Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 003


[س 148/ ب] بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحمنِ اْلرَّحِيمِ

الخلاصة
أنت خبير أننا إنما استعرضنا أديان الأمم التي أخبر الله عزَّ وجلَّ أنها ألَّهَتْ غيره وعبدت غيره وأشركت به لنستنتج منها تحقيق معنى التأليه والعبادة والشرك كما هو موضوع هذه الرسالة.
وعند تدبُّر أديانهم تجدهم اتفقوا في معنًى واحدٍ وانفرد كلٌّ منهم بمعنًى، فكان بيِّنًا أنَّ المعنى المتَّفَقَ عليه عليه مَدارُ تأليهِ غير الله وعبادةِ غيره والشرك به، ضرورةَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ أخبر عنهم جميعًا بذلك، وما ينفرد به كلٌّ منهم أمرٌ زائد على ذلك.
وأكَّد عندنا هذا أنَّنا وجدنا القرآن يوبِّخ النصارى على تأليه غيره وعبادة غيره والشرك به مع صرف النظر عن قولهم في عيسى كما تقدَّم.
وكذلك يوبِّخ مشركي العرب على تأليه غيره وعبادة غيره والشرك به مع صرف النظر عن قولهم: بنات الله كما تقدَّم أيضًا.
وبعد التدبُّر والتأمُّل وجدنا القدر المشترك بين تلك الأمم هو: (زعم كلًّ منهم في غير الله عزَّ وجلَّ أنه مستحقٌّ لأَنْ يُعبد طلبًا للنفع الغيبيِّ (1) منه أو ممن يُخضَع له لأجله).
__________
(1) هو على وِزان ما تقدّم في الدعاء ما يكون المخضوع له غيبيًّا أو يزعم الخاضع أنَّ له قدرة غيبيَّة أي غير عاديَّة، والنفع المطلوب يتعلق بها. [المؤلِّف]
(3/552)

[س 149/ أ] وهذا هو الاعتقاد، وأما العمل فيجمعه: (الخضوع الذي يقتضيه ذلك الزَّعْمُ).

الأصنام
فقوم نوح وقوم هود والمصريُّون ومشركو العرب زعموا في الأصنام أنها أهلٌ لأن يُخضعَ لها طلبًا للشفاعة إلى الله عزَّ وجلَّ من الأشخاص الذين تُعظَّم الأصنام لأجلهم، وهم الرجال الصالحون في الأوَّل، والأشخاص الغيبيُّون الذين يزعمون أنهم هم الملائكة في الباقين.
ومستندُهم في استحقاقها لذلك: الرأيُ وذلك يدلُّ على زعمهم أنَّ استحقاقها المذكور ثابت بحيث يستقلُّ العقل بإدراكه.
وهكذا النصارى في الخضوع لصورة مريم عليها السلام التماسًا لشفاعتها.
وقومُ إبراهيم زعموا أنَّ الأصنام [أهلٌ لأَنْ يُخضع لها طلبًا لنفعٍ غيبِيٍّ بواسطة الأرواح المدبِّرة] (1) للكواكب، ومستَنَدُهم في ذلك الرأيُ.
وبنو إسرائيل في العجل زعموا أنه أهلٌ لأن يُخضعَ له طلبًا للنفع الغيبِيِّ منه.
وبنو إسرائيل في قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وبعضُ المسلمين في قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" (2)،
__________
(1) غير واضح في الأصل.
(2) سلف تخريجه عند المؤلَّف في ص 230.
(3/553)

ظنُّوا أنَّ الصنم والشجرة أهلٌ لأن يُخضع لهما طلبًا للنفع ممن يُخضع لهما لأجله، وهو الله عزَّ وجلَّ، ومستندُهم في ذلك الرأيُ، وإنما طَلَب أولئك من موسى وهؤلاء مِنْ محمَّد عليهما الصلاة والسلام لكونهما الرئيسين؛ ولم يقصدوا بذلك أنْ يسألا الله عزَّ وجلَّ أن يجعل لهم [س 149/ ب] ذلك اعتقادًا أنَّ الجماد لا يستحقُّ التعظيم طلبًا للنفع الغيبِيِّ إلاَّ إذا أمر الله عزَّ وجلَّ بذلك.

الأشخاص المعظَّمون
وقوم نوح زعموا في الرجال الصالحين أنهم أهلٌ لأن يُخضعَ لهم طلبًا لشفاعتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، ومستندُهم في ذلك الرأيُ.
والدليل على هذا أنهم خضعوا لهم بأشياء اخترعوها بآرائهم، كالخضوع لتماثيلهم، ولو كانوا يرون أنهم إنما يستحقون الخضوع لهم لأنَّ الله تعالى أمر به، لما خضعوا لهم إلاَّ القدر (1) الذي أمر الله به.
ومثلُهم قوم هود وقوم صالح والمصريُّون في الأشخاص الغيبيِّين الَّذين زعموهم وزعموا أنهم هم الملائكة كما تقدم، وكذا قوم فرعون زعموا أنَّ مَلِكَهم أهلٌ لأن يُخضع له طلبًا للشفاعة إلى الله عزَّ وجلَّ من الملائكة؛ لأنه محبوب عندهم بدليل أنهم شفعوا له إلى الله عزَّ وجلَّ حتى جعله مَلِكًا.
وكذا النصارى في شأن مريم عليها السلام، وكذا مشركو العرب في الإناث الخياليَّات التي زعموا أنها بنات الله وأنهُنَّ هنَّ الملائكة.
والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام أهلٌ لأن يُعظَّم طلبًا للنفع الغيبي منه أو من الله الذين يقولون إنه أبوه بواسطة شفاعته.
__________
(1) كذا, ولعله: بالقدر.
(3/554)

[س 150/ أ] الأشخاص المطاعون
وجميع المشركين زعموا أنَّ أهواءهم المبنيَّة على مجرَّد الظن والتخمين أهلٌ لأنْ يُخضع لها بالطاعة في شرع الدين طلبًا للنفع الغيبِيَّ من الله عزَّ وجلَّ بلا واسطة إذا كان الأمر المتديَّن به موجَّها إلى الله تعالى رأسًا، كالقول في صفاته تعالى بغير علمٍ كقول مشركي العرب: إنَّ لله تعالى بنات، وكتحريمهم بعضَ الأشياء كما حكاه الله عزَّ وجلَّ وغير ذلك، وبواسطة الشفاعة إذا كان موجَّهًا إلى مَن دونه كمشركي العرب في اتخاذهم التماثيل للملائكة عليهم السلام وغير ذلك. ومستندهم الرأيُ.
ولما كانت أهواؤهم بأيدي الشياطين عُدُّوا في ذلك خاضعين للشياطين.
ويظهر أنَّ قوم فرعون زعموا أنه أهلٌ لأنْ يُخْضَع له بالطاعة في شرع الدين إلخ، واليهود والنصارى زعموا أنَّ أحبارهم ورهبانهم أهلٌ لأنْ يُخْضعَ لهم بالطاعة في شرع الدين إلخ. ومشركو العرب وغيرهم زعموا أنَّ رؤساءهم أهلٌ لأنْ يُخْضَعَ لهم بالطاعة في شرع الدين إلخ.
والمراد بالدين هنا ما يُعْتَقَد أو يُعمل طلبًا للنفع الغيبيَّ، [س 150/ ب] فيشمل القولَ في صفات الله عزَّ وجلَّ وملائكته وغير ذلك من عالَمِ الغيب، والقولَ في الأعمال والأحكام التي يتقرَّبون بها إلى الله عزَّ وجلَّ أو إلى مَن يرجون شفاعته لهم إليه سبحانه.

[س 151/ أ] ما دُعي من دون الله تعالى
قد تقدَّم معنى الدعاء مفصَّلاً بحمد الله تعالى، فكلُّ مَن دعا شيئًا غير الله تعالى فقد زعم أنه مستحقٌّ لأن يُدعى، ومستنده في ذلك الرأيُ، والدعاء
(3/555)

متضمِّن للخضوع طلبًا للنفع الغيبي من المخضوع له كما تقدَّم، والله أعلم.

[س 151/ ب] النتيجة
فيما تقدَّم عرفنا أنَّ الإله هو: المستحقُّ لأن يُخضع له طلبًا للنفع الغيبيِّ منه أو ممن يُخضع له لأجله استحقاقًا ثابتًا في نفسه بحيث يستقلُّ العقل بإدراكه.
والعبادة هي ذلك الخضوع مع اعتقاد ذلك الاستحقاق.
فالله تبارك وتعالى مستحقٌّ لأن يُخضع له طلبًا للنفع الغيبيِّ استحقاقًا ثابتًا في نفسه إلخ.
والمشركون زعموا مثل ذلك في بعض شركائهم (1)، أعني ما يخضعون له طلبًا للنفع الغيبي من غيره بسبب خضوعه لأجله في الباقي.
وباعتبار انقسام النفع الغيبيِّ إلى النفع المباشر وإلى الشفاعة تكون الأقسام أربعة:
ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي المباشر منه.
ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي الذي هو الشفاعة.
ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي المباشر ممن يخضع له لأجله.
ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي الذي هو الشفاعة ممن يخضع له لأجله.
فالقسم الأول على ضربين:
__________
(1) هنا كلمة غير واضحة، ظهر منها: (وقر ...).
(3/556)

[س 152/ أ] (1) ما يُنْسَب إليه القدرة على النفع الغيبيِّ كلِّه.
ولم أجد في الأمم مَنْ يقول هذا في غير الله عزَّ وجلَّ إِلَّا أن يكون مَنْ قال من النصارى {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17].
الضرب الثاني: ما يُنْسب إليه القدرةُ على بعض النفع الغيبيِّ فقط مع الاعتراف بأنَّ قدرته ممنوحة له من الله عزَّ وجلَّ.
ولعلّ من هذا بعض عُباد الكواكب الزاعمون (1) بأنَّ لها قدرة تُصَرِّفها باختيارها.
[س 152/ ب] ومنه (2) الهنود في عبادتهم أشخاصًا غيبيِّين يصفونهم بصفات لا تنطبق على الملائكة، ولكننا نقول بأنهم يعبدون الملائكة كما قال الله تبارك وتعالى في مشركي العرب بأنهم يعبدون الملائكة وإن كانت الصفة التي يصفون بها معبوداتهم لا تنطبق على الملائكة.
فالهنود يزعمون أنَّ لكلِّ جنس من المخلوقات الحسِّيَّة مدبِّرًا من الملائكة ويدعونهم ويخضعون لتماثيل ينصبونها لهم، ويخضعون للمخلوقات بنيَّة الخضوع لمدبِّرها، وهكذا يزعمون أنَّ كلَّ مَلك يستطيع أن ينفع البشر بحسب المخلوق الذي يدبِّره، فمدبِّر البحر يستطيع إنفاذ [سؤاله] (3) مثلاً، وقد مرَّ [في بيان عبادة] (4) قوم إبراهيم أنهم كانوا يعبدون الكواكب بنيَّة العبادة للأرواح المدبِّرة لها، والله أعلم.
__________
(1) كذا، والوجه: الزاعمين.
(2) أي: من البعض.
(3) غير واضحة في الأصل، وهكذا قدَّرتها.
(4) غير واضحة في الأصل، وهكذا استظهرت.
(3/557)

(1) [289] وأخرج عبد بن حميدٍ (2) عن أبي جعفرٍ عليه السلام أنه ذكر ودًّا، فقال: كان رجلاً مسلمًا، وكان محبَّبًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسانٍ، ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله فوضعوه في ناديهم فجعلوا يذكرونه به، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالاً مثله في بيته فيذكر به؟ فقالوا: نعم، ففعل، فأقبلوا يذكرونه به، وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا، ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا (3).
أقول: فيعلم من هذا الأثر والذي قبله أنه كان عندهم عدة تماثيل لودٍّ يطلقون على كلٍّ منها اسمَ ودّ، ونظير هذا معروف في وثنيي الهند، وقد يكون للمعبود الواحد ألوف من التماثيل يطلقون على كل تمثال منها اسم ذلك المعبود، ويقرب من ذلك صنيع النصارى في صور المسيح وأمه عليهما السلام.
وأخرج ابن جريرٍ عن محمَّد [290] بن قيسٍ، قال: كانوا قومًا صالحين
__________
(1) هنا بداية الدفتر الرابع من دفاتر كتاب العبادة، ويبدأ من أثناء المقدمة الثانية من مقدِّمتين قدَّمهما المؤلَّف قبل شروعه في تفسير آيات النجم من فصل اعتقاد المشركين في الملائكة.
(2) عزاه إليه السيوطيُّ في الدرَّ المنثور 8/ 294 - 295، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتمٍ 10/ 3375 - 3376، ح 18997.
(3) تتمَّته: يعبدونه من دون الله.
(3/558)

من بني آدم، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم (1).
وفي دائرة المعارف للبستاني في ترجمة (سروج بن رعو)، وهو جدُّ (تارخ) والد إبراهيم الخليل، وكان عمره 130 سنةً لما وُلِد (ناحور)، وتوفي وله من العمر 230 سنةً: ذكر سويداس وبعض مؤرخين آخرين أنَّ (سروج) واضعُ عبادة الذين ماتوا من المفضَّلين على الجنس البشري، وتأليهَ (2) الأصنام وضعت بعد الزمان الذي وُجد فيه. وقال يوحنا الأنطاكي: إنه من نسل (يافث)، علَّم وجوب تكريم الفضلاء من الأموات إما بالصور وإما بالتماثيل وعبادتهم في بعض الأعياد السنوية كما لو كانوا [291] لا يزالون في قيد الحياة، وبحفظ سجلِّ أعمالهم في كتب الكهنة المقدَّسة، وتسميهم (3) آلهة لأنهم مفضَّلون على البشر، فتولَّد عن ذلك عبادة البشر (4) وديانة المشركين (5).
وقال في ترجمة (طهمورث) (6): ملك من قدماء ملوك الفرس، قالوا
__________
(1) تفسير ابن جرير 29/ 54. [المؤلف]
(2) معطوف على (سروج).
(3) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وتسميتهم.
(4) في دائرة المعارف: الأوثان.
(5) انظر: دائرة المعارف 9/ 599.
(6) هو طهمورث بن ويونجهان بن حبايداد بن أوشهنج، وقيل في نسبه غير ذلك، وزعم =
(3/559)

[مؤرخو الفرس]: ولما كثر الموت بسبب المجاعة في أيامه جعل الناس يدفنون موتاهم ويتخذون لهم أمثلة لآبائهم وذوي قرباهم من الحجر والخشب والفضَّة والذهب، فكانت في أوَّل أمرها للذكرى ثم صارت للعبادة (1).
(2) وقال أبو الريحان البيروني في كتاب الهند:
"معلوم أن الطباع العامي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلا العالمون الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلة، ولسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب والهياكل كاليهود والنصارى ثم المنانية خاصة، وناهيك شاهدًا على ما قلته: أنك لو قدَّمت (3) صورة النبي صَلّى الله عليه وآله وسلم أو مكة أو الكعبة لعامي أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعفير الخدِّ (4) والتمرُّغ كأنه شاهد المصوَّر وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة.
__________
= الفرس أنه ملَك الأقاليم السبعة وعقد على رأسه تاجًا، وكان محمودًا في ملكه مشفقًا على رعيّته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها وتنقل في البلدان. قال ابن الكلبي: أول ملوك الأرض من بابل: طهمورث, وكان لله مطيعًا، وكان ملكه أربعين سنة، وهو أوّل من كتب بالفارسية، وفي أيامه عُبدت الأصنام، وأول ما عرف الصوم في ملكه. انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/ 62.
(1) دائرة المعارف للبستاني 11/ 344.
(2) من هنا إلى قوله: "أقول: واسم جدِّ أبي إبراهيم في التوراة ... والله أعلم" ص 566، كان ملحقًا عند المؤلف.
(3) في ط دائرة المعارف: أبديت.
(4) في ط دائرة المعارف: الخدَّين.
(3/560)

وهذا هو السبب الباعث على اتخاذ الأصنام بأسامي الأشخاص المعظَّمة من الأنبياء والعلماء [والملائكة مذكِّرة أمرهم] (1) عند الغيبة والموت مبقية آثار تعظيمهم في القلوب لدى الفوت إلى أن طال العهد بعامليها، ودارت القرون والأحقاب عليها، ونُسيت أسبابها ودواعيها، وصارت رسمًا وسنة مستعملة، ثم داخلهم أصحاب النواميس من بابها؛ إذ كان ذلك أشدَّ انطباعًا فيهم فأوجبوه عليهم، وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدَّم عهد الطوفان وفيمن تأخر عنه، وحتى قيل: إن كون الناس قبل بعثة الرسل أمة واحدة هو على عبادة الأوثان (2).
__________
(1) محله في الأصل بياض واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(2) النصوص تشهد ببطلان هذا القول، فقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19]. فتوعَّد الله على الاختلاف لا على الاجتماع، ولو كَان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم آمن بعضهم لكان الوعد في ذلك الحال أولى بحكمة الله من الوعيد. ويمتنع أن يتوعَّد الله في حال الإيمان والتوبة دون حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك. انظر: تفسير الطبري 3/ 626 وهذا القول مخالف لما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: {كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا}. رواه الحاكم في المستدرك 2/ 546 - 547 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. ومخالف أيضًا لحديث عياض بن حمار في الحديث القدسي: "إِنِّي خَلقتُ عبادي حُنَفَاء كُلَّهُم وإنَّهُم أَتَتهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجتَالَتهُم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". انظر صحيح مسلم، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصّفات الّتي يعرف بها في الدّنيا أهل الجنّة وأهل النّار 8/ 158 ح 2865.
(3/561)

فأما أهل التوراة فقد عيَّنوا [أوَّل] (1) هذا الزمان بأيام ساروغ (2) جد أبي إبراهيم.
وأما الروم فزعموا أن روملس ورومانوس الأخوين من أفرنجة لما مَلَكا بَنَيا رومية ثم قتل روملس أخاه وتواترت الزلازل والحروب بعده حتى تضرَّع روملس فأُرِي في المنام أنَّ ذلك لا يهدأ إلا بأن يُجلس أخاه على السرير فعمل صورته من ذهب وأجلسه معه، وكان يقول: أَمَرْنا بكذا، فجرت عادة الملوك بعده بهذه المخاطبة وسكنت الزلازل فاتخذ عيدًا وملعبًا يُلهي به ذوي الأحقاد من جهة الأخ.
/ ونصب للشمس أربعة تماثيل على أربعة أفراس أخضرها للأرض وأسمنجونها (3) للماء وأحمرها للنار، وأبيضها للهواء، وبقيت إلى الآن قائمة برومية.
وإذ نحن في حكاية ما الهند عليه فإنا نحكي خرافاتهم في هذا الباب بعد أن نخبر أنَّ ذلك لعوامِّهم، فأمَّا مَن أمَّ نهج الخلاص أو طالع طرق الجدل والكلام ورام التحقيق الذي يسمونه (سار) فإنه يتنزَّه عن عبادة أحد مما دون الله تعالى فضلاً عن صورته المعمولة.
فمن تلك القصص ما حدَّث به شونك الملك بريكش قال: كان فيما مضى من الأزمنة ملك يسمى أنبرش نال من المُلك مُناه فرغب عنه وزهد
__________
(1) زيادة من ط دائرة المعارف.
(2) سيأتي للمؤلف أنَّ اسمه في التوراة الموجودة الآن: سروج.
(3) هو اللون الأزرق الخفيف.
(3/562)

في الدنيا وتخلَّى للعبادة والتسبيح زمانًا طويلاً حتى تجلَّى له المعبود في صورة (إندر) رئيس الملائكة راكبَ فِيل وقال: سل ما بدا لك لأعطيكه فأجابه بأني سُررت برؤيتك وشكرت ما بذلته من النجاح والإسعاف لكني لست أطلب منك بل ممن خلقك. قال (إندر): إنَّ الغرض في العبادة حسن المكافأة عليها فحصِّل الغرض ممن وجدته منه، ولا تنتقد قائلاً: لا منك بل من غيرك. قال الملِك: أما الدنيا فقد حصلت لي وقد رغبت عن جميع ما فيها، وإنما مقصودي من العبادة رؤية الرب وليست إليك فكيف أطلب [حاجتي] (1) منك قال (إندر): كل العالم ومَن فيه في طاعتي فمن أنت حتى تخالفني؟ قال الملِك: أنا كذلك سامع مطيع إلا أني أعبد مَن وجدت أنت هذه القوة من لدنه، وهو رب الكلِّ الذي حرسك من غوائل الملكين (بل) و (هرنَّكش) فخلِّني وما آثرته وارجع عني بسلام. قال (أندر): فإذا (2) أبيت إلا مخالفتي فإني قاتلُك ومهلكك. قال الملك: قد قيل: إنَّ الخير محسود والشر له ضد، ومَن تخلى عن الدنيا حسدته الملائكة فلم يخلُ من إضلالهم إياه، وأنا من جملة من أعرض عن الدنيا وأقبل على العبادة ولست بتاركها ما دمت حيّا ولا أعرف [لنفسي ذنبًا] (3) أستحق به منك قتلًا فإن كنت فاعله بلا جرم مني فشأنك وما تريد، على أنَّ نيتي إن خلصت لله ولم يشب يقيني شوبٌ لم تقدر على الإضرار بي وكفاني ما شغلتني به عن العبادة وقد رجعتُ إليها.
__________
(1) زيادة من ط دائرة المعارف.
(2) في طبعة دائرة المعارف: فإذْ.
(3) ما بين المعقوفين بياض في الأصل، واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(3/563)

ولما أخذ فيها تجلَّى له الرب في صورة إنسان على لون النيلوفر الأكهب (1) بلباس أصفر راكب الطائر المسمى كُرد ..... فلما رآه الملك اقشعرَّ جلده من الهيبة وسجد وسبَّح كثيرًا فآنس وحشته وبشَّره بالظفر بمرامه فقال الملِك: كنت نلت ملكًا .... ولم أتمنَّ غير ما نلته الآن، ولست أريد غير التخلص من هذا الرباط. قال الرب: هو بالتخلي عن الدنيا بالوحدة .... فإن غلبك نسيان الإنسيَّة فاتخذ تمثالاً كما رأيتني عليه وتقرَّبْ بالطيب والأنوار إليه واجعله تذكارًا لي لئلا تنساني .... ثم غاب الشخص عن عينه ورجع الملِك إلى مقرِّه وفعل ما أُمر به قالوا: فمِن وقتئذ تُعمل الأصنام .... وأخبروا أيضًا بأنَّ لبراهم ابن (2) يسمَّى نارذ [لم تكن له همَّة غير رؤية] (3) الرب، وكان من رسمه في تردُّده إمساك عصا معه إذ كان يلقيها فتصير حيَّة ويعمل بها العجائب وكانت لا تفارقه.
وبينما هو في فكره المأ [مول إذ رأى نورًا من بعيد] (4) فقصده ونودي منه أنَّ ما تسأله وتتمنَّاه ممتنع الكون فليس يمكنك أن تراني إلا [هكذا، ونظر فإذا شخص نورانيٌّ على مثال أشخاص] (5) الناس، ومن حينئذٍ
__________
(1) النيلوفر: جنس نباتات مائية، فيه أنواع تنبت في الأنهار والمناقع، وأنواع تزرع في الأحواض لورقها وزهرها. والأكهب: هو الذي علته غبرة مشربة سوادًا. المعجم الوسيط 802، 967.
(2) كذا في الأصل وفي طبعة دائرة المعارف.
(3) هنا بياض بالأصل، واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(4) ما بين المعقوفين بياض بالأصل، واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(5) ما بين المعقوفين بياض بالأصل، واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(3/564)

وُضعت الأصنام والصور (1).
ونحن نذكر جوامع [باب] من كتاب [سنكَهت في عمل الأصنام] (2) تعين على معرفة ما نحن فيه.
قال براهمر: إن الصورة المعمولة إذا كانت لرام بن دشرت أو ليل بن برو [جن فاجعل] القامة (3) مائة وعشرين أصبعا ....
.... وصنم براهم ذو أربعة أوجه في الجهات الأربع .... وفي يد صنم إندر سلاح .... وصنم ريونت ابن الشمس .... وصنم الشمس أحمر الوجه .... فإذا حافظ الصانع عليها ولم يزد ولم ينقص عليها بعُد عن الإثم وأمِن مِن صاحب الصورة أن يصيبه بمكروه ... ولذلك قيل في كتاب كَيتا: إن كثيرًا من الناس يتقربون في مباغيهم إليَّ بغيري ويتوسَّلون بالصدقات والتسبيح والصلاة لسواي، فأقوِّيهم عليها وأوفِّقهم لها، وأوصلهم إلى إرادتهم لاستغنائي عنهم.
وقال فيه أيضًا باسديو لأرجن: ألا ترى أن أكثر الطامعين يتصدَّون في القرابين والخدمة أجناس الروحانيين والشمس والقمر وسائر النيِّرين، فإذا لم يخيب الله آمالها لاستغنائه عنهم وزاد على سؤالهم/ وآتاهم ذلك من الوجه الذي قصدوه أقبلوا على عبادة مقصوديهم لقصور معرفتهم [عنه، وهو] (4)
__________
(1) في ط دائرة المعارف: بالصور، وبعده نحو صفحة وربع الصفحة لم ينقلها المؤلف.
(2) ما بين المعقوفين بياض بالأصل، واستدرك من طبعة دائرة المعارف.
(3) في الأصل: والقامة، والتصحيح من ط دائرة المعارف.
(4) ما بين المعقوفين بياض في الأصل، واستُدرِك من ط دائرة المعارف.
(3/565)

المتمِّم لأمورهم على هذا الوجه من التوسيط ولا دوام لما نيل بالطمع والوسائط؛ إذ هو بحسب الاستحقاق، وإنما الدوام لما نيل بالله.
وقد كان اليونانية في القديم يوسطون الأصنام بينهم وبين العلة الأولى ويعبدونها بأسماء الكواكب والجواهر العالية إذ لم يصفوا العلَّة الأولى بشيء من الإيجاب بل بسلب الأضداد تعظيمًا لها وتنزيهًا فكيف أن يقصدوها للعبادة ....
وتوجد رسالة لأرسطوطالس في الجواب عن مسائل البراهمة (1) .... وفيها: "أما قولكم: [إنَّ] (2) مِن اليونانية مَن ذكر أنَّ الأصنام تنطق وأنهم يقرِّبون لها القرابين ويدَّعون لها الروحانية فلا علم لنا بشيء منه، ولا يجوز أن نقول فيما لا علم لنا به". فإنه ترفُّع منه عن رتبة الأغبياء والعوامِّ وإظهارٌ من نفسه أنه لا يشتغل بذلك. فقد علم أنَّ السبب الأول في هذه الآفة هو التذكير والتسلية ثم ازدادت إلى أن بلغت الرتبة الفاسدة المفسدة" (3).
أقول: واسم جدِّ أبي إبراهيم في التوراة الموجودة الآن (سَرُوج) (4). وقد تقدَّم خبره فيما نقلناه عن دائرة المعارف. والله أعلم.
وقال ابن إسحاق: وحدثني محمَّد بن الحارث التيمي أنَّ أبا صالح حدَّثه أنه سمع أبا هريرة .... يقول: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول
__________
(1) في ط دائرة المعارف: للبراهمة.
(2) هنا بياض بالأصل، واستدرك من ط دائرة المعارف.
(3) كتاب الهند، ص 53 - 59. [المؤلِّف]. وفي طبعة دائرة المعارف العثمانية ص 84 - 96.
(4) انظر: سفر التكوين، إصحاح 11. [المؤلف]. انظر ص 559.
(3/566)

لأكثم بن الجون الخزاعي (1): يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار .... إنه كان أول من غيَّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي (2).
وبعده قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وهم يومئذ العماليق رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة [292] وأمر الناس بعبادته وتعظيمه (3).
وفي روح المعاني في تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] (4) ما لفظه: "وتخصيصهم - أي الملائكة - بالذكر لأنهم أشرف شركاء المشركين الذين لا كتاب لهم، والصالحون عادة للخطاب، وعبادتُهم مبدأُ الشرك بناء على ما نقل ابن الوردي في تأريخه (5) من أنَّ سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أنَّ
__________
(1) تقدَّمت ترجمته.
(2) سيرة ابن هشام 1/ 47، [المؤلف]. والحديث سبق تخريجه في ص 97.
(3) المصدر السابق.
(4) هكذا كتب المؤلف الآية بالنون في (نحشرهم) و (نقول) على قراءة الجمهور عدا يعقوب وحفص، فإنهما قرآ بالياء. انظر: النشر 2/ 257. ولعل المؤلف كان يقرأ بقراءة أبي عمرو.
(5) 1/ 65.
(3/567)

عمرو بن لُحَي مرَّ بقومٍ بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا: هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصرها ونستسقي (1)، فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسوَّل للعرب فعبدوه" (2).
وقال البيضاوي في تفسير قول الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]: "وقيل: شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تديَّنوا به، أو صور مَن سنَّه لهم" (3).
قال الشيخ زاده في حواشيه: "فإنهم يزعمون أن الأصنام صُوَر الملائكة أو المسيح أو عزير أو غيرهم من العُبَّاد الصالحين فإنهم يزعمون أنَّ هؤلاء العُبَّاد سوَّلوا لهم ما هم عليه من الدين الباطل ودعوهم إليه" (4).
هذا، وقد وقفت على أشياء كثيرة مما يتعلق بعبادة الأوثان في ديانة اليونان والمصريِّين القدماء ووثنيَّي الهند وغيرهم، فتبيَّن لي أنَّ الأوثان إنما تُعبد تعظيمًا [293] وتكريما للغائبين، وأنَّ منها ما يصوَّر بصورة ذلك الغائب إما متحقَّقة كما مرَّ في قوم نوح، لاما متخيَّلة كما في تماثيل الروحانيِّين. ومنها ما لا يصوَّر بصورة بل يُكتفى بجعله تذكارًا لشخص أو روح معيَّن كأن يقال: هذا الحجر أو هذا البيت أو هذه الشجرة يكون تذكارًا لفلان، إمَّا
__________
(1) العبارة في تاريخ ابن الوردي: الهياكل العلوية والأشخاص البشريَّة, فنستسقي بها فنُسْقَى، ونستنصر بها فنُنْصَر، ونستشفي بها فنُشْفَى.
(2) روح المعاني 7/ 150. [المؤلف]
(3) تفسير البيضاوي 641.
(4) حواشي الشيخ زاده 3/ 275. [المؤلف]
(3/568)

شخص معين وإما روح معينة بقصد أن يعظَّم هذا الحجر أو البيت أو الشجرة لذلك المعنى، وهو أنه قد صار خاصًّا بذلك الشخص أو تلك الروح. وقد يكون التذكار أثرًا من آثار المعظَّم كخشبة الصليب الأصليَّة عند النصارى، وقد يكون تمثالاً لذلك الأثر كشكل الصليب عندهم أيضا.
ومن الوثنيِّين متفلسفون وسُذَّج، فمن المتفلسفين: الصابئةُ فإنهم يختارون المعدن الذي يُتخذ منه الصنم والكيفية والزمان والمكان وغير ذلك، وقريب منهم الوثنيُّون في الهند. ومن السُّذَّج: العربُ أيام جاهليتهم. والحامل على اتخاذ الأصنام أنهم يرون أنَّ التعظيم لا تظهر صورته ويُعلم اختصاصه بمن يُراد أن يكون له إلا إذا [294] كان المعظَّم مشاهَدًا، فلما كانت أرواح الموتى والروحانيُّون غيرَ مشاهَدين رأوا أن يجعلوا أشياء مجسَّمة فيعملون التمثال أو الشجرة أو الأثر أو صورة الأثر مثلاً قائلين: هذا فلان فينبغي تعظيم هذا الجماد بقصد أنَّ هذا التعظيم له إنما هو لأجل أنه قد صار مختصّا بتلك الروح أو بذلك الروحاني، وكثيرًا ما يسمُّون هذا الجماد باسم ذلك الغائب، كما مرَّ في قوم نوح. والمتفلسفون منهم يصنعون ذلك لتأكيد الاتصال بينهما وتحقيق أن تعظيم هذا المحسوس إنما هو تعظيم لذاك الغائب. والمتفلسفون منهم يحرصون على أن يتخيل القائم أمام الصنم أنه قائم أمام ذلك الغائب، ويُلقون بين العامة أن ذلك الغائب قد يحلُّ في ذلك الجماد الموضوع باسمه في بعض الأوقات، وكأن غرضهم من هذا أن يقوى تخيل الحاضر أمام الصنم ويشتد وهَمه وهمته, لأن للهمَّة عندهم أثرًا عظيمًا في قضاء الحوائج [295].
ولكثير من هذه الأمور مشابهات في هذا العصر، فالأمم المسيحية
(3/569)

تعمل تماثيل لعظماء رجالها وتنصبها في الشوارع العامة كتمثال ملكة الإِنجليز (وَكْتُورية) (1) المنصوب في (لُندرة) (2). وربما ينصبون تماثيل لأشياء متخيلة كتمثال الحرية (3) في أمريكا, ولا يشكُّون أنه لو مرَّ رجل منهم على تمثال من تلك التماثيل فانحنى له مثلاً أنه إنما يعظم الذي جُعل تمثالاً له.
وإطلاق اسم الشخص على صورته وتعظيمه بتعظيم صورته وأشباه ذلك أمر معروف بين الناس، ألا ترى أنها لو عُرضت عليك صور أناس معروفين وأشير لك إلى صورة منها، وقيل لك: مَن هذا؟ لأجبت باسم صاحب الصورة. أوَ لم تسمع أهل المنطق يمثِّلون للمغالطة بأن يُشار إلى صورة فرس على جدار مثلاً ويقال: هذا فرس، وكل فرس صهَّال، فينتج: هذا صهَّال؟
أوَلا ترى المؤلفين وأصحاب الجرائد إذا أثبتوا صورة شخص أو طائر أو حيوان أو شجرة أو مدينة أو غير ذلك كتبوا تحت الصورة اسم صاحبها؟
__________
(1) هي الملكة فكتوريا، ملكة المملكة المتحدة الشهيرة، عاشت في الفترة (1837 - 1901 م)، وازدهرت بلادها في فترة حكمها، وملوك بريطانيا بعدها من نسلها. انظر: دائرة معارف القرن العشرين 1/ 654.
(2) اسمٌ قديمٌ لمدينة لندن عاصمة بريطانيا، من (londra) بالإيطالية؛ وهي بالفرنسية (londres). معجم الدخيل، للدكتور: ف. عبد الرحيم، ص 192.
(3) طوله 93 مترًا، وهو عبارة عن امرأة تحمل شعلة في يمنى يديها، وفي يسراها لوحة مكتوب فيها تاريخ إعلان استقلال أمريكا، وهو في 4 يوليو 1776 م، صُنع هذا التمثال في فرنسا تخليدًا لذكرى الصداقة بين فرنسا وأمريكا, وشُحن إلى نيويورك فنصب فيها في 28 أكتوبر 1886 م. انظر الموسوعة البريطانية، النسخة الإلكترونية.
(3/570)

[296] أوَ لا تعلم أن النصارى إذا عظَّموا صلبانهم لا يعتقدون في الصليب نفسه شيئًا أكثر من أنه تذكار للمسيح، فتعظيمه تعظيم للمسيح، وهكذا إذا عظَّموا صورة المسيح أو صورة مريم عليهما السلام؟
أوَلا ترى لو أن رجلاً رأى صورة رجل من العظماء كصورة الزعيم المصري الشهير سعد زغلول (1) فقبَّل الصورة أو وضعها على رأسه أن العامة يعدُّونه إنما يحترم سعد زغلول نفسه؟
أوَلا ترى لو أن رجلاً رأى صورة نعلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صورة البُراق فقبَّلها أو وضعها على عينيه ورأسه أو علَّقها في جدار بيته أو نحو ذلك أن العامة لا يرتابون أنه إنما يحترم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؟
ولعلَّك قد وقفت على الأسطورة الحاكية أنَّ بعض الصحابة ذهب رسولاً من بعض الخلفاء إلى ملك الروم فأراه ملك الروم صور الأنبياء وفيها صورة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأى تلك الصورة قبَّلها أو وضعها على رأسه أو نحو ذلك (2).
__________
(1) هو سعد (باشا) بن إبراهيم زغلول، زعيم نهضة مصر السياسية، وأكبر خطبائها، لازم جمال الدين الأفغاني، واختير رئيس الوفد المصري للمطالبة باستقلال مصر عن الإِنجليز، تولَّى عدَّة مناصب قياديَّة في بلاده قبل الاستقلال وبعده، توفَّي سنة 1346 ه. انظر: الأعلام للزركلي 3/ 83.
(2) لم أقف على هذه الأسطورة، ولكن رُوي أنَّ دحية الكلبي وجَّهه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكتابٍ إلى ملك الروم، وأنه لما وصل إليه أدخله بيتًا عظيمًا فيه ثلاثمائة وثلاث عشرة صورة, فإذا هي صور الأنبياء المرسلين، قال: انظر أين صاحبكم من هؤلاء؟ قال: فرأيت صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه ينظر. وفي حديث أبي بكرٍ: كأنه ينطق. قلت: هذا، قال: صدقت. أسند ذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق 17/ 209 - 210، والرافعي في =
(3/571)

وقد شاع في هذا الزمان بين الشيعة اختلاق صور لأمير [297] المؤمنين عليٍّ وابنه الحسين وفرسه وغير ذلك، وعوامُّهم يعظِّمون تلك الصور.
وقد مرَّ في فصل الآثار (1) أشياء من هذا القبيل، فلا أراك إذا تأمَّلت ما ذكرته لك في هذه المقدَّمة ترتاب أنَّ أوثان العرب إنما كانت تماثيل أو تذكارات لأشخاص معظَّمين عندهم، وأنهم إنما كانوا يعظِّمونها تعظيمًا لأولئك الأشخاص، وأن المظنون أن أسماءها هي أسماء أولئك الأشخاص.
ولْنزِدْك بيانًا لذلك:
أمّا اللَّات فقال قتادة: كانت لثقيف بالطائف (2)، وأنشدوا (3):
وفرَّتْ ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الحائن (4) الخاسر
وقال أبو عبيدة وغيره: كان بالكعبة (5). وقال ابن زيد: كان بنخلة عند
__________
= التدوين في تاريخ قزوين 4/ 24 - 25، وليس فيها تقبيل الصورة أو وضعها فوق الرأس، وإنما فيها أنَّ الملِك قبَّل خاتم الرسالة. وقد ضعَّف الشيخ الألباني القصَّة في سلسلة الأحاديث الضعيفة 7/ 310.
(1) هذا مما لم أعثر عليه بعدُ.
(2) انظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 253، تفسير الطبري 22/ 47، وعزاه السيوطيُّ في الدرَّ المنثور (7/ 653) إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر.
(3) البيت لضرار بن الخطَّاب الفهري. انظر: سيرة ابن هشام 1/ 42، وقد مضى في بحث اعتقاد المشركين في الأصنام.
(4) كذا رُسمت في الأصل، وهي بمعنى الأحمق. انظر: القاموس المحيط 1192. والرواية المشهورة: "الخائب".
(5) مجاز القرآن 2/ 236، وانظر: المحرَّر الوجيز 8/ 115 - 116.
(3/572)

سوق عكاظ تعبده قريش (1). وقال أبو حيَّان: يمكن الجمع بأن يكون المسمى بذلك أصنامًا فأخبر عن كلِّ صنم بمكانه (2).
أقول: وهذا ظاهر وهو نظير ما صنع قوم نوح بوَدٍّ كما مر مع نظائره. وهذا يدلُّ أن اللاَّت في الأصل اسم شخص واحد، وتلك الأصنام أو التذكارات كلُّها له، أطلقوا على كلِّ واحد منها اسم ذلك الشخص.
ومن المشاهَد في وثنيِّي الهند أن الأصنام [298] التي تكون لمعبود واحد يكون واحد منها هو الصنم الأعظم، وله مزيَّة على غيره، فكذا يقال في اللاَّت، فكان أعظمُها لاتَ ثقيف التي كانت بالطائف كما يُعلم بتتبع الروايات في ذلك.
وأما العُزَّى فالمشهور أنها كانت سَمُراتٍ وبيتًا بنخلة (3)، وفي ذلك حديث سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (4).
وقال ابن زيد: كانت العُزَّى بالطائف (5)، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة، وأيَّده أبو حيَّان في البحر بقول أبي سفيان يوم أحدٍ للمسلمين: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم، وذكر فيه أنه صنمٌ، وجمع بمثل ما تقدَّم (6).
__________
(1) انظر: تفسير الطبري 22/ 47، وتفسير البغوي 7/ 407.
(2) البحر المحيط 10/ 15.
(3) انظر: سيرة ابن هشام 1/ 78.
(4) في ص 575.
(5) انظر: تفسير ابن جريرٍ 22/ 49.
(6) في الصفحة السابقة. وتقدم تخريج قصة أبي سفيان في ص 511 و629.
(3/573)

أقول: والكلام عليها كالكلام على اللات.
وأما مناة، فقيل: صخرةٌ كانت لهذيلٍ وخزاعة (1)، وعن ابن عبَّاسٍ: لثقيف (2)، وعن قتادة: للأنصار بقديدٍ (3)، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة أيضًا (4).
أقول: ويجمع بالتعدُّد أيضًا، والكلام عليها كما مرَّ (5).
فالعرب إنما كانوا يعظمون هذه الأصنام الثلاثة تعظيمًا لأشخاص معظَّمين، وليست هذه الأصنام إلا تماثيل أو [299] تذكارات لأولئك الأشخاص كما هو شأن عَبَدَة الأوثان في كلِّ أمة، وبذلك صرَّح المحققون كما علمت مما تقدَّم وإن لم ينصُّوا على شأن العرب خاصَّة.
ومما يؤيِّد هذا ما ذكره الفخر الرازي في تفسير قول الله عزَّ وجلَّ: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)
__________
(1) قاله الضحَّاك. انظر: تفسير البغوي 7/ 408، زاد المسير 8/ 72.
(2) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف 4/ 39، وأبو حيَّان في البحر المحيط 8/ 152، والآلوسي في روح المعاني 27/ 55.
(3) انظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 253، وزاد المسير 8/ 72، والدرّ المنثور 7/ 653. وفي تفسير ابن جرير 22/ 50، وتفسير البغوي 7/ 408 عن قتادة: أنها لخزاعة، وكانت بقديدٍ. ويمكن الجمع بينهما بما قاله ابن كثيرٍ: "وأما مناة فكانت بالمُشَلَّل عند قُدَيدٍ بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويُهلُّون منها للحجَّ إلى الكعبة". تفسيره 7/ 431.
(4) مجاز القرآن 2/ 236.
(5) قريبًا.
(3/574)

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43 - 44] فإنه قرر أن المراد بقوله {أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ} الآية: الأصنام، ثم ذكر أن قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ردٌّ لما يجيبون به وهو أن الشفعاء ليست الأصنام أنفسها بل أشخاص مقربون هي تماثيلهم (1).
ويؤيده أيضًا ما أخرجه النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت ثلاث سمُرات، فقطع السمُرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا" فرجع خالدٌ، فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون: يا عزى يا عزى [300] فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرةٌ شعرها تحثو على رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: "تلك العزى ... ".
وفي رواية: فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فضربها بالسيف حتى قتلها. ذكره في روح المعاني (2).
__________
(1) انظر: روح المعاني 7/ 410. [المؤلف]. وتفسير الرازي 26/ 247 - 248.
(2) 8/ 256 - 257. [المؤلف]. وانظر: الدرّ المنثور 7/ 652. وهو في تفسير النسائي، سورة النجم، قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى}، 2/ 357 - 359، ح 567. ومسند أبي يعلى 2/ 196 - 197، ح 902. ودلائل النبوَّة لأبي نُعيمٍ، الفصل الخامس والعشرون، قصَّة هدم بيت العزَّى، ص 535، ح 463، من طريق الطبراني. ودلائل النبوَّة للبيهقي، باب ما جاء في بعثة خالد بن الوليد إلى نخلةٍ كانت بها العزَّى، 5/ 77، من طريق أبي يعلى. والأحاديث المختارة، 8/ 219، من طريق الطبراني =
(3/575)

ففيه أن السدنة كانوا يدعون العزى بعد أن قُطعت السمُرات وهُدم البيت، فيظهر من ذلك أنهم يرون أن العزى شيءٌ آخر، ويوضحه قوله - صلى الله عليه وسلم -
لخالدٍ: "لم تصنع شيئًا"، وقوله في الشيطانة: "تلك العزى ... ".
فلننظر الآن مَنْ هم الأشخاص الذين كانت اللات والعُزَّى ومناة تماثيل أو تذكارات لهم.
جاء عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح وغيرهم أنهم قرؤوا: {اللاتّ} بتشديد التاء (1).
وفي روح المعاني: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: أنه كان يلتُّ السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سَمِن، فعبدوه (2).
قال: وأخرج الفاكهي (3) أنه لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا [301] عليها بيتًا (4).
__________
= أيضًا. قال الهيثميُّ: "وفيه يحيى بن المنذر، وهو ضعيفٌ". مجمع الزوائد 6/ 258 - 259. كذا قال، وإنما هو: عليُّ بن المنذر، وهو ثقةٌ.
(1) انظر: تفسير ابن جرير 22/ 47، شواذّ القرآن ص 147، والمحتسب 2/ 294. وبها قرأ رُوَيسٌ عن يعقوب. انظر: إرشاد المبتدي ص 572، النشر 2/ 379.
(2) انظر: فتح الباري 8/ 612. وأصله عند البخاريَّ في كتاب التفسير، سورة: "والنجم"، باب: "أفرأيتم اللات والعزَّى"، 6/ 141، ح 4859، بلفظ: "كان اللات رجلاً يلُتُّ سويق الحاجِّ".
(3) أخبار مكَّة، ذكر اللات وأصل عبادتها ومكانها، 5/ 164، ح 76. وانظر: فتح الباري 8/ 612.
(4) روح المعاني 8/ 256 [المؤلف]. وانظر: الدرّ المنثور 7/ 653.
(3/576)

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان يلت السويق للحاج فمات فعكف على قبره.
وأخرج أيضًا عن أبي صالح قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق، وكان بالطائف.
وقد أبى ابن جرير هذا القول فقال: "يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها المشركون اللات وهي من (الله) أُلحقت فيه التاء فأنثت كما قيل: عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذِكْره وتقدَّست أسماؤه، فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى، وزعموا أنهن بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، فقال جل ثناؤه لهم: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة الثالثة بنات الله، ألكم الذكر ... ".
ثم ذكر اختلاف القراءة والآثار في لَتِّ السويق، ثم قال: "وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك؛ لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه" (1).
[302] ولم يذكر اشتقاق مناة وقد ذكره غيره، ولكن الأنسب بما تقدَّم أن يقال: أصله من قولهم: مناه الله يمنيه منيًا: قدَّرَهُ، والاسم المَنَى كالفتى.
وفي النهاية (2) ما لفظه: وفيه أنَّ منشدًا أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) 27/ 31 - 32. [المؤلف]
(2) 4/ 368. والبيتان ضمن أبيات لسويد بن عامر المصطلقي كما في مصادر تخريج الحديث الآتية.
(3/577)

لا تأمنن وإن أمسيت في حرمٍ ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في قَرَنٍ ... بكل ذلك يأتيك الجديدان
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو أدرك هذا الإِسلام" (1) معناه: حتى تلاقي ما يقدره لك المقدِّرُ وهو الله عَزَّ وَجَلَّ". فكأنهم - والله أعلم - قدَّروا أن المَنَى كالفتى اسم لله عَزَّ وَجَلَّ من باب إطلاق المصدر بمعنى اسم الفاعل كما قالوا: رجلٌ عدلٌ، ثم زادوا التاء وسمَّوا به معبودَتهم، كما قالوا: عمرٌو وعمرةٌ، و (عَمْر) في الأصل مصدرٌ.
فإن قيل: فإن صاحب القاموس ذكرها في مادة (م ن و) (2). قلت: لم أجد ما يدل على ذلك.
فأما قولهم: منويٌّ في النسبة، فقاعدة النسبة: قلب الألف الثالثة واوًا مطلقًا، وإن كانت منقلبة عن (ياء) كقولهم (رحويٌّ) في النسبة إلى رحًى، وأصل هذه الألف ياء بدليل قولهم في التثنية: رَحَيان.
__________
(1) أخرجه البزَّار (كشف الأستار)، 3/ 4 - 5، ح 2105. والطبراني 19/ 432، ح 1049. والدولابي في الكنى, (ترجمة أبي مسلمٍ الخزاعي)، 1/ 274، ح 486. والدينوري في المجالسة 2/ 383 - 385، ح 557. والبغوي في معجم الصحابة، (ترجمة مسلمٍ الخزاعيِّ المصطلقيِّ)، 4/ 368 - 369 ح 3104. وأبو نعيمٍ في معرفة الصحابة (كذلك)، 5/ 2484، ح 6043. وغيرهم. قال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ والبزَّار عن يعقوب بن محمَّدٍ الزهريِّ عن شيخٍ مجهولٍ، هو مردودٌ بلا خلافٍ". مجمع الزوائد 8/ 232. وقال الألبانيُّ: "منكرٌ". السلسلة الضعيفة 14/ 152، ح 6568.
(2) ص 1336، ذكرها في (م ن ي) لا (م ن و).
(3/578)

وقد قُرئ: {مناءة} بالمد [303]، ويحتمل على هذا أن يكون مشتقًّا من النَّوْء وهو النهوض، كأنها تنهض بعابدها في زعمهم، والله أعلم.
ثم رأيت ياقوتًا في "معجم البلدان" (1) ذكر وجوهًا لاشتقاق مناة، أوَّلها: أنها من المَنَى وهو القدَر، كما قلناه، والحمد لله.
وقد يجوز أن يكون أصل اللات على ما روي عن ابن عباس ثم خُفِّفت التاء، وتُنوسي ذلك الأصل وصار المعروف بين العرب أنَّ اللات اسم لأنثى معظَّمة، وهذا الصنم أو الصخرة تذكار لها, ولعلَّ هذا أولى من غيره.
وعلى كلِّ حالٍ فتأنيثهم أسماء هذه الأصنام يدلُّ مع ما مرَّ أنها عندهم تماثيل أو تذكارات لإناث معظَّمات، وعسى أن تقول: إنَّ الحديث المتقدِّم في شأن العُزَّى يدلُّ أنَّ تلك الإناث من الشياطين، فأقول: سيأتي في بحث عبادة الشياطين ما يوضح لك الحقيقة إن شاء الله تعالى.
وتلخيصه: أنَّ عبادتهم للشياطين كانت من وجهين:
الأول: طاعتهم لهم فيما يسوِّلون لهم متَّخذين ما يسوِّلونه لهم دينًا.
الثاني: أنَّ الشياطين يعترضون العبادات لتكون في الصورة لهم، ومن ذلك قيام الشيطان دون الشمس عندما [304] يسجد لها الكفار ليكون السجود صورةً له، فقضية العُزَّى من هذا، والله أعلم. وانتظر تمام هذا قريبًا إن شاء الله تعالى.
والحقيقة هي أنَّ الأوثان التي كان الكفار يطلقون عليها اسم اللات والعزى ومناة كانت عندهم تماثيل أو تذكارات للإناث المزعومات وهي قولهم: إنَّ لله بناتٍ هي - في زعمهم - الملائكة، وعبدوها كما تقدَّم بيانه بما
__________
(1) 5/ 204.
(3/579)

لا مزيد عليه.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} [سبأ: 41]: "أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، وقيل: كانوا يتمثلون لهم ويخيِّلون إليهم أنهم الملائكة فيعبدونهم" (1).
قال الشيخ زاده في "حواشيه": "جواب عما يقال: إن المشركين كانوا يقصدون بعبادة الأصنام عبادة الملائكة، ولا يخطر الشياطين ببالهم حين عبادتهم الأصنام فضلاً عن أن يعبدوا الشياطين، فما وجه قوله: {كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ}؟ وأجاب عنه بوجهين:
الأول: أن الشياطين زيَّنوا لهم [305] عبادة الملائكة فأطاعوا الشياطين في عبادة الملائكة، فالمراد بقولهم: {يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} أنهم يطيعون الجن بعبادة غير الله تعالى، وأن العبادة هي الطاعة، وأنهم لما أطاعوهم فكأنهم عبدوهم.
والثاني: أنهم عبدوا الجن حقيقة بناء على أنَّ الجن مثَّلوا لهم صورة قوم منهم وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، فلما عبدها المشركون فقد عبدوا الجن حقيقة" (2).
أقول: والأقرب فيما نحن فيه أن المشركين لما كانوا يعبدون إناثًا غيبيَّات، قالت الشياطين: ليس هناك إناث غيبيَّات إلاَّ منّا، أما الملائكة فليسوا بإناث، فكلَّما قال المشركون: فلانة بنت الله - تعالى الله عما يقولون -
__________
(1) تفسير البيضاوي ص 571.
(2) حواشي الشيخ زاده 3/ 94. [المؤلف]
(3/580)

وعبدوها، عيَّنت الشياطين واحدة من إناثهم كأنها هي تلك الأنثى التي يعبدها المشركون.
وقد مرَّ قول ابن جرير أنَّ المشركين كانوا يقولون: اللاَّت والعُزَّى ومناة بنات الله (1).
وفي "معجم البلدان" في ترجمة العُزَّى عن ابن الكلبي قال: وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهنَّ الغرانيق العُلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى؛ وكانوا يقولون: بنات الله عزَّ وجلَّ وهنَّ يشفعن إليه (2).
[306] وفي أسباب النزول للسيوطيِّ (3): أخرج ابن أبي حاتم عن محمَّد بن عثمان المخزومي أنَّ قريشًا قالت: قيِّضوا لكل رجل من أصحاب محمدٍ رجلاً يأخذه، فقيَّضوا لأبي بكر طلحةَ فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلامَ تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: ربنا، قال: وما العُزَّى؟ قال: بنات الله. قال أبو بكر: فمَن أُمُّهم؟ فسكت طلحة، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجلَ، فسكت القومُ، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الآية (4) في سورة الزخرف 36.
__________
(1) ص 301. [المؤلف] ص 577.
(2) معجم البلدان 4/ 116، وهو في الأصنام لابن الكلبي 19.
(3) لباب النقول ص 188، وانظر: الدرّ المنثور 7/ 377.
(4) تفسير ابن أبي حاتم 10/ 3283، ح 18505.
(3/581)

وفي هذا الأثر ما يخالف ما نُقل أنَّ المشركين كانوا يقولون: أمَّهات الملائكة بنات سَرَوات الجن، وقد فُسِّر به قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158]. وفي صحَّة ذلك نظر، وقد يدفعه قول الله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ [307] وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 100 - 101]، فقوله سبحانه: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} احتجاجٌ على مَن زعم أنَّ له ولدًا فيُعلم من ذلك أنَّ كونه لا صاحبة له قضيَّة مسلَّمة عند المشركين؛ إذ لو كانوا يزعمون أنَّ له صاحبة لما احتجَّ عليهم بذلك، والله أعلم.
والذي يظهر لي في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} أنَّ ذلك إلزام منه تعالى للمشركين، فإنهم زعموا أنَّ إناثًا غيبيَّاتٍ هنّ بنات الله تعالى، وليس هناك إناث غيبيَّاتٌ قد كانوا سمعوا بوجودهنَّ وصدَّقوا به (1) إلاَّ من الجن فلزمهم أنهم جعلوا الجنِّيَّات بناتٍ لله عزَّ وجلَّ، وهذا الإلزام من جنس الإلزام الذي تقدَّم في عبادتهم الإناث من الشياطين، والله أعلم.
ولنشرع الآن في تفسير الآيات.
قال الله عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ [308] وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 19 - 22].
__________
(1) هذا إخراج للحور العين. انتهى [المؤلف].
(3/582)

قال شيخ الإِسلام أبو السعود الرومي في "تفسيره": "فالمعنى: أعَقِيبَ ما سمعتم من آثار كمال عظمة الله عَزَّ وَجَلَّ في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته وإحكام قدرته ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وقماءتها بناتٍ له تعالى؟ وقيل المعنى: أفرأيتم هذه الأصنام مع حقارتها وذلتها شركاء الله تعالى مع ما تقدم من عظمته؟ وقيل: أخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة التي وُصف بها رب العزة في الآي السابقة؟ وقيل: المعنى أظننتم أن هذه الأصنام التي تعبدونها تنفعكم؟ وقيل: أظننتم أنها تشفع لكم في الآخرة؟ وقيل: أفرأيتم إلى هذه الأصنام إن عبدتموها لا تنفعكم وإن تركتموها لا تضركم؟
والأول هو الحق كما يشهد به قوله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} شهادة بينة؛ فإنه توبيخ مبنيٌّ على التوبيخ الأول. وحيث كان مداره تفضيل جانب [309] أنفسهم على جنابه تعالى بنسبتهم إليه تعالى الإناث مع اختيارهم لأنفسهم الذكور = وجب أن يكون مناط الأول نفس تلك النسبة حتى يتسنَّى بناءُ التوبيخ الثاني عليه.
وظاهرٌ أن ليس في شيء من التقديرات المذكورة من تلك النسبة عينٌ ولا أثر، وأمَّا ما قيل من أنَّ هذه الجملة مفعولٌ ثانٍ للرؤية وخلوِّها عن العائد إلى المفعول الأول لِما أنَّ الأصل: أخبروني عن اللات والعُزَّى ومناة: ألكم الذكر وله هُنَّ أي: تلك الأصنام؟ وضع موضعها الأنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق مناط التوبيخ، فمع ما فيه من التمحُّلات التي ينبغي تنزيه ساحة التنزيل عن أمثالها يقتضي اقتصار التوبيخ على ترجيح جانبهم الحقير على
(3/583)

جناب الله العزيز الجليل من غير تعرُّضِ للتوبيخ على نسبة الولد إليه سبحانه" (1).
أقول: أما ردُّه تلك التقديرات فحقٌّ لا غبار عليه، وسياق الآيات يؤيده كل التأييد، وأما اختياره تقدير بنات الله ففيه نظر، والظاهر أنه لا حاجة إلى التقدير أصلاً وأنَّ الكلام من النمط الذي أوضحناه في المقدمة الأولى، والمعنى: أعرفتم اللات والعزى [310] ومناة، وقد عرفت أنَّ الغرض من ذلك أن يُحضروها في أذهانهم ويحصروا أذهانهم فيها، ويترقَّبوا أمرًا مهمًّا يتعلق بها.
ثم قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} وهذه هي الجملة الاستفهامية المتعلقة بمفعول (أرأيت) على ما شرطوه، وإنما لم يقل: ألكم الذكر وهي لله على أن يكون المراد بقوله: "وهي": اللات والعزى ومناة، لركاكة هذا اللفظ، أي: قولنا: ألكم الذكر وهي لله؛ وللتصريح بموضع الشناعة المقصود في هذا الكلام؛ ولأنه - والله أعلم - أريدَ ما يعمُّ هذه الثلاث وغيرها، فإنهم كانوا يقولون في غيرها مثل مقالتهم فيها؛ ولمقابلة لفظ الذَّكر لمراعاة (2) الفواصل.
وقول شيخ الإِسلام: "إنَّ فيه تمحُّلات"، إنما ذلك إذا جُعلت هذه الجملة مفعولاً ثانيًا ل (أرأيت) وأما على ما اخترناه فلا تمحُّل أصلاً. وأما أنه لا يكون بالكلام تعرُّض للتوبيخ على نسبة الولد إليه سبحانه فلا حرج في
__________
(1) تفسير أبي السعود 2/ 539 - 540. [المؤلف]
(2) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "ولمراعاة" عطفًا على قوله: "لركاكة هذا اللفظ"، فيكون تعليلاً مستقلاً برأسه.
(3/584)

ذلك، مع أنه وارد على ما اختاره شيخ الإِسلام أيضًا فإنَّ قوله: " {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ} بنات الله"، لا تصريح فيه بالتوبيخ [311] على نسبة الولد، وإنما فيه التوبيخ على جعل هذه الثلاث بناتٍ له، ولو قال قائل لآخر: أجعلت فلانة وفلانة وفلانة بنات لي؟ لما فُهِم من ذلك أنه ينكر أن يكون له ولد أصلاً، فتدبَّرْ.
دعْ هذا، فإن ما اختاره شيخ الإِسلام وتقدَّم عن ابن جرير (1) موافقٌ في المعنى لما اخترناه، وحاصله التوبيخ على قولهم: اللاَّت والعُزَّى ومناة بنات الله.
والمهمُّ أن نبحث عن وجه هذا التوبيخ: هل كانوا يقولون: إنَّ تلك الأحجار والأشجار والبيوت بنات الله حقيقةً؟ هذا لا يقوله أحد، ولو سقطوا إلى هذا الدرك من الحماقة لَكِدْتُ أقول: يسقط عنهم التكليف أصلاً، ولو كانوا يقولون ذلك لتكرَّر في القرآن توبيخهم عليه أكثر ممَّا تكرَّر توبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله، فما باله تكرَّر كثيرًا توبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله ولم يأت توبيخهم على قولهم: الجمادات بنات الله حقيقةً في موضع من المواضع إلا أن يُفرض ذلك في هذا الموضع مع دلالة [312] السياق على بطلان هذا الفرض كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ولأمرٍ مَّا نجد القرآن مملوءًا بمحاجَّتهم في تأليه الملائكة وقلَّما نجده حاجَّهم في تأليه الجمادات. ولو كانوا يقولون ذلك لما عجزوا أن يجيبوا أبا بكر إذ قال لهم: فمَن أُمُّهم؟ أن يقولوا: الأرض مثلاً، وقوم يتردَّدون في
__________
(1) ص 301. [المؤلف]. ص 577.
(3/585)

كون البشر رسلاً لله عَزَّ وَجَلَّ كيف يقولون: الجمادات بنات الله حقيقة؟ ولو كانوا يقولون ذلك لما بقي محلٌّ لتوبيخهم بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} فإنَّ قومًا يقولون: الجمادات بنات الله حقيقة لا يَحسُن أن ينكر عليهم جعلهم الإناث لله عزَّ وجلَّّ، على أنَّ الأنثوية في الجمادات ليست حقيقة.
فإن قيل: لعلَّ المراد بالأنثى الجماد كما قيل بذلك في قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]. قلت: يكفي في دفع ذلك أنه خلاف الظاهر مع أنه قوبل بالذَّكَر، وقوله: {إِلَّا إِنَاثًا} على حقيقته، وقد مرَّ أنَّ المراد الإناثُ الخياليَّات.
[313] وقد علمتَ من المقدمة الثانية أنَّ القوم لم يكونوا يعبدون الجمادات إلاَّ على أنها تذكارات للملائكة، وبالجملة فبطلان هذا الاحتمال - أعني احتمال أنهم كانوا يقولون في الجمادات إنها بنات الله حقيقة - أوضح من أن يحتاج إلى إطالة الكلام في تزييفه.
بقي أن يقال: أرادوا بنات الله تعالى على المجاز أي أنها مقبولة عنده، أو على حذف مضاف كأنهم أرادوا: اللات والعزَّى ومناة تذكارات بناته اللَّاتي هن الملائكة. ويردُّه أنه لا يكون حينئذ موضع لقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} لأنهم لم يجعلوها بنات الله حقيقة، ولا هي إناث حقيقة. وقد حكى الله تعالى عن اليهود قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ولم يوبِّخهم على قولهم: أبناء الله لأنهم إنما قالوها مجازًا، وإن كان هذا الإطلاق اللَّفظيُّ ممنوعًا سدًّا للذريعة، وها نحن نقول:
(3/586)

عزَّة الله وعظمة الله ونحو ذلك، ومكَّة حَرَم الله، والكعبة بيت الله، مع قولنا: جُود فلان، وحلم فلان، وتسميتنا بلداننا وبيوتنا أسماءً مذكَّرة، فهل يتوجَّه إلينا التوبيخ [314] أننا جعلنا لأنفسنا الذكور ولله تعالى الإناثَ؟
فإن قلت: فإذًا يتعيَّن أحد التقديرات التي ردَّها أبو السعود؟
قلت: هي باطلة أيضًا لأنها تُخرج الآيات عن قانون الكلام فضلاً عن الكلام البليغ، فضلاً عن بلاغة القرآن وبديع نظمه وصحَّة تأليفه وترصيفه.
فإن قلت: فماذا تقول؟
قلت: لو تدبَّرت ما سقناه في المقدمة الثانية حقَّ تدبُّره لاتَّضحتْ لك الحقيقة.
وقد قال ابن جرير: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} قال: جعلوا لله عَزَّ وَجَلَّ بنات، وجعلوا الملائكة لله بنات، وعبدوهم، وقرأ: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ} الآية [الزخرف: 16 - 17]، وقرأ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} الآية [النحل: 57]، وقال: دَعَوْا لله ولدًا، كما دَعَت اليهود والنصارى، وقرأ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [البقرة: 118] قال: و"الضيزى" في كلام العرب المخالفة، وقرأ {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [النجم: 23] " (1).
[315] ووردت عدَّة آثار في تفسير قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
__________
(1) 27/ 33. [المؤلف]
(3/587)

قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 52 - 54] (1) يُعلم من تلك الآثار أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان لحرصه على هدى قومه يحرص على عدم تنفيرهم، فلما قرأ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان: "تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعتهن لترتجى" ونحو ذلك، وقد ردّ أكثر العلماء هذه القصة (2)، وقبِلها بعضهم (3).
ومما نُقل عن أهل العلم فيها قولُ بعضهم: كان هذا من القرآن، مرادًا بالغرانيق الملائكة، فألقى الشيطان في نفوس المشركين [316] أن يزعموا أنَّ المراد بذلك أصنامهم، فنسخه الله تعالى (4).
__________
(1) منها ما رُوِي عن ابن عبَّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبي العالية، والضحَّاك، ومحمَّد بن كعبٍ. انظر: تفسير الطبري 16/ 603 - 608، تفسير ابن كثير 5/ 439 - 440، الدرّ المنثور 6/ 65 - 69.
(2) قال ابن الجوزي: "قال العلماء المحقِّقون: وهذا لا يصحُّ". زاد المسير 5/ 441. وقال القرطبيُّ: "وليس منها شيءٌ يصحُّ". تفسيره 14/ 424. وقال ابن كثيرٍ: "ولكنها من طرقٍ كلُّها مرسلةٌ ولم أرها مسندةً من وجهٍ صحيحٍ". تفسيره 5/ 438. وللشيخ الألباني رسالةٌ في تضعيفها، أسماها: "نصب المجانيق لنسف قصَّة الغرانيق".
(3) قال ابن حجرٍ: "لكن كثرة الطرق تدلُّ على أنَّ للقصَّة أصلاً". فتح الباري 8/ 439.
(4) انظر: الشفا 2/ 131، المواقف 3/ 443.
(3/588)

قال الحافظ في "الفتح": وقيل: المراد بالغرانيق العلى: الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها، فسبق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى}، فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا: قد عظَّم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته (1).
أقول: أمَّا أنَّ تلك الكلمات كانت من القرآن فيُبطله قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} فبيَّن أنَّ تلك الكلمات - إنْ صحَّت - من إلقاء الشيطان، ولكن قد يجوز أن يكون النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال كلماتٍ أثنى بها على الملائكة، وقد أثنى الله تعالى على الملائكة في مواضعَ كقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} الآيات [الأنبياء: 26].
فإن قيل: وكيف يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمات ألقاها الشيطان؟
قلت: قد يكون الشيطان وسوس لبعض الناس أن يشير على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه إذا قرأ آيات النجم ينبغي أن يخبرهم بكلماتِ يثني بها على الملائكة حتى لا يتوهَّم المشركون أنه يشتم الملائكة فرأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس في ذلك محذور فقاله، واغتنم الشيطان ذلك فوسوس للمشركين أن يحملوا تلك الكلمات على خلاف ما أراد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم.
[317] وفي تفسير ابن جرير عن محمَّد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس ذكرا القصة إلى أن قال: فرضُوا بما تكلَّم به وقالوا: قد عرفنا أنَّ الله
__________
(1) فتح الباري 8/ 307. [المؤلف]
(3/589)

يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذا جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك (1).
فالذي يظهر من هذه العبارة أنهم لم يفهموا من تلك الكلمات إلا ما أراده - صلى الله عليه وسلم - من الثناء على الملائكة، ولكنهم زعموا أن ذلك الثناء يدل على جواز اتِّخاذ الملائكة آلهة.
بقي أن يقال: الآثار المذكورة كلها تصرِّح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تلك الكلمات عقب قراءته: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى}، فكيف تحمل تلك الكلمات على أنها ثناء على الملائكة؟
فدونك الحقيقة الآن:
اعلم أنَّ شأن العرب كشأن قوم نوح وغيرهم جعلوا الأوثان تماثيل وتذكارات للأشخاص الغيبيَّة وسمَّوها بأسماء تلك الأشخاص على حسب ما مرّ في المقدمة الثانية، فلما زعموا أنَّ هناك إناثًا غيبيَّاتٍ هنَّ بنات [318] الله اختلقوا لها أسماء هي اللات والعُزَّى ومناة، اشتقُّوها من اسمه وصفاته كما تقدَّم، ثم أطلقوا على التذكار الذي جعلوه للَّات اسمَ اللاَّت، وهكذا.
فَلِمُسمَّيات هذه الأسماء ثلاثة وجوه:
الأول: أن يُحكم عليها باعتبار أنها من الملائكة نظرًا إلى أنَّ المشركين إنما قصدوا وضع هذه الأسماء للملائكة وإن أخطؤوا في الصفات، وقد تقدَّمت الآيات الكثيرة في أنهم يعبدون الملائكة مع أنهم إنما كانوا يعبدونهم بصفة أنهم بنات الله.
__________
(1) 17/ 117. [المؤلف]
(3/590)

الثاني: أن يُحكم عليها باعتبار أنها أشخاص متصفة بما يزعمه المشركون، فيُحكم عليها بالعدم؛ إذ ليس في الوجود بنات لله.
الثالث: أن يُحكم عليها باعتبار أنَّ الشياطين اعترضوا هذه الأسماء فسمَّوا بها إناثهم كما تقدَّم، فيُحكم عليها بأنها من الشياطين.
وهذا كما لو كان في قصر من القصور خادم للملك يتصرَّف في القصر بإذن الملك وفيها (1) حجَّام له بنت، فقيل لجماعة من الناس: إنَّ الشخص الذي يتصرَّف في هذه الدار هو بنت الملك، فسمُّوها وعظِّموها فقالوا: نسميها عزَّة، وأخذوا يبعثون التحف التي لا تصلح إلا للملوك إلى ذلك القصر قائلين: هذا لعَزَّة بنت الملك، فإذا قيل ذلك للخادم قال: ليست هذه التحف لي لأني لستُ أنثى، وليس الملِك أبي، وإنما أنا رجل من خَدمه ولا يصلُح أن أُسمَّى عَزَّة ولا تليق به (2) هذه التحف وإنما كان عليهم أن يبعثوها إلى سيِّدي الملك فلست بقابل لتحفهم ولا ينبغي لي ذلك، فاعترض الحجَّام قائلاً: أنا أُسمي بنتي عَزَّة وآخذ هذه التحف، وألعب بهؤلاء الحمقى ومهما يكن يكن، ثم أخذ يتناول تلك التحف قائلاً: ليس في القصر أنثى يقال لها عزة غير ابنتي، وشمَّر في ترغيب الناس في الإتحاف.
إذا عرفت هذا فيصحُّ أن يقول مَن يعرف الحقيقة: أيها القوم إنَّ عَزَّة لَمقرَّبة عند الملك وإنها لتشفع عنده إذا أذن لها ولكنها ليست أنثى ولا بنت الملك ولا تستحقُّ تحف الملوك، وإنما هي رجل مِن خدم الملك مطيع له، فأطلق هذا الرجل الناصح عَزَّة على ذلك الخادم الذكر وأنَّث الضمائر أوَّلاً،
__________
(1) كذا في الأصل، وسيعبر عن القصر بالدار بعد قليل.
(2) كذا في الأصل، والضمير يعود على الخادم.
(3/591)

كلُّ ذلك بناء على ما في أذهان أولئك القوم، ويصحُّ أن يقول لهم: عَزَّة معدومة لا يوجد إلاَّ اسمها، أي: لأنها فيما يحسبون بنتُ الملك وليس للملك بنت، ويصحُّ أن يقول لهم: إنما عَزَّة بنت الحجَّام.
إذا تقرَّر هذا فالألفاظ التي رُويت في قصَّة الغرانيق إن صحَّت جارية على الاعتبار الأوَّل، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم إن كان قال ذلك رأى أنَّ قول الله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} الآيات يؤدِّي معنى ما ذكرنا في المثال من قول الناصح: ولكنها ليست أنثى ولا بنت الملك إلخ، ولكنَّ الشيطان لعب بالمشركين فلم يُصغوا إلى هذه الآيات.
وبهذا تنحلُّ جميع المشكلات في تفسير الآيات ويتمُّ الجواب عن قصَّة الغرانيق ويتجلَّى ما في هذه الآيات من حُسن السبك وبَدَاعة النظم كما سيأتي تمامه. ولله الحمد.
قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} هذا بناءً على الاعتبار الثاني، فالنفي على ظاهره لأنه ليس في الوجود بنات لله تعالى ولا يوجد منها إلا الأسماء التي اختلقوها، وهذا كما لو سُئلت عن العنقاء، فقلت: لا يوجد منها إلا اسمها، بخلاف ما لو جُعل الكلام في الأصنام أنفسها فإنها موجودة فلا يصدُق عليها أنها ليست إلاَّ أسماء مع بقائه على ظاهره.
وقوله تعالى: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} [النجم: 24] قال البيضاوي وغيره (1): (أم) منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، والمعنى: ليس له [319] كل ما
__________
(1) تفسير البيضاوي ص 698، وتفسير أبي السعود 8/ 159، وروح المعاني 27/ 58.
(3/592)

يتمناه، والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة.
أقول: وإيضاحه أن المشركين ربما يقولون: إن لم يكن هناك إناث غيبيات هن بنات الله وهن الملائكة فإننا نعبد اللاَّت والعُزَّى ومناة قائلين: إنهن هنَّ الملائكة فنحن بعبادتهن عابدون للملائكة، والملائكة مقرَّبون عند الله تعالى اتفاقًا فيشفعون لنا بعبادتنا إياهم، ولا يضرُّنا الخطأ في وصفهم بأنهم إناث وأنهم بنات الله، فردّ الله تعالى عليهم بأنَّ هذا تمنٍّ منهم وليس للإنسان ما يتمنَّى.
وقوله تعالى: {فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)} جواب والله أعلم عما يمكن أن يقوله المشركون وهو: ليس للإنسان كلُّ ما يتمنَّاه ولكن قد يحصل له بعضُ ما يتمناه، فكأنه قال: ولكن تمنِّيكم الشفاعة من الملائكة لا يحصل لكم منه شيء لأنه ليس للملائكة من الأمر شيء لا في الآخرة ولا في الأولى.
وقوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} فيه جواب - والله أعلم - عما يمكن أن يقوله المشركون، كأنهم يقولون: لا ريب أن لله الآخرة والأولى، ولكن الملائكة مقرَّبون عنده، فماذا شفعوا لأحد عنده [320] قبِل شفاعتهم، فكأنه تعالى قال: وكيف تغني شفاعتهم إن شفعوا بدون إذنٍ منه تعالى لهم، ولا رضًا بشفاعتهم؟ أي: وما الذي يضطرُّه عزَّ وجلَّ إلى قَبول شفاعتهم فيما لا يرضى وهم عبيده ومملوكون له، وبفضله ومَنِّه حصل لهم القرب منه، وهو الغنيُّ عنهم وعن غيرهم؟
(3/593)

وفي قوله: {إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ} إشارة إلى أنَّ الشفاعة عند الله تحتاج إلى الإذن، فيُفهم من هذا أنَّ الملائكة لا يشفعون بدون إذنه أصلاً لما عُلم من خوفهم من ربكم (1) عَزَّ وَجَلَّ وإجلالهم له، وقد صرَّح بهذا في آية الكرسي وغيرها.
ثمَّ قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27)} هذا صريح فيما قدَّمناه أنَّ اللات والعزى ومناة أسماء سمَّى بها المشركون الإناثَ الخياليَّات اللاتي يزعمون أنها الملائكة، وقد تمحَّل المفسِّرون لتأويل هذه الآية فقالوا: يعني قولهم: بنات، وهذا كما تراه. فإنه لو قيل لك: فلان يسمِّي أبناءه تسمية الإناث لما فهمتَ إلاَّ أنه يضع لهم الأسماء المختصة بالإناث كأن يُسمِّي أحدهم سُعدى [321] والآخر ليلى، ونحو ذلك.
وكأنه لعلم الله عزَّ وجلَّ ما سيقع في الآيات السابقة من الاشتباه أوضح المراد بهذه الآية، ولله الحمد.
وفيما تقدَّم وبَّخهم بجعْلهم لأنفسهم الذكور وجعْلهم له الأنثى، ثم دفع شبههم في الشفاعة لأنها مقصودهم الأعظم وعليها يبنون شركهم، ثم وبَّخهم على تسمية الملائكة بأسماء الإناث.
ولعله بقي شيء من لطائف هذه الآيات أدعه الآن لغيري. ولكلِّ متدبِّر في القرآن رزق مقسوم، ولا يخيب من اجتناء ثمراته إلا المحروم، نسأل الله ألاَّ يحرمنا من فوائده بفضله وكرمه.
__________
(1) كذا في الأصل.
(3/594)

هذا، واعلم أني لم أستوعب الآيات القرآنية في عبادة الملائكة بل بقي منها كثير، وقد علمتَ أن عبادة الملائكة هي أصل شرك العرب كما قاله البيضاوي وغيره (1)، والآيات الصريحة في الملائكة أكثر من الآيات الصريحة في غيرهم، وعلى هذا فكلُّ آية محتملة أن تكون في الملائكة أو في غيرهم يتعيَّن حملُها على الملائكة حملًا على ما هو الأصل والغالب، والله أعلم.

[322] عبادة الشياطين
قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 116 - 120].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ... وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ... وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ
__________
(1) تفسير البيضاوي ص 571 عند الآية 40 من سورة سبأ, ولفظه: "ولأن عبادتهم مبدأ الشرك وأصله"، وانظر: تفسير أبي السعود 7/ 137، وروح المعاني 22/ 151.
(3/595)

بِغَيْرِ عِلْمٍ ... وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ [323] اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) [....] (1) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 93 - 121].
أخرج ابن جرير عن السُّدِّيِّ: أما أن قوله: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الآلهة لأنهم شفعاء لهم، يشفعون لهم عند الله تعالى، وأن هذه الآلهة شركاء لله.
وأخرج عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى (2).
أقول: قد علمت أنَّ القوم كانوا يعبدون الإناث الخياليَّات التي يزعمون أنها بنات الله وأنها هي الملائكة ويسمُّونها اللات والعزى ومناة، ويزعمون أنها تشفع لهم، وهذه الآيات إلى قوله: {مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} تتعلَّق بذلك.
وأما قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} فقال ابن جرير: "فتأويل [324] الكلام إذًا (3) وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه" (4).
__________
(1) لم يضع الشيخ هنا نقاطًا مع أنه ترك آيتين لم ينقلهما.
(2) 7/ 170. [المؤلف]
(3) في الأصل: "مرادًا"، والتصحيح من الطبعات الأخرى للتفسير.
(4) 7/ 181. [المؤلف]
(3/596)

أقول: وقد مرّ في الفصلين السابقين ما يفيدك هنا، وحاصله: أن القرآن يذكر عبادتهم الإناث الخياليات أو عبادتهم الملائكة ثم يحكم بأنها عبادةٌ للشياطين، وقد مرّ شيءٌ في تفسير ذلك وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فقد قيل: إن المسلمين كانوا يسبون الأصنام وأن الأصنام هي المراد بقوله: {الَّذِينَ يَدْعُونَ}. وفيه نظر لما يأتي تحقيقه أن المشركين لم يكونوا يدعون الأصنام أنفسها، وعليه فالصواب أن يكون المراد الإناث الخياليات أو الشياطين، ولا يجوز حملها على الملائكة أنفسهم؛ لأنَّ سبَّ الملائكة ممنوع مطلقًا، ولم يكن المسلمون ليسُبُّوا الملائكة.
وأما قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ... وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...} فأخرج [325] ابن جرير آثارًا كثيرة منها:
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال؛ حدثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} الآية، يعني: عدو الله إبليس أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمَّد في الميتة فقولوا لهم: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمر الله، فأنزل الله على نبيه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وإنا والله ما نعلمه كان شركٌ قط إلا بإحدى ثلاث: أن يدعي (1) مع الله إلها آخر، أو يسجد لغير الله، أو يُسمِّي الذبائح لغير
__________
(1) في ط هجر وط شاكر: أن يدعو، وهو الأنسب.
(3/597)

الله" (1).
وأخرج عن السُّدِّيِّ: "وإن أطعتموهم فأكلتم الميتة، وأما قوله: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} يعني إنكم إذًا مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالاً فإذا أنتم أكلتموها كذلك فقد صرتم مثلهم مشركين" (2).
أقول: وإيضاح ذلك أن الشياطين وسوسوا إلى أوليائهم أن يجادلوا المؤمنين بتلك الشبهة، أي: إنكم تأكلون ما قتلتموه بأيديكم أو قتله الصقر أو الكلب، ولا تأكلون مما قتله الله تعالى. ومن شأن هذه الشبهة إذا أثرت في إنسان فإما أن يمتنع [326] من أكل ما ذكَّاه بيده أو بصقره أو بكلبه وسمَّى الله عليه قائلاً: إذا حرم عليَّ ما قتله فَلَأَنْ يحرم عليَّ ما قتلته بيدي أو بصقري أو بكلبي أولى، وإما أن يأكل الميتة قائلاً: إذا حلَّ لي ما قتلته بيدي أو بصقري أو بكلبي فلأن يحلَّ لي ما قتله الله أولى، فبيَّن الله عَزَّ وَجَلَّ أنَّ كلا الأمرين شرك منافٍ للإيمان بالله تعالى, لأن كلاًّ منهما تديُّنٌ بما شرعه الشيطان، وذلك عبادةٌ للشيطان، كما يأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ..} [الأنعام: 151] ذكر ابن هشام في فصل (لا) من المغني (3)، أنَّ (لا) في هذه الآية تحتمل وجوهًا، ومنها: ما حكاه عن الزَّجَّاج، وهو: "أن يكون الأصل: "أبيِّن لكم ذلك لئلا تشركوا"، وذلك لأنهم إذا حرَّم عليهم
__________
(1) 8/ 13. [المؤلف]
(2) 8/ 15. [المؤلف]
(3) 1/ 250، وانظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 303 - 304.
(3/598)

رؤساؤهم ما أحلَّه الله سبحانه وتعالى فأطاعوهم أشركوا لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته".
وقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) ... فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ... وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 98 - 116].
[327] قال ابن جرير: "يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه والذين هم به مشركون"، وأخرج عن الربيع خبرًا فيه: اتَّخذوه وليًّا وأشركوه في أعمالهم. وأخرج عن قتادة قوله: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه.
ثم قال: "وأما قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلناه: إنَّ معناه: الذين هم بالله مشركون".
ثم أخرج عن مجاهد قوله {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} قال: يعدلون برب العالمين. وعن الضحَّاك: عدلوا إبليس بربهم؛ فإنهم بالله مشركون.
ثم قال: "وقال آخرون: معنى ذلك {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} أشركوا
(3/599)

الشيطان في أعمالهم".
ثم أخرج عن الربيع قال: أشركوه في أعمالهم.
ثم قال: "والقول الأول - أعني قول مجاهد - أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولَّون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم لا أنهم يشركون بالشيطان، ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع لكان التنزيل: (الذين هم مشركوه) [328] إلا أن يوجِّه موجِّه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهيَّة الشيطان ويشركون بالله به (1) في عبادتهم إياه" (2).
ثم أيَّد ما اختاره أوَّلاً بما حاصله: أنَّ المتكرر في القرآن ذِكْرُ إشراك غير الله بالله وليس فيه ذكر إشراك الله بغيره.
أقول: وأقوى من هذا أنَّ المفهوم من الآية {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} ذمُّ الإشراك، ومعنى الإشراك باللهِ عبادة غيره معه، وعلى هذا فيكون معنى الإشراك بالشيطان عبادة غيره معه، وعبادة غير الشيطان معه لا تكون موردًا للذَّمِّ ولا سيما إذا قلنا: المراد عبادة الله تعالى مع الشيطان، ولكن حمل الآية على ما اختاره ابن جرير بعيد من جهة بُعد مرجع الضمير ومخالفة الضمائر التي قبله.
ويظهر لي أن معنى الآية هكذا: إنما سلطان الشيطان على الذين يتولَّونه بأن يعبدوه وحده، وعلى الذين هم بالشيطان مشركون [329] بأن يعبدوا غيره
__________
(1) الصواب: (ويشركون الله به) بحذف الباء منه [المؤلف].
(2) 14/ 107 - 108. [المؤلف]
(3/600)

معه. ويجاب عما أورده ابن جرير من أنه لا نظير لذلك في القرآن بأنه ليس في القرآن آية تشبه هذه فيما أريد منها من التفصيل، وعما أوردته أنا بأنَّ مورد الذَّمِّ هو الإشراك باعتبار ما يستلزمه من عبادة الشيطان، فتدبَّر.
وفي "لسان العرب" (1): "وقال أبو العباس في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} معناه: الذين هم صاروا مشركين بطاعتهم للشيطان، وليس المعنى أنهم آمنوا بالله وأشركوا بالشيطان، ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان فصاروا بذلك مشركين، ليس أنهم أشركوا بالشيطان وآمنوا بالله وحده. رواه عنه أبو عمر الزاهد قال: وعرضه على المبرد، فقال: مُتْلَئِبٌّ (2) صحيح".
أقول: أبو العباس هو ثعلب، وكأنه أراد أن الباء في الآية للسببيَّة، وليست هي التي يعدَّى بها الإشراك في نحو قولنا: لا تشركْ بالله، وهذا قول حسن لسلامته مما اعتُرِض به على القولين الأوَّلين، ويؤيِّده أنَّني لم أر الشرك يُعدَّى بالباء إلا في الشرك [330] بالله.
فأما قول الشاعر (3):
شِرْكًا بِمَاءِ الذَّوْبِ يَجْمَعُهُ ... في طَوْدِ أَيْمَنَ في قُرَى قَسْرِ
__________
(1) 10/ 449 - 450، والنصُّ في تهذيب اللغة للأزهري، 10/ 14 مادة (شرك).
(2) اتلأبَّ الأمر اتْلئْبابًا: استقام وانتصب. القاموس المحيط: 79.
(3) هو المسيَّب بن عَلَس بن عمرو بن قمامة بن زيد، واسم المسيَّب زهير، وإنما سُمِّى المسيَّبَ حين أوعد بني عامر بن ذهل فقالت بنو ضبيعة: قد سيَّبناك والقومَ، وهو خالُ الأعشى. انظر: طبقات فحول الشعراء للجمحي 1/ 156.
(3/601)

فمعناه: شركًا في ماء الذوب، والشرك فيه بمعنى الشريك (1). وكذلك الإشراك، لم أر في كلامهم: أشركت فلانا بفلان، بمعنى: جعلته شريكا له، فكأن الشرك بالله والإشراك به ضمَّنا معنى الكفر فعدِّيا بما يعدَّى به، ولا يظهر معنى لأن يضمّن الإشراك مع الشيطان الكفرَ بالشيطان.
ثم رأيت الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال في "كتاب الإشارة والإيجاز إلى أنواع المجاز": "الفصل الثاني والأربعون في مجاز التضمين: .... وله أمثلة: أحدها: قوله {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} ضُمِّن {لَا تُشْرِكْ} معنى: لا تعدل، والعدل لتسوية، أي لا تسوِّ بالله شيئا في العبادة والمحبة، فإنهم عبدوا الأصنام كعبادته وأحبوها كحبه، ولذلك قالوا في النار: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98]. وما سوَّوهم به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال" (2).
فإن قيل: فلماذا لا تكون الباء للمصاحبة؟
قلت: قولهم: إن باء المصاحبة بمعنى (مع) فيه تسامحٌ ما فإن بينهما فرقًا ما، وذلك أن (مع) تشعر بأن ما بعدها متبوع، تقول: ذهب الطفل مع أمه، أو ذهبت المرأة ومعها طفلها، أو طفلها معها؛ فإن قلت: ذهبت المرأة مع طفلها, لم يحسن إلا إذا كان ذهاب الطفل هو المقصود، وذهاب الأم تبع له، تدبّر. والباء بعكس ذلك أعنى أن ما بعدها هو التابع، تقول: ذهبت المرأة بطفلها، أي ذهبت هي وذهب تبعا لها. قال تعالى: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ
__________
(1) انظر شرح القاموس مادة (ش ر ك). [المؤلف]
(2) الإشارة ص 54 - 55. [المؤلف]
(3/602)

وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] والكفر تبع لهم في الدخول والخروج، ولا [331] يحسن أن يقال: دخل الكفر بهم وخرج بهم، على أن تكون الباء للمصاحبة، ولو كان بدل الباء (مع) لكان وجه الكلام: دخل الكفر معهم وخرج معهم. فتدبَّر فإنه لا يخلو عن دقَّة.
إذا عرفت ذلك فالأصل في العبادة أن تكون لله عزَّ وجلَّ، والمشركون يشركون معه غيره كأنهم تبع، فيحسن أن يقال: أشركوا غيره معه، ولا يحسن أن يقال: أشركوه مع غيره. فلو كانت الباء التي تجيء مع الإشراك للمصاحبة لكان حق الكلام أن يقال: لا تشرك الله بغيره.
فإن قلت: فعلى ما اختاره ابن جرير وما قاله ثعلب، لا يكون في الآية ذكر لعبادة الشيطان، وأنت إنما أوردتها شاهدًا على ذلك.
قلت: ولكن في النقول التي سردناها ما يحصل به المقصود من أن المشركين كانوا يعبدون الشيطان، ويُعلم ذلك من قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فإنَّ تقديم المفعول يفيد الحصر كما في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، فالمفهوم حينئذ: أنَّ مَن لم يفعل ما أُمر به فقد عبد غير الله تعالى، والمعنى أنه عبد الشيطان على ما تقدَّم في آيات الأنعام.
[332] وقال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف: 50 - 52].
(3/603)

قال البيضاوي: " {نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شركاني أو شفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي، وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ، والمراد ما عُبد من دونه. وقيل: إبليس وذريته" (1).
وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ... يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم 41 - 46].
قال أبو السعود: "يا أبت لا تعبد الشيطان فإن عبادتك [333] الأصنامَ عبادةٌ له إذ هو الذي يسوِّلها لك ويغريك عليها" (2).
قال تبارك وتعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 97 - 103].
__________
(1) هامش حواشي الشيخ زاده 2/ 260. [المؤلف]
(2) تفسير أبي السعود 2/ 107. [المؤلف]
(3/604)

أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة ... فقال عبد الله بن الزبعرى ... : أما والله لو وجدته لخصمته فسلوا محمدًا: أكلُّ مَن عُبد من دون الله في جهنم مع مَن عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرًا والنصارى تعبد المسيح، فذُكر ذلك لرسول الله [334]- صلى الله عليه وسلم - من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، كلُّ مَن أحبَّ أن يُعبد من دون الله فهو مع مَن عبده، إنما يعبدون الشياطين ومَن أمرهم بعبادته، فأنزل الله تعالى فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} الآيات إلى قوله: {نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 26 - 29] (1).
أقول: ما تضمَّنه هذا الحديث هو الصواب في تفسير الآية، فأمَّا من قال: المراد الأصنامُ فلم يصنع شيئًا؛ لأنَّ كلمة (ما) وإن قيل: إنَّ الأكثر أن تكون لما لا يعقل، يعارضها هنا قوله: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 99 - 100].
أولاً: لأن هذه الألفاظ ألفاظ العقلاء.
وثانيًا: الأصنام جماد ولا ذنب لها فكيف تكون خالدة في النار لها زفير، وذلك عذاب قطعًا.
وثالثًا: الكفار يعلمون أن الأصنام جمادات لا حياة لها، وإنما يعظمونها
__________
(1) 17/ 68 - 69. [المؤلف]. وانظر: سيرة ابن هشام 2/ 8 - 9. والحديث سبق تخريجه من طرقٍ عن ابن عباس، راجع: ص 410.
(3/605)

تعظيمًا لمن هي تماثيل أو تذكارات لهم، فإلقاء الأصنام في النار لا تظهر منافاته للإلهية التي زعموها لها.
[335] وأما من قال: لفظ (ما) عامٌّ يشمل الشياطين والأحبار والرهبان وغيرهم ممن عبد من دون الله، واستثني من ذلك الملائكة والمسيح ونحوهم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فهذا قول ضعيف:
أوَّلاً: لأنَّ اللفظ ليس بلفظ الاستثناء.
ثانيًا: إن في سياق ذلك قوله: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ... وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} , فهذا يدل أنهم غير الملائكة.
وثالثًا: ما رُوي أن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} متأخِّر النزول.
فالحقُّ ما تضمنه الحديث أن المراد بكلمة (ما) الشياطين؛ لأنَّ الكلام مع قريش فلم يدخل عيسى ونحوه ممن عبده اليهود والنصارى وغيرهم من الأمم غير العرب. والعرب وإن كانت تزعم أنها تعبد الملائكة، فهي في الحقيقة إنما كانت تعبد إناثًا متوهَّمة تزعم أنها بنات الله وأنها الملائكة، وتلك الإناث ليست في الحقيقة الملائكة. وإلى هذا أشار بقوله: "فأنزل الله فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله".
فثبت بهذا أنَّ الأشخاص الغيبيَّة التي عبدها العرب ليست هي الملائكة [336] لأنها إناث والملائكة ليست كذلك، ولأنها بنات الله في زعمهم وليست الملائكة كذلك.
(3/606)

فعبادتهم في الحقيقة إنما هي عبادة للشياطين، أوَّلاً: لما تقدَّم مرارًا أنهم أطاعوا الشياطين الطاعة التي هي عبادة، وسيأتي تحقيقها إن شاء الله تعالى. ثانيًا: أن الشياطين أنفسهم تصدَّوا لهذه العبادة قائلين: إن هؤلاء يعبدون إناثًا غيبيات وليس هناك إناث غيبيات إلا من الشياطين، فعرَّضوا إناثهم لتلك العبادة، كما أشرنا إليه في الكلام على العُزَّى، وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى.
وقد صرَّح القرآن بما ذكر في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 40 - 41] (1). وقد مرَّ الكلام عليها في أوائل فصل الملائكة. والله تبارك وتعالى أعلم.
وقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى [337] وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 - 13]. وقد سبقت هذه الآيات في فصل الملائكة، ذكرنا هناك أن المراد ب (مَن ضَره أقربُ من نفعه): أنه الشيطان، وأن الآية كنظائرها.
ومنها قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 117].
__________
(1) هكذا كتبها المؤلف برواية أبي عمرو، كما سبق في ص 567.
(3/607)

وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) .... وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا [338] فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)} [الشعراء: 69 - 98].
فكلمة (ما) من قوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} عامة في كل ما عبدوه من جماد وغيره، ولهذا استثنى من ذلك فقال: {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} لأنهم كانوا يعبدون الله عَزَّ وَجَلَّ ويشركون معه غيره.
وقال ابن جرير: "فتأويل الكلام: فكُبكِب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون. وذكر عن قتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع الشياطين. فتأويل الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة: فكُبكُب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين ....
وقوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب [339] عن الحق حين نعدلكم برب العالمين فنعبدكم من دونه.
(3/608)

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} قال: لتلك الآلهة" (1).
وقال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السَّلام: "وما سوَّوهم به إلاَّ في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال" (2).
أقول: أمَّا في العبادة فنعم، وأمَّا في المحبَّة فلا؛ لأنَّ المشركين لم يكونوا يحبُّون الشياطين.
وقال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 60 - 62].
وقال عزَّ وجلَّ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) ... احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا [340] مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ
__________
(1) 19/ 50 - 51. [المؤلف]. والمراد أنهم وجَّهوا الخطاب لتلك الآلهة.
(2) كتاب الإشارة ص 55. [المؤلف]
(3/609)

يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 1 - 35].
بدأ الله عَزَّ وَجَلَّ فأقسم بفِرَق الملائكة المُجِدِّين في طاعة ربهم عزَّ وجلَّ على أنه لا إله غيره. والأقسام القرآنية من قبيل الاستشهاد كأنَّه هنا يقول: إنَّ فِرق الملائكة مع ما تقوم به من الأعمال في طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ مما يشهد على أنه لا إله إلاَّ الله. وهذا كما قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 18]. وفي ذلك أبلغ ردٍّ على المشركين الذين يقولون: إنَّ الملائكة تستحقُّ أن تتخذ آلهة. فقوله تعالى: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} جواب القسم، كما هو الظاهر. وفيه احتمالٌ آخر سأذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وفي ذكره الكواكب إشارة إلى الرَّدِّ على من يعبدها، وهكذا في ذكره الشياطين. [341] وطردُها إشارة إلى تقبيح شأن مَن يعبدها.
وقوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ}: أخرج ابن جرير عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال: ضرباءهم. وعن ابن عباس قال: نظراءهم. وأخرت نحوه عن أبي العالية وقتادة والسدي وابن زيد ومجاهد (1).
وقوله: {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} أخرج ابن جرير عن قتادة قال: الأصنام (2).
وقال الشيخ زاده (3) في حواشيه على "البيضاوي": وقال مقاتل: المراد
__________
(1) تفسير ابن جرير 19/ 519 - 520.
(2) المصدر السابق 19/ 522.
(3) كذا في الأصل بتعريف الشيخ، وهو في العجمية دون "ال".
(3/610)

بما يعبدون هو إبليس وجنوده. واحتجَّ بقوله تعالى: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} (1).
أقول: والسياق ينصر قول مقاتل.
وذهب جماعة إلى أنَّ المراد: وجميع ما كانوا يعبدون، ويخصُّ منهم الملائكة وعيسى ونحوهم.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} قال: الإنس على الجن (2). أقول: وهذا وما بعده يؤيَّد قول مقاتل.
وأخرج ابن جرير أيضًا عن مجاهد في قوله: {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} قال: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين. وأخرج نحوه عن قتادة والسدي وابن زيد (3).
وهذه المحاورة تشبه ما ذكره الله تعالى بقوله: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [342] وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].
__________
(1) حواشي الشيخ زاده 3/ 151. [المؤلف]
(2) تفسير ابن جرير 19/ 524.
(3) 23/ 28 - 30. [المؤلف]
(3/611)

وقال عزَّ وجلَّ: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 149 - 166].
[343] وقد سبق في أوائل الكلام على آيات النجم من فصل الملائكة أنَّ الوجه في معنى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] أنه إلزامٌ من الله عزَّ وجلَّ للمشركين؛ فإنهم زعموا أنَّ إناثًا غيبيَّات هنَّ بناتُ الله - تعالى الله عما يقولون - وليس هناك إناث غيبيَّات قد سمع المشركون بوجودهن (1) إلاَّ من الجن فلزمهم أنهم جعلوا الجنَّيَّات بناتِ الله عزَّ وجلَّ، فهذا هو النسب.
وقد مرَّ في أوائل فصل الملائكة قول قتادة في قوله عزَّ وجلَّ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} (2) قال: يقول: أكثرهم بالجنِّ مصدِّقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.
__________
(1) المقصود من هذا القيد إخراج الحور العين. اه. [المؤلف].
(2) هكذا كتبها المؤلف برواية أبي عمرو، كما سبق.
(3/612)

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)} يريد والله أعلم: ولقد علم الجنُّ إنَّ عابديها لمحضرون العذاب.
وقوله: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} قال في الكشاف: استثناء منقطع من المحضَرين، معناه: ولكنَّ المخلصين ناجون. و {سُبْحَانَ اللَّهِ} اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء عن الواو في: {يَصِفُونَ}، أي يصفه هؤلاء بذلك، [344] ولكنَّ المخلصين براءٌ من أن يصفوه به (1).
أقول: والأوَّل هو المختار والموافق لنظائر هذه الآية من هذه السورة وغيرها. منها قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}. وفي روح المعاني: "قال الطيبي: ويحسن كل الحسن إذا فُسِّر الجِنَّة بالشياطين، أي وضمير (إنهم) بالكفرة، ليرجع معناه إلى قوله تعالى حكايةً عن اللعين: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83] " (2).
وقوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 161 - 163] تعليل - والله أعلم - لاستثناء المخلَصين. أي: فإنكم معشر المشركين أنتم والشياطين التي تعبدونها لا تفتنونهم أي المخلصين، وإنما تفتنون مَن سبق في علم الله تعالى أنه صال الجحيم، وليس المخلَصون كذلك.
قال أبو السعود: " {وَمَا تَعْبُدُونَ} عبارةٌ عن الشَّياطينِ الذين أغوَوهم ...
__________
(1) الكشاف 2/ 272. [المؤلف]
(2) روح المعاني 7/ 320. [المؤلف]
(3/613)

و {ما} نافيةٌ، و {أَنْتُمْ} خطابٌ لهم ولمعبوديهم، والمعنى: إنَّكم ومعبوديكم - أيُّها المشركونَ - لستُم بفاتنينَ" (1).
وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)} فحكاية عن الملائكة جزمًا, ولكن أشكل ارتباطه بما تقدَّم؛ فإنَّ تقدير نحو: (والملائكة يقولون) غيرُ هيِّنٍ؛ لأنَّ مثل ذلك لم تجرِ العادة بحذفه، كذا يُقال.
[345] فإن لم تسلم دعوى الحذف فقد ظهر لي وجهٌ للربط فيه بُعْدٌ، ولكني أعرضه عليك لتعرفه: قال تعالى في أول السورة: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)} وهذه كلُّها صفات الملائكة, وقوله تعالى بعد ذلك: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) ...} تفصيلٌ لذلك الذِّكْر الذي يتلوه الملائكة، فكأنه قال: فالتاليات ذكرًا عظيمًا، هو: إنَّ إلهكم لواحد، فتكون (2) جملة: {إِنَّ إِلَهَكُمْ} إلخ خبر مبتدأ محذوف أو تكون الجملة بدلاً أو عطفَ بيان من {ذِكْرًا} مع احتمالاتٍ أُخَر لا حاجة لذكرها، ويكون جواب القسم محذوفًا, ولا بِدْع في حذفه. فالملائكة يتلون هذا الذكر، أي: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) ... إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163)}، ويختمون ذلك بقولهم إخبارا عن أنفسهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)}. وقد يستأنس لهذا الاحتمال بقولهم: {الصَّافُّونَ} مع قوله تعالى في وصفهم أول السورة: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} والله أعلم.
__________
(1) تفسير أبي السعود 2/ 413. [المؤلف]
(2) في الأصل بالياء، ولعله سبق قلم، وإن كان له وجه.
(3/614)

[346] عبادة الهوى
قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41 - 44].
وقال عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23].
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، قال: "ذلك الكافر، اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان" (1).
وفي الكشاف: "فإن قلت: لِمَ أخر {هَوَاهُ}، والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهًا؟ قلت: ما هو إلاَّ تقديم مفعوله الثاني على الأوَّل للعناية، كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا؛ لفضل عنايتك [347] بالمنطلق".
قال ابن المنيِّر في حواشيه: "وفيه نكتة حسنة، وهي إفادة الحصر؛ فإنَّ الكلام قبل دخول (أرأيت) مبتدأ وخبر، والمبتدأ (هواه) والخبر (إلهه) وتقديم الخبر كما علمت يفيد الحصر، فكأنه قال: أفرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه" (2).
__________
(1) 25/ 83. [المؤلف]
(2) الكشاف 2/ 111. [المؤلف]
(3/615)

وقال البيضاوي: " {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة ولا ينظر دليلاً، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به" (1).
وقال في آية الجاثية: "وترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى؛ فكأنه يعبده" (2). ونحوه في تفسير أبي السعود (3).
وقد قال أبو السعود في آية الفرقان: "أرأيت مَن جعل هواه إلهًا لنفسه من غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضًا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النيِّر بالكلِّيَّة" (4).
وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تحت ظلِّ السماء من إلهٍ يُعبَد من دون الله تعالى أعظم عند الله عَزَّ وَجَلَّ من هوىً يتَّبع" (5).
__________
(1) تفسير البيضاوي 481.
(2) تفسير البيضاوي 662.
(3) 2/ 494. [المؤلف]
(4) تفسير أبي السعود 2/ 250. [المؤلف]
(5) روح المعاني 6/ 155. [المؤلف]. والحديث أخرجه ابن أبي عاصمٍ في السنة، ذكر الأهواء المذمومة, 1/ 8، ح 3. وأبو يعلى، كما في المطالب العالية، 12/ 532، ح 2990. والطبراني في الكبير 8/ 122 - 123، ح 7502. وأبو نعيمٍ في الحلية, (ترجمة راشد بن سعد)، 6/ 118. وغيرهم. قال ابن الجوزيَّ: (هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه جماعةٌ ضعافٌ، والحسن بن دينارٍ والخصيب [بن جحدرٍ] كذَّابان عند علماء النقل). الموضوعات 3/ 376، ح 1616. وقال الهيثميُّ: (وفيه الحسن بن دينارٍ، وهو متروك الحديث). مجمع الزوائد 1/ 447. وقال الألبانيُّ: (موضوعٌ). السلسلة الضعيفة 14/ 90، ح 6538.
(3/616)

وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا [348] قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 48 - 50].
قوله سبحانه: {وَمَنْ أَضَلُّ} استفهام إنكاري، معناه: لا أحد أضل، كما قاله المفسرون وغيرهم. وإذا لم يكن أحد أضل من هذا فهو مشرك لأنه لو لم يكن مشركًا لكان المشرك أضلَّ منه؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116].

النظر فيما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ويعملونه
تفسير عبادة الأصنام
قد تقدَّم في الكلام على وجوب الوجود ثُمَّ في المقدمة الثانية [349] لتفسير آيات النجم من فصل الملائكة ما لا غنى بك عنه في هذا الباب فراجعه.
وقد علمت أنَّ أوَّل مَن عبد الأصنام قومُ نوح، وقد تقدَّم أثر البخاري عن ابن عباس في أصل ذلك (1)، وفي معناه آثار أخرى، انظرها في الدُّرِّ المنثور أو في روح المعاني، وحاصلها: أنَّ ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا كانوا رجالاً صالحين؛ فلما ماتوا جعلت لهم تماثيل وسمِّيت
__________
(1) انظر: س 55/ ج.
(3/617)

بأسمائهم، وكان القصدُ من ذلك أن يُذكروا إذا رُئيت تماثيلهم فيذكر ما كانوا عليه من الخير والصلاح؛ فيكون ذلك أنشط لمن رآها أن يعبد الله عزَّ وجلَّ، كما أنَّ المسلم إذا قرأ سيرة بعض الصالحين أكسبه ذلك رقة في القلب ونشاطًا في العبادة وعمل الخير.
وقد أخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمَّد بن كعب القرظي أنه قال: "كان لآدم خمسة بنين: ودٌّ وسواع [إلخ] (1)، فكانوا عُبَّادًا، فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزنًا شديدًا، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟ قالوا: نعم، قال: هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟ قالوا: نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئًا نصلي إليه (2)، قال: [350] فأجعله في مؤخر المسجد، قالوا: نعم، فصوَّره لهم، حتى ماتوا (3) خمستهم، فصور صورهم في مؤخر المسجد، فنقصت الأشياء حتى تركوا عبادة الله تعالى وعبدوا هؤلاء" (4).
فلم يكن المتقدمون يعتقدون في تلك التماثيل ولا يعملون أكثر من أن يتذكروا برؤيتها فيتذكروا ما كان عليه أولئك الصالحون فينشطوا لعبادة الله تعالى، وقد احتاطوا حيث لم يجعلوا التماثيل في مقدَّم المسجد، ولكن ما الذي طرأ في متأخِّريهم؟
أمَّا أن يعتقدوا أنها تخلق وترزق فقد مرَّ إبطاله.
__________
(1) ما بين المعقوفتين من روح المعاني، وقد سبق هذا النقل بهذه الزيادة في س 55/ أ.
(2) في الأصل والمصدر المنقول منه: "عليه"، والتصحيح من العظمة.
(3) في روح المعاني: مات.
(4) روح المعاني 9/ 181. [المؤلف]. وانظر: الدرّ المنثور 8/ 294. وهو في كتاب العظمة، خلق آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام، 5/ 1590 - 1591، ح 1054.
(3/618)

وقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود: 25 - 27]. وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 23 - 24].
[351] فلولا أنَّ القوم كانوا يعترفون بالله عَزَّ وَجَلَّ لما حسُن أن يُخاطَبوا بهذا الخطاب.
وأوضح من ذلك قولهم: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} فإنَّ في هذا اعترافًا بوجود الله عَزَّ وَجَلَّ وقدرته واعترافًا بوجود الملائكة، وفي كلامهم إنكار أن يكون البشر رسولاً لله تعالى، فكيف يعتقدون فيه أو فيما هو دونه من الجماد أن يكون مثل الله في الخلق والرزق؟ ولو كانوا يزعمون هذا جهلاً أو عنادًا لاحتجَّ عليهم نوح بما ذكرناه؛ فإنه أقرب الحجج، ولو احتجَّ به لذكره الله عَزَّ وَجَلَّ في القرآن؛ لأنه سبحانه ذكر القصص في القرآن ليذكر ما فيها من حُجَجه وحُجَج أنبيائه عليهم السَّلام.
فإن قلت: فإنَّ الألوهية أعظم من الرسالة، فكيف يستبعدون أن يكون البشر رسولاً لله تعالى ويزعمون أنه لا يتأهل للرسالة إلاَّ الملائكة وهم مع ذلك يؤلَّهون الحجارة والموتى؟
قلت: تفكَّرْ أنت في وجه ذلك، وسأذكره بعدُ إن شاء الله تعالى (1).
__________
(1) انظر ص 636 وص 701 - 702.
(3/619)

والمتأخرون الذين بُعث فيهم نوح عليه السلام لِم كانوا يعظِّمون تلك التماثيل؟ أتعظيمًا لأصحابها أولئك الرجال الصالحين؟ أم عبادة لله عزَّ وجلَّ زاعمين أنه يرضى لهم ذلك وينفعهم به؟
[352] الأول هو الظاهر كما مرَّ في أوائل فصل الأصنام من دلالة قوله عزَّ وجلَّ: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا} على أنهم كانوا يعظِّمونها ويعظِّمون أصحابها، فراجعه، ولأنه سبيل عبادة الأوثان في كلِّ زمانٍ، وقد مرَّ بيان ذلك وشهادة المحقِّقين به، والله أعلم.

قوم هود وقوم صالح
لم يأت في القرآن ما يدلُّ أنه كانت لهم أصنام، ولكن أهل التواريخ يثبتون ذلك، فإن صح فإنها كانت تماثيل للأشخاص الغيبيِّين التي كانوا يعبدونها، كما سيأتي عند ذكر الأشخاص المتخيَّلة والملائكة إن شاء الله تعالى.

قوم إبراهيم
غالب ما جاء في القرآن في التصريح بعبادة الأصنام هو في قوم إبراهيم، حتى إنه ظهر لي أوَّلاً أنه لم يكن لهم تأويلٌ في عبادتهم أكثر من التقليد لآبائهم، ثم تبيَّن لي خلاف ذلك.
فقد جاء في محاورة إبراهيم لقومه: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77]. وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)
(3/620)

[353] إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26 - 27]. فالاستثناء في هاتين الآيتين يدلُّ على أنَّ القوم كانوا يعبدون الله تعالى ويعبدون غيره؛ إذ الأصل في الاستثناء الاتِّصال.
وقال تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 63 - 68]، فقولهم: {مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} مثل قول أهل المعاني: ما أنا فعلت هذا. وقد صرَّحوا أنه يفيد الحصر، فيُفهم من مقالهم: بل فعله غيري (1)، فكذا يُفهم من قول قوم إبراهيم - {مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} -: بل الذي ينطق غيرهم. وهذه إشارة منهم - والله أعلم - إلى أشخاصٍ كانت الأصنام تماثيل لها بغير واسطة أو بواسطة على ما سيأتي.
وقول إبراهيم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)} يتناول الأصنام والأشخاص التي أشاروا إليها، فتدبَّرْ.
[354] وقال عزَّ وجلَّ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعر اء: 69 - 74].
__________
(1) انظر: الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ص 57.
(3/621)

قال ابن جرير: "وفي الكلام متروك استُغنِي بدلالة ما ذُكر عما تُرك، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)} , فكان جوابهم إياه: لا، ما يسمعوننا إذا دعوناهم ولا ينفعوننا ولا يضرون، يدلُّ على أنهم بذلك أجابوه قولهم: {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، وذلك أنَّ (بل) رجوعٌ عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا، بل كذا وكذا، ومعنى قولهم: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}: وجدنا مَن قبلنا مِن آباءنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداءً بهم واتباعًا لمناهجهم" (1).
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ [355] قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 41 - 46].
قال الشيخ زاده في حواشيه على تفسير البيضاوي: "وعبدة الأوثان وإن كانوا يعتذرون في عبادتها بأنها تماثيل الكواكب المدبرة لهذا العالم أو أنها تماثيل أشخاص معظَّمة عند الله يصلحون أن يكونوا شفعاء ونحو ذلك من الأعذار الفاسدة, فما ذكره إبراهيم عليه الصلاة والسلام في حق التماثيل بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئًا من الإغناء لا يُبطل
__________
(1) 19/ 48. [المؤلف]
(3/622)

أعذارَهم بحسب الظاهر، إلا أنه عليه الصلاة والسلام احتجَّ عليهم بذلك بناءً على أنهم يزعمون أنَّ عبادتها تنفعهم وأنَّ طريقتهم مقبولة مستحسنة، فبيَّن لهم عليه الصلاة والسلام فسادَ زعمهم" (1).
أقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف. وعندي أجوبة أخر.
[356] الأول: أن الأعذار التي ذكرها لا تدفع كون المشركين يعبدون الأصنام حقيقة، فإنه يقال لهم: لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر؟ فيقولون: نعبده تقربًا إلى أشخاص يسمعون ويبصرون وينفعون ويضرون، فيقال لهم: لنفوضْ أنَّ هناك أشخاصًا بهذه الصفة، ولكن هل أمروكم بعبادة الأصنام؟ فيقولون: لا, ولو كانوا أمرونا بذلك لما أطلقنا على الأصنام آلهة، ولا قلنا: إننا نعبدها، وهذا كما كان مشركو العرب يعظِّمون الكعبة والحجر الأسود نحوًا مما يعظِّمون الأصنام، بل من بعض الوجوه أشدَّ من تعظيم الأصنام كما يأتي، ولم يسمُّوا الكعبة إلهًا, ولا قالوا: إننا نعبدها، وإنما ذلك لأنهم كانوا يعظِّمونها طاعة لله عزَّ وجلَّ لما علموه مِن أمره بذلك بما بلَّغه خليله إبراهيم ورسوله إسماعيل وتواتر إليهم، بخلاف الأصنام وغيرها مما كانوا يعبدونه فإنهم يعلمون أنهم اخترعوه بأهوائهم، وسيأتي تحقيق هذا وتوجيهه إن شاء الله تعالى.
[357] وعلى هذا فإنهم يقرُّون بأنهم اتَّخذوا الأصنام آلهة وعبدوها، وبهذا الاعتبار قد سوَّوها برب العالمين، فكيف يسوَّى برب العالمين ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن عابده شيئًا؟ وأعذارهم في عبادة الأصنام لا تدفع هذا.
__________
(1) حواشي الشيخ زاده 2/ 286. [المؤلف]
(3/623)

الجواب الثاني: أن يقال: إنَّ في كلام إبراهيم إبطالاً لجميع أعذارهم. وبيان ذلك: أنَّ أباه إن اعتذر بأنَّ الأصنام تماثيل للكواكب فالكواكب أيضًا لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئًا، وما فيها من المنافع الموجودة كالإضاءة ونحوها ليس باختياريٍّ منها، والناس في ذلك سواء، يستوي فيه مَن يعبدها ومَن يجحدها. فإن قال: لعلَّ للكواكب حياةً وتصرُّفًا، أو ذَكَر الروحانيين، قيل له: هذا كله تخرُّص بغير برهان، وقد نبَّه إبراهيم عليه السلام على هذا بقوله: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43].
الثالث: أنه وقع إجمال في سورة مريم يبيِّنه ما في سورة الأنعام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ [358] فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [74 - 82]. قدَّم هنا إنكاره على أبيه
(3/624)

عبادة الأصنام، فكأنَّ أباه ذكر له علاقتها بالكواكب، فدعاه ذلك إلى النظر في الكواكب، فنظر فيها [359] وقال ما قال، ثم كأنَّهم - والله أعلم - ذكروا له شأن الروحانيِّين، وذلك قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}، فأجابهم بما ذكره الله تعالى، وسيأتي الكلام على هذه الآيات عند ذكر الكواكب (1) إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما ذكره الله تعالى من قول إبراهيم للأصنام: {أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)}، وما روي أن القوم كانوا يقرِّبون لها الأطعمة فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يقولون: إنها تأكل، وإنما كانوا يقربون لها الأطعمة ثم يأكلها سدنتها، كما هو المعروف من حال المشركين لهذا العهد. وقال إبراهيم ما قال استهزاءً بالأصنام وبمن يعبدها، وقال: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ}، وقد علم أن قومه يعرفون أنها لا تنطق كما قالوا هم أنفسهم: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكذلك قال: {أَلَا تَأْكُلُونَ} مع علمه أن قومه يعرفون أنها لا تأكل، والله أعلم.

المصريُّون في عهد يوسف عليه السلام
الذي يدل عليه القرآن أنهم كانوا يعبدون الروحانيِّين وينعتونهم بنعوت باطلة، وآثارهم الموجودة تدلُّ أنهم كانوا يعبدون الأصنام وغيرها. وبعض البحاثين [360] يعلِّل ذلك بأنهم إنما كانوا يعبدون المخلوقات على أنها مظاهر للباري عزَّ وجلَّ. وهذا الرأي مجمل، وسيأتي الكلام على ديانتهم
__________
(1) ص 675 فما بعدها.
(3/625)

عند ذكر الأشخاص المتخيَّلة إن شاء الله تعالى (1). فأما الأصنام فالظاهر أنها كانت عندهم تماثيل أو رموزًا للأشخاص المتخيلة، والله أعلم.

المصريُّون في عهد موسى عليه السلام
ذكر بعض المفسرين أنه كان لقوم فرعون أصنام يعبدونها معه، ذكروا ذلك في تفسير قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}، وسيأتي تحقيق الحال في بيان تأليه الأناسي الأحياء إن شاء الله تعالى (2).

بنو إسرائيل
في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 138 - 140].
لا يخفى أنَّ القوم وإن بلغوا من الجهل أقصى غاياته لم يكونوا ليطلبوا من موسى أن يجعل لهم جمادًا من هذه الجمادات يكون هو واجب الوجود أو يكون خالقًا رازقًا، هذا ما لا سبيل إلى احتماله.
[361] ولو كان الأمر كذلك لجاء في جواب موسى ما يدفع ذلك الظن، بل لا يبعد فيمن يجوِّز ذلك ألا يكون مكلَّفًا أصلاً.
__________
(1) ص 692 - 693.
(2) لم يتكلم المؤلف عن الآية ولا عن قوم فرعون هناك، وإنما أحال الكلام على مبحث "تأليه الأشخاص المتخيلة".
(3/626)

فالظاهر أحد احتمالين:
الأول: أن يكونوا أرادوا التقليد المحض، واستحسنوا تلك الأفعال الظاهرة مع قطع النظر عن المقصود منها وما فائدتها.
والاحتمال الثاني: أن يكونوا أرادوا: اجعل لنا جمادًا يكون رمزًا لله عزَّ وجلَّ فنعظِّمه تعظيمًا لله عزَّ وجلَّ كما يعظِّم هؤلاء أصنامهم على أنها رموز للروحانيِّين، وقد يُشعر بهذا قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، ولم يقولوا: اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة، كأنهم قد علموا أن العبادة لا تكون إلا لله عزَّ وجلَّ، ولكن توهموا أن عبادة جماد من الجمادات على أنه رمز لله عزَّ وجلَّ وأنه إنما يعظم تعظيمًا لله عَزَّ وَجَلَّ لا ينافي التوحيد.
وقد تقدم (1) حديث الإِمام أحمد وغيره، وفيه: فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، كان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الله أكبر! هذا كما قالت بنو [362] إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة". فلم يعتقد هذا القائل في السدرة شيئًا، ولكنه على أحد الاحتمالين السابقين، والله أعلم.

العرب
قد تقدَّم ما يتعلق بعبادتهم الأصنام عند سياق الآيات في ذلك، وفي المقدمة الثانية للكلام على آيات النجم، وعُلِم من ذلك أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام على أنها تماثيل للإناث الخياليات، أعني ما زعموه أنَّ لله بناتٍ وأنهنَّ هنَّ الملائكة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
__________
(1) ص 49 - 50. [المؤلف]. ص 230.
(3/627)

فإن قيل: قد قدَّمتَ أنَّ اللاَّت والعُزَّى ومناة أسماء سمَّوا بها تلك الإناث ثم أطلقوا اسم اللاَّت على التمثال أو التذكار الذي جعلوه باسم اللاَّت وهكذا. وقد كان في أصنامهم ما يسمى باسمٍ مذكَّر، كهُبل ومناف وإساف، وهذه معروفة في أهل مكة، وأما بقية العرب فلهم أصنام كثيرة مسمَّاة بأسماء [363] مذكَّرة.
قلت: لعلَّ تلك الأسماء ليست في الأصل أسماء للإناث الخياليات كاللَّات والعُزَّى ومناة، وإنما هي أسماء للأصنام أنفسها، فذكَّروا الاسم نظرًا لقولهم: صنم أو وثن أو تمثال أو حجر، وهذا لا ينافي أن يكونوا إنما يعبدونها على أنها تماثيل أو تذاكير للإناث الخياليَّات، ويجوز أن يكون الشيطان أوحى إليهم أنهم كما جعلوا تماثيل أو تذاكير للملائكة فالله عزَّ وجلَّ أولى بذلك، فجعلوا بعض تلك الأصنام رمزًا لله عَزَّ وَجَلَّ ولم يطلقوا عليها اسم الله عَزَّ وَجَلَّ تعظيمًا له أن يطلقوا اسمه على حجر.
ومما يؤيِّد هذا في هُبل خاصة أنه لم يبلغنا أنهم سمَّوا عبد هُبل كما سمَّوا عبد اللاَّت وعبد العُزَّى، كأنهم استغنوا عن ذلك بتسميتهم عبد الله، والله أعلم.
ويؤيِّد ذلك أيضًا في هُبل أنه كان عندهم أعلى من غيره، ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: "اعلُ هبل"، فخصَّه بالذكر في ذلك المقام، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجيبوه: "الله أعلى وأجلُّ". ويظهر أن هذا الجواب يتضمن إبطال هبل إذا كان وضع على أنه تمثال لله عزَّ وجلَّ، أي: إن الله عزَّ وجلَّ أعلى وأجل من أن يكون له تمثال من الحجر. وكأنه لهذا عدل أبو سفيان إلى قوله: "لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم". [364] كأنه يقول: لنا شفيع ولا شفيع
(3/628)

لكم. فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبوه: "الله مولانا ولا مولى لكم"، أي: إن الله تعالى مولانا وناصرنا ومعيننا، فلا حاجة بنا إلى الشفعاء، وأنتم لا ناصر لكم؛ لأنَّ تلك الإناث لا وجود لها, ولو فُرض وجودها فأنتم تعترفون أنه ليس لها من الأمر شيء وأنَّ الأمر كله لله عزَّ وجلَّ، {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 88 - 89]. وقصَّة أحد في صحيح البخاري (1).
واتِّخاذ الأصنام على أنها تماثيل لله عَزَّ وَجَلَّ معروف بين أمم الشرك في الهند وغيره (2).
والنصارى يقولون: إن الله - تبارك وتعالى عن قولهم - ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس. ويجعلون للأب صورة ويسجدون لها، والأب عندهم هو ذات الله تعالى.
أما ما يحكى عن المشركين أنهم كانوا ربما يسمعون كلامًا من الأصنام فلم أقف على أثر صحيح يثبت أن ذلك كان يقع، ولا أنهم كانوا يزعمون ذلك. وقد كان قوم إبراهيم أهلك الناس في شأن [365] الأصنام، بدليل أن غالب ما جاء في القرآن في عبادة الأصنام وارد فيهم، ومع ذلك فقد حكى الله عَزَّ وَجَلَّ عنهم قولهم لإبراهيم: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، واعترافهم بأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ولا تسمع، كما تقدَّم ذلك (3) في
__________
(1) كتاب المغازي، باب غزوة أحدٍ، 5/ 94، ح 4043.
(2) كذا في الأصل على إرادة البلد.
(3) ص 354. [المؤلف]. ص 622.
(3/629)

الكلام على قوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)}.
ومثل هذه الحكايات شائعة بين جهلة الوثنيين في الهند، وعقلاؤهم ينكرونها. وذكر البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقوله مقبولة في العقل أو مرذوله" (1) أنَّ البراهمة كتبوا إلى أرسطو أنه بلغهم أن اليونانيين يزعمون أن الأصنام تكلِّمهم، فأجابهم أرسطو أنه لا يعلم بذلك. وقد تقدَّمت عبارة البيروني (2).
والذي يزعم ذلك من الوثنيين يوجِّهونه بأنَّ الروحاني الذي جُعل الصنم تمثالاً له قد يتقمَّص ذلك الصنم ويتكلَّم منه، وليسوا يزعمون أنَّ الصنم نفسه يتكلَّم. والموحِّدون يحملون ذلك - على فرض صحته - بأنَّ الشيطان قد يدخل في جوف الصنم فيتكلَّم منه، وقد [366] علمت مما تقدَّم في الكلام على اللات والعزى ومناة أنَّ الشياطين يرون أنه ليس في الوجود إناث غيبيات إلاَّ من الشياطين، فادَّعوا أنَّ المشركين إنما يعبدون إناثًا من الشياطين.
فأما الأعمال الظاهرة التي يفعلها عُبَّاد الأصنام بها، فمنها:
العكوف عليها. جاء في القرآن في قوم إبراهيم: {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}، وفي القوم الذين مر عليهم بنو إسرائيل: {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وفي الحديث
__________
(1) ص 95.
(2) ملحق ص 91. [المؤلف]، وصواب الرقم 291. وهو في طبعتنا ص 566.
(3/630)

في ذات أنواط: "كان الكفار ينوطون أسلحتهم بها ويعكفون حولها" (1).
ومنها: تقريب الزاد لها. يُفهم من قول إبراهيم عليه السلام للأصنام: {أَلَا تَأْكُلُونَ}.
ومنها: التمسُّح بها. جاء في حديثٍ في المستدرك عن زيد بن حارثة أنه كان يطوف مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالبيت قبل النبوة، فمرَّ زيدٌ على بعض الأصنام فمسح بها، فنهاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم عاد فنهاه (2). وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلمٍ"، وأقرَّه الذهبيُّ (3).
[367] ومنها: الذبح عندها. وَرَدَ أنَّ المشركين كانوا ينحرون عند مناة، وقد كان للعرب أنصاب يذبحون عليها ويرشُّون عليها الدَّم.
قال الله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]. أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: "حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية". وعن ابن عباس قال: أنصاب كانوا يذبحون ويهلُّون عليها. وعن مجاهد قال: "كان حول الكعبة حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها إن شاؤوا بحجر هو أحبُّ إليهم منها" (4).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر في قصة إسلامه ورجم المشركين له
__________
(1) سبق تخريجه ص 230.
(2) هذا من معنى الحديث، وانظره في المستدرك، [كتاب معرفة الصحابة، ذِكْر قصة إسلام زيد بن حارثة ...]، 3/ 216 - 217. [المؤلف].
(3) انظر ما سبق في ص 119.
(4) تفسير ابن جرير 7/ 42. [المؤلف]
(3/631)

بالحجارة: "فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُب أحمر" (1). يعني مما سال منه من الدماء.
قال بعض أهل العلم: ولعلَّ ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى.
أقول: وكانت من معالم دينهم، وكان ذبحُهم عليها عبادة، ولذلك كانوا يُقسمون بها وبما يُراق عليها من الدماء.
قال المتلمِّس:
أَطْرَدْتني حَذرَ الهجاء ولا ... والله والأنصاب لا تئل (2)
وقال النابغة:
فلا لعمر الذي مسَّحْت كعبته ... وما أريق على الأنصاب من جسد
والجسد: الدم، كما في الصحاح (3).
ومنها: تضميخها بالطيب. ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب فضائل الصحابة, بابٌ من فضائل أبي ذرٍّ رضي الله عنه، 7/ 153، ح 2473. [المؤلف]
(2) ديوان المتلمَّس 171. وفي الروايات الشائعة: واللات والأنصاب. انظر: الأصنام لابن الكلبي 16.
(3) 2/ 456.
(3/632)

ومنها: [368] الدعاء. ورد ذكره في هذه الآية، وقد مرَّ الكلام عليها في سياق الآيات في الأصنام (1)، فراجعه.
وجاء في قوم إبراهيم عليه السلام قوله عليه السلام لهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ...} ما ينفي ذلك، أي ينفي سماعها وما معه، كما تقدم (2). وعليه فكأنهم إنما كانوا يدعون الروحانيين، ولكن الخليل بنى على الصورة الظاهرة من دعائهم عند الأصنام، حتى إذا أجابوا بما هو قصدهم اتبعهم ببيان بطلانه أيضًا، وهكذا حتى ينقطعوا، وكأنهم كانوا يدعون الأصنام تجوُّزًا، إما على حذف مضاف وإما بغيره، فإذا قالوا: (أيها الصنم انفعنا)، أرادوا: يا صاحب الصنم، يريدون الروحاني الذي جعلوه رمزًا له، أو كما يقول الخائف لطفل في المهد: أجرني، يريد أن يسمع ذلك أبوه فيجيره. ومثل هذا يقال في دعاء مشركي العرب للأصنام إن ثبت، والله أعلم.
ومنها: الانحناء لها والسجود. وهذا معروف بين الوثنيين إلى زماننا هذا.
فأما مشركو العرب فلم أجد نقلاً بذلك، بل هناك ما يدلُّ على أنهم لم يكونوا يسجدون للأصنام.
وفي صحيح مسلم عن [369] أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو
__________
(1) ص 208. [المؤلِّف]. ولم أقف على هذا الدفتر بعدُ، ولكن وجدت مُسوَّدته، انظر: ص 512 - 514 مبحث تعظيمهم للأصنام.
(2) ص 354. [المؤلف]. ص 622.
(3/633)

جهل: هل يعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته فعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - , زعم ليطأ على رقبته، فما فَجِئَهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لَك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (1).
يؤخذ من هذا الحديث أنهم كانوا ينكرون السجود، ولو كانوا يسجدون للأصنام لما أنكروا السجود لله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون أن يعبد الله تعالى، وإنما كانوا يشركون به، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
وقد روي عن بعض أكابر قريش أنه كان يعترف بأن الإِسلام حقٌّ، ولكن كره أن تعلو استه رأسه، يعني السجود. رواه الإِمام أحمد من حديث أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام، ولفظه: عن حَبَّة العُرني، قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه ضحك على المنبر، لم أره ضحك ضحكًا أكثر منه حتى بدت نواجذه، ثم قال: ذكرت [قول] (2) أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله صلَّى الله وآله وسلم، ونحن نصلي ببطن نخلة، فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى الإِسلام، فقال: ما بالذي تصنعان بأس، أو بالذي تقولان بأس، ولكن والله
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب صفة القيامة والجنَّة والنار، باب قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)}، 8/ 130، ح 2797. [المؤلف]
(2) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط، واستدرك من نسخة المسند التي نقل عنها المؤلف.
(3/634)

لا تعلوني استي أبدًا! وضحك تعجُّبًا لقول أبيه ... (1). [370] وهذا أيضًا يدلُّ أنهم لم يكونوا يسجدون للأصنام.

عُبَّاد النار
قال الشهرستاني: "والمجوس إنما يعظِّمون النار لمعانٍ، منها: أنها جوهر شريف عُلْويٌّ. ومنها: أنها ما أحرقت إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومنها: ظنهم أنَّ التعظيم ينجيهم في المعاد من عذاب النار. وبالجملة هي قبلة لهم ووسيلة وإشارة" (2).

عجل السامري
من الواضح بسياق الآيات أن القوم يعلمون أن العجل لم يكن شيئًا مذكورًا حتى ألقوا ما كان معهم من الحُليِّ فصاغ السامري منه العجلَ، فأنَّى يتسرَّب إلى أذهانهم أنَّ ذلك العجل هو الله الذي خلق العالم وخلقهم ويدبِّر العالم أجمع. هذا ما لا سبيل إليه، اللهم إلا أن يكون وسوس إليهم الشيطان [371] بأنَّ الله تبارك وتعالى حلَّ في ذلك العجل، تعالى الله عما يقولون. ولعل هذا أقرب إلى ظاهر الآيات من أن يقال: اتَّخذوا العجل على أنه رمزٌ لله عَزَّ وَجَلَّ وظنوا أنَّ عبادته تقرِّب إلى الله عَزَّ وَجَلَّ على نحو ما مرَّ في
__________
(1) المسند 1/ 99. [المؤلف]. وهو أيضًا في مسند الطيالسي 1/ 155، ح 184، ومسند البزَّار 2/ 319 - 320، ح 751. قال الهيثميُّ: "وإسناده حسنٌ". مجمع الزوائد 9/ 125. وقال الألبانيُّ: "ضعيفٌ جدًّا"، وتعقَّب الهيثميَّ في تحسينه, لأن في إسناده: يحيى بن سلمة بن كُهَيلٍ، وهو متروكٌ. انظر: السلسلة الضعيفة 9/ 147، ح 4139.
(2) الملل والنحل 2/ 93. [المؤلف]
(3/635)

قولهم لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}.
وعلى هذا المعنى الثاني فالمعنى في قولهم في العجل: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88]: فنسي موسى أن يتخذه لكم لمَّا طلبتم منه ذلك بقولكم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا}. وقولهم: {إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} ربما يؤيد الثاني؛ إذ لم يقولوا: ربكم ورب موسى. وكذا قول هارون في نصحهم: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} يأبى احتمال اعتقادهم الحلول؛ إذ لو اعتقدوه لما كان في ذلك ردٌّ عليهم؛ لأنهم يقولون: نعم، ربنا الرحمن، وهو حلَّ في هذا العجل. وكذلك قول موسى في توبيخهم: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} فإنه قصر للألوهية على الله تعالى، أي: إن إلهكم الله لا غيره، فتدبَّرْ وتأمَّلْ.

الأناسي الأحياء وأرواح الموتى
قد تقدَّم الكلام على قوم نوح وأنهم كانوا يعبدون تماثيل أولئك الأشخاص الصالحين وأرواحهم، ولعلهم كانوا يعتقدون في أرواحهم قريبًا مما يعتقده عُبَّاد الملائكة في الملائكة على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. ولكن استبعاد قوم نوح أن يكون البشر رسلاً، وقولهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} [المؤمنون: 24]. يدلُّ على أنَّ القوم لم يكونوا يرفعون أرواح الموتى إلى درجة الملائكة. وعلى كل حال فالظاهر أنهم كانوا يزعمون أنَّ أولئك الموتى يشفعون لمن يعبدهم، أو أنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يثيب مَنْ يعبد أولئك الموتى لما كانوا عليه من الصلاح، والله أعلم.
(3/636)

[372] فأما فرعون فأخَّرنا البحث في شأنه إلى البحث في شرك أسلافه من المصريِّين، وسيرد ذلك في الكلام على تأليه الأشخاص المتخيَّلة إن شاء الله تعالى.
وأما الذي حاجَّ إبراهيم في ربه فالمشهور أنه من قومه، وأنه كان ملِكَهم، وقوم إبراهيم كانوا يعبدون الأصنام والكواكب والروحانيين ويعترفون بوجود الله تعالى وربوبيته على ما مرَّ، وسيأتي بسطه في الكلام على عبادة الكواكب إن شاء الله.
ومن البعيد أن يكون الملك يدَّعي الربوبية العظمى، أو أنه لا إله لرعيته إلا هو، ويكون رعيته كما سمعت.
فأما قوله: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} فليس بنصٍّ في دعوى الإحياء والإماتة مطلقًا، بل يحتمل أنه إنما ادَّعى الإحياء الذي هو تخلية مَن يستحقُّ القتل والإماتة التي هي القتل، ويعيِّن هذا الاحتمال أمور:
الأول: ما سمعت من ديانة قومه.
الثاني: قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}، فقوله: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} بيان لعلَّة محاجته لإبراهيم، والمُلْك إنما يكون علَّةً [373] لدعوى القدرة على تركه قتلَ مَن استحقَّ القتل وقتلِه مَن أراد قتلَه.
الثالث: ما ورد في الآثار أنه برهن على دعواه بأنْ دعا رجلاً فقتله، ودعا آخر يستحقُّ القتل فأطلقه (1)، ولو كان إنما فعل هذا لإثبات أنه الذي يحيي
__________
(1) رُوِي هذا المعنى عن ابن عبَّاسٍ، وقتادة، والربيع بن أنسٍ، وابن جريجٍ. انظر: تفسير =
(3/637)

ويميت مطلقًا لأجابه إبراهيم عليه السلام بما يثبت أنَّ ما صنعه لا يدلُّ على دعواه، كأن يقول له: إن الإحياء يكون بالتوليد، والإماتة تكون بغير القتل، فإن كنت أنت فاعلَ ذلك فامنع رعيَّتك أنْ يُولد فيهم مولود وأن يموت منهم ميت شهرًا مثلاً، أو: أخبِرْنا كَمْ مولودًا وُلد وكَمْ ميتًا مات في مدينتك اليوم، وسمِّهم بأسمائهم ومواضعهم؛ فإنه لا يجوز أن تكون أنت فاعل ذلك وأنت تجهله، فكيف ترك إبراهيم عليه السلام هذا القبيل وانتقل إلى الشمس؟
فالذي يظهر لي أنَّ هذا الطاغية كلَّم الخليل عليه السلام في أن يطيعه، وقال له: إن أطعتني فأنا أطلقك، وإن أبيتَ قتلتُك، فأجابه الخليل عليه السلامِ بقوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، أي: إنك لا تقدر على قتلي ما لم يسلَّطك الله عليَّ، ولا على تركي حيًّا ما لم يكن الله عَزَّ وَجَلَّ [374] يريد ذلك، فجحد الطاغية ذلك، كأنه يقول: إني طيلة ملكي أقتل من أريد وأطلق من أريد، ولا مانع يمنعني عما أريد من ذلك، وها أنا الآن أدعو هذا المستحق للقتل فأطلقه، وأدعو هذا الآخر فأقتله.
وليس هذا بدليل على إنكار الطاغية ربوبية الله عزَّ وجلَّ، بل يجوز أن يكون يزعم أن الله عَزَّ وَجَلَّ فوض أمر الرعيَّة إلى مَلِكهم يصنع فيهم ما أراد، فلم يكن للخليل عليه السلام في الجواب إلا طريقان:
الأولى: أن يدعو الله عَزَّ وَجَلَّ فيميت الذي أطلقه الطاغية فورًا ويحول بينه وبين الذي أراد قتله.
الطريق الثانية: أن يعدل إلى أمر لا تتناوله قدرة الخلق، ولعله إنما عدل عن الأولى لوجوه:
__________
= ابن جرير 4/ 571 - 576. الدرّ المنثور 2/ 25.
(3/638)

الأول: أنه يحتاج إلى إظهار خارق، وإنما يلجأ الأنبياء عليهم السلام إلى الخارق فيما لا يتيسر الاحتجاج عليه ببرهان عاديٍّ، كإثبات رسالتهم.
ومن الحكمة في ذلك: بُعد البراهين العادَّية عن الشبهة.
ومنها: أن استنباط الحجة أعظم أجرًا للأنبياء من حدوث الخارق.
ومنها: أن في المحاجة بالحجج العادية إرشادًا لأتباع [375] الأنبياء ممن لا يظهر على يده الخارق، وغير ذلك.
الوجه الثاني: أن الغالب أن الله عَزَّ وَجَلَّ إذا أظهر الخارق لقومٍ فلم يؤمنوا عقَّبه بالعذاب، ولم يكن الخليل عليه السلام يريد تعجيل العذاب رجاء أن تفيد المطاولة في القوم أو بعضهم أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.
الوجه الثالث: لعلَّ الخليل عليه السلام لم يكن حينئذ قد نُبِّئ، وإنما محاجته مع قومه ومع طاغيتهم بإيمانه الذي هداه له الله تعالى من طريق عقله ونظره، ويشهد لهذا قول قومه: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}، والفتى: الشاب (1)، وقد اشتهر أن الله عزَّ وجلَّ لم يبعث نبيًّا إلا بعد أربعين سنةً من عمره (2).
بقي علينا أن نبين وجه دلالة عجزه عن الإتيان بالشمس من مغربها على أنه إنما يقتل ويطلق بإذن الله عزَّ وجلَّ، وأن الله عَزَّ وَجَلَّ قد يأذن له وقد يمنعه، فأستعين الله عَزَّ وَجَلَّ وأستهديه، ثم أقول:
__________
(1) انظر: المصباح المنير 462.
(2) مرَّ ذكره في ص 467، ولا أصل له.
(3/639)

[376] إن العاقل إذا تفكر في خلق الله تعالى الشمسَ جارية بمصالح عباده وأنشأ بها التغيرات الجوية والأرضية التي لها دخل عظيم في حياة الحيوان وطعامه وشرابه وتنفُّسه وغير ذلك مما لا يحصى، وبعضه يعرفه الناس جميعًا، ومن كان له إلمام بعلم الطبيعة كان علمه بذلك أوسع.
وقد كان لقوم إبراهيم عليه السلام معرفة بأحوال الشمس وغيرها من الكواكب؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وعبادتها تدعو إلى تعرف شؤونها، وكذلك كانوا يستدلون بأحوالها على الحوادث الأرضية كما يدل عليه قوله عزَّ وجلَّ في إبراهيم: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)}، أي: أوهمهم بأنه استدلَّ بأحوال النجوم على أنه سيسقم، وإنما يعني عليه السلام بهذا الخبر أنَّ كلَّ إنسان لا بدَّ أن يعتريَه السَّقَم، والله أعلم.
أقول: إذا تفكَّر العاقل في ذلك عَلم شدَّة عناية الله تعالى بالخلق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يدَعُهم مع ذلك هملاً يعمل فيهم بعضُهم ما يشاء في غير مصلحة يعلمها الله عَزَّ وَجَلَّ ويُقدِّرها؟ وأبعدُ من ذلك أن يدَع مَن يوحِّده [377] فريسة لمن يشرك به بدون قضاء منه عزَّ وجلَّ لحكمة يعلمها.
فالإنسان الذي يزعم أنه يفعل في الخلق ما يشاء بدون قدَرٍ من الله تعالى ولا قضاء كأنه ينكر وجود الشمس وجَرْيهَا في مصالح العباد، أو يزعم أنه هو الذي يجريها.
ومما يشبه هذا الاستدلال قولُ الله عزَّ وجلَّ: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2].
قال أبو السعود: "فإنَّ مَن تدبَّرها حقَّ التدبُّر أيقن ... ، وأنَّ لهذه
(3/640)

التدبيرات المتينة عواقبَ وغاياتٍ لا بدَّ من وصولها .... " (1).
أقول: وإيضاحه والله أعلم: أنكم إذا تدبرتم هذه الآيات علمتم أنَّ الخالق الذي دبَّر العالم هذا التدبير لم يكن ليخلقكم عبثًا ولا ليدَعَكم سُدى. وإذا كان الأمر كذلك فلا بدَّ من البعث، كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. قال أبو السعود: "فإنَّ خلقكم بغير بعثٍ من قَبيل العبث" (2). وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ... أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36 - 40].
وعلى هذا فإنما بُهت الذي كفر لقيام الحجة على عجزه عن قتل أحد أو استحيائه بغير قضاء الله تعالى وقدَره، فأما الإتيان بالشمس من مغربها فإنه لم يدَّع القدرة عليه أصلاً، ولو كان يدَّعيه لأمكنه أن يعاند فيقول: لا أريد الإتيان بالشمس من المغرب؛ فإن ذلك منافٍ لحكمتي ومصالح رعيتي، وقد أقمت أنا الحجة على قدرتي على الإحياء والإماتة وأنت الجاحد لذلك، فأنت المطالَب بما يدفع حجتي، أو نحو ذلك، والله أعلم.
وهناك معانٍ أخر حُملت عليها القصَّة ليس فيها أقرب مما مرَّ.
وقد رُوي أن المحاجَّة كانت قبل (3) إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار (4)؛ فإن صحَّ فيكون الله عَزَّ وَجَلَّ جعل في ذلك برهانًا حسِّيًّا [378] على
__________
(1) تفسير أبي السعود 1/ 742. [المؤلف]
(2) تفسيره 2/ 207. [المؤلف]
(3) سبق في ص 469: قُبيل.
(4) نُقِل هذا المعنى عن مقاتل. انظر غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري 2/ 22.
(3/641)

تكذيب الطاغية في زعمه أنه هو الذي يطلق من أراد إطلاقه ويقتل مَن أراد قتله، والله تبارك وتعالى أعلم.
وعلى ما تقدَّم فلم يدَّع الطاغية الربوبية العظمى وإنما ادَّعى أن أمر رعيَّته مفوَّض إليه يصنع فيهم ما يشاء، لا يمنعه الله عزَّ وجلَّ عما يريده بهم، فيرجع النزاع إلى ضرب من النزاع في القدر، والله أعلم.

تفسير تأليه المسيح وأمه عليهما السلام
رأيُ النصارى في المسيح عليه السلام مضطرب، ويظهر بالتأمُّل أن أول ما تخيَّله العامَّة أن عيسى هو ابن الله حقيقة، حملهم على ذلك أمور:
منها: أنهم سمعوا أنه وُلد من غير أبٍ.
ومنها: أنه كان يقال له: ابن الله، وقد كان هذا المجاز شائعًا في بني إسرائيل، وقد ورد في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب الآن في داود أنه ابن الله البكر، وورد فيها نحوه في مواضع كثيرة. وقد قال تبارك وتعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].
[379] ومنها: أنهم سمعوا كثيرًا من الأمم يدَّعون في رجال منهم أنهم أبناء الله لأنهم وُلدوا من عذارى، وقد نبَّه الله عزَّ وجلَّ على هذا بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30].
وفي كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" للتَّنِّير (1) بيان مَن قال
__________
(1) ص 151 فما بعدها، والتَّنِّير هو: محمَّد طاهر بن عبد الوهاب بن سليم التَّنِّير =
(3/642)

هذه المقالة من الأمم قبل النصارى، وكأن بعض رؤوس الضلال أشاعوا في عامَّة النصارى تلك العقيدة مروِّجين إفكهم بالأمور السابقة، وبما كان يجري على يد المسيح عليه السلام من الخوارق.
ولعلَّ الذي تولَّى كِبر ذلك بولس (1)، وكان من مكره أن أعلن بالإباحة ورفع الأحكام التكليفية، فعل ذلك إفسادًا للدين وتقرُّبًا إلى العامة واجتذابًا لهم، وكان مَن بقي من أهل الحق يخافون على أنفسهم، ولا يكاد الناس يسمعون قولهم؛ لأنهم إذا جهروا بشيء قال الناس: هؤلاء يبغضون المسيح ويحقرونه ويجحدون فضائله ويطعنون على من يحبه ويعظمه، ورؤوس الضلال يصوَّبون قول العامَّة ويوجِّهون أقوالهم، وإذا حوققوا قالوا: إن العامة إنما يقولون في المسيح ما [380] يقولون على سبيل التجوُّز والاستعارة، وأيُّ عاقل يخفى عليه أن الله عزَّ وجلَّ لا يكون له ابن حقيقة؟
وكان بعض بقايا أهل الحق يجْبُن أن يصرِّح به خوفًا من أن يُفهم من كلامه تحقير للمسيح، ثم نشأ في القوم مَن أخذ بنصيب من الفلسفة وأحبَّ
__________
= البيروتي. توفِّي في دمَّر من ضواحي دمشق، عام 1352 ه انظر: الأعلام للزركلي 6/ 173.
(1) وُلد في طرسوس الواقعة الآن في تركيا عام 10 ميلادي، كان يهوديًّا، من أشدِّ المعادين للنصارى، ثم دخل دينهم، وهو الذي سمح لغير اليهود أن يدخلوا في الديانة النصرانية بعد أن كانت مقصورة على اليهود، وهو الذي ألغى الختان، ويُنسب إليه في رسائله مشاركته في تحليل الخمر والخنزير والربا، قيل: إنه فعل ذلك لتقريب الوثنيِّين من النصرانية. انظر: الموسوعة البريطانية، مادة: paul,the Apostle وانظر: محاضرات في النصرانية، لمحمد أبو زهرة ص 70 - 75، 118 - 119.
(3/643)

أن يطبِّق تلك العقيدة على العقل فاستشنع ما كان يعتقده العامَّة من أنَّ الله تعالى وقع على مريم فأحبلها، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًّا.
فمنهم مَن زعم أن الله تعالى هو نفسه حلَّ في مريم لأنهم يجدون كثيرًا من الأمم قد تورَّطت في اعتقاد الحلول.
ومنهم مَن زعم أن الذي حلَّ في بطن مريم بعضٌ من الله.
والعاقل يعلم أن ما استشنعه المتفلسفون من قول العامة ليس بأشنع مما قالوه هم أعني المتفلسفين.
والمقصود هنا إنما هو بيان معنى تأليههم المسيح وأمه عليهما السلام فأقول:
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [381] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [المائدة: 73 - 76].
ليس المراد بالثلاثة هنا ما اشتهر عن النصارى من أن الله تعالى ثلاثة أقانيم، وإنما المراد بالثلاثة: الله تعالى وعيسى وأمه.
ويدلُّ على ذلك أمران:
(3/644)

الأوَّل: أنه قال: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} فدلَّ أن الاثنين الآخرين غيره، والنصارى لا يقولون ذلك في مسألة الأقانيم، بل يقولون: إن مجموع الثلاثة الأقانيم هو الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه ذكر في الرد عليهم حقيقة المسيح وحقيقة أمه، وليس لأمه دخل في الأقانيم، وإنما الأقانيم عندهم عبارة عن الأب والابن وروح القدس، فالأب هو الذات، والابن هو الصفة التي فارقته، ودخلت في بطن مريم فكانت المسيح، وروح القدس صفة ثانية نزلت على المسيح في صورة حمامة.
وقال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ [382] لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116].
فعُلم بهاتين الآيتين أن النصارى يؤلَّهون مريم ويعبدونها كما يؤلَّهون عيسى ويعبدونه، وقد عُلم أنهم لم يقولوا في مريم إنها واجبة الوجود ولا قديمة ولا أنها جزء من الله تعالى، ولا أنها تخلق وترزق وتنفع وتضرُّ وتغفر الذنوب، فثبت بذلك أنَّ التأليه والعبادة لا يتوقَّفان على اعتقاد شيء من هذه الصفات في المعبود، وأنَّ اعتقادهم هذه الصفات في عيسى أمر زائد على التأليه والعبادة.
(1) فأما قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا
__________
(1) من هنا بداية ملحقٍ يزيد عن صفحتين قليلاً.
(3/645)

لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171]، فأكثر المفسرين وغيرهم حمل قوله: {ثَلَاثَةٌ} على قولهم: الله وعيسى وأمُّه ثلاثة آلهة.
قال السعد التفتازاني في المطوَّل: "أي: لا تقولوا: لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة، فحُذِف الخبر ثم الموصوف أو المميَّز، أو لا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي: مستوون في استحقاق العبادة والتربية" (1).
وقال المحقِّق عبد الحكيم في حواشيه على حواشي الخيالي على شرح العقائد النسفية في الكلمة (2) على تكفير النصارى: "فالعمدة في تكفيرهم ما ذكره بقوله: على أن قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} يعني أنهم إنما كفروا لإثبات الآلهة الثلاثة لا لأنهم أثبتوا القدماء الثلاثة. ومعنى إثباتهم الآلهة الثلاثة أنهم سوَّوا الثلاثة في الرتبة واستحقاق العبادة على ما صرَّح به الشارح في بحث حذف المسند من شرح التلخيص، لا أنهم يثبتون وجوب وجودٍ لكلًّ من الثلاثة، كيف وقد صرَّح في إلهيَّات المواقف أنه لا مخالف في مسألة توحيد واجب الوجود إلا الثنويَّة دون الوثنية - أي النصارى (؟) (3) فما ذكره المحشِّي: "كانوا يقولون بآلهة وذواتٍ ثلاثة" (4) محلُّ بحث, إذ الاشتراك في الألوهيَّة بمعنى استحقاق العبادة لا يدلُّ على كونها ذواتٍ مع أنه لا حاجة إليه؛ إذ القول بتعدُّد المعبود كافٍ في تكفيرهم،
__________
(1) 3/ 14. [المؤلف]. وفي طبعة دار السعادة التركية ص 143: "في استحقاق العبادة والرتبة".
(2) كذا.
(3) علامة الاستفهام مِن وضع المؤلف.
(4) حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية ص 59 - 60.
(3/646)

فالصواب ترك قوله: "وذوات". نقل عنه.
قال الإِمام الرازي: "فسر المتكلمون قول النصارى: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} بأنهم يقولون بأقنوم الأب وهو الذات، وأقنوم الابن وهو العلم، وأقنوم الروح القدس وهو الحياة. وهذا الجواب مبني على هذا التفسير". انتهى كلامه. يعني الجواب لقوله (1): "وجوابه إلخ مبنيٌّ على هذا التفسير".
وأمَّا لو فسر قول النصارى: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} بأنَّ الله ثالث الآلهة الثلاثة: الله والمسيح ومريم، ويشهد عليه قوله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فوجه تكفيرهم ظاهر لا سترة عليه" (2).
أقول: وقوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ظاهرٌ في أن المراد بقوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} أي: ولا تقولوا: الله ثلاثة أقانيم، كما هو ظاهر لمن تأمَّله. والله أعلم (3).
وقال عزَّ وجلَّ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
دلَّت الآية على أنَّ القوم اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا وآلهة وعبدوهم وأشركوهم كما قالوا ذلك في المسيح، فعُلم منها زيادة على ما مرَّ
__________
(1) في مصدر النقل: "الجواب المذكور بقوله".
(2) 3/ 10 [المؤلف]. و2/ 241 من طبعة فرج الله زكي الكردي
(3) هنا انتهى الملحق.
(3/647)

أن تأليههم لمريم وعبادتهم لها أمرٌ زائدٌ على قولهم: هي أمُّ ابنِ الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
[383] فمن عبادتهم لعيسى عليه السلام إشراكُهم إياه في كلِّ عبادة تكون لله تعالى لزعمهم أنه جزء منه، وتعظيمهم لصورته ولصورة الصليب لمشابهتها للصليب الذي صُلِب عليه فيما زعموا.
ومن تعظيمهم لأمِّه تعظيمُ صورتها والاستغاثة بها.
وأما اتِّخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا وآلهة وعبادتهم لهم وإشراكهم فسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
الكلام على قوله تعالى:
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ [384] تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ
(3/648)

بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [385] وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64 - 80].
[386] قال ابن جرير: "حدثنا أبو كريب قال، ثنا يونس بن بكير قال، ثنا محمَّد بن إسحاق قال, ثني محمَّد بن أبي محمَّد مولى زيد بن ثابت قال، ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه" يعني نحو الحديث الذي تقدَّم قبله، ولفظه: "قال أبو رافع حين
(3/649)

اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعاهم إلى الإِسلام =: أتريد يا محمَّد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس (1): أوَ ذاك تريد منا يا محمَّد؟ ... (2) فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني، أو كما قال، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك ... : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} الآية إلى قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} " (3).
أقول: ابن إسحاق هو إمام أهل المغازي، وقد ذكر هذا الحديث في سيرته، وهو ثقة على الصحيح، وإنما يُخشى تدليسه، وقد صرَّح بالسماع، وشيخه ذكره ابن حبان في الثقات (4)، لكن قال الذهبي: [387] لا يُعرف (5).
وفي أسباب النزول للسيوطي (6): وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن الحسن قال: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا, ولكن أكرموا نبيَّكم، واعرفوا الحق
__________
(1) في الأصل: الرئيس، والتصحيح من طبعة محمود شاكر لتفسير ابن جرير.
(2) وضع النقاط مني، وإنما وضع خطًا طويلاً، ولعله يشير إلى سقم نسخته من تفسير الطبري، والذي تُرك هو: "وإليه تدعونا، أو كما قال".
(3) 3/ 211. [المؤلف]. وأخرجه ابن المنذر 1/ 266، ح 642. وابن أبي حاتمٍ 2/ 693، ح 3756. والبيهقيُّ في الدلائل, باب وفد نجران ... ، 5/ 384. كلُّهم من طريق ابن إسحاق. وانظر: سيرة ابن هشام 2/ 145.
(4) 7/ 392.
(5) ميزان الاعتدال 4/ 26.
(6) لباب النقول ص 51.
(3/650)

لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، فأنزل الله تعالى {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} إلى قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1).
أقول: الآية عامَّة تتناول هذا وتتناول - كما يدلُّ عليه السياق - عيسى عليه السلام بالنظر إلى زعم النصارى أنَّه أمرهم باتِّخاذه ربًّا، وإبراهيم عليه السلام بالنظر إلى زعمهم أيضًا أنه كان نصرانيًّا يأمر باتِّخاذ عيسى ربًّا، وبالنظر إلى زعم المشركين من العرب أنهم على ملَّة إبراهيم عليه السلام مع عبادتهم للملائكة.
وأما ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان ناس من اليهود يتعبَّدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله [388] عن موضعه فقال الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآيتين (2) = ففيه نظر؛ لأنَّ أولئك الأناس من اليهود لم يُؤْتَوا النبوة، اللَّهمَّ إلاَّ أن يُرتكب المجاز فيقال: معنى كونهم أُوتوا النبوة أنهم من قومِ مَنْ أُوتي النبوة، أو نحو هذا، وهذا خروجٌ عن الظاهر بلا موجب.
وقوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} قُرئ بالنصب والرفع؛ فأما النصب فبالعطف إما:
__________
(1) لم أجده في تفسير عبد الرزاق. وقد نقله الواحدي في أسباب النزول ص 113. وعزاه في الدرّ المنثور (2/ 250) إلى عبد بن حميدٍ. قال الزيلعيُّ: (غريبٌ). وقال ابن حجرٍ: (لم أجد له إسنادًا). انظر: تخريج أحاديث الكشَّاف 1/ 192، ح 199. الكافي الشاف (الملحق بالكشَّاف) ص 26، ح 221.
(2) تفسير ابن جرير 3/ 212، [المؤلف]. وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 691، ح 3745.
(3/651)

- على {يَقُولَ} بالنظر إلى أن المعنى: ما كان لنبي أن يقول.
- وإما على محذوف بعد قوله: {تَدْرُسُونَ} تقديره: ما كان له أن يقول.
وعلى كلا الوجهين فالمعنى كما نص عليه ابن جرير: "ما كان له أن يقول .... ولا أن يأمركم" فكلمة (لا) صلة لتأكيد معنى النفي، وذلك شائع في الاستعمال، ولا سيما إذا طال الفصل كما هنا.
وقيل: كلمة (لا) أصلية، والمعنى: "ما كان له أن يقول ولا يأمر" أي ما كان له أن يجمع بين القول وعدم الأمر، وهذا بعيد من حيث المعنى؛ إذ يصير النفي فيه منصبًّا على الجمع بين القول وعدم الأمر فيكون مفهومه أن له أن يقول ويأمر، وهو كما ترى.
ويؤيِّد الأول قوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فإنه يدلُّ على توجُّه النفي إلى كلٍّ من القول والأمر على حِدته, ويؤيَّده أيضًا الفصل [389] بقوله: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} ومثل هذا الفصل لا يحسن بين الأمرين اللَّذَين يُراد توجيه الحكم إلى اجتماعهما، والله أعلم.
وفي الآية احتمالات أُخر ذكرها ابن هشام في المغني في فصل (لا) (1).
والنفي في قوله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} نفيٌ - والله أعلم - للإمكان، كما في
__________
(1) مغني اللبيب 3/ 351 - 353.
(3/652)

قوله تعالى: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل: 60]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145]، أي: لا يمكن أن يجتمع في بشر الأمران:
الأول: {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ}.
الثاني: أن يأمرهم باتِّخاذه وغيره من الأنبياء والملائكة أربابًا.
فحاصل المعنى: أنَّ مَن علم الله تعالى منه الأمر بالشرك لم يؤته النبوة، ومَن آتاه النبوة عصمه عن الأمر بالشرك.
وإنما قلت: إن النفي نفيٌ للإمكان لا للجواز بمعنى الحِلِّ؛ لأمرين:
الأول: أن قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتِيَهُ} مما لا يدخل تحت قدرة العبد حتى يصحَّ أن يوصف بعدم الحلِّ.
فإن قلت: الحكم في الآية [390] منصبٌّ على المجموع كما قدَّمتَ.
قلت: صدقتَ، ولكن حُسْن التعبير في مثل هذا يستدعي إذا كان المنفيُّ الحلَّ أن يُفرَّق بين ما يكون الأمران من عمل مَن لا يحلُّ له المجموع وما يكون أحدهما من غير عمله، ففي الأول يوجَّه المنعُ إلى كلٍّ منهما في الصورة مع التنبيه على أنه موجَّه إلى الجمع، كأن يُقال: ما كان للمسلم أن يتزوَّج المرأة ثم يتزوَّج أمَّها، وفي الثاني يوجَّه المنع إلى ما هو من فعله مقيَّدًا بوجود الأمر الآخر، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
[391] الأمر الثاني: أن نفي الإمكان أقطع للَجاج المفترين على إبراهيم
(3/653)

وعيسى عليهما السلام وأبلغ في تبرئتهما, ولو كان المنفيُّ الحلَّ لأمكن أن يقولوا: أما هما فقد أمرانا بما نحن عليه، وكونه يحل لهما أو لا يحل لا شأن لنا به.
فإن قيل: إن نفي الحلِّ يستلزم نفي الإمكان لعصمة الأنبياء عليهم السلام، فيكون نفي الإمكان بطريقٍ استدلاليٍّ، وهو أبلغ.
قلت: ولكن النصارى لا يعترفون بعصمة الأنبياء عليهم السلام.

تأليه الأحبار والرهبان
أخرج ابن جرير وغيره من طريق عبد السلام بن حرب قال: حدثنا غُطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك"، قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قال: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا [392] نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " قال: قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" (1).
وأخرجه الترمذي بألفاظ أخرى، ثم قال: "حسن غريب لا نعرفه إلا من
__________
(1) لفظ ابن جرير 10/ 71. [المؤلف]. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (ترجمة غُطيف بن أعين) 7/ 106. وابن أبي حاتم 6/ 1784، ح 10057. والطبراني 17/ 92، ح 218 - 219. والبيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ... ، 10/ 116. وغيرهم. وانظر: السلسلة الصحيحة 7/ 861، ح 3293.
(3/654)

حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث" (1).
أقول: غطيف وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني (2).
وقد روى ابن جرير وغيره نحو هذا التفسير موقوفًا على حذيفة رضي الله عنه. وبمعناه عن ابن عباس، ثم عن أبي العالية والحسن والضحاك (3).
وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64] ما لفظه: "فإن اتِّخاذ بعضِهم بعضًا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا [393] مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} ".
ثم أخرج عن ابن جريج يقول: "لا يطع بعضنا بعضًا في معصية الله" (4).
وأخرج في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
__________
(1) جامع الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة، 2/ 184، ح 3095. [المؤلف]
(2) انظر: الثقات 7/ 311، الضعفاء والمتروكون ص 324.
(3) تفسير ابن جرير 11/ 418 - 421، تفسير ابن أبي حاتم 6/ 1784.
(4) 3/ 195. [المؤلف]
(3/655)

[البقرة: 22]. عن ابن عباس وابن مسعود وناسٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} قال: "أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله". وقد مرَّ ذلك (1).
وأخرج عن السدي في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]. قال: "الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله". وقد مرَّ هذا أيضًا (2).
وقد جاء في القرآن عَّدة آيات في ذكر عبادة الطاغوت لعلَّنا نذكرها في فصل عبادة الشياطين.
وقد فسَّر جماعة من السلف الطاغوت بالكاهن والساحر وسادن الصنم الذي يأمر بعبادته وغيرها مما يتديَّن به المشركون، وبكعب بن الأشرف وحُييِّ بن أخطب [394] وغيرهما ممن كان اليهود يطيعونه في الدين.
قال ابن جرير: "والصواب من القول في تأويل: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أنَّ (الجبت) و (الطاغوت): اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون
__________
(1) ص 494.
(2) ص 495.
(3/656)

الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظَّمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف, لأنهما كانا مطاعَيْن في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين" (1). [396]
[395] وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ [396] بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ
__________
(1) 5/ 79. [المؤلف]
(3/657)

الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 13 - 21].
قيل: إن المراد بقوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ}: شركاء للمشركين في كفرهم.
وقيل: المراد: شركاء يشركونهم بالله تعالى.
ومَن قال هذا فسَّره بالأوثان، وتأوَّل نسبة الشرع إليها بأنها سبب له أو أنها تماثيل لمن شرع في زعمهم. وقد تقدَّم ذلك عن البيضاوي.
والصواب إن شاء الله المعنى الثاني، أي أنَّ المراد: شركاء يشركونهم بالله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ عامَّة ما (1) [397] يجيء في القرآن بهذا المعنى، وأن المراد الرؤساء الذين يطيعونهم ويتديَّنون بما يخترعون لهم على أنه من الدين، فيُعلَم من هذه الآية ومما قبلها أن شرع الدين خاصٌّ بالربِّ، فمَن ادَّعى أن له حقًّا أن يشرع، وأن ما شرعه يكون دينًا؛ فقد ادَّعى الربوبيَّة، ومَن قال في شخصٍ: إن له حقًّا أن يشرع وأن ما شرعه يكون دينًا؛ فقد اتَّخذه ربًّا، وجعله شريكًا لله عزَّ وجلَّ، وذلك تأليهٌ له وعبادةٌ وشركٌ بالله تعالى.
__________
(1) إلى هنا انتهى الدفتر الرابع، ويليه الدفتر الخامس، وأوَّله: يجيء في القرآن ....
(3/658)

وقد مرَّ (1) قول الزجَّاج - فيما نقله ابن هشامٍ (2) - أن المعنى في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151]. قال: "الأصل: "أبيِّن لكم لئلا تشركوا"، وذلك لأنهم إذا حرَّم عليهم رؤساؤهم ما أحلَّه الله سبحانه وتعالى فأطاعوهم أشركوا؛ لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته".
وبعد؛ فقد ثبت أن اليهود كانوا يعلمون أن حدَّ الزاني المحصن الرجم، وأن ذلك في التوراة حقٌّ، فشرع لهم أحبارُهم الاكتفاءَ بالجلد والتحميم (3)، فاتَّخذوا ذلك دينًا يزعمون أن الله يحبه ويرضاه.
وأما النصارى فأمرهم أظهر؛ فقد ثبت عندهم أن عيسى عليه السلام أخبرهم أنه لم يُبعَث لنسخ التوراة وإنما بُعِث لتثبيتها، [398] ثم خرج أحبارهم فأبطلوا أحكام التوراة التي كان عيسى نفسه يعمل بها، كالختان وتحريم لحم الخنزير وتحريم السبت وغيرها، زاعمين أنَّ ما شرعه بولس وغيره يكون دينًا يحبُّه الله ويرضاه.
وهكذا مشركو العرب كانوا يزعمون أنَّ ما شرعه عمرو بن لُحَيًّ وأضرابه دينٌ يحبُّه الله ويرضاه، ولما كان يوم الفتح أُخرِجت من الكعبة صورتا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبأيديهما الأزلام يستقسمان بها، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما
__________
(1) ص 326. [المؤلف]. ص 598.
(2) المغني. [المؤلف]. 1/ 250، وانظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 303 - 304.
(3) التحميم: تسويد الوجه بالحُمَم، وهو الفحم. انظر: غريب الحديث لأبي عُبَيدٍ 4/ 16، النهاية 1/ 444.
(3/659)

لم يستقسما بها قطُّ" (1).
فقد زعم المشركون أن الاستقسام بالأزلام دينٌ يحبُّه الله ويرضاه، حتى صوَّروا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام، مع علمهم بأنهما لم يستقسما بها قطُّ، وإنما أحدثها بعض الرؤساء.
وقد قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 93 - 94]، [399] وقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103].
والقرآن يقسِّم الكفر إلى قسمين: الكذب على الله، والتكذيب بآياته. قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68]، وفي القرآن آياتٌ أخرى بمعناه.
وقوله: {وَمَنْ أَظْلَم} استفهامٌ إنكاريٌّ، أي: لا أحد أظلم منه، فعُلِم من ذلك أن ذلك يكون شركًا؛ لأنه لو لم يكن شركًا لكان الشرك أعظمَ منه؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].
__________
(1) البخاريّ، كتاب الحجَّ، باب مَن كبَّر في نواحي الكعبة، 2/ 150، ح 1601. [المؤلف]
(3/660)

فأما أرواح الموتى فعبادتها من جنس عبادة الجنِّ عند بعض الناس، ومن جنس عبادة الملائكة عند آخرين. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى (1).
****
__________
(1) انظر: ص 815 - 816.
(3/661)

[400] القبور والآثار
عبادة القبور والآثار إنما تكون تعظيمًا للمقبور أو صاحب الأثر على نحو ما تقدَّم في شأن الأصنام (1)، حيث تُعبد تعظيمًا للأشخاص التي هي تماثيلُ لهم، فأما الفصل بين ما يكون شركًا من احترام القبور والآثار وما لا يكون شركًا بل قد يكون مشروعًا، فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (2).

الجنّ
كان أهل الجاهليَّة يتعوَّذون برؤساء الجنِّ من شرِّ عامَّتهم - كما تقدَّم -, ونجد الآن كثيرًا من الناس ينذرون للجنِّ ويذبحون لأجلهم، ويصنعون لهم الأطعمة، ثم يضعونها في الصحارى بالليل، ويزعمون أن الجنَّ يأكلون ذلك، وينفعون مقرِّبه، أو يكفُّون عن الإضرار به، أو يدفعون عنه ضرر بعضهم، أو يبيِّنون لهم بواسطة الكاهن شيئًا مُغَيَّبًا كسرقةٍ، أو حال رجلٍ غائبٍ، أو حقيقة مرضٍ وعلاجه، أو نحو ذلك.
والمعزِّمون كثيرًا ما يفزعون إلى ذلك إذا أُتُوا بمصابٍ، وربما يفزعون إلى عبادة الكواكب.
[401] وأحسنهم حالاً مَنْ يعتمد الأوفاق (3) المبنيَّة على الحساب
__________
(1) انظر ص 568 - 572.
(2) انظر: فصل تحقيق السلطان الفاصل بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره ص 873، وفصل الأعذار.
(3) جمع وَفْق: هي جداول مربَّعةٌ لها بيوتٌ مربَّعةٌ، يوضع في تلك البيوت أرقامٌ عدديَّةٌ أو حروفٌ بدل الأرقام ... وذكروا أن لاعتدال الأعداد خواصَّ فائضةً من روحانيَّات =
(3/662)

ومراعاة النجوم، ونحو ذلك، وسيأتي قول الشهرستانيِّ أن ذلك كلَّه مأخوذٌ عن الصابئة.
وإنما يحمل المعزِّمين على ذلك أنه ليس لديهم من الإيمان والتقوى ما يرعب الشياطين ويطردها، فهم يلجؤون إلى تَرضِّي الشياطين والتقرُّب إليهم وفعل ما يحبُّونه، وإن كان في ذلك ذهاب الدين، والله المستعان.
وقد رأيتُ مَن يعتقد أن التقرُّب إلى الجنِّ شركٌ بمثل ما مرَّ، ولكنه إذا مرضت زوجته أو ابنه وقال له المعزَّم يعمل كما يعمل الناس من التقريب للجنِّ؛ أقدَمَ على ذلك، إما مرتابًا في عقيدته وهو الغالب، وإما بائعًا دينه بما يرجوه من منفعةٍ عاجلةٍ بشفاء مصابه، وإما قائلاً: غلبتنا النساء!
فأمَّا عامَّة الناس، فإنهم يزعمون أن حصول النفع حجَّةٌ للجواز، بل وللاستحباب، وقد يبالغ بعضهم فيدَّعي الوجوب، كأنهم لا يعلمون أن السحر تحصل بسببه منفعةٌ للساحر وغيره ممن يريد الساحر نفعَه، وهو مع ذلك كفرٌ.
وعُبَّاد الأصنام يزعمون أنه يحصل لهم منافع بعبادتها، وهكذا عُبَّاد الشياطين تساعدهم الشياطين [402] بأعمالٍ كثيرةٍ، وتلك المنافع عارضةٌ سرعان ما تزول وتعقبها مضارُّ شديدةٌ، وعلى فرض أنها دامت للإنسان مدَّة حياته؛ فحسبه ما يلقاه من غضب الله عزَّ وجلَّ وعذابه بعد مماته.
__________
= تلك الأعداد أو الحروف، ويترتَّب عليها آثارٌ عجيبةٌ وتصرُّفاتٌ غريبةٌ, بشرط اختيار أوقاتٍ مناسبةٍ وساعاتٍ شريفةٍ. مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبري زاده 1/ 373. وانظر: الفروق للقرافيِّ 4/ 142، الفرق: 242.
(3/663)

ولعلَّك قد سمعت بمَن يترك الصلاة المفروضة من المسلمين، ثم يبدو له أن يحافظ عليها، فيصلي عدَّه صلواتٍ، ثم يَدَعُها زعمًا أنه عَرَضَتْ له مصائب ومضارُّ، فلما ترك الصلاة زالت تلك المضارُّ، حتى إن من هؤلاء مَن يقول: الصلاة نحسٌ.
والسبب في هذا الأمر أن الله عزَّ وجلَّ غنيٌّ عن عباده، لا يقبل إلا طيَّبًا، وهؤلاء الجهَّال إنما يحملهم على الصلاة الرغبةُ في أن تحصل لهم منافع دنيويَّةٌ، فيُقدِمون عليه (1) على سبيل التجربة، بلا يقينٍ ولا إيمانٍ ولا إخلاصٍ، فيبتلي الله عزَّ وجلَّ إخلاصهم بما يصيبهم من الامتحان، فأمَّا مَن ثبت وكان عنده إيمانٌ وتصديقٌ؛ فإن تلك الأمور التي يراها مصائب تزول عنه، بل تنقلب منافع وفوائد، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [403] مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] , وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.
وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
__________
(1) كذا في الأصل، ولعله يعيد الضمير إلى العمل والفعل.
(3/664)

فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران: 165 - 167].
نزلت هذه الآية فيما أصاب المسلمين يوم أحدٍ إذ قتل منهم حمزة عمُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم في سبعين، وقلَّ رجلٌ من سائر المسلمين إلا أصابه جرحٌ، حتى لقد جرح رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم - بأبي هو وأمي - فكُسِرت رباعيته وجُرِحت [404] شفته وجبهته ووَجْنَته، ودخل فيها حلقتان من حَلَق المِغْفَر (1)، وقد أخبر تعالى أن ذلك بإذنه ليبلوهم.
فكما كان الابتلاء هنالك بواسطة المشركين فهكذا قد يكون الابتلاء بواسطة الشياطين، كأن يشرع المسلم في عملٍ صالحٍ فتعدو عليه الشياطين بالإيذاء والإضرار، وكلُّ ذلك بإذن الله تعالى، فإذا ثبَّته الله تعالى وصبر جبر الله تعالى مصابه وأثابه عليه، وإن كفَّ عن ذلك العمل الصالح فقد تبيَّن كذبه، فإن اندفعت عنه تلك المصائب بعدُ فَلِهَوَانه على الله تعالى، وهكذا قد
__________
(1) ورد في الصحيحين عن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: "جُرِح وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكُسِرت رباعيته وهُشِمت البيضة على رأسه". انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الجهاد والسير، باب لبس البيضة، 4/ 40، ح 2911. وصحيح مسلمٍ، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحدٍ، 5/ 178، ح 1790.
وفي روايةٍ للطيالسيِّ من حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه: فانتهينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كُسِرت رباعيته وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وَجْنَته حلقتان من حَلَق المِغْفَر. وأخرجها الحاكم، وقال: "صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، لكن تعقَّبه الذهبيُّ، فقال: "ابن إسحاق متروكٌ". يعني محمَّد بن إسحاق بن يحيى بن طلحة. انظر: مسند الطيالسيِّ 1/ 9، ح 6. المستدرك، كتاب المغازي والسرايا، ذكر ما أُصِيب ثنايا أبي عُبَيدة ... ، 3/ 27. وكتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي عُبَيدة بن الجرَّاح، كان أبو عُبَيدة أهتم الثنايا، 3/ 266.
(3/665)

يقدم على العمل السيِّئ فتناله منافع وفوائد دنيويَّةٌ، فإن تداركه الله عزَّ وجلَّ عَلِم أن ذلك ابتلاءٌ فكفَّ عنه، وزهد في تلك المنافع، وإلا فكما قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178].
[405] ومن دقائق هذا الباب أن العبد إذا أراد الرجوع إلى طاعة الله تعالى أحبَّ الله تعالى أن يطهِّره مما سبق من ذنوبه، وأن يبتليه ليتبيَّن ثباته وصدقه، ويوافق ذلك طمع الشياطين في هذا الرجل أنهم إذا آذوه وأضرُّوا به ترك ذلك العمل الصالح، فعن هذا يناله ما يناله، فإذا وفَّقه الله تعالى وثبَّته كان ما أصابه من الشياطين تطهيرًا لما سبق من ذنوبه، وزيادةً له في رفع درجاته، وسرعان ما تزول تلك المضارُّ بزوال سببها، ويجبره الله تعالى ويرفعه، وإن جزع من تلك المضارِّ فترك ذلك العمل الصالح فقد ترتفع عنه المضارّ، وذلك شرٌّ له عاجلًا وآجلاً, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وربَّما تصيب تلك المضارُّ مَن لا ذنب له سابقًا ولا يُراد ابتلاؤه في نفسه، وإنما يُراد بذلك ابتلاء غيره، وهذا كما جرى للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم يوم أحدٍ، إنما أُرِيد بذلك ابتلاء المسلمين ورفع درجات النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم.
[406] ويُحكى أن رجالاً كانوا يضيِّعون الفرائض ويرتكبون المنكرات ويدَّعون مع ذلك أنهم من الصالحين، فيُنكِر عليهم رجالٌ من أهل العلم والدِّين، فتصيب هؤلاء المنكرين مصائب يعدُّها الناس كراماتٍ لمرتكبي المنكرات، وأنت إذا تدبَّرت ما سبق علمت الحقيقة، والله المستعان.
(3/666)

وفي قصَّة أيُّوب النبيِّ عليه السلام ما يعينك على فهم ما قدَّمناه.
والمقصود ها هنا أن الدين كما يعرِّفه أهل العلم: "وضعٌ إلهي سائقٌ لذوي العقول إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم" (1)، وشرعه خاصٌّ بالله تعالى.
وأما ما جاء في بعض الآثار مما يوهم أن للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يشرع فليس على حقيقته، ولكن الله تعالى ربَّما يخيِّر رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم في أمرٍ بعينه ويُعلِمه أنه إذا اختار أن يكون شرعًا لأمته فقد شرعه الله عزَّ وجلَّ، وهذا كما في حديث الحجِّ، إذ قال صلَّى الله عليه وآله وسلم: "أيُّها الناس، قد فرض الله عليكم الحجَّ فحُجُّوا"، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "لو قلت: نعم [407] لوجبت" الحديث (2)، وكما في الحديث الآخر: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاةٍ" (3).
وقد أكمل الله الدين، وأتمَّه في حياة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم، ونزل في عصر يوم النحر (4) من حجَّة الوداع قُبَيل وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه
__________
(1) انظر: مفاتيح الغيب 29/ 273.
(2) صحيح مسلمٍ، كتاب الحجِّ، باب فرض الحجِّ مرَّةً في العمر، 4/ 102، ح 1337. [المؤلف]
(3) صحيح مسلمٍ، كتاب الطهارة, باب السواك، 1/ 151، ح 252. [المؤلف]
(4) كذا في الأصل، ولعلَّه سبق قلمٍ؛ فالذي في الصحيحين أنها نزلت يوم عرفة - كما سيأتي -.
(3/667)

وآله وسلم بنحو ثلاثة أشهرٍ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] (1).
فما لم يكن دينًا في حياة النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يكون دينًا بعده، والكلام على هذه الآية وهذا المعنى ونقل كلام السلف من الصحابة والتابعين وأئمَّة الدين مبسوطٌ في موضعٍ آخرٍ (2).
فالدين إنما يؤخذ من كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم: إن الدين يُؤخذ بالتجربة، ولكن كثيرًا ممن يُظَنُّ بهم الصلاح وهم عن حقيقة الدين غافلون أخذوا يشرعون في دين الله عزَّ وجلَّ بغير إذنه، ويعتمدون في ذلك على التجربة.
ولقد دار بيني وبين بعض الناس كلامٌ سأذكره مع زيادةٍ في جوابي، سألني عن وضعٍ أظفار الإبهامين على [408] الشفتين والعينين عندما يقول المؤذِّن: (أشهد أن محمَّدًا رسول الله)، فقلت: بدعةٌ، وقد علَّمنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما نقوله عند سماع الأذان وبعده، فنجد أكثر الناس تاركين لذلك، محافظين على هذا الفعل، وهذا شأن البدع؛ لأن الشيطان يحرص على أن يشغل الناس بها، ويقنعهم بها عن العبادات، فقال السائل: فهل ورد حديثٌ في هذا الفعل؟ قلت: قد رُوِي في ذلك حديثٌ نصَّ الأئمة على أنه كذبٌ موضوعٌ ليس من قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) يشير إلى ما أخرجه البخاريُّ في كتاب الإيمان, باب زيادة الإيمان ونقصانه، 1/ 18 ح 45. ومسلمٌ في كتاب التفسير، 8/ 238، ح 3017، من حديث عمر رضي الله عنه، وفيه أنه قال: (نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفاتٍ في يوم جمعةٍ).
(2) انظر: "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث"، المسألة الثانية: السنة والبدعة ص 147 - 159.
(3/668)

على أنه لو لم يكن موضوعًا وكان ضعيفًا لما جاز العمل به إجماعًا، أمَّا على القول بأن العمل بالضعيف لا يجوز مطلقًا فواضحٌ - وهذا هو الحقّ، كما حقَّقناه في موضعٍ آخرٍ (1)، ونَقْلُ الإجماع على خلافه سهوٌ -, وأما على قول مَن زعم أن الضعيف يُعمَل به في فضائل الأعمال، فلجواز العمل عندهم شرائط، منها: اندراج ذلك الفعل تحت عمومٍ ثابتٍ، وهذا الفعل ليس كذلك.
فقال السائل: إذا كان قد رُوي الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فينبغي أن يُقبَل.
قلت: نعم، إذا كانت الرواية صالحةً [409] للاعتماد، فأما إذا لم تكن صالحةً فإنه يجب اطِّراحها، هذا حكم الإِسلام؛ لأن الناس قد كذبوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عمدًا وخطأً.
قال السائل: فقد كان رجلٌ يعتاد هذا الفعل، حتى قال رجلٌ من علماء الوهابيَّة (2): إن هذه بدعةٌ، فصدَّقه، وترك ذلك الفعل، ثم أصابه وجعٌ في عينيه، فاختلف إلى الأطبَّاء يداوي عينيه، ودام على ذلك مدَّةً والوجع باقٍ، حتى قُيِّض له رجلٌ من المتصوِّفة ساءله حتى أخبره أنه كان يعتاد هذا الفعل حتى نهاه عنه ذلك الوهابيُّ، فقال له: أخطأت بموافقة الوهابيِّ، ارجع إلى ما كنت تفعله، فعاد لذلك الفعل، فلم يلبث أن ذهب عنه الوجع.
قلت: هذه تجربةٌ، والدين لا يُؤخذ بالتجربة.
وقد أخرج أبو داود وغيره عن زينب امرأة عبد الله بن مسعودٍ، أن
__________
(1) يشير إلى رسالة: حكم العمل بالحديث الضعيف.
(2) تكلَّم المؤلِّف في موضعِ آخر عن إطلاق لفظ "الوهَّابيَّة" على أهل نجد. انظر:
تحقيق الكلام في المسائل الثلاث ص 446 - 453.
(3/669)

عبد الله رأى في عنقي خيطًا، فقال: ما هذا؟ فقلت: خيط رُقِي لي فيه، قالت: فأخذه وقطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله أغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلَه شركٌ"، فقلت: لم تقول هكذا؟ لقد [410] كانت عيني تقذف (1)، وكنت اختلف إلى فلانِ اليهوديِّ، فإذا رقاها سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقى كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أذهب البأس ربَّ الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا". وسيأتي تخريج هذا الحديث وبسط الكلام عليه في بحث الرقى (2)، إن شاء الله تعالى.
قلت: وقد عظمت المصيبة بهذا الأمر، فتجد كثيرًا من أهل الخير والصلاح يُعْرِض عن كتاب الله تعالى والأذكار المأثورة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويواظب على الأحزاب والأوراد المنقولة عن بعض المشهورين بالصلاح اعتمادًا على فضائل ومنافع ذُكِرت لتلك الأحزاب والأوراد، ولو استغنى بكتاب الله عزَّ وجلَّ وبالأذكار الثابتة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لكان خيرًا له؛ فإن الفضائل التي تُذكَر لتلك الأحزاب والأوراد ليست مما يُعتمَد عليه؛ لأنها من زعم رجلٍ من أفراد الأمَّة، ليست ثابتةً عن الله عزَّ وجلَّ ولا عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، على أنَّ كثيرًا منها ينكرها الشرع إذا عرفتَ حقيقة الشرع، ولبعضها هيئاتٌ تدخل في البدع المنكرة، ولعلَّك إذا تدبَّرت رسالتي هذه علمتَ أن الأمر أشدُّ من ذلك، والله المستعان.
__________
(1) بصيغة المفعول، أي: تُرمى بما يهيج الوجع. وبصيغة الفاعل، أي: تَرمي بالرَّمَص - وهو ما جمد من الوسخ في مؤخَّر العين - أو الدمع - وهو ماء العين - من الوجع. انظر: عون المعبود 10/ 368.
(2) انظر: ص 955.
(3/670)

[411] الكواكب
أما قوم إبراهيم عليه السلام فقد قال الشهرستانيُّ في الملل والنحل: "أصحاب الهياكل والأشخاص، وهؤلاء من فرق الصابئة، وقد أدرجنا مقالتهم في المناظرات جملةً، ونذكرها ها هنا تفصيلاً.
اعلم أن أصحاب الروحانيَّات لما عرفوا أنه لا بدَّ للإنسان من متوسِّطٍ، ولا بدَّ للمتوسِّط من أن يُرى فيُتوجَّه إليه، ويُتقرَّب به، ويُستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع، فتعرَّفوا:
أوَّلاً: بيوتها ومنازلها.
وثانيًا: مطالعها ومغاربها.
وثالثًا: اتِّصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتَّبةً على طبائعها.
ورابعًا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها.
وخامسًا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها.
فعملوا الخواتيم وتعلَّموا العزائم والدعوات، وعيَّنوا ليوم زُحَل - مثلاً - يوم السبت، وراعَوا فيه ساعته الأولى، وتختَّموا بخاتمه المعمول على صورته وهيئته وصنعته، ولبسوا اللباس الخاصَّ به، وبخَّروا ببخوره الخاصِّ، ودعوا بدعواته الخاصَّة، وسألوا حاجتهم منه الحاجة التي تُستدعى من زُحَل من أفعاله وآثاره الخاصَّة به، فكان تُقضى حاجتهم، [412] ويحصل في الأكثر مرامهم، وكذلك رفع الحاجة التي تختصُّ بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه، وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب، وكانوا يسمُّونها أربابًا آلهةً، والله تعالى هو ربُّ الأرباب وإله الآلهة، ومنهم مَن جعل
(3/671)

الشمس إله الآلهة، وربَّ الأرباب.
فكانوا يتقرَّبون إلى الهياكل تقرُّبًا إلى الروحانيَّات، ويتقرَّبون إلى الروحانيَّات تقرُّبًا إلى الباري تعالى؛ لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيَّات، ونسبتها إلى الروحانيَّات كنسبة أجسادنا إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيَّات، وهي تتصرَّف في أبدانها تدبيرًا وتصريفًا وتحريكًا كما يتصرَّف في أبداننا, ولا شكَّ أن مَن تقرَّب إلى شخصٍ فقد تقرَّب إلى روحه، ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتَّبة على عمل الكواكب ما كان يُقضى منه العجب، وهذه الطِّلَّسْمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم والصور كلُّها من علومهم.
وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بدَّ من متوسِّطٍ يُتوسَّل به وشفيعٍ يُتشفَّع إليه، والروحانيَّات وإن كانت هي الوسائل لكنا إذا لم نرها بالأبصار ولم نخاطبهم بالألسن لم يتحقَّق التقرُّب إليها إلا بهياكلها، [413] ولكن الهياكل قد تُرى في وقتٍ ولا تُرى في وقتٍ؛ لأن لها طلوعًا وأفولاً وظهورًا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يَصْفُ لنا التقرُّب بها، والتوجُّه إليها، فلا بدَّ لنا من صورٍ وأشخاصٍ موجودةٍ قائمةٍ منصوبةٍ نَصْب أعيننا، فنعكف عليها، ونتوسَّل بها إلى الهياكل، فنتقرَّب بها إلى الروحانيَّات، ونتقرَّب بالروحانيَّات إلى الله سبحانه وتعالى، فنعبدهم ليقرِّبونا إلى الله زلفى.
فاتَّخذوا أصنامًا أشخاصًا على مثال الهياكل السبعة، كلُّ شخصٍ في مقابلة هيكلٍ، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل - أعني الجوهر الخاصَّ به من الحديد وغيره -, وصوَّروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه،
(3/672)

وراعَوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجوميَّة من اتِّصالٍ محمودٍ يؤثَّر في نجاح المطالب التي تُستدعى منه، فتقرَّبوا منه في يومه وساعته، وتبخَّروا بالبخور الخاصِّ به، وتختَّموا بخاتمه، ولبسوا ثيابه، وتضرَّعوا بدعائه، وعزَّموا بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون: كان يقضي حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات كلِّها، [414] وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم بأنهم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيَّتها، كما شرحنا.
وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان؛ إذ سموها آلهةً في مقابلة الآلهة السماويَّة، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وقد ناظر الخليل عليه الصلاة والسلام هؤلاء الفريقين، فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83]، وتلك الحجَّة أن كسرهم قولاً بقوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95 - 96].
ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجوميَّة فيها حقَّ الرعاية - ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره - كان أكثر الحجج معه وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال لأبيه آزر: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74]، وقال: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]؛ لأنك جهدتَ كلَّ الجهد واستعملت كلَّ العلم حتى عملت أصنامًا في مقابلة
(3/673)

[415] الأجرام السماويَّة، فما بلغت قوَّتك العلميَّة والعمليَّة إلى أن تحدث فيها سمعًا وبصرًا، وأن تغني عنك وتضرَّ وتنفع، وأنك بفطرتك وخلقك أشرف درجةً منها؛ لأنك خُلِقْتَ سميعًا بصيرًا، ضارًّا نافعًا، والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتَّخذ تكلُّفًا، والمعمول تصنُّعًا، فيا لها من حيرةٍ إذ صار المصنوع بيديك معبودًا لك، والصانع أشرف من المصنوع، {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 44 - 45]، ثم دعاه إلى الحنيفيَّة الحقَّة {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43]، {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} [مريم: 46] (1).
فلم يقبل حجَّته القوليَّة، فعدل عليه السلام إلى الكسر بالفعل {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} فقالوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا} [الأنبياء: 58 - 59]، {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) [416] فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63 - 65].
فأفحمهم بالفعل حيث أحال الفعل على كبيرهم، كما أفحمهم بالقول حيث أحال الفعل منهم، وكلُّ ذلك على طريق الإلزام عليهم، وإلا فما كان الخليل كاذبًا قطُّ.
ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله سبحانه
__________
(1) هكذا جاء ترتيب الآيات في كتاب الشهرستانيِّ.
(3/674)

وتعالى الحجَّة على قومه قال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفًا له على الروحانيَّات وهياكلها، وترجيحًا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريرًا أن الكمال في الرجال، فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76]، على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}، وإلا فما كان الخليل عليه السلام [417] كاذبًا في هذا القول، ولا مشركًا في تلك الإشارة.
ثم استدلَّ بالأفول والزوال والتغيَّر والانتقال بأنه لا يصلح أن يكون ربًّا إلهًا، فإن الإله القديم لا يتغيَّر، وإذا تغيَّر [احتاج] (1) إلى مغيِّر، وهذا لو اعتقدتموه ربًّا قديمًا وإلهًا أزليًّا, ولو اعتقدتموه واسطةً وقبلةً وشفيعًا ووسيلةً، فالأفول والزوال أيضًا يخرجه عن الكمال، وعن هذا ما استدلَّ عليهم بالطلوع، وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول، فإنهم إنما انتقلوا إلى عمل الأشخاص لِما عراهم من التحيُّر بالأفول، فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث تحيُّرهم، فاستدلَّ عليهم بما اعترفوا بصحَّته، وذلك أبلغ في الاحتجاج.
ثم لما {رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77].
__________
(1) في الأصل والطبعة التي نقل عنها المؤلِّف: (فاحتاج)، والتصحيح من مطبوعة محمَّد سيِّد كيلاني.
(3/675)

فيا عجبًا ممن لا يعرف ربًّا كيف يقول: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}؟ رؤية الهداية من الربَّ تعالى غاية التوحيد ونهاية المعرفة, والواصل [418] إلى الغاية والنهاية كيف يكون في مدارج البداية؟ دع هذا كلَّه خلف قافٍ، وارجع بنا إلى ما هو شافٍ كافٍ، فإن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج وأوضح المناهج.
وعن هذا قال {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} [الأنعام: 78]؛ لاعتقاد القوم أن الشمس ملك الفلك، وهو ربُّ الأرباب الذين (1) يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه الآثار, {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78 - 79] " (2).
ومما قاله البحَّاثون عن آثار بابل أنه يُعلَم منها أنهم كانوا يعترفون بوجود الله عزَّ وجلَّ، واسمه عندهم (إل)، وأن كلَّ ما سواه من روحانيِّين وكواكب وغيرها فهم خلقه وعبيده، ثم يؤلِّهون زُحَلًا (3) والمشتري والمرِّيخ والزهرة وعطارد. وعندهم أن لزُحَل صورة ثورٍ برأس إنسانٍ وجناحي طائرٍ، وللمرِّيخ صورة أسدٍ برأس إنسانٍ وجناحي طائرٍ، وهكذا، ثم يمثِّلون لها تماثيل بتلك الصور التي تخيَّلوها ويعبدون تلك التماثيل. [419]
__________
(1) كذا في الأصل والطبعة التي نقل عنها المؤلَّف، وفي الملل والنحل - بتحقيق محمَّد سيَّد كيلاني - 2/ 53: (الذي).
(2) الملل والنحل 2/ 146 - 151. [المؤلف]
(3) كذا في الأصل.
(3/676)

انظر: تفسير الجواهر (1) لطنطاوي جوهري (2).
وفيه أيضًا: أنهم كانوا يصفون المشتري بالربِّ العظيم، والملك، وملك الآلهة، والإله المجيد، والقاضي، والقديم، وقاضي الآلهة، وربِّ الحروب، وملك السماء، وربِّ الأبديَّة العظيم، وربِّ الكائنات، ورئيس الآلهة، وإله الآلهة، والمرِّيخَ بإله الحرب والصيد، الرجل العظيم، البطل القدير، ملك الحرب المهلك، جبَّار الآلهة، ومن صفاتهم للزهرة: ملكة الآلهة والإلهات، ولعطارد: ربُّ الأرباب الذي لا مثيل له.
واستدلَّ صاحب التفسير المذكور بهذه الأوصاف المتناقضة ظاهرًا بأنهم كانوا يطلقون هذه الصفات على سبيل المبالغة في المدح.
قال: "وقصارى الأمر وحُماداه (3) أن هؤلاء الصابئين كانوا أوَّلاً يعبدون الله تعالى، ولله ملائكةٌ موكَّلون بالكواكب، فالله هو المعبود، والملائكة يعملون بأمره، والكواكب كأنها أجسامٌ لتلك الأرواح، فعبادة الملك يتقرَّبون بها إلى الله عزَّ وجلَّ، والكوكب حجابه أو جسمه أو نحو ذلك، فهو رمزه، والتماثيل في الأرض مذكِّراتٌ بالكواكب إذا غابت عنهم.
[420] إذًا العبادات في نظرهم كلُّها راجعاتٌ إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. فإذا عبدوا زُحَل أو المشتري فقد أرادوا بذلك أنهما ملكان، ثم اعتبروا الكواكب ثم
__________
(1) 10/ 205 - 206. [المؤلف]
(2) المصريّ، باحث له اشتغال بالتفسير والعلوم الحديثة, ولد سنة 1287ه, من كتبه: الجواهر في تفسير القرآن الكريم، توفي سنة 1358 ه. معجم المفسرين 1/ 242.
(3) سبق معناه ص 457.
(3/677)

التماثيل" (1).
أقول: وما ذكره من أنَّ (إل) عندهم اسم الله عزَّ وجلَّ يبيِّنه ما جاء عن سلف الأمَّة أنَّ (إيل) اسم الله عزَّ وجلَّ بالسريانيَّة وهي لغة القوم. وجاء عن ابن عبَّاسٍ أن معناه: الرحمن (2)، وربَّما يشهد له ما جاء في القرآن حكايةً عن إبراهيم عليه السلام {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} [مريم: 45]. وعلى ذلك سُمَّي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام: إسرائيل، ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ وغيره أن معنى إسرائيل: عبد الله (3)، وفي التوراة والإنجيل الموجودَيْن الآن التصريح بأنَّ (إيل) اسم الله تعالى (4).
وقد اختلف أهل العلم في قول إبراهيم عليه السلام: {هَذَا رَبِّي}، فعامَّة الخلف يتأوَّلونه على نحو ما مرَّ عن الشهرستانيِّ، والمنقول عن السلف أنه على ظاهره، وقد ذكر ابن جريرٍ قول السلف ثم قال: "وأنكر قومٌ من غير أهل الرواية هذا القول الذي رُوِي عن ابن عبَّاسٍ وعمَّن رُوِي [421] عنه من أن إبراهيم عليه السلام قال للكوكب أو للقمر: {هَذَا رَبِّي}، وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفولته وقبل قيام الحجَّة عليه، وتلك حالٌ لا يكون فيها كفرٌ ولا إيمانٌ، وقال آخرون ... ، وفي خبر الله
__________
(1) انظر: تفسير الجواهر لطنطاوي جوهري 10/ 208.
(2) لعلَّه يعني ما أخرجه ابن أبي حاتمٍ (1/ 182، ح 963) - بسندٍ صحيحٍ - عن ابن عبَّاسٍ، قال: (إنما قول جبريل كقوله: عبد الله وعبد الرحمن). وانظر: زاد المسير 1/ 119, تفسير ابن كثيرٍ 1/ 190.
(3) انظر: تفسير الطبريِّ 1/ 593.
(4) انظر: المعجم العبري الإنكليزي للعهد القديم، د/ وليم غزينيوس، ص 42.
(3/678)

تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأن الصواب من القول في ذلك الإقرار بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه والإعراض عما عداه" (1).
أقول: ومما يشكل على القول الأوَّل أنَّ كلَّ عاقلٍ يعلم منذ حداثته بوجود الكواكب والشمس والقمر، وأنها تطلع وتأفل، فكيف يغفل إبراهيم عليه السلام عن كون الكوكب الذي رآه تلك الليلة سيأفل، أو أن القمر سيظهر بعده، وأنه أعظم منه، وأنه سيأفل، وأن الشمس ستطلع بعدهما، وهي أكبر منهما، وأنها ستأفل؟
وقد يُجاب بما رواه ابن جريرٍ وغيره عن ابن إسحاق أن أمَّ إبراهيم وضعته في مغارةٍ لا يرى فيها السماء ولم تخرجه حتى كبر، فأخرجته ليلاً فرأى الكوكب وجرى ما جرى (2)، وعلى هذا فيقوى القول [422] بأنه كان حينئذٍ في عهد الطفولة، فيهون الأمر في حمل الكلام على ظاهره، مع أنه عليه السلام كان حينئذٍ ساعيًا في طلب الحقِّ محبًّا لإدراك الحقيقة، ليس في قلبه غيرُ ذلك.
وعلى كلِّ حالٍ فالظاهر أنَّ نظره عليه السلام في الكواكب كان بعد إنكاره عبادة الأصنام - كما يدلُّ عليه الترتيب القرآنيُّ -, حيث ذكر إنكاره على أبيه عبادة الأصنام، ثم عقَّبه بقصَّة النظر في الكواكب، وكأن أباه كان
__________
(1) 7/ 150 - 151. [المؤلف]
(2) انظر: تفسير ابن أبي حاتمٍ 8/ 2777 - 2778، ح 15691. تفسير الطبريِّ 9/ 356 - 359.
(3/679)

اعتذر إليه بأنه إنما يعبد الأصنام لأجل الكواكب، فانتقل إلى النظر في الكواكب.
والظاهر أن المراد بالربَّ في قوله: {هَذَا رَبِّي} المعبود، لا بمعنى الخالق القديم الواجب الوجود؛ فإنَّ القوم كما تقدَّم كانوا يعترفون بأن الله عزَّ وجلَّ هو الربُّ القديم الواجب الوجود، وإنما يشركون به غيره، ويشهد لهذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77]، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26 - 27]؛ [423] فالاستثناء في هاتين الآيتين يدلُّ على أن القوم كانوا يعبدون الله تعالى ويشركون به غيره؛ إذ الأصل في الاستثناء الاتصال.
ثم رأيت في تفسير ابن جريرٍ ما لفظه: "حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، يقول: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} الآية [يوسف: 106]، قال: ليس أحدٌ يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمنٌ بالله ويعرف أن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77]، قد عرف أنهم يعبدون ربَّ العالمين مع ما يعبدون" (1).
وقال تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 13/ 45. [المؤلف]
(3/680)

بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78 - 79].
قال ابن جريرٍ: "حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركتَ عبادة هذه، فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فقالوا: ما جئت بشيءٍ، ونحن نعبده ونتوجَّهه، فقال: لا. {حَنِيفًا}، قال: مخلصًا، لا أشركه كما تشركون" (1).
ثم قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 80 - 82].
[424] كأنَّ محاجَّتهم له - والله أعلم - كانت بذكر الروحانيِّين، وكذا التخويف كان بهم، وهذا يدلُّ أنهم كانوا يزعمون للروحانيِّين قدرةً على النفع والضرَّ، وأنه يخشى أن يضروا مَن ينهى عن عبادتهم، وقد يجوز أن يكونوا لم يثبتوا للروحانيِّين إلا الشفاعة، أي سؤال الله تعالى أن ينفع أو أن يضرَّ، وسيأتي تحقيق المقام إن شاء الله تعالى في الكلام على عبادة الملائكة (2).
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 7/ 151 - 152.
(2) انظر ص 712 - 715.
(3/681)

فأما بلقيس وقومها فإنهم سبأ، وقد قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا [425] فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 12 - 23].
يؤخذ من ذكر قصَّة سبأ عقب قصَّة سليمان أن بينهم وبينه علاقةً، وكأن ذلك إشارة إلى قصَّة صاحبة العرش، فإنها ملِكتهم [426]، وقولهم: {رَبَّنَا
(3/682)

بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} يدلُّ على اعترافهم بالله تعالى، وتعقيبُ قصَّتهم بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لمشركي العرب: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي: الملائكة - كما يدل عليه السياق، وقد تقدم بيانه (1) - يُشعرُ بأنَّ شرك سبأ كان مشابهًا لشرك قريشٍ، فيؤخذ من ذلك أنَّ سبأ كانوا يعبدون الشمس لأجل الملائكة، كما مرَّ في الصابئة، والله أعلم.
وفي فهرست ابن النديم في ذكر ديانات الهند: "منهم أهل ملَّة الدينكيتيَّة، وهم عُبَّاد الشمس، قد اتَّخذوا لها صنمًا على عَجَلٍ، ويزعمون أن الشمس مَلَكٌ من الملائكة يستحقُّ العبادة والسجود، فهم يسجدون لهذا الصنم ...
أهل ملَّة الجَنْدربَهكْتِيَّة، وهم عُبَّاد القمر، يقولون: إن القمر من الملائكة يستحقُّ التعظيم والعبادة، ومن سننهم أن اتَّخذوا له صنمًا على عجلٍ ... ولا يفطرون حتى يطلع القمر، ثم يأتون صنمه بالطعام والشراب واللبن، ويرغبون إليه وينظرون إلى القمر ويسألونه حوائجهم ... وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار أخذوا في الرَّقص [427] واللعب والمعازف بين يدي القمر والصنم" (2).
أقول: والوثنيُّون في الهند إلى الآن إذا طلعت الشمس استقبلوها وحنوا رؤوسهم إليها وطبَّقوا أيديهم ووضعوها على جباههم وهي تحيَّة يُحيُّون بها ملوكَهم وأكابرَهم، والعوامُّ من المسلمين في الهند يحيُّون بها أو بنحوها
__________
(1) انظر ص 525 - 527.
(2) الفهرست لابن النديم 488 - 489.
(3/683)

قبورَ صالحيهم، ومن المسلمين مَن يعملها عَقِب كلِّ صلاةٍ يفرغ منها، فينحرف عن القبلة ويستقبل بغداد لموضع قبر الشيخ عبد القادر الجيلانيِّ، أو يستقبل أجمير (1) لموضع قبر الشيخ معين الدين الجشتيِّ (2)، ويمكث ساعةً رافعًا يديه يدعو ثم ينحني ويذهب، ومنهم مَن يشير بتلك الإشارة على معنى التحيَّة، وأهل العلم لا يصنعون ذلك ولا ينكرونه، والله المستعان.
****
__________
(1) مدينة تقع في شمال غربي الهند في ولاية راجستهان.
(2) واسمه محمَّد بن حسن، ولد في سيستان عام 537ه, عاش في أماكن متفرقة من خراسان، ثم توجَّه إلى بغداد وتعرّف على السهروردي المقتول وغيره من الصوفية, ثم انتقل إلى دلهي عام 589 ه غير أنه ما لبث أن توجَّه إلى أجمير، وتوفي هناك سنة 633 ه. انظر: دائرة المعارف الإِسلامية, إعداد المستشرقين 2/ 862.
(3/684)

عبادة أشخاصٍ لا وجود لها
أما قوم هودٍ، فقوله تعالى حكاية عن هودٍ عليه السلام: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [الأعراف: 71] يدلُّ أنهم كانوا يعبدون أشخاصًا لا وجود لها؛ لما سلف في تفسير آيات النجم (1).
وقال تعالى حكايةً عنهم: [428] {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 53 - 54].
وهذا يدلُّ أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم نوعًا من القدرة على النفع والضرِّ، وكأنه على معنى أنهم - أي: الآلهة - يسألون الله تعالى أن ينفع أو يضرَّ، فقد قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [فصلت: 13 - 14].
فقوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ظاهرٌ في أنهم كانوا يعبدون الله تعالى، ولكنهم يشركون به، وابتداء الرسل بهذا يدل على أن المرسَل إليهم لم يكونوا يجحدون وجود الله عزَّ وجلَّ، بل قول المرسَل إليهم: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} صريحٌ في أنهم كانوا يعترفون بأن الله عزَّ وجلَّ ربُّهم، ويعترفون بوجود الملائكة عليهم السلام.
__________
(1) هذا من القدر الذي لم أعثر عليه من الكتاب. وانظر ما سلف ص 482.
(3/685)

وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ في سورة الأحقاف خبر عادٍ، ثم قال: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ [429] الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} [الأحقاف: 27 - 28].
وذكر المفسِّرون أن المراد بما حولهم عادٌ وثمود وغيرهم، وهو ظاهرٌ.
وقال الراغب: "وقوله: {قُرْبَانًا آلِهَةً} فمن قولهم: قربان الملِك: لمن يُتقرَّب بخدمته إلى الملِك، ويُستعمَل ذلك للواحد والجمع" (1)، أي: لأنه في الأصل مصدرٌ.
أقول: وقولهم: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} (2) قد يؤخذ منه أنهم كانوا يعبدون الملائكة، ولكن كانوا ينعتونهم بصفاتٍ كاذبةٍ، فلذلك قضى عليهم أنهم كانوا يعبدون أشخاصًا لا وجود لها، ويؤخذ من قوله تعالى: {اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا} أنَّهم كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زلفى، وأنَّ قولهم: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] أرادوا به أنَّ الآلهة تسأل الله تعالى أن يصيبك بسوءٍ، والله أعلم.
وقد ورد في التواريخ أنه كان للقوم أصنامٌ، فإن ثبت فإنها كانت تماثيل للأشخاص التي تخيَّلوها وزعموا أنها الملائكة، والله أعلم.
__________
(1) مفردات ألفاظ القرآن 664.
(2) في الأصل: "لو شاء الله لأنزل ملائكةً", وليست هي التي مضت في حكاية قول عادٍ وثمود.
(3/686)

المصريُّون
أما في عهد إبراهيم عليه السلام ففي حديث الصحيحين في ذكر [430] الجبَّار الذي أراد اغتصاب سارة زوجة إبراهيم عليه السلام: "فلما أُدخِلت عليه ذهب يتناولها بيده, فأُخِذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرُّكِ فدعت الله فأُطلِق، ثم تناولها الثانية، فأُخِذ مثلها أو أشدَّ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرُّكِ, فدعت الله فأُطلِق" (1).
وقد قال ابن هشامٍ والسهيليُّ: "إن هذا الجبَّار كان ملك مصر" (2). وقد يشهد لذلك أن هاجر التي أعطاها لسارة من القبط، وفي التوراة الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب: "وحدث جوعٌ في الأرض فانحدر أبرام (إبراهيم) إلى مصر ... وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأةٌ حَسَنة المنظر فيكون إذا رآك المصريُّون أنهم يقولون: هذه امرأته فيقتلونني ويستَبْقُونكِ، قولي: إنكِ أختي ... فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريِّين رأوا المرأة أنها حسنةٌ جدًّا، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخِذت إلى بيت فرعون ... فضرب الربُّ فرعونَ ضرباتٍ عظيمةً بسبب ساراي امرأة أبرام" (3).
__________
(1) صحيح البخاريَّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ... ، 4/ 141، ح 3358. وبمعناه في صحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، بابٌ من فضائل إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم -، 7/ 98 - 99، ح 2371، وزاد ذكر مرَّةٍ ثالثةٍ. [المؤلف]
(2) انظر: الروض الأنف بهامش سيرة ابن هشامٍ 1/ 16.
(3) سفر التكوين، إصحاح 12. [المؤلف]
(3/687)

[431] فقول الجبَّار لسارة: "ادعي الله لي"، صريحٌ في أنه يعترف بربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ.

المصريُّون في عهد يوسف عليه السلام
قال تعالى حكايةً عن عزيز مصر: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29]، المتبادر أنه أراد: استغفري الله عزَّ وجلَّ.
وقال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 30 - 31]، فالنساء اللاتي تدعوهنَّ امرأة العزيز، لا بدَّ أن يكنَّ من نساء عظماء مصر، وقولهنَّ: {حَاشَ لِلَّهِ} الآية، صريحٌ في اعترافهنَّ بربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ ووجود الملائكة.
وقال تعالى حكايةً عن النسوة: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [432] إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 51 - 53].
فقولهنَّ: {حَاشَ لِلَّهِ} صريحٌ في اعترافهنَّ بالله عزَّ وجلَّ - كما سبق -, وقد قال بعض المفسِّرين: "إن قول {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} إلخ، من كلام امرأة
(3/688)

العزيز" (1)، وعليه ففيه الدلالة على معرفتها بربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ، ولكن الصحيح أنه من كلام يوسف عليه السلام (2).
وفي التوراة التي بيد أهل الكتاب الآن ذكر قصَّة رؤيا الملِك وتعبير يوسف إيَّاها له، ثم قال: "فحسن الكلام في عيني فرعون وفي عيون جميع عبيده، فقال فرعون لعبيده: هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله، وقال ليوسف: بعد ما أعلمك الله كلَّ هذا ليس بصيرٌ وحكيمٌ مثلك" (3).
فيُعلَم مما تقدَّم ومِن قوله تعالى حكايةً عن يوسف: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [يوسف: 39 - 40] أن القوم كانوا يعترفون بربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ ويعبدونه، ولكنهم يعبدون معه أشخاصًا لا وجود لها، والظاهر أنهم كانوا يزعمون أنهم يعبدون الملائكة، ولكن ينعتونهم بنعوتٍ لا وجود لها.
وقبل الكلام على المصريِّين في عهد فرعون ننقل ما قاله البحَّاثون في الآثار المصريَّة.
قال طنطاوي الجوهريُّ في تفسيره في ذكر ديانات المصريِّين القدماء:
__________
(1) انظر: زاد المسير 4/ 238 - 240.
(2) لشيخ الإِسلام ابن تيمية رأي آخر. انظر: الفتاوى الكبرى 5/ 249، ومنهاج السنة 2/ 412.
(3) التكوين، الإصحاح 41، فقرة 27. [المؤلف]
(3/689)

"إنهم يقولون: الخالق الحقُّ (1) للسموات والأرض لم يخلقه أحدٌ، [433] الواجب الوجود لنفسه، الكائن منذ الأزل، الروح الطاهر الكامل في جميع أوصافه، الكُلَّي الحكمة والقداسة، وهذا الإله لم يصنعوا له رسمًا ولم يكن له اسمٌ عندهم، ولا يبيحون التلفُّظ باسمه، ويقولون: إن كلَّ ما سواه من الآلهة ليس إلا صفةً له أو قسمًا من الطبيعة التي خلقها، وكانوا يقولون: إن العبادة للآلهة الصغيرة هي لله تعالى، أي: ما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زلفى، وإذا كان الله لا يجوز التلفُّظ باسمه فوجب أن تُقَدَّم العبادة للآلهة الصغيرة؛ لأن الله أكبر من أن نعبده نحن .... ولما كانت الآلهة الصغيرة المعروفة عند العامَّة ليست مقصودةً لذاتها، بل هي رمزٌ لخالقها، أجازوا أن يُسمَّى الواحد من هذه الآلهة باسم الآخر؛ لأنها مرجعُها كلِّها إلى الإله الأوَّل" (2).
وقال في موضعٍ آخر نقلاً عن مجلَّة الشبَّان المسلمين: "قال المؤرِّخ شمبليون فيجياك: قد استنبطنا من جميع ما هو مدوَّنٌ على الآثار صحَّة ما قاله المؤرِّخ جامبليك وغيره من أن المصريِّين كانوا أمَّةً موحِّدةً لا تعبد إلا الله ولا تشرك به شيئًا غير أنهم [434] أظهروا صفاته العليَّة إلى العِيان مشخَّصةً في بعض المحسوسات" (3).
__________
(1) في الأصل: (للخلق)، والتصويب من تفسير الجواهر 10/ 209، طبعة الحلبي، الطبعة الثانية.
(2) تفسير الجوهريِّ 10/ 201.
(3) راجع: كتاب الأثر الجليل لقدماء وادي النيل؛ لأحمد بك نجيب، ص 123. [المؤلف]
(3/690)

وقال العلَّامة مسبرو: "مَن تأمَّل في الآثار الباقية إلى الآن بالديار المصريَّة واللوحات الدينيَّة المنقوشة بالهياكل وما على الورق البرديِّ هالتْه كثرة هذه الآلهة المصوَّرة عليها ... كانوا يقولون: إنه الله عزَّ وجلَّ ... إلهٌ واحدٌ لا شريك له ... ثم عدَّدوا صفاته العليَّة وميَّزوها بالأسماء واشتقُّوا منها نعوتًا شخَّصوها في المحسوسات وكلَّ شيءٍ نافع، وكلُّها ترجع إليه، ولأجل التمييز جعلوا لكلَّ اسمٍ تمثالاً ... " (1).
وفي جريدة البلاغ، تاريخ 4 رجب سنة 1353، مقالةٌ من قلم أحمد يوسف بالمتحف المصريَّ، تحت عنوان "الدين في عقيدة قدماء المصريين"، جاء فيها ما لفظه: " ... وهم وإن كانوا قد اتَّخذوا آلهةً لكلِّ قوَّةٍ من القوى الحيويَّة، إلا أنهم كانوا يجمعون في كلِّ ذلك فكرةً في إلهٍ واحدٍ هو الإله الأكبر، فكانوا مرَّةً يجعلونه [435] "رع" في عقيدة القسم الأدنى - الوجه البحريِّ -, ومرَّةً "أمون" في عقيدة القسم الأعلى - الوجه القِبليِّ -, ومرَّةً يوفِّقون بين العقيدتين فيجمعون الإلهين معًا تحت اسم واحدٍ: "أمون - رع"، ومن ذلك العبارة المشهورة التي كانت مبدأً من مبادئ الأسرة الثانية عشر (2)، حوالي سنة (2000) قبل الميلاد، وهي: اعمل ما يرضي الله وما يحبَّب فيك الناس، والعبارة الأخرى التي وردت في نصائح الحكيم آنى لابنه خنس حتب من الأسرة الثانية والعشرين، نحو سنة (940) قبل الميلاد، والأثر موجودٌ بالمتحف المصريِّ، تحت رقم (2505)، وفيها يقول: بيت الله يدنَّسه الصَّخَب، ادعُ بقلبٍ ودودٍ ربَّك ذا الكلمات الخفيَّة
__________
(1) 11/ 67 - 68. [المؤلف]
(2) كذا.
(3/691)

ينجزْ ما تطلبُ ويسمعْ ما تقولُ ويَقبلْ ما تُقرِّبُ.
وهناك أدلَّةٌ أخرى كثيرةٌ في هذا الموضوع، لعلَّنا نحسن في اختيارنا منها نشيدًا جليل الشأن وُضِع للإله "أمون- رع" الذي ذكرناه، وهو محفوظٌ بالمتحف المصريِّ تحت رقم (2505 B)، في ورقة برديَّةٍ من الأسرة الثامنة عشرة، قبل عصر الملك أخناتون الذي نادى بتوحيد العبادات، والذي سنتكلم عنه في مقالنا القادم [436] إن شاء الله تعالى، ونقتطف من هذا النشيد ما نصُّه بالحرف: "سلامٌ عليك يا مَن يسمع دعوة الملهوف، أنت الرحيم بمَن يدعوك، يا مغيث المستضعَف مِن المتجبِّر، يا مَن يحكم بين الضعيف والقويِّ، أنت الواحد الأحد، بارئ كلَّ ما كان، أنت الذي أنسل من ناظريه بني الإنسان، الذي أوجد الآلهة بكلمةٍ منه، الذي خلق العشب غذاءً للماشية، وشجرة الحياة لبني الإنسان، الذي يَعُول أسماك النهر وطيور السماء، ومدبِّر الهواء لما هو في البيضة، مغذِّي الحيَّة ومطعم البعوضة وكلِّ زاحفٍ وطائرٍ، كذلك تنحني الآلهة لجلالك ممجَّدةً مشيئة خالقها مهلِّلةً عند دنوِّها من بارئها، قائلةً لك: مرحى يا أبا آباء جميع الآلهة، ناشر السماء وباسط الأرض، صانع ما هو كائنٌ وخالق الكائنات، يا مليكًا رئيس الآلهة، نحن نقدِّس مشيئتك؛ لأنك أنت الذي خلقتنا، نحن نباركك؛ لأنك صوَّرتنا، نحن نسبِّح بحمدك؛ لأنك أنت الذي عُنِيت بأمرنا ... ".
أقول (1): يُعلم مما نقلناه عن البلاغ أنَّ القوم وإن كانوا يعترفون بربوبيَّة الله تعالى، إلا أنهم كانوا يشركون به أشخاصًا غيبيِّين [437] يعترفون بأنهم من خلقه، وقد دلَّ القرآن على أن أولئك الأشخاص لا وجود لهم، والظاهر ما
__________
(1) القائل هو المعلِّميّ.
(3/692)

قدَّمناه أنهم كانوا يزعمون أنهم الملائكة، ولكنهم ينعتونهم بنعوتٍ لا تنطبق على الملائكة، وأما ما قاله أولئك المؤرِّخون أنهم إنما كانوا يعبدون الله عزَّ وجلَّ ولكنهم يعدِّدون صفاته فيعبدونه بعنوان كونه مجري الشمس مثلاً ونحو ذلك؛ فهذا تخرُّصٌ قد يكون تأويلًا لبعض حكمائهم، والحقُّ ما قدَّمناه أنهم كانوا يعبدون الملائكة، ثم يعبدون المحسوسات على أنها رموزٌ للملائكة.
وأما قول الشيخ طنطاوي: إن القوم لم يكونوا يعبدون الله تعالى ولا يذكرون اسمه، فهذا لا ينطبق على حالهم في عهد إبراهيم عليه السلام، ثم في عهد يوسف، فقد دلَّ القرآن والسنَّة كما - سلف - على أنهم كانوا يعبدونه ويسمُّونه، وكذا ما مرَّ عن البلاغ يدلُّ على ذلك، إلا أنه يُحتمَل أنهم فعلوا ذلك بعد يوسف عليه السلام، ويؤيِّد هذا ما يأتي في حالهم في عهد موسى عليه السلام.

[438] المصريُّون في عهد موسى عليه السلام
قال الله تبارك وتعالى في فرعون: {فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 21 - 24].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38].
وقال سبحانه: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ
(3/693)

فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ [439] إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 16 - 29].
فَهِم كثير من الناس من هذه الآيات أن فرعون ادَّعى أنه ربُّ العالم، وهذا غلطٌ حتمًا؛ فإن قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} إنما خاطب به قومه، وقوله: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} خطابٌ لموسى، وهو يراه من رعيَّته، ولم يُرِد بقوله: {رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} أنه قديمٌ واجب الوجود.
وقال الشهرستانيُّ في الملل والنحل: "ويشبه أن يكون دعوى اللعينَيْن نمروذ وفرعون أنهما إلهان أرضيَّان كالآلهة السماويَّة الروحانيَّة، دعوى الإلهيَّة من حيث الأمر - يريد استحقاق العبادة - لا من حيث الفعل والخلق، وإلَّا ففي زمان كلِّ واحدٍ منهما مَن هو أكبر سنًّا منه وأقدمُ في الوجود عليه" (1).
ولم يجئ في كلام فرعون ما يدلُّ على زعمه أنه يعلم الغيب، أو يخلق أو يرزق، أو يحيي أو يميت، أو له قدرةٌ غير عاديَّةٍ، فضلاً عن أن يدَّعِي أنه
__________
(1) 2/ 130. [المؤلف]
(3/694)

واجب الوجود، بل في كلامه الاعتراف بخلاف ذلك، وفي كلام قومه معه ما هو ظاهرٌ في أنهم لم يكونوا يزعمون له شيئًا من ذلك، قال الله تعالى حكايةً عنه: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ [440] بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 34 - 56].
[441] ولو كان يدَّعي القدرة لما استأمر قومَه، ولما قال له قومُه: "أبعث في المدائن حاشرين" إلخ، بل كانوا يقولون: "أنت القادر، أَبْطِلْ سحره، أو: "أَلْهِم السحرة أن يجتمعوا"، أو نحو ذلك.
وكذا أمره لهامان أن يبني له الصرح صريحٌ في اعترافه بالعجز، وقوله للسحرة: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} مع أنه هو الذي طلبهم ووعدهم صريحٌ في اعترافه بأنه لا يعلم الغيب، وأمثال ذلك كثيرةٌ فلا نطيل بها.
(3/695)

وقال عزَّ وجلَّ: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 51 - 53].
يمكن أن يكون قوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} بيانًا لقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} إذا كانت القصَّة واحدةً، وعلى كلِّ حالٍ فهذه الآية تدلُّ أنه لم يدَّع مُلْك العالم فضلاً عن ربوبيَّته العظمى، وأنه لم يدَّع ربوبيَّةً في مصر أكثر من كونه مَلِكَها، وعلى هذا فيمكن أن يكون أراد ب (ربُّكم): مَلِكَكم، أو المُلْك مع الألوهيَّة [442]، على ما يأتي.
وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}: "أي: أعلى كلِّ (1) مَن يَلِي أمرَكم".
قال الشيخ زاده في حواشيه: "يريد أنه لم يرد بقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ} أنا خالق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما؛ فإن العلم بفساد ذلك ضروريٌّ، ومَن شكَّ فيه وجوَّزه كان مجنونًا، والمجنون لا يُبعَث إليه رسولٌ يدعوه إلى الحقِّ، بل الرجل كان دهريًّا منكرًا للصانع والحشر والجزاء، وكان يقول: ليس للعالم إلهٌ، حتى يكون له عليكم أمرٌ أو نهيٌ، أو يبعث إليكم رسولاً، ولا يحتاج الخلق إلاَّ إلى مَن يلي أمرهم، ويحكم بينهم على أمرٍ ينتظم به معاشُهم ومعادُهم، ولا يجري بينهم البغي والاعتساف، وذلك الذي يلي أمركم أنا لا غيري".
__________
(1) في تفسير البيضاوي على حاشية الشهاب الخفاجي 8/ 316: على كلَّ.
(3/696)

كذا قال: "ومعادُهم"، ولم يُرِد به البعثَ بعد الموت؛ لقوله: "إن الرجل كان ينكره".
أقول: حاصل كلامهم (1) أن فرعون أراد بقوله: {رَبُّكُمُ} أي: مَلِكُكم، وهو معنىً معروفٌ في اللغة، وقد كان المصريُّون يستعملون كثيرًا كلمتهم التي ترجمها القرآن بلفظ (ربّ) في المَلِك، جاء في قصَّة يوسف قوله: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41]، وقوله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، وقوله للرسول: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ} [يوسف: 50] والربُّ في هذه المواضع كلِّها بمعنى المَلِك، أي مَلِك مصر.
وأما قوله: "إن فرعون كان دهريًّا ينكر الصانع" فيه نظرٌ (2).
فأما اعتقاده في نفسه؛ فقد قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا [443] رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 101 - 102].
وهذا نصٌّ أن فرعون كان يعلم ربوبيَّة الله تعالى وأنه أنزل تلك الآيات بصائر، وهكذا كان قومه، قال تعالى لموسى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ
__________
(1) في الأصل: (كلهم)، وهو سبق قلمٍ.
(2) كذا في الأصل، والمؤلَّف قد أضاف (أمَّا) في أوَّل الجملة مؤخَّرًا, ولعلَّه نسي أن يضيف الفاء فيقول: (ففيه نظرٌ).
(3/697)

بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 12 - 14].
أخرج ابن جريرٍ عن ابن عبَّاسٍ: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم} قال: يقينهم في قلوبهم. ثم قال: حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قول الله: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}، قال: استيقنوا أن الآيات من الله حقٌّ، فَلِمَ جحدوا بها؟ قال: {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (1).
وأما ما كانوا يُظهرونه، ففي قول فرعون: {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53] ما يظهر منه أنه كان يعترف بوجود الملائكة.
وقال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [444] وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 19/ 79.
(3/698)

هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) [445] وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 28 - 44].
أخبر الله تعالى عن هذا المؤمن أنه متَّصفٌ حينئذٍ بكتمان إيمانه، فعُلِم من ذلك أنه إنما حاجَّهم بأمورٍ كانوا يسلِّمونها ويعترفون بها، وإنما صرَّح بإيمانه فيما بعدُ، حيث قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ} الآيات. ولهذا - والله أعلم - لم يذكر هنا كتمان الإيمان كما ذكر أوَّلاً.
فإذا ثبت هذا عُلِم أن القوم كانوا يعترفون بوجود الله عزَّ وجلَّ [446] وربوبيَّته، وأنه لا ناصر من بأسه، ويؤكِّد ذلك قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ
(3/699)

اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا}.
والظاهر من هذه الآيات أن فرعون وقومه كانوا لا يزالون على ما كان عليه سلفُهم من الاعتراف بربوبيَّة الله تعالى وإشراك الملائكة، وهذا هو الذي يَقرُب في القياس ومجاري العادات، ولكن قد قدَّمنا أن القوم بعد يوسف بالغوا في تعظيم الله تعالى في زعمهم إلى حدَّ أن قالوا: لا ينبغي للناس أن يجترئوا بعبادته عَزَّ وَجَلَّ مباشرةً، ولا يذكروا اسمه، وإنما عليهم أن يعبدوا الملائكة فحسب، ثم الملائكة هم الذين يَصلُحون لعبادة الله عزَّ وجلَّ.
ولهذا - والله أعلم - كان أكثر ما جاء في محاورة موسى لهم ذكر الله تعالى بعنوان: (ربّ)، نحو: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104, الزخرف: 46]، {رَبَّكَ} [الأعراف: 150] (1)، {رَبِّكُمْ} [إبراهيم: 6] (2)، كأنه عليه السلام لم يُرِد أن يجاهرهم بالخلاف في هذه المسألة الجزئيَّة - وهي ذكر الله عزَّ وجلَّ باسمه العَلَم -, فكأنَّ فرعون بني على زعم مَن قَبله؛ فقال: كما أنه ليس للناس أن يعبدوا الله عزَّ وجلَّ مباشرةً، كذلك لا ينبغي لعامَّة الناس أن يعبدوا الملائكة؛ لأن الملائكة أعظم من أن تعبدهم العامَّة، وإنما على العامَّة أن ينظروا مَن كان من الناس [447] أقرب إلى الملائكة فيعبدوه، وهو يعبد الملائكة، والملائكة يعبدون الله عزَّ وجلَّ، ثم ادَّعى أن أقرب الناس إلى الملائكة هم الملوك، ولهذا قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 51 - 52].
__________
(1) سورة البقرة: 61، وسورة الأعراف: 134.
(2) وسورة طه: 49، 86 وسورة غافر: 27.
(3/700)

فزعم أن كمال خلقه والبسط له في الدنيا حتى صار ملِكًا دليلٌ على أنه مرضيٌّ عند الله عزَّ وجلَّ وعند الملائكة، وأنه أقرب إلى ذلك من رعيَّته؛ إذ لو لم يكن ذلك (1) ما جعلتهم الآلهة رعيَّةً له نافذًا فيهم حكمه.
وقوله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا} إلخ، يريد أن الله عزَّ وجلَّ كمَّلني وملَّكني ونقص موسى ولم يملِّكْه، فهذا دليلٌ أني عند الله عزَّ وجلَّ وملائكته خيرٌ من موسى وأرضى منه، فلو أراد الله تعالى أن يرسل رسول من البشر أو يوحي إلى أحدٍ منهم لكنتُ أنا أقرب وأولى بذلك من موسى.
ثم قال: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53]، يريد أن الرسالة أمرٌ عظيمٌ، فلو أراد الله تعالى أن يرسل موسى [448] لفعل به مثل هذه الأمور العظيمة. كأن فرعون كان يزعم أن الرسالة أعظم من الألوهيَّة، فإن الألوهيَّة عنده إنما هي أن يعمِد الناس إلى مَن دلَّت القرائن على أنه مرضيٌّ عند الله تعالى، فيعظِّموه تعظيمًا للملائكة، وأما الرسالة فإنها أعظم من ذلك، فإنها تستدعي أوَّلاً رؤية الرسول للمرسِل وسماعَ كلامه.
ولهذا - والله أعلم - قال لموسي أوَّلاً: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، يريد أن الرسول لا بدَّ أن يعرف ذات مَن أرسله، فلما عدل موسى إلى قوله: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 24]، قال فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25]، أي: إني أنا أسأله عن الذات
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كذلك.
(3/701)

فيجيبني بالصفة التي يعرفها كلُّ أحد، وقال أخيرًا: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]، أي: لأنه يجيب بغير ما يُسأل عنه، ويزعم أنه رسولٌ من ربِّ العالمين، وهو بشرٌ مستضعَفٌ ولا يعرف أن الإرسال يتوقَّف على رؤية الرسول لمن أرسله ومواجهته له ومعرفته به.
وهكذا قول فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}، يريد - والله أعلم - كما قاله البيضاويُّ: "أن يُرِيَ فسادَ قول موسى بأن إخباره عن إله السماء متوقِّفٌ على اطِّلاعه، ووصولُه إليه لا يتأتَّى إلا بالصعود إلى السماء، وهو مما لا يَقْوَى عليه الإنسان ... ".
قال الشيخ زاده في حواشيه: "يعني أن فرعون لم يقصد أن يبني له هامان بناءً رفيعًا يصعد منه إلى السماء؛ لأن فرعون ليس من المجانين الذين لا يعلمون امتناع ذلك ببداهته، وإلَّا لما صحَّ من الله تعالى أن يرسل إليه رسولاً ويكلِّفه الإيمان به والامتثال لأمره" (1).
[449] أقول: وحاصله: أنه لم يُرِد بناء الصرح، وإنما أراد أن يُفْهِمَ الناسَ ما يزعمه من كذب موسى عليه السلام، فكأنه قال: كلُّكم يعلم أنني وأنا الملك لا أستطيع أن أصل إلى السماء، وأني لو بنيتُ بناءً كأعلى الأبنية لم أصل إلى السماء ولم أقارب، أفلا تعجبون من موسى يدَّعي أنه رسول الله؟! والرسول لا بدَّ أن يكون قد وصل إلى مرسِله، ولا يشكُّ عاقل في أن موسى لم يصلْ إلى الله تعالى.
__________
(1) الشيخ زاده 3/ 234. [المؤلف]
(3/702)

فأما احتجاجه بالنعم الدنيويَّة على رِضَى الله تعالى فشِنْشِنَةٌ (1) لأهل الجهل معروفةٌ، قال تعالى في شأن قريشٍ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
وقال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان: 7 - 8].
وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ [450] مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 32 - 36].
وقال تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 49 - 50].
وقال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16].
__________
(1) الشَّنْشِنَة: العادة الغالبة. المعجم الوسيط 496.
(3/703)

وقد يخطر شيءٌ من هذا لخيار الناس، ففي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه [451] قال: ... فدخلتُ على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فإذا هو مضطجعٌ على رمال حصيرٍ ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّر الرمال بجنبه متَّكئًا على وسادةٍ من أدمٍ حشوها ليفٌ، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيتُ في بيته شيئًا يردُّ البصر غير آهبةٍ (1) ثلاثةٍ، فقلت: يا رسول الله: ادع الله فليوسِّع على أمَّتك؛ فإن فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وكان متَّكئًا -, فقال: "أو في هذا أنت يا ابن الخطَّاب؟ إن أولئك قومٌ عُجِّلوا طيِّباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول الله استغفر لي ... (2).
وفي روايةٍ: فدخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلستُ، فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه، فنظرتُ ببصري في خزانة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصاع، ومثلها قَرَظًا (3) في ناحية
__________
(1) كذا ضبطه المؤلِّف، وهو في ذلك موافق لرواية الأصيلي التي حكم عليها ابن حجر في هدي الساري (ص 82) بأنها وهمٌ، وهو جمع قلة لإهاب، وجمع الكثرة أُهُب، والإهاب: الجلد. انظر: تاج العروس 2/ 40. وفي فتح الباري - طبعة بولاق الأولى - 9/ 252: (بفتح الهمزة والهاء وبضمَّهما أيضًا، بمعنى الأُهُب. والهاء فيه للمبالغة).
(2) صحيح البخاريَّ، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، 7/ 29 - 30، ح 5191. وصحيح مسلمٍ، كتاب الطلاق، بابٌ في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهنَّ ... ، 4/ 192 - 194، ح 1479 (34). [المؤلف]
(3) بفتح القاف والراء، وهو صمغ السَّمُر. مشارق الأنوار 2/ 178 - 179.
(3/704)

الغرفة، وإذا أَفِيقٌ (1) معلَّقٌ، قال: فابتدرتْ عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطَّاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته، وهذه خزانتك؟ فقال: "يا ابن الخطَّاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ " قلت: بلى (2).
ويُروى أن معاوية حاور الحسين بن عليٍّ عليهما السلام في شأن يزيد، فقال (3): إن أباه حاكم أباك إلى الله عزَّ وجلَّ، فحكم لأبيه على أبيك.
وقال الشاعر - أظنُّه كُثيِّرًا -:
وإني لذو حظٍّ لئن عاد وصلُها ... وإني على ربيِّ إذًا لكريم (4)
وهكذا زعمُ المشركين أن الرسالة أعظم من الألوهيَّة أمرٌ معروفٌ، ولذلك يؤلِّهون الجمادات، ويستبعدون أن يكون الرسول إلاَّ من الملائكة، وقد مضى طرفٌ من هذا في شأن قوم نوحٍ (5).
وأما ما قدَّمناه من أن فرعون شرع لقومه أنهم يعبدونه وهو يعبد الملائكة، فالبرهان عليه قول الله عزَّ وجلَّ: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ [452] مُوسَى
__________
(1) بفتح الهمزة وكسر الفاء، وهو الجلد الذي لم يتمَّ دباغه. انظر: شرح النوويِّ على صحيح مسلمٍ 10/ 83.
(2) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 4/ 189، ح 1479. [المؤلف]
(3) أي معاوية رضي الله عنه، وقوله: أباه, هو معاوية نفسه.
(4) البيت في ديوان كثيِّر عزَّة 128، وفيه: "وإني لذو وَجْدٍ"، بدل: "وإني لذو حَظٍّ". وكذا هو في الأغاني 12/ 223، ومنتهى الطلب من أشعار العرب 4/ 126.
(5) انظر ص 443 - 444. وانظر ص 636.
(3/705)

وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127].
نصَّت الآية على أنه كان له آلهةٌ، وأما هم فقد قال لهم: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وقراءة مَن قرأ: (وإلاهتك) (1) - إن صحَّت - لا تدفع ما تقدَّم، بل هو معنىً آخر لا يدفع معنى القراءة المجمع عليها، ومَن زعم أن المراد بآلهته أصنامٌ على صورته كان أَمر قومَه بعبادتها، فقد أبعد؛ لأنها لا تكون آلهته، بل تكون آلهةً لقومه، وذلك مخالفٌ لقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}.
فقولهم: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} من باب الترقِّي، أي: يذر أن يعبدك، بل ويذر أن يعبد معبوداتك، ويترقَّى إلى عبادة معبود معبوداتك، فهو يترفَّع أن يعبدك، بل ويترفَّع (2) أن يساويك، ولا يقنع إلا بمساواة آلهتك.
والحاصل: أن فرعون أقام نفسه مقام الأصنام - كما مرَّ عن الملل والنحل (3) -, فكما أن أهل الأصنام يعبدونها تقرُّبًا إلى الملائكة بدون أن يثبتوا لها قدرةً تنافي كونها جمادًا، فكذا فرعون شرع لقومه أن يعبدوه تقرُّبًا إلى الملائكة بدون أن يثبت لنفسه أو يثبتوا له قدرةً تزيد على كونه إنسانًا.
وفي فهرست ابن النديم عند ذكر ديانات أهل الهند: "ومنهم أهل ملَّةٍ يُقال لها: الراجمرتيَّة، وهم شيعة الملوك، ومن سننهم في دينهم [453]
__________
(1) انظر: البحر المحيط 4/ 367.
(2) في الأصل: (يترفك)، وهو سبق قلمٍ.
(3) انظر ص 694.
(3/706)

معونة الملوك، قالوا: الله الخالق تبارك وتعالى ملَّكهم، وإن قُتِلنا في طاعتهم مضينا إلى الجنَّة" (1).
وفيها في مذاهب أهل الصين، قال: "وعامَّتهم يعبدون الملِك، ويعظِّمون صورته، ولها بيتٌ عظيمٌ في مدينة بغران" (2).
أقول: قد اشتهر قريبٌ من هذا في رعاع الشام بالنسبة إلى خلفاء بني أميَّة، كانوا يزعمون أن الخليفة لا يحاسَب ولا يعاقَب، وأنَّ طاعته فريضةٌ على الناس وإن أمر بمعصية الله عزَّ وجلَّ.
وفي ترجمة الحجَّاج من تهذيب الكمال للمزِّيِّ: "وكان يزعم أن طاعة الخليفة فرضٌ على الناس في كلِّ ما يرومه، ويجادل على ذلك" (3).
قلت: وعن هذا - والله أعلم - كفَّره أئمَّة السلف (4).
__________
(1) الفهرست ص: 489 - 490.
(2) المصدر السابق 491.
(3) لم أجد هذا النصَّ في تهذيب الكمال، وإنما وجدته في تهذيب التهذيب لابن حجرٍ 2/ 210.
(4) منهم: سعيد بن جُبَيرٍ، والنخعيُّ، ومجاهدٌ، وعاصم بن أبي النَّجُود، والشعبيُّ، وغيرهم - كما في تهذيب التهذيب، الموضع السابق -.
قال الخطَّابيِّ: "وقد اختلفوا فى السبب الذي من أجله استجاز القرَّاء الخروج عليه، فقال ابن المبارك: إنما استحلُّوا الخروج عليه لكفره بقراءة عبد الله بن مسعودٍ, ولقوله: إنها رجزٌ من أراجيز العرب ... وقال بعضهم: إنما فعلوا ذلك لإعظامه القول عند ذكر قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}، وتقديمه طاعة ظَلَمة بني أميَّة على طاعة الله عزَّ وجلَّ". غريب الحديث 3/ 181 - 182. يعني قول الحجَّاج: "اتَّقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنويَّةٌ، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنويَّةٌ
(3/707)

العرب وتأليه الإناث الخياليَّات
قد علمت أن العرب كانوا يزعمون أن لله - تعالى الله عن قولهم - بناتٍ، وأنهنَّ هنَّ الملائكة، ويجعلون لها تماثيل أو تذاكير من الجمادات ويعبدونها، فنجد القرآن ينوِّع محاجَّتهم، فتارةً يُؤَنِّبُهُم على عبادة الأصنام، وتارةً ينعى عليهم نسبة [454] الولد إلى الله عزَّ وجلَّ، وتارةً يوبِّخهم على أنهم لم يكتفوا بنسبة الولد إليه حتى خصُّوا الإناث - مع كراهيتهم لأنفسهم البنات -, وتارةً يبيِّن لهم أنهم إنما يعبدون العدم، وتارةً يُعلِمهم بأنه على فرض أن تكون موجودةً لا تستحقُّ أن تُعبَد؛ لاعترافهم بأنه ليس لها من الأمر شيءٌ، وتارةً يُعلِمهم بأنهم إنما يعبدون الشياطين - على المعنى الذي تقدَّم فيما سبق، وسنوضَّحه إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير عبادة الشياطين (1) -, وتارةً يفنِّدهم في قولهم: الملائكة إناثٌ، وتارةً يبطل استحقاق الملائكة أن يُعبَدوا، وتارةً يذكر أنهم إنما يعبدون من سوَّل لهم ذلك الفعل من الشياطين أو الرؤساء أو الأهواء.
فأما الأصنام فقد علمتَ أنهم إنما كانوا يعبدونها على أنها تماثيل وتذاكير لتلك الإناث الوهميَّات، ويُحتمَل في بعض أصنامهم غير ذلك مما سبق.
وأما الإناث الوهميَّات فكانوا يزعمونها بناتٍ لله - تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا -, وقد احتجَّ عليهم القرآن بقوله: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ
__________
لأمير المؤمنين عبد الملك ... ويا عَذِيرى من عبد هُذَيلٍ يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هي إلا رجزٌ من رجز الأعراب، ما أنزلها الله على نبيِّه عليه السلام ... ". أخرجه أبو داود في كتاب السنَّة، بابٌ في الخلفاء، 4/ 210، ح 4643.
(1) انظر ص730.
(3/708)

صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101].
وقدَّمنا أن هذا يدلُّ على أنهم لم يكونوا يثبتون لله صاحبةً؛ إذ لو كانوا يزعمون أن له صاحبةً لما كان في هذا حجَّةٌ عليهم، هذا [455] هو الظاهر، وأيَّده ما رُوِي أن الصِّدِّيق لما قال لهم: فمَن أُمُّهم؟ لم يُمْكِنُهم الجواب (1) - وقد سبق ذلك (2) -, ولم يَثبُت ما يعارض هذا.
وقدَّمنا أن الظاهر من تعظيمِهم لله عزَّ وجلَّ واعتمادِهم في دينهم على الأقيسة الفاسدة أنهم إنما (3) كان مستقرًّا في أذهانهم أن العقم نقصٌ أرادوا أن ينزَّهوا الله عزَّ وجلَّ عنه، فرأوا أنهم إن أثبتوا له ولدًا ذكرًا لزم من ذلك إثبات شريكٍ له في ملكه، وكانوا يتحاشون ذلك.
وقد صحَّ أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك (4) إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ثبت ذلك في صحيح مسلمٍ، ولفظه: "عن ابن عبَّاسٍ، قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، فيقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "ويلكم، قد، قد"، [فيقولون:] (5) إلاَّ شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت" (6).
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتمٍ كما في الدرِّ المنثور 7/ 377.
(2) انظر ص 581.
(3) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: لَمَّا.
(4) في الأصل: (له)، وهو سبق قلمٍ.
(5) ما بين المعقوفتين زيادةٌ من صحيح مسلمٍ.
(6) صحيح مسلمٍ، كتاب الحجِّ، باب التلبية وصفتها ووقتها، 4/ 8, ح 1185. [المؤلف]
(3/709)

ورُوِي أن أوَّل من قال ذلك عمرو بن لُحَيٍّ. قال السهيليُّ: "وذكر أبو الوليد الأزرقيُّ في أخبار مكَّة أن عمرو بن لُحَيِّ ... وكانت التلبية من عهد إبراهيم: لبيك لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لُحَيِّ، فبينما هو يلبِّي تمثَّل له الشيطان في صورة شيخٍ يلبِّي معه، فقال عمرٌو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرٌو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرٌو، فدانت بها العرب" (1).
والمقصود أنهم رأوا أن إثبات الولد الذكر يلزم منه إثبات الشريك في الملك، فأما البنات فلا يلزم هذا فيهنَّ، لما اعتادوه فيما بينهم أن البنات لا يرثن من آبائهنَّ ولا يقاتلن ولا يخاصمن، وإنما هنَّ كَلٌّ على الرجال، وليس لهنَّ من الأمر شيءٌ.
وفي صحيح مسلمٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: " .... قال عمر: والله إن كنَّا في الجاهلية ما نَعُدُّ للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهنَّ ما أنزل وقسم لهنَّ ما قسم، قال: فبينما أنا في أمْرٍ آتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: وما لكِ أنتِ ولما ها هنا، وما تَكَلُّفُكِ في أمرٍ أريده؟! فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطَّاب! ما تريد أن تُراجَعَ أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتى يظلَّ يومه غضبان ... " (2).
__________
(1) الروض الأنف 1/ 12. [المؤلف]. وانظر: أخبار مكة للأزرقي 1/ 287.
(2) صحيح مسلمٍ، كتاب الطلاق، بابٌ في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهنَّ ... ، 4/ 190، ح 1479 (31). وهو في صحيح البخاريَّ، كتاب التفسير، سورة التحريم، باب: "تبتغي مرضات أزواجك"، 6/ 156، ح 4913. [المؤلف]
(3/710)

فرأوا أنهم إذا أثبتوا لله عزَّ وجلَّ بناتٍ كانوا قد نزَّهوه من ذلك النقص العظيم - وهو العقم -, ولم يلزمهم إثبات شريكٍ له في ملكه، على أن الظاهر من حالهم أنهم كانوا متحيِّرين في إثبات البنات لله عزَّ وجلَّ، يكادون لولا التقليد والاستكبار [456] يعتذرون بأنهم إنما يريدون بناتٍ مجازًا، أي: محبوباتٍ له مُقَرَّباتٍ عنده، ولهذا - والله أعلم - كان اعتمادهم على أنهم يعبدون الملائكة، فكأنهم يقولون: سلَّمنا أنه ليس له ولدٌ لا ذكرٌ ولا أنثى، وسلَّمنا أن الملائكة ليسوا بناتٍ لله تعالى ولا إناث (1)، ولكنهم عبادٌ مقرَّبون عنده يشفعون لديه، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
ولهذا - والله أعلم - كان غالب محاجَّة القرآن لهم إنما هو في عبادة الملائكة - كما يُعلَم مما تقدَّم -, ومن هنا يُعلَم أن شركهم ليس مداره على قولهم: بنات الله، وقولهم: الملائكة إناثٌ، بل شركهم ثابتٌ ولو لم يقولوا ذلك، ويدلُّ على هذا قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 15 - 20].
فوبَّخهم الله عزَّ وجلَّ على قولهم: إن لله ولدًا، ثم على قولهم: إن ذلك الولد إناثٌ، ثم على قولهم: الملائكة إناث، ثم على قولهم: {لَوْ شَاءَ [457]
__________
(1) كذا في الأصل، والجادَّة: إناثًا.
(3/711)

الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}، فدلَّ أن كلَّ أمرٍ من هذه منكرٌ على حِدَةٍ.
وهكذا قوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 19 - 29] في آياتٍ أخر قد تقدَّم بعضها في سياق الآيات في عبادة الملائكة (1)، يُعلَم منها أن شرك القوم ثابتٌ ولو لم يقولوا: بنات الله، ولا قالوا: الملائكة إناثٌ.
والمقصود من هذا ألاَّ يُتوهَّم أن تأليههم للملائكة وعبادتهم إيَّاهم قوامه اعتقادهم فيهم أنهم بنات الله عزَّ وجلَّ.
[458] وبعدُ، فقد علمتَ أنهم وغيرهم من الأمم ألَّهوا الأصنام وعبدوها، مع أنهم لم يعتقدوا فيها أكثر من أنها تستحقُّ التعظيم؛ لأنها قد جُعِلت تماثيل وتذاكير ورموزًا للملائكة أو للكواكب أو لرجالٍ صالحين، وأن قومًا ألَّهوا الكواكب وعبدوها ولم يعتقدوا فيها أكثر من كونها أجسادًا أو
__________
(1) انظر ص 437 - 439.
(3/712)

مظاهر للملائكة، إلى غير ذلك مما تقدَّم. فثبت بذلك أن تأليه الشيء وعبادته لا يتوقَّف على زعمهم أنه واجب الوجود أو أنه الخالق أو خالقٌ آخر أو ابن الخالق أو نحو ذلك، والله أعلم.
****
(3/713)

تفسير عبادة الملائكة
قد علمتَ مما سبق أن أصل شرك العرب هو عبادتهم للملائكة، وكذلك قوم هودٍ وصالحٍ وقوم إبراهيم والمصريُّون - كما مرَّ (1) -, ومثلهم اليونان والهند، وقد مرَّ طرفٌ من شرك الهند عند ذكر الكواكب وغيرها (2)، ولم أقصد الاستيعاب؛ إذ لا داعي إليه، ولا رأيت لهم ذكرًا خاصًّا في القرآن.
وعامَّة عبَّاد الملائكة ينعتونهم بنعوتٍ كذَّبها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ذلك ما مرَّ عن العرب في قولهم: الملائكة بنات الله (3)، وكثيرٌ من الأمم يزعمون أن الملائكة ذكورٌ وإناثٌ، يتناكحون ويتناسلون.
وأتباع أرسطو يزعمون أن [459] الملائكة هم العقول العليا التي توهَّموها وبنوها على أصلهم الباطل أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحدٌ، وبنوا على ذلك فظائع من الكفر والشرك، إلا أن قولهم كان محصورًا في أدمغة أفرادٍ محدودين قد انقرضوا بحمد الله تعالى.
واعلم أن عبَّاد الملائكة - ما عدا أتباع أرسطو - فريقان:
فريقٌ يزعمون أن الملائكة يتصرَّفون باختيارهم.
وفريقٌ لا يثبتون للملائكة اختيارًا إلا في الشفاعة، مع تردُّدٍ منهم في
__________
(1) انظر ص 595.
(2) انظر ص 683، 706 - 707.
(3) انظر ص 50، 112, 550، 579.
(3/714)

إثبات الاختيار في الشفاعة، كما سيأتي إن شاء الله (1).
فأما الفريق الأوَّل - وهم أكثر أمم الشرك، كاليونان والهند والمصريِّين القدماء -, فكأنهم قاسوا الملائكة على البشر، فرأوا أنه كما أن البشر يتصرَّفون في الدنيا بالقدرة التي خلقها الله عزَّ وجلَّ لهم باختيارهم وإرادتهم يستطيع كلٌّ منهم نفع غيره وضرَّه في دائرة قدرته المحدودة، فالملائكة كذلك، إلا أن قدرتهم أعظم.
قالوا: وكما أن الإنسان يتذلَّل لإنسانٍ آخر إذا احتاج إليه، ويسأل منه أن ينفعه أو يدفع عنه الضرَّ، وإن كان البشر لا يستطيعون نفع مَن يريد الله تعالى ضرَّه ولا ضرَّ مَن يريد الله عزَّ وجلَّ نفعه، [460] فكذلك نتذلَّل نحن للملائكة وندعوهم؛ لأنا محتاجون إليهم لينفعونا أو يدفعوا عنا الضرَّ، وإن كنا نعلم أن الملائكة لا يستطيعون نفع مَن يريد الله تعالى ضرَّه، ولا ضرَّ مَن يريد الله تعالى نفعه. وإذا جاز الأوَّل فجواز الثاني أولى؛ لأن قُدَر البشر متقاربةٌ، وقدرة الملائكة أعظم من قدرة البشر، فأما إذا كان المقصود من التذلُّل للملائكة ودعائهم أن يعينوا على ما هو خيرٌ وطاعةٌ لله عزَّ وجلَّ فلا شبهة في أن ذلك يكون عبادةً لله عزَّ وجلَّ.
وقد أدحض الله تعالى شبهة هؤلاء وبرهن على بطلان ما زعموه، بقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، وقد تقدَّم إيضاح ذلك، فارجع إليه (2).
وأما الفريق الثاني، فمنهم مشركو العرب؛ فإنهم كانوا يعترفون بأن الله
__________
(1) انظر ص 356 - 361.
(2) ص 129 - 130 [المؤلف]. ص 349 - 350.
(3/715)

تعالى هو الخالق والرازق والمدبِّر إلى غير ذلك، وفي كتاب الله تعالى الشهادة عليهم بذلك في مواضع كثيرةٍ، منها قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ [461] الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31 - 32].
وقال عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 61 - 63].
وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25].
[462] وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ
(3/716)

أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9].
وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87].
ففي هذه الآيات أن المشركين كانوا معترفين بوجود الله عزَّ وجلَّ، وأنه الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيَّ من الميِّت ويخرج الميِّت من الحيِّ، والذي يدبِّر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه ربُّ السموات السبع وربُّ العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، وأنه يُجير ولا يُجار عليه، وأنه الذي خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وأنه الذي ينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم.
[463] وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ تشهد على المشركين باعترافهم بتفرُّد الله عزَّ وجلَّ بما تقدَّم من الصفات وغيرها، وإن لم يكن ذلك مثل ما تقدَّم في الصراحة، منها قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)
(3/717)

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 59 - 64].
[464] قال البيضاويُّ في قوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}: "إلزامٌ لهم وتهكُّمٌ بهم وتسفيهٌ لرأيهم؛ إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأسًا حتى يوازن بينه وبين ما هو مبدأ كلِّ خيرٍ".
قال الشيخ زاده في حواشيه: "يعني أن الآية بظاهرها، وإن دلَّت على أن المقصود الموازنة بينه تعالى وبين الأصنام. ولا وجه له، ضرورةَ أن أحدًا من العقلاء لا يزن المخلوق العاجز بالخالق القادر على كلِّ شيءٍ في معنى الخيريَّة، بل المقصود إلزام المشركين ... " (1).
أقول: الأولى حَمْلُ ما في قوله: {أَمَّا يُشْرِكُونَ} على ما يَعُمُّ جميع معبوديهم من الملائكة وغيرهم.
فإن قيل: لو أُرِيد هذا لكان الظاهر أن يُقال: (أم مَن يشركون)، تغليبًا للعاقل على غيره؛ لأن الغالب أن تكون (مَن) للعقلاء و (ما) لغيرهم.
قلت: غلَّب هنا غير العاقل تنبيهًا على أن معبوديهم من الملائكة وغيرهم إذا وُزِنوا بالله عزَّ وجلَّ لم يكونوا شيئًا، والكلام من باب التنزيل، أي أن المشركين لما جعلوا مع الله عزَّ وجلَّ شركاء نُزَّلُوا منزلة [465] مَن
__________
(1) حواشي الشيخ زاده 2/ 493. [المؤلف]
(3/718)

يزعم أنهم مثله في الخيريَّة، وإلا فالقوم معترفون بأن الله عزَّ وجلَّ خيرٌ، وهذا مثل قول المؤذِّن: (الصلاة خيرٌ من النوم)، نُزِّل المؤْثِر للنوم على الصلاة منزلة مَن يزعم أن النوم خيرٌ، وإلا فالمسلمون المخاطَبُون بالأذان لا يشكُّون أن الصلاة خيرٌ من النوم.
وقال أبو السعود في قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ........}: "والهمزة لتقريرهم، أي: حملهم على الإقرار بالحقِّ على وجه الاضطرار، فإنه لا يتمالك أحدٌ ممن له أدنى تمييزٍ ولا يقدر على ألَّا يعترف بخيريَّة مَن خلق جميع المخلوقات ... " (1).
وقال في قوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ}: "وقيل: المراد نفي أن يكون معه تعالى إلهٌ آخر فيما ذُكِر من الخلق وما عُطِف عليه، لكن لا على أن التبكيت بنفس ذلك النفي فقط، كيف لا وهم لا ينكرونه حسبما ينطق به قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، [466] بل بإشراكهم به تعالى في العبادة ما يعترفون بعدم مشاركته له تعالى فيما ذُكِر من لوازم الألوهيَّة" (2).
وقال البيضاويُّ في قوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه}: "والكفرة وإن أنكروا الإعادة فهم محجوجون بالحجج الدالَّة عليها".
قال الشيخ زاده: "ولما ورد أن يُقال: كيف يمكن إلزام الكفرة تذكُّر نعمة الإعادة وما يترتَّب عليها وهم منكرون للإعادة؟ أجاب عنه: بأنهم وإن
__________
(1) تفسير أبي السعود 2/ 289. [المؤلف]
(2) تفسير أبي السعود 2/ 290. [المؤلف]
(3/719)

أنكروا إلاَّ أنهم لما لم يكن لهم عذرٌ في إنكارها نُزَّلُوا منزلة مَن أقرَّ بها، فتوجَّه إليهم الإلزام" (1).
أقول: ولِمَ لا يُقال: إن قوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} ليس المراد به الإعادة بعد الموت بل أمرٌ آخر، كما قيل في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [لعنكبوت: 19]، قال البيضاويُّ: "إخبارٌ بالإعادة بعد الموت، معطوفٌ على {أَوَلَمْ يَرَوْا}، لا على {يُبْدِئُ}؛ فإن الرؤية غير واقعةٍ، ويجوز أن يُؤَوَّل بالإعادة [467] بأن ينشئ في كلِّ سنةٍ مثل ما كان في السنة السابقة من النبات والثمار ونحوهما، ويعطف على {يُبْدِئُ} " (2).
وعلى هذا فلا إشكال؛ لأن المشركين يقرُّون بأن الله تعالى يعيد الخلق بهذا المعنى، والله أعلم.
وقال أبو السعود في قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}: " ... أي: هاتوا برهانًا عقليًّا أو نقليًّا يدلُّ على أن معه تعالى إلهًا، لا على أن غيره تعالى يقدر على شيءٍ مما ذُكِر من أفعاله تعالى كما قيل، فإنهم لا يدَّعونه صريحًا ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهيَّة، وإن كان منها في الحقيقة، فمطالبتهم بالبرهان عليه، لا على صريح دعواهم، مما لا وجه له" (3).
والحاصل: أن الاستفهام في قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ} وما بعدها
__________
(1) حواشي الشيخ زاده 2/ 494. [المؤلف]
(2) هامش حواشي الشيخ زاده 3/ 8. [المؤلف]
(3) تفسير أبي السعود 2/ 291. [المؤلف]
(3/720)

تقريريٌّ، أي: أم الذي خلق السماوات والأرض خيرٌ مما تشركون؟ ولا ريب أن هذا لا يصحُّ إلا إذا كانوا يقرُّون بأن الله تعالى هو وحده الذي خلق السموات والأرض، وأنه لا حَظَّ لشركائهم [468] في ذلك، وهكذا يُقال في الباقي، ولهذا احتاج المفسِّرون إلى تأويل قوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، وقد علمتَ أن الإعادة إذا حُمِلت على ما يقع من إعادة الخلق مرَّةً بعد مرَّةٍ في الدنيا كان الكلام على ظاهره، والله أعلم.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فإن كلَّ آيةٍ ذكر الله تعالى بها نفسه بأنه الخالق أو الرازق أو غير ذلك من نعوت الكمال، وكان مساق الكلام على إقامة الحجَّة على المشركين، فهي من هذا القبيل؛ إذ لو لم يكن المشركون يقرُّون بأن الله عزَّ وجلَّ هو وحده فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا إلخ، لكان ذكر ذلك دعوى فقط لا تكون حجَّةً عليهم في إبطال شركهم، والحكيم لا يحتجُّ بما هو دعوى مجردَّةٌ.
ومن هذا القبيل: الفاتحة، فلولا أن المشركين يعترفون بأن الله عزَّ وجلَّ ربُّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لما كان في ذلك حجَّةٌ عليهم، يَثبُت بها ما تضمَّنه قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ [469] وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
فإن قلت: فإنهم لا يؤمنون بيوم الدين، قلت: لكنهم لو قيل لهم: إذا فُرِض أن يوم الدين حقٌّ، فمَن يكون مالكه؟ لقالوا: الله.
فتدبَّر هذا المعنى حقَّ تدبُّره، ثم اقرأ القرآن تجدْه مملوءًا بالحجج على أن المشركين كانوا يعترفون بالله عزَّ وجلَّ وصفاته، وإنما نازعوا في انفراده باستحقاق العبادة، والله أعلم.
(3/721)

وقد مرَّ في أثناء الرسالة ما يتعلَّق بما ذكرناه (1)، منه كلام ابن جريرٍ على آية {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، قال: "وأحسب أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطابٌ لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانيَّة ربِّها وإشراكها معه في العبادة غيره، وإن ذلك لقولٌ؛ ولكن الله جلَّ ثناؤه قد أخبر في كتابه أنها كانت تقرُّ بوحدانيَّته غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جلَّ ثناؤه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [470] لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، وقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31]، فالذي هو أولي بتأويل قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ، وأنه مبتدع الخلق وخالقهم ورازقهم نظيرَ الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين ... " (2).
ونسبة ابن جريرٍ هذه الغفلة إلى مجاهدٍ مع جلالة مجاهد تهوِّن عليك نسبة مثل هذه الغفلة إلى غيره، حتى إنه قد يقع فيها ابن جريرٍ نفسه في بعض المواضع.
وفي تفسير ابن جريرٍ عند قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، قال ابن جريرٍ: " ... عن ابن عبَّاسٍ {وَمَا
__________
(1) انظر: ص 680 مثلًا.
(2) تفسير ابن جريرٍ 1/ 126. [المؤلف]
(3/722)

يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} الآية، قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: مَن خلق السماء ومَن خلق الأرض ومَن خلق الجبال؟ قالوا: "الله". وهم مشركون ....
عن عكرمة ... قال: تسألهم مَن خلقهم ومَن خلق السموات والأرض؟ فيقولون: "الله". فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره".
ثم ذكر نحوه عن الشعبيِّ ومجاهدٍ. وفي روايةٍ عن مجاهدٍ: "إيمانهم قولهم: "الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا"، هذا إيمانٌ، مع شرك عبادتهم غيره".
وأخرج عن قتادة قال: " ... هذا إنك لستَ تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربُّه وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشركٌ في عبادته".
وأخرج نحوه عن عطاءٍ. ثم قال: "حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: يقول: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} الآية. قال: ليس أحدٌ يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمنٌ بالله، ويعرف أن الله ربُّه، وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77]؟ قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون. قال: فليس أحدٌ يشرك به إلا وهو مؤمنٌ به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبِّي تقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلاَّ شريكٌ هو لك، تملكه وما مَلَك"؟ المشركون كانوا يقولون هذا" (1).
وفي تصريح مجاهدٍ بما سمعتَ - وهو ثابتٌ عنه من عدَّة طرقٍ - ما يبيِّن
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 13/ 44 - 45. [المؤلف]
(3/723)

بطلان ما اتَّهمه به ابنُ جريرٍ من أنه ظنَّ أن العرب لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها، إلاَّ إن كان غفل عن ذلك غفلةً، كما قد تقع الغفلة عن ذلك من غيره كثيرًا - كما تقدَّم -، والله أعلم.
والحاصل أن شرك العرب انحصر في قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. وقولهم: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18].
وسيأتي إيضاح شبهتهم وإبطالها إن شاء الله تعالى في فصل شبهات المشركين (1)، وقد مرَّ شيءٌ من ذلك في الكلام على قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] (2).
****
__________
(1) انظر ص 851 - 854.
(2) ص 138 - 140 [المؤلف]. ص 358 - 361.
(3/724)

[471] تفسير عبادة الشياطين
قد لوَّحنا فيما تقدَّم (1) إلى أنَّ عبادة الشياطين لها وجوه.
الأوَّل: طاعتهم في شرع الدين، وهم في ذلك قريبٌ من الأحبار والرهبان، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بهم (2)، ولم يعذر الله المشركين بكونهم لا يعلمون أنهم يطيعون الشياطين؛ لأن الحجَّة قد قامت عليهم بأن الشيطان يوسوس للإنسان بالأفعال السيِّئة، فلما كان إذا وقع في أنفسهم تخيُّلُ أن عبادة الأصنام ونحوها دينٌ ينفع عند الله تعالى ونحو ذلك من التخيُّلات، وهم يعلمون أنه ليس على ذلك برهانٌ، ولا أنزل الله به من سلطانٍ، فقد ظهر أن تلك التخيُّلات من وسوسة الشيطان، فغفلتهم عن ذلك تقصيرٌ منهم لا يُعْذَرُون به.
الوجه الثاني: كانوا يعبدون إناثًا غيبيَّاتٍ يزعمون أنهنَّ بنات الله تعالى، وأنهنَّ الملائكة، فرأت الشياطين أنه لا إناث غيبياتٍ إلا منهم، ولذلك عمدت شيطانةٌ فتسمّت بالعزَّى ولزمت الصنم المجعول للعزَّى - كما تقدَّم (3) -، وقس على ذلك.
الوجه الثالث: أن من عادة الشياطين اعتراض العبادات الباطلة [472] حتى تكون في الصورة كأنها لهم، كما ثبت في صحيح مسلمٍ وغيره في حديث المواقيت النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وقال:
__________
(1) انظر ص 595.
(2) انظر ص 654.
(3) انظر ص 596.
(3/725)

"فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطانٍ، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار"، وكذا قال في غروبها: "فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار" (1).
فالمراد - والله أعلم - أن الشيطان إذا علم من أهل قُطْرٍ أن منهم مَنْ يعبد الشمس رقب وقت عبادتهم لها، فانتصب بينهم وبينها ليكون سجودهم لها كأنه في الصورة له، فإذا انتهى وقت عبادتهم لها فارق ذلك الموضع، وانتقل إلى القطر الآخر، تدبَّر!!
بل إن الشيطان يحاول أن يعترض العبادات التي يُعبد بها الله عزَّ وجلَّ، ولكنه لا يستطيع الاعتراض ما لم يقصّر العابد، فمن ذلك أنه يعترض الصلاة ليقوم أو يمرَّ بين المصلَّي وبين القبلة، ولذلك شُرِعَت السترة في الصلاة، أي: أن يصلَّي المصلَّي إلى جدارٍ أو ساريةٍ أو نحو ذلك، حتى يكون ذلك حجابًا بينه وبين الشيطان، فلا يستطيع الشيطان المرور بينه وبين السترة، يمنعه الله عزَّ وجلَّ من ذلك؛ لأن المصلَّي قد احتجب منه بما يقدر عليه، وهذا كما يمنع الشيطان من فتح الباب المغلق [473] وكشف الإناء المغطَّى ولو بعودٍ معروضٍ عليه.
والقانون في هذا أن العبد إذا فعل ما يقدر عليه وتوكَّل على الله عزَّ وجلَّ كفاه الله تعالى ما لا يقدر عليه، فأما إذا قصَّر فيما يقدر عليه فلا حقَّ له أن يُكفَى، فالعبد يستطيع أن يغطِّي إناءه ولو بعَرْض عُودٍ عليه، فيكون بهذا قد فعل ما يقدر عليه مما فيه دفعٌ ما للشيطان، وإن كان بحسب العادة لا يكفي
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب إسلام عمرو بن عَبَسَة، 2/ 209، ح 832. [المؤلف]
(3/726)

للدفع، ولكنه يوفي ما عليه حتى يستحقَّ أن يدفع الله عزَّ وجلَّ عنه ما لا يستطيعه، والله أعلم.
فالشياطين تدخل في الأصنام أو تقف دونها ليكون تعظيم الأصنام كأنه للشيطان، وهكذا تفعل في كلِّ ما يُعبد من دون الله عزَّ وجلَّ.
ورأيت في فتوى للسيِّد العلَّامة الجليل عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل الأمير اليمانيِّ، قال فيها: "ذكر شيخنا الإِمام عبد الخالق المزجاجيُّ - رحمه الله تعالى - أنه رأى الشياطين في قبَّة الشيخ أحمد بن موسى بن العجيل (1) في بيت الفقيه متخلِّلةً بين الناس، ورأى القبر ليس فيه إلا الشياطين، قال: رأى ذلك يقظةً بشحمة عينه، رحمه الله تعالى".
والإمام عبد الخالق [474] من أجلَّة علماء الحنفيَّة بمدينة زبيد باليمن، وكان من كبار الصالحين رحمه الله.
وقد يُسْتَبْعَد تمكُّن الشياطين من قبور الصالحين، ولا بُعْدَ فيه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته" الحديث (2).
__________
(1) أحمد بن موسى بن علي بن عمر بن عجيل اليمني، أبو العباس، عالم مشارك، توفي ببيت الفقيه سنة 690 ه، له كتاب جمع فيه مشايخه وأسانيده في كل علم. معجم المؤلفين 2/ 189.
(2) البخاريّ في كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة، 2/ 64 [وفي الأصل: 2/ 162]، ح 1210. مسلم في كتاب الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ... ، بنحوه، 2/ 72، ح 541. [المؤلف]
(3/727)

وفي صحيح مسلمٍ عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك"، ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: "إن عَدُوَّ الله إبليس جاء بشهابٍ من نارٍ ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك، ثلاث مرَّاتٍ، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامَّة، فلم يستأخر، ثلاث مرَّاتٍ، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة" (1). [475] لم يكن النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يصلَّي إلاَّ إلى سترةٍ، ومَن صلَّى إلى سترةٍ لم يستطع الشيطان أن يقطع عليه صلاته، ولكنه يحتال بأن يسوق إنسانًا أو حيوانًا يمرُّ بين المصلَّي وبين السترة، فإذا قصَّر المصلي في دفع ذلك المارِّ استطاع الشيطان أن يمرَّ معه؛ لأن المصلَّي قد قصَّر فيما يقدر عليه، كما تدلُّ عليه أحاديث السترة، منها: الحديث الصحيح في الأمر بدفع المارِّ، وتعليل ذلك بأنَّ معه القرين (2).
وكذا حديث: "يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ"، فلما سُئِل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ما بال الكلب الأسود من غيره؟ أجاب بقوله: "الكلب الأسود شيطانٌ" (3).
__________
(1) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 2/ 73، ح 542. [المؤلف]
(2) أخرجه مسلمٌ في كتاب الصلاة، باب منع المارِّ بين يدي المصلِّي، 2/ 58، ح 506، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) أخرجه مسلمٌ في كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلِّي، 2/ 59، ح 510، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(3/728)

وجاء في حديثٍ آخر: "إن المرأة تقبل بصورة شيطانٍ" (1)، وفي حديثٍ: "إن الحمار إذا نهق فإنه رأى شيطانًا" (2).
فعلى هذا المعنى تراءى عدو الله بشهابه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ علمًا منه أنه إذا تراءى بحيث يراه المصلَّي، وُكِلَ الدَّفْعُ إلى المصلَّي؛ لأنه يقدر على الدفع حينئذٍ، وارتفع المنع الذي توجبه السترة؛ لأنها إنما تكفي للمنع الذي لا يقدر عليه المصلِّي، تدبَّر.
[476] وأما رؤية الإِمام عبد الخالق القبر ليس فيه إلا الشياطين، فوجهه: أن المقبور لا يبقى له تعلُّقٌ بقبره إلا ما دام الجسد لم يَبْلَ، فإذا بَلِيَ الجسدُ لم يبق للميِّت علاقة بالقبر؛ لأن الجسد قد بَلِيَ وفَنِيَ، والروح قد طارت إلى مستقرِّها، فليس القبر بعد البلى إلا كالنعش الذي وُضِعَ عليه الميِّت برهةً ثم فارقه، ولهذا نصَّ العلماء على أنه لا تبقى للقبر حرمةٌ بعد البِلَى، وعلى ذلك العملُ بالحرمين وغيرهما من عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم، إذا بليَ المقبور حُفِرَ القبرُ ودُفِن فيه غيره, وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا عمارة القبور (3).
فإن قلت: هذه الوجوه التي ذكرتها في تفسير عبادة الشياطين كلُّها إلزاماتٌ وبضربٍ من التأويل، ولا سيَّما الثاني والثالث، للقطع بأن المشركين
__________
(1) أخرجه مسلمٌ في كتاب النكاح، باب ندب مَن رأى امرأةً فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته، 4/ 129، ح 1403، من حديث جابرٍ رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاريُّ في كتاب بدء الخلق، بابٌ خير مال المسلم غنمٌ ... ، 4/ 128، ح 3303. ومسلمٌ في كتاب الذكر والدعاء ... ، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك, 8/ 85، ح 2729، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) لم أجده في القدر المطبوع من عمارة القبور.
(3/729)

إنما كانوا يعبدون إناثًا غيبياتٍ هنَّ عندهم بنات الله والملائكة، وليس الشياطين بنات الله ولا ملائكةً، وللقطع بأن مَن يسجد للشمس مثلًا لا يقصد عبادة الشيطان المنتصب دونها.
قلت: صدقتَ، ولكن قَوِيَ هذان الوجهان بمعاضدة [477] الوجه الأوَّل، فيُقال: إنه ليس في الوجود إناثٌ غيبيَّاتٌ هنَّ بنات الله وملائكته، وإنما في الوجود إناثٌ غيبيَّاتٌ هنَّ من الشياطين، فلما كانت عبادتهم لتلك الإناث باطلةً - وهنَّ عدمٌ محضٌ -؛ كان أقرب مَن تُحَوَّل له العبادة مَن أَمَرَ بها فأُطِيع - وهم الشياطين -، وهكذا لمَّا كانت عبادة الشمس باطلةً، وإنما أَمَر بها الشيطان فأُطيع؛ قَوِيَ حقُّه في اعتراضها؛ لأنه يقول: أنا أولى بعبادتهم من الشمس؛ لأني أمرتهم فأطاعوني، والشمس لم تأمرْ ولم تُطَعْ.
****

تفسير عبادة الهوى
عبادة الهوى من قَبِيل عبادة الأحبار والرهبان، والوجه الأوَّل في عبادة الشيطان (1)، فهي طاعته فيما لا ينبغي أن يُطاع فيه إلاَّ الربُّ.
****
__________
(1) وهو طاعة الشيطان في شرع الدين.
(3/730)

تنقيح المناط
بعد تدبُّر ما قدَّمناه نستطيع أن نقول: مدار التأليه والعبادة على أمرين:
الأوَّل: الطاعة في شرع الدين، والمراد بالدين: الأقوال والأفعال التي يُطْلَب بها النفع الغيبيُّ، والمراد بالنفع الغيبيِّ: ما كان على خلاف [478] العادة المبنيَّة على الحِسِّ والمشاهدة.
فمن هذا: طاعة الموحِّدين لربَّهم عزَّ وجلَّ في شرع الدين.
ومنه: طاعة قوم فرعون لفرعون فيما شرعه لهم من تعظيمه؛ زاعمًا أن ذلك يفيدهم رضى الملائكة، ورضى الملائكة يفيدهم رضى الله عزَّ وجلَّ، فتحصل لهم بسبب ذلك المنافع الغيبيَّة التي تُرجى من الله عزَّ وجلَّ.
ومنه: طاعة أهل الكتاب للأحبار والرهبان فيما يشرعون لهم؛ فإنهم كانوا يزعمون أن ما شرعه الأحبار والرهبان يكون دينًا يفيد مَن عَمِل به رضوان الله تعالى، فتحصل له المنافع التي تُرجى منه سبحانه.
ومثل ذلك: طاعة العرب لعمرو بن لُحَيًّ وأضرابه.
ومنه: طاعة المشركين للشيطان والهوى؛ فإنهما يوسوسان لهم بأن فِعْلَ كذا دينٌ يفيد مَن التزمه رضوان الله تعالى وحصولَ النفع الذي يُرْجَى منه سبحانه أو حصولَ النفع الغيبيِّ من غيره.
الأمر الثاني: الخضوع أو التعظيم على وجه التديُّن، أي: على أنه دينٌ يُطْلَب به النفع الغيبيُّ.
(3/731)

فمن هذا: خضوع المسلمين وتعظيمهم لربَّهم عزَّ وجلَّ، ومنه: تعظيم المشركين للأصنام والناس والكواكب وأرواح الموتى والملائكة وغير ذلك.
[479] ويمكن اندراج الأمر الأوَّل في الثاني؛ لأن الطاعة خضوعٌ وتعظيمٌ.
ثم نقول: الخضوع والتعظيم على سبيل التديُّن، إما أن يكون أنزل الله تعالى به سلطانًا أو لا، فما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو عبادةٌ له عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له، وإن كان في الصورة لغيره، كطاعة النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وطاعة المسلمين أولي الأمر منهم فيما يتعلَّق بمصالحهم ولا يخالف الشريعة، وطاعة الأبوين فيما لا يخالف الشريعة.
وكذلك توجُّه المسلمين في صلاتهم إلى جهة القبلة، وحجُّهم البيت والطواف به واستلام الركن، وغير ذلك.
وكذلك إكرامهم نبيَّهم - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الذي رَضِيَه لهم وأقرَّهم عليه، وإكرام الصالحين والوالدين والعلماء وغيرهم على الوجه الذي ثبت في الشريعة الأمرُ أو الإذنُ به، فكلُّ هذا طاعةٌ وتعظيم لله عزَّ وجلَّ.
ومما أنزل الله تعالى به سلطانًا ما كان مما يقطع به العقلُ الصريحُ، كاعتقاد وجوده [480] عزَّ وجلَّ، واتَّصافه بصفات الكمال، وتنزُّهه عن النقائص، ونحو ذلك؛ فإن العقل الصريح سلطانٌ من الله عزَّ وجلَّ، وإنما الشأن كلُّ الشأن في التمييز بين العقل الصريح وبين التوهُّم المستحوذ على
(3/732)

النفس بمعونة تقليدٍ أو عادةٍ أو استدلالٍ ناقصٍ، وغالبُ عقائد الفلاسفة من هذا الثاني.
وأما ما لم ينزل الله تعالى به سلطانًا فهو عبادةٌ لغيره، وإن كان في الصورة له سبحانه؛ لأن التديُّنَ به - ولم ينزل الله به سلطانًا - طاعةٌ لمن شرعه، والطاعة في شرع الدين عبادةٌ للمطاع إذا لم ينزل الله عزَّ وجلَّ سلطانًا بطاعته، وكذلك إذا كان التعظيم في الصورة لغيره تعالى والنفع مطلوبٌ منه عزَّ وجلَّ، كمَن يعظِّم صنمًا يزعمه رمزًا لله تعالى ويطلب بتعظيمه ثواب الله عزَّ وجلَّ، وذلك أنه مع كونه تديُّنًا بطاعة مَن شَرَعَه فهو تديُّنٌ بتعظيم غير الله تعالى بغير إذنه.
[480 ب] وتحرير العبارة في تعريف العبادة أن يُقال: "خضوعٌ اختياريٌّ يُطْلَب به نفعٌ غيبيُّ".
فقوله: (خضوعٌ) يتناول ما كان بالطاعة وما كان بالتعظيم.
وقوله: (اختياريٌّ) يخرج به المكره ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الأعذار إن شاء الله تعالى (1).
وقوله: (يُطْلَب به) أي: مِن شأنه ذلك، فيدخل ما يكون الخاضع طالبًا بالفعل، بأن يكون له اعتقادٌ أو ظنٌّ أو احتمالٌ أن ذلك الخضوع سببٌ لنفعٍ غيبيًّ أو يكون في حكم الطالب، بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، كالسجود للصنم وَفَعَلَه الخاضع عنادًا كما مرَّ في فرعون
__________
(1) انظر ص 917 - 918.
(3/733)

وقومه (1)، أو خوفًا من ضررٍ لا يبلغ حدَّ الإكراه - كما مرَّ في أوائل الرسالة في المستضعفين الذي عرَّضوا أنفسهم لأن يُكْرَهوا على الكفر رغبةً عن الهجرة التي فيها خروجهم من بيوتهم وأموالهم وأهليهم، أو مداهنةً (2)؛ لأنه أولى مما قبله، ويدلُّ عليه قول الله عزَّ وجلَّ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]، أو طمعًا في نفعٍ دنيويًّ، كمَن يُجْعَلُ له مالٌ عظيمٌ على أن يسجد لصنمٍ، وهذا أولى من الخائف، أو هزلًا ولعبًا كما تدلُّ عليه آية الإكراه على ما تقدَّم أوائلَ الرسالة (3)، والفقهاء يثبتون الرِّدَّة بذلك.
وقوله: (نفعٌ) أُرِيد به ما يشمل دَفْعَ الضرر.
وقوله: (غيبيٌّ) قد تقدَّم تفسيره (4).
وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)، وقد يكون الفعل عبادةً لغير الله عزَّ وجلَّ، ولَكِن فاعله معذورٌ؛ فلا يُحْكَمُ عليه بالشرك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
__________
(1) انظر ص 699 - 700.
(2) انظر ص 16 - 17.
(3) انظر ص 16.
(4) انظر آخر ص 730.
(3/734)

[480 ج] وأما الإله فهو المعبود، فَمَنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا وإن لم يزعم أنه مستحقٌّ للعبادة، وذلك كالطامع في النفع الدنيويِّ ونحوه مما مرَّ (1)، ومن زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم؛ لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا، وهكذا مَن أثبت لشيءٍ تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما، فإن هذا التدبير هو مناط استحقاق العبادة، على ما مرَّ تحقيقه (2). وكذا مَن أثبت لشيءٍ أنه يشفع بلا إذنٍ وأن شفاعته لا تُرَدُّ البتَّة؛ لأن ذلك في معنى التدبير المستقلِّ.
فأما معنى (إله) في كلمة الشهادة فهو مستحق للعبادة، وإن شئت فقل: مَن يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَعَ له طلبًا للنفع الغيبيِّ. فالله تبارك وتعالى مستحق للعبادة يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَع له طلبًا للنفع الغيبيَّ، وكان المشركون يزعمون أن الأصنام وغيرها مما يعبدونه كذلك، ولم يكونوا يزعمون مثل ذلك في الكعبة والحجر الأسود؛ لأنهم كانوا يرون أن احترامهما إنما هو لأمر الله عزَّ وجلَّ، فلذلك لم يسمُّوا الكعبة إلهًا ولا أطلقوا على احترامهم لها عبادةً.
فشهادة أن لا إله إلاَّ الله بلفظها تنفي أن يكون أحدٌ غير الله عزَّ وجلَّ مستحقًّا للعبادة. وتتضمَّن بمعونة القرائن الالتزام بأن لا يُتَّخذ غير الله عزَّ وجلَّ معبودًا. فمَن قالها ثم عرض له اعتقادٌ أو ظنٌّ أو احتمالٌ أنَّ شيئًا غير الله عزَّ وجلَّ يستحقُّ العبادة فقد نقض شهادته بلا خفاءٍ، ولكنه لا يؤاخَذُ بذلك ظاهرًا إلاَّ أن يُظْهِرَه؛ لما مرَّ في أوائل الرسالة (3).
__________
(1) انظر ص 345.
(2) انظر ص 347.
(3) بعدها كلمةٌ غير واضحةٍ في الأصل.
(3/735)

[480 د] وكذا ينقض شهادته إن زعم ذلك بلسانه، ولو كان يعلم خلافه، كما مرَّ في فرعون وقومه (1). ومَن شَهِدَ بها ثم عبد غير الله عزَّ وجلَّ، فقد نقض شهادته بالنظر إلى الالتزام، وإن لم يكن له اعتقادٌ ولا ظنٌّ ولا احتمالٌ ولا زَعْمٌ أن ذلك الشيء يستحقُّ العبادة، وقد مرَّ الكلام على الالتزام أوائلَ الرسالة (2)، فارجع إليه.
وأما مَن كان عنده سلطانٌ من الله عزَّ وجلَّ أن يخضع لشيءٍ من المخلوقات طلبًا للنفع الغيبِيِّ فخضع له طاعةً لله عزَّ وجلَّ، فهذا موافقٌ للشهادة لا مخالفٌ لها, لكن بشرط أن يكون خضوعُه لذلك المخلوق هو الخضوعَ الذي عنده به من الله تعالى سلطانٌ. فأمَّا إذا كان عنده سلطانٌ بضربٍ من الخضوع فارتكب أشدَّ منه بدون سلطانٍ طالبًا بذلك النفع الغيبيَّ، فقد نقض التزامَه؛ لأن الإذن بضربٍ من الخضوع لا يدلُّ على الإذن بكلِّ خضوعٍ. ولا شكَّ أن الله تبارك وتعالى أَمَرَ بإكرام الأناس الصالحين الذين عبدهم قوم نوحٍ وبإكرام المسيح وأمِّه وبإكرام الملائكة، ولكن لما تجاوز الناس الإكرام المأذون فيه إلى غيره على الوجه المتقدِّم كان ذلك شركًا بالله عزَّ وجلَّ.
فالحاصل: أن الخضوع لغير الله عزَّ وجلَّ طلبًا لنفع غيبيًّ إن كان بسلطانٍ من الله عزَّ وجلَّ فتلك عبادةٌ لله عزَّ وجلَّ، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. وإن كان بغير سلطانٍ من الله عزَّ وجلَّ فتلك عبادةٌ لغير الله عزَّ وجلَّ. هذا ما أدَّى إليه النظر.
__________
(1) انظر ص 700, 705.
(2) انظر ص 10 - 22.
(3/736)

[480 ه] وممَّا يوافقه: قال أبو محمَّد بن حزمٍ: "وقال تعالى مثنيًا على قوم ومصدِّقًا لهم في قولهم: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: 89]، فقال النبيُّون عليهم الصلاة والسلام قولَ الحقِّ الذي يشهد الله عزَّ وجلَّ بتصديقه أنهم إنما خلصوا من الكفر بأنَّ الله تعالى نجَّاهم منه، ولم يُنْجِ الكافرين منه، وأن الله تعالى إن شاء أن يعودوا في الكفر عادوا فيه، فصحَّ يقينًا أنه تعالى شاء ذلك ممن عاد في الكفر. وقد قالت المعتزلة في هذه الآية: "معنى هذا: إلاَّ أن يأمرنا الله بتعظيم الأصنام، كما أَمَرَنا بتعظيم الحجر الأسود والكعبة". قال أبو محمَّدٍ: وهذا في غاية الفساد؛ لأن الله تعالى لو أمرنا بها لم يكن عودًا في ملَّة الكفر، بل كان يكون ثباتًا على الإيمان وتزايُدًا فيه" (1).
وفي تفسير روح المعاني في الكلام على هذه الآية: وقال الجُبَّائِيُّ والقاضي: "المراد بالملَّة: الشريعة، وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد، ويجوز أن يتعبد الله عباده به" (2).
أقول: كأنهما أرادا أنَّ ما يرجع إلى الاعتقاد لا يتغيَّر حاله، فلا يجوز أن يأمر الله تعالى الناس أن يعتقدوا أن معه ربًّا آخر قديما مثلًا؛ لأن ذلك باطلٌ في نفسه، بخلاف تعظيم الأصنام مثلاً، فإنه إنما قَبُحَ لأنه شركٌ، فإن أمر الله تعالى به لم يبق شركًا.
فأما قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا
__________
(1) الملل والنحل 3/ 147. [المؤلف]
(2) روح المعاني 3/ 82. [المؤلف]
(3/737)

وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] , فالمراد بالفحشاء - كما قال ابن جريرٍ -: قبائح الأفعال ومساويها. وذكر أن المراد [480 و] بالفاحشة أنهم كانوا يطوفون بالبيت وهم عراةٌ. ونَقَل ذلك عن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وسعيد بن جُبَيرٍ والشعبيِّ، ولم يذكر قولًا غيره (1).
أقول: واحترام الجمادات ليس من قبائح الأفعال ومساويها، وإنما كان تعظيم الأصنام من قبائح الأفعال ومساويها لأنه عبادةٌ لغير الله عزَّ وجلَّ، فلو أنزل الله عزَّ وجلَّ به سلطانًا لزال هذا المعنى، وبزواله يزول القبح.
وقولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} لم يكونوا يقولون ذلك في عبادة الأصنام وغيرها من آلهتهم. ولو قالوا ذلك لم يسمُّوها آلهةً، ولا سَمَّوا تعظيمها عبادةً، كما لم يسمُّوا الكعبة والحجر الأسود - على ما مرَّ (2) -، وإنما كان مستندهم في الشرك اتَّباع آبائهم، قال تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 21 - 23].
ومما يوافق ما تقدَّم أيضًا ما مرَّ في الكلام على آيات النجم عن الشهرستانيِّ (3)، وفيه: "فنعلم قطعًا أن عاقلًا مَّا لا ينحت خشبًا صورةً ثم
__________
(1) انظر: تفسير ابن جريرٍ 8/ 104 - 105. [المؤلف]
(2) في ص 735.
(3) ص 287. [المؤلف]. وهو في أواخر الدفتر الثالث الذي لم أعثر عليه بعد.
(3/738)

يعتقد أنه إلهه وخالقه وخالق الكلِّ ... ، ولكنَّ القوم لما عكفوا على التوجُّه إليها وربطوا حوائجهم بها من غير إذنٍ وحجَّةٍ وبرهانٍ وسلطانٍ من الله تعالى كان عكوفهم ذلك عبادةً ... ".
ومما يدلُّ عليه - زيادة على ما مرَّ - قولُ الله تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ... وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] , [480 ز] فقيَّد الإشراك المحرَّم بأن يكون لما لم ينزل به - أي: بإشراكه - سلطانًا، فيُفْهَم منه أن إشراك ما نزَّل به سلطانًا ليس بمحرَّم. وفيه احتمالان:
الأوَّل: أن يُقال: إنما سمَّاه إشراكًا بالنظر إلى الحال الراهنة للمشركين في تعظيمهم ما لم ينزل الله عزَّ وجلَّ بتعظيمه سلطانًا، فلا ينافي أنه لو أنزل به سلطانًا لا يبقى حينئذٍ إشراكًا.
الثاني: أن يُقال: ليس المراد بالإشراك ها هنا الشرك الذي هو منافٍ للإيمان، وإنما المراد: أن تجعلوا نصيبًا من الطاعة والخضوع اللَّذَين يُطْلَبُ بهما النفع الغيبيُّ، وعلى هذا فالقيد على ظاهره، أي ذلك الجَعْلُ إنما يكون محرَّمًا بذلك القيد.
ولعلَّ هذا أولى من أن يُقال: إن القيد لا مفهوم له؛ لأن الإشراك لا يكون إلاَّ حيث لم ينزل الله تعالى به سلطانًا، والله أعلم.
وإيضاح الاحتمال الثاني: أن طاعة الرسول والخضوع له حقٌّ، مع أنها بالنظر إلى الظاهر كأنها تشريكٌ له مع الله عزَّ وجلَّ، وكذلك احترام الكعبة والحجر الأسود فيها بحسب الظاهر خضوعٌ لغير الله عزَّ وجلَّ، وعلى هذا
(3/739)

الظاهر تدخل طاعة الرسول واحترام الكعبة والحجر الأسود في قوله: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ} إذا لم نحمل الإشراك فيها على الشرك المنافي للإيمان، وإنما تخرج بقوله: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} , والله أعلم.
وقال الله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151].
وقال سبحانه وتعالى حكايةً عن إبراهيم {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: 81].
وعن هودٍ: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71].
[480 ح] وعن يوسف: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [يوسف: 40].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71].
وقال تعالى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35].
إن قدَّرنا في قوله: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا} في آيتي الأعراف ويوسف: (بشركها) أو (بتعظيمها) فهما مما نحن فيه، وإن قدَّرنا (بوجودها) فلا.
(3/740)

وكذا آية الحج، إن قدَّرنا: (ما لم ينزل بعبادته) فمن هذا الباب، وإن قدَّرنا: (ما لم ينزل بوجوده) فلا، وعلى تقدير: (بوجود) في هذه الآيات الثلاث فيكون المراد الأشخاص المتوهَّمة، ولعلَّه أظهر، والله أعلم.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117].
قال البيضاويُّ: {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} "صفةٌ أخرى لإله لازمةٌ له، فإن الباطل لا برهان له، جيء بها للتأكيدِ وبناءِ الحكم عليه؛ تنبيهًا على أن التديُّن بما لا دليل عليه ممنوعٌ، فضلاً عما دلَّ الدليل على خلافه" (1).
أقول: ويأتي فيه الاحتمالان اللذان قدَّمنا ذكرهما في آية الأعراف (2)، فتدبَّر، والله الموفَّق.
وأما قول الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ... وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [480 ط] أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79 - 80].
فالمراد أن يأمرهم من عند نفسه، فأما لو أمره الله عزَّ وجلَّ أن يأمرهم بطاعته واحترامه بالسجود له مثلًا لكان ما يأمرهم به طاعةً لله عزَّ وجلَّ وعبادةً له، لا عبادةً لهذا البشر المبلِّغ عن الله عزَّ وجلَّ، وكذلك إذا أمره الله
__________
(1) هامش حواشي الشيخ زاده 2/ 408. [المؤلف]
(2) في ص 739.
(3/741)

تعالى أن يأمر الناس باحترام الملائكة والنبيِّين بالسجود لهم مثلاً فإنه لا يكون السجود لهم من باب اتَّخاذهم أربابًا، بل يكون طاعةً لله عزَّ وجلَّ وعبادةً له وإقرارًا بربوبيَّته، فتدبَّر.
وقد مرَّ الكلام على هذه الآيات في الكلام على تفسير تأليه المسيح عليه السلام (1).
فأما الطاعة والخضوع والتعظيم بغير تديُّنٍ فليست من العبادة في شيءٍ، فمَن أطاع إنسانًا أو شيطانًا أو هوًى في معصية الله تعالى، وهو يعلم أنها معصيةٌ لله تعالى، ولم يزعم أن تلك الطاعة دينٌ تنفعه عند الله عزَّ وجلَّ، ولا تفيده نفعًا غيبيًّا، ولا كانت تلك المعصية شركًا، فليس بمشركٍ.
وبهذا الفرق تعلم [481] الجوابَ الصحيح عما زعمه الخوارج أن المعاصي شركٌ؛ لأن فاعلها مطيعٌ للشيطان، فهو عابدٌ له. واحتجُّوا بالآيات التي سقناها في ذكر عبادة الشياطين، وغفلوا أن تلك الآيات جاءت في ذكر طاعة الشيطان تديُّنًا يُطْلَب منه النفع، والعاصي من المسلمين لا يطيع الشيطان كذلك.
وقرأت في حواشي الشيخ زاده على البيضاويَّ ما لفظه (2): "فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الشيطان سببًا لزلَّة آدم ومخالفته لأمر الله تعالى؛ مع أن طاعة الشيطان كفرٌ، وذلك لا يتصور من الأنبياء؟
فالجواب: أنه لا يكفر بذلك ... ، وإنما يكفر إذا قصد طاعة الشيطان
__________
(1) انظر ص 648 - 654.
(2) ملحق ص 481. [المؤلف]
(3/742)

ومخالفة الربِّ (1) .... ولا يقصد المؤمن بما بُلِيَ به من العصيان طاعة الشيطان ومخالفة الربِّ ... ، وكذا حال آدم وحوَّاء ... ، لكنهما ما أكلا من الشجرة موافقةً له، ولا قَبِلا منه النصيحة ولا صدَّقَاه في ذلك، بل أكلا على الشهوة لميلان الطبع" (2).
أقول: ارجع إلى الآيات التي ذكرناها في شأن عبادة الشياطين مع ما معها من الآثار (3)؛ يتبيَّنْ لك أن الله عزَّ وجلَّ أخبر بعبادة الشياطين واتِّخاذهم شركاء وآلهةً من دون الله عن قومٍ لم يكونوا يقصدون طاعة الشياطين، بل كانوا يبغضونها ويذمُّونها، حتى كان أشدُّ ما يذفون به النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قولهم: كاهنٌ أو مجنونٌ، وقد تواتر عنهم أنهم كانوا يرون أن الكاهن يستعين بالشياطين، وأن المجنون هو مَن استولت عليه الشياطين، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 210]، وقال سبحانه: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [التكوير: 25]، وبيَّن المفسّرون أن ذلك ردٌّ عليهم في قولهم في النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إنه كاهنٌ، وفي القرآن: إنه كهانةٌ.
/ وكذا لم يكونوا يقصدون مخالفة الربِّ تعالى، بل قد أخبر الله تعالى عنهم بقولهم في آلهتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وقالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]، {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20].
__________
(1) لعلَّه يشير إلى ترك التزامه وعدم قبوله وانقياده.
(2) حواشي الشيخ زاده 1/ 265.
(3) انظر ص 595 - 614.
(3/743)

فالصواب ما قدَّمناه.
ثم آيات القرآن ظاهرةٌ في أنَّ آدم وحوَّاء عليهما السلام قَبِلا وسوسة اللَّعين وأكلا من الشجرة على أمل الخلد، ولكننا نقول: لم يطلبا بذلك نفعًا غيبيًّا.
ألا ترى لو أن رجلاً أُصِيب بمرضٍ مُهلِكٍ في العادة، فقيل له: تناولْ من هذا الدواء وإلاَّ هَلَكْت، فتناوله لئلَّا يهلك؛ جريًا مع الأسباب، مع علمه أنَّ ما سبق في علم الله عزَّ وجلَّ لا يتبدَّل، لم يكن طالبًا نفعًا غيبيًّا.
وهكذا مَنْ قيل له: كما جرت عادة الله عزَّ وجلَّ بأنَّ مَن لم يأكل الطعام يموت، فكذلك جرت عادته بأنَّ مَن لم يتناول هذا الدواء لا يعيش أكثر من خمسين سنةً إلا نادرًا، وأنَّ مَن أكل منه يعيش سبعين سنةً أو أكثر غالبًا، فإنه إذا تناول من ذلك الدواء ليعيش سبعين سنةً أو أكثر جريًا مع الأسباب، مع علمه بأنَّ ما سبق في علم الله تعالى لا يتبدَّل؛ فإنما يكون طالبًا نفعًا عاديًّا. ولم يكونا قد شاهدا أحدًا مات، بل شهدا الملائكة المخلَّدين، فلذلك قوي عندهما أنَّ طول البقاء أمرٌ عاديٌّ.
فأما أن يكونا مَلَكين، فإنهما لم يريدا ذلك، وكيف يريده آدم وقد سجدوا له،/ ولم يذكر إبليس أن يكونا مَلَكين إلاَّ حيث ذكر علَّة النهي، وذلك قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20].
فأما الترغيب والإطماع فإنما كان بالخلود، كما قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا
(3/744)

مِنْهَا} الآية [طه: 120 - 121].
وقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} إلخ، أراد به أنه لا سبب للنهي إلا هذا، ولم يصرِّحْ بأن ذلك نقصٌ أو كمالٌ، كأن الخبيث قال في نفسه: إن حَمَلَهما كلامي على سوء الظنِّ بربهما بأن يقولا: نهانا عن الأكل منها لئلا يحصل لنا ما هو خيرٌ لنا وكمالٌ من الملَكيَّة أو الخلود، فذلك الذي أبغي، وإلا فليس ذلك بمانعهما عن تصديقي؛ إذ لعلَّهما يقولان: لعلَّ ربَّنا كره لنا أن نكون مَلَكين؛ لأن في ذلك نقصًا؛ فإن لآدم مزيَّةً على الملائكة بدليل السجود، ولأننا إذا صرنا مَلَكين حُرِمنا عن التمتُّع بنعيم الجنَّة؛ لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، ولعلَّ الخلود يورثنا نقصًا لا نعلمه الآن، ولكن مهما يكن من نقصٍ فإننا نرضى به لأنفسنا على أن يحصل لنا الخلود.
هذا ما لعلَّ الخبيث قاله في نفسه، فأمَّا هما فإنهما لم يسيئا الظنَّ بربهما قطعًا، كيف ولم يجوِّزا صدق إبليس حتى قاسمهما بربهما تعالى، وإنما جوَّزا صدقه لاحتمال نقصٍ في الملَكيَّة والخلود لأجله نهاهما ربُّهما عن الشجرة رحمةً بهما، ولكن غلبتهما شهوة الخلود، فلم يباليا بالنقص، فطلبا بأكل الشجرة طولَ البقاء من الجهة العاديَّة التي قرَّرناها أوَّلاً، ولم يطلبا المَلكِيَّةَ، ولكن لعلَّهما قالا: إن فُرِضَ صدقُ إبليس فيْ أن الأكل/ من الشجرة ربَّما أورث المَلَكِيَّة، فإنما يكون ذلك بفعل الله تعالى، ولسنا نقصد ذلك ولا نطلبه، على أنه إن كان ذلك فقد حصل لنا الخلود أيضًا.
هذا، وقد يُقال: إن العادة في الجنَّة أوسع منها في الدنيا، فلعلَّهما قد شاهدا من تأثير المطعومات في الجنَّة ما يجعل سببيَّة الشجرة لأن يكون آكلُها ملَكًا من قبيل الأسباب العاديَّة هنالك.
(3/745)

وفوق هذا كلِّه فإننا نقول: إن إخبار إبليس ومقاسمته إيَّاهما مع ظنِّهما أنه لا يُقْسِم مخلوقٌ بالله عزَّ وجلَّ على كذبٍ قام في حقَّهما مقام خبر الواحد، فكما أننا نقول: مَن بلغه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خبر واحدٍ يفيد غلبة الظنِّ بأن هذا الفعل يكون سببًا لنفع غيبِيًّ، فَفَعَلَه طلبًا لذلك النفع، فإنَّ فِعْلَه يكون عبادةً لله عزَّ وجلَّ، وإن فُرِضَ أن ذلك المخبر كاذبٌ في نفس الأمر، ولكن إذا كان دليلٌ خَفِيٌ على كذبه، فقد يُلام العامل لعدم احتياطه، والله أعلم.
وهكذا السجود للعظماء وللأبوين - مع علم الساجد بأنه عاصٍ (1) بذلك السجود، وأنه لا يفيده رضوانَ الله تعالى ولا نفعًا غيبيًّا - ليس بشركٍ. وبهذا ينحلُّ الإشكال الذي حكاه القرافيُّ عن شيخه العزِّ بن عبد السلام.
قال ابن حجرٍ الهيتميُّ في كتابه "الإعلام بقواطع الإِسلام": "واستشكل العزُّ بن عبد السلام الفرقَ بين السجود للصنم وبين ما لو سجد الولد لوالده على جهة التعظيم حيث لا يكفر، والسجود للوالد كما يُقْصَد به التقرُّب إلى الله تعالى كذلك قد يُقْصَد بالسجود للصنم، كما قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، ولا يمكن أن يُقال: إن الله شرع ذلك في حقِّ العلماء والآباء دون الأصنام.
قال القرافيُّ في "قواعده": كان الشيخ يستشكل هذا المقام، ويُعْظِم الإشكالَ فيه.
ونقل هذا الإشكال الزركشيُّ وغيرُه ولم يجيبوا عنه.
__________
(1) سبق في آخر ص 734 اشتراط ألاَّ تكون المعصية شركًا.
(3/746)

ويُمكِن أن يُجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه، بل ورد شرعُ غيرِنا بالسجود للوالد، كما في قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100]: ... فكان شبهةً دارئةً لكفر فاعله" (1).
أقول: في هذا غفلةٌ؛ فإن الآية ليس فيها السجود للوالد، وإنما هي في سجود إخوة يوسف وأبويه له. نعم؛ يمكن أخذ السجود للوالد منها من باب أولى، وذُكِر في السجود للعالِم أنه ثبت لجنسه في غير شرعنا، وذلك في سجود الملائكة لآدم.
[482] فالحقُّ أن إطلاق علماء المذهب أن السجود للأبوين ونحوهما لا يكون ردَّةً محمولٌ على ما إذا سجد لهما غيرَ متديِّنٍ بالسجود ولا زاعمٍ أنه يفيده نفعًا غيبيًّا، بل سجد بجاذبٍ طَبَعِيٍّ أو عاديٍّ أو غرضٍ (2)، كمَن يسجد لسلطانٍ ليؤمِّره أو يصلَه بمالٍ أو نحو ذلك، فهذا لا مشابهة فيه لسجود المشركين لآلهتهم (3) كما لا يخفى، فأما مَن سجد لأبويه تديُّنًا يطلب به
__________
(1) الإعلام ص12. [المؤلف]
(2) صورتها في الأصل يمكن أن تُقرأ بياء نسبةٍ عطفًا على طبعيًّ وعاديًّ.
(3) سبق في تعريف العبادة (ص 733 - 734) أنه لا يُشترط في السجود للصنم طلب نفعٍ غيبِيًّ، بل لو سجد له عِنادًا أو طمعًا في نفع دنيويًّ كمَن يُجْعَلُ له مال عظيم على أن يسجد لصنمٍ، ومثلُه إذا سجد له هزلاً ولعبًا كل ذلك يرتدّ به الشخص، والفقهاء يثبتون الردّة بذلك كما هو نصُّ كلامه. ويظهر أنَّ المؤلَّف لا ينظر إلى ذات السجود بل إلى المسجود له فيفرِّق بين الصنم الذي من شأن عابديه أن يطلبوا بذلك نفعًا غيبيًّا وبين الملِكِ من بني آدم الذي لم تجر العادة بالسجود له طلبًا لنفعٍ غيبِيًّ، فَشَرَطَ في تكفير الساجد للمِلك أن يطلب بذلك نفعًا غيبيًّا ولم يشترط ذلك في السجود للصنم.
(3/747)

نفعًا غيبيًّا فهذا هو عمل المشركين سواءً.
ومما يدلُّ على هذه التفرقة ما نقله ابن حجرٍ الهيتميُّ في كتابه المذكور عن الروضة (1)، ولفظه: "وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة الظالمين من السجود بين يدي المشايخ؛ فإن ذلك حرامٌ قطعًا بكلِّ حالٍ، سواءٌ أكان للقبلة أو لغيرها، وسواءٌ قصد السجود لله أو غفل. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر، عافانا الله من ذلك" اه (2).
فأما سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف، فذاك طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كان عندهم بذلك من الله سلطانٌ.
فإن قلت: وكيف يكون الشيء كفرًا وقد كان مثلُه إيمانًا؟
قلت: ليس السجود للمخلوق بأمرٍ واحدٍ، بل ثلاثة أمور: إن أنزل الله به سلطانًا كان إيمانًا. وإن لم ينزل به؛ فإن لم يقصد به التديُّن كان معصيةً، وإن قصد به التديُّن كان كذبًا على الله تعالى وشركًا.
أَوَ لا ترى أنَّ آدم وأولاده لصلبه كانوا يستحلُّون نكاح الأخت، ولو استحلَّه مسلمٌ لَحُكِم عليه بالردَّة إجماعًا؟ وهكذا لو ترك المسلم إحدى الصلوات الخمس بعد شَرْعها منكرًا لوجوبها لكان مرتدًّا، ومَن تركها قبل شرعها نافيًا لوجوبها [483] لا حرج عليه، بل مَن تركها بعد شرعها جاهلاً لوجوبها معذورًا لا حرج عليه، وذلك كقريب العهد بالإِسلام.
فإن قيل: إن الحكم بردَّة مستحلَّ نكاح الأخت من المسلمين ومنكر
__________
(1) روضة الطالبين 1/ 326.
(2) الإعلام ص: 13. [المؤلف]
(3/748)

وجوب إحدى الخمس إنما هو لتكذيبه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؟
قلت: وهكذا تكفير الساجد لأمِّه تديُّنًا، فإن التديُّن بذلك تكذيبٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فيما عُلِمَ من شريعته بالضرورة أنه لا يُقَرِّبُ إلى الله تعالى إلا دينه الذي شرعه، وأنَّ كلَّ ما شرعه لهذه الأمة فقد بلَّغه رسولُه، مع العلم بأن السجود للأمِّ ليس من شريعته، وفي ذلك أيضًا كذبٌ على الله عزَّ وجلَّ في زَعْمِ الساجد أن سجوده من الدين الذي يحبُّه الله ويرضاه.
وقد قسَّم الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكفر إلى قسمين: الكذب عليه، والتكذيب بآياته، وقدَّم الأوَّل، قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32]. وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]. والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، وسيأتي الكلام على هذا المعنى مبسوطًا إن شاء الله تعالى (1).

فصلٌ في القيام
مما يقرب من السجود القيام؛ فقد ثبت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم النهي عنه والكراهة له، فروى الترمذيُّ وأبو داود عن معاوية قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم: "مَن سَرَّه أن يَتَمَثَّلَ له الرجال قيامًا [484] فليتبوَّأ مقعده من النار" (2).
__________
(1) انظر ص 903 - 913.
(2) جامع الترمذيّ، كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، 2/ 125 - 126، ح 2755، وقال: "حديثٌ حسنٌ". سنن أبي داود، كتاب الأدب، بابٌ في قيام =
(3/749)

وروى أبو داود عن أبي أمامة قال: خرج النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم متكئًا على عصا، فقمنا له فقال: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظِّم بعضهم بعضًا" (1).
وأخرج الترمذيُّ عن أنسٍ قال: "لم يكن شخصٌ أحبَّ إليهم من النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك"، قال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه" (2).
وفي صحيح مسلمٍ عن جابرٍ: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلَّينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكرٍ يُسْمِعُ الناسَ تكبيرَه، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلَّينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعودٌ، فلا تفعلوا، ائتمُّوا بأئمتكم، إن صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا" (3).
جزم ابن حِبَّان بأنَّ هذه الواقعة هي التي في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - والمسألة مشهورةٌ، والحقُّ أن هذا الحكم باقٍ لم يُنسَخ، وقد جاء عن جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم أنهم صَلَّوا قعودًا وهم أئمَّةٌ، فأمروا مَن خَلْفَهم بالقعود، [485] وأنت خبيرٌ أن المأموم لو قام لا يقوم تعظيمًا لإمامه، ولكن
__________
= الرجل للرجل، 2/ 355، ح 5229. [المؤلف]
(1) سنن أبي داود، الموضع السابق، 2/ 355، ح 5230. [المؤلف]. وأخرجه أحمد في المسند 5/ 253، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 1/ 351 برقم 346.
(2) جامع الترمذيّ، الموضع السابق، 2/ 125، ح 2754. [المؤلف]
(3) صحيح مسلمٍ، كتاب الصلاة, باب ائتمام المأموم بالإمام، 2/ 19، ح 413. [المؤلف]
(3/750)

في ذلك مشابهةٌ لذلك الفعل وذريعةٌ إليه، فإذا سقط هذا الركن القطعيُّ - بل صار فعله حرامًا دفعًا لهذه الشبهة - فما بالك بالقيام على رأس الرجل إجلالًا له؟ فهذا حرامٌ لا شبهة فيه، ومَن فعله تديُّنًا يرجو به الثواب فقد عُلِم حكمه مما تقدَّم.
فأما القيام للقادم فقد عُلِمَ النهي عنه مما تقدَّم.
وقد روى الإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت حديثًا جاء فيه: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا يُقام لي، إنما يُقام لله تبارك وتعالى" (1). وسنده ضعيفٌ، وفيما مضى كفايةٌ، مع أن الأصل المنعُ من تعظيم المخلوق إلاَّ ما أذن الله تعالى به.
وقد وَهِم جماعةٌ من العلماء فأجازوا القيام للعالم والصالح، استنادًا إلى الحديث الصحيح أنه لما جيء بسعد بن معاذٍ على حمارٍ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: "قوموا إلى سيِّدكم" (2)، وآثارٍ أخرى في القيام إلى القادم (3).
ولا أدري كيف خفي عنهم أن القيام إلى القادم غيرُ القيام له، فالقيام إليه يُراد منه المشي إليه لاستقباله والترحيب به ونحو ذلك، فالإكرام إنما وقع بالاستقبال، والترحيب والقيام وسيلةٌ إلى ذلك، ولم يقع الإكرام بنفس القيام، وأما التعظيم بنفس القيام فهو قيامٌ للشخص لا قيامٌ إليه، والمحذور
__________
(1) المسند 5/ 317. [المؤلف] في إسناده ابن لهيعة ورجل لم يسمّ.
(2) أخرجه البخاريُّ في كتاب الاستئذان، باب قول النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: "قوموا إلى سيِّدكم"، 8/ 59، ح 6262. ومسلمٌ في كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال مَن نقض العهد، 5/ 160، ح 1768، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.
(3) انظر ما سيذكره المؤلَّف قريبًا.
(3/751)

[486] إنما هو القيام للشخص؛ لأنه يضارع القيام لله عزَّ وجلَّ في الصلاة، ولذلك قال ابن أبي ذئبٍ لما أُمِرَ أن يقوم للخليفة: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال الخليفة: دعوه، فلقد قامت كلُّ شعرةٍ في جسدي (1).
ومما يوضَّح لك أن القيام للمشي إلى القادم ليس تعظيمًا له بنفس القيام، أنك قد تهُدِّد خادمك بقولك: لأقومنَّ إليك، أي: لكي أضربك مثلاً، فالقيام إلى الشخص قد يكون لإهانته، وقد يكون لإكرامه، فعُلِمَ من ذلك أن القيام في قولك: (قمت إلى فلانٍ) وسيلةٌ لغيره، وليس مقصودًا لذاته، بخلاف القيام للشخص؛ فإنه تعظيمٌ لا محالة.
وقد يتردَّد النظر فيمَن دخل عليك وأراد أن يصافحك، هل يجوز القيام حتى لا تكون مصافحتُه لك وهو قائمٌ وأنت قاعدٌ مذلَّةً له أو تعظيمًا لك؟
ومن عادات العرب في اليمن أنهم إذا كانوا جلوسًا فدخل إنسانٌ فصافحهم لم يقوموا، ولكن يقول الجالس عند المصافحة: (والقائم عزيزٌ).
ثم رأيت أبا داود رحمه الله قد أشار في السنن إلى الفرق الذي ذكرته، فإنه قال أوَّلاً: (بابٌ في القيام)، فأورد فيه حديث: "قوموا إلى سيِّدكم، أو: إلى خيركم"، وحديث عائشة: ما رأيت أحدًا كان أشبه سَمْتًا وهَدْيًا ودلًّا برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من فاطمة كرَّم الله وجهها، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبَّلته وأجلسته في مجلسها (2).
__________
(1) انظر: تاريخ بغداد، 2/ 298.
(2) سنن أبي داود، كتاب الأدب, باب ما جاء في القيام، 2/ 353 - 354، ح 5217. [المؤلف]
(3/752)

ثم قال أبو داود بعد أبوابٍ: (باب الرجل يقوم للرجل يعظِّمه بذلك)، فذكر فيه حديث أبي مجلزٍ، قال: خرج معاوية على ابن الزُّبير وابن عامرٍ، فقام ابن عامرٍ وجلس ابن الزُّبير، فقال معاوية لابن عامرٍ: اجلس، فإني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: "مَن أحبَّ أن يَمْثُل له الرجال قيامًا فليتبوَّأ مقعده من النار".
وحديث أبي أمامة: قال: خرج علينا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم متوكِّئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظِّم بعضها بعضًا" (1).
وللنوويِّ رسالةٌ في هذه المسألة (2)، ومال إلى الجواز في بعض الصور، وتعقَّبه ابن الحاجَّ فأجاد (3)، ولَخَّص ذلك الحافظُ ابن حجرٍ في فتح الباري (4).
ومن عجيب ما قاله النوويُّ أنه قال في الجواب عن حديث أنسٍ: إنه - صلى الله عليه وسلم - خاف عليهم الفتنة إذا أفرطوا في تعظيمه، فكره قيامهم له لهذا المعنى، كما قال: "لا تطروني" (5)، ولم يكره قيام بعضهم لبعضٍ.
__________
(1) سنن أبي داود، كتاب الأدب، بابٌ في قيام الرجل للرجل، 2/ 355، ح 5229 - 5230. [المؤلف]
(2) عنوانها: الترخيص في الإكرام بالقيام، وهي مطبوعة.
(3) انظر: المدخل لابن الحاج 1/ 140 - 165.
(4) 11/ 38 - 43. [المؤلف]
(5) أخرجه البخاريُّ في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} , 4/ 167، ح 3445، من حديث عمر رضي الله عنه، وتمامه: "كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده, فقولوا: عبد الله ورسوله".
(3/753)

أقول: فقضيِّة هذا أنه يتعيَّن على رأي النوويِّ المنع من القيام لمن يُنْسَب إلى الصلاح في الأزمنة المتأخَّرة، فإنَّ احتمال غلوِّ العامَّة فيهم أقرب بدرجاتٍ كثيرةٍ من احتمال غلوِّ الصحابة في حقِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
أوَّلاً: لعلم الصحابة ومعرفتهم، بخلاف عامَّة هذه الأزمان.
ثانيًا: لأنه لو قارب أحدٌ منهم الغلوَّ لمنعه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وبَيَّن له، بخلاف المنسوبين إلى الصلاح في هذه الأزمان؛ فإنَّ أكثرهم جهَّالٌ يفرحون بتعظيم الناس لهم، بل الغلوُّ في المنسوبين إلى الصلاح أمرٌ واقعٌ.
فأما القيام عند قراءة قصَّة المولد فهو أمرٌ وراء ما نحن فيه بمراحل، والله المستعان.

[487] فصلٌ في الدعاء
ومن الأعمال التي عدَّها القرآن شركًا: دعاءُ غير الله عزَّ وجلَّ، ووقع في تفسير الدعاء وتوجيه كونه شركًا اضطرابٌ للمفسِّرين وغيرهم أحوجني إلى بسط الكلام في هذا المقام، فأقول مستعينًا بالله عزَّ وجلَّ:
أهل اللغة متَّفقون على أن أصل الدعاء بمعنى النداء، إلا أن الراغب ذكر فرقًا لفظيًّا فيه نظرٌ، وقد قال الله تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة: 171]، ورُوِي عن مجاهدٍ أنهما بمعنىً، وكذا قال غيره. قالوا: والمسوِّغ للعطف تغاير اللفظين. ويلوح إلى فرقٌ آخر بينهما، وهو: أن الدعاء مأخوذٌ في مفهومه طلبٌ مَّا، بخلاف النداء؛ فإنه غير مأخوذٍ في مفهومه، وإن كان لازمًا له، فتأمَّل.
(3/754)

ولعلَّ هذا الفرق هو السبب في مجيء الدعاء بمعنى السؤال. قال صاحبا اللسان والقاموس: "الدعاء: الرغبة إلى الله عزَّ وجلَّ" (1)، زاد شارح القاموس: "فيما عنده من الخير، [488] والابتهال إليه بالسؤال" (2). وهذا يُشْعِر باختصاصه به تعالى، ومعروفٌ في اللغة والاستعمال أنه لا يُقال: (دعوتُ الأمير) بمعنى: سأْلتُه، فإن جاء ما يوهم ذلك فالدعاء بمعنى النداء، وأما السؤال فإنما فُهِمَ من القرينة. ويوضِّح لك ذلك: أنك تقول: (دعوتُ الله أن يعطيني)، كما تقول: (سألته أن يعطيني)، ولا تقول: (دعوت الأمير أن يعطيني)، بل تقول: (دعوته ليعطيني)، أو: (إلى أن يعطيني)، ولكن جاء كثيرًا في القرآن أنَّ المشركين يدعون آلهتهم بأنواعهم، كما تقدَّم.
ونُقِلَ عن بعض السلف تفسيرُ الدعاء في بعض ذلك بالعبادة، وكاد المفسِّرون المتأخَّرون يطبقون عليه، وفيه نظر؛ فإنه لا يُعرَف في اللغة. ولهذا لم يذكره كثيرٌ من أهل اللغة، حتى الذين يتعرَّضون للمجاز - كصاحب القاموس وصاحب الأساس وصاحب المصباح -، بل لم يذكره الراغب - مع أن كتابه موضوع لغريب القرآن -، ومَن ذكره - كصاحب اللسان - فإنما ذكره تفسيرًا لبعض الكلمات القرآنيَّة، وهذا من أشدِّ العيوب في كتب اللغة؛ يعمِدون [489] إلى بعض الكلمات التي جاءت في القرآن وفسَّرها بعض السلف بشيءٍ أو فهموه هم من القرائن فيثبتون ذلك لغةً، مع أن السلف كانوا يتسامحون في التعبير؛ ثقةً بفهم السامع، فربمَّا فسَّروا الكلمة بلازمها، أو ببعض ما يدخل تحت عمومها، أو غير ذلك مما تدلُّ عليه في الجملة
__________
(1) لسان العرب 14/ 257، والقاموس المحيط 1655.
(2) تاج العروس 38/ 46.
(3/755)

- كما نبَّه عليه المحقِّقون -، ولذلك أكثر الاختلاف عنهم. وأما ما يفهمونه من القرائن فلعلَّهم يكونون مخطئين، فلا ينبغي أن يجزموا بأن ذلك لغةٌ؛ لأن الناظر في كتب اللغة إذا رأى مثلاً: (الحَرْد: المنع)، يأخذ هذا على أنه نقلٌ يقينيٌّ، ولا يكاد يخطر بباله أن قائل ذلك إنما فهم من الآية، وفي هذا ما فيه.
وغاية ما يمكنهم أن يقولوا: إنَّ جَعْلَه في تلك المواضع على حقيقته - وهو مجرَّد النداء - لا يصحُّ؛ لأن القرآن جعله في تلك المواضع شركًا، وجَعْلُه بمعنى الرغبة والسؤال [490] لا يأتي؛ لما تقدَّم أنَّ ذلك خاصٌّ بالله عزَّ وجلَّ، ويزيد المتأخِّرون أنه نُقِل عن بعض السلف تفسير الدعاء في بعض تلك المواضع بالعبادة.
وأقول: أمَّا كونه في تلك المواضع لا يصلح أن يُفسَّر بمجرَّد النداء فلا بأس به، وأما كونه لا يصلح أن يفسَّر بالرغبة والسؤال على وِزان دعاء الله عزَّ وجلَّ ففيه نظرٌ.
أوَّلاً: إنَّ الربوبيَّة والألوهيَّة والعبادة كلَّها في الأصل لله عزَّ وجلَّ، ولكنَّ المشركين استعملوها في شركائهم، فما بال الدعاء لا يكون كذلك؟
فكما قالوا في العبادة: "ولا يُقال: عبد يعبد عِبادةً إلاَّ لمن يعبد الله تعالى، ومَن عبد دونه إلهًا فهو من الخاسرين، وأمَّا عبد خدم مولاه فلا يُقال: عَبَده"، فكذا يُقال في الدعاء: "لا يُقال بمعنى الرغبة والسؤال إلاَّ في الرغبة إلى الله تعالى، ومَن دعا من دونه إلهًا فهو من الخاسرين، وأمَّا رجلٌ رغِب إلى أبيه أو رئيسه فلا يُقال: دعاه".
ثم راجعت عبارة الراغب، فإذا فيها: "ودعوتُه: إذا سألتَه وإذا استعنتَه، [قال تعالى]: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: 70] أي سَلْه.
(3/756)

[491] وقال: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40 - 41] تنبيهًا أنَّكم إذا أصابتكم شدَّة لم تفزعوا إلاَّ إليه، {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]، {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23]، {دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} [الزمر: 8]، {دَعَانَا لِجَنْبِهِ} [يونس: 12]، {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 106].
{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان: 14]: هو أن يقول: يا لهفاه! ويا حسرتاه! ونحو ذلك من ألفاظ التأسُّف، والمعنى: يحصل لكم غمومٌ كثيرةٌ.
وقوله: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: 68] سله.
والدعاء إلى الشيء: الحثُّ على قصده" (1) اه.
فَذِكْرُهُ قولَه تعالى {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 106]، تحت قوله: (ودعوتُه: إذا سألتَه واستعنته) ظاهرٌ في أنه يفسِّر الدعاء في الآية وأمثالها بالسؤال والاستعانة. ويؤيِّد ذلك أنه لم يذكر أن الدعاء قد يأتي بمعنى العبادة، ولا ذَكَر أنَّ الدعاء بمعنى السؤال والاستعانة مختصٌّ بالله عزَّ وجلَّ.
[492] ومما يشهد له أن القرآن يَقْرِنُ الدعاء في كثيرٍ من تلك المواضع بالسماع والاستجابة لفظًا ومعنىً، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194].
__________
(1) المفردات 315، وفيه: (استغثته) بدل (استعنته)، وما بين المعقوفين زيادةٌ من المفردات.
(3/757)

وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 56، 57].
وقال عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: 13، 14].
وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد: 14].
وقال جلَّ ثناؤه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [493] أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 4 - 6].
وقال تبارك اسمه: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 106، 107].
فمَن تدبَّر هذه الآيات تبيَّن له أنَّ الدعاء فيها بمعنى السؤال والاستعانة ولا سيَّما في الآيات التي فيها ذكر الاستجابة.
وقد قال الراغب: "والجواب يُقال في مقابلة السؤال. والسؤال على ضربين: طلب المقال، وجوابه المقال. وطلب النَّوَال، [494] وجوابه النَّوْلُ.
(3/758)

فعلى الأوَّل: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31]، وقال: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 32] وعلى الثاني قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89] أي أُعْطِيتُمَا ما سألتما.
والاستجابة قيل: هي الإجابة، وحقيقتها التحرِّي للجواب والتهيُّؤ له، لكن عبَّر به عن الإجابة لقلَّة انفكاكها منها. قال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24] وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] " (1).
وقال ابن جريرٍ في تفسير آية الأعراف: "يقول جلَّ ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان يوبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرُّهم ولا ينفعهم من الأصنام: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ} أيُّها المشركون آلهةً {مِنْ دُونِ اللَّهِ} وتعبدونها شركًا منكم وكفرًا بالله {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] يقول: هم أملاكٌ لربِّكم كما أنتم له مماليكُ، فإن كنتم صادقين أنها تضرُّ وتنفع وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إيَّاكم فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم، فإن لم يستجيبوا لكم لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقِنوا بأنها لا تنفع ولا تضرُّ؛ لأن الضرَّ والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئِل سَمِعَ مسألة سائله وأعطى وأَفْضَلَ، ومَن إذا شُكِيَ إليه من شيء سَمِعَ فضَرَّ مَن استحقَّ العقوبة ونفع مَن لا يستوجب الضرَّ" (2).
[495] وقال في تفسير آية الرعد: "وقوله: {لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} [الرعد: 14]: يقول: لا تجيب هذه الآلهة التي [يدعوها] (3) هؤلاء المشركون آلهةً
__________
(1) المفردات: 210.
(2) تفسير ابن جرير 9/ 95.
(3) في الأصل: يدعونها، والتصحيح من طبعة دار هجر من تفسير ابن جرير.
(3/759)

بشيءٍ يريدونه من نفعٍ أو دفع ضرًّ".
وأخرج عن عليٍّ عليه السلام قال: كالرجل العطشان يمدُّ يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه. وعن مجاهدٍ: قوله {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده ولا يأتيه أبدًا. وعنه أيضًا: {لِيَبْلُغَ فَاهُ} يدعوه ليأتيه وما هو بآتيه، كذلك يستجيب مَن هو دونه (1).
فَيُعْلَمُ من تدبُّر الآيات مع هذه الآثار أن المراد من الاستجابة في الآيات الاستجابة بالنوال، والاستجابة بالنوال إنما تقع في مقابل السؤال - كما قال الراغب -، فعُلِم بذلك أن الدعاء في الآيات بمعنى السؤال، أي سؤال النفع - كما هو ظاهرٌ -، وذلك المطلوب.
ومما يوضِّح ذلك: أنه ليس مدار استحقاق العبادة على الإجابة بالمقال حتى يحقَّ التشنيع على مَن عبد مَن لا يجيبه بالقول، وإنما مدار ذلك على التدبير المستقلِّ بالنفع والضرِّ [496]- كما قدَّمناه في الكلام على قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] (2) -، فتعيَّن أن يكون المراد بالاستجابة إجابة بالنفع والضرِّ.
فإن قيل: إذا امتنعت الإجابة بالمقال امتنعت الإجابة بالنوال فتكون الآيات من باب قوله تعالى في شأن العجل: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه: 89].
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 13/ 76.
(2) ص 125 [المؤلف]. ص 349.
(3/760)

قلت: في هذه الملازمة نظرٌ، ومع ذلك فإنما تَقْرُبُ لو كان المراد بالمدعوِّين في الآيات الأصنامَ، وليس الأمر كذلك، بل المراد الملائكة كما تقدَّم إيضاحه في فصل عبادة الملائكة (1).
فإن قيل: إن ذلك يمكن على هذا أيضًا، فيُقال: إن الملائكة لا يجيبون داعيهم بالمقال.
قلت: ولكن لا تقوم الحجَّة على المشركين؛ لأن لهم أن يقولوا: لعلَّهم يجيبوننا بالمقال ولا يُسمع كلامهم، كما أن الله تبارك وتعالى إذا أجاب بالمقال لا يُسْمَعُ جوابُهُ، ولا يقدح ذلك في استحقاقه العبادة، بخلاف ما إذا كان الدعاء بمعنى السؤال؛ فإنَّ المشركين يعترفون بأن آلهتهم [497] لا تضرُّ ولا تنفع بفعلها، وإنما يرجون منها الشفاعة، ويمكن إقامة الحجَّة عليهم بشأن الشفاعة، فيقول لهم الرسول: ادعوا آلهتكم أن يشفعوا لكم في أن لا يُبْتَلى فلانٌ اليومَ بالعمى، وأنا أدعوا الله أن يُبْتَلىَ فلانٌ اليومَ بالعمى؛ فإنَّ آلهتكم إن كانت عبادتهم حقًّا لا بدَّ أن يستجيبوا لكم بالشفاعة في هذا، ولا بدَّ أن يقبل الله تعالى شفاعتهم فيه؛ لأن هذا يومٌ لَهُ ما بَعْدَهُ.
هذا، مع أن المشركين كانوا يرتابون في كون آلهتهم تشفع لهم، ولهذا كانوا في الشدائد يخلصون الدعاء لله عزَّ وجلَّ، كما يأتي (2).
ثم اعلم أن تجويز أن يكون المراد بالاستجابة في الآيات الاستجابة بالمقال يوجب أن يفسَّر الدعاء بمجرَّد النداء، وقد دلَّت الآيات وغيرها مما
__________
(1) انظر ص 417 - 429.
(2) انظر ص 767 - 768.
(3/761)

يأتي أن هذا الدعاء عبادةٌ وشركٌ، فإذا كان مجرَّد النداء كذلك فسؤالُ النفع من بابِ أَوْلىَ.
فإن قلت: المفسِّرون لم يقولوا: إن الدعاء في الآيات جميعها بمعنى النداء، بل قالوا في أكثرها: إنه بمعنى العبادة. ويمكن [498] تقرير كلامهم بأن يُقال: شُبِّهَتْ عبادةُ الأوثان بدعاء الله تعالى الذي هو السؤال في أن المقصود منها طلب النفع، ثم استُعِير الدعاء للعبادة، والاستجابةُ ترشيحٌ. وقد قال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام في كتاب الإشارة والإيجاز: "النوع الحادي والستُّون: التجوُّز بالدعاء عن العبادة؛ لمشابهة الداعي للعابد في التذلُّل والخضوع، وله أمثلةٌ، أحدها: قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}، الثاني: قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ}: أي وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه من قبل. الثالث: قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، معناه: وقال ربُّكم: اعبدوني أُثِبْكم" (1).
فالجواب: أن الأصل الحقيقة، ولا يجوز العدول عنها إلاَّ لصارفٍ يصرف عنها، ولا صارف هنا، بل مقابلة الدعاء بالاستجابة مؤيِّدٌ لها، وإخراج الكلام عن ظاهره بغير صارفٍ تحريفٌ للكلم عن مواضعه، وقَرْمَطَةٌ (2) لو فُتِح بابهُا لعاد الدين لُعْبَة.
__________
(1) الإشارة ص 85 - 86. [المؤلف]
(2) القَرْمَطة: تحريف النصوص على نَحْوِ يشبه فعل القرامطة، وهي الفرقة الباطنيَّة التي تدّعي أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، ففسَّروا الصلاة بأنها معرفة أسرارهم، والصيام بأنه كتمان أسرارهم، إلى آخر تحريفاتهم. انظر: الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص 291.
(3/762)

ولو تتبَّعتَ ما جاء في القرآن من ذكر دعاء غير الله تعالى لعلَّك تجده أكثر من ذكر عبادة غير الله تعالى، وهذا مما يُبعِد المجاز.
وما قاله الشيخ عزُّ الدين رحمه الله تردُّه القواعدُ والأصول والأحاديث الصحيحة. وإني لأتعجَّب منه رحمه الله في إدراجه الآية الثالثة مع أنه لا يشكُّ أحدٌ أنَّ دعاء الله تعالى عبادةٌ له.
فإن قلت: حقيقة الدعاء هو النداء، وأنت تزعم أن معناه في الآيات السؤال، فهو مجازٌ على قولك أيضًا لا حقيقةٌ.
فالجواب: أن استعمال الدعاء في السؤال من الله عزَّ وجلَّ حقيقةٌ إن لم تكن لغويَّةً فعرفيَّةٌ وشرعيَّةٌ.
وفي هذه الآيات [499] وغيرها مما يأتي أن المشركين يدعون آلهتهم كما يدعون الله عزَّ وجلَّ، فثبت بذلك أن المراد بدعائهم آلهتهم هو السؤال منها؛ لتمثيله بدعاء الله تعالى، ودعاؤه هو السؤال منه. وعلى فرض أنَّه مجازٌ فمقابلته بالاستجابة قرينةٌ عليه.
ولو سلَّمنا أنَّ الدعاء في الآيات مجازٌ عن العبادة لكان أقرب أن تكون العلاقة هي الخصوص والعموم، وعليه فهو حجَّة لنا أيضًا؛ لأن الأخصَّ إنما يُطْلَقُ على الأعمَّ إذا كان الأخصُّ هو الأهمَّ أو من الأهمِّ، كما نصَّ عليه أهل المعاني (1)، وعليه فدعاء المشركين آلهتهم أعظمُ عبادتهم لها أو من أعظمها، فثبت بذلك كونه عبادةً وزيادةً.
__________
(1) انظر: المطوَّل في شرح التلخيص 356، وعروس الأفراح (ضمن شروح التلخيص) 4/ 37.
(3/763)

وعندي أن مَن فسَّر الدعاء بالعبادة إنما حمله على ذلك توهُّمه أن المراد بالآلهة في الآيات الأصنام، ورأى أن المشركين لا يسألون منها شيئًا، فهذا الذي اضطرَّه إلى التأويل، والحقُّ أن المراد الملائكة، كما علمتَ مما تقدَّم (1). وعليه فلا حاجة للتأويل.
على أنه قد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) [500] إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 69 - 74].
فقوله: {إِذْ تَدْعُونَ} ظاهرٌ في أنهم كانوا يدعون الأصنام؛ إذ لو كان الكلام على الفرض لقيل: (إن تدعوهم)، أو: (لو دعوتموهم)، أو نحو ذلك. وقوله: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} ظاهرٌ في أن المراد الدعاء بالكلام. وقوله {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} ظاهرٌ في أنه ليس المراد بالدعاء مجرَّد النداء، بل المراد به التكلُّم بالسؤال طلبًا للنفع واستدفاعًا للضرِّ، وكأنَّ القوم كانوا يسألون من الأصنام على نيِّة السؤال من الروحانيِّين، كما تقدَّم بيانه (2). يدلُّك على ذلك أنهم نفوا السماع والنفع والضرَّ عن الأصنام. وقد تقدَّم كلام ابن جريرٍ في تقرير ذلك (3).
__________
(1) انظر ص 416.
(2) انظر ص 621.
(3) ص 354. [المؤلف] ص 622.
(3/764)

الدعاء عبادةٌ
قال الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
[501] فكلمة (إنَّ) في مثل هذا تفيد التعليل - على ما صرَّح به أهل الأصول وغيرهم - (1)، وذلك يقتضي أن الدعاء عبادةٌ، كأنه قال: ادعوني؛ فإن الدعاء عبادةٌ، ومَن استكبر عن عبادتي سيدخل جهنَّم.
وقد أخرج الإِمام أحمد والترمذيُّ وأبو داوود وغيرهم عن النعمان بن بشيرٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} (2). وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: "صحيح الإسناد"، وأقرَّه الذهبيُّ (3).
وأخرجه في المستدرك أيضًا عن ابن عبَّاسٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -, بلفظ: "أفضل العبادة الدعاء"، وقرأ الآية. قال الحاكم: "صحيحٌ"، وأقرَّه الذهبيُّ أيضًا.
وأخرج الترمذيُّ عن أنسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء مخُّ العبادة" (4).
__________
(1) الإشارة: ص 85 - 86. [المؤلف]
(2) مسند أحمد 4/ 267. جامع الترمذيّ، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، 2/ 242، ح 3372، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، 1/ 207، ح 1479. [المؤلف]
(3) المستدرك، كتاب الدعاء، أفضل العبادة هو الدعاء، 1/ 490 - 491. [المؤلف]
(4) جامع الترمذيِّ، الموضع السابق، 2/ 242، ح 3371، وقال: "حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".
(3/765)

وقد روى الطبرانيُّ في كتاب الدعاء حديث النعمان بن بشيرٍ، بلفظ: "العبادة هي الدعاء"، ثم قرأ الآية (1).
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) [502] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 4 - 6].
لا يخفى دلالة السياق على أنَّ قوله: {بِعِبَادَتِهِمْ} أُرِيد بها الدعاء المذكور قبل.
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 116، 117]، فجعل الدعاء شركًا، والشرك عبادة غير الله عزَّ وجلَّ.
وقال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40، 41].
الآية صريحةٌ في أن المراد بالدعاء السؤال.
__________
(1) كتاب الدعاء للطبرانيِّ، باب تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: "ادعوني أستجب لكم ... "،
ص 786، ح 1.
(3/766)

وقال ابن جريرٍ: " ... ما أنتم أيُّها المشركون بالله الآلهةَ والأنداد إن أتاكم [503] عذاب الله أو أتتكم الساعة بمستجيرين بشيءٍ غير الله في حال شدَّة الهول النازل بكم من آلهةٍ ووثنٍ وصنمٍ، بل تدعون هناك ربَّكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون دون كلِّ شيءٍ غيره، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ}، يقول: فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به وتضرُّعكم إليه عظيمَ البلاءِ النازل بكم إن شاء" (1).
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33].
قال ابن جريرٍ: "يقول تعالى ذكره: وإذا مسَّ هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر فأصابتهم شدَّةٌ وجدوبٌ وقحوطٌ دعوا ربَّهم، يقول: أخلصوا لربِّهم التوحيد وأفردوه بالدعاء والتضرُّع إليه واستغاثوا به منيبين إليه" (2).
[504] وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ
__________
(1) تفسير ابن جريرٍ 7/ 113.
(2) تفسير ابن جريرٍ 21/ 26.
(3/767)

بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 18 - 22].
قال ابن جريرٍ: " {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يقول: أخلَصوا له الدعاء هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذٍ إلى الله دونها". ثمَّ أخرج عن قتادة قال: "إذا مسَّهم الضرُّ في البحر أخلصوا له الدعاء". وعن ابن زيدٍ قال: "هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا كان الضرُّ لم يدعوا إلا الله، فإذا نجَّاهم إذا هم يشركون" (1).
وقال سبحانه: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32].
[505] قال ابن جريرٍ: "يقول تعالى ذكره: وإذا غشي هؤلاء موجٌ كالظلل فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة لا يشركون به هنالك شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سواه، ولا يستعينون بغيره".
وأخرج عن مجاهدٍ قوله: {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} قال: "المقتصد في القول، وهو كافرٌ" (2).
__________
(1) تفسير ابن جرير 11/ 63.
(2) تفسير ابن جريرٍ 21/ 49.
(3/768)

يريد مجاهدٌ - والله أعلم -: أن المراد بالمقتصد الذي لا يستغيث بغير الله تعالى في قوله، ولكنه كافرٌ في اعتقاده وعمله.
وهذا مع ما تقدَّم من تفسيرهم {الدِّينَ} في الآيات بالدعاء يدلُّك أن المراد بإخلاصهم الدين إنما هو إخلاص الدعاء وحده، فأمَّا الاعتقاد فهو باقٍ حتى في البحر؛ لأنه لم يَعْرِضْ له ما يزيله، وإنما عرض لهم من الشدَّة ما اضطرَّهم إلى الاقتصار على دعاء الله عزَّ وجلَّ؛ لأنهم واثقون بأنَّ دعاء الله تعالى ينفع، ومرتابون في دعاء غيره، والإنسان عند الشدِّة إنما يفزع إلى أوثق الأسباب عنده ولا يتشاغل بما دونها.
قال الشاعر (1):
وإذا نَبَا بك والحوادِثُ جَمَّةٌ ... زمنٌ حَدَاكَ إِلىَ أَخِيكَ الأَوْثَقِ
والآيات القرآنيَّة في شأن الدعاء كثيرةٌ، وفيما ذكرناه كفايةٌ إن شاء الله تعالى.

[506] أحكام الطلب، ومتى يكون دعاءً
لقائلٍ أن يقول: قد علمنا أن السؤال من الله تعالى والرغبة إليه يُسمَّى دعاءً، وأنه عبادةٌ، وأن القرآن قد أثبت أن المشركين يدعون آلهتهم من دون
__________
(1) هو القطامي التغلبي. والبيت في ديوانه (257) تحقيق محمود الربيعي، (111) تحقيق إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب. ورواية الديوان ومعظم المصادر التي وقفتُ عليها هكذا:
وإذا أصابك والحوادث جمَّةٌ ... حدثٌ حداك إلى أخيك الأوثق
وفي بعضها: "يصيبك"، وفي بعضها: "ينوبك".
(3/769)

الله، وثبت أن دعاءهم آلهتهم هو السؤال منها والرغبة إليها، وأنَّ ذلك عبادةٌ لها وشركٌ بالله عزَّ وجلَّ، ولكن ما هو السؤال الذي إذا وقع لغير الله تعالى كان دعاءً وعبادةً للمسؤول وشركًا بالله تعالى؟
فالجواب: أمَرَ الله عزَّ وجلَّ عبادَهُ أن يدعوه في صلاتِهم قائلين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} , ولا نزاع أن المعنى: نعبدك وحدك لا نعبد غيرك، ونستعينك وحدك لا نستعين غيرك، والاستعانة هنا عامَّة.
وروى الإِمام أحمد والترمذيُّ وغيرهما عن ابن عبَّاسٍ أنه ركب خلف رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "يا غلام، إني معلِّمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك [507] لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرَّوك بشيءٍ لم يضروك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَتِ الأقلام وجفَّت الصحف" (1).
وصحَّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بايع جماعةً من أصحابه على ألاَّ يسألوا الناس شيئًا، فكان سوط أحدهم يسقط وهو على بعيره فينزل فيأخذه، لا يقول لأحدٍ: ناوِلْنيه (2).
__________
(1) المسند 1/ 293، جامع الترمذيَّ، كتاب صفة القيامة، باب 59، 2/ 84، ح 2516، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
(2) انظر: صحيح مسلمٍ، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، 3/ 97، ح 1043. [المؤلف]
(3/770)

وجاءت أحاديث كثيرةٌ في تحريم سؤال الناس، أي: أن تسألهم أن يعطوك شيئًا من أموالهم (1)، واستُثْنِيَ في بعضها السؤالُ من السلطان، والسؤالُ عند شدَّة الحاجة (2).
وقد نظرتُ في وجوه السؤال فوجدته على أقسامٍ:
القسم الأوَّل: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًّا له عند المسؤول، كأن يكون لك دَيْنٌ عند إنسانٍ فتطلبه منه.
الثاني: ما جرت العادة بالتسامح به على نيَّة المكافأة، كقول التلميذ لزميله: (ناولني الكتاب).
الثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحقًّ له ولا جرت العادة بالتسامح به على نيَّة المكافأة، وذلك كقول مَن يجد الكَفاف [508] من العيش لغنيًّ لا حقَّ له عليه: (أعطني دينارًا) مثلاً. ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربِّه تعالى؛ لأنه لا حقَّ له على ربِّه تعالى.
فأمَّا الأوَّل فلا يُسمَّى استعانةً، ولا يلزمه التذلُّل والخضوع.
وأما الثاني فإنه وإن سُمَّي استعانةً لكنَّه لا يلزمه التذلُّل والخضوع، إلاَّ
__________
(1) كحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثر". أخرجه مسلمٌ في الموضع السابق، 3/ 96، ح 1041.
(2) كحديث سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المسألة كدٌّ يكدُّ بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمرٍ لا بدَّ منه". أخرجه الترمذيّ في كتاب الزكاة، باب ما جاء في النهي عن المسألة، 3/ 65، ح 681، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
(3/771)

أن فيه رائحةً مَّا من ذلك.
وأما الثالث: فهو الذي يلزمه التذلُّل والخضوع.
وقد يكون السؤال من القسم الأوَّل ولكنه يصحبه تذلُّلٌ مَّا فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبياءهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامَّة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغنيَّ.
والحقُّ أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله عزَّ وجلَّ به، وأما سؤال المحتاج العاجز فإنما يصحبه التذلُّل لجهل الأغنياء بما عليهم من الحقوق، ونظير ذلك أن يكون لك دَيْنٌ على جبَّارٍ؛ فإنك تحتاج [509] عند طلبك حقَّك منه إلى إظهار التذلُّل.
ومن القسم الأوَّل ما أُبِيح من سؤال السلطان (1)، فالمراد إباحة أن يسأله مَن كان له حقٌّ في بيت المال، فأمَّا مَن لم يكن له حقٌّ أصلاً فسؤاله من السلطان كسؤاله له من غيره.
ومن الأوَّل أمر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الناسَ بالصلاة عليه؛ فإن ذلك حقٌّ له عليهم.
وفيه معنيان آخران هما المقصود بالذات، والله أعلم:
- تبليغهم أمر الله عزَّ وجلَّ.
- وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
وعلى هذا ما رُوِي من قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك" (2)، على أن في صحَّته مقالاً.
__________
(1) سبق قريبًا تخريج الحديث الذي يدل على ذلك.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء، 2/ 80، ح 1498. والترمذيّ في =
(3/772)

وأمَّا ما رُوِي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن خير التابعين رجلٌ يُقال له: أُوَيْسٌ، وله والدةٌ، وبه بياضٌ، فمروه فليستغفرْ لكم" (1).
فهذا أمرٌ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُوَيْسٍ مصداقُه من كتاب الله عزَّ وجلَّ قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يبلِّغوا أُوَيْسًا هذا [510] الحكم.
ومما يَشُدُّ هذا قوله: "فمروه فليستغفر لكم"، ولم يقل: (فاسألوه)، أو نحو ذلك، وكأنه إنما خصَّ أُوَيْسًا تنبيهًا على مزيد فضله؛ لأن الناس كانوا يسخرون منه ويحتقرونه، والله أعلم.
وأما سؤال الصحابة من النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم ففيه حظٌّ من القسم الأوَّل؛ لأن الله تعالى قد أمر رسوله بذلك، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وقال تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} [النور: 62]،
__________
= كتاب الدعوات، باب 110، 5/ 559، ح 3562، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". وابن ماجه في كتاب المناسك، باب فضل دعاء الحجِّ، 2/ 966، ح 2894. وفيه: عاصم بن عُبَيد الله، وهو ضعيفٌ. ولذا ضعَّفه الألبانيّ. انظر: ضعيف سنن أبي داود (الأم) 2/ 92.
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل أُوَيسٍ القرنيّ، 7/ 189، ح 2542 (224). [المؤلف]
(3/773)

وقال سبحانه: {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12]، وقال تبارك وتعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103].
وقال عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [511] إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ [512] فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 58 - 65].
قال السيوطيُّ في أسباب النزول: أخرج ابن أبي حاتمٍ والطبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: كان أبو برزة الأسلميُّ كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناسٌ من المسلمين، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ
(3/774)

إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}، إلى قوله: {إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} (1).
وأخرج ابن أبي حاتمٍ من طريق عكرمة أو سعيدٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: كان الجلاس بن الصامت ومعتِّب بن بشيرٍ (2) ورافع بن زيدٍ وبشر (3) يدَّعون الإِسلام، فدعاهم رجالٌ من قومهم من المسلمين في خصومةٍ كانت بينهم إلى النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، فدعوهم إلى الكهَّان حكَّام الجاهليَّة، فأنزل الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية (4).
أقول: فقول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} أي: لإظهار التوبة وقبول حكمك في قضيَّتهم والاعتذار إليك فيما سبق منهم [513] من إبائهم المحاكمة إليك.
وقوله: {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} أي: إظهارًا للتوبة، وقوله: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} أي: كما أمره ربُّه عزَّ وجلَّ بالاستغفار للمؤمنين؛ لأن أولئك النفر إنما يرجعون إلى الإيمان بتوبتهم، ومن توبتهم المجيء إلى الرسول - كما تقدَّم -، والله أعلم.
__________
(1) انظر ما سبق ص 434.
(2) ويُقال له أيضًا: (معتِّب بن قُشيرٍ)، كما في الاستيعاب لابن عبد البرَّ، بهامش الإصابة 3/ 442.
(3) كذا في الأصل واللباب، وفي مصادر أخرى: (بُشير)، وهو الصواب؛ لأن بشرًا وبُشيرًا الأنصاريَّين ابني الحارث (وهو أبيرق) أَخَوان، وقد ذُكِر بُشير بنفاقٍ وردَّة ولم يُذكر أخوه بشيءٍ من ذلك. انظر: الاستيعاب، بهامش الإصابة 1/ 154.
(4) انظر: لباب النقول ص 64، الدرّ المنثور 2/ 580.
(3/775)

هذا مع أن كبار الصحابة كان غالب أحوالهم عدم سؤال الدعاء لأنفسهم من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، وإنما كانوا يسارعون في الخيرات من الأعمال الصالحة عالمين بأن ذلك هو السبب الحقيقيُّ لأن يستغفر لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كما أمره الله عزَّ وجلَّ.
وقد قال الله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ [514] اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الفتح: 11].
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 79، 80].
وقد يُقال في قول أبناء يعقوب: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97]: إن فيه طلب حقًّ أيضًا.
وعلى كلَّ حالٍ فطلب الدعاء من الأنبياء بما فيه صلاح الدين أمرٌ مرغوبٌ فيه في الجملة إذا كان بحضرتهم، إلاَّ أن ما قدَّمناه من صنيع كبار الصحابة يدلُّ أن الأولى عدم الطلب والاكتفاء بعمل الخيرات؛ لأنه يبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الدعاء والاستغفار للعامل بدون سؤالٍ [515] منه، والله أعلم.
(3/776)

وقد روى مسلمٌ في صحيحه عن ربيعة بن كعبٍ: كنتُ أبيتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلتُ: أسألك مرافقتك في الجنَّة، قال: "أوْ غيرَ ذلك؟ " قلتُ: هو ذاك، قال: "فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود"، الحديث في صحيح مسلمٍ هكذا مختصرًا (1).
وقد أخرجه الإِمام أحمد في المسند (2) مطوَّلاً، وفيه: فقلت: يا رسول الله: "اشفع لي إلى ربِّك عزَّ وجلَّ فلْيُعتقني من النار".
وفي روايةٍ أخرى: أسألك يا رسول الله أن تشفع لي إلى ربِّك فيعتقني من النار. وفيه: فقال: "إني فاعلٌ، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود".
فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يكافئ ربيعة لخدمته إيَّاه، فأمره بسؤال حاجته، فسأله الدعاء له بمرافقته في الجنَّة أو بالإعتاق من النار، فكأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تردَّد في استحقاق ربيعة للمرافقة حينئذٍ، فقال له: "أوْ غير ذلك"، أي: سلْ شيئًا [516] غير ذلك، فلما أبى، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إني فاعلٌ، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود"، أي: حتى تستحقَّ ذلك أو تقارب الاستحقاق، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدعو لأحدٍ بما لا يستحقُّه أصلاً وإن سأله؛ فقد رُوِي أن قاتلًا سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر له، فقال: "لا غفر الله لك" (3).
__________
(1) كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحثِّ عليه، 2/ 52، ح 489. [المؤلف]
(2) 4/ 59. [المؤلف]
(3) أخرجه الطبريُّ 7/ 353، من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. وفي إسناده: سفيان بن وكيعٍ، وهو ضعيفٌ. وأخرجه - بمعناه - أبو داود في كتاب الديات، باب الإِمام يأمر بالعفو في الدم، 4/ 171 - 172، ح 4503. وأحمد 5/ 112 و6/ 10، وابن أبي شيبة في كتاب المغازي، حديث عبد الله بن أبي حدردٍ الأسلميِّ، =
(3/777)

فأما سؤال الدعاء بالمغفرة ونحوها من غير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد كرهه بعض الصحابة وغيرهم.
قال ابن سعدٍ: أخبرنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريُّ، ثنا أبو عونٍ، قال: كنا عند إبراهيم، فجاء رجلٌ، فقال: يا أبا عمران، ادع الله أن يشفيني، فرأيته أنه كرهه كراهةً شديدةً، حتى رَأَيْتُنَا عرفنا كراهية ذلك في وجهه - أو: حتى عرفتُ كراهية ذلك في وجهه -، ثم قال: جاء رجلٌ إلى حذيفة، فقال: ادع الله أن يغفر لي، قال: "لا غفر الله لك"، قال: فتنحَّى الرجل ناحيةً فجلس، فلما كان بعد ذلك قال: "أدخلك [517] الله مدخل حذيفة! أقد رضيت الآن؟ " قال: "ويأتي أحدكم الرجل كأنه قد أحصى شأنه، كأنَّه كأنه" (1)، فذكر إبراهيم السنَّة فرغَّب فيها، وذكر ما أحدث الناس فكرهه. اه (2).
ونقل صاحب الاعتصام عن مهذَّب الآثار للطبريِّ أنه أخرج فيه عن مدرك بن عمران قال: كتب رجلٌ إلى عمر رضي الله عنه أن ادعُ الله لي، فكتب إليه عمر: إني لستُ بنبيًّ، ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك.
__________
= 20/ 553 - 555، ح 38168. وابن الجارود (غوث المكدود)، بابٌ في الديات، 3/ 92 - 93، ح 777. والطبرانيُّ 6/ 41 - 42، ح 5455، والبيهقيُّ في كتاب السير، باب المشركون يسلمون قبل الأسر ... ، 9/ 116 وغيرهم، من طرقٍ عن ابن إسحاق وعن عبد الرحمن بن الحارث عن محمَّد بن جعفر بن الزبير عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه. قال الحافظ ابن حجرٍ في الإصابة 4/ 271: "إسناده حسنٌ"، مع أن فيه زياد بن سعدٍ، الذي قال عنه في التقريب: "مقبول". ولذلك ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.
(1) كتب الشيخ بعد "كأنه" الثانية: مكرَّر.
(2) من طبقات ابن سعدٍ 6/ 193. [المؤلف] وهو في طبعة دار صادر 6/ 276 - 277.
(3/778)

وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ أنه لما قدم الشام أتاه رجلٌ، فقال: استغفر لي، فقال: غفر الله لك، ثم أتاه آخر، فقال: استغفر لي، فقال: لا غفر الله لك ولا للأوَّل، أنبيٌّ أنا؟!
وعن زيد بن وهبٍ أن رجلاً قال لحذيفة رضي الله عنه: استغفرْ لي، فقال: لا غفر الله لك، ثم قال: هذا يذهب إلى نسائه فيقول: استغفرَ لي حذيفة، أترضى أن أدعو الله أن تكن (تكون) (1) مثل حذيفة (2).
وعن ابن عُلَيَّة، عن ابن عونٍ، قال: جاء رجلٌ إلى إبراهيم، فقال: [518] يا أبا عمران، ادعُ الله أن يشفيني، فكره ذلك إبراهيم وقطَّب، وقال: جاء رجلٌ إلى حذيفة، فقال: ادعُ الله أن يغفر لي، فقال: لا غفر الله لك، فتنحَّى الرجل فجلس، فلما كان بعد ذلك قال: فأدخلك الله مُدْخَل حذيفة، أقد رضيتَ الآن؟ يأتي أحدكم الرجل كأنه قد أحصر (3) شأنه، ثم ذكر إبراهيم السنَّة فرَغَّب فيها، وذكر ما أحدث الناس فكرهه.
وعن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: "كانوا يجتمعون فيتذاكرون، فلا يقول بعضهم لبعض: استغفر لنا". اه (4).
فأما سؤال الدعاء في أمرٍ دنيويًّ فقد جاء عن بعض الصحابة أنهم سألوا
__________
(1) التصحيح من المؤلف، وفي طبعة دار ابن الجوزي من الاعتصام 2/ 332: يجعلك.
(2) أخرجه أبو نُعَيمٍ في الحلية 1/ 277.
(3) كذا في الأصل، وفي طبعة دار ابن الجوزي من الاعتصام: "أحصى"، وهو الذي سبق أن نقله المؤلفُ عن ابن سعد في الطبقات قريبًا.
(4) الاعتصام 2/ 159 - 160. [المؤلف]. قال الشاطبيُّ: "وهذه الآثار من تخريج الطبريِّ في تهذيب الآثار له". ولم أجده في المطبوع منه.
(3/779)

النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فمن ذلك ما هو في مصلحةٍ عامَّةٍ تتناول السائل وغيره، وهذا قد وقع من بعض أكابر الصحابة، كما رُوِي عن أبي هريرة أو أبي سعيدٍ قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ، قالوا: يا رسول الله، لو أذِنْتَ لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادَّهنَّا، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "افعلوا"، قال: فجاء عمر، فقال يا رسول الله، إن فعلتَ قلَّ الظَّهْرُ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعلَّ الله أن يجعل في ذلك ... الحديث (1).
ومنه ما هو لبعض أقارب السائل، كقول أمِّ أنسٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، خادمك أنسٌ؛ فادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته" (2).
وفي روايةٍ: فدعا لي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ثلاث دعواتٍ، قد رأيتُ منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة (3). أقول: والثالثة هي قوله: "وأَدْخِلْهُ الجنَّة" (4) صرَّح بِها في روايةٍ - كما في الإصابة -، على أنها لم تصرِّح بسؤال الدعاء [519] لمصلحة دنيويَّةٍ، ولكن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان, بابٌ مَن لقي الله بالإيمان وهو غير شاكًّ فيه دخل الجنَّة ... ، 1/ 42، ح 27 (45). [المؤلف]
(2) صحيح مسلمٍ، كتاب فضائل الصحابة, بابٌ مَن فضائل أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، 7/ 160، ح 2481. [المؤلف]. وقد أخرجه البخاريُّ في كتاب الدعوات، باب قول الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ... ، 8/ 73، ح 6334، ومواضع أخرى.
(3) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 7/ 160، 2481 (144). [المؤلف]
(4) زيادةٌ يقتضيها السياق، والرواية بهذه الزيادة أخرجها عبد بن حميدٌ في مسنده (المنتخب 3/ 127، ح 1253)، وانظر الإصابة 1/ 255.
(3/780)

دعا له لدينه ودنياه.
ومنه: ما هو للسائل نفسه. وعامَّة ما ورد من ذلك كان لحاجةٍ أو ضرورةٍ، كما جاء في سؤال قتادة بن النعمان ردَّ عينه واعتذاره بأنَّ له أزواجًا يخاف أن يقلن: أعور (1)، وما رُوِي في سؤال الأعمى الدعاء بردِّ بصره وشكواه أنه ليس له قائدٌ وأنه قد اشتدَّ تضرُّره، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى (2).
وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخيِّر مَن يسأله الدعاء أنه إن صبر فهو خيرٌ له؛ فمنهم مَن اعتذر، ومنهم مَن اختارالصبر، كما جاء في صحيح مسلمٍ عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: قال لي ابن عبَّاسٍ: ألا أُرِيك امرأةً من أهل الجنَّة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قالت: إني أُصْرَع، وإني أتكشَّف، فادع الله لي، قال: "إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيكِ"، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشَّف، فادعُ الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها (3).
وجاء في قصَّة ثعلبة بن حاطبٍ أنه قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالاً، [520] قال: ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدِّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا
__________
(1) انظر ترجمته في الإصابة. [المؤلف]. 9/ 27، وما يتعلَّق باعتذاره بأنَّ له أزواجًا انظره في الطبقات الكبرى لابن سعدٍ 3/ 453.
(2) انظر: ص 544 - 548 من المخطوط.
(3) صحيح مسلمٍ، كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرضٍ، 8/ 16، ح 2576. [المؤلف]. وقد أخرجه البخاريّ في كتاب المرضى، باب فضل مَن يُصرَع من الريح، 7/ 116، ح 5652.
(3/781)

تطيقه، قال: والله لئن آتاني الله مالاً لأوتِينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فدعا له، فأوتيَ المال، فكان نهايتُه أن أنزل الله تعالى فيه: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ} [التوبة: 77] (1).
وفي هذا تنبيهٌ على سرٍّ عظيمٍ، وهو أن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وهو سبحانه أعلم منهم بما يُصلحهم. وقد أباح الله عزَّ وجلَّ للعبد أن يدعوه بما شاء، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، والله تعالى لا يخلف الميعاد، ولكنه إذا عَلم أنَّ ما سأله العبد يعود عليه بالمضرَّة لو أوتيه يمنعه إيَّاه، ويجعل إجابته لتلك الدعوة نعمةً أخرى للسائل خيرًا له مما سأل (2).
وفي صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ صلَّى الله [521] عليه وسلَّم: "لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ، ما لم يستعجل"، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: "يقول: قد دعوتُ، قد دعوت، فلم أر يُستجاب لي؛ فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" (3).
__________
(1) انظر: أسباب النزول. [المؤلف]. للواحديّ 252، ولباب النقول للسيوطيِّ 115. والحديث أخرجه الطبري (11/ 578) وابن أبي حاتمٍ (6/ 1847) وغيرهما من طريق عليّ بن يزيد الألهانيّ، وهو متروكٌ، وضعَّفه العراقيّ في تخريج الإحياء (3/ 272) وابن حجرٍ في فتح الباري (3/ 266). وحكم ببطلان القصة ابن حزم في المحلى 11/ 208. وانظر السلسلة الضعيفة 4/ 111 برقم 1607.
(2) يعني أنه يُعطى عوض تلك الدعوة ما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا.
(3) صحيح مسلمٍ، كتاب الذكر والدعاء ... ، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم =
(3/782)

وفي جامع الترمذيِّ عن جابرٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أحدٍ يدعو بدعاءٍ إلاَّ آتاه الله ما سأل أو كفَّ عنه من السوء مثله ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ" (1).
وفي المستدرك عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما من عبد ينصب وجهه إلى الله في مسألةٍ إلا أعطاه الله إيَّاها، إمَّا أن يعجِّلها وإما أن يدَّخرها". قال الحاكم: "صحيحٌ"، وأقرَّه الذهبيُّ (2).
وفي مسند الإِمام أحمد عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بهِا إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف [522] عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثر، قال: "الله أكثر" (3). وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: "صحيحٌ"، وأقرَّه الذهبيُّ (4).
وفي المسند أيضًا عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حدَّثهم، قال: "ما على ظهر الأرض من رجلٍ مسلم يدعو الله عزَّ
__________
= يعجل ... ، 8/ 87, ح 2735 (92)، [المؤلف]
(1) جامع الترمذيّ، كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، 2/ 244، ح 3381. [المؤلف]. وأخرجه أحمد في مسنده 3/ 360، وحسَّنه الألباني.
(2) المستدرك، كتاب الدعاء قال الله عزَّ وجلَّ: "عبدي أنا عند ظنَّك بي"، 1/ 497. [المؤلف]. وأخرجه أحمد في مسنده 2/ 448، والبخاري في الأدب المفرد 1/ 375 ح 711 وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص 264 - 265.
(3) مسند أحمد 3/ 18. [المؤلف]. والبخاري في الأدب المفرد 1/ 374 ح 710 وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص 264.
(4) المستدرك، كتاب الدعاء, "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل"، 1/ 493. [المؤلف]
(3/783)

وجلَّ بدعوةٍ إلا آتاه الله إيَّاها، أو كَفَّ عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ" (1).
وأخرج الترمذيُّ من حديث سلمان الفارسيِّ عن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: "إن الله حَيِيٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا خائبتين" (2). أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: "صحيحٌ على شرط الشيخين"، وأقرَّه الذهبيُّ. وذكر له الحاكم شاهدًا من حديث أنسٍ نحوه (3).
استثنى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الدعاء بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ؛ لأنَّ الداعي عاصٍ بهذا الدعاء، فلا يستحقُّ الإجابة أصلاً.
ويُلْحَق بذلك - والله أعلم - مَن ابتدع في دعائه، إمَّا في نفس الدعاء، وإمَّا فيما يتعلَّق به، كأن تحرَّى مكانًا أو زمانًا أو هيئةً يزعم أنَّ ذلك أقرب إلى الإجابة، ولم يثبت ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أخرج الإِمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن مُغفَّلٍ
__________
(1) مسند أحمد 5/ 329. [المؤلف]. وأخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك، 5/ 554 ح 3573 وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
(2) جامع الترمذيّ، كتاب الدعوات، باب 105، 2/ 273، ح 3556. [المؤلف]. قال الترمذي: "حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه". وقد أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء، 2/ 79، ح 1488. وابن ماجه في كتاب الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء، 2/ 1271، ح 3865. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان)، 3/ 160، ح 876.
(3) المستدرك، كتاب الدعاء, "إن الله حييٌّ كريمٌ ... "، 1/ 497.
(3/784)

رضي الله عنه أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها، قال: أي بُنَيَّ، سل الله الجنَّة وتعوَّذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُّهور والدعاء" (1). [و] أخرجه الحاكم في الدعاء من المستدرك، وقال: "صحيح الإسناد"، وقال الذهبيُّ في تلخيص المستدرك: "صحيحٌ" (2).
[523] فأما تحرِّي الدعاء بلفظٍ معيَّنٍ يحفظه الرجل ويواظب عليه؛ فإن كان ذلك لأنَّه ثبت في كتاب الله عزَّ وجلَّ أو ورد عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فحسنٌ، ولكنَّ الأولى أن يتتبَّع أدعية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويدعو بكلٍّ منها في موضعه كما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع. وإن كان لغير ذلك؛ كأن أعجبه لفظه، أو كان قد دعا به مرَّةً فحصل مطلوبه، أو نُقِل عن بعض الصالحين، أو زعم بعضهم أنه مجرَّبٌ أو أن له ثوابًا عظيمًا، أو أنه علَّمه الخضر، أو علَّمه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في النوم، أو نحو لك، فلا أحبُّ أن يتحرَّاه؛ فإن التحرِّيَ حقٌّ لما ثبت عن الله عزَّ وجلَّ وعن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قال الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3].
وما أخسر صفقة من يَدَعُ الأدعية الثابتة في كتاب الله عزَّ وجلَّ أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا [524] يكاد يدعو بِها، ثم يعمِد إلى غيرها فيتحرَّاه ويواظب عليه، أليس هذا من الظلم والعدوان؟!
__________
(1) مسند أحمد 4/ 87. سنن أبي داود، كتاب الطهارة باب الإسراف في الماء، 1/ 11، ح 96 - واللفظ له - سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب كراهية الاعتداء في الدعاء، 2/ 229، ح 3864. [المؤلف]. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان) 15/ 166 - 167، ح 3763، 6764.
(2) المستدرك، كتاب الدعاء، الاعتداء في الدعاء والطهور، 1/ 540. [المؤلف].
(3/785)

ومن أشنع الغلط في هذا الباب الاعتمادُ على التجربة، وما يدريك لعلَّ الله عزَّ وجلَّ لا يرضى لك ذلك الدعاء، ولكنَّه علم أن حاجتك التي دعوتَ بِها إذا أُعطيتَها عادت عليك بالضرر، فأعطاك إيَّاها؛ ليكون ما يحصل لك بِها من الضرر عقوبةً لك على ذلك، أو أعطاك إيَّاها من باب الاستدراج - والعياذ بالله -، وقد قال الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28].
وجاء عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسبطه الحسن بن عليًّ عليهما السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". صحَّحه الترمذيُّ وابن حِبَّان والحاكم، وقد تقدَّم (1).
وفي مسند أحمد من حديث أنس بن مالكٍ: ... وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك" (2).
والمقصود أن ثعلبة لو اقتصر على دعائه لنفسه [525] بكثرة المال وترك الخيرة لله عزَّ وجلَّ لما ضرَّه ذلك، بل كان الله عزَّ وجلَّ يثيبه على ذلك الدعاء ما يعلم أنَّ له فيه خيرًا في أمر معاشه ومعاده، ولكنه لما لم يرض بخيرة الله له، وألحَّ على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له متَّكلًا على خيرته لنفسه جرى ما جرى.
فإن قيل: وكيف يدعو له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بما لا خير له فيه؟ ففيه أجوبةٌ:
الأوَّل: أنَّ تكثير المال ليس هو شرًّا بذاته.
__________
(1) انظر: ملحق ص 22 من نسخة أ، فقد قال هناك: "رواه الإِمام أحمد والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: حديث صحيح". جامع الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، 4/ 668، ح 2518، مسند أحمد 1/ 200. وانظر ما سبق في ص 330.
(2) المسند 3/ 153. [المؤلف]
(3/786)

والثاني: أنَّ السائل لما أَلَحَّ استحقَّ العقوبة، فغاية الأمر أن يكون هذا الدعاء كالدعاء عليه، وهو مستحقٌّ لذلك.
والثالث: ما جاء في أحاديث الصدقة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي مَن يُلِحُّ عليه وإن كان غير مستحقًّ، ثم يبيِّن أنه لا خير لهم في ذلك.
ففي حديث معاوية - عند مسلمٍ -: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تُلْحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحدٌ منكم شيئًا فتُخرِج له مسألته منِّي شيئًا وأنا له كارهٌ فيُبارَك له فيما أعطيته" (1).
وفي حديث عمر - عند مسلمٍ في صحيحه -: "إنهم خيَّروني بين أن يسألوني بالفحش وبين [526] أن يبخِّلوني، فلست بباخلٍ" (2).
ومما يتعلَّق بسؤال الدعاء بنفعٍ دنيويًّ حديث الصحيحين في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، فإن فيه: "كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون"، فقام إليه عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ، فقال: "ادعُ الله أن يجعلني منهم"، قال: "اللهمَّ اجعله منهم"، ثم قام إليه رجلٌ آخر، قال: "ادعُ الله أن يجعلني منهم"، قال: "سبقك بها عُكَّاشة" (3).
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة، 3/ 95، ح 1038. [المؤلف]
(2) صحيح مسلمٍ، كتاب الزكاة، باب إعطاء مَن سأل بفحشٍ وغلظةٍ، 3/ 103، ح 1056. [المؤلف]
(3) البخاريّ، كتاب الرقاق، بابٌ يدخل الجنَّة سبعون ألفًا بغير حسابٍ، 8/ 112 - 113، ح 6541. مسلم، كتاب الإيمان, باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، 1/ 138، ح 218. [المؤلف]
(3/787)

فالحديث يدلُّ على كراهيةٍ مَّا للاسترقاء، وحقيقته: سؤالك من رجلٍ أن يرقيك، وذلك سؤالٌ لنفعٍ دنيويًّ، فأما أن يجيئك رجلٌ فيرقيك بدون أن تسأله فلا كراهة فيه؛ فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يرقي، وعرضوا عليه رقيةً، فقال: "ما أرى بها بأسًا، مَن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (1).
وفي الصحيحين عن أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى نفث على نفسه [527] بالمعوِّذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفَّي فيه طَفِقتُ أَنفُثُ على نفسه بالمعوِّذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عنه (2).
وهذا الفرق شبيهٌ بالفرق بين سؤال المال وقبول العطاء، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، فقال: "خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه، وما لا فلا تتبعْه نفسك" (3).
وكان ابن عمر وأبو هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم
__________
(1) انظر: صحيح مسلمٍ، كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين ... ، 7/ 19، ح 2199 (63). [المؤلف]
(2) البخاريّ، كتاب المغازي، باب مرض النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، 6/ 11، ح 4439. مسلم، كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوِّذات والنفث، 7/ 16، 2192. [المؤلف]
(3) البخاريّ، كتاب الزكاة، باب مَن أعطاه الله شيئًا من غير مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ، 2/ 123، ح 1473. مسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير مسألةٍ ولا إشرافٍ، 3/ 98، ح 1045. [المؤلف]
(3/788)

لا يسألون أحدًا ولا يردُّون إذا أُعْطُوا (1).
هذا، والظاهر أن كراهية الاسترقاء خاصَّةٌ بما إذا استرقى الإنسان لنفسه، أمَّا استرقاؤه لغيره فلا كراهية، ففي الصحيحين عن أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جاريةً في وجهها سُفْعَةٌ - يعني صُفْرَة -، فقال: "استرقوا لها؛ فإن بها النظرة" (2).
وعلى هذا يُحمَل حديث الصحيحين عن [528] عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أمر - أن يُسترقى من العين (3).
ومن القسم الثالث: سؤال العبد من ربِّه عزَّ وجلَّ، وهو المسمَّى دعاءً. ومنه - كما صرَّح به القرآن - سؤال الملائكة، وسمَّاه القرآن دعاءً.
وقد تأمَّلنا الفرق بينه وبين سؤال الناس بعضهم بعضًا فوجدنا أن السؤال من الملائكة فيه تذلُّلٌ لهم وتعظيمٌ يُتديَّن به، أي: يُطلَب به نفعٌ غيبيٌّ. وقد
__________
(1) أثر ابن عمر أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير مسألة ولا إشراف 3/ 98 ح 1045.
وورد عن ثوبان أنه كان لا يسال أحدًا. أخرجه أحمد 5/ 275 وغيره. وحكى ابن رجب في جامع العلوم والحكم 1/ 479 نحو ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي ذر.
(2) البخاريّ، كتاب الطبَّ، باب رقية العين، 7/ 132، 5739. مسلم، كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين ... ، 7/ 18، ح 2197. [المؤلف]
(3) البخاريّ، الموضع السابق، 7/ 132، ح 5738. مسلم، الموضع السابق، 7/ 18، ح 2195 (56)، ولفظه: "كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يأمرني أن أسترقي من العين". والمراد - والله أعلم - أن تسترقي لمن كانت تكفله من الصبيان، لا لنفسها. [المؤلف]
(3/789)

قدَّمنا (1) أن كلَّ ما كان كذلك فهو عبادةٌ؛ فإن لم يُنزل الله تعالى سلطانًا بالأمر أو الإذن به فهو عبادةٌ لغيره.
وأمَّا سؤال الناس بعضهم من بعضٍ ما جرت العادة بقدرتهم عليه، فمنه ما لا تذلُّل فيه، ومنه ما كان فيه تذلُّلٌ ولكن لا يُطلَب به نفعٌ غيبيٌّ.
وإنما كان السؤال من الملائكة سؤالًا لنفعٍ غيبيٍّ؛ [529] لأنهم غائبون عن حِسِّنا ومشاهدتنا، لا نشاهدهم، ولا نشاهد قدرتهم على النفع ومباشرتهم له كما يشاهد البشر بعضُهم بعضًا، فسواءٌ أكان المسؤول من الملائكة هو النفع بالفعل - كإنزال المطر مثلًا - أو مجرَّد النفع بالشفاعة؛ لأن البشر لا يدركون بالحسِّ والمشاهدة أنَّ الملائكة يسمعون دعاءهم، ولا أنَّهم يشفعون لمن دعاهم.
وهذا بخلاف سؤال الدعاء من الإنسان الحيِّ الحاضر؛ فإن الدعاء نفسه وإن كان نفعًا فليس غيبيًّا؛ لأننا ندرك بالحسِّ والمشاهدة أنَّ الإنسان الحيَّ الحاضر يسمع طلبنا ويدعو لنا إذا طلبنا منه الدعاء.
وها هنا فروقٌ أخرى بين سؤال الناس بعضهم من بعضٍ ما يدخل تحت قدرتهم وسؤال الملائكة، منها: ما تقدَّم (2) في الكلام على قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أن البشر لما كانوا في دور ابتلاءٍ وامتحانٍ منحهم الله تعالى شيئًا من الاختيار، فهم يستطيعون أن يعملوا ما أرادوه مما يدخل تحت قدرتِهم ولو كان معصيةً [530] لله عزَّ وجلَّ، وأما الملائكة فهم في
__________
(1) انظر ص 732 - 733.
(2) انظر ص 355.
(3/790)

دور طاعةٍ محضةٍ، فهم كما قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26، 27].
فسؤال البشر بعضهم بعضًا ما جرت العادة بقدرتهم عليه له معنىً؛ لأن لهم اختيارًا، ولا كذلك سؤال الملائكة.
ألا ترى لو أن ملِكًا جعل بيد بعض أتباعه مالاً، وقال له: فرِّقه على بعض المستحقِّين، ثم جعل مالاً بيد تابعٍ آخر، وقال له: لا تصرف منه فلسًا إلا إذا أمرتك، وقد علمنا أن هذا التابع لا يخالف متبوعه، فإن العاقل منَّا قد يسأل الأوَّل؛ لأنه مختارٌ، ولا يسأل الثاني.
وهكذا في الشفاعة، لو أن ملِكًا أذن لبعض أتباعه أن يشفع عنده للمستحقِّين، ومنع آخر أن يشفع لأحدٍ حتى يأمره الملِك أن يشفع له؛ لكان من المعقول أن تسأل الشفاعة من الأوَّل، وأما الثاني فلا؛ لأن الملِك متى أمره بالشفاعة فلا بدَّ أن يمتثل أمْر الملك فيشفع، [531] وأيضًا فإن الملك لن يأمر بالشفاعة إلا وقد أحبَّ قضاء تلك الحاجة، وإذ قد أحبَّ قضاءها فلا بدَّ أن يقضيها ولو لم تقع الشفاعة.
فأمَّا إذا قال الملِك لأحد أتباعه: (لا تشفع حتى آذن لك)، فإن قلنا: إن الإذن هنا بمعنى الأمر فكما تقدَّم، وإن قلنا: بل بمعنى أنه يقول له: (إن شئت فاشفع)، فقد يُقال: لا معنى للسؤال أيضًا؛ لأن الملِك لم يأذن بالشفاعة حتى أراد قضاء تلك الحاجة، وإنما أذن لهذا بالشفاعة إكرامًا له، فإن شفع فذلك قبولٌ للإكرام، وإن لم يشفع لم يمتنع الملِك من قضاء تلك الحاجة، مع أن هذا المأذون له إذا كان طاهر النفس لم يُحتمَل أن يأبى الشفاعة.
(3/791)

فإن قيل: فيُحتمَل أن الملِك يجعل شفاعة ذلك الرجل شرطًا لقضاء الحاجة، فيقول له: لا أقضيها أوْ تشفع فيها، قلت: في إمكان هذا في حقَّ الله عزَّ وجلَّ نظرٌ، وعلى فرض وقوعه فالملائكة طيِّبون طاهرون لا يمتنعون من الشفاعة بعد أن يأذن الله تعالى لهم فيها.
فإن قيل: قد يتوقَّف الإذنُ بالشفاعة [532] على التعرُّض للإذن، فيحتاج إلى سؤال الشفيع أن يتعرَّض، كما في حديث الشفاعة أنَّ الخلق يسألون النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، فيذهب فيتعرَّض للإذن بالسجود والثناء على الله تعالى، فيأذن له فيشفع.
قلت: هذا صحيحٌ بالنسبة إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة، فأمَّا الملائكة فلا.
أوَّلاً: لأن قوله تعالى: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]، يدلُّ أنهم لا يتعرَّضون أيضًا.
ثانيًا: أنه لا سلطان عندنا أن سؤال الشفاعة منهم يحملهم على التعرُّض لها.
ثالثًا: أن البشر في المحشر يُؤْتَوْن ضربًا من الاختيار، فيكون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اختيارٌ في أن يتعرَّض للشفاعة، فإذا سُئل ذلك فإنما سُئل أمرًا يقدر عليه باختياره. وأظهر من ذلك: أنَّ السؤال في المحشر من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم سؤالٌ من حاضرٍ مشاهَدٍ يُسْأَلُ منه ما يقدر عليه بمقتضى الحسِّ والمشاهدة، وليس كالسؤال من الملائكة في الدنيا؛ لأنهم غيبيُّون، كما مرَّ (1).
ومن الفرق أيضًا: أن الشرائع مبنيَّةٌ على أنَّ [533] للبشر اختيارًا،
__________
(1) انظر ص 789 - 790.
(3/792)

وسؤال بعضهم من بعضٍ مبنيٌّ على هذا الاختيار، فكما قامت حجَّة الله تعالى على البشر بهذا الاختيار الثابت بالفطرة والبديهة وإن أعيا العقلاء بيانُ عدم مناقضته للقَدَر، فكذلك قَبِلَ سبحانه اعتذارهم بهذا الاختيار عن سؤال بعضهم من بعضٍ ما يدخل تحت قدرتهم العاديَّة، فلم يجعل ذلك كفرًا به وإن حرَّم بعضه. وهذا المعنى لا يأتي في سؤال الملائكة.
ومن الفرق أيضًا: أنَّ الناس بطبيعتهم معتمدون على ما عرفوه وألِفوه من قدرة البشر على نفع بعضهم بعضًا في دائرة قدرتهم، والعادة تُكرههم على هذا الاعتماد، حتى إنك ترى إجابة البشر للسائل أقرب فيما ترى العين من إجابة الله عزَّ وجلَّ لداعيه. وهذا المعنى لا يأتي في الملائكة، بل الأمر بالعكس؛ فإنَّ العاقل إذا أمعن النظر وبحث وتدبَّر عَلِمَ كثرةَ إجابة الله تعالى دعاء مَن يدعوه، ولم ير مثل ذلك في دعاء الملائكة؛ ولهذا كان المشركون أنفسهم يقتصرون في الشدائد على دعاء الله عزَّ وجلَّ.
ومن الفرق أيضًا: [534] أنَّ السؤال من الإنسان الحاضر ما يقدر عليه عادةً ليس فيه ادِّعاء أنَّه يعلم الغيب، ولا يلزمه الخضوع القلبيُّ، ولا يمكن أن يعمَّ جميع الحوائج فيؤدِّي إلى الإعراض عن الله تعالى، ولا يكاد يؤدِّي إلى تعظيمه كتعظيم الله عزَّ وجلَّ، بخلاف السؤال من الملائكة في ذلك كلِّه.
ومن الفرق في خاصَّة سؤال الدعاء: أنَّ سؤال الدعاء من الأنبياء والصالحين قد تحصل به مصلحةٌ، كأن يخبر المسؤولُ السائلَ أنَّ الأمر الذي يطلبه لا يحلُّ له، أو لا خير له فيه، أو نحو ذلك. وهذا أيضًا لا يأتي في الملائكة.
ومنه أيضًا: أن الناس كالمفطورين على الخضوع والتذلُّل لمن يسألون
(3/793)

منه، فإن كان بشرًا غير معتقَدٍ فيه الخير فإنَّ أكثر الناس ينفرون بطباعهم عن الخضوع والتذلُّل له، وإن كان نبيًّا حيًّا حاضرًا فإنه لا يُقِرُّهم على ما لا يجوز، والصالح يُظَنُّ به نحو ذلك. ونحن نرى الناس يأتون إلى مَن يُظَنُّ به الصلاح [535] فيبادرون إلى تعظيمه بما شاءت لهم أنفسهم، وقد يُصِرُّون على عمل ذلك مع مَنْع ذلك الصالح لهم ونهيه إياهم وتأذِّيه بفعلهم. فأمَّا السؤال من الملائكة لو أُبِيح فليس هناك ما يردع الناس عن التغالي في تعظيمهم حتى يسوُّوهم بالله عزَّ وجلَّ أو يزيدوا.
ومنها: أنَّ سؤال الدعاء من الصالح لا يؤدِّي غالبًا إلى أكثر من زَعْمِ أنه مستجاب الدعوة، وإن كان قد يجرُّ أحيانًا إلى أزيد من ذلك، كما تراه في زعم بعض المريدين أنَّ شيخهم نافذ الحكم فيما أراد، وأنه قد أعطاه الله عزَّ وجلَّ كلمة (كن)؛ فكلُّ ما أراد أن يكون كان، وكلُّ ما أراد ألَّا يكون لا يكون. ولهذا كره السلف سؤال الدعاء من الإنسان الحيِّ أيضًا، كما مرَّ عن عمر وسعدٍ وحذيفة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم (1)، ولكنَّ كثيرًا ما يمنع عن هذا الغلوِّ منعُ الشيخ منه أو زجره عنه. فأمَّا السؤال من الملائكة فإنه يسوق إلى اعتقاد أنهم يتصرَّفون في الكون باختيارهم، ولا يتأتَّى منهم النهيُ عن الغلوِّ. وقد وقع قريبٌ من ذلك في شأن أرواح الموتى، والله المستعان.
[536] فإن قيل: كيف يكون السؤال من الملائكة دعاءً لهم وعبادةً، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسألون جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام؟
قلتُ: ليس هذا من ذاك؛ فإن الأنبياء عليهم السلام إنما يسألون جبريل
__________
(1) انظر ص 778 وما بعدها.
(3/794)

عن بعض المعارف ونحوها سؤالَ استفهامٍ وهو حاضرٌ مُشَاهَدٌ لهم، أرسله الله عزَّ وجلَّ ليعلِّمهم ويخبرهم عما يسألونه عنه، فسؤالهم منه طلب حقٍّ، وهذا السؤال لا خضوع معه للمسؤول، ولا هو غائبٌ، ومع ذلك فعندهم من الله تعالى بذلك سلطانٌ.
فإن قيل: فقد جاء في الأثر أنَّ خُبيب بن عديًّ رضي الله تعالى عنه لَمَّا أراد المشركون قتله نادى: (يا محمَّد) (1)، وهو حينئذٍ بمكَّة، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة.
وجاء في الأثر أن عمر نادى وهو على منبر المدينة: (يا سارية الجبل (2)! وسارية حينئذٍ بفارس.
وعلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّته أن يقولوا في تشهُّد الصلاة: "السلام عليك أيُّها
__________
(1) أخرجه أبو نُعَيم في الحلية, ترجمة سعيد بن عامرٍ، 1/ 245 - 246. ومن طريقه ابن عساكر، ترجمة سعيد بن عامر، 21/ 161 - 162.
(2) أخرجه السلميُّ في الأربعين في التصوُّف، بابٌ في جواز كرامات الأولياء، ص 5، وأبو نُعَيمٍ في الدلائل, الفصل التاسع والعشرون: ما جرى على يدي أصحابه بعده، ما ظهر على يدي عمر ... ، ص 579، ح 526. والبيهقيُّ في الدلائل, باب ما جاء في إخبار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بمحدَّثين كانوا في الأمم ... ، 6/ 370. واللالكائيُّ في شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة، سياق ما رُوِي في ترتيب خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب ... ، 7/ 1330، ح 2537. وغيرهم، من طريق ابن وهبٍ، عن يحيى بن أيُّوب، عن ابن عجلان، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن أبيه. وحسَّن إسناده ابن كثيرٍ وابن حجرٍ. انظر: البداية والنهاية 10/ 175، الإصابة 4/ 176 - 177. وله طرقٌ أخرى ضعيفةٌ، وفي بعضها ألفاظٌ منكرةٌ. انظر: السلسلة الصحيحة 3/ 101، ح 1110. وانظر ما سبق ص 273.
(3/795)

النبيُّ ورحمة الله وبركاته" (1)، ففعلوا ذلك في حياته وبعد وفاته، ولا يزالون على ذلك، ولن يزالوا إلى يوم القيامة.
[537] وجاء في حديث الأعمى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - علَّمه أن يقول: "اللهم إني أسألك بنبيِّك نبيَّ الرحمة، يا محمَّد، يا رسول الله، إني أتوجَّه بك إلى ربَّي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهمَّ فشفِّعه فيَّ" (2)، وفي بعض رواياته زيادة: "وإن كان (3) حاجةٌ فعل مثل ذلك" (4).
وروي عن عثمان بن حُنيفٍ رضي الله عنه أنه علَّم رجلاً يقول ذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه (5)، وعن بعض التابعين أنه دعا بنحو هذا الدعاء (6).
__________
(1) أخرجه البخاريُّ في كتاب الأذان، باب التشهُّد في الآخرة, 1/ 166، ح 831، ومواضع أخرى. ومسلمٌ في كتاب الصلاة, باب التشهُّد في الصلاة, 2/ 13، ح 402.
(2) أخرجه أحمد 4/ 138. والترمذيُّ في كتاب الدعوات، باب 119، 5/ 569، ح 3578، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ... ". والنسائيّ في عمل اليوم والليلة، ما يقول إذا راعه شيءٌ، ص 417 - 418، ح 658 - 660. وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة، 1/ 441، ح 1385. وغيرهم. وقد خرَّج المؤلِّف هذا الحديث وتوسَّع في الكلام عليه في رسالة الاجتهاد.
(3) كذا في الأصل.
(4) رواها أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه من طريق حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، كما في قاعدة جليلة ص 196.
(5) أخرجه الطبراني في الكبير 9/ 30 ح 8327، والصغير 1/ 183 - 184، وقال: والحديث صحيح، والبيهقي في دلائل النبوَّة باب تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه ... ، 6/ 167 - 168.
(6) هو عبد الملك بن سعيد بن أبجر كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابو الدعوة ص 154 ح 127.
(3/796)

فالجواب: أمَّا خبيبٌ فقصَّته في الصحيح (1)، وليس فيها أنه نادى: (يا محمَّد)، بل قال الحافظ في فتح الباري: "وفي رواية بريدة بن سفيان: فقال خُبَيبٌ: اللهم إني لا أجد مَن يبلِّغ رسولك مني السلام فبلِّغه" (2).
وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: ثم رفعوه على خشبةٍ، فلمَّا أوثقوه قال: "اللهمَّ إنا قد بلَّغنا رسالة رسولك، فبلِّغه الغداة ما يُصْنَعُ بنا" (3).
وقال ابن إسحاق أيضًا: وحدَّثني بعض أصحابنا، قال: كان عمر بن الخطَّاب استعمل سعيد بن عامر بن حِذْيَمٍ، فذكر قصَّةً، وفيها من كلام سعيدٍ: "والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأسٍ، ولكنِّي كنتُ فيمَن حضر خُبيب [538] بن عديٍّ حين قُتِل وسمعتُ دعوته" (4)، ولم يفسِّر الدعوة، ولا ذَكَر أنه نادى: (يا محمَّد).
وهذه القصَّة - أعني قصَّة سعيد بن عامرٍ - هي التي جاء فيها تلك الكلمة، رواها أبو نُعَيمٍ في الحلية من طريق الهيثم بن عديٍّ، نا ثور بن يزيد،
__________
(1) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الجهاد والسير، بابٌ هل يستأسر الرجل؟ 4/ 67، ح 3045. وكتاب المغازي، باب 10، 5/ 78 - 79، ح 3989. وباب غزوة الرجيع ... ، 5/ 103، ح 4086.
(2) فتح الباري 7/ 269. [المؤلف]. بريدة بن سفيان ضعيف، ولكن الرواية مخرجة من طريق أخرى عند الطبراني في الكبير 5/ 259، ح 5284.
(3) سيرة ابن هشام 2/ 62. [المؤلف]
(4) سيرة ابن هشام 2/ 62. [المؤلف]
(3/797)

نا خالد بن معدان، قال: استعمل علينا عمر بن الخطَّاب بحمص سعيد بن عامرٍ بن حِذْيَمٍ، فذكر قصَّةً فيها محاورةٌ بين عمر وسعيدٍ، ذكر فيها من كلام سعيدٍ: شهدتُّ مصرع خُبيبٍ الأنصاريَّ بمكَّة وقد بَضَعَتْ (1) قريشٌ لحمه، ثم حملوه على جذعة، فقالوا: تحبُّ أن محمَّدًا مكانك؟ فقال: (والله ما أحبُّ أني في أهلي وأنَّ محمَّدًا شيك شوكةً)، ثم نادى: (يا محمَّد) (2).
وخالد بن معدان لم يدرك عمر، وثور بن يزيد ناصبيٌّ، والهيثم بن عديًّ كذَّبه ابن مَعينٍ والبخاريُّ وغيرهما، وهو الذي روى عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سمَّى ابنيه عبد العُزَّى وعبد منافٍ. قال النسائيُّ: "محالٌ أن يصدر ذلك من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - " (3). وقال ابن حجرٍ في اللسان: "هذا من افتراء الهيثم على هشامٍ" (4).
والذي ذكره ابن إسحاق [539] عن عاصم بن عمر بن قتادة وذكره الحافظ عن رواية بريدة بن سفيان هو المعروف من صنيع الصحابة.
ففي هذه القصَّة بعينها في البخاريَّ أنَّ عاصم بن ثابتٍ أميرَ السَّريَّة قال: "أمَّا أنا فلا أنزل على ذمَّة كافرٍ، اللهمَّ أخبر عنَّا نبيَّك" (5).
ولو صحَّ أن خُبيبًا قال: (يا محمَّد)، فلم يقصد به الاستغاثة. كيف وهو مستعدٌّ للموت مستبشرٌ بالشهادة، ولم يحصل له الإغاثة من القتل، ولا قصد
__________
(1) أي: قَطَعَتْه. النهاية 1/ 134.
(2) حلية الأولياء، ترجمة سعيد بن عامرٍ، 1/ 245 - 246.
(3) لسان الميزان, ترجمة الهيثم بن عديًّ الطائيِّ، 6/ 210.
(4) المصدر السابق.
(5) البخاريّ، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ... ، 5/ 104، ح 4086. [المؤلف]
(3/798)

إسماع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ بدلالة الروايات الأُخَر، وإنما قال ذلك على ما جرت به عادة المحبِّ المشتاق أن يدعو باسم محبوبه إظهارًا لشدَّة شوقه إليه ومحبَّته له حتى كأنه حاضر لديه، وهذا مجازٌ كما لا يخفى، والله أعلم.
وأما أثر: "يا سارية الجبل" [540] فالجواب عنه ما جاء في القصَّة نفسها، فإنَّ فيها: "فقيل لعمر: ما ذاك الكلام؟ فقال: والله ما ألقيت له بالاً، شيءٌ أتى على لساني" (1).
فبين أنه لم يقصد ذلك الكلام أصلاً، ومع ذلك فإنه أمرٌ لا سؤالٌ يصحبه الخضوع والتذلُّل.
ومع ذلك ففي ثبوت هذه القصَّة مقالٌ، وأقوى طرقها رواية حرملة، عن ابن وهبٍ، عن يحيى بن أيُّوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، وفيها: "ثم قدم رسولُ الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هُزِمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتًا ينادي: "يا سارية الجبل" ثلاثًا، فأسندنا ظهرنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك" (2).
وقوله: "قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك" يوافق ما جاء في الرواية السابقة أنه شيءٌ جرى على لسانه بغير اختياره، والله أعلم.
ومع ذلك فحرملة ويحيى بن أيُّوب ومحمَّد بن عجلان في كلٍّ منهم مقالٌ.
__________
(1) الخصائص الكبرى 2/ 285. [المؤلف]
(2) الإصابة 2/ 3. [المؤلف]
(3/799)

وقد عَدَّ أهلُ الأصول من المقطوع بكذبه ما رُوِيَ آحادًا والدواعي متوفِّرةٌ على نقله.
قال المَحَليِّ: "كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة" (1).
وهذه القصَّة أولى بتوفُّر الدواعى على نقلها من سقوط الخطيب عن المنبر، كما هو واضحٌ، والله أعلم.
وبما ذكرناه عُلِم ما في قول الحافظ بن حجرٍ في الإصابة (2): إن إسنادها حسنٌ.
وأمَّا قولنا في التشهد: (السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته)، فقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "فإن قيل: كيف شُرِعَ هذا اللفظُ وهو خطابُ بَشَرٍ مع كونه منهيًّا عنه في الصلاة ... ؟ فالجواب: أنَّ ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي" مع أنَّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبيِّ، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى الصَّالحين، أجاب الطيبي بما مُحَصِّلُه: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علّمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إنَّ المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيَّات أُذِنَ لهم بالدخول في حَرِيم الحيِّ [541] الذي لا يموت، فقرَّتْ أعينُهم بالمناجاة، فنُبِّهُوا على أنَّ ذلك
__________
(1) شرح المحلَّي على جمع الجوامع 2/ 79. [المؤلف]
(2) 4/ 176 - 177.
(3/800)

بواسطة نبيِّ الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حَرَم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته.
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه - صلى الله عليه وسلم - فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور.
ففي الاستئذان من صحيح البخاريِّ من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهُّد قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِضَ قلنا: السلام يعني على النبيَّ. كذا وقع في البخاري.
وأخرجه أبو عوانة في صحيحه, والسَّرّاج، والجَوْزَقِي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: فلما قُبِضَ قلنا: "السلام على النبيَّ" بحذف لفظ "يعني"، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم.
[542] قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: "إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - غير واجب، فيقال: السلام على النبيِّ".
قال الحافظ: قلت: قد صحّ بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعًا قويًّا. قال عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء: أن الصحابة كانوا يقولون والنبي - صلى الله عليه وسلم - حي: السلام عليك أيها النبيُّ، فلما مات قالوا: السلام على النبيَّ. وهذا إسناد صحيح.
وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن
(3/801)

مسعود، عن أبيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - علّمهم التشهُّد فذكره قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيُّها النبي إذ كان حيًّا، فقال ابن مسعودٍ: "هكذا عُلِّمْنا، وهكذا نُعَلِّم"، فظاهره أنَّ ابن عبَّاس قاله بحثًا وأنَّ ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحُّ؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيفٌ" (1).
[543] والحاصل أنَّ الخطاب فيه ليس على بابه، وإنما هو على التنزيل أي تنزيل الغالب منزلة الحاضر للدَّلالة على استحضاره في الذهن، كأنَّ ذلك تنبيه للمصلَّي على تحرِّي متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله. وهذا التحرِّي يحمل على استحضار النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الذِّهن حتى كأنَّه حاضر يرشد إلى أعمال الصلاة والمصلَّي يتابعه.
وقد كان الصحابة يقولون ذلك في حياته - صلى الله عليه وسلم - سرًّا بحضرته أو غائبين عنه، وإنما عدل عنه مَن عدل بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - لئلا يظنَّ الجهال أنَّه خطاب حقيقي، ورأوا أن تَوَهُّمَ ذلك كان بغاية البعد في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أمَّا بحضرته فالمصلي يقول: لو كان خطابًا حقيقيًّا لشُرعَ لي أن أرفع صوتي حتى أُسْمِعَه، كما أنني لو أردتُ أن أسأله عن شيء أو أستأذنه في شيء أو إخبارَه (2) بشيء كان عليّ شرعًا وعادة أن أخاطبه بحيث يسمع كما يسمع غيره بحسب العادة.
وأما مَن بَعُدَ عنه فكذلك؛ لأنَّه يقول: لو كان خطابًا حقيقيًّا لكان عليَّ أن لا أقوله إلا بحضرته فأسمعه كما يسمع غيره على ما جرت به العادة، كما لو
__________
(1) فتح الباري 2/ 212 - 213. [المؤلف]
(2) كذا عطفًا على المصدر المسبوك من قوله: "أنْ أسأله".
(3/802)

أردتُ سؤاله أو استئذانه في شيء أو إخباره بشيء كان عليّ أن أذهب إليه فأقرُب منه بحيث يسمع صوتي، ثم أرفع صوتي فأكلِّمه.
وأما بعد وفاته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فإنَّه لم يَبْقَ ممكنًا لأحد أن يقرُب منه فيخاطبه فيُسمعَه على حسب ما هو معروف في العادة، [فإنه يعرف] (1) الإنسان من نفسه أني لو أردتُّ استئذانه صلَّى الله عليه وسلَّم، أو إخباره بشيء لكان عليَّ أن أذهب إليه وأقرُب منه وأرفع صوتي فأسمعه كما جرت به العادة في غيره.
فما بقي إلا احتمال ما هو على خلاف العادة، وإذا انفتح هذا الاحتمال لم يكن له حدٌّ يُوقَف عنده.
ورأى الآخرون أنَّ توهُّم الجهَّال كونه خطابًا حقيقيًّا بعيدٌ؛ لأنَّ القرائن العقليَّة والعاديَّة والشرعيَّة الصارفة عن الحقيقة واضحة، والناس يقولون إلى الآن: رحمك الله يا فلان، ويكون فلان قد مات منذ زمان، ودُفن بعيدًا عن القائل بمراحل، والقائل لا يشك أنَّ فلانًا لا يسمعه، وإنما أراد: رحم الله فلانًا، وذكر الله فلانًا بخير، ولكنَّه أتى بلفظ الخطاب دلالة على شدَّة استحضاره فلانًا في ذهنه، والقرينة الدالَّة على أنَّ الخطاب هنا مجاز هي ما عرفه الناس من العادة أنَّ [544] الغائبَ والميِّت لا يسمع.
وذِكْرُ الميت بلفظ الخطاب لا تكاد تخلو عنه مرثيَة من مراثي العرب.
وفي شعر مُهَلْهِلٍ كثيرٌ منه، مع أنه القائل (2):
__________
(1) كُتبت الكلمتان بعضهما فوق بعض، وهذا الذي ظهر لي.
(2) انظر: الأمالي لأبي علي القالي 1/ 24 والزِّير هو الذي يكثر من زيارة النساء وينشغل =
(3/803)

فلو نُبِشَ المقابرُ عن كليب ... فيخبرَ بالذنائب أيُّ زِير
بل كثيرًا ما يخاطبون الجمادات والمعاني.
وفي الحديث: "يا أرض ربي وربك الله" (1).
وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - لمكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله" ... الحديث (2).
وقوله لها: "ما أطيبك من بلد". الحديث (3).
__________
= باللهو بهنَّ عن طلب المعالي، يقول: لو رأى كليب ما صنعتُ بقومه بموضع الذنائب لعَلِم أني غير زِير.
(1) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل، 1/ 349، ح 2603. [المؤلف]. وأخرجه أحمد (2/ 132 و3/ 123)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا كان في سفر فأقبل الليل ص 378 ح 563، وابن خزيمة في صحيحه في كتاب المناسك، باب صفة الدعاء بالليل في الأسفار 2/ 1224 - 1225 ح 2572، والحاكم في كتاب المناسك، الدعاء عند بدو الفجر في السفر 1/ 446 - 447 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار. انظر الفتوحات الربانية 5/ 164. ولكن في إسناده الزبير بن الوليد، وهو مجهول. انظر السلسلة الضعيفة 10/ 392 ح 4837.
(2) جامع الترمذيّ، كتاب المناقب، بابٌ في فضل مكَّة، 2/ 327، ح 3925، وقال: "حسنٌ غريبٌ صحيحٌ". سنن ابن ماجه، كتاب المناسك باب فضل مكَّة، 2/ 138، ح 3108. المستدرك، كتاب الهجرة، تعاقب سراقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ، 3/ 7، وقال: "صحيحٌ على شرط الشيخين"، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف]
(3) جامع الترمذيّ، الموضع السابق، 2/ 327، ح 3926، وقال: "حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه". المستدرك، كتاب المناسك، قوله - صلى الله عليه وسلم - لمكَّة: "ما أطيبك من بلدٍ"، 1/ 486، =
(3/804)

وقول عمر للحجر الأسود: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع" الحديث (1).
ومثل هذا لم يكن يشتبه على أحد في القرون الأولى، ولكن حالَ الحالُ وترأَّس الجهَّال، وإلى الله المشتكى.
وأمَّا حديث الأعمى ففي صحَّته نظر؛ فإنَّه تفرَّد به أبو جعفر الخطمي، فروي عنه عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن عمَّه عثمان بن حُنيف، وروي عنه عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حُنيف أنَّ رجلاً ضريرًا أتى النبيَّ صلَّى الله عليه [545] وسلَّم فقال: يا نبيَّ الله، ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت أخَّرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك". قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضَّأ وأن يصلَّي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمَّد نبي الرحمة، يا محمَّد، إني أتوجَّه بك إلى الله في حاجتي هذه فتقضى لي وتشفِّعني فيه وتشفِّعهُ فيّ". قال: ففعل الرجل فبرئ. هذا لفظ رواية الإِمام أحمد في المسند (2).
وقوله: "وتشفِّعني فيه" أراد: إني أدعوك أن تجيب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي دعا لي فاستجب دعائي هذا، فأطلق على دعائه بإجابة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له
__________
= وقال: "صحيح الإسناد"، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف]
(1) البخاريّ، كتاب الحجّ، باب ما ذُكِر في الحجر الأسود، 2/ 149، ح 1597. مسلم، كتاب الحجّ، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، 4/ 67، ح 1270 (250). [المؤلف]
(2) 4/ 138. [المؤلف]
(3/805)

شفاعة، وكأنه من باب المشاكلة كقوله تعالى حكاية عن عيسى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، والله أعلم.
وقوله: "يا محمد" إن كان خطابًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحضرته فلا حجَّة فيه للمخالف، وإن كان علّمه أن يقول ذلك بعيدًا عنه أي بحيث لا يسمعه عادة فسياق الدعاء ظاهر [546] في أنَّه لا يُراد من ذلك إسماع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا حقيقة الخطاب، وإنما هو من باب المجاز الذي تقدَّم ذكره، ومن القرينة على ذلك أنه لم يقع في متن الدعاء طلب شيء من النبي - صلى الله عليه وسلم -, فكأنَّ أصل المعنى: اللهم إني أتوجَّه إليك بمحمد في حاجتي، وإنما عدل إلى الخطاب إشارة إلى أنه ينبغي للداعي بهذا الدعاء أن يكون مستحضرًا لفضيلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكرامته على ربه حتى كأنه - صلى الله عليه وسلم - حاضر أمامه.
وعلى هذا المجاز يُحمل ما يُروى أن عثمان بن حُنيف علّم رجلاً هذا الدعاء في خلافة عثمان، وما يُرْوَى من دعاء بعض التابعين بنحوه.
وعلى كلِّ حال فليس في الدعاء سؤال شيء من النبي - صلى الله عليه وسلم -, وإنما السؤال من الله تعالى.
وأما ما فيه من التوسُّل أي سؤال الله عزَّ وجلَّ بنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فتلك مسألة أخرى ليس فيها سؤال من غير الله عزَّ وجلَّ، ومَنْ مَنع من هذا التوسُّل لم يقل: إنه عبادة لغير الله [547] تعالى، ولا شرك، وغايته أن يقول: هو حرام.
وممن مَنَع هذا التوسُّلَ سلطانُ العلماء عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام الشافعي إلاَّ أنه استثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - معلِّقًا ذلك بصحة الحديث (1).
__________
(1) لعله يشير إلى ما في فتاوى العز ص 126 من إجازته الإقسام على النبيَّ محمد - صلى الله عليه وسلم - =
(3/806)

وقد التزم بعض العلماء صحة الحديث وحمله على أنه توسُّل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بذاته، واستدلَّ على ذلك بحديث البخاريِّ رحمه الله عن أنس رضي الله تعالى عنه أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانوا إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا". قال: (فيُسْقَوْن) (1).
قال: فالمراد التوسل بدعائه لِمَا جاء أنَّ عمر كان يقول هذه الكلمات عندما يرفع العباس يديه يدعو، ولأنَّ قوله: إنَّا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا إلخ ظاهر في أنَّ المعنى: وإنَّ نبينا قد توفَّي فلا يمكننا التوسُّل به، فلذلك نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا.
ومعلوم أنَّ الذي فات بموت النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أن يدعو لهم في حاجتهم تلك، فثبت بذلك أن التوسُّل به إنما هو التوسُّل بدعائه للمتوسِّل بحاجته تلك. [548] ولو كان التوسُّل بذاته، أو بكرامته على ربه، أو بدعائه لأمَّته في الجملة لما فات ذلك بموته - صلى الله عليه وسلم -, وهكذا لو جاز سؤال الدعاء والشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته لما فات المقصود بالموت، ولكانوا يسألون منه الدعاء والشفاعة ثم يتوسَّلون.
وكلام أمير المؤمنين عمر ظاهر في أنَّ توسُّلهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد فات
__________
= معلقًا ذلك بصحة حديث تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس أن يقول في دعائه: "اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمَّد نبي الرحمة"، واللفظ الوارد: "أتوسل إليك".
(1) البخاريّ، كتاب الجمعة، باب سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا قحطوا، 2/ 27، ح 1010. [المؤلف]
(3/807)

بموته، وكان يقول ذلك على رؤوس الأشهاد في اجتماعهم للاستسقاء، وأصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - مجتمعون، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ومثل هذا إجماعٌ عند جماعة من أهل العلم (1). والله اعلم.
هذا، وقد أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام" (2). وفي سنده حميد بن زياد أبو صخر الخرَّاط، قال أحمد ويحيى: لا بأس به، وقال يحيى مرَّة أخرى: ضعيف، وكذا قال النسائي (3).
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان (4) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومَنْ صلَّى [549] عليَّ نائيًا أُبْلِغته" (5).
__________
(1) انظر: قاعدة جليلة في التوسُّل والوسيلة 82، 210 - 211.
(2) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، 1/ 278، ح 2041. [المؤلف]
(3) انظر: العلل ومعرفة الرجال 3/ 52 (4126)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3/ 222، الضعفاء والمتروكون للنسائي ص 85.
(4) انظر: شعب الإيمان, بابٌ في تعظيم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وإجلاله وتوقيره، ومنه: الصلاة والتسليم عليه كلَّما جرى ذكره, 4/ 213، ح 1481.
(5) ذكره في المشكاة ص 87. ثم رأيته في جزء حياة الأنبياء للبيهقيِّ من طريق العلاء بن عمرٍو الحنفيِّ، ثنا أبو عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة, فذكره مرفوعًا. ثم قال البيهقي: "أبو عبد الرحمن هذا هو محمَّد بن مروان السُّدِّيُّ فيما أرى، وفيه نظرٌ". جزء حياة الأنبياء ص 12، [ح 18]. قلت: هو هو. ففي الميزان [4/ 33] في ترجمة العلاء بن عمرٍو الحنفيُّ [كذا في الأصل، والصواب: في ترجمة محمَّد بن مروان السُّدِّيَّ]: "ثنا محمَّد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي =
(3/808)

وجاءت آثارٌ أخرى قد يؤخذ منها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يسمع ما يقع من الأصوات عند قبره بأبي هو وأمي، ولكن لم أقف على ما هو صحيح صريح في ذلك، ولم يثبت عن السلف مخاطبته عند القبر إلا بالسَّلام، وأنت خبير أنَّ السلام ليس فيه سؤال ولا استعانة ولا استغاثة، وإنما هو دعاء له - صلى الله عليه وسلم -.
وقد اختلف أهل العلم في سماع الموتى فأنكرتْه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وغيرها سلفًا وخلفًا، واحتجُّوا بقوله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81] (1).
وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 35، 36]، وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: 22، 23].
[550] ولم تقبل عائشة حديث ابن عمر وغيره في وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتلى المشركين الذي أُلْقُوا في قليب بدر وندائه إياهم بأسمائهم وقوله: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا" فقيل له: يا رسول الله، أتخاطب أقوامًا قد جَيَّفُوا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول
__________
= صالحٍ"، فذكر الحديث. ومحمَّد بن مروان السُّدِّيُّ الصغير كذَّابٌ يضع الحديث. [المؤلف]. والعلاء بن عمرو الحنفيُّ متروكٌ. والحديث قال فيه الألبانيُّ: "موضوعٌ". انظر: السلسلة الضعيفة ح 203.
(1) ومثلها في سورة الروم: 52 - 53. [المؤلف]. ووقع في الأصل 25 - 35.
(3/809)

منهم"، فقالت عائشة: "ما قال: إنهم يسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أنَّ ما كنتُ أقول لهم حق" (1). تعني: وأمَّا مخاطبته - صلى الله عليه وسلم - لهم فلم تكن لكي يسمعوا، وإنما المقصود منها اعتبار مَن يسمعه من الأحياء أو يبلُغه.
وقال جماعة: أمَّا الموتى فلا يسمعون، ولكنَّ الله تعالى أسمع أهل القليب كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم -, وقد قال تعالى في آية فاطر: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، فدلَّ أنَّ العادة المستمرَّة عدمُ سماعهم، ولكنَّ الله تعالى إذا شاء أسمعهم.
وفي صحيح البخاريِّ: "قال قتادة: أحياهم الله - يعني أهل الطَّوِيِّ (2) - حتى أسمعهم قولَه - صلى الله عليه وسلم - توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا" (3).
وفي فتح الباري: "والجواب عن الآية: أنه لا يُسمعهم وهم موتى ولكنَّ الله أحياهم حتى سمعوا كما قال قتادة ... ، وقال السهيلي ما محصَّله: إنَّ في نفس الخبر ما يدلُّ على خرق العادة بذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ لقول الصحابة له: أتخاطب أقوامًا قد جَيَّفوا .... ".
ثم قال الحافظ: "وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}، وكذلك المراد ب {مَنْ فِي الْقُبُورِ}، فحملته
__________
(1) انظر: صحيح البخاريَّ، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهلٍ، 5/ 76 - 77، ح 3979. [المؤلف]
(2) أي: البئر. انظر: القاموس المحيط 1687.
(3) صحيح البخاريَّ، الموضع السابق، 5/ 76، ح 3976. [المؤلف]
(3/810)

عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل قوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وهذا قول الأكثر ... " (1).
وقال في الجنائز: "وقال ابن التِّين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكًّ، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية [الأحزاب: 72]، وقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} الآية [فصلت: 11] (2).
[551] وقال آخرون: إن الموتى يسمعون الأصوات التي تقع عند قبورهم.
واحتجُّوا بالحديث المذكور، وبحديث الصحيحين: "إنَّ العبد إذا وُضِع في قبره وتولَّى عنه أصحابه - وإنَّه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان" الحديث (3).
وبما أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في شهداء أحد: "أشهد أنَّ هؤلاء شهداء عند الله تعالى فأتُوهم وزوروهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسلِّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا رَدّوا عليه" (4).
__________
(1) فتح الباري 7/ 215. [المؤلف]
(2) فتح الباري 3/ 152. [المؤلف]
(3) البخاريّ، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، 2/ 98 - 99، ح 1374. مسلم، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميِّت من الجنَّة أو النار عليه ... ، 8/ 161، ح 2870. [المؤلف]
(4) المستدرك، كتاب التفسير، قراءات النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، زيارة قبور الشهداء، 2/ 248. [المؤلف]. وقال ابن رجب بعد كلامه على الحديث: "ولعل =
(3/811)

وبما أخرج ابن عبد البرِّ - وقال عبد الحقِّ: "إسناده صحيحٌ" - عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلا عرفه وردّ عليه" (1).
وأجابوا عن الآيات بتأويلات لا تسمن ولا تغني من جوع.
وإذا رجع الأمر إلى التأويل فتأويل ما يصحُّ من تلك الأحاديث توفيقًا بينها وبين الآيات هو المتعيِّن؛ لأن القرآن متواتر بلفظه الموجود، والأحاديث تحتمل خطأ الراوي، أو روايته بالمعنى ونحو ذلك [552]، فأصحّ تلك الأحاديث هو حديث قَلِيب بدر وهو محمول على أنَّ الله تعالى أسمعهم خرقًا للعادة، ويليه حديثُ "وإنه ليسمع قرع نعالهم" وهو محمول على أنَّ المراد الكناية عن قربهم من القبر، أي: بحيث لو كان يَسمَع لسَمِع قرعَ نعالهم، وقد قيل: إنه إنما يسمع حينئذ لأنها تُردُّ روحه في جسده للسؤال، كما جاء في حديث البراء عند أصحاب السنن وصحَّحه أبو عَوانة كما في فتح الباري (2)، وفيه نظر.
فأما حديث المستدرك فهو من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، تعقَّبه الذهبيُّ فقال: كذا قال، وأنا أحسبه موضوعًا. وقطن لم يرو له البخاري، وعبد الأعلى لم يُخرجا له.
__________
= المرسل أشبه ... وبالجملة فهذا إسناد مضطرب". أهوال القبور ص 142.
(1) الاستذكار 2/ 165، الأحكام الوسطى 2/ 152 - 153. وتعقبه ابن رجب فقال: "يشير إلى أن رواته كلهم ثقات، وهو كذلك إلاّ أنه غريب بل منكر" أهوال القبور ص 141.
(2) 3/ 152. [المؤلف]
(3/812)

أقول: رواه الحاكم عن عبيد الله بن محمَّد القطيعي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن عبد العزيز الأويسي، عن سليمان بن بلال، عن عبد الأعلى، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة.
وليس فيهم مَن يُنْظَرُ فيه إلا عبد الأعلى، ومع ذلك فقد قال ابن معين: أولاد عبد الله بن أبي فروة كلهم ثقات إلاَّ إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات. فأما ذكرُ ابن حبان في الثقات فلا ينافي الجهالة، وأمَّا قول ابن معين فلا يزيل الشبهة؛ لاحتمال أن يكون لم يستحضر عبد الأعلى عند إطلاقه تلك الكلمة العامَّة.
ثمَّ رأيتُ الحاكم أخرج في المغازي من طريق العطّاف بن خالد، عن عبد الأعلى هذا، عن أبيه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم زار قبور الشهداء بأحد فقال: "اللهم إنَّ عبدك ونبيَّك يشهد أنَّ هؤلاء شهداء، وأَّنه مَنْ زارهم وسلَّم عليهم إلى يوم القيامة ردّوا عليه ... " هذا إسناد مدنيٌّ صحيح، قال الذهبي: مرسل (1).
قلت: وعبد الله بن أبي فروة مجهول، وبالجملة فالظاهر أنَّ هذا الحديث لو كان صحيحًا لاشتهر عند أهل المدينة وتناقلوه، والله أعلم.
فإن صحَّ فليس فيه التصريح بأنهم يسمعون، فيُحْمَل على أنَّ الله تعالى يُبَلِّغُهُمْ سلامَ مَن سلَّم عليهم، وفائدة الوقوف على قبورهم الاعتبار والادِّكار والتأسَّي، والله أعلم.
__________
(1) المستدرك، كتاب المغازي، ردّ جواب السلام من شهداء أحد وكلامهم، 3/ 29. [المؤلف]
(3/813)

ومما يؤيد ذلك ما في صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله [يعني ابن مسعود] (1) عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، قال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل .... " (2).
قلت: والآية نزلت في شهداء أحد اتِّفاقًا، وسياق الآيات ظاهر في ذلك، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا} الآية [آل عمران:166 - 169].
وفي سنن أبى داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لما أُصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهارَ الجنة تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلَّقة في ظلِّ العرش" الحديث. وفيه: فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا} الآية (3)، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وأقرَّه الذهبي (4). وفيه تدليس أبي الزبير فإنه من طريقه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
__________
(1) هذه الزيادة من المؤلَّف، والقوسان المعقوفان منه.
(2) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنَّة، 6/ 38 - 39، ح 1887. [المؤلف]
(3) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، بابٌ في فضل الشهادة، 1/ 340، ح 2520. [المؤلف]
(4) المستدرك، كتاب التفسير، سورة آل عمران، "أرواح الشهداء في جوف طيرٍ ... "، 2/ 297 - 298. [المؤلف]
(3/814)

وأمَّا حديث ابن عبد البرِّ فنقل صاحبُ روح المعاني عن الحافظ ابن رجب أنَّه قال فيه: [553] ضعيف، بل منكر (1).
قلت: وقد عثرت له على علَّة قادحة بَيَّنْتُهَا في رسالتي "عمارة القبور" (2).
وزيارة القبور والسلام على المدفونين بقول: "السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين" ثابت، وليس هو بصريح في أنهم يسمعون، فيحمل على أن المراد سؤال الله تعالى أن يُبلَّغَهُم السلام، وإنما أُوْرِدَ الكلام بلفظ الخطاب لحضور ما يذكرِّ بهم وهو قبورهم، كما نرى الناس إذا رأوا جنازة ميت قالوا: رحمك الله، أو غفر الله لك، ولا يريدون بذلك إسماعه، ولا يرون أنه يسمع، وهكذا نرى الناس إذا رأوا صورة يعرفون صاحبها ربما يخاطبون الصورة كأنهم يخاطبون صاحبها فيقولون: ما جاء بك إلى هنا، ونحو ذلك.
والحاصل أنَّ استعمال الخطاب في غير موضعه كثير في اللغة وفي عرف الناس، ومهما يكن في هذا التأويل من خلاف الظاهر فإنَّ [554] ارتكابه أهونُ من ارتكاب تأويل الآيات القرآنية، والله أعلم.
فأمَّا ما تقدَّم من سماع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ففي صحَّة تلك الآثار نظر، وقد لا يبعد أن تكون تلك خصوصية له بأبي هو وأمِّي، ولكنَّ سؤال الموتى على كل حالٍ طلبُ نفع غيبيٍّ؛ لأنَّه لا يُدْرَك بالحسِّ والمشاهدة أنَّ الموتى يسمعون أو يضرُّون وينفعون أو يدعون ويشفعون وإن كنا عند قبورهم، وليس عندنا
__________
(1) انظر: روح المعاني 6/ 456. [المؤلف]. وقد مرَّ تخريجه ونقل كلام ابن رجب قريبًا ص 812.
(2) لم أجده في عمارة القبور المطبوع.
(3/815)

سلطان من الله عزَّ وجلَّ في الإذن بخطاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو خطاب غيره من الموتى إلا بالسَّلام ونحوه، فمَن تجاوز ذلك إلى السؤال منه - صلى الله عليه وسلم - أو من غيره فلا أعلم له سلطانًا، وقد أغنى الله المسلمين عن ذلك بكثرة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومَن قاس الأموات على الأحياء [555] فهو كمَن قاس الملائكة على البشر، وقد مَرَّ الكلام على ذلك.
فأمَّا ما شاع بين الناس أنَّ أرواح الأنبياء والصالحين تتصرَّف في الكون، فلو صحَّ ذلك لم يكن مُسَوِّغًا لجواز السؤال منها؛ فإنَّ الملائكة يتصرَّفون في الكون قطعًا، ومع ذلك فالسؤال منهم دعاء وعبادة لهم وشرك بالله عزَّ وجلَّ كما تقدَّم، وسائر ما ذكرناه لتوجيه السؤال منهم يأتي مثلُه في أرواح الموتى.
وحسبك من ذلك قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، فلو كانت أرواح الموتى تتصرَّف بهواها لفسد الكون، بل ولهاجت الفتن بين الأرواح؛ كأن يستغيث أحد الخصمين بروحٍ، والآخر بروحٍ أخرى، فيقوم النزاع بين الروحين، كلٌّ منهما تحاول نفع صاحبها ويتعصَّب لها جماعة من الأرواح، وهكذا، فإذا كان للأرواح ما يزعمه الجهَّال من القدرة العظيمة لزم فسادُ الكون لا محالة.
فالحقُّ المقطوع به أنه إن كان لأرواح الموتى تصرُّف فهو كتصرُّف الملائكة إنما يكون بأمر الله تعالى، قال تعالى فيهم: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [556] وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]. وعليه فالسؤال من الأرواح كالسؤال من الملائكة سواء، وقد تقدَّم حكمه. والله الموفق، لا إله إلا هو.
(3/816)

فأمَّا الجنُّ فإنهم وإن كانوا يتصرَّفون بهواهم واختيارهم، إلاَّ أنَّ تَعَرُّضَهُم للبشر بالإيذاء بغير الإضلال كالنادر، وقاصر على أمور خفيفة، والناس محفوظون منهم، ولكن ربما ترك الله عزَّ وجلَّ حفظ الإنسان منهم لحكمة يعلمها فيستطيعون حينئذ العبث به، وذلك من الابتلاء، فإذا استغاث الإنسان بربِّه أغاثه منهم، وإن خضع للشياطين هلك.
وقد أغنى الله المسلمين عن سؤال الجنّ بدعائه تبارك وتعالى.
وفي الصحيح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (1)، وفي سنن أبي داود وغيره من حديث ابن مسعود سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك" (2)، وسيأتي بسط الكلام عليه إن شاء الله تعالى (3).
قال العلماء: كان يقع في رقى أهل الجاهلية سؤال وتعظيم لغير الله عزَّ وجلَّ وخاصة الشياطين، فذلك هو الشرك، وسيأتي تحقيق الكلام في الرقى إن شاء الله تعالى.
نعم؛ لو فرضنا أنَّ إنسانًا ظهر له جنِّيٌّ فشاهده وشاهد تصرُّفه فطلب منه ما عرف قدرته عليه فقد يقال: إنَّ هذا كسؤال الناس بعضهم من بعض. والله أعلم.
__________
(1) مسلم، كتاب السلام، بابٌ: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ"، 7/ 19، ح 2200. [المؤلف]
(2) سنن أبي داود، كتاب الطبِّ، بابٌ في تعليق التمائم، 3/ 186، ح 3883. [المؤلف]
(3) في الباب الخاصِّ بها ص 955 - 958.
(3/817)

وأمَّا السؤال من الإنسان الحيِّ الحاضر فإن كان لما جرت العادة بقدرته عليه فليس دعاء، وإن كان لما لم تجر العادة بقدرته عليه فذلك دعاء؛ لأنه حينئذ سؤال لنفع غيبيًّ.
[557] ثم ظهر لي أنَّ هناك فرقًا بين قدرة الإنسان على الأفعال العادية، وبين قدرته على التأثير بما فيه خرق للعادة، وقدرة الجن على الإضرار بالإنس؛ يتوقف معرفته على العلم بمعنى إذن الله تعالى الذي يتكرَّر في القرآن.
فأقول: قال الراغب: "الإذن بالشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه" (1). وبعد التأمُّل وجدتُ إذن الله تعالى على نوعين:
الأول: إعلامه المكلَّفَ بأنه يجوز له الفعل، ومنه قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39].
الثاني: إذنه تعالى للأسباب بأن تؤثِّر، وهذا يتناول الجائز شرعًا وغيره، وهو على ضربين: خاصٍّ وعامٍّ.
فالخاصُّ ما ثبت في القرآن بأنه كان أو يكون بإذن الله تعالى وما كان في معناه. والعامّ ما عداه مما يحدُث في العالم.
وبيان الفرق المعنوي بين الخاصِّ والعامِّ يتعلَّق بمسألة القَدَر، ولا أحبُّ أن أُقْحِم نفسي تلك المزلقة، ولكن سأُشرف عليها من قُرْب، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق، فأقول: أمَّا على رأي القائلين بأنَّ الحوادث كلَّها إنما تحدث بتعلُّق قدرة الله تعالى بها حين حدوثها، فالاحتراق بالنار إنما يقع
__________
(1) المفردات: 71.
(3/818)

بخلق الله تعالى إيَّاه حين ملابسة النار، فالفرق على رأيهم صعب، ولكن يمكن أن يُقال على رأيهم: إنَّ الإذن العامَّ ما كان على وَفْق العادة من كلَّ وجه كخروج الثمرة من أكمامها عند [558] حلول وقتها المعتاد، وحمل الأنثى بعد وقوع الذكر عليها في الوقت الذي جرت العادة بأنَّ مثلها تحمل من مثله، ووضعها عند انتهاء مدة الحمل المعتادة، وهذا النوع يُطلق عليه في القرآن بأنَّه يعلمُه الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فصلت: 47].
والخاصُّ ما جرى على خلاف العادة، ولو في وجهٍ. ومن ذلك: الإيمان، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 99، 100]، فإنَّ الإيمان يتضمَّن الإيقان بما يرتاب فيه غالب الناس من الغيب، ويقتضي تكليفَ النفوس ما يشقُّ عليها، ومنعها كثيرًا من شهواتها مع كثرة ما يصدُّ عن الإيمان، فمِنْ هذا الوجه كان الاتِّصاف بالإيمان مما يُسْتَغْرَبُ عادة، ففيه مخالفةٌ مَّا للعادة.
ومن ذلك: الموت، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145]، وسياق الآيات في القتل في الجهاد؛ فإنَّ الموت هو مفارقة الروح للجسد، والناس لا يدركون الروح ولا يحسُّون بها، فمفارقتها الجسد عقب قطع الرأس - مثلًا - وإن جرت به العادة، فلا يعلم الناس ما وجه ذلك وما سببه، فَمِنْ ثَمَّ كان الموت مخالفًا للعادة.
(3/819)

وأمَّا على رأي القائلين بأن الله عزَّ وجلَّ أودع في المخلوقات قوىً [559] من شأنها التأثير، فهي تؤثر بتلك القوة بدون حاجة إلى أن يخلق الله عزَّ وجلَّ ذلك الأثر عند حدوثه، ولكنه سبحانه إذا شاء أن يمنع من التأثير مَنَع كما مَنَع النار من الإحراق بقوله: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]. فالفرق بين الإذن الخاصِّ والعامِّ على طريقة هؤلاء أن يقال: الإذن العامُّ هو ما كان تأثيرًا بمجرد القوَّة المودَعة على ما سمعت، فكون تلك القوة في الأصل مِن خلق الله، وكونه سبحانه لم يمنعها من التأثير مع قدرته على ذلك، إنْ سُمِّيَ إذنًا فهو الإذن العام.
وأما الإذن الخاصُّ فهو بخلاف ذلك، فإما أن يكون بخلقه تعالى الأثر عند حدوثه، وإما أن يكون سبحانه قد نصب موانع تمنع من حدوث الأثر بالقوَّة المودَعة وحدها، ثم يرفع تلك الموانع إذا شاء، فذلك هو الإذن الخاصُّ، والموت والإيمان من الإذن الخاصِّ.
ولا يشكل على رأي المعتزلة؛ لأنه يمكن أن يقال: إنما يعذِّب الله تعالى القاتلَ بقصده القتلَ ومباشرته سببه، وإنما يعذَّب مَنْ لم يؤمن لأنه لم يعمل ما يقدر عليه من الحرص على إصابة الحق وإيثاره على هواه، فلو فعل ذلك لأذِن الله تعالى له بالإيمان حتمًا كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وقد مَرَّ تفسيرها.
إذا تقرَّر هذا فاعلم أنَّ كرامات الأولياء وسحر السحرة وتأثير الجن في الإنس بغير الوسوسة كلُّه مما لا يؤثِّر إلا بإذنٍ خاصٍّ من الله تعالى.
أما الكرامات فقد [560] قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [الرعد: 38].
(3/820)

وقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35].
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت: 50].
والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة.
وكثيرًا مَّا يقرن الخبر عن الآيات التي وقعت للأنبياء عليهم السلام ببيان أنَّها بإذن الله، من ذلك قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} [المائدة: 110].
وإذا كان هذا حال الرسل عليهم السلام فحال الأولياء في شأن الكرامات أولى وأحرى بأن لا يقع إلاَّ بإذن الله الإذنَ الخاصَّ.
وأما حال السحر فقال تعالى في السحرة: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، وأما حال الجن فقد قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10]، [561] وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ
(3/821)

رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ: 12].
ومن الحِكَمِ في التنبيه على أنَّ ما جرى على يد عيسى عليه السلام من الخوارق إنما كان يقع بإذن الله تعالى، أي لا كعمل البشر الأحياء لما يقدرون عليه عادة: قَطْعُ شبهة مَنْ يُشْرِكه.
وكذلك التنبيه على مثل ذلك في السحرة؛ لأنَّ توهُّمَ أنهم يعملون باختيارهم كما يعمل الناس ما يقدرون عليه عادةً يُخْشَى أن يكون ذلك داعيًا إلى الشرك.
وهكذا في شأن الجن؛ فإنَّ تَوَهُّم أنهم يتصرَّفون في الإنس وفيما يحسُّ به الإنس تَصَرُّفَ اختيارٍ كتصرف البشر فيما يقدرون عليه عادةً يدعو إلى دعاء الجنِّ وإشراكهم.
وقد اتَّضح بحمد الله وتوفيقه الفرق بين سؤال الإنسان من إنسان آخر ما يقدر عليه عادة وبين سؤاله مَنْ يظن به الصلاح ما لا يقدر عليه عادة وإنما يقع بإذن الله تعالى، وهكذا سؤاله من السحرة، وعمله مثل عملهم، وسؤاله من الجن.
فاندفعت شبهُة القائلين: كيف يكون سؤالُنا الأحياءَ ما يقدرون عليه عادة غير شرك ويكون السؤال من الجن ونحوه شركًا؟
ولا يخفى أن أرواح الموتى إن كان لها تصرف [562] فهو مما لا يقع إلا بالإذن الخاصَّ سواء أكانت صالحة وكان تصرُّفها كرامة كالصالحين الأحياء، أم كانت طالحة وكان تصرُّفها إهانة كالشياطين.
ولولا خشية الإطالة لَسُقْتُ الآيات التي جاء فيها ذكر إذن الله تعالى
(3/822)

كلها، وبَيَّنتُ أن المراد بذلك كله الإذن الخاص، وأوضحت وجه ذلك، وذكرت كثيرًا من الأمور التي تدخل في هذا المعنى، ولكني قد فتحت لك الباب، فإن أحببت الاستيفاء فعليك بالتدبُّر مع إخلاص النية والاستعانة بالله تبارك وتعالى.
[563] وليس من السؤال ما كان المقصود به التعجيز، كقول إبراهيم عليه السلام: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258]، ولا ما يشبهه مما ليس بسؤالِ خضوع وتذلُّل.
وأما السؤال من الجمادات كالأصنام والكواكب فدعاء. وليس منه قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "اسكن أحد" (1) ونحو ذلك مما هو من قبيل الأمر التكويني، ليس فيه تذلُّل ولا خضوع لذلك الجماد، وعند القائل سلطان من الله عزَّ وجلَّ بذلك. ومثله ما رُوي في قصَّة قارون أن الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى موسى عليه السلام: "مُرِ الأرض بما شئت"، فقال: "يا أرض خذيهم" (2)، ولا ما لم يكن المقصود منه الطلب وإنما هو تَمَنٍّ أو نحوه كقول المغتمِّ بالليل: أصبحْ
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان ... ، 5/ 15، ح 3699، من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) أخرج هذه القصَّة ابن أبي شيبة في كتاب الفضائل، ما ذُكِر في موسى - صلى الله عليه وسلم - من الفضل، 16/ 535 - 536، ح 32504، والطبريُّ 18/ 334 - 335، وابن أبي حاتمٍ 9/ 3018، ح 17156، والحاكم في كتاب التفسير، تفسير سورة القصص، 2/ 408 - 409، وغيرهم، من طريق المنهال بن عمرٍو عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ، وفي بعض الطرق: عن سعيد بن جبير وعن عبد الله بن الحارث عن ابن عباسٍ. وهو إسنادٌ حسنٌ. وقال الحاكم: "صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ولم يتعقَّبه الذهبيُّ.
(3/823)

ليلُ، وقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي (1)
وقول المستعجل للَّيل: اغرُبي يا شمس، ونحو ذلك، فليس من الدعاء في شيء، والله أعلم.
ورأيت في بعض الكتب حكايةً عن أبي بكر بن عيَّاشٍ القارئ المشهور أنه كان يقول: "يا ملائكتي (2) قد طالت صحبتي لكما، فإن كان لكما شفاعةٌ عند الله تعالى فاشفعا لي" (3). ولا أرى ذلك يصحُّ عنه، ولو صحَّ لم يكن حجَّة، [564] ولا يلزم من ذلك شناعة عليه، وإنما الشناعة على مَن قامت عليه الحجة فأصرّ، أو وقع في نفسه تردُّدٌ فلم يحتط لنفسه. وأما مَن رأى أنَّ عنده سلطانًا من الله تعالى ولم يقصّر في النظر ولا خطر له أنَّ ترْك ذلك الفعل هو الأحوط فقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [آخر البقرة]، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
وقد اتَّفق العلماء على تكفير مَنْ أنكر آية من القرآن، أو زاد فيه ما ليس منه، ومع ذلك فقد قال بعضُ الصحابة رضي الله عنهم: إنَّ المعوذتين ليستا من القرآن (4)، فلم يكفِّره غيره من الصحابة بأنه أنكر آية من القرآن، ولا كَفَّرَ
__________
(1) انظر: ديوانه 18.
(2) في الحلية: "يا ملَكيَّ" على الجادَّة.
(3) هذه الحكاية أوردها ابن الجوزيِّ في صفة الصفوة (3/ 165). وروى أبو نُعَيمٍ في الحلية (8/ 303) معناها باختصارٍ، وفي إسنادها: عمر بن بحرٍ الأسديُّ، ترجم له ابن عساكر (43/ 545)، ولم يذكر ما يفيد توثيقه.
(4) ورد ذلك عن ابن مسعود؛ فقد أخرج البخاري من طريق عبدة بن أبي لبابة عن زر بن =
(3/824)

هو غيرَه لأنهم زادوا في القرآن ما ليس منه. وزعم رجل منهم من أهل بدر أنَّ الخمر حلال محتجًّا بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] فردُّوا عليه خطأه (1) ولم يكفِّروه، مع قول العلماء: إنَّ مستحلَّ الخمر يكفر.
وهكذا اختلفت الأمة في البسملة، فقال بعضهم: هي آية من القرآن، وقال بعضهم: ليست آية من القرآن (2)، ولم يكفِّر أحد من الفريقين الآخر مع قولهم بكفر من أنكر آية من القرآن أو زاد فيه ما ليس منه، [565] وإنَّما حملهم على عدم التكفير في الأمثلة السابقة ونحوها أنَّ المخطئ فيها معذور، فأمَّا الاختلاف في العقائد فحَدِّث عن البحر ولا حرج، وقد استقرَّ عند أهل السنة ألَّا يُكفَّر أحد من المسلمين بخطأ في عقيدة وإن لزم منها ما هو كفر.
__________
= حبيش قال: سألت أبي بن كعب، قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا ... ولابن حبان من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر، قال: لقيت أبي بن كعب فقلت له: إن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من المصاحف، ويقول: إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه. انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة (قل أعوذ برب الناس)، 6/ 181، ح 4977. صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الحدود، باب الزنى وحدّه، ذكر الأمر بالرجم للمحصنَين إذا زنيا ... ، 10/ 274، ح 4429.
(1) هذه القصة وقعت لقدامة بن مظعون، وقد أنكر عليه عمر وأقام عليه الحد. وسيأتي تخريجها في ص 930.
(2) أي منفردة مستقلة، وإلا فكونها جزء من آية في سورة النمل ليس محل خلاف بين المسلمين. وانظر أقوال العلماء في المسألة في جمال القراء للسخاوي 2/ 483 - 484، ومجموع الفتاوى 22/ 433 - 435.
(3/825)

وهكذا اتَّفق أهل العلم على أنَّ ما أُحْدِثَ في الدين وليس منه فهو بدعةٌ، وأنَّ إنكار السنة الثابتة بطريقٍ ظنيّ ضلالٌ، ثم اختلف الصحابة فمَن بعدهم في أشياء لا تُحصى، فقال بعضهم: هي من الدين، وقال بعضهم: ليست منه، ومع ذلك لم يحكم أحد منهم على مخالفه بأنه مبتدع أو ضالٌّ، وما ذلك إلاَّ لأنَّ كلاًّ منهم يرى مخالفه معذورًا.
فهكذا نقول في مسألة الدعاء وأمثالها، فنحن وإن قلنا في صورة من صور السؤال ونحوها: إنَّ هذا دعاءٌ لغير الله تعالى وعبادة وشرك، فليس مقصودُنا أن كلَّ من فعل ذلك يكون مشركًا، وإنما يكون مشركًا مَنْ فَعَلَ ذلك غيرَ معذور، فأما من فعلها معذورًا فلعلَّه يكون من خيار عباد الله تعالى وأفضلهم وأتقاهم، ولعلَّه يكون مأجورًا على ذلك الفعل نفسِه (1).
وقد وقع الناس في هذا الباب على طرفي نقيض؛ فمنهم من يأخذ قول بعض الأمة وصالحيها كأنه وحي منزل، ويَرجعُ قولُهُ إلى دعوى أن ذلك العالم أو الصالح معصومٌ كعصمة الأنبياء أو أعظم، فلا يهون عليه أن يسمع قائلًا يقول: لعلَّ هذا العالم أو الصالح أخطأ، وإذا حدَّثته نفسه بأنَّ ذلك
__________
(1) لم يذكر المؤلَّف على هذا الاحتمال دليلًا، ولا يظهر أن المخطئ في التوحيد كالمجتهد الفروعيِّ الذي إن فاته أجران لم يَعْدَم أجرًا. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "ما لم يُشرع جِنسُهُ مِثل الشَّركِ فإنّ هذا لا ثواب فِيهِ وإِن كان الله لا يُعاقِبُ صاحِبهُ إلاّ بعد بُلُوغِ الرِّسالةِ كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، لكِنّهُ وإِن كان لا يُعذَّبُ فإِنّ هذا لا يُثابُ، بل هذا كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، قال ابنُ المُباركِ: هِي الأعمالُ الّتِي عُمِلت لِغيرِ الله. وقال مُجاهِدٌ: هِي الأعمالُ الّتِي لم تُقبل" اه من مجموع الفتاوى 20/ 32.
(3/826)

العالم أو الصالح أخطأ رأيته يتعوَّذ بالله تعالى، ويجتهد في طرد ذلك الخاطر عن نفسه.
ومنهم مَن إذا ظهر له في شيء من الأعمال أنه شركٌ أو لم يظهر له ولكنه سَمِع شيخه يقول ذلك بادر إلى الحكم على كلِّ مَنْ فعل ذلك من السلف والخلف بأنهم مشركون، لا فرق بينهم وبين عُبَّاد الأوثان.
والحق التوسُّط بين هذين.
وأُعيذُك بالله عزَّ وجلَّ أن يحملك هذا الكلامُ على [566] التهاون بمسألة التوحيد فتهجُم على شيء من الأعمال التي قد قيل إنها شرك قائلاً: إن كان في نفس الأمر شركًا فأنا معذور؛ فإنَّ الخطر عظيم، ولعلَّ عُذْرَكَ لا يكون من القوَّة بحيث يقبله الله تعالى منك، فانظر لنفسك، فإنْ شَكَكْت في شيء فدعه، فلعلَّ الله تعالى يقول لك: لِم صَنَعْتَ كذا وكذا وقد قيل لك: إنه شرك، وليس عندك يقين بأنه ليس بشرك، وأنت تعلم أنك لو تركتَه لما كان عليك إثم ولا حرج؟
وما مَثَلُكَ إلا مَثَلُ رجل وجد امرأة نائمة على سريره وشكَّ أزوجته هي أم أمُّه، فقال لنفسه: لأضطجِعنَّ معها؛ فإنَّ الاضطجاع مع الزوجة مستحبٌّ في الشرع، فإن كان (1) أمي فلم أتعمَّدْها، وقد وقع فلان على أمه معتقدًا أنها زوجته فأفتاه العلماء بأنه لا إثم عليه، بل هو مأجور!
واعلم أنه لو لم يكن في اجتناب ما قيل إنه شرك إلا سدّ باب الاختلاف بين الأمة في هذا الأمر لكان من أعظم القربات عند الله عزَّ وجلَّ.
__________
(1) كذا في الأصل.
(3/827)

واعلم أن مَنْ ترك عملًا من الأعمال خوفًا أن يكون شركًا أو معصية فهو مأجور على تركه، وعلى فرض أن ذلك الفعل طاعة في نفس الأمر فإن أجره يُكْتب لهذا التارك؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يعلم أنه إنما تركه خوفًا من الله [567] تعالى. ومَن أقدم على فعل يخاف أن يكون معصية فعليه إثمه وإن كان ذلك الأمر في نفس الأمر طاعة.
ولعلَّ لنا عودة إلى هذا البحث إن شاء الله تعالى (1).
****
__________
(1) عقد المؤلِّف فصلًا في الأعذار في ص 914.
(3/828)

[567] الشبهات ورَدُّها

قد مرَّ في تضاعيف الفصول كثير من الشبهات وردُّها، ونذكر ها هنا ما يحضرنا، وربما وقع تكرارٌ للمناسبة.
فمِن أشدِّ شبهاتهم: زَعْمُهم أنَّ أعمالهم التي ندَّعي نحن أنها شركٌ قد جرَّبوها فوجدوا أنَّ حوائجهم قد تُقْضَى بسببها، فيقول عُبَّاد الأصنام: إننا قد جرَّبنا فوجدنا أننا كثيرًا مَّا نذهب نُعَظِّم الصنم ملتجئين إلى الحيِّ الذي جُعِل الصنم رمزًا له من ملَك أو إنسان أو غيره فتُقْضَى حاجاتنا. ويقول عُبَّاد الكواكب: إننا قد جرَّبنا أننا إذا عظَّمنا زُحَلًا (1)، مثلاً، ودعوناه مع مراعاة الشروط المذكورة في كتب المسلمين أنفسهم؛ كتذكرة داوود وغيرها، فقد تُقْضَى حاجاتنا. وهكذا يقول كلُّ فريقٍ من الفِرق. وهكذا يقول الذين يدْعون الملائكة وأرواح الموتى والجنَّ وغيرهم، ويزيدون على ذلك ذِكْرَ حكايات يتناقلونها؛ أنَّ رجلاً استغاث بملَك أو ميِّت أو غائب أو جنِّيًّ؛ فإذا شخصٌ قد ظهر له وأغاثه، أو حصلت له الإغاثة بطريق خارقة للعادة ونحو ذلك.
والجواب عن هذا: أن كلّ إغاثة حصلت لمخلوقٍ فهي من الله عزَّ وجلَّ، وإغاثتُه عزَّ وجلَّ لمخلوق لا تدُلُّ على أنه مؤمن، ولا صالح، ولا أن استغاثته مرضيّة عند الله تعالى. فإذا عرض لإنسان أمرٌ مُهلك فأنقذه الله منه فقد يكون ذلك لأنَّه لم يحضر أجلُه فقط، وقد يكون استدراجًا له وابتلاء، على ما تقدّم في الخوارق، وقد يتراءى له شيطان في صورة الملَك الذي توهَّمه، أو الرُّوح، وغير ذلك.
__________
(1) كذا في الأصل، والمعروف في كتب النحو مَنْعُه من الصَّرْف للعَلَمِيَّة والعَدْل.
(3/829)

وبحسبك أنَّ كلّ فرقة من الفرق المختلفة يزعمون أنهم قد تحصل لهم الإغاثة إذا عملوا بما يعتقدونه أو يعتادونه، مع الاتِّفاق على أنَّ منهم مَنْ هو على الباطل؛ على أنَّ الحكايات المزعومةَ موجودة عند كلَّ فرقة، والغالبُ عليها الكذب، ومنها ما هو تخيُّلٌ وأوهام، ومنها ما هو مكر ودجلٌ من بعض الناس الأحياء على ما تقدَّم في الخوارق والغرائب.
فإن كان المغترُّ بهذه الشبهة ممَّن يلتزم الإِسلام فيكفيه أن يعلم أنَّ الحجّة إنما هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وأنّ مثل ما وقع له أو سمِعه يقع أكثر منه للنصارى والوثنيِّين، وأنَّ الله قد بيَّن في كتابه أنَّه يستدرج بعض الناس. وقد مرّ في الخوارق والغرائب ما يكفي.

شبه عُبَّاد الأصنام
إن قالوا: أرأيت تعظيمنا لأصنامنا التي جعلناها رمزًا لله تعالى، وتعظيم المسلمين الكعبة، والحجر الأسود، وتعظيم العاشق - مثلًا - منزلة (1) معشوقته غير متديِّنٍ بذلك، ما الفرق بين هذه الثلاثة حتى زعمتم الأوَّل شركًا، والثاني إيمانًا، والثالث ليس بشرك ولا إيمان؟
فالجواب: أن الفرْق هو أنكم تعظِّمون أصنامكم تعظيمًا تطلبون به النفع الغيبيَّ، وتلك عبادة، ولم ينزل الله تعالى بذلك سلطانًا، فليست عبادة له، بل هي عبادة للأصنام. والمسلمون يصنعون ما يصنعون بالكعبة والحجر الأسود طاعة لأمر الله تعالى [568] الذي أنزل به سلطانًا، فتلك عبادة لله
__________
(1) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب "منزل" بدون تاء كما سيذكره المؤلف بعد عدّة أسطر.
(3/830)

تعالى. والعاشق لا يطلب بتعظيم منزل معشوقته نفعًا غيبيًّا فليس فعله بعبادة أصلاً.
وبعبارة أخرى: أنتم كذبتم على الله عزَّ وجلَّ، وكذَّبتم رسله، والمسلمون صدقوا على الله تعالى، وصدَّقوا رسله، والعاشق لا صدّق ولا كذّب. وقد قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 32، 33].
وأيضًا أنتم تفتاتون على الله عزَّ وجلَّ، بجعل ما هو حقٌّ له مِن شَرْع الدين والتعظيم على سبيل التديُّن لغيره، بغير إذنه.
وأيضًا أنتم سوّيتم الأصنام بربِّ العالمين، حيث زعمتم أنها تستحقُّ العبادة استحقاقًا يستقلُّ العقلُ بإدراكه، وهذا هو التأليه، ولذلك كان مشركو العرب يعظِّمون الكعبة والحجر أشدَّ مما يعظمون أصنامهم، ومع ذلك يطلقون على الأصنام آلهة، ويقولون: إنهم يعبدونها، ولا يطلقون على الكعبة والحجر الأسود لفظ الإله، ولا يقولون: إنهم يعبدونهما، وما ذلك إلاَّ لأنَّهم يعلمون أن تعظيمهم للكعبة ليس مستندًا إلى العقل، وإنما هو مستند إلى أمر الله عزَّ وجلَّ المنقول إليهم بالتواتر عن إبراهيم رسول الله وخليله عليه السلام، فهم يعظِّمونها طاعةً لله عزَّ وجلَّ لأمره الذي [569] عندهم به سلطان.
وأمَّا تعظيم الأصنام فهو شيء استُنْبِط بالخرص والتخمين، فكما أن العقل يستقلُّ بإدراك استحقاق الله عزَّ وجلَّ للتعظيم ادَّعوا أنه يستقلُّ بإدراك
(3/831)

استحقاق الأصنام للتعظيم، فصارت عندهم مساوية لله عزَّ وجلَّ في هذا المعنى، ولذلك سمّوها آلهة، وسمّوا تعظيمها عبادة لها، فتدبَّر.
فإن قالوا: يؤخذ من كلامكم أن الله تعالى لو لم ينزل سلطانًا بتعظيم الكعبة لكان تعظيمها شركًا، وحينئذٍ لا يكون هناك فرق إلا أمر الله وعدمه، وكيف يُعْقَل أنَّ الله تعالى يأمر بشيء لو لم يأمر به لكان شركًا، فإنه يتحصَّل من هذا أنه سبحانه أَمَرَ بالشرك، وقد جاء في القرآن: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28].
قلنا: قد علمتم أنَّ قِوام الشرك هو الكذب عليه، والتديُّنُ بما لم يشرعه، والافتيات عليه، وتسوية غيره به في أنَّ العقل يستقلُّ بإدراك استحقاقه للتعظيم، وهذه الأمور متحقِّقة فيما لم يُنزل به سلطانًا، منتفية عن تعظيم ما أَنْزَلَ به سلطانًا، فتعظيم الجماد ليس بقبيح في ذاته حتى يُقال: كيف يأمر الله تعالى به وهو لا يأمر بالفحشاء؟ وإنما يقبُح إذا كان شركًا وقد علمتم حقيقة الشرك.

[570] شُبَه عُبّاد الأشخاص الأحياء
لو قال قوم فرعون: إنَّنا في تعظيمنا لفرعون ظننَّا أنه مقبول عند الله تعالى بدليل أنه سوّى خَلْقَه وعافاه وملَّكه، فعظَّمناه لذلك كما يعظِّم المسلمون مَنْ يظنُّون به الصلاح منهم.
لقلنا: المسلمون إنما يُكرمون مَن يظنُّون به الصلاح، وإنما يظنُّون بالرجل الصلاح إذا كان محافظًا على طاعة الله عزَّ وجلَّ، الطاعة التي أنزل الله بها سلطانًا وعندهم من الله تعالى سلطان بأنَّ ذلك دليل على الصلاح.
(3/832)

ولم يكن عند قوم فرعون سلطان من الله تعالى بأنَّ تسوية الخلقة والمعافاة والتمليك تدلُّ على الصلاح. وإنما يكرم المسلمون صلحاءهم إكرامًا عندهم سلطان من الله تعالى به، فلا يسجدون لصالحيهم؛ لأنه ليس عندهم سلطان بشرع السجود للصالحين، وقس على ذلك.
وأمَّا قوم فرعون فعظَّموه بما لم يُنزل الله تعالى به سلطانًا، فإن وُجِدَ في المسلمين مَن يغلو في إكرام الصالحين بما لم ينزل الله به سلطانًا فهو مخالف لحكم الإِسلام، فلا يُلْتَفَتُ إليه.

شُبَه النصارى في عبادتهم الصليب
وإن قال النصارى: إنَّنا إنما نعظِّم خشبة الصليب بناءً على أنَّ عيسى عليه السلام صُلِبَ عليها، وأنتم تعظِّمون الكعبة والحجر الأسود ومقام إبراهيم وزمزم [571] وغيرَها من آثار إبراهيم، وقد نُقِلَ عن أصحاب نبيِّكم أنهم كانوا يعظِّمون منبره والرُّمَّانة (1) التي كانت عليه، ويعظمون ثيابه، والقدح الذي شرب فيه، وشعره الذي كان محفوظًا عندهم، وأنتم تعظمون قبره وآثاره وقبور من تظنُّون بهم الصلاح وآثارهم، ونحن إنما نعظِّم شكل
__________
(1) الموضع الذي يضع الخطيب يده عليه من المنبر - كما سيتَّضح من كلام المؤلَّف بعد قليلٍ -. وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيطٍ، قال: رأيت نفرًا من أصحاب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رُمَّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا ... وعن سعيد بن المسيّب أنه كره أن يضع يده على المنبر. انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب المناسك، في مسِّ منبر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -, 8/ 799، ح 16129 - 16130. وفي طبقات ابن سعد (القسم المتمم ص 100) بسند واهٍ عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر أنهما كانا يأخذان برمانة المنبر ثم ينصرفان.
(3/833)

الصليب؛ لأنه يشبه تلك الخشبة، والمسلمون الآن يعظِّمون صورة نعل نبيِّهم وصورة البراق كما تخيّلوه.
قلنا: أمَّا أنتم فليس عندكم سلطان من الله تعالى بتعظيم خشبة الصليب ولا تعظيم صورتها. وأمَّا صلاتنا إلى الكعبة وطوافنا بها وتقبيلنا الحجر الأسود وصلاتنا إلى مقام إبراهيم، فكلُّ ذلك عندنا به سلطان من الله عزَّ وجلَّ، ولسنا نصنع شيئًا من ذلك لأنها آثار، وإنما نصنع ذلك طاعة لله عزَّ وجلَّ وامتثالًا لأمره. وأصحاب نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا يصنعون ما يصنعون إلاَّ على سبيل التماس البركة، وكان عندهم سلطان من الله تعالى؛ لأنَّ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أقرَّهم على ذلك، ولهذا لم يجاوزوا ما أقرَّهم عليه، فلم يكونوا يركعون ولا يسجدون له - صلى الله عليه وسلم -، ولا يقومون له إذا جاءهم وهم جلوس، ولا للمنبر ولا لرُمّانته ولا لغير ذلك من الآثار.
[572] بل أعظم ما رُوي عنهم هو وضع اليد على رُمَّانة المنبر حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يضع يده (1)، وأما ثيابه وشعره فكانوا يغسلونها ويسقون المرضى من غُسَالتها، وأما القَدَح فإنما كانوا يحبّون الشرب فيه، وكلُّ ذلك عندهم فيه سلطان، إمَّا فيه بخصوصه أو في نظيره.
__________
(1) قال العراقي عن حديث: "وضعه - صلى الله عليه وسلم - يده عند الخطبة على رمانة المنبر": (لم أقف له على أصل). وتعقبه الزبيدي بنحو أثر يزيد بن عبد الله بن قسيط المذكور قريبًا. انظر: إتحاف السادة المتقين 4/ 422 - 423. وفي اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 244 - 245: (فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمّانة التي هي موضع مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويده ... فأما اليوم فقد احترق المنبر، وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رخص فيه ...).
(3/834)

فأمَّا صورة النعل والبراق فخطأ من فاعلها.
وبالجملة فالمدار على السلطان، فكلُّ ما أنزل الله به سلطانًا فهو حق، وكلُّ ما لم ينزل به سلطانًا فهو باطل، وإن وقع فيه بعض المسلمين. ولعلّ مَنْ وَقَعَ في ذلك لم تقم عليه الحجة كما قامت عليكم، ومَنْ لم تقم عليه الحجة ولم يعانِدْ ولم يُصِرَّ فهو معذور إن شاء الله تعالى.

شبهة للنصارى واليهود في شأن الأحبار والرهبان
وإن قال النصارى واليهود: إنكم معشر المسلمين تطيعون علماءكم كما أطعنا أحبارنا ورهباننا.
قلنا: أمَّا أهل العلم والدِّين منّا فإنهم لا يطيعون في الدِّين إلا الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يقبلون أقوال العلماء على أنهم رواة مبلِّغون عن الله ورسوله، ولذلك لا يطيعون أحدًا من العلماء تبيَّن لهم أنَّ قوله يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وإذا قبلوا قول عالم ثم تبيَّن لهم مخالفتُه [573] لكتاب الله وسنة رسوله تركوه، ومَنْ كان من المسلمين على غير هذه الطريقة فهو على خلاف الشريعة، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
قال الشيخ العلَّامة المحدِّث الصوفي الفقيه الحنفي ولي الله الدهلوي (1) رحمه الله في كتابه "البدور البازغة":

" بيان وجوه الإشراك بالله تعالى.
من باب سوء المعرفة داء عضال عمَّت الأممَ غائلتُها، وهي الإشراك
__________
(1) أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الهندي المحدث، صاحب مصنفات، توفي سنة 1176 ه, وقيل 1179 ه. الأعلام 1/ 149.
(3/835)

بالله تعالى شيئًا من النَّاسوت، وتحقيقه أن الإنسان إذا خُلَّيَ ونَفْسَه أدرك لا محالة أنَّه يقدِّر بقَدْرين ... (1).
ثم إنَّ مِن طباع النَّسَمة أنها لا تزال تفتِّش عن حقائق الأشياء وتجعل بعضها ممتازة عن البعض وذلك لقوَّته (2) العلمية، فإذا تفطَّنت بتأثير عجيب لم تذره سُدًى، بل ناطه بشرفٍ موجود في مظهره وفضلٍ وعظمة فيه وأحبَّه حبًّا، فإن كان التأثير تأثيرًا يبعد عن أبناء جنسه في زعمه تبعه اعتقاد الشرف المقدَّس والفضل المتعالي والمحبة السابغة بالضرورة, ثم إن تكرَّر صدور مثل هذه التأثيرات منه أو تجشَّم تكرار ذكرها ارتكزت تلك المحبة وذلك التعظيم [574] في قلبه ودبّ الإشراك بالله تعالى في عقيدته وهو لا يعلم، وذلك لأن معرفة الإنسان بربه إنما ملاكها معرفة المغايرة الجنسية، فيعرف جنس الناسوت منقهرًا بما ليس من جنسه، فلما أثبت له العظمة المقدَّسة وأحبه حبًّا مقدَّسًا، فقد حكم عليه بتفوقه عن جنس الناسوت في ضمن ذلك وهو لا يشعر.
والمرضى بهذا المرض على أصناف:
فمنهم من نسي الله تعالى وعظمته واضمحلَّ (3) عنه فجعل لا يعبد إلا الشركاء ولا يرفع حاجته إلا إليهم، ولا يلتفت إلى الله تعالى لفتة وإن كان يعلم بالنظر البرهاني أنَّ سلسلة الوجود لا بدَّ لها من واحد يستند إليه، ولكن عَطَّل هذا الواحدَ في التأثير مطلقًا، وعلى هذا المذهب قوم من المجوس والصابئين ...
__________
(1) حذف المؤلف هنا صفحة وخمسة أسطر. والمراد بقوله "يقدِّر بقدرين" أن العبد يُدرك التفاوت بين قدر نفسه وأبناء جنسه وبين قدر الخالق.
(2) كذا في الأصل والبدور البازغة، ولعل التذكير في الضمير هنا وفي المواضع الآتية على تأويل النسمة بالإنسان أو الشخص.
(3) كذا في الأصل، وفي البدور البازغة: وذهل.
(3/836)

ومنهم من اعتقد أنَّ الله تعالى هو الشريف السيد، ومنه التأثير في العالم، ولكنه قد يخلع على بعض العباد لباس الشرف والتأليه ويجعله مؤثرًا متصرفًا في قسط من العالم، كما أن ملِك الملوك قد يخلع على بعض عبيده خلعة الملك ويملِّكه على ناحية من ممالكه، فهو ملك الملوك وهم ملوك إنما ملَّكهم [575] هو، وكذلك الله إله الآلهة، وهم آلهة لهم قدر عظيم عند الله تعالى وتصرُّف في مملكته وشفاعة إليه، فتلجلج لسانهم أن يسموهم عباد الله تعالى، فيسوُّوهم وغيرَهم فعدلوا عن ذلك وسمَّوهم أبناء الله تعالى ومحبوبي الله عزَّ وجلَّ ومعشوقي الله سبحانه، وسمَّوا سائر الناس عبادًا لأولئك، فسمَّوا أنفسهم عبد المسيح وغلام فلان وغلام فلان وإسفَنْديار (1) وغير ذلك. وعلى هذا المذهب اليهود والنصارى والمشركون والغلاة من منافقي دين محمَّد - صلى الله عليه وسلم - في يومنا هذا.
ومنهم مَن اعتقد أن الله هذا (هو) (2) المؤثر في خلقه ولكن أولئك عباد فنوا في الله فكان رضا الله تعالى في رضاهم ورضاهم في رضاء الله تعالى، فهم لا يفعلون فعلاً إلاَّ وفعل الله تعالى داخل اسمه فعلهم (3)، وأولئك لو علموا بأنَّ هذا الاعتقاد شرك وغير مرضي من الله تعالى لم يعتقدوه، ولكن الله تعالى أعمى أبصارهم.
__________
(1) ويقال: إسبنديار - بالباء المعقودة -، والكلمة معناها الحرفي باللغة الفارسية هو مَنْ خَلَقه العقل المقدَّس. وهو اسم للإله المشرف على الشهر الثاني عشر من الشهور الشمسيَّة، وكذلك الإله المشرف على اليوم الخامس من كل شهر شمسيٍّ. انظر: لغت نامة لدهخدا، وبرهان قاطع للتبريزي بتحقيق الدكتور معين - تحت كلمة اسفنديار.
(2) ما بين القوسين تصحيح من المؤلف.
(3) كذا في الأصل والبدور البازغة.
(3/837)

واعلم أن الألفاظ المستعملة في الشرف المقدَّس والشرف الناسوتي أكثرها متقاربة، ألا ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لطبيب: "إنما الطبيب هو الله تعالى وإنما أنت رفيق" (1)، فلم (2) يسوِّغ إطلاق [576] الطبيب على رجل من بني آدم بالمعنى الثاني، وكذلك يقول: "السيد هو الله تعالى" (3)، ثم يقول: "أنا سيِّد ولد آدم" (4) بالمعنى الثاني.
فكل نبيٍّ بعث في قومه زجرهم عن وجوه الشرك فتبرَّأ قلوبهم عنها وفهموا ما يقوله وإن اشتبهت الألفاظ، ثم لما انقرض الحواريُّون من أصحابه ووصاة دينه وحملة علمه ورُفعت الأمانة عن قلوب الناس خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وحملوا كلام النبي على غير محمله، وجعلوا الشفاعة والمحبوبيَّة وغيرهما التي أثبتها النبيُّ لنفسه
__________
(1) الحديث في مسند أحمد 4/ 163، بلفظ: "أنت رفيقٌ، والله الطبيب". [المؤلف]. وفي رواية أخرى لأحمد 2/ 226 - 227: "لست بطبيب، ولكنك رفيق". وهو أيضًا في سنن أبي داود (4207) بلفظ: "الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق".
(2) في البدور: "ثم"، وعلى هذا يكون المراد بالمعنى الثاني: تشخيص المرض ووصف الدواء. وأما على ما في الأصل فالمراد به: إزالة المرض وإحداث الصحة.
(3) الحديث في مسند أحمد وغيره بسندٍ على شرط الشيخين: قال الإِمام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، قال: سمعت قتادة قال: سمعت مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يحدِّث عن أبيه، قال: جاء رجلٌ إلى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنت سيَّد قريشٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "السيِّد الله"، قال: أنت أفضلها فيها قولًا وأعظمها فيها طَولاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليقلْ أحدكم بقوله، ولا يستجْرِه الشيطان". مسند أحمد 4/ 24 - 25. وله عنده وعند غيره أسانيد أخرى، مع خلافٍ في بعض الألفاظ. [المؤلف]. وانظر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح 4/ 254، ح 4806.
(4) الحديث في صحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - على جميع الخلائق، 7/ 59، ح 2278، بلفظ: "أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة ... ". [المؤلف]
(3/838)

وللخواصِّ من أمته شفاعة ومحبوبيَّة أخرى، فعند ذلك بطل الدين وانقلب الزمان زمان جاهلية فيبعث الله نبيًّا آخر فأنكر عليهم ونهاهم عن وجوه الشرك وبذل في ذلك أشدَّ سعي وأوفر مصادمة.
وأما الدِّين المحمَّدي - صلى الله عليه وسلم - فلا يزال فيه وصيٌّ يحمل الوحي والعلم على وجههما، ولا يكاد يخلط شيئًا بشيء، فإن اتَّبعوه وأصغوا إليه فازوا، وإن نبذوا قوله وراء ظهورهم خابوا، ولا يزال طائفة من أمته قائمين على الحق لا يضرُّهم من [577] خالفهم، وكذلك (ولذلك) (1) لا يكون في دينه جاهلية ولا يبعث بعده نبي، والله أعلم بأسراره.

فصل
صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ اتبعتموهم"، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (2).
إلامَ أصف لك ما أحدثه منافقو أمته من وجوه الشرك، وأغضبوا قلب وصيِّه وضيَّقوا صدر حامل علمه ووحيه، فقد رأينا رجالًا من ضعيفي المسلمين يتَّخذون الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله تعالى، ويجعلون قبورهم مساجد، ويحجُّون إلى قبورهم وآثارهم وأتلالهم كما كان اليهود والنصارى يفعلون ذلك، ورأينا رجالًا منهم يحرفون الكلم عن مواضعه، يقولون: الصالحون لله والطالحون لي (3)، كما قالت اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا
__________
(1) التصحيح من المؤلف.
(2) قد تقدم سياق الأحاديث في ذلك وتخريجها. [المؤلف]. انظر ص 227 - 228.
(3) أي: يهبهم لي ولا يعذبهم، والعبارة وردت في دستور العلماء 4/ 4.
(3/839)

النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة} [البقرة: 80]، ويحملون الشفاعة والمحبوبيَّة على غير محملهما، كما حملهما مَنْ كان قبلهم، واختطفوا من ملَّة الهنود وملة المجوس أمورًا فلا يزالون عاضِّين عليها بنواجذهم، وتحزَّبوا أحزابًا، وقاسوا على المنصوص (1) فضلّوا وأضلّوا. وهل أنت ملتمس لم كفَّر الله سبحانه اليهود والنصارى في اتخاذهم [578] الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؟ أتراهم يقولون بِقِدَمِ رجل اعترفوا بأنَّ فلانًا أبوه وفلانة أمُّه، أو وجوب رجل اعترفوا بأنه لم يكن بالأمس شيئًا مذكورًا، أو انتهاء (2) سلسلة الوجود [إلى رجل] (3) اعترفوا بأنَّ قبله قرونًا كثيرًا؟ كلّا، بل هي تناقضات، وأخبث مَنْ يعتقدها يُسمَّى بشرًا! أَوْ تراهم يقولون بحلول الله سبحانه ذلك القديم في هذا الحادث؟ فلِمَ يقولون في محاوراتهم: إن الله تعالى بعث فلانًا وأوحى إليه كذا وكذا، ومات فلان أو يستشفع فلان عند ربه فيستجاب له، أو ما يجري مجرى هذه الكلمات؟ بل الحق أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى، وتَلَجْلَج ألسنتهم أن يشهدوا بأنه مَن يملك مِن الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح عيسى بن مريم وأمه ومن في الأرض [جميعًا]؛ بما أُشرب في قلوبهم من اعتقاد الشرف والتألُّه في المقدَّسين. كلَّا، بل هو بشر ممن خلق، إنما فضله أنه أوحي إليه وأُمِرَ الناس أن يأخذوا بما أمره (4) ويجتنبوا ما نهاهم حاكيًا عن ربه تعالى، فكل شرف له فإنما هو متشعِّب من هذه لا غير، وقد [579] آتيناك من البينات بما (5) لا يكون
__________
(1) لعله يقصد إعمال القياس في المنصوص تهرُّبًا من العمل به كما جاء.
(2) في الأصل: "وانتهاء"، والمثبت من البدور.
(3) ما بين المعكوفات هنا وما سيأتي ساقط من الأصل ومستدرَك من البدور.
(4) كذا في الأصل والبدور، ولعل الصواب: "أمرهم" بدليل ما بعده.
(5) كذا في الأصل والبدور.
(3/840)

للإنسان عذر بعده ولو ألقى معاذيره، فتدبَّر.
ألا ترى أن مشركي مكة كانوا يذعنون بانصرام سلسلة الوجود إلى الله تعالى كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وما أغناهم ذلك عن الإشراك بالله. وربما قرع سَمْعَكَ فيما يُسرد من الأخبار أنَّ العلم سيرفع بين يدي القيامة فيتمارى رجلان، يقول أحدهما: إيَّاك ستين، ويقول الآخر: إياك سبعين، فيرفعان القضية إلى أعلمهم فيقول: إياك تسعين! (1). وأقسم بالذي نفسي بيده إنه قد وقع في آيات أُخر، فلستُ أرى أحدًا إلاَّ وفيه الإشراك، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
وكفَّر الله سبحانه مشركي مكة بقولهم لرجل سخيٍّ كان يلُتُّ السويق للحاجِّ: إنه نُصب [منصب] الألوهية، فجعلوا يستعينون به عند الشدائد ... " (ذكر حديث عدي بن حاتم (2)).
ثم قال: "فقد علمنا أن الشرك ليس بمحصور في العبادة بل قد يكون بهذا النحو. ولعلَّ رجلاً عريض القفا يقول: وكيف يكون هذا وما سمعنا رجلاً يقول بذلك؟ فنقول له: اعلم أنَّ التحريف ليس هو [580] اعتياض لفظ مكان لفظ، كما وقف عليه فهوم العامَّة، بل شأن التحريف أَهْوَلُ من ذلك، وأكثر أنواعه وجودًا أن يقلب اللفظ عن ظاهر مراده إلى هواه وهواجس نفسه، فقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أنَّه سيوجد رجال يسمُّون الخمر بغير اسمها
__________
(1) يريد آية {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في الفاتحة, ولم يرد هذا الخبر في رواية يُعتد بها، وقد ذكر ابن الجوزي حكاية شبيهة في أخبار الحمقى والمغفلين 81.
(2) في تأليه الأحبار والرهبان، وقد سبق تخريجه في ص 654 - 655.
(3/841)

ويسمُّون الزنا بغير اسمه ثم يقولون: هذا ما حرَّم الله في كتابه، فعليكم به.
لا بأس، ألست ترى أقوامًا يقولون (1): إن المسكر الذي يُتَّخذ من العسل وما يماثله ليس بخمر ثم أَحَلُّوه، فأولئك الذين فيهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال، وأقوامًا يقولون: إذا وطئ الرجل أمة ابنه فذلك حلال، فأولئك قوم رُكسوا على وجوههم وغَرَّتهم الأماني، فسوف يعلمون غدًا مَن الكذَّاب الأشر.
ألست ترى أقوامًا يذعنون لأقوالهم ويجدون في صدورهم استحلال ما أحلُّوه حتى إنهم كادوا يسطون بالذين يتلون عليهم آيات الله تعالى؟
ألست تراهم إذا قيل لهم: دَعُونا من أقوال أناس قد يصيبون وقد يخطئون وعليكم بالكتاب وبما حكاه الصادق المصدوق عليه السلام من أمر الله تعالى، قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون، وخطَّؤوا هذا الرأي، بل عسى أن يقتلونِ (2) [581] إن استطاعوا، فأولئك هم المشركون حقًّا.
وقد اقشعرَّ جلدي حين بلغني ما يُسْرَدُ في الأساطير عن رجل اعترفوا له بالفضل أنه قال: لو تجلَّى الله سبحانه يوم القيامة على غير صورة فلان ما رأيته، فقد حطَّ بالله سبحانه درجته عن فلان، فإن صدقت الرواية فليس بمعذور عند الله تعالى.
والمنافقون على أصناف ... ومثل منافقي ملَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ممن يدينون بدين الإِسلام ويضمرون في قلوبهم شركًا بالله تعالى وعبادة واستعانة إلى غير الله تعالى، فهموا رضا الربِّ محصورًا في رضا عبده" (3).
__________
(1) كلمة "يقولون" تكررت في الأصل.
(2) كذا في الأصل والبدور بحذف ياء المتكلم.
(3) انتهى النقل من البدور البازغة ص 121 - 127، والأسطر الثلاثة الأخيرة من ص164.
(3/842)

أقول: وما ذكره رحمه الله بقوله: غلام فلان، غلام فلان، إشارة إلى بعض المنكرات في الهند في أسمائهم، فإنَّ منها غلام عبد القادر، غلام جيلاني، غلام سبحاني، غلام رباني، غلام صمداني، غلام محيي الدين، غلام محبوب، غلام دستكَير، غلام غوث، غلام بير، يعنون بهذه العشرة ونحوها غلام عبد القادر الجيلاني رحمه الله أي: إن المسمى عبد لعبد القادر، وهكذا يصنعون بأسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي والحسن والحسين عليهم السلام، وأسماء بعض الأولياء، فيقولون: غلام [582] محمَّد وغلام أحمد، وهكذا. وإذا جاءهم مَنْ اسمه عبد القادر فكثيرًا ما يتحاشون من إطلاق هذا الاسم هكذا؛ لئلا يكون ذلك تشبيهًا لذلك الرجل بالشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله، بل يقولون: غلام عبد القادر.
ومن العجب أنك لا تكاد تجد في أسمائهم عبد الله وعبد الرحمن، وأعجب منه أنه إذا كان فيهم مَنْ اسمه عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد العزيز أو عبد الجبار أو نحو ذلك من أسماء الله عزَّ وجلَّ لا ينادونه بذلك، بل ينادون ذاك الشخص بقولهم: يا رحمن أو يا رحيم أو يا عزيز أو يا جبَّار، وكذلك يذكرونه إذا ذكروه في كلامٍ أو كتاب، وتجد في أسمائهم كثيرًا حبيب الله، حبيب الرحمن، عظمة الله، قدرة الله، فانظر أين بلغ بهم الأمر في الجرأة على الله عزَّ وجلَّ، والخضوع للشيخ عبد القادر.
واعلم أن التسمية بإضافة عبد إلى غير الله عزَّ وجلَّ من المنكرات العظيمة ولم يكن في القرون الأولى شيء من ذلك، فأمَّا عبد المطلب جَدُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد صحّ أنه إنما سُمِّي بذلك؛ لأنَّ عمه المطَّلِب جاء به من المدينة إلى مكة مردفًا له فظن الناس أنه عبد اشتراه فقالوا: عبد المطَّلِب، فلزمَتْه،
(3/843)

فلم يقصد بذلك [583] تعظيم المطَّلِب، ولذلك والله أعلم لم يكن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يكره إطلاق ذلك، بل صحَّ عنه أنَّه قال: "أنا ابن عبد المطَّلِب" (1).
وقد أخرج ابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن النَّزَّال بن سَبْرة قال: قال لنا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إنا وإياكم كنا نُدْعى بني عبد مناف، فأنتم بنو عبد الله، ونحن بنو عبد الله"، زاد في رواية: قال مِسْعَرٌ - وهو من قوم النَّزَّال -: نحن من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من بني عبد مناف بن قُصيًّ من قريشٍ (2).
وقد أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط, ذكره في الإصابة (3).
وقد حوَّل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من أسماء موتى الجاهلية اسم عبد العُزَّى بن غطفان فسمى أولاده بني عبد الله بن غطفان؛ ولذلك لُقِّبوا بني محوَّلة؛ لتحويل اسم أبيهم.
ووقع للصاغانيِّ ثم شارح القاموس (4) وهمٌ عجيبٌ، توهَّما أنَّ القصَّة تقتضي أن عبد الله بن غطفان كان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم،
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ}، 5/ 153، ح 4315 - 4317. ومسلم في كتاب الجهاد والسير، بابٌ في غزوة حنين، 5/ 168 - 169، ح 1776.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 56. [المؤلف]
(3) الإصابة 11/ 161، وانظر: التاريخ الأوسط المطبوع باسم التاريخ الصغير 1/ 38.
(4) انظر: تاج العروس 28/ 380 مادة (ح ول).
(3/844)

ففتَّشا عنه في معاجم الصحابة فلم يجداه فتوقَّفا.
وكأن العلماء فهموا أنَّ تحويل أسماء الجاهليِّين ليس بحتمٍ، ولذلك لا يزالون يذكرونهم بعبد منافٍ وعبد العزى وعبد مناة ونحو ذلك.
والمقصود أنَّ اسم عبد المطلب لم يُقصَد به تعظيمٌ، ولا يُشعِر إذا عُرِف سببه بتعظيمٍ.
ثم أُلِفَ هذا الاسم فسُمِّيَ به نافلته (1) عبد المطلب بن (2) الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عمِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -, صحبه وروى عنه. وفي ترجمته من تهذيب التهذيب لابن حجر: "قال العسكري: هو المطلب بن ربيعة، هكذا يقول أهل البيت. وأصحاب الحديث يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب. وقال أبو القاسم [البغويُّ] (3): عبد المطلب، ويقال: المطلب. وقال أبو القاسم الطبرانيُّ: الصواب: المطلب".
أقول: وأهل البيت أدرى به، وقد يجوز أن يكون سمي عبد المطلب باسم جد أبيه ثم غَيَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - فسماه المطَّلِب، وبقي بعض الناس يقول عبد المطلب؛ لأنه رأى أنَّ هذه التسمية ليس المقصود منها تعظيم المطلب، وإنما سمي هذا باسم جدِّ أبيه، وجدُّ أبيه عرض له هذا الاسم على الوجه الذي قدَّمناه، لم يقصد به تعظيم المطَّلِب. واتِّباعُ أهل البيت أولى؛ فإن هذه التسمية تكون ذريعة إلى غيرها. والله أعلم.
__________
(1) النافلة: ولد الولد. انظر: القاموس المحيط: 1374.
(2) لا خلاف في أن اسم والده: ربيعة، والحارث جدُّه. ولعل المؤلف نسبه هنا إلى جدِّه.
(3) زيادةٌ من التهذيب 6/ 384.
(3/845)

(1) ومن عجيب صنع الله لنبيه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنْ قضى أن يكون اسم أبيه عبد الله، وقضى أن يكون اسم من يؤمن به من أعمامه لا شرك فيه وذلك حمزة والعباس، وقضى فيمن سمي من أعمامه باسم شركيًّ أن يشتهر بكنيته وذلك أبو لهب وكان اسمه عبد العزى، وأبو طالب وكان اسمه عبد مناف. وذلك - والله أعلم - ليقترن اسم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من صباه بالخضوع لله وحده، فيقال: محمَّد بن عبد الله، ولئلا يقترن بكلمة شرك، فيقال: محمَّد بن فلان (ويذكر اسم فيه شرك) أو: قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لعمِّه فلان، ويذكر اسم فيه شرك. فأمَّا جدُّه عبد المطلب فقد علمت أنه لا شرك فيه، وأما جَدُّ جَدَّه فإنه بعيد لا يكاد يقترن اسم النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بذكره، والله أعلم.
ثم رأيت في قصة مبارزة عليًّ عليه السلام لعمرو بن عبد وُدًّ يوم الخندق أن عَمْرًا قال له: مَنْ أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب (2).
ومما ينبغي ذكره هنا ما جاء في أنَّ آدم وحواء عليهما السلام سمَّيا ولدهما عبد الحارث، قال الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
__________
(1) من هنا يبدأ ملحق ص 583، وهو أربع صفحات.
(2) أخرجه الحاكم في كتاب المغازي، ذكر مبارزة علي رضي الله عنه عمرو بن عبد ودٍّ, 3/ 32 - 33. وعنه البيهقي في كتاب السير، باب المبارزة، 9/ 132 من طريق ابن إسحاق.
(3/846)

فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 189 - 192].
أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عبَّاسٍ وسمرة بن جندبٍ ومجاهد وسعيد بن جُبيرٍ وعكرمة وقتادة والسُّدِّي ما حاصله: أنَّ المراد بالنفس الواحدة/ وزوجها آدم وحوَّاء، وأن إبليس تمثَّل لحوَّاء لما حملت فخوَّفها أن يقتلها ما في بطنها أو أن يكون بهيمة أو أن يولد ميِّتًا وأنها إن سمَّته عبد الحارث وُلِدَ صالحًا وعاش (1).
وفي الرواية عن السُّدِّي أنه كان يقول لها: سمِّيه عبدي وإلَّا قتلته، فأَبَيَا فمات، ثم حملت الثانية، فكذلك، ثم حملت الثالثة، فقال: إن أبيتما فسمِّياه عبد الحارث، فأطاعاه.
وفي أكثر الروايات: فأشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.
وقد أنكر جمهور المحقِّقين هذه القصة؛ لأن سياق الآيات يخالفها، ولأنَّ فيها نسبة الشرك إلى صَفِيِّ الله آدم عليه السلام.
وأمَّا قول من قال: إنه شرك في الاسم لا في العبادة، ففيه نظر؛ لأن سياق الآيات ظاهر في أنَّه الشرك الأكبر، والمقصود هنا النظر في تلك القصة ليفهم معنى قولهم: أَشْرَكَا في الاسم ولم يُشْرِكَا في العبادة.
فأقول: اعلم أنَّ التسمية بعبد الله وعبد الرحمن وعبد المسيح وعبد العزى وأشباهها قُصد بها تعظيم يطلب به نفع غيبي فهي عبادة حتمًا.
__________
(1) انظر: تفسير ابن جرير 10/ 623 - 628، الدر المنثور 3/ 623 وما بعدها.
(3/847)

وأما قولنا لمملوك زيد: هذا عبد زيد فليس كذلك، وكذلك لو توهِّم في رجل أنه مملوك لزيد فقيل: هذا عبد زيد ثم لصقت به هذه الكلمة لقبًا كما وقع لعبد المطلب كما مرّ. ولو قيل لرجل: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا لم يعش، فسماه عبد المسيح ليعيش لكان من الأوَّل؛ لأن في هذه التسمية تعظيمًا طُلِب به نفع غيبي وهو أن يعيش الولد، اللهم إلا أن يكون أعجميًّا فيقال له: إنَّ المسيح اسم من أسماء الله عزَّ وجلَّ، فإن هذا يعذر. وكذا إذا تسلَّط عليه إنسان ظالم قال له: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا قتلته، فسماه عبد المسيح كارهًا لذلك عازمًا على أنه إذا تخلَّص من سطوة هذا الظالم غَيَّرَ ذلك الاسم، فإنَّ هذا يُعْذَر؛ لأنه مُكْرَهٌ.
وكذا فيما يظهر/ لو تمثَّل له شيطان فقال له: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا قتلته وأنت ترى، فامتنع، فأخذ الولد فخنقه وأبوه يرى، فقال: دعه وأنا أسميه بذلك، فإنَّ الشيطان المشاهَد لا فرق بينه وبين الإنسان. ويبقى النظر فيما إذا تمثل له شيطان، فقال له: سمِّ ولدك الذي في بطن أمه عبد المسيح وإلَّا قتلته في بطن أمه، أو قال له: سمِّ ولدك هذا الذي قد وُلِدَ عبد المسيح وإلا دخلت في جسده فصرعته. والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن تسلُّط الشيطان على الحمل أو على الإنسان بأن يدخل في بدنه ويصرعه أمر غير محسوس، فهذه الصورة تشبه من جهةٍ الشيطانَ المتمثَّلَ الذي يباشر الإيذاء بالمشاهَدة، وتشبه من جهةٍ ما لو أَخَذَ إنسان يعظِّم الشياطين ولم يشاهدهم لئلا يؤذوه أو يؤذوا أولاده. وقد يقرِّبها من الأول أن يقع في المحسوس ما يظهر منه قدرة الشيطان المتمثل على ما يهدِّد به كأن يهدِّد بقتل الحمل أول مرة فيموت الحمل وثانية فيموت أو بصرع المولود فيصرع ويموت، ثم بصرع الثاني فيصرع ويموت.
(3/848)

وبعدُ، فالظاهر من الحكايات عن آدم وحواء أنهما لم يعرفا أن الحارث اسم إبليس كما تصرِّح به حكاية السُّدِّي، ويظهر أنهما توهَّما أنَّ الحارث من أسماء الله عزَّ وجلَّ، ولا مانع من ذلك، فقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63، 64].
وقد يُتَوهَّم في التسمية به سببٌ لعيش الولد، فإنَّ الولد كالزرع، ففي تسميته بعبد الحارث على فرض أنَّ الحارث من أسماء الله عزَّ وجلَّ اعتراف بأنه هو الذي خلقه ويحييه.
وقد يُعَكِّرُ على هذا قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
والجواب: أن أسماء الله تعالى لم تدخل في ذلك كما يدلُّ عليه السياق، حيث قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ... قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ...} [البقرة: 31 - 33].
فقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} وقوله: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} صريح في أن المراد أسماء أشخاص حاضرين مشاهَدين أشار إليهم ربهم، وليس هو فيهم.
ومما يدل على ذلك ما ثبت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من قوله في دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (1).
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 1/ 391، وأبو يعلى في مسنده 9/ 198، ح 5297، والطبراني في المعجم الكبير 10/ 169 ح 10351، وابن حبان في صحيحه =
(3/849)

والحاصل: أن معنى قولهم: أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة، أن الحارث لما كان اسمًا للشيطان كان معنى الاسم: عبد الشيطان، ولكنهما لما لم يَعْلَمَا بذلك لم يكونا معظِّمَين للشيطان، وإذا قلنا بأن تهديد الشيطان المتمثِّل مع تكرُّر ما يدلُّ على قدرته على ما هَدَّدَ به يكون إكراهًا فيقال: إنما أشركا في الاسم وهو شرك لفظيٌّ، ولم يشركا في العبادة؛ لأنهما كانا مُكْرَهَين. والأول هو المتعيِّن، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بالآثار، فأمَّا كون هذا المعنى هو معنى الآية فلا ألتزمه، وقد تقدَّم الكلام على الآيات (1). والله أعلم (2).

شُبَهُ عَبَدَةِ الملائكة
عبدةُ الملائكة فريقان:
الفريق الأول: مَن يزعم أنَّ الملائكة يتصرَّفون بهواهم واختيارهم، ومن هؤلاء وثنيُّو الهند واليونان والمصريُّون القدماء، وشبهتهم القياس على البشر. وربما يحتجون علينا بقول بعض المسلمين: [584] إنَّ أرواح الأنبياء والأولياء تتصرَّف في الكون باختيارها.
__________
= (الإحسان)، كتاب الرقائق، باب الأدعية، ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه ... ، 3/ 253 ح 972 والحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء، دعاء يُذهب الهمَّ والحزن، 1/ 509، من طريق أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه؛ فإنه مختلف في سماعه عن أبيه وتعقبه الذهبي بقوله: "وأبو سلمة لا يُدرى مَن هو، ولا رواية له في الكتب الستة".
(1) ص (س 62 ب فما بعدها).
(2) هنا انتهى ملحق ص 583.
(3/850)

وقد كنت بسطتُ الكلام على شبهتهم وردِّها ثم عدلت عن ذلك؛ لأني وجدتُ الله تعالى قد سحق شبهتهم ومحقها بحيث لم يبق لها عين ولا أثر، وذلك بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وغيرها من الآيات، وقد تقدَّم الكلام عليها (1).
وأما قول بعض المسلمين فخطأ منهم كما تقدَّم.
الفريق الثاني: من لا يثبت للملائكة اختيارًا إلاَّ في الشفاعة على تردُّد منهم في ذلك، ومن هؤلاء مشركو العرب، وقد تقدَّم أن قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] يبطل شبهتهم أيضًا، في آيات أُخر، ولكن لا بأس بالإطناب في هذا الباب فأقول:
شبهة هذا الفريق هي القياس على ملوك الدنيا كأنهم يقولون: إننا نرى الملِك من ملوك الدنيا لا يخلو أن يكون لديه أشخاص مقرَّبون تعرض الناس عليهم حوائجهم، فيعرضها المقرَّبون على الملك، ويسألونه قضاءها فيقضيها إكرامًا لهؤلاء المقرَّبين. ويعدُّ هذا من تمام عظمة الملك؛ لأنَّ من الحوائج ما لا يحسُن عرضها على الملِك بدون واسطة، ومن أصحاب الحوائج مَن لا يليق لمخاطبة الملك؛ إمَّا لدناءته وإما لإساءة تقدَّمتْ منه، [585] ومنهم مَن لا يستحق أن تقضى حاجته ولكن إذا شفع فيها أحد المقربين قضاها الملك؛ لأن ذلك المقرَّب يستحق الإكرام.
الجواب: قد أبطل الله عزَّ وجلَّ هذه الشبهة بإخباره أنَّ الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فهم بغاية التعظيم
__________
(1) ص 349.
(3/851)

لربهم عزَّ وجلَّ والمحبة له والاجتهاد في مرضاته، إن أحبوا أن يشفعوا لأحد فإنما ذلك لعلمهم بأنَّ ربهم تبارك وتعالى يحبُّ الشفاعة له ويرضاها.
وقد أخبر الله تعالى عن بعض شفاعتهم بقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 4 - 6].
وبَيَّن استغفارهم لمن هو؟ بقوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ [586] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7 - 9].
فأنت تراهم إنما شفعوا لمن تاب واتَّبع سبيل الله تعالى، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
وإذا كان الأمر كذلك فطريق التوصُّل إلى شفاعة الملائكة إنما هي بطاعة الله تعالى واتِّباع سبيله والتوبة من الذنوب، ونحو ذلك.
فأمَّا تعظيمهم فإنه لا يحملهم على الشفاعة، بل إذا علموا أن تعظيمهم معصية لله تعالى وكفر به كان أبغض الأشياء إليهم، فهم إلى أن يسألوا الله تعالى تعذيب فاعله أقرب من أن يشفعوا له. وكذا يُقال في سؤال الشفاعة منهم.
(3/852)

وأمَّا قياسكم على ملوك الدنيا فغلط واضح؛ فإنَّ ملوك الدنيا مفتقرون إلى أن يكون لديهم من يبلغ حوائج الناس إليهم.
أوَّلاً: لجهل الملك، فلا يتيسَّر له العلم بحوائج الرعية كلهم.
ثانيًا: لعجزه فلا يستطيع الاستماع من كل أحد.
ثالثًا ورابعًا وخامسًا: لفقره وبخله ورئائه، فهو لا يقدر أو لا يريد قضاء الحوائج كلها، ولا يحب أن يعلم الناس أنه فقير أو بخيل فهو يرائي الناس بأن يوكِّل وسائط لسماع [587] الحوائج حتى يقضيَ منها ما أراد، ويترك ما أراد، فيظن العامة أنَّه ليس به فقر ولا بخل ولكنَّ الوسائط لم يبلِّغوه.
سادسًا: لخيلائه لا يحب أن يصل إليه الضعفاء والمساكين.
سابعًا: لخوفه أن يكون في غمار الناس من يريد قتله.
ثامنًا: لحقده فلا يحب أن يتصل به من قد أساء إليه.
تاسعًا: لاحتياجه إلى أولئك المقرَّبين ليسعوا في معونته وتأييد ملكه، فهو يوهمهم أنه لم يكن يريد أن يقضيَ تلك الحوائج لولا شفاعتهم.
عاشرًا: لخشيته من رؤوس الناس أن يسعوا في زوال ملكه، فهو يداريهم بأن يمنحهم الرياسة والإمارة والوساطة بينه وبين الرعية.
وهناك أسباب أخرى من هذا القبيل، منها: خوف الملك من نفسه أن يغضب في غير موضع الغضب، أو يبخل في غير موضع البخل، أو يكافئ على الإحسان بأقلَّ مما ينبغي، أو يعاقب على الذنب بأشدَّ مما ينبغي، وأشباه ذلك، وكلها نقائص لا يخفى أنَّ الله عزَّ وجلَّ متعالٍ عنها وعن أشباهها.
(3/853)

والمقرَّبون إلى ملوك الدنيا يرون أنَّ لهم حقًّا أن يشفعوا إلى الملوك وأن تُقبل شفاعتهم؛ لأمور، منها: علمهم بما تقدَّم من النقائص في الملوك، ومنها: أنهم يرون لأنفسهم حقًّا على الملوك لتأييدهم لملكهم وسترهم عيوبهم وإظهارهم محاسنهم وقدرتهم على أن يضرُّوا الملوك إذا أرادوا وغير ذلك.
[588] ولا يأتي هذا في الملائكة؛ لأنهم يعلمون أنَّ ربهم عزَّ وجلَّ مبرَّأ من كل نقص، غني عنهم وعن غيرهم، قادر على كل شيء، لا يستطيع أحد أن يضره. هذا مع كمال الملائكة في أنفسهم، وخضوعهم الكامل لربهم سبحانه، وحرصهم على مرضاته.
ورعيَّةُ ملوك الدنيا بِغاية الحاجة إلى أن يكون لهم شفعاء إلى ملوكهم؛ لعلمهم بنقائص الملوك التي تقدَّمت. ومن عرف الله تعالى علم أنه عالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء من مصالح عباده، وإذا أراد أمرًا فقد علم أنه كائن، وما علم أنه كائن فهو كائن لا محالة، ولو شفع إليه الخلق كلهم أن يرجع عما أراده لما أمكن ذلك، وأنه سبحانه أحكم الحاكمين أرحم الراحمين، فالحاجة التي يريدها العبد إن كانت مما قد سبق العلم [بها] (1) واقتضتها الحكمة والرحمة فهي كائنة ولا بدَّ، ويكفي في طلبها طاعة الله عزَّ وجلَّ ودعاؤه والخضوع له، كما يقتضيه مقام العبوديَّة، وإلَّا فلو شفع إليه خلقه كلهم فيها لما حصلت، فأي فائدة للشفاعة مع هذا؟ وما أحمق مَنْ يتوهَّمُ أن يكون أحدٌ أرحمَ به من ربه تعالى!
__________
(1) سقطت هذه الكلمة من الأصل.
(3/854)

وقولكم: "من الحوائج ما لا يحسُن عرضُها على الملِك بدون واسطة" لا معنى له بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنه هو العليم الخبير الرؤوف الرحيم، فليس من حاجةٍ لا يحسُن عرضها عليه، بل إنَّ [589] من الحوائج ما يحرم على الإنسان أن يذكرها لمخلوق ويجب عليه أن يدعو الله عزَّ وجلَّ لها، وذلك كالفواحش إذا وقعت منه لم يكن له إظهارها لأحد من الناس، ويجب أن يدعو ربه ويقول مثلاً: يا رب إني ظلمت نفسي بإصابة الفاحشة فاغفر لي. وكذلك من الأشياء ما يُتَحَاشَى من ذكرها للناس كالأمراض السِّرِّيَّة ولا حرج في أن يذكرها في دعاء الله عزَّ وجلَّ.
فإن كان قصدكم أنَّ من حوائج الناس ما يكون في معصية الله عزَّ وجلَّ فالملائكة أبعد من أن يشفعوا في معصيته، ولو شفعوا لحصول معصيته لكانوا عصاة، فإن وقع منهم ما يوهم الرضا بمعصيته فذلك غضب على ذلك العاصي ورغبة في بقائه على المعصية ليَتِمَّ له استحقاق العذاب، كما رُوي في دَسَّ جبريل عليه السلام الحمأة في في فرعون (1) إن صح، وقد تقدَّم الكلام عليه (2).
ومما يشبه ذلك دعاء موسى وهارون على فرعون وقومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا
__________
(1) أخرجه الترمذيّ في كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة يونس، 5/ 287 - 288، ح 3108، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه". والنسائيّ في الكبرى, كتاب التفسير، سورة يونس، قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ}، 10/ 125، ح 11174. وصحّحه الشيخ الألبانيّ في صحيح سنن الترمذيّ.
(2) انظر ص 381.
(3/855)

لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88].
وقولكم: إنَّ من أصحاب الحوائج مَن لا يليق لمخاطبة الملك لدناءة أو إساءة، لا يصحُّ في حق الله عزَّ وجلَّ، فإنه سبحانه البرُّ الرَّحيم [590] لا يأنف من سماع دعاء أحد من خلقه، كيف وهو ربهم وبارئهم؟ ومَن أساء منهم لا يخلو أن يكون جاء تائبًا أو غير تائب، فإن كان تائبًا فالتوبة تمحو الإساءة السابقة وتوجب محبَّة الله تعالى للتائب، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فقال: {يُحِبُّ} ولم يقتصر على المغفرة، وقدَّم {التَّوَّابِينَ} على {الْمُتَطَهِّرِينَ}، والتوَّابين صيغة مبالغة أي الذين تكثر توبتهم، وذلك يُشْعِر بكثرة خطاياهم.
وفي صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" (1).
وفي صحيح مسلمٍ أيضًا عن أنسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظِلِّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدَّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدَّة الفرح".
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، 8/ 94، ح 2749. [المؤلف]
(3/856)

وفي صحيح مسلمٍ أيضًا نحوه عن ابن مسعودٍ، وعن أبي هريرة، وعن النعمان بن بشيرٍ، وعن البراء بن عازبٍ، كلُّهم عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (1).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: [591] "إن عبدًا أصاب ذنبًا، وربما قال: أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت، وربما قال: أصبت، فاغفره، فقال ربُّه: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا أو أذنب ذنبًا فقال: ربِّ أذنبت أو أصبت ذنبًا (2) فاغفره فقال: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا قال: قال: ربِّ، أصبتُ أو أذنبت آخر فاغفره لي فقال: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنوب ويأخذ به، غفرت لعبدي ثلاًثا فليفعل ما شاء" (3).
وروى الإِمام أحمد والدارميُّ عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن ربِّه قال: "ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم! إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئًا، ابن آدم! إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي" (4).
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب التوبة، بابٌ في الحضَّ على التوبة والفرح بها، 8/ 91 - 93، ح 2675 و2744 - 2747. [المؤلف]
(2) في صحيح البخاريَّ: "آخر" بدل "ذنبا"، بالاكتفاء بالصفة وحذف الموصوف.
(3) البخاريّ، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ}، 9/ 145، ح 7507. ومسلم، كتاب التوبة, باب قبول التوبة من الذنوب، 8/ 99، ح 2758. [المؤلف]
(4) مسند أحمد 5/ 167 و172، سنن الدارميَّ، كتاب الرقاق، بابٌ إذا تقرَّب العبد إلى =
(3/857)

وإن كان غير تائبٍ (1) فالملائكة والأنبياء والصالحون كلهم لا يحبونه، ولا يحبُّون أن تُقْضَى حاجته، والله تعالى أرأف به منهم وأرحم، ولذلك سمّى نفسه أرحم الراحمين، وقال عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [592] وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
وقال تعالى لخاتم أنبيائه - صلى الله عليه وسلم -: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].
أخرج البخاريُّ وغيره عن ابن عمر أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخِرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا"، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ} إلى قوله {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.
وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة نحوه (2).
وروى الترمذي حديث ابن عمر بلفظٍ آخر، وزاد فيه: فتاب الله عليهم فأسلموا فحسُن إسلامهم. وفي رواية: فهداهم الله للإسلام (3).
__________
= الله تعالى، 2/ 322، ح 2830. [المؤلف]
(1) هذا قسيم التائب الذي ذُكِر في الصفحة السابقة.
(2) صحيح البخاريَّ، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: "ليس لك من الأمر شيءٌ", 6/ 38، ح 4559 - 4560. [المؤلف]
(3) جامع الترمذيّ، كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة آل عمران، 2/ 167، ح 3004 - 3005. [المؤلف]
(3/858)

وفي تفسير ابن جرير في الكلام على قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75]: وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ما حدَّثني به محمَّد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، إنه جلا (1) له الأمرَ سرَّه وعلانيته، فلم يَخْفَ عليه شيءٌ من أعمال الخلائق، فلما جعل (2) يلعن أصحاب الذنوب، قال الله تعالى: إنك لا تستطيع هذا، فردّه الله كما كان قبل ذلك" (3).
وفيه أيضًا في تفسير قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81] عن ابن عباس: فأوحى الله إليه: مُر الأرض بما شئت، قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حِقِيِّهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم. [593] قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى، ويتضرَّعون إليه، قال: يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: يا موسى، تقول لك عبادي: يا موسى، يا موسى، فلا ترحمهم، لو إيَّاي دعوا لوجدوني قريبًا مجيبًا (4).
وإذا اتفق أن يرحم بعضُ المقرَّبين عاصيًا فيدعو له فإنما ذلك لعدم علم ذلك المقرَّب بحقيقة الحال، ومن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)
__________
(1) أي: كَشَفَ.
(2) في الأصل: "جعله"، وهو سبق قلمٍ، والتصحيح من الطبعة التي نقل منها المؤلف.
(3) تفسير ابن جرير 7/ 148. [المؤلف]. وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء كما قال أحمد شاكر. انظر: تفسير الطبري 1/ 263 بتحقيق محمود شاكر.
(4) تفسير ابن جرير 20/ 68. [المؤلف]
(3/859)

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 74 - 76].
فالخليل عليه السلام كان يرجو أن يؤمن القوم، أو يخرج من أصلابهم مَن يؤمن، ولذلك لما عرض على خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - عذاب قومه قال: "بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا". الحديث في الصحيحين (1).
ولو علم إبراهيم أنَّ قوم لوطٍ لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنًا لدعا عليهم، وكذلك محمَّد صلَّى الله وسلَّم عليهم أجمعين، كما فعل نوح عليه السلام، قال الله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36]، فلذلك - والله أعلم - دعا عليهم كما قال تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 26، 27].
(2) ومما يشبه قصَّة إبراهيم عليه السلام قصَّة نوح إذ قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
__________
(1) صحيح البخاريَّ، كتاب بدء الخلق، بابٌ: "إذا قال أحدكم: آمين ... "، 4/ 115، ح 3231. ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأذى، 5/ 181، ح 1795. [المؤلف]
(2) ملحق ص 593. [المؤلف]
(3/860)

أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 45 - 47].
ومن ذلك قوله تعالى لخاتم أنبيائه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].
وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6].
وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 33 - 35].
وفي القرآن آيات كثيرة من هذا المعنى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عندما أُنزلت عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قال: "يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشترُوا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنكِ من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد، سليني ما شئتِ من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا" (1).
__________
(1) البخاريّ، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، 6/ 112، ح 4771. ومسلم، كتاب الإيمان, بابٌ في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ =
(3/861)

وفي صحيح مسلمٍ وغيره عن سعد أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم (1) مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلَّينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف، فقال: "سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدةً، سألت ربي ألاّ يهلك أمتي بالسَّنة (2) فأعطانيها، وسألته ألاّ يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألَّا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" (3).
وفي صحيح مسلم وغيره نحوه عن ثوبان عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وفيه: "وإن ربي قال: يا محمَّد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرَدُّ" (4).
وقد جاء نحو هذا الخبر عن أبي نضرة (5) الغفاري عند أحمد وغيره، وهناك روايات أُخَر في هذا المعنى.
وفي صحيح البخاريِّ وغيره عن أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبَرة (6)، فيقول له إبراهيم: ألم أَقُلْ لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا
__________
= الْأَقْرَبِينَ}، 1/ 133، ح 206. [المؤلف]
(1) في صحيح مسلمٍ زيادة: أقبل ذات يومٍ من العالية، حتى إذا ....
(2) أي: بالجَدْب. النهاية لابن الأثير 2/ 413.
(3) صحيح مسلمٍ، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعضٍ، 8/ 171 - 172، ح 2890. [المؤلف]
(4) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 8/ 171، ح 2889. [المؤلف]
(5) كذا في الأصل، والصواب بالباء المعجمة والصاد المهملة.
(6) القَتَرة: السَّواد الكائن عن الكآبة، والغَبَرة: الغُبار من التراب. انظر: فتح الباري 8/ 499 - 500.
(3/862)

أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزي أخزى من أبي الأبْعد؟ فيقول الله تعالى: إنَّي حرَّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ (1) فإذا هو بذيخٍ متلطِّخٍ (2)، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار" (3).
وفي الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعدٍ وأبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: " ... لَيَرِدنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم منِّي، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا (4) لمن غَيَّر بعدي". وصحَّ نحوه من حديث ابن مسعودٍ، وعائشة، وأختها أسماء، وأبي هريرة، وأنسٍ، وغيرهم (5).
ويُعْلَم مما تقدَّم وغيره أنَّ قوله تعالى في المؤمنين: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ
__________
(1) في البخاري زيادة: فينظر.
(2) في الطبعة الأميرية: ملتطخٍ، وما هنا موافق للطبعة الهنديَّة. والذِّيخ: ذكر الضبُع الكثير الشعر. انظر: النهاية 2/ 174، القاموس المحيط ص 321.
(3) البخاريّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} , 4/ 138، ح 3350. [المؤلف]
(4) أي: بُعْدًا بُعْدًا. النهاية لابن الأثير 2/ 347.
(5) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الرقاق، بابٌ في الحوض، 8/ 119 - 122، ح 6576 و6582 - 6587 و6593 [من حديث ابن مسعودٍ وأنسٍ وسهل بن سعدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهم]. وصحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وصفاته، 7/ 65 - 71، 2290 - 2291 و2293 - 2295 و2297 و2304 [من حديث سهل بن سعدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأسماء وعائشة وأمِّ سلمة وابن مسعودٍ وأنسٍ رضي الله عنهم]. [المؤلف].
(3/863)

عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] المراد به ما يشاءون من نعيم الجنة، أو أنهم إذا شاءوا ما لم يقضه الله عزَّ وجلَّ بيَّن لهم الحكمة في عدم قضائه، فيرجعون عن مشيئتهم الأولى ويشاءون ما يوافق الحكمة، أو أنهم يرجعون عن مشيئتهم الأولى إذا علموا أنَّ الله تعالى لم يقض ذلك، وإن لم يعلموا الحكمة؛ لعلمهم أنَّ الحكمة فيما قضاه ربهم عزَّ وجلَّ، أو يرجعون عن مشيئتهم الأولى لمحبَّتهم لربهم عزَّ وجلَّ.
وسياق هذه الآية يدلُّ على ما ذكرنا قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 30 - 34].
وقال تعالى: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [الشورى: 22].
وهكذا قوله تعالى لرسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] قد اغترَّ بها كثير من الجهلة، وقد كان يكفي لدفع الشبهة عنهم أن يعلموا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لن يرضى ما لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ. وقد سبق ذكر قوله يوم القيامة في الجماعة الذين
(3/864)

يحال بينه وبينهم: "سُحقًا سُحقًا لمن غَيَّرَ بعدي" (1). والأحاديث كثيرة عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه لعن شارب الخمر وساقيها (2) و ... ، ولعن آكل الربا ومؤكله وشاهده (3)، وغير ذلك من المعاصي (4).
وقد قال تعالى في الملائكة: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
__________
(1) تقدَّم الحديث قريبًا.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الأشربة، باب العنب يُعصَر للخمر، 3/ 326، ح 3674. وابن ماجه في كتاب الأشربة، باب لُعِنت الخمر على عشرة أوجهٍ، 2/ 1121 - 1122، ح 3380، من حديث ابن عمر. وأخرجه الترمذيُّ في كتاب البيوع، باب النهي أن يُتَّخذ الخمر خلًّا، 3/ 580 - 581، ح 1295. وابن ماجه في الموضع السابق، 2/ 1122، ح 3381، من حديث أنسٍ. قال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث أنسٍ، وقد رُوِي نحو هذا عن ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ وابن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -".
(3) أخرجه مسلمٌ في كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، 5/ 50، ح 1598، من حديث جابرٍ. وأخرجه البخاريُّ في كتاب البيوع، باب موكل الربا، 3/ 59، ح 2086. وفي باب ثمن الكلب، 3/ 84، ح 2238، من حديث أبي جحيفة، ولم يذكر شاهده. وكذلك أخرجه مسلمٌ في الموضع السابق، 5/ 50، ح 1597، من حديث ابن مسعودٍ, ولم يذكر شاهده.
(4) يقصد أصحاب المعاصي. ومنهم: السارق. انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، 8/ 161، ح 6799. وصحيح مسلمٍ، كتاب الحدود، باب حدَّ السرقة ونصابها، 5/ 113، ح 1687.
ومنهم أيضًا: الواشمة والمستوشمة والمصوِّرون. انظر: صحيح البخاريَّ، كتاب الطلاق، باب مهر البغيَّ والنكاح الفاسد، 7/ 61، ح 5347.
(3/865)

يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28].
وفي الصحيحين وغيرهما عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه كان يقول لأصحابه: "أما والله لأنا أخشاكم لله وأتقاكم له" (1).
ومن السبب في عدم شفاعة الملائكة إلاَّ لمن ارتضى عزَّ وجلَّ: حبُّهم لربهم عزَّ وجلَّ وإجلالهم له وعلمهم أنه لا ينبغي ارتضاء ما لم يرتضه الله تعالى، وليسوا في ذلك بأولى من خاتم الأنبياء صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
وقد خبط الناس في تفسير الشفاعة يوم القيامة، ففَرَّط المعتزلة فأنكروا ما عدا الشفاعة لفصل القضاء التي إنما يراد منها فتح باب الحساب لشدَّة ما يعتري الناس من طول الموقف، والشفاعة لرفع الدرجات. وأفرط كثير من المتأخرين إلى حدٍّ لا دليل عليه، بل ربما وصل بعضهم إلى حدٍّ تكذِّبه النصوص القطعية. فإن أردت معرفة الحقيقة فعليك أن تجمع الأحاديث الصحيحة وتتدبَّرها وتنظر حاصلها، وأنبهك هنا أنه وقع في حديث أنس في الشفاعة اختصار ستعرفه إذا تدبَّرت الأحاديث إن شاء الله تعالى. اه (2).
وقولُكم: ومنهم مَن لا يستحقُّ أن تُقضى حاجته ولكن إذا شفع فيها أحد [594] المقرَّبين قضاها الملِك؛ لأنَّ ذلك المقرَّب يستحقُّ الإكرام.
فجوابه: أن الملائكة بغاية التعظيم لربهم عزَّ وجلَّ لعلمهم بأنه وسع كل
__________
(1) البخاريّ، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 7/ 1، ح 5063. ومسلم، كتاب الصيام، باب صحَّة صوم مَن طلع عليه الفجر وهو جنبٌ، 3/ 137، ح 1110. [المؤلف]
(2) انتهى هنا ملحق ص 593.
(3/866)

شيء رحمة وعلمًا، كما حكى الله تعالى عنهم في كتابه أنهم يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]، وذلك يقتضي ألَّا يشفعوا لأحد إلاَّ بأمره أو بإذنه، وقد صرَّح بذلك في القرآن كما تقدم مرارًا، فإن شفعوا لهذا الذي فرض أنه غير مستحق لحاجته، فإن أمرهم الله بالشفاعة فلم يأمرهم بها حتى جعل برحمته المشفوع له مستحقًّا، ولا بدَّ أن يطيعوا الله فيشفعوا.
وعلى فرض أنهم لا يشفعون فقد كفى في حصول الحاجة أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أراد قضاءها فلا بدَّ أن يقضيها شفعوا أم لم يشفعوا. وإن أذن لهم فيها على أنهم مخيَّرون إن شاء شفعوا وإن شاء لم يشفعوا، فالملائكة عباد مطهَّرون لا يمتنعون من شفاعة قد أذن لهم ربهم فيها.
وإن فرضنا إمكان ألَّا يشفعوا فالظاهر من حكمة الله عزَّ وجلَّ ورحمته أنه لم يأذن لهم في الشفاعة في تلك الحاجة إلاَّ وقد أراد قضاءها، فلا يمنعه مما أراده عدم شفاعتهم، وعلى فرض أنه لا يقضيها إذا لم يشفعوا فما الطريق إلى حملهم على الشفاعة؟ لا سلطان عندكم على أنه يحملهم على الشفاعة تعظيمهم أو السؤال منهم، بل إنه يُعْلَم من تعظيمهم ربهم عزَّ وجلَّ أنهم يبغضون أن يعظَّموا أو يُدْعَوا مِنْ دونه، وأنهم لا [595] يحبون إلاَّ من يُعَظَّم ربهم ويبجّله.
فعُلِمَ بذلك أنَّ الطريق إلى تحصيل شفاعة الملائكة هي الاجتهاد في طاعة الله عزَّ وجلَّ وإخلاص العبادة له سبحانه. فتدبَّروا ما تقدَّم كما ينبغي، ثم تدبَّروا ما يأتي.
(3/867)

الحمد لله
ألم تعلموا قطعًا أنَّ الله تعالى مستحق للعبادة؟
قالوا: بلى.
قلنا: فكيف أقدمتم على أن تسوُّوا به فيها ملائكته وتشركوهم به وتجعلوا لهم نصيبًا منها بمجرد الخرص والتخمين، وهو احتمال أنهم يشفعون، وليس عندكم علم بأنهم يشفعون؟ ألا يجوز ألَّا يكونوا يشفعون إليه علمًا منهم بأنه تعالى عالم الغيب والشهادة، أحكم الحاكمين، أرحم الراحمين، مع ما تقدَّم تفصيله من عدم الحاجة؟
فإن قالوا: فقد جاء في القرآن أنهم يشفعون.
قلنا: أنتم كذَّبتم بالقرآن.
فإن قالوا: فما بال القرآن ينكر عبادتهم مع إثباته أنهم يشفعون؟
قلنا: إنما أثبت لهم القرآن الشفاعة إذا أمرهم الله تعالى بها كما قال: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]، فأثبت أنهم لا يقولون ولا يعملون إلا إذا أمرهم الله تعالى، فشفاعتهم إنما هي امتثال منهم لأمر ربهم عزَّ وجلَّ، فأنَّى يستحقون أن يُعْبدوا على هذه الشفاعة التي لا تقع منهم إلا طاعة لربهم فقط؟ أوَ ليس المستحق للشكر على هذه الشفاعة هو الآمر بها سبحانه؟
فإن قالوا: فقد عبَّر القرآن في مواضع أُخَر بالإذن، فقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ [596] عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] إلى غير ذلك، وهذا يُشعر بأنهم
(3/868)

يريدون الشفاعة ولكن لا يشفعون حتى يؤذن لهم، ويُشعر بأنهم بعد الإذن مخيَّرون أن يشفعوا أو لا يشفعوا، ونحن نرى أنهم إذا أرادوا الشفاعة كان ذلك مظنة أنْ يؤذَن لهم، فعلى هذا فيستحقُّون العبادة لأجل إرادتهم ولأجل اختيارهم لأن يشفعوا بدون إلزام من الله تعالى لهم بالشفاعة.
قلنا: فكونهم لا يشفعون إلاَّ بعد إذنه سبحانه ورضاه يدلُّكم أنه ليس لكم أن تعظموهم إلا إذا أذن الله ورضي، فإذا تحاشى الملائكة مع قربهم من ربهم أن يشفعوا عنده بدون إذنه ورضاه، أفلا ينبغي للبشر مع بعدهم أن يتحاشوا عن أن يسوُّوا بربهم بعض عباده في العبادة ويجعلوا له شركاء فيها، والخطر في هذا أشدُّ وأعظم؟
ثم نقول: أرأيتم إرادتهم واختيارهم ما علَّة وجودهما؟ أَخَلْقُ الله إياهما في نفوسهم، أم علمهم بأن فيهما مرضاته، أم رحمتهم للمشفوع له، أم المكافأة للمشفوع له على تعظيمه لهم فيما مضى ومحبة أنْ يعظِّمَهم فيما بعدُ؟
فعلى الأول لا يستحقون التعظيم بذلك بل المستحق للتعظيم على تلك الإرادة وذلك الاختيار هو الخالق لهما. وكذا على الثاني؛ فإنَّ المستحق للتعظيم على تلك الإرادة وذلك الاختيار هو الذي جعل رضاه فيهما حتى حمل الملائكة عليهما.
وأمَّا على الثالث فما علَّة وجود تلك الرحمة؟ أَخَلقها الله في نفوسهم أم غير ذلك؟ [597] فإن كان الأول فالخالق لها هو المستحقُّ للتعظيم لأجلها، وإن كان غيره فما هو ... ؟ إن ذكرتم الأمر الرابع فسيأتي الكلام عليه، وإن ذكرتم أمرًا آخر أعاد (1) السؤال في علته حتى ينتهي الأمر إلى
__________
(1) كذا في الأصل.
(3/869)

خلق الله عزَّ وجلَّ أو تتحيَّروا، فإن انتهى إلى خلق الله فهو وحده المستحقُّ للعبادة على ما خلق، وإن انتهى إلى الحيرة فليس لكم أن تسوُّوهم بالله عزَّ وجلَّ فيما هو حقٌّ قطعيٌّ له من العبادة وتشركوهم به فيها بغير سلطان بيَّن، وليس مع الحيرة سلطان.
فإن قلتم: بل العلَّة في إرادتهم الشفاعة واختيارهم لها هي المعنى الرابع أي مكافأتهم المشفوع له على تعظيمه إيَّاهم فيما سبق أو رغبتهم أن يعظَّمهم فيما بعد.
قلنا: وما برهانكم على أنَّ هذا هو العلة، لِم لا يجوز أن تكون العلة غيره مما مرّ؟ فإن لم يكن عندكم برهان فقد علمتم أنَّ الإشراك بالله تعالى بناءً على مجرد الخرص والتخمين أقبح القبح.
فإن قالوا: قياسًا على الله تعالى، فإنه يحب أن يعظَّم.
قلنا: إنما يحب الله أن يعظَّم لأن تعظيمه حق، وهو يحب الحق. ولم يثبت بعدُ أنَّ تعظيم الملائكة حق، بل هو محل النزاع.
فإن قالوا: فقياسًا على البشر، فإن البشر يحبون أن يعظَّموا.
قلنا: أما خيار البشر فإنهم لا يحبون أن يعظَّموا إلا إذا كان التعظيم حقًّا يحبه الله تعالى ويرضاه، وقد علمتم أنه لم يثبت بعدُ أن تعظيم الملائكة حق. وأما أشرار البشر فإنهم يحبُّون التعظيم بحق [598] وبغير حق، ولكن ليس الملائكة بأشرار، ولو كانوا أشرارًا يحبون التعظيم بغير حقًّ لما أذن الله تعالى لهم بالشفاعة أصلاً.
فإن قالوا: إنَّ التفصيل الذي ذكرتموه يأتي نحوه في إحسان بعض
(3/870)

البشر إلى بعض، ومع ذلك فإنَّ الإِسلام نفسه يأمر بشكر المحسن.
قلنا: هذا حقٌّ، ولكن تعيين الفعل الذي يكون الشكر به ليس إلى اختيار البشر، بل يتوقَّف على أمر الله عزَّ وجلَّ أو إذنه فليس لأحد أن يشكر أحدًا بقول من الأقوال أو فعل من الأفعال إلا بسلطان ينزل (1) الله تعالى بالأمر أو الإذن بذلك القول أو الفعل. وذلك لأن استحقاق ذلك المحسن للشكر مما يتحيَّر فيه العقل كما مرّ، وعلى فرض أنه يُقطع بالاستحقاق فلا يستطيع تعيين ما ينبغي من الشكر، ولا سيما مع خشية أن يقع في تسوية ذلك المحسن بالمحسن الحقيقي، وهو ربُّ العالمين تبارك وتعالى.
فكان الواجب على الإنسان أن يتوقَّف حتى يأتيه سلطان من الله عزَّ وجلَّ ببيان ذلك، عالمًا أنه إذا علم الله عزَّ وجلَّ أنَّ على الإنسان حقًّا لأحد لا يدري كيف يؤديه قيَّض (2) له من يعلِّمه ببرهان بيِّن أو اكتفى منه بعلمه أنه لو عرف كيف يؤدِّيه لأدَّاه.
بل إنَّ الإِسلام يوجب على العباد أن لا يعبدوا ربهم إلاَّ بما أنزل به سلطانًا، ويعلمهم أنه ليس لهم أن يعبدوه بما يرون [599] بدون سلطان منه؛ لأن في ذلك كذبًا عليه بزعم أنه يحب ذلك الفعل ويرضاه مع أنه لم ينزل به سلطانًا، ولا يدركه العقل إدراكًا قاطعًا.
فإذا كان هذا في شكر المنعِم الحقيقي مع قطع العقل بأنه منعم حقيقيٌّ وأنه يستحق الشكر، فما بالكم بغيره ممن نشك في كونه منعمًا، ونعلم بأنه
__________
(1) كذا في الأصل. ولعلها: ينزله.
(2) رسم في الأصل بالظاء، والصواب بالضاد، أي: هيَّأ وأتاح له.
(3/871)

إذا أنعم فليس هو بمنعم حقيقة، ونشكُّ في استحقاقه الشكر، وعلى فرض استحقاقه الشكر نجهل صفة الشكر الذي يستحقُّه؟
وقد علَّمنا الله تعالى أن نؤمن بوجود الملائكة، وأنهم عباد مكرمون مطهَّرون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأن نسلِّم عليهم، قال تعالى {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] , وهم من عباده الذين اصطفى، وعلَّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول أحدنا في صلاته: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، وقال: "فإنه إذا قال ذلك أصاب كلَّ عبد صالح في السماء والأرض" (1).
وأعلمنا الله عزَّ وجلَّ أنَّ الملائكة يحبون مَن يطيع ربهم عزَّ وجلَّ ويعبده ويفعل الخير {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] , وقد مرَّت الآية في أوَّل الجواب، وأنهم يبغضون من يعصي ربهم، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، وقد تقدَّم الكلام على هذه الآية (2).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح" (3).
__________
(1) البخاريّ، كتاب الأذان، باب التشهُّد في الآخرة، 1/ 166، ح 831. ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهُّد في الصلاة، 2/ 13، ح 402. [المؤلف]
(2) انظر ص 363.
(3) البخاريّ، كتاب النكاح، بابٌ إذا باتت المرأة مهاجرةً فراش زوجها، 7/ 30، =
(3/872)

فعلمنا أنَّنا إذا أطعنا الله عزَّ وجلَّ أحبتنا الملائكة، وفي ذلك كفاية.
فإن قالوا: فإنَّ في الإِسلام من تعظيم الأنبياء ومن يظن بهم الصلاح من البشر [600] وتعظيم الكعبة والحجر الأسود ما هو أعظم مما فيه من إكرام الملائكة الذي ذكرتموه.
قلنا: قد أعلمناكم أنَّ مدار الحق في الأقوال والأفعال على ما أنزل الله تعالى به سلطانًا، فما أنزل الله تعالى به سلطانًا من الأقوال والأفعال التي أشرتم إليها فهو حقٌّ وطاعة لله عزَّ وجلَّ. وهو عالم الغيب والشهادة أحكم الحاكمين، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فعلينا أن نعمل ما أمرنا به ونقف عما عداه، عالمين أنَّ له في كل شيء حكمة بالغة وإن لم نفهمها. ومَنْ ذا الذي يزعم أن علمه كعلم الله تعالى وأن حكمته كحكمته؟
ولولا خشية التطويل لبحثنا في تفصيل ما أمر الله تعالى به مما أشرتم إليه، وبيانِ الفرق الواضح بينه وبين ما لم يأمر الله به ولم يأذن فيه، على حسب ما يفتح الله به علينا من العلم. وقد مرّ بعض ذلك، ولعلَّه يأتي زيادة فيه، ومن أوتي حظًّا من العلم وكان حريصًا على إصابة الحق صادق الافتقار إلى ربه تعالى، فإنه سيدرك ذلك بالتدبُّر إن شاء الله تعالى.
****
__________
= ح 5193. مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، 4/ 157، ح 1436. [المؤلف]
(3/873)

فصل في تحقيق السلطان الفاصل بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره
قد علمتَ فيما تقدم أنَّ الفرق بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره هو السلطان، فكلُّ عبادة كان عند صاحبها سلطان بها من الله تعالى فهي عبادة لله عزَّ وجلَّ، وكلُّ عبادة ليست كذلك فهي عبادة لغير الله تعالى. والسلطان هو الحجة، وقد تكون الحجة يقينية وقد تكون ظنية، [601] فهل تكفي الحجة الظنية ها هنا، أعني إذا تعبد رجل عبادة عنده بها من الله عزَّ وجلَّ سلطان يثبت به الظن لا القطع، فهل تكون تلك العبادة لله عزَّ وجلَّ أو لا يكون عبادة لله عزَّ وجلَّ إلا ما كان به سلطان قطعي؟
اعلم أنَّ القطعيَّ على ضربين:
الأوَّل: ما هو نفسه قطعي، كالآية القطعية الدلالة والسنة المتواترة القطعية الدلالة ونحو ذلك.
الثاني: ما ليس هو نفسه قطعيًّا، ولكن قد قام الدليل القطعي على أنه حجة يجب العمل بها، وذلك كخبر الواحد؛ فإنه ليس قطعيًّا لجواز خطأ بعض الرواة وغير ذلك، ولكن قد قام الدليل القطعي على وجوب العمل بخبر الواحد بشرطه، فإن مجموع ما احتجّ به العلماء في إيجاب العمل بخبر الواحد يفيد القطع بمجموعه، وإن قيل: إن كل فرد من تلك الأفراد لا يفيد القطع.
وعليه فيقال في استحباب صيام ست من شوال: إنه وإن لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا لكن وجوب العمل به قطعيٌّ؛ لأنه خبر واحد مستجمع لشروط القبول، وخبر الواحد المستجمع لشرائط القبول يجب العمل به قطعًا.
(3/874)

فإن قيل: قد لا يكون عند الناظر علم يقيني بأن هذا الخبر مستجمع لها.
قلت: الدليل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد على كلَّ مَن ظهر له أنه مستجمع لشرائط القبول، وإن لم يعلم ذلك علم اليقين. وممن حقَّق هذا المعنى الشاطبي في كتاب "الموافقات" (1)، وقرّر هو وغيره أن سائر الأدلة التي درج السلف الصالح والأئمة المجتهدون [602] على الاحتجاج بها بعضها قطعيٌّ، أي: من الضرب الأول، وباقيها ظنيٌّ ولكنه يرجع إلى أصل قطعيٍّ (2)، أعني: كما قررناه في خبر الواحد.
ولذلك قالوا: إن أصول الفقه لا تكون إلا قطعية. وقد أنكر بعضهم هذا، وقال: إن كثيرًا من أصول الفقه ظني (3).
والجواب: أن ما كان منها ظنيًّا فهو فرع لأصل آخر قطعي، فإن سلّمنا أن كون الأمر حقيقة في الوجوب ظني، فإننا نقول: إن هذا الظن مستند إلى أن ذلك هو الذي يظهر من اللغة ومن استعمالات الشارع، وقد ثبت بالقطع أنَّ كلَّ ما يظهر من معاني الكتاب والسنة بمقتضى اللغة والعرف الشرعي يجب العمل به. وقس على هذا، فقد يجوز أن يكون الأصل من أصول الفقه ظنَّيًّا ويستند إلى أصل آخر ظني، ولكن هذا الثاني يستند إلى أصل قطعي.
ثم نقول: إن الأمور الدينية منها ما يُطلبَ العلمُ به كما هو عليه في نفس الأمر كوجود الله عزَّ وجلَّ، وكونه حيًّا قادرًا عالمًا، وأنه لا إله إلا هو سبحانه، وأن محمدًا رسول الله، وأن القرآن من عند الله، ونحو ذلك، فهذا لا
__________
(1) الموافقات 2/ 359.
(2) المصدر السابق 3/ 15 - 16.
(3) المصدر السابق 1/ 29 وما بعدها.
(3/875)

بدَّ فيه من القطع على الضرب الأول.
والقطع بلا إله إلا الله يستدعي القطع بثلاثة أمور:
الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالًا إلا الله عزَّ وجلَّ، فمن جَوَّز أن يكون في الكون مدبر مستقل قد يعجز الله تعالى عن منعه وقد يستطيع هو منع الله عزَّ وجلَّ عن إنفاذ قضائه، فقد جَوَّز أن يكون مع الله إله آخر. وكذلك إذا جوّز أن يكون الله عزَّ وجلَّ فَوَّضَ أمر العالم أجمع، أو أمر العالم الأرضي، أو أمر قُطْر خاص، أو بلد خاص، أو شخص واحد إلى مخلوق، وأذن له أن يصنع به ما أراد [603] على أن يتخلّى الباري عزَّ وجلَّ عن تدبير ذلك الشخص مثلًا أصلاً. وكذلك إذا جوّز أن يكون مخلوق من الخلق مقبولَ الشفاعة أو الدعاء البتة بحيث لا يخالفه الله عزَّ وجلَّ في شيء قطعًا.
وليس من هذا تجويز أن يفوِّض الله تعالى قضية أو قضايا خاصة إلى مخلوق، كما جاء أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لما خرج إلى الطائف قبل الهجرة وآذاه أهلها ورجع حزينًا، وفيه " .... فإذا فيها جبريل، فناداني: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت (1)، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين" (2).
__________
(1) في بعض نسخ البخاري: (فما شئت). وعلى هذا فقوله: (ذلك): مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: كما علمت، أو: كما قال جبريل. وقوله: (ما شئت) استفهام، وجزاؤه مقدر، أي: إن شئت فعلت. انظر: فتح الباري 6/ 316.
(2) البخاريّ، كتاب بدء الخلق، بابٌ: "إذا قال أحدكم: آمين"، 4/ 115، ح 3231. مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأذى، 5/ 181، ح 1795. [المؤلف]
(3/876)

وكما رُوي أنَّ قارون وأصحابه لما بالغوا في أذى موسى عليه السلام شكا إلى الله عزَّ وجلَّ، فأوحى الله تعالى إليه: "إني قد أمرت الأرض أن تطيعك"، وقد تقدَّمت القصَّة (1).
فإنه ليس معنى التفويض في هاتين الواقعتين أنَّ الله عزَّ وجلَّ تخلَّى عن الأمر البتة، فقد تقدَّم في قصة قارون وأصحابه أن موسى عليه السلام لما أمر الأرض أن تأخذهم فتضرَّعوا إليه مرارًا فلم يلتفت إليهم عاتبه الله عزَّ وجلَّ وقال له: "يقول لك عبادي: يا موسى يا موسى فلا ترحمهم، لو إيَّاي دعوا لوجدوني قريبًا مجيبًا"، وقد مرّ في الكلام على الشبه أمثلة من عدم استجابة الله عزَّ وجلَّ دعاء كبار الرسل وعدم قبوله شفاعتهم في بعض المواطن.
وأما الأناسي الأحياء والجن فإنه فوض إليهم العمل بما كلَّفهم به، ولكن لا على المعنى السابق، بل ما لم تقتضِ حكمة الله تعالى خلاف ما يريدون. ألا ترى أن الفاجر قد يريد أن يزني بامرأة صالحة فتبتهل [604] هذه إلى الله عزَّ وجلَّ فيحول بينها وبينه، وقد تريد هي أن توافقه، ولكن يكون زوجها صالحًا مثلًا؛ فيحول الله بينهما مكافأة للزوج على صلاحه. وقد يريد الكافر قتل مؤمن فيمنعه الله منه، وقد يريد الإنسان التصدق على فقير وقد قضى الله تعالى حرمان ذلك الفقير؛ فيمنع الله مريد التصدق منه. وأمثال ذلك لا تحصى، وقد مر في قصة الخليل عليه السلام مع خصمه الذي كفر ما يتعلق بهذا (2).
وأما تصرف الجن بالإنس بغير الوسوسة فهو أوضح من هذا؛ لأن
__________
(1) انظر ص 794.
(2) انظر ص 687.
(3/877)

الإنس محفوظون من الجن، قال تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 10، 11].
وإنما يستطيع الجن إيذاء الإنس نادرًا بإذن الله عزَّ وجلَّ لحكمة يعلمها، وقد تقدم إيضاح ذلك (1).
وأما أرواح الموتى فتصرفهم الذي يتعلق بالأحياء مما لا أحفظ له دليلًا صريحًا، بل ثَمَّ دلائل تدلُّ على عدمه. وإن فُرِضَ أنَّ لهم تصرفًا مَّا فالأرواح الخيِّرة لها حكم الملائكة، فلا تقول ولا تفعل إلا بأمر خاص من الله عزَّ وجلَّ. والأرواح الشريرة كالشياطين فلا تستطيع أذى الأحياء إلا بتسليط خاص لحكمة يعلمها الله عزَّ وجلَّ، بل هي أولى من الشياطين بالعجز؛ لأنها ليست في دور تكليف بل في سجن وعذاب.
[605] الأمر الثاني: القطع بأنه لا مستحق للعبادة إلا الله عزَّ وجلَّ.
الأمر الثالث: العلم بحقيقة العبادة.
واعلم أنه إذا عرض لك دليل ينقض هذه الأصول فإنه لا يمكن أن يكون قطعيًّا من الضرب الأول لاستحالة تعارض القطعيَّات، وإنما يجوز أن يَرِدَ دليل من الضرب الثاني، وهو ها هنا لا يفيد الظن أيضًا لمعارضته للقطعي، فليس بسلطان.
__________
(1) ص 665.
(3/878)

ومن الأمور الدينية ما أصلُ المقصود منه طاعة الله عزَّ وجلَّ، وقُصِدَ منه مع ذلك أن تكون الطاعة على وفق ما شرعه الله عزَّ وجلَّ، ولكن قصدًا ثانيًا بحيث يغفر لمن أخطأ ذلك بعد التحري وبذل الوسع، وذلك كفروع العبادات والمعاملات، فهذا إن تيسر فيه دليل من الضرب الأول فتلك الغاية القصوى، وإلاَّ كفى فيه دليل من الضرب الثاني.
ويؤخذ من كلام كثير من أهل العلم زيادة قسم ثالث، وهو ما أصل المقصود منه تعظيم الله عزَّ وجلَّ، والبعث على الإيمان به وعلى طاعته. ويدخل في هذا عامَّة الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، ووقع الاختلاف فيها بين الأمة. وقد احتجَّ أكابر السلف على بعضها بأخبار الآحاد؛ لأنهم واقفون عن الخوض في تأويلها، ما حقيقتها؟ وكيف هي؟ ونحو ذلك. وخالفهم مَنْ خاض في ذلك فاشترطوا ألَّا يحتجَّ فيها إلاَّ بالبراهين القاطعة من الضرب الأول، وأكَّدوا ذلك بأنَّ منها ما يُفهم [606] منه خلاف الواقع في نفس الأمر.
وأجيب بأنه إنما يَفهم منها خلاف الواقع مَنْ خاض في تأويلها وكيف هي؟ فأما من رجع إلى فطرته ولم يَخُضْ في ذلك فلا؛ فإن الشرع أطلقها بكثرة، وسمعها الأعراب الجفاة ولم يقع من ذلك محذور؛ لأنهم قد علموا أن الله عزَّ وجلَّ ليس من جنس الخلق، فإذا سمعوا أنَّ له وجهًا وعينين ويدين وأصابع، لم يفهموا من ذلك إلا أنَّ له صفات تطلق عليها هذه الألفاظ، بينها وبين جوارح المخلوقين مناسبةٌ مَّا وليست من جنسها؛ لأن الموصوف بها سبحانه ليس من جنس المخلوقين. ولتحقيق هذا المعنى موضع غير هذا.
والصواب أنّ أخبار الآحاد تُقْبل في هذا القسم الثالث على سبيل
(3/879)

الشرط، فيقال: إذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال هذا فهو حق وأنا أومن به.
ومن العجب أن الَّذين خاضوا فيها استدلُّوا فيها بشبهات عقلية ليست من الضرب الأول ولا من الضرب الثاني، بل هي من باب الظن الممنوع الاحتجاج به مطلقًا، وهو الخرص والتخمين، كما اعترف به أكابرهم كالغزالي وإمام الحرمين والشهرستاني والفخر الرازي في آخر أمرهم. ومَنْ تأمَّل أصولهم التي يبنون عليها العقليات عَلِم أنها بغاية الضعف، وإنما يرجعون إلى تقليد أرسطو وابن سينا مع أنه قد جاء عن أرسطو أنه قال: لا سبيل في الإلهيات إلى اليقين، وإنما الغاية القصوى فيها الأخذ بالأليق والأولى، حكاه علاء الدين الطوسي (1) في (الذخيرة) (2). وجاء نحو هذا عن بعض أكابر الآخذين عن ابن سينا. والله أعلم.
[607] إذا تقرَّر هذا فاعلم أن النظر في العبادة إذا كان في معرفة حقيقتها من حيث هي فهو من القسم الأول، كما تقدمت أدلته في أوائل الرسالة، فلا بدَّ من علم اليقين فيه، فإن لم يتيسَّر اليقين لزم الاحتياط، وإن كان في عمل مخصوص أَعبادة لله عزَّ وجلَّ هو أم لا؟ فهو من القسم الثاني، فيكفي فيه دليل من الضرب الثاني، وعلى هذا جرى العمل في عهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وما بعده.
__________
(1) علاء الدين الطوسي: علي بن محمَّد البتاركاني الطوسي الحنفي أحد أفراد علماء سمرقند، فقيه حنفي، له "الذخيرة في المحاكمة بين تهافت الفلاسفة للغزالي والحكماء لابن رشد"، توفي سنة 877 ه. الفوائد البهية، 145، الأعلام 5/ 9.
(2) ص 10. [المؤلف]
(3/880)

فإن قلت: فعلى هذا قد يكون العمل عبادة لله عزَّ وجلَّ بدليل ظني كخبر واحد، ولو لم يأت ذلك الدليل الظني لكان ذلك العمل شركًا.
قلت: ألا تعلم أنه لو ورد خبر صحيح بأن مَنْ كَلَّمَ إمامه في الصلاة لا تبطل صلاته لَعَمِلَ به العلماء، وإذ لم يَرِدْ فلو أن رجلاً يصلي ويكلّم إمامه زاعمًا أن الصلاة لا تبطل بذلك مع اعترافه بأنه لا دليل له عليه لحكمنا ببطلان صلاته قطعًا، فإن زعم أنه لا تجب عليه الصلاة إلا كذلك حكمنا بكفره. ومثْل ذلك لو ورد خبر واحد أن شرب ماء زمزم لا يفطر، أو أن مَنْ لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة يُجزيه الوقوف يوم النحر، لقبلناهما، وإذ لم يرد ذلك فلو أن رجلاً يشرب في نهار رمضان من ماء زمزم عمدًا زاعمًا أنه لا يفطر وأنه لا يجب عليه صيامٌ غير ذلك لكفَّرناه، وكذا لو وقف يوم النحر [608] عالمًا بأنه يوم النحر وزعم أنه لا يجب عليه حج غير ذلك. وأمثال هذا كثير، نعم قد يكون لبعض الناس عذر يمنع من تكفيره على ما يأتي بيانه في الأعذار إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: إنما يقع التكفير في هذه الأمثلة للإجماع على أن خطاب الإِمام في الصلاة يبطلها كغيره، وأن الشرب من ماء زمزم ذاكرًا للصوم يبطل الصوم كغيره، وأن الوقوف يوم النحر مع العلم بأنه يوم النحر لا يُجزي مَنْ جاء متأخرًا. فعبادات هؤلاء باطلة إجماعًا، فلمَّا زعموا أنه لا يجب عليهم غيرها كان معنى قولهم أنه لا تجب عليهم صلاة صحيحة، وهذا تكذيب للرسول قطعًا.
قلت: وهكذا يقال فيمن عمد إلى حجر في جدَّة مثلًا فزعم أنه مستحق أن يُعَظَّمَ تعظيم الحجر الأسود، ألا ترى أنه خالف الإجماع في ذلك، ومع
(3/881)

مخالفته للإجماع كذب على الله وعلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؟ وقد نبهنا مرارًا (1) على أن القرآن قسم الكفر إلى قسمين: الكذب على الله والتكذيب بآياته.
فإن قلت: فالمدار على عدم خبر الواحد مثلًا أم على مخالفة الإجماع؟
قلت: المدار في الحقيقة على الكذب على الله أو التكذيب بآياته، ومنه تكذيب رسوله.
فإن قلت: نعم، ولكن يشترط في تكفيره قيام الإجماع على أنه كاذب أو مكذِّب، أم يكفي في ذلك أنه لا دليل عنده؟
قلت: الأمران متلازمان؛ فإنه إذا تعبد بما لا دليل له على أنه عبادة فقد كذب على الله إجماعًا، وإن عمل عملًا مبطلًا في الصلاة إجماعًا ثم أنكر أن تجب عليه الصلاة إلا كذلك فقد كَذَّب الرسول إجماعًا.
فإن قلت: قد يُنْقل عن بعض السلف قول [609] لا نعلم له دليلًا ولكنه يمنع عند كثير من الأصوليين كون القول المخالف له مجمعًا عليه، ولم يتحقق إجماع قبل ذلك القائل، فما الحكم فيه؟ وما الحكم فيمن يقول بقوله من الخلف مع اعترافه بأنه لا دليل له؟
قلت: أما القائل الأول من السلف فإننا نحسن الظن به؛ لأنّا وإن لم نعلم له دليلًا فلعله قامت عنده شبهة ظنها دليلاً، وكانت تلك الشبهة قوية يعذر صاحبها، اللهم إلا أن يثبت عنه ما يَسُدُّ علينا طريق حسن الظن به. وأما الموافق له من الخلف فإن اعترف بأنه لا دليل له على قوله فلا ينفعه موافقته.
__________
(1) انظر ص 903 مثلًا.
(3/882)

فإن قلت: فبهذا يتبين أن المدار على عدم الدليل لا على مخالفة الإجماع.
قلت: ولكن قد خالف هذا القائل الإجماع من جهة تديُّنه بما لا دليل له عليه، وهذا باطل إجماعًا.
فإن قلت: فإن كان القائل الأول صحابيًّا واحتجّ هذا المتأخر بقوله بناء على أنه يرى قول الصحابي حجة، أو كان المتأخر عامِّيًّا وقلَّد القائل الأول؟
قلت: الظاهر أن المتأخر يعذر إلا أن تكون قد قامت عليه الحجة القاطعة بأن قول الأول خطأ محض، كما في قول ابن مسعود رضي الله عنه بأن المعوذتين ليستا من القرآن (1). وهكذا الحال في كل من أظهر الاستناد إلى دليل قد قامت الحجة القاطعة على بطلانه.
فإن قلت: فلو قال متأخر قولًا وسألناه الدليل عليه فاعترف بأنه لا دليل له، أو ذكر دليلًا باطلاً إجماعًا، ولكننا نعلم دليلًا يصح أن يتمسك به لقوله لم يقف عليه أو لم يتنبه له؟
قلت: أما الذي تقتضيه [610] الأدلة فهو الجزم بأن هذا الرجل لا يعذر؛ لأنه قد ارتكب القول في الدين بلا دليل، وخالف بذلك الإجماع، وكان من معنى قوله الكذب على الله وتكذيب رسوله. ولكني أرى أن الواجب علينا أن نبين له ما في قوله من الخطر، ونرشده إلى ذلك الدليل، ونقول له: إذا أصررت على قولك فعليك أن تستند إلى هذا الدليل، فإن أصرّ على أن له القول في الدين بغير دليل انقطع عذره.
__________
(1) تقدم تخريجه. انظر ص 824.
(3/883)

فإن قلت: فإذا لم يَدَّعِ الرجل أن له أن يقول في دين الله بغير حجة، ولكنه ذكر شبهة لا تصلح دليلًا؟
قلت: هذا معذور حتى تقام عليه الحجة أن ما تمسَّك به لا يصلح دليلاً، فإن أصرّ بعد ما قامت عليه الحجة نظرنا، فإذا كانت شبهته قوية في الجملة بحيث يجوز ألَّا يتبيَّن له بطلانها فهو معذور، وإلَّا فلا.

فصل
فإن قلت: إذا كان التدين بشيء لا دليل عليه أو عليه دليل باطل شركًا فالبدع في الدين كلها شرك.
قلت: كل بدعة كانت تديُّنًا بما لا دليل عليه أو عليه دليل باطل - والبدع كلها هكذا على التفسير الصحيح - فإنا نقول فيها: إذا قامت الحجة على صاحبها بأن ذلك قولٌ لا دليل عليه أصلاً أو على بطلان ما يزعم أنه دليل، وبأن التدين بما ليس عليه من الله تعالى سلطان عبادة لغيره وهي شرك، إذا قامت الحجة عليه بذلك وأصرّ على التدين بتلك البدعة فهي شرك وهو مشرك، وإلا فإنا لا نطلق عليها أنها شرك بدون التفصيل، ولا يكون صاحبها ما لم تقم عليه الحجة مشركًا بل ولا مبتدعًا، بل قد يكون من خيار المسلمين وأئمتهم وأوليائهم [611] ويكون مأجورًا على ذلك القول الذي نسميه نحن بدعةً (1).
__________
(1) فصَّل المؤلَّف هذه الجزئيَّة في موضعٍ آخر، فقال: إن ذلك "خاصٌّ بما إذا كان عالمًا قامت عنده شبهةٌ قويَّةٌ حملته على أن تلك البدعة سنَّةٌ وقد بذل وسعه في البحث ... وأما الجاهل فإنما يمكن أن يكون مأجورًا على البدعة إذا كان قلَّد فيها مَن يعتقد فيه العلم ... " انظر: ص 898.
(3/884)

وحسبك أن مثل هذا يوجد من أكابر الصحابة رضي الله عنهم فضلاً عمن بعدهم؛ فإن كل مسألة دينية اختلف فيها فالحق فيها واحد وبقية الأقوال باطلة، ولكن لا يطلق على وجه من وجوه الاختلاف: "بدعة" حتى تقوم عليه الحجة الواضحة، ولا يطلق على صاحبها: "مبتدع" حتى تقوم عليه الحجة الواضحة.
نعم، جرت عادة السلف أنهم إذا رأوا رجلاً ذهب مذهبًا يعتقدون هم أنه بدعة ولذلك الرجل شبهة استولت عليه - بحيث لم يستطيعوا اقتلاعها من قلبه، ولكنها عندهم شبهة باطلة - أن يطلقوا عليه مبتدع، وهو عندهم كالواسطة بين المعذور المأجور وبين المعاند الذي سبق أنه يكفر. والغالب أنهم لم يشدَّدوا عليه إلا خوفًا على المسلمين من الاغترار بقوله والافتراقِ في الدين، ولذلك يشتدُّ نكيرهم عليه إذا كان داعية، أي يُظْهِرُ قولَه ويجادل عنه ويناضل ويرغِّب الناس فيه.
واعلم أن الأفهام تختلف وتأثير الأدلة والشبهات في النفوس يختلف باختلاف العقول والأهواء وغير ذلك، فكم مَّنْ معنًى هو عند بعض الأئمة حجة قوية، وعند بعضهم شبهة ضعيفة. وحسبك بأن الصحابة وأئمة التابعين اختلفوا في مسائل كثيرة وربما لم يقدر أحدهم على إقناع الآخر، مع أنهم كانوا أبعد الناس عن الهوى وأسرعهم إلى الحق إذا تبيَّن.
أَوَ لم يبلُغْك محاورة أمير المؤمنين علي عليه السلام [612] مع ابن عباس رضي الله عنهما في متعة النكاح، حتى قال علي لابن عباس: "إنك امرؤ تائه" (1)، ومع ذلك لم يستطع أحدهما إقناع الآخر؟
__________
(1) مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، 4/ 134، ح 1407. [المؤلف]
(3/885)

فاحذر أن تعجل فتحكم على مخالفك بأنه معاند بسبب أنك ترى شبهته ضعيفة وترى الحجة التي أقمتها قطعية أو كالقطعية، وعليك أن تتأنَّى وتَتَرَيَّث في الحكم حتى لا يبقى لديك في عناده أدنى تردُّد. وهذا التأني والاحتياط هو الذي منع العلماء من إعلان أن البدع الدينية كفر وشرك، ومَن صرَّح بذلك فعلى سبيل الفرض والتقدير.
قال الشاطبي: "فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تَتِمَّ وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحبُّ استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضالٌّ عن الصراط المستقيم.
قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خان الرسالة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذِ دينًا فلا يكون اليوم دينًا (1).
والثالث: أن المبتدع معاند للشرع ومُشاقٌّ له؛ لأن الشارع قد عَيَّن لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصَّة وقَصَرَ الخلقَ عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعدِّيها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [613] رحمة للعالمين، فالمبتدع رادٌّ لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثَمَّ طرقًا أخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عَيَّنه بمتعيِّنٍ، كأن الشارع
__________
(1) رواه ابن حزم في الإحكام، 6/ 58 من طريق ابن الماجشون، بنحوه.
(3/886)

يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتاع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين" (1).
وقال أيضًا: "والرابع: أن المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مُدْرَكات الخلق لم تنزل الشرائع ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام. هذا (2) الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا للشارع حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا، وردَّ قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، وكفى بذلك.
والخامس: أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوى (3)، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ [614] عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده وهو الحق والهوى وعَزَلَ
__________
(1) الاعتصام 1/ 47 - 48. [المؤلف]
(2) في بعض نسخ الاعتصام: فهذا.
(3) كذا في الأصل وبعض نسخ الاعتصام، وفي أكثرها: الشهوة - بالتاء -، وهي الأنسب. انظر: الاعتصام 1/ 68، طبعة دار ابن الجوزي.
(3/887)

العقل مجرَّدًا؛ إذ لا يمكن في العادة إلاَّ ذلك. وقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
فجعل الأمر محصورًا بين أمرين: اتباع الذكر واتباع الهوى. وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].
وهي مثل ما قبلها.
وتأمَّلوا هذه الآية فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه فلا أحد أضلّ منه، وهذا شأن المبتدع، فإنه أَتبع هواه بغير هدى من الله .. " (1).
أقول: وإذا لم يكن أحد أضلَّ منه فهو كافر مشرك؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان الكافر المشرك أضلَّ منه.
وكذلك يقال في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 144] (2)، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21]، (3)، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [الصف: 7]، وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32].
__________
(1) الاعتصام 1/ 50 - 51. [المؤلف]
(2) سورة الأعراف: 37، سورة يونس: 17، وسورة الكهف: 15. [المؤلف]
(3) سورة الأنعام: 93، سورة هود: 18، وسورة العنكبوت: 68. [المؤلف]
(3/888)

وإذا لم يكن أحدٌ أظلم منه فهو مشرك وإلَّا لكان يوجد من هو أظلم منه.
وقال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، [615] وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأنه من الكبائر، حتى بالغ الشيخ أبو محمَّد الجويني فحكم بكفر مَنْ وقع منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر ابن العربي يميل إليه" (1).
وقال ابن حجر الهيتمي: "قال الشيخ أبو محمَّد الجويني: إن الكذب على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كفر. وقال بعض المتأخرين (2): وقد ذهبت طائفة إلى أن الكذب على الله ورسوله كفر يخرج عن الملة، ولا ريب أن تَعَمُّدَ الكذب على الله ورسوله في تحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ كفر محض، وأن الكلام فيما سوى ذلك" (3).
وقال صاحب الصارم المسلول على شاتم الرسول: (السُّنَّة الثالثة عشر (4)، ما روِّيناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمَّد البغوي، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، ثنا عليُّ بن مُسْهِرٍ، عن صالح بن حيَّان،
__________
(1) فتح الباري 6/ 326. [المؤلف]
(2) انظر: الكبائر للذهبي ص 70.
(3) الزواجر 1/ 83. [المؤلف]
(4) كذا في الأصل والمصدر الذي نقل عنه المؤلف، والصواب: الثالثة عشرة.
(3/889)

عن ابن بريدة، عن أبيه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم (1) أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا، وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى النبي صَلَّى الله عليه وآله، فقال: كذب عدُّو الله، ثم أرسل رجلاً، فقال: "إن وجدته حيًّا فاقتله، وإن وجدته ميَّتًا فحرِّقْه بالنار"، فانطلق فوجده قد لُدِغ فمات فحرَّقه بالنار، فعند ذلك قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبؤَّأ مقعده من النار".
ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل (2)، قال: ثنا الحسن (3) بن محمَّد بن عنبر، ثنا حجاج بن يوسف الشاعر، ثنا زكريا بن عديًّ، ثنا علي بن مُسْهِرٍ، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان حَيٌّ من بني ليثٍ من المدينة على ميلين، وكان رجلٌ قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوِّجوه، فأتاهم وعليه حُلَّة، فقال: إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كساني هذه الْحُلَّة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم، [616] ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبُّها. فأرسل القوم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقال: "كذب عدوُّ الله"، ثم أرسل رجلاً، فقال: "إن وجدته حيًّا - وما أراك تجده حيًّا - فاضرب عنقه، وإن وجدته ميِّتًا فاحرقه بالنار"، قال: فذلك قول النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "مَن كذب على متعمِّدًا
__________
(1) سقط شيءٌ يُعلَم مما يأتي. [المؤلف]. وهو: جاء رجل إلى قوم في جانب المدينة فقال: إن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ...
(2) ترجمة صالح بن حيان، 4/ 53 - 54.
(3) في الأصل والمصدر المنقول عنه: الحسين، وهو خطأ. انظر ترجمته في تاريخ بغداد 7/ 414، وسير أعلام النبلاء 14/ 256.
(3/890)

فليتبوَّأ مقعده من النار". هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الصحيح، لا نعلم له علَّةً.
وله شاهدٌ من وجهٍ آخر، رواه المعافى بن زكريا الجريريُّ (1) في كتاب "الجليس" (2)، قال: ثنا أبو حامد الحصري (3)، ثنا السري بن مرثد الخراساني (4)، ثنا أبو جعفر محمَّد بن علي الفزاري، ثنا داود بن الزبرقان، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن عبد الله بن الزبير قال يومًا لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: "مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار"؟ قال: كان رجلٌ عشق امرأةً، فأتى أهلها مساءً، فقال: إن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بعثني إليكم أن أَتَضَيَّفَ في أي بيوتكم شئت، قال: وكان ينتظر بيتوتة المساء، قال: فأتى رجل منهم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقال: إن فلانًا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أيَّ بيوتنا شاء، فقال: "كذب، يا فلان انطلق معه، فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه وأحرقه بالنار، ولا أراك إلا قد كُفِيتَه"، فلما خرج الرسول قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "ادعوه"، قال: "إني كنت أمرتك أن تضرب عنقه وأن تحرقه بالنار، فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه ولا تحرِّقه بالنار؛ فإنه لا يعذِّب بالنار إلا
__________
(1) هو المعافى بن زكريا بن يحيى أبو الفرج النهرواني، الإِمام الحافظ ذو الفنون، الجَريري نسبة لابن جرير الطبري، لكونه نصر مذهبه, له كتب عدة، توفي سنة 390 ه. السير 16/ 544.
(2) انظر: الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي 1/ 182.
(3) كذا في الصارم، والصواب: الحضرمي كما في الجليس. انظر: سير أعلام النبلاء 15/ 25.
(4) كذا في مصدر المؤلف. وفي الجليس: مَزْيَد، وذكره الأمير في المختلف فيه.
(3/891)

رب النار، ولا أراك إلا قد كُفِيتَه"، فحانت (1) السماء بصيِّب، فخرج الرجل يتوضَّأ، فلسعته أفعى، فلما بلغ ذلك النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: "هو في النار".
وقد روى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع، عن أبي سلمة، عن أسامة [617] قال: قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "مَن يقول (2) عليَّ ما لم أقل فليتبوَّأ مقعده من النار". وذلك أنه بعث رجلاً فكذب عليه فوُجِدَ ميتًا قد انشقَّ بطنه ولم تقبله الأرض.
وروي أن رجلاً كذب عليه فبعث عليًّا والزبير إليه ليقتلاه.
وللناس في هذا الحديث قولان:
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك، قاله جماعة، منهم: أبو محمَّد الجويني، حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإِسلام والكذابوان والواضعون للحديث أشد من الملحدين (3)، قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهم شر على الإِسلام من غير الملابسين له.
ووجه هذا القول: أن الكذب عليه كذب على الله، ولهذا قال: "إن كذبًا
__________
(1) في الجليس: فجاءت، ولعل ما في الصارم ط حيدراباد تصحيف.
(2) كذا في الأصل والمصدر المنقول عنه ط حيدراباد، والصواب: تقوَّل.
(3) كذا، وكأنه سقط: لأن الملحدين، أو نحوه. [المؤلف]
(3/892)

عليّ ليس ككذب على أحدكم" (1)؛ فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله، وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به، ومن كَذَّبه في خبره أو امتنع من التزام أمره (2).
ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه، أو أخبر عن الله خبرًا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله.
يبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ} [العنكبوت: 68]، بل ربما كان الكاذب (3) عليه أعظم إثمًا من المكذِّب (4) له، ولهذا بدأ الله به، كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره، فإذا كان الكاذب [618] مثل المكذب أو أعظم والكاذب على الله كالمكذب له؛ فالكاذب على الرسول كالمكذب له.
ويوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب؛ فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق (5)، وذلك إبطال لدين الله، ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار، وإنما صار كافرًا لما يتضمنه من إبطال
__________
(1) كذا، والحديث في صحيح مسلمٍ، المقدَّمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، 1/ 8، ح 4. ولفظه: " ... على أحدٍ ... " اه. [المؤلف]
(2) كذا، وكأنه سقط شيءٌ. [المؤلف]
(3) في الأصل: الكذب، والتصحيح من النسخة التي نقل عنها المؤلف.
(4) في الأصل: الكذب، والتصحيح من المصدر الذي نقل عنه المؤلف.
(5) في الأصل والمصدر المنقول عنه: يصدق، والتصحيح من ط رمادي.
(3/893)

رسالة الله ودينه، والكاذب عليه يُدخل في دينه ما ليس منه عمدًا، ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر؛ لأنه دين الله، مع العلم بأنه ليس لله بدين، والزيادة في الدين كالنقص منه، ولا فرق بين من يكذِّب بآية من القرآن أو يصنف كلامًا ويزعم أنه سورة من القرآن عامدًا لذلك.
وأيضًا، فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذا نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح.
وأيضًا، فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك، أو أنه حرَّم الخبز واللحم، عالمًا بكذب نفسه، كفر بالاتفاق. فمن زعم أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أوجب شيئًا لم يوجبه أو حرم شيئًا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صرَّح بأن الرسول قال ذلك، وأنه - أعني القائل - لم يقله اجتهادًا واستنباطًا. وبالجملة، فمن تعمَّد الكذب الصريح على الله فهو المتعمد لتكذيب الله وأسوأ حالاً، وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه فإنه مستخِفٌّ به مستهين [619] بحقه.
وأيضًا، فإن الكاذب عليه لا بدَّ أن يَشِينه بالكذب عليه وينقصه بذلك، ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سَرْح في قوله: كان يتعلَّم مني، أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك، فكذلك الكاذب عليه؛ لأنه إما أن يَأثُر عنه أمرًا أو خبرًا أو فعلًا؛ فإن أَثَر عنه أمرًا لم يأمر به فقد زاد في شريعته، وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به؛ لأنه
(3/894)

لو كان كذلك لأمر به صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ لقوله: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه" (1). فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جائز منه. فمن روى عنه أنه أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به، وذلك نسبة له إلى السفه. وكذلك إن نقل عنه خبرًا، فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له أن يخبر به، وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبًا فيه لو كان مما ينبغي فعله ويترجح لَفَعَله، فماذا لم يفعله فتركه أولى.
فحاصله أن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أكمل من فعله، وما فعله ففِعْله أكمل من تركه، فإذا كذب الرجل عليه متعمدًا أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه؛ إذ لو كان كمالاً لوُجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر.
واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة [620] وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فهذا إنما كذب على ذلك الرجل
__________
(1) الحديث بنحو هذا اللفظ ذكره صاحب المشكاة في باب التوكل والصبر من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا، ونسبه إلى البيهقي في شعب الإيمان, والبغوي في شرح السنة، وفي المستدرك نحوه، أخرجه شاهدًا 2/ 4، وفي سند المستدرك انقطاعٌ.
وأخرج [الشافعي] نحوه من طريق المطلب بن حنطبٍ أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: .... الأم 7/ 271، وهو مرسلٌ. وذكره ابن عبد البر في كتاب العلم، وقال: رواه المطلب بن حنطب وغيره عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. مختصر جامع بيان العلم ص 222 اه. [المؤلف]
(3/895)

ونسب إليه ذلك الحديث. فأما إن قال: هذا الحديث صحيح، أو: ثبت عنه أنه قال ذلك، عالمًا بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه. أما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر. اه (1).
أقول: وكلامه فيمن كذب على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بقوله، فأمّا مَنْ كذب على الله عزَّ وجلَّ بقوله وفعله واعتقاده بأن زعم في عمل أنه من الدين الذي يحبه الله ويرضاه، وليس له على ذلك سلطان، فلا أرى موضعًا للشك في كفره إلا أن يكون له عذر، والآيات المتقدمة صريحة في ذلك.
وقال الشاطبي أيضًا: "وقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103]، فهم شرعوا شرعة وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة توهُّمًا أن ذلك يقربهم من الله تعالى كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من الحق، فزلّوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك، وتاهوا في المشروع، فلذلك قال تعالى على إثر الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105].
وقال سبحانه: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [الأنعام: 140]، فهذه فذلكة لجملة بعد تفصيل تقدَّم وهو قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الآية [الأنعام: 136]. فهذا تشريع كالمذكور قبل هذا ثم قال:
__________
(1) الصارم المسلول ص 165 - 170. [المؤلف]
(3/896)

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} الآية [الأنعام: 137]، وهو تشريع أيضًا بالرأي مثل الأول، ثم قال: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا [621] يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138] إلى آخرها.
فحاصل الأمر أنهم قتلوا أولادهم بغير علم وحرَّموا ما أعطاهم الله من الرزق بالرأي على جهة التشريع، فلذلك قال تعالى: {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140].
ثم قال تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرّمات التي حرَّموها وهي ما في قوله: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143]: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144]، وقوله: {لَا يَهْدِي} يعني أنه يُضلُّه" (1).
وقال ابن حجر الهيتميّ في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام): "ووقع قريبًا أن أميرًا بني بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة فقال: "قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (2)،
__________
(1) الاعتصام 1/ 175 - 176. [المؤلف]
(2) أخرجه البخاريّ في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكَّة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكَّة والمدينة، 2/ 60، ح 1189، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الكتاب المذكور، باب مسجد بيت المقدس، 2/ 61، ح 1197، من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه. ومسلمٌ في كتاب الحجَّ، باب سفر المرأة مع محرمٍ إلى حجًّ =
(3/897)

وأنا أقول: وتُشدُّ الرحال إلى هذا البيت أيضًا". وقد سئلْتُ عن ذلك، والذي يتجه ويتحرّر فيه أنه بالنسبة لقواعد الحنفيّة والمالكية وتشديداتهم يكفر بذلك عندهم مطلقًا. وأما بالنسبة لقواعدنا وما عُرف من كلام أئمتنا السابق واللاحق فظاهر هذا اللفظ أنه استدراك على حصره صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأنه ساخرٌ به، وأنه شرع شرعًا آخر غير ما شرعه نبيّنا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وأنه ألحق هذا البيت بتلك المساجد الثلاثة في الاختصاص عن بقية المساجد بهذه المزيّة العظيمة التي هي التقرّب إلى الله بشدّ الرحال إليها. وكلّ واحد من هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفر بلا مرية، فمتى قصد أحدها فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفرُ أيضًا لما علمت أن اللفظ ظاهرٌ في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية ... وإن تأوَّل بأنه لم يُرِدْ إلا أن هذا البيت لكونه أعجوبة يكون ذلك سببًا لمجيء الناس إلى رؤيته .... قُبِل منه ذلك، ومع ذلك فيعزر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى إفضاء التعزير إلى القتل - كما سيأتي عن أبي يوسف - لأراح الناس من شرِّه ومجازفته؛ فإنه بلغ فيهما الغاية القصوى، تاب الله علينا وعليه، آمين" (1).
واعلم أن ما قدَّمته من أن صاحب البدعة قد يكون مأجورًا عليها خاص بما إذا كان عالمًا قامت عنده شبهة قوية حملته على ظن أن تلك البدعة سنة، وقد بذل وسعه في البحث والنظر فلم يجد ما يدفع ذلك عنه، وإذا كانت تلك المسألة مما أمر الشرع بإخفائه حذر الفتنة اشترط أيضًا ألَّا يكون ذلك
__________
= وغيره, 4/ 102، ح 827، من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.
(1) الإعلام ص 36. [المؤلف]
(3/898)

العالم معلنًا به.
فأما الجاهل فإنما يمكن أن يكون مأجورًا على البدعة إذا كان قَلَّد فيها مَن يعتقد فيه العلم، ولم يقصِّر في الاختيار، ولا تبين له ضعف قوله، ولا ترك الاحتياط، فإذا اختلَّ شيء من هذا فقد صرح العلماء بأنه يكون آثمًا لتقصيره، على تردّدٍ من بعضهم في بعض ذلك، إلا أنه لا يُحكم عليه بالكفر أو الشرك حتى تقام عليه الحجة.
وعندي تردُّد فيمن ترك الاحتياط، كأن يسمع من بعض العلماء أن هذا الفعل مستحب ويسمع من آخر أن هذا الفعل ليس بمستحب بل هو شرك، فإذا أقدم مثل [622] هذا على ذلك الفعل ألا يُحْكَم عليه بالشرك؟ وقد نصَّ العلماء أن مَن أقدم على ما يظنه كفرًا (1) يكفر، وإن لم يكن ذلك الشيء كفرًا في نفس الأمر.
وفي الهداية وشرحها من كتب الحنفية: "وإن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو كافر يكون يمينًا؛ لأنه .... ولو قال ذلك لشيء قد فعله فهو الغموس، ولا يكفر، اعتبارًا بالمستقبل. وقيل: يكفر؛ لأنه تنجيزٌ معنًى، كما إذا قال: هو يهودي. والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، فإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل". قال المحشَّي: "قوله: (يكفر فيهما)؛ لأنه لما أقدم على ذلك الفعل وعنده أنه يكفر فقد رضي بالكفر". اه (2).
__________
(1) في الأصل: كفر.
(2) العناية [للبابرتي] شرح الهداية [للمرغيناني] 2/ 191. [المؤلف]
(3/899)

نعم قد يترجَّح عذره في بعض الأحوال، كأن نشأ بقطر اتفق مَن به من المنتسبين إلى العلم على أن ذلك الفعل مستحب، وإنما بلغه أنه شرك عن رجل ببلد آخر وعلماء ذلك القطر يردُّون عليه ويخطِّئونه ويشدِّدون النكير عليه، وليس لهذا العامي مُكنةٌ في البحث والنظر. والله المستعان.

فصل
إذا تقرَّر أنَّ السلطان الفارق بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره قد يكون ظنيًّا في نفسه ولكنه يستند إلى أصل قطعي؛ فإنه يدخل فيه سائر الأدلة التي يحتج بها الأئمة المجتهدون، على ما هو مبسوط في أصول الفقه. وما اختلف فيه منها أدليل هو أم لا فالمدار على ما ترجح أو قامت به الحجة. فمن احتج بدلالة الاقتران مثلاً على فعل بأنه عبادة، فإن كان قد نظر في الأصول وترجح له بأن دلالة الاقتران حجة فهي سلطان في حقه حتى تقام الحجة عليه بأن دلالة الاقتران ليست بحجة. وهكذا من تمسك بدليل صالح في نفسه ولكنه عارضه ما هو أقوى منه فإنه على سلطان حتى يعلم بالمعارض وتقوم عليه الحجة بأن المعارض أقوى. وهكذا من كان له معرفة بالكتاب والسنة ففهم من آية أو حديث معنى فهو سلطان له حتى تقوم عليه الحجة بخطئه في فهمه أو بوجود معارض لِما فَهِمَه أقوى منه. وكذلك مَن كان له معرفة بالحديث ورجاله فظهر له صحة حديث فهو سلطان له حتى تقام عليه الحجة بضعف ذلك الحديث أو بأنه عارضه ما هو أقوى منه.
والحاصل: أن السلطان هو الحجة التي يُحْتَجُّ بها في فروع [623] الفقه، فكل حجة في فروع الفقه سلطان.
حتى التقليد في حق العامي فهو سلطان له حتى تقام عليه الحجة بأن
(3/900)

مقلَّده ليس بمرتبة الإمامة أو تقام الحجة على خطئه. نعم، ينبغي للمقلد الاحتياط في مواضع الاختلاف، إلا إن تبين له أن قول من خالف إمامه ضعيفٌ جدًّا، أو يكون استناده في ظن ضعفه إلى أمر ظاهر لا إلى التعصب المحض؛ فإن كثيرًا من المقلدين يتوهمون أن إمامهم معصوم، ويستضعفون دلالة الكتاب والسنة وأقوال أكابر الصحابة وأكثر الأئمة إذا كان قول إمامهم مخالفًا لذلك. وهذا هوىً محضٌ، إنما حملهم عليه محبة أنفسهم، تقول لأحدهم نفسُه: أنت مقلد لهذا الرجل متبع له، فإذا توهَّمْتَ فيه نقصًا فقد توهَّمْتَ النقص في نفسك، فينبغي لك أن تطرد عن فهمك كل ما يفهم منه نقص إمامك، وهذا باب واسع يُكْتفى بالإشارة إليه. والله الموفق.
وقد قدمنا في أوائل الرسالة فصولًا فيما يتمسك به بعض الناس ويظنه دليلًا وليس بدليلٍ، فارجع إليه.

فصل
الأمور الدينية تنقسم إلى قسمين: [معاملات وعبادات] (1)، والعبادات على ضربين:
الأول: ما هو تعظيمٌ لله عزَّ وجلَّ بلا واسطة كالصوم.
الثاني: ما هو خضوعٌ له سبحانه ولكن بواسطة احترام مخلوقٍ كتقبيل الحجر الأسود وإكرام الأبوين وغير ذلك.
فالقسم الأول والضرب الأول من القسم الثاني يشق على العامّيّ الاحتياط فيه مشقة شديدة؛ لأنه يلزم من ذلك أن يُشَدَّد عليه أشدَّ مما يشدد
__________
(1) في الأصل: (عبادات ومعاملات)، والمثبت هو المناسب لكلامه الآتي.
(3/901)

على العالم، فيُمْنَع من كثيرٍ من المصالح الدنيوية لا يُمْنَع منها العالِم، ويُلْزَم بكثير من الأعمال لا يُلْزَم بها العالِم، مع أن المناسب لحال العامة [624] أن يوسَّع عليهم الأمر ويرخَّص لهم أكثر مما يرخَّص للعلماء، فلذلك لم يوجب العلماء على العامة الاحتياط فيما ذكر.
فأما الضرب الثاني من القسم الثاني أعني ما كان من العبادات هو في الصورة احترام مخلوق، فأرى أنه يجب فيه الاحتياط؛ لأمور:
الأول: أنه وإن تقدم أن البدع كلَّها تؤول إلى الكفر والشرك، فهذا الضرب أعني ما فيه تعظيم لمخلوقٍ أصرحُ في ذلك من غيره، فإن ما عداه إنما يحتمل الشرك لأنه يؤول إليه، وذلك من جهة كونه طاعة للرؤساء وللشيطان والهوى في شرع الدين، والطاعة تعظيم.
الثاني: أنه لا مشقة على العامّيِّ في اجتناب ذلك، بل فيه تخفيف عليه بخلاف ما عداه.
الثالث: أنه قد كثر في القرون المتأخرة ابتداع التديُّن بتعظيم المخلوقين أكثر مما عداه.
الرابع: أن عامَّة الاختلافات في القسم الأول والضرب الأول من القسم الثاني قد وقع بين السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. وأكثر ما اختلف فيه من تعظيم المخلوق لم يثبت عن السلف، وإنما اخترعه أفراد من الخلف لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، ومثلُ ذلك بدعة قطعًا لسَبْقِ الإجماع على تركه المستلزم الإجماع على أنه ليس من الدين، ولأن المحدِثَ له ليس ممن يجوز تقليده.
(3/902)

ولا يَغُرَّنَّك ذِكْرُ مَنْ يدَّعي العلم من أنصار البدع آية من كتاب الله أو حديثًا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو حكاية عن بعض السلف؛ فإنه قد كثر من هؤلاء القوم تحريف الآيات القرآنية وتفسيرُها بالهوى على خلاف التفسير الذي يثبت بالحجج الصحيحة, وكذلك يفعلون في تفسير الأحاديث الصحيحة, ويعتمدون على الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة، وكذلك يحرِّفون الآثار الثابتة عن السلف ويعتمدون [625] على الآثار التي لم تثبت أو هي مكذوبة.
والعجب من هؤلاء القوم أنهم إذا نوقشوا في بعض المسائل المختلف فيها بين المذاهب وأقيمت عليهم الحجة بآية من كتاب الله أو حديث صحيح كان آخر قولهم: إنه ليس لنا أن نخالف مذهبنا لذلك؛ لأنا قاصرون عن معرفة الدليل، ولعل إمامنا فَهِمَ غَيرَ مَا فَهِمَ غيرُه من الأئمة أو كان عنده دليل يعارض ذلك. وإذا نوقشوا في بدعة لم يقل بها إمامهم ولا غيره من السلف فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه فأخذوا يحرِّفون الآيات والأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة ويتبعون الأحاديث والآثار الواهية والمكذوبة، وعند التحقيق لا عجب أن هؤلاء القوم إنما يتبعون هواهم. والله المستعان.

تقسيم الكفر إلى ضربين
اعلم أن القرآن يقسم الكفر إلى ضربين: الكذب على الله والتكذيب بآياته، والآيات في ذلك كثيرة، منها: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68]
(3/903)

وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32].
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21].
فالشرك كله كذب على الله في أن له شريكًا، أو أنه عزَّ وجلَّ يرضى أن تُدْعَى الملائكة [626] ونحوهم، أو أنه شرع اتخاذ البحيرة والسائبة ونحوهما، أو أنه حرّم ما في بطون الأنعام على النساء وأحلّه للرجال وغير ذلك. والكفر كله تكذيب لآيات الله، ولذلك حصر المتكلمون الكفر في تكذيب الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
وأنت إذا أحطت خُبْرًا بما تقدم في هذه الرسالة علمت أن الشرك والكفر متلازمان؛ فإن التكذيب بآيات الله طاعة في الدين للرؤساء والهوى والشيطان، وتلك عبادة كما مرّ، إلا أنه في بعض المواضع قد يخفى كون الأمر شركًا، وذلك فيما كان طاعة للرؤساء أو الشيطان أو الهوى. ولهذا كان المشركون يعرفون أنهم مشركون بتعظيم الملائكة والأصنام، ولذلك كانوا يسمونها آلهة ويسمون تعظيمها عبادة، ولم يعرف اليهود أنهم مشركون بطاعتهم في الدِّين لأحبارهم ورهبانهم للشيطان وللهوى.
وقد بيَّن القرآن أن الكذب على الله شرك سواء أكان الكاذب يعلم أنه كاذب أم لا، بل يكفي في ذلك أنه قال على الله تعالى ما لا سلطان له به، قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151].
(3/904)

وقال تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: 81].
وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71].
[627] وكذلك بيّن أن التكذيب بآيات الله كفر سواء أَعَلِمَ المكذب أنها من عند الله، أم لم يعلم ولكنه لا سلطان له على أنَّ ما كذَّب به كَذِبٌ. فمن الأول فرعون وقومه كما تقدم في الكلام عليهم، وأما الثاني فكثير، وهم أهل الريب والشك.
وقد يكون الكذب بالقول فقط كأن يقول رجل: إن الله تعالى يرضى لعباده السجودَ للشمس، وهو يعلم أن الله تعالى لا يرضى ذلك وهو نفسه لا يسجد لها. وقد يكون بالفعل فقط كمن يسجد للشمس وهو يعتقد أنه لا ينبغي السجود لها ويعترف بذلك. وقد يكون بالاعتقاد فقط كمن يعتقد في نفسه أن الله تعالى يرضى السجود للشمس ولكنه لا يتكلم بذلك ولا يعمل به. وقد يكون بالثلاثة معًا أو اثنين منها معًا.
وكذلك التكذيب قد يكون باللفظ فقط كمن يقول: إن الله تعالى لم يفرضْ صلاة الظهر، وهو نفسه يُصلِّيها ويعتقد أن الله عزَّ وجلَّ فرضها، وقد يكون بالفعل فقط كمن ألقى مصحفًا في قاذورة. وقد يكون بالاعتقاد فقط كأن يعتقد أن الله تعالى لم يفرض الظهر. وقد يكون بالثلاثة معًا أو اثنين منها معًا.
(3/905)

ونصّ العلماء على تكفير مَنْ كذَّب بآيات الله بقولٍ أو فعلٍ ولو كان على وجه [628] الهَزْل واللَّعِب. ومما يشهد لذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65].
والكذب والتكذيب بالاعتقاد يَصْدُق بما إذا جزم بأن الله تعالى يرضى السجودَ للشمس، أوْ لمَ يفرضْ صلاة الظهر، وما إذا ظن ذلك أو شكّ أو لم يَجْزِم بأن الله لا يرضى السجودَ للشمس، وبأنه فرض صلاة الظهر، هذا بالنسبة إلى ما هو كَذِبٌ قطعًا بأن لم يكن لصاحبه عليه سلطان، وما هو تكذيب قطعًا بأن ثبت قطعًا بأن ذلك الأمر مما جاء به الرسول عن ربه.
فأما ما يُظَن أنه كذب كأن كان لصاحبه دليل مختلَف فيه نرى نحن أنه ليس بحجة وقد قال بعض المجتهدين: إنه حجة، وليس هناك برهان قاطع بأنه حجة أو ليس بحجة، فلا يُعَدُّ القول بموجبه كذبًا على الله. وكذلك ما يُظَن أنه تكذيب كهذا المثال، فإن القائل بأن ذلك الدليل حجة يرى أن مخالفه مكذِّب، فلا يُعَدُّ هذا تكذيبًا بآيات الله. فأما الدلائل الظنية المستندة إلى الأصول القطعية كخبر الواحد المستجمع لشرائط القبول فَرَدُّه مع قيام الحجة على استجماعه لها تكذيب لآيات الله تعالى.
فإن قلت: أرأيت اليهوديَّ مثلًا إذا دُعِي إلى الإِسلام فبحث ونظر وتدبَّر وتفكّر طالبًا للحق حريصًا على إصابته ولكنه لم يُوَفَّقْ للعلم اليقيني بأن الإِسلام حقٌّ [629] بل قامت لديه شبهة يَعْتَقِد أنها يقينية أن البقاء علي اليهوديّة حقٌّّ، فإذا أسلم كان في اعتقاده كاذبًا على الله عزَّ وجلَّ مكذِّبًا بآياته، فماذا حكمه؟
(3/906)

قلت: قد أجاب القرآن عن هذا بقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 68، 69].
وحاصل الجواب: أن مَنْ بحث ونظر وتدبَّر وتفكّر طالبًا للحق حريصًا على إصابته فهو مجاهد في الله، فلا بدَّ أن يهديه الله عزَّ وجلَّ لمعرفة الحق. وقد أشكل هذا السؤال على الأئمة قديمًا، وهذا جوابه في القرآن كما ترى.
فإن قلت: فقد اختلف أكابر الصحابة وأئمة التابعين في فروع الفقه، وقد قدَّمت أن من أقوالهم ما هو خطأ في نفسه وأنه لولا العذر لكان بدعة، وكان صاحبُه مبتدعًا، وأن البدعة شرك، بل قد وقع من بعضهم ما هو أصرح من هذا مما لولا العذر لكان كفرًا كما سيأتي، مع أنَّ أولئك الأكابر كانوا يبحثون وينظرون حريصين على إصابة الحق، أي أنهم قد جاهدوا في الله على وفق ما حَمَلْتَ عليه الآية.
[630] قلت: فهذا يدلُّ أنه ليس المراد بهداية السبيل الهدايةَ إلى عين الحق في نفس الأمر، بل الهدايةَ إلى ما يرضي الله عزَّ وجلَّ عن المجتهد ويستحق عليه الأجر، إما أجرين وذلك إذا أصاب الحق في نفس الأمر أو أجرًا واحدًا وذلك إذا أخطأ مع عدم تقصيره، كما جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو قالا: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1).
__________
(1) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو =
(3/907)

ولهذا والله أعلم عَبَّر في هذه الآية بلفظ الجمع بقوله: {سُبُلَنَا} فتكون السبل في هذه الآية عبارة عن السبيل الأعظم - وهو الحق في نفس الأمر - وفروع ترجع إليه كما علمت، بخلاف قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، فإن سبيل الله تعالى في هذه الآية عبارة عما يَعُمُّ السبيل الأعظم والفروع التي ترجع إليه، وأما السبل فعبارة عن سبل مستقلة عن سبيله غير راجعة إليه، والسياق يدل على ذلك؛ فإن فيه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا ... وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 151 - 153]، فالخطاب في هذه الآيات للمشركين يدعوهم إلى الإِسلام؛ فالإِسلام سبيل واحد وللمشركين سبل أخرى، والكلام في آية العنكبوت عامٌّ لكل كاذب ومكذب. فتدبر.
[631] والحاصل أن أئمة المسلمين المجتهدين في فروع الإِسلام لم يخرجوا عن سبيل الله تعالى، بل منهم من هو في حق السبيل الأعظم وهو الحق في نفس الأمر، ومنهم من هو في فرع راجع إليه، فكلهم مهديُّون إلى سبل الله عزَّ وجلَّ. وأما اليهود والنصارى والمشركون فهم في سبل أخرى ليست من سُبُل الله تعالى؛ لأنها لا ترجع إلى سبيله الأعظم وصراطه المستقيم، فمن جاهد منهم في الله فلا بدَّ أن يهديه الله إلى سبيله الذي يرضاه وهو الإِسلام، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:
__________
= أخطأ، 9/ 108، ح 7352. ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، 5/ 131 - 132، ح 1716. [المؤلف]
(3/908)

19] , وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، أما من جاهد في الله من المسلمين ليعلم مسألة فرعية فإن الله يهديه إما إلى حق السبيل وإما إلى فرع يرجع إليه كما مرَّ.
واعلم أن خطأ المجتهد المسلم إنما يكون راجعًا إلى سبيل الله ما لم يتبين أنه خطأ، فأما إذا تبين له أو لغيره أنه خطأ فإن ذلك القول ينقطع بذلك عن السبيل الأعظم ولا يرجع إليه، بل يتصل بالسبل الباطلة.
وفي صحيح البخاريِّ وغيره عن هزيل بن شرحبيل، قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: "للبنت النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني". فسئل ابن مسعود، وأُخْبِرَ بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم" (1).
[632] فلم تكن فتوى أبي موسى أوَّلًا ضلالًا ولا خروجًا عن الهدى؛ لأنه لا يعلم أنها خطأ. وكانت ضلالًا وخروجًا عن الهدى في حق ابن مسعود لو أفتى بها؛ لأنه يعلم أنها خطأ، وهكذا في حق أبي موسى لو أصرّ عليها بعد أن تبين له أنها خطأ، والسبب في هذا ظاهر؛ فإن المجتهد
__________
(1) البخاريّ، كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابنٍ مع ابنةٍ، 8/ 151، ح 6736. [المؤلف]
(3/909)

المخطئ قاصدٌ اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فهو وإن أخطأ بقوله فقد أصاب بقصده. فأما بعد تبين الخطأ فقد انتفى هذا القصد أيضًا وحَلَّ مكانه قصد آخر إن أصرّ على الخطأ، وذلك هو الهوى واتباع الشيطان والرؤساء، فانقطع ذلك الفرع عن سبيل الله عزَّ وجلَّ ورجع إلى السبل الباطلة كما ترى.
واعلم أن القاضي إذا اجتهد في قضية وتبين له فيها أن الحق كذا لا يخلو أن يكون ذلك الحكم الذي تبين له هو الحق في نفس الأمر بمقتضى الأدلة الشرعية العامة، أو يكون خطأ، وإذا كان خطأ وكان القاضي عادلا بارًّا مخلصًا لله تعالى فقد يقال: إن الله عزَّ وجلَّ إنما رجَّح في نفسه ذلك الحكم لعلمه سبحانه بأنه الذي تقتضيه الحكمة في تلك القضية خاصة.
وبيان ذلك: أن الأحكام العامة إنما يمكن مطابقتها للحكمة بالنسبة إلى الغالب، مثال ذلك: الحكم على الزاني المحصن بالرجم وعلى غيره بالجلد، فقد يمكن في غير الغالب أن يكون محصنٌ أولى بأن يُخَفَّفَ عنه مِنْ بِكْرٍ، كأن يكون الأول شابًّا شديد الشهوة تزوَّج وبات معها ليلة [633] وماتت، وهو فقير لا يستطيع أن يتزوَّج غيرها، وقد ابتُلِيَ بعشق امرأة جميلة وهو يتعفَّف عنها ويتجنَّب رؤيتها، فصادف أن هجمت عليه في خلوة فلم يصبر عنها فوقع عليها، ثم لم يلبث أن ندم. ويكون الثاني شيخًا كبيرًا ضعيف الشهوة غنيًّا عنده عدَّة سَرَارِي، ومع ذلك رأى امرأة قبيحة فاحتال عليها إلى أن زنى بها، ولم يندم. فأنت ترى أن الأول أولى بالتخفيف من الثاني، ولكن لما كانت الأحكام الشرعية عامة لم يمكن أن تراعى فيها الجزئيات، وإنما يراعى فيها الغالب فقط. فإذا وقع ذلك الحكم على من لا
(3/910)

يناسبه فإن البارئ عزَّ وجلَّ يَسُدُّ هذا النقصَ بالقَدَر، فيجعل، لذلك الشاب مثلًا فرجًا ومخرجًا، إما بألَّا يفضحه، وإما بأن يُظْهِرَ في القضية شبهة يقوِّيها في نفس القاضي حتى يترجّح له أن هذا لا يستحقّ الحدَّ، وإما أن يُكَفِّرَ عن ذلك الشاب ذنوبًا أخرى، وإما أن يرفعه درجات في الجنة، إلى غير ذلك.
وهذا معنى جليل يحتاج إيضاحه إلى إطالة ليس هذا محلَّها، وهذا المعنى هو السبب أو أحد الأسباب فيما أجمع عليه العلماء أنَّ من شرط القاضي أن يكون مجتهدًا لا يقلِّد أحدًا. فتدبر.
وهو أيضًا من أسباب جَعْلِ كثير من أدلة الأحكام الشرعية غير واضحة كلّ الوضوح، ومن أسباب التعبد بخبر الواحد، ومن أسباب قولهم: الاجتهاد لا يُنْقَضُ [634] بالاجتهاد، ومن أسباب قواعدَ شرعيةٍ أخرى ليس هذا محلَّ استيفاء ذكرها.
واعلم أن الطالب للحق الحريص عليه عزيز جدًّا كما مرَّ عن الغزالي، والسبب في ذلك أن للهوى مداخل كثيرة، منها: أن يميل الإنسان إلى ما كان عليه أبواه، كما في الحديث الصحيح: "ما من مولودٍ إلاَّ يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه" الحديث (1).
ومنها: أن يميل إلى ما كان عليه أستاذه. ومنها: أن يميل إلى ما اعتاده وأَلِفَه. ومنها: أن يميل إلى ما رأى عليه مَن يحبه أو يعظمه. ومنها: أن يميل
__________
(1) البخاريّ، كتاب القدر، باب: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، 8/ 123، ح 6599. مسلم، كتاب القدر، باب معنى: "كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة"، 8/ 52، ح 2658. [المؤلف]
(3/911)

عما رأى عليه مَن يبغضه أو يستحقره، قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27]، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].
ومنها: أن يميل إلى ما وقع في ذهنه أوَّلاً، فيصعب على نفسه أن تعترف أنها أخطأت أوَّلًا، ولا سيما إذا كان قد أظهر قوله الأول.
وإذا تمكَّن الهوى عميت البصيرة، فَتُعْرَضُ على صاحبه الحجة النيرة فيرى أنها شبهة فقط، حتى إنه كثيرًا ما يقول: إنها شبهة لا أقدر على حَلَّها، وتُعْرَضُ عليه الشبهة الضعيفة [635] الموافقة لهواه فيرى أنها برهان قاطع.
ومسالك الهوى قد تكون خفيَّة جدًّا فيتوهَّم الإنسان أنه لا سلطان للهوى عليه وأنه ممن يجاهد في الله طلبًا للحق أَنَّى كان، مع أنه في الحقيقة على خلاف ذلك، ولولا هذا لما كنت تجد الناس لا يخرجون عن مذاهب آبائهم إِلَّا نادرًا.
ولهذا لم يقتصر القرآن على دعوة الناس إلى البحث والنظر فقط، بل أرشدهم مع ذلك إلى أنهم إن لم يتيقنوا أنَّ ما يدعوهم الله (1) هو الحق فلا يمنعهم ذلك عن اتَّباعه؛ فإنه أحوط لهم، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الرابط المجرور (إليه) سقط سهوًا.
(3/912)

قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 43 - 46].
وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
[636] وقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10].
ومن هنا يُعْلَم أن قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] لا تقتصر معنى الهداية فيه على تيسير البرهان القاطع، بل يحصل بذلك وبتيسير الدليل الذي يتبين به للناظر أن اتِّباع الإِسلام أحوط له. ولكنه إذا عمل بالأحوط ودخل في الإسلام يسَّر الله تعالى له بعد ذلك ما يُثْلِج صدرَه إن شاء الله تعالى، كما مرّ في تفسير قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].
وهكذا يقال فيمن تردَّد من المسلمين في أمر: أَشركٌ هو أم مستحب أو مباح؟ فإنه قد ينظر ويبحث فلا يتضح له الحق، وإنما ذلك ابتلاء من الله عزَّ وجلَّ له أَيعمل بالقدر الذي ظهر له [637] من الحق وهو الاحتياط أم لا،
(3/913)

فإن عمل به فعسى أن ييسر الله تعالى له ما يوضح له الحق إن شاء الله تعالى. فاشدد يديك بهذا الأمر؛ فإنه إن لم تستقرَّ في يديك فائدة من هذه الرسالة إلا هو (1) فقد فزت، وقد مرّ ما يتعلق بهذا في صفحة () (2).

الأعذار
قد تعرَّضت لهذا البحث في مواضع (3)، وأريد أن أبسط الكلام عليه ها هنا، مستعينًا بالله تعالى.
قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [خاتمة البقرة].
فقوله عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} نصٌّ قاطع، وقد جاء نحوه في آيات أخرى، [638] وهو مطابق لما جُبِلَت عليه النفوس وشهدت به بَدائِهُ العقول أنَّ الله سبحانه عدل حكيم رؤوف رحيم.
__________
(1) المستثنى هو الأمر المذكور آنفًا.
(2) بيّض المؤلف لرقم الصفحة، وهي ص900 - 901.
(3) منها فصل حكم الجهل والغلط ص 132 - 143.
(3/914)

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قال: "نعم"، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، قال: "نعم"، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قال: "نعم ... "، وفي رواية أخرى: "قد فعلت، قد فعلت" (1).
ويظهر أنه ليس المراد بالنسيان والخطأ ما لا يكون من العبد فيه تقصير قطعًا، وليس المراد ب {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ما لا نطيقه ولو بذلنا أقصى جهدنا، كأن يلمس أحدُنا الشمس، أو يحمل جبلًا أو يصلَّي في اليوم ألفَ ألفَ ركعة، فإن هذه الأمور قد نُفِيَتْ بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وإنما المراد - والله أعلم -: النسيان والخطأ اللَّذين (2) لا يخلو العبد من تقصيرٍ مَّا فيهما، فإننا نجد أحدنا ينسى الصلاة أو ينام عنها حتى يخرج وقتها، ولو قيل له: إذا حضرْتَ اليوم وقت الصبح بباب الملِك حصل لك مال عظيم وهو محتاج لم يفتْه ذلك الوقت، وكذلك نجد المفتيَ إذا سُئِل عن مسألة فيها إراقة دم بذل فيها من الجهد في البحث والنظر ما لا يبذله إذا سئل عن مسألة في البيوع مثلًا.
والمراد والله أعلم ب {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ما فيه مشقة شديدة، ويشهد
__________
(1) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}، 1/ 81، ح 125 - 126. [المؤلف]. لكن الرواية الأولى من حديث أبي هريرة، والرواية الثانية من حديث ابن عبَّاسٍ، وسقط لفظ (ربنا) في الموضع الأخير على المؤلَّف.
(2) كذا في الأصل.
(3/915)

لهذا قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وما في معناها، وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إن الدين يُسْرٌ" الحديث (1).
وهذا هو الذي فهمه الفقهاء، فقالوا: إنه يُعْفَى عما يَشُقُّ الاحترازُ عنه من النجاسات [639] ونحوها. وقالوا: إن المرأة إذا اشتبهت بأجنبيَّاتٍ غير محصوراتٍ لم يحرم على أبيها مثلًا أن يتزوَّج واحدةً منهنَّ، بل جعلوا هذا المعنى أصلاً من أصول الشريعة، فقالوا: "إن المشقة تجلب التيسير"، ووسَّعوا دائرة الإكراه الذي يبيح إظهار الكفر فلم يحصروه في تَيَقُّنِ القتل إذا لم يعمله.
فإن قلت: ولكن النفي في قوله: {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} يخالف ما ذُكِرَ؛ فإنه نصٌّ في نفي جنس الطاقة.
قلت: صدقت، ولكن معنى الطاقة القدرة على الشيء بدون صعوبة شديدة، وقد نبَّه على ذلك الراغبُ، فقال: "فقوله: {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي: ما يصعب علينا مزاولته، وليس المعنى: لا تحمِّلنا ما لا قدرة لنا به ... " (2).
أقول: ومما يبين ذلك حديث المعراج وهو في الصحيحين وغيرهما من طرقٍ، وفيه مراجعة موسى لمحمَّد عليهما الصلاة والسلام في فرض الصلوات، وقوله له: "إن أمتك لا تستطيع ذلك"، وفي رواياتٍ: لا تطيق
__________
(1) صحيح البخاريَّ، كتاب الإيمان، بابٌ: الدينُ يسرٌ، 1/ 16، ح 39. [المؤلف]
(2) المفردات 532.
(3/916)

ذلك، حتى إنه قال له ذلك في خمس صلواتٍ (1).
ولكن يجب أن تعلم أنه ليس كل نسيان وخطأ معفوًّا؛ فإنَّ مَنْ تشاغل بلهو محرَّم أو مكروه فأنساه الصلاة ليس بمعذور. وكذلك مَنْ سمع آية فَهِمَ منها حُكْمًا، فعمل به، وأفتى، واستمرَّ على ذلك، ولم يتدبَّر القرآن والسنن الثابتة مع احتمال أن يكون فيها ما يخالف فَهْمَه. فكأنَّ النسيان والخطأ إنما يُعذر بهما إذا انتفى التقصيرُ، ولكن التقصير أمر مشتبه؛ فإن العلماء صرَّحوا بأنه يكفي المجتهد أن يبحث حتى يغلب على ظنه أنَّه لا مخالف لما فهمه، وغلبةُ الظن أمر يتفاوت، وهكذا المشقَّة التي إذا وُجِدَتْ في الشيء صدق أنَّه لا يُطاق هي أمر غير منضبط أيضًا، ولكننا نتتبَّع أمثلةً مما ثبت فيه عُذْرُ مَن جرى منه ما لولا العذرُ لكان كفرًا، فأقول: قد سبق أنَّ الكفر كلَّه يرجع إلى الكذب على الله تعالى والتكذيب بآياته.
[640] فمِمَّن يُعْذَر إجماعًا مَنْ كَذَبَ على الله تعالى بقوله فقط بسبق اللسان، كما تقدَّم في الحديث الصحيح، "فقل: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح"، وقد تقدَّم (2).
ومَن تلا آية كان يعتقد أنه يحفظها فزاد فيها أو نقص أو غيَّر شيئًا فيها على سبيل الخطأ، فإذا نُبَّهَ اعترف بأنَّه أخطأ، ومثل هذا في الأحاديث.
ومَن أُكْرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان بشرط ألَّا يظهر منه ما يدلُّ على
__________
(1) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الصلاة، بابٌ: كيف فُرِضَت الصلاة في الإسراء؟ 1/ 79، ح 349. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب الإسراء بالرسول، 1/ 103، ح 163. [المؤلف]
(2) انظر ص 856.
(3/917)

الاختيار، بخلاف مَن ظهر منه ذلك، كما تقدَّم فيمن بقي بمكة من المسلمين بعد الأمر بالهجرة، وهو قويٌّ (1).
وَمَن حَكَى كَلامَ غيرِه مصرِّحًا بذلك، كمن يتلو قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، على أنَّ الحاكيَ لا يُطلَق عليه أنه كَذَبَ. ومثله مَن يحكي كلامًا لغيره ثم يردفه باعتراضٍ عليه، كأن يقول: مِن لازِمِ هذا القول أن يكون الله تعالى كذا ويذكر وصفًا مُحالًا. وكذلك مَن يَفْرِضُ اعتراضًا ليجيب عنه كأن يقول: فإن قيل: إنَّ الله تعالى يرضى أن تُعبد الملائكة معه لأنهم مقرَّبون لديه فالجواب ....
وربما يظهر عذرُ مَنْ كان قريب عهد بالإِسلام أو عاش ببادية بعيدة عن العلماء إذا نطق بكذبٍ على الله تعالى على سبيل الضحك واللعب ظانًّا أنَّ مِثل ذلك لا يكون كفرًا، كما يُحْكَى أنَّ عدنانيًّا افتخر على قحطانيٍّ قائلًا له: محمَّد من عدنان، فأجابه القحطاني قائلاً: الله من قحطان، تعالى الله عما قال. لكنه إذا قيل [641] بالعذر يشتبه الحال فيمن كان مسلمًا بالغًا قد مضت له بعد بلوغه مدَّةٌ تمكَّن فيها من التعلُّم، على أنَّ في عذر قريبِ العهد بالإِسلام ونحوه نظرًا؛ لأنَّه يعلم أنَّ قوله كذبٌ وأنَّ في ذلك الكذب سوءَ أدب وانتهاكَ حُرْمَة، وإن لم يعلم أنَّه يبلغ الكفر، فالله أعلم.
وممن يُعْذَرُ إجماعًا ممن كذب على الله تعالى بفعله فقط: مَن أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان بالشرط المتقدم، ومَن أخطأ كأعمى تلا آية سجدة
__________
(1) راجع ص 84 - 87.
(3/918)

فسجد إلى جهة يظنها القبلة وكان أمامه صَنَمٌ يَظْهَرُ لمن يَرَى أنَّ السجدة للصنم. ويظهر لي عذرُ مَنْ رأى تمثالًا يشبه صورةَ وَلَدٍ له غائب فاعتنق التمثال وَقَبَّلَهُ بداعي الشوق إلى ولده فقط، فإن كان يعلم أن ذلك التمثال صنم يُعبد ففي قَبُول عذره نظر. وهكذا مَن كان قريب عهد بالإسلام أو عاش ببادية بعيدًا عن العلماء إذا سجد أمام صنم مثلًا على سبيل الهزل والاستهزاء كما مَرَّ نظيرُه في الكذب بالقول.
وممن يُعْذَرُ ممن كذب على الله تعالى باعتقاده: المجتهدُ في الفروع إذا اجتهد فظهر له ما ظنَّه سلطانًا على حُكْمٍ فاعتقده، وكذا مَن قلَّده بشرطه المتقدِّم فيما مرَّ في الكلام على البدع (1).
وكذلك يُعْذَرُ مَن كان قريب عهد بالإسلام إذا توهَّم جواز شيءٍ مخالفٍ لشهادة أن لا إله إلا الله مخالفةً غير صريحة، كما مَرَّ في قول بني إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وقال بعض المسلمين للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: اجعل لنا ذات أنواط، وقد تقدَّم (2) حديث: "اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل".
وليس من الشرك الذي عُذِرَ صاحِبُهُ استئذانُ قيس بن سعد النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [642] في السجود له، وقد تقدَّم الحديث (3)؛ لأنه رأى
__________
(1) ص 883 - 888.
(2) انظر ص 143 فما بعدها.
(3) لم أقف عليه فيما سبق، وإنما وقفت عليه في كتابه "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" في مبحث التبرك ص 238، ونص الحديث "عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة ... فرأيتهم يسجدون لمَرْزُبان لهم فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له. قال: =
(3/919)

قومًا من الأعاجم يسجدون لمرزبان لهم فرأى أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أحق بأن يُسْجَدَ له؛ فإنَّ السجود للمخلوق إنما ينافي معنى: (لا إله إلا الله) إذا لم يأذن به الله، وقيسٌ لم يسجد، وإنما سأل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولو أذن له لدلَّ ذلك على الإذن من الله عزَّ وجلَّ، وكذا يقال فيما جاء من الأحاديث في معنى حديث قيسٍ. وقد قال ابن القيم في النونية (1):
تالله لو يرضى النبي سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان
وكذلك يُعْذَرُ مَنْ اشتبه عليه معنى: لا إله إلا الله، بعد القرون الأولى، فظنَّ معناها قاصرًا على نفي وجوب الوجود عن غير الله تعالى، حتى تقوم عليه الحجة، أو يَبْلُغَهُ أنَّ بعض العلماء يُفَسَّرُها على غير ما فهمه، وربما يُعْذَرُ وإن بلغه ذلك إذا رأى علماء جهته يقولون: إنَّه لم يخالف في هذا إلا فلان، وهو جاهل ضالٌّ مبتدع كافر مخالف لإجماع الأمة، ونحو ذلك.
فأما إذا اختلف الناس عليه وبلغه أنَّ ذلك المخالف يوافقه جماعة من العلماء والعقلاء ويحتجُّ بكتاب الله وسنة رسوله فإنه لا يُعذر فيما يظهر. ومما يَدُلُّ على هذا قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
__________
= فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني أتيت الحِيرة فرأيتهم يسجدون لمَرْزُبان لهم فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك! قال: "أرأيت لو مررتَ بقبري أكنتَ تسجد له". قال: قلت لا. قال: "فلا تفعلوا لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرتُ النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق". رواه أبو داود في سننه، كتاب النكاح باب في حق الزوج على المرأة 2/ 244 ح 2140.
(1) الكافية الشافية 247.
(3/920)

مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16].
فقوله: {مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} مفهومه أنَّ الحال قبل الاستجابة كان بخلاف ذلك، ووجهه فيما يظهر أن مَن كان بعيدًا عن الحجاز فبلغه أنَّ رجلاً بمكة [643]، يزعم أن الله أرسله، والناس كلهم حتى أقاربه مطبقون على تكذيبه ويقولون: هو مجنون ومسحور ونحو ذلك، فإنَّ هذا البعيد قد يغلبه تصديق الجمهور مع ما عنده من الشبهة، فربما يُعذر بذلك. فأما بعد ما استجيب للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فآمن به جماعة واتبعوه وفارقوا دين آبائهم وعَادَوْا أهليهم وأحبائهم وعرَّضوا أنفسهم وأموالهم للتلف فلم يبق عذر لهذا البعيد، وإن كان له شبه, بل تَعَيَّن عليه أن يأتي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ويسمع كلامه ويتدبَّر ما يقوله بنية خالصة صادقة؛ فإنه إن فعل ذلك تبين له الحق بمقتضى قول الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] على ما تقدَّم.
نعم، مَن لم يبلغه الاستجابة فربما يُعْذَرُ، وعليه يُحْمَلُ قول الغزالي في فيصل التفرقة (1): "وصنف بلغهم اسم محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولم يبلغهم مبعثه (2) ولا صفته، بل سمعوا أن كذَّابًا يقال له فلان، ادّعى النبوة، فهؤلاء عندي من الصنف الأول" - أي من الذين لم يسمعوا اسمه أصلاً - فإنهم لم يسمعوا ما يحرَّك داعية النظر.
__________
(1) ص 84. نشرة محمود بيجو.
(2) في مطبوعة فيصل التفرقة: نعته. وهو الصواب.
(3/921)

وسِرُّ المسألة أنَّ البعيد عن الحجاز ليس عنده برهان على بطلان دعوى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتى لا يلزمه السفرُ إليه، وسماعُ كلامه، ولكن إطباق الناس على تكذيبه شبهة قوية، فإذا تبعه [644] جماعة وآمنوا به وصدّقوه سقطت هذه الشبهة.
فأما مَنْ بلغه من المسلمين في هذا الزمان أن رجلاً ادّعى النبوّة وتبعه آلاف من الناس فإنَّه لا يلزمه إتيانُه وسماعُ كلامه وتدبُّر ما يقول؛ لأن عندنا براهينَ قطعيةً على كذب مثل هذا المدَّعي، ولو اتبعه الثقلان.
ولعله يُعْذَر مَنْ بلغه أنَّ العلماء اختلفوا ولم يمكنه التفرُّغ للنظر والتفكر في حجج الفريقين، ولكن إنما يُرجى عذره فيما عدا الأمور التي يتوقَّف القطع بأنه لا إله إلا الله على القطع بها، وقد مَرَّ بيان ذلك (1)، فلا يُرْجَى عذرُه إلا بالنسبة إلى الأمور التي يكفي فيها الدليل الظني المستند إلى أصل قطعي، ولكن عليه أن يحتاط فيجتنب الأمور المختلف فيها.
فإن قلت: إن جميع الفروع الشرعية المختلف فيها تدخل في هذا القبيل كما تقدم، وقد مضى سلف الأمة وخلفها على أنه يكفي العامي تقليد مجتهد، ولا يجب عليه الاحتياط.
قلت: قد تقدَّم القول في هذا في ص (2).
وإذا قلنا بأنه يرجى أن يعذر هذا الرجل إذا احتاط فمعنى ذلك أنه إذا لم
__________
(1) وهي القطع بأنه لا مدبر في الكون استقلالاً إلاَّ الله، وأنه لا مستحق للعبادة إلا الله عزَّ وجلَّ، والعلم بحقيقة العبادة. انظر ص 876.
(2) بيَّض المؤلَّف لرقم الصفحة، وهي ص900.
(3/922)

يحتط لا يُرجى عذره. وكذلك أقول، على معنى أني لا أرجو له ألَّا يأثم, فأما الحكم عليه بأنه يكون كافرًا أو مشركًا فإني أدع الأمر في ذلك إلى نظرك.
واعلم أن كثيرًا من البلدان إلى الآن يتبيَّن أن أهلها معذورون وإن لم يحتاطوا؛ فإنك تجد أكثر نواحي اليمن مثلًا [645] لم يبلغهم في هذه المسائل أكثرُ من أنَّ رجلاً يقال له محمد بن عبد الوهاب نَبغَ بِنَجْدٍ، وكَفَّرَ سلف الأمَّة وخَلَفها، وخرق الإجماع، وزعم أنَّ العصا أفضل من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، واستحلَّ دماء المسلمين، وليس له حجَّة إلا أنه يحرِّف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى هواه، وأنه كان رجلاً جاهلاً لا يعرف العربية ولا المعاني والبيان، ولا أخذ العلم عن العلماء، وأنَّ العلماء كلَّهم أنكروا عليه وكفَّروه، حتى أبوه وأخوه، وإنما اتبعه أعراب جفاة غَرَضُهُمْ من اتِّباعه استحلالُ دماء المسلمين وأموالهِم، وأنهم يبغضون النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وأنهم إذا تشهَّدوا قالوا: أشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا يقولون: وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، وأنهم أرادوا أن يمنعوا (أشهد أنَّ محمدًا رسول الله) من الأذان، ولكنهم خافوا من افتضاح عقيدتهم فأبقوها، وأنهم إذا دخلوا قرية قتلوا الرجال والنساء والصبيان، وتحَرَّوا بالقتل خاصَّةً مَنْ يُنْسَبُ إلى العلم والصَّلاح، وإذا طلب منهم أحد من علماء المسلمين أن يناظروه قالوا: ليس عندنا إلاَّ السيف، وإذا احتجَّ عليهم أحد بكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قالوا: حسبنا ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأشباه هذه الحكايات، يزعم نَقَلَتُهَا بألسنتهم أو في كتبهم أنها [646] متواترة لا ريب فيها.
وإن ظفر بعضُ طلبة العلم في تلك الجهات - أعني أكثر نواحي اليمن -
(3/923)

بنسبة الخلاف في تلك الأمور إلى ابن تيميَّة فمقرونًا بتكفير ابن تيميَّة وتضليله، وأنه كان يبغض النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وابنَ عمه عليًّا عليه السلام، وأنه كان يقول: إنَّ الله تعالى شخص مثل الإنسان جالس على العرش، وأنه قال: إنَّ العرش قديم، وأنه خرق الإجماع في نحو عشرين مسألة، وأنَّ علماء المسلمين في عصره أجمعوا على تكفيره وأفتوا بقتله، ولكن امتنع السلطان حينئذ من قتله واكتفى بسجنه إلى أن مات.
فأمَّا بعد دخول السعودَّيين الحجاز فإنها لا تزال تُرْوَى عنهم كلَّ سنة حكايات شنيعة جدًّا. وحبَّذا لو أنَّ الحكومة السعودية توعز إلى أصدقائها في كلِّ جهة من جهات العالم أن يكتب إليها كلٌّ منهم كُلَّ سنة بما يقوله الحجّاج وغيرهم عن الحجاز وأهله وحكومته، ثم تنظر في ذلك، فما كان صحيحًا ولها عذر بَيَّنَتْه، وما كان صحيحًا ولا عذر عنه تداركتْه، وما كان كذبًا أعلنت تكذيبه.
والمقصود هنا إيضاح أنَّ كثيرًا من البلاد الإسلاميَّة المنتشرة فيها البدع معذورون، والله أعلم.
فإن قلت: كيف يُعْذر مَن وقع عنه عَمَلٌ من أعمال الشرك، وقد قال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48, 116]؟
قلت: [647] مَن صَحَّ عُذْرُه لا يصدق عليه أنَّه أشرك، كما أنَّ مَن تزوَّجَ امرأة لا يشعر بأن بينه وبينها مَحْرَمِيَّة، فبانت أنها أخته من الرضاع مثلاً، لا يصدُق عليه بأنه زنى بأخته، لكن لو أراد أن يتزَّوج امرأة فقال له قائل: إنها أختك من الرضاع، وكثير من الناس يعلمون ذلك لو سألتَهُمْ أخبروك، فأبى
(3/924)

أن يسأل وأقدم على نكاحها لم يكن معذورًا.
وممن يُعْذَر ممن كذَّب بآية من آيات الله: مَن سبق لسانُه إلى لفظٍ فيه تكذيب، وَمَن أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان بالشرط السابق، ومَن ظنَّ أنها ليست من عند الله وكان له عذر في ظنِّه، مثل أن يكون قارئًا للقرآن يظنُّ أنه إذا تُلِيَتْ عليه آية من القرآن لا يشتبه عليه أنها منه، فتُلِيت عليه آية فظنَّ زيادةَ كلمة أو نقصانَها فجزم بذلك خطأً على شرطِ أَنَّهُ إذا رُوجِعَ وَبُيَّنَ له غَلَطُه رَجَعَ.
ومن هذا القبيل ما وقع لابن مسعود من إنكار أن تكون المعوِّذتان من القرآن، وذلك أنه صحب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم طويلًا وقرأ عليه القرآن فلم يَتَّفِقْ له أن يُقرئه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم المعوِّذتين على أنهما من القرآن، ولا ذكر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قرأ بهما في الصلاة، وإنما سمع النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يعوَّذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام مع أمور أخرى تجمَّعَتْ عنده وقويت في نفسه حتى ظَنَّ ما ظَنَّ (1). ونحن على يقينٍ أنه لو اتَّفَقَ مراجعةُ جماعة من الصحابة له بحيث [648] يكون خبرُهم قطعيًّا لرجع.
وقد وقع لأفرادٍ من الصحابة مثل ما وقع لابن مسعود, وقد جاء عن أُبَيّ بن كعب أنه كان في مصحفه أشياء ليست عند جمهور الصحابة من القرآن؛ لأنهم علموا أنَّ تلاوتها نُسِخت. وفي صحيح البخاريِّ وغيره عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه: أقرؤنا أُبيٌّ، وأقضانا عَلِيٌّ، وإنا لَنَدَعُ
__________
(1) انظر: فتح الباري 8/ 525 - 526. [لمؤلف]
(3/925)

من قول أُبَيًّ، وذاك أن أُبَيًّا يقول: لا أَدَعُ شيئًا سمعته من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وقد قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} (1).
وقد اختلفت الأمَّة في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} , واتفقت على عذر المثبت والنافي، وقد جرى لعمر وأُبيًّ وابن مسعود وغيرهم إنكارُ قراءة مَن قرأ مخالفًا لما أقرأهم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتى بَيَّنَ لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنَّ تلك القراءات كلَّها حق، فأما عمر وابن مسعود وغيرهما فاكتفوا بذلك (2).
وأما أُبَيٌّ فَعَرَضَ له ما تقدَّم أوائلَ الرسالة (3) حيث قال: فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنتُ في الجاهلية، فلما رأى رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ما قد غَشِيَنِي ضرب في صدري فَفِضْتُ عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقًا (4) "، وذكر الحديث (5).
__________
(1) البخاريّ، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} , 6/ 19، ح 4481. [المؤلف]
(2) انظر: البخاريّ، كتاب فضائل القرآن، بابٌ: "أنزل القرآن على سبعة أحرفٍ"، 6/ 185، ح 4992. وباب: "اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم"، 6/ 198، ح 5062. وصحيح مسلمٍ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرفٍ ... ، 3/ 202 - 203، ح 818. [لمؤلف]
(3) ص 32.
(4) أي: فزَعًا.
(5) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 2/ 202 - 203، ح 820.
(3/926)

قال الأُبَّيُّ (1) في شرح مسلم بعد أن نقل كلام المازَري (2) ثم كلام القرطبي: "قلت: وكلامه وكلام غيره قاضٍ بأنهم حملوا الحديث على أنَّ معناه: فوقع في نفسي من تكذيبي إيَّاه لتصويبه قراءة الرجلين أكثر من تكذيبي إيَّاه قبل الإسلام، فلذلك أَوَّلُوه بأنَّ الذي وقع في نفسه إنما هو نزغة وَخَطْرَة لا تستقرُّ في النفس، والخَطْرةُ التي لا تستقرُّ في النفس غيرُ مؤاخَذٍ بها؛ لأنه لا يقدر على دفعها"، ثم ذكر تأويلًا ضعيفًا جدًّا (3).
وأقول: هذه النزغة ليست من باب الوسوسة التي يلقي بها الشيطان في [649] صدر الإنسان خواطر هو يعلم أنها كذب كما في حديث مسلم عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلَّم به، قال: "أوَ قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان" (4)؛ فإنهم فسَّروا هذه الوسوسة بما يلقيه الشيطان في خاطرك وأنت
__________
(1) محمد بن خليفة بن عمر التونسي الوشتاني أبو عبد الله، محدِّث فقيه توفي سنة 828 ه, من مؤلفاته: "إكمال المعلم في شرح مسلم". انظر: البدر الطالع 2/ 169، معجم المؤلفين 9/ 287.
(2) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي, ويعرف بالإمام، أبو عبد الله، محدث حافظ فقيه أصولي متكلم أديب، ولد بمدينة المهدية بأفريقية وتوفي بها في ربيع الأول سنة 536 ه, من تصانيفه: المعلم بفوائد مسلم، وتعليق على المدونة، وشرح التلقين. انظر: سير أعلام النبلاء 20/ 104، معجم المؤلفين 11/ 32.
(3) 2/ 430. [المؤلف]. وانظر: المعلم 1/ 463 - 464، والمُفهم 2/ 451 - 452.
(4) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان, باب بيان الوسوسة في الإيمان, 1/ 83، ح 132. [المؤلف]
(3/927)

تعلم يقينًا بطلانَهُ، كما جاء في حديث آخر أنه يلقي في خاطر الإنسان: "هذا اللهُ خلق الناسَ فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " (1)، فإن الإنسان يخطر له خاطر وهو يعلم موقنًا أنَّ الله تعالى خالق كل شيء، وأنه لم يزل ولا يزال.
ويُحْكَى أنَّ رجلاً جاء إلى بعض العلماء، فقال له: إنَّ الشيطان قد أضرّ بي، يقول لي: قد طَلَّقْتَ زوجتك، قد طَلَّقْتَ زوجتك. فقال له العالم: أَوَ لَمْ تُطَلِّقْهَا وأنا شاهد؟ قال: لا، والله ما طلَّقتُها. فراجَعه في ذلك، فقال: اتَّقِ الله فِيَّ؛ فإنها والله زوجتي، والله ما طلَّقتها قطُّ. فقال له العالم: فإذا جاءك الشيطان فاحلف له كما حَلَفْتَ لي. هذا معنى القصَّة دون لفظها.
والذي عرض لأُبيًّ شيءٌ أَشَدُّ من هذا إذا حُمل الحديث على ما فهموه. وعندي أنَّ المعنى: فسقط في نفسي شيء من التكذيب ليس كالتكذيب إذ كنت في الجاهلية، أي بل دونه؛ فقد اتَّفق أهل اللغة على أنَّ قولهم في المَثَلِ: ماء ولا كصَدَّاء، معناه: هذا ماء جَيِّد، وليس كماء صَدَّاء في الجودة، بل دونه. وكذا قالوا في المثل الآخر: مَرْعىً ولا كالسَّعْدان (2). والحكايات التي ذكروها في أصل هذين المثلين صريحة في ذلك، والقواعد تقتضي ذلك.
__________
(1) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 1/ 83 - 84، ح 134. [المؤلف]
(2) صدَّاء: رَكِيَّة لم يكن عندهم ماء أعذب من مائها، وأمَّا السَّعْدان فنبات وعشب تأكله الإبل، ويطيب لبنها عليه، وهو من أفضل مراعيها، فإذا رأوا عَلَفًا دونه قالوا هذه المقالة. يُضرب المثلان للشيء يُفضَّل على أقرانه وأشكاله، وللرجل يُحمد شأنه, ثم يصير إلى آخر أكثر منه وأعلى. انظر المثلين والحكايات في أصلهما في الأمثال لأبي عبيد، ومجمع الأمثال للميداني 2/ 275 - 278.
(3/928)

[650] وعلى هذا فالأمر الذي سقط في نفس أُبيًّ رضي الله تعالى عنه دون تكذيبه إذ كان في الجاهلية، ولكن مع ذلك يظهر لي أنه أَشَدُّ من الوسوسة الفارغة.
وفي كلام الأُبَّيَّ ما يؤخذ منه أنَّ العذر مَبْنِيٌّ على مجموع أمرين:
الأوَّل: عدم استقرار ذلك العارض.
والثاني: عدم القدرة على دفعه.
وقد يقال: لماذا لا يكفي عدم القدرة، وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؟
والجواب: أنه لا يمكن أن يجتمع استقرارُها في النفس مدَّةً طويلةً، وعدم قدرته على الدفع، بل إنما تستقرُّ مدَّةً طويلةً إذا قَصَّرَ في البحث والنظر الصادق، بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} كما مرّ، بخلاف النزغة العارضة فإنها تسبق النظر والمجاهدة.
ومما يشهد لهذا قول الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201].
وقد تقدَّم في أوائل الرسالة (1) الإشارة إلى وقائع أخرى تشبه واقعة أُبَيٍّ رضي الله عنه.
ومن الآثار في الأعذار ما جاء أنَّ أَمَةً زنت في عهد عمر بن الخطاب
__________
(1) ص 32 - 33.
(3/929)

رضي الله عنه، فسألها فاعترفت اعترافًا يظهر منه أنها لم تعلم حرمة الزنا، فاستشار عمرُ أكابر الصحابة فقال له عثمان: إنما الحدُّ على من عَرَفَهُ، وأراها تستهلُّ به (1).
فيؤخذ من هذا أنهم فهموا أنَّ الأَمَةَ كانت ترى الزنا مباحًا، ومع ذلك عذروها فلم يُكَفَّرُوها ولا حَدُّوها (2).
ومنها: توهُّم بعض [651] الصحابة في زمن عمر أن الخمر حلال للمتقين المحسنين، واحتجَّ بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 90 - 93].
فعذره الصحابة وبيَّنوا له خطأه ولم يكفِّروه، ولكنهم حَدُّوه (3).
ومنها حديث الصحيحين وغيرهما: "كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا متُّ فاحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذرُّوني في
__________
(1) سنن البيهقيّ، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، 8/ 238 - 239. [المؤلف]. وقوله: تستهلُّ به، أي: تُعْلن به ولا تكتمه، كما بُيِّن في الرواية, ولكنَّ المؤلَّف أوردها مختصرة.
(2) أي: حدَّ الرجم؛ لأنها كانت ثيَّبًا، وإنما جلدوها وغرَّبوها تعزيرًا كما بيَّنته الرواية.
(3) انظر: المستدرك، كتاب الحدود، كان الشارب يُضْرب على عهد النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالأيدي والنعال، 4/ 375. وسنن البيهقيّ، كتاب الأشربة والحدَّ فيها، باب مَن وُجِد منه ريح شرابٍ ... ، 8/ 315 - 316. [المؤلف]. وهو في مصنف عبد الرزاق، كتاب الأشربة، باب من حُدَّ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - 9/ 240 - 243 ح 17076.
(3/930)

الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذِّبنِّي عذابًا ما عذَّبه أحدًا، فلما مات فُعِلَ به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلتْ، فإذا هو قائم بين يدي الله، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رَبِّ خشيتك، فغفر له" (1).
قال في الفتح: "قال الخطَّابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظنَّ أنَّه إذا فُعِلَ به ذلك لا يُعاد ....
قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك ... " (2).
أقول: والحديث ثابت من رواية جماعة من الصحابة عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، منهم حذيفة وسلمان وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو مسعود البدريُّ.
ومنها: الحديث الصحيح [652] في الأَمَة التي سألها النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "أين الله"؟ فقالت: في السماء، فقال: "مَن أنا"؟ قالت: رسول الله، فقال لسيدها: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة" (3).
__________
(1) البخاريّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 54، 4/ 176، ح 3479. مسلم، كتاب التوبة، بابٌ في سعة رحمة الله تعالى، 8/ 97 - 99، ح 2756 - 2757. [المؤلف]
(2) فتح الباري 6/ 336. [المؤلف]. وانظر تأويل مختلف الحديث ص 81. وقد تقدم للمؤلف الكلام على الحديث وتوجيهه بتوسع في ص 132 فما بعدها.
(3) انظر: صحيح مسلمٍ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ... ، 2/ 71، ح 537. [المؤلف]
(3/931)

فقد قال منكرو الجهة: إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عذرها في ظنِّها أنَّ الله تعالى في السماء بجهلها، وضَعْف عقلها، وقلَّّة علمها, ولم يُبَيِّنْ لها خطأها؛ لأنها لا استعداد لها لإدراك مثل هذه الحقيقة، أي أن الله تعالى ليس في جهة.
ومثبتو الجهة لا ينكرون العذر، ولكنَّهم يحتجُّون بالحديث؛ لأنَّ فيه قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: أين الله؟ ولأنه لو كان يعلم أنها مخطئة لبيَّن ذلك لمن حضر القصَّة من أصحابه أو على الأقلَّ لبعضهم؛ فإنه لا يجوز أن يُقال: إنهم جميعًا لم يكن لهم استعداد لإدراك الحقائق.
ومنها: أنه ثبت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قوله: "مَن حلف بغير الله فقد أشرك"، وثبت عنه أنه سمع بعض أصحابه يحلف بأبيه قبل أن يعلموا ما في ذلك، فنهاهم عن ذلك وعذرهم فيما صدر منهم قبل العلم.
وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذا المعنى فترجم بقوله: (باب مَن أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)، ثم ترجم بعده: (باب مَن لم ير إكفار مَنْ قال ذلك متأوِّلًا أو جاهلاً)، وذكر في هذا الباب بعضَ الأحاديث التي ذكر فيها أن بعض الصحابة نسب غيره منهم إلى النفاق بتأويلٍ، وذكر آخِرَه حديث ابن عمر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أدرك عمر بن الخطَّاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "ألا إن الله ينهاكم عن الحلف بآبائكم" الحديث.
قال في الفتح: [653] "وقصده بذكره هنا الإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه: "مَن حلف بغير الله فقد أشرك"، لكن لما كان حلف عمر بذلك قبل أن يسمع النهي كان معذورًا فيما صنع ... ".
(3/932)

وسيأتي ذكر هذه الأحاديث وغيرها، والكلامُ على القَسَم بغير الله تعالى مفصَّلًا إن شاء الله تعالى (1).

فصل
واعلم أنَّ مدار العذر على الجهل مع عدم التقصير في النظر، وإنما الشأن في ضبط التقصير، وهو أمرٌ مشتبهٌ جدًّا؛ فإنه ليس المراد به ألَّا يكون للإنسان استعداد للنظر أصلاً بأن يكون مجنونًا, ولا أن يكون قد صرف عمره كلَّه في البحث والنظر ولم يتشاغل عنه إلاَّ بما لا يستطيع تركه كتناول ما يَسُدُّ رَمَقَه من الطعام والشراب، وكقضاء الحاجة ونحو ذلك، بل الأمر أوسع من هذا.
وقد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِه} ما يوضَّح هذا (2)، وأنَّ الأمور الموجبة للعذر من النسيان والخطأ وعدم الطاقة ليست بمنضبطة، ولكن لعلَّك إذا تَدَبَّرْتَ ما تقدَّم تستطيع التقريب.
وها هنا قاعدة جليلة، وهي: أنَّ مَن رضي بالإسلام دينًا ولو إجمالًا فالأصل فيه أنه معذور في خطئه وغلطه، ومَن لم يرض بالإسلام دينًا فالأصل فيه أنه غير معذور، ولا يخرج أحدُهما عن أصله إلا ببيانٍ واضحٍ. هذا في الحكم الظاهر، فأمَّا عند الله عزَّ وجلَّ فالمدار على الحقيقة؛ ولهذا
__________
(1) انظر ص 989.
(2) انظر ص 914 - 915 مُفْتَتَح فصل الأعذار.
(3/933)

كان يحكم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [654] على أهل الفترة بالشرك والنار (1)، ولا يستثني أحدًا إلاَّ مَن فارق شركهم، كزيد بن عمرو بن نفيل. ومَن حَقَّق النظر ربما يظهر له أنَّ كثيرًا منهم كانوا معذورين، ولكن ليس هناك بيان واضح؛ فلذلك حكم الشرعُ عليهم بالظاهر، وأَمْرُهُمْ عند الله موكولٌ إلى الله.
وقد جاء ما يدلُّ أنَّ أهل الفترة يُمْتَحَنُون يوم القيامة. قال الحافظ في الإصابة (2) في ترجمة أبي طالب: "وورد (3) من عدَّة طرقٍ في حقِّ الشيخ الهرِم، ومَن مات في الفترة، ومَن وُلِدَ أَكْمَهَ أَعْمَى أَصَمَّ، ومَن وُلِد مجنونًا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك، وأنَّ كلًّا منهم يُدْلي بحجة، ويقول: لو عقلتُ أو ذكرت لآمنتُ، فتُرفع لهم نار، ويُقال لهم: ادخلوها، فمَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن امتنع أُدْخِلَها كَرْهًا. هذا معنى ما ورد من ذلك (4)، وقد جمعتُ طرقه في جزءٍ مفردٍ. ونحن نرجو أن يدخل
__________
(1) ورد ذلك في عدَّة أحاديث، منها حديث ابن عمر: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان. فأين هو؟ قال: "في النار" قال فكأنه وجد من ذلك. فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حيثما مررت بقبر مشرك فبشَّرْه بالنار" قال: فأسلم الأعرابي بعد. سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين، 1/ 501، ح 1573. وصححه البوصيري في الزوائد 2/ 43. وروي من حديث سعد بن أبي وقاص، وهو أشبه. انظر: السلسلة الصحيحة رقم 18. والصواب أنه مرسل. انظر: علل ابن أبي حاتم 5/ 693.
(2) الإصابة ط: دار هجر (12/ 397 - 398).
(3) في الإصابة: "والحديث الأخير ورد".
(4) ورد ذلك من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة أخرجه الإمام أحمد 4/ 24، وقال الهيثمي عن سنده: رجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد 7/ 437، وذكر =
(3/934)

عبد المطلب وآلُ بيته في جملة مَن يدخلها طائعًا فينجو، لكن ورد في أبي طالبٍ ما يدفع ذلك ... " (1).
وكان صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يحكم فيمن أسلم أنه على إسلامه وإن ظهر منه خلاف ذلك ما لم يتضح أمره، فمن ذلك قصَّة ذات أنواط، وقد تقدَّمت (2)، فعذر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم القائلين: "اجعل لنا ذات أنواط" مع بيانه أن ذلك كقول بني إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا}.
ومن ذلك حديث الصحيحين عن عِتبان بن مالك في صلاة النبي صلَّى الله [655] عليه وآله وسلَّم في بيته، وفيه: فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخْشُن (3)؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تقل ذاك، ألا تراه قد قال: "لا إله إلا الله"، يريد بذلك وجه الله". قال: الله ورسوله أعلم. أما نحن فوالله لا نرى ودّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين، قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "فإنَّ الله
__________
= الحافظ ابن كثير في الباب أحاديث أخرى، انظرها في تفسيره (5/ 50 - 54) عند قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} في سورة الإسراء: 15.
(1) تتمَّة ما في الإصابة: "وهو ما تقدَّم من آية براءة [يعني قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}]. وما ورد في الصحيح عن العبَّاس بن عبد المطلب أنه قال للنبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: ما أغنيتَ عن عمَّك أبي طالبٍ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال: "هو في ضحضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل".
(2) ص 230.
(3) في الأصل - هنا وفي ص 658 - : (الدُّخْش)، وقد أورده المؤلَّف على الصواب في ص 940.
(3/935)

قد حَرَّم على النار مَنْ قال: "لا إله إلا الله"، يبتغي بذلك وجه الله" (1).
وأخرج الشافعي وغيره عن عبيد الله بن عَدِي بن الخِيار أنَّ رجلاً سارَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فلم نَدْرِ ما سارَّه به حتى جهر النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "أليس يشهد ألاَّ إله إلا الله؟ "، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: "أليس يصلي؟ "، قال: بلى، ولا صلاة له. فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "أولئك الذين نهاني الله عنهم" (2).
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري في قصة قَسْمِ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الذُّهَيْبَةَ التي بعث بها عليٌّ عليه السلام من اليمن أنَّ رجلاً قال لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: اتق الله، فذكر الحديث، إلى أن قال: فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا، لعلَّه أن يكون يصلَّي"، قال خالد: وكَم من مصلًّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إني لم أومر أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم" (3).
__________
(1) البخاريّ، كتاب التهجُّد، باب صلاة النوافل جماعةً، 2/ 60، ح 1186. ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلُّف عن الجماعة لعذرٍ، 2/ 126، ح 33. [المؤلف]
(2) الأم، كتاب الحدود وصفة النفي، باب ما يحرم به الدم من الإِسلام، 6/ 146 - 147. [المؤلف]
(3) البخاريّ، كتاب المغازي، باب بعث عليًّ وخالدٍ إلى اليمن، 5/ 164، ح 4351. مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، 3/ 111، ح 1064 (144). [المؤلف]
(3/936)

وفي رواية: [656] أن المستأذن في قتل الرجل عمر بن الخطاب (1).
قال العلماء: لعلَّ كلًّا من عمر وخالد استأذن في قتل الرجل.
وفي الصحيحين وغيرهما عن علي عليه السلام في قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين يفشي إليهم سِرَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في غزوه إياهم، أنَّ عمر قال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إنه قد شهد بدرًا". الحديث (2).
وفي الصحيحين وغيرهما في قصة الإفك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خطب فقال: "مَن يعذرني في (3) رجلٍ قد بلغ أذاه في أهل بيتي"، فقام سعد بن معاذٍ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحًا ولكن اجتهلتْه الحميَّة، فقال لسعد بن معاذ: لَعَمْرُ الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمِّ سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كَذَبْتَ، لعمر الله لنقتلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. الحديث (4).
__________
(1) البخاريّ، كتاب استتابة المرتدَّين، باب مَن ترك قتال الخوارج للتألُّف ... ، 9/ 17، ح 6933. مسلم، الموضع السابق، 3/ 112، ح 1064 (148). [المؤلف]
(2) البخاريّ، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، 5/ 145، ح 4274. مسلم، كتاب فضائل الصحابة, بابٌ من فضائل أهل بدرٍ، 7/ 168، ح 2494. [المؤلف]
(3) كذا في الأصل، والذي في الصحيحين: "من رجلٍ".
(4) البخاريّ، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، 5/ 119، ح 4141. مسلم، كتاب =
(3/937)

وفي الصحيحين وغيرهما عن جابرٍ أنَّ معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه كان يصلَّي مع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ثمّ يأتي قومه فيصلَّي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوَّز رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفةً، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافقٌ. فبلغ ذلك الرجلَ، فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقال: يا رسول الله، إنَّا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بِنَوَاضِحِنَا (1)، وإنَّ معاذًا صلَّى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوَّزْتُ، فزعم أني منافق، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "يا معاذ! أفتانٌ أنت"، ثلاثًا. الحديث (2).
وفي الصحيحين في قصَّة أسامة في سَرِيَّتِه إلى الحُرَقات (3)، وفيه قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار [657] رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكَفَّ الأنصاريُّ فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدِمنا بلغ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوِّذًا، فما زال يكرُّرها حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (4).
__________
= التوبة، بابٌ في حديث الإفك، 8/ 116، ح 2770. [المؤلف]
(1) الإبل أو الثيران أو الحُمُر التي يُستَقى عليها الماء، واحدها: ناضح. والأنثى بالهاء، ناضحة وسانية. النهاية 5/ 69.
(2) البخاريّ، كتاب الأدب، باب مَن لم ير إكفار مَن قال ذلك متأوَّلًا أو جاهلًا، 8/ 26 - 27، ح 6106. ومسلم، كتاب الصلاة, باب القراءة في العشاء، 2/ 42، ح 465. [المؤلف]
(3) قبيلةٌ من جهينة، والظاهر أنه جمع حُرَقة، واسمه جُهَيش بن عامرٍ سُمَّي الحرقة لأنه حرق قومًا بالنبل فبالغ في ذلك، ذكره ابن الكلبي. انظر: عمدة القاري 17/ 362.
(4) البخاريّ، كتاب المغازي، باب بعث النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسامة, 5/ 144، ح 4269. ومسلم، =
(3/938)

وفي رواية: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى [تعلم أ] قالها أم لا؟ " (1).
وفي الصحيحين من حديث المقداد أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار فاقْتَتَلْنَا فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تقتلْه"، فقال: يا رسول الله إنَّه قطع إحدى يَدَيَّ، ثم قال ذلك بعد ما قطعها، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تقتلْه, فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنَّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (2).
وفي قصة خالد بن الوليد في سَرِيَّته إلى بني جذيمة أنه قتل جماعة منهم، قد قالوا: "صبأنا" (3) ولم يحسنوا قولَ: "أسلمنا"، فوداهم (4) النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (5).
__________
= كتاب الإيمان, باب تحريم قتل الكافر بعد قول الشهادة، 1/ 68، ح 96 (159). [المؤلف]
(1) صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 1/ 67، ح 96 (158). [المؤلف]. وما بين المعقوفتين سقط من الأصل، فاستُدرِك من الطبعة التي نقل عنها المؤلَّف.
(2) البخاريّ، كتاب المغازي، باب 12، 5/ 85، ح 4019. مسلم، الموضع السابق، 1/ 66 - 67، ح 95. [المؤلف]
(3) قال ابن بطّال: أرادوا بها "أسلمنا"، فجهلوا فقالوا: "صبأنا". وإنما قالوا ذلك؛ لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم مع النبيَّ: "صبأ فلانٌ".
(4) أي: أعطى ديتهم. النهاية 5/ 169.
(5) البخاريّ، كتاب المغازي، باب بعث النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ... ، 5/ 160 - 161، =
(3/939)

ووقع لخالد في قتال أهل الردة ما يشبه ذلك.
ففي هذه الأحاديث عذر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لمالك بن الدُّخْشن، والرجل الذي استؤذن في قتله، [658] والقائل له: اتق الله، وحاطب بن أبي بلتعة وسعد بن عبادة مع ما ظهر منهم، وَعَذَرَ المتكلمين في مالك بن الدُّخْشن والمستأمر في قتل الرجل، وخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب وأسيد بن حضير ومعاذًا وأسامة والمقداد مع تكفير كلًّ منهم لمن ليس بكافرٍ، مع أن في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "أيُّما رجلٍ قال لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما" (1). وقد رُوي معنى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وقد ترجم البخاري في صحيحه لهذا الحديث: (باب مَن أكفر أخاه بغير تأويلٍ فهو كما قال). وترجم بعده: (باب مَن لم ير إكفار مَن قال ذلك متأوِّلًا أو جاهلاً)، وذكر فيه قصَّة حاطبٍ ومعاذٍ (2).
وقد ذهب جماعةٌ من الشافعيَّة إلى نحوٍ مما ترجم به البخاريُّ رحمه الله فقالوا: مَن كَفَّرَ مسلمًا بغير تأويل فهو كافر مرتدٌّ. وأطال ابن حجر الهيتمي في تقرير ذلك وتأييده في أوائل كتابه "الإعلام بقواطع الإسلام" (3)، ونقل نحوه
__________
= ح 4339. [المؤلف]
(1) أخرجه البخاريُّ في كتاب الأدب، باب مَن كفَّر أخاه بغير تأويلٍ فهو كما قال، 8/ 26، ح 6104 - واللفظ له - ومسلمٌ في كتاب الإيمان, باب مَن قال لأخيه المسلم: يا كافر، 1/ 56، ح 60 - بنحوه -, من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) انظر: البخاريّ، كتاب الأدب, 8/ 26 - 27. [المؤلف]
(3) ص 340 - 345 (من طبعة الحلبي، 1398 ه).
(3/940)

عن بعض المالكيَّة ...
فأما كَفُّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن قتل مَن ثبت نفاقه فقد بَيَّنَ سبب ذلك بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: [659] "لا يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه" (1).
ولأنهم كانوا إذا سُئِلوا عن كلماتهم الخبيثة جحدوها واعتذروا عنها وأظهروا التوبة، فأمر الله تعالى بالإعراض عنهم، قال سبحانه: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95].

فصل
واعلم أن من الأعذار ما ينفع في الحكم الظاهر وينفع في الآخرة، ومنها ما ينفع في الحكم الظاهر فقط، ومنها ما ينفع في الآخرة فقط، وأنَّ مدار الحكم الظاهر على الأمر الظاهر. ولذلك يكفي في ثبوت الرِّدَّة شاهدان، فلو شهدا أنَّ فلانًا مات مرتدًّا وجب الحكم بذلك، فلا يُصَلَّى عليه ولا يُدْفَنُ في مقابر المسلمين، ويعامَلُ معاملة المرتدِّ في جميع الأحكام.
وقد جرى العلماء في الحكم بالردَّة على أمورٍ، منها ما هو قطعيٌّ، ومنها ما هو ظنِّيٌّ، ولذلك اختلفوا في بعضها, ولا وجه لما يتوهَّمُه بعضهم أنه لا يكفَّر إلا بأمرٍ مجمعٍ عليه. وكذلك مَن تكلَّم بكلمة كفرٍ وليست هناك قرينةٌ
__________
(1) البخاريّ، كتاب التفسير، سورة التوبة، باب قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ}، 6/ 154، ح 4905. مسلم، كتاب الزكاة, باب ذكر الخوارج وصفاتهم، 3/ 109 - 110، ح 1063. [المؤلف]
(3/941)

ظاهرةٌ تصرف تلك الكلمة عن المعنى الذي [660] هو كفرٌ إلى معنًى ليس بكفرٍ فإنه يَكْفُر، ولا أثر للاحتمال الضعيف أنه أراد معنى آخر.
وفي الشفاء عن صاحب سحنون (1) في رجل ذُكِرَ له رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقال: "فعل الله برسول الله كذا وكذا"، وذكر كلامًا قبيحًا، ثم قال: "أردتُ برسول الله العقرب" أنه لا يُقْبَلُ دعواه التأويلَ (2). ونقله الهيتمي في الإعلام (3)، ثم قال: ومذهبنا لا يأبى ذلك.
وقال في الزواجر: "نقل إمام الحرمين عن الأصوليين أنَّ مَن نطق بكلمة الرِّدَّة وزعم أنه أضمر توريةً كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، وأَقَرَّهُم على ذلك" (4).
أقول: وهو الموافق لقواعد الشريعة. ولو قُبِلَ من الناس مثلُ هذا التأويل لأصبح الدين لعبةً، يقول مَن شاء ما شاء مِن سبِّ الله وسَبِّ رسوله، فإن سُئِلَ اعتذرَ بما يُشْبِه هذا التأويل.
فإن قلت: فإنَّ قبول توبته يلزم منه مثلُ هذا الأمر، قلت: كلّا، فإنَّ قبول توبته معناه إثبات أنه ارتدَّ, ثم أسلم، ومثلُ هذا يعاب به بين الناس ويُوَبَّخُ
__________
(1) هو أحمد بن أبي سليمان، وسُحنون هو: عبد السلام بن حبيب بن حسان التنوخي صاحب "المدونة"، لازم أصحاب الإمام مالك: ابن وهب وابن القاسم وأشهب فصار سيد أهل المغرب، وكان من أهل العقل والديانة، توفي سنة 240 ه. سير أعلام النبلاء 12/ 63 - 69.
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض 2/ 217، وإنما لم يقبل التأويل لأن اللفظ صريح، وفيه امتهان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمتكلَّم بهذا لم يوقَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يحترمه.
(3) ص 48. [المؤلف]
(4) الزواجر 1/ 26. [المؤلف]
(3/942)

عليه، ويسقط من العيون، وهذا مانعٌ للسفهاء والملحدين، عن إظهار ما يكفرون به بخلاف مَن يُقْبَلُ عُذْرُه، فتدبَّر.
وإذا كان الأمر كما سمعت في عدم قبول عذر مَن ذُكِرَ مع أنه قد زعم أنه لم يُرِدِ المعنى الذي هو كفرٌ، وذكر معنى آخر زعم أنه أراده، [661] فما بالك بمن يذكر مثل هذه الكلمة وأمثالها وأخبث منها ويؤلِّفُ فيها الكتب ويبنيها على شبهاتٍ عقليَّةٍ ويحتجُّ لها ويناضل عنها ويجهِّل مَن لم يقل بها، ويزعم أنَّه أدركها بالكشف وبالوحي لأنه من أولياء الله تعالى؟
هذه حال جماعةٍ من المتصوِّفة، وتجد كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يعتذرون لهؤلاء المتصوِّفة بأنهم لم يريدوا المعاني الظاهرة، وإنما أرادوا معاني أُخر، ويسندون هذا العذر إلى أنَّ أولئك المتصوِّفة كانوا ملتزمين لأحكام الإسلام، وقد صرَّحوا في بعض كلامهم أنهم لا يخالفون الكتاب والسنة، وأنَّ مَن فهم من كلامهم مَعْنًى يخالف الكتاب والسنة فإنما أُتيَ من جهله بمعاني كلامهم أو جهله بالكتاب والسنة، وشبه ذلك. ولا يكتفون بذلك، بل يقولون: إن أولئك المتصوفة هم خيرة الله من المسلمين، وصفوته وأولياؤه. وكانت نتيجة هذا أنْ بقيت تلك الكتب تقرأ وتنسخ وتطبع وتنشر ويضلُّ بها كُلَّ يوم جماعة وبقي أتباعها ظاهرين مناضلين عن تلك المقالات، وآل الأمر بكثير من الناس إلى الكفر الصُّراح والشرك البواح، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
[662] وهكذا تجد أكثر المنتسبين إلى العلم إذا أقيمت عليهم الحجة بأنَّ كثيرًا من الأفعال والأقوال المشهورة بين العامَّة كفر أو شرك أخذوا يتأوَّلون تأويلات ضعيفة قائلين: إن العوامَّ لا يقصدون هذا المعنى، كيف
(3/943)

وهم مسلمون يشهدون أَلَّا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن القرآن كلام الله؟
فإذا قلت لهم: إن العوامَّ ينذرون للموتى ويذبحون لهم ويدعونهم إلى غير ذلك، قالوا: أمَّا نذرهم للموتى فإنما يقصدون النذر لله عزَّ وجلَّ على أن يكون ثواب ما ينذرونه من صدقة أو نحوها هديّة منهم للموتى. كمن يتصدَّق بصدقة لوجه الله تعالى، ويجعل ثوابها لوالديه، وإنما يذبحون لله عزَّ وجلَّ ويتصدَّقون بالطعام، ويجعلون ثواب الصدقة للموتى، وإنما يقصدون بقولهم: يا بدوي يا رفاعي سؤال الله تعالى بحقَّ البدوي والرفاعي ونحو ذلك.
كذا يقولون، مع أنَّ مَنْ خالط العامة وعرف حالهم عَلِمَ أنَّ هذه التأويلات لا تخطر ببال أحد منهم، وإنما يريدون ما هو الظاهر من أفعالهم وأقوالهم.
نعم، إننا نعذر كثيرًا من العامة أو أكثرهم بالجهل وعدم قيام الحجة عليهم، ولكن الفرض على كُلَّ من أوتي حظًّا [663] من العلم أن يبيِّن للعامة حقيقة ما هم عليه ويبلَّغهم حجة الله عليهم ويحذَّرهم مما يصنعون، فإن لم يفعل فالتبعة عليه، ولا سيما إذا رضي بتلك الأقوال والأفعال ونصرها وساعد عليها وعادى مَن يسعى لإبطالها وعانده وَحَذَّرَ العامة من استماع قوله.
وكثير من المنتسبين إلى العلم يدركون هذه الحقيقة، ولكن الشيطان والهوى وحبَّ الدنيا وما يحصل لهم بسبب انتشار تلك الأقوال والأفعال بين العامة من تعظيمٍ ومنافع دنيوية يصدُّهم عن الحق ويحملهم على
(3/944)

عداوته، فالله المستعان.
واعلم أنَّ البلاء كل البلاء هو إيثار المنتسبين إلى العلم للدنيا ولذَّاتها وجاهها، فالذي يدافع عن المتصوِّفة إنما يحاول أن يشتهر بين العامة وجهلة الأمراء أنه وليٌّ من أولياء الله تعالى، فإن ساعدته الأحوالُ على هذه الدعوى فذاك وإلَّا اكتفى بما اشتهر أنَّ التسليم للأولياء وعدم الاعتراض عليهم ولاية صغرى. وأَقَلُّ أحواله أن يكون مقبولًا عند السواد الأعظم من الأغنياء والأمراء الذين ابتُلُوا بحسن الاعتقاد في أولئك المتصوفة ظنًّا منهم أنَّ محبتهم إياهم تجرِّدهم من قيود الشريعة فلا يبقى عليهم حساب ولا عقاب، [664] ولا يضرُّهم ترك الصلاة والصيام ولا ارتكاب الفواحش، بل يتمُّ لهم نعيم الدنيا وشهواتها ونعيم الجنة ودرجاتها. وقد وضع لهم شياطين الإنس حكايات وقصصًا تهيِّجهم على هذا الاعتقاد كالأشعار المكذوبة على الشيخ عبد القادر ونحوها.
وإنَّ المنتسبين إلى التصوُّف في الهند وغيرها ليحضر عندهم الغني أو الأمير المجاهر بالفسق بحيث ليس له من الإسلام إلا اسمه، فيعظِّمونه ويحترمونه ويمدحونه ويثنون عليه، ويؤكَّدون له أنَّه باعتنائه بهم قد أحرز سعادة الدنيا والآخرة، وكلما جاءهم كان كلامهم معه كله في تعظيمه ومدحه وإقناعه بأنَّه من الفائزين دنيا وأخرى، وتحريضه على قضاء حوائجهم وحوائج أتباعهم ومَن يتشفَّع بهم، ولا يكادون يعرِّضون له أدنى تعريض بأنَّ عليه أن يلتزم الفرائض الإسلامية ويجتنب الكبائر، بل إن أحدهم قد يكون يتكلَّم بموعظةٍ فإذ دخل أحد أولئك الأغنياء أو الأمراء اختصر الوعظ وتجنَّب أن يكون فيه كلمةٌ تؤثَّر على ذلك الغني. فإذا كان معروفًا بترك
(3/945)

الصلاة وشرب الخمر والفجور ونحو ذلك لم يتعرَّض الواعظ في وعظه لشيء من ذلك، [665] خشية أن يتوهم ذلك الغني أنه تعريض به فينفر فيحرم هذا الواعظ من المنافع الدنيوية التي كان ينالها منه. بل يقتصر على فضائل الصالحين وما لهم من الجاه العظيم وما في محبَّتهم وخدمتهم من الخير الجسيم، وأنَّ مَن أحبَّهم فاز دنيا وأخرى، ونحو ذلك. بل قد وَسَّعُوا الدائرة للكفار والمشركين فأعلموهم أنهم إذا أحبُّوا المتصوِّفين واحترموهم وبذلوا لهم الأموال حصلت لهم سعادة الدنيا وإن كانوا مصرِّين على شركهم وكفرهم، بل وقد يوهمونهم أنهم يفوزون بالنجاة في الآخرة أيضًا، بل ربما صَرَّحَ بعضهم بذلك.
وهذا الأمر هو أعظم البواعث لكثير من عقلاء العصر على عدم الإسلام؛ لأنهم يتوهمون أن الإسلام هو ما عليه هؤلاء المتصوِّفون وأضرابهم، فإذا تدبَّروا ما هم عليه وجدوا جهالات وخرافات ومحالات ودجلا ومكرًا لعلَّه يفوق ما عند رهبان النصارى وطواغيت المشركين. بل إنَّ هذا الأمر نفسه قد وَرَّطَ كثيرًا من عقلاء المسلمين في الإلحاد الصريح، وهذا الوباء يتفشَّى بسرعة مخيفة.
وبالجملة، فإنَّك إذا طلبت الإسلام مما يظهر لك منه في هذا العصر وما قرب منه تمثَّلَتْ لك صورة إذا قارنتها بالإسلام المعروف في عهد النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأصحابه وما قرُب منهم، لم تكد تجد بينهما مناسبةً مَّا، فمَن أراد الإسلام حقًّا فعليه أن يطلبه من مَعدِنه من كتاب الله وسنَّة رسوله وعمل القرن الأوَّل وما قرب منه, والله الموفق.
***
(3/946)

[666] ذكر أمور ورد في الشريعة أنها شرك وأشكل تطبيقها على الشرك
تمهيد
اعلم أنَّ كون الشيء سببًا أو علامة قد لا يكون تديُّنًا، وهو ما يرجع إلى أصل عاديًّ مبني على الحسِّ والمشاهدة الموجبين للقطع ولو في جنس ذلك الشيء، كأن يأكل مجذوم ورق شجرة اتِّفاقًا فيبرأ فيعتقد هو وغيره أنَّ أكل ورق تلك الشجرة ينفع من الجذام، فإن هذه تجربة ناقصة، ولكنها ترجع إلى أصل قطعيٍّ وهو أن العقاقير تنفع من الأمراض.
وكأن يكون رجل في بيت بعيد عن القرية فأراد أن يخرج ليلاً لحاجة كصلاة العشاء أو الصبح جماعة، فسمع نُباح الكلب، فظن وجود إنسان مختفٍ قريبًا من بيته ليسرق مثلاً، فمنعه ذلك من الخروج، فإنَّ نُباح الكلب ليس بعلامة قطعيَّة على وجود إنسان غريب، ولكنه يرجع إلى أصل قطعيٍّ وهو أنَّ الكلاب تنبح لرؤية الغرباء.
وقد يكون تديُّنًا، وهو ما يرجع إلى اعتقاد بأمر غيبيًّ، كاعتقاد أنَّ استلام الحجر الأسود سبب للخير، وأنَّ نفرة النفس عن الحاجة بعد الاستخارة فيها علامة على أنه لا خير فيها، وغير ذلك.
[667] وقد يُتَرَدَّد في بعض الظنون أَمِنَ الضرب الأوَّل هو أم مِنَ الثاني، وذلك كما يُظَنُّ في بعض الأحجار أنَّ التختُّم بها يورث السرور أو يدفع العين أو يطرد الجنَّ.
والحكم في هذا، والله أعلم، أنَّ صاحب الظن إن كان يرى أن تلك
(3/947)

الخاصية ناشئة عن سبب من جنس الأسباب العاديَّة المبنيّة على الحسِّ والمشاهدة إلا أنه لم يتبين ذلك السبب فهذا من الضرب الأول، ولكن ينبغي المنعُ من العمل بهذا الظن سدًّا للذريعة.
وإن كان مجوَّزًا أنَّ تلك الخاصيّة ناشئة عن سبب غيبي، كأن يكون ذلك الحجر محبوبًا عند الله عزَّ وجلَّ أو عند الملائكة أو الجن أو شبه ذلك فهذا من الضرب الثاني.
وقد علمت فيما تقدَّم أن التديُّن بما لم يشرعه الله تبارك وتعالى شرك، وربما يقع التردُّد في الظنّ أقد بلغ الحدَّ المعتدَّ به في الحكم أم هو من قبيل الوسوسة؟ فيضبط الشارع الظنَّ المعتدَّ به بما نشأ عنه فعل أو قول.
وكثيرًا ما يقيم الشارع القولَ أو الفعل الذي من شأنه أن ينشأ عن ظنًّ معتدٍّ به مقام ذلك الظن كما مضى في السجود للصنم أو الشمس ونحو ذلك.
ولنشرع في المقصود، ومن الله عزَّ وجلَّ التوفيق.
(3/948)

[668] الطِّيَرة

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "الطيرة من الشرك وما منا, ولكن الله يذهبه بالتوكل". أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح ... سمعت محمد بن إسماعيل [البخاري] يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: "وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل" قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود "وما منا" (1).
وأخرجه أبو داود ولفظه: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا, ولكن الله يذهبه بالتوكل" (2).
ورواه الحاكم في كتاب الإيمان من المستدرك بلفظ الترمذي وقال: "صحيح سنده، ثقات رواته"، وأقرّه الذهبي (3).
أقول: لا يخلو المتطيِّر أن يظن أن الطائر سبب أو علامة، وعلى الحالين فهذا الظن من قسم التديُّن؛ لأنه لا يُعْرَفُ له توجيه من الأصول العادية المبنيّة على الحسَّ والمشاهدة، وهو تديُّنٌ بما لم يشرعه الله عزَّ وجلَّ، فيكون شركًا.
وإنما الشأن في حصول الظنَّ، وقد جعل الشارع ضابط حصول الظن هو العمل به، ففي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم: ... قلت: يا رسول الله، إني حديث عهدٍ بجاهليَّة، وقد جاء الله بالإسلام، وإنَّ منَّا رجالًا
__________
(1) جامع الترمذيّ، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة, 1/ 304، ح 1614. [المؤلف]
(2) سنن أبي داود، كتاب الطبِّ، بابٌ في الطيرة, 2/ 190، ح 3910. [المؤلف]
(3) المستدرك، كتاب الإيمان, "الطيرة شركٌ", 1/ 18. [المؤلف]
(3/949)

يأتون الكهَّان، قال: "فلا تأتهم". قال: ومنَّا رجال يتطيَّرون، قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدَّنَّهم ... " (1).
[669] وفي مسند أحمد بسندٍ فيه نظرٌ عن الفضل بن عبَّاسٍ، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردَّك" (2).
فالذي يعرض للمؤمنين إنما هو من قبيل الوسوسة التي لا تقدح في الإيمان أصلاً، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلَّم" (3).
وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الله بن مسعودٍ قال: سُئل النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن الوسوسة، قال: "تلك محض الإيمان" (4).
وعن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة, باب تحريم الكلام في الصلاة ... ، 2/ 70، ح 537. [المؤلف]
(2) المسند 1/ 213. [المؤلف]. وفي سنده: محمَّد بن عبد الله بن عُلاثة العُقَيليُّ، وقد تُكُلَّم فيه. ومسلمة بن عبد الله بن ربعيًّ الجهنيُّ، وهو مجهول الحال، ولم يدرك الفضلَ بن عبَّاسٍ.
(3) صحيح البخاريَّ، كتاب العتق، باب الخطإ والنسيان في العتاقة، 3/ 145، ح 2528. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان, باب حديث النفس والخواطر بالقلب، 1/ 81 - 82، ح 127. [المؤلف]
(4) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان, باب بيان الوسوسة في الإيمان, 1/ 83، ح 133.
(3/950)

وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" (1).
فالعمل بالطيرة أن تصدَّك عن أمر قد عزمت عليه أو كنت متردِّدًا فيه أو تُمْضِيَكَ في أمرٍ لم تكن عازمًا عليه.
نعم، لو عزم رجل على معصية أوهمّ بها فعرض عارض فَهِمَ منه إشارة إلى موعظة فصدّه عن المعصية لم يكن هذا من الطيرة المنهي عنه (2)؛ لأن الذي صدّه في الحقيقة إنما هو عِلْمُه بأن ذلك الفعْلَ معصية متوعَّدٌ عليها بالعذاب. وكذا مَن كان متردَّدًا في فعلٍ يَعْلَم أنه طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ فعرض عارضٌ فَهِمَ منه إشارةً ترغِّبه في الفعل فَفَعَل.
[670] وليس من الطيرة ما يُنْقَل عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من حبِّ الفأل (3)، فإنه لم يكن الفأل يحمله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم على فعلِ ما لم يكن يريد أن يفعله، ولا يصدُّه عن فعلِ ما كان يريد أن يفعله، وإنما يُرْوَى عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه كان إذا أراد أن يرسل رسولاً تحرّى أن يكون اسمه حسنًا (4)، ونحو ذلك.
__________
(1) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان, باب بيان الوسوسة في الإيمان, 1/ 83, ح 132. [المؤلف]
(2) كذا في الأصل، ولعله قصد: التطيُّر.
(3) كما في حديث أنس مرفوعًا: "يعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة". أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الفأل، 7/ 135، ح 5756. ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل ... ، 7/ 33، ح 2224. وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة 7/ 33، ح 2225: "وأحب الفأل الصالح".
(4) أخرج أبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة, 4/ 19، ح 3920، عن بريدة أن =
(3/951)

قال العلماء: إنما هذا من باب سَدَّ الذريعة لئلا يقع أمرٌ مكروه قد قُضِيَ فيلقي الشيطان في نفوس بعض الناس أن ذلك لأجل قبح اسم الرسول أو نحوه.
أقول: سيأتي أن التفاؤل محمود في الجملة؛ فاختيار الاسم الحسن ليتفاءل به المرسَلُ إليه؛ فيكون ذلك أدعى إلى امتثال ما أرسل إليه به النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولا يكون ذلك إلا خيرًا. ولو كان الاسم قبيحًا لتطيَّر به المرسل إليه إن كان كافرًا أو قريب عهد بالإسلام، وهم الغالب يومئذٍ.
ويُرْوَى عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه كان إذا سمع الكلمة الحسنة سُرَّ بها (1).
وأقول في توجيه ذلك: إن ما يَعْرِضُ للإنسان مما يُتَفَاءَل به يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون من الله عزَّ وجلَّ على سبيل التبشير.
الثاني: أن يكون من فعل الشيطان يُرَغَّب الإنسان في فِعْلِ ما لا خير له فيه.
الثالث: أن يكون أمرًا اتفاقيًّا.
__________
= النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا يسأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به ... إلخ. وإسناده صحيح.
(1) أخرج الترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة، 4/ 161، ح 1616، من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح يا راشد. وقال: "حديث حسن صحيح غريب".
(3/952)

فالوجه الثاني منتفٍ فيما يكون المتفائل آخذًا في العمل؛ إذ لا حاجة بالشيطان إلى الترغيب فيه وقد شرع الإنسان فيه دائبًا على فعله، ويبقى الاحتمالان الأول والثالث، فأمَّا النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فكان يترجَّح في حقِّه الأول؛ لأنه لم يكن يُقْدِمُ على العمل حتى يَظْهَرَ له أنه طاعة لله عزَّ وجلَّ، وقد علم من الدِّين أن طاعة الله عزَّ وجلَّ سببٌ للخير، وعلم أن الشيطان لا يرغَّب في الخير. فأمّا مَن لا يريد عملًا فيسمع كلمة حسنة فيرغب فيه فاحتمال الوجه الثاني قائم فيه، والوجه الأول منتفٍ بدليل مَنْعِ الشارع من الاعتداد بذلك، ولعله [671] يكون في ذلك الفعل ضررٌ لاحتمال أن تكون تلك الكلمة من الشيطان يُرَغِّب الإنسان فيما يضرُّة، اللهمّ إلا أن يكون ذلك الفعل طاعة لله عزَّ وجلَّ، فكان الإنسان متكاسلًا عنه فسمع كلمة فَهِمَ منها إشارة إلى الترغيب في الخير، فهذا معنىً آخر كما تقدم.
وأما الطيرة فإن الكلمة السيئة مثلًا تحتمل أن تكون من تنبيه الله عزَّ وجلَّ تنفيرًا عن ذلك العمل، وتحتمل أن تكون من الشيطان ليصدَّ الإنسان عن ذلك الفعل لعلمه أن له خيرًا فيه، وتحتمل أن تكون اتفاقًا.
ويترجّح الأول إذا كان العمل معصية لله عزَّ وجلَّ ولا يكون الانزجار عن تلك المعصية عند سماع تلك الكلمة من التطيُّر المنهي عنه؛ لأنه لم يستند إليها، وإنما استند إلى ما عنده من السلطان أن ذلك العمل معصية. ويترجح الثاني إذا كان ذلك العمل طاعة لله عزَّ وجلَّ أو مباحًا؛ لأن الاحتمال الأول منتفٍ بدليل منع الشارع من التطير. والاحتمال الثالث مرجوح لما عُلِمَ أن الشيطان مولَع بالإضلال والإضرار، فالانكفاف عن العمل تديُّنٌ بما لم يشرعه الله عزَّ وجلَّ كما مرّ، وهو مع ذلك طاعة للشيطان.
(3/953)

وقد قال ابن حجر المكي: "قال الرافعيُّ عنهم [أي الحنفية]: ... واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح العَقْعَق (1) فرجع، هل يكفر؟ (انتهى).
زاد النووي في الروضة: قلت: الصواب أنه لا يكفر" (2).
[672] أقول: وقد علمت أن الدليل مع مَن قال: يكفر هذا الراجع إن تحقَّق أنه إنما رجع لصياح العقعق إلا أن يكون ممن يُعْذَر، وقد مرّ بيان الأعذار. والله أعلم.
****
__________
(1) العَقْعَق - وِزان جعفرٍ -: طائرٌ نحو الحمامة طويل الذنب، فيه بياضٌ وسوادٌ, وهو نوعٌ من الغِربان، والعرب تتشاءم به. المصباح المنير ص 422.
(2) الإعلام بقواطع الإسلام، ص 23. [المؤلف] وانظر: روضة الطالبين 10/ 67.
(3/954)

الرقى
قال الإِمام أحمد:"ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منَّا على شيء يكرهه. قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيط (1)، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط أرقي (2) لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: "إن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شركٌ". قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلانٍ اليهوديِّ يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كَفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا" (3).
وأخرجه أبو داود عن محمَّد بن العلاء عن أبي معاوية، فذكره
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) في سنن ابن ماجه (2/ 1167، ح 3530) وشرح السنَّة للبغويَّ (12/ 157، ح 3240): "رُقِي" بصيغة المبنيِّ للمجهول، كما ضبطه في مرقاة المفاتيح 8/ 371. وانظر رواية ابن أبي شيبة الآتية قريبًا.
(3) المسند 1/ 381. [المؤلف]
(3/955)

مختصرًا (1).
وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن بشرٍ عن الأعمش (2).
[673] وفي سنده: ابن أخي زينب، مجهولٌ.
لكن رواه الحاكم في المستدرك من طريق محمد بن مسلمة الكوفي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب، فذكره بنحوه، وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين"، وأقره الذهبي (3)، وفيه نظر.
ولكن أخرجه الحاكم من طريق أخرى عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن قال: دخل ابن مسعودٍ على امرأته، فرأى عليها خرزًا من الحمرة، فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك". قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: صحيح (4).
وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق أبي الضحى عن أم ناجية قالت:
__________
(1) أبو داود، كتاب الطبّ، بابٌ في تعليق التمائم، 2/ 186، ح 3883. [المؤلف]
(2) ابن ماجه، كتاب الطبّ، باب تعليق التمائم، 2/ 188، ح 3530. [المؤلف]
(3) المستدرك، كتاب الرقى والتمائم، الدعاء عند عيادة المريض 4/ 417 - 418. [المؤلف]. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان)، كتاب الرقى والتمائم، ذكر التغليظ على من قال بالرقى والتمائم متكلًا عليها 13/ 456 ح 6090 من طريق يحيى الجزار، عن ابن مسعود، وهو منقطع.
(4) المستدرك، كتاب الطبّ، نهى عن الرقى والتمائم والتَّوَلة 4/ 217. [المؤلف]
(3/956)

دخلتُ على زينب امرأة عبد الله أعودها من حمرة ظهرت بوجهها، وهي معلقة بخرز، فإني لجالسة دخل (1) عبد الله، فلما نظر إلى الحِرْز أتى جذعًا معارضًا في البيت فوضع عليه رداءه، ثم حسر عن ذراعيه، فأتاها، فأخذ بالخرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع في الأرض فانقطع، ثم خرج من البيت، فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم خرج فرمى بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب، أعندي تُعَلِّقين؟! إني سمعت رسول الله [674] صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: نهي عن الرقى والتمائم والتولية، فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم فقد عرفنا فما التولية؟ قال: التولية ما يهيج النساء" (2).
كذا وقع في النسخة (التولية) والمعروف: التولة، ووقع فيه: (الحرز) بالحاء المهملة، والظاهر: (الخرز) بالمعجمة. والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: دخل عبد الله على امرأته وهي مريضة فإذا في عنقها خيط معلق، فقال: ما هذا؟ فقالت: شيء رقي لي فيه من الحمَّى، فقطعه فقال: إن آل إبراهيم أغنياء عن الشرك (3). كذا وقع في النسخة: (الحمَّى)، و (آل إبراهيم)، والصواب: (الحمرة)، و (آل عبد الله).
وأخرج عن إبراهيم قال: رأى ابن مسعود على بعض أهله شيئًا قد تَعَلَّقَهُ
__________
(1) كذا في الأصل والمستدرك.
(2) المستدرك، الموضع السابق، 4/ 216 - 217. [المؤلف]
(3) المصنَّف، كتاب الطبّ، في تعليق التمائم والرقى، 12/ 40، ح 23924.
(3/957)

فنزعه منه نزعًا عنيفًا، وقال: إن آل ابن مسعودٍ أغنياء عن الشرك (1).
وأخرج من طريق قتادة عن رافع بن سحنان (2) قال: قال عبد الله: مَن علّق شيئًا وكل إليه (3).
وأخرج الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يكره عشر خلال، الحديث، ذكر فيه: "الرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم" (4).
[675] وبالجملة فحديث قيس بن السكن عن ابن مسعود صحيح لا مغمز فيه، وبقية الروايات شواهد قوية وعواضد يبلغ بها الحديث غاية الصحة.
__________
(1) المصنَّف، الموضع السابق، 12/ 40، ح 23925.
(2) كذا في الأصل في الأصل والنسخة التي نقل عنها المؤلف، وصوابه: واقع بن سَحبان، ذكره البرديجىّ في طبقات الأسماء المفردة ص 73، وابن ماكولا في الإكمال 4/ 267، ويكنى أبا عَقِيلٍ. ترجم له ابن سعدٍ 7/ 227، والبخاريّ 8/ 198، وابن أبي حاتمٍ 9/ 49، وابن حِبَّان في الثقات 5/ 498.
(3) المصنَّف، الموضع السابق، 12/ 43 - 44، ح 23940.
(4) مسند أحمد 1/ 380، سنن أبي داود، كتاب الخاتم، باب ما جاء في خاتم الذهب، 2/ 224، ح 4222. المستدرك، كتاب اللباس، "أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره عشر خصالٍ"، 4/ 195، وقال: "صحيح الإسناد"، وأقرَّه الذهبيّ، ولكن عبد الرحمن بن حرملة مجهولٌ. [المؤلف]. وهو في صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الحظر والإباحة، باب التواضع والكبر والعجب، ذكر الزجر عن أشياء معلومة ... 12/ 495، ح 5682.
(3/958)

وفي صحيح مسلمٍ عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليّ رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ" (1).
هذا شاهد لحديث ابن مسعود في الجملة لدلالته على أن من الرقى ما هو شرك، وهو في أحاديث أخرى في الإذن بالرقى قد مرّ بعضها تبيِّن حديث ابن مسعود بدلالتها على أنَّ من الرقى ما ليس بشرك.
وتفسير ذلك أن الرقى على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الرقية بكتاب الله تعالى وذكره ودعائه اللَّذَيْنِ أُذِنَ في مثلهما فهذا حق وإيمان، ولكن الأولى بالمؤمن ألَّا يسأل غيره أن يرقيه، كما تقدَّم إيضاحه في الدعاء (2).
الضرب الثاني: ما كان فيه تعظيم لغير الله عزَّ وجلَّ، فهذا إن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو كالأول وإلا فهو شرك، ومن ذلك الإقسام بالكواكب وأسماء الشياطين وبالحروف (3) والأسماء التي يزعمون أنها أسماء الروحانيَّين. ويلحق بذلك في المنع ما كان فيه كلمات أعجمية لا يدرى معناها، وإن كان معها ذكر لله عزَّ وجلَّ وثناء عليه؛ لأن المشركين يخلطون عبادة الله تعالى بعبادة غيره. وكذا ما كان فيه حروف مفردة فإنه لا
__________
(1) مسلم، كتاب السلام، بابٌ: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ"، 7/ 19، ح 2200. [المؤلف]
(2) انظر ص 787 - 788.
(3) كُتِب بحاشية الصفحة بقلم الرصاص عبارةٌ، كأنها: (التي لا تُعرَف)، وقد تكون من المؤلِّف.
(3/959)

يؤمَنُ أن تكون كلمات أعجمية شركية قُطَّعَتْ حروفًا.
[676] الضرب الثالث: ما كان من الرقى كلمات عربية ليس فيها تعظيم ولا مدح، فإن كان يرى أو يجوَّز أن لتلك الكلمات أثرًا يستند إلى غيبيٍّ كالروحانيين والجن والكواكب ونحوها فحكمه كالقسم الثاني، والله أعلم. وإن كان لا يجوِّز ذلك، وإنما يقول: لعلَّ للحروف والكلمات خواصّ كخواصّ الأشجار والأحجار، فالحكم في هذا مشتبه، ولم نجد له مستندًا ثابتًا في الشريعة ولا في الحسَّ والعادة القطعيَّين. والذي أختاره الآن المنعُ من هذا؛ لأنه إن لم يكن فيه نفسه حرج فهو ذريعة إلى القسم الثاني، والله أعلم.
وفي فتح الباري: "وقال ابن التين: .... وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزَّم وغيره ممن يدَّعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركَّبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يَشُوبُه من ذكر الشياطين والاستغاثة بهم والتعوُّذ بمَرَدَتهم. ويقال: إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزَّم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رُقِيَ بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان. ولذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من الشرك. وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة.
قال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه؛ لئلا يكون فيه شرك أو يُؤدي إلى الشرك.
(3/960)

الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب.
[677] الثالث: ما كان بأسماء غير الله من مَلَك أو صالح أو مُعظَّم من المخلوقات كالعرش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمَّن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه؛ فيكون تركه أولى إلاَّ أن يتضمن تعظيم المرقيَّ به فينبغي أن يُجتنَب كالحلف بغير الله" (1).
أقول: ذكر اسم المَلَك أو الصالح أو المعظَّم في معرض الرقية بذكره تعظيم وأيُّ تعظيم، فالحقُّ ما قدَّمناه في الكلام على الضرب الأول.
ثم قال في الفتح: "وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يُرقى بكتاب الله وما يُعْرَف من ذكره. فقلت: أَيَرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رَقَوْا بما يُعْرَف من كتاب الله وبذكر الله. اه ...
وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن من أمر الناس القديم ...
وسُئِل ابن عبد السلام عن الحروف المقطَّعة، فمنع منها ما لا يُعْرَف؛ لئلا يكون فيها كفر" (2).
****
_________
(1) فتح الباري 10/ 153. [المؤلف]. وانظر: المفهم للقرطبي 1/ 466 - 467.
(2) [فتح الباري] 10/ 153 - 154. [المؤلف]
(3/961)

التمائم
قد تقدَّم حديث ابن مسعود.
وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: "مَن تعلَّق تميمةً فلا أتَّم الله له، ومَن تَعَلَّق وَدَعَة فلا ودع الله له" (1).
[678] وأخرج الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن عقبة أيضًا أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحدٍ، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا، قال: "إن عليه تميمةً"، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: "مَن عَلَّق تميمةً فقد أشرك" (2).
وقال ابن أبي شيبة في المصنف: "ثنا شبابة، ثنا ليث بن سعد، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامرٍ قال: موضع التميمة من الإنسان
__________
(1) المسند 4/ 154. المستدرك، كتاب الرقى والتمائم، الدعاء عند عيادة المريض، 4/ 418، وقال: "صحيحٌ"، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف] وهو في صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الرقى والتمائم، ذكر الزجر عن تعليق التمائم التي فيها الشرك بالله جل وعلا، 13/ 450، ح 6086. وقال المنذري في الترغيب والترهيب 4/ 306: "إسناده جيد". وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 175: "ورجاله ثقات" لكن في إسناده خالد بن عبيد المعافري، وهو مجهول. انظر: السلسلة الضعيفة 3/ 427، ح 1266.
(2) مسند أحمد 4/ 156، المستدرك، كتاب الطبّ، أمسك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بيعة رجلٍ كانت في عضده تميمةٌ، 4/ 219، ورجاله ثقاتٌ، ووقع في نسخة المستدرك تحريفٌ في بعض الأسماء. [المؤلف]
(3/962)

والطفيل (1) شركٌ"، وهذا سندٌ صحيحٌ.
وقال: "ثنا شريك، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: "مَن تعلَّق (2) التمائم وعقد الرقى فهو على شعبةٍ من الشرك"، وهذا مرسلٌ.
وقال: "ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم والرقى والنشر".
وقال: "ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة" (3).
وقد اختلف في تفسير التمائم.
فقيل: إن التميمة خرزة مخصوصة.
وقيل: بل كل ما يُعلَّق رجاءً للنفع.
وممَّا يدل على الثاني ما في مصنف ابن أبي شيبة: [679] "ثنا هشام (هشيم)، ثنا مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كُلَّها من القرآن وغير القرآن".
ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن أنه كان يكره ذلك (4).
__________
(1) كذا في الأصل، والذي في المصنَّف: "والطَّفل".
(2) كذا في الأصل، والذي في المصنَّف: "مَن علَّق".
(3) المصنَّف، كتاب الطبّ، في تعليق التمائم والرقى، 7/ 373 - 375.
(4) المصنَّف، الموضع السابق، 7/ 374.
(3/963)

وفيه: "ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه كره تعليق شيء من القرآن.
وقال: "ثنا هشيم، عن مغيرة، قلتُ لإبراهيم: أعلَّق في عضدي هذه الآية: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] من حُمَّى كانت بي؟ فكره ذلك.
وقال: "ثنا وكيع، عن ابن عون، عن إبراهيم أنه كان يكره المعاذة (1) للصبيان، ويقول: إنهم يدخلون به الخلاء" (2).
ومما يدلُّ على أن التمائم يتناول (3) ما كان من القرآن ونحوه: ما أخرجه الحاكم في المستدرك وغيره عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "ليست التميمة ما تُعُلَّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تُعُلِّق به قبل البلاء".
قال الحاكم: "هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولعل متوهمًا يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة رضي الله عنها وليس كذلك؛ فإن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد ذكر التمائم في أخبارٍ كثيرةٍ، فإذا فسرت عائشة رضي الله عنها التمائم فإنه خبرٌ مسندٌ" (4).
__________
(1) ما يكتب من القرآن والدعاء ويُعلَّق كما سيأتي عند المؤلف في ص 973.
(2) المصنَّف، الموضع السابق، 7/ 373 - 376.
(3) كذا في الأصل على تقدير اسم التمائم.
(4) المستدرك، كتاب الطبّ، التميمة ما تُعُلَّق به قبل البلاء، 4/ 217، وأعاده بعد ذلك [في كتاب الرقى والتمائم، التمائم ما عُلَّق قبل نزول البلاء]، 4/ 418، وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين"، وقال الذهبيّ في تلخيصه: "صحيحٌ". [المؤلف].
(3/964)

ودلالته على العموم من وجهين:
الأول: ظاهر قولها: إنما التميمة ما تُعُلِّق به.
[680] وكلمة (ما) من قولها: (ما تُعُلِّق به) اسم موصول، فيعمُّ كلَّ ما يُتَعَلَّق به.
الثاني: أن كلمة (أل) في قولها: (التميمة) ليست للجنس، بدليل أن المعروف في اللغة بل المتواتر أن التميمة يطلق على الخرزة التي تُعَلَّق رجاء نفعها، سواء بعد البلاء عُلِّقت أم قبله، وإنما هي للعهد. أرادت - والله أعلم - ليست التميمة التي نهى عنها النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ....
ولو جعلنا التميمة في كلامها خاصًّا بالخرزة لدلّ كلامها أن تعلُّق الخرزة بعد البلاء غير منهي عنه، وهذا باطل لعموم الأحاديث في النهي وما في بعضها من ذكر السبب وأنه كان بعد البلاء، مع ما سيأتي عن عائشة نفسها من إنكارها جَعْلَ الخلخالين على الصبي، والصبي حينئذٍ مبتلىً.
فالصواب - والله أعلم - حمل التميمة في كلامها على كل ما يُتعلَّق رجاء النفع، ثم يستثنى من ذلك الخرز ونحوها فإنها منهي عنها مطلقًا، ويبقى ما يُعلَّق مما فيه ذكر الله تعالى، فهذا هو الذي يجيء فيه التفصيل، فإن عُلِّق قبل البلاء فهو تميمة منهي عنها، وإن عُلِّق بعد البلاء فلا حرج فيه.
وحديثها هذا هو - والله أعلم - حجَّة القائلين بمنع الرقى والمعاذات قبل البلاء والترخيص فيها بعد البلاء.
قال الحافظ في الفتح: "وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي
(3/965)

وغيرهما (1)، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى"، فذكر [681] حديث ابن مسعود المتقدم، ثم قال: "والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تُعَلَّق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، والتولة .... شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله. ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه؛ فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه".
فذكر حديث: كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات، وحديث تعويذه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الحسن والحسين، وما في معنى ذلك، ثم قال: "لكن يحتمل أن يقال: إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقّع" (2).
أقول: أما ما كان من تعويذ الإنسان بالقول والنفث ونحوه لنفسه ولولده أو لولد غيره بدون سؤال، فهذا لا يدخل في الرقية ولا يُمنَع قبل البلاء ولا بعده. وأما ما يكون لغيره بسؤال ولا سيَّما إذا كان المسؤول منه لا يعرف بالخير والصلاح أو كان من أهل الكتاب، فهذا هو الرقية التي يمنع منها قبل البلاء ويرخص فيها بعده، بشرط أن تكون بذكر الله تعالى. فأما إذا كان المسؤول معروفًا بالخير فقد كان الصحابة رضي الله عنهم ربما يذهبون بأطفالهم الأَصِحَّاء إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يدعو لهم، ولكن لم
__________
(1) انظر: التمهيد 17/ 160 - 161، سنن البيهقي 9/ 350، الآداب الشرعية 2/ 444.
(2) فتح الباري 10/ 153. [المؤلف]
(3/966)

يكن ذلك يتكَرَّر، ولم يفعل السلف فيما نعلم مِثْلَ ذلك مع غير النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فلم يكونوا يذهبون بأطفالهم إلى أبي بكرٍ أو عمر أو غيرهما.
[682] وأما ما يكتب ويُعَلَّق فالفرق بينه وبين تعويذ الإنسان نفسه وولده ظاهر، وقول الحافظ: "وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قُرِنَتْ فيه التمائم بالرقى" صريح أو كالصريح في أن الحكم المذكور مُسَلَّم في التمائم أي إنها إنما يرخص فيها بعد البلاء، وهذا لا يصح في الخرز، فإنه لا يرخص فيها أصلاً، كما يدل عليه قوله: "وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله"، فإن هذا المعنى موجود في تعليق الخرز سواء أقبل البلاء عُلِّقت أم بعده، ولكن ينبغي أن يزاد بعد قوله: "من عند غير الله" بغير إذنه؛ لإخراج التداوي بالأدوية المعروفة.
فالحاصل: أن التمائم التي يرخص فيها بعد البلاء هي المعاذات المكتوب فيها ذكر الله عزَّ وجلَّ. والله أعلم.
وقال البيهقي في السنن الكبرى في الكلام على حديث ابن مسعود: "وقال أبو عبيد: ... وأما الرقى والتمائم فإنما أراد عبد الله ما كان بغير لسان العربية مما لا يُدرى ما هو؟
قال الشيخ (1): والتميمة يقال إنها خرزة ... ، ويُقال: قلادة تُعلَّق فيها العُوَذ"، ثم ذكر حديث عقبة بن عامرٍ، ثم قال: "وهذا أيضًا يرجع معناه إلى ما قال أبو عبيدٍ، وقد يحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهة فيمن
__________
(1) هو البيهقيّ.
(3/967)

تعلّقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلَّة منها على ما كان أهل الجاهلية يصنعون. فأما من تعلّقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أَلَّا كاشف إلَّا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها إن شاء الله" (1). اه.
فكلام أبي عبيدٍ صريحٌ في أن التمائم تطلق على ما يكتب، وكذا كلام البيهقي أخيرًا؛ فإنه في التمائم بدليل قوله: "فيمن تعلقها وهو يرى تمام العافية"، [683] وصريح في أن مراده التمائم المكتوبة؛ بدليل قوله: "فأما من تعلقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها".
بقي كلام في حديث عائشة، وهو أن لفظه عند البيهقي في رواية: "ليست التميمة ما يُعلَّق قبل البلاء، إنما التميمة ما يُعَلَّق بعد البلاء ليدفع به المقادير" (2). كذا وقع في هذه الرواية, ورجح البيهقي الرواية التي قَدَّمناها عن المستدرك، وكأنه انقلب الحديث في هذه الرواية, على أنها لو صحت لكان لها معنى، بأن يقال: المراد بالتمائم الخرز؛ فما علق قبل البلاء لزينة مثلًا فلا بأس به، وإنما البأس فيما يُعلَّق بعد البلاء لدفع المقادير، ولكن في هذا المعنى ركاكة؛ إذ لا يكون فائدة للتقييد بقبل البلاء وبعده، بل المدار على الباعث على التعليق، فكان وجه الكلام لو أريد هذا المعنى أن يُقال: ليس التمائم ما عُلَّق للزينة؛ وإنما التمائم ما علق رجاء النفع أو نحو ذلك، فالصواب ما رجَّحه البيهقي، وأن المتن في هذه الرواية انقلب على الراوي، والله أعلم.
__________
(1) السنن الكبرى 9/ 350.
(2) السنن الكبرى, كتاب الضحايا، باب التمائم، 6/ 350.
(3/968)

والحاصل أن التمائم إن أريد بها الخرز ونحوها مما لا كتابة فيه فهو ممنوع البتة، وقد ورد فيه حديث ابن مسعود وحديث عقبة بن عامر، وقد تقدَّما.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أن أمه حدثته أنها أرسلت إلى عائشة رضي الله عنها بأخيه مخرمة، وكانت تداوي من قرحة تكون [684] بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالين جديدين (كذا)، فقالت عائشة: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه، لو رأيتهما ما تداوى عندي، وما مُسَّ عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين".
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي (1).
وفي تهذيب التهذيب في ترجمة بكير بن عبد الله: "وقال أحمد بن صالح: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه؛ فهو الثقة الذي لا شك فيه".
ولعل الصواب: (خلخالين حديدًا) بدل (جديدين)، بدليل قولها: "لخلخالان من فضة أطهر من هذين".
وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أبصر على عضد رجل حلقة، أُراه قال: من صُفْر (2)، فقال: "ما هذه؟ " قال:
__________
(1) المستدرك، كتاب الطبّ، التميمة ما تُعُلَّق به قبل البلاء، 4/ 217 - 218. [المؤلف]
(2) من صُفْرٍ - بضم الصاد -: أي من نحاسٍ. انظر: هدي الساري 144.
(3/969)

من الواهنة (1)، قال: "أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا! انبذها عنك؛ فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا" (2).
أقول: لكن في مصنف ابن أبي شيبة: "ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين أنه رأى في يد رجل حَلْقَة من صُفْرٍ، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: لم تزدك إلا وهنًا, ولو مت وأنت تراها نافعتك لمتَّ على غير الفطرة.
ثنا هشيم، قال: أنا منصورٌ (3)، [685] عن الحسن، عن عمران بن الحصين، مثل ذلك".
أقول: وهذا هو الصحيح، موقوفٌ. المبارك بن فضالة متكلَّم فيه، وقد تابعه على رفعه مَنْ هو دونه، وهو أبو عامرٍ الخزاز صالح بن رستم. أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ قال: دخلت على النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وفي عضدي حلقة صُفْرٍ، فقال: "ما هذه؟ " فقلت: من الواهنة، فقال: "انبذها". قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وأقرَّه الذهبي (4).
__________
(1) الواهنة: عرقٌ يأخذ في المنكب وفي اليد كلَّها فيرقى منها، وقيل غير ذلك. انظر: النهاية 5/ 234.
(2) المسند 4/ 445، واللفظ له. سنن ابن ماجه، كتاب الطبّ، باب تعليق التمائم، 2/ 188، ح 3531. وحسَّنه البوصيري في مصباح الزجاجة 2/ 223 ح 1232.
(3) في النسخة: ثنا هشام، قال: أنا أبو منصورٍ. [المؤلف]
(4) المستدرك، كتاب الطبّ، إذا رأى أحدكم من نفسه أو من أخيه ما يحبُّ فليبرَّك، 4/ 216. [المؤلف]
(3/970)

وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، قال: دخلت على أبي معبد الجهنيِّ وهو عبد الله بن عُكَيمٍ وبه جمرٌ (كذا) (1)، فقلت: ألا تعلِّق شيئًا، فقال: الموت أقرب من ذلك، قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "مَن تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه" (2).
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إمامٌ في الفقه، ولكنه غير قويًّ في الحديث، ولكن في كنز العُمَّال (3) أن ابن جريرٍ أخرج هذا الحديث وصحَّحه، والله أعلم.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف (4): "ثنا علي بن مسهر، عن يزيد، أخبرني زيد بن وهب قال: انطلق حذيفة إلى رجل من النَّخَع يعوده، فانطلق وانطلقتُ معه، فدخل عليه ودخلت معه، فلمس عضده فرأى فيه خيطًا، فأخذه فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ وهذا في عضدك ما صَلَّيتُ عليك.
[686] ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن حذيفة قال:
__________
(1) في الترمذيّ: "حمرةٌ"، وهو الصواب.
(2) لفظ المستدرك، كتاب الطبّ، من تعلَّق شيئًا وُكِل إليه، 4/ 216. ولفظ الإمام أحمد بنحوه، المسند 4/ 310. [المؤلف]. وكذا أخرجه الترمذيّ في كتاب الطبّ، باب ما جاء في كراهية التعليق، 4/ 403، ح 2072. وقال: "وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: كتب إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
(3) 10/ 110، ح 28552. لكنه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم.
(4) كتاب الطب، في تعليق التمائم والرقى، 12/ 41 - 42، ح 23928 - 23929.
(3/971)

دخل على رجل يعوده فوجد في عضده خيطًا، فقال: ما هذا؟ قال: خيط رُقِيَ لي فيه، فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ ما صَلَّيتُ عليك".
وقال (1): "ثنا عبدة، عن محمد بن سُوقة، أن سعيد بن جبير رأى إنسانًا يطوف بالبيت في عنقه خرزة فقطعها.
ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبيرٍ قال: مَن قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة".
وكُلُّ هذا يدلُّ على ما قدَّمنا في التمهيد أن مَن تعلَّق خرزة أو نحوها مجوِّزًا أن تكون سببًا لنفعٍ غيبيًّ كان ذلك شركًا، وإن لم يكن يجوِّز ذلك ولكنه يرجو أن تكون لها خاصَّيةٌ طبيعيَّةٌ في سرور النفس أو طرد الجنِّ أو دفع العين أو نحو ذلك فهذا أيضًا ممنوع سدًّا للذريعة.
وعموم الأحاديث يتناول الخيط الذي يُرْقَى فيه، ويُصَرِّح بذلك أثر ابن مسعود وأثر حذيفة؛ فإنهما لم يلتفتا إلى أن ذلك الخيط رقي فيه، ولم يسألا عن تلك الرقية بماذا كانت؟ أبذكر الله تعالى أم بغيره؟ وكأن ذلك - والله أعلم - لشبهه بالخرزة، فمُنِعَ سدًّا للذريعة، وإلَّا فقد يقاس على ما صح عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه كان يدني يديه مِنْ فيه فيتعوَّذ وينفث فيهما ثم يمسح بهما بدنه؛ فإنَّ هذا يدلُّ أنَّ نَفْثَ القارئ يقتضي حصولَ بركة فيما نفث فيه.
فأما إذا اختار الراقي شيئًا مخصوصًا كجلد أرنب أو نحو ذلك مما لم يأت به سلطان أو عقد في الخيط فلا شبهة أنه في معنى الخرزة قطعًا، والله أعلم.
__________
(1) الموضع السابق، 12/ 43، ح 23938 - 23939.
(3/972)

[687] وأما ما جرت به العادة أن يؤتى إلى الراقي بماء فيقرأ عليه ويدعو فيه ثم يُذْهَب به فَيُسْقاه المبتلى ويُرَشُّ عليه منه فلا أرى به بأسًا، والأولى بالمؤمن أَلاَّ يسأله لنفسه على ما علمتَ فيما مرّ، والله أعلم.
وأما المَعَاذات وهي ما يكتب من القرآن والدعاء ويُعلَّق فقد تقدمت آثار بكراهتها وجاءت آثار بالرخصة فيها، والظاهر الجواز بعد البلاء بشرط أَلَّا يُكتَب إلاَّ ما ثبت من الشرع التبرّك به من القرآن والدعاء الخالص عَمَّا لم يأذن الله تعالى به، وبشرط ألَّا يتحرَّى شيئًا لا سلطان من الله تعالى على تحَرِّيه، وذلك كأن يكون القلم من حديدٍ، أو يكون الرقُّ جلد غزالٍ، أو يكون المداد فيه زعفران، أو يكون الخط بالسريانيَّة، أو أن يبخِّر عند الكتابة، أو أن يكتب عددًا مخصوصًا إلا الثلاثة أو السبعة فإن لتحرِّيهما أصلاً في الشريعة، أو يتحرَّى وقتًا مخصوصًا كوقت الكسوف، أو مكانًا مخصوصًا كساحل البحر، أو أن يكتب على هيئة مخصوصة كالأوفاق (1)، أو يراعي حساب الجمَّل، أو طبائع الحروف على زعم أن لها طبائع، وغير ذلك مما هو معروفٌ في كتب العزائم كشمس المعارف وغيره، وعامَّة ذلك مأخوذ عن الصابئة، كما تقدَّم عن الشهرستاني (2).
فإذا تحرَّى في المَعاذة شيئًا من هذه الأشياء التي لم يجئ بها سلطان من كتاب الله عزَّ وجلَّ ولا من سنّة نبيّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كانت المعاذة في معنى الخرزة, وعامة كتب العزائم والتعاويذ على خلاف الشريعة، وفي كثير منها الكفر البواح والشرك الصراح، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
__________
(1) سبق التعريف بها ص 663.
(2) انظر ص 671 - 673
(3/973)

[688] فصل في التِّولة والسحر
قد تقدم (1) في حديث ابن مسعود أن التولة شرك.
وفي النهاية (2): "التولة: - بكسر التاء وفتح الواو - ما يحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى".
وقال الحافظ ابن حجر: "والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا: شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله" (3).
أقول: تحبُّب المرأة إلى زوجها على وجهين:
الأوَّل: تحبُّبُها بما جرت العادة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة أنه يحبِّب، كالتزيُّن والتدلُّل وإظهار فَرْطِ محبتها له ونحو ذلك، وليس هذا من التولة.
الثاني: تحبُّبُها بما لم تَجْرِ به العادة كذلك، وإنما هو مستَنِد إلى قوَّة غيبيَّة، فهذا إن جاء سلطان من الله تعالى بالإذن فيه فذاك، وإلا فهو من التِّوَلة. وإنما جاء السلطان بالإذن في الدعاء المجرّد عن البدع والخرافات وفي كلّ ما هو طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كالصلاة والصيام والصدقة. وكل ما لم
__________
(1) راجع ص 955.
(2) 1/ 200.
(3) فتح الباري 10/ 153. [المؤلف]
(3/974)

يجئ به سلطان فهو من التولة، وهي شرك؛ لأنها تتضمَّنُ خضوعًا يطلب به نفع غيبِيٌّ لم ينزل الله تعالى به سلطانًا، وتتضمَّن طاعة للشياطين والمعزِّمين وَالعَجَائِز ونحوهم فيما يُطْلَب به نفع غيبِيٌّ ولم ينزل الله تعالى بها سلطانًا، والله أعلم.
وقال ابن حجر الهيتميُّ في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام: "قد مرَّ أن السحر قد يكون كفرًا، وغرضنا الآن استقصاء ما يمكن من الكلام فيه وفي أقسامه وحقيقته وبيان أحكامه رَدْعًا لكثيرين انهمكوا عليه وعلى ما يقرب منه، وعَدُّوا ذلك شرفًا وفخرًا, [689] فنقول: مذهبنا في السحر ما بسطناه فيما مرَّ.
وحاصله: أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظَّم الله سبحانه أو اعتقاد أنَّ له تأثيرًا بذاته أو تنقيص نبي أو مَلَكٍ بشرطه السابق أو اعتقد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردَّةً .....
وأما الإمام مالكٍ رحمه الله تعالى فقد أطلق هو وجماعةٌ سواه الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، وأن تعلمه وتعليمه كفر كذلك، وأنَّ الساحر يُقتل ولا يستتاب (1)، سواء سحر مسلمًا أم ذِمِّيًّا كالزنديق، ولبعض أئمة مذهبه كلام نفيس ...... وحاصله: أن الطرطوشي قال: قال مالك وأصحابه: الساحر كافرٌ ..... ويؤدَّبُ من تَرَدَّدَ إلى السحرة إذا لم يباشر سحرًا ولا علمه؛ لأنه لم يكفر، ولكنه ركن للكفر. قال: وتعلمه وتعليمه عند مالكٍ كفرٌ.
__________
(1) انظر: النوادر والزيادات 14/ 532.
(3/975)

وقالت الحنفية (1): إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما شاء فهو كافر، وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر.
وقالت الشافعية رضي الله عنهم: يصفه؛ فإن وجدنا فيه كفرًا كالتقرّب للكواكب ويعتقد أنها تفعل فيلتمس منها فهو كفر، وإن لم نجد فيه كفرًا فإن اعتقد إباحته فهو كفر (2).
قال الطرطوشي: .... واحتج مَن لا يقول إن تعلمه كفرٌ بأن تعلُّم الكفر ليس بكفرٍ، فإن الأصوليَّ (3) يتعلَّم جميع أنواع الكفر ليحذَّر منه ولا يقدح في شهادته ....
قال القرافي (4): هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى القواعد الشرعية أن نكفَّرهم، كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى الشرق، ويعتقدون أن الآثار تحدث عن تلك الأمور بخواصَّ نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكن تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ [690] لأنهم جرَّبوا ذلك فوجدوه لا يخرم عليهم لأجل خواصَّ نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء عند شرب الأدوية، وخواصِّ
__________
(1) انظر: فتح القدير لابن الهمام 6/ 99 والكلام عن الكاهن.
(2) انظر: روضة الطالبين 9/ 346.
(3) يعني: المشتغلين بعلم الكلام.
(4) في الفروق 4/ 283 فما بعدها.
(3/976)

النفوس، ولا يمكن التكفير بها؛ لأنها ليست من كسبهم، ولا كُفْرَ بغير مُكْتَسَب.
وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله، فهذا خطأ؛ لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جاءت الآثار من خواصِّ نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك الاعتقاد في الكوكب كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصَّبِر والسَّقَمُونِيا (1) عَقْدَ البطن وقَطْعَ الإسهال، وأما تكفيرهم بذلك فلا.
وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين تُقْدِرها لا بقدرة الله تعالى؛ فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى، فكما لا تكفر المعتزلة بذلك لا يكفر هؤلاء.
ومنهم مَن فَرَّق بأن الكواكب مظنة العبادة، فإذا انضمَّ إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرًا.
وأجيب عن هذا الفرق: بأن تأثير الحيوان في القتل والضرِّ والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم، وأما كون المشتري أو زُحَل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين للمنجمين لا حجة في ذلك، وقد عبدت البقر والشجر، فصار هذا الشيء مشتركًا بين الكواكب وغيرها.
والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلَّة بنفسها لا تحتاج إلى الله
__________
(1) نباتٌ يُستخرَج منه دواءٌ مسهَّلٌ للبطن ومزيلٌ لدوده. المعجم الوسيط 437.
(3/977)

تعالى، فهذا مذهب الصابئة، وهو كفرٌ صُراحٌ ....
وقال قبل ذلك: .... ذكروا أنه يؤخذ سبعة أحجار ويرجم بها كلب شأنه أنه إذا رمي بحجر عضَّه، فإذا رمي بسبعة أحجار وعَضَّها كلها لُقِطت بعد ذلك وطُرِحت في ماء، فمن شرب منه ظهر فيه آثار [691] خاصّة يعبِّر عنها السحرة، فهذه تثبت للسحر، وليس ما يذكره الأطباء من الخواصِّ في هذا العالم للنباتات وغيرها من هذا القبيل .... " (1).
أقول: أما ما اشتمل على عبادة غير الله تعالى من خضوع يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى أو طاعة فيما يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى فهو شرك وكفر قطعًا؛ فوضع العقاقير في قبور الموتى ونحوها إن كان الواضع يرى أو يجوَّز كون الوضع مرضيًّا عند الله عزَّ وجلَّ أو عند الروحانيِّين أو أرواح الموتى أو الجنّ أو الشياطين أو الكواكب فوضعه لها خضوع وطاعة يطلب بهما نفع غيبِيٌّ، وإذْ لم يأذن الله عزَّ وجلَّ به فهو شرك. وإن كان لا يجوِّز شيئًا من ذلك وإنما يرى ما يحصل من قبيل الخواص الطبيعيّة؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مُسمَّى السَّحر كان حكمُه حكم السحر الذي لا يتضمّن كفرًا آخر، وسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى.
وهكذا رَمْيُ الكلب بالأحجار ولَقْطُها وَوَضْعُها في الماء إن جوّز الرامي أن عمله ذلك يرضي الله عزَّ وجلَّ أو الروحانيَّين أو أرواح الموتى أو الجنّ والشياطين أو الكواكب فهو من الشرك، وإن كان لا يجوِّز ذلك وإنما يرى ذلك لخاصيَّة في لُعاب الكلب عند غضبه؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مسمَّى السحر كان حكمُه حكمَ السحر، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
__________
(1) الإعلام ص 58 - 61. [المؤلف]
(3/978)

فأما اعتقاد التأثير، فاعلم أن التأثير على ضربين:
الأوَّل: ما ثبت بالعادة القطعيَّة المبنيَّة على الحسَّ والمشاهدة، كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان [692] إلى الحدِّ المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك، فلا يكفر إلا مَنْ يُخْرجها من خلق الله تعالى أصلاً. فأما من يقول: إن الله تعالى أودع في النار قُوَّة الإحراق مثلًا فهي تؤثِّر بذلك إلا أن يشاء الله عزَّ وجلَّ سَلْبَها قوَّةَ الإحراق فيسلبها فلا يكفر هذا وإن خطَّأه كثير من العلماء (1). ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًّا ولكنه مستند إلى قطعيًّ، كما سلف في التمهيد.
الضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعيّة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة، فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثِّر مدبِّرٌ استقلالاً، وقد مرَّ تفسيره، فهو شرك. وإن لم يبلغ ذلك؛ فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله عزَّ وجلَّ أو كذب عليه فهو كفر وشرك، وإلا فهو من الخرص المذموم.
هذا حكم الاعتقاد، فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرّ حكم ذلك.
__________
(1) يشير الشيخ إلى علماء الأشاعرة، فهم الذين يخطئون هذا القول ويبدَّعون قائله كما قال قائلهم: "ومن يقل بالقوة المودَعة ... فذاك بدعي فلا تلتفت". انظر: شرح الخريدة البهية للدردير 165. وأهل السنة يقولون: إن النار تحرق والسيف يقطع والخبز يشبع، وكلها أسباب مؤثرة إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع، وليست مبدعة، وليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده. وخالق السبب التام خالق للمسبَّب لا محالة. منهاج السنة 3/ 12 - 13، اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 226، التدمرية 211.
(3/979)

ولا يتوقّف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير؛ فإن من اعتقد أن الملائكة والجنّ قد ينفعون بني آدم بإذن الله تعالى وقد يضرّونهم بإذن الله تعالى مصيب في اعتقاده، ولكنه إن خضع للملائكة خضوعًا لم يأذن به الله تعالى يكون مشركًا. وكذلك إن خضع للجنَّ أو أطاعهم قائلاً: إنما أخضع لهم لكي ينفعوني إذا أذن لهم الله تعالى في نفعي ولكي لا يضرُّوني إذا أذن الله تعالى لهم في ضري، بل من عمد إلى شجرة فزعم أن التمسُّح بها ينفع عند الله عزَّ وجلَّ يكون مشركًا مع أنه لم يعتقد للشجرة تأثيرًا أصلاً، ولو اشتهرت شجرة بأنها تُعبد ثم جاء إنسان إليها فصنع كما يصنع عابدوها لكان مشركًا، وإن زعم أنه لم يعتقد أن عبادتها تقرِّب إلى الله تعالى.

[693] حكم السحر وتعليمه وتعلمه
أما إذا كان في السحر عبادة لغير الله تعالى، أو كذب عليه عزَّ وجلَّ، أو تكذيب بآياته، فلا شبهة في التكفير، وربما لا يخلو السحر عن ذلك، ولكن لاشتباه معنى العبادة كثيرًا مَّا يخفى الشرك. وهذا مصداق ما جاء في الحديث عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: "أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" الحديث (1).
وقد تقدَّم في الأعذار بشواهده (2).
وتعليمه وتعلُّمه إن كانا بمباشرة الشرك أو مع اعتقاد الكفر فكلاهما
__________
(1) مسند أحمد 4/ 403. [المؤلف]
(2) انظر ص 143.
(3/980)

كفر، وذلك كأن يباشر المعلم والمتعلم الأعمال الشركية، كأن يلبسا اللباس الخاص بزُحَل ويبخَّرا ببخوره، ويقْعُدا يدعُوانه ويعظِّمانه، أو يقرِّبا القُرْبان المخصوص بالجنِّ ويقعدا يدعُوان الجنَّ، أو اعتقدا أنَّ تعظيم الكواكب جائز أو أنَّ تعظيم الملائكة يحملهم على نفع المعظَّم، وقس على ذلك.
وإن لم يكن إلاَّ ذكر الصفة وسماعُها فليس في ذلك كفر، لك