Advertisement

لسان العرب 015

الجزء الخامس عشر
وي

فصل الطاء المهملة
طآ: الطآةُ مثلُ الطَّعاةِ: الحَمْأَةُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كَذَا قرأْتُه عَلَى أَبي سَعِيدٍ فِي المُصَنَّف. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الأَحمر الطاءَةُ مثلُ الطاعَةِ الحَمْأَةُ، والطَّآةُ مَقْلوبَةٌ مِنَ الطَّاءَةِ مِثْلُ الصَّآةِ مقلوبةٌ مِنَ الصَّاءَةِ، وَهِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ القَذَى مَعَ المَشِيمة. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الطُّؤاةُ الزُّناة. وَمَا بِالدَّارِ طُوئِيٌّ مِثَالُ طُوعِيٍّ وطُؤْوِيٌّ أَيْ مَا بِهَا أَحَدٌ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
وبَلْدَة ليسَ بِها طُوئِيُّ، ... وَلَا خَلا الجِنَّ بِها إِنْسِيُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: طُوئِيٌّ عَلَى أَصله، بِتَقْدِيمِ الْوَاوِ عَلَى الْهَمْزَةِ، لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لأَن آخِرَهُ هَمْزَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ طُؤْوِيٌّ، الْهَمْزَةُ قَبْلَ الواوِ، عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الكِلابيون يَقُولُونَ:
وبَلْدَةٍ ليسَ بها طُوئِيُ
الْوَاوُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ، وتميمٌ تجعلُ الْهَمْزَةَ قَبْلَ الْوَاوِ فتقولُ طُؤْوِيٌّ.
طبي: طَبَيْته عَنِ الأَمر: صَرَفْتَه. وطَبَى فُلَانٌ فُلَانًا يَطْبيه عَنْ رَأْيه وأَمْرِه. وكلُّ شيءٍ صَرَفَ شَيْئًا عَنْ شيءٍ فقَدْ طَبَاهُ عَنْهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا يَطَّبيني العَمَلُ المُفَدَّى «4»
أَي لَا يَسْتَميلُني. وطَبَيته إِلَيْنَا طَبْياً وأَطْبَيْته: دَعَوْته، وَقِيلَ: دَعَوْتُه دُعاءً لَطِيفًا، وَقِيلَ: طَبَيْته قُدْته؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ وأَنشد بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ:
لَياليَ اللَّهوُ يَطْبِيني فأَتبَعُه، ... كأَنَّني ضارِبٌ فِي غَمْرةٍ لَعِبُ
ويروى: طبو
يَطْبُوني أَي يَقُودُني. وطَباهُ طبو
يَطْبُوه ويَطْبِيه إِذَا دَعاه؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ ذُو الرُّمَّةِ يَدْعُوني اللَّهوُ فأَتْبَعُه، قَالَ: وَكَذَلِكَ اطَّباهُ عَلَى افْتَعَلَه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مُصْعَباً اطَّبَى القُلوب حَتَّى مَا تَعْدِلُ بِهِ
أَي تَحَبَّب إِلَى قُلُوب النَّاس وقَرَّبَها مِنْهُ. يقال: طَباهُ طبو
يَطْبُوه
__________
(4). قوله [المفدى] هكذا في الأصل المعتمد عليه، وفي التهذيب: المقذى، بالقاف والذال المعجمة.
(15/3)

ويَطْبِيه إِذَا دَعاهُ وصَرَفَه إِلَيْهِ واختارَه لنَفْسِه، واطَّباه يَطَّبِيه افْتَعَلَ مِنْهُ، فقُلِبَت التاءُ طَاءً وأُدْغِمَت. والطَّباةُ: الأَحْمَقُ. والطُّبْيُ والطِّبْيُ: حَلَماتُ الضَّرْع الَّتِي فِيهَا اللَّبَنُ مِنَ الخُفِّ والظِّلْفِ والحافرِ والسِّباع، وَقِيلَ: هُوَ لذَواتِ الحافِرِ والسِّباعِ، كالثَّدْي لِلْمَرْأَةِ وكالضَّرْعِ لِغَيْرها، وَالْجَمْعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَطْباءٌ. الأَصمعي: يُقَالُ للسِّباعِ كُلِّهَا طِبْيٌ [طُبْيٌ] وأَطْبَاءٌ، وَذَوَاتُ الحافِرِ كُلُّها مِثْلُها، قَالَ: والخُفّ والظِّلْف خِلْفٌ وأَخلافٌ. التَّهْذِيبِ: والطُّبْيُ الْوَاحِدُ مِنْ أَطْباءِ الضَّرْع، وكلُّ شَيء لَا ضَرْع لَهُ، مثلُ الكَلْبَة، فَلَها أَطْباءٌ. وَفِي حَدِيثِ الضَّحَايا:
وَلَا المُصْطَلَمَة أَطْباؤُها
أَيِ المَقْطُوعَة الضُّرُوعِ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقِيلَ يُقَالُ لِمَوْضع الأَخْلافِ مِنَ الخَيْلِ والسِّباعِ أَطْبَاءٌ كَمَا يُقَالُ فِي ذَواتِ الخُفِّ والظِّلْفِ خِلْفٌ وضَرْعٌ. وَفِي حَدِيثِ
ذِي الثُّدَيَّة: كأَنَّ إحْدَى يَدَيه طُبْيُ شاةٍ.
وَفِي المَثَل: جاوَزَ الْحِزَامُ الطُّبْيَين. وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ: قَدْ بَلغ السيْلُ الزُّبى وجاوَزَ الحِزامُ الطُّبْيَيْن
؛ قَالَ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَجاوُزِ حَدِّ الشَّرِّ والأَذى لأَن الْحِزَامَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الطُّبْيَيْنِ فَقَدِ انْتَهى إِلَى أَبعد غاياتِه، فكيفَ إِذَا جَاوَزَه؟ وَاسْتَعَارَهُ الحسينُ بْنُ مُطَيْر للمطَر عَلَى التَّشْبِيهِ فَقَالَ:
كَثُرَتْ ككَثْرَة وَبْلِهِ أَطْبَاؤه، ... فإذا تَجَلَّتْ فاضَتِ الأَطْباءُ «1»
وخِلْفٌ طَبِيٌّ مُجَيَّبٌ. وَيُقَالُ: أَطْبَى بنُو فلانٍ فُلَانًا إِذَا خالُّوه وقَبِلُوه. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ خالُّوه ثُمَّ قَتَلوه. وَقَوْلُهُ خالُّوه مِنَ الخُلَّة، وَهِيَ المَحَبَّة. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي زِيَادٍ الْكِلَابِيِّ قَالَ: شاةٌ طبو
طَبْوَاءُ إِذَا انْصَبَّ خِلْفاها نحو الأَرض وطالا.
طثا: الطَّثْيَة: شجرةٌ تَسْمُو نحوَ القامةِ شَوِكَةٌ مِنْ أَصلها إِلَى أَعْلاها، شوكُها غالبٌ لوَرَقِها، ووَرَقُها صِغارٌ، وَلَهَا نُوَيْرةٌ بَيْضَاءُ يَجْرُسُها النَّحْلُ، وَجَمْعُهَا طَثْيٌ؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ. ابْنُ الأَعرابي: طَثَا إذا لعِبَ بالقُلَةِ. والطُّثَى: الخَشَبات الصِّغارُ.
طحا: طَحَاه طَحْواً وطُحُوّاً: بَسَطَهُ. وطَحَى الشَّيْءَ يَطْحِيه طَحْياً: بَسَطَه أَيضاً. الأَزهري: الطَّحْو كالدَّحْو، وَهُوَ البَسْطُ، وَفِيهِ لُغَتَانِ طَحَا يَطْحُو وطَحَى يَطْحَى. والطَّاحِي: المُنْبَسِطُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: طَحَاها ودَحاها واحدٌ، قَالَ شَمِرٌ: مَعْنَاهُ ومَنْ دَحاها فأَبدَل الطاءَ مِنَ الدَّالِ، قَالَ: ودَحاها وسَّعَها. وطَحَوْته مثلُ دَحَوْته أَي بَسَطْته. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَما قِراءَة
الكِسائي طَحِيَها
بالإِمالَة، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَواتِ الواوِ، فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لأَنّها جاءتْ مَعَ مَا يَجُوزُ أَن يُمال، وَهُوَ يَغْشاها وبَناها، عَلَى أَنهم قَدْ قَالُوا مِظَلَّة مَطْحِيَّة، فَلَوْلَا أَنَّ الْكِسَائِيَّ أَمال تَلاها مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها، لقُلْنا إِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى قَوْلِهِمْ مِظَلَّة مَطْحِيَّة ومِظَلَّة مَطْحُوَّة: عَظِيمَةٌ. ابْنُ سِيدَهْ: ومِظَلَّة طاحِيةٌ وَمَطْحِيَّةٌ عَظيمةٌ، وَقَدْ طَحاها طحْواً وطَحْياً. أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلْبَيْتِ الْعَظِيمِ: مِظَلَّةٌ مَطْحُوَّةٌ ومَطْحِيَّة وَطَاحِيَةٌ، وَهُوَ الضخْمُ. وضَربَه ضرْباً طَحَا مِنْهُ أَي امْتَدَّ. وطَحَا بِهِ قَلْبُه وهَمُّه يَطْحَى طَحْواً: ذَهَبَ بِهِ فِي مذهبٍ بعيدٍ، مأْخوذٌ مِنْ ذَلِكَ. وطَحَا بِكَ قَلْبُكَ يَطْحى طَحياً: ذَهَبَ. قَالَ: وأَقبَل التَّيْسُ فِي طَحْيَائه
__________
(1). قوله [تجلت] هكذا في الأصل.
(15/4)

أَي هِبَابِه. وطَحَا يَطْحُو طُحُوّاً: بعُدَ؛ عَنِ ابْنِ دُريدٍ. والقومُ يَطْحَى بعضُهم بَعْضًا أَي يَدفَع. وَيُقَالُ: مَا أَدْرِي أَينَ طَحَا، مِنْ طَحَا الرجلُ إِذَا ذَهَبَ فِي الأَرضِ. والطَّحَا مقصورٌ: المُنْبَسِطُ مِنَ الأَرض. والطَّحْيُ مِنَ الناسِ: الرُّذالُ. والمُدوِّمَةُ الطَّواحي: هِيَ النُّسورُ تَسْتديرُ حولَ القَتْلى. ابْنُ شُمَيْلٍ: المُطَحِّي اللازِقُ بالأَرض. رَأَيْتُهُ مُطَحِّياً أَي مُنْبَطِحاً. والبَقْلة المُطَحِّيَة: النابتَةُ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ قَدْ افْتَرَشَتْها. وَقَالَ الأَصمعي فِيمَا رَوى عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذَا ضرَبَه حَتَّى يَمْتَدَّ مِنَ الضَّرْبَةِ عَلَى الأَرضِ قِيلَ طَحَا مِنْهَا؛ وأَنشد لصَخْر الغَيّ:
وخَفِّضْ عَليكَ القَولَ، واعْلَم بأَنَّني ... منَ الأَنَسِ الطَّاحِي عليكَ العَرَمْرَمِ
وضَرَبَه ضرْبةً طَحا مِنْهَا أَي امْتَدَّ؛ وَقَالَ:
لَهُ عَسْكَرٌ طاحِي الضِّفَافِ عَرَمْرَم
وَمِنْهُ قِيلَ طَحَا بِهِ قلْبُه أَي ذَهَبَ بِهِ فِي كلِّ مَذْهَبٍ؛ قَالَ عَلْقَمة بنُ عَبدَة:
طَحَا بكَ قلبٌ، فِي الحِسانِ طَرُوبُ، ... بُعَيْدَ الشَّبابِ، عَصْرَ حانَ مَشيبُ
قَالَ الْفَرَّاءُ: شَرِبَ حَتَّى طَحَّى، يريدُ مَدَّ رِجْلَيْهِ؛ قَالَ: وطَحَّى البعيرُ إِلَى الأَرض إِمّا خِلاءً وَإِمَّا هُزالًا أَي لَزِقَ بِهَا. وَقَدْ طَحَّى الرجلُ إِلَى الأَرض إِذَا مَا دَعَوْه فِي نَصْرٍ أَو معروفٍ فلمْ يأْتِهِم، كلُّ ذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ؛ قَالَ الأَصمعي: كأَنه رَدَّ قَوْلَهُ بِالتَّخْفِيفِ «1» والطاحِي: الْجَمْعُ العظيمُ. والطائحُ: الهالكُ، وطَحا إِذَا مَدَّ الشيءَ، وطَحا إِذَا هَلَكَ. وطَحَوْته إِذَا بَطَحْته وصَرَعْته فطَحَّى: انْبَطَح انْبِطَاحًا. والطَّاحِي: المُمْتَدُّ. وطحَيْتُ أَي اضْطَجَعت. وفَرَسٌ طاحٍ أَي مُشْرِفٌ. وَقَالَ بعضُ الْعَرَبِ فِي يمينٍ لَهُ: لَا والقمرِ الطَّاحِي أَي المُرْتَفِعِ. والطُّحَيُّ: موضعٌ؛ قَالَ مُلَيْح:
فأَضْحَى بأَجْزاعِ الطُّحَيِّ، كأَنه ... فَكِيكُ أُسارَى فُكَّ عَنْهُ السلاسِلُ
وطاحيةُ: أَبو بَطْنٍ مِنَ الأَزْدِ، من ذلك.
طخا: طَخا الليلُ طَخْواً وطُخُوّاً: أَظْلَم. والطَّخْوةُ: السَّحابةُ الرَّقيقة. وَلَيْلَةٌ طَخْوَاءُ: مُظلِمة. والطَّخْيَةُ والطُّخْيَةُ؛ عَنْ كراعٍ: الظُّلْمَة. وليلةٌ طَخْياءُ: شديدةُ الظُّلْمَة قَدْ وارَى السَّحابُ قَمَرَها. وليالٍ طاخياتٌ عَلَى الْفِعْلِ أَو عَلَى النَّسَبِ إِذ فاعلاتٌ لَا يكونُ جَمْعَ فَعْلاءَ. وظلامٌ طاخٍ. والطَّخْيَاءُ: ظُلمةُ الليلِ، ممدودٌ، وَفِي الصِّحَاحِ: اللَّيْلَةُ المُظلِمةُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
فِي لَيْلةٍ صَرَّةٍ [صِرَّةٍ] طَخْيَاءَ داجِيَةٍ ... مَا تُبْصِرُ العينُ فِيهَا كَفَّ مُلْتَمِسِ
قَالَ: وطَخا ليلُنا طَخْواً وطُخُوّاً أَظلم. والطَّخَاءُ والطَّهاءُ والطَّخافُ، بِالْمَدِّ: السَّحابُ الرقيقُ المرتفعُ؛ يُقَالُ: مَا فِي السَّمَاءِ طَخَاءٌ أَي سَحَابٌ وظُلْمَة، واحدتُه طَخاءة. وكلُّ شيءٍ أُلْبِسَ شَيْئًا طَخاء. وَعَلَى قَلْبِهِ طَخاءٌ وطَخاءَةٌ أَي غَشْيَةٌ وكَرْبٌ، وَيُقَالُ: وجَدتُ عَلَى قَلْبِي طَخاءً مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا وجَدَ أَحَدُكم عَلَى قَلْبِهِ طَخاءً فليأْكل السَّفَرْجَلَ
؛ الطَّخَاءُ: ثقلٌ وغِشاءٌ وغَشْيٌ، وأَصل الطَّخَاء والطَّخْيَة الظُّلْمة والغَيم.
__________
(1). قوله [قَالَ الأَصمعي كَأَنَّهُ رَدَّ قوله بالتخفيف] هكذا في الأصل وعبارة التهذيب، قلت كأنه (يعني الفراء) عارض بهذا الكلام ما قال الأَصمعي في طحا بالتخفيف.
(15/5)

وَفِي الْحَدِيثِ:
إنَّ للقلبِ طَخاءً كطَخاء الْقَمَرِ
أَي شَيْئًا يَغْشاه كَمَا يُغْشَى القمرُ. والطَّخْيَةُ: السَّحابةُ الرَّقِيقَةُ. اللِّحْيَانِيُّ: مَا فِي السَّمَاءِ طُخْيَةٌ، بِالضَّمِّ، أَي شيءٌ مِنْ سَحابٍ، قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ الطُّخْرُورِ. التَّهْذِيبِ: الطَّخَاءَةُ والطَّهاءةُ مِنَ الغَيْمِ كلُّ قطعةٍ مستدِيرةٍ تَسُدُّ ضَوْءَ القَمر وتُغَطِّي نُورَهُ، وَيُقَالُ لَهَا الطَّخْيَةُ، وَهُوَ مَا رقَّ وَانْفَرَدَ، ويُجْمَع عَلَى الطِّخاء والطِّهاءِ. والطَّخْيَةُ: الأَحْمَق، وَالْجَمْعُ الطَّخْيُون. وتكلَّم فلانٌ بكلمةٍ طَخْيَاءَ: لَا تُفْهم. وطاخِيةُ، فِيمَا ذُكرَ عَنِ الضَّحَّاك: اسمُ النَّملة الَّتِي أَخْبَر اللَّهُ عَنْهَا أَنها كلَّمَت سُلَيْمَانَ، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
طدي: الْجَوْهَرِيُّ: عادةٌ طادِيَةٌ أَي ثابتةٌ قديمةٌ، وَيُقَالُ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ واطِدة؛ قَالَ الْقَطَامِيُّ:
مَا اعْتادَ حُبُّ سُلَيْمَى حينَ مُعْتادِ، ... وما تَقَضَّى بَواقِي دِينِها الطادِي
أَي مَا اعْتادني حِينَ اعتيادٍ، والدينُ: الدَّأْبُ والعادة.
طرا: طَرا طُرُوّاً: أَتى مِنْ مكانٍ بعيدٍ، وَقَالُوا الطَّرَا والثرَى، فالطَّرَا كلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِبِلَّة الأَرضِ؛ وَقِيلَ الطَّرَا مَا لَا يُحْصى عَدَدُه مِنْ صُنُوف الْخَلْقِ. اللَّيْثُ: الطَّرَا يُكَثَّرُ بِهِ عَدَدُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: هُمْ أَكْثَرُ مِنَ الطَّرَا والثرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الطَّرَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ كلُّ شيءٍ مِنَ الخَلْق لَا يُحْصَى عَدَدُه وأَصنافُه، وَفِي أَحَدِ القَولَيْن كلُّ شيءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرض مِمَّا لَيْسَ مِنْ جِبِلَّة الأَرض مِنَ التُّرابِ والحَصْباءِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ الطَّرَا. وشيءٌ طَرِيٌّ أَي غَضٌّ بيِّنُ الطَّراوَةِ، وَقَالَ قُطْرُبٌ: طَرُوَ اللحْمُ وطَرِيَ ولَحْمٌ طَرِيٌّ، غيرُ مهموزٍ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ابْنُ سِيدَهْ: طَرُوَ الشيءُ يَطْرُو وطَرِيَ طَراوَةً وطَراءً وطَراءَةً وطَراةً مِثْلُ حَصاةٍ، فَهُوَ طَرِيٌّ. وطَرَّاهُ: جَعَلَهُ طَرِيَّاً؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
قُلْت لطاهِينا المُطَرِّي للْعَمَلْ: ... عَجِّلْ لَنا هَذَا وأَلْحِقْنا بِذَا الْ
«1» بالشَّحْم إِنَّا قَدْ أَجِمْناهُ بَجَلْ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهَمْزِ. وأَطْرَى الرجلَ: أَحسَن الثَّنَاءَ عَلَيْهِ. وأَطْرَى فُلَانٌ فُلاناً إِذَا مَدَحَه بِمَا لَيْسَ فِيهِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النصارَى المسِيحَ فإِنَّما أَنا عَبْدٌ وَلَكِنْ قُولُوا عبدُ اللَّهِ ورَسُولُه
؛ وَذَلِكَ أَنَّهم مَدَحُوه بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَالُوا: هُوَ ثالثُ ثَلاثةٍ وَإِنَّهُ ابنُ اللَّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ شِرْكهم وكُفرِهِم. وأَطْرَى إِذَا زَادَ فِي الثَّنَاءِ. والإِطراءُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ فِي المَدْحِ والكَذِبُ فِيهِ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مُطَرًّى فِي نَفْسه أَي مُتَحَيِّرٌ. والطَّرِيُّ: الغريبُ. وطَرَى إِذَا أَتَى، وطَرَى إِذَا مَضى، وطَرَى إِذَا تَجَدَّدَ، وطَرِيَ يَطْرَى إِذا أَقبَل، «2» وطَرِيَ يَطْرَى إِذَا مَرّ. أَبو عَمْرٍو: يُقَالُ رجلٌ طارِيٌّ وطُورانيٌّ وطُورِيٌّ وطُخْرورٌ وطُمْرورٌ أَي غَرِيبٌ، وَيُقَالُ للغُربَاء الطُّرَّاءُ، وهم الذين يأتون مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، وَيُقَالُ: لكلِّ شيءٍ أُطْرُوانِيَّةٌ يَعْني الشَّبابَ. وطَرَّى الطِّيبَ: فَتَقَه بأَخْلاطٍ وخَلَّصه،
__________
(1). قوله [بذا ال بالشحم] هكذا في الأصول بإعادة الباء في الشحم.
(2). قوله [وَطَرِيَ يَطْرَى إِذَا أَقْبَلَ] ضبطه في القاموس كرَضِيَ، وفي التكملة والتهذيب كرَمَى.
(15/6)

وَكَذَلِكَ طَرَّى الطعامَ. والمُطَرَّاةُ: ضربٌ مِنَ الطِّيب؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: يُقَالُ لِلأَلُوَّة مُطَرَّاةٌ إِذَا طُرِّيَتْ بطِيبٍ أَو عَنْبرٍ أَو غَيرِه، وطرَّيْتُ الثَّوْبَ تَطْرِيَةً. أَبو زَيْدٍ: أَطْرَيْتُ العَسَل إِطْرَاءً وأَعْقَدْتُه وأَخْتَرْتُه سَواءٌ. وغِسْلَة مُطَرَّاةٌ أَي مُرَبَّاةٌ بالأَفاوِيه يُغْسَلُ بِهَا الرأسُ أَوِ اليَدُ، وَكَذَلِكَ العُودُ المُطَرَّى المُرَبَّى مِنْهُ مثلُ المُطيَّرِ يُتَبَخَّرُ بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ: أَنه كَانَ يَسْتَجْمِرُ بالأَلُوَّةِ
: هُوَ العُودُ «1» والمُطَرَّاةُ الَّتِي يُعْمَلُ عَلَيْهَا أَلوانُ الطيبِ غَيْرِهَا كالعَنْبرِ والمِسْكِ وَالْكَافُورِ. والإِطْرِيَةُ، بِكَسْرِ الْهَمْزِ مِثْلُ الهِبْرِيَةِ: ضربٌ مِنَ الطَّعامِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ لاخْشَهْ. قَالَ شَمِرٌ: الإِطْرِيَةُ شيءٌ يُعْمَلُ مِثْلُ النَّشاسْتَجْ المُتَلَبِّقة؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: هُوَ طَعامٌ يتَّخِذُه أَهلُ الشامِ ليسَ لَهُ واحدٌ، قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَكْسِرُ الْهَمْزَةَ فيقولُ إِطْرِيَة بِوَزْنِ زِبْنِيةٍ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَكَسْرُهَا هُوَ الصَّوَابُ وفتحُها لحنٌ عندَهُم؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: أَلِفُها واوٌ، وإِنما قَضَيْنا بِذَلِكَ لِوُجُودِ ط ر وو عدم ط ر ي، قَالَ: وَلَا يُلْتَفَتُ إِلى مَا تَقْلِبه الْكَسْرَةُ فإِنَّ ذَلِكَ غيرُ حُجَّة. واطْرَوْرَى الرَّجُلُ: اتَّخَمَ وانْتَفَخَ جَوْفُهُ. أَبو عَمْرٍو: إِذا انْتَفَخَ بَطنُ الرجلِ قِيلَ اطْرَوْرَى اطْرِيرَاءً. وَقَالَ شَمِرٌ: اطْرَوْرَى، بالطاءِ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي بالظاءِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَقَدْ رَوَى أَبو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ ظَرِيَ بطنُ الرَّجُلِ إِذا لَمْ يَتمالَكْ لِيناً؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالصَّوَابُ اظْرَوْرَى، بِالظَّاءِ، كَمَا قَالَ شَمِرٌ. والطِّريَّانُ: الطَّبَقُ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الطِّرِيَّان الَّذِي يُؤْكلُ عَلَيْهِ، قَالَ: وقَع فِي بَعْضِ نُسَخِ كِتَابِ يَعْقُوبَ مخفَّفَ الراءِ مشَدَّد الْيَاءِ عَلَى فِعِلَّان كالفِرِكَّانِ والعِرِفَّانِ، وَوَقَعَ فِي النُّسَخِ الجِيلِيَّة مِنْهُ الطِّرِّيَانُ، مُشَدَّدَ الرَّاءِ مخفَّف الْيَاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ
عَنْ أَبي أُمامة قَالَ: بَيْنا رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يأْكلُ قَدِيداً عَلَى طِرِّيانٍ جَالِسًا عَلَى قَدَمَيْهِ
؛ قَالَ شَمِرٌ: قَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ الطِّرِّيَانُ الَّذِي تُسَمِّيه الناسُ الطِّرْيَانَ؛ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ الطِّرِيَّانُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ، جَاءَ بِهِ فِي حروفٍ شُدِّدَتْ فِيهَا الْيَاءُ مِثْلُ الباريِّ والبَخاتيِّ والسَّراريِّ.
طسي: طَسَتْ نَفْسُه طَسْياً وطَسِيَتْ: تَغَيَّرَتْ مِنْ أَكلِ الدَّسَمِ وعَرَضَ لَهُ ثِقَلٌ مِنْ ذَلِكَ ورأَيته مُتَكَرِّهاً لِذَلِكَ، وَهُوَ أَيضاً بالهمزِ. وطَسا طَسْياً: شرِبَ اللَّبَنَ حتى يُخَثِّرَهُ.
طشا: تَطَشَّى المريضُ: بَرِئَ. وَفِي نوادِرِ الأَعراب: رجلٌ طِشَّةٌ، وَتَصْغِيرُهُ طُشَيَّة إِذا كَانَ ضعِيفاً. وَيُقَالُ: الطُّشَّة أُمُّ الصِّبْيانِ. وَرَجُلٌ مَطْشِيٌّ ومَطْشُوٌّ.
طعا: حَكَى الأَزهري عَنِ ابْنِ الأَعرابي: طَعَا إِذا تَباعَد. غَيْرُهُ: طَعَا إِذا ذَلَّ. أَبو عَمْرٍو: الطاعِي بِمَعْنَى الطائِعِ إِذا ذَلَّ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الإِطْعاءُ: الطَّاعَةُ.
طغي: الأَزهري: اللَّيْثُ الطُّغْيانُ وطغو
الطُّغْوانُ لغةٌ فِيهِ، والطَّغْوَى بِالْفَتْحِ مثلُه، والفِعْل طغو
طَغَوْت وطَغَيْت، وَالِاسْمُ الطَّغْوَى. ابْنُ سِيدَهْ: طَغَى يَطْغى طَغْياً وطغو
يَطْغُو طُغْياناً جاوَزَ القَدْرَ وَارْتَفَعَ وغَلا فِي الكُفْرِ. وَفِي حَدِيثِ
وَهْبٍ: إِنَّ لِلْعِلْم طُغْياناً كطُغْيانِ المَالِ
أَي يَحْمِل صاحِبَه عَلَى التَّرَخُّص بِمَا اشْتَبَه مِنْهُ إِلى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، ويَتَرَفَّع بِهِ عَلَى مَنْ دُونَه، وَلَا يُعْطي حَقَّه بالعَمَلِ بِهِ كَمَا يَفْعَلُ
__________
(1). قوله: [هو العود أي الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ]. ورواية هذا الحديث في
النهاية: أَنَّهُ كانَ يستجمرُ بالأَلُوَّةِ غيرَ مُطَرَّاة.
(15/7)

رَبُّ المالِ. وكلُّ مُجَاوِزٍ حدَّه فِي العِصْيانِ طَاغٍ. ابنَ سيدة: طغو
طَغَوْتُ طغو
أَطْغُو وأَطْغَى طغو
طُغُوّاً كَطَغَيْت، وطَغْوَى فَعْلى مِنْهُمَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ مِنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها
، قَالَ: أَراد بطُغْيانِها، وَهُمَا مصدَران إِلَّا أَنَّ الطَّغْوَى أَشكل برُؤُوس الْآيَاتِ فاخْتير لِذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَالَ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ معناهُ وآخِرُ دُعائِهِمْ. وَقَالَ الزَّجَّاج: أَصل طَغْواها طَغْياهَا، وفَعْلى إِذا كَانَتْ مِنْ ذواتِ الياءِ أُبْدِلَتْ فِي الِاسْمِ وَاوًا ليُفْصَل بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، تَقُولُ هِيَ التَّقْوَى، وإِنما هِيَ مِنْ تَقَيْتُ، وَهِيَ البَقْوَى مَنْ بَقيت. وَقَالُوا: امرأَةٌ خَزْيا لأَنه صِفَة. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
. وطَغِيَ يَطْغَى مِثْلُه. وأَطْغاهُ المالُ أَي جَعَلَه طاغِياً. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
؛ قَالَ الزجاجُ: الطَّاغِيَةُ طُغْيانُهُم اسْمٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَة. وَقَالَ قَتادة: بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً، وَقِيلَ: أُهْلِكُوا بالطَّاغِيَةِ أَي بِصَيْحَةِ العذابِ، وَقِيلَ أُهْلِكوا بالطَّاغِيَة أَي بطُغْيانهم. وَقَالَ أَبو بَكْرٍ: الطَّغْيَا الْبَغْيُ والكُفْرُ؛ وأَنشد:
وإِنْ رَكِبوا طَغْياهُمُ وضلالَهُم، ... فَلَيْسَ عذابُ اللهِ عَنْهُمْ بِلابِثِ
وَقَالَ تَعَالَى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
. وطَغَى الماءُ وَالْبَحْرُ: ارتَفَع وَعَلَا عَلَى كلِّ شيءٍ فاخْتَرَقَه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
. وطَغَى البحرُ: هاجَتْ أمواجُه. وطَغَى الدَّمُ: تَبَيَّغَ. وطَغَى السَّيْلُ إِذا جاءَ بماءٍ كثيرٍ. وكلُّ شيءٍ جَاوَزَ القَدْرَ فَقَدْ طَغَى كَمَا طَغَى الماءُ عَلَى قومِ نوحٍ، وَكَمَا طَغَتِ الصيحةُ عَلَى ثمودَ. وَتَقُولُ: سمعتُ طَغْيَ فلانٍ أَي صَوْتَه، هُذَلِيَّة، وَفِي النوادِرِ: سمعتُ طَغْيَ القومِ وطَهْيَهم ووَغْيَهم أَي صَوْتَهم. وطَغَتِ البقرةُ تَطْغَى: صاحَتْ. ابْنُ الأَعرابي: يقالُ لِلْبَقَرَةِ الخائرَةُ والطَّغْيَا، وَقَالَ المُفَضَّل: طُغْيَا، وفتَحَ الأَصْمَعِيُّ طَاءَ طَغْيَا. وَقَالَ ابْنُ الأَنْبارِي: قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ طَغْيَا، مقصورٌ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ، وَهِيَ بقرةُ الوَحْشِ الصغيرةُ. وَيُحْكَى عَنِ الأَصْمعي أَنه قَالَ: طُغْيَا، فَضَمَّ. وطَغْيَا: اسمٌ لبَقَرةِ الوحشِ، وَقِيلَ للصَّغيرِ مِنْ بقرِ الوحشِ مِنْ ذَلِكَ جَاءَ شَاذًّا؛ قَالَ أُمَيَّةُ بنُ أَبي عائذٍ الهُذَلي:
وإِلَّا النَّعامَ وحَفَّانَهُ، ... وطَغْيَا مَعَ اللَّهَقِ الناشِطِ
قَالَ الأَصمعي: طُغْيَا بِالضَّمِّ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: طَغْيَا بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الصغيرُ مِنْ بَقَرِ الوحشِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُ الأَصمعي هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَوْلُ ثَعْلَبٍ غَلَطٌ لأَن فَعْلى إِذا كَانَتِ اسْمًا يجبُ قَلْبُ يَائِهَا وَاوًا نَحْوَ شَرْوَى وتَقْوَى، وَهُمَا مِنْ شَرَيْتُ وتَقَيْت، فَكَذَلِكَ يَجِبُ فِي طَغْيا أَن يَكُونَ طَغْوَى، قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الأَصمعي لأَن فُعْلى إِذا كَانَتِ مِنَ الْوَاوِ وَجَب قَلْبُ الْوَاوِ فيها يَاءً نَحْوَ الدُّنْيَا والعُلْيا، وهُما مِنْ دَنَوْتُ وعَلَوْت. والطَّاغِيَة: الصاعِقةُ. والطَّغْيَةُ: المُسْتَصْعَبُ الْعَالِي مِنَ الْجَبَلِ، وَقِيلَ: أَعْلى الْجَبَلِ، قَالَ ساعِدة بْنُ جُؤيَّة:
صَبَّ اللَّهِيفُ لَهَا السُّبُوبَ بطَغْيةٍ ... تُنبي العُقابَ، كَمَا يُلَطُّ المِجْنَبُ
قَوْلُهُ: تُنْبي أَي تَدْفَع لأَنه لَا يَثْبُت عَلَيْهَا مَخالِبُها لمَلاسَتِها، وكلُّ مكانٍ مُرتَفع طغو
طَغْوَةٌ، وَقِيلَ:
(15/8)

الطَّغْيَةُ الصَّفاةُ المَلْساءُ؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: الطَّغْيةُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ نُبْذَةٌ مِنْهُ، وأَنشد بيتَ سَاعدةَ أَيضًا يَصِفُ مُشْتارَ الْعَسَلِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: واللَّهِيفُ المكروبُ، والسُّبُوبُ جَمْعُ سِبٍّ الحَبْل، والطَّغْيةُ النَّاحِيَةُ مِنَ الجبلِ، ويُلَطُّ يُكَبُّ، والمِجْنَبُ التُّرْس أَي هَذِهِ الطَّغْية كأَنها تُرْسٌ مَكْبُوبٌ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: قِيلَ لابْنَةِ الخُسِّ مَا مائةٌ مِنَ الخَيْل؟ قَالَتْ: طَغْيٌ عِنْدَ مَنْ كَانَتْ وَلَا توجدُ؛ فإِما أَن تَكُونَ أَرادت الطُّغْيَانَ أَي أَنها تُطْغي صاحبَها، وإِما أَن تَكُونَ عَنَتِ الكَثْرَةَ، وَلَمْ يُفَسِّره ابنُ الأَعْرابي. والطاغوتُ، يقعُ عَلَى الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ: وزْنُه فَعَلُوتٌ إِنَّمَا هُوَ طَغَيُوتٌ، قُدِّمتِ الياءُ قَبْلَ الغَيْن، وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ وَقَبْلَهَا فَتْحَةٌ فَقُلِبَتْ أَلِفاً. وطاغُوتٌ، وإِن جَاءَ عَلَى وَزْنِ لاهُوتٍ فَهُوَ مَقْلُوبٌ لأَنه مِنْ طَغَى، ولاهُوت غَيْرُ مَقْلوبٍ لأَنه مِنْ لَاهَ بمَنْزِلة الرَّغَبُوت والرَّهَبُوتِ، وأَصل وَزْن طاغُوتٍ طَغَيُوت عَلَى فَعَلُوتٍ، ثُمَّ قُدِّمَتِ الياءُ قَبْلَ الغينِ مُحافَظَة عَلَى بَقائِها فَصار طَيَغُوت، ووَزْنُه فَلَعُوت، ثُمَّ قُلِبت الْيَاءُ أَلفاً لتَحَرُّكها وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ طاغُوت. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
؛ قَالَ اللَّيْثُ: الطاغُوت تَاؤُهَا زائدةٌ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ طَغَى، وَقَالَ أَبو إِسحاق: كلُّ معبودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جِبْتٌ وطاغُوتٌ، وَقِيلَ: الجِبْتُ والطَّاغُوتُ الكَهَنَةُ والشَّياطينُ، وَقِيلَ فِي بَعْضِ التَّفْسِيرِ: الجِبْتُ والطَّاغُوت حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وكعبُ بنُ الأَشْرفِ اليَهودِيّانِ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا غيرُ خَارِجٍ عَمَّا قَالَ أَهل اللُّغَةِ لأَنهم إِذا اتَّبَعُوا أَمرَهما فَقَدْ أَطاعُوهما مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَقَالَ الشَّعبيُّ وعطاءٌ ومجاهدٌ: الجِبْتُ السِّحرُ، والطاغوتُ: الشَّيْطَانُ: والكاهِنُ وكلُّ رأْسٍ فِي الضَّلال، قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا؛ قَالَ تَعَالَى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
؛ وَقَدْ يَكُونُ جَمْعاً؛ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ
؛ فَجَمَع؛ قَالَ اللَّيْثُ: إِنما أَخبر عَنِ الطاغُوت بجَمْعٍ لأَنه جنسٌ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ؛ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الطاغوتُ واحدٌ وجِماعٌ؛ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ مِثْلُ الفُلْكِ يُذَكَّرُ ويؤنَّث؛ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها؛ وَقَالَ الأَخفش: الطاغوتُ يكونُ للأَصْنامِ، والطاغوتُ يَكُونُ مِنَ الجِنِّ والإِنس، وَقَالَ شَمِرٌ: الطَّاغُوتُ يَكُونُ مِنَ الأَصنام وَيَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ؛ ابْنُ الأَعرابي: الجِبْتُ رَئيس اليَهود والطاغوتُ رَئِيسُ النصارَى؛ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّاغُوتُ كعبُ بنُ الأَشْرفِ، والجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وجمعُ الطاغوتِ طَواغِيتُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَحْلِفُوا بآبائكُمْ وَلَا بالطَّواغِي
، وَفِي الْآخَرِ:
وَلَا بالطَّواغِيتِ
، فالطَّوَاغِي جَمْعُ طاغِيَةٍ، وَهِيَ مَا كَانُوا يَعْبُدونه مِنَ الأَصْنامِ وغَيْرِها؛ وَمِنْهُ: هَذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ وخَثْعَمَ أَي صَنَمُهم ومَعْبودُهم، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أَراد بالطَّواغِي مَنْ طَغَى فِي الكُفرِ وجاوَزَ الحَدَّ، وَهُمْ عُظَماؤهم وكُبَراؤهم، قَالَ: وأَما الطَّواغِيتُ فَجَمْعُ طَاغُوتٍ وَهُوَ الشيطانُ أَو مَا يُزَيّن لَهُمْ أَن يَعْبُدوا مِنَ الأَصْنامِ. وَيُقَالُ: للصَّنَم: طاغوتٌ. والطاغِيةُ: مَلِكُ الرُّومِ. اللَّيْثُ: الطاغِيةُ الجَبَّارُ العَنيدُ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الطاغِيةُ الأَحْمَقُ المسْتَكْبِرُ الظالِمُ. وَقَالَ شَمِرٌ: الطَّاغِيَة الَّذِي لَا يُبالي مَا أَتى يأْكلُ
(15/9)

الناسَ ويَقْهَرُهم، لَا يَثْنِيه تَحَرُّجٌ ولا فَرَقٌ.
طفا: طَفَا الشيءُ فَوْقَ الْمَاءِ يَطْفُو طَفْواً وطُفُوّاً: ظَهَرَ وعَلا ولمْ يَرْسُبْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه ذكرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ كأَنَّ عَيْنَه عِنَبَةٌ طافِيَةٌ
؛ وَسُئِلَ أَبو الْعَبَّاسِ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: الطَّافِيَة مِنَ العِنَبِ الحَبَّةُ الَّتِي قَدْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ نِبْتَةِ أَخَواتِها مِنَ الحَبِّ فَنَتَأَتْ وظَهَرَتْ وارْتَفَعَتْ، وَقِيلَ: أَراد بِهِ الحَبَّةَ الطافيةَ عَلَى وجهِ الماءِ، شبَّه عَيْنَهُ بِهَا، وَمِنْهُ الطَّافِي مِنَ السَّمَك لأَنه يَعْلُو ويَظْهَرُ عَلَى رأْسِ الماءِ. وطَفَا الثَّورُ الوَحْشِيُّ عَلَى الأَكَمِ والرِّمالِ؛ قَالَ العَجَّاج:
إِذا تَلَقَّتْهُ الدِّهاسُ خَطْرَفا، ... وإنْ تَلَقَّتْه العَقَاقِيلُ طَفَا
ومَرَّ الظَّبْيُ يَطْفُو إِذا خَفَّ عَلَى الأَرض واشْتَدَّ عَدْوُه. والطُّفَاوَة: مَا طَفا مِنْ زَبَد القِدْر ودَسَمها. والطُّفَاوَة، بِالضَّمِّ: دارَةُ الشمسِ والقمرِ. الْفَرَّاءُ: الطُّفَاوِيُّ مأْخوذٌ مِنَ الطُّفاوَةِ، وَهِيَ الدَّارَةُ حولَ الشمسِ؛ وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: الطُّفَاوَة الدَّارَةُ الَّتِي حولَ القمرِ، وَكَذَلِكَ طُفَاوَةُ القِدْرِ مَا طَفا عَلَيْهَا مِنَ الدَّسَمِ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
طُفاوَةُ الأُثْرِ كَحَمِّ الجُمَّلِ
والجُمَّل: الذينَ يُذِيبُون الشَّحْمَ: والطَّفْوَةُ: النَّبْتُ الرقيقُ. وَيُقَالُ: أَصَبْنَا طُفَاوةً مِنَ الرَّبِيعِ أَي شَيْئًا مِنْهُ. والطُّفاوةُ: حَيٌّ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ. والطَّافِي: فرسُ عَمْرو بنِ شَيْبانَ. والطُّفْيَةُ: خُوصَةُ المُقْلِ، والجَمْع طُفْيٌ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
لِمَنْ طَلَلٌ بالمنْتَضى غَيرُ حائِلِ، ... عَفَا بَعْدَ عَهْدٍ مِنْ قِطارٍ وَوابِلِ؟
عَفَا غَيْرَ نُؤْيِ الدارِ مَا إِنْ تُبِينُهُ، ... وأَقْطاعِ طُفْيٍ قَدْ عَفَتْ فِي المَعاقِلِ
المَناقِلُ: جَمْعُ مَنْقَلٍ وَهُوَ الطَّريقُ فِي الجَبَل، وَيُرْوَى: فِي المَنازِل، وَيُرْوَى فِي المَعاقِلِ، وَهُوَ كَذَا فِي شِعْرِهِ. وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ: حَيَّة لَهَا خَطَّان أَسْودان يُشَبَّهانِ بالخُوصَتَيْن، وَقَدْ أَمر النبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بقَتْلِها. وَفِي الْحَدِيثِ:
اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْن والأَبْتَرَ
، وَقِيلَ: ذُو الطُّفْيَتَيْن الَّذِي لَهُ خَطَّانِ أَسْوَدان عَلَى ظَهرِه. والطُّفْيَةُ: حَيَّةٌ لَيِّنَة خَبيثَة قَصِيرة الذَّنَب يُقَالُ لَهَا الأَبْتَرُ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتُلُوا الجانَّ ذَا الطُّفْيَتَيْن والأَبْتَرَ
؛ قَالَ الأَصمعي: أُراه شَبَّه الخَطَّيْن اللَّذَيْنِ عَلَى ظَهْرِهِ بخُوصَتَيْن مِنْ خُوصِ المُقْلِ، وَهُمَا الطُّفْيَتَانِ، ورُبَّما قِيلَ لِهَذِه الحَيَّةِ طُفْيَةٌ عَلَى مَعْنَى ذَاتِ طُفْيَة؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وهُمْ يُذِلُّونَها مِنْ بَعْدِ عِزَّتِها، ... كَمَا تَذِلُّ الطُّفَى مِنْ رُقْيَةِ الرَّاقِي
أَي ذَواتُ الطُّفَى، وَقَدْ يُسَمَّى الشيُّ بِاسْمِ مَا يُجاوِرُه. وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ: أَن أَبا عُبَيدة قَالَ خَطَّانِ أَسْودَانِ، وأَنّ ابْنَ حَمْزَة قَالَ أَصْفَرانِ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
عَبْدٌ إِذا مَا رَسَبَ القَوْمُ طَفَا
قَالَ: طَفَا أَي نزَا بِجَهْلِهِ إِذا تَرَزَّنَ الحَلِيمُ.
طلي: طَلى الشيءَ بالهِنَاءِ وغَيرِهِ طَلْياً: لَطَخَه، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ طَلَيْته إِيَّاه؛ قَالَ مِسْكينٌ الدَّارِمي:
كأَنّ المُوقِدِينَ بِهَا جِمالٌ، ... طَلاهَا الزَّيْتَ والقَطِرانَ طالِ
(15/10)

وطَلَّاهُ: كطَلاه؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
وسِرْبٍ يُطَلَّى بالعَبِيرِ، كأَنَّه ... دِماءُ ظِباءٍ بالنُّحورِ ذَبِيح
وَقَدِ اطَّلى بِهِ وتَطَلَّى؛ وَرُوِيَ بَيْتُ أَبي ذُؤَيْبٍ:
وسِرْبٍ تَطَلَّى بالعَبيرِ
والطِّلاءُ: الهِناءُ. والطِّلاءُ: القَطِرانُ وكلُّ مَا طَلَيت بِهِ. وطَلَيْتُه بالدُّهْنِ وغيرِه طَلْياً، وتَطَلَّيْت بِهِ واطَّليْتُ بِهِ عَلَى افْتَعَلْت. والطِّلاءُ: الشَّرابُ، شُبِّهَ بطِلاءِ الإِبل وَهُوَ الهِناءُ. والطِّلاءُ: مَا طُبخَ مِنْ عَصير العِنَبِ حَتَّى ذهَبَ ثُلُثاه، وتُسَمِّيه العَجَمُ المَيْبَخْتَج، وبعضُ الْعَرَبِ يسَمِّي الخَمْرَ الطِّلاء؛ يريدُ بِذَلِكَ تَحْسِينَ اسْمِها إِلا أَنها الطِّلاءُ بعَيْنها؛ قَالَ عَبِيدُ بنُ الأَبْرصْ للمُنْذِرِ حِينَ أَراد قتلَه:
هي الخَمْرُ يكنُونَها بالطِّلا، ... كَمَا الذِّئبُ يُكْنَى أَبا جَعْدَهْ
وَاسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ سِيدَهْ عَلَى الطلاءِ خاثِرِ المنَصَّف يُشبه بِهِ، وَضَرَبَهُ عُبَيْدٌ مَثَلًا أَي تُظهِرُ لِي الإِكْرامَ وأَنتَ تُرِيدُ قَتْلي، كَمَا أَنَّ الذئبَ وإِن كَانَتْ كُنْيَتُه حَسَنَةً فإِنَّ عملَه لَيْسَ بحَسَنٍ، وَكَذَلِكَ الخمرُ وإِن سُمِّيَتْ طِلاءً وحسُنَ اسمُها فإِن عَمَلَها قَبِيحٌ؛ وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبة بيتَ عَبِيدٍ:
هِيَ الخَمْر تُكْنَى الطِّلا،
وعَرُوضُه، عَلَى هَذَا، تَنْقُصُ جُزْءًا، فإِذاً هَذِهِ الرِّوَايَةُ خطأٌ؛ وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالُوا هِيَ الخَمْرُ؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ أَحمد بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِي: هَكَذَا يُنْشد هَذَا الْبَيْتُ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ ونصفُه الأَول يَنْقُصُ جُزْءًا. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه كَانَ يرزُقُهمُ الطِّلاءَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ، الشرابُ المطبوخُ مِنْ عَصير العنَبِ، قَالَ: وَهُوَ الرُّبُّ، وأَصله القَطِرانُ الخاثِرُ الَّذِي تُطْلى بِهِ الإِبل؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِنّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ الإِسلامُ كَمَا يُكفَأُ الإِناءُ فِي شرابٍ يقالُ لَهُ الطِّلاءُ
؛ قَالَ هَذَا نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
سيَشْرَبُ ناسٌ مِنْ أُمَّتي الخَمْرَ يُسَمُّونها بِغَيْرِ اسْمِهَا
؛ يريدُ أَنهم يَشْرَبون النَّبيذَ المُسكرَ المطبوخَ وَيُسَمُّونَهُ طِلاءً تَحرُّجاً مِنْ أَن يُسَمُّوهُ خَمْرًا، فأَما الَّذِي فِي حَدِيثِ عليٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَيْسَ مِنَ الخمر في شيء وو ناقة طَلْيَاءُ، ممدودٌ: مَطْلِيَّة. والطُّلْيَة: صُوفَةٌ تُطْلى بِهَا الإِبل. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَا يُساوي طُلْيَة، وَهِيَ الصُّوفَةُ الَّتِي تُطْلى بِهَا الجَرْبى، وَهِيَ الرِّبْذةُ أَيضاً؛ قَالَهُ ابْنُ الأَعرابي، وَقَالَ أَبو طَالِبٍ: مَا يُساوي طُلْيَةً أَي الخَيطَ الَّذِي يُشَدُّ فِي رِجلِ الجَدْي مَا دَامَ صَغِيرًا، وَقِيلَ: الطُّلْيَةُ خِرْقة الْعَارِكِ، وَقِيلَ: هِيَ الثَّمْلَةُ الَّتِي يُهنَأُ بِهَا الجَربُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَوْلُ الْعَامَّةِ لَا يُساوي طُليَةً غَلَط إِنما هو طلو
طِلْوة، وطلو
الطِّلْوَةُ قطعَة حَبْلٍ. والطَّلَى: المَطْلِيُّ بالقَطِران. وطَلَيْتُ البَعيرَ أَطْلِيه طَلْياً، والطِّلاءُ الِاسْمُ. والطَّلِيُّ: الصَّغِيرُ مِنْ أَولادِ الغَنم، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَلِيّاً لأَنه يُطْلى أَي تُشَدّ رِجْلُهُ بخيطٍ إِلَى وَتِدٍ أَياماً، واسمُ مَا يُشَّدُ بِهِ الطَّلْي. والطِّلاءُ: الحبلُ الَّذِي يُشَدَّ بِهِ رِجْلُ الطَّلى إلى وتد. وطلو
طَلَوْتُ الطَّلَى: حَبَسْته. وطلو
الطِّلْوُ وطلو
الطِّلْوَة: الخَيْط الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رِجْلُ الطَّلى إِلَى الوتِدِ. والطَّلْيُ والطُّلْيَة والطِّلْيَة؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ الخَيْطُ الَّذِي يُشَدّ فِي رِجْل الجَدْي مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا كَبِرَ رُبِقَ والرَّبْقُ فِي العُنُق. وَقَدْ طَلَيْت الطَّلى أَي شَدَدْتُه.
(15/11)

وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ عَنِ ابْنِ دُرَيْد قَالَ: طلو
الطِّلْوُ والطَّلَى بمعنًى. وطلو
الطِّلْوَة: قِطعة خَيْطٍ. وَقَالَ ابْنُ حَمْزة: الطَّلِيُّ المَرْبوطُ فِي طُلْيَتِه لَا فِي رِجْلَيْه. والطُّلْيَة: صَفْحَة العُنُقِ، وَيُقَالُ الطُّلاةُ أَيضاً؛ قال: ويُقَوِّي أَن الطَّلِيَّ المربوطُ فِي عُنُقه قَوْلُ ابْنُ السِّكِّيتِ: رَبَقَ البَهْمَ يَرْبُقُها إذا جَعَلَ رُؤوسَها فِي عُرَى حَبْلٍ. وَيُقَالُ: اطْلِ سَخْلَتَك أَي ارْبُقها. وَقَالَ الأَصمعي: الطَّلِيُّ والطَّلَى وطلو
الطَّلْوُ بِمَعْنًى. والطُّلْيَة أَيضاً: خِرْقة العرِك، وَقَدْ طَلَيْته. قَالَ الْفَارِسِيَّ: الطَّلِيُّ صفةٌ غالبةٌ كسَّروه تَكْسِيرَ الأَسماء فَقَالُوا طُلْيانٌ، كَقَوْلِهِمْ للجَدْولَ سَريٌّ وسُرْيانٌ. ويقال: طلو
طَلوتُ الطَّلَى وطَلَيْته إِذَا رَبَطْته برِجْله وحَبَسْته. وطَلَيْتُ الشيءَ: حَبَسْته، فهو طَلِيٌّ ومَطْلِيٌّ. وطَلَيْت الرجُلَ طَلْياً فَهُوَ طَلِيٌّ ومَطلِيٌّ: حَبَسْته. والطَّلَى والطَّلَيَانُ وطلو
الطَّلَوَانُ: بياضٌ يعلُو اللِّسانَ مِنْ مَرَض أَو عَطَشٍ؛ قَالَ:
لقَدْ تَرَكَتْني ناقَتي بتَنُوفَةٍ، ... لِسانيَ مَعْقُولٌ مِنَ الطَّلَيَانِ
والطَّلِيُّ والطِّلْيانُ: القَلَح فِي الأَسْنانِ، وَقَدْ طَلِيَ فُوه فَهُوَ يَطْلَى طَلًى، وَالْكَلِمَةُ وَاوِيَّةٌ وَيَائِيَّةٌ. وبأَسْنانِه طَلِيٌّ وطِلْيَانٌ، مثلُ صبيٍّ وصِبْيانٍ، أَي قَلَحٌ. وَقَدْ طَلِيَ فَمه، بِالْكَسْرِ، يَطْلَى طَلًى إِذَا يَبِسَ رِيقُه مِنَ العَطَشِ. وطلو
الطُّلاوَةُ: الرِّيقُ الَّذِي يَجِفُّ عَلَى الأَسْنانِ مِنَ الجُوع، وَهُوَ طلو
الطَّلَوَانُ. الْكِلَابِيُّ: الطِّلْيانُ لَيْسَ بالفَتْح، يُقَالُ: طَلِيَ فَمُ الإِنسانِ إِذا عَطِشَ وبقِيَتْ رِيقة ثَقِيلَةٌ فِي فَمِه، وَرُبَّمَا قِيلَ كَانَ الطَّلَى مِنْ جَهْدٍ يُصيبُ الإِنسانَ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، وطَلِيَ لسانُه إِذا ثقُلَ، مأْخوذٌ مَنْ طَلَى البَهْمَ إِذا أَوْثقَه. والطَّلَا وطلو
الطُّلاوَةُ وطلو
الطِّلاوة وطلو
الطَّلَوان وطلو
الطُّلْوانُ: الرِّيقُ يَتَخَثَّر ويَعْصِبُ بالفَمِ مِنْ عطشٍ أَو مَرَضٍ، وقيل: طلو
الطُّلْوَانُ، بِضَمِّ الطَّاءِ، الرِّيقُ يَجِفُّ عَلَى الأَسنان، لَا جَمْع لَهُ؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: في فَمِه طلو
طُلاوَةٌ أَي بَقِيَّةٌ مِنْ طَعامٍ. وطلو
طَلاوة الكلإِ: الْقَلِيلُ مِنْهُ. والطُّلايَة وطلو
الطُّلاوَة: دُواية اللَّبَن. وطلو
الطُّلاوة: الجِلْدَة الرَّقِيقَة فَوْقَ اللبنِ أَو الدمِ. وطلو
الطُّلاوَة: مَا يُطْلى بِهِ الشيءُ، وقياسُه طُلايَة لأَنه مِنْ طَلَيْت، فدَخَلَت الْوَاوُ هُنَا عَلَى الْيَاءِ كَمَا حَكَاهُ الأَحْمَر عَنِ العَرَب مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ عِنْدَكَ لأَشاوِيَّ. والطَّلَى: الصغيرُ مِنْ كلِّ شيءٍ، وَقِيلَ: الطَّلَى هُوَ الْوَلَدُ الصغيرُ مِنْ كلِّ شيءٍ؛ وَشَبَّهَ العجَّاج رَمادَ المَوْقِد بَينَ الأَثافي بالطَّلَى بَيْنَ أُمَّهاتِه فَقَالَ:
طَلَى الرّمادِ اسْتُرْئِمَ الطَّلِيُ
أَرادَ: اسْتُرْئِمَهُ؛ قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: هَذَا مَثَل جعَل الرَّمادَ كَالْوَلَدِ لثلاثةِ أَيْنُقٍ، وَهِيَ الأَثافي عَطَفْنَ عَلَيْهِ؛ يَقُولُ: كأَنَّما الرَّمادُ ولدٌ صغيرٌ عَطَفَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيْنُقٍ. الْجَوْهَرِيُّ: الطَّلا الْوَلَدُ مِنْ ذواتِ الظِّلْفِ والخُفِّ، والجمعُ أَطلاءٌ؛ وأَنشد الأَصمعي لِزُهَيْرٍ:
بِهَا العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً، ... وأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كلِّ مَجْثَمِ
ابْنُ سِيدَهْ: وطلو
الطَّلْوُ والطَّلا الصغيرُ مِنْ كلِّ شيءٍ، وَقِيلَ: الطَّلا ولَدُ الظَّبْية سَاعَةَ تَضَعهُ، وَجَمْعُهُ طِلْوَانٌ، وَهُوَ طَلًا ثُمَّ خِشْفٌ، وَقِيلَ: الطَّلا مِنْ أَولادِ الناسِ والبَهائمِ والوَحْشِ مِنْ حينِ يولدُ إِلى أَن يَتَشدّدَ. وامرأَة مُطْلِيَةٌ: ذاتُ طَلًى.
وَفِي حَدِيثِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا مَا يَأْتِينَ
(15/12)

لأَزواجِهِنَّ دَخلَ مُطْلِياتُهُنّ الْجَنَّةَ
، وَالْجَمْعُ أَطلاءٌ وطُلِيٌّ وطُلْيانٌ وطِلْيانٌ؛ وَاسْتَعَارَ بَعْضُ الرُّجَّاز الأَطْلاء لفَسيلِ النَّخْلِ فَقَالَ:
دُهْما كأَنَّ الليلَ فِي زُهائِها، ... لَا تَرْهَبُ الذِّئبَ عَلَى أَطْلائِها
يَقُولُ: إِن أَولادَها إِنَّمَا هِيَ فَسِيلٌ، فَهِيَ لَا تَرْهَب الذِّئْبَ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الذِّئاب لَا تأكلُ الفَسيلَ. الْفَرَّاءُ: اطْلُ طَلِيَّكَ، والجمع الطُّلْيانُ، وطلو
طَلَوْته، وَهُوَ الطَّلا، مقصورٌ، يَعْنِي ارْبطْه برِجلِه. والطِّلَى: اللَّذَّةُ؛ قَالَ أَبو صَخْر الْهُذَلِيُّ:
كَمَا تُثَنِّي حُمَيّا الكأْسِ شارِبَها، ... لَمْ يَقْضِ مِنْهَا طِلاهُ بَعْدَ إِنْفادِ
وَقَضَى ابْنُ سِيدَهْ عَلَى الطِّلَى اللذَّة بالياءِ، وإِنْ لَمْ يُشْتَقَّ كَمَا قَالَ لِكَثْرَةِ ط ل ي وَقِلَّةِ ط ل و. وتَطَلَّى فلانٌ إِذا لَزِمَ اللَّهْوَ والطَّرَبَ. وَيُقَالُ: قَضَى فلانٌ طَلاهُ مِنْ حاجتِه أَي هَوَاهُ. والطُّلاةُ: هِيَ العُنُق، وَالْجَمْعُ طُلىً مِثلُ تُقاةٍ وتُقىً، وبعضهم يقول طلو
طُلْوةٌ وطُلىً. والطُّلَى: الأَعْناق، وَقِيلَ: هِيَ أُصُولُ الأَعناقِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا عَرُضَ مِنْ أَسفل الخُشَشاءِ، واحدتُها طُلْيَة. غَيْرُهُ: الطُّلَى جَمْعُ طُلْيَةٍ، وَهِيَ صَفْحة العُنُق. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: قَالَ أَبو الْخَطَّابِ طُلاةٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ رُطَبَة ورُطَبٍ لَا مِنْ بَابِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، فَافْهَمْ؛ وَأَنْشَدَ غيرُه قولَ الأَعْشى:
مَتَّى تُسْقَ مِنْ أَنْيابِها بَعْدَ هَجْعةٍ ... مِنَ الليلِ شِرْباً، حِينَ مَالَتْ طُلاتُها
قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَا نَظيرَ لَهُ إِلَّا حَرْفان: حُكاةٌ وحُكىً، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ العَظاء، وَقِيلَ: هِيَ دَابَّةٌ تُشْبه الْعَظَاءَ،، ومُهاةٌ ومُهىً، وَهُوَ ماءُ الْفَحْلِ فِي رَحِم الناقةِ، وَاحْتَجَّ الأَصمعي عَلَى قَوْلِهِ واحدتُها طُلْيَة بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أَضَلَّه راعِيا كَلْبِيَّةٍ صَدَرا ... عن مُطْلِبِ، وطُلى الأَعْناقِ تضْطَرِبُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَنه يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جمعَ طَلاةٍ كمَهاةٍ ومَهىً. وأَطْلَى الرجلُ والبعيرُ إطْلاءً، فَهُوَ مُطْلٍ: وَذَلِكَ إِذَا مَالَتْ عُنُقُه لِلْمَوْتِ أَو لِغَيْرِهِ؛ قَالَ:
وسائلةٍ تُسائلُ عَنْ أَبيها، ... فَقُلْتُ لَهَا: وَقَعْتِ عَلَى الخَبيرِ
تَرَكْتُ أَباكِ قَدْ أَطْلَى، وَمَالَتْ ... عَلَيْهِ القَشْعَمان مِن النُّسورِ
وَيُرْوَى: مثالَ الثُّعْلُبان. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا أَطْلَى نَبيٌّ قَطُّ
أَي مَا مالَ إِلَى هواهُ، وأَصله مِنْ مَيل الطُّلا، وَهِيَ الأَعْناقُ، إِلَى أَحدِ الشِّقَّيْنِ، وطلو
الطُّلْوَة: لغةٌ فِي الطُّلْيَة الَّتِي هِيَ عَرْضُ العُنُق. والطُّلْيَة: بياضُ الصُّبْحِ والنُّوَّار. وَرَجُلٌ طَلىً، مقصورٌ إِذَا كَانَ شَدِيدَ المَرَضِ مِثْلُ عَمىً، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع، وَرُبَّمَا قِيلَ رَجُلانِ طَلَيَان وعَمَيان ورِجالٌ أَطْلاءٌ وأَعْماءٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أفاطِمَ، فاسْتَحْيي طَلًى وتَحَرَّجِي ... مُصاباً، مَتَى يَلْجَجْ بِهِ الشَّرُّ يَلْجَجِ
ابْنُ السِّكِّيتِ: طَلَّيْتُ فُلَانًا تَطلِيَةً إِذَا مَرَّضْته وَقُمْتَ فِي مَرَضِه عَلَيْهِ. والطُّلَّاءُ مثال المُكَّاء: الدَّمُ؛ يقال: تَرَكْته يَتَشَحَّط فِي طُلَّائِه أَي يضطرِب فِي دَمِه مَقْتُولًا، وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: الطُّلَّاءُ شيءٌ يَخْرُجُ بَعْدَ شُؤْبُوبِ الدَّمِ يُخالِفُ لَونَ الدَّمِ، وَذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ
(15/13)

النَّفْسِ مِنَ الذَّبيحِ وَهُوَ الدَّم الَّذِي يُطْلى بِهِ. وَقَالَ ابْنُ بُزْرُجٍ: يُقَالُ هُوَ أَبغضُ إِليَّ مِنَ الطَّلِيَّا والمُهْلِ، وزَعم أَن الطَّلِيَّا قُرْحة تَخْرُج في جَنْبِ الإِنسان شَبِيهَة بالقُوبَاء، فيقال للرجل إنما هي قُوبَاء وليستْ بطَلِيَّا، يُهَوّنُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الطَّلِيَّا الجَرَب. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَما الطَّلْياءُ فَهِيَ الثَّمَلة، مَمْدُودَةٌ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي قَوْلِهِمْ هُوَ أَهْون عَلَيْهِ مِنْ طَلْية: هِيَ الرِّبذَة وَهِيَ الثَّمَلة؛ قَالَهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ. أَبُو سَعِيدٍ: أَمْرٌ مَطْلِيٌّ أَي مُشْكِل مُظْلِمٌ كأَنه قَدْ طُلِيَ بِمَا لبَّسَه؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
شامِذاً، تَتَّقِي المُبِسَّ عَلَى المُرْيَةِ، ... كَرْهاً، بالصِّرْفِ ذِي الطُّلَّاءِ
قَالَ: الطُّلَّاءُ الدَّمُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ يُرِيدُونَ تسكِين حَرْبٍ «2» وَهِيَ تَسْتَعْصِي عَلَيْهِمْ وتَزْبِنُهُم لِمَا هُريقَ فِيهَا منَ الدِّماءِ، وأَراد بالصِّرْفِ الدمَ الخالِص. والطَّلَى: الشَّخْصُ، يُقَالُ: إِنه لَجَمِيلُ الطَّلَى؛ وأَنشد أَبو عَمْرٍو:
وخَدٍّ كَمَتْنِ الصُّلَّبيِّ جَلَوْتُه، ... جَمِيلِ الطَّلَى، مُسْتَشْرِبِ اللَّوْنِ أَكْحَلِ
ابن سيدة: طلو
الطَّلاوَة وطلو
الطُّلاوَة الحُسْنُ والبَهْجَةُ والقَبولُ فِي النَّامي وَغَيْرِ النَّامِي، وحديثٌ عليه طلو
طُلاوَةٌ «3» وعلى كلامِهِ طلو
طُلاوةٌ عَلَى المَثَل، وَيَجُوزُ طلو
طَلاوةٌ. وَيُقَالُ: مَا عَلَى وجْهه حَلاوةٌ ولا طلو
طَلاوةٌ، وما عليه طلو
طُلاوةٌ، وَالضَّمُّ اللغةُ الجيِّدة، وَهُوَ الأَفْصَح. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: مَا عَلَى كَلَامِهِ طلو
طَلاوةٌ وحَلاوة، بِالْفَتْحِ، قَالَ: ولا أَقول طلو
طُلاوة بِالضَّمِّ إِلا للشيءِ يُطْلى بِهِ، وَقَالَ أَبو عمرو: طلو
طَلاوة وطلو
طُلاوة وطلو
طِلاوة. وَفِي قِصَّة الوَلِيد بْنِ المُغِيرة: إِنَّ لَهُ لحَلاوةً وإِنَّ عليه طلو
لَطُلاوَةً أَي رَوْنَقاً وحُسْناً، قَالَ: وَقَدْ تُفْتَحُ الطَّاءُ. وطلو
الطُّلاوَة: السِّحْر «4» ابْنُ الأَعرابي: طَلَّى إِذا شتَم شَتْماً قَبيحاً والطِّلاءُ: الشَّتْمُ. وطَلَّيْتُه أَي شَتَمْته. أَبو عَمْرٍو: وليلٌ طالٍ أَي مُظْلِمٌ كأَنه طَلى الشُّخُوصَ فَغَطَّاها؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
أَلا طَرَقَتْنا بالمَدِينَة، بَعْدَ ما ... طَلى اللَّيْلُ أَذْنابَ النِّجادِ، فأَظْلَمَا
أَي غَشَّاها كَمَا يُطْلى البَعِيرُ بالقَطِرانِ. والمِطلاءُ: مَسِيلٌ ضَيِّقٌ مِنَ الأَرض، يُمَدُّ ويُقْصَر، وَقِيلَ: هِيَ أَرضٌ سَهْلةٌ ليِّنةٌ تُنْبِتُ العِضَاهَ؛ وَقَدْ وَهِمَ أَبو حَنِيفَةَ حِينَ أَنشد بَيْتَ هِمْيان:
ورُغُلَ المِطْلَى بِهِ لَواهِجا
وَذَلِكَ أَنه قَالَ: المِطْلاءِ مَمْدُودٌ لَا غَيْرُ، وإِنما قَصَرَه الراجزُ ضَرورة، وَلَيْسَ هِمْيانُ وحْدَه قَصَرَها. قَالَ الفارسيُّ: إِن أَبا زِيَادٍ الكِلابيَّ ذَكَرَ دَارَ أَبي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ فَقَالَ تَصُبُّ فِي مَذانِبَ ونَواصِرَ، وَهِيَ مِطْلىً؛ كَذَلِكَ قَالَهَا بالقَصْر. أَبو عُبَيْدٍ: المَطالِي الأَرض السَّهْلة اللَّيِّنَة تُنْبِتُ العِضاهَ، واحدَتُها مِطْلاء عَلَى وَزْنٍ مِفْعال. وَيُقَالُ: المَطَالِي المَواضِعُ الَّتِي تَغْذُو فِيهَا الوَحْش أَطلاءَها. وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ عَنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَة: المَطالي رَوْضاتٌ، وَاحِدُهَا مِطْلًى، بالقَصْر لَا غيرُ، وأَما المِطْلاءُ لِمَا انْخَفَض مِنَ الأَرض واتَّسَعَ فَيُمَدُّ ويُقْصَرُ، والقَصْرُ فِيهِ أَكثر، وجمعهُ مَطالٍ؛ قَالَ زَبَّانُ بنُ سَيّارٍ الْفَزَارِيُّ:
__________
(2). قوله [يريدون تسكين حرب إلخ] تقدم لنا في مادة شمذ: قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ يَصِفُ حرباء، والصواب يصف حرباً.
(3). قوله [طلاوة] هي مثلثة كما في القاموس.
(4). قوله [والطلاوة السحر] في القاموس أنه مثلث.
(15/14)

رَحَلْتُ إِليكَ مِنْ جَنَفاءِ، حَتَّى ... أَنَخْتُ فِناءَ بَيْتِك بالمَطَالِي
وَقَالَ ابْنُ السَّيْرَافِيِّ: الْوَاحِدَةُ مِطْلاءٌ، بِالْمَدِّ، وَهِيَ أَرضٌ سَهْلة. والمُطَلِّي: هُوَ المُغَنِّي. وطلو
الطِّلْوُ: الذِّئْب. وطلو
الطِّلْوُ: القانصُ اللطيفُ الجِسْمِ، شُبِّه بالذِّئبِ؛ قَالَ الطرِمَّاح:
صادَفَتْ طلو طِلْواً طَويلَ القَرَا، ... حافِظَ العَينِ قَلِيلَ السَّأَمْ»
طما: طَمَا الماءُ يَطْمُو طُمُوًّا ويَطْمِي طُمِيّاً: ارْتَفَعَ وعَلا ومَلأَ النَّهْرُ، فَهُوَ طامٍ، وَكَذَلِكَ إِذا امْتلأَ البحْرُ أَو النَّهر أَو الْبِئْرُ. وَفِي حَدِيثِ
طَهْفة: مَا طَمَا البحرُ وَقَامَ تِعارٌ
أَي ارْتَفَع موجُه، وتِعارٌ اسْمُ جَبَل. وطَمَى النَّبْتُ: طالَ وعَلا، وَمِنْهُ يُقَالُ: طَمَت المرأَةُ بزَوْجها أَي ارْتَفَعَتْ بِهِ. وطَمَتْ بِهِ هِمَّتُه: عَلَتْ، وَقَدْ يُستَعار فِيمَا سِوى ذَلِكَ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
لَهَا مَنْطِقٌ لَا هِذْرِيانٌ طَمَى بهِ ... سَفاهٌ، وَلَا بادِي الجَفاءِ جَشِيبُ
أَي أَنه لَمْ يَعْلُ بِهِ كَمَا يَعْلُو الماءُ بالزَّبَد فَيَقْذِفُه. وطَمَى يَطْمِي مثلُ طَمَّ يَطِمُّ [يَطُمُ] إِذا مَرَّ مُسْرعاً؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَراد وِصالًا ثُمَّ صَدَّتْه نِيَّةٌ، ... وكانَ لَهُ شَكْلٌ فخالفَها يَطْمِي
وطَمِيَّةُ: جَبَلٌ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كأَنَّ طَمِيَّة المُجَيْمِر غُدْوَةً، ... منَ السَّيلِ والأَغْثاءِ، فِلْكة مِغْزَل
طنا: الطَّنَى: التُّهَمَةُ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْهَمْزِ أَيضاً. والطُّنِيُّ والطُّنُوُّ: الفُجور، قَلبوا فِيهِ الْيَاءُ وَاوًا كَمَا قَالُوا المُضُوّ فِي المُضِيّ، وَقَدْ طَنِيَ إِليها طَنًى، وقومٌ زُنَاةٌ طُناةٌ. وطَنِيَ فِي الفُجور وأَطْنَى: مَضَى فِيهِ. والطَّنَى: الرِّيبَةُ والتُّهَمة. والطَّنَى: الظنُّ مَا كانَ. والطَّنَى: أَن يَعظُم الطِّحالُ عَنِ الحمَّى، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ طَنٍ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يُحَمُّ غِبّاً فيَعْظُمُ طِحالُه، وَقَدْ طَنِيَ طَنًى، وَبَعْضُهُمْ يَهْمِزُ فَيَقُولُ: طَنِئَ طَنَأً فَهُوَ طَنِئٌ. والطَّنَى فِي البَعير: أَن يَعْظُم طِحالُه عَنِ النُّحازِ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. والطَّنَى: لُزُوقُ الطِّحَالِ بالجَنْبِ والرئَةِ بالأَضْلاعِ مِنَ الجانِبِ الأَيْسَرِ، وَقِيلَ: الطَّنَى لزُوق الرئَةِ بالأَضْلاعِ حَتَّى رُبَّما عَفِنَتْ واسْوَدَّتْ، وأَكثرُ مَا يُصيبُ الإِبِلَ، وبَعِيرٌ طَنىً؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
من داءِ نَفْسِي بَعْدَ ما طَنِيتُ ... مِثلَ طَنَى الإِبْلِ، وما ضَنِيتُ
أَي وبعدَ ما ضَنِيتُ. الْجَوْهَرِيُّ: الطَّنَى لزُوق الطِّحالِ بالجَنْبِ مِنْ شِدَّةِ العَطشِ؛ تقولُ مِنْهُ: طَنِيَ، بِالْكَسْرِ، يَطْنَى طَنًى فَهُوَ طنٍ وطَنًى، وطَنَّاهُ تَطنِيَةً: عالَجَه مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ الحرث بْنُ مُصرّف وَهُوَ أَبو مزاحِمٍ العُقَيلي:
أَكْوِيه، إِمَّا أَرادَ الكَيَّ، مُعْتَرِضاً ... كَيَّ المُطَنِّي مِنَ النَّحْزِ الطَّنَى الطَّحِلا
قَالَ: والمُطَنِّي الَّذِي يُطَنِّي البَعِيرَ إِذا طَنِيَ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والطَّنَى يكونُ فِي الطِّحالِ. الْفَرَّاءُ: طَنِيَ الرجلُ طَنًى إِذا التَصَقَتْ رئتَهُ بجَنْبِهِ مِنَ العَطشِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: طَنَّيْت بَعِيرِي فِي جَنْبيه كَوَيْته مِنَ الطَّنَى، ودواءُ الطَّنَى أَن يُؤخذ وتِدٌ فيُضجَعَ عَلَى جَنْبِه فيُجْرَى بين أَضلاعِه
__________
(1). قوله [طويل القرا] في التكملة: طويل الطوى.
(15/15)

أَحْزازٌ لَا تُخْرَقُ. والطَّنَى: المَرضُ، وَقَدْ طَنِيَ. ورجلٌ طَنًى: كضَنًى. والإِطْنَاء: أَن يَدَع المرضُ المَرِيضَ وَفِيهِ بقِيَّة؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد فِي صِفَةِ دَلْوٍ:
إِذا وَقَعْتِ فَقَعِي لِفِيكِ، ... إِن وقُوعَ الظَّهْرِ لَا يُطْنِيكِ
أَي لَا يُبْقِي فِيكِ بَقِيَّةً؛ يَقُولُ: الدَّلْو إِذا وَقَعَت عَلَى ظَهْرِها انْشَقَّت وإِذا وَقَعَت لِفِيها لَمْ يَضِرْها. وَقَوْلُهُ: وقُوعَ الظَّهْرِ أَراد أَن وقُوعَك عَلَى ظَهْركِ. ابْنُ الأَعرابي: ورَماهُ اللَّهُ بأَفْعَى حارِيَةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا تُطْني أَي لَا تُبْقِي. وحَيَّة لَا تُطْنِي أَي لَا تُبْقي وَلَا يَعِيش صاحِبُها، تَقْتُل مِنْ ساعَتِها، وأَصله الْهَمْزُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَفِي حَدِيثِ
اليهوديَّة الَّتِي سَمَّتِ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَمَدَتْ إِلى سُمٍّ لَا يُطْنِي
أَي لا يَسْلم عليه أَحدٌ. يُقَالُ: رَمَاهُ اللَّهُ بأَفْعَى لَا تُطْنِي أَي لَا يُفْلت لَديغُها. وضَرَبه ضَرْبَةً لَا تُطْني أَي لَا تُلْبثُه حَتَّى تَقْتُلَه، وَالِاسْمُ مِنْ ذَلِكَ الطَّنَى. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ لدَغَتْه حَيَّة فأَطْنَتْه إِذا لَمْ تَقْتُلْه، وَهِيَ حيَّة لَا تُطْنِي أَي لَا تُخْطِئ، والإِطْنَاءُ مثلُ الإِشْواءِ، والطَّنَى المَوْتُ نَفْسه. ابْنُ الأَعرابي: أَطْنَى الرَّجُلُ إِذا مَالَ إِلى الطَّنَى، وَهُوَ الريبَة والتُّهَمة، وأَطْنَى إِذا مَالَ إِلى الطَّنَى، وَهُوَ البِساطُ، فنامَ عَلَيْهِ كَسَلًا، وأَطْنَى إِذا مَالَ إِلى الطَّنَى، وَهُوَ المنزلُ، وأَطْنَى إِذا مَالَ إِلى الطَّنَى «1». فشَرِبَه، وَهُوَ الماءُ يَبْقَى أَسْفَلَ الحَوْض، وأَطْنَى إِذا أَخَذَه الطَّنَى، وَهُوَ لُزُوقُ الرِّئةِ بالجَنْبِ. والأَطْناءُ: الأَهواء. والطَّنَى: غَلْفَقُ الماءِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: ولستُ مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ. والطَّنَى شِراءُ الشَّجَرِ، وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ ثَمَر النَّخْل خاصَّةً، أَطْنَيْتُها: بِعْتُها، وأَطْنَيْتُها: اشْتَرَيْتُها، وأَطنَيْتُه: بِعْتُ عَلَيْهِ نَخْلَه؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْيَاءِ لِعَدَمِ ط ن وو وجود ط ن ي، وَهُوَ قوله الطَّنَى التُّهَمَة.
طها: طَهَا اللحْمَ يَطْهُوهُ ويَطْهاهُ طَهْواً وطُهُوًّا وطُهِيّاً وطِهايَةً وطَهْياً: عالجَه بالطَّبْخِ أَو الشيِّ، وَالِاسْمُ الطَّهْيُ، وَيُقَالُ يَطْهَى، والطَّهْوُ والطَّهْيُ أَيضاً الخَبْزُ. ابْنُ الأَعرابي: الطُّهَى الطَّبيخُ، والطَّاهِي الطَّبَّاخ، وَقِيلَ: الشَّوَّاء، وَقِيلَ: الخَبَّازُ، وَقِيلَ: كُلُّ مُصْلِحٍ لِطعام أَو غيرِهِ مُعالِجٍ لَهُ طاهٍ، رَوَاهُ ابْنُ الأَعرابي، والجمع طُهَاةٌ وطُهِيٌّ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صفِيفَ شِواء، أَو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
أَبو عَمْرٍو: أَطْهَى حَذِقَ صِنَاعَتَه. وَفِي حَدِيثِ
أُمِّ زَرْعٍ: وَمَا طُهاةُ أَبي زَرْعٍ
، يَعْنِي الطبَّاخِينَ، واحِدُهم طاهٍ، وأَصلُ الطَّهْوِ الطَّبْخُ الجَيِّدُ المُنْضِجُ. يُقَالُ: طَهَوْتُ الطّعَامَ إِذا أَنْضَجْتَه وأَتْقَنْتَ طَبْخَه. والطَّهْو: العَمَل؛ اللَّيْثُ: الطَّهْوُ عِلاجُ اللَّحْم بالشَّيِّ أَو الطَّبْخ،
وَقِيلَ لأَبي هُرَيْرَةَ: أَأَنت سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: وَمَا كَانَ طَهْوي
«2» أَي مَا كَانَ عَمَلي إِن لَمْ أُحكم ذَلِكَ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَذَا عِنْدِي مَثَلٌ ضَرَبه لأَنَّ الطَّهْوَ فِي كلامِهِمْ إِنْضاجُ الطَّعامِ، قَالَ: فنُرَى أَنّ مَعْنَاهُ أَنّ أَبا هُرَيْرَةَ جَعَلَ إِحْكامَه لِلْحَدِيثِ وإِتْقانَه إِيَّاه كالطَّاهي المُجِيدِ المُنْضِجِ لِطَعامِهِ، يَقُولُ: فَمَا كَانَ عَمَلي إِن كنتُ
__________
(1). قوله [إِذَا مَالَ إِلَى الطَّنَى] هكذا في الأَصل والمحكم، والذي في القاموس: إلى الطنو، بالكسر
(2). قوله [وما كان طَهْوِي]. هذا لفظ الحديث في المحكم، ولفظه في
التهذيب: فقال أنا ما طَهْوِي
إلخ.
(15/16)

لَمْ أُحْكِمْ هَذِهِ الروايَةَ الَّتِي رَوَيْتها عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كإِحْكامِ الطَّاهِي لِلطَّعَامِ، وَكَانَ وجْه الْكَلَامِ أَن يَقُولَ فَمَا كَانَ إِذاً طَهْوِي «1» وَلَكِنَّ الحدِيث جَاءَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّه لَمْ يَكُنْ لِي عَمَلٌ غيرُ السمَاعِ، أَو أَنَّه إنكارٌ لأَنْ يكونَ الأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّب كأَنه قَالَ وإِلَّا فأَيُّ شيءٍ حِفْظِي وإِحْكامي مَا سَمِعْتُ والطُّهَى: الذَّنْبُ. طَهَى طَهْياً: أَذْنَبَ؛ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، قَالَ: وَذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبي هُرَيْرَةَ أَنا مَا طَهْوِي أَي أَيُّ شَيْءٍ طَهْوِي، عَلَى التَّعَجب، كأَنه أَراد أَي شَيءٍ حِفْظِي لِمَا سَمِعْتُهُ وَإِحْكَامِي. وطَهَتِ الإِبلُ تَطْهَى طَهْواً وطُهُوّاً وطَهْياً: انْتَشَرَتْ وذَهَبَتْ فِي الأَرض؛ قَالَ الأَعشى:
ولَسْنَا لبَاغِي المُهْمَلاتِ بِقِرْفَةٍ، ... إِذَا مَا طَهَى باللَّيْلِ مُنْتَشِراتُها
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: إِذا ماطَ، مِنْ ماطَ يَمِيطُ. والطُّهَاوَة: الجِلْدَة الرَّقِيقَة فوقَ اللَّبَنِ أَو الدَّم. وطَهَا فِي الأَرض طَهْياً: ذَهب فِيهَا مثلَ طَحَا؛ قَالَ:
مَا كانَ ذَنْبِي أَنْ طَهَا ثُمَّ لَمْ يَعُد، ... وحُمْرانُ فِيهَا طائِشُ العَقْلِ أَصْوَرُ
وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ:
طَهَا هِذْرِيانٌ، قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِه ... عَلَى دُبَّة مِثْلِ الخَنِيف المُرَعْبَلِ
وَكَذَلِكَ طَهَتِ الإِبلُ. والطَّهْيُ: الغَيْمُ الرَّقيق، وَهُوَ الطَهاءُ لُغَةٌ فِي الطَّخاءِ، واحدَتُه طَهاءَةٌ؛ يُقَالُ: مَا عَلَى السَّمَاءِ طَهاءَةٌ أَي قَزَعة. ولَيلٌ طاهٍ أَي مُظْلِمٌ. الأَصمعي: الطَّهَاءُ والطَّخاءُ والطَّخافُ والعَماءُ كلُّه السحابُ المرتفِعُ، والطَّهْي الصِّراع، والطَّهْي الضَّرْبُ الشَّدِيدُ. وطُهَيَّةُ: قَبيلة، النسَبُ إِلَيْهَا طُهَوِيٌّ وطُهْوِيٌّ وطَهَوِيٌّ وطَهْوِيٌّ، وَذَكَرُوا أَنَّ مُكَبَّره طهْوة، وَلَكِنَّهُمْ غلَب اسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ مُصَغَّراً؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا لَيْسَ بقَوِيٍّ، قَالَ: وَقَالَ سِيبَوَيْهِ النَّسَب إِلى طُهَيَّة طُهْوِيٌّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: طُهَوِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَقِيلَ: هُمْ حَيٌّ مِنَ تَمِيمٍ نُسِبوا إِلى أُمِّهِمْ، وَهُمْ أَبو سَوْدٍ وعَوْفٌ وَحَبِيشٌ «2» بَنُو مالكِ بنِ حَنْظَلَة؛ قَالَ جَرِيرٌ:
أَثَعْلَبَة الفَوارِسَ أَوْ رِياحاً، ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ ابْنُ السَّيْرَافِيِّ لَا يُرْوَى فِيهِ إِلَّا نصبُ الفوارِس عَلَى النَّعْتِ لثَعلبة؛ الأَزهري: مَنْ قَالَ طَهْوِيٌّ جَعلَ الأَصلَ طَهْوَةَ. وَفِي النوادِرِ: مَا أَدْرِي أَيُّ الطَّهْياءِ هُوَ «3» وأَيُّ الضَّحْياءِ هُوَ وأَيُّ الوَضَحِ هُوَ؛ وَقَالَ أَبو النَّجْمِ:
جَزَاهُ عَنَّا ربُّنا، رَبُّ طَهَا، ... خَيْرَ الْجَزَاءِ فِي العَلاليِّ العُلا
فَإِنَّمَا أَرادَ رَبُّ طَه السُّورة، فَحَذَف الأَلِفَ؛ وأَنشد الباهليُّ للأَحْولِ الكِنْدِيِّ:
وليْتَ لَنَا، مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، شَرْبةً ... مُبَرَّدةً باتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ
يَعْنِي مِنْ ماءِ زمزمٍ، بدلَ ماءِ زَمْزَمَ، كقوله:
__________
(1). قوله [فَمَا كَانَ إِذًا طَهْوِي] هكذا في الأصل، وعبارة التهذيب: أن يقول فما طهوي أي فَمَا كَانَ إِذًا طَهْوِي إلخ.
(2). قوله [حبيش] هكذا في الأصل وبعض نسخ الصحاح، وفي بعضها: حنش.
(3). قوله [أي الطهياء هو إلخ] فسره في التكملة فقال: أَيْ أَيّ النَّاسِ هُوَ.
(15/17)

كَسَوْناها مِنَ الرَّيْطِ اليَماني ... مُسُوحاً، فِي بَنائِقها فُضُولُ
يَصِفُ إِبلًا كَانَتْ بِيضًا وسَوَّدها العَرَنُ، فكأَنها كُسِيَتْ مُسُوحاً سوداً بعد ما كَانَتْ بِيضًا. والطَّهَيَانُ: كأَنه اسْمُ قُلَّةِ جبلٍ. والطَّهَيَانُ: خَشَبَةٌ يُبَرَّد عَلَيْهَا الماءُ؛ وأَنشد بَيْتَ الأَحولِ الكِنْدِي:
مُبرَّدةً باتَتْ عَلَى طَهَيانِ
وحَمْنانُ مكةُ «1» شرَّفَها اللَّهُ تَعَالَى. ورأَيتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ الْفَاضِلِ رَضِيِّ الدِّينِ الشاطِبيّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي حَوَاشِي كِتَابِ أَمَالي ابْنُ بَرِّيٍّ قَالَ: قَالَ أَبو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ طَهَيَان، بِفَتْحِ أَوله وَثَانِيهِ وَبَعْدَهُ الياءُ أُخت الواوِ، اسْمُ ماءٍ. وطَهَيَان: جَبَلٌ؛ وأَنشد:
فلَيْتَ لَنَا، مِنْ ماءِ حَمْنانَ، شَرْبةً ... مُبَرَّدةً باتَت عَلَى الطَّهَيَانِ
وشَرحَه فَقَالَ: يُرِيدُ بَدَلًا مِنْ ماءِ زمزَم كَمَا قَالَ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، لأَهل الْعِرَاقِ، وَهُمْ مِائَةُ أَلف أَو يَزِيدُونَ: لَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ لِي مِنْكُمْ مائَتَيْ رجلٍ مِنْ بَني فِراسِ بنِ غَنْمٍ لَا أُبالي مَنْ لَقِيتُ بهم.
طوي: الطَّيُّ: نَقِيضُ النَّشْرِ، طَوَيْته طَيّاً وطِيَّةً وَطِيَةً، بِالتَّخْفِيفِ؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَهِيَ نَادِرَةٌ، وَحَكَى: صَحِيفة جافيَة الطِّيَةِ، بِالتَّخْفِيفِ أَيضاً، أَي الطَّيّ. وَحَكَى أَبو عَلِيٍّ: طَيَّةٌ وطُوًى ككَوَّة وكُوًى، وطَوَيته وَقَدِ انْطَوَى واطَّوَى وتَطَوَّى تَطَوِّياً، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: تَطَوَّى انْطِواءً؛ وأَنشد:
وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انطِواءَ الحِضْبِ
الحِضْبُ: ضربٌ مِنَ الحَيَّاتِ، وَهُوَ الوتَرُ أَيضاً، قَالَ: وَكَذَلِكَ جميعُ مَا يُطْوَى. وَيُقَالُ: طَوَيتُ الصَّحيفةَ أَطْوِيها طَيّاً، فالطَّيُّ المصدرُ، وطَوَيْتُها طَيَّةً وَاحِدَةً أَي مَرَّةً وَاحِدَةً. وإِنه لحَسَنُ الطِّيَّة، بِكَسْرِ الطاءِ: يُرِيدُونَ ضَرْباً مِنَ الطَّيِّ مثلُ الجِلسَة والمِشْيَة والرِّكْبةِ؛ وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مِنَ دِمْنَةٍ نَسَفَتْ عَنْهَا الصَّبا سُفَعاً، ... كَمَا تُنَشَّرُ بعدَ الطِّيَّةِ الكُتُبُ
فكسَر الطَّاءَ لأَنه لَمْ يُرِدْ بِهِ المَرَّة الْوَاحِدَةَ. وَيُقَالُ للحيَّة وَمَا يُشبِهُها: انْطَوَى يَنْطوِي انْطِواءً فَهُوَ مُنْطَوٍ، عَلَى مُنْفَعِلٍ. وَيُقَالُ: اطَّوَى يَطَّوِي اطِّواءً إِذا أَردتَ بِهِ افْتَعَل، فأَدْغِمِ التَّاءَ فِي الطاءِ فَتَقُولُ مُطَّوٍ مُفْتَعِل. وَفِي حَدِيثِ بناءِ الكَعْبةِ:
فتَطَوَّتْ موضعَ البَيْتِ كالحَجَفَة
أَي اسْتَدارَتْ كالتُّرْسِ، وَهُوَ تَفَعَّلَتْ مِنَ الطيِّ. وَفِي حَدِيثِ السفَرِ:
اطْوِ لَنا الأَرضَ
أَي قَرِّبها لَنَا وسَهِّلِ السَّيْرَ فِيهَا حَتَّى لَا تَطُولَ عَلَيْنَا فكأَنها قَدْ طُوِيَتْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن الأَرضَ تُطْوَى بالليلِ مَا لَا تُطْوَى بالنَّهارِ
أَي تُقْطَع مسافتُها لأَن الإِنسان فِيهِ أَنشَطُ مِنْهُ فِي النهارِ وأَقدرُ عَلَى المَشْي والسيرِ لعدمِ الحَرِّ وَغَيْرِهِ. والطَّاوِي مِنَ الظِّباءِ: الَّذِي يَطْوِي عُنُقَه عِنْدَ الرُّبوضِ ثُمَّ يَرْبِضُ؛ قَالَ الرَّاعِي:
أَغَنّ غَضِيض الطَّرْفِ، باتَتْ تَعُلُّه ... صَرَى ضَرّةٍ شَكْرى، فأَصْبَحَ طَاوِيا
عَدَّى تَعُلُّ إِلى مفعولَيْن لأَن فِيهِ مَعْنَى تَسْقِي. والطِّيَّة: الْهَيْئَةُ الَّتِي يُطْوَى عَلَيْهَا. وأَطْوَاءُ الثَّوْبِ والصحيفةِ والبطْنِ والشَّحمِ والأَمعاء والحَيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: طَرائِقُه ومَكاسِرُ طَيِّه،
__________
(1). قوله [وحمنان مكة] أي في صدر البيت على الرواية الآتية بعده،. وقد أسلفها في مادة ح م ن ونسب البيت هناك ليعلى بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قَيْسٍ الشكري، قال: وَشَكْرٌ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ.
(15/18)

واحدُها طِيٌّ، بِالْكَسْرِ، وطَيٌّ، بِالْفَتْحِ، وطِوًى. اللَّيْثُ: أَطْوَاءُ الناقةِ طَرائقُ شَحْمها، وَقِيلَ: طَرائِقُ شَحْمِ جَنْبَيْها وسنَامِها طَيٌّ فَوْقَ طَيٍّ. ومَطاوي الحيَّةِ ومَطَاوِي الأَمْعاءِ والثَّوْبِ والشحمِ والبطْنِ: أَطواؤُها، والواحدُ مَطْوًى. وتَطوَّتِ الحَيَّة أَي تحوَّت. وطِوَى الحيَّة: انْطِواؤُها. ومَطَاوِي الدِّرْعِ: غُضُونُها إِذا ضُمَّتْ، وَاحِدُهَا مِطْوًى؛ وأَنشد:
وعِنديَ حَصْداءُ مَسْرُودَةٌ، ... كأَنَّ مَطاوِيَها مِبْرَدُ
والمِطْوَى: شيءٌ يُطوَى عَلَيْهِ الغَزْلُ. والمُنْطَوِي: الضامرُ البَطْنِ. وَهَذَا رجلٌ طَوِيّ البَطنِ، عَلَى فَعِلٍ، أَي ضامِرُ البَطنِ، عَنِ ابْنِ السِّكِّيت؛ قَالَ العُجَيرُ السَّلوليّ:
فقامَ فأَدنَى مِنْ وِسادِي وِسادَه ... طَوِي البَطْنِ، ممشُوقُ الذراعَينِ، شَرْجَبُ
وسِقاءٌ طَوٍ: طُوِيَ وَفِيهِ بَلَلٌ أَو بَقِيَّةُ لبَنٍ فَتَغَيَّر ولَخِنَ وتَقَطَّع عَفَناً، وَقَدْ طَوِيَ طَوًى. والطَّيُّ فِي العَرُوضِ: حَذْفُ الرابِعِ مِنْ مُسْتَفْعِلُنْ ومَفْعُولاتُ، فَيَبْقَى مُسْتَعِلُنْ ومَفْعُلات فيُنْقَل مُسْتَعِلُنْ إِلَى مُفْتَعِلُنْ ومَفْعُلات إِلى فاعلاتُ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي البَسيطِ والرَّجَز والمنْسَرِح، وَرُبَّمَا سُمِّيَ هَذَا الجزءُ إِذا كَانَ ذَلِكَ مَطْوِيّاً لأَن رابعهُ وسَطُه عَلَى الاسْتِواء فشُبِّه بالثَّوْبِ الَّذِي يُعطَفُ مِنْ وَسَطه. وطَوَى الرَّكِيَّة طَيّاً: عَرَشَهَا بالحِجارةِ والآجُرِّ، وَكَذَلِكَ اللَّبِنُ تَطْوِيه فِي البِناءِ. والطَّوِيُّ: البئرُ المَطْوِيَّة بِالْحِجَارَةِ، مُذَكَّر، فإِن أُنِّثَ فَعَلى الْمَعْنَى كَمَا ذُكِّرَ البئرُ عَلَى الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ:
يَا بِئرُ، يَا بِئرَ بَني عَدِيِّ ... لأَنْزَحَنْ قَعْرَكِ بالدُّلِيِّ،
حَتَّى تَعُودي أَقْطَعَ الوَلِيِ
أَرادَ قَلِيباً أَقْطَعَ الوَلِيِّ، وَجَمْعُ الطَّوِيِّ البئرِ أَطْوَاءٌ. وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ:
فَقُذِفوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ
أَي بِئرٍ مَطوِيَّةٍ مِنْ آبارِها؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: والطَّوِيُّ فِي الأَصْل صِفَةٌ فعيلٌ بِمَعْنَى مَفْعول، فَلِذَلِكَ جَمَعُوه عَلَى الأَطْوَاء كَشَرِيفٍ وأَشرافٍ ويَتِيمٍ وأَيْتامٍ، وإِن كَانَ قَدِ انْتَقَلَ إِلى بابِ الاسْمِيَّة. وطَوَى كَشْحَه عَلَى كَذَا: أَضْمَرَه وَعَزَمَ عَلَيْهِ. وطَوَى فلانٌ كَشْحَهُ: مَضَى لِوَجْهِه؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وصاحبٍ قَدْ طَوَى كَشْحاً فَقُلْتُ لَهُ: ... إِنَّ انْطِواءَكَ هَذَا عَنْكَ يَطْوِيني
وطَوَى عنِّي نَصِيحتَه وأَمْرَه: كَتَمه. أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ طَوَى فُلانٌ فُؤادَهُ عَلَى عَزِيمةِ أَمرٍ إِذا أَسَرَّها فِي فُؤادِه. وطَوَى فُلانٌ كَشْحَه: أَعْرَضَ بِودِّهِ. وطوَى فلانٌ كَشْحَه على عَدواةٍ إِذا لَمْ يُظْهِرْها. وَيُقَالُ: طَوَى فُلانٌ حَديثاً إِلى حَديثٍ أَي لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وأَسَرَّه فِي نفسِه فَجازَه إِلى آخَرَ، كَمَا يَطْوِي المُسافِرُ مَنزلًا إِلى مَنزلٍ فَلَا يَنْزِلُ. وَيُقَالُ: اطْوِ هَذَا الحديثَ أَي اكْتُمْه. وطَوَى فلانٌ كَشْحَه عَني أَي أَعْرَضَ عَنِّي مُهاجِراً. وطَوَى كَشْحَهُ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَخْفاه؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
وكانَ طَوَى كَشْحاً عَلَى مُسْتَكِنَّةٍ، ... فَلا هُوَ أَبْداها وَلَمْ يَتَقَدَّم
أَرادَ بالمُسْتَكِنَّةِ عَداوَةً أَكَنَّها فِي ضَميره. وطَوَى البِلادَ طَيّاً: قَطَعَها بلَداً عَنْ بَلَدٍ. وطَوَى اللَّهُ
(15/19)

لَنَا البُعْدَ أَي قرّبَه. وفلانٌ يَطْوِي البلادَ أَي يَقْطَعُها بَلداً عَنْ بَلَدٍ. وطَوَى المَكانَ إِلى المَكانِ: جاوَزه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
عَلَيْهَا ابنُ عَلَّاتٍ إِذا اجْتَسَّ مَنْزِلًا، ... طَوَتْهُ نُجُومُ اللَّيْلِ، وَهْي بَلاقِعُ
أَي أَنه لَا يُقِيمُ بالمَنْزِل، لَا يُجاوِزُه النَّجْمُ إِلا وَهُوَ قَفْر مِنْهُ، قَالَ: وَهِيَ بلاقِعُ لأَنه عَنَى بالمَنْزل المنازِلَ أَي إِذا اجْتَسَّ مَنازِلَ؛ وأَنشد:
بهَا الوَجْناءُ مَا تَطْوِي بماءٍ ... إِلى ماءٍ، ويُمْتَلُّ السَّلِيلُ
يَقُولُ: وإِن بَقِيَتْ فإِنها لَا تَبْلغُ الماءَ ومَعَها حِين بُلوغِها فَضْلَةٌ مِنَ الماءِ الأَوَّلِ. وطَوَيْت طِيَّةً بَعُدَتْ؛ هَذِهِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ فأَما قَوْلُ الأَعشى:
أَجَدَّ بِتَيَّا هَجْرُها وشَتاتُها، ... وحُبَّ بِهَا لَوْ تُسْتَطاعُ طِياتُها
إِنما أَراد طِيَّاتُها فحَذَف الْيَاءَ الثَّانِيَةَ. والطِّيَّة: النَّاحِيَةُ. والطِّيَّةُ: الْحَاجَةُ والوَطَر، والطِّيَّةُ تكونُ مَنْزِلًا وتكونُ مُنْتَوًى. وَمَضَى لِطيَّتِه أَي لوجهِه الَّذِي يريدُه ولِنِيَّتِه الَّتِي انْتَواها. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَمَّا عَرَضَ نفسَه عَلَى قَبائلِ الْعَرَبِ قَالُوا لَهُ يَا مُحَمَّدُ اعْمِدْ لِطِيَّتِكَ
أَي امْضِ لِوَجْهِكَ وقَصْدِك. وَيُقَالُ: الْحَقْ بطِيَّتِك وبنِيَّتِك أَي بحاجتِك. وطِيَّةٌ بعيدةٌ أَي شاسِعةٌ. والطَّوِيَّة: الضَّمِيرُ. والطِّيَّة: الوَطَنُ والمَنْزِلُ والنِّيَّة. وبَعُدَتْ عَنَّا طِيَّتُه: وَهُوَ المَنْزِلُ الَّذِي انْتَواهُ، وَالْجَمْعُ طِيَّاتٌ، وَقَدْ يُخَفَّفُ فِي الشِّعْرِ؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ: أَصَمّ القلبِ حُوشِيّ الطِّيَاتِ والطَّواءُ: أَن يَنْطَوِي ثَدْيا المرأَةِ فَلَا يَكْسِرهما الحَبَل؛ وأَنشد:
وثَدْيانِ لَمْ يَكْسِرْ طَواءَهُما الحَبَلْ
قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: والأَطْواءُ الأَثْناءُ فِي ذَنَب الجَرادة وَهِيَ كالعُقْدَةِ، واحِدُها طِوًى. والطَّوَى: الجُوعُ. وَفِي حَدِيثِ
فَاطِمَةَ: قَالَ لَهَا لَا أُخْدِمُكِ وأَتْرُكَ أَهلَ الصُّفَّة تَطْوَى بطونُهم.
والطَّيَّانُ: الجائعُ. ورجلٌ طَيَّانُ: لَمْ يأْكل شَيْئًا، والأُنثى طَيَّا، وَجَمْعَهَا طِوَاءٌ. وَقَدْ طَوِيَ يَطْوَى، بِالْكَسْرِ، طَوًى وطِوًى؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ: خَمُصَ مِنَ الجوعِ، فَإِذَا تَعَمَّدَ ذلك قيل طَوَى يَطْوِي، بِالْفَتْحِ، طَيّاً. اللَّيْثُ: الطَّيَّانُ الطَّاوِي الْبَطْنِ، والمرأَةُ طَيَّا وطاوِيةٌ. وَقَالَ: طَوَى نهارَه جَائِعًا يَطْوِي طَوًى، فَهُوَ طاوٍ وطَوًى أَي خَالِي البَطنِ جَائِعٌ لَمْ يأْكل. وَفِي الْحَدِيثِ:
يَبِيتُ شَبْعانَ وجارُهُ طاوٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ يَطْوِي بَطنَه عَنْ جارِه
أَي يُجِيعُ نفسَه ويؤثِرُ جارَه بطعامِه. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ يَطْوِي يَوْمَيْنِ
أَي لَا يأْكل فِيهِمَا وَلَا يَشْرَب. وأَتيته بَعْدَ طُوًى مِنَ اللَّيْلِ أَي بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْهُ. ابْنُ الأَعرابي: طَوَى إِذا أَتى، وطَوَى إِذا جَازَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الطَّيُّ الإِتيانُ والطَّيُّ الجوازُ؛ يُقَالُ: مَرَّ بِنَا فَطَوَانا أَي جَلَسَ عِنْدَنَا، ومَرَّ بِنَا فطَوَانا أَي جازَنا. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طُوًى اسْمُ موضِعٍ بالشأْم، تُكْسَرُ طاؤُه وتُضَمُّ ويُصْرَفُ وَلَا يُصْرَف، فَمَنْ صَرَفَه جَعلَه اسمَ وادٍ ومكانٍ وجَعَله نكرَةً، وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْه جَعَلَه اسْمَ بَلْدة وبُقْعَة وجَعَله مَعْرِفَةً؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِذا كَانَ طُوًى اسْماً لِلْوَادِي فَهُوَ عَلم لَهُ، وإِذا كَانَ اسْمًا عَلَماً فَلَيْسَ يَصِحُّ تَنْكيرُه لتَبايُنِهما، فَمَنْ صَرَفه جَعَلَهُ اسْمًا لِلْمَكَانِ، وَمَنْ لَمْ
(15/20)

يَصْرفه جَعَلَهُ اسْمًا للبُقْعة، قَالَ: وَإِذَا كَانَ طُوًى وطِوًى، وَهُوَ الشَّيْءُ المَطْوِيّ مَرَّتَيْنِ، فَهُوَ صِفَةٌ بِمَنْزِلَةِ ثُنًى وثِنًى، وَلَيْسَ بعَلَمٍ لشيءٍ، وَهُوَ مَصْروفٌ لَا غيرُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَفي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْني مَلامَةً؟ ... لعَمْري لَقَدْ كَانَتْ مَلامَتُها ثِنَى
وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
أَعاذِل، إِنَّ اللَّوْمَ فِي غيرِ كُنْهِه، ... عليَّ طِوًى [طُوًى] مِنْ غَيِّك المُتَرَدِّد
ورأَيت فِي حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنْ أَمالي ابْنِ بَرِّيٍّ: إِن الَّذِي فِي شِعْرِ عَدِيّ: عَليَّ ثِنًى مِنْ غَيِّك. ابْنُ سِيدَهْ: وطُوًى وطِوًى جَبَلٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ: هُوَ وادٍ فِي أَصلِ الطُّورِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
؛ قَالَ أَبو إِسحاق: طُوًى اسمُ الْوَادِي، وَيَجُوزُ فِيهِ أَربعة أَوجه: طُوَى، بِضَمِّ الطَّاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِتَنْوِينٍ، فَمَنْ نَوَّنه فَهُوَ اسْمٌ لِلْوَادِي أَو الجَبَل، وَهُوَ مذكَّر سُمِّيَ بمذكَّرٍ عَلَى فُعَلٍ نَحْوُ حُطَمٍ وصُرَدٍ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْه تركَ صَرْفَه مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحداهما أَن يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ فَيَصِيرُ مثلَ عُمَرَ المعدولِ عَنْ عامرٍ فَلَا يَنْصَرِفُ كَمَا لَا يَنْصَرِفُ عُمَر، وَالْجِهَةُ الأُخرى أَن يَكُونَ اسْمًا للبُقْعة كَمَا قَالَ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا كُسر فَنُوِّن فَهُوَ طِوًى مثلُ مِعًى وضِلَعٍ، مصروفٌ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّن جعلَه اسْمًا للبُقْعة، قَالَ: وَمَنْ قرأَ طِوًى، بِالْكَسْرِ، فَعَلَى مَعْنَى المُقَدَّسة مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَمَا قَالَ طُرْفَةُ، وأَنشد بَيْتَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ آنِفاً، وَقَالَ: أَرادَ اللَّوْمَ المكَرَّرَ عليَّ. وسُئل المُبَرِّد عَنْ وادٍ يُقَالُ لَهُ طُوًى: أَتَصْرِفُه؟ قَالَ: نَعَمْ لأَن إِحدى العِلَّتين قَدِ انْخَرَمت عَنْهُ. وقرأَ
ابْنُ كُثيرٍ ونافعٌ وأَبو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ الحَضْرَميّ: طُوَى وأَنا وطُوَى اذْهَبْ
، غيرَ مُجْرًى، وقرأَ الكسائيُّ وعاصمٌ وَحَمْزَةٌ وابنُ عَامِرٍ: طُوىً*، مُنَوَّناً فِي السُّورَتَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ طُوًى مِثْلُ طِوًى، وَهُوَ الشَّيْءُ المَثْنِيُّ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً*
؛ أَي طُوِيَ مَرَّتَيْنِ أَي قُدِّسَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ثُنِيَتْ فِيهِ البَرَكة والتَّقْدِيسُ مَرَّتَيْنِ. وَذُو طُوًى، مَقْصُورٌ: وادٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَ فِي كِتَابِ أَبي زَيْدٍ مَمْدُودًا، وَالْمَعْرُوفُ أَن ذَا طُوًى مَقْصُورٌ وادٍ بِمَكَّةَ. وَذُو طُواءٍ، مَمْدُودٌ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الطائفِ، وَقِيلَ: وادٍ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَذُو طُوًى، بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ، مَوْضِعٌ عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ يُسْتحب لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ أَن يَغْتَسِلَ بِهِ. وَمَا بِالدَّارِ طُوئِيٌّ بِوَزْنِ طُوعِيٍّ وطُؤوِيٌّ بِوَزْنِ طُعْوِيٍّ أَي مَا بِهَا أَحَدٌ، وَهُوَ مذكورٌ فِي الهَمْزة. والطَّوُّ: موضِعٌ. وطَيِءٌ: قَبيلة، بِوَزْنِ فَيْعِلٍ، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا أَصلية، وَالنِّسْبَةُ إِليها طَائِيٌّ لأَنه نُسِبَ إِلى فِعْلٍ فَصَارَتِ الْيَاءُ أَلِفاً وَكَذَلِكَ نَسَبُوا إِلى الْحَيْرَةِ حارِيّ لأَن النِّسْبَةَ إِلى فَعِلٍ فَعَلِيٌّ كَمَا قَالُوا فِي رَجُلٍ مِنَ النَّمِر نَمَرِيٌّ «2»، قال: وتأْليفُ طَيِءٍ مِنْ هَمْزَةٍ وَطَاءٍ وَيَاءٍ، وَلَيْسَتْ مِنْ طَوَيْت فَهُوَ مَيِّتُ التَّصْرِيف. وَقَالَ بَعْضُ النسَّابِينَ: سُمِّيت طَيِءٌ طَيّئاً لأَنه أَوّلُ مَنْ طَوَى المَناهِلَ أَي جازَ مَنْهَلًا إِلى مَنْهَلٍ آخَرَ وَلِمَ يَنْزِلْ. والطاءُ: حرفُ هِجاءٍ مِنْ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وَهُوَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ مُسْتَعْلٍ، يَكُونُ أَصلًا وبَدَلًا، وأَلفُها تَرْجِع إِلى الْيَاءِ، إِذا هَجَّيْتَه جَزَمْتَه
__________
(2). قوله [من النمر نمري] تقدم لنا في مادة حير كَمَا نَسَبُوا إِلَى التَّمْرِ تمري بالتاء المثناة والصواب ما هنا.
(15/21)

وَلَمْ تُعْرِبْهُ كَمَا تَقُولُ طَ دَ مُرْسَلَةَ اللَّفْظِ بِلَا إِعْرابٍ، فإِذا وَصَفْتَه وصَيَّرْتَه اسْماً أَعْرَبْتَه كَمَا تُعْرِبُ الِاسْمَ، فتقولُ: هَذِهِ طاءٌ طَويلَةٌ، لمَّا وَصَفْتَه أَعْرَبْتَه. وشعرٌ طاوِيٌّ: قافِيَتُه الطاء.
طيا: الطَايَةُ: الصَّخْرَةُ العظِيمةُ فِي رَمْلَةٍ أَو أَرض لَا حِجارةَ بِهَا. والطَّايَة: السَّطْحُ الَّذِي يُنامُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُسَمَّى بِهَا الدُّكّانُ. قَالَ: وَتَوْدِيهُ التَّايَةِ «1» وَهُوَ أَن يَجْمَعَ بَيْنَ رؤوس ثَلَاثِ شَجَرَاتٍ أَو شَجَرَتَيْنِ، ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبٌ فيستظلَّ بِهَا. وَجَاءَتِ الإِبل طَايَاتٍ أَي قُطْعاناً، وَاحِدَتُهَا طَايَة؛ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ لَجَإٍ يَصِفُ إِبلًا:
تَرِيعُ طاياتٍ وتَمْشِي هَمْسا

فصل الظاء المعجمة
ظبا: الظُّبَة: حَدُّ السَّيْفِ والسِّنانِ والنَّصْل والخَنجر وَمَا أَشْبه ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ
قَيْلة: أَنها لمَّا خَرَجَتْ إِلى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَدركها عمُّ بناتِها قَالَ فأَصابَتْ ظُبَةُ سيفِه طَائِفَةً مِنْ قُرون رأْسه
؛ ظُبَة السَّيْفِ: حَدُّه، وَهُوَ مَا يَلي طَرَف السَّيْفِ، وَمِثْلُهُ ذُبابه؛ قَالَ الكميت:
يَرَى الرَّاؤُونَ، بالشَّفَرات، مِنَّا ... وَقُودَ أَبي حُباحِبَ والظُّبِينا
وَالْجَمْعُ ظُبَاتٌ وظِبُونَ وظُبُونَ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِالْوَاوِ لِمَكَانِ الضَّمَّةِ لأَنها كأَنها دَلِيلٌ عَلَى الْوَاوِ، مَعَ أَن مَا حُذِفَتْ لَامُهُ وَاوًا نَحْوَ أَب وأَخ وحَمٍ وهَنٍ وسَنَة وعِضَة فِيمَنْ قَالَ سَنَوات وعِضَوات أَكثر مِمَّا حُذِفَتْ لامُه يَاءً، وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِنْهَا فَاءً وَلَا عَيْنًا، أَما امْتِنَاعُ الْفَاءِ فلأَن الْفَاءَ لَمْ يَطَّرِد حَذْفُهَا إِلا فِي مَصَادِرِ بَنَاتِ الْوَاوِ نَحْوَ عِدَة وزِنَة وحِدَة، وَلَيْسَتْ ظُبَة مِنْ ذَلِكَ، وأَوائل تِلْكَ الْمَصَادِرِ مَكْسُورَةٌ وأَول ظُبَةٍ مَضْمُومٌ، وَلَمْ يُحْذَفْ فَاءٌ مِنْ فُعْلة إِلا فِي حَرْفٍ شَاذٍّ لَا نَظِيرَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي الصِّلة صُلة، وَلَوْلَا الْمَعْنَى وأَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ صِلَة فِي مَعْنَاهَا، وَهِيَ مَحْذُوفَةُ الْفَاءِ مِنْ وَصَلْت، لَمَا أَجَزْنا أَن تَكُونَ مَحْذُوفَةَ الْفَاءِ، فَقَدْ بَطَلَ أَن تَكُونَ ظُبَة مَحْذُوفَةَ الْفَاءِ، وَلَا تَكُونُ أَيضاً مَحْذُوفَةَ الْعَيْنِ لأَن ذَلِكَ لَمْ يأْت إِلا فِي سَهْ وَمَهْ، وَهُمَا حَرْفَانِ نَادِرَانِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا. وظُبَةُ السَّيْفِ وظُبَةُ السَّهْم: طَرَفُه؛ قَالَ بَشامة بْنُ حَرَى النَّهْشلي:
إِذا الكُماةُ تَنَحَّوْا أَن يَنالهُم ... حَدُّ الظُّبَات، وصَلْناها بأَيدينا
وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: نَافِحُوا بالظُّبَى
؛ هِيَ جَمْعُ ظُبَة السَّيْفِ، وَهُوَ طَرَفُه وحَدُّه. قَالَ: وأَصل الظُّبَة ظُبَوٌ، بِوَزْنِ صُرَد، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ وعوّض مِنْهَا الْهَاءُ. وَفِي حَدِيثِ
الْبَرَاءِ: فوضَعْتُ ظَبيبَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ
؛ قَالَ الْحَرْبِيُّ: هَكَذَا رُوِيَ وإِنما هُوَ ظُبَة السَّيْفِ، وَهُوَ طَرَفه، وَتُجْمَعُ عَلَى الظُّبَات والظُّبِين، وأَما الضَّبيب، بِالضَّادِ، فَسَيَلانُ الدَّمِ مِنَ الْفَمِ وَغَيْرِهِ؛ وَقَالَ أَبو مُوسَى: إِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ. وَيُقَالُ لِحَدِّ السِّكِّينِ: الغِرار والظُّبَة والقُرْنَةُ، ولِجانِبِها الَّذِي لَا يَقْطَعُ: الكَلُّ. والظُّبَة: جِنْسٌ مِنَ المَزاد. التَّهْذِيبَ: الظَّبْيَة شِبْهُ العِجْلة والمَزادة، وإِذا خَرَجَ الدجَّال تَخْرُجُ قُدَّامه امرأَة تُسَمَّى ظَبْيَةَ، وَهِيَ تُنْذِر الْمُسْلِمِينَ بِهِ. والظَّبْية: الجِراب، وَقِيلَ: الْجِرَابُ الصغير خاصة، وقيل: هو مِنْ جِلْدِ الظِّباء. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه أُهْدِي لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ظَبْيَة فِيهَا خَرَزٌ فأَعطى الآهِلَ منها والعَزَبَ
؛
__________
(1). قوله [وتوديه التاية إلخ] هكذا في الأصل.
(15/22)

الظَّبْيَةُ: جِراب صَغِيرٌ عَلَيْهِ شَعْرٌ، وَقِيلَ: شِبْه الخَريطة والكِيس. وَفِي حَدِيثِ
أَبي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبي أُسيد قَالَ: التَقَطْتُ ظَبْيَةً فِيهَا أَلف وَمِائَتَا دِرْهَمٍ وقُلْبانِ مِنْ ذَهَبٍ
أَي وَجَدْت، وتُصَغَّر فَيُقَالُ ظُبَيَّة، وَجَمْعُهَا ظِبَاء؛ وَقَالَ عَدِيّ:
بَيْتِ جُلُوفٍ طَيِّبٍ ظِلُّهُ، ... فِيهِ ظِبَاءٌ ودَواخِيلُ خُوصْ
وَفِي حَدِيثِ
زَمْزَم: قِيلَ لَهُ احْفِرْ ظَبْيَة، قَالَ: وَمَا ظَبْيَةُ؟ قَالَ: زَمْزَم
؛ سُمِّيَتْ بِهِ تَشْبِيهًا بالظَّبية الخَريطة لِجَمْعِهَا مَا فيها. الظَّبْيُ: الْغَزَالُ، وَالْجَمْعُ أَظْبٍ وظِبَاءٌ وظُبِيٌّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَظْبٍ أَفْعُلٌ، فأَبدلوا ضَمَّةَ الْعَيْنِ كَسْرَةً لِتَسْلَمَ الْيَاءُ، وظُبِيٌّ عَلَى فُعُول مِثْلَ ثَدْيٍ وثُدِيّ، والأُنثى ظَبْيَة، وَالْجُمْعُ ظَبَيَاتٌ وظِبَاء. وأَرض مَظْبَاةٌ: كَثِيرَةُ الظِّباء. وأَظْبَتِ الأَرض: كثرَ ظِباؤها. وَلَكَ عِنْدِي مائةٌ سِنَّ الظَّبْيِ أَي هنَّ ثُنْيان لأَن الظَّبْيَ لَا يَزِيدُ عَلَى الإِثْناء؛ قَالَ:
فَجَاءَتْ كسِنِّ الظَّبْي، لَمْ أَرَ مِثْلَها ... بَوَاءَ قَتيل، أَو حَلُوبَة جَائِعِ
وَمِنْ أَمثالهم فِي صِحَّة الْجِسْمِ: بِفُلَانٍ دَاءُ ظَبْيٍ؛ قَالَ أَبو عَمْرٍو: مَعْنَاهُ أَنه لَا دَاءَ بِهِ، كَمَا أَن الظَّبْيَ لَا دَاءَ بِهِ؛ وأَنشد الأُموي:
فَلَا تَجْهَمِينا، أُمَّ عَمْرٍو، فإِنما ... بِنا داءُ ظَبْيٍ، لَمْ تَخُنه عَوامِلُه
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأُموي وداء الظَّبي أَنه إِذا أَراد أَن يَثِبَ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ وَثَب. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمر الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ أَن يأْتي قَوْمَهُ فَقَالَ إِذَا أَتَيْتَهم فارْبِضْ فِي دَارِهِمْ ظَبْياً
؛ وتأْويله أَنه بَعَثَهُ إِلى قَوْمٍ مُشْرِكِينَ ليَتَبصَّر مَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَتَجَسَّسَ أَخبارهم وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ بِخَبَرِهِمْ وأَمره أَن يَكُونَ مِنْهُمْ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ ويَتَبَيَّنُهُم وَلَا يَسْتَمْكِنُونَ مِنْهُ، فإِن أَرادوه بِسُوءٍ أَو رابَه مِنْهُمْ رَيْبٌ تَهَيّأَ لَهُ الهَرَب وتَفَلَّتَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ مِثْلَ الظَّبْي الَّذِي لَا يَرْبِض إِلا وَهُوَ مُتَبَاعِدٌ مُتَوَحِّشٌ بِالْبَلَدِ القَفْر، وَمَتَى ارْتَابَ أَو أَحَسَّ بفَزَع نَفَر، وَنَصَبَ ظَبْياً عَلَى التَّفْسِيرِ لأَن الرُّبوض لَهُ، فَلَمَّا حُوِّلَ فِعْلُهُ إِلى الْمُخَاطَبِ خَرَج قَوْلُهُ ظبْياً مفسِّراً؛ وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: قَالَ ابْنُ الأَعرابي أَراد أَقِم فِي دَارِهِمْ آمِناً لَا تَبْرح كأَنك ظَبْيٌ فِي كِناسه قَدْ أَمِن حَيْثُ لَا يَرَى إِنْسًا. وَمِنْ أَمثالهم: لأَتْرُكَنَّه تَرْكَ الظَّبْي ظِلَّه، وَذَلِكَ أَن الظَّبْيَ إِذا تَرَك كِناسه لَمْ يَعُد إِليه؛ يُقَالُ ذَلِكَ عِنْدَ تأْكيد رَفْضِ الشَّيْءِ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ. وَمِنْ دُعَائِهِمْ عِنْدَ الشَّماتة: بهِ لَا بِظَبْيٍ أَي جَعَلَ اللهُ تَعَالَى مَا أَصابه لَازِمًا لَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ فِي زِيَادٍ:
أَقُولُ لَهُ لمَّا أَتانا نَعِيُّه: ... بِهِ لَا بِظَبْيٍ بالصَّرِيمةِ أَعْفَرَا
والظَّبْيُ: سِمَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ؛ وإِياها أَراد عَنْتَرَةُ بِقَوْلِهِ:
عَمْرَو بْنَ أَسْوَدَ فَا زَبَّاءَ قاربةٍ ... ماءَ الكُلابِ عَلَيْهَا الظَّبْيُ، مِعْناقِ «1»
والظَّبْيَة: الحَيَاء مِنَ المرأَة وكلِّ ذِي حافِرٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: والظَّبْيَة جَهاز المرأَة وَالنَّاقَةِ، يَعْنِي حَيَاءَها؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الظَّبْيَة للكَلْبة؛ وخَصَّ ابْنُ الأَعرابي بِهِ الأَتانَ والشاةَ والبَقَرةَ. والظَّبْيَةُ مِنَ الفَرس: مَشَقُّها وَهُوَ مَسْلَكُ الجرْدان فِيهَا. الأَصمعي: يُقَالُ لكلِّ ذَاتِ خُفٍّ أَو ظِلْفٍ الحَيَاءُ، ولكلِّ ذَاتِ حافرٍ الظَّبْيَة؛ وَلِلسِّبَاعِ كُلِّهَا الثَّفْر.
__________
(1). فا زبَّاء أي فم زباء.
(15/23)

والظَّبْيُ: اسْمُ رَجُلٍ. وظَبْيٌ: اسمُ مَوْضِعٍ، وَقِيلَ: هُوَ كَثِيبُ رَمْل، وَقِيلَ: هُوَ وادٍ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ رَمْلة؛ وَبِهِ فُسِّر قولُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وتَعْطُو برَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأَنه ... أَسارِيعُ ظَبْيٍ، أَو مَسَاويكُ إِسْحِل
ابْنُ الأَنباري: ظُبَاء اسْمُ كَثِيبٍ بِعَيْنِهِ؛ وأَنشد:
وكَفّ كَعُوَّاذِ النَّقا لَا يَضيرُها، ... إِذا أُبْرِزَتْ، أَن لا يكونَ خِضابُ «1»
وعُوَّاذ النَّقا: دوابُّ تُشْبِهُ العَظَاء، وَاحِدَتُهَا عَائِذَةٌ تَلْزم الرملَ لَا تَبْرَحُه، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الظُّبَاءُ وادٍ بِتهامة. والظَّبْيَة: مُنْعَرَج الْوَادِي، وَالْجَمْعُ ظِبَاء، وَكَذَلِكَ الظُّبَة، وَجَمْعُهَا ظُباءٌ، وَهُوَ مِنَ الْجَمْعِ الْعَزِيزِ؛ وَقَدْ رَوَى بَيْتَ أَبي ذُؤَيْبٍ بِالْوَجْهَيْنِ:
عَرَفْتُ الديارَ لأُمّ الرَّهينِ ... بينَ الظُّبَاء فَوَادِي عُشَرْ
قَالَ: الظُّبَاء جَمْعُ ظُبَة لمُنْعَرج الْوَادِي، وَجَعَلَ ظُبَاءً مِثْلَ رُخالٍ وظُؤارٍ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي جَاءَ عَلَى فُعال، وأَنكر أَن يَكُونَ أَصلَه ظُبًى ثُمَّ مَدَّه لِلضَّرُورَةِ؛ وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ ابْنُ جِنِّي يَنْبَغِي أَن تَكُونَ الهمزةُ فِي الظُّبَاءِ بَدَلًا مِنْ ياءٍ وَلَا تَكُونُ أَصلًا، أَمّا مَا يَدْفَعُ كونَها أَصلًا فلأَنهم قَدْ قَالُوا فِي واحِدِها ظُبَة، وَهِيَ مُنْعَرَج الْوَادِي، واللامُ إِنما تُحْذَف إِذا كَانَتْ حرفَ علَّة، وَلَوْ جَهِلْنا قولَهم فِي الْوَاحِدِ مِنْهَا ظُبَة، لَحَكَمْنَا بأَنها مِنَ الْوَاوِ اتِّباعاً لِمَا وَصَّى بِهِ أَبو الْحَسَنِ مِنْ أَن اللَّام الْمَحْذُوفَةَ إِذا جُهِلَت حُكم بأَنها واوٌ، حَمْلًا عَلَى الأَكثر، لكنَّ أَبا عُبَيْدَةَ وأَبا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ رَوَيَاهُ بَيْنَ الظِّبَاء، بِكَسْرِ الظَّاءِ وَذَكَرَا أَن الْوَاحِدَ ظَبْية، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْيَاءُ لَامًا فِي ظَبْيَةٍ وَجَبَ القَطْع بِهَا وَلَمْ يَسُغ العدولُ عَنْهَا، وَيَنْبَغِي أَن يَكُونَ الظُّباء الْمَضْمُومُ الظَّاءِ أَحدَ مَا جَاءَ مِنَ الجُمُوع عَلَى فُعال، وَذَلِكَ نَحْوُ رُخال وظُؤَارٍ وعُراق وثُناء وأُناسٍ وتُؤَامٍ ورُباب، فَإِنْ قُلْتَ: فَلَعَلَّهُ أَراد ظُبًى جَمْعَ ظُبَة ثُمَّ مَدَّ ضَرُورَةً؟ قِيلَ: هَذَا لَوْ صَحَّ الْقَصْرُ، فأَما وَلَمْ يَثْبُتِ القصرُ مِنْ جِهَةٍ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ لِتَرْكِكَ القياسَ إِلى الضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقِيلَ: الظِّبَاءُ فِي شِعْرِ أَبي ذُؤَيْبٍ هَذَا وادٍ بِعَيْنِهِ. وظَبْيَةُ: موضعٌ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ:
فغَيْقَةُ فالأَخْيافُ، أَخْيافُ ظَبْيةٍ، ... بِهَا مِنْ لُبَيْنى مَخْرَفٌ ومَرابِعُ
وعِرْقُ الظُّبْيَة، بِضَمِّ الظَّاءِ: مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَميال مِنَ الرَّوْحاء بِهِ مسجدُ سَيِّدِنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي حَدِيثِ
عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: مِنْ ذِي الْمَرْوَةِ إِلى الظَّبْيَة
؛ وَهُوَ مَوْضِعٌ فِي دِيَارِ جُهينة أَقْطعه النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَوْسَجَة الجُهَني. والظُّبْيَة: اسْمُ مَوْضِعٍ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ. وظَبْيَان: اسْمُ رجل، بفتح الظاء.
ظرا: الظَّرَوْرَى: الكَيِّسُ. رَجُلٌ ظَرَوْرَى: كَيِّسٌ. وظَرِيَ يَظْرَى إِذا كاسَ. قَالَ أَبو عَمْرٍو: ظَرَى إِذا لَانَ، وظَرَى إِذا كاسَ، واظْرَوْرَى كاسَ وحَذِقَ، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: اطْرَوْرى، بِالطَّاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ. واظْرَوْرَى الرجلُ اظْرِيرَاءً: اتَّخَم فانْتَفَخ بَطْنُهُ، وَالْكَلِمَةُ واوِيَّة ويائِيَّة. واظْرَوْرَى بطْنُه إِذا انْتَفَخَ، وَذَكَرُهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي ضَرَا، بِالضَّادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ. الأَزهري: قرأْت فِي نَوَادِرِ الأَعْراب الاطْرِيرَاء والاظْرِيراءُ البِطْنَةُ، وَهُوَ مُطْرَوْرٍ ومُظْرَوْرٍ،
__________
(1). قوله [كعوّاذ النقا إلخ] هكذا في الأصول التي بأيدينا، ولا شاهد فيه على هذه الرواية، ولعله روي: كعوّاذ الظبا.
(15/24)

قَالَ: وَكَذَلِكَ المُحْبَنْطي والمُحْبَنْظِي، بِالظَّاءِ؛ وَقَالَ الأَصمعي: اطْرَوْرَى بَطْنُه، بِالطَّاءِ. أَبُو زَيْدٍ اظْرَوْرَى الرجلُ غَلب الدَّسَمُ عَلَى قَلْبِه فانتفَخَ جوفُه فَمَاتَ، وَرَوَاهُ الشَّيْبَانِيُّ: اطْرَوْرى، وَالشَّيْبَانِيُّ ثِقَةٌ، وأَبو زَيْدٍ أَوثق مِنْهُ.
ابْنُ الأَنباري: ظَرَى بَطْنُه يَظْرِي إِذَا لَمْ يَتَمالَكْ لِيناً. وَيُقَالُ: أَصابَ المالَ الظَّرَى فأَهْزَلَه، وَهُوَ جُمُود الْمَاءِ لِشِدَّة البَرْدِ. ابْنُ الأَعرابي: الظَّارِي العاضُّ. وَظَرَى يَظْرِي إِذَا جَرَى.
ظلا: ابْنُ الأَعرابي: تَظَلَّى فلانٌ إِذَا لَزِمَ الظِّلالَ والدَّعَة؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: كَأَنَّ فِي الأَصل تَظَلَّلَ، فقُلبَت إحد اللَّامَاتِ يَاءً كَمَا قَالُوا تَظَنَّيْت من الظنّ.
ظما: ظمو
الظِّمْو مِنْ أَظْماء الإِبل لُغَةٌ فِي الظِّمْءِ. والظَّمَا، بِلَا هَمْزٍ: ذُبُولُ الشَّفَةِ مِنَ العَطَشِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهُوَ قِلَّة لحْمِه ودَمِه وَلَيْسَ مِنْ ذُبُولِ العَطَشِ، وَلَكِنَّهُ خِلْقَة محمودَةٌ. وكلُّ ذابلٍ مِنَ الحَرِّ ظَمٍ وأَظْمَى. والمَظْمِيُّ مِنَ الأَرضِ والزَّرْعِ: الَّذِي تَسْقِيهِ السَّماءُ، والمَسْقَوِيُّ: مَا يُسْقَى بالسَّيحِ. وَفِي حَدِيثِ
معاذٍ: وَإِنْ كَانَ نَشْرُ أَرضٍ يُسْلِمُ عَلَيْهَا صاحِبُها فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا مَا أَعْطَى نَشْرُها: ربعَ المَسْقَوِيّ وعُشْرَ المَظْمِيّ
، وَهُمَا مَنْسُوبَانِ إِلَى المَظْمَى وَإِلَى المَسْقَى، مَصْدَرَي سَقَى وظَمَى. قَالَ أَبو مُوسَى: المَظْمِيُّ أَصله المَظْمَئيُّ فتُرك هَمْزُه، يعني في الرِّواية، قَالَ: وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الْمُعْتَلِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهَمْزِ وَلَا تعرَّض إِلَى ذِكْرِهِ تَخْفِيفَهُ. والظَّمَى: قِلَّةُ دَمِ اللِّثَةِ ولَحْمِها، وَهُوَ يَعْتَري الحُبْش. رجلٌ أَظْمَى وامرأَة ظَمْيَاء وشَفَةٌ ظَمْيَاءُ: ليْسَتْ بوارِمة كَثِيرَةَ الدَّمِ ويُحْمَدُ ظَماها. وشَفَةٌ ظَمْيَاء بَيِّنَة الظَّمَى إِذَا كَانَ فِيهَا سُمْرَة وذُبُولٌ. ولِثَةٌ ظَمْيَاءُ: قَلِيلَةُ الدَّمِ. وعينٌ ظَمْياءُ: رَقِيقَةُ الجَفْن. وساقٌ ظَمْيَاءُ: قلِيلة اللَّحْمِ، وَفِي الْمُحْكَمِ: مُعْتَرِقَةِ اللَّحْمِ. وظِلٌّ أَظْمَى: أَسْوَدُ. وَرَجُلٌ أَظْمى: أَسود الشَّفَة، والأُنْثَى ظَمْياء. ورُمْحٌ أَظْمَى: أَسْمَرُ. الأَصمعي: مِنَ الرِّماح الأَظْمى، غيرُ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ الأَسْمَرُ، وقَناةٌ ظَمياءُ بَيِّنَةُ الظَّمى منقوصٌ. أَبو عَمْرٍو: ناقَةٌ ظَمْيَاءُ وَإِبِلٌ ظُمْيٌ إِذَا كَانَ فِي لَوْنِهَا سَوَادٌ. أَبو عَمْرٍو: الأَظْمى الأَسودُ، وَالْمَرْأَةُ ظَمْياء لسَوْداء الشَّفَتَين، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: رجلٌ أَظْمَى أَسمر، وامرأَةٌ ظَمْيَاء، والفعلُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ ظَمِيَ ظَمًى. وَيُقَالُ للفرسِ إِذَا كَانَ مُعَرَّقَ الشَّوَى: إِنَّهُ لأَظْمَى الشَّوَى، وإنَّ فُصُوصه لظِماءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَهَلٌ وكانت مُتَوَتِّرَةً، ويُحْمَدُ ذَلِكَ فِيهَا، والأَصلُ فِيهَا الْهَمْزُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ يَصِفُ فَرَسًا أَنشده ابْنُ السِّكِّيتِ:
يُنْجِيه مِنْ مِثْلِ حَمامِ الأَغلالْ ... وَقْعُ يَدٍ عَجْلَى ورِجْلٍ شِمْلالْ
ظَمْأَى النَّسَى مِنْ تحتِ رَيَّا مِنْ عالْ
والظَّمْيَان: شجرٌ يَنْبُتُ بنَجْدٍ يشبه القَرَظ.
ظنى: قَالَ الأَزهري: لَيْسَ فِي بَابِ الظَّاءِ وَالنُّونِ غيرُ التَّظَنِّي مِنَ الظنِّ، وأَصله التَّظَنُّنُ، فأُبْدل مِنْ إِحْدَى النُّوناتِ ياءٌ، وَهُوَ مثلُ تَقَضّى مِنْ تَقَضَّضَ.
ظوا: أَرض مَظْواةٌ ومَظْياةٌ: تُنْبتُ الظَّيّان، فأَما مَظْواةٌ فإنها من ظ وي، وأَما مَظْيَاةٌ فإِما أَن تَكُونَ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ، وَإِمَّا أَن تَكُونَ مَقْلُوبَةً مِنْ مَظْواةٍ، فَهِيَ عَلَى هَذَا مَفْعَلة.
(15/25)

وأَدِيمٌ مُظَوًّى: مدبوغٌ بالظَّيّانِ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والظاءُ: حرفُ هِجاءٍ، وَهُوَ حَرْفٌ مهجور يَكُونُ أَصلًا لَا بَدَلًا وَلَا زَائِدًا؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: اعْلَمْ أَن الظَّاء لَا تُوجَدُ فِي كَلَامِ النَّبَطِ، فإِذا وقَعَت فِيهِ قلَبوها طَاءً، وَلِهَذَا قَالُوا البُرْطُلة وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ الظِّلِّ، وَقَالُوا ناطُور وَإِنَّمَا هُوَ نَاظُورٌ، فاعُول مِنْ نَظَرَ يَنْظُر. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: كَذَا يَقُولُ أَصحابنا الْبَصْرِيُّونَ، فأَما قَوْلُ أَحمَد بنِ يَحْيَى فَيَقُولُ ناطُور ونواطِير مِثْلُ حَاصُودٌ وحَواصِيد، وَقَدْ نَطَرَ يَنْطُر. ابْنُ الأَعرابي: أَظْوَى الرَّجُلُ إِذا حَمُقَ.
ظيا: الظَّيَاةُ: الرجلُ الأَحْمَقُ. والظَيَّانُ: نَبْتٌ بِالْيَمَنِ يُدْبَغُ بوَرَقه، وَقِيلَ: هُوَ ياسَمينُ البَرّ، وَهُوَ فَعْلانُ، واحدتُه ظَيَّانَةٌ. وأَدِيمٌ مُظَيّاً: مَدْبُوغٌ بالظَّيّان. وأَرض مِظْيَاةٌ: لِكَثِيرَةِ الظَّيَّانِ. الأَصمعي: مِنْ أَشجارِ الجبالِ العَرْعَرُ والظَّيَّانُ والنَّبْعُ والنَّشَمُ. اللَّيْثُ: الظَيَّانُ شَيْءٌ مِنَ العسَل، ويجيءُ فِي بَعْضِ الشعرِ الظَّيُّ والظِّيُّ، بِلَا نُونٍ، قَالَ: وَلَا يُشْتقُّ مِنْهُ فِعْلٌ فتُعْرَف ياؤُه، وَبَعْضُهُمْ يُصَغِّرُه ظُيَيّاناً، وَبَعْضُهُمْ ظُوَيَّاناً. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَيْسَ الظَّيَّانُ مِنَ الْعَسَلِ فِي شيءٍ، إِنَّمَا الظيّانُ مَا فَسَّرَهُ الأَصمعي أَوَّلًا؛ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الخُناعِي:
يَا مَيُّ، إِنَّ سِباعَ الأَرضِ هالِكةٌ، ... والغُفْرُ والأُدْمُ والآرامُ والناسُ
والجَيشُ لَنْ يُعْجِزَ الأَيامَ ذُو حِيَدٍ ... بمُشْمَخِرّ، بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ
أَرادَ: بِذِي حِيَدٍ وَعْلًا فِي قَرْنِهِ حِيَدٌ، وَهِيَ أَنابيبهُ، وحِيَدٌ جَمْعُ حَيدَة كَحَيْضَةٍ وحِيَضٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ عَزَبَ أَن يُعْلَم أَصلُها مِنْ طريقِ الاشتِقاقِ فَلَمْ يَبْقَ إِلا حَمْلُها عَلَى الأَكثر، وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَن عينَها واوٌ، لأَنّ بَابَ طَوَيْت أَكثر مِنْ بَابِ حَيِيت، والمُشْمَخِرُّ: الْجَبَلُ الطويلُ: والآسُ هَاهُنَا: شَجَرٌ، والآسُ: العسلُ أَيضاً، وَالْمَعْنَى لَا يَبْقى لأَنه لَوْ أَراد الإِيجابَ لأَدْخَلَ عَلَيْهِ اللامَ لأَنَّ اللامَ فِي الإِيجاب بمنْزلة لَا فِي النَّفْي. والظَّيَّان: العَسَل، وَالْآسُ: بَقِيَّةُ العَسَل فِي الخَلِيَّةِ. والظاءُ: حرفٌ مِنْ حُرُوفِ المُعْجَم، وَهُوَ حَرْفٌ مُطبَقٌ مستَعْل. وَالظَّاءُ: نَبِيبُ التَّيْسِ وصَوْتُه؛ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ:
لَهُ ظَاءٌ كَمَا صَخِب الغريمُ
وَيُرْوَى: ظَأْبٌ. وظَيَّيْتُ ظَاءً: عَمِلْتها.

فصل العين المهملة
عاعا: قَالَ الأَزهري فِي آخِرِ لَفِيفِ الْمُعْتَلِّ فِي تَرْجَمَةِ وَعَعَ الْعَاعَاءُ صَوْتُ الذِّئبِ.
عبا: عَبَا المَتاعَ عَبْواً وعَبَّاه: هَيَّأَه. وعَبَّى الْجَيْشَ: أَصْلَحه وهَيّأَه تَعْبِيَةً وتَعْبِئَةً وتَعْبيئاً، وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: عَبّأْتُه بالهمزة. والعَبايةُ ضَرْبٌ مِنَ الأَكْسِيَة واسِعٌ فِيهِ خُطوطٌ سُودٌ كِبارٌ، وَالْجَمْعُ عَباءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لِباسُهم العَباءُ
، وَقَدْ تكَرَّر فِي الْحَدِيثِ، والعَباءَةُ لُغَةٌ فِيهِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّمَا هُمِزَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حرفُ العِلّة فِيهَا طَرَفاً لأَنهم جاؤوا بِالْوَاحِدِ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْجَمْعِ عَبَاء، كَمَا قَالُوا مَسنِيَّة ومَرْضِيَّة، حِينَ جَاءَتْ عَلَى مسنِيٍّ ومرضِيٍّ، وَقَالَ: العَبَاءُ ضربٌ مِنَ الأَكْسِية، وَالْجَمْعُ أَعْبِيَةٌ، والعَباءُ عَلَى هذا واحدٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ ابنُ جِني وَقَالُوا عَبَاءة،
(15/26)

وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي، لمَّا لَحِقَت الهاءُ آخِراً وجَرَى الإِعرابُ عَلَيْهَا وقَوِيَت الياءُ لبُعْدِها عَنِ الطرَف، أَنْ لَا تُهْمَز وأَنْ لَا يُقَالَ إِلا عَباية فيُقْتَصَر عَلَى التَّصْحِيحِ دُونَ الإِعْلال، وأَن لَا يَجُوزَ فِيهِ الأَمرانِ، كَمَا اقْتُصر فِي نِهايَةٍ وغَباوةٍ وشَقاوةٍ وسعايةٍ ورِمايةٍ عَلَى التَّصْحِيحِ دُونَ الإِعلال، لأَن الخليلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قَدْ عَلَّل ذَلِكَ فَقَالَ: إِنهم إِنما بَنَوْا الواحِدَ عَلَى الْجَمْعِ، فَلَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ عَباءٌ فَيَلْزَمُهُمْ إِعْلالُ الْيَاءِ لِوُقُوعِهَا طَرَفاً، أَدْخَلُوا الْهَاءَ، وَقَدِ انْقَلَبَت الياءُ حِينَئِذٍ هَمْزَةً فَبَقِيَت اللامُ مُعْتَلَّة بعدَ الْهَاءِ كَمَا كَانَتْ مُعْتَلَّة قَبْلها؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جمعُ العَباءَة والعَبايَة العَباءَاتُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَبَى الْجَافِي، والمَدُّ لُغَةٌ؛ قَالَ:
كَجَبْهَةِ الشَّيْخِ العَبَاءِ الثَّطِّ
وَقِيلَ: العَبَاءُ بالمدِّ الثَّقِيلُ الأَحْمَقُ. وَرَوَى الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: العَبَى، مقصورٌ، الرجلُ العَبامُ، وَهُوَ الْجَافِي العَيِيُّ، ومَدّه الشَّاعِرُ فَقَالَ، وأَنشد أَيضاً الْبَيْتَ:
كَجَبْهَةِ الشَّيْخِ العَبَاءِ الثَّطِّ
قَالَ الأَزهري: وَلَمْ أَسمع العَبَاءَ بِمَعْنَى العَبامِ لِغَيْرِ اللَّيْثِ، وأَما الرجزُ فَالرِّوَايَةُ عِنْدِي:
كَجَبْهَةِ الشَّيْخِ العَيَاءِ
بِالْيَاءِ. يُقَالُ: شيخٌ عَياءٌ وعَيايَاءٌ، وَهُوَ العَبامُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى النِّساءِ، قَالَ: ومَنْ قَالَهُ بِالْبَاءِ فَقَدْ صَحَّفَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ فِي تَرْخِيم اسْمٍ مثلِ عبدِ الرحمنِ أَو عبدِ الرحِيم عَبْوَيْه مِثْلُ عمروٍ وعَمْرَوَيْه. والعَبُ: ضَوْءُ الشَّمْسِ وحُسْنُها يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ عَبَها، وأَصْلُه العَبْوُ فنُقِصَ. وَيُقَالُ: امرأَةٌ عابِيَةٌ أَي ناظِمَة تَنْظِمُ الْقَلَائِدَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ سِهَامًا:
لَهَا أُطُرٌ صُفْرٌ لِطافٌ كَأَنَّهَا ... عَقِيقٌ، جَلاهُ العَابِيَاتُ، نظِيمُ
قَالَ: والأَصل عابِئَةٌ، بِالْهَمْزِ، مِنْ عَبَأْتُ الطِّيبَ إِذَا هَيَّأْتَه. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَبَاةُ مِنَ السُّطَّاحِ الَّذِي يَنْفَرِشُ عَلَى الأَرض. وَابْنُ عَبَايَة: مِنْ شُعَرائِهم. وعَبَايَةُ بْنُ رِفاعَةَ: من رُواةِ الحديث.
عتا: عَتَا يَعْتُو عُتُوّاً وعِتِيّاً: اسْتَكْبَرَ وجاوَزَ الحَدَّ، فأَما قَوْلُهُ:
أَدْعُوكَ يَا رَبِّ، مِنَ النارِ الَّتِي ... أَعْدَدْتَها للظَّالِمِ الْعَاتِي العَتي
فقد يجور أَنْ يَكُونَ أَراد العَتيَ عَلَى النَّسَبِ كَقَوْلِكَ رَجلٌ حَرِحٌ وسَتِهٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ أَرَادَ العَتِيَّ فخَفَّفَ لأَنَ الْوَزْنَ قَدِ انْتَهَى فارتَدَعَ. وَيُقَالُ: تَعَتَّتِ المرأةُ وتَعَتَّى فلانٌ؛ وأَنشد:
بأَمْرِهِ الأَرض فَمَا تَعَتَّتِ
أَيْ فَمَا عَصَتْ. وَقَالَ الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ تَعا: والعُتَا العِصْيانُ. والعَاتِي: الجَبَّار، وَجَمْعُهُ عُتَاةٌ. والعَاتِي: الشَّدِيدُ الدُّخُولِ فِي الفَساد المُتَمَرِّدُ الَّذِي لَا يقبلُ موعِظَة. الْفَرَّاءُ: الأَعْتَاءُ الدُّعَّارُ مِنَ الرجالِ، الواحدُ عَاتٍ. وتَعَتَّى فلانٌ: لَمْ يُطِعْ. وعَتا الشيخُ عُتِيّاً وعَتِيّاً، فتح الْعَيْنِ: أَسَنَّ وكَبِرَ ووَلَّى. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
، وقرئَ: عِتِيًّا. وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: كلُّ قَدِ انْتَهَى فَقَدْ عَتَا
(15/27)

يَعْتُو عِتْياً وعُتُوّاً، وعَسَا يَعْسو عُسُوّاً وعُسِيّاً، فأَحبَّ زكرياءُ، سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَن يَعْلَم مِنْ أَيِّ جِهْةٍ يكونُ لَهُ ولدٌ، ومِثْلُ امْرَأَته لَا تَلِدُ ومِثْلُه لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذلِكَ، مَعْنَاهُ، واللهُ أَعلم، الأَمرُ كَمَا قيلَ لَكَ. وَيُقَالُ لِلشَّيْخِ إِذَا ولَّى وكَبِرَ: عَتَا يَعْتُو عُتُوّاً وعَسا يَعْسُو مثلُه، الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ عَتَوْتَ يَا فلانُ تَعْتُو عُتُوّاً وعُتِيّاً وعِتِيّاً، والأَصل عُتُوٌّ ثُمَّ أَبْدَلُوا إِحْدَى الضَّمَّتَيْنِ كَسْرَةً فانْقَلَبَتْ الواوُ ياءً فقالوا عُتِيّاً، ثُمَّ أَتْبَعُوا الكسرةَ الكسرةَ فَقَالُوا عِتِيّاً ليُؤَكِّدُوا البَدَل، ورجلٌ عاتٍ وقومٌ عُتِيٌّ، قَلَبوا الواوَ يَاءً؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِي: وفُعولٌ إِذَا كَانَتْ جَمْعاً فحَقُّها القلبُ، وَإِذَا كَانَتْ مصدَراً فحقُّه التَّصْحِيحُ لأَن الجمعَ أَثْقَل عِنْدَهُمْ مِنَ الواحدِ. وَفِي الْحَدِيثُ:
بِئْسَ العبدُ عبدٌ عَتا وطَغى
؛ العُتُوُّ: التجبُّر والتكبُّر. وتَعَتَّيتُ: مثلُ عَتَوْتُ، قَالَ: وَلَا تَقُل عَتَيْتُ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: عَتِيتُ لُغَةٌ فِي عَتَوْتُ. وعَتَّى: بِمَعْنَى حتَّى، هُذَلِيَّةٌ وثَقَفِيَّة،
وقرأَ بَعْضُهُمْ: عَتَّى حينٍ
؛ أَي حَتَّى حينٍ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلَغَه أَنَّ ابنَ مسعودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُقْرِئُ الناسَ عَتَّى حينٍ، يُرِيدُ حَتَّى حينٍ فَقَالَ: إِن الْقُرْآنَ لمْ يَنْزِلْ بلُغَة هُذَيْلٍ، فأَقْرِئ الناسَ بلُغَةِ قريشٍ
، كلُّ العربِ يَقُولون حَتَّى إِلَّا هُذَيلًا وثَقِيفاً فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَتَّى. وعَتْوَةُ: اسمُ فرسٍ.
عثا: العَثَا: لَونٌ إِلَى السَّوادِ مَعَ كَثْرَةِ شَعَر. والأَعْثَى: الكثيرُ الشَّعَرِ الْجَافِي السَّمِجُ، والأُنثى عَثْوَاءُ. والعُثْوَةُ: جُفوفُ شَعَرِ الرأَس والْتبادُهُ وبُعْدُ عَهْده بالمَشْطِ. عَثِيَ شعرهُ يَعْثَى عَثْوًا وعَثاً، وَرُبَّمَا قِيلَ لِلرَّجُلِ الْكَثِيرِ الشَّعَرِ أَعْثَى، وَلِلْعَجُوزِ عَثْوَاء، وضِبْعانٌ أَعْثَى: كثيرُ الشَّعَرِ، والأُنثى عَثْوَاء، وَالْجَمْعُ عُثْوٌ وعُثْيٌ مُعاقبَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ يُقَالُ لَهُ عِثْيَانٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعِثْيانُ الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ للضَّبُع غَثْواء، بالغين المعجمة أَيضاً، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: فِي الرأْس العُثْوَة، وَهُوَ جُفوف شَعَرِهِ والْتِبَادُه مَعاً. وَرَجُلٌ أَعْثى: كَثِيرُ الشَّعَرِ. وَرَجُلٌ أَعْثى: كَثِيفُ اللحْية؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ فِي الأَعْثَى الكَثِير الشَّعَر لِشَاعِرٍ:
عَرَضَتْ لَنَا تَمْشِي فيَعْرِضُ، دُونَها، ... أَعْثَى غَيُورٌ فاحِشٌ مُتَزَعِّمُ
ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ شابَ عُثَا الأَرضِ إِذا هَاجَ نَبْتُها، وأَصل العُثَا الشَّعَر ثُمَّ يُستَعار فِيمَا تَشَعَّثَ مِنَ النَّبَاتِ مِثْلُ النَّصِيِّ والبُهْمى والصِّلِّيان؛ وَقَالَ ابْنُ الرِّقَاعِ:
بِسَرارة حَفَشَ الرَّبِيعُ غُثَاها، ... حوَّاءَ يَزْدَرِعُ الغَمِيرَ ثَراها
حَتَّى اصْطَلى وَهَجَ المَقِيظ، وخانَه ... أَنْقَى مَشارِبِه، وشابَ عُثاها
أَي يَبِسَ عُشْبُها. والأَعْثَى: لونٌ إِلَى السَّوَادِ. والأَعْثَى: الضَّبُع الْكَبِيرُ. أَبو عَمْرٍو: العَثْوَة والوَفْضةُ «2» والغُسْنة هِيَ الجُمَّة مِنَ الرَّأْسِ وَهِيَ الوَفْرة. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: العُثَى اللِّمَم الطِّوال؛ وَقَوْلُ ابْنِ الرِّقَاعِ:
لَوْلَا الحَياءُ، وأَنَّ رأْسِيَ قَدْ عَثَا ... فِيهِ المَشِيبُ، لَزُرْتُ أَمَّ القاسم
__________
(2). قوله [والوفضة] هكذا في الأصول.
(15/28)

عَثَا فِيهِ المَشيبُ أَي أَفسد. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: عَثَا عُثُواً وعَثِيَ عُثُوّاً أَفْسَدَ أَشَدَّ الإِفسادِ، وَقَالَ: وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ في المعتل بالياء على غَيْرَ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ الْفِعْلِ، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ: عَثِيَ فِي الأَرضِ عُثِيًّا وعِثِيّاً وعَثَياناً وعَثَى يَعْثَى؛ عَنْ كُرَاعٍ نادرٌ، كلُّ ذَلِكَ أَفسد. وَقَالَ كُرَاعٌ: عَثَى يَعْثَى مَقلوبٌ مِنْ عَاثَ يَعيثُ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا يَعْثي إلَّا أَنه نادرٌ، وَالْوَجْهُ عَثِيَ فِي الأَرض يَعْثَى. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*
؛ القُرَّاء كلُّهم قرؤوا وَلا تَعْثَوْا*
، بِفَتْحِ الثَّاءِ، مِنْ عَثِيَ يَعْثَى عُثُوّاً وَهُوَ أَشدُّ الْفَسَادِ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيان لَمْ يُقْرأْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: إِحْدَاهُمَا عَثَا يَعْثُو مِثْلُ سمَا يَسْمُو؛ قَالَ ذَلِكَ الأَخفش وَغَيْرُهُ، وَلَوْ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَذِهِ اللُّغَةِ لَقُرِئَ وَلَا تَعْثُوا، وَلَكِنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّة وَلَا يُقْرأُ إلَّا بِمَا قَرأَ بِهِ القرَّاء، وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ عاثَ يَعِيثُ، وَتَفْسِيرُهُ فِي بَابِهِ. ابْنُ بُزُرْجَ: وَهُمْ يَعْثَوْنَ مثْل يَسْعَوْن، وعَثَا يَعْثُو عُثُوّاً. قَالَ الأَزهري: وَاللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ عَثِيَ يَعْثَى لأَن فَعَل يَفْعَل لا يَكُونُ إلَّا فِيمَا ثَانِيهِ أَوْ ثالثُه أحدُ حُرُوفِ الْحَلْقِ؛ أَنشد أَبو عَمْرٍو:
وحاصَ مِنِّي فَرَقاً وطَحْرَبا، ... فأَدْرَكَ الأَعْثَى الدَّثُورَ الخُنْتُبا،
فَشَدّ شَدّاً ذَا نَجاءٍ مُلْهبا
ابْنُ سِيدَهْ: الأَعْثَى الأَحْمَقُ الثَّقِيلُ، لامُه ياءٌ لِقَوْلِهِمْ فِي جَمْعِه عُثْيٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: فوَلَدتْ أَعْثَى ضَروطاً عُنْبُجا والعَثَوْثَى: الْجَافِي الغليظ.
عجا: الأُمُّ تَعْجُو ولَدَها: تُؤخِّرُ رَضاعَه عَنْ مَواقِيته ويورثُ ذَلِكَ وَلَدَهَا وَهْناً؛ قَالَ الأَعشى:
مُشْفِقاً قَلْبُها عَلَيْه، فما تَعْجُوه ... إلَّا عُفافةٌ أَو فُواقُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَجَتِ الأُمُّ وَلَدها تَعْجُوه عَجْواً إِذَا سَقَتْه اللَّبن، وَقِيلَ: عَجَتِ الْمَرْأَةُ ابْنَها عَجْواً أَخَّرَتْ رَضاعَه عَنْ وَقْتِهِ، وَقِيلَ: داوَتْه بالغِذاء حَتَّى نَهَض. والعُجْوَة والمُعاجاةُ: أَن لَا يَكُونَ للأُمِّ لبنٌ يُرْوِي صَبِيَّها فتُعاجِيه بشيءٍ تعلِّلُه بِهِ سَاعَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ ولِيَ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرَ أُمِّه، والاسمُ مِنْهُ العُجْوة، وَالْفِعْلُ العَجْوُ، وَاسْمُ ذَلِكَ الوَلد العَجِيُّ، والأُنثى عجيَّةٌ، وَقَدْ عَجتْه. وَعَجَاهُ اللَبنُ: غَذاه؛ وأَنشد بَيْتَ الأَعشى.
وتَعادَى عَنْهُ النهارُ، فَمَا تَعْجُوه ... إلَّا عُفافةٌ أَو فُواقُ
وأَما مَنْ مُنِع اللبنَ فغُذِي بالطَّعام فَيُقَالُ: عُوجِيَ. والعَجيُّ: الفَصِيلُ تموتُ أُمُّه فيُرْضِعُه صَاحِبُهُ بلبَنِ غَيْرِهَا وَيَقُومُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ البَهْمة؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ الَّذِي يُغَذَّى بِغَيْرِ لَبَنٍ، والأُنثى عَجِيَّة، وَقِيلَ: الذَّكَرُ والأُنثى جَمِيعًا بِغَيْرِ هاءٍ، وَالْجَمْعُ مِنْ كلِّ ذَلِكَ عُجايا وعَجايا، والأَخيرة أَقيس؛ قَالَ الشَّاعِرِ:
عَداني أَنْ أَزُورَك أَنَّ بَهْمي ... عَجَايا، كلُّها، إِلَّا قَلِيلَا
وَيُقَالُ للَّبَنِ الَّذِي يُعَاجَى بِهِ الصَّبيُّ اليَتيم أَي يُغَذَّى بِهِ: عُجاوَةٌ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْيَتِيمِ الَّذِي يُغَذَّى بِغَيْرِ لَبَنِ أُمِّه: عَجِيٌّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
كنتُ يَتِيماً وَلَمْ أَكُنْ عَجِيّاً
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ الَّذِي لَا لَبنَ لأُمِّه، أَو ماتَتْ أُمُّه فعُلِّلَ بلَبن غَيْرِهَا أَو بشيءٍ آخَرَ فأَورثه ذَلِكَ وَهْناً. وعاجيْتُ الصّبيَّ إِذَا أَرْضَعْتَه بلَبن غَير أُمّه أَو مَنَعْته اللَّبنَ وغَذَّيْته
(15/29)

بِالطَّعَامِ. وعَجا الصَّبيَّ يَعْجُوه إِذَا عَلَّله بِشَيْءٍ فَهُوَ عَجِيٌّ، وعَجِيَ هُوَ يَعْجَى عَجاً، وَيُقَالُ لِلَّبَنِ الَّذِي يُعاجَى بِهِ الصَّبيُّ: عُجَاوَةٌ؛ وأَنشد اللَّيْثُ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ:
إِذا شِئْتَ أَبْصَرْتَ، مِنْ عَقْبِهِمْ ... يَتَامى يُعاجَوْنَ كالأَذْؤُب
وَقَالَ آخَرُ فِي صِفَةِ أَولاد الْجَرَادِ:
إِذَا ارْتَحَلَتْ مِنْ مَنزِلٍ خَلَّفَتْ بِه ... عَجَايا، يُحاثي بالتُّرابِ صغيرُها
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ العَجِيّ فِي الْبَهَائِمِ مِثْلُ اليَتيم فِي النَّاسِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَجِيُّ مِنَ النَّاسِ الَّذِي يَفْقِدُ أُمَّه. وعَجَوْته عَجْواً: أَمَلْته؛ قَالَ الْحَرِثُ بْنُ حِلِّزَة:
مُكْفَهِرًّا عَلَى الْحَوَادِثِ، لَا تَعْجُوهُ ... للِدَّهْرِ مُؤْيِدٌ صَمَّاءُ
وَيُرْوَى: لَا تَرْتُوه. وعَجا البَعيرُ: رَغا. وعَجا فَاهُ: فَتَحه. قَالَ الأَزهري: وعَجا شِدْقَه إِذَا لَوَاهُ. قَالَ خلَفٌ الأَحْمر: سأَلتُ أَعرابيّاً عَنْ قولهِم عَجَا شِدْقَه فَقَالَ إِذَا فَتَحه وأَمالَه؛ قَالَ الأَزهري: قَالَ الطِّرمَّاح يَصِفُ صَائِدًا لَهُ أَولادٌ لَا أُمَّهات لَهمُ فَهُمْ يعاجَون تَرْبِيةً سَيِّئة:
إِنْ يُصِبْ صَيداً يكُنْ جُلُّهُ ... لعَجايا، قُوتُهمْ باللِّحامْ
وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ لَقِيَ فلانٌ مَا عَجَاه وَمَا عَظاه وَمَا أَوْرَمَه إِذَا لَقِيَ شِدّةً وبَلاءً. ولَقَّاه اللَّهُ مَا عَجَاه وَمَا عَظاه أَي مَا ساءهُ. وَفِي حَدِيثِ
الْحَجَّاجِ: أَنه قَالَ لِبَعْضِ الأَعراب أَراكَ بَصيراً بِالزَّرْعِ، فَقَالَ: إِنِّي طالَما عَاجَيْتُهُ
أَي عانَيْتُه وعالَجْتُه. والعَجِيُّ: السّيّءُ الغِذاء؛ وأَنشد أَبو زَيْدٍ:
يَسْبِقُ فِيهَا الحَمَل العَجِيّا ... رَغْلًا، إِذَا مَا آنسَ العَشِيَّا
والعُجَاوَة: قَدْرُ مُضْغةٍ مِنْ لحْمٍ تكونُ مَوْصُولَةً بِعَصبة تَنْحَدِرُ مِنْ رُكْبةِ البعيرِ إِلَى الفرْسِنِ، وَهِيَ مِنَ الفَرَسِ مَضِيغَةٌ، وَهِيَ العُجَاية أَيضًا، وَقِيلَ: هيَ عَصَبة فِي باطِنِ يدِ الناقةِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: عُجَاوَةُ الساقِ عَصَبة تَتقَلَّع معَها فِي طَرَفِها مثلُ العُظَيْمِ، وَجَمْعُهَا عُجًى كَسَّروه عَلَى طَرْحِ الزَّائِدِ فَكَأَنَّهُمْ جَمَعوا عُجْوَةً أَو عُجَاةً؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَاوِيَّةٌ وَيَائِيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: العُجَايَة مِنَ الفَرَسِ العَصَبةُ المُسْتَطيلة فِي الوَظيفِ ومُنْتَهاها إِلَى الرُّسْغَين وَفِيهَا يَكُونُ الحَطْمُ، قَالَ: والرُّسْغُ مُنتهى العُجايةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي مُعْتَلِّ الْيَاءِ: العُجَايَة عصبٌ مركَّبٌ فِيهِ فصوصٌ مِنْ عِظامٍ كأَمثالِ فُصُوصِ الخاتَمِ تَكُونُ عِنْدَ رُسْغِ الدابةِ؛ زَادَ غَيْرُهُ: وَإِذَا جاعَ أَحدُهم دَقَّها بَيْنَ فِهْرَيْنِ فأَكلها؛ وَقَالَ كَعْبٌ:
سُمْرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيَمًا، ... لم يَقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكْمِ تَنْعِيلُ
قَالَ: وتُجْمَعُ عَلَى العُجَى، يَصِفُ حَوافِرَها بِالصَّلَابَةِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثيرِ: هِيَ أَعصابُ قوائِمِ الإِبلِ والخَيْلِ واحدتُها عُجايةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقِيلَ الْعُجَايَةُ كُلُّ عَصَبةٍ فِي يدٍ أَو رِجْلٍ، وَقِيلَ: هِيَ عَصبَة باطِنِ الوَظيفِ مِنَ الفرسِ والثَّوْرِ، والجمْعُ عُجًى وعُجِيٌّ، عَلَى حَذْفِ الزائِدِ فِيهِمَا، وعُجَايا؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العُجَايَتَانِ عَصَبتان فِي باطِنِ يَدَي الفرَسِ، وأَسْفَلَ مِنْهُمَا هَناتٌ كأَنها الأَظفارُ تُسَمَّى السَّعْداناتِ، وَيُقَالُ: كلُّ عَصَبٍ يَتَّصلُ بالحافِرِ فَهُوَ عُجايةٌ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
(15/30)

وحافِرٌ صُلْبُ العُجَى مُدَمْلَقُ، ... وساقُ هَيْقُواتِها مُعَرَّقُ «3»
معرَّق: قَلِيلُ اللَّحْمِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وأَنشده فِي فصلِ دَمْلَقَ:
وساقُ هَيْقٍ أَنفُها مُعرَّقُ
والعَجْوَة: ضَرْبٌ مِنَ التَّمرِ يقالُ هُوَ مِمَّا غَرَسهُ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِيَدِهِ، وَيُقَالُ: هُوَ نَوعٌ مِنْ تَمرِ المَدينةِ أَكبر منَ الصَّيْحانيِّ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ مِنْ غَرْسِ النبيِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العَجْوَةُ ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ ونَخْلتُها تُسَمَّى لِينَةً؛ قال الأَزهري: العَجْوَةُ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ هِيَ الصَّيْحَانيَّةُ، وَبِهَا ضُرُوبٌ مِنَ العَجْوة لَيْسَ لَهَا عُذُوبة الصَّيْحانيَّةِ وَلَا رِيُّها وَلَا امتِلاؤها. وَفِي الْحَدِيثِ:
العَجْوَةُ مِنَ الجنةِ.
وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ: العَجْوةُ بالحجازِ أُمُّ التَّمْرِ الَّذِي إِلَيْهِ المَرْجِعُ كالشِّهْرِيز بالبَصْرةِ، والتَّبّيّ بِالْبَحْرَيْنِ، والجُذاميِّ بِالْيَمَامَةِ. وَقَالَ مرَّة أُخرى: العَجْوَة ضربٌ مِنَ التَّمْرِ. وَقِيلَ لأُحَيْحةَ بْنِ الجُلاحِ: مَا أَعْدَدْتَ لِلشِّتَاءِ؟ قَالَ: ثلثَمائةٍ وسِتِّينَ صَاعًا مِنْ عَجْوة تُعْطِي الصبيَّ مِنْهَا خَمْسًا فيردُّ عليكَ ثَلَاثًا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ العُجى الجُلود اليابسةُ تُطْبَخُ وتُؤكلُ، الواحدةُ عُجْية؛ وَقَالَ أَبو المُهَوِّش:
ومُعَصِّبٍ قَطَعَ الشِّتاءَ، وقُوتُه ... أَكلُ العُجَى وتَكَسُّبُ الأَشْكادِ
فبَدَأْتُه بالمَحْضِ، ثُمَّ ثَنَيْتُه ... بالشَّحْمِ، قَبْلَ مُحَمَّدٍ وزِيادِ
وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ عَنِ ابْنِ وَلَّاد: العُجَى فِي الْبَيْتِ جَمْعُ عُجْوَةٍ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وقال: وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ إِنما ذَلِكَ عُكوَةٌ وعُكًى؛ قَالَ:
حَتَّى تُوَلِّيك عُكَى أَذْنابِها
وسيأْتي ذِكْرُهُ. والعُجَى أَيضاً: عَصَبَة الوَظِيف، والأَشْكادُ: جَمْعُ شُكْدٍ، وهو العَطاءُ.
عدا: العَدْو: الحُضْر. عَدَا الرَّجُلُ والفرسُ وَغَيْرُهُ يَعْدُو عَدْواً وعُدُوّاً وعَدَوانًا وتَعْداءً وعَدَّى: أَحْضَر؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
مِنْ طُولِ تَعْداءِ الرَّبيعِ فِي الأَنَقْ
وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: أَتيْته عَدْواً، وُضع فِيهِ المصدرُ عَلَى غَيْر الفِعْل، وَلَيْسَ فِي كلِّ شيءٍ قِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُحكى مِنْهُ مَا سُمع. وَقَالُوا: هُوَ مِنِّي عَدْوةُ الفَرَس، رفعٌ، تُرِيدُ أَن تَجْعَلَ ذَلِكَ مسافَة مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَقَدْ أَعْدَاه إِذَا حَمَله عَلَى الحُضْر. وأَعْدَيْتُ فَرَسِي: اسْتَحضَرته. وأَعْدَيْتَ فِي مَنْطِقِكَ أَي جُرت. وَيُقَالُ للخَيْل المُغِيرة: عادِيَة؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
؛
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الخَيْل
؛
وَقَالَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإِبل هَاهُنَا.
والعَدَوانُ والعَدَّاء، كِلَاهُمَا: الشَّديدُ العَدْوِ؛ قَالَ:
وَلَوْ أَنَّ حَيًّا فائتُ المَوتِ فاتَه ... أَخُو الحَرْبِ فَوقَ القارِحِ العَدَوانِ
وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ شَاهِدًا عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وصَخْر بْنُ عَمْرِو بنِ الشَّرِيد، فإِنَّه ... أَخُو الحَرْبِ فَوقَ السَّابحِ العَدَوانِ
وَقَالَ الأَعشى:
والقارِحَ العَدَّا، وَكُلَّ طِمِرَّةٍ ... لَا تَسْتَطِيعُ يَدُ الطَّويلِ قَذالَها
أَراد العَدَّاءِ، فقَصَر لِلضَّرُورَةِ، وأَراد نيلَ قَذالها
__________
(3). قوله [وساق هيقواتها إلخ] قال في التكملة: هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ، والصواب هيق أنفها إلخ. وقد أنشده في حرف القاف على الصواب والرجز للزفيان.
(15/31)

فحَذَف لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرسٌ عَدَوانٌ إِذَا كَانَ كَثِيرَ العَدْو، وذئْبٌ عَدَوانٌ إِذَا كَانَ يَعْدُو عَلَى النَّاسِ والشَّاءِ؛ وأَنشد:
تَذْكُرُ، إذْ أَنْتَ شَديدُ القَفْزِ، ... نَهْدُ القُصَيْرى عَدَوانُ الجَمْزِ،
وأَنْتَ تَعْدُو بِخَرُوف مُبْزِي
والعِداء والعَداءَ: الطَّلَق الْوَاحِدُ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الطَّلَق الْوَاحِدُ لِلْفَرَسِ؛ وأَنشد:
يَصرَعُ الخَمْسَ عَداءً فِي طَلَقْ
وَقَالَ: فَمَنْ فَتَحَ العينَ قَالَ جازَ هَذَا إِلَى ذَاكَ، وَمَنْ كَسَر العِدَاء فَمَعْنَاهُ أَنه يُعادِي الصيدَ، مِنَ العَدْو وَهُوَ الحُضْر، حَتَّى يَلْحقَه. وتَعَادَى القومُ: تَبارَوْا فِي العَدْو. والعَدِيُّ: جماعةُ القومِ يَعْدون لِقِتال وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: العَدِيّ أَول مَنْ يَحْمل مِنَ الرَّجَّالة، وَذَلِكَ لأَنهم يُسْرِعُونَ العَدْوَ، والعَدِيُّ أَولُ مَا يَدْفَع مِنَ الغارةِ وَهُوَ مِنْهُ؛ قَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الخُناعِي الهُذلي:
لمَّا رأَيتُ عَدِيَّ القَوْمِ يَسْلُبُهم ... طَلْحُ الشَّواجِنِ والطَّرْفاءُ والسَّلَمُ
يَسْلُبهم: يَعْنِي يَتَعَلَّقُ بِثِيَابِهِمْ فيُزِيلُها عَنْهُمْ، وَهَذَا الْبَيْتُ اسْتُشْهِدَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى العَدِيِّ الَّذِينَ يَعْدون عَلَى أَقْدامِهم، قَالَ: وَهُوَ جَمْعُ عادٍ مِثْلُ غازٍ وغَزِيٍّ؛ وَبَعْدُهُ:
كَفَتُّ ثَوْبيَ لَا أُلْوي إِلَى أَحدٍ، ... إِني شَنِئتُ الفَتَى كالبَكْر يُخْتَطَم
والشَّواجِنُ: أَوْدية كثيرةُ الشَّجَر الْوَاحِدَةُ شاجِنة، يَقُولُ: لمَّا هَرَبوا تَعَلَّقت ثيابُهم بالشَّجَر فَتَرَكُوها. وَفِي حَدِيثِ
لُقْمان: أَنا لُقْمانُ بنُ عادٍ لِعاديَةٍ لِعادٍ
؛ العاديَة: الخَيْل تَعْدو، وَالْعَادِي الواحدُ أَي أَنا لِلْجَمْعِ وَالْوَاحِدِ، وَقَدْ تَكُونُ العاديةُ الرِّجَالَ يَعْدونَ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْبَرَ:
فَخَرَجَتْ عادِيَتُهم
أَي الَّذِينَ يَعْدُون عَلَى أَرجُلِهِم. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَادِيَةُ كالعَدِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الخَيْلِ خاصَّة، وَقِيلَ: العَادِيَةُ أَوَّلُ مَا يحمِل مِنَ الرجَّالةِ دُونَ الفُرْسان؛ قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وعَادِيَة تُلْقِي الثِّيابَ كأَنما ... تُزَعْزِعُها، تحتَ السَّمامةِ، رِيحُ
وَيُقَالُ: رأَيْتُ عَدِيَّ الْقَوْمِ مُقْبِلًا أَي مَن حَمَل مِنَ الرَّجَّالة دُونَ الفُرْسان. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَدِيُّ جَمَاعَةُ القَوْم، بلُغةِ هُذَيل. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
، وَقُرِئَ:
عُدُوّاً
مِثْلُ جُلُوس؛ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نُهُوا قَبْلَ أَن أَذِن لَهُمْ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَن يَلْعَنُوا الأَصْنامَ الَّتِي عَبَدوها، وَقَوْلُهُ: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
؛ أَي فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدْوَاناً وظُلْماً، وعَدْواً مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى إِرَادَةِ اللَّامِ، لأَن الْمَعْنَى فيَعْدُون عَدْواً أَي يظْلِمون ظُلْمًا، وَيَكُونُ مَفْعولًا لَهُ أَي فيسُبُّوا اللَّهَ لِلظُّلْمِ، وَمَنْ قرأَ فيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوّاً فَهُوَ بِمَعْنَى عَدْواً أَيضاً. يُقَالُ فِي الظُّلْم: قَدْ عَدَا فُلَانٌ عَدْواً وعُدُوّاً وعُدْوَاناً وعَدَاءً أَي ظَلَمَ ظُلْمًا جَاوَزَ فِيهِ القَدْر، وَقُرِئَ:
فيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوّاً
، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ، كأَنه قَالَ فيسُبُّوا اللَّهَ أَعداء، وعَدُوّاً مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ فِي هَذَا الْقَوْلِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ
؛ عَدُوّاً فِي مَعْنَى أَعداءً، الْمَعْنَى كَمَا جَعَلْنَا لَكَ ولأُمتك شياطينَ الإِنس وَالْجِنِّ أَعداء، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِمَنْ تَقَدَّمك مِنَ الأَنبياء وأُممهم، وعَدُوّاً هَاهُنَا مَنْصُوبٌ لأَنه مَفْعُولٌ بِهِ، وشياطينَ
(15/32)

الإِنس مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ عَدُوّاً مَنْصُوبًا عَلَى أَنه مَفْعُولٌ ثَانٍ وَشَيَاطِينَ الإِنس الْمَفْعُولُ الأَول. والعَادِي: الظَّالِمُ، يُقَالُ: لَا أَشْمَتَ اللهُ بِكَ عادِيَكَ أَي عَدُوَّك الظَّالِمَ لَكَ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: قولُ العَرَب فلانٌ عَدُوُّ فلانٍ مَعْنَاهُ فُلَانٌ يَعْدُو عَلَى فُلَانٍ بالمَكْروه ويَظْلِمُه. وَيُقَالُ: فُلَانٌ عَدُوُّك وَهُمْ عَدُوُّك وَهُمَا عَدُوُّك وفلانةُ عَدُوَّةُ فُلَانٍ وعَدُوُّ فُلَانٍ، فَمَنْ قَالَ فُلَانَةُ عدُوَّة فلانٍ قَالَ: هُوَ خبَر المُؤَنَّث، فعلامةُ التأْنيثِ لازمةٌ لَهُ، وَمَنْ قَالَ فُلَانَةُ عدوُّ فُلَانٍ قَالَ ذكَّرت عَدُوًّا لأَنه بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمُ امرأَةٌ ظَلُومٌ وغَضوبٌ وصَبور؛ قَالَ الأَزهري: هَذَا إِذا جَعَلْت ذَلِكَ كُلَّه فِي مذهبِ الِاسْمِ والمَصْدرِ، فإِذا جَعَلْتَه نَعْتًا مَحْضاً قُلْتَ هُوَ عَدُوُّكَ وَهِيَ عدُوَّتُك وَهُمْ أَعداؤك وهُنَّ عَدُوَّاتُك. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
؛ أَي فَلَا سَبيل، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلا عُدْوانَ عَلَيَ
؛ أَي فَلَا سَبِيلَ عليَّ. وَقَوْلُهُمْ: عَدَا عَلَيْهِ فَضَربه بِسَيْفِهِ، لَا يُرادُ بِهِ عَدْوٌ عَلَى الرِّجْلين وَلَكِنْ مِنَ الظُّلْم. وعَدَا عَدْواً: ظَلَمَ وَجَارَ. وَفِي حَدِيثِ
قتادَةَ بنِ النُّعْمان: أَنه عُدِيَ عَلَيْهِ
أَي سُرِقَ مالُه وظُلِمَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا ذِئبْان عَادِيانِ أَصابا فَرِيقَةَ غَنَمٍ
؛ العَادِي: الظَّالِمُ، وأَصله مِنْ تجاوُزِ الحَدِّ فِي الشَّيْءِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا يَقْتُلُه المُحْرِمُ كَذَا وَكَذَا والسَّبُعُ العادِي
أَي الظَّالِمُ الَّذِي يَفْتَرِسُ الناسَ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا قَطْعَ عَلَى عادِي ظَهْرٍ.
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أُتيَ برَجُل قَدِ اخْتَلَس طَوْقاً فَلَمْ يَرَ قَطْعَه وَقَالَ: تِلك عادِيَةُ الظَّهْرِ
؛ العَادِية: مِنْ عَدَا يَعْدُو عَلَى الشَّيْءِ إِذا اخْتَلَسه، والظَّهْرُ: مَا ظَهَرَ مِنَ الأَشْياء، وَلَمْ يرَ فِي الطَّوْق قَطعاً لأَنه ظاهِرٌ عَلَى المَرْأَة والصَّبيّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ*
؛ قَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ فاعِلٌ مِنْ عَدَا يَعْدُو إِذَا ظَلَم وجارَ. قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ أَي غيرَ باغٍ وَلَا عائِدٍ فَقَلَبَ، والاعْتداءُ والتَّعَدِّي والعُدْوان: الظُّلْم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
؛ يَقُولُ: لَا تَعاوَنوا عَلَى المَعْصية والظُّلْم. وعَدَا عَلَيْهِ عَدْواً وعَدَاءً وعُدُوّاً وعُدْواناً وعِدْواناً وعُدْوَى وتَعَدَّى واعْتَدَى، كُلُّه: ظَلَمه. وعَدَا بنُو فُلَانٍ عَلَى بَنِي فُلَانٍ أَي ظَلَمُوهم. وَفِي الْحَدِيثِ:
كَتَبَ ليَهُود تَيْماءَ أَن لَهُم الذمَّةَ وَعَلَيْهِمِ الجِزْيَةَ بِلَا عَداء
؛ العَداءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الظُّلْم وتَجاوُز الْحَدِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تقاتِلُوا غَيْرَ مَن أُمِرْتُم بقِتالِه وَلَا تَقتلوا غَيْرَهُمْ، وَقِيلَ: وَلَا تَعْتَدوا أَي لَا تُجاوزوا إِلى قَتْل النِّساءِ والأَطفال. وعَدَا الأَمرَ يَعْدُوه وتَعَدَّاه، كِلَاهُمَا: تَجاوَزَة. وعَدَا طَوْرَه وقَدْرَهُ: جاوَزَهُ عَلَى المَثَل. وَيُقَالُ: مَا يَعْدُو فلانٌ أَمْرَك أَي مَا يُجاوِزه. والتَّعَدِّي: مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلى غَيْرِه، يُقَالُ: عَدَّيْتُه فتَعَدَّى أَي تَجاوزَ. وقوله: فَلا تَعْتَدُوها
أَي لَا تَجاوَزُوها إِلى غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ قوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
؛ أَي يُجاوِزْها. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ*
؛ أَي المُجاوِزُون مَا حُدَّ لَهُمْ وأُمِرُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ*
؛ أَي غَيْرَ مُجاوِزٍ لِمَا يُبَلِّغه ويُغْنِيه مِنَ الضَّرُورَةِ، وأَصل هَذَا كُلِّهِ مُجاوَزة الْحَدِّ والقَدْر والحَقّ. يُقَالُ: تَعَدَّيْت الحَقَّ واعْتَدَيْته وعَدَوْته أَي جاوَزْته. وَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ: اعْتَدَى فلانٌ عَنِ الْحَقِّ واعْتَدَى فوقَ الحقِّ، كأَن مَعْنَاهُ
(15/33)

جَازَ عَنِ الْحَقِّ إِلى الظُّلْمِ. وعَدَّى عَنِ الأَمر: جَازَهُ إِلى غَيْرِه وتَرَكه. وَفِي الْحَدِيثِ:
المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كمانِعِها
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فِي الزَّكاة
؛ هُو أَن يُعْطِيَها غَيْرَ مُسْتَحِقِّها، وَقِيلَ: أَرادَ أَنَّ الساعِيَ إِذا أَخذَ خِيارَ الْمَالِ رُبَّما منعَه فِي السَّنة الأُخرى فَيَكُونُ السَّاعِي سبَبَ ذَلِكَ فَهُمَا فِي الإِثم سَوَاءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
سَيكُون قومٌ يَعْتَدُون فِي الدُّعاءِ
؛ هُوَ الخُروج فِيهِ عنِ الوَضْعِ الشَّرْعِيِّ والسُّنَّة المأْثورة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
؛ سَمَّاه اعْتِداء لأَنه مُجازاةُ اعْتِداءٍ فسُمِّي بمثْل اسْمِهِ، لأَن صُورَةَ الفِعْلين واحدةٌ، وإِن كَانَ أَحدُهما طَاعَةً وَالْآخَرُ مَعْصِيَةً؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ظَلَمني فُلَانٌ فظلَمته أَي جازَيْتُه بظُلْمِه لَا وَجْه للظُّلْمِ أَكثرُ مِنْ هَذَا، والأَوَّلُ ظُلْم وَالثَّانِي جزاءٌ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وَإِنْ وَافَقَ اللفظُ اللفظَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ السَّيِّئَةُ الأُولى سَيِّئَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُجازاة وَإِنْ سُمِّيَتْ سَيِّئَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ. يُقَالُ: أَثِمَ الرجلُ يَأْثَمُ إِثْماً وأَثَمه اللهُ عَلَى إِثمه أَي جَازَاهُ عَلَيْهِ يَأْثِمُه أَثاماً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً؛ أَي جَزَاءً لإِثْمِه. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
؛ المُعْتَدون: المُجاوِزون مَا أُمرُوا بِهِ. والعَدْوَى: الْفَسَادُ، والفعلُ كَالْفِعْلِ. وعَدا عَلَيْهِ اللِّصُّ عَداءً وعُدْوَاناً وعَدَواناً: سَرَقَه؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ. وذئبٌ عَدَوانٌ: عادٍ. وذِئْبٌ عَدَوانٌ: يَعْدُو عَلَى الناسِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثِ:
السلطانُ ذُو عَدَوانٍ وَذُو بَدَوانٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: أَي سريعُ الانصِرافِ والمَلالِ، مِنْ قَوْلِكَ: مَا عَداك أَي مَا صَرَفَك. ورجلٌ مَعْدُوٌّ عَلَيْهِ ومَعْدِيٌّ عَلَيْهِ، عَلَى قَلْب الواوِ يَاءً طَلَب الخِّفَّةِ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ؛ وأَنشد لِعَبْدِ يَغُوث بْنِ وَقَّاص الحارثِي:
وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَة أَنَّني ... أَنا اللَّيْثُ، مَعْدِيّاً عَلَيْهِ وعادِيا
أُبْدِلَت الياءُ مِنَ الْوَاوِ اسْتِثْقالًا. وَعَدَا عَلَيْهِ: وَثَب؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد لأَبي عارِمٍ الْكِلَابِيِّ:
لَقَدْ عَلمَ الذئْب الَّذِي كَانَ عادِياً، ... عَلَى النَّاسِ، أَني مائِرُ السِّهم نازِعُ
وَقَدْ يَكُونُ العَادِي هُنَا مِنَ الْفَسَادِ والظُّلم. وعَدَاهُ عَنِ الأَمْرِ عَدْواً وعُدْواناً وعَدّاه، كِلَاهُمَا: صَرَفَه وشَغَله. والعَدَاءُ والعُدَواءُ والعَادِيَة، كلُّه: الشُّغْلُ يَعْدُوك عَنِ الشَّيْءِ. قَالَ مُحارب: العُدَواءُ عادةُ الشُّغْل، وعُدَوَاءُ الشُّغْلِ موانِعُه. وَيُقَالُ: جِئْتَني وأَنا فِي عُدَوَاءَ عنكَ أَي فِي شُغْلٍ؛ قَالَ اللَّيْثُ: العَادِيَةُ شُغْلٌ مِنْ أَشْغال الدَّهْرِ يَعْدُوك عَنْ أُمورك أَي يَشْغَلُك، وَجَمْعُهَا عَوَادٍ، وَقَدْ عَدَانِي عَنْكَ أَمرٌ فَهُوَ يَعْدُوني أَي صَرَفَني؛ وَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
وعَادَكَ أَن تُلاقِيها العَدَاء
قَالُوا: مَعْنَى عادَكَ عَداكَ فقَلبَه، وَيُقَالُ: مَعْنَى قَوْلِهِ عادَكَ عادَ لَكَ وعاوَدَك؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابِي:
عَدَاكَ عَنْ رَيَّا وأُمِّ وهْبِ، ... عَادِي العَوَادِي واختلافُ الشَّعْبِ
فَسَّرَهُ فَقَالَ: عَادِي العَوَادِي أَشدُّها أَي أَشدُّ الأَشغالِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ زيدٌ رجُلُ الرجالِ أَي أَشدُّ الرجالِ. والعُدَوَاءُ: إِناخةٌ قَلِيلَةٌ. وتَعَادَى المكانُ: تَفاوَتَ وَلَمْ يَسْتوِ. وجَلَس عَلَى عُدَوَاءَ أَي عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ.
(15/34)

ومَرْكَبٌ ذُو عُدَوَاءَ أَي لَيْسَ بمُطْمَئِنٍّ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصَنَّفِ جئتُ عَلَى مركبٍ ذِي عُدَواءٍ مَصْرُوفٌ، وَهُوَ خطأٌ مِنْ أَبي عُبَيد إِن كَانَ قَائِلَهُ، لأَنَّ فُعَلاء بناءٌ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ. والتَّعَادِي: أَمكنةٌ غَيْرُ مستويةٍ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبِنَاءِ الْكَعْبَةِ: وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَراثِيمُ وتَعَادٍ
أَي أَمكنة مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ مُستوية؛ وأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ:
مِنْهَا عَلَى عُدَواء الدَّارِ تَسقِيمُ «4»
قَالَ الأَصمعي: عُدَواؤه صَرْفُه وَاخْتِلَافُهُ، وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: عُدَوَاء عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِذَا نَامَ الإِنسانُ عَلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ مُسْتو فيهِ ارْتفاعٌ وانْخفاضٌ قَالَ: نِمْتُ عَلَى عُدَواءَ. وَقَالَ النَّضْرُ: العُدَوَاءُ مِنَ الأَرض الْمَكَانُ المُشْرِف يَبْرُكُ عَلَيْهِ البعيرُ فيَضْطَجعُ عَلَيْهِ، وَإِلَى جَنْبِهِ مكانٌ مطمئنٌ فَيَمِيلُ فِيهِ الْبَعِيرُ فيتَوهَّنُ، فالمُشْرِف العُدَواءُ، وتَوَهُّنه أَن يَمُدَّ جسمَه إِلَى الْمَكَانِ الوَطِيء فَتَبْقَى قَوَائِمُهُ عَلَى المُشْرِف وَلَا يَسْتَطيع أَن يقومَ حَتَّى يَمُوتَ، فتَوَهُّنه اضطجاعُه. أَبو عَمْرٍو: العُدَوَاءُ الْمَكَانُ الَّذِي بَعْضُهُ مُرْتَفِعٌ وَبَعْضُهُ مُتطأْطِئٌ، وَهُوَ المُتَعَادِي. ومكانٌ مُتَعَادٍ: بعضُه مُرْتَفِعٌ وبعضُه مُتطامِن لَيْسَ بمُسْتوٍ. وأَرضٌ مُتَعَادِيَةٌ: ذاتُ جِحَرة ولَخاقِيق. والعُدَوَاءُ، عَلَى وَزْن الغُلَواءِ: الْمَكَانُ الَّذِي لَا يَطْمَئِنُّ مَن قَعَد عَلَيْهِ. وَقَدْ عادَيْتُ القِدْر: وَذَلِكَ إِذَا طامَنْتَ إِحْدَى الأَثافيِّ ورَفَعْت الأُخْرَيَيْن لِتَمِيلَ القِدْر عَلَى النَّارِ. وتَعَادَى مَا بَيْنَهُمْ: تَباعَدَ؛ قَالَ الأَعشى يَصِفُ ظَبْيَة وغَزالها:
وتَعَادَى عَنْهُ النهارَ، فمَا تَعْجُوه ... إِلَّا عُفافةٌ أَو فُواقُ
يَقُولُ: تباعَدُ عَنْ وَلَدها فِي المَرعى لِئَلَّا يَسْتَدِلَّ الذِّئبُ بِهَا عَلَى ولدِها. والعُدَوَاءُ: بُعْدُ الدَّارِ. والعَدَاءُ: البُعْد، وَكَذَلِكَ العُدَواءُ. وقومٌ عِدًى: متَباعدون، وَقِيلَ: غُرباءُ، مقصورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، والمَعْنيان مُتقارِبانِ، وهُم الأَعْدَاءُ أَيضا لأَن الغَريبَ بَعِيدٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا كنتَ فِي قَوْمٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ، ... فكُلْ مَا عُلِفْتَ مِنْ خَبِيثٍ وطَيِّب
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا البيتُ يُروى لِزُرارة بنِ سُبَيعٍ الأَسَدي، وَقِيلَ: هُوَ لنَضْلة بنِ خالدٍ الأَسَدِي، وَقَالَ ابْنُ السِّيرَافِيِّ: هُوَ لدُودانَ بنِ سَعْدٍ الأَسَدِي، قَالَ: وَلَمْ يأَتِ فِعَلٌ صفَةً إِلَّا قَوْمٌ عِدًى، ومكانٌ سِوًى، وماءٌ رِوًى، وماءٌ صِرًى، ومَلامةٌ ثِنًى، ووادٍ طِوًى، وَقَدْ جَاءَ الضمُّ فِي سُوًى وثُنًى وطُوًى، قَالَ: وَجَاءَ عَلَى فِعَل مِنْ غَيْرِ المعتلِّ لحمٌ زِيَمٌ وسَبْيٌ طِيَبَة؛ قَالَ عَلِيُّ بنُ حَمْزَةَ: قومٌ عِدًى أَي غُربَاءُ، بِالْكَسْرِ، لَا غيرُ، فَأَمَّا فِي الأَعداءِ فَيُقَالُ عِدًى وعُدًى وعُداةٌ. وَفِي حَدِيثِ
حَبِيبِ بْنِ مسلَمة لَمَّا عَزَله عُمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ حِمْصَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَنزِعُ قَوْمَه ويَبْعثُ القَوْمَ العِدَى «5»
؛ العِدَى، بِالْكَسْرِ: الغُرَباءَ، أَرَادَ أَنَّهُ يَعْزِلُ قَوْمه مِنَ الْوِلَايَاتِ ويوَلّي الغُربَاء والأَجانِبَ؛ قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ العِدَى بِمَعْنَى الأَعْداءِ؛ قَالَ بِشْرُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ
__________
(4). قوله [منها على عدواء إلخ] هو عجز بيت صدره كما في مادة سقم:
هَامَ الْفُؤَادُ بِذِكْرَاهَا وَخَامَرَهُ
(5). في النهاية: العِدَى بالكسر الغرباء والأجانب والأَعداء، فأما بالضم فهم الأَعداء خاصة.
(15/35)

مَالِكٍ الأَنصاري:
فأَمَتْنا العُدَاةَ مِنْ كلِّ حَيٍّ ... فاسْتَوَى الرَّكْضُ حِينَ ماتَ العِدَاءُ
قَالَ: وَهَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى أَنه جَمْعُ عادٍ، أَو يَكُونُ مَدَّ عِدًى ضَرُورَةً؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِ الأَخطل:
أَلا يَا اسْلَمِي يَا هِنْدُ، هِنْدَ بَني بَدْرِ، ... وإنْ كَانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الدهْرِ
قَالَ: العِدَى التَّباعُد. وقَوْمٌ عِدًى إِذَا كَانُوا مُتَباعِدِين لَا أَرحامَ بَيْنَهُمْ وَلَا حِلْفَ. وقومٌ عِدًى إِذَا كَانُوا حَرْباً، وَقَدْ رُوِي هَذَا البيتُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، مِثْلُ سِوًى وسُوًى. الأَصمعي: يُقَالُ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عِدًى، مَقْصُورٌ، يَكُونُ للأَعداء وللغُرَباء، وَلَا يُقَالُ قَوْمٌ عُدًى إِلَّا أَن تُدْخِلَ الْهَاءَ فَتَقُولَ عُداة فِي وَزْنِ قُضَاةٍ، قَالَ أَبو زَيْدٍ: طالتْ عُدَواؤهُمْ أَي تباعُدُهم وتَفَرُّقُهم. والعَدُوُّ: ضِدُّ الصَّدِيق، يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ والأُنثى والذكَر بلفظٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العَدُوُّ ضِدُّ الوَلِيِّ، وَهُوَ وصْفٌ ولكِنَّه ضَارَعَ الِاسْمَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: فَعُولٌ إِذَا كَانَ فِي تأْويل فاعلٍ كَانَ مُؤَنَّثُه بِغَيْرِ هَاءٍ نَحْوُ رجلٌ صَبُور وامرأَة صَبور، إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا جاءَ نَادِرًا قَالُوا: هَذِهِ عَدُوَّة لِلَّهِ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّمَا أَدخلوا فِيهَا الْهَاءَ تَشْبِيهًا بصَديقةٍ لأَن الشيءَ قَدْ يُبْنى عَلَى ضِدِّهِ، وَمِمَّا وضَع بِهِ ابْنُ سِيدَهْ مِنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَعرابي مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي خُطْبة كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ فَقَالَ: وَهَلْ أَدَلُّ عَلَى قِلَّةِ التَّفْصِيلِ وَالْبُعْدِ عَنِ التَّحْصِيلِ مِنْ قولِ أَبي عبدِ اللَّهِ بنِ الأَعرابي فِي كِتَابِهِ النَّوَادِرِ: العَدوّ يَكُونُ لِلذَّكَرِ والأُنثى بِغَيْرِ هَاءٍ، وَالْجَمْعُ أَعداءٌ وأَعادٍ وعُداةٌ وعِدًى وعُدًى، فأَوْهم أَن هَذَا كلَّه لشيءٍ وَاحِدٍ؟ وَإِنَّمَا أَعْدَاءٌ جَمْعُ عَدُوٍّ أَجروه مُجْرى فَعِيل صِفَةً كشَرِيفٍ وأَشْرافٍ ونصِيرٍ وأَنصارٍ، لأَن فَعُولًا وفَعِيلًا متساويانِ فِي العِدَّةِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَكَوْنِ حَرْفِ اللِّينِ ثَالِثًا فِيهِمَا إِلَّا بِحَسْبِ اخْتِلَافِ حَرفَيِ اللِّين، وَذَلِكَ لَا يوجبُ اخْتِلَافًا فِي الْحُكْمِ فِي هَذَا، أَلا تَراهم سَوَّوْا بَيْنَ نَوارٍ وصَبورٍ فِي الْجَمْعِ فَقَالُوا نُوُرٌ وصُبُرٌ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَن يكسَّر عَدُوٌّ عَلَى مَا كُسّرَ عَلَيْهِ صَبُورٌ؟ لَكِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لأَجْحفوا، إِذْ لَوْ كَسَّروه عَلَى فُعُلٍ لَلَزِمَ عُدُوٌ، ثُمَّ لَزِمَ إِسْكَانُ الْوَاوِ كَرَاهِيَةَ الْحَرَكَةِ عَلَيْهَا، فَإِذَا سَكَنَت وَبَعْدَهَا التنوين التقَى ساكناً فَحُذِفَتِ الْوَاوُ فَقِيلَ عُدٌ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قبلَها ضمَّة، فَإِنْ أَدَّى إِلَى ذَلِكَ قِيَاسٌ رُفِضَ، فَقُلِبَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً وَلَزِمَ لِذَلِكَ انْقِلَابُ الْوَاوِ يَاءً فَقِيلَ عُدٍ، فتَنَكَّبت الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي كُلِّ معتلِّ اللَّامِ عَلَى فَعَوْلٍ أَو فَعِيل أَو فَعال أَو فِعالٍ أَو فُعالٍ عَلَى مَا قَدْ أَحكمته صِنَاعَةُ الإِعرابِ، وأَما أَعادٍ فجمعُ الْجَمْعِ، كَسَّروا عَدُوّاً عَلَى أَعْداءٍ ثُمَّ كَسَّروا أَعْدَاءً عَلَى أَعَادٍ وأَصلُه أَعَادِيّ كأَنْعامٍ وأَناعيم لأَن حرفَ اللِّينِ إِذَا ثبَت رَابِعًا فِي الواحدِ ثبتَ فِي الْجَمْعِ، وَكَانَ يَاءً، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ شَاعِرٌ كَقَوْلِهِ أَنشده سِيبَوَيْهِ:
والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطامِسَا
وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا أَعادٍ كَرَاهَةَ الياءَين مَعَ الْكَسْرَةِ كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ فِي جَمْعِ مِعْطاءٍ مَعاطٍ، قَالَ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَن يَجِيءَ عَلَى الأَصل مَعاطِيّ كأَثافيّ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَن يُقَالَ أَعَادِيّ، وأَما عُداةٌ فَجَمْعُ عادٍ؛ حَكَى أَبو زَيْدٍ عَنِ الْعَرَبِ: أَشْمَتَ اللهُ عادِيَكَ أَي عَدُوّكَ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي بَابِ فاعلٍ مِمَّا لامُهُ حرفُ علَّةٍ، يَعْنِي أَن يُكَسَّر عَلَى فُعلَةٍ كقاضٍ
(15/36)

وقُضاةٍ ورامٍ ورُماةٍ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ تَكْسِيرِ مَا كَانَ مِنَ الصِّفَةِ عِدَّتُه أَربعةُ أَحرف، وَهَذَا شَبِيهٌ بلفظِ أَكثرِ النَّاسِ فِي توهُّمِهم أَن كُماةً جمعُ كَمِيٍّ، وفعيلٌ لَيْسَ مِمَّا يكسَّر عَلَى فُعَلةٍ، وَإِنَّمَا جمعُ كَمِيٍّ أَكماءٌ؛ حَكَاهُ أَبو زَيْدٍ، فأَما كُماةٌ فَجَمْعُ كامٍ مِنْ قَوْلِهِمْ كَمَى شجاعتَه وشهادَتَه كتَمها، وأَما عِدًى وعُدًى فَاسْمَانِ لِلْجَمْعِ، لأَن فِعَلًا وفُعَلًا لَيْسَا بِصِيغَتَيْ جَمْعٍ إِلَّا لِفعْلَةٍ أَوْ فُعْلة وَرُبَّمَا كَانَتْ لفَعْلة، وَذَلِكَ قَلِيلٌ كهَضْبة وهِضَب وبَدْرة وبِدر، والله أَعلم. والعَدَاوَة: اسمٌ عامٌّ مِنَ العَدُوِّ، يُقَالُ: عَدُوٌّ بَيِّنُ العَدَاوَة، وفلانٌ يُعَادِي بَنِي فُلَانٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: عَدُوٌّ وصْفٌ وَلَكِنَّهُ ضارَع الِاسْمَ، وَقَدْ يُثنَّى ويُجمع ويُؤَنَّث، وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَمْ يكسَّر عَلَى فُعُلٍ، وَإِنْ كَانَ كصَبُورٍ، كَرَاهِيَةَ الإِخْلالِ والاعْتلال، وَلَمْ يكسَّر عَلَى فِعْلانٍ كَرَاهِيَةَ الْكَسْرَةِ قَبْلَ الْوَاوِ لأَنَّ السَّاكِنَ لَيْسَ بِحَاجِزٍ حصِين، والأَعَادِي جَمْعُ الْجَمْعِ. والعِدَى والعُدَى: اسْمَانِ لِلْجَمْعِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العِدَى، بِكَسْرِ الْعَيْنِ، الأَعْدَاءُ، وَهُوَ جمعٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَقَالُوا فِي جَمْعِ عَدُوَّة عَدَايَا لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا فِي الشِّعْرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ
؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ هُمُ العَدُوُّ الأَدْنَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هُمُ العَدُوُّ الأَشدّ لأَنهم كانوا أَعْداء النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، ويُظهرون أَنهم مَعَهُ. والعَادِي: العَدُوُّ، وجَمْعُه عُداةٌ؛ قَالَتِ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ:
أَشْمَتَ ربُّ العالَمين عادِيَكْ
وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي جَمَاعَةِ العَدُوِّ عُدًى وعِدًى، قَالَ: وَكَانَ حَدُّ الْوَاحِدِ عَدُو، بِسُكُونِ الْوَاوِ، فَفَخَّمُوا آخِرَهُ بِوَاوٍ وَقَالُوا عَدُوٌّ، لأَنهم لَمْ يَجِدُوا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمًا فِي آخِرِهِ وَاوٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ قومٌ عِدًى، وَحَكَى أَبو الْعَبَّاسِ: قومٌ عُدًى، بِضَمِّ الْعَيْنِ، إِلَّا أَنه قَالَ: الاخْتِيار إِذَا كَسَرْتَ الْعَيْنَ أَنْ لَا تأْتيَ بِالْهَاءِ، والاختيارُ إِذَا ضَمَمْتَ العينَ أَن تأْتيَ بِالْهَاءِ؛ وأَنشد:
مَعاذةَ وجْه اللهِ أَن أُشْمِتَ العِدَى ... بلَيلى، وَإِنْ لَمْ تَجْزني مَا أَدِينُها
وَقَدْ عَادَاه مُعَادَاةً وعِداءً، والاسمُ العَدَاوَة، وَهُوَ الأَشدُّ عَادِيًا. قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: العُدَى جَمْعُ عَدُوّ، والرُّؤَى جَمْعُ رؤيَةٍ، والذُّرَى جَمْعُ ذِرْوَة؛ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ قُضاة وغُزاة ودُعاة فَحَذَفُوا الْهَاءَ فَصَارَتْ عُدًى، وَهُوَ جَمْعُ عادٍ. وتَعَادَى القومُ: عَادَى بعضُهم بَعْضًا. وقومٌ عِدًى: يُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَإِنْ كَانَ أَصله الواوَ لِمَكَانِ الْكَسْرَةِ الَّتِي فِي أَوَّله، وعُدًى مِثْلُهُ، وَقِيلَ: العُدَى الأَعْداءُ، والعِدَى الأَعْداءُ الَّذِينَ لَا قَرابة بَيْنَكَ وبينَهُم، قَالَ: وَالْقَوْلُ هُوَ الأَوّل. وقولُهم: أَعْدَى مِنَ الذئبِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: يَكُونُ مِنَ العَدْوِ وَيَكُونُ مِنَ العَداوَة، وكونُه مِنَ العَدْوِ أَكثر، وأُراه إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَنه لَا يُقَالُ أَفْعَل مِنْ فاعَلْت، فَلِذَلِكَ جَازَ أَن يَكُونَ مِنْ العَدْوِ لَا مِنَ العَداوَة. وتَعَادَى مَا بينَهم: اخْتَلف. وعَدِيتُ لَهُ: أَبْغَضْتُه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ابْنُ شُمَيْلٍ: رَدَدْت عَنِّي عادِيَةَ فُلَانٍ أَي حِدَّته وغَضبه. وَيُقَالُ: كُفَّ عَنَّا عادِيَتَك أَي ظُلْمك وَشَرَّكَ، وَهَذَا مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ كالراغِية وَالثَّاغِيَةِ. يُقَالُ: سَمِعْتُ راغِيَةَ الْبَعِيرِ وَثَاغِيَةَ الشَّاةِ أَي رُغاء الْبَعِيرِ وثُغاء الشَّاةِ، وَكَذَلِكَ عَادِيَةُ الرَّجُلِ عَدْوُه عَلَيْكَ بِالْمَكْرُوهِ.
(15/37)

والعُدَوَاء: أَرض يَابِسَةٌ صُلْبة ورُبَّما جَاءَتْ فِي الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَتْ، قَالَ: وَقَدْ تَكُون حَجَراً يُحادُ عَنْهُ فِي الحَفْرِ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ يَصِفُ ثَوْرًا يَحْفِرُ كِنَاسًا:
وإنْ أَصابَ عُدَوَاءَ احْرَوْرَفا ... عَنْها، وَوَلّاها الظُّلُوفَ الظُّلَّفا
أَكَّد بالظُّلَّفِ كَمَا يُقَالُ نِعافٌ نُعَّف وبِطاحٌ بُطَّحٌ وكأَنه جَمَعَ ظِلْفاً ظَالِفًا، وَهَذَا الرَّجَزُ أَورده الْجَوْهَرِيُّ شَاهِدًا عَلَى عُدَوَاءِ الشُّغْلِ موانِعِه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ لِلْعَجَّاجِ وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى العُدَوَاء الأَرضِ ذَاتِ الْحِجَارَةِ لَا عَلَى العُدَواء الشُّغْلِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ أَيضاً قَالَ: ظُلَّف جَمْعُ ظالِف أَي ظُلُوفُهُ تَمْنَعُ الأَذى عَنْهُ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَرض ذاتُ عُدَوَاءَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِيمَةً وَطِيئةً وَكَانَتْ مُتَعادِيةً. ابْنُ الأَعرابي: العُدَوَاءُ الْمَكَانُ الغَلِيظ الخَشِن. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: زَعَمَ أَبو عَمْرٍو أَن العِدَى الْحِجَارَةُ والصُّخور؛ وأَنشد قَوْلَ كُثَيِّر:
وحالَ السَّفَى بَيني وبَينَك والعِدَى، ... ورهْنُ السَّفَى غَمْرُ النَّقيبة ماجِدُ
أَراد بالسَّفَى ترابَ الْقَبْرِ، وبالعِدَى مَا يُطْبَق عَلَى اللَّحد مِنَ الصَّفائح. وأَعْدَاءُ الْوَادِي وأَعْناؤه: جَوَانِبُهُ؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ بَدْرٍ الهُذَلي فمدَّ العِدَى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَالصُّخُورُ:
أَو اسْتَمَرّ لمَسْكَنٍ، أَثْوَى بِهِ ... بِقَرارِ ملْحَدةِ العِدَاءِ شَطُونِ
وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: العِدَاءُ، ممدودٌ، مَا عادَيْت عَلَى المَيّت حينَ تَدْفِنُه مِنْ لَبِنٍ أَو حِجَارَةٍ أَوْ خَشَبٍ أَو مَا أَشبَهه، الْوَاحِدَةُ عِداءة. وَيُقَالُ أَيضاً: العِدَى والعِداءُ حَجَرٌ رَقِيقٌ يُسْتَرُ بِهِ الشَّيْءُ، وَيُقَالُ لكلِّ حَجَرٍ يُوضَعُ عَلَى شَيْءٍ يَسْتُره فَهُوَ عِدَاءٌ؛ قَالَ أُسامة الْهُذَلِيِّ:
تَاللَّهِ مَا حُبِّي عَلِيّاً بشَوى ... قَدْ ظَعَنَ الحَيُّ وأَمْسى قدْ ثَوى،
مُغادَراً تحتَ العِدَاء والثَّرَى
مَعْنَاهُ: مَا حُبِّي عَلِيًّا بخَطَإٍ. ابْنُ الأَعرابي: الأَعْدَاء حِجارَة المَقابر، قَالَ: والأَدْعاء آلَامُ النَّارِ «1» وَيُقَالُ: جئْتُك عَلَى فَرَسٍ ذِي عُدَوَاء، غَيْرِ مُجْرًى إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا طُمَأْنينة وسُهولة. وعُدَوَاءُ الشَّوْق: مَا بَرَّح بِصَاحِبِهِ. والمُتَعَدِّي مِنَ الأَفعال: مَا يُجاوزُ صاحبَه إِلَى غَيْرِهِ. والتَّعَدِّي فِي القافِية: حَرَكة الْهَاءِ الَّتِي لِلْمُضْمَرِ الْمُذَكَّرِ السَّاكِنَةُ فِي الْوَقْفِ؛ والمُتَعَدِّي الواوُ الَّتِي تلحقُه مِنْ بَعْدِهَا كَقَوْلِهِ:
تَنْفُشُ مِنْهُ الخَيْل ما لا يَغْزِلُهُو
فحَركة الْهَاءِ هِيَ التَّعَدِّي وَالْوَاوُ بَعْدَهَا هِيَ المُتَعَدِّي؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
وامْتَدَّ عُرْشا عُنْقِهِ للمُقْتَهِي
حَرَكَةُ الْهَاءِ هِيَ التَّعَدِّي وَالْيَاءُ بَعْدَهَا هِيَ المُتَعَدِّي، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَاتَانِ الْحَرَكَتَانِ تَعَدِّياً، وَالْيَاءُ والواوُ بَعْدَهُمَا مُتَعَدِّياً لأَنه تَجاوزٌ للحَدّ وخروجٌ عَنِ الواجبِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْوَزْنِ لأَنّ الوزنَ قَدْ تَناهى قبلَه، جَعَلُوا ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ الخَزْمِ فِي أَوَّله. وعَدَّاه إِلَيْهِ: أَجازَه وأَنْفَذَه. وَرَأَيْتُهُمْ عَدَا أَخاك وَمَا عَدَا أَخاكَ أَي مَا خَلا، وَقَدْ يُخْفَض بِهَا دُونَ مَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وعَدَا فِعْلٌ يُسْتَثْنى بِهِ مَعَ مَا وَبِغَيْرِ مَا، تقولُ جاءَني القومُ مَا عَدَا زيداً، وجاؤوني عَدَا زَيْدًا، تنصبُ مَا بَعْدَهَا بِهَا والفاعلُ مُضْمَر فِيهَا. قَالَ الأَزهري: مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُمْ مَا رأَيت أَحداً مَا عَدَا زيداً كقولك
__________
(1). قوله [آلام النار] هو هكذا في الأصل والتهذيب.
(15/38)

مَا خَلَا زَيْدًا، وتَنْصب زَيْدًا فِي هذَيْن، فَإِذَا أَخرجتَ مَا خَفَضتَ ونَصَبت فقلتَ مَا رأيتُ أَحداً عدَا زَيْدًا وعَدَا زيدٍ وَخَلَا زَيْداً وخَلا زيدٍ، النَّصْبُ بِمَعْنَى إلَّا والخفضُ بِمَعْنَى سِوى. وعَدِّ عَنَّا حاجَتَك أَي اطْلُبْها عندَ غيرِنا فإِنَّا لَا نَقْدِرُ لَكَ عَلَيْهَا، هَذِهِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَيُقَالُ: تَعَدَّ مَا أَنت فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ أَي تجاوَزْه. وعَدِّ عَمَّا أَنت فِيهِ أَي اصْرِفْ هَمَّك وقولَك إِلَى غَيْرِهِ. وعَدَّيْتُ عَنِّي الهمَّ أَي نحَّيته. وَتَقُولُ لِمَنْ قَصَدَك: عدِّ عنِّي إِلَى غَيْرِي: وَيُقَالُ: عادِ رِجْلَك عَنِ الأَرض أَي جافِها، وَمَا عَدَا فلانٌ أَن صَنعَ كَذَا، وَمَا لِي عَنْ فلانٍ مَعْدىً أَي لَا تَجاوُزَ لِي إِلَى غَيْرِهِ وَلَا قُصُور دُونَهُ. وعَدَوْته عَنِ الأَمر: صرَفْته عَنْهُ. وعدِّ عَمَّا تَرَى أَي اصْرِفْ بصَرَك عَنْهُ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه أُتيَ بسَطِيحَتَيْنِ فِيهِمَا نبيذٌ فشَرِبَ مِنْ إِحْدَاهُمَا وعَدَّى عَنِ الأُخرى
أَي تَرَكها لِمَا رَابَهُ مِنْهَا. يُقَالُ: عدِّ عَنْ هَذَا الأَمرِ أَي تجاوَزْه إِلَى غَيْرِهِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الآخرُ: أَنه أُهْدِيَ لَهُ لَبَنٌ بِمَكَّةَ فعدَّاه أَي صَرَفَهُ عَنْهُ. والإِعْدَاءُ: إعْداءُ الحرب. وأَعْدَاه الداءُ يُعْدِيه إعْدَاءً: جاوزَ غَيْرَهُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يصيبَه مثلُ مَا بصاحبِ الداءِ. وأَعْدَاهُ مِنْ علَّته وخُلُقِه وأَعْدَاهُ بِهِ: جَوَّزَهُ إِلَيْهِ، وَالِاسْمُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ العَدْوَى. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا عَدْوَى وَلَا هامَة وَلَا صَفَر وَلَا طيرَةَ وَلَا غُولَ
أَي لَا يُعْدي شَيْءٌ شَيْئًا. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْوَى فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ اسمٌ مِنَ الإِعْدَاء كالرَّعْوى والبَقْوَى مِنَ الإِرْعاءِ والإِبْقاءِ. والعَدْوَى: أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَب مَثَلًا فتُتَّقى مُخالَطَتُه بِإِبِلٍ أُخرى حِذار أَن يَتعَدَّى مَا بِهِ مِنَ الجَرَب إِلَيْهَا فيصيبَها مَا أَصابَه، فَقَدْ أَبطَله الإِسلامُ لأَنهم كَانُوا يظُنُّون أَن الْمَرَضَ بِنَفْسِهِ يتَعَدَّى، فأَعْلَمَهم النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أَن الأَمر لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُمرض ويُنْزلُ الداءَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِ الأَحاديث وَقَدْ قِيلَ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
إِن النُّقْبة تَبْدُو وبمشْفر الْبَعِيرِ فتُعْدِي الإِبل كُلَّهَا، فَقَالَ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِلَّذِي خَاطَبَهُ: فمَن الَّذِي أَعدَى البعيرَ الأَول
أَي مِنْ أَين صَارَ فِيهِ الجَرَب؟ قَالَ الأَزهري: العَدْوَى أَن يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَبٌ أَو بِإِنْسَانٍ جُذام أَو بَرَصٌ فتَتَّقيَ مخالطتَه أَو مُؤَاكَلَتَهُ حِذار أَن يَعْدُوَه مَا بِهِ إِليك أَي يُجاوِزه فيُصيبك مثلُ مَا أَصابه. وَيُقَالُ: إِنَّ الجَرَب ليُعْدِي أَي يُجَاوِزُ ذَا الجَرَب إِلَى مَنْ قَارَبَهُ حَتَّى يَجْرَبَ، وَقَدْ نَهى النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ إِنْكَارِهِ العَدْوَى، أَن يُورِدَ مُصِحٌّ عَلَى مُجْرِب لِئَلَّا يُصِيبَ الصِّحاحَ الجَرَبُ فَيُحَقِّقَ صاحبُها العَدْوَى. والعَدْوَى: اسمٌ مِنْ أَعْدَى يُعْدِي، فَهُوَ مُعْدٍ، وَمَعْنَى أَعْدَى أَي أَجاز الجَرَبَ الَّذِي بِهِ إِلى غَيْرِهِ، أَو أَجاز جَرَباً بِغَيْرِهِ إِليه، وأَصله مِنْ عَدَا يَعْدُو إِذا جَاوَزَ الحدَّ. وتَعَادَى القومُ أَي أَصاب هَذَا مثلُ دَاءِ هَذَا. والعَدْوَى: طَلَبُك إِلى والٍ ليُعْدِيَكَ عَلَى منْ ظَلَمك أَي يَنْتَقِم مِنْهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَدْوَى النُّصْرَة والمَعُونَة. وأَعْدَاهُ عَلَيْهِ: نَصَره وأَعانه. واسْتَعْدَاهُ: اسْتَنْصَره وَاسْتَعَانَهُ. واسْتَعْدَى عَلَيْهِ السلطانَ أَي اسْتَعانَ بِهِ فأَنْصَفه مِنْهُ. وأَعْدَاهُ عَلَيْهِ: قَوَّاه وأَعانه عَلَيْهِ؛ قَالَ يَزِيدُ بْنُ حذاق:
وَلَقَدْ أَضاءَ لَكَ الطَّريقُ، وأَنْهَجَتْ ... سُبُلُ المكارِمِ، والهُدَى يُعْدِي
أَي إِبْصارُكَ الطَّريقَ يقوِّيك عَلَى الطَّريقِ ويُعينُك؛
(15/39)

وَقَالَ آخَرُ:
وأَنتَ امرؤٌ لَا الجُودُ منكَ سَجيَّةٌ ... فتُعْطِي، وَقَدْ يُعْدِي عَلَى النَّائِلِ الوُجْدُ
وَيُقَالُ: اسْتَأْداه، بالهمزة، فَآدَاهُ أَي أَعانَه وقَوَّاه، وبعضُ أَهل اللُّغَةِ يَجْعَلُ الْهَمْزَةَ فِي هَذَا أَصلًا وَيَجْعَلُ الْعَيْنَ بَدَلًا مِنْهَا. وَيُقَالُ: آدَيْتُك وأَعْدَيْتُك مِنَ العَدْوَى، وَهِيَ المَعونة. وعَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فصاعِداً مُعَادَاةً وعِدَاءً: وَالَى؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ، ... وَبَيْنَ شَبُوبٍ كالقَضِيمَةِ قَرْهَبِ
وَيُقَالُ: عَادَى الفارِسُ بَيْنَ صَيْدَيْن وَبَيْنَ رَجُلَين إِذا طَعَنهما طَعْنَتَيْنِ مُتَوالِيَتَيْن. والعِدَاء، بِالْكَسْرِ، والمُعَادَاة: المُوالاة والمتابَعة بَيْنَ الِاثْنَيْنِ يُصرَعُ أَحدهما عَلَى إِثر الْآخَرِ فِي طَلَقٍ وَاحِدٌ؛ وأَنشد لِامْرِئِ الْقَيْسِ:
فعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجةٍ ... دِراكاً، وَلَمْ يُنْضَحْ بماءٍ فيُغْسَلِ
يُقَالُ: عَادَى بَيْنَ عَشَرة مِنَ الصَّيْد أَي وَالَى بَيْنَهَا قَتْلًا ورَمْياً. وتَعَادَى القومُ عَلَى نَصْرِهِمْ أَي تَوالَوْا وتَتابَعوا. وعِداءُ كلِّ شيءٍ وعَدَاؤُه وعِدْوَتُه وعُدْوَتُه وعِدْوُه: طَوَارُه، وَهُوَ مَا انْقادَ مَعَهُ مِن عَرْضِه وطُولِه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُهُ مَا أَنشده أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ:
بَكَتْ عَيْني، وحَقَّ لَهَا البُكاءُ، ... وأَحْرَقَها المَحابِشُ والعَدَاء «2»
وَقَالَ ابْنُ أَحمر يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ:
خُبِّي، فَلَيْس إِلى عثمانَ مُرْتَجَعٌ ... إِلّا العَدَاءُ، وإِلا مَكْنَعٌ ضَرَرُ «3»
وَيُقَالُ: لَزِمْت عَدَاءَ النَّهْرِ وعَدَاءَ الطَّرِيقِ والجبلِ أَي طَوَاره. ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ الْزَمْ عَدَاء الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَن تأْخذَه لَا تَظْلِمه. وَيُقَالُ: خُذْ عَداءَ الْجَبَلِ أَي خُذْ فِي سَنَدِه تَدورُ فِيهِ حَتَّى تعلُوَه، وإِن اسْتَقام فِيهِ أَيضاً فَقَدْ أَخَذَ عَدَاءَه. وَقَالَ ابْنُ بُزْرُجٍ: يُقَالُ الْزَمِ عِدْوَ أَعْدَاءِ الطريقِ «4» والْزَمْ أَعْدَاء الطَّرِيقِ أَي وَضَحَه. وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ لِآخَرَ: أَلَبناً نَسْقِيكَ أَم مَاءً؟ فأَجاب: أَيَّهُما كَانَ وَلَا عَدَاءَ؛ مَعْنَاهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحدهما وَلَا يَكُونَنَّ ثَالِثٌ. وَيُقَالُ: الأَكْحَل عِرْقٌ عَداءَ الساعِدِ. قَالَ الأَزهري: والتَّعْدَاءُ التَّفْعال مِنْ كُلِّ مَا مَرَّ جَائِزٌ. والعِدَى والعَدَا: النَّاحِيَةُ؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ. والعُدْوَةُ: المكانُ المُتَباعِدُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. والعِدَى والعُدْوةُ والعِدْوَةُ والعَدْوَة، كلُّه: شاطئُ الْوَادِي؛ حَكَى اللِّحْيَانِيُّ هَذِهِ الأَخيرةَ عَنْ يُونُسَ. والعُدْوَة: سنَدُ الْوَادِي، قَالَ: وَمِنَ الشاذِّ قِرَاءَةُ قَتادة:
إِذ أَنتم بالعَدْوَةِ الدُّنْيَا.
والعِدْوَة والعُدْوة أَيضاً: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. قَالَ اللَّيْثُ: العُدْوة صَلابة مِنْ شاطئِ الْوَادِي، وَيُقَالُ عِدْوة. وَفِي التَّنْزِيلِ: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: العُدْوَة شاطئُ الْوَادِي، الدُّنْيَا مِمَّا يَلي الْمَدِينَةَ، والقُصْوَى مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الْوَادِي وعِدْوَتُه جانبُه وحافَتُه، وَالْجَمْعُ عِدًى وعُدًى؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ عِداءٌ مثلُ بُرْمَةٍ وبِرامٍ ورِهْمَةٍ ورِهامٍ وعِدَياتٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْجَمْعُ عِدَياتٌ، قَالَ: وَصَوَابُهُ عِدَواتٌ
__________
(2). قوله [المحابش] هكذا في الأصل.
(3). قوله [إلا مكنع ضرر] هو هكذا في الأصل.
(4). قوله [عدو أعداء الطريق] هكذا في الأصل والتهذيب.
(15/40)

وَلَا يَجُوزُ عِدِواتٌ عَلَى حَدِّ كِسِراتٍ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يَقُولُونَ فِي جَمْعِ جِرْوةٍ جِرِياتٌ، كَرَاهَةَ قلْب الْوَاوِ يَاءً، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ جِرْوات وكُلْياتٌ بالإِسكان لَا غيرُ. وَفِي حَدِيثِ الطَّاعُونِ:
لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبلٌ فَهَبَطت وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ
؛ العُدْوَة، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: جانبُ الوادي، وقيل: العُدْوَة الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ شَيْئًا عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ. وعَدَاءُ الخَنْدَقِ وعَداء الْوَادِي: بطنُه وعَادَى شعَره: أَخَذَ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ
حُذَيْفَة: أَنه خَرَجَ وَقَدْ طَمَّ رأْسَه فَقَالَ: إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرةٍ لَا يُصيبُها الْمَاءُ جَنابةً، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رأْسي كَمَا تَرَوْنَ
؛ التَّفْسِيرُ لِشَمِرٍ: مَعْنَاهُ أَنه طَمّه واسْتَأْصله ليَصِلَ الماءُ إِلى أُصولِ الشَّعَر، وَقَالَ غَيْرُهُ: عادَيْتُ رأْسِي أَي جَفَوْت شعرَه وَلَمْ أَدْهُنْه، وَقِيلَ: عادَيْتُ رأْسي أَي عاوَدْتُه بوضُوء وغُسْلٍ. ورَوَى
أَبو عَدْنانَ عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ: عَادَى شَعْرَهُ رَفَعَه
، حَكَاهُ الهَرَويّ فِي الْغَرِيبَيْنِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: رَفَعَه عِنْدَ الغسلِ. وعَادَيْت الوسادةَ أَي ثَنَيْتُها. وعَادَيْتُ الشيءَ: باعَدْته. وتَعَادَيْتُ عَنْهُ أَي تَجَافَيْت. وَفِي النَّوَادِرِ: فُلَانٌ مَا يُعَادِيني وَلَا يُواديني؛ قَالَ: لَا يُعادِيني أَي لَا يُجافِيني، وَلَا يُواديني أَي لَا يُواتيني. والعَدَوِيَّة: الشَّجَرُ يَخْضَرُّ بعدَ ذَهَابِ الرَّبِيعِ. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: قَالَ أَبو زِيادٍ العَدَوِيَّة الرَّبْل، يُقَالُ: أَصاب المالُ عَدَوِيَّةً، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: لَمْ أَسمَعْ هَذَا مِنَ غَيْرِ أَبي زِيادٍ. اللَّيْثُ: العَدَوِيَّة مِنْ نَبَاتِ الصَّيْفِ بَعْدَ ذَهَابِ الرَّبِيعِ أَن تَخْضَرَّ صِغَارُ الشَّجَرِ فتَرْعاه الإِبل، تَقُولُ: أَصابت الإِبلُ عَدَوِيَّةً؛ قَالَ الأَزهري: العَدَوِيَّة الإِبل الَّتِي تَرْعى العُدْوَة، وَهِيَ الخُلَّة، وَلَمْ يَضْبِطِ اللَّيْثُ تَفْسِيرَ العَدَوِيَّة فَجَعَلَهُ نَباتاً، وَهُوَ غَلَطٌ، ثُمَّ خَلَّط فَقَالَ: والعَدَوِيَّة أَيضاً سِخالُ الْغَنَمِ، يُقَالُ: هِيَ بَنَاتُ أَربعين يَوْمًا، فإِذا جُزَّت عَنْهَا عَقِيقتُها ذَهَبَ عَنْهَا هَذَا الِاسْمُ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ تَصْحِيفٌ مُنْكَرٌ، وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ الغَدَويَّة، بِالْغَيْنِ، أَو الغَذَويَّة، بِالذَّالِ، والغِذاء: صِغَارُ الْغَنَمِ، وَاحِدُهَا غَذِيٌّ؛ قَالَ الأَزهري: وَهِيَ كُلُّهَا مُفَسَّرَةٌ فِي معتل الغين، وَمَنْ قَالَ العَدَوِيةُ سِخال الْغَنَمِ فَقَدْ أَبْطَل وصحَّف، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي مُحكَمِه أَيضاً فَقَالَ: والعَدَوِيَّة صِغارُ الغنمِ، وَقِيلَ: هِيَ بناتُ أَربعين يَوْمًا. أَبو عُبَيْدٍ عَنْ أَصحابه: تَقادَعَ القومُ تَقادُعاً وتَعادَوْا تَعادِياً وَهُوَ أَن يَمُوتَ بَعْضُهُمْ فِي إِثْر بَعْضٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وتَعادَى القومُ وتَعادَتِ الإِبلُ جَمِيعًا أَي مَوَّتَتْ، وَقَدْ تَعادَتْ بالقَرْحة. وتَعَادَى الْقَوْمُ: ماتَ بَعْضُهُمْ إِثْرَ بعَضٍ فِي شَهْرٍ واحدٍ وعامٍ وَاحِدٍ؛ قَالَ:
فَما لَكِ منْ أَرْوَى تَعَادَيْت بالعَمى، ... ولاقَيْتِ كَلّاباً مُطِلًّا وَرَامِيَا
يدعُو عَلَيْهَا بالهلاكِ. والعُدْوة: الخُلَّة مِنَ النَّبَات، فإِذا نُسِبَ إِليها أَو رَعَتْها الإِبلُ قِيلَ إِبل عُدْوِيَّةٌ عَلَى القِياسِ، وإِبلٌ عَدَوِيَّة عَلَى غَيْرِ القِياسِ، وعَوادٍ عَلَى النَّسَبِ بِغَيْرِ يَاءِ النَّسَبِ؛ كُلُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وإِبلٌ عادِيَةٌ وعَوادٍ: تَرْعى الحَمْضَ قَالَ كُثَيِّر:
وإِنَّ الَّذِي يَنْوي منَ المالِ أَهلُها ... أَوارِكُ، لمَّا تَأْتَلِفْ، وعَوَادِي
ويُرْوى: يَبْغِي؛ ذكَرَ امرأَةً وأَن أَهلَها يطلبُون فِي مَهْرِها مِنَ المالِ مَا لَا يُمْكن وَلَا يَكُونُ كَمَا لَا تَأْتَلِفُ هَذِهِ الأَوارِكُ والعَوَادِي، فكأَن هَذَا ضِدَّ لأَنَّ العَوَادِيَ عَلَى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ هِيَ الَّتِي
(15/41)

تَرْعى الخُلَّةَ وَالَّتِي تَرْعَى الحَمْضَ، وَهُمَا مُخْتَلِفا الطَّعْمَيْن لأَن الخُلَّة مَا حَلا مِنَ المَرْعى، والحَمْض مِنْهُ مَا كَانَتْ فِيهِ مُلُوحَةٌ، والأَوارك الَّتِي تَرْعَى الأَراك وليسَ بحَمْضٍ وَلَا خُلَّة، إِنما هُوَ شَجَرٌ عِظامٌ. وَحَكَى الأَزهري عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: وإِبلٌ عَادِيَةٌ تَرْعَى الخُلَّة وَلَا تَرْعَى الحَمْضَ، وإِبلٌ آرِكَةٌ وأَوَارِكُ مُقِيمَةٌ فِي الحَمْضِ؛ وأَنشد بَيْتَ كُثَيِّرٍ أَيضاً وَقَالَ: وَكَذَلِكَ العَادِيات؛ وَقَالَ:
رأَى صاحِبي فِي العَادِياتِ نَجِيبةً، ... وأَمْثالها فِي الواضِعاتِ القَوامِسِ
قَالَ: ورَوَى الرَّبيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ السَّلَم أَلْبان إِبلٍ عَوادٍ وأَوارِكَ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي ذَرٍّ: فقَرَّبوها إِلى الْغَابَةِ تُصيبُ مِن أَثْلها وتَعْدُو فِي الشَّجَر
؛ يَعْنِي الإِبلَ أَي تَرْعى العُدْوَةَ، وَهِيَ الخُلَّة ضربٌ مِنَ المَرْعَى مَحبوبٌ إِلى الإِبل. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والعَادِيَةُ مِنَ الإِبل المُقِيمة فِي العِضاهِ لَا تُفارِقُها وَلَيْسَتْ تَرْعَى الحَمْضَ، وأَما الَّذِي فِي حَدِيثِ
قُسٍّ: فَإِذَا شَجَرة عادِيَّةٌ
أَي قَدِيمة كأَنها نُسِبَت إِلى عادٍ، وهمْ قومُ هودٍ النبيِّ، صلى الله عليه وَعَلَى نَبيِّنا وَسَلَّمَ، وَكُلُّ قديمٍ يَنْسُبُونه إِلى عادٍ وإِن لَمْ يُدْرِكْهُم. وَفِي كِتَابِ
عليٍّ إِلى مُعاوية: لَمْ يَمْنَعْنا قَدِيمُ عِزِّنا وعادِيُّ طَوْلِنا عَلَى قَوْمِك أَنْ خَلَطْناكُم بأَنْفُسِنا.
وتَعدَّى القَوْمُ: وجَدُوا لَبَناً يَشْرَبونَه فأَغْناهُمْ عَنِ اشْتِراء اللَّحْمِ، وتَعَدَّوْا أَيضاً: وجَدُوا مَراعِيَ لمَواشيهِمْ فأَغْناهُم ذَلِكَ عَنِ اشْتِراءِ العَلَف لهَا؛ وَقَوْلُ سَلامَة بْنِ جَنْدَل:
يَكُونُ مَحْبِسُها أَدْنَى لمَرْتَعِها، ... ولَوْ تَعَادَى ببكْءٍ كلُّ مَحْلُوب
مَعْنَاهُ لَوْ ذَهَبَتْ أَلْبانُها كلُّها؛ وَقَوْلُ الْكُمَيْتِ:
يَرْمِي بعَيْنَيْهِ عَدْوَةَ الأَمدِ الأَبعدِ، ... هَلْ فِي مطافِهِ رِيَب؟
قَالَ: عَدْوَة الأَمد مَدُّ بصَره ينظُر هَلْ يَرى رِيبةً تَريبهُ. وَقَالَ الأَصمعي: عَدَانِي مِنْهُ شَرٌّ أَي بَلَغني، وعَدَانِي فُلَانٌ مِنْ شَرِّه بشَرّ يَعْدُونِي عَدْواً؛ وَفُلَانٌ قَدْ أَعْدَى النَّاسَ بشَرٍّ أَي أَلْزَقَ بِهِمْ مِنْهُ شَرّاً، وَقَدْ جَلَسْتُ إِليه فأَعْدَانِي شَرًّا أَي أَصابني بشرِّه. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ لطَلْحَة يومَ الجَمَل: عرَفْتَني بِالْحِجَازِ وأَنْكَرْتني بِالْعِرَاقِ فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا؟
وَذَلِكَ أَنه كَانَ بايَعه بالمَدِينة وجاءَ يُقَاتِلُهُ بالبَصْرة، أَي مَا الَّذِي صَرَفَك ومَنَعك وَحَمَلَكَ عَلَى التَّخَلّف، بعدَ مَا ظَهَرَ مِنْكَ مِنَ التَّقَدّم فِي الطَّاعَةِ وَالْمُتَابَعَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا بَدَا لكَ مِنِّي فصَرَفَك عَنِّي، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ مَا عَدَا مِمَّا بدَا أَي مَا عَداك مِمَّا كَانَ بَدَا لَنَا مِنْ نصرِك أَي مَا شَغَلك؛ وأَنشد:
عَدَاني أَنْ أَزُورَك أَنَّ بَهْمِي ... عَجايا كلُّها، إِلَّا قَلِيلَا
وَقَالَ الأَصمعي فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ: مَا عَدَا مَنْ بَدَا، هَذَا خطأٌ وَالصَّوَابُ أَمَا عَدَا مَنْ بَدَا، عَلَى الِاسْتِفْهَامِ؛ يَقُولُ: أَلمْ يَعْدُ الحقَّ مَنْ بدأَ بِالظُّلْمِ، وَلَوْ أَراد الإِخبار قَالَ: قَدْ عَدَا منْ بَدانا بِالظُّلْمِ أَي قَدِ اعْتَدَى، أَو إِنَّمَا عَدَا مَنْ بَدَا. قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: وَيُقَالُ فَعَلَ فُلَانٌ ذَلِكَ الأَمرَ عَدْواً بَدْواً أَي ظَاهِرًا جِهاراً. وعَوَادِي الدَّهْر: عَواقِبُه؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبَّ مَنْ يتَجَنَّبُ، ... وعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَلْيك تَشْعَبُ
(15/42)

وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: عَدَا الماءُ يَعْدُو إِذا جَرَى؛ وأَنشد:
وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ ظَهْري ابتلَّا، ... حَتَّى رأَيْتُ الماءَ يَعْدُو شَلَّا
وعَدِيٌّ: قَبيلَةٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وعَدِيٌّ مِنْ قُرَيش رهطُ عُمر بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ عَدِيُّ بْنِ كَعْب بْنِ لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فهْرِ بْنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ، وَالنِّسْبَةُ إِليه عَدَوِيٌّ وَعَدَيِيٌّ، وحُجَّة مَن أَجازَ ذَلِكَ أَن الياءَ فِي عَدِيٍّ لمَّا جَرَتْ مَجْرى الصَّحِيحِ فِي اعْتقابِ حَرَكات الإِعراب عَلَيْهَا فَقَالُوا عَدِيٌّ وعَدِيّاً وعَدِيٍّ، جَرَى مَجْرَى حَنِيفٍ فَقَالُوا عَدَيِيٌّ كَمَا قَالُوا حَنَفِيٌّ، فِيمَن نُسِب إِلى حَنِيفٍ. وعَدِيُّ بْنُ عَبْدِ مَناة: مِنَ الرِّباب رَهْطِ ذِي الرُّمَّة، وَالنِّسْبَةُ إِليهم أَيضاً عَدَوِيّ، وعَدِيٌّ فِي بَنِي حَنيفة، وعَدِيٌّ فِي فَزارة. وبَنُو العَدَوِيَّة: قومٌ مِنْ حَنْظلة وتَمِيمٍ. وعَدْوَانُ، بِالتَّسْكِينِ: قَبيلَةٌ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرو بْنِ قَيْس عَيْلانَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَذِيرَ الحَيِّ مِنْ عَدْوانَ، ... كَانُوا حيَّةَ الأَرضِ
أَراد: كَانُوا حَيَّاتِ الأَرْضِ، فوضَع الواحدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ. وبَنُو عِدًى: حَيٌّ مِنْ بَنِي مُزَيْنَة، النَسَبَ إِليه عِدَاوِيٌّ نادرٌ؛ قَالَ:
عِداوِيَّةٌ، هيهاتَ منكَ محلُّها ... إِذا مَا هِيَ احْتَلَّتْ بقُدْسٍ وآرَةِ
ويروى: بقدس أُوارَةِ. ومَعْدِيكرَبَ: مَنْ جَعله مَفْعِلًا كَانَ لَهُ مَخْرَج مِنَ الْيَاءِ والواو، قال الأَزهري: مَعْدِيكرَب اسْمَانِ جُعِلا اسْمًا وَاحِدًا فأُعْطِيا إِعراباً وَاحِدًا، وَهُوَ الْفَتْحُ. وَبَنُو عِدَاءٍ «1»: قَبِيلَةٌ؛ هن ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
أَلمْ تَرَ أَنَّنا، وبَني عِداءٍ، ... توارَثْنا مِنَ الْآبَاءِ داءَ؟
وَهُمْ غيرُ بَنِي عِدًى مِنْ مُزينة. وسَمَوْأَلُ بنُ عادِياءَ، ممدودٌ؛ قَالَ النَّمِر بْنُ تَوْلب:
هَلَّا سأَلْت بِعادِياءَ وبَيْتِه، ... والخَلِّ والخَمْرِ الَّتِي لَمْ تُمْنَع
وَقَدْ قصَره المُرادِي فِي شِعْره فَقَالَ:
بَنَى لِي عادِيَا حِصْناً حَصِيناً، ... إِذا مَا سامَني ضَيْمٌ أَبَيْتُ
عذا: العَذَاةُ: الأَرضُ الطَّيِّبة التُّرْبَةِ الكَريمَةُ المَنْبِتِ الَّتِي ليستْ بسَبِخَةٍ، وَقِيلَ: هِيَ الأَرضُ البعيدةُ عَنِ الأَحْساءِ والنُّزُوزِ وَالرِّيفِ، السَّهْلَة المَريئَة الَّتِي يَكُونُ كَلَؤُها مَريئاً ناجِعاً، وَقِيلَ: هِيَ البعيدةُ مِنَ الأَنْهارِ والبُحورِ والسِّبَاخِ، وَقِيلَ: هِيَ الْبَعِيدَةُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا تكونُ العَذَاةُ ذَاتَ وخامَةٍ وَلَا وَباءٍ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
بأَرْضٍ هِجانِ التُّرْب وسْمِيَّةِ الثَّرى، ... عَذَاةٍ نَأَتْ عَنْهَا المُلوحة والبَحْرُ
وَالْجَمْعُ: عَذَواتٌ وعَذاً. والعِذْيُ: كالعَذاةِ، قلبَت الواوُ يَاءً لِضَعْفِ السَّاكِنِ أَن يَحْجُز كَمَا قَالُوا صِبْية، وَقَدْ قِيلَ إِنه ياءٌ، وَالِاسْمُ العَذَاءُ، وَكَذَلِكَ أَرضٌ عَذِيَةٌ مثلُ خَرِبَةٍ. أَبو زَيْدٍ: وعَذُوَتِ الأَرض وعَذِيَتْ أَحسنَ العَذاةِ وَهِيَ الأَرضُ الطيبةُ التُّرْبةِ البعيدةُ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ حُذَيفة لِرَجُلٍ: إِن كُنْتَ لَا بدَّ نَازِلًا بالبَصْرة فانْزِلْ عَذَواتِها وَلَا تَنْزِلْ سُرَّتها؛ جمعُ عَذاةٍ، وَهِيَ الأَرضُ الطَّيِّبَةُ التُّرْبَةِ الْبَعِيدَةُ مِنَ المِياه والسِّباخ. واسْتَعْذَيْتُ المكانَ واسْتَقْمَأْتُه، وَقَدْ قامأَني فلانٌ أَي وافَقَني.
__________
(1). قوله [وبنو عِدَاء إلخ] ضبط في المحكم بكسر العين وتخفيف الدال والمدّ في الموضعين، وفي القاموس: وبنو عَدَّاء، مضبوطاً بفتح العين والتشديد والمدّ.
(15/43)

وأَرْضٌ عَذَاةٌ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَمْضٌ وَلَمْ تكنْ قَريبةً مِنْ بِلَادِهِ. والعَذَاة: الخَامَةُ مِنَ الزَّرْعِ. يُقَالُ: رَعَيْنا أَرْضاً عَذَاةً ورَعَيْنا عَذَواتِ الأَرْض، وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ: عَذِيَ يَعْذَى عَذًى، فَهُوَ عَذِيٌّ وعِذْيٌ، وَجَمْعُ العِذْيِ أَعْذَاءٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي تَرْجَمَةِ عَذَيَ بِالْيَاءِ: العِذْيُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُنبت فِي الصَّيْفِ والشتاءِ مِنْ غَيْرِ نَبْعِ ماءٍ، والعِذْيُ، بِالتَّسْكِينِ: الزَّرْع الَّذِي لَا يُسْقى إِلَّا مِنْ ماءِ المَطَرِ لبُعْدِه مِنَ المِياهِ، وَكَذَلِكَ النَّخْلُ، وَقِيلَ: العِذْي مِنَ النَّخِيل مَا سَقَتْه السماءُ، والبَعْلُ مَا شَرِبَ بعُرُوقه مِنْ عيونِ الأَرض مِنْ غيرِ سَماءٍ وَلَا سَقْيٍ، وَقِيلَ: العِذْيُ البَعْل نَفْسُه، قَالَ: وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ العِذْيُ كلُّ بَلَدٍ لَا حَمْضَ فِيهِ. وإبلٌ عَوَاذٍ إِذا كَانَتْ فِي مَرْعًى لَا حَمْض فِيهِ، فإِذا أَفْرَدْت قلتَ إِبل عَاذِيَة؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا، وذهبَ ابنُ جِنِّي إِلى أَنَّ ياءَ عِذْيٍ بدلٌ مِنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ أَرَضُونَ عَذَوَاتٌ، فإِن كَانَ ذَلِكَ فبابُه الْوَاوُ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: إِبلٌ عاذِيَةٌ وعَذَوِيَّة تَرْعى الخُلَّة. والليث: والعِذْيُ موضعٌ بِالْبَادِيَةِ؛ قَالَ الأَزهري: لَا أَعرِفُه وَلَمْ أَسْمَعْه لغيرِه، وأَما قَوْلُهُ فِي العِذْيِ أَيضاً إِنه اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْبِتُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مِنْ غَيْرِ نَبْعِ ماءٍ فإِن كَلَامَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ العِذْيُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، وَلَكِنِ العِذْيُ مِنَ الزُّرُوعِ والنخيلِ مَا لَا يُسْقَى إِلَّا بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ عِذْيُ الكَلإِ والنباتِ مَا بَعُدَ عَنِ الرِّيفِ وأَنْبَتَه ماءُ السماءِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَذَوَانُ النَّشِيطُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ كبِيرُ حِلمٍ وَلَا أَصالةٍ؛ عَنْ كُرَاعٍ، والأُنثى بِالْهَاءِ. وعَذَا يَعْذُو إِذَا طابَ هَواؤه.
عرا: عَرَاهُ عَرْواً واعْتَرَاه، كِلَاهُمَا: غَشِيَه طَالِبًا مَعْرُوفَهُ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ: أَنه سَمِعَ ابْنَ الأَعرابي يَقُولُ إِذا أَتيْت رجُلًا تَطْلُب مِنْهُ حَاجَةً قلتَ عَرَوْتُه وعَرَرْتُه واعْتَرَيْتُه واعْتَرَرْتُه؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَرَوْتُه أَعْرُوه إِذا أَلْمَمْتَ بِهِ وأَتيتَه طَالِبًا، فَهُوَ مَعْرُوٌّ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي ذَرٍّ: مَا لَك لَا تَعْتَرِيهمْ وتُصِيبُ مِنْهُمْ؟
هُوَ مِنْ قَصْدِهم وطَلَبِ رِفْدِهم وصِلَتِهِم. وَفُلَانٌ تَعْرُوه الأَضْيافُ وتَعْتَرِيهِ أَي تَغْشاهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
أَتيتُكَ عَارِياً خَلَقاً ثِيابي، ... عَلَى خَوْفٍ، تُظَنُّ بيَ الظُّنونُ
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا كَذَّبوه يَعْنِي هُوداً، ثُمَّ جعَلوه مُخْتَلِطاً وادَّعَوْا أَنَّ آلهَتَهم هِيَ الَّتِي خَبَّلَتْه لعَيبِه إِيَّاها، فهُنالِكَ قَالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ مَا نَقُولُ إِلا مَسَّكَ بعضُ أَصْنامِنا بجُنون لسَبِّكَ إِيّاها. وعَراني الأَمْرُ يَعْرُوني عَرْواً واعْتَرَانِي: غَشِيَني وأَصابَني؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي:
قالَتْ خُلَيْدةُ: مَا عَرَاكَ؟ ولمْ تكنْ ... بَعْدَ الرُّقادِ عن الشُّؤُونِ سَؤُولا
وَفِي الْحَدِيثِ:
كَانَتْ فَدَكُ لِحُقوقِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي تَعْرُوه
أَي تَغْشَاهُ وتَنْتابُه. وأَعْرَى القومُ صاحِبَهُم: تَرَكُوهُ فِي مَكَانِهِ وذَهَبُوا عَنْهُ. والأَعْرَاءُ: الْقَوْمُ الَّذِينَ لَا يُهِمُّهم مَا يُهِمُّ أَصحابَهم. وَيُقَالُ: أَعْرَاه صَدِيقُه إِذا تَبَاعَدَ عَنْهُ وَلَمْ يَنْصُرْه. وَقَالَ شَمِرٌ: يُقَالُ لكلِّ شَيْءٍ أَهْمَلْتَه وخَلَّيْتَه
(15/44)

قَدْ عَرَّيْته؛ وأَنشد:
أَيْجَعُ ظَهْري وأُلَوِّي أَبْهَرِي، ... لَيْسَ الصحيحُ ظَهْرُه كالأَدْبَرِ،
وَلَا المُعَرَّى حِقْبةً كالمُوقَرِ
والمُعَرَّى: الجَمَل الَّذِي يرسَلُ سُدًى وَلَا يُحْمَل عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ يَصِفُ نَاقَةً:
فكَلَّفْتُها مَا عُرِّيَتْ وتأَبَّدَتْ، ... وَكَانَتْ تُسامي بالعَزيبِ الجَمَائِلا
قَالَ: عُرِّيت أُلْقي عَنْهَا الرحْل وتُرِكت مِنَ الحَمْل عَلَيْهَا وأُرْسِلَتْ تَرْعى. والعُرَوَاءُ: الرِّعْدَة، مِثْلُ الغُلَواء. وَقَدْ عَرَتْه الحُمَّى، وَهِيَ قِرَّة الحُمَّى ومَسُّها فِي أَوَّلِ مَا تأْخُذُ بالرِّعْدة؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَسَدٌ تَفِرُّ الأُسْدُ مِنْ عُرَوَائِه، ... بمَدَافِعِ الرَّجَّازِ أَو بِعُيُون
الرَّجَّازُ: وَادٍ، وعُيُونٌ: موضعٌ، وأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمل فِيهِ صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُه. وَيُقَالُ: عَرَاه البَرْدُ وعَرَتْه الحُمَّى، وَهِيَ تَعْرُوه إِذا جاءَته بنافضٍ، وأَخَذَتْه الحُمَّى بعُرَوَائِها، واعْتَرَاهُ الهمُّ، عامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ الأَصمعي: إِذا أَخَذَتِ المحمومَ قِرَّةٌ ووَجَدَ مسَّ الحُمَّى فَتِلْكَ العُرَوَاء، وَقَدْ عُرِيَ الرجلُ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَهُوَ مَعْرُوٌّ، وإِن كَانَتْ نَافِضًا قِيلَ نَفَضَتْه، فَهُوَ مَنْفُوضٌ، وإِن عَرِقَ مِنْهَا فَهِيَ الرُّحَضاء. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: العُرَواء قِلٌّ يأْخذ الإِنسانَ مِنَ الحُمَّى ورِعدَة. وَفِي حَدِيثِ
الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ: أَنه كَانَ تُصيبُه العُرَواءُ
، وَهِيَ فِي الأَصْل بَرْدُ الحُمَّى. وأَخَذَتْه الحُمَّى بنافضٍ أَي برِعْدة وبَرْد. وأَعْرَى إِذا حُمَّ العُرَوَاء. وَيُقَالُ: حُمَّ عُرَواء وحُمَّ العُرَوَاء وحُمَّ عُرْواً «2». والعَرَاة: شِدَّةِ البرْد. وَفِي حَدِيثِ
أَبي سَلَمَةَ: كنتُ أَرى الرُّؤْيا أُعْرَى مِنْهَا
أَي يُصيبُني البَرْدُ والرِّعْدَة مِنَ الخَوْف. والعُرَوَاء: مَا بينَ اصْفِرارِ الشَّمْسِ إِلى اللَّيْلِ إِذا اشْتَدَّ البَرْدُ وهاجَتْ رِيحٌ باردةٌ. ورِيحٌ عَرِيٌّ وعَرِيَّةٌ: بارِدَة، وَخَصَّ الأَزهري بِهَا الشَّمالَ فَقَالَ: شَمال عَرِيَّةٌ بَارِدَةٌ، وَلَيْلَةٌ عَريَّةٌ بَارِدَةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي دُواد:
وكُهولٍ، عِنْدَ الحِفاظ، مَراجِيح ... يُبارُونَ كلَّ رِيحٍ عَرِيَّة
وأَعْرَيْنا: أَصابنا ذَلِكَ وَبَلَغْنَا بردَ الْعَشِيِّ. وَمِنْ كلامِهم: أَهْلَكَ فقَدْ أَعْرَيْتَ أَي غَابَتِ الشَّمْسُ وبَرَدَتْ. قَالَ أَبو عَمْرٍو: العَرَى البَرْد، وعَرِيَت لَيْلَتُنا عَرًى؛ وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
وكأَنَّما اصْطَبَحَتْ قَرِيحَ سَحابةٍ ... بِعَرًى، تنازعُه الرياحُ زُلال
قَالَ: العَرَى مَكَانٌ بَارِدٌ. وعُرْوَةُ الدَّلْوِ والكوزِ ونحوهِ: مَقْبِضُهُ. وعُرَى المَزادة: آذانُها. وعُرْوَةُ القَمِيص: مَدْخَلُ زِرِّه. وعَرَّى القَمِيص وأَعْراه: جَعَلَ لَهُ عُرًى. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تُشَدُّ العُرَى إِلَّا إِلى ثَلَاثَةِ مَساجِدَ
؛ هِيَ جمعُ عُرْوَةٍ، يريدُ عُرَى الأَحْمالِ والرَّواحِلِ. وعَرَّى الشَّيْءَ: اتَّخَذَ لَهُ عُرْوَةً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها
؛ شُبِّه بالعُرْوَة الَّتِي يُتَمسَّك بِهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: العُرْوَة الوُثْقَى قولُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَقَدْ عَقَدَ لنَفْسِه مِنَ الدِّين عَقْداً وَثِيقًا لَا تَحُلُّه حُجَّة. وعُرْوَتا الفَرْجِ: لحْمٌ
__________
(2). قوله [وحم عرواً] هكذا في الأصل.
(15/45)

ظاهِرٌ يَدِقُّ فيَأْخُذُ يَمْنَةً ويَسْرةً مَعَ أَسْفَلِ البَطْنِ، وفَرْجٌ مُعَرًّى إِذَا كَانَ كَذَلِكَ. وعُرَى المَرْجان: قلائدُ المَرْجان. وَيُقَالُ لطَوْق القِلادة: عُرْوَةٌ. وَفِي النَّوَادِرِ: أَرضٌ عُرْوَةٌ وذِرْوَة وعِصْمة إِذا كَانَتْ خَصيبة خِصَبًا يَبْقَى. والعُرْوَة مِنَ النَّباتِ: مَا بَقِي لَهُ خضْرة فِي الشِّتَاءِ تَتعلَّق بِهِ الإِبلُ حَتَّى تُدرِكَ الرَّبيع، وَقِيلَ: العُرْوَة الْجَمَاعَةُ مِنَ العِضاهِ خاصَّةً يَرْعَاهَا الناسُ إِذَا أَجْدَبوا، وَقِيلَ: العُرْوَةُ بَقِيَّةُ العِضاهِ والحَمْضِ فِي الجَدْبِ، وَلَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنَ الشَّجَرِ عُرْوَةٌ إِلَّا لَهَا، غيرَ أَنه قَدْ يُشْتَقُّ لِكُلِّ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّجَرِ فِي الصَّيْفِ. قَالَ الأَزهري: والعُرْوَة مِنْ دِقِّ الشَّجَرِ مَا لَهُ أَصلٌ باقٍ فِي الأَرض مِثْلُ العَرْفَج والنَّصِيِّ وأَجناسِ الخُلَّةِ والحَمْضِ، فَإِذَا أَمْحَلَ الناسُ عَصَمت العُرْوةُ الماشيةَ فتبلَّغَت بِهَا، ضَرَبَهَا اللهُ مَثَلًا لِمَا يُعْتَصَم بِهِ مِنَ الدِّين فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى *
؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
مَا كَانَ جُرِّبَ، عندَ مَدِّ حِبالِكُمْ، ... ضَعْفٌ يُخافُ، وَلَا انْفِصامٌ فِي العُرَى
قَوْلُهُ: انْفِصَامٌ فِي العُرَى أَي ضَعْف فِيمَا يَعْتَصِم بِهِ النَّاسُ. الأَزهري: العُرَى ساداتُ النَّاسِ الَّذِينَ يَعْتَصِم بِهِمُ الضُّعفاء ويَعيشون بعُرْفِهم، شبِّهوا بعُرَى الشَّجَر الْعَاصِمَةِ الماشيةَ فِي الجَدْب. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعُرْوَة أَيضاً الشَّجَرُ المُلْتَفُّ الَّذِي تَشْتُو فِيهِ الإِبل فتأْكلُ مِنْهُ، وَقِيلَ: العُرْوَة الشيءُ مِنَ الشجرِ الَّذِي لَا يَزالُ بَاقِيًا فِي الأَرض وَلَا يَذْهَب، ويُشَبَّه بِهِ البُنْكُ مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: العُرْوَة مِنَ الشَّجَرِ مَا يَكْفِي المالَ سَنَته، وَهُوَ مِنَ الشَّجَرِ مَا لَا يَسْقُط وَرَقُه فِي الشِّتاء مِثْلُ الأَراكِ والسِّدْرِ الَّذِي يُعَوِّلُ الناسُ عَلَيْهِ إِذا انْقَطَعَ الكلأَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ إِنَّهُ الشَّجَرُ الَّذِي يَلجأُ إِلَيْهِ المالُ فِي السَّنَةِ المُجْدبة فيَعْصِمُه مِنَ الجَدْبِ، والجمعُ عُرًى؛ قَالَ مُهَلْهِل:
خَلَع المُلوكَ وسارَ تَحْتَ لِوائِه ... شجرُ العُرَى، وعُراعِرُ الأَقوامِ
يَعْنِي قَوْمًا يُنتَفَع بِهِمْ تَشْبِيهًا بِذَلِكَ الشَّجَرِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُرْوَى الْبَيْتُ لشُرَحْبِيل بنِ مالكٍ يمدَحُ معديكرب بْنَ عَكِبٍ. قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ وَيُرْوَى عُراعِر وعَراعِر، فَمَنْ ضَمَّ فَهُوَ وَاحِدٌ، وَمَنْ فتَح جَعَلَهُ جَمْعًا، ومثلُه جُوالِق وجَوالِق وقُماقِم وقَماقِم وعُجاهِن وعَجاهِن، قَالَ: والعُراعِرُ هُنَا السيِّد؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
ولمْ أَجِدْ عُرْوَةَ الخلائقِ إلا ... الدِّينَ، لمَّا اعْتَبَرْتُ، والحَسبَا
أَي عِمادَه. ورَعَيْنا عُرْوَة مكَّةَ لِما حولَها. والعُرْوَة: النفيسُ مِنَ المالِ كالفَرَسِ الْكَرِيمِ وَنَحْوِهِ. والعُرْيُ: خلافُ اللُّبْسِ. عَرِيَ مِنْ ثَوْبه يَعْرَى عُرْياً وعُرْيَةً فَهُوَ عارٍ، وتَعَرَّى هُوَ عُرْوة شَدِيدَةً أَيضاً وأَعْرَاهُ وعَرَّاه، وأَعْرَاهُ مِنَ الشيءِ وأَعْرَاه إِياهُ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبلٍ فِي صِفَةِ قِدْحٍ:
بِهِ قَرَبٌ أَبْدَى الحَصَى عَنْ مُتونِه، ... سَفاسقُ أَعْرَاها اللِّحاءَ المُشَبِّحُ
ورَجلٌ عُرْيَانٌ، وَالْجَمْعُ عُرْيَانُون، وَلَا يُكسَّر، وَرَجُلٌ عارٍ مِنْ قومٍ عُرَاةٍ وامرأَة عُرْيَانَةٌ وعَارٍ وعَارِيَةٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمَا كَانَ عَلَى فُعْلانٍ فَمُؤَنَّثُه بِالْهَاءِ. وجاريةٌ حسَنة العُرْيةِ والمُعَرَّى والمُعَرَّاةِ أَيِ المُجَرَّدِ أَي حَسَنَة عندَ تَجْريدِها مِنْ ثِيَابِهَا، وَالْجَمْعُ المَعَارِي، والمَحاسِرُ مِنَ المرأةِ مِثْلُ المَعَاري، وعَرِيَ البَدَن مِنَ اللَّحْم كَذَلِكَ؛
(15/46)

قَالَ قَيْسُ بنُ ذَريح:
وللحُبِّ آيَاتٌ تُبَيّنُ بالفَتى ... شُحوباً، وتَعْرَى مِنْ يَدَيْه الأَشاجعُ
وَيُرْوَى: تَبَيَّنُ شُحُوبٌ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
عارِي الثَّدْيَيْن
، وَيُرْوَى: الثَّنْدُوَتَيْن؛ أَراد أَنه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَعْرٌ، وَقِيلَ: أَرادَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا لَحْمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
أَشْعَر الذراعَيْن والمَنْكِبَين وأَعْلى الصَّدرِ.
الْفَرَّاءُ: العُرْيَانُ مِنَ النَّبْتِ الَّذِي قَدْ عَرِيَ عُرْياً إِذَا اسْتَبانَ لَكَ. والمَعَارِي: مَبَادِي العِظامِ حيثُ تُرى مِنَ اللَّحْمِ، وَقِيلَ: هِيَ الوَجْهُ واليَدَانِ والرِّجْلانِ لأَنها باديةٌ أَبداً؛ قَالَ أَبو كبِيرٍ الهُذَليّ يَصِفُ قَوْمًا ضُرِبُوا فسَقَطوا عَلَى أَيْديهم وأَرْجُلِهمْ:
مُتَكَوِّرِينَ عَلَى المَعَاري، بَيْنَهُم ... ضَرْبٌ كتَعْطاطِ المَزادِ الأَثْجَلِ
وَيُرْوَى: الأَنْجَلِ، ومُتَكَوِّرينَ أَي بعضُهم عَلَى بَعْضٍ. قَالَ الأَزهري: ومَعَارِي رؤوس الْعِظَامِ حَيْثُ يُعَرَّى اللحمُ عَنِ العَظْم. ومَعَارِي الْمَرْأَةِ: مَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ إظْهاره، واحدُها مَعْرًى. وَيُقَالُ: مَا أَحْسَنَ مَعَارِيَ هَذِهِ المرأَة، وَهِيَ يَدَاها ورِجْلاها ووجهُها، وأَورد بَيْتِ أَبي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَنْظُر الرَّجُلُ إِلَى عِرْيَة المرأَةِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: كَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، يُرِيدُ مَا يَعْرَى مِنْهَا ويَنْكَشِفُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ
لَا يَنْظُر إِلَى عَوْرَة المرأَةِ
؛ وَقَوْلُ الرَّاعِي:
فإنْ تَكُ ساقٌ مِنْ مُزَيْنَة قَلَّصَتْ ... لِقَيْسٍ بحَرْبٍ لَا تُجِنُّ المَعَارِيا
قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: أَراد العورةَ والفَرْجَ؛ وأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ الهُذَلي:
أَبِيتُ عَلَى مَعَارِيَ واضِحَاتٍ، ... بِهِنَّ مُلَوَّبٌ كَدَمِ العِباطِ
فَإِنَّمَا نَصَبَ الياءَ لأَنه أَجْراها مُجْرى الحَرْفِ الصَّحِيحِ فِي ضَرُورةِ الشِّعْرِ، وَلَمْ يُنَوّن لأَنه لا يَنْصرِف، وَلَوْ قَالَ مَعارٍ لَمْ ينكَسر البيتُ وَلَكِنَّهُ فرَّ مِنَ الزِّحَافِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمَعَارِي الفُرُش، وَقِيلَ: إنَّ الشَّاعِرَ عَناها، وَقِيلَ: عَنى أَجْزاءَ جِسْمِها واخْتار مَعَارِيَ عَلَى مَعَارٍ لأَنه آثَرَ إتْمامَ الوَزْنِ، وَلَوْ قَالَ معارٍ لمَا كُسر الْوَزْنُ لأَنه إِنَّمَا كَانَ يَصِيرُ مِنْ مُفاعَلَتُن إِلَى مَفاعِيلن، وَهُوَ العَصْب؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
فلَوْ كانَ عبدُ اللهِ مَولًى هَجَوْتُه، ... ولكِنَّ عبدَ اللهِ مَولى مَوَالِيا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ للمُتَنَخّل الْهُذَلِيِّ. قَالَ: وَيُقَالُ عَرِيَ زيدٌ ثوبَه وكسِي زيدٌ ثَوْباً فيُعَدِّيه إِلَى مَفْعُولٍ؛ قَالَ ضَمْرة بنُ ضَمْرَةَ:
أَرَأَيْتَ إنْ صَرَخَتْ بلَيلٍ هامَتي، ... وخَرَجْتُ مِنْها عَارِياً أَثْوابي؟
وَقَالَ الْمُحْدَثُ:
أَمَّا الثِّيابُ فتعْرَى مِنْ مَحاسِنِه، ... إِذَا نَضاها، ويُكْسَى الحُسْنَ عُرْيَانا
قَالَ: وَإِذَا نَقَلْتَ أَعرَيْت، بِالْهَمْزِ، قُلْتَ أَعْرَيْتُه أَثْوَابَه، قَالَ: وأَما كَسِيَ فتُعَدِّيه مِنْ فَعِل إِلَى فَعَل فَتَقُولُ كَسَوْتُهُ ثَوْبًا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَعْرَيْته أَنا وعَرَّيْتُه تَعْرية فتَعَرَّى. أَبو الْهَيْثَمِ: دَابَّةٌ عُرْيٌ وخَيْلٌ أَعْرَاءٌ ورَجلٌ عُرْيَان وامرأَةٌ عُرْيَانَةٌ إِذَا عَرِيا مِنْ أَثوابهما، وَلَا يُقَالُ رجلٌ عُرْيٌ. ورجلٌ عارٍ إِذَا أَخْلَقَت أَثوابُه؛ وأَنشد
(15/47)

الأَزهري هُنَا بَيْتَ النَّابِغَةِ:
أَتَيْتُك عارِياً خَلَقاً ثِيابي
وَقَدْ تَقَدَّمَ. والعُرْيانُ مِنَ الرَّمْل: نَقًا أَو عَقِدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَجَرٌ. وفَرَسٌ عُرْيٌ: لَا سَرْجَ عَلَيْهِ، وَالْجَمْعُ أَعْراءٌ. قَالَ الأَزهري: يُقَالُ: هُوَ عِرْوٌ مِنْ هَذَا الأَمر كَمَا يُقَالُ هُوَ خِلْوٌ مِنْهُ. والعِرْوُ: الخِلْو، تَقُولُ أَنا عِرْوٌ مِنْهُ، بِالْكَسْرِ، أَيْ خِلْو. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: ورجلٌ عِرْوٌ مِنَ الأَمْرِ لَا يَهْتَمُّ بِهِ، قَالَ: وأُرَى عِرْواً مِنَ العُرْيِ عَلَى قَوْلِهِمْ جَبَيْتُ جِباوَةً وأَشاوَى فِي جَمْعِ أَشْياء، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فبابُه الياءُ، والجمعُ أَعْرَاءٌ؛ وَقَوْلُ لَبِيدٌ:
والنِّيبُ إنْ تُعْرَ منِّي رِمَّةً خَلَقاً، ... بَعْدَ المَماتِ، فَإِنِّي كُنتُ أَتَّئِرُ
وَيُرْوَى: تَعْرُ مِنِّي أَي تَطْلُب لأَنها رُبَّمَا قَضِمت العظامَ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: تُعْرَ منِّي مَنْ أَعْرَيْتُه النخلةَ إِذَا أَعطيته ثَمَرَتَهَا، وتَعْرُ مِنِّي تَطْلُب، مِنْ عَرَوْتُه، ويروى: تَعْرُمَنِّي، بِفَتْحِ الْمِيمِ، مِنْ عَرَمْتُ العظمَ إِذَا عَرَقْت مَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّحْمِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّهُ أُتيَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: أَي لَا سَرْج عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ. واعْرَوْرَى فرسَه: رَكبه عُرْياً، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، أَو يَكُونُ أُتي بِفَرَسٍ مُعْرَوْرىً عَلَى الْمَفْعُولِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: واعْرَوْرَى الفرسُ صارَ عُرْياً. واعْرَوْرَاه: رَكبَه عُرْياً، وَلَا يُسْتَعْمل إِلَّا مَزِيدًا، وَكَذَلِكَ اعْرَوْرَى الْبَعِيرُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ، تَرْكُضُه ... أُمُّ الْفَوَارِسِ بالدِّئْداء والرَّبَعَهْ
وَهُوَ افعَوْعَل؛ واسْتَعارَه تأَبَّطَ شَرًّا للمَهْلَكة فَقَالَ:
يَظَلُّ بمَوْماةٍ ويُمْسِي بغيرِها ... جَحِيشاً، ويَعْرَوْرِي ظُهورَ المَهالكِ
وَيُقَالُ: نَحْنُ نُعاري أَي نَرْكَبُ الْخَيْلَ أَعْرَاءً، وَذَلِكَ أَخفُّ فِي الْحَرْبِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: أَن أَهل الْمَدِينَةِ فَزِعوا لَيْلًا، فَرَكِبَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَسًا لأَبي طَلْحَةَ عُرْياً.
واعْرَوْرَى مِنِّي أَمراً قَبِيحًا: رَكِبَه، وَلَمْ يَجِئ فِي الكلامِ افْعَوْعَل مُجاوِزاً غَيْرَ اعْرَوْرَيْت، واحْلَوْلَيْت المكانَ إِذَا اسْتَحْلَيْته. ابْنُ السِّكِّيتِ فِي قَوْلِهِمْ أَنا النَّذير العُريان: هُوَ رَجُلٌ مَنْ خَثْعَم، حَمَل عَلَيْهِ يومَ ذِي الخَلَصة عوفُ بنُ عَامِرِ بْنِ أَبِي عَوْف بْنِ عُوَيْف بْنِ مَالِكِ بْنِ ذُبيان ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَشْكُر فقَطع يدَه وَيَدَ امرأَته، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي عُتْوارة بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ إِنَّمَا مَثَلي ومَثَلُكم كَمَثَلِ رَجُلٍ أَنْذَر قومَه جَيْشاً فَقَالَ: أَنا النَّذير العُرْيان أُنْذِركم جَيْشاً
؛ خَصَّ العُرْيان لأَنه أَبْيَنُ لِلْعَيْنِ وأَغرب وأَشنع عِنْدَ المُبْصِر، وَذَلِكَ أَن رَبيئة الْقَوْمَ وعَيْنَهم يَكُونُ عَلَى مَكَانٍ عالٍ، فَإِذَا رَأَى العَدُوَّ وَقَدْ أَقبل نَزَع ثَوْبَهُ وأَلاحَ بِهِ ليُنْذِرَ قومَه ويَبْقى عُرْياناً. وَيُقَالُ: فُلَانٌ عُرْيَان النَّجِيِّ إِذَا كَانَ يُناجي امرأَتَه ويُشاوِرها ويصَدُرُ عَنْ رَأْيها؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
أَصاخَ لِعُرْيانِ النَّجِيِّ، وإنَّه ... لأَزْوَرُ عَنْ بَعْض المَقالةِ جانِبُهْ
أَي اسْتَمع إِلَى امْرَأَتِهِ وأَهانني. وأَعْرَيتُ المَكانَ: ترَكْتُ حضُوره؛ قَالَ ذُو الرمة:
ومَنْهَل أَعْرَى حَياه الْحُضَّرُ
(15/48)

والمُعَرَّى مِنَ الأَسماء: مَا لمْ يدخُلْ عَلَيه عاملٌ كالمُبْتَدإ. والمُعَرَّى مِنَ الشِّعْر: مَا سَلِمَ مِنَ الترْفِيلِ والإِذالةِ والإِسْباغِ. وعَرَّاهُ مِنَ الأَمرِ: خَلَّصَه وجَرَّده. وَيُقَالُ: مَا تَعَرَّى فُلَانٌ مِنْ هَذَا الأَمر أَي مَا تخلَّص. والمَعَارِي: الْمَوَاضِعُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ. وَرَوَى الأَزهري عَنِ ابْنِ الأَعرابي: العَرَا الفِناء، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بالأَلف لأَن أُنْثاه عَرْوَة؛ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ العَرَا الساحةُ والفِناء، سُمِّيَ عَراً لأَنه عَرِيَ مِنَ الأَبنية والخِيام. وَيُقَالُ: نَزَلَ بِعَراه وعَرْوَتِه وعَقْوَتِه أَي نزَل بساحَتهِ وَفِنَائِهِ، وَكَذَلِكَ نَزَل بِحَراه، وأَما العَراء، مَمْدُودًا، فَهُوَ مَا اتَّسَع مِنْ فَضَاءِ الأَرض؛ وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هُوَ المكانُ الفَضاءُ لَا يَسْتَتِرُ فِيهِ شيءٌ، وَقِيلَ: هِيَ الأَرضُ الْوَاسِعَةُ. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
، وجَمْعُه أَعْرَاءٌ؛ قَالَ ابْنَ جِنِّي: كَسَّروا فَعالًا عَلَى أَفْعالٍ حَتَّى كَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كسَّروا فَعَلًا، وَمِثْلُهُ جَوادٌ وأَجوادٌ وعَياءٌ وأَعْياءٌ، وأَعْرَى: سارَ فِيها «3»
؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَراءٌ لأَنه لَا شَجَرَ فِيهِ وَلَا شَيْءَ يُغَطِّيه، وَقِيلَ: إِنَّ العَرَاء وَجْه الأَرض الْخَالِي؛ وأَنشد:
وَرَفَعْتُ رِجلًا لَا أَخافُ عِثارَها، ... ونَبَذْتُ بالبَلَدِ العَرَاء ثِيَابِي
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: العَرَاء عَلَى وجْهين: مَقْصُورٌ، وَمَمْدُودٌ، فَالْمَقْصُورُ النَّاحِيَةُ، وَالْمَمْدُودُ الْمَكَانُ الْخَالِي. والعَراء: مَا اسْتَوَى مِنْ ظَهْر الأَرض وجَهَر. والعَراء: الجَهراء، مُؤَنَّثَةٌ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ. والعَرَاء: مُذكَّر مَصْرُوفٌ، وهُما الأَرض الْمُسْتَوِيَةُ المُصْحرة وَلَيْسَ بِهَا شَجَرٌ وَلَا جبالٌ وَلَا آكامٌ وَلَا رِمال، وَهُمَا فَضاء الأَرض، وَالْجَمَاعَةُ الأَعْرَاء. يُقَالُ: وَطِئْنا عَرَاءَ الأَرض والأَعْرِيَة. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: العَرَا مِثْلَ العَقْوَة، يُقَالُ: مَا بِعَرانا أَحَدٌ أَي مابعَقْوَتنا أَحدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
فكَرِهَ أَن يُعْرُوا الْمَدِينَةَ
، وَفِي رِوَايَةٍ: أَن تَعْرَى أَي تَخْلُو وَتَصِيرُ عَرَاءً، وَهُوَ الْفَضَاءُ، فَتَصِيرُ دُورهُم فِي العَراء. والعَراء: كلُّ شيءٍ أُعْرِيَ من سُتْرَتِه. وتقول: اسُتُرْه عَنِ العَرَاء. وأَعْرَاءُ الأَرض: مَا ظَهَر مِنْ مُتُونِها وظُهورِها، واحدُها عَرًى؛ وأَنشد:
وبَلَدٍ عارِيَةٍ أَعْرَاؤه
والعَرَى: الحائطُ، وقيلَ كلُّ مَا سَتَرَ مِنْ شيءٍ عَرًى. والعِرْو: الناحيةُ، وَالْجَمْعُ أَعْرَاءٌ. والعَرَى والعَرَاةُ: الجنابُ والناحِية والفِناء وَالسَّاحَةُ. ونزَل فِي عَرَاه أَي فِي ناحِيَتِه؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ جِنِّي:
أَوْ مُجْزَ عَنْهُ عُرِيَتْ أَعْراؤُه «4»
فَإِنَّهُ يكونُ جمعَ عَرىً مِنْ قَوْلِكَ نَزَل بِعَراهُ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ جَمْعَ عَراءٍ وأَن يَكُونَ جَمع عُرْيٍ. واعْرَوْرَى: سَارَ فِي الأَرضِ وَحْدَه وأَعْرَاه النَّخْلَةَ: وَهَبَ لَهُ ثَمرَة عامِها. والعَرِيَّة: النَّخْلَةُ المُعْراةُ؛ قَالَ سُوَيدُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنصاري:
لَيْسَتْ بسَنْهاءَ وَلَا رُجَّبِيَّة، ... وَلَكِنْ عَرَايا فِي السِّنينَ الجَوائحِ
يَقُولُ: إنَّا نُعْرِيها الناسَ. والعَرِيَّةُ أَيضاً: الَّتِي تُعْزَلُ عَنِ المُساومةِ عِنْدَ بَيْعِ النخلِ، وَقِيلَ: العَرِيَّة النَّخْلَةُ الَّتِي قَدْ أكِل مَا عَلَيْهَا. وَرُوِيَ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: خَفِّفوا فِي الخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ العَرِيَّة والوَصِيَّة
، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
أَنَّهُ رَخَّص فِي العَرِيَّة والعَرَايا
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَرَايا
__________
(3). قوله: سار فيها أي سار في الأَرض العراء.
(4). قوله [أو مجز عنه] هكذا في الأَصل، وفي المحكم: أو مجن عنه.
(15/49)

وَاحِدَتُهَا عَرِيَّة، وَهِيَ النَّخْلَةُ يُعْرِيها صاحبُها رَجُلًا مُحْتَاجًا، والإِعراءُ: أَنْ يجعلَ لَهُ ثَمرَة عامِها. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ مِنَّا مَنْ يُعْرِي، قَالَ: وَهُوَ أَن يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ النخلَ ثُمَّ يَسْتَثْنِيَ نَخْلَةً أَو نَخْلَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْعَرَايَا ثَلَاثَةُ أَنواع، وَاحِدَتُهَا أَن يَجِيءَ الرَّجُلُ إِلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيَقُولُ لَهُ: بِعْني مِنْ حَائِطِكَ ثَمَرَ نَخلَات بأَعيانها بِخرْصِها مِنَ التَّمْر، فَيَبِيعُهُ إِيَّاهَا وَيَقْبِضُ التَّمر ويُسَلِّم إِلَيْهِ النخَلات يأْكلها وَيَبِيعُهَا ويُتَمِّرها وَيَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ، قَالَ: وجِماعُ العَرَايا كلُّ مَا أُفْرِد لِيُؤْكَلَ خاصَّة وَلَمْ يَكُنْ فِي جُمْلَةِ الْمَبِيعِ مِنْ ثَمَر الْحَائِطِ إِذَا بيعَتْ جُمْلتُها مِنْ وَاحِدٍ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي أَن يَحْضُر رَبَّ الْحَائِطِ القومُ فَيُعْطِي الرجلَ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ وأَكثر عَرِيَّةً يأْكلها، وَهَذِهِ فِي مَعْنَى المِنْحة، قَالَ: وللمُعْرَى أَن يَبِيعَ ثَمرَها ويُتَمِّره وَيَصْنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ لأَنه قَدْ مَلَكه، وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنَ الْعَرَايَا أَن يُعْرِي الرجلُ الرجلَ النَّخلةَ وأَكثر مِنْ حَائِطِهِ ليأْكل ثَمَرَهَا ويُهْدِيه ويُتَمِّره وَيَفْعَلَ فِيهِ مَا أَحبَّ وَيَبِيعَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مِنْهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ مُفْرَدة مِنَ الْمَبِيعِ مِنْهُ جُمْلَةً؛ وَقَالَ غَيْرُهُ: العَرَايا أَن يَقُولَ الغنيُّ لِلْفَقِيرِ ثَمَرُ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَو النَّخلات لَكَ وأَصلُها لِي، وأَما تَفْسِيرِ قَوْلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
إِنَّهُ رخَّص فِي العَرَايا
، فَإِنَّ التَّرْخِيصَ فِيهَا كَانَ بَعْدَ نَهَى النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
عن المُزابَنة
، وَهِيَ بَيْعُ الثَّمَرِ في رؤوس النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، ورخَّصَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُزَابَنَةِ فِي الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُق، وَذَلِكَ لِلرَّجُلِ يَفْضُل مِنْ قُوتِ سَنَته التَّمْرُ فيُدْرِك الرُّطَب وَلَا نَقْدَ بِيَدِهِ يَشْتَرِي بِهِ الرُّطَب، وَلَا نَخْلَ لَهُ يأْكل مِنْ رُطَبه، فَيَجِيءُ إِلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيَقُولُ لَهُ بِعْنِي ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَو نَخْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثٍ بِخِرْصِها مِنَ التَّمْر، فَيُعْطِيهِ التَّمْرَ بثَمَر تِلْكَ النَّخلات ليُصيب مِنْ رُطَبها مَعَ النَّاسِ، فرَخَّص النبيُّ، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، مِنْ جُمْلَةِ مَا حَرَّم مِنَ المُزابَنة فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُق، وَهُوَ أَقلُّ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَهَذَا مَعْنَى تَرْخِيصِ النبي، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، فِي العَرايا لأَن بَيْعَ الرُّطَب بالتَّمْر محرَّم فِي الأَصل، فأَخرج هَذَا الْمِقْدَارَ مِنَ الْجُمْلَةِ المُحَرَّمة لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ قَالَ الأَزهري: وَيَجُوزُ أَن تَكُونَ العَرِيَّة مأْخوذة مِنْ عَرِيَ يَعْرَى كأَنها عَرِيَتْ مِنْ جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ أَي حَلَّتْ وخَرَجَتْ مِنْهَا، فَهِيَ عَرِيَّة، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ المستثناةِ مِنَ الْجُمْلَةِ. قَالَ الأَزهري: وأَعْرَى فُلَانٌ فُلَانًا ثَمَرَ نخلةٍ إِذَا أَعطاه إِيَّاهَا يأْكل رُطَبها، وَلَيْسَ فِي هَذَا بيعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ وَمَعْرُوفٌ. وَرَوَى شَمِرٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحمد عَنْ أَبيه قَالَ: العَرايا أَن يُعْرِي الرجلُ مِنْ نَخْلِهِ ذَا قَرَابَتِهِ أَو جارَه مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أَي يَهبَها لَهُ، فأُرْخص للمُعْرِي فِي بَيْعِ ثَمَرِ نَخْلَةٍ فِي رَأْسِهَا بِخِرْصِها مِنَ التَّمْرِ، قَالَ: والعَرِيَّة مستثناةٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِي عَنْ بَيْعِهِ مِنَ المُزابنَة، وَقِيلَ: يَبِيعُهَا المُعْرَى مِمَّنْ أَعراه إيَّاها، وَقِيلَ: لَهُ أَن يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الأَزهري: النَّخْلَةُ العَرِيَّة الَّتِي إِذَا عَرَضْتَ النخيلَ عَلَى بَيْع ثَمَرها عَرَّيْت مِنْهَا نَخْلَةً أَي عَزَلْتها عن الْمُسَاوَمَةِ. وَالْجَمْعُ العَرَايا، وَالْفِعْلُ مِنْهُ الإِعْرَاء، وَهُوَ أَن تَجْعَلَ ثَمَرَتَهَا لِمُحْتاج أَو لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ عامَها ذَلِكَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَرِيَّة فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَإِنَّمَا أُدخلت فِيهَا الْهَاءُ لأَنها أُفردت فَصَارَتْ فِي عِدَادِ الأَسماء مِثْلَ النَّطِيحة والأَكيلة، وَلَوْ جِئْتَ بِهَا مَعَ النَّخْلَةِ قُلْتَ نَخْلَةٌ عرِيٌّ؛ وَقَالَ: إِنَّ تَرْخِيصَهُ فِي بَيْعِ العَرايا بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ المُزابنة لأَنه ربَّما تأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَن يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ فرُخِّص لَهُ فِي ذَلِكَ.
(15/50)

واسْتعْرَى الناسُ فِي كلِّ وجهٍ، وَهُوَ مِنَ العَرِيَّة: أَكلوا الرُّطَبَ مِنْ ذَلِكَ، أَخَذَه مِنَ العَرايا. قَالَ أَبُو عَدْنَانَ: قَالَ الْبَاهِلِيُّ العَرِيَّة مِنَ النَّخْلِ الفارِدَةُ الَّتِي لَا تُمْسِك حَمْلَها يَتَناثر عَنْهَا؛ وأَنشدني لِنَفْسِهِ:
فَلَمَّا بَدَتْ تُكْنَى تُضِيعُ مَوَدَّتي، ... وتَخْلِطُ بِي قَوْمًا لِئاماً جُدُودُها
رَدَدْتُ عَلَى تُكْنَى بَقِيَّةَ وَصْلِها ... رَمِيماً، فأمْسَتْ وَهيَ رثٌّ جديدُها
كَمَا اعْتكرَتْ للَّاقِطِين عَرِيَّةٌ ... مِنَ النَّخْلِ، يُوطَى كلَّ يومٍ جَريدُها
قَالَ: اعْتِكارُها كثرةُ حَتِّها، فَلَا يأْتي أَصلَها دابَّةٌ إِلَّا وَجَدَ تَحْتَهَا لُقاطاً مِنْ حَمْلِها، وَلَا يَأْتِي حَوافيها إِلَّا وَجَد فِيهَا سُقاطاً مِنْ أَيّ مَا شاءَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
شَكا رجلٌ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَعاً فِي بَطْنِهِ فَقَالَ: كُلْ عَلَى الرِّيقِ سَبْعَ تَمَرات مِنْ نَخْلٍ غَيْرِ مُعَرّىً
؛ قَالَ ثَعْلَبٌ: المُعَرَّى المُسَمَّد، وأَصله المُعَرَّر مِنَ العُرَّة، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ فِي عَرَرَ. والعُرْيان مِنَ الْخَيْلِ: الفَرَس المُقَلِّص الطَّوِيلُ الْقَوَائِمِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبِهَا أَعراءٌ مِنَ الناسِ أَي جماعةٌ، واحدُهُم عِرْوٌ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: أَتَتْنا أَعْرَاؤُهم أَي أَفخاذهم. وَقَالَ الأَصمعي: الأَعْرَاء الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْقَبَائِلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاحِدُهُمْ عُرْيٌ؛ قَالَ الْجَعْدِيُّ:
وأَمْهَلْت أَهْلَ الدَّارِ حَتَّى تَظاهَرُوا ... عَليَّ، وَقَالَ العُرْيُ مِنْهُمْ فأَهْجَرَا
وعُرِيَ إِلَى الشَّيْءِ عَرْواً: بَاعَهُ ثُمَّ اسْتَوْحَش إِلَيْهِ. قَالَ الأَزهري: يُقَالُ عُريتُ إِلَى مالٍ لِي أَشدَّ العُرَوَاء إِذَا بِعْته ثُمَّ تَبِعَتْه نفسُكَ. وعُرِيَ هَواه إِلَى كَذَا أَي حَنَّ إِلَيْهِ؛ وَقَالَ أَبو وَجْزة:
يُعْرَى هَواكَ إِلَى أَسْماءَ، واحْتَظَرَتْ ... بالنأْيِ والبُخْل فِيمَا كَانَ قَد سَلَفا
والعُرْوَة: الأَسَدُ، وبِه سُمِّي الرَّجُلُ عُرْوَة. والعُرْيَان: اسْمُ رَجُلٍ. وأَبو عُرْوَةَ: رجلٌ زَعَموا كَانَ يَصِيحُ بالسَّبُعِ فيَموت، ويَزْجُرُ الذِّئْبَ والسَّمْعَ فيَموتُ مكانَه، فيُشَقُّ بَطْنُه فيوجَدُ قَلْبُه قَدْ زالَ عَنْ مَوْضِعِهِ وخرَجَ مِنْ غِشائه؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
وأَزْجُرُ الكاشِحَ العَدُوَّ، إذا اغْتابَك، ... زَجْراً مِنِّي على وَضَمِ
زَجْرَ أَبي عُرْوَةَ السِّباعَ، إِذَا ... أَشْفَقَ أَنْ يَلْتَبِسْنَ بالغَنَمِ
وعُرْوَةُ: اسمٌ. وعَرْوَى وعَرْوَانُ: مَوْضِعَانِ؛ قَالَ ساعِدَة بْنُ جُؤيَّة:
وَمَا ضَرَبٌ بَيْضاءُ يَسْقِي دَبُوبَها ... دُفاقٌ، فعَرْوانُ الكَراثِ، فَضِيمُها؟
وَقَالَ الأَزهري: عَرْوَى اسْمُ جَبَلٍ، وَكَذَلِكَ عَرْوَانُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وعَرْوَى اسْمُ أَكَمة، وَقِيلَ: مَوْضِعٌ؛ قَالَ الْجَعْدِيُّ:
كَطاوٍ بعَرْوَى أَلْجَأَتْهُ عَشِيَّةٌ، ... لَهَا سَبَلٌ فِيهِ قِطارٌ وحاصِبُ
وأَنشد لِآخَرَ:
عُرَيَّةُ ليسَ لَهَا ناصرٌ، ... وعَرْوَى الَّتِي هَدَمَ الثَّعْلَبُ
قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمزة وعَرْوَى اسْمُ أَرْضٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا وَيْحَ نَاقَتِيَ، الَّتِي كَلَّفْتُها ... عَرْوَي، تَصِرُّ وِبارُها وتُنَجِّم
(15/51)

أَي تَحْفِرُ عَنِ النَّجْمِ، وَهُوَ مَا نَجَم مِنَ النَّبْت. قَالَ: وأَنْشَدَه المُهَلَّبي فِي المَقصور كلَّفْتها عَرَّى، بِتَشْدِيدِ الراءِ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا عَرَّى وادٍ. وعَرْوَى: هَضْبَة. وابنُ عَرْوَانَ: جبَل؛ قَالَ ابْنُ هَرْمة:
حِلْمُه وازِنٌ بَناتِ شَمامٍ، ... وابنَ عَرْوانَ مُكْفَهِرَّ الجَبينِ
والأُعْرُوَانُ: نَبْتٌ، مثَّل بِهِ سِيبَوَيْهِ وفسَّره السِّيرَافِيُّ. وَفِي حَدِيثِ عُرْوَة بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا كلَّمتُ مسعودَ بنَ عَمْروٍ مُنْذُ عَشْرِ سِنين والليلةَ أُكَلِّمُه، فَخَرَجَ فَنَادَاهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عُرْوَة، فأَقْبَل مسعودٌ وهو يقول:
أَطَرَقَتْ عَرَاهِيَهْ، ... أَمْ طَرَقَتْ بِداهِيهْ؟
حَكَى ابْنُ الأَثير عَنِ الْخَطَّابِيِّ قَالَ: هَذَا حرفٌ مُشْكِل، وَقَدْ كَتَبْتُ فِيهِ إِلَى الأَزهري، وَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ أَنه لَمْ يَجِدْه فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، والصوابُ عِنْده عَتاهِيَهْ، وهي الغَفْلة والدَّهَش أَي أَطَرَقْت غَفْلَةً بِلَا روِيَّة أَو دَهَشاً؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ لَاحَ لِي فِي هَذَا شيءٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الكَلِمة مُركَّبةً من اسْمَيْن: ظاهرٍ، ومكْنِيٍّ، وأَبْدَل فِيهِمَا حَرْفاً، وأَصْلُها إماَّ مِنَ العَراءِ وَهُوَ وَجْهُ الأَرض، وإِما منَ العَرا مقصورٌ، وَهُوَ الناحيَة، كأَنه قال أَطَرَقْتَ عَرائي أَي فِنائي زَائِرًا وضَيْفاً أَم أَصابتك داهِيَةٌ فجئْتَ مُسْتَغِيثاً، فالهاءُ الأُولى مِنْ عَرَاهِيَهْ مُبدلَة من الهمزة، وَالثَّانِيَةُ هاءُ السَّكْت زِيدَتْ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ؛ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يحتمِل أَن يكونَ بِالزَّايِ، مصدرٌ مِنْ عَزِه يَعْزَهُ فَهُوَ عَزِةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرَبٌ فِي الطَّرَب، فَيَكُونُ. مَعْنَاهُ أَطَرَقْت بِلَا أَرَبٍ وحاجةٍ أَم أَصابَتْك دَاهِيَةٌ أَحوجَتْك إِلَى الِاسْتِغَاثَةِ؟ وَذَكَرَ ابْنُ الأَثير فِي تَرْجَمَةِ عَرَا حَدِيثَ المَخْزومية الَّتِي تَسْتَعِيرُ المَتاع وتَجْحَدُه، وَلَيْسَ هَذَا مكانَه فِي ترتيبِنا نَحْنُ فَذَكَرْنَاهُ في ترجمة عَوَر.
عزا: العَزَاءُ: الصَّبْرُ عَنْ كُلِّ مَا فَقَدْت، وَقِيلَ: حُسْنُه، عَزِيَ يَعْزَى عَزَاءً، مَمْدُودٌ، فَهُوَ عَزٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لعَزِيٌّ صَبُورٌ إِذَا كَانَ حَسَنَ العَزَاء عَلَى المَصائِب. وعَزَّاه تَعْزِيَةً، عَلَى الْحَذْفِ والعِوَض، فتَعَزَّى؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يَجُوزُ غيرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: الإِتمامُ أَكثر فِي لِسان الْعَرَبِ، يَعْنِي التَّفْعِيلُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ، وَإِنَّمَا ذكَرْت هَذَا ليُعْلَمَ طريقُ القِياس فِيهِ، وَقِيلَ: عَزَّيْتُه مِنْ بَابِ تَظَنَّيْت، وَقَدْ ذُكِرَ تَعْلِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَتَقُولُ: عَزَّيْتُ فُلَانًا أُعَزِّيه تَعْزِيَةً أَي أَسَّيْته وضَرَبْت لَهُ الأُسى، وأَمَرْتُه بالعَزَاء فتَعَزَّى تَعَزِّياً أَي تَصَبَّرَ تَصَبُّراً. وتَعازى القومُ: عَزَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ عَنِ ابْنِ جِنِّي. والتَّعْزُوَةُ: العَزاءُ؛ حَكَاهُ ابْنُ جِنِّي عَنْ أَبي زَيْدٍ، اسْمٌ لَا مصدرٌ لأَن تَفْعُلَة ليستْ مِنْ أَبْنِية الْمَصَادِرِ، وَالْوَاوُ هَاهُنَا ياءٌ، وَإِنَّمَا انْقَلَبَتْ للضَّمَّة قبلَها كَمَا قَالُوا الفُتُوّة. وعَزَا الرجلَ إِلَى أَبِيهِ عَزْواً: نَسَبَهُ، وَإِنَّهُ لحَسَن العِزْوَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وعَزَاه إِلَى أَبيه عَزْياً نَسَبه، وَإِنَّهُ لحَسَنُ العِزْيَة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. يُقَالُ: عَزَوْتُه إِلَى أَبيه وعَزَيْتُه، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالِاسْمُ العَزَاء. وعَزَا فلانٌ نفسَه إِلَى بَنِي فلانٍ يَعْزُوها عَزْواً وعَزَا واعْتَزَى وتَعَزَّى، كُلُّهُ: انتَسَب، صِدْقاً أَو كَذباً، وانْتَمى إِلَيْهِمْ مِثْلُهُ، والاسمُ العِزْوَة والنِّمْوَة، وَهِيَ بِالْيَاءِ أَيضاً. والاعْتِزَاءُ: الادِّعاءُ والشِّعارُ فِي الحَرْبِ مِنْهُ. والاعْتِزَاءُ: الانْتِماءُ. وَيُقَالُ: إِلَى مَنْ تَعْزِي هَذَا الْحَدِيثَ؟ أَي إِلَى مَن تَنْمِيه. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:
(15/52)

حدَّث عطاءٌ بِحَدِيثٍ فَقِيلَ لَهُ: إِلَى مَن تَعْزِيه؟ أَي إِلَى مَنْ تُسْنِدُه، وَفِي رِوَايَةٍ: فقُلْتُ لَهُ أَتَعْزِيهِ إِلَى أَحد؟ وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن تَعَزَّى بعَزَاء الْجَاهِلِيَّةِ فأَعِضُّوه بِهَنِ أَبيه وَلَا تَكْنُوا
؛ قَوْلُهُ تَعَزَّى أَي انْتَسَبَ وانْتَمى. يُقَالُ: عَزَيْتُ الشيءَ وعَزَوْتُه أَعْزِيه وأَعْزُوه إِذَا أَسْنَدْتَه إِلَى أَحدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا تَكْنُوا أَي قُولُوا لَهُ اعضَضْ بأَيْرِ أَبيك، وَلَا تَكْنُوا عن الأَيْرِ بالْهَنِ. والعَزَاءُ والعِزْوَة: اسْمٌ لدَعْوَى المُسْتَغِيثِ، وَهُوَ أَن يَقُولَ: يَا لَفُلانٍ، أَو يَا لَلأَنصار، أَو يَا لَلْمُهاجرينَ قَالَ الرَّاعِي:
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسانُنا ورجالُهم، ... دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنا لعامِرِ
وَقَوْلُ بشرِ بْنُ أَبي خازِمٍ:
نَعْلُو القَوانِسَ بالسيُّوف ونَعْتَزِي، ... والخَيلُ مُشْعَرَة النُّحورِ مِنَ الدَّمِ
وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن لمْ يَتَعَزَّ بعزَاءِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَّا
أَي مَن لَمْ يَدْعُ بدَعْوَى الإِسلامِ فيقولَ: يَا لَلَّه أَو يَا لَلإِسلامِ أَو يَا لَلْمُسْلِمِينَ وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: يَا للهِ لِلْمُسْلِمِينَ
قَالَ الأَزهري: لَهُ وَجْهان: أَحدهما أَنّ لَا يَتَعَزَّى بعَزاء الجاهِليَّة ودَعْوَى القَبائل، وَلَكِنْ يَقُولُ يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ دَعْوَة المُسْلِمِينَ وَاحِدَةً غيرَ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَن مَعْنى التَّعَزِّي فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّأَسِّي والصَّبرُ، فَإِذَا أَصاب المُسْلِمَ مصيبةٌ تَفْجَعُه قَالَ: إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كَمَا أَمَره اللَّهُ، ومَعنى قَوْلِهِ بعَزَاءِ اللَّهِ أَي بتَعْزِيَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ؛ فأَقام الاسمَ مُقامَ المَصْدرِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ التَّعْزية، مِنْ عَزَّيْتُ كَمَا يُقَالُ أَعْطَيْته عَطاءً وَمَعْنَاهُ أَعْطَيته إِعْطَاءً. وَفِي الْحَدِيثِ:
سَيَكون للْعَرَبِ دَعْوَى قَبائِلَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فالسَّيفَ السَّيفَ حَتَّى يَقُولوا يَا لَلْمُسلمين
وَقَالَ اللَّيْثُ: الاعْتِزَاءُ الاتّصالُ فِي الدَّعوَى إِذَا كَانَتْ حربٌ فكلُّ مَنِ ادَّعى فِي شعارِهِ أَنا فلانٌ ابنُ فُلانٍ أَو فلانٌ الفُلانيُّ فقدِ اعْتَزَى إِلَيْهِ. والعِزَةُ: عُصْبَة مِنَ النَّاسِ، وَالْجَمْعِ عِزُونَ. الأَصمعي: يُقَالُ فِي الدارِ عِزُونَ أَي أَصنافٌ مِنَ النَّاسِ. والعِزَة: الجماعةُ والفِرْقَةُ مِنَ الناسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ الْيَاءِ، والجَمع عِزًى عَلَى فِعَل وعِزُون، وعُزون أَيضاً بِالضَّمِّ، وَلَمْ يَقُولُوا عِزات كَمَا قَالُوا ثُبات؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلْكُمَيْتِ:
ونحنُ، وجَنْدَلٌ باغٍ، تَرَكْنا ... كَتائبَ جَنْدَلٍ شَتىً عِزِينا
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
؛ مَعْنَى عِزِين حِلَقاً حِلَقاً وجَماعةً جَمَاعَةً، وعِزُونَ: جَمْع عِزَةٍ فَكَانُوا عَنْ يَمِينِه وَعَنْ شِماله جماعاتٍ فِي تَفْرِقَة. وَقَالَ اللَّيْثُ: العِزَةُ عُصْبَة مِنَ النَّاسِ فَوْقَ الحَلْقَة ونُقْصانُها وَاوٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا لِي أَراكم عِزِينَ؟
قَالُوا: هِيَ الحَلْقَة المُجْتَمِعَة مِنَ النَّاسِ كأَنَّ كلَّ جماعةٍ اعْتِزَاؤها أَي انْتِسابُها واحِدٌ، وأَصلها عِزْوَة، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ وجُمِعَت جمعَ السلامَةِ عَلَى غَيْر قياسٍ كثُبِين وبُرِينَ فِي جَمْعِ ثُبَةٍ وبُرَةٍ. وعِزَةٌ، مثلُ عِضَةٍ: أَصْلُها عِضْوَة، وَسَنَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ويَأْتي عِزِين بِمَعْنَى مُتَفَرِّقِين وَلَا يَلْزَمُ أَن يَكُونَ مِنْ صفَة النَّاسِ بمَنْزِلَة ثُبِين؛ قَالَ: وَشَاهِدُهُ مَا أَنشده الْجَوْهَرِيُّ:
فَلَمَّا أَنْ أَتَيْنَ عَلَى أُضاخٍ، ... ضَرَحْنَ حَصاهُ أَشْتاتاً عِزِينا
(15/53)

لأَنه يُرِيدُ الحَصى؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ أَحمر الْبَجَلِيِّ:
حُلِقَتْ لَهازِمُه عِزينَ ورأْسُه، ... كالقُرْصِ فُرْطِحَ مِنْ طَحِينِ شَعِيرِ
وعِزْوِيتٌ فِعْلِيتٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بأَنَّه فِعْلِيتٌ لِوُجُودِ نَظيره وَهُوَ عِفْرِيت ونِفْريتٌ، وَلَا يَكُونُ فِعْويلًا لأَنه لَا نَظِيرَ لَهُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: جَعَلَه سِيبَوَيْهِ صفَة وفسَّره ثَعْلَبٌ بأَنه الْقَصِيرُ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: هُوَ اسْمُ مَوْضِع. وبَنو عَزْوَانَ: حَيٌّ مِنَ الجِنِّ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر يَصِفُ الظَّلِيمَ والعربُ تَقُولُ إِنَّ الظَّلِيمَ مِنْ مَراكِبِ الجنِّ:
حَلَقَتْ بَنُو عَزْوَانَ جُؤْجُؤَهُ ... والرأْسَ، غيرَ قَنازِعٍ زُعْرِ
قَالَ اللَّيْثُ: وَكَلِمَةٌ شَنْعاءُ مِنْ لُغَةِ أَهل الشَّحْرِ، يَقُولُونَ يَعْزَى مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، كَمَا نقولُ نَحْنُ: لعَمْري لَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، ويَعْزِيكَ مَا كَانَ كَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَزْوَى، كأَنها كَلِمَةٌ يُتَلَطَّف بِهَا. وَقِيلَ: بِعِزِّي، وَقَدْ ذُكِرَ فِي عَزَزَ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: العَزْوُ لُغَةٌ مرغوبٌ عَنْهَا يَتكلم بِهَا بَنُو مَهْرَة بْنِ حَيْدَانَ، يَقُولُونَ عَزْوَى كأَنها كَلِمَةٌ يُتَلَطّفُ بِهَا، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ يَعْزى.
عسا: عَسَا الشيخُ يَعْسُو عَسْواً وعُسُوّاً وعُسِيّاً مثلُ عُتِيّاً وعَساءً وعَسْوَةً وعَسِيَ عَسًى، كلُّه: كَبِرَ مثلُ عَتِيَ. وَيُقَالُ لِلشَّيْخِ إِذَا وَلَّى وكَبِرَ: عَتَا يَعْتُو عُتِيّاً، وعَسا يَعْسُو مِثله، وَرَأَيْتُ فِي حَاشِيَةِ أَصل التَّهْذِيبِ للأَزهري الَّذِي نَقَلْت مِنْهُ حَدِيثًا متصلَ السَّند إِلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ السنَّةَ كلَّها غَيْرَ أَني لَا أَدْري أَكانَ رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقرَأُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أَو عُسِيّاً
فَمَا أَدري أَهذا مِنْ أَصلِ الْكِتَابِ أَم سَطَره بعضُ الأَفاضل. وَفِي حَدِيثِ
قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمان: لمَّا أَتيتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسا أَو عَشا
؛ عَسَا، بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَي كَبِرَ وأَسَنَّ مِنْ عَسا القضِيبُ إِذَا يَبِسَ، وَبِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَلَّ بصرُه وضَعُف. وعَسَتْ يَدُه تَعْسُو عُسُوّاً: غَلُظَتْ مِن عَمَلٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مصدرِ عَسا. وعَسَا النباتُ عُسُوّاً: غَلُظَ واشْتَدَّ؛ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخرى عَسِيَ يَعْسَى عَسًى؛ وأَنشد:
يَهْوُون عَنْ أَركانِ عِزٍّ أَدْرَما، ... عَنْ صامِلٍ عاسٍ، إِذَا مَا اصْلَخْمَما
قَالَ: والعَسَاءُ مصدرُ عَسَا العُودُ يَعْسُو عَسَاءً، والقَساءُ مَصْدَرُ قَسا القلبُ يَقْسُو قَساءً. وعَسا الليلُ: اشتَدت ظُلْمَته؛ قَالَ:
وأَظْعَنُ الليلَ، إِذَا الليلُ عَسَا
والغَينُ أَعْرَفُ. والعَاسِي مِثلُ الْعَاتِي: وَهُوَ الْجَافِي. والعَاسِي: الشِّمْراخُ مِنْ شَمَارِيخِ العِذْقِ فِي لُغَةُ بَلْحرِث بْنِ كعبٍ. الْجَوْهَرِيُّ: وعَسَا الشيءُ يَعْسُو عُسُوَّاً وعَساءً، مَمْدُودٌ أَي يَبِسَ وَاشْتَدَّ وصَلُبَ. والعَسَا، مَقْصُورًا: البَلَح «5» والعَسْوُ: الشَّمَعُ فِي بعضِ اللُّغَاتِ. وعَسَى: طَمَعٌ وإشفاقٌ، وَهُوَ مِنَ الأَفعال غيرِ المُتَصَرِّفة؛ وَقَالَ الأَزهري: عَسَى حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ المُقَارَبَةِ، وَفِيهِ تَرَجٍّ وطَمَعٌ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: لَا يَتَصَرَّف لأَنه وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي لِما جَاءَ فِي الْحَالِ، تَقُولُ: عَسَى زيدٌ أَن يَخْرُجَ، وَعَسَتْ فلانةُ أَن تَخْرُجَ، فزَيْدٌ فاعلُ عَسَى وأَن يَخْرُجَ مفعولُها «6»، وَهُوَ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ إِلَّا أَن خبرَه لَا
__________
(5). قوله [والعسا مقصوراً البلح] هذه عبارة الصحاح، وقال الصاغاني في التكملة: وهو تصحيف قبيح، والصواب الغسا بالغين.
(6). عَسَى عند جمهور النحويين من أخوات كاد تَرْفَعُ الِاسْمَ وَتَنْصِبُ الْخَبَرَ.
(15/54)

يَكُونُ اسْمًا، لَا يُقَالُ عَسَى زيدٌ مُنْطَلِقاً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَل كَذَا وعَسِيتُ قارَبْتُ، والأُولى أَعْلى، قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ عَسَيْتُ الفعلَ وَلَا عَسَيْتُ للفعلِ، قَالَ: اعْلَمْ أَنهم لَا يَستعملون عَسَى فِعلُك، اسْتَغْنَوْا بأَن تَفْعَلَ عَنْ ذلكَ كَمَا استَغْنى أَكثرُ العربِ بِعَسى عَنْ أَن يَقُولُوا عَسَيا وعَسَوْا، وبِلَوْ أَنه ذاهبٌ عَنْ لَوْ ذهابُه، وَمَعَ هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلوا المَصْدر فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلوا الاسمَ الَّذِي فِي موضِعِه يَفْعَل فِي عَسَى وكادَ، يَعْنِي أَنهم لَا يَقُولُونَ عَسَى فَاعِلًا وَلَا كادَ فاعِلًا فتُرِك هَذَا مِنْ كلامِهِمْ للاسْتغْناء بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ؛ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: عَسَى أَن تَفْعَلَ كَقَوْلِكَ دَنَا أَن تَفْعل، وَقَالُوا: عَسى الغُوَيْرُ أَبْؤُساً أَي كَانَ الغُوَيْرُ أَبْؤُساً؛ حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَما قولُهم عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُساً فشاذٌّ نادرٌ، وَضَعَ أَبْؤُساً موضعَ الخَبَر، وَقَدْ يأْتي فِي الأَمثال مَا لَا يأْتي فِي غَيْرِهَا، وَرُبَّمَا شَبَّهوا عَسَى بكادَ وَاسْتَعْمَلُوا الفِعل بعدَه بِغَيْرِ أَن فَقَالُوا عسَى زيدٌ يَنْطَلِق؛ قَالَ سُماعَةُ بْنُ أَسْوَلَ النَّعَامِيُّ:
عَسَى اللهُ يُغْنِي، عَنْ بلادِ ابنِ قادرٍ، ... بمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سَكُوب
هَكَذَا أَنشده الْجَوْهَرِيُّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَصَوَابُ إِنْشَادِهِ:
عَنْ بلادِ ابْنِ قاربٍ
وَقَالَ: كَذَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ؛ وَبَعْدَهُ:
هِجَفٍّ تَحُفُّ الريحُ فَوْقَ سِبالِهِ، ... لَهُ مِنْ لَوِيَّاتِ العُكُومِ نَصِيبُ
وَحَكَى الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: عَسَى تَجْرِي مَجْرى لعلَّ، تَقُولُ عَسَيْتَ وعَسَيْتُما وعَسَيْتُمْ وعَسَتِ المرأَة وعَسَتا وعَسَيْنَ؛ يُتَكلَّم بِهَا عَلَى فعلٍ ماضٍ وأُمِيتَ مَا سِوَاهُ مِنْ وجوهِ فِعْلِهِ، لَا يقالُ يَعْسى وَلَا مفعولَ لَهُ وَلَا فاعلَ. وعَسَى، فِي القرآنِ مِنَ اللهِ جَلَّ ثَناؤُه، واجبٌ وَهُوَ مِنَ العِبادِ ظَنٌّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ
، وَقَدْ أَتى اللهُ بِهِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِلَّا فِي قَوْلِهِ عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: عَسَى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ فجاءَت عَلَى إحْدى اللُّغَتَيْنِ لأَن عَسَى فِي كَلَامِهِمْ رجاءٌ ويَقِين؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقِيلَ عَسَى كَلِمَةٌ تَكُونُ للشَّك واليَقينِ؛ قَالَ الأَزهري: وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ فَجَعَلَهُ يَقِيناً أَنشده أَبو عُبَيْدٍ:
ظَنِّي بِهِمْ كعَسَى، وَهُمْ بِتَنُوفَةٍ، ... يَتَنازَعُونَ جوائزَ الأَمثالِ
أَي ظَنِّي بِهِمْ يَقين. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا قَوْلُ أَبي عُبَيْدَةَ، وأَما الأَصمعي فَقَالَ: ظَنِّي بِهِمْ كعَسَى أَي لَيْسَ بِثَبْتٍ كعَسى، يُرِيدُ أَن الظَّن هُنَا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ فَهُوَ كعَسى فِي كَوْنِهَا بِمَعْنَى الطَّمَعِ وَالرَّجَاءِ، وجوائزُ الأَمثال مَا جَازَ مِنَ الشِّعْرِ وَسَارَ. وَهُوَ عَسِيٌ أَن يَفْعَل كَذَا وعَسٍ أَي خَلِيقٌ؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: وَلَا يُقَالُ عَسًى. وَمَا أَعْسَاهُ وأَعْسِ بِهِ وأَعْسِ بأَن يفعلَ ذَلِكَ: كَقَوْلِكَ أَحْرِ بهِ، وَعَلَى هَذَا وجَّهَ الفارِسِيُّ قِرَاءَةَ نَافِعٍ:
فَهَلْ عَسِيتُم
، بِكَسْرِ السِّينِ، قَالَ: لأَنَّهم قَدْ قَالُوا هُوَ عَسٍ بِذَلِكَ وَمَا أَعْساهُ وأَعْسِ بِهِ، فَقَوْلُهُ عَسٍ يُقَوِّي عَسِيتم، أَلَا تَرَى أَنَّ عَسٍ كحَرٍ وشجٍ؟ وَقَدْ جَاءَ فَعَلَ وفَعِلَ فِي نَحْوِ وَرَى الزَّنْدُ ووَرِيَ، فَكَذَلِكَ عَسَيتُم وعَسِيتُم، فَإِنْ أُسْنِدَ الفِعلُ إِلَى ظاهِرٍ فَقِيَاسُ عَسِيتم أَن يَقُولَ فِيهِ عَسِيَ زيدٌ مثلُ رَضِيَ زيدٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْه فسائِغٌ لَهُ أَن يأْخذَ باللغَتَين فيستعملَ إِحْدَاهُمَا فِي مَوْضِعٍ دُونَ الأُخرى كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي
(15/55)

غَيْرِهَا. وَقَالَ الأَزهري: قَالَ النَّحْوِيُّونَ يُقَالُ عَسَى وَلَا يُقَالُ عَسِيَ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
؛ اتَّفَقَ القراءُ أَجمعون عَلَى فَتْحِ السِّينِ مِنْ قَوْلِهِ عَسَيْتُمْ إلَّا مَا جَاءَ عَنْ نافِعٍ أَنه كَانَ يقرأُ
فَهَلْ عَسِيتم
، بِكَسْرِ السِّينِ، وَكَانَ يقرأُ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
، فدلَّ موافقتُه الْقُرَّاءَ عَلَى عَسَى عَلَى أَنّ الصَّوَابَ فِي قَوْلِهِ عَسَيْتُمْ فَتْحُ السِّينِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ وعَسِيتُ، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَقُرِئَ بِهِمَا فَهَلْ عَسَيْتُمْ
وعَسِيتُمْ.
وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ: بالعَسَى أَنْ يَفْعَل، قَالَ: وَلَمْ أَسْمعهم يُصَرِّفُونها مُصَرَّفَ أَخَواتِها، يَعْنِي بأَخواتها حَرَى وبالْحَرَى وَمَا شاكَلَها. وَهَذَا الأَمرُ مَعْسَاةٌ مِنْهُ أَي مَخْلَقَة. وَإِنَّهُ لَمَعْسَاةٌ أَنْ يَفْعَل ذَاكَ: كَقَوْلِكَ مَحْراةٌ، يَكُونُ للمُذَكر والمُؤنَّث وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ بلفظٍ وَاحِدٍ. والمُعسِيَةُ: النَّاقَةُ الَّتِي يُشَكُّ فِيهَا أَبِها لَبَنٌ أَم لَا، وَالْجَمْعُ المُعْسِياتُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا المُعْسِيات مَنَعْنَ الصَّبُوحَ، ... خَبَّ جَرِيُّكَ بالمُحْصَنِ
جَرِيُّه: وكِيلُه ورَسُولُه، وَقِيلَ: الجَرِيُّ الخَادِمُ، والمُحْصَنُ مَا أُحْصِنَ وادُّخِرَ مِنَ الطَّعامِ للجَدْبِ؛ وأَما مَا أَنشده أَبو الْعَبَّاسِ:
أَلم تَرَني تَرَكْتُ أَبا يَزِيدٍ ... وصاحِبَه، كمِعْسَاءِ الجَوارِي
بِلَا خَبْطٍ وَلَا نَبْكٍ، ولكنْ ... يَداً بِيدٍ فَها عِيثي جَعارِ
قَالَ: هَذَا رَجُلٌ طَعَن رجُلًا، ثُمَّ قَالَ: ترَكْتُه كمِعْساءٍ الجَواري يسِيلُ الدَّمُ عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تأْخذ الحُشْوةَ فِي حَيْضِها فَدَمُها يسيلُ. والمِعْسَاءُ مِنَ الجوارِي: المُراهِقَة الَّتِي يَظنُّ مَنْ رَآهَا أَنها قَدْ تَوَضَّأَتْ. وَحَكَى الأَزهري عَنِ ابْنِ كَيْسَانَ قَالَ: اعْلَمْ أَن جَمْعَ الْمَقْصُورِ كُلَّهُ إِذَا كَانَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ وَالْيَاءِ فَإِنَّ آخِرَهُ يَسْقُط لِسُكُونِهِ وسكونِ واوِ الجمعِ وَيَاءِ الجمعِ وَيَبْقَى مَا قبلَ الأَلِف عَلَى فَتْحه، مِنْ ذَلِكَ الأَدْنَونَ جَمْعُ أَدْنَى والمُصْطَفَون والمُوسَون والعِيسَوْنَ، وَفِي النَّصْبِ وَالْخَفْضِ الأَدْنَين والمُصْطَفَيْن. والأَعْسَاء: الأَرزانُ الصُّلبَةُ، واحدُها عاسٍ. وَرَوَى ابْنُ الأَثير فِي كِتَابِهِ فِي الْحَدِيثِ:
أَفضلُ الصَّدَقَةِ المَنِيحة تَغْدُو بِعِسَاءٍ وَتَرُوحُ بعِسَاء
، وَقَالَ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الحُمَيْدِي العِسَاءُ العُسُّ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمعه إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: والحُمَيْدي مِنْ أَهْلِ اللِّسانِ، قَالَ: وَرَوَاهُ أَبو خيثَمة ثُمَّ قَالَ بِعِساسٍ كَانَ أَجودَ «1»، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَمْع العُسِّ أَبدل الْهَمْزَةَ مِنَ السِّينِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العِسَاءُ والعِساسُ جمعُ عُسٍّ. وأَبو العَسَا: رَجُلٌ؛ قَالَ الأَزهري: كَانَ خلَّاد صاحبُ شُرَطَة البَصْرَة يُكْنَى أَبا العَسَا.
عشا: العَشَا، مقصورٌ: سوءُ البَصَرِ بالليلِ والنهارِ، يكونُ فِي الناسِ والدَّوابِّ والإِبلِ والطَّيرِ، وَقِيلَ: هُوَ ذَهابُ البَصَرِ؛ حَكَاهُ ثَعْلَبٍ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا لَا يصحُّ إِذَا تأَمَّلته، وَقِيلَ: هُوَ أَن لَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ، وَقِيلَ: العَشَا يكونُ سُوءَ البصَرِ مِنْ غيرِ عَمًى، ويكونُ الَّذِي لَا يُبْصِرُ باللَّيْلِ ويُبْصِرُ بالنَّهارِ، وَقَدْ عَشا يَعْشُو عَشْواً، وَهُوَ أَدْنَى بَصَرِه وَإِنَّمَا يَعْشُو بعدَ ما يَعْشَى. قال سيبويه:
__________
(1). قوله [بعساس كان أجود] هكذا في جميع الأصول.
(15/56)

أَمالوا العَشَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَواتِ الواوِ، تَشْبيهاً بذَوات الواوِ مِنَ الأَفعال كغَزا وَنَحْوِهَا، قَالَ: وَلَيْسَ يطَّرِدُ فِي الأَسْماء إِنَّمَا يَطَّرِدُ فِي الأَفْعالِ، وَقَدْ عَشِيَ يَعْشَى عَشًى، وَهُوَ عَشٍ وأَعْشَى، والأُنثى عَشْوَاء، والعُشْوُ جَمعُ الأَعْشَى؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: العُشْوُ مِنَ الشُّعراء سَبْعة: أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ أَبو بَصِير، وأَعْشَى باهلَةَ أَبو قُحافة «1» وأَعْشَى بَني نَهْشَلٍ الأَسْودُ بنُ يَعْفُرَ، وَفِي الإِسلام أَعْشَى بَني رَبيعة مِنْ بَنِي شَيْبانَ، وأَعْشَى هَمْدان، وأَعْشَى تَغْلِب بنُ جاوانَ، وأَعْشَى طِرْوَدٍ مِنْ سُلَيْم، وَقَالَ غَيْرُهُ: وأَعْشَى بَني مازِنٍ مِنْ تَمِيم. ورَجُلان أَعْشَيَانِ، وامرأتانِ عَشْوَاوَانِ، وَرِجَالٌ عُشْوٌ وأَعْشَوْنَ. وعَشَّى الطَّيْرَ: أَوْقَد لَهَا نَارًا لتعَشى مِنْهَا فَيَصِيدُهَا. وعَشا يَعْشُو إِذَا ضَعُفَ بَصَرُه، وأَعْشَاهُ اللَّهُ. وَفِي حَدِيثِ
ابنِ المُسَيَّب: أَنه ذَهَبَتْ إحدْى عَينَيْه وَهُوَ يَعْشُو بالأُخْرى
أَي يُبْصِر بِهَا بَصَراً ضَعِيفاً. وعَشا عَنِ الشَّيْءِ يَعْشُو: ضَعُفَ بَصَرُه عَنْهُ، وخَبَطَه خَبْطَ عَشْواء: لَمْ يَتَعَمَّدْه. وفلانٌ خابطٌ خَبْطَ عَشْوَاء، وأَصْلُه مِنَ الناقةِ العَشْواءِ لأَنها لَا تُبْصِر مَا أَمامَها فَهِيَ تَخْبِطُ بِيَدَيْها، وَذَلِكَ أَنها تَرْفَع رَأْسها فَلَا تَتَعَهَّدُ مَواضِعَ أَخْفافِها؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
رأَيْتُ المَنايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ، مَنْ تَصِبْ ... تُمِتْهُ، ومَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ
وَمِنْ أَمثالهم السَّائرة: وهو يَخْبِط خَبْطَ عَشْوَاء، يضرَبُ مَثَلًا للسَّادِرِ الَّذِي يَرْكَبُ رَأْسَهُ وَلَا يَهْتَمُّ لِعاقِبَتِهِ كالنَّاقَة العَشْوَاء الَّتِي لَا تُبْصِرُ، فَهِيَ تَخْبِطُ بيَدَيْها كلَّ مَا مَرَّت بِهِ، وشَبَّه زُهَيرٌ الْمَنَايَا بخَبْطِ عَشْواءَ لأَنَّها تَعُمُّ الكُلَّ وَلَا تَخُصُّ. ابْنُ الأَعرابي: العُقابُ العَشْواءُ الَّتِي لَا تُبالي كيْفَ خَبَطَتْ وأَيْنَ ضَرَبَتْ بمخالِبها كالنَّاقة العَشْوَاء لَا تَدْرِي كَيْفَ تَضَع يَدَها. وتَعَاشَى: أَظْهَرَ العَشا، وأَرى مِنْ نَفْسِه أَنه أَعْشَى وَلَيْسَ بِهِ. وتَعَاشَى الرجلُ فِي أَمْرِه إِذَا تَجَاهَلَ، عَلَى المَثَل. وعَشَا يَعْشُو إِذَا أَتى نَارًا للضِّيافَة وعَشَا إِلَى النَّارِ، وعَشَاها عَشْواً وعُشُوّاً واعْتَشَاها واعْتَشَى بِهَا، كلُّه: رَآهَا لَيْلًا عَلَى بُعْدٍ فقَصَدَها مُسْتَضِيئاً بِهَا؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
مَتَى تأْتِهِ تَعْشُو إِلى ضَوْء نارِهِ، ... تَجِدْ خَيرَ نارٍ، عندَها خَيرُ مُوقِدِ
أَي مَتَى تأْتِهِ لَا تَتَبَيَّن نارَهُ مِنْ ضَعْف بَصَرِك؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وُجُوهاً لَوْ أنَّ المُدْلِجِينَ اعْتَشَوْا بِهَا، ... صَدَعْنَ الدُّجى حتَّى تَرى اللّيْلَ يَنْجَلي «2»
وعَشَوْتُه: قَصَدْتُه لَيْلًا، هَذَا هُوَ الأَصْلُ ثُمَّ صَارَ كلُّ قاصِدٍ عاشِياً. وعَشَوْت إِلى النارِ أَعْشُو إِليها عَشْواً إِذا اسْتَدْلَلْتَ عَلَيْهَا بِبَصَرٍ ضَعيفٍ، ويُنْشد بَيْتُ الحُطيئة أَيضاً، وفسَّره فَقَالَ: الْمَعْنَى مَتَى تَأْتِه عَاشِياً، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بَيْنَ مَجْزُومَيْن لأَن الفعلَ المُسْتَقْبَل إِذا وَقَع مَوقِعَ الْحَالِ يَرْتَفِع، كَقَوْلِكَ: إِن تأْتِ زَيْدًا تُكْرِمُه يَأْتِكَ، جَزَمْتَ تأْتِ بأَنْ، وجَزَمْتَ يأْتِكَ بِالْجَوَابِ، ورفَعْتَ تُكْرِمُه بَيْنَهُمَا وجَعَلْتَه حَالًا، وإِن صَدَرْت عَنْهُ إِلى غَيْرِهِ قُلْتَ عَشَوْتُ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
؛
__________
(1). قوله [أبو قحافة] هكذا في الأَصل، وفي التكملة: أبو قحفان.
(2). قوله [وجوهاً] هو هكذا بالنصب في الأصل والمحكم، وهو بالرفع فيما سيأتي.
(15/57)

قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ مَنْ يُعْرضْ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: وَمَنْ قرأَ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
فَمَعْنَاهُ مَن يَعْمَ عَنْهُ، وَقَالَ القُتَيبي: مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
أَي يُظْلِمْ بَصَرُه، قَالَ: وَهَذَا قولُ أَبي عُبَيْدَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَرُدُّ قولَ الْفَرَّاءِ وَيَقُولُ: لَمْ أَرَ أَحداً يُجيزُ عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَعْرَضْتُ عَنْهُ، إِنما يُقَالُ تَعَاشَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَي تَغافَلْت عَنْهُ كأَني لَمْ أَرَهُ، وَكَذَلِكَ تعامَيْت، قَالَ: وعَشَوْتُ إِلى النَّارِ أَي اسْتَدْلَلْت عَلَيْهَا ببَصَرٍ ضَعِيفٍ. قَالَ الأَزهري: أَغْفَل القُتَيْبي موضعَ الصوابِ واعْتَرَض مَعَ غَفْلَتِه عَلَى الْفَرَّاءِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لأَبَيِّن عُوارَه فَلَا يَغْتَرَّ بِهِ الناظرُ فِي كِتَابِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: عَشَوْتُ إِلى النَّارِ أَعْشُو عَشْواً أَي قَصَدتُها مُهْتَدِياً بِهَا، وعَشَوْتُ عَنْهَا أَي أَعْرَضْت عَنْهَا، فيُفرِّقون بَيْنَ إِلى وعَنْ موصولَيْن بِالْفِعْلِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ عَشَا فلانٌ إِلى النَّارِ يَعْشُو عَشْواً إِذا رأَى نَارًا فِي أَوَّل اللَّيْلِ فيَعْشُو إِليها يَسْتضِيءُ بضَوْئها. وعَشَا الرجلُ إِلى أَهلِه يَعْشُو: وَذَلِكَ مِنْ أَوَّل اللَّيْلِ إِذا عَلِمَ مكانَ أَهلِه فقَصدَ إِليهم. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: عَشِيَ الرجلُ يَعْشَى إِذا صَارَ أَعْشَى لَا يُبْصِرُ لَيْلًا؛ وَقَالَ مُزاحِمٌ العُقَيْلي فجعَل الاعْتِشَاء بِالْوُجُوهِ كَالِاعْتِشَاءِ بِالنَّارِ يَمْدَحُ قَوْمًا بِالْجَمَالِ:
يَزينُ سَنا الماوِيِّ كلَّ عَشِيَّةٍ، ... عَلَى غَفلات الزَّيْنِ والمُتَجَمَّلِ،
وُجُوهٌ لوَانَّ المُدْلِجينَ اعْتَشَوْا بِهَا، ... سَطَعْنَ الدُّجى حَتَّى ترَى الليْلَ يَنْجَلي
وعَشَا عَنْ كَذَا وَكَذَا يَعْشُو عَنْهُ إِذا مَضى عَنْهُ. وعَشَا إِلى كَذَا وَكَذَا يَعْشُو إِليه عَشْواً وعُشُوّاً إِذا قَصَد إِليه مُهْتَدِياً بضَوْء نارِه. وَيُقَالُ: اسْتَعْشَى فلانٌ نَارًا إِذا اهْتَدى بِهَا؛ وأَنشد:
يَتْبعن حُرُوبًا إِذا هِبْنَ قَدَمْ، ... كأَنه باللَّيْلِ يَسْتَعْشِي ضَرَم «1»
يَقُولُ: هُوَ نَشِيطٌ صادِقُ الطَّرْفِ جَرِيءٌ عَلَى الليلِ كأَنه مُسْتَعْشٍ ضَرَمةً، وَهِيَ النارُ، وَهُوَ الرجلُ الَّذِي قَدْ ساقَ الخارِبُ إِبله فطَرَدَها فَعَمَد إِلى ثَوْبٍ فشَقَّه وفَتَلَه فَتْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ غَمَره فِي زَيْتٍ أَو دُهْن فرَوَّاهُ، ثُمَّ أَشْعل فِي طَرَفِه النَّارَ فاهْتَدى بِهَا واقْتَصَّ أَثَرَ الخارِبِ ليَسْتَنْقِذَ إِبلَه؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، وإِنما أَتى القُتَيْبيَّ فِي وَهْمِهِ الخَطَأُ مِنْ جِهَةِ أَنه لَمْ يَفْرُق بَيْنَ عَشَا إِلى النَّارِ وعَشَا عَنْهَا، وَلَمْ يَعْلَم أَن كلَّ واحدٍ مِنْهُمَا ضِدُّ الْآخَرِ مِنْ بَابِ المَيْلِ إِلى الشيءِ والمَيْل عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: عَدَلْت إِلى بَنِي فلانٍ إِذا قَصدتَهم، وعَدَلْتُ عَنْهُمْ إِذا مَضَيْتَ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ مِلْتُ إِليهم ومِلْت عَنْهُمْ، ومَضيْت إِليهم ومضيْت عَنْهُمْ، وَهَكَذَا قَالَ أَبو إِسحق الزجَّاج فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
أَي يُعْرِض عَنْهُ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَنْ أَعرض عَنِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنِ الْحِكْمَةِ إِلى أَباطِيل المضلِّين نُعاقِبْه بشيطانٍ نُقَيِّضُه لَهُ حَتَّى يُضِلَّه وَيُلَازِمَهُ قَرِينًا لَهُ فَلَا يَهْتدي مُجازاةً لَهُ حِينَ آثرَ الباطلَ عَلَى الْحَقِّ البيِّن؛ قَالَ الأَزهري: وأَبو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ مَعْرِفَةٍ بِالْغَرِيبِ وأَيام الْعَرَبِ، وَهُوَ بَليدُ النَّظَرِ فِي بَابِ النَّحْوِ ومقَاييسه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَتاه فَقَالَ لَهُ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ هَلْ يَضُرُّ مَعَ الإِيمان ذَنْبٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشِ
__________
(1). قوله [حروبا] هكذا في الأصل، ولعله محرف، والأصل حُوذيّاً أي سائقاً سريع السير
(15/58)

وَلَا تَغْتَرَّ، ثُمَّ سأَل ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ مثلَ ذَلِكَ
؛ هَذَا مَثَلٌ لِلْعَرَبِ تَضْربُه فِي التَّوْصِية بالاحتِياط والأَخْذِ بالحَزْم، وأَصلُه أَن رَجُلًا أَراد أَن يَقْطَع مَفازَة بإبلِه وَلَمْ يُعَشِّها، ثِقَةً عَلَى مَا فِيهَا «1» مِنَ الكَلإِ، فَقِيلَ لَهُ: عَشِّ إِبلَك قَبْلَ أَن تُفَوِّزَ وخُذْ بِالِاحْتِيَاطِ، فإِن كَانَ فِيهَا كلأٌ لَمْ يَضُرَّك مَا صنَعْتَ، وإِن لَمْ يَكُنْ فِيهَا شيءٌ كنتَ قَدْ أَخَذْت بالثِّقة والحَزْم، فأَراد ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ هَذَا اجتَنِبِ الذنوبَ وَلَا تَرْكبْها اتِّكالًا عَلَى الإِسلام، وخُذْ فِي ذَلِكَ بالثِّقة وَالِاحْتِيَاطِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: مَعْنَاهُ تَعَشَّ إِذا كنتَ فِي سَفَرٍ وَلَا تَتَوانَ ثِقةً مِنْكَ أَنْ تتَعَشَّى عِنْدَ أَهلِكَ، فلَعَلَّك لَا تَجِدُ عِنْدَهُمْ شَيْئًا. وَقَالَ اللَّيْثُ: العَشْوُ إِتْيانُكَ نَارًا تَرْجُو عِنْدَهَا هُدًى أَو خَيْراً، تَقُولُ: عَشَوْتُها أَعْشُوها عَشْواً وعُشُوّاً، والعَاشِيَة: كُلُّ شيءٍ يعشُو بالليلِ إِلى ضَوءِ نارٍ مِنْ أَصنافِ الخَلقِ الفَراشِ وغيرِه، وَكَذَلِكَ الإِبل العَوَاشِي تَعْشُو إِلى ضَوءِ نارٍ؛ وأَنشد:
وعَاشِيَةٍ حُوشٍ بِطانٍ ذَعَرْتُها ... بضَرْبِ قَتِيلٍ، وَسْطَها، يَتَسَيَّفُ
قَالَ الأَزهري: غَلِطَ فِي تَفْسِيرِ الإِبلِ العَوَاشِي أَنها الَّتِي تَعْشُو إِلى ضَوْءِ النارِ، والعَوَاشِي جمعُ العَاشِيَة، وَهِيَ الَّتِي تَرْعى لَيْلًا وتتَعَشَّى، وَسَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ: والعُشْوَة والعِشْوَة: النارُ يُسْتَضاءُ بِهَا. والعَاشِي: القاصِدُ، وأَصلُه مِنْ ذَلِكَ لأَنه يَعْشُو إِليه كَمَا يَعْشُو إِلى النَّارِ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّة:
شِهابي الَّذِي أَعْشُو الطريقَ بضَوْئِه ... ودِرْعي، فَلَيلُ الناسِ بَعْدَك أَسْوَدُ
والعُشْوَة: مَا أُخِذَ مِنْ نارٍ ليُقْتَبس أَو يُسْتَضاءَ بِهِ. أَبو عَمْرٍو: العُشْوَة كالشُّعْلة مِنَ النارِ؛ وأَنشد:
حَتَّى إِذا اشْتالَ سُهَيْلٌ بسَحَرْ، ... كعُشْوَةِ القابِسِ تَرْمي بالشَّرر
قَالَ أَبو زَيْدٍ: ابْغُونا عُشْوَةً أَي نَارًا نَسْتَضيءُ بِهَا. قَالَ أَبو زَيْدٍ: عَشِيَ الرجلُ عَنْ حَقِّ أَصحابِه يَعْشَى عَشًى شَدِيدًا إِذا ظَلَمَهم، وَهُوَ كَقَوْلِكَ عَمِيَ عَنِ الْحَقِّ، وأَصله مِنَ العَشَا؛ وأَنشد:
أَلا رُبَّ أَعْشَى ظالِمٍ مُتَخَمِّطٍ، ... جَعَلْتُ بعَيْنَيْهِ ضِياءً، فأَبْصَرا
وَقَالَ: عَشِيَ عليَّ فلانٌ يَعْشَى عَشًى، مَنْقُوصٌ، ظَلَمَني. وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ لِلرِّجَالِ يَعْشَوْنَ، وهُما يَعْشَيَانِ، وَفِي النِّسَاءِ هُنَّ يَعْشَيْن، قَالَ: لمَّا صَارَتِ الْوَاوُ فِي عَشِيَ يَاءً لكَسْرة الشِّينِ تُرِكَتْ فِي يَعْشَيَانِ يَاءً عَلَى حالِها، وَكَانَ قِياسُه يَعْشَوَانِ فتَرَكوا الْقِيَاسَ، وَفِي تَثْنِيَةِ الأَعْشَى هُمَا يَعْشَيانِ، وَلَمْ يَقُولُوا يَعْشَوانِ لأَنَّ الْوَاوَ لمَّا صَارَتْ فِي الْوَاحِدِ يَاءً لكَسْرة مَا قَبْلَها تُرِكَت فِي التَّثْنية عَلَى حَالِهَا، والنِّسْبة إِلى أَعْشَى أَعْشَوِيٌّ، وإِلى العَشِيَّةِ عَشَوِيٌّ. والعَشْوَةُ والعُشْوَةُ والعِشْوَةُ: رُكوبُ الأَمْر عَلَى غَيْرِ بيانٍ. وأَوْطأَني عَشْوَةً وعِشْوَةً وعُشْوَة: لبَسَ عليَّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنه حَمَله عَلَى أَن يَرْكَب أَمراً غيرَ مُسْتَبينِ الرُّشْدِ فرُبَّما كَانَ فِيهِ عَطَبُه، وأَصله مِنْ عَشْوَاءِ اللَّيْلِ وعُشْوَتِه مثلُ ظَلْماءِ اللَّيْلِ وظُلْمَته، تَقُولُ: أَوْطَأْتَني عَشْوَةً أَي أَمْراً مُلْتَبِساً، وَذَلِكَ إِذا أَخْبَرْتَه بِمَا أَوْقَعْتَه بِهِ فِي حَيْرَةٍ أَو بَلِيَّة. وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: أَوطَأْته عَشْوَة أَي غَرَرْته وحَمَلْته على أَن يَطَأَ
__________
(1). قوله [ثِقَةً عَلَى مَا فِيهَا إلخ] هَكَذَا فِي الْأَصْلِ الَّذِي بأيدينا، وفي النهاية: ثقة بما سيجده من الكلإ، وفي التهذيب: فاتكل على ما فيها إلخ.
(15/59)

مَا لَا يُبْصِرُه فرُبَّما وَقَعَ فِي بِئْرٍ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: خَبَّاط عَشَوَات
أَي يَخْبِطُ فِي الظَّلامِ والأَمر المُلْتَبِس فيَتَحَيَّر. وَفِي الْحَدِيثِ:
يَا مَعْشَرَ العَرَب احْمَدُوا اللهَ الَّذِي رَفَعَ عنكمُ العُشْوَةَ
؛ يُرِيدُ ظُلْمة الكُفْرِ كُلَّما ركِبَ الإِنسانُ أَمراً بجَهْلٍ لَا يُبْصرُ وجْهَه، فَهُوَ عُشْوَة مِنْ عُشْوَة اللَّيْلِ، وَهُوَ ظُلْمة أَوَّله. يُقَالُ: مَضى مِنَ اللَّيْلِ عَشْوَة، بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَوَّلِه إِلى رُبْعه. وَفِي الْحَدِيثِ:
حَتَّى ذَهَبَ عَشْوَةٌ مِنَ اللَّيْلِ.
وَيُقَالُ: أَخَذْتُ عَلَيْهم بالعَشْوَة أَي بالسَّوادِ مِنَ اللَّيل. والعُشْوَة، بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الأَمْرُ المُلْتَبس. وَرَكِبَ فلانٌ العَشْوَاءَ إِذا خَبَطَ أَمرَه عَلَى غيرِ بَصِيرة. وعَشْوَةُ اللَّيْلِ والسَّحَر وعَشْوَاؤه: ظُلْمَتُه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الأَكوع: فأَخَذَ عَلَيْهِمْ بالعَشْوَةِ
أَي بالسَّوادِ مِنَ اللَّيْلِ، ويُجْمَع عَلَى عَشَواتٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ فِي سَفَر فاعْتَشَى فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ
أَي سَارَ وقتَ العِشاء كَمَا يُقَالُ اسْتَحَر وابْتَكَر. والعِشاءُ: أَوَّلُ الظَّلامِ مِنَ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ صلاةِ المَغْرِب إِلى العَتَمة. والعِشَاءَانِ: المَغْرِب والعَتَمة؛ قَالَ الأَزهري: يُقَالُ لِصَلَاتَيِ المَغْرِب والعِشاءِ العِشَاءَانِ، والأَصلُ العِشاءُ فغُلِّبَ عَلَى المَغْرِب، كَمَا قَالُوا الأَبَوان وَهُمَا الأَبُ والأُمُّ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: العِشَاءُ حينَ يُصَلّي الناسُ العَتَمة؛ وأَنشد:
وَمُحَوَّلٌ مَلَثَ العِشَاءِ دَعَوْتُه، ... والليلُ مُنْتَشِرُ السَّقِيط بَهِيمُ «1»
قَالَ الأَزهري: صَلاةُ العِشاءِ هِيَ الَّتِي بعدَ صلاةِ المَغْرِب، ووَقْتُها حينَ يَغِيبُ الشَّفَق، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ
. وأَما العَشِيُّ فَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: إِذا زَالَتِ الشَّمْسُ دُعِي ذَلِكَ الوقتُ العَشِيَّ، فَتَحَوَّلَ الظلُّ شَرْقِيّاً وتحوَّلت الشمْسُ غَرْبيَّة؛ قَالَ الأَزهري: وَصَلَاتَا العَشِيِّ هُمَا الظُّهْر والعَصْر. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إحْدى صلاتَي العَشِيِّ، وأَكْبَرُ ظَني أَنها العَصْر
، وَسَاقَهُ ابْنُ الأَثير فَقَالَ:
صَلى بِنَا إحْدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ فسَلَّم مِنَ اثْنَتَيْن
، يريدُ صلاةَ الظُّهْر أَو العَصْر؛ وَقَالَ الأَزهري: يَقَع العَشِيُّ عَلَى مَا بَيْنَ زَوالِ الشمْسِ إِلَى وَقْت غُروبها، كُلُّ ذَلِكَ عَشِيٌّ، فَإِذَا غابَتِ الشَّمْسُ فَهُوَ العِشَاءُ، وَقِيلَ: العَشِيُّ منْ زَوالِ الشَّمْس إِلى الصَّباح، وَيُقَالُ لِما بَيْنَ المَغْرِب والعَتَمة: عِشاءٌ؛ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ العِشَاء مِنْ زَوال الشَّمْسِ إِلى طُلوع الفَجْر، وأَنشدوا فِي ذَلِكَ:
غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَراً بليْلٍ ... عِشاءً، بعدَ ما انْتَصف النَّهارُ
وَجَاءَ عَشْوَةَ أَي عِشاءً، لَا يتمكَّن؛ لَا تَقُولُ مضتْ عَشْوَةٌ. والعَشِيُّ والعَشِيَّةُ: آخرُ النَّهَارِ، يُقَالُ: جئتُه عَشِيَّةً وعَشِيَّةَ؛ حَكَى الأَخيرةَ سِيبَوَيْهِ. وأَتَيْتُه العَشِيَّةَ: ليوْمِكَ، وَآتِيهِ عَشِيَّ غدٍ، بِغَيْرِ هاءٍ، إِذا كَانَ للمُسْتَقبل، وأَتَيتك عَشِيّاً غَيْرُ مضافٍ، وآتِيه بالعَشِيِّ وَالْغَدِ أَي كلَّ عَشيَّة وغَداةٍ، وإِني لَآتِيهِ بالعَشَايا والغَدايا. وَقَالَ اللَّيْثُ: العَشِيُّ، بِغَيْرِ هاءٍ، آخِرُ النهارِ، فإِذا قُلْتَ عَشِيَّة فَهُوَ لِيوْم واحدٍ، يُقَالُ: لَقِيته عَشِيَّةَ يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، ولَقِيته عَشِيَّةً مِنَ العَشِيّات، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
، يَقُولُ القائلُ: وَهَلْ للعَشِيَّة ضُحًى؟ قَالَ: وَهَذَا جَيِّد مِنْ
__________
(1). قوله [ومحوّل] هكذا في الأصل.
(15/60)

كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ: آتِيك العَشِيَّةَ أَو غداتَها، وَآتِيكَ الغَداةَ أَو عَشِيَّتَها، فَالْمَعْنَى لَمْ يَلْبثوا إِلَّا عَشِيَّة أَو ضُحى العَشِيَّة، فأَضاف الضُّحى إِلى العَشِيَّة؛ وأَما مَا أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
أَلا لَيتَ حَظِّي مِنْ زِيارَةِ أُمِّيَهْ ... غَدِيَّات قَيْظٍ، أَو عَشِيَّات أَشْتِيَهْ
فإِنه قَالَ: الغَدَوات فِي القَيْظ أَطْوَلُ وأَطْيَبُ، والعَشِيَّاتُ فِي الشِّتاءِ أَطولُ وأَطيبُ، وَقَالَ: غَدِيَّةٌ وغَدِيَّات مثلُ عَشِيَّةٍ وعَشِيَّات، وَقِيلَ: العَشِيُّ والعَشِيَّة مِنْ صلاةِ المَغْرِب إِلَى العَتمة، وَتَقُولُ: أَتَيْتُه عَشِيَّ أَمْسِ وعَشِيَّة أَمْسِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
، وليسَ هُناك بُكْرَةٌ وَلَا عَشِيٌّ وَإِنَّمَا أَراد لهُم رزْقُهُم فِي مِقْدار، بَيْنَ الغَداةِ والعَشِيِّ، وَقَدْ جَاءَ فِي التَّفْسِير: أَنَّ معْناه ولهُمْ رِزْقُهُم كلَّ ساعةٍ، وتصٌغِيرُ العَشِيِّ عُشَيْشِيانٌ، عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ عِنْدَ شَفىً وَهُوَ آخِرُ ساعةٍ مِنَ النَّهار، وَقِيلَ: تَصْغِيرُ العَشِيِّ عُشَيَّانٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ مُكَبَّره، كَأَنَّهُمْ صَغَّروا عَشيْاناً، وَالْجَمْعُ عُشَيَّانات. ولَقِيتُه عُشَيْشِيَةً وعُشَيْشِيَاتٍ وعُشَيْشِياناتٍ وعُشَيَّانات، كلُّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَلَقِيتُهُ مُغَيْرِبانَ الشَّمْسِ ومُغَيْرِباناتِ الشَّمْسِ. وَفِي حَدِيثِ
جُنْدَب الجُهَني: فأَتَيْنا بَطْنَ الكَديد فنَزَلْنا عُشَيْشِيَةً
، قَالَ: هِيَ تَصْغِيرُ عَشِيَّة عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، أُبْدلَ مِنَ الْيَاءِ الوُسْطى شِينٌ كأَنّ أَصلَه عُشَيِّيةً. وَحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ: أَتَيْتُه عُشَيْشَةً وعُشَيْشِياناً وعُشيَّاناً، قَالَ: وَيَجُوزُ فِي تَصْغيرِ عَشِيَّةٍ عُشَيَّة وعُشَيْشِيَةٌ. قَالَ الأَزهري: كَلَامُ الْعَرَبِ فِي تَصْغِيرِ عَشِيَّة عُشَيْشِيَةٌ، جَاءَ نَادِرًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَلَمْ أَسْمَع عُشَيَّة فِي تَصْغِيرِ عَشِيَّة، وَذَلِكَ أَنَّ عُشَيَّة تصْغِيرُ العَشْوَة، وَهُوَ أَولُ ظُلْمة اللَّيْلِ، فأَرادوا أَن يَفْرُقوا بَيْنَ تَصْغِيرِ العَشِيَّة وَبَيْنَ تَصغير العَشْوَة؛ وأَمَّا مَا أَنشده ابْنُ الأَعرابي مِنَ قَوْلِهِ:
هَيْفاءُ عَجْزاءُ خَرِيدٌ بالعَشِي، ... تَضْحَكُ عَنْ ذِي أُشُرٍ عَذْبٍ نَقِي
فَإِنَّهُ أَراد باللَّيل، فإمَّا أَن يَكُونَ سَمَّى الليلَ عَشِياً لمَكانِ العِشاء الَّذِي هُوَ الظُّلْمَةُ، وإمَّا أَن يَكُونَ وَضَعَ العَشِيَّ موضِعَ اللَّيْلِ لقُرْبِه مِنْهُ مِنْ حَيْثُ كانَ العَشِيُّ آخِرَ النَّهار، وآخرُ النَّهارِ مُتَّصِلٌ بأَوَّل اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا أَرادَ الشاعرُ أَنْ يُبالغَ بتَخَرُّدِها واسْتِحيائِها لأَنَّ الليلَ قَدْ يُعْدَمُ فِيهِ الرُّقَباءُ والجُلَساءُ، وأَكثرُ مَنْ يُسْتَحْيا مِنْهُ، يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ هَؤُلاء فَمَا ظَنُّكَ بتَخَرُّدِها نَهاراً إِذَا حَضَرُوا؟ وَقَدْ يَجُوزُ أَن يُعْنَى بِهِ اسْتِحياؤها عِنْدَ المُباعَلَة لأَنَّ المُباعَلَة أَكثرُ مَا تَكُونُ لَيْلًا. والعِشْيُ: طَعامُ العَشيّ والعِشاءِ، قُلِبَتْ فِيهِ الواوُ يَاءً لقُرْب الْكَسْرَةِ. والعَشاءُ: كالعِشْيِ، وجَمعه أَعْشِيَة. وعَشِيَ الرجلُ يَعْشَى وعَشَا وتَعَشَّى، كلُّه: أَكلَ العَشاء فَهُوَ عاشٍ. وعَشَّيْت الرجلَ إِذَا أَطْعَمته العَشَاءَ، وَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤكَلُ بَعْدَ العِشاء. وَمِنْهُ قَوْلُ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَضَر العَشَاءُ والعِشَاءُ فابْدَؤوا بالعَشَاءِ
؛ العَشَاء، بِالْفَتْحِ والمدِّ: الطعامُ الَّذِي يؤكَلُ عِنْدَ العِشَاء، وَهُوَ خِلاف الغَداءِ وأَراد بالعِشاءِ صلاةَ الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا قدَّم العَشاء لئلَّا يَشْتَغِل قلْبُه بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّهَا الْمَغْرِبُ لأَنها وقتُ الإِفطارِ ولِضِيقِ وقتِها. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَفِي الْمَثَلِ سَقَطَ العَشَاءُ بِهِ عَلَى سِرْحان؛ يُضْرَبُ للرجُلِ يَطْلُب الأَمر التَّافِه
(15/61)

فيقَع فِي هَلَكةٍ، وأَصله أَنَّ دابَّة طَلبَت العَشاءَ فَهَجَمَتْ عَلَى أَسَدٍ. وَفِي حَدِيثِ الْجَمْعِ بعَرفة:
صلَّى الصَّلاتَيْن كلُّ صلاةٍ وحْدها والعَشَاءُ بَيْنَهُمَا
أَي أَنه تَعَشَّى بَيْنَ الصَّلاتَيْن. قَالَ الأَصمعي: وَمِنْ كَلَامِهِمْ لَا يَعْشَى إلا بعد ما يَعْشُو أَي لَا يَعْشَى إلا بعد ما يَتَعَشَّى. وَإِذَا قِيلَ: تَعَشَّ، قلتَ: مَا بِي مِنْ تَعَشٍّ أَي احْتِيَاجٍ إِلَى العَشاءِ، وَلَا تقُلْ مَا بِي عَشاءٌ. وعَشَوْتُ أَي تَعَشَّيْتُ. ورجلٌ عَشْيَانٌ: مُتَعَشٍّ، والأَصل عَشْوانٌ، وَهُوَ مِنْ بَابِ أَشاوَى فِي الشُّذُوذِ وطَلَب الخِفَّة. قَالَ الأَزهري: رجلٌ عَشْيَان وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الواوِ لأَنه يُقَالُ عَشَيته وعَشَوته فأَنا أَعْشُوه أَي عَشَّيْته، وَقَدْ عشِيَ يَعْشَى إِذَا تَعشَّى. وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: يُقَالُ مِنَ الغَداء والعَشاء رجلٌ غَدْيان وعَشْيان، والأَصل غَدْوان وعَشْوان لأَنَّ أَصْلَهُما الواوُ، وَلَكِنَّ الواوُ تُقْلَب إِلَى الْيَاءِ كَثِيرًا لأَن الْيَاءَ أَخفُّ مِنَ الواوِ. وعَشاه عَشْواً وعَشْياً فتَعَشَّى: أَطْعَمَهُ العَشاءَ، الأَخيرةُ نادرةٌ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
قَصَرْنا عَلَيْه بالمَقِيظِ لِقاحَنَا، ... فَعَيَّلْنَه مِنْ بَينِ عَشْيٍ وتَقْييلِ «2»
وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لقُرْط بْنِ التُّؤام الْيَشْكُرِيُّ:
كانَ ابنُ أَسْماءَ يَعْشُوه ويَصْبَحُه ... مِنْ هَجْمَةٍ، كفَسِيلِ النَّخلِ دُرَّارِ
وعَشَّاهُ تَعْشِية وأَعْشاه: كَعَشاه قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
فأَعْشَيْتُه، مِنْ بَعدِ مَا راثَ عِشْيُهُ، ... بسَهْمٍ كسَيْرِ التَّابِرِيَّةِ لَهْوَقِ
عدّاه بالباء فِي مَعْنَى غَذَّيْتُه. وعَشَّيْتُ الرجُل: أَطْعَمْتُهُ العَشاءَ. وَيُقَالُ: عَشِّ إِبِلَكَ وَلَا تَغْتَرَّ؛ وَقَوْلُهُ:
باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرِ، ... يَقْصِدُ فِي أَسْؤُقِها، وجائِرِ
أَي أَقامَ لهَا السَّيْفَ مُقامَ العَشاءِ. الأَزهري: العِشْيُ مَا يُتَعَشَّى بِهِ، وجَمْعه أَعْشَاء؛ قَالَ الحُطَيْئة:
وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صادِرَةٍ ... للْخِمْسِ، طالَ بِهَا حَوْزي وتَنْساسِي
قَالَ شَمِرٌ: يقولُ انْتَظَرْتُكُمُ انْتِظارَ إبِلٍ خَوامِسَ لأَنَّها إِذَا صَدَرَتْ تَعَشَّت طَويلًا، وَفِي بُطونِها ماءٌ كثيرٌ، فَهِيَ تَحْتاجُ إِلَى بَقْلٍ كَثِيرٍ، وواحدُ الأَعْشَاء عِشْيٌ. وعِشْيُ الإِبلِ: مَا تَتَعشَّاه، وأَصلُه الْوَاوُ. والعَوَاشِي: الإِبل والغَنم الَّتِي تَرْعَى بالليلِ، صِفَةٌ غالبَةٌ والفِعْلُ كالفِعْل؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ:
يَعْشَى، إِذَا أَظْلَم، عَنْ عَشائِه، ... ثُمَّ غَدَا يَجْمَع مِنْ غَدائِهِ
يَقُولُ: يَتَعَشَّى فِي وَقْتِ الظُّلْمة. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ عَشِيَ بِمَعْنَى تَعَشَّى. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ: مَا مِنْ عاشِيَةٍ أَشَدَّ أَنَقاً وَلَا أَطْولَ شِبَعاً مِنْ عالِمٍ مِن عِلْمٍ
؛ الْعَاشِيَةُ: الَّتِي تَرْعَى بالعَشِيِّ مِنَ المَواشِي وغيرِها. يُقَالُ: عَشِيَت الإِبلُ وتَعَشَّتْ؛ الْمَعْنَى: أَنَّ طالِبَ العِلْمِ لَا يكادُ يَشْبَعُ مِنْهُ، كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ:
مَنْهُومانِ لَا يَشْبَعانِ: طالِبُ عِلْمٍ وطالِبُ دُنْيا.
وَفِي كِتَابِ
أَبي مُوسَى: مَا مِنْ عاشِيَة أَدوَمُ أَنقاً وَلَا أَبْعَدُ مَلالًا مِنْ عَاشِيَةِ عِلْمٍ.
وَفَسَّرَهُ فَقَالَ: العَشْوُ إتْيانُكَ نَارًا تَرْجُو عندَها خَيْرًا. يُقَالُ: عَشَوْتُه أَعْشُوه، فأَنا عاشٍ
__________
(2). قوله [فعيلنه إلخ] هكذا في الأصول.
(15/62)

مِنْ قَوْمٍ عاشِيَة، وَأَرَادَ بالعَاشِيَة هَاهُنا طَالِبِي العِلْمِ الرَّاجينَ خيرَه ونَفْعَه. وَفِي الْمَثَلِ: العَاشِيَةُ تَهِيجُ الآبِيَةَ أَي إِذَا رَأتِ الَّتِي تأبَى الرَّعْيَ الَّتِي تَتَعَشَّى هاجَتْها للرَّعْي فرَعَتْ مَعَهَا؛ وَأَنْشَدَ:
تَرَى المِصَكَّ يَطْرُدُ العَواشِيَا: ... جِلَّتَها والأُخرَ الحَواشِيَا
وبَعِيرٌ عَشِيٌّ: يُطِيلُ العَشاءَ؛ قَالَ أَعْرابيٌّ وَوَصَفَ بَعيرَه:
عريضٌ عَروُضٌ عَشِيٌّ عَطُوّ
وعَشَا الإِبلَ وعَشَّاها: أَرْعاها لَيْلًا. وعَشَّيْتُ الإِبلَ إِذَا رَعَيْتَها بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وعَشِيَت الإِبلُ تَعْشَى عَشًى إِذَا تَعشَّت، فَهِيَ عَاشِيَة. وجَمَلٌ عَشٍ وَنَاقَةٌ عَشِيَة: يَزيدان عَلَى الإِبلِ فِي العَشاء، كلاهُما عَلَى النَّسَب دُونَ الْفِعْلِ؛ وَقَوْلُ كُثَيِّر يَصِفُ سَحَابًا:
خَفِيٌّ تَعَشَّى فِي الْبِحَارِ ودُونَه، ... مِنَ اللُّجِّ، خُضْرٌ مُظْلِماتٌ وسُدَّفُ
إِنَّمَا أَراد أَنَّ السحابَ تَعَشَّى مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، جَعَلَه كالعَشاءِ لَهُ؛ وَقَوْلُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلاح:
تَعَشَّى أَسافِلُها بالجَبُوب، ... وتأْتي حَلُوبَتُها مِنْ عَل
يَعْنِي بِهَا النَّخْلَ، يَعْنِي أَنها تَتَعَشَّى مِنْ أَسفل أَي تَشْرَبُ الماءَ ويأْتي حَمْلُها مِنْ فَوْقُ، وعَنى بِحَلُوبَتِها حَمْلَها كأَنه وَضَعَ الحَلُوبة موضعَ المَحْلُوب. وعَشِيَ عَلَيْهِ عَشًى: ظَلَمه. وعَشَّى عَنِ الشَّيْءِ: رَفَقَ بِهِ كَضَحَّى عَنْهُ. والعُشْوان: ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَو النَّخْلِ. والعَشْواءُ، مَمْدودٌ: ضربٌ مِنْ متأخِّر النخلِ حَمْلًا.
عصا: العَصا: العُودُ، أُنْثَى. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
. وفلانٌ صُلْبُ العَصَا وصليبُ العَصَا إِذَا كَانَ يَعْنُفُ بالإِبل فيَضْرِبُها بالعَصا؛ وَقَوْلُهُ:
فأَشْهَدُ لَا آتِيكِ، مَا دامَ تَنْضُبٌ ... بأَرْضِكِ، أَو صُلْبُ الْعَصَا مِنْ رجالِكِ
أَي صَلِيبُ العَصا. قَالَ الأَزهري: وَيُقَالُ لِلرَّاعِي إِذَا كَانَ قَويّاً عَلَى إبِلِه ضَابِطًا لَهَا إِنَّهُ لصُلْبُ العَصا وشديدُ العَصَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بنِ لَجَإٍ:
صُلْبُ العَصا جافٍ عَنِ التَّغَزُّلِ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ إِنَّهُ لصُلْبُ العَصا أَيْ صُلْبٌ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ ثَمَّ عَصاً، وأَنشد بَيْتَ عُمَرَ بْنِ لجإٍ وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِي النَّجْم. وَيُقَالُ: عَصاً وعَصَوانِ، وَالْجَمْعُ أَعْصٍ وأَعْصاءٌ وعُصِيٌّ وعِصِيٌّ، وَهُوَ فُعول، وَإِنَّمَا كُسِرت العَيْنُ لِمَا بَعْدَها مِنَ الْكَسْرَةِ، وأَنكر سِيبَوَيْهِ أَعصاءً، قَالَ: جَعَلُوا أَعْصِياً بَدَلًا مِنْهُ. ورجلٌ لَيِّنُ الْعَصَا: رفيقٌ حَسَنُ السِّيَاسَةِ لِمَا يَلي، يكْنونُ بِذَلِكَ عَنْ قِلة الضَّرْب بالعَصا. وضعيفُ العَصا أَي قليلُ الضَّرْب للإِبلِ بالعَصا، وَذَلِكَ مِمَّا يُحْمَدُ بِهِ؛ حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي؛ وأَنشد الأَزهري لمَعْنِ بنِ أَوْسٍ المُزَني:
عَلَيْهِ شَرِيبٌ وادِعٌ لَيِّنُ العَصا، ... يُساجِلُها جُمَّاتِهِ وتُساجِلُهْ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: موضعُ الجُمَّاتِ نَصْبٌ، وجَعَل شُرْبَها لِلْمَاءِ مُساجَلة؛ وأَنشد غيرهُ قَوْلَ الرَّاعِي يَصِفُ رَاعِيًا:
ضَعيفُ العَصا بَادِي العُروقِ، تَرَى لَهُ ... عَلَيْهَا، إِذَا مَا أَجْدَبَ الناسُ، إصبَعَا
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَضَعِيفُ العَصَا أَي تِرْعِيَة. قَالَ ابْنُ
(15/63)

الأَعرابي: والعربُ تَعيبُ الرِّعاءَ بضَرْبِ الإِبلِ لأَن ذَلِكَ عُنْفٌ بِهَا وقلَّةُ رِفْقٍ؛ وأَنشد:
لَا تَضْرِباها واشْهَرا لَهَا العصِي، ... فرُبّ بَكْرٍ ذِي هِبابٍ عَجْرَفي
فِيهَا، وصَهْباءَ نَسوُلٍ بالعَشِي
يَقُولُ: أَخيفاها بشهْرِكُما العِصِيَّ لَهَا وَلَا تَضْرِباها؛ وأَنشد:
دَعْها مِن الضَّرْبِ وبَشِّرْها بِرِيْ، ... ذاكَ الذِّيادُ لَا ذِيادٌ بالعِصِيْ
وعَصاه بالعَصا فَهُوَ يَعْصُوه عَصْواً إِذَا ضَرَبَه بِالْعَصَا. وعَصى بِهَا: أَخذها. وعَصِيَ بسَيْفه وعَصا بِهِ يَعْصُو عَصاً: أَخذَه أَخْذَ العَصا أَو ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَه بِهَا؛ قَالَ جَرِيرٌ:
تَصِفُ السُّيُوفَ وغيرُكُمْ يَعْصَى بِهَا، ... يَا ابنَ القُيونِ، وذاكَ فِعْلُ الصَّيْقَلِ
والعَصا، مقصورٌ: مصدرُ قَولِك عَصِيَ بِالسَّيْفِ يَعْصَى إِذَا ضَرَبَ بِهِ، وأَنشد بَيْتَ جَرِيرٍ أَيضاً. وَقَالُوا: عَصَوتُه بالعَصا وعَصَيْتُه وعَصِيتُه بِالسَّيْفِ والعَصا وعَصَيْتُ وعَصِيتُ بِهِمَا عَلَيْهِ عَصاً؛ قَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ عَصَوْتُه بالعَصا، قَالَ: وكَرِهَها بعضُهم، وَقَالَ: عَصِيت بالعَصا ثُمَّ ضَرَبْتُه بِهَا فأَنا أَعْصَى، حَتَّى قَالُوهَا فِي السَّيْفِ تَشْبِيهًا بِالْعَصَا؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِمَعْبَدِ بْنِ علقمة:
ولكنَّنا نأْتي الظَّلامَ، ونَعْتَصِي ... بكُلِّ رَقِيقِ الشَّفْرَتَينَ مُصَمِّمِ
وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: عَصِيَ الرجلُ فِي الْقَوْمِ بِسَيْفِهِ وعَصاه فَهُوَ يَعْصَى فِيهِمْ إِذَا عاثَ فِيهِمْ عَيْثاً، والاسمُ العَصَا. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ عَصَاهُ يَعْصُوه إِذَا ضرَبَه بِالْعَصَا. وعَصِيَ يَعْصَى إِذَا لَعِبَ بالعَصا كَلِعبه بالسيفِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُعْتَلِّ بِالْيَاءِ: عَصَيْته بِالْعَصَا وعَصِيته ضربْتُه، كِلَاهُمَا لُغةٌ فِي عَصَوْتُه، وَإِنَّمَا حَكَمْنا عَلَى أَلف العَصا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهَا ياءٌ لقَولهم عَصَيْته، بِالْفَتْحِ فأَمّا عَصِيته فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لأَنه قَدْ يَكُونُ مِنْ بابِ شَقِيتُ وغَبِيت، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فلامُه واوٌ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَصَوْته. واعْتَصى الشجرةَ: قَطَع مِنْهَا عَصاً؛ قَالَ جَرِيرٌ:
وَلَا نَعْتصِي الأَرْطَى، وَلَكِنْ سَيُوفُنا ... حِدادُ النَّوَاحِي، لَا يُبِلُّ سَلِيمُها
وَهُوَ يَعْتَصِي عَلَى عَصاً جَيِّدة أَي يَتوَكَّأُ. واعْتَصَى فلانٌ بالعَصا إِذَا تَوكَّأَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُعْتصٍ بِهَا. وَفِي التَّنْزِيلِ: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
. وَفُلَانٌ يَعْتَصِي بالسيفِ أَي يجعلهُ عَصاً. قَالَ الأَزهري: وَيُقَالُ لِلْعَصَا عَصاةٌ، بِالْهَاءِ، يُقَالُ أَخذْتُ عَصاتَه، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَن كرِهَ هَذِهِ اللُّغَةَ، رَوَى الأَصمعي عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ قَالَ: سُمِّيت العَصا عَصاً لأَن اليَدَ والأَصابعَ تَجْتَمعُ عَلَيْهَا، مأْخوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ عَصَوْتُ القومَ
أَعْصُوهم إِذَا جَمَعْتهم عَلَى خَيْرٍ أَو شرٍّ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ مَدُّ العَصا وَلَا إِدْخَالُ التَّاءِ مَعَهَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ بالعِراق هَذِهِ عَصاتي، بِالتَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه حَرَّمَ شَجَرَ الْمَدِينَةِ إلَّا عَصَا حَديدةٍ
أَي عَصَا تَصْلُحُ أَن تَكُونَ نِصاباً لِآلَةٍ مِنَ الْحَدِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَلا إنَّ قَتِيل الخَطَإ قَتيلُ السَّوْطِ والعَصَا، لأَنَّهما لَيْسَا مِنْ آلَاتِ الْقَتْلِ، فَإِذَا ضُرِبَ بِهِمَا أَحدٌ فماتَ كَانَ قَتْلُه خَطَأً.
وعَاصَانِي فعَصَوْتُه أَعْصُوه؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وأُراه أَرادَ خاشَنني بِهَا أَو عارَضَني بِهَا فغَلَبْتُه، وَهَذَا قَلِيلٌ فِي الْجَوَاهِرِ، إِنَّمَا بَابُهُ الأَعْراضُ
(15/64)

ككَرَمْتُه وفَخَرْتُه مِنَ الكَرَم والفَخْر. وعَصَّاه العَصَا: أَعطاه إِيَّاهَا؛ قَالَ طُرَيح:
حَلَّاك خاتَمَها ومِنْبَرَ مُلْكِها، ... وعَصا الرسولِ كَرَامَةً عَصَّاكَها
وأَلْقى المسافِرُ عَصاهُ إِذَا بَلَغ موضِعَه وأَقام، لأَنه إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ أَلْقى عَصاه فخيَّم أَو أَقام وتركَ السَّفَرَ؛ قَالَ مُعَقِّرُ بنُ حِمارٍ البارقيُّ يَصِفُ امرأَةً كَانَتْ لَا تَسْتَقِرُ عَلَى زَوْج، كُلَّمَا تَزَوَّجت رَجُلًا فارَقتْه واسْتَبْدلتْ آخرَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: كُلَّمَا تزوَّجَها رجُلٌ لَمْ تواتِه وَلَمْ تَكْشِفْ عَنْ رأْسِها وَلَمْ تُلْقِ خِمارها، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ إبائِها وأَنها لَا تُريدُ الزَّوْج، ثُمَّ تَزَوَّجها رجُلٌ فرَضِيتْ بِهِ وأَلْقَتْ خِمارها وكَشفتْ قِناعَها:
فأَلْقتْ عَصاها واسْتَقرَّ بِهَا النَّوَى، ... كَمَا قَرَّ عَيْناً بالإِيابِ المُسافِرُ
وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا البَيتُ لعبدِ رَبِّه السُّلَمِيِّ، وَيُقَالُ لسُلَيْم بْنِ ثُمامَة الحَنَفي، وَكَانَ هَذَا الشَّاعِرُ سَيَّر امرأَتَه مِنَ الْيَمَامَةِ إِلى الْكُوفَةِ؛ وأَول الشَّعْرِ:
تَذَكَّرْتُ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرث بَعْدَ ما ... مَضَتْ حِجَجٌ عَشْرٌ، وَذُو الشَّوق ذاكِرُ
قَالَ: وَذَكَرَ الآمِدي أَنَّ الْبَيْتَ لمُعَقِّر بْنِ حمارٍ الْبَارِقِيِّ؛ وَقَبْلَهُ:
وحَدَّثَها الرُّوّادُ أَنْ لَيْسَ بينَها، ... وَبَيْنَ قُرى نَجْرانَ والشامِ، كافِرُ
كَافِرٌ أَي مَطَر؛ وَقَوْلُهُ:
فأَلْقَتْ عَصاها واسْتَقرَّ بِهَا النَّوى
يُضْرب هَذَا مَثَلًا لكلِّ منْ وافَقَه شيءٌ فأَقام عَلَيْهِ؛ وَقَالَ آخَرُ:
فأَلْقَتْ عَصَا التَّسْيارِ عَنْهَا، وخَيَّمَتْ ... بأَرْجاءِ عَذْبِ الماءِ بِيضٍ مَحافِرُه
وَقِيلَ: أَلْقى عَصاه أَثْبَتَ أَوتادَه فِي الأَرض ثُمَّ خَيَّمَ، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
أَظُنُّك لمَّا حَضْحَضَتْ بَطْنَكَ العَصا، ... ذَكَرْتَ مِنَ الأَرْحام مَا لَسْتَ ناسِيا «1»
قَالَ: العَصا عَصا الْبَيْنِ هَاهُنا. الأَصمعي فِي بَابُ تَشبيه الرجُل بأَبيه: العَصَا مِنَ العُصَيّة؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَكَذَا قَالَ «2» وأَنا أَحسَبُه العُصَيَّةُ مِنَ العَصَا، إِلَّا أَن يُرادَ بِهِ أَن الشَّيْءَ الجلِيل إِنَّمَا يَكُونُ فِي بَدْئه صَغِيراً، كَمَا قَالُوا إِنَّ القَرْمَ مِنَ الأَفِيلِ، فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ العَصا مِنَ العُصَيَّة؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَي بَعْضُ الأَمر مِنْ بَعضٍ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ثَعْلَبٌ: ويَكْفِيكَ أَنْ لَا يَرْحلَ الضَّيْفُ مُغْضَباً عَصَا العَبْدِ، والبِئْرُ الَّتِي لَا تُمِيهُها يَعْنِي بعَصَا العَبْدِ العُودَ الَّذِي تحرَّكُ بِهِ المَلَّة وَبِالْبِئْرِ الَّتِي لَا تُمِيهُها حُفْرَةَ المَلَّة، وأَرادَ أَنْ يرحَلَ الضيفُ مغْضَباً فَزَادَ لَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ؛ أَي أَنْ تَسْجُدَ. وأَعْصَى الكَرْمُ: خَرَجَت عِيدانُه أَو عِصِيُّه وَلَمْ يُثْمِرْ. قَالَ الأَزهري: وَيُقَالُ للقوْم إِذا اسْتُذِلُّوا مَا هُمْ إِلَّا عبيدُ العَصَا؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَوْلُهُمْ عبيدُ العَصا أَي يُضْرَبُون بِهَا؛ قَالَ:
قُولَا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصَا: ... مَا غَرَّكمْ بالأَسَد الباسِلِ؟
__________
(1). قوله [حضحضت إلخ] هو هكذا بالحاء المهملة في الأصل.
(2). قوله [قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هَكَذَا قال إلخ] في التكملة: والعُصَيَّة أم العَصَا التي هي لجذيمة وفيها المثل العَصَا من العُصَيَّة.
(15/65)

وقَرَعْته بالعَصا: ضَرَبْته؛ قَالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغ:
العَبْدُ يُضْرَبُ بالعَصا، ... والحُرُّ تَكْفِيهِ المَلامَة
قَالَ الأَزهري: وَمِنْ أَمْثالِهم إِن العَصا قُرِعَتْ لِذِي الحِلْم؛ وَذَلِكَ أَن بَعْضَ حُكَّامِ العَرب أَسَنَّ وضعُف عَنِ الحُكْم، فَكَانَ إِذا احْتَكَم إِليه خَصْمانِ وزَلَّ فِي الحُكْم قَرَع لَهُ بعضُ ولدِه العَصا يُفَطِّنُه بقَرْعِها للصَّواب فيَفْطُنُ لَهُ. وأَما مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ
أَبي جَهْمٍ: فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِه
، فَقِيلَ: أَراد أَنه يُؤَدِّبُ أَهْلَه بالضَّرْبِ، وَقِيلَ: أَراد بِهِ كَثْرةَ الأَسْفار. يُقَالُ: رَفَع عَصَاهُ إِذا سَارَ، وأَلْقى عَصَاهُ إِذا نزَل وأَقام. وَفِي الْحَدِيثِ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ لرجُلٍ: لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ
أَي لَا تَدَعْ تَأْديبَهُم وجَمْعَهُم عَلَى طاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ رُوِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَغَيْرِهِ أَنه لَمْ يُرِد العَصا الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا وَلَا أَمَر أَحَداً قطُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدِ الضَّرْبَ بالعَصا، وَلَكِنَّهُ أَراد الأَدَبَ وجَعَلَه مَثَلًا يَعْنِي لَا تَغْفُلْ عَنْ أَدَبهم ومَنْعِهم مِنَ الفَساد. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وأَصْلُ العَصا الاجْتِماعُ والائْتِلافُ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِن الخَوارجَ قَدْ شَقُّوا عَصَا المُسْلِمين وفَرَّقوا جَماعَتهم
أَي شَقُّوا اجْتماعَهُم وأْتِلافَهُم؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
صِلَة: إِيَّاك وقَتِيلَ العَصا
؛ مَعْنَاهُ إِيَّاك أَن تكونَ قاتِلًا أَو مَقْتُولًا فِي شَقِّ عَصا المُسْلِمِين. وانْشَقَّت العَصا أَي وقَع الخِلافُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذا كانتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّت العَصَا، ... فحَسْبُك والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
أَي يَكْفِيكَ وَيَكْفِي الضَّحَّاكَ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالضِّحَاكِ بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى الْمَفْعُولِ، كَمَا تَقُولُ بِعْتُ الشاءَ شَاةً ودِرْهَماً، لأَن الْمَعْنَى أَن الضَّحَّاكَ نَفْسَه هُوَ السَّيْفُ المُهَنَّدُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى يَكْفِيكَ ويَكْفِي الضَّحَّاك سَيْفٌ مُهَنَّدٌ كَمَا ذَكَرَ. وَيُقَالُ للرجُلِ إِذا أَقام بالمَكان واطْمَأَنَّ واجْتَمع إِليه أَمْرُه: قَدْ أَلْقى عَصَاه وأَلْقى بَوانِيَهُ. أَبو الْهَيْثَمِ: العَصَا تُضْرَب مَثَلًا لِلِاجْتِمَاعِ، ويُضْرب انْشِقاقُها مَثَلًا للافْتِراقِ الَّذِي لَا يكونُ بَعْدَهُ اجتماعٌ، وَذَلِكَ لأَنها لَا تُدْعى عَصاً إِذا انْشَقَّت؛ وأَنشد:
فَلِلَّهِ شَعْبَا طِيَّةٍ صَدَعا العَصَا، ... هِيَ اليَوْمَ شَتَّى، وَهْيَ أَمْسِ جَميع
قَوْلُهُ: فَلِلَّه لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحدهما أَنها لامُ تَعجُّب، تَعجَّبَ مِمَّا كَانَا فِيهِ مِنَ الأُنس واجتماعِ الشَّمْل، وَالثَّانِي أَن ذَلِكَ مُصِيبَةٌ موجِعة فقال: لله ذَلِكَ يَفْعَلُ مَا يشاءُ وَلَا حِيلة فِيهِ للْعِباد إِلا التَّسْلِيم كالاسْتِرْجاع. والعِصِيُّ: العظامُ الَّتِي فِي الجَناح؛ وَقَالَ:
وَفِي حُقّها الأَدْنى عِصِيُّ القَوادم
وعَصَا السَّاق: عَظْمها، عَلَى التَّشْبِيهِ بالعَصا؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ورِجْلٍ كظِلِّ الذِّئْبِ أَلْحَقَ سَدْوَها ... وظِيفٌ، أَمَرَّتْهُ عَصَا السَّاقِ، أَرْوَحُ
وَيُقَالُ: قَرَع فلانٌ فُلَانًا بعَصَا المَلامَةِ إِذا بالغَ فِي عَذْلِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ للتَّوْبِيخ تَقْريعٌ. وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: يُقَالُ فلانٌ يُصَلِّي عَصَا فلانٍ أَي يُدَبِّرُ أَمْره ويَلِيه؛ وأَنشد:
وَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ
قَالَ الأَزهري: والأَصل فِي تَصْلِيَة العَصا أَنها إِذا
(15/66)

اعْوَجَّتْ أَلْزَمَها مُقَوِّمُها حَرَّ النَّارِ حَتَّى تَلِين وتُجِيب التَّثْقِيفَ. يُقَالُ: صَلَّيْتُ العَصَا النارَ إِذا أَلْزَمْتَها حَرَّها حَتَّى تَلِينَ لِغامِزها. وتفاريقُ العَصا عِنْدَ الْعَرَبِ: أَن العَصا إِذا انْكَسَرَت جُعِلَت أَشِظَّةً، ثُمَّ تُجْعَلُ الأَشِظَّةُ أَوْتاداً، ثُمَّ تُجْعَلُ الأَوْتادُ تَوادِيَ للصِّرار، يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ مِنْ تَفاريق العَصا. وَيُقَالُ: فلانٌ يَعْصِي الريحَ إِذا اسْتَقْبل مَهَبَّها وَلَمْ يَتَعرَّضْ لَهَا. وَيُقَالُ: عَصا إِذا صَلُبَ؛ قَالَ الأَزهري: كأَنه أرادَ عَسَا، بِالسِّينِ، فقَلَبها صَادًا. وعَصَوْتُ الجُرْحَ: شَدَدْتُه. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: العُنْصُوَة الخُصْلة مِنَ الشَّعَر. قال: وعَصَوَا البئر عَرْقُوتاهُ؛ وأَنشد لِذِي الرُّمَّةِ:
فجاءَتْ بنَسْجِ العَنْكبُوتِ كأَنَّه، ... عَلَى عَصَوَيْها، سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ
وَالَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثُ:
أَنَّ رَجُلًا قَالَ مَنْ يُطِعِ اللهَ ورسُوله فقَدْ رَشَدَ ومنْ يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِئْسَ الخَطِيبُ أَنتَ قُلْ: ومَنْ يَعْصِ اللهَ ورسُوله فَقَدْ غَوى
؛ إِنما ذمَّه لأَنه جمَع فِي الضَّمِير بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ورسُوله فِي قَوْلِهِ ومَنْ يَعْصِهِما، فأَمَرَهُ أَن يَأْتي بالمُظْهَرِ ليَتَرَتَّب اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الذِّكْر قَبْلَ اسْم الرَّسُول، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَن الْوَاوَ تُفِيد التَّرْتِيب. والعِصيانُ: خِلافُ الطَّاعَة. عَصى العبدُ رَبَّهُ إِذا خالَف أَمْرَه، وَعَصَى فُلَانٌ أَميرَه يَعْصِيه عَصْياً وعِصْياناً ومَعْصِيَةً إِذا لَمْ يُطِعْهُ، فَهُوَ عاصٍ وعَصِيٌّ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يجيءُ هَذَا الضَّرْبُ عَلَى مَفْعِلٍ إِلَّا وَفِيهِ الْهَاءُ لأَنه إِنْ جاءَ عَلَى مَفْعِلٍ، بِغَيْرِ هاءٍ، اعْتلَّ فعدَلوا إِلى الأَخَفِّ. وعاصَاهُ أَيضاً: مثلُ عَصَاه. وَيُقَالُ للجَماعةِ إِذا خَرَجَتْ عَنْ طاعةِ السلْطان: قَدِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَوْلَا أَنْ نَعْصِيَ اللهَ مَا عَصانا
أَي لَمْ يَمْتَنعْ عَنْ إِجابَتِنا إِذا دَعَوْناه، فجعَل الجوابَ بمنْزِلة الخِطاب فسمَّاهُ عِصْياناً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه غيَّرَ اسْم العاصِي
؛ إِنَّمَا غَيَّره لأَنَّ شعارَ المُؤْمِن الطَّاعة، والعِصْيانُ ضِدُّها. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَمْ يَكُنْ أَسْلَم مِنْ عُصاة قُريش غَيْرُ مُطِيع بْنِ الأَسْوَدِ
؛ يُرِيدُ مَنْ كانَ اسْمُه العاصِي. واسْتَعْصى عَلَيْهِ الشيءُ: اشْتَدَّ كأَنه مِنِ العِصْيانِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
عَلِقَ الفُؤادُ برَيِّقِ الجَهْلِ ... فأَبَرَّ واسْتَعْصَى عَلَى الأَهْلِ
والعَاصِي: الفَصِيلُ إِذا لَمْ يَتْبَع أُمَّه لأَنه كأَنه يَعْصِيها وَقَدْ عَصى أُمَّه. وَالْعَاصِي: العِرْقُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وعِرْقٌ عاصٍ: لَا يَنْقَطعُ دَمُه، كَمَا قَالُوا عانِدٌ ونَعَّارٌ، كأَنه يَعصي فِي الانْقِطاع الَّذِي يُبْغى مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرمَّة:
وهُنَّ مِنْ واطئٍ تُثْنى حَوِيَّتُه ... وناشِجٍ، وعَواصِي الجَوْفِ تَنْشَخِبُ
يَعْنِي عُروقاً تَقَطَّعَتْ فِي الجَوف فَلَمْ يَرْقَأْ دَمُها؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ:
صَرَتْ نَظْرةً، لوْ صادَفَتْ جَوْزَ دارِعٍ ... غَدا، والعَواصِي مِنْ دَمِ الجَوْف تَنْعَرُ
وعَصى الطائِرُ يَعْصِي: طَارَ؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
تُعِيرُ الرِّيحَ مَنْكِبَها، وتَعْصِي ... بأَحْوذَ غَيْرِ مُخْتَلِف النَّباتِ
وابنُ أَبي عاصِيَة: مِنْ شُعرائهم؛ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ، وأَنشد لَهُ شِعْراً فِي مَعْن بْنِ زَائِدَةَ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا حَمَلْناه عَلَى الْيَاءِ لأَنهم قَدْ سمّوْا بضِدِّه، وَهُوَ قولُهُم فِي الرَّجُلِ مُطِيع، وَهُوَ مُطِيع بْنُ إِيَاسٍ
(15/67)

قَالَ: وَلَا عَليْك مِنِ اخْتِلافِهما بالذَّكَريَّة والإِناثيَّة، لأَن العَلَم فِي المذكَّر وَالْمُؤَنَّثِ سواءٌ فِي كَوْنِهِ عَلَماً. واعْتَصَت النَّواةُ أَي اشْتَدَّتْ. والعَصا: اسمُ فَرس عَوْفِ بْنِ الأَحْوصِ، وَقِيلَ: فَرس قَصِير بْنِ سعدٍ اللخْمِي؛ وَمِنْ كَلَامِ قَصِير: يَا ضُلَّ مَا تَجْري بِهِ العَصَا. وَفِي الْمَثَلِ: رَكب العَصَا قصِير؛ قَالَ الأَزهري: كَانَتِ العَصا لجَذيمة الأَبْرش، وَهُوَ فَرسٌ كَانَتْ مِنْ سَوابق خيْل الْعَرَبِ. وعُصَيَّةُ: قبيلةٌ من سُلَيم.
عضا: العُضْوُ والعِضْوُ: الواحدُ مِنْ أَعضَاءِ الشاةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: هُوَ كلُّ عَظْمٍ وافِرٍ بلَحْمه، وجمْعُهما أَعضاءٌ. وعَضَّى الذَّبيحة: قطَّعها أَعْضاءً. وعَضَّيْتُ الشاةَ والجَزُور تَعْضِيةً إِذا جعَلْتها أَعضاءً وقَسَمْتَها. وَفِي حَدِيثِ
جَابِرٍ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ: مَا لوْ أَنَّ رجُلًا نَحَرَ جَزُوراً وعَضَّاها قَبْلَ غُروبِ الشمسِ
أَي قَطَّعَها وفَصَّلَ أَعضاءَها. وعَضَّى الشيءَ: وزَّعَه وَفَرَّقَهُ؛ قَالَ:
وَلَيْسَ دينُ اللهِ بالمُعَضَّى
ابْنُ الأَعرابي: وعَضا مَالًا يَعْضُوه إِذا فرَّقَه وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَعْضِيةَ فِي مِيراثٍ إِلَّا فِيمَا حَمَلَ القَسْمَ
؛ مَعْنَاهُ أَنْ يموتَ المَيِّت ويَدَعَ شَيْئًا إِن قُسِمَ بينَ ورَثَته كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى بَعْضِهِمْ أَو عَلَى جَميعِهم، يَقُولُ فَلَا يُقْسَم. وعَضَّيت الشيءَ تَعْضِية إِذا فَرَّقْته. والتَّعْضِية: التَّفْرِيقُ، وَهُوَ مأْخُوذٌ مِنَ الأَعْضاءِ. قَالَ: والشيءُ اليَسِير الَّذِي لَا يَحْتَمِل القَسْمَ مثلُ الحَبَّة مِنَ الجَوهر، لأَنها إِن فُرِّقَتْ لَمْ يُنْتَفع بِهَا، وَكَذَلِكَ الطَّيْلَسان مِنَ الثِّيَابِ والحَمَّام وَمَا أَشْبهَه، وإِذا أَراد بعضُ الوَرَثَة القَسْمَ لَمْ يُجَبْ إِليه وَلَكِنْ يُباعُ ثُمَّ يُقسم ثمنُه بينَهم. والعِضَة: القِطْعَة والفِرْقة. وَفِي التَّنْزِيلِ: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
؛ واحدَتها عَضَةٌ وَنُقْصَانُهَا الْوَاوُ أَو الْهَاءُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْهَاءِ. والعِضَةُ: مِنَ الأَسماء الناقِصة، وأَصلُها عِضْوَة، فنُقِصَت الواوُ، كَمَا قَالُوا عِزَة وأَصْلُها عِزْوَةُ، وثُبَة وأَصلُها ثُبْوَة مِنْ ثَبَّيت الشَّيْءَ إِذا جمَعْته؛ وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
: أَي جَزَّؤُوه أَجْزاءً
، وَقَالَ اللَّيْثُ: أَي جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضَةً عِضَةً فتفَرَّقوا فِيهِ أَي آمَنوا ببَعْضِه وكفَروا ببَعضه، وكلُّ قِطعة عِضَةٌ؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
فرَّقوا فِيهِ القَوْل فَقَالُوا شِعْر وسِحْر وكَهانة، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: أَساطِيرُ الأَوَّلِين، وَقَالُوا سِحْرٌ، وَقَالُوا شِعْرٌ، وَقَالُوا كَهانة فقسّمُوه هَذِهِ الأَقْسام وعَضَّوْه أَعْضاءً، وَقِيلَ: إِنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنُوا ببعضٍ وكفَرُوا ببعضٍ كَمَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ أَي فرَّقوه كَمَا تُعَضَّى الشاةُ؛ قَالَ الأَزهري: مَنْ جَعَل تَفْسِيرَ عِضِين السِّحْرَ جَعَلَ وَاحِدَتَهَا عِضَةً، قَالَ: وَهِيَ فِي الأَصل عِضَهَة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ؛ المُقْتسمون اليَهودُ والنصارَى، والعِضَةُ الكَذِبُ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ. وَرَجُلٌ عَاضٍ بيِّن العُضُوِّ: طَعِمٌ كاسٍ مَكْفِيٌّ. قَالَ الأَصمعي: فِي الدَّارِ فِرَقٌ مِنَ النَّاسِ وعِزُون وعِضُونَ وأَصْناف بِمَعْنًى واحدٍ.
عَطَا: العَطْوُ: التَّناوُلُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَطَوْت أَعْطُو. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ: أَرْبَى الرِّبا عَطْوُ الرجُلِ عِرْضَ أَخِيه بغَير حَقٍ
أَي تَناوُلُه بالذَّمِّ وَنَحْوِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا: لَا تَعْطُوهُ الأَيْدِي
أَي لَا تَبْلُغُه فتَتناوَلَه. وعَطا الشيءَ وعَطا إِليه عَطْواً: تَناوَله؛ قَالَ الشَّاعِرُ
(15/68)

يَصِفُ ظَبْيَةً:
وتَعْطُو البَرِيرَ، إِذا فاتَها، ... بِجِيدٍ تَرَى الخَدَّ مِنْهُ أَسِيلَا
وظَبيٌ عَطُوٌّ: يَتطاوَلُ إِلى الشَّجَر ليَتناولَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الجَدْي، وَرَوَاهُ كُراع ظَبْيٌ عَطْوٌ وجَدْي عَطْوٌ، كأَنه وصفَهُما بالصدر. وعَطا بيدِه إِلى الإِناء: تَناوَله وَهُوَ محمولٌ قَبل أَن يُوضَع عَلَى الأَرض؛ وَقَوْلُ بِشْرُ بْنُ أَبي خَازِمٍ:
أَو الأُدْم المُوَشَّحةَ العَوَاطِي ... بأَيْدِيهِنَّ مِنْ سَلَمِ النِّعافِ
يَعْنِي الظِّباء وَهِيَ تَتطاوَلُ إِذا رَفَعت أَيْدِيها لتَتَناوَل الشَّجَر، والإِعْطاءُ مأْخوذٌ مِنْ هَذَا. قَالَ الأَزهري: وسَمِعتُ غَيْرِ واحدٍ مِنَ العَرَب يَقُولُ لراحِلَته إِذا انْفَسَحَ خَطْمُه عَنْ مِخْطَمِه أَعْطِ فيَعُوجُ رأْسه إِلى رَاكِبِهِ فيُعِيدُ الخَطْمَ عَلَى مَخْطِمِه. وَيُقَالُ: أَعْطَى البعِيرُ إِذا انْقادَ وَلِمَ يَسْتَصْعِبْ. والعَطاء: نَوْلٌ للرجُلِ السَّمْحِ. والعَطاءُ والعَطِيَّة: اسمٌ لِمَا يُعْطَى، وَالْجَمْعُ عَطايا وأَعْطِيَة، وأَعْطِيَاتٌ جمعُ الجَمع؛ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُكَسَّر عَلَى فُعُل كَرَاهِيَةَ الإِعْلالِ، وَمَنْ قَالَ أُزْرٌ لَمْ يَقُلْ عُطْيٌ لأَن الأَصل عندَهم الْحَرَكَةُ. وَيُقَالُ: إِنَّه لَجَزيلُ العَطاء، وَهُوَ اسمٌ جامِعٌ، فَإِذَا أُفرِد قيلَ العَطِيَّة، وجمعُها العَطَايا، وأَمَّا الأَعْطِيَة فَهُوَ جَمْع العَطاء. يُقَالُ: ثلاثةُ أَعْطِيَةٍ، ثُمَّ أَعْطِياتٌ جمعُ الجمعِ. وأَعطاه مَالًا، والاسمُ العَطاء، وأَصله عَطاوٌ، بِالْوَاوِ، لأَنه مِنَ عَطَوْت، إِلا أَنَّ الْعَرَبَ تَهْمِزُ الواوَ وَالْيَاءَ إِذا جَاءَتَا بَعْدَ الأَلف لأَنَّ الْهَمْزَةَ أَحْمَل لِلْحَرَكَةِ مِنْهُمَا، ولأَنهم يَسْتَثْقِلُونَ الْوَقْفَ عَلَى الْوَاوِ، وَكَذَلِكَ الياءُ مِثْلُ الرداءِ وأَصله رِدايٌ، فإِذا أَلْحقوا فِيهَا الْهَاءَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزُهَا بِنَاءً عَلَى الْوَاحِدِ فَيَقُولُ عَطاءَةٌ ورِداءَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّها إِلى الأَصل فَيَقُولُ عَطَاوَة وَرِدَايَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي التَّثْنِيَةِ عطاءَان وَعَطَاوَانِ ورداءَان وَرِدَايَانِ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: إِلا أَن الْعَرَبَ تَهْمِزُ الواوَ وَالْيَاءَ إِذَا جاءَتا بَعْدَ الأَلف لأَنّ الْهَمْزَةَ أَحْمل لِلْحَرَكَةِ مِنْهُمَا، قَالَ: هَذَا لَيْسَ سبَب قَلْبِها، وإِنما ذَلِكَ لكَوْنها متَطَرِّفة بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ فِي تَثْنِيَةِ رِدَاءٍ رِدَايَانِ، قَالَ: هَذَا وهَمٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ رِداوانِ بِالْوَاوِ، فَلَيْسَتِ الهمزةُ تُرَدُّ إِلى أصْلِها كَمَا ذَكَر، وإِنما تُبْدل مِنْهَا واوٌ فِي التَّثْنِيَةِ والنسَب والجمعِ بالأَلف والتاءِ. ورجلٌ مِعْطاءٌ: كثيرُ العَطاءِ، والجمعُ مَعاطٍ، وأَصلُه معاطِييُ، اسْتَثْقلُوا الياءَيْن وإِن لَمْ يَكُونَا بَعْدَ أَلِفٍ يَلِيانِها، وَلَا يمتَنع مَعاطِيّ كأَثافيّ؛ هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وقومٌ مَعاطِيُّ ومَعاطٍ؛ قَالَ الأَخفش: هَذَا مثلُ قولِهِم مَفاتِيح ومَفاتِح وأَمانيّ وأَمانٍ. وَقَوْلُهُمْ: مَا أَعْطاهُ لِلْمَالِ كَمَا قَالُوا مَا أَولاه للمَعْروف وَمَا أَكْرَمَه لِي وَهَذَا شَاذٌّ لَا يَطرّد لأَن التَّعَجُّبَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَفْعَلَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مَا سُمِع مِنَ الْعَرَبِ وَلَا يقاسُ عَلَيْهِ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ورجلٌ مِعْطَاءٌ كَثِيرُ العَطاء، وَامْرَأَةٌ مِعْطاءٌ كَذَلِكَ، ومِفْعالٌ يَسْتَوِي فِيهِ المذكَّر والمؤنَّث. والإِعْطاء والمُعاطاةُ جَمِيعًا: المُناوَلة، وَقَدْ أَعْطاهُ الشيءَ. وعَطَوْتُ الشيءَ: تَناوَلْته باليَدِ. والمُعَاطاة: المُناوَلة. وَفِي المَثل: عاطٍ بغَيرِ أَنْواط أَي يَتَناوَلُ مَا لَا مَطْمَع فِيهِ وَلَا مُتَناوَل، وَقِيلَ: يُضْرَب مَثَلًا لِمَنْ يَنْتَحِلُ عِلْماً لَا يقومُ بِهِ؛ وَقَوْلُ القُطامي:
أَكُفْراً بعدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي، ... وبعدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعَا؟
(15/69)

لَيْسَ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ، أَلا تَرَى أَنَّ فِي عَطاءٍ أَلِفَ فَعالٍ الزائِدَةَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ لقالَ وبَعْدَ عَطْوِكَ ليَكون كوحْده؟ وعَاطَاهُ إِياهُ مُعَاطَاةً وعِطَاءً، قَالَ:
مِثْلَ المَنادِيلِ تُعاطَى الأَشْرُبا
أَراد تُعاطاها الأَشْرُبُ فَقَلَبَ. وتَعَاطَى الشيءَ: تَنَاوَله. وتَعاطَوُا الشَّيْءَ: تَناوَله بعضُهم مِنْ بعضٍ وتنازَعُوه، وَلَا يُقَالُ أَعْطَى بِهِ، فأَمَّا قولُ جَرِيرٍ:
أَلا رُبَّما لمْ نُعْطِ زِيقاً بِحكْمِه، ... وأَدَّى إِلينا الحَقَّ، والغُلُّ لازِبُ
فإِنما أَراد لَمْ نُعطِه حُكْمَه، فَزَادَ الباءَ. وَفُلَانٌ يَتَعَاطَى كَذَا أَي يَخُوضُ فِيهِ. وتَعَاطينا فَعَطَوْتُه أَي غَلَبْتُه. الأَزهري: الإِعْطَاءُ المُناوَلَةُ. والمُعَاطاةُ: أَن يَسْتَقْبِلَ رَجُلٌ رجُلًا ومَعَه سَيْف فيقولَ أَرِني سَيْفَكَ، فيُعْطِيَه فيَهُزُّه هَذَا ساعَةً وَهَذَا ساعَةً وَهُمَا فِي سُوقٍ أَو مَسْجِدٍ، وَقَدْ نُهيَ عَنْهُ. واسْتَعْطَى وتَعَطَّى: سأَل العَطاءَ. واسْتَعْطَى الناسَ بكَفِّه وَفِي كَفِّه اسْتِعْطَاءً: طَلَبَ إِليهم وسأَلَهم. وإِذا أَردْتَ مِنْ زَيدٍ أَن يُعْطِيَكَ شَيْئًا تقولُ: هَلْ أَنتَ مُعْطِيَّه؟ بياءٍ مَفْتُوحَةٍ مشدَّدة، وَكَذَلِكَ تَقُولُ لِلْجَمَاعَةِ: هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّهُ؟ لأَن النُّونَ سَقَطَتْ للإِضافة، وَقَلَبْتَ الْوَاوَ يَاءً وأَدْغَمْتَ وفتَحْتَ ياءَك لأَنَّ قبلَها سَاكِنًا، وَلِلِاثْنَيْنِ هَلْ أَنتما مُعْطِيايَهُ، بِفَتْحِ الْيَاءِ، فقِس عَلَى ذَلِكَ. وإِذا صَغَّرْت عَطاءً حذفْت اللامَ فقلْتَ عُطَيٌّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْمٍ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثُ ياءَاتٍ، مِثْلُ عُلَيّ وعُدَيّ، حُذِفَت مِنْهُ اللَّامُ إِذا لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى فِعْل، فإِن كَانَ مَبْنيّاً عَلَى فِعْلٍ ثبتَت نَحْوَ مُحَيّي مِنْ حيَّا يُحَيِّي تَحِيَّة، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِن المُحَيِّيَ فِي آخرِه ثَلَاثُ ياءَات وَلَمْ تُحْذَفْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا حَمْلًا عَلَى فِعْلِهِ يُحَيِّي، إِلا أَنك إِذا نكَّرتها حذفْتها لِلتَّنْوِينِ كَمَا تحذفُها مِنْ قاضٍ. والتَّعاطِي: تَناوُل مَا لَا يَحِقُّ وَلَا يجوزُ تَناوُلُه، يُقَالُ: تَعَاطَى فلانٌ ظُلْمَك. وتَعاطَى أَمراً قَبِيحًا وتَعَطَّاه، كلاهُما: رَكِبَه. قَالَ أَبو زَيْدٍ: فُلَانٌ يَتَعاطَى مَعاليَ الأُمُورِ ورَفِيعَها. قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَعَاطَيْنا وتَعَطَّيْنا فتَعاطَيْنا، مِنِ اثْنَين وتَعَطّينا بِمَنْزِلَةِ غَلَّقَت الأَبوابَ، وفَرَقَ بعضُهم بينَهُما فَقَالَ: هُوَ يَتَعاطَى الرِّفْعة ويَتَعَطَّى القَبيح، وَقِيلَ: هُمَا لُغتان فِيهِمَا جَمِيعًا. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَتَعاطى فَعَقَرَ
، أَي فتَعاطَى الشَّقِيُّ عَقْرَ الناقةِ فبلَغ مَا أَراد، وَقِيلَ: بَلْ تَعاطِيه جُرْأَتُه، وَقِيلَ: قامَ عَلَى أَطراف أَصابِعِ رِجْلَيْه ثُمَّ رَفَع يَدَيْه فضَربها. وَفِي
صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإِذا تُعُوطِيَ الحَقُّ لَمْ يَعْرِفْه أَحَدٌ
أَي أَنه كَانَ مِنْ أَحسن النَّاسِ خُلُقاً مَعَ أَصْحابه، مَا لَمْ يَرَ حَقّاً يُتَعَرَّض لَهُ بإِهْمالٍ أَو إِبْطالٍ أَو إِفسادٍ، فإِذا رأَى ذَلِكَ شمَّر وتَغيَّر حَتَّى أَنكَره مَنْ عَرَفه، كُلُّ ذَلِكَ لنُصْرة الْحَقِّ. والتَّعَاطِي: التناوُل والجَراءَة عَلَى الشَّيْءِ، مِنْ عَطَا الشيءَ يَعْطُوه إِذا أَخَذَه وتَناوَله. وعَاطَى الصبيُّ أَهلَه: عَمِلَ لَهُمْ وناوَلهم مَا أَرادوا. وَهُوَ يُعَاطِينِي ويُعَطِّيني، بِالتَّشْدِيدِ، أَي يَنْصُفُني ويَخْدُمُني. وَيُقَالُ: عَطَّيْته وعاطَيته أَي خَدَمْته وقُمْت بأَمره كَقَوْلِكَ نَعَّمْته وناعَمْته، تَقُولُ: مَنْ يُعَطِّيك أَي مَن يَتَوَلَّى خِدمَتك؟ وَيُقَالُ للمرأَة: هِيَ تُعَاطِي خِلْمَها أَي تُناوِلُه قُبَلَها ورِيقَها، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(15/70)

تُعاطِيه أَحياناً، إِذا جِيدَ جَوْدةً، ... رُضاباً كطَعْمِ الزَّنْجَبيل المُعَسَّلِ
وفلانٌ يَعْطُو فِي الحَمْضِ: يَضْرِبُ يَدَه فِيمَا لَيْسَ لَهُ. وقَوسٌ مُعْطِية: لَيّنة لَيْسَتْ بكَزَّةٍ وَلَا مُمْتَنِعَة عَلَى مَنْ يَمُدُّ وتَرَها، قَالَ أَبو النَّجْمِ:
وهَتَفَى مُعْطِيَةً طَرُوحَا
أَرادَ بالهَتَفَى قوْساً لِوَترِها رَنِينٌ. وقَوْسٌ عَطْوَى، عَلَى فَعْلَى: مواتيةٌ سَهْلةٌ بِمَعْنَى المُعطِية، وَيُقَالُ: هِيَ الَّتِي عُطِفَت فَلَمْ تَنْكَسِرْ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ صَائِدًا:
لَهُ نَبْعَةٌ عَطْوَى، كأَنَّ رَنِينَها ... بأَلْوَى تَعاطَتْها الأَكُفُّ المَواسِحُ
أَراد بالأَلوى الوَتَر. وَقَدْ سَمَّوا عَطَاءً وعَطِيَّة، وَقَوْلُ الْبَعِيثِ يَهْجُو جَرِيرًا:
أَبوكَ عَطاءٌ أَلأَمُ الناسِ كُلِّهِم! ... فقُبّح مِنْ فَحْلٍ، وقُبِّحْتَ مِنْ نَجْلِ!
إِنما عَنى عَطِيَّة أَباهُ، وَاحْتَاجَ فوَضَع عَطاءً موضعَ عَطِيَّة، وَالنِّسْبَةُ إِلى عَطِيَّة عَطَوِيٌّ، وإِلى عَطاءٍ عَطائيٌّ.
عظي: قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَظاية عَلَى خِلْقة سامِّ أَبْرص أُعَيْظِمُ مِنْهَا شَيْئًا، والعَظاءَة لُغَةٌ فِيهَا كَمَا يُقَالُ امرأَةٌ سَقَّاية وسقَّاءَة، وَالْجَمْعُ عَظايا وعَظاءٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: كَفِعْلِ الهِرِّ يَفْتَرِسُ العَظايا
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هِيَ جَمْعُ عَظاية دُوَيْبَّة مَعْرُوفَةٌ. قَالَ: وَقِيلَ أَراد بِهَا سامَّ أَبْرَصَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنما هُمِزَت عَظاءَة وإِن لَمْ يَكُنْ حرفُ العِلة فِيهَا طَرَفاً لأَنهم جاؤوا بِالْوَاحِدِ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْجَمْعِ عِظاء. قَالَ ابْنُ جِنِّي: وأَما قَوْلُهُمْ عَظاءَة وعَباءَةٌ وصَلاءَةٌ فَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي، لمَّا لَحِقَت الهاءُ آخِرًا وجَرى الإِعرابُ عَلَيْهَا وقَويت الياءُ ببعدِها عَنِ الطرَف، أَن لَا تُهْمَز، وأَن لَا يُقَالَ إِلا عَظايةٌ وعَباية وصَلاية فيُقْتَصَر عَلَى التَّصْحِيحِ دُونَ الإِعلال، وأَن لَا يَجُوزَ فِيهِ الأَمران، كَمَا اقتُصر فِي نِهَايَةٍ وغَباوةٍ وَشَقَاوَةٍ وسِعاية وَرِمَايَةٍ عَلَى التَّصْحِيحِ دُونَ الإِعلالِ، إِلا أَنَّ الْخَلِيلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنهم إِنما بَنَوُا الواحدَ عَلَى الْجَمْعِ، فَلَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ عَظاءٌ وعَباءٌ وصَلاءٌ، فيلزَمُهم إِعلالُ الياءِ لوقوعِها طرَفاً، أَدخلوا الْهَاءَ وَقَدِ انقَلَبت اللامُ همزَةً فبَقيت اللامُ معتلَّة بَعْدَ الْهَاءِ كَمَا كَانَتْ معتَلَّة قبلَها، قَالَ: فإِن قِيلَ أَوَلست تَعْلَم أَن الْوَاحِدَ أَقدَم فِي الرُّتْبة مِنَ الْجَمْعِ، وأَن الجمعَ فَرعٌ عَلَى الْوَاحِدِ، فَكَيْفَ جَازَ للأَصل، وَهُوَ عَظاءَةٌ، أَن يُبْنَى عَلَى الْفَرْعِ، وَهُوَ عَظاء؛ وَهَلْ هَذَا إِلا كَمَا عَابَهُ أَصحابُك عَلَى الْفَرَّاءِ فِي قَوْلِهِ: إِن الفعلَ الْمَاضِيَ إِنما بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لأَنه حُمِل عَلَى التَّثْنِيَةِ فَقِيلَ ضرَب لِقَوْلِهِمْ ضَرَبا، فَمِنْ أَين جازَ لِلْخَلِيلِ أَن يَحْمِل الواحدَ عَلَى الْجَمْعِ، وَلَمْ يجُزْ لِلْفَرَّاءِ أَن يحمِل الواحِدَ عَلَى التَّثْنِيَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَن الِانْفِصَالَ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحدهما أَنَّ بَيْنَ الواحدِ والجمعِ مِنَ الْمُضَارَعَةِ مَا لَيْسَ بَيْنَ الواحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ، أَلا تَراك تَقُولُ قَصْرٌ وقُصُور وقَصْراً وقُصُوراً وقَصْرٍ وقُصُورٍ، فتُعرب الْجَمْعَ إِعْرَابَ الْوَاحِدِ وَتَجِدُ حرفَ إِعراب الْجَمْعِ حَرْفَ إِعراب الْوَاحِدِ، ولستَ تَجِدُ فِي التَّثْنِيَةِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، إِنما هُوَ قَصْران أَو قَصْرَيْن، فَهَذَا مَذْهَبٌ غَيْرُ مَذْهَبِ قَصْرٍ وقُصُورٍ، أَوَلا تَرَى إِلى الْوَاحِدِ تَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ كَاخْتِلَافِ مَعَانِي الْجَمْعِ، لأَنه قَدْ يكونُ جمعٌ أَكثرَ مِنْ جَمْعٍ، كَمَا يَكُونُ الواحدُ مُخَالِفًا لِلْوَاحِدِ فِي أَشياءَ كَثِيرَةٍ، وأَنت لَا تجدُ هَذَا إِذا
(15/71)

ثَنَّيْت إِنما تَنْتَظِم التَّثْنِيَةُ مَا فِي الْوَاحِدِ أَلْبَتَّةَ، وَهِيَ لِضَرْبٍ مِنَ الْعَدَدِ أَلْبَتَّةَ لَا يكونُ اثْنَانِ أَكثرَ مِنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَكُونُ جَمَاعَةٌ أَكثرَ مِنْ جَمَاعَةٍ، هَذَا هُوَ الأَمر الْغَالِبُ، وإِن كَانَتِ التَّثْنِيَةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَكثر مِنِ الِاثْنَيْنِ فإِن ذَلِكَ قَلِيلٌ لَا يَبْلُغُ اخْتِلَافَ أَحوال الْجَمْعِ فِي الْكَثْرَةِ والقلَّة، فَلَمَّا كَانَتْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ هَذِهِ النِّسْبَةُ وَهَذِهِ الْمُقَارَبَةُ جَازَ لِلْخَلِيلِ أَن يَحْمِلَ الواحدَ عَلَى الْجَمْعِ، وَلَمَّا بَعُدَ الْوَاحِدُ مِنَ التَّثْنِيَةِ فِي مَعَانِيهِ ومواقِعِه لَمْ يجُزْ لِلْفَرَّاءِ أَن يحمِل الواحدَ عَلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا حَمَلَ الْخَلِيلُ الواحدَ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَقَالَتْ أَعرابيَّة لِمَوْلَاهَا، وَقَدْ ضَرَبَها: رَماكَ اللهُ بداءٍ لَيْسَ لَهُ دَواءٌ إِلا أَبْوالُ العَظاءِ وَذَلِكَ مَا لَا يُوجَدُ. وعظو
عَظاه عظو
يَعْظُوه عظو
عَظْواً: اغْتاله فسَقاه مَا يَقْتُله، وَكَذَلِكَ إِذا تَناوَله بلسانِه. وفَعَل بِهِ مَا عَظَاه أَي مَا ساءَه. قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: العَظا أَن تأْكلَ الإِبلُ العُنْظُوانَ، وَهُوَ شجرٌ، فَلَا تستطيعَ أَن تَجْتَرَّه وَلَا تَبْعَرَه فتَحْبَطَ بطونُها فَيُقَالُ عَظِيَ الجَمَلُ يَعْظَى عَظاً شَدِيدًا، فَهُوَ عَظٍ وعَظْيانُ إِذا أَكثر مِنْ أَكل العُنْظُوانِ فتوَلّد وجَعٌ فِي بطْنه. وعَظاهُ الشيءُ يَعْظِيه عَظْياً: ساءَه. وَمِنْ أَمثالهم: طَلبتُ مَا يُلْهيني فلَقِيتُ مَا يَعْظِيني أَي مَا يَسُوءُني؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
ثُمَّ تُغاديك بِمَا يَعْظِيك
الأَزهري: فِي الْمَثَلِ أَردتَ مَا يُلْهيني فقُلْتَ مَا يَعْظِيني؛ قَالَ: يُقَالُ هَذَا لِلرَّجُلِ يريدُ أَن يَنْصَح صاحبَه فيُخْطِىءُ ويقولُ مَا يسوءُه، قَالَ:، وَمِثْلُهُ أَراد مَا يُحْظِيها فَقَالَ مَا يَعْظِيها. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ عَنِ ابْنِ الأَعرابي قَالَ: مَا تَصْنع بِي؟ قَالَ: مَا عَظَاكَ وشَرَاك وأَوْرَمَك؛ يَعْنِي مَا ساءَك. يُقَالُ: قُلْتُ مَا أَوْرَمَه وعَظَاه أَي قُلْتُ مَا أَسْخَطهُ. وعَظَى فلانٌ فُلَانًا إِذا ساءَه بأَمرٍ يأْتِيه إِليه يَعْظِيه عَظْياً. ابْنُ الأَعرابي: عظو
عَظا فلاناً عظو
يَعْظُوه عظو
عَظْواً إِذا قَطَّعَه بالغِيبَة. وعَظِي: هَلَكَ. والعَظاءَةُ: بئرٌ بَعِيدة القَعْرِ عَذبة بالمَضْجَع بَيْنَ رَمْل السُّرَّة «3» وبِيشَة؛ عَنِ الهَجَري. وَلَقِيَ فلانٌ مَا عَجاهُ وَمَا عَظَاهُ أَي لَقيَ شِدَّة. ولَقّاه اللهُ مَا عَظَاه أَي مَا سَاءَهُ.
عفا: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: العَفُوُّ، وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ العَفْوِ، وَهُوَ التَّجاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وتَرْكُ العِقابِ عَلَيْهِ، وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس، وَهُوَ مِنْ أَبْنِية المُبالَغةِ. يُقَالُ: عَفَا يَعْفُو عَفْواً، فَهُوَ عافٍ وعَفُوٌّ، قَالَ اللَّيْثُ: العَفْوُ عَفْوُ اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ خَلْقِه، وَاللَّهُ تَعَالَى العَفُوُّ الغَفُور. وكلُّ مَنِ اسْتحقَّ عُقُوبةً فَتَرَكْتَها فَقَدْ عَفَوْتَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الأَنباري فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
؛ مَحا اللهُ عنكَ، مأْخوذ مِنْ قَوْلِهِمْ عفَت الرياحُ الآثارَ إِذا دَرَسَتْها ومَحَتْها، وَقَدْ عَفَت الآثارُ تَعْفُو عُفُوّاً، لفظُ اللَّازِمِ والمُتَعدِّي سواءٌ. قَالَ الأَزهري: قرأْت بخَطّ شَمِرٍ لأَبي زَيْدٍ عَفا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْعَبْدِ عَفْواً، وعَفَتِ الريحُ الأَثر عَفَاءً فعَفَا الأَثَرُ عُفُوّاً. وَفِي حَدِيثِ
أَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَلُوا اللهَ العَفْو وَالْعَافِيَةَ والمُعافاة
، فأَما العَفْوُ فَهُوَ مَا وصفْناه مِنْ مَحْو اللَّهِ تَعَالَى ذُنوبَ عَبْدِهِ عَنْهُ، وأَما الْعَافِيَةُ فَهُوَ أَن يُعافيَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سُقْمٍ أَو بَلِيَّةٍ وَهِيَ الصِّحَّةُ ضدُّ المَرَض. يُقَالُ: عافاهُ اللَّهُ وأَعْفَاه أَي وهَب لَهُ الْعَافِيَةَ مِنَ العِلَل والبَلايا. وأَما المُعافاةُ فأَنْ يُعافِيَكَ اللهُ مِنَ النَّاسِ ويُعافِيَهم منكَ أَي يُغْنيك عَنْهُمْ وَيُغْنِيَهِمْ عنك ويصرف أَذاهم
__________
(3). قوله [رمل السرة إلخ] هكذا في الأصل المعتمد والمحكم.
(15/72)

عَنْكَ وأَذاك عَنْهُمْ، وَقِيلَ: هِيَ مُفاعَلَة مِنَ العفوِ، وَهُوَ أَن يَعْفُوَ عَنِ النَّاسِ ويَعْفُوا هُمْ عَنْهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْعَافِيَةُ دِفاعُ الله تعالى عن العبد. يُقَالُ: عَافَاهُ اللهُ عَافِيَةً، وَهُوَ اسْمٌ يُوضَعُ موضِع الْمَصْدَرِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ المُعافاةُ، وَقَدْ جاءَت مصادرُ كثيرةٌ عَلَى فَاعِلَةٍ، تَقُولُ سَمعْت راغِيَة الإِبل وثاغِيَة الشاءِ أَي سمعتُ رُغاءَها وثُغاءَها. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَعْفاهُ اللَّهُ وعافَاهُ مُعَافاةً وعافِيَةً مصدرٌ، كالعاقِبة والخاتِمة، أَصَحَّه وأَبْرأَه. وعَفا عَنْ ذَنْبِه عَفْواً: صَفَح، وعَفا اللَّهُ عَنْهُ وأَعْفَاه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذِهِ آيَةٌ مُشِكْلَةٌ، وَقَدْ فسَّرها ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ مَنْ بعدَه تَفْسِيرًا قَرَّبوه عَلَى قَدْر أَفْهام أَهل عَصْرِهِمْ، فرأَيتُ أَن أَذكُر قولَ ابْنِ عَبَّاسٍ وأُؤَيِّدَه بِمَا يَزيدهُ بَيَانًا ووُضوحاً، رَوَى مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يَقُولُ كَانَ القصاصُ فِي بَنِي إِسرائيلَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَة، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
؛ فالعَفْوُ: أَن تُقْبَلَ الديَةُ فِي العَمْدِ، ذَلِكَ تخفيفٌ مِنْ ربِّكم مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكم، يطلُب هَذَا بإِحسانٍ ويُؤَدِّي هَذَا بإحسانٍ. قَالَ الأَزهري: فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ العَفْوُ أَن تُقْبَل الديَة فِي العَمْد، الأَصلُ فِيهِ أَنَّ العَفْو فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ الفضلُ، يُقَالُ: عَفا فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ إِذا أَفضَلَ لَهُ، وعَفَا لَهُ عَمَّا لَهُ عَلَيْهِ إِذا تَرَكه، وَلَيْسَ العَفْو فِي قَوْلِهِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
عَفْواً مِنْ وليِّ الدَّمِ، وَلَكِنَّهُ عفوٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ أَنَّ سائرَ الأُمَم قبلَ هَذِهِ الأُمَّة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخذُ الدِّية إِذا قُتِلَ قَتِيلٌ، فجعَله اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمة عَفْواً مِنْهُ وفَضْلًا مَعَ اخْتِيَارِ وَليِّ الدمِ ذَلِكَ فِي العمْد، وَهُوَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
؛ أَي مَن عَفا اللهُ جَلَّ اسمُه بِالدِّيَةِ حِينَ أَباحَ لَهُ أَخْذَها، بعد ما كَانَتْ مَحْظُورةً عَلَى سَائِرِ الأُمم مَعَ اخْتِيَارِهِ إِيَّاها عَلَى الدَّمِ، فَعَلَيْهِ اتِّباع بِالْمَعْرُوفِ أَي مطالبَة للدِّية بمعرُوف، وَعَلَى الْقَاتِلِ أَداءُ الديَةِ إِليه بإحْسانٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَلِكَ تخفيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ لَكُمْ يَا أُمَّة محمدٍ، وفَضْل جَعَلَهُ اللَّهُ لأَوْلِياءِ الدَّمِ مِنْكُمْ، ورحمةٌ خصَّكم بِهَا، فَمَنِ اعْتَدَى أَي فَمَنْ سَفَك دَمَ قَاتِلِ وليِّه بعدَ قبولِه الدِّيَة فَلَهُ عَذَابٌ أَليم، وَالْمَعْنَى الْوَاضِحُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
؛ أَيْ مَنْ أُحِلَّ لَه أَخذُ الدِّية بدلَ أَخيه المَقتول عفْواً مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا مَعَ اخْتِيَارِهِ، فلْيطالِبْ بالمَعْروف، ومِن فِي قَوْلِهِ مِنْ أَخِيهِ مَعْنَاهَا الْبَدَلُ، والعَرَبُ تقولُ عرَضْتُ لَهُ مِنْ حَقِّه ثَوْباً أَي أَعْطَيْته بدَل حَقِّهِ ثَوْبًا؛ وَمِنْهُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ؛ يَقُولُ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا بَدَلَكُمْ مَلَائِكَةً فِي الأَرض، وَاللَّهُ أَعلم. قَالَ الأَزهري: وَمَا عَلِمْتُ أَحداً أَوضَح مِنْ مَعْنى هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَوْضَحْتُه. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: كَانَ الناسُ مِنْ سائِر الأُمَمِ يَقْتُلون الواحدَ بالواحدِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَنَا نحنُ العَفْوَ عَمَّن قَتَلَ إِن شِئْناه، فعُفِيَ عَلَى هَذَا مُتَعَدٍّ، أَلا تَرَاهُ مُتَعَدِّياً هُنَا إِلى شَيْءٍ؟ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
؛ مَعْنَاهُ إِلا أَن يَعْفُوَ النِّسَاءُ أَو يعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاحِ، وَهُوَ الزَّوْجُ أَو الوَليُّ إِذا كَانَ أَباً، وَمَعْنَى عَفْوِ المَرْأَة أَن تَعْفُوَ عَنِ النِّصْفِ الواجبِ لَهَا فتَتْرُكَه لِلزَّوْجِ، أَو يَعْفُوَ الزَّوْجُ بالنّصفِ فيُعْطِيَها الكُلَّ؛ قَالَ الأَزهري:
(15/73)

وأَما قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فِي آيَةِ مَا يجبُ للمرأَة مِنْ نِصْفِ الصَّداق إِذا طُلِّقَت قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
، فَإِنَّ العَفْوَ هَاهُنَا معناهُ الإِفْضالُ بإعْطاء مَا لَا يَجبُ عَلَيْهِ، أَو تركُ المرأَة مَا يَجبُ لَهَا؛ يُقَالُ: عَفَوْتُ لِفلان بِمَالِي إِذا أَفْضَلْت لَهُ فأَعْطَيْته، وعَفَوْت لَهُ عمَّا لِي عَلَيْهِ إِذا تركْتَه لَهُ؛ وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ
فِعْلٌ لجَماعَةِ النِّساءِ يطلِّقُهُنَّ أَزْواجُهُنَّ قَبْلَ أَن يَمَسُّوهُنَّ مَعَ تَسْمِيَةِ الأَزْواجِ لهنَّ مُهورَهُنَّ، فيَعْفُون لأَزْواجِهِنَّ بِمَا وَجَب لَهُنَّ مِنْ نِصفِ المهْرِ ويَتْرُكْنَه لَهُم، أَو يَعْفُوَ الَّذِي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، بأَن يُتَمِّمَ لَهَا المَهْر كُلَّهُ، وإِنما وَجَبَ لَهَا نصْفُه، وكلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجين عافٍ أَي مُفْضِلٌ، أَما إِفْضالُ المرأَةِ فأَن تتركَ لِلزَّوْجِ المُطَلِّق مَا وجَبَ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ نِصف المَهْر، وأَما إِفْضاله فأَنْ يُتِمَّ لها المَهْرَ كَمَلًا، لأَنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ نصْفُه فيُفْضِلُ مُتَبَرِّعاً بالكلِّ، والنونُ مِنْ قَوْلِهِ يَعْفُونَ
نونُ فِعلِ جماعةِ النساءِ فِي يَفْعُلْنَ، وَلَوْ كَانَ لِلرِّجَالِ لوجَبَ أَن يُقَالَ إِلَّا أَن يعفُوا، لأَنَّ أَن تَنْصِبُ المستقبلَ وَتَحْذِفَ النونَ، وإِذا لَمْ يَكُنْ مَعَ فعلِ الرِّجَالِ مَا ينْصِب أَو يجزِم قِيلَ هُم يَعْفُونَ، وَكَانَ فِي الأَصل يَعْفُوُون، فحُذِفت إِحْدى الواوينِ اسْتِثْقَالًا لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ يَعْفُونَ، وأَما فِعلُ النِّسَاءِ فقِيلَ لهُنَّ يَعْفُونَ لأَنه عَلَى تَقْدِيرِ يَفْعُلْنَ. وَرَجُلٌ عَفُوٌّ عَنِ الذَّنْبِ: عافٍ. وأَعْفاهُ مِنَ الأَمرِ: بَرَّأَه. واسْتَعْفَاه: طَلَب ذَلِكَ مِنْهُ. والاسْتِعْفَاءُ: أَن تَطْلُب إِلى مَنْ يُكَلِّفُكَ أَمراً أَن يُعْفِيَكَ مِنْه. يُقَالُ: أَعْفِنِي منَ الخرُوجِ مَعَك أَي دَعْني مِنْهُ. واسْتَعْفَاهُ مِنَ الخُروجِ مَعَه أَي سأَله الإِعفاءَ مِنْهُ. وعَفَت الإِبلُ المَرعى: تَناولَتْه قَريباً. وعَفَاه يَعْفُوه: أَتاه، وَقِيلَ: أَتاه يَطْلُب مَعْرُوفَهُ، والعَفْوُ المَعْروف، والعَفْوُ الفضلُ. وعَفَوْتُ الرجلَ إِذَا طَلَبْتَ فضلَه. وَالْعَافِيَةُ والعُفَاةُ والعُفَّى: الأَضْيافُ وطُلَّاب المَعْرُوف، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْفُونك أَيْ يأْتونك يَطْلبُون مَا عِنْدَكَ. وعافِيَةُ الْمَاءِ: وارِدَتُه، وَاحِدُهُمْ عافٍ. وَفُلَانٌ تَعْفُوه الأَضْيافُ وتَعْتَفِيه الأَضْيافُ وَهُوَ كَثِيرُ العُفَاةِ وكثيرُ العَافِيَة وكثيرُ العُفَّى. والعَافِي: الرائدُ والوارِدُ لأَن ذَلِكَ كلَّه طلبٌ؛ قَالَ الجُذامي يَصِفُ مَاءً:
ذَا عَرْمَضٍ تَخْضَرُّ كَفُّ عَافِيَهْ
أَي وارِدِه أَو مُسْتَقِيه. والعَافِيَةُ: طُلَّابُ الرزقِ مِنَ الإِنسِ والدوابِّ والطَّيْر؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
لَعَزَّ عَلَيْنا، ونِعْمَ الفَتى ... مَصِيرُك يَا عَمْرُو، والعَافِيَهْ
يَعْنِي أَنْ قُتِلْتَ فصِرْتَ أُكْلةً للطَّيْر والضِّباعِ وَهَذَا كلُّه طَلَب. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن أَحْيا أَرضاً مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَمَا أَكَلَتِ العَافِيَةُ مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدقةٌ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
العَوَافِي.
وَفِي الْحَدِيثِ فِي ذكرِ الْمَدِينَةِ:
يتْرُكُها أَهلُها عَلَى أَحسنِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلة للعَوافِي
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الواحدُ مِنَ العَافِيَة عافٍ، وَهُوَ كلُّ مَنْ جاءَك يطلُب فَضْلًا أَو رِزْقًا فَهُوَ عافٍ ومُعْتَفٍ، وَقَدْ عَفَاك يَعْفُوكَ، وَجَمْعُهُ عُفَاةٌ؛ وأَنشد قَوْلَ الأَعشى:
تطوفُ العُفَاةُ بأَبوابِه، ... كطَوْفِ النَّصَارَى ببَيْتِ الوَثنْ
قَالَ: وَقَدْ تكونُ العَافِيَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الناسِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وبيانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ
أُمّ مُبَشِّرٍ الأَنصارية قَالَتْ: دَخَلَ عَليَّ رسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ
(15/74)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَنا فِي نَخْلٍ لِي فَقَالَ: مَن غَرَسَه أَمُسْلِمٌ أَم كافرٌ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِس غَرْساً أَو يزرَع زَرْعًا فيأْكلُ مِنْهُ إِنسانٌ أَو دابةٌ أَو طائرٌ أَو سَبُعٌ إِلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً.
وأَعطاه المالَ عَفْواً بِغَيْرِ مسألةٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدّتي، ... وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتي حِينَ أَغضَبُ
وأَنشدَ ابْنَ بَرِّيٌّ:
فتَمْلأُ الهَجْمَ عَفْواً، وهْي وادِعَة، ... حَتَّى تكادَ شِفاهُ الهَجْمِ تَنْثَلِمُ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
خُذْ مَا أَتى منهمُ عَفْواً، فَإِنْ مَنَعُوا، ... فَلَا يَكُنْ هَمَّكَ الشيءُ الَّذِي مَنَعُوا
قَالَ الأَزهري: والمُعْفِي الَّذِي يَصْحَبُكَ وَلَا يَتَعَرَّضُ لمَعْروفِك، تقولُ: اصْطَحَبْنَا وكلُّنا مُعْفٍ؛ وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
فإنَّكَ لَا تَبْلُو امْرَأً دونَ صُحْبةٍ، وَحَتَّى تَعيشا مُعْفِيَيْنِ وتَجْهَدا
وعَفْوُ المالِ: مَا يُفْضُلُ عَنِ النَّفَقة. وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: العَفْوُ الْكَثْرَةُ والفَضْلُ، فأُمِرُوا أَن يُنُفِقوا الفَضْل إِلَى أَن فُرِضَت الزكاةُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: خُذِ الْعَفْوَ
؛ قِيلَ: العَفْو الفَضْلُ الَّذِي يجيءُ بغيرِ كُلْفَةٍ، وَالْمَعْنَى اقْبَلِ المَيْسُورَ مِنْ أَخْلاقِ الناسِ وَلَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فيَسْتَقْصِيَ اللهُ عَلَيْكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ العَداوة والبَغْضاءِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَمَرَ اللهُ نَبيَّه أَن يأَخُذ العَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ الناسِ
؛ قَالَ: هُوَ السَّهْل المُيَسَّر، أَي أَمرَه أَن يَحْتَمِل أَخْلاقَهُم ويَقْبَلَ مِنْهَا مَا سَهُل وتَيَسَّر وَلَا يستَقْصِيَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
؛ قَالَ: وَجْهُ الْكَلَامِ فِيهِ النصبُ، يريدُ قُلْ يُنْفِقُون العَفْوَ، وَهُوَ فضلُ الْمَالِ؛ وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: مَنْ رَفَع أَراد الَّذِي يُنْفِقون العَفْوُ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْفَرَّاءُ النصبَ لأَن مَاذَا عِنْدَنَا حَرْفٌ وَاحِدٌ أَكثرُ فِي الْكَلَامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا يُنْفِقُون، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ النَّصبُ، قَالَ: ومَنْ جَعلَ ذَا بمَعْنى الَّذِي رَفَعَ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يكونَ مَاذَا حَرْفًا، ويُرْفَع بِالِائْتِنَافِ؛ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَزَلَت هَذِهِ الْآيَةُ قبلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ فأُمروا أَن يُنْفِقوا الفَضْلَ إِلَى أَن فُرضَت الزكاةُ، فَكَانَ أَهلُ المَكاسِب يأْخذُ الرجلُ مَا يُحْسِبه فِي كُلِّ يَوْمٍ أَي مَا يَكْفِيه ويَتَصَدَّقُ بباقيهِ، ويأخذُ أَهلُ الذَّهَب والفِضَّة مَا يَكْفِيهم فِي عامِهِمْ وينفِقُون باقيَهُ، هَذَا قَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الإِجماع أَنَّ الزَّكاةَ فِي سائرِ الأَشياء قَدْ بُيِّنَ مَا يَجِبُ فِيهَا، وَقِيلَ: العَفْوُ مَا أَتَى بغَيرِ مسألةٍ. والعَافِي: مَا أَتى عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مسأَلةٍ أَيضاً؛ قَالَ:
يُغْنِيكَ عَافِيَه وعِيدَ النَّحْزِ
النَّحْزُ: الكَدُّ والنَّخْس، يَقُولُ: مَا جاءَكَ مِنْهُ عَفْواً أَغْناكَ عَنْ غَيْرِهِ. وأَدْرَكَ الأَمْرَ عَفْواً صَفْواً أَي فِي سُهُولة وسَراحٍ. وَيُقَالُ: خُذْ مِنْ مالِه مَا عَفَا وصَفا أَي مَا فَضَل ولم يَشُقَّ عليه. وابن الأَعرابي: عَفَا يَعْفُو إِذَا أَعطى، وعَفَا يَعْفُو إِذَا تَرَكَ حَقّاً، وأَعْفَى إِذَا أَنْفَقَ العَفْوَ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ الفاضِلُ عَنْ نَفَقَتِه. وعَفا القومُ: كَثُرُوا. وَفِي التَّنْزِيلِ: حَتَّى عَفَوْا
؛ أَي كَثُرُوا. وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يَعْفُو فَهُوَ عافٍ: كثُرَ وطالَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَ بإعْفَاء اللِّحَى
؛ هُوَ أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر وَلَا يُقَصَ
(15/75)

كالشَّوارِبِ، مِنْ عَفا الشيءُ إِذَا كَثُرَ وَزَادَ. يُقَالُ: أَعْفَيْتُه وعَفَّيْتُه لُغتان إِذَا فعَلتَ بِهِ كَذَلِكَ. وَفِي الصِّحَاحِ: وعَفَّيْتُه أَنا وأَعْفَيْتُه لُغَتَانِ إِذَا فعَلْتَ بِهِ ذَلِكَ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ الْقِصَاصِ:
لَا أَعْفَى مَنْ قَتَل بعدَ أَخْذِ الدِّيَةِ
؛ هَذَا دُعاء عَلَيْهِ أَي لَا كَثُر مالُه وَلَا اسْتَغنى؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِذَا دخَل صَفَرُ وعَفا الوَبَرُ وبَرِئَ الدَّبَر حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ
، أَي كَثُرَ وبرُ الإِبلِ، وَفِي رِوَايَةٍ:
وعَفا الأَثَرُ
، بِمَعْنَى دَرَس وامَّحَى. وَفِي حَدِيثِ
مُصْعَبِ بْنِ عُمَير: إِنَّهُ غلامٌ عَافٍ
أَي وَافِي اللَّحم كثيرُه. والعَافِي: الطويلُ الشَّعَر. وَحَدِيثُ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ عامِلَنا ليسَ بالشَّعِثِ وَلَا العَافِي
، وَيُقَالُ للشَّعَرِ إِذَا طَالَ ووَفى عِفَاءٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
أَذلِكَ أَمْ أَجَبُّ البَطْنِ جَأْبٌ، ... عَلَيْهِ، مِنْ عَقِيقَتِهِ، عِفاءُ؟
وناقةٌ ذاتُ عِفَاءٍ: كثيرةُ الوَبَر. وعَفا شَعْرُ ظَهْرِ البعيرِ: كَثُرَ وطالَ فغَطَّى دَبَرَه؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
هَلَّا سَأَلْت إِذَا الكَوَاكِبُ أَخْلَفَت، ... وعَفَتْ مَطِيَّة طالِبِ الأَنْسابِ
فَسَّرَهُ فَقَالَ: عَفَت أَي لَمْ يَجِد أَحدٌ كَرِيمًا يرحلُ إِلَيْهِ فعَطَّل مَطِيَّته فسَمِنت وكَثُر وَبَرُها. وأَرضٌ عَافِيَةٌ: لَمْ يُرْعَ نَبْتُها فوَفَرَ وَكَثُرَ. وعَفْوَةُ المَرْعَى: مَا لَمْ يُرْعَ فَكَانَ كَثِيرًا. وعَفَتِ الأَرضُ إِذَا غَطَّاها النَّبَاتُ؛ قَالَ حُمَيْد يَصِفُ دَارًا:
عَفَتْ مثلَ مَا يَعْفُو الطَّلِيحُ فأَصْبَحَتْ ... بِهَا كِبرياءُ الصَّعْبِ، وهيَ رَكُوبُ
يَقُولُ: غَطاها العشْبُ كَمَا طَرَّ وَبَرُ البعيرِ وبَرَأَ دَبَرُه. وعَفْوَةُ الماءِ: جُمَّتُه قَبْلَ أَن يُسْتَقَى مِنْهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَثْرَةِ. قَالَ اللَّيْثُ: ناقةٌ عَافِيَةُ اللَّحْمِ كثيرةُ اللَّحْمِ، ونوقٌ عَافِيَاتٌ؛ وَقَالَ لَبِيدٌ:
بأَسْوُقِ عَافِيَاتِ اللحمِ كُوم
ويقالُ: عَفُّوا ظَهْرَ هَذَا البعيرِ أَي دَعُوه حَتَّى يَسْمَن. وَيُقَالُ: عَفَا فلانٌ عَلَى فُلَانٌ فِي العلمِ إِذَا زَادَ عَلَيْهِ؛ قَالَ الرَّاعِي:
إِذَا كَانَ الجِراءُ عَفَتْ عَلَيْهِ
أَي زَادَتْ عَلَيْهِ فِي الجَرْيِ؛ وَرَوَى ابْنُ الأَعرابي بَيْتَ البَعيث:
بَعِيد النَّوَى جالَتْ بإنسانِ عَيْنه ... عِفاءَةُ دَمْعٍ جالَ حَتَّى تَحَدَّرا
يَعْنِي دَمْعاً كَثُرَ وعَفَا فسالَ. وَيُقَالُ: فلانٌ يعفُو عَلَى مُنْيةِ المتَمَنِّي وسؤالِ السائلِ أَي يَزِيدُ عطاؤُه عَلَيْهِمَا؛ وَقَالَ لَبِيدٌ:
يَعْفُو عَلَى الجهْدِ والسؤالِ، كَمَا ... يَعْفُو عِهادُ الأَمْطارِ والرَّصَد
أَي يزيدُ ويَفْضُلُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: العَفْوُ أَحلُّ المالِ وأَطْيَبُه. وعَفْوُ كلِّ شيءٍ: خِيارُه وأَجْوَدُه وَمَا لَا تَعَب فِيهِ، وَكَذَلِكَ عُفاوَتُه وعِفاوتُه. وعَفا الماءُ إِذَا لَمْ يَطأْهُ شيءٌ يُكَدِّرُه. وعَفْوةُ المالِ والطعامِ والشَّرابِ وعِفْوَتُه؛ بالكسر عَنْ كراعٍ: خِيَارُهُ وَمَا صَفَا مِنْهُ وكَثُرَ، وَقَدْ عَفَا عَفْواً وعُفُوّاً. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنه قَالَ لِلنَّابِغَةِ: أَمَّا صَفْوُ أَموالِنا فلآلِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا عَفْوُه فَإِنَّ تَيْماً وأَسَداً تَشْغَلُه عنكَ.
قَالَ الحَرْبي: العَفْوُ أَحَلُّ المالِ وأَطيَبُه، وَقِيلَ: عَفْوُ المالِ مَا يَفْضُلُ عَنِ النَّفَقة؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وكِلاهما جائزٌ فِي اللُّغَةِ،
(15/76)

قَالَ: وَالثَّانِي أشبَه بِهَذَا الْحَدِيثِ. وعَفْوُ الماءِ: مَا فَضَل عَنِ الشَّارِبَةِ وأُخذَ بغيرِ كُلْفةٍ وَلَا مُزَاحَمَةٍ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: عفَّى عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِذَا أَصلَح بَعْدَ الْفَسَادِ. أَبُو حَنِيفَةَ: العُفْوَة، بِضَمِّ الْعَيْنِ، مِنْ كُلِّ النَّبَاتِ لَيِّنُه وَمَا لَا مَؤُونة عَلَى الرَّاعِيَةِ فِيهِ. وعَفْوة كُلِّ شيء وعِفَاوتُه؛ عُفَاوتُه الضَّمُّ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: صَفْوُه وكثرَتُه، يُقَالُ: ذَهَبَتْ عِفْوَة هَذَا النَّبْت أَي لِينُه وخَيرُه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الأَخطل:
المانعينَ الماءَ حَتَّى يَشْرَبوا ... عِفْواتِه، ويُقَسِّمُوه سِجالا
والعِفَاوَةُ: مَا يُرْفَعُ للإِنسان مِنْ مَرَقٍ. والعَافِي: مَا يُرَدُّ فِي القِدْرِ مِنَ المَرَقةِ إِذَا اسْتُعِيرَتْ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وعَافِي القِدْرِ مَا يُبْقِي فِيهَا المُسْتَعِير لمُعِيرِها؛ قَالَ مُضَرِّس الأَسَدي:
فَلَا تَسْأَليني، واسأَلي مَا خَلِيقَتي، ... إِذَا رَدَّ عَافِي القِدْرِ مَن يَسْتَعيرُها
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عَافِي فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي مَوْضِعِ الرَّفْع لأَنه فَاعِلٌ، ومَن فِي مَوْضِعِ النَّصْب لأَنه مَفْعُولٌ بِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ صاحبَ القِدرِ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ نَصَبَ لَهُمْ قِدْراً، فَإِذَا جاءهُ مَنْ يَسْتَعِيرُ قِدْرهُ فَرَآهَا منصوبَةً لهُم رجَعَ وَلَمْ يَطْلُبْها، والعَافِي: هُوَ الضَّيْفُ، كأَنه يرُدُّ المُسْتَعِير لارْتِدادِه دونَ قضاءِ حاجَته، وَقَالَ غيرُه: عَافِي القِدْرِ بقِيَّة المَرَقة يردُّها المستَعيرُ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، وكانَ وَجْهُ الْكَلَامِ عافِيَ الْقِدْرِ فترَك الْفَتْحُ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ العَافِي والعَفْوَة والعِفَاوَة مَا يَبْقَى فِي أَسْفَلِ القِدْرِ مِنْ مَرَقٍ وَمَا اخْتَلَط بِهِ، قَالَ: وموضِعُ عافِي رَفْعٌ لأَنه هُوَ الَّذِي رَدَّ المُسْتَعِير، وَذَلِكَ لكلَب الزَّمَانِ وَكَوْنِهِ يمنَع إعارَة القِدْرِ لتِلك البَقِيَّة. والعِفَاوةُ: الشيءُ يُرْفَع مِنَ الطَّعام لِلْجَارِيَةِ تُسَمَّنُ فَتُؤثَرُ بِهِ؛ وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
وظَلَّ غُلامُ الحَيّ طَيّانَ ساغِباً، ... وكاعِبُهُم ذاتُ العِفاوَةِ أَسْغَبُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والعِفاوة، بِالْكَسْرِ، مَا يُرْفَعُ مِنَ المَرَقِ أَوَّلًا يُخَصُّ بِهِ مَنْ يُكْرَم، وأَنشد بَيْتَ الْكُمَيْتِ أَيضاً، تَقُولُ مِنْهُ: عَفَوْت لَهُ منَ المَرَق إِذَا غَرَفْتَ لَهُ أَوَّلًا وآثَرْتَهُ بِهِ، وَقِيلَ: العِفَاوَة، بِالْكَسْرِ، أَوّل المَرَقِ وأَجودُه، والعُفَاوَة، بِالضَّمِّ، آخِرهُ يردُّها مُسْتَعِيرُ القِدْرِ مَعَ القِدْرِ؛ يُقَالُ مِنْهُ: عَفَوْت القِدْرَ إِذَا تَرَكْتَ ذَلِكَ فِي أَسفلها. والعِفاء، بالمدِّ والكَسْر: مَا كَثُر مِنَ الوَبَر والرِّيشِ، الواحِدَةُ عِفاءَةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ سَاعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ يَصِفُ الضَّبُعَ:
كمَشْيِ الأَفْتَلِ السَّارِي عَلَيْهِ ... عِفاءٌ، كالعَباءَةِ، عَفْشَلِيلُ
وعِفَاءُ النَّعام وَغَيْرِهِ: الريشُ الَّذِي عَلَى الزِّفِّ الصِّغار، وَكَذَلِكَ عِفاءُ الدِّيكِ وَنَحْوِهِ مِنَ الطَّيْرِ، الْوَاحِدَةُ عِفاءَةٌ، مَمْدُودَةٌ. وناقةٌ ذاتُ عِفاءٍ، وَلَيْسَتْ هَمْزَةُ العِفاءِ والعِفاءَةِ أَصْلِيَّة، إِنَّمَا هِيَ وَاوٌ قلبتْ أَلِفاً فمُدَّت مِثْلَ السَّمَاءِ، أَصلُ مَدَّتِها الْوَاوُ، وَيُقَالُ فِي الْوَاحِدَةِ: سَماوَة وسَماءَة، قَالَ: وَلَا يُقَالُ للرِّيشة الْوَاحِدَةِ عِفَاءَةٌ حَتَّى تَكُونَ كَثِيرَةً كَثيفة؛ وَقَالَ بعضُهم فِي هَمْزَةِ العِفاء: إنَّها أَصلِيَّة؛ قَالَ الأَزهري: وَلَيْسَتْ هَمْزَتُهَا أَصليَّة عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ الحُذَّاقِ، وَلَكِنَّهَا همزةٌ مَمْدُودَةٌ، وَتَصْغِيرُهَا عُفَيٌّ. وعِفاءُ السَّحابِ: كالخَمْل فِي وجْهِه لَا يَكادُ يُخْلِفُ. وعِفْوَةُ الرجُل
(15/77)

وعُفْوَتُه: شَعَر رَأْسِه. وعَفا المَنزِلُ يَعْفُو وعَفَت الدارُ ونحوُها عَفاءً وعُفُوّاً وعَفَّت وتَعَفَّت تَعَفِّياً: دَرَسَت، يَتَعدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وعَفَتْها الرِّيحُ وعَفَّتْها، شدّد للمبالغة؛ وقال:
أَهاجَكَ رَبْعٌ دارِسُ الرَّسْمِ، باللِّوَى، ... لأَسماءَ عَفَّى آيَةُ المُورُ والقَطْرُ؟
وَيُقَالُ: عَفَّى اللهُ عَلَى أَثَرِ فُلَانٍ وعَفَا اللَّهُ عَلَيْهِ وقَفَّى اللَّهُ عَلَى أَثَرِ فلانٍ وقَفا عَلَيْهِ بِمَعْنًى واحدٍ. والعُفِيُّ: جَمْعُ عافٍ وَهُوَ الدارسُ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ:
قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيل والرَّقيقِ فأَدُّوا زَكَاةَ أَموالِكم
أَي ترَكْتُ لَكُمْ أَخْذَ زَكَاتِهَا وتجاوَزْت عَنْهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ عَفَت الريحُ الأَثَرَ إِذَا طَمَسَتْه ومَحَتْه؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
أَم سَلَمَةَ: قَالَتْ لِعُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تُعَفِّ سَبِيلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَحَبَها
أَي لَا تَطْمِسْها؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
تَعافَوُا الحُدُود فِيمَا بَيْنَكُمْ
؛ أَي تجاوَزُوا عَنْهَا وَلَا تَرْفَعُوها إِلَيَّ فَإِنِّي مَتَى علمْتُها أَقَمْتُها. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: وسُئل عَمَّا فِي أَموال أَهلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ العَفْو
أَي عُفِيَ لَهُمْ عَمَّا فِيهَا مِنَ الصَّدَقَة وَعَنِ العُشْرِ فِي غَلَّاتهم. وعَفا أَثَرهُ عَفاءً: هَلَك، عَلَى المَثَل؛ قَالَ زُهَيْرٌ يَذْكُرُ دَارًا:
تَحَمَّلَ أَهلُها مِنْهَا فبانُوا، ... عَلَى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفَاءُ
والعَفَاءُ، بِالْفَتْحِ: التُرابُ؛ رَوَى
أَبو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ عِنْدَكَ قوتُ يومِكَ فعَلى الدُّنْيَا العَفَاءُ.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ وغيرُه: العَفَاءُ التُّرَابُ، وأَنشد بيتَ زُهَيْرٍ يَذْكُرُ الدارَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ الدَّبارُ إِذَا دَعا عَلَيْهِ أَنْ يُدْبِرَ فَلَا يَرْجِع. وَفِي حديث
صفوانَ ابنِ مُحْرِزٍ: إِذَا دَخَلْتُ بَيْتي فأَكَلْتُ رَغِيفًا وشَرِبْتُ عَلَيْهِ مَاءً فعَلى الدُّنْيا العَفاءُ.
والعَفَاءُ: الدُّرُوس والهَلاكُ وَذَهَابُ الأَثَر. وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ فِي السَّبِّ بِفيِهِ العَفَاءُ، وَعَلَيْهِ العَفاءُ، والذئبُ العَوّاءُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الذِّئْبَ يَعْوِي فِي إثْرِ الظاعِنِ إِذَا خَلَت الدَّارُ عَلَيْهِ، وأَما مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ:
إنَّ المُنافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَه أَهلُه ثُمَّ أَرْسَلوه فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوه وَلَا لِمَ أَرسَلوه
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: أُعْفِيَ الْمَرِيضُ بِمَعْنَى عُوفِيَ. والعَفْوُ: الأَرضُ الغُفْل لَمْ تُوطَأْ وَلَيْسَتْ بِهَا آثارٌ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عَفْوُ الْبِلَادِ مَا لَا أَثَرَ لأَحدٍ فِيهَا بِمِلْكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْيا أَرْضاً ميتَة فَهِيَ لَهُ
: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي عَفْوِ البلادِ الَّتِي لَمْ تُمْلَكْ؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
قَبيلةٌ كَشِراكِ النَّعْلِ دارِجةٌ، ... إنْ يَهْبِطُوا العَفْوَ لَا يُوجَدْ لَهُمْ أَثَرُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الشِّعْر للأَخطَل؛ وَقَبْلَهُ:
إنَّ اللَّهازِمَ لَا تَنْفَكُّ تابِعَةً، ... هُمُ الذُّنابَى وشِرْبُ التابِع الكَدَرُ
قَالَ: وَالَّذِي فِي شِعْرِهِ:
تَنْزُو النِّعاجُ عَلَيْهَا وهْي بارِكة، ... تَحْكي عَطاءَ سُويدٍ مِنْ بَنِي غُبَرا
قبيلةٌ كشِراكِ النَّعْل دارجةٌ، ... إنْ يَهْبِطُوا عَفْوَ أَرضٍ لَا تَرَى أَثرَا
قَالَ الأَزهري: والعَفَا مِنَ الْبِلَادِ، مقصورٌ، مثلُ العَفْو الَّذِي لَا ملْك لأَحد فِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه أَقْطَعَ مِنْ أَرض الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَفاً
أَي مَا لَيْسَ لأَحد فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ مِنْ عَفا الشيءُ إِذَا دَرَس أَوْ مَا
(15/78)

لَيْسَ لأَحد فِيهِ مِلْكٌ، مَنْ عَفَا الشيءُ يَعْفُو إِذَا صَفا وخلُص. وَفِي الْحَدِيثِ:
ويَرْعَوْن عَفَاها
أَي عَفْوَها. والعَفْوُ والعِفْو والعُفْو والعَفا والعِفا، بِقَصْرِهِمَا: الجَحشُ، وَفِي التَّهْذِيبِ: وَلَد الحِمار: وأَنشد ابن السكيت والمُفَصَّل لأَبي الطَّمحان حَنْظَلة بْنِ شَرْقيِّ:
بضَرْبٍ يُزيلُ الهامَ عَنْ سَكِناتِه، ... وطَعْنٍ كتَشْهاقِ العَفَا هَمَّ بالنَّهْقِ
وَالْجَمْعُ أَعْفَاءٌ وعِفاءٌ وعِفْوةٌ. والعِفَاوَة، بِكَسْرِ الْعَيْنِ: الأَتانُ بعَينِها؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ عِفْوٌ وَثَلَاثَةُ عِفَوَةٍ مثلُ قِرَطَةٍ، قَالَ: وَهُوَ الجَحْشُ والمُهْرُ أَيضاً، وَكَذَلِكَ العِجَلَة والظِّئَبة جَمْعُ الظَّأْبِ، وَهُوَ السلْفُ. أَبو زَيْدٍ: العِفَوَةُ أَفْتاءُ الحُمُر، قَالَ: وَلَا أَعلم فِي جَمِيعِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَاوًا مُتَحَرِّكَةً بَعْدَ حَرْفٍ مُتَحَرِّكٍ فِي آخِرِ الْبِنَاءِ غيرَ واوِ عِفَوَةٍ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ لقَيس، كَرهُوا أَن يَقُولُوا عُفَاةٌ فِي مَوْضِعِ فِعَلة، وَهُمْ يُرِيدُونَ الْجَمَاعَةَ، فتَلْتَبس بوُحْدانِ الأَسماء، وقال: وَلَوْ تكَلَّف متكَلِّف أَن يَبنيَ مِنَ الْعَفْوِ اسْمًا مفْرداً عَلَى بِنَاءِ فِعَلة لَقَالَ عِفاة. وَفِي حَدِيثِ
أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه تَرَكَ أَتانَيْن وعِفْواً
؛ العفْو، بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ وَالْفَتْحِ: الجَحْش، قَالَ ابْنُ الأَثير: والأُنثى عُفْوة وعِفْوَة. وَمُعَافًى: اسْمُ رَجُلٍ؛ عَنْ ثعلب.
عقا: العَقْوةُ والعَقَاةُ: السَّاحَةُ وَمَا حوْلَ الدارِ والمَحَلَّة، وجمعُهما عِقَاءٌ. وعَقْوَةُ الدَّارِ: ساحَتُها؛ يُقَالُ: نَزَل بعَقْوَته، وَيُقَالُ: مَا بِعَقْوةِ هَذِهِ الدَّار مِثْلُ فلانٍ، وَتَقُولُ: مَا يَطُورُ أَحد بعَقْوَة هَذَا الأَسدِ، ونَزَلَت الخيلُ بعَقْوَة العَدُوِّ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عَنْهُمَا: المؤمنُ الَّذِي يأْمَنُ مَن أَمْسى بعَقْوتِه
؛ عَقْوَةُ الدارِ حَوْلَها وَقَرِيبًا مِنْهَا. وعَقَا يَعْقُو واعْتَقَى: احْتَفَرَ الْبِئْرَ فأَنْبَطَ مِنْ جَانِبِهَا. والاعْتِقَاء: أَن يأْخذَ الحافِرُ فِي الْبِئْرِ يمنَةً ويَسْرَةً إِذَا لَمْ يُمكِنُه أَن يُنْبِطَ الماءَ من قَعْرِها، والرجلُ يحفرُ البئرَ فَإِذَا لَمْ يُنْبِطِ الماءَ مِنْ قَعْرها اعْتَقَى يَمْنَةً ويَسْرَةً. واعْتَقَى فِي كَلَامِهِ: استَوْفاه وَلَمْ يَقْصِدْ، وَكَذَلِكَ الأَخذ فِي شُعَبِ الكلامِ، ويَشْتَقُّ الإِنسانُ الكلامَ فيَعْتَقِي فِيهِ، والعَاقِي كَذَلِكَ، قَالَ: وقَلَّما يَقُولُونَ عَقَا يَعْقُو؛ وأَنشد لبعضهم:
ولقد دَرِبْتُ بالاعتِقَاءِ ... والاعْتقامِ، فنِلْت نُجْحَا
وَقَالَ رُؤْبَةُ:
بشَيْظَمِيٍّ يفهمُ التَّفهيما، ... ويَعْتَقِي بالعُقَمِ التَّعْقيما
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ:
ويَعْتَقِي بالعُقَمِ التَّعْقيما
مَعْنَى يعْتَقِي أَيْ يحبِسُ ويمنَع بالعُقَم التَّعْقيمَ أَي بالشرِّ الشرَّ. قَالَ الأَزهري: أَما الاعْتقام فِي الحَفْر فَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ عَقَم، وأَما الاعْتِقَاء فِي الْحَفْرِ بِمَعْنَى الاعتقامِ فَمَا سمعتُه لِغَيْرِ اللَّيْثِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ الْبَيْتُ:
بشُطَسِيٍّ يَفْهَمُ التَّفْهيما
قَالَ: ويَعْتَقِي يَرُدُّ أَي يردُّ أَمر مَنْ عَلا عَلَيْهِ، قَالَ: وَقِيلَ التعقيمُ هُنَا القَهْرُ. وَيُقَالُ: عَقَّ الرجلُ بسَهْمِه إِذَا رَمى بِهِ فِي السَّمَاءِ فارتَفع، ويُسَمَّى ذَلِكَ السهمُ العَقيقة. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: عَقَّى الرَّامِي بسهمِه
فَجَعَلَهُ مِنْ عَقَّق. وعَقَّى
(15/79)

بِالسَّهْمِ: رَمى بِهِ فِي الْهَوَاءِ فَارْتَفَعَ، لُغَةٌ فِي عَقَّه؛ قَالَ المُتَنَخَّل الْهُذَلِيُّ:
عَقَّوا بسَهْمٍ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحدٌ، ... ثُمَّ اسْتَفاؤُوا وَقَالُوا: حَبَّذا الوَضَحُ
يَقُولُ: رَمَوْا بسهمٍ نَحْوَ الهواءِ إِشْعاراً أَنهم قَدْ قَبِلوا الدِّية ورَضُوا بِهَا عِوَضاً عَنِ الدَّمِ، والوَضَحُ اللَّبَن أَي قَالُوا حَبَّذا الإِبل الَّتِي نأْخُذُها بدَلًا مِنْ دَمِ قَتِيلنا فنشرَبَ أَلْبانَها، وَقَدْ تَقَدَّم ذَلِكَ. وعَقَا العَلَمُ، وَهُوَ البَنْدُ: عَلا فِي الْهَوَاءِ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وهْوَ، إِذَا الحَرْبُ عَقَا عُقَابُهُ، ... كُرْهَ اللِّقاء تَلْتَظي حِرابُهُ
ذَكَّرَ الحَرْب عَلَى مَعْنَى القِتال، وَيُرْوَى: عَفَا عُقابُه أَي كثُر. وعَقَّى الطائِرُ إِذَا ارْتَفَع فِي طَيَرانه. وعَقَّتِ العُقاب: ارْتَفَعَت، وَكَذَلِكَ النَّسْر. والمُعَقِّي: الحائِمُ عَلَى الشَّيْءِ المُرْتَفِعُ كَمَا تَرْتَفِعُ العُقابُ، وَقِيلَ: المُعَقِّي الحائِمُ المُسْتَدِيرُ مِنَ العِقْبَان بِالشَّيْءِ. وعَقَّتِ الدَّلْوُ إِذَا ارْتَفَعت فِي البِئْر وَهِيَ تَسْتَديرُ؛ وأَنشد فِي صِفَةِ دَلْوٍ:
لَا دَلْوَ إلَّا مِثْلُ دَلْوِ أُهْبانْ، ... واسِعَة الفَرْغ أَدِيمانِ اثْنانْ
مما تَبَقَّى مِنْ عُكاظِ الرُّكْبانْ، ... إِذَا الكُفاةُ اضطَجَعُوا للأَذْقانْ
«4» عَقَّت كَمَا عَقَّتْ دَلُوفُ العِقْبانْ، ... بِهَا فَنَاهِبْ كلَّ ساقٍ عَجْلانْ
عقَّتْ أَي حامَتْ، وَقِيلَ: ارْتَفَعتْ، يَعْنِي الدَّلْوَ، كَمَا تَرْتَفِعُ العُقابُ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: وأَصله عَقَّقَتْ، فلمَّا توالَتْ ثلاثُ قافَاتٍ قُلِبت إحداهنَّ يَاءً؛ كَمَا قَالَ الْعَجَّاجِ:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: التظَنِّي مِنَ الظَّنّ والتَّلَعِّي مِنَ اللُّعاعَةِ، قَالَ: وأَصل تَعْقِيَةِ الدَّلْوِ مِنَ العَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ؛ أَنشد أَبو عَمْرٍو لعَطاءٍ الأَسَدي:
وعَقَّتْ دَلْوُهُ حينَ اسْتَقَلَّت ... بِمَا فِيهَا، كَتَعْقِيَةِ العُقابِ
واعْتَقَى الشيءَ وعَقَاه: احْتَبَسَه، مَقْلُوبٌ عَنِ اعْتاقَه؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي:
صَباً تَعْتَقِيها تارَةً وتُقِيمُها
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى تَعْتَقيها تُمْضِيها، وَقَالَ الأَصمعي: تَحْتَبِسُها. والاعْتِقاءُ: الاحْتِباسُ، وَهُوَ قَلْبُ الاعْتِيَاق؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ مُزَاحِمٍ:
صَباً وشَمالًا نَيْرَجاً يَعْتَقِيهما ... أَحايين نَوْبات الجَنُوبِ الزَّفازِف
وَقَالَ ابْنُ الرِّقَاعِ:
ودُونَ ذلِكَ غُولٌ يَعْتَقِي الأَجَلا
وَقَالُوا: عَاقٍ عَلَى تَوَهُّمِ عَقَوْتُه. الْجَوْهَرِيُّ: عَقَاه يَعْقُوه إِذَا عاقَه، عَلَى القَلْب، وعاقَني وَعَاقَانِي وعَقَاني بِمَعْنًى واحدٍ؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ لِذِي الخِرَقِ الطُّهَوي:
أَلَمْ تَعْجَبْ لذِئْبٍ باتَ يَسْري ... ليُؤْذِنَ صاحِبًا لهُ باللَّحاقِ
حَسِبْتَ بُغامَ راحِلتي عَناقًا، ... وَمَا هِيَ، ويْبَ غَيْرِكَ بالعَناقِ
__________
(4). قوله [الكفاة] هكذا في الأصل، وفي كثير من المواد: السقاة.
(15/80)

ولَوْ أَني رَمَيْتُكَ مِنْ قَريبٍ، ... لعَاقَك عَنْ دُعاءِ الذِّئْبِ عاقِ
ولكنِّي رَمَيتُك مِنْ بَعِيدٍ، ... فلَمْ أَفْعَلْ وقدْ أَوهَتْ بِسَاقِي
عليكَ الشاءَ شاءَ بَنِي تَمِيمٍ، ... فعَافِقْهُ فإنَّكَ ذُو عِفاقِ
أَرَادَ بِقَوْلِهِ عاقِ عائِقٌ فقَلَبه، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَوَهُّمِ عَقَوْتُه. قَالَ الأَزهري: يَجُوزُ عاقَني عنْك عائِقٌ وعَقاني عنكَ عاقٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى القَلْب؛ وَهَذَا الشِّعْرُ اسْتَشْهد الْجَوْهَرِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَلَوْ أَني رَمَيْتُكَ مِنْ قريبٍ
وَقَالَ فِي إِيرَادِهِ: وَلَوْ أَني رَمَيْتُكَ مِنْ بَعيدٍ، لعاقَك. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ وَصَوَابُ إِنْشَادِهِ:
وَلَوْ أَنيَ رَمَيْتُك مِنْ قَريبٍ، ... لعَاقَك عَنْ دُعاءِ الذِّئْبِ عاقِ
كَمَا أَوردناه. وعَقَا يَعْقُو ويَعْقِي إِذَا كَرِه شَيْئًا. والعَاقِي: الكارِهُ لِلشَّيْءِ. والعِقْيُ، بِالْكَسْرِ: أولُ مَا يَخْرُجُ مِنَ بَطْن الصَّبي يَخْرَؤُه حِينَ يُولَدُ إِذَا أَحْدَثَ أَولَ مَا يُحْدِثُ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَبَعْدَ ذَلِكَ مَا دَامَ صَغِيرًا. يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَحْرَصُ مِنْ كَلْبٍ عَلَى عِقْيِ صَبيٍّ؛ وَهُوَ الرَّدَجُ مِنَ السَّخْلة والمُهْر. قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: الحُوَلاءُ مضمَنة لِمَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْف الوَلد وَهُوَ فِيهَا، وَهُوَ أَعْقَاؤه، وَالْوَاحِدُ عِقْيٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يخرُج مِنْ دُبُره وَهُوَ فِي بطنِ أُمّه أَسْودُ بَعْضِه وأَصْفَرُ بَعْضٍ، وَقَدْ عَقى يَعْقِي يَعني الحُوارَ إِذَا نُتِجَتْ أُمُّه، فَمَا خَرَجَ مِنْ دُبُره عِقْيٌ حَتَّى يأْكل الشَّجَر. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ وسُئل عَنِ امْرَأَةٍ أَرضعَت صَبياً رَضْعةً فَقَالَ: إِذَا عَقَى حَرُمَت عَلَيْهِ المرأَةُ وَمَا ولَدَتْ
، العِقْيُ: مَا يَخْرُج مِنْ بَطْنِ الصَّبيِّ حِينَ يُولَدُ أَسودُ لزجٌ كالغِراءِ قبلَ أَن يَطْعَم، وَإِنَّمَا شرطَ العَقْيَ ليُعْلم أَن اللبَن قَدْ صارَ فِي جَوفه ولأَنْه لَا يَعْقي مِنْ ذَلِكَ اللَّبنِ حَتَّى يَصِيرَ فِي جَوْفِهِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهُوَ كَذَلِكَ مِنَ المُهْر والجَحْشِ والفَصيل والجَدْي، وَالْجَمْعُ أَعْقَاءٌ، وَقَدْ عَقَى المَوْلُودُ يَعْقِي مِنَ الإِنْس والدوابِّ عَقْياً، فَإِذَا رَضَع فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ الطَّوْفُ. وعَقَّاه: سَقاه دَوَاءً يُسْقِط عِقْيَه. يُقَالُ: هَلْ عَقَّيْتُم صبيَّكُم أَي سقَيتُموه عَسَلًا ليَسْقُط عِقْيُه. والعِقْيانُ: ذهبٌ ينبتُ نَباتاً وَلَيْسَ مِمَّا يُستَذابُ ويُحصَّلُ مِنِ الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: هُوَ الذَّهبُ الخالصُ. وَفِي حَدِيثِ
عليٍّ: لَوْ أَراد اللَّهُ أَن يَفْتَحَ عَلَيْهِمْ مَعادن العِقْيَان
؛ قِيلَ: هُوَ الذَّهَب الخالصُ، وَقِيلَ: هُوَ مَا ينبُتُ مِنْهُ نَباتاً، والأَلف وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ. وأَعْقَى الشيءُ يُعْقِي إِعْقَاء: صَارَ مُرّاً، وَقِيلَ: اشْتَدَّتْ مَرارَتُه. وَيُقَالُ فِي مَثلٍ: لَا تكُنْ مُرًّا فتُعْقِيَ وَلَا حُلْواً فتُزْدَرَدَ، وَيُقَالُ: فتُعْقَى، فَمَنْ رَوَاهُ فتُعْقِيَ عَلَى تُفْعِل فَمَعْنَاهُ فتَشْتَدَّ مرارَتُك، وَمَنْ رَوَاهُ فتُعْقَى فَمَعْنَاهُ فتُلْفَظَ لمرارَتِكَ. وأَعْقَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَزَلْته مِنْ فِيكَ لِمَرارَتِه، كَمَا تقولُ: أَشْكَيْتُ الرجلَ إِذَا أَزَلْتَه عَمَّا يَشْكُو. وَفِي النَّوَادِرِ: يُقَالُ مَا أَدْري مِنْ أَيْنَ عُقِيَت وَلَا مِنْ أَيْنَ طُبِيت، واعْتُقِيَت واطُّبِيت، وَلَا مِنْ أَيْنَ أُتِيت وَلَا مِنْ أَيْنَ اغْتُيِلْت بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ الأَزهري: وَجْهُ الْكَلَامِ اغْتِلْت. وبَنُو العِقْيِ: قبيلةٌ وهُم العُقَاةُ.
(15/81)

عكا: العُكْوَة: أَصلُ اللِّسانِ، والأَكثر العَكَدَة. والعَكْوَة: أَصلُ الذَّنَب، بِفَتْحِ الْعَيْنِ، حيثُ عَرِيَ مِنَ الشَّعَر مِنْ مَغْرِز الذَّنَب، وَقِيلَ فِيهِ لغتان: عَكْوَة [عُكْوَة]، وَجَمْعُهَا عُكىً وعِكَاءٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
هَلَكْتَ، إِنْ شَرِبْتَ فِي إكْبابها، ... حتَّى تُوَلِّيك عُكَى أَذْنابِها
قَالَ ابْنُ الأَعرابي: وَإِذَا تَعَطَّف ذَنَبُه عِنْدَ العَكْوَة وتعَقَّد قيلَ بَعِيرٌ أَعْكَى. وَيُقَالُ: بِرْذَوْنٌ مَعْكُوٌّ؛ قَالَ الأَزهري: وَلَوِ استعْمِل الفعلُ فِي هَذَا لقِيل عَكِيَ يَعْكَى فَهُوَ أَعْكَى، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ. وعَكَا الذَّنَبَ عَكْواً: عَطَفَه إِلَى العُكْوة وعَقَده. وعَكَوْتُ ذَنَبَ الدابةِ، وعَكَى الضَّبُّ بذَنَبِه: لَوَاهُ، والضَّبُّ يَعْكُو بذَنَبِه يَلْويه ويَعْقِدُه هُنَالِكَ. والأَعْكَى: الشَّدِيدُ العُكْوة. وشاةٌ عَكْواءُ: بيضاءُ الذَّنَبِ وسائِرُها أَسْودُ وَلَا فِعْلَ لَهُ وَلَا يَكُونُ صِفَةً للمذكَّر، وَقِيلَ: الشاةُ الَّتِي ابْيَضَّ مؤَخَّرُها واسْودَّ سائرُها. وعُكْوَةُ كلِّ شيءٍ: غِلَظُه ومُعْظَمُه. والعُكْوَة: الحُجْزة الغَلِيظة. وعَكا بِإِزَارِهِ عَكْواً: أَعْظَم حُجْزَتَه وغَلَّظها. وعَكَت الناقةُ والإِبل تَعْكُو عَكْواً: غَلُظَت وسَمِنَتْ مِنَ الرَّبِيعِ واشتَدَّتْ مِنَ السِّمَنِ. وإبلٌ مِعْكَاءٌ: غَلِيظة سَمينة مُمْتَلِئَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَكْثُر فيكونُ رأْس ذَا عِنْدَ عُكْوَة ذَا؛ قَالَ النَّابِغَةُ:
الواهِب المائَةَ المِعْكاءَ زَيَّنَها السَّعدانُ ... يُوضح فِي أَوْبارِها اللِّبَدِ «5»
ابْنُ السِّكِّيتِ: المِعْكَاءُ، عَلَى مِفْعالٍ، الإِبلُ الْمُجْتَمِعَةُ، يُقَالُ: مِائَةٌ مِعْكَاءٌ، ويُوضِحُ: يُبَيِّنُ فِي أَوْبارِها إِذَا رُعِيَ فَقَالَ المائةَ المِعْكَاءَ أَي هِي الغِلاظُ الشِّداد، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ؛ قَالَ أَوس:
الواهِب المائةَ المِعْكَاءَ يَشْفَعُها، ... يَومَ الفِضالِ، بأُخْرَى، غَيْرِ مجْهُود
والعَاكِي: الشادُّ، وَقَدْ عَكا إِذَا شَدَّ، وَمِنْهُ عَكْوُ الذَّنَبِ وَهُوَ شَدُّه. والعُكْوَةُ: الوَسَط لغِلَظِه. وَالْعَاكِي: الغَزَّالُ الَّذِي يبِيع العُكَى، جَمْعُ عُكْوَة، وَهِيَ الغَزْلُ الَّذِي يَخْرُج مِنَ المِغْزَلِ قبلَ أَن يُكَبَّبَ عَلَى الدُّجاجة، وَهِيَ الكُبَّة. وَيُقَالُ: عَكَا بإزارِه يَعْكُو عُكِيّاً أَغْلَظَ مَعْقِدَه، وَقِيلَ: إِذَا شَّده قالِصاً عَنْ بَطْنِه لئَلَّا يَسْتَرْخِيَ لِضِخَمِ بَطْنِهِ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
شُمٌّ مَخامِيضُ لَا يَعْكون بالأُزُرِ
يَقُولُ: لَيْسُوا بِعظام الْبُطُونِ فَيَرْفَعُوا مآزِرَهُم عَنِ البطونِ وَلَكِنَّهُمْ لِطافُ الْبُطُونِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ عَكْوانُ مِنَ الشَّحْمِ، وامرأَة مُعَكِّيةٌ. وَيُقَالُ: عَكَوْتُه فِي الْحَدِيدِ والوَثاقِ عَكْواً إِذَا شَدَدْتَه؛ قَالَ أُمَيَّة يَذْكُرُ مُلْك سُلَيْمَانَ:
أَيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكَاهُ، ... ثُمَّ يُلْقى فِي السِّجنِ والأَغْلالِ
والأَعْكَى: الغلِيظُ الجَنْبَين؛ عَنْ ثَعْلَبٍ، فأَمَّا قَوْلُ ابنةِ الخُسِّ حِينَ شاوَرَ أَبوها أَصحابه فِي شِراءِ فَحْلٍ: اشْتَرِهِ سَلْجَمَ اللَّحْييَنِ أَسْحَجَ الخَدَّيْن غائرَ العَيْنَين أَرْقَبَ أَحْزَمَ أَعْكَى أَكْوَمَ، إنْ عُصِيَ غَشَمَ وَإِنْ أُطِيعَ اجْرَنْثَمَ؛ فَقَدْ يكونُ الغَلِيظَ العُكْوةِ الَّتِي هِيَ أَصلُ الذَّنَبِ، ويكونُ الغَلِيظَ الجَنْبَين والعَظيمَ الوَسَط، والأَحْزَمُ والأَرْقَبُ والأَكْوَمُ كلٌّ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. والعَكْوَةُ والعُكْوَةُ جَمِيعًا: عَقَبٌ يُشَقُّ ثُمَّ يُفتَل فَتْلَين
__________
(5). في رواية ديوان النابغة: تُوضِحُ بدل يُوضِح، وهو اسم موضع.
(15/82)

كَمَا يُفْتَلُ المِخراقُ. وعَكَاهُ عَكْواً: شدَّه. وعَكَّى عَلَى سَيْفِهِ ورُمحِه: شدَّ عَلَيْهِمَا عِلْباءً رَطْباً. وعَكا بخُرْئِه إِذَا خرَج بعضُه وبَقِي بَعضٌ. وعَكَّى: مَاتَ. قَالَ الأَزهري: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا ماتَ عَكَّى وقَرضَ الرِّباطَ. والعَاكِي: المَيّت. وعَكَّى الدخانُ: تَصَعَّد فِي السماءِ؛ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ كَعَيَ: الأَعْكَاءُ العُقَد. وعَكَا بِالْمَكَانِ: أَقَامَ. وعَكَتِ المرأَة شَعَرَها إِذَا لَمْ تُرْسِلْه، وَرُبَّمَا قَالُوا: عَكَا فُلَانٌ عَلَى قَوْمِهِ أَي عَطَف، مثلُ قولِهِم عَكَّ عَلَى قَوْمِه. الْفَرَّاءُ: العَكِيُّ مِنَ اللَّبن المَحْضُ. والعَكِيُّ مِنْ أَلْبَانِ الضَّأْنِ: مَا حُلِبَ بعضُه عَلَى بعضٍ، وَقَالَ شَمِرٌ: العَكِيُّ الخاثِر؛ وأَنشد لِلرَّاجِزِ:
تَعَلَّمَنْ، يَا زيدُ يَا ابنَ زَيْنِ، ... لَأُكْلَةٌ مِنْ أَقِطٍ وسَمْنِ،
وشَرْبَتانِ مِنْ عَكِيِّ الضأْنِ، ... أَحْسَنُ مَسّاً فِي حَوايا البَطْنِ
مِنْ يَثْرَبِيَّاتٍ قِذاذٍ خُشْنِ، ... يَرْمي بِهَا أَرْمى مِنِ ابنِ تِقْنِ
قَالَ شَمِرٌ: النِّيُّ مِنَ اللَّبَنِ ساعَة يُحْلَب، والعَكِيُّ بعد ما يَخْثُر، والعَكِيُّ وَطْبُ اللَّبن.
علا: عُلْو كُلِّ شَيْءٍ وعِلْوه وعَلْوُه وعُلاوَتُه وعَالِيه وعالِيَتُه: أَرْفَعُه، يَتَعَدَّى إِلَيْهِ الفعلُ بحَرْف وَبِغَيْرِ حَرْف كَقَوْلِكَ قَعَدْتُ عُلْوه وَفِي عُلْوِه. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: سِفْلُ الدَّارِ وعِلْوُها وسُفْلُها وعُلْوُها، وَعَلَا الشيءُ عُلُوًّا فَهُوَ عَلِيٌّ، وعَلِيَ وتَعَلَّى؛ وَقَالَ بَعْضُ الرُّجَّاز:
وإنْ تَقُلْ: يَا لَيْتَه اسْتَبلَّا ... مِن مَرَضٍ أَحْرَضَه وبَلَّا،
تَقُلْ لأَنْفَيْهِ وَلَا تَعَلَّى
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عنِّي
أَي يَتَرَفَّع عليَّ. وعَلاه عُلُوّاً واسْتَعْلاه واعْلَوْلاه، وعَلا بِهِ وأَعْلاهُ وعَلَّاهُ وعَالاه وعَالَى بِهِ؛ قَالَ:
كالثِّقْلِ إِذْ عَالَى بِهِ المُعَلِّي
وَيُقَالُ: عَلا فلانٌ الجَبَلَ إِذَا رَقِيَه يَعْلُوه عُلُوّاً، وعَلا فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَهَرَه. والعَلِيُّ: الرَّفيعُ. وتَعَالَى: تَرَفَّع؛ وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
عَلَوْناهُمُ بالمَشْرَفيِّ، وعُرِّيَتْ ... نِصالُ السُّيوفِ تَعْتَلِي بالأَماثِلِ
تَعْتَلي: تَعْتَمِد، وَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ لأَنه فِي مَعْنَى تَذهَب بِهِمْ. وأَخذَه مِنْ عَلِ وَمِنْ عَلُ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرَّكوه كَمَا حَرَّكوا أَوَّلُ حِينَ قَالُوا ابْدَأْ بِهَذَا أَوَّلُ، وَقَالُوا: مِنْ عَلا وعَلْوُ، وَمِنْ عالٍ ومُعالٍ؛ قَالَ أَعْشى باهِلَة:
إنِّي أَتَتْني لِسانٌ لَا أُسَرُّ بِهَا، ... مِنْ عَلْوُ لَا عَجَبٌ مِنْهَا، وَلَا سَخَرُ
ويُرْوَى: مِنْ عَلْوِ وعَلْوَ أَي أَتاني خَبرٌ مِنْ أَعْلى؛ وأَنشد يَعْقُوبُ لدُكَيْن بنِ رجاءٍ فِي أَتيتُه مِنْ عالٍ:
يُنْجِيِه، مِنْ مثلِ حَمامِ الأَغْلالْ، ... وَقْعُ يَدٍ عَجْلى ورِجْلٍ شِمْلالْ،
ظَمأَى النَّسَا مِنْ تَحْتُ رَيَّا منْ عالْ
يَعْنِي فَرَسًا؛ وَقَالَ ذُو الرمَّة فِي مِن مُعال:
فَرَّجَ عَنْهُ حَلَقَ الأَغلالِ ... جَذْبُ العُرىَ وجِرْيةُ الجِبالِ،
ونَغَضانُ الرَّحْلِ مِنْ مُعالِ
(15/83)

أَراد فَرَّج عَنْ جَنِين النَّاقَةِ حَلَقَ الأَغْلالِ، يَعْنِي حَلَق الرحِمِ، سَيرُنا، وَقِيلَ: رَمَى بِهِ مِنْ عَلِ الجبَل أَي مِنْ فَوْقِه؛ وَقَوْلُ الْعِجْلِيِّ:
أَقَبُّ مِنْ تَحْتُ عَرِيضٌ مِن عَلِي
إِنَّمَا هُوَ مَحْذُوفُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لأَنه مَعْرِفَةٌ وَفِي موضِع المبنِيِّ عَلَى الضَّمِّ، أَلا تَرَاهُ قابَل بِهِ مَا هَذِهِ حالُه وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ تَحْتُ، وَيَنْبَغِي أَن تُكْتَب عَلي فِي هَذَا الموضِع بِالْيَاءِ، وَهُوَ فَعِلٌ فِي مَعْنَى فاعِلٍ، أَي أَقَبُّ مِنْ تحتِه، عريضٌ مِنْ عالِيه: بِمَعْنَى أَعْلاه. والعَالِي والسافلُ: بِمَنْزِلَةِ الأَعْلى والأَسْفل؛ قَالَ:
مَا هُوَ إِلَّا المَوتُ يَغْلي غالِيهْ ... مُخْتَلِطاً سافِلُه بعَالِيَهْ،
لا بُدَّ يَوْمًا أَنَّني مُلاقِيه
وَقَوْلُهُمْ: جئتُ مِنْ عَلُ أَي مِنْ أَعْلى كَذَا. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ أَتَيْته مِنْ عَلُ، بِضَمِّ اللَّامِ، وأَتَيته مِنْ عَلُو، بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وأَتيته مِن عَلِي بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ، وأَتيته مِنْ عَلْوُ، بِسُكُونِ اللَّامِ وَضَمِّ الْوَاوِ، وَمِنْ عَلْوَ وَمِنْ عَلْوِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ أَتيتُه مِنْ عَلِ الدارِ، بِكَسْرِ اللَّامِ، أَي مِنْ عالٍ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا، ... كجلمودِ صَخْرٍ حَطَّه السَّيلُ مِنْ عَلِ
وأَتيتُه مِنْ عَلا؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ:
باتَتْ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشاً مِن عَلا، ... نَوْشاً بِهِ تَقْطَعُ أَجْوازَ الفَلا
وأَتَيْتُه مِنْ عَلُ، بِضَمِّ اللامِ؛ أَنشد يَعْقُوبُ لعَدِيّ بْنِ زَيْدٍ:
فِي كِناسٍ ظاهِرٍ يَسْتُرُه، ... مِنْ عَلُ الشَّفَّان، هُدَّابُ الفَنَنْ
وأَما قَوْلُ أَوس:
فَمَلَّكَ باللِّيطِ الَّذِي تحتَ قِشْرِها، ... كغِرْقئِ بَيْضٍ كَنَّه القَيْضُ مِنْ عَلُو
فَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ، وَهِيَ لإِطلاقِ الْقَافِيَةِ وَلَا يجوزُ مثلُه فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ
؛ قُرِئَ عالِيَهُمْ
بِفَتْحِ الْيَاءِ،
وعَالِيهِم
بِسُكُونِهَا، قَالَ: فمَن فتَحها جَعَلها كَالصِّفَةِ فوقَهم، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ قَوْمُك داخِلَ الدارِ، فيَنْصِبون داخلَ لأَنه محَلٌ، فعالِيَهُم مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَا نَعْرِفُ عالِيَ فِي الظُّرُوفِ، قَالَ: ولعلَّ الفراء سمع بِعالي فِي الظُّرُوفِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ ظَرْفًا لَمْ يَجُزْ إِسْكَانُ الْيَاءِ، وَلَكِنَّهُ نَصَبه عَلَى الْحَالِ مِنْ شَيْئَيْنِ: أَحدُهما مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ
؛ أَيْ فِي حالِ عُلُوِّ الثِّيَابِ إِيَّاهُمْ، قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الوِلْدان، قَالَ: وَالنَّصْبُ فِي هَذَا بَيِّنٌ، قَالَ: وَمَنْ قرأَ
عالِيهِم
فرفْعُه بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ ثِيابُ سُندُسٍ، قَالَ: وَقَدْ قُرِئَ
عالِيَتَهُمْ
، بِالنَّصْبِ،
وعالِيَتُهم
، بِالرَّفْعِ وَالْقِرَاءَةُ بِهِمَا لَا تَجُوزُ لِخِلَافِهِمَا الْمُصْحَفَ، وَقُرِئَ:
عَلَيْهم ثيابُ سُنْدُسٍ
، وَتَفْسِيرُ نَصْبِ
عالِيَتَهُم
وَرَفْعِهَا كَتَفْسِيرِ عالِيَهُمْ
وعالِيهم.
والمُسْتَعْلِي مِنَ الْحُرُوفِ سَبْعَةٌ وَهِيَ: الخاءُ وَالْغَيْنُ وَالْقَافُ وَالضَّادُ وَالصَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الحروفَ فمنخفِض، وَمَعْنَى الاسْتِعْلاء أَن تَتَصَعَّد فِي الحَنَك الأَعلى، فأَربعةٌ مِنْهَا مَعَ اسْتِعْلَائِهَا إطْباقٌ، وأَما الْخَاءُ والغينُ وَالْقَافُ فَلَا إِطْبَاقَ مَعَ اسْتِعْلَائِهَا. والعَلاءُ: الرِّفْعَة. والعلاءُ: اسْمٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ بِالْوَضْعِ دُونَ اللَّامِ، وَإِنَّمَا أُقِرَّت اللامُ بَعْدَ النَّقل وَكَوْنُهُ علَماً مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ الْوَصْفِ فِيهَا قبلَ النَّقْلِ، ويدلُّ عَلَى تَعَرُّفِه بِالْوَضْعِ قولُهُم أَبو
(15/84)

عَمْرِو بنُ العَلاء، فطَرْحُهم التنوينَ مِنْ عَمْرو إِنَّمَا هُوَ لأَنَّ ابْنًا مضافٌ إِلَى العَلَم، فجرَى مَجْرَى قولِك أَبو عمرِو بنُ بَكْرٍ، وَلَوْ كَانَ العَلاء مُعَرَّفاً باللامِ لَوَجَبَ ثُبُوتُ التَّنْوِينِ كَمَا تُثْبته مَعَ مَا تعرَّف بِاللَّامِ، نَحْوِ جاءَني أَبو عمرٍ وابن الغُلامِ وأَبو زيدٍ ابنُ الرجلِ، وَقَدْ ذهَب عَلاءً وعَلْواً. وعَلا النهارُ واعْتَلَى واسْتَعْلَى: ارْتَفَعَ. والعُلُوُّ: العَظَمة والتَّجَبُّر. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُسْلِمٌ البَطِين فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
؛ قَالَ: العُلُو التكبُّر فِي الأَرض، وَقَالَ الْحَسَنُ: الفَسادُ المَعاصي، وَقَالَ مُسْلِمٌ: الفَسادُ أَخذ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
؛ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَن مَعْنَاهُ طَغَى فِي الأَرض. يُقَالُ: عَلا فلانٌ فِي الأَرض إِذَا اسْتَكْبَرَ وطَغَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
؛ مَعْنَاهُ لَتَبْغُنّ ولَتَتَعَظَّمُنّ. وَيُقَالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّر: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ. واللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ العَلِيّ المُتَعَالِي العَالِي الأَعْلَى ذُو العُلا والعَلاء والمَعَالِي، تَعالى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيرًا، وَهُوَ الأَعْلى سُبْحَانَهُ بِمَعْنَى الْعَالِي، وَتَفْسِيرُ تَعالَى جلَّ ونَبَا عَنْ كلِّ ثناءٍ فَهُوَ أَعظم وأَجلُّ وأَعْلى مِمَّا يُثنى عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ قَالَ الأَزهري: وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ يَقْرُب بعضُها مِنْ بَعْضٍ، فالعَلِيُّ الشَّرِيفُ فَعِيل مِنْ عَلا يَعْلُو، وَهُوَ بِمَعْنَى العالِي، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ. وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِي عَلا الخلقَ فَقَهَرهم بِقُدْرَتِهِ. وأَما المُتَعَالي: فَهُوَ الَّذِي جَلَّ عَنْ إفْكِ المُفْتَرِين وتَنَزَّه عَنْ وَساوس المتحيِّرين، وَقَدْ يَكُونُ المُتَعَالِي بِمَعْنَى الْعَالِي. والأَعْلَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ أَعْلى مِنْ كُلِّ عالٍ وَاسْمُهُ الأَعْلى أَي صَفَتُهُ أَعْلى الصِّفَاتِ، والعَلاءُ: الشرفُ، وَذُو العُلا: صَاحِبُ الصِّفَاتِ العُلا، والعُلا: جَمْعُ العُلْيا أَي جَمْعُ الصِّفَةِ العُليا وَالْكَلِمَةِ العلْيا، وَيَكُونُ العُلى جَمْعُ الِاسْمِ الأَعْلى، وصفةُ اللَّهِ العُلْيا شهادةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، فَهَذِهِ أَعلى الصِّفَاتِ، وَلَا يُوصَفُ بِهَا غَيْرُ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَلِيّاً عَالِيًا مُتَعَالِيًا، تَعَالَى اللهُ عَنْ إِلحاد المُلْحدِين، وَهُوَ العَليُّ الْعَظِيمُ. وعَلا فِي الجبَل والمَكان وَعَلَى الدابَّةِ وكلِّ شَيْءٍ وعَلاهُ عُلُوّاً واسْتَعْلاه واعْتَلاه مثلُه، وتَعَلَّى أَي عَلا فِي مُهْلة. وعَلِيَ، بِالْكَسْرِ، فِي المَكارِم والرِّفْعة والشَّرَف يَعْلَى عَلاءً، وَيُقَالُ أَيضاً: عَلا، بِالْفَتْحِ، يَعْلى؛ قَالَ رُؤْبَةُ فَجَمَع بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:
لَمَّا عَلا كَعْبُك لِي عَلِيتُ، ... دَفْعك دَأْداني وَقَدْ جَوِيتُ «1»
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: كَذَا أَنشده يَعْقُوبُ وأَبو عُبَيْدٍ: عَلا كَعْبُك لِي؛ وَوَجْهُهُ عِنْدِي عَلا كَعْبُكَ بِي أَي أَعْلاني، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ وَالْبَاءَ يَتَعاقبان، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ عَلا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَيُقَالُ: فُلَانٌ تَعْلو عَنْهُ العَينُ بِمَعْنَى تَنْبو عَنْهُ العَين، وَإِذَا نَبا الشيءُ عَنِ الشَّيْءِ وَلَمْ يَلْصَقْ بِهِ فَقَدْ عَلا عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
تَعْلُو عنهُ الْعَيْنُ
أَي تَنْبو عَنْهُ وَلَا تَلْصَق بِهِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ: وَكَانُوا بِهِمْ أَعْلَى عَيْناً أَي أَبصَرَ بِهِمْ وأَعْلَم بحالِهِم. وَفِي حَدِيثِ
قَيْلَةَ: لَا يزالُ كعْبُكِ؛ عالِياً أَي لَا تزالِين شَرِيفَةً مرتَفِعة عَلَى مَنْ يعادِيكِ.
وَفِي حَدِيثِ
حمنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: كَانَتْ تَجْلِسُ فِي المِرْكَنِ ثُمَّ تَخْرُج وَهِيَ عَالِيَة الدَّمِ
أَي يَعْلُو دَمُها الماءَ. واعْلُ عَلَى الوِسادة أَي اقْعُد عَلَيْهَا، وأَعْلِ عَنْهَا أَي انْزِلْ عَنْهَا؛ أَنشد أَبو بَكْرٍ الإِياديّ لامرَأة مِنَ الْعَرَبِ عُنِّنَ عَنْها زوجُها:
__________
(1). قوله [دأداني وقد جويت] هكذا في الأَصل.
(15/85)

فَقَدْتُك مِنْ بَعْلٍ، عَلامَ تَدُكُّني ... بصَدْرِكَ؟ لَا تُغْني فَتِيلًا وَلَا تُعْلي
أَي لَا تَنْزِل وأَنت عاجزٌ عَنِ الإِيلاجِ. وعالِ عنِّي وأَعْلِ عَنِّي: تَنَحَّ. وعالِ عَنَّا أَي اطْلُبْ حاجَتك عندَ غَيْرِنَا فإِنَّا نَحْن لَا نَقْدِرُ لَكَ عَلَيْهَا، كأَنك تَقُولُ تَنَحَّ عنَّا إِلى مَن سِوانا. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلَمَّا وضَعْتُ رِجْلي عَلَى مُذَمَّر أَبي جَهْل قال أَعْلِ عَنِّجْ
أَي تَنَحَّ عَنِّي، وأَراد بِعَنِّجْ عَنِّي، وَهِيَ لُغَةُ قَوْمٍ يَقْلِبُونَ الْيَاءَ فِي الوَقْف جِيمًا. وعالِ عليَّ أَي احْمِلْ؛ وَقَوْلُ أُميَّة بْنِ أَبي الصَّلْت:
سَلَعٌ مَّا، ومِثْلُه عُشَرٌ مَّا ... عائِلٌ مَّا، وعالَتِ البَيْقُورا
أَي أَنَّ السَّنَة الجَدْبة أَثْقَلَت البَقَر بِمَا حُمِّلَتْ مِنَ السَّلَع والعُشَر. وَرَجُلٌ عَالِي الكَعْبِ: شريفٌ ثابتُ الشَرف عَالِي الذِّكْر. وَفِي حَدِيثِ أُحدٍ: قَالَ
أَبو سُفْيَانَ لمَّا انْهزَم الْمُسْلِمُونَ وظَهروا عَلَيْهِمُ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللهُ أَعْلى وأَجَلّ، فَقَالَ لعُمَر: أَنْعَمَتْ، فَعالِ عَنْهَا
؛ كَانَ الرجلُ مِنْ قريشٍ إِذا أَراد ابْتِداءَ أَمْرٍ عمَد إِلى سَهْمَيْن فكَتَب عَلَى أَحدِهما نَعَمْ، وَعَلَى الْآخَرِ لَا، ثُمَّ يتَقَدَّم إِلى الصَّنَم ويُجِيلُ سِهامَه، فإِن خَرج سَهْمُ نَعَمْ أَقْدَم، وإِن خَرَج سَهْم لَا امْتَنَع، وَكَانَ أَبو سُفْيَانَ لَمَّا أَراد الخُروجَ إِلى أُحدٍ اسْتَفْتى هُبَلَ فخَرَج لَهُ سَهْمُ الإِنْعامِ، فَذَلِكَ
قَوْلُهُ لعُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنْعَمَتْ فَعالِ
أَي تَجافَ عَنْها وَلَا تَذْكُرْها بسُوءٍ، يَعْنِي آلهَتَهم. وَفِي حديثٍ:
اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى
، العُلْيا المَتَعَفِّفة والسُّفْلى السَّائِلَةُ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ورُوِيَ عَنْهُ
أَنها المُنْفِقة
، وَقِيلَ: العُلْيا المُعْطِيَة والسُّفْلى الآخِذة، وَقِيلَ: السُّفْلى المانِعة. والمَعْلاة: كَسْبُ الشَّرَف؛ قَالَ الأَزهري: المَعْلاة مَكْسَبُ الشَّرَف، وَجَمْعُهَا المَعالي. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ فِي وَاحِدَةِ المَعالي مَعْلُوَة. ورَجُلٌ عَلِيٌّ أَي شَرِيفٌ، وَجَمْعُهُ عِلْيةٌ. يُقَالُ: فُلَانٌ مِنْ عِلْيَة النَّاسِ أَي مِنْ أَشرافهم وجِلَّتِهم لَا مِنْ سِفْلَتهم، أَبدلوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً لِضِعْفِ حَجْز اللَّامِ السَّاكِنَةِ، وَمِثْلُهُ صبيٌّ وصبِيْة، وَهُوَ جَمْعُ رجُل عَليٍّ أَي شَريف رَفيعٍ. وفلانٌ مِنْ عِلِّيَّةِ قَوْمِه «2» وعِلِيِّهم وعُلِيِّهِم أَي فِي الشَّرَفِ والكَثْرة. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ رَجلٌ عَليٌّ أَي صُلْبٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُلِّ عَليٍّ قُصَّ أَسْفَل ذَيْلِه، ... فشَمَّرَ عَنْ ساقٍ وأَوْظِفَةٍ عُجْرِ
وَيُقَالُ: فَرَسٌ عَلِيٌّ. والعِلِّيَّة والعُلِّيَّة جَمِيعًا: الغُرفة عَلَى بِنَاءِ حُرِّية، قَالَ: وَهِيَ فِي التَّصْرِيفِ فُعُّولةٌ، وَالْجَمْعُ العَلاليُّ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ فُعِّيلة مثلُ مُرِّيقةٍ، وأَصلُه عُلِّيْوَة، فأُبْدِلَت الواوُ يَاءً وأُدغمت لأَنَّ هَذِهِ الْوَاوَ إِذا سَكَن مَا قَبْلَهَا صَحَّت، كَمَا يُنْسب إِلى الدَّلْوِ دَلْوِيٌّ، قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هِيَ العِلِّيَّة، بِالْكَسْرِ، عَلَى فِعِّيلة، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُها مِنَ المُضاعف، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعِّيلة. وَقَالَ الأَصمعي: العِلِّيُّ جَمْعُ الغُرَفِ، وَاحِدَتُهَا عِلِّيَّة؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
وبِيعَة لِسُورها عِلِيُ
وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: العَلاليُّ مِنَ الْبُيُوتِ وَاحِدَتُهَا عِلِّيَّة، قَالَ: وَوَزَنَ عِلِّيَّة فِعِّيلة، الْعَيْنُ شَدِيدَةٌ. قَالَ الأَزهري: وعِلِّيَّة أَكثر مِنْ عُلِّيَّة. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فارْتَقَى عُلِّيَّة
، هُوَ مِنْ ذَلِكَ،
__________
(2). قوله [من عِلِّيَّةِ قومه إلخ] هو بتشديد اللام والياء في الأصل.
(15/86)

بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا. وعَلا بِهِ وأَعْلاهُ وعَلَّاه: جَعَلَه عَالِيًا. والعَالِيَة: أَعْلى القَناةِ، وأَسْفَلُها السافِلةُ، وَجَمْعُهَا العَوَالِي، وَقِيلَ: العَالِيَة القَناة الْمُسْتَقِيمَةُ، وَقِيلَ: هُوَ النصفُ الَّذِي يَلي السِّنانَ، وَقِيلَ: عالِيَة الرُّمْح رأْسُه؛ وَبِهِ فَسَّرَ السُّكَّري قَوْلَ أَبي ذُؤيْب:
أَقَبَّا الكُشُوحِ أَبْيَضانِ كِلاهما، ... كعَالِيَة الخَطِّيِّ وَارِي الأَزانِدِ
أَي كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا كرأْسِ الرُّمْح فِي مُضِيِّه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ: أَخذت بعَالِيَةِ رُمْحٍ
، قَالَ: وَهِيَ مَا يَلي السِّنانَ مِنَ القَناةِ. وعَوَالِي الرِّمَاحِ: أَسِنَّتُها، واحدتُها عاليةٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الخَنْساءِ حِينَ خَطَبَهَا دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّة: أَتَرَوْنَني تارِكةً بَني عَمِّي كأَنهم عَوَالِي الرِّماح ومُرْتَثَّةً شَيْخَ بَنِي جُشَم؛ شَبَّهَتْهم بعَوَالِي الرِّماح لطَراءة شَبابهم وَبَرِيقِ سَحْنائهم وحُسْن وُجُوهِهِمْ، وَقِيلَ: عَالِيَة الرُّمْحِ مَا دَخَل فِي السِّنانِ إِلى ثُلُثِه، والعَالِيَةُ: مَا فَوْقَ أَرض نَجْدٍ إِلى أَرض تِهامَةَ وإِلى مَا وَرَاءَ مَكَّةَ، وَهِيَ الْحِجَازُ وَمَا وَالاها، وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ العَالِيَة والعَوَالِي فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهِيَ أَماكِنُ بأَعْلى أَراضي الْمَدِينَةِ وأَدْناها مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَربعةِ أَمْيالٍ، وأَبعَدُها مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ ثَمَانِيَةٌ، وَالنَّسَبُ إِليها عَالِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ، وعُلْوِيٌّ نَادِرٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ:
أَأَنْ هَبَّ عُلْوِيٌّ يُعَلِّل فِتْيَةً، ... بِنَخْلَةٍ وَهْناً، فَاضَ مِنْكَ المَدامعُ
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَجَاءَ أَعرابيٌّ عُلْويٌّ جافٍ.
وَعَالُوا: أَتَوُا العَالِيَة. قَالَ الأَزهري: عَالِيَة الْحِجَازِ أَعلاها بَلَدًا وأَشرفُها مَوْضِعًا، وَهِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ، وإِذا نَسَبُوا إِليها قِيلَ عُلْوِيٌّ، والأُنثى عُلْوِيَّة. وَيُقَالُ: عَالَى الرجلُ وأَعْلَى إِذا أَتى عالِية الْحِجَازِ ونَجْدٍ؛ قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبي خَازِمٍ:
مُعالِيَة لَا هَمَّ إِلَّا مُحَجَّرٌ، ... وحَرَّة لَيلى السَّهْلُ مِنْهَا فَلُوبُها
وحَرَّة لَيْلى وحَرَّة شَوْران وحَرَّة بَنِي سُلَيم فِي عالِية الْحِجَازِ، وَعَلَى السطحَ عَلْياً وعِلْياً، «1». وَفِي حَرْفِ
ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ظُلْماً وعِلْياً
؛ كُلُّ هَذَا عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَعَلَى: حَرْفُ جَرٍّ، وَمَعْنَاهُ اسْتِعْلاء الشيءِ، تَقُولُ: هَذَا عَلَى ظَهْرِ الْجَبَلِ وعَلَى رأْسه، وَيَكُونُ أَيضاً أَن يَطْوي مُسْتَعْلِياً كَقَوْلِكَ: مَرَّ الماءُ عَلَيْهِ وأَمْررْت يَدِي عَلَيْهِ، وأَما مَرَرْت عَلَى فُلَانٍ فَجَرى هَذَا كَالْمَثَلِ. وَعَلَيْنَا أَميرٌ: كَقَوْلِكَ عَلَيْهِ مالٌ لأَنه شَيْءٌ اعْتَلاهُ، وَهَذَا كالمثَل كَمَا يَثْبُت الشيءُ عَلَى الْمَكَانِ كَذَلِكَ يَثْبُت هَذَا عَلَيْهِ، فَقَدْ يَتَّسِع هَذَا فِي الْكَلَامِ، وَلَا يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ مَالٌ لأَنه شَيْءٌ اعْتَلاه أَنَّ اعْتَلاه مِنْ لَفْظِ عَلَى، إِنما أَراد أَنها فِي مَعْنَاهَا وَلَيْسَتْ مِنْ لفظها، وكيف يظن بسيبويه ذَلِكَ وعَلى مِنْ ع ل ي واعْتَلاه مِنْ ع ل و؟ وَقَدْ تأْتي عَلَى بِمَعْنَى فِي؛ قَالَ أَبو كَبِيرٍ الهُذَلي:
ولَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلامِ بِمِغْشَمٍ ... جَلْدٍ مِنَ الفِتْيانِ، غَيْرِ مُهَبَّل
أَي فِي الظَّلَامِ. وَيَجِيءُ عَلَى فِي الْكَلَامِ وَهُوَ اسْمٌ، وَلَا يَكُونُ إِلا ظَرْفًا، ويَدُلُّك عَلَى أَنه اسْمٌ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ نَهَضَ مِنْ عَلَيْه؛ قَالَ مُزَاحِمٌ العُقَيْلي:
__________
(1). قوله [وعلياً] هكذا في الأصل والمحكم بكسر العين وسكون اللام، وكذلك فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وفي القاموس وشرحه: والعِلِيّ بكسرتين وشد الياء العلو ومنه
قراءة ابن مسعود ظلماً وعِلِيّاً
انتهى. يعني بكسر العين واللام وتشديد الياء
(15/87)

غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ ما تَمَّ ظِمْؤُها، ... تَصِلُّ وعَنْ قَيْضٍ بزِيزاء مَجْهَل
وَهُوَ بِمَعْنَى عِنْد؛ وَهَذَا الْبَيْتُ مَعْنَاهُ غَدَتْ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
فإِذا انْقَطَعَ مِنْ عَلَيها رَجع إِليه الإِيمانُ
أَي منْ فَوْقها، وَقِيلَ منْ عِنْدَهَا. وَقَالُوا: رَمَيْتُ عَلَى الْقَوْسِ ورَمَيْت عَنْهَا، وَلَا يُقَالُ رَمَيْتُ بِهَا؛ قَالَ:
أَرْمِي عَلَيْها وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَع
وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ صامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْه جَهَنَّم
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: حَمَل بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظاهِره وَجَعَلَهُ عُقوبةً لِصَائِمِ الدَّهْرِ، كأَنه كَرِه صومَ الدَّهْرِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ منعُه عبدَ اللَّهِ بنَ عَمْرو عَنْ صومِ الدهرِ وكَراهيتُه لَهُ، وَفِيهِ بُعدٌ لأَنَّ صومَ الدَّهر بالجُمْلة قُرْبة، وَقَدْ صَامَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، والتابِعين، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَمَا يَسْتَحِقُّ فاعلُه تضييقَ جهَنَّم عَلَيْهِ؛ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلى أَن عَلَى هُنَا بِمَعْنَى عَنْ أَي ضُيِّقت عَنْه فَلَا يدخُلُها، وَعَنْ وعَلَى يَتداخلان؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
أَبي سُفْيَانَ: لَوْلَا أَن يأْثُروا عَلَيَّ الكَذِبَ لكَذَبْتُ
أَي يَروُوا عنِّي. وَقَالُوا: ثَبَتَ عَلَيْه مالٌ أَي كَثُرَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: عَلَيْه مالٌ، يُرِيدُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَا يُقَالُ لَهُ مالٌ إِلا مِنَ الْعَيْنِ كَمَا لَا يُقَالُ عَلَيْه مالٌ إِلَّا مِنْ غَيْرِ العَين؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى فِي الأَفعال الشَّاقَّةِ الْمُسْتَثْقَلَةِ، تَقُولُ: قَدْ سِرْنا عَشْراً وبَقِيَتْ عَلَيْنا لَيْلَتَانِ، وَقَدْ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وبَقِيَت عَلَيَّ مِنْهُ سُورَتَانِ، وَقَدْ صُمْنا عِشْرين مِنَ الشَّهْرِ وبَقِيَتْ عَلَيْنَا عَشْرٌ، كَذَلِكَ يُقَالُ فِي الِاعْتِدَادِ عَلَى الإِنسان بِذُنُوبِهِ وقُبح أَفعاله، وَإِنَّمَا اطَّرَدَتْ عَلَى فِي هَذِهِ الأَفعال مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَى فِي الأَصل للاسْتِعْلاءِ والتَّفَرُّع، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الأَحوال كُلَفاً، ومَشاقَّ تَخْفِضُ الإِنسانَ وتَضَعُه وتَعْلُوه وتَتَفَرَّعُه حَتَّى يَخْنَع لَهَا ويَخْضع لِمَا يَتَسَدَّاه مِنْهَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ عَلَى، أَلا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ هَذَا لَكَ وَهَذَا عَلَيْك، فَتُسْتَعْمَلُ اللامَ فِيمَا تُؤْثِره وعَلَى فِيمَا تَكْرَهُهُ؟ وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
سأَحْمِلُ نَفْسي عَلى آلةٍ، ... فإِمّا عَلَيْها وإِمَّا لَها
وعَلَيْكَ: مِنْ أَسماء الْفِعْلِ المُغْرى بِهِ، تَقُولُ عَلَيْك زَيْدًا أَي خُذْه، وعَلَيكَ بِزَيْدٍ كَذَلِكَ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ هَلُمَّ، وإِن كَانَ أَصله الِارْتِفَاعَ، وَفَسَّرَ ثَعْلَبٌ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْكَ بزيد فقال: لم يجيء بِالْفِعْلِ وَجَاءَ بِالصِّفَةِ فَصَارَتْ كَالْكِنَايَةِ عَنِ الْفِعْلِ، فكأَنك إِذا قُلْتَ عَلَيْك بِزَيْدٍ قُلْتَ افْعَلْ بِزَيْدٍ مِثْلَ مَا تُكَنِّي عَنْ ضَرَبْتُ فَتَقُولُ فعلتُ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
عَلَيْكُمْ بِكَذَا
أَي افْعَلُوه، وَهُوَ اسمٌ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى خُذْ، يُقَالُ: عَلَيْك زَيْدًا وعَلَيْك بزيدٍ أَي خُذْهُ. قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَيْسَ زَيْدًا مِنْ قَوْلِكَ عَلَيْكَ زَيْدًا مَنْصُوبًا بخُذ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عَليْك، إِنما هُوَ منصوبٌ بنفسِ عَليْك مِنْ حَيْثُ كَانَ اسْمًا لفعلٍ متعدٍّ. قَالَ الأَزهري: عَلى لَهَا معانٍ والقُرَّاء كُلُّهُمْ يُفَخِّمونها لأَنها حَرْفُ أَداة. قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ*
؛ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: مَعَ رَجُلٍ مِنْكُمْ، كَمَا تَقُولُ جَاءَنِي الخَيْرُ عَلَى وَجْهِكَ وَمَعَ وَجْهِكَ. وَفِي حَدِيثِ زَكَاةِ الفِطْر:
عَلَى كلِّ حُرٍّ وعبدٍ صاعٌ
، قَالَ: عَلَى بِمَعْنَى مَعَ لأَن الْعَبْدَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ وإِنما تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: عَلَيك ودونكَ وَعِنْدَكَ إِذا جُعِلْنَ أَخباراً فَعَنِ الأَسماء، كَقَوْلِكَ: عَلَيْكَ ثوبٌ وعندَك مالٌ وَدُونَكَ مالٌ، ويُجْعَلْنَ إِغْراءً فتُجْرى مُجْرى الْفِعْلِ
(15/88)

فيَنْصِبْنَ الأَسماء، كَقَوْلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا ودونَك وَعِنْدَكَ خَالِدًا أَي الزَمْه وخُذْه، وأَما الصفاتُ سواهُنَّ فَيَرْفَعْنَ إِذا جُعِلَت أَخباراً وَلَا يغْري بِهَا. وَيَقُولُونَ: عَلَيْه دَيْن، ورأَيته عَلَى أَوْفازٍ كأَنه يُرِيدُ النُّهُوض. وتَجِيء عَلَى بِمَعْنَى عَنْ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
؛ مَعْنَاهُ إِذا اكْتَالُوا عَنْهُم. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَلى لَهَا ثلاثةُ مواضعَ؛ قَالَ الْمُبَرِّدُ: هِيَ لَفْظَةٌ مشتَرَكة لِلِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ لَا أَن الِاسْمَ هُوَ الْحَرْفُ أَو الْفِعْلُ، وَلَكِنْ يَتَّفِق الاسمُ وَالْحَرْفُ فِي اللَّفْظِ، أَلا تَرى أَنك تَقُولُ عَلَى زيدٍ ثوبٌ، فَعَلَى هَذِهِ حرفٌ، وَتَقُولُ عَلا زَيْدًا ثوبٌ، فَعَلَا هَذِهِ فعلٌ مِنْ عَلا يَعْلُو؛ قَالَ طرَفة:
وتَساقى القَوْمُ كأْساً مُرَّةً، ... وعَلا الخَيْلَ دِماءٌ كالشَّقِرْ
وَيُرْوَى: عَلَى الْخَيْلِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَلف عَلا زَيْدًا ثوبٌ منقلبةٌ مِنْ وَاوٍ، إِلا أَنها تُقْلَبُ مَعَ الْمُضْمَرِ يَاءً، تَقُولُ عليكَ، وبعضُ الْعَرَبِ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
أَيّ قَلُوصِ راكبٍ تَراها، ... فاشْدُدْ بمَثْنَيْ حَقَبٍ حَقْواها
نادِيَةً ونادِياً أَباها، ... طارُوا عَلاهُنَّ فَطِرْ عَلاها
وَيُقَالُ: هِيَ بلغة بَلْحَرِثِ بْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَنشده أَبو زَيْدٍ:
ناجِيةً وناجِياً أَباها
قَالَ: وَكَذَلِكَ أَنشده الْجَوْهَرِيُّ فِي تَرْجَمَةِ نَجَا. وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: سأَلت أَبا عُبَيْدَةَ عَنِ هَذَا الشِّعْرِ فَقَالَ لِي: انْقُطْ عَلَيْهِ، هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُفَضَّلِ. وعَلَى: حَرْفٌ خَافِضٌ، وَقَدْ تَكُونُ اسْمًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفٌ؛ قَالَ يَزِيدُ بْنُ الطَّثَرِيَّة:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْه تَنْقُضُ الطَّلَّ، بعدَ ما ... رأَتْ حاجِبَ الشمسِ اسْتَوَى فَتَرَفَّعَا
أَي غَدَتْ مِنْ فَوْقِهِ لأَن حَرْفَ الْجَرِّ لَا يَدْخُلَ عَلَى حَرْفِ الْجَرِّ، وَقَوْلُهُمْ: كانَ كَذَا عَلَى عَهْدِ فُلَانٍ أَي فِي عَهْدِهِ، وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
؛ أَي مِنَ النَّاسِ. وَتَقُولُ: عَلَيَّ زَيْدًا وعَلَيَّ بِزَيْدٍ؛ مَعْنَاهُ أَعْطِني زَيْدًا؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَتَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
وكأَنَّهنّ ربَابةٌ، وكأَنه ... يَسَرٌ يَفِيضُ علَى القِداحِ ويَصْدَعُ
أَي بالقِداحِ. وعَلَى: صفةٌ مِنَ الصِّفاتِ، وللعَرَب فِيهَا لغتانِ: كُنْت عَلَى السَّطْح وَكُنْتُ أَعْلَى السَّطْح؛ قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهم وإِليهم: الأَصل عَلاهُم وإِلاهُم كَمَا تَقُولُ إِلى زَيْد وعَلَى زَيدٍ، إِلا أَنَّ الأَلف غُيِّرَت مَعَ الْمُضْمَرِ فأُبْدلت يَاءً لتَفْصِل بينَ الأَلف الَّتِي فِي آخِرِ المُتَمَكِّنة وبَيْنَ الأَلف فِي آخِرِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ الَّتِي الإِضافة لَازِمَةٌ لَهَا، أَلا تَرَى أَنّ عَلَى وَلَدي وإِلى لَا تَنْفَرِدُ مِنَ الإِضافة؟ وَلِذَلِكَ قَالَتِ الْعَرَبُ فِي كِلا فِي حَالِ النَّصْبِ وَالْجَرِّ: رأَيْتُ كِلَيْهما وكِلَيْكُما وَمَرَرْتُ بكِلَيْهما، ففَصَلت بَيْنَ الإِضافة إِلى المُظْهرِ والمُضْمر لَمَّا كَانَتْ كِلا لَا تَنْفَرِد وَلَا تَكُونُ كَلَامًا إِلا بالإِضافة. والعِلاوَة: أَعْلَى الرَّأْسِ، وَقِيلَ: أَعْلَى العُنُق. يُقَالُ: ضَرَبْتُ عِلاوَتَه أَي رأْسه وعُنُقه. والعِلاوَة أَيضاً: رأْسُ الإِنسانِ مَا دامَ فِي عُنُقهِ. والعِلاوَة: مَا يُحْمَل عَلَى الْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَا وُضِع بَيْنَ العِدْلَيْنِ، وَقِيلَ: عِلاوَة كلِّ شيءٍ مَا زَادَ عَلَيْهِ.
(15/89)

يُقَالُ: أَعطاه أَلفاً وَدِينَارًا عِلاوةً، وأَعطاه أَلفين وخمسمائةٍ عِلاوةً، وَجَمْعُ العِلاوَة عَلاوَى مِثْلُ هِراوَة وهَرَاوَى. وَفِي حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ: قَالَ لِلَبِيدٍ الشاعِر كَمْ عَطاؤك؟ فَقَالَ: أَلفان وَخَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: مَا بالُ العِلاوَةِ بينَ الفَوْدَيْنِ
؟ العِلاوَة: مَا عُوليَ فوقَ الحِمْلِ وزِيدَ عَلَيْهِ، والفَودانِ: العِدْلانِ. وَيُقَالُ: عَلِّ عَلاوَاكَ عَلَى الأَحْمال وعَالِها. والعِلاوَةُ: كلُّ مَا عَلَّيْتَ بِهِ عَلَى الْبَعِيرِ بَعْدَ تمامِ الوِقْرِ أَو عَلَّقْته عَلَيْهِ نَحْوُ السِّقاءِ والسَّفُّودِ، وَالْجَمْعُ العَلاوَى مثلُ إِداوَة وأَداوَى. والعَلْيَاءُ: رأْسُ الجَبَل، وَفِي التَّهْذِيبِ: رأْسُ كُلِّ جَبَلٍ مشرفٍ، وَقِيلَ: كلُّ مَا عَلا مِنَ الشيءِ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
تَبَصَّرْ خَلِيلي، هَلْ تَرَى مِنْ ظَعائِنٍ ... تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ، مِنْ فوقِ جُرْثُم؟
والعَلْيَاءُ: السماءُ اسمٌ لَهَا، وَلَيْسَ بصفةٍ، وأَصله الْوَاوُ إِلا أَنه شَذَّ. والسَّماوات العُلَى: جَمْعُ السَّمَاءِ العُلْيَا، والثَّنايا العُلْيَا والثَّنايا السُّفْلى. يُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ: عُلْيَا وسُفْلَى، لتأْنيث الْجَمَاعَةِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى، وَلَمْ يَقُلِ الكُبَر، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأَسماء الحُسْنَى، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى. والعَلْياءُ: كُلُّ مكانٍ مُشْرِفٍ؛ وَفِي شِعْرُ الْعَبَّاسِ يمدَح النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
حَتَّى احْتَوَى بيتُك المُهَيْمِنُ مِنْ ... خِنْدِفَ عَلْيَاءَ، تَحتَها النُّطُقُ
قَالَ: عَلياء اسمُ الْمَكَانِ المرتَفعِ كاليفاعِ، وَلَيْسَتْ بتأْنيثِ الأَعْلَى لأَنها جَاءَتْ منكَّرة، وفَعْلاءُ أَفْعَل يلزَمها التَّعْرِيفُ. والعَلْيا: اسمٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي، وللفَعْلة الْعَالِيَةِ عَلَى المَثَل، صَارَتِ الْوَاوُ فِيهَا يَاءً لأَن فَعلَى إِذا كَانَتِ اسْمًا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ أُبْدِلَت واوُه يَاءً، كَمَا أَبدلوا الواوَ مَكَانَ الْيَاءِ فِي فُعْلى إِذا كَانَتِ اسْمًا فأَدْخَلوها عَلَيْهَا فِي فعْلَى لِتَتَكَافَآ فِي التَّغَيُّرِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَيُقَالُ: نَزَلَ فُلَانٌ بعالِيَة الوادِي وسافِلَته، فعالِيَتُه حَيْثُ يَنْحَدِرُ الماءُ مِنْهُ، وسافِلتُه حَيْثُ يَنْصَبُّ إِليه. وعَلا حاجتَه واسْتَعْلاها: ظَهَر عَلَيْهَا، وعَلا قِرْنَه واسْتَعْلاهُ كَذَلِكَ. وَرَجُلٌ عَلُوٌّ لِلرِّجَالِ عَلَى مِثَالِ عَدُوّ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا يَعْقُوبُ فِي الأَشياء الَّتِي حَصَرَهَا كَحَسُوّ وفَسُوّ، وَكُلُّ مَنْ قَهَر رَجُلًا أَو عَدُوّاً فإِنه يُقَالُ عَلاه واعْتَلاه واسْتَعْلاه، واسْتَعْلَى عَلَيْهِ، واسْتَعْلَى عَلَى النَّاسِ: غَلَبَهم وقَهَرَهُم وعَلاهُم. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
؛ قَالَ اللَّيْثُ: الفرسُ إِذا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الرِّهانِ يُقَالُ قَدِ اسْتَعْلَى عَلَى الْغَايَةِ. وعَلَوْت الرَّجُلَ: غَلَبْته، وعَلَوته بِالسَّيْفِ: ضَرَبْته. والعُلْو: ارْتِفاعُ أَصل البناءِ. وَقَالُوا فِي النداءِ: تَعَالَ أَي اعْلُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الأَمر. والتَّعالِي: الارْتِفاعُ. قَالَ الأَزهري: تَقُولُ الْعَرَبُ فِي النِّدَاءِ لِلرَّجُلِ تَعالَ، بِفَتْحِ اللَّامِ، وَلِلِاثْنَيْنِ تَعالَيا، وَلِلرِّجَالِ تَعالَوْا، وللمرأَة تَعالَي، وَلِلنِّسَاءِ تَعالَيْنَ، وَلَا يُبالُون أَين يَكُونُ الْمَدْعُوُّ فِي مَكَانٍ أَعْلى مِنْ مَكَانِ الدَّاعِي أَو مَكَانٍ دُونَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ مِنْهُ تعالَيْت وَلَا يُنْهى عَنْهُ. وَتَقُولُ: تَعالَيْت وإِلى أَي شَيْءٍ أَتَعَالَى. وعَلا بالأَمْرِ: اضْطَلَع بِهِ واسْتَقَلَّ؛ قَالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوي يُخاطِبُ ابنَه عَلِيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَقِيلَ هُوَ لِعَلِيِّ بْنِ عديٍّ الغَنَوي المعروف بابن العرير: «2»
__________
(2). قوله [العرير] هو هكذا في الأصل.
(15/90)

اعْمِدْ لِما تَعْلُو فَمَا لكَ، بالذِي ... لَا تَسْتَطِيع مِنَ الأُمورِ، يَدانِ
هَكَذَا أَورده الْجَوْهَرِيُّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ فاعْمِد بالفاءِ لأَنّ قَبْلَهُ:
وَإِذَا رأيتَ المرْءَ يَشْعَبُ أَمْرَه ... شَعْبَ العَصا، ويَلِجُّ فِي العِصيان
يَقُولُ: إِذا رَأَيْتَ المَرْءَ يَسعَى فِي فَسادِ حَالِهِ ويَلِجُّ فِي عِصْيانِك، ومُخالَفَة أَمْرِك فِيمَا يُفْسدُ حَالَهُ فدَعْه واعْمِدْ لِما تَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ الأَمْر وتَضْطَلِعُ بِهِ، إِذ لَا قُوَّة لَكَ عَلَى مَنْ لَا يُوافِقُك. وعَلا الفَرَسَ: رَكِبَه. وأَعْلَى عَنْهُ: نَزَلَ. وعَلَّى المَتاعَ عَنِ الدابَّة: أَنْزَله، وَلَا يُقَالُ أَعْلاهُ فِي هَذَا المَعْنى إِلَّا مُسْتَكْرَهاً. وعَالَوْا نَعِيَّهُ: أَظْهَروهُ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، قَالَ: وَلَا يُقَالُ أَعْلَوْه وَلَا عَلَّوه. ابْنُ الأَعرابي: تَعَلَّى فلانٌ إِذا هَجَمَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذن، وَكَذَلِكَ دَمَقَ ودَمَرَ. وَيُقَالُ: عَالَيْتُه عَلَى الْحِمَارِ وعَلَّيْتُه عَلَيْهِ؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
عَالَيْتُ أَنْساعي وجِلبَ الكُورِ ... عَلَى سَراةِ رائحٍ مَمْطُورِ
وَقَالَ:
فَإِلَّا تَجلَّلْها يُعالُوك فَوْقَها، ... وكَيْفَ تُوَقَّى ظَهْرَ مَا أَنتَ راكِبُه؟
أَي يُعْلُوك فَوْقَهَا؛ وَقَالَ رُؤْبَةَ:
وإِنْ هَوَى العاثِرُ قُلْنا: دَعْدَعا ... لَهُ، وعَالَيْنا بتَنْعِيشٍ لَعا
أَبو سَعِيدٍ: عَلَوْتُ عَلَى فُلَانٍ الرِّيحَ أَي كُنْتُ فِي عُلاوَتِها. وَيُقَالُ: لَا تَعْلُ الريحَ عَلَى الصَّيْدِ فَيراحَ رِيحَكَ ويَنْفِرَ. وَيُقَالُ: كُنْ فِي عُلاوَةِ الرِّيحِ وسُفالَتِها، فعُلاوَتُها أَن تَكُونَ فَوْقَ الصيدِ، وسُفالَتُها أَن تَكُونَ تحتَ الصيدِ لئَلَّا يَجِدَ الوَحْش رائِحَتَك. وَيُقَالُ: أَتَيْتُ الناقةَ مِنْ قِبَل مُسْتَعْلاها أَي مِنْ قِبَل إِنْسِيِّها. والمُعَلَّى، بِفَتْحِ اللَّامِ: القِدْحُ السابِعُ فِي المَيْسِر، وَهُوَ أَفْضَلُها، إِذا فازَ حازَ سبعةَ أَنْصباء مِنَ الجَزُور؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَلَهُ سَبْعَةُ فُروض وَلَهُ غُنْمُ سَبْعَةِ أَنْصِبَاءَ إِن فَازَ، وَعَلَيْهِ غُرْمُ سَبْعَةِ أَنصباء إِن لَمْ يَفُزْ. والعَلاةُ: الصَّخْرة، وَقِيلَ: صَخْرة يُجْعَلُ لَهَا إِطار مِنَ الأَخْثاء وَمِنَ اللَّبِنِ وَالرَّمَادِ ثُمَّ يُطْبَخُ فِيهَا الأَقِطُ، وَتُجْمَعُ عَلًا؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ:
وقالُوا: عَلَيْكُمْ عاصِماً نَسْتَغِثْ بِهِ، ... رُوَيْدَكَ حَتَّى يَصْفِقَ البَهْمَ عاصمُ
وحَتَّى تَرَى أَن العَلاةَ تَمُدُّها ... جُخادِيَّةٌ، والرائحاتُ الرَّوائِمُ
يُرِيدُ: أَن تِلْكَ العَلاة يَزيدُ فِيهَا جُخادِيَّة، وَهِيَ قِرْبةٌ مَلأَى لَبَناً أَو غِرارةٌ مَلأَى تَمْراً أَو حِنْطَةً، يُصَبُّ مِنْهَا فِي العَلاة للتأْقيط، فذلكَ مَدُّها فِيهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والعَلاةُ حَجَرٌ يُجْعَل عَلَيْهِ الأَقِطُ؛ قَالَ مبَشِّر بْنُ هُذَيل الشَّمَجِيُّ:
لَا يَنْفَعُ الشاوِيَّ فِيهَا شاتُه، ... وَلا حِمارَاه وَلَا عَلاتُه
والعَلاة: الزُّبْرة الَّتِي يَضْرِب عَلَيْهَا الحدَّاد الحديدَ. وَالْعَلَاةُ: السَّنْدان. وَفِي حَدِيثِ
عَطاءٍ فِي مَهْبَطِ آدَمَ: هَبَطَ بالعَلاةِ
، وَهِيَ السَّنْدانُ، وَالْجَمْعُ العَلا. وَيُقَالُ لِلنَّاقَةِ: عَلاةٌ، تُشَبَّه بِهَا فِي صَلابَتِها، يُقَالُ: ناقَةٌ عَلاةُ الخَلْقِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
(15/91)

ومَتْلَفٍ، بينَ مَوْماةٍ، بمَهْلَكَةٍ ... جاوَزْتُها بعَلاةِ الخَلْقِ علْيان
أَي طَوِيلَة جَسِيمة. وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنه قَالَ: نَاقَةٌ عِلْيان، بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَذَكَرَ أَبو عَلِيٍّ أَنه يُقَالُ: رَجُلٌ عِلْيان وعِلِّيان، وأَصلُ الياءِ واوٌ انْقَلَبَتْ يَاءً كَمَا قَالُوا صِبْيَةٌ وصِبْيان؛ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الأَجلح:
تَقْدُمُها كلُّ عَلاةٍ عِلْيان
وَيُقَالُ: رجلٌ عَلْيانُ مثلُ عَطْشانَ، وَكَذَلِكَ المرأَة، يستَوي فِيهِ المذكَّر وَالْمُؤَنَّثُ. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ؛ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْزَل العَلاةَ والمَرّ. وعَلَّى الحَبْلَ: أَعادَه إِلى مَوْضِعِه مِنَ البَكَرة يُعَلِّيه، ويقالُ للرجُل الَّذِي يَرُدُّ حَبْلَ المُسْتَقي بالبَكَرة إِلى مَوْضِعِهِ مِنْهَا إِذا مَرِسَ المُعَلِّي والرِّشاء المُعَلَّى. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: التَّعْلِية أَن يَنْتَأَ بعضُ الطَّيِّ أَسفَل الْبِئْرِ فَيَنْزِلُ رَجُلٌ فِي الْبِئْرِ يُعلِّي الدَّلوَ عَنِ الْحَجَرِ الناتِئ؛ وأَنشد لِعَدِيٍّ:
كَهُوِيِّ الدَّلْوِ نَزَّاها المُعَلْ
أَراد المُعَلِّي وَقَالَ:
لَوْ أَنَّ سَلْمى أَبْصَرَتْ مَطَلِّي ... تَمْتَحُ، أَو تَدْلِجُ، أَو تُعَلِّي
وَقِيلَ: المُعَلِّي الَّذِي يرفَعُ الدَّلْوَ مَمْلُوءَةً إِلى فَوْقُ يُعين المُسْتَقيَ بِذَلِكَ. وعُلْوان الْكِتَابِ: سِمَتُه كعُنْوانِه، وَقَدْ عَلَّيْتُه، هَذَا أَقيس. وَيُقَالُ: عَلْوَنْته عَلْوَنةً وعُلْواناً وعَنْوَنْتُه عَنْوَنَةً وعُنْواناً. قَالَ أَبو زَيْدٍ: عُلْوانُ كُلِّ شَيْءٍ مَا عَلا مِنْهُ، وَهُوَ العُنْوانُ؛ وأَنشد:
وحاجةٍ دُونَ أُخرى قَدْ سَمَحْتُ بِهَا، ... جَعَلْتُها للَّذي أَخْفَيْتُ عُنْوانا
أَي أَظْهَرْتُ حَاجَةً وَكَتَمْتُ أُخرى وَهِيَ الَّتِي أُريغُ فَصَارَتْ هَذِهِ عُنْواناً لِمَا أَرَدْتُ. قَالَ الأَزهري: الْعَرَبُ تُبَدِّلُ اللَّامَ مِنَ النُّونِ فِي حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ لعَلَّك ولَعَنَّك، وعَتَلَه إِلى السِّجن وعَتَنَه، وكأَنَّ عُلْوان الْكِتَابِ اللَّامُ فِيهِ مبدَلة مِنَ النُّونِ، وَقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ. وَرَجُلٌ عِلْيانٌ وعِلِّيانٌ: ضَخْم طَوِيلٌ، والأُنثى بِالْهَاءِ. وَنَاقَةٌ عِلْيان: طويلَة جسِيمة؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
أَنشد مِنْ خَوَّارةٍ عِلْيان، ... مَضْبُورة الكاهِلِ كالبُنْيان
وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: نَاقَةٌ عَلاةٌ وعَلِيَّة وعِلِّيان مُرْتَفِعة السَّيْرِ لَا تُرى أَبداً إِلَّا أَمام الرِّكاب. والعِلْيَان: الطَّوِيلُ مِنَ الضِّباع، وَقِيلَ: الذَّكَر مِنَ الضِّباعِ، قَالَ الأَزهري: هَذَا تَصْحِيفٌ وإِنما يُقَالُ لِذِكْرِ الضِّبَاعِ عِثْيَان، بِالثَّاءِ، فصحَّفه اللَّيْثُ وَجَعَلَ بَدَلَ الثَّاءِ لَامًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وبَعِيرٌ عِلْيَانٌ: ضَخْمٌ؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ الْقَدِيمُ الضَّخْمُ. وَصَوْتٌ عِلْيَانٌ: جَهِيرٌ؛ عَنْهُ أَيضاً، وَالْيَاءُ فِي كلِّ ذَلِكَ منقلِبة عَنْ وَاوٍ لِقُرْبِ الكسْرة وَخَفَاءِ اللامِ بمشابَهَتِها النُّونَ مَعَ السُّكُونِ. والعَلايَة: موضِعٌ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
فَما أُمُّ خِشْفٍ، بالعَلايةِ، فاردٌ ... تَنُوشُ البَرير، حَيْثُ نَالَ اهْتِصارها
قَالَ ابْنُ جِنِّي: الْيَاءَ فِي العَلاية بَدَلٌ عَنْ وَاوٍ، وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْرِفُ فِي الْكَلَامِ تَصْرِيفَ ع ل ي، إِنَّمَا هُوَ ع ل و، فكأَنه فِي الأَصل عِلَاوَةٌ، إِلَّا أَنه غُيِّر إِلى الْيَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ عَلَماً، والأَعلام مِمَّا يكثرُ فِيهَا التَّغْيِيرُ وَالْخِلَافُ كمَوْهَب وحَيْوَة ومَحْبَب، وَقَدْ
(15/92)

قَالُوا الشِّكاية، فَهَذِهِ نَظِيرُ العَلاية، إِلَّا أَن هَذَا لَيْسَ بعَلَمٍ. وَفِي الْحَدِيثِ ذكْر العُلا، بالضَّمِّ والقَصْر: هُوَ مَوْضِعٌ مِنْ ناحِيةِ وَادِي القُرى نزلَه سيِّدُنا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي طَرِيقِه إِلى تَبُوكَ وَبِهِ مَسْجِد. واعْتَلَى الشَّيْءَ: قَوِيَ عَلَيْهِ وعَلاه؛ قَالَ:
إِني، إِذا مَا لَمْ تَصِلْني خلَّتي ... وتَباعَدَتْ مِني، اعْتَلَيْتُ بِعَادَها
أَي عَلَوْتُ بِعَادَها ببِعَادٍ أَشدَّ مِنْهُ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي لِبَعْضِ وَلَدِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ:
لَعَمْرُكَ إِني يَوْمَ فَيْدَ لمُعْتَلٍ ... بِمَا سَاءَ أَعْدائي، عَلَى كَثْرَة الزَّجْر
فَسَّرَهُ فَقَالَ: مُعْتَلٍ عالٍ قادرٌ قاهرٌ. والعَلِيُّ: الصُّلْب الشديدُ القَويُّ. وعَالِيَةُ تميمٍ: هُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمْ بَنُو الهُجَيم والعَنْبَر ومازنٍ. وعُلْيا مُضَر: أَعْلاها، وَهُمْ قُرَيْش وقَيْس. والعَلِيَّة مِنَ الإِبل والمُعْتَلِيَةُ والمُسْتَعْلِيَة: القويَّة عَلَى حِمْلِها. وَلِلنَّاقَةِ حالِبانِ: أَحدُهما يُمْسِك العُلْبَة مِنَ الْجَانِبِ الأَيمن، وَالْآخَرُ يَحْلُب مِنَ الْجَانِبِ الأَيسر، فَالَّذِي يَحْلُبُ يُسمَّى المُعَلِّيَ والمُسْتَعْلِيَ، وَالَّذِي يُمْسِك يُسَمَّى البائِنَ؛ قَالَ الأَزهري: المُسْتَعْلِي هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى يَسار الحَلُوبة، وَالْبَائِنُ الَّذِي يَقُومُ عَلَى يَمِينِهَا، والمُسْتَعْلِي يأْخذ العُلْبة بيَده اليُسْرى ويَحْلُب بِالْيُمْنَى؛ وَقَالَ الْكُمَيْتُ فِي المُسْتَعْلِي وَالْبَائِنِ:
يُبَشِّرُ مُسْتَعْلِياً بائِنٌ، ... مِنَ الحالِبَيْنِ، بأَنْ لَا غِرارا
والمُسْتَعْلِي: الَّذِي يَحْلُبها مِنْ شِقِّها الأَيْسر، وَالْبَائِنُ مِنَ الأَيمن. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: المُعَلِّي، بِكَسْرِ اللَّامِ، الَّذِي يأْتي الحَلُوبة مِنْ قِبَل يَمِينها. والعَلاة أَيضاً: شَبِيهٌ بالعُلْبة يُجْعَل حَوالَيْها الخِثْي، يُحْلَب بِهَا. وَنَاقَةٌ عَلاةٌ: عالِيةٌ مُشْرِفة؛ قَالَ:
حَرْف عَلَنْداة عَلاة ضَمْعَج
وَيُقَالُ: عَلِيَّة حَلِيَّة أَي حُلْوة المَنْظَر وَالسَّيْرِ عَلِيَّة فَائِقَةٌ. والعَلاةُ: فرسُ عَمْرِو بْنِ جَبَلة، صِفَةٌ غالِبة. وعُولِيَ السِّمَنُ والشَّحْم فِي كُلِّ ذِي سِمَنٍ: صُنِعَ حَتَّى ارْتَفَعَ فِي الصَّنْعة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ وأَنشد غَيْرُهُ قَوْلَ طَرَفة:
لَهَا عَضُدانِ عُوليَ النَّحْضُ فِيهِمَا، ... كأَنهما بَابَا مُنِيفٍ مُمرَّدِ
وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ عَنِ العامِريَّة: كَانَ لِي أَخٌ هَنِيُّ «1» عَلِيّ أَي يَتَأَنَّثُ لِلنِّسَاءِ. وعلِيٌّ: اسْمٌ، فإِمَّا أَن يَكُونَ مِنَ القُوَّة، وإِما أَن يَكُونَ مِنْ عَلا يَعْلُو. وعِلِّيُّون: جَمَاعَةُ عِلِّيٍّ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَيْهِ يُصْعَدُ بأَرواح الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
أَي فِي أَعلى الأَمكنة. يَقُولُ الْقَائِلُ: كَيْفَ جُمِعَتْ عِلِّيُّون بِالنُّونِ وَهَذَا مِنْ جَمْعِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: وَالْعَرَبُ إِذا جَمَعَتْ جَمْعاً لَا يَذْهَبُونَ فِيهِ إِلى أَن لَهُ بِنَاءً مِنْ واحدٍ وَاثْنَيْنِ، وَقَالُوا فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ بِالنُّونِ: مِنْ ذَلِكَ عِلِّيُّون، وَهُوَ شيءٌ فَوْقَ شيءٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ وَاحِدُهُ وَلَا اثْنَاهُ. قَالَ: وسمِعْتُ العربَ تَقُولُ أَطْعمنا مَرَقةَ مَرَقِينَ؛ تُرِيدُ اللُّحْمان إِذا طُبِخَتْ بماءٍ واحدٍ؛ وأَنشد:
__________
(1). قوله [هني إلخ] هكذا في الأصل المعتمد، وفي بعض الاصول: هييّ.
(15/93)

قَدْ رَوِيَتْ إِلَّا دُهَيْدِهِينا ... قُلَيِّصاتٍ وأُبَيْكِرِينا
فَجُمِعَ بِالنُّونِ لأَنه أَراد العَدَد الَّذِي لَا يُحَدُّ آخِرُهُ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فأَصْبَحَتِ المَذاهِبُ قَدْ أَذاعَتْ ... بِهَا الإِعْصارُ، بَعْدَ الْوابِلِينا
أَراد المَطَر بَعْدَ المَطَر غَيْرَ مَحْدُودٍ، وَكَذَلِكَ عِلِّيُّون ارتفاعٌ بَعْدَ ارتفاعٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: لَفِي عِلِّيِّينَ
؛ أَي فِي أَعلى الأَمكنة، وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ
، قَالَ: وَإِعْرَابُ هَذَا الِاسْمِ كإعرابِ الجَمْع لأَنه عَلَى لفظِ الجَمْعِ كَمَا تَقُول هَذِهِ قِنِّسْرُون ورأَيت قِنِّسْرينَ، وعِلِّيُّون السماءُ السَّابِعَةُ؛ قَالَ الأَزهري: وَمِنْهُ قولُ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَهل الْجَنَّةِ ليَتَراءَوْن أَهلَ عِلِّيِّين كَمَا تَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُق السَّمَاءِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: عِلِّيُّون اسْمٌ لِلسَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لدِيوانِ الْمَلَائِكَةِ الحَفَظَة يُرفع إِلَيْهِ أَعمال الصَّالِحِينَ مِنَ العِبادِ، وَقِيلَ: أَرادَ أَعْلى الأَمكنة وأَشرف الْمَرَاتِبِ وأَقربها مِنَ اللَّهِ فِي الدارِ الْآخِرَةِ، ويُعْرَب بالحروفِ وَالْحَرَكَاتِ كقِنِّسْرين وأَشباهِها، عَلَى أَنه جمعٌ أَو وَاحِدٌ؛ قَالَ أَبو سَعِيدٍ: هَذِهِ كَلِمَةٌ معروفةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ أَن يَقُولُوا لأَهل الشَّرَف فِي الدُّنْيَا والثَّرْوَة والغِنى أَهل عِلِّيِّين، فَإِذَا كَانُوا مَتَّضِعين قَالُوا سِفْلِيُّون. والعِلِّيُّون فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الَّذِينَ يَنزلون أَعاليَ الْبِلَادِ، فَإِذَا كَانُوا يَنْزِلُونَ أَسافِلهَا فَهُمْ سِفْلِيُّون. وَيُقَالُ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ تَسْتَعْلِي لِسَانِي إِذَا كَانَتْ تَعْتَرُّه وتَجْري عَلَيْهِ كَثِيرًا. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: ذَهَبَ الرَّجُلُ عَلاءً وعُلْواً وَلَمْ يَذْهَبْ سُفْلًا إِذَا ارْتَفع. وتَعَلَّتِ المرأَةُ: طَهُرَتْ مِنْ نِفاسِها. وَفِي حَدِيثِ
سُبَيْعة: أَنها لَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسها
أَي سَلِمَت، وَقِيلَ: تَشَوَّفَتْ لخُطَّابها، وَيُرْوَى: تَعَالَت أَي ارْتَفَعَت وَظَهَرَتْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ تَعَلَّى الرجلُ مِنْ عِلَّتِه إِذَا برأَ؛ أَيْ خَرَجت مِنْ نِفَاسِهَا وسلمت وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ مِنْ نِفَاسٍ تَعَلَّتِ
وتَعَلَّى المريضُ مِنْ عِلَّتِه: أَفاق مِنْهَا. ويَعْلى: اسمٌ؛ فأَما قَوْلُهُ:
قدْ عَجِبَتْ مِني وَمِنْ يُعَيْلِيا، ... لَمّا رأَتْني خَلَقاً مُقْلَوْلِيا
فَإِنَّهُ أَراد مِنْ يُعَيْلِي فَرَدَّهُ إِلَى أَصله بأَن حَرَّك الياءَ ضَرُورَةً، وأَصل الياءَات الْحَرَكَةُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنَوَّن لأَنه لا ينصرف. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ويُعَيْلِي مُصَغَّر اسْمَ رَجُلٍ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ يُعَيْلٍ، وَإِذَا نُسِبَ الرجلُ إِلَى عليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالُوا عَلَوِيٌّ، وَإِذَا نَسَبُوا إِلَى بَنِي عَلِيٍّ وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنْ كِنَانَةَ قَالُوا هؤُلاء العَلِيُّون؛ وَرَوِيَ عَنِ ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِهِ:
بَنُو عَلِيٍّ كلُّهم سَوَاءُ
قَالَ: بَنُو عَلِيٍّ مِنْ بَنِي العَبَلات مِنْ بَنِي أُمَيَّة الأَصغر، كَانَ وَلِيَ مِنْ بَعْدِ طَلْحة الطَّلَحات لأَن أُمّهم عَبْلة بِنْتُ حَادِلٍ «1» مِنَ الْبَرَاجِمِ، وَهِيَ أُمّ وَلَدِ ابْنِ أُمية الأَصْغر. وعَلْوَان ومُعَلًّى: اسْمَانِ، وَالنِّسَبُ إِلَى مُعَلًّى مُعَلّوِيٌّ. وتِعْلَى: اسْمُ امْرَأَة «2». وأَخَذَ مَالِي عَلْوَةً أَي عَنْوَة؛ حَكَاهَا اللِّحْيَانِيُّ عن الرُّؤاسي.
__________
(1). قوله [حادل] هكذا في الأَصل.
(2). قوله [وتِعْلَى اسم امرأة] هكذا في الأَصل والتكملة، وفي القاموس: يِعْلَى، بكسر الياء.
(15/94)

وَحَكَى أَيضاً أَنه يُقَالُ لِلْكَثِيرِ الْمَالِ: اعْل بِهِ أَي ابْقَ بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنَّهُ دُعَاءٌ لَهُ بالبَقاء؛ وَقَوْلُ طُفَيل الغَنَوي:
ونَحْنُ مَنَعْنا، يَوْمَ حَرْسٍ، نِساءَكُمْ ... غَداةَ دَعانا عامِرٌ غَيْرَ مُعْتَلِ
إِنَّمَا أَراد مُؤْتَلي فَحَوَّلَ الْهَمْزَةَ عيْناً. يُقَالُ: فلانٌ غَيْرُ مُؤْتَلٍ فِي الأَمْر وَغَيْرُ مُعْتَلٍ أَي غَيْرُ مُقَصِّر. والمُعْتَلِي: فَرَسُ عُقْبَةَ بْنِ مُدْلجٍ. والمُعَلِّي أَيضاً: «3» اسْمُ فَرَسِ الأَشْعرِ الشَّاعِرِ. وعَلْوَى: اسْمُ فَرَس سُلَيكٍ. وعَلْوَى: اسْمُ فَرَسُ خُفَاف بْنِ نُدْبة، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
وَقَفْتُ لَهُ عَلْوَى، وَقَدْ خامَ صُحْبَتِي، ... لأَبْنيَ مَجْداً، أَو لأَثْأَرَ هالِكا
وَقِيلَ: عَلْوَى فَرَس خُفافِ بْنِ عُمَيْر. قَالَ الأَزهري: وعَلْوَى اسْمُ فَرَسٍ كَانَتْ مِنْ سَوابق خَيْل العَرَب.
عمي: العَمَى: ذهابُ البَصَر كُلِّه، وَفِي الأَزهري: مِنَ العَيْنَيْن كِلْتَيْهِما، عَمِيَ يَعْمَى عَمًى فَهُوَ أَعْمَى، واعمايَ يَعْمايُ «4» اعْمِياءً، وأَرادوا حَذْوَ ادْهامَّ يَدْهامُّ ادْهِيماماً فأَخْرَجُوه عَلَى لفْظٍ صَحِيحٍ وَكَانَ فِي الأَصل ادْهامَمَ فأَدْغَمُوا لاجْتماع المِيمَين، فَلما بَنَوا اعْمايَا عَلَى أَصل ادهامَمَ اعْتَمَدَتِ الياءُ الأَخيرة عَلَى فَتْحَةِ الْيَاءِ الأُولى فَصَارَتْ أَلِفاً، فَلَمَّا اخْتَلَفَا لَمْ يَكُنْ للإِدْغامِ فِيهَا مَساغٌ كمساغِه فِي المِيمين، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقولوا: اعمايَّ فُلَانٌ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ. وتَعَمَّى: فِي مَعْنى عَمِيَ؛ وأَنشد الأَخْفَش:
صَرَفْتَ، وَلَمْ نَصْرِف أَواناً، وبادَرَتْ ... نُهاكَ دُموعُ العَيْنِ حَتَّى تَعَمَّت
وَهُوَ أَعْمَى وعَمٍ، والأُنثى عَمْياء وعَمِية، وأَما عَمْية فَعَلى حدِّ فَخْذٍ فِي فَخِذٍ، خَفَّفُوا مِيم عَمِيَة؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ اللَّيْثُ: رجلٌ أَعْمَى وامْرَأَةٌ عَمْياء، وَلَا يَقَعُ هَذَا النَّعْتُ عَلَى العينِ الواحِدَة لأَن الْمَعْنَى يَقَعُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، يُقَالُ: عَمِيتْ عَيْناهُ، وامرأتانِ عَمْيَاوَانِ، ونساءٌ عَمْيَاوَاتٌ، وقومٌ عُمْيٌ. وتَعَامَى الرجلُ أَي أَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ. وامْرَأَةٌ عَمِيَةٌ عَنِ الصَّوَابِ، وعَمِيَةُ القَلْبِ، عَلَى فَعِلة، وقومٌ عَمُون. وَفِيهِمْ عَمِيَّتُهم أَي جَهْلُهُم، والنِّسْبَة إِلَى أَعْمَى أَعْمَوِيٌّ وَإِلَى عَمٍ عَمَوِيٌّ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: عَدَّدَ اللَّهُ نِعَم الدُّنْيا عَلَى المُخاطَبين ثُمَّ قَالَ من كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى، يَعْني فِي نِعَم الدُّنْيا الَّتِي اقْتَصَصْناها علَيكم فَهُوَ فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ أَعْمَى وأَضَلُّ سَبِيلًا، قَالَ: وَالْعَرَبُ إِذَا قَالُوا هُوَ أَفْعَلُ مِنْك قَالُوهُ فِي كلِّ فَاعِلٍ وفعِيلٍ، وَمَا لَا يُزادُ فِي فِعْلِه شيءٌ عَلَى ثَلاثة أَحْرُفٍ، فَإِذَا كَانَ عَلَى فَعْلَلْت مِثْلَ زَخْرَفْت أَو عَلَى افْعَلَلت مِثْلَ احْمَرَرْت، لَمْ يَقُولُوا هُوَ أَفْعَلُ منكَ حَتَّى يَقُولُوا هُوَ أَشدُّ حُمْرَةً مِنْكَ وأَحسن زَخْرفةً مِنْكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا جازَ فِي العَمَى لأَنه لَمْ يُرَدْ بِهِ عَمَى العَيْنَينِ إِنَّمَا أُرِيد، وَاللَّهُ أَعلم، عَمَى القَلْب، فَيُقَالُ فلانٌ أَعْمَى مِنْ فُلَانٍ فِي القَلْبِ، وَلَا يُقَالُ هُوَ أَعْمَى مِنْهُ فِي العَيْن، وَذَلِكَ أَنه لمَّا جَاءَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَر وحَمْراءَ تُرِك فِيهِ أَفْعَلُ مِنْهُ كَمَا تُرِكَ فِي كَثيرٍ، قَالَ: وَقَدْ تَلْقى بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ يقولُ أُجِيزُه فِي الأَعْمَى والأَعْشَى والأَعْرَج والأَزْرَق، لأَنَّا قَدْ نَقُول عَمِيَ وزَرِقَ
__________
(3). قوله [والمُعَلِّي أيضاً إلخ] هكذا في الأصل والصحاح، وكتب عليه في التكملة فقال: وقال الجوهري والمُعَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ الَّذِي يَأْتِي الْحَلُوبَةَ مِنْ قِبَلِ يَمِينِهَا، والمُعَلِّي أيضاً فرس الأشعر الشاعر، وفرس الأَشعر المُعَلَّى بفتح اللام.
(4). وقد تشدد الياء كما في القاموس.
(15/95)

وعَشِيَ وعَرِجَ وَلَا نَقُولُ حَمِرَ وَلَا بَيضَ وَلَا صَفِرَ، قال الفراء: ليس بِشَيْءٍ، إِنَّمَا يُنْظر فِي هَذَا إِلَى مَا كَانَ لصاحبِهِ فِعْلٌ يقلُّ أَو يكثُر، فَيَكُونُ أَفْعَلُ دَلِيلًا عَلَى قِلَّةِ الشَّيْءِ وكَثْرَتِه، أَلا تَرَى أَنك تقولُ فُلَانٌ أَقْوَمُ مِنْ فلانٍ وأَجْمَل، لأَنَّ قِيَامَ ذَا يزيدُ عَلَى قِيَامِ ذَا، وجَمالَهُ يزيدُ عَلَى جَمالِه، وَلَا تَقُولُ للأَعْمَيَيْن هَذَا أَعْمَى مِنْ ذَا، وَلَا لِمَيِّتَيْن هَذَا أَمْوتُ مِنْ ذَا، فَإِنْ جَاءَ شيءٌ مِنْهُ فِي شِعْرٍ فَهُوَ شاذٌّ كَقَوْلِهِ:
أَمَّا المُلوك، فأَنت اليومَ أَلأَمُهُمْ ... لُؤْماً، وأَبْيَضُهم سِرْبالَ طَبَّاخِ
وَقَوْلُهُمْ: مَا أَعْماهُ إِنَّمَا يُراد بِهِ مَا أَعْمَى قَلْبَه لأَنَّ ذَلِكَ ينسبُ إِلَيْهِ الكثيرُ الضلالِ، وَلَا يُقَالُ فِي عَمَى العيونِ مَا أَعْماه لأَنَّ مَا لَا يَتزَيَّد لَا يُتَعَجَّب مِنْهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
؛ قرأَها
ابنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَمٍ.
وَقَالَ أَبو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ: مَنْ قرأَ وهُو علَيهم عَمًى فَهُوَ مصدرٌ. يُقَالُ: هَذَا الأَمرُ عَمًى، وَهَذِهِ الأُمورُ عَمًى لأَنه مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: هَذِهِ الأُمور شُبْهَةٌ ورِيبةٌ، قَالَ: وَمَنْ قرأَ عَمٍ فَهُوَ نَعْتٌ، تَقُولُ أَمرٌ عَمٍ وأُمورٌ عَمِيَةٌ. وَرَجُلٌ عَمٍ فِي أَمرِه: لَا يُبْصِره، وَرَجُلٌ أَعْمَى فِي الْبَصَرِ؛ وَقَالَ الكُمَيت:
أَلا هَلْ عَمٍ فِي رَأْيِه مُتَأَمِّلُ
وَمِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ولكِنَّني عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ
والعامِي: الَّذِي لَا يُبْصرُ طَريقَه؛ وأَنشد:
لَا تَأْتِيَنِّي تَبْتَغِي لِينَ جانِبي ... بِرَأْسِك نَحْوي عامِيًا مُتَعاشِيَا
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَعْمَاه وعَمَّاهُ صَيَّره أَعْمَى؛ قَالَ سَاعِدَةُ بنُ جُؤيَّة:
وعَمَّى علَيهِ المَوْتُ يأْتي طَريقَهُ ... سِنانٌ، كعَسْراء العُقابِ ومِنْهَب «1»
يَعْنِي بِالْمَوْتِ السنانَ فَهُوَ إِذًا بدلٌ مِنَ الْمَوْتِ، وَيُرْوَى،
وعَمَّى عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَابَيْ طَريقه
يَعْنِي عَيْنَيْه. وَرَجُلٌ عَمٍ إِذَا كَانَ أَعْمَى القَلْبِ. وَرَجُلٌ عَمِي القَلْب أَي جاهلٌ. والعَمَى: ذهابُ نَظَرِ القَلْبِ، والفِعْلُ كالفِعْلِ، والصِّفةُ كالصّفةِ، إلَّا أَنه لَا يُبْنَى فِعْلُه عَلَى افْعالَّ لأَنه لَيْسَ بمَحسوسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى المَثَل، وافْعالَّ إِنَّمَا هُوَ للمَحْسوس فِي اللَّوْنِ والعاهَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا مَثَل ضَرَبه اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَالْمَعْنَى وَمَا يَسْتَوي الأَعْمَى عَنِ الحَق، وَهُوَ الكافِر، والبَصِير، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِر رُشْدَهُ، وَلَا الظُّلماتُ وَلَا النورُ، الظُّلماتُ الضَّلَالَاتُ، والنورُ الهُدَى، وَلَا الظلُّ وَلَا الحَرورُ أَي لَا يَسْتَوي أَصحابُ الحَقِّ الذينَ هُمْ فِي ظلٍّ مِنَ الحَقّ وَلَا أَصحابُ الباطِلِ الَّذِينَ هُمْ فِي حَرٍّ دائمٍ؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وثلاثٍ بينَ اثْنَتَينِ بها يُرْسلُ ... أَعْمَى بِمَا يَكيِدُ بَصيرَا
يعني القِدْحَ، وجَعَله أَعْمى لأَنه لَا بَصَرَ لَهُ، وَجَعَلَهُ بَصِيرًا لأَنه يُصَوِّب إِلَى حيثُ يَقْصد به الرَّامِي.
__________
(1). قوله [وعَمَّى الموت إلخ] برفع الموت فاعلًا كما في الأصول هنا، وتقدم لنا ضبطه في مادة عسر بالنصب والصواب ما هنا، وقوله وَيُرْوَى:
وعَمَّى عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَابَيْ طَرِيقِهِ
يَعْنِي عَيْنَيْهِ إلخ هكذا في الأصل والمحكم هنا، وتقدم لنا في مادة عسر أيضاً: ويروى يأبى طريقه يعني عيينة، والصواب ما هنا.
(15/96)

وتَعَامَى: أَظْهَر العَمَى، يَكُونُ فِي العَين والقَلب. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
؛ قِيلَ: هُوَ مثْلُ قَوْلِهِ: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً؛ وَقِيلَ: أَعْمَى عَنْ حُجَّته، وتأْويلُه أَنَّه لَا حُجَّة لَهُ يَهْتَدي إلَيْها لأَنه لَيْسَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حجةٌ بَعْدَ الرسُل، وَقَدْ بَشَّر وأَنْذَر ووَعَد وأَوْعَد. وَرُوِيَ عَنْ
مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
، قَالَ: أَعْمَى عَنِ الحُجَّة وَقَدْ كنتُ بَصِيرًا بِهَا.
وَقَالَ نَفْطَوَيْه: يُقَالُ عَمِيَ فلانٌ عَنْ رُشْدِه وعَمِيَ عَلَيْهِ طَريقُه إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لِطَرِيقه. ورجلٌ عمٍ وقومٌ عَمُونَ، قَالَ: وكُلَّما ذكرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ العَمَى فِي كِتَابِهِ فَذَمَّه يريدُ عَمَى القَلْبِ. قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ*
، هُوَ عَلَى المَثَل، جَعَلهم فِي تَرْكِ العَمَل بِمَا يُبْصِرُون ووَعْي مَا يَسْمعُون بِمَنْزِلَةِ المَوْتى، لأَن مَا بَيّن مِنْ قدرتِه وصَنعته الَّتِي يَعْجز عَنْهَا الْمَخْلُوقُونَ دليلٌ عَلَى وحدانِيَّته. والأَعْمِيانِ: السَّيْلُ والجَمَل الهائِجُ، وَقِيلَ: السَّيْلُ والحَرِيقُ؛ كِلاهُما عَنْ يَعقوب. قَالَ الأَزهري: والأَعْمَى الليلُ، والأَعْمَى السَّيْلُ، وَهُمَا الأَبهمانِ أَيضاً بِالْبَاءِ للسَّيْلِ والليلِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الأَعْمَيَيْن
؛ هُمَا السَّيْلُ والحَريق لِمَا يُصيبُ مَنْ يُصيبانِهِ مِنَ الحَيْرَة فِي أَمرِه، أَو لأَنهما إِذَا حَدَثا ووَقَعا لَا يُبْقِيان موضِعاً وَلَا يَتَجَنَّبانِ شَيْئًا كالأَعْمَى الَّذِي لَا يَدْرِي أَينَ يَسْلك، فَهُوَ يَمشِي حَيْثُ أَدَّته رجْلُه؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
وَلَمَّا رَأَيْتُك تَنْسَى الذِّمامَ، ... وَلَا قَدْرَ عِنْدَكَ للمُعْدِمِ
وتَجْفُو الشَّرِيفَ إِذَا مَا أُخِلَّ، ... وتُدْنِي الدَّنيَّ عَلَى الدِّرْهَمِ
وَهَبْتُ إخاءَكَ للأَعْمَيَيْن، ... وللأَثْرَمَيْنِ ولَمْ أَظْلِمِ
أُخِلَّ: مِنَ الخَلَّة، وَهِيَ الْحَاجَةُ. والأَعْمَيانِ: السَّيْل والنارُ. والأَثْرَمان: الدهْرُ والموتُ. والعَمْيَاءُ والعَمَايَة والعُمِيَّة والعَمِيَّة، كلُّه: الغَوايةُ واللَّجاجة فِي الْبَاطِلِ. والعُمِّيَّةُ والعِمِّيَّةُ: الكِبرُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ
أُم مَعْبَدٍ: تَسَفَّهُوا عَمايَتَهُمْ
؛ العَمايةُ: الضَّلالُ، وَهِيَ فَعالَة مِنَ العَمَى. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: تَرَكْتُهم فِي عُمِّيَّة وعِمِّيَّة، وَهُوَ مِنَ العَمَى. وقَتيلُ عِمِّيَّا أَي لَمْ يُدْرَ مَنْ قَتَلَه. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ قاتَلَ تحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّة يَغْضَبُ لعَصَبَةٍ أَو يَنْصُرُ عَصَبَةً أَو يَدْعو إِلَى عَصَبَة فقُتِلَ، قُتِلَ قِتْلَةً جاهلِيَّةً
؛ هُوَ فِعِّيلَةٌ مِنَ العَماء الضَّلالِة كالقتالِ فِي العَصَبِيّةِ والأَهْواءِ، وَحَكَى بعضُهم فِيهَا ضَمَّ العَيْن. وسُئل أَحْمدُ بْنُ حَنْبَل عَمَّنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّةٍ قَالَ: الأَمرُ الأَعْمَى للعَصَبِيَّة لَا تَسْتَبِينُ مَا وجْهُه. قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: إِنَّمَا مَعنى هَذَا فِي تَحارُبِ القَوْمِ وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ فِيهَا كَانَ هَالِكًا. قَالَ أَبو زَيْدٍ: العِمِّيَّة الدَّعْوة العَمْياءُ فَقَتِيلُها فِي النَّارِ. وَقَالَ أَبو الْعَلَاءِ: العَصَبة بنُو العَمِّ، والعَصَبيَّة أُخِذَتْ مِنَ العَصَبة، وَقِيلَ: العِمِّيَّة الفِتْنة، وَقِيلَ: الضَّلالة؛ وَقَالَ الرَّاعِي:
كَمَا يَذُودُ أَخُو العِمِّيَّة النَّجدُ
يَعْنِي صاحبَ فِتْنَةٍ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
الزُّبَير: لِئَلَّا يموتَ مِيتَةَ عِمِّيَّةٍ
أَي مِيتَةَ فِتْنَةٍ وجَهالَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيّاً فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ
(15/97)

خطأٌ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فِي عِمِّيَّةٍ فِي رِمِّيًّا تَكُونُ بينهم بالحجارة فهو خَطَأٌ
؛ العِمِّيَّا، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ وَالْقَصْرِ، فِعِّيلى مِنَ العَمَى كالرِّمِّيَّا مِنَ الرَّمْي والخِصِّيصَى مِنَ التَّخَصُّصِ، وَهِيَ مَصَادِرُ، وَالْمَعْنَى أَن يوجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ يَعْمَى أَمرُه وَلَا يَبِينُ قاتِلُه، فحكمُه حكْمُ قتيلِ الخَطَإ تَجِبُ فِيهِ الدِّية. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
يَنزُو الشيطانُ بينَ النَّاسِ فَيَكُونُ دَماً فِي عَمياء فِي غَير ضَغِينَة
أَي فِي جَهالَةٍ مِنْ غَيْرِ حِقْدٍ وعَداوة، والعَمْيَاءُ تأْنيثُ الأَعْمَى، يُريدُ بِهَا الضَّلَالَةَ والجَهالة. وَالْعِمَايَةُ: الْجَهَالَةُ بِالشَّيْءِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
تَجَلَّتْ عماياتُ الرِّجالِ عَنِ الصِّبَا
وعَمَايَة الجاهِلَّيةِ: جَهالَتها. والأَعمَاءُ: المَجاهِلُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ واحدُها عَمىٌ. وأَعْماءٌ عامِيَةٌ عَلَى المُبالَغة؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وبَلَدٍ عَامِيةٍ أَعْمَاؤهُ، ... كأَنَّ لَوْنَ أَرْضِه سَماؤُهُ
يُرِيدُ: ورُبَّ بَلَد. وَقَوْلُهُ: عَامِيَة أَعْمَاؤُه، أَراد مُتَناهِية فِي العَمَى عَلَى حدِّ قولِهم ليلٌ لائلٌ، فكأَنه قَالَ أَعْمَاؤُه عامِيَةٌ، فقدَّم وأَخَّر، وقلَّما يأْتون بِهَذَا الضَّرْبِ مِنَ المُبالَغ بِهِ إِلَّا تَابِعًا لِما قَبْلَه كَقَوْلِهِمْ شغْلٌ شاغلٌ وليلٌ لائلٌ، لَكِنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ فقدَّم وأَخَّر. قَالَ الأَزهري: عَامِيَة دارِسة، وأَعْمَاؤُه مَجاهِلُه. بَلَدٌ مَجْهَلٌ وعَمًى: لَا يُهْتدى فِيهِ. والمَعَامِي: الأَرَضُون الْمَجْهُولَةُ، وَالْوَاحِدَةُ مَعْمِيَةٌ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ لَهَا بواحدةٍ. والمَعَامِي مِنَ الأَرَضين: الأَغْفالُ الَّتِي لَيْسَ بِهَا أَثَرُ عِمارَةٍ، وَهِيَ الأَعْمَاءُ أَيضاً. وَفِي الْحَدِيثِ:
إنَّ لَنَا المَعَامِيَ
؛ يُريدُ الأَراضِيَ الْمَجْهُولَةَ الأَغْفالَ الَّتِي لَيْسَ بِهَا أَثَرُ عِمارةٍ، واحدُها مَعْمًى، وَهُوَ موضِع العَمَى كالمَجْهَلِ. وأَرْضٌ عَمْيَاءُ وعامِيَةٌ ومكانٌ أَعْمَى: لَا يُهْتَدَى فِيهِ؛ قَالَ: وأَقْرَأَني ابنُ الأَعرابي:
وماءٍ صَرًى عافِي الثَّنايا كأَنَّه، ... مِنَ الأَجْنِ، أَبْوالُ المَخاضِ الضوارِبِ
عَمٍ شَرَكَ الأَقْطارِ بَيْني وبَيْنَه، ... مَرَارِيُّ مَخْشِيّ بِهِ المَوتُ ناضِب
قَالَ ابْنُ الأَعرابي: عَمٍ شَرَك كَمَا يُقَالُ عَمٍ طَريقاً وعَمٍ مَسْلَكاً، يُريدُ الطريقَ لَيْسَ بَيِّنَ الأَثَر، وأَما الَّذِي فِي حَدِيثِ
سَلْمَانَ: سُئِلَ ما يَجِلُّ لَنَا مِنْ ذمّتِنا؟ فَقَالَ: مِنْ عَمَاك إِلَى هُداكَ
أَي إِذَا ضَلَلْتَ طَرِيقًا أَخَذْتَ مِنْهُمْ رجُلًا حَتَّى يَقِفَكَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا رَخّص سَلْمانُ فِي ذَلِكَ لأَنَّ أَهلَ الذمَّة كَانُوا صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ وشُرِطَ عَلَيْهِمْ، فأَما إِذَا لَمْ يُشْرَط فَلَا يجوزُ إلَّا بالأُجْرَة، وَقَوْلُهُ: مِنْ ذِمَّتِنا أَي مِنْ أَهلِ ذِمَّتِنا. وَيُقَالُ: لَقِيتُهُ فِي عَمَايَةِ الصُّبحِ أَي فِي ظُلْمَتِهِ قَبْلَ أَنْ أَتَبَيَّنَه. وَفِي حَدِيثِ
أَبي ذَرٍّ: أَنه كَانَ يُغِيرُ عَلَى الصِّرْمِ فِي عَمَايةِ الصُّبْحِ
أَي فِي بقيَّة ظُلمة الليلِ. ولقِيتُه صَكَّةَ عُمَيٍّ وصَكَّةَ أَعْمَى أَي فِي أَشدَّ الهاجِرَةِ حَرّاً، وَذَلِكَ أَن الظَّبْيَ إِذَا اشتَدَّ عَلَيْهِ الحرُّ طَلَبَ الكِناسَ وَقَدْ بَرَقَتْ عينُه مِنْ بياضِ الشمسِ ولَمعانِها، فيَسْدَرُ بصرُه حَتَّى يَصُكَّ بنفسِه الكِناسَ لَا يُبْصِرُه، وَقِيلَ: هُوَ أَشدُّ الْهَاجِرَةِ حَرًّا، وَقِيلَ: حِينَ كادَ الحَرُّ يُعْمِي مِن شدَّتِه، وَلَا يُقَالُ فِي البرْد، وَقِيلَ: حِينَ يقومُ قائِمُ الظَّهِيرة، وَقِيلَ: نِصْفُ النَّهَارِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَقِيلَ: عُمَيٌّ الحَرُّ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: عُمَيٌّ رجلٌ مِنْ عَدْوانَ كَانَ
(15/98)

يُفتي فِي الحجِّ، فأَقبل مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ ركبٌ حَتَّى نَزَلُوا بعضَ الْمَنَازِلِ فِي يومٍ شديدِ الحَرِّ فَقَالَ عُمَيٌّ: مَنْ جاءتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الساعةُ مِنْ غَدٍ وَهُوَ حرامٌ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَه، فَهُوَ حرامٌ إِلَى قابِلٍ، فوثَبَ الناسُ يَضْرِبون حَتَّى وافَوُا البيتَ، وبَينهم وبَينَه مِنْ ذَلِكَ الموضِع ليلتانِ جَوَادَانِ، فضُرِبَ مَثلًا. وَقَالَ الأَزهري: هُوَ عُمَيٌّ كأَنه تصغيرُ أَعْمى؛ قَالَ: وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
صَكَّ بِهَا عَيْنَ الظَّهِيرة غائِراً ... عُمَيٌّ، وَلَمْ يُنْعَلْنَ إِلَّا ظِلالَها
وَفِي الْحَدِيثِ:
نَهى رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الصَّلَاةِ نصفَ النَّهَارِ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ صَكَّةَ عُمَيٍ
؛ قَالَ: وعُمَيٌّ تَصْغِيرُ أَعْمَى عَلَى التَّرْخيم، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِي حَمارَّة القَيْظِ، والإِنسان إِذَا خَرَج نصفَ النهارِ فِي أَشدّ الحرِّ لَمْ يَتَهَيّأْ لَهُ أَن يَمْلأَ عَيْنَيْهِ مِنْ عَين الشَّمْسِ، فأَرادُوا أَنه يصيرُ كالأَعْمَى، وَيُقَالُ: هُوَ اسْمُ رجلٍ مِنْ العَمالِقةِ أَغارَ عَلَى قومٍ ظُهْراً فاسْتَأْصَلَهم فنُسِبَ الوقتُ إِليه؛ وقولُ الشَّاعِرِ:
يَحْسَبُه الجاهِلُ، مَا كَانَ عَمَى، ... شَيْخاً، عَلَى كُرْسِيِّهِ، مُعَمَّمَا
أَي إِذا نظَرَ إِليه مِنْ بَعِيدٍ، فكأَنَّ العَمَى هُنَا البُعْد، يَصِفُ وَطْبَ اللَّبن، يَقُولُ إِذا رَآهُ الجاهلُ مِنْ بُعْدٍ ظَنَّه شَيْخًا معَمَّماً لِبَيَاضِهِ. والعَمَاءُ، ممدودٌ: السحابُ المُرْتَفِعُ، وَقِيلَ: الكثِيفُ؛ قَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ شِبهُ الدُّخانِ يركب رُؤوس الْجِبَالِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهِدُه قولُ حميدِ بْنِ ثورٍ:
فإِذا احْزَأَلَّا فِي المُناخِ، رأَيتَه ... كالطَّوْدِ أَفْرَدَه العَماءُ المُمْطِرُ
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
ووَفْراء لَمْ تُخْرَزْ بسَيرٍ، وكِيعَة، ... غَدَوْتُ بِهَا طَبًّا يَدِي بِرِشائِها
ذَعَرْتُ بِهَا سِرْباً نَقِيّاً جُلودُه، ... كنَجْمِ الثُّرَيَّا أَسْفَرَتْ مِنْ عَمائِها
وَيُرْوَى:
إِذْ بَدَتْ مِنْ عَمَائِها
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَمَاء الغَيْمُ الكثِيفُ المُمْطِرُ، وَقِيلَ: هُوَ الرقِيقُ، وَقِيلَ: هُوَ الأَسودُ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هُوَ الأَبيض، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي هَراقَ ماءَه وَلَمْ يَتَقَطَّع تَقَطُّعَ الجِفَالِ، واحدتُه عَمَاءَةٌ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي رَزين العُقَيْلي أَنه قَالَ لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَين كَانَ ربُّنا قبلَ أَن يَخْلُقَ السماواتِ والأَرضَ؟ قَالَ: فِي عَماءٍ تَحْتَه هَواءٌ وفَوْقَه هَواءٌ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَمَاء فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السَّحَابُ؛ قَالَهُ الأَصمعي وغيرُه، وهو ممدودٌ؛ وَقَالَ الْحَرْثُ بْنُ حِلِّزَة:
وكأَنَّ الْمَنُونَ تَرْدِي بنا أَعْصم ... صمٍّ، يَنْجابُ عَنْهُ العَمَاءُ
يَقُولُ: هُوَ فِي ارْتِفَاعِهِ قَدْ بلَغ السحابَ فالسحابُ يَنْجابُ عَنْهُ أَي يَنْكَشِفُ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وإِنما تأَوَّلْنا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ المَعْقُول عَنْهُمْ وَلَا نَدْري كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ العَماءُ، قَالَ: وأَما العَمَى فِي البَصَر فَمَقْصُورٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ. قَالَ الأَزهري: وَقَدْ بلَغَني عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ، وَلَمْ يعْزُه إِليه ثقةٌ، أَنه قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ولفظِه إِنه كَانَ فِي عَمًى، مقصورٌ، قَالَ: وكلُّ أَمرٍ لَا تدرِكه القلوبُ بالعُقولِ فَهُوَ عَمًى، قَالَ: وَالْمَعْنَى أَنه كَانَ حَيْثُ لَا تدْرِكه عقولُ بَنِي آدمَ وَلَا
(15/99)

يَبْلُغُ كنهَه وصْفٌ؛ قَالَ الأَزهري: والقولُ عِنْدِي مَا قَالَهُ أَبو عُبَيْدٍ أَنه العَمَاءُ، ممدودٌ، وَهُوَ السحابُ، وَلَا يُدْرى كَيْفَ ذَلِكَ العَماء بصفةٍ تَحْصُرُه وَلَا نَعْتٍ يحدُّه، ويُقَوِّي هَذَا القولَ قولُه تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ، والغَمام: معروفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلا أَنَّا لَا ندْري كَيْفَ الغَمامُ الَّذِي يأْتي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يومَ الْقِيَامَةِ فِي ظُلَلٍ مِنْهُ، فَنَحْنُ نُؤْمن بِهِ وَلَا نُكَيِّفُ صِفَتَه، وَكَذَلِكَ سائرُ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَقَالَ ابْنُ الأَثير: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي عَمًى مقصورٌ ليسَ مَعَه شيءٌ، قَالَ: وَلَا بُدَّ فِي قَوْلِهِ أَين كَانَ رَبُّنَا مِنْ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَين كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. والعَمَايَةُ والعَمَاءَة: السحابَةُ الكثِيفة المُطْبِقَةُ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الَّذِي هَراقَ ماءَه وَلَمْ يَتَقَطَّع تَقَطُّع الجَفْل «2» والعربُ تقولُ: أَشدُّ بردِ الشِّتاء شَمالٌ جِرْبِياء فِي غبِّ سَماء تحتَ ظِلِّ عَمَاء. قَالَ: وَيَقُولُونَ للقِطْعة الكَثِيفة عَماءةٌ، قَالَ: وبعضٌ ينكرُ ذَلِكَ ويجعلُ العَمَاءَ اسْماً جَامِعًا. وَفِي حَدِيثِ الصَّوْم:
فإِنْ عُمِّيَ عَلَيكُمْ
؛ هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، قِيلَ: هُوَ مِنَ العَمَاء السَّحابِ الرقِيقِ أَي حالَ دونَه مَا أَعْمى الأَبْصارَ عَنْ رُؤيَتِه. وعَمَى الشيءُ عَمْياً: سالَ. وعَمَى الماءُ يَعْمِي إِذا سالَ، وهَمى يَهْمِي مِثْلُهُ؛ قَالَ الأَزهري: وأَنشد الْمُنْذِرِيُّ فِيمَا أَقرأَني لأَبي الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي:
وغَبْراءَ مَعْمِيٍّ بِهَا الآلُ لَمْ يَبِنْ، ... بِهَا مِنْ ثَنَايا المَنْهَلَيْنِ، طَريقُ
قَالَ: عَمَى يَعْمِي إِذا سالَ، يَقُولُ: سالَ عَلَيْهَا الآلُ. وَيُقَالُ: عَمَيْتُ إِلى كَذَا وَكَذَا أَعْمِي عَمَيَاناً وعطِشْت عَطَشاناً إِذا ذَهَبْتَ إِليه لَا تُريدُ غَيْرَهُ، غيرَ أَنَّك تَؤُمُّه عَلَى الإِبْصار والظلْمة، عَمَى يَعْمِي. وعَمَى الموجُ، بِالْفَتْحِ، يَعْمِي عَمْياً إِذا رَمى بالقَذى والزَّبَدِ ودَفَعَه. وَقَالَ اللَّيْثُ: العَمْيُ عَلَى مِثالِ الرَّمْي رفعُ الأَمْواج القَذَى والزَّبَد فِي أَعالِيها؛ وأَنشد:
رَها زَبَداً يَعْمِي بِهِ المَوْجُ طامِيا
وعَمَى البَعِيرُ بلُغامه عَمْياً: هَدَرَ فرمَى بِهِ أَيّاً كَانَ، وَقِيلَ: رَمى بِهِ عَلَى هامَته. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: رجلٌ عامٍ رامٍ. وعَمَانِي بِكَذَا وَكَذَا: رَمَانِي مِنَ التُّهَمَة، قَالَ: وعَمَى النَّبْتُ يَعْمِي واعْتَمَّ واعْتَمى، ثلاثُ لغاتٍ، واعْتَمَى الشيءَ: اخْتاره، وَالِاسْمُ العِمْيَة. قَالَ أَبو سَعِيدٍ: اعْتَمَيْتُه اعْتِمَاءً أَي قَصَدته، وَقَالَ غَيْرُهُ: اعْتَمَيْتُه اختَرْته، وَهُوَ قَلب الاعْتِيامِ، وَكَذَلِكَ اعتَمْته، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: عَمَا واللهِ، وأَمَا واللهِ، وهَمَا وَاللَّهِ، يُبْدِلون مِنَ الْهَمْزَةِ العينَ مرَّة والهاءَ أُخْرى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: غَمَا وَاللَّهِ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. والعَمْو: الضلالُ، وَالْجَمْعُ أَعْمَاءٌ. وعَمِيَ عَلَيْهِ الأَمْرُ: الْتَبَس؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ
. والتَّعْمِيَةُ: أَنْ تُعَمِّيَ عَلَى الإِنْسانِ شَيْئًا فتُلَبِّسَه عَلَيْهِ تَلْبِيساً. وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ:
لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرائي
، مِنَ التَّعْمِيَة والإِخْفاء والتَّلْبِيسِ، حَتَّى لَا يَتبعَكُما أَحدٌ. وعَمَّيتُ مَعْنَى الْبَيْتِ تَعْمِية، وَمِنْهُ المُعَمَّى مِنَ الشِّعْر، وقُرئَ: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ
، بِالتَّشْدِيدِ. أَبو زَيْدٍ: تَرَكْناهُم عُمَّى إِذا أَشْرَفُوا عَلَى الْمَوْتِ. قَالَ الأَزهري: وقرأْت بِخَطِّ أَبي الْهَيْثَمِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ
__________
(2). قوله: [هو الذي ... إلخ.] أعاد الضمير إلى السحاب المنويّ لا إلى السحابة.
(15/100)

:
غَلَبْتُك بالمُفَقِّئ والمُعَمَّى، ... وبَيْتِ المُحْتَبي والخافِقاتِ
قَالَ: فَخَر الْفَرَزْدَقُ فِي هَذَا الْبَيْتِ عَلَى جَرِيرٍ، لأَن الْعَرَبَ كَانَتْ إِذا كَانَ لأَحَدهم أَلفُ بَعِيرٍ فقأَ عينَ بعيرٍ مِنْهَا، فإِذا تَمَّتْ أَلفان عَمَّاه وأَعْمَاه، فَافْتَخَرَ عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، قَالَ: وَالْخَافِقَاتُ الرَّايَاتُ. ابْنُ الأَعرابي: عَمَا يَعْمو إِذا خَضَع وذَلَّ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
ابنِ عُمر: مَثَلُ المُنافق مَثَلُ الشاةِ بينَ الرَّبيضَيْنِ، تَعْمُو مَرَّةً إِلى هَذِهِ ومَرَّةً إِلى هَذِهِ
؛ يُرِيدُ أَنها كَانَتْ تَمِيلُ إِلى هَذِهِ وإِلى هَذِهِ، قَالَ: والأَعرف تَعْنُو، التَّفْسِيرُ للهَرَويِّ فِي الغريبَين؛ قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ. والعَمَا: الطُّولُ. يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ عَما هَذَا الرجُلِ أَي طُولَه. وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: سأَلتُ ابنَ الأَعرابي عَنْهُ فعَرَفه، وَقَالَ: الأَعْمَاءُ الطِّوال منَ الناسِ. وعَمَايَةُ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ هُذَيْلٍ. وعَمَايَتَانِ: جَبَلان معروفان.
عنا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَنَتِ الْوُجُوهُ
نَصِبَتْ لَهُ وعَمِلتْ لَهُ، وَذُكِرَ أَيضاً أَنه وضْعُ المُسْلِمِ يَدَيْه وجَبْهَته وركْبَتَيْه إِذا سَجَد ورَكَع، وَهُوَ فِي مَعْنَى العَرَبيَّة أَن تَقُولَ لِلرَّجُلِ: عَنَوْتُ لَكَ خَضَعْت لَكَ وأَطَعْتُك، وعَنَوْتُ للْحَقِّ عُنُوّاً خَضَعْت. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقِيلَ: كلُّ خاضِعٍ لِحَقٍّ أَو غيرِه عانٍ، وَالِاسْمُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ العَنْوَة. والعَنْوَة: القَهْرُ. وأَخَذْتُه عَنْوَةً أَي قَسْراً وقَهْراً، مِنْ بَابِ أَتَيْته عَدْواً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا يَطَّرِدُ عندَ سِيبَوَيْهِ، وَقِيلَ: أَخَذَه عَنْوَة أَي عَنْ طَاعَة وَعَنْ غيرِ طاعَةٍ. وفُتِحَتْ هَذِهِ البلدةُ عَنْوَةً أَي فُتِحَت بِالْقِتَالِ، قُوتِل أَهلُها حَتَّى غُلِبوا عَلَيْهَا، وفُتِحَت البلدةُ الأُخرى صُلْحاً أَي لَمْ يُغْلبوا، وَلَكِنْ صُولِحُوا عَلَى خَرْج يؤدُّونه. وَفِي حَدِيثِ الْفَتْحِ:
أَنه دَخَل مَكَّة عَنْوَةً
أَي قَهْراً وغَلَبةً. قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ مِنْ عَنا يَعْنُو إِذا ذلَّ وخَضَع، والعَنْوَة المَرَّة مِنْهُ، كأَنَّ المأْخُوذَ بِهَا يَخْضَع ويَذلُّ. وأُخِذَتِ البلادُ عَنْوَةً بالقَهْرِ والإِذْلالِ. ابْنُ الأَعرابي: عَنَا يَعْنُو إِذا أَخَذَ الشيءَ قَهْراً. وعَنَا يَعْنُو عَنْوَةً فِيهِمَا إِذا أَخَذَ الشيءَ صُلْحاً بإكْرام ورِفْقٍ. والعَنْوَة أَيضاً: الموَدَّة. قَالَ الأَزهري: قَوْلُهُمْ أَخَذْتُ الشيءَ عَنْوَةً يَكُونُ غَلَبَةً، وَيَكُونُ عَنْ تَسْلِيمٍ وَطَاعَةٍ مِمَّنْ يؤْخَذُ مِنْهُ الشَّيْءُ؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ لكُثَيِّر:
فَمَا أَخَذُوها عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّة، ... ولكِنَّ ضَرْبَ المَشْرَفيِّ اسْتَقالهَا
فَهَذَا عَلَى مَعْنَى التَّسْلِيم والطَّاعَة بِلَا قِتالٍ. وَقَالَ الأَخْفش فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
؛ اسْتَأْسَرَتْ. قَالَ: والعَانِي الأَسِيرُ. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: العَانِي الخاضِعُ، والعَانِي العَبْدُ، والعَانِي السائِلُ مِنْ ماءٍ أَوْ دَمٍ. يُقَالُ: عَنَت القِرْبة تَعْنُو إِذا سالَ ماؤُها، وَفِي الْمُحْكَمِ: عَنَتِ القِرْبَةُ بماءٍ كَثِيرٍ تَعْنُو، لَمْ تَحْفَظْه فَظَهَرَ؛ قَالَ المُتَنَخِّل الهُذَلي:
تَعْنُو بمَخْرُوتٍ لَهُ ناضحٌ، ... ذُو رَيِّقٍ يَغْذُو، وذُو شَلْشَل
وَيُرْوَى: قاطِر بدَلَ ناضِحٍ. قَالَ شَمِرٌ: تعْنُو تَسِيلُ بمَخْرُوتٍ أَي مِنْ شَقّ مَخْرُوتٍ، والخَرْتُ: الشَّقُّ فِي الشَّنَّة، والمَخْرُوتُ: المَشْقُوقُ، رَوَّاه ذُو شَلْشَلٍ. قَالَ الأَزهري: مَعْنَاهُ ذُو قَطَرانٍ مِنَ
(15/101)

الْوَاشِنِ، وَهُوَ القاطِرُ، وَيُرْوَى: ذُو رَوْنَقٍ. ودَمٌ عانٍ: سائِلٌ؛ قَالَ:
لمَّا رأَتْ أُمُّه بالبابِ مُهْرَتَه، ... عَلَى يَدَيْها دَمٌ مِنْ رَأْسِه عانِ
وعَنَوْت فِيهِمْ وعَنَيْت عُنُوّاً وعَناءً: صرتُ أَسيراً. وأَعْنَيْته: أَسَرْته. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: العَنَاء الحَبْس فِي شِدَّةٍ وذُلٍّ. يُقَالُ: عَنَا الرجُلُ يَعْنُو عُنُوّاً وعَناءً إِذا ذلَّ لَكَ واسْتَأْسَرَ. قَالَ: وعَنَّيْتُه أُعَنّيه تَعْنِيَةً إِذا أَسَرْتَه وحَبَسْته مُضَيِّقاً عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساء فإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوانٍ
أَي أَسْرى أَو كالأَسْرَى، وَاحِدَةُ العَوَانِي عانِيَةٌ، وَهِيَ الأَسيرة؛ يَقُولُ: إِنَّمَا هُنَّ عِنْدَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الأَسْرى. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَوَانِي النساءُ لأَنَّهُنَّ يُظْلَمْنَ فَلَا يَنْتَصِرْنَ. وَفِي حَدِيثِ
المِقْدامِ: الخالُ وارِثُ منْ لَا وارِثَ لَهُ يَفُكُّ عانَه
أَي عانِيَه، فحذَف الْيَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ:
يَفُكُّ عُنِيَّه
، بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. يُقَالُ: عَنَا يَعْنُو عُنُوّاً وعُنِيّاً، وَمَعْنَى الأَسر فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَلْزَمهُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي سَبيلُها أَن يَتَحَمَّلَها العاقلَة، هَذَا عِنْدَ مَنْ يُوَرِّث الخالَ، وَمَنْ لَا يُوَرِّثه يكونُ مَعْنَاهُ أَنها طُعْمَة يُطْعَمُها الخالُ لَا أَن يَكُونَ وَارِثًا، ورجلٌ عانٍ وَقَوْمٌ عُنَاة ونِسْوَةٌ عَوَانٍ؛ وَمِنْهُ
قَوْلُ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: عُودُوا المَرْضى وفُكُّوا العَانِيَ
، يَعْنِي الأَسيرَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
أَطْعِموا الجائِعَ وفُكُّوا العَانِيَ
، قَالَ: وَلَا أُراه مأْخُوذاً إِلا مِنَ الذُّلِّ والخُضُوع. وكلُّ مَن ذَلَّ واسْتَكان وخَضَع فَقَدْ عَنَا، وَالِاسْمُ مِنْهُ العَنْوَة؛ قَالَ القُطاميّ:
ونَأَتْ بحاجَتِنا، ورُبَّتَ عَنْوَةٍ ... لكَ مِنْ مَواعِدِها الَّتِي لَمْ تَصْدُقِ
اللَّيْثُ: يُقَالُ للأَسِير عَنَا يَعْنُو وعَنِيَ يَعْنى، قَالَ: وإِذا قُلْتَ أَعْنُوه فَمَعْنَاهُ أَبْقُوه فِي الإِسار. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ عَنَى فِيهِمْ فلانٌ أَسيراً أَي أَقامَ فِيهِمْ عَلَى إِسارِه واحْتَبسَ. وعَنَّاه غيرُه تَعْنِيةً: حَبَسه. والتَّعْنِيَة: الحَبس؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
مُشَعْشَعة مِنْ أَذْرِعاتٍ هَوَتْ بِهَا ... رِكابٌ، وعَنَّتْها الزِّقاقُ وَقارُها
وَقَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤيَّة:
فَإِنْ يَكُ عَتَّابٌ أَصابَ بِسَهْمِه ... حَشاه، فعَنَّاه الجَوَى والمَحارِفُ
دَعا عَلَيْهِ بالحَبْسِ والثِّقَلِ مِنَ الجِراحِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنه كَانَ يُحَرِّضُ أَصحابَه يومَ صِفِّينَ ويقولُ: اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ وعَنُّوا بالأَصْواتِ
أَي احْبِسُوها وأَخْفُوها. مِنَ التَّعْنِيَة الحَبْسِ والأَسْرِ، كأَنه نَهاهُمْ عَنِ اللَّغَط ورفْعِ الأَصواتِ. والأَعْنَاء: الأَخْلاطُ مِنَ النَّاسِ خاصَّة، وَقِيلَ: مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، واحدُها عِنْوٌ. وعَنَى فِيهِ الأَكْلُ يَعْنَى، شاذَّةٌ: نَجَعَ؛ لَمْ يَحكِها غيرُ أَبي عُبَيْدٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: حَكَمْنَا علَيها أَنَّها يائيَّة لأَنَّ انْقِلاب الأَلف لَامًا عَنِ الْيَاءِ أَكثرُ مِنِ انْقِلَابِهَا عَنِ الْوَاوِ. الْفَرَّاءُ: مَا يَعْنَى فِيهِ الأَكْلُ أَي مَا يَنْجَعُ، عَنَى يَعْنَى. الْفَرَّاءُ: شَرِبَ اللبنَ شَهْرًا فَلَمْ يَعْنَ فِيهِ، كَقَوْلِكَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ عَنِيَ يَعْنَى عُنِيّاً، بِكَسْرِ النُّونِ مِنْ عَنِيَ. وَمِنْ أَمثالهم: عَنِيَّتُه تَشْفِي الجَرب؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلرَّجُلِ إِذا كَانَ جَيِّد الرأْي، وأَصل العَنِيَّة، فِيمَا رَوَى أَبو عُبَيْدٍ، أَبوالُ الإِبل يُؤْخَذُ مَعَهَا أَخلاط فَتُخْلَطُ ثُمَّ تُحْبس زَمَانًا فِي الشَّمْسِ ثُمَّ تَعَالَجُ بِهَا الإِبل
(15/102)

الجَرْبَى، سُمِّيت عَنِيَّةً مِنَ التَّعْنِيَة وَهُوَ الْحَبْسُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَنِيَّة عَلَى فَعيلَةٍ. والتَّعْنِيَة: أَخلاطٌ مِنْ بَعَرٍ وبَوْلٍ يُحْبَس مُدَّة ثُمَّ يُطْلى بِهِ الْبَعِيرُ الجَرِبُ؛ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
كأَنَّ كُحَيلًا مُعْقَداً أَو عَنِيَّةً، ... عَلَى رَجْعِ ذِفْراها، مِنَ اللِّيتِ، واكِفُ
وَقِيلَ: العَنِيَّة أَبوالُ الإِبلِ تُسْتَبالُ فِي الرَّبِيعِ حِينَ تَجْزَأُ عَنِ الماءِ، ثُمَّ تُطْبَخ حَتَّى تَخْثُر، ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهَا مِنْ زَهْرِ ضُروبِ العُشْبِ وحبِّ المَحْلَبِ فتُعْقدُ بِذَلِكَ ثُمَّ تُجْعلُ فِي بساتِيقَ صغارٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَوْلُ يُؤخذُ وأَشْياءَ مَعَهُ فيُخْلَط ويُحْبَس زَمَنًا، وَقِيلَ: هُوَ البَوْلُ يوضَعُ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَخْثُر، وَقِيلَ: العَنِيَّة الهِناءُ مَا كَانَ، وَكُلُّهُ مِنَ الخَلْط والحَبْسِ. وعَنَّيت الْبَعِيرَ تَعْنِيَة: طَلَيْته بالعَنِيَّة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ أَيضاً. والعَنِيَّة: أَبوالٌ يُطْبَخ مَعَهَا شيءٌ مِنَ الشجرِ ثُمَّ يُهْنَأُ بِهِ البعيرُ، واحِدُها عِنْو. وَفِي حَدِيثِ
الشَّعبي: لأَنْ أَتَعَنَّى بعَنِيَّةٍ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَن أَقولَ فِي مسأَلة بِرَأْيي
؛ العَنِيَّة: بولٌ فِيهِ أَخلاطٌ تُطْلَى بِهِ الإِبل الجَرْبَى، والتَّعَنِّي التَّطَلِّي بِهَا، سُمِّيَتْ عَنِيَّة لِطُولِ الحَبسِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
عِنْدِي دَواءُ الأَجْرَبِ المُعَبَّدِ، ... عَنِيَّةٌ مِنْ قَطِرانٍ مُعْقَدِ
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كأَنَّ بذِفْراها عَنِيَّةَ مُجْربٍ، ... لَهَا وَشَلٌ فِي قُنْفُذِ اللِّيت يَنْتَح
والقُنْفُذُ: مَا يَعْرَقُ خَلْف أُذُن البعيرِ. وأَعْنَاءُ السماءِ: نَوَاحِيهَا، الواحدُ عِنْوٌ. وأَعْنَاءُ الْوَجْهِ: جوانِبُه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
فَمَا بَرِحتْ تَقْرِيه أَعَنَاءَ وَجْهِها ... وجَبْهَتها، حَتَّى ثَنَته قُرونُها
ابْنُ الأَعرابي: الأَعْنَاء النَّواحي، واحدُها عَناً، وَهِيَ الأَعْنان أَيضاً؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
لَا تُحْرِز المَرْء أَعْنَاءُ البلادِ وَلَا ... تُبْنَى لَهُ، فِي السماواتِ، السَّلالِيمُ
وَيُرْوَى: أَحجاء. وأَورد الأَزهري هُنَا حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه سُئِلَ عَنِ الإِبل فَقَالَ أعْنانُ الشياطِين
؛ أَراد أَنها مثلُها، كأَنه أَراد أَنها مِنْ نَواحِي الشَّيَاطِينِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ فِيهَا أَعْنَاءٌ مِنَ النَّاسِ وأَعْراءٌ مِنَ النَّاسِ، وَاحِدُهُمَا عِنْوٌ وعِرْوٌ أَي جَمَاعَاتٌ. وَقَالَ أَحمد بْنُ يَحْيَى: بِهَا أَعْنَاءٌ مِنَ النَّاسِ وأَفْناءٌ أَي أَخلاط، الْوَاحِدُ عِنْوٌ وفِنْوٌ، وَهُمْ قومٌ مِنْ قبَائِلَ شَتَّى. وَقَالَ الأَصمعي: أَعْنَاءُ الشَّيْءِ جَوانِبُه، وَاحِدُهَا عِنْوٌ، بِالْكَسْرِ. وعَنَوْت الشيءَ: أَبْدَيْته. وعَنَوْت بِهِ وعَنَوْته: أَخْرَجْته وأَظْهَرْته، وأَعْنَى الغَيْثُ النَّباتَ كَذَلِكَ؛ قَالَ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ:
ويَأْكُلْنَ مَا أَعْنَى الوَلِيُّ فَلَمْ يَلِتْ، ... كأَنَّ بِحافاتِ النِّهاءِ المَزارِعَا
فَلم يَلِتْ أَي فَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئًا؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ واوِيَّة ويائِيَّة. وأَعْنَاه المَطَرُ: أَنبَته. ولَمْ تَعْنِ بلادُنا العامَ بِشَيْءٍ أَي لَمْ تُنْبِتْ شَيْئًا، وَالْوَاوُ لُغَةٌ. الأَزهري: يُقَالُ للأَرض لَمْ تَعْنُ بِشَيْءٍ أَي لَمْ تُنْبِت شَيْئًا، وَلَمْ تَعْنِ بِشَيْءٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ كَمَا يُقَالُ حَثَوْت عَلَيْهِ التُّرَابَ وحَثَيْت. وَقَالَ الأَصمعي: سأَلته فَلَمْ يَعْنُ لِي بِشَيْءٍ، كَقَوْلِكَ: لَمْ
(15/103)

يَنْدَ لِي بِشَيْءٍ وَلَمْ يَبِضَّ لِي بِشَيْءٍ. وَمَا أَعْنَتِ الأَرضُ شَيْئًا أَي مَا أَنْبَتَت؛ وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي قَوْلِ عَدِيٍّ:
ويَأْكُلْنَ مَا أَعْنَى الوَلِيُ
قَالَ: حَذَفَ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ عَلَى مَا أَي مَا أَعْناهُ الوَلِيُّ، وَهُوَ فِعْلٌ مَنْقُولٌ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ يَتَعدَّى بِالْبَاءِ فَيُقَالُ: عَنَتْ بِهِ فِي مَعْنَى أَعْنَتْهُ؛ وَعَلَيْهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
مِمَّا عَنَتْ بِهِ
وَسَنَذْكُرُهُ عَقِبَهَا. وعَنَت الأَرضُ بالنباتِ تَعْنُو عُنُوّاً وتَعْني أَيضاً وأَعْنَتْهُ: أَظْهَرَتْه. وعَنَوْت الشيءَ: أَخرجته؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَلَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ، مِمَّا عَنَتْ بِهِ ... مِن الرُّطْبِ، إِلَّا يُبْسُها وهَجِيرُها
وأَنشد بَيْتَ المُتَنَخِّل الهُذَلي:
تَعْنُو بمَخْرُوتٍ لَهُ ناضِحٌ
وعَنَا النَّبْتُ يَعْنُو إِذا ظَهَرَ، وأَعْنَاهُ المَطَرُ إِعْنَاءً. وعَنا الماءُ إِذا سالَ، وأَعْنَى الرجلُ إِذا صادَف أَرضاً قَدْ أَمْشَرَتْ وكَثُرَ كَلَؤُها. وَيُقَالُ: خُذْ هَذَا وَمَا عَانَاه أَي مَا شاكَلَه. وعَنَا الكلبُ لِلشَّيْءِ يَعْنُو: أَتاهُ فشَمَّه. ابْنُ الأَعرابي: هَذَا يَعْنُو هَذَا أَي يأْتيه فيَشَمُّه. والهُمُومُ تُعَانِي فُلَانًا أَي تأْتيه؛ وأَنشد:
وإِذا تُعانِيني الهُمُومُ قَرَيْتُها ... سُرُحَ اليَدَيْنِ، تُخالِس الخَطَرانا
ابْنُ الأَعرابي: عَنَيْت بأَمره عِناية وعُنِيّاً وعَناني أَمره سواءٌ فِي الْمَعْنَى؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ:
إِيَّاكِ أَعْنِي؛ واسْمَعي يَا جارَهْ
وَيُقَالُ: عَنِيتُ وتعَنَّيْت، كلٌّ يُقَالُ. ابْنُ الأَعرابي: عَنَا عَلَيْهِ الأَمرُ أَي شَقَّ عَلَيْهِ؛ وأَنشد قَوْلَ مُزَرِّد:
وشَقَّ عَلَى امْرِئٍ، وعَنَا عَلَيْهِ ... تَكاليفُ الَّذِي لَنْ يَسْتَطِيعا
وَيُقَالُ: عُنِيَ بِالشَّيْءِ، فَهُوَ مَعْنِيٌّ بِهِ، وأَعْنَيْته وعَنَّيْتُه بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وأَنشد:
وَلَمْ أَخْلُ فِي قَفْرٍ وَلَمْ أُوفِ مَرْبَأً ... يَفاعاً، وَلَمْ أُعنِ المَطِيَّ النَّواجِيا
وعَنَّيْتُه: حَبَسْتُه حَبْساً طَوِيلًا، وَكُلُّ حَبْسٍ طَوِيلٍ تَعْنِيَةٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ:
قَطَعْتَ الدَّهْرَ، كالسَّدِمِ المُعَنَّى، ... تُهَدِّرُ فِي دِمَشْقَ، وَمَا تَريمُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقِيلَ إِنَّ المُعَنَّى فِي هَذَا الْبَيْتِ فَحْلٌ لَئيمٌ إِذا هَاجَ حُبِسَ فِي العُنَّة، لأَنه يُرغبُ عَنْ فِحْلتِه، وَيُقَالُ: أَصلُه معَنَّن فأُبدِلت مِنْ إِحدى النُّونَاتِ ياءٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمُعَنَّى فَحْلٌ مُقْرِفٌ يُقَمَّط إِذا هَاجَ لأَنه يُرغب عَنْ فِحْلتِه. وَيُقَالُ: لَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ عَنْيةً وعَنَاءً أَي تَعَباً. وعَناهُ الأَمرُ يَعْنِيه عِنَايةً وعُنِيّاً: أَهَمَّه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وَقُرِئَ
يعْنيه
، فَمَنْ قرأَ
يعْنيه
، بِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ، فَمَعْنَاهُ لَهُ شأْن لَا يُهِمُّه مَعَهُ غيرهُ، وَكَذَلِكَ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَي لَا يَقْدِرُ مَعَ الِاهْتِمَامِ بِهِ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبو تُرَابٍ: يُقَالُ مَا أَعْنَى شَيْئًا وَمَا أَغنى شَيْئًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. واعْتَنَى هُوَ بأَمره: اهْتَمَّ. وعُنِيَ بالأَمر عِنَايَةً، وَلَا يُقَالُ مَا أَعْنَانِي بالأَمر، لأَن الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَصِيغَةُ التَّعَجُّبِ إِنَّمَا هِيَ لَمَّا سُمِّي فَاعِلُهُ.
(15/104)

وَجَلَسَ أَبو عُثْمَانَ إِلى أَبي عُبَيْدَةَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فسأَله فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تأْمر مِنْ قَوْلِنَا عُنِيتُ بِحَاجَتِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبو عُبَيْدَةَ: أُعْنَ بِحَاجَتِي، فأَوْمأْتُ إِلى الرَّجُلِ أَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا خَلَوْنا قُلْتُ لَهُ: إِنما يُقَالُ لِتُعْنَ بِحَاجَتِي، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبو عُبَيْدَةَ لَا تدخُلْ إِليّ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنك كُنْتَ مَعَ رَجُلٍ دُورِيٍّ سَرَقَ مِنِّي عامَ أَولَ قطِيفةً لِي، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا الأَمر كَذَلِكَ، ولكنَّك سَمِعْتَنِي أَقول مَا سَمِعْتَ، أَو كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي وَحْدَهُ: عَنِيتُ بأَمره، بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، عِنَايةً وعُنِيّاً فأَنا بِهِ عَنٍ، وعُنِيتُ بأَمرك فأَنا مَعْنِيٌّ، وعَنِيتُ بأَمرك فأَنا عانٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ هُوَ مَعْنِيٌّ بأَمره وعانٍ بأَمره وعَنٍ بأَمره بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِذا قُلْتَ عُنِيتُ بِحَاجَتِكَ، فعدَّيتَه بِالْبَاءِ، كَانَ الفعلُ مضمومَ الأَولِ، فإِذا عَدَّيتَه بِفِي فَالْوَجْهُ فتحُ الْعَيْنِ فَتَقُولُ عَنِيت؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذا لمْ تَكُنْ فِي حاجةِ المَرءِ عانِياً ... نَسِيتَ، ولمْ يَنْفَعْكَ عَقدُ الرَّتائمِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهل اللُّغَةِ: لَا يُقَالُ عُنِيتُ بِحَاجَتِكَ إِلا عَلَى مَعْنى قصَدْتُها، مِنْ قَوْلِكَ عَنَيْتُ الشَّيْءَ أَعْنِيه إِذا كُنْتَ قاصِداً لَهُ، فأَمَّا مِنَ العَنَاء، وَهُوَ العِنَايَةُ، فَبِالْفَتْحِ نحوُ عَنَيتُ بِكَذَا وعَنَيت فِي كَذَا. وَقَالَ الْبَطَلْيَوْسِيُّ: أَجاز ابْنُ الأَعرابي عَنِيتُ بِالشَّيْءِ أَعْنَى بِهِ، فأَنا عانٍ؛ وأَنشد:
عانٍ بأُخراها طَويلُ الشُّغْلِ، ... لَهُ جَفِيرانِ وأَيُّ نَبْلِ
وعُنِيتُ بِحَاجَتِكَ أُعْنَى بِهَا وأَنا بِهَا مَعْنِيٌّ، عَلَى مَفْعُولٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مِنْ حُسنِ إِسلامِ المَرْءِ تَرْكُه مَا لَا يَعْنِيه
أَي لَا يُهِمُّه. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ
عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذا اشْتَكى أَتَاهُ جبريلُ فَقَالَ بسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كلِّ داءٍ يَعْنيك، مِنْ شرِّ كلِّ حاسدٍ وَمِنْ شرِّ كلِّ عَين
؛ قَوْلُهُ يَعْنِيك أَي يشغَلُك. وَيُقَالُ: هَذَا الأَمر لَا يَعْنِيني أَي لَا يَشْغَلُني وَلَا يُهِمُّني؛ وأَنشد:
عَناني عنكَ، والأَنْصاب حَرْبٌ، ... كأَنَّ صِلابَها الأَبْطالَ هِيمُ
أَراد: شَغَلَني؛ وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَلُمْني عَلَى البُكاء خَلِيلي، ... إِنه مَا عَناكَ قِدْماً عَنَانِي
وَقَالَ آخَرُ:
إِنَّ الفَتى لَيْسَ يَعْنِيهِ ويَقمَعُه ... إِلَّا تَكَلُّفُهُ مَا لَيْسَ يَعْنِيهِ
أَي لَا يَشْغَله، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَعْنِيكَ أَي يَقْصِدُك. يُقَالُ: عَنَيْتُ فُلَانًا عَنْياً أَي قَصَدْتُه. ومَنْ تَعْنِي بِقَوْلِكَ أَي مَنْ تَقْصِد. وعَنَانِي أَمرُك أَي قَصَدني؛ وَقَالَ أَبو عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ الْجَعْدِيِّ:
وأَعْضادُ المَطِيّ عَوَاني
أَي عَوامِلُ. وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ عَوَانِي أَي قَواصِدُ فِي السَّيْرِ. وفُلانٌ تَتَعَنَّاه الحُمَّى أَي تَتَعَهَّده، وَلَا تُقَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي غَيْرِ الحُمَّى. وَيُقَالُ: عَنِيتُ فِي الأَمر أَي تَعَنَّيْتُ فِيهِ، فأَنا أَعْنَى وأَنا عَنٍ، فإِذا سَأَلْتَ قُلْتَ: كَيْفَ مَن تُعْنى بأَمره؟ مَضْمُومٌ لأَن الأَمْرَ عَنَاهُ، وَلَا يُقَالُ كيف مَنْ تَعْنَى بأَمره. وعَانَى الشيءَ: قَاسَاهُ. والمُعَانَاةُ: المُقاساة. يُقَالُ:
(15/105)

عَانَاه وتَعَنَّاه وتَعَنَّى هُوَ؛ وَقَالَ:
فَقُلْتُ لَهَا: الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتَى، ... وهَمّ تَعَنَّاه مُعَنّىً رَكائبُهْ
وَرَوَى أَبو سَعِيدٍ: المُعَانَاة المُداراة؛ قَالَ الأَخطل:
فإِن أَكُ قَدْ عَانَيْتُ قَوْمي وهِبْتُهُمْ، ... فَهَلْهِلْ وأَوِّلْ عَنْ نُعَيْم بنِ أَخْثَما
هَلْهِلْ: تَأَنَّ وانْتَظِرْ. وَقَالَ الأَصمعي: المُعَانَاة والمُقَاناةُ حُسْنُ السِّياسة. وَيُقَالُ: مَا يُعَانُونَ مالَهُم وَلَا يُقانُونه أَي مَا يَقُومُونَ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ
عُقْبَة بْنِ عامِرٍ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ: لَوْلا كلامٌ سَمِعْتُه مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لمْ أُعَانِهِ
؛ مُعَانَاةُ الشيءِ: مُلابَسَته ومُباشَرَته. والقَوْمُ يُعَانُون مالَهُم أَي يَقُومُونَ عَلَيْهِ. وعَنَى الأَمْرُ يَعْنِي واعْتَنَى: نَزَلَ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
إِني وَقَدْ تَعْنِي أُمورٌ تَعْتَنِي ... عَلَى طريقِ العُذْر، إِنْ عَذَرْتَني
وعَنَتْ بِهِ أُمورٌ: نَزَلَتْ. وعَنَى عَنَاءً وتَعَنَّى: نَصِبَ. وعَنَّيْتُه أَنا تَعْنِيَةً وتَعَنَّيْتُه أَيضاً فَتَعَنَّى، وتَعَنَّى العَناء: تَجَشَّمَه، وعَنَّاه هُوَ وأَعْنَاه؛ قَالَ أُمَيَّة:
وإِني بِلَيْلَى، والدِّيارِ الَّتِي أَرَى، ... لَكالْمُبْتَلَى المُعْنَى بِشَوْقٍ مُوَكَّلِ
وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
عَنْساً تُعَنِّيها وعَنْساً تَرْحَلُ
فَسَّرَهُ فَقَالَ: تُعَنِّيها تَحْرُثُها وتُسْقِطُها. والعَنْيَةُ: العَناء. وعَنَاءٌ عَانٍ ومُعَنٍّ: كَمَا يُقَالُ شِعْرٌ شاعِرٌ ومَوْتٌ مائتٌ؛ قَالَ تَميم بْنُ مُقْبِل:
تَحَمَّلْنَ مِنْ جَبَّانَ بَعْدَ إِقامَةٍ، ... وبَعْدَ عَنَاءٍ مِنْ فُؤادِك عانِ «3»
وَقَالَ الأَعشى:
لَعَمْرُكَ مَا طُولُ هَذَا الزَّمَنْ، ... عَلَى المَرْءِ، إِلَّا عَنَاءٌ مُعَنُ
ومَعْنى كلِّ شَيْءٍ: مِحْنَتُه وحالُه الَّتِي يَصِيرُ إِلَيْهَا أَمْرُه. وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَحمد بْنِ يَحْيَى قَالَ: المَعْنَى والتفسيرُ والتَّأْوِيل واحدٌ. وعَنَيْتُ بِالْقَوْلِ كَذَا: أَردت. ومَعْنَى كُلِّ كلامٍ ومَعْنَاتُه ومَعْنِيَّتُه: مَقْصِدُه، وَالِاسْمُ العَنَاء. يُقَالُ: عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي مَعْنَى كلامِه ومَعْنَاةِ كَلَامِهِ وَفِي مَعْنِيِّ كلامِه. وَلَا تُعَانِ أَصحابَك أَي لَا تُشاجِرْهُم؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. والعَنَاء: الضُّرُّ. وعُنْوَانُ الْكِتَابِ: مُشْتَقّ فِيمَا ذَكَرُوا مِنَ المَعْنَى، وَفِيهِ لُغَاتٌ: عَنْوَنْتُ وعَنَّيْتُ وعَنَّنْتُ. وَقَالَ الأَخْفش: عَنَوْتُ الْكِتَابَ واعْنُه؛ وأَنشد يُونُسُ:
فَطِنِ الكِتابَ إِذا أَرَدْتَ جوابَه، ... واعْنُ الكتابَ لِكَيْ يُسَرَّ ويُكْتما
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العُنْوَانُ والعِنْوَانُ سِمَةُ الكِتابِ. وعَنْوَنَه عَنْوَنَةً وعِنْوَاناً وعَنَّاهُ، كِلاهُما: وَسَمَه بالعُنوان. وَقَالَ أَيضاً: والعُنْيَانُ سِمَةُ الْكِتَابِ، وَقَدْ عَنَّاه وأَعْنَاه، وعَنْوَنْتُ الْكِتَابَ وعَلْوَنْته. قَالَ يَعْقُوبُ: وسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ أَطِنْ وأَعِنْ أَي عَنْوِنْه واخْتِمْه. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَفِي جَبْهَتِه عُنْوانٌ مِنْ كَثْرَةِ السُّجودِ أَي أَثَر؛ حَكَاهُ اللِّحْيَانِيُّ؛ وأَنشد:
وأَشْمَطَ عُنْوانٌ بِهِ مِنْ سُجودِه، ... كَرُكْبَةِ عَنزٍ مِنْ عُنوزِ بَني نَصْرِ
__________
(3). قوله [من جبان] هو هكذا في الأصل بالباء الموحدة والجيم.
(15/106)

والمُعَنَّى: جَمَلٌ كَانَ أَهلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَنزِعُونَ سناسِنَ فِقْرَتِهِ ويَعْقِرُون سَنامَه لئلَّا يُرْكَب وَلَا يُنْتَفَع بظَهْرِه. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ إِذا بَلَغَتْ إِبلُ الرَّجُلِ مِائَةً عَمَدُوا إِلى الْبَعِيرِ الَّذِي أَمْأَتْ بِهِ إِبلُه فأَغْلقوا ظَهْرَه لِئَلَّا يُرْكَب وَلَا يُنْتَفَع بظَهْره، لِيُعْرَفَ أَن صاحِبَها مُمْئٍ، وإِغْلاق ظَهْرِه أَن يُنْزَع مِنْهُ سناسِنُ مِنْ فَقْرته ويُعْقر سَنامَه؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا يَجُوزُ أَن يكونَ مِنْ العَنَاءِ الَّذِي هُوَ التَّعَب، فَهُوَ بِذَلِكَ مِنَ المُعْتلّ بِالْيَاءِ، وَيَجُوزُ أَن يكونَ مِنَ الحَبْسِ عَنِ التَّصَرُّفِ فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنَ المعتَلِّ بِالْوَاوِ؛ وَقَالَ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
غَلَبْتُكَ بالمُفَقَّئِ والمُعَنِّي، ... وبَيْتِ المُحْتَبي والخافقاتِ
يَقُولُ: غَلَبْتُك بأَربع قَصَائِدَ مِنْهَا المُفَقِّئُ، وَهُوَ بَيْتُهُ:
فلَسْتَ، وَلَوْ فَقَّأْتَ عَينَك، وَاجِدًا ... أَباً لكَ، إِن عُدَّ المَساعِي، كَدارِم
قَالَ: وأَراد بالمُعَنِّي قَوْلَهُ تَعَنَّى فِي بَيْتِهِ:
تَعَنَّى يَا جَرِيرُ، لِغَيرِ شيءٍ، ... وَقَدْ ذهَبَ القَصائدُ للرُّواةِ
فَكَيْفَ تَرُدُّ مَا بعُمانَ مِنْهَا، ... وَمَا بِجِبالِ مِصْرَ مُشَهَّراتِ؟
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمِنْهَا قَوْلُهُ:
فإِنّكَ، إِذ تَسْعَى لتُدْرِكَ دارِماً، ... لأَنْتَ المُعَنَّى يَا جَرِيرُ، المُكَلَّف
وأَراد بالمُحْتَبي قَوْلَهُ:
بَيْتاً زُرارَةُ مُحْتَبٍ بِفنائه، ... ومُجاشِعٌ وأَبو الفَوارسِ نَهْشَلُ
لَا يَحْتَبي بفِناءِ بَيْتِك مِثْلُهُم ... أَبداً، إِذا عُدَّ الفعالُ الأَفْضَلُ
وأَراد بِالْخَافِقَاتِ قَوْلُهُ:
وأَيْنَ يُقَضِّي المالِكانِ أُمُورَها ... بِحَقٍّ، وأَينَ الخافِقاتُ اللَّوامِعُ؟
أَخَذْنا بآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ، ... لَنَا قَمَرَاها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ
عها: حَكى أَبو مَنْصُورٍ الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ عوه عَنْ أَبي عَدْنَانَ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: العِفْوُ والعِهْوُ جَمِيعًا الجَحْش، قَالَ: ووَجَدْتُ لأَبي وجْزَة السَّعْدِيّ بَيْتًا فِي العِهْوِ:
قَرَّبْنَ كلَّ صَلَخْدىً مُحْنِقٍ قَطِمٍ ... عِهْوٍ، لَهُ ثَبَجٌ، بالنِّيِّ، مَضْبُورُ
وَقِيلَ: هُوَ جَمَلٌ عِهْوٌ نَبيلُ الثَّبَجِ لَطِيفُه، وَهُوَ شديدٌ مَعَ ذَلِكَ؛ قَالَ الأَزهري: كأَنه شبَّه الجَمَل به لخِفَّتِه.
عوي: العَوِيُّ: الذِّئْبُ. عَوَى الكَلْبُ والذئبُ يَعْوِي عَيّاً وعُواءً وعَوَّةً وعَوْيَةً، كِلَاهُمَا نادرٌ: لَوَى خَطْمَه ثُمَّ صوَّت، وَقِيلَ: مَدَّ صَوْته وَلَمْ يُفْصِحْ. واعْتَوَى: كَعَوى؛ قَالَ جَرِيرٌ:
أَلا إِنما العُكْلِيُّ كلْبٌ، فقُل لهُ، ... إِذا مَا اعْتَوَى: إِخْسَأْ وأَلْقِ لَهُ عَرْقَا
وَكَذَلِكَ الأَسَد. الأَزهري: عَوَت الكِلابُ والسِّباعُ تَعْوِي عُواءً، وَهُوَ صَوْتٌ تَمُدُّه وَلَيْسَ بِنَبْحٍ، وَقَالَ أَبو الجَرَّاح: الذِّئْبُ يَعْوِي؛
(15/107)

وأَنشدني أَعرابي:
هَذا أَحَقُّ مَنْزِلٍ بالتَّرْكِ، ... الذِّئبُ يَعْوِي والغُرابُ يَبْكي
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَوَى الكلْبُ والذِّئبُ وابنُ آوَى يَعْوِي عُواءً صاحَ. وَهُوَ يُعَاوِي الكلابَ أَي يُصايِحُها. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَعلم العِواء فِي الْكِلَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِندَ السِّفادِ. يُقَالُ: عاوَتِ الكِلاب إِذا اسْتَحْرَمَتْ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسِّفَادِ فَهُوَ النُّباحُ لَا غَيْر؛ قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ:
جَزَى رَبُّه عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ... جَزاءَ الكِلابِ العَاوِيَاتِ، وقَدْ فَعَلْ
وَفِي حَدِيثِ
حَارِثَةَ: كأَني أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهل النَّارِ
أَي صِياحَهُمْ. قَالَ ابْنُ الأَثير: العُوَاءُ صَوْتُ السِّباع، وكأَنَّه بالذئْبِ والكَلْبِ أَخَصُّ. والعَوَّةُ: الصَّوْتُ، نادِر. والعَوَّاءُ، ممدُود: الكَلْب يَعْوِي كَثيراً. وكَلْبٌ عَوّاءٌ: كَثِيرُ العُواء. وَفِي الدُّعاء عَلَيْهِ: عَلَيْهِ العَفاءُ والكَلْبُ العَوَّاءُ. والمُعَاوِيَة: الكَلْبَة المُسْتَحْرِمَةُ تَعْوي إِلى الْكِلَابِ إِذا صَرَفَتْ ويَعْوينَ، وَقَدْ تَعاوَتِ الكِلابُ. وعاوَت الكِلابُ الكَلْبَة: نابَحَتْها. ومُعاوِيَةُ: اسْمٌ، وَهُوَ مِنْهُ، وَتَصْغِيرُ مُعَاوِيَة مُعَيَّة؛ هَذَا قَوْلُ أَهل الْبَصْرَةِ، لأَن كلَّ اسْمٍ اجْتمَع فِيهِ ثَلَاثُ ياءاتٍ أُولاهُنَّ ياءُ التصغير خُذِفَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فإِن لَمْ تَكُنْ أُولاهن يَاءُ التَّصْغِير لَمْ يُحْذَف مِنْهُ شيءٌ، تَقُولُ فِي تَصْغِيرِ مَيَّة مُيَيَّة، وأَما أَهلُ الْكُوفَةِ فَلَا يَحْذِفُونَ مِنْهُ شَيْئًا يَقُولُونَ فِي تَصْغِيرِ مُعَاوِيَة مُعَيِّيَة، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ أُسَيِّد، ومُعَيْوَة، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أُسَيْوِد؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: تَصْغِيرُ مُعَاوِيَة، عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، مُعَيْوِيَة عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ فِي أَسْودَ أُسَيْوِد، ومُعَيَّة عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أُسَيِّدٌ، ومُعَيِّيَة عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ فِي أَحْوَى أُحَيِّيٌ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبي عَمْرِو بْنِ العَلاء، قَالَ: وقولُ الجَوْهري ومُعَيْوة عَلَى قَوْلِ مَنْ يقولُ أُسَيْوِد غَلَطٌ، وَصَوَابُهُ كَمَا قُلنا، وَلَا يَجُوزُ مُعَيْوة كَمَا لَا يَجُوزُ جُرَيْوة فِي تَصْغِيرِ جِرْوة، وإِنما يَجُوزُ جُرَيَّة. وَفِي المَثَل: لَوْ لَك أَعْوِي مَا عَوَيْتُ؛ وأَصله أَنَّ الرجلَ كَانَ إِذا أَمْسى بالقَفْرِ عَوَى ليُسمِعَ الكِلابَ، فَإِنْ كَانَ قُرْبَه أَنِيسٌ أَجابَتْه الكلابُ فاستَدَلَّ بعُوائها، فعَوَى هَذَا الرجلُ فجاءَهُ الذِّئْب فَقَالَ: لَو لَك أَعْوِي مَا عَوَيْتُ، وَحَكَاهُ الأَزهري. وَمِنْ أَمثالهم فِي المُستَغِيث بمَنْ لَا يُغِيثُه قولُهم: لَوْ لَكَ عَوَيْتُ لَمْ أَعْوِهْ؛ قَالَ: وأَصله الرجلُ يَبِيتُ بالبَلَدِ القَفْرِ فيَستَنْبِحُ الكِلابَ بعُوائِه ليَسْتَدِلَّ بنُباحِها عَلَى الحَيِّ، وَذَلِكَ أَنّ رَجُلًا باتَ بالقَفْرِ فاستَنْبَح فأَتاه ذِئْبٌ فَقَالَ: لَوْ لَكَ عَوَيْتُ لَمْ أَعْوِهْ، قَالَ: وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا دَعا قَوْمًا إِلى الفِتنة، عَوَى قَوْمًا فاستُعْوُوا، وَرَوَى الأَزهري عَنِ الْفَرَّاءِ أَنه قَالَ: هُوَ يَستَعْوي القَوْمَ ويَسْتَغْويهم أَي يَستَغِيثُ بهمْ. وَيُقَالُ: تَعَاوَى بنُو فلانٍ عَلَى فلانٍ وتَغاوَوْا عَلَيْهِ إِذا تَجَمَّعُوا عَلَيْهِ، بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ. وَيُقَالُ: استَعْوَى فُلَانٌ جَماعَةً إِذا نَعَقَ بِهِمْ إِلى الفِتنَة. وَيُقَالُ للرجُل الحازمِ الجَلْدِ: مَا يُنْهى وَلَا يُعْوَى. وَمَا لَهُ عاوٍ وَلَا نابحٌ أَي مَا لَهُ غَنَم يَعْوي فِيهَا الذئبُ ويَنْبَح دُونَهَا الكَلب، ورُبَّما سُمِّي رُغاءُ الفصِيلِ عُواءً إِذا ضَعُف؛ قَالَ:
بِهَا الذِّئْبُ مَحزُوناً كأَنَّ عُواءَهُ ... عُواءُ فَصِيلٍ، آخِرَ الليْلِ، مُحْثَلِ
(15/108)

وعَوَى الشيءَ عَيّاً واعْتَواهُ: عَطَفَه؛ قَالَ:
فلَمَّا جَرَى أَدْرَكنَه فاعْتَوَيْنَه ... عَنِ الغايَة الكُرْمى، وهُنَّ قُعودُ
وعَوَى القَوْسَ: عَطَفَها. وعَوَى رأْسَ النَّاقَةِ فانْعَوَى: عاجَه. وعَوَتِ الناقَةُ البُرَةَ عَيّاً إِذا لَوَتْها بخَطْمِها؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
إِذا مَطَوْنا نِقْضَةً أَو نِقضا، ... تَعْوِي البُرَى مُسْتَوْفِضاتٍ وَفْضا
وعَوى القَومُ صُدُورَ رِكابهمْ وعَوَّوْها إِذا عَطَفُوها. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ أُنَيْفاً سأَله عَنْ نَحرِ الإِبلِ فأَمَرَه أَن يَعْوِيَ رُؤوسَها
أَي يَعْطِفَها إِلى أَحَد شِقَّيها لتَبرُز اللَّبةُ، وَهِيَ المَنحَرُ. والعَيُّ: اللَّيُّ والعَطْفُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وعَوَيْتُ الشَّعْر والحَبل عَيّاً وعَوَّيْته تَعْوِيَةً لَوَيته؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وكأَنَّها، لَمَّا عَوَيْت قُرُونَها، ... أَدْماءُ ساوَقَها أَغَرُّ نَجِيبُ
واستَعْوَيته أَنا إِذا طَلَبتَ مِنْهُ ذَلِكَ. وكلُّ مَا عَطَفَ مِنْ حَبْلٍ وَنَحْوِهِ فَقَدْ عَواهُ عَيّاً، وَقِيلَ: العَيُّ أَشَدُّ مِنَ اللَّيِّ. الأَزهري: عَوَيْتُ الحبلَ إِذا لَوَيتَه، والمصدَر العَيُّ. والعَيُّ فِي كلِّ شيءٍ: اللَّيُّ. وعَفَتَ يَدَهُ وعَواها إِذا لَواها. وَقَالَ أَبو العَمَيثَلِ: عَوَيْت الشيءَ عَيّاً إِذا أَمَلْته. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عَوَيْت العِمامَة عَيَّةً ولَوَيتُها لَيَّةً. وعَوَى الرجلُ: بَلَغَ الثَّلَاثِينَ فقَويَتْ يَدهُ فعَوَى يَدَ غَيْرِهِ أَي لَواها لَيّاً شَدِيدًا. وَفِي حَدِيثِ الْمُسْلِمِ قاتِلِ المشرِكِ الَّذِي سَبَّ النبيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
فتَعَاوَى الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ
أَي تعاوَنوا وتَساعَدوا، وَيُرْوَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. الأَزهري: العَوّا اسمُ نَجمٍ، مقصورٌ، يكتَب بالأَلف، قَالَ: وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ مِنْ أَنْواءِ البَرْدِ؛ قَالَ سَاجِعُ الْعَرَبِ: إِذا طَلَعَتِ العَوَّاءُ وجَثَم الشِّتاءُ طَابَ الصِّلاءُ؛ وَقَالَ ابْنُ كُناسة: هِيَ أَربعة كواكبَ ثلاثةٌ مُثَفَّاةٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَالرَّابِعُ قريبٌ مِنْهَا كأَنه مِنَ النَّاحِيَةِ الشاميَّة، وَبِهِ سُمِّيَتِ العَوَّاءُ كأَنه يَعْوِي إِليها مِنْ عُواءِ الذئْب، قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ عَوَيْتُ الثوبَ إِذا لَوَيتَه كأَنه يعْوي لَمَّا انْفَرَدَ. قَالَ: والعَوَّاءُ فِي الْحِسَابِ يَمانيَةٌ، وَجَاءَتْ مُؤَنَّثَة عَنِ الْعَرَبِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَوَّل اليَمانية السِّماكُ الرامِحُ، وَلَا يُجْعَلُ العَوَّاء يَمَانِيَةً لِلْكَوْكَبِ الفَردِ الَّذِي فِي النَّاحِيَةِ الشاميَّة. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: العَوَّاءُ ممدودةٌ، وَالْجَوْزَاءُ مَمْدُودَةٌ، والشِّعْرى مَقْصُورٌ. وَقَالَ شِمْرٌ: العَوَّاءُ خَمْسَةُ كواكِبَ كأَنها كِتابة أَلِفٍ أَعْلاها أَخفاها، وَيُقَالُ: كأَنها نُونٌ، وتُدْعى ورِكي الأَسَد وعُرْقوبَ الأَسَد، وَالْعَرَبُ لَا تُكْثِرُ ذِكْرَ نَوْئِها لأَن السِّماكَ قَدِ استَغْرَقَها، وَهُوَ أَشهر مِنْهَا، وطُلوعها لاثنَتين وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ أَيلولٍ، وسقُوطُها لِاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً تَخْلُو مِنْ أَذار؛ وَقَالَ الحُصَيْني فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الْمَنَازِلَ:
وانْتَثَرَت عَوَّاؤه ... تَناثُرَ العِقْد انْقَطعْ
وَمِنْ سَجْعِهِمْ فِيهَا: إِذا طَلَعت العَوَّاءُ ضُرِبَ الخِباءُ وطابَ الهواءُ وكُرِه العَراءُ وشَثُنَ السِّقاءُ. قَالَ الأَزهري: مَن قَصَرَ العَوَّا شَبَّهَها باسْتِ الكلبِ، ومَن مَدَّها جَعَلها تَعْوِي كَمَا يَعْوِي الكلبُ،
(15/109)

والقَصْرُ فِيهَا أَكثرُ «4» قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَوَّاءُ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ يُمَدُّ ويُقصَر، والأَلف فِي آخِرِهِ للتأْنيث بِمَنْزِلَةِ أَلِفِ بُشْرَى وحُبْلى، وعينُها ولامُها وَاوَانِ فِي اللَّفْظِ كَمَا تَرَى، أَلَا تَرَى أَن الواوَ الْآخِرَةَ الَّتِي هِيَ لامٌ بَدَلٌ مِنْ ياءٍ، وأَصلها عَوْيَا وَهِيَ فَعْلَى مِنْ عَوَيْت؟ قَالَ ابْنُ جِنِّي: قَالَ لِي أَبو عَلِيٍّ إِنَّمَا قيلَ العَوَّا لأَنها كواكبُ مُلْتَويةٌ، قَالَ: وَهِيَ مِنْ عَوَيْتُ يدَه أَي لَوَيتها، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ أَصلها عَوْيا وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسَبَقَتِ الأُولى بِالسُّكُونِ، وَهَذِهِ حالٌ تُوجِبُ قَلْب الْوَاوِ يَاءً وليستْ تَقْتَضِي قلبَ الْيَاءِ وَاوًا، أَلا تَرَاهُمْ قَالُوا طَوَيْت طَيّاً وشوَيْت شَيّاً، وأَصلُهما طَوْياً وشَوْياً، فقلت الواوَ يَاءً، فهلَّا إِذْ كَانَ أَصل العَوَّا عَوْيَا قَالُوا عَيّاً فقلَبوا الْوَاوَ يَاءً كَمَا قَلَبُوهَا فِي طَوَيت طَيّاً وشَوَيت شَيّاً؟ فَالْجَوَابُ أَن فَعْلَى إِذَا كَانَتِ اسْمًا لَا وَصْفًا، وَكَانَتْ لامُها يَاءً، قُلِبَتْ يَاؤُهَا وَاوًا، وَذَلِكَ نَحْوَ التَّقْوَى أَصلُها وَقْيَا، لأَنها فَعْلَى مِنْ وَقَيْت، والثَّنْوَى وَهِيَ فَعْلَى مِنْ ثَنَيْتُ، والبَقْوَى وَهِيَ فَعْلى مِنْ بَقِيت، والرَّعْوَى وَهِيَ فَعْلَى من رَعَيْت، فَكَذَلِكَ العَوَّى فَعْلى مِنْ عَوَيْت، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ اسمٌ لَا صِفَةٌ بِمَنْزِلَةِ البَقْوَى والتَّقْوَى والفَتْوَى، فَقُلِبَتِ الْيَاءُ الَّتِي هِيَ لامٌ وَاوًا، وَقَبْلَهَا الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ وَاوٌ، فَالْتَقَتْ وَاوَانِ الأُولى سَاكِنَةٌ فأُدغمت فِي الآخِرة فَصَارَتْ عَوًّا كَمَا تَرَى، وَلَوْ كَانَتْ فَعْلَى صِفَةً لَمَا قُلِبَت يَاؤُهَا وَاوًا، ولَبَقِيَت بِحَالِهَا نَحْوَ الخَزْيَا والصَّدْيا، وَلَوْ كَانَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْيَاءِ واوٌ لَقُلِبَت الواوُ يَاءً كَمَا يَجِبُ فِي الواوِ وَالْيَاءِ إِذَا التَقَتا وسَكَن الأَوَّل مِنْهُمَا، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمُ امرأَة طَيَّا ورَيَّا، وأَصلُهما طوْيَا ورَوْيَا، لأَنهما مِنْ طَوَيْت ورَوِيت، فَقُلِبَتِ الواوُ مِنْهُمَا يَاءً وأُدغِمَت فِي الْيَاءِ بَعْدَها فَصَارَتْ طَيَّا وريَّا، وَلَوْ كَانَتْ رَيَّا اسْمًا لوَجَب أَن يُقال رَوَّى وحالُها كحالِ العَوَّا، قَالَ: وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمُ العَوَّاءُ، بالمدِّ، فِي هَذَا المنزِلِ مِنْ منازِل القَمر؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والقولُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنه زَادَ لِلْمَدِّ الْفَاصِلِ أَلفَ التأْنيثِ الَّتِي فِي العَوَّاء، فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ مثالُ العَوَّا أَلفين، كَمَا تَرَى، سَاكِنَيْنِ، فَقُلِبَتِ الْآخِرَةُ الَّتِي هِيَ عَلَمُ التأْنيث هَمْزَةً لمَّا تَحَرَّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، والقولُ فِيهَا القولُ فِي حَمْرَاءَ وصَحْراءَ وصَلْفاءَ وخَبْراءَ، فَإِنْ قِيلَ: فلَمَّا نُقِلَت مِنْ فَعْلى إِلَى فَعْلاء فَزَالَ القَصْرُ عَنْهَا هَلَّا رُدَّت إِلَى الْقِيَاسِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِزَوَالِ وَزْنِ فَعْلى الْمَقْصُورَةِ، كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ أَلْوى وامرأَة لَيَّاءُ، فهلَّا قَالُوا عَلَى هَذَا العَيَّاء؟ فَالْجَوَابُ أَنهم لَمْ يَبْنوا الكَلِمةِ عَلَى أَنها مَمْدُودَةٌ البَتَّة، وَلَوْ أَرادوا ذَلِكَ لَقَالُوا العَيَّاء فَمَدُّوا، وأَصله العَوْياء، كَمَا قَالُوا امرأَة لَيَّاء وأَصلها لَوْياء، وَلَكِنَّهُمْ إِنَّمَا أَرادوا القَصْر الَّذِي فِي العَوّا، ثُمَّ إِنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى الْمَدِّ فِي بَعْضِ المواضِع ضَرُورَةً، فبَقّوا الْكَلِمَةَ بحالِها الأُولى مِنْ قَلْبِ الْيَاءُ الَّتِي هِيَ لامٌ وَاوًا، وَكَانَ تَرْكُهُم القلبَ بحالِه أَدلَّ شيءٍ عَلَى أَنهم لَمْ يَعتَزِموا الْمَدَّ البتَّة، وأَنهم إِنَّمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ فَرَكبوه، وَهُمْ حِينَئِذٍ لِلْقَصْرِ ناوُون وَبِهِ مَعْنيُّون؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
فلَو بَلَغَتْ عَوّا السِّماكِ قَبيلةٌ، ... لزادَت علَيها نَهْشَلٌ وتَعَلَّت
وَنَسَبَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ إِلَى الْحُطَيْئَةِ. الأَزهري: والعَوَّاء النابُ مِنَ الإِبلِ، ممدودةٌ، وَقِيلَ: هِيَ فِي لُغة هُذيل النابُ الكَبيرة الَّتِي لَا سَنامَ لَهَا؛ وَأَنْشَدَ:
__________
(4). قوله [والقصر فيها أكثر] هكذا في الأَصل والمحكم، والذي في التهذيب: والمدّ فيها أكثر.
(15/110)

وَكَانُوا السَّنامَ اجْتُثَّ أَمْسِ، فقَوْمُهُم ... كَعَوَّاءَ بَعْدَ النِّيِّ غابَ رَبِيعُها
وعَوَاهُ عَنِ الشَّيْءِ عَيّاً: صَرفه. وعَوَّى عَنِ الرجُل: كَذَّب عَنْهُ وردَّ عَلَى مُغْتابه. وأَعْوَاءٌ: مَوْضِعٌ؛ قَالَ عبدُ منافِ بنُ رِبْع الهُذلي:
أَلا رُبَّ داعٍ لَا يُجابُ، ومُدَّعٍ ... بساحةِ أَعْوَاءٍ وناجٍ مُوائِلِ
الْجَوْهَرِيُّ: العَوَّاءُ سافِلَة الإِنسانِ، وَقَدْ تُقْصر. ابْنُ سِيدَهْ: العَوَّا والعُوَّى والعَوَّاء والعُوَّة كلُّه الدُّبُر. والعَوَّةُ: عَلَم مِنْ حِجارة يُنْصَب عَلَى غَلْظِ الأَرض. والعَوَّةُ. الضَّوَّة وعَوْعَى عَوْعاةً: زجَرَ الضأْنَ. اللَّيْثُ: العَوَّا والعَوّة لُغَتَانِ وَهِيَ الدُّبُر؛ وأَنشد:
قِياماً يُوارُون عَوَّاتِهمْ ... بِشَتْمِي، وعَوَّاتُهُم أَظْهَر
وَقَالَ الْآخَرُ فِي العَوَّا بِمَعْنَى العَوَّة:
فَهَلَّا شَدَدْتَ العَقْدَ أَو بِتَّ طاوِياً، ... ولم يفرح العَوَّا كما يفرح القتْبُ «1»
والعَوّةُ والضَّوَّةُ: الصَّوْتُ والجلَبَة. يُقَالُ: سمِعت عَوَّةَ القومِ وضَوَّتَهُم أَي أَصْواتَهُم وجَلَبَتَهُم، والعَوُّ جَمْعُ عَوَّةٍ، وَهِيَ أُمُّ سُوَيْد. وَقَالَ اللَّيْثُ: عَا، مَقْصورٌ، زجْرٌ للضِّئِينَ، ورُبَّما قَالُوا عَوْ وَعَاءٍ وعايْ، كُلُّ ذَلِكَ يُقال، وَالْفِعْلُ مِنْهُ عاعَى يُعاعِي مُعَاعَاةً وَعَاعَاةً. وَيُقَالُ أَيضاً: عَوْعَى يُعَوْعِي عَوْعاةً وعَيْعَى يُعَيْعِي عَيْعَاة وعِيعَاءً؛ وأَنشد:
وَإِنَّ ثِيابي مِنْ ثِيابِ مُحَرِّقٍ، ... ولمْ أَسْتَعِرْها مِنْ مُعَاعٍ وناعِقِ
عيا: عَيَّ بالأَمرِ عِيّاً وعَيِيَ وتَعايا واسْتَعْيا؛ هَذِهِ عَنِ الزجَّاجي، وَهُوَ عَيٌّ وعَيِيٌّ وعَيَّانُ: عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يُطِقْ إحْكامه. قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَمْعُ العَيِيِّ أَعْيِياءُ وأَعِيَّاءُ، وَالتَّصْحِيحُ مِنْ جِهَةِ أَنه لَيْسَ عَلَى وَزْنِ الفِعْلِ، والإِعْلال لاسْتِثقالِ اجْتِمَاعِ الياءَينِ، وَقَدْ أَعْيَاه الأَمرُ؛ فأَمَّا قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
وَمَا ضَرَبٌ بَيْضاءُ، يأْوِي مَلِيكُها ... إِلَى طُنُفٍ أَعْيَا بِراقٍ ونازِلِ
فَإِنَّمَا عَدّى أَعْيَا بِالْبَاءِ لأَنه فِي مَعْنَى برَّح، فكأَنه قَالَ برَّح بِراقٍ ونازِلٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا عَدَّاه بِالْبَاءِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَوْمٌ أَعْيَاء وأَعْيِيَاء، قَالَ: وَقَالَ سِيبَوَيْهِ أَخبرنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ يُونُسُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ وَقَوْمٌ أَعِيّاء وأَعْيِيَاء كَمَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالَ، يَعْنِي الْجَوْهَرِيَّ، وسَمِعْنا مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ أَعْيِيَاء وأَحْيِيَةٌ فيُبَيِّن؛ قَالَ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ: أَحْيِيَةٌ جَمْعُ حَياء لفَرْج النَّاقَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُدْغِمُه فَيَقُولُ أَحِيَّة. الأَزهري: قَالَ اللَّيْثُ العِيُّ تأْسِيسٌ أَصله مِنْ عَين وياءَيْن وَهُوَ مَصْدَرُ العَيِيِّ، قَالَ: وَفِيهِ لُغَتَانِ رَجُلٌ عَيِيٌّ، بِوَزْنِ فَعِيلٍ؛ وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
لَا طائِشٌ قاقٌ وَلَا عَيِيُ
وَرَجُلٌ عَيٌّ: بوَزْنِ فَعْلٍ، وَهُوَ أَكثر مِنْ عَييٍّ، قَالَ: وَيُقَالُ عَيِيَ يَعْيا عَنْ حُجَّته عَيّاً، وعَيَّ يَعْيَا، وكلُّ ذَلِكَ يُقَالُ مِثْلُ حَيِيَ يَحْيَا وحَيَّ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، قَالَ: والرَّجلُ يَتَكَلَّف عَمَلًا فيَعْيَا بِهِ وعَنه إِذَا لم يَهْتَدِ
__________
(1). قوله [ولم يفرح إلخ] هكذا في الأصل.
(15/111)

لوجِه عَمَله. وَحُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: يُقَالُ فِي فِعْلِ الْجَمِيعِ مِنْ عَيَّ عَيُّوا؛ وأَنشد لِبَعْضِهِمْ:
يَحِدْنَ بِنَا عَنْ كلِّ حَيٍّ، كأَنَّنا ... أَخاريسُ عَيُّوا بالسَّلامِ وبالنَّسَبْ
وَقَالَ آخَرُ:
مِنَ الَّذِينَ إِذَا قُلْنا حديثَكُمُ ... عَيُّوا، وإنْ نَحْن حَدَّثْناهُمُ شَغِبُوا
قَالَ: وَإِذَا سُكِّن مَا قَبْلَ الْيَاءِ الأُولى لَمْ تُدْغَمْ كَقَوْلِكَ هُوَ يُعْيي ويُحْيي. قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ أَدغَمَ فِي مثلِ هَذَا؛ وأَنشد لِبَعْضِهِمْ:
فكَأَنَّها بينَ النِّسَاءِ سَبيكةٌ ... تَمْشي بسُدَّة بَيتها، فتُعِيُ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ: هَذَا غيرُ جائزٍ عِنْدَ حُذَّاق النَّحْوِيِّينَ. وَذَكَرَ أَنَّ البيتَ الَّذِي اسْتَشْهد بِهِ الْفَرَّاءُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ؛ قَالَ الأَزهري: وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبو إِسْحَاقَ وكلامُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ وأَجمع القُرّاء عَلَى الإِظْهار فِي قَوْلِهِ يُحْيِي وَيُمِيتُ*. وَحُكِيَ عَنْ شِمْرٍ: عَيِيتُ بالأَمر وعَيَيْتُه وأَعْيَا عليَّ ذَلِكَ وأَعْيَانِي. وَقَالَ اللَّيْثُ: أَعْيَانِي هَذَا الأَمرُ أَن أَضْبِطَه وعَيِيت عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَيِيتُ فُلَانًا أَعْيَاهُ أَي جَهِلْته. وَفُلَانٌ لَا يَعْيَاه أَحدٌ أَيْ لَا يَجْهَله أحدٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنْ لا تَعْيا عَنِ الإِخبارِ عَنْهُ إِذَا سُئِلْتَ جَهْلًا بِهِ؛ قَالَ الرَّاعِي:
يسأَلْنَ عَنْكَ ولا يَعْياك مسؤولُ
أَي لَا يَجْهَلُك. وعَيِيَ فِي المَنْطِق عِيّاً: حَصِرَ. وأَعْيَا الْمَاشِي: كلَّ. وأَعْيَا السيرُ البَعيرَ ونحوَه: أَكَلَّه وطَلَّحه. وإبلٌ مَعَايَا: مُعْيِيَة. قَالَ سِيبَوَيْهِ: سَأَلْتُ الخليلَ عَنْ مَعايا فَقَالَ: الوَجْه مَعَايٍ، وَهُوَ المُطَّرد، وَكَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَعايا كَمَا قَالُوا مَدارى وصَحارى وَكَانَتْ مَعَ الْيَاءِ أَثقلَ إِذَا كَانَتْ تُستَثقَل وحدَها. ورجلٌ عَياياءُ: عَيِيٌّ بالأُمور. وَفِي الدُّعَاءِ:
عَيٌّ لَهُ وشَيٌ
، والنَّصْبُ جائِزٌ. والمُعَايَاةُ: أَن تأْتيَ بكلامٍ لَا يٌهتَدى لَهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَن تأْتي بشيءٍ لَا يُهْتَدَى لَهُ، وَقَدْ عَايَاهُ وعَيَّاه تَعْيِيَةً. والأُعْيِيَّةُ: مَا عايَيْتَ بِهِ. وفَحْلٌ عَيَاءٌ: لَا يَهْتَدي لِلضِّرَابِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْ نَاقَةً قطُّ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَضْرِبُ، وَالْجَمْعُ أَعْياءٌ، جمَعُوه عَلَى حَذْفِ الزَّائِدِ حَتَّى كأَنهم كسَّروا فَعَلًا كَمَا قَالُوا حياءُ الناقةِ، وَالْجَمْعُ أَحْياءٌ. وفَحْلٌ عَيَايَاءُ: كعَياءٍ، وَكَذَلِكَ الرجُلُ. وَفِي حَدِيثِ
أُمّ زَرْعٍ: أَنَّ المرأَة السَّادِسَةَ قَالَتْ زَوْجِي عَيَايَاءُ طَبافاءُ كلُّ داءٍ لَهُ داءٌ
؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: العَيَايَاءُ مِنَ الإِبلِ الَّذِي لَا يَضْرِبُ وَلَا يُلْقِحُ، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الرِّجَالِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير فِي تَفْسِيرِهِ: العَيَايَاءُ العِنِّينُ الَّذِي تُعْييهِ مُباضَعَة النِّسَاءِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ورَجلٌ عَيَايَاءُ إِذَا عَيَّ بالأَمْر والمَنْطِقِ؛ وَذَكَرَ الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ عَبَا:
كَجَبْهَةِ الشَّيخِ العَباء الثَّطِّ
وَفَسَّرَهُ بالعَبام، وَهُوَ الْجَافِي العَيِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَسْمَع العَباءَ بِمَعْنَى العَبام لِغَيْرِ الليث، قال: وأَما الرَّجَز فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ:
كَجَبْهَة الشَّيْخِ العَيَاء
بِالْيَاءِ. يُقَالُ: شَيْخٌ عَيَاءٌ وعَيَايَاءُ، وَهُوَ العَبامُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى النِّسَاءِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهُ بِالْبَاءِ فَقَدْ صَحَّف. وداءٌ عَيَاءٌ: لَا يُبْرَأُ مِنْهُ، وَقَدْ أَعْيَاه
(15/112)

الداءُ؛ وَقَوْلُهُ:
وداءٌ قَدْ اعْيَا بالأَطبَّاء ناجِسُ
أَرَادَ أَعْيا الأَطِبَّاءَ فعَدَّاه بالحَرْفِ، إِذْ كَانَتْ أَعْيا فِي مَعْنَى بَرَّحَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الأَزهري: وداءٌ عَيٌّ مثلُ عَياءٍ، وعَيِيٌّ أَجود؛ قال الحرث بْنُ طُفَيل:
وتَنْطِقُ مَنْطِقاً حُلْواً لَذِيذًا، ... شِفاءَ البَثِّ والسُّقْمِ العَيِيِ
كأَن فَضِيضَ شارِبه بكأْس ... شَمُول، لَوْنُها كالرَّازِقِيِ
جَمِيعاً يُقْطَبانِ بِزَنْجَبيلٍ ... عَلَى فَمِها، مَعَ المِسْكِ الذَّكِيِ
وَحُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ: الداءُ العَيَاءُ الَّذِي لَا دَواءَ لَهُ، قَالَ: وَيُقَالُ الداءُ العَيَاءُ الحُمْقُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: داءٌ عَيَاءٌ أَي صعبٌ لَا دواءَ لَهُ كأَنه أَعْيا عَلَى الأَطِباء. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فِعْلُهم الداءُ العَيَاءُ
؛ هُوَ الَّذِي أَعْيا الأَطِباء وَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ الدواءُ. وَحَدِيثُ
الزُّهْري: أَنَّ بَرِيداً مِنْ بَعْضِ المُلوك جاءَه يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ مَا مَعَ الْمَرْأَةِ كَيْفَ يُوَرَّث؟ قَالَ: مِنْ حيثُ يخرجُ الماءُ الدافِقُ
؛ فَقَالَ فِي ذَلِكَ قَائِلُهُمْ:
ومُهِمَّةٍ أَعْيا القُضاةَ عَياؤُها ... تَذَرُ الفقيهَ يَشُكُّ شَكَّ الجاهِلِ
عَجَّلْتَ قبلَ حَنِيذها بِشِوَائِها، ... وقَطَعْتَ مَحْرِدَها بحُكْمٍ فاصِلِ
قَالَ ابْنُ الأَثير: أَرادَ أَنك عجلتَ الفَتْوى فِيهَا وَلَمْ تَسْتَأْنِ فِي الْجَوَابِ، فشَبَّهه برجُلٍ نَزلَ بِهِ ضيفٌ فعَجَّل قِراهُ بِمَا قَطعَ لَهُ مِنْ كَبِدِ الذَّبيحة ولَحْمِها وَلَمْ يَحْبِسُه عَلَى الحَنيذِ وَالشِّوَاءِ، وتَعْجيلُ القِرى عِنْدَهُمْ محمودٌ وصاحبُه مَمْدُوحٌ. وتَعَيَّا بالأَمر: كَتَعَنَّى؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
حَتَّى أَزُورَكُم وأَعْلَمَ عِلْمَكُمْ، ... إنَّ التَّعَيِّيَ لِي بأَمرِك مُمْرِضُ
وَبَنُو عَيَاءٍ: حَيٌّ مِنْ جَرْمٍ. وعَيْعَايَةُ: حَيٌّ مِنْ عَدْوان فِيهِمْ خَساسة. الأَزهري: بَنُو أَعْيَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ أَعْيَوِيٌّ، قَالَ: وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ. وعَاعَى بالضأْنِ عَاعَاةً وعِيعَاءً: قَالَ لَهَا عَا، وَرُبَّمَا قَالُوا عَوْ وعَايْ وعاءِ، وعَيْعَى عَيْعَاةً وعِيعَاءً كَذَلِكَ؛ قَالَ الأَزهري: وَهُوَ مِثَالُ حاحَى بالغَنَم حِيحاءً، وَهُوَ زَجْرُها. وَفِي الْحَدِيثِ
شِفاءُ العِيِّ السؤالُ
؛ العِيُّ: الجهلُ، عَيِيَ بِهِ يَعْيا عِيّاً وعَيَّ، بالإِدغام وَالتَّشْدِيدِ، مثلُ عَييَ. وَمِنْهُ حَدِيثِ الهَدْي:
فأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ فعَيَّ بشأْنِها
أَي عَجَزَ عَنْهَا وأَشكل عَلَيْهِ أَمرُها. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العِيُّ خلافُ البيانِ، وَقَدْ عَيَّ فِي مَنْطِقِه. وَفِي الْمَثَلِ: أَعْيَا مِنْ باقِلٍ. وَيُقَالُ أَيضاً: عَيَّ بِأَمرِه وعَيِيَ إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لوجهِه، والإِدْغامُ أَكثر، وَتَقُولُ فِي الْجَمْعِ: عَيُوا، مخَفَّفاً، كَمَا قُلْنَاهُ فِي حَيُوا، وَيُقَالُ أَيضاً: عَيُّوا، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبرص:
عَيُّوا بأَمرِهِمُ، كَمَا ... عَيَّتْ ببَيْضتِها الحَمامَهْ
وأَعْيَانِي هُوَ؛ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حَسَّانٍ مِنْ بَنِي الحَرِث بنِ همَّام:
فإنَّ الكُثْرَ أَعْيَانِي قَديماً، ... وَلَمْ أُقْتِرْ لَدُنْ أَنّي غُلامُ
يَقُولُ: كُنْتُ مُتَوَسِّطًا لَمْ أَفْتَقر فَقْرًا شَدِيدًا وَلَا
(15/113)

أَمكَنني جمعُ الْمَالِ الْكَثِيرِ، ويُرْوى: أَعْنَانِي أَي أَذَلَّني وأَخْضَعني. وَحَكَى الأَزهري عَنِ الأَصمعي: عَيِيَ فُلَانٌ، بياءَين، بالأَمر إِذَا عَجَز عَنْهُ، وَلَا يُقَالُ أَعْيا بِهِ. قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ عَيَّ بِهِ، فيُدْغِمُ. وَيُقَالُ فِي المَشْي: أَعْيَيْت وأَنا عَيِيّ؛ «2» قَالَ النَّابِغَةِ:
عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحد
قَالَ: وَلَا يُنْشَدُ أَعْيَتْ جَوَابًا؛ وأَنشد لِشَاعِرٍ آخَرَ فِي لُغَةِ مَنْ يَقُولُ عَيِيَ:
وَحَتَّى حسِبْناهمْ فوارِسَ كَهْمَسٍ، ... حَيُوا بعد ما ماتُوا مِنَ الدَّهْرِ أَعْصُرَا
وَيُقَالُ: أَعْيَا عليَّ هَذَا الأَمرُ وأَعْياني، وَيُقَالُ: أَعْيَانِي عَيَاؤه؛ قَالَ المرَّارُ:
وأَعْيَتْ أَن تُجِيبَ رُقىً لِرَاقِ
قَالَ: وَيُقَالُ أَعْيَا بِهِ بَعِيرُهُ وأَذَمَّ سواءٌ. والإِعْيَاءُ: الكَلال؛ يُقَالُ: مَشَيْت فأَعْيَيْت، وأَعْيَا الرجلُ فِي المَشْيِ، فَهُوَ مُعْيٍ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
إِنَّ البَراذِينَ إِذَا جَرَيْنَهْ، ... مَعَ العِتاقِ ساعَةً، أَعْيَينَهْ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَلَا يُقَالُ عَيَّانٌ. وأَعْيَا الرجلُ وأَعْيَاهُ اللَّهُ، كِلَاهُمَا بالأَلف. وأَعْيَا عَلَيْهِ الأَمْرُ وتَعَيَّا وتَعايا بِمَعْنًى. وأَعْيَا: أَبو بَطْنٍ مِنْ أَسَدٍ، وَهُوَ أَعْيَا أَخو فَقْعسٍ ابْنَا طَريفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَرِثِ بْنِ ثَعْلبة بْنِ دُوادانَ بْنِ أَسدٍ؛ قَالَ حُرَيث بنُ عتَّابٍ النَّبْهاني:
تَعالَوْا أُفاخِرْكُمْ أَأَعْيَا، وفَقْعَسٌ ... إِلَى المَجْدِ أَدْنَى أَمْ عَشِيرَةُ حاتِمِ
والنسبَة إِلَيْهِمْ أَعْيَوِيّ.

فصل الغين المعجمة
غَبَا: غَبِيَ الشيءَ وغَبِيَ عَنْهُ غَباً وغباوَةً: لَمْ يَفْطُنْ لَهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي بَلْدَة يَغبَى بِهَا الخِرِّيتُ
أَي يَخْفَى؛ وَقَالَ ابْنُ الرِّقَاعِ:
أَلا رُبَّ لَهْوٍ آنِسٍ ولَذاذَةٍ، ... مِنَ العَيْشِ، يُغبِيِه الخِباءُ المُسَتَّرُ
وغَبِيَ الأَمرُ عَنِّي: خَفِيَ فلمْ أَعرفه. وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ:
فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ
أَي خَفِيَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ
غُبِّيَ
، بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُمَا مِنَ الغَباء شِبه الغَبَرة فِي السَّمَاءِ. التَّهْذِيبُ: ابْنُ الأَنباري الغَبَا يُكْتَبُ بالأَلف لأَنه مِنْ الْوَاوِ. يُقَالُ: غَبِيت عَنِ الأَمْر غَبَاوة. اللَّيْثُ: يُقَالُ غَبِيَ عَنِ الأَمرِ غَبَاوَةً، فَهُوَ غَبِيٌّ إِذَا لَمْ يَفْطُنْ للخِبِّ وَنَحْوِهِ. يُقَالُ: غَبِيَ عليَّ ذَلِكَ الأَمرُ إذا كان لا يَفطُن لَهُ وَلَا يعرفُه، والغَبَاوَة الْمَصْدَرُ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ ذُو غَبَاوَةٍ أَيْ تَخْفى عَلَيْهِ الأُمور. وَيُقَالُ: غَبِيتُ عَنْ ذَلِكَ الأَمرِ إِذَا كَانَ لَا يَفْطُن لَهُ. وَيُقَالُ: ادْخُلْ فِي النَّاسِ فَهُوَ أَغْبَى لَكَ أَي أَخفى لَكَ. وَيُقَالُ: دَفَن فُلَانٌ لِي مُغَبَّاةً ثُمَّ حَمَلني عَلَيْهَا، وَذَلِكَ إِذَا أَلْقاك فِي مَكْرٍ أَخْفاه. وَيُقَالُ: غَبِّ شَعْرَك أَي استَأْصِلْهُ، وَقَدْ غَبَّى شَعَرَه تَغْبِيَةً، وغَبَيْتُ الشيءَ أَغْبَاهُ، وقد غَبِيَ
__________
(2). قوله [أَعْيَيْت وأنا عَيِيّ] هكذا في الأَصل، وعبارة التهذيب: أَعْيَيْت إِعْيَاء، قال: وتكلمت حتى عييت عياً، قال: وإذا طلب علاج شيء فعجز يقال: عييت وأنا عَيِيٌّ.
(15/114)

عليَّ مثلُه إِذَا لَمْ تَعْرفه؛ وقولُ قيسِ بْنِ ذَريح:
وكَيفَ يُصَلِّي مَنْ إِذَا غَبِيَتْ لهُ ... دِماءُ ذَوِي الذمَّاتِ والعَهْدِ طُلَّتْ
لَمْ يُفَسِّرْ ثَعْلَبٌ غبيَتْ لَهُ. وتَغَابَى عَنْهُ: تَغَافَلَ. وَفِيهِ غَبْوَة وغَباوَةَ أَي غَفْلَةٌ. والغَبِيُّ، عَلَى فَعيل: الغافِلُ القليلُ الفِطْنة، وَهُوَ من الواو، وأَما أَبو علي فاشْتَقَّ الغَبِيَّ مِنْ قَوْلِهِمْ شَجَرَة غَبْيَاءُ كأَنَّ جهْلَه غَطَّى عَنْهُ مَا وَضَح لِغَيْرِهِ. وغَبِيَ الرجُلُ غَبَاوةً وغَباً، وَحَكَى غَيْرُهُ غَباءً، بِالْمَدِّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِلَّا الشَّياطِينَ وأَغْبِيَاءَ بَنِي آدَمَ
؛ الأَغبِيَاء: جَمْعُ غَبِيٍّ كَغَنِيٍّ وأَغْنِياء، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أَغْباءً كأَيْتامٍ، ومثلُه كمِيٌّ وأَكْماءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ
قَلِيلُ الفِقْهِ خيرٌ مِنْ كثيرِ الغباوةِ.
وَفِي حَدِيثِ
عَليٍّ: تغابَ عَنْ كلِّ مَا لَا يَصِحُّ لَكَ
أَي تغافَلْ وتَبالَهْ. وَحَكَى ابْنُ خَالَوَيْهِ: أَنَّ الغَبَاء الغُبارُ، وَقَدْ يُضَمُّ وَيُقْصَرُ فَيُقَالُ الغُبَى. والغُباءُ: شبيهٌ بالغَبَرَة تكونُ فِي السَّمَاءِ. والغَبْيَة: الدفْعَة مِنَ الْمَطَرِ؛ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وغَبْيَة شُؤْبُوبٍ مِنَ الشَّدِّ مُلْهِب
وَهِيَ الدفْعَة من الخُضْر شَبَّهها بدفْعَة الْمَطَرِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الغَبْية الدفْعة الشديدةُ مِنَ الْمَطَرِ، وَقِيلَ: هِيَ المَطْرَة لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَهِيَ فوقَ البَغْشَةِ؛ قَالَ:
فصَوَّبْتُه، كأَنَّه صَوْبُ غَبْيةٍ ... عَلَى الأَمْعَزِ الضَّاحي، إِذَا سِيطَ أَحْضَرا
وَيُقَالُ: أَغْبَتِ السماءُ إغْباءً، فَهِيَ مُغْبِيَة؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
وغَبَياتٌ بينَهُنَّ وَبْلُ
قَالَ: وَرُبَّمَا شُبِّه بِهَا الجَرْيُ الَّذِي يَجِيءُ بعدَ الجَرْي الأَوَّل. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الغَبْيَة كالوَثْبَة فِي السَّيْر، والغَبْيَة صَبٌ كثيرٌ مِنْ ماءٍ وَمِنْ سياطٍ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ أنشد:
إنَّ دَواءَ الطامِحاتِ السَّجْلُ ... السَّوْطُ والرِّشاءُ ثُمَّ الحَبْلُ،
وغَبَيَاتٌ بَيْنَهُنَّ هَطْلُ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَنا أُرى عَلَى التَّشْبِيهِ بغَبَيات المَطر. وَجَاءَ عَلَى غَبْيةِ الشمسِ أَيْ غَيْبتها؛ قَالَ: أُراه عَلَى القلبِ. وشجرةٌ غَبْياءُ: مُلْتَفَّة، وغُصن أَغْبَى كَذَلِكَ. وغَبْيَة التُّرابِ: مَا سَطَعَ مِنْهُ؛ قَالَ الأَعشى:
إِذَا حالَ مِنْ دُونها غَبْيةٌ ... مِنَ التُّرْبِ، فانْجال سِربالُها
وَحَكَى الأَصمعي عَنْ بَعْضِ الأَعراب أَنه قَالَ: الحُمَّى فِي أُصول النَّخْل، وشَرُّ الغَبَياتِ غَبْية التَّبْل، وشرُّ النِّسَاءِ السُّوَيْداء المِمْراضُ، وشَرٌّ مِنْهَا الحُمَيْراءُ المِحْياضُ. وغَبَّى شَعْره: قَصَّر مِنْهُ، لُغَةٌ لِعَبْدِ الْقَيْسِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِهَا غَيْرُهُمْ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا قَضَيْنَا بأَنَّ أَلِفَها ياءٌ لأَنها ياءٌ واللامُ يَاءٌ أَكثرُ مِنْهَا وَاوًا. وغَبَّى الشيءَ: سَتَره؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
فَمَا كَلَّفْتُكِ القَدَرَ المُغَبَّى، ... وَلَا الطَيرَ الَّذِي لَا تُعبِرِينَا
الْكِسَائِيُّ: غَبَّيت البئرَ إِذَا غَطَّيت رَأْسها ثُمَّ جَعلت فوقَها تُرابًا؛ قَالَ أَبو سَعِيدٍ: وَذَلِكَ التُّرابُ هُوَ الغِباءُ. والغابياءُ: بعضُ جِحَرة اليَرْبوع.
غثا: الغُثاءُ، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ: مَا يَحملِهُ السَّيلُ مِنَ
(15/115)

القَمَشِ، وَكَذَلِكَ الغُثَّاءُ، بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ أَيضاً الزَّبَد والقَذَر، وحَدَّه الزَّجَّاجُ فَقَالَ: الغُثَاءُ الهالِكُ الْبَالِي مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إِذَا خَرَجَ السيلُ رأَيته مخالِطاً زَبَدَه، وَالْجَمْعُ الأَغْثَاء. وَفِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ:
كَمَا تَنْبتُ الحِبَّة فِي غُثاءِ السيلِ
، قَالَ: الغُثَاءُ، بِالْمَدِّ وَالضَّمِّ، مَا يجيءُ فوقَ السيلِ مِمَّا يَحْمِلُه مِنَ الزَّبَدِ والوَسَخِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ. وَجَاءَ فِي مُسْلِمٍ:
كَمَا تَنْبُت الغُثَاءَةُ
؛ يُرِيدُ مَا احتمَله السيلُ مِنَ البُزورات. وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ:
هَذَا الغُثَاءُ الَّذِي كُنَّا نُحَدَّث عَنْهُ
؛ يُرِيدُ أَرْذال الناسِ وسَقَطهم. وغَثَا الوادِي يَغْثُو غَثْواً فَهُوَ غَاثٍ إِذَا كَثُرَ غُثَاؤُه، وَهُوَ مَا عَلا الماءَ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ يائِيَّة وواوِيَّة. والغَثَيان: خُبْثُ النَّفْسِ. غَثَتْ نَفْسَه تَغْثِي غَثْياً وغَثَياناً وغَثِيَتْ غَثىً: جَاشَتْ وخَبُثَتْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تحلُّب الفَمِ فربَّما كَانَ مِنْهُ القَيءُ، وَهُوَ الغَثَيان. وغَثَت السَّمَاءُ بسَحاب تَغْثِي إِذَا بَدَأَت تُغِيمُ. وغَثَا السيلُ المَرْتَعَ يَغْثوه غَثْواً إِذَا جَمَعَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ وأَذْهَب حلاوَتَه، وأَغْثَاهُ مثلُه. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: غَثَا الماءُ يَغْثُو غَثْواً وغَثَاءً إِذَا كَثُرَ فِيهِ البَعَرُ والوَرَق والقَصب. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تعالى: الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
، قَالَ: جَعَله غُثَاءً جَفَّفَه حَتَّى صَيَّره هَشِيماً جَافًّا كالغُثاء الَّذِي تَرَاهُ فَوْقَ السَّيل، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْرَج المَرْعَى أَحْوَى أَي أَخْضَر فجَعَله غُثَاءً بعدَ ذَلِكَ أَي يَابِسًا. وَحَكَى ابْنُ جِنِّي: غَثَى الوادِي يَغْثِي، فهمزةُ الغُثَاءِ عَلَى هَذَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، وسَهّلَه ابْنُ جِنِّي بأَن جَمَع بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَثَيان المعدَة لِمَا يَعْلوها مِنَ الرُّطوبةِ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ مُشَبّه بغُثَاء الْوَادِي، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ غَثَا الوادِي يَغْثُو غَثًا، قَالَ الأَزهري: الَّذِي رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ عَنْ أَبي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ غَثَتْ نَفسُه غَثْياً، وأَما اللَّيْثُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: غَثِيَت نفسُه تَغْثَى غَثىً وغَثَيانًا. قَالَ الأَزهري: وَكَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ فَهُوَ مولَّد، وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي تَرْجَمَةِ عَثَا: يُقَالُ للضَّبُع عَثْوَاء لكَثْرةِ شَعَرِهَا، قَالَ: وَيُقَالُ غَثْوَاءُ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَسْتَوي ضَبُعٌ غَثْوَاءُ جَيْأَلَةٌ، ... وعَلْجَمٌ مِنْ تُيوسِ الأُدْمِ قِنْعال «1»
غدا: الغُدْوَة، بِالضَّمِّ: البُكْرَة مَا بَيْنَ صَلاةِ الغَداة وطلُوعِ الشَّمْسِ. وغُدْوَةُ، مِنْ يومٍ بعينِه، غَيْرَ مُجْراة: عَلَمٌ لِلْوَقْتِ. والغَدَاة: كالغُدْوة، وَجَمْعُهَا غَدَوات. التَّهْذِيبُ: وغُدْوَة مَعْرِفَةٌ لَا تُصْرَفُ؛ قَالَ الأَزهري: هَكَذَا يقولُ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّهَا لَا تُنَوَّن وَلَا يَدخل فِيهَا الأَلِف واللامُ، وَإِذَا قَالُوا الغَدَاة صَرَفوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ*
؛ وَهِيَ قراءةُ جَمِيعِ القُرّاء إِلَّا مَا رُوي عَنْ ابْنِ عامرٍ فَإِنَّهُ قرأَ
بالغُدْوَةِ
، وَهِيَ شَاذَّةٌ. وَيُقَالُ: أَتَيْته غُدْوَةَ، غَيْرَ مصروفةٍ، لأَنها مَعْرِفَةٌ مثلُ سَحَر إِلَّا أَنها مِنَ الظروفِ المُتَمَكِّنةِ، تقولُ: سِيرَ عَلَى فَرسك غُدْوَةَ وغُدْوَةً وغُدْوَةُ وغُدْوَةٌ، فَمَا نُوِّنَ مِنْ هَذَا فَهُوَ نَكِرَة، وَمَا لَمْ يُنَوَّنْ فَهُوَ مَعْرِفَةٌ، وَالْجَمْعُ غُدىً. وَيُقَالُ: آتِيك غَداةَ غَدٍ، وَالْجَمْعُ الغَدَواتُ مِثْلَ قَطاةٍ وقَطَواتٍ. اللَّيْثُ: يُقَالُ غَدَا غَدُكَ وغَدَا غَدْوُكَ، ناقصٌ وتامٌّ؛ وأَنشد لِلَبِيدٍ:
وَمَا الناسُ إلَّا كالدِّيارِ وأَهلِها ... بِهَا، يومَ حَلُّوها، وغَدْواً بَلاقِعُ
__________
(1). قوله [قنعال] هو هكذا في الأصل المعتمد بيدنا بالعين المهملة.
(15/116)

وغَدٌ: أَصلُه غَدْوٌ، حَذَفُوا الواوَ بِلَا عوضٍ، ويدخلُ فِيهِ الأَلفُ واللامُ لِلتَّعْرِيفِ؛ قَالَ:
الْيَوْمَ عَاجِلُهُ وَيَعْذِلُ فِي الْغَدِ «1»
وَقَالَ آخَرُ: «2»
إِنْ كانَ تَفْرِيقُ الأَحِبَّةِ فِي غَدِ
وغدْوٌ: هُوَ الأَصلُ كَمَا أَتى بِهِ لَبِيد، والنِّسبةُ إِلَيْهِ غَدِيٌّ، وَإِنْ شِئْتَ غَدَوِيٌّ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلرَّاجِزِ:
لَا تَغْلُواها وادْلُواها دَلْوَا، ... إنَّ مَعَ اليَوْمِ أَخاه غَدْوَا
وَفِي حَدِيثِ
عبدِ المطلبِ والفيلِ:
لَا يَغْلِبَنّ صَليبُهُم، ... ومِحالُهمْ، غَدْواً، مِحالَكْ
الغَدْوُ: أَصلُ الغَدِ، وَهُوَ اليومُ الَّذِي يأْتي بعدَ يومِك، فحُذِفَت لامُه وَلَمْ يُسْتْعمَلْ تَامًّا إلَّا فِي الشِّعْرِ، وَلَمْ يُرد عبدُ المطَّلب الغَدَ بعَيْنِه، وَإِنَّمَا أَرادَ القريبَ مِنَ الزَّمَانِ. والغَدُ ثَانِي يومكَ، محذوفُ اللامِ، وَرُبَّمَا كُنِيَ بِهِ عَنِ الزَّمن الأَخِير. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
؛ يَعْنِي يومَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: عَنَى يومَ الْفَتْحِ. وَفِي حَدِيثِ قَضَاءِ الصلَواتِ:
فلْيُصَلِّها حِينَ يذكُرُها، وَمِنَ الغَدِ لِلْوَقْتِ
؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحداً مِنَ الفُقهاء قَالَ إنَّ قَضَاءَ الصلَواتِ يؤخَّر إِلَى وقتِ مثْلِها مِنَ الصلواتِ ويُقْضى؛ قَالَ: ويُشْبِه أَن يكونَ الأَمرُ اسْتِحْباباً ليَحُوزَ فَضِيلة الوقتِ فِي القَضاء، وَلَمْ يُرِدْ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ المَنْسِية حَتَّى تُصَلَّى مَرَّتَين، وَإِنَّمَا أَراد أَن هَذِهِ الصَّلَاةَ وَإِنِ انْتَقل وقتُها للنِّسيْان إِلَى وقتِ الذُّكْر فَإِنَّهَا باقِيةٌ عَلَى وَقْتِهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ الذُّكْرِ، لئلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أَنها قَدْ سَقَطت بانِقضاءِ وَقْتِهَا أَو تَغَيّرَتْ بتَغَيُّرِه. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ
، قَالَ: قَدَّمَتْ لِغَدٍ بِغَيْرِ وَاوٍ. فَإِذَا صَرَّفوها قَالُوا غَدَوْت أَغْدوُ غَدْواً وغُدُوّاً، فأَعادوا الواوَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الغُدُوُّ جَمْعٌ مثلُ الغَدَواتِ، والغُدَى جمعُ غُدْوَة؛ وأَنشد:
بالغُدى والأَصائِلِ
وَقَالُوا: إِنِّي لآتِيه بالغَدَايا والعَشايا، والغَدَاةُ لَا تُجْمع عَلَى الغَدايا، وَلَكِنَّهُمْ كسَّروه عَلَى ذَلِكَ لِيُطَابِقُوا بَيْنَ لَفظِه ولَفْظِ الْعَشَايَا، فَإِذَا أَفْردُوه لَمْ يكَسِّروه. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنِّي لآتيِه بالغَدَايا والعَشايا، قَالَ: أَرادوا جَمْعَ الغَدَاة فأَتْبَعُوها العَشايا لِلِازْدِوَاجِ، وَإِذَا أَفْرَدَ لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنْ يُقَالُ غَداةٌ وغَدَواتٌ لَا غيرُ، كَمَا قَالُوا: هَنَأَني الطعامُ ومَرَأَني، وَإِنَّمَا قَالُوا أَمْرَأَني. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: غَدِيَّةٌ مثلُ عَشِيَّة لغةٌ فِي غَدْوةٍ كضَحيَّة لُغَةٌ فِي ضَحْوة، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فغَدِيَّة وغَدَايَا كعَشِيَّةٍ وعَشايا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعَلَى هَذَا لَا تَقُولُ إنَّهم إِنَّمَا كَسَّروا الغَدايا مِنْ قَوْلُهُمْ إِنِّي لَآتِيُهُ بالغَدَايَا والعَشايا عَلَى الإِتْباع لِلْعَشَايَا، إِنَّمَا كسَّروه عَلَى وجْهِه لأَن فَعِيلة بابُه أَن يكَسَّر عَلَى فَعائِلَ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
أَلا لَيْتَ حَظِّي مِنْ زِيارَة أُمِّيَهْ ... غَدِيَّاتُ قَيْظِ، أَو عَشِيّاتُ أَشْتِيَهْ
قَالَ: إِنَّمَا أَراد غَدِيَّات قيظٍ أَو عَشِيّات أَشْتِية
__________
(1). قوله [اليوم عاجله إلخ] هو هكذا في الأصل.
(2). هو النابغة وأول البيت:
لا مرحباً بغد ولا أهلًا بِه
(15/117)

لأَنَّ غَدِيَّاتِ القَيْظِ أَطول مِنْ عَشِيَّاتِه، وعَشِيَّاتُ الشتَاءِ أَطْولُ مِنْ غَدِيَّاته. والغُدُوُّ: جَمْعُ غَدَاةٍ، نادرةٌ. وأَتَيْته غُدَيَّانات، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كعُشَيَّانات؛ حَكَاهُمَا سِيبَوَيْهِ وَقَالَ: هُمَا تصغيرٌ شَاذٌّ. وغَدَا عَلَيْهِ غَدْواً وغُدُوّاً واغْتَدَى: بكَّر. والاغْتِدَاء: الغُدُوُّ. وغَادَاه: باكَره، وغَدَا عَلَيْهِ. والغُدُوُّ: نقِيضُ الرَّواحِ، وَقَدْ غَدا يَغْدُو غُدُوّاً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ*
؛ أَي بِالْغَدَوَاتِ فعبَّر بالفعْل عَنِ الوَقْتِ كَمَا يُقَالُ: أَتَيْتُك طلوعَ الشمسِ أَي فِي وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَيُقَالُ: غَدا الرجلُ يَغْدُو، فَهُوَ غادٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَغَدْوَةٌ أَو رَوْحَةٌ فِي سبيلِ اللَّهِ
؛ الغَدْوَة: المَرَّة مِنَ الغُدُوِّ، وَهُوَ سَيْرُ أَولِ النهارِ نقيضُ الرَّواحِ. والغَادِيَة: السَّحابَة الَّتِي تَنْشَأُ غُدْوة، وَقِيلَ لِابْنَةِ الخُسِّ: مَا أَحْسَنُ شيءٍ؟ قَالَتْ: أَثَرُ غَادِيَة فِي إثْرِ ساريةٍ فِي مَيْثاء رابيَةٍ؛ وَقِيلَ: الغَادِيَة السَّحابة تنشأُ فتُمْطر غُدْوةً، وجمعُها غَوادٍ، وَقِيلَ: الغَادِيَةُ سحابةٌ تَنْشَأُ صَبَاحًا. والغَدَاءُ: الطَّعامُ بعَيْنِه، وَهُوَ خِلافُ العَشاء. ابْنُ سِيدَهْ: الغَدَاءُ طَعامُ الغُدْوَةِ، وَالْجَمْعُ أَغْدِيَة؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. أَبو حَنِيفَةَ: الغَدَاءُ رَعْيُ الإِبلِ فِي أَولِ النهارِ، وَقَدْ تَغَدَّتْ، وتَغَدَّى الرَّجُلُ وغَدَّيْتُه. ورجلٌ غَدْيَانُ وامرأَة غَدْيا، عَلَى فَعْلى، وأَصلُها الْوَاوُ وَلَكِنَّهَا قُلِبَت اسْتِحْساناً، لَا عَنْ قُوَّةِ عِلَّةٍ، وغَدَّيْتُه فتَغَدَّى، وَإِذَا قِيلَ لَكَ: تَغَدَّ، قلتَ: مَا بِي غَدَاءٌ؛ حَكَاهُ يعقوبُ. وَتَقُولُ أَيضاً: مَا بِي مِنْ تَغَدٍّ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ مَا بِي غَدَاء «1» وَلَا عَشاءٌ لأَنه الطعامُ بعيْنه، وَإِذَا قِيلَ لَكَ ادْنُ فكُلْ قلتَ مَا بِي أَكْلٌ، بِالْفَتْحِ. وَفِي حَدِيثِ السُّحُورِ:
قَالَ هَلُمَّ إِلَى الغَدَاء المُباركِ
، قَالَ: الغَدَاءُ الطعامُ الَّذِي يُؤْكَل أَوّلَ النهارِ، فسُمِّي السُّحُورُ غَدَاءً لأَنه لِلصَّائِمِ بِمَنْزِلَتِهِ لِلمُفْطِر؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
ابْنِ عَبَّاسٍ: كنتُ أَتَغَدَّى عندَ عُمر بْنِ الخَطَّاب، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي رمضانَ
أَي أَتَسَحَّر. وَيُقَالُ: غَدِيَ الرَّجُلُ يَغْدَى، فَهُوَ غَدْيَانٌ وامرأَة غَدْيَانةٌ، وعَشِيَ الرجلُ يَعْشى فَهُوَ عَشْيانٌ وامرأَةٌ عَشْيانةٌ بِمَعْنَى تَغَدَّى وتَعَشَّى. وَمَا تَرَكَ مِنْ أَبِيهِ مَغْدًى وَلَا مَراحاً، ومَغْدَاةً وَلَا مَراحَةً أَي شَبَهاً؛ حَكَاهُمَا الْفَارِسِيُّ. والغَدَوِيُّ: كلُّ مَا فِي بُطون الحَواملِ، وقومٌ يجعَلونه فِي الشاءِ خاصَّة. والغَدَوِيُّ: أَن يُباعَ البعيرُ أَو غيرُه بِمَا يَضْرِب الفَحْلُ، وَقِيلَ: هُوَ أَن تُباعَ الشاةُ بِنتاجِ مَا نَزا بِهِ الكَبْشُ ذَلِكَ العامَ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
ومُهورُ نِسْوتِهمْ، إِذا مَا أَنْكحوا، ... غَدَويُّ كلِّ هَبَنْقَعٍ تِنْبالِ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمَحْفوظ عِنْدَ أَبي عُبَيْدٍ الغَذَوِيُّ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ شَمِرٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الغَذَوي، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، فِي بَيْتِ الْفَرَزْدَقِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُرْوَى عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ أَنه قَالَ كلُّ مَا فِي بُطون الحَواملِ غَذَويٌّ مِنَ الإِبل وَالشَّاءِ، وَفِي لُغَةِ سيدنا رسول الله، صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا فِي بُطُونِ الشاءِ خَاصَّةً؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدَةَ:
أَرْجُو أَبا طَلْقٍ بحُسْنِ ظَنِّي، ... كالغَدَوِيِّ يُرْتَجَى أَن يُغْني
__________
(1). قوله [قُلْتَ مَا بِي غَدَاءٌ] حكاه يعقوب هكذا في الأَصل، وعبارة المحكم: قلت ما بي تغدّ وَلَا تَقُلْ مَا بِي غداه؛ حكاه يعقوب.
(15/118)

وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ
يزيدَ بْنِ مرَّة أَنه قَالَ: نُهِي عَنِ الغَدَوِيِ
، وَهُوَ كلُّ مَا فِي بُطون الحوامِل كَانُوا يَتبايَعُونَه فِيمَا بَيْنَهُمْ فنُهوا عَنْ ذَلِكَ لأَنه غَرَرٌ؛ وأَنشد:
أَعْطَيْت كَبْشاً وارِمَ الطِّحالِ، ... بالغَدَوِيَّاتِ وبالفِصالِ
وعاجِلاتِ آجِلِ السِّخَالِ، ... فِي حلَقِ الأَرْحامِ ذِي الأَقْفالِ
وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وغادِيَةُ: امْرأَةٌ مِنْ بَنِي دُبَيْرٍ، وَهِيَ غَادِيَة بنتُ قَزَعَة.
غذا: الغِذاءُ: مَا يُتَغَذّى بِهِ، وَقِيلَ: مَا يكونُ بِهِ نَماءُ الجِسْمِ وقِوامُه مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللَّبن، وَقِيلَ: اللَّبَنُ غِذاء الصَّغِيرِ وتُحْفَةُ الكَبيرِ، وغَذاهُ يَغْذُوهُ غِذاء. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ غَذَوْتُه غِذاءً حَسَناً، وَلَا تَقُلْ غَذَيْتُه؛ واستَعْمله أَيوبُ بنُ عَبايةَ فِي سَقْيِ النَّخل فَقَالَ:
فجاءَتْ يَداً مَعَ حُسْنِ الغِذَاءِ، ... إِذْ غَرْسُ قَوْمٍ قَصِيرٌ طويلُ
غَذاهُ غَذْواً وغَذَّاه فاغْتَذى وتغَذَّى. وَيُقَالُ: غَذَوْتُ الصبيَّ باللَّبَنِ فاغْتذَى أَي رَبَّيْته بِهِ، وَلَا يُقَالُ غَذَيْته، بِالْيَاءِ. والتَّغْذِيَة أَيضاً: التَّرْبية. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: غَذَيتُ الصبِيَّ لُغَةٌ فِي غَذَوْتُه إِذا غَذَّيْتَه؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تُغَذُّوا أَولادَ الْمُشْرِكِينَ
؛ أَرادَ وَطْءَ الحَبالى مِنَ السَّبْيِ فجَعَلَ ماءَ الرَّجُلِ لِلْحَمْل كالغذَاء. والغَذِيُّ: السَّخْلَةُ؛ أَنشد أَبو عَمْرِو بنُ الْعَلَاءِ:
لَوْ أَنَّني كُنْتُ مِنْ عادٍ وَمِنْ إِرَمِ ... غَذِيَّ بَهْمٍ، ولُقْماناً وَذَا جَدَنِ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الْبَيْتُ لأُفْنُونٍ التَّغْلِبِيُّ، وَاسْمُهُ صُرَيم بْنُ مَعْشر، قَالَ: وغَذِيُّ بَهْمٍ فِي الْبَيْتِ هُوَ أَحد أَملاكِ حِمْيَرَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لأَنه كَانَ يُغَذَّى بلُحُوم البَهْمِ؛ وَعَلَيْهِ قَوْلُ سَلْمَى بْنِ رَبِيعَةَ الضَّبّي:
مِنْ لَذَّة العَيْشِ، والفَتَى ... لِلدَّهْرِ، والدَّهْرُ ذُو فُنُونِ
أَهْلَكْنَ طَسْماً، وبَعْدَهمْ ... غَذِيَّ بَهْمٍ وَذَا جُدُونِ
قَالَ: ويَدُلُّك عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ عَطْفُه لُقْمَانًا وَذَا جَدَنٍ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ:
لَوْ أَنني كنتُ مِنْ عادٍ وَمِنْ إرَمِ
قَالَ: وَهُوَ أَيضاً خَبَرُ كُنتُ وَلَا يَصِحُّ كنتُ سِخالًا. قَالَ الأَصمعي: أَخْبرَني خَلَف الأَحْمر أَنه سمِع الْعَرَبَ تُنْشِدُ الْبَيْتَ غُذَيَّ بَهْمٍ، بِالتَّصْغِيرِ، لقبُ رجلٍ. قَالَ شَمِرٌ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ الغَذَوِيُّ البَهْمُ الَّذِي يُغْذَى. قَالَ: وأَخبرني أَعرابي مِنْ بَلْهُجَيم قَالَ الغَذَوِيُّ الحَمَلُ أَو الجَدْيُ لَا يُغَذَّى بلَبَنِ أُمِّه، وَلَكِنْ يُعاجَى، وَجَمْعُ غَذِيّ غِذاءٌ مثلُ فَصِيلٍ وفِصالٍ؛ وَمِنْهُ
قَوْلُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمُحْتَسِبٌ عَلَيْهِمْ بالغِذاءِ
؛ هَكَذَا رَوَاهُ الْجَوْهَرِيُّ؛ وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الصَّوَابُ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ أَنه قَالَ احْتَسِبْ عَلَيْهِمْ بالغِذَاءِ وَلَا تَأْخُذْها مِنْهُمْ
، وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ لِعَامِلِ الصَّدَقات: احْتَسِبْ عَلَيْهِمْ بالغِذَاءِ وَلَا تأْخذها مِنْهُمْ.
قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: الغِذَاءُ السِّخالُ الصِّغارُ، واحِدُها غَذِيٌّ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَكا إِليه أَهلُ الماشِيَة تَصْديقَ الغِذَاء وَقَالُوا إِن
(15/119)

كنتَ مُعْتَدًّا عَلَيْنَا بالغِذَاءِ فخُذْ مِنْهُ صَدَقَته، فَقَالَ: إِنا نَعْتَدُّ بالغِذَاءِ حَتَّى السَّخْلَةَ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِه، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذاء المالِ وخِيارِه.
قَالَ ابْنُ الأَثير: وإِنما ذَكَّرَ الضميرَ رَدّاً إِلى لَفْظِ الغِذاء، فإِنه بوزْن كِساءٍ ورداءٍ، وَقَدْ جَاءَ السِّمامُ المُنْقَع، وَإِنْ كَانَ جَمْع سَمٍّ؛ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ أَنْ لَا يَأْخُذَ السَّاعِي خِيارَ المالِ وَلَا رَدِيَّه، وإِنما يَأْخُذُ الوسَط، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وخيارِه. وغَذِيُّ الْمَالِ وغَذَوِيُّه: صِغارُه كالسِّخالِ ونحْوِها. والغَذَوِيُّ: أَن يَبِيعَ الرجُلُ الشاةَ بِنتاجِ مَا نَزَا بِهِ الكَبْشُ ذَلِكَ العامَ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
ومُهُورُ نِسْوَتِهِمْ، إِذا مَا أَنكحوا، ... غَذَوِيُّ كلِّ هَبَنْقَعٍ تِنْبالِ
وَيُرْوَى غَدَوِيُّ، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، مَنْسُوبٌ إِلى غَدٍ كأَنهم يُمَنُّونَه فَيَقُولُونَ: تَضَعُ إِبلُنا غَداً فنُعْطِيك غَداً. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَرَوَى أَبو عُبَيْدٍ هَذَا الْبَيْتَ:
ومُهورُ نِسْوَتِهِم إِذا مَا أَنْكَحُوا
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. والغَذَى، مقصورٌ: بَوْلُ الجَمَلِ. وغَذَا بِبَوْلهِ وغَذاهُ غَذْواً: قَطَعَه، وَفِي التَّهْذِيبِ: غَذَّى البعيرُ ببَوْلِه يُغَذِّي تَغْذِيَةً. وَفِي الْحَدِيثِ:
حَتَّى يَدْخُلَ الكلبُ فيُغَذِّيَ عَلَى سَواري المَسْجِدِ
أَي يبولَ عَلَى السَّوارِي لعدَم سُكَّانِه وخُلُوِّه مِنَ النَّاسِ. يُقَالُ: غَذَّى ببَوْلِه يُغَذِّي إِذا أَلقاهُ دَفْعَة دَفْعَة. غَذَا البَوْلُ نَفْسُه يَغْذُو غَذْواً وغَذَواناً: سالَ، وَكَذَلِكَ العَرَقُ والماءُ والسِّقاءُ، وَقِيلَ: كلُّ مَا سالَ فَقَدْ غَذَا. والعِرْق يَغْذُو غَذْواً أَي يسِيلُ دَماً، ويُغَذِّي تَغْذِيَةً مثلُه. وَفِي حَدِيثِ
سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ: فإِذا جُرْحُه يَغْذُو دَماً
أَي يَسِيلُ. وغَذَا الجُرْحُ يَغْذُو إِذا دَامَ سَيَلانُه. وَفِي حَدِيثِ
الْعَبَّاسِ: مَرَّت سَحابة فَنَظَرَ إِليها النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا تُسَمُّون هَذِهِ؟ قَالُوا: السَّحابَ، قَالَ: والمُزْنَ، قَالُوا: والمُزْنَ، قَالَ: والغَيْذَى
؛ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كأَنَّه فَيْعَلٌ مِنْ غَذا يَغْذُو إِذا سالَ، قَالَ: وَلَمْ أَسمع بفَيْعل فِي مُعْتَلِّ اللَّامِ غَيْرَ هَذَا إِلَّا الكَيْهاةَ، وَهِيَ النَّاقَةُ الضَّخْمة؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِن كانَ مَحْفُوظًا فَلَا أُراه سُمِّي بِهِ إِلَّا لِسَيَلَانِ الْمَاءِ مِنْ غَذَا يَغْذُو. وغَذَا البَوْلُ: انْقَطَع، وغَذَا أَي أَسْرَع. والغَذَوَانُ: المُسْرِعُ الَّذِي يَغْذُو ببَوْلِه إِذا جَرَى؛ قَالَ:
وصَخْر بْنُ عَمْرِو بنِ الشريدِ كأَنَّه ... أَخُو الحَربِ، فَوْقَ القارِح الغَذَوانِ
هَذِهِ رِوَايَةُ الْكُوفِيِّينَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمُ العَدَوانِ، بِالْفَتْحِ، وَقَدْ غَذَا. والغَذَوانُ أَيضاً: المُسْرِع. وَفِي الصِّحَاحِ: والغَذَوَانُ مِنَ الخَيْل النَّشِيطُ المُسْرِعُ، وَقَدْ رَوَى بيتُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَتَيْسِ ظِباءِ الحُلَّب الغَذَوانِ
مَكَانَ العَدَوانِ. أَبو عُبَيْدٍ: غَذَا الماءُ يَغْذُو إِذا مرَّ مَرًّا مُسرِعاً؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
تَعْنُو بمَخْرُوتٍ لَه ناضِحٌ، ... ذُو رَيِّقٍ يَغْذُو وذُو شَلْشَلِ
وعَرَقٌ غاذٍ أَي جارٍ. والغَذَوَان: النَّشِيطُ مِنَ الْخَيْلِ. وغَذَا الفَرسُ غَذواً: مَرَّ مَرّاً سَريعاً. أَبو زَيْدٍ: الغَاذِيَة يافُوخُ الرَأْسِ مَا كانَتْ جِلْدَةً
(15/120)

رَطْبَةً، وجَمْعُها الغَوَاذِي. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والغَاذِيَةُ مِنَ الصَّبيِّ الرَّمَّاعَةُ مَا دامَتْ رَطْبَةً، فإِذا صَلُبَتْ وصارَتْ عَظماً فهي يافُوخٌ.
غرا: الغِراءُ: الَّذِي يُلْصَق بِهِ الشيءُ يكونُ مِنَ السَّمَكِ، إِذا فَتَحْتَ الغَين قَصَرتَ، وإِن كَسَرْت مَدَدْتَ، تَقُولُ مِنْهُ: غَرَوْتُ الجِلْدَ أَي أَلْصَقْتُه بالغِراءِ. وغَرَا السِّمَنُ قَلْبَهُ يَغْرُوه غَرْواً: لَصِقَ بِهِ وغَطَّاه. وَفِي حَدِيثِ
الفَرَعِ: لَا تَذْبحْها وَهِيَ صغِيرَة لَمْ يَصْلُبْ لَحْمُها فيَلْصَقَ بعضُها ببعضٍ كالغِراءِ
؛ قَالَ: الغِرَا بالمدِّ والقَصْرِ، هُوَ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ الأَشياء ويُتَّخذُ مِنْ أَطْرافِ الجُلود والسَّمَكِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
فَرِّعُوا إِن شِئْتُمْ وَلَكِنْ لَا تَذْبَحُوا غَرَاةً حَتَّى يَكْبَرَ
، وَهِيَ بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ، القِطْعَة مِنَ الغَرَا وَهِيَ لُغَةٌ فِي الغِراء. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَبَّدْت رَأْسِي بغِسْلٍ أَو بغِراءٍ.
وَفِي حَدِيثِ
عَمْرِو بْنِ سَلَمَة الجَرْمي: فكأَنَّما يَغْرَى فِي صَدْرِي
أَي يَلْصَقُ بِهِ. يُقَالُ: غَرِيَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي صَدْري، بِالْكَسْرِ، يَغْرَى، بِالْفَتْحِ، كأَنه أُلْصِقَ بالغِراءِ. وغَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرَى غَراً وغَرَاءً: أُولِعَ بِهِ، وَكَذَلِكَ أُغْرِيَ بِهِ إِغْرَاءً وغَرَاةً وغُرِّيَ وأَغْرَاهُ بِهِ لَا غيرُ، وَالِاسْمُ الغَرْوَى، وَقِيلَ: الِاسْمُ الغَرَاءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ. وَحَكَى أَبو عُبَيْدٍ: غَارَيْتُ بَيْنَ الشَّيْئين غِرَاءً إِذا والَيْت؛ وَمِنْهُ قَوْلُ كُثَيِّرٌ:
إِذا قُلْتُ أَسْلُو، غارَتِ العَيْنُ بالبُكا ... غِرَاءً، ومَدّتْها مَدامِعُ حُفَّلُ
قَالَ: وَهُوَ فاعلْت مِنْ قَوْلِكَ غَرِيَت بِهِ أَغْرى غَراءً. وغَرِيَ بِهِ غَراةً، فَهُوَ غَرِيٌّ: لَزِقَ بِهِ ولَزمه؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَفِي حَدِيثِ
جَابِرٍ: فَلمَّا رأَوه أَغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ
أَي لَجُّوا فِي مُطالَبتي وأَلَحُّوا. وغارَيْتُه أُغَارِيه مُغَارَاةً وغِراءً إِذا لاجَجْتَه؛ وَقَالَ فِي بَيْتِ كُثَيِّرٌ:
إِذا قُلتُ أَسْلُو، غارَتِ العَيْنُ بالبُكا ... غِراءً، ومَدَّتها مَدامِعُ حُفَّلُ
قَالَ: هُوَ مِنْ غارَيْت. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ كُلْثوم: غَارَيْتُ بَيْنَ اثْنَيْن وعادَيْتُ بَيْنَ اثْنَيْن أَي والَيت، وأَنشد أَيضاً بَيْتَ كُثَيِّرٍ. وَيُقَالُ: غارَت فاعَلَتْ مِنَ الوِلاءِ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هِيَ فاعَلَت مِنْ غَرِيت بِهِ أَغْرَى غَراءً. وأَغْرَى بَيْنَهُمُ العَداوة: أَلْقاها كأَنه أَلْزَقَها بهمْ، وَالِاسْمُ الغَرَاةُ. والإِغْرَاءُ: الإِيسادُ. وَقَدْ أَغْرَى الكَلْبَ بالصَّيْد وَهُوَ مِنْهُ لأَنه إِلْزاقٌ، وأَغْرَيْتُ الكَلْبَ إِذا آسَدْتَه وأَرَّشْتَه، وغَرَيْتُ بِهِ غَرَاءً أَي أُولِعْتُ وغَرَيْتُ به غَرَاةً؛ قال الحرث:
لَا تُحِلْنا عَلَى غَرَاتِكَ، إِنّا ... قَبْلُ مَا قَدْ وَشى بِنَا الأَعْداءُ
أَي عَلَى إِغْرَائِكَ بِنَا إِغْرَاءً وغَراةً. وَهُوَ يُغَارِيه ويُوارِيه ويُمارِيه ويُشارُّه ويُلاحُّه؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
وَلَا بالدِّلاءِ لَه نازِعٌ، ... يُغَارِي أَخاهُ إِذا مَا نَهاهُ
وغَرَا الشيءَ غَرْواً وغَرَّاهُ: طَلاهُ. وقَوْسٌ مَغْرُوَّةٌ ومَغْرِيَّةٌ، بُنِيت الأَخيرة عَلَى غَرَيْت، وإِلا فأَصله الْوَاوُ وَكَذَلِكَ السَّهْمُ. وَيُقَالُ: غَرَوْتُ السَّهْمَ وغَرَيْته، بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ، أَغْرُوه وأَغْرِيه. وَهُوَ سَهْمٌ مَغْرُوٌّ ومَغْرِيٌّ؛ قَالَ أَوس:
لأَسْهُمِه غارٍ وبارٍ وراصِفُ
(15/121)

وَفِي الْمَثَلِ: أَدْرِكْني وَلَوْ بأَحَدِ المَغْرُوَّيْنِ؛ قِيلَ: يَعْنِي بالمَغْرُوَّيْنِ السهمَ والرُّمْحَ؛ عَنْ أَبي عَلِيٍّ فِي الْبَصْرِيَّاتِ، وَقِيلَ: بأَحَد السَّهْمَيْنِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَدْرِكْني بِسَهْمٍ أَو برُمْحٍ. قَالَ الأَزهري: وَمِنْ أَمثالهم أَنْزِلْني ولَوْ بأَحَدِ المَغْرُوَّيْن؛ حَكَاهُ المُفَضَّل، أَي بأَحَد السَّهْمَيْن، قَالَ: وَذَلِكَ أَن رَجُلًا رَكِبَ بعِيراً صَعْباً فَتَقَحَّمَ بِهِ، فاسْتغاث بصاحبٍ لَهُ مَعَهُ سَهْمان فَقَالَ أَنْزِلْني وَلَوْ بأَحَدِ المَغْرُوَّيْنِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يُضْرَب مَثَلًا فِي السُّرْعةِ والتعجِيلِ بالإِغاثةِ وَلَوْ بأَحَدِ السَّهْمَيْن المكسورَين، وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي لَمْ يَجِفّ عَلَيْهِ الغِراء. والغِراءُ: مَا طُليَ بِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: غَرَى السَّرْجِ، مقصورٌ مفتوحُ الأَوّل، فإِذا كسَرْتَه مَدَدْتَه. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: قومٌ يَفْتَحُونَ الغَرَا فيَقْصُرونَه وليْست بالجَيِّدة. والغَرِيُّ: صِبْغٌ أَحْمَر «2» كأَنه يُغْرَى بِهِ؛ قَالَ:
كأَنَّما جَبِينُه غَرِيُ
اللَّيْثُ: الغِرَاءُ مَا غَرَّيْتَ بِهِ شَيْئًا مَا دامَ لَوناً وَاحِدًا. وَيُقَالُ أَيضاً: أَغْرَيْتُه، وَيُقَالُ: مَطْلِيٌّ مُغَرَّى، بِالتَّشْدِيدِ. والغَرِيُّ: صَنَمٌ كانَ طُليَ بدَمٍ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
كغَرِيٍّ أَجْسَدَتْ رَأْسَه ... فُرُعٌ، بينَ رِئاسٍ وَحَامِ
أَبو سَعِيدٍ: الغَرِيُّ نُصُبٌ كَانَ يُذْبَحُ عَلَيْهِ النسكُ، وأَنشد الْبَيْتَ. والغَرَى: مقصورٌ: الْحُسْنُ. والغَرِيُّ: الحَسَنُ مِنَ الرجالِ وغيرهمْ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الحَسن الوَجْه؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للأَعشى:
وتَبْسِمُ عَن مَهاً شَبِمٍ غَرِيٍّ، ... إِذا تُعْطِي المُقَبِّلَ يَسْتَزيدُ
وكلُّ بناءٍ حَسَنٍ غَرِيُّ، والغَرِيَّانِ المَشْهورانِ بِالْكُوفَةِ مِنْهُ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
لَوْ كَانَ شيءٌ لَهُ أَنْ لَا يَبِيدَ عَلَى ... طُولِ الزَّمانِ، لَمَا بادَ الغَرِيَّانِ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وأَنشد ثَعْلَبٌ:
لَوْ كَانَ شيءٌ أَبَى أَنْ لَا يَبِيدَ عَلَى ... طُولِ الزَّمانِ، لَمَا بادَ الغَرِيَّانِ
قَالَ: وَهُمَا بناءَان طَوِيلَانِ، يُقَالُ هُما قَبْرُ مالكٍ وعَقِيلٍ نَديمَي جَذيمَةَ الأَبْرش، وسُمِّيا الغَرِيَّيْن لأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ المنذرِ كَانَ يُغَرِّيهما بدَمِ مَنْ يَقْتُله فِي يَوْمِ بُؤْسِه؛ قَالَ خِطَامٌ الْمُجَاشِعِيُّ:
أَهَلْ عَرَفْتَ الدارَ بالغَرِيَّيْنْ؟ ... لَمْ يَبْقَ منْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ،
غَيْرُ خِطامٍ ورَمادٍ كِنْفَيْنْ، ... وصالِياتٍ كَكما يُؤَثْفَيْنْ
والغَرْوُ: موضعٌ؛ قَالَ عُرْوةُ بنُ الوَرْدِ:
وبالغَرْوِ والغَرَّاءِ مِنْهَا مَنازِلٌ، ... وحَوْلَ الصَّفَا منْ أَهْلِها مُتَدَوَّرُ
والغَرِيُّ والغُرَيُّ: موضعٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
أَغَرَّكَ يَا مَوْصولُ، مِنْهَا ثُمالَةٌ ... وبَقْلٌ بأَكْناف الغَرِيِّ تُؤَانُ؟
أَراد تُؤَامُ فأَبْدلَ. والغَرَا: وَلدُ الْبَقَرَةِ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: البَقَرَةِ
__________
(2). قوله [والغَرِيّ صبغ أحمر] هو هكذا في الأصل، وكذلك ضبطه شارح القاموس كغني
(15/122)

الوَحْشِيَّة؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيُكْتَبُ بالأَلف، وتَثْنِيتُه غَرَوانِ، وَجَمْعُهُ أَغْرَاءٌ. وَيُقَالُ للحُوارِ أَوَّلَ مَا يُولدَ: غَراً أَيضاً. ابْنُ شُمَيْلٍ: الغَرَا مَنقُوصٌ، هُوَ الوَلَد الرَّطْبُ جِدّاً. وكلُّ مَوْلُودٍ غَراً حَتَّى يَشْتَدَّ لَحْمه. يُقَالُ: أَيُكَلِّمُني فلانٌ وَهُوَ غَراً وغِرْسٌ للصَّبِيِّ. والغَرْوُ: العَجَب. وَلَا غَرْوَ وَلَا غَرْوَى أَي لَا عَجَب؛ وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفة:
لا غَرْوَ إِلَّا جارَتي وسؤالَها: ... أَلا هَلْ لَنا أَهْلٌ سُئِلْتُ كَذَلِكَ؟
وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا غَرْوَ إِلَّا أَكْلَةٌ بِهَمْطَةٍ
؛ الغَرْوُ: العَجَبُ. وغَرَوْت أَي عَجِبْتُ. ورَجلٌ غِرَاءٌ: لَا دابَّةَ لَهُ؛ قَالَ أَبو نُخَيْلة:
بَلْ لَفَظَتْ كلَّ غِرَاءٍ مُعْظَمِ
وغَرِيَ العِدُّ: بَرَدَ ماؤُه؛ وَرَوَى بَيْتَ عَمْرِو بْنِ كُلْثوم:
كأَنَّ مُتُونَهُنَّ مُتُونُ عِدٍّ ... تُصَفِّقُه الرِّياحُ، إِذا غَرِينا
وغَرِيَ فلانٌ إِذا تمادَى فِي غَضَبه، وَهُوَ مِنَ الواو.
غزا: غَزَا الشيءَ غَزْواً: أَرادَه وطَلَبَه. وغَزَوت فُلاناً أَغْزُوه غَزْواً. والغِزْوَة: مَا غُزِي وطُلِبَ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤية:
لَقُلْتُ لدَهْرِي: إِنه هُوَ غِزْوَتي، ... وإِنِّي، وإِن أَرْغَبْتَني، غيرُ فاعِلِ
ومَغْزَى الْكَلَامِ: مَقْصِدُه. وعَرفْتُ مَا يُغْزَى مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَي مَا يُرادُ. والغَزْوُ: القَصْدُ، وَكَذَلِكَ الغَوْزُ، وَقَدْ غَزاهُ وغازَهُ غَزْواً وغَوْزاً إِذا قَصَدَه. وغَزَا الأَمرَ واغْتَزَاه، كِلَاهُمَا: قَصَدَه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
قَدْ يُغْتَزَى الهِجْرانُ بالتَّجَرُّمِ
التَّجَرُّمُ هُنَا: ادِّعاءُ الجُرْم. وغَزْوِي كَذَا أَي قَصْدِي. وَيُقَالُ: مَا تَغْزو وَمَا مَغْزَاك أَي مَا مَطْلَبُك. والغَزْوُ: السيرُ إِلى قِتالِ العَدُوِّ وانْتِهابه، غَزَاهُم غَزْواً وغَزَواناً؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، صَحَّتِ الْوَاوُ فِيهِ كراهِية الإِخلالِ، وغَزَاوةً؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
تقولُ هُذَيْلٌ: لَا غَزَاوَة عندَه، ... بَلَى غَزَوَاتٌ بَينَهُنّ تَواثُبُ
قَالَ ابْنُ جِنِّي: الغَزَاوَة كالشَّقاوة والسَّراوَةِ، وأَكثرُ مَا تأْتي الفَعالةُ مَصْدَرًا إِذا كَانَتْ لغيرِ المُتَعَدِّي، فأَما الغَزَاوَة ففِعْلُها مُتَعَدٍّ، وكأَنها إِنما جَاءَتْ عَلَى غَزُوَ الرجلُ جَادَ غَزْوُه، وقَضُوَ جادَ قضاؤُه، وَكَمَا أَن قَوْلَهم مَا أَضْرَبَ زَيْدًا كأَنه عَلَى ضَرُبَ إِذا جادَ ضَرْبُه، قَالَ: وَقَدْ رُوِينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَحمدَ بْنِ يَحْيَى ضَرُبَتْ يَدُهُ إِذا جَادَ ضَرْبُها. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إِذا قِيلَ غَزَاةٌ فَهُوَ عَمَلُ سنَةٍ، وإِذا قِيلَ غَزْوَةٌ فَهِيَ المَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الغَزْوِ، وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا الأَصل، لَا تَقُولُ مثلَ هَذَا فِي لَقاةٍ ولَقْيَةٍ بَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَرَجُلٌ غازٍ مِنْ قَوْمٍ غُزًّى مِثْلَ سابقٍ وسُبَّقٍ وغَزِيّ عَلَى مِثَالِ فَعِيلٍ مِثْلَ حاجٍّ وحَجِيجٍ وقاطِنٍ وقَطِينٍ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ وَقَالَ: قُلِبَتْ فِيهِ الْوَاوُ يَاءً لِخِفَّةِ الْيَاءِ وَثِقَلِ الْجَمْعِ، وَكُسِرَتِ الزَّايُ لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ. قَالَ الأَزهري: يُقَالُ لِجَمْعِ الغَازِي غَزِيٌّ مِثْلَ نادٍ ونَدِيٍّ، وناجٍ ونَجِيٍّ لِلْقَوْمِ يَتَناجَوْنَ؛ قَالَ زِيَادٌ الأَعجم:
قُلْ للقَوافِلِ والغَزِيِّ، إِذا غَزَوْا، ... والباكِرين وللمُجِدِّ الرائِحِ
ورأَيتُ فِي حَاشِيَةِ بَعْضِ نُسَخِ حَوَاشِي ابْنِ بَرِّيٍّ أَنَّ هَذَا
(15/123)

البيت للصِّلِّيان العَبْدِي لَا لزِياد، قَالَ: وَلَهَا خَبَرٌ رَوَاهُ زِيَادٌ عن الصِّلِّيان مَعَ الْقَصِيدَةِ، فذُكِر ذَلِكَ فِي دِيوَانِ زِيَادٍ، فتَوهَّم مَنْ رَآهَا فِيهِ أَنها لَهُ، وَلَيْسَ الأَمر كَذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ غَلِطَ أَيضاً فِي نِسْبَتِهَا لِزِيَادٍ أَبو الفَرَج الأَصْبهاني صَاحِبُ الأَغاني، وَتَبِعَهُ الناسُ عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ سِيدَهْ: والغَزِيُّ اسمٌ لِلْجَمْعِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
سرَيْت بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ غَزِيُّهُم، ... وَحَتَّى الجِيادُ مَا يُقَدْن بأَرْسانِ
وَفِي جمعِ غَازٍ أَيضاً غُزَّاءٌ، بالمدِّ، مثلُ فاسِقٍ وفُسَّاقٍ؛ قَالَ تأَبَّط شَرًّا:
فيَوْماً بغُزَّاءٍ، وَيَوْمًا بسُرْيةٍ؛ ... وَيَوْمًا بخَشْخاشٍ مِنَ الرَّجْلِ هَيْضَلِ
وغُزاةٌ: مثلُ قاضٍ وقُضاةٍ. قَالَ الأَزهري: والغُزَّى عَلَى بِناءِ الرُّكَّعِ والسُّجَّدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوْ كانُوا غُزًّى
. سِيبَوَيْهِ: رجلٌ مَغْزِيٌّ شَبَّهُوها حَيْثُ كانَ قَبْلَها حرفٌ مضمومٌ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا حرفٌ ساكنٌ بأَدْلٍ، والوجْهُ فِي هَذَا النَّحْوِ الواوُ، والأُخرى عَرَبيَّة كثيرةٌ. وأَغْزَى الرجلَ وغَزَّاه: حَمَلَه عَلَى أَن يَغْزُوَ. وأَغْزَى فُلَانٌ فُلَانًا إِذا أَعْطاه دابَّة يَغْزُو عَلَيْهَا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وأَغْزَيْتُ الرجُل أَمْهَلْته وأَخَّرْت مَا لِيَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّين. قَالَ: وَقَالُوا غَزَاة واحدةٌ يُرِيدُونَ عَمَلَ وَجْهٍ واحدٍ، كَمَا قَالُوا حَجَّة وَاحِدَةٌ يُرِيدُونَ عَمَلَ سنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
بَعِيد الغَزاةِ، فَمَا إِنْ يَزالُ ... مُضُطَمِراً طُرَّاتاهُ طَلِيحا
وَالْقِيَاسُ غَزْوَة؛ قَالَ الأَعشى:
وَلَا بُدَّ مِنْ غَزْوَةٍ، فِي الرَّبيعِ، ... حَجُونٍ تُكِلُّ الوَقاحَ الشَّكُورا
والنَّسب إِلى الغَزْوِ غَزَوِيٌّ، وَهُوَ مِنْ نَادِرِ مَعْدُولِ النَّسَبِ، وإِلى غَزِيَّة غَزَوِيٌّ. والمَغَازِي: مَناقِبُ الغُزاةِ. الأَزهري: والمَغْزَى والمَغْزاةُ والمغازِي مواضِعُ الغَزْوِ، وَقَدْ تَكُونُ الغَزْوَ نَفْسه؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
كَانَ إِذا اسْتَقْبَلَ مَغْزًى
، وَتَكُونُ المَغازِي مَناقِبَهُم وغَزَواتِهِم. وغَزَوْتُ العَدُوَّ غَزْواً، وَالِاسْمُ الغَزاةُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ جَاءَ الغَزْوَة فِي شِعْرِ الأَعشى، قَالَ:
وَفِي كلِّ عامٍ أَنت حَاسِمُ غَزْوةٍ، ... تَشُدُّ لأَقْصاها عَزِيمَ عَزائكا «3»
وَقَوْلُهُ:
وَفِي كلِّ عَامٍ لَهُ غَزْوَةٌ، ... تَحُثُّ الدَّوابِرَ حَثَّ السَّفَنْ
وَقَالَ جَمِيلٌ:
يقولُون جاهِدْ، يَا جميلُ، بغَزْوَةٍ، ... وإِنَّ جِهاداً طَيِءٌ وقِتالُها
تَقْدِيرُهَا وإِنَّ جِهاداً جِهادُ طَيِءٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا تُغْزَى قُرَيْشٌ بعدَها
أَي لَا تَكْفُرُ حَتَّى تُغْزَى عَلَى الكُفْرِ، وَنَظِيرُهُ:
لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبراً بَعْدَ اليومِ
أَي لَا يَرْتَدُّ فَيُقْتَلَ صَبْراً عَلَى رِدَّتِه؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ:
لَا تُغْزَى هَذِهِ بعدَ اليومِ إِلى يومِ الْقِيَامَةِ يَعْنِي مَكَّةَ
أَي لَا تَعودُ دارَ كُفْرٍ يُغْزَى عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَن يُراد بِهَا أَنَّ الكفَّار لَا يَغْزُونَها أَبداً فإِن الْمُسْلِمِينَ قَدْ غَزَوْها مَرَّات. وأَما قَوْلُهُ: مَا مِنْ غازِيَةٍ تُخْفِقُ وتُصابُ إِلَّا تَمَّ أَجْرُهُم؛ الغَازِيَة تأْنيثُ الغَازِي وَهِيَ هَاهُنَا صفةٌ لِجَمَاعَةٍ. وأَخْفَقَ
__________
(3). قوله [حاسم] هو هكذا في الأصل.
(15/124)

الغازِي إِذا لَمْ يَغْنَم وَلَمْ يَظْفَرْ. وأَغْزَتِ المرأَةُ، فَهِيَ مُغْزِيَةٌ إِذا غَزَا بَعْلُها. والمُغْزِية: الَّتِي غزَا زوجُها وبَقِيتَ وحْدَها فِي الْبَيْتِ. وَحَدِيثُ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَزَالُ أَحدُهم كاسِراً وِسادَهُ عِنْدَ مُغْزِيةٍ.
وغَزا فلانٌ بفلانٍ واغْتَزَى اغْتزاءً إِذا اخْتصَّه مِنْ بَيْنِ أَصحابه. والمُغْزِيَة مِنَ الإِبل: الَّتِي جازَتِ الحَقَّ وَلَمْ تَلِدْ، وحَقُّها الوَقْت الَّذِي ضُرِبَتْ فِيهِ. ابْنُ سِيدَهْ: والمُغْزِيَة مِنَ النُّوقِ الَّتِي زَادَتْ عَلَى السَّنَةِ شَهْراً أَو نَحْوَه وَلَمْ تَلِدْ مِثْلَ المِدْراجِ. والمُغْزي مِنَ الإِبلِ: الَّتِي عَسُر لِقاحُها، وأَغْزَتِ الناقةُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
والحَرْبُ عسْراءُ اللِّقاحِ مُغْزِ
أَي عَسِرَة اللِّقَاحِ؛ واستعارَه أُمَيَّة في الأُتُنِ فقال:
تُزَنُّ عَلَى مُغْزِياتِ العِقاقِ، ... ويَقْرُو بِهَا قفِراتِ الصِّلال
يُرِيدُ القَفِرات الَّتِي بِهَا الصِّلَالُ، وَهِيَ أَمْطارٌ تَقَع مُتَفَرِّقَةً، وَاحِدَتُهَا صَلَّة. وأَتانٌ مُغْزِيةٌ: متأَخرة النِّتاجِ ثُمَّ تُنْتَج. والإِغْزاءُ والمُغْزى: نِتاجُ الصَّيْفِ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، قَالَ: وَهُوَ مَذْموم؛ وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وعنْدي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: النِّتاجُ الصَّيْفِيُّ هُوَ المُغْزى، والإِغْزاءُ نِتاجُ سَوْءٍ حُوارُه ضَعِيفٌ أَبداً. الأَصمعي: المُغْزِيَة مِنَ الغَنَمِ الَّتِي يَتَأَخَّرُ وِلادُها بَعْدَ الغَنَم شَهْرًا أَو شَهْرَين لأَنها حَمَلت بأَخَرَة؛ وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فَجَعَلَ الإِغْزَاءَ فِي الْحَمِيرِ:
رَباعٌ، أَقبُّ البَطْنِ، جأْب، مُطَرَّد، ... بلَحْيَيهِ صَكُّ المُغْزِيَاتِ الرَّواكِلِ
وغَزِيَّة: قَبِيلَةٌ؛ قَالَ دُريدُ بنُ الصِّمَّة:
وهَل أَنا إِلا مِنْ غَزِيَّةَ، إِن غَوَتْ ... غَوَيْتُ، وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
وَقَالَ:
نَزَلت فِي غَزِيَّة أَو مَرَاد
وأَبو غَزِيَّة: كُنْيَةٌ. وابنُ غَزِيَّة: مِنْ شُعَرَاءِ هُذَيْلٍ. وغَزْوَان: اسمُ رجل.
غسا: غَسا الليلُ يَغْسُو غُسُوًّا وغَسِيَ يَغْسَى؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
كأَنّ الليلَ لَا يَغْسَى عَليه، ... إِذا زَجَر السَّبَنْتاةَ الأَمُونا
وأَغْسَى يُغْسي: أَظْلَم، قَالَ ابْنُ أَحمر:
فَلَمَّا غَسَى لَيْلي وأَيْقَنْتُ أَنَّها ... هِيَ الأُرَبى، جاءَت بأُمِّ حَبَوْكَرى
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ: فِي مُعْتَلِّ الْيَاءِ أَيضاً؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ أَغْسَى قَوْلُ الْهَجِيمِيِّ:
هَجَوْا شَرَّ يَرْبوعٍ رِجَالًا وخَيْرَها ... نِساءً، إِذا أَغْسى الظلامُ تُزارُ
قَالَ: وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
وَمَرُّ أَعْوام بلَيْلٍ مُغْسِ
وَحَكَى ابنُ جنِّي: غَسَى يَغْسَى كأَبى يأْبى، قَالَ: وَذَلِكَ لأَنهم شَبَّهوا الأَلفَ فِي آخِره بِالْهَمْزَةِ فِي قَرَأَ يقْرأُ وهَدَأَ يَهْدَأُ، وَقَدْ قَالُوا غَسِيَ يَغْسَى؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ غَسَى يَغْسَى مِنَ التَّرْكِيبِ، يَعْنِي أَنه إِنما قامَ يَغْسَى مِنْ غَسِيَ ويَغْسُو مِنْ غَسا وَقَدْ أَغْسَيْنا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ وبُعَيْده. وأَغْسِ مِنَ اللَّيْل أَي لَا تَسِرْ أَوَّله حَتَّى يذهَبَ غُسُوُّه، كَمَا يُقَالُ أَفْحِمْ عَنْكَ مِنَ اللَّيْلِ أَي لَا تَسِرْ حَتَّى تَذْهب فَحْمَتُه. وشيخٌ غَاسٍ: قَدْ طالَ عُمْرُه؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ أَرَها
(15/125)

بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ إِلَّا فِي كِتَابِ الْعَيْنِ؛ قَالَ الأَزهري: الصَّوَابُ شيخٌ عاسٍ، بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ قَالَ غاسٍ فَقَدْ صحَّف. والغَسَاةُ: البَلَحة الصَّغيرةُ، وَجَمْعُهَا غَسَواتٌ وغَساً. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الغَسَا البَلَح فعَمَّ بِهِ. وَقَالَ مَرَّةً: الغَاسِي أَوَّلُ مَا يخرُجُ مِنَ التَّمْرِ فَيَكُونُ كأَبْعارِ الفِصالِ، قَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَاوِ لمقارَبَتِهِ الغَسواتِ في المعنى.
غشا: الغِشاءُ: الغِطاءُ. غَشَّيْت الشيءَ تَغْشِيَة إِذا غَطَّيْته. وَعَلَى بَصَره وقَلْبِه غَشْوٌ وغَشْوَةٌ وغُشْوَة وغِشْوَة وغِشَاوَةٌ وغَشَاوَة وغُشاوةٌ وغاشِيةٌ وغُشْية وغُشاية وغِشايةٌ؛ هَذِهِ الثَّلَاثُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، أَي غِطاءٌ. وغاشِية القَلْب وغِشاوتُه: قَمِيصُه؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فِي القَلْبِ غِشَاوةٌ وَهِيَ الجِلْدة المُلْبَسة، وَرُبَّمَا خَرَجَ فؤادُ الإِنسانِ والدابَّة مِنْ غِشائه، وَذَلِكَ مِنْ فَزَعٍ يَفْزَعه فيموتُ مَكَانَهُ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: انْخَلَعَ فؤادُه، والفؤادُ فِي الجَوْفِ هُوَ القَلْبُ، وَفِيهِ سُوَيداؤه وَهِيَ عَلَقةٌ سَوْداءُ، إِذا شُقَّ القَلْبُ بَدَتْ كقِطْعة كَبِدٍ. والغِشاوةُ: مَا غَشِيَ القَلْبَ مِنَ الطَّبَع. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الغِشَاوَةُ جِلْدةٌ غُشِّيَتِ القَلْبَ فإِذا انْخَلَعَ مِنْهَا القَلْب ماتَ صاحبُه؛ وأَنشد ابنُ بَرِّيٍّ لِلْحَرِثِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ:
صَحِبْتُكَ، إِذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ، ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسي أَلُومُها
تَقُولُ: غَشَّيْت الشيءَ تَغْشِيَةً إِذا غَطَّيْته، وَقَدْ غَشَّى اللهُ عَلَى بَصَرِه وأَغْشَى؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
. وَقَالَ تَعَالَى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
، وَقُرِئَ: غَشْوَة، كأَنه رُدَّ إِلى الأَصل لأَن الْمَصَادِرَ كُلَّهَا تُرَدُّ إِلى فَعْلة، وَالْقِرَاءَةُ الْمُخْتَارَةُ الغِشَاوة، وَكُلُّ مَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الشَّيْءِ فَهُوَ مبنيٌّ عَلَى فِعالَةٍ نَحْوَ الغِشَاوَةِ والعِمامة والعِصابة، وَكَذَلِكَ أَسماءُ الصِّناعاتِ لاشْتِمالِ الصِّناعةِ عَلَى كلِّ مَا فِيهَا نَحْوَ الخِياطة والقِصارةِ. وغَشِيَه الأَمْرُ وتَغَشَّاه وأَغْشَيْته إِيَّاه وغَشَّيْته. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ*
. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَقُرِئَ يُغَشِّي الليلَ النهارَ، قَالَ: وَقُرِئَ فِي الأَنْفال: يُغْشِيكُم النُّعاسَ، ويُغَشِّكم النعاسَ، ويَغْشَاكُم النُّعاسُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
؛ قِيلَ: الغَاشِيَة الْقِيَامَةُ لأَنها تَغْشى الخَلْق بأَفْزاعِها، وَقِيلَ: الغَاشِيَة النارُ لأَنَّها تَغْشى وجُوه الكُفَّار. وغِشَاءُ كلِّ شيءٍ: مَا تَغَشَّاه كغِشاءِ القَلْب والسَّرْجِ والرَّحْلِ والسَّيْفِ ونحوِها. والغَشْوَاءُ مِنَ المَعَزِ: الَّتِي يَغْشى وجْهَها كلَّه بياضٌ وَهِيَ بَيِّنةُ الغَشا. والأَغْشَى مِنَ الخَيْلِ: الَّذِي غَشِيَتْ غُرَّتُه وجْهَه واتَّسَعَتْ، وَقِيلَ: الأَغْشى مِنَ الخَيْلِ وَغَيْرِهَا مَا ابْيَضَّ رأْسُه كلُّه مِنْ بَيْنِ جَسدِه مِثْلَ الأَرْخَمِ. والغَشْوَاءُ: فَرَس حَسَّانَ بنِ سَلَمة، صِفةٌ غالِبة. والغَاشِيَةُ: السُّؤَّالُ الَّذِينَ يَغْشَوْنَكَ يَرْجُون فَضْلَكَ ومَعْرُوفَكَ. وغَاشِيَة الرجُلِ: مَنْ يَنْتابُه مِنْ زُوَّارِه وأَصْدقائه. وغَاشِيَةُ الرَّحْلِ: الحَديدة الَّتِي فوقَ المؤخرَةِ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلْحَدِيدَةِ الَّتِي فَوْقَ مؤخرَةِ الرَّحْلِ الغَاشِيَة، وَهِيَ الدامِغة. وَالْغَاشِيَةُ: غَاشِيَة السَّرْج، وَهِيَ غِطاؤه. والغَاشِيَة: مَا أُلْبِسَ جَفْنُ السَّيْفِ مِنَ الجُلودِ مِنْ أَسْفلِ شاربِ السَّيفِ إِلى أَن يَبْلُغَ نَعْلَ السَّيْفِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَتَغَشَّى قوائِمَ السُّيوفِ مِنَ الأَسْفانِ «1»
__________
(1). قوله [من الأسفان] هكذا في الأصل تبعاً للمحكم، وفي القاموس: من الأسفار.
(15/126)

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبة الْحَارِثِيُّ:
نُقاسِمُهُم أَسْيافَنا شَرَّ قِسْمَةٍ، ... ففِينا غَوَاشِيها، وَفِيهِمْ صُدُورُها
والغَاشِيَة: داءٌ يأْخُذُ فِي الجَوْفِ وكلُّه مِنَ التَّغْطِية. يُقَالُ: رَمَاهُ اللَّهُ بغَاشِيَة؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي بطنِه غَاشِيَةٌ تُتَمِّمُهْ
قَالَ: تُتَمِّمه تُهْلِكُه. قَالَ أَبو عَمْرٍو: وهُو داءٌ أَو وَرَم يكونُ فِي البطنِ يَعْنِي الغَاشِيَة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ
؛ أَي عُقوبة مُجَلِّلة تَعُمُّهم. واسْتَغْشَى ثِيابَه وتَغَشَّى بِهَا: تَغَطَّى بِهَا كَيْ لَا يُرَى وَلَا يُسْمَع. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ
. وَقَالَ تَعَالَى: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
«1» وَقِيلَ: إنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا إِذا أَغْلَقْنا أَبوابَنا وأَرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنيْنا صُدُورَنا عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَعْلمُ بِنَا؟ فأَنزل اللهُ تَعَالَى: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
؛ اسْتَغْشَى بثَوْبِه وتَغَشَّى أَي تَغَطَّى. والغَشْوَة: السِّدْرَة؛ قَالَ:
غَدَوْتُ لغَشْوَةٍ فِي رَأْسِ نِيقٍ، ... ومُورَة نَعْجَةٍ ماتَتْ هُزالا
وغُشِي عَلَيْهِ غَشْيَةً وغَشْياً وغَشَيَاناً: أُغْمِيَ، فَهُوَ مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ، وَهِيَ الغَشْيَة، وَكَذَلِكَ غَشْيَةُ المَوْت. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
، وَقَالَ تَعَالَى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
؛ أَي إِغْمَاءٌ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: زَعَمَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ جَمِيعًا أَن النونَ هَاهُنَا عوضٌ مِنَ الْيَاءِ، لأَنَّ غَوَاشٍ لَا يَنْصَرِفُ والأَصل فِيهَا غَوَاشِيُ، إِلَّا أَن الضَّمَةَ تحذَفُ لِثِقَلِها فِي الْيَاءِ، فإِذا ذَهَبَت الضَّمَةُ أَدخَلْتَ التنوينَ عِوَضًا مِنْهَا، قَالَ: وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلى أَنَّ التنوينَ عِوضٌ مِنْ ذهابِ حركةِ الْيَاءِ، والياءُ سَقَطت لسُكونِها وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وغَشِيَهُ غِشْيَاناً: أَتاه وأَغْشَاهُ إِيَّاهُ غيرُه؛ فأَما قَوْلُهُ:
أَتُوعِدُ نِضْوَ المَضْرَحِيِّ، وَقَدْ تَرَى ... بعَيْنَيْك ربَّ النَّضْوِ يَغْشَى لَكُمْ فَرْدا؟
فَقَدْ يَكُونُ يَغْشَى مِنَ الأَفْعالِ المُتَعَدِّية بحَرْفٍ وغيرِ حرفٍ، وَقَدْ تكونُ اللامُ زَائِدَةً أَي يَغْشاكم كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ، أَي رَدِفَكُم. وغَشِيَ الأَمرَ غِشياناً: باشرَه. وغَشِيتُ الرجُلَ بالسَّوْط: ضَرَبْته. والغِشْيَانُ: إِتْيانُ الرجُلِ المرأَةَ، والفِعْلُ غَشِيَ يَغْشى. وغَشِيَ المرأَةَ غِشْيَاناً: جامَعَها. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَغَشَّاها
حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمرَّتْ بِهِ؛ كِنَايَةٌ عَنِ الجِماع. يُقَالُ: تَغَشَّى المرأَة إِذا عَلاها، وتجَلَّلها مِثْلُهُ، وَقِيلَ للقِيامةِ غَاشِيَة لأَنها تُجَلِّلُ الخَلْق فتَعُمُّهم. ابْنُ الأَثير: وَفِي حَدِيثِ المَسْعى
فإِن الناسَ غَشُوه
أَي ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ وكَثُروا. يُقَالُ: غَشِيَةُ يَغْشَاهُ غِشْياناً إِذا جاءَهُ، وغَشَّاهُ تَغْشِيةً إِذا غَطَّاه. وغَشِيَ الشَّيْءَ إِذا لابَسَه. وغَشِيَ المرأَة إِذا جامَعها. وغُشِيَ عَلَيْهِ: أُغْمِيَ عَلَيْهِ. واسْتَغْشَى بثَوْبه وتَغَشَّى إِذا تغَطّى، وَالْجَمِيعُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ لَفْظِهِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ:
وَهُوَ مُتغَشٍّ بثوْبه
، وَقَوْلُهُ:
وتَغْشَّى أَنامِلَه
أَي تسْتُرها، وقولُه:
غَشِيَتْهُم الرَّحْمَة وغَشِيَها أَلْوانٌ
أَي تعْلوُها. وَقَوْلُهُ:
فَلَا يَغْشَنا فِي مَسَاجِدِنَا
، وَقَوْلُهُ:
وإِن غشِينَا مِنْ ذَلِكَ شيءٌ مِنَ القَصد إِلى الشيءِ والمُباشَرَة
، وَقَوْلُهُ:
مَا لَمْ يَغْشَ الكبَائِرَ
؛ ومنه
__________
(1). الآية
(15/127)

حَدِيثُ
سَعْد: فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ وجدَه فِي غَاشِيَةٍ
؛ الغَاشِيةُ: الدَّاهِية مِنْ خَيْر أَو شرٍّ أَو مكْروهٍ، وَمِنْهُ قيلَ للْقِيامة الغَاشِيَةُ، وأَراد فِي غَشْيةٍ منْ غَشَياتِ المَوْتِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ بالغاشِيَة القوْمَ الحُضُورَ عندَه الَّذِينَ يَغْشَوْنه للخِدْمَة والزيارَةِ أَي جَمَاعَةٍ غاشِيةٍ أَو مَا يَتغَشَّاه مِنْ كَرْب الوَجع الَّذِي بِهِ أَي يُغَطِّيه فظُنَّ أَنْ قَدْ مَاتَ. وغُشَيٌّ: موضعٌ.
غضا: غَضَوْت عَلَى الشيءِ وَعَلَى القَذى وأَغْضَيْت: سَكَتّ؛ وَقَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
غَضِيٌّ عَنِ الفحْشاء يَقْصُرُ طَرْفَه، ... وإِنْ هُوَ لَاقَى غارَةً لمْ يُهَلِّلِ
يَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنْ غَضا، وأَن يكونَ منْ أَغْضى كَقَوْلِهِمْ عَذابٌ أَليمٌ وضرْبٌ وَجِيع، والأَوَّل أَجْوَد. والإِغْضاءُ: إِدْناءُ الجُفُونِ. وغَضَى الرجلُ وأَغْضَى: أَطْبَقَ جفْنيْهِ عَلَى حَدَقَتِه. وأَغْضَى عَيْناً عَلَى قَذىً: صَبَر عَلَى أَذىً. وأَغْضَى عَنْهُ طَرْفَه: سَدَّه أَو صَدَّهُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
دَفعْتُ إِلَيْه رِسْلَ كَوْماءَ جَلْدَةٍ، ... وأَغْضَيْتُ عنْه الطَّرْفَ حتَّى تَضَلَّعا
وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
كعتِيقِ الطَّيْرِ يُغْضِي ويُجَلْ
يَعْنِي يُغْضي الجُفُون مَرَّةً ويُجَلِّي مَرَّة؛ وَقَالَ الْآخَرُ:
لَمْ يُغْضِ فِي الحَرْبِ عَلَى قَذاكا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَغْضَيْتُ يَتعدَّى وَلَا يَتعدَّى؛ فَمِثَالُهُ مُتعدِّياً قولُ الشَّاعِرِ:
فَمَا أَسْلَمَتْنا عندَ يومِ كرِيهَةٍ، ... وَلَا نَحنُ أَغْضَيْنا الجُفونَ عَلَى وَتْرِ
وَمِنْهُ مَا يُحْكى
عَنْ عَليّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فكمْ أُغْضِي الجُفونَ عَلَى القَذَى، وأَسْحَبُ ذَيْلي عَلَى الأَذى، وأَقولُ لعَلَّ وعَسى
؛ وَمِثَالُهُ غيرَ مُتَعدٍّ قَوْلُ الْآخَرِ «1»:
يُغْضِي حَياءً ويُغْضَى مِنْ مَهابَتِه، ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
وتَغاضَيْت عَنْ فُلان إِذا تَغابَيْت عَنْهُ وتَغافَلْت. ولَيلٌ غاضٍ: غاطٍ. وَقَالَ ابْنُ بزُرْج: لَيلٌ مُغْضٍ وغَاضٍ، ومَقامٌ فاضٍ ومُفْضٍ؛ وأَنشد: عَنْكُمْ كِراماً بالمَقامِ الْفَاضِي وغَضَى الليلُ غُضُوّاً وأَغْضَى: أَلْبَسَ كلَّ شيءٍ. وأَغْضَى الليلُ: أَظْلَم. ولَيلٌ مُغْضٍ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وأَكثَرُ مَا يُقال لَيْلٌ غاضٍ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
يَخْرُجْنَ مِنْ أَجْوازِ لَيْلٍ غاضِ، ... نَضْوَ قداحِ النَّابِلِ النَّواضِي،
كأَنَّما يَنْضَخْنَ بالخَضْخاضِ
الخَضْخاضُ: القَطِرانُ، يُريدُ أَنَّها عَرِقَتْ مِنْ شِدَّةِ السَّيرِ فاسْوَدَّتْ جُلُودُها. ولَيْلَةٌ غاضِيةٌ: شَدِيدَة الظُّلْمَةِ. ونارٌ غَاضِيَةٌ: عَظيمة مُضيئةٌ، وَهُوَ مِنَ الأَضْدادِ. قَالَ الأَزهري: قَوْلُهُ نَارٌ غَاضِيَة عَظِيمة أُخِذَ من نارِ الغَضَى، وَهُوَ مِنْ أَجودِ الوُقُودِ عِنْدَ الْعَرَبِ. ورَجلٌ غَاضٍ: طاعِمٌ كاسٍ مَكْفِيٌّ، وَقَدْ غَضَا يَغْضو. والغَضَى: شَجَر؛ وَمِنْهُ قولُ سُحَيْمٍ عبدِ بَنِي الحَسْحاسِ:
كأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فَوْقَ نَحْرِها، ... وجَمْر غَضىً هَبَّتْ لَهُ الريحُ ذاكِيَا
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ذِئبُ غَضًى. والغَضَى: مِنْ نَباتِ الرَّمْلِ لَهُ هَدَب كهَدَبِ الأَرْطَى؛ ابن سيدة:
__________
(1). هو الفرزدق.
(15/128)

وَقَالَ ثَعْلَبٌ يُكْتَبُ بالأَلِفِ وَلَا أَدْرِي لمَ ذَلِكَ، واحِدتُه غَضاةٌ؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: وَقَدْ تكونُ الغَضَاة جَمْعاً؛ وأَنشد:
لَنا الجَبَلانِ مِنْ أَزمانِ عادٍ، ... ومُجْتَمَعُ الأَلاءَةِ والغَضَاةِ
وَيُقَالُ لِمَنْبِتِها: الغَضْيَا. وأَهلُ الغَضَى: أَهلُ نَجْدٍ لكَثْرَتِه هُنَالِكَ؛ قَالَتْ أُمُّ خالِدٍ الخَثْعَمِيَّة:
لَيْتَ سِماكِيّاً تَطِيرُ رَبابُه، ... يُقادُ إِلى أَهلِ الغَضَى بِزِمامِ
وَفِيهَا:
رأَيتُ لَهُمْ سِيماءَ قَوْمٍ كَرِهْتُهُمْ، ... وأَهْلُ الغَضَى قومٌ عليَّ كِرام
أَراد: كَرِهْتُهم لَهَا أَو بِهَا. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ للإِبلِ الكثيرةِ غَضْيَا، مقصورٌ، قَالَ: شُبِّهَتْ عِنْدِي بمنابِتِ الغَضَى. وإِبلٌ غَضَوِيَّةٌ: مَنْسُوبَةٌ إِلى الغَضَى؛ قَالَ:
كَيْفَ تَرَى وقْعَ طُلاحِيَّاتِها، ... بالغَضَويَّاتِ عَلَى عِلَّاتِها؟
وإِبِلٌ غاضِيةٌ وغَواضٍ وبعيرٌ غاضٍ: يأْكل الغَضَى؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَبعير عَضٍ أَنتَ ضَخْمٌ رأْسُه، ... شَثْنُ المَشافِرِ، أَمْ بعيرٌ غَاضِ؟
وبعيرٌ غَضٍ: يَشْتَكِي بَطْنَهُ مِنْ أَكل الغَضَى، وَالْجَمْعُ غَضِيَةٌ وغَضَايَا، وَقَدْ غَضِيَتْ غَضًى، وإِذا نَسَبْتَه إِلى الغَضَى قلتَ بعيرٌ غَضَوِيٌّ. والرِّمْثُ والغَضَى إِذا باحتَتْهما الإِبِلُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عُقْبة مِنْ غيرِهما يُصيبُها الداءُ فَيُقَالُ: رَمِثَتْ وغَضِيَتْ، فَهِيَ رَمِثَةٌ وغَضِيَةٌ. وأَرْض غَضْيا: كَثِيرَةُ الغَضى. والغَضْيَاءُ، ممدودٌ: منَبِتُ الغَضَى ومُجْتَمَعُه. والغَضَى: الخَمَرُ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَخْبثُ الذِّئابِ ذِئبُ الغَضَى، وإِنما صَارَ كَذَا لأَنه لَا يُباشِرُ النَّاسَ إِلا إِذا أَراد أَن يُغيرَ، يَعْنُونَ بالغَضَى هُنَا الخَمَرَ، فِيمَا ذَكَرَ ثَعْلَبٌ، وَقِيلَ: الغَضَى هُنَا هَذَا الشَّجَرُ، ويزعُمون أَنه أَخبثُ الشَّجَرِ ذِئاباً. وذِئابُ الغَضَى: بنُو كعبِ بنِ مالكِ بْنِ حَنْظَلة، شُبِّهُوا بِتِلْكَ الذئابِ لخُبْثِها. وغَضْيَا، معرِفةٌ مقصورٌ: مائةٌ مِنَ الإِبلِ مثلُ هُنَيْدَةَ، لَا يَنْصَرِفان؛ قَالَ:
ومُسْتَبْدِلٍ مِنْ بَعْدِ غَضْيَا صُرَيْمَةً، ... فأَحْرِ بِهِ مِنْ طُولِ فَقْرٍ وأَحْرِيَا
أَراد: وأَحْرِيَنْ، فَجَعَلَ النونَ أَلفاً سَاكِنَةً. أَبو عَمْرٍو: الغَضْيانَةُ مِنَ الإِبل الكِرامُ. وغَضْيَانُ: مَوْضِعٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
فَصَبَّحَتْ، والشمسُ لَمْ تُقَضِّبِ ... عَيْناً، بغَضْيَانَ، ثَجُوجَ العُنْبُبِ
غطى: غَطَى الشَّبابُ غَطْياً وغُطِيّاً: امْتَلأَ. يُقَالُ للرجُلِ إِذا امْتَلأَ شَباباً: غَطَى يَغْطِي غَطْياً وغُطِيّاً؛ قَالَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ:
يَحْمِلْنَ سِرْباً غَطَى فِيهِ الشَّبابُ مَعاً، ... وأَخْطَأَتْه عُيونُ الجِنِّ والحَسَدُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي الصِّحَاحِ:
وأَخْطأَتْه عيونُ الجِنِّ والحَسَدَهْ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَكَذَلِكَ أَنشده أَبو عُبَيْدٍ؛ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ ابْنُ الأَنباري أَكثرُ الناسِ يَرْوِي هَذَا الْبَيْتَ:
وأَخْطأَتْه عيونُ الجِنِّ والحَسَدَهْ
وإِنما هُوَ:
وأَخْطأَتْه عيونُ الجنِّ والحَسَدُ
(15/129)

وَبَعْدَهُ:
ساجِي العُيونِ غَضِيض الطَّرْفِ تَحْسِبُه ... يَوْمًا، إِذا مَا مَشى، فِي لِينِه أَوَدُ
اللِّحْيَانِيُّ: غَطَاهُ الشبابُ يَغْطِيه غَطْياً وغُطِيّاً وغَطَّاه كِلَاهُمَا أَلْبَسَه، وغَطَاه الليلُ وغَطَّاه: أَلْبَسَه ظُلْمَته؛ عَنْهُ أَيضاً. وغَطَتِ الشَجرة وأَغْطَتْ: طالَتْ أَغْصَانُها وانْبَسَطَت عَلَى الأَرض فأَلْبَسَت مَا حَوْلَهَا؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ قُتَيْبَةَ:
ومِن تَعاجِيبِ خَلْقِ اللهِ غاطِيَةٌ، ... يُعْصَرُ مِنْهَا مُلاحِيٌّ وغِرْبِيبُ
إِنما عَنى بِهِ الداليَةَ، وَذَلِكَ لسُمُوِّها وبُسُوقها وانتِشارِها وإِلْباسِها. الْمُفَضَّلُ: يُقَالُ للكَرْمةِ الكثيرةِ النَّوامي غَاطِيَةٌ. والنَّوامي: الأَغْصانُ، واحِدَتُها نامِيةٌ. وغَطَى الشيءَ يَغْطِيه غَطْياً وغَطَّى عَلَيْهِ وأَغْطَاه وغَطَّاه: سَتَره وعَلاه؛ قَالَ:
أَنا ابنُ كِلابٍ وابنُ أَوْسٍ، فمَنْ يَكُنْ ... قِناعُه مَغْطِيّاً فإِني مُجْتَلى
وَفِي التَّهْذِيبِ: فَإِنِّي لَمُجْتَلى. وفلانٌ مَغْطِيُّ القِناعِ إِذا كَانَ خامِلَ الذِّكْرِ؛ وَقَالَ حَسَّانَ:
رُبَّ حِلْمٍ أَضاعه عَدَمُ الْمَالِ، وجَهْلٍ غَطَّى عَلَيْهِ النَّعِيمُ
قَالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ بنُ الأَعرابي: حُكِيَ أَنَّ حسانَ بنَ ثَابِتٍ صاحَ قبلَ النُّبوّة فَقَالَ: يَا بَني قَيْلةَ، يَا بَني قَيْلة قَالَ: فَجَاءَهُ الأَنصارُ يُهْرَعُونَ إِليه قَالُوا: مَا دَهاكَ؟ قَالَ لَهُمْ: قلتُ الساعةَ بَيْتًا خَشِيتُ أَن أَموتَ فيَدّعِيَه غَيْرِي قَالُوا: هاتِه، فأَنشَدهم هَذَا الْبَيْتَ:
رُبَّ حِلْمٍ أَضاعَه عَدَمُ المالِ
والغِطاءُ: مَا غُطِّيَ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه نَهَى أَن يُغَطِّيَ الرجلُ فاهُ فِي الصلاةِ.
ابْنُ الأَثير: مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ التَّلَثُّم بالعَمائمِ عَلَى الأَفْواه فنُهوا عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، فإِنْ عَرَضَ لَهُ التَّثاؤب جَازَ لَهُ أَن يُغَطِّيه بثَوْبه أَو يَدِهِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ. وَقَالُوا: اللهمَّ أَغْطِ عَلَى قَلْبه أَي غَشِّ قلْبَه. وفعَلَ بِهِ مَا غَطَاهُ أَي مَا ساءَه. وماءٌ غاطٍ: كثيرٌ، وَقَدْ غَطَى يَغْطِي؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَمُرُّ كمُزْبِدِ الأَعْرافِ غَاطِ
ابْنُ سِيدَهْ: وغَطَا الشيءَ غطو
غَطْواً وغَطَّاه تَغْطِيةً وأَغْطاه واراهُ وسَتَرَه. قَالَ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ واويَّة ويائيَّة، وَالْجَمْعُ الأَغْطِيَة، وَقَدْ تَغَطَّى. والغِطَاءُ: مَا تَغَطَّى بِهِ أَو غَطَّى بِهِ غيرَه. والغِطايةُ: مَا تغَطَّتْ بِهِ المرأَةُ مِنْ حشْو الثِّيَابِ تَحْتَ ثِيَابِهَا كالغِلالة وَنَحْوِهَا، قُلبَت الْوَاوُ فِيهَا يَاءً طَلَبَ الخفَّة مَعَ قربِ الْكَسْرَةِ. وغَطَا الليلُ غطو
يَغْطُو ويَغْطِي غطو
غَطْواً وغطو
غَطُوّاً إِذا غَسا وأَظْلَم، وَقِيلَ: ارْتَفَع وغَشَّى كلَّ شيءٍ وأَلبسه، وغَطا الْمَاءُ. وَكُلُّ شيءٍ ارْتَفَع وطالَ عَلَى شيءٍ فقدْ غَطا عَلَيْهِ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤيَّة:
كذَوائِب الحَفإِ الرَّطِيبِ غَطا بِهِ ... عَبْلٌ، ومَدَّ بِجَانِبَيْهِ الطُّحْلُبُ
غَطا بِهِ: ارْتَفَع. وليلٌ غَاطٍ: مظْلِمٌ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
حَتَّى تَلا أَعْجازَ لَيْلٍ غَاطِ
وَيُقَالُ: غَطَا عَلَيْهِمُ البَلاءُ. وأَغْطَى الكَرْمُ: جَرى الماءُ فِيهِ وزادَ، وكلُّ ذَلِكَ مذكورٌ فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ،
غفا: الأَزهري: غَفَا الرَّجُلُ وَغَيْرُهُ غَفْوَةً إِذا نامَ نومَةً خَفيفة. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَغَفَوْتُ غَفْوَةً
أَي نِمْتُ نَوْمةً خَفِيفَةً. قَالَ: وَكَلَامُ الْعَرَبِ أَغْفَى. وقلَّما
(15/130)

يُقَالُ غَفا. ابْنُ سِيدَهْ: غَفَى الرجلُ غَفْيَةً وأَغْفَى نَعَس. وأَغْفَيْتُ إِغْفَاءً نِمْتُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا تقُلْ غَفَوْتُ. وَيُقَالُ: أَغْفَى إِغْفَاءً وإِغْفَاءَةً إِذا نامَ. أَبو عَمْرٍو: وأَغْفَى نامَ عَلَى الغَفا، وَهُوَ التِّبْنُ فِي بَيْدَرِه. والغَفْيَةُ: الحُفْرة الَّتِي يَكْمُن فِيهَا الصَّائِدُ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هِيَ الزُّبْية. والغَفَى: مَا يَنْفونَه مِنْ إِبِلهم. والغَفَى، منقوصٌ: مَا يُخْرَج مِنَ الطَّعَامِ فيُرْمى بِهِ كالزُّؤان والقَصَل، وَقِيلَ: غَفَى الحِنْطةِ عيدانُها، وَقِيلَ: الغَفَى حُطامُ البُرِّ وَمَا تَكَسَّر مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ كلُّ مَا يُخْرَجُ مِنْهُ فيُرْمى بِهِ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ فِي الطَّعامِ حَصَلَة وغَفَاءَةٌ، مَمْدُودٌ، وفَغاةٌ وحُثالَةٌ كُلُّ ذَلِكَ الرَّديءُ الَّذِي يُرْمى بِهِ. قَالَ ابْنُ
بَرِّيٍّ: والغَفَا قِشْرُ الحنْطة، وتَثْنِيَتُه غَفَوان، وَالْجَمْعُ أَغْفَاءٌ، وَهُوَ سَقَطُ الطَّعام مِنْ عِيدانِه وقصبِه؛ وَقَوْلُ أَوس:
حَسِبْتُمُ وَلَدَ البَرْشاءِ قاطِبَةً ... نَقْلَ السِّمادِ وتَسْلِيكاً غَفَى الغِيَرِ «2»
يَجُوزُ أَن يُعْنى بِهِ هَذَا، وَيَجُوزُ أَن يُعنى بِهِ السَّفِلة، والواحِدة مِنْ كلِّ ذَلِكَ غَفَاةٌ. وحِنْطة غَفِيَةٌ: فِيهَا غَفًى عَلَى النَّسَب. وغَفَّى الطعامَ وأَغْفَاه: نَقَّاه مِنْ غَفَاهُ. والغَفَى: قِشْرٌ صغِيرٌ يَعْلُو البُسْر، وَقِيلَ: هُوَ التَّمْر الفاسِدُ الَّذِي يَغْلُظ ويَصِيرُ فِيهِ مثلُ أَجْنِحَة الجَرادِ، وَقِيلَ: الغَفَى آفةٌ تصيبُ النَّخْلَ، وَهُوَ شِبْهُ الغُبارِ يَقَع عَلَى البُسْر فيمْنعُه مِنَ الإِدْراك والنُّضْجِ ويَمْسَخ طَعْمَه. والغَفَى: حُسافةُ التَّمْرِ ودُقاقُ التَّمْرِ. والغَفَى: داءٌ يَقَعُ فِي التِّينِ فيُفْسِدُه؛ وَقَوْلُ الأَغلب:
قَدْ سَرَّني الشيخُ الَّذِي ساءَ الفَتى، ... إِذْ لَمْ يَكُنْ مَا ضَمَّ أَمْساد الغَفَى
أَمْسادُ الغَفَى: مُشاقَه الكَتَّانِ وَمَا أَشْبَهَه. ابْنُ سِيدَهْ فِي غَفا بالأَلف: غَفا الشيءُ غَفْواً وغُفُوّاً طَفا فَوْقَ الماءِ. والغَفْوُ والغَفْوَةُ جَمِيعًا: الزُّبْيَة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ.
غلا: الغَلاءُ: نَقيضُ الرُّخْصِ. غَلا السِّعْرُ وغيرُه يَغْلُو غَلاءً، مَمْدُودٌ، فَهُوَ غالٍ وغَلِيٌّ؛ الأَخيرة عَنْ كراعٍ. وأَغْلاهُ اللَّهُ: جَعَلَه غالِياً. وغَالَى بالشيءِ: اشْتَراهُ بثَمنٍ غالٍ. وغَالَى بالشيءِ وغَلَّاه: سامَ فأَبْعَطَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
نُغَالِي اللَّحمَ للأَضْيافِ نِيئاً، ... ونُرْخِصُهُ إِذا نَضِجَ القَديرُ
فَحَذَفَ الْبَاءَ وَهُوَ يريدُها، كَمَا يُقَالُ لَعِبْتُ الكِعابَ ولَعِبْتُ بالكِعابِ، الْمَعْنَى نُغالي باللحمِ. وَقَالَ أَبو مَالِكٍ: نُغَالِي اللحمَ نَشتَريه غَالِيًا ثُمَّ نَبْذُلُه ونُطْعِمُه إِذا نَضِجَ فِي قُدُورِنا. وَيُقَالُ أَيضاً: أَغْلَى؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
كأَنَّها دُرَّة أَغْلَى التِّجارُ بِهَا
وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ أَغْلَى اللحمَ قَوْلُ شَبيب بْنِ البَرْصاء:
وإِني لأُغْلِي اللحمَ نِيئاً، وإنَّني ... لمُمْسٍ بهَيْنِ اللَّحْمِ، وَهُوَ نَضِيجُ
الْفَرَّاءُ: غالَيْتُ اللحمَ وغَالَيْتُ بِاللَّحْمِ جَائِزٌ. وَيُقَالُ: غَالَيْتُ صَداق المرأَة أَي أَغْلَيته؛ وَمِنْهُ
قَوْلُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تُغَالُوا صُدُقات النِّسَاءِ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
لَا تُغَالوا صُدُقَ النِّسَاءِ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فِي صَدُقاتِهنَ
، أَي لَا تُبالِغُوا فِي كَثْرَةِ الصَّداقِ، وأَصلُ الغَلاء
__________
(2). قوله [الغير] هكذا في الأصل، وفي المحكم: العبر بالعين المهملة والياء المثناة.
(15/131)

الارتفاعُ ومُجاوَزة القَدْرِ فِي كلِّ شَيْءٍ. وبِعْتُه بالغَلاءِ والغَالِي والغَلِيّ؛ كلهنَّ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
وَلَوْ أَنَّا نُباعُ كَلامَ سَلْمى، ... لأَعْطَيْنا بِهِ ثَمَناً غَلِيَّا
وغَلا فِي الدِّينِ والأَمْر يَغْلُو غُلُوّاً: جاوَزَ حَدَّه. وَفِي التَّنْزِيلِ: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ*
؛ وقال الحَرِث بْنُ خَالِدٍ:
خُمْصانة قَلِق مُوَشَّحُها، ... رُؤْد الشَّبابِ غَلا بِهَا عَظْمُ
التَّهْذِيبُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ غَلَوْت فِي الأَمر غُلُوّاً وغَلانِيَةً وغَلانِياً إِذا جاوزْتَ فِيهِ الحَدّ وأفْرَطْت فِيهِ؛ قَالَ الأَعشى: أَنشده ابْنُ بَرِّيٍّ:
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ الغَلانِيا
وَفِي التَّهْذِيبِ: زَادُوا فِيهِ النونَ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَذُو الشَّنْءِ فاشْنَأْه، وَذُو الوِدِّ فاجْزِه ... عَلَى وِدِّه، وازْدَدْ عَلَيْهِ الغَلانِيا
زَادَ فِيهِ النونَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِياكم والغُلُوَّ فِي الدِّينِ
أَي التَّشَدُّدَ فِيهِ ومجاوَزة الحَدِّ، كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ:
إِنَّ هَذَا الدينَ مَتِينٌ فأَوْغِلْ فِيهِ بِرفْقٍ
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ البحثُ عَنْ بواطنِ الأَشْياء والكَشْفُ عَنْ عِلَلِها وغَوامِضِ مُتَعَبَّداتِها؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
وحاملُ الْقُرْآنِ غيرُ الغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ،
إِنما قَالَ ذَلِكَ لأَنَّ مِنْ آدَابِهِ وأَخلاقِه الَّتِي أَمرَ بِهَا القَصْدَ فِي الأُمورِ، وخيرُ الأُمورِ أَوْساطُها. وَ:
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ
والغُلُوُّ: الإِعْداءُ. وغَلا بالسَّهْمِ يَغْلُو غَلْواً وغُلُوًّا وغَالَى بِهِ غِلاءً: رَفَع يدَه يُرِيدُ بِهِ أَقْصَى الْغَايَةِ وَهُوَ مِنَ التجاوزِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
كالسَّهْمِ أَرْسَلَه مِنْ كَفِّه الغَالِي
وَقَالَ اللَّيْثُ: رَمَى بِهِ؛ وأَنشد لِلشَّمَّاخِ:
كَمَا سَطَع المِرِّيخُ شَمَّره الغَالِي
والمُغَالِي بالسَّهْمِ: الرافِعُ يدَه يريدُ بِهِ أَقصَى الغايةِ. ورجلٌ غَلَّاءٌ: بَعيدُ الغُلُوِّ بالسَّهْم؛ قَالَ غَيْلانُ الرَّبَعِي يَصِفُ حَلْبَة:
أَمْسَوْا فَقادُوهُنّ حولَ المِيطاءْ ... بمائَتَيْن بغِلاءِ الغَلَّاءْ
وغَلا السَّهْمُ نفسُه: ارتفَع فِي ذَهابِه وجاوَزَ المَدَى، وَكَذَلِكَ الحجَر، وكلُّ مَرْماةٍ مِنْ ذَلِكَ غَلْوَةٌ؛ وأَنشد:
مِنْ مائةٍ زَلْخٍ بمرِّيخٍ غَالِ
وكلُّه مِنِ الارتفاعِ والتَّجاوزِ، والجمعُ غَلَواتٌ وغِلاءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَهْدَى لَهُ يَكْسُومُ سِلاحاً وَفِيهِ سَهْم فسَمَّاه قِتْرَ الغِلاءِ
؛ الغِلاء، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ: مِنْ غَالَيْته أُغَالِيه مُغَالاةً وغِلاءً إِذا رامَيْتَه، والقِترُ سَهْم الهَدَف، وَهِيَ أَيضاً أَمَدُ جَرْيِ الفَرَسِ وشوْطِه، والأَصلُ الأَول. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ: بَيْنه وبينَ الطَّرِيق غَلْوَةٌ
؛ الغَلْوَةُ: قدرُ رَمْيةٍ بسَهْمٍ، وَقَدْ تُسْتَعْمَل الغَلْوَة فِي سِباقِ الخَيْل، والغَلْوَةُ الْغَايَةُ مِقْدَارُ رَمْيةٍ. وَفِي الْمَثَلِ: جَرْيُ المُذْكيات غِلاءٌ. والمِغْلاةُ: سهمٌ يُتَّخَذُ لِمُغَالَاةِ الغَلْوَة، وَيُقَالُ لَهُ المِغْلَى، بِلَا هاءٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمِغْلَى سَهْمٌ تُعْلى بِهِ أَي تُرْفَعُ بِهِ اليَدُ حَتَّى يَتَجاوزَ المِقدارَ أَو يقارِب ذَلِكَ. وسهمُ الغِلاءِ، ممدودٌ: السهمُ الَّذِي
(15/132)

يقدَّر بِهِ مَدَى الأَمْيالِ والفراسِخِ والأَرضِ الَّتِي يُسْتَبَقُ إِليها. التَّهْذِيبُ: الفَرْسَخ التامُّ خمسٌ وَعِشْرُونَ غَلْوَةً. والغُلُوُّ فِي القافِية: حَرَكَةُ الرَّوِيّ الساكِنِ بَعْدَ تمامِ الوزنِ، والغَالِي: نونٌ زَائِدَةٌ بَعْدَ تِلْكَ الْحَرَكَةِ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ فِي إنشادِ مَنْ أَنشده هَكَذَا:
وقاتِم الأَعْماقِ خَاوِي المُخْتَرَقِنْ
فَحَرَكَةُ القافِ هِيَ الغُلُوُّ، والنونُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الْغَالِي، وَإِنَّمَا اشتُقَّ مِنَ الغُلُوِّ الَّذِي هُوَ التجاوُزُ لِقَدْرِ مَا يجبُ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَفْحَشُ مِنَ التَّعَدّي، وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّعَدِّيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَليق بِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الوزنِ لأَنَّ الوزنَ قَدْ تَناهَى قبلَه، جَعَلُوا ذَلِكَ فِي آخرِ الْبَيْتِ بمَنْزلة الخَزْمِ فِي أَوَّله. والدابَّة تَغْلُو فِي سَيْرِها غَلْواً وتَغْتَلِي بخفَّةِ قوائمِها؛ وأَنشد:
فَهْي أَمامَ الفَرْقَدَيْن تَغْتَلِي
ابْنُ سِيدَهْ: وغَلَتِ الدَّابَّةُ فِي سَيرِها غُلُوًّا واغْتَلَت ارْتَفَعَت فجاوَزَت حُسْنَ السَّيْر؛ قَالَ الأَعشى:
جُمالِيَّة تَغْتَلي بالرِّداف، ... إِذا كَذَبَ الآثِماتُ الهَجِيرَا
والاغْتِلاءُ: الإِسْراعُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
كَيْفَ تَراها تَغْتَلي يَا شَرْجُ، ... وَقَدْ سَهَجْناها فَطال السَّهْجُ؟
وناقةٌ مِغْلاةُ الوهَقِ إِذا تَوَهَّقت أَخفافُها؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
تَنَشَّطَتهُ كلُّ مِغْلاةِ الوَهَقْ، ... مَضْبُورَةٍ قَرْواءَ هِرْجابٍ فُنُقْ
الْهَاءُ للمُخْتَرَق، وَهُوَ الْمَفَازَةُ. وغَلا بالجارِية وَالْغُلَامِ عَظْمٌ غُلُوًّا: وَذَلِكَ فِي سُرْعَةِ شَبَابِهِمَا وسَبْقِهِما لداتِهِما، وَهُوَ مِنَ التجاوُزِ. وغُلْوَانُ الشَّبابِ وغُلَوَاؤُه: سُرْعَتُه وأَوَّله. أَبو عُبَيْدٍ: الغُلَوَاءُ، ممدودٌ، سرعةُ الشبابِ؛ وَأَنْشَدَ قَوْلَ ابْنِ الرُّقَيَّات:
لمْ تَلْتَفِتْ لِلِداتِها، ... ومَضَتْ عَلَى غُلَوَائِها
وَقَالَ آخَرُ:
فَمَضَى عَلى غُلَوَائِهِ، وكأَنَّه ... نَجْمٌ سَرَتْ عَنْهُ الغُيُومُ فَلاحَا
وَقَالَ طُفَيْل:
فَمَشَوْا إِلى الهَيْجاءِ، فِي غُلَوَائِها، ... مَشْيَ اللُّيُوثِ بكُلِّ أَبْيَضَ مُذْهَبِ
وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنه: شُمُوخُ أَنْفِه وسُمُوُّ غُلَوَائِه
؛ غُلَوَاءُ الشبابِ: أَوَّلُه وشِرَّتُه؛ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
خُمْصانَة قَلِق مُوَشَّحُها، ... رُؤد الشبابِ غَلا بِها عَظْمُ
قَالَ: هَذَا مثلُ قَوْلِ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ:
لمْ تَلْتَفِتْ لِلِداتِها، ... ومَضَتْ عَلَى غُلَوائِها
وَكَمَا قَالَ:
كالغُصْنِ فِي غُلَوَائِهِ المُتَأَوِّدِ
وَقَالَ غيرُه: الغَالِي اللّحْمُ السَّمِينُ، أُخِذَ مِنْهُ قَوْلُهُ: غَلا بِهَا عَظْمُ إِذا سَمِنَتْ؛ وَقَالَ أَبو وجْزَة السَّعْدي:
تَوَسَّطَها غَالٍ عَتِيقٌ، وزانَها ... مُعَرّسُ مَهْرِيٍّ، بِهِ الذَّيْلُ يَلْمَعُ
(15/133)

أَراد بمُعَرّس مَهْرِيّ حَمْلَها الَّذِي أَجَنَّتْه فِي رَحِمِها مِنْ ضِرابِ جَملٍ مَهْرِيّ أَي تَوَسَّطَها شَحْم عَتِيق فِي سنامِها. وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ إِذَا ارْتَفَع: قَدْ غَلا؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
فَمَا زالَ يَغْلُو حُبُّ مَيَّة عنْدَنا، ... ويَزْدادُ حَتَّى لَمْ نَجِدْ مَا نَزِيدُها
وغَلا النَّبْت: ارْتَفَع وعَظُمَ والْتَفَّ قَالَ لَبِيدٌ:
فغَلا فُرُوعُ الأَيْهُقانِ، وأَطْفَلَتْ، ... بالجَلْهَتَيْنِ، ظِباؤُها ونَعامُها
وَكَذَلِكَ تَغَالَى واغْلَوْلَى؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مِمَّا تَغَالَى مِنَ البُهْمَى ذَوائِبُه ... بالصَّيْفِ، وانْضَرَجَتْ عَنْهُ الأَكامِيمُ
وأَغْلَى الكَرْمُ: التَفّ وَرَقُه وكَثُرَتْ نوامِيهِ وطالَ، وأَغْلاهُ: خَفَّفَ مِنْ وَرَقِه لِيَرتَفِعَ ويَجُودَ. وَكُلُّ مَا ارْتَفَع فقدْ غَلا وتَغالَى. وتَغالَى لَحْمُه: انْحَسر عِنْدَ الضَّمادِ كأَنّه ضِدٌّ. التَّهْذِيبُ: وتَغَالَى لحمُ الدابَّة أَو النَّاقَةِ إِذَا ارْتَفَعَ وذهَب، وَقِيلَ: إِذَا انْحَسَرَ عندَ التَّضْمِير؛ قَالَ لَبِيدٌ:
فَإِذَا تَغَالَى لَحْمُها وتحَسَّرَتْ، ... وتقَطَّعت بعدَ الكَلالِ خِدامُها
تَغَالَى لَحْمُها أَي ارْتفَع وصارَ عَلَى رُؤوس العِظام، وَرَوَاهُ ثَعْلَبٌ بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ. والغُلَوَاءُ: الغُلُوُّ. وغَلْوَى: اسمُ فرَسٍ مَشْهورَةٍ. وغَلَتِ القِدرُ والجَرَّةُ تَغْلِي غَلْياً وغَلَيَاناً وأَغْلاها وغَلَّاها، وَلَا يُقَالُ غَلِيتْ؛ قَالَ أَبو الأَسود الدُّؤَلى:
ولا أَقولُ لِقدرِ القَوْمِ: قدْ غَلِيتْ، ... وَلَا أَقولُ لبابِ الدَّارِ: مَغْلُوقُ
أَي أَني فَصِيح لَا أَلْحَنُ. ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَفِي بعْضِ كلامِ الأَوائِلِ أَنَّ مَاءً وغَلِّه، قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ: أُزَّ مَاءً وغَلِّه. والغَالِيَةُ مِنَ الطِّيب: مَعْرُوفَةٌ وَقَدْ تَغَلَّى بِهَا؛ عَنْ ثَعْلَبٍ، وغَلَّى غَيرَه. يُقَالُ: إنَّ أَولَ منْ سَمَّاها بِذَلِكَ سليمانُ بنُ عبدِ المَلكِ، وَيُقَالُ مِنْهَا تَغَلَّلتُ وتَغَلَّفْتُ وتَغَلَّيْت، كُلُّهُ مِنَ الْغَالِيَةِ. وَقَالَ أَبو نَصْرٍ: سَأَلْتُ الأَصمعي هَلْ يَجُوزُ تغَلَّلت؟ فَقَالَ: إنْ أَرَدْتَ أَنَّكَ أَدْخَلْتَه فِي لِحْيَتِك أَوْ شارِبك فجائِزٌ. والغَلْوَى: الْغَالِيَةُ فِي قَوْلِ عَديّ ابن زَيْدٍ:
يَنْفَحُ مِنْ أَرْدانِها المِسْكُ والعَنْبَرُ ... والغَلْوَى ولُبْنى قَفُوص
وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا: كنتُ أُغَلِّفُ لِحْيَةَ رسولِ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بالغالِيةِ
؛ قَالَ: هُوَ نوعٌ مِنَ الطِّيب مُرَكَّبٌ مِنْ مِسْكٍ وعَنْبَرٍ وعُودٍ ودُهْنٍ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، والتَّغلُّف بها التَّلَطُّخ.
غما: ابْنُ دُرَيْدٍ: غَما البيتَ يَغْمُوه غَمْواً ويَغْمِيهِ غَمْياً إِذَا غَطَّاه، وَقِيلَ: إِذَا غَطَّاه بالطِّين وَالْخَشَبِ. والغُّمَا: سَقْفُ الْبَيْتِ، وتَثنيته غَمَوَان وغَمَيان، وَهُوَ الغِماءُ أَيضاً، وَالْكَلِمَةُ وَاوِيَّةٌ ويائيَّة. وغُمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ وأُغْمِيَ عَلَيْهِ: غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفاقَ. وَفِي التَّهْذِيبِ: أُغْمِيَ عَلَى فُلَانٍ إِذَا ظُنَّ أَنه ماتَ ثُمَّ يَرْجِع حَيًّا. ورجلٌ غَمًى: مُغْمًى عَلَيْهِ: وَامْرَأَةٌ غَمًى كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ والجمعُ وَالْمُؤَنَّثُ لأَنه مصدرٌ، وَقَدْ ثَنَّاه بَعْضُهُمْ وجَمعه فَقَالَ: رَجُلَانِ غَمَيان وَرِجَالٌ أَغْمَاء. وَفِي التَّهْذِيبِ: غَمَيَانِ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ. وَيُقَالُ:
(15/134)

تَرَكْتُ فُلَانًا غَمًى، مقصورٌ مِثْلُ قَفًى أَي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَي ذَا غَمًى لأَنه مَصْدَرٌ. يُقَالُ: غُمِيَ عَلَيْهِ غَمًى وأُغْمِيَ عَلَيْهِ إغْمَاءً، وأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ، وغُمِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ عَلَى مَفْعُولٍ. أَبو بَكْرٍ: رَجُلٌ غَمًى للمُشْرِف عَلَى الْمَوْتِ، وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع، ورجالٌ غَمًى وَامْرَأَةٌ غَمًى. وأُغْمِيَ عَلَيْهِ الخَبَرُ أَي استَعْجَمَ مثلُ غُمَّ. التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ رجلٌ غَمًى وَرَجُلَانِ غَمَيانِ إِذَا أَصابَه مرَضٌ؛ وأَنشد:
فَرَاحُوا بيَحْبُورٍ تَشِفُّ لِحاهُمُ ... غَمًى، بَيْنَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ وهائِعِ
قَالَ: يَحْبورٌ رجلٌ ناعِم، تَشِفّ: تَحَرَّكُ. الْفَرَّاءُ: تَركْتُهم غَمًى لَا يَتَحرَّكون كأَنَّهم قَدْ سَكَنُوا. وَقَالَ: غَمًى الْبَيْتِ فقَصر، وَقَالَ: أَقرب لَهَا وأَبعد إِذَا تكلَّمْت بكلمةٍ وتَكلَّم الآخرُ بِكَلِمَةٍ، قَالَ: أَنا أَقْرَبُ لَهَا مِنْكَ أَي أَنا أَقْرَبُ إِلَى الصوابِ مِنْكَ. والغَمَى: سَقْفُ البيتِ، فَإِذَا كسَرْتَ الغينَ مَدَدْت، وَقِيلَ: الغَمَى القَصَب وَمَا فَوقَ السَّقْفِ مِنَ التُّرابِ وَمَا أَشْبَهه، وَالتَّثْنِيَةُ غَمَيان وغَمَوان؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، قَالَ: وَالْجَمْعُ أَغْمِيَةٌ، وَهُوَ شاذٌ، وَنَظِيرُهُ نَدًى وأَنْدِيةٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَغْمِيَةً جمعُ غِمَاءٍ كرِداءٍ وأَرْدِيةٍ، وأَن جَمْعَ غَمًى إِنَّمَا هُوَ أَغْمَاءٌ كنَقًى وأَنْقاءٍ. وَقَدْ غَمَيْت البيتَ وغَمَّيْته إِذَا سقفْتَه. ابْنُ دُرَيْدٍ: وغَمَى البيتِ مَا غَمَّى عَلَيْهِ أَي غَطَّى؛ وَقَالَ الْجَعْدِيُّ يَصِفُ ثَوْرًا فِي كِناسِه:
مُنَكِّب رَوْقَيْه الكِناسَ كَأَنَّهُ ... مُغَشًّى غَمًى إِلَّا إِذَا مَا تَنَشَّرا
قَالَ: تَنَشَّر خَرَجَ مِنْ كِنَاسِهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: غَمَى كُلِّ شيءٍ أَعلاه. والغَمَى أَيضاً: مَا غُطِّي بِهِ الفرسُ ليَعْرَقَ؛ قَالَ غَيْلانُ الرَّبَعي يَصِفُ فَرَسًا:
مُداخَلًا فِي طِوَلٍ وأَغْمَاءْ
وأُغْمِيَ يومُنا: دامَ غَيْمُه. وأُغْمِيَتْ ليلَتُنا: غُمَّ هلالُها، ولَيْلَة مُغْمَاةٌ. وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ:
فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكمْ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فَإِنْ غُمِّي عَلَيْكُمْ.
يُقَالُ: أُغْمِيَ عَلينا الهِلالُ وغُمِّيَ، فَهُوَ مُغْمىً ومُغَمّىً إِذَا حالَ دونَ رُؤْيته غَيمٌ أَو قَتَرَة، كما يقال عَلَيْنَا. وَفِي السَّماء غَمًى وغَمْيٌ إِذَا غُمَّ عَلَيْهِمُ الهِلالُ، وَلَيْسَ مِنْ لفظِ غُمَّ. الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ صُمْنا للِغُمَّى وللْغَمَّى، بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، أَيْ صُمنا مِنْ غَيْرِ رُؤيةِ إِذَا غُمَّ علَيهم الْهِلَالُ، وأَصلُ التَّغْمِيَة الستْرُ والتَّغْطِيَة؛ وَمِنْهُ أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ إِذَا أُغْشِيَ عَلَيْهِ، كأَنَّ المَرَضَ سَتَر عَقْلَه وغَطَّاه، وَهِيَ لَيْلَةُ الغُمَّى؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
لَيْلَة غُمَّى طامِس هِلالُها ... أَوْغَلْتُها ومُكْرَةٌ إيغالُها
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا الْفَصْلُ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ هَاهُنَا، وحقُّ هَذَا الْفَصْلِ أَن يُذْكَرَ فِي فَصْلِ غَمَمَ لَا فِي فَصْلِ غَمى لأَنه مِنْ غُمَّ علَيهم الهلالُ. التَّهْذِيبُ: وَفِي الحديث
فإن غُمِّيَ علَيكُم
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
فَإِنْ غُمَّ علَيْكُمْ فأَكْمِلوا العِدَّةَ
، وَالْمَعْنَى واحدٌ. يُقَالُ: غُمَّ علَينا الهِلالُ فَهُوَ مَغْمُومٌ، وأُغْمِيَ فَهُوَ مُغْمًى. وَكَانَ عَلَى السَّمَاءِ غَمْيٌ، مِثْلُ غَشْيٍ، وغَمٌّ، فحالَ دونَ رُؤيَة الهلالِ.
غنا: فِي أَسْماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الغَنِيُّ. ابْنُ الأَثير: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتاجُ إِلَى أَحدٍ فِي شيءٍ وكلُّ أَحَدٍ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الغِنى المُطْلَق وَلَا يُشارِك
(15/135)

اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ غيرُهُ. وَمِنْ أَسمائه المُغْنِي، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي يُغني مَنْ يشاءُ مِنْ عِباده. ابْنُ سِيدَهْ: الغِنَى، مقصورٌ، ضدُّ الفَقْر، فَإِذَا فُتِح مُدَّ؛ فأَما قَوْلُهُ:
سَيُغْنِيني الَّذِي أَغْنَاكَ عَنِّي، ... فَلَا فَقْرٌ يدُومُ وَلَا غِناءٌ
فَإِنَّهُ: يُروى بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ أَراد مصدَرَ غَانَيْت، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْفَتْحِ أَراد الغِنى نَفْسه؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: إِنَّمَا وَجْهُه وَلَا غَناء لأَن الغَناء غيرُ خارجٍ عَنْ مَعْنَى الغِنى؛ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَنشده مَنْ يُوثَقُ بعِلْمِه. وَفِي الْحَدِيثِ:
خيرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى
، وَفِي رِوَايَةٍ:
مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى
أَي مَا فَضَل عَنْ قُوت الْعِيَالِ وكِفايتِهِمْ، فَإِذَا أَعْطَيْتَها غَيْرَك أَبْقَيْتَ بعدَها لكَ ولهُم غِنًى، وَكَانَتْ عَنِ اسْتِغْناءٍ منكَ، ومِنْهُم عَنْها، وَقِيلَ: خيرُ الصَّدَقَة مَا أَغْنَيْتَ بِهِ مَن أَعْطَيْته عَنِ المسأَلة؛ قَالَ: ظَاهِرُ هَذَا الكلامِ أَنه مَا أَغْنى عَنِ المَسْأَلة فِي وقْتِه أَو يَوْمِه، وأَما أَخْذُه عَلَى الإِطلاق فَفِيهِ مَشقَّة للعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ:
رجلٌ رَبَطها تَغَنِّياً وتَعَفُّفًا
أَي اسْتَغْناءً بِهَا عَنِ الطَّلب مِنَ النَّاسِ. وَفِي حَدِيثِ الجُمعة:
مَن اسْتَغْنَى بلَهْوٍ أَو تِجارةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ، واللهُ غَنِيٌّ حَمِيد
، أَي اطَّرَحَه اللهُ ورَمَى بِهِ مِنْ عَيْنه فِعْلَ مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الشَّيْءِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: جَزاهُ جَزاءَ اسْتِغْنائه عَنْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. وَقَدْ غَنِيَ بِهِ عَنْهُ غُنْيَة وأَغْناه اللَّهُ. وَقَدْ غَنِيَ غِنىً واسْتَغْنَى واغْتَنَى وتَغَانَى وتَغَنَّى فَهُوَ غَنِيٌّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: كَانَ سفيانُ بنُ عُيَيْنة يَقُولُ ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَغنِ بِالْقُرْآنِ عَنْ غيرِه وَلَمْ يَذْهَبْ بِهِ إِلَى الصَّوْتِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهَذَا جائزٌ فَاشٍ فِي كلام العرب، ويقول: تَغَنَّيْت تَغَنِّياً بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْت وتَغانَيْتُ تَغانِياً أَيضاً؛ قَالَ الأَعشى:
وكُنْتُ امْرَأً زَمَناً بالعِراق، ... عَفِيفَ المُناخِ طَويلَ التَّغَنْ
يُرِيدُ الاسْتِغْناءَ، وَقِيلَ: أَرادَ مَنْ لَمْ يَجْهَر بِالْقِرَاءَةِ. قَالَ الأَزهري: وأَما الْحَدِيثُ الْآخَرُ
مَا أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأَذَنِه لنَبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآنِ يَجْهَرُ بِهِ
، قَالَ: فإنَّ عبدَ الملِك أَخْبرني عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنه قَالَ مَعْنَاهُ تَحْسِينُ القِراءةِ وتَرْقِيقُها، قَالَ: وَمِمَّا يُحَقّقُ ذَلِكَ الحديثُ الآخرُ
زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ
، قَالَ: ونحوَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ؛ وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: الَّذِي حَصَّلْناه مِنْ حُفَّاظ اللُّغَةِ فِي
قَوْلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كأَذَنِه لِنَبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآنِ
، أَنه عَلَى مَعْنَيَيْنِ: عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ، وَعَلَى التَّطْرِيبِ؛ قَالَ الأَزهري: فَمَنْ ذهَب بِهِ إِلَى الِاسْتِغْنَاءِ فَهُوَ مِنَ الغِنَى، مقصورٌ، وَمَنْ ذهَب بِهِ إِلَى التَّطْرِيبِ فَهُوَ مِنَ الغِنَاء الصَّوْتِ، ممدودٌ. الأَصمعي فِي الْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ: الغِنَى مِنَ الْمَالِ مقصورٌ، وَمِنَ السَّماعِ مَمْدُودٌ، وكلُّ مَنْ رَفَع صوتَه ووَالاهُ فصَوْتُه عِنْدَ الْعَرَبِ غِناءٌ. والغَنَاءُ، بالفتح: النَّفْعُ. والغِناء، بِالْكَسْرِ: مِنَ السَّماع. والغِنَى، مقصورٌ: اليَسارُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: كَانَتِ الْعَرَبُ تتَغَنَّى بالرُّكْبانيِّ، «3» إِذَا رَكِبَت الإِبلَ، وَإِذَا جَلَست فِي الأَفْنِية وَعَلَى أَكثر أَحوالها، فلمَّا نَزَلَ القرآنُ أَحبَّ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَن يَكُونَ هِجِّيرَاهُم بِالْقُرْآنِ
__________
(3). قوله [الركباني] في هامش نسخة من النهاية: هو نشيد بالمد والتمطيط يعني لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يضع القرآن موضع الركباني في اللهج به والطرب عليه.
(15/136)

مكانَ التَّغَنِّي بالرُّكْبانيِّ، وأَوَّلُ مَن قرَأَ بالأَلحانِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكْرة، فَوَرِثَه عَنْهُ عَبَيْدُ اللَّهِ بنُ عُمر، وَلِذَلِكَ يُقَالُ قرأْتُ العُمَرِيَّ، وأَخَذ ذَلِكَ عَنْهُ سعيدٌ العَلَّافُ الإِباضيُّ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَعِنْدِي جارِيتان تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ
أَي تُنْشِدانِ الأَشعارَ الَّتِي قيلَتْ يومَ بُعاث، وَهُوَ حربٌ كَانَتْ بَيْنَ الأَنصار، وَلَمْ تُرِدِ الغِناء المعروفَ بَيْنَ أَهلِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، وَقَدْ رَخَّصَ
عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي غناءِ الأَعرابِ وَهُوَ صوتٌ كالحُداءِ.
واسْتَغْنَى اللهَ: سأَله أَن يُغْنِيهَ؛ عَنِ الهَجَري، قَالَ: وَفِي الدُّعَاءِ
اللهمَّ إِنِّي أَسْتَغْنِيكَ عَنْ كلِّ حازِمٍ، وأَسْتَعِينُك عَلَى كلِّ ظالِمٍ.
وأَغْناهُ اللهُ وغَنَّاه، وَقِيلَ: غَنَّاه فِي الدُّعَاءِ وأَغْناه فِي الْخَبَرِ، وَالِاسْمُ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الشَّيْءِ الغُنْيَة والغُنْوة والغِنْية والغُنْيانُ. وتَغانُوا أَي اسْتَغْنَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ؛ قَالَ المُغيرة بْنُ حَبْناء التَّميمي.
كِلانا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيه حَياتَه، ... ونَحْنُ إِذَا مُتْنا أَشَدُّ تَغَانِيَا
واسْتَغْنَى الرجلُ: أَصابَ غِنًى. أَبو عُبَيْدٍ: أَغْنَى اللهُ الرجلَ حَتَّى غَنِيَ غِنًى أَي صَارَ لَهُ مالٌ، وأَقناه اللهُ حَتَّى قَنِيَ قِنًى وَهُوَ أَن يَصيرَ لَهُ قِنيةٌ مِنَ الْمَالِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ غُلاماً لأُناسٍ فُقَراء قَطَع أُذُنَ غُلامٍ لأَغْنِياءَ، فأَتَى أَهلُه النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يَجْعَلْ عليه شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ الأَثير: قَالَ الخطَّابي كانَ الغلامُ الْجَانِي حُرًّا وَكَانَتْ جِنايتُه خَطَأً وَكَانَتْ عاقِلَتُه فقراءَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لفَقْرِهم. قَالَ: ويُشْبِه أَن يَكُونَ الغلامُ المَجْنيّ عَلَيْهِ حُرًّا أَيضاً، لأَنه لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لاعتذارِ أَهلِ الْجَانِي بالفَقْرِ مَعْنًى، لأَن الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا لَا تحْمِلُ عَمْداً وَلَا اعْتِرَافًا، فَأَمَّا المَمْلوك إِذَا جنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فجنايَتُه فِي رَقَبَتِه، وللفُقهاء فِي اسْتِيفائها مِنْهُ خلافٌ؛ وَقَوْلُ أَبِي المُثَلّم:
لَعَمْرُكَ والمَنايا غالِياتٌ، ... وَمَا تُغْنِي التَّمِيماتُ الحِمامَا»
أَرَادَ مِنَ الحِمامِ، فحذَفَ وعَدَّى. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَما مَا أُثِرَ مِنْ أَنه قيلَ لابْنةِ الخُسِّ مَا مِائةٌ مِنَ الضأْنِ فَقَالَتْ غِنَى، فرُوِي لِي أَن بعضَهم قَالَ: الغِنَى اسمُ المِائةِ مِنَ الغَنمِ، قَالَ: وَهَذَا غيرُ معروفٍ فِي موضوعِ اللغةِ، وَإِنَّمَا أَرادَتْ أَن ذَلِكَ العدَدَ غِنًى لمالِكِه كَمَا قِيلَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا مِائةٌ مِنَ الإِبلِ فَقَالَتْ مُنى، فَقِيلَ لَهَا: وَمَا مِائة مِنَ الْخَيْلِ؟ فَقَالَتْ: لَا تُرَى؛ فمُنى وَلَا تُرَى لَيْسَا باسمَين لِلْمِائَةِ مِنَ الإِبلِ والمِائةِ مِنَ الخَيْلِ، وكتَسْمِية أَبِي النَّجْم فِي بعضِ شعْره الحِرْباء بالشقِيِّ، وَلَيْسَ الشَّقِيُّ باسمٍ للحِرْباء، وَإِنَّمَا سمَّاه بِهِ لمكابَدَتِه للشمسِ واستِقبالِه لَهَا، وَهَذَا النحوُ كثيرٌ. والغَنِيُّ والغَانِي: ذُو الوَفْرِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي لعَقِيل بْنِ عُلَّفة قَالَ:
أَرى المالَ يَغْشَى ذَا الوُصُومِ فَلَا تُرى، ... ويُدْعى مِنَ الأَشرافِ مَن كَانَ غَانِيا
وقال طَرَفَةُ:
وَإِنْ كنتَ عَنْهَا غَانِياً فاغْنَ وازْدَدِ
وَرَجُلٌ غانٍ عَنْ كَذَا أَي مُسْتَغْنٍ، وَقَدْ غَنِيَ عَنْهُ. وَمَا لَك عَنْهُ غِنًى وَلَا غُنْيَةٌ وَلَا غُنْيانٌ وَلَا مَغْنًى أَي مَا لَكَ عنهُ بُدٌّ. وَيُقَالُ: مَا يُغْنِي عَنْكَ هَذَا أي
__________
(1). قوله [غاليات] هو هكذا في المحكم بالمثناة.
(15/137)

مَا يُجْزِئُ عَنْكَ وَمَا يَنْفَعُك. وَقَالَ فِي مُعْتَلِّ الأَلف: لِي عَنْهُ غُنْوَةٌ أَي غِنًى؛ حَكَاهُ اللِّحْيَانِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَالْمَعْرُوفِ غُنْيَة. والغانِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي غَنِيَتْ بالزَّوْج؛ وَقَالَ جَمِيلٌ:
أُحبُّ الأَيامى: إذْ بُثَيْنَةُ أَيِّمٌ، ... وأَحْبَبْتُ لمَّا أَن غَنِيتِ الغَوَانِيَا
وغَنِيَت المرأةُ بزَوْجِها غُنْيَاناً أَي اسْتَغْنَتْ، قَالَ قَيْسُ بنُ الخَطيم:
أَجَدَّ بعَمْرة غُنْيَانُها، ... فتَهْجُرَ أَمْ شانُنا شانُها؟
والغَانِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الشابَّة المُتَزَوّجة، وجمعُها غَوَانٍ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لنُصَيْب: فهَل تَعُودَنْ لَيالينا بِذِي سَلمٍ، كَمَا بَدَأْنَ، وأَيّامي بِهَا الأُوَلُ أَيّامُ لَيلى كعابٌ غيرُ غانِيَةٍ، وأَنتَ أَمْرَدُ معروفٌ لَك الغَزَلُ والغَانِيَة: الَّتِي غَنِيَتْ بحُسْنِها وَجَمَالِهَا عَنِ الحَلْي، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُطْلَب وَلَا تَطْلُب، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي غَنِيَتْ ببَيْتِ أَبَويْها وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا سِباءٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذِهِ أَعْزَبُها؛ وَهِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّي، وَقِيلَ: هِيَ الشابَّة العَفيفة، كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَو لَمْ يكُنْ. الْفَرَّاءُ: الأَغْنَاءُ إملاكاتُ العَرائسِ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الغِنَى التَّزْويجُ، والعَرَبُ تَقُولُ: الغِنَى حِصْنُ العَزَب أَي التَّزْويجُ. أَبو عُبَيْدَةَ: الغَوَانِي ذواتُ الأَزْواج؛ وأَنشد:
أَزْمانُ لَيْلَى كعابٌ غيرُ غَانِيَةٍ
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْ عِمَارَةَ: الغَوَانِي الشَّوابُّ اللَّواتي يُعْجِبْنَ الرجالَ ويُعْجِبُهُنَّ الشُّبَّانُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الغَانِيَة الجاريَةُ الحَسْناءُ، ذاتَ زوْج كَانَتْ أَو غيرَ ذاتِ زَوْج، سميِّتْ غانِيَة لأَنها غَنِيَتْ بحُسْنِها عَنِ الزينَة. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: كلُّ امْرأَة غَانِيَةٌ، وَجَمْعُهَا الغَوَانِي؛ وأَما قَوْلُ ابنِ قَيْسِ الرُّقَيَّات:
لَا بارَكَ اللهُ فِي الغَوَانِي، هَلْ ... يُصْبِحْنَ إلَّا لَهُنَّ مُطَّلَب؟
فَإِنَّمَا حرَّك الياءَ بالكَسْرة للضَّرُورة ورَدَّه إِلَى أَصْله، وجائزٌ فِي الشِّعْرِ أَن يُرَدَّ الشيءُ إِلَى أَصْله؛ وَقَوْلُهُ
وأَخُو الغَوَانِ مَتَى يَشأْ يَصْرِمْنَهُ، ... ويَعُدْنَ أَعْداءً بُعَيْدَ ودادِ
إِنَّمَا أَراد الغَوَانِي، فحذَف الْيَاءَ تَشْبِيهَا لِلام المَعْرفة بِالتَّنْوِينِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الأَشياءُ مِنْ خَواصِّ الأَسماء، فحذَفَ الياءَ لأَجل اللَّامِ كَمَا تحذِفها لأَجل التَّنْوِينِ؛ وَقَوْلُ المثَقّب العَبْدي:
هَلْ عندَ غانٍ لفُؤادٍ صَدِ، ... مِنْ نَهْلَةٍ فِي اليَوْمِ أَوْ فِي غَدِ؟
إِنَّمَا أَراد غانِيَةٍ فذَكّرَ عَلَى إِرَادَةِ الشَّخْصِ، وَقَدْ غَنِيَتْ غِنًى. وأَغْنَى عَنْهُ غَنَاء فلانٍ ومَغْناه ومَغْنَاتَه ومُغْناهُ ومُغْنَاتَه: نابَ عَنْهُ وأَجْزَأَ عَنْهُ مُجْزَأَه. والغَنَاءُ، بالفتح: النَّفْعُ. والغَنَاءُ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ ممدودٌ: الإِجْزاءُ والكفايَة. يُقَالُ: رَجُلٌ مُغْنٍ أَي مُجْزئٌ كافٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الغَنَاءُ مصدرُ أَغْنَى عنْكَ أَي كَفاكَ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ مِثْلُ قَوْلِهِ:
وبعْدَ عَطائِك المائَةَ الرِّتاعا
وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ: أَنّ عَلِيّاً، رَضِيَ اللَّهُ عنهُما، بَعث إِلَيْهِ بصَحيفة فَقَالَ لِلرَّسُولِ أَغْنِها عَنَّا
أَي
(15/138)

اصْرفْها وكُفَّها، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
؛ أَي يَكُفُّه ويَكْفِيه. يُقَالُ: أَغْنِ عَني شَرَّكَ أَي اصْرِفْه وكُفَّهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
؛ وَحَدِيثُ
ابْنُ مَسْعُودٍ: وأَنا لَا أُغْنِي لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَة
أَي لَوْ كَانَ مَعِي مَنْ يَمْنَعُني لكَفَيْت شَرَّهم وصَرَفْتُهم. وَمَا فِيهِ غَنَاءُ ذَلِكَ أَي إقامَتُه والاضْطلاعُ بِهِ. وغَنِيَ بِهِ أَي عَاشَ. وغَنِيَ القومُ بالدارِ غِنىً: أَقاموا. وغَنِيَ بِالْمَكَانِ: أَقامَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: تَقُولُ غَنِيَ بالمكانِ مَغْنىً وغَنِيَ القومُ فِي دِيارِهم إِذا طالَ مُقامُهم فِيهَا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا*
، أَي لَمْ يُقِيموا فِيهَا، وَقَالَ مهَلْهِل:
غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ فِي الدَّهْر، ... وَفِيهَا بَنو مَعَدّ حُلُولا
وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ لِلشَّيْءِ إِذا فَنِيَ كأَنْ لَمْ يَغْنَ بالأَمْسِ أَي كأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: ورَجلٌ سَمَّاهُ الناسُ عالِماً وَلَمْ يَغْنَ فِي العِلْمِ يَوْماً سالِماً
أَي لَمْ يَلْبَثْ فِي أَخْذ العِلْمِ يَوْماً تَامًّا، مِنْ قَوْلِكَ غَنِيتُ بالمَكان أَغْنَى إِذا أَقَمْتَ بِهِ. والمَغَانِي: المنازِلُ الَّتِي كَانَ بِهَا أَهْلُوها، واحِدُها مَغْنىً، وَقِيلَ: المَغْنَى المَنْزِلُ الَّذِي غَنِيَ بِهِ أَهْلُه ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهُ. وغَنِيتُ لَكَ مِنِّي بالبِرِّ والمَوَدَّة أَي بَقِيتُ. وغَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ أَي كَانَتْ دارُنا تِهامة، وأَنشد لمُهَلْهِل: غَنِيَتْ دارنُا أَي كَانَتْ، وَقَالَ تَمِيمُ بنُ مُقْبلٍ:
أَأُمَّ تَمِيمٍ، إِنْ تَرَيْني عَدُوَّكُم ... وبَيْتي فَقَدْ أَغْنى الحبيبَ المُصافِيا
أَي أَكونُ الحَبيبَ. الأَزهري: وسمِعْت رجُلًا مِنَ الْعَرَبِ يُبَكِّتُ خَادِمًا لَهُ يَقُولُ أَغْنِ عَنِّي وجهَكَ بَلْ شَرَّك بِمَعْنَى اكْفِني شَرَّك وكُفَّ عَنِّي شَرَّك، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
، يَقُولُ: يَكْفِيه شُغْلُ نفسِه عَنْ شُغْلِ غَيْرِهِ. والمَغْنَى: واحدُ المَغَانِي وَهِيَ المواضعُ الَّتِي كَانَ بِهَا أَهْلُوها. والغِنَاءُ مِنَ الصَّوتِ: مَا طُرِّبَ بِهِ، قَالَ حُمَيْد بْنُ ثَوْرٍ:
عَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يكونُ غِنَاؤها ... فَصِيحاً، وَلَمْ تَفْغَرْ بمَنْطِقِها فَما
وَقَدْ غَنَّى بِالشِّعْرِ وتَغَنَّى بِهِ، قَالَ:
تَغَنَّ بالشِّعْرِ، إِمّا كنتَ قائِلَه، ... إِنَّ الغِناءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمارُ
أَراد إِنَّ التَّغَنِّيَ، فوَضَع الِاسْمَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ. وغَنَّاه بالشِّعْرِ وغَنَّاه إِيَّاه. وَيُقَالُ: غَنَّى فلانٌ يُغَنِّي أُغْنِيَّة وتَغَنَّى بأُغْنِيَّة حَسَنة، وَجَمْعُهَا الأَغانِي، فأَمَّا مَا أَنشده ابْنُ الأَعرابي مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
ثُمَّ بَدَتْ تَنْبِضُ أَحْرادُها، ... إِنْ مُتَغَنَّاةً وإِنْ حادِيَهْ
فإِنه أَرادَ إِنْ مُتَغَنِّيَةً، فأَبدلَ الياءَ أَلِفاً كَمَا قَالُوا الناصاةُ فِي الناصِية، والقاراةُ فِي القارِيةِ. وغَنَّى بالمرأَة: تَغَزَّلَ بِهَا. وغَنَّاهُ بِهَا: ذَكَّرهُ إِيّاها فِي شِعْرٍ، قَالَ:
أَلا غَنِّنا بالزَّاهِريَّة، إِنَّني ... عَلَى النَّأْيِ مِمَّا أَن أُلِمَّ بِهَا ذِكْرَا
وبَيْنَهم أُغنِيَة «2» وإِغْنِيَةٌ يَتَغَنَّون بِهَا أَي نَوعٌ من
__________
(2). 1 قوله «وبينهم أُغْنِية إلخ» في القاموس: وبينهم أُغْنِيَّة كأُثْفِيَّةِ، ويخفف ويكسران.
(15/139)

الغِناء، وَلَيْسَتِ الأُولى بِقَوِيَّةٍ إِذ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ أُفْعُلة إِلا أُسْنُمة، فِيمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ، وَالْجَمْعُ الأَغَانِي. وغَنَّى وتَغَنَّى بِمَعْنًى. وغَنَّى بالرجُلِ وتَغَنَّى بِهِ: مَدَحَه أَو هَجاهُ. وَفِي الْخَبَرِ:
أَنَّ بعضَ بَنِي كُلَيْب قَالَ لِجَرِيرٍ هَذَا غَسَّانُ السَّلِيطِي يَتَغَنَّى بِنَا
أَي يَهْجُونا، وَقَالَ جَرِيرٌ:
غَضِبْتُم عَلَيْنَا أَمْ تَغَنَّيْتُم بِنَا، ... أَنِ اخْضَرّ مِنْ بَطْنِ التِّلاعِ غَمِيرُها
وغَنَّيْت الرَّكْبَ بِهِ: ذَكَرْتُه لَهُمْ فِي شِعْرٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنَّ الغَزَل والمَدْحَ والهِجاءَ إِنما يُقَالُ فِي كلِّ واحدٍ مِنْهَا غَنَّيْت وتَغَنَّيت بَعْدَ أَن يُلَحَّن فيُغنَّى بِهِ. وغَنَّى الحمامُ وتَغنَّى: صَوّت. والغَناءُ: رَمْلٌ بعَيْنِه، قَالَ الرَّاعِي:
لَهَا خُصُورٌ وأَعْجازٌ يَنُوءُ بِهَا ... رَمْلُ الغَناءِ، وأَعْلَى متنها رُؤدُ «1»
التَّهْذِيبُ: ورَمْلُ الغَناءِ ممدودٌ «2»، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
تَنَطَّقْنَ مِنْ رمْلِ الغَناءِ وعُلِّقَتْ، ... بأَعْناقِ أُدْمانِ الظِّباءِ، القَلائِدُ
أَي اتَّخَذْن مِنْ رَمْلِ الغَناءِ أَعْجازاً كالكُثْبانِ وكأَنَّ أَعْناقَهُنَّ أَعْناقُ الظِّباء. وَقَالَ الأَصمعي: الغِناءُ موضِعٌ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الرَّاعِي:
رَمْل الغِناء، وأَعْلى مَتْنِها رُؤدُ
والمُغَنِّي: الفَصِيلُ الَّذِي يَصْرِفُ بِنابِه، قَالَ:
يَا أَيُّها الفُصَيِّلُ المُغَنِّي
وغَنِيٌّ: حَيٌّ من غَطَفان.
غنذي: التَّهْذِيبُ: قَالَ أَبو تُرَابٍ سَمِعتُ الضَّبَابِيَّ يَقُولُ إِنَّ فُلانة لتُعَنْذِي بالناسِ وتُغَنْذِي بِهِمْ أَي تُغْرِي بِهِمْ. ودَفَع اللَّهُ عَنْكَ غَنْذَاتَها أَي إِغْراءَها
غوى: الغَيُّ: الضَّلالُ والخَيْبَة. غَوَى، بالفَتح، غَيّاً وغَوِيَ غَوَايَةً؛ الأَخيرة عَنْ أَبي عُبَيْدٍ: ضَلَّ. ورجلٌ غَاوٍ وغَوٍ وغَوِيٌّ وغَيَّان: ضالٌّ، وأَغْواه هُوَ؛ وأَنشد لِلْمُرَقَّشِ:
فمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أَمْرَه ... ومَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائمَا
وَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّة:
وهَلْ أَنا إِلَّا مِنْ غَزِيَّة، إِن غَوَتْ ... غَوَيْتُ، وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّة أَرْشُدِ؟
ابْنُ الأَعرابي: الغَيُّ الفَسادُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: غَوٍ هُوَ اسمُ الفاعِلِ مِنْ غَوِيَ لَا مِنْ غَوَى، وَكَذَلِكَ غَوِيٌّ، وَنَظِيرُهُ رَشَدَ فَهُوَ راشِدٌ ورَشِدَ فَهُوَ رَشِيدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ يُطِع اللهَ ورَسُولَه فقَدْ رَشَد وَمَنْ يَعْصِهما فقَدْ غَوَى
؛ وَفِي حَدِيثِ الإِسراء:
لَوْ أَخَذْت الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُك
أَي ضَلَّت؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
سَيكونُ عَلَيْكم أَئِمَّةٌ إِن أَطَعْتُموهُم غَوَيْتُم
؛ أَي إِنْ أَطاعُوهم فِيمَا يأْمُرُونَهم بِهِ مِنَ الظُّلْم وَالْمَعَاصِي غَوَوْا أَي ضَلّوا. وَفِي حَدِيثِ
مُوسَى وَآدَمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: أَغْوَيْتَ النَّاسَ
أَي خَيَّبْتَهُم؛ يُقَالُ: غَوَى الرجُلُ خابَ وأَغْوَاه غَيْرُه، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
؛ أَي فسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُه، قَالَ: والغَوَّةُ والغَيَّةُ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: غَوَى أَي ترَك النَّهْيَ وأَكلَ مِنَ الشَّجَرة فعُوقِبَ بأَنْ أُخْرِجَ
__________
(1). 1 قوله «رؤد» هو بالهمز في الأصل والحكم والتكملة، وفي ياقوت: رود بالواو.
(2). 2 قوله «ورمل الغناء ممدود» في التهذيب: مفتوح الأول، وَأَنْشَدَ بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ تنطقن إلخ. وفي معجم ياقوت: أنه بكسر الغين، وأنشد البيت على ذلك.
(15/140)

مِنَ الجنَّة. وَقَالَ اللَّيْثُ: مَصْدَرُ غَوَى الغَيُّ، قَالَ: والغَوَايَةُ الانْهِماكُ فِي الغَيِّ. وَيُقَالُ: أَغْوَاه اللَّهُ إِذا أَضلَّه. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
؛ وَحَكَى المُؤَرِّجُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ غَوَاهُ بِمَعْنَى أَغْوَاهُ؛ وأَنشد:
وكائِنْ تَرَى منْ جاهِلٍ بعدَ عِلْمِهِ ... غَوَاهُ الهَوَى جَهْلًا عَنِ الحَقِّ فانْغَوَى
قَالَ الأَزهري: لَوْ كَانَ عَواه الهَوَى بِمَعْنَى لَواهُ وصَرَفه فانْعَوَى كَانَ أَشبَه بكلامِ الْعَرَبِ وأَقرب إِلى الصواب. وقوله تعالى:
فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لهُمْ صِراطَك المُسْتَقِيمَ
؛ قيلَ فِيهِ قَولانِ، قَالَ بَعْضُهُم: فَبما أَضْلَلْتَنِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَبما دَعَوْتَنِي إِلى شيءٍ غَوَيْتُ بِهِ أَي غَوَيْت مِنْ أَجلِ آدَمَ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ أَي عَلَى صِراطِك، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ضُرِبَ زيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ الْمَعْنَى عَلَى الظَّهْرِ والبَطْنِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
؛ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: الْغاوُونَ
الشياطِينُ، وَقِيلَ أَيضاً: الغَاوُونَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى أَنَّ الشاعرَ إِذا هَجَا بِمَا لَا يجوزُ هَوِيَ ذَلِكَ قَوْمٌ وأَحَبُّوه فَهُمُ الغَاوُون، وَكَذَلِكَ إِن مَدَح مَمْدُوحًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ وأَحَبَّ ذَلِكَ قَوْمٌ وتابَعوه فَهُمُ الغَاوُون. وأَرْضٌ مَغْوَاةٌ: مَضَلة. والأُغْوِيَّةُ: المَهْلَكة: والمُغَوَّيَاتُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً، جَمْعُ المُغَوَّاةِ: وَهِيَ حُفْرَةٌ كالزُّبْية تُحْتَفَر للأَسَدِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لمُغَلّس بْنِ لَقِيط:
وإِنْ رَأَياني قَدْ نَجَوْتُ تَبَغَّيَا ... لرِجْلي مُغَوَّاةً هَياماً تُرابُها
وَفِي مَثَلٍ لِلْعَرَبِ: مَن حَفَرَ مُغَوَّاةً أَوْشَكَ أَن يَقَع فِيهَا. ووَقَعَ الناسُ فِي أُغْوِيَّةٍ أَي فِي داهيَة. وَرُوِيَ عَنْ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: إِن قُرَيْشاً تريدُ أَن تكونَ مُغْوِيَاتٍ لِمَالِ اللهِ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَكَذَا رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الْوَاوِ، قَالَ: وأَما الَّذِي تَكَلَّمَت بِهِ الْعَرَبُ فالمُغَوَّياتُ، بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَاحِدَتُهَا مُغَوَّاةٌ، وَهِيَ حُفْرةٌ كالزُّبْية تُحْتَفَرُ للذئْبِ ويجعلُ فِيهَا جَدْيٌ إِذا نَظر الذئبُ إِليه سقَط عَلَيْهِ يريدهُ فيُصادُ، وَمِنْ هَذَا قيلَ لكلِّ مَهْلَكة مُغَوَّاةٌ؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ:
إِلى مُغَوَّاةِ الفَتى بالمِرْصاد
يُرِيدُ إِلى مَهْلَكَتِه ومَنِيَّتِه، وشَبَّهَها بِتِلْكَ المُغَوَّاةِ، قَالَ: وإِنما أَراد عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَن قُرَيْشًا تريدُ أَن تكونَ مهلكَةً لِمالِ اللهِ كإِهلاكِ تِلْكَ المُغَوَّاة لِمَا سَقَطَ فِيهَا أَي تكونَ مصايدَ للمالِ ومَهالِكَ كَتِلْكَ المُغَوَّياتِ. قَالَ أَبو عَمْرٍو: وكلُّ بئرٍ مُغَوَّاةٌ، والمُغَوَّاة فِي بَيْتِ رُؤبة: القَبْرُ. وتَغاوَوْا عَلَيْهِ أَيْ تَعاوَنُوا عَلَيْهِ فقَتَلُوه وتَغاوَوْا عليه: جاؤوه مِنْ هُنا وهُنا وإِن لَمْ يَقْتُلُوه. والتَّغَاوِي: التَّجَمُّع والتَّعاوُن عَلَى الشَّرِّ، وأَصلُه مِنَ الغَواية أَو الغَيِّ؛ يُبَيِّن ذَلِكَ شِعْرٌ لأُخْتِ المنذِرِ بنِ عَمْرٍو الأَنصارِيّ قالَتْه فِي أَخيها حِينَ قَتَله الْكُفَّارُ:
تَغَاوَتْ عَلَيْهِ ذِئابُ الحِجاز ... بَنُو بُهْثَةٍ وبَنُو جَعْفَرِ
وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقتْلَته قَالَ: فتَغَاوَوْا واللهِ عَلَيْهِ حَتَّى قَتلوه
أَي تَجَمَّعوا. والتَّغَاوِي: التَّعاوُنُ فِي الشَّرِّ، وَيُقَالُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ المسلِم قاتِل المشرِكِ الَّذِي كَانَ يَسُبُّ النبيَّ، صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ،
فتَغَاوَى الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ
، وَيُرْوَى بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ،
(15/141)

قَالَ: وَالْهَرَوِيُّ ذكرَ مَقْتَل عثمانَ فِي الْمُعْجَمَةِ وَهَذَا فِي الْمُهْمَلَةِ. أَبو زَيْدٍ: وقَع فُلَانٌ فِي أُغْوِيَّة وَفِي وامِئة أَي فِي دَاهِيَةٍ. الأَصمعي: إِذَا كَانَتِ الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الشَّيْءِ قِيلَ هِيَ تَغَايَا عَلَيْهِ وَهِيَ تَسُومُ عَلَيْهِ، وَقَالَ شَمِرٌ: تَغَايَا وتَغَاوَى بِمَعْنًى واحدٍ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
وإنْ تَغَاوَى باهِلًا أَو انْعَكَرْ ... تَغَاوِيَ العِقْبانِ يَمْزِقْنَ الجَزَرْ
قَالَ: والتَّغَاوِي الارتقاءُ والانْحِدارُ كأَنه شيءٌ بعضُه فوْق بعضٍ، والعِقْبانُ: جَمْعُ العُقابِ، والجَزَرُ: اللحْمُ. وغَوِيَ الفصيلُ والسَّخْلَة يَغْوِي غَوىً فَهُوَ غَوٍ: بَشِمَ مِنَ اللبنِ وفَسَدَ جَوْفُه، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُمْنَع مِنَ الرَّضاعِ فَلَا يَرْوى حَتَّى يُهْزَل ويَضُرَّ بِهِ الجوعُ وتَسُوءَ حالُه ويموتَ هُزالًا أَو يكادَ يَهْلِكُ؛ قَالَ يَصِفُ قَوْسًا:
مُعَطَّفَة الأَثْناء لَيْسَ فَصِيلُها ... بِرازِئِها دَرّاً وَلَا مَيِّت غَوَى
وَهُوَ مصدرٌ يَعْنِي القوسَ وسَهْماً رَمَى بِهِ عَنْهَا، وَهَذَا مِنَ اللُّغَزِ. والغَوَى: البَشَمُ، وَيُقَالُ: العَطَش، وَيُقَالُ: هُوَ الدَّقى؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: غَوِيَ الفَصِيلُ يَغْوَى غَوىً إِذَا لَمْ يُصِبْ رِيّاً مِنَ اللَّبن حَتَّى كَادَ يَهْلِك، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ غَوَيتُ أَغْوَى وَلَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: غَوِيَ الصبيُّ والفَصِيلُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ اللَّبَنِ إلَّا عُلْقَةً، فلَا يَرْوَى وتَراهُ مُحْثَلًا، قَالَ شَمِرٌ: وَهَذَا هُوَ الصحيح عند أَصحابنا. والجوهري: والغَوَى مصدرُ قولِكَ: غَوِيَ الفَصِيلُ والسَّخْلَة، بِالْكَسْرِ، يَغْوَى غَوىً، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ أَنْ لَا يَرْوى مِنْ لِبَإِ أُمّه وَلَا يَرْوى مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى يموتَ هُزالًا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الظَّاهِرُ فِي هَذَا الْبَيْتِ قولُ ابْنِ السِّكِّيتِ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَن الغَوَى البَشَم مِنَ اللَّبَن. وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب يُقَالُ: بتُّ مُغْوًى وغَوًى وغَوِيّاً وقاوِياً وقَوًى وقَويّاً ومُقْوِياً إِذَا بِتَّ مُخْلِياً مُوحِشاً. وَيُقَالُ رأَيته غَوِيّاً مِنَ الْجُوعِ وقَويّاً وَضوِيّاً وطَوِيّاً إِذَا كَانَ جائِعاً؛ وَقَوْلُ أَبي وَجْزَةَ:
حتَّى إِذَا جَنَّ أَغْوَاءُ الظَّلامِ لَهُ ... مِنْ فَوْرِ نَجْمٍ مِنَ الجَوزاء مُلْتَهِبِ
أَغْوَاءُ الظَّلام: مَا سَتَرَكَ بسَوادِهِ، وَهُوَ لِغَيَّة ولِغِيَّة أَي لزَنْيَةٍ، وَهُوَ نَقِيضُ قَوْلِكَ لِرَشْدَةٍ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الْكَسْرُ فِي غِيَّةٍ قليلٌ. والغَاوِي: الجَرادُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: إِذَا أَخْصَبَ الزمانُ جَاءَ الغَاوِي وَالْهَاوِي؛ الْهَاوِي: الذئبُ. والغَوْغَاء: الجَرادُ إِذَا احْمَرَّ وانْسَلَخ مِنَ الأَلْوان كلِّها وبَدَتْ أَجنِحتُه بَعْدَ الدَّبى. أَبو عُبَيْدٍ: الجَرادُ أَوّل مَا يكونُ سَرْوَةٌ، فَإِذَا تَحَرَّكَ فَهُوَ دَبًى قَبْلَ أَن تَنْبُتَ أَجنِحَتُه، ثُمَّ يكونُ غَوْغاء، وَبِهِ سُمِّي الغَوْغاءُ. والغاغَةُ مِنَ النَّاسِ: وَهُمُ الْكَثِيرُ الْمُخْتَلِطُونَ، وَقِيلَ: هُوَ الْجَرَادُ إِذَا صَارَتْ لَهُ أَجنحة وكادَ يَطيرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِلَّ فيَطِيرَ، يُذَكَّر ويُؤَنَّث ويُصْرَفُ وَلَا يُصْرف، واحِدتُه غَوْغَاءَةٌ وغَوْغَاةٌ، وَبِهِ سُمِّي الناسُ. والغَوْغَاء: سَفِلَة الناسِ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ. والغَوْغَاء: شيءٌ يُشبهُ البَعُوضَ وَلَا يَعَضُّ وَلَا يُؤذي وَهُوَ ضَعِيفٌ، فمَن صَرَفه وذَكَّرَهُ جَعَله بِمَنْزِلَةِ قَمْقام، والهمزةُ بدلٌ مِنْ وَاوٍ، وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْه جَعَله بِمَنْزِلَةِ عَوْراء. والغَوْغَاء: الصَّوتُ والجَلَبة؛ قَالَ الْحَرِثُ بنُ حِلِّزة الْيَشْكُرِيُّ:
(15/142)

أَجْمَعُوا أَمْرَهم بلَيْلٍ، فلمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَت لَهُمْ غَوْغاءُ
وَيُرْوَى: ضَوْضاءُ. وَحَكَى أَبو عَلِيٍّ عَنِ قُطْرُب فِي نوادِرَ لَهُ: أَنّ مُذَكَّرَ الغَوْغاء أَغْوَغُ، وَهَذَا نادرٌ غيرُ مَعْرُوفٍ. وَحُكِيَ أَيضاً: تَغَاغَى عَلَيْهِ الغَوْغَاء إِذَا رَكِبُوه بالشَّرِّ. أَبو الْعَبَّاسِ: إِذَا سَمَّيْتَ رَجُلًا بغَوْغَاء فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ نَوَيْتَ بِهِ ميزانَ حَمراءَ لَمْ تَصْرِفْهُ، وَإِنْ نَوَيتَ بِهِ ميزانَ قعْقاع صَرَفْتَه. وغَوِيٌّ وغَوِيَّةُ وغُوَيَّةُ: أَسماءٌ. وبَنُو غَيَّانَ: حَيٌّ همُ الَّذِينَ
وَفَدوا عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنتم؟ فَقَالُوا: بَنو غَيّانَ، قَالَ لَهُمْ: بَنُو رَشْدانَ
، فَبَنَاهُ عَلَى فَعْلانَ عِلْمًا مِنْهُ أَن غَيّانَ فَعْلانُ، وأَنَّ فَعْلانَ فِي كَلَامِهِمْ مِمَّا فِي آخِرِهِ الأَلفُ والنونُ أَكثرُ مِنْ فَعَّالٍ مِمَّا فِي آخِرِهِ الأَلف وَالنُّونُ، وتعليلُ رَشْدانَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
؛ قِيلَ: غيٌّ وادٍ فِي جَهَنَّم، وَقِيلَ: نَهَرٌ، وَهَذَا جَدِيرٌ أَن يَكُونَ نَهَرًا أَعَدَّه اللَّهُ لِلْغَاوِينَ سَمَّاه غَيّاً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاة غَيِّهم، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً؛ أَي مُجازاةَ الأَثامِ. وغَاوَةُ: اسمُ جَبَل؛ قَالَ المُتَلَمّس يُخَاطِبُ عَمْرَو بنَ هِنْد:
فَإِذَا حَلَلْتُ ودُونَ بَيْتيَ غَاوَةٌ، ... فابْرُقْ بأَرْضِكَ مَا بَدا لَكَ وارْعُدِ
غيا: الغَايَةُ: مَدَى الشَّيْءِ. والغَايَةُ أَقْصى الشَّيْءِ. الليْثُ: الغَايَةُ مَدى كلِّ شيءٍ وأَلِفُه ياءٌ، وَهُوَ مِنْ تأْليف غَيْنٍ وياءَينِ، وتَصْغيرُها غُيَيَّة، تَقُولُ: غَيَّيْت غَايِةً. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه سابَق بَيْنَ الخَيْلِ فجعَلَ غَايَةَ المُضَمَّرةِ كَذَا
؛ هُوَ مِنْ غَايَة كلِّ شيءٍ مَداهُ ومُنْتَهاه. وغَايَة كلِّ شيءٍ: مُنْتهاهُ، وَجَمْعُهَا غَايَاتٌ وغَايٌ مثلُ ساعَةٍ وساعٍ. قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: الغَايَاتُ فِي العَروضِ أَكْثرُ مُعْتَلًّا، لأَنَّ الغاياتِ إِذَا كَانَتْ فاعِلاتُنْ أَو مَفاعِيلُنْ أَو فَعُولُن فَقَدْ لَزِمَها أَنْ لَا تُحْذَف أَسْبابُها، لأَنَّ آخِرَ البَيتِ لَا يكونُ إِلَّا سَاكِنًا فَلَا يجوزُ أَن يُحْذَف الساكنُ ويكونَ آخِرُ البيتِ مُتَحَرِّكاً، وَذَلِكَ لأَن آخِرَ الْبَيْتِ لَا يَكُونُ إلَّا سَاكِنًا، فَمِنَ الغَايَات المَقْطُوعُ والمَقصورُ والمَكْشوف والمَقْطُوف، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَشْيَاءُ لَا تَكُونُ فِي حَشْوِ البيتِ، وسُمِّي غايَةً لأَنه نِهَايَةُ الْبَيْتِ. قَالَ ابْنُ الأَنباري: قَوْلُ النَّاسِ هَذَا الشيءُ غَايَةٌ، مَعْنَاهُ هَذَا الشيءُ علامةٌ فِي جِنْسِه لَا نظيرَ لَهُ أَخذاً مِنْ غايةِ الحَرْب، وَهِيَ الرايَة، وَمِنْ ذَلِكَ غايَةُ الخَمَّارِ خِرْقَةٌ يَرْفَعُها. وَيُقَالُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ هَذَا الشيءُ غَايَةٌ أَي هو مُنْتَهَى هَذَا الجِنْسِ، أُخِذَ من غَايَة السَّبْقِ، قَصَبَة تُنْصَب فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ المُسابَقَةُ إِلَيْهِ ليَأْخُذها السابِقُ. والغَايَة: الرَّايَةُ. يُقَالُ: غَيَّيْت غَايَةً. وَفِي الحَديث:
أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فِي الكوائنِ قبلَ الساعَةِ مِنْهَا هُدْنَةٌ تكونُ بَيْنَكُم وبين بني الأَصْفرِ فيَغْدِرُون بِكُمْ وتَسِيرُون إِلَيْهِمْ فِي ثمانينَ غَايَةً تَحْتَ كلِّ غَايَةٍ اثْنا عَشَر أَلْفاً
؛ الغَايَةُ والرَّاية سواءٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ:
فِي ثَمَانِينَ غابَة
، بِالْبَاءِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: مَنْ رَوَاهُ
غايَةً
بِالْيَاءِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ الرايَة؛ وأَنشد بَيْتَ لَبِيدٍ:
قَدْ بِتُّ سامِرَها وغَايَةَ تاجِرٍ ... وافَيْت، إذْ رُفِعَتْ وعَزَّ مُدامُها
قَالَ: وَيُقَالُ إنَّ صاحِبَ الخَمْرِ كانَتْ لَهُ رايَة
(15/143)

يَرْفَعُها ليُعْرَف أَنَّه بائِعُ خَمْرٍ؛ وَيُقَالَ: بَلْ أَرادَ بِقَوْلِهِ غَايَةَ تاجِرٍ أَنها غَايَة متاعِه فِي الجَودَةِ؛ قَالَ: وَمَنْ رَواه
غابَة
، بِالْبَاءِ، يُرِيدُ الأَجَمَة، شَبَّه كثْرَة الرِّماح فِي الْعَسْكَرِ بِهَا؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَبَعْضُهُمْ رَوَى الْحَدِيثَ
فِي ثَمَانِينَ غَيَايَةً
، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمحْفوظ وَلَا موضِعَ للغَياية هَاهُنَا. أَبو زَيْدٍ: غَيَّيْت للقَوم تَغْيِيّاً ورَيَّيْت لَهُمْ تَرْيِيّاً جَعَلْت لَهُمْ غَايَةً وَرَايَةً. وغَايَةُ الخَمَّارِ: رايتُه. وغَيّاها: عَمِلَها، وأَغْيَاها: نَصبَها. والغَايَة: القَصَبة الَّتِي يُصادُ بِهَا العَصافيرُ. والغَيَايَة: السَّحَابَةُ المُنْفَرِدَة، وَقِيلَ: الواقِفة؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والغيَايَةُ: ظِلُّ الشمسِ بالغَداةِ والعَشيِّ، وَقِيلَ: هُوَ ضَوْءُ شُعاعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الشُّعاعِ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
فتَدَلَّيْت عَلَيْهِ قافِلًا، ... وَعَلَى الأَرضِ غَياياتُ الطَّفَلْ
وكلُّ مَا أَظَلَّك غَيَايَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
تَجِيءُ البَقَرة وآلُ عِمْران يومَ القيامَة كأَنَّهما غَمامَتان أَو غَيَايَتَان
؛ الأَصمعي: الغَيَايَة كُلُّ شيءٍ أَظَلَّ الإِنسانَ فَوْقَ رَأْسِهِ مثلُ السَّحَابَةِ والغَبَرة والظِّلِّ ونحوِه؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ هِلالِ رَمَضَانَ:
فَإِنْ حالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ
أَي سَحابَةٌ أَو قَتَرة. أَبو زَيْدٍ: نَزلَ الرجُلُ فِي غَيابَةٍ، بِالْبَاءِ أَي فِي هَبْطةٍ مِنَ الأَرض. والغَيَايَة، بِالْيَاءِ: ظِلُّ السَّحابة، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَياءَةٌ. وَفِي حَدِيثِ
أُمّ زَرْعٍ: زَوْجي غَياياءُ طَباقاءُ
؛ كَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَي كأَنه فِي غَيايَةٍ أَبداً وظُلْمة لَا يَهْتَدِي إِلَى مَسْلَكٍ يَنْفُذُ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَن تَكُونَ قَدْ وصَفَتْه بثِقَلِ الرُّوحِ، وأَنه كالظِّلِّ المُتكاثِفِ المُظِلمِ الَّذِي لَا إشْراقَ فِيهِ. وَغَايَا القَوْمُ فَوْقَ رأْسِ فلانٍ بالسَّيفِ: كأَنهم أَظَلُّوه بِهِ. وكلُّ شيءٍ أَظَلَّ الإِنسانَ فَوْق رَأْسِه مِثْلُ السَّحابة والغَبَرة وَالظُّلْمَةِ ونحوِه فَهُوَ غَيَايَة. ابْنُ الأَعرابي: الغَيَايَة تكونُ مِنَ الطَّيرِ الَّذِي يُغَيِّي عَلَى رَأْسِك أَي يُرَفْرِفُ. وَيُقَالُ: أَغْيَا عَلَيْهِ السَّحاب بِمَعْنَى غَايَا إِذَا أَظَلّ عَلَيْهِ؛ وأَنشد:
أَرَبَّتْ بِهِ الأَرْواحُ بَعْدَ أَنيسِه، ... وذُو حَوْمَل أَغْيا علَيْه وأَظْلَما
وتَغَايَتِ الطَّيْرُ عَلَى الشَّيْءِ: حامَتْ. وغَيَّتْ: رَفْرَفَتْ. والغَايَةُ: الطَّيْرُ المُرَفْرِفُ، وَهُوَ مِنْهُ. وتَغَايَوْا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوه أَي جاؤوا مِنْ هُنا وهُنا. وَيُقَالُ: اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وتَغَايَوْا عَلَيْهِ فقَتلُوه، وَإِنِ اشْتُقَّ مِنَ الغاوِي قِيلَ تَغاوَوْا. وَغَيَايَةُ الْبِئْرِ: قَعْرُها مِثْلُ الغَيابَة. وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي تَرْجَمَةِ غَيَا: وَيُقَالُ فُلَانٌ لِغَيَّةٍ، وَهُوَ نَقِيض قَوْلِكَ لِرَشْدَةٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلا رُبَّ مَنْ يَغْتابُني وكأَنَّني ... أَبوه الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ ويُنْسَبُ
عَلَى رَشْدَةٍ مِنْ أَمْرِهِ أَو لِغَيَّةٍ، ... فيَغْلِبُها فَحْلٌ عَلَى النَّسْلِ مُنْجِبُ
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: يُروى رَشْدة وغَيَّة، بِفَتْحِ أَوّلهما وَكَسْرِهِ، والله أَعلم.

فصل الفاء
فأي: فَأَوْتُه بالعَصا: ضَرَبْتُه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. قَالَ اللَّيْثُ: فَأَوْتُ رأْسه فَأْواً وفأَيْتُه فَأْياً إِذَا فَلَقته بالسَّيف، وَقِيلَ: هُوَ ضَرْبُكَ قِحْفَه حَتَّى يَنْفَرِجَ عَنِ الدِّمَاغِ. والانْفِيَاءُ: الانْفراج، وَمِنْهُ اشْتق اسْمُ
(15/144)

الفئةِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ. والفَأْوُ: الشَّق. فَأَوْتُ رأْسه فأْواً وفَأَيْتُه فانْفَأَى وتَفَأَّى وفَأَيْت القَدَح فَتَفَأَّى: صَدَعْتُه فَتَصَدَّع. وانْفَأَى القَدَح: انشقَّ. والفَأْو: الصَّدْع فِي الْجَبَلِ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. والفَأْوُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَهُوَ أَيضاً الوَطِيءُ بَيْنَ الحَرَّتَيْن، وَقِيلَ: هِيَ الدَّارةُ مِنَ الرِّمال؛ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
لَمْ يَرْعَها أَحَدٌ واكْتَمَّ رَوْضتَها ... فَأْوٌ، مِنَ الأَرضِ، مَحْفُوفٌ بأَعلامِ
وَكُلُّهُ مِنَ الِانْشِقَاقِ وَالِانْفِرَاجِ. وَقَالَ الأَصمعي: الفَأْو بَطْنٌ مِنَ الأَرض تُطِيفُ بِهِ الرِّمَالُ يَكُونُ مُسْتطِيلًا وَغَيْرَ مُسْتَطِيلٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ فَأْواً لانْفِراج الْجِبَالِ عَنْهُ لأَن الانْفِيَاء الِانْفِتَاحُ والانْفِراج؛ وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
راحَتْ مِنَ الخَرْجِ تَهْجِيراً فَمَا وَقَعَتْ ... حَتَّى انْفَأَى الفَأْوُ، عَنْ أَعناقِها، سَحَرا
الْخَرْجُ: مَوْضِعٌ، يَعْنِي أَنها قَطعت الفأْوَ وَخَرَجَتْ مِنْهُ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: الفَأْو اللَّيْلُ؛ حَكَاهُ أَبو لَيْلَى. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَدري مَا صِحَّتُهُ. التَّهْذِيبَ فِي قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: حَتَّى انْفَأَى أَي انْكَشَفَ. والفَأْو فِي بَيْتِهِ أَيضاً: طَرِيقٌ بَيْنَ قَارَّتَيْنِ بِنَاحِيَةِ الدَّوّ بَيْنَهُمَا فَجٌّ وَاسِعٌ يُقَالُ لَهُ فَأْوُ الرَّيّان، قَالَ الأَزهري: وَقَدْ مَرَرْتُ بِهِ. والفَأْوَى، مَقْصُورٌ: الفَيْشةُ؛ قَالَ:
وكُنْت أَقُولُ جُمْجُمةٌ، فأَضْحَوْا ... هُمُ الفَأْوى وأَسْفَلُها قَفاها
والفِئَة: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَالْجَمْعُ فِئَات وفِئُون عَلَى مَا يَطَّرِدُ فِي هَذَا النَّحْوِ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْيَاءِ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
تَرَى مِنْهُمْ جَماجِمَهم فِئينا
أَي فِرَقًا مُتَفَرِّقَةً؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ وَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ لأَن الفِئَة الْفِرْقَةُ مِنَ النَّاسِ، مِنْ فَأَوْت بِالْوَاوِ أَي فَرَّقْت وشَقَقْت. قال: وحكي فأَوْتُ فَأَواً وفَأْياً، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ فِئَةٌ مِنَ الْيَاءِ. التَّهْذِيبُ: والفِئة، بِوَزْنِ فِعة، الفِرقة مِنَ النَّاسِ، مِنْ فَأَيْت رَأْسَهُ أَي شَقَقْتُهُ، قَالَ: وَكَانَتْ فِي الأَصل فِئْوة بِوَزْنِ فِعْلَة فَنَقَصَ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمر وَجَمَاعَتِهِ: لَمَّا رَجَعُوا مِنْ سَريَّتهم قَالَ لَهُمْ أَنَا فِئَتكم
؛ الفِئَة: الْفِرْقَةُ وَالْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي الأَصل، وَالطَّائِفَةُ الَّتِي تُقيم وَرَاءَ الْجَيْشِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ أَو هَزِيمَةٌ التجأُوا إليهم.
فتا: الْفَتَاءُ: الشَّباب. والفَتَى والفَتِيَّةُ: الشابُّ والشابَّةُ، وَالْفِعْلُ فَتُوَ يَفْتُو فَتاء. وَيُقَالُ: افْعَلْ ذَلِكَ فِي فَتائِه. وَقَدْ فَتِيَ، بِالْكَسْرِ، يَفْتَى فَتًى فَهُوَ فَتِيُّ السنِّ بَيِّن الفَتاء، وَقَدْ وُلد لَهُ فِي فَتَاء سِنِّهِ أَولاد؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الفَتَاء، مَمْدُودٌ، مَصْدَرُ الفَتِيِّ؛ وأَنشد لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ:
إِذَا عاشَ الفَتَى مائتَينِ عَامًا، ... فَقَدْ ذهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاء
فَقَصَرَ الْفَتَى فِي أَول الْبَيْتِ ومدَّ فِي آخِرِهِ، وَاسْتَعَارَهُ فِي النَّاسِ وَهُوَ مِنْ مَصَادِرَ الفَتِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَيُجْمَعُ الفَتَى فِتْياناً وفُتُوًّا، قَالَ: وَيُجْمَعُ الفَتِيُّ فِي السِّنِّ أَفْتَاء. الْجَوْهَرِيُّ: والأَفْتَاء مِنَ الدَّوَابِّ خِلَافُ المَسانِّ، وَاحِدُهَا فَتِيٌّ مِثْلُ يتِيم وأَيتام؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ثَعْلَبٌ:
وَيْلٌ بزَيْدٍ فَتىً شَيْخٍ أَلُوذُ بِهِ، ... فَلَا أُعَشَّى لَدَى زَيْدٍ وَلَا أَرِدُ
(15/145)

فَسَّرَ فَتًى شَيْخٍ فَقَالَ أَي هُوَ فِي حَزْم الْمَشَايِخِ، وَالْجَمْعُ فتْيان وفِتْية وفِتْوة؛ الْوَاوُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وفُتُوٌّ وفُتِيٌّ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَمْ يَقُولُوا أَفْتَاء اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بفِتْيَة. قَالَ الأَزهري: وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى الأَفْتَاء. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَيْسَ الفَتَى بِمَعْنَى الشَّابِّ والحَدَث إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْكَامِلِ الجَزْل مِنَ الرِّجَالِ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إنَّ الفَتَى حَمّالُ كلِّ مُلِمَّةٍ، ... ليسَ الفَتَى بمُنَعَّمِ الشُّبَان
قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
قَد يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى، ورِداؤُه ... خَلَقٌ، وجَيْبُ قَمِيصِه مَرْقُوعُ
وَقَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
مَا بَعدَ زَيْد فِي فَتَاةٍ فُرِّقُوا ... قَتْلًا وسَبْياً، بَعدَ طُولِ تَآدي
فِي آلِ عَرْف لَوْ بَغَيْتَ لِي الأُسى، ... لَوَجَدْتَ فِيهِمْ أُسوةَ العُوّادِ
فتَخَيَّرُوا الأَرضَ الفَضاءَ لِعِزِّهِمْ، ... ويَزيدُ رافِدُهُمْ عَلَى الرُّفَّادِ
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ خَطَبَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُلُوكِ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا أُم كَهْف فَلَمْ يُزوّجوه، فغَزاهم وأَجْلاهم مِنْ بِلَادِهِمْ وقَتَلهم؛ وَقَالَ أَبوها:
أَبَيْتُ أَبَيْتُ نِكاحَ المُلُوك، ... كأَني امْرُؤٌ منْ تَمِيم بْنِ مُرّ
أَبَيْتُ اللِّئامَ وأَقْلِيهمُ، ... وَهَلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرُّ بْنُ حُرّ؟
وَقَدْ سَمَّاهُ الْجَوْهَرِيُّ فَقَالَ: خَطَبَ بَعْضُ الْمُلُوكِ إِلَى زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ الأَصغر بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ الأَكبر أَو إِلَى بَعْضِ وَلَدِهِ ابْنَتَهُ يُقَالُ لَهَا أُم كَهْفٍ، قَالَ: وَزَيْدٌ هَاهُنَا قَبِيلَةٌ، والأُنثى فَتاة، وَالْجَمْعُ فَتَياتٌ. وَيُقَالُ لِلْجَارِيَةِ الْحَدَثَةِ فَتاة وَلِلْغُلَامِ فَتًى، وَتَصْغِيرُ الفَتَاة فُتَيَّةٌ، والفَتَى فُتَيٌّ، وَزَعَمَ يَعْقُوبُ أَن الفِتْوَان لُغَةٌ فِي الفِتْيَان، فالفُتُوَّة عَلَى هَذَا مِنَ الْوَاوِ لَا مِنَ الْيَاءِ، وَوَاوُهُ أَصل لَا مُنْقَلِبَةٌ، وَأَمَّا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ الفِتْيان فَوَاوُهُ مُنْقَلِبَةٌ، والفَتِيُّ كالفَتى، والأُنثى فَتِيَّة، وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِلْجَمَلِ وَالنَّاقَةِ، يُقَالُ للبَكْرة مِنَ الإِبل فَتِيَّة، وَبَكْرٌ فَتِيٌّ، كَمَا يُقَالُ لِلْجَارِيَةِ فَتَاة وَلِلْغُلَامِ فَتًى، وَقِيلَ: هُوَ الشابُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ فِتَاء؛ قَالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاع:
يَحْسَبُ الناظِرُونَ، مَا لَمْ يُفَرُّوا، ... أَنها جِلَّةٌ وهُنَّ فِتَاء
وَالِاسْمُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الفُتُوّة، انْقَلَبَتِ الْيَاءُ فِيهِ وَاوًا عَلَى حَدِّ انْقِلَابِهَا فِي مُوقِن وكقَضُوَ؛ قَالَ السِّيرَافِيُّ: إِنَّمَا قُلِبَتِ الْيَاءُ فِيهِ وَاوًا لأَن أَكثر هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمَصَادِرِ عَلَى فُعولة، إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْوَاوِ كالأُخُوّة، فَحَمَلُوا مَا كَانَ مِنَ الْيَاءِ عَلَيْهِ فَلَزِمَتِ الْقَلْبَ، وَأَمَّا الفُتُوُّ فَشَاذٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحدهما أَنه مِنَ الْيَاءِ، وَالْآخَرُ أَنه جَمْعٌ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ الْجَمْعِ تُقْلَبُ فِيهِ الْوَاوُ يَاءً كعِصِيّ وَلَكِنَّهُ حُمِلَ عَلَى مَصْدَرِهِ؛ قَالَ:
وفُتُوٌّ هَجَّرُوا ثُمَّ أَسْرَوا ... لَيْلَهمْ، حَتَّى إِذَا انْجابَ حَلُّوا
وَقَالَ جَذِيمَةُ الأَبرش:
فِي فُتُوٍّ، أَنا رابِئهُمْ، ... مِنْ كَلالِ غَزْوةٍ ماتُوا
وَلِفُلَانَةَ بِنْتٌ قَدْ تَفَتَّتْ أَي تَشَبَّهَتْ بالفَتَيات وَهِيَ
(15/146)

أَصغرهنَّ. وفُتِّيَت الجاريةُ تَفْتِيةً: مُنِعت مِنَ اللَّعِبِ مَعَ الصِّبيان والعَدْو مَعَهُمْ وخُدِّرت وسُتِرت فِي الْبَيْتِ. التَّهْذِيبُ: يُقَالُ تَفَتَّتِ الجاريةُ إِذَا راهَقت فخُدِّرت ومُنعت مِنَ اللَّعِبِ مَعَ الصِّبْيَانِ. وَقَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ
الْبُخَارِيِّ: الحَرْب أَوَّل مَا تَكُونُ فُتَيَّةٌ
، قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ عَلَى التَّصْغِيرِ أَي شَابَّةٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَتِيَّةٌ، بِالْفَتْحِ. والفَتَى والفَتَاةُ: الْعَبْدُ والأَمة. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: لَا يَقولَنَّ أَحدُكم عَبْدِي وأَمتي وَلَكِنْ ليَقل فَتَايَ وفَتَاتِي
أَي غُلَامِي وَجَارِيَتِي، كأَنه كَرِهَ ذِكْرَ العُبودية لِغَيْرِ اللَّهِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى صاحبَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي صَحِبَهُ فِي الْبَحْرِ فَتاه فَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ
، قَالَ: لأَنه كَانَ يَخْدِمُهُ فِي سَفَرِهِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: آتِنا غَداءَنا. وَيُقَالُ فِي حَدِيثِ
عِمْرَانَ بْنِ حُصين: جَذَعَةٌ أَحبُّ إليَّ مِن هَرِمةٍ، اللَّهُ أَحقُّ بالفَتاء والكَرَم
؛ الفَتاء، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الْمَصْدَرُ مِنَ الفَتى السِّنّ «3». يُقَالُ: فَتِيٌّ بيِّن الفَتاء أَي طَرِيّ السِّنِّ، والكَرمُ الحُسن. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
؛ المُحصناتُ: الْحَرَائِرُ، والفَتَيَاتُ: الإِماء. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ
؛ جَائِزٌ أَن يَكُونَا حَدَثين أَو شَيْخَيْنِ لأَنهم كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَمْلُوكَ فَتًى. الْجَوْهَرِيُّ: الفَتَى السَّخِيُّ الْكَرِيمُ:. يُقَالُ: هُوَ فَتًى بَيِّن الفُتُوَّة، وَقَدْ تَفَتَّى وتَفَاتَى، وَالْجَمْعُ فِتْيَانٌ وفِتْيَة وفُتُوّ، عَلَى فُعُولٍ، وفُتِيٌّ مِثْلُ عُصِيّ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَبدلوا الْوَاوَ فِي الْجَمْعِ وَالْمَصْدَرِ بَدَلًا شَاذًّا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الْبَدَلُ فِي الْجَمْعِ قِيَاسٌ مِثْلُ عُصِيّ وقُفِيٍّ، وأَما الْمَصْدَرُ فَلَيْسَ قَلْبُ الْوَاوَيْنِ فِيهِ يَاءَيْنِ قِيَاسًا مُطَّرِدًا نَحْوَ عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا وعُتِيّاً، وأَما إِبْدَالُ الْيَاءَيْنِ وَاوَيْنِ فِي مِثْلِ الفُتُوّ، وَقِيَاسُهُ الفُتِيّ، فَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الفَتَى الْكَرِيمُ، هُوَ فِي الأَصل مَصْدَرٌ فَتِيَ فَتًى وُصف بِهِ، فَقِيلَ رَجُلٌ فَتًى؛ قَالَ: وَيَدُلُّكَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ لَيْلَى الأَخيلية:
فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً فإِنَّكُمْ ... فَتًى مَا قَتَلْتُم، آلَ عَوْفِ بنِ عَامِرِ
والفَتَيانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. يُقَالُ: لَا أَفْعلُه مَا اختلفَ الفَتَيانِ، يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، كَمَا يُقَالُ مَا اختلفَ الأَجَدَّانِ والجَدِيدانِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
مَا لبِثَ الفَتَيانِ أَن عَصَفا بِهِمْ، ... ولكُلِّ قُفْلٍ يَسَّرا مِفْتاحا
وأَفْتَاه فِي الأَمر: أَبانَه لَهُ. وأَفْتَى الرجلُ فِي المسأَلة واسْتَفْتَيْته فِيهَا فأَفْتَانِي إفْتَاء. وفُتًى «4» وفَتْوَى: اسْمَانِ يُوضَعَانِ مَوْضِعَ الإِفْتاء. وَيُقَالُ: أَفْتَيْت فُلَانًا رُؤْيَا رَآهَا إِذا عَبَّرْتَهَا لَهُ، وأَفْتَيْتُه فِي مسأَلته إِذا أَجبته عَنْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن قَوْمًا تَفَاتَوا إِليه
؛ مَعْنَاهُ تَحَاكَمُوا إِليه وَارْتَفَعُوا إِليه فِي الفُتْيا. يُقَالُ: أَفْتَاه فِي المسأَلة يُفْتِيه إِذا أَجابه، وَالِاسْمُ الفَتْوَى؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
أَنِخْ بِفِناءِ أَشْدَقَ مِنْ عَدِيٍّ ... وَمِنْ جَرْمٍ، وهُمْ أَهلُ التَّفَاتِي «5»
أَي التَّحاكُم وأَهل الإِفتاء. قَالَ: والفُتْيَا تبيين
__________
(3). قوله [الفَتَى السن] كذا في الأصل وغير نسخة يوثق بها من النهاية.
(4). قوله [وفُتًى] كذا بالأصل ولعله محرف عن فتيا أو فتوى مضموم الأول.
(5). قوله [وهم أهل] في نسخة: ومن أهل.
(15/147)

الْمُشْكِلِ مِنَ الأَحكام، أَصله مِنَ الفَتَى وَهُوَ الشَّابُّ الْحَدَثُ الَّذِي شَبَّ وقَوِي، فكأَنه يُقَوّي مَا أَشكل بِبَيَانِهِ فيَشِبُّ وَيَصِيرُ فَتِيّاً قَوِيًّا، وأَصله مِنَ الفَتَى وَهُوَ الْحَدِيثُ السِّنِّ. وأَفْتَى الْمُفْتِي إِذا أَحدث حُكْمًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
الإِثْمُ مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ وإِن أَفْتَاك الناسُ عَنْهُ وأَفْتَوكَ
أَي وإِن جَعَلُوا لَكَ فِيهِ رُخْصة وجَوازاً. وَقَالَ أَبو إِسحق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً
؛ أَي فاسْأَلهم سُؤَالَ تَقْرِيرٍ أَهم أَشد خَلْقًا أَمْ مَن خَلَقْنَا مِنَ الأُمم السَّالِفَةِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
أَي يسأَلونك سؤالَ تَعَلُّم. الْهَرَوِيُّ: والتَّفَاتِي التَّخَاصُمُ، وأَنشد بَيْتَ الطِّرِمَّاحِ: وَهُمْ أَهل التَّفَاتِي. والفُتْيَا والفُتْوَى والفَتْوَى: مَا أَفتى بِهِ الْفَقِيهُ، الْفَتْحُ فِي الفَتْوَى لأَهل الْمَدِينَةِ. والمُفْتِي: مِكيال هِشَامِ بْنِ هُبَيْرَةَ؛ حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وإِنما قَضَيْنَا عَلَى أَلف أَفتى بِالْيَاءِ لِكَثْرَةِ ف ت ي وَقِلَّةِ ف ت و، وَمَعَ هَذَا إِنه لَازِمٌ، قَالَ: وَقَدْ قَدَّمْنَا أَن انْقِلَابَ الأَلف عَنِ الْيَاءِ لَامًا أَكثر. والفُتَيُّ: قَدَحُ الشُّطَّارِ. وَقَدْ أَفْتَى إِذا شَرِبَ بِهِ. والعُمَرِيّ: مِكيال اللَّبَنِ، قَالَ: وَالْمُدُّ الْهِشَامِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يتوضأُ بِهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. وَرَوَى حَضَرُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقاشِي عَنِ امرأَة مِنْ قَوْمِهِ أَنها حجَّت فمرَّت عَلَى أُمّ سَلَمَةَ فسأَلتها أَن تُرِيَها الإِناء الَّذِي كَانَ يتوضَّأُ مِنْهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَخْرجته فَقَالَتْ: هَذَا مَكُّوك المُفتِي، قَالَتْ: أَرِيني الإِناء الَّذِي كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ، فأَخرجته فَقَالَتْ: هَذَا قَفِيزُ المُفْتِي؛ قَالَ الأَصمعي: المُفْتِي مِكيال هِشَامِ بْنِ هُبَيْرَةَ، أَرادت تَشْبِيهَ الإِناء بِمَكُّوكِ هِشَامٍ، أَو أَرادت مَكُّوكَ صَاحِبِ الْمُفْتِي فَحَذَفَتِ الْمُضَافَ أَو مَكُّوكَ الشَّارِبِ وَهُوَ مَا يُكَالُ بِهِ الْخَمْرُ. والفِتْيانُ: قَبيلة مِنْ بَجِيلة إِليهم يُنْسَبُ رِفاعةُ الفِتْيَانِي المحدّث، والله أَعلم.
فجا: الفَجْوَةُ والفُرْجَةُ: المُتَّسَع بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، تَقُولُ مِنْهُ: تَفَاجَى الشيءُ صَارَ لَهُ فَجْوَة. وَفِي حَدِيثِ الْحَجِّ:
كَانَ يَسيرُ العَنَقَ فإِذا وَجَد فَجْوَةً نَصَ
؛ الفَجْوَةُ: الْمَوْضِعُ الْمُتَّسِعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يُصَلِّينَّ أَحدكم وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبلة فَجْوَة
أَي لَا يَبْعُد مِنْ قِبْلَتِهِ وَلَا سُتْرَتِهِ لئلَّا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحد. وفَجَا الشيءَ: فَتَحَه. والفَجْوَةُ فِي الْمَكَانِ: فَتْحٌ فِيهِ. شَمِرٌ: فَجَا بابَه يَفْجُوه إِذا فتحه، بلغة طيِء؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَهُ أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ؛ وأَنشد لِلطِّرِمَّاحِ:
كَحَبَّةِ السَّاجِ فَجَا بابَها ... صُبْحٌ جَلا خُضْرة أَهْدامها
قَالَ: وَقَوْلُهُ فَجا بابَها يَعْنِي الصُّبْحَ، وأَما أَجافَ البابَ فَمَعْنَاهُ ردَّه، وَهُمَا ضِدَّانِ. وانْفَجَى القومُ عَنْ فُلَانٍ: انْفَرجوا عَنْهُ وَانْكَشَفُوا؛ وَقَالَ:
لَمَّا انْفَجَى الخَيْلانِ عَنْ مُصْعَبٍ، ... أَدَّى إِليه قَرْضَ صاعٍ بِصَاعِ
والفَجْوةُ والفَجْواء، مَمْدُودٌ: مَا اتَّسع مِنَ الأَرض، وَقِيلَ: مَا اتَّسَعَ مِنْهَا وَانْخَفَضَ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ
؛ قَالَ الأَخفش: فِي سَعة، وَجَمْعُهُ فَجَوَات وفِجَاء، وَفَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ بأَنه مَا انْخفضَ مِنَ الأَرض وَاتَّسَعَ. وفَجْوَةُ الدَّارِ: سَاحَتُهَا؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
أَلْبَسْتَ قَوْمَكَ مخْزاةً ومَنْقَصةً، ... حتَّى أُبِيحُوا وحَلُّوا فَجْوَةَ الدَّارِ
وفَجْوَةُ الحافِر: مَا بَيْنَ الحَوامي. والفَجَا: تَباعُد مَا بَيْنَ الفَخِذين، وَقِيلَ: تَبَاعُدُ مَا
(15/148)

بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ وَتَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْبَعِيرِ تَباعُد مَا بَيْنَ عُرْقُوبَيْه، وَمِنَ الإِنسان تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، فَجِيَ فَجًى، فَهُوَ أَفْجَى، والأُنثى فَجْوَاء. وَقِيلَ: الفَجَا والفَحَجُ وَاحِدٌ. ابْنُ الأَعرابي: والأَفْجَى المُتباعِدُ الْفَخِذَيْنِ الشديدُ الفَحَجِ. وَيُقَالُ: بِفُلَانٍ فَجاً شَدِيدٌ إِذا كَانَ فِي رِجْلَيْهِ انْفِتَاحٌ، وَقَدْ فَجِيَ يَفْجَى فَجًى. ابْنُ سِيدَهْ: فَجِيَت النَّاقَةُ فَجاً عظُم بَطْنُهَا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَدري مَا صِحَّتُهُ، وَذَكَرَهُ الأَزهري مَهْمُوزًا وأَكده بأَن قَالَ: الفَجأُ مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ؛ عَنِ الأَصمعي. وَقَوْسٌ فَجْواءُ: بَانَ وَتَرُها عَنْ كَبِدها. وفَجاها يَفْجُوها فَجْواً: رَفَعَ وَتَرَها عَنْ كبِدها، وفَجِيَتْ هِيَ تَفْجَى فَجًى؛ وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
لَا فَحَجٌ يُرى بِهَا وَلَا فَجَا، ... إِذا حِجاجا كلِّ جَلْدٍ مَحَجا
وَقَدِ انْفَجَتْ؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِوَسَطِ الدَّارِ فَجْوَة؛ وَقَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
تُفَجِّي خُمامَ الناسِ عَنَّا كأَنَّما ... يُفَجِّيهمُ خَمٌّ، مِنَ النَّارِ، ثاقِب
مَعْنَاهُ تَدْفَع. ابْنُ الأَعرابي: أَفْجَى إِذا وَسَّع عَلَى عِياله في النفَقة.
فحا: الفَحَا والفِحَا، مَقْصُورٌ: أَبْزارُ القِدْر، بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْفَتْحُ أَكثر، وَفِي الْمُحْكَمِ: الْبِزْرُ، قَالَ: وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْيَابِسَ مِنْهُ، وَجَمْعُهُ أَفْحَاء. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن أَكل فَحَا أَرْضِنا لَمْ يَضُرّه مَاؤُهَا
، يَعْنِي الْبَصَلُ؛ الفَحَا: تَوابِلُ القُدور كالفُلْفُل والكمُّون وَنَحْوِهِمَا، وَقِيلَ: هُوَ الْبَصَلُ. وَفِي حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ: قَالَ لِقَوْمٍ قَدِموا عَلَيْهِ كُلُوا مِنْ فِحا أَرْضِنا فقَلَّ مَا أَكل قَوْمٌ مِنْ فِحا أَرض فضَرَّهم مَاؤُهَا
؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
كأَنَّما يَبْرُدْنَ بالغَبُوقِ ... كلَّ مِدادٍ مِنْ فَحاً مَدْقُوقِ «6»
المِدادُ: جَمْعُ مُدّ الَّذِي يُكَالُ بِهِ، ويَبْرُدْنَ: يَخْلِطْنَ. وَيُقَالُ: فَحِّ قِدْرَك تَفْحِيَةً، وَقَدْ فَحَّيْتُها تَفْحِيَةً. والفَحْوَةُ: الشَّهْدةُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. وفَحْوَى القَوْل: مَعناه ولَحْنُه. والفَحْوَى: مَعْنَى مَا يُعرف مِنْ مَذهب الْكَلَامِ، وَجَمْعُهُ الأَفْحَاء. وعرَفت ذَلِكَ فِي فَحْوَى كَلامِه وفَحْوَائِه وفَحَوَائه وفُحَوَائِه أَي مِعراضِه ومَذْهَبِه، وكأَنه مِنْ فَحَّيْت القِدْر إِذا أَلْقَيْتَ الأَبزار، وَالْبَابُ كُلُّهُ بِفَتْحِ أَوله مِثْلُ الحَشا الطَّرَفِ مِنَ الأَطْراف، والغَفا وَالرَّحَى والوغَى والشَّوَى. وَهُوَ يُفَحِّي بِكَلَامِهِ إِلى كَذَا وَكَذَا أَي يَذْهَب. ابْنُ الأَعرابي: الفَحِيَّة الحَساء؛ أَبو عَمْرٍو: هِيَ الفَحْيَةُ والفَحِيَّةُ والفَأْرةُ والفَئِيرَةُ والحَريرةُ: الحَسُوُّ الرَّقِيقُ.
فدى: فَدَيْتُه فِدًى وفِدَاءً وافْتَدَيْتُه؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
فلَوْ كانَ مَيْتٌ يُفْتَدَى، لَفَدَيْتُه، ... بِمَا لَمْ تَكُنْ عَنْهُ النُّفُوسُ تَطِيبُ
وإِنه لَحَسَنُ الفِدْيَةِ. والمُفَادَاةُ: أَن تَدْفَعَ رَجُلًا وتأْخذ رَجُلًا. والفِدَاء: أَن تَشتريه، فَدَيْته بِمَالِي فِدَاءً وفَدَيْتُه بِنَفْسي. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ:
وَإِنَّ يأْتُوكم أُسارى تَفْدُوهم
؛ قرأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأَبو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ أُسارى بأَلف،
تَفْدُوهم
بِغَيْرِ أَلف، وقرأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ أُسارى تُفادُوهُمْ
، بأَلف فِيهِمَا، وقرأَ حَمْزَةُ
أَسْرى
__________
(6). قوله [كل مداد] كذا بالأصل هنا، وتقدم في م د د: كيل مداد، وكذا هو في شرح القاموس هنا.
(15/149)

تَفْدُوهم
، بِغَيْرِ أَلف فِيهِمَا؛ قَالَ أَبو مُعَاذٍ: مَنْ قرأَ
تَفدوهم
فَمَعْنَاهُ تَشتَرُوهم مِنَ العَدُوِّ وتُنْقِذوهم، وأَما تُفادُوهُمْ
فَيَكُونُ مَعْنَاهُ تُماكِسُون مَن هُمْ فِي أَيديهم فِي الثَّمَنِ ويُماكِسُونكم. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الْوَزِيرُ ابن المعري فَدَى إِذا أَعطى مَالًا وأَخذ رَجُلًا، وأَفْدَى إِذا أَعطى رَجُلًا وأَخذ مَالًا، وفَادَى إِذا أَعطى رَجُلًا وأَخذ رَجُلًا، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الفِدَاء؛ الفِدَاء، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ وَالْفَتْحِ مَعَ الْقَصْرِ: فَكاكُ الأَسير؛ يُقَالُ: فَدَاه يَفْدِيه فِدَاءً وفَدًى وفَادَاهُ يُفَادِيه مُفَادَاةً إِذا أَعطى فِداءه وأَنقذه. فَدَاه بِنَفْسِهِ وفَدَّاه إِذا قَالَ لَهُ: جُعلت فَداك. والفِدْيَةُ: الفِداء. وَرَوَى الأَزهري عَنْ نُصَير قَالَ: يُقَالُ فَادَيت الأَسِيرَ وفَادَيْتُ الأُسَارَى، قَالَ: هَكَذَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ، وَيَقُولُونَ: فَدَيْتُه بأَبي وأُمي وفَدَيْتُه بِمَالِي كأَنه اشْتَرَيْتُهُ وخَلَّصتُه بِهِ إِذا لَمْ يَكُنْ أَسيراً، وإِذا كَانَ أَسيراً مَمْلُوكًا قُلْتَ فَادَيْته، وَكَانَ أَخي أَسيراً ففَادَيْته؛ كَذَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ؛ وَقَالَ نُصَيب:
ولَكِنَّني فَادَيْتُ أُمِّي، بَعْدَ ما ... عَلا الرأْسَ مِنْهَا كَبْرةٌ ومَشِيبُ
قَالَ: وإِذا قُلْتَ فَدَيت الأَسير فَهُوَ أَيضاً جَائِزٌ بِمَعْنَى فَدَيته مِمَّا كَانَ فِيهِ أَي خَلَّصْتُهُ مِنْهُ، وفَادَيْت أَحسن فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
أَي جَعَلْنَا الذِّبح فِداء لَهُ وخَلَّصناه بِهِ مِنَ الذَّبح. الْجَوْهَرِيُّ: الفِداء إِذا كُسِرَ أَوله يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وإِذا فُتِحَ فَهُوَ مَقْصُورٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُ الْقَصْرِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فِدًى لَكَ عَمِّي، إِنْ زَلِجْتَ، وَخَالِي
يُقَالُ: قُمْ: فِدًى لَكَ أَبي، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَكْسِرُ فِداءٍ، بِالتَّنْوِينِ، إِذا جَاوَرَ لَامَ الْجَرِّ خَاصَّةً فَيَقُولُ فِداءٍ لَكَ لأَنه نَكِرَةٌ، يُرِيدُونَ بِهِ مَعْنَى الدعاءِ؛ وأَنشد الأَصمعي لِلنَّابِغَةِ:
مَهْلًا فِدَاءٍ لَكَ الأَقْوامُ كُلُّهُمُ، ... وَمَا أُثَمِّرُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ
وَيُقَالُ: فَدَاه وفَادَاه إِذا أَعطى فِداءَه فأَنْقَذه، وفَدَاه بِنَفْسِهِ وفَدَّاهُ يُفَدِّيه إِذا قَالَ لَهُ جُعِلت فَداك. وتَفَادَوا أَي فَدى بَعْضُهُمْ بعْضاً. وافْتَدَى مِنْهُ بِكَذَا وتَفَادَى فُلَانٌ مِنْ كَذَا إِذا تَحاماه وانزَوى عَنْهُ؛ وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مُرِمّين مِنْ لَيْثٍ عَليْه مَهابةٌ، ... تَفَادَى اللُّيُوثُ الغُلْبُ مِنْهُ تَفَادِيا «1»
والفِدْيَة والفَدَى والفِدَاءُ كُلُّهُ بِمَعْنًى. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقْصُرُ الفِدَاء وَتَمُدُّهُ، يُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُك وفِداك، وَرُبَّمَا فَتَحُوا الْفَاءَ إِذا قَصَرُوا فَقَالُوا فَداك، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ فَدًى لَكَ، فَيَفْتَحُ الْفَاءَ، وأَكثر الْكَلَامِ كَسْرُ أَولها وَمَدُّهَا؛ وَقَالَ النَّابِغَةُ وعَنَى بالرَّبِّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ:
فَدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَريفِي وتالِدِي
قَالَ ابْنُ الأَنباري: فِدَاء إِذا كُسرت فاؤُه مُدَّ، وإِذا فُتِحَت قُصِرَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
مَهْلًا فِداءً لَكَ يَا فَضالَهْ، ... أَجِرَّه الرُّمْحَ وَلَا تُهالَهْ
وأَنشد الأَصمعي:
فِدًى لَكَ والِدِي وفَدَتْكَ نَفْسِي ... وَمَالِي، إِنه مِنكُم أَتاني
فَكَسَرَ وَقَصَرَ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَوْلُ الشاعر:
__________
(1). قوله [مرمين] هو من أرمّ القوم أَي سكتوا.
(15/150)

فاغْفِرْ فِداءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنا
قَالَ: إِطلاق هَذَا اللَّفْظِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ، لأَنه إِنما يُفْدَى مِنَ المَكارِه مَن تَلْحَقُهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْفِدَاءِ التَّعْظِيمَ والإِكبار لأَن الإِنسان لَا يُفَدِّي إِلا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُل نَفْسَهُ لَهُ، وَيُرْوَى فداءٌ، بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
يَلْقَمُ لَقْماً ويُفَدِّي زادَه، ... يَرْمِي بأَمْثال القَطا فُؤادَه
قَالَ: يُبْقِي زَادَهُ ويأْكل مِنْ مَالِ غَيْرِهِ؛ قَالَ وَمِثْلُهُ:
جَدْح جُوَيْنٍ مِنْ سَوِيقٍ لَيْسَ لَه
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
؛ إِنما أَراد فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رأْسه فحلَق فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، فَحَذَفَ الْجُمْلَةَ مِنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ. وأَفْدَاه الأَسيرَ: قَبِلَ مِنْهُ فِدْيَته؛ وَمِنْهُ
قَوْلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِقُرَيْشٍ حِينَ أُسِرَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَم بْنُ كَيْسان: لَا نُفْدِيكُمُوهما حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا
، يَعْنِي سعْد بْنَ أَبي وقَّاص وعُتْبةَ بْنَ غَزْوان. والفَدَاء، مَمْدُودٌ بِالْفَتْحِ: الأَنبار، وَهُوَ جَمَاعَةُ الطَّعَامِ مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ والبُر وَنَحْوِهِ. والفَدَاء: الكُدْس مِنَ البُر، وَقِيلَ: هُوَ مَسْطَحُ التَّمْرِ بِلُغَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ؛ وأَنشد يَصِفُ قَرْيَةً بقلَّة الْمِيرَةِ:
كأَنَّ فَدَاءها، إِذ جَرَّدُوه ... وطافُوا حَوْلَه، سُلَكٌ يَتِيمُ «1»
شَبَّهَ طَعَامَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حِينَ جُمع بَعْدَ الحَصاد بسُلَك قَدْ مَاتَتْ أُمه فَهُوَ يَتِيمٌ، يُرِيدُ أَنه قَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَيُرْوَى سُلَفٌ يَتِيمٌ، والسُّلَفُ: وَلَدُ الحَجل، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي جَمْعِهِ الأَفْدَاء، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ: التَّمْرُ الْمَجْمُوعُ. قَالَ شَمِرٌ: الفَدَاء والجُوخانُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ التَّمْرِ الَّذِي يُيَبَّس فِيهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ بَنِي مُجاشِع الفَدَاء التَّمْرُ مَا لَمْ يُكْنَز؛ وأَنشد:
مَنَحْتَني، مِنْ أَخْبَثِ الفَدَاءِ، ... عُجْرَ النَّوَى قَليلَةَ اللِّحاءِ
ابْنُ الأَعرابي: أَفْدَى الرجلُ إِذا باعَ، وأَفْدَى إِذا عظُم بدنُه. وفَدَاء كُلِّ شَيْءٍ حَجْمه، وأَلفه يَاءٌ لِوُجُودِ ف د ي وَعَدَمِ ف د و. الأَزهري: قَالَ أَبو زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْهَاءِ وَالْفَاءِ إِذا تَعَاقَبَا: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا حدَّث بِحَدِيثٍ فعدَل عَنْهُ قَبْلَ أَن يَفْرُغ إِلى غَيْرِهِ خُذ عَلَى هِدْيَتِك وفِدْيَتِك أَي خُذ فِيمَا كُنْتَ فِيهِ وَلَا تَعْدِل عَنْهُ؛ هَكَذَا رَوَاهُ أَبو بَكْرٍ عَنْ شَمِرٍ وَقَيَّدَهُ فِي كِتَابِهِ بِالْقَافِ، وقِدْيَتُك، بِالْقَافِ، هُوَ الصواب.
فرا: الفَرْو والفَرْوَة: مَعْرُوفٌ الَّذِي يُلبس، وَالْجَمْعُ فِراء، فإِذا كَانَ الفَرْو «2» ذَا الجُبَّة فَاسْمُهَا الفَرْوَة؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
إِذا التَفّ دُونَ الفَتاةِ الكَمِيع، ... وَوَحْوَح ذُو الفَرْوَةِ الأَرْمَلُ
وأَورد بَعْضُهُمْ هَذَا الْبَيْتَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ عَلَى الْفَرْوَةِ الوَفْضَة الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا السَّائِلُ صَدَقَتَهُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والفَرْوة إِذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا وَبَر أَو صُوفٌ لَمْ تُسَمَّ فَروة. وافْتَرَيْت فَرْواً: لَبِسته؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
يَقْلِبُ أُولاهُنَّ لَطْم الأَعْسرِ ... قَلْبَ الخُراسانيِّ فَرْوَ المُفْترِي
__________
(1). قوله [فداءها] هو بالفتح، وأَما ضبطه في حرد بالكسر فخطأ.
(2). قوله [فإذا كان الفرو إلخ] كذا بالأصل.
(15/151)

والفَرْوَة: جِلدة الرأْس. وفَرْوَة الرأْس: أَعْلاه، وَقِيلَ: هُوَ جِلْدَتُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعَرِ يَكُونُ للإِنسان وَغَيْرِهِ؛ قَالَ الرَّاعِي:
دَنِس الثِّياب كأَنَّ فَرْوَة رَأْسه ... غُرِسَتْ، فأَنْبَت جَانِبَاهَا فُلْفُلا
والفَرْوَة، كالثَّروة فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ: وَهُوَ الْغِنَى، وَزَعَمَ يَعْقُوبُ أَن فَاءَهَا بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَسُئِلَ عَنْ حدِّ الأَمة فَقَالَ إِن الأَمَة أَلقت فَرْوَة رأْسِها مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ
، وَرُوِيَ:
مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ
، أَراد قِناعها، وَقِيلَ خِمَارَهَا أَي لَيْسَ عَلَيْهَا قِنَاعٌ وَلَا حِجاب وأَنها تَخْرُجُ مُتَبَذِّلة إِلى كُلِّ مَوْضِعٍ تُرْسَل إِليه لَا تَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاعِ، والأَصل فِي فَرْوَة الرأْس جِلْدَتُهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعَرِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِنَّ الْكَافِرَ إِذا قُرِّبَ المُهْلُ مِن فِيهِ سَقَطَتْ فَرْوة وَجْهِهِ
أَي جِلْدَتُهُ، اسْتَعَارَهَا مِنَ الرأْس لِلْوَجْهِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: إِنه لَذُو ثَرْوة فِي الْمَالِ وفَرْوَة بِمَعْنًى وَاحِدٍ إِذا كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ. وَرُوِيَ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنه قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: اللَّهُمَّ إِني قَدْ مَلِلْتُهم ومَلُّوني وسَئِمْتُهم وسَئِمُوني فسَلِّط عَلَيْهِمْ فَتَى ثَقِيفٍ الذَّيَّالَ المَنَّانَ يَلْبَسُ فَرْوَتَها ويأْكل خَضِرَتَها
؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَراد عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَن فَتَى ثَقِيفٍ إِذا وَلِيَ الْعِرَاقَ توسَّع فِي فَيْء الْمُسْلِمِينَ واستأْثر بِهِ وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى حِصَّتِهِ، وفَتَى ثَقِيفٍ: هُوَ الحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقِيلَ: إِنه وُلِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي دَعَا فِيهَا عَلِيٌّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِهَذَا الدُّعَاءِ وَهَذَا مِنَ الكَوائِن الَّتِي أَنبأَ بِهَا النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ بَعْدِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَتَمَتَّعُ بِنِعْمَتها لُبْساً وأَكلًا؛ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ يَلْبَسُ الدَّفيءَ اللَّيِّنَ مِنْ ثِيَابِهَا وَيَأْكُلُ الطريَّ النَّاعِمَ مِنْ طَعَامِهَا، فَضَرَبَ الفَرْوَة والخَضِرة لِذَلِكَ مَثَلًا، وَالضَّمِيرُ لِلدُّنْيَا. أَبو عَمْرٍو: الفَرْوَة الأَرض الْبَيْضَاءُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ وَلَا فَرْش. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن الخَضِر، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْراء
؛ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَراد بالفَرْوَة الأَرضَ اليابسةَ؛ وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي الهَشيم الْيَابِسَ مِنَ النَّبات، شَبَّهَهُ بالفَروة. والفَروةُ: قِطْعَةُ نَبَاتٍ مُجْتَمِعَةٌ يَابِسَةٌ؛ وَقَالَ:
وهامةٍ فَرْوَتُها كالفَرْوَهْ
وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ:
ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً
، وَفِي أُخرى:
فَفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً.
وَقِيلَ: أَراد بالفَرْوَة اللِّباس الْمَعْرُوفَ.
وفَرَى الشيءَ يَفْرِيه فَرْياً وفَرَّاه، كِلَاهُمَا: شقَّه وأَفسده، وأَفْرَاه أَصلحه، وَقِيلَ: أَمرَ بإِصلاحه كأَنه رَفَع عَنْهُ مَا لَحِقَهُ مِنْ آفَةِ الفَرْي وخَلَلِه. وتَفَرَّى جِلدُه وانْفَرَى: انشقَّ. وأَفْرَى أَوداجه بِالسَّيْفِ: شَقَّهَا. وَكُلُّ مَا شقَّه فَقَدْ أَفْرَاه وفَرَّاه؛ قَالَ عَدِي بْنُ زَيْدٍ الْعَبَّادِيُّ:
فصافَ يُفَرِّي جِلْدَه عَنْ سَراتِه، ... يَبُذُّ الجِياد فارِهاً مُتتايِعا
أَي صافَ هَذَا الفَرسُ يَكَادُ يشُق جِلْدَهُ عَمَّا تَحْتَهُ مِنَ السِّمَن. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حِينَ سُئِلَ عَنِ الذَّبِيحة بالعُود فَقَالَ: كلُّ مَا أَفْرَى الأَوْداجَ غَيْرَ مُثَرِّدٍ
أَي شقَّقها وَقَطَعَهَا فأَخرج مَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ. يُقَالُ: أَفْرَيْت الثوبَ وأَفْرَيْت الحُلَّة إِذا شقَقْتَها وأَخرجت مَا فِيهَا، فإِذا قُلْتَ فَرَيْت، بِغَيْرِ أَلف، فإِن مَعْنَاهُ أَن تُقَدِّر الشَّيْءَ وتُعالجه وتُصلحه مِثْلُ النَّعْل تَحْذُوها أَو النِّطَع أَو القِرْبة وَنَحْوِ ذَلِكَ. يُقَالُ: فَرَيْت أَفْرِي فَرْياً، وَكَذَلِكَ فَرَيْت الأَرض إِذا سِرْتَهَا وَقَطَعْتَهَا. قَالَ:
(15/152)

وأَما أَفْرَيْت إِفْرَاء فَهُوَ مِنَ التَّشْقِيقِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ. الأَصمعي: أَفْرَى الْجِلْدَ إِذا مَزَّقَه وخَرَقَه وأَفسده يُفْرِيه إِفْرَاء. وفَرَى الأَدِيمَ يَفْرِيه فَرْياً، وفَرَى المَزادة يَفْرِيها إِذا خَرَزَها وأَصلحها. والمَفْرِيَّةُ: المَزادة المَعْمُولة المُصْلَحة. وتَفَرَّى عَنْ فُلَانٍ ثَوْبُهُ إِذا تشقَّق. وَقَالَ اللَّيْثُ: تَفَرَّى خَرْز الْمَزَادَةِ إِذا تَشَقَّقَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي وَحْدَهُ فَرَى أَوْداجَه وأَفْرَاها قَطَّعَهَا. قَالَ: وَالْمُتْقِنُونَ مِنْ أَهل اللُّغَةِ يَقُولُونَ فَرَى للإِفساد، وأَفْرَى للإِصلاح، وَمَعْنَاهُمَا الشِّقُّ، وَقِيلَ: أَفْرَاه شقَّه وأَفسده وَقَطَعَهُ، فإِذا أَردت أَنه قَدَّرَهُ وَقَطَعَهُ للإِصلاح قُلْتَ فَرَاه فَرْياً. الْجَوْهَرِيُّ: وأَفْرَيْت الأَوْداج قَطَعْتُهَا؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِرَاجِزٍ:
إِذا انْتَحَى بِنابِه الهَذْهَاذِ، ... فَرَى عُروقَ الوَدَجِ الغَواذِي
الْجَوْهَرِيُّ: فَرَيْت الشَّيْءَ أَفْرِيه فَرْياً قَطَعْتُهُ لأُصلحه، وفَرَيْت المَزادة خَلَقْتها وَصَنَعْتُهَا؛ وَقَالَ:
شَلَّتْ يَدا فَارِيةٍ فَرَتْها «1» ... مَسْكَ شَبُوبٍ ثُمَّ وَفَّرَتْها،
لَوْ كانتِ الساقِيَ أَصْغَرَتْها
قَوْلُهُ: فَرَتْها أَي عَمِلَتها. وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ: أَفْرَيْت الأَديم قَطَعْتُهُ عَلَى جِهَةِ الإِفساد، وفَرَيْته قَطَعْتُهُ عَلَى جِهَةِ الإِصلاح. غَيْرُهُ: أَفْرَيْت الشَّيْءَ شَقَقْتُهُ فانْفَرَى وتَفَرَّى أَي انْشَقَّ. يُقَالُ: تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَقَدْ أَفْرَى الذئبُ بطنَ الشاةِ، وأَفْرَى الجُرحَ يُفْرِيه إِذا بَطَّه. وجِلْد فَرِيٌّ: مَشْقُوق، وَكَذَلِكَ الفَرِيَّة، وَقِيلَ: الفَرِيَّة مِنَ القِرَب الْوَاسِعَةُ. ودلْو فَرِيٌّ: كَبِيرَةٌ وَاسِعَةٌ كأَنها شُقَّتْ؛ وَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
ولأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ، وَبَعْضُ ... القَوْمِ يَخْلُقُ ثُم لَا يَفْرِي
مَعْنَاهُ تُنَفِّذُ مَا تَعْزِم عَلَيْهِ وتُقَدِّرُه، وَهُوَ مَثَلٌ. وَيُقَالُ لِلشُّجَاعِ: مَا يَفْرِي فَرِيَّه أَحد، بِالتَّشْدِيدِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذِهِ رِوَايَةُ أَبي عُبَيْدٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَفْرِي فَرْيَه، بِالتَّخْفِيفِ، وَمَنْ شَدَّد فَهُوَ غَلَطٌ. التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا كَانَ حَادًّا فِي الأَمر قوِيّاً تَرَكْتُه يَفْرِي الفَرا «2». ويَقُدُّ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُهُ يَفْرِي الفَرِيَّ إِذا عَمِلَ العَمل أَو السَّقْي فأَجاد. وَقَالَ
النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَآهُ فِي مَنَامِهِ يَنْزِعُ عَنْ قَلِيب بغَرْب: فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً يَفْرِي فَرِيَّه
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هُوَ كَقَوْلِكَ يعمَل عمَله وَيَقُولُ قَوْلَهُ ويقطَع قَطْعَهُ؛ قَالَ: وأَنشدنا الفراء لزُرارة بن صَعْب يُخاطب العامِرِيَّةَ:
قَدْ أَطْعَمَتْني دَقَلًا حَوْلِيّا ... مُسَوِّساً مُدَوِّداً حَجْرِيَّا،
قَدْ كنتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيَّا
أَي كُنْتِ تُكْثِرِين فِيهِ القَول وتُعَظِّمِينه. يُقَالُ: فُلَانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ إِذا كَانَ يأْتي بالعَجَب فِي عَمَلِهِ، وَرُوِيَ يَفْرِي فَرْيَه، بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ، وَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنه أَنكر التَّثْقِيلَ وغلَّط قَائِلَهُ. وأَصل الفَرْي: القَطْع، وتقول العرب: تركته
__________
(1). قوله [شلت يدا إلخ] بين الصاغاني خلل هذا الإنشاد في مادة صغر فقال وبعد الشطر الأول:
وعميت عين التي أرتها ... أساءت الخرز وأنجلتها
أعارت الأشفى وقدرتها ... مسك شبوب ...
إلخ وأبدل الساقي بالنازع.
(2). قوله [تركته يفري الفرا] كذا ضبط في الأصل والتكملة وعزاه فيها للفراء، وعليه ففيها لغتان
(15/153)

يَفْرِي الفَرِيَّ إِذا عَمِلَ الْعَمَلَ فأَجاده. وَفِي حَدِيثِ
حَسَّانَ: لأَفْرِيَنَّهم فَرْيَ الأَدِيم
أَي أُقَطِّعُهم بِالْهِجَاءِ كَمَا يُقَطَّع الأَدِيم، وَقَدْ يُكْنَى بِهِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَتْلِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ غَزوة مُوتة:
فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي بِالْمُسْلِمِينَ
أَي يُبَالِغُ فِي النِّكاية وَالْقَتْلِ؛ وَحَدِيثُ
وَحْشِيٍّ: فرأَيت حَمْزَةَ يَفرِي النَّاسَ فَرْياً
، يَعْنِي يَوْمَ أُحد. وتَفَرَّت الأَرضُ بالعُيون: تَبَجَّسَتْ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
غِماراً تُفَرَّى بالسِّلاحِ وبالدَّمِ
وأَفْرَى الرجلَ: لَامَهُ. والفِرْيةُ: الْكَذِبُ. فَرَى كَذِبًا فَرْياً وافْتَرَاه: اخْتَلَقَهُ. وَرَجُلٌ فَرِيٌّ ومِفْرًى وإِنه لقَبِيح الفِرْية؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. اللَّيْثُ: يُقَالُ فَرَى فُلَانٌ الْكَذِبَ يَفْرِيه إِذا اخْتَلَقَهُ، والفِرْيَة مِنَ الْكَذِبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: افْتَرَى الْكَذِبَ يَفْترِيه اخْتَلَقَهُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ*
؛ أَي اخْتَلَقَهُ. وفَرَى فُلَانٌ كَذَا إِذا خلَقَه، وافتَرَاه: اخْتَلَقَهُ، وَالِاسْمُ الفِرْيَة. وَفِي الْحَدِيثِ:
مِن أَفْرَى الفِرَى أَن يُرِيَ الرَّجلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيا
؛ الفِرَى: جَمْعُ فِرْيَة وَهِيَ الْكِذْبَةُ، وأَفْرَى أَفعل مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ أَي أَكْذَب الْكِذْبَاتِ أَن يَقُولَ: رأَيت فِي النَّوْمِ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَكُنْ رأَى شَيْئًا، لأَنه كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فإِنه هُوَ الَّذِي يُرْسِل ملَك الرُّؤْيَا لِيُرِيَهُ الْمَنَامَ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَقَدْ أَعظم الفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ
أَي الكَذِب. وَفِي حَدِيثِ بَيْعة النِّسَاءِ:
وَلَا يأْتِين ببُهتانٍ يَفْتَرِينه
؛ هُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْكَذِبِ. أَبو زَيْدٍ: فَرَى البَرْقُ يَفْرِي فَرْياً وَهُوَ تَلأْلُؤه وَدَوَامُهُ فِي السَّمَاءِ. والفَرِيُّ: الأَمر الْعَظِيمُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: الفَرِيُّ الأَمر الْعَظِيمُ أَي جِئْتَ شَيْئًا عَظِيمًا، وَقِيلَ: جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
أَي مَصْنُوعًا مخْتلَقاً، وَفُلَانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ إِذا كَانَ يأْتي بِالْعَجَبِ فِي عَمَلِهِ. وفَرِيتُ: دَهِشْتُ وحِرْتُ؛ قَالَ الأَعلم الْهُذَلِيُّ:
وفَرِيتُ مِنْ جَزَعٍ فَلَا أَرْمِي، ... وَلَا وَدّعْتُ صاحِبْ
أَبو عُبَيْدٍ: فَرِيَ الرَّجُلُ، بِالْكَسْرِ، يَفْرَى فَرًى، مَقْصُورٌ، إِذَا بُهِتَ ودَهِشَ وتَحَيَّر. قَالَ الأَصمعي: فَرِيَ يَفْرى إِذَا نَظَرَ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع. والفَرْيَة: الجَلَبة. وفرو
فَرْوَة وفرو
فَرْوَان: اسْمان.
فسا: الفَسْو: مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ الفُسَاء «3». وفَسا فَسْوَة وَاحِدَةً وفَسَا يَفْسو فَسْواً وفُسَاء، وَالِاسْمُ الفُساء، بِالْمَدِّ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
إِذَا تَعَشَّوْا بَصَلًا وخَلًّا، ... يأْتُوا يَسُلُّون الفُسَاءَ سَلًّا
وَرَجُلٌ فَسَّاء وفَسُوٌّ: كَثِيرُ الفَسْو. قَالَ ثَعْلَبٌ: قِيلَ لِامْرَأَةٍ أَيُّ الرِّجَالِ أَبغض إِلَيْكِ؟ قَالَتْ: العَثِنُ «4» النَّزَّاء الْقَصِيرُ الفَسّاء الَّذِي يَضْحَك فِي بَيْتِ جَارِهِ وَإِذَا أَوى بَيْتَهُ وَجَم؛ الشَّدِيدُ الحَمْل «5» قَالَ أَبو ذُبيان ابْنُ الرَّعْبل: أَبغض الشُّيُوخِ إلىَّ الأَقْلح الأَمْلَح الحَسُوُّ الفَسُوُّ. وَيُقَالُ للخُنْفساء: الفَسَّاءَة، لنَتْنها. وَفِي الْمَثَلِ: مَا أَقرَبَ مَحْساه مِنْ مَفْسَاه. وَفِي الْمَثَلِ: أَفحش مِنْ فَاسِيَةٍ، وَهِيَ الْخُنْفُسَاءُ تَفْسو فتُنْتِنُ الْقَوْمَ بخُبث رِيحها، وَهِيَ الفَاسِيَاء أَيضاً. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَفْسَى مِنَ الظَّرِبان، وَهِيَ دابة تجيء إلى حُجر الضَّبِّ فَتَضَعُ قَبَّ اسْتِهَا عِنْدَ فَم الجُحر فَلَا تَزَالُ تَفُسُو حَتَّى تَسْتَخْرِجه، وتصغير
__________
(3). قوله [والجمع الفُسَاء] كذا ضبط في الأصل ولعله بكسر الفاء كدلو ودلاء.
(4). قوله [العثن] كذا في الأصل مضبوطاً ولعله العبنّ أو العتن كفرح أو غير ذلك
(5). قوله: [الشديد الحمل]؛ هكذا في الأَصل
(15/154)

الفَسْوَة فُسَيَّة. وَيُقَالُ: أَفْسَى مِنْ نِمس وَهِيَ دُويْبَّة كَثِيرَةُ الفُسَاء. ابْنُ الأَعرابي: قَالَ نُفَيع بْنُ مُجاشع لِبِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ يُسابُّه يَا ابْنَ زَرَّة وَكَانَتْ أُمه أَمة وَهَبَهَا لَهُ الحجاج، وقال: وَمَا تَعِيب مِنْهَا؟ كَانَتْ بِنْتَ مَلِك وحِباء مَلِك حبَا بِهَا مَلِكًا قَالَ: أَما عَلَى ذَلِكَ لَقَدْ كَانَتْ فَسَّاءً أَدَمُّها وَجْهُهَا وأَعظمها رَكَبُها قَالَ: ذَلِكَ أعْطِيةُ اللَّهِ، قَالَ: والفَسَّاء والبَزْخاء وَاحِدٌ، قَالَ: والانْبِزاخُ انْبِزَاخُ مَا بَيْنَ وِرْكَيْهَا وَخُرُوجُ أَسفل بَطْنِهَا وَسُرَّتِهَا؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِ الرَّاجِزِ:
بِكْراً عَواساءَ تَفاسى مُقْرِبا
قَالَ: تَفَاسَى تُخرج استَها، وتَبازى تَرْفَعُ أَليَتَيْها. وَحُكِيَ عَنِ الأَصمعي أَنَّهُ قَالَ: تَفَاسأَ الرَّجُلُ تَفَاسُؤاً، بالهمزة، إِذَا أَخرج ظَهْرَهُ، وأَنشد هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَهْمِزْهُ. وتَفَاسَتِ الخنفساءُ إِذَا أَخرجت اسْتَهَا كَذَلِكَ. وتَفَاسَى الرَّجُلُ: أَخرج عَجِيزَتَهُ. والفَسْوُ والفُساة: حَيٌّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ. التَّهْذِيبُ: وَعَبْدُ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهُمُ الفُسَاة يُعْرَفُونَ بِهَذَا. غَيْرُهُ: الفَسْوُ نَبْزُ حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ جَاءَ مِنْهُمْ رَجُلٌ ببُردَيْ حِبَرة إِلَى سُوقِ عُكاظ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي مِنَّا الفَسْوَ بِهَذَيْنِ البُردين؟ فَقَامَ شَيْخٌ مِنْ مَهْوٍ فارْتَدى بأَحدهما وأْتَزر بِالْآخَرِ، وَهُوَ مُشْتَرِي الْفَسْوَ بِبُرْدَيْ حِبرة، وَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فَقِيلَ أَخْيَبُ صَفْقةً مِنْ شَيْخِ مَهْوٍ، وَاسْمُ هَذَا الشَّيْخِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَيْذَرة؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
يَا مَنْ رَأَى كصَفْقَةِ ابْنِ بَيْذَرهْ ... مِن صَفْقةٍ خاسِرةٍ مُخَسِّرهْ،
المُشْتَري الفَسْوَ ببُردَي حِبَرَه
وفَسَوَاتُ الضِّباع: ضَرْب مِنَ الكَمْأَة. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: هِيَ القَعْبَلُ مِنَ الكمأَة، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: فَسْوَةُ الضَّبُعِ شَجَرَةٌ تَحْمِلُ مِثْلَ الخَشْخاش لَا يُتحصل مِنْهُ شَيْءٌ. وَفِي حَدِيثِ
شُرَيْحٍ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطلِّق المرأَة ثم يَرْتَجِعها فيَكْتُمها رَجْعتها حتَى تَنقضيَ عِدَّتُها، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا فَسوة الضَّبُعِ
أَي لَا طَائِلَ لَهُ فِي ادِّعَاءِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ انقِضاء العدَّة، وَإِنَّمَا خَصَّ الضَّبُعَ لحُمْقها وخُبْثها، وَقِيلَ: هِيَ شَجَرَةٌ تَحْمِلُ الْخَشْخَاشَ لَيْسَ فِي ثَمَرِهَا كَبِيرُ طَائِلٍ؛ وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنْهَاجِ فِي الطِّبِّ: هِيَ القَعْبل وَهُوَ نَبَاتٌ كَرِيهُ الرَّائِحَةِ لَهُ رَأْسٌ يُطبخ وَيُؤْكَلُ بِاللَّبَنِ، وَإِذَا يَبِسَ خَرَجَ مِنْهُ مِثْلُ الوَرْس. وَرَجُلٌ فَسَوِيٌّ: مَنْسُوبٌ إِلَى فَسَا، بَلَدٌ بِفَارِسَ. وَرَجُلٌ فَسَاسارِيٌّ عَلَى غَيْرِ قياس.
فشا: فَشا خَبَرُه يَفْشُو فُشُوًّا وفُشِيًّا: انْتَشَرَ وذاعَ، كَذَلِكَ فَشَا فَضْلُه وعُرْفُه وأَفْشَاه هُوَ؛ قَالَ:
إنَّ ابنَ زَيْدٍ لَا زالَ مُسْتَعْملًا ... بالخَيْرِ يُفْشي فِي مِصْرِه العُرُفا
وَفَشَا الشيءُ يَفْشُو فُشوًّا إِذَا ظَهَرَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ إفْشَاء السِّرِّ. وَقَدْ تَفَشَّى الحِبرُ إِذَا كُتب عَلَى كاغَد رَقِيقٍ فتمشَّى فِيهِ. وَيُقَالُ: تَفَشَّى بِهِمُ الْمَرَضُ وتَفَشَّاهم الْمَرَضُ إِذَا عَمَّهم؛ وأَنشد:
تَفَشَّى بإخْوانِ الثِّقاتِ فعَمَّهم، ... فأَسْكَتُّ عَنِّي المُعْوِلاتِ البَواكيا
وَفِي حَدِيثِ الْخَاتَمِ:
فَلَمَّا رَآهُ أَصحابه قَدْ تخَتَّم بِهِ فَشَت خَوَاتِيمُ الذَّهَبِ
أَي كَثُرَتْ وَانْتَشَرَتْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَفْشَى اللهُ ضَيْعَته
أَي كثَّر عَلَيْهِ معاشَه ليَشْغَلَه عَنِ الْآخِرَةِ، وَرُوِيَ:
أَفْسدَ اللَّهُ ضَيْعَته
، رَوَاهُ الْهَرَوِيُّ كَذَلِكَ فِي حَرْفِ الضَّادِ، وَالْمَعْرُوفُ الْمَرْوِيُّ أَفْشى. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: وآيةُ ذَلِكَ
(15/155)

أَن تَفْشُوَ الْفَاقَةُ.
والفَوَاشِي: كُلُّ شَيْءٍ مُنْتَشر مِنَ الْمَالِ كَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ والإِبل وَغَيْرِهَا لأَنها تَفْشُو أَي تَنْتَشِرُ فِي الْأَرْضِ، وَاحِدَتُهَا فَاشِيَةٌ. وَفِي حَدِيثِ هَوازِن:
لمَّا انْهَزَمُوا قَالُوا الرأْيُ أَن نُدْخِلَ فِي الحِصْنِ ما قَدَرنا عليه مِنْ فَاشِيَتِنَا
أَي مَواشِينا. وتَفَشَّى الشَّيْءُ أَيِ اتَّسَعَ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: إِنِّي لأَحفظ فُلَانًا فِي فَاشَيْته، وَهُوَ مَا انْتَشَرَ مِنْ مَالِهِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا. وَرُوِيَ عَنِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: ضُمُّوا فَواشِيَكم بِاللَّيْلِ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمةُ العِشاء.
وأَفْشَى الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَتْ فَوَاشِيه. ابْنُ الأَعرابي: أَفْشَى الرَّجُلُ وأَمْشى وأَوْشى إِذَا كَثُرَ مَالُهُ، وَهُوَ الفَشَاء والمَشاء، مَمْدُودٌ. اللَّيْثُ: يُقَالُ فَشَتْ عَلَيْهِ أُموره إِذَا انْتَشَرَتْ فَلَمْ يَدْرِ بأَيِّ ذَلِكَ يأْخذ، وأَفْشَيْته أَنا. والفَشَاء، مَمْدُودٌ: تَناسل الْمَالِ وَكَثْرَتُهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ حِينَئِذٍ وَانْتِشَارِهِ. وَقَدْ أَفْشَى الْقَوْمُ. وتَفَشَّتِ القَرحة: اتَّسَعَتْ وأَرِضَتْ. وتَفَشَّاهم المَرَض وتَفَشَّى بِهِمْ: انْتَشَرَ فِيهِمْ. وإِذا نِمت مِنَ اللَّيْلِ نَوْمة ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ الفَاشِيَةُ. والفَشَيَانُ: الغَثْية «1» الَّتِي تَعْتَرِي الإِنسان، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ تَاسَا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الفَشْوَةُ قُفَّة يَكُونُ فِيهَا طِيب المرأَة؛ قَالَ أَبو الأَسود العِجْلي:
لَهَا فَشْوَةٌ فِيها مَلابٌ وزِئْبَقٌ، ... إِذا عَزَبٌ أَسْرَى إِليها تَطَيَّبا
فصي: فَصى الشيءَ مِنَ الشَّيْءِ فَصْياً: فَصَله. وفَصْيَةُ مَا بَيْنَ الحَرّ وَالْبَرْدِ: سَكْتة بَيْنَهُمَا مِنْ ذَلِكَ. وَيُقَالُ مِنْهُ: ليلةُ فُصْيَةٍ وليلةٌ فُصْيَةٌ، مُضَافٌ وَغَيْرُ مُضَافٍ. ابْنُ بُزُرْج: اليومُ فُصْيةٌ «2» واليومُ يومُ فُصْيةٍ، وَلَا يَكُونُ فُصْية صِفَةً، وَيُقَالُ: يومٌ مُفْصٍ صِفَةٌ، قَالَ: والطَّلْقة تَجْري مَجْرى الفُصْية وَتَكُونُ وَصْفًا لِلَّيْلَةِ كَمَا تَقُولُ يومٌ طَلْقٌ. وأَفْصى الْحَرُّ: خَرَجَ، وَلَا يُقَالُ فِي الْبَرْدِ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: أَفْصَى عنكَ الشِّتَاءُ وَسَقَطَ عَنْكَ الْحَرُّ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: وَمِنْ أَمثالهم فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي غَمٍّ فَيَخْرُجُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَفْصَى عَلَيْنَا الشِّتَاءُ. أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ اتَّقُوا الفَصْيَة، وَهُوَ خُرُوجٌ مِنْ بَرْدٍ إِلى حَرٍّ وَمِنْ حَرٍّ إِلى بَرْدٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: كُلُّ شَيْءٍ لَازِقٍ فخلَّصته قُلْتَ هَذَا قَدِ انْفَصَى. وأَفْصَى الْمَطَرُ: أَقْلَع. وتَفَصَّى اللحمُ عَنِ الْعَظْمِ وانْفَصَى: انْفَسَخَ. وفَصَى اللَّحْمُ عَنِ الْعَظْمِ وفَصَّيْتُه مِنْهُ تَفْصِية إِذا خلَّصته مِنْهُ، وَاللَّحْمُ المُتهرّي ينْفَصي عَنِ الْعَظْمِ، والإِنسان يَنْفَصِي مِنَ الْبَلِيَّةِ. وتَفَصَّى الإِنسانُ إِذا تخلَّص مِنَ الضِّيقِ وَالْبَلِيَّةِ. وتَفَصَّى مِنَ الشَّيْءِ: تَخَلَّصَ، وَالِاسْمُ الفَصْيَة، بِالتَّسْكِينِ. وَفِي حَدِيثِ
قَيلة بِنْتِ مَخْرمة: أَن جُوَيْرية مِنْ بَنَاتِ أُختها حُدَيْباء قَالَتْ، حِينَ انْتَفَجَت الأَرنب وَهُمَا تَسيرانِ: الفَصْيَة، وَاللَّهِ لَا يَزَالُ كَعبكِ عَالِيًا
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: تَفَاءَلَتْ بِانْتِفَاجِ الأَرنب فأَرادت بالفَصْيَة أَنها خَرَجَتْ مِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ؛ وَمِنْ هَذَا حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه ذَكَرَ الْقُرْآنَ فَقَالَ: هُوَ أَشد تفَصِّياً مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَم مِنْ عُقُلِها
أَي أَشدّ تَفَلُّتاً وَخُرُوجًا. وأَصل التَّفَصِّي: أَن يَكُونَ الشَّيْءُ فِي مَضِيقٍ ثُمَّ يَخْرُجَ إِلى غَيْرِهِ. ابْنُ الأَعرابي: أَفْصَى إِذا تَخَلَّصَ مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصل الفَصْيَة الشَّيْءُ تَكُونُ فِيهِ ثُمَّ تخرج
__________
(1). قوله [والفَشَيَان الغثية] ضبط الفشيان في التكملة والأصل والتهذيب بهذا الضبط، واغتروا بإطلاق المجد فضبطوه في بعض النسخ بالفتح. وأما الغثية فهي عبارة الأصل والتهذيب أيضا ولكن الذي في القاموس والتكملة بالشين المعجمة بدل المثلثة.
(2). قوله [فصية] ضبط في الأصل بالضم كما ترى وفي المحكم أيضاً، وضبط في القاموس بالفتح.
(15/156)

مِنْهُ، فكأَنها أَرادت أَنها كَانَتْ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ مِنْ قِبَلِ عَمِّ بَنَاتِهَا، فَخَرَجَتْ مِنْهُ إِلى السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، وإِنما تفاءَلت بِانْتِفَاجِ الأَرنب. وَيُقَالُ: مَا كِدْتُ أَتَفَصَّى مِنْ فُلَانٍ أَي مَا كِدْتُ أَتخلص مِنْهُ. وتَفَصَّيْتُ مِنَ الدُّيُونِ إِذا خَرَجْتَ مِنْهَا وَتَخَلَّصْتَ. وتفَصَّيت مِنَ الأَمر تَفَصِّياً إِذا خَرَجْتَ مِنْهُ وَتَخَلَّصْتَ. والفَصَى: حَبُّ الزَّبِيبِ، وَاحِدَتُهُ فَصاة؛ وأَنشد أَبو حَنِيفَةَ:
فَصًى مِنْ فَصى العُنْجُد
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا جَمِيعُ مَا أَنشده مِنْ هَذَا الْبَيْتِ. وأَفْصَى: اسْمُ رَجُلٍ. التَّهْذِيبُ: أَفْصَى اسْمُ أَبي ثَقِيف وَاسْمُ أَبي عَبْدِ الْقَيْسِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُمَا أَفْصَيان أَفْصى بْنِ دُعْمي بْنِ جَديلة بْنِ أَسد بْنِ رَبِيعَةَ، وأَفْصَى بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسد بْنِ رَبِيعَةَ. وَبَنُو فُصَيَّة: بطن.
فضا: الفَضَاءُ: الْمَكَانُ الْوَاسِعُ مِنَ الأَرض، وَالْفِعْلُ فَضا يَفْضُو فُضُوّاً «1» فَهُوَ فَاضٍ؛ قال رؤبة:
أَفْرَخَ فَيْضُ بَيْضِها المُنْقاضِ، ... عَنكُم، كِراماً بالمَقام الفَاضِي
وَقَدْ فَضَا المكانُ وأَفْضَى إِذا اتَّسَعَ. وأَفْضَى فلانٌ إِلى فُلَانٍ أَي وَصَل إِليه، وَأَصْلُهُ أَنه صَارَ فِي فُرْجَته وفَضائه وحَيِّزه؛ قَالَ ثَعْلَبُ بْنُ عُبَيْدٍ يَصِفُ نَحْلًا:
شَتَتْ كثَّةَ الأَوْبارِ لَا القُرَّ تتَّقي، ... وَلَا الذِّئْب تَخْشى، وَهْيَ بالبَلدِ المُفْضِي
أَي العَراء الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، وأَفْضَى إِليه الأَمْرُ كَذَلِكَ. وأَفْضَى الرَّجُلُ: دَخَلَ عَلَى أَهله. وأَفْضى إِلى المرأَة: غَشِيها، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذا خَلَا بِهَا فَقَدْ أَفْضَى، غَشِيَ أَو لَمْ يَغْشَ، والإِفضاء فِي الْحَقِيقَةِ الِانْتِهَاءُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ
؛ أَي انْتَهى وأَوى، عدَّاه بإِلى لأَن فِيهِ مَعْنَى وصَل، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ. ومَرَة مُفْضَاة: مَجْمُوعَةُ المَسْلَكين. وأَفْضَى المرأَةَ فَهِيَ مُفْضَاة إِذا جامَعها فجعلَ مَسْلَكَيْها مَسْلَكاً وَاحِدًا كأَفاضها، وَهِيَ المُفْضَاة مِنَ النِّسَاءِ. الْجَوْهَرِيُّ: أَفْضَى الرجلُ إِلى امرأَته باشَرها وَجَامَعَهَا. والمُفْضَاةُ: الشَّريمُ. وأَلقى ثَوبه فَضاً: لَمْ يُودعْه. وَفِي
حَدِيثِ دُعائه لِلنَّابِغَةِ: لَا يُفْضِي اللهُ فَاكَ
؛ هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَمَعْنَاهُ أَن لَا يَجْعَلَهُ فَضاء لَا سنَّ فِيهِ. والفَضَاء: الْخَالِي الْفَارِغُ الْوَاسِعُ مِنَ الأَرض. وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ:
ضَرَبَهُ بِمرْضَافَةٍ وسَط رأْسه حَتَّى يُفْضِيَ كلُّ شَيْءٍ مِنْهُ
أَي يَصِيرَ فَضاء. والفَضَاء: الساحةُ وَمَا اتَّسَعَ مِنَ الأَرض. يُقَالُ: أَفْضَيت إِذا خَرَجْتَ إِلى الْفَضَاءِ. وأَفْضَيْت إِلى فُلَانٍ بِسِرِّي. الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ لَا يُفْضِ اللهُ فَاكَ مِنْ أَفْضَيْت. قَالَ: والإِفْضَاء أَن تَسقط ثَنَايَاهُ مِنْ فَوْقُ وَمِنْ تَحْتُ وَكُلُّ أَضراسه؛ حَكَاهُ شَمِرٌ عَنْهُ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَمَنْ هَذَا إِفْضَاء المرأَة إِذا انْقَطَعَ الحِتار الَّذِي بَيْنَ مَسْلَكَيْهَا؛ وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
ومَنْ يوفِ لَا يُذْمَمْ، ومَنْ يُفْضِ قَلْبه ... إِلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لَا يَتَجَمْجَمِ
أَي مَن يَصر قلبُه إِلى فَضاء مِنَ الْبِرِّ لَيْسَ دُونَهُ سَتْرٌ لَمْ يَشتبه أَمره عَلَيْهِ فيتجَمجم أَي يَتَرَدَّدَ فِيهِ. والفَضَى، مَقْصُورٌ: الشَّيْءُ الْمُخْتَلِطُ، تَقُولُ: طَعَامٌ فَضًى أَي فَوْضى مُخْتَلِطٌ. شَمِرٌ: الفَضاء مَا اسْتَوَى مِنَ الأَرض وَاتَّسَعَ، قَالَ: وَالصَّحْرَاءُ فَضَاء. قال
__________
(1). قوله [يَفْضُو فُضُوّاً] كذا بالأصل وعبارة ابن سيدة يَفْضُو فَضَاءً وفُضُوّاً وكذا في القاموس فالفَضَاء مشترك بين الحدث والمكان
(15/157)

أَبو بَكْرٍ: الفِضَاء، مَمْدُودٌ، كالحِساء وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى وَجْهِ الأَرض، وَاحِدَتُهُ فَضِيَّةٌ «1»؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
فصَبَّحْن قَبْلَ الوارِداتِ مِنَ القَطا، ... ببَطْحاءِ ذِي قارٍ، فِضَاءً مُفَجَّرا
والفَضْيَةُ: الْمَاءُ المُسْتَنْقِع، وَالْجَمْعُ فِضَاء، مَمْدُودٌ؛ عَنْ كُرَاعٍ؛ فأَما قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاع:
فأَوْرَدها، لَمَّا انْجَلى الليلُ أَوْ دَنا، ... فِضًى كُنَّ للجُونِ الحَوائِم مَشْرَبا
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: يُرْوَى فَضًى وفِضًى، فَمَنْ رَوَاهُ فَضًى جَعَلَهُ مِنْ بَابِ حَلْقةٍ وحَلَقٍ ونَشْفةٍ ونَشَفٍ، وَمَنْ رَوَاهُ فِضًى جَعَلَهُ كَبَدْرَةٍ وبِدَرٍ. والفَضَا: جانِب «2» الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ، يُكْتَبُ بالأَلف، وَيُقَالُ فِي تَثْنِيَتِهِ ضَفَوانِ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
قَفْراً بِمُنْدَفِع النَّحائِتِ مِنْ ... ضَفَوَيْ أُلاتِ الضّالِ والسِّدْرِ
النَّحَائِتُ: آبَارٌ مَعْرُوفَةٌ. وَمَكَانٌ فاضٍ ومُفْضٍ أَي وَاسِعٌ. وأَرض فَضاء وبَرازٌ، والفَاضِي: البارِزُ؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ يَصِفُ فَرَسَهُ:
أَمّا إِذا أَمْسَى فَمُفْضٍ مَنْزِلُه، ... نَجْعَلُه فِي مَرْبَطٍ، نَجْعَلُه
مُفْضٍ: وَاسْعٌ. والمُفْضَى: المُتَّسَع؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ:
خَوْقاء مُفْضَاها إِلى مُنْخاقِ
أَي مُتَّسَعُها؛ وَقَالَ أَيضاً:
جاوَزْته بالقَوْم حَتَّى أَفْضَى ... بهِم، وأَمْضىَ سَفَرٌ مَا أَمْضَى «3»
قَالَ: أَفْضَى بَلَغَ بِهِمْ مَكَانًا وَاسِعًا أَفْضَى بِهِمْ إِليه حَتَّى انْقَطَعَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ إِلى شَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ. وَيُقَالُ: قَدْ أَفْضَيْنا إِلى الفَضاء، وَجَمْعُهُ أَفْضِيَة. وَيُقَالُ: تَرَكْتُ الأَمر فَضاً أَي تَرَكْتُهُ غيرَ مُحْكَم. وَقَالَ أَبو مَالِكٍ: يُقَالُ مَا بَقِيَ فِي كِنانته إِلَّا سَهْمٌ فَضاً؛ فَضاً أَي وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: سَهْمٌ فَضاً إِذا كَانَ مُفْرداً لَيْسَ فِي الكِنانة غَيْرُهُ. وَيُقَالُ: بَقِيت مِنْ أَقْراني فَضاً أَي بَقِيتُ وَحْدِي، وَلِذَلِكَ قِيلَ للأَمر الضَّعِيفِ غَيْرِ الْمُحْكَمِ فَضاً، مَقْصُورٌ. وأَفْضَى بِيَدِهِ إِلى الأَرض إِذا مَسَّها بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ فِي سُجوده. والفَضَا: حَبُّ الزَّبيب. وَتَمْرٌ فَضاً: مَنْثُورٌ مُخْتَلِطٌ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ الْمُخْتَلِطُ بِالزَّبِيبِ؛ وأَنشد:
فَقُلْتُ لهَا: يَا خَالَتِي لَكِ ناقَتي، ... وتمرٌ فَضاً، فِي عَيْبَتي، وزَبيبُ
أَي مَنْثُورٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُ المتأَخرين: يَا عَمَّتي. وأَمرُهم بَيْنَهُمْ فَضاً أَي سَوَاءٌ. ومَتاعُهم بَيْنَهُمْ فَوْضَى فَضاً أَي مُخْتَلِطٌ مُشْتَرَكٌ. غَيْرُهُ: وأَمرهم فَوْضَى وفَضاً أَي سَوَاءٌ بَيْنَهُمْ؛ وأَنشد للمُعَذِّل البَكْريِّ:
طَعامُهُمُ فَوْضَى فَضاً فِي رِحالِهم، ... وَلَا يُحْسِنُون الشَّرَّ إِلَّا تَنادِيا
وَيُقَالُ: الناسُ فَوْضَى إِذا كانوا لَا أَميرَ عَلَيْهِمْ وَلَا مَنْ يَجْمَعُهُمْ. وأَمرُهُم فَضاً بَيْنَهُمْ أَي لَا أَمير عَلَيْهِمْ. وأَفْضَى إِذا افْتَقَرَ.
فطا: فَطَا الشيءَ يَفْطُوه فَطْواً: ضَرَبَهُ بِيَدِهِ وشَدَخَه، وفَطَوْتُ المرأَةَ: أَنْكَحْتها. وفَطَا المرأَة
__________
(1). قوله [واحدته فضية] هذا ضبط التكملة، وفي الأصل فتحة على الياء فمقتضاه أنه من باب فعلة وفعال.
(2). قوله [والفَضَا جانب إلخ] كذا بالأصل، ولعله الضفا بتقديم الضاد إذ هو الذي بمعنى الجانب وبدليل قوله: وَيُقَالُ فِي تَثْنِيَتِهِ ضَفَوَانِ، وبعد هذا فإيراده هنا سهو كما لا يخفى
(3). قوله [ما أمضى] كذا في الأصل، والذي في نسخة التهذيب: ما أفضى.
(15/158)

فَطْواً: نكَحها.
فظا: الفَظَى، مَقْصُورٌ «1»: مَاءُ الرَّحِم، يُكْتَبُ بِالْيَاءِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
تَسَرْبَلَ حُسْنَ يُوسُف فِي فَظاهُ، ... وأُلْبِسَ تاجَه طِفْلًا صَغِيرا
حَكَاهُ كُرَاعٌ، وَالتَّثْنِيَةُ فَظَوَانِ، وَقِيلَ: أَصله الفَظُّ فَقُلِبَتِ الظَّاءُ يَاءً، وَهُوَ مَاءُ الْكَرِشِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَضَيْنَا بأَن أَلفه مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ لأَنها مَجْهُولَةُ الِانْقِلَابِ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ اللَّامِ، وإِذا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ اللَّامِ فَانْقِلَابُهَا عَنِ الْيَاءِ أَكثر منه عن الواو.
فعا: قَالَ الأَزهري: الأَفْعَاء الرَّوائحُ الطيِّبةُ. وفَعا فُلَانٌ شَيْئًا إِذا فَتَّتَه. وَقَالَ شَمِرٌ فِي كِتَابِ الْحَيَّاتِ: الأَفْعَى مِنَ الحَيّاتِ الَّتِي لَا تَبْرَحُ، إِنما هِيَ مُتَرَحِّية، وتَرَحِّيها اسْتِدارَتُها عَلَى نَفْسِهَا وتحَوِّيها؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ:
زُرْقِ العُيونِ مُتَلَوِّياتِ، ... حَوْلَ أَفَاعٍ مُتَحَوِّياتِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الأَفْعَى حَيَّةٌ عَرِيضة عَلَى الأَرض إِذا مشَت مُتَثَنِّيَةً بثِنيين أَو ثَلَاثَةٍ تَمْشِي بأَثْنائها تِلْكَ خَشْناء يَجْرُشُ بعضُها بَعْضًا، والجَرْشُ الحَكُّ والدَّلْك. وَسُئِلَ أَعرابي مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَنِ الجَرْش فَقَالَ: هُوَ العدْو البَطِيء. قَالَ: ورَأْسُ الأَفْعَى عَرِيضٌ كأَنه فَلْكة وَلَهَا قَرْنانِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنه سُئِلَ عَنْ قَتْل المُحْرِم الحيّاتِ فَقَالَ لَا بأْس بِقَتْلِهِ الأَفْعَوْ وَلَا بأْس بِقَتْلِ الحِدَوْ
، فَقَلَبَ الأَلف فِيهِمَا وَاوًا فِي لُغَتِهِ، أَراد الأَفْعَى وَهِيَ لُغَةُ أَهل الْحِجَازِ، قَالَ ابْنُ الأَثير: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقلب الأَلف يَاءً فِي الْوَقْفِ، وَبَعْضُهُمْ يشدِّد الْوَاوَ وَالْيَاءَ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الأَفْعَى لَا تَنْفَعُ مِنْهَا رُقْية وَلَا تِرْياقٌ، وَهِيَ حَيَّة رَقْشاء دَقِيقَةُ العُنق عريضةُ الرأْس، زَادَ ابْنُ سِيدَهْ: وَرُبَّمَا كَانَتْ ذَاتَ قَرْنَين، تَكُونُ وَصْفًا وَاسِمًا، وَالِاسْمُ أَكثر، وَالْجَمْعُ أَفاعٍ. والأُفْعُوانُ، بِالضَّمِّ: ذَكَرُ الأَفاعي، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنه قَالَ لِمُعَاوِيَةَ لَا تُطْرِقْ إِطراقَ الأُفْعوان
؛ هُوَ بِالضَّمِّ ذَكَرُ الأَفَاعِي. وأَرض مَفْعاةٌ: كَثِيرَةُ الأَفاعي. الْجَوْهَرِيُّ: الأَفْعى حَيَّةٌ، وَهِيَ أَفْعَلُ، تَقُولُ هَذِهِ أَفْعًى بِالتَّنْوِينِ؛ قَالَ الأَزهري: وَهُوَ مِنْ الفِعْل أَفعَل وأَرْوًى مَثَلُ أَفْعًى فِي الإِعراب، وَمِثْلُهَا أَرْطًى مِثْلُ أَرطاة «2». وتَفَعَّى الرَّجُلُ: صَارَ كالأَفْعَى فِي الشَّرِّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
رَأَتْه عَلَى فَوْت الشَّبابِ، وأَنَّه ... تَفَعَّى لَهَا إِخْوانُها ونَصِيرُها
وأَفْعَى الرَّجُلُ إِذا صَارَ ذَا شَرٍّ بَعْدَ خَيْرٍ. والفَاعِي: الغَضْبان المُزْبِدُ. أَبو زَيْدٍ فِي سِمات الإِبل: مِنْهَا المُفَعَّاةُ الَّتِي سِمَتها كالأَفعى، وَقِيلَ هِيَ السِّمة نَفْسُها، قَالَ: والمُثَفَّاة كالأَثافي، وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَلٌ مُفَعَّى إِذا وُسِم هَذِهِ، وَقَدْ فَعَّيْتُه أَنا. وأُفَاعِيَةُ: مَكان؛ وَقَوْلُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِلَابٍ:
هَلْ تَعْرِفُ الدَّار بِذِي البَناتِ ... إِلى البُرَيْقاتِ إِلى الأَفْعَاةِ،
أَيَّامَ سُعْدَى وَهِيَ كالمَهاةِ
أَدخل الْهَاءَ فِي الأَفْعى لأَنه ذهَب بِهَا إِلى الهَضْبة.
__________
(1). قوله [الفَظَى مقصور يكتب بالياء] ثم قوله [والتثنية فظوان] هذه عبارة التهذيب
(2). قوله [مثل أرطاة] كذا بالأصل.
(15/159)

والأَفْعَى: هَضْبَة فِي بِلَادِ بني كِلاب.
فغا: الفَغْو والفَغْوَة والفاغِيةُ: الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؛ الأَخيرة عَنْ ثَعْلَبٍ. والفَغْوَة: الزَّهْرَةُ. والفَغْو والفاغِيَةُ: وَرْدُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ الشَّجَرِ لَهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وأَفْغَى النباتُ أَي خَرَجَتْ فَاغِيَتُهُ. وأَفْغَتِ الشَّجَرَةُ إِذا أَخرجت فاغِيَتها، وَقِيلَ: الفَغْو والفَاغِيَةُ نَوْرُ الحِناء خَاصَّةً، وَهِيَ طَيِّبَةُ الرِّيحِ تَخْرج أَمثال الْعَنَاقِيدِ وَيَنْفَتِحُ فِيهَا نَوْر صِغار فتُجْتَنَى ويُرَبَّب بِهَا الدُّهن. وَفِي حَدِيثِ
أَنس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تُعْجبه الفَاغِيَةُ.
ودُهْنٌ مَفْغُوٌ: مُطَيِّب بِهَا. وفَغَا الشَجَرُ فَغْوًا وأَفْغى: تفَتَّح نَوْرُه قَبْلَ أَن يُثْمِر. وَيُقَالُ: وَجَدْتُ مِنْهُ فَغْوةً طَيِّبَةً وفَغْمة. وَفِي الْحَدِيثِ:
سَيِّدُ رَيْحانِ أهلِ الجنةِ الفَاغِيَةُ
؛ قَالَ الأَصمعي: الفَاغِيَةُ نَوْرُ الحِنَّاء، وَقِيلَ: نُورُ الرَّيْحَانِ، وَقِيلَ: نَوْر كُلِّ نَبْتٍ مِنْ أَنوار الصَّحْرَاءِ الَّتِي لَا تُزْرَعُ، وَقِيلَ: فَاغِيَة كُلِّ نَبْتٍ نُورُهُ. وكلُّ نَوْرٍ فَاغِيةٌ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لأَوْس ابن حَجر:
لَا زالَ رَيْحانٌ وفَغْوٌ ناضِرٌ ... يَجْري عَلَيْكَ بِمُسْبِلٍ هَطَّالِ
قَالَ: وَقَالَ الْعُرْيَانُ:
فَقُلْتُ لَهُ: جادَتْ عَلَيْكَ سحابةٌ ... بِنَوْءٍ يُنَدِّي كلَّ فَغْوٍ ورَيْحانِ
وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ السَّلَف فِي الزَّعْفَرَانِ فَقَالَ: إِذا فَغَا، يُرِيدُ إِذا نَوَّر، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ إِذا انْتَشَرَتْ رَائِحَتُهُ، مِنْ فَغَتِ الرائحةُ فَغْواً، وَالْمَعْرُوفُ فِي خُرُوجِ النَّوْر مِنَ النَّبَاتِ أَفْغى لَا فَغا. الْفَرَّاءُ: هُوَ الفَغْوُ والفَاغِيَةُ لنَوْرِ الحِناء. ابْنُ الأَعرابي: الفَاغِيَةُ أَحْسَنُ الرَّياحِينِ وأَطيَبُها رَائِحَةً. شَمِرٌ: الفَغْوُ نَوْر، والفَغْوُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
سُلافة الدَّنِّ مَرْفُوعاً نَصائِبُه، ... مُقَلَّدَ الفَغْوِ والرَّيْحانِ مَلْثُوما
والفَغَى، مَقْصُورٌ: البُسْر الْفَاسِدُ المُغْبَرُّ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيم:
أَكُنْتُم تَحْسَبونَ قِتالَ قَوْمي، ... كأَكْلِكُم الفَغايا والهَبِيدا؟
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ «1»: الفَغَى فسادُ البُسر. والفَغَى، مَقْصُورٌ: التَّمْرُ الَّذِي يَغْلُظ وَيَصِيرُ فِيهِ مِثْلَ أَجنحة الجَراد كالغَفَى. قَالَ اللَّيْثُ: الفَغَى ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ؛ قَالَ الأَزهري: هَذَا خطأٌ. والفَغَى: داءٌ يَقَعُ عَلَى البُسر مِثْلُ الْغُبَارِ، وَيُقَالُ: مَا الَّذِي أَفْغَاكَ أَي أَغْضَبَك وأَوْرَمك؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
وصارَ أَمثالَ الفَغَى ضَرائِري
وَقَدْ أَفْغَت النَّخْلَةُ. غَيْرُهُ: الإِغْفاء فِي الرُّطب مِثْلُ الإِفْغاء سَوَاءٌ. والفَغَى: مَا يَخرج مِنَ الطَّعَامِ فيُرمى بِهِ كالغَفى. أَبو الْعَبَّاسِ: الفَغَى الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ النَّاسِ والمأْكول وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَرْكُوبِ؛ وأَنشد:
إِذا فِئةٌ قُدِّمت للقِتال، ... فَرَّ الفَغى وصَلِينا بِهَا
ابْنُ سِيدَهْ: والفَغَى مَيَلٌ فِي الْفَمِ والعُلْبة والجَفْنة. والفَغَى: دَاءٌ؛ عَنْ كُرَاعٍ، وَلَمْ يَحُدّه، قَالَ: غَيْرَ أَني أُراه المَيَل فِي الْفَمِ. وأَخذَ بفَغْوِه أَي بِفَمِهِ. وَرَجُلٌ أَفْغَى وامرأَة فَغْوَاء إِذا كَانَ فِي فَمِهِ مَيَل. وأَفْغَى الرجلُ إِذا افْتَقَرَ بَعْدَ غِنًى، وأَفْغَى إِذا عَصى بَعْدَ طَاعَةٍ، وأَفْغَى إِذا سَمُجَ بعد حُسْن،
__________
(1). قوله [في موضع آخر] أي في باب الياء والمؤلف لم يفرد الواوي من اليائي كما صنع ابن سيدة وتبعه المجد لكنه قصر هنا.
(15/160)

وأَفْغَى إِذا دَامَ عَلَى أَكل الفَغى، وَهُوَ المُتغَيِّر مِنَ البُسر الْمُتَتَرِّبِ. والفَغْوَاء: اسْمٌ، وَقِيلَ: اسْمُ رَجُلٍ أَو لَقَبٍ؛ قَالَ عَنْتَرَةُ:
فهَلَّا وَفى الفَغْوَاءُ عَمرُو بنُ جابِرٍ ... بذِمَّتِه، وابنُ اللَّقِيطةِ عِصْيَدُ
فقا: الفَقْوُ: شَيْءٌ أَبيض يَخْرُجُ مِنَ النُّفَسَاءِ أَو النَّاقَةِ الْمَاخِضِ، وَهُوَ غلافٌ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ، وَالَّذِي حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ فَقْء، بِالْهَمْزِ، والفَقْوُ: مَوْضِعٌ. والفَقَا: مَاءٌ لَهُمْ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وفَقَوْتُ الأَثرَ: كقَفَوْته؛ حَكَاهُ يَعْقُوبُ فِي الْمَقْلُوبِ. وفُقا النَّبْلِ، مَقْلُوبٌ: لُغَةٌ فِي فُوقِها؛ قَالَ الفِندُ الزِّمّاني:
ونَبْلي وفُقَاها، ... كعَراقِيبِ قَطاً طُحْلِ
ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي تَرْجَمَةِ فوق. الْجَوْهَرِيُّ: فُقْوَةُ السَّهْمِ فُوقُه، وَالْجَمْعُ فُقاً؛ ابْنُ بَرِّيٍّ: ذَكَرَ أَبو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ أَخبار النَّحْوِيِّينَ أَن أَبا عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: أَنشدني هَذِهِ الأَبيات الأَصمعي لِرَجُلٍ مِنَ الْيَمَنِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، قَالَ: وَسَمَّاهُ غَيْرُهُ فَقَالَ هِيَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ، وأَنشد:
أَيا تَمْلِكُ، يَا تَمْلِ ... ذَريني، وذَري عَذْلي
ذَرِيني وسِلاحي ثُمَّ ... شُدِّي الكَفَّ بالعُزْلِ
ونَبلي وفُقاها، ... كعراقيب قَطًا طُحْلِ
وثَوبايَ جَدِيدان، ... وأَرْخِي شُرُكَ النَّعْلِ
ومِنِّي نَظْرةٌ خَلْفِي، ... ومِنِّي نَظْرةٌ قَبْلي
أَي أَفهم مَا حَضَرَ وَغَابَ.
فإِمَّا مُتُّ يَا تَمْلِ، ... فَمُوتي حُرَّةً مِثْلي
قَالَ أَبو عَمْرٍو: وَزَادَنِي فِيهَا الْجُمَحِيُّ:
وَقَدْ أَشْنَأُ للنُّدْمانِ ... بالناقةِ والرَّحْلِ
وَقَدْ أَخْتَلِسُ الضَّرْبةَ، ... لَا يَدْمى لَهَا نَصْلي
(15/161)

أَراد تَنْتَأَ فأَبدل الْهَمْزَةَ إِبدالًا صَحِيحًا؛ وَهِيَ الفِلاية مِنْ فَلْي الرأْس. والتَّفَلِّي: التَّكلُف لِذَلِكَ؛ قَالَ:
إِذا أَتَت جاراتِها تَفَلَّى، ... تُرِيك أَشْغَى قَلِحاً أَفَلَّا
وفَلَيْت رأْسه مِنَ الْقَمْلِ وتَفَالى هُوَ واسْتَفْلى رأْسُه أَي اشْتهى أَن يُفْلَى. وَفِي حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ: قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ دَعْه عَنْكَ فَقَدَ فَلَيْتُه فَلْيَ الصَّلَعِ
؛ هُوَ مِنْ فَلْي الشَّعَر وأَخذِ الْقَمْلِ مِنْهُ، يَعْنِي أَن الأَصْلَع لَا شَعَرَ لَهُ فَيَحْتَاجُ أَن يُفْلَى. التَّهْذِيبُ: وَالْحَطَا «1» والنِّساء يُقَالُ لَهُنَّ الفالِياتُ والفَوَالِي؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
تَراهُ كالثَّغام يُعَلُّ مِسْكاً ... يسُوء الفَالِياتِ، إِذا فَلَيْني
أَراد فَلَيْنَني بِنُونَيْنِ فَحَذَفَ إِحداهما اسْتِثْقَالًا لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ قَالَ الأَخفش: حُذِفَتِ النُّونُ الأَخيرة لأَن هَذِهِ النُّونَ وِقَايَةٌ لِلْفِعْلِ وَلَيْسَتْ بِاسْمٍ، فأَمّا النُّونُ الأُولى فَلَا يَجُوزُ طَرْحُهَا لأَنها الِاسْمُ الْمُضْمَرُ؛ وَقَالَ أَبو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
أَبالمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ أَني ... مُلاقٍ، لَا أَباكِ، تُخَوِّفِيني؟
أَراد تُخَوِّفِينني فَحَذَفَ، وَعَلَى هَذَا قرأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: فَبِمَ تُبَشِّرُونِ؛ فأَذهب إِحدى النُّونَيْنِ اسْتِثْقَالًا، كَمَا قَالُوا مَا أَحَسْتُ مِنْهُمْ أَحداً فأَلقوا إِحدى السِّينَيْنِ اسْتِثْقَالًا، فَهَذَا أَجدر أَن يُسْتَثْقَلَ لأَنهما جَمِيعًا مُتَحَرِّكَانِ. وتَفالَت الحُمُر: احْتَكَّت كأَنَّ بَعضها يَفْلي بَعضاً. التَّهْذِيبُ: وإِذا رأَيت الحُمُر كأَنها تَتحاكُّ دَفَقاً فإِنها تَتَفَالَى؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ظَلَّتْ تَفَالَى، وظَلَّ الجَوْنُ مُصْطَخِماً، ... كأَنَّه عَنْ سَرارِ الأَرضِ مَحْجُومُ
وَيُرْوَى: عَنْ تَناهِي الرَّوْضِ. وفَلَى رأْسه بِالسَّيْفِ فَلْياً: ضَرَبَهُ وَقَطَعَهُ؛ واسْتَفْلاه: تعرَّض لِذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فَلَوْتُ رأْسه بِالسَّيْفِ وفَلَيْته إِذا ضَرَبْتَ رأْسه؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَما تَراني رابِطَ الجَنانِ ... أَفْلِيه بِالسَّيْفِ، إِذا اسْتَفْلاني؟
ابْنُ الأَعرابي: فَلَى إِذا قطَع، وفَلِيَ إِذا انقطَع. وفَلَوْته بِالسَّيْفِ فَلْواً وفَلَيْته: ضَرَبْتُ بِهِ رأْسه؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
نُخاطِبُهم بأَلسِنةِ المَنايا، ... ونَفْلِي الهامَ بالبِيضِ الذُّكورِ
وَقَالَ آخَرُ:
أَفْلِيهِ بالسيفِ إِذا اسْتَفْلانِي، ... أُجِيبُه: لَبَّيْكَ، إِذْ دَعاني
وفَلَتِ الدابةُ فِلْوَها وأَفْلَتْه، وفَلَتْ أَحسن وأَكثر؛ وأَنشد بَيْتَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
قَدْ أَفْلَيْنَ أَمْهارا
ابْنُ الأَعرابي: فَلا الرجلُ إِذا سَافَرَ، وفَلا إِذا عقَل بَعْدَ جَهْلٍ، وفَلا إِذا قطَع. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: امْرِ الدَّمَ بِمَا كَانَ قاطِعاً مِنْ لِيطةٍ فالِيَةٍ
أَي قَصبة وشِقَّة قَاطِعَةٍ. قَالَ: وَالسِّكِّينُ يُقَالُ لَهَا الفَالِيَةُ. ومرَى دَمَ نَسِيكته إِذا اسْتَخْرَجَهُ. وفَلَيْت الشِّعرَ إِذا تَدَبَّرْتَهُ وَاسْتَخْرَجْتَ مَعَانِيَهُ وَغَرِيبَهِ؛ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ. وفَلَيْت الأَمر إِذا تأَملت وُجُوهَهُ
__________
(1). قوله [والحطا] كذا بالأصل، ولعله الحظى القمل، واحدته حظاة ويكون مقدماً من تأَخير، والأصل. وَالنِّسَاءُ يُقَالُ لَهُنَّ الفَالِيَات الحظى والفَوَالِي. وأما الحطا فمعناه عظام القمل، وراجع التهذيب فليست هذه المادة منه عندنا.
(15/163)

وَنَظَرْتَ إِلى عَاقِبَتِهِ. وفَلَوْتُ الْقَوْمَ وفَلَيْتهم إِذا تَخَلَلْتَهُمْ. وفَلاه فِي عَقْله فَلْياً: رازَه. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ فَلَيْت الرَّجُلَ فِي عَقْلِهِ أَفْلِيه فَلْياً إِذا نَظَرْتَ مَا عَقْلُه. والفَلاة: المَفازة. والفَلاة: القَفر مِنَ الأَرض لأَنها فُلِيَت عَنْ كُلِّ خَيْرٍ أَي فُطِمت وعُزِلت، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا، فأَقلها للإِبل رِبْع، وأَقلها لِلْحُمْرِ وَالْغَنَمِ غِبٌّ، وأَكثرها مَا بَلَغَتْ مِمَّا لَا مَاءَ فِيهِ، وَقِيلَ: هِيَ الصَّحْرَاءُ الْوَاسِعَةُ، وَالْجَمْعُ فَلًا وفَلَوات وفُلِيٌّ؛ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
وتَأْوي إِلى زُغْبٍ مَراضِيعَ دُونَها ... فَلًا، لَا تَخَطَّاهُ الرِّقابُ، مَهُوبُ
ابْنُ شُمَيْلٍ: الفَلاة الَّتِي لَا مَاءَ بِهَا وَلَا أَنيسَ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْلِئة. يُقَالُ: عَلَوْنَا فَلاة مِنَ الأَرض، وَيُقَالُ: الفَلاة الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. وأَفْلَى القومُ إِذا صَارُوا إِلى فَلَاةٍ. قَالَ الأَزهري: وَسَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ نَزَلَ بَنُو فُلَانٍ عَلَى مَاءِ كَذَا وَهُمْ يَفْتَلون الفَلاة مِنْ نَاحِيَةِ كَذَا أَي يَرعَوْن كلأَ الْبَلَدِ ويَرِدون الْمَاءَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وافْتِلاؤها رَعْيها وطَلَبُ مَا فِيهَا مِنْ لُمَع الكَلإِ، كَمَا يُفْلى الرأْسُ، وَجَمْعُ الفَلا فُلِيٌّ، على فُعول، مثل عَصاً وعُصِيٍّ؛ وأَنشد أَبو زَيْدٍ:
مَوْصُولة وَصْلًا بِهَا الفُلِيُّ، ... القِيُّ ثُمَّ القِيُّ ثُمَّ القِيُ
وأَما قول الحرث بْنِ حِلِّزة:
مِثْلُها يُخُرِجُ النَّصِيحةَ للقَوْمِ، ... فَلاةٌ مِن دُونِهَا أَفْلاء
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: لَيْسَ أَفْلاء جَمْعَ فَلاة لأَن فَعَلة لَا يكَسَّر عَلَى أَفْعال، إِنما أَفلاء جَمْعُ فَلًا الَّذِي هُوَ جَمْعُ فَلاةٍ. وأَفْلَيْنَا: صِرْنا إِلى الفَلاة: وفَالِيَةُ الأَفاعي: خُنْفُساء رَقْطاء ضَخْمَةٌ تَكُونُ عِنْدَ الجِحرَة وَهِيَ سَيِّدَةُ الْخَنَافِسِ، وَقِيلَ: فَالِيَةُ الأَفاعي دوابُّ تَكُونُ عِنْدَ جِحَرَةِ الضِّباب، فإِذا خَرَجَتْ تِلْكَ عُلِمَ أَن الضَّبّ خَارِجٌ لَا مَحالة فَيُقَالُ: أَتتكم فَالِيَة الأَفاعي، جمعٌ، عَلَى أَنه قَدْ يُخْبِرُ فِي مِثْلِ هَذَا عَنِ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الْعَرَبُ تَقُولُ أَتتكم فَالِيَة الأَفاعي؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لأَول الشَّرِّ يُنتظر، وَجَمْعُهَا الفَوَالِي، وَهِيَ هَناةٌ كالخَنافِس رُقْطٌ تأْلف الْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتَ، فإِذا رُؤِيَتْ فِي الْجِحَرَةِ عُلِمَ أَن وَرَاءَهَا الْعَقَارِبَ والحيات.
فني: الفَنَاء: نَقِيض الْبَقَاءِ، وَالْفِعْلُ فَنَى يَفْنَى نَادِرٌ؛ عَنْ كُرَاعٍ، فَنَاء فَهُوَ فانٍ، وَقِيلَ: هِيَ لُغَةُ بَلْحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ؛ وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ قرع:
فَلَمَّا فَنى مَا فِي الْكَنَائِنِ، ضارَبُوا ... إِلَى القُرْعِ مِنْ جِلْدِ الهِجانِ المُجَوَّبِ
أَي ضَرَبُوا بأَيديهم إِلى التِّرَسةِ لَمَّا فَنِيت سِهَامُهُمْ. قَالَ: وفَنَى بِمَعْنَى فَنِيَ فِي لُغَاتِ طيّء، وأَفْنَاه هُوَ. وتَفَانَى القومُ قَتْلًا: أَفنى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وتَفَانَوا أَي أَفنى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْحَرْبِ. وفَنِيَ يَفْنَى فَناء: هَرِمَ وأَشرف عَلَى الْمَوْتِ هَرَماً، وَبِذَلِكَ فَسَّرَ أَبو عُبَيْدٍ حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: حَجَّةً هَاهُنَا ثُمَّ احْدِجْ هَاهُنَا حَتَّى تَفْنى
يَعْنِي الْغَزْوَ؛ قَالَ لَبِيدٌ يَصِفُ الإِنسان وفَناءه:
حَبائِلُه مَبْثوثةٌ بسَبِيلِه، ... ويَفْنى إِذا مَا أَخْطَأَتْه الحَبائلُ
يَقُولُ: إِذا أَخطأَه الْمَوْتُ فإِنه يَفْنَى أَي يَهْرَمُ فَيَمُوتُ لَا بدَّ مِنْهُ إِذا أَخطأَته المنِيَّةُ وأَسبابها فِي شَبِيبَته وقُوَّته. وَيُقَالُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ: فانٍ. وَفِي حَدِيثُ
مُعَاوِيَةَ: لَوْ كنتُ مِنْ أَهل البادِيةِ بِعْتُ
(15/164)

الفانِيةَ وَاشْتَرَيْتُ النامِيةَ
؛ الفَانِيَةُ: المُسِنَّة مِنَ الإِبل وَغَيْرِهَا، والنامِيةُ: الفَتِيَّةُ الشابَّة الَّتِي هِيَ فِي نُمُوٍّ وَزِيَادَةٍ. والفِنَاء: سَعةٌ أَمامَ الدَّارِ، يَعْنِي بِالسَّعَةِ الِاسْمَ لَا الْمَصْدَرَ، وَالْجَمْعُ أَفْنِيةٌ، وَتُبْدَلُ الثَّاءُ مِنَ الْفَاءِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: هُمَا أَصلان وَلَيْسَ أَحدهما بَدَلًا مِنْ صَاحِبِهِ لأَن الفِناء مِنْ فَنِيَ يَفْنَى، وَذَلِكَ أَن الدَّارَ هُنَا تَفْنى لأَنك إِذا تَنَاهَيْتَ إِلى أَقصى حُدُودِهَا فَنِيَتْ، وأَما ثِناؤها فَمِنْ ثَنى يَثْني لأَنها هُنَاكَ أَيضاً تَنْثَنِي عَنِ الِانْبِسَاطِ لِمَجِيءِ آخِرِهَا واسْتِقْصاء حُدُودِهَا؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَمْزَتُهَا بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ لأَن إِبدال الْهَمْزِ مِنَ الْيَاءِ إِذا كَانَتْ لَامًا أَكثر مِنْ إِبدالها مِنَ الْوَاوِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ قَدْ قَالَ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ أَلفه وَاوًا لِقَوْلِهِمْ شَجَرَةٌ فَنْوَاء أَي واسِعة فِناء الظِّلِّ، قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لأَنا لَمْ نَسْمَعْ أَحداً يَقُولُ إِن الفَنْوَاء مِنَ الفِناء، إِنَّمَا قَالُوا إِنها ذَاتُ الأَفنان أَو الطَّوِيلَةُ الأَفنان. والأَفْنِية: السَّاحات عَلَى أَبواب الدَّوْرِ؛ وأَنشد:
لَا يُجْتَبى بِفِنَاء بَيْتِك مثْلهم
وَفِنَاءُ الدَّارِ: مَا امْتدَّ مِنْ جَوَانِبِهَا. ابْنُ الأَعرابي: بِهَا أَعناء مِنَ النَّاسِ وأَفْناء أَي أَخْلاط، الْوَاحِدُ عِنْوٌ وفِنْوٌ. وَرَجُلٌ مِنْ أَفْناء الْقَبَائِلِ أَي لَا يُدرى مَنْ أَيّ قَبِيلَةٍ هُوَ، وَقِيلَ: إِنما يُقَالُ قَوْمٌ مِنْ أَفناء الْقَبَائِلِ، وَلَا يُقَالُ رَجُلٌ، وَلَيْسَ للأَفْناء وَاحِدٌ. قَالَتْ أُم الْهَيْثَمِ: يُقَالُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَفْنَاء النَّاسِ وَلَا يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ رَجُلٌ مِنْ أَفْنَاء النَّاسِ، وَتَفْسِيرُهُ قَوْمٌ نُزَّاعٌ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا. والجوهري: يُقَالُ هُوَ مِنْ أَفْنَاء النَّاسِ إِذا لَمْ يُعلم مَنْ هُوَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ ابْنُ جِنِّي وَاحِدُ أَفناء النَّاسِ فَناً وَلَامُهُ وَاوٌ، لِقَوْلِهِمْ شَجَرَةٌ فَنْوَاء إِذا اتَّسَعَتْ وَانْتَشَرَتْ أَغصانها، قَالَ: وَكَذَلِكَ أَفْنَاء النَّاسِ انْتِشَارُهُمْ وَتَشَعُّبُهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
رَجُلٌ مِنْ أَفْنَاء النَّاسِ
أَي لَمْ يُعلم مِمَّنْ هُوَ، الْوَاحِدُ فِنْوٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الفِنَاء وَهُوَ المُتَّسَعُ أَمام الدَّارِ، وَيُجْمَعُ الفِنَاء عَلَى أَفْنِيَة. والمُفَانَاة: المُداراة. وأَفْنَى الرجلُ إِذا صَحِب أَفناء النَّاسِ. وفَانَيْت الرجلَ: دارَيْته وسَكَّنْته؛ قَالَ الْكُمَيْتُ يَذْكُرُ هُمُومًا اعْتَرَتْهُ:
تُقِيمُه تَارَةً وتُقْعِدُه، ... كَمَا يُفانِي الشَّمُوسَ قائِدُها
قَالَ أَبو تُرَابٍ: سَمِعْتُ أَبا السَّمَيْدَعِ يَقُولُ بَنُو فُلَانٍ مَا يُعانُون مَالَهُمْ وَلَا يُفانُونه أَي مَا يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَلَا يُصْلِحونه. والفَنا، مَقْصُورٌ، الْوَاحِدَةُ فَنَاة: عِنَبُ الثَّعلب، وَيُقَالُ: نَبْتٌ آخَرُ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
كأَنّ فُتاتَ العِهْنِ، فِي كلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ، بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ ذُو حَبٍّ أَحمر مَا لَمْ يُكسَّر، يُتَّخَذُ مِنْهُ قَرَارِيطُ يُوزَنُ بِهَا كُلُّ حَبَّةٍ قِيرَاطٌ، وَقِيلَ: يُتَّخَذُ مِنْهُ القَلائد، وَقِيلَ: هِيَ حَشِيشَةٌ تَنْبُتُ فِي الغَلْظ تَرْتَفِعُ عَلَى الأَرض قِيسَ الإِصْبع وأَقل يَرعاها المالُ، وأَلفها يَاءٌ لأَنها لَامٌ؛ وَرَوَى أَبو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه أَنشده قَوْلَ الرَّاجِزِ:
صُلْبُ العَصا بالضَّرْبِ قَدْ دَمَّاها، ... يقولُ: لَيْتَ اللَّهَ قَدْ أَفْناها «2»
قَالَ يَصِفُ رَاعِي غَنَمٍ وَقَالَ فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحدهما أَنه جَعَلَ عَصَاهُ صُلبة لأَنه يَحْتَاجُ إِلى تَقْوِيمِهَا ودَعا عَلَيْهَا فَقَالَ لَيْتَ اللهَ قَدْ أَهلكها ودمَّاها أَي سيَّلَ دَمها بِالضَّرْبِ لخِلافِها عَلَيْهِ، والوجه الثاني في قوله صُلْبُ العصا أَي
__________
(2). قوله [صلب العصا] في التكملة: ضخم العصا.
(15/165)

لَا تَحُوجُهُ إِلى ضَرْبِهَا فَعَصَاهُ بَاقِيَةً، وَقَوْلُهُ: بِالضَّرْبِ قَدْ دمَّاها أَي كَسَاهَا السِّمَن كأَنه دمَّمها بِالشَّحْمِ لأَنه يُرَعِّيها كُلِّ ضَرْبٍ مِنَ النَّبَاتِ، وأَما قَوْلُهُ لَيْتَ اللهَ قَدْ أَفْنَاها أَي أَنبت لَهَا الفَنا، وَهُوَ عِنَبُ الذِّئْبِ، حَتَّى تَغْزُرَ وتَسْمَن. والأَفَانِي: نَبْتٌ مَا دَامَ رَطْبًا، فإِذا يَبِسَ فَهُوَ الحَماط، وَاحِدَتُهَا أَفَانِيَةٌ مِثَالُ ثَمَانِيَةٍ، وَيُقَالُ أَيضاً: هُوَ عِنَبُ الثَّعْلَبِ. وَفِي حَدِيثِ القِيامة:
فيَنْبُتُون كَمَا يَنْبُت الفَنَا
؛ هُوَ عِنَبُ الثَّعْلَبِ. وَقِيلَ: شَجَرَتُهُ وَهِيَ سَرِيعَةُ النَّبَاتِ وَالنُّمُوِّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ شَاهِدُ الأَفَانِي النَّبْتِ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
شَرَى أَسْتاهِهِنَّ مِنَ الأَفَانِي
وَقَالَ آخَرُ:
فَتِيلانِ لَا يَبْكِي المَخاضُ عَلَيْهِمَا، ... إِذا شَبِعا مِنْ قَرْمَلٍ وأَفَانِي «1»
وَقَالَ آخَرُ:
يُقَلِّصْن عَنْ زُغْبٍ صِغارٍ كأَنَّها، ... إِذا دَرَجَتْ تَحتَ الظِّلالِ، أَفَانِي
وَقَالَ ضَبَابُ بْنُ وَقْدان السَّدُوسِي:
كأَنَّ الأَفَانِي شَيْبٌ لَهَا، ... إِذا التَفَّ تحتَ عَناصِي الوَبَرْ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَذَكَرَ ابْنِ الأَعرابي أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ لِضِبَابِ بْنِ وَاقِدٍ الطَّهَوِي، قَالَ: والأَفانِي شَجَرٌ بِيضٌ، وَاحِدَتُهُ أَفَانِيَةٌ، وإِذا كَانَ أَفَانِيَة مِثْلَ ثَمَانِيَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فَصَوَابُهُ أَن يُذْكَرَ فِي فَصْلِ أَفن، لأَن الْيَاءَ زَائِدَةٌ وَالْهَمْزَةَ أَصل. والفَنَاة: البقَرة، وَالْجَمْعُ فَنَوات؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وفَناة تَبْغِي، بحَرْبةَ، طِفْلًا ... مِن ذَبِيحٍ قَفَّى عَلَيْهِ الخَبالُ
وشعَر أَفْنَى: فِي مَعْنَى فَيْنان، قَالَ: وَلَيْسَ مِنْ لَفْظِهِ. وامرأَة فَنْوَاء: أَثِيثة الشعَر مِنْهُ؛ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الأَعرابي، قَالَ: وأَما جُمْهُورُ أَهل اللُّغَةِ فَقَالُوا امرأَة فَنْوَاء أَي لشَعَرها فُنُون كأَفْنان الشِّعْر، وَكَذَلِكَ شَجَرَةٌ فَنْوَاء إِنما هِيَ ذَاتُ الأَفْنان، بِالْوَاوِ. وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: امرأَة فَنْوَاء وفَنْيَاء. وشعَر أَفْنَى وفَيْنانٌ أَي كَثِيرٌ. التَّهْذِيبُ: وَالْفَنْوَةُ المرأَة الْعَرَبِيَّةُ؛ وَفِي تَرْجَمَةِ قنا قَالَ قَيْس بْنُ العَيْزار الهُذَلي:
بِمَا هِيَ مَقْناةٌ، أَنِيقٌ نَباتُها، ... مِرَبٌّ، فَتَهْواها المَخاضُ النَّوازِعُ
قَالَ: مَقْناةٌ أَي مُوافِقة لِكُلِّ مَن نَزَلها مِنْ قَوْلِهِ مُقاناةِ البياض بصُفْرَةٍ أَي يُوَافِقُ بياضُها صُفْرَتَهَا، قَالَ الأَصمعي: وَلُغَةُ هُذَيْلٍ مَفْناةٌ بالفاءِ، والله أَعلم.
فها: فَهَا فؤادُه: كَهْفًا، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِمَصْدَرٍ فأُراه مَقْلُوبًا. الأَزهري: الأَفْهَاء البُلْه مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: فَهَا إِذا فَصُح بعد عجمة.
فوا: الفُوّةُ: عُروق نَبَاتٍ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَرض يُصبغ بِهَا، وَفِي التَّهْذِيبِ: يُصْبَغُ بِهَا الثِّيَابُ، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ رُوين، وَفِي الصِّحَاحِ رُوِينَه، وَلَفْظُهَا عَلَى تَقْدِيرِ حُوّة وقُوّة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الفُوّة عُرُوقٌ وَلَهَا نَبَاتٌ يَسْمُو دَقِيقًا، فِي رأْسه حَب أَحمر شَدِيدُ الْحُمْرَةِ كَثِيرُ الْمَاءِ يُكْتَبُ بِمَائِهِ وَيُنْقَشُ؛ قَالَ الأَسود
__________
(1). قوله [فتيلان] كذا بالأصل، ولعله مصغر مثنى الفتل. ففي القاموس: الْفَتَلُ مَا لَمْ يَنْبَسِطْ من النبات، أو شبه الشاعر النبت الحقير بالفتيل الذي يفتل بالإصبعين. وعلى كلا الاحتمالين فحق شبعا شبعت ومقتضى أن واحد الأفاني كثمانية أن تكون الأفاني مكسورة، وضبطت في القاموس هنا بالكسر ووزنه المجد في أفن بسكارى.
(15/166)

بْنُ يَعْفُرَ:
جَرَّتْ بِهَا الرِّيحُ أَذْيالًا مُظاهَرةً، ... كَمَا تَجُرُّ ثِيابَ الفُوّةِ العُرُسُ
وأَدِيمٌ مُفَوّىً: مَصْبُوغٌ بِهَا، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ وَأَرْضِ مُفَوَّاة: ذاتُ فُوّة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: كَثِيرَةُ الفُوَّة؛ قَالَ الأَزهري: وَلَوْ وَصَفْتَ بِهِ أَرضاً لَا يُزْرَعُ فِيهَا غَيْرُهُ قُلْتَ أَرضٌ مَفْوَاة مِنَ المَفَاوِي، وَثَوْبٌ مُفَوًّى لأَن الْهَاءَ الَّتِي فِي الفُوَّة لَيْسَتْ بأَصلية بَلْ هِيَ هَاءُ التأْنيث. وَثَوْبٌ مُفَوًّى أَي مَصْبُوغٌ بالفُوَّة كَمَا تَقُولُ شَيْءٌ مُقَوًّى من القُوَّة.
فيا: فَيَّ: كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا التَّعَجُّبُ، يَقُولُونَ: يَا فَيَّ مَا لِي أَفْعَلُ كَذَا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الأَسَفُ عَلَى الشيءِ يَفُوتُ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: قَالَ الْكِسَائِيُّ لَا يُهْمَزُ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ يَا عَجَبي، قَالَ: وَكَذَلِكَ يَا فَيَّ مَا أَصْحابُك، قَالَ: وَمَا، مِنْ كُلٍّ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. التَّهْذِيبُ: فِي حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ، وَقِيلَ: فِي تأْتي بِمَعْنَى وسَط، وتأْتي بِمَعْنَى دَاخِلٍ كَقَوْلِكَ: عبدُ اللَّهِ فِي الدَّارِ أَي داخِلَ الدَّارِ، وَوَسَطَ الدَّارِ، وَتَجِيءُ فِي بِمَعْنَى على. وفي التنزيل: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
؛ الْمَعْنَى عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
؛ أَي مَعَهُنَّ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَاءَتْ فِي بِمَعْنَى مَعَ؛ قَالَ الْجَعْدِيُّ:
ولَوْحُ ذِراعَيْنِ فِي بِرْكةٍ، ... إِلى جُؤْجُؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ
وَقَالَ أَبو النَّجْمِ:
يَدْفَعُ عَنْهَا الجُوعَ، كلَّ مَدْفَعِ، ... خَمْسُون بُسْطاً فِي خَلايا أَرْبَعِ
أَراد: مَعَ خَلَايَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
؛ أَي يُكَثِّرُكُم بِهِ؛ وأَنشد:
وأَرْغَبُ فِيها عَنْ عُبَيْدٍ ورَهْطِه، ... ولكِنْ بِهَا عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغبُ
أَي أَرغب بِهَا، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
؛ أَي بُورِكَ مَنْ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فِي حرفٌ خَافِضٌ، وَهُوَ للوِعاء والظَّرف وَمَا قُدِّر تَقْدِيرَ الوِعاء، تَقُولُ: الْمَاءُ فِي الإِناء وَزَيْدٌ فِي الدَّارِ والشَّكُّ فِي الْخَبَرِ، وَزَعَمَ يُونُسُ أَن الْعَرَبَ تَقُولُ نَزَلْتُ فِي أَبيك، يُرِيدُونَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرُبَّمَا تُسْتَعمل بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَقَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ:
ويَرْكَبُ يَومَ الرَّوْع مِنّا فَوارِسٌ ... بَصِيرُون فِي طَعْنِ الأَباهِرِ والكُلى
أَي بِطَعْنِ الأَباهر والكُلى. ابْنُ سِيدَهْ: فِي حَرْفُ جَرٍّ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَما فِي فَهِيَ للوِعاء، تَقُولُ: هُوَ فِي الجِراب وَفِي الْكِيسِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمه، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الغُلِّ جعله إِذ أَدخله فِيهِ كالوِعاء، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي القُبَّة وَفِي الدَّارِ، وإِن اتَّسَعْتَ فِي الْكَلَامِ فَهِيَ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ كَالْمَثَلِ يُجَاءُ بِهَا لِمَا يُقارب الشَّيْءَ وَلَيْسَ مِثْلَهُ؛ وَقَالَ عَنْتَرَةُ:
بَطَلٌ كأَنَّ ثِيابَه فِي سَرْحةٍ، ... يُحْذى نِعالَ السِّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَم
أَي عَلَى سَرْحَةٍ، قَالَ: وَجَازَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ كَانَ مَعْلُومًا أَن ثِيَابَهُ لَا تَكُونُ مِنْ دَاخِلِ سَرْحة لأَن السَّرْحَةَ لَا تُشَقُّ فتُسْتَوْدَع الثِّيَابُ وَلَا غَيْرُهَا، وَهِيَ بِحَالِهَا سَرْحَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُكَ فُلَانٌ فِي الْجَبَلِ لأَنه قَدْ يَكُونُ فِي غَارٍ مِنْ أَغْواره ولِصْبٍ مَنَّ لِصابه فَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَن يَكُونَ عَلَيْهِ أَي عَالِيًا فِيهِ أَي الْجَبَلِ؛ وَقَالَ:
(15/167)

وخَضْخَضْنَ فِينَا البَحْرَ، حَتَّى قَطَعْنَه ... عَلَى كلِّ حَالٍ مِنْ غِمارٍ وَمِنْ وَحَلْ
قَالَ: أَراد بِنَا، وَقَدْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَي فِي سَيْرنا، وَمَعْنَاهُ فِي سَيْرهِنَّ بِنَا؛ وَمِثْلُ قَوْلِهِ:
كأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ
وَقَوْلُ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ:
هُمُو صَلَبُوا العَبْديَّ فِي جِذْعِ نَخْلةٍ، ... فَلَا عَطَسَت شَيْبانُ إِلا بأَجْدَعا
أَي عَلَى جِذع نَخْلَةٍ؛ وأَما قَوْلُهُ:
وَهَلْ يَعِمَنْ مَن كَانَ أَقْرَبُ عَهْدِه ... ثلاثِين شَهْراً فِي ثَلَاثَةِ أَحْوالِ؟
فَقَالُوا: أَراد مَعَ ثَلَاثَةِ أَحوال، قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَطَرِيقُهُ عِنْدِي أَنه عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، يُرِيدُونَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي عَقِبِ ثَلَاثَةِ أَحوال قَبْلَهَا، وَتَفْسِيرُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَحوال؛ فأَما قَوْلُهُ:
يَعْثُرْنَ فِي حَدِّ الظُّباتِ كأَنما ... كُسِيَتْ، بُرود بَنِي تَزيدَ، الأَذْرُعُ
فإِنما أَراد يَعْثُرْنَ بالأَرض فِي حَدِّ الظُّبَاتِ أَي وَهُنَّ فِي حَدِّ الظُّبَاتِ، كَقَوْلِهِ: خَرَجَ بثِيابه أَي وثِيابُه عَلَيْهِ، وَصَلَّى فِي خُفَّيه أَي وخُفَّاه عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
؛ فَالظَّرْفُ إِذاً مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لأَنه حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أَي يَعْثُرْن كائناتٍ فِي حَدِّ الظُّبَاتِ؛ وَقَوْلُ بَعْضِ الأَعراب:
نَلُوذُ فِي أُمٍّ لَنَا مَا تَعْتَصِبْ ... من الغَمام تَرْتَدي وتَنْتَقِبْ
فإِنه يُرِيدُ بالأُم لَنَا سَلْمى أَحد جَبَلَيْ طَيِء، وَسَمَّاهَا أُمًّا لاعْتِصامهم بِهَا وأُوِيِّهم إِليها، وَاسْتَعْمَلَ فِي مَوْضِعَ الْبَاءِ أَي نلوذ بها لأَنها لَاذُوا فَهُمْ فِيهَا لَا مَحَالَةَ، أَلا تَرَى أَنهم لَا يَلُوذون ويَعْتَصِمُون بِهَا إِلَّا وَهُمْ فِيهَا؟ لأَنهم إِن كَانُوا بُعَداء عَنْهَا فَلَيْسُوا لَائِذِينَ فِيهَا، فكأَنه قَالَ نَسْمَئِلُّ فِيهَا أَي نَتَوَقَّلُ، وَلِذَلِكَ اسْتَعْمَلَ فِي مكانَ الْبَاءِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فِي تِسْعِ آياتٍ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: فِي مِنْ صِلَةُ قَوْلِهِ وَأَلْقِ عَصاكَ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
، وَقِيلَ: تأْويله وأَظهر هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي تِسْعِ آياتٍ
أَي مِنْ تِسْعِ آيَاتٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: خُذْ لِي عَشْراً مِنَ الإِبل وَفِيهَا فَحْلان أَي وَمِنْهَا فحلان، والله أَعلم.

فصل القاف
قَأَى: ابْنُ الأَعرابي: قأَى إِذا أَقَرَّ لخَصْمه وذلَّ.
قَبَا: قَبا الشيءَ قَبْواً: جَمَعَهُ بأَصابعه. أَبو عَمْرٍو: قَبَوْتُ الزَّعْفَرَانَ والعُصْفُر أَقْبُوه قَبْواً أَي جَنَيْتُهُ. والقَابِيَةُ: المرأَة الَّتِي تلقُط الْعُصْفَرَ. والقَبْوَةُ: انْضِمَامُ مَا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، والقَبَاء، مَمْدُودٌ، مِنَ الثِّيَابِ: الَّذِي يُلْبَسُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَطرافه، وَالْجَمْعُ أَقْبِية. وقَبَّى ثَوْبَهُ: قَطَعَ مِنْهُ قَباء؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. يُقَالُ: قَبِّ هَذَا الثَّوْبَ تَقْبِيَة أَي قَطِّعْ مِنْهُ قَباء. وتَقَبَّى قَباءَه: لَبِسَهُ. وتَقَبَّى: لَبِسَ قَبَاءَهُ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ:
كأَنه مُتَقَبِّي يَلْمَقٍ عَزَبُ
وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ
عَطَاءٍ أَنه قَالَ: يُكره أَن يدخُل المعتكِف قَبْواً مَقْبُوّاً، قِيلَ لَهُ: فأَين يُحدث؟ قَالَ: فِي الشِّعاب، قِيلَ: فعُقودُ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: إِنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ لِذَلِكَ
؛ القَبْوُ: الطاقُ الْمَعْقُودُ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ، هَكَذَا رَوَاهُ الْهَرَوِيُّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قِيلَ لِعَطَاءٍ أَيمرّ الْمُعْتَكِفُ تَحْتَ قَبْوٍ مَقْبُوٍّ؟ قَالَ:
(15/168)

نَعَمْ، قَالَ شَمِرٌ: قَبَوْتُ البناء أَي رَفَعْتُهُ. وَالسَّمَاءُ مَقْبُوَّةٌ أَي مَرْفُوعَةٌ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ مَقْبُوبَةٌ مِنَ القُبَّة وَلَكِنْ يُقَالُ مُقَبَّبة. والقَبايةُ: الْمَفَازَةُ، بِلُغَةِ حِمْير؛ وأَنشد:
وَمَا كَانَ عَنْزٌ تَرْتَعِي بقَبايةٍ
والقَبا: ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ. والقَبا: تَقْويس الشَّيْءِ. وتَقَبَّى الرَّجُلُ فُلَانًا إِذا أَتاه مِنْ قِبَلِ قَفاه؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وإِنْ تَقَبَّى أَثْبَتَ الأَنائِبا، ... فِي أُمَّهاتِ الرَّأْسِ، هَمْزاً واقِبا «2»
وَقَالَ شَمِرٌ فِي قَوْلِهِ:
مِن كلِّ ذاتِ ثَبَجٍ مُقَبِّي
المُقَبِّى: الْكَثِيرُ الشَّحْمِ، وأَهل الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ لِلضَّمَّةِ قَبْوَةٌ. وَقَدْ قَبَا الحرفَ يَقْبُوه، إِذا ضَمَّهُ، وكأَنَّ القَباء مُشْتُقٌّ مِنْهُ. والقَبْوُ: الضَّمُّ. قَالَ الْخَلِيلُ: نَبْرةٌ مَقْبُوَّة أَي مَضْمومة، وقِبَةُ الشَّاةِ، إِذا لَمْ تَشَدَّدْ، يُحْتَمَلُ أَن تَكُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ، وَهِيَ هَنة مُتَّصِلَةٌ بِالْكَرِشِ ذاتُ أَطباق. الْفَرَّاءُ: هِيَ الْقُبَّةُ للفَحِث. وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب: قِبةُ الشاةِ عَضَلَتُها. والقابِيَاء: اللَّئِيمُ لكَزازته وَتَجَمُّعِهِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: وقَابِياءُ وقابِعاءُ يُقَالُ ذَلِكَ للِّئام. وَبَنُو قابِيَاء: الْمُتَجَمِّعُونَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ. وَبَنُو قَابِيَاء وَبَنُو قَوْبعةَ. والقَابِيَةُ: المرأَة الَّتِي تَلْقُطُ الْعُصْفَرَ وَتَجْمَعُهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ وَوَصَفَ قَطاً مُعْصَوْصِباً فِي الطَّيَرَانِ:
دَوامِكَ حِينَ لَا يَخْشَينَ رِيحاً ... مَعاً كبَنانِ أَيْدِي القَابِيَاتِ
وقُبَاء، مَمْدُودٌ: مَوْضِعٌ بِالْحِجَازِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وانْقَبَى فُلَانٌ عَنَّا انْقِبَاء إِذا اسْتَخْفَى. وَقَالَ أَبو تُرَابٍ: سَمِعْتُ الْجَعْفَرِيَّ يَقُولُ اعْتَبَيْت المتاعَ واقْتَبَيْتُه إِذا جَمَعْتَهُ، وَقَدْ عَبَا الثِّيَابَ يَعْباها وقَبَاها يَقْبَاها؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَرَى تَلْيِينَ الْهَمْزَةِ. ابْنُ سِيدَهُ: وقُبَاء مَوْضِعَانِ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، وَمَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَةَ وَالْبَصْرَةِ، يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، قَالَ: وَإِنَّمَا قَضَيْنَا بأَن هَمْزَةَ قُبَاء وَاوٌ لِوُجُودِ ق ب وو عدم ق ب ي.
قتا: القَتْوُ: الخِدْمة. وَقَدْ قَتَوْتُ أَقْتُو قَتْواً ومَقْتًى أَي خَدَمْت مِثْلُ غَزَوْت أَغْزُو غَزْواً ومَغْزًى، وَقِيلَ: القَتْو حُسْنُ خِدمة الْمُلُوكِ، وَقَدْ قَتاهم. اللَّيْثُ: تَقُولُ هُوَ يَقْتُو الْمُلُوكَ أَي يَخْدُمُهم؛ وأَنشد:
إِني امْرُؤٌ مِنْ بَنِي خُزَيمَةَ، لَا ... أُحْسِنُ قَتْوَ المُلوكِ والخَبَبَا
قَالَ اللَّيْثُ فِي هَذَا الْبَابِ: والمَقاتِيةُ هُمُ الخُدَّام، وَالْوَاحِدُ مَقْتَوِيٌّ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ كأَنه مَنْسُوبٌ إِلى المَقْتَى، وَهُوَ مَصْدَرٌ، كَمَا قَالُوا ضَيْعةٌ عَجْزِيَّةٌ لِلَّتِي لَا تَفي غَلَّتها بخَراجها؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ شَاهِدُهُ قَوْلُ الْجُعْفِيِّ:
بَلِّغْ بَنِي عُصَمٍ بأَني، ... عَنْ فُتاحَتِكُمْ، غَنيُ
لَا أُسْرَتي قَلَّتْ، وَلَا ... حَالِي لحالِكَ مَقْتَوِيُ
قَالَ: وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ يَاءِ النِّسْبَةِ؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
تُهَدِّدُنا وتُوعِدُنا، رُوَيْداً ... مَتى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا؟
__________
(2). قوله [الأنائبا] كذا في التكملة مضبوطا ومثله في التهذيب غير أن فيه الأنايبا.
(15/169)

وإِذا جُمِعَتْ «1» بِالنُّونِ خُفِّفَتِ الْيَاءُ مَقْتَوُون، وَفِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبِ مَقْتَوِين كَمَا قَالُوا أَشْعَرِينَ، وأَنشد بَيْتَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ. وَقَالَ شَمِرٌ: المَقْتَوُون الخُدَّام، وَاحِدُهُمْ مَقْتَوِيّ؛ وأَنشد:
أَرَى عَمْرَو بْنَ ضَمْرَةَ مَقْتَوِيّاً، ... لَهُ فِي كلِّ عامٍ بَكْرتانِ»
وَيُرْوَى عَنِ الْمُفَضَّلِ وأَبي زَيْدٍ أَن أَبا عَوْنٍ الحِرْمازي قَالَ: رَجُلٌ مَقْتَوِينٌ ورجلانِ مَقْتَوِينٌ وَرِجَالٌ مَقْتَوِينٌ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ المرأَة وَالنِّسَاءُ، وَهُمُ الَّذِينَ يَخْدُمُونَ النَّاسَ بِطَعَامِ بُطُونِهِمْ. الْمُحْكَمِ: والمَقْتَوُون والمَقَاتِوَةُ والمَقَاتِيَةُ الْخُدَّامُ، وَاحِدُهُمْ مَقْتَوِيٌّ. وَيُقَالُ: مَقْتَوِينٌ، وَكَذَلِكَ الْمُؤَنَّثُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: لَيْسَتِ الْوَاوُ فِي هَؤُلَاءِ مَقْتَوُون ورأَيت مَقْتَوِين وَمَرَرْتُ بمَقْتَوِين إِعراباً أَو دَلِيلَ إِعراب، إِذ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَن يُقَالَ هؤُلاء مَقْتَوْنَ ورأَيت مَقْتَينَ وَمَرَرْتُ بمَقْتَيْن، وَيَجْرِي مَجرى مُصْطَفَيْن. قَالَ أَبو عَلِيٍّ: جَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الأَشْعَرِيّ والأَشْعَرِين، قَالَ: وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي هَذَا، إِذ حُذِفَتْ يَاءُ النَّسَبِ مِنْهُ، أَن يُقَالَ مَقْتَوْن كَمَا يُقَالُ فِي الأَعْلى الأَعْلَوْن إِلا أَن اللَّامَ صَحَّتْ فِي مَقْتَوِين، لِتَكُونَ صِحَّتُهَا دَلَالَةً عَلَى إِرَادَةِ النَّسَبِ، لِيُعْلَمَ أَن هَذَا الْجَمْعَ الْمَحْذُوفَ مِنْهُ النَّسَبُ بِمَنْزِلَةِ الْمُثْبَتِ فِيهِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وإِن شِئْتَ قُلْتَ جاؤوا بِهِ عَلَى الأَصل كَمَا قَالُوا مَقَاتِوَةٌ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبو الْخَطَّابِ عَنِ الْعَرَبِ، قال: وليس الْعَرَبِ يَعْرِفُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ. قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مِذْرَوَيْنِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاحِدٌ يُفْرَدُ. قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وأَخبرني أَبو بَكْرٍ عَنْ أَبي الْعَبَّاسِ عَنْ أَبي عُثْمَانَ قَالَ لَمْ أَسمع مِثْلَ مَقاتِوَة إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا، أَخبرني أَبو عُبَيْدَةَ أَنه سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ سَواسِوةٌ فِي سَواسِيةٍ وَمَعْنَاهُ سَوَاءٌ؛ قَالَ: فأَما مَا أَنشده أَبو الْحَسَنِ عَنِ الأَحول عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ:
تَبَدَّلْ خَلِيلًا بِي كَشَكْلِك شَكْلُه، ... فإِنِّي خَلِيلًا صالِحاً بِكَ مُقْتَوِي
فإِن مُقْتَوٍ مُفْعَلِلٌ،، وَنَظِيرُهُ مُرْعَوٍ، وَنَظِيرُهُ مِنَ الصَّحِيحِ الْمُدْغَمِ مُحْمَرّ ومُخْضَرٌّ، وأَصله مُقْتَوٌّ، وَمِثْلُهُ رَجُلٌ مُغْزَوٍ ومُغْزاوٍ، وأَصلهما مُغْزَوٌّ ومُغْزاوٌّ، وَالْفِعْلُ اغْزَوَّ يَغزاوّ «3» كَاحْمَرَّ وَاحْمَارَّ وَالْكُوفِيُّونَ يُصَحِّحُونَ وَيُدْغِمُونَ وَلَا يُعِلّون، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِهِمْ قَوْلُ الْعَرَبِ ارْعَوَى وَلَمْ يَقُولُوا ارْعَوَّ، فإِن قُلْتَ: بِمَ انْتَصَبَ خَلِيلًا ومُقْتَوٍ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؟ فَالْقَوْلُ فِيهِ أَنه انْتَصَبَ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُظْهَرُ كأَنه قَالَ أَنا مُتَّخِذٌ ومُستعدّ، أَلا تَرَى أَن مَنْ اتَّخَذَ خَلِيلًا فَقَدِ اتَّخَذَهُ وَاسْتَعَدَّهُ؟ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
اقْتَوَى
مُتَعَدِّيًا وَلَا نَظِيرَ لَهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ امرأَة كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا فَاشْتَرَتْهُ فَقَالَ: إِن اقْتَوتْه فُرِّقَ بِينَهُمَا، وإِن أَعتقته فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ؛ اقْتَوَتْه أَي استخدَمَتْه. والقَتْوُ: الخِدْمة؛ قَالَ الْهَرَوِيُّ: أَي اسْتَخْدَمَتْهُ، وَهَذَا شَاذٌّ جدّاً لأَن هذا البناء غَيْرُ مُتَعَدٍّ أَلْبَتَّةَ، مِنَ الْغَرِيبَيْنِ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ قَتَوْتُ الرَّجُلَ قَتْواً ومَقْتًى أَي خَدَمْتُهُ، ثُمَّ نَسَبُوا إِلى المَقْتَى فَقَالُوا رَجُلٌ مَقْتَوِيٌّ، ثُمَّ خَففوا يَاءَ النِّسْبَةِ فَقَالُوا رَجُلٌ مَقْتَوٍ وَرِجَالٌ مَقْتَوُون، والأَصل مَقْتَوِيُون. ابْنُ الأَعرابي: القَتْوَةُ النَّمِيمَة.
__________
(1). قوله [وإذا جمعت إلخ] كذا بالأصل والتهذيب أيضاً.
(2). قوله [ابن ضمرة] كذا في الأصل، والذي في الأساس: ابن هودة، وفي التهذيب: ابن صرمة.
(3). قوله [اغزوّ يغزاوّ إلخ] كذا بالأصل والمحكم ولعله اغزوّ واغزاوّ
(15/170)

قثا: ابْنُ الأَعرابي: القَثْوَةُ جَمْعُ الْمَالِ وَغَيْرِهِ. يُقَالُ: قَثَى فُلَانٌ الشيءَ قَثْياً واقْتَثَاه وجَثاه واجْتَثاه وقَباه وعَباه عَبْواً وجَباه كُلُّهُ إِذا ضمَّه إِليه ضَمًّا. أَبو زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْهَمْزِ: هُوَ القُثَّاء والقِثَّاء، بِضَمِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا؛ اللَّيْثُ: مَدُّهَا هَمْزَةٌ، وأَرض مَقْثَأَة. ابْنُ الأَعرابي: التَّقَيُّثُ الْجَمْعُ والمَنع، والتَّهَيُّثُ الإِعْطاء، وَقَالَ: القَثْوُ أَكل القَثَد والكِربِز «1». والقَثَدُ: الخِيار، والكِربِزُ: الْقِثَّاءُ الكبار.
قحا: القَحْوُ: تأْسيس الأُقْحُوان، وَهِيَ فِي التَّقْدِيرِ أُفْعُلان مِنْ نَبَاتِ الرَّبيع مُفَرَّضُ الْوَرَقِ دَقِيقُ العِيدان لَهُ نَور أَبيض كأَنه ثَغْرُ جَارِيَةٍ حدَثةِ السِّنِّ. الأَزهري: الأُقْحُوَانُ هُوَ القُرَّاصُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ البابُونج وَالْبَابُونْكَ عِنْدَ الْفُرْسِ. وَفِي حَدِيثِ
قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ: بَواسِق أُقْحُوَان
؛ الأُقْحُوَان: نَبْتٌ تُشَبَّهُ بِهِ الأَسنان، وَوَزْنُهُ أُفْعُلان، وَالْهَمْزَةُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ. ابْنُ سِيدَهْ: الأُقْحُوَان الْبَابُونْجُ أَو القُرَّاص، وَاحِدَتُهُ أُقْحُوَانَة، وَيُجْمَعُ عَلَى أَقَاحٍ، وَقَدْ حُكِيَ قُحْوانٌ وَلَمْ يُرَ إِلَّا فِي شِعْرٍ، وَلَعَلَّهُ عَلَى الضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي حَدِّ الِاضْطِرَارِ سامةَ فِي أُسامةَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ حَوَالَيْهِ وَرَقٌ أَبيض وَوَسَطُهُ أَصفر، وَيُصَغَّرُ عَلَى أُقَيْحِيٍّ لأَنه يُجْمَعُ عَلَى أَقَاحِيَّ بِحَذْفِ الأَلف وَالنُّونِ، وإِن شِئْتَ قُلْتَ أَقاح بِلَا تَشْدِيدٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ وَيُصَغَّرُ عَلَى أُقَيْحِيٍّ، قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْهُ وَصَوَابُهُ أُقَيْحِيَانٌ، وَالْوَاحِدَةُ أُقَيْحِيانَةٌ، لِقَوْلِهِمْ أَقاحِيَّ كَمَا قَالُوا ظُرَيْبانٌ فِي تَصْغِيرِ ظَرِبانٍ، لِقَوْلِهِمْ ظَرابيَّ. والمَقْحُوُّ مِنَ الأَدْوية: الَّذِي فِيهِ الأُقْحوان. ودَواءٌ مَقْحُوٌّ ومُقَحًّى: جُعِلَ فِيهِ الأُقحوان. الأَزهري: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رأَيتُ أَقاحِيَّ أَمْرِه كَقَوْلِكَ رأَيت تَباشيرَ أَمره. وَفِي النَّوَادِرِ: اقْتَحَيْتُ المالَ وقَحَوْتُه واجْتَفَفْته وازْدَفَفْتُه أَي أَخذته. الأَزهري: أُقْحُوَانَةُ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ فِي دِيار بَنِي تَميم، قَالَ: وَقَدْ نَزَلْتُ بِهَا. ابْنُ سِيدَهْ: والأُقْحُوَانَةُ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ؛ قَالَ:
مَنْ كانَ يَسْأَلُ عَنَّا أَيْنَ مَنْزِلُنا؟ ... فالأُقْحُوَانَةُ مِنَّا مَنْزِلٌ قَمِنُ
قخا: قَخا جوفُ الإِنسان قَخْواً: فَسَدَ مِنْ دَاءٍ بِهِ. وقَخَّى: تَنَخَّم تَنَخُّماً قَبِيحًا. اللَّيْثُ: إِذا كَانَ الرَّجُلُ قَبِيحَ التَّنَخُّع يُقَالُ قَخَّى يُقَخِّي تَقْخِيةً، وَهِيَ حكاية تَنَخُّعِه.
قدا: القَدْوُ: أَصل الْبِنَاءِ الذي يَتَشَعَّبُ منه تَصْرِيفُ الِاقْتِدَاءِ، يُقَالُ: قِدْوَةٌ وقُدْوةٌ لِمَا يُقْتَدى بِهِ. ابْنُ سِيدَهْ: القُدْوَة والقِدْوَة مَا تَسَنَّنْتَ بِهِ، قُلِبَتِ الْوَاوُ فِيهِ يَاءً لِلْكَسْرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ وضَعْف الْحَاجِزِ. والقِدَى: جَمْعُ قِدْوَة يُكْتَبُ بِالْيَاءِ «2». والقِدَة: كالقِدْوة. يُقَالُ: لِي بِكَ قِدْوَةٌ وقُدْوَة وقِدَةٌ، وَمِثْلُهُ حَظِيَ فلانٌ حِظْوةً وحُظْوةً وحِظة، وَدَارِي حِذْوةَ دارِك وحُذْوةَ دَارِكَ وحِذةَ دَارِكَ، وَقَدِ اقْتَدَى بِهِ. والقُدوة والقِدوة: الأُسْوة. يُقَالُ: فُلَانٌ قُدْوَة يُقْتَدَى بِهِ. ابْنُ الأَعرابي: القَدْوةُ التقَدُّمُ. يُقَالُ فُلَانٌ لَا يُقادِيه أَحد وَلَا يُماديه أَحد وَلَا يُباريه أَحد وَلَا يُجاريه أَحد، وَذَلِكَ إِذا بَرَّز فِي الخِلال كُلِّهَا. والقِدْيةُ: الهِدْيةُ، يُقَالُ: خُذْ فِي هِدْيَتِك وقِدْيَتِك أَي فِيمَا كَنْتَ فِيهِ.
__________
(1). قوله [والكربز] هو الصواب كما في التكملة واللسان هنا وفي مادة كربز ووقع في القاموس الكزبرة وهو تحريف
(2). قوله [جَمْعُ قِدْوَةٍ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ] هي عبارة التَّهْذِيبِ عَنْ أَبي بَكْرٍ
(15/171)

وتَقَدَّت بِهِ دابَّته: لَزِمَتْ سَنَنَ الطَّرِيقِ، وتَقَدَّى هُوَ عَلَيْهَا، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنَ الْيَاءِ أَخذه مِنَ القَدَيان، وَيَجُوزُ فِي الشِّعْرِ جَاءَ تَقْدُو بِهِ دَابَّتُهُ. وقَدَى الفرسُ يَقْدِي قَدَياناً: أَسرع، وَمَرَّ فُلَانٌ تَقْدُو بِهِ فرسُه. يُقَالُ: مرَّ بِي يَتَقَدَّى فرسُه أَي يلزَم بِهِ سَنَنَ السِّيرة. وتَقَدَّيْتُ عَلَى فَرَسِي، وتَقَدَّى بِهِ بعيرُه: أَسرع. أَبو عُبَيْدٍ: مِنْ عَنَقِ الْفَرَسِ التَّقَدِّي، وتَقَدِّي الفرسِ اسْتِعانَتُه بِهَادِيهِ فِي مَشْيِهِ برَفْع يَدَيْهِ وقَبْض رِجْلَيْهِ شِبْه الخَبَب. وقَدا اللحمُ والطعامُ يَقْدُو قَدْواً وقَدَى يَقْدِي قَدْياً وقَدِيَ، بِالْكَسْرِ، يَقْدَى قَدًى كُلُّهُ بِمَعْنَى إِذا شَمِمْت لَهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً. يُقَالُ: شمِمت قَدَاةَ القِدْر، وَهِيَ قَدِيةٌ عَلَى فَعِلة أَي طَيِّبَةُ الرِّيحِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِمُبَشِّرِ بْنِ هُذَيْلٍ الشَّمْخِي:
يقاتُ زَادًا طَيِّباً قَداتُه
وَيُقَالُ: هَذَا طَعَامٌ لَهُ قَداةٌ وقَداوة؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ أَن لَامَ القَدا وَاوٌ. وَمَا أَقْدَى طعامَ فلانٍ أَي مَا أَطيَبَ طَعْمه وَرَائِحَتَهُ. ابْنُ سِيدَهْ: وَطَعَامٌ قَدِيٌّ وقَدٍ طَيِّبُ الطَّعم وَالرَّائِحَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الشِّواء وَالطَّبِيخِ، قَدِيَ قَدًى وقَدَاوَةً وقَدُوَ قَدْواً وقَداةً وقَدَاوَةً. وَحَكَى كُرَاعٌ: إِني لَأَجِدُ لِهَذَا الطَّعَامِ قَداً أَي طِيبًا، قَالَ: فَلَا أَدري أَطِيبَ طَعْمٍ عَنى أَم طِيب رَائِحَةٍ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: إِذا كَانَ الطَّبِيخُ طَيِّب الرِّيحِ قُلْتَ قَدِيَ يَقْدَى وذَمِيَ يَذْمى. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ: أَتَتْنا قَادِيَةٌ مِنَ النَّاسِ أَي جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقِيلَ: القَادِيَةُ مِنَ النَّاسِ أَول مَا يطرأُ عَلَيْكَ، وَجَمْعُهُا قَوادٍ. وقَدْ قَدَت، فَهِيَ تَقْدِي قَدْياً، وَقِيلَ: قَدَتْ قَادِيَةٌ إِذا أَتى قَوْمٌ قَدْ أَنْجَمُوا «3» مِنَ الْبَادِيَةِ، وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: قاذِيةٌ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمَحْفُوظُ مَا قَالَ أَبو زَيْدٍ. أَبو زَيْدٍ: قَدًى وأَقْدَاء وَهُمُ النَّاسُ يَتَسَاقَطُونَ بِالْبَلَدِ فَيُقِيمُونَ به ويَهْدؤون. ابْنُ الأَعرابي: القَدْو القُدوم مِنَ السَّفَرِ، والقَدْوُ القُرْب. وأَقْدَى إِذا اسْتَوَى فِي طَرِيقِ الدِّينِ، وأَقْدَى أَيضاً إِذا أَسَنَّ وَبَلَغَ الْمَوْتَ. أَبو عَمْرٍو: وأَقْدَى إِذا قَدِمَ مِنْ سَفَر، وأَقْدَى إِذا اسْتَقَامَ فِي الْخَيْرِ. وَهُوَ مِنِّي قِدَى رُمْحٍ، بِكَسْرِ الْقَافِ، أَي قَدْرَه، كأَنه مَقْلُوبٌ مِنْ قِيدَ. الأَصمعي: بَيْنِي وَبَيْنَهُ قِدَى قَوْسٍ، بِكَسْرِ الْقَافِ. وقِيد قَوْسٍ وقادَ قَوْسٍ؛ وأَنشد:
ولكنَّ إِقْدامي إِذا الخيلُ أَحْجَمَتْ، ... وصَبْري إِذا مَا الموتُ كَانَ قِدَى الشِّبْرِ
وَقَالَ هُدبة بْنُ الخَشْرم:
وإِني، إِذا مَا الموتُ لَمْ يَكُ دُونَه ... قِدَى الشِّبْرِ، أَحْمِي الأَنْفَ أَن أَتأَخرا
قَالَ الأَزهري: قِدَى وقادَ وقِيدَ كُلُّهُ بِمَعْنَى قَدْرِ الشَّيْءِ. أَبو عُبَيْدٍ: سَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ يَقُولُ سِنْدَأْوةٌ وقِنْدَأْوَةٌ، وَهُوَ الْخَفِيفُ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ مِنَ النُّوقِ الْجَرِيئَةُ. قَالَ شَمِرٌ: قِنْدَاوَة يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. ابْنُ سِيدَهْ: وقِدَةُ هُوَ هَذَا الْمَوْضِعُ الذِي يُقَالُ لَهُ الكُلاب، قَالَ: وإِنما حُمِلَ عَلَى الْوَاوِ لأَن ق د وأَكثر مِنْ ق د ي.
قذي: القَذى: مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَمَا تَرمي بِهِ، وَجَمْعُهُ أَقْذَاء وقُذِيٌّ؛ قَالَ أَبو نُخَيْلَةَ:
مِثْلُ القَذَى يَتَّبعُ القُذِيّا
والقَذَاة: كَالْقَذَى، وَقَدْ يَجُوزُ أَن تَكُونَ القَذاة الطَائِفَةَ مِنَ القَذى. وقَذِيَتْ عينُه تَقْذَى قَذًى
__________
(3). قوله [أنجموا] الذي في المحكم والقاموس: أقحموا
(15/172)

وقَذْياً وقَذَياناً: وَقَعَ فِيهَا القذَى أَو صَارَ فِيهَا. وقَذَتْ قَذْياً وقَذَيَاناً وقُذِيّاً وقَذًى: أَلقت قَذاها وقَذَفت بالغَمَصِ والرَّمَصِ؛ هَذَا قَوْلُ اللِّحْيَانِيِّ، وقَذَّى عينَه وأَقْذَاها: أَلقى فِيهَا القَذى، وقَذَّاها مُشَدَّدٌ لَا غَيْرَ: أَخرجه مِنْهَا. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: أَقْذَيْتها إِذا أَخرجت مِنْهَا القَذى، وَمِنْهُ يُقَالُ: عَيْنٌ مُقَذَّاة. وَرَجُلٌ قَذِيُ الْعَيْنِ، عَلَى فَعِل، إِذا سَقَطَتْ فِي عَيْنِهِ قَذَاةٌ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: قَذَّيْتُ عينَه أُقَذِّيها تَقْذِية أَخرجت مَا فِيهَا مِنَ قَذًى أَو كُحْلٍ، فَلَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى الْقَذَى. الأَصمعي: لَا يُصِيبُكَ مِنِّي مَا يَقْذِي عينَك، بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَالَ: قَذِيَت عينُه تَقْذَى إِذا صَارَ فِيهَا القَذَى. اللَّيْثُ: قَذِيت عَيْنُهُ تَقْذَى، فَهِيَ قَذِيَة مُخَفَّفَةً، وَيُقَالُ قَذِيَّة مُشَدَّدَةَ الْيَاءِ؛ قَالَ الأَزهري: وأَنكر غَيْرُهُ التَّشْدِيدَ. وَيُقَالُ: قَذاةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَمْعُهُا قَذًى وأَقْذَاء. الأَصمعي: قَذَت عينُه تَقْذي قَذْياً رَمَتْ بالقَذى. وَعَيْنٌ مَقْذِيَّةٌ: خالَطها القَذى. واقْتِذاء الطَّيْرِ: فَتْحُها عُيونَها وتَغْمِيضُها كأَنها تُجَلِّي بِذَاكَ قَذاها لِيَكُونَ أَبْصَرَ لَهَا، يُقَالُ: اقْتَذَى الطائرُ إِذا فَتَحَ عَيْنَهُ ثُمَّ أَغمضَ إِغماضة، وَقَدْ أَكثرت الْعَرَبُ تَشْبِيهَ لَمْع البرقِ بِهِ فَقَالَ شَاعِرُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمة:
أَلا يَا سَنى بَرْقٍ عَلَى قُلَل الحِمى، ... لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَليَّ كَريمُ
لَمَعْتَ اقْتِذاءَ الطيرِ، والقومُ هُجَّعٌ، ... فَهَيَّجْتَ أَحْزاناً، وأَنت سَلِيمُ
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
خَفَى كاقْتِذاء الطَّيْرِ وَهْناً كأَنَّه ... سِراجٌ، إِذا مَا يَكْشِفُ الليلُ أَظْلما
والقَذى: مَا عَلَا الشَّرَابَ مِنْ شيءٍ يَسْقُطُ فِيهِ، التَّهْذِيبِ: وَقَالَ حُمَيْدٌ يَصِفُ بَرْقًا:
خَفَى كَاقْتِذَاءِ الطَّيْرِ، والليلُ واضِعٌ ... بأَرْواقِه، والصُّبْحُ قَدْ كادَ يَلْمَعُ
قَالَ الأَصمعي: لَا أَدري مَا مَعْنَى قَوْلِهِ كاقْتِذَاء الطَّيْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ كَمَا غَمَّضَ الطَّيْرُ عَيْنَهُ مِنْ قَذاة وَقَعَتْ فِيهَا. ابْنُ الأَعرابي: الاقْتِذَاء نَظَرُ الطَّيْرِ ثُمَّ إِغْماضُها تَنْظُرُ نَظْرَةً ثُمَّ تُغْمِض، وأَنشد بَيْتَ حُمَيْدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: القَذَى مَا يَسْقُط فِي الشَّرَابِ مِنْ ذُبَابٍ أَو غَيْرُهُ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: القَذَى مَا يَلْجأُ إِلى نَوَاحِي الإِناء فِيتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ قَذَى الشَّرَابُ قَذًى؛ قَالَ الأَخطل:
وَلَيْسَ القَذَى بالعُودِ يَسْقُطُ فِي الإِنا، ... وَلَا بذُبابٍ قَذْفُه أَيْسَرُ الأَمْرِ
ولكنْ قَذاها زائِرٌ لَا نُحِبُّه، ... تَرامَتْ بِهِ الغِيطانُ مِنْ حيثُ لَا نَدْري
والقَذى: مَا هَراقت الناقةُ والشاةُ مِنْ مَاءٍ وَدَمٍ قَبْلَ الْوَلَدِ وَبَعْدَهُ؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ رَحمها بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَقَدْ قَذَت. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: أَن الشَّاةَ تَقْذِي عَشْرًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ثُمَّ تَطْهُر، فَاسْتَعْمَلَ الطُّهْر لِلشَّاةِ. وقَذَت الأُنثى تَقْذِي إِذا أَرادت الْفَحْلَ فأَلْقت مِنْ مَائِهَا. يُقَالُ: كُلُّ فَحل يَمْذي، وَكُلُّ أُنثى تَقْذِي. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَيُقَالُ أَيضاً كُلُّ فَحْلٍ يَمْني وَكُلُّ أُنثى تَقْذِي. وَيُقَالُ: قَذَت الشَّاةُ فَهِيَ تَقْذِي قَذْياً إِذا أَلقت بَيَاضًا مِنْ رَحِمِهَا، وَقِيلَ: إِذا أَلقت بَيَاضًا مِنْ رَحِمَهَا حِينَ تُرِيدُ الْفَحْلَ. وقَاذَيْتهُ: جازَيْته؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
فسَوفَ أُقَاذِي الناسَ، إِن عِشْتُ سالِماً، ... مُقَاذَاةَ حُرٍّ لَا يَقِرُّ عَلَى الذُّلِ
(15/173)

والقَاذِيَةُ: أَول مَا يَطْرأُ عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: هُمُ الْقَلِيلُ، وَقَدْ قَذَت قَذْياً، وَقِيلَ: قَذَتْ قَاذِيةٌ إِذا أَتى قَوْمٌ مِنْ أَهل الْبَادِيَةِ قَدْ أَنْجَمُوا «1» وَهَذَا يُقَالُ بِالذَّالِ وَالدَّالِ، وَذَكَرَ أَبو عَمْرٍو أَنها بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهَذَا الَّذِي يَخْتَارُهُ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الأَصبهاني، قَالَ: وَقَدْ حَكَاهَا أَبو زَيْدٍ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، والأَول أَشهر. أَبو عَمْرٍو: أَتتنا قاذِيَةٌ مِنَ النَّاسِ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَجَمْعُهُا قَواذٍ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: والمحفوظ بالدال. وَقَوْلُ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي فِتْنَةٍ ذَكَرَهَا: هُدْنةٌ عَلَى دَخَنٍ وجماعةٌ عَلَى أَقْذَاء
؛ الأَقْذَاء: جَمْعُ قَذًى والقَذَى جَمْعُ قَذَاة، وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَالْمَاءِ وَالشَّرَابِ مِنْ تُرَابٍ أَو تِبْنٍ أَوْ وَسَخٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، أَراد أَن اجْتِمَاعَهُمْ يَكُونُ عَلَى فَسَادٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَشَبَّهَهُ بِقَذَى الْعَيْنِ وَالْمَاءِ وَالشَّرَابِ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَذَا مَثَلٌ، يَقُولُ اجْتِمَاعٌ عَلَى فَسَادٍ فِي الْقُلُوبِ شُبِّه بأَقْذاءِ الْعَيْنِ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ يُغْضي عَلَى القَذَى إِذا سَكَتَ عَلَى الذلِّ وَالضَّيْمِ وفَساد الْقَلْبِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
يُبصِرُ أَحدُكم القَذَى فِي عَيْنِ أَخيه ويَعْمى عَنِ الجِذْع فِي عَيْنِهِ
؛ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِمَنْ يَرَى الصَّغِيرَ مِنْ عُيُوبِ النَّاسِ ويُعَيِّرُهم بِهِ وَفِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ مَا نِسْبَتُهُ إِليه كَنِسْبَةِ الْجِذْعِ إِلى القَذَاة، والله أَعلم.
قرا: القَرْو: مِنَ الأَرض الَّذِي لَا يَكَادُ يَقْطعه شَيْءٌ، وَالْجَمْعُ قُرُوٌّ والقَرْوُ: شِبْهُ حَوْض. التَّهْذِيبُ: والقَرْوُ شِبه حوضٍ ممْدود مُسْتَطِيلٍ إِلى جَنْبِ حَوْضٍ ضَخْم يُفرغ فِيهِ مِنَ الْحَوْضِ الضَّخْمِ تَرِدُهُ الإِبل وَالْغَنَمُ، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مِنْ خَشَبٍ؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
مُنْتَأًى كالقَرْو رهْن انْثِلامِ
شَبَّهَ النؤْيَ حَوْلَ الخَيْمة بالقَرْو، وَهُوَ حَوْضٌ مُسْتَطِيلٌ إِلى جَنْبِ حَوْضٍ ضَخْمٍ. الْجَوْهَرِيُّ: والقَرْوُ حَوْضٌ طَوِيلٌ مِثْلَ النَّهْرِ تَرِدُهُ الإِبْل. والقَرْوُ: قدَحٌ مِنْ خَشَبٍ. وَفِي حَدِيثِ
أُم مَعْبَدٍ: أَنها أَرسلت إِليه بِشَاةٍ وشَفْرةٍ فَقَالَ ارْدُدِ الشَّفْرة وهاتِ لِي قَرْواً
؛ يَعْنِي قدَحاً مِنْ خَشَبٍ. والقَرْوُ: أَسْفَلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُنْبَذُ فِيهِ، وَقِيلَ: القَرْوُ إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُرَدَّدُ، فِي الْحَوَائِجِ. ابْنُ سِيدَهْ: القَرْوُ أَسفَلُ النَّخْلَةِ، وَقِيلَ: أَصلها يُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ نَقِيرٌ يُجْعَلُ فِيهِ الْعَصِيرُ مِنْ أَي خَشَبٍ كَانَ. والقَرْوُ: القَدح، وَقِيلَ: هُوَ الإِناء الصَّغِيرُ. والقَرْوُ: مَسِيل المِعْصَرةِ ومَثْعَبُها وَالْجَمْعُ القُرِيُّ والأَقْرَاء، وَلَا فِعْل لَهُ؛ قَالَ الأَعشى:
أَرْمي بِهَا البَيْداءَ، إِذ أَعْرَضَتْ، ... وأَنْتَ بَيْنَ القَرْوِ والعاصِرِ
وَقَالَ ابْنِ أَحمر:
لَها حَبَبٌ يُرى الرَّاوُوقُ فِيهَا، ... كَمَا أَدْمَيْتَ فِي القَرْوِ الغَزالا
يَصِفُ حُمْرة الخَمْر كأَنه دَم غَزال فِي قَرْو النَّخْلِ. قَالَ الدِّينَوري: وَلَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ القدحَ لأَن الْقَدَحَ لَا يَكُونُ رَاوُوقًا إِنما هُوَ مِشْربةٌ؛ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَوْلُ الْكُمَيْتِ:
فاشْتَكَّ خُصْيَيْهِ إِيغالًا بِنافِذةٍ، ... كأَنما فُجِرَتْ مِنْ قَرْو عَصَّارِ «2»
يَعْنِي الْمُعْصِرَةَ؛ وَقَالَ الأَصمعي فِي قَوْلِ الأَعشى:
وأَنت بَيْنَ القَرْو والعاصر
__________
(1). قوله [أنجموا] كذا في الأصل، والذي في القاموس والمحكم: أقحموا.
(2). قوله [فاشتك] كذا في الأصل بالكاف، والذي في الصحاح وتاج العروس: فاستل، من الاستلال.
(15/174)

إِنه أَسْفَلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ فيُنبذ فِيهِ. والقَرْوُ: مِيلَغةُ الْكَلْبِ، وَالْجَمْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَقْرَاء وأَقْرٍ وقُرِيٌّ. وَحَكَى أَبو زَيْدٍ: أَقْرِوَةٌ، مُصَحَّحُ الْوَاوِ، وَهُوَ نَادِرٌ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ وَالتَّصْحِيحِ. والقَرْوَةُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ: كالقَرْوِ الَّذِي هُوَ مِيلَغةُ الْكَلْبِ. وَيُقَالُ: مَا فِي الدَّارِ لاعِي قَرْوٍ. ابْنُ الأَعرابي: القِرْوَةُ والقَرْوَةُ والقُرْوَةُ مِيلغة الْكَلْبِ. والقَرْوُ والقَرِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: مَا زَالَ عَلَى قَرْوٍ وَاحِدٍ وقَرِيٍّ وَاحِدٍ. ورأَيت الْقَوْمَ عَلَى قَرْوٍ وَاحِدٍ أَي عَلَى طَرِيقَةٍ وَأَحَدُّهُ. وَفِي إِسْلَامِ أَبي ذَرٍّ: وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْراء الشِّعر فَلَيْسَ هُوَ بِشِعْرٍ؛ أَقْرَاءُ ال