Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 001


الكتاب: آثَار الشّيخ العَلّامَة عَبْد الرّحمن بْن يحْيَي المُعَلّمِيّ اليَماني
اعتنى به: مجموعة من الباحثين
منهم: المدير العلمي للمشروع عَلِي بْن مُحَمَّد العِمْرَان
وفق المنهج المعتمد: من الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى)
الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1434 ه
عدد الأجزاء: 25
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
آثَار الشّيخ العَلّامَة
عَبْد الرّحمن بْن يحْيَي المُعَلّمِيّ
(1)
المدخل
إلي آثار العلامة
عَبْد الرّحمن بْن يحْيَي المُعَلّمِيّ اليَماني
- مُقَدّمَة تَعْرِيفيَّة بالمَشْرُوع
- تَرْجَمَة العَلّامَة الُمعَلّمِيّ
- الرَّسَائِلُ المُتَبَادَلة
تأليف
عَلِي بْن مُحَمَّد العِمْرَان
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(1/2)

راجع هذا الجزء
مُحمَّد أجمَل الإصْلَاحِي
مُحَمَّد عُزَير شَمْس
(1/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
الطبعة الأولي 1434ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصّف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الأطهار وصحبه الكرام الأبرار، ومن والاه.

أما بعد، فهذا هو "المدخل إلى آثار الشيخ العلَّامة عبد الرحمن المُعلِّمي اليماني"، وقد تضمّن ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقدمة تعريفية بالمشروع
وفيه ثلاثة مباحث:
الأول: قصة بداية المشروع.
الثاني: مراحل العمل فيه.
الثالث: الصعوبات وما إليها.
القسم الثاني: ترجمته العلامة عبد الرحمن المعلِّمي
وفيه عشرة مباحث:
الأول: مصادر ترجمته.
الثاني: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته.
الثالث: تنقلات الشيخ ورحلاته.
- الرحلة إلي الإدريسي.
- الرحلة إلى الهند.
- رحلته إلى مكة المكرمة.
الرابع: أسرته.
الخامس: شيوخه.
السادس: تلاميذه.
(1/5)

السابع: صلته بعلماء عصره.
الثامن: ثناء العلماء والفضلاء عليه.
التاسع: مؤلفاته وتحقيقاته.
- أولاً: مؤلفاته بحسب ترتيبها في هذه الموسوعة.
- ثانيًا: كتبه المفقودة أو التي لم تدخل في هذه الموسوعة.
- ثالثًا: تحقيقاته.
العاشر: وفاته.
القسم الثالث: الرسائل المتبادلة
رأينا أنه من المناسب جدًّا أن نلحق بهذا المدخل التعريفي بالمشروع وبمؤلفه: الرسائلَ المتبادلةَ بين المعلمي وغيره من العلماء والأقارب والتلاميذ والمحبين لتعلقّها الأكيد بترجمته.
والحمد لله الذي وفَّق وأعان على إتمام هذه الموسوعة العلمية العظيمة، ونسأله سبحانه أن يكتب الأجر والثواب لمؤلِّفها، وللقائمين عليها, ولكلّ مَن كانت له يدٌ بيضاء في إتمامها وإنجازها. وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب
علي بن محمّد العمران
المدير العلمي للمشروع
20/ 12/ 1433 ه
aliomraan@hotmail.com
a_alemran@ تويتر
(1/6)

القسم الأول
مُقَدّمَة تَعْرِيفيَّة بالمَشْرُوع
(1/7)

تمهيد
لا شكّ أن الله تعالى قد أبقى في العلماء في كل دهر بقيةً يبيّنون للناس دينَهم، ويحفظون أمر شريعته، ويكشفون ما أشكل على الناس منها، ويوضِّحون ما التبس من أحكامها، ويهدونهم إلي الصراط المستقيم، صراط الكتاب والسنة وسلف الأمة وأئمتها، ويردّون على أهل الضلال ضلالهم وعلى أهل الشُّبَه شُبَههم بأوضح الحجج وأجلاها.
وجعل الله تعالي في تلك الكوكبة من العلماء - كرمًا منه ومنّةً - مِن مَتانة الديانة، وجميل الأخلاق، والبعد عن زخارف الدنيا، ما أكسبهم جميلَ الذّكر. وجعل فيهم أيضًا من قوّة العلم والغوص على دقائق المعاني، وانكشاف الحقائق وحل المعضلات، ما مَهّد لهم القبول عند الناس، ليحصل كمال الانتفاع بعلومهم وديانتهم.
وإذا كنّا نعدُّ من هؤلاء العلماء المحققين في غابر الدهر العددَ الكثير والجم الغفير، فإنهم في العصور المتأخرة أقل من القليل، فإذا كانوا كذلك فواجبٌ على أهل العلم وطلبته، وأهل الإصلاح والتربية، وأهل البسطة في المال والسعة فيه أن يلتفتوا جميعًا لإحياء مآثر هؤلاء النفر من الأئمة والعلماء؛ وذلك بأنواع من الوسائل، كالتعريف بهم، وإبراز محاسنهم، وبثّ علومهم، والعناية بتراثهم، وتقريبه للناس، وتيسير الوصول إليه، وغير ذلك.
ومن هؤلاء العلماء المحققين في العصور المتأخرة: الشيخ الإِمام العلامة بقيّة السَّلَف عبد الرحمن بن يحيى المُعلِّمي العُتْمي اليماني، المولود سنة 1312 في اليمن، المتوفى سنة 1386 بمكة المكرمة رحمه الله تعالى.
(1/9)

فقد ترك المعلمي ثروة عظيمة من الكتب والرسائل، فيها علم غزير وتحقيق بالغ، لكن لم يطبع منها في حياته إلا القليل، ولم يطبع منها بعد وفاته إلى اليوم إلا قليل أيضًا، فجاء هذا المشروع لينهض بمهمة طباعة جميع كتبه ورسائله = تحقيقًا لرغبة الشيخ في طباعتها وعملًا بوصيته (1)، ونفعًا للناس وخدمة للعلم.
وقد يسّر الله الكريمُ بمنّه جَمْعَ آثاره ومصنّفاته في هذه الموسوعة المباركة، بجهود مخلصة حثيثة، وعمل دؤوب، وصبر ومصابرة، واستغرق العمل فيه عشر سنوات قضيناها في خِضَمّ هذا المشروع الكبير، وتخلّل ذلك انقطاعات متعددة للعمل في المشروعات العلمية الأخرى.
وكان هذا المشروع أول الأمر مجرّد فكرة، ثم بذرناها في أرض الجدّ في مطلع سنة 1423، وتعاهدناها بالعناية والسقي عدة سنين، حتى استوى العمل على سوقه، فنمت أشجارُه، وأورقت أغصانُه، وتفتّقت أكمامه، وبدت ثماره، فها هي يانعةً دانيةَ القِطاف لكل راغب في حصاد موسم 1433. فيا له من حصاد مبارك!
فالحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، والحمد له أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وهذا أوان الشروع في شرح قصة المشروع، وخطته، ومراحل العمل فيه، والصعوبات التي واجهناها.
...
__________
(1) سيأتي بسط ذلك في الكلام على مؤلفاته (ص 124 - 126).
(1/10)

المبحث الأول
قصة بداية المشروع
في صيف عام 1418، أي قبل خمسة عشر عامًا مضت، في مجلس من مجالس شيخنا العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد (ت 1429) رحمه الله تعالى بداره العامرة بالطائف = تذاكرنا سيرةَ الشيخ العلامة المجتهد عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي (ت 1386) رحمه الله تعالى، وعرّجنا على ذِكر كتبه ومؤلّفاته، وما طُبع منها وما لم يُطبع. وكان شيخُنا شديدَ الإعجاب بمؤلفات المعلمي (1)، وقد لقَّبَه في بعض كتبه ب (ذهبيّ العصر) (2) مقارنة له بالإمام الذهبي، بجامع تفنّنهما في علم الرجال والجرح والتعديل.
وذكرنا ما طُبع من كتبه في الآونة الأخيرة، وأن هناك بعض المحاولات لبَعْث بعض تراثه، إلا أنها لا تليق بمكانة الشيخ ولا تنهض بخدمة كتبه على الوجه المرضيّ.
وذكرنا أيضًا بعض الرسائل العلمية التي قدّمت عن جهود الشيخ في مختلف الجوانب، وأنها لم تَفِ بحقّ الشيخ لا من حيث الترجمة ولا من حيث استيفاء المادة العلمية؛ لأن غالب كتبه لم تطبع، واعتماد الدارسين على مؤلفاته المخطوطة كان يعتوره قصور شديد.
فانتهى الكلامُ بنا إلى أنه ينبغي النظر فيما بقي من تراث هذا الإِمام، والسعي في نشره وتعميم نفعه للناس.
__________
(1) ولم يكن قد طبع منها في ذلك الوقت إلا ستة كتب أو سبعة.
(2) كما في "التأصيل" (ص 27).
(1/11)

وكان معنا في المجلس آنذاك أحد طلاب الشيخ، وكان يعمل في "كتابة عدل" في مكة، فطلب منه شيخنا أن يسعى في تصوير كتب الشيخ المعلمي من مكتبة الحرم المكيّ الشريف، تمهيدًا للنظر فيها، ومعرفة ما لم يطبع منها، وطباعة ما يصلح منها للنشر.
ولا أدري هل صوّرت الكتب بعد ذلك أم لا! لكنني أحسب أن أمر هذه الفكرة قد انتهى إلى هذا الحدّ! ولعل انشغال شيخنا بمشاريع علمية أخرى أخّرت إتمام النظر في هذا المشروع، أو أن من كلّفه شيخُنا بالتصوير لم يتمكّن من ذلك.
وبعد نحو خمس سنوات، أي في أثناء سنة 1423 لمَعَ بارقُ أمل جديد لإحياء هذه الفكرة، والنهوض بهذا المشروع من جديد، وذلك أن أخي الشيخ أسامة الحازمي كان يتردّد عليّ ومعه بعض رسائل العلامة المعلمي المخطوطة في مسائل نحوية وصرفية (1)، وكان له اشتغال بنسخها وتحقيقها، فربّما استشكل كلمةً أو عبارة من خط الشيخ، فنتعاون في فكّ عُقَدها وإيضاح مغلقها، وجرى الحديث في أثناء ذلك عن كتب العلامة المعلمي في مكتبة الحرم، وعن حالها وإمكانية تصويرها. وذكرتُ له ما كنّا نهمّ به من تصويرها والعمل عليها، وذكرتُ له حديثي السالف مع شيخنا بكر أبو زيد رحمه الله.
ثم انقدح في ذهني أن أُعيد لفتَ نظر شيخنا إلى الأمر من جديد، مع
__________
(1) وكان قد سبق له تحقيق كتاب "اللطيفة البكرية" للشيخ المعلمي، وطبعت في دار
عالم الفوائد سنة 1421ه.
(1/12)

علمي بما كنّا عليه من الانشغال الشديد بالمشاريع العلمية الكبرى التي كان شيخنا يشرفُ عليها (1)، وأنجزنا طائفة منها؛ لكني عزمتُ وفاتحته في الأمر، فرأيت منه ما لم أتوقعه من سرعة الاستجابة والنشاط للموضوع، بما لم أعهده منه في المرة السالفة التي سبق الحديث عنها.
طلبَ الشيخُ كتابةَ تصوّر للمشروع، مع قائمة بأهم كتبه التي لم تُطبع، ومعلومات أوليّة عنها وعن مكان وجودها، فأرسلتُ له ذلك بعد أيام قلائل، فحصلت الموافقة على المشروع في غضون أيام، وأُدرج ضمن المشاريع العلمية التي يشرف عليها الشيخ تحت رعاية مجمع الفقه الإِسلامي بجدة، والتي تمولها مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية، وتديرها وتنفذها دار عالم الفوائد بمكة المكرمة، ولله الحمد والمنة.
وعليه؛ كَتب شيخُنا طلبًا لرئاسة شؤون الحرمين يطلب فيه تصوير كتب الشيخ المعلمي من مكتبة الحرم المكي الشريف، فاعتُمِد الطلب، وصوّرت الكتب.
فهذه قصة البداية، وها نحن اليوم نكتب قصة نهاية هذا المشروع العظيم، الذي سيكون بدايةً لقصّةٍ جديدة في العلم والتحقيق والمعرفة، فما أجملها من نهاية نَدلِفُ بها إلى بداية جديدة.
...
__________
(1) وهي ثلاثة مشاريع كبرى: آثار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وقد طبع منها حتى الآن 21 مجلدًا، وآثار الإِمام ابن القيم، وطبع منها 38 مجلدًا، والعمل جارٍ في استكمال باقي المشروعَين. وآثار العلامة الأمين الشنقيطي، وطبعت كاملة في 19 مجلدًا.
(1/13)

المبحث الثاني
تفاصيل العمل في مراحل المشروع
أما تفاصيل العمل في المشروع على مدى عشر سنوات منصرمة؛ فتلك قصة طويلة الذيول، ربما أعْجِز عن سرد تفاصيلها، لكني سأذكر منها ما يكشف عن المراحل التي مرّ بها، وخطة العمل الأساسية، والعقبات التي واجهتنا، والمشاركين في كل مرحلة، وما استجدّ لنا من كتب الشيخ بعد ما شارفنا على تمام المشروع.

* المراحل التي مرّ بها المشروع
المرحلة الأولى: أول عمل قمنا به في باكورة هذا المشروع هو كتابة قائمة بمؤلفات الشيخ المحفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف، وذلك من خلال البطاقات الموجودة في المكتبة والسّجلّ المتسلسل لمخطوطات المكتبة، قمنا بحصر هذه العنوانات في قائمة من عدة أوراق، ومن خلال هذا الفهرس حصل تصوير المخطوطات من المكتبة. وقد قمنا بهذا الفهرس بناءً على طلب قسم التصوير في المكتبة، فإنه لما جاءت الموافقة من إدارة المكتبة بتصوير كتب الشيخ، طُلِب منّا صنع قائمة بالكتب التي نريد تصويرها.
وقد استلمنا كلَّ المطلوب تصويره من مكتبة الحرم في غضون شهرين أو ثلاثة.
(1/14)

وقد اعتور هذا الفهرس والتصوير من خلاله عدة أمور، نبدأ بذكر ما وقع في الفهرس:
1 - أن لكل مخطوطا رقم تصوير على الميكروفلم، وما لم يكن كذلك فإنه لم تؤخذ له صورة فلميّة، فلا يمكن تصويره.
2 - أن مجموعة من الكتب لم تكن مصوّرة على المكيروفلم، لضعف ورقها واهترائه، فهذه لم نتمكن من تصويرها في هذه المرحلة.
3 - لم ندرج أرقام الكتب التي طبعت سابقًا في هذا الفهرس، ك "التنكيل" و"الأنوار الكاشفة" وبعض الرسائل الصغيرة، فقد أجّلنا تصويرها لمرحلة آتية، إذ كان جلّ اهتمامنا في هذه المرحلة بما لم يطبع من الكتب تمهيدًا للمرحلة الثانية.
4 - هناك العديد من كتب الشيخ لم تكن مدرجة ضمن البطاقات ولا ضمن السجل العام، ثم أُدرجت فيما بعد، فلم نصوّرها في هذا المرحلة، ثم صورناها بعد صدور فهرس مكتبة الحرم في أربعة مجلدات عن مكتبة الملك فهد الوطنية. حيث تتبّعتُ عنوانات كتب الشيخ، وقارنتُها بما صورناه منها، وطلبتُ تصوير ما لم يصوّر سابقًا، وقد بلغت أكثر من خمسة وعشرين عنوانًا.
هذا ما اعتور الفهرس المذكور، أما ما اعترى المخطوطات المصوّرة من إشكالات فنعرضه هنا باختصار:
أُخِذت صورةٌ من كتب الشيخ على الميكروفلم، ومن ثَمّ كان التصوير الورقي من خلاله وليس من الأصول الخطيّة.
(1/15)

وقد وقع في هذه الصورة الورقية لكتب الشيخ ضروبٌ من النقص والإشكالات، سواء في أمور تتعلق بوضوح التصوير وضعفه، أو نقص المخطوط وتمامه، أو ترتيب أوراق المخطوط من عدمها، أو نقص أوراق منها عند التصوير، أو تفرّق أوراق المخطوط ووقوع الخطأ في ترتيبها، أو ترقيم الأوراق بعد تشتتها فيزيد اضطرابهَا غموضًا وإبهامًا، أو تشتّت المخطوط الواحد ليصبح عدة مخطوطات لكل منها رقم خاص وعنوان خاص، أو إغفال تصوير الأوراق الطيّارة الملحقة بالمخطوط مع أهميتها لمعرفة هوية المخطوط وعنوانه، أو الجور على أوراق المخطوط عند تجليده فتذهب كثير من الكلمات في أطرافه.
هذه بعض الإشكالات التي توقفنا عندها بادئ ذي بدءٍ عند استلامنا لمصوّرات كتب الشيخ! وربما كان المتبادر إلى ذهن الكثيرين - وأنا منهم - أن الشيخ المعلمي عالم معاصر لم يمض على وفاته إلا أربعون عامًا، فيُفترَض أن تكون كتبُه مرتّبةً، وخطّه واضحًا مقروءًا، وأوراقه الخطية في أحسن أحوالها، هذا ما كان يتصوّره غالب الناس، وعليه فلن يأخذ العمل في تحقيقها وطباعتها جهدًا كبيرًا؛ لكن الواقع خلاف ذلك، بل هو كما شرحناه وأكثر من ذلك. وسيأتي في مبحث الصعوبات والعقبات التي واجهتنا في المشروع مزيدُ شرحٍ لذلك ولطريقة كتابة الشيخ لمؤلفاته وتركه غالبها في مسوّداتها، بما سيتبيّن معه - إن شاء الله تعالى - حجم الجهد المبذول في تحقيقها وإخراجها.

المرحلة الثانية: النَّسْخ
في مثل حالة كتب الشيخ التي سبق وصفُها كان لا بدّ لنا من مرحلة
(1/16)

تمهيدية تسبق التحقيق، وهي نسخ جميع ما وقفنا عليه من كتبه وأوراقه ومقيّداته، وهذا تدبير بحمد الله حسنٌ، وقد انتفعنا به نفعًا عظيمًا، نذكر بعض جوانبه في عدة أمور:
1 - تبيّن ترتيب أوراق المخطوط، فكثير منها وقع اختلال واضطراب في ترتيب أوراقه.
2 - عرفنا ما هي الكتب والرسائل الكاملة أو الناقصة.
3 - لمعرفة عنوانات وموضوعات الرسائل والكتب، فكثير من كتب الشيخ بلا عنوان لا في صفحاتها الأولى ولا في مقدماتها.
4 - لتكميل النقص الحاصل في كثير من الرسائل، إذ قد يكون داخلاً خَطَأً ضمن رسالة أخرى، أو تكملته في أوراق طيارة.
5 - لمعرفة النُّسَخ المسوّدة من المبيّضة، إذ قد يكون من الرسالة الواحدة عدة نسخ، ويلتبس أيتها الأولي منها وأيتها الأخيرة. ولا يتبين ذلك إلا بعد النسخ والمقارنة.
6 - واستفدنا من النَّسْخ في هذه المرحلة المبكرة جملةَ فوائد تتعلق بترجمة الشيخ وتنقلاته، وطريقة تأليف كتبه، وتواريخ تأليف بعضها، وسبب تأليف البعض الآخر، وأماكن تأليف الكتب، وبعض المصادر والطبعات التي اعتمدها، وكثير من اهتمامات الشيخ وأموره الخاصة.
بدأنا مرحلة النسخ مع أخينا الشيخ أسامة الحازمي، وقد تولي بادئ ذي بدءٍ نسخ بعض الرسائل التي لم تصوّر على الورق بسبب ضعف أوراقها أو سوء حالتها، فنسخ عددًا منها ولم يستوفها، وكذلك نسَخَ جملةً من رسائل
(1/17)

النحو واللغة. وبعد عدة شهور من العمل في النسخ رأينا الأمرَ أكبر من أن يتولّاه شخص واحد، فكوّنّا فريقًا من الباحثين المتميزين، ووزعنا عليهم الكتب، كلما انتهى الباحثُ من كتاب أو رسالة أو جزء دُفع إليه جزء آخر، وهكذا.
ولم يكن من مهمة الناسخ أن يقف طويلًا عند العبارات المشكلة، ولا الكلمات المطموسة، ولم يكن من مهمته الأساسية ترتيب الأوراق ترتيبًا سليمًا إذ كان ذلك يأخذ وقتًا وجهدًا، بل كان جلّ الهمّ والعمل منصبًّا على نسخ الكتب والرسائل فقط التي كُلِّف بنسخها، وتقييد ما يجده الناسخ من إشكال أو اضطراب أو عدم وضوح إما بنقاط أو بمعكوفات أو بتنبيهات تدلّ على ذلك، ليتولّى مَن بعده تحقيق ذلك وتبيينه وحلّ مشكله.
والمشاركون في هذا الفريق هم:
- الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد (1).
- الشيخ أسامة بن مسلم الحازمي.
- الشيخ زايد بن أحمد النشيري.
- الشيخ عبد الرحمن بن سالم الأهدل.
- الشيخ عدنان بن صفاخان البخاري.
- الشيخ نبيل بن نصار السِّندي (في مرحلة لاحقة).
__________
(1) وكلمة حق أقولها في حق أخي عبد الرحمن قائد: أنه كان له فضلٌ على إخوانه في الكتب والرسائل التي كُلّف بنسخها؛ من حيث العدد والتدقيق والتحرير وجودة الخط.
(1/18)

فأتينا على غالب المصوّرات نسخًا، ووضعنا كلَّ كتاب ينتهي نَسْخُه في ملف خاص، ودوّنا في أوّل ورقة منه عنوانَ الكتاب أو الأوراق المنسوخة، ورقمها في المكتبة (1)، والعنوان أو الموضوع إن اتضح، وبعض المعلومات التي تفيد في معرفة الكتاب أو تاريخ تأليفه أو علاقته بكتاب آخر للشيخ.
فنسخنا في هذه المرحلة أكثر من سبعة آلاف ورقة بخط اليد.
فأصبحت بحمد الله غالب كتب الشيخ التي صورناها منسوخة، ومهيَّأة للتحقيق، وقد عُرفت هُويّة كثير من الكتب والرسائل التي لم تكن معنونة، وكثير من الأوراق التي لم تكن في مكانها الصحيح.
وتجدر الإشارة هنا إلي أنه قد شارك في النسخ أيضًا كلّ المحققين؛ لأنه لم يخل فنّ من الفنون أو كتاب من الكتب التي وزّعت على المحققين وتولّوا تحقيقها من رسائل كثيرة أو أوراق عديدة لم تكن قد نسخت من قبل إما لعُسْر نسخها أو لاكتشافها مؤخّرًا. يضاف إلي ذلك الكتب والرسائل والأوراق الجديدة التي صوّرت بعد هذه المرحلة أو عُثر عليها أخيرًا ولم تكن معروفة من قبل. وليس الجهد ولا العدد في هذه المرحلة من النسخ بأقل من الجهد والعدد في سابقتها.

المرحلة الثالثة: الإدخال على الحاسوب، والصف والإخراج
لما انتهينا من مرحلة النسخ على الوصف الذي تقدّم تفصيله، رأينا أن
__________
(1) غالب الأرقام التي كانت مدوّنة على المخطوطات هي أرقام الأفلام، ثم حاولنا تعديلها عند الإشارة إليها في مقدمات التحقيق إلي أرقامها الأصلية، فنرجو أنه لم يفتنا منها شيء.
(1/19)

نلحقه بمرحلة متمّمة وهي إدخال كل هذه المنسوخات الورقية باليد على الحاسوب، وقمنا قبلها باختيار الخط المناسب، والتنسيق المناسب، فأدخلنا جميع المنسوخات على الجهاز في نحو أربعة أشهر أو تزيد، وتتلخص الفوائد من هذه المرحلة في أمور:
1 - اختصار الوقت، وذلك بِطَيِّ مرحلة الإدخال على الحاسوب قبل التحقيق، فلا يبقى على الصفيف إلا إدخال حواشي التحقيق وتعديلات المقابلة وتصحيحات النصّ والإخراج.
2 - سهولة البحث في المادة المدخلة لمعرفة تعلق الرسائل ببعضها، أو اكتشاف التكرار الذي قد يحصل بين المنسوخات، ومعرفة أين بحث المؤلف هذه المسألة من كتبه الأخرى.
3 - سهولة نقل المباحث أو القطع المتفرّقة من الرسالة الواحدة إلى مكان واحد إذ عرف تعلقها ببعضها.
4 - حفظ المنسوخ الورقي من الضياع أو التلف بأنواعه، فنأمن من أن نحتاج حينئذٍ إلى نَسْخِه من جديد.
بعد إتمام عملية الإدخال كان عدد الأوراق المنسوخة على الحاسوب أكثر من سبعة آلاف ورقة. وقد شارك في هذه المرحلة الأولية عدد من الأفاضل، أبرزهم الشيخ عبد الرحمن الأهدل، والأخ عبد الله بن أحمد العمري، والشيخ عدنان البخاري.
(1/20)

أما مرحلة الإخراج الفنيّ والنهائي للكتب، وذلك باختيار الحرف المناسب والحجم المناسب، والتنسيق والتصحيح وإدخال التعليقات والحواشي، فبدأت مع أوائل تحقيق الكتب والتعليق عليها، فشارك فيها أولاً الأخ سلطان البدر لأشهر قليلة، ثم تولاها الأخ خالد محمد جاب الله، فنسق الكتب المحققة، وأعاد تنسيق الجزء المنتهي منها - وهو قليل - لتوحيد المواصفات في جميع الكتب، وقام أيضًا بصف الكتب الجديدة التي لم تُنسخ وهي لا تقل من حيث العدد عما نُسخ في المرحلة الأولى. وكان للأخ خالد جاب الله جهد مشكور في حُسن الإخراج، وقلة الأخطاء، والصبر على كثرة التصحيح والمراجعة والتعديل. علمًا بأن مجموع عدد صفحات هذه الموسوعة المباركة بلغ (457، 12) صفحة.

المرحلة الرابعة: التحقيق وما إليه
كانت الخطة الأوّلية التي اقترحتُها على شيخنا بكر أبو زيد رحمه الله وكتبتُ بها إليه ووافق عليها = تقضي بأن يتولّى مهمة التحقيق فريقٌ مكوّن من ثلاثة باحثين أو أربعة، باحثٌ رئيس ومعاوِنَين أو ثلاثة، وكان القصد من ذلك أن يكون العمل في جميع كتب الموسوعة على منهجيّة واحدة منضبطة من التحقيق والتعليق، فإنه من المعلوم أنه كلما قلَّ عدد الفريق العلمي انضبطت المنهجية وقلّ الخلاف. وكان من الأغراض أيضًا أن هذا الفريق يستطيع أن يكشف علاقة الرسائل والقطع والأوراق الطيارة ببعضها ومن ثَمّ يربط بعضها ببعض، وكذلك يكشف المباحث المتشابهة؛ فيسْهُل على الفريق الذي سبق وصفُه معرفة كلّ ذلك ويتمكن من التعامل معه.
(1/21)

بدأنا العمل في التحقيق أواخر سنة 1428 فمضيتُ على هذه الخطة عدة أشهر أنهيتُ فيها بعض الكتب تحقيقًا وتصحيحًا، لكن تبيّن لي أنه لا يمكن إنجاز العمل في المشروع بهذه الطريقة إلا في سنوات عديدة، وهذا سيؤخّر إنجاز المشروع، فرأينا أن توزّع الكتب على عدة محققين بحسب الفنون غالبًا، فقسمنا المشروع على الفنون: العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والأصول، واللغة والنحو، والفوائد والمتفرقات، وقسمنا كل فنّ على محقق واحد أو اثنين، فكان عدد المحققين المشتركين فيه سبعة، المحققون الرئيسون ثلاثة وهم: محمَّد أجمل الإصلاحي، ومحمد عزير شمس، وعلي بن محمد العمران (1)، وقد حققوا من الموسوعة 21 مجلدًا، أما المحققون المتعاونون فتولَّوا أربعة مجلّدات منها (2).
وقد توقفنا عن التحقيق على الطريقة الأولى في منتصف عام 1429، وبدأنا في الطريقة الثانية عام 1431، فوضعنا لها برنامجًا مناسبًا ووقتًا محددًا لإنجازها.
وقد سارت بحمد الله منهجيّة التحقيق كما خُطَّط لها، وكذلك الوقت الذي رسمناه لإنجاز التحقيق.
إلا أنه قبيل إنجاز المشروع بأشهر قليلة وقع ما كنّا نتمناه ولم يكن في الحسبان؛ ففي زيارة لمكتبة الحرم المكي في أوائل عام 1433 أخرج لنا الإخوة في قسم المخطوطات بالمكتبة بعض الأوراق للنظر فيها هل هي
__________
(1) سيأتي ذكر ما حققه كل واحد في آخر هذا المبحث.
(2) سيأتي ذكرهم مع ما حققه كل واحدٍ منهم.
(1/22)

للشيخ المعلمي أولا؟ وكانت نحو أربعة دفاتر، فوجدناها جميعًا بخط الشيخ ففرحنا به وعرفنا موضوعها وعنواناتها، وأردنا أن ننصرف فاسْتَمْهلَنا مسؤولُ المكتبة قليلاً، فإذا به يخرج لنا أوراقًا أخرى أكثر من سابقتها ولا زال يخرج لنا أمثالها حتى امتلأت الطاولة أمامنا، وما كدنا نصدق أنفسنا! وبنظرةٍ سريعة في تلك الأوراق الكثيرة والدفاتر المختلفة علمنا أننا قد وقعنا على كنز؛ إذ عثرنا على كتب جديدة وأوراق مهمة، ومقيّدات ومسوّدات كثيرة جدًّا للشيخ رحمه الله لم تكن قد فُهرست في المكتبة ولا عُرِفت عنواناتُها، فعكفتُ عليها أنا وأخي الشيخ محمد عزير أيامًا لفهرستها وتدوين عنواناتها ومعرفة علاقتها بما انتهى تحقيقه أو نسخه، فخرجنا بنفائس لا تقدّر بثمن من كتب الشيخ وأوراقه، واكتشفنا كتبًا ورسائل جديدة تُعرف لأول مرة ولله الحمد والمنة، واقتضى منا ذلك تمديد خطة إنجاز العمل قرابة ستة أشهر أخرى.
وللحق فلم تكن مهمة التحقيق بالأمر اليسير كما قد يتوهّمه البعض، وذلك على اعتبار أن الكتب قد نُسِخَت وأدخلت في الحاسوب وطبعت ورقيًّا تمهيدًا لتحقيقها؛ لأن المحقق بدأ مرحلةً جديدة من المقابلة على الأصل المخطوط، والتأكد من صحة المنسوخ، وقراءة ما أشكل أو ما جار عليه الطمس أو ضعف الورق والحبر، أو التجليد، وكان عليه أن يزور مكتبة الحرم المكي مرارًا للتأكد من كلمة أو عبارة في الأصل الخطيّ.
ثم كان عليه ترتيب أوراق المخطوط، إذ كثير منها قد وقع اضطراب في أوراقها - كما سلف -، وكان عليه أن ينظر في مسوّدات الكتاب الآخرى علَّه أن يظفر بفائدة أو تكميل أو تسديد فراغ وقع في النسخة المعتمدة، وكان
(1/23)

عليه أن يعيد النظر فيما استجدّ من الأوراق التي اكتُشِفت وهل لها تعلّق بكتابه وإدخال ذلك في مكانه، وعمل ما يلزم من تعديل وتصحيح وإضافة في المقدمة والفهارس.
وكان عليه أيضًا توثيق النصوص وتخريج ما يحتاج إلى تخريج من أحاديث وأشعار وآثار وخلافه، ثم تصحيح النص وتدقيقه، وعرضه على التحكيم، وتعديل ملاحظات المحكمين، ثم فهرسته.
هذا عمل المحقق باختصار، ويبقى أن لكل كتاب خصوصيةً في تحقيقه والعناية به، وقد شرح كلُّ محقّق ما قام به في مقدمة تحقيق كتابه، فلينظره هناك من أراد التفصيل.
وهذا مسرد أسماء من شارك في التحقيق مرتبين على عدد الكتب التي شارك في تحقيقها كلُّ واحدٍ منهم:
* علي بن محمد العمران:
وقد حقق الكتب الآتية:
1 - الرسائل المتبادلة.
2 - تحقيق الكلام في المسائل الثلاث (ش) (1).
3 - عمارة القبور (مبيضة ومسودة).
4 - يُسر العقيدة الإِسلامية.
5 - طليعة التنكيل.
6 - تعزيز الطليعة.
__________
(1) إشارة إلي كون التحقيق مشتركًا.
(1/24)

7 - شكر الترحيب بنقد التأنيب.
8 - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - المجلد الأول (ش)
9 - الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة.
10 - الوحدان.
11 - تراجم منتخبة من التهذيب والميزان.
12 - مجموع الرسائل الحديثية (فيه 14 رسالة).
13 - المقدمات وما إليها.
14 - فوائد المجاميع (ش).
* الشيخ محمد عزير شمس:
وقد حقق الكتب الآتية:
1 - تحقيق الكلام في المسائل الثلاث. (ش)
2 - التنكيل - المجلد الثاني. (ش)
3 - مجموع رسائل الفقه، ثلاثة مجلدات فيها (38 رسالة).
4 - مجموع رسائل أصول الفقه. فيه (خمس رسائل).
5 - معجم شواهد النحو واللغة.
* الشيخ محمد أجمل أيوب الإصلاحي:
وقد حقق الكتب الآتية:
1 - مجموع رسائل التفسير (16 رسالة).
2 - الرد على المعلم عبد الحميد الفراهي في تفسيره لسورة الفيل.
(1/25)

3 - التنكيل (ش).
4 - الخُطب والوصايا.
5 - مجموع رسائل في التحقيق وتصحيح النصوص (7 رسائل).
* الشيخ عثمان بن معلم محمود. حقق كتاب العبادة في مجلدين.
* الشيخ أسامة بن مسلم الحازمي. حقق مجموع رسائل في النحو واللغة (14 رسالة).
* الشيخ عدنان بن صفاخان البخاري. حقق مجموع رسائل في العقيدة (عشر رسائل).
* الشيخ نبيل بن نصار السِّندي. حقق فوائد المجاميع. (ش).

المرحلة الخامسة: التحكيم
بعد انتهاء أيّ كتاب من مرحلة التحقيق والتصحيح وكتابة المقدمة يُدفع إلى مُحَكّمَين اثنين غالبًا، وفي كتابين أو ثلاثة اكتفينا بمحكّم واحد لأمور تعود لطبيعة الكتاب. ويكون أحد المحكّمين من أهل التخصص في فن الكتاب المراد تحكيمه، والآخر من أهل الخبرة في التحقيق والتجربة في تقويم كتب التراث، أو يكون كلاهما كذلك، فيقرأ المحكَّم الكتاب مِن أوّله إلى آخره، ويُبدي ملاحظاته مقيّدًا إيّاها على النسخة الورقية المرسلة إليه، ثم تسلّم لمحقق الكتاب، فيستفيد من هذه الملاحظات لتستقر أرقام صفحات الكتاب بعد إدخال التصحيحات، ومن ثَمّ تُصنع الفهارس.
وقد بلغ عدد المحكّمين في هذا المشروع أحد عشر محكمًا، وبعضهم كان قد اشترك في التحقيق أيضًا وهم المشايخ الأفاضل.
(1/26)

- د. محمد أجمل الإصلاحي.
- د. سليمان بن عبد الله العمير.
- د. عبد الرزاق بن موسى أبو البصل.
- محمد عزير شمس.
- د. سعود بن عبد العزيز العريفي.
- د. عادل بن عبد الشكور الزرقي.
- عبد الله بن عبد العزيز الهدلق.
- علي بن محمد العمران.
- عبد الرحمن بن صالح السديس.
- جديع بن محمد الجديع.
- عبد الرحمن بن حسن بن قائد.

المرحلة السادسة: الفهرسة
بعد انتهاء الكتاب من التحكيم وتعديل تصحيحات المحكّمين يدخل الكتاب في مرحلته الأخيرة وهي صنع الفهارس المتنوّعة.
وكان أمامنا خياران في صُنعْ الفهارس، الأول: أن تصنع فهارس موحّدة لكل الموسوعة وتكون في مجلد أو أكثر في آخرها، كما هو الشأن في المجلدين السادس والسابع والثلاثين من مجموع الفتاوى لشيخ الإِسلام ابن تيمية. والخيار الثاني: أن نجعل لكل كتاب فهرسًا خاصًّا به ملحقًا في آخره. ووقع الاختيار على الخيار الثاني وكان شيخنا رحمه الله مؤيدًا له.
(1/27)

وكان من المؤمل في بداية العمل أن نصنع لكل كتاب نوعين من الفهارس، الفهارس اللفظية، والفهارس العلمية، كما هو دأبنا في مشروع مؤلفات ابن القيم، لكن رأينا أن صنع الفهارس العلمية على ذلك النحو سيؤخّر طباعة المشروع لأشهر كثيرة، فاتخذنا طريقة وسطًا وهي صنع الفهارس اللفظية: الآيات والأحاديث والآثار والأعلام والكتب والأشعار، ثم فهرس موضوعي يشتمل على فوائد الكتاب وإن لم يكن مقسمًا على الفنون، وقد استطعنا إنجاز كل فهارس الكتب بهذه الطريقة، ولله الحمد والمنة.
وقد شارك في صنع الفهارس محققو بعض الكتب، واستعنّا لإنجازها ببعض الأفاضل من الباحثين، كالشيخ نبيل السِّندي الباحث في المشروع، والشيخ زاهر بالفقيه، وشاركنا في بعضها الدكتور جمال حُديجان. وغالب من قام بصنع فهارس الآيات الأخ الفاضل خالد محمد جاب الله الصفيف الرئيس في المشروع. وقد سمّينا في مقدمة كل كتاب مَنْ قام بصنع فهارسه؛ اعترافًا لكل واحد من المشاركين بدوره.

المرحلة السابعة: تكميلية نهائية
بعد الانتهاء من هذه المراحل صارت الكتب جميعًا جاهزة للطبع، لكنّا أعدنا النظر في جميع كتب هذه الموسوعة كَرَّة جديدة وذلك بالمرور عليها صفحة صفحة، لاستكمال جاهزيتها وعدم وقوع نقص في أوراقها، أو تصحيحِ ما لم يعدّل من تصحيحاتها، أو ملْء فراغ لم يُملأ أو استدراك ورقة سقطت أو تحوّلت من مكانها. وقد صححنا في هذه الجولة من المراجعة ما يزيدُ العملَ صحةً وإتقانًا وبهاءً. وشاركنا في هذه المرحلة الشيخ مصطفى بن سعيد إيتيم.
(1/28)

وقد أعددنا في هذه المرحلة أيضًا نماذج من النسخ الخطية لكل كتاب أو مجموعةٍ، وجدير بالإشارة أننا لم نلتزم في إيراد النماذج في المجموعات - كمجموع رسائل العقيدة أو الفقه أو الحديث - إيرادَ ورقة أو أكثر من كل رسالة، بل وضعنا نماذج مختارة من عموم الرسائل، فإن الفقه - مثلاً - فيه نحو أربعين رسالة، فلو التزمنا إيراد صفحتين من كل واحدة صار عندنا نحو ثمانين صفحة من النماذج، وهذا تطويل لا داعي له؛ فلهذا اقتصرنا على ما سلفت الإشارةُ إليه.
***
(1/29)

المبحث الثالث
الصعوبات وما إليها
ذكرنا في أول الكلام على المرحلة الأولى بعض الملاحظات التي تتعلق بالفهرس الذي صنعناه لتصوير الكتب من مكتبة الحرم المكي، وبعض الإشكالات التي اعتورت تلك الأوراق المصوّرة، وهنا سنذكر باقي العقبات التي اعترضتنا في المشروع جملةً بشيء من التفصيل، حتى يتبين للقارئ الكريم حجم الجهد المبذول في إخراج هذه الموسوعة العظيمة:
بادئ ذي بدء ينبغي أن يُعرف أن الشيخ رحمه الله كان قد اتخذ غرفةً في مكتبة الحرم للسُّكْنى، وكان فيها كتبه وأوراقه ومؤلفاته وما إليها، وقد توفي فيها بين أوراقه وكتبه.
ثم آلت هذه الكتب والأوراق والكنانيش التي خلّفها الشيخ إلي مكتبة الحرم ودخلت في قسم المخطوطات منه، لكنها بقيت زمنا على حالها لم تفهرس ولم تُفرز، ثم بعد مدة لعلها تزيد على الخمس عشرة سنة فُرِز ما فُرِز من هذه الكتب والأوراق لتأخذ مكانها في المكتبة، لكنّ الهيئةَ التي تَرَك عليها الشيخُ كتبَه كانت بحيث يَعْسُر فهرستها وترتيبها إلا بجهد ومشقة وفحص وتدقيق.
والذي يظهر أن أوراق الشيخ جُمِعت بعد وفاته في بداية الأمر جمعًا بلا ترتيب ولا عناية، فاضطربت الأوراق وتداخلت الكتب والرسائل، وربما كان التداخل حاصلاً قبل ذلك لكنّ الشيخ كان يستطيع استخراجها ومعرفة ما أراد منها بخلاف من يأتي بعده وهو أجنبيّ عنها.
(1/30)

ثم لما أراد القيّمون على المكتبة فرز هذه الأوراق والكتب وفهرستها جعلوها قسمين، الأول: ما أمكنهم معرفة عنوانه أو موضوعه، فهذا دخل في الفهرسة وأخذ رقمًا، والثاني ما لم يمكنهم معرفة عنوانه ولا موضوعه، فهذا تُرك دون رقم ولم يدخل في فهرس المكتبة لكنه حُفِظ فيها ضمن الدشوت والأوراق والمخطوطات التي لم تُفهرس.
وعليه فإن كتب الشيخ لم تكن كلها في مكان واحد في المكتبة بل منها ما فهرس ووضع له عنوان، ومنها ما بقي ضمن الدشوت والأوراق غير المفهرسة في المكتبة، وربما كان بعض المطالعين أو المترددين على المكتبة يقف على كتاب أو رسالة ضمن الدشوت أو الأوراق الأخرى فينبّه على عنوانها وموضوعها، فتدخل بعد ذلك ضمن الفهرس.
وترتَّب على ذلك أن فهرس المكتبة سواء أكانت البطاقات أو السِّجِل أو الفهرس المطبوع لم يحو جميع كتب الشيخ المعلمي. ويمكن القول إن تصويرنا لكتب الشيخ وحصولنا عليها مرّ بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: عبر القائمة التي صنعناها لكتب الشيخ عن طريق البطاقات والسّجل المدوّن، وقد سبق الحديث عنها في المرحلة الأولى من مراحل العمل في المشروع.
المرحلة الثانية: ما صوّرناه بعد طباعة "فهرس المكتبة" في أربع مجلدات ضمن منشورات مكتبة الملك فهد الوطنية، وهي نحو خمسة وعشرين مخطوطًا، ثم تَبِعْتها مخطوطات أخرى.
المرحلة الثالثة: ما صوّرناه في أوائل سنة 1433، فقد تفضل الإخوة في قسم المخطوطات بالمكتبة فأخرجوا لنا أوراقًا كثيرة جدًّا يُعتقد أنها للشيخ
(1/31)

رحمه الله، وكانت المفاجأة أن وقفنا فيها على كتب كاملة ورسائل محررة، ورسائل شخصية، ومسوّدات كثيرة لكتب مطبوعة أو غير مطبوعة، أو أوراق لها علاقة بكتب أخرى، ورسائل وكتب جديدة تُكتشف لأول مرة؛ فعكفنا عليها فرزًا وفهرسة وترتيبًا أنا وأخي الشيخ محمد عزير شمس لمدة ثلاثة أيام، فاستخرجنا قرابة السبعين عنوانًا.
وكان التصوير في المرحلة الأولى على الورق من الميكروفلم، أما في المرحلتين الثانية والثالثة فقد تحصّلنا على المخطوطات على أقراص مدمجة (CD)، وقد ذلّل لنا ذلك الكثير من العقبات التي اعترضتنا في الأوراق المصوّرة، وقد سبق شرحها، وإن بقيت العقبات الأخرى المتعلقة بكتب الشيخ. فمن تلك العقبات والصعوبات:
1 - أن المؤلف رحمه الله ترك كثيرًا من الرسائل والكتب بلا عنوان، فيجتهد المفهرس في وضع عنوان لها فلا يوفّق، وهذا كثير.
2 - أن طريقة المؤلف في كتابة مؤلفاته ورسائله زادت من عُسْر استخراجها وتحقيقها، فإنه يبدأ بكتابة مسوّدة الرسالة، ثم يزيد فيها وينقص ويكتب على طررها فتمتلئ، ثم ينتقل إلي دفتر جديد أو يضيف أوراقًا إلي الدفتر الأول. ثم بعد ذلك يبيّض هذه المسوّدة، ثم يعود على المبيّضة كرّة أخرى فيحيلها إلي مسوّدة من جديد بكثرة الضرب والتخريج والإضافات. ونادرًا ما سلم كتاب أو رسالة من هذه الطريقة، بل ربما كتب الرسالة الواحدة سبع مرات أو أربع مرات مثل رسالة في معنى {مَا أَغْنَى} ورسالة "عمارة القبور" ورسالة "بيع الأحرار".
(1/32)

3 - أن كثيرًا من كتب المؤلف عبارة عن مسوّدات، مليئة بالضرب والتخريج والتهميش، واستخراجُ الكتاب من مسوّدته يكتنفه كثير من المصاعب لا تخفى على من مارس التحقيق، وفيما سنورده هنا من نماذج يكشف عن جلية الأمر ومدى صعوبته.
4 - أن كتب المؤلف لم يُعتنَ بها العناية المطلوبة، فدخلت أوراق المخطوطات في بعضها، واضطربت أوراق كثير من الرسائل، بل دخل كتاب في كتاب، أو انفردت ورقة عن مجموع لتدخل في مجموع آخر.
5 - كان المؤلف يكتب الكتاب أو الرسالة كيفما اتفق له، فأحيانًا يكتب بقلم الرصاص الباهت، أو بقلم الحبر، أو يدقق الخط جدًّا حتى لا يكاد يُقرأ.
6 - أن المرحلة الأولى من التصوير كانت على الورق وهو مستنسخ من الميكروفلم، وقد وقع في هذه الصورة الورقية من ضروب الإشكالات ما تقدم ذكره (ص 15 - 16) فيضطر الناسخ أو المحقق لحلِّ هذه الإشكالات إلي تكرار زيارة المكتبة للاطلاع على الأصل الخطي.
7 - حتى المخطوطات التي صوّرت على القرص المدمج (CD) لم تكن خالية من الإشكال، فيحتاج الباحث للاطلاع على الأصل الخطي للتأكد من كلمة أو عبارة، أو الكشف عن بعض الأوراق التي كانت مثنيّة أو ملتصقة، أو فات تصويرها سهوًا.
8 - أننا قد عثرنا في أحيان كثيرة على جزء من كتاب بعد الفراغ من تحقيقه، وكنا نعتقد أن المؤلف لم يتمكن من إتمام هذا الكتاب أو أن بعض أوراقه فقدت. والعثورُ عليه اقتضى تحقيق هذا الجزء الجديد مع إعادة النظر
(1/33)

فيما حقق سابقًا، والتغيير في تنسيقه وإحالاته وفهارسه. وقد وقع هذا في كتاب "العبادة" و"تحقيق المسائل الثلاث" و"رسائل الفقه" و"رسائل التفسير" ...
9 - أن بعض الكتب لم نعثر على مبيضاتها التي طبعت عنها ك "التنكيل" و"الأنوار الكاشفة"، فكان الاعتماد على المطبوعات وعلى بعض المسوّدات التي عثرنا عليها.
هذه أهم الصعوبات التي واجهتنا في أثناء العمل في هذه الموسوعة، فالحمد لله الذي ذلّلها ويسّر لنا إكمال هذا العمل العلمي العظيم.
وفي خَتْم هذه التقدمة الموجزة أتقدّم بالشكر لكل أعضاء الفريق العلمي والفني والإداري الذي تحمّل أعباء إخراج هذه الموسوعة على هذا النحو المُرْضي، وكذلك لمؤسسة سليمان الراجحي الخيرية على تحملها أعباء تمويل هذا المشروع، والشكر أيضًا للإخوة الكرام في مكتبة الحرم المكي الشريف على أريحيتهم وتلبيتهم طلبات التصوير على كثرتها وتكررها، وأخص بالذكر مديرها الدكتور محمد بن عبد الله باجودة، والأستاذ عادل بن جميل في قسم المخطوطات، والأستاذ حامد اللهيبي مدير قسم التصوير.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(1/34)

القسم الثاني
ترجمة الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
(1/35)

المبحث الأول
مصادر ترجمة المعلمي
تعدُّد مصادر ترجمته العَلَم يثري الترجمة، ويزيدها اتساعًا وتفصيلاً، وقد تعددت بحمد الله مصادر ترجمة الشيخ المعلمي، فشملت أنواعًا عديدة، قلّما تجتمع في كثير من الترجمات بعد ما كانت تشتكي القضاب، وسنعرض هنا لهذه الأنواع، ونذكر نبذةً عنها، وما الذي أفدناه منها، وطريقة الإفادة:

1 - ما كتبه عن نفسه
ونقصد هنا ما تعمّد الشيخ أن يخصّه بالتأليف والكتابة مما يتعلق بشخصيته وحياته، وقد كتب في هذا الصدد عدة أشياء: ترجمته ذاتية، ونبذة في نسب آل المعلمي قيدها عن أبيه، وعقيدته ووصيته، وورقات في وصف حاله عند الإدريسي ووصف رحلته إلى مكة.
وقد وقفنا على هذه الكتابات سوى نسب آل المعلمي فلم نقف عليه (1)، وبعض ما وقفنا عليه وإن لم يكن كاملاً من حيث المادة إلا أنه يمثل مادة جيدة مفيدة.

2 - الرسائل الشخصية المتبادلة
وقد بلغ عدد الرسائل التي وقفنا عليها أكثر من سبعين رسالة من الشيخ وإليه، وهي على أنواع فمنها العلمية، ومنها الشخصية مع أقاربه أو معارفه، ورسائل أخرى متعددة الأغراض.
__________
(1) نقل منه الوشلي في "نشر الثناء الحسن": (3/ 219 - 220).
(1/37)

وفي هذه الرسائل مادة جيدة ثرية في ترجمة الشيخ، ما كنا لنتعرّف عليها لولا الوقوف على هذه الرسائل، وسيظهر ذلك عند النقل عنها أو الإشارة إليها.

3 - كُتب الشيخ ومؤلفاته
على كثرة كتب الشيخ من حيث العدد إذ جاوزت مئة وعشرين كتابًا، غير أنه لم يكن يُكثر فيها من الحديث عن نفسه ولا عن كتبه، ولم يكن يتبسّط في مقدّماتها بما يكشف عن ملابسات تأليفها وما اكتنفها من أحداث، إلا أن فيها إشاراتٍ مفيدةً عن محطّات ومواقف من حياة الشيخ، سواء فيما يتعلق بكتبه، أو بعض الأحداث التي مرت به، أو تحديد أمور كانت غائبة عن الترجمة أو مفقودة المصدر، أو تحديد مكان التأليف.

4 - مجاميعه ومذكّراته
اتخذ الشيخ القلم والدفاتر له صاحبًا وأنيسًا، فكان يكتب ويقيد كل ما يعنّ له أو يخطر على باله أو يعثر عليه من الفوائد، وكان مما يكتبه بعض المعلومات عن نفسه أو ولده أو مقتنياته، أو مذاكراته، أو أشعاره، أو خواطره العلمية وغيرها، وقد وقفنا على مادة صالحة تتعلق بترجمة الشيخ في هذه الدفاتر التي يزيد عددها على ثلاثين دفترًا بأحجام متفاوتة.

5 - مقدمات الكتب المحققة
حقق الشيخ كثيرًا من الكتب العلمية الضخمة، والمراجع المهمة، وقد كتب مقدمات لهذه الكتب، أسهب في بعضها واقتضب في الآخر، وقد حوت هذه المقدمات بعض المعلومات المفيدة عن الشيخ وطريقته في
(1/38)

التحقيق، وصِلاته العلمية، وأقرانه ومساعديه في العمل، ومعاناته في هذه المراحل. وتكمن الأهمية في الأمر حين نعلم أنه قد أمضى دهرًا طويلًا من حياته في هذه الوظيفة، فقد استمرّ العمل على التحقيق من سنة 1345 إلى حين وفاته سنة 1386، فهذه أزيد من أربعين عامًا.

6 - تلاميذه
توفي الشيخ سنة 1386، وبدأنا في المشروع كما سلف سنة 1423، وعليه فقد مضى على موته نحو أربعين عامًا، وعليه فإمكانية إدراك عددٍ من تلاميذه أو معاصريه واردة جدًّا، وقد حاولنا من ذلك التاريخ التعرّف على تلاميذه والاتصال بهم والإفادة منهم كمصدر مهم من مصادر ترجمة الشيخ، فتمكّنتُ من لقاء عددٍ منهم، كالشيخ العالم مُشَرّف بن عبد الكريم المحرابي (1) وقد زارني في بيتي سنة 1428، وسجّلت معه لقاء عن الشيخ المعلمي في شريط. ومنهم الأستاذ عبد الكريم الخراشي، التقيتُه في مكة وجلست معه جلسة مطولة تحدّث فيها عن الشيخ وأجاب عن بعض أسئلتي. ومنهم الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن المعلمي (2) رحمه الله، كنت التقيته في مكتبة الحرم حين كان متعاقدًا معها، ثم حاولت بعد مدة اللقاء به في بيته مرارًا إلا أن حالته الصحية لم تسمح بذلك، وتوفي سنة 1428.
ومن تلاميذه من أرسل لي ترجمته وذكريات مع الشيخ رحمه الله
__________
(1) ترجمته في كتاب "هجر العلم ومعاقله في اليمن": (3/ 1951).
(2) له ترجمته في "هجر العلم": (3/ 1270).
(1/39)

كالشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد المعلمي والشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعلمي (1).
وممن أدركه ولم يتتلمذ عليه لكن رآه وسمعه شيخُنا عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي، وقد أعطاني ورقة بخط المعلمي فيها تقريظ الكتاب والده المحدّث عبد الحق الهاشمي "مسند الصحيحين"، وحدَّثني ببعض المواقف التي يذكرها.
وهناك غيري من الباحثين ممن لقي تلاميذه ومعارفه ونقل عنهم واستفاد منهم، ومن هؤلاء التلاميذ: محمد عثمان الكَنَوي، وعبد الله الحكمي، وغيرهما.

7 - الكتب والمقالات التي ترجمَتْ له
وهي مجموعة من كتب التواريخ والرجال، وهي تتفاوت من حيث الأصالة والدقة وثراء المعلومة، أقدمُها "نشر الثناء الحسن" للوشلي (ت 1356) وأفدتُ منه فوائد كثيرة، ومن آخرها "هجر العلم ومعاقله في اليمن" للأكوع (ت 1424). ومن المقالات مقال لعبد الله المعلمي نُشر في مجلة الحج سنة 1386، ثم نُشر في مقدمة كتاب "التنكيل".
...
__________
(1) وقد طلبتُ من الشيخ الكريم عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ المعلمي) أن يسعى في تحصيل هذه التراجم من هؤلاء الأفاضل، فبادر إلى ذلك مشكورًا، ثم أرسلها إليّ.
(1/40)

المبحث الثاني
اسمه ونسبه، ومولده ونشأته (1)
* اسمه ونسبه
هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن مُحَمَّد (2) بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن حسن المعلمي العُتْمي اليماني (3).
والمُعَلِّمِي: بفتح العين وتشديد اللام المكسورة وكسر الميم، آخره ياء، نِسبةً إلي أحد أجداده.
وقد وقع في نسب آل المعلمي خلاف هل يعود نسبهم إلى أبي بكر الصديق وهو من قبيلة تيم مرّة أم إلى قبيلة بجيلة؟ فقد ساق المؤرخ
__________
(1) ذكرتُ في مبحث مصادر ترجمة الشيخ أنه كتب ترجمةً لنفسه، وهذه الترجمة لم تكتمل، ولم يكتب الشيخ منها سوى أربع ورقات، تكلم فيهما عن اسمه ونسبه ونشأته وبداية طلبه للعلم، وكيف ترقى فيه .. وقال في أولها بعد الحمدلة والتصلية: "أما بعد، فهذه ترجمتي أكتبها لرغبة بعض الإخوان إليّ، على أن لا يطلع عليها أحد، وعسى أن تنشر بعد موتي". وما سننقله منها جعلناه بين قوسين صغيرين وصدرناه ب "قال الشيخ".
(2) هكذا ضبطها الشيخ بضم الحاء في الأول، وفتحها في الاسم الثاني، وهذا ضبط معروف في بعض مناطق اليمن. وقد ذكر شيخنا إسماعيل الأكوع في "هجر العلم": (4/ 2251) أن اسم الإِمام الشوكاني يضبط هكذا بضمّ الميم والحاء، قال: "سمعت ذلك من بعض شيوخي عن شيوخهم المعاصرين له، وهذا الاستعمال شائع في نجد اليمن ... ".
(3) هذا الاسم بهذا التمام مقيّد بخط الشيخ في عدة مجاميع ومقيدات ووصايا.
(1/41)

إسماعيل الوشلي (ت 1356) في كتابه "نشر الثناء الحسن" (1) نسبَ آل المعلمي في ترجمته الشيخ المعلمي، ورَفَع نسبَهم إلى أبي بكر الصديق، فقال في ترجمة الشيخ إكمالاً لسياق نسبه السالف: "بن صالح بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عبد القادر بن قاسم بن عبد الله بن سليمان بن علي بن الحسين المعلِّم المقبور ب "عواجة"، وهو أخو البجلي والحكمي بن أحمد بن علي بن المثنى بن عبد الواسع بن صالح بن عبد الحفيظ بن أحمد بن إبراهيم بن علان النقشبندي ... بن خليل بن علان بن عبد الملك بن علي بن المبارك بن أبي بكر المأمون بن محمد بن طاهر بن حسين بن عفيف الدين بن يونس بن يوسف بن إسحاق بن عمران بن أبي العتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه" (2).
وهذا النسب نقله الوشليّ من خط الشيخ عبد الرحمن المعلمي، فالظاهر أنه كان يرى صحته.
قال الوشلي: "وصورة هذا النسب ساقه صاحب الترجمة (يعني المعلمي) بخطه ناقلاً له عن والده، والنقل متضمن لإجازةٍ لأحد أجداده الأعلين، وصورة ذلك: قد وجدت بخط والدي العلامة قال ما لفظه: وجدت بخط سيدي العلامة الفقيه عبد الله بن أحمد الموقري المسلمي قال: نقلتُ عن خطِّ شيخنا العلامة أحمد بن حسن الموقري من إجازة جعلها لتلميذه الفقيه عبد الله بن يحيى المعلمي قال فيها: قد أجزت الولد
__________
(1) (3/ 219 - 220).
(2) جاء في هامش الكتاب: جاء في هامش الأصل: ينظر في تدريج هذا النسب.
(1/42)

الفقيه العلامة عبد الله بن يحيى بن محمد. ثم ساق النسب إلى الصديق رضي الله عنه.
ومحمد هذا هو ابن حسن بن صالح بن عبد الرحمن، وإليه ينتهي نسب صاحب الترجمة".
قلت: وهذا النسب إلي أبي بكر الصديق كان مشهورًا شائعًا لدى أسرة آل المعلمي سواء ممن كانوا في قرية الطُّفَن أو ممن انتقلوا إلى صنعاء (1)، ومن شواهد ذلك ما جاء في رسالة من الشيخ محمد بن عبد الرحيم المعلمي إلي الشيخ مؤرّخة سنة 1360 فقد صدّرها بقول الشاعر (2):
فتًى من بني تَيْم بن مُرّة أصله ... عليه من الصديق نورٌ ورونق
والبيت واضح في النسبة إلى قبيلة تيم، وإلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قلت: لكن الشيخ المعلمي رجع عن هذا الرأي ورجَّح أن نسب آل المعلمي يرجع إلى قبيلة بجيلة، وقد صرّح بهذا فيما علّقه على كتاب "الأنساب" للسمعاني، عند حرف الباء مع الجيم (3). قال رحمه الله: "بجيلة عك: بطنٌ من بني عبس بن سمارة بن غالب بن عبد الله بن عك، منهم كما في "طرفة الأصحاب" (ص 65): محمد بن حسين البجلي الصالح، وهو مشهور جدًّا في اليمن، يقال للمنتسبين إليه "بنو البجلي". وله أخ اسمه
__________
(1) ذكره الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي في أوراق لدي بخطّه.
(2) "الرسائل المتبادلة" (ص 358).
(3) (2/ 87) حاشية (7).
(1/43)

"علي" وكان أبوهما "حسين" يعرف ب "المعلم"؛ لكثرة تعليمه الناس، وإلى علي بن حسين هذا ينتسب جدُّنا محمد بن الحسن المعلمي، الذي ينتسب إليه عشيرتنا بنو المعلمي". انتهى.
والعُتْمِي: نسبة إلى "عُتْمة" بضم العين وسكون المثناة من فوق ثم ميم مفتوحة، وهو حصن في جبل وُصاب من أعمال زبيد (1).

* ولادته
أما وقت ولادته ومكانها فقد قال الشيخ في ترجمته: "وُلدت في أواخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، بقرية المحاقرة من عُزلةِ الطُّفَن (2) من مخلاف رازح من ناحية عُتْمة من قضاء آنِس (3) التابع لولاية صنعاء في اليمن".
وعليه فما هو مذكور في بعض الكتب والدراسات الحديثة من أنه ولد سنة 1313 ليس بصحيح، أو أنه تصحيف.

* نشأته
نشأ الشيخ نشأة صالحة في بيت صلاح وعلم، وبيئة صالحة، وقد
__________
(1) انظر "معجم البلدان": (4/ 82)، و"معجم بلدان اليمن وقبائلها": (3/ 576)، و"معجم البلدان والقبائل اليمنية": (2/ 1014).
(2) بضمّ الطاء ثم فاء مفتوحة، وكتبها الشيخ في موضع بالثاء "لطُّثَن"، وهي لغة فيها والمشهور بالفاء.
(3) بمدّ الهمزة وكسر النون، وهي منطقة واسعة في الشمال الغربي من مدينة ذمار. "معجم البلدان والقبائل اليمنية": (1/ 9).
(1/44)

نصَّ الشيخ على هذه النشأة وهذه البيئة فقال: "ربّيتُ في كفالة والديَّ، وكانا من خيار تلك البيئة، وهي بيئة يغلب عليها التديُّن والصلاح".
ثم ذكر طريقة طلبه للعلم، وكيف تدرّج فيه، وما هي العلوم التي درسها فقال:
"قرأت القرآن على رجل من عشيرتنا، وعلى والدي، وكانت طريقة القراءة: تحفيظ القرآن في اللوح حفظًا موقتًا، أي أن يحفظ الدرس في اليوم الأول ثم يعيد حفظه في اليوم الثاني، ثم لا يُسأل عنه بعد ذلك؛ إلا الالتزام بتلاوة القرآن في المصحف كل يوم صباحًا ومساءً لكل أحد، حتى بعد الكبر. وعلى كل حال، فإن قراءتي كانت متقنة من جهة القراءة والكتابة.
وقبل أن أختم القرآن ذهبتُ مع أبي إلى بيت الرَّيمي حيث كان أبي يمكث هناك يعلِّم أولادهم ويصلِّي بهم.
ثم سافرت إلى الحِجَرية (1) حيث كان أخي الأكبر محمد بن يحيى رحمه الله كاتبًا في المحكمة الشرعية. وهناك شَرِكتُ في مكتب للحكومة كان يعلَّم فيه القرآن والتجويد والحساب واللغة التركية.
فمكثت هناك مدة ومرضت في أثنائها مرضًا شديدًا. طال مرضي فحوّلني أخي إلي بيت أرملةٍ من الجيران تُمَرِّضني. وكان لي في مرضي إسهال مستمر، فجاء أخي مرَّة بطبيب فوصف دواءً زعم أنه يصفِّي بطني، فجيء بالدواء في كأس فامتنعَتْ ممرِّضتي أن تسقينيه وأهرقتْه؛ قالت: بطنه يتصفّى كل يوم، فالدواء الذي يصفِّي عسى أن
__________
(1) بكسر الحاء وفتح الجيم، بلدة في مقبنة تقع غربيّ تعز، تبعد عنها 50 كيلو مترًا. انظر "معجم المدن والقبائل اليمنية": (1/ 422) للمقحفي.
(1/45)

يقتله، ثم دعتْ لي رجلاً كان يوصف بالصلاح فجاء بسفوف، فصارت تعطيني من ذاك السفوف، ورزقني الله العافية".
تعتبر هذه المرحلةُ إلى هذا الحدّ المرحلةَ الأولى في التعلّم التي لم تتعد القراءة والكتابة وتعلّم القرآن ومبادئ الحساب، والظاهر أن الشيخ لم يكن في هذه المرحلة قد جاوز الخامسة عشرة من عمره لدلائل عديدة.
ثم بدأت المرحلة الثانية من طلبه للعلم من حين قدوم والده إلي الحجرية وتوجيهه لدراسة النحو، وهذا واضح من كلام الشيخ رحمه الله، قال:
"ثم جاء والدي رحمه الله لزيارتنا ومكث هناك مدَّة. سألني عمّا أقرأ في المكتب فأخبرته. ثم قال لي: فالنحو؟ فأخبرته أنه لا يُدرَّس في المكتب، فقال: ادرسه على أخيك. ثم كلَّم أخي أن يقرِّر لي درسًا في النحو، فكان يُقرئني في "الآجرُّومية" مع "شرح الكفراوي". استمرَّ ذلك نحو أسبوعين ثم سافرتُ مع والدي. ولا أدري ما الذي استفدته تلك الأيام من النحو، غير أن رغبتي اتَّجهت إليه، فاشتريتُ في الطريق بعض كتب النحو.
ولما وردْتُ (بيتَ الرَّيمي) وجدت أحمد بن مصلح الريمي رحمه الله قد عاد من شُهارة (1) [معقل] (2) الإِمام يحيى حميد الدين، وقد كان تعاطى هناك طلب النحو، وكانت معه كرَّاسة فيها قواعد وشواهد وإعرابات. فاصطَحَبْنا وكنّا عامة أوقاتنا نتذاكر، ونحاول إعراب آيات أو
__________
(1) بضم الشين كما في "تاج العروس": (7/ 68) وتنطقها العامة بفتح الشين وكسرها، وهو حصن عظيم باليمن في محافظة صعدة. اتخذه كثير من أئمة الزيدية معقلًا لهم لتحصينه، انظر "معجم بلدان اليمن": (1/ 880 - 882)، و"هجر العلم": (2/ 1057 - 1060).
(2) كلمة لم تتبين ولعلها ما أثبت.
(1/46)

أبيات، وكنا نستعين بتفسيرَي "الخازن" و"النسفي".
وأخذَتْ معرفتي تتقوَّى، حتى طالعتُ "مغني ابن هشام" نحو سنة، وحاولت تلخيص قواعده المهمَّة في دفتر. وحصلَتْ لي بحمد الله تعالى مَلَكَة لا بأس بها، في حال أن زميلي لم يحصل على كبير شيء، وكان مني بمنزلة الآلة".
وتُعدُّ هذه المرحلة من أهم مراحل نشأة الشيخ وتكوينه العلمي، وقد بدت في أمرين، الأول: اهتمامه بعلم النحو دراسة وتطبيقًا وقراءة، ومن الواضح أنه أقبل على هذا العلم بكلّيته، واتّجه إليه برغبة وإقبال.
الثاني: الاستعداد الذهني والذكاء فإنه قد استوعب النحو وفهمه في مدة وجيزة، بحيث لم تطل دراسته عند أخيه، فلم تتعدّ الأسبوعين، ثم اتجه بنفسه إلى القراءة والبحث فيه، بدليل ما يأتي من كلام شيخه أحمد بن محمد المعلمي.
ثم انتقل الشيخ بعد هذه المرحلة التأسيسية إلى مرحلة جديدة من العلم، وهي الانتقال إلى قراءة علم الفقه والفرائض، وقد وفّق حين درس على الشيخ أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي، وقد وصفه الشيخ بالتبحّر في العلم كما سيأتي.
قال الشيخ:
"ثم ذهبتُ إلي بلدنا الطُّفن، ورأى والدي أن أبقى هناك مدَّةً لأقرأ على الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلِّمي (1)، وكان
__________
(1) من العلماء المحققين (ت 1340). انظر "هجر العلم": (3/ 1265).
(1/47)

متبحِّرًا في العلم، مكث بزبيد مدة طويلة، ثم عاد بعلمه إلى جهتنا، ولم يستفيدوا من علمه إلا قليلاً.
فأخذتُ من كتب والدي كتابَ "منهاج النووي" مخطوطًا وذهبتُ إلي الشيخ، وكان يختلف إليه جماعة من أبناء عشيرتنا يقرؤون عليه، فبعد أن سلَّمت عليه وأخبرته خبري قال: في أي كتاب تريد أن تقرأ؟ قلتُ: في "منهاج النووي" فوَجَم. ثم لمَّا جاء دوري أمرني أن أقرأ، فشرعت أقرأ خطبة "المنهاج" وهو يستمع لي. فبعد أن قرأت أسطرًا تناول مني الكتاب ونظر فيه، ثم قال لي: هل صحّحت هذا الدرس على أحد؟ قلت: لا. قال: فهل قرأتَ في النحو؟ قلتُ: قليلاً. قال: "لا، ليس بقليل"، وكرَّرها.
ثم قال: أخبرْتَني أولاً أنك تريد القراءة في "المنهاج" فلم يُعجبني ذلك، لأني أرى أنّ على طالب العلم الذي يريد أن يقرأ في "المنهاج" أن يبدأ قبل ذلك بدراسة النحو حتى يتمكّن من الفهم، لكن كرهت أن أكسر خاطرك، فرأيتُ أن آذن لك في القراءة، وطبعًا تخطئ في الإعراب فأردّ عليك فيكثُر ذلك فتنتبه بنفسك إلى احتياجك إلى دراسة النحو أولاً، ولكن لمَّا قرأتَ لم تخطئ، فظننتُ أن الكتاب مضبوط بالحركات، فلمّا رأيته غيرَ مضبوط قلتُ: لعلك قد صححت ذاك الدرس على بعض العلماء، فلما نفيتَ ذلك علمتُ أنك قد درست النحو. فأخبرته بالواقع، وأني في الحقيقة لم أدرسه دراسة مرتّبةً. فقال: على كل حال معرفتك بالنحو جيدة، فاقرأْ في "المنهاج" وتحضر عندما يتيسَّر لك مع هؤلاء في درسهم في النحو.
ثم درستُ عليه شيئًا في الفرائض فتيسَّرت لي جدًّا لمعرفتي السابقة بمبادئ الحساب".
(1/48)

وقد انتفع المعلمي بشيخه أحمد بن محمد المعلمي، وكان بينهما مراسلات عديدة، وصفه شيخُه في تلك الرسائل (1) بأوصاف تدلّ على نبوغه المبكر وألمعيته السريعة، وقد أجازه إجازةً عامة في الحديث وغيره من كتب العلم سنة 1335 وعمره ثلاثة وعشرون عامًا، وأشار إلي إجازته هذه الوشلي في "نشر الثناء الحسن" (2) مما يدلّ على اعتداد الشيخ بها.
ولتمام الفائدة نسوق هنا نصَّ إجازته من شيخه أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الرواية من الدين؛ لكونها سببًا موصلًا إلى سيد المرسلين بل إلى رب العالمين. وبذلك أيضًا حصلت الصيانة له عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين، حتى قيل: إن كل فائدة لم تُسند إلى صاحبها فهي لقيطة كالطفل المنبوذ الذي لا يُعرف أبوه في المنتسبين.
والصلاة والسلام على سيدنا وواسطتنا إلى ربنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فإن من جملة طرق الإسناد الإجازةَ التي مضى عملها بين الزهاد، ومضى العمل بها قديمًا وحديثًا، وسعوا في طلبها سعيًا حثيثًا.
وقد التمسها من الحقير مَن هو أحقّ بها وأهلُها لحسن ظنِّه بأنه يحسنها ومن رجالها. والحقيقة بأنه كالسُّلَم لسبب الرقيّ إلي ذروتها. فالآمر المقرّر على الارتقاء إلى السطح آمرٌ بالسُّلَّم، ليس فيه فضيلة سوى الصعود عليه، فهو كالواو من "عَمْرٍو" المنسوب إليه.
__________
(1) كما سيأتي في مبحث الثناء عليه.
(2) (3/ 221).
(1/49)

ولكون رواية الأعلى عن الدون واردةً في صحيح الأخبار كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - بحديث الجسّاسة (1) عن تميم الداري = أجاب الطالبَ إلي مطلوبه وساعده على مرغوبه، لرجاء دعوةٍ صالحة تدركه لحياته وموته، أو تدرك عَقِبه وذريته. فأقول متلفظًا وكاتبًا:
أجزتُك أيها العالم الكريم، والنحرير الذي هو بهذا الوقت في النظير له عديم، إجازةً عامَّةً بكل ما يجوز روايته وتنفع درايته من منقول ومعقول، وبكل ما يقرّب إلي رب البرية، بشَرْطه المعتبر المقرر عند أهل الأثر.
وأجزتُ له أن يروي الأوراد القرآنية والنبوية, والأدعية والأحزاب الصوفية، وأن يبيِّن طريق الإسناد بيانًا يزيل الظنون الرَّديَّة.
وتلك الإجازة لمن ذكرنا هو الفقيه الوجيه: عبد الرحمن بن العلامة يحيى بن علي المعلمي، كما أجازني كذلك السيد الجليل والعلامة الحفيل محمد بن محمد بن حسن الأهدل، والشيخ النحرير جمال الإِسلام علي بن أحمد المِزجاجي، والشيخ الولي عباس بن داود السالمي الزبيدي، والسيد المحقق الصدّيق ابن إبراهيم البطاح الأهدل، بطرقِ أخذهم عن الشيخ داود بن العباس السلامي الزبيدي، ما خلا الشيخ علي بن أحمد المزجاجي فهو شيخ المذكورين. كما أخذ ذلك هو والشيخ داود عن السيد الجليل محمد بن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل.
وأوصي المجاز بما وصَّانا به مشايخنا من ترك ما لا يعني، وبما وصى الله به خلقه الأولين والآخرين بقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
__________
(1) أخرجه مسلم (2942).
(1/50)

الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
وأن لا ينساني من الدعاء ولا ينسى مشايخي وأولادي إن ذَكَر وتسهَّل له.
نسأل الله أن يحقق في الخير أمله والله ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله كلما ذكره الذاكرون وغَفَل عن ذكره الغافلون.
قاله بفمه وكتبه بقلمه أحمد بن محمد بن سليمان بن يحيى بن محمد أحمد بن محمد بن الحسن بن صالح المعلمي عفا الله عنهم آمين.
والتحرير يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان أحد شهور سنة 1335 خمس وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف قمرية هجرية.
قال الشيخ:
"ولم تطُل قراءتي على شيخنا المذكور، بل رجعت إلى "بيت الرَّيمي" وانكببت على كتاب "الفوائد الشنشورية" في الفرائض أحلُّ مسائله، وأَفرِض مسائل أخرى وأحاول حلَّها ثم امتحانها وتطبيقها.
وكانت في كتب والدي كتاب "مقامات الحريري" وبعض كتب الأدب فأُولعتُ بها، ثم حاولت قرض الشعر.
ثم جاء أخي من مقرِّه بالحجرية وأُعجب بما شدوته من النحو والفرائض، ثم رجع إلي الحِجَرية وتركني. ثم كتب يستقدمني، فقدمت عليه وبقيت هناك مدّةً لا أستفيد فيها إلا حضوري معه بعض مجالس نتذاكر فيها الفقه".
وقد وجدت في أحد مجاميع الشيخ (1) أبياتًا له قيّدها في أثناء مقامه
__________
(1) رقم [4104].
(1/51)

بالحِجَرية لمناسبة عرضت، قال: "للحقير وأنا في قضاء الحِجَرية لمَّا بنى مفتي القضاء أمين وقف الشيخ عمر الطيار دارَه في مركز القضاء المذكور، فلما أتمَّ طبقتها الثانية أوكر على عادة الناس اليوم في الولائم من الذبح وتفريق اللحم، ثم اجتماع الناس للسمر في بيت المولم. فحضرنا فحصل ازدحام مفرط، فارتجلتُ ولم أفُهْ بها، قلتُ:
بنى المفتي أمين الوقف دارًا ... تفوق متانة القصر المشيد
وأوكر داعيًا للناس ليلاً ... إليها ذي القرابة والبعيد
وكنا في الذين دُعُوا فجِئْنا ... وأظْفرنا محلًّا للقعود
تزاحمْنا كما رُصِفت ورُصَّت ... نُزحزح كالوحوش لدى الورود
فلو من تحتنا الأخشاب زالت ... ثبتنا في الهواء بلا عمود
عسى الرحمن يمنحنا اكتفاءً ... بها الإعفاء عن ضمِّ اللحود
وقلت أيضًا وقد قيل لي: إن أمين الوقف أراد فتح بابٍ لرحبة المسجد المحيط بها السور، وليس له حاجة، وكان يُظَن في الأمين عدم الأمانة:
قالوا نوى الوقفيّ فتح باب ... كقاصدٍ إفساد قول حاب
فقلت تضييعٌ بغير نفعٍ ... لكن رضينا بالخروج بدون باب"
قال الشيخ:
"ثم رجعت إلى عُتمة، وكان القضاء وقتها قد صار إلى الزيدية، وعُيِّن الشيخ علي بن مصلح الريمي كاتبًا للقاضي. فلزمت القاضي، وكان هو السيد علي بن يحيى المتوكِّل (1) رجلاً عالمًا فاضلًا معمَّرًا. آسَفُ
__________
(1) انظر "هجر العلماء": (3/ 1256).
(1/52)

لتقصيري، إذ لم أقرأ عليه شيئًا ولا طلبتُ منه إجازةً. ثم عُزل، ووَلِي القضاء بعده السيد محمد بن علي الذاري (1)، وكتبتُ عنده مدّةً، وكان رجلاً شهمًا كريمًا على قلّة علمه".
وقد وجدنا ما يحدّد لنا الوقت الذي عمل فيه الشيخ كاتبًا عند الذاري، فقد كان ذلك في سنة 1335 وعمره ثلاثة وعشرون عامًا، فقد صرَّح بذلك في كتاب "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" (2) قال: "ومن ذلك أني كنت سنة 35 (3) ببلدتي "عُتمة" بمركزها المعروف ب "الربوع"، وأنا إذ ذاك أكتب لحاكمها السيّد محمد بن علي الذّاري، وكان قد أرسل رسولاً إلي الإمام يحيى بن محمد، فأبطأ الرسول. وبينا أنا يومًا جالس أمام القلعة خَطَر لي أن ذلك الرسول الذي ينتظره سيمرّ حينئذٍ من تحت القلعة، فصوّبت نظري إلى تحت القلعة؛ وإذا بذلك الرجل مارًّا من ذلك المكان".
فهذه هي المراحل التي مرّ بها الشيخ في نشأته باليمن وتلقيه أنواع العلوم من تعلّم القراءة والكتابة، والقرآن والتجويد، وعلم الحساب، ثم النحو والاهتمام به وحذقه إياه في أقرب مدة وبراعته فيه، ثم الفقه الشافعي، والفرائض وإتقانه لها وحلّه لمسائلها، ثم ولعه بكتب الأدب وقرضه للشعر.
وقد كشفت لنا دفاتر الشيخ ومجاميعه مدى عنايته باللغة والأدب
__________
(1) له مشاركة في العلم، تولّى للإمام يحيى حميد الدين على عدة بلدان منها عُتمة، وعزله الإِمام لما كثرت الشكوى ضده، (ت 1344). انظر "نزهة النظر" (ص 569)، و"هجر العلم": (2/ 661).
(2) (ص 361).
(3) أي سنة 1335.
(1/53)

والشعر، ففي المجموع [4104] فوائد شتى وتقييدات كثيرة نحوية وصرفية وأدبية، وقصائد برمتها منها المعلقات السبع ولامية الشنفرى وقصيدة لأحيحة بن الجُلاح، ومرثية لأخت المنذر بن عبد شمس وغيرها كثير، قيّدها بخطه الدقيق المتقن.
ولا أجزم أن كل ما في هذا المجموع مكتوب إبان إقامته في اليمن، بل من الواضح أن بعضه مكتوب في اليمن وبعضه الآخر حين إقامته لدى الإدريسي، ومع ذلك فليس الفاصل الزمني بينهما كبيرًا بل يمكن أن يعدّا في فترة زمنية واحدة؛ لأنه ارتحل إلي الإدريسي وعمره خمسة وعشرون عامًا وبقي عنده خمس سنوات فقط.
فالمحقَّق أن فنون العربية بأنواعها كانت محلّ اهتمام الشيخ وعنايته، وقد برع فيها وأصبح ذا مَلَكة قوية وهو لم يزل بعدُ في سن مبكرة، مع تفننه في العلوم الأخرى كالفقه والفرائض والحساب وغيرها.
***
(1/54)

المبحث الثالث
تنقلات الشيخ ورحلاته
للشيخ ثلاث رحلات رئيسة، الأولى رحلته إلي الإدريسي، والثانية إلي الهند، والثالثة رحلته إلي مكة المكرمة واستقراره بها، وقد تخلل ذلك انتقاله إلى عدن وإندونيسيا، وهذا تفصيل خبرها.

1) الرحلة إلي الإدريسي (1) (1337 - 1341)
في سنة 1335 كان المعلمي يعمل كاتبًا للسيد محمد بن علي الذاري، وكان الذاري عاملًا وقاضيًا على عتمة من قبل الإِمام يحيى حميد الدين، وقد وُصف بالعسف والجور في أحكامه بحيث كثرت شكوى الناس منه، فعزله الإِمام يحيي (2)، وقد أثنى المعلمي على الذاري بالشهامة والكرم إلا أنه وصفه بقلّة العلم. وكان القضاء قبل ولاية الذاري في عُتمة وغيرها
__________
(1) هو: محمد بن علي بن محمد ابن السيد أحمد ابن إِدْرِيس: مؤسسة دولة الأدارسة في صبيا وعسير. ولد سنة 1293، أصله من فاس. تعلّم في الأزهر بمصر، وطمح إلى السيادة، فنشر في صبيا طريقة جده (أحمد بن إدريس) فأتبعه كثيرون، فوثب بهم على حكومتها (سنة 1327)، فجهزت حكومة الترك الجيوش لقتاله، فلم تفلح. وامتلك بلاد (عسير) واتسع نطاق سلطانه. واستولى بعد الحرب على الحديدة، وتعاقد مع الملك عبد العزيز آل سعود على تأمين مصالح الجانبين. وكان بين عدوّين قويين: الإِمام يحيي في اليمن، والشريف حسين بن علي في الحجاز، واستمر في عزّ ومنعة إلى أن توفي سنة 1341. وكان مدبرًا حكيمًا شجاعًا جوادًا. ملخصة من "الأعلام": (6/ 303 - 304) للزركلي.
(2) انظر "هجر العلم": (2/ 661). وانظر ما سبق (ص 53) حاشية (1).
(1/55)

إلى السنة على مذهب الشافعية، وكان القاضي هو علي بن يحيى المتوكل، وقد أثنى عليه المعلمي بالعلم والفضل، ثم آل القضاء إلى الزيدية بعد اتفاقية دعّان بين العثمانيين والإمام يحيى حميد الدين، والذي أوكل بموجبه تعيين قضاة الأقاليم إلى الإِمام يحيى (1).
والذي يظهر أن المعلمي رحمه الله كان من المعارضين لحكم أئمة الزيدية، وظهرت له باعتباره كاتبًا لحاكمها أمارات الظلم والعسف والخروج عن السنة فاستحكمت هذه المعارضة، ولذلك بدأ يُنشئ القصائد في التشكِّي منهم، ففي قصيدة أنشأها سنة 1335 وصدّرها بقوله: "قبل توجهي إلى الإدريسي"، وموضوعها شكوى إلى السيد محمد بن علي بن أحمد الإدريسي لرفع الظلم عن البلاد اليمانية التي تحت حكم الأئمة الزيدية. ومطلعها:
ظفرت بقلب الصبّ فاكفف عن الصدّ ... وكن عادلًا في الحكم يا عادل العدِّ
ويقول فيها:
أتيَ اليمنَ الميمونَ مجتهدًا لكي ... يُطهِّره من عُصبة الرفض بالعمد
همُ أخذوا الأحرارَ مِنّا رهائنًا ... وهمْ أخذوا الأموالَ قهرًا بلا عقد
همُ ظلمونا واستباحوا محارمًا ... وأصبح مِنّا الليث يخضع للقرد
فهم عاملونا بالقساوة غِلْظةً ... وهم كفَّرونا إذ وقفنا على الرشد
وقالوا لنا إنّا كفرنا بقولنا ... لهم: إنما الأعمار من قَدَرِ الفرد (2)
__________
(1) "هجر العلم": (2/ 661).
(2) "ديوان المعلمي" (ق 8) وعدد أبيات القصيدة 48 بيتًا.
(1/56)

وفي هذا دلالة واضحة أن هناك علاقةً بين المعلمي والإدريسي قبل أن يتوجّه إليه مطلع عام 1337. ويؤكد هذه العلاقة القديمة كتابٌ من الإدريسي إلى الشيخ المعلمي بتاريخ 6 محرم سنة 1336 أي قبل توجه المعلمي إليه بعام يذكر فيه أن المعلمي أرسل له كتابًا وأنه وصل بمعيّة أخيه (لعله محمد)، ثم ذكر أنه أرسل لوالده وأخيه ستين ريالاً، مع الاعتذار له بسبب جدب البلاد.
والذي يظهر أن الإدريسي كان يرغّب الشيخ في القدوم عليه، فها هو يقول في آخر رسالته السالفة: "ونسأل الله أن يمنَّ بالاتفاق عاجلًا على أحسن وفاق" (1).
ولم يمض شهران على رسالة الإدريسي هذه حتى قوي عزم الشيخ المعلمي على الارتحال عن بلدته إلي الحضرة الإدريسية. ولعل الذي قوّى عزمه على الرحلة رؤيا منامية حكاها للمؤرخ إسماعيل الوشلي (2)، فإنه حين التقاه في بلدة المنيرة سنة 1336 في أثناء توجهه إلى زيارة المسجد النبوي ذكر له أن السبب الباعث له علي التوجه للزيارة رؤيا منامية رآها. فقال: "لما كان ليلة الاثنين لعله عاشر شهر ربيع الأول من سنة 1336 رأيته - صلى الله عليه وسلم - رؤيا منامية، كأنه في مسجد لا أعرفه، وحوله جماعة كثيرة، فدخلت المسجد فقبّلت يده الشريفة، وقلت له: يا رسول الله إني أحبك، فالتفت إلي رجل واقف عن يمينه، وقع في ذهني أنه الصدّيق رضي الله عنه، فقال له: أنشد البيتين، فقال:
__________
(1) "الرسائل المتبادلة" (ص 255).
(2) "نشر الثناء الحسن": (3/ 220).
(1/57)

زُر مَن تحبّ وإن شطّت بك الدارُ ... وحال من دونه حُجْبٌ وأستارُ
لا يمنعنّك بُعدٌ من زيارته ... إن المحب لمن يهواه زوّارُ
فالتفت - صلى الله عليه وسلم - إليَّ فقال: هل سمعت؟ ثم انتبهت، فتقوّت النية ... " اه.
ودلالة هذا الخروج المبكّر من البلاد قبل الحج بنحو تسعة أشهر واضحة في أن المؤلف حزم أمره على المغادرة النهائية لبلدته والتوجه للسياحة في البلاد وطلب العلم، وربما لم يكن الشيخ قد اتخذ قرارًا حازمًا للاستقرار لدى الإدريسي بدليل أنه لم يمرّ به ولم ينزل عنده في أثناء سفره إلى الزيارة ثم الحج، وإلا كان بإمكانه - وفي الوقت متسع - أن ينزل عنده ثم يتوجه إلي الحج، لكنه فيما يظهر ذهب إلى المدينة المنورة للزيارة تحقيقًا لتلك الرؤيا التي سلفت، ثم توجّه بعدها إلى الحج. وقد وجدت له في "ديوانه" (1) أبياتًا يتشوّق فيها إلى الحج كتبها سنة 1336 يقول فيها:
متى يبلغ المشتاق مَقْصِده الأسنى ... متى تُنجز الأيام آمالَه الحسنى
متى يشهد النور الجمالي ساطعًا ... حواليه في هاتيكم الروضة الغنّا
متى يتراأي نورَ مكة يقظةً ... وقد حقق الرحمنُ آماله مَنّا
متى نبهَرُ البيت الرفيعَ عمادُه ... فنغتنم القربى ونستلم الركنا
ولابد أن نبتاع كتبًا شريفةً ... تكون لنا من جهلنا دائمًا حِصْنا
فيا طالما اشتقنا إلى نيلها ولم ... نَزَل نتمنّى نيلها مُذْ تحقَّقْنا
ومما يؤكد أن وجهته لم تكن محددة حين خروجه من بلدته تعليقٌ وجدناه بخط الشيخ جاء فيه: "إنه لما كان ليلة الخميس 8 شهر ربيع الأول
__________
(1) (ق 74).
(1/58)

سنة 337 (يعني وألف) ظهرت للحقير أمارات بلوغ خبري إلي الوالد الزاهد العابد حفظه الله ورضّاه عني ودعّاه بتوفيقي، وفقني الله لطاعته وبره وعصمني عن عقوقه مدةَ عمره آمين" (1).
وقد يقدح في هذا ما ذكره القاضي العمودي في كتابه: "تحفة القارئ والسامع في اختصار تاريخ اللامع" (2) أن الإِمام الإدريسي أوْفَد الشيخ المعلمي إلى الشريف حسين بمكة سنة 1336 وأنه اجتمع به وقال قصيدة يمدحه بها ويكفّر فيها الأتراك.
فتكون رحلة المعلمي إلى الزيارة فالحج لها غرض آخر غير طلب العلم والسياحة، ويكون فيها تكليف من الإدريسي. أقول هذا وعندي بعض التردد في كون هذه الواقعة حصلت في هذا العام 1336، فأني أخشى من تداخل بعض أخبار هذا التاريخ إما لتداخل أوراقه أو لخلل في الإلحاقات الكثيرة في حواشيه، وعلى كل حال فالأمر سهل أيضًا.
وتسلسل الأمور يدل أن الشيخ ذهب للزيارة والحج ولقاء الشريف حسين (إن صحّ ما وقع في تاريخ العمودي)، ثم توجّه في أول سنة 1337 إلى الإدريسي. والإدريسيُّ وإن كان حاكمًا فهو أيضًا معدود في العلماء، وكان الشيخ المعلمي يعظمه ويجلّه ويخلع عليه لقب "الإِمام المجتهد"، فنزوله عليه للتلقي والطلب من أغراض رحلة الشيخ، فاستقرّ به المقام لدى الحضرة الإدريسية، ولم يكن سفره ولا استقراره لديه لأجل وظيفة أو جاه أو منصب.
__________
(1) مجموع رقم [4104].
(2) (2/ 379 - 380).
(1/59)

وقد وجدت ما يدل على تاريخ قدومه إلي الإدريسي، ففي أحد مجاميع الشيخ (1) ما نصه: "يقول العبد الحقير المقر بالتقصير .... عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي ... : إنه لما كان أواخر صفر الطف أحد شهور عام 337 (بعد الألف) تشرفت بالمثول بين يدي مولانا إمام العصر ... محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس الحسني أيَّده الله ... ".
والذي أستنتجه من النظر في سياسة الإدريسي أنه كان يستقطب العلماء والكفاءات لغرض تثبيت إمارته وحشد الولاءات لها (2)، وكان الشيخ المعلمي من أولئك النفر الذين حَرَص الإدريسي على قدومهم عليه ووقوفهم بجانبه في إمارته الجديدة خاصة من علماء اليمن الذين يحتاج إلي خبرتهم وكسب ولاء مَن وراءهم ليكونوا عونًا له في حربه ضد الإِمام يحيى حميد الدين.
لكنّ هذا التوجّه إلى العلم بدأت تُزاحمه بعض الأعمال التي أسندها إليه الإدريسي من القضاء ومراقبة القضاة والمكاتبات إلي المسؤولين خارج الدولة وداخلها. وفي ورقات بخط الشيخ (3) شرح فيها الأمر من قدومه إلي
__________
(1) مجموع [4707] ق 66.
(2) انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (2/ 842 - 843) فقد ذكر أن الوفود من الزعماء والعلماء والوجهاء ربما بلغ متوسط عددهم في اليوم الواحد مائتي شخص. وذكر الوشلي في "نشر الثناء الحسن": (4/ 205 - 206) جملة من العلماء الذين وفدوا على الإدريسي، وأنه تكفّل بكفايتهم في كل ما يحتاجونه من الأمور الدنيوية لهم ولعائلاتهم.
(3) في المجموع رقم [4707] في أربع ورقات. وقد بدأ المؤلف هذه الوثيقة بالحمدلة، ثم قال:"أولًا: أريد أن تعلموا جميعًا أن غاية ما أقصده هو خدمة الدين، وخدمة هذه الدعوة الشريفة" ثم ذكر ثانيًا. وهو ما ذكرنا نصَّه.
(1/60)

الإدريسي حتى وفاته - وهي وثيقة مهمة تغني عن التحليل والتخمين - قال الشيخ:
"أوضِّح لكم صورة استخدام سيدنا - المقدَّس سرّه - لي، فأولًا عقب وصولي كان مُنزِلًا لي منزلة العلماء للمذاكرة في حضرته الشريفة وتدريس الطلبة، ومكثتُ على ذلك مدةً كان في أثنائها ربما استعان بي في كتابة بعض المهمات؛ كجواب على عالم أو تعزية في رئيس أو نحو ذلك، وربما أحال إليَّ بعض المسائل القضائية المشكلة".
وفي رسالة من المعلمي إلى القاضي عبد الله العمودي جاء فيها:
"وأخوكم مشغول بالقراءة أولاً على سيدنا في "مسلم" مجلسين صباحًا إلى بعد الظهر، ومساء من بعد العصر إلى دخول المغرب، ومذاكرة نحن والشيخ محمد بن إسماعيل، ومذاكرة مع الطلبة على اختلاف دروسهم، ومسألة القضاء ... مع ما لا يستغني عنه الطالبُ من المطالعة".
فهذا النص يبيّن برنامج الشيخ اليومي ومدى تفرُّغه لطلب العلم ونشره، وهذا البرنامج مضاف إليه "مسألة القضاء" التي كان الشيخ كارهًا لتولّيها فقد دعا بعد ما ذكرها بقوله: "نسأل الله تعالي أن يجعل لنا منها فرجًا ومخرجًا".
ثم قال الشيخ في تلك الوثيقة:
"ولم يزل الحالُ على نحو ذلك، حتى أرسلني إلي "رجال ألمع" (1)، وقد
__________
(1) محافظة "رجال ألمع" تقع في الجهة الغربية من منطقة عسير، على مسافة 45 كيلو مترًا من مدينة أبها. وقد أشار إلي هذا الإرسال إلى عسير القاضي العمودي في مختصر تاريخه "إتحاف القارئ" (2/ 398) قال: "من أجل الخلاف الذي صدر من عسير على أصحاب الملك ابن سعود".
(1/61)

حضر سيدي سيف الإِسلام - حفظه الله - كيف كان خطاب سيدنا - قُدِّس سرّه - لي في التوجُّه، فإنه كان ألطف خطابٍ على جهة العرض فقط.
ثم بعد عودتي من "رجال ألمع" ودَخَل شهرُ رمضان، ففي رمضان رُفِعت إلى حضرته عدةُ قضايا، منها ما يتعلق بالقضاة، ومنها ما يتعلق بالنهي عن المنكر، ونبَّهتُه على إسراف القضاة في أخذ الرِّشا والنكالات، وقد وجدتُ بعض تلك الكتب في كتب سيدنا التي وضعها لديّ، وقد مُزّق منه شيء وهو موجود الآن لدي وهو بغاية الخسارة (1)، فكان ذلك من أسباب انتباهه للقضاة، ثم حَصَر القضاءَ أن يكون بالباب وعيّن الحقير والقاضي حسن عاكش، فراجعته: أنني لا أستطيع ذلك، فقال: أما الآن فتجشّمْ ذلك، لأننا لا نأمن على أحدٍ غيرك في براءة ذمتنا، وأصحابنا قد ألِفوا، وألِفوا، فأنت تكون بصفة الحارس المراقب، حتى يظهر لنا ثقة أحد منهم، أو يجيء الله برجل آخر، وكن على ثقة أننا لا نرضى عليك بدوام المشقة.
فبقيتُ في المراقبة حتى ترخَّص القاضي حسن، وأبطأ في البيت (2)، فأمرني سيدنا - قُدّس سرّه - بلزوم مجلس القضاء حتى يهيئ الله تعالى.
وقد قال لي قبل ذلك: يكون السيد علي (3) يحضر معكم حتى يتأهل للمركز إن شاء الله، فكان السيد علي يحضر معنا.
وفي أثناء تلك المدة كان يستعين بي في بعض الكتابات المهمة
__________
(1) غير محرَّرة.
(2) ترخّص: أي استأذن لأخذ إجازة. والبيت يراد به: الوطن أو بلد الشخص.
(3) هو الابن الأكبر للإدريسي، وقد تولي الإمارة بعد موت أبيه سنة 1341 وعمره دون العشرين عامًا. انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (2/ 850).
(1/62)

الذي (1) يجب كتمانها، إلى أن وقع السفر إلى جهة اليمن لفتح الحديدة، وعند وصولنا "حبل" (2) كان الشيخ محمد إسماعيل الهِتَاري قد تقدّمت منه أشياء، ويومئذ قدّم لسيدنا كتاب (3) يعاتبه من خصوص عدم حمله في المُوْتَر (4)، فعدّد سيدنا الذين كانوا في الموتر، وأنهم جميعهم لا يمكن ترك أحد منهم، وعدَّ الحقيرَ، فقال: وفلان باذلٌ نفسَه للمساعدة، وأما محمد إسماعيل فما يقدر على كتابة كتاب واحد، فقال الشيخ يحيى: حتى إنه يكتب لنا، فخاصمه سيدنا - قدّس سرّه - في ذلك، وقال: والله ما أستصحبه أنا بصفة كاتب، إنما أستصحبه لمذاكرة علمية، أو مسألة قضائية، أو كتابة سرّية، ولكن إذا وصلنا مكانًا، ودار الأمر بيني وبينه في الكتابة تحمَّلها هو.
ثم خاصمني في تكلّف مساعدة الإخوان بالكتابة، وبيَّن لهم أن منزلتي فوق ذلك، حتى قال: إن علمه أنفع من علم محمد إسماعيل؛ لأنه أخذ العلم بصفاء، وسيف الإِسلام والشريف حمود والشيخ يحيى حاضرون حتى رتّب الهِبَة، وكان "كامل" يصدر التحارير، ويجعل العلامات: خُدّام الإدريسي، خُدَّام الإدريسي، والحقير يُمْضي معهم، فأمرَه سيدُنا - قدّس سرّه - أن يجعل علامة الحقير: "نائب الشرع الشريف" بدل "خدام الإدريسي" مع أن الخدمة هي أشرف شيء.
ثم جعل لنا درسًا لديه في الفقه، فكان بعد تمام الدرس يأمر جميع الحاضرين أن يَصِلوا إلي الحقير لأعيد لهم الدرس وأفهّمهم، ثم
__________
(1) كذا، والصواب: التي.
(2) لعلها اسم منطقة هناك.
(3) كذا، والوجه: كتابًا.
(4) أي: السيارة.
(1/63)

استقام السيد عليّ بالقضاء وأخذتُ أسُلّ نفسي منه.
ولما كان رمضان عام 1340ه, وصام في "صَبيا" (1) مع ذلك [لحرّ] الشديد وهو تعبان إلي الغاية، وكان "كامل" والشيخ محمد غائبين، وكذلك الشريف حمود، فكان يحيل علَيَّ الكتب، ثم توجّهنا إلي جيزان، فذكر لي أن الضرورة دعت لتوجُّهي إلي "رجال ألمع"، فتوجّهت فنزلوا "الجبالية" وحصلت الأزمة في العمل، وهو بشدّة التعب بعد حرارة الصيام في صبيا، ولم يحمد سيدنا - قدّس سرّه - مساعدة "كامل"؛ لأنه كان قد نجم عليه المرض (2)، وكان يتحسّر ويتندّم على إرسالي.
ثم رجعتُ من "رجال ألمع" وهو مريض، فكانت أقلّ مراجعةٍ أو سؤال أو شغل يشقّ عليه جدًّا، فحينئذٍ تولي الحقير أكثر المخاطبة مع مندوب ابن سعود، ثم توليتُ أكثر المراجعة مع سيدنا - قدّس سرّه - للتبصُّر والتلطّف في إدخال السرور عليه وعدم المشقة، وأمَرَ حينئذ أن تكون الكتب عمومًا ترِدُ إلي الحقير حتى أقرأها، وأتلطّف في عرض مضمونها عليه، ففزت في خدمته بذلك والحمد لله، حتى أفاق من المرض، فكانت الكتب على عادتها تصِلُ إليَّ وأعرض عليه مضمونها، فكان حينئذ يطلب بعض الكتب لقراءتها نصًّا، وكان الإخوان ربما أحالوا عليَّ بعض الأشغال، فيخاصم في ذلك ويقول: لا يمكنه تحمّل الأمور جميعها، فقط مع مرضي هو يتحمل أشغالي التي لا يقوم [بها]
__________
(1) محافظة صبيا في منطقة جازان إلى الشمال منها وتبعد عن مدينة جازان نحو 37
كيلو مترًا.
(2) يعني زاد.
(1/64)

أحدٌ غيري، وإذا حمّلتموه ما لا يطيق ما تقوموا يوم (1) إلاَّ وقد شَرَد، ولا عيب عليه ولا حجة مني إليه إذا شرد؛ فإني أنا لو حَمَلْتها بدون مساعدٍ شردت وتركتها.
وربما تعرّضت أنا في بعض الأشغال فيخاصمني، ويقول لي: ما لَكَ قدرة على تحمّل الأمور كلها، وهؤلاء إخواننا لو لقوا مَن يتحمل عنهم أشغال بيوتهم رموها على ظهره ورقدوا والحال على ذلك.
وفي أثناء مدة القضاء فما بعدها لا أزال أقدّم له الاستعفاء من ذلك لأتفرغ لخدمة العلم، فيعِدُني أنه سيُحضِر مساعدين في الخدمة، ويسمح لي بذلك، حتى إني عرضت إلى سيدي الحسن (2) أستشيره، لعله في ربيع سنة 1341، وكان قصدي حينئذ الشَّرْدَة، فصبَّرني سيدي الحسن وسلّاني.
ثم في "صبيا" قبل موت سيدنا - قدّس سرّه - بمدة يسيرة رفعتُ له ورقة طلب الإذن إلى مصر أو السودان، للتفرُّغ لطلب العلم، فبقي تلك الأيام يَعِظُنا معشرَ الإخوان موعظةً عمومية، ويحضّنا على الثبات، فقدمتُ له ورقة أني تُبت من ذلك، ولكن على أن يَعِدَني أنه يسعى في حصول مَن يكفيني العمل، وأبقى بحضرته لخدمة العلم فقط، فقال: هذا هو عزمنا بدون طلبك، لأني أعرف قدر المشقة التي عليك بالاشتغال عن العلم، وإن شاء الله تعالى تبلغ المراد. ثم قضى الله تعالى بوفاته".
فهذا حال الشيخ وكيف تدرّجت به الأمور من حين مقدمه إلي وفاة
__________
(1) كذا، يعني: لا تنتبهون أو لا تستيقظون.
(2) الحسن بن علي الإدريسي أخو الإمام محمد بن علي. انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (2/ 900 فما بعدها).
(1/65)

الإدريسي، وهذا التفصيل يكشف لنا الهدف الرئيس من رحلة الشيخ إلى
الإدريسي وأنه لم يكن قادمًا طمعًا في منصب ولا جاه ولا رئاسة، بل هدفه خدمة العلم والترقي في منازله، والإعانة على نشره.
كانت مدة بقاء الشيخ لدى الإدريسي خمس سنوات من سنة 1337 إلى سنة 1341، وهذه المدة مع قِصَرها كانت حافلةً بالعلم والعمل والأحداث، فقد تولي الشيخ خلالها أعمالًا علمية من تدريس ومذاكرة وتأليف، وأعمالًا تتعلق بالحكم والسياسة والنظر في شؤون الدولة وكتابة الإنشاء، وأعمالًا تتعلق بالقضاء وفصل الخصومات، إضافة إلى الخطابة في الجُمع والأعياد، والتهنئة بالفتوحات والانتصارات.
وقد وقفنا في أوراق الشيخ ومجاميعه على وثائق متعددة تتعلق بهذه الجوانب جميعًا، ومن ذلك ما أنشده مهنئًا الإدريسي بفتح مدينة اللُّحيَّة (1):
باب الفتوح بإسم القاهر انفتحا ... وطائر النصر في دوح العلا صدحا
وكوكب السعد في برج الفلاح بدا ... فلاح نور كنور البدر متضحا
وأصبح الدين مسرورًا بعزّته (2) ... لما غدا قلبه نشوان منشرحا
قد قلت للأرض مِيْدي (3) نشوةً ولقد ... بفوزك اهتزت السبع العلا مرحا
هذي "اللُّحيَّة" لَحْييْهَا قَبَضْتَ فثق ... بالنصر حتمًا وخالف من نهى ولحا
__________
(1) انظر "تحفة القارئ والسامع": (2/ 398 - 400) للقاضي العمودي، و"تاريخ المخلاف السليماني": (2/ 848 - 849) للعقيلي.
(2) في "تاريخ المخلاف": "بغرته".
(3) في "تاريخ المخلاف": "تِيهي".
(1/66)

إن الفتوح إما (1) كان أولها ... تتابعت مثلما قد ينظم السبحا
بشراك فالله قد أعلى يديك على ... أيدي العباد وقد أعطى وقد منحا
فالحق أرفع من أن يُعتلى فأدِمْ ... نشر الجهاد فإن الله قد سمحا
واستخلص المخلصين التابعين من ال ... أنصار (2) واطرد كذوبًا خان (3) وافتضحا
دع "حاشدًا" (4) إنهم خانوا ولو جهدوا ... فإنهم (سمك) في (مائه) نزحا
أما "بكيل" (4) فلولا أنهم مكروا ... قاموا بعزم ولكن قلَّ من نصحا
وإن ربيَ عنهم حاز نصرته ... إذ ليس يوجد فيهم غير من طلحا
وكيف يبذل كل الجد رافضة ... لا تحسب الحق إلا كلَّ ما قبحا
لكنَّ في جذبهم لا شك مصلحةً ... وأخذ أبنائهم حزما قد اتضحا
يا أيها الناس هذا بين أظهركم ... مقدَّم الكون بدر التمِّ شمس ضحى
يدعو إلى الله إخلاصًا بملته ... بل امتثالًا لأمر الحق إذ نفحا
يا طالما كانت الأكوان تنظره ... حتى إذا قام أجلى من جلا اطرحا (5)
موّهتم الزور في تكذيب دعوته ... تبتْ يدا كل من في شأنه قدحا
لما رأيتم كنوز الأرض قد فتحت (6) ... له تأول قوم في الذي فتحا
قلتم أعانته أحزاب الضلال نعم ... نعم أعانوه خوفًا منه إذْ سنحا
__________
(1) في "تاريخ المخلاف": "إذا ما".
(2) في "تاريخ المخلاف": "لأنصار".
(3) في "تاريخ المخلاف": "خاف".
(4) "حاشد" و"بكيل" القبيلتان المعروفتان في اليمن.
(5) هذا البيت ليس في "تاريخ المخلاف".
(6) في "تاريخ المخلاف": "منحت"، وسقطت كلمة "كنوز" من "التحفة".
(1/67)

الله أنزل رعبًا في قلوبهمُ ... إذْ شاهدوا أسدًا كالبدر قد وضحا
فأصبحوا يبذلون المال لا طمعًا ... يدري بذا كل من نحو الهدى جنحا
وكيف يطمعهم بيض الأنوق وهم ... مميزون ولكن جلَّ من منحا
هذا الإِمام الذي فاضت أنامله ... جودًا عميمًا كموج البحر ما برحا
هذا هو الكف والناس الجميع عصا ... هذا هو القطب والكون البديع رحا
أقامه الله روحًا للعباد كما ... قلوبهم ردها المولى له شبحا
وقد نطقتُ بحق سوف ينكره ... قوم يقولون هذا المعتدي شطحا
والله يعلم أني لم أقل كذبًا ... فقبَّح الله من في كذبه سبحا
هذا جواب عليهم قبل قولهمُ ... لا فاز أكذبنا (1) قولا ولا برحا
ودام للصادق الخيرُ الجزيل ولا ... عَدَتْه أيدي الندى أنَّى أتى ونحا
فلا برحتَ بخير والصلاةُ على ... محمد وسلام الله لا برحا
والآل والصحب والتُّبّاع قاطبةً ... لا زال يُتلى عليكم بكرةً وضحى (2)
وكما كان الشيخ معظّمًا للإدريسي، فقد كان الإدريسي أيضًا معظِّمًا للشيخ مجلًّا له، بحيث ولاَّه رئاسة القضاء وهو دون الثلاثين، وفوّضه الرد على مكاتبات الرؤساء والملوك، ولقبّه بشيخ الإِسلام، وأذن له بالدخول عليه في آية ساعة يشاء بدون إذن من رئيس الحرس، حتى صار من كبار رجال الدولة وأقرب مستشاري الإدريسي.
هذه العلاقة القوية ربما أوغرت بعض الصدور على الشيخ، فلم يسلم
__________
(1) في "تاريخ المخلاف": "كذابنا".
(2) الأبيات الثلاثة الأخيرة ليست في "تاريخ المخلاف".
(1/68)

من حسد الأقران أو منازعة بعض المقربين، والناظر في رسائل القاضي عبد الله العمودي إليه سيقف على بعض ذلك.

* الانتقال إلى عدن:
بقي الشيخ على هذه الحال إلى حين وفاة السيد الإدريسي في الثالث من شعبان من عام 1341، فتولى بعده ابنه الأكبر السيد علي بن محمد وكان عمره دون العشرين، بعد أن وقع نزاع على السلطة بينه وبين عمه الحسن انتهى باستقرار الإمارة في يد علي بن محمد الإدريسي، إلا أن هذا الأمير الشاب لم يَسِر سيرةَ أبيه في الحكم من الحنكة والتدبير والاعتماد على رجال الدولة، وذوي العلم والخبرة، فعزم أن يبعد كبار المسؤولين أيام إمرة أبيه. وكان حقه أن يستفيد منهم ويعتمد عليهم كما كان يفعل أبوه.
وربما اجتمع مع عدم الحنكة ما رآه من وقوف جماعة منهم مع عمه الحسن وقت النزاع بينهما في تولي الإمارة، فأراد أن ينتقم منهم بمشورةِ ومساعدةِ أعوانه الجدد.
وحين رأى الشيخ هذه الأمور مجتمعة وتغوُّلَ بعضِ أولئك المستشارين الجدد، كتب أوراقًا (1) يحكي فيها خبرَه من أيام مقدمه على الإدريسي وكيف كان تعامله معه حتى وفاته، ثم في آخرها يشرح مراده من المجيء إلى الحضرة الإدريسية وما يأمله الآن من المكوث لدى الأدارسة، وأنه بعيد كل البعد عن الاهتمام بالوظائف التي كان يشغلها أيام الإدريسي الأب، وأنه غير طامع في بقائها، بل رغبته العظيمة وأمنيته المرجوّة هي
__________
(1) وقد سقنا أكثرها فيما مضى.
(1/69)

التفرّغ للعلم. قال في وثيقته تلك:
"والآن أرى أن تفرُّغي للعلم واجب.
أولاً: أن سيدنا - قدّس سرّه - كان يعدُني بذلك.
ثانيًا: أن مشرب سيدنا في علم الظاهر لم يعرفه أحد ذوقًا وتحقُّقًا مثلي، فأريد أن تكون مذاكرتي للطلبة ممزوجة به، حتى تخالط بشاشته قلوبهم وينشؤوا عليه، وأيضًا أنا بنفسي أرى ما عندي.
ثالثًا: أن الطلبة الشافعية ضائعون بلا شيخ، وقد تعب عليهم سيدنا - قدّس سرّه - تعبًا شديدًا، فلا يضيعوا.
رابعًا: أني كما سأذاكرهم في الأحكام سأذاكرهم في الأخلاق كالزهد ونحوه، حتى ينشؤوا عليه.
خامسًا: أنه يجب أن يُنظر إليَّ الآن بنظرٍ فوق ما كان يُنظر إليَّ في حياة سيدنا - قدّس سرّه -، لأني كنتُ في حياته مغمورًا بالحقوق التي له ولا حقّ لي، وأما الآن فالحقوق التي لي كثيرة، وقصدي من هذا أنه ينبغي إجابة طلبي.
سادسًا: من المعلوم أن الخدمة بغير العلم، هي بكُرْهٍ منّي ومشقّة عليّ، فلا آمن على نفسي أن أقصّر فيها.
سابعًا: أني ليس قصدي من ترك الخدمة الراحة والبطالة، وإنما هو الانتقال من مهمّ إلى أهمّ، فإن الدعوة من المعلوم أنها مبنية على علم وعمل، فكيف نقوم بإحياء العمل وترك العلم. والقيامُ بخدمةِ العلم وخصوصًا على الصفة المشروحة هو أعظم خدمة للدعوة، بل هو الشطر المهم فيها.
(1/70)

وبَقِيَت بعد هذا وجوهٌ أخرى، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى".
لكن يبدو أن الغلبة كانت لمن أشار إلي الإدريسي الابن، إذ قرر التخلّص من كبار مستشاري أبيه وأعوانه بمكيدة مدبّرة لإخراجهم من عاصمة الحكم إلى عدن، قال القاضي عبد الله العمودي: "ففي شهر ربيع الأول من سنة 1342 أجلى أهل مجلسه ومشورته من رجال دولته، فطلبهم الإِمام المذكور إلي مجلسه، وأوهمهم بأن يتوجّهوا إلى الحديدة لأجل النظر في الصلاحية، وقد أعطى أمرًا إلى واليه بالحديدة عبد المطلب في نفيهم وإدخالهم البحر إلى عدن، فتمّ له ذلك ... " وذكر منهم القاضي العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي. قال: "نعم، ولم يكن مقتضى لبقائهم إلا أوهام ومشورة الأحداث من أهل مجلسه الطَّغام، حتى إن جريدة صنعاء أشارت إلي هذه الحادثة باللوم، والفضل ما شهدت به الأعداء" (1).
وهذه المكيدة المفاجئة لم تُمَكِّن الشيخ من أخذ شيء من كتبه وأوراقه وباقي أغراضه، وإنما طلبها من تلك الجهة بعد ما استقرّ في الهند، كما في كتاب منه إلى الشيخ محمد نصيف مؤرخ في ذي القعدة سنة 1355.
لم يطل مكث الشيخ في عدن، إذ لم يبق فيها إلا نحو سنتين أو أقل، اشتغل فيها بالتدريس والوعظ والتأليف، فقد ألّف في هذه الفترة رسالته في "الوتر"، و"الرد على حسن الضالعي"، وانتقل في أثناء ذلك إلي مدينة "زنجبار" (2) وهي مدينة بالقرب من عدن.
__________
(1) "إمارة السيد الإدريسي" (ص 69 - 71) للقاضي العمودي. وانظر نحوه في "نشر الثناء الحسن": (4/ 224).
(2) ففي المجموع رقم [4657] ذكر فائدة ثم قال: "أفدته بزنجبار".
(1/71)

والظاهر أن الحال لم يكن مطمئنًا للشيخ فمكيدة الإدريسي تمنعه من العودة إلى المخلاف السليماني، وترصّد الإِمام يحيى حميد الدين يمنعه من العودة إلى بلده عُتمة أو إلى مناطق اليمن الخاضعة لنفوذ الإِمام، فلم يجد أمامه إلا التفكير في السفر بعيدًا. مع أنه قد عاد جماعة ممن سَفَّرهم ابن الإدريسي إلي بلدانهم، وخضعوا لإمرة الإِمام يحيى حميد الدين وذلك نحو سنة 1343. وقد ذكرهم الوشلي بأسمائهم في "نشر الثناء الحسن": (4/ 226).
لكن توقع الشيخ المعلمي كان مختلفًا لقوّة صلته بالإدريسي، ولأجل قصائده التي كان ينشئها في ذم الإِمام يحيى وحكم الزيدية، وكان يتألم منها الإِمام يحيى أشدّ الألم (1)، ومما يعضد هذا ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ المعلمي) قال - مبديًا السبب في عدم عودة الشيخ المعلمي إلى اليمن -: "إن الإِمام يحيى قد امتدت يده القاسية إلى إنزال عقاب شديد، وهو سجن أشخاص من بيت المعلّمي ليس لهم صلة بحكم الإدريسي، وقد حبسهم الإِمام يحيى بسبب تهمة واهية أوهى من بيت العنكبوت، قال: أعرف الفقيه العلامة أحمد بن محمد المعلمي وهو في أخريات حياته، وهو والد زوجتي رحمه الله، وقد حكى قصة سَجْنه من قِبَل الإِمام يحيى في أيام طلبه العلم هو ووالده محمد وأخواه: عبد الله بن محمد المعلمي، وعبد الكريم بن محمد المعلمي، أنه ذهب إلى مدينة زبيد لطلب العلم، ومكث فيها مدة سبع سنوات، وفي نهاية فترة دراسته قوي عزمه على السفر لأداء فريضة الحج، فسافر من زبيد على أمل العودة إلى قريته في ناحية عُتمة، فسافر لأداء فريضة الحج، ومر عند عودته بالبلاد التي
__________
(1) نقله عبد الله الحكمي عن الشيخ المعلمي.
(1/72)

كان فيها حكم الإدريسي مارًّا بها وعاد إلى قريته، وما فتئ يستقر في قريته حتى هجم عليه عساكر الإِمام يحيى حميد الدين واعتقلوه هو ووالده وأخويه، وذهبوا بهم الأربعة إلي صنعاء مشيًا على الأقدام على مسافة أربعة أيام أو خمسة، وأودعهم الإِمام في السجن أشهرًا. كل هذا العقاب الشديد والقاسي والترويع لأن هذا الفقيه رحمه الله مرَّ عند عودته من سفر الحج بالأماكن التي كان يحكمها الإدريسي، وبعد إطلاقهم من السجن لم يلبث والدهم إلا أيامًا يسيرة حتى توفاه الله، رحمه الله.
فأنت ترى ماذا حصل لهذا الطالب ووالده وأخويه من عِقاب من الإِمام يحيى حميد الدين بدون ذنب اقترفوه، فكيف لو كان هذا الفقيه البريء ممن ناصر الإدريسي، أو اتصل به، أو شارك معه في الحكم؟! ماذا سيصنع معه الإِمام يحيى حميد الدين؟ " (1) اه.

* الانتقال إلى إندونيسيا:
ويبدو لي أن مكث الشيخ في عدن قد عرّفه إلى جماعة من أهل الفضل والتجار هناك ممن لهم علاقة بإندونيسيا، فارتحل الشيخ إلى هناك في عام 1344 وبقي بها مدة من الزمن يسيرة لا تزيد على عام واحد، والشيخ على دأبه أينما حلّ وارتحل لا ينقطع عن العلم والاشتغال به، ففي هذه المدة في إندونيسيا في مدينة سواربايا ألَّف الشيخ كتابه "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" (2)
__________
(1) من أوراق بخطه لديّ نسخة منها.
(2) هذه التسمية منا كما شرحناه في مقدمة تحقيقه وهو يمثل المجلد الرابع من هذه الموسوعة.
(1/73)

وذلك أن الشيخ أحمد السوركتي (ت 1364) ألَّف رسالة صغيرة سماها "المسائل الثلاث" ضمنها الكلام على الاجتهاد والتقليد والكلام على بعض مسائل في السنة والبدعة والعقيدة، فجاء أحدهم بهذه الرسالة إلي الشيخ وطلب منه رأيه في مؤلفها وفيما ذكره، وسأله أن يكتب عن هذه المسائل فأجاب الشيخ على سؤال هذا السائل بهذا الكتاب الكبير.
وقد ألَّف الشيخ هذا الكتاب سنة 1344 أي وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وهذا يدل دلالة واضحة على قوّته العلمية، ونزوعه إلي الاجتهاد واتباع الدليل في وقت مبكر إذا اعتبرنا أن الفترة التي قضاها عند الإدريسي ومن قبلها أيام مكثه في بلده اليمن كان فيها متقيدًا بالمذهب الشافعي، وهذا حديث يحتاج إلى بسط وتفصيل ليس هذا موضعه.

2) الرحلة إلى الهند (1345 - 1371)
لم يطل مكث الشيخ المعلمي في إندونيسيا، فرحل إلى الهند أواخر سنة 1344 أو أوائل التي تليها؛ لأنه من المؤكد أنه وصل الهند سنة 1345 وبدأ في هذه السنة عمله في دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد الدكن.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل كانت وجهة الشيخ من عدن إلى الهند وكانت إندونيسيا مجرد محطة عبور، أم كانت الوجهة إلي إندونيسيا ثم أنشأ رحلة أخرى إلى الهند؟ هذا ما لم نجد ما يحدّده لنا من خلال ما وقفنا عليه من تراثه، لكن الذي يترجح لي أن الشيخ رحل إلى إندونيسيا قاصدًا لها لا مارًّا بها؛ لأن إندونيسيا أبعد من الهند وليست محطة في الطريق إليها. الأمر الثاني: لم يتعرض الشيخ ولا مترجموه لذكر هذه الرحلة فكأنّ الشيخ قد أسقطها من الذكر لقِصَر مدتها فلم تمثل له محطةً تستحق الوقوف عندها، والله أعلم.
(1/74)

وبهذه الرحلة الهندية انتقل الشيخ إلى عالم جديد عليه من حيث الثقافة والعادات، وانفتح على علوم جديدة لم يكن لها من الذيوع والانتشار كما في الهند، كعلم الحديث والرجال. وبانتقاله إلي دائرة المعارف العثمانية للعمل في تحقيق أُمَّات كتب الحديث والرجال واللغة والأدب وغيرها يكون الشيخ قد انتقل إلى عمل جديد لم يمارسه من قبل ولا كان معروفًا في البيئة التي عاش فيها في اليمن ولا عند الإدريسي، فهي تجربة جديدة بحق.
تمكَّن الشيخ بفضل الله ثم بفضل مواهبه المتعددة وعلومه المتنوّعة وذكائه المفرط من إتقان هذه الصنعة في أقرب وقت، بل صار هو العَلَم المشار إليه في الدائرة في تصحيح الكتب وحلّ مشكلات التحقيق خاصة فيما يتعلق بكتب الحديث والرجال.
ولا شك أن هذه الرحلة نفعت الشيخ في أمرين مهمين، الأول: التفرّغ التامّ للعلم والانقطاع له قراءة وطلبًا، وتأليفًا وتحقيقًا، الثاني: العناية بعلم الحديث رواية ودراية. وقد التفت في وقت مبكر من قدومه الهند إلي طلب الإجازة من بعض العلماء المسندين، فقد استجاز من الشيخ محمد عبد القدير الصديقي (1288 - 1381) فأجازه في الثالث عشر من ذي القعدة سنة 1346، ووصفه فيها "بالأخ الفاضل العالم العامل الشيخ" (1)، وغير بعيد أنه أخذ عن غيره مع توافر العلماء المسندين وسهولة الأخذ عنهم، لكن لم يصلنا شيء نستند إليه لإثبات ذلك.
مكث الشيخ في الهند موظفًا في دائرة المعارف العثمانية خمسة وعشرين
__________
(1) سيأتي شيء من نص الإجازة في مبحث ثناء العلماء عليه.
(1/75)

عامًا من سنة 1345 إلى سنة 1371، وهي أطول محطة في رحلات الشيخ وتنقلاته، فإنه مكث في اليمن أربعة وعشرين عامًا وعند الإدريسي خمسة أعوام، وفي مكة ستة عشر عامًا، فبقاؤه في الهند هو الأطول مدة، ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:

الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وهذه الناحية كانت غائبة عنا حتى عثرنا على مجموعة من الرسائل الخاصة التي أرسلها الشيخ إلى أخيه أحمد في إندونيسيا وهي سبع عشرة رسالة، سبع رسائل منها وقت إقامته بالهند، وقد كشفت لنا هذه الرسائل عدة أمور:
1 - اهتمامه البالغ بأقاربه وأهله بالسؤال الدائم عنهم، ومساعدتهم بإرسال المال لهم.
2 - تزوج الشيخ في الهند بعد عدة سنوات من مقدمه، لعله قبيل سنة 1350.
3 - ولد له ابنه الوحيد عبد الله في السادس من ربيع الثاني سنة 1351، وكتب تاريخ ولادته في بعض مجاميعه ودعا له بالبركة والخير، وقد سقنا الدعاء بكامله في مبحث أسرة الشيخ.
وفي وصية للشيخ (1) وهو في الهند: أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد (2)
__________
(1) "الخطب والوصايا" (ص 242 - 243).
(2) كتب أخي الدكتور محمد أجمل إلى الشيخ السيد محمد أثر الحيدرابادي يسأله عن (إبراهيم رشيد)، فأفاد بأنه من العرب، وكان خطيبًا في بورما ثم قدم إلي حيدراباد، وتولى الخطابة في الجامع الكبير المسمى (مكة مسجد) وكان صوته جهوريًّا. اه.
(1/76)

أن يحتاط لولده (عبد الله) ويجتهد في تربيته تربيةً صالحة، ويمنعه من الاختلاط بالأطفال السفهاء، وينفق عليه وعلى أمه ... إلي آخر الوصية.
4 - في رسالة مؤرخة في 1353 قال: "حالي بحمد الله تعالى حسنة، كفاف المعيشة، وهذه الأيام التقلبات كثيرة"، وفي رسالة أخرى في العام نفسه ذكر أنه قانع بما يتحصّل من المطبعة؛ قال: "لأنّ خدمتي فيها موافقة لهواي". ولعل هذه من الميزات التي خفّفت عن الشيخ طول البقاء في الهند والصبر على المعاناة التي شرحها في عدة رسائل.
5 - ذكر في رسالته السالفة أنه ليس مطمئن البال من الإقامة في الهند، ولكنها تمشية وقت، مع وثوقه بأن الإقامة هنا أصلح له من غيرها.
6 - كتب الشيخ سنة 1356 رسالة طويلة مؤثّرة إلى أخيه أحمد يبث له فيها أحاسيسه وما يجده من مشاعر ألم وعدم ارتياح نفسيّ، مع أنه قد استقر في الدائرة وتزوج ورُزق بابنه عبد الله، إلا أن طبيعة الحياة هناك لم تلائم الشيخ، فهو يشرح في هذه الرسالة ما عبّر عنه في رسالة سالفة أنه إنما يبقى في الهند "تمشيةَ وقتٍ ولأن الإقامة هنا أصلح من غيرها". ولندع الكلام له ليبثّ ما يجول في نفسه قال:
"الانقباض والرغبة عن المزاورة يزداد تمكّنًا، فإن ههنا أناسًا تقضي عليّ المصلحةُ بكثرة زيارتهم، ولكن نفسي تغلبني فأدع ذلك، حتى إني لا أكاد أتعمّد زيارتهم ولو يوم العيد، وفي مقابل ذلك أكره أن يتعمّد أحدٌ زيارتي ولو يوم العيد".
ثم قال: "قد ضاق صدري من الإقامة هنا وأحبّ أن أخرج شهرًا أو
(1/77)

شهرين أنفخ" (1).
قال: "وأما الوَحْدة فإني أشدّ منك فيها، والله ما أعلم إنسانًا هنا يؤنِسُني الاجتماعُ به إلا واحدًا هو الشيخ أحمد العبادي (2)، ومع ذلك فلا أكاد أجتمع به في السنة ثلاث مرات، وليس هو كما أحب من كل جهة. أما بقية الناس فإن اجتماعي بهم يكدِّرني ويغمّني.
أما الفُرجة والنزهة فلا حظَّ إلي فيها؛ لأن معظم شروطها الإخوان وأين هم؟!
ولهذه الأمور شَمِطَت لحيتي، وضاقت جدًّا طبيعتي، وصرت كما قيل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوَّت إنسان فكِدتُ أطيرُ
وبالجملة، فحياتي ههنا تعيسة بئيسة والحمد لله على كل حال، فإن نِعَمه سبحانه وتعالى عليّ وعلى خلقه لا تحصى، ومن أعظم ذلك أنني بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى أحدٍ من الناس، وأني رُزِقت شيئًا من اللّذة في الكتب ....
وأقسم بالله تعالى لولا أن عندي شيئًا من العلم أرجو أن ييسر الله تعالى نشره، وأن طاعتي لله عَزَّ وَجَلَّ حقيرة، أرجو إن طالت بي حياة أن ييسر الله تعالى لي خيرًا منها، لكان الموت أحبَّ إليّ من الحياة، بل لكان الموت هو المحبوب والحياة مكروهة، هذا معتقدي الآن ولا أدري ما يحدثُ بعد، والسلام".
7 - أما ما يتعلق بما كان يتقاضاه من رواتب شهرية وكيف كان يصرفها
__________
(1) "أنفخ" تعبير دارج لأهل اليمن، يعنون به الخروج للترويح عن النفس.
(2) لم أقف على ترجمته.
(1/78)

وما يدخره منها فيقول في رسالة لأخيه سنة 1356: "أما ما ذكرته من النقود الموفَّرة، فإني منذ مدَّة أحرص على التوفير وإلى الآن لم يمكني أكثر من ثلاثمائة وسبعة وخمسين ربية، مع أني مشهور هنا بالبخل! ... أصرف في كل شهر نحو مائة وثلاثين رُبّية مع الاقتصاد".
قلت: وكأن أخاه ألحّ عليه في إرسال شيء من المال فاضطر الشيخ أن يذكر له تفاصيل الحال في النفقة والظروف المحيطة فقال في رسالة مؤرخة في 12 رمضان 1366: "فأنا الآن أبوح إليك بالحقيقة، معاشي الذي أتقاضاه شهريًّا لا يفضل عن مصاريفي بعد محاولة الاقتصاد؛ لأن أثمان الأشياء ارتفعت جدًّا تتراوح ما بين خمسة أضعاف إلى ما فوقها لا يُستثنى من هذا شيء، حتى التراب الأحمر وهو من تراب هذه الأرض لا يُجْلَب إليها من الخارج ولا ينقل منها إلى الخارج ... ".
8 - لم تكن الأوضاع في الهند مستقرّة بل تعرضت لهزّات سياسية وقتال، ويبدو أن أخاه كان يستشيره في التحول من إندونيسيا إلى الهند فكتب إليه يقول: "الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر".
ثم فصّل الأمر أكثر فقال: "باكستان انضمَّ إلي أهلها مثلهم أو أكثر فضاقت سُبُل المعيشة إلا على من بيده رأس مال وافر، وبقية الجهات كذلك أو أشدّ، فلا تحدّث نفسك بالخروج عن تلك الجهة، فإنه كما قيل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وقال: "الأحوال هنا من عدة سنين متضايقة، وهي الآن كذلك، والأمور
(1/79)

السياسية مضطربة جدًّا لا يُدرى عما تتمخض، واستقراري الآن متزلزل لا أدري لعلي أضطر إلي التحول، وما لم يطمئن البال بالاستقرار لا أقدر أشير عليك بشيء".
ومع كل ما سبق نجد الشيخ يكرر لأخيه مرارًا أنه في خير وعافية قال: "ولا تظن أنني مضطرب أو منزعج أو مشوَّش، بل أنا بحمد الله عز وجل في خير ولكن الأحوال نفسها مضطربة ومشوشة".
9 - وقد تكلم أيضًا عن دائرة المعارف والأوضاع التي تمر بها وذلك سنة 1356 وهو وقت مبكّر نسبيًّا لالتحاقه بها قال: "دائرة المعارف هذه الأيام في مهبّ الريح، قد أخرجوا اثنين من مصححيها القدماء ممن لهم صِلات وروابط بأهل الحلِّ والعقد، فأما أنا فليس لي شفيع (1) إلا لياقتي (2)، وهي في هذا الزمان وهذا المكان أضعف الشفعاء".
10 - يبدو أن الشيخ أخذ يفكر ويعمل على الانتقال من حيدراباد الدكن قبل مدة من تحقق سفره، ففي رسالة له مؤرّخة في 22 رمضان 1369 ذكر فيها أنه يعد العدة للسفر قبل ثلاثة أعوام من هذا التاريخ أي من سنة 1366 (3) قال: "موجب الكتابة أنني كنت منذ ثلاث سنوات [تقريبًا] أتوقع السفر عن قرب فاحتجت إلى الاقتصاد من المعاش لأجل مصاريف السفر، وتبيّن لي الآن أنه لا يمكنني السفر إلى سنتين أو أكثر".
__________
(1) (ي): "شفاعة".
(2) أي أهليتي للعمل وتمكني منه.
(3) بل قال في رسالة مؤرخة في 1356: "ولعلي أضطر إلي التحوّل".
(1/80)

فهاجس التحوّل لم يزل ملازمًا للشيخ بسبب الاضطرابات السياسية وغلاء المعيشة، وعدم الراحة النفسية، وتوفّر الظروف في البلدان التي كان يخشى أن يتحوّل إليها، وقد كان الشيخ يُرَغَّب في التحوّل إلى مكة من قبل بعض محبيّه من العلماء أو من آل المعلمي ففي رسالة من الشيخ القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي مؤرخة سنة 1360 يقول مرغِّبًا للشيخ في التحوّل إلى مكة: "وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة، بلد آمن وبيت حرام، إذ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقدومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقرّ أعينكم ... " (1).
ولا زالت معاناة الشيخ في الهند تأخذ صورًا متعدّدة، فقد وجدنا رسالةً من الشيخ إلى مدير دائرة المعارف العثمانية تفصح عن معاناة الشيخ حين عزم على السفر إلى مكة المكرمة، وحاجته إلي استكمال مصاريف السفر، وأن الدائرة لم توفه حقّه الماليّ، يقول فيها:
"استلمت مراسلتكم نِشَان (2) 922 تاريخ 30 ديسمبر سنة 1951 م، وأنا شاكر جدًا لعالي جناب الصدر وجنابكم، ويسرني أن أخدم هذه الدائرة العلمية الجليلة بلا طلب معاوضة، وسأدوم على ذلك بقية عمري، سواء أكانت الخدمة مقابلة وتصحيحًا أم غيره، وإنما اضطرني الآن إلى طلب المعاوضة على مقابلة وتصحيح الستة الأجزاء الباقية من كتاب "ابن أبي حاتم" حاجتي إلى مصاريف السفر، وهذا السبب نفسه يجبرني أن أرفع إليكم مع الأسف والخجل أن هذا المبلغ الذي
__________
(1) "الرسالة المتبادلة" (ص 359).
(2) يعني: رقم.
(1/81)

قررتموه (1500) لا هو الذي يكفيني لحاجتي، ولا هو الذي يعادل في نظري الأجرة الواجبة، ولو كنت أُعطيت البُونَس (1) الذي قرَّر المجلس إعطاءه لمن ينفصل عن الدائرة من الملازمين (2)، كنت اكتفيت به، وبهذا المبلغ الذي قررتموه، فأما إذا كنت محرومًا من البونس فأرجو من فضلكم أن تعيدوا النظر في القضية، وتحسنوا إليَّ بأحد أمرين:
1 - إما أن تعفوني من هذا العمل رأسًا، فتخلصوني من المسؤولية، وتتركوني أستريح في هذه الأشهر، لأنني منذ أربع وعشرين سنة تقريبًا - وهي مدة ملازمتي (3) - لم أزل في عمل متصل، لأني لم أستفد من الرخصة غير الرخصة الاتفاقية.
2 - وإما أن تعيدوا النظر في الأجرة، فإذا عرفتم صحة قولي إن هذا المبلغ المقرر أقل من الواجب، وأمكن أن تزيدوا عليه إلي القَدْر الذي يكفيني لحاجتي زدتم، وأنا على كلا الحالين شاكر، ولا أحتاج أن أوضح في جوابي هذا وجهة نظري في أن هذا المبلغ لا يفي بالأجرة الواجبة، بل أَكِلُ الأمر إلى نظركم، فإذا لم يظهر لكم ذلك فأحسنوا إليَّ بالإعفاء من العمل لأستريح من التعب والمسؤولية. وأفكر في طريق أخرى لتحصيل مصاريف السفر، ولن يتعسر ذلك إن شاء الله تعالى".

الناحية الثانية: حياته العلمية
يمكننا القول: إن حياة الشيخ العلمية في الهند جرت في اتجاهين،
__________
(1) البُونَس: كلمة إنجليزية وتعني المكافأة الزائدة على الراتب.
(2) الملازم يعني: الموظف.
(3) أي: وظيفتي.
(1/82)

الأول: تحقيق الكتب التي أُسندت إليه أو اشترك فيها في دائرة المعارف العثمانية، وكان هذا في وقت الدوام الرسمي، بالإضافة إلي المشاركة في فعاليات الدائرة العلمية والثقافية، من اقتراح كتب لتحقيقها والعمل عليها، ومن إلقاء المحاضرات والندوات في المواسم المعروفة.
وقد بلغت الكتب التي حققها استقلالاً أو بالاشتراك إبان إقامته في الهند نحو أربعين مجلدًا (1)، ويمكن تمييزها عن الكتب التي حققها بعد ذلك بتاريخ الطبع، فما كان قبل 1371 فهو من أعماله في الهند.
والاتجاه الثاني: هو التأليف، فقد ألَّف الشيخ عددًا من الكتب في هذه المرحلة من حياته، بل أهم مشاريعه العلمية ابتدأها وأتمّ مسوّداتها في الهند ثم بيّضها في مكة، مثل "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" و"العبادة"، وكثير من رسائل الفقه كرسالته في الفرائض في الرد على الجيراجي، وجواب الاستفتاء في حقيقة الربا، ورسالة كشف الخفا عن حكم بيع الوفا وغيرها، وعددٍ من الرسائل الحديثية، والرد على أحد شرّاح سنن الترمذي، والرد على عبد الحميد الفراهي، وغير ذلك.

3) رحلته إلى مكة المكرمة (1371 - 1386)
حينما تهيّأت الظروف للتحول من حيدراباد إلى مكة حزم الشيخ أمتعة السفر إلى جدة في ذي القعدة من سنة 1371 ولم يصطحب معه زوجته ولا ولده عبد الله، أما زوجته فيبدو أنها كانت مريضة مرضًا مقعدًا كما تقدم في الكلام على أسرته، وأما ابنه فإنه لا يزال يكمل تعليمه هناك.
__________
(1) انظر أسماء الكتب في المبحث الخاص بذلك.
(1/83)

وقد كتب الشيخ وصفًا مفصّلًا لأيام هذه الرحلة في بعض دفاتره (1) لكنه لم يكمل. قال:
"1 - خرجنا من "بَمْبَئي" يوم الخميس أول أو ثاني ذي القعدة سنة 1371، الموافق 24 جولاي سنة 52 م.
2 - الجمعة.
3 - السبت: حول الساعة العاشرة صباحًا جاء رجل فطلب مني الجواز والتَّكِت (2)، فأخذه ثم ردّ الجواز، وذكر أن اسمي لم يكن مقيّدًا في الرِّجِسْتَر (3)، وأنهم افتقدوا وبحثوا في الباخرة حتى اهتدوا إليَّ. فقلت له: فأين التكت؟ فقال: سيُردُّ إليك فيما بعد.
4 - الأحد: بعد الساعة العاشرة، جاء رجل آخر فسألني عن حالي، فحمدتُ الله عز وجل، وأخبرتُه أنني بخير، ثم ذكرتُ له قضية التكت، فذكر أنها قاعدتهم (4)، يأخذون التكت من الركاب ويحفظونها عندهم حتى يدفعوها إلى الوكيل، وإنما عليّ حفظ الجواز.
كنتُ في الدرجة الأولى في الحجرة رقم (62) و (63)، واتفق أنه لم ينزل في الحجرة غيري، وكانت الحُجر الأخرى في كل منها اثنان وأكثر. فجاءني رجلان من أهل الهند وقالا: جئنا نكلِّف عليك، نراك في هذه الحجرة وحدك ونحن في ضيق، ونستأذنك في أن يكون معك رجل على هذا السرير الفارغ.
__________
(1) [4721/ ق 18 - 20]
(2) تكت: هي التذكرة بالإنجليزية.
(3) مكتوب فوقه: "الدفتر"، والرجستر هو السجل والدفتر بالإنجليزية.
(4) أي طريقتهم، والقاعدة هي الطريقة بالأرديّة.
(1/84)

فقلت لهم: أرى الاختيار في هذا لأصحاب الأمر في الباخرة، فاسألوهم فإن أذنوا فليس لي اعتراض.
فذهبوا ولم يعودوا. ثم لقيت أحدهما فسألتُه فجمجم، فقلت: هل خاطبتم أصحاب الأمر في هذا؟ فقال: لا. والله أعلم.
قال لي الذي يجيء بالطعام: هل تطلب شيئًا؟ فقلتُ: هذا كافٍ. فقال: إذا تحتاج (1) إلى شيء فاطلب.
5 - يوم الاثنين: لقيتُ شابًّا ظهر لي أنه عربيّ، فسألته، فذكر أن اسمه: عادل بن السيد عبد الله، وأنه كان في مَدْراس (2).
6 - يوم الثلاثاء: من مساء هذا اليوم شعرتُ ببرد الهواء.
7 - يوم الأربعاء: رأيتُ طوائر على جوّ الماء، ودلّ ذلك على أننا بالقرب من البرّ، أو أن بالقرب منا جزائر.
8 - يوم الخميس: خفّ البرد.
9 - يوم الجمعة: أصبح اضطراب البحر أهون مما كان. وفي حوالي الساعة 9 صباحًا مرّت بنا باخرة مشرقة. واشتدّ الحر هذا اليوم وليلة السبت.
10 - يوم السبت: رأينا سفينة شراعية من بُعدٍ متجهة اتجاهنا، ثم رأينا أخرى متجهة قريبًا من اتجاهنا مائلةً إلى الجنوب. وحول الساعة السادسة رأينا على يسارنا - وهو الجنوب - جبالاً متسلسلة، وبعد قليل مالت باخرتنا إلى الشمال.
__________
(1) في الأصل: احتاج، سبق قلم.
(2) مدينة في جنوب الهند عاصمة ولاية "تمل ناد".
(1/85)

11 - يوم الأحد: اشتد الحر منذ الأمس.
12 - يوم الاثنين: هبَّت منذ الأمس ريحٌ غربيّة خفَّفت ضيق الحرّ".
انتهى وصف الشيخ لرحلته.
وفي المجموع نفسه (1) كتب الشيخ وصفًا لتلك الباخرة التي تمخر العباب فقال:
طوينا العُباب على باخره ... تبيت لقاموسه ماخره
بناء على الموج ما إنْ له ... أساسٌ سوى اللجّة الزاخره
إذا ما تأملتها من قريبٍ ... تخال بها بلدة عامره
وتحسبها جبل النار إن ... تعالت دواخنها الثائره
ونجمًا له ذنبٌ إن بدت ... بعيدًا مدخِّنةً زاهره
تباري وما إن تبالي الرِّياح ... أعادلة هي أم جائره
وليست تُرى لسكون الرّياح ... على الماء راكدة حائره
يهيج الخضمّ ويرتج وَهْي ... به جدّ هازئة ساخره
لها النار قوتٌ متى لم تجِدْه ... رأيت قواها له خائره
يصرّفها رجلٌ واحدٌ ... فتنقاد خاضعةً صاغره
يراعي النجومَ لها، والنُّجوم ... لديه - لعمرك - في دائره
وفي المجموع نفسه كتب الشيخ مذكرة فيها: "إرسال البرقيّة إلى جلالة
__________
(1) مجموع [4726]. وقد كانت تسعَّرت عليّ قراءة ثلاث كلمات في البيتين الرابع والخامس، وحين تأملها أخي د. الإصلاحي تبينت له وحلّ ما غمض منها، ونبهتُ على ذلك هنا لأنها لم تعدّل في "فوائد المجاميع" (ص460) فلتؤخذ من هنا.
(1/86)

الملك يوم الأحد 18 ذي الحجة سنة 1371" فلعل هذه البرقية كانت لاستكمال الإجراءات النظامية للاستقرار في مكة المكرمة.
نزل الشيخ في جدة أول الأمر، وعيّن مدرّسًا في مدرسة الأنجال لبعض الوقت براتب مجزئ، لكنه لم يستمر طويلا وطلب وظيفة أخرى أقرب إلى نفسه التواقة إلى العلم والتحقيق والبحث والمطالعة، فعيِّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي الشريف في 18/ 6/ 1372 براتب أقل بكثير من سابقه.
قضى الشيخ في مكة خمسة عشر عامًا متفرّغًا للبحث والتأليف والتحقيق والتدريس، قائمًا بوظيفته في مكتبة الحرم خير قيام من مساعدة الباحثين وتدبير شؤون المكتبة. ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:

الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وقد استفدنا من رسائله إلي أخيه أحمد (وهي عشر رسائل) كشفَ بعض أحوال الشيخ الاجتماعية في هذه المدة.
وأول ما لمسته في هذه الرسائل العشر نوع من الارتياح النفسي لدى الشيخ، فكأن المقام طاب له، وكيف لا يطيب وهو بجوار حرم الله، يتقلّب بين أعطاف الكتب في مكتبة الحرم المكي الشريف؟!
ومع هذه الانفراجة فإن أموره الأخرى لم تتيسر له على ما يريد، فقد كتب إلى أخيه سنة 1373 يقول له: "إلى الآن ما رسخت قدمي هنا، وعسى الله تعالى ييسر ذلك قريبًا".
وكرر ذلك في رسالة أخرى في العام نفسه قال: "وإذا يسر الله تعالى
(1/87)

رسوخي هنا فستُقْضى جميع المطالب على ما يرام إن شاء الله تعالى، ومن الآن إن شاء الله تعالى ستتصل المكاتبة بقدر الإمكان".
وفي العام الذي يليه في ذي القعدة 1374 كتب نفس المعنى لكن يبدو أن الأمور تحسنت أفضل من سابقتها فقد كتب إليه يقول: "مضت مدة لم يكتب فيها أحدنا إلى الآخر، وليس لي عذر إلاّ أن أحوالي هنا لم تنتظم انتظامًا يمكنني مما أحب، فأما أنت: فأنا عارف بعذرك، وعسى الله تعالى أن يهيئ الأمور وييسر كل معسور بفضله وكرمه".
وفي التاسع من رجب 1375 بعد مضي أربع سنوات على قدومه انفرجت الأمور ويبدو ذلك في رسالته المؤرخة في ذلك التاريخ قال: "ثم تحسَّنت الحال أخيرًا إلي حدٍّ ما، وشَرعتُ أفكر في ترتيب الأمور الأقرب فالأقرب، أسأل الله تعالى التيسير والتوفيق".
وفي رسالة له مؤرخة في 28 شعبان 1375 شرح مراده بتحسن الحال فقال: "أما تحسّن حالي فلله الحمد، ولم تكن قبل ذلك حالي سيئة، لكن الإنسان ما دام حيًّا لا يخلو من مطالب إذا قَصُرت يده عنها عدّ حالَه سيئة، مع أنه إذا بسطت يده امتدت عينُه إلى مطالب أخرى وهلمّ جرّا. وأنا الآن في صدد تأمين أهم المطالب".
وفي 26 شعبان سنة 1377 قدم ابنه عبد الله من باكستان إلى المملكة بعد تعب كثير في طلبه إلى هنا، وحصول الإذن له بالإقامة. ولم يمض وقت طويل حتى تحصّل ابنه على خدمة (وظيفة) في جدة بعد استئذان أبيه في ذلك وموافقته له.
(1/88)

وقد بقي الشيخ على جنسيته حتى ذي القعدة من سنة 1384 أي قبل وفاته بسنة وثلاثة أشهر! وقد لخص ذلك بقوله لأخيه في رسالة له في هذا التاريخ: "والحقيقة أن قضية الجوازات وما يتبعها معقّدة جدًّا، وأنا نفسي بعد اللَّتيا والتي حصلت على الجنسية السعودية، أما ابني عبد الله فلم يتهيأ لنا ذلك، وهو إلى الآن بالجنسية اليمانية ... ".

الناحية الثانية: حياته العلمية
أما الناحية العلمية، فهي حافلة بحق بالتأليف وتحقيق الكتب والتدريس.
أما جانب التأليف: فقد بيَّض فيها عددًا من كتبه الكبار التي ألفها في الهند ك "التنكيل"، و"العبادة"، وألَّف عددًا من الكتب والرسائل الحديثية والفقهية منها: رسالة تأخير المقام، ورسالة توسعة المسعى، وقيام الليل، وصيام الست من شوال، والتأويل، والأنوار الكاشفة.
وفي جانب التحقيق: أصدر ستة مجلدات من كتاب "الأنساب" للسمعاني إلي حرف الزاي، وستة مجلدات من "الإكمال" لابن ماكولا إلى حرف العين، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني، و"الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، و"بيان خطأ محمد بن إسماعيل"، و"تذكرة الحفاظ" وغيرها، بما مجموعه واحد وعشرون مجلدًا (1).
هذا سوى الكتب التي أشرف على نسخها أو تصحيحها أو فهرستها أو
__________
(1) انظر مبحث تحقيقات الشيخ، فما كانت طباعته مؤرَّخة بعد 1371 فهو مما عمل عليه في مكة المكرمة.
(1/89)

النظر فيها (1).
أما جانب التدريس: فقد كان للشيخ درس بعد صلاة الفجر في حَصوة باب السلام يحضره عدد من الطلبة (2)، وكانت له دروس بعد العصر يحضرها خاصته من طلبة العلم، يدرّس فيها النحو والبلاغة والفقه والفرائض (3).
إضافةً إلى القيام بوظيفته في مكتبة الحرم المكيّ الشريف من إعانة الباحثين عن العلم والمعرفة، وفهرسة المكتبة، والكتابة إلى الجهات المختلفة لتزويدها بمختلف الكتب، حتى إنه كاتب مجموعة من المجلات بمصر لترسل أعدادها إلى مكتبة الحرم كمجلة (الأزهر) ومجلة (الناشر المصري) وكاتَبَ الشيخ أحمد شاكر بنحو ذلك.
اتخذ الشيخ من غرفته بمكتبة الحرم المكي الشريف سكنًا، وكان ابنه الوحيد يسكن ويعمل في جدة، فلم يكن للشيخ شاغل يشغله عن العلم والتحقيق والتأليف، بل كل وقته كان للعلم، كتب إلى تلميذه محمد بن عبد الرحمن المعلمي: "كان رحمه الله لا يحب المظاهر، ويبقى دائمًا في المطالعة والتأليف، ولا يخرج من المكتبة إلا لصلاة الفرائض ... ويعود إلى المكتبة ... ".
فلذلك أنتج لنا هذا الانتاج العظيم تأليفًا وتحقيقًا بما لم يجتمع في
__________
(1) انظر "الرسائل المتبادلة" مع الشيخ محمد نصيف (ص295 - 307).
(2) "باب السلام في المسجد الحرام" (ص 160).
(3) كما أخبر بذلك جماعة من طلابه ممن كتبوا إليَّ وسبقت الإشارة إلى كلامهم.
(1/90)

عالم من علماء هذا العصر.
كان خاصّة الشيخ الذين يأنس بهم ويكثر الاجتماع بهم قِلّة يعدون على الأصابع، من أبرزهم الشيخ محمد حسين نصيف (ت 1392) وكان بينهما حبّ أكيد وتواصل مستمر، وكان الشيخ المعلمي يجلّه غاية الإجلال فهو يدأب في مكاتباته له بنعته بعدّة نعوت لا يفارقها "حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف".
ومنهم الشيخ سليمان الصنيع (ت 1389) مدير مكتبة الحرم المكي الشريف وعضو مجلس الشورى، كان الشيخ كثير الذكر له في مقدمات كتبه ويصفه ب "الصديق العزيز الناقد البحّاثة" وقال: "وهو مَن أولى العناية البالغة بكتب الرجال وتحقيق الأسانيد" (1).
وكان للشيخ الصنيع عادة بجمع بعض الفضلاء والعلماء يوم الجمعة للغداء، ومنهم الشيخ المعلمي، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ صالح بن عثيمين، والشيخ الحرْكان (2).
وبقي الشيخ رحمه الله ممتّعًا بعزيمة قوية وجَلَدٍ على البحث والتنقيب والتحقيق مع كِبر سنه وضعف قوّته، وشاهد ذلك أن الأجزاء الأخيرة من تحقيقه للأنساب والإكمال إنما طبعت بعد وفاته بأشهر، مما يعني أن الانتهاء منها كان قبل وفاته بأشهر قليلة، ولعل في تلك التعليقة الطويلة الشهيرة في "الإكمال": (6/ 322 - 331) لابن ماكولا ما يكشف عن هذا
__________
(1) انظر "المقدمات" (ص 8، 10، 195، 201، 253، 257).
(2) ذكره لي تلميذاه عبد الكريم الخراشي، ومحمد بن عبد الرحمن المعلمي.
(1/91)

الجَلَد العجيب والصبر على البحث والتفتيش والتحقيق، وقد سقناها برمّتها في "المقدمات" (ص 318 - 331) فلتراجع، وكان وقت كتابتها في أواخر سنة 1385 أي قبل وفاته بأربعة أو خمسة أشهر.
***
(1/92)

المبحث الرابع
أُسْرته
كان الشيخ المعلمي رحمه الله صاحب عناية تامة بأقاربه على اختلاف صلة قرابته معهم، وقد ظهر هذا جليًّا من خلال الوقوف على رسائله الخاصة مع أخيه أحمد، ومع أننا لم نقف إلا على بضع عشرة رسالة منها إلا أن فيها مادة جيدة توضّح هذه الخلة الحميدة، وسأشير إلى نماذج من ذلك:
فهو لا يزال يتعاهد أباه بإرسال ما يرتفق به من المال، سواء حين كان في الحضرة الإدريسية أو حين سافر إلى الهند، ولم يزل يتعاهد أباه برسائل متعددة.
وكذلك لم يزل يراسل أخاه أحمد منذ كان في الهند وحتى آخر حياته، وغير مستبعد أنه يراسل بقية إخوته لكن لم يصلنا خبر شيءٍ من ذلك. هذا مع ملاحظة أن المراسلات كانت تثقل عليه جدًّا ولا يجد نشاطًا لها (كما صرح بذلك مرارًا). وكذلك عنايته بأبناء إخوته، فقد استجلب عددًا منهم يوم كان مقيمًا بالهند، وحين استوطن مكة، وكان كثير السعي في مصالحهم، مع كثرة السؤال عنهم وعن أحوالهم، وكذلك باقي إخوته يَذْكر أحوالهَم ويعينهم بجاهه وماله حتى الغنيّ منهم إذا طلبه لم يردّ طلبه.
وكان أيضًا يتابعُ أحوالهم وإن بعدت الديار وشطّ المزار حتى أبناء أبناء إخوته لم يغفل عن العناية بهم، بل ذكر في بعض رسائله أنه سيطلب بعضهم ليكونوا عنده في مكة، وأنه يصل بعضهم بصلاتٍ مالية.
وكذلك اعتنى بتدريس جماعة من آل المعلمي وأَوْلاهم عنايةً خاصة،
(1/93)

وقد كتب إليَّ جماعةٌ منهم بذلك كما سبق في مبحث مصادر ترجمة الشيخ. وقد يشتدّ أحيانًا عليهم من باب التربية وحملهم على مصالحهم، كما وقع له مع ابن أخيه (أحمد بن محمد بن يحيى).
وسنذكر هنا أفراد أسرته الأقربين (الوالد والإخوة)، وما عرفناه عنهم من خلال ما وقفنا عليه من المصادر (1)، أما الفروع فلن نفرد الحديث عنهم بل سنشير إليهم في تراجم أصولهم.

* والده:
هو الفقيه العلامة (2) يحيى بن علي بن محمد المعلمي.
لم أقف على تاريخ ولادته، وقد نشأ في عُزلة "العَقِد" التابعة لمخلاف "حمير الوسط" في قرية "الطُّفَن" (3) من ناحية عُتْمَة لواء ذمار، وسافر إلى زبيد لطلب العلم فأقام بها خمس سنين، ثم عاد وتزوّج من أسرة من القبائل اليمنية من بني كرد، فأنجبت له: فاطمة ومحمد وعبد الرحمن وعطية، ثم تزوّج بأخرى هي فاطمة بنت أحمد المعلمي فأنجبت له: أحمد، وعبد المجيد، وسعيدة، وميمونة.
وبعد مدة انتقل من قريته إلى قرية بلاد الريمي، وأراد أن يبني له منزلاً،
__________
(1) استفدت في بعض ما يتعلق بأسرته مما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ) في تقديمه لرسالة "إدراك الركوع بإدراك الركعة".
(2) هكذا وصفه الشيخ في إحدى وصاياه انظر "الخطب والوصايا" (ص 237) ضمن هذه الموسوعة.
(3) سبق التعريف بها.
(1/94)

فوجد في رأس جبل مرتفعٍ بيوتًا متهدمة قديمة على شكل أطلال يسمى الجبل "بيت الولي" فبنى له منزلًا في ذلك المكان بعد أن حصل على إذن من مالكه. وكانت المنطقة أرضًا زراعية يستفيد من زراعتها، فبنى هناك بيتًا ومسجدًا واستقرت به الحال.
وفي هذا المنزل والمسجد الجديدين كان يتقلّب والد الشيخ عبد الرحمن ما بين تعليم للأطفال والصلاة بالقرى المجاورة صلاة الجمعة والعيدين، وتعليم الصغار والزراعة حتى مات سنة 1361 ه. رحمه الله.
وكان لوالد الشيخ تأثير جيد في نشأته، من حيث الاهتمام بتعليمه، وتربيته، ورعايته. وكان الشيخ المعلمي يكنّ لوالده حبًّا عظيمًا، كما صرح به في رسالة خاصة إلى أخيه أحمد، إذ قال: "وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد - حفظه الله تعالى - من يسرني سروره أزيد منك".
وكان والده يتعاهده بالمكاتبات والرسائل، وكان الشيخ يهتم بها غاية الاهتمام، فلذلك أوصى أخاه أحمد - وقد أرسل إليه كتابًا من والده - بقوله: "واحتفظ بكتبه لا تضيع".
وكان الشيخ يتعاهد والده بالبر والصلة، فيرسل له بانتظام ما تيسّر له من المال يستعين به على شؤون الحياة، وقد يتأخر أحيانًا في الإرسال لظروف قاهرة تتعلق بالإرسال، ويظهر من رسائله التألّم لذلك، وربما أصابه القلق إذا تأخرت رسائل أبيه. وربما كان قلقه بسبب خوفه على أبيه من بطش الإِمام يحيى حميد الدين بسبب انضمام الشيخ المعلمي إلى الإدريسي وهو أشدّ خصوم الإمام وبينهما معارك ونزاع طويل.
(1/95)

* إخوته:
1 - محمد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده ودرس عنده، ثم سافر إلى مدينة زبيد للدراسة، ثم إلى الحِجَرية لواء تعز في "تربة ذيحان"، وعمل كاتبًا للمحكمة هناك، وكان يجيد اللغة التركية، ثم عاجلته الوفاة، فقد توفي سنة 1340 أو في التي تليها، أيام مقام الشيخ عند الإدريسي، وخطب الشيخ إحدى خطب الجمعة وذكر فيها موت أخيه فقال: "وإنه قد بلغني ما قضاه الله تعالى من وفاة سيدي الأخ الفاضل العالم العامل عز الإِسلام: محمد بن يحيى ... " (1).
ووصل خبر وفاته إلى والده فذهب إلى الحجرية، وكان قد ترك مكتبة ضخمة، فحمل كتب ابنه على بعيرين ونقلهما إلى عُتمة.
وقد خلّف ولدين: أبو بكر، وأحمد، ذكرهما الشيخ في رسائله كثيرًا، وقد بقيا عند جدهما (يحيى) مدة، والتحق أبو بكر بالشيخ إلى الهند، ولم يطل مكثه بها، وعاد إلى اليمن، لكنه ما لبث أن توفي، وقد خلّف ابنًا اسمه محمد. وفي رسالة للشيخ مؤرخة في 1375 ذكر أن عمره نحو 15 عامًا، وأنه ينوي أن يجلبه إلى مكة.

2 - أحمد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده حتى ترعرع، وسافر مغتربًا لا يعرف أين ذهب حتى اتضح بعد فترة طويلة أنه في إندونيسيا وقد تزوّج وأقام هناك يعمل في
__________
(1) "الخطب والوصايا" (ص 22).
(1/96)

التجارة، وقد زار اليمن في أوائل السبعينات ثم عاد.
وكان بينه وبين الشيخ مراسلات كثيرة وقفنا منها على سبع عشرة رسالة كلها من الشيخ المعلمي إليه (انظرها في الرسائل الشخصية)، وكان أحمد من أحب الناس إلى الشيخ، قال في رسالة إليه: "فإنك تعلم حقيقة هذا الأمر من نفسك، أنت مني وأنا منك، وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد - حفظه الله تعالى - من يسرني سروره أزيد منك، ولا أعلم لك ذنبًا". والرسائل التي أرسلها له الشيخ تبين مكانته عنده وحبه له، وتعاهده بالنصيحة والمشورة والمساعدة المادية، واستجلاب أولاده إلى مكة بعد أن استقر فيها، ودوام الاعتذار عن التقصير في تتابع الرسائل إليه، لما يُعرف من طبيعة الشيخ من قلة المكاتبة.
توفي فيما بلغني سنة 1412.

3 - عبد المجيد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده ولازمه حتى مات، وتعلم القرآن الكريم، وأجاد القراءة والكتابة، واستمر في منزل والده في "بيت الريمي" يقوم بوظيفة والده من تعليم وزراعة حتى بداية السبعينات، حيث فارق القرية وسافر إلى صنعاء، وأقام عند أحد أولاده الموظفين، وعليه سيما الصلاح، وقد توفي رحمه الله سنة 1415.
وقد ذكره الشيخ في رسائله الخاصة عدة مرات، وذكر أنه اعتاد أن يحج كل سنة، وواضح من إشارات الشيخ المتكررة أن عبد المجيد كان يتعاهد إخوانه بالرسائل والمكاتبات، وذكر الشيخ في رسالة له أن حالته المادية
(1/97)

حسنة، وأنه مِن أحسن أهل "منطقة الريمي" حالاً حتى إنه يقارن بشيخها، وأنه في إحدى زياراته للحج أراد العلاج من مرض ألمَّ به، وأن الشيخ عازم على مساعدته في ذلك رغم سعة ذات يده، وهذا من برّه وإحسانه بإخوانه.

4 - سعيدة بنت يحيى المعلمي:
هي والدة الشيخ الأديب عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي، يقول عنها ولدها: "كانت رحمها الله لا تقرأ ولا تكتب، ولكن كان لها جهد طيب مع الوالد في التربية والتوجيه، وكانت تحفظ سورًا من القرآن، عليها الصلاح وسيما الخير، وكانت وفاتها عام 1393".
وقد ذكرها الشيخ في رسائله مرتين، وذكر أن حالها حسنة، وأنه أرسل لها صِلَة يسيرة.

5 - عطية بنت يحيى المعلمي:
أخته من أبيه، ذكرها في إحدى رسائله وأنها توفيت نحو سنة 1375، وذكر أن لها بنتًا من إبراهيم القاضي، وأن لهذه البنت ولدًا جاء إليه وأقام لديهم في مكة مدة، وتزوّج من بنت أخيه عبد المجيد.

* زوجته:
لم يتزوّج الشيخ رحمه الله إلا في الهند قبيل سنة 1350، والظاهر أن زوجته من أهل تلك البلاد، وعندما رحل الشيخ إلى مكة بقيت هناك مع ولدها عبد الله الآتي ذِكرُه، وقد أصيبت بمرض مزمن، ولعلها توفيت هناك؛ فقد جاء في رسالة مؤرخة في 1375 قول الشيخ: "وزوجتي لا تزال في الهند وهي مريضة مرضًا مزمنًا لا يمكنها معه القيام بمصالح نفسها فضلاً عن
(1/98)

غيرها، وأنا مرتّبٌ لها معيشتها هناك".
ولم يتزوج الشيخ بغيرها حتى مات. مع أنه قال في رسالة إلى أخيه أحمد حين ذكر مرض زوجته المزمن: "ولي فكرة في الزواج إذا وجدتُ امرأة عاقلة فيها بقيّة"

* أولاده:
أعقب الشيخ المعلمي ولدًا واحدًا اسمه عبد الله، ولد في السادس من ربيع الثاني سنة 1351، وقد أرّخ ذلك الشيخ في أحد مجاميعه بقوله: "بحمد الله تبارك وتعالى ولد الولد المبارك الصالح - إن شاء الله تعالى - عبد الله ضحى يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الثاني من عام واحد وخمسين وثلثمائة وألف من الهجرة النبوية.
اللهم اجعله من عبادك المخلصين، العلماء العاملين، الهداة المهديين، وإني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، وأسألك أن تجعله من العلماء الراسخين، العارفين بكتابك المبين، وسنة نبيك الأمين - صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله - وأن تجعله من حفظة كتابك، والواقفين عند حدودك، وأن تجعله قرة عين لأبويه، إنك أنت الكريم الوهاب الرزاق من تشاء بغير حساب .. ". وليس له من الولد غيره.
وسبق أن ذكرنا أن الشيخ المعلمي أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد أن يعتني بابنه إن باغته الأجل قبل بلوغه (1).
__________
(1) انظر (ص 77).
(1/99)

وقد أثنى عليه الشيخ وعلى أدبه وخلقه فقال في رسالة مؤرخة في 1377: "وهو بحمد الله حَسَن السيرة طيب الأخلاق بعيد عن مخالفتي"، وكان عمره حينذاك ستة وعشرين عامًا.
وعندما رحل الشيخ إلى مكة المكرمة سنة 1371 بقي الابن مع والدته لاستكمال دراسته والعناية بوالدته، ثم انتقل إلى باكستان لإكمال دراسته، وبقي فيها إلى سنة 1376، ثم أحضره والده إلى مكة، ورغب الولد في البقاء في جدة للعمل فأذن له الشيخ، ولم يزل على هُويَّته اليمنية لم يتحصّل على الجنسية السعودية كما أشار الشيخ إلى ذلك في إحدى رسائله المؤرخة سنة 1384.
هذا ما عرفناه عن أسرة الشيخ رحمه الله، ولا شك أن مزيدًا من البحث والتنقيب سيكشف الكثير من أخبارهم.
***
(1/100)

المبحث الخامس
شيوخه
لم نقف إلا على القليل من شيوخ العلامة المعلمي، وهذا القليل هو مَن نصّ على التتلمذ عليهم ووصَفَهم بكونهم من شيوخه. ولا أعتقد أن للشيخ شيوخًا كثيرين، بدليل أنه هو مَن أرَّخ لفترة طلبه للعلم باليمن إلى حين ارتحاله للإدريسي، ولم يذكر في هذه المرحلة (1312 - 1336) إلا شيوخه الثلاثة الأُوَل الآتي ذِكْرُهم، وعليه فلا نعتقد أنه أغفل ذِكْر شيوخٍ تلقى عنهم في هذه المرحلة، بل أخبر عن الواقع.
أما بعد رحلته إلى الإدريسي فقد تلقّى عنه كما صرح بذلك مرارًا، ونص أيضًا على أن العلامة باصهي من شيوخه.
ولا نشك أن الشيخ قد استفاد أيام الإدريسي من أولئك النخبة من العلماء الذين نزلوا عند الإدريسي بالمذاكرة والمناظرة في مجالس الإدريسي وغيرها، كما سبقت الإشارة إليهم.
أما بعد رحلته إلى الهند فلم نقف إلا على ذكر الشيخ عبد القدير الصديقي في إجازته للشيخ، وقد سبق نقلها.
وهذا يدلّ على نبوغ الشيخ وعبقريته، فبقليل من الدراسة للفن يفهمه ويبرع فيه، ويذكّرني قوله: إنه درس النحو أسبوعين حتى فهمه وتقدّم فيه = بما جاء في ترجمة شيخ الإِسلام ابن تيمية: أنه قرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي (1)، فسبحان مقسم المواهب والأرزاق!
__________
(1) "الجامع لسيرة شيخ الإِسلام" (ص 250).
(1/101)

ولنذكر هنا هؤلاء الشيوخ مرتبين على حسب تلقيه العلم عنهم:
1 - والده الفقيه العلامة العماد يحيى بن علي المعلمي (ت 1361).
2 - أخوه العلامة (1) محمد بن يحيى بن علي المعلمي (ت 1341). وقد درس عليه النحو، وتذاكر معه في الفقه كما سبق تفصيله.
3 - الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي (ت 1341). درس عليه الفقه والفرائض والنحو وغيرها من الفنون، وقد أثنى عليه الشيخ كثيرًا، وأجازه إجازةً عامة بكل مروياته سنة 1335 وعمره 23 سنة، وقد سقنا الإجازة برمّتها عند الكلام على نشأته وطلبه للعلم.
4 - الإمام السيد محمد بن علي الإدريسي (ت 1341)، درس عليه بعض الفنون، ولا سيما النحو والحديث، وقد قيد جملةً من الدروس والفوائد مما ألقاه الإدريسي، وهي موجودة في مجاميعه منسوبةً إلي الإدريسي، وربما جمعت بينهما مذاكرة فيقيد الشيخ خلاصتها في أوراق ويزيدها بحثًا وتقريرًا.
5 - الشيخ سالم بن عبد الرحمن باصهي (ت 1366). قال عنه الشيخ: "شيخنا، إمام الشريعة والحقيقة في وقته، الشيخ العلَّامة سالم بن عبد الرحمن ... " (2).
6 - الشيخ محمد عبد القدير الصديقي القادري (ت 1381)، شيخ الحديث بكلية الحديث في الجامعة العثمانية بالهند، قرأ عليه في الهند بعض
__________
(1) وصفه الشيخ المعلمي بذلك.
(2) "الرد على الضالعي - ضمن رسائل العقيدة" (ص 181).
(1/102)

"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، وأجازه بروايتهما، وأجازه أيضًا ب "جامع الترمذي" و"سنن أبي داود" و"سنن ابن ماجه" و"سنن النسائي" و"الموطأ" (1).
...
__________
(1) سيأتي طرف من إجازته له في مبحث الثناء عليه.
(1/103)

المبحث السادس
تلاميذه
تصدَّر الشيخ لتدريس الطلاب وإقراء العلم مبكرًا، فقد كان له عدة دروس أيام مقامه عند الإدريسي وهو في سن الخامسة والعشرين، واستمر الشيخ في التعليم ونشر العلم في كل بلد ينزل فيه، سواء في عدن أو الهند أو حين استقرَّ به المقام في مكة المكرمة. وكان الشيخ يعقد درسه في المسجد الحرام في حصوة باب السلام بعد صلاة الفجر لمجموعة محدودة من طلبة العلم الشريف (1). هذا غير الدروس التي كان يلقيها على بعض الطلاب بعد صلاة العصر.
وكان الشيخ صبورًا على الطلبة لا يسأم من تعليمهم والإعادة لهم وتفهيم مَن أشكلت عليه، يقول تلميذه محمد بن أحمد المعلمي فيما كتبه إليَّ:
"كان زملائي متفوقين عليّ بأذهانهم، وأنا كان ذهني بعيدًا عن أذهانهم في مادة النحو، فكان زملائي يحفظون بسرعة ما يلقي علينا الشيخ من شرح مادة دروس النحو، وكان الشيخ رحمه الله يعرف ذلك مني مما يلاحظه في خلال إلقاء الدرس، وبعد انتهاء الدرس وتفرُّق الطلاب يستدعيني الشيخ ويعيد الدرس عليّ ثانيًا ويكرر عليَّ الدرس حتى أفهمه ويعيد فكري ثم أسجل كل ما يلقيه عليَّ الشيخ من الشرح والإعرابات والأمثلة في دفاتري، وأكرر ذلك، وهكذا كل يوم.
__________
(1) انظر "باب السلام في المسجد الحرام" (ص 160) لعبد الوهاب أبو سليمان.
(1/104)

أما زملائي فكانوا يعتمدون على ذكائهم ولا يسجلون شيئًا مما يتلقونه من الشيخ، وبعد أيام وعند تكراري لحفظ الأمثلة والإعرابات أصبحتُ متفوقًا على زملائي، فما كان الشيخ يأتي بأمثلة أو إعرابات إلا وأنا أسابق زملائي، ثم يقول الشيخ لزملائي: انتظروا حتى يفرغ ما عنده، ثم أتى لهم ولي بقصة فقال: إن حيوانًا يسمى بالسلحفة وهو يختفي داخل غلاف له فإذا أحس بشيء دخل في غلافه وهو مما يشبه العظم، فيوم من الأيام التفت السلحفة بالحجل (الظبية) وقالت: يا حجل أريد أن أتسابق أنا وأنت إلى الجبل الفلاني، فقال الحجل: ما أسخف عقلك يا سلحفة أتسابق أنا وأنت؟! فأنت تَحْبِي حبوًا وإذا حَسَّيتي (1) بشيء اختفيتِ، وأنا أسابق الريح! فكررت السلحفة قولها، وقالت: سابقيني، فتسابقتا. فأسرعت الحجل إلى بعض الطريق ثم توقفت، وقالت: سأنام هنا قليلاً ثم أذهب إلى الموضع المتسابق إليه فغلبها النوم فما انتبهت إلا وقد سبقت إليه السلحفة.
فقال الشيخ: هذا مثلكم ومثل هذا الطالب، ثم سأل الشيخ بعض الجلساء الذين جلسوا يستمعون من الشيخ حينما يلقي الدرس علينا: ما رأيكم في هذا الطالب؟ فقال أحدهم: قد أصبح سيبويه".
ومن الواضح تركيز الشيخ على تدريس فن النحو كما عرفناه من تراجم بعض الطلبة، والسبب في ذلك أنه إذا استقام علم النحو لطالب العلم مكّنه ذلك من العلوم الأخرى.
ومع هذا العمر المديد في التدريس لم نقف على عدد كبير من أسماء تلاميذه خاصة في المرحلتين الأوليين من حياته، وهما وقت مقامه عند
__________
(1) كذا على اللهجة الدارجة، والوجه: "حَسَسْتِ" أو "حسَيِتِ" بقلب السين الثانية ياءً.
(1/105)

الإدريسي ووقت بقائه في الهند، بل لا نكاد نعرف أحدًا من طلابه في هاتين المرحلتين على طولهما، وغالب مَن وجدناهم كانوا من طلابه وقت مقامه في مكة.
1 - أحمد صالح دحوان الآنسي. أرسل للشيخ رسالةً يقول فيها "حضرة الوالد الشيخ العلامة الورع شيخنا عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" والرسالة مؤرّخة في 26/ رمضان/ 1373.
2 - أحمد بن سالم باسويدان. جاء ذكره في رسالة من عبد الله بن أحمد بن مذحج إلى الشيخ المعلمي. ووصفه بأنه تلميذ للشيخ.
3 - أحمد بن محمد المعلمي، قرأ عليه في النحو "الآجرومية"، وتدرّب عليه بإعراب جزءٍ من القرآن من سورة الناس إلى فصلت.
4 - أبو تراب الظاهري عبد الجميل بن عبد الحق الهاشمي (ت 1423). وقد درس على الشيخ علم الفرائض، قرأ عليه كتاب "السراجية" للسجاوندي الحنفي. وقد ذكره الشيخ في مقدمته لكتاب "الإكمال" (1) فقال: "العالم الفاضل".
5 - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، لازمه ثلاث سنين، فقرأ عليه في النحو "الآجرومية" ثم "الألفية"، وقرأ عليه في الفقه الشافعي، وهو الآن أستاذ متقاعد.
6 - عبد الرحمن بن حسن بن محمد شجاع الدين، قرأ عليه "الآجرومية".
__________
(1) "المقدمات" (ص 57).
(1/106)

7 - عبد الكريم الخراشي، مدرس بالمدرسة الرحمانية المتوسطة سابقًا، ومدير مكتبة مكة المكرمة في الفترة المسائية لاحقًا، التقيت به وسألته عن الشيخ المعلمي فحدَّثني عنه حديثًا طويلاً، وقد انتفع بالشيخ وتوجيهاته وعلمه، واستعمله الشيخ في نسخ كتاب "الغيلانيات"، وكتاب "مجمع البحرين" للهيثمي.
8 - عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، لازمه عشر سنوات. وقرأ عليه "شرح ابن عقيل" و"النحو الواضح" في المرحلة الابتدائية والثانوية، وقرأ عليه "الرحبية"، ومصطلح الحديث "الكفاية"، والحساب، كما علَّمه الشيخ كيفية التعامل مع المعاجم العربية وكيفية كتابة الترجمة.
9 - عبد الله بن محمد الحكمي، لازم الشيخ عدة سنين إبّان عمله في مكتبة الحرم المكي إلى حين وفاته، وعُيّن موظفًا في المكتبة، ثم انتقل إلى المكتبة العامة بالزاهر بمكة، وقد دفع إليه الشيخ المعلمي "ديوان شعره"، وقد زرت أبناءه بعد وفاته واطلعت على "الديوان" وأفدتُ منه، كما سيأتي عند الكلام عليه.
10 - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، كتب إليّ يقول: "الفترة التي عشتها مع الشيخ عبد الرحمن بن يحيى سنتين من أول سنة واحد وسبعين 1371 على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم إلى آخر سنة 1372 عامين كاملين ثم دعت الظروف بالعودة إلي اليمن مع والدي ... ". وقرأ عليه "قطر الندى" و"شرح ابن عقيل" وشرح "الآجرومية" وفي الفرائض شرح "الرحبية". وعند مغادرته مكة طلب من الشيخ أن يكتب له وصية جامعة، فكتبها الشيخ بناء على طلبه
(1/107)

وأثنى عليه في أولها فقال: "فقد صحبني الولد الفاضل محمد بن أحمد ... المعلمي وفقه الله تعالى عامين كاملين بمكة المكرمة وحمدت صحبته وأدبه وحرصه على طلب العلم ... " (1).
11 - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، لازمه نحو أربع سنين، وقد كتب إليَّ أنه درس عنده "النحو الواضح الابتدائي" ثلاثة كتب، وكذا ثلاثة الأجزاء الثانوية، وتدرّب عليه بإعراب جزء عمّ كاملاً، وقرأ عليه في الفرائض، والمناهج في الفقه.
12 - محمد بن عثمان الكَنَوي، عمل كاتبًا في مكتبة الحرم المكي حينما كان الشيخ أمينًا عامًّا لها، وأول لقائه بالشيخ كان سنة 1379 (2) واشتغل بعد ذلك في فهرسة مخطوطاتها. وربما ساعد الشيخ في نسخ بعض المخطوطات، ثم عمل رئيسًا لقسم المخطوطات بجامعة أم القرى.
13 - محمد بن علي بن حسن الروافي، ترجم له الأكوع في "هجر العلم" (3) فقال: "عالم في الفقه والفرائض والنحو، له مشاركة قوية في علم الحديث، درس في ذمار وفي صنعاء، ثم رحل إلى مكة المكرمة سنة (1379 ه) فأخذ عن بعض شيوخ العلم مثل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وعن غيره، وله إجازات ممن أخذ عنهم".
__________
(1) "الخطب والوصايا" (ص 244).
(2) "عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة" (ص 67) لهدى بالي.
(3) (2/ 899).
(1/108)

14 - محمد سعيد بامردوف العمودي، ذكره الشيخ في رسائله عدة مرات مما يدلّ على علاقة وطيدة به، ووقفت على إجازة له من الشيخ منها نسخة في مكتبة الحرم المكي الشريف.
15 - الحاج محمد فارع، جاء في رسالة له إلى الشيخ: "حضرة سيدي وعمدتي العلامة القدوة الفهامة الشيخ عبد الرحمن ... أخوكم وتلميذكم محمد فارع". وقد وصفه الشيخ في موضع ب "الشيخ العلامة".
16 - مُشرّف بن عبد الكريم بن محسن المحرابي، له ترجمة في "هجر العلم" (1) للأكوع وفيها: "عالم مشارك درس في ذي جبلة، ثم رحل إلى مكة المكرمة، فلازم الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، وعمل معه، فأقبل على القراءة والمطالعة، وانتفع بشيخه المذكور وشيوخ آخرين، وبقي هناك مدة، ثم ذهب إلي عدن فلازم الشيخ محمد سالم البيحاني، ونقل إلى صنعاء فعُين مديرًا في وزارة التربية والتعليم ثم عُين وكيلًا للهيئة العلمية، فنائبًا لمكتب التوجيه والإرشاد ومستشارًا للهيئة العامة للمعاهد ثم عضوًا في اللجنة الدائمة، جمع ثروة كثيرة من المخطوطات وفيها نوادر لا مثيل لها". وقد أكرمني بزيارة في بيتي سنة 1428ه، وسجلت معه لقاءً عن الشيخ المعلمي في شريط.
...
__________
(1) (3/ 1951).
(1/109)

المبحث السابع
صلته بعلماء عصره
كان الإِمام المعلمي كسائر العلماء الربانيين، متواصلًا مع العلماء يفيدهم ويفيدونه، وقد كتب الشيخ في هذا الباب (التواصل مع العلماء) كتابة قيّمة بعنوان (صفة الارتباط بين العلماء في القديم) ذكر فيها أمثلة كثيرة من هذا التواصل، وحث فيها على التواصل بين العلماء في مختلف الأقطار، وقد أوردناها في آخر "مجموع الرسائل الحديثية". وقد كان للشيخ صلات عديدة مع علماء عصره، ومنهم على سبيل المثال:
- محدث الديار المصرية الشيخ أحمد محمد شاكر (ت 1377)، فقد أرسل إليه الشيخ عدة رسائل بخصوص مسائل علمية، وأثنى الشيخ أحمد شاكر عليه في تحقيقه لتفسير الطبري.
- الشيخ العلامة محمد بن عبد الرزاق حمزة المصري (ت 1392) مدير دار الحديث بمكة والمدرس بالحرم المكي الشريف ومؤلف كتاب "ظلمات أبي رية".
- فضيلة العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع الوهيبي التميمي (ت 1385) رحمه الله تعالى، صاحب كتاب "مختصر عنوان المجد في تاريخ نجد" و"إرشاد الطلاب إلي قضية العلم والعمل والآداب" وغيرهما.
- الشيخ المحقق البحاثة سليمان بن عبد الرحمن الصنيع العنيزي المكي (ت 1389) رحمه الله تعالى، كان من أقرب أصدقائه وأحبهم إليه.
(1/110)

- الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حمد القرعاوي النجدي، (ت 1389) رحمه الله تعالى، ومن الصِّلات بينهما أن القرعاوي أرسل إلى المعلمي ما طبع وما لم يطبع من كتب الشيخ حافظ الحكمي لكي يقوم بتصحيحها ومراجعتها.
- الشيخ القاضي عبد الله بن علي العمودي (ت 1398) المعمّر، قاضي ميدي في أيام الإدريسي، كان بينه وبين الشيخ مكاتبات عديدة ومناظرات في مسائل علمية، أثبتّ طرفًا منها في "الرسائل المتبادلة"، وله تاريخ سماه "تاريخ اللامع" ذكر فيه الشيخَ مرارًا أيام كان لدى الإدريسي، ومختصره "تحفة القارئ والسامع" وهو المطبوع الآن.
- صاحب الفضيلة الوجيه الشيخ محمد بن حسين نصيف (ت 1391) رحمه الله. ويبدو أن معرفته به وعلاقته قديمة، فقد وقفتُ على رسالة أرسلها إليه الشيخ المعلمي من الهند عام 1355 يستشيره في أمر يتعلق بكتب بقيت عنده للإدريسي، وكيفية مكاتبة أولاده لتسليمها لهم.
وبعد مجيء الشيخ إلى مكة قويت العلاقة واستحكمت، وكان علاقة عمل في العلم ودأب على تصحيح الكتب وطباعتها وتوزيعها وما يتعلق بها.
- الشيخ العالم السيد فضل الله بن أحمد بن علي الجيلاني (ت 1399) رحمه الله تعالى، صاحب كتاب "فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد". وقد قدّم الشيخ المعلمي لهذا الكتاب مقدمةً حافلة بطلبٍ منه.
(1/111)

- عبد الله بن أحمد بن مذحج، قال في رسالة إلى الشيخ: "إلى حضرة الصديق الحميم العلامة المحقق مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي دام بخير آمين".
- محمد عبد الله صولان، أَرْسَل للشيخ رسالة في مسألة مشكلة في الفرائض، وأنه لم يعرف من يحلها غيره، ووصفه الشيخ في جوابه إليه بقوله: "سيدي الأستاذ العلامة الشيخ محمد بن عبد الله صولان".
- الأستاذ فؤاد سيد (ت 1387)، مدير قسم المخطوطات بدار الكتب المصرية، ذكره الشيخ في حاشية الإكمال: (6/ 322 - 331)، وذكر أنه راسله بخصوص نسبة (العندي)، وقد وقفنا على رسالتين منه إلى الشيخ كلتاهما في سنة 1385.
وفي أول لقاء لهما قصة طريفة ذكرها الدكتور محمود الطناحي تدل على شدة تواضع الشيخ المعلمي. قال: "حدثني الأستاذ فؤاد سيد ... قال: كنت في أثناء الحج أتردد على مكتبة الحرم المكي لرؤية المخطوطات وزيارة مدير المكتبة المرحوم الشيخ سليمان الصنيع وكان بين الحين والآخر يأتي إلينا رجل رقيق الحال، يسقينا ماء زمزم. وبعد يومين طلبت من الشيخ الصنيع رؤية الشيخ عبد الرحمن المعلمي، فقال: ألم تره بعد؟ أليس يسقيك كل يوم من ماء زمزم! يقول الأستاذ فؤاد: فتعجبت من تواضعه ورقة حاله، مع ما أعرفه من علمه الواسع الغزير" (1).
__________
(1) "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" (ص 205).
(1/112)

- الشيخ محمد بن سالم البيحاني (ت 1391). وكان قد راسله الشيخ يسأله عن نسبة (العندي)، وفي رد البيحاني على رسالته أنه اعتذر له من قلة رسائله إليه، وقد أبان جواب البيحاني عن علاقة جيدة بينهما، واعتراف بفضل الشيخ قال: "أما ما أشرتم إليه من تقصيركم في المراسلات فلا عتب ولا لوم إلا على مثلي فيما يجب لأمثالكم من أهل العلم والفضل، وأعاذك الله من سوء الخلق أو العجز عن أي واجب أو مندوب، ولعلك تعذرني أنا لما تعلم من حالي. وأرجو أن يكون قد وصلكم القسم الأول من كتابي "أشعة الأنوار على مرويات الأخبار"، من طريق الشيخ عبد الملك بن إبراهيم".
- الشيخ عبد الحق الهاشمي (ت 1392)، وقد طلب من الشيخ أن يكتب تقريظًا على كتاب "مسند الصحيحين"، فكتبه. زودني ابنُه شيخُنا عبد الوكيل بنسخة منه، وأخبرني أن الشيخ المعلمي كان بعض الأحيان يقف على حلقة والده، فيسأله الشيخ المعلمي - وهو واقف - عن مكان حديث أو أثر في صحيح البخاري، فيقول: إنه في زاويةٍ من زواياه. وقد ذكر الشيخ في رسالة منه للشيخ محمد نصيف أنه سلّمه نسخةً من "مجاز القرآن".
***
(1/113)

المبحث الثامن
ثناء العلماء والفضلاء عليه
الثناء على الشيخ المعلمي كثير من العلماء الفضلاء، من شيوخه وأقرانه وتلاميذه، نسوق هنا طائفة من كلماتهم:
1 - قال والده الشيخ يحيى المعلمي (ت 1361): "الولد الأجل الأمجد العلامة القاضي عبد الرحمن ... حرسه الله تعالى ووفقه لرضاه" (1).
2 - الإِمام محمد بن علي الإدريسي (ت 1341): "محبّنا الأجل العالم العامل الأمثل وجيه الإِسلام عبد الرحمن المعلمي" (2).
3 - الحسن بن علي الإدريسي: "محبّنا الفقيه العلامة وجيه الإِسلام عبد الرحمن .. المعلمي" (3).
4 - القاضي عبد الله العمودي (ت 1398): "حضرة أخينا ومحبّنا الهمام وجيه الإسلام قاضي القضاة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" (4).
5 - ناظم دائرة المعارف السيد هاشم الندوي: "حضرة العلامة الجليل والفهامة النبيل مولانا الشيخ عبد الرحمن اليماني".
"الأستاذ الفاضل العلامة مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ولله دره، قد اجتهد في تصحيح الأسماء والأنساب
__________
(1) كان عمر الشيخ حينها 31 عامًا.
(2) كان عمره 24 عامًا.
(3) كان عمره حينها 25 عامًا.
(4) كان عمره حينها دون الثلاثين حين كان رئيس القضاة في أيام السيد الإدريسي.
(1/114)

والمشتبهات، واستوعب النظر في الاختلافات من حيث علم الرجال ونقد الروايات من جهة الجرح والتعديل".
6 - الأستاذ فؤاد سيّد (ت 1387): "أستاذنا الجليل العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي .. متّعه الله بالصحة والعافية والهناء".
7 - الشيخ محمد بن سالم البيحاني (ت 1391): "حضرة المحترم الشيخ العلامة الجليل بقيّة المحققين عبد الرحمن بن يحيى المعلمي".
8 - الشيخ محمد بن عبد الرحيم المعلمي: "كوكب الأدباء، وتاج النجباء، من تسنَّم قُنَن المعالي، وناطح بهمته كل عالي، سليل الأكارم, ... الآخذ بمجامع القلوب بلا مرا الشيخ العلامة القاضي عبد الرحمن بن يحيى المعلمي أدام الله معاليه وخلد لياليه، وحفظ ذاته من كل سوء وصرف عنه الشرور ... ".
9 - الشيخ فضل الله الجيلاني (ت 1399): "جامع الفضائل والعلوم مولانا الشيخ عبد الرحمن اليماني".
10 - الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (ت 1413): "حضرة العالم الخبير الناقد البصير العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" (1).
وقال: "كان أوحد عصره في أسماء الرجال، وَسِيع المعرفة بالمخطوطات في ذلك الفن وما يناسبه ... " (2).
__________
(1) ما سبق من كلمات الثناء مقتبس من رسائل خاصة أرسلها هؤلاء العلماء إلى الشيخ، انظرها في "الرسائل المتبادلة" في آخر هذا المدخل.
(2) "حياة أبو المآثر" (ص 263).
(1/115)

11 - العلامة أحمد محمد شاكر (ت 1377): "وقد كان حقق - يعني: التاريخ الكبير للبخاري - مصححه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" (1).
12 - الشيخ محمد حامد الفقي (ت 1378) قال في مقدمته لرسالة المعلمي في جواز تأخير المقام: "كتب أخبرنا المحقق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني هذه الرسالة القيِّمة".
13 - العلامة مفتي المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت 1389) قال في تقدمته لرسالة المعلمي حول مقام إبراهيم وجواز تأخيره: "قد قُرئت عليَّ هذه الرسالة التي ألَّفها الأستاذ عبد الرحمن المعلمي اليماني ... فوجدتها رسالة بديعة، وقد أتى فيها بعين الصواب" اه. ووصفه بقوله: "عالمًا خدم الأحاديث النبوية وما يتعلق بها".
14 - العلامة محمد ناصر الدين الألباني (ت 1420): "هذا كلام جيد متين من رجل خبير بهذا العلم الشريف، يعرف قدر كتب السنة وفضلها، وتأثيرها في توحيد الأمة" (2).
وقال في مقدمته لكتاب "التنكيل": "تأليف العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى بن علي اليماني رحمه الله بيَّن فيه بالأدلة
__________
(1) حاشية "تفسير الطبري": (1/ 33).
(2) مقدمة تحقيقه ل "الأدب المفرد"، قاله تعليقًا على كلام للشيخ في مقدمته على "فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد" للجيلاني، وهي مطبوعة ضمن "المقدمات وما إليها".
(1/116)

القاطعة والبراهين الساطعة تجني الأستاذ الكوثري على أئمة الحديث ورواته ... مبرهنًا عليها من كلام الكوثري نفسه في هذا الكتاب العظيم بأسلوب علمي متين، لا وهن فيه ولا خروج عن أدب المناظرة وطريق المجادلة بالتي هي أحسن، بروح علمية عالية، وصبر على البحث والتحقيق كاد أن يبلغ الغاية إن لم أقل: بلغها، كل ذلك انتصارًا للحق، وقمعًا للباطل، لا تعصبًا للمشايخ والمذهب، فرحم الله المؤلف، وجزاه عن المسلمين خيرًا".
15 - العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد (ت 1429): "العلامة المعلمي م سنة 1386 ه رحمه الله تعالى له جهود في خدمة السنة وعلومها كما في "التنكيل" و"طليعته" وفي تحقيقاته الحافلة في كتب الرجال والأنساب والموضوعات أبدى يراعُه فيها براعةً ودررًا في أصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل، في جهود انتشرت الاستفادة منها في كتب المعاصرين" (1).
وقال: "ذهبي عصره العلامة المحقق المعلمي عبد الرحمن بن يحيى". ثم قال في الحاشية: "تحقيقات هذا الحبر نقش في حجر، ينافس الكبار كالحافظ ابن حجر، فرحم الله الجميع، ويكفيه فخرًا كتابه التنكيل" (2).
16 - العلامة محب الدين الخطيب الدمشقي (ت 1389) في مقدمته
__________
(1) "براءة أهل السنة" (ص 42).
(2) "التأصيل" (ص 27).
(1/117)

لكتاب "كشف المخدَّرات": "حضرة العالم المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، الذي عرف الناس فضله بما صدر عنه من تصحيح كثير من الكتب الإِسلامية".
17 - العلامة إسماعيل بن علي الأكوع (ت 1424): "عالم محقق في الفقه والنحو، مبرز في علوم الحديث، شاعر أديب" (1).
18 - شيخه محمد عبد القدير الصديقي (ت 1381): "إن الأخ الفاضل والعالم العامل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني، قرأ عليَّ من ابتداء "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" واستجازني ما رويته عن أساتذتي، فوجدته طاهر الأخلاق، طيب الأعراق، حسن الرواية، جيد الملكة في العلوم الدينية، ثقة عدل، أهل للرواية بالشرط المعتبر عند أهل الحديث" (2).
19 - الشيخ المحدث حماد بن محمد الأنصاري (ت 1418): "إن الشيخ عبد الرحمن المعلمي عنده باع طويل في علم الرجال جرحًا وتعديلًا وضبطًا ... عنده مشاركة جيدة في المتون تضعيفًا وتصحيحًا، كما أنه ملم إلمامًا جيدًا بالعقيدة السلفية" (3).
__________
(1) "هجر العلم": (2/ 1266).
(2) من إجازة له للشيخ المعلمي كتبت سنة (1346) منها نسخة في مكتبة الحرم المكي الشريف رقم [4291].
(3) "عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة" (ص 53) لهدى بالي، وهي رسالة علمية مقدمة لكلية التربية للبنات، منها نسخة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف.
(1/118)

20 - العلامة أبو تراب الظاهري (ت 1423): "هو علم من العلماء الأعلام البارزين، كان عبدًا أوَّاهًا ورعًا زاهدًا تقيًّا، لم يكن يدنس ثوبه برذيلة ولا اخترام مروءته".
وقال أيضًا: "كان نحويًّا بارعًا وعروضيًّا، وذا معرفة باللغة وغريبها، حفظ الألفية وبعض المتون في الأصول والفقه، ولقي الأكابر" (1).
21 - المؤرخ إسماعيل بن محمد الوشلي اليمني (ت 1356): "الفقيه العلامة الأديب عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ... رأيته فقيهًا نحويًّا أديبًا لطيفًا شاعرًا فصيحًا" (2).
22 - الدكتور محمد سلطان محيي الدين: "هو نادرة الزمان، علامة الأوان، والأستاذ الناقد، والباحث المحقق، الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني الشافعي كان من أجلِّ العلماء الربانيين، وفضلاء اليمن الكبار ... كان بارعًا في جميع العلوم والفنون، وتمهّر في علم الأنساب والرجال، ونبغ في تصحيح الكتب والتعليق عليها، وله براعة في البحث والتحقيق، وتبحر وتمييز بين الخطأ والصواب، وكان واسع الاطلاع على تاريخ الرجال ووقائعهم ... حقق كثيرًا من المخطوطات القيِّمة، وعلق عليها التعليقات المبسوطة، والتقديمات النافعة، كثيرة الفوائد العلمية والتاريخية" (3).
__________
(1) مقال في جريدة المدينة في صفر سنة 1386.
(2) "نشر الثناء الحسن": (3/ 219).
(3) "علماء العربية ومساهماتهم في الأدب العربي في العهد الأصفجاهي" (ص 424 - 425).
(1/119)

23 - الدكتور محمود محمد الطناحي (ت 1419): " ... كتاب "الأنساب" للسمعاني، الأجزاء الستة الأولى بتحقيق العلامة المرضيِّ عنه إن شاء الله عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني المتوفى سنة 1386 ه بمكة البلد الأمين" (1).
24 - الدكتور عبد الوهاب بن عبد اللطيف في تقديمه لكتاب "الفوائد المجموعة" للشوكاني: "الأستاذ الشيخ عبد الرحمن اليماني لا يجهل علمه باحث في علوم الحديث، وله منّة على الباحثين بما يحققه من الكتب الحديثية التي نشرت في الهند، وهو ذو باع طويل في علم رجال الأثر، وقد اجتهد في تحقيق هذا الكتاب ونقد رواياته ورواته، معتمدًا على أوثق المصادر، حتى إنه صحح كثيرًا من أغاليط المؤلفات في هذا الفن، وهو بذلك جدير، وكان في علمه أمينًا رزينًا إذا لم يعلم يقول في الراوي المجهول: لم أجده، لا أعرفه، وفيمن لم يتبين له أمره: لم يتبين لي حاله، بعبارة ضابطة محققة".
25 - العلامة حمد الجاسر (ت 1420): "علامة جليل، وباحث صَرَف كلَّ جهده وكل عمله لكي يخرج الكتاب (الإكمال لابن ماكولا) في أصحّ صورة وأجملها من حيث الكمال والجمال، هو شيخنا العلامة التقي الورع الجليل الشيخ عبد الرحمن ... المعلمي أمين مكتبة الحرم المكي" (2).
...
__________
(1) "الموجز" (ص 90).
(2) مجلة العرب، السنة 2، 1387، مقال لحمد الجاسر.
(1/120)

المبحث التاسع
مؤلفاته وتحقيقاته
* تمهيد
مؤلفات العَالِم من أعظم ما يدلّ على علمه وتحقيقه وتبحّره، وقد ضرب العلامة المعلمي بنصيب وافر في هذا الباب، فهو يعدّ من المكثرين من التأليف، إذ تجاوز عدد مؤلفاته مئة وعشرين كتابًا ورسالة، متفاوتة الحجم ما بين رسالة لطيفة وكتاب في مئات الصفحات. والكلام على خصائص مؤلفات الشيخ ومنهجه في الكتابة والتأليف يحتاج إلى مكان أوسع ووقت أرحب، لكن يمكن أن نجمل أهم خصائص مؤلفاته في نقاط:
1 - غالب مؤلفات الشيخ لم تجر على النمط السائد في ذلك العصر وما قبله، وهي طريقة المتن والشرح أو التقريرات، بل غالب مؤلفاته مبتكر، ويلاحظ أن الرسائل الصغيرة لا تقاس بحجمها، فرُبّ رسالة صغيرة فيها من الإبداع والتحقيق ما يفوق الكتاب الكبير.
2 - نزوع المؤلف إلى الاجتهاد، وترجيح ما يعضده الدليل والحجة، حتى وإن خالف الجمهور أو المذهب.
3 - من مواطن القوّة في كتبه أنها تسير غالبًا على طريقة واحدة لا تكاد تختلف من حيث القوة والأصالة وصفاء المنهج ووضوح الطريق، لا فرق بين متقدم منها ومتأخّر.
4 - الأمانة العلمية والدقة البالغة، فقد ناقش الإِمام عددًا من المؤلفين
(1/121)

فتوخّى معهم غاية الأمانة بنقل عباراتهم بحروفها، وقد ثبت ذلك بالمقارنة الدقيقة مع أصول تلك الكتب.
5 - الإنصاف والتجرّد، فكان هدفه البحث عن الحق الذي يعضده الدليل والحجة، يعرضها بمنهج استدلالي متين، يغوص بك في المسائل المشكلة والمضايق المعقدة فيحلّها بالتوجيه والتعليل والحجة والدليل، لا بقول فلان ولا علاّن، فالأقوال عنده يُستدلّ لها لا بها.
6 - من أحسن خصائص كتبه وبحوثه أنه يورد على القول المراد ترجيحه كل الإشكالات التي قد تطرأ على الذهن ثم يحلّها ويناقشها حتى لا يترك شبهة إلا أتى عليها، حتى إن بعضَ ما يورده لم يرد على لسان أصحاب ذاك المذهب المردود عليه، وهذا من إنصافه وقوة اطمئنانه لما رجّحه واحتجّ له.
7 - من جميل ما يقف عليه القارئ لكتب هذا الإِمام: أنه يذكر الشبهة أو الحجة لأصحاب القول المخالف ويقررها تقريرًا يبدو لك لأول وهلة أن حلّه في غاية العسر، ثم ينقضه ويحلّه، فيبدو لك كأسهل ما يكون جوابًا وحلًّا. فالشيخ عجيب في حلّ العقد والمعضلات.
8 - استعمال لغة العلم في أسلوب أدبيّ عالٍ، بعيد عن التكلف والتعقيد أو الابتذال، فتقرأ للشيخ الصفحات الطوال في أعقد المسائل ولا تشعر فيها بملل ولا خلل ولا سآمة، كأنك تقرأ لابن تيمية أو غيره من كبار الأئمة.
9 - كشفت مؤلفات الإِمام عن تعدُّد مواهبه، ومعرفته بأكثر الفنون الإِسلامية، وبلوغه درجة التحقيق والاجتهاد في كثير منها.
(1/122)

10 - تكشف لنا مؤلفات الشيخ قوّته على الصبر على البحث والجَلَد على التفتيش والتنقيب والتتبّع والمقارنة، في وقت لم تكن الفهارس قد ظهرت إلا في أضيق الحدود، فقد صرّح الشيخ أنه ربما قرأ المجلد الكامل لاستخراج عبارة أو كلمة، وقد يبقى في تحقيق لفظة أو عبارة أيامًا، ويُكاتب العلماءَ والباحثين في أقطار الأرض من أجل ضبط لفظة أو الوقوف على مصدر قصة أو نحو ذلك.
11 - مع ما شرحناه من خصائص كتب الشيخ، وما وقع في كتبه من التحرير والتدقيق وحل عويصات المسائل لن تجده يفخر بها أو يمدح كتبه ومصنفاته، ولو وقعت بعض هذه التحقيقات لغيره لتبجَّح بها في المجالس والمحافل والكتب.
هذا بعض ما تميزت به كتب الإِمام، والناظر فيها بعين الإنصاف يعلم أنها من أحسن ما كتبه المتأخرون علمًا وتحقيقًا ولغةَ بيان وتنوّعًا في المعارف.

الأغراض الحاملة للشيخ على التأليف
يمكن ذكرها في الآتي:
1 - إجابةً لسؤال سائل، كما في كتاب "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" ورسالة "إدراك الركعة بإدراك الركوع"، و"اللطيفة البكرية"، و"الأنوار الكاشفة" وغيرها.
2 - تقييدًا للمسألة بعد مذاكرة أو مناظرة، وذلك في رسائل عديدة في إعراب بعض الآيات (انظر مجموع رسائل التفسير)، ومسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف، ومسألة توكيل الولي المجبر، وبعض المسائل اللغوية والأدبية.
(1/123)

3 - انتصارًا للحق وبيانًا للصواب وردًّا على المخالفين، كما في "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" وملحقاته من الطليعة والتعزيز وشكر الترحيب، ويمكن أن يدخل كتاب "الأنوار الكاشفة" في ذلك، والرد على الفراهي، والرد على بعض شرَّاح جامع الترمذي من الحنفية، والرد على الجيراجي صاحب كتاب "الوراثة في الإِسلام" و"عمارة القبور" وبعض الرسائل الفقهية.
4 - تحقيقًا لبعض المسائل الكبرى أو القضايا التفصيلية سواء كانت فقهية أو عقدية، كما في كتابه العظيم "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله ... " وكتاب "الوحدان"، و"معجم شواهد النحو واللغة"، و"إرشاد العامه إلى الكذب وأحكامه"، و"حكم العمل بالحديث الضعيف" ورسائل في البدعة، وجملة من الرسائل الحديثية والفقهية والتفسيرية والعقدية.
فإن قيل: إن أغلب كتب الشيخ مسوّدات، فكيف يمكن طباعة المسوّدة وفيها من الضرب والتخريج والتحويل ما يزيد من صعوبة العمل إذا نظرنا إلى كون تلك الكتب والرسائل نسخًا فريدة؟ ولعل المؤلف لا يرضى بطباعة كتبه على هذا الحال.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن الشيخ من العلماء الذين يصدق في مؤلفاتهم القول: "إن مبيّضاتها مسوّدات"، فمهما بلغ الكتاب حدّ التمام فإن الشيخ لا يزال يتعاهده بالإضافة والتصحيح والتنقيح حتى يعود مسوّدة كما بدأ، ولذلك نجد الكتاب الكثير الضرب والهوامش والتحويل إذا تمّ نسخه ووُضِعت كل
(1/124)

إشارات المؤلف في مواضعها = غدا كتابًا متسلسل الأفكار مؤتلف المقاطع متناسق الفقرات، مترابط الأجزاء، لا تنكر منه شيئًا كأنه مبيَّضة نهائية.
والشأن في كتب الشيخ كالشأن في مؤلفات شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، فغالب ما تركه بخطه مسوّدات استخرجها تلاميذه كما شرحناه في غير موضع.
الوجه الثاني: عُرف في تراثنا ما يسمى باستخراج الكتاب من مسوّداته، وقد وقع هذا كثيرًا في جملة من كتب التراث. يراجع "الكتاب العربي المخطوط" لأيمن فؤاد سيد، ولي بحث في هذه القضية التراثية.
الوجه الثالث: أن الشيخ رحمه الله كان حريصًا على طبع كتبه ورسائله ومجاميعه وأشعاره، وقد صرّح بذلك في عدة مناسبات سواء حين كان عند الإدريسي أو بعد ما استقر في الهند أو وقت استقراره في مكة المكرمة؛ فإليك هذه المواضع:
1 - قال في وصية له أيام مقامه لدى الإدريسي قبل سنة 1341: "أسأل والدي وأخي الشقيق أن يجمعا ويدوِّنا ما يوجد معي من نظمي أو مذاكرتي. وإذا تيسَّر نشره فذلك خير. وعلى أمير المؤمنين - أيده الله - أن يجمع ما يوجد من مدحي لجنابه العالي، ويأمر بنسخه وطبعه ونشره، فذلك تمام حقِّي عليه".
2 - وقال في رسالة لأخيه أحمد مؤرخة في سنة 1356: "أنا مشتغل بتأليف رسالة مهمة وأحب أن أطبعها على نفقتي إن أمكن، لأن لا أطمع أن أحدًا يساعدني بطبعها، ولا تطاوعني نفسي أن أطلب المساعدة من أحد".
(1/125)

3 - وقال في رسالة له إلى الشيخ أحمد شاكر: "في عزمي أن أفرد من كتابي ترجمة الإِمام الشافعي وترجمة الخطيب، لأن الكلام طال فيها فصار كل منها يصلح أن تكون رسالة مستقلة. فهل هناك في القاهرة مِن الشافعية مَن ينشط لطبع تينك الرسالتين على نفقته. فإن كان فأرجو من فضيلتكم أن تعرّفوني حقى أرسلهما إليكم وتنوبوا عني فيما يلزم ... ".
4 - وقال تلميذه محمد بن أحمد المعلمي فيما كتبه إليَّ: "إن هيئة سعودية زارته، فأراهم بعض مؤلفاته فقالوا له: لماذا لا يهتم بطبعها؟ فأفاد أنه إذا رأى الله سبحانه وتعالى أن فيها إفادة للإسلام والمسلمين فسيأتي الله بمن يطبعها".
فهذه النصوص تدلّ على حرص الشيخ على طباعة كتبه ورسائله ومذكّراته، وحرصه على ذلك كان من وقت مبكّر، فنحن بحمد الله ما زِدْنا على أن نفّذنا وصية الشيخ، وساعدنا على طبعها بلا طلب منه، ونَشِطنا إلى جمع تراثه كاملًا لتعميم نفعه، فلعلّنا ممن اختارهم الله سبحانه لنشر علمه وتراثه، فنكون مَن أشار إليهم الشيخ بقوله: "إذا رأى الله سبحانه وتعالى فيها إفادة ... فسيأتي الله بمن يطبعها".

وقد قسمنا الكلام على كتب الشيخ المعلمي وآثاره على النحو التالي:
أولاً: مؤلفاته بحسب ترتيبها في هذه الموسوعة
ثانيًا: كتبه المفقودة أو التي لم تدخل في هذه الموسوعة
ثالثًا: تحقيقاته
(1/126)

أولاً: مؤلفاته بحسب ترتيبها في هذه الموسوعة
وقد رتبنا الكتب في هذه الموسوعة على الفنون، فبدأنا بالعقيدة، ثم التفسير، ثم الحديث، ثم الفقه، ثم أصول الفقه، ثم اللغة، ثم المتفرقات.

أولاً: قسم العقيدة
يحتوى هذا القسم (14) كتابًا ورسالة.

1 - كتاب العبادة
كتاب "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله والفرق بين التوحيد والشركِ بالله" من أوسع الكتب في بيان توحيد العبادة، تناول فيه المؤلف قضايا عدَّة ما بين مقدمات وتمهيدات مطوَّلة أراد بها الإسهام في تجلية معنى الإله والعبادة، مبيِّنًا أهمية التوحيد وخطورة الشرك، وشروط لا إله إلا الله، وكيف يدخل المرء في الإِسلام، وبم تقوم الحجة على العباد؟ وحُكم من تلبس بشركٍ جهلاً أو غلطًا.
واستطرد المؤلف إلى بيان الأمور التي يحتجّ بها بعض الناس في العقائد وهي غير صالحة للاحتجاج؛ كالتقليد، والحديث الضعيف، والرأي المجرَّد، والاعتساف في الاستدلال بالكتاب والسنة كيفما اتفق دون مراعاة لقواعد العربية والمنقول عن السلف وبلاغة القرآن، ولا جمعٍ للنصوص الواردة في الموضوع الواحد؛ فإن الكتاب والسنة كالكلام الواحد.
وبين المؤلف أن المشركين لم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها قادرة على كل شيء، خالقة، رازقة، مدبرة للعالم. ثم شرع بعد ذلك في تعريف
(1/127)

لفظي (العبادة والإله) وتحقيق معناهما، وسرد أعمال الأمم السابقة واعتقاداتها تجاه معبوداتها ليستخلص من ذلك القدرَ المشترك بين تلك الأمم فيكون هو التأليه والعبادة، معِّرفًا العبادة تعريفًا جامعا مانعًا.
وعقد فصولاً في تفسير عبادة الملائكة والأصنام والشياطين والهوى والأحبار والرهبان وغيرها مع تفصيلات في قضايا السجود لغير الله والقيام للقادم وأحواله، والدعاء وأحكام الطلب والتوسل بما لا مزيد عليه.
وأفاض أيضًا في توضيح أحكام الطِّيرَة والرقى والتمائم والتولَة والسحر والحلف بغير الله. كل ذلك باستقراءِ الكتاب والسنة والتاريخ دون أن يقلِّد أحدًا في هذه المسائل، مع جمال في التعبير وجلالة في المعاني.
فالكتاب بحقّ من أهم كتب الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، فيجدر بكل طالب علمٍ قراءته والاستفادة منه.
والكتاب يمثل المجلدين الثاني والثالث من هذه الموسوعة وعدد صفحاته 1300 صفحة. وكان قد وقع في نسخه الخطية نقص كبير، لكنا بحمد الله قد عثرنا على أكثر هذا النقص، ونعتقد أنه لم يُفقد من الكتاب إلا صفحات قليلة، والحمد لله.

2 - تحقيق الكلام في المسائل الثلاث
ألَّفه الشيخ سنة 1344 في إندونيسيا استجابةً لرغبة سائلٍ عن كتاب (المسائل الثلاث) للشيخ أحمد بن محمد السوركتي (ت 1364)، حيث طلب منه أن يُبدي رأيه فيه وفي مؤلفه إجمالًا ثم يتكلم على هذه المسائل تفصيلاً، وألحَّ عليه السائل، فاستعان بالله وألَّف هذا الكتاب.
(1/128)

والكتاب يحتوي على الكلام في ثلاث مسائل رئيسة:
الأولى: في الاجتهاد والتقليد.
الثانية: في السنة والبدعة.
الثالثة: في النداء للغائبين والموتى وغيرهم.
وفي المسألة الثانية ستة مباحث:
الأول: البناء على القبور.
الثاني: اتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور.
الثالث: زيارة القبور.
الرابع: التبرك.
الخامس: التوسُّل.
وفي المسألة الثالثة ثلاثة مقامات:
الأول: في الاطلاع على الغيب.
الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون.
الثالث: النداء والطلب.
ويعتبر هذا الكتاب من نوادر كتب المشروع، إذ لم يذكره أحد من الباحثين قبل ذلك، وقد كانت أوراقه مشتتة ومبعثرة في عدة مجاميع، وقد وفقنا الله تعالى لمعرفة كنهه وموضوعه، ثم تحقيقه والعناية به بعد تعب وجهد لم نواجهه في أيّ كتاب آخر، فالحمد لله الذي وفق وأعان. ويمثل هذا الكتاب المجلد الرابع من المشروع، ويقع في 581 صفحة.
(1/129)

3 - عِمارة القبور في الإِسلام (المبيَّضة والمسوّدة)
ناقش هذا الكتاب مسألةً من مسائل الفقه من حيثُ أصلُها، ولها تعلُّق بالعقيدة من حيث نتائجُها وما تفضي إليه، وهي مسألة البناء على القبور وحكمها في الإِسلام؛ فحرّر القولَ فيها على طريقة الاجتهاد؛ من ذكر النصوص في المسألة، ثم النظر فيها ثبوتًا ودلالةً، على نحوٍ لم يسبقه إليه أحد ممن تكلم فيها، على عادة المصنف رحمه الله في التحقيق والتحرير.
وقد كُتب في هذه المسألة عدة مصنفات، وذكر المؤلف في مقدمة رسالته هذه أنه اطلع على بعض ما أُلف فيها، فأراد هو أن ينظر فيها نظرَ متحرٍّ للحق بدليله من الكتاب والسنة.
وقد كتب المؤلف رسالته هذه عدة مرات، وفي كل واحدة منها ما ليس في الأخرى، فرأينا أن ننشر نسختين منها، سمينا الأولى ب "المبيضة" والثانية ب "المسودة"، والذي حملنا على نشر المسوّدة أن فيها قواعد عديدة لا وجود لها في "المبيضة"، لعل الشيخ تركها اختصارًا، أو عرضها بطريقة أخرى فوّتت بعض الفوائد.
وهذا المجلد يمثل المجلد الخامس في الموسوعة، ويقع في 479 صفحة مضمومًا إليه الكتاب الآتي بعده وهو "يُسر العقيدة الإِسلامية".

4 - يُسْر العقيدة الإسلامية
وقد سمّاها المؤلف بهذا الاسم، وباسم آخر هو "دين العجائز" فاخترنا هذا المثبت لوضوح دلالته على الكتاب.
وهذه رسالة أراد منها مؤلفها تسهيل العقيدة وتيسيرها كما أفصح عن
(1/130)

ذلك في مقدمتها، فقد ذكر اختلاف الناس في العقائد وتفرّقهم، وأنواع الكتب المؤلفة فيها، وأنها بأنواعها الثلاثة "المختصرة، والمتوسطة، والمطولة" لا تفضي إلي العلم اليقين والاطمئنان، بل إلى الشك والحيرة والتقليد، وقال: "فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، ويخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد".
إلا أنه لم يتمكن من إتمامها ليتحقّق له مراده. فلم نعثر إلا على هذه القطعة المنشورة.
وقد جعلنا هذه الرسالة في المجلد الخامس من الموسوعة مع رسالة "عمارة القبور في الإِسلام" وعدد صفحاتها 137.

* مجموع رسائل العقيدة:
ويمثل المجلد السادس من الموسوعة ويقع في 480 صفحة، وفيه عشر رسائل:

5 - حقيقة التَّأويل
تكلَّم فيها عن التأويل الباطل، وقدّم بتعريفه لغة واصطلاحًا، وإطلاقاته على الرؤيا والفعل واللَّفظ، ثم ذكر مقدِّمة في الصِّدق والكذب، وتشديد الشارع في الكذب وما فيه من المفاسد، والترخيص في بعضه والتورية الجائزة، وحكم التأويل، وضروب نصوص العقيدة التي تؤوَّل، ثم خلاف الناس في آيات صفات الله، ودحض حُجج متأوِّليها، وتباين الفِرَقِ المثبتة لصفات الله، وأنَّ إثبات معناها على ظاهرها لا يلزم منه التشبيه، وقصور
(1/131)

العقول وخطئها في كثير من الأمور، وتفصيل القول في المتشابه والمحكم، وموقفه من تأويل الأخبار الواردة في نصوص الشرع.
وتقع هذه الرسالة في 80 صفحة.

6 - حقيقة البِدْعة
بيَّن فيها بطلان العمل بالبِدع، وأنَّ الدِّين كلَّه من وضع المشرِّع، ثم بيّن بالأمثلة والشرح أنَّ الاستدلال على مشروعيَّة أيِّ بدعةٍ لا يخرج عن أن يكون دليلًا شرعيًّا، أو يكون فيه شُبْهَة دليلٍ للعامِّي، أو يكون فيه شبهة دليلٍ للمجتهد، ثمَّ بيَّن أنَّ البدعة وضلالها وذمَّها معلوم عند الناس، ولكن يخفى عليهم حكم أهل البِدع، والطريق التي يتحقَّق بها العلم بالبدعة، ثم أفاض في ذكر ذلك.
وتقع هذه الرسالة في 37 صفحة.

7 - صَدْع الدُّجُنَّة في فَصْل البِدعة عن السُّنَّة
قصد بها إيضاح الفرق بين السُّنَّة والبدعة وتعيين الحدود الفاصلة بينهما على وجهٍ يفهمه أكثر طلبة العلم والأذكياء من العوام، فناقش بعض التعريفات المذكورة في هذا الباب، وما عليها من اعتراضات، مع أمثلة وشرح، ثم خلص في آخر رسالته إلي أنَّ التَّعريف الاصطلاحي المختار عنده للبِدعة هو: "أمرٌ أُلْصِق بالدِّين، ولم يكن من هَدي النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، لا بالفعل ولا بالقوَّة".
وتقع هذه الرسالة في 15 صفحة.
(1/132)

8 - الحنيفيَّة والعرب
ذكر فيها نصوصَ أهل الكتاب على أنَّ الدِّين الحقَّ بقي في عرب الحجاز وما حولها فوق عشرين قرنًا بعد إبراهيم عليه السَّلام، وأنَّهم بعدُ غيَّروا أشياء وبقوا متمسِّكين بأشياء، حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وما في ذلك من فضل العرب على بني إسرائيل من جهة طول مدَّة تمسُّكهم بالحنيفيَّة ملَّة إبراهيم قبل دخول الشِّرك فيهم، مع قِلَّة الأنبياء فيهم وبُعد عهدهم بهم، وناقش ضمنًا بعض كلام مؤلف كتاب "إظهار الحق" في تفسيره نصوص الكتاب المقدَّس، وحقّق فيها نسب "عمرو بن لُحَيًّ" وأصل "النبت" و"قيدار" ولد إسماعيل.
وتقع هذه الرسالة في 15 صفحة.

9 - عقيدة العَرَب في وثنيَّتهم
أجملَ فيها بيان عقيدة العرب الجاهليين في سبع فقرات، بيَّن في أولها توحيد العرب وإقرارهم في جاهليَّتها بربوبيَّة الله تعالى في الجملة، وفي الثانية تناقض إقرارهم بالربوبيَّة مع شركهم في الألوهيَّة، وفي الثالثة نسبتهم البنات لله تعالى، والأسباب المحتملة لذلك، وفي الرَّابعة تاريخ دخول الوثنيَّة في بلادهم، وفي الخامسة نصبهم الأوثان وأنَّهم لا يعبدون ذواتها بل هي صورٌ لمعبوداتهم، وفي السَّادسة أصل تسمية أوثانهم بأسماء أنثويَّة، وعلاقة ذلك باعتقادهم في الملائكة أنها بنات الله، وفي الفقرة الأخيرة معتقدهم في الملائكة، وأنهم يعدّونهم وسائط تقرِّبهم إلى الله زُلفى.
وتقع هذه الرسالة في 24 صفحة.
(1/133)

10 - الردّ على حسن الضالعي
ردّ فيها على حسن بن إبراهيم باهارون الضَّالعي الحلولي، ونقل حاله عن بعض مشايخه وأصحابه، وفيها إثبات قول الضالعي بالحلول، وبيان جهله الظاهر بالشرع ونصوصه، ودعواه التتلمذ على مشايخ الأقطار والانتساب لآل البيت، واستنكافه عن الحق بعد ما تبيَّن له باعترافه، ثم مناقشته فيما أظهره من القول بالحلول ورفع التكاليف عن الناس، وإنكار صحَّة نبوَّة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ومنازعته في ثبوت وإعجاز القرآن.
وهذه الرسالة كتبها المؤلف في عدن سنة 1341 ه, وقد اهترأ كثير من أوراقها وتآكل أطراف البعض الآخر، وجرى الشيخ فيها على طريقته المعهودة في الحوار والنقاش، وتقع في 69 صفحة.

11 - ما وقع لبعض المسلمين من الرياضة الصُّوفية والغلوّ فيها
ناقش المؤلف فيها أحدَ الصوفية المدّعين لاكتساب بعض خوارق العادات، وذكر ما ثبت منها كالعين والتنويم المغناطيسي والرقية، وما يختلط فيه السحر مع الكرامة والمعجزة، وتشابه الصوفيَّة مع الهندوس في التعبّد، واشتباه عباداتهم بالمشروع والمأثور عن السلف، وأغراض متعبِّديهم وولع الشياطين بهم، وبيّن سحر الأبصار والأدمغة، وردّ على المشكِّكين في صحَّة السحر والكرامة، وردّ على المجيزين لعبادات الصوفية، والمتعاطين للسحر بحجّة إيذاء الكَفَرة، ومن زعم بأنّ معجزات الأنبياء حاصلة بقوى نفسيَّة مكتسبة.
وتقع هذه الرسالة في 46 صفحة.
(1/134)

12 - رسالة في الشفاعة
مهَّد لها بكلام مختصر عن تفاوت أقوال الناس في مسألة الشفاعة، وشكا أحوال مشايخ وقُصَّاص رخّصوا في الشفاعة الباطلة، ثم بيَّن معنى الشفاعة لغة، وذكر عدم اشتراط قبول الشفاعة، ولا كونه من الأدنى للأعلى، واشتراط أن لا يكون الشافع مالكًا للحاجة المشفوع فيها، وأقسام الشفاعة عند الله، ومباحث متعلِّقة بالدعاء، كحكم طلبه وأهميّته وجعل الخيرة في إجابته إلى الله، ونبَّه إلى كراهة الدعاء إجابةً لمن يطلبه إن كان مصرًّا على الكبائر، وبعض الأحوال التي يستحبُّ فيها طلب الدعاء من الآخرين.
وهذه الرسالة لم تكتمل، وقد علّقها المؤلف بقلم الرصاص، وتقع في 18 صفحة.

13 - التفضيل بين الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم
رسالة مختصرة تتعلق بالتفضيل بين الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم، فمهَّد ببيان عدم انضباط التفضيل بينهم عند من يطلقه، سواءٌ أكان بتشييد الدّين ونفع المسلمين وورود الأدلَّة؛ فهم مشتركون فيها، وأنَّ التفضيل إن كان بالنظر إلى منزلتهم عند الله تعالى فمردودٌ؛ لأنَّه كلام في غيبٍ لا يعلمه إلاَّ الله. ونبَّه على ما يحصل في التفضيل من تعصُّب، وأنَّ الخلفاء أنفسهم لم يشتغلوا به، وأنَّ السلف اهتمُّوا بتعظيم الجميع، وذكر حِكَمًا بالغة في تأخُّر خلافة عليٍّ رضي الله عنه عن الثلاثة، وما حصل في ذلك من المصالح واندفع به من المفاسد.
وتقع هذه الرسالة في 8 صفحات.
(1/135)

14 - رسالة تعلّق العقائد بالزمان والمكان
بيَّن فيها أهميَّة النظر إلى حال المكان والزمان لتعلقهما تعلُّقًا متينًا بالعقائد، وذكر في أوَّلها معنى "المكان"، وحقيقة الفضاء، والفرق بينه وبين الهواء، ثم ناقش عقلًا ما نُقِل من إطباق المتكلِّمين في إطلاقهم على "الفضاء" عدمًا يسمُّونه بُعدًا موهومًا، وزعموا أنَّه شيءٌ موجود.
وتقع هذه الرسالة في 5 صفحات.

ثانيًا: قسم التفسير
ويحتوى على (18) كتابًا ورسالة.

15 - التعقيب على تفسير سورة الفيل للمعلم عبد الحميد الفراهي
للعلامة المعلم عبد الحميد الفراهي (ت 1349) أحد كبار علماء الهند جزءٌ في تفسير سورة الفيل، ذهب فيه إلى أن الخطاب في قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ} للمخاطب، وأن العرب قاوموا جيش أبرهة بما يطيقون ورموهم بالحجارة، فجاء نصر الله، وأرسل عليهم ريحا عاصفة أهلكتهم. وأما الطير فأرسلت لأكل جثث الموتى. فألَّف الشيخ المعلمي كتابه هذا ردًّا على هذا التفسير، وجعله على قسمين الأول: الردّ مفصلاً، والثاني: تفسير السورة.
ويمثل هذا الكتاب المجلد السابع من الموسوعة ويقع في 304 صفحة.

* مجموع رسائل التفسير:
ويمثل المجلد الثامن من الموسوعة ويقع في 443 صفحة، وفيه أربع
(1/136)

عشرة رسالة، وهي:

16 - تفسير البسملة
هذه الرسالة مرتبة على ثمانية فصول، وقد تكلم في الفصل الثالث منها على مسألة الاسم والمسمى وبالغ في تحريرها وتنقيحها. وأطال النقاش مع العز بن عبد السلام في كتابه "مجاز القرآن" وردّ عليه. وفي فصل طويل ردَّ على من يزعم أن المشركين لم يكونوا يعرفون كلمة "الرحمن".
وهي رسالة كاملة تقع في 69 صفحة. مع ما ألحقناه بها من مسوّدة في شرح البسملة كانت ضمن تفسير للفاتحة، وردت فيها فصول ممتعة لم نرد أن تفوت على القارئ.

17 - تفسير سورة الفاتحة
هذا تفسير كامل للسورة، فقد تكلم فيه على الآيات كلها معنى وقراءة وإعرابًا، غير أن هناك إحالات على مواضع لم نجدها في الرسالة, وكذلك "الفرائد" التي أشار إليها للبسط في بعض المسائل لم توجد في المخطوط، فهل هو كتاب مستقل أو مبحث مفقود من مباحث الرسالة؟ ومن أهم فصول هذه الرسالة ذلك الفصل النفيس الذي حرره في تفسير العبادة، وقد أحال فيه كثيرًا على كتابه المفرد في هذا الموضوع، كتاب (العبادة) وهو أول كتاب في هذه الموسوعة. وتقع هذه الرسالة في 58 صفحة.

18 - تفسير أول سورة البقرة (1 - 5)
تفسير المؤلف في هذه الرسالة أشبه بالنكت ويغلب عليه الاهتمام بالجانب البياني، وتقع في 6 صفحات.
(1/137)

19 - ارتباط الآيات في سورة البقرة
كشف المؤلف في هذه الرسالة عن ارتباط آيات سورة البقرة وتناسبها من أول السورة إلى قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [256].
وتقع هذه الرسالة في 50 صفحة.

20 - ارتباط قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ...} بما قبله وما بعده
وهي رسالة مختصرة دعاه إلى تأليفها حل الإشكال في وقوع هذه الآية بين آيتين متعلّقتين بالطلاق. وتقع في 6 صفحات.

21 - تفسير قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ...} الآيات
فسَّر المؤلف في هذه الرسالة الآيات (2 - 4) من سورة النساء، وضمَّ إليها الآيات من (127 - 130) من السورة أيضًا. وذهب فيه إلى وجه جديد في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} الآية.
وهي رسالة كاملة، تقع في 17 صفحة.

22 - تفسير أول سورة المائدة
وهو تفسير لثلاث آيات من أول السورة [1 - 3]، جرى فيه على طريقة تفسير الجلالين ونحوه، ثم ذكر مناسبة الآيات لما بعدها، وانقطع الكلام، فهل بقي في الرسالة بقية أو انتهت عند هذا الموضع؟ وتقع الرسالة في 8 صفحات.
(1/138)

23 - تفسير قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ...} الآية
أصل هذه الرسالة حوار جرى بين السيد الإدريسي والفقيه السيد محمد بن عبد الرحمن الأهدل في المقصود بالإسراف في الآية المذكورة من سورة الأنعام (141)، وقد اشترك المؤلف في الحوار، ثم حرره فيما بعد وأضاف إليه وعدَّل. وتقع هذه الرسالة في 10 صفحات.

24 - تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ...} الآيات
رتب المؤلف هذه الرسالة ترتيبًا بديعًا على خمسة فصول هكذا: أجزاء الآية، ما قيل في تفسير الآية، تمحيص، تدبر، المحصل. وقد ردّ على الجمهور اختيارهم في الآية، واعترف فيها بشناعة القصص المشهورة في تفسير الآية، ولكنه ذكر صورًا محتملة للقصة خالية من الشناعة.
وهي رسالة تامة مبيّضة، تقع في 11 صفحة.

25 - تفسير قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...} ومعنى "أهل البيت"
هذه الرسالة نصّ مذاكرة جرت بين المؤلف وبين الشيخ صالح بن محسن الصيلمي عن الآية المذكورة من سورة الحشر، ثم المقصود بأهل البيت في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. ثم تطرق الكلام إلى المراد بأهل البيت وآل النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث.
وهي كاملة، وتقع في 12 صفحة.
(1/139)

26 - إعراب قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}
27 - إعراب قوله تعالى: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ}
28 - إعراب قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ}
هذه الأعاريب الثلاثة تقع في 25 صفحة، وهي من نتائج المذاكرات التي كانت تجري في حضرة السيد الإدريسي، وقد افتتح المؤلف رسالته الأخيرة بقوله: "مما اقتطفه كاتبه من ثمرات المعارف الإدريسية الطيبة اليانعة الجنية ... ".

29 - رسالة في تفسير آيات خلق الأرض والسماوات
موضوع الرسالة حل إشكال قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} مع قوله في البقرة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فهل خلق الأرض مقدم على خلق السماء؟
وفي الرسالة نكت وفوائد، وهي كاملة تقع في 12 صفحة.

30 - معنى قوله تعالى: {أَغْنَى عَنْهُ}
قد شغلت هذه العبارة بال المؤلف، فتكلم عليها في عدة مواضع من كتبه. وقد تتبع في هذه الرسالة استعمالاتها، وحرَّر معناها.
وهي رسالة كاملة تقع في 10 صفحات.

31 - بحث حول تفسير الفخر الرازي وتكملته
أثبت المؤلف في هذا البحث أولاً أن التفسير المطبوع ليس بكماله
(1/140)

للرازي، وأثبت ثانيًا أن التكملة المطبوعة معه لشمس الدين الخويي، لا لنجم الدين القمولي، ثم عني ثالثًا بتمييز التكملة من الأصل. وهو بحث نفيس يشهد بما أوتي المؤلف من أدوات البحث؛ من سَعة العلم، ودقة الملاحظة، وتذوق البيان، والحرص على التتبع والاستقصاء دون كلل أو ملل.
وكان الذي بعث المؤلف على تحقيق هذه القضية الشيخ العلامة محمد بن مانع (ت 1385)، ونُشر في حياة مؤلفه في مجلة الحج سنة 1376، وترجم إلى الأردية ونشر في مجلة "معارف" أشهر مجلّات الهند سنة 1957 م. وهو في 30 صفحة.

32 - فوائد من تفسير الرازي
هذا التعليق ليس تأليفًا مستقلًّا، ولكنه ورقات مقيّدة بخط الشيخ رأينا من المناسب إدراجها بعد البحث السالف. وهي تقع في 6 صفحات.

ثالثًا: قسم الحديث وعلومه
ويحتوي هذا القسم على (21) كتابًا ورسالة.

33 - طليعة التنكيل
ألف الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت 1371) كتابًا عنونه ب "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب" انتقد فيه ما ساقه الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463) في ترجمة أبي حنيفة من كتابه "تاريخ بغداد" من المثالب عن السالفين. وطبع كتابه في مصر عام 1360 ه.
فلما اطلع عليه المؤلف بطلب من أحدهم رأى أنه بحجة إلى جوابٍ
(1/141)

مفصل عما وقع فيه الكوثري من الأخطاء العلمية والطعن في أئمة السنة ورواتها، فألف كتابًا - وهو في الهند - سماه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" (1) وقسمه إلى أربعة أقسام: قسم القواعد، وقسم الرواة، وقسم الفقهيّات، وقسم العقائد.
ولما كان كتاب "التنكيل" على وشك التمام رأى المؤلف أن يقتضب نموذجًا منه فيه أهم ما وقع فيه الكوثري من الأخطاء، وسماه "طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" (2) طُبع بمصر سنة 1368 ه. في نحو 100 ص من القطع المتوسط. بيّن فيه مغالطات الكوثري فيما يتعلّق برواة الحديث خاصةً، وجعلها أنواعًا.

34 - تعزيز الطليعة
لما اطَّلع الكوثري على "الطليعة" كتب ردًّا عليها سماه "الترحيب بنقد التأنيب" بناه على أمرين:
الأول: الطعن في قصد المؤلف، واتهامه بالطعن في أبي حنيفة، وأمور أخرى.
الثاني: مناقشة ما أورده من أمثلة، ومحاولة التملّص من عُهدة التغيير
__________
(1) وكان قد سماه بادئ الأمر "النقد البري في الرد على الكوثري".
(2) وكان المؤلف في الإخراج الأول للكتاب قد قسمه إلى خمسة أقسام، الأربعة المعروفة، والخامس (وهو الأول في المسودة): في تقييد أوابده من المغالطة والتجاهل ونحوها. وهو ما أفرده وطبعه بعنوان (الطليعة). وقد كشفت لنا مسوَّدةُ الكتاب رقم [4710]، هذه الحقيقة، ولله الحمد.
(1/142)

والتبديل التي أثبتها المؤلف عليه.
فما كان من المعلمي حين وقف على "الترحيب" إلا أن أردف "الطليعة" برسالتين وهما: "تعزيز الطليعة" و"شكر الترحيب" ولم يطبعا في حياة المؤلف ولا بعده.
أما الرسالة الأولى - تعزيز الطليعة -: فقد شرح المؤلف في أولها سبب تأليفها، وبين الظروف التي طبعت فيها.
وقسّم الرسالة إلى بابين:

الباب الأول: مطالب متفرّقة. وفيه أربعة فصول:
الأول: شرح فيه أمورًا تتعلق بكتاب "التنكيل" وخطورة ما فعله الكوثري على السنة.
الثاني: تعليقه على محاولة الكوثري التبرؤ مما نسبه إليه.
الثالث: تكلم على مسألة الغلو في الأفاضل.
الرابع: في تفريق الكوثري الأمة إلى حنفية وعامة المسلمين. ثم خلص إلى تحرير قاعدة التهمة.
ثم دلف إلى عدة قواعد خلّط فيها الكوثري، وهو:

[الباب الثاني: في قواعد خلّط فيها الكوثري]، وذكر فيه أربع قواعد:
رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي. والتهمة بالكذب، ورواية المبتدع، وقدح الساخط ومدح المحب.
ويلاحظ هنا أنه قد ذكر جميع هذه القواعد في التنكيل، لكنه صرح بأنه
(1/143)

أعادها هنا للحاجة إليها، قال (ص 33): "فالنظر في شأنهم يتوقف على تحرير قاعدة التهمة، وقد كنت بسطته في التنكيل ثم دعت الحاجة إلى تلخيصه هنا". وكذلك في (ص 38) وضرب عليها.

35 - شكر الترحيب
وهي الرسالة الثانية، وقد قسمها إلى بابين:
[الباب الأول]: النظر في خطبة الكتاب وما للكوثري فيها من الوهم (7 - 26).
الباب الثاني: النظر في أجوبة الكوثري على ما أورده في الطليعة، وذكر ما وقع في كل فرع على حدة.
وقد جمعنا هذه الرسائل الثلاث (الطليعة، والتعزيز، وشكر الترحيب) في مجلد واحد؛ لتعلقها بعضها ببعض، ولتكون مدخلًا إلى كتاب التنكيل، وهي المجلد التاسع من هذه الموسوعة في 325 صفحة.

36 - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
هو أهمّ وأكبر كتاب ألَّفه الشيخ، ويُعدُّ من المؤلفات النادرة الفريدة في القرون المتأخرة من حيث التدقيقُ والتحقيقُ وكثرةُ الفوائد، وهو الذي عرَّف الشيخ إلى قُرّائه، فيه عَرفوا قوَّته العلمية، وقدرته على البحث، وبراعته في حلّ المشكلات العويصة بتحقيق بالغ وتجرّدٍ نادر، ويؤازره علوّ الأسلوب، وإنصاف الخصم، ولغة معتدلة في النقد والمناظرة.
وقد ألَّفه ردًّا على كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ محمد زاهد الكوثري، كما سبق شرحه عند الكلام على "طليعة التنكيل".
(1/144)

وقد افتتحه المؤلف بخمسة فصول هي أشبه بالتوطئة والتمهيد للكتاب، ثم قسَّم الكتاب إلى أربعة أقسام:
1 - القواعد.
2 - التراجم.
3 - الفقهيات (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية).
4 - العقائد (القائد إلى تصحيح العقائد).
ويعتبر كلُّ قسم منها كتابًا قائمًا برأسه، وينظر للتعريف به مقدمة التحقيق التي صدَّرنا به الكتاب.
وهو يمثل المجلدين العاشر والحادي عشر من هذه الموسوعة، وقد نجز المجلد الأول في 914 صفحة، والثاني في 794 مع الفهارس.

37 - الأنوار الكاشفة على ما في كتاب "أضواء على السنة" من الخلل والتضليل والمجازفة
واضح من عنوان الكتاب موضوعه الذي ألفه الشيخ لأجله، وهو الرد على كتاب أبي ريَّة "أضواء على السنة"، وخلاصة كتاب أبي رية: توجيه جملة من الطعون والشبهات إلى السنة النبوية والعمل بها، وإلى علم الحديث وعلمائه، وإلى رواة الحديث وحَمَلته، بل وإلى طائفة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين! وخصّ منهم بالطعن راويةَ الإِسلام أبا هريرة رضي الله عنه، ولم يكتفِ بالطعن بل زاد إليه السفاهةَ والتهكّمَ والتجنّي.
(1/145)

وقد طبع كتاب "الأنوار الكاشفة ... " في حياة مؤلِّفه سنة 1378 ه في المطبعة السلفية ومكتبتها لمحبّ الدين الخطيب، في مجلّد واحد. وقد بناه المؤلف على الاختصار ودحض الشبهة بأقرب طريق، مع الدقة والتحقيق والتتبع.
وهو يمثل المجلد الثاني عشر، ويقع في 584 صفحة.

38 - كتاب الوُحدان
جمع المؤلف في هذا الكتاب الرواة الذين ليس لهم إلا راوٍ واحدٌ، وهو ما يُعرف في علم مصطلح الحديث باسم "الوُحْدان".
وقد كتب جمعٌ من الأئمة في هذا الباب عدة مصنفات لكن تميّز كتابنا هذا بميزات عديدة، أهمها: أنه لم يقتصر على مجرّد جمع الأسماء، بل جعل كتابه تحقيقًا لأحوالهم من حيث الثقة والضعف، والقبول والرد.
والكتاب تام من حيث الجمع والترتيب إلا أنه لم يزل في مسوّدته، لم يستوفِ المؤلف القولَ في تراجمه، ولا بلغ فيه الغاية التي كان قد بدأها في أوائل التراجم، ولا التي كان يرجوها. ومع ذلك فهو كتاب نافع جليل في هذا الباب. وهو المجلد الثالث عشر من هذه الموسوعة ويقع في 360 صفحة.

39 - تراجم منتخبة من التهذيب والميزان
هذا كتاب منتخبٌ في تراجم رواة الحديث، انتخب المصنفُ تراجمه من كتابين هما أشهر كتب الرجال: "ميزان الاعتدال" للحافظ الذهبي (ت 748)، و"تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852).
(1/146)

والظاهر أن المصنف قد مرّ على ذينك الكتابين قراءةً وتدبّرًا ونقدًا، مكّنه أولاً من انتخاب (321) ترجمة من آلاف التراجم، وثانيًا من الانتخاب من الترجمة نفسها.
فلم يعمد المصنف لاختصار الكتابين ولا لتهذيبهما، بل كان غرضه تقييد ما مرّ به في تلك التراجم من ملاحظات تفيد في التفقّه في علم الجرح والتعديل، ومعرفة مناهج الأئمة، وأسباب الطعن في الرواة، واختلاف أقوال الإِمام الواحد ... وغير ذلك. ولم يقتصر عمله على مجرّد الانتخاب بل كان له تعليقات ومناقشات وفوائد مهمة.
ويقع الكتاب في 307 صفحة، وهو المجلد الرابع عشر من هذه الموسوعة.

* مجموع الرسائل الحديثية:
فيه أربع عشرة رسالة في مباحث حديثية مختلفة، وهو يمثل المجلد الخامس عشر من هذه الآثار, ويقع في 553 صفحة. وهذا هو محتوى رسائله:

40 - الاستبصار في نقد الأخبار
لخص المؤلف مراده من تأليف هذه الرسالة بقوله: "أتوخَّى فيها تحرير المطالب، وتقرير الأدلة، وأتتبع مذاهب أئمة الجرح والتعديل؛ ليتحرر بذلك ما تعطيه كلماتهم في الرواة ... ". ثم شرح الأسباب التي دفعته إلى تأليفها، فأشار إلى أمرين رئيسين:
الأول: اختلاف اصطلاحات الأئمة في إطلاق عبارات الجرح والتعديل.
(1/147)

الثاني: اختلافهم في الاستدلال على أحوال الرواة.
وتمنَّى إنْ تَمّت رسالتُه هذه أن يتضح بها سبيل القوم في نقد الحديث، ويتبيّن أن سلوكَه ليس بالأمر العسير على أولي الهمم العالية، فيكون منهم أئمة مجتهدون في ذلك.
ثم ذكر أن نقد الخبر على أربع مراتب هي:
الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا.
الثانية: النظر في اتصاله.
الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطأ إن كان.
الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
وأراد أن يعقد لكل واحدة من هذه الأربع مقالةً خاصّة، لكن لم يصلنا إلا كلامه على المقالة الأولى. وعليه فالرسالة ناقصة. وهي تقع في 60 صفحة.

41 - رسالة في أحكام الجرح والتعديل
هذه الرسالة لم يسمها مؤلفها بهذا الاسم، ولكنا أخذناه من قوله: "وقد عنَّ لي أن أجمع رسالة في أحكام الجرح والتعديل ... ".
وكان غرض المؤلف منها أمرين، الأول: حل مشكلات الفن. الثاني: تيسير طرق الاجتهاد في هذا الفن، ليتمكَّن العالم من الحكم على الرواة بنفسه بالحجة والدليل.
لكن القَدْر الذي وصلنا من هذه الرسالة ناقص الأول والآخر، مشوّش
(1/148)

الترتيب، وهي تقع بحسب ما وصلنا ضمن مجموعة أوراق للشيخ فيها مسائل عدة. وموضوع الرسالة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرسالة التي قبلها "الاستبصار"؛ فموضوعهما واحد، وهو الجرح والتعديل، وبحث العدالة، وأخشى أن تكون إحدى مسوّداتها مع ما فيها من زيادات كثيرة.
وتقع هذه الرسالة في 27 صفحة.

42 - إشكالات في الجرح والتعديل
صدَّر المؤلف هذه الخاطرة بقوله: "مهمة"، ثم قرَّر أن أئمة الجرح والتعديل كثيرًا ما يوثقون رواةً لم يدركوهم، وضَرَب عدة أمثلة، وأنه لا يُنكر على المتبحر في هذا العصر إذا تتبّع حديثَ الراوي أن يخلُص إلى حكم فيه، لكن بقيت إشكالات تتعلق بذلك، فذكر أربعة إشكالات ولم يجب عنها هنا وإن كان قد أجاب عنها في مواضع أخرى من كتبه.
وتقع هذه الرسالة في 5 صفحات.

43 - الحاجة إلى معرفة علم الجرح والتعديل
لم يعنون المؤلف هذه الرسالة الموجزة، فوضعتُ عنوانًا مناسبًا لموضوعها؛ إذ أراد المؤلف منها بيانَ أهمية علم الجرح والتعديل, وأنه لابد من معرفته لمن أراد الاجتهاد.
وختم الرسالة بتقرير أن أهل العلم يحتاجون إلى أمرين:
الأول: تحقيق الحق فيما اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل، ومعرفة عادة كل إمام في إطلاقاته.
(1/149)

الثاني: معرفة الطريق التي سلكها الأئمة لنقد الرواة، ثم السعي في اتباعهم فيها.
وتقع هذه الرسالة في 8 صفحات.

44 - الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء
هذه الرسالة تندرج تحت بحث "رواية الرجل بصيغةٍ محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت له لقاؤه" وقد كفانا المؤلف رحمه الله شرح هذه المسألة، وما المقصود بهذه الأحاديث التي استشهد بها مسلم، وذلك في كتابه "التنكيل" (1/ 134 - 137)، فقد ذكر فيه أنه كان يريد الكلام على تلك الأحاديث هناك إلا أن المكان لم يتسع لذلك، فكانت هذه الرسالة المكان المناسب للتوسع في الكلام عليها.
وتقع هذه الرسالة في 21 صفحة.

45 - رسالة في الصيغ المحتملة للتدليس، أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
ناقش المؤلفُ هنا مسألةَ قولِ المحدّث: "عن فلان" أو "قال فلان" أو "ذكر فلان" ونحوها من الصَّيَغ المحتملة للتدليس هل هي ظاهرةٌ في السماع أم لا؟
ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بسؤال طويل استغرق أربع صفحات على لسان سائلٍ ما، وواضح من السؤال والمناقشة الواردة فيه وصياغته أنه للمؤلف، لكنه أراد أن يظهر البحث على شكل حوار بين شخصين أو
(1/150)

فريقين، وقد صنع المؤلف ذلك في غير موضع من كُتُبه ورسائله.
والسؤال على طوله لم يكن مجرّد سؤال، بل فيه حوار وأجوبة وإشكالات؛ غرضها تحديد مناط الخلاف، وتخليص الإشكال المراد الجواب عنه.
ثم شرع في الجواب واختار أن هذه الصيغة ليست ظاهرة في السماع وبيَّن وجه ترجيحه، وأجاب عما يمكن أن يُعترض به عليه. والرسالة ناقصة لم يصلنا منها إلا هذا القدر.

46 - فوائد في كتاب "العلل" لابن أبي حاتم
وهي عبارة عن ورقات استخرج المؤلف فيها عدة فوائد من كتاب "العلل" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327)، وقد بلغت أكثر من خمسين فائدة. كتبها المؤلف بحسب ورودها في الكتاب، ولم يرتبها ترتيبًا معينًا، بل حرص على ذكرها مرتبة بحسب ورودها في الكتاب.
وكانت طريقة المؤلف الإشارة إلى الفائدة بأوجز عبارة وألْخَص إشارة، وهذه التقييدات أشبه بالتنبيهات والإشارات التي يفهمها العارف بالفن والمدقِّق فيه، فقد يكتفي المؤلف بذكر رأس الحديث، أو كلمتين، أو كلمة واحدة.

47 - أحكام الحديث الضعيف
قال المؤلف في صدر الرسالة: "فهذه رسالة في أحكام الحديث الضعيف ... " فاقتبسنا هذا العنوان منه.
(1/151)

وقد بيَّن سبب تأليفها بقوله: "جمعتُها لما رأيتُ ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه؛ فنَسَب بعضُهم إلى كبار الأئمة الاحتجاجَ به، ونَسَب غيرُه إلى الإجماع استحبابَ العمل به في فضائل الأعمال ونحوها، وتوسّع كثيرٌ من الناس في العمل به، حتى بنوا عليه كثيرًا من المحدَثات، وأكَّدوا العمل بها، وحافظوا عليها أبلغ جدًّا من محافظتهم على السنن الثابتات، بل والفرائض القطعيات. بل كثيرًا ما بنوا عليه عقائد مخالفة للبراهين القطعية من الكتاب والسنة والمعقول. ولم يقتصروا على الضعاف بل تناولوا الموضوعات".
وما وصلنا من نُسَخ هذه الرسالة (وهو ثلاث قطع) لا يمثل كامل الكتاب، فهل أكمله المؤلف أو وقف عند هذا الحدّ؟ وقد اعتمدنا على مبيّضة الرسالة، ثم أتبعناها بالمباحث الزائدة في المسوّدات.

48 - محاضرة في علم الرجال وأهميته
كانت دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن تعقد لقاءً ثقافيًّا سنويًّا، وتدعو فيه جمعًا من العلماء لإلقاء كلمات أو محاضرات، فشارك المؤلف في موسم سنة 1354 بمحاضرته هذه التي عنونها ب "علم الرجال وأهميته".
فبدأ كلامه في تفاوت العلوم في مقدار شرفها، وأن لدين الإِسلام ينبوعين عظيمين: القرآن والسنة، ثم عرَّف السنة وكيف انتقلت إلينا عبر الرواية, وأن الرواة متفاوتون في القوة والضعف، ومن هنا نشأ علم الرجال ومعرفة الرواة، وذكر تأصيل الكلام في الجرح والتعديل، ومَن أوّل من تكلم في الرجال؟ وكيف تطوَّر إلى أن صار عِلْمًا برأسه. ثم تطرّق إلى طرق اختيار الأئمة للرواة فذكر جملةً منها، وذكر كتب الرجال وأنواعها وأهمها وما طبع منها، وأيها أحق بالطباعة والتحقيق مما لم يُطبع.
(1/152)

49 - مُلَخّص طبقات المُدلِّسين
وهو جزء لطيف في الرواة الذين وُصفوا بالتدليس، اختصره المؤلف من كتاب "طبقات المدلسين" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852) رحمه الله، المسمى "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس".
وكتاب الحافظ مِن أجْمع ما كُتِب فيمن وُصِف من الرواة بالتدليس، وقد بلغ عدد تراجم الكتاب كله مئة وإحدى وخمسين ترجمة.

50 - تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري
هذه الرسالة تتبّع المؤلف فيها مطاعن الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت 1371) التي ذكرها في كتابه "تأنيب الخطيب" وفي تعليقاته على كتاب "الانتقاء" لابن عبد البر، وكان المؤلف قد تعرَّض لذلك في كتابه العظيم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" في ترجمة الإِمام الشافعي (رقم 189)؛ لكن رأى أن يُفْرد الكلام على ذلك في رسالة مستقلة مع زيادات وإضافات.
كان الشيخ حريصًا على طبع هذه الرسالة مفردة؛ ففي رسالة بعث بها المؤلف إلى العلامة المحدّث أحمد محمد شاكر (ت 1377) قال فيها: "في عزمي أن أفرد من كتابي (يعني التنكيل) ترجمة الإِمام الشافعي وترجمة الخطيب؛ لأن الكلام طال فيهما فصار كل منهما يصلح أن تكون رسالة مستقلة. فهل هناك في القاهرة مِن الشافعية مَن ينشط لطبع تينك الرسالتين على نفقته؟ فإن كان فأرجو من فضلكم أن تعرّفوني حتى أرسلهما إليكم، وتنوبوا عني فيما يلزم".
(1/153)

51 - شرح حديث: "آية المنافق ثلاث ... "
لم يعنون المؤلف هذه الرسالة، فوضعت لها هذا العنوان اجتهادًا، وكانت بداية البحث تتعلق ب "إذا" وإفادتها التكرار. ثم ذكر حديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب ... " وأن (إذا) يُقصد بها التكرار والمداومة ومَن غلبت عليه هذه الخصال، ثم ذكر الحديث الآخر الذي ذكرت فيه أربع خصال، وأنها تعود في حقيقة الأمر إلى الثلاث الواردة في الحديث الأول. ثم ذكر بعض ما يَرِد على معنى الحديث وأجاب عنه.
ثم ذكر خلاصة البحث وهي: أن من غَلَب عليه الكذب في الحديث والغدر بالعهد والخيانة بالأمانة مهما كانت = فهو منافق خالص.

52 - التعليق على "الأربعين في التصوف" للسلمي
ألَّف الشيخ محمد بن الحسين أبو عبد الرحمن السُّلَمي (ت 412) كتابًا جمع فيه أربعين حديثًا في التصوُّف، ووضع لكل حديث بابًا ... فلما رأت في دائرة المعارف العثمانية طبع هذه الأربعين التمس مجلس الدائرة من الشيخ المعلمي أن يكتب تعليقًا يُطبع مع الأربعين يتضمن النظر في أحاديث الكتاب صحة وضعفًا.
فلبَّى المعلمي الطلب وكتب هذا التعليق، إلا أنه لم يُطْبَع مع الأربعين، لسبب غير معلوم لدينا.
وقد كتب الشيخ تقديمًا بين يدي تخريجه لأحاديث الأربعين نبَّه فيه إلى سبعة أمور مهمة تتعلّق بالكتاب وبعلوم الحديث.
(1/154)

وقد سلك المؤلف طريقة الاختصار في التخريج بما يتناسب مع حجم الرسالة، فيذكر مَن أخرج الحديث غير السلمي، وينظر في إسناده، فيذكر من طُعِن عليه فيه، ويذكر شواهده إن وُجدت، ويعزو إلى المصادر بالجزء والصفحة غالبًا. وينبغي التنبه إلى أن الشيخ لم يحقق نص الأربعين (1) وإنما عمله التخريج والتعليق على الأحاديث.

53 - صفة الارتباط بين العلماء في القديم
هذا العنوان من وضع المؤلف رحمه الله، وهذه الرسالة عبارة عن محاضرة ألقاها المؤلف سنة 1356 في أحد المواسم الثقافية التي كانت تعقدها دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد دكن. وكانت بمناسبة زيارة وفد من علماء الأزهر دائرة المعارف العثمانية.
قصد المؤلف برسالته أن يبين كيف كان التواصل بين العلماء في القديم، وما كان يجري بينهم من المراسلات، سواء منها الأخوية أو العلمية، وأن كثيرًا من المؤلفات كانت بسبب تلك المراسلات ... وأن الأمر اختلف في الأعصار المتأخرة فلا صِلَة بين علماء الأقطار، ولا بين علماء القُطر الواحد، ثم حثّ على التواصل العلمي بين الجهات والمجامع العلمية كالأزهر والدائرة وغيرها. وليست هذه الرسالة متعلقة بفنّ الحديث، لكن رأينا إلحاقها هنا أليق من إلحاقها في أيّ مجموع آخر في هذه الموسوعة.
__________
(1) والمتن الذي أوردناه للأربعين هو من طبعة دائرة المعارف سنة 1402 مع بعض التصحيحات التي نبهنا عليها في الحواشي.
(1/155)

رابعًا: قسم الفقه
ويحتوى هذا القسم على (38) رسالة جعلناها في ثلاث مجموعات، كل مجموعة في مجلد، وسميناها (مجموع رسائل الفقه)، وهي تمثل المجلد السادس عشر (558 صفحة)، والسابع عشر (557 صفحة)، والثامن عشر (638 صفحة)، وهذا محتوى رسائله:

54 - القِبْلة وقضاء الحاجة
وصلت إلينا قطعتان منه، بدأ الشيخ أولاهما بذكر أحاديث النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهي سبعة أحاديث تكلم على أسانيدها ومتونها واختلاف ألفاظها، ثم بيَّن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أتى أحدكم الغائط" وهل يفيد إخراج الأبنية؟ ثم ذكر الأحاديث الدالة على الرخصة، وتكلَّم عليها وعلى معانيها، وأطال الكلام في نقدها وتحقيقها، وبيان رجال أسانيدها، وذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة.
وأورد في القطعة الثانية حديث أبي أيوب الأنصاري وبعض الأبحاث المتعلقة به، ثم ذكر حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حوِّلوا مقعدي قِبلَ القبلة"، وأطال الكلام في تخريجه وبيان الاختلاف فيه، وأورد كلام النقاد في تضعيفه.

55 - فائدة في السِّواك
ذكر فيها أولاً الأحاديث الواردة في فضل السواك، وتكلم على أسانيد بعضها. ثم انتقل إلى بيان أهمية السواك، وأنه مطهرة للفم وطريق القرآن. وكما أن مسَّ المصحف مع الحدث حرام، وتلطيخه بالنجاسة إن قارنه استهزاء فكفرٌ وإلّا فحرام، وكذا تلطيخ الذكر أو اسم من أسماء الله أو أنبيائه
(1/156)

ونحوه يحرم في الأماكن النجسة، ويُكره في الأماكن المستكرهة، فكان القياس أن يحرم القراءة والذكر ونحوهما عند تغيُّر الفم، لأن التلفظ بالقرآن بمنزلة كتابته، وما عَسُر إزالته فيُعفى عنه للضرورة.

56 - مسألة بطلان الصلاة بتغيير الآيات في القراءة
مناسبة تأليفها أن الإِمام في صلاة الجمعة قرأ سورة الغاشية، فأبدل لفظ الغاشية بالخاشعة، ففتح عليه المصلُّون فلم ينتبه، وبعد الصلاة اختلفوا في صحتها أو إعادتها، فسُئل المؤلف عنها، فقال: صحيحة، وقرَّر المسألة ناقلاً فيها الآيات والأحاديث، ومحرِّرًا مذهب الشافعية في ذلك. وختم الرسالة بحكم النفخ والتنحنح ونحوه هل يُعدّ كلامًا يُبطِل الصلاة؟ فقال: الأصح عند أصحاب الشافعي: نعم، والصحيح هو الصحيح.

57 - هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام؟
كانت مناسبة تأليفها أن الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة أطلعَ المؤلفَ على رسالته في اختيار إدراك المأموم الركعةَ بإدراكه الركوعَ مع الإِمام، وأشار عليه أن يكتب ما يظهر له في هذه المسألة، فكتب هذه الرسالة وناقش فيها الشيخَ محمد عبد الرزاق حمزة فيما ذهب إليه، فأجملَ أولاً ذِكر الأدلة الخمسة التي احتج بها الشيخ، ثم تكلَّم عليها واحدًا واحدًا، ونظر في جميع الأحاديث على طريقة المحدثين، وبحث عن معانيها وفقهها. وقد أطال الكلام على حديث أبي بكرة، وعلى معنى "الركعة" في حديث: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" هل هي بمعنى الركوع لغةً وشرعًا كما ادَّعى الشيخ؟ وأورد من الأحاديث والنصوص ما يدل على خلاف ذلك.
(1/157)

58 - بحث في حديث قيس بن عمرو في صلاة ركعتي الفجر بعد الفرض
ذكر الشيخ طرق الحديث وألفاظه من كتب الحديث أولاً، ولاحظ اختلاف الألفاظ في موضعين: الأول في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصلاة الصبح مرتين؟ "، فقد روي بألفاظ مختلفة. والثاني أن في عامة الروايات: "فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وفي رواية الدراوردي وحدها: "فقال: فلا إذًا". وتكلم على الموضعين، وبيَّن المعاني المحتملة لهما، ورجَّح من حيث الإسناد والسياق ما هو الراجح في نظره. وردَّ على بعض الحنفية تأويله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا إذًا" بمعنى "فلا جوازَ إذًا"، وبيَّن أنه ليس فيما استشهد به ما تقوم به الحجة.

59 - إعادة الصلاة
بدأها المؤلف بذكر حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" بطرقه وألفاظه في كتب الحديث، وتكلم على معنى إعادة الصلاة، ثم أورد بعض الآثار عن ابن عمر في مشروعية الإعادة مع الجماعة، وذكر الأحاديث المرفوعة الدالة على مشروعيتها، وهي عشرة أحاديث خرَّجها وتكلَّم عن أسانيدها وفقهها، وأن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وأن دلالة الأحاديث المذكورة على مشروعية الإعادة في أربع صور، فما عداها باقٍ على الأصل. وعقد فصلاً بقوله: "هل يعيد إمامًا؟ " فذكر أدلة المجيزين أولاً، وهي ثلاثة أحاديث (حديث جابر في قصة معاذ، وحديث جابر في صلاة الخوف، وحديث أبي بكرة في صلاة الخوف)، ثم ذكر أجوبة المانعين، وردَّ عليها. وفي الفصل الأخير تكلم على مسألة اقتداء المفترض خلف المتنفل، واحتج لصحتها، وردَّ على شبه المانعين.
(1/158)

60 - بحث في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في صلاته بقومه
تكلم فيه على معنى حديث جابر في قصة معاذ، وأن شكوى الناس كانت من تأخر معاذ وتطويله في القراءة، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتعجيل في الإتيان إلى الصلاة والاختصار في القراءة. وعقد فصلاً ذكر فيه تأويلات الحنفية لحديث معاذ، وردَّ عليها في ضوء الأحاديث وأقوال المحققين من العلماء. ويبدو أن له تتمة لم نجدها ضمن المجموع، فقد أشار في أثناء الكلام على بعض الموضوعات إلى أنها ستأتي فيما بعد. ولعل ما في رسالة "إعادة الصلاة" يقوم مقام المفقود.

61 - حقيقة الوتر ومسمَّاه في الشرع
سبب تأليفها أن بعض الإخوان سأل الشيخ في رمضان سنة 1342 عن بعض أحكام الوتر المختلف فيها، طالبًا بيان الراجح من الأقوال مع ذكر الدليل. ولما بدأ الشيخ بتصفح الأدلة وجد أحكام الوتر مترابطةً آخذًا بعضها برقاب بعض، فعزم على تأليف كتاب مستقل يشتمل على عامة أحكام الوتر. وقد ذكر الشيخ في ورقةٍ منها العناوين الرئيسة، ولكن الموجود لا يحتوي إلا على أبحاث معدودة منها. أولها بيان حقيقة الوتر، ذكر أن الوتر أُطلق على ثلاثة معانٍ في السنة كما يظهر ذلك باستقراء الأحاديث والآثار. ثم تكلم على معنى حديث "الوتر ركعة من آخر الليل"، وأنه لا يفيد الحصر، فقد منعت منه قرائن. ثم ذكر الأحاديث التي احتج بها الشافعية للاقتصار على ركعة واحدةٍ في الوتر، وقال: في كل أدلتهم نظر. ثم تكلَّم على هذه الأحاديث وبيَّن معانيها، وناقشهم طويلًا وقرَّر أن إطلاق الوتر على الركعة الواحدة خاصٌّ بما إذا كانت مفصولة ويشترط الشفع قبل الواحدة.
(1/159)

ثم عقد "الفصل الثاني في الاقتصار على الثلاث"، وأورد أحاديث الإيتار بثلاث وحديث النهي عن الثلاث، وتوصَّل إلى أنه لابدَّ أن يتقدَّم الواحدة شفعٌ غير سنة العشاء، وهذا الشفع الذي يتقدم الواحدة لابدَّ أن يكون أربعًا فأكثر، لحديث "لا توتروا بثلاثٍ، أوتروا بخمس ... "

62 - مبحث في الكلام على فرضية الجمعة وسبب تسميتها
هو في أوراق متفرقة كتبها الشيخ في أوقات مختلفة، تتناول الكلام على فرضية الجمعة، وتاريخ نزول سورة الجمعة، وبيان المراد بقوله: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ}، وسبب تسمية الجمعة، ودراسة ما ورد في هذا الباب من الروايات والأقوال. وفي الرسالة أبحاث وتحقيقات أخرى متناثرة منها الكلام على الإسناد المشهور في كتب التفسير: (أسباط عن السدّي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ...)، ما المراد بذلك؟ وكيف صار هذا الإسناد في أول تفسير كثير من الآيات بهذا الشكل؟

63 - سنة الجمعة القبلية
ألَّف الشيخ هذه الرسالة عندما سُئِل: هل للجمعة سنة قبلية؟ وقبل الكلام على هذه المسألة بحثَ عن التنفّل يوم الجمعة قبل الزوال، وتحقيق وقت الجمعة، ثم قرَّر أن تأخير أذان الجمعة إلى خروج الخطيب دليل ظاهر على أنه ليس للجمعة سنة قبلية، لأن صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوعة، فلو كانت ثابتة لسُنّ الأذان قبل خروج الخطيب، فإن وقت الرواتب القبلية بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمت لم تقع الموقعَ.
(1/160)

ثم ذكر أدلة القائلين بسنة الجمعة القبلية، وناقشها مناقشة تفصيلية، وتوسَّع في الكلام على الاحتجاج باللفظ الوارد في بعض الروايات في قصة سُليك الغطفاني: "أصليتَ ركعتين قبل أن تجيء؟ "، وأن زيادة "قبل أن تجيء" لم تثبت، وأن الاستدلال بها على ثبوت سنة الجمعة القبلية لا يصحّ.

64 - بحث في وقت تشريع ونزول آية صلاة الخوف
يبدو أن هذا المبحث تتمة للكلام المتعلق برواية قتادة عن سليمان بن قيس عن جابر بن عبد الله في قصة قصر الصلاة في الخوف، فذكر أنه يعارضها حديث أبي عياش الزرقي أن آية صلاة الخوف نزلت بعُسفان، ثم ذكر أحاديث أخرى في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وخالد بن الوليد، وتكلَّم عليها. وقد فصَّل المؤلف الكلام على هذا الموضوع في رسالته "إعادة الصلاة"، وبيَّن اختلاف الروايات في الباب، ولم يترجَّح له شيء كما صرَّح به هناك.

65 - قيام رمضان
تناول في هذه الرسالة مباحث تتعلق بقيام رمضان، واستوفى الكلام عليها. فذكر أولاً فضل قيام الليل مطلقًا ثم في رمضان خاصةً، وبيَّن عدة صفاتٍ إذا اتصف بها قيام الليل عظُم أجره، وسمَّاها مكملات، وأورد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب.
ثم ذكر مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبوي، وما صار إليه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجمْعُهم على إمام واحد لم ينكر عليه
(1/161)

أحدٌ من الصحابة، فكان في ذلك حجة على صحة اجتهادهم، وعلى أنه لو اتفق مثل ذلك في العهد النبوي لما أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالعمل به سنة لا بدعة.
أما عدد الركعات فقد تكلم عليه المؤلف، وذكر الأوجه التي وردت في الأحاديث والآثار, وعقد فصلاً لبيان الاختلاف في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟ وفرادى أم جماعة؟ ذكر فيه بعض الآثار والأقوال. وألحق المؤلف بهذه الرسالة الجواب عن الإشكال الوارد على حديث خشية افتراض قيام الليل مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: "هنّ خمس وهي خمسون، لا يبدَّل القول لديَّ". فإذا أُمِن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ تكلَّم عليه المؤلف بكلام لم يُسبَق إليه، وردَّ بعض الأجوبة الضعيفة وبيَّن وهاءها.

66 - مسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف
جرت مذاكرة بين المؤلف وبين أحد العلماء في هذه المسألة، فألَّف هذه الرسالة، وذكر الأحاديث الواردة في الباب، وبيَّن معانيها واختلاف العلماء فيها. وتكلَّم على لفظ "لا اعتكاف إلا بصوم" في الحديث، هل هو مدرج من كلام الزهري أو من كلام عائشة؟ وردَّ على من استدلَّ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتكف إلاَّ صائمًا، واحتج لعدم اشتراط الصوم ببعض الأحاديث التي ذكرها.

67 - مقام إبراهيم عليه السلام
كانت مناسبة تأليفها أن الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله عندما بدأ بتوسعة المسجد الحرام وتوسعة المطاف حول الكعبة المشرفة، اقتضى ذلك
(1/162)

نقلَ مقام إبراهيم وتأخيره عن موضعه، فظنَّ بعض الناس أن في ذلك مخالفةً وتغييرًا للمشاعر. فكتب المؤلف هذه الرسالة لبيان أن الحق هو في نقل المقام وتأخيره عن موضعه، اقتداءً بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أقرَّه عليه الصحابة.
وقد ذكر المؤلف فيها ثلاث معارضات يعتبرها بعضهم موانع، وفصّل الكلام عليها مع بيان ما لها وما عليها، وعقد عدة فصول متعلقة بالمقام وتاريخه وتحويله.
وهذه أول رسالة علمية تناولت هذا الموضوع بهذا التفصيل، وبأسلوب علمي هادئ. وقد ردّ على هذه الرسالة الشيخ سليمان بن حمدان (ت 1397) برسالة سماها "نقض المباني من فتوى اليماني" في أسلوبها شدة وبُعد عن التحقيق العلمي، فردَّ عليه مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في رسالة مستقلّة.

68 - رسالة في توسعة المسعى بين الصفا والمروة
يبدو أنه ألَّفها أيضًا عندما قام الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله بتوسعة المسجد الحرام سنة 1377، واقتضى ذلك توسعةَ المسعى أيضًا تيسيرًا للحجاج والمعتمرين، فبيَّن المؤلف حكم الشرع في هذه المسألة.
وقد استعرض المؤلف بعض التغييرات التي حصلت للمسعى في بعض جهاته فيما مضى، ونقل من كتب التاريخ نصوصًا تدلُّ على ذلك، وردَّ على مَن يقول: إن المسعى بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية، فلا يصحّ السعيُ إلاَّ في ذلك المكان المخصوص الذي سعى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1/163)

وقال: إن الصفا والمروة هما الشعيرتان بنصّ القرآن، فأما ما بينهما فهو بمنزلة الوسيلة ليُسعَى فيه بينهما، والوسائل تحتمل أن يزاد فيها بحسب ما هي وسيلة له.

69 - رسالة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج، والكلام على وادي محسِّر
بدأها المؤلف بذكر الأحاديث الواردة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج بين المشاعر، وبيَّن الخلاف في سبب إسراعه في وادي محسِّر، ورجَّح أن ذلك لأنه موضع نزل به عذاب. ثم عقد فصلًا لبيان أن محسِّرًا هل هو من منًى أو مزدلفة أم لا؟ وقد أورد الروايات الواردة في هذا الباب وتكلَّم عليها، ورجَّح أنه ليس من مزدلفة ولا من مني. وختم الرسالة بنقل كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم اللذين صرَّحا بأنَّ محسِّرًا برزخ بين مزدلفة ومنى، لا من هذه ولا من هذه.

70 - فلسفة الأعياد في الإسلام
ذكر فيها أولاً معنى العيد في العرف العام، وتحدَّث عن منشأ الأعياد عند الأمم، وأن غالب الأعياد الدينية في غير الإِسلام اصطلاحي، أما الشريعة الإِسلامية فلم تنظر إلا إلى النعم الحقيقية التي تعمُّ جميعَ المسلمين، والموجود من هذه النعم الذي يتكرر كلَّ عام أمران: تمام صيام شهر رمضان والخروج من مشقة الصيام، وتمام الحج والخلاص من مشقة الإحرام، فشُرِع عيد الفطر وعيد الأضحى. أما الأيام التي حدثت فيها النعم بعد العهد النبوي فليس لأحدٍ تخصيص أمثالها بعبادة مخصوصة لأن الدين قد كمل في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(1/164)

وختم الرسالة بذكر أهم المقاصد في الأعياد، وهو الاجتماع، وبيَّن كيف راعته الشريعةُ في تعاليمها، ولكن عامة المسلمين جهلوا هذه الحكم، أو جهلوا الانتفاع بها.

71 - توكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته
جرت مذاكرة بين المؤلف وغيره في هذا الموضوع، وبعد مراجعة المظانّ وجد الحاجة ماسة إلى البسط والتحقيق في المسألة، فألَّف هذه الرسالة عند ذلك، وذكر فيها شبه القائلين بجواز توكيل الوكيل غير المجبر قبل إذنها وردّ عليها من وجوه كثيرة، وأطال في الرد والمناقشة.

72 - الحكم المشروع في الطلاق المجموع
القضية الأساسية التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة هي قضية الطلاق الثلاث المجموع، فذكر آراء الفريقين في هذه المسألة، وناقش أدلتهما مناقشة علمية هادئة، وحقّق الأحاديث والآثار الواردة فيها، ونثر في أثنائها فوائد علمية كثيرة على طريقته في البحث والتحقيق.
فبدأه المؤلف بذكر الآيات المتعلقة بالطلاق وتفسيرها، ثم سَرَد الأحاديث الواردة في الباب وتكلّم عليها طويلاً، وخاصة حديث ابن عباس المشهور ومرسل عروة وغيرهما من الأحاديث والآثار. ثم عقد بابًا لبيان الطلاق المأذون فيه ومذاهب العلماء في ذلك، وبابًا ثانيًا للكلام على وقوع الطلاق البدعي واختلاف العلماء في ذلك مع الاحتجاج لكل فريق والمناقشة.
(1/165)

73 - رسالة في المواريث
ردَّ فيها المؤلف على كتاب "الوراثة في الإِسلام" للشيخ أسلم الجيراجي الهندي الذي خالف جماهير الأمة في مسائل المواريث، وفسَّر الآيات تفسيرًا غريبًا، ولم يبالِ بالإجماع في هذا الباب. فانبرى له المعلمي واشتمل كتابه على تفسير آيات الوصية والمواريث، ثم الردّ على الجيراجي فيما قاله بشأن آية الوصية، وبيان أنها منسوخة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ثم الكلام على ذوي الفروض وأن أولاد الأم منهم، ثم الكلام على العصبة وسياق أدلة القول بالتعصب والردّ على ما قاله الجيراجي، ثم الكلام على ذوي الأرحام ومناقشة الجيراجي فيما قاله.

74 - مسألة منع بيع الأحرار
كتب فيها الشيخ أربع مرات لأهميتها، فإنهم كانوا آنذاك يبيعون الأحرار ويجعلونهم رقيقًا دون بينة ولا شهادة، بل يُكرِهونهم على الإقرار بأنهم عبيد، وكان القضاة يوافقونهم على ذلك، ولا يسمعون الشهادة ولا يقبلون الدعوى. فأراد الشيخ أن يحرَّر المسألة بأدلتها، فنقل كلام الفقهاء والشراح من كتب الفقه الشافعي، وترجَّح لديه إثبات البينة وسماع شهادة الحسبة.
وقد تناول المؤلف هذا الموضوع كلَّ مرة بأسلوب مختلف وبخطبة جديدة وتمهيد مستقل، ويبدو أن الشيخ كان مهتمًا جدًّا بهذه النازلة، وأراد من الإِمام الإدريسي أن يَبُتّ في الأمر للقضاء على ظاهرة بيع الأحرار، وتوجيه القضاة إلى سماع دعوى الحرية وإقامة البينة عليها بعد الإقرار بالرق، واعتبار شهادة الحسبة في هذا الأمر، لدفع المفاسد المترتبة على الرق.
(1/166)

75 - أسئلة وأجوبة في المعاملات
بدأها الشيخ بتعريف البيع وما الذي يجوز بيعه وما الذي لا يجوز بيعه، والبيوع المنهي عنها في الأحاديث وتفسيرها. ثم عقد باب الربا، وباب بيع الأصول والثمار، وباب الخيار تكلَّم فيه عن أقسامه السبعة وأحكامها، وبعده باب السَّلم وباب القرض وباب أحكام الدين. وفي الأخير عنونَ باب الحوالة والضمان، ولم يكتب بعده شيئًا.
وهذه الرسالة بصورة سؤال وجواب بأسلوب سهل مبسَّط، لعلّ الشيخ ألَّفها لطلاب العلم الذين يصعب عليهم فهمُ ما في المتون الفقهية المختصرة فأراد أن يوضّح أبواب المعاملات بطريقة السؤال والجواب.

76 - الإِسلام والتسعير ونحوه (أو) حول أجور العقار
كتب الشيخ مرتين في هذا الموضوع، وذكر كلاًّ من العنوانين بخطه في أول كل قطعة بعد البسملة. وقد أشار في القطعة الأولى إلى كثرة الضجيج من ارتفاع أجور العقار، وكتابة أحد العلماء في هذا الباب بما يفهم منه أن غلوّ الملّاك في زيادة الأجور عمل مذموم، فهو إما حرامٌ عليهم أو قريب منه. وما دام الأمر كذلك فعلى وليّ الأمر منعُ الناس منه، وعليهم طاعته كما في الكتاب والسنة، وقد أورد المؤلف بعض هذه النصوص.
وبدأ القطعة الثانية بذكر ارتفاع أجور العقار، وأن القضية تحتاج إلى تحقيق علمي مشبع، ثم أدار الحوار بين أرباب العقار وغيرهم، وفيه احتجاج كل فريق لما ذهب إليه. وأطال في ذكر حجج أصحاب العقار، وتوقَّف في أثنائها، ولم يتمكن من استيفاء الكلام في الموضوع، ولعله لم يجد الفرصة لذلك.
(1/167)

77 - مناقشة لحكم بعض القضاة في قضية تنازع فيها رجلان
موضوعها يدور حول نقض المعلمي لقضاء قاضٍ في قضية تشاجر فيها رجلان، وفيها بحث مسائل في الدعوى والشهادة، واختلاف البينات وتعارضها، ومسألة غرز الأخشاب في جدار الغير.

78 - مسائل القراءة في الصلاة والرد على أحد شرَّاح الترمذي
وقف المؤلف على شرحٍ لم يُطبع لجامع الترمذي لأحد علماء الحنفية من المعاصرين، اعتنى فيه بالمسائل الخلافية وسَرْد الأدلة وتنقيحها روايةً ودرايةً، وقد طالعه المؤلف من أوله إلى أواخر كتاب الصلاة، فظهرت له مواضع تحتمل التعقُّب والمناقشة، فقيَّد ذلك، ثم رأى أن الكلام في مسائل القراءة في الصلاة يطول، فأفرده مرتَّبًا في هذا الكتاب.
وقد تكلم فيه على ستّ مسائل، وناقش شارح الترمذي فيها:
1 - المسألة الأولى: هل يجب قراءة الفاتحة في الصلاة؟
2 - المسألة الثانية: هل تجب الفاتحة في كل ركعة؟
3 - المسألة الثالثة: هل تجب الزيادة على الفاتحة؟
4 - المسألة الرابعة: قراءة المأموم للفاتحة.
5 - المسألة الخامسة: هل يزيد المأموم في الأوليين من الظهر والعصر على الفاتحة؟
6 - المسألة السادسة: إذا كان المأموم أصمّ أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته، فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر؟
(1/168)

79 - مسألة في إعادة الإِمام الصلاةَ دون من صلَّى وراءه في الجماعة
بدأها المؤلف ببيان أن الأصل في جميع الأعمال عدم الوجوب، فلا يجب علينا شيء إلا بدليل، فلا يلزم من بطلان صلاة الإِمام بطلانُ صلاة المأموم إلاَّ حيث وقع من المأموم تقصير. وقد استدل على ذلك ببعض الأحاديث والآثار.

80 - صيام ستة أيام من شوال
ألَّف الشيخ هذه الرسالة ردًّا على مَن قال: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث.
فردّ على ذلك ببيان صحةِ الحديث وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباق المذاهب على استحباب صيامها. وأما القول بأنه موضوع فلا يتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث. ثم ذكر أن هذا الحديث رُوي عن جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقف المؤلف على رواية عشرة منهم، وتكلم عليها في عشرة فصول بذكر جميع طرقها، بالإضافة إلى الآثار الواردة في الباب، وبيان مذاهب الفقهاء، وشرح معنى الحديث.

81 - جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا
كان سبب تأليفه أن بعض الفضلاء في حيدراباد نشر سنة 1347 رسالة بعنوان "الاستفتاء في حقيقة الربا" أجلبَ فيها بخيله ورجله لتحليل ربا القرض، وأُرسِلتْ من طرف الصدارة العالية (مشيخة الإِسلام) إلى علماء الآفاق ليُبدوا رأيهم فيها. وقد راجع الشيخ المعلمي صاحبَ الرسالة وناقشه في بعض المباحث، وأراد أن يكتب عنها جوابًا بعد ما تنبَّه لدقائق في أحكام
(1/169)

الربا وحِكَمه، واطلع على كلام الشاطبي في "الموافقات" وغيره، فألَّف هذا الجواب وقسَّمه قسمين: الأول لبيان أحكام الربا وأنواعه، والثاني في البحث مع صاحب الاستفتاء.
وقد تكلم في القسم الأول عن حقيقة الربا ومفاسده، والفرق بينه وبين البيع، وبعض وجوه الربا مثل: العِيْنة والانتفاع بالرهن (الذي يسمَّى بيع العهدة وبيع الوفاء وغير ذلك)، وربا البيع والعلة في الذهب والفضة والأجناس الأربعة الباقية. وخصَّص فصلًا للكلام على الاحتكار وبيان علاقته بهذا الحكم، وتوصَّل إلى أن الربا والاحتكار أخوان، يتعاونان على الظلم والعدوان.
أما القسم الثاني فهو في البحث مع صاحب الاستفتاء في أربعة أمور:
الأول: أن الربا المنهي عنه في القرآن مجمل.
الثاني: أن القرض ليس بدَين، فعلى هذا لا يكون الربا إلاَّ في البيع.
الثالث: أن النفع المشروط في القرض ليس بربًا منصوص.
الرابع: أن النفع المشروط في البيع لا يصحّ قياسه على الربا المنصوص، ولو صحَّ فالأحكام القياسية قابلة للتغيُّر بتغير الزمان، فلا محيصَ من تحليله في هذا الزمان.
تكلم المؤلف على جميع هذه الأمور التي ادّعاها صاحب الاستفتاء، وردَّ على حججه بتفصيل، وبيَّن وهاءَها. وفي آخر الكتاب تحدَّث عن أحوال هذا العصر، وذكر أن المرض الحقيقي هو التبذير والكسل، ونتيجتهما الفقر، وليس علاجه تحليل الربا.
(1/170)

82 - كشف الخفاء عن حكم بيع الوفاء
أفرده المؤلف لبيان حكم بيع الوفاء (الذي تكلم عليه في الكتاب السابق أيضًا)، وكان يريد أن يفصّل الكلام عليه في سبعة أمور، ولكنه توقف في أثناء الكلام على الأمر الثاني، ولم يتمه.

83 - النظر في ورقة إقرار
تكلم فيه المؤلف على ألفاظ ورقةٍ يُفهم منها الإقرار ومناقضة الإقرار، وذكر أنه إذا نُظر إلى السياق وإلى تسامُح العوامّ في ألفاظهم لم تكن تلك الألفاظ ظاهرة فيما يناقض الإقرار، بل هي محمولة على ما يوافقه. ثم شرح ما فيها من الألفاظ والعبارات مع الاستناد إلى نصوصٍ من كتب الفقه الشافعي.

84 - قضية في سكوت المدعى عليه عن الإقرار والإنكار
تكلم المؤلف على هذه القضية في ضوء ما وجد في كتب الفقه الشافعي وذكر أن كون لفظ "لا أدري" في فعل نفسه يُعتبر إقرارًا غير ظاهر، لأن مبنى الإقرار على اليقين، ولا نظير لها في باب الإقرار يُقاس عليه، ولكنها قد تؤدّي إلى ما هو في حكم الإقرار، بأن يُصرَّ المدَّعى عليه، فيحكم القاضي بأنه كالمنكر الناكل، ويحلف المدعي اليمين المردودة.

85 - الفسخ بالإعسار
ذكر فيه أن الفسخَ بالإعسار ثابت في المذهب الشافعي، وعِلّته أن النكاح عقدٌ بمقابلٍ كالبيع، فهو إباحة الانتفاع بالبضع إلى مقابل الصداق والإنفاق، وإذا تعذَّر تسليم العوض بأن غاب غيبةً منقطعة أو امتنع ولم يُقدَر على ضبطه، وُجدت علة الفسخ.
(1/171)

86 - مسألتان في الضمان والالتزام
تكلم فيهما الشيخ على قضيتين حكم فيهما القاضي بما هو مخالف للحق والصواب، ونقل من كتب المذهب الشافعي ما يُبيِّن ذلك. وقد حرَّر القضية الأولى في ربيع الثاني سنة 1337.

87 - مسألة الوقف في مرض الموت
نقل فيها الشيخ نصوصًا من كتب الفقه الشافعي تُصرِّح بأنه لو وقف في مرض الموت ما يخرج من ثلثه على ورثته بقدر أنصبائهم صحَّ من غير احتياج إلى الإجازة. ثم ذكر ما يخالف هذا في الظاهر، وتكلم عليه في ضوء كتب المذهب.

88 - الفوضى الدينية وتعدُّد الزوجات
تكلم فيها على مسألة تعدُّد الزوجات، وبيَّن أنها مسألة معلومة من دين الإِسلام بالضرورة، بل ومن الفطرة ومن المصلحة، وردَّ على الشبهة التي أثارها بعض المتأخرين، وبين أن معنى العدل في قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ...} هو العدل الكامل.
وذكر بعد ذلك أن تعدُّد الزوجات مناسب للفطرة، وفيه مصالح عديدة. ثم تحدَّث تحت عنوان "مفاسد تعدد الزوجات" عن ثماني مفاسد يذكرها بعض الناس، ونظر فيها واحدةً واحدةً، وبيَّن أنها أقلُّ بمقابل المصالح. بل إن الزوج إن عدلَ عن طلاق زوجته ووقع في الزنا تحصل به مفاسد أشدُّ من مفاسد التعدُّد كما يزعمون، ثم عدَّدها.
(1/172)

89 - مسألة في رجل حنفي تزوَّج صغيرة بولاية أمها
كتبها الشيخ ردًّا على سؤال مفتي المدرسة النظامية بحيدراباد، ذكر فيها المذهب الشافعي في هذه المسألة نقلاً عن كتاب "الأم" وغيره، وبيَّن الخلاف بينه وبين المذهب الحنفي.

90 - مسألة في صبيين مسلمين أخذهما رئيس الكنيسة فنشآ على دينه، وبلغا عليه وتزوَّجا، ثم أسلما
ذكر الشيخ أن لهذين الصبيين خمس حالات:
1 - حالة صغرهما قبل دخول الكنيسة.
2 - حالة دخولهما والتلبس بالنصرانية.
3 - حالة بلوغهما على ذلك.
4 - حالة عقد الزواج بينهما.
5 - حالة عودهما إلى الإِسلام.
ثم تكلم عن كل حالة بتفصيل، وذكر نصوص كتب الفقه الشافعي، واستنبط منها ما يبيِّن حكم ذينك الصبيين اللذين بلغا وتزوجا على النصرانية ثم أسلما.

91 - بحث في قصة بني هشام بن المغيرة واستئذانهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزوِّجوا عليًّا رضي الله عنه
أراد الشيخ أن يتناول عدة مباحث متعلقة بالحديث الوارد في الباب،
(1/173)

ولكن الموجود يحتوي على تخريج الحديث والكلام على مبحث واحدٍ فقط. وفيه تحقيق تاريخ ولادة راوي الحديث المِسْوَر بن مخرمة، وردٌّ على المؤرخين الذين قالوا: إن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين أو سبع. ردَّ عليهم الشيخ باللفظ الوارد في الحديث في الصحيحين ومسند أحمد: "وأنا يومئذٍ محتلم"، وقال: ما حكاه المؤرخون لا أساسَ له من الصحة.

خامسًا: قسم أصول الفقه
يحتوي هذا القسم على خمس رسائل، وأسميناه (مجموع رسائل أصول الفقه) وهو يمثّل المجلد التاسع عشر من الموسوعة ويقع في 401 صفحة، وهي:

92 - رسالة في فَرْضيّة اتباع السنة والكلام على تقسيم الأخبار وحجية أخبار الآحاد
بدأ المؤلف هذه الرسالة بذكر إجماع المسلمين على فرض اتباع السنة، وأنه من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإِسلام، وأن التفريق بين الكتاب والسنة تفريق بين الله ورسله. ثم استعرض أربع شُبه لمنكري حجية السنة، وردَّ عليها بتفصيل، وبيَّن أن الحجة قائمة على فرض اتباع السنة، وأن فيها ما ليس في القرآن، وأن الذي يرتاب في ذلك فحقُّه أن تُقام عليه الحجج على أصل الإِسلام، ولا يُتشاغل معه بالنظر في الجزئيات.
ثم تكلم على تقسيم الأخبار عند الأصوليين إلى ثلاثة أقسام:
مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وما ليس مقطوعًا بكذبه أو بصدقه.
(1/174)

وبعدما فصَّل الكلام في القسمين الأولين وعقَّب على كلام الأصوليين فيهما عقد فصلاً في الكلام على أحاديث الصحيحين هل تفيد العلم أم لا؟ ثم جعل عنوان "أخبار الآحاد" وذكر أنها القسم الثالث من الأخبار عند الأصوليين، وهو ما لا يُقطع بكذبه ولا بصدقه. تكلم فيه على وجوب العمل بخبر الواحد، وأنه قد وقع الاجماع على ذلك، وذكر جميع الشبه العقلية والنقلية للمانعين من قبول خبر الواحد والعمل به، وأطال في الرد عليها. وقد تكلم بتفصيل على معنى آية {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} التي استدل بها المانعون، وفنَّد مزاعمهم. كما تكلَّم على آية {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} وبيَّن معنى الظنّ و"يغني" (1). وفي الفصل الأخير ذكر بعض الشبه النقلية من الأحاديث والآثار التي تدلُّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وغيرهما لم يقبلوا خبر الواحد حتى جاء آخر فأخبر بمثله. تكلَّم المؤلف عليها واحدًا واحدًا، وبيَّن معناها ووجهها.

93 - رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه
كان سبب تأليفها أن الشيخ أراد تحقيق بعض المسائل المتعلقة بأحكام الجرح والتعديل لما وجد عند المتأخرين كلامًا مخالفًا للصواب وغيرَ وافٍ بالتحقيق، ثم رأى أن يضمّ إليه شيئًا من الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه، فألَّف هذه الرسالة ورتَّبها على ثلاثة أبواب كما قال في المقدمة، والموجود منها بين أيدينا بابان فقط.
__________
(1) وقد سبق تحت رقم (30) ذكر رسالة خاصة للمؤلف في معنى "أغنى"، وهي في رسائل التفسير.
(1/175)

عقد المؤلف الباب الأول للكلام على بعض ما يتعلق بخبر الواحد، وقسَّمه إلى أربعة فصول:
الأول: في وجوب العمل بخبر الواحد.
الثاني: فيما يفيده خبر الواحد.
الثالث: في المعنى الذي لأجله وجب العمل بخبر الواحد.
الرابع: في المقابلة بين الرواية والشهادة.
أما الباب الثاني فقد عقده لبيان شرائط حجية خبر الواحد، وذكر أنها على ثلاثة أنواع، والموجود الكلام على النوع الأول فقط، وهو ما يُشترط في المخبر حالَ الإخبار، تكلم فيه أولًا على العدالة وضوابطها، ثم تكلم على الضبط، وعرَّفه بأنه اجتماع الثبات والتثبت، وشرح ذلك، وبيَّن في الفصل الأخير أن غالب ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام مبني على اعتبار حديث الراوي، وذكر مذهب ابن حبان والعجلي في ذلك.

94 - إرشاد العامِه إلى معرفة الكذب وأحكامِه
ذكر في المقدمة سبب التأليف، فإنه لما نظر فيما وقع من الاختلاف في العقائد والأحكام، ورأى كثرة التأويل للنصوص الشرعية، تبيَّن له في كثير من ذلك أنه تكذيب لله ورسله، ثم رأى في كلام بعض الغلاة التصريح بنسبة الكذب إلى الله والرسل، والتلبيس على أكثر المسلمين بذلك، فجرَّه البحث إلى تحقيق معنى الكذب وبيان أحكامه، فألَّف هذه الرسالة.
لم تصل إلينا هذه الرسالة بتمامها، والموجود منها قِطع متفرقة تحتوي على عدة مطالب، ذكر فيها معنى الخبر لغةً واصطلاحًا، وتعريف الصدق والكذب، ومن يلحقه معرَّة الكذب، وإرادة المتكلم، والمجاز، والقرينة،
(1/176)

والفرق بين الاستعارة والكذب والمجاز والكذب، وما يأتي الخلل في فهمه من تقصير المخاطب، والمعاريض وكلمات إبراهيم عليه السلام، وما رُخّص فيه مما يقول الناس إنه كذب، وما ورد من التشديد في الكذب. وقد فصَّل المؤلف في الكلام على هذه المطالب بما لا مزيد عليه، وذكر من الأمثلة والشواهد ما يقرِّرها ويُوضّحها.

95 - رسالة في أصول الفقه
ذكر المؤلف في مقدمتها أن الكتب المؤلفة في هذا العلم على ضربين: الأول كتب الغزالي ومَن بعده، والثاني بعض المختصرات لمن قبله كاللمع للشيرازي والورقات للجويني. أما الأول فقد مُزِج بمباحث كثيرة من علم الكلام والمنطق، وأما الثاني فإنه بغاية الاختصار، ولا يخلو مع ذلك عن تعقيد. ونظرًا لحاجة طلاَّب العلم ألَّف هذه الرسالة بأسلوب سهل مبسّط ليفهمها الجميع، إلاَّ أنه لم يتمكن من إكمالها، فالموجود منها يحتوي على مقدمة وفصلين فقط.

96 - رسالة في التعصُّب المذهبي
هي في الكلام على نشأة التعصب المذهبي عند أتباع الأئمة وكيفية معالجته، ذكر في خاتمتها أنه مع انتشار هذه المذاهب فلم تُطبِق الأمة على هجر الكتاب والسنة، بل بقي النظر في التفسير وجمع السنة وترتيبها والكلام في الروايات وجمع الأدلة واستنباطها من الكتاب والسنة مستمرًّا. ومن وطَّن نفسه على الإنصاف علم أنه يقع من المتقيدين من علماء المذهب في كثير من المواطن ميلٌ عن الإنصاف وحيفٌ على الأدلة، يُوقعهم في ذلك حرصُهم على الانتصار للمذهب.
(1/177)

سادسًا: قسم النحو واللغة
ويحتوي هذا القسم على (14) كتابًا ورسالة.

* مجموع رسائل النحو واللغة
وفيه ثلاث عشرة رسالة، وهو يمثل المجلد العشرين من هذه الموسوعة، ويقع في 538 صفحة، وهي على أقسام:

الأول: الرسائل النحوية والصرفية، وفيه:
97 - اللطيفة البكرية والنتيجة الفكرية في المهمات النحوية
وهي عبارة عن سؤال ورد عليه من بعض الناس يطلب منه التحدّث عن الاسم المبني، والاسم الممنوع من الصرف، وقد جعل مصادره خمسة كتب هي: "الهمع" للسيوطي، و"شرح الكافية" للرضي، وحاشيتي الصبان والخضري على شرحي الألفية، ورسالة أحمد زيني دحلان في المبنيات.

98 - حقائق في النحو مستقربة
هي رسالة في الاصطلاحات النحوية على طريقة السؤال والجواب، وقد أورد فيها ثلاثًا وستين ومائة حقيقة معتمدًا على مصادر النحو المعتبرة، وقد رتبها على وفق كتب الفن، ولم يكن مقلدًا في تلك المسائل، بل يختار قولًا يراه أرجح من غيره ويستدلّ له، كما ستراه في الرسالة.

99 - مختصر شرح ابن جماعة على القواعد الصغرى لابن هشام
هذه الرسالة عبارة عن اختصار لشرح من شروح القواعد الصغرى لابن هشام الكثيرة، وهو شرح ابن جماعة الحفيد (ت 819)، وكان قد وضع عدة
(1/178)

شروح للقواعد، وما اختصره المعلمي هنا هو أحد تلك الشروح المهمة التي لم تطبع بعد، فيكون المختصر أسبق للنشر من أصله، ولم يضع المعلمي عنوانًا محددًا بل عنون بهذه العبارة: (القواعد الصغرى لمحمد بن هشام مع بعض تقريراتٍ من شرحها لابن جماعة، كما نبهت عليها)، وأراد بالتنبيه أنَّه وضع للمتن حرف (م)، وللشرح حرف (ش).

100 - نظم قواعد الإعراب الصغرى
هي منظومة علمية للمختصر الآنف الذكر، وهي من بحر الرجز، وتقع في مئتي بيتٍ، ولعلها أول منظومة للقواعد الصغرى إذْ إن غالبهم نظم (الإعراب عن قواعد الإعراب) وقد عنون لها المؤلف بقوله: (نظم قواعد الإعراب الصغرى).

101 - طرائف في العربية
ناقش فيها المؤلف خمس مسائل نحوية وصرفية بمحاولة إبداء رأي جديدٍ فيها لم يسبق إليه، وهذه المسائل هي:
الإشارة وعلاقتها بنشأة اللغة، تصريف كلمة (تنّور)، تصريف كلمة (تُفَّاح)، ضمير الشأن والقصة، بحثٌ في الفعل (كاد).
وسترى في المجموع بسط هذه المسائل ومناقشتها بأسلوب رائع متين، وقد عنون لها بقوله: (طرائف في العربية).

102 - الكلام على تصريف (ذو)
تعرَّض المؤلف في هذه المقالة لبحث لفظة (ذو) بمعنى (صاحب) والتي تعدُّ من الأسماء الخمسة على رأي الفراء والزجاج، أو ستة على رأي
(1/179)

الجمهور، وقد أوضح المؤلف تصريفها وأصلها من خلال نقل كلام أئمة هذا الشأن، وعقَّب عليهم بزيادة توضيح تزيل الإشكال عنها.

103 - إشكال صرفيٌّ وجوابُه
هو عبارة عن إشكال في كلمة (خطيئة) لِمَ لمْ تعامل معاملة جمع (رسالة، وصحيفة، وعجوز) مع أن وزن المفرد من كلٍّ هو (فعيلة)؟
وقد أجاب عن هذا الإشكال واللبس الحاصل في تلك الكلمة بجوابٍ أبدى فيه رأيه لإزالة هذا الإشكال.

104 - ضبط فعلين في متن الأزهار، واعتراض وانتقاض
هذه الرسالة عبارة عن سؤال ورد على المؤلف في فعلين جاءا في متن "الأزهار" وهما (يرقّ - يعتق) كيف يضبطان؟ وما الدليل على ذلك؟
وقد أجاب عنه مستعينًا ببعض المعاجم كالمصباح والأساس للزمخشري وغيرهما من الكتب، وترجَّح له أنَّهما بفتح الفاء وكسر العين، فاعترض عليه معترض رمز لاسمه بحرف (ع) ولعله العلامة القاضي عبد الله العمودي، فأجابه عن الاعتراض الأول، ثم عاد المعترض مرةً أخرى فنقض المؤلف اعتراضه الثاني.

* فائدتان:
خاطرة في قول الشاعر: (ولكنني من حبها لعميد):
هي عبارة عن فائدة وخاطرة وردت في ذهن المؤلف حال الدرس في هذا الشطر تخالف ما ذهب إليه نحاة الكوفة والبصرة من تأويلهما للشاهد.
(1/180)

المعارف التي بعد اسم الإشارة:
هي مسألة مجيء الاسم المعرفة بعد اسم الإشارة ماذا يكون حكمه؟
أجاب بجواب جديد لم يسبق إليه من قبل، وهو مراعاة مراتب الاسم المعرفة.

القسم الثاني (الرسائل اللغوية والأدبية)
105 - اختصار كتاب: "درة الغواص في أوهام الخواص" للحريري
قام المؤلف بتلخيص الدرة اختصارًا بديعًا، اقتصر فيه على الكلمات التي وقع فيها الخطأ وما يقابلها من صواب تاركًا استطرادات الحريري وما أورده من شواهد شعرية أو قصص عربية أو أمثالٍ وحكمٍ وفوائد لغوية ونحوية وصرفية، ولم يلتزم بعبارة الأصل بل يصوغها بنفسه، وربما حذف كلمات من الأصل، وربما عقَّب واستدرك.

106 - فوائد لغوية منتقاة من كتاب: "الكنز المدفون والفلك المشحون"
اعتمد المؤلف على هذا الكتاب في استخراجه فوائد لغوية عدةً تتعلق بفقه اللغة من مترادفاتٍ وأضدادٍ ومثلثاتٍ، وما فيه لغتان، وما يُهْمَز وما لا يهمز، وما فيه لغةٌ فأكثر، والفرق بين المكسور والمفتوح، أو المضموم والمفتوح وغير ذلك من الفوائد، ولم يلتزم المؤلف ترتيب الأصل، وربما أضاف من عنده إضافاتٍ لا توجد في الأصل كما وقع في أسماء الخمر، وكما نظم أسماء الجناس وأنواعه.
(1/181)

107 - مناظرة أدبيَّة بين المعلمي والسنوسي
جرت مذاكرة أدبية شعرية بين المؤلف وبين الشاعر علي بن محمد السنوسي في مجلس الإدريسي محمد بن علي، وذلك يوم عيد الفطر سنة (1337) إذْ كانت له عادة لا تتخلف من إلقاء قصائد وتهاني وخطب في ذاك اليوم، ومنها هذه الواقعة، فكان السنوسي قد ألقى قصيدةً من بحر المديد تكررت تفعيلاتها أربع مرات؛ فاعترض المؤلف بأن المديد لا يستعمل إلا مجزوءًا وأن التربيع من صنيع المتأخرين وأتى بالشواهد في هذا وتصدَّى لنقد قصيدة السنوسي، ثم أطال في مسألة معنى الفعل (عدا) وتعدّيه بحرف الجر، ممَّا جعل السنوسي يردّ عليه بمكاتبات وجوابات وطال النقاش بينهما، فأدخلوا طرفًا ثالثًا وهو العلامة السيد صالح بن محسن الصيلمي وكأنَّه رأى الحقَّ للمعلمي، واعتذر له السنوسي في آخر النقاش بقصيدة بعثها إليه وطلب منه إصلاح خللها، فأجابه المؤلف بعشرة أبيات.
وألحقنا هذه الرسالة بفائدتين هما:

شرح بيت ومعناه:
كان أحد الأدباء في زمن المؤلف اسمه ثابت بن سعيد نظم بيتًا فيه تاريخ العام الذي قيل فيه هذا البيت بحساب الجُمَّل، فبيَّن المعلميُّ المحاسن اللفظية التي اتفقت لهذا الشاعر دون تكلف ولا تعسف.

أنظام لغوية:
نظم المؤلف أنظامًا مختلفة في مسائل وهي كالتالي:
في الأسماء المؤنثة السماعية: وقد أورد فيها الكلمات الواجبة التأنيث والكلمات الجائزة في أربعة عشر بيتًا من الرجز.
(1/182)

نظم جموع كلمة (عبد): فقد نظمها بنظمين، وأوصل جموع (عبد) إلى عشرين جمعًا.
جموع (شيخ): ذكر الفيروزابادي في قاموسه لجمع كلمة (شيخ) إحدى عشرة لفظةً جمعها المعلمي في أربعة أبيات من الرجز.

القسم الثالث (الرسائل العروضية)
108 - مختصر متن الكافي في العروض والقوافي
" متن الكافي" كتاب في العروض لأحمد بن عباد القنائي (ت 858)، وقد لخَّص المؤلف من الشرح الصغير الموضوع على متن الكافي وهو شرح العلامة الدمنهوري، وأضاف إليه إضافاتٍ مثل أبيات الحلِّي في حركات القافية، وربَّما تصرَّف في المتن وصحح بما ينبه عليه المحشّي أحيانًا.

109 - نظم بحور العروض
نظم المؤلف بحور العروض، وهي ستة عشر بحرًا في خمسة أبياتٍ وقد وضع بعد كل بيت دائرة من دوائر العروض الخمسة.
وبهذه الرسالة ينتهي مجلد (مجموع رسائل النحو واللغة).

110 - معجم الشواهد الشعرية
أراد المؤلف أن يفهرس الشعر الموجود في أهم كتب النحو واللغة وشروح الشواهد، فاختار أولاً ستة كتب، ثم أضاف إليها أربعة كتب أخرى، وكان قصده أن يصنع فهرسًا موحَّدًا لجميع ما ورد فيها من الشعر، فرتَّبه على القوافي بعدد الحروف من الألف إلى الياء، وقسَّم كل قافية إلى الساكنة ثم المفتوحة ثم المكسورة ثم المضمومة، وألحقَ بكل قسمٍ منها ما وُصِل
(1/183)

بالهاء. كما قسَّم قوافي كل حرفٍ على البحور من الطويل إلى المتقارب، ويبيِّن إذا كان مجزوءًا أو مشطورًا أو منهوكًا. ثم جعل القوافي من بحرٍ معيّن في مجموعاتٍ حسب نظام القافية.
وقد قسَّم المعجم إلى جداول، يذكر فيها حرف القافية أولاً، ثم القوافي، ثم البحر، ثم القائل، ثم المصادر بالإشارة إلى الجزء والصفحة. وقد كان الشيخ سبَّاقًا إلى وضع هذا المعجم وصدَر بعده فهارس متعددة صنعها المستشرقون والعرب في بلدان مختلفة، ويتميز هذا المعجم بدقته في الترتيب واستيعابه للشواهد كما يظهر ذلك بمقارنته بغيره من الفهارس.
وهو يمثل المجلد الحادي والعشرين من هذه الموسوعة، ويقع في 420 صفحة.

سابعًا: قسم المتفرّقات، وهو أنواع:
111 - 112 النوع الأول: الخُطَب والوصايا
تشتمل هذه المجموعة على نحو ستين خطبة من خطب الجمعة - وبعضها من خطب العيد - التي ألقاها الشيخ في مقتبل شبابه، في بعض مساجد جيزان، في أيام حكم السيد الإدريسي. لهذه الخطب أهمية تاريخية وقيمة أدبية.
ثم ألحقنا بالخطب جملةً من وصايا الشيخ، أهمها وصيته الجامعة لتلميذه محمد بن أحمد المعلمي.
وهذا المجلد يمثل الجزء الثاني والعشرين من هذه الموسوعة، ويقع في 325 صفحة.
(1/184)

* النوع الثاني: مجموع رسائل في التحقيق وتصحيح النصوص
ويضمّ ثماني رسائل، وهو يمثل المجلد الثالث والعشرين ويقع في 288 صفحة.

113 - أصول التصحيح العلمي
114 - أصول التصحيح العلمي (مسوَّدة)
115 - أصول التصحيح (مسوَّدة)
هذه الرسائل من أول ما كُتب في فن التحقيق، إذ كان تسويدها وتبييضها قبل صدور كتاب الأستاذ عبد السلام هارون. وقد عالج فيها المؤلف مسائل التحقيق معالجة دقيقة منظمة.

116 - تخريج الأحاديث الواردة في كتاب "شواهد التوضيح" لابن مالك، مع تعليقات على نشرة محمد فؤاد عبد الباقي
طبع كتاب "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" لابن مالك في الهند سنة 1309، دون إحالة الأحاديث الواردة فيه على مواضعها من الجامع الصحيح، فقام الشيخ بهذا العمل. ثم نشر الكتاب الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي مع تخريج الأحاديث، فقابل الشيخ عمله بنشرته، وفي خلال ذلك ظهرت له فيها مآخذ فقيَّدها في هذه الرسالة.

117 - تصحيحات وتعليقات على "سبل السلام شرح بلوغ المرام" للأمير الصنعاني
هذه التعليقات تتضمن الأخطاء المطبعية التي وقعت في طبعة الكتاب
(1/185)

التي كانت بين يدي الشيخ، وأوهام الشارح في الضبط والإعراب والتفسير، وتعقيبات على آرائه. ومما يبعث على الأسف أن الشيخ لم يتجاوز فيها مقدمة الكتاب والأبواب الثلاثة الأولى من كتاب الطهارة.

118 - تنبيهات على "الكامل" للمبرد نشرة زكي مبارك
119 - تنبيهات على الجزء الأول من "معجم الأدباء" نشرة أحمد فريد الرفاعي
120 - من نوادر المخطوطات المحفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف
121 - النوع الثالث: فوائد المجاميع
هذا السفر منتخب من مجاميع الشيخ وكنانيشه ودفاتره التي كان يُقيّد فيها ما عنّ له من الفوائد واللطائف والاستنباطات والاستدراكات وغير ذلك، وقد مررنا على هذه المجاميع وعددها اثنان وعشرون، وانتقينا منها ما كان خالصًا للشيخ وليس نقلًا محضًا، ثم رتبناها على الفنون، ورتبناها داخل الفن ترتيبًا مناسبًا يُقرّب الفائدة.
وهذا الجزء يمثل المجلد الرابع والعشرين من هذه الموسوعة، ويقع في 511 صفحة.

122 - النوع الرابع: المقدمات وما إليها
جمعنا فيها كل مقدمات المؤلف على الكتب التي حققها، وقد بلغ عدد المقدمات 13 مقدمة، وألحقنا بها ثلاثةً من خواتيم الكتب، وتقريظين لكتابين، وتعليقين له على الإكمال والسنن الكبرى للبيهقي.
(1/186)

وهذا الجزء يمثل المجلد الخامس والعشرين من هذه الموسوعة، ويقع في 419 صفحة.

123 - النوع الخامس: الرسائل المتبادلة
جمعنا ما تيسّر لنا الوقوف عليه من الرسائل المتبادلة بين الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - وبين علماء عصره ومحبيه وأقاربه، حصلنا عليها من مصادر مختلفة، وأغلبها رسائل مرسلة منه إلى بعض أهل العلم والفضل والأقارب.
مجموع هذه الرسائل إحدى وسبعون رسالة، ستٌّ وأربعون منها مرسلة من الشيخ وخمس وعشرون مرسلة إليه. وهي كالتالي:
1 - رسالة من أبيه يحيى المعلمي.
2 - رسائل الشيخ إلى أخيه أحمد بن يحيى المعلمي، (17) رسالة.
3 - رسالتان من شيخه أحمد المعلمي.
4 - رسائل من آل الإدريسي، (3) رسائل.
5 - رسائل متبادلة بين الشيخ والقاضي عبد الله العمودي، (6) رسائل.
6 - رسائل من دائرة المعارف وإليها، (4) رسائل،
7 - رسائل المؤلف إلى الشيخ محمد نصيف، (13) رسالة.
8 - رسائل المؤلف إلى العلامة أحمد محمد شاكر (رسالتان).
9 - رسائل المؤلف إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز، (3) رسائل.
10 - رسائل متعلّقة بضبط نسبة (العَنَدي)، (4) رسائل.
(1/187)

11 - رسائل متفرقة (18) رسالة.
وهذه الرسائل ضممناها إلى المجلد الأول الذي يحوي التعريف بالمشروع وترجمة الشيخ لمناسبتها للتعريف به والترجمة له.
****
(1/188)

ثانيًا: كتبه المفقودة أو التي لم تدخل في هذه الموسوعة
أما الكتب والرسائل التي لم تدخل في هذه الموسوعة فهي:

1 - ديوان شِعر
وسأتكلم عنه في نقاط:
أ- السبب في عدم إدخاله في هذه الموسوعة ما كتب على صفحة عنوانه بخط الأستاذ عبد الله الحكمي قال: "لا يجوز طبعه ولا إعارته لأحد، وإنما يُعدّ وثيقة تاريخية لفترة من فترات الشيخ عبد الرحمن المعلمي في مقتبل عمره كشاعر وأديب وقاضي في نفس الوقت والزمان. حرره تلميذه عبد الله بن محمد حكمي، مكة المكرمة سنة 1386 ه" ا. ه
والذي تحققته أن الشيخ المعلمي هو من أعطى الحكمي نسخةَ الديوان للاحتفاظ به (1)، لكن هل أوصاه بعدم طبعه أو تصويره؟ ذلك ما لم نتبيّنه، ولو أراد الشيخ إتلافه لأحرقه أو مزَّقه أو غسله، فإن ذلك أقوى لغرض الإتلاف من مجرّد إعطائه لأحد التلاميذ كما هو معلوم.
ب - وصفه: يقع الديوان في مجلد واحد في 333 ورقة، ثم ألحقت به أربع ورقات فيها مقطوعات وقصائد في عدة أبيات، ثم أَلحق به الحكمي أوراقًا مصورة كتب عليها "القصائد الهندية" فيها عدة قصائد كل قصيدة نحو ورقتين. ليس عليه اسم الناسخ، لكنه كتَبَ في آخر النسخة: "تم الديوان المبارك قليل الوجود في أغوارها والنجود بما حواه من القصائد الفرائد
__________
(1) كما صرح بذلك الحكمي في رسالة منه إلى القاضي محمد الأكوع، لدي نسخة منها.
(1/189)

الخرائد لعله في يوم الأربعاء ثالث يوم - والله أعلم - من شهر الحجة الحرام بعناية تحفة زمانه ووقته حميد الشّيَم سخي اليمن: الشيخ الكامل نجل الأخيار الأفاضل محمد حكمي ابن الشيخ يحيى زكري الحكمي، أدام الباري وجودهم في عافية وستر الدارين آمين".
ج - كيفية جمع الديوان: الظاهر أن الشيخ محمد حكمي - المنسوخ له الديوان - قد استأذن الشيخ المعلمي بأن يكلّف ناسخًا ليجمع قصائده من أوراق الشيخ المدون فيها القصائد، فأذن له الشيخ، فأخذ الناسخ تلك الأوراق (غير المرتبة) فنسخها على حالها، ثم لما انتهى أخذ الشيخ النسخة وقرأها قراءة كاملة، فقيّد وزاد ونقص ونقّح، ويمكن تلخيص ما عمله الشيخ في نقاط:
1 - كتب في رأس كل قصيدة تاريخ كتابتها (1) ومناسبته.
2 - ميّز قصائده وأشعاره من أشعار غيره، فهناك جملة من الأشعار ليست له.
3 - زاد في الحواشي أبياتًا وربما قصائد برمتها.
4 - أصلح بعض الأبيات سواء كلمة أو شطر بيت أو بيت بتمامه.
5 - أصلح خطأ الناسخ أو وهمه، وضبط بعض الكلمات.
6 - صدر جميع القصائد بقوله: "للحقير" تواضعًا منه.
__________
(1) قد يصدّرها بقوله: "لعله بتاريخ كذا ... "، وقد يبيّض للتاريخ كما في ق 190، 70، وقد لا يدون تاريخًا كما في ق 194.
(1/190)

فهل استُنسخ منه نسخة ثانية مبيضة بعد هذه القراءة والتعديل؟ لا دليل على الإثبات ولا النفي، وإن كنت أظن الحكميَّ الذي حَرَص على استنساخ الديوان ونَشِط لذلك لا يُفرّط في أخذ نسخة مبيّضة منه، والله أعلم.
د - وصف عام للديوان ومحتواه: يبدأ الديوان بقوله: "الحمد لله" ثم قصيدة:
وإنك توَّابٌ كما أنت منعِمٌ ... ومنتقم يا ربّ من كل ذي شرِّ
غالب قصائد الديوان في ثلاثة أغراض: المديح، وصف معارف وفتوحات الإدريسي، الغزل.
الديوان يمثل نحو عشر سنوات من عمر الإِمام، فأقدم قصيدة فيه قِيلت سنة 1329وعمره سبعة عشر عامًا، وآخر تاريخ مدوّن سنة 1341 وعمره تسعة وعشرون عامًا.
يحتوي الديوان على تخميسات لبعض القصائد، وشعر شعبي ومنه الحميني، فمنها قصيدة مطلعها (1):
يالله باسمك نبتدي ... يا صاحب الفضل الهتون
يا من جمعْ تدبير كلْ ... ل الملك في كاف ونون
أشار في عدة مواضع إلى أن بعض القصائد فقدت أو ضاعت أوراقها. انظر ق 46.
وهناك قصيدة واحدة في هجاء أحدهم (ق 72) علق عليها الشيخ بقوله:
__________
(1) (ق 166).
(1/191)

"وللحقير هاجيًا وجَدَها الناسخُ بين أوراقي فوضعها هنا عفا الله عن الجميع".
هذا ما أمكن تلخيصه هنا عن "الديوان" والكلام يحتمل أكثر من ذلك، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

2 - ترجمة الإدريسي
مسوّدة في ورقتين، ليس فيهما إلا الديباجة والثناء على الإدريسي وعناوين فصول الرّسالة، والظاهر أنه لم يكملها.

3 - شرح الآجرومية
كتب منه ورقات قليلة، ولم يكمله.

4 - رسالة في كيفية الصلاة كما صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم -
ناقصة، والورق متآكل ومتكسّر من منتصف الصفحات.

5 - أوراق في مسألة قصر الصلاة للمسافر
في 9 ورقات، متآكلة من الأعلى والأسفل، ناقصة الأول والآخر.

6 - رسالة في حديث جابر في صلاة ركعتين والإمام يخطب يوم الجمعة
مسوّدة في نحو 10 ورقات، ناقصة ومشوشة الترتيب.

7 - تقرير مفصّل عن بروفة من كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
في أربع صفحات من القطع الكبير جدًّا، كتبها في جدول كبير، لكن يصعب طباعته بهذا الشكل، وتغيير الهيئة التي وضع عليها
(1/192)

يفسد الغرضَ من تأليفه، وحقّه أن يصوّر على هيئته بحيث تطوى أوراقه وتُنشر كما هو حال الخرائط الملحقة بأواخر الكتب.

8 - كتاب "الفرائد"
قال في تفسير سورة الفاتحة ص 10: "وقد أوضحت هذا في الفرائد". وقال في موضع آخر ص 39: "وتمام الكلام على هذا يطول، فله موضع آخر، وعسى أن أبسطه في الفرائد إن شاء الله تعالى".
ولم أقف له على خبر غير هذه الإشارة.
****
(1/193)

ثالثًا: تحقيقاته
ما قام الشيخ بتصحيحه والتعليق عليه، وهو على نوعين:

* النوع الأول: ما استقلّ بتصحيحه وتحقيقه، وهي الكتب التالية:
1 - التاريخ الكبير
للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256). وقد حققه وعلق عليه عدا الجزء الثالث الذي يمثل المجلدين الخامس والسادس من المطبوع، فقد كانت نسخ الكتاب المتوفرة ينقصها هذا الجزء. وقد حققهما غيره فيما بعد، ولذلك وقع فيهما من الأخطاء ما لم يقع في غيرهما. وقد علق عليه تعليقات دقيقة تدل على تمكنه من علم الرجال، وغلب عليها الاختصار إلا في مواضع اقتضاها المقام فبلغ التعليق صفحات عديدة.
وقد طبعته دائرة المعارف العثمانية بين سنتي (1360 - 1362). أما المجلدان الخامس والسادس فطبعا في سنتي 1377 و1378.

2 - كتاب الكنى، للإمام البخاري. طبع سنة 1360.
3 - المعاني الكبير
لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري (ت 276). طبع بدائرة المعارف بحيدراباد الدكن في مجلدين سنة 1368 - 1369. ثم طبع بعد ذلك في ثلاثة مجلدات، وقد قدم له الشيخ بمقدمة حافلة، أوردناها كاملة في "المقدمات".
(1/194)

4 - تاريخ جرجان
للحافظ حمزة بن يوسف السهمي (ت 427). طبع في دائرة المعارف العثمانية سنة 1370 في مجلد واحد، وقد سقنا مقدمته كاملة في مكانها.

5 - كشف المخدَّرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات
للإمام زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الحنبلي (ت 1192). طبع في مجلدين عن المكتبة السلفية لمحب الدين الخطب سنة 1370. وقد قدم له الشيخ بمقدمة مختصرة تراجع في مكانها.

6 - الجرح والتعديل
للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327). طبع كاملًا مع تقدمته في دائرة المعارف العثمانية بين سنتي (1371 - 1373) في تسعة مجلدات. وكتب له الشيخ مقدمة مفيدة سقناها كاملة في "المقدمات"، وجرى في تحقيقه كما جرى في تحقيق كتاب التاريخ.

7 - تذكرة الحفاظ
للحافظ أبي عبد الله شمس الدين الذهبي (ت 748). طبع في دائرة المعارف العثمانية سنة 1375 - 1377 في مجلدين في أربعة أجزاء، اعتمد فيها على نسخة خطية ومطبوعة قديمة، واقتصرت تعليقاته على المقابلة بين النسختين مع تصحيح النص.

8 - الموضح لأوهام الجمع والتفريق
للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463). طبع في دائرة المعارف العثمانية سنة 1378 - 1379 في مجلدين، قدم له المؤلف بمقدمة شرح فيها غرض الكتاب وفائدته، وقد سقناها في "المقدمات".
(1/195)

9 - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة
للإمام محمَّد بن علي الشوكاني (ت1250). طبع في مجلد واحد في مطبعة السنة المحمدية سنة 1379. وقد قدم له الشيخ بمقدمة مهمة جدًّا في علم نقد الحديث، وقد سقناها كاملة في "المقدمات".
وقد تكلم الشيخ فيها على أكثر أحاديث الكتاب كلامَ عارفٍ بالفن متضلّع فيه، ومع ذلك فهو يعتذر في المقدمة أنه لم يتمكّن من استيفاء النظر على الأحاديث في جميع المواضع، وشَرَح أسباب ذلك.

10 - بيان خطأ محمَّد بن إسماعيل البخاري في تاريخه
للإمام أبي محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327). وقد طبعته دائرة المعارف العثمانية سنة 1380، ثم طبع في بيروت مصورًا عنها مع "التاريخ الكبير" ومع "الموضح" للخطيب.
وقد قدَّم له الشيخ بمقدمة مهمة عن فائدة الكتاب ومعنى "الخطأ" المنسوب إلى الإِمام البخاري. وقد أوردناها في "المقدمات".

11 - الرد على الإخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية.
لشيخ الإِسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت 728). صحح نصه، وعزا أحاديث الكتاب إلى مصادرها في كتب السنة المشهورة، فهو يكتفي بما في الصحيحين أو أحدهما، ثم السنن الأربع، ثم الموطأ ومسند أحمد، ولم يتكلم على الأحاديث صحة وضعفًا فلعله لم يكن من غرض التعليق. وقد وجدت نسخةً من هذا التخريج بخط الشيخ في 6 ورقات محفوظة في جامعة الملك سعود برقم [1674]، ولعلها كانت في مكتبة الشيخ سليمان الصنيع،
(1/196)

وقد كان صديقًا للشيخ ومديرًا لمكتبة الحرم المكي إبان عمل الشيخ فيها.

12 - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب
للحافظ الأمير ابن ماكولا (ت 475). طبع في دائرة المعارف العثمانية في السنوات 1382 - 1386، وقد صدرت بتحقيقه ستة مجلدات إلى أثناء حرف العين، وطبع المجلد السادس بعد وفاة الشيخ بأشهر في جمادى الأولى سنة 1386

13 - الأنساب
للإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمَّد السمعاني (ت 562). طبع في دائرة المعارف العثمانية من سنة 1382 وكان آخرها المجلد السادس سنة 1386 بعد وفاة الشيخ بثلاثة أشهر، ولم يكمل الشيخ تحقيقه. ثم أكمله مجموعة من المحققين وطبع في دائرة المعارف في اثني عشر مجلدًا، وأعادت صفّها وإخراجها مكتبة محمَّد أمين دمج في بيروت.

14 - المنار المنيف في الصحيح والضعيف
للإمام شمس الدين محمَّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (ت 751). صحح الشيخ الكتاب وعلق على بعض المواطن فيه، معتمدا على نسخة مطبوعة وأخرى مخطوطة، لكن الكتاب لم يطبع في حياته ولا أعلم سبب ذلك، وطبع بعد ذلك بعناية الشيخ منصور السماري عن دار العاصمة بالرياض سنة 1416.

15 - لوامع الأنوار البهية، للسفاريني. طبع في بيروت.
(1/197)

* النوع الثاني: ما شارك في تصحيحه وتحقيقه
1 - تنقيح المناظر، طبع في دائرة المعارف العثمانية (1) سنة 1347 - 1348.
2 - الأمالي الشجرية، سنة 1349.
3 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر. سنة 1349 - 1350.
4 - نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، لعبد الحي الحسني الندوي، المجلد الثاني، سنة 1350.
5 - معجم الأمكنة لنزهة الخواطر، لمعين الدين الندوي. سنة 1350.
6 - السنن الكبرى, للإمام البيهقي، وبذيله الجوهر النقي لابن التركماني.
وقد شارك الشيخ في التحقيق من بداية الجزء الرابع (وقد طبع سنة 1351) إلى نهاية الجزء العاشر الذي طبع سنة 1355.
7 - صفة الصفوة لابن الجوزي، سنة 1355 - 1356.
8 - مفتاح السعادة لطاش كبري زاده، سنة 1356.
9 - أمالي اليزيدي، سنة 1357.
10 - الكفاية في علم الرواية, للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، طبع سنة 1357.
__________
(1) الكتب ذات الأرقام (1 - 17) مطبوعة في دائرة المعارف العثمانية.
(1/198)

11 - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، للإمام أبي الفرج ابن الجوزي، الأجزاء 5 - 10، في السنوات 1357 - 1359.
12 - عمل اليوم والليلة لابن السني، سنة 1358.
13 - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي، سنة 1359.
14 - إعراب ثلاثين سورة لابن خالويه، سنة 1360.
15 - مسند أبي عوانة، للإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني. طبع سنة 1362.
16 - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، سنة 1363.
17 - دلائل النبوة لأبي نعيم، سنة 1369.
18 - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، للحافظ نور الدين الهيثمي.
19 - الجواب الباهر في زوّار المقابر، لشيخ الإِسلام ابن تيمية. وقد اشترك معه في تحقيقه الشيخ سليمان الصنيع.
20 - عمدة الفقه، للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي. طبع في المطبعة السلفية - القاهرة.
***
(1/199)

المبحث العاشر
وفاته
توفي الشيخ يوم الخميس السادس من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وستة وثمانين، وذلك بعد أن أدى صلاة الفجر في المسجد الحرام، وعاد إلى مكتبة الحرم حيث كان يقيم، فتوفي على سريره (1)، وذكر الشيخ حمد الجاسر أنه توفيّ منكبًّا على بعض الكتب في مكتبة الحرم المكي الشريف (2).
وشيعت جنازته من الحرم المكي ودفن بالمعلاة (3).
رحمه الله ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته.
أما مآل مكتبة الشيخ فقد وُجد في وصيته أنه جعل كتب مكتبته هدية لمكتبة الحرم المكي الشريف، وعدد كتبها آنذاك ستمائة وخمسة وعشرون كتابًا، وسبع عشرة مخطوطة مصورة، وكان ضمُّها إلى مكتبة الحرم بمكة في اليوم الثالث من شهر محرم عام 1387 ه, وأصبحت بذلك جزء من مقتنياتها (4).
__________
(1) هذا ما ذكره تلميذه وقريبه عبد الله المعلمي. "مقدمة التنكيل": (1/ 12).
(2) "مجلة العرب" سنة 1386 (ص 245).
(3) "الجواهر الحسان": (2/ 566) لزكريا بيلا.
(4) تقرير عن مكتبة الحرم المكي الشريف مقدم إلى معهد الإدارة العامة بالرياض، رجب عام 1388، (ص 5). انظر "مكتبات مكة المكرمة الخاصة" (ص 33) لابن دهيش. و"نثر القلم في تاريخ مكتبة الحرم" (ص 114) لباجودة.
(1/200)

آثَار الشّيْخ العَلّامَة
عَبْد الرّحْمْن بْن يَحْيىَ المُعَلِّمِيّ
(1)

القسم الثالث
الرسائل المتبادلة
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(1/201)

مُقَدَّمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه.
أما بعد، فهذا مجموع حوى بين دفتيه أكثر ما تيسّر لنا الوقوف عليه من الرسائل المتبادلة بين الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله تعالى - وبين علماء عصره ومحبيه وأقاربه، جمعناها من مصادر مختلفة، وأغلبها رسائل مرسلة منه إلى بعض أهل العلم والفضل والأقارب.
وكان من المؤمَّل أن نعثر على قدر أكبر من الرسائل المرسلة إليه، سواء من أقاربه أو من أهل العلم الذين تواصلوا مع الشيخ في فترات حياته المختلفة، ضمن ما بقي من أوراق الشيخ في مكتبة الحرم المكي، باعتبار أن الشيخ سيحتفظ بهذه الرسائل كما احتفظ بكثير من أوراقه، لكنني لم أقف إلا على شيء قليل منها. ثم وقفت بعد ذلك على رسائل أخرى ضمن أوراق الشيخ المعلمي في مكتبة الحرم المكي.
ونحن على يقين أن للشيخ رسائل كثيرة إلى أهل العلم وغيرهم لم نعثر عليها، لأنها عند أصحابها المرسل إليهم إن احتفظوا هم بها أو حافظ عليها ورثتهم، شاهدُ ذلك أنه قد ذكر في بعض مقدّمات كتبه التي حققها وحواشيها أنه راسل معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية مرارًا بخصوص بعض الكتب المخطوطة، وذكر في بعض حواشي "الإكمال" (1) لابن ماكولا أنه راسل الأستاذ فؤاد سيد (2) مدير قسم المخطوطات بدار
__________
(1) (6/ 225 - 230).
(2) (ت 1387 ه). أقول: وقد راسلتُ ابنه الدكتور أيمن فؤاد السيد أسأله عن رسائل =
(1/203)

الكتب المصرية، عدة مرات، وأنه وردت أجوبة منه وساق بعض ما جاء فيها مما له علاقة بالمسألة المبحوثة (1). ووصفه بأوصاف تدل على متانة العلاقة بينهما، ك "الصديق العزيز". وأنه راسل بعض أهل اليمن للسؤال عن بعض الأنساب لديهم، وراسل الشيخ محمد سالم البيحاني بهذا الخصوص أيضًا، وأنها جاءته أجوبتهم وأثبتَ بعضًا منها (2).
أما رسائله العائلية، فالظاهر أنها كثيرة؛ لأنه كثيرًا ما ذكر في رسائله لأخيه أحمد أنه راسل والده في عدة مناسبات، لكن لم نتحصّل على شيء منها إلا رسالة من والده إليه.
وسؤال قد يطرأ على الذهن وهو أنه من الطبيعي أن يُعثر على الرسائل التي أرسلها الشيخ عند مَن أُرسلت إليه، لكن كيف عُثر على بعض تلك الرسائل في مكتبة الحرم ضمن أوراق الشيخ؟
والجواب على هذا التساؤل باحتمالات:
أولها: أن ما وقفنا عليه من تلك الرسائل كان عبارة عن مسوّداتها، أما المبيّضة فقد أرسلها الشيخ، ويكون هذا احتمالًا راجحًا في الرسائل التي
__________
= الشيخ المعلمي إلى والده، فاعتذر بأنها تحتاج إلى بحث طويل ولم يصلني منه شيءٌ حتى الآن.
(1) عثرنا أخيرًا على رسالتين من الأستاذ فؤاد سيد إلى المؤلف وهما جواب على رسالتين للشيخ.
(2) انظر "الإكمال": (6/ 228) الحاشية. وقد عثرنا أخيرًا على رسالة من الشيخ البيحاني إلى المؤلف.
(1/204)

يكثر فيها الضرب والتخريج.
الاحتمال الثاني: أن يكون الشيخ قد كتب الرسالة ثم عَدَل عن إرسالها ولم يُتلفها، فبقيت ضمن أوراقه.
الاحتمال الثالث: أن الشيخ ربما كان ينسخ نسختين من بعض الرسائل، فالذي وُجِد ضمن أوراقه هو النسخة الثانية. وهذا واضح في قوله في إحدى رسائله للعمودي: "صورة كتابي الأول عندي بخطِّي". والله أعلم.
ويلاحظ أن الشيخ قد ذكر في عدة مواضع من هذه الرسائل التي بين يديك أنه قليل الاحتفال بالرسائل، ولا يجد في نفسه رغبة في تبادل المكاتبات التي لا تزيد عن مجرّد السؤال عن الحال، خاصة وهو في الهند، بل وصل به الأمر إلى أن ينهى بعض مُحِبّيه، ممن يعترف الشيخ بقربه منه عن الكتابة إليه ومراسلته، كما في رسالته المؤرخة في 1356.
وقد كشفت لنا هذه الرسائل جوانبَ من حياة الشيخ - رحمه الله - خاصة إبّان إقامته بالهند ومكة المكرمة، والأوضاع التي تقلّبت به هناك، ثم عن أوضاعه بعد مجيئه إلى مكة، وعن مدى صلاته بعائلته وإخوانه وأقاربه، ومدى عنايته بهم وبآل المعلمي عمومًا. وعن بعض أحواله المعيشية، وهمومه اليومية، ونَظْرته إلى بعض الأمور الاجتماعية، كالزواج وتربية الأبناء، والتعامل مع الناس، وغير ذلك.
وقد استكملنا الحديث عما أفادته هذه الرسائل في حياة الشيخ عند الكلام على ترجمته في أول هذه الآثار، فلا نعيده هنا.
(1/205)

وجدير بالذكر هنا أنه قد وقع في هذه الرسائل الشخصية عبارات وكلمات بالعامية الدارجة، وكلمات لم يلتزم فيها بالوجه النحوي الصحيح = أبقيناها على حالها، ونبّهنا في بعض المواضع على جملةٍ منها.
مجموع هذه الرسائل واحد وسبعون رسالة، ست وأربعون منها مرسلة من الشيخ وخمس وعشرون مرسلة إليه. وهي كالتالي:
1 - رسالة من أبيه يحيى المعلمي.
2 - رسائل الشيخ إلى أخيه أحمد بن يحيى المعلمي (17) رسالة.
3 - رسالتان من شيخه أحمد بن محمَّد بن سليمان المعلمي.
4 - رسائل من آل الإدريسي (3) رسائل.
5 - رسائل متبادلة بين الشيخ والقاضي عبد الله العمودي (6) رسائل.
6 - رسائل من ناظم دائرة المعارف وإليه (4) رسائل.
7 - رسائل المؤلف إلى الشيخ محمَّد نصيف (13) رسالة.
8 - رسائل المؤلف إلى العلامة أحمد محمد شاكر (رسالتان).
9 - رسائل المؤلف إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز (3) رسائل.
10 - رسائل متعلّقة بضبط نسبة (العَنَدي) (4) رسائل.
11 - رسائل متفرقة (18) رسالة.

* رسائل من الشيخ:
- رسالة إلى صالح بن محسن الصيلمي.
- تقويم الشيخ لكتاب عبد الصمد الديوبندي.
- رسالة إلى مدير مجلة الأزهر.
- رسالة إلى مدير مكتبة الأزهر.
(1/206)

- رسالة إلى مدير مجلة الناشر المصري.
- رسالة من الشيخ محمد بن عبد الله صولان.
- جواب الشيخ المعلمي على سؤال محمد صولان.

* رسائل إلى الشيخ:
- رسالة من أبناء محمد بن يحيى الأهدل.
- رسالة من أحمد عبد القادر فيلا.
- رسالة من القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي.
- رسالة من صديق المؤلف: فضل الله الجيلاني.
- رسالة من عبد الله بن أحمد.
- رسالة من أحمد صالح دحوان.
- رسالة من باعشن وشركاه.
- رسالة أخرى من باعشن وشركاه.
- رسالة من حبيب الرحمن الأعظمي.
وقد رتبنا هذه الرسائل بحسب تاريخ إرسالها إن وُجد.
وفي الختام أشكر كلّ من أسهم في تزويدي بهذه الرسائل، وأخصّ منهم فضيلة الشيخ مشهور حسن سلمان الذي زوّدني برسائل الشيخ إلى أخيه أحمد، فقد صورها من أبناء أخيه أثناء زيارته إلى أندونيسيا، وكان قد أعدّها للطبع، لكنه لما علم بعملي في هذا المشروع بادر - جزاه الله خيرًا - إلى تصويرها وإرسالها. كما أشكر الشيخ عبد الرحمن بن عمر نصيف الذي زودني بأربع رسائل أرسلها الشيخ إلى جده الشيخ محمد نصيف. وأشكر الأستاذ الكريم عبد الإله الشايع إذ أرسل لي مجموعة من رسائل الشيخ إلى
(1/207)

الشيخ محمد نصيف، كما أشكر أخي الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي ابن أخت العلامة المعلميّ، إذ تفضل بتصوير رسالة من الشيخ إلى أخيه أحمد وهي برقم (4) وأرسلها إليَّ فكانت نسخة أخرى مساعدة.
والحمد لله رب العالمين.
علي بن محمد العمران
16/ 4/1429ه
ثم زدت ما استجدّ من رسائل
وصححته مرة أخرى
6/ 7/1433ه
(1/208)

نصوص الرسائل
(1/209)

رسالة من والد الشيخ المعلمي
(1/211)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الولد الأجلّ الأمجد العلامة القاضي عبد الرحمن بن يحيى المعلمي حرسه الله تعالى ووفّقه لرضاه آمين.
صدرت (1) الأحرف الحقيرة لأداء مسنون السلام ورحمة الملك العلّام تغشاك على الدوام.
كتابكم وصل، فحمدت الله على عافيتكم، الحوائج وصل مع النجيد (2) ولم عرّفتم ثمنه فصِرنا محجوبين عن ذلك، وما أظن أنكم أبصرتوا (3) النجيد وإلا ما كان أرسلتوه على ضعفه.
البزّ والعمامة الذي عرّفناكم ما يناسبوكم خذوهم وارسلوهم وعرّفونا ثمنهم مع ثمن الحوائج والبخور، والباقي عندنا إن شاء الله تعالى عند حصول رسول مركون عليه نرسل ذلك.
أحمد غانم سلَّمْنا له ستَّ روبيات حيث ما نزل إلا سبب الأولاد، ولم يزل يشكر إحسانكم كافأكم الله بالحُسنى. ولا تنسونا من صالح دعائكم، وعرِّفونا حالكم وحال الأولاد، ولا تقطعونا مكاتبتكم، والسلام يغشاكم مع كافة من حوى مقامكم.
مَن لدينا كافة يهدونكم جزيل السلام، والسلام.
__________
(1) الأصل: "صدرة".
(2) غير محررة في الأصل وهذا ما استظهرته منها.
(3) يعني: أبصرتم، وقد أبقينا الكلمات والأساليب العاميّة الدارجة على حالها.
(1/213)

25 ذي القعدة، سنة 43
الأولاد (1) اجهدوا بتعليمهم جزاكم الله خير الدنيا ونعيم الآخرة، والسلام في 25 منه. مستمدّ الدعاء والدكم.
(التوقيع)
يحيى المعلمي
وأيّ حاجة أو منفعة عرّفونا، ونبارك لكم بقدوم العيد السعيد، أعادَ اللهُ الجميعَ لأمثاله سنينًا بعد سنين، آمين.
__________
(1) من هنا إلى الآخر ملحق في حاشية الرسالة.
(1/214)

رسالة الشيخ المعلمي
إلى
أخيه أحمد بن يحيى المعلمي
(17) رسالة
(1/215)

الحمد لله
أخي الصفي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله.
تناولت جوابك، وقد وصل جواب سيدي الوالد حفظه الله مع كتاب من الأخ عبد المجيد إليكم، فهذا جوابي وكتابك مرسل إليك.
أما الأخ مكي فإنه وصل إلى عدن من أجل قضيتهم مع السيد محمد محسن، وذكر أنه لم يفُز (1)، ورأيته مائلاً إلى زيارة الهند فلم أوافقه، لأن حالهم ضيق وحالنا غير متسع.
مسألتك مهمّة لي، وقد عرَّفتك بخلاصة رأيي، وإذا انفرجت الأزمة العامة ووثقت من نفسك، فلنا تدبير إن شاء الله تعالى، ومسألة الولد أبي بكر ابن محمد منوطة بمسألتك، فعسى الله تعالى أن يصلح الأمور بفضله وكرمه، والسلام.
في 19 جمادى الأولى سنة 1351
أخوك
عبد الرحمن
__________
(1) لم تحرر قراءتها.
(1/217)

الحمد لله
الأخ الصفي عافاه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصل كتابك المؤرخ 13 نوفمبر سنة 34 م، وحمدت الله تعالى على عافيتك وصلاح حالك.
ذكرتَ أنك قبل هذا أرسلت إليّ كتابين أولهما مع ولد باالعلاء، والآخر عن طريق البريد، فأما الأول فلم يصل، وأما الثاني فوصل ولكني تكاسلت عن الجواب كعادتي.
أما أنا فحالي بحمد الله تعالى حسنة، كفاف المعيشة، وهذه الأيام التقلبات كثيرة، ولن ينالنا منها إلا الخير إن شاء الله تعالى.
أما أنت فأنت أدرى بشأنك، واعلم أن سر النجاح الغلوّ في العمل، والاقتصاد في النفقة.
كُتُب سيدي الوالد - حفظه الله - انقطعت عنا من قبل الحرب، وعسى أن يجيء كتابه قريبًا إن شاء الله تعالى فأبعثه إليك، وأنا قبل أيام جددت إليه كتابًا أستعجل منه الجواب.
أما أخبار البلاد فساكنة، والصلح بين الإِمام وابن سعود تم كما بلغكم، ولا شك أنه خير كبير، والأمور الداخلية في اليمن لا تَسُر ولولا حياة الإمام لكان وكان. ونسأل الله تعالى صلاح الأحوال.
أما الأخ مكي فإني قطعت مكاتبته منذ اشتراكه في الفتنة، ولا أدري الآن أين هو. أصلح الله أحوالنا وأحواله، والسلام.
في 13 شعبان سنة 1353
توقيع
(1/218)

الحمد لله.
أخي الحبيب أحمد دام بخير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا تؤاخذني بتأخير الجواب إلى الآن عن كتابك المؤرخ 13 نوفمبر سنة 34 م.
سَرَّني تحسُّن حالك زادك الله تعالى رُقيًّا، لا حاجة بي إلى بيان سبب انقطاع المكاتبة ولا بيان شدة حرصي على ترقيك واستقلالك ثقةً بفهمك.
أما أنا فحالي بحمد الله تعالى مستقيمة، قد قنعت بما يتحصَّل من المطبعة؛ لأن خدمتي فيها موافقة لهواي كما تعلم.
وصلني قريبًا كتاب من سيدي الوالد، وطيّه كتاب إليك تراه ملفوفًا بهذا، وقد استغنيت به عن إرسال كتابه إليّ أو شرح ما فيه، وقد أرسلت جوابًا إلى الوالد مع مائة ربية أوْصَلَها الله تعالى.
الأخ مكي كتب إليّ عدة كتب وتكاسلت عن الجواب؛ لأني لم أجد ما أكتبه إلا الكلمات الرسمية، ثم إنه أيضًا قطع المكاتبة.
صِحّتي بحمد الله تعالى حسنة، والولد عبد الله بخير ولا تظنني مطمئن البال من الإقامة هنا, ولكن تمشية وقت، مع وثوقي بأن الإقامة هنا أصلح لي من غيرها، والله يصلح أحوالنا جميعًا، والسلام.
محمد بن صلاح القعيطي الجمعدار شمشير ياورجنك توفي إلى
(1/219)

رحمة الله تعالى (1).
6 ذي الحجة، سنة 1353
أخوك
عبد الرحمن
__________
(1) وجدت في مجموع (4724) تعليقًا للشيخ في تحديد وفاته. قال: "توفي شمشير ياورجنك محمد بن صلاح القعيطي ليلة السبت 3 ذي الحجة الحرام سنة 1353".
(1/220)

الحمد لله (1).
أخي الصفيّ حفظه الله (2).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابك رقيم 24 مارس سنة 1936 وصل، وحمدت الله تعالى على عافيتك وصلاح حالك، كتبك السابقة وصلت، ولا عُذْر لي في عدم الجواب، إلا أن ما تعهده (3) فيّ من الخُلُق المَرَضي [بفتح الراء]، أو المرض الخُلُقي [بضم الخاء]، أعني الانقباض والرغبة عن المزاورة يزداد تمكّنًا، فإن ههنا أناسًا تقضي عليّ المصلحة بكثرة زيارتهم، ولكن نفسي تغلبني فأدع ذلك حتى إني لا أكاد أتعمد زيارتهم ولو يوم العيد، وفي مقابل ذلك أكره أن يتعمَّد أحد زيارتي ولو يوم العيد.
وحسبك ما بيني وبين الأخ مكي من المودّة لم أكتب إليه منذ سنين؛ بل وعرَّفته أن لا يكتب إليّ، وكذلك حال الشيخ سليمان فإن منزلته في قلبي مكينة، ومع ذلك لا أكاد أكتب إليه إلا شبه المُكْره.
دعنا من هذا، فإنك تعلم حقيقة هذا الأمر من نفسك أنت مني وأنا منك، وليس على وجه الأرض بعد سيدي (4) الوالد - حفظه الله تعالى - من يسرني سروره أزيد منك، ولا أعلم لك ذنبًا.
__________
(1) "الحمد لله" ليست في (ي).
(2) بعده في (ي): "أحمد بن يحيى المعلمي".
(3) طمس بعض الكلمة في (ن)، وأثبتناها من (ي).
(4) "وجه الأرض بعد سيدي" مطموسة في (ي).
(1/221)

أما ما ذكرته من النقود الموفَّرة، فإني منذ مدَّة أحرص على التوفير وإلى الآن لم يمكني أكثر من ثلاثمائة وسبعة وخمسين (1) ربية، مع أني مشهور هنا بالبخل. وهذا المقدار فكَّرت أن أبعث إليك منه بشيء ولكن إلى الآن ما عزمت على ذلك.
أولاً: لأني من نحو سنتين لم أرسل إلى الوالد بشيء؛ لأني قبل ذلك أرسلتُ بما أرسلت به وطلبت الجواب فلم يصل جواب، وكررتُ الكتب ولا جواب، ولا أدري ما السبب أهو تعويق من جهة الحكومة، فإن محمود الحرازي هنا يشكو مثل هذا .. أم غير ذلك.
وثانيًا: قد ضاق صدري من الإقامة هنا وأحبّ أن أخرج شهرًا أو شهرين أنفخ (2).
وثالثًا: دائرة المعارف هذه الأيام في مهبّ الريح، قد أخرجوا اثنين من مصححيها القدماء ممن لهم صِلات وروابط بأهل الحلِّ والعقد، فأما أنا فليس لي شفيع (3) إلا لياقتي، وهي في هذا الزمان وهذا المكان أضعف الشفعاء.
ورابعًا: أنا مشتغل بتأليف رسالة مهمة وأحبّ أن أطبعها على (4) نفقتي إن أمكن، لأني لا أطمع أن أحدًا يساعدني بطبعها، ولا تطاوعني نفسي أن
__________
(1) (ي): "ثلاثمائة وخمسين أو سبعة وخمسين".
(2) "أنفخ" تعبير دارج لأهل اليمن، يعنون به الخروج للترويح عن النفس.
(3) (ي): "شفاعة".
(4) "أن أطبعها على" طمس في (ي). ولعل المقصود كتاب "العبادة".
(1/222)

أطلب المساعدة من أحد.
وخامسًا: وهو أضعف الأسباب، أني أرى أن البركة في التجارة إنما هي في النموّ الذي يحصل منها بمعونة الاعتماد على الله عز وجل، والجدّ في العمل والاقتصاد في النفقة.
هذا وإني أعرف وأعترف بأن لك الحق أن تَعْتب عليّ وتلومني وأشد من ذلك، فإنك لا تستطيع أن تفهم كيف أصرف في كل شهر نحو مائة وثلاثين رُبّية مع الاقتصاد، ولا يلزمك أن تحسن الظن بي، وكان عليّ أن أشرح لك نفقتي تفصيلاً، ولكني أرجأت ذلك إلى وقت آخر.
أما قولك: [فاعذروني إذا رأيتم في كتابي هذا من كلمات تنافي الأدب] فإني لم أرَ فيه إلا هذه الكلمة، فإني غَلَبت عليّ الصراحة وبُغْض الآداب المتكلَّفة، وأحب شيء إليَّ: أن تدع قلمك يترجم عن قلبك، مفوِّضًا إليه التعبير عن خواطرك بحريته الكاملة، وقد قيل: إذا ثبتت الأُلفة سقطت الكُلْفة، فما بالك بالأخوّة! مع أن خُلُقي الآن بُغْض التكلّف مُطلقًا.
أما الولد (1) أبو بكر بن محمد فإنه كان ذهب هو وأخوه إلى سيدي الوالد ولم يناسبهما المقام، فأما أبو بكر فاحتال ورجع إلى أخواله وبقي عندهم، وسأكتب إليه إن شاء الله تعالى، ولا أظنه يوافق.
وأما أحمد فلم يصبر على البقاء عند الوالد فالتجأ إلى أحمد مصلح وهو باقٍ عنده، وجاءني منه كتاب يناشدني أن أطلبه، وأنه في مشقة شديدة وكنت قد كتبت إلى الوالد في إرساله ولم أُلحّ في ذلك، لأني لا أرى
__________
(1) "الولد" ليست في (ي).
(1/223)

لأحمد بن محمد مصلحة في المجيء إليّ ظاهرة.
أما الزواج، وما أدراك ما الزواج، فلا أستطيع أن أشير عليك بشيء، لأني في نفسي وجدت الزواج فيه خير وفيه شر، أما خيره فحفظ العفة والنّاموس. وأما شرّه: فكثرة المصارف ونكد الخاطر دائمًا وغير ذلك.
والنساء أشبه بالضأن؛ جوف لا يشبعن، وهِيم لا ينقعن، وأمر مُغويتهنّ يتبعن، ولا سيما في اللباس والحليّ، أشدّ شيء على المرأة أن ترى عند صاحبتها حُليًّا ليس عندها أغلى منه، أو لباسًا ليس عندها أجمل منه، والأمر أشد من ذلك، فإن لم (1) يوافقها زوجها - وطبعًا لا يقدر على موافقتها - أدخلت عليه الهمّ والغمّ، أما أنا فإني لا أبالي بهوى زوجتي ولكن لا أسلم من الغم ونكد الخاطر وتكدّر الحال.
وبالجملة، فإني أحبّ أن تتزوج لأن خير الزواج أهمّ من شرِّه كما تعلم، ولكني لا أقدر أن آمرك لما ذكرت أن تعبه أعظم من راحته. فعليك أن تستخير الله عز وجل، فإذا غلب ميلك إلى الزواج فاجتهد أن تكون امرأة موافقة، واستخر الله تعالى فيها ثم تزوج.
وقد قال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر، فإذا وُلِد له فقد انكُسِر به، يعني انكسرت سفينته (2).
وأما الوَحْدة فإني أشدّ منك فيها، والله ما أعلم إنسانًا هنا يؤنسني الاجتماع به إلا واحدًا هو الشيخ أحمد العبادي، ومع ذلك فلا أكاد أجتمع به
__________
(1) "لم" ليست في (ي).
(2) أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (1/ 103 رقم 66).
(1/224)

في السنة ثلاث مرات، وليس هو كما أحب من كل جهة. أما بقية النّاس فإن اجتماعي بهم يكدّرني ويغمّني. وكنت سابقًا أروّح نفسي في الشهر مرتين بمشاهدة السينما، ثم رغبت عنها لأسباب منها:
أن الألعاب الجديدة أوغلت في الفُحْش والخلاعة، وتلك سماجة تذهب اللذة.
وثانيًا: أنها لمّا (1) صارت مع النطق والكلام صار ثلاثة أرباعها غناءً ومعظم لذة السينما إنما هو في القصّة، وأما الغناء الهندي فلا أستلذّه.
وثالثًا: وهو أضعف الأسباب أن المنتمين إلى العلم والدين هنا مقاطعون للسينما.
أما الفُرجة والنزهة فلا حظَّ لي فيها؛ لأن معظم شروطها الإخوان وأين هم؟!
ولهذه الأمور شَمِطَت لحيتي، وضاقت جدًّا طبيعتي، وصرت كما قيل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوَّت إنسان فكِدتُ أطيرُ (2)
وبالجملة، فحياتي ههنا تعيسة بئيسة والحمد لله على كل حال، فإن نِعَمه سبحانه وتعالى عليّ وعلى خلقه لا تحصى، ومن أعظم ذلك أنني بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى أحدٍ من الناس، وأني رُزِقت شيئًا من اللّذة في الكتب، وقد وجدت لذَّة في كتابتي لهذا الجواب على خلاف العادة فطوّلته،
__________
(1) ليست في (ي).
(2) البيت للأحيمر السعدي من قصيدة له، انظر "الشعر والشعراء": (2/ 787).
(1/225)

وأجدني مشتاقًا إلى التطويل، ولكن أخشى أن تعدّ أكثر كلامي نوعًا من الهذيان، ولعلّه كذلك.
وصل كتابك هذه الليلة، ليلة ثامن محرّم، وأهل البلد منشغلون بألعابهم المحرميّة، وأنا هذه السنة رغبت عن التفرج، مع أني كل سنة كنت أصرف أكثر هذه الليالي فيه، وكنت هذا اليوم قد اشتغلت (1) بالكتابة في الرسالة المذكورة آنفًا حتى سئمت وترددت في الخروج للتفرج، فلما جاء كتابك انفتح لي هذا الباب فشرعت في كتابة الجواب، وخشيتُ إن أنا أخرته أن تهيج بي طبيعتي المعهودة فيتأخر.
وأقسم باللهِ تعالى لولا أن عندي شيئًا من العلم أرجو أن ييسر الله تعالى نشره، وأن طاعتي لله عَزَّ وَجَلَّ حقيرة، أرجو إن طالت بي حياة أن ييسر الله تعالى لي خيرًا منها لكان الموت أحب إليّ من الحياة، بل لكان الموت هو المحبوب والحياة مكروهة، هذا معتقدي الآن ولا أدري ما يحدث بعد، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن
__________
(1) "الليالي فيه وكنت هذا اليوم قد اشتغلت" طمس في (ي).
(1/226)

الحمد لله.
الأخ الصفي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
العفو من عدم الجواب على كتابك، وما ذاك إلا لأنني بقيت متحيرًا أقدِّم رجلاً وأؤخر أخرى، حتى وصل كتاب سليمان أخيرًا فظهر لي أن الخير فيما اختاره الله تعالى.
وطبعًا إنك متكدر من تراخي المكاتبة، ولكن أنت تعلم طبيعتي أنني لا أهتم بالمكاتبة ما لم يكن هناك موجب غير مجرد ما يسمونه: المعاهدة. وأسباب غير ذلك لعلها لا تدق عن فهمك.
صدر جواب سيدي الوالد عن كتابي الأول، وقد أرسلت له أول رمضان بقريب من المبلغ الأول، وعندما يصل جوابه إن شاء الله أرسله إليك واحتفظ بكتبه لا تضيع، والسلام.
أخوك
(1/227)

الحمد لله.
سيدي الأخ الصفي أحمد بن يحيى المعلمي العتمي، سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما أدري كيف أعتذر إليك من تأخير الجواب، ولقد سوّدت الجواب مرارًا ثم لا تطمئن نفسي إليه فأقول: لعل التأخير إلى مدة خير، والآن حصحص الحق وحق كتابة الجواب على أي حال كان.
فأنا الآن أبوح إليك بالحقيقة، معاشي الذي أتقاضاه شهريًا لا يفضل عن مصاريفي بعد محاولة الاقتصاد؛ لأن أثمان الأشياء ارتفعت جدًّا تتراوح ما بين خمسة أضعاف إلى ما فوقها لا يُستثنى من هذا شيء، حتى التراب الأحمر - وهو من تراب هذه الأرض - لا يُجْلَب إليها من الخارج ولا ينقل منها إلى الخارج إلاَّ في .... إن العامل يحفر خارج البلدة بنحو ميل ثم يحمله إلى بلده ويبيعه. فالقدر الذي كان يباع بآنة (1) يباع الآن بخمس آنات وأكثر.
وكان الأخ سليمان وعد بأنه سيجيء إلى هنا فلم أزل أترقب قدومه لأشاوره في أمرك حتى أستطيع أن أشير عليك بأمر يُرجى أن لا تكون عاقبته أن تلومني. وقد قيل: في كلِّ وادٍ بنو سعد (2).
الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: "الضرر لا يزال بالضرر".
__________
(1) الرّبية الهندية كانت تساوي 16 آنة.
(2) الجملة غير واضحة، وهكذا قرأتها بعد تأمّل.
(1/228)

هذا والولد عبد الله يقبّل يديك، وقبّل عني خدود الأولاد، ومن الله العون، والسلام.
في 12 رمضان سنة 1366
أخوك
(1/229)

الحمد لله.
الأخ الصفي أحمد بن يحيى العتمي، دام بخير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصل كتابك الأخير الملفوف بكتاب الأخ سعيد بامردوف، ولا أكتمك يا أخي أنني أيضًا قد سوّدت قبل وصول كتابك عدة مكاتيب ثم لا أرى فائدة لإرسالها، وكذلك بعد وصول كتابك، والآن قويت الهمّة على إرسال هذا.
أرجو أنني غير خالي الذهن من التفكّر في شأنك، ولكن أكره أن أشغلك بالتفكّر في شأني، فاعلم يا أخي أن الأحوال هنا من عدة سنين متضايقة، وهي الآن كذلك، والأمور السياسية مضطربة جدًّا لا يُدرى عما تتمخض، واستقراري الآن متزلزل لا أدري لعلي أضطر إلى التحول، وما لم يطمئن البال بالاستقرار لا أقدر أشير عليك بشيء. وأرجو إذا هدأت الأمور وظهر الاستقرار العام والخاص أن أكتب إليك بما ينبغي.
هذا خلاصة الأمر الآن، ولا تظن أنني مضطرب أو منزعج أو مشوَّش، بل أنا بحمد الله عز وجل في خير ولكن الأحوال نفسها مضطربة ومشوشة، وبالجملة فلا يمكنني الآن أن أشير عليك، وإذا أراد الله تعالى [شيئًا] هيأ أسبابه، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن
(1/230)

له الحمد.
في 22 رمضان سنة 1369.
الأخ الصفي أحمد بن يحيى بن علي العُتْمي دام بخير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلت إشارتكم بواسطة الأخ سعيد بامردوف، ولم أعتنِ بجوابها؛ لأن الكتابة تثقل عليّ ما لم تكن لفائدة مهمة، ومجرد الإخبار بالعافية والسؤال عنها لا يهمني.
ثم سافر الأخ سعيد بامردوف إلى حضرموت، وبعد سفره بمدة تجدّد ما أوجب أن أكتب إليك.
باكستان انضمَّ إلى أهلها مثلهم أو أكثر فضاقت سُبُل المعيشة إلا على من بيده رأس مال وافر، وبقية الجهات كذلك أو أشدّ، فلا تحدّث نفسك بالخروج عن تلك الجهة، فإنه كما قيل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وصل مكتوب من الأخ عبد المجيد يفيد أن حاله حسنة، وكذلك حال الأخت سعيدة.
الولد أحمد بن محمد بن يحيى بقي هنا مدة في حال حسنة، ولكنه بحماقته لم (يطل) بها. ثم أدته حماقته إلى (واستقر رأيي ورأي جميع ... ههنا ...) سفره إلى اليمن تخفيفًا للمصيبة، فعرض عليه ذلك، فامتنع وبقي يعذّب نفسه [تعذيبًا] بالغًا، ثم رضي بالسفر، فغرمنا عليه وسافر إلى عدن واسترحنا.
(1/231)

موجب الكتابة أنني كنت منذ ثلاث سنوات [تقريبًا] أتوقع السفر عن قرب فاحتجت إلى الاقتصاد من المعاش لأجل مصاريف السفر، وتبيّن لي الآن أنه لا يمكنني السفر إلى سنتين أو أكثر. وأُلهمتُ أن أتوكل على الله وأوثركَ بالخمسمائة الربية التي اجتمعت عندي لتضمّها إلى رأس مالك، وتضاعف (أموالك) في عملك، لكن إرسالها إليك تعسَّر.
وقد سألت بقايا العرب ههنا لعلّي أجد من له علقة بسوربايا (1)، فيحوّل لك بقدر خمسمائة ربية كَلْدار وأسلمها هنا، فما وجدت إلى الآن.
ولو كان الأخ سعيد بامردوف هنا لسهل الأمر، فانظر أنت إذا كان أخوه يرغب في ذلك يدفع إليك مقدار خمسمائة ربية هندية كلدار، وتعرّفني أرسلها إلى الأخ سعيد، فإن الإرسال من هنا إلى حضرموت متيسر. فإن لم [ترغب] في ذلك فابحث لعلك تجد غيره. والمقصود أن عندي خمسمائة ربية هندية كلدار ... لك. والسلام.
أخوك
عبد الرحمن
__________
(1) مدينة كبيرة بإندونيسيا.
(1/232)

الحمد لله.
الأخ الصفي أحمد بن يحيى المعلمي، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصل جوابكم وحمدت الله تعالى على عافيتك مع الأولاد، وأرجو أن يكون اهتمامي بشأنهم قريبًا من اهتمامك، ولكني إلى الآن ما رسخت قدمي هنا، وعسى الله تعالى ييسر ذلك قريبًا، وحينئذ نسعى في استدعاء بعضهم إن لم يتيسر استدعاء الجميع.
الأخ عبد المجيد قد رجع إلى البلاد وسنرسل إليه جوابك إن شاء الله تعالى.
قد أحسنت بتزويج فريدة إذ يسر الله تعالى الكفء الصالح إن شاء الله. والولد عبد الله إلى الآن في باكستان، وإذا يسر الله تعالى رسوخي هنا فستُقْضى جميع المطالب على ما يرام إن شاء الله تعالى.
وهذا على عجل، ومن الآن إن شاء الله تعالى ستتصل المكاتبة بقدر الإمكان. وقبّلوا عني وجنات الأولاد. وإخواننا هنا يسلمون عليكم، والله ييسر للجميع خيرَي الدارين بفضله وكرمه.
29 محرم سنة 1373
أخوك
عبد الرحمن
(1/233)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الأخ الصفي أحمد بن يحيى المعلمي - حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مضت مدة لم يكتب فيها أحدنا إلى الآخر، وليس لي عذر إلاَّ أن أحوالي هنا لم تنتظم انتظامًا يمكنني مما أحب، فأما أنت: فأنا عارف بعذرك، وعسى الله تعالى أن يهيئ الأمور وييسر كل معسور بفضله وكرمه.
الأخ عبد المجيد قدم للحج هذه السنة، وقد كتب إليك كتابًا تراه مع هذا.
دعائي لك ولأبنائك متواصل إن شاء الله تعالى. والسلام.
في ذي القعدة سنة 1374
أخوك
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
بمكتبة الحرم المكي بمكة المكرمة
(1/234)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الأخ الصفي أحمد بن يحيى المعلمي العتمي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو الله تعالى أن تكون أنت وأهلك وأولادك بخير وعافية، وأسأله تعالى أن يديم لكم ذلك ويصلح سائر شؤونكم، أنت تعرف عيبي في التقصير في المكاتبة، والعيب إذا استحكم ربما لا يبقى وجهٌ اللعَتْب عليه، وعلى كل حال فالحق لك.
في موسم الحج الماضي جاءنا الأخ عبد المجيد وكتب إليكم كتابًا لا أدري وصل أم لا، أما أنا فبعد وصولي هنا لم تتهيأ الأمور كما ينبغي؛ لأن ذاك يستدعي أعمالاً لا يدعني كسلي وغيره من خلائقي أن أؤديها، ثم تحسَّنت الحال أخيرًا إلى حدٍّ ما، وشَرعتُ أفكر في ترتيب الأمور الأقرب فالأقرب، أسأل الله تعالى التيسير والتوفيق.
الولد عبد الله لا يزال إلى الآن في باكستان يتعلم، ونريد أن نطلبه إلى هنا بعد (1) سنة تقريبًا، ولعلنا نحصل له على خدمة هنا، وزوجتي لا تزال في الهند وهي مريضة مرضًا مزمنًا لا يمكنها معه القيام بمصالح نفسها فضلاً عن غيرها، وأنا مرتّب لها معيشتها هناك، ولي فكرة في الزواج إذا وجدت امرأة عاقلة فيها بقية.
__________
(1) الأصل: "بعده".
(1/235)

ولا يزال فكري مشغولاً بشأن أولادك لكني كنت أقول: القضية التي لا يسعني أن أعمل فيها شيئًا الأولى أن أحاول الغفلة عنها.
أما الآن فأرجو أنني بعد ترتيب الأمور القريبة أتمكن من عمل شيء في قضيتك، فأرجو أن تسامحني وتعرَّفني بحالك وحال أولادك، فأما الدعاء لك ولأولادك فهو على كل حال مبذول، والله تبارك وتعالى لا يُضيع دعاء سائل، ولا عمل عامل، أسأله سبحانه التوفيق لنا جميعًا وإصلاح شؤوننا كلها بفضله وكرمه، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
في 9/ رجب سنة 1375
عنواني هنا: مكة المكرمة
- مكتبة الحرم المكي - عبد الرحمن المعلمي
(1/236)

بسم الله الرحمن الرحيم
في 28 شعبان 1375
الأخ العزيز الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابك المؤرخ 20 شعبان سنة 75 وصل، وحمدت الله تعالى على عافيتك أنت والأولاد، وأسأله تعالى أن يزيدنا وإياكم خيرًا.
أرجو العفو والمسامحة، كانت هزَّتني أريحية السرور بجوابك، فشرعت أكتب جوابًا مفصَّلاً، فكتبت ورقة ثم ... فرأيت ذلك يطول، ونحن كما يقولون في عصر السرعة، فعدلت عن ذلك معللاً نفسي برجاء أن يمنّ الله عز وجل بالاتفاق فنتمكن من التفصيل.
أما تحسّن حالي فلله الحمد، ولم تكن قبل ذلك حالي سيئة، لكن الإنسان ما دام حيًّا لا يخلو من مطالب إذا قصرت يده عنها عد حاله سيئة، مع أنه إذا بسطت يده امتدت عينُه إلى مطالب أخرى وهلمّ جرّا. وأنا الآن في صدد تأمين أهم المطالب، وأسأل الله تعالى التوفيق.
الأخ عبد المجيد حجَّ العام الماضي ومعه ولده عبد اللطيف يريد أن يبقيه عندي فلم يتيسر ذلك؛ لأني وحيد مشغول، والولد صغير لعّاب يحتاج إلى من يحفظه، وكان - أعني عبد المجيد - يريد أن يتداوى لأنه اعتراه بياض الجلد، فلم يتمكن لأن الطب هنا لم يبلغ درجة عالية، والسفر إلى
(1/237)

الخارج يحتاج إلى نفقات باهضة لا تتهيَّأ لي، ومن المؤسف أنه لم يستصحب معه غير نفقة الوصول إلى هنا، مع أن الحجاج الواردين من أصحابنا وغيرهم مجمعون على أنه قد صار من أغنى أهل بلاد الرَّيمي، حتى وصفه بعضهم بأنه يضاهي عميد بيت الرَّيمي ويزيد عليه بأنه ممسك وذاك متلاف.
والحاصل أنه بحمد الله عز وجل في راحة، فأما ذاك المرض فإنما ضرره تغيير اللون، والعلاج لا يُصْلح ما تغير بل غايته الإيقاف من الزيادة وليس في ذلك كبير فائدة لأن التغير قد انتشر، ومع ذلك فنيتي أني بعد تأمين المطالب الضرورية أساعده إن شاء الله على مرغوبه. والأحسن أن تكتب أنت إليه مكتوبًا لأرسله إليه، فذلك أولى من أن أرسل إليه جوابك إليّ.
وبقيت واحدة من الكرائم حالها حسن، وأرسلت لها في العام الماضي صلة يسيرة. الكريمة عطية توفيت وبقيت بنتها من إبراهيم القاضي مزوجة بابن القاضي محمد، وجاءنا ابن هذه البنت وأقام مدة ثم عاد وتزوج بنت الأخ عبد المجيد.
الأخ محمد - رحمه الله - كان ابنه أحمد جاءني إلى الهند وتحصلنا له على خدمة، ثم ساءت طباعُه جدًّا فآذى نفسَه وآذاني وترك الخدمة، فكان أقصى جهدي أن اجتهدت في ترغيبه في السفر إلى اليمن، وهو الآن في الحِجَرية، وأرسلت له صِلَة كبيرة، أما أخوه أبو بكر فتوفي وترك ولدًا يقال له محمد عمره نحو خمس عشرة سنة، وهو الآن بعدن يتعلم في المعهد التجاري، وقد راسلته وفي نيتي أن أطلبه، فإذا رأيته يصلح للبقاء هنا ورغب في ذلك أبقيته.
(1/238)

ابني عبد الله لا يزال بكراجي، وبقي عليه في التعليم سنة ثم نطلبه إلى هنا إن شاء الله تعالى.
ههنا من أصحابنا محمد وعبد الرحمن ابنا عبد الرحيم المعلمي، وأبناء أخويهما عبد الله وعبد الصمد وحالهم حسنة.
كتبت إلى هنا في التاريخ المذكور أعلاه ثم توقفت لأني أردت أكتب في شيء يتوقف على أسباب منتظرة، فرجوت أن يتبين حالها عن قرب، ولكنها تأخرت جدًّا، فرأيت تسجيل الجواب وتأخير ذلك الأمر إلى وقته.
تعليم الأولاد وإعدادهم لمعترك الحياة ضروري، ولابد أن يهيئ الله تعالى أسباب المعونة. أرجو أن أتمكن بعد هذا من شرح الحال بأصرح من هذا كما أطالبك بمثله، تحيتي ودعائي للأولاد، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن
(1/239)

بسم الله الرحمن الرحيم
في 6 ذي القعدة سنة 1375
الأخ العزيز الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ 2 شوال وصل، وحمدت الله تعالى على عافيتكم وصلاح أحوالكم، وأسأله أن يديم لكم ولنا نعمه ويزيدنا من فضله، ويبارك في الابن الحَدَث ناصر وإخوته، ويصلح جميع الأمور بفضله وكرمه.
قضية الحج عن أحمد بن سالم جبر لا تتيسر لي أنا، وأنا أحج هذه السنين عن نفسي إلا سنة واحدة ألحَّ عليّ بعضُ النّاس ودفع له ما يعادل عشرة أضعاف المبلغ الذي ذكرت، ولا تكاد تجد أحدًا ههنا يحج بالمبلغ الذي ذكرت إلا نادرًا، فإذا أراد صديقك أن نبحث له عن بعض طلبة العلم وندفع له ما يعادل المبلغ المذكور ليحج عن أحمد بن سالم، فاقبض أنت المبلغ ثم عرّفني، فإن وجدت عرفتك بذلك، وإلا أرجعتم المبلغ لصاحبه، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن
(1/240)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الأخ العزيز الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله تعالى أن يبارك للجميع في شهر الصّيام ويصلح جميع الأمور، ويوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
أرجو العفو والمسامحة من تأخير المكاتبة، أرجو أن تكون أنت والأولاد بخير وعافية.
ابني عبد الله عندي الآن، وقد تعبنا كثيرًا في طلبه إلى هنا، وحصول الإذن له بالإقامة.
أحبّ إرسال هدية للأولاد، لكن الإرسال من هنا فيه شيء؛ لأن الواسطة الميسرة مخسّرة بمقدار الثلث تقريبًا، فأرجو أن يتيسر لكم الاتفاق مع بعض العازمين على الحج من هناك، تحولون لهم عليّ مبلغ ألف ريال سعودي على أن تأخذوا منهم مبلغ عشرة آلاف ربية جاوي، أو على الأقل تسعة آلاف وهم الرابحون؛ لأنهم إذا جاءوا بربيات جاوية إلى هنا يحتاجون إلى صرف ألف ربية بتسعين ريال، وإذا طلبوا من يحول لهم من هنا لا يعطيهم في مقابل الألف ربية إلا سبعين ريالاً أو نحوها، فإذا لم تجدوا فانظروا من يقبل التحويل.
على أي حال أسأل الله تعالى أن يهيئ الأسباب وييسر الأمور ويلطف بالجميع.
(1/241)

الولد عبد الله يُسلّم عليكم وعلى الأولاد، والدعاء مبذول، ومن الله القبول، والسلام.
في 26 شعبان سنة 1377
(1/242)

بسم الله الرحمن الرحيم
13/ 12/ 1377
الأخ العزيز الصفي الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلني مكتوبك الكريم المؤرخ 17 ذي القعدة سنة 1377، وحمدت الله تبارك [وتعالى] على عافيتك وعافية الأهل والأبناء، أسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح شؤون الجميع وييسر جميع المقاصد بفضله وكرمه.
الولد عبد الله يسلم عليكم ويقبل يديكم وهو الآن بجدة؛ لأنه اختار أن يتحصَّل على خدمة هناك، ولم يسعني إلا السماح له لأنني أحبّ أن يشقَّ طريقه بفكره ورأيه، وعلى كل حال فهو بحمد الله تعالى حَسَن السيرة، طيب الأخلاق، بعيد عن مخالفتي، وأرجو أن يفوز بمقصوده قريبًا إن شاء الله تعالى، تعليمه متوسّط يكفي لحصوله على خدمة طيبة.
قضية زواجه فِكرتي فيها موافقة لفكرتك، وقد كنت لمَّحت له، فإذا رأيه أنه يريد أولاً أن يتحصَّل على الخدمة ويستقر فيها.
الولد محمد يسرّني أن أراه وأن يبقى معي، لكن ينبغي أن نفكر أولاً في الرخصة؛ لأن قانون البقاء هنا يُشدد، فالقادم للحج أو الزيارة لا يمكن أن يرخّص له البقاء بحال، والقدوم لغير ذلك لا يُرَخّص به إلا لمن تحتاج إليه الحكومة أو تحتاج إليه بعض الشركات، بعد أن تثبت اضطرارها إليه وعدم
(1/243)

وجدانها لمن يقوم مقامه، حتى الحاملون لجوازات يمنية صاروا يشدّدون عليهم، وكانوا قبل سنتين أو ثلاث يتسامحون معهم، غير أنني سأستشير بعض أهل الخبرة وأعرفكم إن شاء الله تعالى. هدية الأولاد أرسلتها.
وحُرّر هذا على عَجَل فسامحوا، والسلام.
أخوك
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(1/244)

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ العزيز الشيخ أحمد بن يحيى بن علي المعلمي اليماني العتمي، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابك الكريم المؤرخ 27 شوال سنة 1378 وصل، وحمدت الله تعالى على صحتك وعافيتك أنت والأولاد، وسرّني عزمك على إرسال الولد محمد بارك الله فيه، وذكرتَ أنك تسعى في استخراج جواز أندنوسي له، فإذا تم ذلك فعرفني حتى نستخرج له الرخصة وغير ذلك عند وصوله إن شاء الله تعالى يدبر الله الأمور بأفضل تدبير.
الأخ عبد المجيد وصل للحج كعادته هذه السنين، وكتب إليك ورقة تراها طيَّ هذا، والرجاء من الله تعالى إصلاح الأمور كلها بفضله وكرمه.
الولد عبد الله يسلم عليك ويقبّل يديك وهو الآن في جدة، أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، والسلام.
3 ذي الحجة سنة 1378
أخوك
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(1/245)

بسم الله الرحمن الرحيم
أخي العزيز الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تكون مع الأولاد والأهل بخير وعافية. وصلني كتاب من ابني عبد الله يذكر أنه وصله منكم كتاب بعزمكم على إرسال اثنين من أبنائكم، وأنه كتب إليكم جوابًا وذكر فيه شيئًا يتعلق بالجواز، ثم تذكّر بعض مشكلات الجوازات، ويريد أن يكتب إليكم كتابًا آخر.
والحقيقة أن قضية الجوازات وما يتبعها معقّدة جدًّا، وأنا نفسي بعد اللَّتيا والتي حصلت على الجنسية السعودية، أما ابني عبد الله فلم يتهيأ لنا ذلك، وهو إلى الآن بالجنسية اليمانية ويعاني من المتاعب.
والذي أرى الآن إذا عزمتم على إرسال الابنين: أن ترسلوهما بجواز إندنوسي حفظًا لخطّ الرجعة، مع التأشير عليه من السفارة السعودية عندكم، وعند وصولهما نبذل الوسع وعسى ولعل. القانون هنا مشدّد جدًّا، والنّاس يغامرون في التحايل عليه، ونحن لا نحسن المغامرة والأمر بيد الله.
وأما التذاكر فقد ذكر عبد الله أنه مستعد وقد أكدت عليه في ذلك وعسى الله سبحانه أن ييسر الأمور.
سلامي ودعائي لأبنائكم، والله يحفظكم. والسلام.
10/ ذي القعدة الحرام سنة 1384
أخوك عبد الرحمن
(1/246)

رسالتان من شيخه أحمد بن محمد المعلمي
(1/247)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله.
إلى حضرة الولد الوجيه، الأريب النبيه، العلَّامة الفقيه: عبد الرحمن بن يحيى المعلَّمي - كان الله لنا وله خير حافظ وولي -، السلام عليه وعلى مَن لديه ورحمة الله وبركاته. والله المسؤول أن يحفظ أمير المؤمنين وينصر به الدين. آمين.
صدرَتْ للعهاد ولطلب الدعاء في التوفيق بنشاط الأجساد في فعل الطاعات والاستعداد، نسأل الله القبول.
وما ذكره الولد من الضنَّ بالإمداد إلى آخر المقول، فليس كذلك، بل سهو ونسيان، وأمرٌ آخر لعله لا يسمح به اللسان إلا بعد تأبٍّ وامتناع، وهو التسهيل في شأن إحياء ما بين العشائين كأنه أفضل من صوم على الإحياء لا يستطاع (1)، وكذا صلاة الصبح تكون قضاءً في بعض الأوقات. ولكن مع كثرة القيل والقال صار العلم يُعرف بالرجال بعد أن كانوا لا يُعرفون إلا بالأعمال بمشاهدة المتابعة منهم في كل حال.
وتوهَّمتم بأنا ذكرناكم من جملة المشايخ في السؤال. فقد كان الجواب عن الدرهم سيحصل بالجواب على الفقيه محمد عبد الرزاق اطلبوه منه.
ومما ذكرنا فيه أن الموعظة تكون ... (2) ضمن قصة أو لغزٍ لتتمكن في
__________
(1) كذا هذه العبارة!
(2) كلمة لم تتبين.
(1/249)

القلوب، وأن المقصود من السؤال لازم الخبر لا فائدة الخبر وإشاعة الملازمة لمن له أعلى الرُّتب، والموالاة فيه من أفضل القرب. والإشارة في ذلك إلى قوله: "إن الله اختارني ... " إلخ، و"خيركم قرني ... " إلخ، وما أحسن قول الهمزية:
تتباهَى بك العصورُ وتسمو ... بك عَلْياءُ بعدها عَلْياءُ
فالإضافة إلى أرباب الصدور تعمُّ جميع المقاصد الدنيوية والأخروية والأعمال الدينية والدنيوية، كما حمل بعض العلماء "الماعون" على كل ما يُطلب حتى القلب ماعونٌ لمهبط التجليات الربانية.
هذا، ونروي السند مسلسلًا بالحفاظ المعروفين، وللإنسان أن يروي [عن النووي] (1) من فقه وحديث وأوراد بالسند المذكور، وكذا غير النووي كذلك.
وأخبرنا بذلك شيخنا السيد العلامة داود بن عبد الرحمن حجر رحمه الله حيث ننقل السند عنه. والمقصود من السند ما حرَّرناه في الفائدة، وكلُّ فائدة أو دعاء أو ذكر لا يُسند فحكمه حكم اللقيط, فأمر السند ومعرفته أمر مهمّ جدًا.
والدعاء وصيتكم، لا تنسونا منه وفي حفظ الله لا برِحْتم، والله يحميكم وشريف السلام، وحرّر غُرَّة شعبان سنة 35 (2).
مستمدّ الدعاء وباذله، فقير ربه الغني
أحمد بن محمد بن سليمان بن المعلمي وفقه الله
__________
(1) لم تظهر من الكلمتين إلا "وى" لانثناء الورقة من تحت.
(2) يعني 1335.
(1/250)

الحمد لله وحده.
إلى حضرة العلامة النحرير والبدر المنير، الولد الوجيه الفقيه عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - سلَّمه الرب العلي -.
السلام عليه وعلى مَن لديه يغشاهم كلِّ بكرةٍ وعشي. والله المسؤول أن ينصر أمير المؤمنين، وأن يرزقنا بركة ولايته آمين. وأن يجعلنا أجمعين ممن شملتهم الرحمة والمغفرة بهذه الخواتم بحق نبيِّه وآله الطيِّبين. وبعد فصدرت للإلف للعماد، ولتكبير الوداد ولطلب الدعاء بالتوفيق لعمل المعاد. ولا يخفى بأنه قد طال تأخير الجواب لحصول أشغال وأسباب، ثم اقتضى الحال التحقيق بعد وصول الحاج محمد عبد الرحمن، وأخبر عن أمور الجرائد يحققها ويوجب الجهاد على كل فرد غير المعذورين إذا نصحوا لله ورسوله، ومن النصيحة الدعاء الذي يُقنت به في وتر رمضان لما فيه من جمع الكلمة، ولأن عمر أمر به في بدء الجهاد وكذلك في غربة الإِسلام. وبيان دسائس الكفار وهو حصر البحر حتى التجوا للبضائع وأخرجوها ودسُّوا فيها ... (1) للعرب وذهبيا حتى أخذ الكفر الاسكندرية من البحر والعرب من البر، ومكران والصقلِّية كذلك. والحديدة سيعملوا بها كذلك، والبضائع تخرج للعرب من الخوجة وغيرها.
ونخبركم بأنه حصلت للمرحوم زيارة بنياية الشيخ سعيد الآتي من مكة وزيارة من الحاج بعد أن كان يائس، فشكا الحال على بعض الأخيار، فجعل له شفاعة إلى الشريف فيصل بن حسين فأوصلوا الزوَّار إلى ابن رشيد
__________
(1) كلمتان لم تتبينا.
(1/251)

وأدخلهم على خمسين خمسين بسبب هدنة بين المتقاتلين من أهل المدينة ومكَّة حصلت بينهم ليقبروا القتلى، ويجدِّدوا العدَّة، وحصل النفير على الاسكندرية حينئذ. وبلغ أخذهم لها وخرَّبوا المساجد. والرهن وقع بعد أن قُتل أنور وعبد الحميد قتله الألمان خطأً. فهذا ما نحقق لكم إجمالاً، وأما كتابه فينبغي إبقاؤه والتنبيه على الدسائس التي فيه، وهوا .... (1) اتركوا لي أصحابي. وصرَّح أكثر الأئمة بأنهم أولاد [المشركين] (2) مثل مالك والشافعي، وأن عذاب القبر لا حقيقة له، وأظن بل أتيقَّنُ أن الدسائس قد سَرَتْ إلى الناس من قديم الزمان بهذه الجهة، فتراهم يقولون لصاحب الدهاء والذكاء والحفظ: هو ابن زنا، ويكنون عن الجوع بسيدي حسن، وعن الهَنِ الذي لا يُذكر ب "حسين" يأمروا الصبية بسترته.
وكل هذه دسائس كفرية من أمثال كتاب "زهر الربيع". ولقد نبه القاضي الجمالي علي السماوي بأنه من تصنيف بعض الرافضة والباطنية المعروفة بالقرامطة والإسماعيلية.
فهذا ما نفيدكم، ونأمركم بإرشاد الناس إلى التحذير من ذلك جميعًا، وللدعاء وأن قطع البضائع هو من الضرر في الدين.
وفي حفظ الله لا برحتم والله يحميكم وشريف السلام.
نعم صدر ما حررناه في الكراسي وأنتم بالخيار إما أن تنقلوه للحقير وإلا أرجعتموه. لا تسهّلوا، لا تسهلوا من إرجاعه. وقد حرَّرنا الإجازة في ورقة مستقلة حسب طلبكم والدعاء وصيتكم وشريف السلام.
__________
(1) طمس كلمة أو أكثر.
(2) قطع في الورقة ولعله ما أثبت.
(1/252)

رسائل من آل الإدريسي
(3) رسائل
(1/253)

[رسالة من محمد بن علي الإدريسي إلى الشيخ]
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن علي بن إدريس إلى مُحبّنا الأجل العالم العامل الأمثل وجيه الإِسلام عبد الرحمن المعلمي عافاه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو مصلّيًا مسلمًا على مولانا محمد وآله وصحبه.
كتابكم الكريم وصل بمعيّة أخيكم الفاضل (1) مبشِّرًا بقدومكم من الحج، جعله الله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، وقد اتفقنا بأخيكم وأصْحَبناه ستين ريالًا؛ أربعين لوالدكم وعشرين له. ويعذرونا لأنه صادف موسم هذه الجنود والمطالب الجمة مع شدة الوقت وجدب البلاد، وقد كنّا ننتفع فيها بالحبوب فأصبح الآن نشتريها من الأسواق، وما كان من خصوصكم فلا نظن أن الشيخ محمد يحيى والقائمين بميدي يقصّرون في حقكم، وسنؤكد عليه من خصوصكم، ونسأل الله أن يمنّ بالاتفاق عاجلاً على أحسن وفاق. ودمتم سالمين.
6 محرم الحرام سنة 1336
__________
(1) لعل المقصود أخوه محمد (ت 1341).
(1/255)

[رسالة من الحسن بن علي الإدريسي إلى الشيخ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه.
من الحسن بن عليّ بن محمد بن أحمد إدريس - تاب الله عليه - إلى محبّنا الفقيه العلَّامة وجيه الإِسلام عبد الرحمن بن عبد الله (1) المعلمي عافاه الله آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صدرت (2) للسلام والتحيّة والسؤال عن أحوالكم المرضيّة. قد تشرفنا بوصول كتابكم الكريم وخطابكم العذب الوسيم، فحمدنا الله تعالى على عافيتكم، والقلوب بالمحبّة مرتبطة، والأرواح جنود مجنّدة.
إن السلام وإن أهداه مرسله ... وزاده رونقًا منه وتحسينا
لم يبلغ العُشر من قول تبلِّغه ... أُذنَ الأحبةِ أفواهُ المحبينا
هذا، والله يقدّر الاتفاق على أحسن وفاق، وقصيدتكم الميمونة لمدح مشايخ الطريقة الأحمدية وصلت إلينا، أوصلكم الله إلى رضوانه. وأحسنتم بذلك، والمتعلق بأولياء الله في حرز مكين.
__________
(1) كذا وهو سبق قلم فوالد الشيخ اسمه "يحيى".
(2) الأصل: "صدرة".
(1/256)

هذا، ودمتم سالمين في حفظ رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
15 ربيع أول سنة 1332 (1).
__________
(1) غير محررة وتحتمل (1337).
(1/257)

[رسالة من مصطفى الإدريسي]
بسم الله الرحمن الرحيم
إنه من عبد ربه الفقير إليه في جميع أموره مصطفى الإدريسي كان الله له، لحضرة مَن وافانا كتابه الكريم المنبئ عن صحبته بتصميم الفاضل المحترم عبد الرحمن بن يحيى المعلمي عافاه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قد سرَّنا ما أبديتموه، ودعونا لكم بالتوفيق، ونبشّركم أنه في هذه الأيام توالت علامات النصر والظَفَر بفضل الله ومَنّه وطوله، حتى إن الجيوش المنصورة دخلت قضاء باجل، وسيكون قريبًا إن شاء الله التحاق القَضوات (1) المجاورة بحول الله، حسبما استُفيد من مخابرات الأهالي وطلبهم ذلك، فنحمد الله تعالى على ما مَنّ وأنعم ونشكره جلّ ذكره الشكر الأتمّ.
ونظرًا لما نعهده منكم بخصوص سروركم عند سماعكم مثل هذا فقد أجبنا (2) ذكر الواقع لكم، ونوصيكم بالدعاء على الدوام، والله يحفظكم والسلام.
مصطفى الإدريسي
27 ربيع الآخر سنة 338 (3)
__________
(1) جمع "قضاء" وهو بمعنى المحافظة أو المنطقة.
(2) كذا. ولعلها: "أحببنا".
(3) يعني بعد الألف.
(1/258)

رسائل متبادلة بين الشيخ المعلمي
والقاضي عبد الله العمودي
(6) رسائل
(1/259)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مستحقَّ الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه من بعد ...
ولله السيد حاتم رحمه الله تعالى:
يا قلبُ إنك بيتٌ (1) للحبيب فلا ... تخَفْ غزوَ واشٍ لومُه انفصلا
حضرة أخينا ومحبنا الهمام، وجيه الإِسلام قاضي القضاة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - عافاه الله تعالى - بعد أسنى السلام والتحية والإكرام، والمعاهدة والتهنئة بالعيد السعيد - أعادنا الله وإياكم لمثله وأمثاله، وأسبل علينا جميع ألطافه الظاهرة والخافية، بحقَّ من نزلت عليه سورة الجاثية (2). والله المسؤول أن يديم التأييد والنصر والظفر والفتح لإمامنا أمير المؤمنين المهدي لدين الله رب العالمين.
وأنه ورد إلينا معرّفكم الكريم وخطابكم الفخيم مضمونه التهنئة بالعيد والمعاهدة، وقد أعرب عن الودّ والمعاضدة، وهكذا من حقّ الإخاء وأنتم أهلٌ لذلك، وأفدتم أنه ثبت لدى قاضي رجال ألمع رؤيته الهلال ليلة الأحد ... إلخ. فقد عنَّ لنا البحث معكم في ذلك والقصد الفائدة والاستفادة.
قد قالوا: يلزم من الرؤية في البلد الشرقي رؤيته في البلد الغربي ...
__________
(1) مهملة النقط, وكذا استظهرتها.
(2) كذا، وهو من التوسل الممنوع.
(1/261)

إلخ، و"رجال" (1) شرقية بالنسبة إلى غربيّها مطلقًا من غير نظرٍ إلى اتحاد فهل هو مسلَّمٌ؟
فإذا قلتم بتسليمه، فما معنى اشتراطهم اتحاد المطلع؟ فيكون من باب تعارض المانع والمقتضي، فيا ترى أيّ ذين يُقدَّم؟!
فإن قلتم بالثاني تفريعًا على ما قرّروه أنه يلزم من رؤيته في البلد الشرقي رؤيته في البلد الغربي من غير نظرٍ للاتحاد، فقد قالوا بتقديم المانع كما في القواعد الفقهية، اللهم إلا أن يكون ذلك من المستثناة من القاعدة أو نظيرها، فالنصُّ مطلوب. وهذا كلُّه مفروض مع عدم اتحاد المطلع، وأمَّا مع اتحاده (2) فلا كلام في ذلك.
وأيضًا لنا بحثٌ هل "رجال" داخلةٌ في مطلعنا فنسحب حكمها علينا أم لا؟ محلُّ نظرٍ يحتاج إلى تحرير، فالفائدة مطلوبةٌ.
واعْرِضوا ذلك المُشْكل على وليّ نعمتنا الإِمام الأعظم، فإنّ عنده زيادةَ علمٍ فيما أشكل علينا، وهو مُبَلَّغ منَّا بأسنى السلام.
وكتبه عبد الله بن علي عمودي
عفا الله عنه
__________
(1) يقصد "رجال ألمع".
(2) الأصل: "اتحاه" سهو.
(1/262)

وعليكم من الأخ المكرم السلام الأتم الأكرم.
نعم (1) وأيضًا قد عللوا أنه لا حكم يتعلق بالشرقي إذا رُئي في الغربي؛ لأنه - أي الليل - يدخل في البلاد الشرقية قبل ... إلى آخر كلامهم.
والحال أنَّهم قد علقوا الحكم على اتحاد المطلع، فيكون بدون نظرٍ إلى تعبيره بالشرقي والغربي، هذا مع الاتحاد، فهذا (2) فارقٌ لذلك وجمعٌ لكلامهم؟
وما معنى قول ابن حجر في "التحفة" (3) عَقِبَ هذا البحث: وفيه منافاةٌ لظاهر كلامهم، ويُوجَّه كلامُهم بأنَّ اللازم إنما هو الوجود لا الرؤية؛ إذ قد يمنع منها مانعٌ والمدارُ عليها لا على الوجود. اه.
نعم، واصِلُكم نَظْم قاعدة الحصر والإشاعة حرّروه ودمتُم.
نعم، وقد تفضَّل الله على المسلمين بالأمطار والسيول وما يصل إنسانٌ من البريّة إلا ويتحدث بالجَوْد، فاللهُ [مسؤول] أن يتمَّها نعمةً.
واصِلُكم طيَّ كتابكم كتابٌ للشيخ علي السويد فضلاً إبلاغُه.
فضلاً تُقدِّموا كتابنا باطن كتابكم إلى حضرة المولى، وتأخذوا جوابه وترسلوه مع كتابنا بالسرعة حسب أملنا فيكم يا محبّ.
قاض إذا التبس الأمران عنَّ له ... رأيٌ يُفرِّق بين الماء واللبن (4)
__________
(1) من هنا إلى آخرها ملحق على طرة الرسالة.
(2) الأصل: "فهل".
(3) (3/ 382).
(4) البيت للمتنبي "ديوانه" (ص 172).
(1/263)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي القاضي العلامة الهمام فخر الإِسلام، حاكم بندر ميدي عبد الله بن علي عمودي حرسه الله.
والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والله المسؤول أن يحفظ مولانا الإِمام آمين.
جوابكم الكريم وصل، وأحسنتم بالمذاكرة، وأخوكم مشغول بالقراءة أولاً مع سيدنا في "مسلم" مجلسين صباحًا إلى بعد الظهر، ومساءً من بعد العصر إلى دخول المغرب، ومذاكرة نحن والشيخ محمد بن إسماعيل، ومذاكرةٍ مع الطلبة على اختلاف دروسهم. ومسألة القضاء نسأل الله تعالى أن يجعل لنا منها فرجًا ومخرجًا. مع ما لا يستغني عنه الطالبُ من المطالعة.
ولكن الذي يظهر - ولا أقطع بصحته الآن - أنَّ الهلال إذا رُئيَ ببلدٍ لزِمَ ما يسامتها جنوبًا وشمالاً وغربًا، وكذا كلُّ ما هو بالنسبة إليها غربي، وكذا ما كان شرقيها بدون أربعة وعشرين فرسخًا فصاعدًا من خطّ استوائها بين الجنوب والشمال، وسنضعُ له تمثالاً أيْسَرَ هذه (1).
وأمّا قاعدة الحصر والإشاعة ففضلاً انقلوا لنا عبارة الشرحين حتى نتأملها. وصَدَر جوابُ سيدنا - أيده الله - عليكم، والسلام.
أخوكم
عبد الرحمن
__________
(1) انظره في الصفحة التالية.
(1/264)

فكلُّ ما كان غربيًّا بالنسبة إلى الخط الذي بين الجنوب والشمال يلزمه الصوم، ومن كان شرقيَّه فينظر المسافة بينه وبين الخط المذكور، فإن بلغت أربعة وعشرين فرسخًا فصاعدًا لم يلزمه وإلا لزِمَ.
وهذا القول هو الجامع بين أشتات كلامهم. واختلاف المطالع صحيحٌ معمولٌ به فتأمَّل.
(1/265)

ولكن كل ما كان على خطِّ استواء بين الجنوب والشمال فمطلعه واحدٌ، وكذا كلُّ ما ضمّه أقل من أربعة وعشرين فرسخًا على خط استواءٍ من الشرق إلى الغرب، فإن كان بلد الرؤية هنا مثلاً والبلد المسؤول عن حكمه منه زاوية بين الشرق والشمال مثلاً، فننظر المسافة التي بين البلد المسؤول عنه وبين ما يسامتُ بلدَ الرؤية من جهة الشمال، فإن بلغت أربعةً وعشرين فرسخًا فصاعدًا فمطلعها غير مطلع بلد الرؤية.
وأمّا ما يكون غربيّ الخط من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، فإن كان بينه وبين الخط دون أربعة وعشرين فرسخًا فمطلعه ومطلع بلد الرؤية واحدٌ، وإن بلغها فصاعدًا اختلف المطلع، وحينئذٍ (1) تلزمه الرؤية بالأَوْلى والأحرى.
وهذه المسألة تحتاج إلى تأليف رسالةٍ.
والسلام.
__________
(1) مختصرة في الأصل إلى "ح".
(1/266)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي القاضي الفاضل العالم العامل عبد الله بن علي عمودي، حرسه الله، وبارك لَنا وَلَهُ في خواتم هذا الشهر المبارك - آمين -.
جوابكم الكريم وَصَل، وأحسنتم بما شرحتم، ورأيتكم تقدحون في جوابي إليكم أنَّه يدلُّ على التكبُّر ونحوه.
فنقول: معاذ الله أنْ نتكبر، وإنَّما أول شأني نطفةٌ مَذِرَةٌ، وآخره جيفة قذرة، وأنا ما بينهما أحملُ العَذِرَةَ، ولكن قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]؛ لأني كتبت إليكم كتاب لَطافةِ، فأجبتم جوابَ جَلافةٍ، فلم يمكنّي إلا مناقشتكم.
وثانيًا: تقولون: "إنَّ الأخذ للرُّشا مشهورٌ عنّي".
فأقول: جيئوني - ولو بواحدٍ - غير الدريهمات التي أخذتها من يدكم ثم تصدقت على ذلك اليتيم بما اللهُ به عليم، وهذا طنين ذباب لا يقدح فيما عَلِمه الإِمام والمأموم من حالتي، وحالة غيري.
على أنيّ أقول: تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
وأمّا قولك: "إنَّ مجيئي من الوطن وهجرتي إلى إمام الزمن معلول بحيث إني ما أتيت إلا لإثارة فتنةٍ بين دولتين" فهذا قَدْحٌ في الإمام، ودعوة الإِسلام؛ فتيقَّظ يا نومانُ.
(1/267)

أمّا إثارة الفتنة فأنا الآن أحبّها؛ إذ كانت قتال مُبْطِلين مكفّرين، وأنا أحبُّ أن أقاتلهم بنفسي، وأعُدُّ ذلك أعظم قربةٍ.
وأمّا أنَّ الثقة أخبرك أني هجوتُ الإِمام في سابق الأيام، فأسألك بالله أن تكتب بهذا إلى حضرته لينظر هل يصدقك أم يكذِّبك؟
وما أدري من الثقة الذي أخبرك؟!
على أني لو فُرِضَ وقوع شيءٍ مني فقد تبتُ توبةً نصوحًا، لا كالذين لم يزالوا في ريبهم يترددون.
وأمّا كوني أحبُّ الأطماع، فإن كانت من بيت المال، وكرم مولانا المفضال، فدعه هو يمنُّ علىَّ. أمّا أنتَ فليس لك - والحمدُ لله - منَّةٌ.
وسيّدنا الإِمام - والحمدُ لله - يعلم أنَّ كرمه لم يزل سابقًا لسؤالي، فلم تعرِض لي - والحمدُ لله - حاجة إلا وقضاها قبل أن أرفعها، فَضلاً منه وكرمًا.
فإن كنتَ ترى أنَّ قبولي لعطائه فيه مفسدة، فهذا قدح صريح، ولكنِ التفتْ إلى من يأكل أموال الناس بالباطل.
وأمّا بحثُك الفقهي فقد أعفيتك عن المناقشة فيه، لا بل أعفيت نفسي من التعب في محاورة مَنْ لا ...
ولله القائلُ:
وأصعبُ شيءٍ أن تُعلّم جاهلاً ... فيحسب جهلاً أنّه منكَ أعْلَم
ولكن قد رأيتُ أنْ انقلَ كلامي وكلامَك في ورقةٍ، ونعرضها على إمامنا
(1/268)

المجتهد المطلق وترى لمن يثبت الحق، وجرَّبت مِرارًا على أنيّ رأيت كلامَك فيها كلامَ مجازفٍ تريدُ أن تتنَصَّل عن الخطأ بحكاية أقوالٍ شاذّةٍ خارجة عن المذهب، بل ربّما خرجت عن الإجماع، مُتشبِّعًا بما معناه دعوى الاجتهاد، لا إله إلا الله!
أمّا إذا دخلتَ في باب الاجتهاد فلسنا من أقرانك، ونقول:
وابنُ اللبونِ إذا مَا لُزَّ في قَرَنٍ ..................... إلخ (1)
وأمّا خطأ الحاكم، فنحن لا نسلّم أنكم أخطأتم، بل ندّعي التعمّد، ولو سلّمنا فنطلب منكم نَقْلَ عباراتهم في ذلك لننظرها، ثم نَكِلُ إليكم البحثَ: هل يُفرَّق بين القاضي، وقاضي الضرورة؟ وبين الخطأ مع الوضوح، والخطأ مع الغموض؟ وبين الخطأ مع خلاف الكتاب والسنة أو الإجماع وغيره؟ ... إلى غير ذلك.
ثم بيتُ المال مشغول عن حمل الديات بما هو أهمُّ؛ مِن حِفْظ الثغور وغيرها، ومادّته إن لم تكن معدومة فهي قليلةٌ.
وأمّا قولكم في الحديث الذي استدل به العلماء على أنَّ مُؤنةَ الردّ في الأيدي الضافية عليها: "لعلَّ موردَ ذلك في الغصبِ"، فلو سُلِّم فالعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقولك: "ويمكن أن تكون قضيّة عينٍ لا عمومَ لها". فهذه العبارةُ لو كان يُرَدُّ بها كلُّ دليلٍ أُريد إبطاله لصارَ الدينُ لعبةً. وقولكم: "إنها قامت الدعوى لدى حاكم بلد المشتري ... " إلى آخر ما نقلتموه عن المحليّ. فيه
__________
(1) البيت لجرير "ديوانه" (ص 250). وعجزه: لم يستطعْ صولةَ البُزْلِ القناعيسِ
(1/269)

اضطراب وتدليسٌ شَحِحنا بالوقت عن إنفاقه في البحث عنه، ولا سيّما في قولكم: "إنَّ البائعَ اختار ردَّ المبيع وتحمَّل مؤنة الردّ".
هذا وقد كنا حررنا جوابًا ناقشنا فيه كلَّ جملةٍ نقاشًا مستوفىً علميًّا، ولا سيما تشبثكم بأذيالِ الاجتهاد، ووضعكم من علماء المذهب، بل وربّما كان من الإجماع، وكذلك الأمثال والشواهد والبيتين، والبهتان بهجوم الإِمام ودعوته ثم أضْربنا صفحًا مَللاً، وطوينا كشحًا كسَلاً، لا بل إبقاءً على المودة التي نخشى أنّ طولَ المناقشة تُقلّها، وحفاظًا على المحبّة التي كثرة المراجعة تُخلّها، وذلك من جهتكم، وأمّا أنا فلا يزيدني ذلك إلا مودَّةً، ولا يُزيلني عنها.
وقولكم: "إني لا أسوى أن تكاتبوني" أخشى أن يطلع عليه من يحسدكم فيستدل به على ضيق ذات اليد من العلوم، فإنَّ الحاذق إذا أُفحم احتدَّ ليغطي الحقيقة. إلاَّ أنَّ الحقَّ إذا كان واضحًا فلم يرجع إليه المناظَر أورث في قلبِ مناظِره وغيره (1) سوءَ ظَنٍّ به؛ لأنَّ مولانا جلَّ وعلا يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ ...} الآية [النساء: 65].
خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصْفري ... ونقّري ما شئتِ أن تنقّري (2)
كلاّ - والله - ما خلت البلادُ, وإمام الحقِّ قائمٌ.
أو كما قال الآخر:
__________
(1) هكذا استظهرتها.
(2) البيت لطرفة بن العبد. "ديوانه" (ص 126).
(1/270)

خلت البلادُ فسُدتُ غير مسوَّد ... ومن الشقاء تفرُّدي بالسؤددِ (1)
كلا والله ما خلت البلاد ولا تُفُرِّدَ بالسؤدد مع وجود أمير المؤمنين محمد.
وأمَّا اعتذاركم بقولكم: "هذا سبيل العلماء".
فأينَ العلماء منّي ومنك؟!
وفي الحديث: "المتشبع بما لم يُعط كلابسِ ثوبيْ زور" (2). ولكن كما قال الشاعر:
سكتتْ بغابِغَةُ الزما ... ن وأصبح الوطواطُ ناطق
وتبرذَنَتْ عُرْجُ الحمي ... ر فقلتُ مِن عَدَمِ السوابقْ
وإنيّ أراك تدَّعي أنك أعلمُ ممن على ظهرها، وإصْرارُك على المناقشة في قصة المدخلي بعد أنْ جَهَد سيدنا الإمامُ أنْ يدخل الحقَّ الواضحَ الذي لم يقل بخلافه أحدٌ في ذهنك، فلم ينفتح غَلَقُه حتى الآن، وتمسَّكْت بظاهر كلام الماوردي كأنك أعلم به من ابن حجر!
ارْجعْ إلينا أيّها الطائر!
ومَالَكَ وللماورديّ؟ وأين أنتَ والنظرُ في كلامه؟ إنَّما نحن وأنت من صغار المقلدين، الواجبُ علينا اتباع كلامِ ابن حجر والرملي.
__________
(1) البيت لحارثة بن بدر. انظر "البيان والتبين": (3/ 219).
(2) أخرجه البخاري (5219) ومسلم (2130) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها. وأخرجه مسلم (2129) أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها.
(1/271)

الحاصلُ لا تُتعبْ نفسكَ في مراجعتي، فإنَّ فَهْمي قاصرٌ؛ لقصور باعي في مبادئ العربية، التي لا يُعْلَم كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء إلاَّ بها.
وبيننا إذ نتفق بحضرة سيدنا الإِمام فنعرِضَ عليه المسألة الأخرى، وننظر ما يقول فنتبع حكمَه، إلاَّ إنْ كنتَ جاريًا على عادتك في ادّعاء أعْلَميتِكَ مطلقًا فلا يبقى حينئذٍ (1) إلا الله؛ فنرجع إلى المباهلة.
وأما المسألة الأولى فقد انقضت، فإنْ كنتَ مناقشًا فناقشِ الإِمام.
وقولك: إنك كنتَ ستطيل الجواب، ولكن ذكرتَ حديث: "أبغض صديقك ... " (2).
هذا من جملةِ الغلطات الفاحشة، وهي رواية الحديث بقلْب لفظه، وقلب معناه، حاشا رسولَ الله من هذه العبارة.
وفي الختام أقول: والله إنيّ رجعتُ إلى فؤادي فلم أجدْه تنكَّر، وتفقّدتُ ودادي فلم أره لكَ تغيَّر، ودليل ذلك أنيّ لم أسمعَ في مراجعتكم إلاَّ بمكاتبتكم، إلّا فإنيّ أجدُ لسانًا قائلاً، ومقامًا قابلاً، وهَدَفًا ماثلاً، ولكن - والله - ما المقصود إلا الحقُّ، فإنْ رأيتَ أنْ تبتدئ بقطع المحاورة، ورَمْي المكابرة فجزاك الله خيرًا، وإلّا فالكلامُ والورق والمدادُ والأقلامُ كثير.
والسلامُ.
__________
(1) رمز لها المؤلف ب (ح) اختصارًا.
(2) لفظ الحديث: "أحبب حبيبك هونًا ما ... وأبغض بغيضك ... " أخرجه الترمذي (1697) من حديث أبي هريرة وقال: غريب، وأخرجه ابن أبي شيبة (37026) والبخاري في "الأدب المفرد" (1321) وغيرهم من حديث علي والصواب وقفه.
(1/272)

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي ومولاي العلامة قاضي بندر ميدي عبد الله بن علي عمودي حرسه الله.
بعد حَمْدِ العزيز الحميد، والصلاة والسلام على رسوله ذي الشرف العتيد، وآله وصحبه أُولي الفضل المديد، والسلام المزيد والتهنئة بهذا العيد السعيد، فأرفع إلى جنابكم تمامَ المذاكرة:
أمَّا مسألة المدخلي فقد سمعتم كلامَ سيدنا الإِمام بقية مجتهدي الإِسلام، ويمكننا أن نقول: نحن من المقلدين، فندع البحثَ إلى المجتهدين، وانظروا بعين الإنصاف قَولي: إنّكم تدّعون الفضلَ على الإِمام والمأموم، هل له حظٌّ من النظر أمْ لا؟
ولكن لا بأسَ بالبحث فنقول: قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...} الآية [المائدة: 45]. لا يُنازع فيها أنه يشترط المماثلة، وليس الآية على عمومها؛ وإلا يلزم أن يُقاد الإنسان بالبهيمة.
أمَّا قصة الرُّبيّع فقد حملها العلماء على الانضباط وإمكان القصاص، ومن المقرر في المذهب لزومُ القصاص مع ذلك، ومع ذلك فلم يقع القصاص في القصة حتى يُعلم هل تعتبر المماثلة أمْ لا؟
وقد قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]. فلا يجوز الاعتداءُ على المعتدي إلا بمثل ما اعتدى، فإذا لم
(1/273)

تنضبط المماثلة لم يجر كما هو ظاهر من الآية التي جئت بها دليلاً علي نقيضه، كأنك غفلتَ عن لفظ (مثل). على أنَّ قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} يُعيّنُ هذا، إذ القصاصُ هو أن يُفْعل بالجاني مثل ما فَعَل، فلو فُعِل به أكثر من ذلك لم يسمَّ قصاصًا لغةً ولا شرعًا، ومَعَ عدم أمْنِ الزيادة لا يجوز الإقدام؛ إذ المانع مُقدَّمٌ على المقتضي.
على أنَّ قولكم بالقصاص في المسألة بقطع يد الجاني خَرْق للإجماع، فإنَّ العلماء مجمعون أن القصاصَ لا يُقْدم عليه إلا فيما أمكن. انظر "الميزان" للشعراني. هذا مع مخالفة قولكم للقرآن.
وتخطئتكم الفقهاء في اشتراطهم المماثلة ونحوها جَهْلٌ بالقرآن، وخرق للإجماع.
وأمَّا كون ما رأيتموه مصرَّحًا به في "الحاوي"، فابنُ حَجرٍ أعلمُ بالمذهب و"الحاوي" وصاحبه، وبمعاني العبارات منكم، على أنّه رأى إطلاق ذلك الحكم مخالفًا للقطعيات فزاده قيدًا، وهذا شائعٌ ذائعٌ في زيادة القيد حتى في الكتاب والسنة إذا عُلِمَ من دليل آخر.
وقولكم: "اليد التي ذهبت منفعتها في حكم المُبانة" لا يخفى أنّ للعضوِ منفعتين القوة والصورة فلا يفيدك كونها في حكم المُبانة إلا إذا كان بالنظر لِكلا الاعتبارين.
وقولكم: "ولا سبيل إلى إبطال يد الجاني إلا بالقطع". نقول: تعارَضَ المانعُ والمقتضي. وأمَّا آية الاعتداء فقد سبق أنَّها لنا لا علينا، وذلك صريح.
(1/274)

وقولكم: "فهل تمكن (1) المجنيّ عليه من رمي يد الجاني" يُشْعِر أنكم فهمتم أن المماثلة في الآية باعتبار الآلة فقط، وهذا تقوُّلٌ على كتاب الله تعالى.
وقولك: "إنّي غفلتُ عن كلام أهل العلم في خطأ الحاكم". فانقلوا لنا عبارتهم حتى ننتقدها، فإن كان كلامهم في رجوع الشهود، فإنَّما صرحوا بأنّها على القاضي، على أننا نقول: قد يحصل الفرقُ بين القاضي وقاضي الضرورة، كما بين الطبيب الحاذق وغيره، وبين ما إذا كان خطأ مع الوضوح أو الغموض، وبين ما إذا خالفَ القطعيَّ والظني، ومع ذلك فنحن لا نُسَلِّم لكم أنكم غفلتم عن ذلك الحكم القطعي، كيف وأنتم تتشبثون بأذيال الاجتهاد، ولكن تعمدتم الحكم بخلافه معتقدين أن الجاني رجلٌ مفسدٌ يسوغ إضراره ولو بغير حقٍّ، أو لغير ذلك.
ولو سلّمنا أنكم أخطأتم وأن خطأكم على العاقلة فلا عِلْمَ لي بعاقلتكم، ولكن لو منع مانعٌ من ذلك وقيل بعوده على بيت المال، فبيتُ المال مشغول بما هو أهمُّ، وهو لا يقوم بالمهمات الضرورية، وأين موردُه الخاصُّ؟ أمِنَ الجزيةِ؟ أمِ الخمس؟ أم الخراج؟ أم المواريث؟
ولو قلتَ: من عشور التركات، وأعشار الأموال المتداعَى عليها لكان أدنى إلى الصواب.
وقولكم: "العلم النافعُ هو المأخوذ من الكتاب والسنَّة ... إلخ" يُشعر أنَّك منهم!
__________
(1) هكذا استظهرتها.
(1/275)

والله لو عرفنا لك أدنى استحقاق لذلك لاعترفنا، ولكن الكتاب والسنّة تحتاج إلى رجالٍ وعلومٍ، أمَّا مثلي ومثلك لا يُتْقِنُ مبادئ العربية، ولا يفهم كلام الفقهاء تمامًا فأنَّى له؟
وقولكم: "وهذه الفضيلة - تعنون الاجتهاد - هي ميزانُ العدل بين أرباب الكمال، ولم يوفّقْ لها إلا الأفراد من فُحول الرّجال". كذلك، وفيه ما مرَّ. وما أدري مِمَّ احترزت بقولك: "غالبًا"؟!
أمَّا قولي: "فإنَّ في الناس بقيةً ... إلخ".
فأنا لم أدّعها لنفسي، ولكنْ رأيتك كثيرًا ما تسمع كلام مولانا الإِمام، ويردّك إلى الصواب؛ فتصرُّ على ما تقوله أنتَ؛ فعلمتُ أنك تدّعي الكمال عليه. ولو لم يكن في البقيّة إلا هو - أيّده الله - لكفى.
وقولك: "إنَّ في هجرتي من وطني سيئات كثيرة" قَدْحٌ في الإِمام لا فيَّ، وأمَّا ارتجالي القصائد أيام كنت في الوطن في هجاء إمامكم الأعظم وأهل دولته، فإنْ أردتَ به المُبْطل ابن حَمِيد الدين فلا حاجةَ لنقل الثقة؛ إذ قد سمعتموها من لساني، وإنْ أردتم سيدنا محمد بن علي بن إدريس إمام الحق، فتفضّل بالله اكتب إليه بهذا حتى يأخذني بقولك، إنَّ هذه الخزعبلات لا تصلح أنْ تكون غطاءً ساترةً ما جرى من الغلط والخطأ.
وقولك: "العدو لا يصلح صديق". مثل قولهم: الكافر لا يصير مسلم، فهكذا تكون أمثال الفقهاء!!
وأمَّا كوني لا أسوى أن تعاتبني فصحيحٌ؛ لأنني لا أسوى .... (1) يقال
__________
(1) كلمة غير مقروءة.
(1/276)

الإِمام الذي تدَّعي أعْلَمِيّتك عليه.
وأمَّا الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق" فبحمد الله تعالى صورة كتابي الأول عندي بخطِّي ليس فيها سُبَّةٌ، وجوابك عندي وفيه ما يكفي. فإنْ كنتَ فهمتَ من كلامي بَعْدُ ما هو في معنى السبِّ فذلك اقتضاءً لحقّي، والحديث الآخر رويتَه بلفظ: "أَبْغِضْ صديقَك". وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لفظ هذه العبارة ومعناها.
وقولك: "إنّي لا أكون صالحًا حتى أتجرَّد عن الإِمام والمأموم، وأجوبَ الفيافي والقفار" خطأٌ فإنَّ القربَ من الإِمام وخدمته أرجى قربة.
وقولك: "إنك في صَلَفٍ من العيش". ما أدري ما هو الصَّلَفُ؟! فإن كان بالمهملة فهو قلَّة نماء الطعام وبركته، فهذا دالٌّ على خلافِ ما أوردتموه له؛ لأنَّ العبد الذي لا ينمي إليه طعامه فيباركَ له فيه لا يخفى حاله.
أو أن لا تحظى المرأةُ عند زوجها. ولا دَخْل لهذا.
أو التكلُّم بما يكرهه صاحبُك وهذا ممكنٌ.
أو التمدُّح بما ليس عندك - وهذه عبارة "القاموس" (1) - وهو المراد هنا.
وإن كان بالمعجمة فمادَّته مهملةٌ.
وإن أردتَ ضيقَ العيش وتنغُّص الرزق فَقُل: في شَظَفٍ.
ثم لا عبرة بضيق العيش مع إرسال النفس وإطلاق عنان اليد تختلس
__________
(1) (ص 828).
(1/277)

وتنتهب حتى لا يردّها إلا العجز، وشاهد ذلك قصّة الجَدْي.
وأمّا قولك في الحديث الذي استدل به علماء المذهب على أنّ مؤنة الردّ في الأيديَ الضامنة عليها: "لعلَّ موردَه في الغصب"، لو سُلِّمَ. فالعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقولك: "ويمكن أن تكون قضيَّة عين لا عمومَ لها". ما مثلك إلا مثل الطبيب الذي كان يداوي الناس وإذا حَمَى إنسانًا، فأكل ذلك الإنسان شيئًا ممَّا حُمِيَ عنه أعْلَمه به بواسطة معرفة النبض والنظر في الآثار, فمرّةً دَخَلَ عدى إنسانٍ قد حماه، فجسَّ نَبْضَه فعرف منه أنَّه أكل شيئًا حارًّا، فتأمَّل فرأى ريش دجاج طريِّ؛ فقال له: لِمَ تأكل لحمَ الدجاج؟ فصادفَ الواقع.
واليوم الثاني أرسل ولده فجاء إلى المريض فجسَّ نبضه من غير معرفة، ثم تأمَّل فرأى حوافر حمارٍ، فقال للمريض: لِمَ تأكل لحمَ الحمير؟ فضحكوا عليه، وطردوه.
فإنَّ هذه العبارة لو كان يُجاء بها في كلِّ دليلٍ أُريد إبطالُه لصار الدينُ لعبةً، وإنَّما يُؤتى بها في مواضع معروفة.
وقولك: "على التنزّل والمراعاة لكلامِ أهل المذهب" تبجُّح بالاجتهاد، لا إله إلا الله!
وكلامكم بعد هذا في قيام الدعوى لدى حاكم بلد المشتري لثبوتِ الفسخ، وإبقاء الحاكم له على نظرِ المشتري، لعلكم أدخلتم دعوى في دعوى، حيث والمشتري الأول قد كان باع وردَّ عليه، وإلا فلا بأس. وأمَّا كون البائع اختار ردَّ المبيع وتحمَّل مؤنة الردّ، فهذا مناقض لما حررتموه
(1/278)

إلينا وبَلَغنا عن حضور الحكم. كيف والبائع لم نحكم عليه إلا بإصراره على السكوت، فأيَّ وقتٍ اختار الردَّ وتحمَّل المؤن؟! إن كان ذلك مِن بَعْدُ فلا بأس.
وقولكم: "إني أُلقّن البائع إنكار أن السلعة عينُ مالِه". فأنا لستُ بمتحاكَمٍ إليَّ بعدُ حتى يَحْرُم عليَّ التلقينُ.
وأمّا كوني أجادل عن رجل من تجار ميدي، فلا والله، إنّما أجادل عن الشرع الشريف، والحقّ المنيف، والدين الحنيف، الذي اتخذه الناس ألعوبةً لمّا قلَّ أهلُه، فلم يبق منهم إلا إمام الحقّ، وهو مشغول بحفظ الثغور، وإدارة شؤون الجمهور، فبقينا معشر الفقهاء نتلاعب بالدين، تارةً نقلّدُ على غير بصيرة، وتارةً نركبُ متنَ عمياء في دعاوي الاجتهاد الخطيرة.
واستشهادك ببيت دُرَيد بن الصمّة:
وما أنا إلا من غَزيَّة ... إلخ.
في غير محلّه، فإنّما يَسْتَشِهدُ به المقلِّدُ اللازم للتقليد، العارف به؛ فيقول: ما أنا إلا مقلّد فإن رَشَد مقلَّدي رشدتُ، وإن غوى غويتُ، على أنَّ المقلَّدَ إذا غوى فإنَّما غيُّه خطأ مجتهدٍ، وهو مثابٌ، وليس على مثلي ومثلك في تقليده إثمٌ لقصورنا عن مرتبة الاجتهاد، فاللازمُ علينا شرعًا اتباعُ ما قلّدنا.
وأمّا البيتان اليتيمان اللذان أنشأتهما، فنعمّا هما، سالمان معنىً مستقيمان وزنًا، لا تجدُ فيهما لحنًا، ولعلك قد سمعتَ بمثل الفرزدق الذي ضربَه في الشعر بقوله: كان الشعر جَمَلاً بازلاً فنُحِرَ ... إلخ.
(1/279)

واستشهادُكَ بقوله:
رأى الأمر يُفضي إلى آخِرٍ ... فصيّر آخره أوَّلا
لا أدري على ماذا؟! فإنَّما يُستشهَد بذلك مثلاً فيمن صالح عدوّه بعد بدوِّ الحرب؛ لأنه رأى الحربَ تُفضي إلى الصلح فبدأ بالصلح وترك الحرب.
وأمّا البيتُ الآخر:
وخلافُ أهل العلم ... إلخ.
فرحم اللهُ تعالى الإمامَ الشافعيَّ حيث قال ما معناه: "ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن تقوم له الحجّة عليَّ فأرجع إلى الحقّ".
ووالله ما في نفسي عليك مثقال ذرّة من حقدٍ، ولكنَّ الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبع، والقصدُ عِلْمُه عند الله جلّ وعلا، فالمطلوب المسامحةُ.
وأمَّا الرسالة فإن شاء الله تعالى عند الفراغ نستنسخ لكم منها نسخةً، ونرسلها إن أردتموها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/280)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مستحق الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه من بعد.
حضرة محبّنا وأخينا الأجلّ والتمام الأكمل الأخ الشفيف العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي.
بعد أسنى السلام والتحية والإكرام والمعاهدة والتهنئة بالشهر المبارك جعلنا الله وإياكم ممن صامه وقامه احتسابًا ... كتابكم الكريم وصل عما يتعلّق بدعوى بادويلان .. إلى آخر ما شرحتم.
أعْلَم أنّ المسألةَ بسيطة ولكن نحكي لكم طرفًا منها جامعًا لها على الجملة: أن بادويلان باع على رجل يمني بضاعة كثيرات بنحو أحد عشر مئة اثنتي عشرة عدة (1) صفقة واحدة بموجب الأنموذج، فعند وصوله إلى بلده تصرّف بالبيع في بعضها، فظهر بها عيب قديم، فترافع المشتري الأول مع المشتري الثاني إلى حاكم الشرع وثبت لديه حق الفسخ، وحكم به على البائع، فرجع المشتري على بائعه بادويلان، فطلب خصمه إحضاره، فأحضرناه، فادعى عليه، فسأل منه الجواب فنكل عنه، فقضينا عليه بالنكول بشرطه المشروط، فطلب إحضار المبيع فاعتذر المشتري أن الجملة مرسلة إلى طرفنا بل يحوّله إلى من أحبّ أو يأذن للحاكم في بيعه فمنع فعليه ألزمنا دعواه الردّ لأنه مورّط للمشتري والحكم الشرعي بيد المدّعي توجّه به إلى
__________
(1) كذا في الأصل.
(1/281)

اليمن في إحضار المبيع المغيب، وصار من بادويلان الهضم في جانبنا بما لا يليق، وتعصّب له الغير من أهل الجهل وأعداء الشرع المحمدي، كالشيخ أحمد طاهر، فحصل الإغضاء في الآمر الشريف أحمد بن زيد الحسني، فرفعنا بما يلزم إلى حضرة المولي أيده الله تعالى وحكمنا ... (1) في ذلك ولو بخروجنا إليه.
فأنت طب نفسًا وقرّ عينًا في تثبّتنا بهذا الخصوص ولا تغتر ببرهان بادويلان فإنه رجلٌ فاجر، عدو الدين، يطعن في حق الإِمام والمأموم، وأنتم غرُّون عن تفاصيل أموره، فلا نزيدكم تحذيرًا منه وبيانًا في حاله، وكما قيل: اعرفوا الحق بالحق لا بالرجال.
وتشريف السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتبه
عبد الله علي عمودي
عفى الله عنه
__________
(1) كلمة لم تتبيّن.
(1/282)

رسائل من ناظم دائرة المعارف وإليه
(4) رسائل
(1/283)

25 من سبتمبر سنة 1953
الحمد لله.
حضرة مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تقدم إليكم كتاب قبل أيام الرَّجاء وصوله.
وذكرتم في كتابكم أن ورقة ناقصة من نسخة "الإكمال" من المجلد الثاني التي أرسلناها لكم، وذكرتم رقومًا لصفحات العكس الذي عندكم ثم قلتم: "فبعد هذه الورقة ورقة مفقودة من النسخة، والموجود منها ورقة أولها: "الكنى والأباء - أبو عليم ... " والظاهر أن هذه الورقة ساقطة من النسخة المصرية نفسها فانقلوا إلى ما يقابلها من نسخته الآصفية وأرسلوها إلي فورًا والسلام"
هكذا حررتم، ففتشنا في المسوّدة التي عندنا فلم نجد فيها صورة ما حررتم، وفهمنا ما فهمنا فكتبناه لكم وها هو مرسل لكم. هذا والسلام.
التوقيع
(1/285)

مؤرخ 30 سبتمبر 1953 م
الحمد لله.
إلى حضرة العلامة الجليل والفهامة النبيل مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني دام بخير آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - تقدم إليكم كتاب مؤرخ 28 محرم الحرام وقبله مثله فيما يتعلق بتصحيح "الإكمال" وأمر "التبصير" - ولا يخفاكم أن أكثر كتبكم التي أكثرتم فيها من التحريض والحث على إرسال "التبصير" لإلحاق زوائده بالإكمال جاءت وأنا مسافر، ويومنا هذا استعرضت جميع كتبكم المتعلقة بذلك فاطلعت على أشياء لم أكن أعرفها من قبل، فعزمت عزمًا جازمًا على إرسال "التبصير" إليكم، إما بأخذ عكسه من نسختَي الآصفية، وإما بنسخه منهما، أما العكس إن تيسر فسيحصل في مدة سريعة فنرسله إليكم حينئذٍ سريعًا، وأما الكتابة فكلما نجزت كتابته منه نرسله إليكم لتأخذوا منه مطلوبكم الأول فالأول - وظنّي أنكم تجعلون زوائده بهامش الإكمال لا في متنه - ونسختا الآصفية من "التبصير" استعرضناهما هذا اليوم وقابلنا بينهما فرأينا بينهما فرقًا عظيمًا في الصحة، وأصحهما على الإطلاق المنقولة بخط المولوي زين العابدين البِهَاري في مجلد واحد كبير، وأما الأخرى التي كنتم تراجعون فيها فهي غير جيدة، كثيرة التصحيفات والسقطات، وسنأخذ مطلوبنا من الأولى، هذا وأرجوكم العفو والمسامحة، هذا والسلام.
خادمكم ومنتظر لجوابكم
30/ 9 التوقيع
ناظم دائرة المعارف
(1/286)

إلى حضرات السادة جميع الرفقاء والمصححين بدائرة المعارف (1).
نرجو منكم أن تتكرَّموا بإطلاعنا على اقتراحاتكم المتعلقة بالأعمال المفوَّضة إليكم، وذلك من خلال النقاط التالية؛ حتى نتمكَّن من وضع خطَّة عملية لهذا العام لطباعة الكتب ونشرها.
1 - اسم الكتاب.
2 - اسم المؤلف مع تاريخ الوفاة.
3 - فنّ الكتاب، وأهمية الكتاب فيه.
4 - النسخ المختلفة مع وصف أقدم النسخ.
5 - نوعية التصحيح والتعليق المطلوبين (على الكتاب).
6 - حجم أوراق النُّسَخ وأجزاءها، ومجلداتها، وعددها.
7 - متوقَّع عدد صفحات النسخة المطبوعة مع مراعاة خط "شرف الدين" بحجم (18).
8 - المدة المتوقَّعة لإكمال العمل حسب أيام الدوام في السنة.
9 - كم كتابًا آخر في نفس الفنِّ قد تم نشره عن الدائرة؟
10 - ما هي الفنون الأخرى التي يُقترح نشرُ نوادرها؟ مع التفصيل.
إلى حضرة جناب الشيخ عبد الرحمن
ناظم دائرة المعارف
__________
(1) أصل الخطاب بالأوردو، ونقله إلى العربية الشيخ نبيل بن نصار السندي.
(1/287)

له الحمد
حضرة رفيع المقام ناظم دائرة المعارف العثمانية دام علاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عرضت على جنابكم في جوابي المؤرخ 6 فَرْوَردي سنة 56 ف (1) أن الباقي من تصحيح كتاب "الجرح والتعديل" يقدَّر أن يتم في سنة وبعض شهر، وأن المقابلة على النسخة المصرية إذا وصلت يقدَّر أن يتم في 11 شهرًا. ثم فكرت فرأيت أن اشتراكي في المقابلة ضروري لأنني أنا الذي صححت الكتاب وعرفت طرائقه، وعلى هذا فلا يتم التصحيح والمقابلة إلا في سنتين وفي هذا تأخير للعمل.
وثانيًا: إذا قمت بالمقابلة مع رجل آخر من الرفقاء واستمر ذلك أحد عشر شهرًا كان مقدار ما نأخذه من الشهرية وغيرها هذه مبلغ 5170 ربية، وهذا المبلغ لابد من ملاحظته في تعيين قيمة الكتاب فيكون ثمنه زائدًا.
فرأيت حرصًا على خدمة العلم ونشره وعلى تعجيل العمل والاقتصاد في المصارف وغير ذلك أن أعرض على جنابكم أنني مستعد - مع القيام بتصحيح الكتاب في الدفتر (2) في أوقات العمل - أن أقوم بمقابلته على النسخة المصرية عند وصولها في بيتي في الليل وفي أيام التعطيل. وبذلك
__________
(1) "فَروَرْدِي" شهر فارسي يكون في أول الربيع (مارس - إبريل). "سنة 56 ف" أي سنة 1366 من التقويم الفصلي المعمول به في حيدراباد آنذاك، وهو يوافق 1947 م.
(2) أي المَكْتب باللغة الأردية.
(1/288)

يتم التصحيح والمقابلة في سنة واحدة تقريبًا ويمكن الشروع في الطبع في أثنائها، فإذا رأيتم أن تشاوروا الرفقاء في هذا وتعينوا من يحضر إلى بيتي في الليالي وأيام التعطيل للقيام معه بالمقابلة فالنظر لكم، والسلام.
الحقير/ عبد الرحمن بن يحيى اليماني
9 فَرْوَردي سنة 56 ف
(1/289)

استلمت مراسلتكم نِشَان (1) 922 تاريخ 30 ديسمبر سنة 1951 م، وأنا شاكر جدًا لعالي جناب الصدر وجنابكم، ويسرني أن أخدم هذه الدائرة العلمية الجليلة بلا طلب معاوضة، وسأدوم على ذلك بقية عمري، سواء أكانت الخدمة مقابلة وتصحيحًا أم غيره، وإنما اضطرني الآن إلى طلب المعاوضة على مقابلة وتصحيح الستة الأجزاء الباقية من كتاب "ابن أبي حاتم" حاجتي إلى مصاريف السفر، وهذا السبب نفسه يجبرني أن أرفع إليكم - مع الأسف والخجل - أن هذا المبلغ الذي قررتموه (1500) لا هو الذي يكفيني لحاجتي، ولا هو الذي يعادل في نظري الأجرة الواجبة، ولو كنت أُعطيت البُوْنَس (2) الذي قرَّر المجلس إعطاءه لمن ينفصل عن الدائرة من الملازمين، كنت اكتفيت به، وبهذا المبلغ الذي قررتموه، فأما إذا كنت محرومًا من البونس فأرجو من فضلكم أن تعيدوا النظر في القضية، وتحسنوا إليَّ بأحد أمرين:
1 - إما أن تعفوني من هذا العمل رأسًا، فتخلصوني من المسؤولية، وتتركوني أستريح في هذه الأشهر، لأنني منذ أربع وعشرين سنة تقريبًا - وهي مدة ملازمتي - لم أزل في عمل متصل، لأني لم أستفد من الرخصة غير الرخصة الاتفاقية.
2 - وإما أن تعيدوا النظر في الأجرة، فإذا عرفتم صحة قولي إن هذا المبلغ المقرر أقل من الواجب، وأمكن أن تزيدوا عليه إلى القَدْر الذي
__________
(1) يعني: رقم.
(2) البونس: كلمة إنجليزية وتعني المكافأة الزائدة على الراتب.
(1/290)

يكفيني لحاجتي زدتم، وأنا على كلا الحالين شاكر، ولا أحتاج أن أوضح في جوابي هذا وجهة نظري في أن هذا المبلغ لا يفي بالأجرة الواجبة، بل أَكِلُ الأمر إلى نظركم، فإذا لم يظهر لكم ذلك فأحسنوا إليَّ بالإعفاء من العمل لأستريح من التعب والمسؤولية، وأفكر في طريق أخرى لتحصيل مصاريف السفر، ولن يتعسر ذلك إن شاء الله تعالى.
(1/291)

رسائل الشيخ المعلمي
إلى
الشيخ محمد نصيف
(13) رسالة
(1/293)

الحمد لله.
حضرة الفاضل الجليل الشيخ محمد نصيف دام فضله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إني كنت في حياة السيد محمد بن علي الإدريسي تغمّده الله برحمته مقيمًا في جواره، وبعد وفاته رحلت من تلك الجهة إلى أن استقررت بالهند في حيدراباد دكين، وكانت للمرحوم عندي عدة كتب علمية على طريق الأمانة. وبعد سفري طلبتُ كتبي من تلك الجهة، وبقيت كتب السيد فيها؛ لأنه لم يكن لي هناك مَن أعتمد عليه في تمييزها من بين كتبي، وبعد ذلك حصلت الاضطرابات وبعدت الشُقّة.
والآن أحبّ أن أستأمر آل الإدريسي في هذه الكتب، ولا أعلم كيف تكون مخابرتهم؛ هل أكتب إلى السيّد الحسن رأسًا، أو بواسطة وكيل خارجية الحجاز؟
فأرجو من فضلكم أن تشيروا عليَّ في ذلك بحسب اختباركم. ولا تتوهّموا أن لي غرضًا غير ما ذكر من أداء هذه الأمانة إلى أهلها.
فأرجو أن تتفضلوا بتحرير جواب وتسلّموه لحامل هذا ليرسله إليّ. والسلام.
7/ ذي القعدة سنة 1355
الحقير عبد الرحمن بن يحيى اليماني
(1/295)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلني كتابكم الكريم المؤرخ 25 المحرم سنة 1380 المؤذِن بعزمكم على السفر إلى الخارج، وتعميدكم مطبعة الأصفهاني بإرسال الملازم والبروفات إليّ رأسًا، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في سفركم وإقامتكم، ويرجعكم إلى وطنكم بالسلامة والكرامة والصحة التامة.
وأرجو أن أقوم بالواجب في تصحيح الكتاب (1) كما تحبّون. والباري يحفظكم، والسلام.
16/ 1/1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
__________
(1) لعله شرح السفاريني الآتي ذكره.
(1/296)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تكونوا وآلكم بخير وعافية وبركات نامية، زادكم الله من فضله.
ترون مع حامل هذا شيئًا من الحاجة التي ذكرتموها لي، ومع الأسف لم أجد إلا هذا، وترون معه علبة فيها بشاوري عسى أن يناسبكم.
عرَّفتكم سابقًا أن كاتب المكتبة (1) اعتذر عن مساعدتي على تصحيح الكتاب، وصرتُ أستعين ببعض التلامذة الأذكياء وفيهم الكفاية. ولأجل ترغيبهم في مواصلة العمل يحسن أن يُقدّم لهم شيء من المكافأة الموعود بها، والباري يحفظكم، والسلام.
14/ 3/ 1380
محبكم
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
__________
(1) هو محمد عثمان الكنوي.
(1/297)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصل الولد عبد الله المعلمي مناول المكتبة من جدة ومعه نسخة من الجزء الثاني من "شرح الأدب المفرد" سلَّمها إليّ، وذكر أنكم تسألون عن نسخ المجلد الأول بأي تجليد، وقد نظرتها فوجدتها كلها مجلدة بقماش مثل نسخة المجلد الثاني. وهي نسخة عندي، ونسخة عند الشيخ سليمان، ونسخة عند محمد عثمان كاتب الفهارس بالمكتبة، ونسختان بالمكتبة، هذه خمس نسخ من الجلد الأول هي التي أعلمها.
هذا، والباري يحفظكم، والسلام.
15/ 3/1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/298)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيّد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد أفندي نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلني كتابكم الكريم المؤرّخ 28 ربيع الأول سنة 1380، وحمدت الله تبارك وتعالى على حُسْن عافيتكم وصلاح شؤونكم، أوْزَعَكم الله شكر نِعَمه وزادكم من فضله.
وصل المبلغ الذي أرسلتموه خمسمائة ريال، وسلّمتُ بعضه للذين يساعدونني وأخّرتُ الباقي عندي لأسلّمه لهم فيما بعد تجديدًا لنشاطهم.
وأما تجارب الطبع فترون مع هذا الكراريس الحاضرة للطبع، وهي ثمان كراريس من صفحة 81 - 208. وأرجو أن تنبّهوا عليهم أن يرسلوا ... نسخة أخرى منها تبقى لديّ كما طلبت ذلك مرارًا. وبقية التجارب الجديدة العملُ فيها جارٍ وسأرسلها بعد هذا إن شاء الله تعالى. والباري يحفظكم.
كتاب "مجاز القرآن" سلمناه للشيخ عبد الحق، وبقيّة الكتب وزّعناها كما أمرتم، والشيخ سليمان بالمدينة، والسلام.
30/ 3/1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/299)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلني كتابكم الكريم المؤرخ 7 جمادى الثانية سنة 1380 ه مع بروفات "شرح السفاريني" مقابل ص 289 إلى 322 من الجزء الأول من المسوَّدة التي هي مطبوعة المنار، وها هي إليكم بعد مقابلتها وتصحيحها.
أشرتم إلى معاكسة أصحاب المطبعة وأرى أن معاكستهم واضحة في التأخير، فأما في طبع هذه البروفات فلم أر فيه ما يصلح أن يكون حجة على تعمدهم المعاكسة؛ ولهذا لم أر موجبًا لوصولي إليكم. فأما الشيخ سليمان فإني عرضتُ عليه كتابكم فأخبرني أنه عازم إليكم، وقد وصلكم وحصل المطلوب إن شاء الله تعالى، والله يحفظكم، والسلام.
في 10 جمادى الثانية سنة 1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/300)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيّد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو العفو والمسامحة، طالبت مرارًا بأن تكون الكراريس المرسلة إليّ المطلوب إجازة طبعها نسختين، تبقى إحداهما عندي للتوثّق من الاتصال والتقييد في الإحالة في الحواشي على الصفحات المتقدمّة. والحاجة الآن داعية إلى نسخ من الكراريس التي أُجيز طبعها من ص 112 إلى آخر ما تمّ إجازة طبعه، فإن تصحيح الأوراق التي لديّ يتوقف على وصول تلك الكراريس إليّ.
وأرجو في المستقبل مراعاة ذلك دائمًا كلما أرسلت الكراريس التي يُطلب إجازة طبعها تُرسل منها نسختان. وأرجو أن تؤكدوا على أهل المطبعة ذلك لئلا يتوقف العمل.
والباري يحفظكم، والسلام.
21/ 4/ 1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/301)

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ الفاضل العلامة السلفي الشهير محمد نصيف أفندي المحترم.
حفظكم الله وأبقاكم في طاعته ومرضاته وفي منافع المسلمين، خادمًا للعلم وعونًا لأهله آمين.
تحية مباركة طيبة مشفوعة بمزيد من التقدير والإجلال.
وبعد، يسرنا أن نبعث لفضيلتكم بهذا مستفسرين عن صحتكم الغالية، نرجو الله لكم دوامها مع العفو والعافية.
سيدي بلغ توزيعكم لكتب موقوفة في ضمنها نسخة "الدين الخالص" وكنا نودّ مزاورتكم بمناسبة ذلك ولكن ... فهذا نيابة عنّا، نرجو عدم المؤاخذة، كما نرجو ألا تنسونا من الكتب وخاصة الجزء الأول من "فضل الله الصمد" ونسخة "الدين الخالص", ولكم منا جزيل الشكر مع الدعوات الصالحة، والله يحفظكم ويمتعنا بحياتكم الغالية، وسلام الله عليكم.
8 شعبان سنة 1380
من المحبّين المخلِصَين
محمد المعلمي، عبد الرحمن المعلمي
العنوان: مكة مكتبة الحرم
(1/302)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تقدّم قبل هذا إليكم بقيّة الجزء الأول من "شرح السفاريني" ثم القطعة الأولى من الجزء الثاني. وأبعث إليكم الآن القطعة الثانية، وهي مقابل ص 53 إلى ص 112 مطبوعة المنار. ولم تصلني الورقة الثانية من المسوّدة وهي ص 55 - 56، ولا حرج في طبع مقابلها من المسوّدة، لكن لا يرجعونها ويدّعون أنها عندنا.
هذا وقد أرسلت مع بقية الجزء الأول الفهرست الخاصّ به، ورتّبت جدول الخطأ والصواب لأكثره، وهو باقٍ عندي حتى أُتمّه فيما بعد إن شاء الله عند تمام طبع البقيّة.
وأرجو العفو والمسامحة، والسلام.
15/ شوال سنة 1380
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/303)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد، فأبعث إليكم من الجزء الثاني من "شرح السفاريني" 64 صفحة آخرها ص 176، إذا صحح ما فيها من الإصلاح أصبحت قابلة للطبع.
وأبعث إليكم أيضًا 13 ورقة طويلة تجارب أوليّة، ومعها ما يقابلها من المسوّدة طبع المنار، وهي صفحات 257 - 288، وبقي عندي أوراق من التجارب مع ما يقابلها من المسوّدة وهو صفحات 297 - 310 سأقابلها وأصححها وأرسلها. والمهمّ أن في الوسط ثماني صفحات لم يرسلوها ولا تجاربها وهي صفحات 289 - 294. والرجاء أن تخاطبوا أهل المطبعة فورًا، فإن لم يكونوا ضيّعوها فليعجلوا إرسالها مع تجاربها. وإن كانوا ضيّعوها فكلّفوا من ينسخها لهم من النسخة الأخرى التي لديكم.
والله يوفقكم ويحفظكم، والسلام.
10 محرم سنة 81
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
(1/304)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلني كتابكم الكريم المؤرّخ 3/ 2/ 81 وعرفت ما تضمَّنه، وسأعمل إن شاء الله بما رسمتموه، وأحسن الله جزاءكم وأجزل مثوبتكم.
ذكرتم "أن فضيلة الشيخ محمد بن مانع طلب نَسْخ ما كتبه الشيخ ابن سحمان في كتابه "تنبيه ذوي الألباب" ويطبع في آخر "شرح عقيدة السفاريني"".
وكنتُ أول ما شرعت في تصحيح الشرح فهمت أن المطلوب أن يعلّق كلام ابن سحمان مفرّقًا على المواضع التي يتعلق بها، ولذلك نقلت عامة كلامه في التعليقات على الجزء الأول من الشرح، وقد طبع كذلك، فهل يكفي هذا؟ أم ينبغي مع ذلك أن يطبع كتاب ابن سحمان جملةً في آخر الشرح؟
وذكرتم أيضًا رغبتكم أن يطبع ما في "الكواكب" ص 99 مع الإشارة إلى ما في "طبقات الشَّعْراني" فقد علقت ذلك على بحث الكرامات في الشرح، فإذا أحببتم أن يُعاد في آخر الشرح فعرّفوني.
وأسأل الله تعالى أن يبارك لكم في الحلّ والترحال والحال والمآل، والسلام.
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
5/ 2/ 1381
(1/305)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلني كتابكم الكريم المؤرخ 26 ذي الحجة سنة 80، مع البروفات وقد قابلتها، وأبعثها إليكم ومعها بقيّة الجزء الثاني من المسودّة وهي آخر الكتاب. أما الجزء الحادي والعشرون من "الفتح الرباني" فسأنظر إن كان عندي من السابق، أرجعت لكم هذا المرسل أخيرًا مع الشيخ سليمان (1).
والباري يحفظكم، والسلام.
28 ذي الحجة سنة 1381
محبكم
عبد الرحمن المعلمي
__________
(1) يقصد: الشيخ سليمان الصنيع.
(1/306)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فأرجو العفو والمسامحة من تأخّر نسخ الجزء الرابع من "الإكمال" والجزء الرابع من "الأنساب"؛ فإنها تأخرت في الهند وفي الطريق ولم تصل إلا أمس، وأبعث إليكم ما يخصُّكم من النسخ وهي (16) نسخة من رابع "الإكمال" و (6) نسخ من رابع "الأنساب"، وأسأل الله تعالى أن يحفظكم ويرعاكم ويبارك في جميع شؤونكم، والسلام.
في 22 رجب سنة 1385
محبكم
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(1/307)

رسائل الشيخ إلى العلامة
أحمد محمد شاكر
(رسالتان)
(1/309)

لله الحمد.
العلَّامة المِفضال أبي الأشبال ناصر السنة الشيخ أحمد محمد شاكر أدام الله تعالى توفيقه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قبل ثلاث سنوات تقريبًا جاء صديق لي من أهل الفضل بكتاب وناولني إياه، فقرأت عنوانه، فإذا هو كتاب "تأنيب الخطيب ... " للأستاذ محمد زاهد الكوثري، وكنت قد وقفت على تعاليق للكوثري على ذيول "الحفاظ"، وكتب أخرى، فعرفت طريقته، فلم تطب نفسي بمطالعة تأنيبه، فرددت الكتاب على صاحبي فألح أن انظر فيه، فرأيت أن أطيب نفسه بقراءة ورقة أو ورقتين، فلما شرعت أن أنظر في ذلك، رأيتُ الأمر أشد جدًّا مما كنت أتوقع، فبدا لي أن أكمل مطالعته، وأقيد [ما أراه من] ملاحظات على مطاعنه في أئمة السنة وثقات رواتها، فاجتمع عندي كثير منه، طُبع نموذج بمصر في رسالة بعنوان "طليعة التنكيل" لا أراكم إلا قد تفضلتم بالاطلاع عليها.
وآلمني أن الفاضل الذي علق عليها تصرف في مواضع من المتن بباعث النكاية في صاحب "التأنيب"، وذلك عندي خارج عن المقصود، بل ربما يكون منافيًا له، وفي النكاية العلمية كفاية لو كانت النكاية مقصودة لذاتها، ثم وقعت في الطبع أغلاط كثيرة، ولا سيما في إهمال العلامات، وعلى ذلك فليس ذلك بناقص من شكري للناشر والمعلق.
وأنا الآن مشتغل بتبييض الكتاب، لكن بقيت مُهمَّات لم أهتد إلى مواضعها.
(1/311)

وأنا منذ زمان أحب التعرّف عليكم والاستمداد منكم، فيعوقني إكباري لكم، وعلمي بأن أوقاتكم مشغولة بكبار الأعمال كخدمة "المسند". وأخيرًا قوي عزمي على الكتابة إليكم، راجيًا العفو والمسامحة.

أهم الفوائد التي أسأل عنها أمور:
الأول: أن الكوثري ذكر أن أبا الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، روى عن أبي العباس الجمار عن ابن أبي سريح عن الشافعي مقالة مالك في أبي حنيفة .. نعم رأيت رجلاً لو نظر لهذه السارية وهي من الحجارة فقال: إنها من ذهب لقامت حجته.
فأحب أن أعرف من أين أخذ الكوثري هذه الرواية، وما هو سندها إلى أبي الشيخ.
الثاني: أن الكوثري يقول في أبي الشيخ هذا: "ضعَّفه بلديّه الحافظ أبو أحمد العسّال بحق" فأحب أن أعرف مستند الكوثري في ذلك.
وفي ذهني قصة فيها: أن رجلاً من المحدّثين هجر صاحبًا له في حكاية عن الإِمام أحمد تتعلق ببعض أحاديث الصفات، وقال الهاجر ما معناه: لا أزال هاجرًا له حتى يخرج تلك الحكاية من كتابه. هذه حكاية وقفت عليها قديمًا. ولم أهتد الآن لموضعها، ويمكن أن تكون الواقعة لأبي الشيخ والعسَّال وأن تكون هي مستند الكوثري.
الثالث: في "تاريخ بغداد 3/ 177": من طريق يونس يعني ابن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: ناظرت محمد بن الحسن ... الخ.
(1/312)

فالكوثري يزعم أن الخطيب تصرف في هذه الحكاية، والحكاية من وجه آخر عن يونس في "الانتقاء" لابن عبد البر ص 34.
وأكاد أجزم أن ابن عبد البر اختصرها، فعسى أن تكونوا وقفتم عليها تامة في غير "تاريخ بغداد"، فأرجو إن تيسر لكم أن تفيدوني عن هذه الأمور الثلاثة.
في عزمي أن أفرد من كتابي ترجمة الإِمام الشافعي (1) وترجمة الخطيب, لأن الكلام طال فيها فصار كل منها يصلح أن تكون رسالة مستقلة.
فهل هناك في القاهرة من الشافعية من ينشط لطبع تينك الرسالتين على نفقته. فإن كان، فأرجو من فضيلتكم أن تعرّفوني حتى أرسلهما إليكم وتنوبوا عني فيما يلزم ... ".
__________
(1) سمى المؤلف هذه الترجمة "تنزيه الإِمام الشافعي عن مطاعن الكوثري"، وهي ضمن هذه الموسوعة في "مجموع الرسائل الحديثية".
(1/313)

بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة الأستاذ العلامة أحمد محمد شاكر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نرجو أن تكونوا على خير ما يُرام، دائبين في أعمالكم العلمية المجيدة مُعانين موفّقين. ومع العلم بأن أوقاتكم العزيزة مستغرقة بل ضيّقة عما تسمو إليه همتكم من الأعمال والتحقيقات، فلا أرى حرجًا في أن أرجو من فضيلتكم الالتفات إلى أمر آخر له أيضًا أهمية.
قد عرفتم هذه المؤسسة الخيرية (مكتبة الحرم المكي) المتصلة بالمسجد الحرام، وعرفتم عظمة مكانها لشرف موقعها وغايتها، ولأنها هي المرجع العلمي لمن يقيم بهذه البلاد ومن يحجّها من سائر الأقطار.
وبما أن شمس الإِسلام بزغت من هذه البقعة، فأرسلت أشعّتها إلى جميع جهات العالم، فإن وفود الحجاج من جميع أقطار العالم يتعطّشون إلى اقتباس تلك الأنوار من معدنها. وأعظم ما يهُيئ لهم ذلك هو وفرة الكتب على اختلاف أنواعها في هذه المكتبة، وإن الإدارات التي تسعى في نشر العلم لتجد في [إرسال] بعض الكتب إلى هذه المكتبة أقرب واسطة تحقق بها ما تسعى إليه، وتكون دعاية ناجحةً لها.
فالرجاء من فضيلتكم أن تلفتوا نظر أُولي الشأن في دُور العلم لديكم إلى ذلك ولا سيما دار المعارف. الرجاء أن يتكرّموا بإرسال نسخة نسخة من الكتب التي تقوم الدار بطبعها، وما يوجد لديهم مما قد طبع سابقًا. وكذلك
(1/314)

إدارة مجلة "الكتاب" وجريدة مجلة الشرق، فإن المكتبة لا تستغني عنها.
وإني إذ أرجو في هذه الإدارات تلبية طلبي، فإني باسم المطالعين في هذه المكتبة أقدّم شكري على ذلك سلفًا، والسلام.
(1/315)

رسائل الشيخ المعلمي
إلى
الشيخ عبد العزيز بن باز
(3) رسائل
(1/317)

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
كانت جرت المذاكرة في حديث مسلم وغيره عن حجَّاج عن ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولي أم سلمة عن أبي هريرة ... الحديث.
مع قول ابن كثير: "وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد بن الصباح عن أبي عبيدة الحدّاد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء ابن أبي رباح عن أبي هريرة ... الحديث.
وقلت أنا: إن ابن جريج - وإن كان مدلسًا - لكنه لا يدلس فيما يرويه عن عطاء. ويُعلَم ذلك من ترجمته في "التهذيب" (6/ 406)، وزعمتُ أن الحَمْل في هذا على الأخضر بن عجلان؛ فإنّ حجّاجًا أثبت منه بكثير، بل هو أثبت الناس في ابن جريج؛ فكأنَّ الأخضر وهم وسلك الجادة: ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة.
وأحسبك لم تقنع بذلك. وأنا - أيضًا - في نفسي من ذلك شيء.
ثم وجدت في آخر ترجمة عطاء من "التهذيب" (7/ 203): "روى الأثرم عن أحمد ما يدل على أنه كان يدلس، فقال في قصة طويلة: ورواية
(1/319)

عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول: سمعت ...
وأمس الجمعة جاء إلى المكتبة فضيلة الأستاذ إسماعيل الأنصاري يبحث عن القضية.
والبارحة تذكرتُ وأنا في صلاة الوتر ما قيل: إن ابن جريج لم يسمع من عطاء في التفسير، وإنما يروي في التفسير عن عطاء الخراساني، ولم يسمع من عطاء الخراساني وإنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان بن عطاء.
والقصة في "فتح الباري" في تفسير سورة نوح (8/ 511)، وفي "مقدمة الفتح" (ص/ 372). وترجمة عطاء الخراساني من التهذيب (7/ 214).
وحاصلها أن ابن جريج قال: "سألت عطاءً - يعني ابن أبي رباح - عن التفسير من البقرة وآل عمران فقال: أعفني من هذا".
ثم كان ابن جريج يروي التفسير من طريق عطاء الخراساني، وكان يقول في روايته: "عطاء الخراساني .. "، ولكن أصحابه ملّوا من كثرة الكتابة فصاروا يقتصرون على "عطاء" اعتمادًا على أنهم قد عرفوا أن ابن جريج إنما يروي التفسير عن عطاء الخراساني.
هذا، وعطاء الخراساني لم يسمع من أحد من الصحابة، وابن جريج لم يسمع منه، وإنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان بن عطاء. ولا يُدرى ما حال ذلك الكتاب.
وعثمان بن عطاء ضعيف جدًّا؛ لكن الذي وقع في البداية والنهاية: " ... الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح".
(1/320)

ويبعد أن يكون الأخضر وهم في هذا؛ لأنه أخذ الخبر من ابن جريج وابن جريج كان يقول: "عطاء الخراساني" وأصحابه هم الذين اقتصروا في كتابتهم، فلم يكتبوا "الخراساني". أرجو أن تفيدوني برأيكم في هذا، وما تجدد لديكم في هذه القضية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
21/ 2/ 1378
محبكم
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(1/321)

بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن يحيى المعلمي إلى حضرة صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
وصلني كتابكم الكريم المؤرخ 10/ 7/ 1378 وعرفتُ ما شرحتم في شأن "فتح الباري"، وقد فكرتُ في القضية فوجدْتُني بين أمرين: إما أن أقبل ثم لا أستطيع الوفاء، وإما أن أعتذر من الآن.
فرأيت الثانية أولى، وذلك أن العمل ضخم، ولي مع شغلي بالمكتبة أشغال في كتب أخرى لا ينبغي تأخيرها، وصحتي مع ذلك ليست على ما يرام. فأرجو قبول عذري، والعفو والمسامحة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
22/ 7/ 1378
محبكم
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(1/322)

بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن يحيى المعلمي إلى حضرة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، تناولت كتابكم الكريم المؤرخ 13/ 8/ 1378، وإنه ليشقّ عليَّ جدًّا أن لا أمتثل رغبةَ فضيلتكم، ولا سيما في مثل ذلك العمل الصالح العظيم (1)، غير أني كما ذكرت في جوابي السابق لا أتمكن من القيام به.
ولم أقل ذلك حتى فكَّرت ونظرت بحسب ما أعرفه من حالي، وحال العمل، وحال من يمكن أن أستعين به، فأسأل الله تعالى أن ييسر لكم الأمر، ويهيئ لكم سبيل القيام به، والسلام عليكم ورحمة الله.
__________
(1) يقصد العمل على تحقيق كتاب "فتح الباري" كما في الرسالة السابقة.
(1/323)

رسائل متعلّقة
بضبط نسبة (العَنَدي)
(4) رسائل
(1/325)

[رسالتان من الأستاذ فؤاد سيد]
القاهرة
في 10/ 6/ 1965
أستاذنا العلامة الجليل الشيخ عبد الرحمن المعلمي حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فقد سعدت بتلقي رسالتكم الكريمة المؤرخة 28 المحرم 1385، وحمدت الله على جميل أحوالكم وتمام صحتكم وعافيتكم، وإني لأشكركم على هذه المواصلة القلبية النبيلة، ولا حرج عليكم أبدًا في الإقلال من الكتابة إلى أحبابكم، فالجميع يقدّر ظروفكم ويكفيه منكم ما يحمله قلبكم الكبير من الحب الصافي والمودّة الأكيدة، ويكفي أن نسمع عنكم من طريق إخواننا وأحبابنا، وعلى رأسهم الأخ في الله الشيخ سليمان الصنيع بعضَ أخباركم ونشاطكم وخدمتكم الجليلة لسنة رسول الله وحفّاظها الأمناء، زادكم الله من فضله، وأتمّ عليكم نعمته، ومدّ في عمركم لتحقيق رسالتكم النبيلة النافعة للإسلام والمسلمين.
وبخصوص موضوع الوزير "أبو بكر العدى"، وأنا الآن لا أضبطها بالنقط أو بالشكل بعد ما تضاربت فيها الروايات أمام عيني نتيجةً لبحثكم وبحثي الأخير الذي وصلتُ فيه إلى ما يأتي:
1 - في "تاريخ ثغر عدن" لبامخرمة المطبوع في أوربا سنة 1950 يذكر صاحبنا في مواضع كثيرة باسم "العَيِّدِي" مضبوطة بالشكل، ويذكر في
(1/327)

الحواشي القراءات الأخرى التي يراها لهذا الاسم وهي: العَبْدى - العَيْذيّ - العَيِّذيّ - العِيديِّ.
2 - في "خريدة القصر" لابن العماد الأصفهاني، قسم شعراء الشام واليمن والحجاز المطبوع أخيرًا سنة 1964 بتحقيق الدكتور شكري فيصل ترجمة لا بأس بها للرجل من ص 145 ويذكر الاسم فيها "أبو بكر بن أحمد بن محمد العِيْديِّ اليمني" وفي الحواشي يورد الروايات الأخرى التي رآها وهي: العبدي - العَيْدي.
3 - رجعت إلى مخطوطة "الغِيْد في أخبار زبيد" لعمارة اليمني، فرأيت أن الناسخ يذكر الاسم: "العبدي" وترجمته هناك مطولة وحافلة بشعره من ورقة 180 - 232.
4 - في كتاب ابن المجاور "المستبصر" ص 46 يذكره باسم: العبدي، وفي الحاشية: العيدى.
5 - وعند الجندي في "السلوك" ترجمة له في لوحة 156 بقوله: "ومنهم أبو العتيق أبو بكر بن أحمد العبدي [بنقطة تحت الموحدة ونقطة تحت الدال للإهمال] نَسَبًا الأبيني بلدًا، من قومه الأعود [كذا بدون نقط] جماعة يسكنون أبين ولجح وعدن ... ". وقد أنهى الجندي الترجمة بقوله: وكانت وفاة الأديب بعدن سنة ثمانين وخمسمائة تقريبًا. ومن آثاره في عدن المسجد الذي يُعرف بمسجد العبدي [كذا بنقط الموحدة].
ويبدو أن هذه الترجمة هي التي نقل منها الأهدل.
(1/328)

وقد كان بودّي أن أرجع لكتاب "مشتبه النسبة" لبامخرمة، - وهو في الأعم خاص بأهل اليمن والجنوب - حيث عادته أن يضبط الإنساب بالعبارة، إلا أنه مع الأسف ليس في مصر نسخة من هذا الكتاب وإن كنت رأيتها في اليمن.
ولا شك أن الأخ هادون العطاس يمكنه أن يكتب إلى من يعرف من العلماء في عدن - وأنا أعتقد بوجود هذا الكتاب هناك - لمراجعة هذه النسبة وضبطها، وإن كنت أخيرًا بعد هذه البلبلة أميل إلى أن الاسم "العندي". وأن القبيلة "الأعنود".
هذا وسأكتب من جهتي إلى صديقي العزيز القاضي محمد الأكوع محقق كتاب "الإكليل" وصاحب الخبرة في مثل هذه المسائل، ليبحث القضية معنا لعله يصل إلى حقيقة الأمر.
أكرّر شكري لرسالتكم الشريفة، وأدعو لكم بطول العمر، وأسأل الله أن ينفعنا بكم وبعلمكم، ويسدّد خطاكم ويكتب لكم السعادة والهناء والصحة. مع خالص تحياتي واحتراماتي للصديق الكريم والأخ الوفي الشيخ الصنيع. وسأكتب لك قريبًا ردًّا على رسالته التي وصلتني أول أمس فقط.
والسلام عليكم ورحمة الله.
المخلص: فؤاد سيّد.
(1/329)

القاهرة
غرة شوال سنة 1385
أستاذنا الجليل العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي ... متَّعه الله بالصحة والعافية والهناء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير وعافية وصحة وسعادة، جعلَ الله كل أيامكم أعيادًا، ومنحكم الصحة والتوفيق ويسّر لكم سبيل الخير والفلاح، وجعلكم من الفائزين المقبولين وبعد:
فيؤسفني أن رسالة سيادتكم الأخيرة وصلتني منذ ثلاثة أيام فقط، رغم أنها مؤرّخة في 21/ 5/ 1385، وقد أوضحتُ ذلك لأستاذنا الشيخ الصنيع في رسالتي المرفقة مع رسالتكم هذه. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ويهمني أن أذكر لسيادتكم أنه مع الأسف لا يوجد في دار الكتب نسخة مخطوطة من "تاريخ ثغر عدن" حتى أرجع إليها في تحقيق "العبدي". وقد كان لحسن الحظ - عند مطالعتي رسالتكم - بجانبي الأستاذ حمد الجاسر وتناقشنا في صواب النِّسْبة، وقد سبق له اهتمام بها، ولذلك فقد كتب لسيادتكم الورقة المرفقة مع هذا بخطه (1)، ولعلها تلقي ضوءًا على صحة النسبة.
إنني لأعتذر لكم عن هذا التأخير الذي لم تكن لي فيه حيلة، وأسأل الله
__________
(1) ألحقنا هذه الورقة بعد رسالتَي الأستاذ فؤاد سيد ورسالة الشيخ البيحاني.
(1/330)

أن يعفو عنا جميعًا ويهدينا سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله
المخلص فؤاد سيّد
(1/331)

[رسالة من الشيخ البيحاني]
تحريرًا في 27/ شوال 1385 ه
حضرة المحترم الشيخ العلامة الجليل بقية المحققين عبد الرحمن بن يحيى المعلمي حفظه الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بلغني كتابكم الكريم المحرر في 15 الجاري وفيه تسألون عن الشيخ العندي، وأشكركم على عظيم ثقتكم وحسن ظنكم بي مع ما تعرفون من قصر باعي وقلة بضاعتي، والمذكور هو أبو بكر بن أحمد بن محمد العَنَدِي بفتح العين المهملة والنون المنقوطة من أعلى مفتوحة أيضًا وبعدها دال مهملة، وهكذا ينطق بهذا الاسم، وهو نسبة على قرية يقال لها (العَنَد) شمال حوطة لحج العاصمة على بعد عشرين ميلًا تقريبًا، وهي تقرب من الشَقْعة بفتح الشين وسكون القاف وبها سكان قليل، وقال لي أحد أمراء لحج أنها كانت قلعة حربية وكان فيها معسكر صغير للجيش البريطاني، والمسؤول عنه أديب فقيه فرضي شاعر مشهور، ولد في (أبين) وطلب العلم في عدن وبرز في معلوماته، وكان للأمير بلال بن جوير المعظمي كاتب يثق به ويعتمد عليه، ولما تو في الكاتب ذُكر له الشيخ أبو بكر العندي فاستدعاه وأعجبه في خلقه وخلقه وأدبه ومقدرته فاتخذه كاتبًا وأسند إليه المهمات فكان وزيرًا، له حيثيته ومكانته عند الأمير بلال المعظمي نسبةً على المعظم محمد بن سبأ الزريعي وعاملًا له في عدن، وتوفي المعظمي في سنة 547 ه، وعاش بعده العندي نحو ثلاث وثلاثين سنة، وقد استوزره أو استكتبه الملك طفتكين بن أيوب، وهو الذي كتب له رسالة الاستيذان من أخيه صلاح الدين في العودة
(1/332)

من اليمن إلى مصر ومع الرسالة قصيدة طويلة أوردها الأمير أحمد فضل في كتابه "هدية الزمن" صفحة 67 ومطلعها:
لولا محلك في قلبي وأفكاري ... ما رنّح الشوق أعطافي وتذكاري
ولا التفت على مصر وساكنها ... وقد تعوضت عن مصر بأمصار
ولا حننت إلى أرض الشآم وإن ... كانت مطالع أوطاني وأقطاري
وللعندي قصائد كثيرة، ومنها قصيدته التي ذكر بعضها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" وأوَّلها:
حياك يا عدن الحيا حياك ... وجرى رُضاب لَمَاه فوق لماك
وافترّ ثغرُ الروض فيك مضاجعًا ... بالنشر رونق ثغرك الضحّاك
أما مسجده الذي ذكره حمزة لقمان في صفحة 268 من كتابه "تاريخ عدن والجنوب العربي" فهو غير معروف اليوم وقد سالت الكبار من أهل عدن عن هذا المسجد ولم يعرفوا عنه ولا عن موقعه قليلاً ولا كثيرًا، والمذكور هو أستاذ الشيخ نجم الدين عمارة اليمني، ونسبته إلى الأعنود - قبيلة تسكن عدن وأبين ولحج - غير صحيحة. ولو كان الأمر كذلك لقيل له الأعنودي وإنما هو منسوب إلى قرية (العَنَد). وفي جهتنا ينسب السكان إلى مساكنهم بهذه الصيغة فيقال في أهل قدس: الأقدوس، وفي أهل الحَكْم: بسكون الكاف الأحكوم، وفي أهل العند: الأعنود، وهكذا.
وكلُّ ما ورد في ضبط اسمه غير ما ذكرناه فهو مغير ومصحف، فليس هو بالعبدي ولا العيذي ولا العيدي. وليس هو أبو بكر أحمد بن محمد، وإنما هو أبو بكر بن أحمد العندي فاضبطوه فضلاً لا أمرًا هكذا، وإذا تيسر
(1/333)

لكم الوقوف على كتاب "التحفة السنية" للأهدل أو "تاريخ الجندي" أو "ثغر عدن" لبامخرمة أو "كتاب النسب" بكسر النون لبامخرمة أيضًا فستجدون أكثر وأحسن مما تيسر لي في هذه الخلاصة، ومعذرة إليكم من قلة الاطلاع وقلة المصادر التاريخية عندنا، أما ما أشرتم إليه من تقصيركم في المراسلات فلا عتب ولا لوم إلا على مثلي فيما يجب لأمثالكم من أهل العلم والفضل، وأعاذك الله من سوء الخلق أو العجز عن أي واجب أو مندوب، ولعلك تعذرني أنا لما تعلم من حالي.
وأرجو أن يكون قد وصلكم القسم الأول من كتابي "أشعة الأنوار على مرويات الأخبار"، من طريق الشيخ عبد الملك بن إبراهيم.
والسلام عليكم وعلى من حضر مقامكم الكريم أولاً وآخرًا ودعواتكم مطلوبة وأسأل الله أن يجمعنا قريبًا في خير زمان وأقدس مكان وبعد ذلك في جنات النعيم.
محبكم المخلص
محمد بن سالم البيحاني
الختم (1)
__________
(1) وفيه: إمام وخطيب جامع العسقلاني - محمد سالم البيحاني - مؤسس المعهد العلمي الإسلامي بعدن.
(1/334)

[ورقة من حمد الجاسر] (1)
أبو بكر العَنْديُ، لا العَيَدِي، ولا العبدي. ولا العيذي.
1 - أول من غلط وخلط في نسبة هذا الشاعر ياقوت في "معجم البلدان"، وفي "معجم الأدباء"، وقد أورد له نسبتين مختلفتين.
2 - ثم جاء ابن الصابوني فوقع في الغلط، وزاده تخليطًا وغلطًا الأستاذ الدكتور مصطفى جواد بتعليقه حاول فيها أن يصحح فما أصاب.
3 - ثم الدكتور شكري فيصل في تصحيحه للجزء الثالث من كتاب "خريدة القصر" أو الثاني، وقد أشار في آخر الجزء إلى أنني نبهته إلى الصواب، إشارة مبهمة.
4 - إن الصواب في نسبة هذا الشاعر هو (العَنْدي) بالعين المهملة بعدها نون فدال مهملة كما ورد بذلك نصٌّ صريح في كتاب "تاريخ عدن" للسلطان الفضلى، منسوب إلى (الأعَنُود) وأن في عدن مسجدًا يُنسب إلى الشاعر المذكور وقد نقلت نصه في تعليقي على دائرة معارف البستاني المنشور في جريدة الرياض في المحرم 1385 وصفر 1385.
__________
(1) هذه الورقة ملحقة برسالة الأستاذ فؤاد سيد وهي بخط الأستاذ حمد الجاسر.
(1/335)

[رسالة من أحد العلماء]
(العندي صاحب مسجد العندي بعدن)
ظهر لنا بعد أن ظفرنا بترجمة العندي في كتاب "هدية الزمن" للأمير أحمد فضل العبدلي، أن من سميتموه ونقلتم ترجمته عن كتاب الصابوني رجل آخر، أما العندي وصاحب مسجد العندي بعدن فهاكم ترجمته:
قال أحمد فضل في كتابه (ص 72): قال الأهدل في "التحفة": الأديب أبو بكر بن أحمد العندي نسبة على الأُعنود قوم يسكنون لحج وأَبْين وعدن. أثنى عليه عمارة. مولده أبين، وكان أبوه من أعيانها وكان ولده هذا موفقًا في صغره مسددًا في كبره ثم دخل عدن فقرأ الفقه والأدب والحساب ومهر في جميع ذلك ونظم ونثر. وعدن إذ ذاك بيد الشيخ بلال المحمدي مولي الداعي محمد بن سها الملقب بالمعظم، ولذلك يقال لبلال: المعظمي الزريعي. وكان له كاتب توفي بتلك المدة فاحتاج إلى غيره فدله بعضهم على الأديب أبي بكر بن أحمد فاستدعاه فأعجبه جماله ثم فاتحه في الكلام فازداد عجبه به فولَّاه كتابة يده ثم جعله مدونًا لأموره. وكان لا يقطع أمرًا دونه وراجعه مرةً في حوائج جماعة وفدوا فقال بمحضر من الناس: يا مولاي الأديب! الدولة دولتك والمال مالك، فأجبْ وأثبْ كيف شئت ولمن شئت بما شئت!
وكان الأديب أبو بكر يبالغ في إخفاء منزلته عند بلال حتى لا يعرفها إلا الأفراد. قال عمارة - وهو ممن أدرك الأديب -: ولقد كان متى سمع بقدوم قافلة لقيها إلى الباب وسأل عمن فيها من الفضلاء فيسلم عليه ويسأله
(1/336)

النزول معه ويقربه ويبذل جهده في إكرامه ومراعاته. ولما خرج أهل زبيد من ابن مهدي إلى عدن بذل الأديب كرامته وجاهه لأعيانهم، ومالَه وشفقتَه لضعفائهم وفقرائهم حتى دمل كَلْمهم وسدَّ ثلمهم.
وكان متى وجد من فاضل زلة مع السلطان اجتهد في العذر له عنها حتى أن أبا طالب الطرائفي قدم عدن ومدح الداعي محمد بن سبأ سنة 536 ه بقصيدة لأبي الصلت كان مدح بها الأفضل بن أمير الجيش أولها:
نسخت غرائب مدحك التشبيبا ... فكفى به غزلًا لنا تشبيبا
وأنا الغريب مكانه وزمانه ... فاجعل نوالك في الغريب غريبا
ولما قدم القاضي الرشيد أهدى للداعي الديوان فوجد فيه القصيدة فكتب إلى الأديب العندي أن يسير له قصيدة ابن الطرائفي فعلم الأديب أنه قد أدرك علي بن الطرائفي، وكتبها بخطه وألحقها اعتذارًا عن ابن الطرائفي من شعره
هذي صفاتك يا مكين وإن غدا ... فيها سواك مديحها مغصوبا
فاغفر لمهديها إليك فإنه ... قد زادها بشريف طيبك طيبا
وكان مُجيدَ الكتابة والإنشاء، أثنى عليه كتَّاب مصر لما يرد عليهم من مكاتباته. وله أشعار أرق من النسيم وأحلى من التسنيم. وامتحن آخر عمره بكفاف البصر، قال عمارة: حين بلغني ذلك علمت أن الزمان قد سلب بصيرته حين سلب بصره، وأن الأيام طمست بذلك جمالها وأطفأت سراج كمالها. ولما كف بصره أحياه الله بثمرة الخير الذي كان يغرسه فتضاعفت
(1/337)

عنده أهل الدولة وجماعته كأن الزمان أراد أن يخفضه فرفعه، وأن يضره فنفعه.
وكانت وفاة الأديب بعدن سنة 580 تقريبًا، وكان من آثاره مسجده المعروف بمسجد العندي بعدن. اه.
واعلموا أن كتاب الأهدل الذي نقل عنه الأمير أحمد فضل إنما هو "تحفة الزمن". وأما التاريخ الذي رأيته مع سيدي الوالد في مكتبة شيخ الإِسلام بالمدينة فهو "بغية المستفيد في تاريخ زبيد"، وأظنه لابن الديبع مؤلف "قرة العيون في تاريخ اليمن الميمون"، وهذا تصحيح لما ورد في كتابنا لكم. وربما تجدون للعندي ذكر (1) في تاريخ "ثغر عدن" لبامخرمة، فقد سمعنا أنه طبع وأخبرني الأخ حامد أنه رأى منه نسخة من المطبوع عند الشيخ محمد عوض باوزير (2).
__________
(1) كذا والوجه: ذكرًا.
(2) كُتب أسفل الرسالة بخط الشيخ المعلمي:
"كتاب من الشيخ محمد بن عوض باوزير إلى السيد هادون: جواب عن كتاب في السؤال عن هذا المسجد ما لفظه: "هذا المسجد غير معروف الآن ... وفي عدن الآن منارة مسجد أمام الميدان .... لا تزال باقية، ولعلها من بقايا هذا المسجد".
(1/338)

رسائل متفرقة
من الشيخ وإليه
(1/339)

[رسالة المعلمي إلى الصيلمي]
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي العلَّامة الهمام علم الإِسلام السيد صالح بن محسن الصيلمي حرسه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأرفع إليك مقالة محب صادق ومصادق غير ماذق، فاعْلم غير معلم: أن الأولى في خطبة الجمعة قصرها ما أمكن اتباعًا للسنة ورفقًا بالمأمومين. فإن فيهم من يشق عليه القعود في مقام واحد مع ازدحام الناس، وعذرُه واضح، فإننا نرى كثيرًا في الجمع تكاد تضطرهم الحاجة إلى الخروج. كيف ومولانا - أيَّده الله تعالى - وأولادُ عمِّه وأعوانُه كلُّهم تنالهم المشقة لإضرار الحرِّ مع الازدحام بهم. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أفتَّانٌ يا معاذ؟! " ولم يُرَ أشدَّ غضبًا منه حينئذ.
فقصِّروا الخطبةَ، ولتبلغ الأولى قدر سورة الفجر، والأخرى أقصر. وإليكم خطبةً من خُطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خطب بها ورؤوس العرب حاضرون، وفيهم المؤمن الموقن، والشاك المرتاب، والمنافق والمشرك، وليس معه من يشق عليه البقاء في المسجد لتأذِّي جسم أو نحوه إلا النادر، إذ لم يكن لهم غالبًا أعمال تشغلهم غير العبادات، فكيف اليوم؟
قال الجاحظ (1) رحمه الله، قال: "خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشر كلماتٍ، حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
__________
(1) "البيان والتبيين": (1/ 302، 303).
(1/341)

أيها الناس إنَّ لكم معالمَ فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين، بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت. فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مُستَعْتَب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار". اه.
(1/342)

[تقويم كتاب "منتخب في أشعار مشاهير شعراء الهند وترجمته"]
أطلعني الأخ الفاضل عبد الصمد صارم الديونبدي ثم الأزهري على طرفته هذه (1) التي انتخب فيها أبياتًا أخلاقية لمشاهير الشعراء في الهند، وترجمها إلى العربية نظمًا؛ إجابة لاقتراح بعض أصدقائه من المصريين، فرأيته قد بذل جهده في الوفاء بما التزمه، مع ما في ذلك من الصعوبات.
فإن الترجمة نفسها صعبة، فكيف إذا كانت ترجمة شعر؟ فكيف إذا كانت نظمًا؟ فكيف إذا التزم جمع عدة أبيات متفرقة في قطعة واحدة متفقة الوزن والرويّ؟
والترجمة وحدها كافية لفقدان الفرع كثيرًا مما للأصل من المزايا الفنيّة إن لم يفقدها كلّها.
مع أن تلك الصعوبات اضطرت المترجم - كما قال - على (2) الاقتصار على أخذ المفهوم. وحبذا لو ضم إلى ترجمته النظمية ترجمةً نثرية يتحرّى فيها الدقة؛ فإن ذلك أوفى بمقصود أصدقائه من المصريين، وأَرْعى لحقّ الشعراء الذين ترجم كلامهم، بل ولحق مواطنيه عامة، وهو فاعلٌ ذلك إن شاء الله تعالى.
__________
(1) الأصل: "هذا" سبق قلم.
(2) كذا في الأصل.
(1/343)

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ المحترم مدير مجلة الأزهر ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
غير خافٍ عنكم ما لهذه المؤسسة الخيرية (مكتبة الحرم المكي) من شرف الموقع وجلالة الغاية؛ فإنها في حضن المسجد الحرام، أشرف بقعةٍ على وجه الأرض، وهي المرجع العلمي لأهل هذا البلد والمجاورين فيه، والألوف المؤلّفة التي تحجّه من جميع أقطار الأرض.
فحق على سائر المؤسسات العلمية، ولا سيَّما الدينية، أن تقوم بتعضيدها، وفي المقدمة مجلة الأزهر، فقد كانت تُهدَى إلى هذه المكتبة، فتؤدّي بواسطتها قدرًا صالحًا من مهمتها التي هي الدعوة إلى الحق، ونشر نور المعرفة، ثم احتبست منّا أخيرًا، فرأينا تذكيركم لتعودوا إلى إهداء المجلة لهذه المكتبة كالسابق، ولكم الشكر. والسلام.
(1/344)

بسم الله الرحمن الرحيم
الفاضل المحترم مدير مكتبة الأزهر الشريف ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن هذه المؤسسة الخيرية (مكتبة الحرم المكي) هي المرجع العلميّ لأهل هذه البلاد والمجاورين بها والقادمين عليها، وفيهم عدد غير قليل ممن يتطلّعون إلى المخطوطات ومواضعها من مكتبات العالم، لطلب شيءٍ منها أو السعي في طبعها أوغير ذلك.
فلهذا أرجو أن تتكرّموا بإهداء نسخة من فهرست مكتبة الأزهر إلى هذه المكتبة. هذا وقد أنبنا في استلامها فضيلة الشيخ أحمد بن محمد شاكر ليقوم بتجليدها وإرسالها إلينا.
وتقبلوا فائق احترامي.
(1/345)

بسم الله الرحمن الرحيم
جناب الفاضل المحترم مدير مجلة "الناشر المصري"
سلامًا واحترامًا. وقفت على العدد الأول من مجلّتكم الممتازة. وإنه لعمل جليل تسدّون به فراغًا محسوسًا، وبما أن هذه المؤسسة الخيرية (مكتبة الحرم المكي) هي المرجع العلمي الوحيد لأهل هذه البلاد والمجاورين لها والجموع الكثيرة التي تَفِد إليها من جميع الأقطار؛ فأرجو أن تتكرموا بإهداء المجلة إلى هذه المؤسسة ليطّلع من يَرِد على المكتبة من المطالعين على سير حركة التأليف والنشر بمصر. وذلك مُحَقِّق لمقصود المجلة. وتقبّلوا مزيدَ احترامي.
(1/346)

[رسالة من الشيخ محمد عبد الله صولان إلى الشيخ المعلمي في مسألة في الفرائض]
...
أن رجلاً عظيمًا من أكابر الفرضيين بيقين عرض على أحد الطلبة ورقة في أعلاها مسألة في الفرائض، زعم أنها حصلت في زمانه، وأنه أجاب عنها، ويذكر له فيها أنه قصد بها المذاكرة معه والاختبار لا المباهاة والامتحان، كما ستقفون على ذلك في سؤاله بخط يده، فكأنه يفرّق بين الاختبار والامتحان.
وكان أسفل السؤال بياض لتحرير الجواب فيه، فألهم الله الطالب بقوله: أرجوكم سيدي أن توضحوا لي الجواب الذي أجبتم به عن هذه المسألة لكي أستفيده منكم، ويبقى لكم أثر عندنا، فإن هذه المسألة عويصة عجيبة لا يحلها سواكم، فشكر الشيخ وضحك منه، وأخذ الورقة المذكورة وغاب عنه. ثم أعادها عليه بنفسها وفي أسفلها جواب غير واضح بخط عامي مختلّ رسم كلماته.
فأخذها الطالب منه وقبّل يده وقدمها إليّ، فعملت حسابها - كما ستقفون عليه - أيضًا فلم يتوافق مع حسابه، فأخذتني الحيرة لعلمي بأن الرجل أكبر فَرَضيّ في تلك الجهة بيقين، فأخفيتها وذهب على ذلك زمن طويل.
وبينما كنت في هذه الأيام أفتّش في كتبي إذ وجدتها مصادفةً بعد أن راحت من بالي ونسيتها، فاستحسنت أن أقدمها إلى فضيلتكم لأني واثقٌ
(1/347)

بحسابي - كما ستقفون عليه - وعلى يقين بأن الرجل من خِصّيصي هذا العلم، فراجعوها وأرشدوني على خطئي أهو في نصيب الزوجات بتقسيمي له على الخمس كما هو الواجب، أو أخرج ربع الربع للأخيرة وأحصر الأربع الباقيات في ثلاثة أرباعه لأنها متيقنة بخلاف الأربع الأول، فإن البائنة واحدة منهن غير مُعينة. أو الخطأ في غير ذلك سيدي.
مع العلم بأن هذه المسألة الآن ليست لأحد ولا ينتظرها أحد سواي، فعلى مهلكم وستقفون على شرحها في الورقة الأصلية، وهي مرسلة مع هذه أيضًا لتكونوا على بصيرة.

(ثم ساق المسألة على ظاهر السؤال).
(1/348)

واعلم يا سيدي أنكم إذا صححتم هذه فإني أعتمدها وأخطِّئه، إذ هو بشر، فجلّ من لا يسهو. وإن أرشدتموني إلى موضع الخطأ فأنا المخطئ.
فالله يساعدكم ويوفقكم للصواب بمنه وكرمه، وإني لأعلم أني شققتُ عليكم، وأنكم مشغولون، ولكن ماذا أفعل، وليس هنا من أراجعه غيركم فسامحوني.
ودمتم ملجأً لكل قاصد.
30/ رجب الحرام سنة 1359
محسوبكم
محمد عبد الله صولان
(1/349)

[جواب الشيخ المعلمي على سؤال الشيخ محمد صولان]
سيدي الأستاذ العلامة الشيخ محمد بن عبد الله صولان أعزه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلني كتابك المتضمن المذاكرة في تلك المسألة الفرضية، فتأملتها، فرأيتكم تنعتون المجيب الأول بقولكم: "رجلاً عظيمًا من أكابر الفرضيين"، وقولكم: "أكبر فرضي في تلك الجهة"، وقولكم: "من خصّيصي هذا العلم"، وقولكم مع جلالة قدركم - ولا سيما في هذا الفن -: "ولا أظن أنه مخطئ بل أنسب الخطأ إلى نفسي".
فبناء على هذا النعت لا يسعني إلا أن أقول: إن جواب ذلك العظيم
صواب، وبناء على ما أعرفه من علوّ مكانتكم - ولا سيما في هذا العلم - لا يسعني إلا أن أقول إن جوابكم صواب أيضًا. وهاكم التوجيه.
أما ذلك العظيم فإنه بني جوابه على ثلاثة أمور لم تبنوا أنتم عليها.
الأول: أنه جعل للزوجات [الثمن]، وأنتم جعلتم لهنّ الربع.
الأمر الثاني: أنه جعل للزوجة الأخيرة ربع ما للزوجات، والباقي منه للأربع الأُول اللاتي أبان المتوفى إحداهن قبل أن ينكح الأخيرة، ثم جُهِل أيّ الأربع هي، (يقسم بينهن سواء).
والثالث: أن الشقيقة وهي في المسألة الثالثة، وهي التي جعلتموها الأكدرية.
فأما الأمر الأول - وهو جعله للزوجات الثمن (1) - يحتمل أنه بناه على
__________
(1) فوق (الزوجات) كلمة تحتمل (فقط)، وفوق (الثمن) كلمة لم تتبين.
(1/350)

أن الزوجات الخَمْس - ولهن ربع التركة حتمًا إذ لا فرع وارثًا - نَذَرْنَ لبقية الورثة بنصف مالهنّ، أعني بثُمن التركة، يوزع بينهم بحيث يتم لكل منهم ما يكون له لو لم يفرض لهن إلا الثُّمن.
وأما الأمر الثاني، فمذهب أصحابنا في هذه الصورة وهي "أن يكون لرجل أربع زوجات فيبين إحداهن وينكح أخرى ثم يموت وتُجْهَل المطلّقة من الأربع الأُول مع معرفة الأخيرة" مذهبهم ما ذكرتموه بقولكم: "أو أخرج ربع الربع للأخيرة وأحصر الأربع الباقيات في ثلاثة أرباعه؛ لأنها متيقّنة بخلاف الأربع الأول، فإن البائنة واحدة منهن غير معينة".
ثم يقولون: الثلاثة الأرباع الباقية مما للزوجات لثلاث من الأربع الأول، فيوقف إلى البيان بأن تتعيّن المُبانة منهن، فينقسم على الثلاث البواقي أو الصلح، بأن يصطلح الأربع الأُول أو ورثتهنّ أو بعضهن وورثة الباقي فيقسم الموقوف على ما وقع عليه الصلح.
فكأنّ ذلك العظيم بعد أن جعل للزوجات الثمن - على ما تقدم توجيهه - جعل للزوجة الأخيرة ربع ما للزوجات، وأصاب في ذلك في الجملة، ثم بني على أن الأربع الأُول اصطلحن أو اصطلح الموجودتان (1) منهن مع ورثة المتوفاتين على قَسْم الموقوف بينهن على السواء.
وأما الأمر الثالث؛ فكأنّ ذلك العظيم بني على أن الشقيقة نذرت لشركائها بحصتها تكون بينهم كما لو لم تكن هي موجودة أو فُرِض أنه قام لها مانع من الإرث.
__________
(1) الأصل: الموجوتان.
(1/351)

وقد رتبت المسألة باعتبار هذه الأمور، فكانت النتيجة طبق جوابه، فاعتبروها إن أحببتم بأن تفرضوا للزوجات الثمن من التركة ثم تقسمونه بينهنّ؛ للأخيرة ربعه كاملاً، وثلاثة أرباعه الباقية بين الأربع الأُول على السويّة، وبقيّة المسألة على ما تعلمون.
ثم تفرضون في المسألة الثالثة - التي جعلتموها الأكدرية - أن الشقيقة غير وارثة، فإنكم تجدون النتيجة طبق جواب ذلك العظيم ...
فإن قلتم: ليس في السؤال ولا الجواب تعرّض لهذه الأمور!
قلت: ترتيبه الجواب على وفقها يدلّ عليها، وكأنه أراد الإلغاز. وافرضوا أنه قال لكم: كيف يمكن تصحيح هذا الجواب في هذه المسألة؟ ألا ترونكم مضطرين إلى فرض تلك الأمور أو ما يصح أن يقوم مقامها؟
على أنه يجوز أن يكون ذلك العظيم بني على ما ذكرت وإنما فرض للزوجات الثمن (وهو يعلم أنه غلط) لمصلحة الاختبار، فأما فرض الصلح فكأنه رأى أنه أقرب مخرج.
ويجوز أن يكون عوقب بدعواه وامتحانه، فأوقعه الله عز وجل في غلطتين شنيعتين فاحشتين يبعد أن يقع فيهما أو في إحداهما طالب علم فضلاً عن عالم!
وعلى كل حال فقد انجلت عنكم الحيرة إن شاء الله تعالى.
وأما جوابكم الذي تضمنه الجدول فقد قدمت أنه لا يسعني إلا الحكم بصحته. ووجه ذلك أن تكونوا فرضتم أن يكون الاشتباه وقع في الخمس معًا، بأن يكون الرجل بعد أن أبان إحدى الأربع ونكح أخرى اشتبهت عليه
(1/352)

المطلقة من الخمس كلهن بأن لم يعد يعرف المطلقة بعينها ولا المنكوحة أخيرًا، وأن الخمس كلهن اصطلحن على أن يقسم الربع الموقوف بينهن بالسوية، أو فرضتم أن الزوجة الأخيرة سامحت الأربع الأُول، قالت: لا آخذ من الربع إلا مثل واحدة منكنّ.
وهكذا يمكن تصحيح الجواب الذي ذكرتموه بقولكم: "حتى لو اعتبرت الزوجات أربعًا لا يتوافق مع حسابه قط وقد عملتها" بأن يكون مرادكم اعتبارهن أربعًا طبق حكم الشرع، ثم يعطي الأخيرة ربع الثمن، ويقال: الباقي لثلاث من الأربع الأول ثم يعرفن بأعيانهن فيكون موقوفًا، (ولكنه على هذا لا تصح المناسخة) إلا في حق الزوجة الأخيرة، فأما المتوفاة من الأربع الأول فإنها على الاحتمال لم يحكم لواحدة منهما بشيء، فكيف يقسم بين ورثتها إلا إن كان على فرض البيان أو المسامحة.
فإن قلتم: إن تصحيح هذين الجوابين مبنيّ على احتمالات لم تُذْكَر ولا أُشير إليها!
فالجواب: أنه يجوز أن تكونوا قصدتم إظهار فضلي لحُسْن ظنكم بي وهذا المعنى أحسن من الاختبار؛ لأن الاختبار قد يكون مع انتفاء حُسن الظن، مع أن الاختبار خير من الامتحان، فإن الامتحان يُشعر بإشقاقٍ على المسؤول، ولهذا شاع إطلاق المحنة على المصيبة.
هذا، والجواب الموافق لظاهر السؤال أن يقال: للجدتين السدس، وللزوجات الربع؛ للأخيرة ربعه، وثلاثة أرباعه توقف حتى تتعين المبانة من الأربع الأُول، أو يقع صلح فيُعْمل بحسبه، وأما الباقي فكما ذكرتم.
(1/353)

ثم إذا فرضنا أن الأربع الأُول اصطلحن على قسم الموقوف بينهن على السويّة، أو اصطلح من بقي منهن وورثة من هلك على ذلك عُمِل بحسب ذلك. وقد رتبتها في جدول على الاختصار كما ترونها في ظهر هذه الورقة.
ولا أدري لعل في حسابي غلطًا لأني متطفّل على هذا العلم، وقد بَعُد عهدي جدًّا بمزاولة مثل هذه المسائل، فتفضلوا إذا وجدتم خطأً بتنبيهي عليه.
هذا وأرجو من فضلكم أن تسعفوني بالمذاكرة فيما يعرض لكم من المسائل، فإن هذا دأب أهل العلم، ويسرّني ذلك جدًّا، فما كان عندي منه علم ذكرته، وما صَعُب عليّ استفدته منكم، وما استغلق علينا معًا تعاونّا عليه، والله الموفق.
(1/354)

[رسالة من أبناء محمد بن يحيى الأهدل]
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا}
الحمد لله.
حضرة القاضي العلامة الحجة وجيه الإِسلام الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العُتمي سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يخفاكم أن من قضاء الله الذي لا محيص عنه وفاة سيدنا ووالدنا (1) السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل، وانتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء، فوالله لقد شقّ علينا فراقه وأزعجنا انطلاقه ولكن ما وسعنا إلا الرضى، فالمطلوب الدعاء له بالمغفرة والرحمة، ولنا بالثبات والصبر وحسن الاستقامة.
وقد حررنا مكاتيب إلى حضرة مولانا أمير المؤمنين، وسيدنا سيف الإِسلام، أرجو من فضلكم إيصالها إلى حضرتهم، وتناول الجواب منهم وتسليمه إلى رسولنا حامل هذا إليكم.
وشريف السلام عليكم ورحمة الله منّا ومن راقمه إسماعيل. وكانت وفاة الوالد يوم الخميس الموافق 11 رمضان سنة 1339.
قاسم وعبد الله ابنا محمد بن يحيى الأهدل
__________
(1) الأصل: "وولدنا" سبق قلم.
(1/355)

بسم الله الرحمن الرحيم
من كَلَكته إلى حيدراباد دكين في 11 القعدة سنة 1354 موافق فَروَري سنة 1936 يوم الربوع المبارك.
حضرة صاحب الفضيلة مولاي الأجلّ العلامة الشيخ عبد الرحمن اليماني أدام الله بقاءه آمين.
بعد إهداء التحية ورحمة الله وبركاته على الدوام لا زلتم بكمال الرفاهية ودوام العزّ.
سيدي أخبركم أني من مدة أبحث عن المصحح بدائرة المعارف الجليلة العثمانية، وأمس كنت عند مسافرين حضروا من بلدة رانكون، وصارت (1) مذاكرة عن حيدراباد دكن وأحواله إلى أن وصلت بمذاكرتي لأعرف من هو المصحّح بالدائرة المشار إليها. ولما عرفتُ اسمَ سيادتكم بادرتُ (2) اليوم بتحرير خطي راجيًا من سيادتكم أن تشاهدوني هناك.
سيدي لا يخفاكم أني من أهالي مكة المكرمة، ولي مدة وأنا في كلكته ولما وصلتها وبحثت فيها عن كل شيء فوجدت الكتب العربية مفقودة فيها، وأهلها يطلبوا الكتب من بومبئي وسُوْرَتْ بأسعار زائدة. وبعدها شمرت عن ساعدي، وتوكلت على الواحد الأحد، وفتحتُ مكتبة عربية حجازية، ومن حين وصولي وفَتْحي للمكتبة وهي بفضل الله في التقدّم ففي بعض الأوقات
__________
(1) الأصل: "وصارة".
(2) الأصل: "بادرة".
(1/356)

أحتاج إلى مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، وطلبت مرارًا منها ولكن مع الأسف ما أتحصّل على الأثمان التي يتحصّلوا عليها المكاتب في بومبئى وسورت، بل يجعلون لي كميشن (1) في الربيّة أربعة "آنات" (2) والمكاتب الثانية بالنصيفة، ولا عرفتُ كيف أتحصّل على ذاك إلا بتوسط واحد رجلٍ فاضل جليل (3) مثل حضرتكم.
فإن كان يمكن لكم ذاك فأرجوكم لله ولرسوله الكريم أن لا تبخلوا بجاهكم ولو بطريقة تدلوني عليها أتمسّك بها. وهذي مسألة خيرية يكون الأجر فيها مناصف، والدالّ على الخير كفاعله.
واليوم أيضًا حررت جواب للمهتم بهذا الخصوص - وفي ... (4) أطلب الدعاء من حضرتكم مع فائق احترامي لكم. ودمتم محروسين بعناية المولى الكريم، آمين.
أحمد عبد القادر فيلا
التوقيع
__________
(1) "كميشن" كلمة إنجليزية مستعملة في شبه القارة الهندية بمعنى "العمولة".
(2) جمع "آنه" كانت في الربيَّة الواحدة ست عشرة "آنه" وفي "آنه" أربع "بيسات".
(3) الأصل: "جيل".
(4) كلمة لم تتبين.
(1/357)

[رسالة من القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي]
بسم الله الرحمن الرحيم
كوكب الأدباء وتاج النجباء، من تسنّم قُنَن المعالي، وناطح بهمّته كل عالي، سليل الأكارم ... الهدى، الآخذ بمجامع القلوب بلا مرا، زين المفاخر، وحليف ....
فتًى من بني تَيْم بن مُرّة أصله ... عليه من الصديق نورٌ ورونق
الشيخ العلامة القاضي عبد الرحمن بن يحيى المعلمي أدام الله معاليه، وخلّد لياليه، وحفظ ذاتَه من كل سوء، وصرف عنه الشرور، وتولانا وإياه في جميع الأمور. سلام عليه أطيب من عَرف النسيم، وأحلى من ثمرات النعيم، سلامٌ قولاً من ربّ رحيم، ورضوان كريم من عظيم، ما جنّ ليلٌ، وما غنّت مطوّقة، وما تغنّت هزاراتٌ بالحِمى طربًا.
والله المسؤول أن يحفظ علينا وعليكم دين الإِسلام حتى يتوفّانا عليه، وينصر الإِسلام وأهله، ويذلّ المشركين وأهل البدع المضلين.
صدورها لأداء واجب التحية عن قلبٍ مشتاق إلى أخلاقكم الرضيّة، وشمائلكم الحسنة البهيَّة، والقلوب بالود لا تنفصم عروته، فليت شعري متى يكون التلاق، ومتى ييسّر أسباب الاتفاق؟ فبيد الله أزمّة الأمور، فهو الملك الخلّاق.
وإن سألتم عن المملوك وذويه ففي نعم لا تُحْصَى، لا أُحصي ثناءً عليه. لم يكن ثمة شغل في قلبي غير الشوق إلى لقائكم، والتوق إلى رؤية
(1/358)

محيّاكم، فعندي من الشوق ما لو حُمل بعضه ... لما ذاب، أو لو سكن قلب غيري لذاب ولو كان من الحجار.
ما لاح برقٌ أو ترنَّم طائر ... إلا أتيت ولي فؤاد شيِّق
ولكن الأمور ... (1) من الله تصير، وهو على جَمْعنا إذا يشاء قدير.
هذا، وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة؛ بلدٌ آمن، وبيت حرام، إذ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقر أعينكم، وترون الفرق الجلي بين حجكم في العصر الأول وبين حجكم في عصر صاحب الجلالة الملك الصقر العربي السعودي، خلّد الله ملكه.
والمرجو أن لا تنسونا من الجواب الذي ردُّه من السنة والصواب، ويكون العنوان: مكة المكرمة، نزيل الحكومة العربية السعودية، القاضي محمد المعلمي العُتْمي.
ومن لدينا الأخ القاضي عبد الرحمن المعلمي العتمي، وأولاد الأخ الشهيد عبد الله ... ومحمد والولد أبو السعود يهدونكم جزيل السلام، كما هو عليكم وعلى أولادكم وإخوانكم بدءًا وختام.
أخيكم مستمدّ الدعاء وباذله
محمد بن عبد الرحيم المعلمي العتمي
27/ 10/1360
__________
(1) كلمة لم تتبين.
(1/359)

بسم الله الرحمن الرحيم
من فضل الله - غفر الله له - إلى جامع الفضائل والعلوم مولانا الشيخ عبد الرحمن اليماني لا زال محفوظًا باللطف الرباني.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سيدي المحترم! قد ذهب بعض خلّاني إلى مصر، فأنا أريد أن أكتب إليه أن يتكلم هو في مسألة الطبع لشرحنا ل "الأدب المفرد" بجمعية أو ناشر، فأرجو من فضلكم أن تكتبوا على الشرح "تقريظ" أو "تعارف" ليزِنوا به الشرح هذا ويرغبوا في طبعه، وإرسال الشرح من غير وعدٍ لطبعه عسير.
واذكروا في أثناء كلماتكم الشريفة أن الشارح قد اجتنب من أنواع الخطأ التي قلما يَجتنب عنها شرَّاح الحديث من أهل الهند، وهذا إن كان من فضلكم، لكن الكتاب صارت منزّهة (1) عن أمثال هذه الغلطات، جزاكم الله في الدارين خيرًا وسعادة، وأجزل لكم الحُسْنى وزيادة، طبتم ما دمتم.
صديقكم المخلص
فضل الله، غفر له الله
__________
(1) من تأثير الأردية. فلفظ "الكتاب" في الأردية مؤنث.
(1/360)

الحمد لله.
19 القعدة سنة 1373
إلى حضرة الصديق الحميم العلامة المحقق مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي دام بخير آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرّخ 8 جمادى الأولي وصلني، وأشرتم فيه إلى أنكم ستكتبون لي بعد رجوع مدير المكتبة من مصر في شأن الكتب، فبقيت منتظرًا ولكن إلى الآن لم أتشرّف بذلك. وإني على كل حال لا أعتب عليكم خصوصًا من جهة الثلاث الصوافح التي كتبتم للناظم وهو غائب في أمريكا، وبعد رجوعه أمرني أن ألخّص له منها الخلاصة، ففعلتُ، ولكنه لم يفعل شيئًا. وكم حرصت على ابتعاثها ... (1) ابتعاثها مضمونة بثمن مقدَّر فيرسلها إليكم كذلك مسجّلًا مضمونًا، ولكنه قال ... من أراد أن يكتبه الصفحة ... فليفعل.
وهكذا مررت عليه قبل أيام بعد أن كتب لكم الكتاب، وقلت له في الجواب على رؤوس الأشهاد: أظن أن الشيخ في نفسه شيء؛ لأنه أتعب نفسه في تحريضكم على إرسال ذلك الكتاب لما فيه من الفائدة للدائرة وللمطالعين، ولكنكم لم تلتفتوا إلى كتابته.
فقال: ليس الشيخ كذلك، وعلى كل حال بعد ... عبد الله صالح
__________
(1) كلمة لم تتضح، ومثله ما سيأتي في هذه الرسالة.
(1/361)

الملاحي ... أكّد على أن أعرّفكم بواسطة المذكور أن ترسلوا ما فرغتم منه من "الإكمال". وقال لي: قل للخلافي يقول للشيخ: إن أراد شيئًا فأنا أعطيه، وهذا بعد أن سافر المذكور بيوم، فلم أجد سوى جارنا محمد أكبر ... من سكّان قيمن سعد الله (1)، فأعطيته هدية (2) لكم، وقد أمر بالشروع في الجزء الخامس من "كنز العمال" وطاوعني أن أبا شداد .... فلم أفعل، فدعا الموصلي فجعله مع طه فشرعوا في التصحيح والحقير وعبد الستار في طبع "ذيل مرآة الزمان" نكاد أن نفرغ من الحصة الأولى في نحو أربعمائة صفحة، ولأنَّ أكثره أشعار إذا ذكر ترجمة لرجل شاعر ذكر من شعره أكثره.
نعم وأرجوكم سلمتم كتاب محمد بن سالم الجوهر له، و ... كتاب لتلميذكم أحمد بن سالم باسويدان الديني كتب لي كتابًا، وأرسلت له جوابه مع أحد الحجاج العام، .... بُنّ يمني أرجوكم تسلموه له، والشيخ عبد الله صالح الخلافي اسمعوا منه بالمشافهة أخبار حيدراباد الدكن.
هذا والسلام المستمد الفقير عبد الله بن أحمد بن ... (3).
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) تحتمل غير هذه القراءة.
(3) لم تحرر هذه الكلمة ولعلها "مذحج".
(1/362)

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
حضرة الوالد الشيخ العلامة الورع شيخنا عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياته ومرضاته.
نعم سيدي صدرت رسالتي نائبة عنِّي لمصافحة يديه الكريمتين وناظرة لذاته البهية الطاهرة. أسأل المولي عز وجل أن تكونوا في أتمّ الصحة والعافية، وأن يجعلك ممن شَمِلَتْهم الرحمة وعمّتهم المغفرة بحوله وطَوله.
نعم سيدي أُهنِّيك بقدوم عيد الفطر المبارك أعاده الله من السالمين المغفور لهم آمين آمين.
وإن سألتم عنّا فنحن في خير وعافية ولم (1) معنا شجن سِوى ما شاهده الله يجمعنا بك فيما يحب. وبشأنه المرضى أفاد الدكتور أنه أصاب الرئة قليل مرض وعلاجنا في اليوم والليلة أربع حبوب وثلاث إبر في الأسبوع، ونسأل الله الشفاء للجميع والدعاء منك سيدي مطلوب، جزاك الله خير الدارين.
والسلام عليك سيدي ورحمة الله.
__________
(1) كذا.
(1/363)

وخصوا نفسك بالسلام والوالد عبد الرحمن والولد محمد والإخوان محمد وعبد الله وأحمد وعبد الواحد ومن سأل عنا. والدعاء منك للجميع مطلوب، جزيتم خيرًا، ولك الشكر.
وحرر بتاريخ 26 رمضان 1373 ه
معروفك الداعي لك: أحمد صالح دحوان الآنسي.
(1/364)

بسم الله الرحمن الرحيم
حضرت صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي أبقاه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأرجو أن تكونوا بخير.
تسلمت رسالتكم الكريمة، وسأقوم بالتأكيد على مولانا صاحب الجلالة حول موضوع كتاب "مصنف عبد الرزاق الصنعاني"، وسأحاول إذا كان موجودًا تعميد بعض أصدقائي للقيام بتنسيخه بخط معتبر وملاحظة أن يكون الناسخ من الفقهاء، وأن يُقابل بعد الفراغ من نسخه، والله نسأل أن يوفق بالظّفَر به، وسامحوا من كل تقصير، وهذا بعَجَل، أرجو دعواتكم والله يحفظكم ويرعاكم.
وتقبلوا تحياتي.
ولدكم
باعشن وشركاه
16/ 6/ 1377
(1/365)

الحمد لله وحده
من عدن إلى حيدراباد الدكن.
في 11 محرم سنة 1349 موافق 8 جُون سنة 1929.
جناب المكرم المحترم حضرة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن يحيى اليماني ... دام مجده.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وصلنا كتابكم المحرر 23 الماضي أسرَّنا وصوله وباشر .... إلى آخره علم .... عن طريق البوسطة مائة وثلاثين ورسة 130 وصلت واستلمناها ... الكتب .... تحت أمركم، والباقي لنا طرفكم سداد .... عشرين جنيه 4 انه 6 ورسم للمعلومية حُرر، والباري يحفظكم، والسلام.
صالح عبد الله بارحيم
باعشن وشركاه
(1/366)

[رسالة من الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي]
(الهند)
مئو، أعظم كَد
بسمه سبحانه
حضرة العالم الخبير، الناقد البصير، العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي حفظه الله تعالى ومتعنا به.
السلام عليكم ورحمة الله.
وبعد، فإني لا أزال آسى إلى يومي هذا على أني لم أتمكن من اختلاس الفرصة للزورة الأخيرة قبل خروجي إلى المدينة المنورة، والأسف أنه قد مضى على عودتي نحو من خمسة أشهر ولم تمكنني الظروف أن أطالعكم بكتاب من عندي، فالمرجو العفو.
وأنهي إليكم أني قد امتثلت أمركم، فطالعت "الأنساب" للسمعاني وأمعنت النظر في تعليقاتكم، فوجدتها والله كثيرة المتعة، وقد سبقتم سبقًا بعيدًا في التحقيق بحيث لا يكاد يجد الناظر فيه مغمزًا، فأجزل الله لكم المثوبة وجزاكم عنا خيرًا.
وقد بدت لي أثناء مطالعتي أشياء تافهة دعتني إلى التوقف فأحب أن أعرضها عليكم امتثالاً، لأمركم.
"الجزء الأول من الأنساب"
ص: 84، الرقم: 35. الآموي: هل الصواب في رسمه الآمويي؟ فإن
(1/367)

البلدة التي على طرف جيحون سماها السمعاني آمويه. فقال: ويقول لها الناس: آمويه (1/ 83). وراجعوا ما علقتم على الباكويي، وآمويه بضم الميم وسكون الواو ليس إلا، ولا أرى أنها تعامل معاملة خالويه كما نقلتم عن "التبصير" (الإكمال 1/ 148).
قال شاعرهم:
ريكَ آمُوْى ودُرُشْتيها او ... زيربايم بَرنيارآيدهم
"الجزء الثاني"
ص: 91، س: 19: سعد بن خيثمة البجلي: الصواب: سعد بن حبتة، راجع الإصابة (سعد بن حبتة وسعد بن بجير) والاستيعاب وغير ذلك وخصوصًا "الإكمال" (2/ 199) (1) و (3/ 121).
ص: 185، س: 9: سمع ابنه أبا علي - سمع ابنه أبو علي
ص: 183، س: 7: وأما سمعته في القناء - أراه من أخطاء المُركَّب (2) والصواب "الغناء".
ص: 184، س 13: غير أن له كلام حسن في التصوف - غير أن له كلامًا حسنًا إلخ؟
ص: 291، التعليق س: 9. البكتمري، نسبة إلى بكتمر نسبًا أو ولاء، وهو من الأعلام التركية. وفي المسمّين به كثرة، ترجم لبعضهم في "الدرر الكامنة" ولبعضهم في "الضوء اللامع".
__________
(1) كذا، والصواب: (1/ 199).
(2) أي الذي يركَّب الحروف عند الطباعة.
(1/368)

ص: 397، التعليق س: 7: البَيْسَرِي، في "القاموس" البياسرة: جيل بالسِّنْد تستأجرهم النَّواخذة لمحاربة العدو، والواحد بَيْسَرِي، ويزيد بن عبد الله البيسري البصري: محدث (مادة بسر).
ونحوه في "لسان العرب"، وكتاب "الحيوان" للجاحظ، وقال المسعودي في "مروج الذهب": ومعنى قولنا البياسرة يراد به مَن ولد مِن المسلمين بأرض الهند يدعون هذا اللقب، واحدهم بيسر (كذا) وجمعهم بياسر ().
وبهذه المناسبة أقول: إن بَيْسَري الذي ذكرتموه في التعليق على "الإكمال" (1/ 439) نقلاً من "المشتبه" للذهبي ياءه ليست بياء النسب، بل هي ساكنة كما في "القاموس"، وهو مما لا يخفى عليكم ولكن كان ينبغي أن ينبه عليه.
"الجزء الثالث"
ص: 262، س: 5: كان ينزل سكة طخارانية - الصواب: سكة طخارانبه، بالباء الموحدة والهاء الغير المنقوطة في آخرها، وكان ينبغي (فيما أرى) أن ينقل في التعليق عليه ما ذكره المصنف في (3/ 23) فإن قوله هو المقنع في هذا الباب؛ لأنه مروزي ويذكر ما يذكر عن يقين لا عن ظن.
ص: 106: كان ينبغي أن يضاف التوربشتي.
ص: 142: التعليق رقم (2) في ك أحمد خطأ - وعندي أنه الصواب؛ لأن أحمد هو الذي يكنى أبا بكر، وأما أخوه محمد فإنه يكنى أبا العباس. راجع "المشتبه" للذهبي (2/ 407) و"اللباب" (2/ 49).
ص: 176، التعليق رقم: (3) زائد لا حاجة إليه فقد فرغ منه المصنف (س 11).
(1/369)

ص: 375: الصواب عندي في جوبار وجويبار أنهما بسكون الواو، وتحريكها بالفتحة مما تفرد به ياقوت، وليس بحجة في أمثال هذا. إنما الحجة السمعاني فإنه عجمي وهو أعرف بلغتهم، وحقيقة الأمران جُوْىْ (بمعنى النهر) أو أمثاله من نحو كَُوْى، وكُوْى، ومُوْى، ورُوْى، أعني الكلمات التي في أواخرها الياء الساكنة بعد الواو الساكنة، تستعمل كثيرًا بحذف الياء تخفيفًا في حالتي الإفراد والتركيب جميعًا، فيقولون: موباف، موتراش، رُوْبوش، رومال، كوبكر، كُوْجه، ويقولون: سيه رو، وسيه روى، خوشبو، وخوشبوى، إلى غير ذلك، فكذا يقولون: جويبار، بسكون الواو والياء، ويقولون: جوبار، بحذف الياء، وقد قال السعدي:
شد غلام كه آب جو (1) آرد ... آبِ جو آمد وغلام بَبُرْد
هذا بحذف الياء، وقال:
الا اخرد مند فرخنده خوى ... هنر مند نشنيده ام عيب جوى
هذا بإثبات الياء الساكنة.
ص: 406 س: 5: نيف وعشرين جزءًا - نيفًا وعشرين أو نيف وعشرون؟
هذا ما بدا لي في أثناء المطالعة إلى وقتي هذا، وما يبدو لي فيما بعد فلا آلو - إن شاء الله - من أن أعرضه عليكم.
ثم أفيدكم أنه قد ظهر حتى الآن نحو من خمسين صفحة من كتاب
__________
(1) في الأصل الخط فوق الشاهد هنا، وفي المواضع الآتية.
(1/370)

"الزهد" للإمام عبد الله بن المبارك بتحقيقي، فإن أذنتم لي بإرسال الملازم المطبوعة أرسلتها إليكم. لتردوها بعد إبداء ملاحظاتكم مشفوعة بكلمتكم القيمة عن الكتاب وتحقيقه ونشره.
الهند، مئو، أعظم كَده
بنهان نوله
14/ 6/ 1385
والسلام مشفوعًا بالاحترام
أخوكم
حبيب الرحمن الأعظمي
(1/371)

وأعود فأقول (1): إنه كان من المناسب زيادة "الجرهى" في التعليق (ج 3 ص255) والمشهور بهذه النسبة عبد الرحيم بن عبد الكريم الجرهي وابنه محمد، وهما من رواة "مشكاة المصابيح". وهي نسبة إلى قرية من قرى شيراز، كما في "الأمم لإيقاظ الهمم" (ص 69).
وقولكم في التعليق على "الإكمال" (3/ 185): وعبارة الأمير أمامك إلخ.
وأرى أن قول الحافظ هو الصواب، ويدل عليه قول الأمير "ويروى أيضًا عن العباس بن شبيب" ومعنى كلام الأمير أن الخطيب جعل أبا الجلال الزبير بن عمر بالحاء المهملة، والمستغفري بالجيم. وأبو الجلال بخاري كرميني يعني أنه من أهل بلاد المستغفري وهو أعرف بهم.
ووقع في "الإكمال" (3/ 303): "وأخرج إلى كركس" ولم أفهمه فهل الصواب: "إلى كس"؟ فقد مضى في (3/ 111): "وتوفي بكس".
وأسأل الله تعالى أن يتيح لي الفرصة، ويوجه لي الأسباب حتى أستسعد
بالمجاورة بالبلد الحرام عدة أشهر، والسلام.
حبيب الرحمن الأعظمي
__________
(1) تابع للرسالة السابقة، استدركه الأعظمي بعد ما انتهى من رسالته.
(1/372)

آثار الشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(2)

رفع الاشتباه
عن معنى العبادة والإله
وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
عثمان بن معلم محمود بن شيخ علي
المجلد الأول
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 2-3/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(م 2-3/2)

راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
عبد الرحمن بن حسن بن قائد
(م 2-3/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(م 2-3/4)

مقدمة التحقيق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].
أما بعد ..
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (1).
__________
(1) هذه خطبة الحاجة، وقد وردت من حديث ابن مسعود، أخرجه أحمد (1/ 392) وأبو داود (2/ 238 ح 2118) والترمذي (3/ 404 ح 1105) والنسائي (3/ 85) وابن ماجه (1/ 609 ح 1892)، وأخرجه مسلم (3/ 11 - 12 ح 867، 868) من حديثي جابر وابن عباس مختصرًا. وقد أفردها العلَّامة الألباني برسالة مستقلة.
(م 2-3/5)

هذه رسالة العبادة للعلَّامة عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي، وهي عظيمة القدر لجلالة الغرض الذي أُلِّفت من أجله، وهو تحديد معنى العبادة التي يكون صارفها لله وحده مسلمًا موحِّدًا، وجاعل شيء منها لغيره مشركًا مندِّدًا، وقد اقتضى ذلك من المؤلِّف أن يستقرئ كتابَ الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكتبَ التفسير والحديث واللغة والتاريخ وغيرها.
وقد جمع فيها المؤلِّف علمًا جمًّا، وحرَّر المسائل التي بحثها تحريرًا بالغًا.
والمعلِّمي ممن أوتي فهمًا في الكتاب والسنة، وحاز أدوات البحث والتحقيق، فإن يمَّمت شطر علم التوحيد بفروعه ألفيتَه قائد لوائه، ويشهد على ذلك كتابه "القائد إلى تصحيح العقائد" و"دين العجائز أو يسر العقيدة الإِسلامية"، و"رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله"، وهو مشهور بكتاب "العبادة"، وهو الذي أقدِّم له هنا، و"عمارة القبور" و"التأويل"، ورسائل كثيرة.
وإن نظرت إلى علوم الحديث روايته ودرايته, فهو حامل رايته, ومرصّع جواهره، وقد كتب رسالة "أحكام الجرح والتعديل وخبر الواحد"، و"الاستبصار في نقد الأخبار"، و"العمل بالحديث الضعيف"، وحرَّر رسالة "علم الرجال وأهميته"، وألّف "الأنوار الكاشفة لما في كتاب (أضواء على السنة) من الزلل والتضليل والمجازفة"، فدافع فيه عن السنة النبوية دفاعًا مجيدًا. وصنّف كتابه البديع "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" الذي طبقت شهرته الآفاق. وحقَّق "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرَّازيِّ، و"الأنساب" للسمعاني، و"الإكمال" لابن ماكولا.
(م 2-3/6)

فلا غَرْوَ أن وَصَفَه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بأنه من أهل التحقيق في هذا العلم الشريف (1) (يعني علم الحديث).
وظهرت ملكته الفقهية فيما درسه من مسائل فقهية شائكة، سواء في كتابه التنكيل، أو بحوثه المفردة، كرسالة الربا ورسالة المواريث في نحو ثلاثين رسالة فقهية، إضافة إلى فتاوى كثيرة في مسائل متفرقة.
وله جهود جيِّدة في التفسير برزت في تفسيره لسورٍ وآيات أفردها بالتفسير، مثل تفسيره للبسملة والفاتحة، وتفسيره لسورة البقرة، وتفسيره لسورة الفيل، وآيات متفرِّقة في كثير من السور، وأفرد بعضها بتأليف مستقلٍّ مثل: تفسير قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}، وتفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}.
وأما العربية فهو ابن بجدتها ومالك ناصيتها، سهَّل الله له التعبير عن المعاني التي يريدها بأسلوب جمع بين جزالة اللفظ وجماله، وسلامة المعنى ووضوحه، وله كتب في النحو، وبحوث في البلاغة ومنشأ اللغات.
وقد درس حياته العلمية عددٌ من طلبة العلم، فكتب الأخ منصور بن عبد العزيز السماري رسالة ماجستير مقدَّمة إلى الجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية بعنوان "الشيخ عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة ورجالها" وطُبعت عام 1418 ه.
وأعدَّ الأخ أحمد بن علي يحيى محمد بيْه رسالة ماجستير مقدَّمة إلى الجامعة نفسها بعنوان "منهج المعلِّمي وجهوده في تقرير عقيدة السلف" ونوقشت في 25/ 7/ 1416 ه.
__________
(1) التنكيل 1/ 438 - الطبعة القديمة (التعليق).
(م 2-3/7)

وكتبتْ هدى بنت خالد بالي رسالة ماجستير بعنوان: "عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة" وهي مقدَّمة إلى قسم الدراسات الإِسلامية في كلية التربية للبنات بمكة المكرمة.
وأفرده الأخ أحمد بن غانم الأسدي بترجمة سمّاها: (الإمام عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني حياته وآثاره).
وفي مقدمة هذه الموسوعة ترجمة حافلة للشيخ.
وقد حبَّب الله إليَّ هذا العالم، وحبَّب إليَّ كتاباته، فاستفدتُّ منها في دروسي وبحوثي، منذ نحو ربع قرن، ولم أفكر في تحقيق شيء من كتبه إلاَّ قريبًا.
ومن الكتب التي طال انتظارُ أهل العلم لها رسالة "العبادة"، واسمها الكامل "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيقُ معنى التوحيد والشرك بالله".
فأحببت إخراجها للناس أقربَ ما تكون إلى ما أراده المؤلِّف، لكنَّني اصطدمت بعائق النقص الكبير الموجود في الكتاب، فيسَّر الله بمنِّه وفضله تكميل معظم النقص، وسأشرح ذلك بإذن الله عند الحديث عن طبعتنا.
وقد مهَّدتُ للرسالة بدراسة تضمَّنت التعريف برسالة العبادة، وبيان منهج التحقيق، ووصف النسخ.
****
(م 2-3/8)

التعريف برسالة العبادة
* أوّلاً: عنوان الكتاب:
اسم الكتاب كاملاً: "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله".
كذا ذكره المؤلف في مقدمة رسالة "حقيقة البدعة" (1).
وقد يختصره أحيانًا إلى "رسالة العبادة" (2)، وهو أكثر استعمالًا.

* ثانيا: تحقيق نسبة الكتاب إلى المعلِّمي رحمه الله:
ثمَّة أمور تؤكد ثبوت نسبة هذا الكتاب للمعلِّمي، من ذلك:
1 - أنه قلَّما يخلو كتاب من كتب المعلِّمي المطبوعة والمخطوطة من الإشارة إلى رسالته هذه، والإحالة عليها.
فمن ذلك كتابه "التنكيل" (3)، قال فيه عن رسالة العبادة: "هو كتاب من تأليفي، استقرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة وغيرها؛ لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله مما هو عبادة لغيره".
__________
(1) ضمن مجموع رسائل العقيدة، ص 87.
(2) المصدر السابق ص 108 - 113 أحال فيها على رسالة العبادة أربع مرَّات، وانظر: رسالة "تفسير سورة الفاتحة", فقد أكثر فيها من الإحالة على رسالة العبادة، فقد وجدت في ص 90 - 92 منها ستَّ إحالات إلى رسالة العبادة.
(3) التنكيل 2/ 435 - ضمن هذه الموسوعة، وانظر: الحاشية السابقة أيضًا.
(م 2-3/9)

2 - الكتاب كثير منه بخطِّ المعلِّمي. ومَنْ له أُنس بكتب الشيخ المخطوطة لا يرتاب في خطِّ الشيخ، مع قرب العهد، وتسلسل هذه المعلومة بطريق الثقات.
ومسوَّدات الكتاب دالَّة على ذلك.
3 - وقد ذكره له جُلُّ مَن ترجم له (1).
4 - وذكره المؤلف في إحدى محاضراته في دائرة المعارف في حيدراباد (2)، ولخص فيها الباعث له على جمع ذلك الكتاب والطريقة التي سلكها.
5 - وقد أشار في هذا الكتاب إلى أن له رسالة مستقلة في حكم العمل بالحديث الضعيف (3).
6 - في الرسالة إشارات إلى أمور شاهدها في اليمن وفي الهند، وهما البلدان اللذان قضى فيهما أكثر حياته (4).

* ثالثًا: تاريخ تأليف المعلِّمي لكتابه العبادة:
أشار المؤلف إلى هذا الكتاب في كتابه التنكيل، مما يؤذن بتقدُّمه عليه أو مقارنته له، وقد كان المعلِّميُّ أثناء تأليفه للتنكيل في الهند، ويؤكّد ذلك ما نقله زكريا عبد الله بيلا عن المعلمي من قوله وهو يتحدَّث عن الطليعة:
__________
(1) انظر مثلاً: مجلَّة العرب 1/ 245 مقال خير الدين الزركلي، والأعلام 3/ 342 له.
(2) كما في دفتر مسودات صور برقم 4930 في مكتبة الحرم المكي.
(3) انظر ص 249.
(4) انظر ص 256، 752، 923 لذكر اليمن، و264، 683 - 684 لذكر الهند.
(م 2-3/10)

"فإني لما أرسلت من الهند إليه الكتاب للاطلاع عليه ... " (1). ثم وقفت في إحدى مسوَّدات الشيخ بالرقم العام 4930 على مسوَّدة محاضرة أعدَّها المؤلف لإلقائها في المؤتمر العلمي الذي تعقده دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد في الهند كل سنة، قال في بداية المحاضرة: "كان وكنت مشغولاً منذ مدة بجمع كتاب في تحقيق معنى الإله والعبادة في الإِسلام فاقتطعت منه فصلاً أعرض ملخصه على مسامعكم". فقطعت جهيزةُ قولَ كلِّ خطيب، وثبت بذلك أنَّ تأليف الكتاب كان والشيخ في حيدراباد الدَّكَن من الهند؛ وقد كان خروجه من الهند أوَّل أوْ ثاني ذي القعدة من عام 1371 ه (2)، فيكون تأليف الكتاب قبل هذا التأريخ؛ إلاَّ أنَّ المؤلِّف لم يزل يعيد النظر في كتابه ويضيف إليه ويحذف منه، كما تدلُّ على ذلك مبيَّضة الكتاب الأولى وما تلاها.

* رابعا: أهمِّية الكتاب وقيمته العلمية:
تكمن أهمية الكتاب في كونه يعالج أمرًا مهمًّا يتعلَّق بأصل الدين، ألا وهو تفسير كلمتي العبادة والإله، اللَّتين على فهمهما يتوقَّف فَهمُ معنى كلمة التوحيد التي هي أساس الإِسلام وقاعدته، وقد وقع في الكلمتين اشتباه عريض وغفل أكثر العلماء المتأخِّرين عن دفع هذا الاشتباه لأسباب ذكرها المؤلف (3)، "والشأن إنما هو في تحقيق ما غُفل عنه" (4).
__________
(1) انظر: الجواهر الحسان في ترجمة الفضلاء والأعيان من أساتذة وخُلاَّن 2/ 564.
(2) كما في حديثه عن رحلته إلى الجزيرة (المخطوط رقم 4721).
(3) انظر: رسالة "تفسير سورة الفاتحة" ص 107.
(4) انظر: رسالة "تفسير سورة الفاتحة" ص 108.
(م 2-3/11)

وأما قيمة الكتاب العلمية فتتَّضح من مكانة مؤلِّفه الإِمام المعلمي، وتضلُّعه من مختلف الفنون التي لا بدَّ منها في خوض غمار مثل هذا الأمر العظيم.
ثم مما أبداه من التحقيق العلمي والتدقيق الجليِّ في هذا الكتاب، وقد قال عنه: "استقرأتُ فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله مما هو عبادة لغيره" (1).
ثم من كونه لم يسلّم زمامه لأحد من الأئمة فضلاً عن غيرهم، بل (2) كما قال عن نفسه يستقي مسائله من عين الأدلة غير مقلِّد لأحد في هذا الأمر.
هذا مع كونه لا يُغفل أقوال الجهابذة، بل يجمع شتاتها وما تفرَّق منها في هذا الأمر العظيم، فاستخرج من أقوالهم جملة من الدُّرَر، منها ما هو صريح فيما توصَّل إليه، ومنها ما هو مستلزم له قطعًا، "ولكنها خبايا في الزوايا وشذرات في الفلوات" (3). والمعلِّمي ذو اطّلاعٍ واسع فلا غرو أن يأتي باللآلئ الخفيَّات من بطون المحيطات.
فتبيَّن مما ذكرنا أنَّ الكتاب مهمٌ في مسائله، قيِّمٌ في تحقيقاته، فريدٌ في بابه، حريٌّ بالنشر والمطالعة والمدارسة.
__________
(1) التنكيل 2/ 435.
(2) انظر نسخة (س) من كتاب العبادة 24 ب.
(3) انظر: رسالة "تفسير سورة الفاتحة" ص 107.
(م 2-3/12)

* خامسًا: موضوع الكتاب ومنهج المصنِّف فيه:
أ - أما موضوعه فيكفينا في الدَّلالة عليه عنوانه؛ إذ هو "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيقُ معنى التوحيد والشرك بالله".
ولم يُحْوِجْنا المؤلِّف إلى تتبُّع سطور كتابه للتَّهَدِّي إلى موضوع رسالة العبادة، بل صرّح به في عدّة مناسبات، في الكتاب نفسه، وفي غيره من كتبه، ولا يسعنا إلا أن ننقل شيئًا من ذلك، فمنها:
قوله في رسالة العبادة (1): "واعلم أنَّ موضوع هذه الرسالة هو البحث عن حقيقة التوحيد، ووزنُه بهذه الكلمة الطيبة [يعني: لا إله إلا الله] التي جعلها الشرع عَلَمًا له ليتضح شأن الأمور المختلف فيها، أمنافية هي للتوحيد أم لا؟ والغالب أن الجاهل بمعنى لا إله إلا الله يكون جاهلاً بحقيقة التوحيد، ومَن كان كذلك يُخْشَى عليه أن يكون مشركًا وهو لا يشعر، أو أن يَعْرِضَ له الشرك فيقبله وهو لا يدري، أو أن يرمي غيره من المسلمين بالشرك بغير بيِّنة، وكلا الأمرين خطر شديد".
وقوله في رسالة الشفاعة (2): "قد جمعتُ رسالة مطوَّلة في تحقيق العبادة المطلقة، أي: أعمّ من أن تكون لله عَزَّ وَجَلَّ أو لغيره، فوجدتُ عبادة غيره تشابك مسألة الشفاعة بحيث لا يمكن تحديد العبادة ما لم تتحدَّدْ الشفاعة وما يتعلَّق بها".
__________
(1) ص 22 من نسخة (أ).
(2) ضمن مجموع رسائل العقيدة, ص 301.
(م 2-3/13)

وقوله في خطبة نخب الفوائد من الأصول والقواعد: "جمعتُ رسالة في تحقيق معنى العبادة ومعنى الإله لينكشف بذلك معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ويتضح ما يكون تأليهًا وعبادةً لغير الله تعالى وشركًا به ممَّا ليس كذلك، وحاولتُ استيفاء النظر في ذلك" (1).
هذا موضوع الكتاب الإجمالي، ومحوره الذي يدور عليه.
وأرى ألَّا أترك موضوعات الكتاب التفصيليَّة التي تناولها بالشرح والبيان دون إعطاء القارئ نُبذًا دالَّة عليها، كاشفة حجابها، فأقول ملخِّصًا (2):
* بدأ المؤلِّف رسالته ببيان الباعث له على الكتابة في هذا الموضوع، ثم عقد بابًا عنونه ب "تحتُّم العلم بمعنى لا إله إلا الله، وفيه شرائط الاعتداد بقولها" بيَّن فيه أهمَّ شروط لا إله إلا الله، ومن أعظم تلك الشروط: شرط العلم بمعناها؛ إذْ مَنْ لا يعرف معناها لا يُؤْمَنُ عليه أنْ يقع فيما يَنْقُضُها. وأن يكون قولها على سبيل الاعتراف والتصديق والتسليم والرضا.
وأهمُّ تلك الشروط على الإطلاق: شرطُ التزام الشاهد مدَّة حياته أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا؛ لأن الشهادة إعلان بقبول ما أرسل اللهُ به رسولنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مِن تصديق أخباره والانقياد للأمر والنهي، وأوَّل ذلك الأمر بعبادة الله وحده واجتناب الشرك أسوة بما أُرسلت به سائر الرسل، قال تعالى لنبيه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64].
__________
(1) صفحة ملحقة برسالة البسملة والفاتحة.
(2) ومن أراد التوثُّق من صفحات ما سأسرده فليستعن بفهرس الموضوعات.
(م 2-3/14)

* ثم عقد الشيخ بابًا ثانيًا عنونه ب "باب في أنَّ الشرك هلاك الأبد حتمًا وأنَّ تكفير المسلم كفر" بيَّن فيه أنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بهذا الأمر لأنه أصل الدِّين، وأورد الآيات والأحاديثَ المتعلَّقة بهاتين المسألتين: مسألة خطورة الشرك، وقضية رمي المسلم بالشرك من غير بيِّنة، وأوضحُ دليل من السنة على المسألة الأخيرة قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدُهما"، وعَقد له البخاري بابًا سماه: باب بيان حال إيمان مَنْ قال لأخيه المسلم: يا كافر.
* ثُمَّ عقد المؤلف بابًا ثالثًا في أصول ينبغي تقديمها:
الأصل الأول: حجج الحق شريفة عزيزة كريمة، بيَّن فيه أن الله خلق الخلق لعبادته، وخلقهم قابلين للكمال، ومكَّنهم من العمل؛ لكنهم لا ينالون الجنة والدرجات العالية إلا بمقاساة عناء ومشقة، وهو الابتلاء، ومِنْ لازم الابتلاء الاختلافُ، ومن لازم الاختلاف استحقاقُ بعضهم الجنة وبعضهم النار. وطلبُ حجج الحق من جملة العبادة، ولا بد أن يكون دون منالها عناء ومشقَّة.

الأصل الثاني: الحجج والشبهات.
بيَّن فيه أنَّ الحجج العلمية تَعْتَوِرُها بواعث على الخيانة فيها، وموانع من الخيانة فيها، وأساس ذلك الهوى الذي يتفاوت قوَّة وضعفًا، والتشبُّث بالشبهات الكثيرة. ويعارضها المانع الدنيوي؛ وهو الخوف من الفضيحة بين الناس إذا عاند الشخص وردَّ الحجج بالشبهات الساقطة.

الأصل الثالث: إصابة الحق فيما يمكن اشتباهه.
(م 2-3/15)

تلبَّس بتلك المحدثات، فبقي على إسلامه، فتبعه ابنه في الإِسلام، فيبقى له حكم الإِسلام، إلى آخر نقاشه القويِّ المفحم (1).
ثم أفاض في أحوال الكفار الذين لم يدخلوا في الإِسلام، وفصَّل أحكامهم بما ينبغي مطالعته.
* وبعد فراغه من هذا الفصل شرع في الكلام وعلى الباب الرابع الذي عقده لبيان أمور يستند إليها بعض الناس، ويستدلُّون بها على إثبات هذه الأمور المحدثة في العقيدة، وهي غير صالحة للاستناد إليها.
ومنها: التقليد، وقد بيَّن الشيخ عدم كفايته في بناء أصول الاعتقاد عليه، بدلالة الأدلَّة التي اشترطت العلم بمعنى لا إله إلا الله، كقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وحديث سؤال القبر الذي فيه: "وأما المنافق والكافر - وفي بعض الروايات: المرتاب - فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس، وأما المؤمن فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدَّقت" ولا يخفى أيُّ الرجلين المقلِّد.
والمعنى الدقيق للتقليد هو العمل بقول مَن ليس قولُه إحدى الحجج بلا حجَّة (2).
ولم يقصد الشيخ مِن منع التقليد إيجاب النظر على طريقة المتكلمين، بل يرى النظر على طريقة السلف، وهو أمر متيسِّر لكل أحد، حتى العامَّة.
__________
(1) انظر ص 157 - 163.
(2) تيسير التحرير 4/ 241.
(م 2-3/18)

وعلى طالب الحق إذا اختلف عليه العلماء أن ينصب نفسه منصب القاضي، فيسمع قول كل واحد منهم وحجَّته، ثم يقضي بالقسط.
وأكثر العلماء المنتسبين إلى المذاهب لم ينصبوا أنفسهم منصب القضاة، بل نصبوا أنفسهم منصب المحامين، فلا يسمع من أحد منهم إلا كما يسمع القاضي من المحامي.
قال الشيخ: إذا كان الأمر كما علمت في تقليد العلماء، فما بالك بتقليد المنسوبين إلى الخير والصلاح بدون أن يكونوا أئمة في العلم؟
والحامل للناس على تقليد مَن يُنسب إلى الخير والصلاح اعتقادُ العصمة فيهم، وسببُ اعتقادهم العصمة فيهم اعتقادُ الولاية فيهم، والباعثُ على اعتقاد الولاية فيهم ظهورُ الخوارق على أيديهم، ثم برهن الشيخ على أن ظهور الخوارق لا يدلُّ على ولاية مَن ظهرت على يده. وأكثر ما يُنقل من تلك الخوارق اخترعها مريدوهم زاعمين أنَّ ذلك يُقرِّبهم إلى الله وإليهم.
ثمَّ ذكر أقسام الخوارق وأنَّ منها معجزة للأنبياء، وكرامة للأولياء، ومنها إهانة للدَّجَّالين، واستدراج لبعض الدَّجَّالين كالدَّجَّال الأعور ليمتاز المؤمن عن علمٍ ومعرفةٍ مِن غيره.
وذكر الشيخ من الخوارق الشعبذة، وقوَّة نفسيَّة تُكتَسبُ بالرياضة التي أساسها الجوع والسَّهَر والخلوة وجمع الفكر، وما يُسمَّى بالكشف، وهو لا يعدو أن يكون نوعًا من الرؤيا في أحسن أحواله.
* وأما الأمر الثاني الذي يستند إليه كثير من أهل زماننا في الاعتقاد هو أنهم يحتجُّون بآيات من كتاب الله تعالى، ويفسِّرونها برأيهم بما لم يُنْقل عن السلف ولا تساعده اللغة العربية ولا البلاغة القرآنية، وهكذا يصنعون
(م 2-3/19)

بالأحاديث الثابتة، فينبغي للمسلمين ألَّا يغترُّوا بأحد يحتجُّ بالكتاب والسنة على الأمور المشتبهة.
* والأمر الثالث الذي يستند إليه كثير من الناس هو الاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، وكذلك بالآثار المكذوبة عن السلف، أو التي لم تصحَّ.
ويحتجُّ بعضهم بالضعيف مع اعترافهم بضعفه قائلين بأن فضائل الأعمال يُتسامح فيها، مُغْفِلين أنَّ الفضائل إنما تُتَلقَّى من الشارع فإثباتها بالحديث الضعيف اختراع عبادة، وشرعٌ في الدين لما لم يأذن به الله.
* وذكر المؤلِّف من الأمور التي يستند إليها بعض الناس في باب العقائد: مجرَّد العقل والقياس، مع أنَّ للعقل حدًّا ينتهي إليه كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه، وللعقل أغلاط دقيقة وخفيَّة أشدّ من أغلاط الحواسَّ الأخرى.
وقد حكى الله عن طوائف من المشركين استنادهم إلى مجرَّد رأيهم وقياسهم في عبادتهم غير الله زاعمين أنهم بشركهم معظِّمون لله، وأنهم ليسوا بأهلٍ أن يعبدوا لله مباشرة لحقارتهم، ولا بدَّ من واسطة يتوسَّطون بها.
ويحتجُّ بعض الناس بآيات من كتاب الله أو سنة ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - ويغفل أو يتغافل عن عدَّة آيات أو سنن أخرى تعارض استدلاله , فإنَّ الكتاب والسنَّة كالكلام الواحد.
ومن الناس مَن تغلب عليه العصبيَّة للرأي الذي نشأ عليه، ويستغني بمحبته لذلك الرأي عن أن يتطلَّب له حجَّة، ويمتنع من أن يُصغي إلى الأدلَّة التي يتمسَّك بها مخالفُه.
(م 2-3/20)

* وقد خاض في مسألة التوحيد مَنْ لم يكن له علم راسخ بالقواعد، ويقع اللَّوم على مَن صدَّره ونَحَلَه العلمَ والإمامة بغير استحقاق، مع أننا نجد أفرادًا لا يؤتَون من جَهْل بالقواعد وإنما يؤتَون من مخالفتها.
والقواعد هي ما تشتمل عليه علوم الاجتهاد من إتقان اللغة العربية وطول الممارسة لها، ومعرفة أصول الفقه على وجه التحقيق لا التقليد، ومعرفة مصطلح الحديث وطرفٍ صالح من معرفة الرجال ومراتبهم وأحوالهم، وكثرة مطالعة كتب الحديث حتى تكون له مَلَكَة صحيحة في معرفة العِلل والترجيح بين المتعارضات، ومعرفة السيرة النبوية وأحوال العرب قبل الإِسلام. وكذلك معرفة العلماء ومراتبهم، وكثرة تدبُّر كتاب الله.
ولْيَكُنْ فهمه مطابقا للقواعد العلميَّة، مع الإخلاص ومجانبة الهوى والتعصب وحبِّ الجاه والشهرة، مع المحافظة على الطاعات والتنزُّه عن المعاصي بقدر الاستطاعة، والإكثار من دعاء الله أن يوفِّقه للحق. ويلتزم باحترام العلماء والصالحين، وإن خالف بعضَهم لدليلٍ فلا يحتقرهم.
* ونبَّه المؤلِّف على قاعدة مهمَّة وهي: وجوب حمل النصوص على ظاهرها، والظاهر قد يترقَّى إلى القطع إذا عَضَدَتْه ظواهر أخرى.
* ومن الناس مَن يتهاون بقضيَّة الفصل بين التوحيد والشرك قائلاً: "إنما الأعمال بالنيات"، والحديث إنما تعرَّض للفصل بين الأعمال الشرعية التكليفيَّة وبين غيرها، فأما أحكام تلك الأعمال فإنما تؤخذ من الأدلَّة الأخرى، والكافر إذا زعم أنه يتمسَّك بكفره طاعةً لله وتعظيمًا له فإنَّ قصده ذلك لا ينفي عنه اسم الكفر ولا حكمه، بل يغلِّظه عليه ويكون كفرًا على كفر.
(م 2-3/21)

ثم ختم هذا الفصلَ بقوله: "وبالجملة فتحقيق ما هو شرك وما ليس بشرك متوقف على تحقيق معنى كلمة التوحيد". فذكر أنه يظهر من صنيع بعض علماء الكلام أنَّ معنى (إله) هو المعنى الذي يعبِّرون عنه ب (واجب الوجود). و"الأمم كلها لا تشرك في وجوب الوجود حتَّى الثَّنَوِيَّة، وقد حكى القرآن عن الأمم المشركين ابتداء من قوم نوح وانتهاء بمشركي العرب الذين بعث فيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعترفون بتفرد الله بالخلق والرَّزْق والإحياء والإماتة والتدبير".
قال المؤلَّف: ومن العجائب أنك تجد في هذا العصر كثيرًا من طلبة العلم - إن لم أقل من العلماء - يتوهَّمون أن المشركين يعتقدون في الأصنام وغيرها أنها واجبة الوجود قادرة على كلّ شيء، خالقة، رازقة، مدبِّرة للعالَم.
* وتبيَّن مِن بحث الشيخ وتحقيقه في هذه المسألة أنَّ اتخاذ الشيء إلهًا لا يتوقَّف على اعتقاد كونه واجب الوجود، ولا اعتقاد كونه مستغنيًا عمَّا سواه، ولا كونه مدبِّرًا مستقلًّا، بل ولا غير مستقلٍّ؛ فإنَّ الذين ألَّهوا الأصنام لم يعتقدوا لها شيئًا من التدبير.
قال العزُّ في قوله تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98]: "وما سوَّوهم به إلاَّ في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال".
* ثمَّ قرَّر المؤلِّف برهان التمانع الذي دلَّت عليه بعض آيات القرآن فقال: "تقرير هذا البرهان أنه لو كان مع الله تعالى أحياء يدبِّرُ كلٌّ منهم الخلق والرزق ونحوهما من الأمور العظمى في العالم تدبيرًا مستقلًّا لاختلفوا،
(م 2-3/22)

وإذا اختلفوا فسدت السموات والأرض. كما أن الأمور الصغيرة التي يدبِّرها الناس مستمرة الفساد. ولا ريب أن قدرة الناس لو تتناول نحو إنزال المطر ومنعِه، وإرسال الرياح وحبسها، وتيسير الهواء ورفعه، وتحريك الزلازل ونحو ذلك، لكان الفساد أظهر. ومعلوم بالمشاهدة أن الأمور العظمى لا يتطرَّق إليها الفساد، وما قد يظهر في بعضها مما يُتَوهَّم فسادًا تُعْلَم مصلحته عند التدبُّر، فعلم بذلك أنه ليس في العالم مع الله تعالى أحياء كلٌّ منهم يدبِّر تدبيرًا مستقلًّا .... " إلخ.
* وذكر المؤلِّف أنَّ برهان التمانع يجتثُّ شُبَه المشركين من أصلها، فلا يثبت للروحانيّين ما يزعمه بعضهم من أنَّ لها تدبيرًا ما، وأنَّ الملائكة والجنَّ وأرواح الموتى كذلك.
* وذكر المؤلِّف بعض الأمور التي قد يفهم منها بعضُ الناس أن الملائكة غيرُ معصومين كقصَّة هاروت وماروت، وأطال في الجواب عن ذلك.
* وعَنْوَن لتفسير الإله بالمعبود، ونقل عن علماء التوحيد قولهم: إن حقيقة معنى الإله: المعبود بحقًّ، وفسَّره بعضهم بالمستحقِّ للعبادة، ونقل ألفاظ عدد من المفسّرين معبِّرة عن هذا المعنى، وأن الألوهيَّة هي العبادة وأن الإله هو المعبود الذي لا تنبغي العبودية إلا له، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة.
* والقول بوجود إله غير الله تعالى إن كان بمعنى مستحق للعبادة فشركٌ، وإن كان بمعنى معبود بالفعل غير مستحقًّ فلا، فأمَّا اتِّخاذ إله غير الله تعالى فشرك مطلقًا، وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين المسلمين.
(م 2-3/23)

* ثمَّ عرَّج على إيضاح معنى العبادة في اللغة والاصطلاح فنقل عن أهل اللغة ما حاصله أربعة تعريفات:
1 - الطاعة.
2 - الطاعة التي يُخْضَع معها.
3 - غاية التَذَلُّل، أو أقصى درجات الخضوع.
4 - التَألُّه أو الطاعة مع اعتقاد أن المُطاعَ إله.
فناقش هذه التعريفات واحدًا بعد آخر، ثم عقد بابًا في تحقيق معنى كلمة (إله) ومعنى كلمة (العبادة) وما يلحق ذلك، وبيَّن أنَّ هاتين الكلمتين تكرَّرتا في القرآن كثيرًا، وباستقراء مواضعهما وتدبُّر مواقعهما تنجلي حقيقة معناهما.
قال: أمَّا إطلاق كلمة (إله) على الله تبارك وتعالى، و (العبادة) على طاعته، وكلَّ ما يُتقرَّب به إليه، فأمر لا يحتاج إلى بيان.
قال: وأما غير الله فقد حكى الله عن المشركين اتخاذهم بعض المخلوقات آلهة كالأصنام والعجل والهوى والشياطين والأحبار والرهبان والمسيح وأمّه عليهما السلام والملائكة وأشخاص خياليَّة لا وجود لها.
وأما العبادة فأخبر الله عزَّ وجلَّ أنها وقعت للأصنام والشياطين والشمس والأحبار والرهبان والمسيح وأمّه عليهما السلام والملائكة وأشخاصٍ متخيَّلةٍ.
فاتَّخذ قوم نوحٍ الأصنام آلهةً وعبدوها، واتَّخذوا جماعةً من الصالحين الذين ماتوا قبلهم آلهةً.
(م 2-3/24)

واتَّخذ قوم هودٍ عليه السلام أشخاصًا متوهَّمةً آلهةً وعبدوها.
وعبد قوم صالحٍ مع الله تعالى غيره، واتَّخذ قوم إبراهيم عليه السلام الأصنام آلهةً وعبدوها، وعبدوا الشيطان، وعظَّموا الكواكب.
واتَّخذ أهل مصر في عهد يوسف عليه السلام أشخاصًا متوهَّمةً وعبدوها، وادَّعى فرعون أنه إلهٌ وأطاعه قومه.
واتَّخذ القوم الذين مرَّ بهم قوم موسى أصنامًا وعكفوا عليها، وسمَّاها أصحاب موسى آلهةً، وسألوه أن يجعل لهم إلهًا مثلها، واتَّخذ بعض قوم موسى العجل إلهًا، ثم اتَّخذوا الأحبار آلهةً وعبدوهم.
واتَّخذ النصارى عيسى وأمَّه عليهما السلام إلهين من دون الله وعبدوهما، واتَّخذوا رهبانهم آلهة من دون الله وعبدوهم.
واتَّخذ مشركو العرب الأصنام والملائكة والشياطين وأشخاصًا متخيَّلةً آلهةً وعبدوها.
قال المؤلِّف: فطريق البحث أن ننظر فيما كان هؤلاء القوم يعتقدونه في تلك الأشياء وما كانوا يعظِّمونها به، فإذا تبيَّن لنا ذلك علمنا أنَّ ذلك الاعتقاد والتعظيم هو التأليه والعبادة.
ثم أفاض الشيخ في تفصيل ما كان يفعله هؤلاء الأقوام مع معبوداتهم، وإلامَ كانت أنبياؤهم تدعوهم، وبَرْهَن على أنهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، مستدلًّا بالآيات القرآنيَّة على وجهٍ رئيسٍ ومثنِّيًا بأحاديث وآثارٍ تدلُّ على ذلك، وأدلُّ دليلٍ على ذلك أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20] , {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ
(م 2-3/25)

مَلَائِكَةً} [المؤمنون: 24]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87].
وقولُ الرسل لأقوامهم: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [فصلت: 14] ظاهره أنهم كانوا يعبدون الله في الجملة ولكنهم يشركون به. وابتداء الرسل بهذا يدلُّ أن المرسَل إليهم لم يكونوا يجحدون وجود الله عزَّ وجلّ، بل قولهم: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} [فصلت: 14] نصٌّ في أنهم كانوا يعترفون بربوبية الله عزَّ وجلّ وأنه لا ربَّ غيره، ويعترفون بوجود الملائكة عليهم السلام.
وذكر الله عن المشركين أنهم دعوا آلهتهم ونادوها واتَّخذوها أربابًا وشركاء وأندادًا، وذكر أدلَّة ذلك وشرحَها بما يحسن الرجوع إليه.
وأورد على نفسه سؤالًا مضمونه: كيف تسمَّي مَن لا يعبد الله بل يقتصر على عبادة غير الله مشركًا؟ فأجاب بأنه: قد وُجد معبودان من حيث الواقع، أحدهما: معبود ذلك الشخص، والآخر: المعبود بحقًّ الذي يعبده الملائكة ومَن شاء الله من خلقه، فصحَّ أن يُسمَّى ذلك المعبود بالباطل شريكًا، وأن يُسمَّى عابده مشركًا.
قال: وأما قول المؤمن: (لا إله إله الله وحده لا شريك له) فإنه يريد - والله أعلم - لا شريك له في الألوهيَّة، أي في المعبوديَّة بحقًّ.
* وقرَّر الشيخ أنَّ المشركين كانوا يقصدون بعبادتهم الإناثَ الخياليّات التي زعموا أنها بناتُ الله، وأنها هي الملائكة، وأنَّه إذا جاء ذكرُ معبوداتهم غيرَ مُبَيَّن، فالأَولى أن يُفسَّر بها؛ لأنَّ ذلك هو صريح اعتقادهم، فأمَّا الملائكة فإنما عبدوهم على زَعْم أنهم هم الإناث الخياليَّة، ولم يكونوا يقصدون عبادة الشياطين، وأمَّا الأصنام فإنما كانوا يعظَّمونها تعظيمًا لتلك
(م 2-3/26)

الإناث على أنها تماثيل لها.
* ثم دلف المؤلف إلى بيان اعتقاد المشركين في الأصنام، وبين أنهم إنما عظموها على أنها تماثيل أو رموز للإناث الوهميات التي هي في زعمهم بنات الله عز وجلَّ، وهي عندهم الملائكة، ثم أورد الآيات التي يستدل بها بعض أهل العلم لتقرير خلاف ما قرَّره المؤلف وأجاب عن استدلالاتهم.
* ثم أطال بوجهٍ خاصًّ الكلام على قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 43 - 44].
* ثم أورد المؤلف على نفسه سؤالين قبل الخروج من بحث الأصنام، أولهما: أنه جاءت آثار كثيرة في شأن اللات تخالف ما قرَّره في اعتقاد المشركين في الأصنام.
والسؤال الثاني: أن لهم أصنامًا مذكَّرة الأسماء كهبل ومناف، فكيف يكون هذا المذكَّر رمزًا للإناث التي هي الملائكة في زعمهم؟.
ثم أجاب عن السؤالين بعد تقديمه كلام أهل اللغة والتفسير في اللات عن اشتقاقها، وأين كانت، ومن كان يعبدها؟
*ثم ذكر الشيخ أن المشركين كانوا يتمسحون بالأصنام ويعكفون عليها ويضمَّخونها بالطيب ويتقاسمون بالأزلام عندها, ولم يجد الشيخ نصًّا صريحًا في أنهم كانوا يسجدون للأصنام ولا أنهم كانوا يدعونها، ثم أبدى احتمال أنهم كانوا يدعونها في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
(م 2-3/27)

فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ...} الآيات [الحج: 73 - 76]، وحقَّق تفسيرها.
* ثم انتقل المؤلف إلى بحث اعتقاد المشركين في الملائكة وذكر أنه يتلخَّص في طمعهم في أن الملائكة يشفعون لمن يعبدهم وأن الشفاعة تنفعهم، ومعلوم أن الملائكة لا يرضون أن يُعبدوا من دون الله، فالمشركون إنما عبدوا الشيطان الذي زيَّن لهم عبادة الملائكة. وأطال المؤلِّف في بيان بطلان اعتقاد المشركين في الملائكة.
قال المؤلِّف: فلم يبق أمام المشركين إلا شبهتان، إحداهما: التشبُّث بالقدر. الثانية: التقليد، وجلَّى الشيخ المقام بإيراد الآيات الدالَّة على إبطال هاتين الشبهتين.
* ثم بيَّن الشيخ كيف كان تأليههم للملائكة، فذكر أن المشركين كانوا يشركون في التلبية في الحج بالإناث الخياليات التي هي الملائكة في زعمهم.
وكانوا يتخذون الأصنام تماثيل أو رموزًا لتلك الإناث، وكانوا يسمون عبد اللات، عبد العزى، عبد مناة، وكانوا يُقْسمون بهذه الأسماء ويذكرونها عند الذبح، وكانوا يجعلون لهم نصيبًا من أموالهم يصرفونه في تطييب الأصنام.
* ثم تكلم الشيخ عن اعتقاد المشركين في أهوائهم، وأنهم أطاعوا أهواءهم لما أطاعوا رؤساءهم في شرع الدين. قال الشيخ: وإنما لم يكثر هذا المعنى في القرآن استغناءً بذكر تأليههم للشياطين، فإن تأليه الهوى يلزمه تأليه الشيطان؛ لأنه المتلاعب بالهوى.
(م 2-3/28)

* ثم تعرَّض لبيان اعتقاد المشركين في الشياطين وأنهم كانوا يعتقدون أنَّ ما يوحونه إليهم في شرع الدين حقٌّ، ولكن لم يعلموا أنَّ ذلك من وحي الشياطين، بل يظنُّونه من رأيهم واجتهادهم.
وفيما يتعلَّق بأعمالهم ألزمهم الله بأنهم يعبدون الشياطين لكونهم يأخذون دينهم عن غير حجة ولا برهان، بل بمجرَّد التخرُّص والتخمين.
* وبيَّن الشيخ أن العكوف على الصنم هو المكث عنده بهيئة الأدب زاعمين أنَّ ذلك تعظيم لمن جُعل الصنم تمثالاً له، بل يعدُّون ذلك عبادة لله عزَّ وجلَّ؛ لأنه في زعمهم يحب ذلك ويرضاه، ولذلك نرى مشركي الهند يتحرَّون لدعاء الله عزَّ وجلَّ أن يكون عند الأصنام.
* ثم فسر آيات النجم {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)}.
واختار تفسيرها بقول ابن زيد: جعلوا لله عَزَّ وَجَلَّ بنات، وجعلوا الملائكة لله بنات، وعبدوهم وقرأ: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ} الآية, وقرأ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} الآية, وقال: دعوا لله ولدًا، كما دعت اليهود والنصارى، وقرأ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}.
* ثم تكلم عن قصة الغرانيق، وبيَّن أن الكلمات التي ألقاها الشيطان لم تكن من القرآن، بل القرآن يبطل هذا لقوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} فبيَّن أن تلك الكلمات - إن صحَّت - من إلقاء الشيطان، ولكن قد يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كلمات أثنى بها على الملائكة, وقد أثنى الله
(م 2-3/29)

تعالى على الملائكة في مواضع كقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)}.
فالذي يظهر من هذه العبارة أنهم لم يفهموا من تلك الكلمات إلا ما أراده - صلى الله عليه وسلم - من الثناء على الملائكة ولكنهم زعموا أن ذلك الثناء يدل على جواز اتِّخاذ الملائكة آلهة.
فالعرب إنما كانوا يعظمون هذه الأصنام الثلاثة تعظيمًا لأشخاص معظمين، وليست هذه الأصنام إلا تماثيل أو تذكارات لأولئك الأشخاص كما هو شأن عَبَدَة الأوثان في كلَّ أمة، وبذلك صرَّح المحققون.
والأقرب فيما نحن فيه أن المشركين لما كانوا يعبدون إناثًا غيبيات، قالت الشياطين: ليست هناك إناث غيبيَّات إلاَّ منّا، أما الملائكة فليسوا بإناث، فكلما قال المشركون: فلانة بنت الله - تعالى الله عما يقولون - وعبدوها، عيَّنت الشياطين واحدة من إناثهم كأنها هي تلك الأنثى التي يعبدها المشركون.
ونجد القرآن مملوء بمحاجة المشركين في تأليه الملائكة وقلَّما نجده حاجَّهم في تأليه الجمادات.
* ثم تكلم عن عبادة الشياطين وأوضح أن الأشخاص الغيبية التي عبدها العرب ليست هي الملائكة لأنها إناث والملائكة ليست كذلك، ولأنها بنات الله في زعمهم وليست الملائكة كذلك.
فعبادتهم في الحقيقة إنما هي عبادة للشياطين، أوَّلاً: لما تقدم مرارًا أنهم أطاعوا الشياطين الطاعة التي هي عبادة.
(م 2-3/30)

ثانيا: أن الشياطين أنفسهم تصدَّوا لهذه العبادة قائلين: إن هؤلاء يعبدون إناثا غيبيات وليس هناك إناث غيبيات إلا من الشياطين فعرَّضوا إناثهم لتلك العبادة.
* ثم انتقل إلى الكلام على عبادة الهوى وفسره بأن يطيعه ويبني عليه دينه، لا يسمع حجة ولا ينظر دليلاً.
* ثم شرع في تفسير عبادة الأصنام، فذكر أنهم كانوا يعبدون الأصنام على أنها تماثيل للإناث الخياليات، أعني ما زعموه أن لله بنات وأنهن هن الملائكة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
* ثم ذكر أسباب تعظيم المجوس للنار. وعبادةَ بني إسرائيل العجل، هل كانت بدعوى أن الله حل في العجل، أو أن العجل رمز لله؟ وناقش المسألة من جوانب عدَّة.
* ثم دلف إلى الكلام على عبادة الأناسي الأحياء وأرواح الموتى، وبيَّن أنهم كانوا يزعمون أن أولئك الموتى يشفعون لمن يعبدهم، أو أن الله عز وجل يثيب من يعبد أولئك الموتى لما كانوا عليه من الصلاح.
* ثم تحدث عن تأليه المسيح وأمه، وذكر أن النصارى يؤلَّهون مريم ويعبدونها كما يؤلَّهون عيسى ويعبدونه، وقد عُلم أنهم لم يقولوا في مريم إنها واجبة الوجود ولا قديمة ولا أنها جزء من الله تعالى، ولا أنها تخلق وترزق وتنفع وتضرُّ وتغفر الذنوب، فثبت بذلك أن التأليه والعبادة لا يتوقفان على اعتقاد شيء من هذه الصفات في المعبود وأن اعتقادهم هذه الصفات في عيسى أمر زائد على التأليه والعبادة.
(م 2-3/31)

ومن عبادتهم عيسى عليه السلام إشراكُهم إياه في كلِّ عبادة تكون لله تعالى لزعمهم أنه جزء منه وتعظيمهم لصورته ولصورة الصليب لمشابهتها للصليب الذي صُلِب عليه فيما زعموا.
ومن تعظيمهم لأمه تعظيمُ صورتها والاستغاثة بها.
* ثم استفاض في الكلام على قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
وحاصل المعنى: أنَّ مَن علم الله منه الأمر بالشرك لم يؤته النبوة، ومَن آتاه النبوة عصمه عن الأمر بالشرك.
* ثم عقد عنوانا في تأليه الأحبار والرهبان وبيَّن أن اتِّخاذهم بعضهم بعضًا أربابا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساءَ فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله.
* ثم فسَّر عبادة الأحبار والرهبان كيف تكون؟ وبيَّن أنَّ شرع الدين خاصٌّ بالربِّ، فمن ادَّعى أنَّ له حقًّا أن يشرع وأنَّ ما شرع يكون دينا فقد ادَّعى الربوبية، ومَن قال في شخص إنَّ له حقًّا أن يشرع وأنَّ ما شرعه يكون دينًا فقد اتخذه ربًّا وجعله شريكًا لله عزَّ وجلَّ.
* ثم تناوَل المؤلِّف تفسير عبادة القبور والآثار بإيجاز، مبيِّنًا أنها عُبِدت تعظيمًا للأشخاص التي هي تماثيل لهم.
* وفَسَّر عبادة الجنِّ، وأنها تقع بالاستعاذة بهم والنذر لهم والذبح لأجلهم زعمًا أنَّ مَن قرَّب للجن شيئًا فإنهم ينفعونه ويكفُّون عنه أذيَّته أو يدفعون عنه ضرر بعضهم أو يبيَّنون لهم شيئًا مغيَّبًا بواسطة الكُهَّان.
(م 2-3/32)

* وبيَّن الشيخ أن الذين عبدوا الكواكب إنما عبدوها لأنها بمثابة الأجسام للملائكة التي هي أرواح، ومثّل بعضُهم الكواكب بصور معينة تخيّلوها ويعبدون تلك التماثيل.
* وأوضح الشيخ أنَّ قوم هود كانوا يعبدون أشخاصًا لا وجود لها، وكانوا يعتقدون في آلهتهم نوعًا من القدرة على النفع والضر، ولعلَّ ذلك كان على معنى أنَّ آلهتهم يسألون الله أن ينفع أو يضرَّ.
* ثم تحدَّث الشيخ عن ديانة المصريِّين وعبادتهم في عهود إبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام، وفصَّل الشيخ تفصيلًا بديعًا في دعوى فرعون الإلهيّة وحقيقتها، وأنه شرع لقومه أن يعبدوه، وهو يعبد الملائكة.
* ثم تعرَّض الشيخ لبيان تأليه العرب الإناثَ الخياليَّات، وقد وبَّخ الله هؤلاء المشركين على قولهم: إن لله ولدًا، ثم على قولهم: إن ذلك الولد إناث، ثم على قولهم: الملائكة إناث، ثم على قولهم: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} فدلّ أنَّ كلّ أمر من هذه الأمور منكر على حِدَة، وتأليهُ الشيء وعبادته لا يتوقَّف على زَعْمِ أنه واجب الوجود أو أنه الخالق، أو خالق آخر، أو ابن الخالق، أو نحو ذلك.
* ثم فسَّر الشيخ كيف كانت عبادة الملائكة، وبيّن أن عُبَّاد الملائكة ما عدا أتباع أرسطو فريقان: فريق يزعمون أن الملائكة يتصرَّفون باختيارهم، وفريق لا يثبتون للملائكة اختيارًا إلاَّ في الشفاعة، ومنهم مشركو العرب.
* ثم عقد عنوانًا سماه: (تفسير عبادة الشيطان)، وذكر لها وجوهًا: أولها: طاعة الشياطين في شرع الدين على نحو ما مرّ في الأحبار والرهبان.
(م 2-3/33)

والوجه الثاني: أن الشياطين رأت أنه لا وجود لما يدّعيه المشركون من الإناث الغيبيات بزعم أنهن بنات الله وأنهن الملائكة، فعمدت شيطانة فتسمَّت بالعزّى ولزمت الصنم المجعول للعُزَّى، وقس على ذلك.
* ثم بيّن الشيخُ أنَّ عبادة الهوى: طاعته فيما لا ينبغي أن يُطاع فيه إلا الربّ، وأنها من قبيل عبادة الأحبار والرهبان.
* وبعد شرحه المستفيض لعبادات أصناف المشركين والكفار ابتداء من قوم نوح وانتهاء بقوم عيسى عليهما السلام؛ عقد عنوانا سماه: (تنقيح المناط) (1)، وهو بيت القصيد في كتابه، أراد به تحديد ما يدخل في العبادة وما لا يدخل فيها، فقال: "مدار التأليه والعبادة على أمرين:
الأول: الطاعة في شرع الدين، والمراد بالدين: الأقوال والأفعال التي يُطلَب بها النفع الغيبي، والمراد بالنفع الغيبي ما كان على خلاف العادة المبنيَّة على الحسّ والمشاهدة.
والأمر الثاني: الخضوع أو التعظيم على وجه التديُّن .. ".
إلى أن قال: "وتحرير العبارة في تعريف العبادة أن يقال: خضوع اختياري يُطلَب به نفع غيبي، أي من شأنه أن يُطْلَب به نفع غيبي، سواء كان الخاضع طالبًا بالفعل بأن يكون له اعتقاد أو ظنّ واحتمال أن ذلك الخضوع سبب لنفع غيبي، أو يكون في حكم الطالب بأن يكون المعهود في ذلك
__________
(1) تنقيح المناط: هو الاجتهاد في تحصيل العلَّة التي ربط بها الشارع الحكمَ وإلغاء ما لا يصلح للاعتبار. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع بحاشية البناني 2/ 292، وشرح الكوكب المنير 4/ 131.
(م 2-3/34)

الفعل أنه يُطلَب به نفع غيبي، كالسجود للصنم إذا فعله الخاضع عنادًا أو خوفًا من ضرر لا يبلغ به حدَّ الإكراه، أو مداهنةً، أو طمعًا في نفع دنيوي كمن يُجعَل له مال عظيم على أن يسجد لصنم، أو هزلًا ولعبًا".
قال: "وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أريد تعريف عبادة الله عز وجل زِيد: (بسلطان)، أو أريد تعريف عبادة غير الله زِيد: (بغير سلطان) .. ".
* ثم فسَّر الإله بالمعبود، فمَن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا وإن لم يزعم أنه مستحق للعبادة، ومَن زعم أنه مستحق للعبادة فقد عبده بهذا الزعم، وهكذا من أثبت لشيء تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما، فإنَّ هذا التدبير هو مناط استحقاق العبادة، وكذا مَن أثبت لشيء أنه يشفع بلا إذن وأنَّ شفاعته لا تردُّ ألبتة؛ لأنَّ ذلك في معنى التدبير المستقلّ.
والحاصل أن الخضوع لغير الله عَزَّ وَجَلَّ طلبًا لنفعٍ غيبيٍّ إن كان بسلطانٍ من الله عزَّ وجلَّ فذلك عبادة لله عز وجل، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، وإن كان بغير سلطان من الله عز وجل فذلك عبادة لغير الله عز وجل.
ثم استطرد في ذكر ما يؤيِّد به كلامه من كلام أهل العلم.
* ثم عقد فصلاً في القيام الذي هو في حقيقته قريب من السجود في المعنى، وبيّن ما يجوز منه وما لا يجوز، وقَرَّر أن القيام إلى الشخص القادم لاستقباله والترحيب به ليس مثلَ القيام له الذي هو تعظيم له بنفس القيام، وهو يشبه القيام لله عزَّ وجلَّ في الصلاة.
* ثم عقد فصلاً طويلًا في الدعاء، وذكر أنه ألجأه إلى الإطالة ما رآه من اضطراب المفسرين وغيرهم في تفسير الدعاء وتوجيه كونه شركًا.
(م 2-3/35)

وقد اتَّفق أهل اللغة على أنَّ أصل الدعاء بمعنى النداء، وذكر آيات كثيرة تفيد أنَّ الدعاء فيها بمعنى السؤال والاستعانة، ولا سيَّما في الآيات التي فيها ذكرُ الاستجابة.
* ثم وضع عنوانًا في أحكام الطلب، ومتى يكون دعاء؟ وبيَّن فيه أنَّ دعاء الحيّ الحاضر ما لا يقدر عليه ودعاء الأموات والغائبين مطلقًا شرك بالله.
* وتعرَّض لبيان مسألة التوسُّل، والأحاديث الواردة فيها.
* وأجاب عن الأحاديث والآثار التي يستدلُّ بها مَن يدَّعي سماع الموتى لمن خاطبهم، وقال: مَن قاس الأموات على الأحياء فهو كمَن قاس الملائكة على البشر. ولو كانت أرواح الموتى تتصرَّف بهواها لفسد الكون، بل ولهاجت الفتن بين الأرواح.
قال: ولو لم يكن في اجتناب ما قيل إنه شرك إلا سدُّ باب الاختلاف بين الأمَّة في هذا الأمر لكان من أعظم القربات عند الله عزَّ وجلَّ.
* ثم عقد فصلًا في الشبهات وردَّها، تضمَّن بيان شُبه عُبَّاد الأصنام وعُبَّاد الأشخاص الأحياء، والنصارى في عبادتهم الصليب، وشبهة للنصارى واليهود في شأن الأحبار والرهبان، وشُبه عَبَدَة الملائكة، ثم أجاب الشيخ على هذه الشُّبَه بكلام قويًّ متين.
* ثم عقد فصلاً في السلطان الفاصل بين ما هو عبادة لله وما هو عبادة لغيره.
قال: الفرق بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره هو السلطان، فكلُّ عبادة
(م 2-3/36)

كان عند صاحبها سلطان بها من الله تعالى فهي عبادة لله عَزَّ وَجَلَّ، وكلُّ عبادة ليست كذلك فهي عبادة لغير الله تعالى، والسلطان هو الحجة، وقد تكون الحجة يقينيَّة وقد تكون ظنيَّة، وفصَّل في أنواع الأدلَّة.
ثمَّ ذكر أنَّ القطع ب "لا إله إلا الله" يستدعي القطع بثلاثة أمور:
الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالًا إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ.
الأمر الثاني: القطع بأنه لا مستحقَّ للعبادة إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ.
الأمر الثالث: العلم بحقيقة العبادة.
* ثمَّ بيّن أن التديُّن بشيء لا دليل عليه، أو عليه دليل باطل، شركٌ. ولا يُستثنى من ذلك المبتدعُ الذي قامت عليه الحجة فأصرّ على التديُّن بها. ونقلَ نقلاً طويلًا عن الشاطبي يوضِّح فيه مقتضى فعل المبتدع وما يلزم من كلامه من لوازم خطيرة. ثم نقل نقلاً آخر طويلًا عن الصارم المسلول، بيَّن فيه حكم مَنْ يكذب على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال: "والحاصل أنَّ السلطان هو الحجة التي يُحتجُّ بها في فروع الفقه. وينبغى للمقلِّد أن يحتاط في مواضع الاختلاف.
والقرآن يقسم الكفر إلى ضربين: الكذب على الله، والتكذيب بآياته.
والتكذيب قد يكون باللفظ فقط، كمن يقول: إنَّ الله لم يفرض صلاة الظهر، وهو نفسه يصلِّيها، وقد يكون بالفعل فقط كمن ألقى مصحفًا في قاذورة، وقد يكون بالاعتقاد فقط كأن يعتقد أنَّ الله لم يفرض الظهر، وقد يكون بالثلاثة معًا، أو باثنين منها معًا".
(م 2-3/37)

* ثم عقد فصلاً تحدَّث فيه عن أحوال مَن يُعذر بالجهل أو الخطأ أو التأويل، والآيات والأحاديث الدَّالَّة على ذلك، وذكر أنَّ مدار العذر على الجهل يكون مع عدم التقصير في النظر.
وقال: "مَن رضي بالإِسلام دينًا ولو إجمالًا فالأصل فيه أنَّه معذور في خطئه وغلطه، ومَن لم يرض بالإِسلام دينًا فالأصل فيه أنَّه غير معذور، ولا يخرج أحدُهما عن أصله إلا ببيان واضح.
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحكم فيمن أسلم أنه على إسلامه، وإن ظهر منه خلاف ذلك، ما لم يتضح أمره".
* ثم عقد بابًا في ذكر أمور ورد في الشريعة أنها شرك وأشكل تطبيقها على الشرك، وبدأ بتمهيد أوضح فيه أنَّ كون الشيء سببًا أو علامة قد يكون تديُّنًا، وهو ما يرجع إلى اعتقاد بأمر غيبي، وقد لا يكون تديُّنًا وهو ما يرجع إلى أصل عاديًّ مبنيًّ على الحسّ والمشاهدة، وقد يُتردَّد في بعض الظنون: أمن الضرب الأول هو، أم من الثاني؟
* ثم تحدَّث عن الطَّيَرة، وأورد الأحاديث التي تفيد أنها شرك، ثم علَّل ذلك بأنها تديُّن بما لم يشرعه الله؛ لأن المتطيِّر يظنُّ أن الطائر سبب أو علامة، وهذا الظنُّ لا يُعرف له توجيه من الأصول العاديَّة المبنيَّة على الحسّ والمشاهدة، فيكون من قسم التديّن. وجعل الشارع ضابط حصول الظن هو العمل به. قال معاوية بن الحكم: "ومنَّا رجال يتطيَّرون"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدَّنّهم". ثم ذكر تفريعات وتفصيلات في العلاقة بين التطير والتفاؤل.
(م 2-3/38)

* ثم عقد مبحثًا في الرقى، أورد فيه أحاديث يدل بعضها أن مِن الرقى ما هو شرك، وفي بعضٍ آخر منها الإذن بالرقى.
قال: "وتفسير ذلك أنَّ الرُّقى على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الرقية بكتاب الله تعالى وذكره ودعائه اللَّذَين أُذن في مثلهما، فهذا حق وإيمان، ولكن الأولى بالمؤمن ألَّا يسأل غيره أن يرقيَه، كما تقدَّم إيضاحه في الدعاء.
الضرب الثاني: ما كان فيه تعظيم لغير الله عَزَّ وَجَلَّ، فهذا إن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو كالأوَّل، وإلَّا فهو شرك ...
الضرب الثالث: ما كان من الرقى كلمات عربية ليس فيها تعظيم ولا مدح، فإن كان يرى أو يجوِّز أنَّ لتلك الكلمات أثرًا يستند إلى غيبيٍّ كالروحانيين والجنِّ والكواكب ونحوها، فحكمه كالقسم الثاني، والله أعلم. وإن كان لا يجوِّز ذلك ... فالحكم في هذا مشتبه ... والذي أختاره الآن المنعُ من هذا، والله أعلم".
* ثم انتقل من ذلك إلى عقد عنوان في التمائم، وبيّن أن التميمة خرزة مخصوصة، وهي ممنوع منها مطلقًا. وقيل: بل كلُّ ما يُعلَّق رجاء للنفع. وأورد آثارًا عن السلف أنهم كانوا يكرهون التمائم كلَّها من القرآن وغير القرآن، وفصَّل آخرون في تعليق ما يُكتب من القرآن والدعاء، فقالوا: إن عُلِّق قبل البلاء فهو تميمة منهيٌّ عنها، وإن عُلِّق بعد البلاء فلا حرج فيه، ونقل عن عائشة ما يدلُّ على ذلك.
ومال المؤلف إلى هذا التفصيل بشرط ألّا يكتب إلا ما ثبت من الشرع
(م 2-3/39)

التبرك به من القرآن والدعاء الخالي عما لم يأذن به الله تعالى، وبشرط ألاّ يتحرَّى شيئًا لا سلطان من الله تعالى على تحرَّيه مِن مكان أو زمان أو هيئة مخصوصة، فإذا تحرَّى شيئًا لم يجيء به سلطان من الله كانت المعاذة في معنى الخرزة.
قال: "وعامَّة كتب العزائم والتعاويذ على خلاف الشريعة، وفي كثير منها الكفر البواح والشرك الصُّراح".
* ثم عقد فصلاً في التَّوَلة والسحر، أورد فيه حديث ابن مسعود الذي فيه أن التِّوَلة شركٌ، وهي ما يحبَّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره.
فإن تحبَّبت المرأة إلى زوجها بما لم تجر به العادة، بل بما هو مستندٌ إلى قوَّةٍ غيبيَّةٍ ففيه تفصيلٌ؛ فإن جاء سلطانٌ من الله بالإذن فيه فذاك، وإلا فهو من التِّوَلة. وإنما جاء السلطان بالإذن في الدعاء المجرَّد عن البدع والخرافات وفي كلِّ ما هو طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كالصلاة والصيام والصدقة. وكلُّ ما لم يجيء به سلطانٌ فهو من التَّوَلة، وهي شركٌ؛ لأنها تتضمَّن خضوعًا يطلب به نفعٌ غيبيُّ لم يُنزل الله به سلطانًا، وتتضمَّن طاعةً للشيطان والمعزِّمين والعجائز ونحوهم فيما يطلب به نفعٌ غيبيٌّ ولم ينزل الله تعالى به سلطانًا. ونقل عن ابن حجرٍ الهيتميِّ أنَّ السحر إن اشتمل على عبادة مخلوقٍ أو اعتقاد أنَّ له تأثيرًا بذاته أو تنقيص نبيِّ أو ملَكٍ، أو اعتقد الساحر إباحة السحر بجميع أنواعه، كان كفرًا وردَّةً. ثم عرَّج ابن حجرٍ على بيان مذاهب الأئمَّة في السحر والسحرة. ثم فصَّل المؤلَّف مضامين ما نقله عن ابن حجرٍ وناقشه في بعضه. ثم عقد مبحثًا مطوَّلًا في حكم السحر وتعليمه وتعلُّمه وتوابع ذلك.
(م 2-3/40)

ثم انتقل إلى المسألة الأخيرة في هذا الباب الكبير، وهي مسألة القَسَم بغير الله، وأورد الأحاديث الناهية عن الحلف بغير الله وكفارة مَن حلف بغير الله.
ومال الشيخ إلى التشديد في هذه المسألة، وأنَّ مَن حلف بغير الله غيرَ جاهلٍ ولا ذاهلٍ أنَّه يخرج من الملَّة، وذكر أنه يؤخذ من تبويب البخاريِّ لهذه المسألة واحتجاجه بحديث عمر "مَن حلف بغير الله فقد أشرك" أنه يرى هذا الرأي.
* ثم عقد عنوانًا في حقيقة القَسَم وأنَّ أصل المقصود منه التوكيد اتّفاقًا, ولذلك سمِّي يمينًا أخذًا من اليمين بمعنى القوَّة، ويمكن أن يكون من اليد اليمين لما جرت به العادة من الصَّفْق باليمين عند المحالفة.
* وبيَّن المؤلّف أن التوكيد في الحلف يستفاد من اعتقاد الحالف ومخاطَبيه في المقسَم به أنه ذو قدرةٍ غيبيَّةٍ، فمعنى الحلف به جَعْلُه كفيلًا وشاهدًا على الحالف بألَّا يُخْلِف ولا يَكْذب.
وإنما يثق المحلوف له باليمين لأنه يعلم أن الحالف يُجِلُّ المحلوف به ويخاف سطوته الغيبيَّة، فيبعُد أن يجعله كفيلًا ثم لا يفي له أو شهيدًا على الكذب، وعلى فرض أن الحالف يجترئ على ذلك فالمحلوف به يعاقبه ويوفي المحلوف له حقَّه من عنده.
* ثم وجَّه المؤلف لفظ: (وأبيه) أو (وأبيك) الوارد في بعض الأحاديث، ورجَّح أنه مقحمٌ، قال: وكأن الباعث على الإقحام أنَّ واو القسم لا تدخل على الضمير، فتُوُصَّل إليه بإقحام لفظ الأب، وباعثٌ آخر معنويٌّ، وهو تبعيد إيهام التعظيم، فإنه يتوهَّم تعظيم المخاطَبين لأنهم مسلمون،
(م 2-3/41)

بخلاف آبائهم المشركين. ثم تعرَّض لتوجيه لفظ: (لعمري) أو (لعمرك) أو (لعمر الله)، وذكر تفاصيل أخرى مهمَّةَ.

ب - منهج المصنف في كتابه:
1 - بني منهجه على الاستقراء والتتبُّع، قال في وصفه: "هو كتاب من تأليفي، استقرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله مما هو عبادة لغيره" (1).
وفصَّل هذا المنهج الاستقرائي في محاضرة أعدَّها لإلقائها في مؤتمر دائرة المعارف السنوي فقال: "فرأيت أنه لا طريق لتحقيق معنى الكلمتين "إله وعبادة" إلاَّ بتتبع مواردهما في القرآن مع ما قصَّه عمن أخبر عنهم أنهم اتخذوا الأصنام أو غيرها آلهة، وأستعين مع ذلك بالسنة والتاريخ, فإذا وجدت القرآن قد أخبر عن مشركي العرب أنهم اتخذوا الأصنام آلهة وعبدوها جهدت أن أعرف ماذا كانوا يعتقدون في الأصنام وماذا كانوا يعملون لها، فإذا تيسَّر لي ذلك علمت أن ذلك الاعتقاد والعمل مشتمل على التأليه والعبادة, ثم أَكُرُّ على ذلك بأن أخرج منه ما يُقطع بأنه لا دخل له في ذلك مثل اعتقاد أن الأصنام أحجار، ثم أصنع ذلك في أمَّةٍ أمَّةٍ من الأمم التي قصَّ القرآن بعض أخبارها، وفي كل نوعٍ نوعٍ من الأشياء التي نصَّ القرآن على أنها اتُّخِذت آلهة وعُبدت من دونه، ثم أستخلص القدر المشترك بين الأمم فهو الشرك والعبادة. هذه صورة إجمالية لطريقتي في الكتاب المذكور" (2).
__________
(1) "التنكيل" 2/ 435.
(2) دفتر مسوَّدات محاضرة ... ص 33 ويحمل الرقم العام 4930 في مكتبة الحرم المكي الشريف.
(م 2-3/42)

2 - انتهج فيه اتَّباع الكتاب والسنة دون تقليد لأحد، قال في ختام مقدمته لكتاب العبادة (س 24 ب): "مستقيًا لها من عين الأدلَّة، غير مقلِّد لأحد في هذا الأمر".
3 - مع اهتمامه بنقد بعض القواعد والأصول التي يستند إليها بعض الناس في عقائدهم كالتقليد والحديث الضعيف والكشف والإلهام، حرص على استثمار الأصول العلمية المبنيَّة على المقدِّمات الصحيحة التي تفضي إلى نتائج سليمة فعلًا وتركًا، فقد قال في بيانه للأصل الثاني: "الصراط المستقيم" من نسخة (ب) غير المرقَّمة: "فالأمر بقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} يتضمّن الأمر بلزوم الصراط المستقيم وتعرُّفه بما أمكن من الأسباب، وتجنُّب ما يخالفه، ثم أعلمنا سبحانه أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم عليهم، والمُنْعَم عليهم من هذه الأمة يقينًا هم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فكل شيء علمنا أنه من صراط النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فهو من الصراط المستقيم، وكل ما خالف ذلك فهو من السبل المخالفة لسبيله، قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، وفي الحديث: "عليكم بسنتي" ثم قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}.
إلى أن قال:
والحكم بأنَّ هذا الأمر من صراط النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لا بدَّ له من نَقْلٍ ثابت، وأما الحكم بالنفي فيكفيه عدمُ النقل على ما أوضحناه في رسالة "بيان البدعة"، حيث قرَّرنا هذا الأصل مبسوطًا، وإنما نبَّهتُ عليه هنا لأنه قد يجيء في الرسالة الاحتجاج على بعض الأمور بأنها لم تُعْرَف في عهد الصحابة رضي الله عنهم، فإذا رأيت ذلك فينبغي أن تعلم أنه برهان متين لا ينبغي
(م 2-3/43)

للمسلم أن يتهاون به قائلاً: (قال فلان من العلماء كذا) أو (قال فلان من الأولياء كذا) ونحو ذلك".
4 - التزم المؤلف في الكتاب الدلالة على مواضع الآيات التي يسوقها، ويخرِّج الأحاديث من دواوين السنة، ويعزو الأقوال إلى مصادرها.

* سادسًا: موارد الكتاب
بني المؤلِّف كتابه على جملة كبيرة من كتب أئمَّة العلم، وأحسن توظيفها واستعمالها.
فاعتمد في التفسير وعلوم القرآن في المقام الأوَّل على تفسير الطبري، يليه روح المعاني للآلوسي، ثم حواشي الشيخ زاده على تفسير البيضاوي.
ورجع إلى الكشَّاف في مواضع قليلة وبخاصَّة في القضايا اللغويَّة، كما استفاد من تفاسير البغوي والبيضاوي وابن كثير وأبي السعود والخازن والبقاعي وطنطاوي جوهري. ونقل من الإمعان في أقسام القرآن للفراهي.
واستقى من متون كتب السنة بكثرة كالموطَّأ، والصحيحين، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ومسند أحمد، ومسند أبي داود الطيالسي، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي، وسنن الدارمي، والدارقطني، والمصنَّف لابن أبي شيبة, وشرح السنة للبغوي، ومعاجم الطبراني، والحلية لأبي نعيم، ومشكاة المصابيح، وبلوغ المرام للعسقلاني.
ومن شروح الحديث: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وشرح مسلم للأبَّيَّ والسنوسي، وفيض القدير شرح الجامع الصغير, والتيسير كلاهما للمناوي، وحواشي ابن ماجه للسندي.
(م 2-3/44)

ومن كتب السيرة: سيرة ابن هشام، والدلائل لأبي نعيم، والشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، والروض الأنف للسهيلي، وشرح الشفا للقاري، والهدي النبوي لابن قيم الجوزية.
ومن كتب علوم الحديث والتراجم والتخريج: علوم الحديث لابن الصلاح، وفتح المغيث للسخاوي، وشروط الأئمة الخمسة للحازمي، والقول المسدَّد (في الذَّبِّ عن مسند أحمد) لابن حجر، والضعفاء للعقيلي، وطبقات ابن سعد، والثقات لابن حبان، وميزان الاعتدال للذهبيِّ، ولسان الميزان, وتعجيل المنفعة، وتهذيب التهذيب، والإصابة في تمييز الصحابة، أربعتها لابن حجر العسقلاني، والمقاصد الحسنة للسخاوي، وصفة الصفوة لابن الجوزي، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وتوالي التأسيس في معالي ابن إدريس، كلاهما لابن حجر العسقلاني.
ومن كتب الآداب والأخلاق: مختصر جامع بيان العلم للمحمصاني، والزواجر لابن حجر الهيتمي، والبدور البازغة لولي الله الدهلوي.
ومن كتب الفلسفة وغلاة الصوفية: الفتوحات المكِّيَّة لابن عربي الطائيِّ، والذخيرة لعلاء الدين الطوسي، والإنسان الكامل للجيلي، وتنبيه المغترِّين للشعراني.
ورجع في متن اللغة وغريب القرآن والحديث والمصطلحات إلى المخصَّص لابن سيده، والمفردات للراغب الأصفهاني، والمصباح المنير للفيُّومي، ولسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروزابادي، وتاج العروس شرح القاموس للزبيدي، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ودستور العلماء لعبد ربِّ النبي الأحمَد نَكَري.
(م 2-3/45)

ورجع إلى مغني اللبيب لابن هشام في الأدوات.
ورجع في أصول الفقه إلى: الرسالة للشافعي، والمستصفى للغزالي، والموافقات للشاطبي، وشرح المحليِّ على جمع الجوامع، مع حاشيتي البناني والعطَّار، وإحكام الأحكام للآمدي، وإعلام الموقعين لابن قيم الجوزية.
ومن كتب الفقه: الأمُّ للشافعي، والأنوار للأردبيلي، بواسطة الهيتمي، وحواشي الشرواني على التحفة، وإبطال الاستحسان (من الأم)، والمغني (مغني المحتاج إلى معرفة المنهاج) للشربيني، والهداية للمرغيناني، والعناية شرح الهداية للبابرتي، وردُّ المحتار (حاشية ابن عابدين) على الدُّرِّ المختار للحصكفي.
ومن كتب السنَّة والاعتقاد وعلم الكلام والأديان والفِرق: نهاية الإقدام للشهرستاني، والنونية لابن القيم، وشرح المقاصد للتفتازاني، وشرح المواقف للسيد الشريف، وشرح جوهرة التوحيد لابن الناظم، وحواشي الأمير على شرح الجوهرة، وحواشي البيجوري على الجوهرة، و (الفصل في) الملل والنحل لابن حزم، وكتاب ابن وضَّاح (البدع)، والصارم المسلول لابن تيمية، نقل عنه نقلًا طويلًا يتعلَّق بحكم الكذب على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، والاعتصام للشاطبي، والملل والنحل للشهرستاني، والمواقف للعضد الإيجي، وحاشية حسن جلبي على المواقف، وسِفر التكوين من أسفار التوراة.
هذه هي أهمُّ الكتب التي نهل منها وانتفع بها، أو ناقش مؤلفيها ولا يلزم من النقل عن بعض تلك الكتب تزكية لها، بل قد يكون ذلك للرَّدِّ على ما
(م 2-3/46)

ينقله، أو إقامة الحجَّة على مَن يعظِّم أصحاب تلك الكتب إذا نقل منها ما يؤيَّد الحقَّ.

* سابعًا: طبعات الكتاب:
للكتاب طبعتان فيما علمتُ:
1 - طُبع مائة صفحة من أوَّل مخطوطة الكتاب عام 1423 ه عن المكتبة العصريَّة بتحقيق الداني بن منير آل زهوي، وبذل فيه جهدًا مشكورًا في التخريج والتوثيق، ولم تتيسَّرْ له القراءة الصحيحة للنصِّ في بعض المواضع، ومن أمثلة ذلك:

الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ | الصواب
51|9||فالأمر في هذا ربما يستغرب|بالقاف لا بالغين وهي واضحة في المخطوط، والمعنى لا يستقيم بهذا التصحيف
64|1||ما يُعلم منه أن الضمائر على. . . |ما يُعلم منه أن الضمائر للملائكة
64|7||بعد نقل تبويب بوَّبه البخاري: (ففي صحيحه إشارة واضحة) |ففي صنيعه إشارة واضحة
64|8||الإنكار|إلى الملائكة
64|9||سقط ما في خانة الصواب|ورأيتُ في بعض تعاليقي نَقْلَ مِثل قولِ مقاتل عن ابن عباس
(م 2-3/47)

الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ | الصواب
||||رضي الله عنه، ولم أستحضر الآن من أين نقلته.
115| 3||في تصديقها إلا ناله ما يكره| في صحتها إلا ناله بما يكره
144|4||نقول لمن لا يقدر لنا على ضر|نَذِلُّ لمن لا يقدر لنا على ضرٍّ

2 - طبعة دار العاصمة لكتاب "العبادة":
اشتريت هذه الطبعة يوم الأربعاء الموافق 11/ 4/ 1432 ه بعد أن صحَّحتُ تجربتين للكتاب وخدمتُه خدمة يسيرة، وعملتُ له فهارس ومقدِّمة لم تُحرَّرْ، فتصفَّحتُه فعرفتُ أنه نَشْر للدفاتر الأربعة المعروفة منذ أكثر من ربع قرن عند المهتمّين بتراث المعلَّمي.
وقد كان اشتهر عند طلبة العلم أنَّ الكتاب تنقصه ثلاثة دفاتر تلي الدفتر الأوَّل، وكانت هذه المعلومة دقيقة وصحيحة، وكان ذلك من أسباب عزوف أهل العلم وطلبة الدراسات العليا عن القيام بتحقيقه للنقص الكبير فيه.
قام بتحقيق هذه الطبعة الشبراوي بن أبي المعاطي وقدَّم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد. وهذه الطبعة جيِّدة، لولا ما شابها من الدعوى العريضة أنَّه يُطبع لأوَّل مرَّة كاملًا. بالإضافة إلى ملاحظات أخرى سأذكرها بعد مناقشة دعوى طبع الكتاب كاملًا.
والدليل المقدَّم على طبعه كاملًا ما قاله المحقِّق في حاشية ص 77 أثناء
(م 2-3/48)

وصفه للنسخة الخطّية للكتاب: "سقط من ص 91 - 397، وذلك عند ما تكلَّم الشيخ المعلمي على الحديث الضعيف، وهذا الجزء استلَّه الشيخ رحمه الله من الكتاب، وجعله في جزء مفرد، وذلك لأنَّ الشيخ توسَّع في هذا المبحث جدًّا"، ثم قوَّى حجَّته بما نقله عن المؤلف من قوله في رسالة (بيان البدعة): "فإني ألَّفت رسالة في "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله"، ونبهتُ في مقدَّمتها على الأمور التي يحتجُّ بها الناس ويستندون إليها وهي غير صالحة، فجاء في ضمن ذلك الحديث الضعيف، فرأيت الكلام فيه يطول، فأفردتُه في رسالة" إلى آخر ما نقله من كلامٍ آخر لا تعلُّق له بمسألتنا.
والظاهر أنَّ المحقِّق يفهم من إفراد أحكام الحديث الضعيف برسالة خاصَّة أنَّ ذلك استلالٌ لها من الكتاب، وليس ذلك بلازم؛ فإن المؤلِّف بصدد الكلام على أمور يستند إليها بعض الناس وهي ليست صالحة للاستناد، فذكر منها التقليد، والرأي المجرد، وتفسير الكتاب والسنة بغير علم، والرؤى والمنامات، والكشف، وخوارق العادات، والحديث الضعيف، وقد فصَّل في حكم الحديث الضعيف بما يناسب المقام فكتب فيه تسع صفحات بحسب المطبوع، فكيف يقال: إنه استلَّ هذا الجزء؟
وكونه ذَكَر في كتابٍ آخر له أنه أراد إفراد هذا المبحث بتأليف مستقلٍّ لا يُسوِّغ لنا دعوى أنَّ ثلاثمائة الصفحة المفقودة من الكتاب كلُّها في الحديث الضعيف، وأنَّ المؤلف استلَّها وجعلها هي نفسها كتابًا آخر، كيف والجزء المُدَّعى استلالُه قد وصلت إلينا مخطوطته، وهي لا تكاد تزيد على ثمانين صفحة إن سَلِمتْ من التكرار.
(م 2-3/49)

وتأمَّلْ أيُّها القارئ مقدَّمة رسالة العمل بالحديث الضعيف لترى هل هي رسالة مستقلَّة أو هي مستلَّة من كتاب العبادة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فهذه رسالة في أحكام الحديث الضعيف، جمعتها لما رأيت ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه، فنسب بعضهم إلى كبار الأئمة الاحتجاج به، ونسب غيره إلى الإجماع استحباب العمل به في فضائل الأعمال ونحوها، وتوسع كثير من الناس في العمل به حتى بنوا عليه كثيرًا من المحدثات وأكدوا العمل بها، وحافظوا عليها أبلغ جدًّا من محافظتهم على السنن الثابتات، بل والفرائض القطعيات، بل كثيرًا ما بنوا عليه عقائد مخالفة للبراهين القطعية من الكتاب والسنة والمعقول، ولم يقتصروا على الضعاف بل تناولوا الموضوعات, وأنكر جماعة جواز العمل بالضعيف مطلقاً، ....
ومن المانعين القاضي أبو بكر بن العربي والمحقق الشاطبي صاحب كتاب الموافقات في أصول الفقه وغيره.
ثم نصَّ بعض الفقهاء الشافعية كالزركشي في مقدمة "الذهب الإبريز" (1) والخطيب الشربيني في شرح المنهاج، أنَّ العمل بالضعيف في الفضائل جائز فقط، لا مستحب، وردَّه بعضهم كابن قاسم في حواشيه على التحفة، وأثبت الاستحباب.
__________
(1) في تخريج أحاديث العزيز، والعزيز هو الشرح الكبير للرافعي على الوجيز للغزالي.
(م 2-3/50)

هذا، وقد نصَّ النووي نفسه في كتاب الأذكار على الاستحباب.
واستشكل جماعة القول بالجواز أو الاستحباب مع الإجماع على أن الضعيف لا يثبت به حكم، والجوازُ والاستحبابُ من الأحكام الخمسة.
وأُجيبَ من طرف القائلين بالجواز والاستحباب بأجوبة عامَّتُها من قبيل ما عُرف في الجدليَّات من المطاولة، وتشتيت ذهن الناظر ليقنع بالتقليد الصِّرف. وتلك المطاولة هي التي ألجأتني إلى تأليف رسالة مستقلَّة، وذلك أنني ألَّفت كتابًا نبَّهت في مقدمته على الأمور التي يسلكها كثير من المتأخرين في الاحتجاج وهي غير صالحة لذلك، وذكرتٌ مِن جملتها العمل بالضعيف وحاولت أن أحقِّق الكلام فيه، فطال الكلام جدًّا، قبل أن أستوفي البحث كما أحبُّ، فآثرت إفراده برسالة مستقلة" (1).
فقد قال المؤلِّف عن الرسالة: "جمعتها لما رأيت ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه"، ولم يقل: استللتها, ولا قال: إنها كانت في الأصل من كتاب العبادة ثم أفردتُها منه، وإنما آثر إفراد الحديث الضعيف برسالة مستقلَّة لحاجة مباحثه إلى التطويل الذي لا يتناسب مع موضوع رسالة العبادة.
وقد قال المؤلف في ص 249 من كتاب العبادة بعد ذكره كلامًا مقتضبًا حول العمل بالحديث الضعيف: "وقد حقَّقت هذا البحث في رسالة مستقلة". أفيعقل أن يقول المؤلف هذا الكلام هنا ثم يأتي بعد نحو خمسين صفحة فيكتب ثلاثمائة صفحة في الحديث الضعيف ثم يستلُّها كما زعم المحقق؟
وأمرٌ آخر يدلُّ على تهافت دعوى الاستلال وهو: أنَّ تسلسل المعاني مفقود بين ما وقف عنده الكلام في الدفتر الأوَّل وبين ما بدأ به الكلامُ في
__________
(1) انظر: رسالة العمل بالحديث الضعيف.
(م 2-3/51)

الدفتر الخامس. فقد كان الكلام في الحديث الضعيف ثم تحوَّل فجأة إلى كلام يتعلَّق ب "عبادة الأحبار والرهبان" أو "كفر اليهود والنصارى"، بدايته: "يجيء في القرآن بهذا المعنى أنَّ المراد الرؤساء الذين يطيعونهم ويتديَّنون بما يخترعون لهم" إلى آخر هذا المبحث الذي بقيتْ منه ثلاث صفحات (1).
وأمرٌ ثالث يدلُّ على عدم صحة ما ادَّعاه المحقَّق من الاستلال، وهو إحالات المؤلف على صفحات معيَّنة من الصفحات المفقودة، وما يحيله المؤلَّف معانٍ ومباحثُ لا علاقة لها بالحديث الضعيف.
انظر مثلًا ص 286 من مطبوعة دار العاصمة وص 397 من المخطوط (ص 659 من طبعتنا) قولَ المؤلف: "وقد مرَّ قول الزجاج فيما نقله ابن هشام [في] المغني أنَّ المعنى في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] قال: "الأصل: أبيّن لكم لئلا تشركوا، وذلك لأنهم إذا حرَّم عليهم رؤساؤهم ما أحلَّه الله سبحانه وتعالى فأطاعوهم أشركوا؛ لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته".
وقد وضع المؤلَّف الرقم (1) على قوله: "مرّ"، وكتب في الحاشية 326؛ إحالة على تلك الصفحة من كتابه.
وهذا النقل لا يمتُّ إلى بحث الحديث الضعيف بصلة، ولم نعثر عليه كذلك في مخطوطة العمل بالحديث الضعيف، لكنه موجود عندنا في هذه الطبعة (ص 598)، وهو من الدفتر الرابع الذي أعثرني الله عليه.
وانظر أيضًا في ص 342 من مطبوعة دار العاصمة و460 من المخطوط قول المؤلف:
__________
(1) هذا قبل اكتشاف الدفتر الرابع.
(م 2-3/52)

"وقد أدحض الله تعالى شبهة هؤلاء، وبرهن على بطلان ما زعموه بقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وقد تقدَّم إيضاح ذلك فأرجع إليه"، وكتب المؤلف إحالة على ص 129 - 130.
وطالِعْ في ص 365 من مطبوعة دار العاصمة و (480 و) من المخطوط قولَ المؤلف: "ومما يوافق ما تقدَّم أيضًا ما مرَّ في الكلام على آيات النجم". وأحال المؤلِّف في الحاشية على ص 287 من كتابه.
وانظر مثالًا رابعًا في ص 387 من طبعة دار العاصمة وص 496 من المخطوط قول المؤلف: "كما قدَّمناه في الكلام على قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، وأحال المؤلف في الهامش على ص 125 من كتابه.
وهذه الإحالات الأربع بالصفحات حذفها المحقِّق، وكذلك حذف غيرها (1) مما لم أذكره هنا، وهناك إحالات أخرى لم يحدِّد المؤلِّف صفحاتها (2)، وقد كان ينبغي أن تنبِّهه هذه الإحالات إلى طبيعة الصفحات الساقطة وحقيقتها، وأنها ليست في الحديث الضعيف، وستجد هذه الإحالات في مواضعها من طبعتنا هذه كما حدّدها المؤلف، ما عدا الموضع الثالث، فسقط بذلك ما طُرِّز على غلاف طبعة دار العاصمة من أنَّ الكتاب
__________
(1) كما في ص 391 من طبعة دار العاصمة وص 499 من المخطوط.
(2) كما في ص 368 من طبعة دار العاصمة، وص 480 ط من المخطوط من قوله: "وقد مرَّ الكلام على هذه الآيات في الكلام على تفسير تأليه المسيح"، وقد وجدت ذلك في ص 383 فما بعدها بعد أن وضع لها عنوانًا فرعيَّا خاصًّا بها. وفي ص 333 من طبعة دار العاصمة, وص 451 من المخطوط "وقد مضى طرف من هذا في شأن قوم نوح". وانظر ذلك في ص (س 54/ ب) من رسالة العبادة. ومن المواضع أيضًا ص 361.
(م 2-3/53)

"يُطبع لأول مرة كاملاً".

ملاحظات أخرى على طبعة دار العاصمة:
من الملاحظات: وقوع بعض السقط في الطبعة.
انظر ص 514 - 515 من طبعة دار العاصمة، وص 617 من المخطوط (ص 892 - 893 من طبعتنا) فقد سقطت ثلاث حواشٍ مهمة للمؤلف.
وفي ص 227 من طبعة دار العاصمة: "فوجدته الولاية"، صوابه: "فوجدته اعتقاد الولاية"، كما في المخطوط ص 56.
وفي ص 217 من طبعة دار العاصمة،: "بحديث الطائفة وغيره"، صوابه: "بحديث الطائفة وغيره مما مرَّ"، كما في ص 50 من المخطوط.
وسقط الكلام الآتي "لقلنا: المسلمون إنما يكرمون من يظنّون به الصلاح" من السطر الرابع من ص 457 من طبعة دار العاصمة، وهو في المخطوط ص 570.
وفي ص 248 من طبعة دار العاصمة: "عنها لمن يصعق"، صوابه: "عنهما وغيرهما من قولهم لمن يصعق" كما في ص 74 من المخطوط.
وفي ص 370 من طبعة دار العاصمة: "آيات القرآن في أن آدم"، صوابه: "آيات القرآن ظاهرة في أن آدم" كما في ملحق ص 481 من المخطوط.
وفي ص 270 س 11 من طبعة دار العاصمة: "ولكن ليس المراد"، صوابه: "ولكن قد تقدَّم عن يوسف بن أسباط تفسير التواضع. وليس المراد" كما في ص 81 من المخطوط.
وفي ص 659 من طبعة دار العاصمة: "فإذا وقع بغير الله عزَّ وجلَّ كان
(م 2-3/54)

مما أنزل الله تعالى به سلطانًا بأنه عبادة لله عزَّ وجلَّ، فهو عبادة للمحلوف به، فكيف والمحلوف به يستحقُّ هذا التعظيم". صوابه كما في آخر ص 737 من المخطوط: "فإذا وقع بغير الله عزَّ وجلَّ فإن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو عبادة لله عزَّ وجلَّ وإَّلا فهو عبادة للمحلوف به، فكيف والمحلوف به لا يستحقُّ هذا التعظيم".
وسقط على المحقق صفحتان كاملتان من المخطوط هما 740 و741.
ومنها: الإخلال بترتيب بعض فقرات الكتاب:
انظر ص 227 من طبعة دار العاصمة، وص 57 من المخطوط (ص 243 - 244 من طبعتنا):
جعل المحقق بداية صفحة المخطوط: "اعلم أولاً أنني بحمد الله ... " إلى قوله: "وهو أبعد الناس عنهم". ثم أعقبها بفقرة "فصل: واعلم أن الباعث على تقليد الصوفية". إلى قوله: "فأقول مستعينًا بالله: اعلم أن الخوارق المنقولة ... " إلخ.
والصواب: أنَّ بداية الصفحة هي الفقرة المؤخرة عند المحقق، التي تبدأ ب "فصل"، ثم يأتي بعد قوله: "فأقول مستعينًا بالله" فقرةُ: "اعلم أوَّلًا أنني بحمد الله"، ثم فقرة: "ثم اعلم أن الخوارق المنقولة ... ".
ومن التحريفات والتصحيفات والأسقاط والتطبيعات:

الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ | الصواب
226 | ......... |56 |اعتقادهم نية الصلاح |اعتقادهم فينا الصلاح
229| ......... |58 |اخترعها متبوعوهم |في الأصل: متبعوهم، وفي نسخة (ب): تابعوهم
(م 2-3/55)

ر
الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ|الصواب
223| ......... |52|عبد الواحد بن زيد البصري |القاص، بدل البصري
217| ......... |49|بنقله عن زيد جماعة|ينقله عن زيد جماعة
217| ......... |50|لا يخرج|لا مخرج
210| ......... |47|مما لا مجال للرأي فيه|مما لا يقال بالرأي
243| ......... |70|يتجه|نتيجة
243| ......... |70|دين|بدين
247| ......... |70|فيه ويال عليه|فهي وبال عليه
247| ......... |مرتبة السحر الحال|مرتبة السحر العال. وانظر معنى ذلك في طبعتنا ص 263.
167|4|20|وسلم "عليم حليم"| وسلم في آخرها "عليم حليم"
171|16|ملحق22|وقع في الحرام|ضرب عليها المؤلف في الأصل.
160|الحاشية|15|قال في الشرح (3674): إسناد حسن. وزعم وضعه الصغاني. حسب نسخة (أ) |قال في الشرح: بإسناد حسن، وزَعْمُ وضعِهِ رُدَّ. انتهى. والذي أوقعه في هذا الخطأ هو ظنه أن الشرح هو فيض القدير، فعدل كلام المؤلف على ضوء ما استخلصه من فيض
(م 2-3/56)

ر
الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ |الصواب
........ | ....... | .......... | ...... |القدير. والحقيقة أن الشرح هو التيسير بشرح الجامع الصغير 1/ 1002.
298|12|411|تقدير الأمر|تقدير الصور
303|8|418|وارجع إلى|وارجع بنا إلى
304|14|419|والملائكة يعلمون|والملائكة يعملون
305|13|420|الخلف يتأولنه|الخلف يتأولونه
330|4|448|مواجهة له، ومعرفة به|ومواجهته له، ومعرفته به
331|1|449|أنه رسول|أنه رسول الله
331|3|449|فشبهة لأهل الجهل|فشنشنة لأهل الجهل
332|6|451|متكيء على|متكئا على
332|7|451|أهبة|آهبة. بالمد كما ضبطها الشيخ، وإن كان ضبط المحقق ليس خطأ، لكن ينبغي احترام رأي الشيخ.
332|8|451|والروم وسع|والروم قد وسع
332|10|451|أولئك|إن أولئك
(م 2-3/57)

ر
الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ |الصواب
332|16|451|أُفَيْقٌ|أَفِيْقٌ بوزن عظيم كما اتفق عليه شراح الحديث: النووي، وابن حجر، والعيني، ولم أجد في المعاجم إلا ما يوافق ذلك.
333|8|451|لذو وجد|لذو حظ
334|11|452|قدرة تزيله|قدرة تزيد
344|6|462|الحكيم|العليم
358|13|478|يشرعوه|يشرعون
358|16|478|ومن طاعة|ومنه طاعة
354|الحاشية|474|البخاري ومسلم|البخاري ومسلم
364|2|480ه|ثابتا|ثباتا
366|7|480ه|إنما يرجع إلى الاعتقاد ولا يتغير|أن ما يرجع إلى الاعتقاد ولا يتغير
366|15|480ز|خضوع لغير الله|كأنها تشريك له مع الله
370|13|481ملحق|آيات القرآن في أن آدم|آيات القرآن ظاهرة في أن آدم
375|9|483|لا يقرب|أنه لا يقرب
418|1|530|وكذلك سؤال|ولا كذلك سؤال
(م 2-3/58)

ر
الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ |الصواب
426|2|540|عن المنبر، هو واضح|عن المنبر، كما هو واضح
428|12|543|فالمصلي يعلم أنه|فالمصلي يقول
430|8|544|وإلى المشتكى|وإلى الله المشتكى
432|3|546|حق، كأنه|حتى كأنه
441|17|554|تكون تلك الخصوصية|تكون تلك خصوصية
450|3|563|يا ملائكة|يا ملائكتي
453|بين 3و4|567|سقط من هنا ملحق ص567 من المخطوط، وتحول إلى ص 455|وَضْعُ الملحق بين السطر 3 والسطر 4 من ص 453
469|11|583|يوهما أن القصة|توهما أن القصة
597|12|6888|كالتزين والتذلل|كالتزين والتدلل
536|الحاشية|634|البخاري (1292) |هذا الرقم ليس هو الذي يريده المؤلف، ولو رجع إلى الطبعة التي نقل منها المؤلف لما وقع في هذا الخطأ؛ لأن الحديث ورد في البخاري خمس مرات، فاختار
(م 2-3/59)

ر
الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ |الصواب
........ | ....... | .......... | ...... |المحقق أول موضع، والمؤلف يريد الموضع الأخير.
257|15|80|لرسول الله يوحى إليه مع ملك وحفظة|ما بعد "لرسول" ليس في النسخة
257 - 258|16|80|وليسوا في ذلك كالأنبياء|لا توجد هذه الزيادة في المخطوط
261|9|81 ب|في الطبقات|في ترجمة ابن عمر في الطبقات

ولا أبرئ عملي من الخطأ والنقصان، وأستغفر الله من كلِّ خطأ، وأرى أن عملي يتميَّز بمحاولة تكميل النقص الذي طال انتظارُ إتمامه.
وأيضًا: الإضافات المأخوذة من نسخة (ب) مما زاده المؤلِّف على المبيَّضة الأولى المشهورة عند طلبة العلم.

* ثامنًا: وصف النُّسَخ الخطِّيَّة:
النسخة الأولى: (أجزاء مفرقة من كتاب العبادة) محفوظة بمكتبة الحرم المكِّيِّ بالرقم العامّ 4781.
وعدد أوراقها 445 مع زيادة عدة صفحات هي ملاحق، وهي عبارة عن أربعة دفاتر، كلُّ دفتر نحو مئة صفحة.
مقاسها: 20 × 15 سم.
مسطرتها: ما بين 14 - 16 سطرًا في كلَّ صفحة.
(م 2-3/60)

وخطها واضح جميل، وهي بخط أحد النسّاخ في الأغلب، ثم راجعها المؤلف فصحّح وأضاف، وألحق سطورًا بل صفحات كاملة بخطه المعروف.
وعليها ضرب في بعض المواضع.
وبها نقص من ص 93 إلى ص 396.
وقد رمزت لها بالحرف (أ).
النسخة الثانية: (أوراق مفرَّقة أغلبها في العقيدة وفنون مختلفة) محفوظة بمكتبة الحرم المكِّيِّ بالرقم العامّ 4249 (منوَّعات).
عدد أوراقها 95 ورقة، من ص 85 إلى 180
مقاسها: مثل السابق.
مسطرتها: 15 سطرًا في كلِّ صفحة.
وهي بخط المؤلِّف، وعليها تصويبات وإلحاقات، غير أنها أقلُّ مما في الدفتر الأول.
ولا تحتاج إلى أن يُرْمز لها برمز لأنها الدفتر الثاني، وهي في مكانها الطبيعي، والصفحات متسلسلة.
النسخة الثالثة: الدفتر الرابع من دفاتر مخطوط العبادة، محفوظ في مكتبة الحرم المكِّيِّ بالرقم العامّ 4937.
وعدد صفحاتها 108، تبدأ من ص 289، وتنتهي ب ص 396. وهي كذلك لا تحتاج إلى أن يرمز لها برمز؛ لأنها في موضعها الطبيعي. والصفحات متسلسلة حتى تتصل بالدفتر الخامس الذي يبدأ ب ص 397. وهي بخط المؤلف.
(م 2-3/61)

النسخة الرابعة: (كتاب العبادة) محفوظة بمكتبة الحرم المكِّيَّ بالرقم العامّ 4689.
وعدد أوراقها 220 ورقة، والصفحات الأولى مطابقة تقريبًا للنسخة المشهورة لكتاب العبادة مع زيادات تقلُّ أو تكثر أحيانًا.
مقاسها: 32 ×20 سم.
مسطرتها: 25 - 29 سطرًا.
وهي في مجلَّد كبير، مشوَّشة الأوراق، ولم تُرَقَّم.
وهي بخط المؤلف.
وفيها عدَّة صفحات من نصوص الدفتر الأول، وشيء من الأصل الثاني: "الحجج والشبهات" الذي عندنا، وأصول أخرى لم نجدها في قطعة (ز) ولا في نسخة (أ)، وكثير من فصل حكم الجهل والغلط، وصفحات من محتوى الدفترين الثاني والثالث، وطغى عليها ما يتعلَّق بالرياضة الصوفية، والخوارق، والغرائب.
وقد رمزت لها بالحرف (ب).
النسخة الخامسة: قطعة مؤلَّفة من ثلاث رسائل بحسب الفهرسة في مكتبة الحرم المكي. عنوان الأولى: (أصول ينبغي تقديمها)، وعنوان الثانية: (معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا})، وعنوان الثالثة: (رسالة في العقيدة). ثلاثتها محفوظة بمكتبة الحرم المكَّيِّ بالأرقام العامَّة (4679، و4655، و4672). والحقيقة أنها قطعة واحدة من كتاب العبادة، دل على ذلك الترقيم المتتابع (1 - 52)، وترابط الكلام، وحجم الورق.
وعدد أوراقها 53 ورقة من القطع الكبير، وهذه القطع الثلاث مرقَّمة
(م 2-3/62)

بترقيم المؤلِّف من ص 1 إلى ص 52، وهي مبيَّضة تبييضًا نهائيًّا. وقد وضعتُها في موضعها الذي حدَّده المؤلِّف، كما بَيّنته في فقرة "الطريقة التي سلكتها في تكميل النقص" ص 64 وما بعدها.
مقاسها: 34 × 21 سم.
مسطرتها: الأولى والثانية: 30 سطرًا، والثالثة مختلفة الأسطر.
وأغلب الظن أنها بخط المؤلف.
وقد رمزت لها بالحرف (ز)
النسخة السادسة: (رسالة في معنى كلمة التوحيد) محفوظة بمكتبة الحرم المكِّيَّ بالرقم العامّ 4713.
عدد صفحاتها: مئة وأربع عشرة صفحة.
مقاسها: 15 × 9 سم.
مسطرتها: 15 سطرًا مع تفاوت يسير يقع بينها أحيانًا.
وهذه النسخة تمثَّل نصف الكتاب تقريبًا في مرحلته الأولى.
وأغلب الظنِّ أنها المسوَّدة الأولى للكتاب. وهي بخط المؤلف.
وترتيب الأوراق مشوَّش تشويشًا كبيرًا، فبينا ترى الكلام يتَّجه اتجّاهًا مستقيمًا إذا به يرجع القهقرى عدَّة صفحات، وكتب المؤلِّف كثيرًا من الكلام بين السطور بالخط الأحمر.
واستفدتُ منها فائدة كبيرة في تكميل النقص الحاصل في الكتاب بسبب الدفتر الثالث الذي لم أعثر عليه بعد.
وقد رمزتُ لها بالحرف (س).
النسخة السابعة: دفتر صغير لم يفهرس بعدُ، مقاساته ومسطرته مثل السابق، ويغلب على ظني أنه يأتي بعد الدفتر السابق. وقد كتب كله بحبر
(م 2-3/63)

أحمر، وفيه مادة من الدفترين الثالث والرابع.
والنسخة بخط المؤلف. وقد رمزت لها بالحرف (س) أيضًا، إلا أن ترقيمه يبدأ من حيث انتهى الدفتر الذي قبله.
النسخة الثامنة: (رسالة في الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله، وتفسير آية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الآية) محفوظة بمكتبة الحرم المكَّيَّ بالرقم العامّ 4658/ 8.
وهي صفحة واحدة.
مقاسها: 20 × 16 سم.
مسطرتها: 16 سطرًا.
وهي بخط المؤلف.
ولهذه الصفحة صلة بتفسير عبادة الأحبار والرهبان ..

* تاسعًا: الطريقة التي سلكتها في تكملة نقص الكتاب:
قد عُلم مما سبق النقصُ الكبير الذي وقع في نسخة (أ)، ولا بدَّ لمن أراد تكميل نقص الكتاب أن يعرف ترتيب الكتاب وبناءه، وأفضل طريق لمعرفة ما نقص من نسخة (أ) ومعرفة ترتيب الكتاب هو تتبُّع إشارات المؤلّف وإحالاته فهي التي تحدَّد لك الموضوعات التي تناولها مع ترتيبها عنده.
فخذ مثالًا على ذلك قوله في ص 115 من نسخة (أ) أثناء كلامه على تفسير لفظ (إله) في كتب العقائد: "وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك مفصَّلًا في الكلام على شرك قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم هود، وقوم صالح، والمصريَّين في عهد إبراهيم، ثم في عهد يوسف، ثم في عهد موسى".
(م 2-3/64)

والكلام على شرك قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم هود وقوم صالح لا تجده في نسخة (أ)؛ لأنه فُقد منها الدفتر الثالث، ولكنك واجدٌ ذلك في نسخة (س) التي تسلسل الكلام فيها من أول الكتاب إلى شرك المصريِّين وموضوعات أخرى، والكلام على شرك المصريِّين موجود في نسخة (أ)، فيسهِّل عليك ذلك معرفةَ تسلسُل الكتاب.
وقال أيضًا في ص 34 من المخطوط: "وستعلم عند تحقيق معنى الإله والعبادة أنَّ معرفة المعنى ... "، وكرَّر هذه الإشارات في مواضع أخرى.
وتحليل لفظَي الإله والعبادة من حيث اللغة والمعنى وكلام أهل العلم في ذلك وتحقيق شأنهما ليس موجودًا في نسخة (أ)، ولكن تجده في أواخر الدفتر الثاني وتكملته في نسختي (ب) و (س)، ثم تجد في الدفتر الخامس تحرير العبارة في تعريف العبادة.
وبيان الطريق التي سلكتها في تكملة النقص وترتيب القِطَع في صُلْب الكتاب على النحو التالي:
أوَّلاً: نسخة (ب) من كتاب العبادة. بالرقم 4689.
وهي تمثِّل المرحلة الأخيرة من تأليف كتاب العبادة، وفيها زيادات في صُلْب المتن في حين هي ملاحق في حواشي نسخة (أ) المشهورة عند طلبة العلم، ويُعلم ذلك بالمقارنة بينهما.
ومن الأدلَّة على تأخُّر نسخة (ب) عن نسخة الأصل إحالة المؤلَّف في نسخة (ب) على نسخة الأصل، انظر: مثلاً: قوله في ص 104 بترقيمي: وأما الخوارق فاعلم أن الخوارق ...... وكتب المؤلِّف فوق النُّقَط عبارة
(م 2-3/65)

"دفتر صغير ص 57", كأنه يقول: أكمل من هناك، ويعدُّها مادَّة جاهزة يستفاد منها في هذه النسخة المتأخرة بدل كتابة الكلام مرَّة أخرى.
وقال في ص 105 من نسخة (ب) بترقيمي: "وقد يكون الشيخ" وكتب بعدها فوق السطر ص 59 - 77، إشارة إلى ما في ص 59 من نسخة (أ) من قوله: "وقد يكون الشيخ المنسوب إليه الخارق خيَّرًا في نفسه، ولكنه ابتُلِي بأولاد وأتباع يحبون أن يأكلوا بسببه الدنيا فيخترعون الخوارق، ويدّعونها له ويلبّسون على الشيخ نفسه ... ".
فاعتمدت على هذه النسخة - نسخة (ب) من أوَّل الرسالة إلى أثناء ص 27 من هذه النسخة بترقيمي، وهي تقابل ص 34 من نسخة (أ)، وإنما فعلتُ ذلك لأنه ترجَّح عندي بقرائن كثيرة أنها نسخة محرَّرة مزيدة بعد نسخة (أ)، ونسخة (أ) مضمَّنة في نسخة (ب)، فلم أر فائدة في إثقال الحواشي بذكر فروق النسخ بينهما. وقد أثبتُ بداية صفحات كلتا النسختين، وميزت أرقام صفحات نسخة (ب) بوضع هذا الرمز أمام الرقم.
وأخذتُ من هذه النسخة أيضًا ثلاث صفحات غير مرقمة، هي "فصل في تفسير أهل العلم للعبادة" الذي يقع فاصلًا بين نهاية الدفتر الثاني وبداية نسخة (س).
ثانيًا: رسالة "أصول ينبغي تقديمها" (1). بالرقم 4679.
ثالثا: رسالة في معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}
__________
(1) وهذه التسمية وما سيأتي بحسب ما كُتب عليها في فهرس مكتبة الحرم المكي الشريف.
(م 2-3/66)

بالرقم 4655.
رابعًا: رسالة في العقيدة، ناقصة الأخير. بالرقم 4672.
وهذه القِطع الثلاث أعانني الله على اكتشاف تسلسُلها وكونها تمثِّل قطعة واحدة.
فرسالة "أصول ينبغي تقديمها" وُجِدت بخطَّ المؤلَّف بعنوان "باب في أصول ينبغي تقديمها"، وهي ثلاثة أصول، ولما انتهى من الأصل الثاني كتب: الأصل الثالث: حكم الجهل والغلط، وكتب عدّة أسطر، ثم ضرب على هذا الأصل مع الأسطر التي تحته، لكنه كتب في موضع آخر عنوان "حكم الجهل والغلط" وأعاد كتابة الأسطر التي ضرب عليها من قبلُ بعد كتابة عنوان "فصل" في آخر الأصول الثلاثة، وقد استوفي في هذا الفصل الكلام على حكم الجهل والغلط، ولعلَّه لم يجعلْه أصلاً من الأصول لطوله.
لكنَّ المفهرسين جعلوا "الأصول" رسالة مستقلَّة، وتجزَّأ فصلُ حكم الجهل والغلط إلى رسالتين أخريين: "رسالة في معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} "، وما أسموه: "رسالة في العقيدة، ناقصة الأخير" فصار عندنا ثلاث رسائل مقطَّعة الأوصال لا يربط بينها رابط إلا كون مؤلَّفها جميعًا هو عبد الرحمن المعلِّمي.
وبعد الفحص تبيَّن أنَّ رسالة في معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} " جزء من فصل حكم الجهل والغلط، ذهبت عدَّة أسطر من أوَّلها (وهي التي ضرب عليها من قبلُ بعنوان: الأصل الثالث) فكُتبت في
(م 2-3/67)

أسفل صفحة مستقلَّة، فجاء المفهرسون وكتبوا فوق هذه الأسطر عنوان "أصول ينبغي تقديمها" فصارت هذه الأسطر بداية رسالة "أصول ينبغي تقديمها"، وبعد وضع هذه الأسطر الشاردة في بداية "رسالة في معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} " استقام الكلام.
فاقرأ الكلام الآتي واحكم بنفسك.
قال المؤلِّف: " ... خلط الناس في معنى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، فزعم بعضهم أن الرسول هنا إنما أريد به العقل، وهذا تحريفٌ تغني حكايته عن ردَّه. وقال بعضهم: أما الرسول فهو الرسول المعروف, ولكن المراد بالعذاب عذابٌ خاصٌّ هو العذاب الدنيوي المستأصل كلإهلاك قوم نوح وعاد وثمود".
هذا الكلام الذي قرأتَه متصل بعضه ببعض، لكن قوله: "خلط الناس" إلى قوله: "تغني حكايته عن ردَّه" هو عبارة عن آخر الأسطر الشاردة التي كُتِب فوقها عنوان رسالة "أصول ينبغي تقديمها"، وقوله بعد ذلك: "وقال بعضهم: أما الرسول" أوَّلُ "رسالة في معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} " (1)، ثم تنتهي هذه القطعة بقوله: "وأما القول بأن شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد كانت اندرست قبل بعثة محمد صلىَّ الله عليه وآله وسلَّم فخطأ القائلين به من وجهين:
__________
(1) ثم وقفت على مسوَّدة للمؤلف فيها بداية أصل (حكم الجهل والغلط) متصلة بأول رسالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وذلك في دفتر يحمل الرقم العام 4930، في مكتبة الحرم المكي، بعنوان: دفتر مسودات محاضرة ...
(م 2-3/68)

الأول: أنهم يطلقون القول بعذر المشركين الذين هلكوا قبيل بعثة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وآبائهم وأجدادهم فصاعدًا، وقضية ذلك: أن شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام اندرست قبل أن يشرك أحد من العرب، وهذا قول لا دليل عليه، بل الدليل قائمٌ على خلافه".
انتهت هذه القطعة بهذه العبارات، ومن حقِّك أن تسأل ما هذا الدليل الذي يريد الشيخ أن يذكره؟ وأين الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذُكِر الأوَّل منهما؟ والجواب تجده في بداية "رسالة في العقيدة، ناقصة الأخير"، إذ يذكر الشيخ الدليلَ القائمَ على بقاء شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وعدم اندراسها حتى غيَّرها عمرو بن لُحَيًّ، ثمَّ يذكر الوجه الثاني من وجهي خطأ القائلين باندراس تلك الشريعة، قال الشيخ:
"فقد ثبت عن النبيِّ صلىَّ الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: "رأيتُ عمرو بن لُحَيِّ بن قَمَعة بن خِندِفَ أخا بني كعبٍ هؤلاء يجرُّ قُصْبه في النار"، وفي روايةٍ: "وكان أول من سيب السيوب".
..... الوجه الثاني: أنهم يطلقون العذر فشمل العذر في الشرك والعذر في المعاصي وذلك يقتضي أحد أمرين: إما أنهم يرون أن الشريعة إذا اندرس بعضها سقط التكليف بباقيها، وإما أن يزعموا أن شريعة إبراهيم عليه السلام كانت قد اندرست بجميع فروعها, ولا أرى عاقلا يُقْدِمُ على الأول ولا عارفًا يُقْدِمُ على الثاني".
وبعد أن وقفتَ على التسلسل والترابط المنطقي بين هذه القطع الثلاث أزيدك أنها متسلسلة الأرقام من ص 1 إلى ص 52 بترقيم المؤلِّف.
ووضعتُ هذه الرسائل الثلاث بعد نهاية الباب الثاني "باب في أنَّ
(م 2-3/69)

الشرك هلاك الأبد حتمًا وأنَّ تكفير المسلم كفر".
وقد يتساءل القارئ: لِم أقحمتَ هذه الرسائل الثلاث في الكتاب مع عدم ورودها في نسخة (أ) المشهورة؟
والجواب: أنني وجدت في هذه القطعة أكثر من خمس عشرة إحالة إلى مواضع سبقت أو ستأتي من نسخة (أ) لكتاب العبادة (1)، مما لم يَدَعْ عندي مجالًا للشكِّ في أنَّ هذه القطعة جزء من كتاب العبادة.
__________
(1) منها ما في ص (ز 7): "فتستعين النفس بالشبهات وهي لا تحصى كثرةً, وسيأتي ذكر طائفةٍ منها في بابٍ على حِدَةٍ". وقد عقد المؤلف في كتاب العبادة عنوانًا مستقلًّا خاصًّا بالشبهات. انظر ص 567 من المخطوط.
وقال في ص (ز 28): "وبهذا يجمع بين ما تقدَّم هنا وما تقدَّم في أوائل الرسالة من اشتراط اليقين.". وتجد هذا في المخطوط ص 2.
وقال أيضًا في ص (ز 31): "ما تقدَّم في الكلام على اشتراط العلم بمعنى: لا إله إلا الله من قصة أُبَيِّ بن كعب وغيره". وتجد هذا الكلام في ص 15 من المخطوط.
ومن ذلك: ما في ص (ز 32): "وسيأتي في ذكر الأمور التي ورد في الشرع أنها شرك عدة أحاديث وآثار". انظر ص 666 من المخطوط.
وما في ص (ز 33): فاليهود أطاعوا الأحبار والشياطين والهوى الطاعة الخاصة التي هي تأليه وعبادة لغير الله على ما يأتي تفسيره. وقد عقد مبحثًا في تأليه الأحبار والرهبان في ص 391 فما بعدها من المخطوط.
وما في ص (ز 40): "أما الأول فبيانه متوقَّف على تحقيق معنى الإله والعبادة, وسيأتي إن شاء الله تعالى". وبيان ذلك هو لبُّ الرسالة. انظر من ص 165 إلى ص 480 ب من رسالة العبادة فما بعدها.
وما في ص (ز 33): "قد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} في آيات أخرى تقدَّمت في أوائل الرسالة". وقد تقدمت فعلًا في أوائل الرسالة. انظر ص 17 من المخطوط، باب في أنَّ الشرك هلاك الأبد.
(م 2-3/70)

وترجَّح عندي أن أضعها في الموضع الذي وضعتُها فيه من الكتاب بسبب قوله في ص (ز 51) من هذه القطعة: "ما تقدَّم في الأصل الثاني، ومنها ما سيأتي في الكلام على التقليد".
والكلام على التقليد من فصول "باب في أمور يستند إليها بعضُ الناس في إثبات العقائد، وهي غير صالحة للاستناد إليها"، وهو الباب الرابع من الكتاب فلم يمكن أن أضع هذا الباب المكتَشَف بعد الباب المحال عليه، ولا أن أضعه في أوَّل الكتاب؛ لأنَّ في القطعة عدَّة إحالات على الباب الأوَّل وهو الذي فيه شروط لا إله إلا الله. والباب الثاني "باب في أن الشرك هلاك الأبد، وأن تكفير المسلم كفر" لصيق بالباب الأول، فتعيَّن جعلُ هذه القطعة الباب الثالثَ للكتاب.
والبديل عن صنيعي هو أن أجعله ملحقًا بآخر الكتاب، أو أن أنشره مفردًا، وكلا الأمرين يقلَّل الفائدة ويزيد اختلال الكتاب.
ولعلَّ مما يُسوَّغ صنيعنا وتصرُّفنا هذا أنَّنا لم نحصل على النسخة النهائيَّة التي أرادها المؤلَّف بدليل ما ورد في نسخة (ب) (وقد صاغها بعد المبيَّضة الأولى) من الإشارات التي تدلُّ على تقديم وتأخير في بعض فصول الكتاب.
ومن الأدلَّة القويَّة على كون هذه القطعة من صُلْب الكتاب: قولُ المؤلف في ص (ز 32) من هذه القطعة التي ألحقتُها بالكتاب: "وتقدَّم في أواخر الباب الذي قبل هذا: اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل". فإذا الباب الذي أشار إليه هو "باب في أنَّ الشرك هلاك الأبد، وأنَّ تكفير المسلم كفر"، وهو الباب الثاني، ووقع ذكرُ هذا الحديث الذي أحاله
(م 2-3/71)

المؤلِّف في آخر هذا الباب، وخرَّجه المؤلَّف تخريجًا مختصرًا مع ذكر الطرق والشواهد (1)، فتعيَّن موضعُ هذه القطعة وأنَّها من صُلْب "رسالة العبادة" بنصِّ المؤلَّف لا باجتهادي، والحمد لله على نِعَمِه.
ومما يؤكِّد ما سبق ويزيده وضوحًا قولُ المؤلف عن هذا الحديث في رسالة البسملة والفاتحة ص (8 ب): "وقد ذكرتُ هذا الحديث في رسالة العبادة بطرقه وشواهده"، ولا شكَّ أنَّ رسالة البسملة والفاتحة متأخرَّة التأليف عن رسالة العبادة؛ إذ ضمّنها زبدة رسالة العبادة بطريقة رائعة وأكْثَرَ من الإحالات فيها على رسالة العبادة.
خامسًا: أجزاء مفرَّقة من كتاب العبادة. بالرقم 4781. وهي المبيَّضة الأولى الناقصة للرسالة، وهي المشهورة في أوساط طلبة العلم، وهي أربعة دفاتر، رمزت لها بالحرف (أ)، وترقيمها هو المعتمد ما عدا مواضع القِطَع الزائدة، فتُميَّز أرقامُها بحروف خاصَّة.
سادسًا: أوراق مفرقة أغلبها في العقيدة. بالرقم 4249.
وهي تمثل الدفتر الثاني من دفاتر نسخة (أ) السبعة، ووصل إلينا كاملًا غير منقوص، ويبدأ من ص 85، والسبب في ذلك أنَّ المؤلَّف قال في أواخر ص 84 من نسخة (أ): "ومن الناس مَن يحتجُّ في هذا الأمر العظيم بمجرَّد العقل والقياس، وفي ذلك ما فيه"، ثمَّ ضرب على هذا السطر، وزاد فصلين: أولهما في الرَّدَّ على احتجاج بعض أهل زمان المؤلَّف وما قرُب منه بآيات من كتاب الله تعالى ويفسرونها برأيهم بما لم يُنقلْ عن السلف ولا تساعده
__________
(1) انظر ص 27 من رسالة العبادة نسخة (ب).
(م 2-3/72)

اللغة العربية، ولا البلاغة القرآنية، والفصل الثاني في احتجاج بعضهم بالحديث الضعيف، واستغرق ذلك سبع صفحات، ثم عاد المؤلَّف فأثبت الكلام الذي حذفه سابقًا في بداية الدفتر الثاني الذي عثرتُ عليه بتوفيق الله، واستمرَّ ترقيم الدفتر الثاني من حيث انتهى الدفتر الأول قبل زيادة سبع الصفحات، ولا يُشوِّشْ عليك تكرُّر الترقيم من ص (85) إلى ص (91) في الدفتر الثاني مرَّةً أخرى؛ لأنه الموافق للأصل الأصيل قبل الزيادة، فلزم بقاؤه كما كان.
ومن الأدلَّة على صحَّة موضع هذا الدفتر أنَّ المؤلِّف أحال على عدَّة مواضع منه، وتأكَّدتُّ من مطابقة أرقام الصفحات المحال عليها فإذا فيها المعلومات المُشار إليها سواء بسواء.
سابعًا: ثم رسالة في معنى كلمة التوحيد. بالرقم 4713. وأظنها المسوَّدة الأولى للكتاب. واستفدتُّ منها فائدة كبيرة في تكميل النقص الحاصل في الكتاب بسبب الدَّفترين المفقودَيْن بعد الدفترَيْن الأوَّلين. وموضعها بعد الدفتر الثاني مع الفاصل الذي أشرنا إليه عند الحديث عن نسخة (ب)، ورمزت لها بالحرف (س).
ثامنًا: قطعة غير مرقمة ولا مفهرسة، ورمزت لها بالحرف (س) أيضًا، لكن يبدأ ترقيمها ب (س 115/ أ) من حيث انتهى الدفتر الذي قبله.
تاسعًا: رسالة في الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله وتفسير آية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الآية، بالرقم 4658/ 8، وهي صفحة واحدة. وموضعها قبل بداية الدفتر الرابع من نسخة (أ).
(م 2-3/73)

عاشرًا: الدفتر الرابع من كتاب العبادة. وهو محفوظ في مكتبة الحرم المكي بالرقم العام 4937. وهو متسلسل الصفحات بدءًا ب ص 289 وانتهاء ب ص 396، ثم تتصل ببقية صفحات نسخة (أ) ابتداءً ب ص 397 إلى ص 741، وهي آخر ما عُرف من الكتاب.
* عاشرًا: عملي في الكتاب، ومنهج التحقيق.
1 - قمت بنسخ الرسالة، ووضعتُ رقم صفحة المخطوط بين معقوفين أمام بداية كلَّ صفحة من صفحات المخطوط.
2 - ميَّزتُ بالحرف (ز) أرقامَ صفحات المخطوط التي زدتُّها من القطع الثلاث التي وضعتُها في أوائل الكتاب، وعلَّمتُ بالحرف (س) أرقامَ صفحات المخطوط التي أضفتُها من نسخة (س) ورديفتها غير المرقمة، تمييزًا بين الأرقام المتشابهة، كما ميَّزتُ بالحرف (ب) أرقام صفحات نسخة (ب).
3 - قابلت الرسالة بعد نسخها بالأصل مرتين.
4 - قام المؤلف بعزو الآيات إلى سورها، وتخريج الأحاديث وتوثيق الأقوال غالبًا، واستكملت النقص في القضايا الثلاث عند الحاجة، وعلَّقت على ما رأيته بحاجة إلى تعليق.
5 - ترجمتُ للأعلام الواردين في الرسالة ممن رأيته يحتاج إلى التعريف به.
6 - أثبت تعليقات المؤلف في الحاشية وختمتها ب (المؤلف).
7 - عرَّفت بالبلدان المغمورة غير المشهورة.
8 - خرَّجت الأبيات الشعريَّة.
9 - شرحت الألفاظ الغريبة.
(م 2-3/74)

10 - أمّا ما يتعلَّق بتخريج الأحاديث، فقد التزمت ذكر الكتاب والباب ورقم الحديث، وكذلك رقم الجزء والصفحة إذا أغفلهما المؤلِّف دون تمييز لزياداتي على المؤلِّف لكثرة ذلك، ولأن المؤلف مال أخيرًا إلى الاكتفاء بذكر الكتاب والباب دون ذكر الجزء والصفحة كما صنع في نسختَيْ (ب) و (ز).
11 - في إصلاح الخطأ وإكمال النقص سلكت الآتي:
أ - قمت بتصحيح ما كان مخالفًا لقواعد العربية مع التنبيه عليه.
ب - أصلحتُ ما وقع من الأخطاء في نصوص الآيات القرآنية وإحالاتها، دون تنبيه.
ت - للمؤلِّف بعض الرموز والاختصارات، مثل: (ه) و (اه)، اختصارًا للفظ (انتهى)، وقد يكتبها كاملة، وذلك في آخر النصوص التي ينقلها أحيانًا، فأبقيت ذلك كلَّه عدا الأول، فقد جعلته هكذا: (اه). وقد يجرِّد اسم السورة من أداة التعريف عند عزو الآيات إلى سورها، ويخلي أحيانًا اسم الكتاب من أداة التعريف كذلك، فأكملت ذلك كلَّه دون تنبيه، اكتفاء بما ذكرته هنا.
12 - قدَّمت للرسالة بمقدِّمة تضمَّنت تحديد عنوان الكتاب وتحقيق نسبته إلى المؤلف، مع ذكر تاريخ تأليفه له، وبيان أهمية الكتاب وقيمته العلمية، وبيان منهج المصنف، وموارده وطبعات الكتاب ووصفًا للنسخ المخطوطة، وبيان موضوع الرسالة وموضوعاتها.
(م 2-3/75)

13 - ذيَّلْتُ الرسالة بفهارس للآيات والأحاديث والأعلام والأشعار والمصادر والموضوعات.
(م 2-3/76)