - 129): وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبي وائل عن أبي الهيَّاج قال: قال لي علي - وقال عبد الرحمن: إن عليًّا رضي الله عنه قال لأبي الهيَّاج -: "أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: أن لا تدعَ قبرًا مُشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمستَه".
أقول: الحديث رواه عن سفيان جماعة: منهم عبد الرحمن وخلَّاد بن يحيى والقطان ووكيع ومحمد بن يوسف ومحمد بن كثير.
ووقع فيه خلاف سندًا ومتنًا.
أما السند؛ فإن عبد الرحمن وخلَّادًا جعلا الحديث من رواية أبي وائل عن علي، وجعله الباقون من رواية أبي الهيَّاج عن علي.
وأما المتن؛ فيأتي تفصيله.

* رواية عبد الرحمن وخلاد:
أما عبد الرحمن؛ فرواه عنه محمَّد بن بشار عند الترمذي (3)، والإمام أحمد في "مسنده" كما تقدم، ومن طريق الإِمام أحمد رواه الحاكم في "المستدرك" (4).
__________
(1) كتب المؤلف فوقه: "يؤخّر بعد حديث عائشة". لكن لم يعقد المصنف لحديث عائشة رضي الله عنها مبحثًا مستقلاًّ.
(2) رقم (1064).
(3) رقم (1049).
(4) (1/ 369).
(5/ 1/50)

وأما خلَّاد؛ فرواه عنه معاذ بن نجدة القرشي عند الحاكم في "المستدرك" أيضًا.
ولفظ محمَّد بن بشار ... عن أبي وائل: أن عليًّا قال لأبي الهيَّاج: "أبعثك على ما بعثني عليه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم [ص 56]: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمَسْتَه".
وهكذا الباقون، إلا أنهم قالوا: "على ما بعثني عليه (رسول الله) صلَّى الله عليه وآله وسلم".
وفي "المستدرك" عن أبي (هيَّاج).
وقد رواه عن عبد الرحمن أيضًا عُبيد الله (أظنه القواريري) عند أبي يعلى في "مسنده" (1)، ولكن فيه: "عن حبيب بن أبي ثابت أن عليًّا قال لأبي الهياج".
هكذا لم يذكر "عن أبي وائل"، وأظنه من إسقاط النساخ؛ لأن النسخة خطية غير مصححة (2)، وباقي الحديث كحديث الإِمام أحمد.

* رواية الآخرين:
- القطان: رواه عنه أبو بكر بن خلاد الباهلي عند مسلم (3)، ذكر مسلم
__________
(1) رقم (338).
(2) وهكذا ذكر محقق مسند أبي يعلى أن ذكر "عن أبي وائل" سقط من النسختين، فلعله سقط قديم. أو من أخطاء المسعودي، فإنه ضعيف الحفظ. وسيأتي كلام المصنف في ذلك.
(3) رقم (969) (2/ 667).
(5/ 1/51)

رواية وكيع، وفيها: ... عن حبيب ... عن أبي وائل عن أبي الهياج قال: قال لي عليّ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم [ص 56]: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سويته".
ثم ذكر رواية القطان ... أخبرني حبيب بهذا الإسناد وقال: "ولا صورةً إلا طمستها".
فدلّ هذا أن لفظ القطان: "ألا أبعثك ... أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها".
- وكيع: رواه عنه جماعة، منهم يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، والإمام أحمد.
فعن الثلاثة الأولين: مسلم في "صحيحه"، وقد مر لفظه.
وعن الثاني أيضًا: إسماعيل بن قتيبة، وعن الرابع: علي بن عبد العزيز، كلاهما عند الحاكم في "المستدرك"، ولم يصرِّح باللفظ، بل قال: بنحوه، أي: بنحو لفظ عبد الرحمن وخلّاد.
وروى عن الثالث أيضًا: أبو يعلى في "مسنده"، ولفظه كلفظ الثلاثة عند مسلم، إلا أنه أسقط "ألا" وقال: "أن لا أدع"، وفي النسخة تحريف من النساخ.
وأما الإِمام أحمد ففي "مسنده" قرن وكيعًا بعبد الرحمن مرةً، وأفرده أخرى (1) أسقط "لا" فيهما، وقدَّم في الأولى ذكر القبر، وقد مرت الأولى.
__________
(1) رقم (741).
(5/ 1/52)

- محمَّد بن يوسف: رواه عنه أحمد بن يوسف السلمي عند البيهقي في "السنن" (1)، ولفظه: " ... عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: ألَّا تترك قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا في بيت إلا طمسته".
فأسقط "لا" وزاد "في بيت"، وقدَّم ذِكْر القبر، وقال: "تترك" بدل "تدع".
- محمَّد بن كثير: رواه عنه أبو داود (2) ولفظه: ... عن أبي الهياج الأسدي قال: بعثني عليٌّ قال: أبعثك على ... أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته".
فزاد "بعثني عليٌّ"، وأسقط "ألا"، وقدَّم ذِكْر القبر، وجعل الفعل للمتكلم.

[ص 57] الحكم في الاختلاف:
الأصل الثابت المقرَّر: أنه إذا وقع اختلاف مع الاشتراك في عدم الضعف يُفْزَع إلى الجمع، فإن أمكن الجمع فالكلُّ صحيحٌ، من لم يمكن التُجِئ إلى الترجيح، فإن أمكن، فالأرجح هو الصحيح، وإلا ثبت الاضطراب.
فلنعتبر الاختلاف في هذا الحديث بهذا الأصل.
__________
(1) (4/ 3).
(2) رقم (3218).
(5/ 1/53)

* الاختلاف في السند:
يمكن الجمع بأحد وجهين:
الأول: بالحكم لرواية القطان ومن معه، لاحتمال رواية عبد الرحمن وخلَّاد التدليس من بعض الرواة.
الثاني: بتصحيح كلا (1) الروايتين.
ويشبه أن يكون مسلم رحمه الله مال إلى الوجه الأول، وإلا لَمَا عَدَل عن رواية عبد الرحمن مع ما فيها من الفوائد: كجلالة عبد الرحمن، وعلوّ طريقه، وتسلسلها بالأئمة، ويبعد أن يكون مال إلى الترجيح، أعني بالحكم على طريق عبد الرحمن بالخطأ، فإنه عالمٌ أنه لا يُصَار إلى الترجيح إلا إذا لم يمكن الجمع.
وقد يُستأنس للتدليس باختيار القطان الرواية التي فيها "عن أبي الهياج"، والقطان يتحرَّز عن تدليس سفيان، بل وعن تدليس بعض شيوخ شيوخه، انظر "فتح المغيث" (2) (ص 77).
وعندي أنه لا وجه للتدليس هنا؛ لأن أبا وائل لم يوصف بالتدليس، بل وُصِفَ بعدمه، وحبيبًا لو دلَّس هنا بإسقاط شيخ شيخه كما هو صورة البحث لكان تدليس التسوية، ولم يوصف به، وإنما وُصِفَ بمطلق التدليس، فيُحْمَل على أخفّ أنواعه، أعني التدليس عن شيوخه.
__________
(1) كذا في الأصل، والوجه: "كلتا".
(2) (1/ 219).
(5/ 1/54)

ولهذا تراهم يعمدون إلى السند الذي فيه من وُصِف بمطلق التدليس، ولكنه صرح بالتحديث عن شيخه، فيحكمون له بالصحة، وإن كان شيخه أو شيخ شيخه لم يصرَّح بالسماع، إلا أن يوصَفَ بالتسوية، فلا بد من التصريح بالسماع منه إلى آخر السند.
ووجهه أن تدليس التسوية أقبح وأشنع من مطلق التدليس، إذ لا يخلو عن الكذب، فالظاهر سلامة الثقة منه، وإن وُصِف بمطلق التدليس.
انظر كتب الفن في تدليس التسوية.
أما سفيان: فقد قيل: إنه كان يدلس التسوية، ولكن في "فتح المغيث" (1) (ص 77) قال البخاري: لا يُعْرَف لسفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كُهَيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه! اه.
[ص 58] وظاهر هذا يتناول تدليس التسوية، وإلا لقال البخاري: ولكنه كان يسوَّي فيما رواه عن حبيب، أو نحو ذلك. مع أن سفيان أثبت إن شاء الله من أن يسوّي فيما رواه عن شيخ قد تنزه عن التدليس عنه، فإن ذلك أشدّ غررًا من التسوية مع عدم التنزه عن التدليس؛ لأن العلم بتنزّهه عن التدليس عن شيخه، يَحْمِل على الظن بأنه لم يسوّ فيما رواه عنه.
على أن ههنا مانعًا آخر من الحمل على التدليس، وهو سقوط "ألا" في رواية عبد الرحمن وخلاد أصلاً، وثبوتها في رواية الآخرين غالبًا، وهذا يدل أنهما روايتان من الأصل.
__________
(1) المصدر نفسه.
(5/ 1/55)

ويؤيده أن الحاكم حكم بصحة رواية عبد الرحمن وخلاد على شرط الشيخين، كما يأتي، وأقره الذهبي.
وأيضًا فالحمل على التدليس نوع من الترجيح، والجمع المحض أولى منه.
وبمجموع ما ذكرنا ينتهض الوجه الثاني، وهو تصحيح الروايتين معًا، إن شاء الله.
فأقول: قد حكم بصحتهما معًا الحاكم في "المستدرك"، فإنه ذكر رواية عبد الرحمن وخلاد، ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأظنه لخلاف فيه عن الثوري، فإنه قال مرة: عن أبي وائل عن أبي الهياج، وقد صح سماع أبي وائل عن علي رضي الله عنه". اه.
ثم ذكر رواية وكيع، وتوجيهه: أن أبا وائل سمع الحديث مرةً من علي، ومرةً: من أبي الهيَّاج، فكان يحدث بهذا تارةً، وبهذا أخرى، وتَبِعه حبيب، فتبعه سفيان.
وقد علمت أن رواية عبد الرحمن وخلّاد اطَّرَد فيها سقوطُ "ألا"، وسيأتي أن الأصل في رواية الآخرين ثبوتها، فيظهر من هذا: أن عليًّا رضي الله عنه عرض على أبي الهياج البعث بقوله: "ألا أبعثك ... " إلخ ولم يعزم عليه، فخرج فلقي أبا وائل فأخبره، ثم اتفق اجتماعهما عند علي رضي الله عنه، فعزم على البعث، فقال لأبي الهياج: "أبعثك ... " إلخ.
أما ما في "مسند أبي يعلى" عن عُبيد الله عن عبد الرحمن، وفيه: "عن حبيب بن أبي ثابت أن عليًّا .. " كما تقدم، فهو من خطأ النساخ جزمًا، فإن
(5/ 1/56)

الكاتب إذا كتب "أبي ثابت" ثم نظر في الكتاب الذي نسخ منه فرأى "أبي وائل" ظن أنه قد كتبها لاشتباه الكُنيتين [ص 59] والنسخة الخطية غير مصحَّحة (1).

* الاختلاف في المتن:
أما رواية عبد الرحمن وخلاد فلم يقع فيها خلاف يُغيَّر المعنى، فلا كلام عليها، وقد ترجَّح أنها رواية مستقلة، فلا يضرّها الخلاف الواقع في الرواية الأخرى.
وأما الخلاف في الرواية الأخرى؛ فمنه ما لا يغير المعنى، كالتقديم والتأخير، وإبدال "تمثال" ب "صورة"، و"تدع" ب "تترك" (2)، وجَعْل الضمائر التي للمخاطب للمتكلم وغيره، فهذا من الرواية بالمعنى، وكانت شائعة بينهم، فلا تضر.
ومنه ما لا يخلو عن تغيير للمعنى، وهو الاختلاف في ثبوت "ألا" مع زيادة ابن كثير (3) "بعثني عليّ"، وزيادة ابن يوسف (4) "في بيت".
فإن الكلام مع ثبوت "ألا" عَرْض، ومع سقوطها جزمٌ، ولا سيما زيادة "بعثني عليّ"، وكذلك قول ابن يوسف "في بيت" قيدٌ، ينافي إطلاق بقية الروايات.
__________
(1) انظر ما سبق (ص 51) وسيأتي (ص 58).
(2) رسمها في الأصل: "بترك".
(3) في رواية أبي داود، وقد تقدمت.
(4) في رواية البيهقي، وتقدمت أيضًا.
(5/ 1/57)

والجواب: بالجمع، بأنَّ الأصل في هذه الرواية ثبوت "ألا" ولكن كأنَّ سفيان رحمه الله أسقَطَها مرةً بناءً على أن إسقاطها لا يغيِّر معنى المرفوع، مع أنَّ دلالة الكلام بعد إسقاطها على الجزم لا يضر، بعد صحة الجزم بالرواية الأخرى. وأثبتها مرة على الأصل، أو لأنه تنبَّه أن لإثباتها فائدة في الجمع بين الروايتين، فسمع منه أصحابه الإثبات والإسقاط، فروى بعضهم هذا، وبعضهم هذا، وروى وكيعٌ الأمرين.
لكن نسبة إسقاط "ألا" إلى سفيان، يردُّه ما في "مسند أبي يعلى" قال: "حدثنا عبد الله نا يزيد بن هارون أنا المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت (1) عن أبي الهياج قال: قال عليًّا (كذا) أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: لا تدع قبرًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمحته (كذا) ".
[ص 60] هكذا في النسخة ليس فيه: "عن أبي وائل" ويظهر أنه من إسقاط النساخ، كما مر (2).
وهذه النسخة لا يوثق بها, لكن إذا وُجِد في نسخة صحيحة وليس فيه "ألا"، فالظاهر أن الإسقاط جاء من حبيب، أسقط مرة، وأثبت أخرى، فسمع المسعودي الإسقاط، وسمع سفيان الأمرين، فحدَّث بهذا مرة، وهذا أخرى كما مر.
فأما زيادة محمَّد بن كثير "بعثني علي" فمِن عِنْده، وذلك أنه سمع
__________
(1) بعدها رمز (7).
(2) (ص 51، 57).
(5/ 1/58)

الرواية بإسقاط "ألا" ففهم الجزم، فزاد هذه الكلمة ظانًّا أنها إيضاحٌ للمعنى لا تغيير له، مع أن محمَّد بن كثير غمزه ابنُ معين، وأظنه من جهة الضبط (1).
وأما زيادة ابن يوسف "في بيت" فعلى الخلاف في زيادة الثقة قيدًا لما أطلقه غيره، انظر "فتح المغيث" (2) (ص 90).
ومما يقوي طرحها، قول ابن عدي في محمَّد بن يوسف هذا: له إفرادات عن الثوري (3).

تنبيه:
حديث أبي يعلى عن عبيد الله عن يزيد عن المسعودي صحيحٌ إن ثبت في نسخة صحيحة وصله عن أبي وائل، كما هو المظنون، بل وإن لم يثبت فقد عُلِم برواية سفيان أن أبا وائل هو الساقط، ولا أدري لعل حبيبًا أدرك أبا الهياج، فلينظر.
فأما ما ثبت أن المسعودي اختلط وخلّط فلا يضر؛ لأن سماع يزيد عنه كان قبل ذلك، انظر "فتح المغيث" (4) (ص 493).

تنبيه آخر:
ذكر الحافظ رحمه الله هذا الحديث في كتابه "إتحاف المهرة" (5) فقال:
__________
(1) كما في رواية ابن الجنيد رقم (343، 344).
(2) (1/ 250 - 251).
(3) "الكامل": (6/ 232).
(4) (4/ 388). وانظر "الكواكب النيرات": (ص 282).
(5) رقم (14194).
(5/ 1/59)

حصين بن حيان الأسدي أبو الهياج عن علي، حديث: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ... ثم ذكر رواية الحاكم الثانية, أعني التي فيها "عن أبي الهياج" إلى أن قال: "عن أبي وائل عنه به". ثم ذكر رواية الحاكم الأولى، أعني رواية خلاد وعبد الرحمن، ثم قال: وقال "صحيح على شرطهما"، وقال: أظنهما ....
قلت: قد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده. ثم ذكر رواية أحمد عن يونس بن محمَّد، وسيأتي.
[ص 61] ثم قال: وعن وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج به. اه.
وفي عبارته ثلاثة مواضع موهمة لخلاف الواقع:
[الأول]: قوله بعد ذكر أكثر لفظ الحديث، وسوقه رواية الحاكم الثانية: "عن أبي وائل عنه به".
هذا يوهم أن الحاكم صَرَّح بلفظ الحديث، وأنه باللفظ الذي تقدم أكثره، وليس الأمر كذلك، فإنما قال الحاكم: "فذكر الحديث بنحوه" أي بنحو لفظ عبد الرحمن وخلَّاد المذكور في الرواية الأولى.
وقد اختلفت ألفاظ الرواة عن وكيع، فلا يُدْرى اللفظ الذي ثبت عند الحاكم ولم يصرح به، أهو كلفظ مسلم الذي صَدَّر به الحافظ، وحكم بأنه هو، أم لا؟.
فإن قيل: إن أبا بكر بن أبي شيبة أحد الراويين عن وكيع عند الحاكم،
(5/ 1/60)

هو أحد رواة لفظ مسلم، والظاهر الاتفاق.
قلت: فما نصنع بالراوي الآخر وهو الأصبهاني، وعلى كلَّ حال فلا يخلو المقام من مسامحة.
الموضع الثاني: أنه بعد ذِكْر عبارة الحاكم: "صحيح على شرطهما ... " إلخ. قال: "قلت: قد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده".
وهذا صريحٌ في أنَّ قولَ الحاكم: "ولم يخرجاه" يعني الحديث من أصله، فاحتيج إلى تعقُّبه بأن مسلمًا قد أخرجه بسنده، وإنما قال الحافظ: "قد أخرجه مسلم عن أبي بكر ... " إلخ. مع أن مسلمًا أخرجه عنه، وعن غيره مقرونين؛ لأن الحاكم رواه من طريق أبي بكر أيضًا.
وقوله: "بسنده" أي: بنفس السند الذي ذكره الحاكم، وبهذا يتم الحكم على الحاكم بالوهم.
وقد علمت أن الحاكم إنما أورد تلك العبارة عقب الرواية الأولى، أعني رواية عبد الرحمن وخلَّاد، فقوله: "هذا الحديث" متوجَّه إليها، وكذا قوله: "ولم يخرجاه" كما هو ظاهر، وهو المُطَّرِد في اصطلاحه في "المستدرك"، يذكر الحديث ثم يتكلم عليه. وأصرح من هذا قوله في آخر العبارة: "وقد صحَّ سماع أبي وائل من علي".
وبهذا يعلم أن حكم الحاكم صحيح، فإنَّ حديثَ عبد الرحمن وخلاد (1) لم يخرجه أحدٌ من الشيخين بسنده، بل ولا متنه.
الموضع الثالث: قوله في ذكر رواية أحمد عن وكيع وعبد الرحمن ...
__________
(1) الأصل: "خالد" سهو.
(5/ 1/61)

عن أبي الهياج به، وقد علمت لفظ الإِمام أحمد حيث قال بعد "عن أبي الهياج": "وقال عبد الرحمن ... " إلخ، فدل أن العبارة [ص 62] الأولى هي عبارة وكيع فقط، كما لا يخفى، وقد قابلنا حديث الإِمام أحمد بنسخة خطية، ولم نكتف بالمطبوعة، مع أن رواية الحاكم من طريقه صريحة في ذلك.

رجوع:
قد اندفع ما زعمه بعضُ الجُهَّال (1): أن الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، فإن شرط الاضطراب التقاوم، أي: أن لا يمكن الجمع ولا الترجيح، وقد أمكن الجمع ههنا كما أشار له الحاكم، وقررناه أحسن تقرير، والحمد لله.
وهذا الجمع أولى وأقرب مما جمعوا به بين حديثي فاطمة بنت قيس مرفوعًا:
1 - "إن في المال لحقًّا سوى الزكاة" (2).
2 - "ليس في المال حق سوى الزكاة" (3).
فدفعوا الاضطراب بأن قالوا: يُجْمَع بأنها سمعت اللفظين، والحق الأول المستحب، والثاني الواجب.
__________
(1) يشير المؤلف إلى حسن صدر الدين الكاظمي الرافضي في رسالته "الرد على فتاوى الوهابية" (ص 73) حيث زعم أن الحديث مضطرب المتن والسند!
(2) أخرجه الترمذي رقم (659, 660) والدارقطني: (2/ 125)، والبيهقي: (4/ 84). قال الترمذي: "هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزه ميمون الأعور يضعّف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح".
(3) أخرجه ابن ماجه رقم (1789).
(5/ 1/62)

والغريب أن ذلك الجاهل خَبَط في تقرير الاضطراب بما يُضْحَك منه.
قال: "فتارة يذكر "عن أبي وائل أن عليًّا قال لأبي الهياج"، كما في رواية أحمد عن وكيع () (1)، ورواية أبي داود عن محمَّد بن كثير ()، ورواية الترمذي عن محمَّد بن بشار، وتارة يذكر "عن أبي الهياج أنه قال: قال لي علي"، كما في رواية أحمد عن عبد الرحمن ()، ورواية مسلم عن وكيع".
ويعرف خبطه بما قدمناه.
وزعم أن في سند الحديث أبا وائل القاصّ، وذلك أنه نظر باب الكنى في "الميزان" (2)، فلم يجد أبا وائل إلا واحدًا هو القاصّ، ولم يدر أن أبا وائل الذي في سند الحديث ليس مِن بَراذين (3) "الميزان"، وهو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أحد سادة التابعين، مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وطائفة.
ولم يتنبه ذلك الجاهل إلى أن القاصّ لم يرو عن علي، ولا روى عنه حبيب، ولا أخرج له مسلم.
نعم، في الحديث عنعنة حبيب، وهو مدلس، وليس بأيدينا شيءٌ من المستخرجات لعلنا نجد في شيءٍ منها تصريحه بالتحديث، وليس في "إتحاف المهرة" شيءٌ عن أبي عوانة في هذا الحديث.
__________
(1) هكذا كتب المؤلف هذه الأقواس، ولا ندري ما مقصوده منها، إلا إن أراد أن يكتب مواضعها من الكتب، وقد سبقت.
(2) (6/ 258).
(3) جمع بِرْذون، وهو البغل. يعني ليس من جملة الضعفاء المذكورين في "الميزان".
(5/ 1/63)

لكن ههنا عدة أمور ينجبر بها هذا الوهن:
الأول والثاني: أن الحديث في الصحيح، وهو أصل في الهدم، فلا يقال: إنه متابعة لحديث فَضَالة، وممن رواه القطان، كما مر.
وقال في "فتح المغيث" (1) (ص 77) في الكلام على ما في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين: "قال ابن الصلاح - وتبعه النووي وغيره -: محمولٌ على ثبوت السماع عندهم فيه من جهةٍ أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات، تحسينًا للظن بمصنفيهما. يعني: ولو لم نقف نحن على ذلك ... [ص 63] وأشار ابن دقيق العيد إلى التوقف في ذلك ...
وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": أكثر العلماء أن المعنعنات التي في "الصحيحين" مُنَزَّلةٌ منزِلة السماع، يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها, ولذا استثنى من هذا الخلاف ... وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، ... والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه "اه.
1 - والذي عندي: أن صاحب الصحيح لا يصحّح عنعنة من عَرف أنه يدلس إلا بعد الوثوق بثبوت السماع، وإنما لم يثبت السند المصرَّح فيه؛ لأنه نازلٌ، أو نحو ذلك.
__________
(1) (1/ 218 - 219). وتمام اسم كتاب القطب الحلبي (ت 735): "القِدح المعلى في الرد على أحاديث المحلى". ذكره ابن الملقن في "البدر المنير": (1/ 291) وقال: "في جزء جيد، وما أكثر فوائده".
(5/ 1/64)

فإن قيل: قد يثبت عنده السماع من طريق فيها من لا يوافق على توثيقه.
قلت: هذا خلاف الظاهر، بل الغالب على الظن أنه قد ثبت لديه من طريق متفق على تصحيحها، وإلا لأبرزها.
نظير ما قالوه في سفيان بن عيينة: أنه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل الثقة الذي صرح به، ولكن مع هذا كله لا يزال في النفس شيءٌ، خشية أن يكون خَفِي على صاحب الصحيح كون ذلك المعنعن يدلِّس، أو خَفِي عليه جرح في بعض رجال الطريق التي ثبت لديه فيها التصريح بالتحديث، أو نحو ذلك.
إلا أنه على كل حال إذا كانت عنعنة المدلس في الصحيح يكون الظن بثبوت السماع أقوى مما لو كانت في غير الصحيح.
[64] 2 - وأما ما نقلناه عن "الفتح" في شأن القطان، فهو لا يتناول هذا الحديث؛ لأنه إنما التزم عدم رواية ما عنعنه مدلس، ولم يثبت له سماعه في روايته عن زهير عن أبي إسحاق، والمدلِّس أبو إسحاق، وفيما رواه عن سفيان، والمدلِّس سفيان، وحديث الباب من روايته عن سفيان عن حبيب، والمدلس حبيب.
لكن قد ثبت عن القطان التحرز عن أن يقع منه ما فيه رائحة من تدليس، وثبت بما هنا احتياطه أن لا يروي عن شيخه سفيان إلا ما صح سماع سفيان له، وأن لا يروي عن شيخه زهير عن أبي إسحاق إلا ما صح سماع أبي إسحاق له، فكان في هذا ما يدلّ على احتياط الرجل في الجملة، فيقوى ظن السماع فيما رواه عن سفيان عن حبيب.
(5/ 1/65)

3 - قد صحَّح الحاكم رواية عبد الرحمن وخلاد، وأقر صحة الرواية الأخرى، وتبعه الذهبي، فلعله ثبت لديهما ما يدفع احتمال التدليس.
4 - إن دلس حبيب فهو ثقة لا يدلس إلا عن ثقة متفق على توثيقه، أو ثقة عنده على الأقل.
5 - الإِمام أحمد في "مسنده" (1) (جزء 1/ ص 145): يزيد أنبأنا أشْعَثُ بن سوَّار عن ابن أشْوَع عن حنش بن (2) المعتمر، أن عليًّا رضي الله عنه بعث صاحب شرطة فقال: "أبعثك لما بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: لا تدع قبرًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا وضعته".
عبد الله في "زوائد المسند" (3) (جزء 1/ ص 150): حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا السَّكَن بن إبراهيم ثنا الأشعث .. فذكره بسنده، ونحو متنه.
أبو يعلى في "مسنده" (4) بمثل سنده ومتنه.
[ص 65] أبو يعلى في "مسنده" (5) أيضًا: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله حدثنا علي بن مُسْهِر عن أشعث، فذكره بسنده، ونحو متنه.
أقول: في أشعث كلام، حاصله أنه صدوق يخطئ.
__________
(1) رقم (1239).
(2) في "المسند": "أبي" وكلاهما صحيح, لأنه ابن المعتمر وأبو المعتمر.
(3) رقم (1284).
(4) رقم (559).
(5) رقم (503).
(5/ 1/66)

وقال ابن عدي (1): لم أجد لأشعث متنًا منكرًا، إنما يغلط في الأحايين في الأسانيد، ويخالف. اه. "ميزان" (2).
وقد أخرج له مسلم في "صحيحه" متابعة.
وأما ابن أشْوَع فثقة، من رجال "الصحيحين"، غمزه الجُوزَجاني بالتشيّع، والجُوزجاني متشدِّد على الكوفيين.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (3) في ترجمة أبان بن تغلب الربعي: "الجُوزجاني لا عبرة بحَطِّه على الكوفيين".
وحَنَش وثَّقه أبو داود، وقال أبو حاتم: "صالح، لا أراهم يحتجون به". ولينه غيرهما بما لا يسقطه عن الاعتبار.
فأقلّ ما يقال في هذا السند: إنه صالح للاعتبار.
6 - الإِمام أحمد في "المسند" (4) من طرق عن الحكم بن عُتَيبة عن أبي محمَّد الهُذَلي عن علي رضي الله عنه، ذكر قصة بعث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم له، ولفظه في بعض الروايات: "أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بعثَ رجلاً من الأنصار: أن يسوِّي كلَّ قبر، وأن يُلَطِّخ كلَّ صنم، فقال: يا رسول الله، إني أكره أن أدخل بيوت قومي، قال: فأرسلني .. ".
__________
(1) "الكامل": (1/ 374).
(2) (1/ 265).
(3) (1/ 93).
(4) رقم (1176).
(5/ 1/67)

وفي أخرى (1) قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم في جنازة، فقال: "أيكم ينطلق إلى المدينة، فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوَّاه، ولا صورةً إلا لَطَّخَها ... " ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "من عاد لصَنْعَة شيءٍ من هذا فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلم".
أقول: أبو محمَّد الهذلي مجهول، لم يرو عنه إلا الحكم بن عُتَيبة، ولم يوثَّق ولم يجرّح، لكنه تابعي، روى عن علي رضي الله عنه، وروى عنه التابعي العَلَم الثبت الجليل: الحكم بن عُتيبة، فهو ثقة على مذهب ابن حبان، وصالحٌ للاعتبار عند الجمهور.
فكلُّ واحدٍ من هذين السندين صالح أن يبلغ درجة الحسن لغيره، إذا اعتضد. انظر "فتح المغيث" (2) (ص 24).
7 - قد روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (3)، من طريق يونس بن خباب عن جرير بن أبي الهيَّاج (4)، عن أبيه.
وفيما مر كفاية.
يونس شيعي، كان يطعن في عثمان، قال مرةً: قتل بنتي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، فقيل له: قتل الأولى، فلِمَ زوَّجه الثانية؟ فلم يدر ما يقول!
__________
(1) رقم (657).
(2) (1/ 75).
(3) رقم (889)، ومضى في "المسند" رقم (683).
(4) كذا في الأصل "جرير بن أبي الهيَّاج"! خطأ، وصوابه كما في المسند: "جرير بن حيَّان".
(5/ 1/68)

وبمجموع هذه الوجوه يندفع احتمال التدليس، وينتهض الحديث للحُجِّية، كما لا يخفى. والله تعالى أعلم.
[ص 67] الباجي في "شرح الموطأ" (1): قال ابن حبيب: وروى جابر: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن تُرْفع القبور، أو يُبنى عليها، وأمر بهدمها، وتسويتها بالأرض. وفَعَله - يعني الهدم والتسوية - عمر بن الخطاب. اه.
في "كنز العمال" (2): عن عثمان: أنه كان يأمر بتسوية القبور". (ابن جرير).
أقول: ذكرت هذين استئناسًا.
...
__________
(1) (2/ 494).
(2) رقم (42927).
(5/ 1/69)

[حديث جابر]
[ص 68] الإِمام أحمد "مسند" (1) (جزء 3/ ص 339): ثنا حجاج ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يجصَّص، أو يُبنى عليه".
تابع الإِمام أحمد عن الحجاج:
1 - يوسف بن سعيد عند النسائي (2)، وعند أبي عوانة في "صحيحه"، وعند ابن حبان (3)، كما في "إتحاف المهرة" (4).
2 - ومحمد بن إسحاق الصغاني عند البيهقي (5).
3 - وهارون بن عبد الله عند مسلم في "الصحيح" (6).
4 - وهلال بن العلاء عند أبي عوانة.
وتابع حجَّاجًا عن ابن جُرَيج جماعة، منهم:
1 - عبد الرزاق، رواه عنه الإِمام أحمد "مسند" (7) (جزء 3/ ص 295)،
__________
(1) رقم (14647).
(2) رقم (2028).
(3) رقم (3165).
(4) رقم (3400).
(5) (4/ 4).
(6) رقم (970).
(7) رقم (14148).
(5/ 1/70)

وعن الإِمام رواه أبو داود في "سننه" (1).
2 - ومحمد بن رافع عند مسلم في "الصحيح" (2).
3 - (3) عند أبي عوانة.
ومنهم أبو معاوية، روى عنه سعيد بن منصور في "المستدرك" (4)، وإسحاق بن إبراهيم عند ابن حبان (5).
ومنهم محمَّد بن خازم روى عنه أسد عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (6).
ومنهم محمَّد بن ربيعة، روى عنه عبد الرحمن بن الأسود أبو عَمْرو البصري، عند الترمذي في "سننه" (7)، ومحمد بن إسكاب (كذا) عند أبي عوانة.
ومنهم حفص بن غياث، روى عنه:
1 - أبو بكر بن أبي شيبة، عند مسلم في "الصحيح" (8)
__________
(1) رقم (3225).
(2) رقم (970).
(3) كذا تركه المؤلف.
(4) (1/ 370).
(5) رقم (3164).
(6) (1/ 515). ومحمد بن خازم هو أبو معاوية المتقدم في رواية الحاكم.
(7) رقم (1052).
(8) رقم (970).
(5/ 1/71)

2 - عثمان بن أبي شيبة، عند ابن حبان (1).
3 - وسَلْم بن جُنادة بن مسلم القرشي، في "المستدرك" (2).
4 - ومسدَّد، في "شرح معاني الآثار" (3).
وفي صِيَغ الرواية وألفاظ الحديث بعض اختلاف عن حديث أحمد، لم نبين ذلك؛ لأنه لا يتعلق به بحث.
[ص 69] أبو داود في "سننه" (4): حدثنا مُسدَّد وعثمان بن أبي شيبة قالا ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر، بهذا الحديث (أي المتقدم).
قال أبو داود: وقال عثمان: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه"، ولم يذكر مسدد في حديثه: "أو يزاد عليه".
قال أبو داود: وخفي عليّ من حديث مسدد حرف "وإن".
أقول: رواه أبو عوانة عن أبي داود، ورواه البيهقي في "السنن" (5) بسنده إلى أبي داود عن عثمان، فذكر رواية عثمان.
وقد رواه النسائي (6) عن هارون بن إسحاق عن حفص بسنده ومتنه، إلا
__________
(1) رقم (3163).
(2) (1/ 370).
(3) (1/ 516).
(4) رقم (3226).
(5) (4/ 4).
(6) رقم (2027).
(5/ 1/72)

أنه لم يذكر القعود، وقدّم وأخَّر.
[سيأتي في حديث جابر في بعض طرقه النهي عن الزيادة على القبر.
ويُعْتَرض بأنها لم ترد إلا في رواية حفص بن غياث، وحفصٌ ساء حفظه بعد ما اسْتُقْضي، وصرحوا أنه لا يحتج من حديثه إلا بما كان في كتابه، وقد روى الحديث عن ابن جريج جماعةٌ كما سيأتي، وليست هذه الزيادة عن أحدٍ منهم غير حفص، بل حفص نفسه لم تثبت عنه هذه الزيادة في رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حفص.
وقد قيل: إن صاحبي الصحيح إنما يخرجان لحفص ما ثبت أنه حدث به من كتابه.
فزيادة النهي عن الزيادة شاذة، مع أنها لم ترد إلا فيما عنعنه ابنُ جُريج، وهو مدلِّس.
لكن قد يقال: إن لها شاهدًا ضعيفًا ذكره البيهقي في "سننه" (1) عَقِب ذكره رواية حفص، قال: ورواه أبان بن أبي عياش عن الحسن وأبي نضرة عن جابر عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "ولا يزاد على حفرته التراب".
ثم قال: "وفي الحديث الأول كفاية، أبان ضعيف". اه.
وفي "كنز العمال" (2): عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه
__________
(1) (3/ 410).
(2) رقم (42919).
(5/ 1/73)

وآله وسلم أن تُجَصّص القبور، وأن يُجْعَل عليها من غير حُفْرتها". ابن النجار.
[ص 24] وأما عنعنة ابن جريج؛ فإنها وإن كانت قادحةً في الصحة، فإنها لا تقتضي شدة الضعف؛ لأنها تحتمل الوصل وعدمه، فإن كان الأول؛ فالحديث صحيح، وإن كان الثاني؛ فالحديث على الأقل حسن عند ابن جريج؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده على الأقل، ولذلك جعلوا ما عنعنه المدلس مما يصلح أن يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد، بل نصوا على أن من الضعيف الذي يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد ما كان فيه انقطاعٌ بين ثقتين حافظين، فما عنعنه المدلِّس من باب أولى؛ لاحتماله الوصل. انظر "فتح المغيث" (1) (ص 24).
فأما ما ورد من مشروعية زيادة مخصوصة، كوضع شيءٍ من الحصى، وكوضع الحجر؛ فإنه يكون تخصيصًا لعموم النهي عن الزيادة، فلا يدلّ على عدم النهي مطلقًا] (2).
الإِمام أحمد في "مسنده" (3) (جزء 3/ ص 295): ثنا محمَّد بن بكر ثنا ابن جُرَيج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر: "سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُجَصَّص، وأن يُبْنى
__________
(1) (1/ 75).
(2) من قوله: "سيأتي في حديث جابر ... " إلى هنا ذكره المؤلف في الفصل الأول، ثم كتب فوقه: (ينقل إلى الفصل الثاني شرح حديث جابر) ولم يحدد مكانه، فلعل هذا مكانه المناسب.
(3) رقم (14144).
(5/ 1/74)

عليه".
وروى منه النهيَ عن الكتابة فقط ابنُ ماجه (1) عن عبد الله بن سعيد عن حفص بسنده.
[ص 70] "صحيح مسلم" (2): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى عن تقصيص القبور".
النسائي في "سننه" (3): أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور".
ابن ماجه (4): حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد قالا: ثنا عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تقصيص القبور".
الإِمام أحمد مسند (5) (جزء 3/ ص 399): ثنا عفان ثنا المبارك حدثني نصر بن راشد سنة مائة عمن حدثه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "نهانا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن تُجَصَّص القبور، أو تُبنى عليها". اه.
__________
(1) رقم (1563).
(2) رقم (970).
(3) رقم (2029).
(4) رقم (1562).
(5) رقم (15286).
(5/ 1/75)

الباجي: قال ابن حبيب: وروى جابر: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن تُرْفَع القبور، أو يبنى عليها، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض ... " إلخ كما تقدم (1).
يظهر أنه ليس من طريق أبي الزبير ولا سليمان؛ لأن فيه زيادة ليست عندهما. والله أعلم.
****
__________
(1) (ص 69) وسبقت الإحالة على كتاب الباجي.
(5/ 1/76)

[ص 71] حال أبي الزبير (1)
قال الشافعي: "يحتاجُ إلى دِعامة". ومعنى ذلك أنَّ فيما انفرد به نكارة.
وقال أبو زُرْعة وأبو حاتم: "لا يحتج به". وهذه الكلمة من المرتبة التي تلي أخفّ مراتب الجرح، وصاحبها صالح للمتابعة.
وقال شعبة: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان.
وأجاب عن هذه ابن حبان بأن ذلك لا يقتضي الترك.
أقول: وغاية هذا المنافاة لكمال المروءة، وليس ذلك بجرح.
وروى عنه سويد بن عبد العزيز أنه قال: لا يحسن يصلي.
وسويد ضعيف.
وقال: بينا أنا جالس عنده، إذا جاء رجل فسأله عن مسألة، فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجلٍ مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك حديثًا أبدًا.
أقول: الافتراء حقيقته مطلق الكذب، ولكن ظاهر السياق أنه سَبَّه، والافتراءُ إذا أُطْلِق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُريد به القذف، والقذف كبيرة تُسقط العدالة.
وجوابه:
__________
(1) ترجمته في "تهذيب الكمال": (6/ 503)، و"تهذيب التهذيب": (9/ 440)، و"إكمال تهذيب الكمال": (10/ 336)، و"ميزان الاعتدال": (5/ 162).
(5/ 1/77)

1 - أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السبّ، ولا سيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض.
وعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير. وفي الحديث: "من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا" (1).
2 - على تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير. فيحتمل أنه قال كلمةً يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد [ص 72]: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا، لم يُقبل حتى يفسِّر.
ولا يَرِد على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري ... إلخ. وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم. ثم روى بالمعنى في رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كلَّ حال قد أخطأ، فرأى الأولى الاعتذار بأنها كلمة جرت على لسانه لشدة الغضب، وهذا عذرٌ صحيحٌ، كما سيأتي إن شاء الله.
3 - على تسليم أنه قَذْف صريح، فقد يكون أبو الزبير مُطَّلعًا أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكره لشعبة؛ لأنه على حال مما لا يليق، وإنما جرى على لسانه لشدة الغضب.
ويُستأنس لهذه الوجوه بأنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف بريئًا، لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدودُ يومئذٍ قائمة.
__________
(1) أخرجه أحمد رقم (21218)، والنسائي في "الكبرى" رقم (8813)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (1000)، وابن حبان رقم (3153)، وغيرهم من حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه. انظر "السلسلة الصحيحة" (269).
(5/ 1/78)

4 - على كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه بقوله: "إنه أغضبني" أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه - وهو لا يشعر - كلمة مما اعتاد الناس النطق به.
وقد جاء في الحديث: "لا طلاق في إغلاق" (1)، وفُسِّر بشدة الغضب.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].
وقال جل ذكره: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].
وفي حديث مسلم (2) عن أنس مرفوعًا: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم ... ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدَّة الفرح".
5 - قال الذهبي في "الميزان" (3) في ترجمة ابن المديني: "ثم ما كلّ مَنْ فيه بدعة، أو له هَفْوة أو ذنوب يُقْدَح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ". اه.
__________
(1) أخرجه أحمد رقم (26360)، وأبو داود رقم (2193)، وابن ماجه رقم (2046)، والحاكم: (2/ 198)، والبيهقي: (7/ 357). وصححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بأن فيه محمَّد بن عبيد ضعَّفه أبو حاتم ولم يحتج به مسلم. وانظر "الإرواء": (2047).
(2) رقم (2744).
(3) رقم (4/ 61).
(5/ 1/79)

وفي "إرشاد الفحول" (1) للشوكاني (ص 49): [ص 73] قال ابن القُشَيري: والذي صحَّ عن الشافعي أنه قال: في الناس من يَمْحَض الطاعةَ، فلا يمزجها بمعصية، و [لأن] (2) في المسلمين من يَمْحَض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى ردّ الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبِلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، ردَدْتهما" (3) اه.
وفيه من جملة كلام عن الرازي: "والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن مِن (4) جراءته على الكذب، ترد الرواية, وما لا، فلا" اه.
وفيه: قال الجويني: "الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل" اه.
أقول: وهذا هو المعقول، وعليه الأئمة الفحول، فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها [مانعة له] عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه. فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوَّة الظن بصدقه، لم تخدش قبول روايته.
[ص 74] والحاصل: أن تلك الكلمة التي جرت على لسان أبي الزبير بدون شعوره لشدة غضبه، لا ينبغي أن يُهْدَر به مئات الأحاديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مع التحقُّق بكمال صدقه، وحفظه،
__________
(1) (1/ 264 - دار الفضيلة).
(2) زيادة من ط المحققة.
(3) الأصل: "رددتها" والمثبت من المحققة.
(4) المحققة: "معه".
(5/ 1/80)

وضبطه، وتَحَرِّيه، وإتقانه.
6 - والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت، وإن كانت إنما جرت على لسانه بدون شعور.
ويلوح لي أن بعض أعدائه، بل أعداء الدين دسوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده جاء فأغضبه، ابتغاء أن يسبق لسانه بكلمة ينقمها عليه شعبة، وقد كان كذلك.
ولكن حيلتهم لم تطفئ نورَ الله في صدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به.

[ص 75] توثيق الأئمة له نقلاً عن كتب الفن:
ابن المديني: ثقة ثبت.
ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح.
يعلي بن عطاء: كان أكمل الناس عقلاً وأحفظهم.
عطاء: كنا نكون عند جابر فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا.
ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة.
ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء, فيكون الضعف من جهتهم.
عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمَّد ابن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان.
(5/ 1/81)

وممن وثّقه مالك، فإنه روى عنه، ولا يروي إلا عن ثقة.
وأحمد والساجي وابن سعد وابن حبان.
وقال الذهبي: هو من أئمة العلم، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة.
والظاهر أن الموثِّقين اطلعوا على قصة شعبة، واطلعوا على ما يدفع ما فيها من الإيهام، وفيهم ابن معين والنسائي وابن حبان، وحسبك بهم تعنُّتًا مع أن معهم بضعة عشر إمامًا.
وسيظنّ ظانون أنه ما حدانا إلى الدفاع عن أبي الزبير، إلا حرصنا على صحة حديثه هذا، فليعلموا أن الحجة قائمة بدونه مما مضى، وما سيأتي.
وأنّ رواية أبي الزبير ليست قاصرة على هذا الحديث [ص 76] فدفاعنا عنه هنا يلزمنا أن نقبله لنا وعلينا، وهذا مما يلزمناه الحق نفسه. والله أعلم.
وقد صرح ابن جُريج بالسماع من أبي الزبير، وأبو الزبير بالسماع من جابر في رواية الإِمام أحمد ومسلم، فزال ما يُخْشَى من تدليسهما، لكن الروايات التي فيها النهي عن الزيادة والكتابة كلها عنعنها ابن جريج.
وأما قول الذهبي في "الميزان" (1) في ترجمة أبي الزبير: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك: ... وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" اه.
__________
(1) (5/ 164).
(5/ 1/82)

فإنما أراد رواية أيوب التي فيها النهي عن تقصيص القبور فقط، فلم يثبت التصريح بالتحديث فيها، ومسلم إنما ساقها متابعة. والله أعلم.
****
(5/ 1/83)

حال سليمان بن موسى نقلاً عن كتب الفن (1)
قال البخاري: عنده مناكير.
النسائي: ليس بالقوي.
أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب.
أقول: أما عبارة البخاري في "فتح المغيث" (2) (ص 162): قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": "قولهم: "روى مناكير" لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: "منكر الحديث"؛ لأن "منكر الحديث" وصفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه.
والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمَّد بن إبراهيم التيمي: "يروي أحاديث منكرة". [ص 77] وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث: "الأعمال بالنيات"". اه.
أقول: وقولهم: "عنده مناكير" ليس نصًّا في أن النكارة منه، فقد تكون من بعض الرواة عنه، أو بعض مشايخه.
قال في "فتح المغيث" (162): "قلت: وقد يطلق ذلك على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء. قال الحاكم: قلت للدارقطني: فسليمان ابن بنت شرحبيل؟ قال: ثقة. قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: يحدِّث بها عن قوم
__________
(1) ترجمته في "تهذيب الكمال": (3/ 304)، و"تهذيب التهذيب": (4/ 226)، و"إكمال تهذيب الكمال": (6/ 101)، و"ميزان الاعتدال": (2/ 415).
(2) (2/ 126).
(5/ 1/84)

ضعفاء، أما هو فثقة" اه.
وقد علمت الفرق بين قول البخاري: "عنده مناكير" وقوله: "منكر الحديث"، مع قوله: "كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به"، وفي لفظٍ: "لا تحل الرواية عنه".
وقد سرد في "الميزان" ما له من الغرائب، وهي يسيرة، وبيَّن أنه توبع في بعضها، ثم قال: "كان سليمان فقيه الشام في وقته قبل الأوزاعي، وهذه الغرائب التي تستنكر له يجوز أن يكون حفظها" اه.
أقول: وبعضها من رواية ابن جُريج عنه بالعنعنة، وابن جريج يدلِّس، فربما كانت النكارة من شيخ لابن جريج، دلس له عن سليمان.
وعلى نحو ذلك تُحْمل كلمة أبي حاتم، مع أن قوله: "بعض الاضطراب" يشعر بقلَّته جدًّا، وقد قرنها بقوله: "محلّه الصدق".
أما كلمة النسائي؛ فتوهينٌ خفيف غير مفسر. وأبو حاتم والنسائي من المتعنتين في الرجال.

[ص 78] الموثقون له:
سعيد بن عبد العزيز: لو قيل لي: من أفضل الناس؟ لأخذت بيد سليمان بن موسى.
ابن عدي: تفرد بأحاديث، وهو عندي ثبت صدوق.
يحيى بن معين: سليمان بن موسى عن الزهري، ثقة.
دُحيم: كان مقدَّمًا على أصحاب مكحول.
(5/ 1/85)

وفي كلمة يحيى إيهام أنه في غير الزهري يخطئ، فلعله لتلك الغرائب، وقد مر الجواب عنها.
والحاصل: أن توثيقه راجح، فهو المعتمد، ومع هذا كله فليس حديث الباب من أفراده، لكن أردنا تحقيق حاله من حيث هو، كما صنعنا في شأن أبي الزبير.
بقي أن في "تهذيب التهذيب" في ترجمته: "أرسل عن جابر ... وقال ابن معين: سليمان بن موسى عن مالك بن يُخَامِر وعن جابر مرسل" اه.
مع أن في "مسند الإِمام أحمد" (1) (جزء 3/ ص 295): ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال سليمان بن موسى: أنا جابر ....
ثنا محمَّد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني سليمان بن موسى أخبرني جابر ....
فقول سليمان في الأول: "أنا جابر" صريح في السماع، لكن فيه تدليس ابن جريج، وأما الثاني: فسالم [ص 79] من التدليس، ومحمَّد بن بكر وابن جريج على شرط الشيخين، ويبعد كلَّ البعد أن يكون هنا تحريف من النساخ في السندين المتتابعين معًا، وقد ثبت أن سليمان ثقة، وهو أعلم بنفسه من ابن معين، مع أننا لا نعلم مستند ابن معين، وقد أدرك سليمان من حياة جابر مدة.
وقال الحافظ في "إتحاف المهرة" (2): سليمان بن موسى الأشدق (3) (الأموي) عن جابر، ولم يدركه، وأورد له حديثَه هذا الذي في "المسند"،
__________
(1) رقم (14143, 14144).
(2) رقم (2705).
(3) يشبه رسمها في الأصل: "الأسدي"، والصواب ما أثبت.
(5/ 1/86)

ولم يتعرَّض لصيغة روايته عن جابر، وليس عندنا نسخة خطية من "مسند أحمد" نراجعها، فمن وجد فليراجع.
وقال المزي في "الأطراف" (1) - في الكلام على حديث ابن جريج الذي قال فيه: عن سليمان بن موسى وأبي الزبير عن جابر - قال المزي: سليمان لم يسمع من جابر، فلعل ابن جريج رواه عن سليمان عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أقول: يردُّه أن ابنَ جُريج عن سليمان وحدَه، كما عند أبي داود، وقد ذكره المزي أيضًا. والله أعلم.
هذا، مع علمنا بأن ثبوتَ سماعه من جابر لا يفيد صحة حديث الباب، ما دامت عنعنة ابن جريج قاطعةً الطريق، (مع أن في حديثه الذي نقلناه عن "المسند": ثنا ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر. وهذا كالصريح في أن بين سليمان وبين جابر واسطة، وإن احتمل التأويل. انظر "فتح المغيث" (ص 52).) (2)
وإنما جلُّ مقصودنا من ذِكر روايته أن يكون دعامةً لأبي الزبير، تأدُّبًا مع كلمة الإِمام الشافعي (3).
__________
(1) (2/ 186 - 187).
(2) من قوله: "مع أن في حديثه ... " إلى هنا يحتمل أن يكون حاشية من المؤلف, لأنه وضع على كلمة "الطريق" رقم (1) وكتب هذه العبارة أسفل الصفحة، ورجحنا إثباتها في المتن, لأن المؤلف سبق له هذا الصنيع في عدة مواضع في اللحق، ولأن الكتاب مسوّدة لا يحتمل التحشية.
(3) يعني قوله في أبي الزبير: "يحتاج إلى دعامة".
(5/ 1/87)

تنبيه:
أما النهي عن التجصيص والبناء والجلوس؛ فقد ثبت فيها سماع ابن جريج من أبي الزبير، وسماع أبي الزبير من جابر، فهي صحيحة.
وأما النهي عن الكتابة والزيادة، فلم ترد إلا في روايات معنعنة، أو في روايات ابن جريج عن سليمان بن موسى، بدون تصريح ابن جريج بالسماع من سليمان، ولا تصريح سليمان بالسماع من جابر - إن كان أدركه -.
بل في حديث الإِمام أحمد ما يدلُّ أن سليمان روى الحديث بواسطة عن جابر، كما مر.
ثم إن زيادة النهي عن الزيادة لها علل غير هذه:
منها: أنها من رواية حفص بن غياث، وحفصٌ ساء حفظه بعد ما استُقْضي، وذكروا أنه لا يحتجّ من حديثه إلا بما حدَّث به من كتابه، وروايته التي عند مسلم ليس فيها هذه الزيادة، وقد قيل: إن صاحبي الصحيح إنما يخرجان له ما حدث به من كتابه.
ومنها: انفراده بهذه الزيادة، دون سائر من روى الحديث عن ابن جريج.
لكن في "كنز العمال" (1): عن جابر ما لفظه: نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن تُجَصَّص القبور، وأن يُجْعَل عليها (2) من غير حُفْرتها". (ابن النجار). (لا أدري ما صحته).
__________
(1) رقم (42919).
(2) في "كنز العمال": "عليها تراب .. ".
(5/ 1/88)

وفي "سنن البيهقي" (1) ما لفظه: ورواه أبان بن أبي عياش عن الحسن وأبي نضرة عن جابر عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "ولا يزاد على حفرته (2) التراب ... " أبان ضعيف. اه.
...
__________
(1) (3/ 410).
(2) في "السنن": "حُفيرته".
(5/ 1/89)

[حديث أبي سعيد الخدري]
[ص 80] ابن ماجه في "سننه" (1): حدثنا محمَّد بن يحيى ثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الملك الرَّقَاشي ثنا وهب (وفي نسخة: وهيب، وهو الصحيح) ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُبنى على القبر".
"مسند أبي يعلى" (2) - (خط يد): حدثنا العباس بن الوليد النَّرْسي نا وهيب نا عبد الرحمن بن يزيد (3) بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد قال: نهى نبي الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبور، أو يُقْعَد عليها، أو يصلى إليها.
"جامع الزوائد" (4) - خط يد -: وعن أبي سعيد قال: نهى نبي الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبور، أو يُقْعَد عليها، أو يُصَلى إليها". رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.
أقول: في سنده عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، تكلم فيه بعضهم خطأً، وهو الفلاس، قال: "ضعيف الحديث، حدَّث عن مكحول بأحاديث مناكير عند أهل الكوفة" اه.
__________
(1) رقم (1564).
(2) رقم (1016).
(3) في المطبوعة "زيد" تصحيف.
(4) (3/ 61).
(5/ 1/90)

تعقَّبه الخطيب (1) فقال: "روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن ابن جابر، وَهِمُوا في ذلك، فالحمل عليهم، ولم يكن ابن تميم ثقة" اه.
وفي "الميزان" (2): لم أر أحدًا ذكره في الضعفاء غير أبي عبد الله البخاري، فإنه ذكره في الكتاب الكبير في الضعفاء, فما ذكر شيئًا يدل على ضعفه أصلاً ... إلخ.
[ص 81] وفيه القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد.
****

حال القاسم بن مُخَيمرة
في "تهذيب التهذيب" (3) - أول ترجمته -: روى عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة ... إلخ.
ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم نسمع أنه سمع من أحد من الصحابة.
وقال في آخر ترجمته: قال ابن حبان: سأل عائشة عما يلبس المحرم. اه.
أقول: لم أجد فرصةً لتفتيش كتب الحديث لتحقيق سماع القاسم من
__________
(1) في "تاريخ بغداد": (10/ 212).
(2) (3/ 312 - 313).
(3) (8/ 327).
(5/ 1/91)

أبي سعيد، لكنه عاصره قطعًا، فقد ثبت بما قاله ابن حبان أن القاسم أدرك عائشة وسألها, وقد كانت وفاتها سنة (57)، فإدراكه لأبي سعيد بيِّن واضح؛ لأن أقل ما قيل في وفاة أبي سعيد أنها سنة (63)، وأكثره سنة (74)، ووفاة القاسم على ما ذكر ابن سعد في "الطبقات" (1) في خلافة عمر بن عبد العزيز، أي سنة (100) تقريبًا (2).
وثبت بسؤاله لعائشة زيارته للحرمين، وذكروا أنه سكن دمشق، وقد وصل أبو سعيد إلى دمشق، وقد كان التابعون - ولا سيما أهل العلم - حريصين على لقاء أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والأخذ عنهم، فلقاء القاسم لأبي سعيد مظنون، وبما أنه روى عنه بالعنعنة وهو ثقة غير مدلس، ولا معروف بالإرسال الخفي، فالظاهر السماع، وإن لم يعلم صريحًا، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم.
...
__________
(1) (8/ 419).
(2) انظر "تحفة التحصيل": (ص 414). وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة": (1/ 277) في الكلام على هذا الحديث: "منقطع؛ لأن القاسم لم يسمع من أبي سعيد".
(5/ 1/92)

[بحث شرط اللقاء]
[82] ولي بحثٌ في اشتراط اللقاء أحببت أن ألخِّصه هنا، فأقول:
الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، فتأمل هذا، وافرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين:
كأن تكون ببلدة، فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه، فيخبرك عن أناس من أهل تلك البلدة: أن فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا، من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم.
ثم توسَّع في الأمثلة ولاحِظ أنها واقعة في عصر التابعين، حين لا برق ولا بريد ولا صحافة ولا تأليف، وإنما كان يُتَلقّى العلم من الأفواه، والناس مشمِّرون لطلب العلم، ولا سيما للقاء أصحاب نبيهم صلَّى الله عليه وآله وسلم. ثم لاحِظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه، إذا كانا متعاصِرَين. وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين من عدم اللقاء.
فإذا كان الحال ما ذُكِر، وثبت أن أحد المتعاصِرَين روى عن الآخر بلا تصريحٍ بسماع ولا عدمه، كان المتبادر السماع، فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كلَّ عام، فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين، فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما؟ وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلدٍ قد زاره الآخر، فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا، فإنه يكاد يقطع باللقاء.
وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف، لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان أن فلانًا أخبره عن فلان، مثلاً، مع أن السلف كانوا
(5/ 1/93)

أهل تثبُّت واحتياط.
[ص 83] إذا تقرر هذا، فما المانع من الأخذ بهذه الدلالة الظاهرة المحصّلة للظن، المستوفية لنصاب الحجية؟
إن قيل: كان اصطلاح السلف خلاف ما يقتضيه الأصل، بدليل شيوع الإرسال فيهم.
قلت: أما الإرسال الجلي فمُسَلَّم، ولكن أقل من الإسناد، كما يعلم بالاستقراء، فهو كالمجاز، لا يقدح شيوعه في تقديم الحقيقة عليه.
وأما الخفيّ؛ فقليلٌ، حتى إنه أقل من التدليس.
فإن قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري رحمهما الله تعالى إلى اشتراط اللقاء، يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف.
قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال، مع أن مسلمًا رحمه الله نقل في مقدمة صحيحه الإجماع على عدم اشتراط اللقاء، أي: قبلهما، كما أشار إليه بالتشنيع على بعض معاصريه.
فقيل: إنه أراد به البخاري، ولا مانع من أن يريده وشيخه ابن المديني، فقد كان أيضًا معاصرًا له، فلا يخدش خلافهما وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق.
على أن أقل ما يثبت بنقل مسلم أن الغالب في عهد السلف أن تكون الرواية على السماع، والبخاري وشيخه لا ينكران أن الظاهر من الرواية السماع، بدليل تصحيحهما لعنعنة الملاقي غير المدلس، فلولا وفاقهما على أنّ الظاهر من الرواية السماع، لكانا إنما يعتمدان مجرَّد اللقاء، فيلزمهما أن
(5/ 1/94)

يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه، وهذا كما ترى.
[ص 84] وإنما اشترطا ثبوت اللقاء؛ لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا, ولكنه لا يقتضي إهدار الدلالة الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء، ما دامت دلالة ظاهرة محصَّلة للظن، مستكملةً النصاب كما مر.
قد ألزمهما مسلم رحمهم الله عدم تصحيح المعنعن أصلًا؛ لأنه كما أن عنعنة من لم يثبت لقاؤه تحتمل عدم السماع، فكذلك من ثبت لقاؤه.
وأجيب: بأن احتمال السماع في الثاني أقوى.
ويردُّ: بأن احتمال السماع في الأول قويٌّ ظاهرٌ محصلٌ للظن، فلا عبرة بزيادة الثاني، إذ هي زيادة على النصاب، مع أن لنا أمورًا تجبر هذه الزيادة:
منها: قلة الإرسال الخفي في السلف.
ومنها: أنه أقبح وأشنع من التدليس، كما سيأتي.
فالثقة أشد تباعدًا عنه، تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذٍ بالمرصاد، بخلاف التدليس، فإنه أشد خفاءً على الناقد.
وأجيب أيضًا: بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء، اتهامٌ للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها له مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيه اتهامه بالإرسال الخفي فقط.
ويردُّ: بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليسٌ، منهم ابن الصلاح والنووي والعراقي، وقال: إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث.
(5/ 1/95)

ولنا بحث في تحقيق ذلك، والإجابة عما ذكره [ص 85] الحافظ رحمه الله، لا حاجة لإثباته هنا؛ لأن الخلاف لفظي، للاتفاق على أن في الإرسال الخفي إيهامًا، فاتهام الراوي به كاتهامه بالتدليس، فإذا اتهمتم الراوي بأنه يرسل خفيًّا - وإن لم يوصف به - فليزمكم أن تتهموا الراوي بأنه يدلس وإن لم يوصَف به.
فإن قلتم: إن الأصل في الثقة عدم التدليس؟
قلنا: وكذا الإرسال الخفي.
فإن قلتم: الإيهام في الإرسال الخفي أضعف منه في التدليس، فهو أقرب إلى اتصاف الثقة به.
قلنا: مُسَلَّم غالبًا, ولكن هذا لا يقتضي أن لا يكون الأصل في الثقة عدمه، ما دام فيه إيهامٌ وتغرير وغشٌّ منافٍ لكمال الثقة، مع أن الإيهام في الإرسال الخفي لأمرين، كلاهما خلاف الواقع: السماع لذلك الحديث، واللقاء.
بخلاف التدليس، فإنه وإن دل على الأمرين، فاللقاء موافقٌ للواقع، فتبين أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس، كما قاله ابن عبد البر في "التمهيد" (1)، ونحوه ليعقوب بن شيبة. انظر "فتح المغيث" (2) (ص 74 - 75).
وعليه، فالثقة أشدّ بعدًا عنه؛ تدينًا وخوفًا من نقد النقاد، كما مرّ.
__________
(1) (1/ 27 - 28).
(2) (1/ 210 - 211).
(5/ 1/96)

فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصَفَ به، لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصَف به.
فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا بعدم اللقاء، فلا إيهام، فلا إرسال خفيًّا.
[ص 86] قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا، أو لذلك الحديث، فلا إيهام، فلا تدليس.
والتحقيق: أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء، أو عدم السماع، وهو ثقةٌ غير مدلس، لبينه لمن يأخذ عنه، ولو فُرِضَ أن الثاني كان عالمًا بذلك، فاستغنى عن التبيين، فيلزم الثاني أن يبينه للثالث، وهكذا.
فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس، أو الإرسال الخفي إلى ثقةٍ كذلك روى بالعنعنة عمّن عاصره، وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحدٌ من رجال السند ولا غيرهم على عدم اللقاء، فهو كما جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمّن لقيه، وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينصّ أحدٌ من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع، ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع، وفي قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي ردّه اتهام الثقة بإيهام السماع فقط، فهذه بتلك.
فإذا لاحَظْنا قلة الإرسال الخفي في السلف، واعتيادهم [ص 87] للإسناد، وخوفهم من نقد النقاد، كان الأمر أوضح، فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء، كما سبق بيانها أول البحث؟
(5/ 1/97)

فالمختار ما قاله مسلم رحمه الله: أن ثبوت اللقاء ليس بشرط الصحة.
ولم نختره لما ذكره من الإجماع والإلزام، بل لما قدمنا أن الدلالة حينئذٍ دلالة ظاهرة، محصَّلة للظن، مستكملة لنصاب الحجِّية. والله أعلم.
وقد رأيت عن الحافظ رحمه الله ما يوافق ما قلنا. قال تلميذه السخاوي في "فتح المغيث" (1) (ص 62): "ولكن قيَّده ابنُ الصيرفي بأن يكون صرح بالتحديث ونحوه. أما إذا قال: عن رجل من الصحابة، وما أشبه ذلك، فلا يقبل.
قال: لأني لا أعلم أسَمِعَ ذلك التابع منه، أم لا؟ إذ قد يُحَدَّث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل، أم لا؟ فلو علمت إمكانه فيه لجعلته كمدرك العصر.
قال الناظم (العراقي): وهو حَسَن مُتَّجِه، وكلام من أطلق محمولٌ عليه.
وتوقَّف شيخُنا (الحافظ) في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حُمِلَت عنعنته على السماع، وهو ظاهر.
قال: ولا يقال: إنما يتأتَّى هذا [ص 88] في حقِّ كبار التابعين الذين جُلّ روايتهم عن الصحابة، بلا واسطة. وأما صغار التابعين الذين جُلّ روايتهم عن التابعين، فلا بد من تحقُّق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمعه حتى نعلم هل أدركه، أم لا؟ لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في ذلك، إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلةٌ في هذا المقام" اه.
__________
(1) (1/ 178).
(5/ 1/98)

أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعن للصحابي، فضلاً عن لقائه، ففي مسألتنا أولى وأظهر؛ لأنه قد ثبت الإدراك، وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء، كم مر.
والعجب من الحافظ رحمه الله، كيف مشى معهم في ترجيح ردِّ عنعنة من عُلِمت معاصرته دون لقائه، ولو مع قيام القرائن على اللقاء. وتوقف عن ردّها، بل احتجّ لقبولها في حق من لم تُعْلَم معاصرته أصلاً، فسبحان من له الكمال المطلق!
وإنما ذكرنا هذا، ليعلم صحة ما ذكرناه: من أن الدلالة ظاهرةٌ مستكملةٌ نصاب الحجية. والله أعلم.
***
(5/ 1/99)

[حديث أم سلمة]
[ص 89] الإِمام أحمد "مسند" (1) (جزء 6/ ص 299): ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبْنى على القبر أو يُجَصَّص".
ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله أخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولي أم سلمة: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُجَصَّص قبر، أو يُبنى عليه، أو يُجْلَس عليه". قال أبي: ليس فيه أم سلمة. اه.
وهذه الجملة: "قال أبي ... " إلخ، من قول عبد الله بن الإِمام أحمد.
أقول: في ابن لهيعة كلام كثيرٌ.
فأطلق بعضُهم الثناء عليه، وقال جماعةٌ، منهم ابن مهدي، والإمام أحمد، وأحمد بن صالح: سماع المتقدمين عنه صحيح.
وقال الحافظ عبد الغني والساجي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح.
وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طلّابًا للعلم.
وقال أبو زُرْعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا ابن المبارك وابن وهب، كانا يتتبعان أصولَه، وليس ممن يحتجُّ به.
__________
(1) رقم (26566, 26567).
(5/ 1/100)

[ص 90] وأطلق جماعةٌ توهينه.
وقال ابن معين: هو ضعيف، قبل أن تحترق كتبه، وبعد احتراقها.
وفَصْل الخطاب في حقه ما ذكره الذهبي في "الميزان" (1). قال: "قال ابن حبان: قد سبرتُ أخباره من رواية المتقدمين والمتأخرين، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء، على أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فألزق تلك الموضوعات بهم". اه.
أقول: فكأنَّ مَنْ أطلق الثناءَ عليه نَظَر إلى صِدْقه وعدالته، وسَعة علمه. ومن قال بصحة سماع المتقدمين، نظر إلى أن الرجل كان ضابطًا حينئذٍ، فالسماع منه صحيح، وإن كان يدلس. ومن خصَّ العبادلة، فلأنهم من المتقدِّمين المتحَرَّين.
وأما أبو زُرْعة؛ فكأنه علم أن كتابه صحيح، كما قال أحمد بن صالح، فصحَّح سماع من كان يتبع أصوله.
ولما رأى أن ما لا أصل له كثيرٌ في رواية المتقدمين، أي ممن لم يتبع كتابه، ظهر له أن الرجل لم يكن ضابطًا أولاً وآخرًا، فأطلق قوله: "وليس ممن يحتج به"، ولو اعتبر كما اعتبر ابن حبان لظهر له ما ظهر له.
[ص 91] وأما من أطلق التوهين؛ فنظر إلى الظاهر، ولم يعتبر.
وعلى كل حال، فلم يتكلم أحدٌ في صحة كتابه، وقد صرح الجمهور بأنه صحيح، وتدليسه عن الضعفاء لا يقدح في صحة كتابه، مع أن الظاهر أنه
__________
(1) (3/ 189 - 197).
(5/ 1/101)

لم يكن يعلم بضعفهم، مع أنهم قد وثقوا كثيرًا ممن كان يدلس عن الضعفاء, كما يُعْلَم بمراجعة تراجم المدلّسين، انظر ترجمة "بقية" في "الميزان" (1).
إذا تقرر هذا، فالرواية الأولى لحديث الباب، وهي الموصولة، هي من رواية المتأخرين عن ابن لهيعة، فهي ضعيفة.
والرواية الثانية هي المرسلة، من رواية عبد الله وهو ابن المبارك وهو من المتقدمين، ومن العبادلة، وممن كان يتتبع أصول ابن لهيعة، وقد صرح بالسماع من ابن لهيعة، فهي صحيحة.
فالزيادة والنقص في سند الرواية الأولى ومتنها من تخليط المتأخرين، والرواية الثانية هي الصحيحة, فالحديث مرسلٌ صحيحٌ.
وناعم مع إدراكه كثيرًا من الصحابة، قليل الحديث، لم يحدث إلا عن مولاته أم سلمة (2)، فالظاهر أن إرساله مما سمع من الصحابة.
...
__________
(1) (1/ 331).
(2) زاد في النسخة الأخرى: "وعن عبد الله بن عَمرو".
(5/ 1/102)

[ص 93] آثار (1)
البخاري تعليقًا (2): "ورأى ابن عمر رضي الله عنه فُسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله" اه.
البيهقي في "السنن" (3): "وروينا عن أبي موسى في وصيته: "ولا تجعلن على قبري بناءً"، وعن أبي سعيد الخدري: "لا تضربن عليّ فسطاطًا"، وعن أبي هريرة كذلك" اه.
...
__________
(1) قال المؤلف في أول الورقة (93) بعد أن ساق أحاديث: "ينقل إلى الفصل الأول، ويجعل ههنا حديث: لا تجعلوا بيوتكم مقابر". لكنه لم يذكر هذا الحديث في الرسالة لا في هذه النسخة ولا في (المسوّدة).
(2) (2/ 95 - الميرية). كتاب الجنائز باب الجريد على القبر.
(3) (4/ 4).
(5/ 1/103)

[ص 94] الأحكام المستنبطة من هذه الأدلة
- مُعلَّق البخاري في القصة المروية عن زوجة الحسن بن الحسن:
قد علمت مما تقدم أن القصة لم تصح عندنا, ولا نظنها تصحِ، ولو صحَّت لكان فيها ما يُستأنس به لمنع ذلك الفعل، وهو ما فيها عن الهاتِفيْن.
وعلى كل حال، فهذه القصة لا ينبغي أن يقام لها وزنٌ أصلاً، فلو صحت ولم يرد فيها ما يدل على المنع لما كانت دليلًا على الجواز، إذ ليست من الأدلة الشرعية في شيء.

- معلق البخاري عن خارجة:
قد سبق الطعن في صحته من خمسة أوجه (1)، وعلى فرض صحته، فيجاب عنه بوجوه:
الأول: أنه إذا ثبت أن عُمُرَ خارجةَ حين قُتِل عثمان كان نحو خمس سنين، وحُمِل قوله: "شبَّان" على المجاز، بقرينة تقدُّم قوله: "غلمان" عليها، أطلق الشباب على ما يقابل الصغر المُفْرِط، فلا دلالة في الأثر على ارتفاع القبر؛ لأن الغلام الذي عمره نحو خمس سنين مهما كانت قوته يشق عليه وَثْب نحو ثلاثة أذرع على وجه الأرض، وهذا تقريبًا هو عرض القبر، فإذا لاحظنا أن القبر كان مُسنَّمًا نحو شبر ازداد الأمر وضوحًا.
ووهم من قال: إن البخاري فهم منه الرفع، وأنه لذلك ساقه في باب الجريد على القبر؛ لأن الرفع يستلزم زيادة تراب أو حَجَر على القبر، وذلك
__________
(1) (ص 48 - 49).
(5/ 1/104)

يدلّ على جواز وضع الجريد في الجملة (1).
وهذا وهمٌ ظاهرٌ، ما كان على صاحبه إلا أن ينظر ما في ذِكْر البخاري بعد هذا الأثر، وهذه عبارته بعد قوله: "حتى يجاوزه": "وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجةُ، فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمّه يزيد بن ثابت قال: إنما كُرِه ذلك لمن أحدث عليه.
وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله عنهما يجلس على القبور". اه.
فواضح جدًّا أنَّ البخاري إنما ذكر هذه الآثار لدلالتها، [ص 95] وفهم من هذا الأثر أن خارجة ذكره - كالذي بعده - مستدلًّا على جواز الجلوس على القبر: أنهم كانوا يتواثبون على قبر عثمان بن مظعون، أي: ولم ينههم من رآهم من الصحابة، مع أنهم غلمان شُبَّان، أي: مميزون بحيث ينبغي زجرهم عما يخالف الآداب الشرعية.
وهذا تقريرٌ للاستدلال، أي: لأنهم لو كانوا صغارًا جدًّا، يحتمل أن من يراهم من الصحابة يعرض عنهم, لأنهم لم يبلغوا حدَّ التمييز، فأما بعد بلوغ حدّ التمييز فإنه يبعد أن يراهم أحدىٌ، ويسكت عنهم.
فأما إيراد البخاري هذه الآثار في باب الجريد على القبر، فلأنه - والله أعلم - لم يصحَّ على شرطه حديثٌ (2) في الجلوس على القبر، فرأى أن وضع الجريد على القبر يدل على جواز الجلوس؛ لأن الجلوس هو عبارة
__________
(1) لعل المؤلف قصد الحافظ في "فتح الباري": (3/ 265) إذ قال: "ومناسبته من وجه أن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض" اه.
(2) تحتمل في الأصل: "حديثها"، والمثبت أصح.
(5/ 1/105)

عن وضع شيءٍ على القبر، وذكر هذه الآثار في هذا الباب استئناسًا بها، وليشير بها إلى الاستدلال بوضع الجريد على الجلوس.
الثاني: إذا فرض صحة الأثر، وعدم صحة ما ذكره ابن سعد وابن عساكر، وحمل قوله: "غلمان شبان" على أنهم مقاربون الشباب، فليس في الأثر أنهم كانوا يثبون القبر عرضًا، فهو محتمل لأن يكون الوثب طولاً، ووثب القبر طولًا يشق على ابن الثماني سنين ونحوها, ولو لم يكن مرتفعًا عن وجه الأرض.
فإذا لاحظنا أنه كان مرفوعًا نحو شبر ازداد هذا الوجه قوةً.
الثالث: لو فُرض - زيادةً على ما مر - دلالة الأثر على أن القبر كان مرفوعًا، فلا يُدْرَى من رفعه، مع أنه قد ورد في قبر عثمان بن مظعون نفسه ما يدلُّ على أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم جعله بحيث خيف انطماسه في مدة قليلة، حتى احتاج إلى وضع حجر عند رأسه، وقال: "أُعَلِّم بها قبر أخي" (1).
بل الظاهر من ذلك أنه جعله مساويًا للأرض، كما مر في الفصل الأول (2).
وقد روي عن الصحابة النهي عن الرفع، والأمر بالهدم، فيبعد أن يفعله أحدٌ منهم.
[ص 96] الرابع: لو فُرِض مع ما مر أن الرافع رجلٌ من الصحابة، فليس في فعل الصحابي حجةٌ، ولم يكن القبر ظاهرًا لجميع الناس حتى يدَّعَى
__________
(1) تقدم تخريجه (ص 23 - 24).
(2) (ص 28 وما بعدها).
(5/ 1/106)

الإجماع.
الخامس: لو فُرض مع ما مر أنه كان ظاهرًا، فالصحابة رضي الله عنهم في مدة عثمان وبعده كانوا متفرقين في البلاد، مشغولين بالفتن والمحن والإحن.
السادس: لو فُرض مع ما مر أنهم كانوا مجتمعين، فقد صحّ عن كثير منهم رواية النهي عن ذلك، وصح عنهم العمل بموجبه كما مر، وهذا كافٍ في نفي الإجماع.
السابع: لو فُرض مع ما مرَّ أنه لم يرد ما ينفي الإجماع، ففي حُجّيته خلافٌ مشهور.
الثامن: لو فُرض مع ما مر تسليم حجية الإجماع، فبشرط أن يعلم، ولا سبيل إلى ذلك كما هو مقررٌ في الأصول.
التاسع: لو فُرض مع ما مر أنه لا يشترط العلم به، بل يُكتفى بأنه لم يُنْقل ما يخالفه، فإنما يكون حجة إذا لم يَرِد في كتاب الله عزَّ وجلّ، أو سنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم ما يخالفه.
وهذا هو الثابت عن عمر وعبد الله وغيرهما، وعن الشافعي وأحمد وغيرهما، انظر باب [] (1) في "الأم".
وذلك أن احتمال وجود مخالف لقول من قبلنا لم ينقل قوله، أقوى من احتمال كون النص على خلاف ظاهره, فضلًا عن احتمال النسخ، فضلاً عن احتمال كون الحديث الثابت بالإسناد كذبًا.
__________
(1) كذا تركه المؤلف بياضًا.
(5/ 1/107)

فهذه أربعة عشر وجهًا في سقوط الاحتجاج بهذا الأثر، فمن لم يكتف بها فإنه لا يكتفي إلا بالسوط، فإلا يكن فعذاب الآخرة أشد وأبقى.
قال الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

خلاصة حديث فضالة (1):
أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرهم أن يجعلوا القبور على الهيئة المشروعة التي قررها لهم، وأن هذه الهيئة منافية لتكثير التراب.
__________
(1) هذه الخلاصة ذكرها المؤلف في الفصل الأول وقال: "تنقل الخلاصة إلى الفصل الثاني".
(5/ 1/108)

الفصل الثالث
شرح حديث علي رضي الله عنه
قد مر معنى التسوية في حديث فَضَالة (1)، والإشراف: هو الارتفاع.
وما زعمه بعضهم أنه يحتمل أن يراد ب "مشرف": مسنّم أخذًا من شَرَف البعير، أي: سنامه، فلا وجه له؛ لأنه لم يُسْمَع اشتقاق فعل من "شرف البعير"، ولو سُمِع لكان إطلاقه على القبر مجازًا، والأصل الحقيقة.
وقد ورد إطلاقه على القبر في حديث القاسم المار في الفصل الأول، وفيه: "فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة" (2).
مع أنه قد مرَّت أدلة قاضية بأن السنة هي التسنيم، فكيف يؤمر بإزالته؟!
بقي ما قيل: إن الظاهر أن تلك القبور قبور كفار، ويدل عليه ذِكْر الصنم.
والجواب: أنَّ هذا وإن احْتُمل في بعث النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه، لا يحتمل في بعث علي لصاحب شُرْطَته؛ لأن عليًّا رضي الله عنه كان بالكوفة، وبَعْثه لعامل شرطته إنما يكون في الكوفة نفسها؛ لأن عامل الشرطة إنما يؤمر على ما يقرب من الأمير، والكوفة إنما بُنيت في الإِسلام، فالقبور التي فيها إن لم يكن كلها قبور مسلمين فغالبها، فأَمْر عليّ بتسويتها مطلقًا يدل أبلغ دلالة على أحد أمرين:
__________
(1) (ص 26 وما بعدها). وحديث عليّ تقدم (ص 50).
(2) تقدم تخريجه.
(5/ 1/109)

1 - أن يكون في القبور التي بعثه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بتسويتها قبور مسلمين ماتوا قبل مقدمه صلَّى الله عليه وآله وسلم، فدُفِنوا ورُفِعت قبورهم. وربما يستأنس لهذا بما في رواية أبي محمَّد الهذلي: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان في جنازة حين بعث عليًّا" (1)، فيشبه أن يكون صلَّى الله عليه وآله وسلم علَّم أصحابه أن لا يرفعوا القبر الذي هو حنيئذٍ حاضر الدفن فيه، فأُخْبِر بأنهم رفعوا قبور الذين ماتوا من المسلمين قبل مقدمه، عملًا بعادتهم في رفع القبور، فبعث عليًّا لتسويتها مع غيرها.
2 - أن يكون عَلِم من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أنه لا فرق في وجوب التسوية، ولا أصرح في عدم الفرق من قوله: "أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم"، وعليٌّ رضي الله عنه هو الذي تلقى الأمر من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، فهو أعلم بحقيقته.
ولا يخفى أن الإشراف هنا المراد به الارتفاع فوق الشبر، لمقابلته بالتسوية، والتسوية: جعله على الهيئة المشروعة، ومن الهيئة المشروعة: الرفع نحو شبر فقط، وسواءٌ أكان الإشراف بتراب، أو رمل، أو حصى، [ص 98] أو حَجَر أو مدر، أو خشب، كالتوابيت، أو غير ذلك.
ومنه البناء الذي يكون على جوانب القبر القريبة، بحيث يطلق على البناء قبر، وما لم يتناوله الإشراف بعمومه من الأشياء الزائدة على الهيئة الشرعية التي مرَّ بيانُها في خاتمة الفضل الثاني، فإنه يتناولها الدليل بطريق القياس.
__________
(1) في "مسند أحمد" رقم (1176). وقد سبقت (ص 67 - 68).
(5/ 1/110)

فكل قبر أُخْرِج عن الهيئة المشروعة فهو مأمور بتسويته، أي: بردَّه إلى الهيئة المشروعة.
وقد قال قائل (1): ليت شعري! لو كان المقصود من القبور التي أمر عليّ عليه السلام بتسويتها، هي عامة القبور على الإطلاق، فأين كان عليه السلام - وهو الحاكم المطلق يومئذٍ - عن قبور الأنبياء التي كانت مشيَّدة على عهده، ولا تزال مشيَّدة إلى اليوم في فلسطين وسورية، والعراق، وإيران .. الخ.
والجواب: أن هذا كذبٌ من ثلاثة أوجه:
الأول: إثبات معرفة قبور الأنبياء، وقد مر أنه لا يُعْلَم قبر أحد منهم غير نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إثبات البناء على قبورهم في عهد عليّ رضي الله عنه، وهذا لا يثبت، وإنما كان في الكوفة شيءٌ من ذلك من فِعْل الأعاجم القريبي عهد بالإِسلام، فأمر رضي الله عنه بإزالته، ولو ثبت وجود شيءٍ يومئذٍ في غير الكوفة، فلم يعلم به رضي الله عنه، ولم يَفْرَع للبحث عن ذلك.
الثالث: إدخال سورية وفلسطين تحت حكم عليّ رضي الله عنه، ولا أصرح من هذا الكذب؛ إذ هو صادرٌ من رجلٍ شيعي يستحيل أن يجهل من تاريخ أمير المؤمنين رضي الله عنه ما يتعلق بأساس التشيع، بل لا يكاد يوجد عاقلٌ - فضلاً عن مسلم - إلا وهو عالمٌ أن الشام كانت بيد معاوية.
__________
(1) نقله حسن الصدر في "الرد على فتاوى الوهابية" (ص 74) عن بعض المعاصرين من الرافضة.
(5/ 1/111)

ثبت الأمر بأن تُرَدّ القبور إلى الهيئة المشروعة إذا جعلت على خلافها.
ابن حبيب: قد تقدم أنه إذا صح، كان قوله: "بالأرض" من زيادة بعض الرواة. والله أعلم.
وفيه أن عمر رضي الله عنه كان مُحْييًا لهذه السنة.
أثر عثمان: فيه أن عثمان كان عاملًا بهذه الأدلة.
فكان هذا الحكم قائمًا معمولًا به في عصر الخلفاء الراشدين. والله أعلم.
[ص 99] حديث جابر وأبي سعيد وناعم: فيها النهي عن البناء على القبر وتجصيصه، والجلوس عليه.
وفي حديث جابر: النهي عن الزيادة عليه والكتابة.
****
(5/ 1/112)

الكتابة
بعد أن صححها الحاكم على شرط مسلم قال: "وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوبٌ على قبورهم، وهو عملٌ أخذ به الخلف عن السلف" (1). اه.
تعقبه الذهبي فقال: ما قلتَ طائلًا, ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنما هو شيءٌ أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. اه.
وتعقبه ابن حجر الهيتمي (2) بقوله: "ويُردّ بمنع هذه الكلية وبفَرْضها، فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المُسَبَّلة، كما هو مشاهد، لا سيما بالحرمين ومصر ونحوها، وقد علموا بالنهي، فكذا هي.
فإن قلت: هو إجماعٌ فِعْلي، فهو حجة كما صرَّحوا به.
قلت: ممنوعٌ، بل هو أكثريٌّ فقط، إذ لم يُحْفَظ ذلك حتى عن العلماء الذين [لا] (3) يرون منعه. وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا، فمحل حجيته - كما هو ظاهر - إنما هو عند صلاح الأزمنة، بحيث ينفَّذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطَّل ذلك منذ أزمنة" (4). اه.
__________
(1) "المستدرك": (1/ 370) ووقع في الأصل: "السلف عن الخلف" سبق قلم. وكلام الذهبي في "تلخيص المستدرك" بهامشه.
(2) في "تحفة المحتاج": (3/ 197 مع حواشي الشرواني والعبادي).
(3) زيادة يستقيم بها السياق.
(4) وقال المؤلف معلقًا على كلام ابن حجر في المسوّدة الثانية (ص 53 - 56) ما نصّه: "أقول: وهذا صحيح، وقد مضت عدة قرون لا تكاد تسمع فيها بعالم قائم بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم، بل لا تجد رجلاً من أهل العلم إلا وهو حافظ لحديث: "حتى إذا رأيت هوى متَّبعًا وشُحًّا مطاعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة =
(5/ 1/113)

أقول: النهي عن الكتابة لم يرد إلا في الروايات التي عنعن فيها ابن جُريج، وهو مدلّس كما تقدم، ولكن يؤخذ النهي عنها من الأحاديث بطريق القياس.
****
__________
= نفسك ودع عنك أمر العامة" يعتذر به عن نفسه ويعذل به من رآه يتعرّض لإنكار شيءٍ من المنكر.
وقد وُجد ذلك في آخر عصر الصحابة بعد الثلاثين سنة, فكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه واحد عصره في التجاسُر على إنكار المنكر بقدْرِ الإمكان، حتى شدّد في ذلك عبد الملك بن مروان، خطب على منبر وقال: "والله لا يقول لي أحدٌ: اتق الله، إلا ضربت عنقه ... " ثم توارثها الملوك والأمراء إلا مَن شاء الله.
ولهذا عَظم عند الناس ابن طاووس وعمرو بن عبيد وغيرهما ممن كان يتجاسر على النهي عن المنكر.
وعلى كل حال فالمعروفون من العلماء بذلك أفراد يعدون بالأصابع والجمهور ساكتون. وأما في القرون المتأخرة فشاعت المنكرات بين الملوك والأمراء والعلماء والعامة ولم يبق إلا أفراد قليلون لا يجسرون على شيء فإذا تحمّس أحدهم وقال كلمةً، قالت العامة: هذا مخالف للعلماء ولما عرفنا عليه الآباء.
وقال العلماء: هذا خارق للإجماع مجاهر بالابتداع.
وقال الملوك والأمراء: هذا رجل يريد إحداث الفِتن والاضطرابات، ومن المحال أن يكون الحق معه، وهؤلاء العلماء ومن تقدمهم على باطل، وعلى كلًّ فالمصلحة تقتضي زجره وتأديبه!
وقال بقية الأفراد من المتمسكين بالحق: لقد خاطر بنفسه وعرّضها للهلاك، وكان يسعه ما وَسِع غيره!
وهكذا تمَّت غُربة الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
(5/ 1/114)

[ص 100] الزيادة على القبر
(قد مر الكلام عليها في الفصل الأول) (1).
****

الجلوس على القبر
اختلف فيه؛ فقال مالك ومن تبعه: لا بأس به (2).
وتأولوا الأحاديث بأن المراد القعود لقضاء الحاجة، واستدلوا:
أولاً: بأن في بعضها التقييد به، فحُمِلَ عليه الباقي، حملًا للمطلق على المقيد.
وثانيًا: بحديث وضع الجريد على القبر، إذ هو وضع شيءٍ على القبر، فيقاس عليه الجلوس، كما أشار إليه البخاري، ونبهنا عليه في أثر خارجة (3).
وثالثًا: بآثار رويت عن بعض الصحابة، أنهم كانوا يجلسون على القبور، ويقولون: إنما نُهِي عن القعود لقضاء الحاجة.
وقد مرَّ بعض هذه الآثار, في أثر خارجة بن زيد (4).
__________
(1) (ص 44 - 45).
(2) انظر "عقد الجواهر": (1/ 272)، و"مواهب الجليل": (2/ 75).
(3) (ص 105 - 106).
(4) (ص 105).
(5/ 1/115)

قالوا: وأما ما في بعض الروايات بلفظ: "وأن توطأ" فمِنْ تصرُّف الرواة، ظن الراوي أن النهي عن الجلوس على إطلاقه، فعبر بالوطء؛ لأنه أشد منه.
وقال الجمهور: بل هو ممنوع (1). واستدلوا بالأحاديث المطلقة، وبحديث أحمد بإسنادٍ صحيح عن عَمْرو بن حزم قال: "رآني رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم متكئًا على قبر، فقال: لا تؤذِ صاحب هذا القبر، أو لا تؤذه" (2).
فأما من لا يقول بحَمْل المطلق على المقيّد، فاستدلاله واضح.
وأما من يقول بالحمل - كالشافعية - فيجاب من طرفهم بأنَّ حديث أحمد نصٌّ لا يحتمل التقييد؛ لأن الاتكاء لا يكون مع قضاء الحاجة.
وعليه، فيتعين بقاء الأحاديث المطلقة على إطلاقها، كما هو المقرر في المطلق الدائر بين قيدين متضادين. انظر كتب الأصول.
ويجاب عن القياس الذي أشار إليه البخاري: بأن لوضع الجريد حِكْمة خاصة، كما يعلم من الحديث، لا يعلم وجودها في غير الجريد، فلا يتم القياس، ولو فُرِض صحة القياس، فهو مصادم للنص بحديث أحمد.
ويجاب عن الآثار المروية عن بعض الصحابة رضي الله عنهم: بأنها لا تصلح لمعارضة الدليل الثابت عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، مع أننا لا ننكر أنهم لا يرون ما رأوه إلا متمسكين بدليل، ولكن ليس لنا أن نترك دليلًا قد علمناه وتحققناه، ونأخذ بدليل نظن أنهم ظنوه.
__________
(1) انظر "المغني": (3/ 516)، و"روضة الطالبين": (2/ 139).
(2) أخرجه أحمد رقم (24009/ 39). قال الحافظ في "الفتح": (3/ 266): إسناده صحيح. وانظر "السلسلة الصحيحة" (2960).
(5/ 1/116)

هذا، مع أن قولهم معارضٌ بقول صحابة آخرين، كعَمْرو بن حزم.
وقد يتأول الأولون حديث عَمْرو بن حزم بأن يقال: لعل المراد [ص 101] بصاحب القبر فيه وليّ المدفون، فإنه قد يتأذَّى من جلوس الأجنبي على قبر ميِّته، فيكون النهي إذًا لأجل تأذِّي الحي، لا لأجل القبر.
ويُجاب عن هذا: بأنه خلاف الظاهر، مع أن القبور إنما كانت في ذلك العهد في غير الملك.
وعليه، فإن كان تأذي الولي بمجرد أنه يرى أن قبر مَيِّته، كالمستحق له، فلا عبرة بذلك؛ لأن الاستحقاق إنما هو للميت، بالنظر لباطن الحفرة، فأما ظاهرها فإنه باقٍ على الإباحة على قضية مذهبكم.
وإن كان لظنه أن في الاتكاء انتهاكًا لحرمة الميت، أو أنه يتأذى بذلك، فإما أن يكون ظنه خطأً، فلا عبرة به، وكان الأولى أن يبين الحال للأولياء بأن ذلك الظن باطل، مع أنكم لم تقيدوا الإباحة بما إذا لم يتأذَّ الحي، ولا نُقِل عمن كان يرى الإباحة من السلف ما يدل على هذا القيد.
وإما أن يكون صوابًا، فيلزم أن يكون الاتكاء منهيًّا عنه لذاته، فرجعنا إلى المعنى الظاهر، فلم يبق فائدة لهذا التأويل، إلا تأكيد النهي، لدلالته على أن في الاتكاء إيذاء الحي والميت.
وقد يتأولونه أيضًا بأنه لعله كان القبر قبرًا لبعض أقارب عَمْرو، فاتكأ عليه يبكي عليه، فيكون إيذاؤه للميت بالبكاء عليه، لما ورد "أن الميت يعذَّب ببكاء أهله" (1).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1290)، ومسلم رقم (927) من حديث عمر. وأخرجه البخاري رقم (1286)، ومسلم رقم (928) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(5/ 1/117)

والجواب: أن هذا خلاف الظاهر، فقول عَمْرو بن حزم: "على قبر" يدل أنه قبر مُطلق ليس له مزية تناسب النهي عن الاتكاء، ودعوى خلاف ذلك تمحُّل لا وجه له.
فإن قيل: يدلّ عليه ذهاب بعض الصحابة إلى جواز الجلوس المطلق، وتقييد النهي عن الجلوس بأن يكون لقضاء الحاجة.
قلت: كل هذا بعيد.
أما الأول؛ فلأننا متعبَّدون بظاهر ما بلغنا عن الشارع، لا ندعه إلا إذا بلغنا عن الشارع ما يخالفه، وقول بعض الصحابة ليس قولًا للشارع، فإنه قد يخفى عليهم الدليل، فيجتهدون ويخطئون، مع أن قولهم معارض بقول غيرهم من الصحابة كما مر. [ص 102] ولم يقل أحدٌ: إن ذهاب بعض الصحابة إلى حكمٍ يوجب تأويل ما يخالفه مما ثبت عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وأما الثاني؛ فلأن التقييد إنما ورد في التعليق على إثم خاصًّ، فغايته أن يفهم أن ذلك الإثم بخصوصه لا يكون مع مطلق الجلوس.
فأما أن يفهم عدم الإثم أصلاً فلا، مع أن دلالة حديث عَمْرو بن حزم منطوق، وهو مقدَّم على المفهوم مطلقًا.
وتأول بعض الأجلة (1) الجلوس المنهي عنه، بالجلوس للاستشفاع بصاحب القبر، والسؤال منه. والكلامُ عليه يعلم مما قبله، مع أن ظاهر الأدلة ولا سيما حديث عَمْرو بن حزم الإطلاق. والله أعلم.
__________
(1) جاء في بعض مسوّدات المؤلف الإشارة إلى أن قائل ذلك أحد المعاصرين.
(5/ 1/118)

ثم اختلف الجمهور؛ فقال بعضهم: النهي للتحريم. وقال آخرون: بل هو للكراهية.
احتج الأولون: بأن الأصل في النهي التحريم، ولا صارفَ عنه.
ولم يأت الآخرون بشيءٍ، إلا أنهم ربما (1) ذكروا ما تمسَّك به القائلون بالإباحة، وقد مرَّ الكلام عليه.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (2): " (وأن يقعد عليه) فيه دليلٌ على تحريم القعود على القبر، وإليه ذهب الجمهور ... " إلخ.
وقال النووي في "شرح مسلم" (3): "وفي هذا الحديث كراهية تجصيص القبر والبناء عليه، وتحريم القعود، والمراد بالقعود: الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعي، وجمهور العلماء ... قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه ... " إلخ.
وتُعقِّب بأن الذي عليه الشافعي والجمهور كراهة ذلك تنزيهًا، وقد يُناقَش ما ذكره النووي رحمه الله بأنه يلزمه الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ النهي، [ص 103] وذلك أن كون النهي على حقيقته - وهي التحريم - تقتضي حُرمة البناء والتجصيص والقعود، فالقول به في بعضها دون بعض حملٌ للكلمة على الحقيقة والمجاز معًا.
واختيار جوازه أو القول بأن هذا ليس منه، بل من عموم المجاز. يردُّه أنه يحتاج إلى دليل، وإلا فالمجاز البسيط أولى منه، فضلاً عن الحقيقة.
__________
(1) الأصل: "ربهم" ولعلها ما أثبت، أو تكرر قول المؤلف "أنهم".
(2) (5/ 169 - ت طارق عوض).
(3) (7/ 37).
(5/ 1/119)

ومع هذا، فحديث عَمْرو بن حزم صريحٌ في التحريم؛ لأنه جعل الاتكاء على القبر إيذاءً لصاحبه، وإيذاء المسلم بغير حق حرامٌ بلا خلاف.
فإن قيل: وكيف يكون الإيذاء للميت؟
قلت: الله أعلم، صحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن الاتكاء على القبر يؤذي صاحبه، فسمعنا وأطعنا، وعلمنا أنه على كل حال يكون الجلوس على القبر ووطؤه، ونحو ذلك أولى من الاتكاء، فقلنا به.
ومع ذلك، فإنني أذكر ههنا احتمالًا يُفْهَم من مجموع الأدلة الواردة فيما يتعلق بالأرواح بعد الموت، وعلى من أراد تحقيق البحث أن يراجع تلك الأدلة.
لعل الروح بعد الموت ورفعها إلى السماء، وإرجاعها إلى القبر للسؤال، تبقى مجاورة لجسدها، ويمكنها معرفة ما يجري على القبر.
فإن قيل: فعلى هذا لا يحرم الجلوس على من كان يحبه الميت.
قلت: كلّا، فلعله قد طرأ أو تبين للميت من حال الحيّ ما يبغَّضه إليه، مع أنه بعد الموت لا يهم الميت إلا ما ينفع عند الله عزَّ وجلَّ.
وهذه أمورٌ غيبية، وعِلّةٌ غير يقينية، والأحاديث مطلقة، فالمتعين إطلاق المنع، والله أعلم.
****

تجصيص القبر
التجصيص والتقصيص بمعنًى، وهو ظاهرٌ، وسيأتي حكمه إن شاء الله.
(5/ 1/120)

[ص 104] البناء على القبر (1)
قد يقال: يحتمل أن يراد بالبناء ما كان فيه انتهاك لحرمة القبر، كأن يكون للسكنى، ويدل عليه قرنه بالجلوس.
والجواب: أن البناء في الحديث مطلق، وقرنه بالجلوس يعارضه قرنه بالتجصيص الذي هو تشييد للقبر، لا إهانة، بل هذا أبين دلالة، إذ التجصيص من جنس البناء، مع أن البناء للسكنى لا يستلزم انتهاك حرمة القبر، فقد يترك بجانب من البيت على حاله، بل إن ذلك تعظيمٌ للقبر واحترامٌ له، ولذلك جاء النهي مطلقًا، يتناول البناء للسكنى وغيره.
فإن قيل: الأصل في الكلام الحقيقة، والحقيقة في البناء على القبر البناء على متنه.
قلت: بل الحقيقة في البناء على القبر ما كان مستعليًا عليه، فيتناول البناء حواليه مسقوفًا، إذ هو باعتبار السقف مستَعْلٍ على القبر حقيقةً.
مع أنه لو سُلَّم ما قلتم، أو لم يرد النهي إلا عن التجصيص فقط، لكان في ذلك دليلٌ على النهي عن البناء الضيِّق والواسع، المسقوف وغير المسقوف، بل وعن البناء بقرب القبر غيرَ مشتملٍ عليه، ولكنه لأجله، بل وعن البناء بعيدًا عنه لأجله، كالمَشاهد، وكذا كل ما فيه تمييز للقبر، كرفعه زيادةً على الشبر، ووضع الستور عليه، ونصب الرايات عنده، وإيقاد السُّرُج.
والحاصل: كل شيءٍ يكون فيه إكرامٌ للقبر أوتشييدٌ له مما لم يثبت
__________
(1) في المسوّدة الثانية (ص 30 - 40) هذا البحث مع زيادة فائدة، فأثبتناه للفائدة في آخر الرسالة.
(5/ 1/121)

بالسُّنة، فإنَّ كل هذا يدلّ الحديث على النهي عنه بالقياس، سواءً أكانت العلة كراهية تشييد القبور وتزيينها، أم كراهية تمييز القبر الذي يُخْشى أن يؤدي إلى تعظيمه، وقد مر إيضاح هذا آخر الفصل الأول (1).
وقد عورض إطلاق البناء على القبر في النهي بإطلاقات أخر:
منها: الإذن للإنسان أن يصنع في ملكه ما يشاء.
ومنها: الأمر باحترام الصالحين.
ومنها: الأمر بالإحسان إلى الخلق، وإعانتهم على البر.
فعلى الأول؛ يُقَيَّد النهي عن البناء [ص 105] بما إذا لم يكن في الملك.
وعلى الثاني؛ بما إذا لم يكن على قبور الصالحين.
وعلى الثالث؛ بما إذا لم يكن (لتظليل) الزوَّار.
والجواب: أن هذه الأمور ليست مطلقة، بل هي مقيَّدة بما لم ينه عنه الشرع، والبناء مطلقًا مما نهى عنه الشرع، فلا معارضة؛ وإلا لساغ تقييد النهي عن اتخاذ الأصنام بما إذا لم يكن في الملك. وتقييد النهي عن الرياء، بما إذا لم يكن لأجل الإهداء إلى صالح، أو لأجل الصدقة، وتقييد النهي عن تأخير صلاة الصبح مثلًا عن وقتها بما إذا لم يكن لخدمة الوالدين، وغير هذا من المصالح التي لا تُحصى.
ولو سُلِّم التعارض لكان المتعين تقييد تلك المطلقات بالنهي عن البناء على القبر؛ لأن علة النهي عن البناء على القبر موجودة في كل قبر، وذلك دليلٌ أن النهي مطلقٌ لا يقبل التقييد، بل وجودها في الملك أبْيَن وأوضح؛ لأن مجرد الدفن في الملك مع منافاته للسنة في حق الآية، فيه منافاة لما
__________
(1) (ص 42 - 44).
(5/ 1/122)

يليق بالموت الذي هو باب البلى، والخروج من الدنيا، والتساوي مع الفقراء، وفيه تمييز للقبر، وتعظيم له، فعِلَّة النهي عن البناء موجودة في مجرد الدفن في الملك، فضلاً عن التجصيص والبناء.
وكذلك وجود العلة في قبر الصالح أشد؛ لأنه أقرب إلى حمل الناس على تعظيمه، وما مثل مَن (1) يجيز البناء على قبر الصالح، إلا كمن يبيح شرب القَدْر المُسْكر من الخمر للمجاهدين، فإن البناء على قبر غير الصالح كشرب الجرعة والجرعتين من الخمر، والنهي عن البناء على قبر الصالح، كالنهي عن شرب القَدْر المسكر من الخمر، فإباحة البناء على قبر الصالح - لأن فيه احترامًا للصالحين - كإباحة السُّكْر للمجاهدين؛ لأن فيه شدة على الكافرين، مع أن علة تحريم الخمر خوف السكر، وعلة تحريم البناء خوف الكفر، وشتان بينهما.
وهكذا تظليل الزوَّار، إن هو إلا تحقيقٌ لوجود العلة؛ لأن الزيارة التي تحتاج إلى التظليل لا تكون غالبًا مشروعة، مع أن التظليل ليس من المصلحة في شيء، لا مصلحة الميت كما هو واضح؛ لأنه إن كان للدعاء له، فإن الله عزَّ وجلَّ بكل شيءٍ عليم، فإن أراد أن يبلغه ثواب الدعاء فسيبلغه، ولو كان الداعي بأقصى الأرض عن قبره.
[ص 106] ولا لمصلحة الزوَّار؛ لأنه إن أريد المصلحة الشرعية التي بيَّنها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فإنها تذكِّركم الآخرة" (2). فهذه
__________
(1) تكررت في الأصل.
(2) أخرجه مسلم رقم (976) بلفظ "إنها تذكركم الموت". عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد رقم (1236) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
(5/ 1/123)

يصلح لها كل قبر، فلا معنى لتخصيص بعض القبور حتى يحتاج إلى البناء عليها للتظليل.
وإن أريد أن صاحب القبر يشفع لهم إذا فعلوا ما يرضيه، فهو ميت لا يرضيه إلا ما ينفعه عند الله، والذي ينفعه عند الله هو الدعاء له بشرطه.
وقد مر أن الله عزَّ وجلَّ إن أراد أن يبلغه ثواب دعائهم بلغه أينما كان، وإن أريد أنه يحتاج إلى أن يُسأل، فإنهم يزعمون أنه يبلغ، بل يسمع سؤالهم ولو كان بعيدًا.
وعلى كل حال، فهذه مجاراة لهم على باطلهم، وإلا قد بيَّن الإِسلام أن النفع والضر بيد الله عزَّ وجلَّ، وأنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته، ولا يُطاع الله إلا بما شرع، ولا يعلم ما شرع إلا بكتابه وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وإن فرض أنه حصل لأحدٍ من الناس نفع بشيءٍ من هذه المنهيات، فإنه لا يدل على جوازه، ألا ترى إلى السحر ينتفع به صاحبه، وهو كفر؟
وقد يستدرج الله عزَّ وجلَّ بعض عباده إذا أصرّ على الإعراض عن الحق، فاستوجب الخذلان، قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
وقال جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ
(5/ 1/124)

وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 112 - 117].
يا مقلب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، واهدنا لِمَا اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، ووفقنا والمسلمين لما يرضيك. آمين.
والحاصل: أن التقييد المذكور إن هو إلا تحقيق للمفسدة، وإيغالٌ في الغرور، كما يقال في المثل العامي: أراد أن يكحل عينه فأعماها. فنعوذ بالله من الخذلان.
هذا، مع أن المقرر في الأصول: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح مطلقًا، وأن درء المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى متعيِّنٌ إذا دار الأمر بينهما, ولا شك أن ذرائع الكفر - ومنها تمييز القبر - أشد المفاسد، فلو دار الأمر بينها وبين مفسدة أخفّ منها؛ لتعيَّن ركوب الأخف، فكيف إذا لم يقابلها مفسدة أصلاً.
[ص 108] وقال بعضهم: يحتمل أن يكون (البناء المنهي عنه) بناء الخيمة والفُسْطاط؛ لإقامة الحِداد، وتعظيم المصيبة.
والجواب: أن هذا تقييدٌ بمجرَّد التشهِّي، لو صح مثله لأصبح الدين ألعوبة، وأيضًا فما باله قُرِن بالتجصيص؟
(5/ 1/125)

وقال آخر (1): هؤلاء المسلمون منذ العصور الأولى إلى اليوم بما فيهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ما زالوا يتقربون إلى الله زُلْفى بتعظيم مقابر الأنبياء والأولياء، وبتعميرها وتشييدها، وإقامة الأبنية الضخمة عليها.
وهذا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): هو أول من بني حُجْرة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم باللبن، بعد أن كانت مقوَّمة بجريد النخل، نص على ذلك السمهودي في "كتاب الوفاء" (2)، ثم تناوب الخلفاء على تعميرها.
أقول: أسْمَع جعجعةً ولا أرى طِحْنًا، دعنا من حُجرة قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، فإن لها سببًا خاصًّا كما مر بيانه (3). ومع ذلك فما نقلته عن كتاب "الوفا" لا نراه يصح، فإن أم المؤمنين عائشة كانت ساكنةً في الحجرة، ولعله ذهب وَهْم الراوي من عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الخطاب.
وأما غير قبره صلَّى الله عليه وسلم؛ فقد نزَّه الله الصحابة رضوان الله عليهم، إلا أن يصنع بعض جَهَلة التابعين شيئًا، فيبادرون إلى هدمه، كما سيأتي.
وكذا أتباع التابعين، ومَنْ بعدهم غالبًا، قال الإِمام الشافعي (4): لم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة. وقال: رأيت [من الولاة من يهدم] بمكة [ما يُبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك] (5).
__________
(1) هو حسن الصدر الكاظمي في "الرد على فتاوى الوهابية" (ص 70 - 71).
(2) (2/ 481).
(3) (ص 37 - 38).
(4) النصان في "الأم": (2/ 631).
(5) العبارة في الأصل: "وقال: رأيت ا ... بمكة ... " وأكملناها من "الأم".
(5/ 1/126)

وقال الشعبي: رأيت قبور الشهداء جُثًى مسنَّمة (1).
وأما بعد ذلك؛ فقد وقع بعض ما تزعم، فكان ماذا؟!
[ص 109] أيكون ذلك ناسخًا لما ثبت بالشرع عن صاحب الشرع، إذًا فَمِن الشرع أن يُسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأنه دام سبه على المنابر عشرات من السنين؟ ومن الشرع أن يُشْرَب الخمر ويُخْتلى بالأجنبيات؟ فقد استمر ذلك شائعًا في آخر ملك الأمويين، وملك العباسيين، وبعدهم، في أشياء يطول تعدادها.
فأما دعوى الإجماع؛ فسيأتي دحضها في الفصل الثالث (2)، إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر شيئًا رواه البناني (3) (واضع) أهل الحجاز، إن لم يكن كذبًا فليس في الدنيا كذب، ولولا أنني طالعت الرسالة بنفسي لما صدَّقتُ أن
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) كذا، وقد مرّ بعض ذلك. انظر (ص 111، 113) وانظر المسوّدة (ص 37، 59).
(3) كذا في الأصل في الموضعين، وفي رسالة الصدر "البنائي"، وقد ورد بغير ذلك، وفي مصادر الرافضة التي ذكرت روايته: "أبو عامر الساجي واعظ أهل الحجاز". انظر "وسائل الشيعة" (باب 26 من كتاب المزار)، و"تهذيب الأحكام" للطوسي: (6/ 22، رقم 50، 189). ومع أن هذا الساجي لا يُعرَف إلا أن الراوي عنه "عمارة بن زيد" أشد جهالة منه بل لا وجود له، فقد اختلقه الراوي عنه وهو عبد الله بن محمَّد البلوي؛ إذ سألوه: مَن عمارة هذا الذي تروي عنه؟ فقال: رجلٌ نزل من السماء فحدّثني ثم عَرَج! انظر "معجم رجال الحديث" (8681) للخوئي.
أقول: وقد كتب المؤلف (واضع) بين هلالين تهكّمًا باللقب الذي ذكروه به (واعظ أهل الحجاز)!
(5/ 1/127)

عاقلاً يورد مثل ذلك بمعرض الاستدلال.
ثم قال: قال في "المنهج": "والأصل في بناء القبور وتعميرها ما رواه البناني واعظ أهل الحجاز" اه.
أقول: فيا له من أصل! من أراد الاطلاع على تلك الرواية, فلينظرها في رسالة حسن صدر الدين الكاظمي (1).
ثم قال: " ... إن في الآثار القائمة حول قبور الأنبياء السابقين، كقبر دانيال النبي في شوشتر (2)، وقبر هود وصالح ويونس وذي الكفل ويوشع في بابل والقرى (3)، وكقبور الأنبياء المدفونين عند البيت المقدس، بل في بناء الحِجْر على قبر إسماعيل وأمه هاجر لأكبر دليل على أن اهتمام الأمم السالفة في تعظيم مراقد أنبيائهم، لم يكن بأقل من اهتمام المسلمين في تعظيم مرقد نبيهم ومراقد أوليائهم" اه.
أقول: هذا كله خبط، فقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه لا يثبت العِلْم بموضع قبر نبيٍّ غير نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) كتب المؤلف قبلها: "الرد على الوهابية" ثم ضرب عليها. والكاظمي: حسن بن هادي الحسيني المعروف بالسيد حسن الصدر، من علماء الرافضة, له تصانيف كثيرة قيل: تجاوزت المئة، منها هذه الرسالة المشار إليها. (ت 1354). انظر "الأعلام": (2/ 224) للزركلي.
(2) هي مدينة (تُسْتَر). انظر "معجم البلدان": (2/ 29).
(3) هو وادي القرى، بين الشام والمدينة, بين تيماء وخيبر، وفيه قرى كثيرة، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد ... انظر "معجم البلدان": (4/ 338).
(5/ 1/128)

قال العلامة الشيخ محمَّد [بن] الجزري: "لا يصح تعيين قبر نبيّ غير نبينا عليه السلام، نعم، سيدنا إبراهيم عليه السلام في تلك القرية، لا بخصوص تلك البقعة" انتهى. "الموضوعات" (1) لعلي قاري.
قال علي قاري: "ودُفِنَ بمكَّة كثير من الصحابة الكرام، أما مقابرهم فغير معروفة كما ذكره الأعلام، حتى قبر خديجة إنما بُني على ما وقع [ص 110] لبعضهم من المنام، ثم اختلفوا في مكان مولده عليه السلام، وإن اشتهر عند أهل مكة بالموضع المعروف عند الأنام.
أما ما أحدثوا من مواليد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، مع عدم ثبوتها، فلا يظهر وجه التبرك بأرضها إلا باعتبار مآل أمرهم" اه.
أقول: وقال ابن كثير في تفسيره (2) في سورة الكهف: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وُجِد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يُخْفَى عن الناس، وأن تدفن تلك الرُّقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم، وغيرها".
أقول: قوله: "أمر أن يُخْفَى عن الناس" ذُكر أنه أمر بحفر ثلاثة عشر قبرًا، وأن يُدْفن في أحدها ليلاً، وتُطْمَس القبور كلها.
ويكفينا تكذيب ما زعمه الكاتب من أن قبور الأنبياء معروفة كما مر.
فأما بناء الأمم السابقة؛ فقد ثبت بالسنة المتواترة أن من كان قبلنا كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وثبت في
__________
(1) (ص 385) وما بين المعكوفين منه.
(2) (5/ 2153).
(5/ 1/129)

الحديث: "لتتبعنَّ سَنَن من كان قبلكم ... " (1) إلخ.
ولكن إقرار الصدر الأول لبناءٍ على قبرٍ مردودٌ لا يثبت منه شيءٌ أصلاً، لا في بابل، ولا في القرى، ولا بيت المقدس، ولا غيره.
وقد علمتَ مما مر تكذيب زعمه أن قبر إسماعيل وأمه في الحِجْر، ويكذِّبه أن الحِجْر من البيت كما ثبت في الصحيح (2)، فكيف يستجيز إسماعيل أن يَدْفِن أمه في جوف الكعبة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!
ثم قال: "إنه يقاس التسريج على القبور باتخاذ الحليّ للكعبة".
فيقال له: وكذا يُصلَّى إلى القبور، ويطاف بها، ويُحجّ إليها، وغير ذلك من مزايا الكعبة، يصنع مثله بالقبور قياسًا!! ولا يضر مجيء النصوص بعدم استقبال القبور [ص 111] كما لا يضر مجيء النصوص بتسوية القبور، وعدم تمييز بعضها؟!!
...
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3456)، ومسلم رقم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري رقم (1584)، ومسلم (1333) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5/ 1/130)

[ص 112] آية الكهف (1)
توهَّم قومٌ أن هذه الآية تدلّ على الجواز، فتشبث بها بعض من لا علم له بالسنة من المتأخرين.
وأجاب قومٌ: بأن المسجد إنما اتُّخِذَ خارجًا عن الكهف، وحملوا قوله: {عَلَيْهِم} على المجاز، واختاروا جواز مثل هذا.
وقال آخرون: لا مانع من أن يكونوا اتخذوا المسجد على الفتية أنفسهم، ولكن ليس في الآية ما يدل على الجواز، وتفصيل الكلام على هذا يطول.
فالأولى بنا أن ننقل ما ظفرنا به من تفسير سلف هذه الأمة أولاً، ثم نتكلم بما فتح الله به علينا.
فأقول: قال ابن جرير (2): "يقول جل ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنَّ عليهم مسجدًا.
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة؛ أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار".
ثم أسند عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوْا ...} قال: "يعني عدوهم".
__________
(1) قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)}.
(2) تفسيره: (15/ 217).
(5/ 1/131)

وأسند عن عبد الله بن عبيد بن عُمير قال: "عمَّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانًا، فإنهم أبناء [ص 117] آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدًا نصلي فيه، ونعبد الله فيه".
وفي "الدر المنثور" (1): وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} قال: "هم الأمراء"، أو قال: "السلاطين".
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبير قال: "بنى عليهم الملك بيعة، فكتب في أعلاها: أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين".
أقول: ولا تصح القصة التي فيها أن الملك كان مؤمنًا صالحًا.
وقال ابن كثير (2): "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك. فالله أعلم.
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون، أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى ... " (3).
وقد رُوَّينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد
__________
(1) (4/ 392).
(2) تفسيره: (15/ 2153).
(3) سبق تخريجه.
(5/ 1/132)

قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يُخْفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم".
والحاصل: أن السلف مختلفون في تفسير الآية، ولم يثبت من النقل شيءٌ تقوم به الحجة.
فالمتعيِّن علينا تحليل الآية نفسها، وإنعام النظر فيها, ليتبين الحق إن شاء الله تعالى.
قال عزَّ وجلَّ: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}.
فدل على تنازعٍ كان بين القوم في أمر الفتية، ولا بد في التنازع من الانقسام.
ثم قال تعالى: {فَقَالُو} فدل الإتيان بالفاء أن ما بعدها تفصيلٌ لما قبلها، وهو التنازع، وإذا كان التنازع لا بد فيه من الانقسام، كان الظاهر أن يكون بعد الفاء ذِكْر قول كلًّ من الفريقين على حِدَة، كما يقول: "تنازع الفقهاءُ هذا الحكمَ، فقال فريق: يجب، وقال فريق: لا يجب".
فلذلك تعين أن يحمل قوله: {فَقَالُو} على أنه قول أحد من الفريقين، وأُسْنِد إلى ضمير الجمع مجازًا؛ لأن للقائلين مزية أقيموا لأجلها مقام الجميع، ويؤيد ذلك قولهم: {ابْنُوا}. فلو كان القائلون هم الجميع، لكان الأمر خلاف الظاهر، إذ هو أمرٌ لأنفسهم، ولو أريد: قال بعضهم لبعض، لكان الظاهر أن يصرح به، فكأنه قال - والله أعلم - فقال الفريق المختار: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}.
(5/ 1/133)

[ص 113] فإن قيل: فما معنى قوله: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}؟
قلت: الذي يعطيه السياق أن الفتية بعد أن رآهم القوم، واستخبروهم، وتقررت الآية، رجعوا إلى مضجعهم في الكهف، وعاد الرُّعب الذي في قوله تعالى: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
فبقي القوم متحَيَّرين لا يدرون أماتوا أم ناموا, ولا يمكنهم الدخول إليهم لمكان الرعب، ثم تنازعوا فيما يصنعون، فقال الفريق الأول: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} أي: أماتوا أم عادوا إلى نومهم؟
ولا يصح أن يقال: إن المراد: ربهم أعلم بهم، مَنْ هُم، وممن هم؟ لأن الظاهر أنهم اجتمعوا بالقوم، وقصّوا عليهم قصتهم، لتتقرر الآية التي هي المقصود من الإعثار عليهم، أعني: قوله تعالى: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا}.
فإن قلت: فإذا كان دخول الكهف ممنوعًا، فكيف يقولون: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ}؟
قلت: المراد بالبناء عليهم البناء لسد باب الكهف، بقرينة ما تقدم.
فإن قلت: فما وجه النزاع؟ فهل أبى الفريق الآخر سد باب الكهف؟
قلت: أرادوا - والله أعلم - أن يبنوا المسجد عند باب الكهف، بحيث يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
فالفريق الأول يقولون: ابنوا جدارًا نسدُّ به باب الكهف.
(5/ 1/134)

والفريق الآخر قالوا: بل نبني مسجدًا يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
[ص 114] إذا تقرر هذا، فقد اختلف المفسرون مَن المحمودُ من الفريقين؟
وقبل أن نفيض في ذلك ينبغي أن تعلم أنه ليس بيدنا دليلٌ صحيحٌ عن أن الملك كان من أهل الحق، بل ولا على أن القوم الذي أعثروا على الفتية كان بعضهم كفارًا كفرًا صريحًا، وإنما في الآية قوله تعالى: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا}.
وهذا ليس بصريح الدلالة على أن فيهم من شك، فضلاً عن الدلالة على أن فيهم من يكذب، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ ... ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 94 - 97].
نعم، الظاهر من إظهار الله عزَّ وجلَّ لتلك الآية أن يكون في أولئك القوم من يخالجه الشك في البعث، هذا أقصى ما تدل عليه الآية.
إذا علمت هذا، فأصغ لما يَرِدُ عليك:
فقال بعض المفسرين: الفريق الصالح هو الثاني، بدليل عزمهم على اتخاذ المسجد.
وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه لم يثبت لدينا أن الفريقين كان أحدُهما مؤمنين، والآخرُ كفارًا مصرِّحين بالكفر حتى ينتفي عنهم العزم على اتخاذ المسجد، فقد يكون الفريقان كلاهما من المسلمين، ولكن أحدهما أهل علم وهدى، والآخر أهل جهل وضلال.
(5/ 1/135)

وعليه، فليس أهل العلم والهدى بأحق من الآخرين باتخاذ المسجد، بل الأمر بالعكس كما لا يخفى.
[ص 115] وقال قوم: بل الفريق الأول هو المحمود. وهذا هو الصحيح، ولنا عليه أدلة:
1 - أن الله عزَّ وجلَّ أقام الفريق الأول مُقام الجميع، بقوله: {فَقَالُواْ}، وهذا لا يكون إلا لمزية، كما تقدم. ولا تكون المزية ههنا إلا دينية؛ لأمرين:
الأول: أن الباري عزَّ وجلَّ اعتبر هذه المزية، حيث جاء في كلامه العزيز إقامة الفريق الأول مقام الجميع لأجلها، وهذا يشعر بأنها محبوبة له عزَّ وجلَّ.
الثاني: أن المزية الدنيوية إنما هي القوة، وقد أثبتها الله عزَّ وجلَّ للفريق الثاني بقوله: {الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ}. فتعين أن تكون مزية الفريق الأول دينية، فهم أهل العلم والهدى.
2 - أن الله عزَّ وجلَّ حكى من قول هذا الفريق الأول قولهم: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}.
وهذه كلمة عظيمةٌ، يشم منها نفحات الإيمان, وتلوح منها لمحات العلم والإيقان.
3 - أن الله تبارك وتعالى قدَّم الفريق الأول في الذكر، والتقديم يُشْعِر بمزية للمقدَّم، وقد علمت أن المزية ليست بدنيوية، فتعين كونها دينية.
4 - أنه جلّ ذكره قال في ذِكْر الفريق الثاني: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ...}.
(5/ 1/136)

فأشعر أن الحامل لهم على هذا العزم هو الغلبة [ص 116] على ما قرره بعض علماء البيان في باب المسند إليه في مجيئه موصولًا؛ للإيماء إلى وجه بناء الخبر (1)، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
واعتراض السعد عليه إنما هو لتفسيره الإيماء بما ذكر لا على نفس المعنى.
وقرَّره علماءُ الأصول في مسالك العلة، بقولهم: "إن ربط الحكم بالمشتق مؤذنٌ بعِلِّية ما منه الاشتقاق" (2). وهو في الموصول أوضح.
والغالب أن الغلبة تكون سببًا للبَطَر والبغي والعدوان، ويعيِّنه أنه لو كان فعلهم محمودًا لرتَّبَه على وصفٍ ظاهر المناسبة للخبر.
إذا تأملت هذه الأوجه، وأنعمتَ النظر، علمت أن الآية تدل بنفسها على أن الفريق الأول هو المحمود، والفريق الثاني هو المذموم.
فالفريق الأول متمسَّكون بعهد نبيهم، واقفون عند حده.
والفريق الثاني أهل جهل وغُلوّ وعدوان، يشرعون ما لم يأذن به الله تعالى، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
فهذه دلالة الآية بنفسها، قد علمت حقيقتها، ثم ضمّ إلى ذلك دلالة
__________
(1) انظر "التلخيص - بشرح البرقوقي": (ص 60)، و"المطوّل": (ص 74).
(2) انظر "البحر المحيط": (5/ 201) للزركشي، و"التحبير شرح التحرير": (7/ 3349 - 3350) للمرداوي.
(5/ 1/137)

قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]. وقد تقدمت (1).
ثم عزِّزها بدلالة السنة المتواترة: بلعن اليهود والنصارى، واشتداد غضب الله عليهم؛ لاتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (2).
وهذا يتناول القوم الذي أعثروا على الفتية، إن كانوا نصارى أو يهودًا، وكذلك إن كانوا من أمةٍ أقدمَ من اليهود؛ لأن ظاهر الأدلة أن هذا الفعل لم يزل محظورًا.
وظاهرٌ أن الباري تبارك وتعالى قصَّ علينا هذه القصة ليرشدنا إلى أن نقتدي بالفريق الواقف عند حدَّه، المتمسَّك بعهده، ويحذرنا من أن نفعل ما فعل الفريق الآخر من الغلوّ في الدين، وشَرْع ما لم يأذن به الله، والافتراء عليه.
[ص 119] وقد حذرنا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من مثل فعلهم، وأخبرنا بأننا سنتبع سَنَنهم، وبشَّرنا أنه لا تزال طائفة مِنَّا قائمة على الحق، لا يضرهم من ناوأهم.
فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من طائفة الحق، ويثبِّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه، إنه سميع مجيب.
وقد كنتُ كتبتُ سلسلةً من التسليمات الجدلية، وبيان الجواب عنها (3)، ثم رأيت الأمر أوضح من ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة.
والله أعلم.
__________
(1) لم يتقدم شيء هنا في المبيّضة، وقد تكلّم المؤلف عليها في "المسوّدة" (ص 21).
(2) والأحاديث في ذلك في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة.
(3) يعني في النسخة الأولى للكتاب (المسوّدة) انظرها (ص 18 - 19).
(5/ 1/138)

الخاتمة (1)
__________
(1) هكذا في الأصل عنوان لم يكتب تحته شيء. وانظر المقدمة (ص 20).
(5/ 1/139)

ملحق
النهي عن البناء على القبر (1)
المتبادر أن المراد بالبناء على القبر ما يُبنى لأجل القبر، وهذا هو الذي فَهِمه العلماء، ونحن نعلم أن هذا هو الواقع، ولكن هذا لا يمنعنا أن نثير عليه شبهة لم نَر مَن تعرَّض لها؛ خشيةَ أن يُلَقّنها بعض المحرّفين فيلعب بها دورًا من أدوار التضليل قبل أن يُقيّض الله مَن يكشف عوارها، فرأينا أن نُثيرها لِنُنيرها؛ عملًا بقول أبي عُبادة (2):
إذا ما الجرحُ رُمَّ على فسادٍ ... تبيَّن فيه تفريط الطبيب
وللسهم السديد أشدّ حبًّا ... إلى الرامي من السهم المصيب
على أني أرجو الله عزَّ وجلَّ أن يجمع لي بين السداد والإصابة، فأقول:
قد يقال: لعل المراد بالبناء المنهي عنه هو ما يكون فيه انتهاك لحرمة القبر، كان يُبنى بيت للسكنى أو حائط ويجعل الجدار على متن القبر كما هو الحقيقة في البناء على القبر. ويؤيده قَرْنه بالنهي عن الجلوس عليها.
والجواب: أن الحديث مطلق، وجَعْل جدار الدار على متن القبر غير ممكن عادة؛ إذ لا بد للبناء من أساس، ومتن القبر لا يصلح أساسًا. وفي كون ذلك هو الحقيقة نظر؛ إذ قد يقال: إنما يكون حقيقة لو استغرق البناء جميع
__________
(1) من المسودة الثانية (ص 30 - 40).
(2) هو البحتري "ديوان" (1/ 441 - 442). والبيت الثاني فيه:
فللسهم السديد أحبّ غبًّا ...........................
(5/ 1/141)

أجزاء القبر. وعلى تسليمه فيشاركه في الحقيقة أن يكون البناء مشتملاً على القبر مسقوفًا، فإنه باعتبار السقف يكون على جميع أجزاء القبر.
أما قَرْنه بالنهي عن الجلوس فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو قرنه بالنهي عن التجصيص، وهو أقرب إلى معنى البناء الذي يُقصد به تشييد القبر وتعظيمه من الجلوس إلى معنى البناء الذي يقصد به إهانته؛ لأن التجصيص من جنس البناء كما لا يخفى.
فإن قيل: فإن لم يمكن وضع الجدار على متن القبر فيمكن حفره.
قلت: فكان الظاهر إذن أن ينهى عن حفر القبر؛ لأنه هو المحظور لا أصل البناء إذ لو جَرف سيلٌ قبرًا في بقعة مملوكة أو مَوَات لم يمنع البناء في موضعه، على أن البناء بعد الحفر ليس على القبر، بل هو على موضعه، إذ لا بد في الحفر أن يصل إلى قعر القبر ليوضع الأساس على قرار متين كما لا يخفى.
فإن قيل: فهو على القبر مجازًا.
قلت: هو مجاز بعيد لا داعي إلى ارتكابه.
أما إذا قلنا: إن البناء المشتمل على القبر المسقوف يكون على القبر حقيقة، فالأمر واضح لأن الحقيقة مقدمة على المجاز. أما إن قلنا إنه مجاز، فالمجاز القريب المتبادر أولى من البعيد المتكلّف، وقد سبق أن قَرْنَه بالتجصيص يدل على أن المراد بالبناء ما كان للتشييد والاحترام وأنه أدلُّ على ذلك من الجلوس على المعنى الآخر، وهذا واضح.
ويؤيد ما قلناه حديثُ فَضالة كما تقدم، وحديث أمير المؤمنين عليّ كما
(5/ 1/142)

سيأتي. بل لو لم يرد إلا أحدهما لكان كافيًا في المطلوب، بل لو لم يرد إلا النهي عن التجصيص لكان كافيًا بدلالة القياس الجليّ كما هو بيِّن، بل لو لم يرد شيء من ذلك لكفى في حظر البناء ونحوه خلافه للسنة مع صيرورته سببًا لضلال طوائف من الأمة كما هو مشاهد، مع أدلة أخرى قد أشرنا إليها في مواضع أخر من هذه الرسالة.
فيتعين أن يكون المراد بالبناء في هذا الحديث هو المتبادر منه والمنافي للتسوية والمناسب للتجصيص والإشراف، أعني البناء المشتمل على القبر، سواء كان ضيّقًا على جوانبه القريبة أم واسعًا. وسواء كان مسقوفًا أم لا.
أما على القول بأن البناء المشتمل على القبر لا يقال له بناء ولو كان مسقوفًا فظاهر؛ لأن المسقوف يكون مجازًا وغير المسقوف مجازًا (1).
وأما على القول بأن المسقوف حقيقة فلأنه لا فرق، فالكُلُّ إحكام للقبر وتمييز له، بل ويقاس عليه البناء بالقرب من القبر غير مشتمل عليه إذا كان لأجله كالمَشاهد، بناءً على أن العلة هي خشية أن يؤدّي تمييزه إلى تعظيمه الذي هو باب الشرك كما تدلّ الأحاديث الصحيحة في النهي عن الصلاة إلى القبور، وأن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، مع ما قاله ابن عباس وغيره من السلف كما في "صحيح البخاري" وغيره في تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23 - 24]: إن هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم إلخ. ومع السنة المتواترة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد،
__________
(1) كذا في الأصل.
(5/ 1/143)

وفُسِّرت في بعضها ببناء المسجد على القبر، ولَعْن من فَعَل ذلك وقتال الله له، واشتداد غضب الله عليه، مع ما في بعضها مِن لَعْن من اتخذ على القبر سراجًا = كلّ هذا يدل أن العلة في النهي عن البناء على القبر هي خشية أن يؤدي تمييزه إلى تعظيمه.
وهذه العلة موجودة في كلّ تمييز للقبر مما ذكرنا أو غيره، فكل ذلك مما يتناوله النهي. ومنه القبر في البناء لوجود العلة. وأما قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فله سبب خاص سيأتي بيانه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
(5/ 1/144)

آثار الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(5)

عمارة القبور في الإسلام
(المسودة)
تأليف
الشيخ العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(5/ 2/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضح لنا خاصّةَ سواء سبيله، وحفظ علينا كتابه وسنن رسوله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.
أما بعد، فإني اطلعتُ على بعض الرسائل التي ألِّفت في هذه الأيام في شأن البناء على القبور (1)، وسمعتُ بما جرى في هذه المسألة من النزاع، فأردت أن انظر في هذه المسألة نظرَ طالبٍ للحق، متحرٍّ للصواب، عملًا بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2) [النساء: 59]، وقوله عزَّ وجلّ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
ولا ريب أن الردَّ إلى الله ورسوله بعد وفاته، إنما يحصل بالردَّ إلى الكتاب والسنة، وأن تحكيمه بعد وفاته، إنما هو بتحكيم الكتاب والسنة.
__________
(1) من هذه الرسائل "الرد على الوهابية" لحسن الصدر الرافضي (ت 1354 ه)، فقد ذكرها المؤلف صراحة في النسخة الأخرى وتعقَّبه في مواضع منها. انظر (ص 3).
(2) ترك المؤلف بعد قوله (فإن تنازعتم ...) فراغًا بمقدار سطر لتتمة الآية.
(5/ 2/3)

ولا ريب أن من الردِّ إلى الكتاب سؤالَ العلماء، كما أن من الردِّ إلى الرسول اعتبار أقوال خلفائه وورثته من أهل العلم، قال عزَّ وجلَّ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "العلماء خلفاء الأنبياء" أخرجه البزار (1)، ورجاله موثقون، كما في "مجمع الزوائد" (2).
وله في "السنن" حديث فيه: "وإن العلماء ورثة الأنبياء ... " (3) الحديث.
ولا ريب أن الأئمة المجتهدين مِنْ أَوْلى مَن يدخل في ذلك.
__________
(1) "كشف الأستار" رقم (136).
(2) (1/ 126).
(3) أخرجه أبو داود رقم (3641)، والترمذي رقم (2682)، وابن ماجه رقم (223)، وأحمد رقم (21715)، وابن حبان رقم (88).
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص 286): "صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وحسَّنه حمزة الكناني، وضعّفه غيرهم بالاضطراب في سنده, لكن له شواهد يتقوّى بها, ولذا قال شيخنا: له طرق يُعرف بها أن للحديث أصلاً" اه. وانظر "فتح الباري": (1/ 193).
(5/ 2/4)

[ص 2] عَرْض هذه القضية على كتاب الله عزَّ وجلَّ
قال الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21].
وتقرير الاستدلال بالآية (1): أن قوله عزَّ وجلَّ قبلها: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ... ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ...} إلخ، يدل أنهم ماتوا، فتنازع الحاضرون في شأنهم {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا}، وهذا بناءٌ على قبر. {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} قال المفسرون: وهم المؤمنون بدليل قوله: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} وهذا اتخاذ مسجد على قبر.
فلما قصَّ الله عزَّ وجلَّ هذا في كتابه، ولم يصحبه بما يدل على حظره، دل على جوازه.
بل إذا لاحظنا أن القَصَص الوارد في القرآن لم يرد لمجرَّد حكاية وقائع تاريخية، وإنما هو للاعتبار والإرشاد والموعظة = تبين لنا دلالة الآية على الاستحباب، وأن الله عزَّ وجلَّ أرشدنا بهذه الآية إلى ما ينبغي أن نعمله إذا مات فينا رجل صالح، أي: أننا على الأقل نبني على قبره بنيانًا، والأكمل أن نتخذ عليه مسجدًا.
****
__________
(1) يعني على مذهب من يرى جواز البناء على القبور، وسيردّ المصنف على تقريرهم هذا بالتفصيل.
(5/ 2/5)

تحليل الاستدلال
أولًا: قوله: "يدل أنهم ماتوا".
فيه شيءٌ، فإن الظاهر أن أحد الفتية الذي بعثوه إلى المدينة عاد إليهم ومعه القوم، فدخل [ص 3] الكهف إلى أصحابه وأخبرهم، ولعل الله عزَّ وجلَّ رفع الرعب الذي كان يعتري من اطلع عليهم، وذَكَره عزَّ وجلَّ بقوله: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
وحالهم تحتمل إحدى صور:
الأولى: أن يكون الفِتْية خرجوا إلى القوم، وجلسوا معهم ريثما تحققت الآية، ثم عادوا إلى كهفهم، وعاد الرعب كما كان، فانتظرهم القوم أيامًا، فلم يخرجوا، فعلموا أنهم عادوا لحالتهم، ولكنهم لا يعلمون أماتوا، أم ناموا كما كانوا؟
الثانية: أن يكون رُفِعَ الرعبُ أولاً حتى دخل إليهم القوم، وتقررت الآية = أمروا القومَ بالخروج عنهم، فخرجوا وعاد الرعب، وانتظر القوم أيامًا، فلما لم يخرج أحدٌ من الفِتْية، علموا أنهم إما ماتوا، وإما عادوا إلى النوم.
الثالثة: أنهم عادوا إلى مضجعهم والقوم عندهم، فعاد الرعب، فخرج القوم فارَّين مرعوبين، ثم انتظروا بباب الكهف أيامًا حتى يئسوا.
الرابعة والخامسة: أن يكونوا خرجوا إلى القوم، أو دخل القوم إليهم، وبعد تقرر الآية عادوا إلى مضجعهم فرآهم القوم كذلك، فحاولوا إيقاظهم، ثم انتظارهم حتى يئسوا.
(5/ 2/6)

[ص 4] ويرجِّح إحدى الصور الثلاث الأولى على الرابعة والخامسة قوله عزَّ وجلَّ - حكايةً عن القوم -: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} [الكهف: 21].
فإن هذا يدل أنهم لم يعلموا هل عاد الفتية لنومهم، أم ماتوا؟ ولو كانوا شاهدوهم بعد عودهم لمضجعهم لربما يترجَّح لهم أحد الأمرين.
لا يقال: إن قوله: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} قد يكون المراد به: أعلمُ مَنْ هم؟ ومِمّن هم؟ وما شأنهم؟ لأن الحكمة من الإعثار عليهم، وهي إظهار آية على البعث، لا تتمّ إلا بأن يخبروا القوم بحالهم، وممن هم، وفي عهد من كانوا، فتأمل!

ثانيًا: قوله: "وهذا بناءٌ على قبر".
فيه نظرٌ من وجوه:
الأول: أن الفتية لم يتقرر للقوم موتُهم حتى يصح أن يكون لهم قبر، إذ القبر لا يكون إلا للميت، والعبرة في الحكم بظن القوم لا بما في نفس الأمر.
الثاني: لم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف.
الثالث: أنه على فرض أن الواقع في عودهم إحدى الصور الثلاث المتقدمة، فالبناء إنما يكون على باب الكهف؛ لامتناع أن يدخل البناؤون إلى مرقد الفتية لمنع الرعب.
والبناء على باب الكهف إنما هو بمثابة سدّ جانب انهدم من عرض القبر، إذا صح لنا أن نعتبر القوم مُرجِّحين أن الفتية ماتوا، وأن يُعتبر الكهف بمثابة القبر.
(5/ 2/7)

وعلى فرض أن الواقع هو إحدى الصورتين الأُخْريين، فيحتمل أن يكونوا أرادوا بالبناء البناء على باب الكهف، وهو الأظهر الأنسب بالحال [ص 5] لاستغراب القوم هذه الحادثة واشتباههم في الفتية، أعادوا لنومهم، أم ماتوا؟
ويحتمل أن يكونوا أرادوا البناء على جثثهم في داخل الكهف، ومع بُعْدِ ذلك، فلم يكن هناك قبرٌ حتى يقال: إن البناء وقع عليه، وإنما البناء نفسه هو بمثابة القبر، واحتيج إليه لامتناع إخراج الفتية من الكهف، وحَفْر قبورٍ لهم كالعادة؛ لغرابة قصتهم، وعلاقتهم بالكهف، والشك في موتهم.
وهنا احتمال آخر، وهو: أن يكون المراد بالبنيان في الآية ما يُنصب تذكارًا لتلك الآية، وأن المناسب أن يكون بمكانٍ عالٍ مكشوف، إما بأن يكون خارج الكهف بعيدًا عنه، بحيث يظهر للمارة وغيرهم، وإما أن يُجْعَل على رأس الجبل الذي فيه الكهف.
وأن هذا أرجح من الأول؛ لأنه أنسب بالمقصود، وأظهر في معنى "على" كما سيأتي إيضاحه.
والحق الذي لا ريب فيه أن المراد به: البناء لسد باب الكهف؛ لأن مواراة جثث الفتية أمرٌ ضروريٌّ لا بد منه، وحمل البنيان في الآية على هذا الأمر الضروري أولى من حمله على شيءٍ آخر.
وقد مر أن كون البنيان لسد باب الكهف أرجح من كونه حول الفتية في جوفه. وسيأتي في تقرير النزاع ما يزيد هذا بيانًا إن شاء الله.

ثالثًا: قوله: "قال المفسرون: وهم المؤمنون ... " إلخ.
(5/ 2/8)

سيأتي إن شاء الله بيان الخلاف فيه، وأن الراجح أن قائلي ذلك هم أهل الشرك.

رابعًا: قوله: "وهذا اتخاذ مسجد على قبر".
وفيه ما مرّ؛ أن القوم لم يتحققوا موت الفتية حتى يصح أن يكون لهم قبر، ولو صح موتُهم فلم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف.
ومع هذا، فإنه على الاحتمال الراجح أن الواقع هو إحدى الصور الثلاث، فواضحٌ أن بناء المسجد لا يكون داخل الكهف، وكذا على الاحتمال المرجوح أن الواقع هو إحدى الصورتين الأخريين؛ لأنه يمتنع أن يهموا ببناء مسجد محتوٍ على جثث الفتية بارزة، والكهوف وإن كانت أكبر من الغيران، فالغالب أن تكون صغيرة لا تسع بناءً كبيرًا، كبناء يشتمل على جثث تسعة أشخاص، مع بناء مسجد فوق ذلك البناء يتسع للمصلين (1).
[ص 15] ثم اعلم أن "على" في الآية في الموضعين لا تصلح لمعناه الحقيقي، وهو كون المستعلي فوق المستعلى عليه، محمولًا عليه، وكذا أن يكون مُسامتًا له من فوق في الهواء، بحيث لو سقط سقط عليه، فما بقي إلا الاستعلاء المجازي بأحد الأوجه الآتية:
إما بأن يكون المستعلي مجوفًا ينطبق على المستعلى عليه، كالجفنة على البيضة.
وإما أن يكون مستديرًا عليه، كالسور على المدينة.
وإما بأن يكون بمعنى: سدًّا لمنفذ. تقول: بنيت على الضبع جدارًا، إذا
__________
(1) هذه نهاية ص 10 بترقيم المؤلف، ثم أشار إلى أن التكملة في ص 29.
(5/ 2/9)

سددتَ به بابَ وِجارِها.
وإما بأن يكون مشرفًا عليه من قرب، كالدار على دجلة.
وإما بأن يكون مشرفًا عليه من علو، كالقلعة على المدينة، إذا كانت على جبل مُطلٍّ على المدينة.
والوجهان الأولان ممتنعان هنا؛ لما مرَّ أن الاحتمال الراجح هو أن الواقع إحدى الصور الثلاث الأولى من الصور الخمس المار بيانها، وبيان الترجيح بدليله.
وعلى فرض أن الواقع إحدى الصورتين الأخيرتين، فيمتنع أن يُبْنى مسجد على جثث الفتية بارزة، والكهف يضيق عن بناء المسجد وحده، إذا تصورنا إمكان نحت قبورٍ في جوف الكهف، فضلاً عن بناء بنيان على الجثث، ثم بناء مسجد محيط به يتسع للمصلين.
والوجه الثالث متعين بالنسبة للبناء لما مرَّ، وأما بالنسبة إلى المسجد فكل منه (1)، ومن الوجهين الأخيرين محتمل.
وبما أن الأخير ألصق بلفظ "على" لظهور الاستعلاء فيه، مع إمكان أن يكون رأس الجبل الذي يكون البناء فيه فوق الكهف على خط مستقيم، فهو الراجح.
ويمكن أن يرجَّح [ص 16] أيضًا بأن الظاهر من ذكر المسجد أنهم قصدوا أن يكون معدًّا للصلاة، والظاهر من المقام أنهم قصدوا مع ذلك أن يكون تذكارًا لتلك الآية البالغة.
__________
(1) "فكل منه" كذا قرأتها، وهي غير واضحة لأنها في طرف الورقة.
(5/ 2/10)

وبناء المسجد إعدادًا للصلاة إنما يكون بحيث يكثر وجود المصلين، وليس محل الكهف كذلك؛ لأن الفتية اختاروه مخبأً لهم، ولا يختبئون إلا بمكان بعيد عن الناس.
واحتمال أن يكون عَمَر ذلك المكان بعد نومهم يأباه قولهم لما بُعِثوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} الآية [الكهف: 19]، مع ما روي أنه ذهب إلى المدينة، القصة التي يذكرها المفسرون. ويأباه أيضًا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21].
والإعثار إنما يستعمل في الشيء الخفي الذي لم يكن مترقبًا، والكهف - وإن كان ممنوعًا بالرعب - إذا كان بين العمارة يكون مترقبًا بسبب منعه بالرعب، هذا بخلاف رأس الجبل، فإنه لا مانع أن تكون عليه قرية مسكونة، محتاجة إلى مسجد.
وقَصْد التذكار يقتضي أن يكون بحيث يشاهده الناس ويرونه، وباب الكهف كجوفه لا يصلح لذلك، وأما خارجه فإنه وإن أمكن أن يكون مشاهدًا، إلا أن رأس الجبل أظهر في ذلك.
وعليه، فيكون المراد بناء المسجد على رأس الجبل عند القرية التي قدمنا احتمال وجودها، ويُكْتب فيه تاريخ العثور على الفتية وخبرهم، وما يتعلق بذلك.
وحينئذٍ يكون مسجدًا وتذكارًا كما يقتضي الحال.
[ص 17] ولكن هذا الترجيح معارضٌ باحتمال أن الغالبين إنما أرادوا بناء المسجد؛ ليكونوا يحضرون لزيارة قبور الفتية، والتبرك بها، والصلاة في
(5/ 2/11)

المسجد المنسوب إليها.
وعلى هذا، فيجب أن يكونوا عزموا على بنائه بقرب الكهف، إن لم يكن في جوفه.
وسيمرّ بك ما يؤيد هذا، إلا أنه على كل حال لا يحتمل أن يكون في جوف الكهف؛ لما قدمنا.
خامسًا: قوله: "فلما قصَّ الله عزَّ وجلَّ هذا في كتابه، ولم يصحبه ما يدل على حظره، دل على جوازه".
فالجواب: يمنع أن يكون مثل هذا دليلًا على الجواز، سواءً أريد الجواز في تلك الواقعة فقط، أم في شرع تلك الأمة مطلقًا، أم في شرعنا بواسطة أننا متعبدون بشرع مَن قبلنا، أم في شرعنا مباشرة.
فقد قص عزَّ وجلَّ ما جرى من إخوة يوسف، ولم ينص في نفس القصة على حُرْمة كل ما هو حرام من تلك الأفعال، وإن ذكر الحكم في موضعٍ آخر من القرآن، فذلك لبيانه من حيث هو، لا ليكون تنبيهًا على ما في تلك القصة، وإلا لكان ناسخًا ومنسوخًا, ولا قائل به.
وفي القصة أنهم باعوه، وقد بينت السنة منع بيع الحر، وإن كان ابنًا أو أخًا للبائع.
وعلى فرض أن مثل هذا يكون دليلًا على الجواز، فالذي في الآية مجرد العزم، فلا يدل على جواز الفعل.
وعلى فرض التسليم بأنها تدل على جواز الفعل، فذلك لو لم يصحبها التنبيه بالحظر، وقد صَحِبها.
(5/ 2/12)

أما التنبيه الموعود؛ فهو على أوجه: مصحوب بالآية نفسها، وواقعٍ في محلًّ آخر من القرآن، وواقعٍ في السنة.
فأما الذي في الآية، فبيانه: أن الله عزَّ وجلَّ قال: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ}، فدل على تنازعٍ كان بين القوم في أمر الفتية.
ثم قال تعالى: {فَقَالُوا} فدل لوجود الفاء أن هذا بيانٌ وتفصيلٌ للتنازع المجمل قبل، كما تقول: اختلف الأئمة في كذا، فقال فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذا ... إلخ.
ثم إن جُعِلت الواو للجميع بناءً على الظاهر، ففي الكلام حذفٌ لا يتحقق التنازع الذي صرح به في الآية، وقام الدليل على أن ما بعد الفاء بيانٌ له، إلا بتقديره، كأنهم (1) قال: فقالوا جميعًا: ابنوا عليهم بنيانًا ربهم أعلم بهم. ثم قال أحد الفريقين: لا تزيدوا شيئًا غير البنيان مِن مسجدٍ وغيره = {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا ...} إلخ.
فاتفق القوم أجمعون على بناء بنيان لسَتْر جثث الفتية، وتنازعوا في بناء المسجد.
وإذا جُعِلت الواو لأحد الفريقين أطلقت بلا تأويل، وصحَّ مجيء الضمير مع عدم تقدّم مرجع له؛ لتقدم ما يدل عليه، وهو التنازع الدال على افتراقهم، فكأنه قال: "ففريقٌ منهم قالوا ... " ففي الكلام إيهامٌ، أي: أن القائلين هم الجميع.
__________
(1) كذا ولعلها: "كأنه".
(5/ 2/13)

وإذا جعلتها لأحد الفريقين بتأويل، أي: أنها عائدةٌ صناعةً إلى القوم جميعًا, ولكن لا على أنهم قالوا ذلك كلهم حقيقةً، بل على إقامة القائلين مُقام الجميع، فكأن القوم كلهم قالوا ذلك.
فأطلق على الفريق الأول الضمير الذي ظاهره أنه للجميع، لإقامة ذلك الفريق مقام الجميع، كأن الفريق الثاني لا وجود له.
والثاني أرجح؛ لما تقدم أن الفاء تدل على أن ما بعدها تفصيلٌ للتنازع، فلزم أن يكون مدخولها مما وقع فيه التنازع، وهذا إنما يتم على الثاني.
وأيضًا المجاز والإيهام على المعنى الذي قدمناه أبلغ من الحذف.
وأيضًا يؤيده قوله: {ابْنُوا} بالخطاب، ولو كان القائلون هم الجميع، لكان الظاهر أن يقال: "نبني" أو نحوه.
إذا تقرر هذا فأي الفريقين المؤمنون؟ فإن المفسرين اختلفوا في ذلك، كما سيأتي نقل كلامهم إن شاء الله (1).
فذهب بعضُهم إلى أن الغالبين هم المؤمنون، بناءً على عزمهم على اتخاذ المسجد، وعلى أخبارٍ مأثورة عمَّن قبلنا.
أما نحن فنقول: إن مجرَّد العزم على اتخاذ المسجد لا يكفي، بل ربما كان كفرًا كما ذكره الله عزَّ وجلَّ في أهل مسجد الضرار، وربما فعله المتدينون جهلاً، وهو حرامٌ كبنائه في غير المِلك، أو في طريق عامة، أو نحو ذلك.
__________
(1) لم يذكر المؤلف في هذه النسخة اختلاف المفسرين الذي وعد به. وذكر طرفًا منه في النسخة الأخرى في آخرها (ص 131 وما بعدها). وانظر "تفسير الطبري": (15/ 217)، و"الدر المنثور": (4/ 392)، و"تفسير ابن كثير": (5/ 2152).
(5/ 2/14)

وأما الأخبار المأثورة؛ فإن صحَّ شيءٌ منها عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نظرنا فيه، وفي الأدلة المخالفة، وأخذنا بالأحسن كما أمرنا عزَّ وجلَّ.
وإن كانت عن غيره من أئمة أمته، نظرنا دليلهم، ورجحنا.
وإن كانت عن أهل الكتاب، لم نعبأ بها، فقد أُمرنا أن لا نصدّقهم في شيءٍ، وخاصة في هذه القصة نفسها، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} [الكهف: 22] أي: الفتية {مِنْهُمْ} أي: أهل الكتاب {أَحَدًا}.
أما ورود شيءٍ عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فلم يبلغنا، وأما عن بعض الأئمة، فنعم، ولكن لم نعلم لهم دليلًا إلا عزم الفريق الثاني على اتخاذ المسجد، وتقرر ما فيه، ومع ذلك ننظر في أدلة القول الآخر.
فننظر أولاً في الآية.
فنجد أولاً: إطلاق ضمير الجميع على الفريق الأول، أو إيهام ذلك، يدل أن له مزية استحق بها أن يُقام مُقام الجميع، وهذه المزية ليست الغلبة؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أثبتها للفريق الثاني، فلم يبق هناك ما يصلح لكونه مزية بهذه المثابة إلا العلم والدين.
ونجد ثانيًا: أن الله عزَّ وجلَّ حكى عن الفريق الأول قولهم: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}. وهذه كلمة جليلةٌ، تدل على علم قائلها ودينه.
ونجد ثالثًا: تقديم الله عزَّ وجلَّ للفريق الأول، والتقديم يُشْعِر بمزية للمقدم، وأقرب ما يتصور من المزايا: العلم والدين.
ونجد رابعًا: قوله عزَّ وجلَّ في الفريق الثاني: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى
(5/ 2/15)

أَمْرِهِمْ} فأَشْعَر أن الحامل لهم على هذا العزم هو الغَلَبة، على ما قرره علماء البيان، في باب المسند إليه في مجيئه موصولًا؛ للإيماء إلى وجه بناء الخبر (1).
وقرّره أهل الأصول (2): أن إيقاع الحكم على المشتق يؤذن بِعِلِّية ما منه الاشتقاق، وهو في الموصول أوضح.
والغالب أن الغلبة تكون سببًا للمعصية، والغالبُ في الأمم السابقة: أن الغلبةَ إنما تكون للضالين، والغالبُ في الأمم السابقة أيضًا: التكذيب بالآيات، والضلال فيها نوع من التكذيب بها.
قال الله عزَّ وجلَّ: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]. وقال تبارك وتعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102].
وعلى كل حال، فوصف هؤلاء بالغَلَبة، مع وصف مقابليهم بما تقدم، يُشْعر بأنهم ذوو جهل وغلو، واتخاذ المسجد لا ينافي الجهل والغلو، كما لا يخفى.
وننظر ثانيًا في غير هذه الآية من القرآن؛ فنجد قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. تدل أنه لا ينبغي بناء مسجد
__________
(1) انظر "التلخيص - شرح البرقوقي" (ص 60)، و"المطوّل شرح التلخيص" (ص 74).
(2) انظر "البحر المحيط": (5/ 201) للزركشي، و"التحبير شرح التحرير": (7/ 3349 - 3350) للمرداوي.
(5/ 2/16)

على قبر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (1)، وهذا هو القسم الثاني من التنبيه.
وننظر ثالثًا في السنة النبوية؛ فنجدها متواترة بذمّ الذين كانوا من الأمم السابقة يتخذون قبور أنبيائهم وصُلَحائهم مساجد ولَعْنهم، واشتداد غضب الله عليهم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وقد جاء النصّ على النصارى بشيءٍ من الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله (2)، ولا سيما وأكثر المفسرين على أن القوم الذين أعثروا على أهل الكهف كانوا نصارى، فتبين الصبح لذي عينين.
ونقطع أن الفريق الأول هم أهل العلم والدين، وأنهم محمودون بما ذهبوا إليه من الأمر ببناء جدار على باب الكهف، يستر جثث أولئك الفتية.
وأن الفريق الثاني بخلاف ذلك كله، في مخالفتهم للفريق الأول، وعزمهم على بناء مسجد على باب الكهف، يكون أحد جدرانه ساترًا للكهف، كما يدل عليه معنى الآية، على ما قدمناه من التفصيل.
وهذا هو القسم الثالث من التنبيه.
وعلى فرض عدم التنبيه، فهي واقعةُ عينٍ لا عمومَ لها، وعلى فرض قيام دليل على العموم، ففي حق تلك الأمة فقط، بناء على أننا غير متعبَّدين بشرع من قبلنا.
وعلى تسليم أننا مُتعبَّدون بشرع من قبلنا، فذلك إذا لم يوجد في شرعنا ما يخالفه، وقد وُجِد كما مرَّ مفصَّلًا.
__________
(1) (ص 21).
(2) لم يأتِ شيء في هذه النسخة، وانظر الأخرى (ص 24، 132).
(5/ 2/17)

فإن قيل: إن الدليل هنا على كونه شرعًا لِمَن قبلنا في الكتاب، والدليل المخالف له في السنة، فيكون نسخًا للكتاب بالسنة.
أجيب: أن في جواز نسخ الكتاب بالسنة خلافًا, ولكن لا حاجة بنا لذكره، وبيان الراجح، فإن ما نحن فيه ليس من نسخ الكتاب بالسنة في شيء، وإنما هو من نَسْخ شرع من قبلنا بشرعنا، والمنسوخ في الحقيقة هو خطاب من الله عزَّ وجلَّ لنبي تلك الأمة.
فأما الآية التي في كتابنا، فأقصى ما يُدَّعى فيها: أنها في قوة خبر، بأن ذلك الفعل كان جائزًا في شرع تلك الأمة، وهذا - على فرض صحة الدعوى - خبرٌ صادق لا يتصور نسخه أصلًا، وهذا بيِّنٌ، فلا نطيل بزيادة إيضاحه، وذكر أمثلته.
[ص 10] بقي أن يكون المراد بالجواز المدَّعى دلالة الآية عليه، الجواز في شرعنا مباشرة، وهذا لا وجه له. وعلى فرض أن له شِبْه دلالة، فأقصى ما يُدَّعَى فيها أنها دلالة ظاهرة.
فيجاب: بأن السنة بينت عدم اعتبارها, ولا حاجة لزيادة الفروض والتسليمات، فالأمر أوضح من ذلك.
سادسًا: قوله: "بل إذا لاحظنا أن القَصَص الوارد في القرآن لم يرد لمجرَّد حكاية وقائع تاريخية، وإنما هو للاعتبار ... " إلخ.
قد يقال: إن قصة أصحاب الكهف نزلت - كما في أسباب النزول (1) - لما سألت قريشٌ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم عنهم بإيعاز اليهود إليهم،
__________
(1) انظر "الدر المنثور": (4/ 380).
(5/ 2/18)

فكانت الحكمة في إنزالها أن تكون معجزةً له صلَّى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن حالهم، ولا يعلمه أحدٌ إلا أن بعض أهل الكتاب يعلم بعضَه، وهذه الحكمة كافية.
ولما كانت المعجزة لا تتم إلا بحكاية القصة على وجهها، دخل فيها التآمر بالبناء، والعزم على اتخاذ المسجد، فلا يلزم أن يكون لهما حِكْمة خاصة.
على أن الحق الحقيق هو أن نقول: إن لها حكمة خاصةً غير ما ذكرتموه، وهي [أن] في التآمر بالبناء تنبيه الأمة إلى سدِّ القبور، وأن لا تترك فيها فُرْجة، وأن أهل العلم والدين ممن قبلنا كانوا يكتفون بذلك، وينازعون من أراد غير ذلك، كبناء مسجد.
وفي اتخاذ المسجد بيان مخالفة العامة لأولي العلم والدين، وضلالهم من حيث إنهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا، وتحذيرنا من مثل ذلك.
وصحَّ تصديق الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم فيما كان يقوله لأصحابه: [ص 7] "إن من كان قبلهم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصُلَحائهم مساجد" (1)، إلى غير ذلك من المناسبات.
سابعًا: قوله: "فأرشدنا عزَّ وجلَّ بهذه الآية إلى ما ينبغي أن نعمله إذا مات فينا رجل صالح، أي: أننا على الأقل نبني على قبره بنيانًا، والأكمل أن نتخذ عليه مسجدًا".
الجواب: أن الحق عكس ذلك، كما علمتَ مما قدمناه، دلت عليه الآيةُ
__________
(1) أخرجه مسلم (532) من حديث جندب البجلي رضي الله عنه.
(5/ 2/19)

نفسُها، وغيرها من القرآن والسنة المتواترة.
ولو كان ما زعمتَه مراد الله عزَّ وجلَّ، لكان فَهِمَه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وعَمِل به في حياته في حق أصحابه الذين توفوا في حياته، كعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وعمه حمزة، ومن معه من الشهداء، وأولاده صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وعدم فعله صلَّى الله عليه وآله وسلم ذلك كافٍ في إبطال هذا الزعم، فكيف والواقع أنه ثبت عنه النهي عن البناء على القبور، والأمر بتسويتها مطلقًا، وتواتر عنه لعن من اتخذ القبور مساجد، وفي بعض الروايات الصحيحة التصريح بأن المراد باتخاذها مساجد بناء المساجد مشتملة عليها، وسيأتي بيان الأدلة التي تدل على أن مثل ذلك بناء المساجد عند القبور وإن لم تكن مشتملةً عليها، وكذا بناؤها لأجلها وإن كانت بعيدة عنها. وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله (1).
ثم جاء مِن بعده أصحابه، فلزموا طريقته، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه بعث صاحب شرطته لتسوية كلّ قبرٍ مشرفٍ مطلقًا (2)، واستمرَّ الحالُ على ذلك في القرون الأولى المشهود لها بالخير، حتى جاء بعض المتشيّعين بعد الألف، يزعم أن الآية تدل على خلاف ذلك كله، سبحانك هذا بهتان عظيم!!
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
__________
(1) (ص).
(2) سبق تخريجه موسَّعًا في المبيضة (ص 50 وما بعدها)، ورواية "صاحب الشرطة" في (ص 66) منها.
(5/ 2/20)

وتقرير الاستدلال بالآية: أن لفظ "المساجد" عام يتناول كل مسجد، والجملة مفيدة للاختصاص، كما في {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 1]، بل الأمر ههنا أظهر، والحصر ههنا حصر إفراد، لقوله: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} أي: أن المساجد كلها لله وحده لا شريك له، خالصةً من كل شرك.
فتبين أن من خواصِّ المسجد أن يكون خالصًا لله، فمن بني بناءً، وزعم أنه قصد به أن يكون مسجدًا، فإن كانت نيته في بنائه خالصة لله وحده لا شريك له، كان البناء مسجدًا. وإن لم يكن كذلك، كأنْ قَصَد أن يكون على قبر فلان الصالح، [ص 11] أو بالقرب منه، فهذا لم يُبْنَ خالصًا لله وحده لا شريك له، وبهذا فُقِدَت منه تلك الخاصَّة المعتبرة في المساجد.
ومما يُؤيَّد به هذا الاستدلال حديث مسلم (1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِل عملاً أشركَ فيه معيَ غيري، تركتُه وشرْكَه".
وفي رواية: "فأنا منه بريء، وهو للذي عَمِلَه" (2).
والذين يبنون المساجد على القبور لا يحملهم على بنائها إلاَّ وجود القبور، حتى لو لم يكن هناك قبورٌ لما بنوا.
ويجاب عن هذا: بأن غاية ما فيه أن يكون وجود القبر سببًا حاملًا على بناء المسجد، وهذا كما يمرّ إنسان على قرية آهلةٍ، ليس لها مسجد، فيحمله ذلك على أن يبني فيها مسجدًا، وبأن قَصْد أن يكون المسجد على قبر فلان
__________
(1) رقم (2985).
(2) هذا لفظ ابن ماجه رقم (4202)، وابن خزيمة في الصحيح رقم (893) وغيرهما.
(5/ 2/21)

الصالح، أو بقربه قَصْد شرعي أيضًا، ومثل هذا لا يضر كما كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يصلي بالناس أداءً للفريضة، وليعلم الناس.
ويردّ هذا بوضوح الفرق في كلا الوجهين، فالذي مرَّ على القرية الآهلة وليس لها مسجد، فحمله ذلك على بناء مسجد فيها، إنما استجاب لسبب شرعي، وهو أن الشرع إنما يدعو إلى بناء المساجد عند الحاجة إليها، فلو كان لقرية [ص 12] مسجد يكفي أهلها, لم يستحبّ بناء مسجد آخر فيها، بل يكره أو يحرم؛ لكونه يكون سببًا للتفريق، وضياعًا للمال الذي يستدعيه البناء في غير محله، وتحجُّرًا لتلك البقعة عن أن ينتفع بها المسلمون في غير فائدة.
فالحاصل: أن هذا الرجل لما مرَّ على القرية المذكورة سمع نداء الشرع يقول له: إن الله عزَّ وجلَّ يدعوك إلى بناء مسجد في هذه القرية، يُصلَّى له فيه، ويُذْكَر فيه اسمه.
وأما باني المسجد على القبر، فلم يستجب لسبب شرعي؛ لأن الشرع لا يدعو إلى بناء المساجد على القبور، بل حرَّم ذلك، واشتدَّ غضب الله ولعنته على فاعله، نعم، إنما استجابَ لداعٍ شيطاني، يقول له: إن الشيطان يدعوك إلى بناء باسم مسجد على هذا القبر، ليكون ذلك معصيةً لله ورسوله، ويشتد غضب الله ولعنته على بانيه، ومن أعانه، أو رضي بفعله، أو لم ينهه بقدر طاقته، ويتطاير شرر ذلك إلى من صلَّى فيه، ويتشعَّب ذلك إلى شعب أخرى، هي ملحظ الشارع في النهي عن بناء المساجد على القبور.
ومما يكشف عُوار هؤلاء: أن أحدهم يعرف عدة قرى آهِلَة، ليس فيها مساجد، فلا يستجيب داعي الشرع لبناء مسجد فيها، ثم يعمد إلى قبرٍ بقفرة،
(5/ 2/22)

أو بمدينة كثيرة المساجد، فيبني عليه.
وأما صلاة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أداءً للفريضة مع قَصْد تعليم الناس، فقصد التعليم قصدٌ شرعي شريف، وأين منه قصد الانغماس في غضب الله ولعنته؟!
***
(5/ 2/23)

[ص 24] الحمد لله

تحديد محلّ النزاع
مما لا نزاع فيه أن المقصود من دَفْن جثث الموتى، إنما هو مواراتها، قال الله عزَّ وجلَّ في قصة ابني آدم: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ...} الآية [المائدة: 31].
وعليه، فالأصل أن يُقْتَصر على القدر الكافي للمواراة.
وهل يجوز أن يتعدّى ذلك؟
لا خلاف أن القبر إذا كان بمقبرة مُسَبَّلة لم يجز أن يتعدّى به القدر الكافي, لأن التعدي تصرُّفٌ في غير حق، سواءً أكان التعدي بالإفراط في توسعة القبر، أم بالبناء عليه، أم بإحكام رَدْمه حتى يشقّ حَفرُه.
أما الإفراط في التوسعة والبناء على القبر، فواضحٌ؛ لأنه لا حقَّ إلا في القدر الكافي.
وأما إحكام الرَّدْم حتى يشقّ الحفر؛ فلأنه لا حقَّ للجثة في تلك البقعة، إلا ما دامت محتاجةً للمواراة، فإذا صارت ترابًا زال الحق [ص 25] لزوال المقتضي، وإذا صارت عظامًا لم يكن الحق إلا في القدر الكافي لتلك العظام.
إذا فهمتَ هذا، فلا شك أن لأولياء الموتى الحق في حفر القبور في أي موضعٍ كان من المقبرة المُسَبَّلة ما دام غير مشغول بحق آخر، فلهم الحق بالحفر في موضع القبر الذي يُظَن أن الجثة التي فيه قد أَرِمت، فإذا كان
(5/ 2/24)

محكمًا، فإن الحفر يشق عليه جدًّا، حتى ربما تركوا تلك البقعة لذلك.
فظهر أن الشخص الذي أحكم البناء قد تصرَّف في غير حقه تصرفًا يضر غيره من المستحقين في وقت استحقاقهم، وهذا حرامٌ لا شكّ فيه.

المقبرة المُسَبَّلة:
أما المقبرة المُسَبَّلة؛ فهي بقعة غير مملوكة، خُصّصت للدفن، بحيث لا يجوز أن تُبنى فيها دار للسكنى، أو حمام، أو مصنع، أو نحو ذلك.
فدخل ما عُلِم أنه كان مملوكًا، وأن المالك سبَّله للدفن، وما عُلِم أنه كان مَواتًا حتى يشرع في الدفن فيه، وكذا ما لم يُعلم حاله قبل تخصيصه للدفن؛ لأن الأصل عدم الملك، فالظاهر أنه كان مَواتًا حتى خُصِّص للدفن.
أمّا ما عُلِم أنه كان ملك شخص، ولم يعلم أنَّه سبَّله، ففيه نظر. وليس من موضوعنا؛ لأنه إن لم يُحْكَم بالتسبيل حُكِم ببقاء المِلك، فيمنع الدفن، ويكون للورثة الاستيلاء على البقعة وحرثها، أو البناء فيها للسكنى، أو غير ذلك، بعد بِلى من دُفِن فيها سابقًا، إلى غير ذلك مما لا يهمنا.

[ص 27] الدفن في المَوات:

الدفن في المَوات في حكم الدفن في المسبَّلة؛ لأن مجرد حفر القبر والدفن فيه ليس إحياءً مُملِّكًا، وإنما يفيد الأحقية ما دامت الجثة باقية.
كل هذا مما يغنينا اتفاقُ العلماء عليه عن ذكر حُجَجِه، مع أن الآية التي صدَّرنا بها البحث دالة عليه، كما لا يخفى على العارف.
وعلى كل قادر النهي عن الإفراط في التوسعة، والإحكام، والبناء في
(5/ 2/25)

المُسبَّلة، وإزالة ذلك، ولو قبل البلى، وقبل الاحتياج إلى تلك البقعة؛ لأن الفعل الحرام يجب إزالته في كل حال.
فأما بعد البلى، فإن بقعة القبر نفسها تستعمل.

[ص 28 ب] تنبيه:
ليس من البناء المحرَّم أن يموت ميت في غار، ويتعذَّر إخراجه منه، فيُسَدّ باب الغار، ومِنْ هذا ما حكاه الله عزَّ وجلَّ في قصة أصحاب الكهف من قول القوم: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا}، فإن الفتية لما رجعوا إلى الكهف بعد بروزهم إلى القوم الذي يقتضيه إظهار الآية، عادوا إلى مضجعهم، وعاد الرعب الذي ذكره عزَّ وجلَّ بقوله: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18]، وانتظرهم القوم خارج الكهف حتى يئسوا، كما يدل عليه قولهم: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}، أي: أماتوا، أم عادوا إلى نومهم.
وليس المراد {أَعْلَمُ بِهِمْ} مِمَّن هم؟ وكم لهم؟ لأن الآية التي أعثر الله عليهم لأجلها لا تتم إلا بأن يخبروا القوم بأنهم كانوا في عهد كذا، وجرى لهم كذا، وسيأتي بَسْط الكلام على هذه الآية في فصل "اتخاذ المساجد على القبور" إن شاء الله (1).
__________
(1) تقدم الكلام على قصة أصحاب الكهف بالتفصيل عند استدلال المخالف بالآية على جواز البناء على القبور انظر (ص 5 - 22). ولعل المؤلف أراد تأخير هذا البحث إلى الموضع الذي ذكره أعلاه وهذا ما وضعه في النسخة الأخرى انظر (ص 131 - 138).
(5/ 2/26)

الوصية بالدفن في المِلك:
قرر العلماء أن الشخص إذا أوصى أن يُدفن في ملكه، لم تنفَّذ وصيته، بل يدفن في مقبرة المسلمين، فإن أراد الورثة أن يدفنوه حيث أوصى كان دفنًا في ملك الدافن، وسيأتي حكمه.
وإذا أوصى مع ذلك أن يُفْرَط في توسعة قبره، وإحكامه، والبناء عليه، وأراد الورثة الدفنَ المعتاد فقط، لم يلزمهم غيره، فإن فعلوا، فهو في ملكهم، وسيأتي حكمه.

[ص 28] الدفن في مِلك الدافن:
السُّنَّة المطَّرِدة في عصره صلَّى الله عليه وآله وسلم الدفن في مقبرة المسلمين، أما دفنه صلَّى الله عليه وآله وسلم في بيت زوجِه فله سببٌ خاصٌّ، سيأتي إن شاء الله بيانه، وبيان سبب دفن صاحِبَيه معه في فصلٍ مفرد (1).

ثم إن الدفن في ملك الدافن لا يقتضي التخليد، فله بيع البقعة التي فيها القبر، وتدخل بقعة القبر في البيع، كما أنه إذا مات وُرِثت عنه، وإذا وقفها مقبرةً أو غيرها، دخلت بقعة القبر في الوقف، ولكن لا يجوز استعمال بقعة القبر إلا بعد البِلى، فإذا كان البِلى، جاز استعمالها بزرع وبناء للسُّكْنى وغيره.
[ص 29] محلُّ النزاع:
بقي رفع القبر في غير الملك، بدون إحكام ولا بناء، وإنما هو بزيادة حصى ورمل وتراب يُرْكَم عليه حتى يرتفع.
__________
(1) لم يتمكن المؤلف من عقد هذا الفصل في هذه النسخة.
(5/ 2/27)

وبقي الرفع، والتوسعة، والإحكام، والبناء فيما إذا كان في ملك الفاعل، وهذا هو الذي يصلح أن يكون محلًا للنزاع.

الرفع في غير المِلك
لا شك أن الرفع زائدٌ على القدر الكافي للمواراة التي هي المقتضي للدفن، كما دلت عليه الآية، وفيه أيضًا ضرر على المستحقين إذا أرادوا حفر القبر بعد البِلى، وإن كان خفيفًا، فهذا يقتضي المنع، فالدليل على من يدعي الجواز.

[ص 30] بِيَد المجيزين متمسَّكات:
منها: ما علقه البخاري في "صحيحه" (1) في باب: الجريد على القبر، قال: "وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبَّان في زمن عثمان رضي الله عنه، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".
وهذا وإن كان معلقًا إلا أن البخاري ذكره بصيغة الجزم، وذلك حكمٌ بصحته (2)، كما هو مقررٌ في موضعه.
ومنها: ما رواه الشافعي عن [إبراهيم بن محمَّد] (3) عن جعفر بن محمَّد عن أبيه: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا (4).
__________
(1) (2/ 95 - الأميرية).
(2) يعني إلى من علقه عنه. وانظر "هدى الساري" (ص 19 - 22).
(3) ما بين المعكوفين تركه المؤلف بياضًا.
(4) أخرجه الشافعي في "المسند" رقم (601)، و"الأم": (1/ 628 - 629).
(5/ 2/28)

وأنه رشَّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء (1).
وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وأكثر الأئمة يحتجون بالمرسل.
والشاهد في وضع الحصباء، ولا شك أن وضعها على القبر يؤثّر في رفعه.
[ص 31] ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2) قال: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: رأيتُ قبور شهداء أحد جُثًى مُسنَّمة.
وهذا الحديث صحيح، ذكره في "الجوهر النقي" (3).
__________
(1) أخرجه الشافعي في "المسند" رقم (599). من الطريق نفسها.
وتكلم المصنف عن إسناد الأثر في النسخة الأخرى (ص 23) قال: "إبراهيم بن محمَّد: أجمع الأئمة على تضعيفه، إلا ابن الأصبهاني والشافعي، قال الشافعي: كان لأن يخر من السماء - أو قال: من بُعد - أحبّ إليه من أن يكذب.
وصرح جماعة من الأئمة بأنه يكذب، وقال الإِمام أحمد: يضع.
وقال ابن عدي: قد نظرت أنا الكثير من حديثه، فلم أجد له حديثًا منكرًا، إلا عن شيوخ يحتملون، وقد حدث عنه الثوري وابن جريج والكبار.
وعلى كل حال، فالرجل ضعيف، ومع هذا فالحديث مرسل، وفي الاحتجاج بالمرسل خلافٌ، لا حاجة لذكره" اه.
قلت: وللحديث الأول شاهد عند ابن ماجه (1565) من حديث أبي هريرة، وضعفه أبو حاتم الرازي. وللثاني شاهد عند أبي داود في "المراسيل" (424)، وآخر رواه البيهقي (3/ 411) عن جعفر بن محمَّد عن أبيه في الرش على القبر.
(2) (3/ 215). وأبو داود في المراسيل" (423)، وعبد الرزاق: (3/ 505) من طريق الثوري أخبرني بعض أصحابنا عن الشعبي بمثله.
(3) (4/ 4 - بهامش سنن البيهقي).
(5/ 2/29)

ومنها: الإجماع من المسلمين على رفع القبور في المقابر المسبَّلة، واختلافهم في قدره وكيفيته لا يقدح في الإجماع، ما داموا مجتمعين على أصل الرفع.
ومنها: أن للقبور أحكامًا؛ من النهي عن القعود عليها، والصلاة إليها، وغير ذلك، وهذا يقتضي رفعها؛ لتتميز عن الأرض، فتُعْرف.

[ص 32] والجواب:
• أما أثر خارجة؛ فقال في "فتح الباري" (1): "إن البخاري وصله في "تاريخه الصغير".
وقد نظرنا "التاريخ الصغير"، فوجدناه قال (ص 23) (2) طبعة إله آباد: "حدثنا عَمرو بن محمَّد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شُبَّان زمن عثمان، وإن أشدّنا وَثْبة الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه" اه.

والكلام عليه من وجوه:
أولاً: من حيث إسناده.
فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان الحق أنه صدوق، وصرَّح بالتحديث، فالتحقيق ما قاله الذهبي في "الميزان" (3) في فَذْلَكة (4) ترجمة ابن إسحاق
__________
(1) (3/ 265).
(2) "التاريخ الأوسط" رقم (126 - ط الرشد).
(3) (4/ 395).
(4) أي في نهايتها.
(5/ 2/30)

قال: "فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتجَّ به أئمة، فالله أعلم".
وهذه القصة قد انفرد بها، ففيها نكارة.
ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، لم أطَّلع له على ترجمة (1).

[ص 33] ثانيًا: إذا سلم إسناده، فإن في "تهذيب التهذيب" (2) في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمرو بن علي: مات سنة (99)، وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة.
فظاهر هذا أن الأكثر على أن موته كان سنة مائة، والجمع أولى، بأنه مات أواخر سنة (99).
وفي "تاريخ ابن عساكر" (3) أنه توفي وعمره سبعون سنة، وذكر لذلك قصة: أن خارجة قال: رأيتُ كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت (4)، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. قال: فمات فيها.
__________
(1) ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير": (8/ 284)، وابن حبان في "الثقات": (7/ 603).
(2) (3/ 95).
(3) (15/ 396).
(4) غير محررة في الأصل، وسبقت بنحو هذا الرسم في "المبيَّضة" (ص 49)، وهي هكذا في التاريخ وبعض المصادر، وفي بعضها الآخر: "تدهورت".
(5/ 2/31)

ونقل مثله ابن خلكان (1) عن "طبقات ابن سعد" (2). فإذا نقصنا سنين عمره من سنين الهجرة لموته، بقي تسع وعشرون، فيكون مولده آخر سنة تسعٍ وعشرين.
وعثمان قُتِل سابع ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فيكون سن خارجة يوم قُتِل عثمان ست سنين تقريبًا، فكيف يكون شابًّا في زمن عثمان؟
وقد راجعتُ "طبقات ابن سعد" - طبع أوربا - فرأيته روى هذه القصة عن الواقدي.

ثالثًا: إذا سَلِم إسناده، ولم نعتبر هذه علةً قادحة فيه، فإنه ينبغي الجمع بأن يُتأوَّل [ص 34] الأثر، بأنَّ قوله: "شبان" مجاز، أراد: أننا غِلْمان أقوياء أصحَّاء، كأننا شبان.
ويؤيد هذا كلمة "غلمان" الثابتة في "التاريخ"، وإن حُذِفت في التعليق.
ويؤيده أيضًا: أنهم لو كانوا أبناء تسع سنين أو نحوها, لما ذهبوا يتواثبون على قبر رجل من أفضل السابقين، ولا سيما وبجواره قبر ابن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهذا ممنوعٌ في الشرع اتفافًا؛ لأن من رُوي عنه إباحة الجلوس على القبر، لا يبيح التوثُّب عليه.
وقوله: "وإن أشدنا وثبة ... " إلخ، يدل أن أكثرهم كان يقصّر فيقع على القبر، والذي يجاوزه يقع على القبور المجاورة، وأبناء الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يبلغون التمييز إلا وهم عارفون لآداب الدين، ملتزمون لها،
__________
(1) في "الوفيات": (2/ 223).
(2) (7/ 258 - ط دار الخانجي).
(5/ 2/32)

ولا سيّما مثل خارجة بن زيد.
وعلى هذا، فلا دلالة في الأثر؛ لأن الغلام الذي عمره ست سنين - وإن كان قويًّا - يشق عليه أن يَثبَ أكثر من ذراعين ونصف على وجه الأرض، وهذا هو عرض القبر عادة تقريبًا.
ويشبه أن يكون قبر عثمان بن مظعون أعرض قليلاً من القبور المعتادة، ويكون خارجة أراد بذلك القول، الإخبار عن عرض القبر؛ ليخبرهم أن السنة توسعة القبر.
[ص 35] رابعًا: إذا سَلِمَ إسنادُ الأثر، وقُدِحَ في العلة، وحُمِل على ظاهر قوله: "شبان"، ولم نُبالِ بما يلزم عليه من أن الشُّبان من أبناء أفاضل الصحابة كانوا من التفريط في الآداب الشرعية بحيث يذهبون يتوثَّبون على قبر صحابي من أفاضل السابقين، وقبور من جاوره من أبناء رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، إذا كان هذا كله، فليس في الأثر أنهم كانوا يَثِبون القبرَ عرضًا أو طولاً، فكلا الأمرين محتمل.
وعليه، فيقال: لعلَّ قبر عثمان بن مظعون كان أطول قليلاً من القبور المعتادة، ويكون مراد خارجة الإخبار بذلك ليبين أن السنة توسعة القبور.
فإذا فُرِض أن طول القبر نحو خمسة أذرع، فإن هذا القدر كافٍ لأن يشقَّ على الشاب أن يثبه على وجه الأرض.
فإن قيل: إن البخاري فهم من هذا الأثر الرفع، ولذلك أورده في "باب الجريد على القبر" (1).
__________
(1) (2/ 95 - الميرية).
(5/ 2/33)

وقال الحافظ في "الفتح" (1): "وفيه جواز تعلية القبر، ورفعه عن وجه الأرض".
فالجواب: أن لفظ الأثر موجودٌ محفوظٌ، ففَهْم البخاري والحافظ ليس بمجرَّده حجة، كما لا يخفى، على أنهما قد يريدان الرفع اليسير، نحو أربع أصابع إلى شبر، وهذا فيه بحثٌ، سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 36] خامسًا: على فرض تسليم أن قبر عثمان بن مظعون كان مرفوعًا، فلا يُدْرَى مَن رَفَعه، إذ قد ثبت أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان ينهى عن رفع القبور، والزيادة عليها من غير حُفْرتها.
فكيف يصح أن يقال: إنه صلَّى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك؟!
بل ورد في نفس قبر عثمان بن مظعون ما ينافي الرفع، ولو قليلاً، وهو كونه صلَّى الله عليه وآله وسلم وضع عليه حَجَرًا، وقال: "أُعَلَّمُ بها قبرَ أخي، وأدفِنُ إليه من مات من أهلي" (2).
وهذا يدل أنه كان مساويًا للأرض، إذ لو كان مرتفعًا ولو قليلاً لما احتاج إلى العلامة؛ لأنه أول قبر وُضِع هناك، فمجرَّد ارتفاعه كافٍ في التعليم، فدل
__________
(1) (3/ 265).
(2) أخرجه أبو داود رقم (3206) ومن طريقه البيهقي: (3/ 412) ولفظهما: "أتَعَلَّم". من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب وليس صحابيًّا. قال الحافظ في "التلخيص": (2/ 141): "وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب، وهو صدوق. وقد بيّن المطلب أن مخبرًا أخبره ولم يسمّه, ولا يضر إبهام الصحابي ... ".
(5/ 2/34)

أنه كان مساويًا للأرض، فخشي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يخفى موضعه بجفاف التراب، وهبوب الرياح والمطر، فعلَّمه بذلك الحجر.
وعليه، فيُحْتَمل أن بعض متأخِّري الإِسلام من أقارب عثمان بن مظعون رفع القبر في أواخر مدة عثمان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم مشغولون بالفتنة، ثم سُوِّي بعد ذلك، كما يدلُّ عليه الأثر نفسه، إذ لو كان القبر باقيًا على حاله لما احتاج خارجة إلى هذا القول، بل كان يقول: ها هو القبر موجودٌ على حاله، وهكذا كان في زمن عثمان.
[ص 37] سادسًا: لنفرض أن القبر رُفِع، وأنه رفعه بعضُ الصحابة, فليس فعل الصحابي حجة، ولم يكن القبر ظاهرًا لجميع الناس حتى يُدَّعى الإجماع.
سابعًا: لنفرض أنه كان ظاهرًا، فإن الصحابة رضي الله عنهم في مدة عثمان وبعده كانوا متفرقين في البلاد مشغولين بالفتن.
ثامنًا: لنفرض أنهم كانوا مجتمعين، فقد صحَّ عن كثير منهم رواية النهي عن ذلك، وصحَّ عنهم العمل بموجبه، كما سيأتي بسطه إن شاء الله تعالى، وهذا كافٍ في نفي الإجماع.
[ص 38] تاسعًا: هب أنه لم يرد ما يكذِّب الإجماع، فإنَّ في حُجِّية الإجماع خلافًا مشهورًا.
عاشرًا: على تسليم أنه حجة، فيشترط أن يُعْلَم، ولا سبيل إلى العلم به، كما هو مقرر في الأصول.
(5/ 2/35)

حادي عشر: على فرض تسليم أنه لا يُشْتَرط العلم به، بل يُكْتَفى بأنه لم يُنْقَل ما يخالفه، فإنما يكون حجة إذا لم يَرِد في كتاب الله عزَّ وجلَّ، أو سنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم ما يخالفه، وهذا هو الثابت عن عمر وعبد الله وغيرهما، وعن الإِمام أحمد والشافعي، وغيرهما.
وذلك أن احتمال وجود مخالف لقول من قبلنا لم يُنْقل قوله، أقوى من احتمال كون النص على خلاف ظاهره، فضلاً عن كون احتمال الحديث الثابت بالإسناد كذبًا، فضلاً عن احتمال النسخ.
• [ص 39] وأما مرسل محمَّد بن علي؛ فلا يخفى ما في حُجّية المرسل من النزاع، وأن التحقيق عدم حُجِّيته.
وعلى فرض صحته؛ فيُحْمل على وضع كفًّ أو كفين من الحصباء، لتكون علامة على القبر، أو غير ذلك مما لا يؤثر في رفعه الذي ثبت النهي عنه، جمعًا بين الأدلة.
لكن يُشْكل على ذلك ثبوت النهي عن الزيادة، والكف من الحصباء زيادة، إلا أنه يمكن تخصيص عموم النهي عن الزيادة بهذا الحديث، هذا على فرض حُجِّيته.
• وأما ما رواه ابن أبي شيبة؛ ففي سنده عنعنة سفيان، وهو يدلَّس.
نعم، في "فتح المغيث" (1) (ص 77) في الكلام على المعنعنات في "الصحيحين" قال: "أو لوقوعها من جهة بعض النقَّاد المحققين سماع المعنعن لها ... والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه ... الخ".
__________
(1) (1/ 218 - 219 - الجامعة السلفية).
(5/ 2/36)

لكن ليس فيه أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك، ومجرَّد احتمال ذلك يرده، فلعله أحدثه بعضُ التابعين الذين لم يطلعوا على النهي.
وعلى كل حال، فليس في فعلهم حجة.
• [ص 40] وأما الإجماع؛ ففي زمان الصحابة ثبت عن علي وفَضَالة ما يخالفه، وهناك آثار عن عمر وعثمان تخالف ذلك أيضًا.
وفي زمن التابعين يبعد أن يروي الأئمة هذه الأحاديث بدون بيان ما يخالفها، ومع ذلك يخالفونها.
وفي "كنز العمال" (1): عن عثمان: أنه كان يأمر بتسوية القبور. ابن جرير.
وفي "شرح الموطأ" (2) للباجي ما لفظه: "قال ابن حبيب: وروى جابر أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن تُرْفع القبور، أو يُبْنى عليها، وأمر بهدمها، وتسويتها بالأرض. وفَعَلَه - يعني الهدم والتسوية - عمر بن الخطاب. قال: وينبغي أن تسوى تسوية تسنيم ... إلخ.
ومع هذا فمن الواضح أن الإجماع الحقيقي لا يمكن العلم به، وإنما غاية ما يمكن أن نجد قولًا لمن قبلنا لا نعلم له مخالفًا، فيكون هذا حجةً إذا لم نجد في الكتاب أو في السنة ما يخالفه، فأما إذا وُجد في الكتاب والسنة
__________
(1) رقم (42927). وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف": (3/ 504)، وابن أبي شيبة في "المصنف": (3/ 222).
(2) (2/ 494).
(5/ 2/37)

ما يخالفه، فإنّ ذلك دليل على عدم الإجماع، وأن هناك مخالفًا لم يبلغنا قوله.
وقد تقدم أن احتمال وجود مخالف لم يبلغنا قوله أقرب من احتمال كون النص على خلاف ظاهره. فضلاً عن كون الحديث الثابت إسناده كذبًا، فضلاً عن احتمال النسخ. وتقدم أن قولنا هذا هو قول أئمة الهدى، والله أعلم.
وأما قوله: "إن للقبور أحكامًا ... " إلخ.
فقد يقال: يكفي في التمييز وضع علامة، ككفّ من حصى مغاير لونه لحصى تلك البقعة، أو وضع حجر، هذا إن صحَّ العملُ بحديثي وضع الحصى ووضع الحجر المارَّين.
وقد يقال: إنه لا بأس بالارتفاع اليسير الذي ينشأ من إعادة تراب الحفرة إليها، فإنه يزيد عن مثلها بسبب وضع الجثة، وما سترت به، وغير ذلك، فينشأ من إعادته كله (1) إليها ارتفاع يسيرٌ.
ولكن هناك أحاديث تنافي هذا، فلْنَعْقد فصلاً للبحث فيها.
__________
(1) الأصل: "كلها" والصواب ما أثبت.
(5/ 2/38)

[ص 41] فصل في تسوية القبور
حدَّث ثُمامة بن شُفَي قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فَضالةُ بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها.
رواه عن ثمامة عَمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، وابن إسحاق.
فأما عَمرو بن الحارث؛ فرواه عنه ابنُ وهب.
وعن ابن وهب: أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السَّرْح، وهارون بن سعيد الأيلي، وسليمان بن داود (1).
فعن ابن السرح: مسلم في "صحيحه" (2)، وأبو داود في "سننه" (3)، ومن طريقه رواه البيهقي في "سننه" (4).
وعن الأيلي: مسلم في "صحيحه" (5) أيضًا، ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي عند البيهقي (6).
__________
(1) ويونس بن عبد الأعلى عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (3267)، وعبد العزيز بن مقلاص المصري عند الطبراني في "الكبير": (18/ رقم 811).
(2) رقم (968).
(3) رقم (3219).
(4) (4/ 2).
(5) الموضع السالف.
(6) الموضع السالف.
(5/ 2/39)

وعن سليمان: النسائي في "سننه" (1).
والروايات كلها مسلسلة بالتحديث والإخبار، والألفاظ متقاربة، وجميعها مشتركة في قوله: "فأمر فضالةُ بقبره فَسُوَّي ... " إلخ، كما تقدم.
[ص 42] وأما ابن إسحاق؛ فرواه عنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عُبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأحمد بن خالد الوهبي (2).
فعن الأولين: الإِمام أحمد في "مسنده" (3) (جزء 6/ ص 18)، إلا أنه قال في رواية محمَّد بن عُبيد: "ثنا محمَّد (بن يحيى) بن إسحاق" وإنما هو محمَّد بن إسحاق، وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق.
وأما في رواية إبراهيم، فقال الإِمام (4): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ثُمامة ... إلخ، فصرَّح ابنُ إسحاق بالتحديث.
وعن الثالث: أبو زرعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عَمرو بن صفوان النصري، وعنه أبو العباس الأصم، وعن الأصم الحاكم وغيره، كما في "سنن البيهقي" (5). وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق.
__________
(1) رقم (2030).
(2) وعبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن أبي شيبة: (3/ 222)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (3268).
(3) رقم (23934).
(4) رقم (23936).
(5) (3/ 411).
(5/ 2/40)

ولفظ رواية محمَّد بن عبيد: " ... فأصيب ابنُ عمٍّ لنا، فصلى عليه فَضالة، وقام على حُفْرته حتى واراه، فلما سوَّينا على حفرته قال: أخِفُّوا عنه، فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور".
وفي رواية إبراهيم: " ... فقال فضالة: خَفِّفوا، فأني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسوية القبور".
وفي رواية أحمد بن خالد عند البيهقي: " ... فتوفي ابنُ عمّ لنا يقال له: نافع بن عبد، قال: فقام فضالة في حفرته، فلما دفناه قال: خَفِّفوا عليه التراب، فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور".
[ص 44] وهذا الحديث صحيحٌ، نظيفٌ لا غبار عليه، ووجود ابن إسحاق في إحدى الطريقين لا يقدح، مع أنه إنما يُخْشى من التدليس والانفراد، كما مر، وفي هذا الحديث صرح بالتحديث، وتوبع.
وأما قوله في رواية: "أخِفّوا عنه"، وفي أخرى: "خَفِّفوا"، وفي ثالثة: "خَفِّفوا عنه التراب"، فهذه ليست زيادة، وإنما هي في مقابل ما جاء في رواية عَمْرو: "فأمر فضالة بقبره، فسُوِّي"، فذكرها ثمامةُ لابن إسحاق مصرحًا فيها بلفظ فضالة الذي عبّر عنه في رواية عَمرو بقوله: "فأمر".
وأما اختلاف الروايات في كلمة "خَفِّفوا" فمن الرواية بالمعنى.
ومما يدل على أن ثمامة أوضح القصة لابن إسحاق، وجود اسم المتوفى في روايته، دون [ص 45] رواية عَمْرو. وأيضًا فذِكْر ابن إسحاق لاسم المتوفى واسم أبيه "نافع بن عبد" يدل على جودة حفظه للقصة، وإتقانه لها.
(5/ 2/41)

على أن انفراد ابن إسحاق ليس شديد النكارة، بدليل قول الذهبي (1): "وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا"، أراد نكارة يسيرةً، بدليل ما بعده.
والنكارة اليسيرة وإن كانت توجب التوقُّف فإنها تنجبر بقيام بعض القرائن على الحفظ، ونحو ذلك، وقد بينا ذلك في هذا الحديث، والله أعلم.
...
__________
(1) في "الميزان": (4/ 395).
(5/ 2/42)

[ص 46] معنى التسوية
المتبادر من التسوية أن يكون وجه القبر مساويًا لوجه الأرض في البقعة المحيطة به، ولكن نوزع فيه، أن هذا المعنى هو معنى تسوية القبر بالأرض، لا معنى تسوية القبر مطلقًا.
فتسوية القبر عبارةٌ عن جعله متساوي الأطراف، كما في قوله عزَّ وجلَّ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4].
وهذا لا يقتضي التسوية بالأرض، بل أن يُسوَّى القبرُ في ذاته، بأن لا يُترك فيه تسنيم، أو زيادة في بعض أطرافه، بل يُجعل مسطحًا، وهذا أعم من أن يكون مساويًا لوجه الأرض، أو يكون مرتفعًا.
[ص 47] وأجيب: بأن التسوية إذا أُطْلقت على شيءٍ كائنٍ على وجه الأرض، كالبناء والربوة، يُعنى بها تسويته بالأرض، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14].
قال الراغب (1): أي: سوَّى بلادَهم بالأرض.
ويدل عليه في هذا الحديث نفسه، أن الصحابي جعل الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف من التراب، حيث قال: "أخِفّوا عنه - أو "خَفّفوا" أو "خَفّفوا عليه التراب" - فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور".
__________
(1) في "المفردات" (ص 440).
(5/ 2/43)

وإنما يكون الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف، إذا أُرِيد بها التسوية بالأرض، فأما تسوية القبر في نفسه، فإنها تمكن مع كثرة التراب، كما تمكن مع قِلّته.
والصحابيُّ لم ينقل لفظ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بنصِّه [ص 48] حتى يسوغ لنا أن نستقلَّ بفهمه، وإن خالف فهم الصحابي، وإنما مُؤدَّى كلامه أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بتسوية القبور التسويةَ المقتضية لتخفيف التراب، أي: أن بيان كون التسوية المأمور بها هي التي تقتضي تخفيف التراب مرفوعٌ تقوم به الحجة.
وقد قال الباجي في "شرح الموطأ" (1): وقال ابن حبيب: "وتسويتها بالأرض".
ويؤيد هذا ما سيأتي (2) في حديث علي رضي الله عنه: "ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته".
فجعل التسوية إزالة الإشراف، والإشراف هو الارتفاع، أعمّ من كون القبر متساويًا في نفسه، أو غير متساوٍ، فالتسوية التي هي إزالة الإشراف، هي التسوية بالأرض، كما هو واضح.
[ص 49] أقول: أما الآية؛ فلا يتعين فيها هذا المعنى، أعني التسوية بالأرض، بل يصح أن يكون المراد تسوية بلادهم في نفسها، أي: جعلها متساوية الأجزاء، وهذا كناية عن الخراب البالغ، فإن البلاد العامرة تكون
__________
(1) (2/ 494) وقد سبق النص قريبًا.
(2) لم يأت شيء، وإنما في المبيضة.
(5/ 2/44)

متفاوتة بارتفاع الأبنية على العرصات، وارتفاع بعض الأبنية على بعض، وإنما تتساوى إذا خَرِبت الخراب البالغ.
والإنصاف أن التسوية إذا أُطلقت كان المراد بها تسوية الشيء في نفسه، ولا تُحْمل على التسوية بالأرض إلا بقرينة.
وعليه، فالظاهر حمل التسوية في الحديث على التسوية بالأرض للقرينة، وهي قوله: "أخِفُّوا عنه"، أو "خَفِّفوا"، كما تقدم.
[ص 50] وكذا يقال في حديث علي رضي الله عنه: إن جَعْل التسوية منافية للإشراف قرينة تدل أن المراد التسوية بالأرض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد مرَّ (1) عن "كنز العمال" (2): "سوّوا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم" (3). فإن صحَّ فهو صريحٌ في التسوية بالأرض، إذ لا يصح أن يقال: إن قوله: "سووا القبور" أمرٌ بتسويتها في ذاتها، و"على وجه الأرض" حال، إذ لا معنى للحال، فالقبور على وجه الأرض على كلِّ حال.
فيحتمل أن يكون المراد: تسوية القبور بالنظر إلى جميعها، أو تسوية كل قبر في حد ذاته.
فعلى الأول يكون المراد بأن تُجْعَل متساوية، أي: بأن تكون كلها على
__________
(1) كذا قال المصنف، والذي مرّ (ص 37) أثر عثمان "أنه كان يأمر بتسوية القبور".
(2) رقم (42387). وانظر "المبيَّضة" (ص 20).
(3) كتب المصنف عقبه: "طب عن فضاله بن عبيد، ولا أدري ما صحته" ثم ضرب عليها. والأثر أخرجه الطبراني في "الكبير": (18/ رقم 812).
(5/ 2/45)

هيئة واحدة؛ لا يختلف قبر عن قبر. وهذا كما إذا أمرت الخباز بتسوية الأرغفة، يريد أن تكون كلها بقدر واحد على هيئةٍ واحدةٍ.
وعلى الثاني يحتمل أن يكون المراد بتسوية القبر، تسوية أطرافه.
وهذا لا يقتضي التسطيح كما قيل، فإن المسنَّم تسنيمًا محكمًا، بحيث إن ظاهر القبر يبقى أملس، بحيث لو بُسِط عليه ثوبٌ للصق به من جميع أجزائه، يقال له: مَسوًّى.
ولو رأينا كرتين من حديد، إحداهما مُحْكَمة التكوير ملساء، والأخرى يوجد في سطحها مواضع ناشزة، وأخرى منخفضة، لقلنا: إن الأولى مستوية، والثانية غير مستوية.
فإذا أُمِرْنا بإصلاح الثانية، صح أن يقال: أمرنا بتسويتها.
ويحتمل أن يكون المراد جعله سويًّا (1).
...
__________
(1) من قوله: "فيحتمل أن يكون المراد ... " إلى هنا جاء في (ق 53 ب) وقدَّرت أن يكون هذا هو مكانه المناسب، فالله أعلم.
(5/ 2/46)

تحقيق الحق في هذا البحث
هذا ما يمكن أن يقوله المتشدِّد، ولكن الذي ينبغي التعويل عليه، وأن يدان الله تعالى به:
أن أثر "خارجة" لا دلالة له على شيءٍ، لما مرّ.
وأن مرسل الشافعي، لا مانع من صِحّته، ولكن محله إذا كان التراب الذي أعيد في الحفرة لم يكفِ لارتفاعها قليلاً عن وجه الأرض، أو كفى للارتفاع ولكن خُشي أن يلتبس القبرُ بغيره، وأُرِيد أن يُمَيَّز لقصدٍ صحيح جائز شرعًا.
وكذا حديث وضع الحجر على القبر سواء بسواء.
[ص 51] وحديث ابن أبي شيبة، لا مانع من صِحّته، ولكن التسنيم الواقع على القبور، هو الناشئ عن إعادة تراب الحفرة إليها فقط.
وأما دعوى الإجماع؛ فإنها وإن كان فيها ما فيها، فهي غير معارضة لما قلناه؛ لأن الفقهاء نصوا على جواز رفع القبر قليلاً، ونصوا على حظر الزيادة عليه من غير تراب حفرته (1)، وهذا هو الذي نقوله: أنه يعاد إليه تراب حفرته.
فإن حصل ارتفاع قليلٌ فذاك، وإلا جُعلت عليه علامة ليُعْرف أنه قبر، فإن حصل الارتفاع، وخشي الالتباس بغيره، وأُرِيد التمييز لمقصد شرعي صحيح، فلا بأس بوضع علامة عليه. وبهذا يحصل تمييز القبور الذي
__________
(1) انظر "بدائع الصنائع": (1/ 320) للكاساني، و"المغني": (3/ 435) لابن قدامة.
(5/ 2/47)

يقتضيه ما لها من الأحكام.
والرفع اليسير، أو وضع العلامة له مقتضٍ صحيحٌ، وهو تمييز القبر؛ ليجتنب الجلوس عليه، والصلاة إليه، وغير ذلك. فاندفع ما قيل: إنه زائدٌ على القدر الكافي للمواراة.
ثم إن ذلك لا يضر بالمستحقين عند إرادة الحَفْر بعد البِلَى؛ لأنه أمرٌ خفيفٌ، وإن سُلِّم أنه لا يخلو عن ضرر، فإن ذلك يُغْتفر من باب دفع كبرى المفسدتين؛ لما مرّ، والله أعلم.
[ص 52] وأما حديث فَضالة بن عُبيد؛ فالحق أن التسوية فيه هي تصيير القبر سويًّا، أي معتدلاً، أي: على الهيئة المشروعة في القبور، بدون زيادة ولا نقصان، ومن هذا قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} [الانفطار: 7]، أي - والله أعلم -: جعلك بشرًا سويًّا كامل الخلقة، بالنظر إلى الهيئة المشتركة بين البشر.
وكذا قوله: {الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37].
قال الراغب (1): السَّوِيّ ما يُصَان عن الإفراط والتفريط.
فنقول: إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم كان قد بين لأصحابه الهيئة التي تنبغي أن تكون القبور عليها، وبعد أن عَقَلوها أمرهم بتسوية ما يطرأ من القبور، أي: جعلها سويَّة على الهيئة التي قد علمهم إياها.
__________
(1) في "المفردات" (ص 440).
(5/ 2/48)

وأما قول فَضالة: "أخِفّوا عنه"؛ فالظاهر أنه رأى التراب الذي حول الحفرة كثيرًا، بحيث إذا رُكِم فوق القبر ارتفع زيادةً على القدر المشروع، فأمرهم بالتخفيف، [ص 53] بأن لا يجمعوا التراب كله، بل يقتصروا على ما يبلغه القدر المعروف للقبور. أو يكون قال لهم هذا بعد أن ركموا التراب، ورآه كثيرًا، بحيث صار القبر مرتفعًا زيادةً عن القدر المشروع.
وأما ما نقلناه عن "كنز العمال" (1) - إن صح - فالتسوية هي: تسوية القبور في ذاتها. وقوله: "على وجه الأرض" احترازٌ من أن يُظن أن المراد بتسويتها في جوف الحفرة، والله أعلم.
ومما هو صريحٌ في الرفع: ما ثبت في رفع قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقبري صاحبيه، كما سيأتي. وما تقدم من حديث ابن أبي شيبة، وغير ذلك. والله أعلم.
...
__________
(1) انظر ما سبق (ص 45).
(5/ 2/49)

[ص 54] القَدْر المشروع لرفع القبر
لم أطلع على ما يُسْتَدل به في هذا بالنسبة إلى غير المِلك، إلا أن يقال: إن الظاهر أن يعين لذلك الأمر الذي تقتضيه طبيعة الحال، وهو إعادة تراب الحفرة إليها، بلا نقصان ولا زيادة.
ويؤيد بأحاديث النهي عن الزيادة الآتية، فإن مفهومها جواز إعادة تراب الحفرة، سواءً أقل أم أكثر.
وربما يُعْترض هذا بقول فَضالة: "أخِفّوا عنه" على ما قدمنا.
ويمكن أن يجاب: بأنه لعل البقعة التي حفر فيها القبر ترابية، بحيث يختلط التراب الخارج من الحفرة بالتراب الذي حواليها، فلا يتميز. وفيه شيءٌ.
ولكن ورد الدليل على مقدار الرفع في الملك، وعمَّمه العلماء في الملك وغيره، [ص 55] لعدم الفرق.
ففي "صحيح ابن حبان" (1): أخبرنا السختياني ثنا أبو كامل الجَحْدري ثنا الفُضيل بن سليمان عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أُلْحِدَ له، ونُصِب عليه اللبن نصبًا، ورُفِع قبره من الأرض نحوًا من شبر.
فهذا عمل أكابر الصحابة رضي الله عنهم، ولا نعلم لهم مخالفًا، والصحابة ذلك اليوم متوافرون بالمدينة، ولم يرد في الكتاب أو السنة ما يخالف ذلك، فكان حجة.
__________
(1) رقم (6635).
(5/ 2/50)

كيفية رفع القبر
الصفة الطبيعية لإعادة التراب إلى الحفرة: أن ينشأ عن ذلك شيءٌ من الارتفاع مسنَّمًا، وهذا هو الأصل الذي لا ينبغي أن يتعدى إلا بدليل.
استدل من يقول بالتسطيح بحديث التسوية المتقدم، بناءً على أن المراد جعل القبر متساويًا.
وقد سبق رده، وبيان ما هو إن شاء الله الحق (1).
[ص 56] واستدلوا أيضًا بحديث أبي داود (2) عن القاسم بن محمَّد قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أُمّاه، اكشفي لي عن قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (3)، وقال: صحيح. وأقره الذهبي.
وفيه زيادة: "فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مُقدَّمًا، وأبا بكر رأسُه بين كتفي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم".
قالوا: والبطح هو عبارة عن جعل الشيء مستويًا.
قال الزمخشري في "الفائق" (4) في (رفف): " [ابن الزبير رضي الله عنه]
__________
(1) انظر (ص 47 - 49).
(2) رقم (3220). والبيهقي في "الكبرى": (4/ 3).
(3) (1/ 369).
(4) (2/ 74).
(5/ 2/51)

لما أراد هدم الكعبة ... وكانت في المسجد جراثيم، فقال: يا أيها الناس ابطَحوا. وروي: كان في المسجد حُفَر منكرة، وجراثيم، وتعادٍ, فأهاب بالناس إلى بطحه ... إلخ.
البطحُ: أن يجعل ما ارتفع منه منخفضًا حتى يستوي، ويذهب التفاوت ... " إلخ. اه.
[ص 57] قالوا: ولا يمكن أن يقال: إن القبور مبطوحة، أي: مسوَّاة بالأرض؛ لقوله في الحديث: "ولا لاطئة"، فما بقي إلا أن تكون مُسَطَّحة، أي؛ مُسَوَّاة في نفسها.
وتأوله صاحب "الجوهر النقي" (1): بأن المراد ب "مبطوحة" غير مشرفة، أعم من أن تكون مسنَّمة، أو مسطحة، واستدل بكلام الزمخشري السابق، وهو كما ترى.
وحَمَل غيرُه لفظ "مبطوحة" على أنها موضوعة عليها البطحاء، أي: الحمى، كما فُسِّر به حديث عمر أنه أمرهم أن يبطحوا المسجد، وهو ثابتٌ في مجاميع اللغة (2).
[ص 58] ويحتمل معنى ثالثًا: وهو أن يكون شَبَّهها بهيئة الأشخاص المبطوحين، أي: المُلْقَين على وجوههم، فإن القبر المركوم عليه قليلٌ من التراب على هيئة التسنيم، يشبه هيئة الشخص المبطوح.
__________
(1) (4/ 3 - بهامش سنن البيهقي).
(2) بعد هذا الكلام عدة أسطر ضرب عليها المؤلف وترك عبارةً لم يظهر عليها أثر الضرب وهي: "ويبعده جدًّا؛ لأن الظاهر أنه أراد".
(5/ 2/52)

وعليه، فينبغي الترجيح بين هذه المعاني، فأقول:
أما المعنى الأول؛ فيردُّه ما علَّقه البخاري في "صحيحه" (1) عن سفيان التمَّار: أنه رأى قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم مسنَّمًا.
ووصله ابن أبي شيبة (2) فقال: ثنا عيسى بن يونس عن سفيان التمَّار قال: دخلتُ البيت الذي فيه قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، [ص 59] فرأيت قبره وقبر أبي بكر وعمر مُسَنَّمة.
ويبعد كل البعد أن يُغَيَّر قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه عما وُضِعَت عليه، والصحابةُ باقون، وعلماء التابعين شاهدون، والملوك والأمراء من أهل العلم.
والإصلاح الذي وقع في زمن الوليد بن عبد الملك، وقع بحضور عمر بن عبد العزيز - وحَسْبُك به علمًا، ودينًا وورعًا - مع وجود غيره، وتغيير الجدار للضرورة، ولا ضرورة في تغيير الهيئة، وهذا بخلاف ما قلناه في قبر عثمان بن مظعون، فإنه لا مانع في أن يغيره ويرفعه شخصٌ واحدٌ.
فأما قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، فيبعد أن يجترئ على تغييرها أحدٌ.
وعلى تسليم احتمال التغيير، فإنما يُصَار إلى تجويزه إذا لم يوجد جمع بين الدليلين أيسر منه. ولا شُبْهة أن الجمع بحمل [ص 60] "مبطوحة" على
__________
(1) كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
(2) "المصنف": (3/ 215).
(5/ 2/53)

المعنى الذي يوافق رواية التمَّار أولى وأقرب من حملها على المعنى الذي يخالفه.
ولا سيما والكلمة بالنظر إلى المعنيين الأوَّلين محتملة لهما على السواء، فيكون حديث سفيان مرجِّحًا لأحدهما، وهو الذي لا يخالفه فسقط المعنى الأول، وبقي النظر بين الثاني والثالث.
لا شك أن الثاني حقيقة، والثالث مجاز، والحقيقة مقدمة على المجاز، إلا أن هناك أدلَّة تقوي إرادة المجاز:
أولها: أنه إذا ثبت أن القبور كانت مسنَّمة، فمن البعيد أن ينعت القاسم قدر ارتفاعها، ويدع نعت هيئتها، ويذهب إلى ذكر أن عليها حصى، فإن بيان الهيئة أهم من [ص 61] ذكر الحصى.
ثانيها: في "شرح المشكاة" (1) لعلي قاري ما لفظه: "وأيضًا ظهر أن القاسم أراد أنها مسنمة، برواية أبي حفص بن شاهين في "كتاب الجنائز" بسنده عن جابر قال: سألت ثلاثة كلهم له في قبر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أبٌ، سألت أبا جعفر محمَّد بن علي، وسألت القاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة؟ فكلهم قالوا: مسنمة".
وههنا إشكال: وهو أن جابرًا هو راوي حديث: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أُلْحِد له، ونُصِب عليه اللبن ... (2) إلخ، كما سيأتي، فالظاهر أنه
__________
(1) (2/ 371).
(2) تقدم (ص 50).
(5/ 2/54)

حضر الدفن، والظاهر أنه حضر دفن الشيخين أيضًا، فكيف يحتاج إلى السؤال عن كيفية القبور؟ اللهم إلا أن يكون جوز تغييرها، وفيه بُعْد، كما أن تجويز أنه لم يحضر أبعد.
وعلى كل حال، فحديث ابن شاهين لم يصحّح، ولعله لا يكون صحيحًا.
ثالثها: أن وضع الحصى على القبر، على فَرْض تسليم جوازه، فإنما هو - والله أعلم - علامة للقبر، ولا حاجة للعلامة في قبور رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه.
فالذي يظهر - والله أعلم - ترجيح المعنى الثالث.
[ص 62] ومن أدلة التسنيم: أثر الشعبي الذي رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم (1)، وإن عنعنه سفيان.
ومنها: أن العمل في عهد السلف كان جاريًا على ذلك.
والظاهر في مثل هذا أن يكون موافقًا للسنة، ما دام لم يقم دليلٌ يدل على مخالفته.
وقال صاحب "الجوهر النقي" (2): "وحكى الطبري عن قوم أن السنة التسنيم، واستدل لهم بأن هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يسنِّمون قبورهم، ثم قال: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد بن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنَّمًا.
__________
(1) (ص 29).
(2) (4/ 4 - بهامش سنن البيهقي).
(5/ 2/55)

قال الطبري: لا أحبّ أن يتعدَّى فيها أحد المعنيين من تسويتها بالأرض، [ص 63] أو رفعها مسنَّمة قدر شبر، على ما عليه عمل المسلمين في ذلك.
قال: وتسوية القبور ليست بتسطيح. اه.
ومما يدل على أن عمل أهل المدينة كان على التسنيم: أن مذهب مالك اختيار التسنيم (1)، وهو يرى عمل أهل المدينة حجة، فلو كان عمل أهل المدينة على التسطيح لما خالفهم.
وأيضًا التسطيح يشبه بناء أهل الدنيا؛ لأن فيه نوعًا من الأحكام، بخلاف التسنيم، فإنه يحصل بطبيعة الحال عند رد تراب الحفرة إليها.
[ص 64 ب] وهذا الارتفاع نحوًا من شبر بالنسبة إلى وسط القبر؛ لأنه مسنم. والواقع أن إعادة تراب الحفرة إليها بعد الدفن ينشأ عنه تسنيم نحو الشبر غالبًا.
فإذا كان الواقع كذلك فالأمر بيّن، وإن فُرِضَ أنه زاد فعندي أنه يجب التخفيف عملاً بظاهر حديث فَضالة على ما تقدم، واقتصارًا على القدر الثابت.
وإن فُرِض أنه نقص، كأنْ كان في الحفرة حجرٌ كبيرٌ أُخْرِج منها، فلما أُعيد التراب بعد الدفن لم يكفِ، فعندي أنه إن كفى لمساواة الحفرة لوجه الأرضٍ لم يزد عليه؛ لإطلاق النهي عن الزيادة كما يأتي، ولأن الرفع ليس ضروريًّا لأصل الدفن، وإنما فائدته التعليم على القبر، ويغني عنه وضع
__________
(1) انظر "تهذيب المدونة": (1/ 346)، و"الذخيرة": (2/ 478 - 479).
(5/ 2/56)

حجر، كما روي من فعله صلَّى الله عليه وآله وسلم بقبر عثمان بن مظعون.
أما إذا نقص عن مساواة الحفرة بالأرض، فالظاهر أنه يزاد عليها حتى يساوي وجه الأرض فقط؛ لأن تركها ناقصة، نقصٌ وإخلالٌ بأصل الدفن.
***
(5/ 2/57)

[ص 65] البناء على القبر
قد مَرَّ حكم البناء على القبور في غير المِلك، وهذا الفصل موجَّه إلى البناء عليها في الملك، مع أن الأدلة تتناول الجميع، كما ستراه إن شاء الله تعالى.
قد علمت أن البناء على القبر أمرٌ زائدٌ على المواراة، وهو أيضًا زائدٌ على التعليم على القبر، بحيث يُعْرَف أنه قبرٌ, فالدليل على مدعي الجواز.
أما من له حظٌّ من العلم من المجيزين، فإنه يعترف بالحُرْمة في القبور المسبَّلة، ويقتصر على الكراهة في الملك، وسيأتي الكلام مع هؤلاء عند الكلام على أدلة النهي إن شاء الله تعالى.
وأما الغلاة المتطرِّفون من الجُهَّال، فإنهم يدَّعون أن البناء على بعض القبور مستحب، ومنهم من يعتقد وجوبه، وليس لهؤلاء في الحقيقة متمسَّك، [ص 66] إلا أنهم يعتقدون أن الموتى يضرون وينفعون، وأن في البناء على قبورهم وغيره تقربًا إليهم، يُدْخل في نفوسهم السرور، ويحملهم على نفع الفاعل.
هذا مَبْلَغ علمهم، وغاية فهمهم.
فإذا آنسوا من أحدٍ إنكارًا عليهم قالوا: "وهَّابي"، وتواصوا بهجره، وتجنّب مجالسته، وسماع كلامه، وجاهروا بتضليله وتفسيقه، بل وتكفيره، ورموه بكل حجرٍ ومدرٍ، وإن أمكنهم أن يلحقوا به الضرب لم يتأخروا عنه.
وإذا دُعوا إلى الإنصاف والنظر في الحجج والأدلة، ورأوا أن في الإعراض عن الإجابة ما يؤيد جانب خصومهم، [ص 67] أخذوا يرددون
(5/ 2/58)

بعض الشبه التي لا تستحق أن تسمى شبهًا، فضلاً أن تسمى أدلة، لكنها على كل حال ربما تجذب أذهان بعض الجُهال، وسأذكر منها ما يسوغ أن يسمى شبهة؛ لمشابهته الشبهة، لا لمشابهته الدليل.
فمنها: دعوى الإجماع (1).
وأين الإجماع؟! وهذه كتب فقهاء المذاهب من أصغر مختصر، إلى أكبر مطوَّل متفقةٌ على النهي عن البناء، وتحريمه في المقابر المسبَّلة، ونص بعضُهم على حُرْمته حتى في الملك، ومن لم يقل بالحُرْمة في الملك أطلق الكراهة التحريمية، وسيأتي عقد فصل مستقل؛ لنقل كلام الفقهاء، إن شاء الله تعالى (2).
فأما كتب الحديث النبوي، فأظهر من شمس على عَلَم.
على أن في الإجماع نزاعًا، وأي نزاع؟
[ص 68] ومنها: القياس على قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وهي شبهة ضعيفة، وسنعقد إن شاء الله تعالى للبحث فيه فصلاً خاصًّا، فانظره إن أردت (3).
ومنها: أثر خارجة، وقد مرَّ ما فيه (4).
__________
(1) هذه الشُّبهة ساقها حَسَن الصدر الرافضي في كتابه "الرد على الوهابية" وسبقت الإشارة إليه في المقدمة.
(2) لم يعقد المؤلف هذا الفصل في هذه النسخة.
(3) لم يعقد المؤلف أيضًا هذا الفصل هنا. وذكر في (المبيضة ص 37 - 38) طرفًا من ذلك.
(4) انظر (ص 30 وما بعدها).
(5/ 2/59)

ومنها: ما علَّقه البخاري (1)، قال: "لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره سنةً، ثم رُفِعت: فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا، فانقلبوا".
والجواب: أن البخاريَّ علقه تحت عنوان: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.
والبخاري وإن ذكره بصيغة الجزم، فلم يلتزم في ذلك أن يكون صحيحًا. نعم، قالوا: إن ذلك إذا لم يكن صحيحًا عنده، فهو صحيحٌ عند غيره، وهذا لا يفيد؛ لأن شروط غيره مختلفة، حتى إن منهم من لا يشترط في الراوي غير الإِسلام.
فإن قيل: المراد غيره ممن يتحرى، كمسلم.
قلنا: فإن في بعض ما يصحّحه مسلم ما ينتقد، ولولا ذلك لما أتعبنا أنفسنا بهذا البحث.
ونحن لا ننكر أنه [ص 69] ينبغي لنا حُسن الظن بالبخاري، أنه لا يعبر بصيغة الجزم إلا وقد اطلع على سندٍ قوي، لكن هذا في ظنه، فأما نحن، فالذي يلزمنا أن ننظر في السند، ونحكم بما ترجح لنا.
وذكر الحافظ في "الفتح" (2) أنه رُوي هذا الأثر في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي - رواية الأصبهانيين عنه - قال: وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" (3) من طريق
__________
(1) في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (2/ 88 - الميرية).
(2) (3/ 238).
(3) ليس في المطبوع منه والمطبوع ناقص. وهو في "هواتف الجان" له (131).
(5/ 2/60)

المغيرة بن مِقْسَم قال: "لما مات الحسن بن الحسن، ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة ... " فذكر نحوه. اه.
قلت: المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ويدلس، فلا تثبت القصة بمجرَّد هذه الحكاية منه، ولا يُدْرَى ما حال السند إليه، كما أنا لا ندري ما حال سند المحاملي.
وعندي أن هذه الرواية لا تصح أبدًا، فإن أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يبعُد جدًّا أن يقع مثل هذا منهم؛ إذ زوجة الحسن هي بنت عمه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهم، ويوم مات الحسن كان بنو أخيها أحياء، وكذلك غيرهم من أهل البيت، فلو فرضنا أنه لم يبلغها نهي، لكان بعيدًا أن لا يكون بلغهم، وأقل ما يكون بلغهم لَعْن زوَّارات القبور.
والتحقيق: أن اللعن منصبٌّ على اللواتي يكثرن الزيارة.
ولا شك أن ضرب قبة على القبر لأجله، والمُكْث فيها سنة أشدّ من مطلق كثرة الزيارة، فحاشا السيدة فاطمة بنت الحسين أن تصنع ذلك، وحاشا أهل البيت أن يكون منهم مثل هذا, ولا يبعد أن يكون ناصبيّ خبيث وضع هذه القصة، وحاشا فاطمة بنت الحسين بن علي أن تفعل ذلك الفعل جزعًا من وفاة زوجها، أو طمعًا في حياته، كما تدلُّ عليه حكاية قول الهاتِفَين: "هل وجدوا ما طلبوا؟ بل يئسوا فانقلبوا".
وأما قول بعضهم: لعلها ضربت الفُسطاط للاجتماع لقراءة القرآن ونحوه. فمع كون ذلك محظورًا أيضًا، فحكاية قول الهاتِفَين تردّه.
(5/ 2/61)

وفي "الفتح" (1): "وقال ابن المُنيِّر: إنما ضُربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأُنس، ومكابرة للحسّ، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية، ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة، أو من مؤمني الجن" اه.
أما نحن فنقول: أهل البيت أعلم بالله ورسوله ودينه، وأعقل وأكمل وأثبت من أن يصدر منهم هذا. على أننا نعلم أنهم غير معصومين، وأن فعلهم الشيء لا يكون حجة على جوازه، وإنما رأينا من الواجب أن نذبّ عنهم هذه القصة، وإن كانت لا دلالة فيها على مسألة البناء ونحوه؛ لأن فعل غير المعصوم لا تقوم به الحجة، وحسبنا الله ونعم الوكيل (2).
[ص70] ومنها (3): أن في البناء مصلحة لتظليل [لتضليل] (4) الزوَّار الذين يشدون رحالهم إلى القبور، ويظلّون لها عاكفين.
وجوابه: أن الزيارة الشرعية لا تُحْوِج إلى شيءٍ من ذلك، فالبناء إذًا إعانة على الزيارة البدعية، ومع هذا وغيره فالاستحسان في معارضة النص هباء منثور، وصاحبه مأزور لا مأجور.
__________
(1) (3/ 238).
(2) من قوله ص 61: "لعن زوارات القبور" إلى هنا لحق في أعلى الصفحات من (ق 70 أإلى ق 74 ب)
(3) أي من شُبَة المجوّزين للبناء على القبور.
(4) كذا كتبها في الأصل على الوجهين إشارةً منه إلى المعنيين إذ زعموا أن في البناء مصلحة (تظليل) الزوار من الشمس، فكانت النتيجة أن (ضلوا) عن الصراط المستقيم.
(5/ 2/62)

ومنها: التمسُّك بعمومات خارجة عن محلّ النزاع، كالأمر بحب الصالحين واحترامهم.
وجوابه: أن هذا الإطلاق مقيَّد بما أذن به الشرع، فلا يقول مسلم: إنه يستحب [ص 71] حبهم واحترامهم في معصية الله تعالى، والقدر المأذون فيه إنما يتميز عن غيره بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، فلا يكفي هذا العموم ما لم يثبت دليل الخصوص، مع أن حالة الميت غيبٌ لا يُدْرَى ما ينفعه مما لا ينفعه، وإنما يكون التمييز بإخبار الشرع، وقد دل الشرع أن فعل محبي الميت ما ينكره الشرع يضرُّ الميت لا ينفعه، فثبت في الأحاديث الصحيحة: "أن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله" (1).
ومنها: القياس على ما ثبت من احترام القبور، بالنهي عن الجلوس إليها ووطئها، والمشي بينها بالنعال، وغير ذلك.
وهذا قياس باطل، والنصوص تصادمه، وفوق هذا: فإنّ أكثر القبور المشيَّدة قد أَرِمت جثثها، فسقطت حُرْمتها.
هذا، [ص 72] ولولا أن يطالع رسالتي هذه جاهل بحقيقة الدين، قد عَلِق بنفسه شيءٌ من هذه الشبه، لما ذكرتها، فمعذرة إلى القراء.
وأما من كان عنده شيءٌ من الفقه، فإنه يسلِّم بحرمة البناء والرفع والتجصيص ونحوه في غير الملك، ولكنه يقتصر في الملك على الكراهية قائلاً: إن الأصل المقرر أن للإنسان أن يصنع في ملكه ما يشاء، ولكن لما كان البناء ونحوه خلاف السنة، وفيه إضاعة مال، وتشييد ما هو محلٌّ للبِلى،
__________
(1) تقدم تخريجه في (المُبيّضة) (ص 117).
(5/ 2/63)

كان مكروهًا، وعلى مدَّعي الحُرْمة البيان (1).
وعليه، فلنشرع في ذكر أدلة النهي عن البناء ونحوه، ثم نبين دلالتها على الحُرْمة.
قد تقدم حديث فَضالة في الأمر بتسوية القبور (2)، وحققنا أن معناه: الأمر بأن تكون على الهيئة التي قررها لها الشارع، وأن الهيئة التي قررها لها الشارع هي ما تقتضيه الفطرة في ردَّ تراب الحفرة إليها، وجمعه على ظهر الحفرة، فيصير القبر بطبيعة الحال مسنَّمًا مرتفعًا عن الأرض نحو شبر [ص 73] باعتبار وسطه، ولكنه إذا اتفق أن كان التراب الخارج من الحفرة، إذا جُمِع كلّه على ظهرها ينشأ عنه ارتفاع فوق الشبر، اقتضت التسوية تخفيفه.
وسيأتي في فصل إزالة الإشراف عن القبور حديث علي رضي الله عنه،
__________
(1) هذه حجج من يقول: إن البناء على القبور في المِلك مكروه وليس بمحرم، ويسلّم بحرمة البناء ونحوه في غير المِلك. حكاه المؤلف على لسانه، وقد سبق له الرد على حججه ويأتي مزيد منها، ونجملها في الآتي:
1) أن الأصل عدم التفريق بين البناء في المسبلة وفي الملك لعموم الأدلة الواردة في النهي. 2) أنه من التشبُّه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى. 3) أنه من التشبه بأهل الجاهلية في الإفراط في تعظيم القبور. 4) أن فيه إضاعة للمال. 5) كونه من الزينة والخيلاء في أول منازل الآخرة كما قال الشافعي. 6) أنه مخالف لسنة السلف في بناء القبور. 7) أنه صار ذريعة ووسيلة إلى الشرك، إذ تقود إلى الاعتقاد في الميت وأنه يضر وينفع. وهي أدلة قوية يكفي اعتبارها في القول بحرمة البناء على القبر في المِلك.
(2) (ص 39).
(5/ 2/64)

في الأمر بتسوية القبور المشرفة (1)، ومعناه واضح أن المراد إزالة إشرافها، وإعادتها إلى الهيئة السويَّة التي قررها الشارع، وقد حققناها في حديث فضالة.
وكلا الحديثين يدلُّ على النهي عن البناء على القبور، ونحوه.
أما إذا كان البناء على حدود القبر القريبة، بحيث يكون طوله نحو ستة أذرع، وعرضه نحو أربعة، [ص 74] فلأنه يُطْلَق عليه قبرٌ غير مسوًّى، ويطلق عليه: قبر مشرف، أي: مرتفع زيادة عن القدر المشروع، فيتناوله الأمر تناولًا أوّليًّا؛ لأنه إذا تناول ما جاوز الحد المشروع بزيادة قليل من التراب، فبزيادة أحجار وطين وحصى وغيره، من باب أولى.
وأما دلالة الحديث على النهي عن التجصيص، فلأن القبر المجصص ليس على الهيئة التي قررها الشارع للقبور، فهو قبر غير مسوّى، فالأمر بتسوية القبر أمرٌ بعدم الجص، أو بإزالته.
وأما إذا كان البناء بعيدًا عن القبر، محيطًا به، كالقبب الكبيرة، فبطريق القياس الجلي، سواء أكانت العلة هي كراهية إحكام موضع البلى أم تعظيم القبور. وهذا واضح، والله أعلم.
[ص 75] ولنا حديثٌ في النهي عن البناء ونحوه، رواه عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم: جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهم.
__________
(1) لم يذكر المؤلف هذا المبحث في هذه النسخة، وانظر الأخرى (ص 50 وما بعدها).
(5/ 2/65)

[ص 18] الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على القبر وما في معناه
1 - في "صحيح مسلم" (1) عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُجَصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعد عليه".
وفي رواية له (2): "نهى عن تقصيص القبور".
وأخرجه غير مسلم: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان (3)، والحاكم في "المستدرك" (4)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعض الألفاظ المختلفة في الروايات.
2 - أخرج ابن ماجه (5) بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُبْنى على القبر".
وأخرجه أبو يعلى (6) بسندٍ رجاله ثقات، كما في "مجمع الزوائد".
__________
(1) رقم (970).
(2) (970/ 95).
(3) أحمد رقم (14647)، وأبو داود (3225)، والترمذي (1052)، والنسائي (2028)، وابن حبان رقم (3162 - 3165).
(4) (1/ 370).
(5) رقم (1564).
(6) رقم (1016 - ط الأثري).
(5/ 2/66)

قال في "المجمع" (1): وعن أبي سعيد قال: "نهى نبي الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يبنى على القبور، أو يُقْعَد عليها، أو يصلى عليها".
قلت (الهيثمي): روى (2) ابن ماجه: النهي عن البناء عليها فقط.
3 - [ص 19] أخرج الإِمام أحمد (3) بسندٍ فيه ابن لهيعة عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبور، أو تقصَّص".
زاد في رواية مرسلة: "أو يجلس عليه" (4).
[19 ب] لمجيزي البناء ثلاث طرق في التفصّي من هذه الأحاديث:
الأولى: الطعن في أسانيدها.
الثانية: إنكار دلالتها على المقصود.
الثالثة: المعارضة.
[20 أ] قالوا: أما الحديث الأول فهو من رواية أبي الزبير عن جابر (5).
****
__________
(1) (3/ 61).
(2) الأصل: "رواه" سهو.
(3) رقم (26556).
(4) رقم (26557).
(5) من قوله: "الأحاديث الواردة في النهي ... " إلى هنا كتبه المؤلف في أوائل الرسالة (ق 18 - 19). ثم استطرد في موضوعات الرسالة، فناسب نقل هذا الموضع إلى هنا ليكون الكلام متصلًا مع باقي الموضوعات.
(5/ 2/67)

حديث جابر
رواه عنه أبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس، وسليمان بن موسى الأموي الأشدق، وها نحن نذكر ما وقفنا عليه من الروايات.
• [ص 76] الإِمام الهمام أحمد بن حنبل "مسند" (1) (جزء 3/ ص 339): ثنا حجاج ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يَقْعد الرجلُ على القبر، أو يُقْصّص، أو يُبْنى عليه".
الحديث مسلسل بالتصريح بالسماع، كما ترى.
• النسائي في "سننه" (2): أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تقصيص القبور، أو يُبنى عليها، أو يُجلس عليها".
يوسف: قال عنه النسائي: ثقة حافظ. وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة. (خلاصة وحواشيها).
وحجاج: غير مدلس، فلا يضر عنعنته، وأما باقي السند، فمصرحٌ بالسماع كما ترى.
• [ص 77] البيهقي في "سننه" (3): أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله
__________
(1) رقم (14647).
(2) رقم (2028).
(3) (4/ 4).
(5/ 2/68)

الحافظ ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب ثنا محمَّد بن إسحاق الصّغاني ثنا حجاج يعني: ابن محمَّد، قال: قال ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يُقَصّص، أو يُبْنى عليه".
"أبو عبد الله": هو الحاكم.
"أبو العباس ... ثنا ... الصّغاني" صحح لهما الحاكم في "مستدركه"، وأقره الذهبي.
"حجاج ... قال ابن جريج" حجاج غير مدلس، فقوله: "قال" محمولٌ على السماع، مع أنه ثبت عنه أنه لا يقول: "قال ابن جريج" إلا في السماع.
قال النواوي في "تقريبه" (1)، [ص 78] في النوع الرابع والعشرين ما لفظه ممزوجًا بشرحه للسيوطي: " (وأوضح العبارات: قال، أو ذكر، من غير لي أو لنا، وهو) مع ذلك (أيضًا محمولٌ على السماع إذا عُرِف اللقاء) وسلم من التدليس، (على ما تقدم في نوع المعضل) في الكلام على العنعنة (لا سيما إن عُرِف) من حاله (أنه لا يقول: قال، إلا فيما سمعه منه) كحجاج بن محمَّد الأعور، روى كتب ابن جريج عنه بلفظة: "قال ابن جريج"، فحملها الناس عنه، واحتجوا بها" اه.
مع أنه صحَّ عنه التصريح، كما مر في "مسند الإِمام أحمد".
• [ص 79] مسلم في "صحيحه" (2): وحدثني هارون بن عبد الله ثنا
__________
(1) (1/ 422 - 423 مع تدريب الراوي للسيوطي).
(2) رقم (970).
(5/ 2/69)

حجاج بن محمَّد، ح، وحدثني محمَّد بن رافع ثنا عبد الرزاق جميعًا عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول ... " بمثله.
أي بمثل الحديث قبله، وسيأتي، ولفظه: قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُجَصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه".
هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع: ثقتان، لا مَطْعن فيهما.
وعبد الرزاق: قيل: فيه شيءٌ من تشيُّعٍ كان فيه، ومن خللٍ في ضبطه بعد عماه.
فأما التشيع؛ فكان خفيفًا، حتى صحَّ عنه تفضيل الشيخين على علي رضي الله عنهم، وصح عنه أنه قال: "الرافضي كافر". ومع ذلك فليس هذا الحديث مما يتعلق بالتشيع.
وأما ما طرأ على ضبطه بعد عماه، فلا يضر في هذا الحديث؛ لأن محمَّد بن رافع ليس ممن سمع منه بعد عماه.
[ص 80] ثم إن حجَّاجًا وعبد الرزاق غير مدلسين، فلا يضرّ قوله: "عن ابن جريج"، مع أنه قد صحَّ عن حجاج التصريح بالتحديث، كما مر في سند "المسند". وصحَّ عن عبد الرزاق أيضًا، كما في سند "المسند" الآتي عقب هذا. وقد أطلقوا أن ما في الصحيح من عنعنة المدلسين محمولٌ على السماع، كما سيأتي، وتأتي المناقشة فيه إن شاء الله.
وبقية السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى.
(5/ 2/70)

• الإِمام أحمد في "مسنده" (1) (جزء 3/ ص 295): ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعتُ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُقَصص، وأن يُبْنى عليه".
جميع السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى.
• [ص 81] أبو داود في "سننه" (2): حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج ... إلخ بالسند والمتن الذي قبله.
• الحاكم في "المستدرك" (3): حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمَّد العنزي ثنا محمَّد بن عبد الرحمن الشامي ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها".
أقره الذهبي على تصحيحه, وفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد صحّ عن كل منهما التصريح بالسماع، ولكن في هذه الرواية زيادة "النهي عن الكتابة" (4).
__________
(1) رقم (14148).
(2) رقم (3225).
(3) (1/ 370).
(4) وانظر تعليق الحاكم على هذا الحديث، وردّ الذهبي عليه ومناقشة ابن حجر الهيتمي والمؤلف له ما سبق في (المُبيّضة) (ص 113).
(5/ 2/71)

• [ص 82] الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1): حدثنا ربيع المؤذِّن قال: ثنا أسد قال ثنا محمَّد بن خازم عن ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها".
• [ص 83] الترمذي في "سننه" (2): حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمَّد بن ربيعة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أن تُجَصَّص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن توطأ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجهٍ عن جابر.
أقول: عبد الرحمن بن الأسود ... (3).
ومحمَّد بن ربيعة وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني، ذكره في "الخلاصة" (4) ولم يوصف بتدليس، فلا تضر عنعنته.
__________
(1) (1/ 515).
(2) رقم (1052).
(3) بيَّض له المؤلف مقدار ثلاثة أسطر. وله ترجمة في "تهذيب الكمال": (4/ 371)، و"تهذيب التهذيب": (6/ 140) وذكرا جماعة ممن روى عنهم، قالوا: وعنه الترمذي والنسائي وابن جرير الطبري، وذكرا عدة. (ت بعد 240). ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً. وقال البزار (الكشف 511): كان من أفاضل الناس. وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول.
(4) (2/ 402).
(5/ 2/72)

وأما عنعنة ابن جريج وأبي الزبير فقد صحَّ عن كلًّ منهما التصريح بالسماع كما تقدم، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتاب والتعبير بالوطء مكان الجلوس.
• [ص 84] "صحيح مسلم" (1): حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا حفص بن غِياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُجصَّص القبر، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه".
أبو بكر إمام، وحفص ثقة، إلا أنه ساء حفظه بعد ما اسْتُقْضي، فإذا حدث من كتابه فهو حجة، لكنهم قالوا: إن صاحب الصحيح لا يروي عن مثل هذا إلا ما علم أنه حدَّث به عن كتابه، وسيأتي البحث في هذا إن شاء الله (2).
وعنعنة ابن جريج وأبي الزبير محمولةٌ على السماع، لصحة التصريح عنهما بالتحديث كما مر، مع ما ذكروا من أن كلّ ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولةٌ على السماع، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى (3).
• [ص 85] الحاكم في "المستدرك" (4): حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ثنا سَلْم بن جُنادة بن سَلْم القرشي ثنا حفص بن غِياث النَّخَعي ثنا ابن جُريج عن
__________
(1) رقم (970).
(2) لم يأت شيء.
(3) تقدم شيءٌ من ذلك (ص 36 - 37).
(4) (1/ 370).
(5/ 2/73)

أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبر، أو يُجَصّص، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه".
صححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
قال الحاكم: وقد خرجته بإسناده "غير الكتابة"، فإنها لفظة صحيحة غريبة.
أقول: قد تقدم حال حفص، والعنعنة، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتابة، ولا يقال: لعلها من رواية حفص بعد ما اسْتُقضي من حفظه، إذ قد تابعه في روايتها عن ابن جريج أبو معاوية عند الحاكم، ومحمد بن ربيعة عند الترمذي، ومحمد بن خازم (1) عند الطحاوي.
• [ص 87] (2) الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا حفص عن ابن جريج، فذكره بإسناده مثله.
أقول: يعني مثل (4) الحديث الذي قبله، وقد تقدم ولفظه: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها".
• [ص 88] "صحيح مسلم" (5): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن
__________
(1) محمَّد بن خازم عند الطحاوي هو نفسه أبو معاوية عند الحاكم، وإنما اشتبه على المؤلف لأنه جاء في سند الطحاوي "ابن حازم" مصحفة بالحاء المهملة، والله أعلم.
(2) ترك المؤلف (ق 86) بياضًا.
(3) (1/ 516).
(4) الأصل: "مثله" سهو.
(5) رقم (970/ 95).
(5/ 2/74)

عُلَية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نُهِي عن تقصيص القبور".
فيه عنعنة أبي الزبير، قال الذهبي في "الميزان" (1): "وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك ... وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" اه.
أقول: كذا في النسخة "عن تجصيص" بالجيم، وإنما هو "تقصيص" بالقاف، فإنه هكذا في "صحيح مسلم"، وإن رواه غيره بالجيم، كما سيأتي، والمعنى واحد، ولكن ربما يتوهم أن مراد الذهبي بحديث النهي عن تجصيص القبور الحديث الذي فيه النهي بهذا اللفظ، وهو الحديث المطول الذي مرّ، وليس كذلك؛ لأن الحديث المطوَّل قد صرَّح فيه بالسماع، كما تقدم.
[ص 89] والجواب عما قاله الذهبي: أنه يبعد جدًّا أن يدلس أبو الزبير حديث النهي عن التقصيص، أو التجصيص، وهو مسموعٌ له في ضمن الحديث الطويل، وأي حاجة تدعوه إلى التدليس؟
والذي يظهر لي: أنه عرض لأبي الزبير ما يخص تقصيص القبور فقط دون البناء والجلوس والوطء والكتابة والزيادة، كان سئل عن تقصيص القبور، أو رأى قبرًا مقصصًا، أو ذكر له ذلك، فاحتاج أن يستدل على النهي عن تقصيص القبور، وأراد الاختصار، أو كان المقام ضيقًا، أو نحو ذلك. فاختصر الحديث اقتصارًا على موضع الحاجة.
__________
(1) (5/ 164).
(5/ 2/75)

[ص 90] وسيأتي في رواية النسائي وابن ماجه التصريح بأن الناهي هو رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهو واضحٌ وإن لم يصرح به؛ لأن جابرًا لم يكن يخبر بنهي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، مع سماعه النهي منه صلَّى الله عليه وآله وسلم. وفوقَ ذلك، فقول الصحابي: "نُهينا عن كذا" بدون ذكر الناهي، مرفوعٌ على الصحيح.
ثم قول الذهبي: "ففي القلب منها" يدل أنه لا يوافق الجمهور على أن كل ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولٌ على السماع، وفيه بحث ليس هذا موضعه؛ لأن محل الخلاف إذا كان في الأحاديث الأصول لا المتابعات.
قال في "فتح المغيث" (1) (ص 77) طبع الهند: "ولكن هو - كما قال ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره - محمولٌ على ثبوت السماع عنده فيه من طرق أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات ... " إلخ.
[ص 91] (2) وحديث مسلم المعنعن ليس من أحاديث الأصول، بل هو متابعة لحديثه المصرّح فيه بالسماع، وقد تقدم.
• [ص 92] النسائي في "سننه" (3): أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور".
__________
(1) (1/ 218 - ط الجامعة السلفية).
(2) ترك المؤلف بقية (ق 91 أ - 91 ب) فارغًا.
(3) رقم (2029).
(5/ 2/76)

عمران: ثقة. وعبد الوارث: إمام، روى له الجماعة، وفي العنعنة ما تقدم.
• ابن ماجه (1): حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد قالا: ثنا عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تقصيص القبور".
أزهر: صدوق. ومحمد بن زياد: ثقة من رجال البخاري.
• [ص 94] (2) أبو داود في "سننه" (3): حدثنا مسدّد وعثمان بن أبي شيبة قالا ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر بهذا الحديث: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص، وأن يبنى عليه".
قال أبو داود: وقال عثمان: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه"، ولم يذكر مسدَّد في حديثه: "أو يزاد عليه".
قال أبو داود: وخفي عَليَّ من حديث مسدد حرف "وأن".
لم ينفرد حفص بذكر سليمان بن موسى، كما سيأتي.
وفي الحديث عنعنة ابن جريج، وقد يقال: إنها غير ضارة هنا؛ لأنه قد صحَّ سماعه من أبي الزبير لهذا الحديث كما مر، فعنعنته هنا محمولةٌ على السماع، ولما قرن سليمان بن موسى مع أبي الزبير، دل على أنه مثله في
__________
(1) رقم (1562).
(2) ترك المؤلف (ق 93) فارغة.
(3) رقم (3226).
(5/ 2/77)

ذلك، أي: أنه سمعه منه.
وفي هذا نظر؛ لأن الحديث الذي صرَّح بسماعه ليس فيه هذه الزيادة: "أو يزاد عليه" الثابتة في رواية عثمان، [ص 95] فلعله سمع من أبي الزبير الحديث بغير الزيادة، وسمع ممن سمع منه الحديث بالزيادة.
على أنه لو فُرِض تسليم سماعه الحديث بالزيادة من أبي الزبير، لم يلزم في قرن سليمان به كونه سمعه منه أيضًا.
وفيه أيضًا: عنعنة أبي الزبير عن جابر، ولا ينفعه تصريحه بالسماع كما مر؛ لأن في هذا زيادة، فلعله دلَّسه لموضع الزيادة.
وفيه أيضًا: سليمان بن موسى عن جابر، وقد قال ابن معين: سليمان بن موسى عن جابر مرسل.
لكن في هذا بحث سيأتي إن شاء الله (1). وكذا في سليمان مقال، سيأتي تحقيقه إن شاء الله (2).
• [ص 96] البيهقي (3): أخبرنا أبو علي الروذباري أبنا محمَّد بن بكر (4) ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر بهذا الحديث: "سمعت رسول
__________
(1) (ص 90 - 91).
(2) (ص 88).
(3) "الكبرى": (4/ 4).
(4) رسمها في الأصل: "بكير" وصوابه "بكر" وهو أبو بكر محمَّد بن بكر بن داسة راوي السنن عن أبي داود. انظر "السير": (15/ 538).
(5/ 2/78)

الله صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يقصص، أو يبنى عليه".
زاد: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو أن يكتب عليه".
أقول: هو الذي قبله.
• النسائي (1): أخبرنا هارون بن إسحاق حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى وأبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص".
زاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه".
رواته ثقات، وفيه ما تعلم مما تقدم.
• [ص 97] الإِمام أحمد في "مسنده" (2) (جزء 3/ ص 295): حدثنا محمَّد بن بكر ثنا ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر: "سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يُقْعد على القبر، وأن يُجَصص، وأن يُبنى عليه".
فيه تدليس ابن جريج بقوله: "قال سليمان". و"قال" من صِيَغ التدليس.
وفيه ما تقدم من قول ابن معين: إن سليمان بن موسى عن جابر مرسل. أي منقطع.
وفيه تكرير لفظ "قال"، ف "قال" التي عَقِب لفظ "ابن جريج" مُسْنَدة
__________
(1) رقم (2027).
(2) رقم (14144).
(5/ 2/79)

لضمير ابن جريج، والتي تليها لسليمان بن موسى، ثم ذكر بعد سليمان بن موسى "قال: قال جابر" فالأخيرة مجاز، ويبقى التي قبلها.
والظاهر أنها مسندة لضمير لم يُذْكَر مرجعه في الحديث، ولعله كان قد تقدم ذكره في كلام سليمان أو غيره بحضرته كأنْ يقال له: هل سمعت عطاء - مثلًا - يحدث عن جابر في البناء على القبر؟ فيقول: قال - يعني عطاء - قال جابر. فجاء ابن جريج فقال: "قال سليمان: قال: قال جابر". [ص 98] وصَدَق أنه قال سليمان: "قال: قال جابر".
ولكن عندما قال سليمان ذلك كان معلومًا مرجع الضمير ل "قال" الأولى، وفي حديث ابن جريج صار مجهولًا، فلو صح سماع سليمان من جابر، لم ينفع في هذا الحديث، فهو على كل حال منقطع، أو فيه من لم يُسَمَّ، على الخلاف في تسمية مثله.
ويجاب عن هذا: بأنه بعيد، والظاهر أن "قال" الثالثة تأكيدٌ للثانية، وهذا أولى مما ذكر، ومن احتمال كون الرابعة من زيادة النسَّاخ. وأما قاعدة "التأسيس أولى من التأكيد" فخاصّةٌ بما إذا لم يكن إرادة التأسيس أبعد، والتأكيد أقرب.
• [ص 99] ابن ماجه (1): حدثنا عبد الله بن سعيد ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُكْتَب على القبر شيءٌ".
****
__________
(1) رقم (1563).
(5/ 2/80)

[ص 100] تحقيق حال أبي الزبير (1)
أما تدليسه فثابت، وقد مرَّ الكلام عليه عقب الروايات (2)، وقد زال المحذور بصحة التصريح بالسماع، كما مرّ.
وأما ما فيه من المقال:
فقال الشافعي: يحتاج إلى دِعامة.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا يحتج به.
وأشد الناس عليه شعبة سَيّد المتعنّتين، سئل: لم تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ، ويسترجح في الميزان.
وروي عنه أنه قال: لا يحسن أن يصلي.
وقال: بينا أنا جالسٌ عنده إذ جاء رجلٌ، فسأله عن مسألة، فرد عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا حدثت عنك أبدًا.
ووثقه الجمهور، كما سيأتي ذِكْر بعضهم.
وكلمة الشافعي إن لم تكن من أدنى مراتب التعديل، فهي من أخفِّ مراتب الجرح.
وكلمة أبي زرعة وأبي حاتم؛ من المرتبة التي تلي أخف مراتب الجرح.
__________
(1) انظر ترجمته في "تهذيب الكمال": (6/ 503)، و"تهذيب التهذيب": (9/ 440)، و"إكمال تهذيب الكمال": (10/ 336)، و"ميزان الاعتدال": (5/ 162).
(2) انظر (ص 75 - 76).
(5/ 2/81)

ومن قيل فيه ذلك، فحديثه صالحٌ للاعتبار، فإن انضم إليه مثله كان الحديث حسنًا. [ص 101] انظر "فتح المغيث" (1) (ص 24).
هذا لو فُرِض أنه لم يوثِّق أبا الزبير أحدٌ، فأما إذا وُثِّق - وهو الواقع - تعين الترجيح.
أما قول شعبة: "رأيته يزن ويسترجح في الميزان" فذلك وإن كان ينافي كمال المروءة، فليس بجرح.
قال ابن حبان (2): ومن استرجح في الوزن لنفسه، لم يستحق الترك.
وأما كلمته الثانية فلم تصح؛ لأنها من رواية سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف.
وأما قصته الثالثة؛ فالافتراء حقيقته مطلق الكذب، وظاهر السياق أنه سبَّه، والافتراء إذا أُطلق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُرِيد به القذف.
وجوابه:
1 - أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السب، ولا سيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض.
[ص 102] فعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير، وقد جاء في الحديث: "من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا" (3).
__________
(1) (1/ 83).
(2) في "الثقات": (5/ 352).
(3) أخرجه أحمد رقم (21218)، والنسائي في "الكبرى" رقم (8813)، والبخاري في =
(5/ 2/82)

2 - وعلى تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير، فيحتمل أنه قال كلمة يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا؛ لم يقبل حتى يفسّر.
ولا يَرِدُ على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري .. إلخ.
وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم؟ ثم أخبر شعبة عن ذلك بالمعنى على رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كل حال قد جرى منه شيءٌ غير لائق، فرأى الأولى المبادرة إلى الاعتذار، بأنها كلمة سبقت على لسانه لشدة الغضب.
3 - وعلى تسليم أنه قذفه قذفًا صريحًا، فقد يكون أبو الزبير مطلعًا على أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكر ذلك لشعبة؛ لأنه على كل حال مما لا يليق، وإنما سبق أولاً على لسانه لشدة الغضب، ورأى أن هذا العذر كافٍ.
ويُسْتأنس لما ذُكِر أنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف سالمًا لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدود يومئذٍ قائمة.
4 - وعلى كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه [ص 103] بقوله: "إنه أغضبني". أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه - وهو لا يشعر - كلمة مما اعتاد الناسُ النطقَ به.
__________
= "الأدب المفرد" رقم (1000)، وابن حبان رقم (3153)، وغيرهم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. وانظر "السلسلة الصحيحة" (269).
(5/ 2/83)

وقد جاء في الحديث: "لا طلاق في إغلاق" (1). وفُسِّر الإغلاق: بالغضب.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225].
5 - قال الذهبي في "الميزان" (2)، في ترجمة ابن المديني: "ثم ما كل من فيه بدعة، أو له هفوة، أو ذنوب تقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ".
وفي "إرشاد الفحول" (3) للشوكاني (ص 49): "قال ابن القشيري: والذي صحَّ عن الشافعي أنه قال: في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية، و [لأن] (4) في المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى ردِّ الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبِلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية، وخلاف المروءة رددتهما (5) " اه.
وفيه من جملة كلام عن الرازي: "والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن
__________
(1) أخرجه أحمد رقم (26360)، وأبو داود رقم (2193)، وابن ماجه رقم (2046)، والحاكم: (2/ 198)، والبيهقي: (7/ 357). وصححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بأن فيه محمَّد بن عبيد ضعّفه أبو حاتم ولم يحتج به مسلم. وانظر "الإرواء" (2047).
(2) (4/ 61).
(3) (1/ 264 - ط دار الفضيلة).
(4) زيادة من الطبعة المحققة.
(5) الأصل: "رددتها" والمثبت من المحققة.
(5/ 2/84)

مِن (1) جراءته على الكذب، تردّ الرواية, وما لا، فلا".
وفيه: قال الجويني: "الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل".
[ص 104] أقول: وهذا هو المعقول، وعليه عمل الأئمة الفحول، فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها مانعة له عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه، فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوة الظن بصدقه، لم تخدش في قبول روايته.
ومن هنا رجَّح الأئمة رواية الخوارج على رواية الشيعة؛ لأن الخوارج يعتقدون أن مطلق الكذب كفر، فضلاً عن الكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
أما الشيعة فيتدينون بالكذب (التقية) حتى جوزوها من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، بل على الله عزَّ وجلَّ؛ لتأويلهم الآيات الواردة في مدح بعض الصحابة على خلاف ظاهرها، قائلين: إنما جعل الله تعالى ظاهرها الثناء استدراجًا لأولئك القوم، ليقوموا بنصر الدين، ويكفُّوا ضررهم عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ... (2).
والذي يهمنا أن تلك الكلمة التي سبقت على لسان أبي الزبير بدون شعوره؛ لشدة غضبه، لا ينبغي أن نهدر بها مئات الأحاديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، [ص 105] مع التحقق بكمال صدقه، وحفظه وضبطه، وتحرِّيه وإتقانه.
__________
(1) في المحققة: "معه".
(2) كلمتان لم أتمكن من قراءتهما ورسمهما: "والسوط مطين".
(5/ 2/85)

6 - والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت.
ويلوح لي أن بعض أعدائه - بل أعداء الدين - دسّوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده، جاء فأغضبه؛ ابتغاء أن تسبق على لسانه كلمة، فينقمها شعبة عليه، وقد كان ما ظنوه.
ولكن حيلتهم لم تطفئ نور الله الذي بصدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به.

الأئمة الموثقون له
" الميزان" (1):
ابن المديني: ثقة ثبت.
ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح.
يعلي بن عطاء: كان أكمل الناس عقلاً وأحفظهم.
عطاء: كنا نكون عند جابر، فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا.
ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة.
ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أنه يروي عنه بعض الضعفاء, فيكون الضعف من جهتهم.
__________
(1) (5/ 162).
(5/ 2/86)

[ص 106] عثمان الدارمي: قلت ليحيى (بن معين) فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمَّد بن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان.
وممن وثقه أيضًا الإِمام مالك، فإنه روى عنه، وهو لا يروي إلا عن ثقة. والإمام أحمد، والساجي، وابن سعد، وابن حبان.
وقال الذهبي: هو من أئمة العلم، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة.
والظاهر أن الموثِّقين اطلعوا على قصة شعبة، واطلعوا على ما يدفع ما فيها من الإيهام، أو حملوها على بعض ما قدمنا، أو غير ذلك.
ولا سيما ومنهم ابن معين، والنسائي، وابن حبان، وحسبك بهم تعنُّتًا في الرجال، كيف ومعهم بضعة عشر إمامًا.
وسيظن ظانون أنه ما حدانا إلى الدفاع عن أبي الزبير إلا حرصنا على صحة حديثه هذا، فليعلموا أن الحجة قائمة بدونه مما مضى، وما سيأتي. [ص 107] وأن أبا الزبير لم تكن روايته قاصرة على هذا الحديث، فإن له أحاديث كثيرة، ربما يكون منها ما لا يوافق هوانا، ورغبة نفوسنا. وما دافعنا عنه إلا ونحن مستشعرون لذلك، ولكن نظرنا في حقيقة الحال، ففهمنا أن الرجل حجة، سواءً أكان لنا أم علينا، وكل من نظر بعين الإنصاف تحقق ما قلناه. والله الموفق، لا رب غيره.
****
(5/ 2/87)

[ص 108] تحقيق حال سليمان بن موسى (1)
قال البخاري: عنده مناكير.
النسائي: ليس بالقوي.
أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب.
أما عبارة البخاري؛ فهو وإن قال: "كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به"، وفي لفظ: "لا تحل الرواية عنه" اه "فتح المغيث" (2) (ص 163) = ففرقٌ بين "منكر الحديث" و"عنده مناكير".
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": "قولهم: "روى مناكير" لا يقتضي بمجرَّده ترك روايته، حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: "منكر الحديث"؛ لأن "منكر الحديث" وصفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه. والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمَّد بن إبراهيم التيمي: "يروي أحاديث منكرة"، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث "الأعمال بالنيّات" اه. "فتح المغيث" (3) (ص 163).
أقول: وإنما يُجْرَح بالمناكير إذا كان الرواة عن الرجل ثقات أثبات (4)،
__________
(1) له ترجمة في "تهذيب الكمال": (3/ 304)، و"تهذيب التهذيب": (4/ 226)، و"إكمال تهذيب الكمال": (6/ 99)، و"الميزان": (2/ 415).
(2) (2/ 125).
(3) (2/ 126).
(4) كذا، والوجه: "أثباتًا".
(5/ 2/88)

يبعد نسبة الغلط إليهم، وكذا مشايخه ومن قبلهم، ثم كثر ذلك في روايته، ولم يكن له من الجلالة والإمامة ما يقوِّي تفرُّده.
وهم قد يطلقون هذه الكلمة إذا كانت تلك الأفراد مما رُوِيت عنه، وإن لم يتحقق أن النكارة من قبله، ويطلقونها إذا كان عنده ثلاثة أحاديث فأكثر. انظر كتب المصطلح.
وقد سَرَد في "الميزان" (1) ما له من الغرائب، وهي يسيرة، وبيَّن أنه توبع في بعضها، ثم قال: "كان سليمان فقيه أهل الشام في وقته قبل الأوزاعي، وهذه الغرائب التي تُسْتنكر له يجوز [ص 109] أن يكون حفظها" اه.
قلت: وبعض الغرائب من رواية ابن جريج عنه بالعنعنة، وابن جُرَيج مدلّس، فربما كانت النكارة من قبل شيخٍ لابن جريج، دلَّس له عن سليمان.
وعلى نحو ذلك تُحْمَل كلمة أبي حاتم، مع أن قوله: "بعض الاضطراب" يُشْعِر بقلته جدًّا، لا سيما مع قرنه له بقوله: "محله الصدق".
أما كلمة النسائي؛ فتوهينٌ يسيرٌ، غير مفسَّر.
وأبو حاتم والنسائي من المتعنتين في الرجال.

الموثقون
سعيد بن عبد العزيز: لو قيل: من أفضل الناس؟ لأخذت بيد سليمان بن موسى.
ابن عدي: تفرَّد بأحاديث، وهو عندي ثبتٌ صدوق.
__________
(1) (2/ 415).
(5/ 2/89)

يحيى بن معين: سليمان بن موسى عن الزهري، ثقة.
دُحيم: كان مقدَّمًا على أصحاب مكحول.
[ص 110] ومع هذا كله، فليس الحديث الذي نحن بصدده من أفراده، ولكن أردنا تحقيق حال الرجل من حيث هو، كما فعلنا في شأن أبي الزبير.
بقي البحث في سماعه من جابر:
في "تهذيب التهذيب" (1): أرسل عن جابر، وفيه: وقال ابن معين: سليمان بن موسى عن مالك بن يُخَامر، وعن جابر مرسل. اه.
ولم يذكر ما يخالف ذلك، لكن رأيت في "مسند الإِمام أحمد" (2) (جزء 3/ ص 295): ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال سليمان بن موسى: أنا جابر أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا".
ثنا محمَّد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني سليمان بن موسى قال أخبرني جابر أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا". اه.
[ص 111] فقول سليمان في السند الأول: "أنا جابر" صريحٌ في سماعه من جابر، لكن فيه عنعنة ابن جريج.
وأما السند الثاني؛ محمَّد بن بكر وابن جريج على شرط الشيخين، وقد
__________
(1) (4/ 227).
(2) رقم (14143، 14144).
(5/ 2/90)

صرَّح كلٌّ منهما بالسماع، بحيث انتفى احتمال التدليس، وصرح سليمان بقوله: "أخبرني جابر"، ويبعد كلَّ البعد أن يكون ههنا سهو من النسَّاخ في السندين المتتابعين معًا، فلم يبق إلا أحد احتمالين:
إما أن يكون صَدَق في أن جابرًا أخبره، وإما أن يكون كذب.
وقد ثبت أن الرجل صدوق، وهو أعلم بنفسه من ابن معين وغيره. ولم ندرِ علامَ بني ابنُ معينٍ حكمَه، فتمسَّكْنا بما صح من سماع سليمان عن جابر، وقد أدرك من حياة جابر مدةً طويلة.
هذا، مع علمنا بأن ثبوت سماعه من جابر لا يفيد صحة حديثه في شأن القبور [ص 112] ما دامت عنعنة ابن جريج قاطعة الطريق، إلا أن توجد رواية مصرحة بسماع ابن جريج منه لهذا الحديث.
فأما تصريح سليمان بالسماع، فلا ضرورة إليه، إذ قد صحّ سماعُه من جابر، وليس بمدلّس.
على أن مجرد إمكان لقيه لجابر كافٍ في حمل عنعنته على السماع، على ما اختاره مسلم، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى، في تحقيق حال القاسم بن مخيمرة (1).
...
__________
(1) (ص 94 وما بعدها).
(5/ 2/91)

حديث أبي سعيد الخدري
• ابن ماجه في "سننه" (1): حدثنا محمَّد بن يحيى ثنا محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك الرقاشي ثنا (وهب، وفي نسخة - وهو الصحيح -) وُهيب (بن خالد الباهلي) ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد: "أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُبنى على القبر".
الإسناد صحيح، وإنما النظر في سماع القاسم من أبي سعيد، وسيأتي.
• [ص 113] "مسند أبي يعلى" (2): حدثنا العباس بن الوليد النرسي نا وهيب نا عبد الرحمن بن يزيد (3) بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد قال: نهى نبي الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبور، أو يُقعد عليها أو يُصلى إليها".
العباس بن الوليد: من رجال "الصحيحين".
• "جامع الزوائد" (4): وعن أبي سعيد قال: "نهى نبي الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبور أو يُقْعَد عليها أو يصلّى إليها". ورواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
__________
(1) رقم (1564).
(2) رقم (1016).
(3) في المطبوعة: "زيد" تصحيف.
(4) (3/ 61).
(5/ 2/92)

قلت: ذكرته استظهارًا؛ لأن نسخة "مسند أبي يعلى" التي نقلت عنها الحديث خطية، وكذا نسخة "جامع الزوائد".
****

[ص 115] حال القاسم بن مخيمرة
في "تهذيب التهذيب" (1) أول ترجمته: روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة ... إلخ. ثم ذكر بعد أسطر عن يحيى بن معين أنه قال: لم نسمع أنه سمع من أحدٍ من الصحابة. وفي آخر ترجمته: قال ابن حبان: "سأل عائشة عما يلبس المحرم".
[ص 116] أقول: لم أجد فرصةً لتفتيش كتب الحديث لتحقيق سماع القاسم بن مُخَيمرة مِن أبي سعيد رضي الله عنه، لكنه كان معاصرًا له قطعًا، فقد ثبت بما قاله ابن حبان أن القاسم أدرك عائشة إدراكًا بينًا، وقد كانت وفاتها سنة (57) فإدراكه لأبي سعيد بَيِّن واضح؛ لأن أقل ما قيل في وفاة أبي سعيد أنها سنة (63) وأكثره سنة (74)، ووفاة القاسم - على ما ذكر ابن سعد (2) - في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (100) تقريبًا (3).
...
__________
(1) (8/ 327).
(2) في "الطبقات": (8/ 419).
(3) انظر "تحفة التحصيل" (ص 414). وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 277) في الكلام على هذا الحديث: منقطع؛ لأن القاسم لم يسمع من أبي سعيد.
(5/ 2/93)

الحمد لله

بحث شرط اللقاء
نقل مسلم رحمه الله في مقدمة "صحيحه": إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلَّس، ما لم يقم دليل على نفي اللقاء، وشنَّع على من اشترط ثبوت اللقاء من أهل عصره.
ثم جاء المتأخرون فقالوا: إن الاشتراط قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وشيخه ابن المديني.
[ص 117] ولا يخفى أن هذا لا ينافي سَبْق الإجماع لهما، ومجرَّدُ حُسْن الظن بهما أنهما لا يخرقان الإجماع، ولعلهما اطلعا (1) أنه لم يزل في طبقات السلف من يشترط اللقاء = لا يُغني شيئًا.
فلو ناظر مسلمٌ البخاريَّ، فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يفده إلا أن يصرَّح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات في موافقة قوله؛ فأما مجرد إنكار الإجماع فلا يفيد، إذ الإجماع من الأمور التي لا يطالب مدّعيها بدليل.
أما لو قال البخاري: إنه يلزمك وغيرك حسن الظن بنا، لكان قد أتى بما يُضْحَك منه.
__________
(1) تحتمل: "وأنهما مطلعان".
(5/ 2/94)

نعم ذكر السخاوي في "فتح المغيث" (1) (ص 66): عن الحارث المُحاسبي ما يُظنّ خادشًا للإجماع حيث قال: "اختلف أهل العلم .. إلخ".
لكنه لا يصادم نقل مسلم؛ لاحتمال أن يكون راعَى خلافَ ابنِ المديني، ومع هذا فإننا لا نُقْنِع أنفسنا بالتمسّك بدعوى الإجماع، كما لا يَهُولُنا دعوى التحقيق في الطرف الآخر، بل نسعى لتحقيق البحث بأدلته الحقيقية على سورة مناظرة، مشيرين لمذهب مسلم رقم (1)، ومقابله برقم (2)، ونستوفي البحث بقدر الجهد، بحسب ما اطلعنا عليه من أدلة الفريقين، وما ظهر لنا أنه قد يُستدل به. والله المستعان.
[ص 118] (1) الأصل الثابت في الرواية أن يكون عما شاهده الراوي وأدركه، سواء أعَلِم السامع لقاءً للمروي عنه أم لا، وعليه فهذا هو الأصل والظاهر الذي يجب التمسُّك به حتى يتبين خلافه.
(2) ما دليلكم على ذلك؟
(1) نذكر أمثلة نوضحه بها:
أ - مصريٌّ زار اليمن، ثم عاد فأخذ يخبر عن فلان من علماء صنعاء أنه قال: كذا، وعن آخر من علماء زبيد، وثالث من علماء تعز، والسامعون لا يسمعون بأولئك العلماء، ولم يخبرهم أنه لقيهم، ولا أنهم أحياء.
ب - هنديٌّ زار الحجاز، ثم عاد، فأخذ يخبر عن فلان من علماء مكة، وفلان من علماء المدينة، وفلان من علماء الطائف، والسامعون كما تقدم.
ج - عالمٌ هنديّ أخذ يخبر بمثل الذي قبله، مع أن السامعين لا يعلمون أزار الحجاز أم لا؟
__________
(1) (1/ 191).
(5/ 2/95)

من تأمل هذه الأمثلة علم أن الذي يتبادر إلى الأذهان من رواية أولئك الأشخاص أنها عن سماع، مع أن الفرض أن الراوي عنعن، وأن السامع لا يعلم المعاصرة بدليل خارجي، فضلاً عن اللقاء، أما إذا علمها فإن الأمر يزداد قوة.
[ص 119] (2) (1) هذه الأمثلة تُعارَض بغيرها، فإذا ذهب شرقيٌّ إلى أوربا، ثم عاد فأخبر عن فلان بإنجلترا، أو عن فلان بفرنسا، وعن فلان بألمانيا، فإن الذي يتبادر عدم السماع، وإن عُلِمت المعاصرة.
(1) هذا التبادر لوجود القرائن الصارفة عن الأصل، كتباعد البلدان وضعف الدواعي إلى زيارتها، وزيادة المشقة في ذلك، ووجود البرق والبريد والصحافة والتأليف بكثرة، وغَلَبة الإرسال بحيث لا تكاد تجد إنسانًا يقول: أخبرني فلان عن فلان، وغير ذلك، ولهذا مثلنا أمثلة بريئة عن القرائن، وإن شئت فتصوَّرْها واقعةً في زمن التابعين حيث كانت الأقوال - ولا سيما السنة - إنما تؤخذ من ألسنة الرجال، فلا برق ولا بريد ولا صحافة، بل ولا تأليف.
والناس يومئذ أهل جدًّ وتشمير في الرحيل لطلب العلم، ولا سيما للقاء أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا كان الراوي أو المروي عنه بأحد الحرمين، والناس يومئذ كلهم يزورون الحرمين، وكثير منهم من يحج كل سنة؟
__________
(1) الأصل: (ب) وهو رمز الفريق الثاني الذي أشار المؤلف أنه سيرمز له ب (2) فكأنه ذهل عنه، كما سيحصل عدة مرات.
(5/ 2/96)

[ص 120] فكيف إذا شئت زيارة الحرمين بالفعل، أو كان أحد الرجلين ببلدة قد وصلها الآخر، فكيف إذا أقاما ببلدة واحدة؟!
والحاصل أن الأصل كما قررناه، وأنه قد تقوم قرائن تصرف عنه، وقد تقوم قرائن تؤيده.
ولنذكر مثالاً آخر يوضّح ذلك الأصل:
كنا في بومباي - مثلاً - فجاء رجل من السند، لم يصل بومباي قبل، فمكث في بومباي بضعة أيام، ثم لقينا، فأخذ يخبرنا عن فلان المدرِّس بمدرسة كذا في بومباي أنه قال كذا، وعن فلان الإِمام بمسجد كذا فيها أنه صلَّى الجمعة بسورة كذا، وعن فلان التاجر بها أن سائلاً سأله فرد عليه بكذا.
فالذي يتبادر إلى الأذهان أنه لقي أولئك الأفراد وسمع منهم، مع أنه لو لم يخبرنا بذلك، لم يترجَّح لنا ألقيهم أم لا.
فتبين أن التبادر إنما جاء من الرواية, فثبت أن الأصل في الرواية, أن تكون عما شاهده الراوي وأدركه.
[ص 121] (2) لعل اصطلاح المحدّثين كان على خلاف ذلك، كما يدل عليه ذهاب ابن المديني والبخاري، ومن تبعهما إلى ما ذهبوا إليه.
(1) قد أسلفنا أن مجرد ذهابهما إلى ذلك القول لا يصلح نقضًا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وهو يدل أبلغ دلالة أن اصطلاحهم كان موافقًا للأصل، بل هناك من القرائن ما يدلّ على شدة محافظتهم على الأصل أشدّ من محافظة غيرهم، وذلك مزيد احتياطهم وتثبتهم وجريان عادتهم بالإسناد، والتحفُّظ من نقد النقاد، وغير ذلك.
(5/ 2/97)

على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع بقيت الأغلبية، وهي كافية في إثبات المطلوب، مع أن موافقة البخاري وشيخه على حمل عنعنة من ثبت لقاؤه على السماع، يدل على ما ذكرنا، وإلا لكانت الحجة عندهما هي مجرَّد اللقاء.
فيلزمهما أن كل من لقي شيخًا ثبت سماعه لكل حديثه، وهذا كما ترى. [ص 122] وإنما رأيا أن دلالة الرواية بدون ثبوت اللقاء لا تخلو عن ضعف، فاشترطا تقويتها بثبوت اللقاء.
ونحن نسلِّم أن الرواية مع ثبوت اللقاء أقوى منها بدونه غالبًا, ولكن هذا لا يقتضي عدم حجيتها، إذا كانت في نفسها دلالة ظاهرة محصِّلة للظن، على أنه يعلم مما قدمناه أن القرائن قد تتظافر على إثبات اللقاء حتى تكاد تقطع به، وإن لم ينقل صريحًا.
(2) لنا: شيوع الإرسال في السلف، فإنه دليل على أن اصطلاحهم على خلاف الأصل الذي قدَّمْتُم.
(1) أما الإرسال الجلي فلا نزاع فيه؛ لأن المرسل يتَّكِل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل، وهذا إنما هو كشيوع المجاز، لا يقتضي إلغاء الحقيقة (1).
وأما الإرسال الخفي، فلنا جوابان عنه:
أ - لا نسلِّم شيوعه. والاستقراء يدل على قلته؛ فإن أكثر رواية التابعين وتابعيهم المتصلة معنعنة، ولو كان الإرسال الخفي شائعًا فيهم لأقلوا خشية
__________
(1) بعده في الأصل كلمة "بل" والكلام بدونها مستقيم.
(5/ 2/98)

[ص 123] الإيهام.
(2) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على ثبوت اللقاء.
(1) ما كل سامع لحديثهم بمُطَّلع على اللقاء، فالإيهام باقِ بالنسبة إلى من لم يطلع.
(2) لعلهم كانوا يتكلون على أن من لم يطلع على ثبوت اللقاء يسأل عنه.
(1) قد يتساهل فلا يسأل، مع أنه قد يغلب على ظنه ثبوت اللقاء للقرائن المتقدمة، فالأسهل والأحوط التصريح بالتحديث من أول وهلة ولا حامل على تركه.
فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون المتصلات؛ لاعتقادهم دلالة ذلك على السماع، بل إذا تتبعت رواية المدلسين وجدتهم كثيرًا ما يعنعنون المتصلات، فلماذا يعنعنون مع علمهم بأن عنعنتهم لا تُحْمَل على السماع لتدليسهم؟
هل يقال: إنهم كانوا يريدون أن يوهموا أنهم لم يسمعوا تلك الأحاديث، والحال أنهم سمعوها؟! هذا عكس التدليس المتعارف.
فالتدليس: إيهام السماع مع عدمه، وهذا إيهام عدم السماع مع ثبوته، وغرض المدلس إنما يتعلق [ص 124] بالأول دون الثاني.
فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون جريًا على الأصل والعُرْف المطَّرد في الاكتفاء بالعنعنة في المسموع.
(5/ 2/99)

ب - (1) الإرسال الخفي تدليس، والكلام في الراوي غير المدلس، فإذا سويتم بين من وصف بالتدليس وغيره؛ لزمكم أن تردوا المعنعن مطلقًا، كما ذكره مسلم رحمه الله تعالى.
(2) كلا ليس الإرسال الخفي تدليسًا، إذ لا إيهام فيه مع عدم اللقاء.
(1) قد قدمنا ما يُعْلَم منه أن الإيهام واقع، وإن لم يثبت اللقاء، ويتأكد بالقرائن، كما مر.
(2) على كلَّ حال المختار أنه ليس تدليسًا، كما يُعْلَم بمراجعة كتب المصطلح.
(1) التحقيق أنه تدليس، ولكن لا نطيل ببيانه، إذ يغنينا أن نقول: لا يضرّ الخلاف في الاسم، فالإرسال الخفي كالتدليس في الإيهام والتغرير، بل هو أقبح منه وأشنع، قال في "فتح المغيث" (2) (ص 74 - 75): "فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (3): ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة؛ فهو تدليس مذموم [ص 125] عند جماعةِ أهلِ الحديث. وكذلك إن حدَّث عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حدّ التدليس الذي رخَّص فيه من رخَّص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه.
وسبقه لذلك يعقوب بن شيبة كما حكاه الخطيب عنه، وهو مع قوله في موضع آخر: "إذا وقع فيمن لم يلقه ... أقبح واسمع (أشنع) (4). يقتضي أن
__________
(1) هذا الجواب الثاني للفريق الأول، وتقدم (أ) في (ص 98).
(2) (1/ 210 - 211).
(3) (1/ 27 - 28)
(4) كذا كتب المؤلف تصحيحًا للنص، وهو في المحققة والتمهيد: "أسمج".
(5/ 2/100)

الإرسال أشد، بخلاف قوله الأول، فهو مُشْعِر بأنه أخف، فكأنه هذا (هنا) عني الخفي لما فيه من إيهام اللقيّ والسماع معًا، وهناك عنى الجلي لعدم الالتباس فيه". اه.
أقول: قوله: "إيهام اللقي والسماع معًا"، أي لأن الرواية توهم السماع، ولا يكون سماع إلا مع لقي، وكلاهما غير واقع، بخلاف التدليس، فإن أحدهما وهو اللقي واقع.
(2) لكن الإيهام في التدليس أقوى لثبوت اللقاء.
(1) نعم، غالبًا، لكن قوة الإيهام فيه لا تنافي وجود الإيهام في الإرسال الخفي، على أن الإيهام في هذا لأمرين كلاهما غير واقع، وفي التدليس لأمرٍ واحد غير واقع، مع أنه قد يكون هناك قرائن تقوِّي إيهام اللقاء.
[ص 126] (1) فقد لزمكم على الأقل أن تسووا بين الأمرين، فكما أنكم لا تقبلون عنعنة من لم يثبت لقاؤه خشية الإرسال الخفي، وإن لم يوصف بأنه كان يفعله، فكذلك لا تقبلوا عنعنة من ثبت لقاؤه خشية التدليس، وإن لم يوصَف بأنه كان يدلِّس.
(2) ها هنا فرق، وهو: أن السلامة من التدليس هي الأصلُ، والظاهرُ من حال الثقة، فلا يقاوم لاحتماله وزن ما لم يُنقل.
(1) وكذلك نقول في الإرسال الخفي سواء، بل السلامة من الإرسال الخفي أقرب، لأمور:
منها: أنه أقبح وأشنع كما مر، فالثقة أشد بُعْدًا عنه.
(5/ 2/101)

ومنها: أن الغرض الحامل عليه أضعف من الحامل على التدليس, لأن الشخص قد يستنكف عن إدخال واسطة بينه وبين شيخ قد لقيه وسمع منه، لأن ذلك يوهم تقصيره بخلاف من لم يلقه.
ومنها: أن الشخص يرغب في التدليس, لأنه أروج لدلسته من الإرسال الخفي.
ومنها: أنه لا يأمن الإنكار في الإرسال الخفي، فإنه قد يكون هناك من يعلم عدم اللقاء فيبادر بالإنكار عليه [ص 127]، بخلاف التدليس، فإنه لا يُنْكَر عليه الرواية عن شيخ قد لقيه وسمع منه.
(2) أما المدلسون فقد تكفَّل الأئمة ببيانهم، بخلاف الإرسال الخفي، فلم يبينوا أهله على جهة الاستقصاء، وهذا يدل أنهم كانوا يرون الخطر في التدليس، ولا يرون في الإرسال الخفي خطرًا.
وهذا إنما يتمشَّى على أنهم كانوا يشترطون اللقاء في قبول المعنعن، فمتى فُقِد اللقاء، فالعنعنة غير مقبولة لفقده، سواء أكان الراوي ممن يرسل الإرسال الخفي أم لا.
ومتى ثبت اللقاء فالعنعنة مقبولة، إلا إن كانت من مدلِّس، فلهذا اهتموا ببيان المدلسين، بخلاف الإرسال الخفي.
(1) هذه مغالطة، فقد قدمنا بيان دلالة الرواية على السماع، وقدمنا نقل مسلم لإجماع السلف على حملها على السماع إذا ثبتت المعاصرة فقط، وبسطنا ذلك أحسن بسطٍ، وأما هذه الشبهة فلنا جوابان عنها:
جواب مكافأة، وجواب إنصاف.
(5/ 2/102)

[ص 128] أ - أنه إن كان الأئمة لم ينقلوا عن أحد أنه كان يرسل إرسالاً خفيًّا، فهذا دليل لنا على غلظه وشدة شناعته وقبحه، بحيث إن جميع المحدثين تنزَّهوا عنه، إلا الكذابين، فإن وصفهم بالكذب يغني عن وصفهم بالإرسال الخفي، وإن كان الأئمة نقلوا ذلك، ولكن عن قليل بالنسبة إلى من نقلوا عنه التدليس، فهذا أيضًا دليل لنا على شناعة الإرسال الخفي، بحيث إن الموصوفين به من المحدثين قليل جدًّا بالنسبة إلى المدلِّسين.
ب - المشهور بين المحدِّثين أن الإرسال الخفي تدليس، فالوصف بالتدليس يتناول النوعين، ولنا بحثٌ في تحقيق هذه المسألة نلخصه ها هنا:
في عبارة ابن الصلاح (1) في حد التدليس "فتح المغيث" (2) (ص 73): "وعمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه". وتبعه النووي، وعبارته في "التقريب" (3): "بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه"، وكذا العراقي. وقال في "فتح المغيث" (4) (ص 74): "إنه هو المشهور بين أهل الحديث".
ومثله للسيوطي في "شرح التقريب" (5)، [ص 129] وهو ظاهر عبارة الخطيب في "الكفاية" (6). انظر "فتح المغيث" (ص 74) وإن قال
__________
(1) "علوم الحديث" (ص 73).
(2) (1/ 208).
(3) (1/ 256 - مع تدريب الراوي).
(4) (1/ 209).
(5) (1/ 256).
(6) (ص 357).
(5/ 2/103)

الحافظ (1): إنها تخالفه.
ويؤيد هذا القول: أن معنى التدليس لغةً يتناوله، والأصل عدم النقل.
وأما البزَّار وابن القطان وابن عبد البر، فإنهم وإن خصوا تعريف التدليس بما ثبت منه (2) اللقاء؛ فقد فرقوا بينه وبين الإرسال بوجود الإيهام في الأول بخلاف الثاني، وهذا يدلك أنهم أسقطوا الإرسال الخفي، فلا أدخلوه في تعريف التدليس لما مر، ولا في الإرسال؛ لقولهم: "إن الإرسال لا إيهام فيه".
ومع ذلك فكلامهم يدلّ على إلحاقه بالتدليس، لوجود الإيهام فيه، فليس من الإرسال.
ولقولهم: إن التدليس إنما كان تدليسًا لوجود الإيهام. وفي هذا إيهام وأيُّ إيهام. انظر عبارة ابن عبد البر المنقولة سابقًا.
وأما كلام الشافعي، فلم أقف عليه الآن، إلا أن المدَّعى إنما هو أنه يقتضيه وليس صريحًا فيه.
وأما قول أبي حاتم في أبي قِلابة الجَرْمي "فتح" (3) (ص 67): إنه كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يُعْرَف له تدليس. اه.
فيُحْمَل على الإرسال الجلي، بأن يكون مشهورًا بين الناس أنه لم
__________
(1) في "النكت على ابن الصلاح": (2/ 614 - 615).
(2) تحتمل: "فيه".
(3) (1/ 192).
(5/ 2/104)

يلقهم، فلا إيهام، والرواية عن المعاصر إنما تكون تدليسًا إذا وجد الإيهام.
[ص 130] وأما استدلال الحافظ "فتح" (1) (ص 73): بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس، فلو كان مجرد المعاصرة يُكتفى به في التدليس؛ لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قطعًا, ولكن لم يُعْرَف هل لقوه أم لا؟ اه.
وجوابه: أن الصحبة أمر غير مجمل لا يخفى، فكان معلومًا للتابعين أن هؤلاء ليسوا بصحابة، فلم يكن في إرسالهم إيهام.
وقوله - رحمه الله -: "ولم يُعْرَف هل لقوه أم لا" فيه نظر. "راجع تراجمهم في كتبه".
على أنه لو فُرِض أنه لم يقم دليل على عدم لقائهم له صلَّى الله عليه وآله وسلم، لالتزمنا أن تكون روايتهم عنه دعوى صحبة لها حكمها.
ومع هذا كله فالمدَّعَى إنما هو كون هذا القول هو المشهور بين أهل الحديث، فلا ينافيه أن يكون منهم من يخالفه.
[ص 131] على أنه لو فُرِض أن الإرسال الخفي لا يسمى تدليسًا، لكان وصف الشخص بالتدليس يدل على أنه لا يتنزه عن الإرسال الخفي؛ لأنهما متقاربان متشابهان.
(2) بقي لنا اعتراض واحد، إن تفصَّيتم عنه فقد فلَجْتُم، وهو: أن الثقة
__________
(1) (1/ 208). وانظر "النكت": (2/ 408 - 409).
(5/ 2/105)

قد يرسل عمن عاصره غير قاصد إيهامًا، بل اتكالًا على معرفة السامع بعدم اللقاء، كما حملتم عليه قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي، فيكون هذا إرسالًا خفيًّا في الحقيقة لا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقله، وإن صار فيما بعد خفيًّا.
(1) هذا أشق ما أوردتموه، وعلى ذلك فجوابه [ص 132] من وجهين: إلزامي، وتحقيقي.
أما الإلزامي: فلأنه يلزمكم مثله في التدليس، بأن يقال: إن الثقة قد يرسل عمن لقيه وسمع منه غير قاصدٍ إيهامًا، بل اتكالاً على معرفة السامع بأنه وإن لقيه لم يسمع، أو سمع منه ولكن هذا المعنعن ليس مما سمعه وهذا لا يسمى تدليسًا، إذ لا إيهام فيه، فلا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقله، وإن صار فيما بعد تدليسًا.
فإذا اعتبرتم الاحتمال هناك، لزمكم اعتباره هنا، فتردون كلَّ معنعن كما قاله مسلم رحمه الله.
وأما التحقيقي؛ فنقول: إن السامع من المُعَنعِن إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين أن شيخَه لم يلق الذي روى عنه، فإن فُرِضَ أن هذا السامع حَدَّث من يعلم بعدم لقاء المعنعن لشيخه، فهذا المحدِّث إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين وهكذا.
فتلخَّص من هذا: أنه إذا ثبت عن أحد رجال السند [ص 133] بيان أن المعنعِن لم يلق المعنعَن عنه، فالأمر واضح، وإن لم يجئ البيان عن أحد منهم ولا عن غيرهم، وجب حمل تلك العنعنة على السماع؛ وإلا لزم أن يكون في الرجال مدلِّس، المفروض سلامتهم من التدليس، وهذا هو
(5/ 2/106)

جوابكم عما ألزمناكم، فصحّ وثبت أن العنعنة من المعاصر غير المدلس إذا رُوِيت بسندٍ رجاله ثقات غير مدلسين، فهي محمولة على السماع، إلا أن يقوم دليل على خلافه.
ومثل العنعنة غيرها من ألفاظ الرواية التي ليست صريحةً في السماع، ولا في عدمه.
(2) هل وافقكم أحدٌ على رأيكم هذا؟
(1) ها هي الأدلة بين أيديكم، تأملوها، فإن رأيتم الدليل موافقًا لنا، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن رأيتموه علينا، فلن ينفعنا موافقة أحد.
على أننا قد قدمنا أن هذا قول الإِمام مسلم بن الحجاج، ونقل أنه إجماع السلف من أهل الحديث، ولم تخدش دعوى الإجماع بما يعد خادشًا، وقد نقل السخاوي (ص 62) (1) كلامًا عن ابن الصيرفي نلخصه:
"أن التابعيَّ إذا قال: "عن رجل من الصحابة" [ص 134] لا يقبل، إذ لا يعلم أعاصره أم لا، فلو أمكنَ عِلْمُ أنه عاصره جُعِل كمدرك العصر ... ".
ثم قال السخاوي: "وتوقف شيخنا (2) في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حُمِلَت عنعنتُه على السماع، وهو ظاهر.
قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جُلّ روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جلُّ روايتهم عن التابعين؛ فلا بد من تحقّق إدراكه لذلك الصحابي، والفَرْض أنه لم يسمعه
__________
(1) (1/ 178).
(2) انظر كلام الحافظ في "النكت": (2/ 351).
(5/ 2/107)

حتى نعْلم هل أدركه أم لا؟
لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في ذلك، إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام" اه.
أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعن للصحابي، فضلاً عن لقائه، ففي مسألتنا أولى وأحرى؛ لأنه قد ثبت الإدراك وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء، كما مرّ.
والعجب من الحافظ رحمه الله كيف مشى معهم [ص 135] في ترجيح رد عنعنة من عُلِمت معاصرته دون لقائه، مع أنها قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقّف عن ردِّها بل احتج لقبولها في حق من لم تُعْلَم معاصرته أصلاً، وكان العكس أقرب كما هو واضح. والله أعلم.
***
(5/ 2/108)

[ص 136] حديث أم سلمة
قال الإِمام أحمد في "مسنده" (1) (جزء 6 ص 299): ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبر أو يُجَصَّص".
ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله (يعني ابن المبارك) أخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم "نهى أن يُجَصص قبر، أو يُبنى عليه، أو يُجْلَس عليه". اه.
[ص 137] في ابن لهيعة كلام كثير، ولكن فصل الخطاب فيه ما ذكره الذهبي في "الميزان" (2) قال: "قال ابن حبان: قد سبرتُ أخباره من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فألزق تلك الموضوعات بهم" اه.
أقول: قوله "ضعفاء" أي: عند الناس فلا ينافي أن يكون ابن لهيعة يظنهم ثقات.
إذا تقرر هذا، فحديث المتقدمين صحيح، لا يخشى منه إلا التدليس، فإذا جاء من روايتهم ما صرَّح فيه ابن لهيعة بالتحديث فهو صحيح.
__________
(1) رقم (26566, 26567).
(2) (3/ 189 - 197).
(5/ 2/109)

لكن في "الميزان": "وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله، [ص 138] وليس ممن يحتج به" اه.
وقال ابن مهدي والإمام أحمد وأحمد بن صالح والفلاس وغيرهم: إن رواية المتقدمين عنه صحيحة.
والحافظ عبد الغني والساجي وغيرهما: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح.
وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلَّابًا للعلم، وقد ضعّفه قوم مطلقًا. ونصّ بعضُهم: أنه ضعيف أولاً وآخرًا.
والحق ما حققه ابن حبان، فإنه قد حقق ما ظنوه وفصَّل ما أجملوه.
إذا تقرر هذا، فحديث الباب:
الرواية الأولى: حسن ثنا ابن لهيعة: ضعيفة.
والثانية: من حديث ابن المبارك أخبرنا ابن لهيعة حدثني ... إلخ: فهي صحيحة, لأن ابن المبارك من العبادلة، ومن المتقدمين، وممن كان يتتبع كتبَ ابن لهيعة، وقد صرَّح ابن لهيعة بالتحديث.
فالظاهر أن ما في الرواية الأولى من زيادة الوصل، ونقص ذكر الجلوس من التخليط، فالحكم للمرسل [ص 139]، فالحديث مرسل صحيح.
فأما من يحتج بالمرسل وحده، فهو عنده حجة مستقلة.
(5/ 2/110)

وأما من يشترط أن يعتضد؛ فهو عنده حجة لما تقدم من العواضد.
ويؤيده أن ناعمًا مع إدراكه كثيرًا من الصحابة، قليل الحديث، لم يحدِّث إلا عن مولاته أم سلمة، وعن عبد الله بن عَمرو، فالظاهر أن إرساله مما سمعه من الصحابة. والله أعلم.
***
(5/ 2/111)

[ص 140] تتمة لحديث جابر وأبي سعيد وناعم
لو فُرِض أنّ ابنَ جريج لم يسمع هذا الحديث من سليمان، فلا بد أن يكون قد سمعه ممن هو ثقة عنده على الأقل، وهذا الذي يكون ثقة عند ابن جريج أقل ما فيه أن يكون صالحًا للمتابعة.
ثم إذا فُرِض أن سليمان لم يسمع من جابر، فكذلك لا بد أن يكون سمعه ممن هو ثقة عنده, وكذلك يقال في القاسم وناعم، وذلك أن توثيق الأئمة لهؤلاء يتضمن أنهم لا يرسلون إلا عن ثقة مطلقًا أو على الأقل عندهم، إذ لو كانوا يرسلون عن الضعفاء المتفق على ضعفهم لَمَا كانوا ثقات.
وقد صرحوا أن من جملة الضعيف الذي يتقوّى فيصير حسنًا: ما كان فيه تدليس بالعنعنة، أو انقطاع بين ثقتين حافظين. انظر "فتح" (1) (ص 24).
مع أن حديث ناعم مرسل فهو حجة، إما بمفرده، وإما بعواضده.
فعلى تسليم المطاعن كلها, لا يقصر الحديث عن بلوغه أعلى درجة الصحيح لغيره؛ فكيف وقد أجبنا عنها ولله الحمد، [ص 141] فكيف إذا لوحظ حديث فَضالة وحديث عليّ، وعمل الصحابة والآثار المروية عنهم، مع موافقة آية المواراة (2).
__________
(1) (1/ 75).
(2) وهي قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31].
(5/ 2/112)

والأصل الفطري والقياس المعبر عنه: بأن القبر بيت البِلَى لا يناسبه الإحْكام والزخرفة.
والقياس على السنة المتواترة في تغليظ حُرْمة اتخاذ المساجد عليها.
وإن كان هذا القياس أدون، مع ما في البناء ونحوه من تضييع المال أولاً: بإنفاق ما يستدعيه البناء.
وثانيًا: بتضييع تلك البقعة لاقتضاء البناء بقاءها كذلك ولو بعد البلى.
وملاحظة ما أدى إليه البناء ونحوه من تعظيم القبور.
كلُّ ذلك مما يفيد العلم القطعي بصحة معنى هذه الأحاديث، والله عزَّ وجلَّ أعلم.
(5/ 2/113)

آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبد الرّحمن بن يحيى المعَلِّمِيّ
(5)

يسر العقيدة الإسلامية
تأليف
الشّيخ العَلّامَة عبد الرحّمن بن يحيى المعلمي اليَمَاِني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 5/ 3/1)

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فهذه رسالة في العقيدة للشيخ العلامة المعلمي رحمه الله تعالى، أراد منها تسهيل العقيدة وتيسيرها كما أفصح عن ذلك في مقدمتها، وسيأتي نص كلامه، ولذلك أطلق عليها "دين العجائز أو يسر العقيدة الإسلامية" إلا أنه لم يتمكن من إتمامها ليتحقّق له مراده، وسنتحدّث عنها في عدة مباحث:

* اسم الرسالة
تردّد المؤلف في تسمية الرسالة، فكتب على رأس الصفحة الأولى منها "دين العجائز أو يُسر العقيدة الإسلامية" فكأنه لم يجزم بواحدٍ منهما فتركهما أملًا أن يستقرّ رأيه على واحدٍ منهما لو تمَّت الرسالة، لكنه لم يتمها فبقي الاسم على حاله. فاخترنا على الغلاف كتابة أوضحهما دلالةً على مقصود الكتاب وهو "يُسْر العقيدة الإِسلامية". ولا أعتقد أن تقديم "دين العجائز" في الذكر يدل على تفضيل المؤلف له على الاسم الآخر، والله أعلم.

* سبب تأليفها
صرَّح المؤلف في صدر رسالته بسبب تأليفها، حيث ذكر اختلاف الناس في العقائد وتفرّقهم، وأنواع الكتب المؤلفة في العقائد، وأنها بأنواعها الثلاثة "المختصرة، والمتوسطة، والمطولة" لا تفضي الي العلم اليقين
(م 5/ 3/3)

والاطمئنان، بل إلى الشك والحيرة والتقليد، ثم قال ص 5: "فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، وتخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد".

* موضوعات الرسالة
بدأ المؤلف مقدمة رسالته بتمهيد بيَّن فيه اختلافَ الناس وتفرّقهم في العقائد، وأن كتب العقائد على ثلاث طبقات؛ مختصرات ومتوسطات ومطوّلات. وبيَّن ما في كل واحدة منها من عيوب، ثم خلص بمحصّلة من تلك الكتب وفائدتها لمن يطالعها بقوله (ص 4): "وبالجملة، فلا يكاد الناظر في تلك الكتب يخلص منها إلا بإحدى ثلاث: التقليد المحض، أو الحيرة، أو الشك في أصل ... "
ثم ذكر (ص 5 - 6) أن هذا هو السبب الداعي الي تأليف رسالته هذه، وغرضه منها، وتجرّده للحق بغضَّ النظر عن أيّ انتماء لفرقة من الفرق، وأنه نَظَر نَظَر صِدْق للحق.
- ثم بدأ المصنف كتابه بمقدماث ثلاث:
المقدمة الأولى: في أصول لا بدّ منها (ص 7 - 21) وذكر فيها خمسة أصول.
المقدمة الثانية: في التقليد والتحقيق (ص 22 - 39).
ذكر فيها أن على المرء أن يسأل نفسه: هل تريد التقليد أو التحقيق؟ وأنه ينبغي على من اختار أحد الأمرين أن يقلّد الكتاب والسنة أو يحقق فيهما،
(م 5/ 3/4)

فهما أولى ما قُلّد وأولى ما حُقق، وأن المرء إذا رأى لنفسه النظر في كتب المتكلمين فعليه أن يحذر ما فيها ولا يغتر بما يزعمونه من حجج وبراهين.
وكان المؤلف قد كتب فصلاً في الأسلحة التي يصول بها الفلاسفة، وكانت سببًا في ضلال كثير من الناس، ثم ضرب عليه، فأثبتُّه في موضعه في الهامش للفائدة.
ثم عقد فصلاً ذكر فيه أن الخائضين في العقائد فِرَق، فذكر سبعًا منها إجمالاً، ثم تكلم عن كل واحدة بما يلخَّص طريقتها. ثم تكلم على ثلاثة من العلماء ممن جمع بين الكلام والفلسفة، وما وقع لهم من الرجوع للحق، وهم الجويني والغزالي والرازي. ولم يتمكّن من إتمام الكلام فيهم في هذه النسخة فترك بياضًا، أو أنه أراد نقله من الكتب الأخرى التي تكلم فيها على هؤلاء العلماء، فنقلتُ كلام المؤلف في المتن حينًا وفي الهامش أحيانًا أخرى بحسب ما يقتضيه السياق، مع الإشارة إلى كل ذلك.
ثم عقد فصلاً في ذكر جنايات المتكلمين على الإسلام، وذَكَر المتصوّفة، وفلاسفة العصر.
المقدمة الثالثة: في تقسيم العقائد (ص 40 - 46).
قسَّم العقائد إلى قسمين: قسم لا يمكن في هذه الدار الوصول إلى معرفته، وقسم يمكنهم. فالأول (ما لا يمكنهم) لا بدّ أن يكون الشارع قد حظر عليهم الخوض فيه لأسباب ثلاثة وذكرها.
وأما القسم (الذي يمكنهم معرفته) فعلى ضربين، ما لم يكلفهم الشرع بطلبه، وما كلفهم به، وأن الأول على أقسام، محظور ومكروه ومباح. وأما
(م 5/ 3/5)

الثاني فينظر في الطريق الموصل إليه، وأن الطريق الموصل ليس كما يهواه الإنسان، وقد تكون محفوفة بالابتلاء لكنها موصلة، وضرب لذلك مثلاً بأحد الملوك ...
ثم عقد فصلاً ذكر فيه أن المكلّف بطلب هذا القسم ينقسم بالنظر إلى درجة التكليف إلى أضْرب، فذكر أربعة.
- بعد الانتهاء من المقدمات بدأ بالباب الأول في الضروريات، وذكر تحته أصولاً:

الأصل الأول: وجود رب العالمين.
قرّر فيه أن جميع الأمم من الأولين والآخرين كانوا مقرين بوجود رب العالمين، وأحال في استكمال الاستدلال بذلك إلى كتاب "العبادة" له.
ثم ذكر فرقة "الدهرية" وحقق كونهم لا ينكرون وجود الربّ تعالى، ولا ينكرون كونه يهلكهم، وذكر احتمالين في المسألة.
ثم عقد سبعة فصول نذكر موضوعاتها بإيجاز، فعقد فصلاً في سنة القرآن أن ما كان من الحق معروفًا لا يورد عليه الشبهات وإنما يؤخذ منه البرهان، وذكر أن البراهين على وجود رب العالمين كثيرة منها: الاستدلال بوجود الأثر على المؤثر، وتكلم عن هذا الدليل واختلاف الناس في تلخيصه.
ثم عقد فصلاً فيما يجده الإنسان في نفسه من الاطمئنان بأن للعالم ربًّا ليس من جنس ما يراه ويشاهده، وما يعرض له حين تَصفُّح استدلال الفلاسفة أو أسلافه في النسب والتعليم. ثم أجاب عن اعتراض بعضهم بأن
(م 5/ 3/6)

بعض الناس قد يفزعون عند الشدائد إلى غير الله عزَّ وجلَّ.
ثم عقد فصلاً للجواب عن سؤال: كيف حصل للنفس هذا الإدراك النفسي؟ وفصلًا بعده في الدلالة الظنية، وأنه ينبغي للعاقل ألا يلغيها وضرب أمثلةً على ذلك.
ثم عقد فصلاً فيمن نشأ على خلاف الحق ماذا ينبغي له أن يعمل.
وفصلًا يليه في أن الله تعالى إنما خلق الناس ليبتليهم في الأخْذِ بما ظهر لهم من الحق والأحوط وما يكون لهم من التوفيق والسداد، بخلاف مَن أبى ما ظهر له من الحق.
ثم عقد فصلاً في تدبُّر ما حول الإنسان من الآلات والصناعات، وفي خلق الإنسان والحيوان، وتفاصيل خلق الإنسان، وتدبر أمر الشمس والقمر .. وارتباط الموجودات ببعضها ... وأن هذه الأمور مجتمعة تضطرك إلى الإيمان بأن لها صانعًا وأن تدبيره لا يفتر.
ثم عنون بقوله: "مبلغ علم الملحدين" (ص 63 - 67)، ذكر فيه أن من الأدلة على وجود الرب تعالى وأن الهداية بيده: النظر في حال الملحدين، وكيف أنهم مع تبحُّرهم في معرفة الأمور الكونية نظروا إليها لذاتها ولم يهتدوا بها إلى حق .. وشَرْح ذلك والرّد عليهم. ثم عاد إلى ذِكْر الفصول المتعلقة بالأصل الأول فذكر خمسة فصول.
ذكر في الأول منها الأمور التي تبعث المتشككين في إصرارهم على دعوى الشك فذكر ثمانية منها.
ثم عقد فصلاً ذكر فيه طائفة من الأدلة على وجود رب العالمين، فمنها
(م 5/ 3/7)

ما يُشاهَد من تعجيل العقوبة لكثير من أهل البغي والظلم، ومنها إجابة الدعاء، وغير ذلك.
ثم عقد فصلين صغيرين في الموضوع، وفصلًا ثالثًا ذكر فيه أن ثمرة النظر في نفس الناظر تدل على وجود ربّ حقيقيّ، وليس هو ذاك الكوكب ولا تلك الشمس، وذَكَر أسباب ذلك.
ثم ذكر الأصل الثاني: أنه عَزَّ وَجَلَّ واحد، وذكر الفِرَق التي قد تخالف هذا الأصل، فذكر ثلاث فرق وردّ عليها.
ثم عقد فصلاً ذكر فيه اعتراضًا ورد عليه، ثم عقد فصلاً ذكر فيه الشبهات التي تعترض الطلاب في هذا الزمان وتكاد تشككهم في ذلك، وذكر تحته مسائل (ص 84 - 95).
الأولى: ما هو؟
الثانية: كيف؟
الثالثة: أين؟
وأطال في بسط هذه المسألة الثالثة، وذَكَر شُبَه المتكلمين والجواب عنها (ص 91 - 108).
ثم قال: وهنا مباحث:
المبحث الأول: المماثلة بين الشيئين تأتي على ثلاثة أضرب. وذكرها.
المبحث الثاني: المماثلة في الوصف أو الأوصاف على أربعة أوجه. وذكرها.
(م 5/ 3/8)

المبحث الثالث: فيما بين هذه الأوجه من التلازم والتنافي.
المبحث الرابع: في نفي المماثلة.
وبه ينتهي ما وُجد من الكتاب.
ثم ألحقتُ الكتاب بنصٍّ جاء في (ق 41 ب - 42 ب) وقد كتب المؤلف فوقه: "هذا مع الورقة الآتية يؤخَّر إلى بحث توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى" إلا أن هذا المبحث لم نقف عليه فيما وُجد من الرسالة، فلا ندري أكتبه المؤلف أم لا؟ فألحقته في نهايتها للفائدة.

* وصف النسخة
للكتاب نسخة واحدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4666] وتقع في 62 ورقة في دفتر مسطّر من القطع العادي، وهي بخط مؤلفها المعروف. وهي نسخة مسوّدة كثيرة الضرب واللحق والتخريج، كتب المؤلف عنوانها في رأس الصفحة الأولى: "دين العجائز أو يُسر العقيدة الإسلامية" ثم بدأ بالبسملة فالمقدمة، وتنتهي الرسالة عند قوله: " ... هي الحاصلة على الوجه الأول".
والحمد رب العالمين.
(م 5/ 3/9)

نماذج من النسخة الخطية
(م 5/ 3/11)

الورقة الأولى من "يسر العقيدة"
(م 5/ 3/13)

الورقة الأخيرة من "يسر العقيدة"
(م 5/ 3/14)

آثَار الشيخ العَلامَة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(5)
يسر العقيدة الإسلامية
تَألِيف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
عَلي بن مُحَمَّد العِمران
وَفق المنهج المعتمدَ من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مُؤسسَةِ سليمان بن عبدِ العزيز الراجحي الخيريةِ
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(5/ 3/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك على محمد خاتم النبيين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وسائر عباد الله الصالحين.
أما بعد؛ فإن الناس تشعَّبوا في العقائد شعوبًا، وتفرَّقوا فيها فِرقًا، وأمْعَنت كلُّ فرقة في الانتصار لقولها ودفع ما عداه، وصارت كتب العقائد على ثلاث طبقات:
الأولى: مختصرات، يسرد مؤلِّفوها عقائد سلفهم، ويُلْزمون أبناء تلك الفرقة بحفظها واعتقادها والاستيقان بها, ولا يذكرون حُجةً ولا دليلًا.
والثانية: متوسّطات، يسوق مصنفوها عقائد فرقتهم وبعضَ ما احتجَّ به قدماؤها عليها، وعلى دفع ما خالفها، على وجهٍ لا يكادُ يثمر غلبةَ الظن، فكيف اليقين؟!
والثالثة: مطوَّلات، يُبْسَط فيها الخلاف، مع ذِكْر كثير من الحُجج، مع تدقيق الكلام، بحيث يصعب المرام، ويعتاص على الأفهام، فيعجز الناظر عن استيفاء النظر فيها، ويخرج منها كما دخل فيها، بل أشدَّ حيرةً وارتباكًا.
وربما ذكر الماتنُ (1) دليلاً، ثم ذكر اعتراضًا عليه، وأجاب عنه، ثم ذكر ردًّا لهذا الجواب ودفعه.
__________
(1) أي: صاحب المتن.
(5/ 3/3)

فيجيء الشارح فيذكر دفعًا لهذا الدفع وجوابًا عنه، وربما ذكر دفعًا لهذا الجواب ثم رده، فيجيء المُحَشِّي (1)، فيذكر دفعًا لذلك الرد ثم يجيب عنه.
وهكذا لا تكاد هذه السلسلة تنقطع، وربما يقتصرون في الجواب على قولهم: "وهذا غير مسلَّم"، أو: "وفيه نظر"، أو دعوى بطلانه بالبديهة.
وكثيرًا ما يُشَكِّكون في أجوبتهم، بقولهم: "قد يقال كذا"، أو: "فليتأمل" أو نحو ذلك.
وكثيرًا ما يكون اعتمادهم على الإلزام للمخالف، أو الاستناد إلى دليل عقليّ قد اختلفوا فيه، أو الإحالة على مسألة أخرى مختلف فيها أيضًا.
وكثيرًا ما يكون الناظر في تلك الكتب قد شدا شيئًا من العلم، فيظهر له ضَعْف بعض تلك الأجوبة، ولكنه لا يستطيع أن يفهم مِنْ ضَعْفه أنّ مقابِلَه حق.
وغالب المؤلفين ينتسب أحدهم إلى فرقة خاصة، ويتقيَّد بها، ويلتزم الذَّبَّ عنها، وتسميتها (2): أهلَ الحق، ويطلق على مخالفيها الأنباز الشنيعة.
وذلك كله مما يزهَّد الناظرَ - إن كان طالب حق - في كلامه، ويسيء ظنه في حُجَجه، ولا يأتمنه على نقله عن الفرق المخالفة له، ويَحْدِس أن المؤلف لم يذكر من حُجَج مخالفيه وأجوبتهم إلا أضعفها.
وبالجملة؛ فلا يكاد الناظر في تلك الكتب يخلص منها إلا بإحدى ثلاث: التقليد المحض، أو الحيرة، أو الشك في أصلٍ اتفق عليه المختلفون
__________
(1) أي: صاحب الحاشية.
(2) تحتمل: "ويسميها".
(5/ 3/4)

في تلك المسألة إن لم يستظهر بطلانه.
كمسألة الجهة للرب سبحانه، قد يتدبر الناظر الأدلة العقلية للفريقين، ثم يخرج بالشكِّ في وجود الله عَزَّ وَجَلَّ أو إنكاره، فيقول: ما كان في جهة فليس برب، وما لم يكن في جهة فهو معدوم (1)!
فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، وتخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد.
وهواي فيها إن شاء الله تعالى مع الحق، لا مع فرقة من الفرق، [ص 2]
__________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة": (2/ 221 - 223): "للناس في إطلاق لفظ (الجهة) ثلاثة أقوال، فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة تفصّل ... والمتبعون للسلف لا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين أن ما أُثبت بها فهو ثابت وما نُفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صار لفظ (الجهة) في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام كغيرها من ألفاظهم الاصطلاحية, فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي؛ ولهذا كان النفاة ينفون بها حقًّا وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يُدخل فيها معنى باطلاً مخالفًا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان.
وذلك أن لفظ (الجهة) قد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله كان مخلوقًا، والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، فإنه بائن من المخلوقات.
وإن أريد بالجهة أمر عَدَمي، وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده ... ". وانظر "مجموع الفتاوى": (3/ 41، 5/ 296 وما بعدها) و"درء التعارض": (3/ 295 وما بعدها).
(5/ 3/5)

وتقيُّدي فيها بالإِسلام، ليس لأنه ديني ودين قومي، وإنما هو لاستيقاني بعد صِدْق النظر أنه الحق. وسترى إن شاء الله تعالى تصديقَ قولي هذا بقدر ما تَسَعه هذه العُجالة.
***
(5/ 3/6)

مقدمات
الأولى: في أصول لا بد منها
الأصل الأول
من المعلوم أن الإنسان يولد لا يعلم شيئًا، وإنما معه الإحساس بالألم ونحوه، أعني بحيث إذا قُرِص ظَهَر إحساسُه بألم القَرْصَة. وهذا الإحساس يلزمه منذ نفخ الروح، وليس هو بِعلمٍ، ومعه إلهامٌ فطري، به يلتقم الثدي ويمتصُّه. وهذا مع وضوحه لا أحفظ فيه خلافًا، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: [{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}] [النحل: 78] (1).
ثم عَقِب الولادة يشرع في إدراك المحسوسات بحواسه، ثم يتدرَّج بطريق القياس.
تجري العادة بأن أمه إذا أرادت إرضاعه ترفعه من مَهْده، فإذا تكرر هذا أدرك بطريق القياس أنه إذا رفعته من مهده فإنها سترضعه، فتراه إذا مسَّه الجوع يبكي، فإذا أخذَتْه من مهده سكت، فإذا مضت هُنَيهةٌ ولم ترضعه عاد إلى بكائه. وهكذا تتربّى معلوماته بالإحساس والقياس، ويقوى القياس في نفسه بالتكرر، وذلك هو الاستقراء.
ثم بالإحساس والقياس ترتسم في نفسه القضايا الأولية، مثل أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الشيء أعظم من جزئه، ويرتسم في
__________
(1) بيّض المؤلف للآية أملًا في إلحاقها، ورجّحت أنه أراد الآية التي أثبتُّها.
(5/ 3/7)

نفسه أن الحادث لا بد له من مُحْدِث.
والمقصود أنّه إنما يدرك بحسه أو بقياسه على ما أدركه بحسه. غاية الأمر: أن العقلَ يتصرَّف في المحسوسات والمقيسات، فيحكم فيها بأن هذا صواب جزمًا أو رُجْحانًا، وهذا خطأٌ كذلك، وهذا محتمل.
وهذه الحال تلازم الإنسان مدة حياته، إلا أنه كلما كبر وتعلَّم وتعقَّل وتفكر اتسعت دائرة معلوماته بكثرة الإحساس والتوسع في القياس وقوة العقل.
[ص 3] فإذا كان معك في البيت إنسان، فإنك تدرك وجودَه برؤيتك له، أو بسماع صوته أو حِسّه، أو بلمسك له (1)، أو شمك لرائحته.
وتُدْرِك أنه إنسان باستقرائك السابق أن ذلك الشكل، أو ذلك الصوت، أو ذلك الملمس أو الرائحة إنما يكون للإنسان.
وتدْرِك أنه فلانٌ باستقراء آخر، وهو أن ذلك الشكل والصوت والملمس والرائحة إنما يكون لفلان.
وقد تخرج من حُجرتك ولا تدع بها أحدًا ثم تعود إليها عن قُرْب، فتجد حادثًا قد حدث فيها، فتعلم بسابق استقرائك مع حكم عقلك أنه إنما حدث عن سبب، فإذا أحببت معرفة السبب نظرتَ في ذلك الحادث مستعينًا باستقرائك السابق، فقد تكون ورقةٌ خفيفةٌ قد تحولت عن موضعها، فتُجوِّز أن يكون السبب هو الريح. وقد يكون كتابٌ كان في موضع غير متمكِّن فيه، فترى أنه
__________
(1) في الأصل: "أو بلمسك لك"، سبق قلم. والكلمة على الصواب في صياغات سابقة لهذه الفقرة ضرب عليها المؤلف.
(5/ 3/8)

سقط، وإذا فكرت رأيت أنه لعدم تمكُّنه، كان مِن مدّة بسبب ثقله وعدم تمكُّنه يميل إلى الجهة التي سقط منها قليلاً قليلاً حتى سقط في ذلك الوقت.
وإذا كان شيء معلّقًا بخيط ضعيف، فانقطع، وفكّرت، رأيتَ أن الخيط كان بسبب ثقل ما عَلِق به تَهِنُ قواه، وتتقطع شيئًا فشيئًا إلى أن انقطع.
وإذا كان إناء فيه طعام، وهو متمكِّن في موضعه، فجئتَ وقد سقط، ظننتَ أن فأرة أو هرة أو نحوهما وثبت إليه فأسقطته.
وإذا كان إناءُ طعام خفيف قد أُخِذَ من فوق مائدة، ووُضِع فوق مائدة أخرى بعيدة عنها، وكان في البيت أو جواره قِرْدٌ يمكن أن يكون دخل تلك الحجرة، جوَّزتَ أن يكون هو صنع ذلك.
وإذا كان صندوق ثقيل، كان موضوعًا بالأرض، فحُوِّل عن موضعه إلى موضع آخر، رأيتَ أن إنسانًا دخل فصنع ذلك، وتَعْلَم مع ذلك أن ذلك الإنسان حي له قدرة على مثل ذلك الفعل.
فإذا كانت عدة أشياء كانت في الحجرة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتَّبَت ترتيبًا أحسن وأتقن مما كانت= علمتَ أن ذلك الإنسان حكيم أيضًا إلى الحدِّ الذي يقتضيه ذلك الترتيب.
فإذا كانت الحجرة مُحكمة الإغلاق من داخل وأنتَ خرجتَ منها، ووقفت قريبًا من الباب، وتعلم أنه لا يمكن أن يكون دخلها إنسانٌ بعدك، ثم عدتَ إليها فوجدتَ الأمتعة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبت ترتيبًا آخر أبْدَع وأتقن مما كان، فإنك تُجَوِّز أحدَ أمرين:
- إما أن إنسانًا له قدرة خارقة دخل إلى الحجرة من حيث لم تَجْرِ العادة بدخول الإنسان.
(5/ 3/9)

- وإما أن يكون [ص 4] موجود حيٌّ عالمٌ قديرٌ حكيمٌ إلى ذلك الحد، خارجٌ عن نوع الإنسان، وعن سائر الأنواع التي شاهدْتهَا قبل، ومع ذلك فإنما أدركتَ وجودَه بالقياس على وجود المحسوسات، وكذلك ما أدركته من صفاته، فتدبر.
****

الأصل الثاني
العلم المُكْتسب من الخبر لا يتحصَّل إلا بمعونة الحسّ والقياس، فإن الخبر يتضمن حُكمًا ومَحكومًا به ومحكومًا عليه، فلا يستفيد السامع حتى يكون قد عرف المحكوم به والمحكوم عليه وصورة الحكم بحسٍّ أو قياس.
وأكثر الكلمات تتغير صورة المفهوم منها بتغيّر المنسوب إليه، فإذا قلت: "وجه زيد" تصوَّر السامع - إذا كان يعرف زيدًا - وجهه المخصوص. فإذا قلت: "وجه بكر" تصوَّر وجهًا آخر غير الأول. فإن قلت: "وجه رجل" تصور القَدْر المشترك بين وجوه الرجال، فإن قلت: "وجه إنسان" ازداد الاشتراك. فإن قلت: "وجه حِصان" تصوَّر شيئًا آخر، وهكذا: "وجه جمل"، "وجه صقر"، "وجه حيوان"، "وجه الدار"، و"وجه المسجد"، و"وجه الشهر"، و"وجه الأمر".
وإذا قلت: "وجه ضيغم"، وصاحبك لا يدري ما الضيغم، لم يستطع أن يُثبت في ذهنه صورةً ما.
فإن قلتَ له: الضيغم شيء حيٌّ مما على الأرض، قَرُب أن يتصوَّر صورة مبهمة مشتركة بين الإنسان والفيل والبعوضة وغيرها، وهو مع ذلك لا يستطيع أن يثبتها.
(5/ 3/10)

وإذا قلت: "وجه جِنّي، أو مَلَك" لم يستطع أن يثبت في نفسه صورة؛ لأنه لم يحس بملك أو جني، ولا بما يعلم مشابهته له في الشكل ولو في الجملة، إلا أن وهمه ينازعه إلى صورة الإنسان، إذا كان قد علم أن الملائكة والجن كالناس في أنهم عِبادٌ أحياء عقلاء. ولكن عقله يدفع ذلك بأن الملائكة والجن وإن شاركوا الناس في تلك (1) الصفات وغيرها فليسوا من جنس الناس، والمشاركة في بعض الصفات لا يستلزم المشاركة في كل شيء، كيف وقد عَلِم المفارقة في أصل الجنس؟!
فإن أخبره صادقٌ بأن للملَك أجنحة، فله أحوال:
الأولى: أن يكون يرى أن للملك ذاتًا مُشَخَّصة تقابل ما يسمَّى للحيوان الأرضي: جسمًا، فهذا يقع في وهمه أولاً أنها كأجنحة الطير المعروفة، ثم يدفع هذا [ص 5] بما سمعه من صفات الملائكة: أنهم عِباد عُقلاء عُلْويون مقرَّبون إلى ربّ العالمين، أولو قدرة عظيمة، وغير ذلك، فيعلم أنهم ليسوا من جنس الطير المعروفة، فلعله إنما يستقرّ في ذهنه أنَّ للملك أطرافًا من ذاته لو رآها إنسان لأطلق عليها: أجنحة.
الثانية: أن يكون يرى أن الملَكَ ذاتٌ مجردة عن المادة ألبتة، كما تقوله المتفلسفة؛ فإنه يتردد ويتحَيَّر، وأقصى ما عنده أن يتأوَّل الأجنحة على القُدْرة، أو نحو ذلك من التأويلات.
الثالثة: أن يكون خالي الذهن عن التجسد والتجرد، وهذا إذا سمع الصفات التي إنما عرفها للأجسام يقع له ما يقع للأول.
__________
(1) الأصل: "بعض تلك" وعلى "بعض" آثار شطب، ورجحتُ أنه ضرب عليها، ثم أضاف "وغيرها".
(5/ 3/11)

الأصل الثالث
كما أن العقل محتاج إلى الحِسّ والقياس في حُكْمه بالإثبات، فكذلك هو محتاج إليهما في حكمه بالنفي، سواءً أصاب أم أخطأ.
أما الحس؛ فظاهر، كأن تكون بصيرًا، فتحكم بأنه ليس معك في حجرتك إنسانٌ آخر.
وأما القياس؛ فكما تحكم أن تسع بيضات لا تمكن قسمتها - وهي سالمة - إلى قسمين متساويين في العدد، وكما يُكذِّب أناس بوجود الشياطين معهم، وكما يكذِّب كثير من الناس بخوارق العادات، وكما قد تكذِّب من يقول لك: وُلد لي ولد له ثلاث أعين.
****

الأصل الرابع: الأغلاط
أما أغلاط الحواسّ؛ فمنها رؤية الجسم البعيد صغيرًا، ورؤية من يغمز إحدى عينيه الشيءَ شيئين، وغير ذلك مما تراه في كتاب "المواقف" (1)، وغيره.
وأما أغلاط القياس؛ فمنها أنك إذا جئت بإنسان لم تسبق له معرفة بالمذياع، فأوقفته خارج حُجرة فيها مِذْياع، ثم دخلتَ وفتحتَ المذياع، وعدت إلى صاحبك، فإنه إذا سمع المذياع حكم بأن في الحُجْرة إنسانًا يتكلّم، وأمثال هذا كثيرة.
__________
(1) (1/ 88 - 92) للإيجي. وانظر "بغية المرتاد": (ص 267)، و"مجموع الفتاوى": (4/ 30، 13/ 76).
(5/ 3/12)

وقال الله عزَّ وجلَّ: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء} [النور: 39].
وقال سبحانه: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} [النمل: 44].
واعلم أن الأغلاط في النفي أكثر منها في الإثبات؛ وذلك لكثرة اعتماد الإنسان في الحكم بالنفي على استقرائه [ص 6] الناقص، فلو لم يَثبُت عندك قطعًا تفاوتُ الناس في الإبصار لكنت إذا تراءيت الهلال أنت وآخرون فادَّعوا رؤية الهلال وأنت لا تراه تُكذِّبهم. وقِسْ على هذا سائر الحواس.
ولهذا تجدنا نكذِّب ما يُحْكى عن زَرْقاء اليمامة (1)، ونكاد نكذَّب ما يحكيه أهلُ التجارب من قوة شمِّ الكلب، وكذلك يكذِّب كثيرٌ من الناس كثيرًا مما يُحكى من الغرائب الطبيعية.
وكثيرٌ مما اكتشفه الناس كالكهرباء والراديو وغيرها لو حُكي لهم لوازمه قبل أن يُكْتَشَف لقطعوا باستحالتها. وهذه الاكتشافات اضطرت علماء الطبيعة إلى أن يجزموا أنه لا يزال في خبايا الكون أشياء لا تخطر لأحد على بال، سيرى الناس بعد اكتشافها كثيرًا مما يقطعون الآن باستحالته.
هذا مع أن أرضنا هذه نقطة صغيرة من العالم، ولا نشكّ أنَّ فيه ما هو أرقى منها، وأن هناك ما ليس ها هنا, ولا يجد العقلُ مانعًا من أن يكون هنا وهناك حقائق لا تُدْرَك بحواسنا هذه، وإنما تُدرك بحواسّ أخرى، وقد صرَّح
__________
(1) امرأة من جديس، قيل: إنها كانت تنظر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وتبصر الشعرة البيضاء في اللبن .. انظر "ثمار القلوب": (1/ 465 - 467)، و"حياة الحيوان": (4/ 241)، و"الأعلام": (3/ 44).
(5/ 3/13)

بذلك المتفلسفون (1) من القدماء والعصريين (2). قال بعض العصريين: إن للنحل حاسة سادسة (3).
وليس هناك ما يحصر الحواسّ الممكنة في الخمس، ولا في ست، ولا سبع، ولا أكثر.
وهذا الحَبّ والنوى لو لم يتضح لنا بالحس والقياس والتواتر اتضاحًا قاطعًا أن الحبة والنواة تبقى سنين، ثم إذا وُضِعَت في الطين نبت منها مثل أصلها، ثم كبر، ثم أثمر مثل ذلك الثمر الأول، وهكذا أبدًا = لقطعنا باستحالته.
وكذلك توالد الحيوان وما فيه من العجائب، لو أخذتَ بيض حمام، فولَّدته توليدًا صناعيًّا، بوضعه في التبن ونحوه في حرارة معتدلة، فلما خرجت الفراخ ربيتها بدون أن تخالط غيرها من الحمام، ثم أخذت منها ذكرًا وأنثى، وعزلتهما في موضع = لوجدتهما بعد أن يكبرا ويتسافدا يشرعان في جمع القَشّ، واتخاذ موضع صالح لوضع البيض فيه وحضنه (4).
فمن أعْلَمَهما أن السِّفاد سبب للتوالد؟ ومن أعلمهما أن الأنثى ستضع بيضًا يحتاج أن يُحْضَن؟ وقس على ذلك.
__________
(1) غير واضحة في الأصل، وهكذا قرأتها.
(2) هذا من حيث التجويز العقلي لا مانع منه. وانظر ما ذكره الإمام ابن القيم من حِكْمة جعل الحواس خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس، وأنه لو كان هناك ما يُحسّ بغيرها لجعل له حاسة سادسة. "مفتاح دار السعادة": (2/ 203).
(3) انظر في عجيب أمرها وحكمة خلقها: "مفتاح دار السعادة": (2/ 165 - 169)، و"حياة الحيوان الكبرى": (4/ 29 - 52).
(4) ذكر المصنف نحو هذا المثال في "التنكيل - القائد": (2/ 327).
(5/ 3/14)

وطالع ما قاله علماء الحيوان في النحل والنمل (1).
****

الأصل الخامس
المقصود من وضع اللغات هو تسهيل سبيل التفاهم بين الأفراد ليتعاونوا على تحصيل معرفة ما يحتاجون إلى معرفته، فإن حسَّ الإنسان وقياسه بدون معونة غيره لا يكاد يكفيه, لما يحفظ به حياته.
والإشارة محدودة الفائدة؛ إذ من المعلومات ما لا يُمكن إفهامها بمجرد الإشارة، ومنها ما يمكن على وجه إجمالي مشتبه، ومنها ما يمكن تحديده ولكن بعد تعب وعناء وصرف وقت طويل، وأما ما عدا ذلك فهو قليل.
وجَرِّب ذلك بأن تدخل بلدًا لا تعرف لسانهم، ولا يعرفون لسانك، فانظر ما يكون حالك قبل أن تعرف كلماتٍ من لغتهم، على أنك في هذه التجربة [ص 7] أحسن حالاً منك لو فرضت أنه لم توضع للناس لغة أصلاً.
هذا, ولا يخفى أن فائدة التعاون إنما تحصل إذا كان المخبر حريصًا على إفهام المخاطَب ما هو الواقع، فإذا كلَّمْت رجلاً بكلام ترى أنَّ من شأن ذلك الكلام بحسب قانون تلك اللغة مع حال المخاطب أنه إذا سمعه فهم منه معنى، فذلك المعنى إن كان مطابقًا للواقع في اعتقادك؛ فقد تحرَّيت الصدق، وأتيت بالكلام فيما هو المقصود منه، وإن كان غير مطابق للواقع في اعتقادك،
__________
(1) سبقت الإشارة إلى الكلام في النحل. وفي النمل انظر "مفتاح دار السعادة": (2/ 150 - 152)، و"حياة الحيوان": (4/ 105 - 119).
(5/ 3/15)

بمعنى أنك لا تعتقد مطابقته للواقع، بل تعلم أو تظن مخالفته له أو تشك؛ فقد تحرَّيت الكذب، [وأتيت] (1) بالكلام فيما هو نقيض المقصود منه.
ولا شكَّ أن قانون العربية [أن يكون] الكلام على ظاهره المفهوم منه، مع ما يكون هناك من القرائن التي [إن لم] يلاحظها المخاطَب كان مقصِّرًا.
فإذا كنت مع رفيق لك في الهند مثلاً، وأهلكما في اليمن، ثم رجعت إلى وطنك، فسألك أهل رفيقك عنه فقلت لهم: قُتِلَ، قَتَلَه فلان، فها هنا عدة أحوال:
الأولى: أن تكون شَهِدْته قد (2) قَتَلَه فلانٌ القَتْلَ الحقيقي.
الثانية: أن تكون شَهِدْته قد جرحه فلان، فأغمي عليه، وقال من عنده: إنه مات، وسافرتَ عَقِبَ ذلك، ولا ترى إلا أنه مات الموتَ الحقيقي.
الثالثة: أن تكون علمت بالجرح، ثم أخبرك من تثق به أنه مات.
الرابعة: أن يكون رفيقك رجع معك وهو حاضر المجلس، وقد عرف أهله ذلك، ولكنهم سألوك عما كان حاله في الهند، فقلت: قتله فلان، وأردت أنه خَدَعه في معاملته، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل.
الخامسة: أن يكون رفيقك باقيًا بالهند، وسئلت عنه، فقلت: قُتِل في الهند قَتَله فلان، وسمَّيتَ رجلاً يعرفون أنه لم يزل عندهم، وأردتَ أنه كَتَبَ إليه بكتابٍ أشار عليه فيه بما ضره ونقصه، فكأنه قتله، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل.
__________
(1) تفشَّى الحبر في هذا الموضع، فطمس الكلمات التي وضعناها بين المعكوفات في هذه الأسطر الثلاثة.
(2) عليها أثر الضرب، لكن الظاهر أنها ثابتة, والضرب إنما امتدّ إليها من السطر الآخر.
(5/ 3/16)

[ص 8] السادسة: أن تكون علمتَ بأن فلانًا جرحه، وظننت أن ذلك الجرح قاتل، وسافرت قبل أن تعلم بالموت، أو أخبرك به من لا يوثق به.
السابعة: أن يكون صاحبهم لم يرجع من الهند، وكذلك فلان، وقلت لهم: إنه قُتِل، قَتَلَه فلان، ولم تتأول شيئًا.
الثامنة: مثل السابعة، إلا أنك تأولت، أردت: خَدَعَه، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل، زاعمًا أنه يكفي قرينة صارفة عن الظاهر: أن صاحبهم موجود على الأرض حيّ يُرْزَق، أو أن فلانًا سافر إلى أمريكا قبل التاريخ الذي زعمتَ أنه قَتَل صاحبهم فيه، ويستحيل رجوعه إلى الهند في تلك المدة، وهم لا يعلمون بذلك، أو أنه قد علم الله تعالى أن صاحبهم لا يُقْتل في الوقت الذي أخبرتهم بأنه قُتِل فيه، ويستحيل أن يقع خلاف ما سبق في علم الله، أو نحو ذلك من الأمور التي تنافي القتل، ولكنهم لا يعلمونها.
ومن ذلك: أن يكون صاحبهم رجع مستخفيًا وهو موجود في المجلس بحيث لا يرونه، أو يكون عندك في بيتك، وجاءك أبوه وهو ضعيف البصر، فأدخلته إلى المكان الذي فيه ابنه ولم تخبره به، بل جلس بحيث لو كان صحيح البصر لرآه.
فأما الصورة الأولى فهي الصدق المَحْض، إلا أنه في هذا المثال قد يحرم عليك إخبارهم إذا خشيت أن يَعْدوا فيقتلوا بعض أقارب القاتل.
وأما الثانية فالظاهر أنه لا يلزمه قبح الكذب وإثمه، ولكن كان الأحوط أن تُفصِّل، فتَحْكي الواقعة كما هي لمكان الاحتمال وإن كان بعيدًا, ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لم يمت، كأن يكون أفاق بعدك ولم يبلغك ذلك.
(5/ 3/17)

وأما الثالثة فهي قريب من الثانية، إلا أن الملامة لك ألزم، إذ كان ينبغي لك أن لا تصرِّح بالقتل، بل تشرح الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه - أيضًا - أن يكون مات أو لا.
وأما الرابعة فلا قُبْح فيها ولا إثم بالنظر إلى القتل؛ لأن صاحبهم حيّ أمامَ أعينهم، فكيف يتوهَّمون أنه قتل؟!
وكذلك الخامسة؛ فإنهم يعلمون أن فلانًا لم يزل عندهم، فكيف يتوهمون أنه مع ذلك قَتَل صاحبهم بالهند؟!
وأما السادسة فالقبح والإثم لازم لك؛ إذ لستَ بجازم في نفسك بأنه مات، فكيف تجزم بالقتل؟ وإنما سبيلك أن تقصّ عليهم الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لا.
وأما السابعة فتحرِّيك الكذب ولزوم قبحه وإثمه لك ظاهر، سواءً أكنت تعلم بعدم القتل أو لا تعلم قتلًا ولا عدمه، وسواءً اتّفق أن كان في نفس الأمر أنه قتله أو لا؛ إذ المدار على جرأتك على الكذب وهي ثابتة على كل حال.
[ص 9] وأما الثامنة فهي كالسابقة (1)، فإن تأويلك في نفسك لا يغير من صورة الخبر ولا من فهم السامع شيئًا، وكذلك المنافيات التي لا يعلمها السامع لا تُغَّير من فهمه شيئًا.
والقرينة التي اشترطها العلماء لصحَّة التجوُّز المرادُ بها ما يقترن بالخبر مما يَشعُر به السامعُ ليصرفه عن فهم ما لم يقصد. ومجرّد تأول المخبِر في
__________
(1) تحتمل: "كالسابعة".
(5/ 3/18)

نفسه ووجود منافٍ لا يَشعُر به المخاطَب لا يغير من المفسدة التي لأجلها قَبُح الكذب وحُرِّم شيئًا.
ألا ترى أنهم في الصورة الثامنة يفهمون مثل ما فهموه في السابعة، وتنبني على ذلك نفس المفاسد التي تنبني في الثامنة؛ كحزنهم وأسفهم واحتمال أن يبادروا فيقتلوا فلانًا أو بعض أقاربه، ثم يتسلسل القتل للأبرياء. وأن تموتَ أنتَ فُجاءَة، ولا يصل خبرٌ يخالف خبرك، فيقتسمون تَرِكَة صاحبهم، ويزوّجون نساءه، وغير ذلك.
****

فصل
الكذب في نفسه قبيح محرَّم، فإذا ترتبت عليه مفسدة كان أشدَّ قبحًا وإثمًا, ولا يخلو عن مفاسد تترتب عليه. ولا يُعْهَد في الشرع ولا العرف الترخيص في شيء منه، إلا إذا كان فيه دفع لمفسدة لا تندفع إلا به، وظهر أنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم منها.
[ص 10] ولكن مثل هذا إن جاز لعامة الناس فلا أراه يجوز للأنبياء بعد النبوة؛ لأن مبنى الرسالة على الصدق المحض.
فإن قيل: فقد ثبت في "الصحيح" (1): "لم يكذب إبراهيم - عليه السلام - إلا ثلاث كذبات" (2).
__________
(1) البخاري رقم (3357)، ومسلم رقم (2371) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) انظر كلام المصنف على هذا الحديث، والقول في تخريج كلمات إبراهيم في "التنكيل - القائد إلى تصحيح العقائد": (2/ 390 - 398).
(5/ 3/19)

قلت: كلمات إبراهيم - عليه السلام - تجمع أمورًا:
الأول: التورية القريبة.
الثاني: أنه كان في حاله ما يدعو إلى أن يُظَنّ أنه وَرَّى، وهذا شبه قرينة، وذلك كقوله لما سُئل (1) عن امرأته: "هي أختي"، وأراد الأخوَّة في الدين. فإنه كان من عادة الجبار: الذي دخل بلاده أنه إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل زوجها، ومن البيَّن أنّ الزوج إذا سُئل عن امرأته في مثل تلك الحال يحرص على تخليص نفسه من القتل، فإذا كان ممن لا يستحلّ صريحَ الكذب وَرَّى.
فتلك شِبْه قرينة تصرف عن الظاهر، ونحو هذا يأتي في الكلمتين الأخريين.
الأمر الثالث: أنه إنما بتلك (2) الكلمات يدفع مفاسد عظيمة، ولهذا قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كُلُّهنّ في ذات الله".
وأقربها إلى حظ النفس قوله: "هي أختي"، ولم يقلها لمجرد حظ نفسه، بل حرص على بقائه حيًّا ليدعو إلى الله عزَّ وجلَّ، ودفع بها ظلم القتل عن أولئك القوم.
ولا أستبعد أن تكون تلك الكلمات وقعت منه - عليه السلام - قبل النبوة، ويدل على ذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ فيما حكاه عن قومه بعد تكسير
__________
(1) في الأصل: "سأل" وسيأتي على الصواب في أول الصفحة التالية.
(2) غير محررة في الأصل وهكذا استظهرتها.
(5/ 3/20)

أصنامهم: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60]، والفتى: الشاب (1)، والغالب أن النبوة تكون بعد الأربعين. وعلى ذلك أدلة أخرى من كيفية محاورته مع قومه، فكأنه - عليه السلام - أدرك التوحيد بصفاء فطرته وذكاء قريحته.
ومع هذا كله فإن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم سماها: "كذبات"، وبيَّن أنه لم يقع من إبراهيم مما يطلق عليه الكذب غيرها.
وثبت في "الصحيح" (2) أن إبراهيم - عليه السلام - يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة بهذه الكلمات، فيعدُّها يومئذٍ خطايا، كما يعتذر آدم بأكله من الشجرة، ويعتذر موسى بقتله نفسًا، وهذا مما يوضِّح شدة بُعدِ الأنبياء عن الكذب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
****
__________
(1) انظر "لسان العرب": (15/ 145) ويطلق الشابّ على القويّ المكتمل، وعلى الحَدَث السنّ، وسياق الآية يدل أنهم أرادوا الغضّ منه وتصغيره، فكأنهم أرادوا المعنى الثاني. وانظر "منهاج السنة": (5/ 70).
لكن أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر - كما في (الدر المنثور: 4/ 390) - عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًّا إلا وهو شاب، وقرأ هذه الآية وغيرها.
(2) في حديث الشفاعة الطويل عند البخاري رقم (4712)، ومسلم رقم (194) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5/ 3/21)

[ص 11] المقدمة الثانية: في التقليد والتحقيق
ينبغي لطالب الحق من المسلمين أن يختبر نفسَه قبل البحث، ويسألها: التقليدَ تريد أم التحقيق؟
فإن كانت تريد التقليد؛ فأولى من قُلَّد في العقائد كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يكن أهلًا للنظر فيهما، فليبذل جهده في تحصيل التأهُّل.
وإن كان يريد التحقيق؛ فالتحقيق في الكتاب والسنة أيضًا، فإنه لا أعلم بالله - عزَّ وجلَّ - من نفسه، ثم من رسوله.
فإن أبى إلا النظر في آراء المتكلمين والمتفلسفين، معتذرًا بأن كلامهم قد اختلط بالكتب العلمية على اختلاف أنواعها من تفسير، وشروح حديث، وتراجم رجال، وفقه وأصوله، وعلوم اللغة. وتلك العلوم لا بدّ منها لطالب العلم، ولا يجدها إلا في تلك الكتب التي قد خُلِط بها الكلام والفلسفة، فليجعل نُصْب عينه أنه إنما يريد التحقيق، وأن غاية التحقيق في الكتاب والسنة، وأنه إنما يريد بالنظر في الكتب التوصُّلَ إلى الكتاب والسنة.
ثم ليحذر من تقليد المتكلمين والمتفلسفين، وليضع كلَّ أصلٍ يؤصِّلونه على أنه دعوى لا يقبلها بمجرد الاغترار بكثرة المدَّعين وجلالتهم في صدور الناس، وما اشتهروا به من علم ودقة نظر، وما يكررونه مِنْ زَعْمِ: أن بدائه العقول دالة عليها، وأنها قامت عليها البراهين القطعية، وأنه لا يخالفها إلا بليد أو معاند، أو غير ذلك (1).
__________
(1) بعد هذا ذكر المؤلف فصلاً في أسلحة الفلاسفة التي بها يصولون، وكانت سببًا في ضلال كثير من الناس، وهي اثنا عشر سلاحًا, ولكنه ضرب عليه ربما لتكون في =
(5/ 3/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= مكان أنسب من هذا، فرأينا إثباته في الحاشية للفائدة وهذا هو:

فصل
اعلم أن للمتفلسفة وأتباعهم وأشياعهم أسلحة بها يصولون، وبها اضطروا أكثر الناس إلى تقليدهم، حتى كثيرًا من أكابر العلماء، فلنكشف لك عن حقيقتها بعون الله.
السلاح الأول: دعوى أوائلهم تصريحًا وكثيرٍ [الأصل: كثيرًا] ممن بعدهم تعريضًا أنهم غير متقيدين بهوى ولا دين وإنما غرضهم الحق من حيث هو.
السلاح الثاني: براعتهم في الطبيعيات والرياضيات، فيتوهم الإنسان أنهم كما فاقوا في ذلك وأدركوا حقائق لا ريب فيها، وأبانوا عن لطف نظر ودقة إدراك، فكذلك ينبغي أن يكونوا في الإلهيات. وإذا تمكن هذا الأمر من نفسه صار يأخذ أقوالهم في الإلهيات قضايا مسلّمة, كما يفعل مثل ذلك في أقوالهم في الطبيعيات والرياضيات.
السلاح الثالث: استدلالهم في الإلهيات بقضايا طبيعية أو رياضية، وأكثر الناظرين لا يتقن الطبيعيات والرياضيات ولا يتنبّه للمغالطات فيها، فيضطر إلى أخذ قضاياها مسلّمة، أو قل: إلى أن يقلدهم فيها، ويجرّه ذلك إلى أن يقلدهم فيما زعموا من الدلالة.
[ص 12] السلاح الرابع: تهويلهم في شأن المنطق، وأنه لا يوثق بعلم من لا يعرفه ولا يفهمه ولا يعقله.
السلاح الخامس: أنهم يقررون قضايا خاصة كإبطال الدور وإبطال التسلسل وما يسمونه برهان التطبيق وغير ذلك، فمنها ما هو باطل في نفسه ولكنهم يدعون أنه برهان قطعي وأنه بديهي ويكثرون من إيراد الشُّبه عليه, فيكثر أن يوافقهم الناظر عليه ثم يحتجون به في مسائل أخرى، ومنها ما هو حق في نفسه في أمر خاصّ يمثلون به عند الاحتجاج على حقيقة تلك القضية في مواضع غير ما هي حق فيه, فيأخذها الناظر على أنها برهان قد سبق منه أن أدرك بنظره أنه حق ولا يتنبه للفرق.
السلاح السادس: البراعة في وضع الأسماء، فيختارون للمعاني التي يريدون إثباتها أسماء مقبولة، وللتي يريدون نفيها أسماء منفّرة، وكذلك يسمون أنفسهم بأسماء =
(5/ 3/23)

[ص 13] فصل
اعلم أن الخائضين في العقائد فرق:
الفرقة الأولى: أهل الآثار المقتصرون على ما جاء في الكتاب والسنة، مستشهدين بما تقتضيه بدائه العقول وما يقرب منها في الوضوح.
الثانية: فلاسفة اليونان.
__________
= مقبولة ومخالفيهم بأسماء مكروهة.
السلاح السابع: تعريفهم بعض الأشياء تعريفات أوسع من مفهوماتها اللغوية أو أضيق، وبذلك تسهل لهم المغالطة في تلك الأسماء.
السلاح الثامن: أنهم يقدمون بيان أغلاط الحسّ والقياس والوهم، ثم يعمدون إلى ما يريدون تقسيمه من الأمور التي يرى الإنسان أنها ضرورية فيدّعون أنها وهمية أي من جملة الأغلاط. وإلى ما يريدون إثباته فيحتجون بالضرورة ولا يتعرضون لاحتمال الغلط، فإذا أُجيبوا بمثل جوابهم فيما نفوه قالوا (الأصل: قالوه): هذه سفسطة أو مكابرة.
السلاح التاسع: تدقيق الكلام وتكثير الأقسام وحشد الشبهات على ما قال أوحد الزمان "فقالوا لهم إن هذه ... " المعتبر ج 3 ص 34.
السلاح العاشر: قد علموا أن أعزّ شيء على المتدينين دينهم، فيأتونهم من طريقه فيقولون لهم: لو صحّ ما تقولونه لزم أن يكون الخالق محدثًا، أو أن يكون معدومًا، أو نحو ذلك من الأوصاف المنافية للدين. هذا من أنفذ أسلحتهم، فإن المتديّن إذا سمع مثل هذا اضطرب ومُلئ رُعبًا ونفرت نفسه عن ذلك القول. وربما تمتنع من تدقيق النظر خوفًا أن يجرها ذلك إلى الكفر.
السلاح الحادي عشر: زعمهم أن الكلام لا يمكن أن يعلم منه قطعًا أن المتكلم أراد كذا.
[ص 13] السلاح الثاني عشر: سعيهم في تفخيم شأن متبوعيهم ومن يوافقهم، وتعظيم كتبهم، واطلاق الألقاب الضخمة عليهم.
(5/ 3/24)

الثالثة: قدماء المتكلمين من المسلمين.
الرابعة: المتفلسفون من المسلمين الذين يقلدون فلاسفة اليونان، ثم يقابلون بين عقائدهم وبين الإسلام.
الخامسة: الجامعون بين الكلام والفلسفة.
السادسة: المتصوفة.
السابعة: أهل الفلسفة العصرية.
فأما أهل الآثار؛ فقد يقع لهم الخطأ بالاستشهاد بحديث لم يثبت، أو بفهم من آية أو حديث ثابت، فيخطئون في فهمه، أو بالاستشهاد بأثرٍ عن بعض الصحابة أو التابعين قد يكون مما أُخِذَ عن أهل الكتاب (1).
__________
(1) الثناء على أهل الحديث والآثار كثير على لسان السلف وأئمة العلم والإيمان, وقد يقع من بعضهم الخطأ والغلط كما ذكر المؤلف وغيره لكنهم لا يجتمعون عليه كما هو شأن بقية الفرق، وخطؤهم قليل إذا قورن بخطأ غيرهم، وانظر "القواعد الحديثية من منهاج السنة": (ص 25 - 35) لراقمه.
وسأنقل عبارتين جامعتين لشيخ الإِسلام في الثناء عليهم، قال في "مجموع الفتاوى": (3/ 347): "أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباعًا لها تصديقًا وعملاً وحبًّا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها، الذين يردّون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه". =
(5/ 3/25)

وأما فلاسفة اليونان ونحوهم؛ فالذي يستهوي النفوس لتقليدهم هو الوقوف على كثرة صوابهم في الطبيعيات والرياضيات، وما اشتهر من أنهم لم يكونوا متقيدين بهوى ولا دين، وإنما كانت نهمتهم تحقيق الحق.
فعليك أن تعرف أن كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات إنما هو لأنها في متناول الإنسان؛ لأنها مما يهدي إليه الحس والقياس.
فأما الإلهيات فإنما يتناول القياس منها طرفًا إجماليًّا، ويعجز عن التفصيل إثباتًا ونفيًا، فإن غَلَبْته شهوة الاطلاع، فخاض في ذلك، فإنما جَهْدُه (1) أن يقيس الغائب على الشاهد مع أنه ليس من جنسه، ويعمل باستقرائه الناقص، ويجحد ما لم يعرف له نظيرًا، وكلُّ ذلك غلط. وربما أوداه التوغُّل في ذلك، فيرجع فينقض ما يمكن إدراكه من الطرف الإجمالي.
ذكر صاحب "المُعْتبر" (2) البرهانَ على شمول علم الله عزَّ وجلَّ
__________
= وقال في "منهاج السنة": (5/ 166): "لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع فإنما يخالف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفًا للسنة الثابتة. وكل من هؤلاء يوافقهم فيما خالف فيه الآخر، فأهل الأهواء معهم بمنزلة أهل الملل مع المسلمين، فإن أهل السنة في الإِسلام كأهل الإِسلام في الملل". وانظر "المجموع": (4/ 1 - 193).
(1) غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبته.
(2) وهو في علم المنطق، لأبي البركات هبة الله بن مَلْكا البغدادي ت (547).
ترجمته في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء": (2/ 460) للقفطي، وانظر ثناءه على هذا الكتاب في "وفيات الأعيان": (6/ 74). واختلف في اسم جده هل هو ملكا، أو ملكان بالنون. انظر "الأعلام": (8/ 74) للزركلي.
(5/ 3/26)

للكليات والجزئيات، وذكر شبهة النافين، وأنها ارتيابهم في الكيفية، ثم قال: "وصناعة النظر تأمر المتأمل بأنه إذا حقق أصلاً، وتيقَّن معلومًا، حصَّله بنظره، وحازه إلى سوابق علمه، وتأمَّلَ نسبته إلى ما هو مجهول حتى يكتسبه ويحصَّله بذلك المعلوم السابق، فإن قدر على كسبه فذاك، وإلا ثبت في علمه على معلومه، وترك المجهول في مُهْلة الطَّلَب، فأما إنْ نَقَضَ المعلومَ بالمجهول، وردَّ الحاصلَ بالمطلوب، فإنه لا يثبت له علم، ولا يصح له معنى في معلوم أبدًا، ويكون كمن ينقض الأساس لبناء الجدار، فلا يبقى الأساس ولا الجدار". (المعتبر 3/ 95).
وإذا كان الأمر كذلك فهذا كله خبط عشواء، وخوض على غير هدى، فكيف يتوهَّم من كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات أن يكون حالهم في هذا كذلك؟!
على أنه قد كثر خطؤهم في الطبيعيات أيضًا، على ما هو معروف فيما يرده عليهم علماء الإفرنج الذين تيسَّر لهم أن يعرفوا من الطبيعيات أكثر مما عرفه اليونان.
وأما قدماء المتكلمين فلا يُعْلَم في عهد التابعين منهم إلا طائفتان:
الأولى: كان كلامها قاصرًا على القَدَر والوعيد.
الثانية: أفراد حُكِيَ عنهم الكلام في الصفات، فأولهم - فيما أعلم - الجَعْد بن درهم قتله خالد القَسْري يوم النحر، بدأ فصلى بالناس، وخطب، ثم قال: [ارجعوا فضحّوا تقبل الله منكم، فإني مضحًّ بالجَعْد ابن دِرهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً, ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًّا كبيرًا
(5/ 3/27)

عما يقول الجَعْد بن درهم، ثم نزل فذبحه] (1).
ثم تلاه الجَهْم بن صفوان، وقد رُوِي أن الجهم كان يأخذ الكلام عن الجعد، ذكر ذلك البخاري في "تاريخه" (2). وللجهم آراء مشهورة، وعارضه مقاتل بن سليمان، فخالفه في آرائه، وتبع كلًا منهما طائفةٌ، ثم كثرت الزندقة في عهد المهدي العباسي، وأخذت تلتبس بالكلام، فتتبع المهدي من عُرف بالزندقة البحتة، وبقيت بقايا.
وفي زمن الرشيد استولى الأعاجم على تدبير الحكومة، وخلا الجوّ للناس، فأكثر فيهم الكلام؛ منهم من هو زنديق في نفس الأمر، ومنهم من عُرِف بالكلام ومزج به شيئًا من شبهات الزنادقة.
وبالجملة فكان الكلام في ذلك العصر مباراة بين المتكلمين في الأسواق والمجامع، لا غرض لكلًّ منهم إلا أن يظهر أنه غلب، وكان الأمراء والأغنياء يعقدون المجالس للمتكلمين، لا لطلَب حقًّ ولا نصرته، بل على سبيل التفكُّه.
وكان أئمة المسلمين ينهون عن ذلك، ويبالغون في الزجر عنه، كما هو معروف في محله.
وفي هذا العصر بدأت فلسفة اليونان تنتشر بين المسلمين، ويتلقَّفها
__________
(1) بيّض المؤلف لكلام القسري، وقد سقته من المصادر. وأخرج القصة البخاري في "خلق أفعال العباد" (3)، و"التاريخ الكبير": (1/ 64) والدارمي في "الرد على الجهمية" (7)، وغيرهم.
(2) "الكبير": (1/ 64).
(5/ 3/28)

المتكلمون، ويخوضون فيها، ويضمون إلى أقوالهم السابقة ما يضمون، واتصل طَرَفٌ من ذلك بالمأمون، فتعصَّبَ له كما هو مشهور.
ومن هنا قويت شوكة المعتزلة الذين ضمُّوا ما نُقِل عن المعتزلة الأُوَل كعمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء إلى رأي جهم وما اتصل به.
واحتاج علماء المسلمين إلى معارضتهم، فمنهم من اقتصر على دفعهم بالكتاب والسنة، ومنهم من أخذ بطرفٍ من الكلام، وكان من هؤلاء الحارث المُحَاسبي، وعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وتوسَّع ابنُ كلَّاب في الكلام مع عدم تبحُّره في الشريعة، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء الأشعري، [ص 15] وكان أول أمره معتزليًّا، ثم تبرأ عن الانتساب إليهم، وانتسب إلى أهل السنة، ونُقِلَ عنه قولان:
أحدهما: التوسُّع في النظر والتأويل على نحو طريقة المعتزلة، مع مخالفتهم في بعض المسائل خلافًا لفظيًّا أو قريبًا من اللفظي، إلا مسائل معدودة الخلاف فيها معنوي.
وفي هذا الضرب إحداث آراء وتوجيهات (1) يرى السلفيون أنها تخالف مذهب السلف، وفي بعضها تمحُّلات ألجأه إليها ما استولى على ذهنه من أقوال المعتزلة.
والقول الآخر: التزام مذهب السلف، كما تراه في كتاب "الإبانة" (2).
__________
(1) تحتمل: "وتوجّهات".
(2) ومن أقواله فيه: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرَّفونا قولكم الذي تقولون به وديانتكم التي =
(5/ 3/29)

والنظرُ يقتضي صحةَ ما قيل: إن هذا هو قوله الأخير، ولكن عامة أتباعه لم يلتفتوا إليه.
ثم انتشر الكلام، وساء ظن الناس بالكتاب والسنة وأقوال السلف، فصار كثير من الناس يتبع المعتزلة والجهمية، ويأخذ كلامهم، وينتصر له، وكثير منهم - وهم في الغالب ممن كان آباؤهم وشيوخهم على رأي السلف - يلتحقون بالأشعرية، على القول الأول للأشعري، وفي أثناء ذلك تتصل بالأشعرية مسائل من أصول المعتزلة أو آراء جديدة، وشهر الأشاعرةُ أنفسَهم بأنهم أهل السنة، وأنهم الذابون عن عقائد السنة.
ولم تزل في المسلمين بقايا من أهل الحديث يرون أن الحق إنما هو في اتباع الكتاب والسنة، ويبدَّعون الأشعرية، كما يبدِّعون المعتزلة، ولكنهم كانوا يَقلَّون ويضعفون حتى صاروا غرباء يرميهم الأشعريةُ بكلّ عظيمة،
__________
= تدينون بها؟
قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عزَّ وجلَّ وبسنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولِما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكَّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظم وكبير مفهم". "الإبانة": (ص 70 - 71 ت فوقية).
وانظر في تحقيق الأطوار التي مرّ بها، وهل رجع إلى مذهب أهل السنة أم بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كُلاّب؟ "موقف ابن تيمية من الأشاعرة": (1/ 361 - 409) للمحمود.
(5/ 3/30)

وهؤلاء اشتهروا بالحنابلة، نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل، ونَشِب الخلافُ بينهم لاحتكاكهم بالمعتزلة والأشاعرة.
فعلى طالب الحق أن ينفي نفسه عن التعصب لفرقةٍ من هذه الفرق؛ بناء على أنه مسلك آبائه وأشياخه.
ثم يعلم أن المعتزلة يتمدَّحون عند الجمهور بأنهم أهل العدل والتوحيد، ويشنِّعون على مخالفيهم بخلاف ذلك، ويتقربون إلى الخاصة فوق ذلك بأنهم الذين أَعطَوا النظر العقلي حقَّه، وأن مخالفيهم يخالفون العقل، ثم ينتقون مسائل يتراءى منها أن الصواب معهم.
فاعلم أنه إن ظهر لك في مسألة أو أكثر أن الحق معهم، لم يلزم من ذلك أن يكون الحق معهم في كل شيء.
وأما النظر العقلي فقد عرفت في الكلام على الفلاسفة أن نظرهم في الإلهيات لا يوثق به، وذلك يأتي هنا.
وأما الأشاعرة فإنهم يتمدَّحون بأنهم أهل السنة، وأنهم الجامعون بين العقل والنقل. فاعلم أن مخالفيهم لم يوافقوهم على دعوى أنهم أهل السنة، بل بدَّعوهم وضلَّلوهم، وإنما يمكنك الفصل في ذلك بعد النظر، وبذلك ضعفت دعواهم النقل، وأما دعواهم العقل فحالهم فيه كحال المعتزلة.
[ص 16] وأما الحنابلة فلا أظنك تحتاج إلى ما يُزَهِّدك فيهم، ويمنعك من تقليدهم.
وأما المتفلسفة من المسلمين فعيبهم أنهم قلدوا فلاسفة اليونان - وقد علمت حالهم - ورفعوا درجتهم على درجة الأنبياء، ومع ذلك زعم بعض
(5/ 3/31)

من جاء بعدهم أنهم غلطوا في أشياء نسبوها إلى فلاسفة اليونان خطأً.
منها ما كان من غلط المترجِم. ومنها ما كان من قول بعض فلاسفة الروم المُتنصِّرة. وأقربهم إلى تحرِّي الحق أبو البركات (1) صاحب "المعتبر"، ولكنه لم يَسْلَم من كثير مما وقعوا فيه.
هذا، واعلم أن الفلاسفة أنفسهم كثيرًا ما يذكرون الشيء على الحَدْس والتخرُّص، لا على أنه يقيني عندهم، ويوردون عليه شواهد حَدْسية، فيجيء من بعدهم فيرى أن تلك حقائقُ قطعية لا تقبل الشك.
وأما الجامعون بين الكلام والفلسفة فأشهرهم ثلاثة: إمام الحرمين، والغزالي، والفخر الرازي (2).
__________
(1) وقد كان يهوديًّا فأسلم في آخر عمره، وانظر ما سبق عنه (ص 32).
(2) يبدو أن المؤلف أراد أن يتكلم عن كل واحد منهم بخلاصة موجزة، فبيَّض لإمام الحرمين، وتكلم عن الغزالي، ولم يتكلم على الفخر بشيء. والظاهر أنه أراد بعد ذِكْر تبحّرهم في الفلسفة والكلام أن يذكر ما آلت إليه أحوالهم من الرجوع إلى السنة في الجملة والنهي عن الخوض في الفلسفة والكلام، بدليل آخر كلامه في هذا الفصل. وقد وجدنا المؤلف تكلّم على هؤلاء العلماء الثلاثة في "التنكيل - القائد": (2/ 369 - 376) بنحو كلامه هنا مع بعض الاختلاف، فننقل كلامه من هناك بخصوص الجويني في المتن، وبخصوص الرازي في الحاشية لما تقدم في أول الكلام.
قال: "وأما الفخر الرازي ففي ترجمته من (لسان الميزان) 4/ 429: "أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده"، وهذه الوصية في ترجمته من كتاب (عيون الأنباء) 2/ 26 - 28 قال مؤلف الكتاب: "أملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني ... وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو =
(5/ 3/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة, وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاسٍ ويتوجه إلى مولاه كل آبق ... إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين:
الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببًا للدعاء له آثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال ... ، أما الأول، فاعلموا أني كنت رجلاً محبًّا للعلم. فكنت أكتب في كل شيء شيئًا لا أقفُ على كميةٍ وكيف، سواء كان حقًّا أو باطلاً، غثًّا أو سمينًا! إلا أن الذي نظرته (؟ نصرته) في الكتب المعتبرة إلى أن هذا العلم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
وقد أختبرت الطرق الكلامية, والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم, لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.
فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفاعلية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبوعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين ... وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ... ". فبيَّن في وصيته هذه أنه تدرج إلى أربع درجات:
الأولى: الجري مع خاطره حقًا كان أو باطلاً.
الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة.
الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخلفي وهو النظر الكلامي والفلسفي.
الرابعة: ما استقر وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكده الشرع، ثم قسم الباقي إلى قسمين: =
(5/ 3/33)

فإمام الحرمين [صحَّ عنه أنه قال في مرض موته: "لقد قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومه الطاهرة، وركبت البحر الخِضَمّ، وغصت في الذي نهى أهل الإِسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، "عليكم بدين العجائز"، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق، وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني". وقال: "اشهدوا عليَّ أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عجائز نيسابور". إلى غير ذلك مما جاء عنه وتجده في ترجمته من "النبلاء" للذهبي، "طبقات الشافعية" لابن السبكي وغيرها.
فتدبر كلام هذا الرجل الذي طبقت شهرته الأرض يتَّضِحْ لك منه أمور:
الأول: حسن ثقته بصحة اعتقاد العجائز وبأنه مقتضٍ للنجاة.
الثاني: سقوط ثقته بما يخالف ذلك من قضايا النظر المتعمق فيه، وجزمه بأن اعتقاد تلك القضايا مقتضٍ للويل والهلاك.
الثالث: أنه مع ذلك يرى أن حاله دون حال العجائز لأنهن بقين على الفطرة وسلمن من الشك والارتياب، ولزمن الصراط، وثبتن على السبيل،
__________
= الأول: ما بينه الكتاب والسنة، فهو كما بيَّناه.
الثاني: ما عدا ذلك، فبيَّن عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحسن النية". اه "التنكيل - القائد": (2/ 374 - 376).
وانظر "تاريخ الإسلام" وفيات 606 ص 241، و"طبقات السبكي": (8/ 90 - 92)، و"الروض الباسم": (2/ 347 - 348) لابن الوزير - بتحقيقي -.
(5/ 3/34)

فرجي لهن أن يكتب الله تعالى في قلوبهن الإيمان, ويؤيدهن بروح منه، فلهذا يتمنى أن يعود إلى مثل حالهنَّ، وإذا كانت هذه حال العجائز، فما عسى أن يكون حال العلماء السلفيين؟!] (1).
وأما الغزالي فحاله عجيب، والذي يتراءى من صفاته أنه كان يغلب عليه ثلاثة أخلاق:
الأول: الشغف بالعلم.
الثاني: حب التفوُّق (2).
الثالث: الحرص على حَمْل الناس على التمسّك بالعبادات الإسلامية.
فبالخُلُق الأول نظر في الفقه وأصوله والكلام، ثم حكى عن نفسه أنه لم يقنعه (3) الكلام، فنظر في الفلسفة فلم تشفه، فمال إلى التصوُّف، ثم عاد إلى مطالعة كتب الحديث، حتى مات و"صحيح البخاري" على صدره.
وبالخلق الثاني تجده عندما حصَّل الكلام يبالغ في مدحه، ثم لما أخذ الفلسفة صار يبالغ في مدحها، ويزعم أن من لم يعرف المنطق لا يوثق بعلمه، ويقول: "إن عامة المتكلمين مقلدون".
ثم لما أخذ التصوّف صار يبالغ في مدحه، ويفرط في إطرائه، ثم كأنه
__________
(1) بيّض المؤلف للكلام على الجويني أربعة أسطر. وقد نقلنا كلامه فيه من "التنكيل - القائد": (2/ 369 - 370)، وانظر: "سير أعلام النبلاء": (18/ 471)، و"المفهم": (8/ 692 - 693) للقرطبي، و"الروض الباسم": (2/ 348).
(2) لم يذكر هذا الخُلُق في "التنكيل".
(3) غير محررة، وتحتمل: "ينفعه".
(5/ 3/35)

لما شرع في مطالعة السنة صنف كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" ولعله لو مُدّ في عمره حتى يتمكَّن في معرفة السنة لتَحَنْبَل (1).
[ص 17] وبالخلق الثالث تراه يُحَسِّن التصوفَ للمتفلسفين، ويوهِمُ في بعض كلامه أن المتصوّفة يعتقدون بعض العقائد التي يزعم المتفلسفون أنها قطعية، ويدعو المتفلسفة إلى التزام العبادات الشرعية ولو على وجه الاحتياط إلى غير ذلك.
والمقصود هنا أنه بيّن أن الكلام لا يقنع، والفلسفة لا تشفي، وظهر من رجوعه إلى مطالعة السنة أنه وجد التصوف لا يغني.
لكن هؤلاء الأكابر لم يرجعوا حتى ملؤوا الدنيا كلامًا, ولم يلتفت الناس إلى رجوعهم، كما لم يلتفتوا إلى رجوع الأشعري.
والمقصود هنا أن هؤلاء الأكابر قد زَهِدوا فيما شحنوا به كتبهم من الكلام والفلسفة، وساء ظنُّهم به، وتبرؤوا عنه، فوجب أن لا يُغترّ به لمجرَّد نسبته إليهم.
****
__________
(1) قال عبد الغافر الفارسي - وهو صاحب الخبرة به -: "وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسيرٍ من الأيام" اه. انظر "المنتخب من السياق" (ص 74)، و"تاريخ الإسلام": (وفيات 505 ص 118).
وما ذكره المؤلف عن كتاب "إلجام العوام" فيه نظر يتضح بالنظر في كتابه "ميزان العمل" (ص 405 - 408)، و"نقض المنطق" (ص 55) لابن تيمية، و"موقف ابن تيمية من الأشاعرة": (2/ 632 - 637).
(5/ 3/36)

فصل
اعلم أن في كلام المتكلمين جنايات كثيرة على الإسلام، ولها أسباب:
الأول: عدم رسوخهم في معرفة الإِسلام، فربما نسبوا إليه ما هو بريء عنه، ثم لِزمَتْهم لوازم منافية للإسلام، فمنها ما يلتزمونه، ومنها ما يتمحَّلون لدفعه بأقوال يأباها (1) العقل وينكرها الإِسلام.
الثاني: أنه ربما يحتجون بحجَّة لم يذكرها الإسلام، ولا ما هو في معناها، فتُدْفَع بِمَدافع تُلْجئهم إلى هدم شيء من الإسلام، وإلى أقوالٍ يأباها العقل وينكرها الإِسلام.
الثالث: أن في الإسلام مسائل يتعذَّر أن يُدْرَك بمجرّد العقل ثبوتُها أو انتفاؤها، فيحاول هؤلاء أن يحتجّوا عليها، فيُلْزَمون، فيَدْفَعون، فيقعون فيما يخالف الإِسلام، و ... (2).
[ص 18] وأما المتصوِّفة، فقد كان في عهد التابعين زُهَّادٌ على طريقة السلف، ثم لم يزل في كل عصر متزهدون، ولم يكونوا على طريقة واحدة، بل كانوا مختلفين بحسب اختلاف الفِرَق المعروفة في زمانهم، فمنهم المحافظ على طريقة السلف، ومنهم الخارجي، والشيعي، والمعتزلي، والجهمي، بل ومنهم من يُنْسب إلى الزندقة والباطنية، ثم صار منهم الحنبلي، والمعتزلي، والأشعري، والمتفلسف، وغير ذلك.
ثم أكثرهم مصرِّحون بأن في طريقهم أخطارًا ومغالط يضلّ بها أكثر سالكيها، وأن عامة كلامهم ألغاز ورموز لا يعرفها إلا من سلك طريقهم،
__________
(1) الأصل: "بأياها"، سهو.
(2) ترك المؤلف بقية (ص 17) بياضًا.
(5/ 3/37)

وتجدهم كثيري الاختلاف بينهم، والمتأخر منهم يطعن علي المتقدم تصريحًا أو تلويحًا، ويدَّعي أحدهم أن الولاية خُتِمت به، فينكر عليه معاصروه ومن يأتي بعده منهم.
وبالجملة فإن كنت تميل إلى التقليد، فتقليد الكتاب والسنة أولى بالحق من تقليدهم، وإن كنت تريد معرفة طريقهم، فلذلك شروط عندهم معروفة، ومنها ما هو مخالف لما عُرِف من الشريعة الإسلامية ومن عمل الصحابة والتابعين، وأقصى ما عندهم الكشف، وقد كشفتُ عنه في غير هذا الموضع، ويكفيك قول بعض قدمائهم وهو أبو سليمان الدَّاراني (1): [ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة] (2). وقول بعض متأخريهم وهو أبو الحسن الشَّاذِلي (3): [إذا عارض كشفُك الكتاب والسنةَ فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقيل لنفسك: إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة ...] (4).
__________
(1) هو عبد الرحمن بن عطية أبو سليمان الداراني الدمشقي الصوفي (ت 215). ترجمته في "طبقات الصوفية": (ص 75 - 82) للسلمي، و"الحلية": (9/ 254 - 280).
(2) قول الداراني بيّض له المؤلف، وأكملته من "التنكيل - القائد": (2/ 379). وقوله هذا ذكره السلمي في "طبقات الصوفية"، والقشيري في "الرسالة": (1/ 61).
(3) هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار أبو الحسن الشاذلي المغربي، شيخ الطائفة الشاذلية (ت 656). ترجمته في "لطائف المنن" (ص 75 - 89) لابن عطاء الله، و"تاريخ الإسلام" (وفيات 656 ص 273 - 274)، و"طبقات الشعراني": (2/ 4 - 11). ومقدمة "الرد على أبي الحسن الشاذلي" لابن تيمية، بتحقيقي.
(4) قول الشاذلي بيّض له المؤلف، وأكملته من "لطائف المنن" و"طبقات الشعراني".
(5/ 3/38)

وقد بينتُ في موضعٍ آخر أن الكشفَ ليس بطريق شرعي، وأنه لا يفيد ما تقوم به الحجة (1).
وأما فلاسفة العصر؛ فإن فلسفتهم كانت ردَّ فِعْل لفلسفة اليونان ومن تبعهم، فأولئك توسّعوا في الخياليات والحدسيات، وهؤلاء حصروا فلسفتهم في المحسوسات، وإنما يأخذون من القياسات بمقدار ما تضطرهم إليه أمور دنياهم، ويصرحون بأن الإلهيات لم يقم عليها عندهم دليل محسوس، وأنهم لم يحيطوا بكل شيء من المحسوسات فضلاً عن غيرها، وزادهم نُفْرة عن الدين أنهم إنما عرفوا من الدين النصرانيةَ، وقد قامت لديهم البراهين على اختلالها.
وأما الإسلام فإنهم نشأوا على بُغْضه وعداوته، واستمر لهم ذلك لأغراضهم السياسية، ومن تكلَّف الإنصافَ منهم لم يسلك في معرفة الإسلام الطريق الموصلة إليها، على أن جماعة من جِلَّتهم يعترفون بوجود الإله، ومن لا يعترف يقول: لا أدري. ولا معنى لتقليد من يقول: لا أدري!
****
__________
(1) انظر "التنكيل - القائد إلى تصحيح العقائد": (2/ 378 - 385).
(5/ 3/39)

[ص 19 ب] (1) المقدمة الثالثة: في تقسيم العقائد
يمكن قَسْم العقائد إلى أقسام:
قسم لا يمكن الناسَ في هذه الدار الوصولُ إلى معرفته.
وقسم يمكنهم.
فالذي لا يمكنهم لا بد أن يكون الشارع الحكيم قد حَظَر عليهم الخوضَ فيه؛ لأسباب:
الأول: أنه تضييع للعمر في غير طائل.
الثاني: أنه مظنة للغلط، فإنه كما أن من يتراءى الهلال في ليلة تسع وعشرين - والحال أنه لا يمكن أن يُرَى - قد يكدّ عينيه في التحديق إلى موضع من الأُفق، فيُخيّل إليه كأنه رأى الهلال، ثم يستثبت فلا يرى شيئًا، فيصرف نظره إلى موضع آخر من الأفق، ويحدق إليه، فيخيل إليه أيضًا، فيستثبت فلا يرى شيئًا، وقد يتكرر له هذا مرارًا.
وكذلك يعرض لمن يحاول أن يرى النجومَ نهارًا، وإنما يخيل إليه رؤية الصورة الثابتة في خياله. وكذا من يكون في الليل في موضع بعيد عن العمران، قد يبالغ في الإصغاء ليسمع صوتًا أو حسًّا، فيُخيّل إليه أنه سمع.
فهكذا من يكد فكره في الاستدلال قد يعرض له شبيه بهذا، ثم يصعب عليه التنبه لغلطه؛ لأن خطأ الحواس قد يتنبه له العقل، فإذا أخطأ العقل فمن ينبهه؟!
__________
(1) [ص 19 أ] مضروب عليها.
(5/ 3/40)

[ص 20] لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغصّان بالماء اعْتِصاري (1)
وقد تقدم في الأصل الرابع من المقدمة الأولى (2) الإشارة إلى شيء من الأغلاط. وفيما شرحه العلماء من أغلاط الحسّ ما يستمر على كثير من الناس وإن تنبه له علماء الطبيعيات، ومنها ما يصعب عليهم حلّه، وقد يستمر عليهم الغلط، حتى إن الأشاعرة يزعمون أن العَرَض لا يبقى زمانين، فيزعمون أن بياض هذا الورق وسواد هذا المِداد في تبدّل مستمر، ولكن الحسّ لا يُدْرِك ذلك لسرعة توالي الأمثال.
ويزعم ... (3) أن الأجسام كذلك في تبدّل مستمر، فما بالك بأغلاط العقل؟!
هذا مع أن من كلَّف نفسَه النظر يحتاج غالبًا إلى كلام أهل الآراء المختلفة، وكلٌّ منهم يحتجّ على رأيه بشبه يزعم (4) على كثير من النظار حلها.
السبب الثالث: أنه مظنة الكذب على الله، وذلك من وجهين:
الأول: أن العقل قد يغلط كما تقدم، فيظهر الغالطُ غلطَه ويحتج عليه، ويتعصّب له، فإذا دفعه غيره بحجة حمله التعصب على عدم الرجوع.
__________
(1) البيت لعدي بن زيد العبادي، في "الشعر والشعراء": (1/ 229)، و"الاشتقاق" (ص 269) لابن دُريد.
(2) (ص 12 - 14).
(3) ترك المؤلف بياضًا مقدار كلمة. ولعلها "النظَّام" فقد نُسب إليه هذا الزعم في "بغية المرتاد" (ص 421) و"شرح المقاصد": (3/ 86).
(4) كذا في الأصل، ولعل المؤلف أراد: "يصعب" أو "يتعذر" فسبق قلمه بهذه الكلمة.
(5/ 3/41)

الوجه الثاني: التخرص؛ إما بأن يتفق له ما اتفق في الوجه الأول، فيحمله التعصب على عدم النظر في حجة خصمه, ويبقى على رأيه بعد عروض الشك فيه. وإما بأن تعرض له شبهة، ثم اعترض عليها، ثم جواب هذا الاعتراض، ثم رد هذا الجواب، وهكذا ... فيمرّ على ذلك إلى أن يكلّ ذهنه، ويتعب فكره، فيقف، وتكره نفسُه الرجوع بخُفَّي حُنَين، فيختار ما اتفق وقوفه عنده.
والمفروض أنه خرج عن دائرة العقل، وحاول إدراك ما لا يدرك، والخارج عن دائرة العقل ضاربٌ في ما لا نهاية له، ولا يمكن أن يجد فيه ما يطمئن إليه العقل المتثبت، فمثله مثل مسافِرَين مرّا بموضع صالح للنزول، فقال أحدهما: ننزل هنا، فإنه ليس بعده منزل صالح، فقال الآخر: كلا بل نمشي، فلعلنا نجد منزلاً أصلح من هذا، فراجعه صاحبه فأبى، فانطلقا، ثم كلما مر بمكان نظر فيه، فرآه غير صالح، وهكذا حتى استولى عليه التعب، فقال: ننزل ههنا، فإن هذا موضع صالح، وقد علم أنه ليس بصالح، ولكنه يغالط صاحبه، بل ونفسه.
هذا، ومعنى النزول في العقائد هو الإقامة في ذلك الموضع، وقلَّ من يجْذِبه التوفيق، فيرده إلى الموضع الصالح، كما اتفق لإمام الحرمين وغيره، على ما تقدم في المقدمة الثانية (1).
[ص 21] وأما القسم الذي يمكنهم في هذه الدار الوصول إلى معرفته فهو على ضربين:
__________
(1) (ص 39 - 44).
(5/ 3/42)

الأول: ما لم يكلفهم الشرع بطلبه.
الثاني: ما كلفهم به.
فالأول على أوجه؛ محظور ومكروه ومباح، فما حظره الشارع الحكيم فهو مظنة المفاسد والأخطار، وكذلك ما كرهه وإن كان دون الأول. وما أباحه فالخير والشر فيه متعادلان.
والثاني وهو ما كلفهم به؛ يبقى النظر في الطريق إليه (1)؛ فقد تعرِض أمام الإنسان طريقان أو طرق يُرْجى منها الوصول، وقد يكون في نفس الأمر منها ما لا يوصل، ومنها ما قد يوصل، ولكن يغلب أن يَعْترِض سالكَها ما يهلكه، أو تكون في سلوكها صعوبة يعجز عنها أكثر السالكين.
والشارع الحكيم لا بدَّ أن يهدي العباد إلى الطريق الموصل السليم السهل المستقيم، وينهاهم عن الطرق الأخرى، فإذا وجدنا الشارع قد أرشدنا إلى طريق، فسلوكنا غيرَها مخالفةٌ له، وتعريضٌ لأنفسنا للهلاك.
واعلم أن الله غني عن العالمين، وإنما خلق الناس ليبلوهم ويختبرهم. وقد أوضحتُ هذا الأصل في رسالة "العبادة" (2).
ومن جملة الابتلاء: أن جعل إلى المقصود طريقًا موصلة ليست كما يهواه الإنسان ويشتهيه، بل يتراءى له بادئ النظر أنها غير موصلة، وجعل طرقًا أخرى إما أن لا توصل، وإما أن يغلب فيها الهلاك، ولكنها توافق هوى الإنسان وشهوته، ويتراءى له أنها موصلة، وذلك ابتلاء العباد، فمن كان
__________
(1) من قوله: "على أوجه ... " إلى هنا لحق في أعلى (الورقة 21 ب).
(2) (ص 57 - 65).
(5/ 3/43)

حَسَنَ الظنَّ بالشارع فإنه يسلك الطريق التي أرشد إليها ولا يبالي بمخالفتها لهواه وشهوته، ومن كان مؤثرًا لهواه وشهوته فإنه يسلك غيرها.
ولنضرب لذلك مثلاً: وهو ملك عظيم، بعث إلى رعيته رجلاً منهم، قد عرفوا صدقه وأمانته ونصحه وإخلاصه، ومعه ما يبين لهم اتصاله بالملك، فأعلن فيهم أن الملك يدعوهم إلى بستان قد أعدّه لهم، ومد لهم سنة - مثلاً -, وأن من وصل استحق الإنعام والإكرام، ومن مضت المدة ولم يصل استحق العقوبة والنكال.
فلما فكروا في أنفسهم علموا افتقارهم إلى الوصول إلى الملك، ورجوا الإنعام وخافوا العقوبة، ولم يكونوا يعرفون أين البستان، ولا في أي جهة هو، ولا كيف الطريق إليه، فأخبرهم ذلك السفير عن الملك بوصف الطريق الموصل إلى البستان، وبعد أن أتم الوصف تركهم، فافترقوا فرقتين:
الأولى: رأوا أن في السفر كلفة ومشقة، فآثروا البقاء على ما هم عليه، وأخذوا يتشككون في وجود الملك [ص 22] أو في صدق السفير، وبقوا على ما هم عليه حتى مضت المدة.
والثانية: علمت افتقارها إلى الوصول إلى الملك، ورَجَتِ الثوابَ، وخافت العقاب، وافترقت طوائف:
طائفة قالت: المدة طويلة، فلنبق على راحتنا وملاذِّنا إلى أن تنتصف المدة، ثم نسافر، ثم بقيت تسوِّف حتى انتهت المدة.
وطائفة عزمت على السفر، ولكنها لما أرادت السير على تلك الطريق التي وصفها السفير رأت أنها طريق عادية، ودعاها داعٍ إلى طريق أخرى
(5/ 3/44)

مُعبَّدة، على حافتيها القصور والبساتين والملاعب، قائلًا لهم: ينبغي أن تكون هذه هي الطريق إلى بستان الملك، لا تلك الطريق العادية الناشفة، فتبعوه، وسلكوا تلك الطريق، فذهبت بهم إلى جهة غير جهة البستان، فهلكوا.
وطائفة دعاها داعٍ إلى طريق أخرى ذات مناظر بهجة؛ من رياضٍ وغياضٍ وأنهارٍ، قائلاً: ينبغي أن تكون هذه هي الطريق إلى بستان الملك، لا تلك القاحلة، فتبعوه فهلكوا.
وطائفة فكرت في أنفسها، فقالت: السفير الذي جاءنا قد عرفنا صدقه وأمانته، ونصحه وإخلاصه وقربه من الملك، وقد تكون لهذه الطريق التي يراها الناس ناشفة قاحلة مزيةٌ عَلِمها الملك وجهلها الناس، ولعله إنما تركها - في ما ترى العين - قاحلة ناشفة لاختبار من يصدقه ممن لا يصدقه، ولو لم يكن لها مزية إلا أنها موصلة لكفاها ذلك، فسلكوها، فنجوا.

فصل
والمكلَّف بطلبه ينقسم بالنظر إلى درجة التكليف إلى أضرب:
الضرب الأول: ما هو من ضروريات الإيمان بحيث أن من لم يؤمن به فليس بمؤمن.
الثاني: ما ليس كذلك، ولكن طلبه والإيمان به فرض على كل مُكلّف.
الثالث: ما طلبه ومعرفته فرضٌ على الكفاية.
الرابع: ما طلبه ومعرفته مستحبّ فقط.
هذا، وربما يختلف حكم الأمر الواحد باختلاف الأشخاص والأحوال، فيكون على شخص وفي حال فرضًا، وعلى شخص حرامًا، وغير ذلك.
(5/ 3/45)

والذي ينبغي أن يُرَتَّب البحث التفصيلي بحسب الأربعة الأضرب المذكورة.
وهذا آخر المقدمات، وأسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والعون، اللهم يا مقلب القلوب ثبَّت قلبي على دينك، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
***
(5/ 3/46)

[ص 23] الباب الأول: في الضروريات
وهي أصول:

الأصل الأول: وجود رب العالمين
اعلم أن الأمم التي سمعنا بها من الأولين والآخرين وبلغنا شيء من أخبارها كلها مقرَّة بوجود رب العالمين، وقد بسطتُ في رسالة "العبادة" (1) ما تيسر لي من أدلة ذلك عن قوم نوح، وقوم صالح، وقوم هود، وقوم إبراهيم، والمصريين في عهده، ثم في عهد يوسف، ثم في عهد موسى، حتى فرعون نفسه، وأوضحتُ ذلك بالأدلة الشافية. وهكذا حال اليونان والهند والصين والمجوس والترك وغيرهم، وكذلك سائر الأمم المتوحشة، حتى زنوج أمريكا (2) التي لم تُكْتَشف إلا منذ أربعمائة سنة.
وأما الأفراد فقد يكون من السابقين من تشكَّك في وجود رب العالمين، أو كابر فجحد، كما يقع نحو ذلك من أفراد من الإفرنج المتأخرين، الذين قَصَروا علمهم على المحسوسات، كما تقدم.
فأما ما شاع في الكتب من تسمية فرقة من الفرق ب "الدهرية"، فأصل هذا الاسم مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 24 - 25].
__________
(1) (ص 439 - 551).
(2) المعروف أن الزنوج إنما جُلبوا إلى أمريكا مؤخّرًا عبيدًا للخدمة، ومن سكنها قديمًا إنما هم الهنود الحمر.
(5/ 3/47)

وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى عن مشركي العرب أنهم يعترفون بوجود الله، وأنه الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، والذي يجير ولا يجار عليه، وأنه الذي خلق السموات والأرض، وسَخَّر الشمسَ والقمر، وأنه الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم (1). إلى غير ذلك مما بينت كثيرًا منه في رسالة "العبادة" (2).
إذا عرفنا ذلك فقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} لا يمكن أن يُحْمَل على إنكار وجود الرب، ولا إنكار تدبيره مطلقًا؛ إذْ لا دلالة فيه على ذلك، وقد عُلِم أن القوم كانوا يعترفون بوجود الرب، وأنه المُدبِّر مطلقًا.
إذًا بقي أن يقال: إنهم إنما أنكروا أن يكون الله تعالى هو الذي يهلكهم، وهذا بعيد؛ لأنه يوجد في كلامهم ما يخالفه.
والذي يظهر لي في قولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} احتمالان:
الأول: أن يكون هذا قول فرد أو أفراد منهم، عاندوا به ما أُوْرِد عليهم في إنكار البعث، فإن سياق الآيات إنما هو لإثبات البعث، كأنه قيل لهم: إن الله تعالى إنما يميت الناسَ ليرجعهم إلى ما أعدّ لهم مما يستحقونه، وإلا
__________
(1) راجع سورة يونس الآية (31 - 33)، وسورة المؤمنون الآية (84 - 89)، وسورة العنكبوت الآية (61 - 63)، وسورة لقمان الآية (25)، وسورة الزمر الآية (38)، وسورة الزخرف الآية (9)، والآية (87) [المؤلف].
(2) سبقت الإشارة إليها في الصفحة السالفة.
(5/ 3/48)

فلماذا يميتهم؟!
ويؤكد ذلك بأن كثيرًا من [ص 24] الناس يموتون قبل أن يلقوا في حياتهم الدنيا ما يُعدّ جزاءً لأعمالهم، فكثير من الأخيار يعيشون عيشةً نَكِدة حتى يموتوا، وكثير من الظَّلمَة يعيشون في رغدٍ من العيش حتى يموتوا، فإذا لم تكن هناك دارٌ أخرى فقد كان مقتضى الحكمة أن لا يُمِيت الله عزَّ وجلَّ أحدًا حتى يستوفي جزاءه، فكابر ذلك الفرد أو الأفراد، فقال ما قَصَّه الله تبارك وتعالى.
وذلك كما كابر بعض اليهود فيما قصه الله تبارك وتعالى ورده بقوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:90 - 91].
الاحتمال الثاني: أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ أراد به القول الذي كان شائعًا بينهم من نِسْبة الحوادث إلى الدهر، كما هو كثير في أشعارهم، فإن ذلك وإن كُنّا إذا عرضناه على ما عُلِم من اعترافهم بوجود الله عَزَّ وَجَلَّ وأنه المدبر يترجَّح لنا أنهم إنما كانوا يطلقونه مجازًا، إلا أنه لمَّا شاع وذاع بينهم كان من أشدِّ أسباب الغفلة عن الله عَزَّ وَجَلَّ وتدبيره، وصار أحدهم يطلقه تبعًا للاستعمال الشائع الذائع، وربما يغفل عن كونه مجازًا، وإن كان إذا نُبَّه وقُرِنَ له ذلك بما يعترف به من وجود الله عَزَّ وَجَلَّ وأنه المُدبِّر تنبه لأنه مجاز.
ونحن نجد كثيرًا من المسلمين يستعمل ذلك، كقوله: "الدهر معاند لي"، "الدهر لا يساعدني"، وذلك كثير في أشعارهم، وكثير منهم لا يستحضر عندما يقوله أنه مجاز، وإنما سمع الناسَ يقولون فقال، وإن كان إذا
(5/ 3/49)

نُبَّه انتبه، ويؤيد هذا المعنى ويُعيّنه الحديث الصحيح [قال - صلى الله عليه وسلم -: "قال الله عزَّ وجلَّ: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"] (1).
ثم أطلق المتكلمون لفظ "الدهري" على من قال من الفلاسفة بقدم العالم، وقد يُجْمع بينهما فيقال كما في "المصباح" (2): "الرجل الذي يقول بقدم الدهر ولا يؤمن بالبعث دهري".
****

فصل
من سُنة القرآن: أن ما كان من الحق معروفًا بين الناس مسلَّمًا عندهم أن لا يَذْكُر ما يمكن أن يُورَد عليه من الشبهات، وإنما يَذْكُر ما يُؤخذ منه البرهان على ذلك الحق، والبراهين على وجود رب العالمين كثيرة، أشهرها الاستدلال بوجود الأثر على وجود المؤثِّر كما يعبر عنه جماعة، وقد تقدمت الإشارة إليه في الأصل الثاني (3) من المقدمة الأولى.
وهذا القدر متفق عليه بين الناس، وقد نَبَّه عليه القرآن، فذكر كثيرًا من آيات الآفاق والأنفس، ودعا إلى النظر والتفكر فيها، وقال سبحانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35 - 36].
__________
(1) ضاقت الحاشية على المؤلف فبيّض للحديث، وسقته اجتهادًا. وهو في البخاري (6181)، ومسلم (2246) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) (ص 77).
(3) كذا، وإنما تقدمت الإشارة إليه في الأصل الأول (ص 8 - 10).
(5/ 3/50)

قال بعض الأكابر (1): "يقول سبحانه: أَحَدَثوا من غير مُحدِث، أم هم أحدثوا أنفسهم؟! ومعلوم أن الشيء لا يوجد نفسَه" (ص 15) (2).
وحكوا عن بعض الأعراب أنه سُئل عن معرفته ربَّه فقال: "البعرة تدل على البعير، و [آثار الأقدام تدل على المسير] " (3).
[ص 25] واختلف الناس في تلخيص هذا المعنى على وجوه:
الوجه الأول - وهو المشهور بين المتكلمين - قولهم: الحادث لا بد له من مُحدِث، فإن كان محدثه هو القديم فذاك، وإن كان حادثًا فله (4) في نفسه محدث، وهكذا فلا بد أن تنتهي السلسلة إلى محدث غير حادث.
وقد اصطدمت هذه العبارة بأمور:
الأول: الشبهة القائلة: هذا مسلَّم، ولكن قد لا يثبت به وجود رب العالمين؛ إذ قد يقال: هذا حادث فله محدث، ومحدثه حادث فله محدث، ومحدثه حادث، فله محدث، وهكذا بغير نهاية.
والأمر الثاني: ما قد يقال: وجوب الانتهاء إلى قديم مسلَّم، ولكن قد يُدَّعَى قِدَم شيء أو أشياء ليست برب العالمين، كأن يُدَّعَى قدم الشمس مثلًا.
__________
(1) هو ابن أبي العزّ الحنفي في "شرح الطحاوية" (ص 112).
(2) هكذا بخط المؤلف فوق السطر.
(3) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير": (1/ 166)، و"تلبيس إبليس" (ص 66)، والمقري في "نفح الطيب": (5/ 289) بسياق آخر وزيادة. وما بين المعكوفين منها، وتركه المؤلف نقاطًا.
(4) "فله" مكررة في الأصل.
(5/ 3/51)

الأمر الثالث: ما ذهب إليه أرسطو وشيعته من قدم العالم، وما ذهب إليه قوم من القِدَم النوعيّ للخلق.
أجاب المتكلمون عن الأمر الأول بأن التسلسل إلى ما لا نهاية له في القدم مُحالٌ، وذكروا لبيان إحالته أدلةً تعتاص على الأفهام، ولا يأمن الناظر فيها تضليل الأوهام، وقد قدح فيها قوم وعارضوها.
ودفعوا الأمرَ الثاني بالاستدلال على حدوث الشمس مثلًا بأنها جسم له أجزاء وحدود ونهاية، وأنها تتحرك وتنتقل وتتغير من حال إلى حال، وأن ذلك كله لا يكون إلا للمحدث القابل للفناء. وبذلك دفعوا الأمر الثالث.
فأورِد (1) عليهم أنّ الكتابَ والسنة يصفان الرب عَزَّ وَجَلَّ بشيء من جنس هذه الصفات، فالتزموا تأويل ذلك كله، وجرى في ذلك ما جرى. والله المستعان.
الوجه الثاني: عبارة الفلاسفة - وقد استعملها المتكلمون أيضًا - قالوا: ممكن الوجود لا بد له من واجب الوجود لذاته، وقد شرحه أبو البركات (2) في "المعتبر" (3/ 20).
وقد يعبِّرون عنه بقولهم: المعلول لا بدّ له من علة حتى ينتهي إلى علة غير معلولة، وأُورِدت عليه شبهة التسلسل إلى غير نهاية، فلخَّصَه بعضُ المتكلمين في عبارات لا ترِدُ عليها هذه الشبهة.
__________
(1) غير محررة، ورسمها: "فورد". وما أثبته يدل عليه ما يأتي بعد أسطر.
(2) انظر ما سبق عنه (ص 26، 32).
(5/ 3/52)

وأُورِد (1) عليه أيضًا: أن غايته إثبات واجب، وقد يُدَّعَى وجوب بعض الأشياء، فلا يحصل المقصود من الدلالة على وجود رب العالمين، فعادوا يستدلون على إمكان تلك الأشياء بنحو ما استدلَّ به المتكلمون على حدوثها.
****

[ص 26] فصل
الإنسان إذا رجع إلى نفسه وأنعم النظر في تفتيشها وجد عندها اطمئنانًا بأن للعالم ربًّا ليس من جنس ما تراه وتشاهده، وقد يشتبه عليك هذا الأمر في نفسك، فتجده أولًا كالشيء الذي يتراءى من وراء حجاب، بَيْنا تقول: قد أثبتُّه خَفِي عنك. أو كصورة قد نسيتها، فأنت تحاول أن تذكرها، فإنك قبل أن تذكرها قد يعرض لك أن تحسَّ كأنك قد ذكرتها ثم تغيب عنك، وهكذا في أشياء أخرى.
وقد تتصفّح ما استدلّ به المتكلمون والفلاسفة، فلا تطمئن إليه نفسك، ثم تراجعها في ذاتها، فتجد اطمئنانها بوجود الرب على ما كان، فتعلم أن هذا الاطمئنان لم يأتها من جهة أدلتهم، ويتأكد هذا عندك بأنك تجد كثيرًا من الناس لم يسمع بأدلة المتكلمين والفلاسفة، واطمئنان نفسه بوجود الرب ثابت، لعله أظهر من اطمئنانك.
وقد تعرض على نفسك الاستدلال بقول أسلافك في النسب والتعليم، فلا تجدها تطمئن إليه، وتعرض عليها أمورًا أخرى مضى عليها آباؤك
__________
(1) قبلها في الأصل: "ولم"، ولا معنى لها, ولعله أراد أن يكتب شيئًا ثم أضرب عنه ونسي أن يضرب عليها.
(5/ 3/53)

وأسلافك، فلا تجدها تطمئن إليها، ثم تراجعها في اطمئنانها بوجود الرب، فتجده بحاله، فتعلم أن ذلك لم يأتها من جهة التقليد.
ويتأكد هذا عندك بما سبق (1): أن القبائل المتوحشة حتى زنوج أمريكا يعتقدون وجود الرب، ويتأكد الأمران معًا بأن بعض الأفراد يكون ملحدًا قد ردَّ أدلة المتكلمين والمتفلسفين، واستدل بزعمه على نفي وجود الرب، وعلى أنه لا يمكن العلم بوجوده ولا عدمه، وسفَّه التقليد، وتعصَّب لذلك جهده، ثم هو يجد نحو تلك الطمأنينة من نفسه على ما حُكِي عنهم.
وأظهر ما تكون هذه الطمأنينة عندما يعتري الإنسان مرض أو خوف شديد، فيجدُ نفسَه تفزع إلى ذي قوة غيبية، تلتجئ إليه، وتستغيث به.
قال الله تبارك وتعالى (2): [{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ...} [يونس: 12]، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...} [الروم: 33]، وقال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...} [العنكبوت: 65]].
فإن قيل: فإننا نجد كثيرًا من الناس إذا اعتراه مرض أو خوف يفزع إلى غير الله عزَّ وجلَّ، فقد يفزع النصراني إلى المسيح وأُمّه، والذين يعبدون الملائكة إلى الملائكة، وعوامّ المسلمين إلى من يعتقدون فيه الولاية من الموتى.
__________
(1) (ص 47 وما بعدها).
(2) ترك المؤلف مكان الآيات فارغًا بمقدار ستة أسطر، فأكملناه بالآيات المناسبة للسياق.
(5/ 3/54)

فعنه جوابان:
الأول: أنّ يُدَّعى أن هذا إنما يكون عند المرض أو الخوف الخفيف، فأما عند الشدة الشديدة فإنما يفزعون إلى رب [ص 27] العالمين، كما قَصَّه الله عَزَّ وَجَلَّ عن المشركين (1).
الثاني: أن الفزع إلى تلك الأشياء إنما هو من جهة اعتقاد علاقتها بالرب، فإن فُرِض أن من الناس من يزعم في بعض المخلوقات أنه هو الرب، فنفسه إنما فزعت إلى الرب، غير أنّ العادةَ والتقليد وجَّه الفزعَ إلى ذلك الشيء من جهة توهُّم أنه هو الرب.
وإيضاح ذلك أن القَدْر المغروس في النفس مجمل تتكاثف عليه الحُجُب، ومثال ذلك: امرأة عمياء أضلَّت ولدها صغيرًا، فهي تعرف أن لها ولدًا تحبه طبعًا، وتبحث عنه، فقد يجيئها إنسان بولد فيقول لها: هذا ولدك، فتأخذه وتضمّه وتشمّه على أنه ولدها لا ترتاب فيه.
وقد يأتيها إنسان ببعض ثياب ولدها، ويخبرها بذلك، فتأخذ ذلك الثوب فتشمه وتلتذّ به، وقد يأتيها بثوب لغير ولدها، فيزعم لها أنه ثوب ولدها، فيكون حالها كذلك، فهذا كله لا ينفي اعتقادها أن لها ولدًا، وأنها إنما تحبّ ولدها في نفس الأمر، وتحنو عليه، وتلتذّ بقربه.
****
__________
(1) في الآيات التي سلفت قريبًا. وفي قوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ...} الآية [الإسراء: 67].
(5/ 3/55)

فصل
فإن قيل: هذا الإدراك النفسي كيف حصل للنفس؟
قلت: قد يكون بقيَّة من بقايا ما أدركته قبل تقييدها في الجسد، إن قلنا: إن النفوس خُلِقت أو تُخْلَق قبل الأجساد بزمان طويل، وأن من شأنها إذا قُيِّدت بالجسد أن تنسى أو ينسيها الله عَزَّ وَجَلَّ ما كان لها قبل ذلك.
وعلى هذا فبقيَتْ لها هذه البقية؛ لأنها أظهر ما أدركته قبل تقيُّدِها بالجسد، ولأن حكمة الله تبارك وتعالى اقتضت إبقاء ذاك القَدْر لها؛ ليكون كالأساس لما أراده سبحانه من تكليفها في الحياة الدنيا.
وقد يقال: إن للنفوس ذاتها إدراكًا ما غير ما تدركه بالحواس والقياس العادي.
ومن تتبع أحوال نفسه وجد لها شيئًا من ذلك، فقد يعرض له ضيق وغمّ لا يعرف سببه، ثم يتبين أنه في ذلك الوقت جرى ما من شأنه أن يغمه، وقد يعرض له فرح وانبساط لا يعرف سببه، ثم يتبين أنه جرى في ذلك الوقت ما من شأنه أن يسره.
وقد يقال: إن ذلك من آثار ملاحظتها لدلالة الأثر على المؤثر، أو غيره من الأدلة الآتية، فإننا نجد النفس قد تلاحظ بعض الدلائل ملاحظةً لا يشعر بها العقل، كأن يرى إنسانًا فتميل إليه، وآخر فتنفر (1) عنه، ولا تعرف سببًا لذلك. ويكون السبب أن الأول يشبه في صورته وشكله وهيئته وغير ذلك إنسانًا آخر تحبه، والثاني يشبه آخر تبغضه، وإذا أمعنت النظر عرفت ذلك،
__________
(1) هذا الفعل والذي قبله "فتميل" نقطها المؤلف بالياء والتاء معًا "فيميل ... فينفر".
(5/ 3/56)

وقد جَرَّبت هذا أنا وغيري.
وقد يكون المرئي نفسه قد سبق أن أحسن إليك أو أساء، ولكن تقادم العهد ونسيته.
وقد يشعر العقل، ولكن لا يمكنك شرح ذلك، كأن ترى إنسانًا فيقع لك أنه عربي، وترى أنك إنما أدركت ذلك من صورته، فإذا [ص 28] قيل لك: اشرح ذلك بأن تقول: لونه كذا، وشكل وجهه كذا، وعينه كذا، بما يبين اختصاصَ تلك الهيئات بالعرب غالبًا لم تستطع ذلك.
واعلم أن العقل يأبى أن يقبل ما لا يدركه هو، حتى لقد يتردد أو يعاند فيما قد شعر به في الجملة، كما مر في صورة العربي. والذي ينبغي للعقل أن لا يلغي إدراك النفس، بل يتثبت فيه ويتدبر، ويمعن النظر حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين أخذ بالأحوط.
****

فصل
العاقل لا يلغي الدلالة التي هي ظنية عنده، أما في مصالح الدنيا فمعلومٌ أن عمادها الظن، فالزّارع يتعب ويصرف كثيرًا من المال على رجاء الثمرة، وحصولُها ليس بقطعي، وكذلك الصانع والتاجر وحافر البئر والناكح والحاكم وأرباب السياسة والقتال، وكذلك الطبيب والمتداوي، وغير ذلك، فتدبَّر وأنعم النظر.
فإذا كان الأمر كذلك في جلب المنافع ودفع المضار التي يعلم الإنسان أنها منقطعة عنه عما قليل، إذ لعله يموت بعد ساعة أو يوم أو نحو ذلك، فإن طال عمره لم يجاوز في الغالب ثمانين سنة، فكيف لا يعمل هذا في المنفعة
(5/ 3/57)

والمضرّة التي لا نهاية لها في القَدْر، ولا في المدة وهي الأخروية؟! فمن حَصَل له ظنٌّ ما بأنّ للعالم ربًّا هو المدبر في الحياة، وإليه المرجع في الآخرة، فمِنْ أحْمَق الحُمْق أن يلغي هذا الظن، بل ينبغي أن يستعرض الأديان، فأيها كان أقرب إلى الحق التزمه وعمل به.
بل نجد العقلاء في مصالح الدنيا إذا شكُّوا في شيء أخذوا بالأحوط، فقد يتكلف أحدهم التعب والمَغْرَم لجلب منفعة مهمة أو دفع مضرة شديدة، ليس عنده ظن بحصولهما, ولكنه يقول: يحتمل أن تقعا. فإن كانت تلك المنفعة أو المضرَّة لا تحصل أصلاً كنتُ قد أضعتُ تعبي ونفقتي، وإن كانت تحصل المنفعة وتندفع المضرَّة إذا تعبت وغرمت، وتفوت المنفعة وتقع المضرة إذا لم أتعب ولم أغرم، فقد فزت فوزًا عظيمًا بتعبي وغرامتي، فأنا بين أمرين: إن تعبت وأنفقت خشيت ضياع تعبي ونفقتي، وإن لم أتعب ولم أُنفق خشيت ذوات تلك المنفعة العظيمة ووقوع تلك المضرَّة الشديدة، وضياعُ التعب والنفقة أهون من ذوات تلك المنفعة ووقوع تلك المضرة، والعاقل إذا خُيّر بين [ص 29] ضررين اختار أهونهما.
بل نجد العقلاء يصنعون مثل هذا في جلب المنافع العظيمة ودفع المضار الشديدة التي يُظنّ عدم حصولها، يقول أحدهم: يترجّح عندي أنها لا تكون، ولكن يحتمل أن تكون.
أقول: فإذا كان هذا حالهم في منافع الدنيا ومضارها التي تنقطع عما قليل - كما مر -, فينبغي للعاقل مثل ذلك وأولى منه في أمر الدين.
****
(5/ 3/58)

فصل
من نشأ على خلاف الحق يكون قد استولت عليه صوارف عنه، فهو حَرِيّ إذا عُرِض عليه دليلٌ على خلاف رأيه أن لا يمعن النظر فيه، وإذا أمعن أن يغالطه هواه بالشبه، فقد يكون الدليل قاطعًا فيرى أنه ظني، أو ظنيًّا فيرى أنه محتمل.
فينبغي له أن يعرف هذا من نفسه، ويأخذها بالأحوط - كما مر -, فلعله إذا وطَّن نفسه على ذلك وأخذ بالأحوط أن تذهب تلك الصوارف، فيظهر له حقيقة ذلك الدليل، وأنه قطعيّ أو ظنيّ.

فصل
قد ثبت في الإسلام أن الله عَزَّ وَجَلَّ إنما أنشأ الناس هذه النشأة ليبتليهم، وإذا كان كذلك فمن قَبِل ما ظهر له من الحق وأَخَذ بالأحوط فقد نجح في الامتحان، فهو حقيقٌ بأن يوفّقه الله عَزَّ وَجَلَّ ويرشده، فيتبيّن له أن ما كان يراه ظنيًّا هو حق قطعًا، إما بأن ييسر الله تعالى له ترتيب الدليل الذي كان عنده ظنيًّا على وجهٍ قطعي، وحلّ ما كان يخالفه من الشبهات حلاً قطعيًّا، وإما أن يرشده إلى دليل آخر، وإما بأن يشرح صدرَه وينوّر قلبه، فيحصل له اليقين، وإن كان لا يدري من أين جاء.
وعلى العكس من هذا يكون حال من أبى ما ظهر له من الحق، قال الله تبارك وتعالى (1): [{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ
__________
(1) بيّض المؤلف مكان الآية عدة أسطر، فأكملته بما ظننتُ أنه المراد.
(5/ 3/59)

يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}] [الأنعام: 125].
****

فصل
انظر فيما حولك من الآنية والآلات، وكيف صُنعت، ولماذا صُنعت، وتفكَّر هل كانت بغير صانع؟ ثم إذا عرفت دلالتها على صانع فانظر دلالتها على معرفة الصانع وعقله وحكمته، ومقدار ما تدل على ذلك، حتى تنظر في آلة الخياطة، والساعة، والحاكي، الفوتغراف، والراديو، فإذا انتهيت منها فانظر في صانعها الغريب.
وانظر في خلق الإنسان وغيره من الحيوان، تجد أن بين الذكر والأنثى ميلًا طبيعيًّا إلى المقاربة، تكون نتيجته إلقاء النُطفة في الرحم، والذَّكَر لم يكن يشعر مما تولَّدت نطفته، ولا كيف تولدت. وقد لا يشعر بأنه إذا قارب أنزل، ولا بأنه إذا أنزل كان لذلك نتيجة. وللأنثى - فيما يقول التشريح الحديث - مِبْيَض، من شأنه توليد البيض، ثم تكبر البيضة حتى تضيق عنها الغشاوة، فتنشق، فيسيل بها الدم حتى يلقيها في الرحم، وعن ذلك الدم يكون الحيض، وليس للأنثى شعور بشيء من هذا، بل جَهِلَه الفلاسفة وعلماء التشريح والطب السالفون.
قالوا: وفي نطفة الذَّكَر حيوانات صغيرة جدًّا، لا تدرَك إلا بالمُكبِّرات، فإذا وقعت النطفة في المَمرّ إلى الرحم سعت تلك الحيوانات حتى يجيء واحد منها إلى البيضة فيغوص فيها، وبذلك تكون البيضة قد تلقَّحت، هذا والذكر والأنثى لا يشعران إلا بلذَّتهما التي قضياها.
(5/ 3/60)

فإن كانت الأنثى مما يلد كالمرأة تربَّت البيضةُ في الرَّحِم إلى أن يكون خلقًا سويًّا من جنس الأبوين، وإن كانت مما يبيض أُحيطت البيضة بذلك الغشاء الصُّلب المعروف، وألقتها الأنثى في مكان تعدُّه لذلك، ثم تحضنها إلى أن يخرج الفرخ حيًّا سويًّا كأبويه، وتخليق الجنين مما لا شعور للأبوين به ولا بكيفيته، ولولا العادة لما علما بأنه يكون ولد إلا أن يكون إلهام فوق العادة.
ثم يكون من الأولاد ذُكْران ومنها إناث، وليس للأبوين ولا لغيرهما خيرة في ذلك ولا شعور، ويكون لكل مولود يولد صورة تخالف صورة جميع الناس، ثم انظر. في تفصيل الخِلْقة، ثم في تيسير الغذاء المناسب للطفل، ثم في طريق التغذية.
ثم ارجع إلى الشجر، توضع النواةُ في الطين، فلا تلبث أن تنشقّ وتنبت منها شجرة مثل أصلها، وانظر كيف تغذيتها، وكيف ثمرتها، إلى غير ذلك.
ثم انظر كيف تيسير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات، فإن أشد ما يحتاج إليه هو الهواء والنور والحرارة المعتدلة، ثم الماء، ثم الغذاء، وتجد هذه الأشياء قد قُسِّمت في الوجود بحسب شدة الحاجة إليها، وقِسْ عليها غير ذلك.
ثم تدبَّر أمرَ الشمس مع الأرض، وكيف تتغير حتى يتكون الفصول، ثم انظر في السحاب والمطر والرياح، ثم سل الحُكَماء الكبار أولي العقول الكبيرة: هل استطاعوا أو يستطيعون أن يصنعوا ذرّة لها من الأعضاء والقُوى والإدراك والحياة ما لهذه الذرة التي نطؤها بأقدامنا كل يوم؟ أو بُرّةً تُغْرَس فتنبت كما ينبت البر؟ أم أن يُخَلِّدوا إنسانًا أو يبقوه معمرًا مائتي سنة مثلاً، أم
(5/ 3/61)

أن يحيوا ميتًا؟ أم هل يعرفون ما هي الروح؟
ثم انظر في ارتباط الموجودات بعضها ببعض، كأنها أركان حكومة واحدة، أو أركان [ص 31] مصنع من المصانع، أو عائلة واحدة، أو أعضاء شخص واحد في التعاون والتباعد، أو آلات ساعة واحدة، فتجد تقدير الليل والنهار، والحر والبرد، والهواء والريح والمطر، والنور والظلمة، كلُّ ذلك على المقدار الصالح للحياة.
وتفكَّر في تلقيح الشجر على ما يصفه علماء النبات، وأن كثيرًا منه يكون بواسطة النحل والفراش التي تقع على الزهرة المذكرة لتمتصَّ عَسلَها، فيَعْلَق برجلها وريشها شيء من طلع تلك الزهرة، ثم تقع على زهرة أخرى مؤنثة لتمتصَّ عسلها أيضًا، فيقع ذلك الطلع، فيتم لقاح الزهرة.
وبالجملة، فمواضع العبرة في العالم كثيرة جدًّا.
فتفكَّرْ وتدبَّرْ أيضطرُّك رؤية ملعقة من حديد إلى العلم بأن لها صانعًا، وهكذا إلى الساعة، أتَضْطَرُّكَ معرفَتُها إلى العلم بأن لها صانعًا عاقلاً، له قدرة وحكمة تناسب ذلك الإحكام وتلك الدقة، ثم لا يَضْطَرُّك ما رأيتَ من خَلْق الإنسان والحيوان والنبات، وسائر أجزاء العالم، وذلك الأحكام المدهش والنظام التام إلى العلم بأن للعالم خالقًا حيًّا عليمًا قديرًا مريدًا حكيمًا مدبرًا.
أو لا يضطرُّك ما ترى من تدبير الأجَنَّة في بطون الأمهات، والنوى في باطن الأرض، وغير ذلك إلى أن تدبير الخالق مستمرّ لا يفتر؟!
****
(5/ 3/62)

مَبْلَغُ عِلْم المُلْحدين
إن من الأدلة على وجود الرب تبارك وتعالى وأن الهداية بيده هو: النظرُ في حال الملحدين، فإنهم تبحَّروا في النظر في عجائب المخلوقات، فأدركوا فيها ما لم يدركه مَن قبلهم، ولكنهم نظروا فيها لذاته, لا ليهتدوا بها إلى حق، بل قام بهم من بغض الدين واحتقاره والاستكبار عن آياته ما استحقوا به خذلان الرب تعالى، فكان مبلغ علمهم أنهم يخرصون أن هذا الفضاء قديم، وأن فيه مادة مبثوثة يسمونها: "الأثير"، فيها عدة قُوى من جَذْب ودَفْع وحركة وغير ذلك، وأن تلك المادة بما فيها من القوى يتركَّب منها بعد عصورٍ ذرات صغيرة، سماها بعض المصريين: "الجواهر الفردة"، وهذه الذرات يختلف تركيبها من المادة الأصلية، وباختلافه تختلف، فمنها ما يكون ذهبًا، ومنها ما يكون فضة، إلى غير ذلك من العناصر.
قالوا: وإذا أذبنا الذهب مثلاً إلى أقصى درجات الإذابة، فإنما ينحلّ إلى هذه الذرات، وهكذا سائر الأجسام حتى المائعات والغازات، وهي العناصر الهوائية.
قالوا: وهذه الذرات صلبة لا يمكن هدمها.
قالوا: وإذا صار بعض المادة ذرات أحدثت لها قوى أخرى، ثم كأنها بمجموع القوى التي فيها تتجمع وتكون كوكبًا واحدًا، ثم يعرض لذلك الكوكب ما يكسره، فتتطاير الكِسَر هنا وهنا، فحدسوا أن أرضنا هذه متعلقة هي والسيارات التي حولها بالشمس، وأن الشمس هي الأم، ولا يدرون أتكونت ابتداءً، أم هي قطعة من كوكب أعلى منها؟
(5/ 3/63)

قالوا: ثم تكسَّرت الشمس فتطايرت منها السيارات التي الأرض واحدة منها، وأخذت هذه السيارات تدور حول أصلها التي هي الشمس.
قالوا: ثم انكسرت من الأرض كسرة هي [ص 32] القمر.
قالوا: وأما الحيوان والنبات فإنا وجدنا لهما مادة خاصة، لا يتكون الحيوان والنبات إلا منها، فكأنها بالقوى الموجودة في المادة اتفق بالتبادل والتركب المستمرّ أن تكونت تلك المادة، وحصلت لها هذه القوّة الخاصة التي نسميها الحياة، وبحصول الحياة لها حصلت لها إرادة لها تأثير في تكوين جسمها وتركيبه، وفي توليد مثلها.
قالوا: ثم لعلها أخذت تتوالد وتترقَّى صورها بفعل إرادتها حتى صارت إلى هذه الحال. وقوّى هذا الخَرْص عندهم بأنهم وجدوا الحيوان على درجاتٍ في الرُّقيّ، أدناه حيوانات حقيرة توجد في الماء، وأرقاه الإنسان، ووجدوا بعض الأنواع متقاربة كالخيل والحمير، ووجدوا الجنين يتشكَّل في بطن أمه على عدة أشكال، فتوهَّموا أنه يمر في تشكله على السلسلة التي ابتدأت من الحيوان الدنيء إلى أن وصلت إلى الشكل الذي عليه أبواه، وهم مع هذا متفقون أنه لا يوجد فيما يعلمونه حيٌّ إلا من حيّ، وأنهم لم يشاهدوا ولم يسمعوا بأن حيوانًا قد ترقَّى بإرادته من شكل إلى شكل آخر بخلاف العادة المعروفة في جنسه، وأنهم قد حفروا في مواضع كثيرة يقدرون في بعضها أنها اندفنت قبل مائة ألف سنة أو أكثر، ويجدون في بعضها جثث الناس، وبعض الحيوانات الموجودة الآن على ما هي عليه الآن، وأنه إن فُرِض صحة ذلك الترقّي فلا يكون القليل منه إلا في ملايين من السنين، وأنَّ عُمر الأرض على ما يَحْدِسونه لا يكفي لذلك، ولا لعُشْره، ولا لعُشْر عُشْره،
(5/ 3/64)

فعادوا يفرضون فرضًا آخر، وهو أن الحياة جاءت إلى الأرض من كوكب آخر.
فيقال لهم: تلك المادة كيف وُجدت؟ وتلك القوى التي لها كيف حصلت؟ ثم تلك الحياة ما حقيقتها؟ وأنى جاءت؟ وما بال الحيوانات الدنيئة لا تزال موجودة بكثرة؟ فهل كان لبعضها تلك الإرادة الخارقة حتى رقَّتها إلى الإنسانية وبقي بعضها على تلك الحال؟ وإن كانت الحياة جاءت من كوكب آخر فهل جاءت بأبسط صورها - أي: الحيوانات الدنيئة - ثم ترقَّت في الأرض؟ لا يمكنُ هذا الفرض؛ فإنه يعود الإشكال. أم جاءت في صورة راقية، فإني وجدتُ في الأرض الحيوانات التي أدنى من ذلك النوع، أم جاءت بِعِدّة أنواع منها الدنيء ومنها الراقي؟ وكيف كان مجيئها؟ ثم أيّ حاجةٍ بالحيوانات الدنيئة إلى بقاء نسلها تلك الحاجة الشديدة التي تقتضي الإرادة الشديدة؟ ونحن نجد كثيرًا من أفراد أرقى الحيوان - وهو الإنسان - لا همَّ لهم في الولد ألبتة، وإنما يقارب الذكر الأنثى للشهوة، فإن كان لهما همٌّ في الولد فطلبًا للذة بمحبة الولد، فإن زاد عن ذلك فلكي يخدمهما الولد.
ونجد الحيوانات الدنيئة - كما قالوه - يكون آخر عهد الأمّ بولدها حين تضعه، فإن عاشت لم تعد تعرفه، ونجد بعض الحيوانات التي هي أرقى من ذلك تربي الأم ولدها بالشفقة المغروزة [ص 33] فيها، فإذا قوي طردته ولم تعد تعرفه، كالحمام وغيرها من الطير.
ثم قد كان الظاهر أن تلك الإرادة تترقَّى بترقِّي الحيوان، فتكون أرقى ما تكون في الإنسان، أو على الأقل تبقى كما كانت، ونحن نجد الأمر بالعكس، فالإنسان لا يستطيع بإرادته أن يغير شيئًا من تركيب جسمه ولا نسله، فقد
(5/ 3/65)

يجتمع الذكر والأنثى وهما كارهان للولد، كما يكون بين الزانيين المُسْتخْفِيين الخائفَيْن من الفضيحة، وقد يشتهيان الولد ويحبان أن يكون ذكرًا فيكون أنثى، وقد يحبان أن يكون شكله كذا، وهيئته كذا، فيكون على خلاف ذلك.
وما أدري ما يقولون في النبات، وهل يقولون: إن له إرادة بها ترقَّى؟ ثم ما عسى أن يقولوا في النظام البديع في الموجودات - على ما تقدّم بعضُه - هل إرادة بعض الحيوانات الدنيئة هي التي رَتَّبت العالم على هذا النظام؟ أوَلا يهديكم العقل إلى أنه لا بد من إرادة عُليا هي التي دبرته وتدبره، وأنها إرادة الخالق ولا بُدّ؟!
وبالجملة، فالقوم أنفسهم يسلِّمون أن هذا الفَرْض الذي فرضوه إنما هو تَخَرُّص محض، وأنه يَرِدُ عليه من الإشكالات أضعاف أضعاف ما ذكرتُه، وأنّ هناك أشياء كثيرة في العالم لا تَنْحَلُّ بذلك الفرض.
فإذا قلتَ لهم: فلماذا لا تُسَلِّمون بوجود الخالق المُدبِّر وتستريحون من هذا العناء، ثم إن وجدتم مُسبّبات عرفتم أسبابهَا قلتم: هذا عن كذا، وهذا عن كذا، والخالق هو الذي جعلها كذلك، وما لم تعرفوا له سببًا قلتم: إرادة الخالق، وكفى؟
قالوا: لم يقم عندنا دليل حِسّي على وجود الخالق.
فيقال لهم: ولا قام عندكم دليل حِسيٌّ على هذه التخرُّصات!
فيقولون: نعم، ولكنها أقرب إلى ما عرفناه.
فيقال لهم: بل هي بعيدة عنه، ثم هي لا تشفي ولا تكفي، والقول بوجود
(5/ 3/66)

الخالق أقرب إلى ما تعرفون، فإنَّ مما تعرفون أن في البدن روحًا تدبِّره، ولا تدرون ما هي، فقولوا: إن للعالم روحًا تدبره، وإن لم تدروا ما هو.
لا أريد أنَّ علاقة الرب بالعالم كعلاقة الروح بالجسد، وإنما أريد التدبير فقط. وقد رجع أكثر القوم إلى الاعتقاد بوجود الأرواح لما ظهر لهم من تجارب في ذلك، انظر كتاب ... (1).
وكذلك ارعوى كثيرٌ من عقلائهم، فاعترف بوجوب الرب، وسفَّه إخوانه المتشككين، ودَحَض شبهاتهم.
****

فصل
الباعث للمتشكِّكين على إصرارهم على دعوى الشك أمور:
الأول - وهو عُمْدتهم -: أن فلسفتهم الحديثة كانت ردّ فعل لفلسفة اليونان وأتباعهم، كانت تلك تبالغ في التخيُّلات والتوهُّمات، فجاءت هذه تحصر العلم في المحسوسات، وقد انهدم هذا الأصل عند أساطينهم بما حدث فيهم من قضية الأرواح.
الثاني: أن فيها ردّ فعل للنصرانية المبدلة التي أفرطت في الخرافات والخُزَعبلات.
الثالث: أنهم وجدوا كتبهم الدينية فيها ما يُقْطَع بكذبه وبطلانه، ولا يحتمل تأويلًا.
__________
(1) بيّض المؤلف لاسم الكتاب. ولعل المؤلف أراد كتاب "تمييز الأرواح" من تعليم ألان كاردك. فإنه لخّصه في مجموع رقم (4712) من (ص 52 - 79)، وفيه مباحث تتعلق بما ذكره المؤلف.
(5/ 3/67)

الرابع: أن أوائلهم أرادوا تخليص قومهم من قيود ديانتهم، وعارضهم القسيسون والرُّهبان، فطال النزاع بينهم، فبالغ المتفلسفون [ص 34] في الطعن في الديانة وتسفيه المتمسكين بها إلى أن صوروهم بأقبح صور الجهل والجمود والحُمْق واعتقاد الخرافات، وطال ذلك ورَسَخ في النفوس، فصار المتمسِّك بالدين محتقرًا فيما بينهم، والطاعن في الديانة محمودًا بحرية الفكر، وغير ذلك، فيرى أحدهم أنه إذا عاد فاعترف بوجود الرب عُدَّ مُنْحطًّا رجعيًّا كما يقولون، ويكفي خصمَه أن يسقطَ سُمعته بقوله: نحن في عصر العلم والتجديد، وفلان يرجع بنا إلى خرافات القرون الجاهلية.
الخامس: أن القوم نشأوا على الإباحة والتهافت على الملاذّ الدنيوية، ومن شأن الدين أن يقيِّد صاحبه، أو ينغِّص عليه ملاذَّه بِتوقُّع العقوبة، فنفوسهم تنفر من ثبوت الدين، وتعاديه أشد العداوة.
السادس: أنه كما أن سليم البصر لا يرى في الظُّلمة، بل يحتاج إلى النور، فكذلك البصيرة تحتاج في إدراك ما يتعلق بالغيب إلى نور خاص، وهذا النور الخاص إنما يكون في التعليمات النبوية، وهم أبعد الناس عنها.
السابع: أنهم يَحدِسون أنه إذا كان هناك دين حق فهو الإسلام، ولكنهم ينفرون عن الإِسلام لأمور (1):
منها: العداوة المتوارثة فيهم للمسلمين.
ومنها: عداوة دولهم للإسلام، فهي لا تفتأ تنفِّر عنه بالطرق المختلفة.
__________
(1) انظر "الوحي المحمدي": (ص 22 - 23) لرشيد رضا.
(5/ 3/68)

ومنها: أنهم ينظرون إلى أحوال المسلمين في هذا الزمان.
ومنها: أنهم إنما ينظرون إلى العقيدة الإِسلامية بصورتها المشوَّهة في كتب القسيسين الذي استعربوا ووصفوا الإِسلام، فإن أمعنوا النظر نظروا في كتب المتفلسفين من المسلمين، فإن زادوا نظروا في بعض التراجم الناقصة للقرآن.
الثامن: أنهم مع أخذهم في دنياهم بل وفي علمهم بالظن والاحتياط، يأبون ما هو أوضح من ذلك في الدين، وبذلك كانوا مستكبرين عن قبول الحق، وقد قال الله تبارك وتعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] (1).
****

[ص 35] فصل
ومن الأدلة (2) ما يُشاهَد من تعجيل العقوبة لكثير من أهل البغي والظلم والجور، وسوء المِيْتة لأكثرهم، وذهاب ما جمعوه من الأموال الكثيرة بعوارض لم تكن في حساب، إمَّا في حياتهم، وإمَّا بعد هلاكهم، وأهل الخير والعدل بخلاف ذلك.
__________
(1) كتب المؤلف أول الآية فقط {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ ...} وترك عدة أسطر لإكمالها.
(2) يعني على وجود ربّ العالمين، وأنّ الهداية بيده. وانظر ما سبق (ص 63).
(5/ 3/69)

ومنها: ما لا يخلو إنسان من الناس من وقوعه له، وهو أنه كثيرًا ما يقارب الخَطَر ولا يشعر، ويكاد يقع فيه، فيجد ما ينبهه فيسلم، أو يعرض عارض لم يكن في حساب فينجو، وقد جربنا هذا كثيرًا.
ومنها: أن الإنسان الذي لا يخلو من خير يكثر أن تنزل به المصيبة التي كان يظن أنها إذا وقعت مات غمًّا، فيجد في نفسه عند وقوعها ما يهوِّنها عليه ويخفِّفها، بل لعله يرجو منها خيرًا، وعلى العكس من ذلك أهل الشر.
ومن ذلك: ما يُشاهَد من حال الأغنياء الفَجَرة؛ تُسَدّ عنهم طرق الخير، فلا يكادون ينفقون فيها فلسًا، وتُيسَّر لهم طرق الشرّ فينفقون فيها الأموال الكثيرة لغير شهوة يُعتدّ بها أو لذّة تعقل.
ومنها: ما جربه كلّ مؤمن من نفسه من إجابة الرب دعاءه، وإغاثته عند الكرب، وتخليصه من المهالك، وغير ذلك، ويشاركهم في ذلك أهل الأديان الباطلة؛ لأن عندهم اعتقادًا بوجود الرب، والتجاءً إليه، واستغاثةً به، فيمدهم سبحانه بجوده وكرمه في هذه الدنيا (1)، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ
__________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": (2/ 314 - 315): "فمن دعاه موقنًا أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركًا وفاسقَا، فإنه سبحانه هو القائل: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12] وهو القائل سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]، وهو القائل سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40 - 41]. =
(5/ 3/70)

الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] (1).
ومنها: ما يحكيه بعض المتدينين عن أنفسهم: أن أحدَهم إذا فعل خيرًا وجد أثر ذلك في تيسير الخير له في دينه ودنياه، وإذا فعل سوءًا أحسَّ بأثر ذلك من تغيُّر حاله في دينه ودنياه.
وكثيرًا ما تنال أحدهم العقوبة، فيعرف [أنها] بذنبِ كذا لمناسبتها له. كان ابن سيرين - أحد أئمة التابعين - يتَّجِر وهو مع ذلك محتاط في تجارته، فاتفق أن عَرَض له ما أوقعه في خسارة تجارته، وأدى الأمر إلى أن رفعه خصومُه إلى القاضي فحبسه، فقال: إني لأعرف الذنب الذي عوقبت به، فقيل له: وما هو؟ قال: قلت يومًا لرجل: يا مفلس (2)!
__________
= ولكن هؤلاء الذين يُستجاب لهم - لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر إذا دعاه - إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعًا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق ... وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل الإيمان فقال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فقال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].
فليس كل من متعه الله برزق ونَصْر، إما إجابة لدعائه، وإما بدون ذلك يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سُؤلهم في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلاق" اه.
(1) ذكر المؤلف أول الآية {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ...} وترك سطرًا لإكمالها.
(2) بنحوها في "الحلية": (2/ 271)، و"تاريخ دمشق": (43/ 546).
(5/ 3/71)

يعني أنه عَيَّره بذلك، فعاقبه الله عزَّ وجلَّ بأن أوقعه في مثل ما عيره به.
وقال بعضهم: إني لأرى ذنبي في وجه خادمي ولسان امرأتي (1)، أو كما قال.
يريد أنه إذا أذنب أنكر حال خادمه، فلا يجده كما كان من حُسْن الخدمة والطاعة، وأنكر حال زوجته فوجدها تطيل لسانها عليه على خلاف عادتها.
ويحكي بعضُهم عن نفسِه أنه ربما أراد في نفسه مواقعة ذنب، فينكر حال الناس معه، ويجد منهم من يتكلم بكلام فيه ما يتعلق بذلك الذنب، حتى كأنه يعنيه، أو كأنه قد اطلع على ما في نفسه، وقد يتكرر ذلك من عدة أفراد، فيتوب في نفسه، فلا يلبث ذلك أن يزول. وأنه قد يعرض له باب خير، فيبخل من الإنفاق فيه، فلا يلبث أن يعرض له ما يضطره إلى إنفاق أضعاف ذلك.
[ص 36] ولو فتشت لوجدت أفرادًا من الناس لأحدهم وارد من المال يكفيه وأهله براحة، ثم يقع في اكتساب الحرام، فتجد الحلال مع الحرام لا يكفيه كما كان يكفيه الحلال، ولو دقَّقتَ لوجدت أنها تعرض له عوارض لا يشعر بها، مثل كثرة انكسار الآنية، وتخرُّق الثياب قبل وقتها، وغير ذلك من الأسباب التي تضطره إلى الإنفاق، وهو يرى أنه لم ينفق إلا فيما لا بدَّ منه (2).
__________
(1) أخرج أبو نعيم في "الحلية": (8/ 109) عن الفضيل بن عياض قال: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي". وذكره في "البداية والنهاية": (13/ 662) في ترجمة الفضيل، وجاء في بعض نسخها الخطية: "في خلق حماري وخادمي وامرأتي وفأر بيتي". وذكره في "الداء والدواء": (ص 85 - ط عالم الفوائد) عن بعض السلف وفيه: "في خُلق دابتي وامرأتي".
(2) ترك المصنف (ص 36) بعد هذا الموضع فراغًا قَدْرُه عشرة أسطر.
(5/ 3/72)

ومن الأدلة (1): أن أفرادًا نشأوا نشأة طاهرة، عرفهم الناس فيها بالصدق والأمانة، والخير والطهارة، والنُّصْح للناس، والعقل والحِلْم، والفهم والذكاء، وعدم الميل إلى سمعة ولا جاء ولا شهرة، ثم أخبروا أن الله جعلهم أنبياء، فاختبرهم الناس بعد أن ادَّعَوا، فوجدوهم على ما كانوا عليه من الأخلاق، وازدادوا فضلاً وخيرًا، ثم اختبرهم الناس في العمل على ما يأمرون به، فوجدوهم أشد الناس محافظة عليه سرًّا وجهرًا.
فإذا صرفنا النظر عن النبوة فأخبار مَن هذه حاله من الصدق والأمانة والعقل والفطنة وغير ذلك من خصال الخير لا يمكن إهماله.
وقد اتفق عُقلاء الإفرنج على وصف محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم بالعقل الراسخ، والذكاء الخارق، والحكمة البالغة، والأخلاق الفاضلة (2)، ثم اعترفوا أخيرًا بنزاهته عن الكذب، وحاولوا بتمحّل للجمع بين ذلك وبين ما يتشكَّكون فيه من وجود الرب وملائكته، فقالوا ما تراه مع جوابه في كتاب "الوحي المحمدي" (3) للسيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى.
ومن الأدلة: ما ظهر على أيدي أولئك الأفراد من الآيات الخارقة التي تدل على أن لهذا العالم ربًّا قادرًا حكيمًا يفعل ما يشاء.
ومنها: ما جاؤوا به من الشرائع الحكيمة.
__________
(1) يعني على وجود ربّ العالمين، وأن الهداية بيده سبحانه. وانظر (ص 63، 69).
(2) انظر كتاب "قالوا عن الإسلام": (ص 91 - 145) لعماد الدين خليل، الفصل الثاني محمد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم. فقد ذكر أقوال اثنين وأربعين عالمًا منهم.
(3) (ص 87 - 140).
(5/ 3/73)

وقد اعترف عقلاء الإفرنج على قلة علمهم بالشريعة الإسلامية بأنها أكمل تشريع يمكن [ص 37]، حتى قال (1): [جيبوب: إن الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعًا في أحكامها، من أعظم مَلِك إلى أقل صعلوك، فهي شريعة حُبِكت بأحكم وأعلم منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالمين].
__________
(1) ترك المؤلف سطرين بياضًا ليلحق القول لكنه لم يفعل، والقول الذي أثبته وجدته في كنّاشة للمؤلف (رقم 4727) (ص 66) علّقه من جريدة البلاغ المصرية بتاريخ الاثنين 5/ ربيع الأول سنة 1347. ثم نقل المؤلف في كناشته السالفة قولًا آخر للمسيو ليون روش قال: "لم أذكر شيئًا في قوانيننا الوضعية إلا وجدته مشروعًا في الدين الإِسلامي، بل إنني عدت إلى الشريعة التي يسميها جول سيمون "الشريعة الطبيعية" فوجدتها كأنها أخذت من الشريعة الإسلامية أخذًا. ولقد وجدت فيه حلّ المسألتين اللتين تشغلان العالم، الأولى: في قول القرآن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فهذا جمل مبادئ الاشتراكية. والثانية: فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الحكومة أخذ حقوق الفقراء من الأغنياء إذا امتنعوا من دفعها طوعًا". ثم قال: "ولو أن هذا الدين وجد رجالاً يعلمون الناس حق التعليم، ويفسّرون تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين". اه.
ويمكن أن نذكر بعض كلماتهم مما نظن أن المؤلف أراد الإشارة إليه:
قال درواني: "على صعيد القانون في مجال العدل والإنسانية وفي مجال الحكمة والشفقة، فإنَّ قانون الإسلام لا مثيل له بين أديان العالم ... [وهو] لا يقيم وزنًا للأشخاص والذوات الشخصية، ولا يعترف بأية امتيازات أو طبقات ... وهنا أيضًا لا يوجد أي قانون حتى في القرن العشرين يمكن أن يضاهي القانون الإسلامي ... ".
وقال ستوك: "أعتقد من صميم قلبي أن الإسلام منهج كامل للحياة يغاير المسيحية، والحق أن الإسلام هو الدين الكامل الوحيد".
انظر كتاب "قالوا عن الإسلام": (ص 174، 194) لعماد الدين خليل.
(5/ 3/74)

و [من] تدبَّر هذه الشريعة وجد حِكمةً بالغة وإتقانًا باهرًا، يستحيل في العادة أن تكون من وضع بشر واحد، بل ولا من وضع البشر كلهم.

فصل
إذا كنت قد أنعمت النظر فيما تقدم فقد علمت أن الأدلة المذكورة - قطعيها وظنيها - لم يثبت بها وجود مُجرَّد، ولا وجود ذات مجردة، بل وجود رب هو المدبر لهذا العالم، فعُلِمَ بذلك أنه حي قدير مريدٌ، عليم حكيم، كريم رحيم، إلى غير ذلك من الصفات.
ولهذا - والله أعلم - يُكتفَى في الكتاب والسنة في ذِكْر الإيمان بالإيمان بالله، ولا يُفرَّق فيهما بين الإيمان به والإيمان بصفاته، وإن أُفرد الاحتجاجُ على بعضها كقوله (1) تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

فصل
العقل إنما يستثبت بالأدلة المتقدمة وغيرها وجودَ الربّ، وأنه حيٌّ عليم قدير، إلى غير ذلك من صفاته، بطريق القياس على ما عرفه من وجود الناس - مثلًا - وحياتهم وعلمهم وقُدرتهم، ونحو ذلك.
وهو بنفس تلك الأدلة يعلم أن الرب ليس من جنس هذه المحسوسات، وأن مشاركته لها في تلك الصفات تكاد لِعِظَم التفاوت تكون مشاركةً في الاسم فقط، وأن هذه المشاركة لا تقتضي المشاركة في غير ما ثبتت فيه.
__________
(1) تحتمل قراءتها في الأصل: "بقوله".
(5/ 3/75)

فصل
النظر على الوجه الذي شرحناه يبيِّن في نفس الناظر أن الربَّ الذي وصل به النظرُ إلى معرفته ليس هو ذاك الكوكب، ولا القمر، ولا الشمس.
أولاً: لأن هذه الأشياء من جنس ما يراه ويحسّه، وهل الكوكب إلا جِسْم منير، مثله في السماء كثير، وجنسه في الأرض موجود، وهو الشعلة والمصباح؟
ثانيًا: لأن هذه الأشياء لا يظهر فيها أثر حياة ولا قدرة، ومجرد الإنارة والحرارة ليست من دلائل حياة ولا قدرة، فإنها موجودة في النار.
ثالثًا: بل يظهر في الشمس وغيرها أنها جماد، وذلك ببقائها على وتيرة واحدة ونظام مستمر، يعلم به أن القادر الحكيم هو الذي وضعها عليه.
رابعًا: ما يظهر عليها من علامات أنها مخلوقة لمصلحة الخلق، كما خُلِقت الأرض والهواء والماء والنبات.
خامسًا: لاتفاق الأمم جميعًا على أن الشمس فما دونها ليست هي رب العالمين، فأما ما حُكِي عن عُبَّاد الكواكب فقد بيَّن المحقّقون - وأوضحتُ ذلك في رسالة "العبادة" (1) - أنهم إنما يرون في الكواكب نحو ما يرون في الأصنام، فإن القوم يعترفون برب العالمين، ثم يعبدون الملائكة ليشفعوا لهم إليه، ثم زعموا أن للملائكة تعلقًا بالكواكب، من جهة أن مع كل كوكب مَلَكًا يدبره. فعبدوا الكواكب على قصد عبادة الملائكة التي تدبرها.
ثم لما رأوا أن الكواكب تغيب عنهم اتخذوا أوثانًا على أشكالٍ
__________
(1) (ص 671 وما بعدها).
(5/ 3/76)

تخيلوها للكواكب، وسموها بأسمائها؛ لتكون موجودة عندهم دائمًا، فيعبدوها متى أرادوا.
وبهذا يُعْلَم تفسير قول الله عزَّ وجلَّ عن إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 76 (1) -81].
فإنما أراد ب "الرب" المعبود، على طريقة قومه في تسمية الكواكب أربابًا، على معنى أنها تستحق العبادة؛ لعلاقتها بالملائكة كما تقدم.
وقوله: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} أي: أن هذا يغيب، فإذا غاب لم تمكن عبادته على الطريقة المعروفة عندهم، وكانوا هم يسلِّمون هذ, ولأجله اتخذ الأصنام كما مر. وهكذا في الباقي.
وقوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي: فإنه لا يغيب علمًا وقدرة.
__________
(1) الأصل: "77".
(5/ 3/77)

وقوله: {وَلَا تَخَافُونَ ....} مما يبين أن القوم كانوا يعترفون بوجود الله.
وعلى ذلك أدلة أخرى قد ذكرتها في رسالة "العبادة" (1).
وقد خَلَّط المفسرون في هذا, ولا سيما المتأخرين. والله المستعان.
****
__________
(1) انظر (ص 458، 680 - 681).
(5/ 3/78)

الأصل الثاني (1): أنه عزَّ وجلَّ أَحَدٌ
صرَّح المتكلمون - كما بينته في رسالة "العبادة" (2) - بأنه لم يخالف في هذا أحد من الناس، وإنما يقرب من الخلاف فيه فِرَق:
الأولى: غلاة المجوس، زعموا أن الشيطان قديم، وأن له قدرة عظيمة، وأنها لا تزال المغالبة بين الله عزَّ وجلَّ وبينه حتى يُغلَب الشيطان أخيرًا، ويلقيه الله عزَّ وجلَّ في جهنم، هو ومن تَبِعه.
والذي أوقعهم في هذا القول هو النظر بعقولهم، غير مستضيئين بنور الأنبياء، فرأوا أن الله عزَّ وجلَّ لا يمكن أن يكون منه شرّ، ثم رأوا في العالم شرورًا، فقال بعضهم: الشرور من إبليس. فقال آخرون: يعود الإشكال في خَلْق الله تعالى لإبليس الشرير. وهكذا أخذوا يفرضون وينقضون، حتى قال بعضهم: لا مَخْلَص إلا بالقول بأن إبليس قديم، لم يخلقه الله عزَّ وجلَّ.
وهذا الفرض يكفي في بطلانه بقاء العالم على ما نشاهده من النظام، كما يشير إليه قوله عزَّ وجلَّ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
فأما ماجهلوه من تفسير وقوع الشر، فإن أمكَن توجيهٌ يقبله العقل فذاك، إلا وجبَ التوقفُ والعلمُ بأن لذلك [ص 40] تأويلًا صحيحًا وإن لم نعلمه.
الفرقة الثانية: غُلاة النصارى في قولهم: إن الله ربٌّ واحد حقيقة، وهو مع ذلك ثلاثة أقانيم: الأب والابن والروح القدس (3).
__________
(1) تقدم الأصل الأول (ص 47).
(2) انظر (ص 332 - 337).
(3) انظر "الملل والنحل": (2/ 245)، و"الجواب الصحيح": (3/ 183 وما بعدها).
(5/ 3/79)

ولهم في ذلك خَبْطٌ طويل، قد بين أهل العلم بطلانه، والنصارى أنفسهم يقولون: إن قولهم مما يبطله العقل.
الفرقة الثالثة: أتباع أرسطو، يقولون: إن واجب الوجود واحد، وسائر الموجودات ممكنة، ثم يتخَرَّصون بأن موجودًا ممكنًا صدر عن الله تعالى بطريق الإيجاب، فهو لم يزل معه، كما يصدر الشعاع عن الشمس، ولم يزل معها.
ثم سموا هذا: عقلاً أول (1)، وخَرَصوا أنه صدر عن هذا الثاني عقل ثانٍ، إلى عشرة عقول.
ويزعمون أن كلًا من العقول رب لما دونه، وهم أنفسهم يعترفون بأن هذا تخرُّص، وبنوه على أصول واضحة البطلان، كقولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وقولهم: إن الصدور عن واجب الوجود إنما كان بالإيجاب، وقولهم: إن العالم قديم، وغير ذلك مما هو بكلام المُبَرْسَمِين (2) أشبه منه بكلام العقلاء.
وقد علمت أن الأدلة التي تقدم بيانها أوصلتك إلى العلم بأن للعالم ربًّا حيًّا عليمًا قديرًا حكيمًا، فإن فُرِض أن المدبَّر الذي تشاهد آثار تدبيره مربوب، فربُّه هو الرب، ولا بد أن يكون أكمل منه في الحياة والعلم والقدرة والحكمة.
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) المبرسَم من أصيب بداء الهذيان. والبِرْسام: علة يُهذَى فيها. فارسي معرّب "بَر": الصدرُ، "سام": الورم أو المرض. انظر "التاج": (16/ 48)، و"قصد السبيل": (1/ 270).
(5/ 3/80)

وهكذا هذا الثاني إن فُرِض أنه مربوبٌ أيضًا.
إذن فالربُّ الحقيقي هو الذي ليس فوقه رب، فهو الله عزَّ وجلَّ، فإن فُرِض أن مِن دونه مدبرًا، فلا يخلو أن يكون عمله إنما هو تنفيذ ما أمره الله عزَّ وجلَّ به، أو يتصرف بهواه وإرادته.
إن كان الأول فهو عبد لا رب، وإن كان الثاني فلا يخلو أن يكون تدبيره بغير إذن الله عزَّ وجلَّ أو بإذنه. الأولُ مُحالٌ كما تقدم في الكلام على إبليس (1)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون أَذِنَ الله عزَّ وجلَّ له لعلمه أنه لا يفعل إلا ما يحبه الله ويرضاه، أو أَذِنَ له مع علمه بأنه يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه.
فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله عزَّ وجلَّ مراقبًا له، فإذا أراد أن يفعل ما لا يحبه الله عزَّ وجلَّ منعه وحالَ بينه وبين الفعل، أو أن يكون مهملًا له، فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون تصرفه المُخَلّى بينه وبينه واسعًا بما فيه تدبير الأمور [ص 41] العظيمة، كتسيير الشمس والقمر، وإرسال الرياح، وغير ذلك من الأمور العظيمة، أو يكون جزئيًّا لا يؤدي إلى فساد النظام المُشاهد.
فالأول باطل لما مرَّ في الكلام على إبليس (2)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله عزَّ وجلَّ أذن له لغير حكمة أو لحكمة.
الأول باطل؛ إذ قد ثبت بالأدلة التي ثبت بها وجود الرب عزَّ وجلَّ أنه
__________
(1) (ص 79).
(2) الموضع نفسه.
(5/ 3/81)

حكيم، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك إن شاء الله تعالى، وأما الثاني فما تلك الحكمة؟ أحاجة الله عزَّ وجلَّ إليه، أم خوفه منه؟ كلاهما باطل.
أم محبته له؟ هذا أيضًا باطل؛ لأن المفروض أنه يفعل ما لا يحبه الله عزَّ وجلَّ ولا يرضاه، فكيف يحبه ويمكِّنه من فعل ما لا يحبه ولا يرضاه، ومقتضى محبة الله عزَّ وجلَّ أن يَحُول بين الذين يحبهم وبين فعل ما لا يحبه؟! أم تشريفه وتكريمه؟ هذا أيضًا باطل؛ فإن شرف المربوب وكرامته إنما هو في طاعة ربه، فتركه يفعل ما لا يرضي ربَّه ليس بتشريف، بل قد يكون إهانة له.
أم الابتلاء والاختبار، كما في تمكين الله عزَّ وجلَّ الإنس والجن؟ فيلزمه نزول درجته إلى درجة الإنس والجن، وسيأتي استقصاء البحث في الكلام على توحيد الألوهية، إن شاء الله تعالى (1).

[ص 43] فصل
قد يقال: وحدانية الرب عزَّ وجلَّ وإن اتفق الناس عليها - على ما مضى - فقد يُجَوِّز الوهمُ وجودَ ربين أو أكثر.
ثم إمَّا أن يُقال: إن هذا العالم الذي نشاهده مختصٌّ بأحدهما وللآخر عالم آخر، وإما أن يقال: إنهما ربان لهذا العالم ولكنهما لكمال علمهما وحكمتهما لا يمكن أن يختلفا حتى يلزم من اختلافهما فساد السموات والأرض.
__________
(1) كتب المصنف بعد هذا الكلام في رأس (الورقة 41 ب) تعليقًا نصه: (هذا مع الورقة الآتية (ص 41 - 42) يؤخّر إلى بحث توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى). فأخرناه إلى آخر الكتاب لأن المؤلف لم يكتب المبحث المشار إليه.
(5/ 3/82)

والجواب: أن الفلاسفة والمتكلمين قد ذكروا عدة براهين لإبطال هذا الفرض، ولكن الكلامَ فيها دقيق، ومبنيٌّ على أصولهم، فليراجعها من شاء في كتبهم.
والذي يليق برسالتنا هذه أننا سنقيم الدليل على صحة النبوة، وعلى نبوة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم، وبذلك تثبت نبوة نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، وغيرهم ممن صرح القرآن بنبوَّته.
وإذا ثبت ذلك فمعنى نبوّتهم أنهم مرسلون من جانب الربوبية؛ ليكونوا سفراء يبلغوا الناس عن ذلك الجانب، وقد عُلِم أن هؤلاء الأنبياء بلَّغوا الناس أنه لا يوجد إلا ربٌّ واحد، فالآمر لهم بذلك المؤيد لهم بالمعجزات إن كان أحد الربين المفروضين فقد كذب، وأمر بالكذب، واهتضم حق صاحبه، ومثل هذا لا يجوز على الرب.
فإن أبيت إلا افتراض جوازه، فلا بدَّ من التنازع بين الربين، وذلك باطل كما تقدم في الكلام على إبليس (1).
وإن فُرِض أن الأنبياء مرسلون من الربين معًا فكيف يجوز على الرَّبين أن يأمراهم بالكذب والزور، ونَفْي وجود أحدهما، والإعراض عنه؟! وتصوُّر هذا كافٍ في العلم ببطلانه.
فإن عاد الوهم فجَوَّز كذبَ الأنبياء، فمعنى ذلك تجويز أن لا يكونوا أنبياء، وسيأتي إثبات نبوتهم.
وهذا بحمد الله تبارك وتعالى برهان قاطع، إنما يبقى فيه إثبات النبوة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
__________
(1) (ص 79).
(5/ 3/83)

فصل
قد علمت أن الأدلة على وجود رب العالمين تضمنت الدلالة على أنه حيٌّ قدير عليم حكيم، وأن ذلك على الوجه الذي دل عليه تدبير العالم من كمال الحياة وعِظَم القدرة وسَعَة العلم وتمام الحكمة.
والإنسان إذا أيقن بهذا فقد حصل له الإيمان بالله على الوجه الكافي في هذا الباب، وتلك الأدلة كافية في تحصيل هذا اليقين، لكن أكثر الطلاب في هذا الزمان تعترضهم شبهات تكاد تشكَّكهم في ذلك، عامتها يرجع إلى: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين؟ ومتى؟ [ص 44] وكيف؟ ونحو ذلك، فأجدُ الحاجةَ داعية إلى النظر في ذلك، وفيه مسائل:

[المسألة] الأولى: ما هو؟
ارجع فتدبر الأصل الأول في أوائل الرسالة، ثم استحضر أنك قد عرفت أن الرب عزَّ وجلَّ ليس من جنس ما تحسُّ به وتشاهده؛ فتعلم بذلك أنه لا سبيل إلى إدراك ما هو بحسًّ ولا قياس.
وإنما أدركنا أنه موجود حيّ قدير عليم حكيم؛ لأنَّ (1) لنا سبيلاً إلى ذلك من جهة القياس، وإن عَظُمَ الفرق.
ثم ارجع إلى الأصل الثاني إلى الخامس، وانظر إلى ما قصه الله تبارك وتعالى من محاورة موسى عليه السلام لفرعون، قد أوضحتُ في رسالة "العبادة" (2) بالأدلة الشافية من الكتاب والسنة، والتاريخ والآثار التي
__________
(1) "لأن" يرسمها المصنف: "لئن"، وقد تشتبه بكلمة "بين".
(2) (ص 687 - 707).
(5/ 3/84)

اكتُشِفَت في مصر، وكلام المحققين من أهل العلم: أن فرعون وقومه كانوا يعترفون بوجود رب العالمين، وإنما كان أوائلهم قالوا: إن ربّ العالمين بغاية العَظَمة، والبشر بغايةٍ من الضعف والحقارة، فليس لهم لذلك أن يرفعوا أنفسهم إلى التصدِّي لعبادة رب العالمين، فإن ذلك يُعَدّ سوء أدب وانتهاك حُرْمة، كما لو قام جماعة من كنَّاسي المراحيض فقالوا: نذهب لنسلم على السلطان. قالوا هذا مع أنَّ ما بين السلطان والكنَّاسين قريب؛ لأن الفرق الذي بينه وبينهم عارض، فأما بين ربّ العالمين وبين البشر فالفرق عظيم جدًّا.
قالوا: وكما أن بين السلطان وبين كنَّاسي المراحيض وسائط، حقُّ كناسي المراحيض أن يرفعوا حوائجهم إلى أقرب الوسائط إليهم، ثم ذلك الواسطة يرفع (1) أمره إلى من فوقه، وهكذا حتى ينتهي إلى المَلِك.
فبين البشر وبين رب العالمين واسطة هم الملائكة، فحقُّ البشر أن يعبدوا الملائكة، ويرفعوا حوائجهم إليهم، وأما عبادة رب العالمين فهي حق للملائكة، حتى جاء فرعون فزاد - كما يقال - في الطُّنْبور نَغْمة، كأنه بعد أن تملَّك جمع أكابر قومه، وقرَّرهم بتلك العقيدة، ثم قال لهم: كما أن البشر ليس لهم أن يعبدوا رب العالمين لانحطاط درجتهم، فكذلك ينبغي أن يُتَوقَّف في عبادتهم للملائكة؛ لأن (2) درجة الملائكة وإن كانت مُنْحطّة عن درجة رب العالمين فهي بعيدة في العلو والعظمة عن درجة البشر.
فكأنهم قالوا: وكيف نصنع؟ لا بدّ لنا من العبادة!
__________
(1) الأصل: "يرفعه" سبق قلم، والصواب ما أثبت.
(2) الأصل: "لا"، سهو.
(5/ 3/85)

فقال فرعون: ينبغي لعامة البشر أن ينظروا من كان منهم أعلى درجة وأعظم شأنًا، فيجعلونه واسطة بينهم وبين الملائكة، هو يعبد الملائكة والعامّة يعبدونه، فقالوا: ليس هذا إلا الملك، فقرروا أن كلَّ قومٍ لهم ملك ينبغي لهم أن يتخذوه إلهًا، فيعبدوه، وهو يعبد الملائكة.
وبذلك حصل فرعون على منصب الألوهية عندهم، ولذلك قال فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (1) [الزخرف: 51]، فقرر مَزِيَّته عليهم، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، فقرر ربوبيته لهم، يعني: الملك، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، فقرر ألوهيته لهم.
ولم يتعرَّض في هذا كله لغيرهم من الناس، كأهل الهند والصين والروم وغيرهم؛ لأن الأمر الذي قرره مع قومه [ص 45] أن المَلِك إنما يكون ربًّا وإلهًا لرعيته، وأما غيرهم فلهم ملوك غيره، فهم أرباب والهة كلٌّ لرعيته.
وقال لموسى: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]؛ لأنّ موسى عليه السلام عنده من رعيته.
وقال له آلُه: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127]، فأثبتوا أن لفرعون آلهة، ومعنى الكلام: أن موسى لم يكتف بأن يَذَر عبادتك، بل ترك عبادة آلهتك، يعنون الملائكة، فلم يكتفِ بمساواتك، بل رفع نفسه إلى مساواة آلهتك.
__________
(1) "أفلا تبصرون" لم يكتبها المؤلف، وترك لها فراغًا.
(5/ 3/86)

قال الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء: 16 - 19].
لفرعون في هذا الكلام غرضان:
الأول: المنُّ على موسى بالتربية.
والثاني - وهو الأهم -: القدح في رسالته، كأنه يقول: إنما أنت بشر من عامة البشر، وقد لزمك النقص بقتل النفس وكُفْر النعمة، والرسالة أمرٌ عظيم لا يصلح لها البشر، فكيف البشر القاتل للنفس الكافر للنعمة؟!
وهذا كما حكاه الله تعالى عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من قولهم للرسل: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [إبراهيم: 10].
وقد تكرر ذلك في القرآن، اقرأ سورة الأنبياء (3)، وسورة المؤمنين (24)، وسورة الشعراء (154، و186)، وسورة يس (15)، وسورة التغابن (6).
بل قال الله تبارك وتعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 45 - 47].
وقد تَسْتغرب استبعادهم أن يكون البشر رسولاً مع قولهم: إنه حيًّا وميتًا يكون إلهًا، وقد كشفت عن وجه ذلك في رسالة "العبادة" (1).
__________
(1) (ص 701).
(5/ 3/87)

ثم ذكر الله تبارك [وتعالى]: جوابَ موسى عليه السلام: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا (1) وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 20 - 21]. هذا جوابٌ عن الأمر الثاني، يقول: إن [ص 46] لزمني نقص بقتل النفس فإنما كان ذلك قبل الرسالة، وأما البشرية فإنها ليست مانعة من فضل الله، وقد تفضَّل عليَّ.
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22]. هذا جوابٌ عن الأمر الأول، وعن كفر النعمة من الأمر الثاني، أي: أيُّ مَنًّ لك على إنسان ربيته وعبَّدتَ قومَه تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم؟!
فعَدَل فرعونُ إلى سؤال آخر يحاول به أن يُرِي قومه أن موسى عليه السلام كاذبٌ في دعواه الرسالة: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] , يريد: أن الرسول مِنْ شأنه أن يكون قد حضر عند مُرْسِلِه وشاهدَه وعَرَفه، فقل لنا: ما هو؟
يحاول أن يقول موسى: لا أدري ما هو، أو: ليس لبشر أن يدري، أو نحو ذلك. فيقول: فلست برسول إذن.
{قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 24]. هذا من النوع الذي يسميه البيانيون: الأسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بخلاف ما يترقب؛ لنُكْتة. كأنه يقول: ليس من شرط الرسول أن يعرف ذات مرسله، فقد يدعو الملك بعض الأمناء الذين لم يروه قط، فيكلمه من وراء حجاب، أو يبعث إليه ثقة من ثقاته، ويوجهه رسولاً، ولكن كأنك يا فرعون
__________
(1) الأصل: "حكمًا وعلمًا" سهو.
(5/ 3/88)

لم تعرف معنى قولي: "رب العالمين"، أو كأنك وملأك تجحدون وجود رب العالمين، فأنا أجيبك بحسب هذا.
فتجاهل فرعون: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25] أسأله عن شيء فيجيبني بغيره!
فأجابه موسى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26]. في هذا تأكيد للجواب قبله، مع إشعارهم بسوء صنيعهم، وتعرّضهم لغضب ربهم، وكأن في قوله: {وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} تعريضًا بما أحدثه فرعون وتبعوه عليه كما تقدم.
فأصر فرعون على تجاهله: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]، يُسأل عن الشيء فيجيب بغيره، ويصرّ على ذلك!
فاستمرّ موسى عليه السلام على توكيد جوابه السابق: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] وإلا فأنتم المجانين؛ إذ ينبغي لكم أن تعرفوا كلامي، وهو أني ادَّعيت الرسالة من ربكم الذي تعرفون وجوده، وتعترفون به، فحقكم أن تسألوني بينة على دعواي فحسب.
فأراد فرعون حسم المحاورة {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29].
فتلطَّف موسى عليه السلام بما منع حَسْم المحاورة، واضطرارهم إلى الجواب الذي كان ينبغي أن يأتوا به من أول مرة، وهو سؤاله البينة على دعواه، قال: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30].
(5/ 3/89)

فاضطر فرعون إلى إجابته؛ إذ لو لم يجبه لأنكر الناس عليه - ولو في نفوسهم - قائلين: ادعى وبذل البينة على دعواه، قال: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ...} [الشعراء: 31] الآيات.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة ما هو رب العالمين، وأن الذي [ص 47] ينبغي لك: أن تكفَّ نفسَك عن التعب فيما لا سبيل إليه مع ما فيه من الخَطَر، وأن تشكر الله عزَّ وجلَّ على ما آتاك من الأدلة على القَدْر الذي عرفته، كما قال الله تبارك وتعالى لنبيه موسى عليه السلام: {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144].

المسألة الثانية: كيف (1)؟
قال الراغب (2): "كيف: لفظ يُسأل به عما يصح أن يقال فيه: شبيه وغير شبيه، كالأبيض والأسود، والصحيح والسقيم؛ ولهذا لا يصح أن يقال في الله عزَّ وجلَّ: كيف".
فإن قيل: السؤال بكيف يرجع إلى الصفات، ولا يعقل موجود لا صفة له.
قلت: السائل بكيف يطلب أن يُخْبَر بصفة يمكنه تصوُّرها وإدراكها، وصفاتُ الله عزَّ وجلَّ التي يُفْهَم السؤال عنها من قول القائل: "كيف الله؟ " مما لا سبيل لنا إلى إدراكه بحس ولا قياس. فقول ذلك يقتضي أن السائل يعتقد أن المسؤول يدركها، وأن للسائل سبيلاً إلى إدراكها، والأمر بخلاف ذلك.
__________
(1) تقدمت المسألة الأولى (ص 84).
(2) في "المفردات": (ص 730).
(5/ 3/90)

فإن قيل: فقد أدركنا بعض الصفات، مثل أنه سبحانه قادر عليم حكيم، فما المانع من أن يقال لمنكر البعث مثلاً: أتؤمن بالله؟ فيقول: نعم. فيقال له: كيف هو؟ أقادر أم عاجز؟
قلت: هذا السؤال لا يليق بهذا الباب، وحسبك أن تقول: "أليس بقادر"! ونحو ذلك.
والمقصود هنا إنما هو تنبيهك على أن منع الكيف لا يستلزم نفيه، وأن نفيه قد لا يستلزم نفي الصفة، فإن استلزم ذلك فهو - أعني نفي الكيف - باطل. فافهم.

[ص 48] المسألة الثالثة: أين؟
لو أخبر إنسان بوجود موجود، فقيل له: أين هو؟ فقال: في بلد كذا، أو: في البحر، أو: في الهواء، أو: في السماء، أو: فوق السماء، أو: فوق كل شيء حيث لا يكون فوقه شيء يُحَسّ، لكان في مُتعارَفِ الناس قد أجاب عن السؤال، فقَصْرُ المكان على ما دون الأخير اصطلاح موجبٌ للمُغَالطة، فليتنبَّه له.
ثم اعلم أن النُّظَّار بعد أن اتفقوا على أن الله تبارك وتعالى موجود قائم بذاته اختلفوا، فقال أكثرهم: ليس هو في مكان، فلا هو فوق ولا تحت، ولا خارج العالم ولا داخله.
وقال آخرون: إنه لا يعقل موجود بهذه الصفة، بل ما كان كذلك (1) فهو
__________
(1) الأصل: "ذلك".
(5/ 3/91)

عدم مَحْض، حتى قال المَعَرِّي (1):
قالوا: لنا خالقٌ قديمٌ ... قلنا صدقتم كذا نقول (2)
[زعمتموه بلا مكانٍ ... ولا زمانٍ ألا فقولوا
هذا كلامٌ له خَبيءٌ ... معناه: ليست لنا عقولُ]
فأجاب الأولون: بأن هذا وهم اقتضاه اعتماد الإنسان على حِسّه وقياسه عليه، ولم يحس بموجود ليس في مكان، فلذلك يأبى أن يكون موجود إلا في مكان.
فقال الآخرون: ليس هذا بوهم، بل هو حقيقة بينة بنفسها، والقول بأنها وهم سَفْسَطة محضة (3).
فقال الأولون: إن الإنسان إذا ألِفَ النظرَ في المعقولات وتمكَّن فيها اتضح له أن ذلك وهم.
قال الآخرون: يُردُّ على هذا بوجوه:
الأول: أننا نجد مَن خاض في المعقولات وهو موافقٌ لنا.
الثاني: أننا قد نظرنا في شيء من معقولكم، فوجدنا عامته شبهات ملفقة ومغالطات متعمقة، وقد اعترف بذلك جماعة من أكابركم، كما تقدم عن إمام الحرمين والرازي والغزالي (4).
__________
(1) في "اللزوميات": (2/ 189). وصدر البيت الأول فيه: "قلتم: لنا خالق حكيم".
(2) ترك المصنف بعد هذا البيت سطرين للبيتين الآتيين فأكملناهما من المصدر.
(3) السفسطة: قياس مركب من الوهميات, الغرض منه تغليط الخصم وإسكاته. انظر "التعريفات": (ص 118)، و"التوقيف على مهمات التعاريف": (ص 407).
(4) انظر (ص 32 - 36).
(5/ 3/92)

الثالث: أننا وجدنا أكثر ما عندكم تقليد كبرائكم، وقد اعترف بذلك الغزالي إذ قال (1): [بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نُصرة مذاهبهم بطريق الأدلة، فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحُسْن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم].
فلعل ما يعرض للمتعمِّق منكم من السكون إلى موجود ليس في مكان إنما هو أثر من آثار التقليد والشبهات، والمُحَال إذا أكثر سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا ربما تألفه النفس، فترى كأنها مصدقة به مطمئنة إليه.
الرابع: أنكم توافقون أن معرفة الله عزَّ وجلَّ واجبة على كل عاقل، ولو كانت المعرفة لا تحصل إلا بالتعمُّق في المعقولات لكان غالب الناس غير متمكنين منها.
فإن قلتم: قد قال قوم بأنه يكفي العامة التقليد.
قلنا لكم: قد اختلف عليهم الناس، فمَنْ يقلدون؟
على أننا قد فتَّشنا كثيرًا من المقلدين الذين يُظْهِرون القول بقولكم، فوجدناهم إنما يقولون ما لا يفهمون، أو ما لا يعتقدون، فإذا حوققوا تبين أنهم معنا في ذلك القول، غاية الأمر أنهم قد لا يجزمون جَزْمنا؛ لتوهمهم أن ذلك ربما يفقدهم أعز شيء عليهم وهو الدين.
__________
(1) ترك المؤلف مكان القول بياضًا، فأكملناه بما بين المعكوفين؛ فالظاهر أن هذا هو النص الذي أراد المؤلف نقله، بدليل أنه نقله في "التنكيل - القائد": (2/ 226).
وهذا القول في "المستصفى": (1/ 44)، وقد كرره الغزالي بنحوه في عدد من كتبه، انظر "المنقذ من الضلال": (7/ 33 - ضمن رسائل الغزالي)، و"إلجام العوام عن علم الكلام": (4/ 81 ضمن رسائل الغزالي).
(5/ 3/93)

الخامس: أن الأنبياء إنما بُعِثوا ليدعوا الناس إلى معرفة ربهم وطاعته، ولم نَعْلَمهم دعوا الناس إلى التصديق بأنه ليس في مكان، بل الأمر بعكس ذلك، كما يأتي.
[ص 49] قال الأولون:
أما الوجه الأول فلسنا ندعي أن كل من خاض في المعقولات تبين له الأمر، وإنما ادعينا أن من شأنه (1) ذلك، وقد يتخلف في بعض الأفراد، هذا إن سُلِّم أن الأفراد الذين وافقوكم (2) هم ممن تمكن في المعقولات.
وأما الثاني فلسنا ننكر أن هناك شبهات ومغالطات، ولكننا نقول: إن النظر في المعقولات من شأنه أن يوصل إلى حل تلك الشبه، فغايتنا من النظر هو الوصول إلى الحقيقة وحل الشبه، فنذكرها لنحلها, ولا ندعي العصمة في كل شيء، فقد نخطئ، ولكن هذه المسألة مما اتضح لنا اتضاحًا لا يحتمل الخطأ.
وما ذكرتم من حال إمام الحرمين والرازي والغزالى فلم تثبتوا أنهم رجعوا إلى قولكم في هذه المسألة، بل لعل المنقول خلاف ذلك. وهَبْهُم رجعوا إلى قولكم، فذلك لا يشكِّكنا فيما قام لدينا من الحجة، ولا يكون حجة لكم.
وأما الثالث فلا ننكر أن منا من يقلد، ولكننا نعلم في كثير مما نقوله أننا لسنا مقلدين فيه، ومن جملته هذه المسألة.
__________
(1) غير بينة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
(2) رسمها في الأصل: "وافقوتم"، ولعل الصواب ما أثبت.
(5/ 3/94)

وأما أنّ النفس قد تسكن إلى المحال لكثرة سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا، فهذا لا ننكره، ولكننا نعلم أن تصديقنا بهذه المسألة ليس من هذا القبيل؛ لقيام الحجة عليه (1).
فقاطعهم الآخرون قائلين: جوابكم عن هذه الثلاثة الأوجه مداره على دعوى قيام الحجة القطعية عندكم، فلخِّصوا لنا أوضح حُججكم في ذلك لننظر فيها، ثم ننظر في جوابكم عن الوجهين الأخيرين (2).
قال الأولون:
الحجة الأولى: أنه قد ثبت بالبراهين القطعية أن الرب واجب الوجود، وأن المكان مخلوق مُحدَث، فقد كان سبحانه موجودًا قبل وجود المكان، فثبت أنه كان موجودًا لا في مكان.
الحجة الثانية: ما لا يتصور وجوده إلا في مكان فهو محتاج في وجوده إلى وجود المكان، وما كان محتاجًا إلى غيره في وجوده، فوجوده متأخر عن وجود ذلك الغير.
الحجة الثالثة: قد قامت الحجة على أن الرب قائم بذاته, فليس بعَرَض، فلو كان في مكان لكان جسمًا، والجسم إما حقير جدًّا، وهو الجزء المتناهي في الصغر الذي يسمى: الجوهر الفرد، وإما كبير، والجسم الكبير مركَّب من أجزاء، والمركَّب محتاج إلى جزئه, وهو غيره, والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.
__________
(1) "عليه" ضرب المؤلف عليها سهوًا مع الكلام الذي كتبه أولاً ثم أخّره إلى موضع آخر.
(2) سيأتي الجواب عن الوجهين الأخيرين (ص 104 - 105).
(5/ 3/95)

وشرحه بعضهم: بأن المركب ذو أجزاء، وجزؤه ليس بمعدوم، وإلا عدم الكل، ولا واجبًا وإلا تعدد الواجب، فتعين أنه ممكن ... إلى آخر ما في حواشي [ص 50] "شرح المواقف" (1).
وهناك حجج أخرى يدق فيها الكلام، ويصعب المرام، ويكثر الخصام.
قال الآخرون:
أما الحجة الأولى فقد نقلتم إطباق المتكلمين وبعض قدماء الفلاسفة أن المكان تعيُّنه (2) موهوم (3)، وحقيقته أنه الفضاء أو الخلاء، وهو أمر عَدَمي، وأدلتهم بغاية القوة، ودعوى مخالفيهم الضرورة مردود، بل لو ادعى الضرورة في أن هذا الفضاء بعد فرض نزع ما يملؤه من هواء وغيره هو في نفسه عدم محض لكان أقرب إلى فِطَر الناس.
وما احتجوا به على وجوده من أنه يشار إليه، قد أُجِيب عنه بأنه إشارة تبعية، كما في حواشي "شرح المواقف" (4) وغيرها.
ثم قد اتفقوا على أنه ليس خارج العالم أمر وجودي، مع أنه يمكن الإشارة، إما من هنا، فنقول: النقطة التي خارج العالم من هذه الجهة، والأخرى التي من هذه الجهة، وإما على فرض أن شخصًا على طرف العالم، فيشير هنا وهناك.
وبقية الأدلة قد أجيب عنها، كما في حواشي "شرح المواقف" وغيره.
__________
(1) (8/ 21).
(2) غير محررة, وتحتمل: "تعيينه".
(3) انظر "حواشي شرح المواقف": (5/ 121، 138 - 139).
(4) (5/ 115).
(5/ 3/96)

وقد قدمت فصلاً في ذلك (1).
ومن أنصف علم أن الحجج المُثْبِتة أنه تبارك وتعالى في جهة أقوى بدرجات مما احتجَّ به على أن الفضاء شيء وجوديّ، هذا إن لم يسلم أن تلك قطعية.
وإذا ثبت أو جاز أن يكون حقيقة الفضاء أمر عدمي (2) سقطت حجتكم الأولى، وكذلك الثانية، فإنه إذا كان الفضاء أمرًا عدميًّا لم يتصور الحاجة إليه في الوجود إلا بمعنى الحاجة إلى أن لا يرتفع بالكلية، وارتفاعه بالكلية محال، وارتفاعه في الجملة واجبٌ، وذاك وجود الرب عزَّ وجلَّ، وجائزٌ وذاك وجود غيره تعالى، والجائز محتاج في وجوده إلى الواجب.
فغاية ما تلزمونا به احتياج الرب سبحانه في وجوده إلى عدمٍ ما، يستحيل وجوده بدون إيجاد الرب سبحانه له، ولا حرج في هذا، بل ولا في بعض ما هو أشد منه، كأن يقال: إن الرب محتاج في ربوبيته إلى عدم وجود ربّ آخر يُنازعه.
فإن قلتم: فيلزم أن يكون عدم وجود الجائزات متقدمًا على وجود الرب.
قلنا: بل يكفي المعية، والربّ أزلي، وذاك العدم أزلي (3).
__________
(1) لم نجد هذا الفصل المشار إليه فيما وقفنا عليه من هذه الرسالة.
(2) كذا في الأصل بالرفع في اللفظين، وحقهما النصب.
(3) من قوله: "كأن يقال ... " إلى هنا تتمة اللحق الطويل الذي بدأ في (الورقة 50 ب)، لكنه جاء في (الورقة 51 ب).
(5/ 3/97)

وقد رأيت من يقول: هب أنّ الفضاء أمر وجودي، فقد قال بعض أكابر القائلين بوجوده: إنه لا يتصور ارتفاعه، فهو عنده واجب الوجود، فلماذا لا يلتزم مثبتو الجهة لله عزَّ وجلَّ هذا القول على فرض أن الفضاء أمر وجودي؟
فقلت له: في هذا إثباتُ قديمٍ مع الله عزَّ وجلَّ.
فقال: وما الذي يبطله عقلاً؟
فذكرت له ما حضرني.
فقال: وما الذي يبطله نقلاً؟
قلت: يقال لك: إنه قدح في ربوبية الله عزَّ وجلَّ وشرك به.
فقال: لا أفهم كونه قدحًا في ربوبيته، إنما القدح القول بأن العالم غنيٌّ عن تدبير الله عزَّ وجلَّ، فأما القول بأن هذا الفضاء قديم، وكل ما فيه من الممكنات فهو خلق الله عزَّ وجلَّ وتدبيره، فلا أراه قدحًا في الربوبية.
وأما الشرك فالذي [ص 51] أفهم أنه: إثبات رب مع الله عزَّ وجلَّ، أو معبود معه، أو يقول بنحو قول النصارى: إن الرب ثلاثة أقانيم، انفصل منها أقنوم، فكان منه عيسى، ثم انفصل الآخر، فنزل على عيسى.
ومن يقول بقدم الفضاء لا يقول شيئًا من ذلك، فإنه يعرف أنه لا حياة للفضاء، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا علم، ولا غير ذلك من الصفات التي يدور عليها أمر الربوبية والألوهية، ولا يقول: إنه أقنوم في الرب عزَّ وجلَّ.
فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هذا خرق للإجماع، فإن المسلمين أجمعوا على أن ما سوى الله حادث.
فقال: هذا قول إجمالى، فلعلّ مِن المُجْمِعين من كان يرى أن الفضاء
(5/ 3/98)

أمر عدمي، كما هو المنقول عن إطباق المتكلمين، ولعل منهم من لم يخطر بباله؛ لأننا إذا كنا في حجرة ثم سألنا بعض العقلاء الذين معنا: أي شيء موجود في هذه الحجرة؟ لذهب يعدد لنا الأجسام التي فيها، فإن دقَّق عدَّ فيها الهواء، فأما أن يعد الفضاء فلا، إلا أن يكون قد سمع قول من يقول: إن الفضاء أمر وجودي، فقلَّده.
فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هو مخالف للنصوص، كقول الله عزَّ وجلَّ: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] ونحوها.
فقال: أقول: إن هذا عام يخصه العقل، فإن العقل العادي إما أن لا يعد الفضاء شيئًا موجودًا، كما تقدم في المثال آنفًا، وإما أن يعلم أنه لا يتصور عدمه، وهذا التأويل أقرب بألف درجة من تأويلات من يقول: إن الله عزَّ وجلَّ ليس في جهة، مع أني أدعي إجماع السلف على القول بالجهة، وأذكر من نصوص الكتاب والسنة في إثباتها أضعاف أضعاف ما يمكن أن تذكره في أنه خالق كل شيء، وأن كل ما سواه حادث.
وهذا الإجماع والنصوص نص في محل النزاع - وهو ثبوت الجهة - فأما ذاك الإجماع وتلك النصوص فإنما يمكن تناولها للفضاء على وجه العموم.
فقلت له: أتعتقد هذا؟
قال: لا, ولكني أراه أقرب إلى العقل والدين من القول بأن الله موجود لا في جهة، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، وأنه خلق العالم لا في ذاته ولا خارجًا عنه.
(5/ 3/99)

قال: وكذلك يقال في جواب حجتهم الثانية.
فيسألون على فرض صحة قولهم: إن الفضاء موجود محدَث: هل كان يمكن أن يحدثه الله عزَّ وجلَّ ويُحْدِث فيه جسمًا في وقت واحد بدون تقدم أحدهما على الآخر؟
فإن لم يكابروا قالوا: نعم.
وبذلك يعلم أنه لا يلزم التأخر، بل تجوز المعية.
فإذا جاز أن يكون المكان قديمًا لم يمتنع أن يكون المتمكِّن قديمًا، ثم يقال [ص 52] بالقدم فيما قام الدليلُ على قدمه، وبالحدوث فيما قام الدليل على حدوثه.
فكان مما قلت له: وكيف يكون الرب محتاجًا في وجوده إلى غيره؟!
فقال: هذه كلمة مشنعة بالإيهام، فإن الذي يتبادر من الحاجة في الوجود حاجة الحادث إلى محدثه، أو المعلول إلى علته، أو إلى جزئها، وليس ما هنا كذلك.
قلت: فيقال لك: هو قريب من ذلك، وهو أنه احتياج الموجود إلى شرط وجوده.
فقال: إذا لوحظ القدم في الجانبين وأن الرب حيٌّ قديرٌ مريدٌ عليمٌ حكيمٌ إلى غير ذلك من صفات العظمة والكبرياء، وأنَّ الفضاء خالٍ من ذلك كله هان الأمر.
فإن بقيَتْ هناك شَناعة فيجاب عنها بنحو ما يجيبون عن قولهم: إن المحال لا يدخل تحت القدرة، كما يقول القائلون بحدوث المكان: إنه
(5/ 3/100)

شرط لوجود الأجسام، فلا يقدر الباري عزَّ وجلَّ أن يعدمه مع بقاء الأجسام.
وبالجملة فالقول بما يستلزم هذا القدر من الاحتياج خير بألف درجة بل بما لا يُحْصَى من القول بما يستلزم عدم وجود الرب.
فذكرت له ما حضرني، وكان من آخر ما قلت له: إن كنت مصممًا على أنه لا يمكن الوجود إلا في جهة، فخيرٌ لك أن تعتمد على أن الفضاء أمر عدمي، وتقف عنده.
قالوا: وأما حجتكم الثالثة فإننا لا نطلق على الرب عزَّ وجلَّ أنه جسم، فإن عنيتم بالجسم ماله جهة، وهو قائم بذاته، فإننا نلتزم ذلك، ولا نقول: إنه جسم، ونقول: إن ذات الله تبارك وتعالى عظيمة. ولا نحدد قولكم: "مركب من أجزاء".
نقول: المركب ما ركبه غيره، والرب عزَّ وجلَّ قديم تعالى الله عن ذلك، والأجزاء مأخوذة من الجزء، وهو القسم، وذات الرب عزَّ وجلَّ لا تتجزأ، وكذلك الأبعاض والأقسام والأعضاء، كل هذا يتضمن التفصيل والتفريق، إما بالفعل، وإما بالإمكان، والباري عزَّ وجلَّ يتعالى عن ذلك.
فإن قلتم: إننا نطلق المركب وذا الأجزاء على ما هو أعم مما ذكرتم، فالمقصود أن ذات ربكم بحيث يمكن لمن رآه أن يشير إلى شيء منها دون شيء، وما كان كذلك فهو في اصطلاحنا مركب ذو أجزاء.
قلنا: يمكن أن [ص 53] نلتزم ما ذكرتم في ذاته تعالى، ولا نقول: مركب، ولا ذو أجزاء، تعالى الله عن ذلك.
فإن قلتم: فإن قولنا: المركب محتاج إلى جزئه، يجري فيما ذكر،
(5/ 3/101)

فالذات محتاجة إلى الشيء المفروض الإشارة إليه منها، وذاك الشيء ليس هو إياها فهو غيرها، فالذات محتاجة إلى غيرها.
قلنا: قولكم: "إلى غيرها .. " وهم، فإن المفهوم من قولكم: "غيرها" أنه ليس شيئًا منها، فإنك لو قلت: في يدي شيء غير هذا القلم، ثم فسرت ذلك بشيء من القلم لأنكر عليك.
وفي "شرح المقاصد" (2/ 76) في تفسير المتغايرين: "وتفسيرهما (1) بالشيئين أو الموجودَين أو الاثنين فاسد ... قال صاحب "التبصرة": وكذلك تفسيرهما بالشيئين من حيث إن أحدهما ليس هو الآخر يصدق على الكل مع الجزء، كالعشرة مع الواحد، وزيد مع رأسه، مع أنه لم يقل أحد: يكون الجزء غير الكل إلا جعفر بن حارث من المعتزلة، وعُدّ ذلك من جهالاته؛ لأن العشرة اسم للمجموع، يتناول كلّ فرد مع أغياره، فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه؛ لأنه من العشرة ولن تكون العشرة بدونه".
وإذا كان هذا في الواحد من العشرة، فكيف برأس زيد مثلًا؟! فكيف بشيء من ذات الباري تبارك وتعالى، والانقسام فيها مستحيل؟!
فإن قلتم: دعوا قولنا: "غيرها"، ونقول: إن الذات من حيث هي ذات تامة محتاجة في تمامها إلى الشيء المفروض الإشارة إليه منها.
قلنا: حاجة الذات إلى شيء منها هو في معنى حاجتها إلى نفسها, وليس في هذا ما ينافي وجوب الوجود.
__________
(1) من قوله: "وبالجملة فالقول ... " إلى هنا ضعيف في التصوير فلم تمكن قراءته إلا بصعوبة بالغة.
(5/ 3/102)

بقي قول ذاك المتحذلق - ما معناه -: ذاك الشيء إما واجب الوجود، فيلزم تعدد الواجب، وإما ممكن، فأشياء الذات ممكنة، فهي ممكنة.
وجوابه: أن ذات الرب عزَّ وجلَّ يستحيل عليها الانقسام، فالذات واجبة، وما هو من الواجب فهو واجب.
وهذا التعدد الموهوم ليس هو التعدد المنافي للتوحيد، فإن الذات واحدة، وذلك أن قولنا في الشيء المفروض الإشارة إليه: إنه واجب، إنما معناه أنه من ذات واجبة، فثبت له حكم الوجوب.
وقد يمكن تقريب هذا بأن يقال: زيد مولود، ورأسه منه، فالرأس مولود، وهكذا قلبُه وكبده، فهل يلزم من هذا أن يكون زيد عدة مولودين؟
هذا، ونستغفر الله ونتوب إليه مما اضطررنا إليه في هذا الفصل مما لا يخلو عن جرأة على الله تعالى وتهجُّم على ما لا ينبغي، وقد كان يكفينا وإياكم أن نعرف أنه تبارك وتعالى موجود حيٌّ قديرٌ مريدٌ عليمٌ حكيمٌ بما تقدم من الأدلة، ثم نعرف النبوة، ثم نتبع كتاب الله وسنة رسوله، فإنه [ص 54] لا أحد أعرف بالله من نفسه، ثم من رسله.
قال الأولون: ما نراكم أنصفتم في اختيار قول من قال: إن المكان أمرٌ عدمي، ولا تدبر (1) المجوِّز أن المكان موجود واجب الوجود (2) والربّ محتاج في وجوده إليه ما يَرِد عليه من اللوازم الشنيعة، ولا أنصفتم في قولكم: إن وجوب الشيء المفروض الإشارة إليه لا يستلزم تعدد الواجب.
__________
(1) كذا في الأصل. والظاهر أنها معطوفة على قوله: "ما نراكم أنصفتم".
(2) الأصل: "الجود"، سبق قلم.
(5/ 3/103)

ولكننا ندع هذا، ونتمم الجواب عن بقية الأوجه التي ذكرتم.
أما الوجه الرابع (1) فقد اختلف أصحابنا على أقوال:
الأول: أن العامي يكفيه التقليد بأن الله عزَّ وجلَّ ليس في مكان.
الثاني: أنه يكفيه أن يبقى خالي الذهن في هذه المسألة.
الثالث: بل ولا يضره التردد فيها، مع نفي اللوازم الموجبة للكفر.
الرابع: بل ولا يضره اعتقاد المكان، مع نفي اللوازم أيضًا.
الخامس: بل ولا يضره أن يعتقد الجسمية على أنه جسم لا كالأجسام، بل قال بعض المحققين (2): ينبغي إقرار العوامَّ على ذلك؛ لئلا يتشككوا في وجود الرب عزَّ وجلَّ، بل قيل: يحرم التعرض لهم، بل قيل: إن التعرض لهم كفر.
وأما الوجه الخامس فإن أصحابنا يفرقون بين الخاصة والعامة، فيقولون: أما الخاصة فقد دعاهم الرسل إلى التدبر والنظر، وبينوا أن الله هو الحق وما سواه باطل، وأنه الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفؤًا أحد، وأنه القدوس، وهو المنزَّه عن كل نقص، إلى غير ذلك، وهذه إذا (3) تدبرها الخاصة وأعطوها حقها لم يخْفَ عليهم الحق.
وأما العامة فاختلفوا فيهم على الأقوال المتقدمة.
__________
(1) تقدم الجواب على الثلاثة الأوجه الأولى (ص 94 - 96).
(2) لعله الغزالي، قارن بكتابه "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص 8)، و"إلجام العوام عن علم الكلام": (4/ 82 - 83 ضمن رسائل الغزالي).
(3) الأصل: "وهذا إذ".
(5/ 3/104)

فالقائل إنه يكفيهم التقليد يقول: إن الشارع أمرهم بتقليد الخاصة، واكتفى منهم بذلك، وقس عليه.
وقولكم: "بل الأمر بعكس ذلك" تشيرون به إلى ما جاء في الكتاب والسنة مما يوهم الجهة.
والجواب: أنها محمولة على المجاز، وقد بيَّن أصحابنا ذلك في كتبهم، فأما الخاصة فإن ذلك لا يشتبه عليهم؛ لما لديهم من القرائن العقلية والنقلية، كما تقدم.
وأما العامة فعلى ما تقدم، فلنبنِ (1) على القول الرابع أو الخامس، فيسقط اعتراضكم ألبتة.
قال السعد التفتازاني في "شرح المقاصد" (2): ["فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيَّز والجهة، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مُشعرة في مواضع لا تُحصى بثبوت ذلك، من غير أن يقع في موضع منها تصريحٌ بنفي ذلك؟ ... أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأنسب في خطاباتهم، والأقرب إلى اصطلاحهم، والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه وكونِ الصانع في أشرف الجهات، مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمات الحدوث ... "].
قال الآخرون: أما القول بكفاية التقليد فقد فتشنا فوجدنا عامة المسلمين
__________
(1) غير محررة في الأصل.
(2) ترك المؤلف لقول السعد خمسة أسطر، فلعله ما أكملناه من "شرح المقاصد": (4/ 50 - 51).
(5/ 3/105)

يعتقدون أن الله فوق عرشه بذاته، إلا عددًا قليلاً جدًّا منهم، فإنهم يُظْهِرون القول بقولكم، فإذا فُتَّشوا وُجِدوا مع العامة, أو متشكِّكين، كما تقدم.
[ص 55] فعامة المسلمين إلا أقل قليل يكونون عند من يقول القول الأول كفارًا أو فساقًا، ويلزمهم عنده الخوض في المعقولات حتى يصدَّقوا بأن الله عزَّ وجلَّ ليس في مكان، وتكليفهم الخوض في المعقولات باطلٌ إجماعًا.
وأما القول الثاني فهو أشد بطلانًا، فإنَّ في فِطَر الناس اعتقادَ أن ربهم في جهة العلو، وقد أكد الشرع ذلك في نفوسهم بشرع رفع الأيدي وغيره.
فأما من كان يفهم العربية في الجملة فشأنه أوضح، فليس في الخارج من هو خالي الذهن في هذه المسألة، بل الجمهور على اعتقاد جهة العلو، وقليل جدًّا أكثرهم مُتحيِّرون، وأقلهم مقلدون لكم تقليدًا غير جازم، ولم يبق إلا أفراد يجزمون بقولكم بألسنتهم، والله أعلم بقلوبهم.
وأما القول الثالث فقد تقدم أن المترددين قليل جدًّا، وهم مع ترددهم في الجهة مترددون في اللوازم التي تعدونها كفرًا، ويمكننا أن نقول: إن ترددهم في الجهة قد يستلزم ترددهم في اعتقاد وجود الرب عزَّ وجلَّ.
وأما القول الرابع فقد حاول صاحبه السلامة، لكن اشتراطه نفي اللوازم إن كان يعد منها ما تعبرون عنه بقولكم: "جسم لا كالأجسام" فلم يصنع شيئًا.
وأما القول الخامس فقد قارب صاحبه السلامة، وسيظهر حاله في الكلام على الوجه الخامس.
[ص 56] قالوا: أما جوابكم عن الوجه الخامس فإننا نستعرض ما ذكرتموه من الأدلة الشرعية هذه.
(5/ 3/106)

فقولكم: إن الرسل دعوا الناس إلى التدبر والنظر، فنسألكم: هل على الرسول أن يربي أصحابه على تفصيل ذلك، ثم على أصحابه أن يربوا تابعيهم على ذلك، ثم على تابعيهم في حق من بعدهم؟
فإن قلتم: لا، أبطلتم.
وإن قلتم: نعم، قلنا: فهذه السنة [ص 56] وأخبار السلف بين أظهركم، فانظروا هل تجدون في شيء منها نظرًا مثل نظركم، أوتعمقًا مثل تعمقكم، أو تجدون فيها التصريح بما تزعمون.
وأما بيانهم أن الله هو الحق وما سواه باطل، وأنه الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء، فهذا كله حق، ولكننا نسألكم: هل فسروه كما تفسرون؟ وهل نبهوا الناس على ما تزعمون من الدقائق التي تزعمون أنه لا تتم تلك الحقائق بدونها، بل لا تتحقق إلا بها؟
وأما بيانهم أن الربّ عزَّ وجلَّ ليس كمثله شيء فحق، ولكننا نسألكم: هل وكَلَ الرسولُ إلى العرب أن تفهم تلك الجملة كما تفهم كلامها؟
فإن قلتم: نعم.
[ص 57] (1) قلنا: فماذا تفهم العرب بمقتضى لغتها من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؟ (2).
قالوا: اذكروا ما عندكم في ذلك.
__________
(1) ضرب المؤلف على بقية (ص 56 - 57 أ) عدا السطر الأول من (ص 57 أ).
(2) انظر كلام المصنف على هذه الآية ومعناها في "التنكيل - القائد": (2/ 424 فما بعدها).
(5/ 3/107)

قلنا: قال ابن بري: "الفرق بين المُمَاثلة والمُساواة: أن المساواة تكون بين المختلِفَين في الجنس والمتفِقَين؛ لأن التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفِقَين، تقول: نحْوُه كنَحْوِه، وفقهُه كفقْهِه، ولونُه كلونه، وطعمُه كطعمه، فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق، فمعناه أنه يسدّ مسدَّه، وإذا قيل: هو مثله في كذا، فهو مساوٍ له في جهةٍ دون جهة". "شرح القاموس" (1).
وقال الراغب (2): "هو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن النِّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشِّبْه [يقال] فيما يشارك في الكيفية فقط، والمُسَاوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط، والشَّكل يقال فيما يشارك في القَدْر والمساحة فقط، والمِثْل عامّ في جميع ذلك". ويأتي باقي كلامه.
[ص 58] وهنا مباحث:

الأول: المماثلة بين الشيئين تأتي على ثلاثة أضرب:
الأول: المماثلة في أمر خاص واحد أو أكثر مدلولٍ على خصوصه باللفظ أو بقرينة حالية.
الضرب الثاني: المماثلة في أمر خاص واحد أو أكثر يخصِّصها العرف، كقولك: زيد مثل الأسد، فيدل العرف أن المقصود في الجرأة، وتقول: عندي مطرف مثل مطرفك، فيعلم بالعرف أن المقصود المماثلة في الصفات المحسوسة الحاضرة، وأنه لا ينافي ذلك أن يكون أحدهما ملكك والآخر
__________
(1) (15/ 680). وانظر "اللسان": (11/ 610).
(2) في "المفردات" (ص 759).
(5/ 3/108)

ملك غيرك، وأن أحدهما نُسِج قبل الآخر، أو اشتُرِيَ بثمن أكثر من الآخر، أو لُبِس أكثر مما لُبِس الآخر، أو أن هذا نَسَجه مسلم، وذاك نسجه كافر، إلى غير ذلك من الصفات.
الضرب الثالث: المماثلة من كل وجه، وهذا إن أُخِذَ على إطلاقه مستحيل؛ لأن من جملة الوجوه أن يكون هذا في ذاك المكان الخاص، ولا يمكن أن يكون الآخر مثله في ذلك؛ لأن معنى المماثلة في ذلك أن يكون الثاني في ذلك المكان الخاص الذي للأول.
ومنها: أن لهذا هذه العينية الخاصة، ولا يمكن أن يكون الآخر مثله في ذلك؛ لأن معنى المماثلة في هذا أن يكون للثاني نفس العينية التي للأول.
وإن قيل: من كل وجه تمكن فيه المماثلة، اندفعت الاستحالة العقلية، ولكن قد يقال: بقيت الاستحالة العادية من جهة أن الأوصاف في الوجود كثيرة، والاختلاف فيها كثير، والموجود إنما هو التماثل في بعضها دون بعض، فأما التماثل بين شيئين فيها جميعًا فلا يكون عادة، والأقرب أنه ممكن، ولكنه قليل.

المبحث الثاني: المماثلة في الوصف أو الأوصاف على أربعة أوجه:
الأول: التماثل في صحة اتصاف كلا الشيئين بذلك الوصف أو الأوصاف، كأن يقال: البرغوث مثل الفيل في الجسمية، على معنى أنه كما أن الفيل متصف بأنه ذو جسم، فكذلك البرغوث متصف بأنه ذو جسم.
وكذلك أن يقال: بكر مثل زيد في العالِمِية، تريد أن بكرًا ثابت له هذا الوصف - أي: أنه عالم - كما هو ثابت لزيد.
(5/ 3/109)

ولا يخفى أن المماثلة على هذا الوجه لا تستلزم المماثلة في قدر الوصف وصفاته، ولا في الصفات الأخرى للممثّل به, فلا يلزم أن يكون علم بكر مثل علم زيد في القدر وغيره من الصفات، ولا أن بكرًا مثل زيد في وصف آخر.
الوجه الثاني: المماثلة في الوصف بالنظر إلى مقداره مماثلة عرفية على سبيل المبالغة، كأن يقال: فلان مثل النخلة, أي: في مقدار الطول، أو: مثل الفيل، أي: في مقدار الجسم، وهذه لا يلزم منها المقاربة في المقدار، فضلاً عن المساواة الحقيقية فيه، فضلاً عما عدا ذلك من صفات الطول والجسم، أو من صفات النخلة والفيل، وإنما حاصلها أن فلانًا طويل جدًّا، أو ضخم جدًّا.
الوجه الثالث: مثل الذي قبله، إلا أنه على غير المبالغة، بل على غض النظر عن التفاوت اليسير عرفًا، كأن يقال: بكر مثل زيد في العلم، وأَعْرفُ رجلاً مثل زيد، أي: في الشكل والصورة، وهذه مماثلة عرفية، هي في التحقيق مقاربة فقط.
[ص 59] الوجه الرابع: تماثل الشيئين في الوصف أو في مقداره مماثلة حقيقية، كقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "الذهبُ بالذهبِ مِثْلًا بمثل" (1) أي: في الزَّنَة.
فإن قيل: إن المماثلة الحقيقية قد يتعذَّر العلم بها، إذ قد يحتمل أن يكون في أحدهما زيادة مثقال ذرة - مثلًا - لا يظهر لها أثر في الميزان.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2176)، ومسلم رقم (1584) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(5/ 3/110)

والجواب: أن هذا معفوٌّ عنه؛ إذ لا يمكن الاحتراز عنه، فالمراد المماثلة الحقيقية فيما يظهر للناس في وزنهم.

المبحث الثالث: فيما بين هذه الأوجه من التلازم والتنافي:
إطلاق المماثلة بالوجه الأول لا يستلزم صحة إطلاقها على بقية الأوجه.
فقولنا: "البرغوث مثل الفيل في الجسمية" لا يستلزم أن يصح أنه مثله في مقدار الجسم، لا مبالغة، ولا مسامحة، ولا حقيقة.
وإطلاقها بوجهٍ من الثلاثة الأخرى يستلزم صحة إطلاقها بالوجه الأول.
وإطلاقها بالوجه الثاني ينافي إطلاقها بأحد الوجهين اللذين بعده؛ لأن مبناه على المبالغة، ولا بد فيها من تحقّق تفاوتٍ له قَدْر.
وإطلاقها بالوجه الثالث ينافي إطلاقها بالوجه الذي بعده إذا تحقق التفاوت، وكذا بالوجه الذي قبله؛ لأن مبناه على المبالغة.
وإطلاقها بالوجه الرابع لا ينافي إطلاقها بالثالث؛ إذ لا يشترط فيه تحقق التفاوت، ولا ينافي إطلاقه بالثاني؛ لأن مبناه على المبالغة.

المبحث الرابع: في نفي المماثلة
نفي المماثلة في وصفٍ لا يستلزم نفيها في غيره، ونفيها في وصفٍ بالنظر إلى مقداره لا يستلزم نفيها في مطلق الاتصاف به، ونفي المماثلة الحقيقية لا يستلزم نفي المماثلة العُرْفية، وقِس على ذلك.
ونفيها في وصفين قد يُعنى به نفيها في كل منهما، وقد يُعنى به نفيها في
(5/ 3/111)

الجمع بينهما، وقد يُعنى به فيهما مجتمِعَين.
فإذا قيل: ليس بكر مثل زيد في العلم والعمل، فقد يُعنى به ليس مثله في العلم ولا في العمل، وقد يُعْنَى به أنه ليس مثله في الجمع بينهما، فإن زيدًا عالم عامل، وليس لبكرٍ إلا أحدهما، وقد يُعنى به أنه ليس مثله فيهما مُجْتمِعَين، بل إما أن لا يكون مثله في هذا، أو لا يكون مثله في هذا كما تقول: لا مثل لزيد في العلم والعمل، تريد أنه يوجد من يماثله في (1) العلم، ولكن لا يماثله في العمل، ويوجد من يماثله في العمل، لكن لا يماثله في العلم.
وإذا قيل: ليس له مثل في وصفٍ ما، كان المعنى أن كل وصف يتصف به فلا يماثله فيه غيره.
[ص 60] وفي بعض ما قاله نظر، وتعبيره بالمشاركة قد يوهم أنه يكفي في المماثلة مطلق المشاركة، وليس كذلك، كما يُعْلَم بتدبر كلامه، مع ما تقدم عن ابن بَرّي وهو أعرف باللغة.
وفي "الأساس" (2) للزمخشري: "مُثِلَ الشيءُ بالشيء: سُوِّي به وقُدَّر تقديرَه". ومثله في كلامهم كثير.
وفي "روح المعاني" (7/ 510) (3): "نُسِبَ إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه. واعْتُرِض بأنه لا تعدّد حينئذٍ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عَمرو في الفقه إذا كان
__________
(1) تكررت في الأصل.
(2) (ص 420).
(3) جعل المؤلف الرقم في آخر النقل فقدمناه. وهو في الطبعة المنيرية: (25/ 19).
(5/ 3/112)

يساويه فيه ويسدُّ مسدَّه، وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث: "الحنطة بالحنطة مِثْلًا بمثل"، وأُريدَ به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها. ويمكن الجواب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل".
والذي يتحرر أن المماثلة بين الشيئين على ضربين: تامة وخاصة.
فالتامة هي تساويهما في كل ما يمكن التساوي فيه مع التغاير، والخاصة هي التساوي في أمر خاص، كالفقه والكيل في المثالين السابقين.
والخاصة تأتي في الكلام على وجهين:
الأول: وهو الشائع الذائع كالمثالين السابقين.
والثاني: كأن يقال: هذا الطفل مثل ذلك الإمام في أنه يعلم، يعني: أن كلاًّ منهما يوصف بأنه يعلم مع صرف النظر عن مقدار العلم، ويقال: الذرة مثل الفيل في الجسمية، أي: أن كلاًّ منهما له جسم، والبعوضة مثل جبريل في أن لكلًّ منهما أجنحة.
إذا تقرر هذا فلا نزاع بين العقلاء أنه ليس لله تبارك وتعالى مِثْل مماثلة تامة، ولا خاصة بالوجه الأول، وأما بالوجه الثاني فإن الله تبارك وتعالى موصوف بأنه موجود، قائم بذاته، حي قدير مريد، عالم (1) حكيم، سميع بصير، إلى غير ذلك، ويوصَف الإنسان وغيره بهذه الأوصاف أو بعضها.
ويمكن أن يؤتَى بعبارة تفيد تمثيلًا خاصًّا بالوجه الثاني، ولكن لم يأت في الشرع إذنٌ بذلك، ولا استعمله العلماء فيما أعلم.
__________
(1) كذا, ولعله يريد "عليم" كما سبق مرارًا.
(5/ 3/113)

ومن الموانع عن ذلك أن العبارة قد توهم المماثلة التامة أو الخاصة بالوجه الأول، ويكون فيها سوء أدب، ألا ترى أن المصحف يُرَى، وأن القاذورات تُرى، ويمتنع أن تصاغ عبارة للتمثيل في ذلك، كأن يقال - وأستغفر الله -: كذا مثل المصحف في أن كلًّا منهما يُرى.
لكن المنع من التعبير لا يقتضي صحة نفي تلك المماثلة الخاصة بالوجه الثاني؛ لأنها في نفسها ثابتة، وإنما مُنِع التعبير لما تقدم، فتدبر.
وقد يقال: إن استعمال كلمة "مثل" في هذا الوجه الثاني توسّع، وإنما حق الكلمة أن تستعمل (1) فيما قبله، وقد يستشهد لهذا بأنك إذا قلت: ههنا أشياء كثيرة مثل الفيل من بعض الوجوه، ثم تركت سامعيك يتفكرون، ثم قلت لهم: منها الماء؛ لأن الفيل موجود قائم بذاته مرئي ينتفع به الناس، والماء مثله في كل أمر من هذه الأمور، إذًا لوجدتهم ينكرون أن يكون هذا هو المعنى الظاهر من سؤالك.
[ص 61] إذا تقرر هذا فقول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] يمكن أن يقال في تفسيرها أقوال:
الأول: أن المراد المُماثلة التامة، وهي أنه ليس شيء يساويه في جميع الأمور التي قد تُتَوهَّم المساواة فيها مع التغاير.
وعلى هذا القول لا يكون في الآية إبطالٌ لوجود مماثلٍ مماثلةً خاصة، أي: من بعض الوجوه؛ لأن نفي المماثلة تامةً يصْدُق بانتفاء المماثلة في بعض الأمور؛ لأنها إذا انتفت المماثلة في بعض الأمور فقد انتفت المماثلة
__________
(1) الأصل: "يستعمل" بالياء.
(5/ 3/114)

التامة، وصح نفيها.
قال الله تبارك وتعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7 - 8].
القول الثاني: أن المراد المماثلة في أمور مخصوصة.
وأولى ما يقال في تعيين هذه الأمور: إنها هي المذكورة قبل. قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 9 - 11].
والذي يتلخص من ذلك - بدون تعسُّف - سبعة أوصاف:
الأول: الولاية, أي: العناية بمن يتولاه، ويمكن أن يعبَّر عنها بالقدرة المطلقة على النفع والضُّر.
الثاني: إحياء الموتى، أي: بمحض قدرته.
الثالث: القدرة على كل شيء.
الرابع: الحكم، أي: الاستحقاق المطلق للحكم بين الخلق.
الخامس: فَطْر السموات والأرض.
السادس: جَعْله من أنفس الناس والأنعام أزواجًا.
السابع: ذَرْؤهم فيه، أي: تدبير النطفة حتى تكون حيًّا سويًّا.
بدأ سبحانه فبين اختصاصه بكل وصف من هذه الأوصاف، ثم أكدَّ ذلك
(5/ 3/115)

بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي: في شيء من ذلك.
واختصاصه سبحانه بهذه وبأوصاف أخرى ذُكِرت قبلها وبعدها يستلزم اختصاصه بأوصافٍ أُخَر، وأنه لا مثل له فيها أيضًا.
ومنها: استحقاق أن يعبد، وهو الألوهية، وهو المقصود من تلك الآيات، كما يُعْلَم من سياقها.
وما لم تستلزم الاختصاصَ به من الأمور، وأنه لا مِثْل له فيه = لا يلزم عدم الاختصاص به، ولا وجود المِثل فيه، فيحتاج النظر فيه إلى دليل آخر. ودعوى اللزوم في شيء يحتاج إلى بيان أن العرب الذين هم أول من خُوطب وبلسانهم نزل الكتاب كانوا يعرفون وجه اللزوم، وسنوضح هذا في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.
وقد يقال: المعنى: ليس كمثله شيء في أمرٍ ما تُستَحَقّ به العبادة، فيعمّ ما تقدم وغيره، أو يقال: ليس كمثله شيء في صفةٍ من صفات الكمال، فيشمل ما تقدم وغيره. ومعروف في الكلام أنه إذا أتي بعبارة فيها نفي المماثلة مطلقًا، وكان المقام مقام المدح فُهِم [ص 62] أن المراد المماثلة في الصفات التي يُمْدَح بها.
وعلى هذا فقد عُرِف أن صفاته تبارك وتعالى كلها صفات كمال، فيرجع المعنى إلى أنه لا شيء يماثله في صفة من صفاته، وتكون المماثلة هي الخاصة على الوجه الأول (1).
...
__________
(1) إلى هنا انتهى الموجود من هذا الكتاب.
(5/ 3/116)

(1) [فلا يخلو أن تكون دائرة تمكينه في أمور خاصة ليس منها التصرف في أحوال البشر بالنفع والضر، أو يكون بحيث تشمل ذلك. الأول لا شأن للبشر به، وأما الثاني فقد علمنا أن الله تبارك وتعالى لما مكَّن البشر من أن ينفع بعضهم بعضًا أو يضر جعل كلاًّ منهم بحيث يرى غيره ويعرفه، وجعل لكل منهم سمعًا وبصرًا وعقلاً وقدرةً، وغير ذلك، فسهَّل لكل منهم السبيل إلى اجتلاب النفع من صاحبه ودفع ضره، وذلك المفروض أن الله تعالى مكنه في (2) التصرف فيهم لو كان حقًّا لجعل الله تعالى للناس سبيلًا إلى العلم به واستجلاب النفع منه ودفع ضره.
فإن قيل: فقد يصل إلى الإنسان نفع من صاحبه بدون سعي منه، ويصله ضرر منه لم يكن يمكنه اتقاؤه.
قلت: ما كان كذلك فهو مما قضاه الرب عزَّ وجلَّ حتمًا، فإن كان تصرف ذلك المفروض وجوده قاصرًا على مثل هذا فلا شأن للبشر به؛ لأن ما قضاه الله عزَّ وجلَّ حتمًا، بحيث لا يتوقف على سعي من الإنسان ولا تقصير فهو واقع حتمًا، فلا شأن لهم بالطريق التي يصل منها.
فإن قيل: دع هذا، بل نقول: إن الله عزَّ وجلَّ جعل للناس وسيلةً إلى العلم بذلك المفروض وجوده، وهو أن كثيرًا من الأمم قالت بوجوده،
__________
(1) هذا النص كتبه المؤلف (ص 41 ب - 42 ب) ثم كتب فوقه: "هذا مع الورقة الآتية يؤخّر إلى بحث توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى". لكن المؤلف لم يكتب هذا المبحث فأثبته هنا في آخر الكتاب. والله المستعان.
(2) كذا, ولعلها: "من".
(5/ 3/117)

قلت: الأمم التي قالت بوجوده ليس عندها أكثر من التخرُّص، فالعاقل إذا فكر وتدبر علم أنه إن فرض وجوده ثم أخذ يعظَّمه ويتضرع إليه كان بذلك قد سواه برب العزة في رجاء النفع الغيبي والتعظيم والتضرع لأجله، فهو في ذلك على خطر غضب الله عزَّ وجلَّ عليه؛ إذ سوَّى به غيره، بل سوى به ما لم يثبت وجوده.
وإن أعرض عنه واقتصر على تعظيم الله عزَّ وجلَّ والتضرع إليه فإنه سبحانه لا يضيّعه؛ لعلمه أنه إنما حمله على ذلك الخوف من أن يقول على الله بلا علم، أو أن يسوَّي به غيره لمجرد تخرُّص.
والعاقل يرى أن هذا الثاني هو المتعين، فإن فرض وجود ذلك المفروض فإن الله عزَّ وجلَّ يغنيه عن نفعه ولا يمكَّنه من ضره.
ووجه آخر: وهو أن الأمم المشار إليها تقول بوجود عدد كثير بالصفة المذكورة، وأن الإنسان إذا عظَّم بعضَهم وتضرَّع إليه غضب عليه غيرةً منهم وأراد به الضر، وأن الإنسان قد يتضرع إلى فردٍ منهم ويعظمه، ويتضرّع عدوّه إلى فرد آخر ويعظمه، فيريد صاحب عدوه به الضر، وأنه إن تضرع إلى اثنين وعظَّمهما غضب عليه الذي يرى نفسه أنه أعظمهما، قائلا: كيف سوَّى بيني وبين من هو دوني؟! فيريد به الضر، وأولى من ذلك إذا قال: أنا أتضرَّع إليهم كلهم، وأعظّمهم كلهم].
(5/ 3/118)