Advertisement

لسان العرب 013

الجزء الثالث عشر

ن
حرف النون
ن: النونُ مِنَ الْحُرُوفِ المَجْهورةِ، وَمِنَ الحُروف الذُّلقْ، والراءُ واللامُ وَالنُّونُ فِي حَيِّز واحد.

فصل الألف
أبن: أَبَنَ الرجلَ يأْبُنُه ويأْبِنُه أَبْناً: اتَّهمَه وعابَه، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَبَنْتُه بخَير وبشرٍّ آبُنُه وآبِنُه أَبْناً، وَهُوَ مأْبون بِخَيْرٍ أَو بشرٍّ؛ فَإِذَا أَضرَبْت عَنِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قُلْتَ: هُوَ مأْبُونٌ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الشَّرُّ، وَكَذَلِكَ ظَنَّه يظُنُّه. اللَّيْثُ: يُقَالُ فُلَانٌ يُؤْبَنُ بِخَيْرٍ وبشَرّ أَي يُزَنُّ بِهِ، فَهُوَ مأْبونٌ. أَبو عَمْرٍو: يُقَالُ فُلَانٌ يُؤْبَنُ بِخَيْرٍ ويُؤْبَنُ بِشَرٍّ، فَإِذَا قُلْتَ يُؤْبَنُ مُجَرَّداً فَهُوَ فِي الشَّرِّ لَا غيرُ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ أَبي هَالَةَ فِي صِفَةِ مَجْلِسِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: مجلِسُه مجلسُ حِلْمٍ وحيَاءٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْواتُ وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الحُرَمُ
أَي لَا تُذْكَر فِيهِ النساءُ بقَبيح، ويُصانُ مجلسُه عَنِ الرَّفَث وَمَا يَقْبُحُ ذِكْرُه. يُقَالُ: أَبَنْتُ الرجلَ آبُنُه إِذَا رَمَيْتَه بِخَلَّةِ سَوْء، فَهُوَ مأْبُونٌ، وَهُوَ مأْخوذ مِنَ الأُبَن، وَهِيَ العُقَدُ تكونُ فِي القِسيّ تُفْسِدُها وتُعابُ بِهَا. الْجَوْهَرِيُّ: أَبَنَه بشرٍّ يَأْبُنُه ويأْبِنه اتَّهَمَه بِهِ. وفلانٌ يُؤْبَنُ بِكَذَا أَيْ يُذْكَرُ بِقَبِيحٍ. وَفِي الْحَدِيثِ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه نَهَى عَنِ الشِّعْر إِذَا أُبِنَتْ فِيهِ النساءُ
؛ قَالَ شَمِرٌ: أَبَنْتُ الرجلَ بِكَذَا وَكَذَا إِذَا أَزْنَنْته بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: أَبَنْتُ الرجلَ آبِنُه وآبُنُه إِذَا رَمَيْتَه بِقَبِيحٍ وقَذَفْتَه بِسُوءٍ، فَهُوَ مأْبُونٌ، وَقَوْلُهُ: لَا تُؤْبَنُ فِيهِ الحُرَمُ أَي لَا تُرْمى بسُوء وَلَا تُعابُ وَلَا يُذْكَرُ مِنْهَا القبيحُ وَمَا لَا يَنْبَغي مِمَّا يُسْتَحى مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ الإِفْك:
أَشِيروا عليَّ فِي أُناسٍ أَبَنُوا أَهْلي
أَي اتَّهَموها. والأَبْنُ: التهمَةُ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي الدَّرداء: إِنْ نُؤْبَنْ بِمَا لَيْسَ فِينَا فرُبَّما زُكِّينا بِمَا لَيْسَ فِينَا
؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
أَبي سَعِيدٍ: مَا كُنَّا نأْبِنُه بِرُقْية
أَي مَا كُنَّا نَعْلم أَنه يَرْقي فنَعيبَه بِذَلِكَ: وَفِي حَدِيثِ
أَبي ذرٍّ: أَنه دَخَل عَلَى عُثْمان بْنِ عَفَّانَ فَمَا سَبَّه وَلَا أَبَنه
أَي مَا عابَه، وَقِيلَ: هُوَ أَنَّبه، بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الْبَاءِ، مِنَ التأْنيب اللَّومِ والتَّوبيخ.
(13/3)

وأَبَّنَ الرجلَ: كأَبَنَه. وآبَنَ الرجلَ وأَبَّنَه، كِلَاهُمَا: عابَه فِي وَجْهِهِ وعَيَّره. والأُبْنة، بِالضَّمِّ: العُقْدة فِي العُود أَو فِي العَصا، وجمْعُها أُبَنٌ؛ قَالَ الأَعشى:
قَضيبَ سَرَاءٍ كَثِيرَ الأُبَنْ «2»
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهُوَ أَيضاً مَخْرَج الغُصْن فِي القَوْس. والأُبْنة: العَيْبُ فِي الخَشَب والعُود، وأَصلُه مِنْ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: لَيْسَ فِي حَسَبِ فلانٍ أُبْنةٌ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ فِيهِ وَصْمةٌ. والأُبْنةُ: العَيْبُ فِي الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقدَّم قولُ خالِد بْنِ صَفْوانَ فِي الأُبْنة والوَصْمة؛ وَقَوْلُ رُؤْبَةَ:
وامْدَحْ بِلالًا غَيْرَ مَا مُؤَبَّنِ، ... ترَاهُ كَالْبَازِي انْتَمَى للْمَوْكِنِ
انْتَمى: تَعَلَّى. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: مُؤَبَّنٌ مَعيبٌ، وخالَفَه غَيْرُهُ، وَقِيلَ: غَيْرُ هالكٍ أَي غَيْرُ مَبْكيٍّ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
قُوما تجُوبانِ مَعَ الأَنْواحِ، ... «3» وأَبِّنَا مُلاعِبَ الرِّماحِ،
ومِدْرهَ الكَتيبةِ الرَّداحِ
. وَقِيلَ للمَجْبوس: مأْبونٌ لأَنه يُزَنُّ بِالْعَيْبِ الْقَبِيحِ، وكأَنَّ أَصلَه مِنْ أُبْنة العَصا لأَنها عيبٌ فِيهَا. وأُبْنة البعيرِ: غَلْصَمتُه؛ قَالَ ذُو الرُّمّة يَصِفُ عَيْراً وسَحيلَه:
تُغَنِّيه مِنْ بَيْنِ الصَّبيَّيْن أُبْنةٌ ... نَهُومٌ، إِذَا مَا ارتَدَّ فِيهَا سَحِيلُها
. تُغَنِّيه يَعْنِي العَيْر مِنْ بَيْنِ الصَّبيَّيْن، وَهُمَا طرَفا اللَّحْي. والأُبْنةُ: العُقْدةُ، وَعَنَى بِهَا هَاهُنَا الغَلْصمة، والنَّهُومُ: الَّذِي يَنْحِطُ أَي يَزْفر، يُقَالُ: نَهَمَ ونأَم فِيهَا فِي الأُبنة، والسَّحِيلُ: الصَّوْتُ. وَيُقَالُ: بَيْنَهُمْ أُبَنٌ أَي عداواتٌ. وإبَّانُ كلِّ شَيْءٍ، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ: وقْتُه وحِينُه الَّذِي يَكُونُ فِيهِ. يُقَالُ: جِئْتُه عَلَى إبَّانِ ذَلِكَ أَي عَلَى زَمَنِهِ. وأَخَذَ الشيءَ بإبَّانِهِ أَي بِزَمَانِهِ، وَقِيلَ: بأَوَّله. يُقَالُ: أَتانا فلانٌ إبَّانَ الرُّطبِ، وإبّانَ اخْتِرافِ الثِّمار، وإبّانَ الحرِّ وَالْبَرْدِ أَي أَتانا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيُقَالُ: كُلُّ الْفَوَاكِهِ فِي إبّانِها أَي فِي وَقْتها؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
أَيَّان تقْضي حَاجَتِي أَيّانا، ... أَما تَرى لِنُجْحها إِبَّانَا؟
وَفِي حَدِيثِ الْمَبْعَثِ:
هَذَا إبّانُ نُجُومِهِ
أَي وَقْتُ ظُهُورِهِ، وَالنُّونُ أَصلية فَيَكُونُ فِعَّالًا، وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَهُوَ فِعْلانُ مِنْ أَبَّ الشيءُ إِذَا تهَيَّأَ للذَّهاب، وَمِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ يَا لَلْعجَب أَي يَا عَجَبُ تعالَ فإِنه مِنْ إبّانِكَ وأَحْيانِك. وأَبَّنَ الرجلَ تأْبيناً وأَبَّله: مَدَحه بَعْدَ مَوْتِهِ وَبَكَاهُ؛ قَالَ مُتمِّم بْنُ نُوَيرة:
لعَمري وَمَا دَهري بتأْبين هالكٍ، ... وَلَا جَزِعاً مِمَّا أَصابَ فأَوْجعَا
. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ إِذَا ذكَرْتَه بَعْدَ مَوْتِهِ بِخَيْرٍ؛ وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ شَمِرٌ: التَّأْبينُ الثَّناءُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ مدْحاً للحَيّ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاعِي:
فرَفَّعَ أَصحابي المَطِيَّ وأَبَّنُوا ... هُنَيْدَة، فاشتاقَ العُيونُ اللَّوامِح.
__________
(2). قوله [كثير الأُبَن] في التكملة ما نصه: والرواية قليل الأُبَن، وهو الصواب لأَن كثرة الأُبن عيب، وصدر البيت:
سَلَاجِمُ كَالنَّحْلِ أَنْحَى لَهَا.
(3). قوله [قوما تجوبان إلخ] هكذا في الأَصل، وتقدم في مادة نوح: تنوحان.
(13/4)

قَالَ: مَدحَها فاشْتاقوا أَن يَنْظروا إِلَيْهَا فأَسْرعوا السيرَ إِلَيْهَا شَوْقاً مِنْهُمْ أَن يَنْظُرُوا مِنْهَا. وأَبَنْتُ الشَّيْءَ: رَقَبْتُه؛ وَقَالَ أَوسٌ يَصِفُ الحمار:
يقولُ له الراؤُونَ: هذاكَ راكِبٌ ... يُؤَبِّنُ شَخْصاً فوقَ علياءَ واقِفُ
وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ قَالَ: رَوَى ابنُ الأَعرابي يُوَبِّر، قَالَ: وَمَعْنَى يُوَبِّر شَخْصًا أَي يَنْظُرُ إِلَيْهِ ليَسْتَبينَه. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَيُوَبِّرُ أَثراً إِذَا اقتَصَّه، وَقِيلَ لِمَادِحِ الْمَيِّتِ مُؤَبِّنٌ لاتِّباعه آثَارَ فِعَالِهِ وَصَنَائِعِهِ. والتَّأْبينُ: اقتِفار الأَثر. الْجَوْهَرِيُّ: التأْبينُ أَن تقْفو أَثَرَ الشَّيْءِ. وأَبَّنَ الأَثر: وَهُوَ أَن يَقْتَفِره فَلَا يَضِح لَهُ وَلَا ينفَلِت مِنْهُ. والتأْبين: أَن يُفْصَدَ العِرْقُ ويُؤْخَذ دَمُه فيُشوى ويُؤكل؛ عَنْ كُرَاعٍ. ابْنُ الأَعرابي: الأَبِنُ، غَيْرُ مَمْدُودِ الأَلف عَلَى فَعِلٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، الْغَلِيظُ الثَّخين. وأَبَنُ الأَرض: نبتٌ يخرُج في رؤُوس الإِكام، لَهُ أَصل وَلَا يَطول، وكأَنه شَعَر يُؤْكل وَهُوَ سَرِيعُ الخُروج سَرِيعُ الهَيْج؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وأَبانانِ: جَبَلَانِ فِي الْبَادِيَةِ، وَقِيلَ: هُمَا جَبَلان أَحدهما أَسود وَالْآخَرُ أَبْيض، فالأَبيَض لِبَنِي أَسد، والأَسود لَبَنِي فَزارة، بَيْنَهُمَا نهرٌ يُقَالُ لَهُ الرُّمَةُ، بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَبَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَميال وَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ لَهُمَا؛ قَالَ بِشْر يَصِفُ الظَّعَائِنَ:
يَؤُمُّ بِهَا الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ، ... وَفِيهَا عَنْ أَبانَيْنِ ازْوِرارُ
وَإِنَّمَا قِيلَ: أَبانانِ وأَبانٌ أَحدهما، وَالْآخَرُ مُتالِعٌ، كَمَا يُقَالُ القَمَران؛ قَالَ لَبِيدٌ:
دَرَسَ المَنا بِمُتالِعٍ وأَبانِ، ... فتقادَمَتْ بالحِبْسِ فالسُّوبانِ
قَالَ ابْنُ جِنِّي: وأَما قَوْلُهُمْ للجبَلين المُتقابلين أَبانانِ، فإنَّ أَبانانِ اسْمُ عَلَمٍ لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ زيدٍ وَخَالِدٍ، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ جَازَ أَن يَكُونَ بَعْضُ التَّثْنِيَةِ عَلَمًا وَإِنَّمَا عامَّتُها نَكِرَاتٌ؟ أَلا تَرَى أَن رجُلين وغُلامَين كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَكِرَةٌ غَيْرُ عَلَمٍ فَمَا بَالُ أَبانَين صَارَا عَلَمًا؟ وَالْجَوَابُ: أَن زَيْدَيْنِ لَيْسَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مُصْطحِبَين مُقْتَرِنَيْنِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُجامِع صاحبَه ويُفارِقه، فَلَمَّا اصطحَبا مَرَّةً وَافْتَرَقَا أُخرى لَمْ يُمْكِن أَن يُخَصَّا باسمٍ عَلَمٍ يُفيدُهما مِنْ غيرِهما، لأَنهما شَيْئَانِ، كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بائنٌ مِنْ صاحِبه، وأَما أَبانانِ فجبَلان مُتقابلان لَا يُفارق واحدٌ مِنْهُمَا صاحبَه، فجَرَيا لاتِّصال بعضِهما بِبَعْضِ مَجْرى المسمَّى الْوَاحِدِ نَحْوَ بَكْرٍ وقاسِمٍ، فَكَمَا خُصَّ كلُّ واحدٍ مِنَ الأَعلام بِاسْمٍ يُفيدُه مِنْ أُمَّتِه، كَذَلِكَ خُصَّ هَذَانِ الجَبَلان بِاسْمٍ يُفيدهما مِنْ سَائِرِ الْجِبِالِ، لأَنهما قَدْ جَرَيا مَجْرَى الْجَبَلِ الْوَاحِدِ، فَكَمَا أَن ثَبيراً ويَذْبُل لمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَبَلًا وَاحِدًا مُتَّصِلَةً أَجزاؤُه خُصَّ بِاسْمٍ لَا يُشارَك فِيهِ، فَكَذَلِكَ أَبانانِ لمَّا لَمْ يَفْتَرِقْ بَعْضُهُمَا مِنْ بَعْضٍ كَانَا لِذَلِكَ كالجَبَل الْوَاحِدِ، خُصّا باسمٍ عَلَمٍ كَمَا خُصَّ يَذْبُل ويَرَمْرَمُ وشمَامِ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بَاسِمِ عَلَمٍ؛ قَالَ مُهَلهِل:
أَنْكَحَها فَقْدُها الأَراقِمَ فِي ... جَنْبٍ، وَكَانَ الخِباءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بأَبانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبها ... رُمِّلَ، مَا أَنْفُ خاطِبٍ بدَمِ
الْجَوْهَرِيُّ: وَتَقُولُ هَذَانِ أَبانان حَسَنَينِ، تَنْصِب النعتَ لأَنه نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِهِ مَعْرِفَةٌ، لأَن الأَماكن لَا تزولُ فَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وخالَف الحيوانَ، إِذَا قُلْتَ هَذَانِ زَيْدَانِ حسَنان، تَرْفَعُ النَّعْتَ هَاهُنَا لأَنه
(13/5)

نكرةٌ وُصِفت بِهَا نَكِرَةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ تَنْصِبُ النَّعْتَ لأَنه نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِهِ مَعْرِفَةٌ، قَالَ: يَعْنِي بِالْوَصْفِ هُنَا الْحَالَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَبانَين وعَرَفاتٍ وَبَيْنَ زَيدَينِ وزَيدين مِنْ قِبَل أَنهم لَمْ يَجْعَلُوا التَّثْنِيَةَ وَالْجَمْعَ عَلَمًا لرجُلينِ وَلَا لرِجال بأَعيانِهم، وَجَعَلُوا الِاسْمَ الْوَاحِدَ علَماً لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، كأَنهم قَالُوا إِذَا قُلْنَا ائْتِ بزَيْدٍ إِنَّمَا نُرِيدُ هَاتِ هَذَا الشَّخْصَ الَّذِي يسيرُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقُولُوا إِذَا قُلْنَا جَاءَ زيدانِ فَإِنَّمَا نَعْنِي شَخْصَيْنِ بأَعيانهما قَدْ عُرِفا قَبْلَ ذَلِكَ وأُثْبِتا، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا إِذَا قُلْنَا جَاءَ زَيْدُ بْنُ فُلَانٍ وزيدُ بْنُ فلانٍ فَإِنَّمَا نَعْنِي شَيْئَيْنِ بأَعيانهما، فكأَنهم قَالُوا إِذَا قُلْنَا ائتِ أَبانَيْنِ فَإِنَّمَا نَعْنِي هذينِ الجبلَينِ بأَعيانهما اللَّذَيْنِ يَسِيرُ إِلَيْهِمَا، أَلا تَرَى أَنهم لَمْ يَقُولُوا امْرُرْ بأَبانِ كَذَا وأَبانِ كَذَا؟ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا لأَنهم جَعَلُوا أَبانَيْنِ اسْمًا لَهُمَا يُعْرَفانِ بِهِ بأَعيانهما، وَلَيْسَ هَذَا فِي الأَناسيِّ وَلَا فِي الدَّوَابِّ، إِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِي الأَماكنِ وَالْجِبِالِ وَمَا أَشبه ذَلِكَ، مِنْ قِبَل أَنّ الأَماكِنَ لَا تَزُولُ فيصيرُ كُلُّ واحدٍ مِنَ الجبلَينِ دَاخِلًا عِنْدَهُمْ فِي مِثْلِ مَا دَخَلَ فِيهِ صاحبُه مِنَ الْحَالِ والثَّباتِ والخِصبِ والقَحْطِ، وَلَا يُشارُ إِلَى واحدٍ مِنْهُمَا بتعريفٍ دُونَ الْآخَرِ فَصَارَا كَالْوَاحِدِ الَّذِي لَا يُزايِله مِنْهُ شيءٌ حَيْثُ كَانَ فِي الأَناسيّ وَالدَّوَابِّ والإِنسانانِ وَالدَّابَّتَانِ لَا يَثْبُتانِ أَبداً، يزولانِ وَيَتَصَرَّفَانِ ويُشارُ إِلَى أَحدِهما والآخرُ عَنْهُ غائبٌ، وَقَدْ يُفرَد فَيُقَالُ أَبانٌ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ أَباناً، فِي أَفانِينِ وَدْقِه، ... كبيرُ أُناسٍ فِي بِجادٍ مُزَمَّلِ «1»
. وأَبانٌ: اسْمُ رجلٍ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
مِنْ كَذَا وَكَذَا إِلَى عَدَنِ أَبْيَنَ
، أَبْيَنُ بِوَزْنِ أَحْمر، قريةٌ عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ ناحيةَ الْيَمَنِ، وَقِيلَ: هُوَ اسمُ مَدِينَةِ عدَن. وَفِي حَدِيثِ
أُسامة: قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا أَرسَله إِلَى الرُّوم: أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا
؛ هِيَ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ، اسمُ موضعٍ مِنْ فِلَسْطينَ بَيْنَ عَسْقَلانَ والرَّمْلة، وَيُقَالُ لَهَا يُبْنَى، بِالْيَاءِ، وَاللَّهُ أَعلم.
أتن: الأَتانُ: الحِمارةُ، وَالْجَمْعُ آتُنٌ مِثْلُ عَناقٍ وأَعْنُقٍ وأُتْنٌ وأُتُنٌ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وَمَا أُبَيِّنُ منهمُ، غيرَ أَنَّهمُ ... هُمُ الَّذِينَ غَذَتْ مِنْ خَلْفِها الأُتُنُ
وَإِنَّمَا قَالَ غَذَت مِنْ خَلْفِها الأُتُن لأَن ولدَ الأَتانِ إِنَّمَا يَرْضَع مِنْ خَلْف. والمَأْتوناءُ: الأُتُنُ اسمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلَ المَعْيوراء. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: جئتُ عَلَى حمارٍ أَتانٍ
؛ الحمارُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ والأُنثى، والأَتانُ والحِمارةُ الأُنثى خَاصَّةً، وَإِنَّمَا اسْتَدْرَكَ الحمارَ بالأَتانِ ليُعلَم أَن الأُنثَى مِنَ الحُمُرِ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَكَذَلِكَ لَا تقطعُها المرأَة، وَلَا يُقَالُ فِيهَا أَتانة. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ واسْتَأْتَنَ الرجلُ اشْتَرى أَتاناً واتَّخَذَها لِنَفْسِهِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
بَسَأْتَ، يَا عَمْرُو، بأَمرٍ مؤتِنِ ... واسْتَأْتَنَ الناسُ ولَمْ تَسْتَأْتِنِ
واسْتَأْتَنَ الحمارُ: صارَ أَتاناً. وَقَوْلُهُمْ: كَانَ حِمَارًا فاسْتَأْتَنَ أَي صارَ أَتاناً؛ يَضْرِبُ لِلرَّجُلِ يَهُون بَعْدَ العِزِّ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الأَتان قاعدةُ الفَوْدَجِ، قَالَ أَبو وَهْبٍ «2».: الحَمَائِرُ هِيَ القواعدُ والأُتن، الواحدةُ حِمارةٌ وأَتانٌ. والأَتانُ: المرأَةُ الرَّعناء، على التشبيه
__________
(1). في رواية أخرى: كأنّ كبيراً، بدل أباناً
(2). قوله [قال أبو وهب] كذا في الأَصل والتهذيب. وفي الصاغاني: أبو مرهب بدل أبو وهب
(13/6)

بالأَتانِ، وَقِيلَ لِفَقيه العربِ: هَلْ يجوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يتزوَّج بأَتان؟ قَالَ: نَعَمْ؛ حَكَاهُ الْفَارِسِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ. والأَتانُ: الصخرةُ تَكُونُ فِي الْمَاءِ؛ قَالَ الأَعشى:
بِناجيةٍ، كأَتانِ الثَّميل، ... تُقَضِّي السُّرَى بَعْدَ أَيْنٍ عَسِيرَا
أَي تُصْبِحُ عاسِراً بذَنَبِها تَخْطُرُ بِهِ مِراحاً وَنَشَاطًا. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: أَتانُ الثَّميل الصخرةُ فِي بَاطِنِ المَسيلِ الضَّخْمةُ الَّتِي لَا يرفعُها شيءٌ وَلَا يُحرّكُها وَلَا يأْخذُ فِيهَا، طولُها قامةٌ فِي عَرْضِ مثْلِه. أَبو الدُّقَيْش: القواعِدُ والأُتُنُ المرتفعةُ مِنَ الأَرض. وأَتانُ الضَّحْلِ: الصَّخْرَةُ العظيمةُ تَكُونُ فِي الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ الصخرةُ الَّتِي بَيْنَ أَسْفلِ طيِّ البئرِ، فَهِيَ تَلِي الماءَ. والأَتانُ: الصخرةُ الضخمةُ المُلَمْلَمةُ، فَإِذَا كَانَتْ فِي الْمَاءِ الضَّحْضاحِ قِيلَ: أَتانُ الضَّحْلِ، وتُشَبَّه بِهَا الناقةُ فِي صَلَابَتِها؛ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
عَيْرانةٌ كأَتان الضَّحل ناجِيةٌ، ... إِذَا ترَقَّصَ بالقُورِ العَساقِيلُ
وَقَالَ الأَخطل:
بِحُرّةٍ، كأَتانِ الضَّحْلِ، أَضْمَرَها، ... بَعْدَ الرَّبالةِ، تَرْحالي وتَسْياري
. وَقَالَ أَوس:
عَيرانةٌ، كأَتانِ الضَّحْلِ، صَلَّبها ... أَكلُ السَّواديّ رَضُّوهُ بِمِرْضاح
. ابْنُ سِيدَهْ: وأَتانُ الضَّحلِ صخرةٌ تَكُونُ عَلَى فَمِ الرَّكِيِّ، فيركبُها الطُّحْلُبُ حَتَّى تَمْلاسَّ فَتَكُونُ أَشَدَّ مَلَاسَةً مِنْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ: هِيَ الصخرةُ بعضُها غامِرٌ وبعضُها ظاهِرٌ. والأَتانُ: مقامُ المُسْتَقي عَلَى فَمِ الْبِئْرِ، وَهُوَ صخرةٌ. والأَتانُ والإِتانُ: مقامُ الرَّكيّة. وأَتَنَ يأْتِنُ أَتْناً: خَطَبَ فِي غَضَب. وأَتَنَ الرجلُ يأْتِنُ أَتَناناً إِذَا قارَبَ الخَطْوَ فِي غَضَب، وأَتَلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي مَصْدَرِهِ: الأَتَنانُ والأَتَلانُ. وأَتَنَ بالمكانِ يأْتِنُ أَتْناً وأُتوناً: ثَبَتَ وأَقامَ بِهِ؛ قَالَ أَباقٌ الدُّبَيريّ:
أَتَنْتُ لَهَا وَلَمْ أَزَلْ فِي خِبائها ... مُقيماً، إِلَى أَنْ أَنْجَزَت خُلّتي وَعْدي
. والأَتْنُ: أَنْ تخْرجَ رجْلا الصَّبِيِّ قَبْل رأْسِه، لُغَةٌ فِي اليَتْنِ؛ حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ مَنْكوساً، فَهُوَ مَرَّةً اسمٌ للوِلادِ، وَمَرَّةً اسمٌ للولَدِ. والمُوتَنُ: المنكوسُ، مِنَ اليَتْنِ. والأَتُّونُ، بِالتَّشْدِيدِ: المَوْقِدُ، وَالْعَامَّةُ تخفِّفه، وَالْجَمْعُ الأَتاتين، وَيُقَالُ: هُوَ مُولَّد؛ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الأَتُونُ، مُخَفَّفٌ مِنَ الأَتُّون، والأَتُّونُ: أُخْدُودُ الجَبّارِ والجصَّاص، وأَتُون الحمّامِ، قَالَ: وَلَا أَحسبه عَرَبِيًّا. وجمعه أُتُنٌ. قال الفراء: هي الأَتاتينُ؛ قال ابن جني: كأَنه زاد على عَيْنُ أَتُونٍ عَيْنًا أُخرى، فَصَارَ فعُول مُخَفَّفَ الْعَيْنِ إِلَى فَعُّولٍ مُشَدَّدِ الْعَيْنِ فيُصوّره حِينَئِذٍ عَلَى أَتّونٍ فَقَالَ فِيهِ أَتانين كسَفّودٍ وسَفافيد وكَلّوب وكَلاليبَ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهَذَا كَمَا جَمَعُوا قُسًّا قَساوِسةً، أَرادوا أَن يَجْمَعُوهُ عَلَى مِثَالِ مهالِبة، فَكَثُرَتِ السِّينات وأَبدلوا إحداهنَّ وَاوًا، قَالَ: وَرُبَّمَا شَدَّدُوا الجمعَ وَلَمْ يُشدِّدوا واحدَه مثل أَتُونٍ وأَتاتِينَ.
أثن: الأُثْنةُ: منبِتُ الطَّلْحِ، وَقِيلَ: هِيَ القِطْعةُ مِنَ الطَّلْح والأَثْلِ. يُقَالُ: هبَطْنا أُثْنةً مِنْ طلحٍ وَمِنْ أَثْلٍ. ابْنُ الأَعرابي: عِيصٌ مِنْ سِدْرٍ، وأُثْنةٌ مِنْ طلحٍ، وسلِيلٌ مِنْ سَمُر. وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الأَصِيل: أَثِينٌ.
(13/7)

أجن: الآجِنُ: الماءُ المتغيّرُ الطعمِ واللونِ، أَجَنَ الماءُ يأْجِنُ ويأْجُن أَجْناً وأُجوناً؛ قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ الْفَقْعَسِيُّ:
ومَنْهل فِيهِ العُرابُ مَيْتُ ... «1».، كأَنه مِنَ الأُجونِ زَيْتُ،
سَقَيْتُ مِنْهُ القومَ واسْتَقَيْتُ
وأَجِنَ يأْجَنُ أَجَناً فَهُوَ أَجِنٌ، عَلَى فَعِلٍ، وأَجُنَ، بِضَمِّ الْجِيمِ، هَذِهِ عَنْ ثَعْلَبٍ، إِذَا تغيَّر غَيْرَ أَنه شَروبٌ، وَخَصَّ ثَعْلَبٌ بِهِ تغيُّرَ رَائِحَتِهِ، وماءٌ أَجِنٌ وآجِنٌ وأَجِينٌ، وَالْجَمْعُ أُجونٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَظنه جمعَ أَجْنٍ أَو أَجِنٍ. اللَّيْثُ: الأَجْنُ أُجونُ الماءِ، وَهُوَ أَن يَغْشاه العِرْمِضُ والورقُ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
عَلَيْهِ، مِنْ سافِي الرِّياحِ الخُطَّطِ، ... أَجْنٌ كنِيِّ اللَّحْمِ لَمْ يُشَيَّطِ
. وَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدة:
فأَوْرَدَها مَاءً كأَنَّ جِمامَه، ... مِنَ الأَجْنِ، حِنَّاءٌ مَعًا وصَبِيبُ
وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وَجْهَهُ: ارْتوَى مِنْ آجِنٍ
؛ هُوَ الماءُ المتغيِّرُ الطعمِ واللونِ. وَفِي حَدِيثِ
الْحَسَنِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنه كَانَ لَا يَرى بأْساً بالوُضوء مِنَ الْمَاءِ الآجنِ.
والإِجّانَةُ والإِنْجانةُ والأَجّانةُ؛ الأَخيرة طَائِيَّةٌ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: المِرْكَنُ، وأَفصحُها إجّانةٌ وَاحِدَةُ الأَجاجينِ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ إِكَّانه؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَلَا تَقُلْ إنْجانة. والمِئْجَنةُ: مِدقَّةُ القَصّارِ، وترْكُ الْهَمْزِ أَعلى لِقَوْلِهِمْ فِي جَمْعِهَا مَواجن؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: المِئْجَنةُ الخشبةُ الَّتِي يَدُقُّ بِهَا القصّارُ، والجمعُ مآجِنُ، وأَجَنَ الْقَصَّارُ الثوبَ أَي دَقَّه. والأُجْنةُ، بِالضَّمِّ: لُغَةٌ فِي الوُجْنةِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ الوُجَنات. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: أَن امرأَته سأَلته أَن يَكْسُوَها جِلْباباً فَقَالَ: إِنِّي أَخشى أَن تَدَعي جِلْبابَ اللَّهِ الَّذِي جَلْبَبَكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بيتُك، قالت: أَجَنَّك [أَجِنَّك] مِنْ أَصحابِ محمدٍ تَقُولُ هَذَا؟
تُرِيدُ أَمِنْ أَجلِ أَنك، فَحَذَفَتْ مِنْ واللامَ وَالْهَمْزَةَ وحرَّكت الْجِيمَ بالفتح والكسره والفتحُ أَكثر، وَلِلْعَرَبِ فِي الْحَذْفِ بابٌ وَاسِعٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، تَقْدِيرُهُ لَكِنِّي أَنا هُوَ اللهُ رَبِّي، وَاللَّهُ أَعلم.
أحن: الإِحْنةُ: الحقْدُ فِي الصَّدْرِ، وأَحِنَ عَلَيْهِ أَحَناً وإحْنةً وأَحَنَ، الفتحُ عَنْ كُرَاعٍ، وَقَدْ آحَنَهُ. التَّهْذِيبُ: وَقَدْ أَحَنْتُ إِلَيْهِ آحَنُ أَحْناً وآحَنْتُه مُؤَاحنةً مِنَ الإِحْنةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا حِنة؛ قَالَ الأَزهري: حِنَة لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وأَنكر الأَصمعي وَالْفَرَّاءُ حِنَةً. ابْنُ الْفَرَجِ: أَحِنَ عَلَيْهِ ووَحِنَ مِنَ الإِحْنة. وَيُقَالُ: فِي صَدْرِهِ عليَّ إِحْنةٌ أَي حِقْدٌ، وَلَا تَقُلْ حِنَة، وَالْجَمْعُ إِحَنٌ وإِحْناتٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
وَفِي صَدْرِهِ عليَّ إحْنةٌ.
وَفِي حَدِيثِ
مازِنٍ: وَفِي قلُوبِكم الْبَغْضَاءُ والإِحَنُ.
وأَما حَدِيثُ
مُعَاوِيَةَ: لَقَدْ منَعتْني القدرةُ مِنْ ذَوِي الحِناتِ
، فَهِيَ جَمْعُ حِنَةٍ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الإِحْنة، وَقَدْ جَاءَتْ فِي بَعْضِ طُرُق حَدِيثِ
حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب فِي الحُدود: مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْعَرَبِ حِنَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَجُوزُ شهادةُ ذِي الظِّنَّةِ والحِنَةِ
؛ هُوَ مِنَ الْعَدَاوَةِ؛ وَفِيهِ:
إِلَّا رَجُلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخيه حِنَةٌ
، وَقَدْ أَحِنْتُ عَلَيْهِ، بِالْكَسْرِ؛ قَالَ الأُقَيْبل القَينيّ:
مَتَّى مَا يَسُؤْ ظَنُّ امرِئٍ بِصَدِيقِه، ... يُصَدِّقْ بلاغاتٍ يَجِئْهُ يَقِينُها
__________
(1). قوله: العراب؛ هكذا في الأَصل، ولم نجد هذه اللفظة فيما لدينا من المعاجم، ولعلها الغراب
(13/8)

إِذَا كَانَ فِي صَدْرِ ابنِ عمِّكَ إِحْنةٌ، ... فَلَا تسْتَثِرْها سوفَ يَبْدُو دَفِينُها
يَقُولُ: لَا تطلبُ مِنْ عدوِّك كشْفَ مَا فِي قَلْبِهِ لَكَ فَإِنَّهُ سَيَظْهَرُ لَكَ مَا يُخْفِيهِ قلبُه عَلَى مرِّ الزَّمَانِ؛ وَقِيلَ: قَبْل قَوْلِهِ إِذَا كَانَ فِي صَدْرِ ابْنِ عَمِّكَ إِحْنَةٌ:
إِذَا صَفْحةُ المعروفِ وَلَّتْكَ جانِباً، ... فخُذْ صَفْوَها لَا يَخْتَلِطْ بِكَ طِينُهاً
والمُؤاحَنةُ: المُعاداة؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ آحَنْتُه مُؤاحَنةً.
أخن: الآخِنيُّ: ثيابٌ مُخَطَّطةٌ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
عَلَيْهِ كَتَّانٌ وآخِنِيُ
والآخِنيَّةُ: القِسِيُّ؛ قَالَ الأَعشى:
مَنَعتْ قِياسُ الآخِنيَّةِ رأْسَه ... بسِهامِ يَثْرِبَ أَو سِهامِ الْوَادِي
أَضافَ الشيءَ إِلَى نَفْسِهِ لأَن القِياسَ هِيَ الآخِنيَّة، أَو يَكُونُ عَلَى أَنه أَراد قِياسَ الْقَوَّاسَةِ الآخنيَّة، وَيُرْوَى: أَو سِهامِ بلادِ. أَبو مَالِكٍ: الآخِنِيُّ أَكْسِيَةٌ سُودٌ ليِّنةٌ يَلبَسُها النَّصَارَى؛ قَالَ الْبُعَيْثُ:
فكَرَّ عَلَيْنَا ثمَّ ظلَّ يجُرُّها، ... كَمَا جَرَّ ثوبَ الآخِنِيِّ المقدَّس
وَقَالَ أَبو خِرَاشٍ:
كأَن المُلاءَ المَحْض خَلْفَ كُراعِه، ... إِذَا مَا تَمَطَّى الآخِنِيُّ المُخَذَّمُ.
أدن: المُؤْدَنُ مِنَ النَّاسِ: القصيرُ العنُقِ الضَّيِّقُ المَنْكِبين مَعَ قِصَر الأَلواحِ وَالْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ ضاوِياً. والمُؤْدَنة: طُوَيِّرةٌ صغيرةٌ قصيرةُ العنُق نَحْوُ القُبَّرة. ابْنُ بَرِّيٍّ: المُؤدَنُ الفاحشُ القِصَر؛ قَالَ رِبْعِيّ الدُّبَيري:
لِمَا رَأَتْهُ مُؤْدَناً عِظْيَرَّا، ... قَالَتْ: أُريد العَتْعَتَ الذِّفِرّا
أذن: أَذِنَ بِالشَّيْءِ إذْناً وأَذَناً وأَذانةً: عَلِم. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
؛ أَي كُونُوا عَلَى عِلْمٍ. وآذَنَه الأَمرَ وآذَنه بِهِ: أَعْلَمَه، وَقَدْ قُرئ:
فآذِنوا بحربٍ مِنَ اللَّهِ
؛ مَعْنَاهُ أَي أَعْلِمُوا كلَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ الرِّبا بأَنه حربٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَيُقَالُ: قَدْ آذَنْتُه بِكَذَا وَكَذَا، أُوذِنُه إِيذَانًا وإذْناً إِذَا أَعْلَمْته، وَمَنْ قرأَ فَأْذَنُوا
أَي فانْصِتُوا. وَيُقَالُ: أَذِنْتُ لفلانٍ فِي أَمر كَذَا وَكَذَا آذَنُ لَهُ إِذْناً، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وجزمِ الذَّالِ، واسْتَأْذَنْتُ فُلَانًا اسْتِئْذاناً. وأَذَّنْتُ: أَكْثرْتُ الإِعْلامَ بِالشَّيْءِ. والأَذانُ: الإِعْلامُ. وآذَنْتُكَ بِالشَّيْءِ: أَعْلمتُكه. وآذَنْتُه: أَعْلَمتُه. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ
؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
آذَنَتْنا ببَيْنِها أَسْماءُ
وأَذِنَ بِهِ إِذْناً: عَلِمَ بِهِ. وَحَكَى أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي: كُونُوا عَلَى إِذْنِهِ أَي عَلَى عِلْمٍ بِهِ. وَيُقَالُ: أَذِنَ فلانٌ يأْذَنُ بِهِ إِذْناً إِذَا عَلِمَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ
؛ أَي إعْلامٌ. والأَذانُ: اسمٌ يَقُومُ مقامَ الإِيذانِ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ الْحَقِيقِيُّ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
؛ مَعْنَاهُ وإِذ عَلِمَ ربُّكم، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
؛ مَعْنَاهُ بِعلْمِ اللَّهِ، والإِذْنُ هاهنا لَا يَكُونُ إلَّا مِنَ اللَّهِ، لأَن اللَّهَ تَعَالَى وتقدَّس لَا يأْمر بِالْفَحْشَاءِ مِنَ السحْرِ وَمَا شاكَلَه. وَيُقَالُ: فَعلْتُ كَذَا وَكَذَا بإِذْنِه أَي فعلْتُ بعِلْمِه، وَيَكُونُ بإِذْنِه
(13/9)

بأَمره. وَقَالَ قومٌ: الأَذينُ المكانُ يأْتيه الأَذانُ مِنْ كلِّ ناحيةٍ؛ وأَنشدوا:
طَهُورُ الحَصَى كَانَتْ أَذيناً، وَلَمْ تكُنْ ... بِهَا رِيبةٌ، مِمَّا يُخافُ، تَريبُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَذِينُ فِي الْبَيْتِ بِمَعْنَى المُؤْذَنِ، مِثْلُ عَقِيدٍ بِمَعْنَى مُعْقَدٍ، قَالَ: وأَنشده أَبو الجَرّاح شَاهِدًا عَلَى الأَذِينِ بِمَعْنَى الأَذانِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَيْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَإِنِّي أَذِينٌ، إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكاً، ... بسَيْرٍ ترَى فِيهِ الفُرانِقَ أَزْوَرَا «1»
. أَذينٌ فِيهِ: بِمَعْنَى مُؤْذِنٍ، كَمَا قَالُوا أَليم ووَجيع بِمَعْنَى مُؤْلِم ومُوجِع. والأَذِين: الْكَفِيلُ. وَرَوَى أَبو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ هَذَا وَقَالَ: أَذِينٌ أَي زَعيم. وفَعَلَه بإِذْني وأَذَني أَي بِعلْمي. وأَذِنَ لَهُ فِي الشيءِ إِذْناً: أَباحَهُ لَهُ. واسْتَأْذَنَه: طَلَب مِنْهُ الإِذْنَ. وأَذِنَ لَهُ عَلَيْهِ: أَخَذَ لَهُ مِنْهُ الإِذْنَ. يُقَالُ: ائْذَنْ لِي عَلَى الأَمير؛ وَقَالَ الأَغَرّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحرث:
وَإِنِّي إِذَا ضَنَّ الأَمِيرُ بإِذْنِه ... عَلَى الإِذْنِ مِنْ نفْسي، إِذَا شئتُ، قادِرُ
وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
قلتُ لبَوَّابٍ لَدَيْهِ دارُها ... تِيذَنْ، فَإِنِّي حَمْؤُها وجارُها
. قَالَ أَبو جَعْفَرٍ: أَراد لِتأْذَنْ، وَجَائِزٌ فِي الشِّعر حذفُ اللَّامِ وكسرُ التَّاءِ عَلَى لُغَةِ مَن يقولُ أَنتَ تِعْلَم، وَقُرِئَ:
فَبِذَلِكَ فَلْتِفْرَحوا.
والآذِنُ: الحاجِبُ؛ وَقَالَ:
تَبَدَّلْ بآذِنِكَ المُرْتَضَى
وأَذِنَ لَهُ أَذَناً: اسْتَمَعَ؛ قَالَ قَعْنَبُ بنُ أُمّ صاحِبٍ:
إِنْ يَسْمَعُوا رِيبةً طارُوا بِهَا فَرَحاً ... مِنِّي، وَمَا سَمعوا مِنْ صالِحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إِذَا سمِعوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِهِ، ... وإنْ ذُكِرْتُ بشَرٍّ عنْدَهم أَذِنوا
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَذِنَ إِلَيْهِ أَذَناً اسْتَمَعَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا أَذِنَ اللهُ لشيءٍ كأَذَنِهِ لِنَبيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مَا استمَعَ اللهُ لِشَيْءٍ كاستِماعِهِ لِنَبيٍّ يتغنَّى بِالْقُرْآنِ أَي يتْلوه يَجْهَرُ بِهِ. يُقَالُ: أَذِنْتُ لِلشَّيْءِ آذَنُ لَهُ أَذَناً إِذَا استمَعْتَ لَهُ؛ قَالَ عَدِيٌّ:
أَيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بدَدَنْ، ... إنَّ همِّي فِي سماعٍ وأَذَنْ
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ*
؛ أَي اسْتَمعَتْ. وأَذِنَ إليهِ أَذَناً: اسْتَمَعَ إِلَيْهِ مُعْجباً؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِعَمْرِو بْنِ الأَهْيَم:
فلَمَّا أَنْ تسَايَرْنا قَليلًا، ... أَذِنَّ إِلَى الحديثِ، فهُنَّ صُورُ
وَقَالَ عَدِيٌّ:
فِي سَماعٍ يَأْذَنُ الشَّيخُ لَهُ، ... وحديثٍ مثْل ماذِيٍّ مُشار
وآذَنَني الشيءُ: أَعْجَبَنِي فاستَمعْتُ لَهُ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
فَلَا وأَبيك خَيْر منْك، إِنِّي ... لَيُؤْذِنُني التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ
وأَذِنَ للَّهْو: اسْتَمع ومالَ.
__________
(1). في رواية أخرى: وإني زعيمٌ
(13/10)

والأُذْنُ والأُذُنُ، يخفَّف ويُثَقَّل: مِنَ الْحَوَاسِّ أُنثى، وَالَّذِي حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ أُذْن، بِالضَّمِّ، وَالْجَمْعُ آذانٌ لَا يُكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَصْغِيرُهَا أُذَيْنة، وَلَوْ سَمَّيْت بِهَا رَجُلًا ثُمَّ صغَّرْته قُلْتَ أُذَيْن، فَلَمْ تؤَنِّث لزوالِ التأْنيث عَنْهُ بِالنَّقْلِ إِلَى الْمُذَكَّرِ، فأَما قَوْلُهُمْ أُذَيْنة فِي الِاسْمِ الْعَلَمِ فَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ مصغَّراً. وَرَجُلٌ أُذْنٌ وأُذُنٌ: مُسْتَمِع لِمَا يُقال لَهُ قابلٌ لَهُ؛ وصَفُو بِهِ كَمَا قَالَ:
مِئْبَرة العُرْقُوبِ أَشْفَى المِرْفَق
فَوَصَفَ بِهِ لأَن فِي مِئْبَرةٍ وأَشْفى مَعْنَى الحِدَّة. قَالَ أَبو عَلِيٍّ: قَالَ أَبو زَيْدٍ رَجُلٌ أُذُنٌ وَرِجَالٌ أُذُنٌ، فأُذُنٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ مقالَ كُلِّ أَحد. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ رَجُلٌ أُذُنٌ وامرأَة أُذُنٌ، وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، قَالَ: وَإِنَّمَا سمَّوه بِاسْمِ العُضْو تَهْويلًا وَتَشْنِيعًا كَمَا قَالُوا للمرأَة: مَا أَنتِ إِلَّا بُطَين. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
؛ أَكثرُ القرّاء يقرؤون قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
، وَمَعْنَاهُ وتفْسيرُه أَن فِي المُنافِقينَ مَنْ كَانَ يَعيب النبي، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، وَيَقُولُ: إِنْ بَلَغَه عَنِّي شَيْءٌ حَلَفْت لَهُ وقَبِلَ مِنِّي لأَنه أُذُنٌ، فأَعْلَمه اللَّهُ تَعَالَى أَنه أُذُنُ خيرٍ لَا أُذُنُ شرٍّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
، أَي مُسْتَمِعُ خيرٍ لَكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مِمَّنْ يَقْبَل فَقَالَ تَعَالَى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أَي يَسْمَعُ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فيصدِّق بِهِ ويصدِّق الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ
زَيْدِ بْنِ أَرْقَم: هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ بأُذُنِه
أَي أَظهرَ صِدْقَه فِي إِخْبارِه عَمَّا سمعَتْ أُذُنه. وَرَجُلٌ أُذانِيّ وآذَنُ: عظيمُ الأُذُنَيْنِ طويلُهما، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الإِبلِ وَالْغَنَمِ، ونَعْجةٌ أَذْناءُ وكَبْشٌ آذَنُ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: أَنه قَالَ لَهُ يَا ذَا الأُذُنَيْنِ
؛ قالَ ابْنُ الأَثير: قِيلَ مَعْنَاهُ الحضُّ عَلَى حُسْنِ الاستِماعِ والوَعْي لأَن السَّمْعَ بحاسَّة الأُذُنِ، ومَنْ خلَق اللَّهُ لَهُ أُذُنَيْنِ فأَغْفَلَ الاستِماع وَلَمْ يُحْسِن الوَعْيَ لَمْ يُعْذَرْ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ مَزْحه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولَطيف أَخلاقه كَمَا
قَالَ للمرأَة عَنْ زَوْجِهَا: أَذاك الَّذِي فِي عينِه بياضٌ؟
وأَذَنَه أَذْناً، فَهُوَ مأْذونٌ: أَصاب أُذُنَه، عَلَى مَا يَطَّرِد فِي الأَعضاء. وأَذَّنَه: كأَذَنَه أَي ضرَب أُذُنَه، وَمِنْ كَلَامِهِمْ: لِكُلِّ جابهٍ جَوْزةٌ ثُمَّ يُؤَذَّنُ؛ الجابهُ: الواردُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَرِدُ الْمَاءَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ قامةٌ وَلَا أَداةٌ، والجَوْزةُ: السَّقْية مِنَ الْمَاءِ، يَعْنُون أَن الواردَ إِذَا ورَدَهم فسأَلهم أَن يَسْقوه مَاءً لأَهله وماشيتِه سَقَوْه سقْيةً وَاحِدَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا أُذُنَه إعْلاماً أَنه لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَكثرُ مِنْ ذَلِكَ. وأُذِنَ: شَكَا أُذُنَه؛ وأُذُنُ القلبِ والسهمِ والنَّصْلِ كلُّه عَلَى التَّشْبِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ المُحاجِين: مَا ذُو ثَلَاثِ آذَانٍ يَسْبِقُ الخَيْل بالرَّدَيان؟ يَعْنِي السَّهمَ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: إِذَا رُكِّبت القُذَذُ عَلَى السَّهْمِ فَهِيَ آذانُه. وأُذُنُ كُلِّ شَيْءٍ مَقْبِضُه، كأُذُنِ الْكُوزِ والدَّلْو عَلَى التَّشْبِيهِ، وكلُّه مُؤَنَّثٌ. وأُذُنُ العَرفج والثُّمام: مَا يُخَدُّ مِنْهُ فيَنْدُرُ إِذَا أَخْوَصَ، وَذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلَى شَكْلِ الأُذُنِ. وآذانُ الكيزانِ: عُراها، واحدَتها أُذُنٌ. وأُذَيْنةُ: اسْمُ رَجُلٍ، لَيْسَتْ مُحَقَّرة عَلَى أُذُن فِي التَّسْمِيَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَلْحَقِ الْهَاءُ وَإِنَّمَا سُمّيَ بِهَا مُحَقَّرة مِنَ العُضْو، وَقِيلَ: أُذَيْنة اسمُ ملِك مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ. وَبَنُو أُذُنٍ: بطنٌ مِنْ هَوَازِنَ. وأُذُن النَّعْل: مَا أَطافَ مِنْهَا بالقِبال. وأَذَّنْتُها: جعلتُ لَهَا أُذُناً. وأَذَّنْتُ الصبيَّ: عرَكْتُ أُذُنَه. وأُذُنُ الحمارِ: نبتٌ لَهُ وَرَقٌ
(13/11)

عَرْضُه مِثْلُ الشِّبْر، وَلَهُ أَصل يُؤْكَلُ أَعظم مِنَ الجَزرة مِثْلُ السَّاعِدِ، وَفِيهِ حَلَاوَةٌ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والأَذانُ والأَذِينُ والتَّأْذِينُ: النّداءُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ الإِعْلام بِهَا وَبِوَقْتِهَا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَالُوا أَذَّنْت وآذَنْتُ، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُهُمَا بِمَعْنًى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَذَّنْت لِلتَّصْوِيتِ بإعْلانٍ، وآذَنْتُ أَعلمْت. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ
؛ رُوِيَ
أَنَّ أَذان إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالْحَجِّ أَن وقَف بالمَقام فَنَادَى: أَيّها النَّاسُ، أَجيبُوا اللَّهَ، يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَطيعوا اللَّهَ، يَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ، فوَقَرَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وأَسْمَعَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرض، فأَجابه مَن فِي الأَصْلاب مِمَّنْ كُتِب لَهُ الْحَجُّ، فَكُلُّ مَنْ حَجَّ فَهُوَ مِمَّنْ أَجاب إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَرُوِيَ
أَن أَذانه بِالْحَجِّ كَانَ: يَا أَيها النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ.
والأَذِينُ: المُؤذِّنُ؛ قَالَ الحُصَينُ بْنُ بُكَيْر الرَّبَعيّ يَصِفُ حمارَ وَحْشٍ:
شَدَّ عَلَى أَمر الورُودِ مِئْزَرَهْ ... سَحْقاً، وَمَا نادَى أَذِينُ المَدَرَهْ
السَّحْقُ: الطَّرْدُ. والمِئْذنةُ: موضعُ الأَذانِ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هِيَ المنارةُ، يَعْنِي الصَّومعةَ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلْمَنَارَةِ المِئْذَنة والمُؤْذَنة؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
سَمِعْتُ للأَذانِ فِي المِئْذَنَهْ
وأَذانُ الصَّلَاةِ: مَعْرُوفٌ، والأَذِينُ مِثْلُهُ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
حَتَّى إِذَا نُودِيَ بالأَذِين
وَقَدْ أذَّنَ أَذاناً وأَذَّنَ المُؤذِّن تأْذيناً؛ وَقَالَ جَرِيرٌ يَهْجُو الأَخطل:
إِنَّ الَّذِي حَرَمَ الخِلافَةَ تَغْلِباً، ... جعلَ الخِلافةَ والنُّبوَّةَ فِينَا
مُضَرٌ أَبي وأَبو الملوكِ، فَهَلْ لَكُمْ، ... يَا خُزْرَ تَغْلِبَ، مِنْ أَبٍ كأَبِينا؟
هَذَا ابنُ عمِّي فِي دِمَشْقَ خليفةٌ، ... لَوْ شِئْتُ ساقَكمُ إِلَيَّ قَطينا
إِنَّ الفَرَزْدَقَ، إِذْ تَحَنَّفَ كارِهاً، ... أَضْحَى لِتَغْلِبَ والصَّلِيبِ خَدِينا
وَلَقَدْ جَزِعْتُ عَلَى النَّصارى، بعد ما ... لَقِيَ الصَّليبُ مِنَ الْعَذَابِ معِينا
هَلْ تَشْهدون مِنَ المَشاعر مَشْعراً، ... أَو تسْمَعون مِنَ الأَذانِ أَذِينا؟
وَيُرْوَى هَذَا الْبَيْتُ:
هَلْ تَمْلِكون مِنَ المشاعِرِ مَشْعَرًا، ... أَو تَشْهدون مَعَ الأَذان أَذِينَا؟
ابن بري: والأَذِينُ هاهنا بِمَعْنَى الأَذانِ أَيضاً. قَالَ: وَقِيلَ الأَذينُ هُنَا المُؤَذِّن، قَالَ: والأَذينُ أَيْضًا المُؤذّن لِلصَّلَاةِ؛ وأَنشد رَجَزَ الحُصَين بْنِ بُكَير الرَّبعي:
سَحْقاً، وَمَا نادَى أَذينُ المَدَرَهْ
والأَذانُ: اسمُ التأْذين، كَالْعَذَابِ اسْمُ التَّعْذِيبِ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الأَذان، وَهُوَ الإِعلام بِالشَّيْءِ؛ يُقَالُ مِنْهُ: آذَنَ يُؤْذِن إِيذَانًا، وأَذّنَ يُؤذّن تأْذِيناً، والمشدّدُ مخصوصٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. والأَذانُ: الإِقامةُ. وَيُقَالُ: أَذَّنْتُ فُلَانًا تأْذيناً أَي رَدَدْتُه، قَالَ: وَهَذَا حرفٌ غَرِيبٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ الأَذانِ قولُ الْفَرَزْدَقِ:
وَحَتَّى عَلَا فِي سُور كلِّ مدينةٍ ... مُنادٍ يُنادِي، فَوْقَها، بأَذان
وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنّ قَوْمًا أَكلوا مِنْ شجرةٍ فَحَمدوا
(13/12)

فَقَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قرِّسُوا الْمَاءَ فِي الشِّنانِ وصُبُّوه عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ الأَذانَيْن
؛ أَراد بِهِمَا أَذانَ الْفَجْرِ والإِقامَة؛ التَّقْريسُ: التَّبْريدُ، والشِّنان: القِرَبْ الخُلْقانُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
بَيْنَ كُلِّ أَذانَيْن صلاةٌ
؛ يُرِيدُ بِهَا السُّنَن الرواتبَ الَّتِي تُصلَّى بَيْنَ الأَذانِ والإِقامةِ قَبْلَ الْفَرْضِ. وأَذَّنَ الرجلَ: ردَّه وَلَمْ يَسْقِه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
أَذَّنَنا شُرابِثٌ رأْس الدَّبَرْ
أَي رَدَّنا فَلَمْ يَسْقِنا؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ: أَذَّنه نَقَر أُذُنَه، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وتَأَذَّنَ لَيَفعَلنَّ أَي أَقسَم. وتَأَذَّنْ أَي اعْلم كَمَا تَقُولُ تَعَلَّم أَي اعْلَم؛ قَالَ:
فقلتُ: تَعَلَّمْ أَنَّ للصَّيْد غِرَّةً، ... وَإِلَّا تُضَيِّعْها فَإِنَّكَ قاتِلُهْ
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
؛ قِيلَ: تَأَذَّن تأَلَّى، وَقِيلَ: تأَذَّنَ أَعْلَم؛ هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ. اللَّيْثُ: تأَذَّنْتُ لأَفعلنَّ كَذَا وَكَذَا يُرَادُ بِهِ إيجابُ الْفِعْلِ، وَقَدْ آذَنَ وتأَذَّنَ بِمَعْنًى، كَمَا يُقَالُ: أَيْقَن وتَيَقَّنَ. وَيُقَالُ: تأَذَّنَ الأَميرُ فِي النَّاسِ إِذَا نَادَى فِيهِمْ، يَكُونُ فِي التَّهْدِيدِ والنَّهيْ، أَي تقدَّم وأَعْلمَ. والمُؤْذِنُ: مِثْلُ الذَّاوِي، وَهُوَ العودُ الَّذِي جَفَّ وَفِيهِ رطوبةٌ. وآذَنَ العُشْبُ إِذَا بَدَأَ يجِفّ، فتَرى بعضَه رطْباً وَبَعْضَهُ قد جَفّ؛ قَالَ الرَّاعِي:
وحارَبَتِ الهَيْفُ الشَّمالَ وآذَنَتْ ... مَذانِبُ، مِنْهَا اللَّدْنُ والمُتَصَوِّحُ
التَّهْذِيبُ: والأَذَنُ التِّبْنُ، وَاحِدَتُهُ أَذَنةٌ. وَقَالَ ابْنُ شُميل: يُقَالُ هَذِهِ بقلةٌ تجِدُ بِهَا الإِبلُ أَذَنةً شَدِيدَةً أَي شَهْوةً شَدِيدَةً. والأَذَنَةُ: خُوصةُ الثُّمامِ، يُقَالُ: أَذَن الثُّمامُ إِذَا خَرَجَتْ أَذَنَتُه. ابْنُ شُمَيْلٍ: أَذِنْتُ لِحَدِيثِ فُلَانٍ أَي اشْتَهَيْتُهُ، وأَذِنْتُ لِرَائِحَةِ الطَّعَامِ أَي اشْتَهَيْتُهُ، وَهَذَا طعامٌ لَا أَذَنة لَهُ أَي لَا شَهْوَةَ لِرِيحِهِ، وأَذَّن بإرسالِ إبلِه أَي تَكَلَّمَ بِهِ، وأَذَّنُوا عنِّي أَوَّلها أَي أَرسلوا أَوَّلها، وَجَاءَ فلانٌ نَاشِرًا أُذُنَيْه أَي طَامِعًا، وَوَجَدْتُ فُلَانًا لَابِسًا أُذُنَيْه أَي مُتغافلًا. ابْنُ سِيدَهْ: وإِذَنْ جوابٌ وجزاءٌ، وتأْويلها إِنْ كَانَ الأَمر كَمَا ذُكِرَتْ أَو كَمَا جَرَى، وَقَالُوا: ذَنْ لَا أَفعلَ، فَحَذَفُوا هَمْزَةَ إذَنْ، وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى إذَنْ أَبْدَلْتَ مِنْ نُونِهِ أَلفاً، وَإِنَّمَا أُبْدِلَتْ الأَلفُ مِنْ نُونِ إِذَنْ هَذِهِ فِي الْوَقْفِ وَمِنْ نُونِ التَّوْكِيدِ لأَن حالَهما فِي ذَلِكَ حالُ النُّونِ الَّتِي هِيَ علَمُ الصَّرْفِ، وَإِنْ كَانَتْ نونُ إذنْ أَصْلًا وتانِك النونانِ زَائِدَتَيْنِ، فإنْ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَتِ النُّونُ فِي إذَنْ أَصلًا وَقَدْ أُبدلت مِنْهَا الأَلف فَهَلْ تُجيز فِي نَحْوِ حَسَن ورَسَن وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا نُونُهُ أَصل فَيُقَالُ فِيهِ حَسَا ورسَا؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ إذَنْ مِمَّا نُونُهُ أَصلٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي إِذَنْ مِنْ قِبَل أَنّ إذنْ حرفٌ، فَالنُّونُ فِيهَا بعضُ حرفٍ، فَجَازَ ذَلِكَ فِي نُونِ إذَنْ لمضارَعةِ إذَنْ كلِّها نونَ التأْكيد وَنُونَ الصَّرْفِ، وأَما النونُ فِي حَسَن ورَسَن وَنَحْوِهِمَا فَهِيَ أَصلٌ مِنِ اسْمٍ مُتَمَكِّنٍ يَجْرِي عَلَيْهِ الإِعرابُ، فَالنُّونُ فِي ذَلِكَ كَالدَّالِ مِنْ زيدٍ وَالرَّاءِ مِنْ نكيرٍ، ونونُ إذَنْ ساكنةٌ كَمَا أَن نُونَ التأْكيد ونونَ الصَّرْفِ سَاكِنَتَانِ، فَهِيَ لِهَذَا ولِما قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَن كُلَّ واحدةٍ مِنْهُمَا حرفٌ كَمَا أَن النُّونَ مِنْ إذَنْ بعضُ حَرْفٍ أَشْبَهُ بِنُونِ الإِسم الْمُتَمَكِّنِ. الْجَوْهَرِيُّ: إذنْ حرفُ مُكافأَة وجوابٍ، إِنْ قدَّمْتَها عَلَى الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ نَصَبْتَ بِهَا لَا غَيْرُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ هُنَا
(13/13)

لسَلْمى بْنِ عَوْنَةَ الضبِّيّ، قَالَ: وَقِيلَ هُوَ لَعَبْدِ الله ابن غَنَمة الضبِّيّ:
ارْدُدْ حِمارَكَ لَا يَنْزِعْ سوِيَّتَه، ... إذَنْ يُرَدَّ وقيدُ العَيْرِ مَكْروبُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِذَا قَالَ لَكَ قائلٌ الليلةَ أَزورُكَ، قلتَ: إذَنْ أُكْرمَك، وَإِنْ أَخَّرْتها أَلْغَيْتَ قلتَ: أُكْرِمُكَ إذنْ، فَإِنْ كَانَ الفعلُ الَّذِي بَعْدَهَا فعلَ الْحَالِ لَمْ تَعْمَلْ، لأَن الْحَالَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ العواملُ النَّاصِبَةُ، وَإِذَا وقفتَ عَلَى إذَنْ قُلْتَ إِذًا، كَمَا تَقُولُ زيدَا، وَإِنْ وسَّطتها وجعلتَ الْفِعْلَ بَعْدَهَا مُعْتَمِدًا عَلَى مَا قَبْلَهَا أَلْغَيْتَ أَيضاً، كَقَوْلِكَ: أَنا إذَنْ أُكْرِمُكَ لأَنها فِي عَوَامِلِ الأَفعال مُشبَّهةٌ بِالظَّنِّ فِي عَوَامِلِ الأَسماء، وَإِنْ أَدخلت عَلَيْهَا حرفَ عطفٍ كَالْوَاوِ وَالْفَاءِ فأَنتَ بالخيارِ، إِنْ شِئْتَ أَلغَيْتَ وَإِنْ شِئْتَ أَعملْتَ.
أرن: الأَرَنُ: النشاطُ، أَرِنَ يأْرَنُ أَرَناً وإِراناً وأَرِيناً؛ أَنشد ثَعْلَبٌ للحَذْلميّ:
مَتى يُنازِعْهُنَّ فِي الأَرِينِ، ... يَذْرَعْنَ أَو يُعْطِينَ بالماعونِ
وَهُوَ أَرِنٌ وأَرُونٌ، مِثْلُ مَرِحٍ ومروحٍ؛ قَالَ حُميد الأَرْقَط:
أقَبَّ ميفاءٍ عَلَى الرُّزون، ... حَدَّ الرَّبيع أَرِنٍ أَرُونِ
وَالْجَمْعُ آرانٌ. التَّهْذِيبُ: الأَرَنُ البطَرُ، وَجَمْعُهُ آرانٌ. والإِرانُ: النَّشاطُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِابْنِ أَحمر يَصِفُ ثَوْراً:
فانْقَضَّ مُنْحَدِباً، كأَنَّ إرانَه ... قَبَسٌ تَقَطَّع دُونَ كفِّ المُوقِد
وَجَمْعُهُ أُرُنٌ. وأَرِنَ البعيرُ، بِالْكَسْرِ، يأْرَنُ أَرَناً إِذَا مَرِحَ مَرَحاً، فَهُوَ أَرِنٌ أَي نشيطٌ. والإِرانُ: الثورُ، وَجَمْعُهُ أُرُنٌ. غَيْرُهُ: الإِرانُ الثورُ الوحشيُّ لأَنه يُؤارِنُ البقرةَ أَي يطلبُها؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكَمْ مِنْ إرانٍ قَدْ سَلَبْتُ مقِيلَه، ... إِذَا ضَنَّ بالوَحْشِ العِتاقِ مَعاقِلُه
وآرَنَ الثورُ البقرةَ مُؤارَنَةً وَإِرَانًا: طلبَها، وَبِهِ سُمِّي الرَّجُلُ إِرَانًا، وشاةُ إرانٍ: الثورُ لِذَلِكَ؛ قَالَ لَبِيَدٌ:
فكأَنها هِيَ، بعدَ غِبِّ كلالِها ... أَو أَسْفعِ الخَدَّيْنِ، شاةُ إرانِ
وَقِيلَ: إرانٌ موضعٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ البقرُ كَمَا قَالُوا: ليْثُ خفيَّةٍ وجنُّ عَبْقَر. والمِئْرانُ: كِناسُ الثورِ الْوَحْشِيِّ، وجمعُه الميَارينُ والمآرينُ. الْجَوْهَرِيُّ: الإِرانُ كِناسُ الْوَحْشِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
كأَنه تَيْسُ إرانِ مُنْبَتِلْ
أَي مُنْبَتّ؛ وَشَاهِدُ الْجَمْعِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
قَدْ بُدِّلَتْ سَاكِنَ الْآرَامِ بَعْدهم، ... والباقِر الخِيس يَنْحينَ المَآرِينا
وَقَالَ سُؤْرُ الذِّئب:
قَطَعْتُها، إِذَا المَها تَجَوَّفَتْ، ... مآرِناً إِلَى ذُراها أَهْدَفَتْ
. والإِرانُ: الجنازةُ، وَجَمْعُهُ أُرُنٌ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الإِرانُ خشبٌ يُشدُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ تُحْمَل فِيهِ الْمَوْتَى؛ قَالَ الأَعشى:
أثَّرَتْ فِي جَناجِنٍ كإرانِ المَيتِ ... عُولِينَ فوقَ عُوجٍ رِسالِ
(13/14)

وَقِيلَ: الإِران تَابُوتُ الْمَوْتَى. أَبو عَمْرٍو: الإِرانُ تابوتُ خَشَبٍ؛ قَالَ طَرَفَةُ:
أَمُونٍ كأَلواحِ الإِرانِ نَسَأْتُها ... عَلَى لاحبٍ، كأَنه ظَهْرُ بُرْجُدِ
ابْنُ سِيدَهْ: الإِرانُ سَرِيرُ الْمَيِّتِ؛ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
إِذَا ظُبَيُّ الكُنُساتِ انْغَلَّا ... تحتَ الإِرانِ، سَلَبَتْه الظِّلَّا
يَجُوزُ أَن يَعْنِيَ بِهِ شَجَرَةً شِبْه النعْش، وأَن يَعْنِيَ بِهِ النَّشَاطَ أَي أَن هَذِهِ المرأَة سَرِيعَةٌ خَفِيفَةٌ، وَذَلِكَ فِيهِنَّ مَذْمُومٌ. والأُرْنةُ: الجُبن الرَّطْب، وَجَمْعُهَا أُرَنٌ، وَقِيلَ: حبٌّ يُلقى فِي اللَّبَنِ فينتفخُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ البياضُ الأُرْنةَ؛ وأَنشد:
هِدانٌ كشَحْمِ الأُرْنةِ المُتَرَجْرِج
وَحُكِيَ الأُرنى أَيضاً «2». والأُرانى: الجُبن الرَّطبُ، عَلَى وَزْنِ فُعالى، وَجَمْعُهُ أَرانيّ. قَالَ: وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِنَّمَا أَنتَ كالأُرْنةِ وكالأُرْنى. والأُرانى: حبُّ بقْلٍ يُطرَح فِي اللَّبَنِ فيُجبِّنُه؛ وَقَوْلُ ابْنِ أَحمر:
وتَقَنَّعَ الحِرْباءُ أُرْنَتَه
قِيلَ: يَعْنِي السَّرابَ وَالشَّمْسَ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَعْنِي شعرَ رأْسه، وَفِي التَّهْذِيبِ: وتقنَّع الْحِرْبَاءُ أُرْتَته، بتاءَين، قَالَ: وَهِيَ الشَّعرات الَّتِي فِي رأْسه. وَقَوْلُهُ: هِدانٌ نَوَّامٌ لَا يُصلِّي وَلَا يُبكِّر لِحَاجَتِهِ وَقَدْ تَهَدَّن، وَيُقَالُ: هُوَ مَهْدونٌ؛ قَالَ:
وَلَمْ يُعَوَّدْ نَوْمةَ المَهْدُونِ
الْجَوْهَرِيُّ: وأُرْنةُ الحِرباء، بِالضَّمِّ، مَوْضِعُهُ مِنَ الْعَوْدِ إِذَا انْتَصَبَ عَلَيْهِ؛ وأَنشد بَيْتَ ابْنِ أَحمر:
وتَعَلَّلَ الحِرْباءُ أُرْنَتَه ... مُتَشاوِساً لِوَريدِهِ نَقْرُ
وَكَنَّى بالأُرْنة عَنِ السَّراب لأَنه أَبيض، وَيُرْوَى: أُرْبَته، بِالْبَاءِ، وأُرْبَتُه: قِلادته، وأَراد سَلْخَه لأَن الحِرْباء يُسْلَخ كَمَا يُسلخ الْحَيَّةُ، فَإِذَا سُلخ بَقِيَ فِي عُنُقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ كأَنه قِلَادَةٌ، وَقِيلَ: الأُرْنة مَا لُفَّ عَلَى الرأْس. والأَرُون: السّمُّ، وَقِيلَ: هُوَ دماغُ الْفِيلِ وَهُوَ سمٌّ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
وأَنتَ الغَيْثُ ينفعُ مَا يَليه، ... وأَنتَ السَّمُّ خالَطه الأَرُونُ
أَي خَالَطَهُ دماغُ الْفِيلِ، وَجَمْعُهُ أُرُنٌ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: هُوَ حبُّ بقْلةٍ يُقَالُ لَهُ الأُرانى، والأُرانى أُصول ثَمَرِ الضَّعة؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: هِيَ جناتُها. والأَرانيةُ: مَا يَطُولُ ساقُه مِنْ شَجَرِ
الحَمْض وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَا لَا يَطُولُ ساقُه مِنْ شَجَرِ الْحَمْضِ وَغَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِ اسْتسقاء
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَتَّى رأَيت الأَرِينةَ تأْكلها صغارُ الإِبل
؛ الأَرينةُ: نبتٌ مَعْرُوفٌ يُشْبه الخِطميّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ:
حَتَّى رأَيْتُ الأَرْنبةَ.
قَالَ شَمِرٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: سأَلت الأَصمعي عَنِ الأَرينة فَقَالَ: نبتٌ، قَالَ: وَهِيَ عِنْدِي الأَرْنبة، قَالَ: وَسَمِعْتُ فِي الْفَصِيحِ مِنْ أَعراب سَعْد بْنِ بَكْرٍ بِبَطْنِ مُرٍّ قَالَ: ورأَيتُه نَبَاتًا يُشبَّه بالخطميّ عَرِيضُ الْوَرَقِ. قَالَ شَمِرٌ: وَسَمِعْتُ غَيْرَهُ مِنْ أَعراب كِنَانَةَ يَقُولُونَ: هُوَ الأَرِين، وَقَالَتْ أَعرابيَّة مِنْ بَطْنِ مُرٍّ: هِيَ الأَرينةُ، وَهِيَ خِطْمِيُّنا وغَسولُ الرأْس؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالَّذِي
__________
(2). قوله [وحكي الأَرنى أيضاً] هكذا في الأَصل هنا وفيما بعد مع نقط النون، وفي القاموس بالباء مضبوطاً بضم الهمزة وفتح الراء والباء
(13/15)

حَكَاهُ شَمِرٌ صحيحٌ وَالَّذِي رُوِيَ عَنِ الأَصمعي أَنه الأَرْنَبة مِنَ الأَرانب غيرُ صَحِيحٌ، وَشَمِرٌ مُتْقِن، وَقَدْ عُنِيَ بِهَذَا الْحَرْفِ وسأَل عَنْهُ غيرَ واحدٍ مِنَ الأَعراب حَتَّى أَحكمه، والرُّواة رُبَّمَا صحَّفوا وغيَّروا، قَالَ: وَلَمْ أَسمع الأَرينةَ فِي بَابِ النَّبَاتِ مِنْ وَاحِدٍ وَلَا رأَيته فِي نُبوت الْبَادِيَةِ، قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدِي، قَالَ: وَأَحْسَبُ الْقُتَيْبِيَّ ذكرَ عَنِ الأَصمعي أَيضاً الأَرْنبة، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَرين، عَلَى فَعِيل، نبتٌ بِالْحِجَازِ لَهُ وَرَقٌ كالخِيريّ، قَالَ: وَيُقَالُ أَرَنَ يأْرُنُ أُروناً دَنَا لِلْحَجِّ. النِّهَايَةُ: وَفِي حَدِيثِ الذَّبِيحَةِ
أَرِنْ أَو اعْجَلْ مَا أَنَهَر الدمَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدِ اختُلف فِي ضَبْطِهَا وَمَعْنَاهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا حَرْفٌ طال ما اسْتَثْبَتُّ فِيهِ الرُّواةَ وسأَلتُ عَنْهُ أَهلَ الْعِلْمِ فَلَمْ أَجدْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يُقْطعُ بِصِحَّتِهِ، وَقَدْ طَلَبْتُ لَهُ مَخْرَجاً فرأَيته يَتَّجِهُ لِوُجُوهٍ: أَحدها أَن يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَرانَ الْقَوْمُ فَهُمْ مُرينون إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَهلِكْها ذَبحاً وأَزْهِقْ نفْسَها بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدمَ غَيْرِ السَّنِّ وَالظُّفْرِ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ فِي السُّنن، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَالثَّانِي أَن يَكُونَ إئْرَنْ، بِوَزْنِ اعْرَبْ، مِنْ أَرِنَ يأْرَنُ إِذَا نَشِط وخَفَّ، يَقُولُ: خِفَّ واعْجَلْ لِئَلَّا تقتُلَها خَنْقاً، وَذَلِكَ أَن غَيْرَ الْحَدِيدِ لَا يمورُ فِي الذَّكَاةِ مَوْرَه، وَالثَّالِثُ أَن يَكُونَ بِمَعْنَى أَدِمِ الحَزَّ وَلَا تَفْتُرْ مِنْ قَوْلِكَ رَنَوْتُ النظرَ إِلَى الشَّيْءِ إِذَا أَدَمْتَه، أَو يَكُونَ أَراد أَدِمِ النظرَ إِلَيْهِ وراعِه ببصرِك لِئَلَّا يَزلَّ عَنِ الْمَذْبَحِ، وَتَكُونَ الْكَلِمَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ «3». وَالنُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بِوَزْنِ ارْمِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كلُّ مَن علاكَ وغَلَبكَ فَقَدْ رانَ بِكَ. ورِينَ بِفُلَانٍ: ذهبَ بِهِ الموتُ وأَرانَ القومُ إِذَا رِينَ بِمَوَاشِيهِمْ أَي هَلَكَتْ وَصَارُوا ذَوي رَيْنٍ فِي مَوَاشِيهِمْ، فَمَعْنَى أَرِنْ أَي صِرْ ذَا رَيْنٍ فِي ذَبِيحَتِكَ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أَرانَ تَعْدِيةَ رانَ أَي أَزْهِقْ نَفْسَها؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
الشَّعْبِيِّ: اجْتَمَعَ جوارٍ فأَرِنَ
أَي نَشِطْنَ، مِنَ الأَرَنِ النَّشاطِ. وَذَكَرَ ابْنُ الأَثير فِي حَدِيثِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّخَعِيِّ: لَوْ كان رأْيُ الناسِ مثلَ رأْيك مَا أُدِّيَ الأَرْيانُ
، وَهُوَ الخراجُ والإِتاوةُ، وَهُوَ اسْمٌ واحدٌ كالشيْطان. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ أَن يَكُونَ الأُرْبانَ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَقِّ، يقال فيه أُرْبانٌ وعُرْبانٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْجَمَةً بِاثْنَتَيْنِ فَهُوَ مِنَ التأْرية لأَنه شَيْءٌ قُرّر عَلَى النَّاسِ وأُلْزِموه.
أزن: الأَزَنِيّة: لغةٌ فِي اليَزَنِيّة يَعْنِي الرماحَ، وَالْيَاءُ أَصل. يُقَالُ: رُمْحٌ أَزَنيٌّ ويَزَنِيٌّ، مَنْسُوبٌ إِلَى ذِي يَزن أَحد مُلُوكِ الأَذْواءِ مِنَ اليَمن، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يَزانيٌّ وأَزانيّ.
أسن: الآسِنُ مِنَ الْمَاءِ: مثلُ الآجِن. أَسَنَ الماءُ يأْسِنُ ويأْسُنُ أَسْناً وأُسوناً وأَسِنَ، بِالْكَسْرِ، يأْسَنُ أَسَناً: تغيَّر غَيْرَ أَنه شروبٌ، وَفِي نُسْخَةٍ: تغيَّرت ريحُه، ومياهٌ آسانٌ؛ قَالَ عوْفُ بْنُ الخَرِع:
وتشْربُ آسانَ الحِياضِ تَسوفُها، ... ولوْ ورَدَتْ ماءَ المُرَيرةِ آجِما
أَرادَ آجِناً، فقلبَ وأَبدلَ. التَّهْذِيبُ: أَسَنَ الماءُ يأْسِنُ أَسْناً وأُسوناً، وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبُهُ أَحدٌ مِنْ نَتْنِه. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
؛ قَالَ
__________
(3). قوله [وَتَكُونَ الْكَلِمَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ إلخ] كذا في الأَصل والنهاية وتأمله مع قولهما قبل مِنْ قَوْلِكَ رَنَوْتُ النَّظَرَ إلخ، فإن مقتضى ذلك أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ والنون مع سكون الراء بوزن اغز إلا أن يكون ورد يائياً أيضاً
(13/16)

الْفَرَّاءُ: غَيْرُ متغيّرٍ وآجِنٍ، وروى
الأَعمش عَنْ شَقِيق قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهيك بْنُ سِنَانٍ: يَا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَياءً تجدُ هَذِهِ الْآيَةَ أَم أَلفاً مِنْ ماءٍ غيرِ آسِنٍ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَدْ علمتُ القرآنَ كُلَّهُ غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: إِنِّي أَقرأُ المفصَّل فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كهذِّ الشِّعْر
، قَالَ الشَّيْخُ: أَراد غيرَ آسِنٍ أَم ياسِنٍ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ: أَن قَبيصةَ بْنَ جَابِرٍ أَتاه فَقَالَ: إِنِّي دَمَّيْتُ ظَبياً وأَنا مُحْرِم فأَصَبْتُ خُشَشَاءَه فأَسِنَ فَمَاتَ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ فأَسِنَ فَمَاتَ يَعْنِي دِيرَ بِهِ فأَخذه دُوارٌ، وَهُوَ الغَشْيُ، وَلِهَذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ إِذَا دَخَلَ بِئراً فاشتدَّت عَلَيْهِ ريحُها حَتَّى يُصيبَه دُوارٌ فَيَسْقُطَ: قَدْ أَسِنَ؛ وَقَالَ زُهَيْرٌ:
يُغادِرُ القِرْنَ مُصْفرَّا أَنامِلُه، ... يميدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ المائحِ الأَسِنِ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُوَ اليَسِنُ والأَسِنُ؛ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَرَبِ مثلَ اليَزَنِيِّ والأَزَنِيّ، واليَلَنْدَدِ والأَلَنْدَدِ، وَيُرْوَى الوَسِن. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَسِنَ الرجلُ مِنْ رِيحِ الْبِئْرِ، بِالْكَسْرِ، لَا غَيْرُ. قَالَ: وَالَّذِي فِي شِعْرِهِ يَمِيلُ فِي الرُّمْحِ مثلَ الْمَائِحِ، وأَورده الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ أَترك الْقِرْنَ، وَصَوَابُهُ يُغَادِرُ الْقِرْنَ، وَكَذَا فِي شِعْرِهِ لأَنه مِنْ صِفَةِ الْمَمْدُوحِ؛ وَقَبْلَهُ:
أَلَمْ ترَ ابنَ سِنانٍ كيفَ فَضَّلَه، ... مَا يُشْتَرى فِيهِ حَمْدُ الناسِ بالثَّمن؟
قَالَ: وَإِنَّمَا غلَّط الجوهريَّ قولُ الْآخَرِ:
قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أَنامِلُه، ... كأَنَّ أَثوابَه مُجَّت بفِرْصاد
وأَسِنَ الرجلُ أَسَناً، فَهُوَ أَسِنٌ، وأَسِنَ يأْسَنُ ووَسِنَ: غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ خُبْث ريحِ الْبِئْرِ. وأَسِنَ لَا غَيْرُ: استدارَ رأْسُه مِنْ رِيحٍ تُصيبه. أَبو زَيْدٍ: ركيّة مُوسِنةٌ يَوْسَنُ فِيهَا الإِنسانُ وَسَناً، وَهُوَ غَشْيٌ يأْخذه، وَبَعْضُهُمْ يَهْمِزُ فَيَقُولُ أَسِن. الْجَوْهَرِيُّ: أَسِنَ الرجلُ إِذَا دَخَلَ الْبِئْرَ فأَصابته ريحٌ مُنْتِنة مِنْ رِيحِ الْبِئْرِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ فغُشِيَ عَلَيْهِ أَو دَارَ رأْسُه، وأَنشد بَيْتَ زُهَيْرٍ أَيضاً. وتأَسَّنَ الماءُ: تَغَيَّرَ. وتأَّسَّنَ عَلَيَّ فلانٌ تأَسناً: اعْتَلَّ وأَبْطَأَ، وَيُرْوَى تأَسَّرَ، بِالرَّاءِ. وتأَسَّنَ عَهْدُ فُلَانٍ ووُدُّه إِذَا تغيَّر؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
راجَعَه عَهْدًا عَنِ التأّسُّن
التَّهْذِيبُ: والأَسينةُ سَيْرٌ وَاحِدٌ مِنْ سُيور تُضْفَر جميعُها فتُجعل نِسعاً أَو عِناناً، وكلُّ قُوَّة مِنْ قُوَى الوَتَر أَسِينةٌ، وَالْجَمْعُ أَسائِنُ. والأُسونُ: وَهِيَ الآسانُ «1». أَيضاً. الْجَوْهَرِيُّ: الأُسُن جَمْعُ الْآسَانِ، وَهِيَ طَاقَاتُ النِّسْع والحَبْل؛ عَنْ أَبي عَمْرٍو؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ:
لَقَدْ كنتُ أَهْوَى الناقِميَّة حِقْبةً، ... وَقَدْ جعلَتْ آسانُ وَصْلٍ تَقطَّعُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: جَعَلَ قُوَى الوصْلِ بِمَنْزِلَةِ قُوى الحبْل، وَصَوَابُ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ أَن يَقُولَ: وَالْآسَانُ جَمْعُ الأُسُن، والأُسُنُ جَمْعُ أَسينة، وَتُجْمَعُ أَسينة أَيضاً عَلَى أَسائنَ فَتَصِيرُ مِثْلَ سَفِينَةٍ وسُفُن وسَفائنَ، وَقِيلَ: الْوَاحِدُ إسْنٌ، وَالْجَمْعُ أُسُونٌ وآسانٌ؛ قَالَ: وَكَذَا فُسِّرَ بَيْتُ الطِّرِمَّاحِ:
كحلْقومِ القَطاة أُمِرَّ شَزْراً، ... كإمْرارِ المُحَدْرَجِ ذي الأُسونِ
__________
(1). قوله [والأَسون وَهِيَ الْآسَانُ أَيْضًا] هذه الجملة ليست من عبارة التهذيب وهما جمعان لآسن كحمل لا لأَسينة
(13/17)

وَيُقَالُ: أَعطِني إسْناً مِنْ عَقَبٍ. والإِسْنُ: العَقَبةُ، والجمعُ أُسونٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَلَا أَخا طريدةٍ وإسْنِ
وأَسَنَ الرجلُ لأَخيه يأْسِنُه ويأْسُنُه إِذَا كسَعَه برجلِه. أَبو عَمْرٍو: الأَسْنُ لُعْبة لَهُمْ يُسَمُّونَهَا الضَّبْطَة والمَسَّة. وآسانُ الرَّجُلِ: مَذاهبُه وأَخلاقُه؛ قَالَ ضابئٌ البُرْجُمِيّ فِي الآسانِ الأَخلاق:
وقائلةٍ لَا يُبْعِدُ اللهُ ضَابِئًا، ... وَلَا تبْعَدَنْ آسَانُهُ وَشَمَائِلُهُ
والآسانُ والإِسانُ: الْآثَارُ القديمةُ. والأُسُن: بقيَّة الشَّحْمِ الْقَدِيمِ. وسَمِنت عَلَى أُسُنٍ أَي عَلَى أَثارة شَحْمٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: الأُسُنُ الشحمُ الْقَدِيمُ وَالْجَمْعُ آسانٌ. الْفَرَّاءُ: إِذَا أَبقيتَ مِنْ شَحْمِ النَّاقَةِ وَلَحْمِهَا بَقِيَّةً فاسمُها الأُسُنُ والعُسُنُ، وَجَمْعُهَا آسانٌ وأَعْسانٌ. يقال: سَمِنَت ناقتُه عَنْ أُسُنٍ أَي عَنْ شحمٍ قَدِيمٍ. وآسانُ الثّيابِ: مَا تقطَّع مِنْهَا وبَلِيَ. يُقَالُ: مَا بَقِيَ مِنَ الثَّوْبِ إِلَّا آسانٌ أَي بَقَايَا، وَالْوَاحِدُ أُسُنٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا أَخَوَيْنا مِنْ تَميمٍ، عَرِّجا ... نَسْتَخْبِر الرَّبْعَ كآسانِ الخَلَقْ
. وَهُوَ عَلَى آسانٍ مِنْ أَبيه أَي مَشابِهَ، واحدُها أُسُنٌ كعُسُنٍ. وَقَدْ تأَسَّنَ أَباه إِذَا تَقَيّله. أَبو عَمْرٍو: تأَسَّنَ الرجلُ أَباه إِذَا أَخذ أَخْلاقَه؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: إِذَا نزَعَ إِلَيْهِ فِي الشَّبَه. يُقَالُ: هُوَ على آسانٍ من أَبيه أَي عَلَى شَمائلَ مِنْ أَبيه وأَخْلاقٍ مِنْ أَبيه، واحدُها أُسُنٌ مِثْلُ خُلُقٍ وأَخلاق؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُ تأَسَّنَ الرجلُ أَباه قَوْلُ بَشِيرٍ الْفَرِيرِيِّ:
تأَسَّنَ زيدٌ فِعْلَ عَمْرو وخالدٍ، ... أُبُوّة صِدْقٍ مِنْ فريرٍ وبُحْتُر
. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الأُسُنُ الشبَهُ، وجمعُه آسانٌ؛ وأَنشد:
تعْرِفُ، فِي أَوْجُهِها البَشائِرِ، ... آسانَ كلِّ أَفِقٍ مُشاجِرِ
. وَفِي حَدِيثِ
الْعَبَّاسِ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ لعُمَرَ خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا فَإِنَّهُ يأْسَنُ كَمَا يأْسَنُ الناسُ أَي يتغيَّر، وَذَلِكَ أَن عُمَرَ كَانَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ صَعِقَ كَمَا صَعِقَ مُوسَى، وَمَنَعَهُمْ عَنْ دَفْنِه.
وَمَا أَسَنَ لِذَلِكَ يأْسُنُ أَسْناً أَي مَا فَطَنَ. والتأَسُّنُ: التوهُّم والنِّسْيانُ. وأَسَنَ الشيءَ: أَثْبَتَه. والمآسِنُ: منابتُ العَرْفجِ. وأُسُنٌ: ماءٌ لَبَنِيِّ تَمِيمٍ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
قَالَتْ سُلَيْمَى ببَطْنِ القاعِ مِنْ أُسُنٍ: ... لَا خَيْرَ فِي العَيْشِ بعدَ الشَّيْبِ والكِبَر
وَرُوِيَ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ: أَنه كَانَ فِي بيتِه الميْسُوسَنُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوه فَإِنَّهُ رِجْسٌ
؛ قَالَ شَمِرٌ: قَالَ الْبَكْرَاوِيُّ المَيْسُوسَنُ شَيْءٌ تَجْعَلُهُ النساء في الغِسْلة لرؤوسهن.
أشن: الأُشْنةُ: شيءٌ مِنَ الطِّيبِ أَبيضُ كأَنه مقشورٌ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الأُشْنُ شَيْءٌ مِنَ الْعِطْرِ أبيضُ دَقِيقٌ كأَنه مقشورٌ مِنْ عِرْقٍ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَا أُراه عَرَبِيًّا. والأُشنانُ والإِشْنانُ مِنَ الْحَمْضِ: مَعْرُوفٌ الَّذِي يُغْسَل بِهِ الأَيْدِي، وَالضَّمُّ أَعلى. والأَوْشَنُ: الَّذِي يُزيّن الرجلَ وَيَقْعُدُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ يأْكل طعامَه، والله أَعلم.
أضن: إضانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
تأَمَّلْ خلِيلي، هَلْ تَرَى مِنْ ظَعائنٍ ... تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ فوقَ إضانِ؟
وَيُرْوَى بِالطَّاءِ والظاء.
(13/18)

أطن: إطانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ وأَنشد بَيْتَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
تأَمل خَلِيلِي، هَلْ تَرَى مِنْ ظعائن ... تحملن بالعلياء فَوْقَ إِطَانِ؟
وَيُرْوَى إِظَانُ بالظاء المعجمة.
أطربن: الأَطْرَبونُ مِنَ الرُّومِ: الرئيسُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: المُقدَّم فِي الْحَرْبِ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبْرة الحَرَشيّ:
فَإِنْ يَكُنْ أطْرَبونُ الرُّومِ قَطَّعها، ... فَإِنَّ فِيهَا، بحَمْدِ اللَّهِ، مُنْتَفَعا
قَالَ ابْنُ جِنِّي: هِيَ خُمَاسِيَّةٌ كَعَضْرَفوط.
أظن: إظانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
تأَمل خَلِيلِي، هَلْ تَرَى مِنْ ظعائن ... تحملن بالعلياء فَوْقَ إِظَانِ؟
وَيُرْوَى بِالضَّادِ وبالطاء، وقد تقدم.
أفن: أَفَنَ الناقةَ والشاةَ يأْفِنُها أَفْناً: حلَبها فِي غَيْرِ حِينِهَا، وَقِيلَ: هُوَ استخراجُ جَمِيعِ مَا فِي ضَرْعِهَا. وأَفَنْتُ الإِبلَ إِذَا حلَبْتَ كلَّ مَا فِي ضَرْعِهَا. وأَفَنَ الحالبُ إِذَا لَمْ يدَعْ فِي الضَّرْع شَيْئًا. والأَفْنُ: الحَلْب خِلَافُ التَّحْيين، وَهُوَ أَن تَحْلُبَها أَنَّى شئتَ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ مَعْلُومٍ؛ قَالَ المُخبَّل:
إِذَا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَك أَفْنُها، ... وَإِنْ حُيّنَت أَرْبى عَلَى الوَطْبِ حِينُها
. وَقِيلَ: هُوَ أَن يحتَلِبها فِي كُلِّ وَقْتٍ. والتَّحْيِينُ: أَن تُحْلَب كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: ومِن هَذَا قِيلَ للأَحمق مأْفونٌ، كأَنه نُزِع عَنْهُ عقلُه كلُّه. وأَفِنَت الناقةُ، بِالْكَسْرِ: قلَّ لبنُها، فَهِيَ أَفِنةٌ مَقْصُورَةٌ، وَقِيلَ: الأَفْنُ أَن تُحْلَبَ الناقةُ والشاةُ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَلْبِها فَيُفْسِدُهَا ذَلِكَ. والأَفْنُ: النقصُ. والمُتأَفِّنُ المُتنقِّص. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ: إيّاكَ ومُشاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رأْيَهنّ إِلَى أَفْنٍ
؛ الأَفْنُ: النقصُ. وَرَجُلٌ أَفينٌ ومأْفونٌ أَي ناقصُ العقلِ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ: قَالَتْ لِلْيَهُودِ عَلَيْكُمُ اللعنةُ والسامُ والأَفْنُ
؛ والأَفْنُ: نقصُ اللبَنِ. وأَفَنَ الفصيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّه إِذَا شرِبَه كلَّه. والمأْفونُ والمأْفوكُ جَمِيعًا مِنَ الرِّجَالِ: الَّذِي لَا زَوْرَ لَهُ وَلَا صَيُّورَ أَي لَا رأْيَ لَهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ. والأَفَنُ، بِالتَّحْرِيكِ: ضعفُ الرأْي، وَقَدْ أَفِنَ الرجلُ، بِالْكَسْرِ، وأُفِنَ، فَهُوَ مأْفونٌ وأَفينٌ. وَرَجُلٌ مأْفونٌ: ضعيفُ العقلِ والرأْيِ، وَقِيلَ: هُوَ المُتمدِّحُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، والأَول أَصح، وَقَدْ أفِنَ أَفْناً وأَفَناً. والأَفينُ: كالمأْفونِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي أَمثال الْعَرَبِ: كثرةُ الرِّقين تُعَفِّي عَلَى أَفْنِ الأَفِين أَي تُغطِّي حُمْقَ الأَحْمَق. وأَفَنَه اللَّهُ يأْفِنُه أَفْناً، فَهُوَ مأْفونٌ. وَيُقَالُ: مَا فِي فُلَانٍ آفِنةٌ أَي خَصْلَةٌ تأْفِنُ عقلَه؛ قَالَ الْكُمَيْتُ يَمْدَحُ زِيَادَ بْنَ مَعْقِل الأَسديّ:
مَا حَوَّلَتْك عَنِ اسْمِ الصِّدْقِ آفِنَةٌ ... من العُيوبِ، ما يبرى بِالسَّيْبِ «1»
. يَقُولُ: مَا حَوَّلَتْك عَنِ الزِّيَادَةِ خَصلةٌ تنْقُصُك، وَكَانَ اسْمُهُ زِياداً. أَبو زَيْدٍ: أُفِنَ الطعامُ يُؤْفَنُ أَفْناً، وَهُوَ مأْفونٌ، لِلَّذِي يُعْجِبُك وَلَا خَيْرَ فِيهِ. والجَوْزُ المأْفونُ: الحَشَف. وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ: البِطْنةُ تأْفِنُ الفِطْنَة؛ يُرِيدُ أَن الشِّبَعَ والامْتِلاءَ يُضْعف الفِطنةَ أَي الشَّبْعان لَا يَكُونُ فَطِناً عَاقِلًا. وأَخذَ الشيءَ بإِفّانِه أَي بِزَمَانِهِ وأَوَّله، وَقَدْ يَكُونُ فِعْلاناً. وجاءَه عَلَى إفَّان ذَلِكَ أَي إِبَّانِهِ وعلى حِينه.
__________
(1). هكذا بالأَصل
(13/19)

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إفَّانٌ فِعْلانٌ، وَالنُّونُ زَائِدَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ أَتيتُه عَلَى إِفّانِ ذَلِكَ وأَفَفِ ذَلِكَ. قَالَ: والأَفينُ الفَصيل، ذَكَرًا كَانَ أَو أُنثى. والأَفانى: نبتٌ، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: هُوَ شَجَرٌ بِيضٌ؛ وأَنشد:
كأَنّ الأَفانى سَبيبٌ لَهَا، ... إِذَا التَفَّ تحتَ عَناصي الوَبَرْ
وقال أَبو حَنِيفَةَ: الأَفانى مِنَ العُشْب وهو غَبْرَاءُ لَهَا زَهْرَةٌ حَمْرَاءُ وَهِيَ طيِّبةٌ تَكْثُرُ وَلَهَا كَلَأٌ يَابِسٌ، وَقِيلَ: الأَفانى شَيْءٌ يَنْبُتُ كأَنه حَمْضةٌ يُشَبَّه بِفِرَاخِ القَطا حِينَ يُشَوِّك تبدَأُ بَقْلَةً ثُمَّ تَصِيرُ شَجَرَةً خَضْرَاءَ غَبْرَاءَ؛ قَالَ النَّابِغَةُ فِي وَصْفِ حَمِير:
توالِبُ تَرْفَعُ الأَذْنابَ عَنْهَا، ... شَرَى أَسْتاههنَّ مِنَ الأَفانى
وَزَادَ أَبو الْمَكَارِمِ: أَن الصبْيان يَجْعَلُونَهَا كَالْخَوَاتِمِ فِي أَيديهم، وأَنها إِذَا يَبِسَت وابيضَّتْ شَوَّكت، وشوْكَها الحَماطُ، وَهُوَ لَا يَقَعُ فِي شَرَابٍ إِلَّا رِيحَ مَنْ شرِبه؛ وقال أَبو السَّمْح: هِيَ مِنَ الجَنْبة شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ، مُجْتَمِعٌ وَرَقُهَا كالكُبَّة، غُبَيراء مَلِيسٌ وَرَقَهَا، وَعِيدَانُهَا شِبْه الزَّغَب، لَهَا شُوَيكٌ لَا تَكَادُ تستَبينُه، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى جِلْدِ الإِنسان وجَدَه كأَنه حريقُ نَارٍ، وَرُبَّمَا شَرِيَ مِنْهُ الجلدُ وَسَالَ مِنْهُ الدَّمُ. التهذيب: والأَفانى نَبْتٌ أَصفر وأَحمر، وَاحِدَتُهُ أَفانِية. الْجَوْهَرِيُّ: والأَفانى نبتٌ مَا دَامَ رَطْباً، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ الحَماطُ، وَاحِدَتُهَا أَفانية مِثْلُ يمانيةٍ، وَيُقَالُ: هُوَ عِنَب الثَّعْلَبِ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ فَنِيَ، وَذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّ فِي فَصْلِ أَفن، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهُوَ غلط.
أقن: الأُقْنةُ: الحُفرة فِي الأَرض، وَقِيلَ: فِي الْجَبَلِ، وَقِيلَ: هِيَ شِبْهُ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي ظُهُورِ القِفاف وأَعالي الْجِبَالِ، ضيِّقةُ الرأْس، قعْرُها قَدْرُ قَامَةٍ أَو قَامَتَيْنِ خِلْقةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ مَهْواة بَيْنَ شَقَّين. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: بُيُوتُ الْعَرَبِ سِتَّةٌ: قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، ومِظَلَّة مِنْ شعَر، وخِباءٌ مِنْ صوفٍ، وَبِجَادٌ مِنْ وَبَر، وَخَيْمَةٌ مِنْ شَجَرٍ، وأُقْنة مِنْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهَا أُقَنٌ. ابْنُ الأَعرابي: أَوْقَنَ الرجلُ إِذَا اصْطَادَ الطيرَ مِنْ وُقْنَتِه، وَهِيَ مَحْضِنُه، وَكَذَلِكَ يُوقَنُ إِذَا اصْطَادَ الْحَمَامَ مِنْ مَحاضِنها فِي رؤُوس الْجِبَالِ. والتَّوَقُّن: التَّوَقُّل فِي الْجَبَلِ، وَهُوَ الصُّعُودُ فِيهِ. أَبو عُبَيْدَةَ: الوُقْنةُ والأُقْنةُ والوُكْنةُ مَوْضِعُ الطَّائِرِ فِي الْجَبَلِ، وَالْجَمْعُ الأُقَنات والوُقَنات والوُكَنات؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
فِي شَناظِي أُقَنٍ، بينَها ... عُرَّةُ الطيرِ كصَوم النَّعامِ
الْجَوْهَرِيُّ: الأُقْنةُ بَيْتٌ يُبْنى مِنْ حَجَرٍ، وَالْجَمْعُ أُقَنٌ مِثْلُ رُكْبة ورُكَب، وأَنشد بَيْتَ الطرماح.
ألن: فَرَسٌ أَلِنٌ: مُجْتَمِعٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؛ قَالَ الْمَرَّارُ الْفَقْعَسِيُّ:
أَلِنٌ إذْ خَرَجَتْ سَلَّتُه، ... وهِلًا تَمْسَحُه، ما يَسْتَقِرّ.
ألبن: قَالَ ابْنُ الأَثير: أَلْبُونُ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ زَعَمُوا أَنها ذاتُ الْبِئْرِ المُعطَّلة وَالْقَصْرِ المَشيد، قَالَ: وَقَدْ تُفْتَحُ الْبَاءُ.
ألين: فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ حصين أَلْيُون؛ هو بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَضَمِّ الْيَاءِ، اسْمُ مَدِينَةِ مِصْرَ قَدِيمًا فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ وسمَّوْها الفُسْطاطَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأَثير،
(13/20)

قَالَ: وأَلْبُونُ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مدينةٌ بِالْيَمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذكرها، والله أَعلم.
أمن: الأَمانُ والأَمانةُ بِمَعْنًى. وَقَدْ أَمِنْتُ فأَنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غَيْرِي مِنَ الأَمْن والأَمان. والأَمْنُ: ضدُّ الْخَوْفِ. والأَمانةُ: ضدُّ الخِيانة. والإِيمانُ: ضدُّ الْكُفْرِ. والإِيمان: بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، ضدُّه التَّكْذِيبُ. يُقَالُ: آمَنَ بِهِ قومٌ وكذَّب بِهِ قومٌ، فأَما آمَنْتُه الْمُتَعَدِّي فَهُوَ ضدُّ أَخَفْتُه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
. ابْنُ سِيدَهْ: الأَمْنُ نَقِيضُ الْخَوْفِ، أَمِن فلانٌ يأْمَنُ أَمْناً وأَمَناً؛ حَكَى هَذِهِ الزَّجَّاجُ، وأَمَنةً وأَماناً فَهُوَ أَمِنٌ. والأَمَنةُ: الأَمْنُ؛ وَمِنْهُ: أَمَنَةً نُعاساً
، وإذ يَغْشاكم النعاسُ أَمَنةً مِنْهُ، نصَب أَمَنةً لأَنه مَفْعُولٌ لَهُ كَقَوْلِكَ فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَر الشَّرِّ؛ قَالَ ذَلِكَ الزَّجَّاجُ. وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ الْمَسِيحِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
وَتَقَعُ الأَمَنةُ فِي الأَرض
أَي الأَمْنُ، يُرِيدُ أَن الأَرض تَمْتَلِئُ بالأَمْن فَلَا يَخَافُ أَحدٌ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
النُّجومُ أَمَنةُ السَّمَاءَ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النجومُ أَتى السماءَ مَا تُوعَد، وأَنا أَمَنةٌ لأَصحابي فَإِذَا ذهبتُ أَتى أَصحابي مَا يُوعَدون، وأَصحابي أَمَنةٌ لأُمَّتي فَإِذَا ذهبَ أَصْحَابِي أَتى الأُمَّةَ مَا تُوعَد
؛ أَراد بِوَعْد السَّمَاءِ انشقاقَها وذهابَها يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وذهابُ النُّجُومِ: تكوِيرُها وانكِدارُها وإعْدامُها، وأَراد بوَعْد أَصحابه مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الفِتَن، وَكَذَلِكَ أَراد بوعْد الأُمّة، والإِشارةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى مَجِيءِ الشَّرِّ عِنْدَ ذهابِ أَهل الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ كَانَ يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوفِّي جَالَتِ الآراءُ وَاخْتَلَفَتِ الأَهْواء، فَكَانَ الصَّحابةُ يُسْنِدونَ الأَمرَ إِلَى الرَّسُولِ فِي قَوْلٍ أَو فِعْلٍ أَو دَلَالَةِ حَالٍ، فَلَمَّا فُقِدَ قَلَّت الأَنوارُ وقَويَت الظُّلَمُ، وَكَذَلِكَ حالُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ النُّجُومِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: والأَمَنةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعُ أَمينٍ وَهُوَ الْحَافِظُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
؛ قَالَ أَبو إسحق: أَراد ذَا أَمْنٍ، فَهُوَ آمِنٌ وأَمِنٌ وأَمِين؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَرَجُلٌ أَمِن وأَمين بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
؛ أَي الآمِن، يَعْنِي مَكَّةَ، وَهُوَ مِنَ الأَمْنِ؛ وَقَوْلُهُ:
أَلم تعْلمِي، يَا أَسْمَ، ويحَكِ أَنني ... حلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخونُ يَميني
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا يُرِيدُ آمنِي. ابْنُ السِّكِّيتِ: والأَمينُ المؤتمِن. والأَمين: المؤتَمَن، مِنَ الأَضداد؛ وأَنشد ابْنُ اللَّيْثِ أَيضاً: لَا أَخونُ يَمِيني أَي الَّذِي يأْتَمِنُني. الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ الأَمينُ المأْمونُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَا أَخون أَميني أَي مأْمونِي. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
؛ أَي قَدْ أَمِنُوا فِيهِ الغِيَرَ. وأَنتَ فِي آمِنٍ أَي فِي أَمْنٍ كَالْفَاتِحِ. وَقَالَ أَبو زِيَادٍ: أَنت فِي أَمْنٍ مِنْ ذَلِكَ أَي فِي أَمانٍ. وَرَجُلٌ أُمَنَةٌ: يأْمَنُ كلَّ أَحد، وَقِيلَ: يأْمَنُه الناسُ وَلَا يَخَافُونَ غائلَته؛ وأُمَنَةٌ أَيضاً: موثوقٌ بِهِ مأْمونٌ، وَكَانَ قياسُه أُمْنةً، أَلا تَرَى أَنه لَمْ يعبَّر عَنْهُ هَاهُنَا إِلَّا بِمَفْعُولٍ؟ اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ مَا آمَنْتُ أَن أَجِدَ صَحَابَةً إِيمَانًا أَي مَا وَثِقْت، والإِيمانُ عِنْدَهُ الثِّقةُ. وَرَجُلٌ أَمَنةٌ، بِالْفَتْحِ: لِلَّذِي يُصَدِّق بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ وَلَا يُكَذِّب بِشَيْءٍ. وَرَجُلٌ أَمَنةٌ أَيضاً إِذَا كَانَ يَطْمَئِنُّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ ويَثِقُ بِكُلِّ أَحد، وَكَذَلِكَ الأُمَنَةُ، مِثَالُ الهُمَزة. وَيُقَالُ: آمَنَ فلانٌ العدُوَّ إِيمَانًا، فأَمِنَ يأْمَنُ، والعدُوُّ مُؤْمَنٌ، وأَمِنْتُه عَلَى كَذَا وأْتَمَنْتُه بِمَعْنًى، وَقُرِئَ:
مَا لَك لَا تأَمَننا عَلَى يُوسُفَ
، بَيْنَ الإِدغامِ والإِظهارِ؛ قَالَ الأَخفش: والإِدغامُ أَحسنُ.
(13/21)

وَتَقُولُ: اؤتُمِن فلانٌ، عَلَى مَا لَمْ يُسمَّ فاعلُه، فَإِنِ ابتدأْت بِهِ صيَّرْت الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ وَاوًا، لأَن كلَّ كَلِمَةٍ اجْتَمَعَ فِي أَولها هَمزتانِ وَكَانَتِ الأُخرى مِنْهُمَا سَاكِنَةً، فَلَكَ أَن تُصَيِّرها وَاوًا إِذَا كَانَتِ الأُولى مَضْمُومَةً، أَو يَاءً إِنْ كَانَتِ الأُولى مَكْسُورَةً نَحْوَ إيتَمَنه، أَو أَلفاً إِنْ كَانَتِ الأُولى مَفْتُوحَةً نَحْوَ آمَنُ. وَحَدِيثُ
ابْنِ عُمَرَ: أَنه دَخَلَ عَلَيْهِ ابنُه فَقَالَ: إِنِّي لَا إيمَنُ أَن يَكُونَ بَيْنَ الناسِ قتالٌ
أَي لَا آمَنُ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَكْسِرُ أَوائل الأَفعال الْمُسْتَقْبَلَةِ نَحْوَ يِعْلَم ونِعْلم، فَانْقَلَبَتِ الأَلف يَاءً لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا. واسْتأْمَنَ إِلَيْهِ: دَخَلَ فِي أَمانِه، وَقَدْ أَمَّنَه وآمَنَه. وقرأَ أَبو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ: لستَ مُؤَمَّناً أَي لَا نُؤَمِّنك. والمَأْمَنُ: موضعُ الأَمْنِ. والأَمِنُ: المستجيرُ ليَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
فأَحْسِبُوا لَا أَمْنَ مِنْ صِدْقٍ وبِرْ، ... وَسَحِّ أَيْمانٍ قَليلاتِ الأَشرْ
أَي لَا إِجَارَةَ، أَحْسِبُوه: أَعطُوه مَا يَكْفيه، وقرئَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ:
إِنَّهُمْ لَا إِيمانَ لَهُمْ
؛ مَنْ قرأَه بِكَسْرِ الأَلف مَعْنَاهُ أَنهم إِنْ أَجارُوا وأَمَّنُوا الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَفُوا وغَدَروا، والإِيمانُ هَاهُنَا الإِجارةُ. والأَمانةُ والأَمَنةُ: نقيضُ الْخِيَانَةِ لأَنه يُؤْمَنُ أَذاه، وَقَدْ أَمِنَه وأَمَّنَه وأْتَمَنَهُ واتَّمَنه؛ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَهِيَ نَادِرَةٌ، وعُذْرُ مَن قَالَ ذَلِكَ أَن لَفْظَهُ إِذَا لَمْ يُدْغم يَصِيرُ إِلَى صُورَةِ مَا أَصلُه حرفُ لِينٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي افْتَعَل مِنَ الأَكل إيتَكَلَ، وَمِنَ الإِزْرةِ إيتَزَرَ، فأَشْبه حينئذٍ إيتَعَدَ فِي لُغَةِ مَنْ لَمْ يُبْدِل الْفَاءَ يَاءً، فَقَالَ اتَّمَنَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ إيتَمَنَ، وأَجود اللُّغَتَيْنِ إقرارُ الْهَمْزَةِ، كأَن تَقُولَ ائْتَمَنَ، وَقَدْ يُقَدِّر مثلُ هَذَا فِي قَوْلِهِمُ اتَّهَلَ، واسْتَأْمَنه كَذَلِكَ. وَتَقُولُ: اسْتَأْمَنني فلانٌ فآمَنْتُه أُومِنُهُ إِيمَانًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
المُؤَذِّنُ مؤتَمَنٌ
؛ مُؤْتَمَنُ الْقَوْمِ: الَّذِي يثِقون إِلَيْهِ وَيَتَّخِذُونَهُ أَمِيناً حَافِظًا، تَقُولُ: اؤتُمِنَ الرَّجُلُ، فَهُوَ مُؤْتَمَن، يَعْنِي أَن المؤذِّنَ أَمينُ الناسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
المَجالِسُ بالأَمانةِ
؛ هَذَا ندْبٌ إِلى تركِ إعادةِ مَا يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قولٍ أَو فعلٍ، فكأَنَّ ذَلِكَ أَمانةٌ عِنْدَ مَن سَمِعه أَو رَآهُ، والأَمانةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ والثِّقةِ والأَمان، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلٍّ مِنْهَا حَدِيثٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الأَمانةُ غِنًى
أَي سَبَبُ الْغِنَى، وَمَعْنَاهُ أَن الرَّجُلَ إِذَا عُرِفَ بِهَا كثُر مُعاملوه فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغناه. وَفِي حَدِيثِ أَشْراطِ السَّاعَةِ:
والأَمانة مَغْنَماً
أَي يَرَى مَن فِي يَدِهِ أَمانةٌ أَن الخِيانَة فِيهَا غَنيمةٌ قَدْ غَنِمها. وَفِي الْحَدِيثِ:
الزَّرعُ أَمانةٌ والتاجِرُ فاجرٌ
؛ جَعَلَ الزَّرْعَ أَمانَةً لسلامتِه مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي التِّجارة مِنَ التَّزَيُّدِ فِي الْقَوْلِ والحَلِف وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: مَا كَانَ فلانٌ أَميناً وَلَقَدْ أَمُنَ يأْمُنُ أَمانةً. ورجلٌ أَمينٌ وأُمّانٌ أَي لَهُ دينٌ، وَقِيلَ: مأْمونٌ بِهِ ثِقَةٌ؛ قَالَ الأَعشى:
ولَقَدْ شَهِدْتُ التّاجرَ الأُمّانَ ... مَوْروداً شرابُهْ
التاجِرُ الأُمّانُ، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: هُوَ الأَمينُ، وَقِيلَ: هُوَ ذُو الدِّين والفضل، وقال بَعْضُهُمْ: الأُمّان الَّذِي لَا يكتب لأَنه أُمِّيٌّ، وقال بَعْضُهُمْ: الأُمّان الزُّرَّاعُ؛ وَقَوْلُ ابْنِ السِّكِّيتِ:
شَرِبْت مِنْ أَمْنِ دَواء المَشْي ... يُدْعى المَشُوَّ، طعْمُه كالشَّرْي
الأَزهري: قرأْت فِي نَوَادِرِ الأَعراب أَعطيت فُلَانًا مِنْ أَمْنِ مَالِي، وَلَمْ يُفَسِّرْ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: كأَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ خالِص مَالِي ومِنْ خَالِصِ دَواءِ المَشْي. ابْنُ
(13/22)

سِيدَهْ: مَا أَحْسَنَ أَمَنَتَك وإِمْنَك أَي دِينَكَ وخُلُقَكَ. وآمَنَ بِالشَّيْءِ: صَدَّقَ وأَمِنَ كَذِبَ مَنْ أَخبره. الْجَوْهَرِيُّ: أَصل آمَنَ أَأْمَنَ، بِهَمْزَتَيْنِ، لُيِّنَت الثَّانِيَةُ، وَمِنْهُ المُهَيْمِن، وأَصله مُؤَأْمِن، لُيِّنَتْ الثانيةُ وَقُلِبَتْ يَاءً وَقُلِبَتِ الأُولى هَاءً، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُ بِهَمْزَتَيْنِ لُيِّنَتْ الثَّانِيَةُ، صَوَابُهُ أَن يَقُولَ أُبدلت الثانية؛ وأَما مَا ذَكَرَهُ فِي مُهَيْمِن مِنْ أَن أَصلَه مُؤَأْمِن لُيِّنَتْ الهمزةُ الثَّانِيَةُ وَقُلِبَتْ يَاءً لَا يصحُّ، لأَنها سَاكِنَةٌ، وَإِنَّمَا تَخْفِيفُهَا أَن تُقْلَبَ أَلفاً لَا غَيْرُ، قَالَ: فَثَبَتَ بِهَذَا أَن مُهَيْمِناً منْ هَيْمَنَ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ لَا غَيْرُ. وحدَّ الزجاجُ الإِيمانَ فَقَالَ: الإِيمانُ إظهارُ الْخُضُوعِ والقبولِ للشَّريعة ولِما أَتَى بِهِ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واعتقادُه وتصديقُه بِالْقَلْبِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفة فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِم غَيْرُ مُرْتابٍ وَلَا شاكٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَن أَداء الْفَرَائِضِ واجبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ ريبٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
؛ أَي بمُصدِّقٍ. والإِيمانُ: التصديقُ. التَّهْذِيبُ: وأَما الإِيمانُ فَهُوَ مَصْدَرُ آمَنَ يُؤْمِنُ إِيمَانًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ. واتَّفق أَهلُ الْعِلْمِ مِنَ اللُّغَويّين وَغَيْرِهِمْ أَن الإِيمانَ مَعْنَاهُ التَّصْدِيقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
«2» قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى تَفْهيمه وأَين يَنْفَصِل المؤمِنُ مِنَ المُسْلِم وأَيْنَ يَسْتَويانِ، والإِسْلامُ إظهارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُولِ لِمَا أَتى بِهِ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الإِظْهارِ اعتِقادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، فَذَلِكَ الإِيمانُ الَّذِي يُقَالُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مؤمنٌ مسلمٌ، وَهُوَ المؤمنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرَ مُرْتابٍ وَلَا شاكٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَن أَداء الْفَرَائِضِ واجبٌ عَلَيْهِ، وأَن الجِهادَ بنفسِه وَمَالِهِ واجبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ رَيْبٌ فَهُوَ المؤمنُ وَهُوَ المسلمُ حَقًّا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
؛ أَي أُولئك الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ فَهُمُ الصَّادِقُونَ، فأَما مَنْ أَظهرَ قَبولَ الشَّرِيعَةِ واسْتَسْلَم لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلمٌ وباطِنُه غيرُ مصدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ أَسْلَمْتُ لأَن الإِيمان لَا بُدَّ مِنْ أَن يَكُونَ صاحبُه صِدِّيقاً، لأَن قولَكَ آمَنْتُ بِاللَّهِ، أَو قَالَ قَائِلٌ آمَنْتُ بِكَذَا وَكَذَا فَمَعْنَاهُ صَدَّقْت، فأَخْرج اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الإِيمان فَقَالَ: ولَمّا يدْخل الإِيمانُ فِي قُلوبِكم؛ أَي لَمْ تُصدِّقوا إِنَّمَا أَسْلَمْتُمْ تَعَوُّذاً مِنَ الْقَتْلِ، فالمؤمنُ مُبْطِنٌ مِنَ التَّصْدِيقِ مثلَ مَا يُظْهِرُ، والمسلمُ التامُّ الإِسلامِ مُظْهرٌ لِلطَّاعَةِ مؤمنٌ بِهَا، والمسلمُ الَّذِي أَظهر الإِسلامَ تعوُّذاً غيرُ مؤمنٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إِلَّا أَن حُكْمَه فِي الظَّاهِرِ حكمُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إخْوة يوسف لأَبيهم: ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
؛ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهل التَّفْسِيرِ أَنّ مَعْنَاهُ مَا أَنت بمُصدِّقٍ لَنَا، والأَصلُ فِي الإِيمان الدخولُ فِي صِدْقِ الأَمانةِ الَّتِي ائْتَمَنه اللَّهُ عَلَيْهَا، فَإِذَا اعْتَقَدَ التصديقَ بِقَلْبِهِ كَمَا صدَّقَ بلِسانِه فَقَدْ أَدّى الأَمانةَ وَهُوَ مؤمنٌ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ التَّصْدِيقَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مؤدٍّ للأَمانة الَّتِي ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُنافِقٌ، ومَن زَعَمَ أَن الإِيمان هُوَ إِظْهَارُ الْقَوْلِ دُونَ التصديقِ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَحدهما أَن يَكُونَ مُنافِقاً يَنْضَحُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ تأْييداً لَهُمْ، أَو يَكُونَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَمَا يُقالُ لَهُ، أَخْرَجَه الجَهلُ واللَّجاجُ إِلى عِنادِ الحقِّ وتَرْكِ قبولِ الصَّوابِ، أَعاذنا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَعَلَنَا مِمَّنْ عَلِم فاسْتَعْمل مَا عَلِم، أَو جَهِل
__________
(2). الآية
(13/23)

فَتَعَلَّمَ مِمَّنْ عَلِمَ، وسلَّمَنا مِنْ آفَاتِ أَهل الزَّيْغ والبِدَع بمنِّه وَكَرَمِهِ. وَفِي قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
؛ مَا يُبَيّنُ لَكَ أَن المؤمنَ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ، وأَن مَن لَمْ يتضمّنْ هَذِهِ الصِّفَةَ فَلَيْسَ بمؤمنٍ، لأَن إِنَّمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَجِيءُ لِتَثْبيتِ شيءٍ ونَفْيِ مَا خالَفَه، وَلَا قوّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وأَما قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
؛ فَقَدْ رُوِيَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنهما قَالَا: الأَمانةُ هَاهُنَا الفرائضُ الَّتِي افْتَرَضَها اللَّهُ تَعَالَى على عباده
؛ وقال
ابْنُ عُمَرَ: عُرِضَت عَلَى آدمَ الطاعةُ والمعصيةُ وعُرِّفَ ثوابَ الطَّاعَةِ وعِقَابَ المعْصية، قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَن الأَمانة هَاهُنَا النِّيّةُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا الإِنسان فِيمَا يُظْهِره بِاللِّسَانِ مِنَ الإِيمان ويؤَدِّيه مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ فِي الظَّاهِرِ، لأَن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ائْتَمَنَه عَلَيْهَا وَلَمْ يُظْهِر عَلَيْهَا أَحداً مِنْ خَلْقِه، فَمَنْ أَضْمر مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ مثلَ مَا أَظهرَ فَقَدْ أَدَّى الأَمانةَ، وَمَنْ أَضمَر التكذيبَ وَهُوَ مُصَدِّقٌ بِاللِّسَانِ فِي الظَّاهِرِ فَقَدْ حَمَل الأَمانةَ وَلَمْ يؤدِّها، وكلُّ مَنْ خَانَ فِيمَا اؤتُمِنَ عَلَيْهِ فَهُوَ حامِلٌ، والإِنسان فِي قَوْلِهِ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ؛ هُوَ الْكَافِرُ الشاكُّ الَّذِي لَا يُصدِّق، وَهُوَ الظَّلُوم الجهُولُ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِيمانُ أَمانةٌ وَلَا دِينَ لِمَنْ لا أَمانةَ لَهُ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
لَا إيمانَ لِمَنْ لا أَمانةَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ ثَعْلَبٌ: المؤمِنُ بِالْقَلْبِ والمُسلِمُ بِاللِّسَانِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: صفةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ أَن يَكُونَ رَاجِيًا ثوابَه خَاشِيًا عِقَابَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ ثَعْلَبٌ: يُصَدِّق اللهَ ويُصدق الْمُؤْمِنِينَ، وأَدخل اللام للإِضافة، فأَما قول بَعْضُهُمْ: لَا تجِدُه مُؤْمِنًا حَتَّى تجِدَه مؤمنَ الرِّضا مؤمنَ الْغَضَبِ أَي مؤمِناً عندَ رِضَاهُ مُؤْمِنًا عِنْدَ غَضَبِهِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: المؤمنُ مَن أَمِنَه الناسُ، والمسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَر السُّوءَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يدخلُ رجلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جارُهُ بوائقَه.
وَفِي الْحَدِيثِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ، صَلَّى الله عليه وسلم، وقال: مَنِ المُهاجرُ؟ فَقَالَ: مَنْ هجَر السيئاتِ، قَالَ: فمَن المؤمنُ؟ قَالَ: مَنِ ائْتَمَنه النَّاسُ عَلَى أَموالِهم وأَنفسهم، قَالَ: فَمَن المُسلِم؟ قَالَ: مَن سلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لسانِه وَيَدِهِ، قَالَ: فمَن المجاهدُ؟ قَالَ: مَنْ جاهدَ نفسَه.
قَالَ النَّضْرُ: وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ مَا الإِيمانُ؟ قَالَ: الطُّمأْنينةُ، قَالَ: وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ تَقُولُ أَنا مؤمنٌ، قَالَ: لَا أَقوله، وَهَذَا تَزْكِيَةٌ. ابْنُ الأَنباري: رَجُلٌ مُؤمِنٌ مُصَدِّقٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وآمَنْت بِالشَّيْءِ إِذَا صَدَّقْت بِهِ؛ وقال الشَّاعِرُ:
ومِنْ قَبْل آمَنَّا، وَقَدْ كانَ قَوْمُنا ... يُصلّون للأَوثانِ قبلُ، مُحَمَّدًا
مَعْنَاهُ وَمِنْ قبلُ آمَنَّا مُحَمَّدًا أَي صدَّقناه، قَالَ: والمُسلِم المُخْلِصُ لله الْعِبَادَةَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
؛ أَراد أَنا أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأَنّك لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
نَهْرانِ مؤمنانِ ونَهْرانِ كافرانِ: أَما المؤمنانِ
(13/24)

فالنيلُ والفراتُ، وأَما الْكَافِرَانِ فدِجْلةُ ونهْرُ بَلْخ
، جَعَلَهُمَا مؤمنَيْن عَلَى التَّشْبِيهِ لأَنهما يفيضانِ عَلَى الأَرضِ فيَسقِيانِ الحَرْثَ بلا مَؤُونةٍ، وَجَعَلَ الآخَرَيْنِ كافِرَيْن لأَنهما لَا يسقِيانِ وَلَا يُنْتَفَعُ بهما إلا بمؤونة وكُلفةٍ، فَهَذَانِ فِي الخيرِ والنفعِ كالمُؤْمِنَيْنِ، وَهَذَانِ فِي قلَّة النَّفْعِ كالكافِرَين. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَزْني الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ
؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ النَّهْي وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ، والأَصلُ حذْفُ الْيَاءِ مِنْ يَزْني أَي لَا يَزْنِ المؤمنُ وَلَا يَسْرِقْ وَلَا يَشْرَبْ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَفعال لَا تليقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ وعيدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْع، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
لَا إيمانَ لمنْ لا أمانة له
،
والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ مِنْ لِسانِه ويدِه
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَزْني وَهُوَ كاملُ الإِيمانِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَن الْهَوَى يُغطِّي الإِيمانَ، فصاحِبُ الهَوى لَا يَزني إِلَّا هَوَاهُ وَلَا ينْظُر إِلَى إِيمَانِهِ النَّاهِي لَهُ عَنِ ارتكابِ الْفَاحِشَةِ، فكأَنَّ الإِيمانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قد انْعَدم، قال: وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الإِيمانُ نَزِهٌ، فإِذا أَذْنَبَ العبدُ فارَقَه
؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِذَا زَنَى الرجلُ خرجَ مِنْهُ الإِيمانُ فَكَانَ فوقَ رأْسه كالظُّلَّةِ، فإِذا أَقْلَع رجَع إِلَيْهِ الإِيمانُ
، قَالَ: وكلُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ ونَفْي الكمالِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَرَفْعِ الإِيمان وإِبْطالِه. وَفِي حَدِيثِ الْجَارِيَةِ:
أَعْتِقْها فَإِنَّهَا مُؤمِنةٌ
؛ إِنَّمَا حكَمَ بإيمانِها بمُجرَّد سُؤاله إِيَّاهَا: أَين اللَّهُ؟ وإشارَتِها إِلَى السَّمَاءِ، وَبُقُولِهِ لَهَا: مَنْ أَنا؟ فأَشارت إِلَيْهِ وَإِلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي أَنْتَ رسولُ اللَّهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الإِسلام والإِيمان دُونَ الإِقرار بالشهادَتَيْن والتبرِّي مِنْ سَائِرِ الأَديان، وَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ لأَنه رَأَى مِنْهَا أَمارة الإِسلام وكوْنَها بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ رِقِّ المُسْلِم، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي علَماً لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الإِسلامُ لَمْ يُقْتَصَرْ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ إِنِّي مُسْلِمٌ حَتَّى يَصِفَ الإِسلامَ بِكَمَالِهِ وشرائِطه، فَإِذَا جَاءَنَا مَنْ نَجْهَل حالَه فِي الْكُفْرِ والإِيمان فَقَالَ إِنِّي مُسْلِم قَبِلْناه، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَمارةُ الإِسلامِ مِنْ هَيْئَةٍ وشارةٍ ودارٍ كَانَ قبولُ قَوْلِهِ أَولى، بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بالإِسلام وإنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَفِي حَدِيثِ
عُقْبة بْنِ عَامِرٍ: أَسْلم الناسُ وآمَنَ عمرُو بْنُ الْعَاصِ
؛ كأَنَّ هَذَا إشارةٌ إِلَى جماعةٍ آمَنوا مَعَهُ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وأنَّ عَمْراً كَانَ مُخْلِصاً فِي إِيمَانِهِ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ الْخَاصُّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا مِنْ نبيٍّ إلَّا أُعْطِيَ منَ الآياتِ مَا مثلُه آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْياً أَوْحاهُ اللهُ إِليَ
أَي آمَنوا عِنْدَ مُعايَنة مَا آتَاهُمْ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزات، وأَراد بالوَحْيِ إعْجازَ الْقُرْآنِ الَّذِي خُصَّ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ المُنزَّلة كَانَ مُعْجِزاً إِلَّا الْقُرْآنُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ حَلَف بالأَمانةِ فَلَيْسَ مِنَّا
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: يُشْبِهُ أَن تَكُونَ الكراهةُ فِيهِ لأَجل أَنه أُمِر أَن يُحْلَفَ بأَسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، والأَمانةُ أَمرٌ مِنْ أُمورِه، فنُهُوا عَنْهَا مِنْ أَجل التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسماء اللَّهِ، كَمَا نُهوا أَن يحلِفوا بِآبَائِهِمْ. وَإِذَا قَالَ الحالفُ: وأَمانةِ اللَّهِ، كَانَتْ يَمِينًا عِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ، والشافعيُّ لَا يعدُّها يَمِينًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دينَكَ وأَمانتَكَ
أَي أَهلك ومَنْ تُخَلِّفُه بَعْدَكَ مِنْهُمْ، ومالَكَ الَّذِي تُودِعُه وتستَحْفِظُه أَمِينَك ووكِيلَكَ. والأَمينُ: القويُّ لأَنه يُوثَقُ بقوَّتِه. وناقةٌ أَمون: أَمينةٌ وثِيقةُ الخَلْقِ، قَدْ أُمِنَتْ أَن تَكُونَ ضَعِيفَةً، وَهِيَ الَّتِي أُمِنتْ العِثَارَ والإِعْياءَ، وَالْجَمْعُ أُمُنٌ، قَالَ: وَهَذَا فعولٌ جَاءَ فِي مَوْضِعِ
(13/25)

مَفْعولةٍ، كَمَا يُقَالُ: نَاقَةٌ عَضوبٌ وحَلوبٌ. وآمِنُ المالِ: مَا قَدْ أَمِنَ لنفاسَتِه أَن يُنْحَرَ، عنَى بِالْمَالِ الإِبلَ، وَقِيلَ: هُوَ الشريفُ مِنْ أَيِّ مالٍ كانَ، كأَنه لَوْ عَقَلَ لأَمِنَ أَن يُبْذَل؛ قَالَ الحُوَيْدرة:
ونَقِي بآمِنِ مالِنا أَحْسابَنا، ... ونُجِرُّ فِي الهَيْجا الرِّماحَ وندَّعي
. قولُه: ونَقِي بآمِنِ مالِنا «3». أَي ونَقِي بخالِصِ مالِنا، نَدَّعي نَدْعُو بأَسمائنا فَنَجْعَلُهَا شِعاراً لَنَا فِي الْحَرْبِ. وآمِنُ الحِلْم: وَثِيقُه الَّذِي قَدْ أَمِنَ اخْتِلاله وانْحِلاله؛ قَالَ:
والخَمْرُ لَيْسَتْ منْ أَخيكَ، ولكنْ ... قَدْ تَغُرُّ بآمِنِ الحِلْمِ
ويروى: تَخُون بثامِرِ الحِلْمِ أَي بتامِّه. التَّهْذِيبُ: والمُؤْمنُ مِن أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي وَحَّدَ نفسَه بِقَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، وَبِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَقِيلَ: المُؤْمِنُ فِي صِفَةِ اللَّهِ الَّذِي آمَنَ الخلقَ مِنْ ظُلْمِه، وَقِيلَ: المُؤْمن الَّذِي آمَنَ أَوْلياءَه عذابَه، قَالَ: قَالَ ابْنُ الأَعرابي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ سَمِعْتُ أَبا الْعَبَّاسِ يَقُولُ: المُؤْمنُ عِنْدَ الْعَرَبِ المُصدِّقُ، يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصدّق عبادَه الْمُسْلِمِينَ يومَ الْقِيَامَةِ إِذَا سُئلَ الأُمَمُ عَنْ تَبْلِيغِ رُسُلِهم، فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ رسولٍ وَلَا نَذِيرٍ، ويكذِّبون أَنبياءَهم، ويُؤْتَى بأُمَّة مُحَمَّدٍ فيُسْأَلون عَنْ ذَلِكَ فيُصدِّقونَ الماضِينَ فيصدِّقُهم اللَّهُ، ويصدِّقهم النبيُّ مُحَمَّدٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا ... جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، وَقَوْلُهُ: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ أَي يصدِّقُ المؤْمنين؛ وَقِيلَ: المُؤْمن الَّذِي يَصْدُق عبادَه، مَا وَعَدَهم، وكلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لأَنه صَدَّق بِقَوْلِهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ عبادَه مِنْ تَوْحِيدٍ، وكأَنه آمَنَ الخلقَ مِنْ ظُلْمِه وَمَا وَعَدَنا مِنَ البَعْثِ والجنَّةِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، والنارِ لِمَنْ كفرَ بِهِ، فَإِنَّهُ مصدِّقٌ وعْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى المُؤْمِنُ، هُوَ الَّذِي يَصْدُقُ عبادَه وعْدَه فَهُوَ مِنَ الإِيمانِ التصديقِ، أَو يُؤْمِنُهم فِي الْقِيَامَةِ عذابَه فَهُوَ مِنَ الأَمانِ ضِدِّ الْخَوْفِ. الْمُحْكَمِ: المُؤْمنُ اللهُ تَعَالَى يُؤْمِنُ عبادَه مِنْ عذابِه، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ؛ قَالَ الْفَارِسِيُّ: الهاءُ بدلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءُ مُلْحِقةٌ ببناء مُدَحْرِج؛ وقال ثَعْلَبٌ: هُوَ المُؤْمِنُ المصدِّقُ لعبادِه، والمُهَيْمِنُ الشاهدُ عَلَى الشَّيْءِ القائمُ عَلَيْهِ. والإِيمانُ: الثِّقَةُ. وَمَا آمنَ أَن يَجِدَ صَحابةً أَي مَا وَثِقَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا كادَ. والمأْمونةُ مِنَ النِّسَاءِ: المُسْتراد لِمِثْلِهَا. قَالَ ثَعْلَبٌ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ
مَا آمَنَ بِي مَن باتَ شَبْعانَ وجارُه جائعٌ
؛ مَعْنَى مَا آمَنَ بِي شديدٌ أَي يَنْبَغِي لَهُ أَن يُواسيَه. وآمينَ وأَمينَ: كلمةٌ تُقَالُ فِي إثْرِ الدُّعاء؛ قَالَ الْفَارِسِيُّ: هِيَ جملةٌ مركَّبة مِنْ فعلٍ وَاسْمٍ، مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي، قَالَ: ودليلُ ذَلِكَ
أَن مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وأَتباعه فَقَالَ: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، قَالَ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: آمِينَ
، فطبَّق الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى آمينَ كَذَلِكَ يكونُ، وَيُقَالُ: أَمَّنَ الإِمامُ تأْميناً إِذَا قَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أُمِّ الكِتاب آمِينَ، وأَمَّنَ فلانٌ تأْميناً. الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِ الْقَارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آمينَ: فِيهِ لُغَتَانِ: تَقُولُ الْعَرَبُ أَمِينَ بِقَصْرِ الأَلف، وآمينَ بِالْمَدِّ، والمدُّ أَكثرُ، وأَنشد فِي لغة مَنْ قَصَر:
__________
(3). قَوْلُهُ [وَنَقِي بِآمِنِ مَالِنَا] ضبط في الأَصل بكسر الميم، وعليه جرى شارح القاموس حيث قال هو كصاحب، وضبط في متن القاموس والتكملة بفتح الميم
(13/26)

تباعَدَ منِّي فُطْحُلٌ، إِذْ سأَلتُه ... أَمينَ، فزادَ اللهُ ما بيْننا بُعْدا
وروى ثَعْلَبٌ فُطْحُل، بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْحَاءِ، أَرادَ زادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْداً أَمين؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِشَاعِرٍ:
سَقَى اللَّهُ حَيّاً بَيْنَ صارةَ والحِمَى، ... حِمَى فَيْدَ صَوبَ المُدْجِناتِ المَواطرِ
أَمِينَ ورَدَّ اللهُ رَكْباً إليهمُ ... بِخَيْرٍ، ووَقَّاهُمْ حِمامَ المقادِرِ
وَقَالَ عُمَر بْنُ أَبي رَبِيعَةَ فِي لُغَةِ مَنْ مدَّ آمينَ:
يَا ربِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أَبَداً، ... ويرْحمُ اللهُ عَبْداً قَالَ: آمِينا
قَالَ: وَمَعْنَاهُمَا اللهمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: هُوَ إيجابٌ ربِّ افْعَلْ قَالَ: وَهُمَا مَوْضُوعَانِ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الاستحابةِ، كَمَا أَنَّ صَهْ موضوعٌ موضعَ سُكوتٍ، قَالَ: وحقُّهما مِنَ الإِعراب الوقفُ لأَنهما بِمَنْزِلَةِ الأَصْواتِ إِذَا كَانَا غيرَ مُشْتَقَّيْنِ مِنْ فعلٍ، إِلَّا أَن النُّونَ فُتِحت فِيهِمَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَلَمْ تُكسر النونُ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ، كَمَا فَتَحُوا أَينَ وكيفَ، وتشديدُ الْمِيمِ خطأٌ، وَهُوَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ مِثْلَ أَينَ وَكَيْفَ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: قَالَ أَحمد بْنُ يَحْيَى قَوْلُهُمْ آمِينَ هُوَ عَلَى إشْباع فتحةِ الْهَمْزَةِ، ونشأَت بَعْدَهَا أَلفٌ، قَالَ: فأَما قَوْلُ أَبي الْعَبَّاسِ إنَّ آمِينَ بِمَنْزِلَةِ عاصِينَ فَإِنَّمَا يريدُ بِهِ أَن الْمِيمَ خَفِيفَةٌ كصادِ عاصِينَ، لَا يُريدُ بِهِ حقيقةَ الْجَمْعِ، وَكَيْفَ ذلك وقد حكي عن الْحَسَنِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنه قَالَ: آمِينَ اسمٌ مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وأَين لَكَ فِي اعْتِقَادِ مَعْنَى الْجَمْعِ مَعَ هَذَا التَّفْسِيرِ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمِينَ اسْمٌ مِنْ أَسماء اللَّهِ؛ قَالَ الأَزهري: وَلَيْسَ يَصِحُّ كَمَا قَالَهُ عِنْدَ أَهل اللُّغَةِ أَنه بِمَنْزِلَةِ يَا اللَّهُ وأَضمر اسْتَجِبْ لِي، قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لرُفِعَ إِذَا أُجْرِي وَلَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا. وَرَوَى
الأَزهري عَنْ حُمَيْد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّه أُمِّ كُلْثومٍ بِنْتِ عُقبة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، قَالَتْ: غُشِيَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوفٍ غَشيةَ ظَنُّوا أَنَّ نفْسَه خَرَجَتْ فِيهَا، فَخَرَجَتِ امرأَته أُم كُلْثُومٍ إِلَى الْمَسْجِدِ تسْتَعين بِمَا أُمِرَتْ أَن تسْتَعينَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ: أَغُشِيَ عليَّ؟ قَالُوا: نعمْ، قَالَ: صدَقْتُمْ، إِنَّهُ أَتاني مَلَكانِ فِي غَشْيَتِي فَقَالَا: انْطلِقْ نحاكِمْكَ إِلَى الْعَزِيزِ الأَمين، قَالَ: فانطَلَقا بِي، فلقِيَهُما مَلَكٌ آخرُ فَقَالَ: وأَين تُرِيدانِ بِهِ؟ قَالَا: نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ الأَمين، قَالَ: فارْجِعاه فَإِنَّ هَذَا مِمَّنْ كتَب اللَّهُ لَهُمُ السعادةَ وَهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتهم، وسَيُمَتِّعُ اللَّهُ بِهِ نبيَّه مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَعَاشَ شَهْرًا ثُمَّ ماتَ.
والتَّأْمينُ: قولُ آمينَ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ: أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: آمِينَ خاتَمُ ربِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ أَبو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنه طابَعُ اللَّهِ عَلَى عبادِه لأَنه يَدْفعُ بِهِ عَنْهُمُ الْآفَاتِ والبَلايا، فَكَانَ كخاتَم الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونه وَيَمْنَعُ مِنْ فسادِه وإِظهارِ مَا فِيهِ لِمَنْ يُكْرَهُ عِلْمُهُ بِهِ ووُقوفَه عَلَى مَا فِيهِ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنه قَالَ: آمينَ درجةٌ فِي الجنَّة
؛ قَالَ أَبو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنها كلمةٌ يكتَسِبُ بِهَا قائلُها دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ. وَفِي حَدِيثِ
بِلَالٍ: لَا تسْبِقْني بآمينَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: يُشْبِهُ أَن يَكُونَ بلالٌ كَانَ يقرأُ الفاتحةَ فِي السَّكتةِ الأُولى مِنْ سكْتَتَي الإِمام، فَرُبَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا شيءٌ وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ فرَغ مِنْ قراءتِها، فاسْتَمْهَلَه بِلَالٌ فِي التأْمينِ بِقَدْرِ مَا يُتِمُّ فِيهِ قراءةَ بقيَّةِ السُّورَةِ حَتَّى يَنَالَ بركةَ موافَقتِه فِي التّأْمين.
(13/27)

أنن: أَنَّ الرجلُ مِنَ الْوَجَعِ يَئِنُّ أَنيناً، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
يَشْكو الخِشاشَ ومَجْرى النَّسْعَتَين، كَمَا ... أَنَّ المرِيضُ، إِلَى عُوَّادِه، الوَصِبُ
والأُنانُ، بِالضَّمِّ: مِثْلُ الأَنينِ؛ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَبْناء يُخَاطِبُ أَخاه صَخْرًا:
أَراكَ جَمَعْتَ مسْأَلةً وحِرْصاً، ... وَعِنْدَ الفَقْرِ زَحّاراً أُنانا
وَذَكَرَ السِّيرَافِيُّ أَن أُناناً هُنَا مِثْلُ خُفافٍ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ فَيَكُونُ مِثْلَ زَحّار فِي كَوْنِهِ صِفَةً، قَالَ: والصِّفتان هُنَا واقِعتان مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، قال: وكذلك التأْنانُ؛ وقال:
إنَّا وجَدْنا طَرَدَ الهَوامِلِ ... خَيْرًا مِنَ التَّأْنانِ والمَسائِلِ
«1». وعِدَةِ العامِ وعامٍ قابِلِ ... مَلْقوحةً فِي بَطْنِ نابٍ حائلِ
. مَلْقُوحَةً: منصوبةٌ بالعِدَة، وَهِيَ بِمَعْنَى مُلْقَحَةً، وَالْمَعْنَى أَنها عِدةٌ لَا تَصِحُّ لأَن بطنَ الْحَائِلِ لَا يَكُونُ فِيهِ سَقْبٌ مُلْقَحة. ابن سيدة: أَنَّ الرجلُ يَئِنُّ أَنّاً وأَنيناً وأُناناً وأَنَّةً تأَوَّه. التَّهْذِيبُ: أَنَّ الرجلُ يَئِنُّ أَنيناً وأَنَتَ يأْنِتُ أَنيتاً ونأَتَ يَنْئِتُ نَئِيتاً بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَرَجُلٌ أَنّانٌ وأُنانٌ وأُنَنةٌ: كثيرُ الأَنين، وَقِيلَ: الأُنَنةُ الكثيرُ الْكَلَامِ والبَثِّ والشَّكْوَى، وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ فِعْلٌ، وَإِذَا أَمرت قُلْتَ: إينِنْ لأَن الْهَمْزَتَيْنِ إِذَا التَقَتا فَسَكَنَتِ الأَخيرة اجْتَمَعُوا عَلَى تَلْيينِها، فأَما فِي الأَمر الثَّانِي فَإِنَّهُ إِذَا سَكَنَتِ الْهَمْزَةُ بَقِيَ النونُ مَعَ الْهَمْزَةِ وَذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ الأُولى. وَيُقَالُ للمرأَة: إنِّي، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ اقْرِرْ، وللمرأَة قِرِّي، وامرأَة أنّانةٌ كَذَلِكَ. وَفِي بَعْضِ وَصَايَا الْعَرَبِ: لَا تَتّخِذْها حَنَّانةً وَلَا مَنّانةً وَلَا أَنّانةً. وَمَا لَهُ حانَّةٌ وَلَا آنّةٌ أَي مَا لَه ناقةٌ وَلَا شاةٌ، وَقِيلَ: الحانّةُ الناقةُ والآنّةُ الأَمَةُ تَئِنّ مِنَ التَّعَبِ. وأَنَّتِ القوسُ تَئِنُّ أَنيناً: أَلانت صوتَها ومَدّته؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ؛ وأَنشد قَوْلَ رُؤْبَةَ:
تِئِنُّ حينَ تجْذِبُ المَخْطوما، ... أَنين عَبْرَى أَسْلَمت حَميما
. والأُنَنُ: طائرٌ يَضْرِبُ إِلَى السَّواد، لَهُ طَوْقٌ كَهَيْئَةِ طَوْق الدُّبْسِيّ، أَحْمَرُ الرِّجْلين والمِنْقار، وَقِيلَ: هُوَ الوَرَشان، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ الْحَمَامِ إِلَّا أَنه أَسود، وصوتُه أَنِينٌ: أُوهْ أُوهْ. وإنَّه لَمِئنّةٌ أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ أَي خَليقٌ، وَقِيلَ: مَخْلَقة مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الإِثنان وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ مَئِنّةٌ فَعِلَّةً، فَعَلَى هَذَا ثلاثيٌّ. وأَتاه عَلَى مَئِنّةِ ذَلِكَ أَي حينهِ ورُبّانِه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ طُولَ الصلاةِ وقِصَرَ الخُطْبةِ مَئِنّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ
أَي بيانٌ مِنْهُ. أَبو زَيْدٍ: إِنَّهُ لَمَئِنّةٌ أَن يفعل ذلك، وأَنتما وَإِنَّهُنَّ لَمَئِنّةٌ أَن تَفْعَلُوا ذَلِكَ بِمَعْنَى إِنَّهُ لخَليق أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
ومَنْزِل مِنْ هَوَى جُمْلٍ نَزَلْتُ بِهِ، ... مَئِنّة مِنْ مَراصيدِ المَئِنّاتِ
بِهِ تَجَاوَزَتُ عَنْ أُولى وكائِده، ... إِنِّي كَذَلِكَ رَكّابُ الحَشِيّات
. أَول حِكَايَةٍ «2». أَبو عَمْرٍو: الأَنّةُ والمَئِنّة والعَدْقةُ
__________
(1). قوله [إنا وجدنا إلخ] صوّب الصاغاني زيادة مشطور بين المشطورين وهو:
بين الرسيسين وبين عاقل
(2). قوله [أول حكاية] هكذا في الأَصل
(13/28)

والشَّوْزَب وَاحِدٌ؛ وَقَالَ دُكَيْن:
يَسْقِي عَلَى درّاجةٍ خَرُوسِ، ... مَعْصُوبةٍ بينَ رَكايا شُوسِ،
مَئِنّةٍ مِنْ قَلَتِ النُّفوسِ
يُقَالُ: مَكَانٍ مِنْ هلاكِ النُّفُوسِ، وقولُه مَكَانٍ مِنْ هَلَاكِ النُّفُوسِ تفسيرٌ لِمَئِنّةٍ، قَالَ: وكلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنه بِمَنْزِلَةِ مَظِنَّة، والخَروسُ: البَكْرةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَافِيَةِ الصوتِ، والجَروسُ، بِالْجِيمِ: الَّتِي لَهَا صَوْتٌ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأَصمعي سأَلني شُعْبَةُ عَنْ مَئِنَّة فَقُلْتُ: هُوَ كَقَوْلِكَ عَلامة وخَليق، قَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ كَقَوْلِكَ مَخْلَقة ومَجْدَرة؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَن هَذَا مِمَّا يُعْرَف بِهِ فِقْهُ الرَّجُلِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ، قَالَ: وكلُّ شيءٍ دلَّكَ عَلَى شيءٍ فَهُوَ مَئِنّةٌ لَهُ؛ وأَنشد لِلْمَرَّارِ:
فَتَهامَسوا سِرّاً فَقَالُوا: عَرِّسوا ... مِنْ غَيْر تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرِّسِ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالَّذِي رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي وأَبي زَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ المَئِنّة صحيحٌ، وَأَمَّا احْتِجاجُه برأْيه ببَيْت الْمَرَّارِ فِي التَّمْئِنَة للمَئِنَّة فَهُوَ غَلَطٌ وسهوٌ، لأَن الميمَ فِي التَّمْئِنة أَصليةٌ، وَهِيَ فِي مَئِنّةٍ مَفْعِلةٌ لَيْسَتْ بأَصلية، وسيأْتي تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ مأَن. اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ مَئِنَّةٌ أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ ومَظِنَّة أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ وأَنشد:
إنَّ اكتِحالًا بالنَّقِيّ الأَمْلَجِ، ... ونَظَراً فِي الحاجِبِ المُزَجَّجِ
مَئِنَّةٌ منَ الْفِعَالِ الأَعْوجِ
فكأَن مَئِنّةً، عِنْدَ اللِّحْيَانِيِّ، مبدلٌ الهمزةُ فِيهَا مِنَ الظَّاءِ فِي المَظِنَّة، لأَنه ذَكَرَ حُرُوفًا تُعاقِب فِيهَا الظاءُ الهمزةَ، مِنْهَا قولُهم: بيتٌ حسَنُ الأَهَرَةِ والظَّهَرةِ. وَقَدْ أَفَرَ وظَفَر أَي وثَب. وأَنَّ الماءَ يؤُنُّه أَنًّا إِذَا صبَّه. وَفِي كَلَامِ الأَوائل: أُنَّ مَاءً ثُمَّ أَغْلِه أَي صُبَّه وأَغْلِه؛ حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ يَرْوِيهِ أُزّ مَاءً ويزعُمُ أَنَّ أُنَّ تصحيفٌ. قَالَ الْخَلِيلُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ: إنَّ الثقيلةُ تَكُونُ منصوبةَ الأَلفِ، وتكونُ مكسورةَ الأَلف، وَهِيَ الَّتِي تَنْصِبُ الأَسماء، قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ مُبتَدأَةً لَيْسَ قَبْلَهَا شيءٌ يُعْتمد عَلَيْهِ، أَو كَانَتْ مستأْنَفَةً بَعْدَ كَلَامٍ قَدِيمٍ ومَضَى، أَو جَاءَتْ بَعْدَهَا لامٌ مؤكِّدَةٌ يُعْتمد عَلَيْهَا كُسِرَتْ الأَلفُ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ تُنْصَب الأَلف. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي إنَّ: إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ الْقَوْلِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَتْ حِكَايَةً لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا القولُ وَمَا تصرَّف مِنْهُ فَهِيَ مَكْسُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلِ نَصَبَتْها وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
؛ وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى استئنافٌ كأَنه قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ العزَّة لله جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
، كسَرْتَها لأَنها بَعْدَ الْقَوْلِ عَلَى الْحِكَايَةِ، قَالَ: وأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِنَّكَ فتحْتَ الأَلفَ لأَنها مفسِّرة لِمَا وَمَا قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا القولُ فنصبَها وموضعُها نصبٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ: قَدْ قُلْتُ لَكَ كَلَامًا حسَناً أَنَّ أَباكَ شريفٌ وأَنك عاقلٌ، فتحتَ أَنَّ لأَنها فسَّرت الْكَلَامَ والكلامُ منصوبٌ، وَلَوْ أَردْتَ تكريرَ الْقَوْلِ عَلَيْهَا كسَرْتَها، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ إنَّ بَعْدَ الْقَوْلِ مَفْتُوحَةً إِذَا كَانَ الْقَوْلُ يُرافِعُها، منْ ذَلِكَ أَن تَقُولَ: قولُ عَبْدِ اللَّهِ مُذُ اليومِ أَن النَّاسَ خَارِجُونَ، كَمَا تَقُولُ: قولُكَ مُذ اليومِ كلامٌ لَا يُفْهم. وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذَا وَقَعَتْ إنَّ عَلَى الأَسماء وَالصِّفَاتِ فَهِيَ مُشَدِّدَةٌ، وَإِذَا
(13/29)

وَقَعَتْ عَلَى فعلٍ أَو حرفٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِي صِفةٍ أَو تصريفٍ فخفِّفْها، تَقُولُ: بَلَغَنِي أَن قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، تخفِّف مِنْ أَجل كَانَ لأَنها فِعْلٌ، وَلَوْلَا قَدْ لَمْ تَحْسُنْ عَلَى حَالٍ مِنَ الْفِعْلِ حَتَّى تَعْتَمِدَ عَلَى مَا أَو عَلَى الْهَاءِ كَقَوْلِكَ إِنَّمَا كَانَ زَيْدٌ غَائِبًا، وبلَغني أَنه كَانَ أَخو بَكْرٍ غَنِيّاً، قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنه كَانَ كَذَا وَكَذَا، تُشَدِّدُها إِذَا اعتمدَتْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إنْ رُبَّ رَجُلٍ، فَتُخَفِّفُ، فَإِذَا اعتمدَتْ قُلْتَ: إِنَّهُ رُبَّ رَجُلٍ، شدَّدْت وَهِيَ مَعَ الصِّفَاتِ مُشَدَّدَةٌ إنَّ لَكَ وإنَّ فِيهَا وإنَّ بِكَ وأَشباهها، قَالَ: وَلِلْعَرَبِ لُغَتَانِ فِي إنَّ المشدَّدة: إِحْدَاهُمَا التَّثْقِيلُ، والأُخرى التَّخْفِيفُ، فأَما مَن خفَّف فَإِنَّهُ يَرْفَعُ بِهَا إِلَّا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهل الْحِجَازِ يخفِّفون وَيَنْصِبُونَ عَلَى توهُّم الثَّقِيلَةِ، وقرئَ:
وأنْ كُلًّا لَمَّا ليُوفّينّهم
؛ خَفَّفُوا وَنَصَبُوا؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ فِي تَخْفِيفِهَا مَعَ الْمُضْمَرِ:
فلوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخاءِ سأَلْتِني ... فِراقَك، لَمْ أَبْخَلْ، وأَنتِ صديقُ
وأَنشد الْقَوْلَ الْآخَرَ:
لقد عَلِمَ الضَّيفُ والمُرْمِلون، ... إِذَا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهَبَّتْ شَمَالًا،
بأَنَّكَ ربيعٌ وغَيْثٌ مَرِيعٌ، ... وقِدْماً هناكَ تكونُ الثِّمالا
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
؛ كُسِرَتْ إِنَّ لِمكان اللَّامِ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْهَا فِي قَوْلِهِ لَفي، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا جاءَك مِنْ أَنَّ فَكَانَ قَبْلَهُ شيءٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ، إِلَّا مَا استقبَله لامٌ فَإِنَّ اللَّامَ تُكْسِره، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انَّ إِلَّا فَهِيَ مَكْسُورَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اسْتَقبَلَتْها اللَّامُ أَو لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ
؛ فَهَذِهِ تُكْسر وَإِنْ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا لامٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ جَوَابًا ليَمين كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لقائمٌ، فَإِذَا لَمْ تأْتِ بِاللَّامِ فَهِيَ نصبٌ: واللهِ أَنَّكَ قَائِمٌ، قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَالنَّحْوِيُّونَ يَكْسِرُونَ وَإِنْ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا اللامُ. وَقَالَ أَبو طَالِبٍ النَّحْوِيُّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ: أَهل الْبَصْرَةِ غَيْرَ سِيبَوَيْهِ وذَوِيه يَقُولُونَ الْعَرَبُ تُخَفِّف أَنَّ الشَّدِيدَةَ وتُعْمِلها؛ وأَنشدوا:
ووَجْهٍ مُشْرِقِ النَّحْر، ... كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ
أَراد كأَنَّ فخفَّف وأَعْمَلَ، قَالَ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ لَمْ نَسْمَعِ العربَ تخفِّف أَنَّ وتُعْمِلها إِلَّا مَعَ المَكْنيّ لأَنه لَا يتبيَّن فِيهِ إِعْرَابٌ، فأَما فِي الظَّاهِرِ فَلَا، وَلَكِنْ إِذَا خَفَّفوها رفَعُوا، وأَما مَنْ خفَّف
وإنْ كُلًّا لمَا ليُوَفِّيَنَّهم
، فإنهم نصبوا كُلًّا بِلَيُوَفِّيَنَّهم كأَنه قَالَ: وإنْ ليُوفِّينَّهم كُلًّا، قَالَ: وَلَوْ رُفِعت كلٌّ لصلَح ذَلِكَ، تَقُولُ: إنْ زيدٌ لقائمٌ. ابْنُ سِيدَهْ: إنَّ حَرْفُ تأْكيد. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
، أَخبر أَبو عَلِيٍّ أَن أَبا إسحق ذَهَبَ فِيهِ إِلَى أَنَّ إنَّ هُنَا بِمَعْنَى نَعَمْ، وَهَذَانِ مرفوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وأَنَّ اللامَ فِي لَساحران داخلةٌ عَلَى غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وأَن تَقْدِيرَهُ نَعَمْ هَذَانِ هُمَا ساحِران، وَحُكِيَ عَنْ أَبي إسحق أَنه قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي عِنْدِي فِيهِ، وَاللَّهُ أَعلم. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ بيَّن أَبو عليٍّ فسادَ ذَلِكَ فغَنِينا نَحْنُ عَنْ إِيضَاحِهِ هُنَا. وَفِي التَّهْذِيبِ: وأَما قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
، فإنَّ أبا إسحق النَّحْوِيَّ اسْتَقْصى مَا قَالَ فِيهِ النَّحْوِيُّونَ فحَكَيْت كَلَامَهُ. قَالَ: قرأَ المدنيُّون وَالْكُوفِيُّونَ إِلَّا عَاصِمًا: إنَّ هَذَانِ لَساحِران، وَرُوِيَ
عَنْ عَاصِمٍ أَنه قرأَ: إنْ هَذَانِ
، بِتَخْفِيفِ إنْ، وَرُوِيَ
عَنِ الْخَلِيلِ: إنْ هَذَانِ
(13/30)

لساحِران
، قَالَ: وقرأَ
أَبو عَمْرٍو إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ
، بِتَشْدِيدِ إِنَّ ونصْبِ هَذَيْنِ، قال أَبو إسحق: والحجةُ فِي إِنَّ هَذَانِ لساحِران، بِالتَّشْدِيدِ وَالرَّفْعِ، أَن أَبا عُبَيْدَةَ رَوَى عَنْ أَبي الْخَطَّابِ أَنه لغةٌ لكنانةَ، يَجْعَلُونَ أَلفَ الِاثْنَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، يَقُولُونَ: رأَيت الزَّيْدَانَ، وَرَوَى أَهلُ الْكُوفَةِ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَنها لغة لبني الحرث بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماء: هَاهُنَا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، الْمَعْنَى: إِنَّهُ هذانِ لساحِران، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ فِي مَعْنَى نعَمْ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وأَنشدوا لِابْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّات:
بَكَرَتْ عليَّ عواذِلي ... يَلْحَيْنَنِي وأَلومُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ: شَيْبٌ قدْ علّاكَ، ... وَقَدْ كَبِرْتَ، فقلتُ: إنَّهْ
. أَي إِنَّهُ قَدْ كَانَ كَمَا تَقُلْن؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهَذَا اختصارٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يُكتفى مِنْهُ بِالضَّمِيرِ لأَنه قَدْ عُلِم مَعْنَاهُ؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي هَذَا: إِنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا النونَ فِي التَّثْنِيَةِ وَتَرَكُوهَا عَلَى حَالِهَا فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، كَمَا فعَلوا فِي الَّذِينَ فَقَالُوا الَّذِي، فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، قَالَ: فَهَذَا جَمِيعُ مَا قَالَ النَّحْوِيُّونَ فِي الْآيَةِ؛ قال أَبو إسحق: وأَجودُها عِنْدِي أَن إِنَّ وَقَعَتْ مَوْقِعَ نَعَمْ، وأَن اللَّامَ وَقَعتْ موقِعَها، وأَنّ الْمَعْنَى نعَمْ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ، قَالَ: وَالَّذِي يَلِي هَذَا فِي الجَوْدَة مذهبُ بني كنانة وبَلْحَرِث بن كَعْبٍ، فأَما قراءةُ أَبي عَمْرٍو فَلَا أُجيزُها لأَنها خلافُ الْمُصْحَفِ، قَالَ: وأَستحسن قراءةَ عَاصِمٍ وَالْخَلِيلِ إنْ هَذَانِ لَساحِران. وَقَالَ غيرُه: الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْكَلَامَ مُخْتَصَرًا مَا بعْدَه عَلَى إنَّه، وَالْمُرَادُ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ، وَإِنَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ، قَالَ: وأَما قَوْلُ الأَخفش إنَّه بِمَعْنَى نَعَمْ فَإِنَّمَا يُراد تأْويله لَيْسَ أَنه مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِذَلِكَ، قَالَ: وَهَذِهِ الْهَاءُ أُدْخِلت لِلسُّكُوتِ. وَفِي حَدِيثِ
فَضالة بْنِ شَريك: أَنه لقِيَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنَّ نَاقَتِي قَدْ نَقِبَ خفُّها فاحْمِلْني، فَقَالَ: ارْقَعْها بجِلدٍ واخْصِفْها بهُلْبٍ وسِرْ بِهَا البَرْدَين، فَقَالَ فَضالةُ: إِنَّمَا أَتَيْتُك مُسْتَحْمِلًا لَا مُسْتَوْصِفاً، لَا حَمَلَ اللَّهُ نَاقَةً حمَلتْني إِليك فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ وراكِبَها
أَي نعَمْ مَعَ رَاكِبِهَا. وَفِي حَدِيثِ
لَقيط بْنِ عَامِرٍ: وَيَقُولُ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ
أَي وَإِنَّهُ كَذَلِكَ، أَو إِنَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ، وَقِيلَ: إنَّ بِمَعْنَى نَعَمْ وَالْهَاءُ لِلْوَقْفِ، فأَما قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
، وإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
، وَنَحْوُ ذَلِكَ فأَصله إنَّنا وَلَكِنْ حُذِفَت إِحْدَى النُّونَين مِنْ إنَّ تَخْفِيفًا، وَيَنْبَغِي أَن تكونَ الثانيةَ مِنْهُمَا لأَنها طرَفٌ، وَهِيَ أَضعف، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُبْدِلُ هَمْزَتَها هَاءً مَعَ اللَّامِ كَمَا أَبدلوها فِي هَرَقْت، فَتَقُولُ: لَهِنَّك لَرَجُلُ صِدْقٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ كلُّ الْعَرَبِ تَتَكَلَّمُ بِهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلا يَا سَنا بَرْقٍ عَلَى قُنَنِ الحِمَى، ... لَهِنّكَ مِنْ بَرْقٍ عليَّ كَرِيمُ
وحِكى ابْنُ الأَعرابي: هِنّك وواهِنّك، وَذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِ أَيضاً. التَّهْذِيبُ فِي إِنَّمَا: قَالَ النَّحْوِيُّونَ أَصلها مَا مَنَعت إنَّ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَعْنَى إِنَّمَا إثباتٌ لِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا ونفيٌ لِمَا سِوَاهُ كَقَوْلِهِ:
وَإِنَّمَا يُدافعُ عَنْ أَحسابهم أَنا ومِثْلي
الْمَعْنَى: مَا يُدافع عَنْ أَحسابِهم إِلَّا أَنا أَو مَنْ هُوَ مِثْلي، وأَنَّ: كَإِنَّ فِي التأْكيد، إِلَّا أَنها تَقَعُ مَوْقِعَ الأَسماء وَلَا تُبْدَل همزتُها هَاءً، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ أَنَّ كإنَّ، إنَّ كالفِعْلِ، وأَنَ
(13/31)

كالاسْمِ، وَلَا تَدْخُلُ اللامُ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ؛ فأَما قِرَاءَةُ
سَعِيدِ بْنِ جُبيَر: إلَّا أَنهم ليأْكلون الطَّعَامَ
، بِالْفَتْحِ، فَإِنَّ اللَّامَ زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْلِهِ:
لَهِنَّك فِي الدُّنْيَا لبَاقيةُ العُمْرِ
الْجَوْهَرِيُّ: إنَّ وأَنَّ حَرْفَانِ يَنْصِبَانِ الأَسماءَ وَيَرْفَعَانِ الأَخبارَ، فالمكسورةُ مِنْهُمَا يُؤكَّدُ بِهَا الخبرُ، وَالْمَفْتُوحَةُ وَمَا بَعْدَهَا فِي تأْويل الْمَصْدَرِ، وَقَدْ يُخَفَّفان، فَإِذَا خُفِّفتا فَإِنْ شئتَ أَعْمَلْتَ وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْمِلْ، وَقَدْ تُزادُ عَلَى أَنَّ كافُ التَّشْبِيهِ، تَقُولُ: كأَنه شمسٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ أَيضاً فَلَا تعْمَل شَيْئًا؛ قَالَ:
كأَنْ ورِيداهُ رِشاءَا خُلُب
وَيُرْوَى: كأَنْ ورِيدَيْهِ؛ وَقَالَ آخَرُ:
ووَجْهٍ مُشْرِقِ النحرِ، ... كأَنْ ثَدْياه حُقَّانِ
وَيُرْوَى ثَدْيَيْه، عَلَى الإِعمال، وَكَذَلِكَ إِذَا حذفْتَها، فَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ، وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ، قَالَ طَرَفَةُ:
أَلا أَيُّهَذا الزاجِرِي أَحْضُرَ الوغَى، ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنتَ مُخْلدي؟
يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى الإِعمال، والرفْعُ أَجود. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: كأَنَّ أَصلُها أَنَّ أُدخِلَ عَلَيْهَا كافُ التَّشْبِيهِ، وَهِيَ حرفُ تَشْبِيهٍ، والعربُ تَنْصِبُ بِهِ الاسمَ وَتَرْفَعُ خبرَه، وقال الْكِسَائِيُّ: قَدْ تَكُونُ كأَنَّ بِمَعْنَى الْجَحْدِ كَقَوْلِكَ كأَنك أميرُنا فتأْمُرُنا، مَعْنَاهُ لستَ أَميرَنا، قَالَ: وكأَنَّ أُخرى بِمَعْنَى التَّمَنِّي كَقَوْلِكَ كأَنك بِي قَدْ قلتُ الشِّعْرَ فأُجِيدَه، مَعْنَاهُ لَيْتَني قَدْ قلتُ الشِّعْرَ فأُجيدَه، وَلِذَلِكَ نُصِب فأُجيدَه، وَقِيلَ: تَجِيءُ كأَنَّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ والظنِّ كَقَوْلِكَ كأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وكأَنك خارجٌ؛ وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تُنشِد هَذَا الْبَيْتَ:
ويومٍ تُوافينا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ، ... كأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إِلَى ناضِرِ السَّلَمْ
وكأَنْ ظَبْيَةٍ وكأَنْ ظَبْيَةٌ، فَمَنْ نَصَبَ أَرادَ كأَنَّ ظَبْيَةً فَخَفَّفَ وأَعْمَل، ومَنْ خفَض أَراد كظَبْيَةٍ، ومَن رَفَعَ أَراد كأَنها ظبْيَةٌ فخفَّفَ وأَعْمَل مَعَ إضمارِ الكِناية؛ الْجَرَّارُ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه أَنشد:
كأمَّا يحْتَطِبْنَ عَلَى قَتادٍ، ... ويَسْتَضْحِكْنَ عَنْ حَبِّ الغَمامِ
. قَالَ: يُرِيدُ كأَنما فَقَالَ كأَمَّا، وَاللَّهُ أَعلم. وإنِّي وإنَّني بِمَعْنًى، وَكَذَلِكَ كأَنِّي وكأَنَّني ولكنِّي وَلَكِنَّنِي لأَنه كثُر اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ، وَهُمْ قَدْ يَسْتَثْقِلون التَّضْعِيفَ فَحَذَفُوا النُّونَ الَّتِي تَلي الْيَاءَ، وَكَذَلِكَ لَعَلِّي ولَعَلَّني لأَن اللَّامَ قَرِيبَةٌ مِنَ النُّونِ، وَإِنْ زِدْتَ عَلَى إنَّ مَا صارَ للتَّعيين كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
، لأَنه يُوجِبُ إثْباتَ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ ونَفْيَه عَمَّا عَدَاهُ. وأَنْ قَدْ تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَعْنَى مصدرٍ فتَنْصِبُه، تَقُولُ: أُريد أَنْ تقومَ، وَالْمَعْنَى أُريد قيامَك، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ ماضٍ كَانَتْ مَعَهُ بِمَعْنَى مصدرٍ قَدْ وقَع، إِلَّا أَنها لَا تَعْمَل، تَقُولُ: أَعْجَبَني أَن قُمْتَ وَالْمَعْنَى أَعجبني قيامُك الَّذِي مَضَى، وأَن قَدْ تَكُونُ مخفَّفة عَنِ المشدَّدة فَلَا تَعْمَلُ، تَقُولُ: بَلَغَني أَنْ زيدٌ خارجٌ؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها
؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُ فَلَا
(13/32)

تَعْمَلُ يريدُ فِي اللَّفْظِ، وأَما فِي التَّقْدِيرِ فَهِيَ عاملةٌ، وَاسْمُهَا مقدَّرٌ فِي النيَّة تَقْدِيرُهُ: أَنه تِلْكُمْ الْجَنَّةُ. ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَفعل كَذَا مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً؛ حَكَاهُ يَعْقُوبُ وَلَا أَعرف مَا وجهُ فتْح أَنَّ، إِلَّا أَن يَكُونَ عَلَى توهُّم الْفِعْلِ كأَنه قَالَ: مَا ثَبَتَ أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً، أَو مَا وُجد أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: مَا أَنَّ ذَلِكَ الجَبَل مكانَه، وَمَا أَنَّ حِراءً مكانَه، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقَالُوا لَا أَفْعَله مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْمٌ، وَمَا عَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْمٌ أَي مَا عَرَضَ، وَمَا أَنَّ فِي الفُرات قَطْرةٌ أَي مَا كَانَ فِي الفُراتِ قطرةٌ، قَالَ: وَقَدْ يُنْصَب، وَلَا أَفْعَله مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ سَمَاءً، قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَا كانَ وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ عَلَى الْمَعْنَى. وكأَنَّ: حرفُ تشْبيهٍ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْكَافُ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: إِنْ سأَل سائلٌ فَقَالَ: مَا وَجْهُ دُخُولِ الْكَافِ هَاهُنَا وَكَيْفَ أَصلُ وضْعِها وَتَرْتِيبِهَا؟ فالجوابُ أَن أَصلَ قَوْلِنَا كأَنَّ زَيْدًا عمرٌو إِنَّمَا هُوَ إنَّ زَيْدًا كعمْرو، فَالْكَافُ هُنَا تشبيهٌ صريحٌ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ فكأَنك قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا كائنٌ كعمْرو، وَإِنَّهُمْ أَرادُوا الاهتمامَ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي عَلَيْهِ عقَدُوا الجملةَ، فأَزالُوا الْكَافَ مِنْ وسَط الْجُمْلَةِ وَقَدَّمُوهَا إِلَى أَوَّلها لإِفراطِ عنايَتهم بِالتَّشْبِيهِ، فَلَمَّا أَدخلوها عَلَى إنَّ مِنْ قَبْلِها وَجَبَ فتحُ إنَّ، لأَنَّ الْمَكْسُورَةَ لَا يتقدَّمُها حرفُ الْجَرِّ وَلَا تَقَعُ إلَّا أَولًا أَبداً، وبقِي مَعْنَى التَّشْبِيهِ الَّذِي كانَ فِيهَا، وَهِيَ مُتوسِّطة بحالِه فِيهَا، وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: كأَنَّ زَيْدًا عمرٌو، إِلَّا أَنَّ الكافَ الآنَ لمَّا تقدَّمت بطَل أَن تَكُونَ معلَّقةً بفعلٍ وَلَا بشيءٍ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، لأَنها فارَقَت الموضعَ الَّذِي يُمْكِنُ أَن تتعلَّق فِيهِ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقَدَّمَتْ إِلَى أَوَّل الْجُمْلَةِ، وَزَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ مُتَعَلِّقَةً بخبرِ إنَّ الْمَحْذُوفِ، فَزَالَ مَا كَانَ لَهَا مِنَ التعلُّق بِمَعَانِي الأَفعال، وَلَيْسَتْ هُنَا زَائِدَةٌ لأَن مَعْنَى التَّشْبِيهِ موجودٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تقدَّمت وأُزِيلت عَنْ مَكَانِهَا، وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ زَائِدَةٍ فَقَدْ بَقي النظرُ فِي أنَّ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَلْ هِيَ مَجْرُورَةٌ بِهَا أَو غَيْرُ مَجْرُورَةٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَقوى الأَمرين عَلَيْهَا عِنْدِي أَن تَكُونَ أنَّ فِي قَوْلِكَ كأَنك زيدٌ مَجْرُورَةً بِالْكَافِ، وَإِنْ قُلْتَ إنَّ الكافَ فِي كأَنَّ الْآنَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بمانعٍ مِنَ الجرِّ فِيهَا، أَلا تَرَى أَن الْكَافَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ جَارَّةٌ؟ ويُؤَكِّد عِنْدَكَ أَيضاً هُنَا أَنها جَارَّةٌ فتْحُهم الْهَمْزَةَ بَعْدَهَا كَمَا يفْتحونها بَعْدَ العَوامِل الْجَارَّةِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: عجِبتُ مِن أَنك قَائِمٌ، وأَظنُّ أَنك مُنْطَلِقٌ، وبلغَني أَنك كريمٌ، فَكَمَا فُتِحَتْ أَنَّ لوقوعِها بَعْدَ الْعَوَامِلِ قَبْلَهَا موقعَ الأَسماء كَذَلِكَ فُتِحَتْ أَيضاً فِي كأَنك قَائِمٌ، لأَن قَبْلَهَا عَامِلًا قَدْ جرَّها؛ وأَما قَوْلُ الرَّاجِزِ:
فبادَ حَتَّى لَكأَنْ لمْ يَسْكُنِ، ... فاليومَ أَبْكي ومَتى لمْ يُبْكنِي «3»
. فَإِنَّهُ أَكَّد الْحَرْفَ بِاللَّامِ؛ وَقَوْلُهُ:
كأَنَّ دَريئةً، لَمَّا التَقَيْنا ... لنَصْل السيفِ، مُجْتَمَعُ الصُّداعِ
أَعْمَلَ مَعْنَى التَّشْبِيهِ فِي كأَنَّ فِي الظَّرْفِ الزَّمانيّ الَّذِي هُوَ لَمَّا التَقَيْنا، وَجَازَ ذَلِكَ فِي كأَنَّ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَقَدْ تُخَفَّف أَنْ ويُرْفع مَا بَعْدَهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْ تقْرآنِ عَلَى أَسْماءَ، وَيحَكُما ... منِّي السلامَ، وأَنْ لا تُعْلِما أَحَدا
__________
(3). قوله [لكأن لم يسكن] هكذا في الأَصل بسين قبل الْكَافُ
(13/33)

قَالَ ابْنُ جِنِّي: سأَلت أَبا عَلِيٍّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِمَ رَفَع تَقْرآنِ؟ فَقَالَ: أَراد النُّونَ الثَّقِيلَةَ أَي أَنكما تقْرآن؛ قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وأَوْلى أَنْ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الْفِعْلَ بِلَا عِوَض ضَرُورَةً، قَالَ: وَهَذَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بعضُ الصَّنعة فَهُوَ أَسهلُ مِمَّا ارْتَكَبَهُ الْكُوفِيُّونَ، قَالَ: وقرأْت عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَحمد بْنِ يَحْيَى فِي تَفْسِيرِ أَنْ تقْرآنِ، قَالَ: شبَّه أَنْ بِمَا فَلَمْ يُعْمِلها فِي صِلَتها، وَهَذَا مَذْهَبُ البَغْداديّين، قَالَ: وَفِي هَذَا بُعْدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنْ لَا تَقَعَ إِذَا وُصلت حَالًا أَبداً، إِنَّمَا هِيَ للمُضيّ أَو الِاسْتِقْبَالِ نَحْوَ سَرَّني أَن قَامَ، ويُسرُّني أَن تَقُومَ، وَلَا تَقُولُ سَرَّني أَن يَقُومَ، وَهُوَ فِي حَالِ قِيَامٍ، وَمَا إِذَا وُصِلت بِالْفِعْلِ وَكَانَتْ مَصْدَرًا فَهِيَ لِلْحَالِ أَبداً نَحْوَ قَوْلِكَ: مَا تقومُ حسَنٌ أَي قيامُك الَّذِي أَنت عَلَيْهِ حَسَنٌ، فيَبْعُد تشبيهُ واحدةٍ مِنْهُمَا بالأُخرى، ووُقوعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَوْقِعَ صَاحِبَتِهَا، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَنصب بِهَا مُخَفَّفَةً، وَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ أَجْل. غَيْرُهُ: وأَنَّ المفتوحةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى لَعَلَّ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: إئتِ السوقَ أَنك تَشْتَرِي لَنَا سَويقاً أَي لَعَلَّكَ، وَعَلَيْهِ وُجِّه قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً عَنْهَا لَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُمْ، قَالَ الْفَارِسِيُّ: فسأَلتُ عَنْهَا أَبا بَكْرٍ أَوانَ الْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هُوَ كَقَوْلِ الإِنسان إنَّ فُلَانًا يَقْرأُ فَلَا يَفْهم، فَتَقُولُ أَنتَ: وَمَا يُدْريك أَنه لَا يَفْهَمُ «1». وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ:
لَعَلَّهَا إِذَا جاءَت لَا يؤْمنون
؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالَ حُطائِط بْنُ يعْفُر، وَيُقَالُ هُوَ لدُريد:
أَريني جَواداً مَاتَ هَزْلًا، لأَنَّني ... أَرى مَا تَرَيْنَ، أَو بَخيلًا مُخَلَّدا
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَنشده أَبو زَيْدٍ لِحَاتِمٍ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُهُ فِي شِعْرِ مَعْن بْنِ أَوس المُزَني؛ وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
أَعاذِلَ، مَا يُدريكِ أَنَّ مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْمِ، أَو فِي ضُحى الغَدِ؟
أَي لَعَلَّ مَنِيَّتِي؛ وَيُرْوَى بَيْتُ جَرِيرٍ:
هَلَ انْتُمْ عَائِجُونَ بِنا لأَنَّا ... نَرَى العَرَصاتِ، أَو أَثَرَ الخِيامِ
قَالَ: ويدُلك عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْتُ فِي أَنَّ فِي بَيْتِ عَدِيٍّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، وَمَا يُدْريك لَعَلَّ الساعةَ تَكُونُ قَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وتُبْدِل مِنْ هَمْزَةِ أَنَّ مَفْتُوحَةً عَيْنًا فَتَقُولُ: علمتُ عَنَّكَ مُنْطَلِقٌ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الأَنصارَ قَدْ فَضَلونا، إِنَّهُمْ آوَوْنا وفَعَلوا بِنَا وفَعَلوا، فَقَالَ: تَعْرفون ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فإنَّ ذَلِكَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ مَقْطُوعَ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ إنَّ اعْتِرَافَكُمْ بِصَنِيعِهِمْ مُكافأَةٌ مِنْكُمْ لَهُمْ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ:
مَنْ أُزِلَّتْ إِلَيْهِ نِعمةٌ فليُكافِئْ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يجِدْ فَليُظهِر ثَنَاءً حسَناً، فإنَّ ذَلِكَ
؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنه قَالَ لِابْنِ عُمَرَ فِي سِيَاقِ كلامٍ وَصَفه بِهِ: إنَّ عبدَ اللَّهِ، إنَّ عَبْدَ اللَّهِ
، قَالَ: وَهَذَا وأَمثاله مِنِ اخْتِصَارَاتِهِمُ الْبَلِيغَةِ وَكَلَامِهِمُ الْفَصِيحِ. وَأَنَّى
__________
أَنَّى: كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا كَيْفَ وأَين. التَّهْذِيبُ: وأَما إنْ الخفيفةُ فَإِنَّ
الْمُنْذِرِيَّ رَوَى عَنِ ابْنِ الزَّيْدي عَنْ أَبي زَيْدٍ أَنه قَالَ: إنْ تَقَعُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَوْضعَ مَا، ضَرْبُ قَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
؛ مَعْنَاهُ: مَا مِن أَهل الْكِتَابِ، وَمِثْلُهُ: لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
؛
__________
(1). قوله [إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ فَلَا يَفْهَمُ فَتَقُولُ أَنْتَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنه لَا يَفْهَمُ] هكذا في الأَصل المعوَّل عليه بيدنا بثبوت لا في الكلمتين
(13/34)

أَي مَا كُنَّا فَاعِلِينَ، قَالَ: وَتَجِيءُ إنْ فِي مَوْضِعِ لَقَدْ، ضَرْبُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
؛ الْمَعْنَى: لقَدْ كَانَ مِنْ غَيْرِ شكٍّ مِنَ الْقَوْمِ، وَمِثْلُهُ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
، وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ
؛ وَتَجِيءُ إنْ بِمَعْنَى إذْ، ضَرْبُ قَوْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
؛ الْمَعْنَى إذْ كُنْتُمْ مُؤْمنين، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
؛ مَعْنَاهُ إذْ كُنْتُمْ، قَالَ: وأَنْ بِفَتْحِ الأَلف وَتَخْفِيفِ النُّونِ قَدْ تَكُونُ فِي مَوْضِعِ إذْ أَيضاً، وإنْ بخَفْض الأَلف تَكُونُ موضعَ إِذَا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا
؛ مَنْ خَفضَها جعلَها فِي مَوْضِعِ إِذَا، ومَنْ فَتَحَهَا جَعَلَهَا فِي مَوْضِعِ إذْ عَلَى الْوَاجِبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ
؛ مَنْ خَفَضَهَا جَعَلَهَا فِي مَوْضِعِ إِذَا، وَمَنْ نَصَبَهَا فَفِي إِذْ. ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
؛ قَالَ: إنْ فِي مَعْنَى قَدْ، وقال أَبو الْعَبَّاسِ: الْعَرَبُ تَقُولُ إنْ قَامَ زِيدٌ بِمَعْنَى قَدْ قَامَ زَيْدٌ، قَالَ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَهُ فظَنَنْتُه شَرْطاً، فسأَلتهم فَقَالُوا: نُرِيدُ قَدْ قَامَ زَيْدٌ وَلَا نُرِيدُ مَا قَامَ زيد. وقال الْفَرَّاءُ: إِنِ الخفيفةُ أُمُّ الْجَزَاءِ، وَالْعَرَبُ تُجازِي بِحُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ كُلِّهَا وتَجْزمُ بِهَا الْفِعْلَيْنِ الشرطَ والجزاءَ إلَّا الأَلِفَ وهَلْ فَإِنَّهُمَا يَرْفعَانِ مَا يَلِيهِمَا. وَسُئِلَ ثعلبٌ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لامرأَته إِنْ دَخلتِ الدارَ إِنْ كَلَّمْتِ أَخاكِ فأَنتِ طالقٌ، مَتَى تَطْلُق؟ فَقَالَ: إِذَا فَعَلَتْهما جَمِيعًا، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنه قَدْ جَاءَ بِشَرْطَيْنِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ لَهَا أَنتِ طالقٌ إِنِ احْمَرّ البُسْرُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ مسأَلةُ مُحَالٍ لأَن البُسْرَ لَا بُدّ مِنْ أَن يَحْمَرّ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ أَنت طالِقٌ إِذَا احْمَرَّ البُسْرُ؟ قَالَ: هَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ تطلُقُ إِذَا احْمرَّ البُسْرُ، قَالَ الأَزهري: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا أُثْبِت لَنَا عَنْهُ: إِنْ قَالَ الرَّجُلُ لامرأَته أَنتِ طالقٌ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُعْلَم أَنه لَا يُطَلِّقُها بِمَوْتِهِ أَو بموتِها، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَلَوْ قَالَ إِذَا لَمْ أُطَلِّقْك وَمَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك فأَنت طَالِقٌ، فسكتَ مدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا الطَّلَاقُ، طَلُقَت؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إنْ بِمَعْنَى مَا فِي النَّفْيِ ويُوصل بِهَا مَا زَائِدَةٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
مَا إنْ يَكادُ يُخلِّيهمْ لِوِجْهَتِهمْ ... تَخالُجُ الأَمْرِ، إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ تُزَادُ إنْ بَعْدَ مَا الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِ المَعْلوط بْنِ بَذْلٍ القُرَيْعيّ أَنشده سِيبَوَيْهِ:
ورجِّ الْفَتَى للْخَيْر، مَا إنْ رأَيْتَه ... عَلَى السِّنِّ خَيْرًا لَا يَزالُ يَزِيدُ
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا دخَلت إنْ عَلَى مَا، وَإِنْ كَانَتْ مَا هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةً، لِشَبَهَها لَفْظًا بِمَا النَّافِيَةِ الَّتِي تُؤكَّد بأَنْ، وشَبَهُ اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا يُصَيِّر مَا المصدريةَ إِلَى أَنها كأَنها مَا الَّتِي مَعْنَاهَا النفيُ، أَلا تَرَى أَنك لَوْ لَمْ تَجْذِب إِحْدَاهُمَا إِلَى أَنها كأَنها بِمَعْنَى الأُخرى لَمْ يَجُزْ لَكَ إلحاقُ إنْ بِهَا؟ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وقولُهم افْعَل كَذَا وَكَذَا إِمَّا لَا، أَلْزَموها مَا عِوَضًا، وَهَذَا أَحْرى إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ آثِراً مَا، فيُلْزمون مَا، شبَّهوها بِمَا يَلْزَم مِنَ النُّونَاتِ فِي لأَفعلنّ، واللامِ فِي إِنْ كَانَ لَيَفْعل، وَإِنْ كَانَ ليْس مِثْلَه، وإنَّما هُوَ شَاذٌّ، ويكونُ الشرطَ نَحْوَ إنْ فعلتَ فعلتُ. وَفِي حَدِيثِ بَيْعِ الثَّمَرِ:
إِمَّا لَا فَلَا تبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صلَاحُه
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَذِهِ كَلِمَةٌ تَرِدُ فِي
(13/35)

المُحاورَات كَثِيرًا، وَقَدْ جاءَت فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وأَصلها إنْ وَمَا وَلَا، فأُدْغِمت النونُ فِي الْمِيمِ، وَمَا زائدةٌ فِي اللَّفْظِ لَا حُكمَ لَهَا، وَقَدْ أَمالت العربُ لَا إِمَالَةً خَفِيفَةً، والعوامُّ يُشْبِعون إمالَتها فتَصيرُ أَلفُها يَاءً، وَهِيَ خطأٌ، وَمَعْنَاهَا إنْ لَمْ تَفعلْ هَذَا فلْيَكن هَذَا، وأَما إنْ الْمَكْسُورَةُ فَهُوَ حرفُ الْجَزَاءِ، يُوقِع الثانيَ مِنْ أَجْل وُقوع الأَوَّل كَقَوْلِكَ: إنْ تأْتني آتِك، وَإِنْ جِئْتني أَكْرَمْتُك، وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَا فِي النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
؛ ورُبَّما جُمِع بَيْنَهُمَا للتأْكيد كَمَا قَالَ الأَغْلَبُ العِجْليُّ:
مَا إنْ رَأَينا مَلِكاً أَغارا ... أَكْثَرَ مِنْهُ قِرَةً وقَارا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إنْ هنا زائدةٌ وليست نَفْيًا كَمَا ذَكَرَ، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ، تَقُولُ: وَاللَّهِ إنْ فعلتُ أَي مَا فَعَلْتُ، قَالَ: وأَنْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
؛ قَالَ: وأَن قَدْ تَكُونُ صِلةً لِلَمَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ
؛ وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
؛ يُرِيدُ وَمَا لهُم لَا يعذِّبُهُم اللَّهُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ إنَّها تكونُ صِلَةً لِلَمّا وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً، قَالَ: هَذَا كلامٌ مكرَّر لأَنَّ الصلةَ هِيَ الزائدةُ، وَلَوْ كَانَتْ زَائِدَةً فِي الْآيَةِ لَمْ تَنْصِب الفعلَ، قَالَ: وَقَدْ تكونُ زَائِدَةً مَعَ مَا كَقَوْلِكَ: مَا إنْ يقُومُ زَيْدٌ، وَقَدْ تَكُونُ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُشَدَّدَةِ فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يدخُلَ اللامُ فِي خَبَرِهَا عِوَضًا مِمَّا حُذِفَ مِنَ التَّشْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
؛ وإنْ زيدٌ لأَخوك، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بإنْ الَّتِي بِمَعْنَى مَا لِلنَّفْيِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: اللامُ هُنَا دَخَلَتْ فَرْقًا بَيْنَ النَّفْيِ والإِيجاب، وإنْ هَذِهِ لَا يَكُونُ لَهَا اسمٌ وَلَا خَبَرٌ، فقولُه دَخَلَتِ اللامُ فِي خَبَرِهَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَدْ تدخُلُ هَذِهِ اللامُ مَعَ المَفعول فِي نَحْوِ إنْ ضَرَبْتُ لزَيداً، وَمَعَ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِكَ إِنْ قَامَ لزيدٌ، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ قُطْرُبٍ أَن طَيِّئاً تَقُولُ: هِنْ فَعَلْتَ فعلتُ، يُرِيدُونَ إنْ، فيُبْدِلون، وَتَكُونُ زَائِدَةً مَعَ النَّافِيَةِ. وَحَكَى ثَعْلَبٌ: أَعْطِه إنْ شَاءَ أَي إِذَا شَاءَ، وَلَا تُعْطِه إنْ شاءَ، مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ فَلَا تُعْطِه. وأَنْ تَنْصب الأَفعال المضارِعة مَا لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى أَنَّ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وقولُهم أَمَّا أَنت مُنْطلِقاً انْطلقْتُ مَعَك إِنَّمَا هِيَ أَنْ ضُمّت إِلَيْهَا مَا، وَهِيَ مَا لِلتَّوْكِيدِ، ولَزِمَت كَرَاهِيَةَ أَن يُجْحِفوا بِهَا لِتَكُونَ عِوَضًا مِنْ ذَهاب الْفِعْلِ، كَمَا كَانَتِ الهاءُ والأَلفُ عِوَضًا فِي الزّنادقةِ واليَماني مِنَ الْيَاءِ؛ فأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تعَرَّضَتْ لِي بمكانٍ حِلِّ، ... تَعَرُّضَ المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ،
تَعَرُّضاً لَمْ تأْلُ عَنْ قَتْلًا لِي
فَإِنَّهُ أَراد لَمْ تأْلُ أَن قَتْلًا أَي أَنْ قَتَلَتْني، فأَبدل العينَ مَكَانَ الْهَمْزَةِ، وَهَذِهِ عَنْعنةُ تميمٍ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَراد الْحِكَايَةَ كأَنه حَكَى النصبَ الَّذِي كَانَ مُعْتَادًا فِي قَوْلِهَا فِي بَابِهِ أَي كَانَتْ تَقُولُ قَتْلًا قَتْلًا أَي أَنا أَقْتُلُه قَتْلًا، ثُمَّ حَكَى مَا كَانَتْ تَلَفَّظُ بِهِ؛ وَقَوْلُهُ:
إِنِّي زَعيمٌ يَا نُوَيْقَةُ، ... إنْ نجَوْتِ مِنَ الرَّزاح،
أَنْ تَهْبِطينَ بلادَ قَوْمٍ ... يَرْتَعُون مِنَ الطِّلاح
. قَالَ ثَعْلَبٌ: قَالَ الْفَرَّاءُ هَذِهِ أَن الدائرةُ يَلِيهَا الْمَاضِي
(13/36)

وَالدَّائِمُ فتَبْطُل عَنْهُمَا، فَلَمَّا وَلِيها الْمُسْتَقْبَلُ بَطَلَتْ عَنْهُ كَمَا بَطَلَتْ عَنِ الْمَاضِي وَالدَّائِمِ، وَتَكُونُ زَائِدَةً مَعَ لَمَّا الَّتِي بِمَعْنَى حِينَ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى أَي نَحْوَ قَوْلِهِ: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا لأَنها تأْتي ليُعبَّر بِهَا وَبِمَا بَعْدَهَا عَنْ مَعْنَى الْفِعْلِ الَّذِي قَبْلُ، فالكلامُ شديدُ الحاجةِ إِلَى مَا بَعْدَهَا ليُفَسَّر بِهِ مَا قَبْلَهَا، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ امْتَنَعَ الوقوفُ عَلَيْهَا، ورأَيت فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحْكَمِ وأَنْ نِصْفُ اسمٍ تمامُه تَفْعَل، وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَيْضًا: أَعْطِه إِلَّا أَن يشاءَ أَي لَا تُعْطِه إِذَا شَاءَ، وَلَا تُعْطِه إِلَّا أَن يشاءَ، مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ فأَعْطِه. وَفِي حَدِيثِ رُكوبِ الهَدْيِ:
قَالَ لَهُ ارْكَبْها، قَالَ: إِنَّهَا بَدنةٌ، فَكَرَّرَ عَلَيْهِ القولَ فَقَالَ: ارْكَبْها وإنْ
أَي وَإِنْ كَانَتْ بَدنةً. التَّهْذِيبُ: لِلْعَرَبِ فِي أَنا لغاتٌ، وأَجودها أَنَّك إِذَا وقفْتَ عَلَيْهَا قُلْتَ أَنا بِوَزْنِ عَنَا، وَإِذَا مضَيْتَ عَلَيْهَا قُلْتَ أَنَ فعلتُ ذَلِكَ، بِوَزْنِ عَنَ فَعَلْتُ، تُحَرِّكُ النُّونَ فِي الْوَصْلِ، وَهِيَ سَاكِنَةٌ منْ مثلِه فِي الأَسماء غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ مِثْلِ مَنْ وكَمْ إِذَا تحرَّك مَا قَبْلَهَا، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ أَنا فَعَلْتُ ذَلِكَ فيُثْبِتُ الأَلفَ فِي الْوَصْلِ وَلَا يُنوِّن، وَمِنْهُمْ مَن يُسَكِّنُ النونَ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ، فَيَقُولُ: أَنْ قلتُ ذَلِكَ، وقُضاعةُ تمُدُّ الأَلفَ الأُولى آنَ قلتُه؛ قَالَ عَدِيٌّ:
يَا لَيْتَ شِعْري آنَ ذُو عَجَّةٍ، ... مَتى أَرَى شَرْباً حَوالَيْ أَصيصْ؟
وَقَالَ العُدَيْل فِيمَنْ يُثْبِت الأَلفَ:
أَنا عَدْلُ الطِّعانِ لِمَنْ بَغاني، ... أَنا العَدْلُ المُبَيّنُ، فاعْرِفوني
وأَنا لَا تَثنيةَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ إِلَّا بنَحْن، وَيَصْلُحُ نحنُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ثَنَّوا أَنْت فَقَالُوا أَنْتُما وَلَمْ يُثَنُّوا أَنا؟ فَقِيلَ: لمَّا لَمْ تُجِزْ أَنا وأَنا لرجلٍ آخرَ لَمْ يُثَنُّوا، وأَما أَنْتَ فَثَنَّوْه بأَنْتُما لأَنَّك تُجِيزُ أَن تَقُولَ لِرَجُلٍ أَنتَ وأَنتَ لآخرَ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ، وأَما إنِّي فتَثْنيتُه إنَّا، وَكَانَ فِي الأَصل إنَّنا فكثُرت النوناتُ فحُذِفت إِحْدَاهَا، وَقِيلَ إنَّا، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
«1» الْمَعْنَى إنَّنا أَو إنَّكم، فَعُطِفَ إِيَّاكُمْ عَلَى الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ إنَّا عَلَى النُّونِ والأَلف كَمَا تَقُولُ إِنِّي وإيَّاك، مَعْنَاهُ إِنِّي وإنك، فافْهمه؛ وقال: إِنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنا بَعْدَكم، فحَمَلْت بَرَّةَ واحْتَمَلت فَجارِ إنَّا تثنيةُ إِني فِي الْبَيْتِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَما قَوْلُهُمْ أَنا فَهُوَ اسمٌ مكنيٌّ، وَهُوَ للمتكَلِّم وحْدَه، وَإِنَّمَا يُبْنى عَلَى الْفَتْحِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَن الَّتِي هِيَ حرفٌ نَاصِبٌ لِلْفِعْلِ، والأَلفُ الأَخيرةُ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ، فَإِنْ وُسِّطت سَقَطت إِلَّا فِي لُغَةٍ رديئةٍ كَمَا قَالَ:
أَنا سَيْفُ العَشيرةِ، فاعْرفوني ... جَمِيعًا، قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
وَاعْلَمْ أَنه قَدْ يُوصل بِهَا تاءُ الْخِطَابِ فيَصيرانِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ أَن تَكُونَ مُضَافَةً إِلَيْهِ، تَقُولُ: أَنت، وَتَكْسِرُ للمؤَنث، وأَنْتُم وأَنْتُنَّ، وَقَدْ تدخلُ عَلَيْهِ كافُ التَّشْبِيهِ فَتَقُولُ: أَنتَ كأَنا وأَنا كأَنتَ؛ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ، وكافُ التَّشْبِيهِ لَا تتَّصِلُ بِالْمُضْمَرِ، وَإِنَّمَا تَتَّصِلُ بالمُظهر، تَقُولُ: أَنتَ كزيدٍ، وَلَا تَقُولُ: أَنت كِي، إِلَّا أَن الضَّمِيرَ المُنْفَصل عِنْدَهُمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ المُظْهَر، فَلِذَلِكَ حَسُنَ وفارقَ المُتَّصِل. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَنَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا وَقفْت أَلْحَقْتَ
__________
(1). الآية
(13/37)

أَلفاً لِلسُّكُوتِ، مَرْويّ عَنْ قُطْرُبٍ أَنه قَالَ: فِي أَنَ خمسُ لُغَاتٍ: أَنَ فعلتُ، وأَنا فعلْتُ، وآنَ فَعلتُ، وأَنْ فَعَلْتُ، وأَنَهْ فَعَلْتُ؛ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ جِنِّي، قَالَ: وَفِيهِ ضَعْفٌ كَمَا تَرَى، قَالَ ابْنُ جِنِّي: يَجُوزُ الْهَاءُ فِي أَنَهْ بَدَلًا مِنَ الأَلف فِي أَنا لأَن أَكثر الِاسْتِعْمَالِ إِنَّمَا هُوَ أَنا بالأَلف وَالْهَاءِ قِبَلَه، فَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الأَلف، وَيَجُوزُ أَن تَكُونَ الهاءُ أُلْحِقَتْ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ كَمَا أُلحقت الأَلف، وَلَا تَكُونُ بَدَلًا مِنْهَا بَلْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا كَالَّتِي فِي كتابِيَة وحسابِيَة، ورأَيت فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْمُحْكَمِ عَنِ الأَلف الَّتِي تَلْحَقُ فِي أَنا لِلسُّكُوتِ: وَقَدْ تحذفُ وإثباتُها أَحْسَنُ. وأَنْتَ: ضميرُ المخاطَب، الاسمُ أَنْ وَالتَّاءُ علامةُ المخاطَب، والأُنثى أَنْتِ، وَتَقُولُ فِي التَّثْنِيَةِ أَنْتُما، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَيْسَ بتثنيةِ أَنْتَ إِذْ لَوْ كَانَ تثنيتَه لَوَجَبَ أَن تَقُولَ فِي أَنْتَ أَنْتانِ، إِنَّمَا هُوَ اسمٌ مصوغٌ يَدُلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا صيغَ هَذَانِ وَهَاتَانِ وكُما مِنْ ضرَبْتُكما وهُما، يدلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَهُوَ غيرُ مُثَنًّى، عَلَى حَدِّ زَيْدٍ وَزَيْدَانِ. وَيُقَالُ: رَجُلٌ أُنَنَةٌ قُنَنَةٌ أَي بليغ.
أنبجن: فِي الْحَدِيثِ:
ائْتُوني بأَنْبِجانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: المحفوظُ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، يُقَالُ: كساءٌ أَنْبِجانيّ، مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبِج الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهِيَ مَكْسُورَةُ الْبَاءِ ففُتحَت فِي النَّسَبِ، وأُبدلت الميمُ هَمْزَةً، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَوْضِعٍ اسْمُهُ أَنْبِجان، قَالَ: وَهُوَ أَشبه لأَن الأَولَ فِيهِ تعسُّف، وَهُوَ كِساءٌ مِنَ الصُّوف لَهُ خَمَلٌ وَلَا علمَ لَهُ، وَهِيَ مِنْ أَدْوَنِ الثِّيَابِ الْغَلِيظَةِ، وَإِنَّمَا بَعثَ الخميصةَ إِلَى أَبي جَهْمٍ لأَنه كَانَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَمِيصَةً ذاتَ أَعلامٍ، فَلَمَّا شَغَلَتْه فِي الصَّلَاةِ قَالَ: رُدُّوها عَلَيْهِ وأْتُوني بأَنْبِجانيَّته، وَإِنَّمَا طَلَبها مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَثِّرَ رَدُّ الهديَّةِ فِي قلْبِه، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زائدةٌ، فِي قَوْلٍ.
أنتن: الأَزهري: سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي سُلَيم يَقُولُ كَمَا انْتني «2». يقولُ انْتَظِرْني فِي مكانك.
أهن: الإِهانُ: عُرْجُونُ الثَّمرةِ، وَالْجَمْعُ آهِنَة وأُهُنٌ. اللَّيْثُ: هُوَ العُرْجونُ، يَعْنِي مَا فَوْقَ الشَّمَارِيخِ، وَيُجْمَعُ أُهُناً، والعددُ ثلاثةُ آهِنةٍ؛ قَالَ الأَزهري: وأَنشدني أَعرابي:
مَنَحْتَني، يَا أَكرمَ الفِتْيان، ... جَبّارةً ليستْ مِنَ العَيْدان
حَتَّى إِذَا مَا قلتُ أَلآنَ الْآنْ، ... دَبَّ لَهَا أَسْودُ كالسِّرْحان،
بِمِخْلَبٍ، يَخْتَذِمُ الإِهان
وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ حَبْناء:
فَمَا بَيْنَ الرَّدَى والأَمْن إِلَّا ... كَمَا بينَ الإِهانِ إِلَى العَسِيب.
أون: الأَوْنُ: الدَّعَةُ والسكينةُ والرِّفْقُ. أُنْتُ بِالشَّيْءِ أَوْناً وأُنْتُ عَلَيْهِ، كِلَاهُمَا: رَفَقْت. وأُنْتُ فِي السَّيْرِ أَوْناً إِذَا اتّدَعْت وَلَمْ تَعْجَل. وأُنْتُ أَوْناً: تَرَفّهْت وتوَدَّعْت: وَبَيْنِي وَبَيْنَ مَكَّةَ عشرُ ليالٍ آيناتٌ أَي وادعاتٌ، الياءُ قَبْلَ النُّونِ. ابْنُ الأَعرابي: آنَ يَؤُونُ أَوْناً إِذَا اسْتَراحَ؛ وأَنشد:
غَيَّر، يَا بنتَ الحُلَيْسِ، لَوْني ... مَرُّ اللَّيالي، واخْتِلافُ الجَوْنِ،
وسَفَرٌ كانَ قليلَ الأَوْنِ
أَبو زَيْدٍ: أُنْتُ أَؤُونُ أَوْناً، وَهِيَ الرَّفاهية والدَّعَةُ، وَهُوَ آئنٌ مِثَالُ فاعِلٍ أَي وادعٌ رافِهٌ. وَيُقَالُ: أُنْ
__________
(2). قوله [كما انتني] هكذا بضبط الأَصل
(13/38)

عَلَى نَفْسِكَ أَي ارْفُقْ بِهَا فِي السَّيْرِ واتَّدِعْ، وَتَقُولُ لَهُ أَيضاً إِذَا طاشَ: أُنْ عَلَى نفسِك أَي اتَّدِعْ. وَيُقَالُ: أَوِّنْ عَلَى قَدْرِك أَي اتَّئِدْ عَلَى نحوِك، وَقَدْ أَوَّنَ تأْويناً. والأَوْنُ: المَشْيُ الرُّوَيْدُ، مُبَدَّلٌ مِنَ الهَوْنِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: أَوِّنُوا فِي سَيْرِكم أَي اقْتَصِدوا، مِنَ الأَوْنِ وَهُوَ الرِّفْقُ. وَقَدْ أَوَّنْتُ أَي اقْتَصَدْتُ. وَيُقَالُ: رِبْعٌ آئنٌ خيرٌ مِنْ عَبٍّ حَصْحاصٍ. وتأَوَّنَ فِي الأَمر: تَلَبَّث. والأَوْنُ: الإِعياءُ والتَّعَبُ كالأَيْنِ. والأَوْنُ: الجمَل. والأَوْنانِ: الخاصِرتان والعِدْلان يُعْكَمانِ وجانِبا الخُرج. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الأَوْنُ العِدْل والخُرْجُ يُجْعل فِيهِ الزادُ؛ وأَنشد:
وَلَا أَتَحَرَّى وُدَّ مَنْ لَا يَوَدُّني، ... وَلَا أَقْتَفي بالأَوْنِ دُونَ رَفِيقي
. وَفَسَّرَهُ ثَعْلَبُ بأَنه الرِّفْقُ والدَّعَةُ هُنَا. الْجَوْهَرِيُّ: الأَوْنُ أَحدُ جانِبَي الخُرج. وَهَذَا خُرْجٌ ذُو أَوْنَين: وَهُمَا كالعِدْلَيْنِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ وَهُوَ مِنْ أَبيات الْمَعَانِي:
وخَيْفاء أَلْقَى الليثُ فِيهَا ذِراعَه، ... فَسَرَّتْ وساءتْ كلَّ ماشٍ ومُصْرِمِ
تَمَشَّى بِهَا الدَّرْماءُ تَسْحَبُ قُصْبَها، ... كأَنْ بطنُ حُبْلى ذاتِ أَوْنَينِ مُتْئِمِ
. خَيْفاء: يَعْنِي أَرضاً مُخْتَلِفَةَ أَلوان النباتِ قَدْ مُطِرت بِنَوْءِ الأَسدِ، فسَرَّت مَنْ لَهُ ماشِيةٌ وساءَت مَنْ كَانَ مُصْرِماً لَا إبِلَ لَهُ، والدَّرْماءُ: الأَرْنَب، يَقُولُ: سَمِنَت حَتَّى سَحَبَت قُصْبَها كأَنّ بَطْنَها بطنُ حُبْلى مُتْئِمٍ. وَيُقَالُ: آنَ يَؤُونُ إِذَا اسْتَرَاحَ. وخُرْجٌ ذُو أَوْنَينِ إِذَا احْتَشى جَنْباه بالمَتاعِ. والأَوانُ: العِدْلُ. والأَوانانِ: العِدْلانِ كالأَوْنَينِ؛ قَالَ الرَّاعِي:
تَبِيتُ، ورِجْلاها أَوانانِ لاسْتِها، ... عَصاها اسْتُها حَتَّى يكلَّ قَعودُها
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ قِيلَ الأَوانُ عَمُودٌ مِنْ أَعْمِدة الخِباء. قَالَ الرَّاعِي: وأَنشد الْبَيْتَ، قَالَ الأَصمعي: أقامَ اسْتَها مُقامَ العَصا، تدفعُ البعيرَ باسْتِها لَيْسَ مَعَهَا عَصَا، فَهِيَ تُحرِّك اسْتَها عَلَى البعيرِ، فقولُه عَصَاهَا اسْتُها أَي تُحرِّك حِمارَها باسْتِها، وَقِيلَ: الأَوانانِ اللِّجامانِ، وَقِيلَ: إناءَانِ مَمْلُوءَانِ عَلَى الرَّحْل. وأَوَّنَ الرجلُ وتَأَوَّنَ: أَكَلَ وَشَرِبَ حَتَّى صَارَتْ خاصِرتاه كالأَوْنَيْنِ. ابْنُ الأَعرابي: شرِبَ حَتَّى أَوَّنَ وَحَتَّى عَدَّنَ وَحَتَّى كأَنَّه طِرافٌ. وأَوَّنَ الحِمارُ إِذَا أَكلَ وشربَ وامْتَلأَ بطنُه وامتدَّت خاصِرتاه فَصَارَ مِثْلَ الأَوْن. وأَوَّنَت الأَتانُ: أَقْرَبَت؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربَّ الفَلَقْ ... سِرّاً، وَقَدْ أَوَّنَ تأْوِينَ العُقُقْ
. التَّهْذِيبُ: وصفَ أُتُناً وَرَدَتِ الْمَاءَ فشَرِبت حَتَّى امتلأَت خَواصِرُها، فَصَارَ الماءُ مثلَ الأَوْنَيْنِ إِذَا عُدلا عَلَى الدَّابَّةِ. والتَّأَوُّنُ: امْتِلاءُ البَطْنِ، ويُريدُ جمعَ العَقوقِ، وَهِيَ الحاملُ مِثْلُ رَسُولٍ ورُسُل. والأَوْنُ: التَّكَلُّفُ للنَّفَقة. والمَؤُونة عِنْدَ أَبي عَلِيٍّ مَفْعُلةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنها فَعُولة مِنْ مأَنْت. والأَوانُ والإِوانُ: الحِينُ، وَلَمْ يُعلَّ الإِوانُ لأَنه لَيْسَ بِمَصْدَرٍ. اللَّيْثُ: الأَوانُ الحينُ والزمانُ، تَقُولُ: جَاءَ أَوانُ البَردِ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
هَذَا أَوانُ الجِدِّ إذْ جَدَّ عُمَرْ
(13/39)

الكسائي قَالَ: أَبو جَامِعٍ هَذَا إوانُ ذَلِكَ، والكلامُ الفتحُ أَوانٌ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَتَيتُه آئِنةً بَعْدَ آئنةٍ «1». بِمَعْنَى آوِنة؛ وأَما قَوْلُ أَبي زَيْدٍ:
طَلَبُوا صُلْحَنا، ولاتَ أَوانٍ، ... فأَجَبْنا: أَن لَيْسَ حينَ بَقَاءٍ
. فَإِنَّ أَبا الْعَبَّاسِ ذَهَبَ إِلَى أَن كسرة أَوان ليس إِعْرَابًا وَلَا عَلَماً لِلْجَرِّ، وَلَا أَن التَّنْوِينَ الَّذِي بَعْدَهَا هُوَ التَّابِعُ لِحَرَكَاتِ الإِعراب، وَإِنَّمَا تَقْدِيرُهُ أَنّ أَوانٍ بِمَنْزِلَةِ إِذْ فِي أَنَّ حُكْمَه أَن يُضاف إِلَى الْجُمْلَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ جِئْتُ أَوانَ قَامَ زَيْدٍ، وأَوانَ الحَجّاجُ أَميرٌ أَي إِذْ ذاكَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا حَذَفَ المضافَ إِلَيْهِ أَوانَ عَوّض مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ تَنْوِينًا، وَالنُّونُ عِنْدَهُ كَانَتْ فِي التَّقْدِيرِ سَاكِنَةً كَسُكُونِ ذَالِ إذْ، فَلَمَّا لَقِيها التنوينُ سَاكِنًا كُسِرت النُّونُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا كُسِرت الذالُ مِنْ إِذْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَجَمْعُ الأَوان آوِنةٌ مِثْلَ زَمَانٍ وأَزْمِنة، وأَما سِيبَوَيْهِ فَقَالَ: أَوان وأَوانات، جَمَعُوهُ بِالتَّاءِ حِينَ لَمْ يُكسَّر هَذَا عَلَى شُهْرةٍ آوِنةً، وَقَدْ آنَ يَئينُ؛ قال سِيبَوَيْهِ: هُوَ فَعَلَ يَفْعِل، يَحْمِله عَلَى الأَوان؛ والأَوْنُ الأَوان يُقَالُ: قَدْ آنَ أَوْنُك أَي أَوانك. قال يَعْقُوبُ: يُقَالُ فلانٌ يصنعُ ذَلِكَ الأَمر آوِنةً إِذَا كَانَ يَصْنعه مِرَارًا ويدَعه مِرَارًا؛ قَالَ أَبو زُبيد:
حَمّال أثقالِ أَهلِ الوُدِّ، آوِنةً، ... أُعْطِيهمُ الجَهْدَ مِنِّي، بَلْهَ مَا أَسَعُ
وَفِي الْحَدِيثِ:
مَرَّ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برجُل يَحْتَلِب شَاةً آوِنةً فَقَالَ دعْ داعِيَ اللَّبَنِ
؛ يَعْنِي أَنه يحْتَلِبها مَرَّةً بَعْدَ أُخرى، وَدَاعِيَ اللَّبَنِ هُوَ مَا يَتْرُكُهُ الحالبُ مِنْهُ فِي الضَّرْعِ وَلَا يَسْتَقْصيه لِيَجْتَمِعَ اللبنُ فِي الضَّرع إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّ آوِنة جَمْعُ أَوانٍ وَهُوَ الْحِينُ وَالزَّمَانُ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
هَذَا أَوانُ قطَعَتْ أَبْهَري.
والأَوانُ: السَّلاحِفُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، قَالَ: وَلَمْ أَسمع لَهَا بِوَاحِدٍ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
وبَيَّتُوا الأَوانَ فِي الطِّيّاتِ
الطِّيّات: المنازِلُ. والإِوانُ والإِيوانُ: الصُّفَّةُ الْعَظِيمَةُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: شِبْهُ أَزَجٍ غَيْرُ مسْدود الْوَجْهِ، وَهُوَ أَعجمي، وَمِنْهُ إيوانُ كِسْرى؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِيوَانُ كِسْرى ذِي القِرى والرَّيحان
. وَجَمَاعَةُ الإِوان أُوُنٌ مِثْلَ خِوان وخُوُن، وَجَمَاعَةُ الإِيوان أَواوِينُ وإيواناتٌ مِثْلَ دِيوان ودَواوين، لأَن أَصله إوّانٌ فأُبدل مِنْ إِحْدَى الواوَين يَاءٌ؛ وأَنشد:
شَطَّتْ نَوى مَنْ أَهْلُه بالإِيوان
. وجماعةُ إيوانِ اللِّجامِ إيواناتٌ. والإِوانُ: مِنْ أَعْمِدة الْخِبَاءِ؛ قَالَ: كلُّ شيءٍ عَمَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ إِوَانٌ لَهُ؛ وأَنشد بَيْتُ الرَّاعِي أَيضاً:
تبيتُ ورِجْلاها إِوانانِ لاسْتِها
. أَي رِجْلاها سَنَدان لاسْتها تَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا. والإِوانةُ: ركيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ؛ عَنِ الْهِجْرِيِّ، قَالَ: هِيَ بالعُرْف قُرْبٌ وَشْحى والوَرْكاء والدَّخول؛ وأَنشد:
فإنَّ عَلَى الإِوانةِ، مِنْ عُقَيْلٍ، ... فَتًى، كِلْتا اليَدَين لَهُ يَمينُ.
أين: آنَ الشيءُ أَيناً: حانَ، لُغَةٌ فِي أَنى، وَلَيْسَ بِمَقْلُوبٍ عَنْهُ لِوُجُودِ المصدر؛ وقال:
أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عمايَتي، ... وأُقْصِرَ عَنْ ليْلى؟ بَلى قَدْ أَنى لِيا
__________
(1). قوله [آئنة بعد آئنة] هكذا بالهمز في التكملة، وفي القاموس بالياء
(13/40)

فجاء باللغتين جميعاً. وقالوا: آنَ أَيْنُك وإينُك وَآنَ آنُك أَي حانَ حينُك، وآنَ لَكَ أَن تَفْعَلَ كَذَا يَئينُ أَيْناً؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ، أَي حانَ، مِثْلَ أَنى لَكَ، قَالَ: وَهُوَ مقلوبٌ مِنْهُ. وَقَالُوا: الْآنَ فَجَعَلُوهُ اسْمًا لِزَمَانِ الْحَالِ، ثُمَّ وَصَفُوا للتوسُّع فَقَالُوا: أَنا الآنَ أَفعل كَذَا وَكَذَا، والأَلف وَاللَّامَ فِيهِ زَائِدَةٌ لأَنَّ الاسمَ مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةٌ بِلَامٍ أُخرى مقدَّرة غَيْرِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ. ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ ابْنُ جِنِّي قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ
؛ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَن اللَّامَ فِي الْآنَ زَائِدَةٌ أَنها لَا تَخْلُو مِنْ أَن تكونَ لِلتَّعْرِيفِ كَمَا يظنُّ مخالفُنا، أَو تَكُونَ زَائِدَةٌ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ، فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنها لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ أَنَّا اعْتَبَرْنَا جميعَ مَا لامُه لِلتَّعْرِيفِ، فَإِذَا إسقاطُ لامِه جَائِزٌ فِيهِ، وَذَلِكَ نَحْوَ رَجُلٍ وَالرَّجُلِ وَغُلَامٍ وَالْغُلَامِ، وَلَمْ يَقُولُوا افْعَلْه آنَ كَمَا قَالُوا افعَلْه الآنَ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَن اللامَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ بَلْ هِيَ زَائِدَةٌ كَمَا يُزاد غيرُها مِنَ الْحُرُوفِ، قَالَ: فَإِذَا ثَبتَ أَنها زائدةٌ فَقَدْ وَجَبَ النظرُ فِيمَا يُعَرَّف بِهِ الْآنَ فَلَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَحد وُجُوهِ التَّعْرِيفِ الْخَمْسَةِ: إِمَّا لأَنه مِنَ الأَسماء المُضْمَرة أَو مِنَ الأَسماء الأَعلام، أَو مِنَ الأَسماء المُبْهَمة، أَو مِنَ الأَسماء الْمُضَافَةِ، أَوْ مِنَ الأَسماء المُعَرَّفة بِاللَّامِ، فمُحالٌ أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء الْمُضْمَرَةِ لأَنها مَعْرُوفَةٌ مَحْدُودَةٌ وَلَيْسَتِ الْآنَ كَذَلِكَ، ومُحالٌ أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء الأَعْلام لأَن تِلْكَ تخُصُّ الْوَاحِدَ بعَيْنه، وَالْآنَ تقعَ عَلَى كلِّ وقتٍ حَاضِرٍ لَا يَخُصُّ بعضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحدٌ إِنَّ الْآنَ مِنَ الأَسماء الأَعلام، ومُحالٌ أَيضاً أَنْ تَكُونَ مِنْ أَسماء الإِشارة لأَن جَمِيعَ أَسماء الإِشارة لَا تَجِدُ فِي واحدٍ مِنْهَا لامَ التَّعْرِيفِ، وَذَلِكَ نَحْوَ هَذَا وَهَذِهِ وَذَلِكَ وَتِلْكَ وَهَؤُلَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وذهب أَبو إسحق إِلَى أَن الْآنَ إِنَّمَا تَعَرُّفه بالإِشارة، وأَنه إِنَّمَا بُنِيَ لِمَا كَانَتِ الأَلف واللام فيه لغير عهد مُتَقَدِّمٍ، إِنَّمَا تقولُ الْآنَ كَذَا وَكَذَا لِمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَكَ مَعَهُ ذِكْر الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، فأَما فَسَادُ كَوْنِهِ مِنْ أَسماء الإِشارة فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكرُه، وأَما مَا اعْتَلَّ بِهِ مِنْ أَنه إِنَّمَا بُنيَ لأَن الأَلف واللام فيه لغير عهدٍ متقَدِّمٍ ففاسدٌ أَيضاً، لأَنا قَدْ نَجِدُ الأَلف وَاللَّامَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَسماء عَلَى غَيْرِ تقدُّم عهْد، وَتِلْكَ الأَسماء مَعَ كَوْنِ اللَّامِ فِيهَا مَعارف، وَذَلِكَ قَوْلُكَ يَا أَيها الرجلُ، ونظَرْتُ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: فَقَدْ بطلَ بِمَا ذكَرْنا أَن يَكُونَ الآنَ مِنَ الأَسماء الْمُشَارِ بِهَا، ومحالٌ أَيضاً أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء المتعَرِّفة بالإِضافة لأَننا لَا نُشَاهِدُ بَعْدَهُ اسْمًا هُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، فَإِذَا بَطَلَت واسْتَحالت الأَوجه الأَربعة المقَدَّم ذكرُها لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَن يَكُونَ معرَّفاً بِاللَّامِ نَحْوَ الرَّجُلِ وَالْغُلَامِ، وَقَدْ دَلَّتِ الدلالةُ عَلَى أَن الْآنَ لَيْسَ مُعَرَّفاً بِاللَّامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فِيهِ، لأَنه لَوْ كَانَ مَعرَّفاً بِهَا لجازَ سُقوطُها مِنْهُ، فلزومُ هَذِهِ اللَّامِ لِلْآنَ دليلٌ عَلَى أَنها لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ، وَإِذَا كَانَ مُعَرَّفاً بِاللَّامِ لَا محالَةَ، واستَحال أَن تكونَ اللَّامُ فِيهِ هِيَ الَّتِي عَرَّفَتْه، وَجَبَ أَن يَكُونَ مُعَرَّفاً بِلَامٍ أُخرى غَيْرِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَمْسِ فِي أَنه تَعَرَّف بِلَامٍ مُرَادَّةٍ، وَالْقَوْلُ فِيهِمَا واحدٌ، وَلِذَلِكَ بُنِيَا لتضمُّنهما مَعْنَى حَرْفِ التَّعْرِيفِ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا رأْيُ أَبي عَلِيٍّ وَعَنْهُ أَخَذْتُه، وَهُوَ الصوابُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَالُوا الْآنَ آنُكَ، كَذَا قرأْناه فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ بِنَصْبِ الآنَ ورفعِ آنُك، وَكَذَا الآنَ حدُّ الزمانَيْن، هَكَذَا قرأْناه أَيضاً بِالنَّصْبِ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: اللَّامُ فِي قَوْلِهِمُ الآنَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي قَوْلِكَ الرجلُ أَفضلُ مِنَ المرأَة
(13/41)

أَي هَذَا الجنسُ أَفضلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَكَذَلِكَ الْآنَ، إِذَا رَفَعَه جَعَلَه جنسَ هَذَا المُسْتَعْمَلِ فِي قَوْلِهِمْ كنتُ الْآنَ عِنْدَهُ، فَهَذَا مَعْنَى كُنتُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْحَاضِرِ بعْضُه، وَقَدْ تَصَرَّمَتْ أَجزاءٌ مِنْهُ عِنْدَهُ، وبُنيت الْآنَ لتَضَمُّنها مَعْنَى الْحَرْفِ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَتَيْتُه آئِنَةً بَعْدَ آئِنَةٍ بِمَعْنَى آوِنةٍ. الْجَوْهَرِيُّ: الْآنَ اسمٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي أَنت فِيهِ، وَهُوَ ظَرْف غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وَقَع مَعْرِفةً وَلِمَ تدخُل عَلَيْهِ الأَلفُ واللامُ لِلتَّعْرِيفِ، لأَنَّه لَيْس لَهُ مَا يَشْرَكُه، وربَّما فَتَحوا اللامَ وحَذَفوا الهمْزَتَيْنِ؛ وأَنشد الأَخفش:
وَقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حُبَّ سَمْراءَ حِقْبَةً، ... فَبُحْ، لانَ منْها، بِالَّذِي أَنتَ بائِحُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قولُه حَذَفوا الهمزَتَين يَعْنِي الهمزةَ الَّتِي بَعْد اللامِ نَقَلَ حَرَكَتَهَا عَلَى اللامِ وحَذَفها، ولمَّا تَحَرَّكَت اللامُ سَقَطَتْ همزةُ الوَصْلِ الداخلةُ على اللام؛ وقال جَرِيرٌ:
أَلانَ وَقَدْ نَزَعْت إِلَى نُمَيْرٍ، ... فَهَذَا حينَ صِرْت لَهُمْ عَذابا
. قَالَ: ومثْلُ البيتِ الأَوَّل قولُ الآخَر:
أَلا يَا هِنْدُ، هِنْدَ بَني عُمَيْرٍ، ... أَرَثٌّ، لانَ، وَصْلُكِ أَم حَديدُ؟
وَقَالَ أَبو المِنْهالِ:
حَدَبْدَبَى بَدَبْدَبَى منْكُمْ، لانْ، ... إنَّ بَني فَزارَةَ بنِ ذُبيانْ
قَدْ طرقَتْ ناقَتُهُمْ بإنْسانْ ... مُشَنَّإٍ، سُبْحان رَبِّي الرحمنْ
أَنا أَبو المِنْهالِ بَعْضَ الأَحْيانْ، ... لَيْسَ عليَّ حَسَبي بِضُؤْلانْ
. التَّهْذِيبُ: الْفَرَّاءُ الْآنَ حرفٌ بُنِيَ عَلَى الأَلف وَاللَّامِ وَلَمْ يُخْلَعا مِنْهُ، وتُرِك عَلَى مَذْهَب الصفةِ لأَنَّه صفةٌ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ كَمَا رأَيتهم فَعَلوا بِالَّذِي وَالَّذِينَ، فَتَرَكوهما عَلَى مَذْهَبِ الأَداةِ والأَلفُ واللامُ لَهُمَا غَيْرُ مفارِقَةٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فإِن الأُلاء يَعْلَمُونَكَ مِنْهُمْ، ... كَعِلْمِ مَظْنُولٍ مَا دُمْتَ أَشعرا «2»
. فأَدْخلَ الأَلف وَاللَّامَ عَلَى أُولاء، ثُمَّ تَرَكَها مَخْفُوضَةً فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَن تدخُلَها الأَلف وَاللَّامُ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
وإنِّي حُبِسْتُ اليومَ والأَمْسِ قَبْلَه ... بِبابِكَ، حَتَّى كادَتِ الشمسُ تَغْربُ
فأَدخَلَ الأَلفَ وَاللَّامَ عَلَى أَمْسِ ثُمَّ تَرَكَهُ مَخْفُوضًا عَلَى جِهَةِ الأُلاء؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
وجُنَّ الخازِبازِ بِهِ جُنوناً
فمثلُ الْآنَ بأَنها كَانَتْ مَنْصُوبَةً قَبْلَ أَن تُدْخِلَ عَلَيْهَا الأَلفَ وَاللَّامَ، ثُمَّ أَدْخَلْتَهما فَلَمْ يُغَيِّراها، قَالَ: وأَصلُ الْآنَ إِنَّمَا كَانَ أَوَان، فحُذِفَت مِنْهَا الأَلف وغُيِّرت واوُها إِلَى الأَلف كَمَا قَالُوا فِي الرَّاحِ الرَّياح؛ قَالَ أَنشد أَبو القَمْقام:
كأَنَّ مكاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةً، ... نَشاوَى تَساقَوْا بالرَّياحِ المُفَلْفَلِ
فَجَعَلَ الرَّياحَ والأَوانَ مرَّة عَلَى جِهَةٍ فَعَلٍ، وَمَرَّةً عَلَى جِهَةِ فَعالٍ، كَمَا قَالُوا زَمَن وزَمان، قَالُوا: وَإِنْ شِئْتَ جعلتَ الْآنَ أَصلها مِنْ قولِه آنَ لَكَ أَن تفعلَ، أَدخَلْتَ عَلَيْهَا الأَلفَ وَاللَّامَ ثُمَّ تركتَها عَلَى مَذْهَبِ فَعَلَ، فأَتاها النصبُ مِنْ نَصْبِ فعَل، وهو وجهٌ
__________
(2). قوله [فان الألاء إلخ] هكذا في الأَصل
(13/42)

جَيِّدٌ كَمَا قَالُوا:
نَهى رسولُ اللَّهِ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قِيلَ وقالَ
، فَكَانَتَا كَالِاسْمَيْنِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَلَوْ خَفَضْتَهما عَلَى أَنهما أُخْرِجتا مِنْ نِيَّةِ الْفِعْلِ إِلَى نِيَّةِ الأَسماء كَانَ صَوَابًا؛ قَالَ الأَزهري: سَمِعْتُ الْعَرَبَ يَقُولُونَ: مِنْ شُبَّ إِلَى دُبَّ، وبعضٌ: مِنْ شُبٍّ إِلَى دُبٍّ، وَمَعْنَاهُ فعَل مُذْ كَانَ صَغِيرًا إِلَى أَن دَبّ كَبِيرًا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْآنَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، تَقُولُ نحنُ مِنَ الآنَ نَصِيرُ إِلَيْكَ، فَتُفْتَحُ الآنَ لأَنَّ الأَلفَ وَاللَّامَ إِنَّمَا يدخُلانِ لعَهْدٍ، والآنَ لَمْ تعْهَدْه قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ، فَدَخَلَتِ الأَلف وَاللَّامُ للإِشارة إِلَى الْوَقْتِ، وَالْمَعْنَى نحنُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ نفعلُ؛ فَلَمَّا تضمَّنَت مَعْنًى هَذَا وجَب أَن تَكُونَ مَوْقُوفَةً، ففُتِحَت لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُمَا الأَلف وَالنُّونُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَنكر الزجاجُ مَا قَالَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الآنَ إِنَّمَا كَانَ فِي الأَصل آنَ، وأَن الأَلف وَاللَّامَ دَخَلَتَا عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ قَامَ، إِذَا سَمَّيْتَ بِهِ شَيْئًا، فجعلتَه مَبْنِيًّا عَلَى الْفَتْحِ لَمْ تدخُلْه الأَلفُ وَاللَّامُ، وَذَكَرَ قولَ الْخَلِيلِ: الآنَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ
؛ فِيهِ ثلاثُ لُغاتٍ: قالُوا الْآنَ
، بِالْهَمْزِ وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ،
وَقَالُوا أَلانَ
، مُتَحَرِّكَةُ اللَّامِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وتُفْصَل، قَالُوا مِنْ لانَ، وَلُغَةٌ ثَالِثَةٌ
قَالُوا لانَ جئتَ بِالْحَقِّ
، قَالَ: والآنَ منصوبةُ النُّونِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا حرفٌ خافضٌ كَقَوْلِكَ مِنَ الآنَ، وَذَكَرَ ابْنُ الأَنباري الْآنَ فَقَالَ: وانتصابُ الْآنَ بِالْمُضْمَرِ، وعلامةُ النَّصْبِ فِيهِ فتحُ النُّونِ، وأَصلُه الأَوانُ فأُسقِطَت الأَلف الَّتِي بَعُدَ الْوَاوِ وجُعِلَت الواوُ أَلفاً لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، قَالَ: وَقِيلَ أَصله آنَ لَكَ أَن تفعلَ، فسُمِّي الوقتُ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وتُرِك آخرُه عَلَى الْفَتْحِ، قَالَ: وَيُقَالُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنا لَا أُكلِّمُك مِنَ الآنَ يَا هَذَا، وَعَلَى الْجَوَابِ الأَول مِنَ الآنِ؛ وأَنشد ابْنُ صَخْرٍ:
كأَنهما ملآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا، ... وَقَدْ مَرَّ للدارَين مِن بعدِنا عَصْرُ
وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: هَذَا أَوانُ الآنَ تَعْلم، وَمَا جئتُ إلَّا أَوانَ الآنَ أَي مَا جِئْتُ إِلَّا الْآنَ، بِنَصْبِ الْآنَ فِيهِمَا.
وسأَل رجلٌ ابنَ عُمَرَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: أَنشُدك اللهَ هَلْ تعْلم أَنه فرَّ يَوْمَ أُحُد وَغَابَ عَنْ بدرٍ وَعَنْ بَيْعةِ الرِّضْوَانِ؟ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: أَما فِرارُه يَوْمَ أُحُد فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وأَما غَيْبَتُه عَنْ بدرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ بنتُ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً وَذَكَرَ عُذْرَه فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: اذهبْ بِهَذِهِ تَلآنَ مَعَك
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأُمَويّ قَوْلُهُ تَلآنَ يُرِيدُ الْآنَ، وَهِيَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يَزِيدُونَ التاءَ فِي الْآنِ وَفِي حينٍ وَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَةَ الأُولى، يُقَالُ: تَلآن وتَحين؛ قَالَ أَبو وَجْزَةَ:
العاطِفون تحينَ مَا مِنْ عاطِفٍ، ... والمُطْعِمونَ زمانَ مَا مِنْ مُطْعِم
. وَقَالَ آخَرُ:
وصَلَّيْنا كَمَا زَعَمَت تَلانا
. قَالَ: وَكَانَ الْكِسَائِيُّ والأَحمر وغيرُهما يَذْهَبُونَ إِلَى أَن الرِّوَايَةَ العاطفونَة فَيَقُولُ: جَعَلَ الْهَاءَ صِلَةً وَهُوَ وَسَطُ الْكَلَامِ، وَهَذَا لَيْسَ يُوجد إِلَّا عَلَى السَّكْتِ، قَالَ: فحَدَّثتُ بِهِ الأُمَويَّ فأَنكره، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهُوَ عِنْدِي عَلَى مَا قَالَ الأُمَويُّ وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ احْتَجَّ
(13/43)

بالكتاب فِي قَوْلِهِ: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، لأَن التَّاءَ منفصلةٌ مِنْ حِينٍ لأَنهم كَتَبُوا مِثْلَهَا مُنْفَصِلًا أَيضاً مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يُفْصَل كقوله: يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ، واللامُ مُنْفَصِلَةٌ مِنْ هَذَا. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالنَّحْوِيُّونَ عَلَى أَن التَّاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلاتَ حِينَ فِي الأَصل هاءٌ، وَإِنَّمَا هِيَ وَلاهْ فَصَارَتْ تَاءً للمرورِ عَلَيْهَا كالتاءَاتِ المؤَنثة، وأَقاوِيلُهم مَذْكُورَةٌ فِي تَرْجَمَةٍ لَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ مَرَرْتُ بزيدِ اللَّانَ، ثقَّلَ اللامَ وَكَسَرَ الدَّالَّ وأَدْغم التَّنْوِينَ فِي اللَّامِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ
أَبي ذَرٍّ: أَما آنَ لِلرَّجُلِ أَن يَعْرف مَنزِله
أَي أَما حانَ وقرُبَ، تَقُولُ مِنْهُ: آنَ يَئينُ أَيْناً، وَهُوَ مِثْلُ أَنَى يَأْني أَناً، مقلوبٌ مِنْهُ. وآنَ أَيْناً: أَعيا. أَبو زَيْدٍ: الأَيْنُ الإِعْياء وَالتَّعَبُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: لَا يُبْنى مِنْهُ فِعْلٌ وَقَدْ خُولِفَ فِيهِ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: لَا فِعْل لِلأَين الَّذِي هُوَ الإِعياء. ابْنُ الأَعرابي: آنَ يَئِينُ أَيْناً مِنَ الإِعياء؛ وأَنشد:
إنَّا ورَبِّ القُلُص الضَّوامِرِ
إِنَّا أَي أَعْيَينا. اللَّيْثُ: وَلَا يشتَقُّ مِنْهُ فِعْل إلَّا فِي الشِّعْر؛ وَفِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
فِيهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقالٌ وتَبْغيلُ
الأَيْنُ: الإِعياء وَالتَّعَبُ. ابْنُ السِّكِّيتِ: الأَيْنُ والأَيْمُ الذَّكَر مِنَ الْحَيَّاتِ، وَقِيلَ: الأَينُ الحيَّةُ مِثْلَ الأَيمِ، نُونُهُ بدلٌ مِنَ اللَّامِ. قَالَ أَبو خَيْرَةَ: الأُيونُ والأُيومُ جَمَاعَةٌ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: والأَينُ والأَيم أَيضاً الرَّجُلُ والحِمل. وأَيْنَ: سُؤَالٌ عَنْ مكانٍ، وَهِيَ مُغْنية عَنِ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَالتَّطْوِيلِ، وَذَلِكَ أَنك إِذَا قُلْتَ أَيْنَ بَيْتُك أَغناك ذَلِكَ عَنْ ذِكْر الأَماكن كُلِّهَا، وَهُوَ اسمٌ لأَنك تَقُولُ مِنْ أَينَ؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هِيَ مُؤَنثة وَإِنْ شِئْتَ ذكَّرْت، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا جَعَلَهُ الكتابُ اسْمًا مِنَ الأَدوات والصِّفات، التأْنيثُ فِيهِ أَعْرَفُ والتذكيرُ جائز؛ فأَما قَوْلُ حُمَيد بْنِ ثَوْرٍ الْهِلَالِيِّ:
وأَسماء، مَا أَسماءُ لَيْلَةَ أَدْلَجَتْ ... إِلَيَّ، وأَصحابي بأَيْنَ وأَيْنَما
. فَإِنَّهُ جَعَلَ أَينَ عَلَمًا للبُقْعة مُجَرَّدًا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، فمنَعَها الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والتأْنيث كأُنَى، فتكونُ الفتحةُ فِي آخِرِ أَين عَلَى هَذَا فتحةَ الجرِّ وَإِعْرَابًا مِثْلَهَا فِي مررْتُ بأَحْمَدَ، وَتَكُونُ مَا عَلَى هَذَا زَائِدَةً وأَينَ وَحْدَهَا هِيَ الِاسْمُ، فَهَذَا وجهٌ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ ركَّب أَينَ مَعَ مَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَتَحَ الأُولى مِنْهَا كَفَتْحَةِ الْيَاءِ مِنْ حَيَّهَلْ لَمَّا ضُمَّ حَيَّ إِلَى هَلْ، والفتحةُ فِي النُّونِ عَلَى هَذَا حادثةٌ لِلتَّرْكِيبِ وَلَيْسَتْ بِالَّتِي كَانَتْ فِي أَيْنَ، وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ، لأَن حَرَكَةَ التَّرْكِيبِ خَلَفَتْها ونابَتْ عَنْهَا، وَإِذَا كَانَتْ فتحةُ التَّرْكِيبِ تؤَثر فِي حَرَكَةِ الإِعراب فتزيلُها إِلَيْهَا نَحْوَ قَوْلِكَ هَذِهِ خمسةٌ، فتُعْرِب ثُمَّ تَقُولُ هَذِهِ خمْسةَ عشَر فتخلُف فتحةُ التَّرْكِيبِ ضمةَ الإِعراب عَلَى قُوَّةِ حَرَكَةِ الإِعراب، كَانَ إبدالُ حَرَكَةِ الْبِنَاءِ مِنْ حَرَكَةِ الْبِنَاءِ أَحرى بِالْجَوَازِ وأَقرَبَ فِي الْقِيَاسِ. الْجَوْهَرِيُّ: إِذَا قلتَ أَين زَيْدٌ فَإِنَّمَا تسأَلُ عَنْ مَكَانِهِ. اللَّيْثُ: الأَينُ وقتٌ مِنَ الأَمْكِنة «1». تَقُولُ: أَينَ فلانٌ فَيَكُونُ مُنْتَصِبًا فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا مَا لَمْ تَدْخُلْه الأَلف وَاللَّامُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَينَ وَكَيْفَ حَرْفَانِ يُسْتَفْهَم بِهِمَا، وَكَانَ حقُّهما أَن يَكُونَا مَوْقوفَين، فحُرِّكا لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ ونُصِبا وَلَمْ يُخْفَضا مِنْ أَجل الْيَاءِ، لأَن الْكَسْرَةَ مَعَ الْيَاءِ تَثْقُل والفتحةُ أَخفُّ. وقال الأَخفش
__________
(1). قوله [الأَين وَقْتٌ مِنَ الأَمكنة] كذا بالأَصل
(13/44)

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى، فِي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ
أَينَ أَتى
، قَالَ: وَتَقُولُ العرب جئتُك مِنْ أَينَ لَا تَعْلَم؛ قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: أَما مَا حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ جئتُك مِنْ أَين لَا تعْلم فَإِنَّمَا هُوَ جَوَابُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَمَ، كَمَا يَقُولُ قَائِلٌ أَينَ الماءُ والعُشْب. وَفِي حَدِيثِ خُطْبَةِ الْعِيدِ:
قَالَ أَبو سَعِيدٍ وَقَلْتُ أَيْنَ الابتداءُ بِالصَّلَاةِ أَي أَينَ تذْهَب، ثُمَّ قَالَ: الابْتِداءُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
أَين الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ
أَي أَينَ يَذْهَبُ الإِبتداءُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: والأَول أَقوى. وأَيّانَ: مَعْنَاهُ أَيُّ حينٍ، وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ زمانٍ مِثْلَ مَتَى. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَيَّانَ مُرْساها*
. ابْنُ سِيدَهْ: أَيَّان بِمَعْنَى مَتى فَيَنْبَغِي أَن تَكُونَ شَرْطًا، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَصحابنا فِي الظُّرُوفِ الْمَشْرُوطِ بِهَا نَحْوَ مَتى وأَينَ وأَيٌّ وحِينَ، هذا هُوَ الْوَجْهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَن يَكُونَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا صَحِيحًا كإِذا فِي غَالِبِ الأَمر؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ يَهْجُو امرأَة شبَّه حِرَها بفُوق السَّهْمِ:
نفاثِيّة أَيّانَ مَا شاءَ أَهلُها، ... رَوِي فُوقُها فِي الحُصِّ لَمْ يَتَغَيّب
. وَحَكَى الزَّجَّاجُ فِيهِ إيَّانَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ*
؛ أَي لَا يَعْلَمُونَ مَتَى البَعْث؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: قرأَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمي إيّانَ يُبْعَثون، بِكَسْرِ الأَلف، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ مَتَى إوانُ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ أَوان. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَلَا يَجُوزُ أَن تقولَ أَيّانَ فَعَلْتَ هَذَا. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
، لَا يَكُونُ إِلَّا اسْتِفْهَامًا عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَجِئْ. والأَيْنُ: شجرٌ حِجَازِيٌّ، وَاحِدَتُهُ أَينةٌ؛ قَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
تذَكَّرْتُ صَخْراً، أَنْ تَغَنَّتْ حمامةٌ ... هَتُوفٌ عَلَى غُصنٍ مِنَ الأَيْنِ تَسْجَعُ
والأَواينُ: بَلَدٌ؛ قَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الهُذليّ:
هَيْهاتَ ناسٌ مِنْ أُناسٍ ديارُهم ... دُفاقٌ، ودارُ الآخَرينَ الأَوايِنُ
قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ وَاوًا.

فصل الباء الموحدة
ببن: التَّهْذِيبِ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لأُلْحِقَنَّ آخِرَ النَّاسِ بأَوَّلهم حَتَّى يَكُونُوا بَبّاناً وَاحِدًا
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ ابْنُ مَهديّ يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا، قَالَ: وَذَلِكَ الَّذِي أَرادَ عمرُ، قَالَ: وَلَا أَحسب الْكَلِمَةَ عَرَبِيَّةً وَلَمْ أَسمعها إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: بَبّانٌ هُوَ فَعّالٌ لَا فَعْلانٌ، قَالَ: وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا أَبو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ، قَالَ: وَلَمْ تُحْمل الْكَلِمَةُ عَلَى أَن فاءَها وعينَها ولامَها مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلٍ بَبَبَ. النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ أَيضاً: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبّاناً وَاحِدًا مَا فُتِحَت عَلَيَّ قريةٌ إِلَّا قَسَمْتُها
أَي أَتركُهم شَيْئًا وَاحِدًا، لأَنَّه إِذَا قَسَمَ البلادَ المفتوحةَ عَلَى الغانِمينَ بقيَ مَنْ لَمْ يحضُر الغنيمةَ، وَمَنْ يَجِيء بعدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ تَرَكَهَا لِتَكُونَ بَيْنَهُمْ جَمِيعِهِمْ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَا أَحسبه عَرَبِيًّا، وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ الضَّرير: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بَبّان، قَالَ: والصحيحُ عِنْدَنَا بَيّاناً وَاحِدًا، قَالَ: والعربُ إِذَا ذَكَرت مَنْ لَا يُعْرف قَالُوا هَذَا هَيَّانُ بْنُ بَيّان، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لأُسَوِّيَنَّ بَيْنَهُمْ فِي العَطاء حَتَّى يَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَضْلَ لأَحدٍ عَلَى غَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: قَالَ الأَزهري
(13/45)

لَيْسَ الأَمرُ كَمَا ظنَّ، قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ أَهْلُ الإِتقان، وكأَنَّها لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ وَلَمْ تَفْشُ فِي كَلَامِ مَعدٍّ، وَهُوَ البأْجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: الكواكبُ الْبَابَانِيَاتُ هِيَ الَّتِي لَا يَنْزِل بِهَا شمسٌ وَلَا قمرٌ، إنَّما يُهْتَدى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ، ومهبُّ الشَّمالِ مِنْهَا، أَولُها الْقُطْبُ، وَهُوَ كوكبٌ لَا يزولُ، والجَدْيُ والفَرْقَدان، وَهُوَ بَيْنَ الْقُطْبِ «1». وَفِيهِ بناتُ نَعْشٍ الصُّغْرى.
بثن: البَثْنَةُ والبِثْنَةُ: الأَرضُ السَّهْلَةُ اللَّينة، وَقِيلَ: الرَّملة، وَالْفَتْحُ أَعلى؛ وأَنشد ابْنُ بَري لِجَمِيلٍ:
بَدَتْ بَدْوةً لمَّا اسْتَقَلَّت حُمولُها ... بِبَثْنةَ، بَيْنَ الجُرْفِ وَالْحَاجِّ والنُّجْلِ
. وَبِهَا سُمِّيَتِ المرأَة بَثْنة، وَبِتَصْغِيرِهَا سُمِّيَتْ بُثَيْنة. والبَثَنِيّةُ: الزُّبْدةُ. والبَثَنِيَّةُ: ضَرْبٌ مِنَ الْحِنْطَةِ. والبَثَنِيَّةُ: بلادٌ بالشأْم. وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لمَّا عَزَلَه عمرُ عَنِ الشَّامِ حِينَ خطَبَ الناسَ فَقَالَ: إنَّ عُمَر اسْتَعْمَلني عَلَى الشَّامِ وَهُوَ لَهُ مُهِمٌّ، فَلَمَّا أَلْقَى الشامُ بَوانِيَه وصارَ بَثَنِيَّةً وَعَسَلًا عزَلني وَاسْتَعْمَلَ غَيْرِي؛ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ البَثَنِيَّة حِنْطَةٌ منسوبةٌ إِلَى بَلْدَةٍ معروفةٍ بِالشَّامِ مِنْ أَرض دِمَشق، قَالَ ابْنُ الأَثير: وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ رُسْتاقِ دِمشق يُقال لَهَا البَثَنِيَّة، وَالْآخِرُ أَنه أَراد البَثَنِيَّة النَّاعِمَةَ مِنَ الرَّمْلَةِ اللَّينة يُقَالُ لَهَا بَثْنة، وَتَصْغِيرُهَا بُثَيْنَة، فأَراد خالدٌ أَن الشأْم لمَّا سَكَنَ وَذَهَبَتْ شَوْكَتُه، وَصَارَ لَيِّنًا لَا مكْروهَ فِيهِ، خِصْباً كالحِنْطة والعسلِ، عَزَلَنِي، قَالَ: والبَثْنةُ الزُّبْدة النَّاعِمَةُ أَي لَمَّا صَارَ زُبْدة نَاعِمَةً وَعَسَلًا صِرْفَيْن لأَنها صَارَتْ تُجْبَى أَموالها مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن يَكُونَ بُثَيْنةُ اسْمَ المرأَة تصغيرَها أَعني الزُّبْدَةَ فَقَالَ جَمِيلٌ:
أُحِبُّكَ أَنْ نَزَلْتَ جِبال حِسْمَى، ... وأَنْ ناسَبْتَ بَثْنةَ مِنْ قريبٍ «2»
. البَثْنةُ هَاهُنَا: الزبدةُ. والبَثْنةُ: النَّعْمةُ فِي النِّعْمةِ. والبَثْنَةُ: الرَّملةُ اللَّيِّنة. والبَثْنةُ: المرأَةُ الحَسْناء الْبَضَّةُ؛ قَالَ الأَزهري: قرأْتُ بِخَطِّ شَمِرٌ وَتَقْيِيدُهُ: البِثْنة، بِكَسْرِ الْبَاءِ، الأَرض اللَّيِّنَةُ، وجمعُها بِثَنٌ؛ وَيُقَالُ: هِيَ الأَرض الطَّيِّبَةُ، وَقِيلَ: البُثُنُ الرِّيَاضُ؛ وأَنشد قَوْلَ الْكُمَيْتِ:
مباؤكَ فِي البُثُنِ النَّاعِمَاْتِ ... عَيْناً، إِذَا رَوَّحَ المؤْصِل
يَقُولُ: رِياضُك تَنْعَمُ أَعْيُنَ الناسِ أَي تُقِرُّ عيونَهم إِذَا أَراحَ الرَّاعِي نَعَمَه أَصيلًا، والمَباءُ والمَباءةُ: المنزلُ. قَالَ الْغَنَوِيُّ: بَثَنِيَّةُ الشَّامِ حنطةٌ أَو حَبَّةٌ مُدَحْرجَةٌ، قَالَ: وَلَمْ أَجد حَبّةً أَفضلَ مِنْهَا؛ وَقَالَ ابْنُ رُوَيشد الثَّقَفِيُّ:
فأَدْخَلْتُها لَا حِنْطةً بَثَنِيَّةً ... تُقَابِلُ أَطْرافَ البيوتِ، وَلَا حُرْفا
قَالَ: بَثَنِيّة منسوبةٌ إِلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِ بَيْنَ دِمَشْقَ وأَذْرِعات، وَقَالَ أَبو الْغَوْثِ: كلُّ حِنْطَةٍ تَنْبُت فِي الأَرض السَّهْلة فَهِيَ بَثَنيَّة خِلَافَ الجبَليَّة، فَجَعَلَهُ مِنَ الأَول.
بحن: بَحْنةُ: نخلةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَبَنَاتُ بَحْنَةَ: ضربٌ مِنَ النَّخْلِ طِوالٌ، وَبِهَا سمِّي ابنُ بُحَينة. وابنُ بَحْنَة: السوطُ تَشْبيهاً بِذَلِكَ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: قِيلَ لِلسَّوْطِ ابنُ بَحْنةَ لأَنه يُسَوّى مِنْ قُلوس الْعَرَاجِينِ. وبَحْنَةُ: اسمُ امرأَةٍ نُسِبَ إِلَيْهَا نَخْلاتٌ كُنَّ عِنْدَ بَيْتِهَا كَانَتْ تَقُولُ: هُنَّ بَنَاتِي، فَقِيلَ: بناتُ بَحْنةَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حَكَى أَبو سهل عن التميمي
__________
(1). قوله [وهو بين القطب] كذا في الأَصل
(2). هنا جميل يخاطب أخا بثينة لا بثينة نفسها
(13/46)

فِي قَوْلِهِمْ بِنْتُ بحْنة أَن البَحْنة نَخْلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ، وَبِهَا سُمِّيَتِ المرأَة بَحْنة، وَالْجَمْعُ بَنَاتُ بَحْنٍ. الْمُحْكَمُ: وبَحْنةُ وبُحَيْنَةُ اسمُ امرأَتين؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والبَحْونُ: رملٌ متراكبٌ؛ قَالَ:
مِنْ رَمْلِ تُرْنَى ذِي الرُّكامِ البَحْون
وَرَجُلٌ بَحْوَنٌ وبَحْوَنةٌ: عظيمُ الْبَطْنِ. والبَحْوَنةُ: القِرْبةُ الواسعةُ الْبَطْنِ؛ أَنشد ابْنَ بَرِّيٍّ للأَسود بْنِ يَعْفُر:
جَذْلان يَسَّرَ جُلَّةً مَكْنُوزَةً، ... حَبْناءَ بَحْوَنةً ووَطْباً مِجْزَما «3»
. أَبو عَمْرٍو: البَحْنانةُ الجُلَّة العظيمةُ البَحْرانية الَّتِي يُحْملُ فِيهَا الكَنْعَد المالحُ، وَهِيَ البَحْوَنةُ أَيضاً، وَيُقَالُ للجُلَّة الْعَظِيمَةِ البَحْناء. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا كَانَ يومُ الْقِيَامَةِ تخرجُ بَحْنانةٌ مِنْ جَهَنَّمَ فتلْقُطُ الْمُنَافِقِينَ لَقْطَ الحَمامةِ القِرْطِمَ
؛ البَحْنانةُ: الشرارةُ مِنَ النَّارِ. ودلْوٌ بَحْوَنيٌّ: عظيمٌ كثيرُ الأَخْذِ لِلْمَاءِ. وجُلَّة بَحْوَنةٌ: عظيمةٌ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ. والبَحْوَنُ: ضربٌ مِنَ التَّمْرِ؛ حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: فَلَا أَدري مَا حقيقتُه. وبَحْوَن وبَحْوَنةُ: اسمان.
بخن: رَجُلٌ بَخْنٌ: طويلٌ مِثْلُ مَخْن؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه بَدَلًا. ابْنُ بَرِّيٍّ: بَخَنَ، فَهُوَ باخِنٌ، طَالَ؛: قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي باخِنٍ منْ نهارِ الصَّيْفِ مُحْتَدِم
التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا تمدَّدَت لِلْحَالِبِ قَدِ ابْخَأَنَّت، وَيُقَالُ لِلْمَيِّتِ أَيضاً ابْخَأَنَّ؛ قَالَ الرَّاجِزُ فَتَرَكَ الهمزة:
مُرِبَّة [مُرَبَّة] بالنَّقْرِ والإِبْساسِ، ... ولابْخِنانِ الدَّرِّ والنُّعاسِ
يُقَالُ: قَدِ ابْخأَنَّتْ وابْخانَّت، مَهْمُوزٌ وَغَيْرُ مهموز.
بخدن: امرأَة بَخْدَنٌ: رَخصةٌ نَاعِمَةٌ تارَّةً. وبَخْدَن وبِخْدِن والبِخْدِنُ، كلُّ ذَلِكَ: اسمُ امرأَة؛ قَالَ:
يَا دارَ عَفْراءَ ودارَ البِخْدِنِ.
بدن: بَدَنُ الإِنسان: جسدُه. والبدنُ مِنَ الجسدِ: مَا سِوَى الرأْس والشَّوَى، وَقِيلَ: هُوَ العضوُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، وَخَصَّ مَرّةً بِهِ أَعضاءَ الجَزور، وَالْجَمْعُ أَبْدانٌ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: إِنها لحَسنةُ الأَبدانِ؛ قَالَ أَبو الْحَسَنِ: كأَنهم جَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا بَدَناً ثُمَّ جَمَعُوهُ عَلَى هَذَا؛ قَالَ حُمَيد بْنُ ثَوْرٍ الْهِلَالِيُّ:
إِنَّ سُلَيْمى واضِحٌ لَبَّاتُها، ... لَيِّنة الأَبدانِ مِنْ تحتِ السُّبَجْ
. وَرَجُلٌ بادنٌ: سِمِينٌ جَسِيمٌ، والأُنثى بادنٌ وبادنةٌ، والجمعُ بُدْنٌ وبُدَّنٌ؛ أَنشد ثَعْلَبُ:
فَلَا تَرْهَبي أَن يَقْطَع النَّأْيُ بَيْنَنَا، ... ولَمّا يُلَوِّحْ بُدْنَهُنَّ شُروبُ
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
غَزَتْ سِماناً فآبَتْ ضُمَّراً خُدُجاً، ... مِنْ بَعْدِ مَا جَنَّبوها بُدَّناً عُقُقا
وَقَدْ بَدُنَتْ وبَدَنَتْ تَبْدُن بَدْناً وبُدْناً وبَداناً وَبَدَانَةً؛ قَالَ:
وانْضَمَّ بُدْنُ الشَّيْخِ واسمَأَلَّا
إِنَّمَا عَنَى بالبُدن هُنَا الجوهرَ الَّذِي هُوَ الشَّحْمُ، لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى هَذَا لأَنك إِنْ جَعَلْتَ البُدْنَ عرَضاً جَعَلْتَهُ مَحَلًّا لِلْعَرَضِ. والمُبَدَّنُ والمُبَدّنةُ: كالبادِنِ والبادنةِ، إِلَّا أَن المُبَدَّنةَ صيغةُ مفعول. والمِبْدانُ:
__________
(3). قوله [جذلان] رواية ابن سيدة: ريان
(13/47)

الشَّكورُ السَّريعُ السَّمَن؛ قَالَ:
وَإِنِّي لَمِبْدانٌ، إِذَا القومُ أَخْمصُوا، ... وفيٌّ، إِذَا اشتدَّ الزَّمانُ، شحُوب
. وبَدَّنَ الرجلُ: أَسَنَّ وَضَعُفَ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: لَا تُبادروني بِالرُّكُوعِ وَلَا بالسجودِ، فَإِنَّهُ مهْما أَسْبِقكم بِهِ إِذَا ركعتُ تُدْرِكوني إِذَا رَفَعْتُ، ومهما أَسْبقْكم إذا سَجَدْتُ تُدْرِكوني إِذَا رفعتُ، إِنِّي قَدْ بَدُنْتُ
؛ هَكَذَا رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ بَدُنْت؛ قَالَ الأُموي: إِنَّمَا هُوَ بَدَّنْت، بِالتَّشْدِيدِ، يَعْنِي كَبِرْتُ وأَسْنَنْتُ، والتخفيفُ مِنَ الْبَدَانَةِ، وَهِيَ كثرةُ اللَّحْمِ، وبَدُنْتُ أَي سَمِنْتُ وضَخُمْتُ. وَيُقَالُ: بَدَّنَ الرجلُ تَبْديناً إِذَا أَسَنَّ؛ قَالَ حُمَيد الأَرقط:
وكنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدينا ... والهَمَّ مِمَّا يُذْهِلُ القَرينا
قَالَ: وأَما قولُه قَدْ بَدُنْتُ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى إِلَّا كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَلَمْ يَكُنْ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَميناً. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ فِي حَدِيثِ
ابْنِ أَبي هالةَ: بادِنٌ مُتمَاسِك
؛ والبادنُ: الضخمُ، فَلَمَّا قَالَ بادِنٌ أَرْدَفَه بمُتماسِكٍ وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُ بعضُ أَعْضائِه بَعْضًا، فَهُوَ مُعْتَدِلُ الخَلْقِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَتُحِبُّ أَنّ رَجُلًا بادِناً فِي يَوْمٍ حارٍّ غَسَلَ مَا تَحتَ إزارِه ثُمَّ أَعْطاكَه فشَرِبْتَه؟
وبَدَنَ الرجلُ، بِالْفَتْحِ، يَبْدُنُ بُدْناً وبَدانةً، فَهُوَ بادِنٌ إِذَا ضخُمَ، وَكَذَلِكَ بَدُنَ، بِالضَّمِّ، يَبْدُن بَدانةً. وَرَجُلٌ بادِنٌ ومُبَدَّنٌ وامرأَة مُبَدَّنةٌ: وَهُمَا السَّمينانِ. والمُبَدِّنُ: المُسِنُّ. أَبو زَيْدٍ: بَدُنَت المرأَةُ وبَدَنَت بُدْناً؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: بُدْناً وبَدانةً عَلَى فَعالة، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وامرأَةٌ بادِنٌ أَيضاً وبَدين. وَرَجُلٌ بَدَنٌ: مُسِنٌّ كَبِيرٌ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
هَلْ لِشَبابٍ فاتَ مِنْ مَطْلَبِ، ... أَمْ مَا بكاءُ البَدَنِ الأَشْيَبِ؟
والبَدَنُ: الوعِلُ المُسِنُّ؛ قَالَ يصفَ وعِلًا وكَلْبة:
قَدْ قُلْتُ لَمَّا بَدَتِ العُقابُ، ... وضَمّها والبَدَنَ الحِقابُ:
جِدِّي لكلِّ عاملٍ ثَوابُ، ... والرأْسُ والأَكْرُعُ والإِهابُ
. العُقابُ: اسمُ كَلْبَةٍ، والحِقابُ: جَبَلٌ بِعَيْنِهِ، والبَدَنُ: المُسِنُّ مِنَ الوُعول؛ يَقُولُ: اصْطادي هَذَا التيْسَ وأَجعلُ ثوابَك الرأْسَ والأَكْرُعَ والإِهابَ، وبيتُ الِاسْتِشْهَادِ أَورده الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ ضمَّها، وَصَوَابُهُ وضمَّها كَمَا أَوردناه؛ ذَكَرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ، وَالْجَمْعُ أَبْدُنٌ؛ قَالَ كُثَيّر عَزَّةَ:
كأَنّ قُتودَ الرَّحْلِ مِنْهَا تُبِينُها ... قُرونٌ تَحَنَّتْ فِي جَماجِمِ أَبْدُنِ
وبُدونٌ، نَادِرٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والبَدنةُ مِنَ الإِبلِ وَالْبَقَرِ: كالأُضْحِيَة مِنَ الْغَنَمِ تُهْدَى إِلَى مَكَّةَ، الذَّكَرُ والأُنثى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ الْجَوْهَرِيُّ: البَدْنةُ ناقةٌ أَو بقرةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ، سُمِّيت بِذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يُسَمِّنونَها، وَالْجَمْعُ بُدُنٌ وبُدْنٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْجَمْعِ بَدَنٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا خَشَبٌ وأَجَمٌ ورَخَمٌ وأَكَمٌ، اسْتَثْنَاهُ اللِّحْيَانِيُّ مِنْ هَذِهِ. وَقَالَ أَبو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِمْ قَدْ ساقَ بَدَنةً: يَجُوزُ أَن تَكُونَ سُمِّيَتْ بَدَنةً لِعِظَمِها وضَخامتِها، وَيُقَالُ: سمِّيت بدَنةً لسِنِّها. والبُدْنُ: السِّمَنُ والاكتنازُ، وَكَذَلِكَ البُدُن مِثْلُ عُسْر وعُسُر؛ قَالَ شَبيب بْنُ البَرْصاء:
(13/48)

كأَنها، مِنْ بُدُنٍ وإيفارْ، ... دَبَّت عَلَيْهَا ذَرِباتُ الأَنبارْ
وَرُوِيَ: مِنْ سِمَنٍ وَإِيغَارٍ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه أُتِيَ ببَدَناتٍ خَمْسٍ فطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِليه بأَيَّتِهِنَّ يَبْدأُ
؛ البَدَنةُ، بِالْهَاءِ، تَقَعُ عَلَى النَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْبَعِيرِ الذَّكر مِمَّا يَجُوزُ فِي الهدْي والأَضاحي، وَهِيَ بالبُدْن أَشْبَه، وَلَا تَقَعُ عَلَى الشَّاةِ، سمِّيت بَدَنةً لِعِظَمِها وسِمَنِها، وَجَمْعُ البَدَنةِ البُدْن. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: بَدَنة وبُدْن، وَإِنَّمَا سُمِّيت بَدَنةً لأَنها تَبْدُنُ أَي تَسْمَنُ. وَفِي حَدِيثِ
الشَّعْبِيِّ: قِيلَ لَهُ إِنَّ أَهلَ العِراق يَقُولُونَ إِذا أَعْتَقَ الرجلُ أَمَتَه ثُمَّ تَزوَّجها كَانَ كمَنْ يَرْكَبُ بدَنتَه
؛ أَي مَنْ أَعْتَقَ أَمتَه فَقَدْ جَعَلَهَا مُحرَّرة لِلَّهِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ البَدَنةِ الَّتِي تُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ فَلَا تُرْكبُ إِلَّا عَنْ ضرورةٍ، فَإِذَا تزَوَّجَ أَمتَه المُعْتَقة كَانَ كَمَنْ قَدْ رَكِبَ بدَنتَه المُهْداةَ. والبَدَنُ: شِبْهُ دِرْعٍ إِلَّا أَنه قَصِيرٌ قَدْرُ مَا يَكُونُ عَلَى الْجَسَدِ فَقَطْ قَصِيرُ الكُمَّينِ. ابْنُ سِيدَهْ: البَدَنُ الدِّرعُ الْقَصِيرَةُ عَلَى قَدْرِ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: هِيَ الدِّرْعُ عامَّة، وَبِهِ فَسَّرَ ثَعْلَبٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
؛ قَالَ: بِدِرْعِك، وَذَلِكَ أَنهم شكُّوا فِي غَرَقِه فأَمرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ البحرَ أَن يَقْذِفَه عَلَى دَكَّةٍ فِي الْبَحْرِ بِبَدنه أَي بِدرْعِهِ، فَاسْتَيْقَنُوا حِينَئِذٍ أَنه قَدْ غَرِقَ؛ الْجَوْهَرِيُّ: قَالُوا بجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، قَالَ الأَخفش: وقولُ مَن قالَ بِدرْعِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَبْدانٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وجهَه: لَمَّا خطَب فاطمةَ، رضوانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قِيلَ: مَا عندكَ؟ قَالَ: فَرَسي وبَدَني
؛ البَدَنُ: الدِّرْع مِنَ الزَّرَدِ، وَقِيلَ: هِيَ القصيرةُ مِنْهَا. وَفِي حَدِيثِ
سَطيح: أَبْيَضُ فَضْفاضُ الرِّداءِ والبَدَنِ
أَي واسعُ الدِّرْعِ؛ يُرِيدُ كثرةَ الْعَطَاءِ. وَفِي حَدِيثِ مَسْح الخُفَّين:
فأَخْرجَ يدَه مِنْ تحتِ بدَنِه
؛ اسْتعارَ البَدَنَ هَاهُنَا للجُبَّةِ الصغيرةِ تَشْبِيهًا بالدِّرع، وَيُحْتَمَلُ أَن يُرِيدَ مِنْ أَسفَل بدَنِ الجُبَّة، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخرى: فأَخرجَ يَدَهُ مِنْ تحتِ البَدَنِ. وبدَنُ الرجلِ: نَسَبُه وحسبُه؛ قَالَ:
لَهَا بدَنٌ عاسٍ، ونارٌ كريمةٌ ... بمُعْتَركِ الآريّ، بين الضَّرائِم.
بذن: قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ فِي المَنْطِق: بأْذَنَ فلانٌ مِنَ الشَّرِّ بأْذَنةً، وَهِيَ المُبَأْذَنةُ، مَصْدَرٌ، وَيُقَالُ: أَنائِلًا تريدُ ومُعَتْرَسةً، أَراد بالمُعَترسة الِاسْمَ يُرِيدُ بِهِ الفعلَ مثل المُجاهَدة «1».
بذبن: باذَبِينُ: رسولٌ كَانَ لِلْحَجَّاجِ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي كِلَابٍ:
أَقولُ لِصَاحِبِي وجَرَى سَنيحٌ، ... وآخرُ بارِحٌ مِن عنْ يَميني
وَقَدْ جَعَلَتْ بَوائقُ مِنْ أُمورٍ ... تُوَقِّعُ دونَه، وتَكُفُّ دُوني:
نشدْتُك هلْ يَسُرُّك أَنّ سَرْجي ... وسَرْجَك فوقَ بَغْلٍ باذَبِيني؟
قَالَ: نَسَبَهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كان رسولًا للحجاج.
برن: البَرْنيُّ: ضرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَصْفَرُ مُدَوّر، وَهُوَ أَجود التَّمْرِ، واحدتُه بَرْنِيّةٌ؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَصله فَارِسِيٌّ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ بارِنيّ، فَالْبَارُ الحَمْلُ، ونِيّ تعظيمٌ وَمُبَالَغَةً؛ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
خَالِيَ عُوَيْفٌ وأَبو عَلِجِّ، ... المُطْعِمانِ اللحْمَ بالعَشِجِ
__________
(1). قوله: ويقال أنائلًا إلخ؛ فلا علاقة له بمادة بأذن
(13/49)

وبالغَداةِ كِسَرَ البَرْنِجِّ، ... يُقْلَعُ بالوَدِّ وبالصِّيصِجِ
فَإِنَّهُ أَراد: أَبو عَلِيٍّ وَبِالْعَشِيِّ وَالْبَرْنِيِّ والصِّيصِيّ، فأَبدل مِنَ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ جِيمًا. التَّهْذِيبُ: البَرْنِيُّ ضربٌ مِنَ التَّمْرِ أَحمرُ مُشْرَب بصُفْرة كَثِيرُ اللِّحاء عَذْب الحَلاوة. يُقَالُ: نخلةٌ بَرْنِيَّة ونخلٌ بَرْنِيٌّ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
بَرْنِيّ عَيْدانٍ قَليل قشْرُهْ
ابْنُ الأَعرابي: البَرْنِيُّ الدِّيَكةُ، وَقِيلَ: البَرَانيُّ، بِلُغَةِ أَهل الْعِرَاقِ، الدِّيَكةُ الصِّغارُ حِينَ تُدْرِك، واحدتُها بَرْنِيّة. والبَرْنِيَّةُ: شبْهُ فخّارةٍ ضخمةٍ خَضْراء، وَرُبَّمَا كَانَتْ مِنَ القَواريرِ الثِّخانِ الواسعةِ الأَفْواه. غَيْرُهُ: والبَرْنيَّة إناءٌ مِنْ خَزَفٍ. ويَبْرينُ: مَوْضِعٌ، يُقَالُ: رملُ يَبْرينَ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حقُّ يَبْرينَ أَنْ يُذْكَر فِي فَصْلِ بَرَى مِنْ بَابِ الْمُعْتَلِّ لأَنّ يبرينَ مِثْلُ يَرْمينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَبْرونَ فِي الرَّفْعِ وَيَبْرِينَ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ، وَهَذَا قاطعٌ بِزِيَادَةِ النُّونِ؛ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ يَبْرين فَعْلينَ، لأَنه لَمْ يأْتِ لَهُ نظيرٌ، وَإِنَّمَا فِي الْكَلَامِ فِعْلينٌ مثلُ غِسْلينٍ، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَبي الْعَبَّاسِ، أَعني أَن يَبْرين مثلُ يَرْمين، قال: وهو الصحيح.
برثن: البُرْثُنُ: مِخْلَبُ الأَسَد، وَقِيلَ: هُوَ للسبُع كالإِصْبَع للإِنسان، وَقِيلَ: البُرْثُنُ الكَفُّ بِكَمَالِهَا مَعَ الأَصابع. اللَّيْثُ: البَراثِن أَظْفار مَخالِب الأَسَد، يُقَالُ: كأَنّ بَراثِنَه الأَشافي. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: البُرْثُن مِثْلُ الإِصْبع، والمِخْلَبُ ظُفُر البُرْثُن؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسَ:
وتَرى الضّبَّ خَفِيفًا ماهِراً، ... رَافعاً بُرْثُنَه مَا يَنْعَفِرْ
وَالْمَشْهُورُ فِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ: ثَانِيًا بُرْثُنَهُ، يَصِفُ مَطَرًا كَثِيرًا أَخرجَ الضَّبَّ مِنْ جُحْره، فعامَ فِي الْمَاءِ مَاهِرًا فِي سباحَته يَبْسُطُ بَراثْنه ويَثْنيها فِي سِباحَته، وقولُه مَا يَنْعَفِر أَي لَا يُصِيبُ بَراثنَه الترابُ، وَهُوَ العَفَرُ، والبَراثن لِلسِّبَاعِ كُلِّهَا، وَهِيَ مِنَ السباعِ وَالطَّيْرِ بمَنْزلة الأَصابع مِنَ الإِنسان؛ وَقَدْ تُستعارُ البَراثِنُ لأَصابع الإِنسان كَمَا قال ساعدةُ ابنُ جُؤَيَّةَ يَذْكُرُ النَّحْلَ ومُشْتَار العَسَلِ:
حتَّى أُشِبَّ لَهَا، وَطَالَ أَبابُها، ... ذُو رُجْلَةٍ شَتْنُ البَراثِنِ جَحْنَبُ
والجَحْنَب: القَصير، وَلَيْسَ يَهْجوه وَإِنَّمَا أَراد أَنه مُجْتَمِعُ الخَلْق. وَفِي حَدِيثِ القبائِلِ:
سُئِلَ عَنْ مُضَرَ فَقَالَ: تَميمٌ بُرْثُمَتُها وجُرْثُمَتُها
؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا هُوَ بُرْثُنَتُها، بِالنُّونِ، أَي مَخالِبُها، يُرِيدُ شَوْكَتها وقُوَّتَها، والميمُ والنونُ يتَعاقبان، فَيَجُوزُ أَن تكونَ الميمُ لُغَةً، وَيَجُوزُ أَن تكونَ بَدَلًا لازْدِواج الْكَلَامِ فِي الجُرْثومة كَمَا قَالَ الغَدايا والعَشايا. والبُرْثُن لِمَا لَمْ يَكنْ مِنْ سِباعِ الطَّيْرِ مثلُ الْغُرَابِ وَالْحَمَامِ، وَقَدْ يكونُ للضَّبِّ والفأْر واليَرْبوع. وبُرْثُنُ: قَبِيلَةٌ؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ لقَيْسِ بنِ المُلَوَّح:
لَخُطَّابُ لَيْلى، يالَ بُرْثُنَ منكُمُ، ... أَدَلُّ وأَمْضَى مِنْ سُلَيكِ المَقانِبِ
غَيْرُهُ: بُرْثُن حَيٌّ مِنْ بَنِي أَسد؛ قَالَ: وَقَالَ قُرّانٌ الأَسَديّ:
لَزُوّارُ لَيْلى، منكُمُ آلَ بُرْثُن، ... عَلَى الهَوْلِ أَمْضَى مِنْ سُلَيْكِ المَقانِب
تَزُورُونَها وَلَا أَزورُ نِساءَكم، ... أَلَهْفي لأَولاد الإِماءِ الحَواطِب
(13/50)

قَالَ: وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الأَوّلُ، جَعَلَ اهتِداءَهم لِفَسادِ زوجتِه كاهْتِداء سُلَيْكِ بْنِ السُّلَكةِ فِي سَيْره فِي الفَلَوات. وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثير: بَرْثان، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَادٍ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى بَدْرٍ، قَالَ: وَقِيلَ فِي ضبطه غيرُ ذلك.
برذن: البِرْذَوْنُ: الدَّابَّةُ، مَعْرُوفٌ، وسَيْرَتُه البَرْذَنَةُ، والأُنثى بِرْذَوْنَةٌ، قال:
رأَيتُكَ، إذْ جالَتْ بكَ الخَيْلُ جَوْلةً، ... وأَنتَ عَلَى بِرْذَوْنةٍ غَيْرَ طائلِ
وجَمْعُه بَراذينُ. وَالْبَرَاذِينُ مِنَ الخَيْلِ: مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نِتاج العِرابِ. وبَرذَنَ الفرسُ: مَشَى مشيَ البَراذينِ. وبَرْذَنَ الرجلُ: ثَقُلَ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وأَحسِبُ أَن البرْذَوْن مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحكي عَنِ الْمُؤَرِّجِ أَنه قَالَ: سأَلتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا وَكَذَا فبَرْذَنَ لِي أَي أَعْيا وَلَمْ يُجِبْ فيه.
برزن: البِرْزينُ، بِالْكَسْرِ: إِنَاءٌ مِنْ قِشْرِ الطَّلْع يُشْرَب فِيهِ، فَارِسِيٌّ مُعرّب، وَهِيَ التَّلْتَلة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البِرْزِينُ قِشْرُ الطَّلْعةِ يُتَّخَذ مِنْ نِصْفِهِ تَلْتَلةٌ؛ وأَنشد لعَديّ بْنِ زَيْدٍ:
إنَّما لِقْحَتُنا باطيةٌ، ... جَوْنةٌ يَتْبَعُها بِرْزِينُها
فإِذا مَا حارَدتْ أَو بَكَأَتْ، ... فُكَّ عَنْ حاجِبِ أُخْرى طينُها
وَفِي التَّهْذِيبِ:
إِنَّمَا لِقْحتُنا خابيةٌ
شَبَّه خابيتَه بلِقْحةٍ جَوْنةٍ أَي سوداءَ، فإِذا قَلَّ مَا فِيهَا أَو انْقَطَعَ فُتِحَتْ أُخرى، قَالَ: وصوابُ برْزينٍ أَن يُذْكَر فِي فَصْلِ برَز، لأَنّ وَزْنه فِعْلينٌ مثل غِسْلين، قال: وَالْجَوْهَرِيُّ جَعَلَ وَزْنَهُ فِعْليلًا. النَّضْر: البِرزين كُوز يُحْمَلُ بِهِ الشَّرابُ مِنَ الخابِية. الْجَوْهَرِيُّ: البِرْزينُ، بِالْكَسْرِ، التَّلْتَلةُ، وَهِيَ مِشْرَبة تُتّخذ مِنْ قِشر الطَّلعة.
بركن: التَّهْذِيبُ فِي الرُّبَاعِيِّ: الْفَرَّاءُ يُقَالُ لِلْكِسَاءِ الأَسود بَرْكان وَلَا يُقَالُ بَرَنكان.
برهن: التَّهْذِيبُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ*
؛ البُرْهان الحُجّة الْفَاصِلَةُ الْبَيِّنَةُ، يُقَالُ: بَرْهَنَ يُبَرْهِنُ بَرْهَنةً إِذَا جَاءَ بحُجّةٍ قَاطِعَةٍ لِلَدَد الخَصم، فَهُوَ مُبَرْهِنٌ. الزَّجَّاجُ: يُقَالُ لِلَّذِي لَا يُبَرْهِنُ حَقِيقَتَهُ إِنَّمَا أَنت متمنٍّ، فجعلَ يُبَرْهن بِمَعْنَى يُبَيِّن، وجَمْعُ البرهانِ براهينُ. وَقَدْ بَرْهَنَ عَلَيْهِ: أَقام الْحُجَّةَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الصَّدَقةُ بُرْهانٌ
؛ البُرْهانُ: الحجّةُ وَالدَّلِيلُ أَي أَنها حُجَّةٌ لِطَالِبِ الأَجْر مِنْ أَجل أَنَّها فَرْضٌ يُجازِي اللهُ بِهِ وَعَلَيْهِ، وَقِيلَ: هِيَ دَليلٌ عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِ صَاحِبِهَا لِطِيبِ نَفْسه بإخْراجها، وَذَلِكَ لعَلاقةٍ مَّا بَيْنَ النفْسِ والمال.
برهمن: البُرَهْمِنُ: العالِم، بالسُّمَنيَّة. التَّهْذِيبُ: البُرَهْمِنُ بالسُّمَنِيّة عالِمُهم وعابِدُهم.
بزن: الأَبْزَنُ: شيءٌ يُتَّخَذ مِنَ الصُّفْر لِلْمَاءِ وَلَهُ جَوْف، وَقَدْ أَهْمله اللَّيْثُ؛ وَجَاءَ فِي شعرٍ قَدِيمٍ: قَالَ أَبو دُوادٍ الإِياديّ يَصِفُ فَرَسًا وَصَفه بِانْتِفَاخِ جَنْبَيْه:
أَجْوَفُ الجَوْفِ، فَهُوَ مِنْهُ هواءٌ، ... مِثْلَ مَا جافَ، أَبْزَناً، نَجَّارُ
أَصله آبْزَنَ فَجَعَلَهُ الأَبْزَنَ حَوْض مِنْ نُحاسٍ يَسْتَنْقعُ فِيهِ الرجلُ، وَهُوَ مُعَرّب، وجعَل صانِعَه نَجَّارًا جافَ أَبَزْناً وسَّع جوفَه لِتَجْوِيدِهِ إِيَّاهُ. ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَبْزَنُ شَيْءٌ يَعْمَله النَّجَّارُ مِثْلَ التَّابُوتِ؛
(13/51)

وأَنشد بَيْتَ أَبي دُواد:
مِثل مَا جَافَ أَبزناً نجّارُ
أَبو عَمْرٍو الشّيْباني: يُقَالُ إبْزِيمٌ وإبْزِينٌ ويُجْمَع أَبازينَ؛ قَالَ أَبو دُوَادَ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ:
إنْ لَم تَلِطْني بهمْ حَقًّا، أَتَيْتُكُمُ ... حُوّاً وكُمْتاً تَعادَى كَالسَّرَاحِينِ
مِنْ كُلِّ جَرْداءَ قَدْ طارَتْ عقيقتُها، ... وَكُلِّ أَجْرَدَ مُسْتَرْخِي الأَبازِينِ
جمعُ إبْزِين، وَيُقَالُ للقُفْل أَيضاً الإِبْزيمَ لأَنّ الإِبْزِيم إفْعيل مِنْ بَزَمَ إِذَا عَضَّ، وَيُقَالُ أَيضاً إبْزين، بِالنُّونِ. الْجَوْهَرِيُّ: البُزْيونُ، بِالضَّمِّ، السُّنْدُس؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ رَقيقُ الدِّيبَاجِ، قَالَ: والإِبْزين لغةٌ فِي الإِبزيم؛ وأَنشد:
وَكُلِّ أَجردَ مُسْترْخي الأَبازينِ
بسن: الباسِنةُ: كالْجُوالِقِ غَليظٌ يُتَّخذُ مِنْ مُشاقةِ الكَتَّان أَغْلظُ مَا يَكونُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزها. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: البأْسِنةُ كِساء مَخيطٌ يُجْعلُ فِيهِ طَعَامٌ، والجمعُ البَآسِنُ. والبآسِنةُ: اسْمٌ لِآلَاتِ الصُّنَّاع، قَالَ: وَلَيْسَ بَعَرَبيّ مَحْضٍ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَل آدمُ، عَلَيْهِ السلامُ، مَنْ الجَنة بالباسِنةِ
، التفسيرُ للهرَويّ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: قِيلَ إِنَّهَا آلاتُ الصُّنَّاع، وَقِيلَ: إِنَّهَا سِكّةُ الحَرْث، قَالَ: وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ. ابْنُ بَرِّيٍّ: البَواسِنُ جمعُ باسِنةٍ سِلال الفُقّاع، قَالَ: حَكَاهُ ابنُ دَرَسْتَوَيْه عَنِ النَّضْر بنِ شُمَيْل. وحَسَنٌ بَسَنٌ إتْباعٌ. ابْنُ الأَعرابي: أَبْسَنَ الرجلُ إِذَا حَسُنَتْ سَحْنَتُه. وبَيْسانُ: مَوْضِعٌ بِنَوَاحِي الشَّامِ؛ قَالَ أَبو دُواد:
نَخَلاتٌ مِنْ نَخْلِ بَيْسانَ أَينَعْنَ ... جميعاً، ونَبْتُهنَّ تُؤامُ
بصن: بُصان: اسمُ رَبيعٍ الآخِرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ هَكَذَا حَكَاهُ قُطْربٌ عَلَى شَكْل غُرابٍ، قَالَ: وَالْجَمْعُ أَبْصِنَةٌ وبِصْنانٌ كأَغْربةٍ وغِرْبانٍ، وأَما غيرُه مِنَ اللغويِّين فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ وَبُصان، عَلَى مِثَالِ سَبُعان، ووَبِصان، عَلَى مِثال شَقِرانٍ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ أَبو إسحق: سُمّي بذلك لِوبيص السِّلَاحِ فِيهِ أَي بَريقه. التَّهْذِيبُ: بَصَنَّى «2». قَرْيَةٌ فِيهَا السُّتور البَصَنِّيّة، وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ.
بطن: البَطْنُ مِنَ الإِنسان وسائِر الْحَيَوَانِ: معروفٌ خِلَافَ الظَّهْر، مذكَّر، وَحَكَى أَبو عُبَيْدَةَ أَن تأْنيثه لغةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ التَّذْكِيرِ فِيهِ قولُ ميّةَ بنتِ ضِرار:
يَطْوي، إذا مَا الشُّحُّ أَبْهَمَ قُفْلَه، ... بَطْناً، مِنَ الزادِ الخبيثِ، خَميصا
وَقَدْ ذَكرْنا فِي تَرْجَمَةٍ ظَهَرَ فِي حَرْفِ الرَّاءِ وجهَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ قولِ الْعَرَبِ: ضُرِبَ عبدُ اللَّهُ بَطْنُه وظهرُه، وضُرِبَ زيدٌ البطنُ والظهرُ. وجمعُ البَطْنِ أَبطُنٌ وبُطُونٌ وبُطْنانٌ؛ التَّهْذِيبُ: وَهِيَ ثلاثةُ أَبْطُنٍ إِلَى العَشْرِ، وبُطونٌ كَثِيرَةٌ لِما فوْقَ العَشْرِ، وتصغيرُ البَطْنِ بُطَيْنٌ. والبِطْنةُ: امتلاءُ البَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ، وَهِيَ الأَشَرُ مِنْ كَثْرةِ الْمَالِ أَيضاً. بَطِنَ يَبْطَنُ بَطَناً وبِطْنةً وبَطُنَ وَهُوَ بَطينٌ، وَذَلِكَ إِذَا عَظُمَ بطْنُه. وَيُقَالُ: ثَقُلَتْ عَلَيْهِ البِطْنةُ، وهي
__________
(2). قوله [بصنى] كذا ضبط في الأَصل وهو موافق لقول القاموس: وبصنى محركة مشددة النون إلخ. والذي في ياقوت: إنه بفتح الباء وكسر الصاد وتشديد النون
(13/52)

الكِظَّة، وَهِيَ أَن يَمْتلِئَ مِنَ الطَّعَامِ امْتِلَاءً شَدِيدًا. وَيُقَالُ: لَيْسَ للبِطْنةِ خيرٌ مِنْ خَمْصةٍ تَتْبَعُها؛ أَراد بالخَمْصَة الجوعَ. وَمِنْ أَمثالهم: البِطْنة تُذْهِبُ الفِطْنةَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا بَني المُنْذرِ بن عَبْدانَ، والبِطنةُ ... مِمَّا تُسَفِّهُ الأَحْلاما
وَيُقَالُ: مَاتَ فلانٌ بالبَطَنِ. الْجَوْهَرِيُّ: وبُطِنَ الرجلُ، عَلَى مَا لَمْ يسمَّ فَاعِلَهُ، اشْتَكَى بَطْنَه. وبَطِن، بِالْكَسْرِ، يَبْطَن بَطَناً: عَظُم بَطْنُه مِنَ الشِّبَعِ؛ قَالَ القُلاخ:
وَلَمْ تَضَعْ أَولادَها مِنَ البَطَنْ، ... وَلَمْ تُصِبْه نَعْسَةٌ عَلَى غَدَنْ
والغَدَنُ: الإِسْتِرخاءُ والفَتْرة. وَفِي الْحَدِيثِ:
المَبْطونُ شهيدٌ
أَي الَّذِي يموتُ بمَرَض بَطْنه كالاسْتِسْقاء وَنَحْوِهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنَّ امرأَةً مَاتَتْ فِي بَطَن
، وَقِيلَ: أَراد بِهِ هَاهُنَا النِّفاسَ، قَالَ: وَهُوَ أَظهر لأَن الْبُخَارِيَّ ترْجَم عَلَيْهِ بَابَ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَساء. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
تَغْدُو خِماصاً وتَرُوحُ بِطاناً
أَي ممتَلِئةَ البُطونِ. وَفِي حَدِيثِ
مُوسَى وشعيبٍ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وعَوْد غَنَمِه: حُفَّلًا بِطاناً
؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَبِيتُ مِبْطاناً وحَوْلي بُطونٌ غَرْثى
؛ المِبْطان: الكثيرُ الأَكل والعظيمُ البطنِ. وَفِي صِفَةِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: البَطِينُ الأَنْزَعُ
أَي العظيمُ البطْنِ. ورجلٌ بَطِنٌ: لَا هَمَّ لَهُ إلَّا بَطْنُه، وَقِيلَ: هُوَ الرَّغيب الَّذِي لَا تَنْتَهِي نفسُه مِنَ الأَكل، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَزَالُ عظيمَ البَطْنِ مِنْ كثرةِ الأَكل، وَقَالُوا: كِيسٌ بَطينٌ أَي مَلآنُ، عَلَى المَثَل؛ أَنشد ثعلبٌ لِبَعْضِ اللُّصوص:
فأَصْدَرْتُ مِنْهَا عَيْبةً ذاتَ حُلَّةٍ، ... وكِيسُ أَبي الجارُودِ غَيْرُ بَطينِ
وَرَجُلٌ مِبْطانٌ: كثيرُ الأَكل لَا يَهُمُّه إِلَّا بَطْنُه، وبَطينٌ: عظيمُ البَطْنِ، ومُبَطَّنٌ: ضامِر البَطْنِ خَميصُه، قَالَ: وَهَذَا عَلَى السَّلْب كأَنه سُلِبَ بَطْنَه فأُعْدِمَه، والأُنثى مُبَطَّنةٌ، ومَبْطونٌ: يَشْتَكي بَطْنَه؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
رَخِيمات الكلامِ مُبَطَّنات، ... جَواعِل فِي البُرَى قَصَباً خِدالا
وَمِنْ أَمثالهم: الذِّئْبُ يُغْبَط بِذي بَطْنه؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ أَنه لَا يُظَنُّ بِهِ أَبداً الْجُوعُ إِنَّمَا يُظَنّ بِهِ البِطْنةُ لِعَدْوِه عَلَى النَّاسِ والماشِيَةِ، ولعلَّه يكونُ مَجْهوداً مِنَ الْجُوعِ؛ وأَنشد:
ومَنْ يَسْكُنِ البَحْرَيْنِ يَعْظُمْ طِحالُه، ... ويُغْبَطُ مَا فِي بَطْنه وهْو جائعُ
وَفِي
صِفَةِ عِيسَى، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفضل الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: فَإِذَا رجُل مُبَطَّنٌ مثلُ السَّيف
؛ المُبَطَّنُ: الضامِرُ البَطْن، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَزالُ ضَخْمَ البطنِ مِنْ كَثْرَةِ الأَكل مِبْطانٌ، فَإِذَا قَالُوا رَجُلٌ مُبَطَّنٌ فَمَعْنَاهُ أَنه خَميص البَطْن؛ قَالَ مُتمّم بْنُ نُوَيرة:
فَتًى غَيْرَ مِبْطانِ العَشِيَّةِ أَرْوعا
وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ الَّتِي تُضْرَب للأَمر إِذَا اشْتَدَّ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ، وأَما قَوْلُ الرَّاعِي يَصِفُ إِبَلًا وَحَالِبَهَا:
إِذَا سُرِّحَتْ مِنْ مَبْرَكٍ نامَ خلفَها، ... بمَيْثاءَ، مِبْطان الضُّحى غَيْرَ أَرْوعا
مِبْطانُ الضُّحى: يَعْنِي رَاعِيًا يُبادِر الصَّبوح فيشرَبُ حَتَّى يَميلَ مِنَ اللَّبَن. والبَطينُ: الَّذِي لَا يَهُمُّه إِلَّا
(13/53)

بَطْنُه. والمَبْطُونُ: العَليل البَطْنِ. والمِبْطانُ: الَّذِي لَا يزالُ ضخْمَ البطنِ. والبَطَنُ: داءُ البَطْن. وَيُقَالُ: بَطَنَه الداءُ وَهُوَ يَبْطُنُه، إِذَا دَخَله، بُطوناً. وَرَجُلٌ مَبْطونٌ: يَشْتَكي بَطْنَه. وَفِي حَدِيثِ
عَطَاءٍ: بَطَنتْ بِكَ الحُمَّى
أَي أَثَّرَت فِي بَاطِنِكَ. يُقَالُ: بَطَنَه الداءُ يبطُنه. وَفِي الْحَدِيثِ:
رَجُلٌ ارْتَبَطَ فرَساً لِيَسْتبْطِنَها
أَي يَطْلُبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ النِّتاج. وبَطَنَه يبْطُنُه بَطْناً وبَطَنَ لَهُ، كِلاهما: ضرَب بَطْنَه. وضرَب فلانٌ البعيرَ فبَطَنَ لَهُ إِذَا ضرَب لَهُ تَحْتَ البَطْن؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا ضرَبْتَ مُوقَراً فابْطُنْ لهْ، ... تحتَ قُصَيْراهُ ودُون الجُلَّهْ،
فإنَّ أَنْ تَبْطُنَهُ خَيرٌ لَهْ
أَراد فابطُنْه فَزَادَ لَامًا، وَقِيلَ: بَطَنَه وبَطَن لَهُ مِثْلَ شَكَره وشَكَرَ لَهُ ونصَحَه ونصحَ لَهُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَإِنَّمَا أَسكن النُّونَ للإِدغام فِي اللَّامِ؛ يَقُولُ: إِذَا ضَرَبْتَ بَعِيرًا مُوقَراً بحِمْله فاضْرِبْه فِي مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ بِهِ الضربُ، فَإِنَّ ضرْبَه فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ بطْنه خَيْرٌ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ. وأَلقَى الرجلُ ذَا بَطْنه: كِنَايَةٌ عَنِ الرَّجيع. وأَلْقَت الدَّجاجةُ ذَا بَطْنِها: يَعْنِي مَزْقَها إِذَا بَاضَتْ. ونثرَت المرأَةُ بَطْنَها وَلَدًا: كَثُر ولدُها. وأَلقت المرأَةُ ذَا بطنِها أَي وَلَدَت. وَفِي حَدِيثِ
الْقَاسِمِ بْنِ أَبي بَرَّةَ: أَمَرَ بعشَرَةٍ مِنَ الطَّهارة: الخِتانِ والاستِحدادِ وغَسْلِ البَطِنةِ ونَتْفِ الإِبْطِ وَتَقْلِيمِ الأَظفار وقصِّ الشَّارِبِ والاستِنْثار
؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: البَطِنة هِيَ الدبُر، هَكَذَا رَوَاهَا بَطِنة، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ؛ قَالَ شَمِرٌ: والانتِضاحُ «1». الاسْتِنجاءُ بِالْمَاءِ. والبَطْنُ: دُونَ الْقَبِيلَةِ، وَقِيلَ: هُوَ دُونَ الفَخِذِ وَفَوْقَ العِمارة، مُذَكَّر، وَالْجَمْعُ أَبْطُنٌ وبُطُونٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَتَب عَلَى كلِّ بطْنٍ عُقولَه
؛ قَالَ: البَطْنُ مَا دُونَ الْقَبِيلَةِ وَفَوْقَ الفخِذ، أَي كَتَب عَلَيْهِمْ مَا تَغْرَمُه الْعَاقِلَةُ مِنَ الدِّيات فبَيَّن مَا عَلَى كل قَوْمٍ مِنْهَا؛ فأَما قَوْلُهُ:
وإنَّ كِلاباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ، ... وأَنتَ بريءٌ مِنْ قبَائِلِها العَشْر
فَإِنَّهُ أَنّث عَلَى مَعْنَى الْقَبِيلَةِ وأَبانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ. وفرسٌ مُبَطَّنٌ: أَبيضُ البَطْنِ وَالظَّهْرِ كَالثَّوْبِ المُبطَّن ولَوْنُ سائرِه مَا كَانَ. والبَطْنُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: جَوْفُه، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ. وَفِي صِفَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ:
لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وبطْن
؛ أَراد بالظَّهْرِ مَا ظَهَرَ بيانُه، وبالبَطْن مَا احْتِيجَ إِلَى تَفْسِيرِهِ كالباطِن خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَالْجَمْعُ بَواطِنُ؛ وَقَوْلُهُ:
وسُفْعاً ضِياهُنَّ الوَقودُ فأَصْبَحَت ... ظواهِرُها سُوداً، وباطِنُها حُمْرا
أَراد: وبواطِنُها حُمْراً فوَضع الواحدَ موضعَ الْجَمْعِ، ولذلك استَجاز أَن يَقُولَ حُمْراً، وَقَدْ بَطُنَ يَبْطُنُ. والباطِنُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
؛ وتأْويلُه مَا رُوِيَ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي تَمْجيد الرَّبِّ: اللَّهُمَّ أَنتَ الظاهِر فَلَيْسَ فوقَك شيءٌ، وأَنت الباطِنُ فَلَيْسَ دونَك شَيْءٌ
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنه علِمَ السرائرَ والخفيَّاتِ كَمَا عَلِمَ كلَّ مَا هُوَ ظاهرُ الخَلْقِ، وَقِيلَ: الباطِن هُوَ المُحْتَجِب عَنْ أَبصار الخلائِق
__________
(1). قوله [والانتضاح] هكذا بدون ذكره في الحديث
(13/54)

وأَوْهامِهم فَلَا يُدرِكُه بَصَر وَلَا يُحيطُ بِهِ وَهْم، وَقِيلَ: هُوَ العالمُ بكلِّ مَا بَطَن. يُقَالُ: بَطَنْتُ الأَمرَ إِذَا عَرَفتَ باطنَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
؛ فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ فَقَالَ: ظاهرُه المُخالَّة وباطنُه الزِّنا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. والباطِنةُ: خلافُ الظَّاهِرَةِ. والبِطانةُ: خلافُ الظِّهارة. وبِطانةُ الرَّجُلِ: خاصَّتُه، وَفِي الصِّحَاحِ: بِطانةُ الرَّجُلِ وَليجتُه. وأَبْطَنَه: اتَّخَذَه بِطانةً. وأَبْطَنْتُ الرجلَ إِذَا جَعَلْتَه مِنْ خَواصِّك. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا استَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطانتانِ
؛ بِطانةُ الرَّجُلِ: صاحبُ سِرِّه وداخِلةُ أَمره الَّذِي يُشاوِرُه فِي أَحواله. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ:
وَجَاءَ أَهلُ البِطانةِ يَضِجُّون
؛ البِطانةُ: الخارجُ مِنَ الْمَدِينَةِ. والنِّعْمة الباطنةُ: الخاصَّةُ، والظاهرةُ: العامَّةُ. وَيُقَالُ: بَطْنُ الراحةِ وظَهْرُ الكَفّ. وَيُقَالُ: باطنُ الإِبْط، وَلَا يُقَالُ بطْن الإِبْط. وباطِنُ الخُفّ: الَّذِي تَليه الرجْلُ. وَفِي حَدِيثِ
النَّخَعي: أَنه كَانَ يُبَطِّنُ لِحْيتَه ويأْخُذُ مِنْ جَوانِبها
؛ قَالَ شَمِرٌ: مَعْنَى يُبَطِّن لحيتَه أَي يأْخذ الشَّعَر مِنْ تَحْتِ الحَنَك والذَّقَنِ، وَاللَّهُ أَعلم. وأَفْرَشَني ظَهْر أَمرِه وبَطْنَه أَي سِرَّه وعلانِيَتَه، وبَطَنَ خبرَه يَبْطُنُه، وأَفرَشَني بَطْنَ أَمره وظَهْرَه، ووَقَف عَلَى دَخْلَته. وبَطَن فلانٌ بِفُلَانٍ يَبْطُنُ بِهِ بُطوناً وَبِطَانَةً إِذَا كان خاصّاً به داخلًافي أَمره، وَقِيلَ: بَطَنَ بِهِ دَخَلَ فِي أَمره. وبَطَنتُ بِفُلَانٍ: صِرْتُ مِنْ خواصِّه. وإنَّ فُلَانًا لَذُو بِطانة بِفُلَانٍ أَي ذُو علمٍ بداخلةِ أَمره. وَيُقَالُ: أَنتَ أَبْطنْتَ فُلَانًا دُونِي أَي جَعلْتَه أَخَصَّ بِكَ مِنِّي، وَهُوَ مُبَطَّنٌ إِذَا أَدخَله فِي أَمره وخُصَّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَصَارَ مِنْ أَهل دَخْلَتِه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: البِطانة الدُّخَلاء الَّذِينَ يُنْبَسط إِلَيْهِمْ ويُسْتَبْطَنونَ؛ يُقَالُ: فُلَانٌ بِطانةٌ لِفُلَانٍ أَي مُداخِلٌ لَهُ مُؤانِس، وَالْمَعْنَى أَن الْمُؤْمِنِينَ نُهوا أَن يَتَّخِذوا الْمُنَافِقِينَ خاصَّتَهم وأَن يُفْضُوا إِلَيْهِمْ أَسرارَهم. وَيُقَالُ: أَنت أَبْطَنُ بِهَذَا الأَمر أَي أَخبَرُ بباطِنِه. وتبَطَّنْت الأَمرَ: عَلِمت باطنَه. وبَطَنْت الْوَادِي: دَخَلْته. وبَطَنْت هَذَا الأَمرَ: عَرَفْت باطنَه، وَمِنْهُ الباطِن فِي صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. والبطانةُ: السريرةُ. وباطِنةُ الكُورة: وَسَطُها، وظاهرتُها: مَا تنَحَّى مِنْهَا. والباطنةُ مِنَ البَصْرةِ وَالْكُوفَةِ: مُجْتَمَعُ الدُّور والأَسواقِ فِي قَصَبتها، والضاحيةُ: مَا تنَحَّى عَنِ الْمَسَاكِنِ وَكَانَ بَارِزًا. وبَطْنُ الأَرض وباطنُها: مَا غَمَض مِنْهَا واطمأَنّ. والبَطْنُ مِنَ الأَرض: الغامضُ الداخلُ، والجمعُ الْقَلِيلُ أَبْطِنةٌ، نادرٌ، وَالْكَثِيرُ بُطْنان؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البُطْنانُ مِنَ الأَرض واحدٌ كالبَطْن. وأَتى فلانٌ الْوَادِيَ فتَبَطَّنه أَي دَخَلَ بطنَه. ابْنُ شُمَيْلٍ: بُطْنانُ الأَرض مَا تَوَطَّأَ فِي بُطُونِ الأَرض سَهْلِها وحَزْنها وَرِيَاضِهَا، وَهِيَ قَرار الْمَاءِ ومستَنْقَعُه، وَهِيَ البواطنُ والبُطون. وَيُقَالُ: أَخذ فلانٌ بَاطِنًا مِنَ الأَرض وَهِيَ أَبطأُ جُفُوفًا مِنْ غَيْرِهَا. وتبطَّنْتُ الْوَادِي: دخلْت بطْنه وجَوَّلْت فِيهِ. وبُطْنانُ الْجَنَّةِ: وسَطُها. وَفِي الْحَدِيثِ:
يُنَادِي مُنادٍ مِنْ بُطْنانُ الْعَرْشِ
أَي مِنْ وسَطه، وَقِيلَ: مِنْ أَصله، وَقِيلَ: البُطْنان جَمْعُ بَطْنٍ، وَهُوَ الْغَامِضُ مِنَ الأَرض، يُرِيدُ من دواخل العرش؛ ومنه كَلَامِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الِاسْتِسْقَاءِ: تَرْوَى بِهِ القِيعانُ وَتَسِيلُ بِهِ البُطْنان.
والبُطْنُ: مسايلُ الْمَاءِ فِي الغَلْظ، وَاحِدُهَا باطنٌ؛ وَقَوْلُ مُلَيْح:
(13/55)

مُنِيرٌ تَجُوزُ العِيسُ مِنْ بَطِناتِه نَوًى، ... مِثْلَ أَنْواءِ الرَّضيخِ المُفَلَّق
قَالَ: بَطِناتُه مَحاجُّه. والبَطْنُ: الْجَانِبُ الطويلُ مِنَ الرِّيشِ، وَالْجَمْعُ بُطْنانٌ مِثْلَ ظَهْرٍ وظُهْرانٍ وعَبْدٍ وعُبْدانٍ. والبَطْنُ: الشِّقُّ الأَطولُ مِنَ الرِّيشَةِ، وَجَمْعُهَا بُطْنان. والبُطْنانُ أَيضاً مِنَ الرِّيشِ: مَا كَانَ بطنُ القُذَّة مِنْهُ يَلي بطنَ الأُخرى، وَقِيلَ: البُطْنانُ مَا كَانَ مِنْ تَحْتِ العَسيب، وظُهْرانُه مَا كَانَ فَوْقَ الْعَسِيبِ؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البُطْنانُ مِنَ الرِّيشِ الَّذِي يَلي الأَرضَ إِذَا وقَع الطائرُ أَو سَفَعَ شَيْئًا أَو جَثَمَ عَلَى بَيْضه أَو فِراخه، والظُّهارُ والظُّهْرانُ مَا جُعِلَ مِنْ ظَهر عَسيب الرِّيشَةِ. وَيُقَالُ: راشَ سهمَه بظُهْرانٍ وَلَمْ يَرِشْه ببُطْنانٍ، لأَنَّ ظُهْرانَ الرِّيشِ أَوفَى وأَتَمُّ، وبُطْنانُ الرِّيشِ قِصار، وواحدُ البُطْنانِ بَطْنٌ، وواحدُ الظُّهْرانِ ظَهْرٌ، والعَسِيبُ قَضيبُ الرِّيشِ فِي وسَطِه. وأَبْطَن الرَّجُلُ كَشْحَه سَيفَه وَلِسَيْفِهِ: جَعَلَهُ بطانتَه. وأَبطنَ السيفَ كشْحَه إِذَا جَعَلَهُ تَحْتَ خَصْره. وبطَّنَ ثوبَه بثوبٍ آخَرَ: جَعَلَهُ تَحْتَهُ. وبِطانةُ الثَّوْبِ: خلافُ ظِهارته. وبطَّنَ فُلَانٌ ثَوْبَهُ تَبْطِينًا: جَعَلَ لَهُ بِطَانَةً، ولِحافٌ مَبْطُونٌ ومُبَطَّن، وَهِيَ البِطانة والظِّهارة. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
؛ قَالَ: قَدْ تكونُ البِطانةُ ظِهارةً والظهارةُ بِطَانَةً، وَذَلِكَ أَن كلَّ واحدٍ مِنْهَا قَدْ يكونُ وَجْهًا، قَالَ: وَقَدْ تَقُولُ العربُ هَذَا ظهرُ السَّمَاءِ وَهَذَا بطنُ السَّمَاءِ لِظَاهِرِهَا الَّذِي تَرَاهُ. وَقَالَ غَيْرُ الْفَرَّاءِ: البِطانةُ مَا بطَنَ مِنَ الثَّوْبِ وَكَانَ مِنْ شأْن النَّاسِ إخْفاؤه، وَالظِّهَارَةُ مَا ظَهَرَ وَكَانَ مِنْ شأْن النَّاسِ إِبْدَاؤُهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا قَالَ الْفَرَّاءُ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ إِذَا وَلِيَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قوْماً، كحائطٍ يَلِي أَحد صَفْحَيْه قَوْمًا، والصَّفْحُ الآخرُ قَوْمًا آخَرِينَ، فكلُّ وجهٍ مِنَ الْحَائِطِ ظَهْرٌ لِمَنْ يَلِيهِ، وكلُّ واحدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ظَهْر وبَطْن، وَكَذَلِكَ وجْها الْجَبَلِ وَمَا شاكلَه، فأَما الثوبُ فَلَا يَجُوزُ أَن تكونَ بطانتُه ظِهَارَةً وَلَا ظِهارتُه بِطانةً، وَيَجُوزُ أَن يُجْعَل مَا يَلينا مِنْ وَجْهِ السَّمَاءِ والكواكِب ظهْراً وبطْناً، وَكَذَلِكَ مَا يَلينا مِنْ سُقوف الْبَيْتِ. أَبو عُبَيْدَةَ: فِي باطِن وظِيفَيِ الْفَرَسِ أَبْطَنانِ، وَهُمَا عِرْقان اسْتَبْطَنا الذِّراعَ حَتَّى انغَمَسا فِي عَصَب الوَظيف. الْجَوْهَرِيُّ: الأَبْطَنُ فِي ذِراع الفرسِ عِرْق فِي بَاطِنِهَا، وَهُمَا أَبْطَنانِ. والأَبْطَنانِ: عِرْقان مُسْتَبْطِنا بَواطِن وظِيفَي الذراعَينِ حَتَّى يَنْغَمِسا فِي الكَفَّين. والبِطانُ: الحزامُ الَّذِي يَلي البَطْنَ. والبِطانُ: حِزامُ الرَّحْل والقَتَب، وَقِيلَ: هُوَ لِلْبَعِيرِ كالحِزام لِلدَّابَّةِ، وَالْجَمْعُ أَبطِنةٌ وبُطُن. وبَطَنَه يَبْطُنُه وأَبْطَنَه: شَدَّ بِطانه. قَالَ ابْنُ الأَعرابي وَحْدَهُ: أَبْطَنْتُ الْبَعِيرَ وَلَا يُقَالُ بَطَنْتُه، بِغَيْرِ أَلف؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ الظَّلِيمَ:
أَو مُقْحَم أَضْعَفَ الإِبْطانَ حادجُه، ... بالأَمسِ، فاستَأْخَرَ العِدْلانِ والقَتَبُ
شَبَّه الظَّليمَ بجَمَل أَضْعَفَ حادِجُهُ شَدَّ بِطانِه فاسترْخَى؛ فشبَّه استِرْخاء «2». عِكْمَيْه بِاسْتِرْخَاءِ جَناحَيِ الظَّليم، وَقَدْ أَنكر أَبو الْهَيْثَمِ بَطَنْت، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَبْطَنت، واحتجَّ بِبَيْتِ ذِي الرُّمَّةِ. قَالَ الأَزهري: وبَطَنْتُ لغةٌ أَيضاً.
__________
(2). قوله [فشبه استرخاء إلخ] كذا بالأَصل والتهذيب أيضاً، ولعلها مقلوبة، والأَصل: فشبه استرخاء جناحي الظليم باسترخاء عكميه
(13/56)

والبِطانُ للقَتَب خَاصَّةً، وَجَمْعُهُ أَبْطِنة، والحزامُ للسَّرْج. ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ أَبْطَنَ حِمْلَ البعيرِ وواضَعَه حَتَّى يتَّضِع أَي حَتَّى يَسْترْخي عَلَى بَطْنه وَيَتَمَكَّنَ الحِمْل مِنْهُ. الْجَوْهَرِيُّ: البِطانُ للقَتَب الحزامُ الَّذِي يَجْعَلُ تَحْتَ بَطْنِ الْبَعِيرِ. يُقَالُ: التَقَتْ حَلْقَتا الْبَطَّانِ للأَمر إِذَا اشتدَّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّصدير للرحْل، يُقَالُ مِنْهُ: أَبْطَنْتُ البعيرَ إِبْطاناً إِذَا شَدَدْتَ بِطانَه. وَإِنَّهُ لعريضُ البِطانِ أَي رَخِيُّ البالِ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي بَابِ الْبَخِيلِ، يموتُ ومالُه وافِرٌ لَمْ يُنْفق مِنْهُ شَيْئًا: مَاتَ فلانٌ بِبِطْنَتِه لَمْ يتَغَضْغَضْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَمِثْلُهُ: مَاتَ فلانٌ وَهُوَ عريضُ البِطانِ أَي مالُه جَمٌّ لَمْ يَذهَبْ مِنْهُ شيءٌ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: ويُضْرَب هَذَا المثلُ فِي أَمر الدِّين أَي خرَجَ مِنَ الدُّنْيَا سَلِيمًا لَمْ يَثْلِمْ دينَه شيءٌ، قَالَ ذَلِكَ عَمْرُو ابنُ الْعَاصِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوف لَمَّا مَاتَ: هَنِيئًا لَكَ خرَجْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِبِطْنَتِكَ لَمْ يتَغَضْغَضْ مِنْهَا شَيْءٌ؛ ضرَبَ البطْنةَ مَثَلًا فِي أَمر الدِّينِ، وتغضْغَضَ الماءُ: نَقَصَ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذمَّاً وَلَمْ يُرِدْ بِهِ هُنَا إلْا المَدْحَ. وَرَجُلٌ بَطِنٌ: كثيرُ الْمَالِ. والبَطِنُ: الأَشِرُ. والبِطْنةُ: الأَشَرُ. وَفِي المَثَل: البِطْنةُ تُذْهِبُ الفِطْنةَ، وَقَدْ بَطِنَ. وشأْوٌ بَطِينٌ: واسعٌ. والبَطين: الْبَعِيدُ، يُقَالُ: شأْوٌ بَطِينٌ أَي بَعِيدٌ؛ وأَنشد:
وبَصْبَصْنَ، بَيْنَ أَداني الغَضَا ... وَبَيْنَ عُنَيْزةَ، شأْواً بَطِيناً
قَالَ: وَفِي حَدِيثِ
سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَد: الشَّوْطُ بَطِينٌ
أَي بَعِيدٌ. وتبطَّن الرجلُ جاريتَه إِذَا باشَرها ولمَسَها، وَقِيلَ: تبطَّنها إِذَا أَوْلَج ذكرَه فِيهَا؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ:
كأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَواداً لِلَذَّةٍ، ... وَلَمْ أَتَبطَّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالِ
وَقَالَ شَمِرٌ: تبطَّنها إِذَا باشَرَ بطنُه بطنَها فِي قَوْلِهِ:
إِذَا أَخُو لذَّةِ الدُّنْيَا تبطَّنها
وَيُقَالُ: اسْتَبْطَن الفحلُ الشَّوْلَ إِذَا ضربَها فلُقحَت كلُّها كأَنه أَوْدع نطفتَه بُطُونَهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ:
فَلَمَّا رأَى الجَوْزاءَ أَولُ صابِحٍ، ... وصَرَّتَها فِي الْفَجْرِ كالكاعِب الفُضُلْ،
وخَبَّ السَّفا، واسْتبطن الفحلُ، والتقتْ ... بأَمْعَزِها بُقْعُ الجَنادِبِ تَرْتَكِلْ
صرَّتُها: جماعة كَوَاكِبَهَا، والجَنادِب ترتَكِل مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضاء. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْر: لَيْسَ مِنْ حَيَوانٍ يتبطَّنُ طَروقتَه غيرُ الإِنسان وَالتِّمْسَاحِ، قَالَ: وَالْبَهَائِمُ تأْتي إِنَاثُهَا مِنْ وَرَائِهَا، والطيرُ تُلْزِق الدُّبُرَ بِالدُّبُرِ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ تبطَّنَها أَي عَلَا بطْنَها ليُجامِعَها. واسْتبطنْتُ الشيءَ وتبَطَّنْتُ الكلأَ: جَوَّلتُ فِيهِ. وابْتَطنْتُ الناقةَ عشرةَ أَبطن أَي نَتجْتُها عشرَ مَرَّاتٍ. وَرَجُلٌ بَطِين الكُرْز إِذَا كَانَ يَخبَأُ زادَه فِي السَّفَرِ ويأْكل زادَ صَاحِبِهِ؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ يَذُمُّ رَجُلًا:
أَو كُرَّزٌ يَمْشِي بَطينَ الكُرْزِ
والبُطَيْن: نَجْمٌ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ بَيْنَ الشرَطَيْن والثُّرَيَّا، جَاءَ مصغَّراً عَنِ الْعَرَبِ، وَهُوَ ثلاثةُ كواكبَ صِغَارٍ مُسْتَوِيَةِ التَّثْلِيثِ كأَنها أَثافي، وَهُوَ بَطْنُ الحمَل، وصُغِّر لأَن الحمَل نجومٌ كَثِيرَةٌ عَلَى صُورَةِ الحَمَل، والشرَطان قَرْناه، والبُطَيْن بَطنُه، وَالثُّرَيَّا أَليتُه، وَالْعَرَبُ تزعُم أَن البُطَين لَا نَوْء لَهُ إِلَّا الريحُ. والبَطينُ: فَرَسٌ مَعْرُوفٌ مِنْ
(13/57)

خَيْلِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ البِطان، وَهُوَ ابْنُ البَطين «1». والبَطين: رَجُلٌ مِنَ الخَوارج. والبُطَين الحِمْضيّ: من شُعَرائهم.
بعكن: رَمْلة بَعْكنةٌ: غَلِيظَةٌ تشتدُّ عَلَى الْمَاشِي فِيهَا.
بغدن: بَغْداذ وبَغْذاد وبَغْذاذ وبَغْدانُ، بِالنُّونِ، وبَغْدينُ ومَغْدان: مَدِينَةُ السَّلَامِ، مُعَرَّبٌ، تذكَّر وتؤَنث؛ وأَنشد الْكِسَائِيُّ:
فَيَا لَيْلَةً خُرْسَ الدَّجاجِ طَوِيلَةً ... بِبَغْدانَ، مَا كادَتْ عَنِ الصُّبْحِ تَنْجَلي
قَالَ: يَعْنِي خرساً دَجاجُها.
بقن: الأَزهري: أَما بَقَنَ فَإِنَّ اللَّيْثَ أَهمله، وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: أَبْقَن إِذَا أَخصَبَ جَنابُه واخضرَّت نِعالُه. والنِّعالُ: الأَرضون الصُّلبة.
بلن: فِي الْحَدِيثِ:
ستَفْتَحون بِلَادًا فِيهَا بَلَّاناتٌ
أَي حَمَّامَاتٌ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: الأَصل بَلّالات، فأَبدل اللَّامَ نوناً.
بلسن: البُلْسُن: العَدَس، يَمَانِيَةٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَهَلْ كَانَتِ الأَعرابُ تَعْرِف بُلْسُنا
الْجَوْهَرِيُّ: البُلْسُن، بِالضَّمِّ، حَبٌّ كَالْعَدَسِ وليس به.
بلهن: البُلَهْنِية والرُّفَهْنِية: سَعَة الْعَيْشِ، وَكَذَلِكَ الرُّفَغْنِية. يُقَالُ: هُوَ فِي بُلَهْنِية مِنَ الْعَيْشِ أَي فِي سَعة ورَفاغِية، وَهُوَ مُلْحق بِالْخُمَاسِيِّ بأَلف فِي آخِرِهِ، وَإِنَّمَا صَارَتْ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: بُلَهْنِية حَقُّهَا أَن تُذْكر فِي بَلَهَ فِي حَرْفِ الْهَاءِ لأَنها مُشتقة مِنَ البَلَه أَي عَيْش أَبْلَه قَدْ غَفَل «2». والنونُ والياءُ فِيهِ زَائِدَتَانِ للإِلحاق بخُبَعْثِنةٍ، والإِلحاق هُوَ بِالْيَاءِ فِي الأَصل، فأَما أَلف مِعْزًى فَإِنَّهَا بَدَلٌ مِنْ يَاءِ الإِلحاق.
بنن: البَنَّة: الرِّيحُ الطيِّبة كَرَائِحَةِ التُّفّاح وَنَحْوِهَا، وجمعُها بِنانٌ، تَقُولُ: أَجِدُ لِهَذَا الثَّوْبِ بَنَّةً طيِّبة مِنْ عَرْف تُفَّاحٍ أَو سَفَرْجَل. قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَعَلُوهُ اسْمًا لِلرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ كالخَمْطة. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِنَّ لِلْمَدِينَةِ بَنَّةً
؛ البَنَّة: الرِّيحُ الطيِّبة، قَالَ: وَقَدْ يُطلق عَلَى الْمَكْرُوهَةِ. والبَنَّة: ريحُ مَرابِضِ الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ، وَرُبَّمَا سُمِّيَتْ مرابضُ الْغَنَمِ بَنَّة؛ قَالَ:
أَتاني عَنْ أَبي أَنَسٍ وعيدٌ، ... ومَعْصُوبٌ تَخُبُّ بِهِ الرِّكابُ
وعيدٌ تَخْدُجُ الأَرآمُ مِنْهُ، ... وتَكره بَنَّةَ الغَنمِ الذِّئابُ
وَرَوَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ: تُخْدِجُ أَي تَطْرَح أَولادَها نُقَّصاً. وَقَوْلُهُ: معصوبٌ كتابٌ أَي هُوَ وَعِيدٌ لَا يكونُ أَبداً لأَن الأَرْآم لَا تُخْدِجُ أَبداً، وَالذِّئَابُ لَا تَكْرَهُ بَنَّة الْغَنَمِ أَبداً. الأَصمعي فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبو حَاتِمٍ: البَنَّة تُقَالُ فِي الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَغَيْرِ الطَّيِّبَةِ، وَالْجَمْعُ بِنانٌ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ الثورَ الْوَحْشِيَّ:
أَبَنَّ بِهَا عوْدُ المَباءَةِ، طَيِّبٌ ... نسيمَ البِنانِ فِي الكِناسِ المُظَلَّلِ
قَوْلُهُ: عَود المباءَة أَي ثَوْر قَدِيمُ الكِناس، وَإِنَّمَا نَصَب النسيمَ لَمَّا نَوَّنَ الطيِّبَ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ الإِضافةُ فَضَارَعَ قولَهم هُوَ ضاربٌ زَيْدًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً؛ أَي كِفاتَ أَحياءٍ وأَمواتٍ، يَقُولُ: أَرِجَتْ ريحُ مُبَاءَتِنَا مِمَّا أَصاب أَبعارَه مِنَ الْمَطَرِ. والبَنَّة أَيضاً: الرَّائِحَةُ المُنْتِنة، قَالَ: وَالْجَمْعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِنانٌ،
__________
(1). قوله [وهو ابن البطين] عبارة القاموس: وهو أبو البطين
(2). قوله [قد غفل] عبارة القاموس: وعيش أبله ناعم كأن صاحبه غافل عن الطوارق
(13/58)

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَزَعَمَ أَبو عُبَيْدٍ أَن البَنَّة الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ فَقَطْ، قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بِدَلِيلِ قَوْلِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، للأَشْعث بْنِ قَيْس حِينَ خطَب إِلَيْهِ ابْنَتَه: قُمْ لَعَنَكَ اللَّهُ حَائِكًا فَلَكَأَنِّي أَجِدُ منكَ بَنَّةَ الغَزْلِ
، وَفِي رِوَايَةٍ
قَالَ لَهُ الأَشْعثُ بنُ قَيْس: مَا أَحْسِبُكَ عَرَفْتني يَا أَمير المؤْمنين، قَالَ: بَلَى وَإِنِّي لأَجِدُ بَنَّة الْغَزْلِ مِنْكَ
أَي رِيحَ الْغَزْلِ، رَمَاهُ بِالْحِيَاكَةِ، قِيلَ: كَانَ أَبو الأَشْعث يُولَع بالنِّساجة. والبِنُّ: الموضعُ المُنتِنُ الرَّائِحَةِ. الْجَوْهَرِيُّ: البَنَّةُ الرَّائِحَةُ، كَرِيهَةً كَانَتْ أَو طَيِّبَةً. وكِناسٌ مُبِنٌّ أَي ذُو بَنَّةٍ، وَهِيَ رَائِحَةُ بَعْر الظِّباء. التَّهْذِيبُ: وَرَوَى
شَمِرٌ فِي كِتَابِهِ أَن عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سأَل رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الثَّغْر فَقَالَ: هَلْ شَرِبَ الجَيْشُ في البُنيات الصغار «1».؟ قَالَ: لَا، إِنَّ الْقَوْمَ لَيُؤْتَوْنَ بالإِناء فيَتداولُونه حَتَّى يَشْرَبُوهُ كلُّهم
؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: البُنيات هاهنا الأَقداحُ الصِّغار. والإِبْنانُ: اللُّزومُ. وأَبْنَنْتُ بِالْمَكَانِ إِبْناناً إِذَا أَقمْت بِهِ. ابْنُ سِيدَهْ: وبَنَّ بِالْمَكَانِ يَبِنُّ بَنّاً وأَبَنَّ أَقام بِهِ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَبَنَّ بِهَا عَوْدُ المباءةِ طَيِّبٌ
وأَبى الأَصمعي إِلَّا أَبَنَّ. وأَبَنّتِ السحابةُ: دامَتْ ولزِمَتْ. وَيُقَالُ: رأَيت حَيًّا مُبِنًّا بِمَكَانِ كَذَا أَي مُقِيمًا. والتبنينُ: التَّثْبِيتُ فِي الأَمر. والبَنِينُ: المتثبِّت الْعَاقِلُ. وَفِي حَدِيثِ
شُرَيْحٍ: قَالَ لَهُ أَعرابيّ وأَراد أَن يَعْجَل عَلَيْهِ بِالْحُكُومَةِ.
تَبَنَّن، أَي تثَبَّتْ، مِنْ قَوْلِهِمْ أَبَنَّ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقام فِيهِ؛ وَقَوْلُهُ:
بَلَّ الذُّنابا عَبَساً مُبِنّاً
يَجُوزُ أَن يَكُونَ اللازمَ اللَّازِقَ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنَ البَنَّة الَّتِي هِيَ الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ عَلَى الْفِعْلِ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ عَلَى النَّسَبِ. والبَنان: الأَصابع: وَقِيلَ: أَطرافها، واحدتها بَناتةٌ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
أَلا ليتَني قطَّعتُ مِنْهُ بَنانَه، ... ولاقَيْتُه يَقْظان فِي البيتِ حادِرا
وَفِي حَدِيثِ
جَابِرٍ وقتْل أَبيه يومَ أُحُد: مَا عَرَفْتُه إِلَّا ببَنانه.
والبَنانُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
؛ يَعْنِي شَواهُ؛ قَالَ الْفَارِسِيُّ: نَجْعلُها كخُفّ الْبَعِيرِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا فِي صِنَاعَةٍ؛ فأَما مَا أَنشده سِيبَوَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ:
قَدْ جَعَلَت مَيٌّ، عَلَى الطِّرارِ، ... خَمْسَ بنانٍ قانِئ الأَظفارِ
فَإِنَّهُ أَضاف إِلَى الْمُفْرِدِ بِحَسَبِ إِضَافَةِ الْجِنْسِ، يَعْنِي بِالْمُفْرَدِ أَنه لَمْ يكسَّر عَلَيْهِ واحدُ الْجَمْعِ، إِنَّمَا هُوَ كسِدْرة وسِدَر، وجمعُ الْقِلَّةِ بناناتٌ. قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتَعَارُوا بناءَ أَكثر الْعَدَدِ لأَقله؛ وَقَالَ:
خَمْسَ بنانٍ قانئِ الأَظفار
يُرِيدُ خَمْسًا مِنَ البَنان. وَيُقَالُ: بنانٌ مُخَضَّبٌ لأَن كُلَّ جَمْعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ الهاءُ فإِنه يُوَحِّد ويذكَّرُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
؛ قال أَبو إسحق: البَنانُ هاهنا جميعُ أَعضاء الْبَدَنِ، وَحَكَى الأَزهري عَنِ الزَّجَّاجِ قَالَ: واحدُ الْبَنَانِ بَنانة، قَالَ: ومعناه هاهنا الأَصابعُ وغيرُها مِنْ جَمِيعِ الأَعضاء، قَالَ: وَإِنَّمَا اشتقاقُ الْبَنَانِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَبَنَّ بِالْمَكَانِ، والبَنانُ بِهِ يُعْتَمل كلُّ مَا يَكُونُ للإِقامة وَالْحَيَاةِ. اللَّيْثُ: الْبَنَانُ أَطرافُ الأَصابع مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، قال: والبَنان
__________
(1). قوله [في البنيات الصغار] وقوله [البنيات هاهنا الأَقداح إلخ] هكذا بالتاء آخره في الأَصل ونسخة من النهاية. وأورد الحديث في مادة بني وفي نسخة منها بنون آخره
(13/59)

فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ الشَّوى، وَهِيَ الأَيدي والأَرجُل، قَالَ: وَالْبَنَانَةُ الإِصْبَعُ الْوَاحِدَةُ؛ وأَنشد:
لاهُمَّ أَكْرَمْتَ بَنِي كنانهْ، ... لَيْسَ لحيٍّ فوقَهم بَنانهْ
أَي لَيْسَ لأَحدٍ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ قِيسَ إِصبعٍ. أَبو الْهَيْثَمِ قَالَ: البَنانة الإِصبعُ كلُّها، قَالَ: وَتُقَالُ للعُقدة العُليا مِنَ الإِصبع؛ وأَنشد:
يُبَلِّغُنا مِنْهَا البَنانُ المُطرَّفُ
والمُطرَّفُ: الَّذِي طُرِّفَ بِالْحِنَّاءِ، قَالَ: وَكُلُّ مَفْصِل بَنانة. وبُنانةُ، بِالضَّمِّ: اسمُ امرأَة كَانَتْ تحتَ سَعْد بْنِ لُؤَيّ بْنِ غالبِ بن فِهْرٍ، ويُنسَبُ ولدُه إِلَيْهَا وَهُمْ رَهْط ثَابِتِ البُنانيّ. ابْنُ سِيدَهْ: وبُنانةُ حيٌّ مِنَ الْعَرَبِ، وَفِي الْحَدِيثِ ذكرُ بُنانة، وَهِيَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ الأُولى مَحِلة مِنَ المَحالّ الْقَدِيمَةِ بالبَصرة. والبَنانة والبُنانة: الرَّوْضة المُعْشِبة. أَبو عَمْرٍو: البَنْبَنة صوتُ الفُحْشِ والقَذَع. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: بَنْبَنَ الرجلُ إِذَا تكلَّم بِكَلَامِ الْفُحْشِ، وَهِيَ البَنْبنة؛ وأَنشد أَبو عَمْرٍو لِكَثِيرٍ الْمُحَارِبِيِّ:
قَدْ مَنَعَتْني البُرَّ وَهِيَ تَلْحانْ، ... وَهُوَ كَثيرٌ عندَها هِلِمّانْ،
وَهِيَ تُخَنْذي بالمَقالِ البَنْبانْ
قَالَ: البَنْبانُ الرَّدِيءُ مِنَ الْمَنْطِقِ والبِنُّ: الطِّرْق مِنَ الشَّحْمِ يُقَالُ لِلدَّابَّةِ إِذا سَمِنتْ: ركِبَها طِرْقٌ عَلَى طِرْقٍ «2» الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِمْ بَلْ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ: تَقُولُ بَلْ واللهِ لَا آتيكَ وبَنْ وَاللَّهِ، يَجْعَلُونَ اللَّامَ فِيهَا نُونًا، قَالَ: وَهِيَ لُغَةُ بَنِي سَعْدٍ وَلُغَةُ كَلْبٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الباهِلِيين يَقُولُونَ لَا بَنْ بِمَعْنَى لَا بَلْ، قَالَ: وَمِنْ خَفيفِ هَذَا الْبَابِ بَنْ وَلَا بَنْ لغةٌ فِي بَلْ وَلَا بَلْ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْبَدَلِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: بَلْ كَلِمَةُ استدراكٍ وإِعلامٍ بالإِضْراب عَنِ الأَولِ، وَقَوْلُهُمْ: قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْروٌ وبَنْ عَمْروٌ، فَإِنَّ النُّونَ بدلٌ مِنَ اللَّامِ، أَلا تَرَى إِلَى كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ بَلْ وقلَّة اسْتِعْمَالِ بَنْ والحُكْمُ عَلَى الأَكثر لَا الأَقلِّ؟ قَالَ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَمره قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولسْتُ أَدفعُ مَعَ هَذَا أَن يَكُونَ بَنْ لُغَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، قَالَ: وَمِمَّا ضُوعِفَ مِنْ فائِه ولامِه بَنْبان، غَيْرُ مَصْرُوفٍ، مَوْضِعٌ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ؛ وأَنشد شَمِرٌ:
فَصَارَ ثنَاها فِي تميمٍ وغيرِهم، ... عَشِيَّة يأْتيها بِبَنْبانَ عِيرُها
يَعْنِي مَاءً لِبَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ بَنْبان؛ وَفِي دِيَارِ تَمِيمٍ ماءٌ يُقَالُ لَهُ بَنْبان ذَكَرَهُ الحُطيئة فَقَالَ:
مُقِيمٌ عَلَى بَنْبانَ يَمْنَعُ ماءَه، ... وماءَ وَسِيعٍ ماءَ عَطْشان مُرْمل
يَعْنِي الزِّبْرِقان أَنه حَلَّأَه عَنِ الماء.
بهكن: إمرأَة بَهْكنةٌ وبُهاكِنة: تَارَّةٌ غضَّة وَهِيَ ذَاتُ شَبابٍ بَهْكَنٍ أَي غَضٍّ، وربما قالوا بَهْكَل؛ قال السَّلوليّ:
بُهاكِنةٌ غَضَّةٌ بَضَّة، ... بَرُودُ الثَّنايا خِلافَ الكَرى
التَّهْذِيبُ: جَارِيَةٌ بَهْكَنةٌ تَارَّةٌ غَريضة، وهُنَّ البَهْكَناتُ والبَهاكِن. ابْنُ الأَعرابي: البَهْكَنةُ الجاريةُ الخفيفةُ الرُّوحِ الطيِّبة الرائحةِ المليحةُ الحلوة.
بهنن: البَهْنانةُ: الضحَّاكة المُتهلِّلة؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا رُبَّ بَهْنانةٍ مُخَبَّأَةٍ، ... تَفْتَرُّ عَنْ ناصعٍ من البَرَد
__________
(2). قوله [رَكِبَهَا طِرْقٌ عَلَى طِرْقٍ] هكذا بالأَصل، وفي التكملة بعد هذه العبارة: وبنّ على بنّ وهي المناسبة للاستشهاد فلعلها ساقطة من الأَصل
(13/60)

وَقِيلَ: البَهْنانةُ الطيِّبةُ الرِّيحِ، وَقِيلَ: الطيِّبة الرَّائِحَةِ الحسَنة الخُلقِ السَّمْحة لزَوْجِها، وَفِي الصِّحَاحِ: الطيِّبة النفَس والأَرَجِ، وَقِيلَ: هِيَ الليِّنة فِي عَمَلِهَا ومَنْطقها. وَفِي حَدِيثِ الأَنصار:
ابْهَنُوا مِنْهَا آخِرَ الدَّهْرِ
أَي افرَحوا وطيبُوا نفْساً بصُحْبَتي، مِنْ قَوْلِهِمُ امرأَةٌ بَهْنانةٌ أَي ضَاحِكَةٌ طَيِّبَةُ النفَس والأَرَج؛ فأَما قَوْلُ عَاهَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
أَلا قالتْ بَهانِ، ولمْ تأَبَّقْ: ... نَعِمْتَ وَلَا يَليقُ بكَ النَّعيمُ
بَنونَ وهَجْمَةٌ كأَشاءِ بُسٍّ، ... صَفايا كَثَّةُ الأَوْبارِ كُومُ
فَإِنَّهُ يُقَالُ بَهانِ أَراد بَهْنانةً، قَالَ: وَعِنْدِي أَنه اسْمُ عَلَمٍ كحَذامِ وقَطامِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ تَأَبَّقْ أَي لَمْ تأْنفْ، وَقِيلَ: لَمْ تأَبَّقْ لَمْ تفِرّ، مأْخوذ مِنْ أَباقِ العبدِ، وَهَذَا الْبَيْتُ أَورده الْجَوْهَرِيُّ مَنْسُوبًا لعامانَ بِالْمِيمِ، وَلَمْ يُنبِّه عَلَيْهِ ابْنُ بَرِّيٍّ بَلْ أَقرّه عَلَى اسْمِهِ وزاد في نسَبه، وَهُوَ عَاهَانُ بِالْهَاءِ كَمَا أَورده ابْنُ سِيدَهْ، وَذَكَرَهُ أَيضاً فِي عَوَهَ وَقَالَ: هُوَ عَلَى هَذَا فَعْلانُ وَفَاعَالُ فِيمَنْ جَعَلَهُ مِنْ عَهنَ؛ وأَورده الْجَوْهَرِيُّ:
كبِرْتَ وَلَا يَلِيقُ بِكَ النَّعِيمُ
وَصَوَابُهُ نَعِمتَ كَمَا أَورده ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ. وبُسُّ: اسمُ مَوْضِعٍ كَثِيرِ النَّخْلِ. الْجَوْهَرِيُّ: وبَهانِ اسمُ امرأَة مِثْلُ قَطامِ. وَفِي حَدِيثِ هَوازن:
أَنهم خَرَجُوا بدُرَيْد بْنِ الصِّمَّةَ يتَبَهّنون بِهِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: قِيلَ إِنَّ الرَّاوِيَ غَلِطَ وَإِنَّمَا هُوَ يَتَبَهْنَسون، والتَّبَهنُسُ كالتَّبَخْتر فِي الْمَشْيِ، وَهِيَ مِشْية الأَسد أَيضاً، وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ تصحيفُ يتَيمَّنُون بِهِ، مِنَ اليُمْنِ ضِدّ الشُّؤْم. والباهِينُ: ضرْبٌ مِنَ التَّمْرِ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُرة: أَخبرني بعضُ أَعراب عُمانَ أَنَّ بهَجَر نَخْلَةٌ يُقَالُ لَهَا الباهينُ، لَا يَزَالُ عَلَيْهَا السَّنةَ كلَّها طلعٌ جديدٌ وكبائسُ مُبْسِرة وأُخَرُ مُرْطِبة ومُتْمِرة. الأَزهري عَنْ أَبي يُوسُفَ: البَيْهَنُ النَّسْتَرَنُ مِنَ الرّياحِين، والبَهْنَوِيُّ مِنَ الإِبلِ: مَا بَيْنَ الكِرْمانيّة وَالْعَرَبِيَّةِ، وَهُوَ دَخِيل فِي الْعَرَبِيَّةِ.
بون: البَوْنُ والبُونُ: مسافةُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَ كُثيِّر عزَّة:
إِذَا جاوَزوا معروفَه أَسْلَمْتُهُمْ ... إِلَى غمرةٍ ... ينظرُ القومُ بُونَها «1»
. وَقَدْ بانَ صاحبُه بَوْناً. والبِوانُ، بِكَسْرِ الْبَاءِ: «2». عَمُودٌ مِنْ أَعْمِدة الخِباء، وَالْجَمْعُ أَبْوِنةٌ وبُونٌ، بِالضَّمِّ، وبُوَنٌ، وأَباها سِيبَوَيْهِ. والبُونُ: موضعٌ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَا أَدري مَا صحتُه. الْجَوْهَرِيُّ: البانُ ضربٌ مِنَ الشَّجَرِ، وَاحِدَتُهَا بانةٌ؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ:
بَرَهْرهةٌ رُؤْدةٌ رَخْصةٌ، ... كخُرْعوبةِ البانةِ المنفطِرْ
وَمِنْهُ دُهْنُ البانِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي بَيَنَ وَعَلَّلَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَفِي حَدِيثِ
خَالِدٍ: فَلَمَّا أَلْقى الشامُ بَوانِيَه عزلَني وَاسْتَعْمَلَ غَيْرِي
أَي خيرَه وَمَا فِيهِ مِنَ السَّعة والنّعْمة. وَيُقَالُ: أَلقى عَصاه وأَلقى بَوانِيَه. قَالَ ابْنُ الأَثير: البَواني فِي الأَصل أَضْلاعُ الصدْرِ، وَقِيلَ: الأَكتافُ والقوائمُ، الْوَاحِدَةُ بَانِيَةٌ، قَالَ: ومنْ حقِّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَن تَجِيءَ فِي بَابِ الْبَاءِ وَالنُّونِ وَالْيَاءِ، قَالَ: وَذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَرِدْ حَيْثُ وَرَدَتْ إِلَّا مَجْمُوعَةً. وَفِي
__________
(1). قوله [إلى غمرة إلخ] هكذا فيه بياض بالأَصل
(2). قوله [بكسر الباء] عبارة التكملة: والبوان بالضم عمود الخيمة لغة في البوان بالكسر، عن الفراء
(13/61)

حَدِيثِ
عَلِيٍّ: أَلقَت السماءُ بَرْكَ بَوانيها
؛ يريدُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَطَرِ. والبُوَيْن: مَوْضِعٌ؛ قَالَ مَعْقِل بْنُ خوَيلد:
لعَمْري لَقَدْ نَادَى المُنادي فراعَني، ... غَداةَ البُوَيْنِ، مِنْ قَرِيبٍ فأَسْمَعا
وبُوانات: مَوْضِعٌ؛ قَالَ مَعْن بْنُ أَوس:
سَرَتْ مِنْ بُواناتٍ فبَوْنٍ فأَصْبَحَتْ ... بقَوْرانَ، قَورانِ الرِّصاف تُواكِله
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: بُوانةُ، بِالضَّمِّ، اسمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَقَدْ لَقِيَتْ شَوْلٌ، بجَنْبَيْ بُوانةٍ، ... نَصِيّاً كأَعْرافِ الكَوادِنِ أَسْحَما
وَقَالَ وضَّاح الْيَمَنِ:
أَيا نَخْلَتَيْ وادِي بُوانةَ حَبَّذا، ... إِذَا نامَ حُرَّاسُ النخيلِ، جَناكما
قَالَ: وَرُبَّمَا جَاءَ بِحَذْفِ الْهَاءِ؛ قَالَ الزَّفَيان:
مَاذَا تَذَكَّرْتُ مِنَ الأَظْعان، ... طَوالِعاً مِنْ نحوِ ذِي بُوانِ
قَالَ: وأَما الَّذِي بِبِلَادِ فَارِسَ فَهُوَ شِعْب بَوَّان، بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ المكرَّم: يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ أَطْيب بِقَاعِ الأَرض وأَحسَن أَماكِنِها؛ وَإِيَّاهُ عَنى أَبو الطَّيِّبِ المتنَبِّي بِقَوْلِهِ:
يَقول بشِعْبِ بَوَّانٍ حِصاني: ... أَعَنْ هَذَا يُسارُ إِلَى الطِّعانِ؟
أَبوكُمْ آدَمٌ سَنَّ المَعاصي، ... وعَلَّمكُمْ مُفارَقةَ الجِنانِ
وَفِي حَدِيثِ النذْر:
أَن رَجُلًا نَذَرَ أَن يَنْحَر إِبِلًا بِبُوانَةَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هِيَ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا، هَضْبةٌ مِنْ وَراء يَنبُع. ابْنُ الأَعرابي: البَوْنة الْبِنْتُ الصَّغِيرَةُ. والبَوْنة: الفصيلة. والبَوْنة: الفراق.
بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَقَدْ فَرَّقَ الواشِينَ بَيْنِي وبينَها، ... فقَرَّتْ بِذاكَ الوَصْلِ عَيْنِي وعينُها
وَقَالَ قيسُ بْنُ ذَريح:
لَعَمْرُك لَوْلَا البَيْنُ لَا يُقْطَعُ الهَوى، ... وَلَوْلَا الْهَوَى مَا حَنَّ لِلبَيْنِ آلِفُ
فالبَينُ هُنَا الوَصْلُ؛ وأَنشد أَبو عَمْرٍو فِي رَفْعِ بَيْنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
كأَنَّ رِماحَنا أَشْطانُ بئْرٍ ... بَعيدٍ بينُ جالَيْها جَرُورِ
وأَنشد أَيضاً:
ويُشْرِقُ بَيْنُ اللِّيتِ مِنْهَا إِلَى الصُّقْل
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَيَكُونُ البَينُ اسْمًا وظَرْفاً مُتمكِّناً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؛ قرئَ بَيْنَكُمْ
بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ عَلَى الْفِعْلِ أَي تقَطَّع وَصْلُكم، والنصبُ عَلَى الْحَذْفِ، يريدُ مَا بَيْنَكُمْ، قرأَ نَافِعٌ وحفصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَالْكِسَائِيِّ بَيْنَكُمْ
نَصْبًا، وقرأَ ابْنُ كَثير وأَبو عَمْروٍ وابنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ بينُكم رَفْعًا، وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: لَقَدْ تقطَّع بينُكم أَي وَصْلُكم، وَمَنْ قرأَ بَيْنَكُمْ
فَإِنَّ أَبا الْعَبَّاسِ رَوَى عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ تقطَّع الَّذِي كانَ بينَكم؛ وَقَالَ الزَّجَّاجُ فيمَنْ فتَحَ الْمَعْنَى: لَقَدْ تقطَّع مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّركة بينَكم، ورُوي عَنِ ابْنِ مسعودٍ أَنه قرأَ لَقَدْ تقطَّع
(13/62)

مَا بينَكم، وَاعْتَمَدَ الفراءُ وغيرُه مِنَ النَّحْوِيِّينَ قراءةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لِمَنْ قرأَ بَيْنَكُمْ*
، وَكَانَ أَبو حَاتِمٍ يُنْكِر هَذِهِ القراءةَ وَيَقُولُ: مَنْ قرأَ بَيْنَكُمْ
لَمْ يُجِزْ إِلَّا بمَوْصول كَقَوْلِكَ مَا بينَكم، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ حذفُ الْمَوْصُولِ وَبَقَاءُ الصلةِ، لَا تُجيزُ العربُ إِنْ قامَ زيدٌ بِمَعْنَى إِنَّ الَّذِي قَامَ زيدٌ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبو حَاتِمٍ خَطَأٌ، لأَن اللَّهَ جَلّ ثَنَاؤُهُ خاطَبَ بِمَا أَنزَل فِي كِتَابِهِ قَوْمًا مُشْرِكِينَ فَقَالَ: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
؛ أَراد لَقَدْ تَقَطَّعَ الشِّرْكُ بَيْنَكُمْ أَي فِيمَا بينَكم، فأَضمرَ الشركَ لِمَا جرَى مِنْ ذِكْر الشُّركاء، فَافْهَمْهُ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: مَن قرأَ بِالنَّصْبِ احْتَمَلَ أَمرين: أَحدُهما أَن يكونَ الفاعلُ مضمَراً أَي لَقَدْ تقطَّع الأَمرُ أَو العَقْدُ أَو الودُّ بينَكم، والآخرُ مَا كَانَ يراهُ الأَخفشُ مِنْ أَن يكونَ بَيْنَكُمْ، وَإِنْ كَانَ منصوبَ اللَّفْظِ مرفوعَ الموضِع بِفِعْلِهِ، غيرَ أَنه أُقِرّتْ عَلَيْهِ نَصْبةُ الظَّرْفِ، وَإِنْ كَانَ مرفوعَ الْمَوْضِعِ لاطِّراد اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ ظَرْفًا، إِلَّا أَن استعمالَ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ صفةٌ لِلْمُبْتَدَإِ مكانَه أَسهلُ مِنِ استعمالِها فاعِلةً، لأَنه لَيْسَ يَلزمُ أَن يَكُونَ المبتدأُ اسْمًا مَحْضًا كَلُزُومِ ذَلِكَ فِي الْفَاعِلِ، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: تسمعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أَن تَرَاهُ؛ أَي سماعُك بِهِ خيرٌ مِنْ رؤْيتك إِيَّاهُ. وَقَدْ بانَ الحيُّ بَيْناً وبَيْنونةً؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ:
فهاجَ جَوًى فِي القَلْب ضَمَّنه الهَوَى ... بِبَيْنُونةٍ، يَنْأَى بِهَا مَنْ يُوادِعُ
والمُبايَنة: المُفارَقَة. وتَبايَنَ القومُ: تَهاجَرُوا. وغُرابُ البَين: هُوَ الأَبْقَع؛ قَالَ عَنْتَرَةُ:
ظَعَنَ الَّذِينَ فِراقَهم أَتَوَقَّعُ، ... وجَرَى ببَيْنِهمُ الغُرابُ الأَبْقَعُ
حَرِقُ الجَناحِ كأَنَّ لحْيَيْ رأْسِه ... جَلَمانِ، بالأَخْبارِ هَشٌّ مُولَعُ
وَقَالَ أَبو الغَوث: غرابُ البَيْنِ هُوَ الأَحمرُ المِنْقارِ والرِّجْلينِ، فأَما الأَسْود فإِنه الحاتِمُ لأَنه يَحْتِمُ بِالْفِرَاقِ. وَتَقُولُ: ضربَه فأَبانَ رأْسَه مِنْ جسدِه وفَصَلَه، فَهُوَ مُبِينٌ. وَفِي حَدِيثِ الشُّرْب:
أَبِنِ القَدَحَ عَنْ فِيكَ
أَي افْصِلْه عَنْهُ عِنْدَ التنفُّس لِئَلَّا يَسْقُط فِيهِ شيءٌ مِنَ الرِّيق، وَهُوَ مِنَ البَينِ البُعْد والفِراق. وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البائِن
أَي المُفْرِطِ طُولًا الَّذِي بَعُدَ عَنْ قَدِّ الرِّجَالِ الطِّوال، وبانَ الشيءُ بَيْناً وبُيوناً. وَحَكَى الفارسيُّ عَنْ أَبي زَيْدٍ: طَلَبَ إِلَى أَبَوَيْه البائنةَ، وَذَلِكَ إِذَا طَلَب إِلَيْهِمَا أَن يُبِيناهُ بِمَالٍ فيكونَ لَهُ عَلَى حِدَةٍ، وَلَا تكونُ البائنةُ إِلَّا مِنَ الأَبوين أَو أَحدِهما، وَلَا تكونُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَبانَه أَبواه إِبانةً حَتَّى بانَ هُوَ بِذَلِكَ يَبينُ بُيُوناً. وَفِي حَدِيثِ
الشَّعْبي قَالَ: سمعتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشيرٍ يَقُولُ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وطَلَبَتْ عَمْرةُ إِلَى بَشِيرِ بْنِ سعدٍ أَن يُنْحِلَني نَحْلًا مِنْ مَالِهِ وأَن يَنْطلِقَ بِي إِلى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى الله عليه وسلم، فيُشْهدَه فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَعَهُ ولدٌ غيرُه؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ أَبَنْتَ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَبَنتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَشهَدُ عَلَى هَذَا، هَذَا جَورٌ، أَشهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، اعْدِلوا بَيْنَ أَولادكم في النِّحْل [النُّحْل] كَمَا تُحِبُّون أَن يَعْدلوا بَيْنَكُمْ فِي البرِّ واللُّطف
؛ قَوْلُهُ: هَلْ أَبَنْتَ كلَّ وَاحِدٍ أَي هَلْ أَعْطَيْتَ كلَّ واحدٍ مَالًا تُبِينُه بِهِ أَي تُفْرِدُه، وَالِاسْمُ البائنةُ. وَفِي حَدِيثِ
الصِّدِّيقِ: قَالَ لِعَائِشَةَ،
(13/63)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنِّي كنتُ أَبَنْتكِ بنُحْل
أَي أَعطيتُكِ. وَحَكَى الْفَارِسِيُّ عَنْ أَبي زَيْدٍ: بانَ وبانَه؛ وأَنشد:
كأَنَّ عَيْنَيَّ، وَقَدْ بانُوني، ... غَرْبانِ فَوقَ جَدْوَلٍ مَجْنونِ
وتبَايَنَ الرجُلانِ: بانَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِكَةِ إِذَا انْفَصَلَا. وبانَت المرأَةُ عَنِ الرَّجُلِ، وَهِيَ بائنٌ: انْفَصَلَتْ عَنْهُ بِطَلَاقٍ. وتَطْليقةٌ بَائِنَةٌ، بِالْهَاءِ لَا غَيْرَ، وَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، أَي تَطْليقةٌ «1». ذاتُ بَيْنونةٍ، وَمِثْلُهُ: عِيشةٌ راضيةٌ أَي ذاتُ رِضاً. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ طَلق امرأَتَه ثمانيَ تَطْلِيقاتٍ: فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا قَدْ بانَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: صدَقُوا؛ بانَتِ المرأَةُ مِنْ زوجِها
أَي انْفَصَلَتْ عَنْهُ وَوَقَعَ عَلَيْهَا طلاقُه. والطَّلاقُ البائِنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَمْلِك الزوجُ فِيهِ استِرْجاعَ المرأَةِ إِلَّا بعَقْدٍ جديدٍ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ. وَيُقَالُ: بانَتْ يدُ الناقةِ عَنْ جَنْبِها تَبِينُ بُيوناً، وبانَ الخلِيطُ يَبينُ بَيْناً وبَيْنونةً؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
أَآذَنَ الثَّاوِي بِبَيْنُونة
ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ لِلْجَارِيَةِ إِذَا تزوَّجت قَدْ بانَت، وهُنّ قَدْ بِنَّ إِذَا تزوَّجْنَ. وبَيَّن فلانٌ بِنْتَه وأَبانَها إِذَا زوَّجَها وَصَارَتْ إِلَى زَوْجِهَا، وبانَت هِيَ إِذَا تَزَوَّجَتْ، وكأَنه مِنَ الْبِئْرِ الْبَعِيدَةِ أَي بَعُدَتْ عَنْ بَيْتِ أَبيها. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ عالَ ثلاثَ بناتٍ حَتَّى يَبِنَّ أَو يَمُتْنَ
؛ يَبِنَّ، بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَي يتزوَّجْنَ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
حَتَّى بانُوا أَو مَاتُوا.
وبئرٌ بَيُونٌ: واسعةُ مَا بَيْنَ الجالَيْنِ؛ وَقَالَ أَبو مَالِكٍ: هِيَ الَّتِي لَا يُصيبُها رِشاؤُها، وَذَلِكَ لأَن جِرابَ الْبِئْرِ مُسْتَقِيمٌ، وَقِيلَ: البَيُونُ البئرُ الْوَاسِعَةُ الرأْسِ الضَّيِّقَة الأَسْفَل؛ وأَنشد أَبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ:
إِنَّك لَوْ دَعَوْتَني، ودُوني ... زَوْراءُ ذاتُ مَنْزعٍ بَيُونِ،
لقُلْتُ: لَبَّيْه لمنْ يَدْعوني
فَجَعَلَهَا زَوْراءَ، وَهِيَ الَّتِي فِي جِرابِها عَوَجٌ، والمَنْزَعُ: الموضعُ الَّذِي يَصْعَدُ فِيهِ الدَّلْوُ إِذَا نُزِع مِنَ الْبِئْرِ، فَذَلِكَ الْهَوَاءُ هُوَ المَنْزَعُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بئرٌ بَيُونٌ وَهِيَ الَّتِي يُبِينُ المُسْتَقي الْحَبْلَ فِي جِرابِها لِعَوَجٍ فِي جُولها؛ قَالَ جَرِيرٌ يَصِفُ خَيْلًا وصَهِيلَها:
يَشْنِفْنَ للنظرِ الْبَعِيدِ، كأَنما ... إرْنانُها ببَوائنُ الأَشْطانِ
أَراد كأَنها تَصْهَل فِي رَكَايَا تُبانُ أَشْطانُها عَنْ نَوَاحِيهَا لِعَوَجٍ فِيهَا إِرْنَانُهَا ذَوَاتُ «2». الأَذنِ والنَّشاطِ مِنْهَا، أَراد أَن فِي صهيلِها خُشْنة وغِلَظاً كأَنها تَصْهَل فِي بئرٍ دَحُول، وَذَلِكَ أَغْلَظُ لِصَهيلِها. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْبَيْتُ لِلْفَرَزْدَقِ لَا لِجَرِيرٍ، قَالَ: وَالَّذِي فِي شِعْرِهِ يَصْهَلْنَ. والبائنةُ: البئرُ البعيدةُ الْقَعْرِ الْوَاسِعَةُ، والبَيونُ مثلُه لأَن الأَشْطانَ تَبِينُ عَنْ جرابِها كَثِيرًا. وأَبانَ الدَّلوَ عَنْ طَيِّ الْبِئْرِ: حادَ بِهَا عَنْهُ لِئَلَّا يُصيبَها فَتَنْخَرِقُ؛ قَالَ:
دَلْوُ عِراكٍ لَجَّ بِي مَنينُها، ... لَمْ تَرَ قَبْلي ماتِحاً يُبينُها
وَتَقُولُ: هُوَ بَيْني وبَيْنَه، وَلَا يُعْطَفُ عليه إلا
__________
(1). قوله [وَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أي تطليقة إلخ] هكذا بالأَصل، ولعل فيه سقطاً
(2). قوله [إرنانها ذوات إلخ] كذا بالأَصل. وفي التكملة: والبيت للفرزدق يهجو جريراً، والرواية إرنانها أي كَأَنَّهَا تَصْهِلُ مِنْ آبَارِ بوائن لسعة أجوافها إلخ. وقول الصاغاني: والرواية إرنانها يعني بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وبالنون كما هنا بخلاف رواية الجوهري فإنها أذنابها، وقد عزا الجوهري هذا البيت لجرير كما هنا فقد رد عليه الصاغاني من وجهين
(13/64)

بِالْوَاوِ لأَنه لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ، وَقَالُوا: بَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ حَدَثَ كَذَا؛ قَالَ أَنشده سِيبَوَيْهِ:
فبَيْنا نَحْنُ نَرْقُبُه، أَتانا ... مُعَلّق وَفْضةٍ، وزِناد راعِ
إِنَّمَا أَراد بَيْنَ نَحْنُ نَرْقبُهُ أَتانا، فأَشْبَعَ الْفَتْحَةَ فحدَثتْ بَعْدَهَا أَلفٌ، فإِن قِيلَ: فلِمَ أَضافَ الظرفَ الَّذِي هُوَ بَيْن، وَقَدْ عَلِمْنَا أَن هَذَا الظرفَ لَا يُضَافُ مِنَ الأَسماء إِلَّا لِمَا يدلُّ عَلَى أَكثر مِنَ الْوَاحِدِ أَو مَا عُطف عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِالْوَاوِ دُونَ سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ نَحْوَ المالُ بينَ القومِ والمالُ بَيْنَ زيدٍ وَعَمْرٍو، وقولُه نَحْنُ نرقُبُه جملةٌ، وَالْجُمْلَةُ لَا يُذْهَب لَهَا بَعْدَ هَذَا الظرفِ؟ فالجواب: أَن هاهنا وَاسِطَةً محذوفةٌ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ بينَ أَوقاتِ نَحْنُ نرْقُبُه أَتانا أَي أَتانا بَيْنَ أَوقات رَقْبَتِنا إِيَّاهُ، والجُمَلُ مِمَّا يُضافُ إِلَيْهَا أَسماءُ الزَّمَانِ نَحْوَ أَتيتك زمنَ الحجاجُ أَميرٌ، وأَوانَ الخليفةُ عبدُ المَلِك، ثُمَّ إِنَّهُ حُذِفَ المضافُ الَّذِي هُوَ أَوقاتٌ ووَليَ الظَّرْفُ الَّذِي كَانَ مُضَافًا إِلَى الْمَحْذُوفِ الْجُمْلَةُ الَّتِي أُقيمت مُقامَ الْمُضَافِ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ أَي أَهلَ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ الأَصمعيُّ يَخْفِضُ بعدَ بَيْنا إِذَا صلَح فِي مَوْضِعِهِ بَيْنَ ويُنشِد قَوْلَ أَبي ذُؤَيْبٍ بِالْكَسْرِ:
بَيْنا تَعَنُّقِه الكُماةَ ورَوْغِه، ... يَوْمًا، أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وغيرُه يرفعُ مَا بعدَ بَيْنا وبَيْنَما عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، وَالَّذِي يُنْشِدُ برَفع تَعنُّقِه وبخفْضِها «1». قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ومثلُه فِي جَوَازِ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ بَعْدَهَا قولُ الْآخَرِ:
كُنْ كيفَ شِئْتَ، فقَصْرُك الموتُ، ... لَا مَزْحَلٌ عَنْهُ وَلَا فَوْتُ
بَيْنا غِنَى بيتٍ وبَهْجَتِهِ، ... زالَ الغِنَى وتَقَوَّضَ البيتُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ تأْتي إذْ فِي جَوَابِ بَيْنَا كَمَا قَالَ حُمَيْد الأَرقط:
بَيْنا الفَتى يَخْبِطُ فِي غَيْساتِه، ... إِذِ انْتَمَى الدَّهْرُ إِلَى عِفْراتِه
وَقَالَ آخَرُ:
بيْنا كَذَلِكَ، إذْ هاجَتْ هَمَرَّجةٌ ... تَسْبي وتَقْتُل، حَتَّى يَسْأَمَ الناسُ
وَقَالَ الْقُطَامِيُّ:
فبَيْنا عُمَيْرٌ طامحُ الطَّرف يَبْتَغي ... عُبادةَ، إذْ واجَهْت أَصحَم ذَا خَتْر
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ يدلُّ عَلَى فسادِ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إنَّ إِذْ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي جَوَابِ بَيْنما بِزِيَادَةِ مَا، وَهَذِهِ بعدَ بَيْنا كَمَا تَرَى؛ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ أَنه قَدْ جَاءَ بَيْنما وَلَيْسَ فِي جَوَابِهَا إِذْ كَقَوْلِ ابْنِ هَرْمة فِي بَابِ النَّسيبِ مِنَ الحَماسةِ:
بينما نحنُ بالبَلاكِثِ فالْقاعِ ... سِراعاً، والعِيسُ تَهْوي هُوِيّا
خطَرَتْ خَطْرةٌ عَلَى القلبِ من ذكراكِ ... وهْناً، فَمَا استَطَعتُ مُضِيّاً
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الأَعشى:
بَيْنَما المرءُ كالرُّدَيْنيّ ذي الجُبَّةِ ... سَوَّاه مُصْلِحُ التَّثْقِيفِ،
رَدَّه دَهْرُه المُضَلّلُ، حَتَّى ... عادَ مِنْ بَعْدِ مَشْيِه التَّدْليفِ
وَمِثْلُهُ قَوْلُ أَبي دُوَادٍ:
بَيْنما المرءُ آمِنٌ، راعَهُ رائعُ ... حَتْفٍ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ انْبِعاقَهْ
وَفِي الْحَدِيثِ:
بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رسولِ اللَّهِ، صَلَّى الله
__________
(1). قوله: [والذي ينشد إلى وبخفضها؛ هكذا في الأَصل، ولعل في الكلام سقطاً
(13/65)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رجلٌ
؛ أَصلُ بَيْنا بَيْنَ، فأُشبِعتْ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلفاً، وَيُقَالُ بَيْنا وبَيْنما، وَهُمَا ظَرْفَا زمانٍ بِمَعْنَى المفاجأَة، ويُضافان إِلَى جُمْلَةٍ مِنْ فعلٍ وفاعلٍ ومبتدإٍ وَخَبَرٍ، ويحْتاجان إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، قَالَ: والأَفصَح فِي جَوَابِهِمَا أَن لَا يكون فيه إذا وَإِذَا، وَقَدْ جَاءَا فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا، تَقُولُ: بَينا زيدٌ جالسٌ دخَل عَلَيْهِ عمرٌو، وَإِذْ دخَل عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الحُرَقة بِنْتِ النُّعمان:
بَيْنا نَسوسُ الناسَ، والأَمرُ أَمْرُنا، ... إِذَا نحنُ فِيهِمْ سُوقةٌ نَتَنَصَّفُ
وأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً
؛ فَإِنَّ الزَّجَّاجَ قَالَ: مَعْنَاهُ جَعَلَنَا بينَهم مِنَ الْعَذَابِ مَا يُوبِقُهم أَي يُهْلِكهم؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ أَي تواصُلهم فِي الدُّنْيَا مَوْبقاً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَي هُلْكاً، وَتَكُونُ بَيْن صِفَةً بِمَنْزِلَةِ وسَط وخِلال. الْجَوْهَرِيُّ: وبَيْن بِمَعْنَى وسْط، تَقُولُ: جلستُ بينَ الْقَوْمِ، كَمَا تَقُولُ: وسْطَ الْقَوْمِ، بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ ظرفٌ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ اسْمًا أَعرَبْتَه؛ تَقُولُ: لَقَدْ تقطَّع بينُكم، بِرَفْعِ النُّونِ، كَمَا قَالَ أَبو خِراش الهُذلي يَصِفُ عُقاباً:
فلاقَتْه ببَلْقَعةٍ بَراحٍ، ... فصادَفَ بينَ عَينَيْه الجَبُوبا
الجبُوب: وَجْهُ الأَرض. الأَزهري فِي أَثناء هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: رُوِيَ عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ الْكَوَاكِبُ البَبانيات «1». هِيَ الَّتِي لَا يَنزِلها شمسٌ وَلَا قمرٌ إِنَّمَا يُهْتَدى بِهَا فِي البرِّ وَالْبَحْرِ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ، ومَهَبُّ الشَّمالِ مِنْهَا، أَوَّلها القُطْب وَهُوَ كوكبٌ لَا يَزول، والجدْي والفَرْقَدان، وَهُوَ بَيْنَ القُطب، وَفِيهِ بَنات نعْشٍ الصُّغْرَى، وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: سَمِعْتُ المبرَّد يَقُولُ إِذَا كَانَ الِاسْمُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ بَيْنا اسْمًا حَقِيقِيًّا رفَعته بِالِابْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ اسْمًا مَصْدَرِيًّا خفضْتَه، وَيَكُونُ بَيْنا فِي هَذَا الْحَالِ بِمَعْنَى بينَ، قَالَ: فسأَلت أَحمد بْنَ يَحْيَى عَنْهُ وَلَمْ أُعلِمْه قَائِلَهُ فَقَالَ: هَذَا الدرُّ، إِلَّا أَنَّ مِنَ الْفُصَحَاءِ مَنْ يَرْفَعُ الِاسْمَ الَّذِي بَعْدَ بَينا وَإِنْ كَانَ مَصْدَرِيًّا فيُلحقه بِالِاسْمِ الْحَقِيقِيِّ؛ وأَنشد بَيْتًا لِلْخَلِيلِ بْنِ أَحمد:
بَينا غِنَى بيتٍ وبَهْجَتِه، ... ذهَبَ الغِنى وتَقَوَّضَ البَيْتُ
وَجَائِزٌ: وبهْجَتُه، قَالَ: وأَما بَيْنما فالاسمُ الَّذِي بَعْدَهُ مرفوعٌ، وَكَذَلِكَ الْمَصْدَرُ. ابْنُ سِيدَهْ: وبَيْنا وَبَيْنَمَا مِنْ حُرُوفِ الِابْتِدَاءِ، وَلَيْسَتِ الأَلف فِي بَيْنا بصلةٍ، وبَينا فعْلى أُشبِعت الفتحةُ فَصَارَتْ أَلفاً، وَبَيْنَمَا بَين زِيدت عَلَيْهِ مَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهَذَا الشَّيْءُ بَينَ بَينَ أَي بَيْنَ الجيِّد والرَّديء، وَهُمَا اسْمَانِ جُعِلا وَاحِدًا وبُنيا عَلَى الْفَتْحِ، وَالْهَمْزَةُ المخفَّفة تُسَمَّى هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ وَقَالُوا: بَين بَين، يُرِيدُونَ التَّوَسُّط كَمَا قَالَ عَبيد بْنُ الأَبرص:
نَحْمي حَقيقَتَنا، وَبَعْضُ ... القَوْم يَسْقُطُ بَينَ بَيْنا
وَكَمَا يَقُولُونَ: هَمْزَةٌ بَين بَين أَي أَنها همزةٌ بَيْنَ الهمزةِ وَبَيْنَ حَرْفِ اللِّينِ، وَهُوَ الْحَرْفِ الَّذِي مِنْهُ حركتُها إِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً، فَهِيَ بَيْنَ الْهَمْزَةِ والأَلف مِثْلُ سأَل، وَإِنْ كَانَتْ مَكْسُورَةً فَهِيَ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ مِثْلُ سَئِمَ، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُومَةً فَهِيَ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ مِثْلُ لَؤُم، إِلَّا أَنها لَيْسَ لَهَا تمكينُ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ، وَلَا تقَعُ الهمزةُ الْمُخَفَّفَةُ أَبداً أَوَّلًا لقُرْبِها بالضَّعْف مِنَ السَّاكِنِ، إِلَّا أَنها وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قرُبَت مِنَ السَّاكِنِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْكين الهمزةِ المحقَّقة فهي
__________
(1). وردت في مادة بين [البابانيات] تبعاً للأَصل، والصواب ما هنا
(13/66)

متحرِّكة فِي الْحَقِيقَةِ، فَالْمَفْتُوحَةُ نَحْوُ قَوْلِكَ فِي سأَل سأَلَ، والمكسورةُ نَحْوُ قَوْلِكَ فِي سَئِمَ سَئِمَ، وَالْمَضْمُومَةُ نَحْوُ قَوْلِكَ فِي لؤُم لؤُم، وَمَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ بَيْنَ أَنها ضَعِيفَةٌ لَيْسَ لَهَا تمكينُ المحقَّقة وَلَا خُلوصُ الْحَرْفِ الَّذِي مِنْهُ حركتُها، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَسُمِّيَتْ بَينَ بينَ لضَعْفِها؛ وأَنشد بَيْتَ عَبِيدِ بْنِ الأَبرص:
وَبَعْضُ القومِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا
أَي يَتَسَاقَطُ ضَعيفاً غَيْرَ معتدٍّ بِهِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ السِّيرَافِيُّ كأَنه قَالَ بَينَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كأَنه رجلٌ يَدْخُلُ بينَ فَرِيقَيْنِ فِي أَمرٍ مِنَ الأُمور فيسقُطُ وَلَا يُذْكَر فِيهِ؛ قَالَ الشَّيْخُ: وَيَجُوزُ عِنْدِي أَن يُرِيدَ بينَ الدُّخُولِ فِي الْحَرْبِ والتأَخر عَنْهَا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانُ يُقَدِّم رِجْلًا ويُؤَخر أُخرى. ولَقِيتُه بُعَيدات بَيْنٍ إذا لقِيتَه بعدَ حينٍ ثُمَّ أَمسكتَ عَنْهُ ثُمَّ أَتيته؛ وَقَوْلُهُ:
وَمَا خِفْتُ حَتَّى بَيَّنَ الشربُ والأَذى ... بِقانِئِه، إِنِّي مِنَ الحيِّ أَبْيَنُ
أَي بَائِنُ. والبَيانُ: مَا بُيِّنَ بِهِ الشيءُ مِنَ الدَّلَالَةِ وغيرِها. وبانَ الشيءُ بَياناً: اتَّضَح، فَهُوَ بَيِّنٌ، وَالْجَمْعُ أَبْيِناءُ، مِثْلُ هَيِّنٍ وأَهْيِناء، وَكَذَلِكَ أَبانَ الشيءُ فَهُوَ مُبينٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ضاحِي جلدِها، ... لأَبانَ مِنْ آثارِهِنَّ حُدورُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْجَمْعُ أَبْيِناء مِثْلُ هيِّن وأَهْيِناء، قَالَ: صَوَابُهُ مِثْلُ هيِّنٍ وأَهْوِناء لأَنه مِنَ الهَوانِ. وأَبَنْتُه أَنا أَي أَوْضَحْتُه. واستَبانَ الشيءُ: ظهَر. واستَبَنْتُه أَنا: عرَفتُه. وتَبَيَّنَ الشيءُ: ظَهَر، وتَبيَّنْتهُ أَنا، تتعدَّى هَذِهِ الثلاثةُ وَلَا تَتَعَدَّى. وَقَالُوا: بانَ الشيءُ واسْتَبانَ وتَبيَّن وأَبانَ وبَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: آياتٍ مُبَيِّناتٍ*
، بِكَسْرِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، بِمَعْنَى مُتبيِّنات، وَمَنْ قرأَ
مُبَيَّنات
بِفَتْحِ الْيَاءِ فَالْمَعْنَى أَن اللَّهَ بَيَّنَها. وَفِي الْمَثَلِ: قَدْ بَيَّنَ الصبحُ لذِي عينَين أَي تَبَيَّن؛ وَقَالَ ابْنُ ذَريح:
وللحُبِّ آياتٌ تُبَيَّنُ للفَتى ... شُحوباً، وتَعْرى مِنْ يَدَيه الأَشاحم «1»
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَكَذَا أَنشده ثَعْلَبٌ، وَيُرْوَى: تُبَيِّن بِالْفَتَى شُحوب. والتَّبْيينُ: الإِيضاح. والتَّبْيين أَيضاً: الوُضوحُ؛ قَالَ النَّابِغَةُ:
إلَّا الأَوارِيّ لأْياً مَا أُبَيِّنُها، ... والنُّؤْيُ كالحَوض بِالْمَظْلُومَةِ الجلَد
يَعْنِي أَتَبيَّنُها. والتِّبْيان: مصدرٌ، وَهُوَ شاذٌّ لأَن الْمَصَادِرَ إِنَّمَا تَجِيءُ عَلَى التَّفْعال، بِفَتْحِ التَّاءِ، مثال التَّذْكار والتَّكْرار والتَّوْكاف، وَلَمْ يجيءْ بِالْكَسْرِ إِلَّا حَرْفَانِ وَهْمَا التِّبْيان والتِّلقاء. وَمِنْهُ حَدِيثُ
آدَمَ وَمُوسَى، عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَعطاكَ اللهُ التوراةَ فِيهَا تِبْيانُ كلِّ شيءٍ
أَي كشْفُه وإيضاحُه، وَهُوَ مَصْدَرٌ قَلِيلٌ لأَن مصادرَ أَمثاله بِالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
؛ يُرِيدُ النِّسَاءَ أَي الأُنثى لَا تَكَادُ تَسْتَوفي الحجةَ وَلَا تُبينُ، وَقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ المرأَة لَا تَكَادُ تحتجُّ بحُجّةٍ إِلا عَلَيْهَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأَصنام، والأَوّل أَجود. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
؛ أَي ظَاهِرَةٍ مُتَبيِّنة. قَالَ ثَعْلَبٌ: يَقُولُ إِذَا طلَّقها لَمْ يحِلّ لَهَا أَن تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ، وَلَا أَن يُخْرجها هُوَ إِلَّا بحَدٍّ
__________
(1). قوله [الأَشاحم] هكذا في الأَصل
(13/67)

يُقام عَلَيْهَا، وَلَا تَبينُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي طُلِّقت فِيهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ثُمَّ تخرُج حَيْثُ شَاءَتْ، وبِنْتُه أَنا وأَبَنتُه واسْتَبنْتُه وبَيَّنْتُه؛ وَرَوِيَ بَيْتُ ذِي الرُّمَّةِ:
تُبَيِّنُ نِسْبةَ المَرَئِيّ لُؤْماً، ... كَمَا بَيَّنْتَ فِي الأَدَم العَوارا
أَي تُبَيِّنُها، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ: تُبيِّن نِسبةُ، بِالرَّفْعِ، عَلَى قَوْلِهِ قَدْ بَيَّنَ الصبحُ لِذِي عَينين. وَيُقَالُ: بانَ الحقُّ يَبينُ بَياناً، فَهُوَ بائنٌ، وأَبانَ يُبينُ إِبَانَةً، فَهُوَ مُبينٌ، بِمَعْنَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ*
؛ أَي وَالْكِتَابِ البَيِّن، وَقِيلَ: مَعْنَى الْمُبِينِ*
الَّذِي أَبانَ طُرُقَ الْهُدَى مِنْ طُرُقِ الضَّلَالَةِ وأَبان كلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الأُمّة؛ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بانَ الشيءُ وأَبانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَيُقَالُ: بانَ الشيءُ وأَبَنتُه، فَمَعْنَى مُبين أَنه مُبينٌ خيرَه وبرَكَته، أَو مُبين الحقَّ مِنَ الْبَاطِلِ والحلالَ مِنَ الْحَرَامِ، ومُبينٌ أَن نُبُوَّةَ سيدنا رسول الله، صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حقٌّ، ومُبين قِصَصَ الأَنبياء. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَيَكُونُ الْمُسْتَبِينُ أَيضاً بِمَعْنَى المُبين. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والاسْتِبانةُ يَكُونُ واقعاً. يقال: اسْتَبنتُ الشيءَ إِذَا تأَملتَه حَتَّى تَبيَّن لَكَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
؛ الْمَعْنَى ولتستبينَ أَنت يَا مُحَمَّدُ سبيلَ الْمُجْرِمِينَ أَي لتزدادَ استِبانة، وإِذا بانَ سبيلُ الْمُجْرِمِينَ فَقَدْ بَانَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، وأَكثرُ القراء قرؤُوا: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
؛ والاسْتبانة حينئذٍ يَكُونُ غَيْرَ وَاقِعٍ. وَيُقَالُ: تبَيَّنْت الأَمر أَي تأَمَّلته وتوسَّمْتُه، وَقَدْ تبيَّنَ الأَمرُ يَكُونُ لازِماً وواقِعاً، وَكَذَلِكَ بَيَّنْته فبَيَّن أَي تَبَيَّن، لازمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
؛ أَي بُيِّن لَكَ فِيهِ كلُّ ما تحتاج إليه أَنت وأُمتُك مِنْ أَمر الدِّين، وَهَذَا مِنَ اللَّفْظِ العامِّ الَّذِي أُريد بِهِ الخاصُّ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بَيَّنْت الشيءَ تَبْييناً وتِبْياناً، بِكَسْرِ التَّاءِ، وتِفْعالٌ بِكَسْرِ التَّاءِ يَكُونُ اسْمًا، فأَما الْمَصْدَرُ فإِنه يَجِيءُ عَلَى تَفْعال بِفَتْحِ التَّاءِ، مِثْلُ التَّكْذاب والتَّصْداق وَمَا أَشبهه، وَفِي الْمَصَادِرِ حَرْفَانِ نَادِرَانِ: وَهُمَا تِلْقاء الشَّيْءِ والتِّبْيان، قَالَ: وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ
النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَلا إنَّ التَّبيين مِنَ اللَّهِ والعَجَلة مِنَ الشَّيْطَانِ فتبيَّنُوا
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ التَّبْيين التثبُّتُ فِي الأَمر والتَّأَني فِيهِ، وَقُرِئَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا
، وَقُرِئَ:
فتثبَّتوا
، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
،
وفتَثبَّتُوا
؛ قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ: الْكِتابِ الْمُبِينِ*
، قَالَ: وَهُوَ التِّبيان، وَلَيْسَ عَلَى الْفِعْلِ إِنَّمَا هُوَ بناءٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ كَانَ مَصْدَرًا لفُتِحتْ كالتَّقْتال، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بيَّنْتُ كَالْغَارَةِ مِنْ أَغَرْت. وَقَالَ كُرَاعٍ: التِّبيان مصدرٌ وَلَا نَظِيرَ لَهُ إِلَّا التِّلقاء، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَبَيْنَهُمَا بَينٌ أَي بُعْد، لُغَةٌ فِي بَوْنٍ، وَالْوَاوُ أَعلى، وَقَدْ بانَه بَيْناً. والبَيانُ: الْفَصَاحَةُ واللَّسَن، وكلامٌ بيِّن فَصيح. والبَيان: الإِفصاح مَعَ ذَكَاءٍ. والبَيِّن مِنَ الرِّجَالِ: الْفَصِيحُ. ابْنُ شُمَيْلٍ: البَيِّن مِنَ الرِّجَالِ السَّمْح اللِّسَانِ الْفَصِيحُ الظَّرِيفُ الْعَالِي الْكَلَامِ الْقَلِيلُ الرتَج. وفلانٌ أَبْيَن مِنْ فُلَانٍ أَي أَفصح مِنْهُ وأَوضح كَلَامًا. وَرَجُلٌ بَيِّنٌ: فَصِيحٌ، وَالْجَمْعُ أَبْيِناء، صحَّت الْيَاءُ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا؛ وأَنشد شَمِرٌ:
قَدْ يَنْطِقُ الشِّعْرَ الغَبيُّ، ويَلْتَئي ... عَلَى البَيِّنِ السَّفّاكِ، وَهُوَ خَطيبُ
قَوْلُهُ يَلتئي أَي يُبْطئ، مِنَ اللأْي وَهُوَ الإِبطاء. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ فِي جَمْعِهِ أَبْيان وبُيَناء، فأَما أَبْيان
(13/68)

فكميِّت وأَموات، قَالَ سِيبَوَيْهِ: شَبَّهوا فَيْعِلًا بِفَاعِلٍ حِينَ قَالُوا شَاهِدٌ وأَشهاد، قَالَ: وَمِثْلُهُ، يَعْنِي ميِّتاً وأَمواتاً، قيِّل وأَقيال وكَيِّس وأَكياس، وأَما بُيِّناء فَنَادِرٌ، والأَقيَس فِي ذَلِكَ جمعُه بِالْوَاوِ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. رَوَى
ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: إِنّ مِنَ الْبَيَانِ لسِحْراً وإِنّ مِنَ الشِّعر لحِكَماً
؛ قَالَ: البَيان إِظْهَارُ الْمَقْصُودِ بأَبلغ لفظٍ، وهو من الفَهْم وذكاءِ القلْب مَعَ اللَّسَن، وأَصلُه الكَشْفُ والظهورُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِن الرجُلَ يكونُ عَلَيْهِ الحقُّ، وَهُوَ أَقْوَمُ بحُجَّتِه مِنْ خَصْمِه، فيَقْلِبُ الحقَّ بِبَيانِه إِلَى نَفْسِه، لأَن مَعْنَى السِّحْر قَلْبُ الشيءِ فِي عَيْنِ الإِنسانِ وَلَيْسَ بِقَلْبِ الأَعيانِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنه يَبْلُغ مِنْ بَيانِ ذِي الْفَصَاحَةِ أَنه يَمْدَح الإِنسانَ فيُصدَّق فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القلوبَ إِلَى قولِه وحُبِّه، ثُمَّ يذُمّه فيُصدّق فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القلوبَ إِلَى قَوْلِهِ وبُغْضِهِ، فكأَنه سَحَرَ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ، وَهُوَ وَجْهُ قَوْلِهِ:
إِن مِنَ البيانِ لسِحْراً.
وَفِي الْحَدِيثِ
عَنْ أَبي أُمامة: أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الحياءُ والعِيُّ شُعْبتان مِنَ الإِيمانِ، والبَذاءُ والبيانُ شُعْبتانِ مِنَ النِّفاق
؛ أَراد أَنهما خَصْلتان مَنْشَؤهما النِّفاق، أَما البَذاءُ وَهُوَ الفُحْشُ فَظَاهِرٌ، وأَما البيانُ فَإِنَّمَا أَراد مِنْهُ بِالذَّمِّ التعمُّق فِي النُّطْق والتفاصُحَ وإظهارَ التقدُّم فِيهِ عَلَى النَّاسِ وكأَنه نوعٌ مِنَ العُجْب والكِبْرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرى:
البَذاءُ وبعضُ الْبَيَانِ
، لأَنه لَيْسَ كلُّ البيانِ مَذْمُومًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
؛ قِيلَ إِنه عنى بالإِنسان هاهنا النبيَّ، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ
أَي علَّمه القرآنَ الَّذِي فِيهِ بيانُ كلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: الإِنسانُ هَنَا آدمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَن يَكُونَ الإِنسانُ اسْمًا لِجِنْسِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا علَّمَه البيانَ جعَله مميِّزاً حَتَّى انْفَصَلَ الإِنسانُ ببيَانِه وَتَمْيِيزِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ. وَيُقَالُ: بَيْنَ الرجُلَين بَيْنٌ بَعيدٌ وبَوْنٌ بَعِيدٌ؛ قَالَ أَبو مَالِكٍ: البَيْنُ الفصلُ «2». بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، يَكُونُ إِمَّا حَزْناً أَو بقُرْبه رَمْلٌ، وبينَهما شيءٌ لَيْسَ بحَزنٍ وَلَا سهلٍ. والبَوْنُ: الفضلُ والمزيّةُ. يُقَالُ: بَانَهُ يَبونُه ويَبينُه، والواوُ أَفصحُ، فأَما فِي البُعْد فَيُقَالُ: إِنَّ بَيْنَهُمَا لَبَيْناً لَا غَيْرَ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
أَولُ مَا يُبِينُ عَلَى أَحدِكم فَخِذُه
أَي يُعْرب ويَشهد عَلَيْهِ. ونخلةٌ بائنةٌ: فاتَتْ كبائسُها الكوافيرَ وَامْتَدَّتْ عراجِينُها وَطَالَتْ؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ؛ وأَنشد لحَبيب القُشَيْري:
مِنْ كُلِّ بائنةٍ تَبينُ عُذوقَها ... عَنْهَا، وحاضنةٍ لَهَا مِيقارِ
قَوْلُهُ: تَبينُ عذوقَها يَعْنِي أَنها تَبين عذوقَها عَنْ نَفْسِهَا. والبائنُ والبائنةُ مِنَ القِسِيِّ: الَّتِي بانتْ مِنْ وتَرِها، وَهِيَ ضِدُّ البانِية، إِلَّا أَنها عَيْبٌ، والباناةُ مقلوبةٌ عَنِ البانِية. الْجَوْهَرِيُّ: البائنةُ القوسُ الَّتِي بَانَتْ عَنْ وَتَرِها كثيراً، وأَما التي قد قرُبَتْ مِنْ وَتَرِها حَتَّى كَادَتْ تلْصَق بِهِ فَهِيَ البانيةُ، بِتَقْدِيمِ النُّونِ؛ قَالَ: وَكِلَاهُمَا عَيْبٌ. والباناةُ: النَّبْلُ الصِّغارُ؛ حَكَاهُ السُّكَّريّ عَنْ أَبي الْخَطَّابِ. وَلِلنَّاقَةِ حالِبانِ: أَحدُهما يُمْسِك العُلْبة مِنَ الْجَانِبِ الأَيمن، والآخرُ يحلُب مِنَ الْجَانِبِ الأَيْسر، وَالَّذِي يَحْلُب يسمَّى المُسْتَعْلي والمُعَلِّي، وَالَّذِي يُمْسِك يسمَّى البائنَ. والبَيْنُ: الْفِرَاقُ. التَّهْذِيبُ: وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ: اسْتُ البائنِ أَعْرَفُ، وَقِيلَ: أَعلمُ، أَي مَنْ وَلِيَ أَمْراً ومارَسَه فَهُوَ أَعلم بِهِ مِمَّنْ لم يُمارِسْه، قال:
__________
(2). قوله [البين الفصل إلخ] كذا بالأَصل
(13/69)

وَالْبَائِنُ الَّذِي يقومُ عَلَى يَمِينِ النَّاقَةِ إِذَا حلبَها، وَالْجَمْعُ البُيَّنُ، وَقِيلَ: البائنُ والمُسْتَعْلي هُمَا الْحَالِبَانِ اللَّذَانِ يَحْلُبان الناقةَ أَحدُهما حالبٌ، وَالْآخَرُ مُحْلِب، والمُعينُ هُوَ المُحْلِب، وَالْبَائِنُ عَنْ يَمِينِ النَّاقَةِ يُمْسِك العُلْبةَ، والمُسْتَعْلي الَّذِي عَنْ شِمالها، وَهُوَ الحالبُ يَرْفع البائنُ العُلْبةَ إِلَيْهِ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
يُبَشِّرُ مُسْتعلِياً بائنٌ، ... مِنَ الحالبَيْنِ، بأَن لَا غِرارا
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والبائنُ الَّذِي يأْتي الحلوبةَ مِنْ قِبَل شِمَالِهَا، والمُعَلِّي الَّذِي يأْتي مِنْ قِبل يَمِينِهَا. والبِينُ، بِالْكَسْرِ: القطعةُ مِنَ الأَرض قَدْرُ مَدِّ الْبَصَرِ مِنَ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: هُوَ ارتفاعٌ فِي غِلَظٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الأَرْضَيْن. والبِينُ أَيضاً: الناحيةُ، قَالَ الْبَاهِلِيُّ: المِيلُ قدرُ مَا يُدْرِكُ بَصَرُهُ مِنَ الأَرض، وفَصْلٌ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْن يُقَالُ لَهُ بِينٌ، قَالَ: وَهِيَ التُّخومُ، والجمعُ بُيونٌ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِل يُخاطِبُ الخيالَ:
لَمْ تَسْرِ لَيْلى وَلَمْ تَطْرُقْ لحاجتِها، ... مِنْ أَهلِ رَيْمانَ، إِلَّا حَاجَةً فِينَا
بِسَرْوِ حِمْيَر أَبْوالُ البِغالِ بِهِ، ... أَنَّى تَسَدَّيْتَ وَهْناً ذلكَ البِينا «1»
. ومَن كسَر التاءَ والكافَ ذهَب بالتأْنيث إِلَى ابْنَةِ الْبِكْرِيِّ صَاحِبَةِ الْخَيَالِ، قَالَ: وَالتَّذْكِيرُ أَصْوَبُ. وَيُقَالُ: سِرْنا مِيلًا أَي قَدْرَ مَدِّ البَصَرِ، وَهُوَ البِينُ. وبِينٌ: موضعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْحِيرَةِ. ومُبِينٌ: مَوْضِعٌ أَيضاً، وَقِيلَ: اسمُ ماءٍ؛ قَالَ حَنْظلةُ بْنُ مُصَبَّحٍ:
يَا رِيَّها اليومَ عَلَى مُبِينِ، ... عَلَى مبينٍ جَرَدِ القَصيمِ
التَّارِكِ المَخاضَ كالأُرومِ، ... وفَحْلَها أَسود كالظَّليمِ
جَمَعَ بَيْنَ النُّونِ وَالْمِيمِ، وَهَذَا هُوَ الإِكْفاء؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ جَائِزٌ للمطْبوع عَلَى قُبْحِه، يَقُولُ: يَا رِيَّ نَاقَتِي عَلَى هَذَا الْمَاءِ، فأَخرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ النِّدَاءِ وَهُوَ تعجُّب. وبَيْنونةُ: مَوْضِعٌ؛ قَالَ:
يَا رِيحَ بَيْنونةَ لَا تَذْمِينا، ... جئْتِ بأَلوانِ المُصَفَّرِينا «2»
. وهُما بَيْنونَتانِ بَيْنونةُ القُصْوَى وبَينونة الدُّنيا، وكِلْتاهما فِي شِقِّ بَنِي سعدٍ بَيْنَ عُمانَ ويَبْرِين. التَّهْذِيبُ: بَيْنونة موضعٌ بينَ عُمان والبحرَيْن وبيءٌ. وعَدَنُ أَبْيَنَ وإِبْيَن: موضعٌ، وَحَكَى السِّيرَافِيُّ: عَدَن أَبْيَن، وَقَالَ: أَبْيَن مَوْضِعٌ، ومثَّل سِيبَوَيْهِ بأَبْيَن وَلَمْ يُفَسِّرْهُ، وَقِيلَ: عَدَن أَبْيَن اسمُ قريةٍ عَلَى سيفِ الْبَحْرِ ناحيةَ الْيَمَنِ. الْجَوْهَرِيُّ: أَبْيَنُ اسمُ رجلٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَدَن، يُقَالُ: عَدَنُ أَبْيَنَ. والبانُ: شجرٌ يَسْمُو ويَطُول فِي اسْتِواءٍ مِثْلُ نَبات الأَثْل، وورَقُه أَيضاً هدبٌ كهَدَب الأَثْل، وَلَيْسَ لخَشَبه صلابةٌ، واحدتُه بانةٌ؛ قَالَ أَبو زِيَادٍ: مِنَ العِضاه البانُ، وَلَهُ هَدَبٌ طُوالٌ شديدُ الخُضْرة، وَيَنْبُتُ فِي الهِضَبِ، وثمرتُه تُشبه قُرونَ اللُّوبياء إِلَّا أَن خُضْرَتَها شديدةٌ، وَلَهَا حبٌّ وَمِنْ ذَلِكَ الحبِّ يُسْتَخْرَج دُهْنُ البانِ. التَّهْذِيبُ: البانةُ شجرةٌ لَهَا ثَمَرَةٌ تُرَبَّبُ بأَفاوِيه الطِّيب، ثُمَّ يُعْتَصر دُهْنها طِيباً، وَجَمْعُهَا البانُ، ولاسْتِواءِ نباتِها ونباتِ أَفنانِها وطُولِها ونَعْمَتِها شَبَّه الشُّعَراءُ الجاريةَ النَّاعِمَةَ ذاتَ الشِّطاطِ بِهَا فَقِيلَ: كأَنها بانةٌ، وكأَنها غُصْنُ بانٍ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ الخَطيم:
__________
(1). قوله [بسرو] قال الصاغاني، والرواية: من سرو حمير لا غير
(2). قوله [بألوان] في ياقوت: بأرواح
(13/70)

حَوْراءَ جَيداء يُسْتَضاءُ بِهَا، ... كأَنها خُوطُ بانةٍ قَصِفُ
ابْنُ سِيدَهْ: قَضَينا عَلَى أَلف البانِ بِالْيَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا لغلبةِ (ب ي ن) عَلَى (ب ون).
تأن: أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
أَغَرَّكَ يَا مَوْصولُ، مِنْهَا ثُمالةٌ ... وبَقْلٌ بأَكنافِ الغُرَيِّ تُؤَانُ
قَالَ: أَراد تُؤَامُ فأَبدل، هَذَا قَوْلَهُ، قَالَ: وأَحسن مِنْهُ أَن يَكُونَ وَضْعاً لَا بَدَلًا، قَالَ: وَلَمْ نَسْمَعْ هَذَا إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَقَوْلُهُ: يَا موصولُ إِما أَن يَكُونَ شَبَّهه بِالْمَوْصُولِ مِنَ الْهَوَامِّ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ اسمَ رَجُلٍ. وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ قَالَ: تتَاءَنَ الرجلُ الصيدَ إذا جاءَه مِنْ هُنَا مَرَّةً وَمِنْ هُنَا مَرَّةً أُخرى، وَهُوَ ضرْبٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ؛ قَالَ أَبو غَالِبٍ المَعْنِيّ:
تتَاءَنَ لِي بالأَمرِ مِنْ كُلِّ جانبٍ ... ليَصْرِفَني عَمَّا أُرِيدُ كَنود.
تبن: التِّبْنُ: عَصيفة الزَّرْع مِنَ البُرِّ وَنَحْوِهِ مَعْرُوفٌ، وَاحِدَتُهُ تِبْنة، والتَّبْنُ: لُغَةٌ فِيهِ. والتَّبْنُ، بِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ تَبَنَ الدابةَ يَتْبِنُها تَبْناً عَلَفَها التِّبْنَ. وَرَجُلٌ تَبّانٌ: يَبيع التِّبْنَ، وَإِنْ جعلتَه فَعْلانَ مِنَ التَّبّ لَمْ تصْرِفْه. والتِّبْنُ، بِكَسْرِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ: أَعظم الأَقْداحِ يكادُ يُرْوي الْعِشْرِينَ، وَقِيلَ: هُوَ الْغَلِيظُ الَّذِي لَمْ يُتَنَوَّق فِي صَنْعَتِه. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُ: ترتيبُ الأَقداحِ الغُمَر، ثُمَّ القَعْب يُرْوي الرَّجُلَ، ثُمَّ القَدَحُ يُرْوي الرَّجلين، ثُمَّ العُسُّ يُروي الثلاثةَ والأَربعة، ثُمَّ الرَّفْد، ثُمَّ الصَّحْن مُقَارِبُ التِّبْنِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَذَكَرَ حَمْزَةُ الأَصفهاني بَعْدَ الصَّحْن ثُمَّ المعْلَق، ثُمَّ العُلْبة، ثُمَّ الجَنْبَة، ثُمَّ الحَوْأَبةُ، قَالَ: وَهِيَ أَنْكَرُها، قَالَ: وَنَسَبَ هَذِهِ الْفُرُوقَ إِلَى الأَصمعي. وَفِي حَدِيثِ
عَمْرِو بْنِ مَعَدِيكَرِبَ: أَشْرَبُ التِّبْنَ مِنَ اللَّبَن.
والتَّبَانةُ: الطَّبانةُ والفِطْنة والذَّكاءُ. وتَبِنَ لَهُ تَبَناً وتَبانةً وتَبانِيَةً: طَبِنَ، وَقِيلَ: التَّبَانةُ فِي الشَّرِّ، والطَّبَانةُ فِي الْخَيْرِ. وَفِي حَدِيثِ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الْحَامِلِ المتوفَّى عَنْهَا زوجُها إِنه يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى تَبَّنْتُم مَا تَبَّنْتُم
؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُراها خَلَّطْتُم، وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هُوَ مِنَ التَّبانة والطَّبانةِ، وَمَعْنَاهُمَا شدَّةُ الفِطْنةِ ودِقَّةُ النَّظَرِ، وَمَعْنَى قَوْلِ سَالِمٍ تَبَّنْتُمْ أَي أَدْقَقْتُمْ النَّظَرَ فقُلْتُم إِنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِهَا. وَقَالَ اللَّيْثُ: طَبِنَ لَهُ، بِالطَّاءِ، فِي الشرِّ، وتَبِنَ لَهُ فِي الْخَيْرِ؛ فجعَل الطَّبانة فِي الخَديعةِ والاغْتِيال، والتَّبانةَ فِي الْخَيْرِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُمَا عِنْدَ الأَئمة واحدٌ، وَالْعَرَبُ تُبْدِلُ الطاءَ تَاءً لقُرْب مَخرَجِهما، قَالُوا: مَتَّ ومَطَّ إِذَا مَدَّ، وطَرَّ وتَرَّ إِذَا سَقَطَ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: التَّبَنُ إِنَّمَا هُوَ اللُّؤْمُ والدِّقَّة، والطَّبَنُ العِلْمُ بالأُمور والدَّهاءُ والفِطنة؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا ضدُّ الأَول. وَرُوِيَ عَنِ الْهَوَازِنِيِّ أَنه قَالَ: اللَّهُمَّ اشْغَلْ عَنَّا أَتبانَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ: وَهُوَ فِطْنَتهم لِمَا لَا يُفطَنُ لَهُ. الْجَوْهَرِيُّ: وتَبِنَ الرجلُ، بِالْكَسْرِ، يَتْبَنُ تَبَناً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي صارَ فَطِناً؛ فَهُوَ تَبِنٌ أَي فَطِنٌ دقيقُ النَّظَرِ فِي الأُمور، وَقَدْ تَبَّنَ تَتْبيناً إِذَا أَدَقَّ النظرَ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَفِي الْحَدِيثِ
أَن الرجلَ لَيَتكلَّم بالكلمةِ يُتَبِّنُ فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هُوَ عِنْدِي إِغْماضُ الْكَلَامِ وتَدقيقُه فِي الجدلِ وَالْخُصُومَاتِ
(13/71)

فِي الدِّين؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
مُعاذٍ: إِياكم ومُغَمَّضاتِ [مُغَمِّضاتِ] «1». الأُمور.
وَرَجُلٌ تَبِنٌ بَطِنٌ: دقيقُ النَّظَرِ فِي الأُمور فَطِنٌ كالطَّبِن، وَزَعَمَ يَعْقُوبُ أَن التَّاءَ بَدَلٌ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ أَبو سَعِيدِ السِّيرَافِيُّ تَبِنَ الرجلُ انْتفخ بَطْنُه، ذكَره عِنْدَ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ. وبَطِنَ بَطَناً، فَهُوَ بَطِنٌ، وتَبِنَ تَبَناً فَهُوَ تَبِنٌ، فقرَنَ تَبِنَ ببَطِنَ، قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَن يُرِيدَ سِيبَوَيْهِ بتَبِنَ «2» امتَلأَ بطنُه لأَنه ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وبَطِنَ بَطَناً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا الْفِطْنَةَ، قَالَ: والتَّبِنُ الَّذِي يَعْبَثُ بيدِه فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ رِدَاءً مُتَبَّناً بالزَّعْفَرانِ
أَي يُشْبه لَوْنُهُ لونَ التِّبْنِ. والتُّبَّان، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: سَراويلُ صغيرٌ مقدارُ شبْر يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ المغلَّظة فَقَطْ، يَكُونُ للملَّاحينَ. وَفِي حَدِيثِ
عَمَّارٍ: أَنه صَلَّى فِي تُبّانٍ فَقَالَ إِنِّي مَمْثونٌ
أَي يَشْتَكِي مَثانَتَه، وَقِيلَ: التُّبّانُ شِبْهُ السَّراويلِ الصَّغِيرِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ: صَلَّى رَجُلٌ فِي تُبّانٍ وَقَمِيصٍ
، تذكِّره الْعَرَبُ، وَالْجَمْعُ التَّبابِين. وتُبْنَى: مَوْضِعٌ؛ قَالَ كثيِّر عَزَّةَ:
عَفا رابغٌ مِنْ أَهلِه فالظَّواهِرُ، ... فأَكنافُ تُبْنَى قَدْ عَفَتْ، فالأَصافِرُ.
ترن: تُرْنَى: المرأَةُ الْفَاجِرَةُ، فِيمَنْ جَعَلَهَا فُعْلى، وَقَدْ قِيلَ: إِنها تُفْعَل مِنَ الرُّنُوّ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ قَالَ أَبو ذؤَيب:
فإِنَّ ابنَ تُرْنَى، إِذَا جِئْتُكم، ... يُدافِعُ عَنِّيَ قَوْلًا بَرِيحا
قَوْلُهُ: قَوْلًا بَرِيحًا أَي يُسْمِعُنِي بمُشْتَقِّه «3» قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ الأَحْوَل ابْنُ تُرْنَى اللئيمُ، وَكَذَا قَالَ فِي ابْنِ فَرْتَنَى. قَالَ ثَعْلَبٌ: ابْنُ تُرْنَى وَابْنُ فَرْتَنَى أَي ابْنُ أَمة. ابْنُ الأَعرابي: الْعَرَبُ تَقُولُ للأَمةِ تُرْنَى وفَرْتَنَى، وَتَقُولُ لِوَلَدِ البَغيّ: ابْنُ تُرْنَى وَابْنُ فَرْتَنَى؛ قَالَ صَخْرٌ الْغَيُّ:
فإنَّ ابنَ تُرْنَى، إِذَا جِئتُكم، ... أَراه يُدافِعُ قوْلًا عَنِيفَا
أَي قَوْلًا غَيْرَ حسَنٍ؛ وَقَالَ عمروٌ ذُو الْكَلْبِ:
تمَنّاني ابنُ تُرْنَى أَن يَراني، ... فغيْري مَا يُمَنَّى مِنَ الرِّجالِ
. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: يَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ تُرْنَى مأْخوذاً مِنْ رُنِيَتْ تُرْنَى إِذَا أُديمَ النظرُ إليها.
تعهن: فِي الْحَدِيثِ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِتُعُهِّنَ وَهُوَ قائلٌ السُّقْيا
؛ قَالَ أَبو مُوسَى: هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ، موضعٌ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِر التَّاءَ، قَالَ: وأَصحاب الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَسُكُونِ العين.
تفن: ابْنُ الأَعرابي: التَّفْنُ الوَسَخُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: تَفَنَ الشيءَ طَرَدَه؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
حمَلَ فلانٌ عَلَى الْكَتِيبَةِ فَجَعَلَ يَتْفِنها
أَي يَطْرُدها، وَيُرْوَى
يَثْفِنُها
أَي يَطْرُدها أَيضاً.
تقن: التِّقْنُ: تُرْنوقُ البئرِ والدِّمَن، وَهُوَ الطينُ الرقيقُ يُخالطه حَمْأَة يخرُج مِنَ الْبِئْرِ، وَقَدْ تتَقَّنَتْ، وَاسْتَعْمَلَهُ بعضُ الأَوائل فِي تكَدُّر الدم ومُتكدِّره.
__________
(1). قوله [ومغمضات] هكذا ضبط في بعض نسخ النهاية، وفي بعض آخر كمؤمنات وعليه القاموس وشرحه
(2). قوله [وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ سيبويه بتبن إلخ] هكذا فيما بأيدينا من النسخ.
(3). قوله [بمشتقه] أي بخصامه؛ كذا في بعض النسخ، وفي بعض آخر: بمشقة منه.
(13/72)

والتِّقْنةُ: رُسابة الْمَاءِ وخُثارتُه. اللَّيْثُ: التِّقْنُ رُسابةُ الْمَاءِ فِي الرَّبيع، وَهُوَ الَّذِي يجيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثورةِ. والتِّقْنُ: الطِّينُ الَّذِي يذهَب عَنْهُ الْمَاءُ فيتشقَّقُ. وتَقَّنُوا أَرْضَهم: أَرْسَلوا فِيهَا الماءَ الخاثرَ لتجُودَ. والتَّقْنُ: بقيَّةُ الماءِ الكدِرِ فِي الْحَوْضِ. وَيُقَالُ: زَرَعْنا فِي تِقْنِ أَرضٍ طيِّبة أَو خبيثةٍ فِي تُرْبَتِها. والتِّقْنُ: الطبيعةُ. والفَصاحةُ مِنْ تِقْنِه أَي مِنْ سُوسِه وطَبْعِه. وأَتْقَنَ الشيءَ: أَحْكَمَه، وإتْقانُه إِحْكامُه. والإِتْقانُ: الإِحكامُ للأَشياء. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
. وَرَجُلٌ تِقْنٌ وتَقِن: مُتْقِنٌ للأَشياء حاذِقٌ. وَرَجُلٌ تِقْنٌ: وَهُوَ الحاضرُ المَنْطِق وَالْجَوَابِ. وتِقْنٌ: رجلٌ مِنْ عادٍ. وابنُ تِقْنٍ: رجلٌ. وتِقْنٌ: اسْمُ رَجُلٍ كَانَ جيِّدَ الرَّمي، يُضْرَب بِهِ الْمَثَلُ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْقُط لَهُ سَهْم؛ وأَنشد فَقَالَ:
لأَكْلةٌ مِنْ أَقِطٍ وسَمْنِ، ... وشَرْبتانِ مِنْ عَكيِّ الضأْنِ،
أَلْيَنُ مَسّاً فِي حَوايا البَطْنِ ... مِنْ يَثرَبيّاتٍ قِذاذٍ خُشْنِ،
يَرْمي بِهَا أَرْمى مِنِ ابْنِ تِقْنِ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الأَصل فِي التِّقْن ابنُ تِقْنٍ هَذَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ حَاذِقٍ بالأَشياء تِقْنٌ، وَمِنْهُ يُقَالُ: أَتْقَنَ فلانٌ عمَله إذا أَحْكَمَه؛ وأَنشد شَمِرٌ لِسُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ دَبّاب «4». بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ السيِّد:
أَهلكن طَسماً، وبَعْدَهمُ غَذِيّ بهم وذا جُدون ... «5» وأَهْلُ جاشٍ، وأَهلُ مَأْرِب، وحيّ لقن والتُّقون
واليُسْر كَالْعُسْرِ، وَالْغِنَى كَالْعَدَمِ، وَالْحَيَاةُ كَالْمَنُونِ
فَجَمَعَهُ عَلَى تُقونٍ لأَنه أَراد تِقْناً، ومَن انْتَسَبَ إِلَيْهِ. والتُّقونُ: مِنْ بَني تِقْن بْنِ عَادٍ، مِنْهُمْ عُمر بْنُ تِقْن، وكعْب بنِ تِقْن، وَبِهِ ضُرب الْمَثَلُ فَقِيلَ: أَرْمى مِنِ ابْنِ تِقْن.

فصل التاء المثناة فوقها
تكن: الأَزهري: وتُكْنَى مِنْ أَسماء النِّسَاءِ فِي قَوْلِ الْعَجَّاجِ:
خَيال تُكْنَى وخَيال تُكْتمَا
قَالَ: أَحسبه مَنْ كُنيَتْ تُكْنَى وكُتِمَتْ تُكْتَم.
تلن: التَّلُونةُ «6». والتُّلُنَّةُ: الحاجةُ. وَمَا فِيهِ تُلُنَّةٌ وتَلونةٌ أَي حَبْسٌ وَلَا تَرْدادٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَيُقَالُ: لَنَا قِبَلك تَلُنَّةٌ وتُلُنَّةٌ أَيضاً، بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: لَنَا فِيهِ تَلونةٌ أَي حاجةٌ. أَبو حَبَّانِ: التُّلانةُ الحاجةُ، وَهِيَ التَّلونةُ والتَّلُونُ؛ وأَنشد:
فقلتُ لَهَا: لَا تَجْزَعي أَنَّ حاجَتي، ... بِجزْعِ الغَضَا، قَدْ كَادَ يُقْضى تَلونُها
. قَالَ: وَقَالَ أَبو رُغَيْبة هِيَ التُّلُنَّةُ. وَيُقَالُ: لَنَا تُلُنَّاتٌ نَقْضِيها أَي حاجاتٌ. وَيُقَالُ: مَتَى لَمْ نَقْضِ التُّلُنَّة أَخَذَتْنا اللُّثُنَّة؛ واللُّثُنَّة، بِتَقْدِيمِ اللَّامِ: القُنْفُذُ. والتَّلُونةُ: الإِقامةُ؛ وأَنشد:
فإِنَّكم لسْتمْ بِدارِ تَلُونةٍ، ... ولكنَّما أَنْتم بِهِنْدِ الأَحامِسِ
. وشَرْحُ هِنْدِ الأَحامس مذكورٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَهَذَا الْبَيْتُ أَورده الأَزهري عَنِ ابْنِ الأَعرابي:
__________
(4). قوله [ابن دباب] كذا في الأَصل، والذي في مادة د ب ب من شرح القاموس: ودباب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر بن الحرث بن سعد بن تيم بن مرة من رَهْطُ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابنه الحويرث بن دباب وآخرون انتهى. وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ التَّهْذِيبِ ابن ريان
(5). قوله [أهلكن إلخ] كذا في الأَصل والتهذيب.
(6). قوله [التلونة] هي والتلون مضبوطان في التكملة والتهذيب بفتح التاء في جميع المعاني الآتية وضبطا في القاموس بضمها
(13/73)

فإِنكم لَسْتُم بدارِ تُلونةٍ، ... ولكِنَّكم أَنتم بدارِ الأَحامِسِ
. يُقَالُ: لَقِيَ هِنْدَ الأَحامِسِ إِذَا مَاتَ. الْفَرَّاءُ: لِي فِيهِمْ تُلُنَّةٌ وتَلُنَّةٌ وتَلُونَةٌ، عَلَى فَعولةٍ، أَي مُكْثٌ ولُبْثٌ. وَيُقَالُ: مَا هَذِهِ الدارُ بدارِ تُلُنَّةٍ وتَلُنَّةٍ أَي إقامةٍ ولُبْثٍ. الأَحمر: تَلانَ فِي مَعْنَى الآنَ؛ وأَنشد لِجَميل بْنِ مَعْمَرٍ فَقَالَ:
نَوِّلي قبْلَ نأْيِ دَارِي، جُمانا، ... وصِلِينا، كَمَا زَعَمْتِ، تَلانا
إنَّ خَيْرَ المُواصِلينَ، صَفَاءً، ... مَنْ يُوافي خليلَه حَيْثُ كَانَا
. وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ وسؤالِه عَنْ عُثْمَانَ وفِرارِه يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْبَتِه عَنْ بَدْرٍ وبَيْعةِ الرِّضْوَانِ وذكْرِ عُذْرِه وَقَوْلِهِ: اذْهَبْ بِهَذَا تَلانَ معَك
؛ يُريد الْآنَ، وقد تقدم ذكره.
تمن: تَيْمَن: اسمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
سَمَوْتُ لَهُ بالرَّكْبِ، حَتَّى وجَدْتُه ... بتَيْمَنَ يَبْكِيه الحمامُ المُغَرِّدُ
وترَكَ صَرْفَهُ لَمَّا عَنَى بِهِ البُقْعة. وَفِي حَدِيثِ
سالمٍ سَبَلانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَهِيَ بِمَكَانٍ مِنْ تَمَنِّ بسفْح هرْشى
، بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، اسْمُ ثنِيّة هَرْشى بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
تنن: التِّنُّ، بِالْكَسْرِ: التِّرْبُ والحِتْنُ، وَقِيلَ: الشِّبْه، وَقِيلَ: الصَّاحِبُ، وَالْجَمْعُ أَتْنان. يُقَالُ: صِبْوةٌ أَتنانٌ. ابْنُ الأَعرابي: هُوَ سِنُّه وتِنُّه وحِتْنُه، وَهُمْ أَسنان وأَتنان وأَتراب إِذَا كَانَ سِنُّهم وَاحِدًا، وَهُمَا تِنّان، قَالَ ابْنُ السَّكِّيتِ: هُمَا مُسْتَوَيَانِ فِي عَقْلٍ أَو ضَعْف أَو شِدّة أَو مروءَة. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: جَمْعُ تِنٍّ أَتنان وتَنِين؛ عَنِ الْفَرَّاءِ؛ وأَنشد فَقَالَ:
فأَصبح مُبْصِرًا نَهَارَهُ، ... وأَقصر مَا يَعُدُّ لَهُ التَّنِينا «1»
. وَفِي حَدِيثِ
عَمَّارٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِنِّي وتِرْبي
؛ تِنُّ الرَّجُلِ: مِثْلُهُ فِي السّنِّ. والتَّنُّ والتِّنُّ: الصَّبِيُّ الَّذِي قصَعَه المرضُ فَلَا يَشِبّ، وَقَدْ أَتَنَّه المرضُ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ أَتَنَّه المرضُ إِذَا قصَعَه فَلَمْ يَلحقْ بأَتنانِه أَي بأَقرانه، فَهُوَ لَا يَشِبّ، قَالَ: والتِّنُّ الشخصُ والمِثال. وتَنَّ بِالْمَكَانِ: أَقام؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. والتِّنِّينُ: ضرْب مِنَ الْحَيَّاتِ مِنْ أَعظمها كأَكبر مَا يَكُونُ مِنْهَا، وَرُبَّمَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَحَابَةً فَاحْتَمَلَتْهُ، وَذَلِكَ فِيمَا يُقَالُ، وَاللَّهُ أَعلم، أَن دَوَابَّ الْبَحْرِ يَشْكُونَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فيرْفَعُه عَنْهَا؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَخبرني شَيْخٌ مِنْ ثِقاتِ الغُزاة أَنه كَانَ نَازِلًا عَلَى سِيف بَحْرِ الشَّامِ، فَنَظَرَ هُوَ وَجَمَاعَةُ أَهل العَسْكر إِلَى سحابةٍ انقَسَمت فِي الْبَحْرِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ، وَنَظَرْنَا إِلَى ذَنَبِ التِّنِّين يَضطرب فِي هَيْدب السَّحَابَةِ، وهَبَّت بِهَا الريحُ وَنَحْنُ نَنظر إِلَيْهَا إِلَى أَن غَابَتِ السحابةُ عَنْ أَبصارِنا. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الأَخبار:
أَن السَّحَابَةَ تَحْمِلُ التِّنّين إِلَى بِلَادِ يَأْجوج ومَأْجوج فتَطرحه فِيهَا، وأَنهم يَجْتَمِعُونَ عَلَى لحمِه فيأْكلونه.
والتِّنّينُ: نجمٌ، وَهُوَ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْحَيَّةِ. اللَّيْثُ: التِّنّين نجمٌ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِكَوْكَبٍ، وَلَكِنَّهُ بياضٌ خفيٌّ يَكُونُ جسَده فِي سِتَّةِ بُرُوجٍ مِنَ السَّمَاءِ؛ وذنَبهُ دَقِيقٌ أَسود فِيهِ التِواء، يَكُونُ فِي الْبُرْجِ السَّابِعِ مِنْ رأْسه، وَهُوَ يَنتقل كتَنقُّل الْكَوَاكِبِ الْجَوَارِي، واسمه بالفارسية
__________
(1). قوله [فأصبح] كذا في النسخ
(13/74)

فِي حِسَابِ النُّجُومِ هُشْتُنْبُر «1». وَهُوَ مِنَ النُّحوس؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وتُسمِّيه الفُرس الْجَوْزَهَرُ، وَقَالَ: هُوَ مِمَّا يُعدُّ مِنَ النُّحُوسِ؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُكَرَّمِ: الَّذِي عَلَيْهِ المُنجِّمون فِي هَذَا أَن الْجَوْزَهَرُ الَّذِي هُوَ رأْس التِّنِّين يُعدُّ مَعَ السُّعود، والذنَب يُعد مَعَ النُّحُوسِ. الْجَوْهَرِيُّ: والتِّنّين مَوْضِعٌ فِي السَّمَاءِ. ابْنُ الأَعرابي: تَنْتَن الرجلُ إِذَا تَرَكَ أَصدقاءه وَصَاحَبَ غَيْرَهَمْ. أَبو الْهَيْثَمِ فِيمَا قُرِئَ بِخَطِّهِ: سَيْفٌ كَهامٌ ودَدانٌ وَمَتْنُنٌ «2». أَي كِليلٌ، وَسَيْفٌ كَهِيم مِثْلُهُ، وكلُّ مُتَنَّنٍ مَذْمُومٌ.
تهن: الأَزهري: أَهمله اللَّيْثُ. وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: تَهِنَ يَتْهَنُ تَهَناً، فَهُوَ تَهِنٌ إِذَا نَامَ. وَفِي حَدِيثِ
بِلَالٍ حِينَ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ: أَلا إِنَّ العبدَ تَهِنَ
، أَي نامَ، وَقِيلَ: النُّونُ بَدَلٌ فِيهِ مِنَ الْمِيمِ، يُقَالُ: تَهِمَ يَتْهَمُ إِذَا نَامَ، الْمَعْنَى أَنه أَشكَل عَلَيْهِ وقتُ الأَذان وتحَيَّر فِيهِ، فكأَنه قد نام.
تون: التَّهْذِيبُ: أَبو عَمْرٍو التَّتاوُن احْتيال وَخَدِيعَةٌ. وَالرَّجُلُ يَتتاوَنُ الصيدَ إِذَا جَاءَهُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ شِمَالِهِ؛ وأَنشد:
تَتاوَن لِي فِي الأَمر مِنْ كلِّ جانبٍ، ... لِيَصْرِفَني عَمَّا أُريدُ كَنُود
. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: التُّونُ «3». الخَزَفة الَّتِي يُلعب عَلَيْهَا بالكُجّة؛ قَالَ الأَزهري: وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَرْفَ لِغَيْرِهِ، قَالَ: وأَنا واقفٌ فِيهِ إِنَّهُ بالنون أَو بالزاي.
تين: التِّينُ: الَّذِي يُؤكل، وَفِي الْمُحْكَمِ: والتينُ شَجَرُ البَلَس، وقيل: هو البَلَس نفْسُه، وَاحِدَتُهُ تِينة؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَجناسُه كَثِيرَةٌ بَرِّيّة وَرِيفِيَّةٌ وسُهْليّة وجبَلِيّة، وَهُوَ كَثِيرٌ بأَرض الْعَرَبِ، قَالَ: وأَخبرني رَجُلٌ مِنْ أَعراب السَّراة، وَهُمْ أَهلُ تينٍ، قَالَ: التِّينُ بِالسَّرَاةِ كثيرٌ جِدًّا مُباح، قَالَ: وتأْكله رَطباً وتُزَبِّبه فتَدَّخِرُه، وَقَدْ يُكسَّر عَلَى التِّين. والتينةُ: الدُّبُرُ. وَالتِّينُ: جبَل بالشأْم؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: هُوَ جَبَلٌ فِي بِلَادِ غَطَفان، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ جَبَلٌ بالشأْم بِشَيْءٍ، لأَنه لَيْسَ بالشأْم جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ التِّين، ثُمَّ قَالَ: وأَين الشأْم مِنْ بِلَادِ غَطَفان؛ قَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ سَحائب لَا ماءَ فِيهَا فَقَالَ:
صُهْب الشَّمَالِ أَتَينَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ، ... يُزْجِينَ غَيْماً قَلِيلًا ماؤُه شَبِما
. وَإِيَّاهَ عَنى الحَذْلمِيُّ بِقَوْلِهِ:
تَرْعى إلى جُدٍّ لها مَكِين، ... أَكْنافَ خَوٍّ فبِراقِ التِّين
. والتِّينةُ: مُوَيهة فِي أَصل هَذَا الْجَبَلِ؛ هَكَذَا حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ، مُوَيهة كأَنه تصغيرُ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
؛ قِيلَ: التِّينِ
دِمَشق، والزَّيْتُونِ بيتُ المَقْدس، وَقِيلَ: التِّينِ وَالزَّيْتُونِ
جَبَلان، وَقِيلَ: جَبَلان بالشأْم، وَقِيلَ: مَسجِدان بِالشَّامِ، وَقِيلَ: التِّينِ وَالزَّيْتُونِ
هُوَ الَّذِي نَعرفه. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ تِينُكم هَذَا وزَيتونكم؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَسَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَهل الشأْم، وَكَانَ صاحبَ تَفْسِيرٍ، قَالَ: التِّينُ جبالُ مَا بَيْنَ حُلوان إِلَى هَمَذان، والزيتونُ جِبَالُ الشأْم. وطُورُ تَيْنا وتَيْناء وتِيناء كَسِيناء. والتِّينانُ: الذئبُ؛ قال الأَخطل:
__________
(1). قوله [هشتنبر] كذا ضبط في القاموس، وضبط في التكملة بفتح الهاء والتاء والباء
(2). قوله [ومتنن] لم نقف على ضبطه
(3). قوله [التون الخزفة] كذا بالأَصل والتكملة والتهذيب، والذي في القاموس: الخرقة
(13/75)

يَعْتَفْنَه عِنْدَ تِينانٍ، يُدَمِّنُه ... بَادِي العُواءِ ضَئيل الشَّخْصِ مُكتَسِب
. وَقِيلَ: جَاءَ الأَخطل بحرْفَيْن لَمْ يجئْ بِهِمَا غيرُه، وَهُمَا التِّينانُ الذئبُ والعَيْثومُ أُنْثى الفِيَلةِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: تانِ كالمرّتانِ
؛ قَالَ أَبو مُوسَى: هَكَذَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ خطأٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ خَصْلَتانِ مَرَّتانِ، وَالصَّوَابُ أَن يُقَالَ: تانِكَ المرَّتانِ، وتَصِل الكافَ بِالنُّونِ، وَهِيَ لِلْخِطَابِ أَي تانِك الخَصْلَتانِ اللَّتانِ أَذْكُرُهما لكَ، ومَنْ قَرَنَها بالمرَّتيْن احْتَاجَ أَن يَجُرَّهما، وَيَقُولُ كالمرَّتَيْن، وَمَعْنَاهُ هاتانِ الخَصْلَتان كخَصْلَتَيْن مَرَّتَيْن، والكافُ فيها للتشبيه.

فصل الثاء المثلثة
ثأن: التَّهْذِيبُ: التثاؤُن الاحْتيال والخَديعةُ؛ يُقَالُ: تَثاءَنَ لِلصَّيْدِ إِذَا خادَعَه: جَاءَهُ مرَّة عَنْ يمينِه، وَمَرَّةً عَنْ شمالِه. وَيُقَالُ: تَثاءنْت لَهُ لأَصْرِفَه عَنْ رأْيِه أَي خادَعْتُه واحْتَلْتُ لَهُ؛ وأَنشد:
تَثَاءَنَ لِي فِي الأَمْرِ مِنْ كلِّ جانِبٍ، ... لِيَصْرِفَني عما أُريدُ كَنُودُ.
ثبن: الثُّبْنة والثِّبانُ: الموضعُ الَّذِي تَحْمِلُ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ إِذَا تلَحَّفْتَ بِالثَّوْبِ أَو توَشَّحْتَ بِهِ، ثُمَّ ثنَيْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ بعضَه فجعلتَ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدِ اثْتَبَنْتُ فِي ثَوْبِي، وثَبَنْتُ أَثْبِنُ ثَبْناً وثِباناً وتَثَبَّنْتُ إِذَا جَعَلْتَ فِي الْوِعَاءِ شَيْئًا وحملتُه بَيْنَ يَدَيْكَ. وثَبَنْتُ الثوبَ أَثِبْنُه ثَبْناً وثِباناً إِذَا ثَنَيْتَ طرَفَه وخِطْتَه مِثْلَ خَبَنْته. قَالَ: والثِّبانُ، بِالْكَسْرِ، وعاءٌ نَحْوَ أَن تَعْطِفَ ذَيْلَ قَميصِك فتجعلَ فِيهِ شَيْئًا تَحْمِلُهُ، تَقُولُ مِنْهُ: تَثَبَّنْت الشيءَ إِذَا جعلتَه فِيهِ وحملتَه بَيْنَ يَدَيْكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَفَفْتَ عَلَيْهِ حُجْزةَ سَراويلِك مِنْ قُدَّام، وَالِاسْمُ مِنْهُ الثُّبْنةُ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: واحدُ الثُّبانِ «1». ثُبْنةٌ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: إِذَا مَرَّ أَحدكم بحائطٍ فلْيأْكُلْ مِنْهُ وَلَا يَتخِذْ ثِباناً
؛ قَالَ أَبو عَمْرٍو: الثِّبانُ الوِعاءُ الَّذِي يُحْمَل فِيهِ الشيءُ ويوضعُ بَيْنَ يدَي الإِنسان، فَإِنْ حملتَه بَيْنَ يَدَيْكَ فَهُوَ ثِبانٌ، وَقَدْ ثَبَنْتُ ثِباناً، وَإِنْ جعلتَه فِي حِضْنِك فَهُوَ خُبْنةٌ، يَعْنِي بِالْحَدِيثِ المضْطرَّ الجائعَ يَمُرُّ بحائطٍ فيأْكل مِنْ ثمَرِ نَخْلِه مَا يَرُدُّ جَوْعَته. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي وأَبو زَيْدٍ: الثُّبانُ وَاحِدَتُهَا ثُبْنةٌ، وَهِيَ الحُجْزة تُحْمَل فِيهَا الفاكهةُ وَغَيْرُهَا؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَلَا نَثَرَ الْجَانِي ثِباناً أَمامَها، ... وَلَا انْتَقَلَتْ مِنْ رَهْنِه سَيْل مِذْنَب
. قَالَ أَبو سَعِيدٍ: لَيْسَ الثِّبانُ بالوِعاء، وَلَكِنْ مَا جُعل فِيهِ مِنَ التَّمْرِ فاحتُمل فِي وِعَاءٍ أَو غَيْرِهِ، فَهُوَ ثِبانٌ، وَقَدْ يَحْمِل الرجلُ فِي كُمِّه فَيَكُونُ ثِبانَه. وَيُقَالُ: قَدِمَ فلانٌ بِثبانٍ فِي ثَوْبِهِ. قَالَ الأَزهري: وَلَا أَدري مَا هُوَ الثِّبانُ، قَالَ: وَثَبَنَه فِي ثَوْبِهِ، قَالَ: وَلَا تَكُونُ ثُبْنةٌ إِلَّا مَا حَمَل قُدَّامَه وَكَانَ قَلِيلًا، فَإِذَا كثُر فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الثِّبانِ، والثِّبانُ طرَفُ الرداءِ حِينَ تَثْبِنُه. والمَثْبَنةُ: كِيسٌ تَضَعُ فِيهِ المرأَة مِرْآتَها وأَداتَها، يمانية. وثَبِنةُ: موضعٌ.
ثتن: التَّهْذِيبِ: ثَتِنَ ثَتَناً إِذَا أَنْتَنَ مِثْلَ ثَنِتَ؛ قال الشاعر:
__________
(1). قوله [واحد الثبان إلخ] عبارة شرح القاموس: الثبان، بالضم، جمع ثبنة إلخ
(13/76)

وثَتِنٌ لَثاتُه تِئْبابةٌ
. تئْبايةٌ أَي يأْبى كلَّ شَيْءٍ. وَيُقَالُ: ثَتِنَتْ لِثَتُه؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
لَمَّا رأَتْ أَنْيابَه مُثَلَّمَهْ، ... ولِثةً قَدْ ثَتِنَتْ مُشَخَّمهْ.
ثجن: الثَّجْنُ والثَّجَنُ: طريقٌ فِي غِلَظٍ مِنَ الأَرض، يمانية، وليست بثَبْتٍ.
ثخن: ثَخُنَ الشيءُ ثُخونةً وثَخانةً وثِخَناً، فَهُوَ ثَخِينٌ: كثُفَ وغُلظ وصلُبَ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ عَنِ الأَحمر: ثَخُنَ وثَخَنَ. وَثَوْبٌ ثخينٌ: جيّدُ النَّسْج والسَّدى كثيرُ اللُّحْمةِ. وَرَجُلٌ ثَخينٌ: حَليمٌ رَزِينٌ ثَقيلٌ فِي مَجْلِسِهِ. وَرَجُلٌ ثَخينُ السِّلاحِ أَي شاكٍ. والثَّخَنةُ والثَّخَنُ: الثِّقْلةُ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
حَتَّى يَعِجَّ ثَخَناً مَنْ عَجْعَجاً
. وَقَدْ أَثْخَنَه وأَثْقَله. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ
؛ قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: مَعْنَاهُ غلَبْتُموهم وكثُر فِيهِمِ الجِراحُ فأَعْطَوْا بأَيديهم. ابْنُ الأَعرابي: أَثخَنَ إِذَا غلَبَ وقهَرَ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ أَثْخَنْتُ فُلَانًا مَعْرِفَةً ورَصَّنْتُه مَعْرِفَةً، نحوُ الإِثْخان، واسْتَثْخَنَ الرجلُ: ثقُلَ مِنْ نَومٍ أَو إعْياءٍ. وأَثْخَنَ فِي العَدُوِّ: بالَغَ. وأَثْخَنَتْه الجِراحةُ: أَوْهَنَتْه. وَيُقَالُ: أَثْخَنَ فلانٌ فِي الأَرض قَتْلًا إِذَا أَكثره. وَقَالَ أَبو إِسحق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
؛ مَعْنَاهُ حَتَّى يُبالِغَ فِي قَتْلِ أَعدائه، وَيَجُوزَ أَن يَكُونَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الأَرض. والإِثْخانُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: قُوَّتُه وشدَّتُه. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
ثُمَّ أَحَلَّ لَهُمُ الغنائمَ
؛ قَالَ: الإِثْخانُ فِي الشَّيْءِ المبالغةُ فِيهِ والإِكثارُ مِنْهُ. يُقَالُ: قَدْ أَثْخَنَه المرضُ إِذَا اشتدَّ قُوَّتُه عَلَيْهِ ووَهَنَه، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا المبالغةُ فِي قَتْل الْكُفَّارِ، وأَثْخَنَه الهَمُّ. وَيُقَالُ: اسْتُثْخِنَ مِنَ الْمَرَضِ والإِعْياءِ إذا غلَبَه الإِعْياءُ رالمرضُ، وَكَذَلِكَ اسْتُثْخن فِي النَّوْم. وَفِي حَدِيثِ
أَبي جَهْلٍ: وَكَانَ قَدْ أُثْخِنَ
أَي أُثْقِلَ بِالْجِرَاحِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وجهه: أَوْطأَكم إِثخانُ الجِراحةِ.
وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ وَزَيْنَبَ: لَمْ أَنْشَبْها حَتَّى أَثْخَنْتُ عَلَيْهَا
أَي بالَغْتُ فِي جَوابِها وأَفْحَمْتها؛ وقولُ الأَعشى:
عَلَيْهِ سِلاحُ امْرِئٍ حازِمٍ، ... تَمهَّلَ فِي الحربِ حَتَّى اثَّخَنْ
. أَصله اثْتَخَنَ فأَدْغم؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: اثَّخَنَ فِي الْبَيْتِ افْتَعَلَ مِنَ الثَّخانة أَي بالَغ فِي أَخذ العُدَّة، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الإِثْخانِ في القَتْل.
ثدن: ثَدِنَ اللحمُ، بِالْكَسْرِ: تغيَّرت رائحتُه. والثَّدِنُ: الرجلُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ، وَكَذَلِكَ المُثَدَّن، بِالتَّشْدِيدِ؛ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يفضِّل مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوان عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ:
لَا تَجْعَلَنَّ مُثَدَّناً ذَا سُرَّةٍ، ... ضَخْماً سُرادقُه، وطيءَ المَركب
كأَغَرَّ يَتَّخِذ السُّيوفَ سُرادِقاً، ... يَمْشي برائشِه كمَشْيِ الأَنْكَبِ
. وثَدِنَ الرجلُ ثَدَناً: كثُر لحمُه وثقُل. وَرَجُلٌ مُثَدَّنٌ: كَثِيرُ اللَّحْمِ مُسترْخٍ؛ قَالَ:
فازتْ حَليلةُ نَوْدلٍ بِهَبَنْقَعٍ ... رِخْو العِظام، مُثَدَّنٍ عَبْلِ الشَّوَى
. وَقَدْ ثُدِّنَ تَثْديناً. وامرأَة مُثَدَّنة: لَحيمة فِي سماجةٍ، وَقِيلَ: مسمَّنة؛ وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الأَعرابي
(13/77)

قَوْلَ الشَّاعِرِ:
لَا أُحِبُّ المُثَدَّناتِ اللَّواتي، ... فِي المَصانيعِ، لَا يَنِينَ اطِّلاعا
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَالَ كُرَاعٌ إِنَّ الثَّاءَ فِي مُثَدَّنٍ بَدَلٌ مِنَ الْفَاءِ فِي مُفَدَّن، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَدَن، وَهُوَ القَصْر، قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ لأَنا لَمْ نَسْمَعْ مُفَدَّناً، وَقَالَ: قَالَ ابْنُ جِنِّي هُوَ مِنَ الثُّنْدُوةِ، مقلوبٌ مِنْهُ. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وامرأَةٌ ثَدِنة: ناقصةُ الخَلْق؛ عَنْهُ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُثدَّن اليَدِ
أَي تُشْبه يدُه ثَدْيَ المرأَة، كأَنه كَانَ فِي الأَصل مُثَنَّد الْيَدِ فقُلب، وَفِي التَّهْذِيبِ وَالنِّهَايَةِ: مَثْدُونُ الْيَدِ أَي صغيرُ الْيَدِ مُجْتَمِعُهَا، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: إِنْ كَانَ كَمَا قِيلَ إِنَّهُ مِنَ الثُّنْدُوة تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ فِي القِصَر وَالِاجْتِمَاعِ، فَالْقِيَاسُ أَن يُقَالَ مُثَنَّد، إِلَّا أَن يَكُونَ مَقْلُوبًا، وَفِي رِوَايَةٍ:
مُثْدَن الْيَدِ
؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: مُثْدَن اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْ أَثدَنْتُ الشَّيْءَ إِذَا قصَّرْته. والمُثْدَن والمَثْدُون: الناقصُ الخَلْق، وَقِيلَ: مُثْدَن الْيَدِ مَعْنَاهُ مُخْدَج الْيَدِ، وَيُرْوَى: مُوتَن الْيَدِ، بِالتَّاءِ، مِنْ أَيْتَنَت المرأَة إِذَا وَلدَت يَتْناً، وَهُوَ أَن تخرُج رِجلا الْوَلَدِ فِي الأَول، وَقِيلَ: المُثْدَن مَقْلُوبُ ثَنَدَ، يُرِيدُ أَنه يُشْبه ثُندوة الثَّدْي، وَهِيَ رأْسه، فَقَدَّمَ الدَّالَ عَلَى النُّونِ مِثْلَ جَذَبَ وَجَبَذَ، وَاللَّهُ أَعلم.
ثرن: التَّهْذِيبِ: ابْنُ الأَعرابي ثَرِنَ الرجلُ إِذَا آذَى صَديقَه أَو جارَه.
ثفن: الثَّفِنةُ مِنَ الْبَعِيرِ وَالنَّاقَةِ: الرُّكْبة وَمَا مَسَّ الأَرضَ مِنْ كِرْكِرتِه وسَعْداناتِه وأُصول أَفخاذه، وَفِي الصِّحَاحِ: هُوَ مَا يَقَعُ عَلَى الأَرض مِنْ أَعضائه إِذَا اسْتَنَاخَ وغلُظ كالرُّكْبَتين وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ مَا وَلِيَ الأَرض مِنْ كُلِّ ذِي أَربعٍ إِذَا بَرَك أَو رَبَض، وَالْجَمْعُ ثَفِنٌ وثَفِناتٌ، والكِرْكِرةُ إِحْدَى الثَّفِنات وَهِيَ خَمْسٌ بِهَا؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
خَوَى عَلَى مُسْتَوياتٍ خَمْسِ: ... كِرْكِرةٍ وثَفِناتٍ مُلْسِ
. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ فَجَعَلَ الكِرْكِرة مِنَ الثَّفِنات:
كأَنَّ مُخَوَّاها، عَلَى ثَفِناتِها، ... مُعَرَّسُ خَمْسٍ مِنْ قَطاً مُتجاوِر.
وقَعْنَ اثنتَينِ واثنتَينِ وفَرْدةً، ... جَرَائِدًا هِيَ الْوُسْطَى لِتَغْلِيسِ حائر «2»
كذا بالأَصل. قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ نَاقَةً:
ذَاتُ انْتِباذٍ عَنِ الْحَادِي إِذَا بَرَكَت، ... خَوَّتْ عَلَى ثَفِناتٍ مُحْزَئِلّات
. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبِيعَةَ يَصِفُ أَربعَ رَواحِلَ وبُروكَها:
عَلَى قلَوصَينِ مِن رِكابِهم، ... وعَنْتَرِيسَين فِيهِمَا شَجَعُ
كأَنَّما غادَرَتْ كَلاكِلُها، ... والثَّفِناتُ الخِفافُ، إِذْ وَقَعُوا
مَوْقِعَ عشرينَ مِنْ قَطاً زُمَرٍ، ... وَقعْنَ خَمْسًا خَمْسًا مَعًا شِبَعُ
. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الثَّفينةُ مَوْصِل الْفَخِذِ فِي السَّاقِ مِنْ باطِنٍ ومَوْصل الوَظيف فِي الذِّرَاعِ، فشبَّه آبارَ كراكِرها وثَفِناتها بمَجاثِم القَطا، وَإِنَّمَا أَراد خِفَّةَ بُروكِهن. وثَفَنَتْه الناقةُ تَثْفِنُه، بِالْكَسْرِ، ثَفْناً: ضربَتْه بثَفِناتها، قَالَ: وَلَيْسَ الثَّفِناتُ مِمَّا يخُصُّ الْبَعِيرَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا الثَّفِناتُ مِنْ كُلِّ
__________
(2). قوله [جرائداً إلخ]
(13/78)

ذِي أَربع مَا يُصيب الأَرضَ مِنْهُ إِذَا بَرك، وَيَحْصُلُ فِيهِ غِلظٌ مِنْ أَثر البُروك، فالرُّكبتان مِنَ الثَّفِنات، وَكَذَلِكَ المِرْفَقان وكِركرة الْبَعِيرِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ ثفِنات لأَنها تَغْلُظُ فِي الأَغلب مِنْ مُبَاشَرَةِ الأَرض وقتَ البُروك، وَمِنْهُ ثَفِنتْ يدُه إِذَا غَلُظت مِنَ الْعَمَلِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنَس: أَنه كَانَ عِنْدَ ثَفِنة ناقةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عامَ حَجَّة الْوَدَاعِ.
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وأَيديهم: كأَنها ثَفِنُ الإِبل
؛ هُوَ جَمْعُ ثَفِنة. والثَّفِنةُ مِنَ الإِبل: الَّتِي تَضْرِب بثَفِناتها عِنْدَ الْحَلْبِ، وَهِيَ أَيسر أَمراً مِنَ الضَّجُور. والثَّفِنةُ: رُكْبةُ الإِنسان، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ رَئِيسِ الْخَوَارِجِ ذُو الثَّفِنات لِكَثْرَةِ صلاتِه، ولأَنَّ طولَ السُّجُودِ كَانَ أَثَّرَ فِي ثَفِناته. وَفِي حَدِيثِ
أَبي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رأَى رجُلًا بَيْنَ عينَيْه مثْل ثَفِنة الْبَعِيرِ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ كَانَ خَيْرًا
؛ يَعْنِي كَانَ عَلَى جَبْهته أَثر السُّجُودِ، وَإِنَّمَا كرِهها خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ بِهَا، وَقِيلَ: الثَّفِنةُ مُجْتَمع السَّاقِ وَالْفَخِذِ، وَقِيلَ: الثَّفِناتُ مِنَ الإِبل مَا تَقَدَّمَ، وَمِنَ الْخَيْلِ مَوْصِل الْفَخِذِ فِي السَّاقَيْنِ مِنْ باطنِها؛ وَقَوْلُ أُميَّة بْنُ أَبي عَائِذٍ:
فَذَلِكَ يومٌ لَنْ تُرى أُمُّ نافِعٍ ... عَلَى مُثْفَنٍ مِنْ وُلْدِ صَعْدة قَنْدَل
. قَالَ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ أَراد بمُثْفَن عظيمَ الثَّفِنات أَو الشديدَها، يَعْنِي حِمَارًا، فاستَعار لَهُ الثَّفِنات، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْبَعِيرِ. وثَفِنَتا الجُلَّة: حافَتا أَسفلِها مِنَ التَّمْرِ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وثُفْنُ المَزادة: جوانبُها الْمَخْرُوزَةُ. وثَفَنَه ثَفْناً: دفعَه وضربَه. وثَفِنَت يدُه، بِالْكَسْرِ، تَثْفَنُ ثَفَناً: غَلُظت مِنَ الْعَمَلِ، وأَثْفَنَ العملُ يدَه. والثَّفِنةُ: العددُ والجماعةُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي فِي حَدِيثٍ لَهُ:
إِنَّ فِي الحِرْمازِ اليومَ الثَّفِنةَ أُثْفِيَة مِنْ أَثافي النَّاسِ صُلْبة
؛ ابْنُ الأَعرابي: الثَّفْنُ الثِّقَلُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الثَّفْنُ الدَّفْعُ. وَقَدْ ثَفَنَه ثَفْناً إِذَا دَفَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ:
فحمَل عَلَى الكَتيبةِ فَجَعَلَ يَثْفِنُها
أَي يَطْردُها؛ قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ يَفُنُّها، والفَنُّ الطَّرْدُ. وثافَنْتُ الرجلَ مُثافنةً أَي صاحَبْتُه لَا يَخْفَى عَلَيَّ شيءٌ مِنْ أَمره، وَذَلِكَ أَن تَصْحَبه حَتَّى تَعْلَمَ أَمرَه. وثَفَنَ الشيءَ يَثْفِنُه ثَفْناً: لَزِمَه. وَرَجُلٌ مِثْفَنٌ لِخَصْمِه: مُلازِمٌ لَهُ؛ قَالَ رُؤْبَةُ فِي مَعْنَاهُ:
أَلَيْسَ مَلْوِيّ المَلاوَى مِثْفَن
. وثافَنَ الرجلَ إِذَا باطَنَه ولَزِمَه حَتَّى يَعْرِفَ دَخْلَته. والمُثافِنُ: المواظِب. وَيُقَالُ: ثافَنْتُ فُلَانًا إِذَا حابَبْتَه تُحادِثُه وتُلازِمُه وتُكَلِّمُه. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: المُثافِنُ والمُثابِر والمُواظِب واحدٌ. وثافَنْت فُلَانًا: جالسْته، وَيُقَالُ: اشْتِقاقُه مِنَ الأَوَّل كأَنك أَلْصَقْتَ ثَفِنَةَ رُكْبَتِك بثَفِنةِ ركْبَتِهِ، وَيُقَالُ أَيضاً ثافَنْتُ الرجلَ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا أَعَنْتَه عَلَيْهِ. وجاء يَثْفِنُ يَثْفُنُ أَي يَطْرُد شَيْئًا مِنْ خَلْفِه قَدْ كَادَ يَلْحقُه. ومَرَّ يَثْفِنُهم ويَثْفُنُهم ثَفْناً أَي يَتْبَعُهم.
ثكن: الثُّكْنةُ: الجماعةُ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْجَمَاعَةَ مِنَ الطَّيْرِ، قَالَ: الثُّكْنةُ السِّرْبُ مِنَ الحَمام وَغَيْرِهِ؛ قَالَ الأَعشى يَصِفُ صَقراً:
يُسافِعُ وَرْقاءَ غَوْرِيَّةً، ... لِيُدْرِكَها فِي حَمامٍ ثُكَنْ
. أَي فِي حَمام مُجْتَمِعَةٍ. والثُّكْنةُ: القِلادةُ. والثُّكْنةُ: الإِرةُ وَهِيَ بئرُ النارِ. والثُّكْنةُ: القبْرُ. والثُّكْنةُ:
(13/79)

المحجّةُ. وثُكْنةُ الذئبِ أَيضاً: جمعُها ثُكَنٌ؛ قَالَ أُمية بْنُ أَبي عائذ:
عاقِدينَ النارَ في ثُكَنِ الأَذْنابِ ... مِنْهَا كَيْ تَهيجَ البُحورَا
. وثُكْنُ الطريقِ: سَنَنُه ومحجَّتُه. وَيُقَالُ: خَلِّ عَنْ ثُكْنِ الطَّرِيقِ أَي عَنْ سُجْحِه. وثُكَنُ الجُنْدِ: مَراكِزُهم، وَاحِدَتُهَا ثُكْنة، فَارِسِيَّةٌ. والثُّكْنةُ: الرايةُ والعلامةُ، وَجَمْعُهَا ثُكَنٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ عَلَى ثُكَنِهم
؛ فَسَّرَهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: عَلَى رَايَاتِهِمْ ومُجْتَمَعهم عَلَى لِواء صاحبِهم؛ حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي الغَريبين، وَقِيلَ: عَلَى رَايَاتِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَقِيلَ: عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَقِيلَ: عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ فأُدْخِلوا قبورَهم مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. اللَّيْثُ: الثُّكَنُ مَراكِزُ الأَجْنادِ عَلَى رَايَاتِهِمْ ومجتمعُهم عَلَى لِوَاءِ صَاحِبِهِمْ وعَلَمِهِم، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَلَمٌ وَلَا لِواء، وواحدتُها ثُكْنةٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَدْخل البيتَ المعمورَ كلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ عَلَى ثُكَنِهم
أَي بِالرَّايَاتِ وَالْعَلَامَاتِ؛ وَقَالَ طَرَفَةُ:
وَهَانِئًا هَانِئًا فِي الْحَيِّ مُومِسةً ... ناطَت سِخاباً، وَنَاطَتْ فوقَه ثُكَناً
. وَيُقَالُ للعُهون الَّتِي تُعَلَّق فِي أَعناق الإِبل: ثُكَن. والثُّكْنة: حُفْرَةٌ عَلَى قَدْرِ مَا يُواريه. والأُثْكُونُ للعِذق بِشَمَارِيخِهِ: لُغَةٌ فِي الأُثْكول، قَالَ: وَعَسَى أَن يَكُونَ بَدَلًا. وثَكَنٌ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ: جَبَلٌ حِجَازِيٌّ، بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْكَافِ؛ قَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ ابْنُ أُخت سَطيح فِي مَعْنَاهُ:
تَلُفُّه فِي الرِّيحِ بَوْغاءُ الدِّمَنْ، ... كأَنَّما حُثْحِثَ مِنْ حِضْنَي ثَكَنْ.
ثمن: الثُّمُن والثُّمْن مِنَ الأَجزاء: مَعْرُوفٌ، يطِّرد ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي هَذِهِ الْكُسُورِ، وَهِيَ الأَثمان. أَبو عُبَيْدٍ: الثُّمُنُ والثَّمينُ واحدٌ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الثَّمَانِيَةِ؛ وأَنشد أَبو الْجَرَّاحِ لِيَزِيدَ بْنِ الطَّثَرِيَّة فَقَالَ:
وأَلْقَيْتُ سَهْمِي وَسْطَهم حِينَ أَوْخَشُوا، ... فَمَا صارَ لِي فِي القَسْمِ إِلَّا ثَمينُها
. أَوْخَشُوا: رَدُّوا سِهامَهم فِي الرِّبابةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثَمَنَهم يَثْمُنُهم، بِالضَّمِّ، ثَمْناً: أَخذ ثمْنَ أَموالهم. والثَّمانيةُ مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ أَيضاً، قَالَ: ثَمانٍ عَنْ لَفْظِ يَمانٍ، وَلَيْسَ بنَسبٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ؛ حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ عَنْ أَبي الْخَطَّابِ؛ وأَنشد لِابْنِ مَيَّادة:
يَخْدُو ثمانيَ مُولَعاً بِلِقاحها، ... حَتَّى هَمَمْنَ بزَيْغةِ الإِرْتاج
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمانيَ لشبَهِها بجَوارِيَ لَفْظاً لَا مَعْنًى؛ أَلا تَرَى أَن أَبا عُثْمَانَ قَالَ فِي قَوْلِ الرَّاجِزِ:
وَلَاعِبِ بِالْعَشِيِّ بينَها، ... كفِعْل الهِرّ يَحْتَرِشُ العَظايا
فأَبْعَدَه الإِله وَلَا يُؤتَّى، ... وَلَا يُشْفَى مِنَ المَرضِ الشِّفايا «1»
. إِنَّهُ شبَّه أَلفَ النَّصْبِ فِي العظَايا والشِّفايا بَهَاءِ التأْنيث في نحو عَظاية وصَلاية، يُرِيدُ أَنه صحَّح الْيَاءَ وَإِنْ كَانَتْ طَرَفاً، لأَنه شبَّه الأَلف الَّتِي تحدُث عَنْ فَتْحَةِ النَّصْبِ بهاء التأْنيث في نحو عَظاية وعَباية، فَكَمَا أَنَّ الهاء فيها
__________
(1). قوله [ولاعب إلخ] البيتين هَكَذَا فِي الأَصل الَّذِي بأيدينا والأَول ناقص
(13/80)

صحَّحت الياءَ قَبْلَهَا، فَكَذَلِكَ أَلفُ النَّصْبِ الَّذِي فِي العَظايا وَالشِّفَايَا صحَّحت الْيَاءَ قَبْلَهَا، قَالَ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي، قَالَ: وَقَالَ أَبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَلفُ ثَمانٍ للنسَبِ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: فَقُلْتُ لَهُ: فلِمَ زَعَمْتَ أَن أَلِفَ ثَمانٍ لِلنَّسَبِ؟ فَقَالَ: لأَنها لَيْسَتْ بِجَمْعٍ مُكَسَّرٍ كصحارٍ، قُلْتُ لَهُ: نَعَمْ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلنَّسَبِ لَلَزِمَتْهَا الهاءُ البتَّة نَحْوَ عَتاهية وكراهِية وسَباهية، فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ ثمانٌ في حدّ الرفع؛ قَالَ:
لَهَا ثَنايا أَرْبَعٌ حِسانُ، ... وأَرْبَعٌ فثَغْرُها ثَمانُ
. وَقَدْ أَنكروا ذَلِكَ وَقَالُوا: هَذَا خَطَأٌ. الْجَوْهَرِيُّ: ثمانيةُ رجالٍ وَثَمَانِي نِسْوة، وَهُوَ فِي الأَصل مَنْسُوبٌ إِلَى الثُّمُن لأَنه الْجُزْءُ الَّذِي صيَّر السبعةَ ثَمَانِيَةً، فَهُوَ ثُمُنها، ثُمَّ فَتَحُوا أَوله لأَنهم يغيِّرون فِي النَّسَبِ كَمَا قَالُوا دُهْريٌّ وسُهْليٌّ، وَحَذَفُوا مِنْهُ إِحْدَى ياءَي النَّسَبِ، وعَوَّضوا مِنْهَا الأَلِفَ كَمَا فَعَلُوا فِي الْمَنْسُوبِ إِلَى الْيَمَنِ، فثَبَتتْ ياؤُه عِنْدَ الإِضافة، كَمَا ثَبَتَتْ ياءُ الْقَاضِي، فَتَقُولُ ثَمَانِي نِسْوةٍ وَثَمَانِي مِائَةٍ، كَمَا تَقُولُ قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ، وتسقُط مَعَ التَّنْوِينِ عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْجَرِّ، وتثبُت عِنْدَ النَّصْبِ لأَنه لَيْسَ بِجَمْعٍ، فيَجري مَجْرى جَوارٍ وسَوارٍ فِي تَرْكِ الصَّرْفِ، وَمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ غيرَ مصروفٍ فَهُوَ عَلَى تَوَهُّمِ أَنه جَمْعٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ يَعْنِي بِذَلِكَ قولَ ابْنِ مَيّادة:
يَحْدو ثمانِيَ مُولَعاً بلِقاحِها
. قَالَ: وَقَوْلُهُمْ الثوبُ سَبْعٌ فِي ثمانٍ، كَانَ حقُّه أَن يُقَالَ ثَمَانِيَةٌ لأَن الطُّول يُذْرَع بِالذِّرَاعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، والعَرْضُ يُشْبَر بالشِّبر وَهُوَ مذكَّر، وَإِنَّمَا أَنثه لمَّا لَمْ يأْت بِذِكْرِ الأَشبار، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْساً، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بالصَّوْم الأَيام دُونَ اللَّيَالِيَ، وَلَوْ ذكَر الأَيام لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنَ التَّذْكِيرِ، وَإِنْ صغَّرت الثمانيةَ فأَنت بِالْخِيَارِ، إِنْ شِئْتَ حذَفْت الأَلِف وَهُوَ أَحسَن فَقُلْتَ ثُمَيْنِية، وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ فَقُلْتَ ثُمَيِّنة، قُلِبت الأَلف يَاءً وأُدغمت فِيهَا يَاءُ التَّصْغِيرِ، وَلَكَ أَن تُعَوِّضَ فِيهِمَا. وثَمَنَهم يَثْمِنُهم، بِالْكَسْرِ، ثَمْناً: كَانَ لَهُمْ ثامِناً. التَّهْذِيبِ: هُنَّ ثمانِيَ عَشْرة امرأَة، وَمَرَرْتُ بثمانيَ عَشْرَةَ امرأَة: قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَقَوْلُ الأَعشى:
وَلَقَدْ شَرِبْتُ ثَمانياً وَثَمَانِيًا، ... وثمانِ عَشْرةَ واثنَتَين وأَرْبَعا
. قَالَ: ووجْه الْكَلَامِ بثمانِ عشْرة، بِكَسْرِ النُّونِ، لِتَدُلَّ الكسرةُ عَلَى الْيَاءِ وتَرْكِ فَتْحَةِ الْيَاءِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ رأَيت الْقَاضِيَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كأَنَّ أَيديهنّ بِالْقَاعِ القَرِق
. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّمَا حَذَفَ الْيَاءَ فِي قَوْلِهِ وثمانِ عشْرة عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ طِوالُ الأَيْدِ، كَمَا قَالَ مُضرِّس بْنُ رِبْعيٍّ الأَسَديّ:
فَطِرْتُ بِمُنْصُلي فِي يَعْمَلاتٍ، ... دَوامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحا
. قَالَ شِمْرٌ: ثَمَّنْت الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتَهُ، فَهُوَ مُثَمَّن. وَكِسَاءٌ ذُو ثمانٍ: عُمِل مِنْ ثمانِ جِزّات؛ قَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَاهُ:
سَيَكْفيكِ المُرَحَّلَ ذُو ثَمانٍ، ... خَصيفٌ تُبْرِمِين لَهُ جُفالا
. وأَثَمَنَ القومُ: صَارُوا ثَمَانِيَةً. وَشَيْءٌ مُثَمَّنٌ: جُعِلَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَركان. والمُثَمَّن مِنَ العَروض: مَا بُنِيَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجزاء. والثِّمْنُ: اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ مِنْ أَظماء الإِبل. وأَثمَنَ الرجلُ إِذَا ورَدت إبلُه ثِمْناً، وَهُوَ
ظِمءٌ مِنْ أَظمائها. والثمانونَ مِنَ الْعَدَدِ: معروفٌ،
(13/81)

وَهُوَ مِنَ الأَسماء الَّتِي قَدْ يُوصَفُ بِهَا؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الأَعشى:
لَئِنْ كنتُ فِي جُبٍّ ثمانينَ قَامَةً، ... ورُقِّيت أَسْبابَ السماءِ بسُلَّم
. وُصِفَ بِالثَّمَانِينَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا لأَنه فِي مَعْنًى طَوِيلٍ. الْجَوْهَرِيُّ: وَقَوْلُهُمْ هُوَ أَحمقُ مِنْ صَاحِبِ ضأْنٍ ثَمَانِينَ، وَذَلِكَ أَن أَعرابيّاً بَشَّرَ كِسْرى ببُشْرى سُرَّ بِهَا، فَقَالَ: اسْأَلني مَا شئتَ، فَقَالَ: أَسأَلُك ضأْناً ثَمَانِينَ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي رَوَاهُ أَبو عُبَيْدَةَ أَحمقُ مِنْ طَالِبِ ضأْن ثَمَانِينَ، وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَحمقُ مِنْ رَاعِي ضأْنٍ ثَمَانِينَ، وَفَسَّرَهُ بأَنَّ الضأْنَ تَنْفِرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فيَحتاج كلَّ وَقْتٍ إِلَى جَمْعِهَا، قَالَ: وَخَالَفَ الجاحظُ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ أَشْقى مِنْ رَاعِي ضأْن ثَمَانِينَ، وَذُكِرَ فِي تَفْسِيرِهِ لأَن الإِبل تتَعشَّى وتربِضُ حَجْرةً تجْتَرُّ، وأَن الضأْن يَحْتَاجُ رَاعِيهَا إِلَى حِفْظها وَمَنْعِهَا مِنَ الِانْتِشَارِ وَمِنَ السِّباع الطَّالِبَةِ لَهَا، لأَنها لَا تَبرُك كبُروكِ الإِبل فَيَسْتَرِيحُ رَاعِيهَا، وَلِهَذَا يتحكَّمُ صَاحِبُ الإِبل عَلَى رَاعِيهَا مَا لَا يتحكَّم صاحبُ الضأْن عَلَى رَاعِيهَا، لأَن شَرْطَ صَاحِبِ الإِبل عَلَى الرَّاعِي أَن عَلَيْكَ أَن تَلوطَ حَوْضَها وترُدَّ نادَّها، ثُمَّ يَدُك مبسوطةٌ فِي الرِّسْل مَا لَمْ تَنْهَكْ حَلَباً أَو تَضُرَّ بنَسْلٍ، فَيَقُولُ: قَدِ الْتزَمْتُ شرْطك عَلَى أَن لا تَذْكُرَ أُمّي بِخَيْرٍ وَلَا شرٍّ، وَلَكَ حَذْفي بِالْعَصَا عِنْدَ غضَبِك، أَصَبْت أَم أَخْطَأْت، وَلِي مَقعدي مِنَ النَّارِ وَمَوْضِعُ يَدِي مِنَ الْحَارِّ وَالْقَارِّ، وأَما ابْنُ خَالَوَيْهِ فَقَالَ فِي قَوْلِهِمْ أَحمقُ مِنْ طَالِبِ ضأْنٍ ثَمَانِينَ:
إِنَّهُ رَجُلٌ قَضَى لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حاجَته فَقَالَ: ائتِني المدينةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: أَيُّما أَحبُّ إِلَيْكَ: ثَمَانُونَ مِنَ الضأْنِ أَم أَسأَل اللَّهَ أَن يَجْعَلَكَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: بَلْ ثَمَانُونَ مِنَ الضأْن، فَقَالَ: أَعطوه إِيَّاهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صاحبةَ مُوسَى كَانْتَ أَعقلَ مِنْكَ، وَذَلِكَ أَن عَجُوزًا دلَّتْه عَلَى عِظَامِ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَيُّما أَحبُّ إليكِ أَن أَسأَل اللَّهَ أَن تَكُونِي مَعِي فِي الْجَنَّةِ أَم مائةٌ مِنَ الْغَنَمِ؟ فَقَالَتْ: بَلِ الْجَنَّةُ.
والثَّماني: موضعٌ بِهِ هضَبات؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: أُراها ثَمَانِيَةً؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
أَو أَخْدَرِيّاً بِالثَّمَانِي سُوقُها
وثَمينةُ: مَوْضِعٌ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤيّة:
بأَصْدَقَ بأْساً مِنْ خليلِ ثَمينةٍ ... وأَمْضَى، إِذا مَا أَفْلَط القائمَ اليدُ
. والثَّمَنُ: مَا تَسْتَحِقُّ بِهِ الشيءَ. والثَّمَنُ: ثمنُ البيعِ، وثمَنُ كُلِّ شَيْءٍ قيمتُه. وَشَيْءٌ ثَمينٌ أَي مرتفعُ الثَّمَن. قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا*
؛ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الَّذِي قَدْ نُصِب فِيهِ الثَّمَنُ وأُدخلت الْبَاءُ فِي المَبِيع أَو المُشْتَرَى فإِن ذَلِكَ أَكثر مَا يأْتي فِي الشَّيئين لَا يَكُونَانِ ثَمَناً مَعْلُومًا مِثْلَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَمِنْ ذَلِكَ اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا بِكِسَاءٍ، أَيهما شِئْتَ تَجْعَلُهُ ثَمَنًا لِصَاحِبِهِ لأَنه لَيْسَ مِنَ الأَثمان، وَمَا كَانَ لَيْسَ مِنَ الأَثمان مِثْلَ الرَّقِيق والدُّور وجميعِ الْعُرُوضِ فَهُوَ عَلَى هَذَا، فَإِذَا جِئْتَ إِلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَضَعْتَ الْبَاءَ فِي الثَّمَن، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ
، لأَن الدَّرَاهِمَ ثَمَنٌ أَبداً، وَالْبَاءُ إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الأَثْمانِ، وكذلك قوله: لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا*
، واشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ والْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ؛ فأَدْخِل الباءَ فِي أَيِّ هَذَيْنِ شِئْتَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّكَ تُدْخِل الْبَاءَ فِيهِنَّ مَعَ الْعُرُوضِ، فَإِذَا اشْتَرَيْتَ أَحدَ هَذَيْنِ،
(13/82)

يَعْنِي الدنانيرَ وَالدَّرَاهِمَ، بِصَاحِبِهِ أَدخلت الْبَاءَ فِي أَيّهما شِئْتَ، لأَن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَبِيعٌ وثَمَنٌ، فَإِذَا أَحْبَبْت أَن تَعْرِفَ فَرْقَ مَا بَيْنَ العُروض وَالدَّرَاهِمِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا بأَلف دِينَارٍ أَو أَلفِ دِرْهَمٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَن يأْخذ أَلْفَه بِعَيْنِهَا، وَلَكِنْ أَلْفاً، وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْجِعْ بِجَارِيَةٍ أُخرى مِثْلِهَا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَن العُروض لَيْسَتْ بأَثمان. وَفِي حَدِيثِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ:
ثامِنُوني بحائِطِكُم
أَي قَرِّرُوا مَعي ثَمَنَه وبِيعُونِيهِ بالثَّمَنِ. يُقَالُ: ثامَنْتُ الرجلَ فِي المَبيع أُثامِنُه إِذَا قاوَلْتَه فِي ثَمَنِه وساوَمْتَه عَلَى بَيْعِه واشْتِرائِه. وقولُه تَعَالَى: وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
؛ قِيلَ مَعْنَاهُ قَبِلُوا عَلَى ذَلِكَ الرُّشى وَقَامَتْ لَهُمْ رِياسةٌ، وَالْجَمْعُ أَثْمانٌ وأَثْمُنٌ، لَا يُتَجاوَزُ بِهِ أَدْنى الْعَدَدِ؛ قَالَ زهيرفي ذَلِكَ:
مَنْ لَا يُذابُ لَهُ شَحْمُ السَّدِيفِ إِذَا ... زارَ الشِّتاءُ، وعَزَّتْ أَثْمُنُ البُدُنِ
. وَمَنْ رَوَى أَثْمَن البُدُنِ، بِالْفَتْحِ، أَراد أَكثَرها ثَمَناً وأَنَّث عَلَى الْمَعْنَى، وَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ، فَهُوَ جَمْعُ ثَمَن مِثْلَ زَمَنٍ وأَزْمُنٍ، وَيُرْوَى: شحمُ النَّصيبِ؛ يُرِيدُ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّحْمِ لأَنه لَا يَدَّخِرُ لَهُ مِنْهُ نَصيباً، وَإِنَّمَا يُطْعِمُه، وَقَدْ أَثْمَنَ لَهُ سِلْعَتَهُ وأَثْمَنَهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وأَثْمَنْتُ الرجلَ متاعَه وأَثْمَنْتُ لَهُ بِمَعْنًى واحدٍ. والمِثْمَنَة: المِخْلاةُ؛ حَكَاهَا اللِّحْيَانِيُّ عَنِ ابْنِ سُنْبُلٍ العُقَيْلي. والثَّماني: نَبْتٌ؛ لَمْ يَحْكِه غيرُ أَبي عُبَيْدٍ. الْجَوْهَرِيُّ: ثَمَانِيَةٌ اسْمُ موضع «2».
ثنن: الثِّنُّ، بِالْكَسْرِ: يَبِيسُ الحَلِيِّ والبُهْمَى والحَمْض إِذَا كَثُرَ ورَكِبَ بعضُه بَعْضًا، وَقِيلَ: هُوَ مَا اسْوَدَّ مِنْ جَمِيعِ العِيدانِ وَلَا يَكُونُ مِنْ بَقْلٍ وَلَا عُشْبٍ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الثِّنُّ حُطامُ اليَبِيس؛ وأَنشد:
فظَلْنَ يَخْبِطْنَ هَشِيم الثِّنِّ، ... بَعْدَ عَمِيمِ الرَّوْضةِ المُغِنِ
. الأَصمعي: إِذَا تَكَسَّرَ اليَبِيسُ فَهُوَ حُطامٌ، فَإِذَا ارْتَكَبَ بعضُه عَلَى بعضٍ فَهُوَ الثِّنُّ، فَإِذَا اسوَدَّ مِنَ القِدَمِ فَهُوَ الدِّنْدِنُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الثِّنُّ الكَلأُ؛ وأَنشد الْبَاهِلِيُّ:
يَا أَيُّها الفَصِيلُ ذَا المُعَنِّي، ... إنَّكَ دَرْمانُ فصَمِّتْ عَنِّي،
تَكْفي اللَّقُوحَ أَكْلةٌ مِنْ ثِنِّ، ... ولَمْ تَكُنْ آثَرَ عِندِي مِنِّي
ولَمْ تَقُمْ فِي المَأْتَمِ المُرِنِ
. يَقُولُ: إِذَا شَرِبَ الأَضيافُ لَبَنَها عَلَفَها الثِّنَّ فعادَ لَبَنُها، وصَمِّت أَي اصْمُتْ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الشِّعْرُ للأَخوص بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرِّياحي، والأَخوص بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَاسْمُهُ زَيْدُ بنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَتّاب بْنِ هَرَمِيِّ بْنِ رِيَاحٍ. ابْنُ الأَعرابي: الثِّنانُ النّباتُ الْكَثِيرُ المُلْتَفُّ. وَقَالَ: ثَنْثَنَ إِذَا رَعَى الثِّنَّ، ونَثْنَثَ إِذَا عَرِقَ عَرَقاً كَثِيرًا. الْجَوْهَرِيُّ: الثُّنّة الشَّعَراتُ الَّتِي فِي مُؤَخَّرِ رُسْغِ الدَّابَّةِ الَّتِي أُسْبِلَتْ عَلَى أُمِّ القِرْدانِ تَكادُ تَبْلُغُ الأَرْضَ، وَالْجَمْعُ الثُّنَنُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للأَغلب الْعِجْلِيِّ:
فبِتُّ أَمْريها وأَدنو للثُّنَنْ، ... بِقاسِحِ الجلْدِ مَتينٍ كالرِّسَنْ.
__________
(2). قوله [ثمانية اسم موضع] في التكملة: هي تصحيف، والصواب ثمينة على فعيلة مثال دثينة
(13/83)

والثُّنَّة مِنَ الفَرَس: مُؤَخَّر الرُّسْغ، وَهِيَ شَعَرَاتٌ مُدَلّاةٌ مُشْرِفات مِنْ خَلْف؛ قَالَ: وأَنشد الأَصمعي لِرَبِيعَةَ بْنِ جُشَم رَجُلٌ مِنَ النَّمِر بْنِ قاسِط، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَخْلط بشعرِه شعرَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَقِيلَ هُوَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ:
لَها ثُنَنٌ كخَوافي العُقَاب، ... سُودٌ يَفِينَ، إِذَا تَزْبَئِرّ
. قَوْلُهُ: يَفِين، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، أَي يَكْثُرن. يُقَالُ: وَفَى شَعرُه، يَقُولُ: لَيْست بمُنْجَردة لَا شَعْرَ عَلَيْهَا. وَفِي حَدِيثِ فَتْحِ نُهاوَنْد:
وبلَغَ الدمُ ثُنَنَ الخَيْل
؛ قَالَ: الثُّنَنُ شعَرات فِي مُؤَخَّر الْحَافِرِ مِنَ اليَدِ والرِّجْل. وثَنَّن الفرسُ: رَفَع ثُنَّتَه أَن يَمَسَّ الأَرض فِي جَرْيه مِنْ خِفَّتِه. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فِي وَظِيفَي الْفَرَسِ ثُنَّتان، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مُؤخَّر الرُّسْغ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شعرٌ فَهُوَ أَمْرَدُ وأَمْرَطُ. ابْنُ الأَعرابي: الثُّنَّة مِنَ الإِنسان مَا دُونُ السُّرَّةِ فَوْقَ الْعَانَةِ أَسفل الْبَطْنِ، وَمِنَ الدوابِّ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى مؤخَّر الحافِر فِي الرُّسْغ. قَالَ: وثَنَّنَ الفرسُ إِذَا رَكِبَه الثقيلُ حَتَّى تُصِيبَ ثُنَّتُه الأَرض، وَقِيلَ: الثُّنَّةُ شعرُ الْعَانَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن آمِنةَ قَالَتْ لمَّا حَمَلَتْ بِالنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واللهِ مَا وَجَدْتُه فِي قَطَنٍ وَلَا ثُنَّة وَمَا وَجَدته إِلَّا عَلَى ظَهْرِ كَبِدي
؛ القَطَنُ: أَسفل الظَّهر، والثُّنَّة: أَسفل الْبَطْنِ. وَفِي
مَقْتَل حَمْزَةَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَن وَحْشياً قَالَ سَدَّدْتُ حَرْبَتي يَوْمَ أُحُدٍ لثُنَّته فَمَا أَخطأْتُها
، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ «1». يُقَوِّيان قَوْلَ اللَّيْثِ فِي الثُّنَّة. وَفِي حَدِيثِ
فارِعَة أُخْت أُمَيَّة: فشَقَّ مَا بَيْنَ صَدْره إِلَى ثُنَّتِه.
وثُنانُ: بُقْعة؛ عن ثعلب.

فصل الجيم
جأن: الجُؤنة: سَلَّة مُسْتَديرة مُغَشَّاة أَدَماً يُجْعَلُ فِيهَا الطِّيبُ والثِّياب.
جبن: الجَبانُ مِنَ الرِّجالِ: الَّذِي يَهاب التقدُّمَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارًا؛ سِيبَوَيْهِ: وَالْجَمْعُ جُبَناء، شَبَّهوه بفَعِيل لأَنه مثلُه فِي العِدَّة وَالزِّيَادَةِ، وَتَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكر الجُبْن والجَبان، وَهُوَ ضِدُّ الشَّجاعة والشُّجاع، والأُنثى جَبان مِثْلُ حَصان ورَزَانٍ وجَبانةٌ، ونِساء جَباناتٌ. وَقَدْ جَبَنَ يَجْبُن وجَبُنَ جُبْناً وجُبُناً وجَبانةً وأَجْبَنَه: وَجَدَهُ جَباناً أَو حَسِبَه إِيَّاهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، وَكَانَ قَدْ زَارَ رَئِيسَ بَنِي سُلَيْمٍ فأَعطاه عِشْرِينَ أَلف دِرهم وسَيْفاً وفَرَساً وغُلاماً خبَّازاً وثِياباً وطِيباً: لِلَّهِ دَرُّكم يَا بَنِي سُلَيْمٍ قاتَلْتُها فَمَا أَجْبَنْتُها، وسأَلتُها فَمَا أَبخَلْتها، وهاجَيْتُها فَمَا أَفحَمْتُها. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: وَهُوَ يُجَبَّن أَي يُرْمَى بِذَلِكَ وَيُقَالُ لَهُ. وجَبَّنَه تَجْبِيناً: نسبَه إِلَى الجُبْن. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، احْتَضَنَ أَحَدَ ابْنَي ابنتِه وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُجَبِّنُون وتُبَخِّلون وتُجَهِّلون، وَإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحان اللَّهِ.
يُقَالُ: جَبَّنْتُ الرَّجُلَ وبَخَّلْته وجهَّلْته إِذَا نسبْتَه إِلَى الجُبْنِ والبُخْلِ والجَهْل، وأَجْبَنْته وأَبْخَلْته وأَجْهَلْته إِذَا وجَدْته بَخِيلًا جَباناً جَاهِلًا، يُرِيدُ أَن الْوَلَدَ لَمَّا صَارَ سبَباً لجُبْن الأَب عَنِ الجِهاد وَإِنْفَاقِ الْمَالِ والافْتتان بِهِ، كَانَ كأَنه نسبَه إِلَى هَذِهِ الخِلال وَرَمَاهُ بِهَا. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: الْوَلَدُ مَجْهَلَة مَجْبَنة مَبْخَلة. الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ الْوَلَدُ مَجْبَنة مَبْخَلة
__________
(1). قوله [وهذان الحديثان إلخ] هكذا في الأَصل بدون تقدم نسبة إلى الليث
(13/84)

لأَنه يُحَب البقاءُ والمالُ لأَجله. وتَجَبَّنَ الرجلُ: غلُظ. ابْنُ الأَعرابي: الْمُفَضَّلُ قَالَ الْعَرَبُ تَقُولُ فلانٌ جبانُ الكَلْبِ إِذَا كَانَ نِهايةً فِي السَّخاءِ؛ وأَنشد:
وأَجْبَنُ مِنْ صافرٍ كَلْبُهم، ... وَإِنْ قَذَفَتْه حصاةٌ أَضافا
. قَذَفَتْه: أَصابتْه. أَضافَ أَي أَشْفَق وَفَرَّ. اللَّيْثُ: اجْتَبَنْتُه حَسِبْتُه جَباناً. والجَبِينُ: فَوْقَ الصدْغ، وهُما جَبِينان عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وشِمالها. ابْنُ سِيدَهْ: والجَبِينان حَرْفان مُكْتَنِفا الجَبْهة مِنْ جانِبَيْها فِيمَا بَيْنَ الحاجِبَيْن مُصْعِداً إِلَى قُصاصِ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: هُمَا مَا بَيْنُ القُصاصِ إِلَى الحِجاجَيْن، وَقِيلَ: حُرُوفُ الْجَبْهَةِ مَا بَيْنَ الصُّدغين مُتَّصِلًا عَدَا الناصِية، كلُّ ذَلِكَ جَبِينٌ واحدٌ، قَالَ: وَبَعْضٌ يَقُولُ هُما جَبينان، قَالَ الأَزهري: وَعَلَى هَذَا كلامُ الْعَرَبِ. والجَبْهَتان: الجَبِينان. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: والجَبِينُ مذكَّر لَا غَيْرَ، وَالْجَمْعُ أَجْبُنٌ وأَجْبِنةٌ وجُبُن. والجُبْن والجُبُن والجُبُنُّ مُثَقَّلٌ: الَّذِي يؤكَل، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالْهَاءِ «1». جُبُنَّة. وتَجَبَّن اللَّبَنُ: صَارَ كالجُبْن. قَالَ الأَزهري: وَهَكَذَا قَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ كُلِ الجُبُنَّ عُرْضاً، بِتَشْدِيدِ النُّونِ. غَيْرُهُ: اجْتَبَنَ فلانٌ اللَّبَنَ إِذَا اتَّخَذَه جُبْناً. الْجَوْهَرِيُّ: الجُبْن هَذَا الَّذِي يُؤكَل، والجُبْنة أَخص مِنْهُ، والجُبْنُ أَيضاً: صِفة الجَبان. والجُبُن، بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ: لُغَةٌ فِيهِمَا. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جُبُنٌّ وجُبُنَّة، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ. وَقَدْ جَبَن الرَّجُلُ، فَهُوَ جَبان، وجَبُنَ أَيضاً، بِالضَّمِّ، فَهُوَ جَبين. والجَبَّان والجَبَّانة، بِالتَّشْدِيدِ: الصَّحْرَاءُ، وَتُسَمَّى بِهِمَا الْمَقَابِرُ لأَنها تَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِمَوْضِعِهِ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الجَبابِينُ كِرامُ المَنابِت، وَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ فِي ارْتِفَاعٍ، الْوَاحِدَةُ جَبَّانة. والجَبَّان: مَا اسْتَوَى مِنَ الأَرض فِي ارْتِفَاعٍ، وَيَكُونُ كَريمَ المَنْبت. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: الجَبَّانة مَا اسْتَوَى مِنَ الأَرض ومَلُسَ وَلَا شَجَرَ فِيهِ، وَفِيهِ آكامٌ وجِلاهٌ وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَوِيَةً لَا آكامَ فِيهَا وَلَا جِلاهَ، وَلَا تَكُونُ الجَبَّانة فِي الرَّمْل وَلَا فِي الجَبَل، وَقَدْ تَكُونُ فِي القِفاف والشَّقائق. وكلُّ صحراءَ جَبَّانة.
جبرن: جِبْرينُ جَبْرينُ وجِبْريل وجَبْرَئيل، كُلُّهُ: اسْمُ رُوحِ القُدس، عَلَيْهِ السلام.
جحن: الكسائي: الجَحِنُ السَّيِءُ الغِذاء، وَقَدْ أَجْحَنَتْه أُمُّه. وصبيٌّ جَحِنُ الغِذاء، وَقَدْ جَحِن، بِالْكَسْرِ، يَجْحَن جَحَناً وأَجْحَنَتْه؛ أَساءَت غِذاءه، وَقَالَ الأَصمعي فِي المُجْحَن مِثْلَهُ. والجَحِن: البَطِيءُ الشَّبَابِ؛ وَقَوْلُ الشَّمَّاخِ:
وَقَدْ عَرِقَتْ مَغابنُها وجادَتْ ... بِدِرَّتِها قِرَى جَحِنٍ قَتِينِ
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: أَراد قُراداً جعلَه جَحِناً لِسُوءِ غِذَائِهِ، يَعْنِي أَنها عَرِقَتْ فَصَارَ عَرَقُها قِرًى للقُراد، وَهَذَا الْبَيْتُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ بِمُفْرَدِهِ فِي تَرْجَمَةِ حَجَنَ، بِالْحَاءِ قَبْلَ الْجِيمِ، قَالَ: والجَحِنُ المرأَةُ القليلةُ الطُّعْم، وأَورد الْبَيْتَ، وَقَدْ أَورده الأَزهري وَابْنُ سِيدَهْ وَالْجَوْهَرِيُّ هُنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ ابْنُ بَرِّيٍّ صَحَّفه أَو وَجَدَ لَهُ وَجْهًا فِيمَا ذَكَرَهُ، قَالَ: والأُنثى جَحِنة وجَحْنة؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ:
كَواحِدةِ الأُدْحِيِّ لَا مُشْمَعِلَّةٌ، ... وَلَا جَحْنة، تحتَ الثِّياب، جَشُوبُ.
وَقَدْ جَحِنَ جَحَناً وجَحانة. الأَزهري: ومَثَلٌ مِنَ
__________
(1). قوله [وَالْوَاحِدَةُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بالهاء] هذه عبارة ابن سيدة. وقوله [جبنة] هذه عبارة الأَزهري
(13/85)

الأَمْثال: عَجَبٌ مِنْ أَن يَجِيءَ مِنْ جَحِنٍ خَيْرٌ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ وَقَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
فأَنْبَتها نَباتاً غَيْرَ جَحْن
. إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَخْفِيفِ جَحِنٍ. ونَبْت جَحِن: زَميرٌ صَغِيرٌ مُعَطَّش. وكلُّ نَبْتٍ ضَعُفَ فَهُوَ جَحِنٌ. والمُجْحَن، بِضَمِّ الْمِيمِ، مِنَ النَّبَاتِ: القصيرُ الْقَلِيلُ الْمَاءِ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ جَحَنَ وأَجْحَن وجَحَّنَ وحَجَنَ وأَحْجَنَ وحَجَّنَ وجَحَدَ وأَجْحَدَ وجَحَّد كُلُّهُ مَعْنَاهُ إِذَا ضيَّق عَلَى عِيَالِهِ فَقْراً أَو بُخْلًا. الأَزهري: يُقَالُ جُحَيْناءُ قَلْبِي ولُوَيحاءُ قَلْبِي ولُوَيْذاء قَلْبِي، يَعْنِي مَا لزِم الْقَلْبَ. وجَيْحون وجَيْحان: اسْمُ نَهْرٍ جَاءَ فِيهِمَا حَدِيثٌ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ
سَيْحان وجَيْحان
، قَالَ: هُمَا نَهْرَانِ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ أَرض المِصّيصة وطَرَسوس. الْجَوْهَرِيُّ: جَيْحون نَهْرُ بَلْخ، وَهُوَ فَيْعول. وجَيْحان: نَهْرٌ بِالشَّامِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ وزنُ جَيْحون فَعْلون مثل زَيتون وحَمْدون.
جحشن: جَحْشَنٌ: اسم.
جخن: الأَصمعي: الجُخُنَّةُ الرَّدِيئَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ مِنَ النِّسَاءِ؛ وأَنشد:
سأُنذِرُ نَفْسي وَصْلَ كلِّ جُخُنَّةٍ ... قِضافٍ، كبِرْذَوْنِ الشَّعير الفُرافِر.
جدن: جَدَنٌ: مَوْضِعٌ. وَذُو جَدَنٍ: قَيْلٌ مِنْ أَقيال حِمْير، وَقِيلَ: مِنْ مَقاوِلة اليَمَن، وَفِي التَّهْذِيبِ: اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَر؛ قَالَ الأَصمعي: وأَنشد أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ الْكِلَابِيُّ:
لَوْ أَنَّني كنتُ مِنْ عادٍ وَمِنْ إِرَمٍ ... غَذِيَّ بَهْم ولُقْماناً وَذَا جَدَنِ
. ابْنُ الأَعرابي: أَجْدَنَ الرجلُ إِذَا اسْتَغْنَى بَعْدَ فَقْرٍ.
جَرَنَ: الجِرانُ: بَاطِنُ العُنُق، وَقِيلَ: مُقدَّم الْعُنُقِ مِنْ مَذْبَحِ الْبَعِيرِ إِلَى مَنْحَرِهِ، فَإِذَا برَك البعيرُ وَمَدَّ عنُقَه عَلَى الأَرض قِيلَ: أَلقى جِرانَه بالأَرض. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا: حَتَّى ضرَب الحقُّ بجِرانِه
، أَرادت أَن الحقَّ اسْتَقَامَ وقَرَّ فِي قَراره، كَمَا أَن الْبَعِيرَ إِذَا بَرَك وَاسْتَرَاحَ مَدَّ جِرانَه عَلَى الأَرض أَي عُنُقَه. الْجَوْهَرِيُّ: جِرانُ الْبَعِيرِ مقدَّم عُنقه مِنْ مَذْبَحِهِ إِلَى مَنْحَرِهِ، وَالْجَمْعُ جُرُنٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْفَرَسِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن ناقتَه، عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَلَحْلحَتْ عِنْدَ بَيْتِ أَبي أَيوب وأَرْزَمتْ ووَضَعتْ جِرانَها
؛ الجِران: بَاطِنُ العُنق. اللِّحْيَانِيُّ: أَلقى فلانٌ عَلَى فُلَانٍ أَجْرانه وأَجرامَه وشَراشِره، الْوَاحِدُ جِرْمٌ وجِرْنٌ، إِنَّمَا سمعتُ فِي الْكَلَامِ أَلقى عَلَيْهِ جِرانَه، وَهُوَ بَاطِنُ العُنق، وَقِيلَ: الجِران هِيَ جِلْدَةٌ تَضْطرب عَلَى باطِن الْعُنُقِ مِنْ ثُغْرة النَّحْرِ إِلَى مُنْتَهَى العُنق فِي الرأْس؛ قَالَ:
فَقَدَّ سَراتَها والبَرْكَ مِنْهَا، ... فخَرَّتْ لليَدَيْنِ وللجِرانِ
. وَالْجَمْعُ أَجْرِنة وجُرنٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَإِذَا جَمَلَانِ يَصْرفان فدَنا مِنْهُمَا فوَضَعا جُرُنهما عَلَى الأَرض
؛ وَاسْتَعَارَ الشَّاعِرُ الجِران للإِنسان؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ:
مَتى تَرَ عَيْنَيْ مالكٍ وجِرانَه ... وجَنْبَيه، تَعْلمْ أَنه غيرُ ثائرِ
. وَقَوْلُ طرَفة فِي وَصْفِ نَاقَةٍ:
وأَجرِنةٍ لُزَّتْ بِدَأْيٍ مُنَضَّدِ
. إِنَّمَا عظَّم صدرَها فَجَعَلَ كلَّ جُزْءٍ مِنْهُ جِراناً كَمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْبَعِيرِ ذُو عَثانين. وجِران الذكَر: باطنُه، وَالْجَمْعُ أَجرِنةٌ وجُرُنٌ. وجَرَنَ الثوبُ
(13/86)

والأَديمُ يَجْرُن جُروناً، فَهُوَ جارِن وجَرين: لَانَ وَانْسَحَقَ، وَكَذَلِكَ الْجِلْدُ وَالدِّرْعُ وَالْكِتَابُ إِذَا درَس، وأَدِيم جارِن؛ وَقَالَ لَبِيدٌ يَصِفُ غَرْبَ السَّانِيَةِ:
بمُقابَلٍ سَرِبِ المَخارِزِ عِدْلُه، ... قَلِقُ المَحالةِ جارِنٌ مَسْلومُ
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ يَصِفُ جِلداً عُمل مِنْهُ دَلوٌ. والجارِنُ: الليِّن، والمَسْلوم: الْمَدْبُوغُ بالسَّلَم. قَالَ الأَزهري: وكلُّ سِقاءٍ قَدْ أَخلَق أَو ثَوْبٍ فَقَدْ جَرَن جُروناً، فَهُوَ جارِن. وجَرَن فلانٌ عَلَى العَذْلِ ومَرَن ومَرَد بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ وَالدَّابَّةِ إِذَا تعَوَّد الأَمرَ ومَرَن عَلَيْهِ: قَدْ جَرَنَ يَجْرُن جُروناً؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
سَلاجِم يَثْرِبَ الأُولى، عَلَيْهَا ... بيَثْرِبَ كرَّةٌ بَعْدَ الجُرونِ
. أَي بَعْدَ المُرون. والجارِنة: الليِّنة مِنَ الدُّرُوعِ. أَبو عَمْرٍو: الجارِنة المارِنة. وكلُّ مَا مَرَن فَقَدْ جَرَن؛ قَالَ لَبِيدٌ يَصِفُ الدُّرُوعَ:
وجَوارِن بِيضٌ، وَكُلُّ طِمرَّةٍ ... يَعْدُو عَلَيْهَا القَرَّتَيْن غُلام
. يَعْنِي دُروعاً ليِّنة. والجارِن: الطَّرِيقُ الدارِس. والجَرَنُ: الأَرض الْغَلِيظَةُ؛ وأَنشد أَبو عَمْرٍو لأَبي حُبَيْبَةَ الشَّيْبَانِيِّ:
تَدَكَّلَتْ بَعْدي وأَلْهَتْها الطُّبَنْ، ... ونحنُ نَغْدو فِي الخَبار والجَرَنْ
وَيُقَالُ: هُوَ مُبْدَلٌ مِنَ الجَرَل. وجَرَنَت يدُه عَلَى الْعَمَلِ جُروناً: مرنَت. والجارِن مِنَ الْمَتَاعِ: مَا قَدِ اسْتُمْتِع بِهِ وبَلْيَ. وسِقاءٌ جارِن: يَبِس وغلُظ مِنَ الْعَمَلِ. وسَوْطٌ مُجَرَّن: قَدْ مَرَن قَدُّه. والجَرين: مَوْضِعُ البُرّ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ، وَالْجَمْعُ أَجرِنة وجُرُن، بِضَمَّتَيْنِ، وَقَدْ أَجرَن العنبَ. والجَرينُ: بَيْدَر الحَرْث يُجْدَر أَو يُحْظَر عَلَيْهِ. والجُرْنُ والجَرين: مَوْضِعُ التَّمْرِ الَّذِي يُجَفَّف فِيهِ. وَفِي حَدِيثِ الْحُدُودِ:
لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ حتى يُؤْوِيَهُ الجَرينُ
؛ هُوَ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ الثَّمَرِ، وَهُوَ لَهُ كالبَيدر لِلْحِنْطَةِ، وَفِي حَدِيثِ
أُبَيّ مَعَ الْغُولِ: أَنه كَانَ لَهُ جُرُنٌ مِنْ تَمْرٍ.
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ سِيرِينَ فِي المُحاقَلة: كَانُوا يشترطُون قُمامةَ الجُرُنِ
، وَقِيلَ: الجَرينُ مَوْضِعُ البَيْدر بِلُغَةِ الْيَمَنِ. قَالَ: وعامَّتُهم يَكسِر الجيمَ، وَجَمْعُهُ جُرُنٌ. والجَرينُ: الطِّحْنُ، بِلُغَةِ هُذيل؛ وَقَالَ شَاعِرُهُمْ:
ولِسَوْطِه زَجَلٌ، إِذَا آنَسْتَه ... جَرَّ الرَّحى بجَرينِها المَطْحونِ
. الجَرين: مَا طَحَنتَه، وَقَدْ جُرِنَ الحبُّ جَرْناً شَدِيدًا. والجُرْنُ: حَجَرٌ مَنْقُورٌ يُصبُّ فِيهِ الْمَاءُ فيُتوضأُ بِهِ، وَتُسَمِّيهِ أَهلُ الْمَدِينَةِ المِهْراسَ الَّذِي يُتَطهَّر مِنْهُ. والجارِنُ: ولدُ الْحَيَّةِ مِنَ الأَفاعي. التَّهْذِيبُ: الْجَارِنُ مَا لانَ مِنْ أَولاد الأَفاعي. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والجِرْنُ الْجِسْمُ، لُغَةٌ فِي الجِرْم زَعَمُوا؛ قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ نُونُهُ بَدَلًا مِنْ مِيمِ جِرْم، وَالْجَمْعُ أَجْران، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَن النُّونَ غَيْرُ بَدَلٍ لأَنه لَا يَكَادُ يُتصرَّف فِي الْبَدَلِ هَذَا التَّصَرُّفَ. وأَلقى عَلَيْهِ أَجرانَه وجِرانه أَي أَثقاله. وجِرانُ العَوْدِ: لقَب لِبَعْضِ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِنْ نُمير وَاسْمُهُ المُسْتورِد «2». وَإِنَّمَا لقِّب بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ يخاطب امرأَتيه:
__________
(2). قوله [واسمه المستورد] غلطه الصاغاني حيث قال وإنما اسم جِرَانِ الْعَوْدِ عَامِرُ بْنُ الحرث بن كلفة أي بالضم، وقيل كلفة بالفتح
(13/87)

خُذا حَذَراً، يَا جارَتَيَّ، فإنَّني ... رأَيتُ جِرانَ العَوْدِ قَدْ كَادَ يَصْلَحُ
. أَراد بِجران العَوْد سَوْطًا قدَّه مِنْ جِران عَوْدٍ نَحَره وَهُوَ أَصلب مَا يَكُونُ. الأَزهري: ورأَيت الْعَرَبَ تسوِّي سِيَاطَهَا مَنْ جُرُن الجِمال البُزْل لصَلابتِها، وَإِنَّمَا حذَّر امرأَتيه سوطَه لنُشوزهما عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ مِنْ جِلْدِ الْبَعِيرِ سوْطاً لِيَضْرِبَ بِهِ نساءَه. وجَيرُون: بَابٌ مِنْ أَبواب دِمَشْقَ، صَانَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. والجِرْيانُ: لُغَةٌ فِي الجِرْيال، وَهُوَ صِبْغ أَحمر. وَالْمَجْرِينُ «1».: الْمَيِّتُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. وسفَر مِجْرَنٌ: بَعِيدٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
بَعْدَ أَطاوِيحِ السِّفار المِجْرن
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ أَجد له اشتقاقاً.
جرشن: النِّهَايَةُ لِابْنِ الأَثير: أَهدى رَجُلٌ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى ابْنِ عُمر جَوارِشْنَ، قَالَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الأَدوية الْمُرَكَّبَةِ يقوِّي الْمَعِدَةَ ويهضِم الطَّعَامَ، قَالَ: وَلَيْسَتِ اللفظة بعربية.
جرعن: اجْرَعَنَّ الرجلُ: صُرع عَنْ دابَّته وامتدَّ عَلَى وَجْهِ الأَرض، وضرَبْته حَتَّى اجْرَعنّ.
جَزَنَ: الْمُؤَرِّجُ: حطَبٌ جَزْن وجَزْل، وَجَمْعُهُ أَجْزُن وأَجْزُل، وَهُوَ الْخَشَبُ الْغِلَاظُ؛ قَالَ جَزْءُ بنُ الحَرِث:
حَمَى دُونَه بالشَّوكِ والتفَّ دُونه، ... مِنَ السِّدْر، سُوقٌ ذاتُ هَول وأَجزُن.
جَشَنَ: الجَشن: الْغَلِيظُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، زَادَ غَيْرُهِ: أَو مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. والجُشْنةُ: طائرةٌ سوداءُ تعَشِّش بِالْحَصَى. والجَوْشَنُ: الصدرُ، وَقِيلَ: مَا عَرُض مِنْ وَسَطِ الصَّدْرِ. وجَوْشَنُ الجَرادة: صَدْرُهَا. وجَوْشَنُ اللَّيْلِ: وسَطه وصَدْره. والجوْشَن: اسْمُ الْحَدِيدِ الَّذِي يُلبَس مِنَ السِّلَاحِ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا طَعَن كِلاباً بِرَوْقَيْه فِي صَدْرِهَا:
فكَرَّ يَمْشُق طَعْناً فِي جَواشِنِها، ... كأَنه، الأَجْرَ فِي الإِقبالِ، يَحْتَسِبُ
. الْجَوْهَرِيُّ: والجَوْشَن الدِّرْع وَاسْمُ الرَّجُلِ، وَقِيلَ: الجوْشَن مِنَ السِّلَاحِ زَرَدٌ يُلبَسه الصدرُ والحَيزوم. وَمَضَى جَوْشَنٌ مِنَ اللَّيْلِ أَي قِطْعَةٌ، لُغَةٌ فِي جَوْش، فَإِنْ كَانَ مَزِيدًا مِنْهُ فَحُكْمُهُ أَن يَكُونَ مَعَهُ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر يَصِفُ سَحَابَةً:
يُضيء صَبيرُها، في ذي خَبِيٍّ، ... جَواشِن لَيْلها بِيناً فبِينا
. والبِينُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الأَرض. ابْنُ الأَعرابي: المَجْشونةُ المرأَة الْكَثِيرَةُ الْعَمَلِ النَّشِيطَةُ. وجَواشِن التُّمام: بَقَايَاهُ؛ قَالَ:
كِرامٌ إِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا جَواشِن الثمامِ، ... وَمِنْ شَرّ الثُّمام جَواشِنُه.
جَعَنَ: جَعْوَنةُ: مِنْ أَسماء الْعَرَبِ. وَرَجُلٌ جَعْوَنة إِذَا كَانَ قَصِيرًا سَمِينًا. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الجَعْنُ فِعْلٌ مُمات، وَهُوَ التَّقَبُّضُ، قَالَ: وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ جَعْوَنة، وَقَدْ وَجَدْتُ حَاشِيَةً قَالَ أَبو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ الإِشتقاق لَهُ: جَعْونةُ اسْمُ رَجُلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَعْن، وَهُوَ وَجَعُ الْجَسَدِ وتكسُّره، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الجَعْو، وَهُوَ جَمْعُ الشَّيْءِ، وَتَكُونُ النُّونُ زائدة.
جَعْثَنَ: الأَزهري: الجِعْثِنُ أُرومة الشَّجَرِ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الأَغصان إِذَا قُطِعَتْ. ابْنُ سِيدَهْ: الجِعْثِنةُ أُرومة كُلُّ
__________
(1). قوله [والمجرين] هكذا في الأَصل بدون ضبط
(13/88)

شَجَرَةٍ تَبقى عَلَى الشِّتَاءِ، وَالْجَمْعُ جِعْثِن؛ قَالَ:
تَقْفِزُ بِي الجِعْثِنَ، يَا ... مُرَّةُ زِدْها قَعْبا
. وَيُرْوَى: تُقَفِّز الجِعْثِنَ بِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لِلْوَاحِدِ جِعْثِنٌ، وَالْجَمْعُ الجَعاثِن. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الجِعْثِنُ أَصل كُلِّ شَجَرَةٍ إِلَّا شَجَرَةً لَهَا خَشَبَةٌ؛ وأَنشد:
تَرى الجِعْثنَ العامِيَّ تُذْري أُصولَه ... مَناسِمُ أَخْفافِ المَطِيِّ الرَّواتِكِ
. الأَزهري: كُلُّ شَجَرَةٍ تَبْقَى أُرومتُها فِي الشِّتَاءِ مِنْ عِظام الشَّجَرِ وَصِغَارِهَا فَلَهَا جِعْثِنٌ فِي الأَرض، وبعد ما يُنزَع فَهُوَ جِعْثن حَتَّى يُقَالَ لأُصول الشَّوْكِ جِعْثن. وَفَرَسٌ مُجَعْثَنُ الخَلْق: شبِّه بأَصل الشَّجَرَةِ فِي كِدْنتِه وغلَظه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي مَعْنَاهُ:
كانَ لَنا، وَهُوَ فَلُوٌّ نَرْبُبُهْ، ... مُجَعْثَنُ الخَلْق يَطيرُ زَغَبُهْ
. وَرَجُلٌ جِعْثِنةٌ: جَبان ثَقِيلٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
فَيَا فَتًى مَا قَتَلْتُمْ غيرَ جِعْثِنةٍ، ... وَلَا عَنِيفٍ بِكَرِّ الْخَيْلِ فِي الْوَادِي
. والجِعْثِمُ والجِعْثِنُ، بِالْكَسْرِ: أُصولُ الصِّلِّيان؛ وأَنشد لِلطِّرِمَّاحِ فَقَالَ:
أَو كمَجْلوحِ جِعْثنٍ بلَّهُ القطرُ، ... فأَضحى مُوَدِّسَ الأَعراضِ
. وَفِي حَدِيثِ
طَهْفةَ: ويَبِسَ الجِعْثنُ
؛ هُوَ أَصلُ النَّبَاتِ، وَقِيلَ: أَصل الصِّلِّيان خَاصَّةً، وَقَالَ أَبو زِيَادٍ: الجِعْثِنةُ أَصلُ كلِّ شَجَرَةٍ قَدْ ذَهبَتْ سِوَى العِضاهِ، وأَنشد بَيْتَ الطِّرِمَّاحِ. وتَجَعْثنَ الرجلُ إِذَا تَجَمَّعَ وتقَبَّضَ. وَيُقَالُ لأَرُومة الصِّلِّيان: جِعْثِنةٌ؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
ومَوْضع مَشْكوكين أَلقَتْهما مَعًا، ... كوَطْأَة ظَبْيِ القُفِّ بَيْنَ الجَعاثِن
. وجِعْثِنة: شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: هُوَ جِعْثِنة بْنُ جَوَّاسٍ الرِّبْعي. الأَزهري: جِعْثِن مِنْ أَسماء النِّسَاءِ، وعَيَّنه الْجَوْهَرِيُّ فَقَالَ: جعثْن أُختُ الفرزدق.
جَعْفَلَنْ: الجَعْفَلين: أُسْقُفُّ النَّصَارَى وكبيرُهم.
جَفَنَ: الجَفْنُ: جَفْنُ العَين، وَفِي الْمُحْكَمِ: الجَفْنُ غطاءُ الْعَيْنِ مِنْ أَعلى وأَسفل، وَالْجَمْعُ أَجْفُنٌ وأَجفان وجُفونٌ. والجَفْنُ: غِمْدُ السَّيْفِ. وجَفْنُ السَّيْفِ: غِمده؛ وَقَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَنس الْهُذَلِيِّ:
نَجا سالمٌ، والنفسُ مِنْهُ بشِدْقِه، ... وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا
. نصبَ جَفْنَ سَيْفٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ كأَنه قَالَ نَجَا وَلَمْ يَنْجُ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنه أَراد ولم يَنْجُ إِلَّا بِجَفْنِ سَيْفٍ، ثُمَّ حذَف وأَوْصَل، وَقَدْ حُكِيَ بِالْكَسْرِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَلَا أَدري مَا صحتُه، وَفِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ:
سُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفونها
؛ قَالَ: جفونُ السُّيُوفِ أَغمادُها، وَاحِدُهَا جَفْنٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ. والجَفْنة: مَعْرُوفَةٌ، أَعظمُ مَا يكونُ مِنَ القِصاع، وَالْجَمْعُ جِفانٌ وجِفَنٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، كهَضْبةٍ وهِضَب، وَالْعَدَدُ جفَنات، بِالتَّحْرِيكِ، لأَن ثانيَ فَعْلةٍ يُحَرَّك فِي الْجَمْعِ إِذَا كَانَ اسْمًا، إِلَّا أَن يَكُونَ يَاءً أَو وَاوًا فيُسَكَّنُ حِينَئِذٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: الجَفْنة كالقَصْعة. وجَفَنَ الجَزورَ: اتَّخَذَ مِنْهَا طَعَامًا. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه انكسَرتْ قلوصٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقة فجَفَنها
، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ لأَنه يمْلأُ مِنْهَا الجِفانَ، وَقِيلَ: مَعْنَى جَفَنَها أَي نَحرَها وطبَخَها وَاتَّخَذَ مِنْهَا
(13/89)

طَعَامًا وَجَعَلَ لَحمها فِي الْجِفَانِ وَدَعَا عَلَيْهَا الناسَ حَتَّى أَكلوها. والجَفْنة: ضرْبٌ مِنَ الْعِنَبِ. والجَفْنة: الكَرْم، وَقِيلَ: الأَصلُ مِنْ أُصول الكَرْم، وَقِيلَ: قَضِيبٌ مِنْ قُضْبانه، وَقِيلَ: ورَقُه، وَالْجَمْعُ مِنْ ذَلِكَ جَفْنٌ؛ قَالَ الأَخطل يَصِفُ خَابِيَةَ خَمْرٍ:
آلَتْ إِلَى النِّصْفِ مِنْ كَلْفاءَ أَتْأَقها عِلْجٌ، ... وكتَّمَها بالجَفْنِ وَالْغَارِ
. وَقِيلَ: الجَفْن اسمٌ مُفْرَدٌ، وَهُوَ أَصل الكَرْم، وَقِيلَ: الجَفْن نَفْسُ الْكَرْمِ بِلُغَةِ أَهل الْيَمَنِ، وَفِي الصِّحَاحِ: قُضْبان الكَرْم؛ وَقَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
سُقَيَّةُ بَيْنَ أَنْهارٍ عِذابٍ، ... وزَرْعٍ نابِتٍ وكُرومِ جَفْنِ
. أَراد: وجَفْنِ كرومٍ، فقَلَب. والجَفْنُ «1». هاهنا: الكَرْمُ وأَضافه إِلَى نَفْسِهِ. وجَفن الكرمُ وتَجَفَّن: صَارَ لَهُ أَصلٌ. ابْنُ الأَعرابي: الجَفْنُ قِشْرُ الْعِنَبِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، وَيُسَمَّى الْخَمْرُ ماءَ الجَفْنِ، والسحابُ جَفْنَ الْمَاءِ؛ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ ريقَ امرأَةٍ وشبَّهه بِالْخَمْرِ:
تُحْسي الضجيعَ ماءَ جفْنٍ شابَه، ... صَبيحةَ البارِقِ، مَثْلوج ثَلِج
. قَالَ الأَزهري: أَراد بِمَاءِ الجَفْنِ الخمرَ. والجَفْنُ: أَصلُ العنبِ شيبَ أَي مُزِجَ بماءٍ باردٍ. ابْنُ الأَعرابي: الجَفْنةُ الكَرْمة، والجَفْنةُ الخمرةُ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: لُبُّ الخُبْزِ مَا بَيْنَ جَفْنَيه. وجَفْنا الرغيفِ: وَجْهاه مِنْ فَوْقُ وَمِنْ تَحْتُ. والجَفْنُ: شجرٌ طَيِّبُ الرِّيحِ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ، وَبِهِ فَسَّرَ بَيْتَ الأَخطل الْمُتَقَدِّمَ. قَالَ: وَهَذَا الجَفْنُ غَيْرُ الجَفْنِ مِنَ الكَرْمِ، ذَلِكَ مَا ارْتَقى مِنَ الحَبَلة فِي الشَّجَرَةِ فسُمِّيت الجَفْنَ لتجفُّنِه فِيهَا، والجَفْنُ أَيضاً مِنَ الأَحرارِ: نبْتةٌ تَنْبُتُ مُتَسَطِّحة، وَإِذَا يَبِسَتْ تقبَّضَت وَاجْتَمَعَتْ، وَلَهَا حبٌّ كأَنه الحُلْبَة، وأَكثر مَنْبِتها الإِكامُ، وَهِيَ تَبْقَى سِنين يَابِسَةً، وأَكثرُ راعيتِها الحُمُر والمِعْزَى، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الأَعراب: هِيَ صُلْبة صَغِيرَةٌ مِثْلُ العَيْشوم، وَلَهَا عِيدانٌ صِلابٌ رِقاقٌ قِصار، وورقُها أَخضر أَغْبَرُ، ونَباتُها فِي غَلْظِ الأَرض، وَهِيَ أَسْرَعُ البَقْلِ نَبَاتًا إِذَا مُطِرَتْ وأَسرعُها هَيْجاً. وجَفَنَ نفسَه عَنِ الشَّيْءِ: ظَلَفَها؛ قَالَ:
وَفَّرَ مالَ اللهِ فِينَا، وجَفَنْ ... نفْساً عَنِ الدُّنيا، وَلِلدُّنْيَا زِيَنْ
. قَالَ الأَصمعي: الجَفْنُ ظَلْفُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ الدَّنِيءِ. يُقَالُ: جَفَنَ الرجلُ نفسَه عَنْ كَذَا جَفْناً ظَلَفَها ومَنَعَها. وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: لَا أَعرف الجَفْنَ بِمَعْنَى ظَلْفِ النَّفْسِ. والتَّجْفينُ: كثرةُ الْجِمَاعِ. قَالَ: وَقَالَ أَعرابي: أَضْواني دوامُ التجفينِ. وأَجْفَنَ إِذَا أَكْثَر الجماعَ؛ وأَنشد أَحمد البُسْتيّ:
يَا رُبَّ شَيخ فِيهِمْ عِنِّينْ ... عَنِ الطِّعانِ وَعَنِ التَّجفينْ
. قَالَ أَحمد فِي قَوْلِهِ وَعَنِ التَّجْفين: هو الجِفانُ الَّتِي يُطْعَمُ فِيهَا. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والتَّجْفين فِي هَذَا الْبَيْتِ مِنَ الجِفانِ والإِطعام فِيهَا خطأٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِنَّمَا التَّجفينُ هاهنا كثرةُ الْجِمَاعِ، قَالَ: رَوَاهُ أَبو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والجَفْنةُ: الرجلُ الْكَرِيمُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه قِيلَ لَهُ أَنت كَذَا وأَنتَ كَذَا وأَنت الجَفْنَةُ الغَرّاء
؛ كَانَتِ العربُ تَدْعُو السيدَ المِطْعامَ جَفْنةً لأَنه يضَعُها ويُطْعِم
__________
(1). قوله [والجفن] لعله أو الجفن
(13/90)

الناسَ فِيهَا، فسُمِّيَ بِاسْمِهَا، والغَرّاء: الْبَيْضَاءُ أَي أَنها مَمْلُوءةٌ بِالشَّحْمِ والدُّهْن. وَفِي حَدِيثِ
أَبي قَتَادَةَ: نادِيا جَفْنَةَ الرَّكْبِ
أَي الَّذِي يُطْعِمُهم ويُشْبِعُهم، وَقِيلَ: أَراد يَا صاحِبَ جَفْنةِ الرَّكْبِ فَحَذَفَ المضافَ للعِلْم بأَن الجَفْنةَ لَا تُنادى وَلَا تُجيبُ. وجَفْنةُ: قبيلةٌ مِنَ الأَزْد، وَفِي الصِّحَاحِ: قبيلةٌ من اليمن. وآلُ جَفْنةَ: مُلوكٌ مِنْ أَهل الْيَمَنِ كَانُوا اسْتَوْطَنُوا الشأْم؛ وَفِيهِمْ يَقُولُ حَسَّان بْنُ ثَابِتٍ:
أَوْلادِ جَفْنةَ حولَ قبْرِ أَبِيهمُ، ... قَبْر ابْنِ مارِيةَ الكَريمِ المِفْضَل
. وأَراد بِقَوْلِهِ عِنْدَ قَبْرِ أَبيهم أَنهم فِي مَسَاكِنَ آبَائِهِمْ ورِباعِهم الَّتِي كَانُوا ورِثُوها عَنْهُمْ. وجُفَيْنةُ: اسمُ خَمَّارٍ. وَفِي الْمَثَلِ: عِنْدَ جُفَيْنةَ الخبرُ الْيَقِينُ؛ كَذَا رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ وَابْنُ السِّكِّيتِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا تقُل جُهَيْنة، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الأَمثال: هَذَا قَوْلُ الأَصمعي، وأَما هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ فإِنه أَخبر أَنه جُهَيْنة؛ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ: أَن حُصَيْنَ بنَ عَمْرِو بنِ مُعاوية بْنِ عَمْرِو بْنِ كِلَابٍ خَرَجَ وَمَعَهُ رجلٌ مِنْ جُهَيْنةَ يُقَالُ لَهُ الأَخْنَسُ، فنزَلا مَنْزِلًا، فَقَامَ الجُهَنِيُّ إِلَى الكلابيِّ وَكَانَا فاتِكَيْنِ فقَتله وأَخذ مالَه، وَكَانَتْ صخرةُ بنتُ عمرِو بنِ مُعَاوِيَةَ تَبْكِيه فِي المَواسِم، فَقَالَ الأَخْنس:
كصَخْرةَ إِذْ تُسائل فِي مِرَاحٍ ... وَفِي جَرْمٍ، وعِلْمُهما ظُنونُ
«1». تُسائلُ عَنْ حُصَيْنٍ كلَّ ركْبٍ، ... وَعِنْدَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليَقينُ
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: رَوَاهُ أَبو سَهْلٍ عَنْ خَصِيلٍ، وَكَانَ ابنُ الْكَلْبِيِّ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعِلْمِ أَكبرَ مِنَ الأَصمعي؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صخرةُ أُخْتُه، قَالَ: وَهِيَ صُخَيرة بِالتَّصْغِيرِ أَكثرُ، وَمَرَاحٌ: حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ، وَكَانَ أَبو عُبَيْدٍ يَرْوِيهِ حُفَيْنة، بِالْحَاءِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ؛ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَيْسَ أَحد مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ وَعِنْدَ حُفَيْنة بِالْحَاءِ إِلَّا أَبو عُبَيْدٍ، وسائرُ النَّاسِ يَقُولُ جُفَيْنة وجُهَيْنة، قَالَ: والأَكثرُ عَلَى جُفَيْنة؛ قَالَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ
جُفَيْنة فِيمَا حدَّث بِهِ أَبو عُمَرَ الزَّاهِدُ عَنْ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي قَالَ: كَانَ يهوديٌّ مِنْ أَهل تَيْماءَ خمَّار يُقَالُ لَهُ جُفَيْنة جارَ النبيِّ ضرَبَه ابنُ مُرَّة، وَكَانَ لبني سَهْمٍ جارٌ يهوديٌّ خمَّار أَيضاً يُقَالُ لَهُ غُصَين، وَكَانَ رجلٌ غَطَفانيٌّ أَتى جُفَيْنة فشَرِبَ عِنْدَهُ فنازَعه أَو نَازَعَ رَجُلًا عِنْدَهُ فقتلَه وخَفِيَ أَمرُه، وَكَانَتْ لَهُ أُختٌ تسأَل عَنْهُ فَمَرَّتْ يَوْمًا عَلَى غُصَيْن وَعِنْدَهُ أَخوها، وَهُوَ أَخو الْمَقْتُولِ، فسأَلته عَنْ أَخيها عَلَى عَادَتِهَا، فَقَالَ غُصَين:
تُسائل عَنْ أَخيها كلَّ رَكْب، ... وَعِنْدَ جُفينةَ الخبرُ اليقينُ
. فَلَمَّا سَمِعَ أَخوها وَكَانَ غُصَيْنٌ لَا يدْرِي أَنه أَخوها ذَهَبَ إِلى جُفَيْنة فسأَله عَنْهُ فناكَره فقَتله، ثُمَّ إِنَّ بَنِي صِرْمة شَدُّوا عَلَى غُصَين فَقَتَلُوهُ لأَنه كَانَ سببَ قَتْل جُفَينة، وَمَضَى قومُه إِلَى حُصين بْنِ الحُمام فشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلْتُمْ يهوديَّنا وجارَنا فَقَتْلَنَا يهوديَّكم وجارَكم، فأَبَوْا وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قتالٌ شَدِيدٌ.
والجَفْنُ: اسمُ موضعٍ.
جَلَنَ: التَّهْذِيبُ: اللَّيْثُ جَلَنْ حكايةُ صوتِ بابٍ ذِي مِصْراعَيْن، فيُرَدُّ أَحدهما فَيَقُولُ جَلَنْ، ويُرَدُّ الآخرُ فَيَقُولُ بَلَقْ؛ وأَنشد:
فتَسْمَع فِي الحالَيْن مِنْهُ جَلَنْ بَلَقْ.
__________
(1). قوله [وفي جرم] كذا في النسخ، والذي في الميداني: وأنمار بدل وفي جرم
(13/91)

وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي حرف القاف جلنبلق.
جمن: الجُمانُ: هَنَواتٌ تُتَّخَذُ عَلَى أَشكال اللُّؤْلُؤِ مِنْ فضَّة، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَاحِدَتُهُ جُمانة؛ وتوهَّمَه لبيدٌ لُؤلُؤَ الصدفِ البَحْرِيِّ فَقَالَ يَصِفُ بَقَرَةً:
وتُضِيء فِي وَجْهِ الظَّلامِ، مُنِيرةً، ... كجُمانةِ البَحْريِّ سُلَّ نِظامُها
. الْجَوْهَرِيُّ: الجُمانةُ حَبَّةٌ تُعْمَل مِنَ الفِضّة كالدُّرّة؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبِهِ سُمِّيَتِ المرأَة، وَرُبَّمَا سُمِّيَتِ الدُّرّة جُمانةً. وَفِي
صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَتَحَدَّرُ مِنْهُ العَرَقُ مِثْل الجُمان،
قَالَ: هُوَ اللؤلؤُ الصِّغارُ، وَقِيلَ: حَبٌّ يُتَّخذ مِنِ الْفِضَّةِ أَمثال اللُّؤْلُؤِ. وَفِي حَدِيثِ
الْمَسِيحِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِذَا رفَع رأْسَه تحدَّر مِنْهُ جُمانُ اللُّؤْلُؤِ.
والجُمانُ: سَفيفةٌ مِنْ أَدَمٍ يُنْسَج فِيهَا الخَرَزُ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ تَتَوَشَّحُ بِهِ المرأَة؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَسِيلة مُسْتَنِّ الدُّموعِ، وَمَا جَرَى ... عَلَيْهِ الجُمانُ الجائلُ المُتَوَشَّحُ
. وَقِيلَ: الجُمانُ خَرز يُبَيَّضُ بِمَاءِ الْفِضَّةِ. وجُمانٌ: اسمُ جملِ الْعَجَّاجِ؛ قَالَ:
أَمْسَى جُمانٌ كالرَّهينِ مُضْرعا
والجُمُن: اسْمُ جَبَلٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِل:
فَقُلْتُ لِلْقَوْمِ قَدْ زالَتْ حَمائلُهم ... فَرْجَ الحَزِيزِ مِنَ القَرْعاءِ فالجُمُن «2».
جنن: جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنّاً: سَتَره. وكلُّ شَيْءٍ سُتر عَنْكَ فَقَدْ جُنَّ عَنْكَ. وجَنَّه الليلُ يَجُنُّه جَنّاً وجُنوناً وجَنَّ عَلَيْهِ يَجُنُّ، بِالضَّمِّ، جُنوناً وأَجَنَّه: سَتَره؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ جَنَّه قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
وَمَاءٍ ورَدْتُ عَلَى جِفْنِه، ... وَقَدْ جَنَّه السَّدَفُ الأَدْهَمُ
وَفِي الْحَدِيثِ:
جَنَّ عَلَيْهِ الليلُ
أَي ستَره، وَبِهِ سُمِّيَ الجِنُّ لاسْتِتارِهم واخْتِفائهم عَنِ الأَبصار، وَمِنْهُ سُمِّيَ الجَنينُ لاسْتِتارِه فِي بطنِ أُمِّه. وجِنُّ اللَّيْلِ وجُنونُه وجَنانُه: شدَّةُ ظُلْمتِه وادْلِهْمامُه، وَقِيلَ: اختلاطُ ظلامِه لأَن ذَلِكَ كلَّه ساترٌ؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى يَجيء، وجِنُّ اللَّيْلُ يُوغِلُه، ... والشَّوْكُ فِي وَضَحِ الرِّجْلَيْن مَرْكوزُ
. وَيُرْوَى: وجُنْحُ اللَّيْلِ؛ وَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّة بْنِ دَنْيَانَ «3» وَقِيلَ هُوَ لِخُفافِ بْنِ نُدْبة:
وَلَوْلَا جَنانُ الليلِ أَدْرَكَ خَيْلُنا، ... بِذِي الرِّمْثِ والأَرْطَى، عياضَ بنَ نَاشِبِ
فَتَكْنا بعبدِ اللهِ خَيْرِ لِداتِه، ... ذِئاب بْنَ أَسْماءَ بنِ بَدْرِ بْنِ قارِب
. وَيُرْوَى: وَلَوْلَا جُنونُ اللَّيْلِ أَي مَا سَتَر مِنْ ظُلْمَتِهِ. وعياضُ بْنُ جَبَل: مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: عِيَاضُ بْنُ نَاشِبٍ فَزَارِيٌّ، وَيُرْوَى: أَدرَك رَكْضُنا؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِثْلُهُ لسَلامة بْنِ جَنْدَلٍ:
وَلَوْلَا جَنانُ الليلِ مَا آبَ عامرٌ ... إِلى جَعْفَرٍ، سِرْبالُه لَمْ تُمَزَّقِ
. وَحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ: الجَنانُ الليلُ. الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً
؛ يُقَالُ جَنَّ عَلَيْهِ الليلُ وأَجَنَّه الليلُ إِذَا أَظلم حَتَّى يَسْتُرَه بظُلْمته. وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا سَتر: جنَّ وأَجنَّ. وَيُقَالُ: جنَّه الليلُ، والاختيارُ جَنَّ عَلَيْهِ الليلُ
__________
(2). قوله [من القرعاء] كذا في النسخ، والذي في معجم ياقوت: إلى القرعاء
(3). قوله [دنيان] كذا في النسخ.
(13/92)

وأَجَنَّه اللَّيْلُ: قَالَ ذَلِكَ أَبو إِسْحَاقَ. واسْتَجَنَّ فلانٌ إِذَا استَتَر بِشَيْءٍ. وجَنَّ المَيّتَ جَنّاً وأَجَنَّه: ستَره؛ قَالَ وَقَوْلُ الأَعشى:
وَلَا شَمْطاءَ لَمْ يَتْرُك شَفاها ... لَهَا مِنْ تِسْعةٍ، إِلّا جَنينا
. فَسَّرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فَقَالَ: يَعْنِي مَدْفوناً أَي قَدْ مَاتُوا كُلُّهُمْ فَجُنُّوا. والجَنَنُ، بِالْفَتْحِ: هُوَ القبرُ لسَتْرِه الْمَيِّتَ. والجَنَنُ أَيضاً: الكفَنُ لِذَلِكَ. وأَجَنَّه: كفَّنَه؛ قَالَ:
مَا إنْ أُبالي، إِذَا مَا مُتُّ، مَا فعَلوا: ... أَأَحسنوا جَنَني أَم لَمْ يُجِنُّوني؟
أَبو عُبَيْدَةَ: جَنَنْتُه فِي الْقَبْرِ وأَجْنَنْتُه أَي وارَيتُه، وَقَدْ أَجنَّه إِذَا قبَره؛ قَالَ الأَعشى:
وهالِك أَهلٍ يُجِنُّونَه، ... كآخَرَ فِي أَهْلِه لَمْ يُجَنُ
. والجَنينُ: المقبورُ. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: والجَنَنُ الْمَيِّتُ؛ قَالَ كُثَيّر:
وَيَا حَبَّذا الموتُ الكريهُ لِحُبِّها ... وَيَا حَبَّذا العيْشُ المُجمّلُ والجَنَنْ
قَالَ ابن بري: الجَنَنُ هاهنا يُحْتَمَلُ أَن يُرَادَ بِهِ الميتُ والقبرُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
وَليَ دَفْنَ سَيّدِنا رسولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإِجْنانَه عليٌّ والعباسُ،
أَي دَفْنه وسَتْرَه. وَيُقَالُ لِلْقَبْرِ الجَنَنُ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَجْنانٍ؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جُعِل لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنانٌ.
والجَنانُ، بِالْفَتْحِ: القَلْبُ لاستِتاره فِي الصَّدْرِ، وَقِيلَ: لِوَعْيه الأَشْياء وجَمْعِه لَهَا، وَقِيلَ: الجَنانُ رُوعُ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ أَذْهَبُ فِي الخَفاءِ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ الرُّوحُ جَناناً لأَن الْجِسْمَ يُجِنُّه. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَتِ الرُّوح جَناناً لأَن الْجِسْمَ يُجِنُّها فأَنَّث الرُّوحَ، وَالْجَمْعُ أَجْنانٌ؛ عَنِ ابْنِ جِنِّي. وَيُقَالُ: مَا يستقرُّ جَنانُه مِنَ الفزَعِ. وأَجَنَّ عَنْهُ واسْتَجَنَّ: استَتَر. قَالَ شَمِرٌ: وَسُمِّيَ القلبُ جَناناً لأَن الصدْرَ أَجَنَّه؛ وأَنشد لِعَدِيّ:
كلُّ حَيٍّ تَقودُه كفُّ هادٍ ... جِنَّ عينٍ تُعْشِيه مَا هُوَ لاقي
. الهادي هاهنا: القَدَرُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: جِنَّ عينٍ أَي مَا جُنَّ عَنِ الْعَيْنِ فَلَمْ تَرَه، يَقُولُ: المَنيَّةُ مستورةٌ عَنْهُ حَتَّى يَقَعَ فِيهَا؛ قَالَ الأَزهري: الْهَادِي القَدَرُ هاهنا جَعَلَهُ هَادِيًا لأَنه تَقَدَّمَ المنيَّة وسبَقها، ونصبَ جِنَّ عينٍ بِفِعْلِهِ أَوْقَعَه عَلَيْهِ؛ وأَنشد:
وَلَا جِنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ «1»
. وَيُرْوَى: وَلَا جَنَّ، مَعْنَاهُمَا وَلَا سَتْر. وَالْهَادِي: الْمُتَقَدِّمُ، أَراد أَن القَدَر سابقُ المنيَّةِ المقدَّرة؛ وأَما قَوْلُ مُوسَى بْنُ جَابِرٍ الحَنفيّ:
فَمَا نَفَرتْ جِنِّي وَلَا فُلَّ مِبْرَدي، ... وَلَا أَصْبَحَتْ طَيْري مِنَ الخَوْفِ وُقَّعا
. فَإِنَّهُ أَراد بالجِنّ القَلْبَ، وبالمِبْرَدِ اللسانَ. والجَنينُ: الولدُ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمّه لاسْتِتاره فِيهِ، وجمعُه أَجِنَّةٌ وأَجْنُنٌ، بِإِظْهَارِ التَّضْعِيفِ، وَقَدْ جَنَّ الجنينُ فِي الرَّحِمِ يَجِنُّ جَنّاً وأَجَنَّتْه الحاملُ؛ وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
إِذَا غابَ نَصْرانِيُّه فِي جَنِينِها، ... أَهَلَّتْ بحَجٍّ فَوْقَ ظهْر العُجارِم
. عَنَى بِذَلِكَ رَحِمَها لأَنها مُسْتَتِرة، وَيُرْوَى: إِذَا غَابَ نَصْرانيه فِي جَنِيفِهَا، يَعْنِي بالنَّصْرانيّ، ذكَر
__________
(1). قوله [ولا جن إلخ] صدره كما في تكملة الصاغاني: تحدثني عيناك ما القلب كاتم
(13/93)

الْفَاعِلِ لَهَا مِنَ النَّصَارَى، وبجَنِيفِها: حِرَها، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ جَنيفاً لأَنه جزءٌ مِنْهَا، وَهِيَ جَنيفة، وَقَدْ أَجَنَّت المرأَة وَلَدًا؛ وَقَوْلُهُ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وجَهَرتْ أَجِنَّةً لَمْ تُجْهَرِ
. يَعْنِي الأَمْواهَ المُنْدَفِنةَ، يَقُولُ: وردَت هَذِهِ الإِبلُ الماءَ فكسَحَتْه حَتَّى لَمْ تدعْ مِنْهُ شَيْئًا لِقِلَّتِه. يُقَالُ: جهَرَ البئرَ نزحَها. والمِجَنُّ: الوِشاحُ. والمِجَنُّ: التُّرْسُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُرى اللِّحْيَانِيَّ قَدْ حَكَى فِيهِ المِجَنَّة وَجَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ فِعَلًّا، وَسَنَذْكُرُهُ، وَالْجَمْعُ المَجانُّ، بِالْفَتْحِ. وَفِي حَدِيثِ السَّرِقَةِ:
القَطْعُ فِي ثَمَنِ المِجَنِ
، هُوَ التُّرْسُ لأَنه يُواري حاملَه أَي يَسْتُره، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ: وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كرَّم اللَّهُ وجهَه: كَتَبَ إليَّ ابنُ عباسٍ قلَبْتَ لابنِ عَمِّكَ ظَهْرَ المِجَنِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُضْرَب مَثَلًا لِمَنْ كَانَ لِصَاحِبِهِ عَلَى مودَّة أَو رعايةٍ ثُمَّ حالَ عَنْ ذَلِكَ. ابْنُ سِيدَهْ: وقَلَبْ فلانٌ مِجَنَّة أَي أَسقَط الحياءَ وفعَل مَا شاءَ. وقلَبَ أَيضاً مِجَنَّة: ملَك أَمرَه واستبدَّ بِهِ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كَيْفَ تَرَانِي قالِباً مِجَنِّي؟ ... أَقْلِبُ أَمْري ظَهْرَه للبَطْنِ
. وَفِي حَدِيثِ أَشراطِ الساعةِ:
وُجوهُهم كالمَجانِّ المُطْرَقة
، يَعْنِي التُّرْكَ. والجُنَّةُ، بِالضَّمِّ: مَا واراكَ مِنَ السِّلاح واسْتَتَرْتَ بِهِ مِنْهُ. والجُنَّةُ: السُّتْرة، وَالْجَمْعُ الجُنَنُ. يُقَالُ: اسْتَجَنَّ بجُنَّة أَي اسْتَتَر بسُتْرة، وَقِيلَ: كلُّ مستورٍ جَنِينٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ حِقْدٌ جَنينٌ وضِغْنٌ جَنينٌ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
يُزَمِّلونَ جَنِينَ الضِّغْن بينهمُ، ... والضِّغْنُ أَسْوَدُ، أَو فِي وجْهِه كَلَفُ
يُزَمِّلون: يَسْتُرون ويُخْفُون، والجَنينُ: المَسْتُورُ فِي نُفُوسِهِمْ، يَقُولُ: فَهُمْ يَجْتَهِدون فِي سَتْرِه وَلَيْسَ يَسْتَتِرُ، وَقَوْلُهُ الضِّغْنُ أَسْوَدُ، يَقُولُ: هُوَ بيِّنٌ ظاهرٌ فِي وُجُوهِهِمْ. وَيُقَالُ: مَا عليَّ جَنَنٌ إِلَّا مَا تَرى أَي مَا عليَّ شيءٌ يُواريني، وَفِي الصِّحَاحِ: مَا عليَّ جَنانٌ إِلَّا مَا تَرى أَي ثوبٌ يُوارِيني. والاجْتِنان؛ الاسْتِتار. والمَجَنَّة: الموضعُ الَّذِي يُسْتَتر فِيهِ. شَمِرٌ: الجَنانُ الأَمر الْخَفِيُّ؛ وأَنشد:
اللهُ يَعْلَمُ أَصحابي وقولَهمُ ... إِذْ يَرْكَبون جَناناً مُسْهَباً وَرِبا
. أَي يَرْكبون أَمْراً مُلْتَبِساً فَاسِدًا. وأَجْنَنْتُ الشَّيْءَ فِي صَدْرِي أَي أَكْنَنْتُه. وَفِي الْحَدِيثِ:
تُجِنُّ بَنانَه
أَي تُغَطِّيه وتَسْتُره. والجُّنَّةُ: الدِّرْعُ، وَكُلُّ مَا وَقاك جُنَّةٌ. والجُنَّةُ: خِرْقةٌ تَلْبسها المرأَة فتغطِّي رأْسَها مَا قبَلَ مِنْهُ وَمَا دَبَرَ غيرَ وسَطِه، وتغطِّي الوَجْهَ وحَلْيَ الصَّدْرِ، وَفِيهَا عَيْنانِ مَجُوبتانِ مِثْلَ عيْنَي البُرْقُع. وَفِي الْحَدِيثِ:
الصومُ جُنَّةٌ
أَي يَقي صاحبَه مَا يؤذِيه مِنَ الشَّهَوَاتِ. والجُنَّةُ: الوِقايةُ. وَفِي الْحَدِيثِ
الإِمامُ جُنَّةٌ
، لأَنه يَقِي المأْمومَ الزَّلَلَ والسَّهْوَ. وَفِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ:
كمِثْل رجُلين عَلَيْهِمَا جُنَّتانِ مِنْ حديدٍ
أَي وِقايَتانِ، وَيُرْوَى بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، تَثْنِية جُبَّةِ اللِّبَاسِ. وجِنُّ النَّاسِ وجَنانُهم: مُعْظمُهم لأَن الداخلَ فِيهِمْ يَسْتَتِر بِهِمْ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
جَنانُ المُسْلِمين أَوَدُّ مَسّاً ... وَلَوْ جاوَرْت أَسْلَمَ أَو غِفارا
. وَرَوِيَ:
وَإِنْ لاقَيْت أَسْلَم أَو غِفَارَا.
(13/94)

قَالَ الرِّياشي فِي مَعْنَى بَيْتِ ابْنِ أَحمر: قَوْلُهُ أَوَدُّ مَسّاً أَي أَسهل لَكَ، يَقُولُ: إِذَا نَزَلْتَ الْمَدِينَةَ فَهُوَ خيرٌ لَكَ مِنْ جِوار أَقارِبك، وَقَدْ أَورد بَعْضُهُمْ هَذَا الْبَيْتَ شَاهِدًا للجَنان السِّتْر؛ ابْنُ الأَعرابي: جَنانُهم جماعتُهم وسَوادُهم، وجَنانُ النَّاسِ دَهْماؤُهم؛ أَبو عَمْرٍو: جَنانُهم مَا سَتَرك مِنْ شَيْءٍ، يَقُولُ: أَكون بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خيرٌ لِي، قَالَ: وأَسْلَمُ وَغِفَارُ خيرُ النَّاسِ جِواراً؛ وَقَالَ الرَّاعِي يَصِفُ العَيْرَ:
وهابَ جَنان مَسْحورٍ تردَّى ... بِهِ الحَلْفاء، وأْتَزَر ائْتِزارا
. قَالَ: جَنَانُهُ عَيْنُهُ وَمَا وَارَاهُ. والجِنُّ: ولدُ الْجَانِّ. ابْنُ سِيدَهْ: الجِنُّ نوعٌ مِنَ العالَم سمُّوا بِذَلِكَ لاجْتِنانِهم عَنِ الأَبصار ولأَنهم اسْتَجَنُّوا مِنَ النَّاسِ فَلَا يُرَوْن، وَالْجَمْعُ جِنانٌ، وَهُمُ الجِنَّة. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
؛ قَالُوا: الجِنَّةُ هاهنا الملائكةُ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
، قَالَ: يقال الجِنَّةُ هاهنا الْمَلَائِكَةُ، يَقُولُ: جَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِه نَسَباً فَقَالُوا الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، وَلَقَدْ عَلِمَت الجِنَّةُ أَن الَّذِينَ قَالُوا هَذَا القولَ مُحْضَرون فِي النَّارِ. والجِنِّيُّ: منسوبٌ إِلَى الجِنِّ أَو الجِنَّةِ. والجِنَّةُ: الجِنُّ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: التأْويلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ
، الَّذِي هُوَ مِنِ الجِن، وَالنَّاسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الوَسْوَاس، الْمَعْنَى مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ وَمِنْ شَرِّ النَّاسِ. الْجَوْهَرِيُّ: الجِنُّ خِلَافُ الإِنسِ، وَالْوَاحِدُ جنِّيٌّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنها تَخْفَى وَلَا تُرَى. جُنَّ الرجلُ جُنوناً وأَجنَّه اللهُ، فَهُوَ مجنونٌ، وَلَا تَقُلْ مُجَنٌّ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
رأَت نِضْوَ أَسْفار أُمَيَّةُ شاحِباً، ... عَلَى نِضْوِ أَسْفارٍ، فَجُنَّ جُنونُها،
فَقَالَتْ: مِنَ أَيِّ الناسِ أَنتَ ومَن تَكُنْ؟ ... فإِنك مَوْلى أُسْرةٍ لَا يَدِينُها
وَقَالَ مُدرك بْنُ حُصين:
كأَنَّ سُهَيْلًا رامَها، وكأَنها ... حَليلةُ وخْمٍ جُنَّ مِنْهُ جُنونها
. وَقَوْلُهُ:
ويَحَكِ يَا جِنِّيَّ، هَلْ بَدا لكِ ... أَن تَرْجِعِي عَقْلي، فَقَدْ أَنَى لكِ؟
إِنما أَراد مَرْأَة كالجِنِّيَّة إمَّا فِي جِمَالِهَا، وَإِمَّا فِي تلَوُّنِها وابتِدالها؛ وَلَا تَكُونُ الجِنِّيَّة هُنَا مَنْسُوبَةً إِلَى الجِنِّ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الإِنس حَقِيقَةً، لأَن هَذَا الشَّاعِرَ المتغزِّلَ بِهَا إنْسيٌّ، والإِنسيُّ لَا يَتعشَّقُ جنِّيَّة؛ وَقَوْلُ بَدْرِ بْنِ عَامِرٍ:
وَلَقَدْ نطَقْتُ قَوافِياً إنْسِيّةً، ... وَلَقَدْ نَطقْتُ قَوافِيَ التَّجْنينِ
. أَراد بالإِنْسِيَّة الَّتِي تَقُولُهَا الإِنْسُ، وأَراد بالتَّجْنينِ مَا تقولُه الجِنُّ؛ وَقَالَ السُّكَّرِيُّ: أَراد الغريبَ الوَحْشِيّ. اللَّيْثُ: الجِنَّةُ الجُنونُ أَيضاً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
؛ والاسمُ والمصدرُ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُقَالُ: بِهِ جِنَّةٌ وجنونٌ ومَجَنَّة؛ وأَنشد:
مِنَ الدَّارِميّينَ الَّذِينَ دِماؤُهم ... شِفاءٌ مِنَ الداءِ المَجَنَّة والخَبْل
. والجِنَّةُ: طائفُ الجِنِّ، وَقَدْ جُنَّ جَنّاً وجُنوناً واسْتُجِنَّ؛ قَالَ مُلَيح الهُذَليّ:
(13/95)

فلمْ أَرَ مِثْلي يُسْتَجَنُّ صَبابةً، ... مِنَ البَيْن، أَو يَبْكي إِلَى غَيْرِ واصِلِ
. وتَجَنَّن عَلَيْهِ وتَجانَّ وتجانَنَ: أَرَى مِنْ نفسِه أَنه مجنونٌ. وأَجَنَّه اللَّهُ، فَهُوَ مَجْنُونٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ جُنَّ، فبُني المفعولُ مِنْ أَجنَّه اللَّهُ عَلَى هَذَا، وَقَالُوا: مَا أَجنَّه؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَعَ التعجبُ مِنْهُ بِمَا أَفْعَلَه، وَإِنْ كَانَ كالخُلُق لأَنه لَيْسَ بِلَوْنٍ فِي الْجَسَدِ وَلَا بِخِلْقة فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ نقْصان الْعَقْلِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: جُنَّ الرجلُ وَمَا أَجنَّه، فَجَاءَ بِالتَّعَجُّبِ مِنْ صِيغَةِ فِعل الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا التَّعَجُّبُ مِنْ صِيغَةِ فِعْل الْفَاعِلِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا ونحوُه شاذٌّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَوْلُهُمْ فِي المَجْنون مَا أَجَنَّه شاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، لأَنه لَا يُقَالُ فِي الْمَضْرُوبِ مَا أَضْرَبَه، وَلَا في المَسْؤول ما أَسْأَلَه. والجُنُنُ، بِالضَّمِّ: الجُنونُ، محذوفٌ مِنْهُ الواوُ؛ قَالَ يَصِفُ النَّاقَةَ:
مِثْل النَّعامةِ كَانَتْ، وَهْيَ سائمةٌ، ... أَذْناءَ حَتَّى زَهاها الحَيْنُ والجُنُنُ
جَاءَتْ لِتَشْرِيَ قَرْناً أَو تُعَوِّضَه، ... والدَّهْرُ فِيهِ رَباحُ البَيْع والغَبَنُ
فقيل، إذْ نال ظُلْمٌ ثُمَّتَ، اصْطُلِمَتْ ... إِلَى الصِّماخِ، فَلَا قَرْنٌ وَلَا أُذُنُ
. والمَجَنَّةُ: الجُنُونُ. والمَجَنَّةُ: الجِنُّ. وأَرضُ مَجَنَّةٌ: كثيرةُ الجِنِّ؛ وَقَوْلُهُ:
عَلَى مَا أَنَّها هَزِئت وَقَالَتْ ... هَنُون أَجَنَّ مَنْشاذا قَرِيبُ
. أَجَنَّ: وَقَعَ فِي مَجَنَّة، وَقَوْلُهُ هَنُون، أَراد يَا هَنُونُ، وَقَوْلُهُ مَنْشاذا قَرِيبُ، أَرادت أَنه صغيرُ السِّنّ تَهْزَأ به، وما زَائِدَةٌ أَي عَلَى أَنها هَزِئَت. ابْنُ الأَعرابي: باتَ فلانٌ ضَيْفَ جِنٍّ أَي بِمَكَانٍ خالٍ لَا أَنيس بِهِ؛ قَالَ الأَخطل فِي مَعْنَاهُ:
وبِتْنا كأَنَّا ضَيْفُ جِنٍّ بِلَيْلة
. والجانُّ: أَبو الجِنِّ خُلق مِنْ نَارٍ ثُمَّ خُلِقَ مِنْهُ نَسْلُه. والجانُّ: الجنُّ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ كالجامِل والباقِر. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ*
. وقرأَ
عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبِه إنْسٌ قَبْلَهم وَلَا جأَنٌ
، بِتَحْرِيكِ الأَلف وقَلْبِها هَمْزَةً، قَالَ: وَهَذَا عَلَى قراءة
أَيوب السَّخْتِيالي: وَلَا الضَّأَلِّين
، وَعَلَى مَا حَكَاهُ أَبو زَيْدٍ عَنْ أَبي الأَصبغ وَغَيْرِهِ: شأَبَّة ومأَدَّة؛ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
خاطِمَها زأَمَّها أَن تَذْهَبا «2»
. وَقَوْلُهُ:
وجلَّه حَتَّى ابْيَأَضَّ مَلْبَبُهْ
وَعَلَى مَا أَنشده أَبو عَلِيٍّ لكُثيّر:
وأَنتَ، ابنَ لَيْلَى، خَيْرُ قَوْمِكَ مَشْهداً، ... إذا مَا احْمأَرَّت بالعَبِيطِ العَوامِلُ
. وَقَوْلُ عِمْران بْنِ حِطَّان الحَرُورِيّ:
قَدْ كنتُ عندَك حَوْلًا لَا تُرَوِّعُني ... فِيهِ رَوائع مِنْ إنْسٍ وَلَا جَانِي
. إِنَّمَا أَراد مِنْ إنسٍ وَلَا جانٍّ فأَبدل النونَ الثَّانِيَةَ يَاءً؛ وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: بَلْ حَذَفَ النونَ الثَّانِيَةَ تَخْفِيفًا. وَقَالَ أَبو إِسْحَقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ؛
رُوِيَ أَن خَلْقاً يُقَالُ لَهُمُ الجانُّ كَانُوا فِي الأَرض فأَفسَدوا فِيهَا وسفَكوا الدِّماء فَبَعَثَ
__________
(2). قوله [خاطمها إلخ] ذكر في الصحاح:
يَا عَجَبًا وَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبَا ... حِمَارَ قَبَّانٍ يَسُوقُ أَرْنَبَا
خَاطِمَهَا زأَّمها أَنْ تَذْهَبَا ... فَقُلْتُ أَرْدِفْنِي فَقَالَ مَرْحَبَا
. فَقِيلَ: أَراد بجِدِّي، وَذَلِكَ أَن لَفْظَ ج ن إِنَّمَا هُوَ مَوْضُوعٌ للتستُّر عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بجنِّي لأَن الجِدَّ مِمَّا يُلابِسُ الفِكْرَ ويُجِنُّه القلبُ، فكأَنَّ النَّفْسَ مُجِنَّةٌ لَهُ ومُنْطوية عَلَيْهِ. وَقَالَتِ امرأَة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَهُ: أَجَنَّك مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ مِنْ أَجْلِ أَنك فترَكَتْ مِنْ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ تدَعُ مِن مَعَ أَجْل، كَمَا يُقَالُ فعلتُ ذَلِكَ أَجْلَك وإِجْلَك، بِمَعْنَى مِن أَجْلِك، قَالَ: وَقَوْلُهَا أَجَنَّك، حُذِفَتِ الأَلف وَاللَّامُ وأُلْقِيَت فتحةُ الْهَمْزَةِ عَلَى الْجِيمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي؛ يُقَالُ: إِنَّ مَعْنَاهُ لكنْ أَنا هُوَ اللَّهُ ربِّي فَحُذِفَ الأَلف، وَالْتَقَى نُونانِ فَجَاءَ التَّشْدِيدُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ أَنشده الْكِسَائِيُّ:
لَهِنَّكِ مِنْ عَبْسِيّة لَوَسيمةٌ ... عَلَى هَنَواتٍ كاذِبٍ مَنْ يَقُولُها
أَراد لِلَّهِ إنَّك، فَحَذَفَ إِحْدَى اللامَينِ مَنْ لِلَّهِ، وحذَفَ الأَلف مِنْ إنَّك، كَذَلِكَ حُذِفَتْ اللامُ مِنْ أَجل والهمزةُ مِنْ إنَّ؛ أَبو عُبَيْدٍ فِي قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
أَجْلَ أَنَّ اللهَ قَدْ فَضَّلَكم، ... فوقَ مَن أَحْكى بصُلْبٍ وَإِزَارْ
. الأَزهري قَالَ: وَيُقَالُ إجْل وَهُوَ أَحبُّ إِلَيَّ، أَراد مِنْ أَجْلِ؛ وَيُرْوَى:
فَوْقَ مَن أَحكأَ صُلْبًا بِإِزَارْ
. أَراد بالصلْب الحَسَبَ، وبالإِزارِ العِفَّةَ، وَقِيلَ: فِي قَوْلِهِمْ أَجِنَّك كَذَا أَي مِنْ أَجلِ أَنك فَحَذَفُوا الأَلف وَاللَّامَ اخْتِصَارًا، وَنَقَلُوا كَسْرَةَ اللَّامِ إِلَى الْجِيمِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَجِنَّكِ عنْدي أَحْسَنُ الناسِ كلِّهم، ... وأَنكِ ذاتُ الخالِ والحِبَراتِ
. وجِنُّ الشَّبابِ: أَوَّلُه، وَقِيلَ: جِدَّتُه ونشاطُه. وَيُقَالُ: كَانَ ذَلِكَ فِي جِنِّ صِباه أَي فِي حَدَاثَتِه، وَكَذَلِكَ جِنُّ كلِّ شَيْءٍ أَوَّلُ شِدّاته، وجنُّ المرَحِ كَذَلِكَ؛ فأَما قَوْلُهُ
(13/96)

لَا يَنْفُخُ التَّقْريبُ مِنْهُ الأَبْهَرا، ... إِذَا عَرَتْه جِنُّه وأَبْطَرا
. قَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ جُنونَ مَرَحِه، وَقَدْ يكونُ الجِنُّ هُنَا هَذَا النَّوْعَ المُسْتَتِر عَنِ العَين أَي كأَنَّ الجِنَّ تَسْتَحِثُّه ويُقوِّيه قولُه عَرَتْه لأَن جنَّ المرَح لَا يؤَنَّث إِنَّمَا هُوَ كجُنونه، وَتَقُولُ: افْعَلْ ذَلِكَ الأَمرَ بجِنِّ ذَلِكَ وحِدْثانِه وجِدِّه؛ بجِنِّه أَي بحِدْثانِه؛ قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ:
كالسُّحُل البيضِ جَلا لَوْنَها ... سَحُّ نِجاءِ الحَمَلِ الأَسْوَلِ
أَرْوَى بجِنِّ العَهْدِ سَلْمَى، وَلَا ... يُنْصِبْكَ عَهْدُ المَلِقِ الحُوَّلِ
. يُرِيدُ الغيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ، يَقُولُ: سَقَى هَذَا الغيثُ سَلْمى بحِدْثانِ نُزولِه مِنَ السَّحَابِ قَبْل تغيُّره، ثُمَّ نَهَى نفسَه أَن يُنْصِبَه حُبُّ مَنْ هُوَ مَلِقٌ. يَقُولُ: مَنْ كَانَ مَلِقاً ذَا تَحوُّلٍ فَصَرَمَكَ فَلَا ينْصِبْكَ صَرْمُه. وَيُقَالُ: خُذ الأَمرَ بجِنِّه واتَّقِ الناقةَ فإِنها بجِنِّ ضِراسِها أَي بحِدْثانِ نتاجِها. وجِنُّ النَّبْتِ: زَهْرُه ونَوْرُه، وَقَدْ تجنَّنَتْ الأَرضُ وجُنَّتْ جُنوناً؛ قَالَ:
كُوم تَظاهرَ نِيُّها لَمَّا رَعَتْ ... رَوْضاً بِعَيْهَمَ والحِمَى مَجْنوناً
وَقِيلَ: جُنَّ النَّبْتُ جُنوناً غلُظ واكْتَهل. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: نَخْلَةٌ مَجْنونة إِذَا طَالَتْ؛ وأَنشد:
يَا رَبِّ أَرْسِلْ خارِفَ المَساكِينْ ... عَجاجةً ساطِعَةَ العَثانِينْ
تَنْفُضُ مَا فِي السُّحُقِ المَجانِينْ
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يَعْنِي بخارفِ الْمَسَاكِينِ الريحَ الشديدةَ الَّتِي تنفُض لَهُمْ التَّمْرَ من رؤُوس النَّخْلِ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
أَنا بارِحُ الجَوْزاءِ، مَا لَك لَا تَرى ... عِيالَكَ قَدْ أَمْسَوا مَرامِيلَ جُوَّعاً؟
الْفَرَّاءُ: جُنَّت الأَرض إِذَا قاءتْ بِشَيْءٍ مُعْجِبٍ؛ وَقَالَ الْهُذَلِيُّ:
أَلَمَّا يَسْلم الجِيرانُ مِنْهُمْ، ... وَقَدْ جُنَّ العِضاهُ مِنَ العَميم
. ومرَرْتُ عَلَى أَرضِ هادِرة مُتَجَنِّنة: وَهِيَ الَّتِي تُهال مِنْ عُشْبِهَا وَقَدْ ذَهَبَ عُشْبها كلَّ مَذْهَبٍ. وَيُقَالُ: جُنَّت الأَرضُ جُنوناً إِذَا اعْتَمَّ نَبْتُهَا؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
تَفَقَّأَ فوقَه القَلَعُ السَّواري، ... وجُنَّ الخازِبازِ بِهِ جُنونا.
جُنونُه: كثرةُ تَرَنُّمه فِي طَيَرانِه؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الخازِبازِ نَبْتٌ، وَقِيلَ: هُوَ ذُبابٌ. وَجُنُونُ الذُّباب: كثرةُ تَرَنُّمِه. وجُنَّ الذُّبابُ أَي كثُرَ صَوْتُهُ. وجُنونُ النَّبْت: التفافُه؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ:
وطالَ جنُّ السَّنامِ الأَمْيَلِ.
أَراد تُمُوكَ السَّنامِ وطولَه. وجُنَّ النبتُ جُنوناً أَي طالَ والْتَفَّ وَخَرَجَ زَهْرُهُ؛ وَقَوْلُهُ:
وجُنَّ الخازِبازِ بِهِ جُنونا.
يَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. أَبو خَيْرَةَ: أَرضٌ مجنونةٌ مُعْشِبة لَمْ يَرْعَها أَحدٌ. وَفِي التَّهْذِيبِ: شَمِرٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: يُقَالُ لِلنَّخْلِ الْمُرْتَفِعُ طُولًا مجنونٌ، وللنبتِ الملتَفّ الْكَثِيفِ الَّذِي قَدْ تأَزَّرَ بعضُه فِي بَعْضٍ مجنونٌ. والجَنَّةُ: البُسْتانُ، وَمِنْهُ الجَنّات، والعربُ تسمِّي النخيلَ جنَّةً؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
كأَنَّ عينيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلةٍ، ... مِنَ النَّواضِح، تَسْقي جَنَّةً سُحُقاً.
(13/99)

والجَنَّةُ: الحَديقةُ ذَاتُ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ، وَجَمْعُهَا جِنان، وَفِيهَا تَخْصِيصٌ، وَيُقَالُ لِلنَّخْلِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ أَبو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ: لَا تَكُونُ الجَنَّة فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا وَفِيهَا نخلٌ وعنبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ وَكَانَتْ ذَاتَ شَجَرٍ فَهِيَ حَدِيقَةٌ وَلَيْسَتْ بجَنَّةٍ، وَقَدْ وَرَدَ ذكرُ الجَنَّة فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالْحَدِيثِ الْكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. والجَنَّةُ: هِيَ دارُ النَّعِيمِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، مِنَ الاجْتنان، وَهُوَ السَّتْر لتَكاثُفِ أَشْجارِها وَتَظْلِيلِهَا بالتِفافِ أَغصانِها، قَالَ: وَسُمِّيَتْ بالجَنَّة وَهِيَ المرَّة الْوَاحِدَةُ مِنَ مَصْدر جَنَّه جَنّاً إِذَا ستَرَه، فكأَنها ستْرةٌ واحدةٌ لشدَّةِ التِفافِها وإظْلالِها؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي وزعمَ أَنه لِلْبِيدٍ:
دَرَى باليَسَارَى جَنَّةً عَبْقَرِيَّةً، ... مُسَطَّعةَ الأَعْناق بُلْقَ القَوادِم.
قَالَ: يَعْنِي بالجَنَّة إِبِلًا كالبُسْتان، ومُسطَّعة: مِنَ السِّطاع وَهِيَ سِمةٌ فِي الْعُنُقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنه جِنَّة، بِالْكَسْرِ، لأَنه قَدْ وُصِفَ بِعَبْقَرِيَّةٍ أَي إِبِلًا مِثْلَ الجِنة فِي حِدَّتها وَنِفَارِهَا، عَلَى أَنه لَا يَبْعُدُ الأَول، وَإِنْ وَصَفَهَا بِالْعَبْقَرِيَّةِ، لأَنه لَمَّا جَعَلَهَا جَنَّة اسْتَجازَ أَن يَصِفَها بِالْعَبْقَرِيَّةِ، قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَعْنِيَ بِهِ مَا أَخرج الربيعُ مِنْ أَلوانِها وأَوبارها وَجَمِيلِ شارَتِها، وَقَدْ قِيلَ: كلُّ جَيِّدٍ عَبْقَرِيٌّ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ أَن يوصَف بِهِ الجِنَّة وأَن يُوصَفَ بِهِ الجَنَّة. والجِنِّيَّة: ثِيَابٌ مَعْرُوفَةٌ «1». والجِنِّيّةُ: مِطْرَفٌ مُدَوَّرٌ عَلَى خِلْقة الطَّيْلَسان تَلْبَسُها النِّسَاءُ. ومَجَنَّةُ: موضعٌ؛ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: المَجَنَّةُ اسمُ مَوْضِعٍ عَلَى أَميال مِنْ مَكَّةَ؛ وَكَانَ بِلالٌ يتمثَّل بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَلا ليْتَ شِعْري هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بمكةَ حَوْلي إِذْخِرٌ وجَليلُ؟
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِياهَ مَجَنَّةٍ؟ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامةٌ وطَفيلُ؟
وَكَذَلِكَ مِجَنَّة؛ وَقَالَ أَبو ذؤَيب:
فوافَى بِهَا عُسْفانَ، ثُمَّ أَتى بِهَا ... مِجَنَّة، تَصْفُو فِي القِلال وَلَا تَغْلي
. قَالَ ابْنُ جِنِّي: يَحْتَمِلُ مَجَنَّةُ وَزْنَين: أَحدهما أَن يَكُونَ مَفْعَلة مِنَ الجُنون كأَنها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشَيْءٍ يَتَّصِلُ بالجِنِّ أَو بالجَنَّة أَعني البُسْتان أَو مَا هَذَا سَبيلُه، وَالْآخَرُ أَن يَكُونَ فَعَلَّةً مِنَ مَجَنَ يَمْجُن كأَنها سمِّيت بِذَلِكَ لأَن ضَرْباً مِنَ المُجون كَانَ بِهَا، هَذَا مَا توجبُه صنعةُ عِلْمِ الْعَرَبِ، قَالَ: فأَما لأَيِّ الأَمرَينِ وَقَعَتِ التَّسْمِيَةُ فَذَلِكَ أَمرٌ طَرِيقُهُ الْخَبَرُ، وَكَذَلِكَ الجُنَيْنة؛ قَالَ:
مِمَّا يَضُمُّ إِلَى عِمْرانَ حاطِبُه، ... مِنَ الجُنَيْنَةِ، جَزْلًا غيرَ مَوْزون
. وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَتْ مَجَنَّةٌ وَذُو المَجاز وعُكاظ أَسواقاً فِي الجاهليَّة.
والاسْتِجْنانُ: الاسْتِطْراب. والجَناجِنُ: عِظامُ الصَّدْرِ، وقيل: رؤُوسُ الأَضْلاع، يَكُونُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وغيرهم؛ قال الأَسَقَرُ الجُعْفِيّ:
لَكِنْ قَعِيدةَ بَيْتِنا مَجْفُوَّةٌ، ... بادٍ جَناجِنُ صَدْرِها وَلَهَا غِنا
. وَقَالَ الأَعشى:
أَثَّرَتْ فِي جَناجِنٍ، كإِران المَيْت، ... عُولِينَ فوقَ عُوجٍ رِسالِ.
__________
(1). قوله [والجنية ثياب معروفة] كذا في التهذيب. وقوله [والجنية مطرف إلخ] كذا في المحكم بهذا الضبط فيهما. وفي القاموس: والجنينة مطرف كالطيلسان انتهى. أي لسفينة كما في شرح القاموس
(13/100)

وَاحِدُهَا جِنْجِنٌ وجَنْجَنٌ، وَحَكَاهُ الْفَارِسِيُّ بِالْهَاءِ وَغَيْرِ الْهَاءِ: جِنْجِن وجِنْجِنة؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُفْتَحُ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وَمِنْ عَجارِيهنَّ كلُّ جِنْجِن
. وَقِيلَ: وَاحِدُهَا جُنْجون، وَقِيلَ: الجَناجِنُ أَطرافُ الأَضلاع مِمَّا يَلِي قَصَّ الصَّدْرِ وعَظْمَ الصُّلْب. والمَنْجَنُونُ: الدُّولابُ الَّتِي يُسْتَقى عَلَيْهَا، نَذْكُرُهُ فِي مَنْجَنَ فإِن الْجَوْهَرِيَّ ذَكَرَهُ هُنَا، وردَّه عَلَيْهِ ابنُ الأَعرابي وَقَالَ: حقُّه أَن يُذْكَرَ فِي مَنْجَنَ لأَنه رباعي، وسنذكره هناك.
جهن: الجَهْنُ: غِلَظُ الْوَجْهِ. وجُهَينة: أَبو قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنْهُ. وَفِي الْمَثَلِ: وَعِنْدَ جُهَينة الخبرُ الْيَقِينُ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
تنادَوْا يالَ بُهْثةَ، إِذْ رَأَوْنا، ... فَقُلْنَا: أَحْسِني مَلأً جُهَيْنا
. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي والأَصمعي: وَعِنْدَ جُفَيْنة، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي جَفَنَ، قَالَ قُطْرُبٌ: جاريةٌ جُهانةٌ أَي شَابَّةٌ، وكأَنَّ جُهَيْنة ترخيمٌ مِنْ جُهانة. قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ أَحمد بْنُ يحيى: جُهَيْنة تَصْغِيرُ جُهْنة، وَهِيَ مِثْلُ جُهْمة الليلِ، أُبدلت الْمِيمُ نُونًا، وَهِيَ القِطْعةُ مِنْ سَوَادِ نِصْف اللَّيْلِ، فإِذا كَانَتْ بَيْنَ العِشاءَين فَهِيَ الفَحْمة والقَسْوَرة. وجَيْهانُ: اسم.
جهمن: جَهْمَن: اسم.
جون: الجَوْنُ: الأَسْوَدُ اليَحْمُوميُّ، والأُنثى جَوْنة. ابْنُ سِيدَهْ: الجَوْنُ الأَسْوَدُ المُشْرَبُ حُمْرَةً، وَقِيلَ: هُوَ النباتُ الَّذِي يَضْرِب إِلَى السَّوَادِ مِنْ شِدَّةِ خُضْرتِه؛ قَالَ جُبَيْهاءُ الأَشجعيّ:
فَجَاءَتْ كأَنَّ القَسْوَرَ الجَوْنَ بَجَّها ... عَسالِيجُه، والثامِرُ المُتناوِحُ
. القَسْوَرُ: نبتٌ، وبَجَّها عساليجُه أَي أَنها تَكَادُ تَنْفَتِق مِنَ السِّمَن. والجونُ أَيضاً: الأَحمَرُ الخالصُ. والجَوْنُ: الأَبيض، وَالْجَمْعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ جُون، بِالضَّمِّ، ونظيرُه ورْدٌ ووُرْدٌ. وَيُقَالُ: كلُّ بعيرٍ جَوْنٌ مِنْ بعيدٍ، وكلُّ لَوْن سَوَادٍ مُشْرَبٍ حُمْرةً جَوْنٌ، أَو سوادٍ يُخالِط حُمْرَةَ كَلَوْنِ الْقَطَا؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وجَوْن عَلَيْهِ الجِصُّ فِيهِ مَريضةٌ، ... تَطَلَّعُ مِنْهَا النَّفْسُ والموتُ حاضِرُه
. يعني الأَبيضَ هاهنا، يَصِفُ قَصْرَه الأَبيض؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُ فِيهِ مَرِيضَةٌ يَعْنِي امرأَة مُنَعَّمةً قَدْ أَضَرَّ بِهَا النَّعيم وثقَّل جِسْمَها وكسَّلَها، وَقَوْلُهُ: تَطَلَّعُ مِنْهَا النَّفْسُ أَي مِنْ أَجلِها تخرجُ النفسُ، والموتُ حاضرُه أَي حاضرُ الجَوْن؛ قَالَ: وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ شَاهِدًا عَلَى الجَوْن الأَبيض قولَ لَبِيَدٍ:
جَوْن بِصارةَ أَقْفَرَتْ لِمَزاده، ... وخَلا لَهُ السُّوبانُ فالبُرْعوم
. قَالَ: الجَوْنُ هُنَا حمارُ الوَحش، وَهُوَ يوصَفُ بِالْبَيَاضِ؛ قَالَ: وأَنشد أَبو عَلِيٍّ شَاهِدًا عَلَى الجَوْن الأَبيض قَوْلَ الشَّاعِرِ:
فبِتْنا نُعِيدُ المَشْرَفِيَّةَ فيهمُ، ... ونُبْدِئ حَتَّى أَصبحَ الجَوْنُ أَسْوَدا
قَالَ: وشاهدُ الجَوْنِ الأَسْود قولُ الشَّاعِرِ:
تقولُ خَليلَتي، لمَّا رأَتني ... شَرِيحاً، بَيْنَ مُبْيَضٍّ، وجَوْنِ
. وَقَالَ لَبِيدٌ:
جَوْن دجُوجِيّ وخَرْق مُعَسِّف
(13/101)

وَذَهَبَ ابْنُ دُرَيْدٍ وحْدَه إِلَى أَن الجَوْن يَكُونُ الأَحْمَرَ أَيضاً، وأَنشد:
فِي جَوْنةٍ كقَفَدانِ العطَّارْ
. ابْنُ سِيدَهْ: والجَوْنةُ الشمسُ لاسْوِدادِها إِذَا غَابَتْ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ لبَياضِها وصَفائِها، وَهِيَ جَوْنة بَيِّنَةُ الجُونةِ فِيهِمَا. وعُرِضَت عَلَى الحجَّاج دِرْعٌ، وَكَانَتْ صَافِيَةً، فَجَعَلَ لَا يَرى صَفاءها، فَقَالَ لَهُ أُنَيْسٌ الجَرْمِيّ، وَكَانَ فَصِيحاً: إِنَّ الشمسَ لَجَوْنةٌ، يَعْنِي أَنها شديدةُ البريقِ والصَّفاءِ فَقَدْ غلبَ صفاؤُها بياضَ الدِّرع؛ وأَنشد الأَصمعي:
غيَّرَ، يَا بِنْتَ الحُلَيْسِ، لَوْني ... طُولُ اللَّيالي واخْتِلافُ الجَوْنِ،
وسَفَرٌ كانَ قلِيلَ الأَوْنِ
يُرِيدُ النَّهَارَ؛ وَقَالَ آخَرُ:
يُبادِرُ الجَوْنَة أَن تَغِيبا
. وَهُوَ مِنَ الأَضدادِ. والجُونةُ فِي الخَيْل: مِثْلَ الغُبْسة والوُرْدة، وَرُبَّمَا هُمز. والجَوْنةُ: عَيْنُ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا سُمّيَت جَوْنةً عِنْدَ مَغِيبِهَا لأَنها تَسْوَدُّ حِينَ تَغِيبُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يُبادر الْجَوْنَةَ أَن تَغِيبَا
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الشِّعْرُ للخَطيم الضَّبابيّ «2». وَصَوَابُ إِنْشَادِهِ بِكَمَالِهِ كَمَا قَالَ:
لَا تَسْقِه حَزْراً وَلَا حَليبا، ... إِنْ لَمْ تَجِدْه سَابِحًا يَعْبوبا،
ذَا مَيْعةٍ يَلْتَهِمُ الجَبُوبا، ... يَتْرُكُ صَوَّان الصُّوَى رَكوبا
«3» بِزَلِقاتٍ قُعِّبَتْ تَقْعِيبا، ... يَتْرك فِي آثارِهِ لهُوبا
يُبادِرُ الأَثْآرَ أَن تَؤُوبا، ... وحاجبَ الجَوْنة أَن يَغِيبا،
كالذِّئْب يَتْلُو طَمَعاً قَرِيبَا «4»
يَصِفُ فَرَسًا يَقُولُ: لَا تَسْقِه شَيْئًا مِنَ اللَّبن إِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهِ هَذِهِ الخصالَ، والحَزْرُ: الحازِرُ مِنَ اللَّبَنِ وَهُوَ الَّذِي أَخذ شَيْئًا مِنَ الحُموضة، والسابحُ: الشديدُ العَدْوِ، واليَعْبوبُ: الكثيرُ الجَرْي، والمَيْعةُ: النَّشاطُ والحدَّة، ويَلْتَهم: يَبْتلع، والجَبوبُ: وجهُ الأَرض، وَيُقَالُ ظاهرُ الأَرض، والصَّوَّانُ: الصُّمُّ مِنِ الْحِجَارَةِ، الْوَاحِدَةُ صَوَّانة، والصُّوَى: الأَعْلامُ، والرَّكوبُ: المذلَّلُ، وَعَنَى بالزالِقات حَوافِرَه، واللُّهوبُ: جمعُ لِهْبٍ؛ وَقَوْلُهُ:
يُبَادِرُ الأَثْآرَ أن تؤوبا
. الأَوْبُ: الرُّجُوعُ، يَقُولُ: يُبَادِرُ أَثْآرَ الَّذِينَ يطلبُهم ليُدْرِكَهم قَبْلَ أَن يَرْجِعُوا إِلَى قومِهم، وَيُبَادِرُ ذَلِكَ قبْل مَغِيبِ الشَّمْسِ، وشبَّه الفرسَ فِي عَدْوِه بذئبٍ طامِعٍ فِي شَيْءٍ يَصِيده عَنْ قُرْبٍ فَقَدْ تَنَاهَى طمَعُه، وَيُقَالُ لِلشَّمْسِ جَوْنة بَيِّنَةَ الجُونةِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَيْهِ بُردةٌ جَوْنِيَّة
؛ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الجَوْن، وَهُوَ مِنَ الأَلوان، وَيَقَعُ عَلَى الأَسْود والأَبيض، وَقِيلَ: الْيَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا يُقَالُ فِي الأَحْمر أَحْمَرِيٌّ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَنِي الجَوْنِ، قَبِيلَةٍ مِنَ الأَزْد. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا قَدِم الشأْم أَقْبَل عَلَى جَمَلٍ عَلَيْهِ جِلْدُ كَبْشٍ جُونيٍ
أَي أَسْود؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الكَبْشُ الجُونِيّ هُوَ الأَسود الَّذِي أُشْرِب حُمْرةً، فإذا نسبوا قالوا
__________
(2). قوله [للخطيم الضبابي] في الصاغاني للأَجلح بن قاسط الضبابي
(3). قوله [الصوى] رواية التكملة: الحصى
(4). قوله [كالذئب إلخ] بعده كما في التكملة: على هراميت ترى العجيبا أن تدعو الشيخ فلا يجيبا.
(13/102)

جُونِيّ، بِالضَّمِّ، كَمَا قَالُوا فِي الدَّهْري دُهْرِيّ، قَالَ ابْنُ الأَثير: وَفِي هَذَا نَظَرٌ إِلَّا أَن تَكُونَ الروايةُ كَذَلِكَ. والجُونِيّ: ضربٌ مِنِ القَطا، وَهِيَ أَضْخَمُها تُعْدَلُ جُونيَّةٌ بكُدْرِيَّتَيْن، وهنَّ سُودُ البطونِ، سُودُ بُطون الأَجْنِحة والقوادمِ، قصارُ الأَذناب، وأَرْجُلُها أَطْوَلُ مِنْ أَرْجُلِ الكُدْرِيّ، وَفِي الصِّحَاحِ: سُودُ البُطونِ والأَجْنِحة، وَهُوَ أَكبرُ مِنَ الكُدْرِيّ، ولَبانُ الجُونِيَّة أَبيضُ، بلَبانِها طَوْقانِ أَصْفَرُ وأَسْودُ، وظهْرُها أَرْقَطُ أَغْبَرُ، وَهُوَ كلَون ظَهْرِ الكُدْرِيَّة، إِلَّا أَنه أَحْسَنُ تَرْقِيشاً تَعْلوه صُفْرةٌ. والجُونِيَّة: غَتْماء لَا تُفْصِح بصَوْتِها إِذَا صَاحَتْ إِنَّمَا تُغَرْغِرُ بصوْت فِي حَلْقِها. قَالَ أَبو حَاتِمٍ: وَوَجَدْتُ بِخَطِّ الأَصمعي عَنِ الْعَرَبِ: قَطاً جُؤنيٌّ، مَهْمُوزٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهُوَ عِنْدِي عَلَى تَوَهُّمِ حَرَكَةِ الْجِيمِ مُلْقاة عَلَى الْوَاوِ، فكأَن الواوَ متحركةٌ بِالضَّمَّةِ، وَإِذَا كَانَتِ الواوُ مَضْمُومَةً كَانَ لَكَ فِيهَا الهمزُ وتركُه فِي لُغَةٍ لَيْسَتْ بِتِلْكَ الفاشِية، وَقَدْ قرأَ أَبو عَمْرٍو:
عَادًا لُّولَى
، وقرأَ ابْنُ كَثِيرٍ:
فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُؤْقِه
، وَهَذَا النَّسَب إِنَّمَا هُوَ إِلَى الْجَمْعِ، وَهُوَ نادِرٌ، وَإِذَا وصَفوا قَالُوا قطاةٌ جَوْنةٌ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الجُونيِّ مِنَ القَطا فِي تَرْجَمَةِ كَدَرَ. والجُونةُ: جُونةُ العطَّارِ، وَرُبَّمَا هُمِزَ، وَالْجَمْعُ جُوَنٌ، بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الْهَمْزُ فِي جؤْنة وجُؤَنٍ هُوَ الأَصل، والواوُ فِيهَا منقلبةٌ عَنِ الْهَمْزَةِ فِي لُغَةِ مَنْ خفَّفها، قَالَ: والجُوَن أَيضاً جمعُ جُونةٍ لِلْآكَامِ؛ قَالَ القُلاخ:
عَلَى مَصاميدٍ كأَمثالِ الجُون
. قَالَ: والمصاميدُ مِثْلُ المَقاحيد وَهِيَ الباقياتُ اللَّبَنِ. يُقَالُ: نَاقَةٌ مِصْمادٌ ومِقْحادٌ. والجُونةُ: سُلَيْلَةٌ مُسْتديرةٌ مُغَشَّاة أَدَماً تَكُونُ مَعَ العطَّارين، وَالْجَمْعُ جُوَن، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْهَمْزَةِ، وَكَانَ الفارسيُّ يَسْتَحسن تَرْكَ الْهَمْزَةِ؛ وَكَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ الأَعشى يَصِف نِسَاءً تَصَدَّين لِلرِّجَالِ حالِياتٍ:
إِذَا هُنَّ نازَلْنَ أقْرانَهُنَّ، ... وَكَانَ المِصاعُ بِمَا فِي الجُوَنْ
. مَا قَالَهُ إِلَّا بِطَالِعِ سَعْدٍ، قَالَ: وَلِذَلِكَ ذَكَرْتُهُ هُنَا. وَفِي حَدِيثِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
فوجدتُ لِيَدِه بَرْداً وَرِيحًا كأَنما أَخْرَجَها مِنْ جُونة عطَّارٍ
؛ الجُونة، بِالضَّمِّ: الَّتِي يُعدُّ فِيهَا الطيبُ ويُحْرز. ابْنُ الأَعرابي: الجَوْنةُ الفَحْمةُ. غَيْرُهُ: الجَوْنةُ الخابيةُ مطليَّة بِالْقَارِ: قَالَ الأَعشى:
فقُمْنا، ولمَّا يَصِحْ دِيكُنا، ... إِلَى جَوْنةٍ عِنْدَ حَدَّادِها
. وَيُقَالُ: لَا أَفعله حَتَّى تَبْيضَّ جُونةُ الْقَارِ؛ هَذَا إِذَا أَردت سوادَه، وجَوْنةُ الْقَارِ إِذَا أَردت الْخَابِيَةَ، وَيُقَالُ لِلْخَابِيَةِ جَوْنة، وللدَّلْو إِذَا اسودَّت جَوْنة، وللعرَق جَوْنٌ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي لماتحٍ قَالَ لماتِحٍ فِي الْبِئْرِ:
إِنْ كانتِ أَمَّا امَّصَرت فصُرَّها، ... إِنَّ امِّصارَ الدَّلْو لَا يضُرُّها
أَهْيَ جُوَيْنٌ لاقِها فبِرَّها، ... أَنتَ بخَيْرٍ إِنْ وُقِيتَ شرَّها
فأَجابه:
وُدِّي أُوَقَّى خيرَها وَشَرَّهَا
. قَالَ: مَعْنَاهُ عَلَى وِدِّي فأَضمر الصِّفَة وأَعْمَلَها «1». وَقَوْلُهُ: أَهي جُوَيْنٌ، أَرَادَ أَخِي وَكَانَ اسْمُهُ جُوَيناً، وَكُلُّ أَخ يُقَالُ لَهُ جُوَيْن وجَوْن. سَلَمَةُ عَنِ الفراء:
__________
(1). قوله [فأَضمر الصفة وأعملها] هكذا في الأَصل والتهذيب، ولعل المراد بالصفة حرف الجر إن لم يكن في العبارة تحريف
(13/103)

الجَوْنان طرَفا القَوْس. والجَوْنُ: اسمُ فَرْسٍ فِي شِعْرِ لَبِيدٍ:
تَكاثَرَ قُرْزُلٌ، والجَوْنُ فِيهَا، ... وعَجْلى والنَّعامةُ والخَيالُ.
وأَبو الجَوْن: كُنْية النَّمِرِ؛ قَالَ القَتَّال الْكِلَابَيُّ:
وَلِي صاحِبٌ فِي الْغَارِ هَدَّكَ صاحِباً، ... أَبو الجَوْن، إِلَّا أَنه لَا يُعَلَّل
. وَابْنَةُ الجَوْن: نَائِحَةٌ مِنْ كِنْدةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ قَالَ المُثَقَّب العَبْدي:
نَوْح ابْنَةِ الجَوْنِ عَلَى هالِكٍ، ... تَنْدُبُه رَافِعَةَ المِجْلَدِ
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمَعَرِّيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي رَثى فِيهَا الشَّرِيفَ الظَّاهِرَ المُوسَوِيّ فَقَالَ:
مِنْ شَاعِرٍ للبَيْن قَالَ قَصِيدَةً، ... يَرْثي الشَّرِيفَ عَلَى رَوِيّ القافِ
جَوْنٌ كبِنْتِ الجَوْن يَصْدَحُ دَائِبًا، ... ويَميسُ فِي بُرْدِ الجُوَيْن الضَّافي
عقرتْ رَكائبك ابنُ دَأْيةَ عَادِيًا، ... أَيّ امْرِئٍ نَطِقٍ وأَيّ قَوافِ
بُنِيَت عَلَى الإِيطاءِ، سَالِمَةً مِنَ الإِقْواءِ ... والإِكْفاءِ والإِصْرافِ
. والجَوْنانِ: مُعاوية وحسَّان بْنُ الجَوْن الكِنْدِيّان؛ وإيَّاهما عَنَى جريرٌ بِقَوْلِهِ:
أَلم تَشْهَد الجَوْنَين والشِّعْبَ والغَضى، ... وشَدَّاتِ قَيْسٍ، يومَ دَيْر الجَماجِم؟
ابْنُ الأَعرابي: التَّجَوُّن تَبْييضُ بابِ العَرُوس. والتَّجوُّنُ: تَسْويدُ بَابِ الْمَيِّتِ. والأَجْؤُن: أَرض مَعْرُوفَةٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: بَيْنَ نَقَى المُلْقَى وَبَيْنَ الأَجْؤُنِ «1».

فصل الحاء المهملة
حبن: الحَبَنُ: داءٌ يأْخذ فِي الْبَطْنِ فيعظُم مِنْهُ ويَرِمُ، وَقَدْ حَبِنَ، بِالْكَسْرِ، يَحْبَنُ حَبَناً، وحُبِن حَبْناً وَبِهِ حَبَنٌ. وَرَجُلٌ أَحْبَنُ، والأَحْبَنُ: الَّذِي بِهِ السِّقْيُ. والحَبَنُ: أَن يَكُونَ السِّقْيُ فِي شَحْم الْبَطْنِ فَيَعْظُمُ الْبَطْنُ لِذَلِكَ، وامرأَةٌ حَبْناء. وَيُقَالُ لِمَنْ سَقَى بطنُه: قَدْ حَبِنَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن رَجُلًا أَحْبَنَ أَصاب امرأَةً فَجُلِدَ بأُثْكُولِ النَّخْلِ
؛ الأَحْبَنُ: المُسْتَسْقي، مِنَ الحَبَن، بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ عِظَمُ الْبَطْنِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
تَجَشّأَ رجلٌ فِي مجلسٍ، فَقَالَ لَهُ رجلٌ: دَعَوْتَ عَلَى هَذَا الطعامِ أَحداً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَبَناً وقُداداً
؛ القُدادُ وجعُ البَطْن. وَفِي حَدِيثِ
عُرْوَةَ: أَن وَفْدَ أَهل النَّارِ يَرْجِعُونَ زُبّاً حُبْناً
؛ الحُبْنُ: جمعُ الأَحْبَنِ؛ وَفِي شِعْرِ جَنْدَل الطُّهَويّ:
وعُرّ عَدْوَى مِنْ شُغافٍ وحَبَنْ
قَالَ: الحَبَنُ الماءُ الأَصْفَرُ. والحَبْناءُ مِنَ النِّساء: الضخمةُ البطنِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ. وحَبِنَ عَلَيْهِ: امتلأَ جوفُه غَضَبًا. الأَزهري: وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب قَالَ: رأَيت فُلَانًا مُحْبَئِنّاً ومُقْطَئِرّاً ومُصْمَعِدّاً أَي ممتلِئاً غَضَبًا. والحِبْنُ: مَا يَعْتَري فِي الْجَسَدِ فيقِيحُ ويَرِمُ، وجمعُه حُبونٌ. والحِبْنُ: الدُّمَّلُ، وسمِّي الحِبْنُ دُمَّلًا عَلَى جِهَةِ التَّفَاؤُلِ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ السِّحْر طَبّاً. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنه رخَّصَ فِي دمِ الحُبونِ،
وَهِيَ الدَّمامِيل، واحدُها حِبْنٌ
__________
(1). قوله [بين إلخ] صدره كما في التكملة: دَارٌ كَرَقْمِ الْكَاتِبِ الْمُرَقِّنِ. وضبط فيها دار بالرفع وقال فيها فتهمز الواو لأَن الضمة عليها تستثقل
(13/104)

وحِبْنةٌ، بِالْكَسْرِ، أَي أَن دَمَها معفُوٌّ عَنْهُ إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ حالةَ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ بُزُرْج: يُقَالُ فِي أَدْعية مِنَ الْقَوْمِ يَتَداعَوْن بِهَا صَبَّ اللَّهُ عليكَ أُمَّ حُبَيْنٍ ماخِضاً، يَعْنونَ الدماميلَ. والحِبْنُ والحِبْنةُ: كالدُّمَّل. وقَدَمٌ حَبْناءُ: كَثِيرَةُ لحمِ البَخَصةِ حَتَّى كأَنها وَرِمةٌ. والحِبْنُ: القِرْدُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. وحَمامةٌ حَبْناءُ: لَا تَبيضُ. وَابْنُ حَبْناءَ: شاعرٌ مَعْرُوفٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ. وأُمُّ حُبَيْنٍ: دُوَيْبَّة عَلَى خِلْقةِ الحِرْباء عريضةُ الصَّدْرِ عظيمةُ الْبَطْنِ، وَقِيلَ: هِيَ أُنثى الحِرْباء. وَرُوِيَ عَنِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه رأَى بِلَالًا وَقَدْ خَرَجَ بطنُه فَقَالَ: أُمُّ حُبَيْنٍ
، تَشْبيهاً لَهُ بِهَا، وَهَذَا مِنْ مَزْحِه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَراد ضِخَمَ بطنِه؛ قَالَ أَبو ليْلى: أُمُّ حُبَيْنٍ دُوَيْبَّة عَلَى قَدْرِ الخُنْفُساء يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ وَيَقُولُونَ لَهَا:
أُمَّ حُبَيْنٍ، انْشُرِي بُرْدَيْكِ، ... إنَّ الأَميرَ والجٌ عليكِ،
ومُوجِع بسَوْطِه جَنْبَيْكِ
فتنْشُر جَناحَيْها؛ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ فِيمَا رَوَاهُ ثَعْلَبٌ:
وأُمّ حُبَيْنٍ قَدْ رَحَلْتِ لحاجةٍ ... برَحْلٍ عِلافِيٍّ، وأَحْقَبْتِ مِزْوَداً
. وهُما أُمَّا حُبَيْنٍ، وَهُنَّ أُمَّهاتُ حُبَيْنٍ، بِإِفْرَادِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ؛ وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
يقولُ المُجْتَلون عَروس تَيْم ... سَوىً أُمُّ الحُبَيْنِ ورأْسُ فِيلِ
. إِنَّمَا أَراد أُمّ حُبَيْن، وَهِيَ مَعْرِفَةٌ، فَزَادَ اللَّامَ فِيهَا ضَرُورَةً لإِقامة الْوَزْنِ، وأَراد سَوَاءً فَقَصَرَ ضَرُورَةً أَيضاً. وَيُقَالُ لَهَا أَيضاً حُبَيْنة؛ وأَنْشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
طَلَعْتُ عَلَى الحَرْبِيّ يَكْوي حُبَيْنةً ... بسَبْعةِ أَعْوادٍ مِنَ الشُّبُهانِ
. الْجَوْهَرِيُّ: أُمُّ حُبَيْنٍ دُوَيْبَّة، وَهِيَ مَعْرِفة مِثْلُ ابْنِ عِرْس وأُسامةَ وَابْنِ آوَى وسامِّ أَبْرَصَ وَابْنِ قِتْرة إِلَّا أَنه تعريفُ جنسٍ، وَرُبَّمَا أُدْخِل عَلَيْهِ الأَلفُ وَاللَّامَ، ثُمَّ لَا تَكُونُ بِحَذْفِ الأَلف وَاللَّامِ مِنْهَا نَكِرَةً، وَهُوَ شاذٌّ؛ وأَورد بَيْتَ جَرِيرٍ أَيضاً:
شَوى أُمِّ الحُبَيْنِ ورأْسُ فِيل
. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ: يَقُولُ: شَواها شَوى أُمِّ الحُبَيْنِ ورأْسُها رأْسُ فِيل، قَالَ: وأُمُّ حُبَيْنٍ وأُمُّ الحُبَيْن مِمَّا تَعاقَب عَلَيْهِ تعريفُ الْعَلَمِيَّةِ وتعريفُ اللَّامِ، وَمِثْلُهُ غُدْوة والغُدْوة، وفَيْنة والفَيْنة، وَهِيَ دابَّة عَلَى قَدْرِ كَفِّ الإِنسان؛ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هِيَ أَعْرَضُ من الغَطاء وَفِي رأْسِها عِرَضٌ؛ وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: هِيَ دابَّة غَبْراء لَهَا قوائمُ أَربعٌ وَهِيَ بِقِدْرِ الضِّفْدَعة الَّتِي لَيْسَتْ بضَخْمة، فَإِذَا طَرَدها الصِّبْيان قَالُوا لَهَا:
أُمَّ الحُبَيْنِ، انْشُرِي بُرْدَيكِ، ... إِنَّ الأَميرَ ناظرٌ إليكِ.
فَيَطْرُدُونَهَا حَتَّى يُدْرِكها الإِعْياء، فَحِينَئِذٍ تَقِفُ عَلَى رِجْلَيْها مُنْتَصِبَةً وتَنْشُر لَهَا جَناحَيْن أَغْبَرَيْن عَلَى مِثْلِ لَوْنها، وَإِذَا زادُوا فِي طَرْدِها نَشَرَتْ أَجنحة كُنَّ تَحْتَ ذَيْنِك الْجَنَاحَيْنِ لَمْ يُرَ أَحسَنُ لَوْنًا مِنْهُنَّ، مَا بَيْنَ أَصْفَرَ وأَحْمَرَ وأَخْضَرَ وأَبْيَضَ وهنَّ طرائقُ بعضُهن فَوْقَ بَعْضٍ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ فِي الرِّقَّة عَلَى قدرِ أَجْنِحة الفَراشِ، فَإِذَا رَآهَا الصِّبْيَانُ قَدْ فَعَلَتْ ذَلِكَ تَرَكُوهَا، وَلَا يُوجَدُ لَهَا وَلَدٌ وَلَا فَرْخ؛ قَالَ ابْنُ حَمْزَةَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَن هَذِهِ الصِّفَةَ صِفَةُ أُمّ عُوَيْفٍ؛ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أُمُ
(13/105)

عُوَيْفٍ دابَّةٌ صغيرةٌ ضخمةُ الرأْسِ مخضرَّة، لَهَا ذنبٌ وَلَهَا أَربعةُ أَجْنِحةٍ، مِنْهَا جَنَاحَانِ أَخْضَران، إِذَا رأَت الإِنسان قَامَتْ عَلَى ذَنَبِهَا ونشَرت جَناحَيْها؛ قَالَ الْآخَرُ:
يَا أُمَّ عَوْفٍ انْشُري بُرْدَيْكِ، ... إنَّ الأَميرَ واقفٌ عليكِ،
وضاربٌ بالسَّوْطِ مَنْكِبَيْكِ
وَيُرْوَى: أُمَّ عُوَيْفٍ، قَالَ: وَهَذِهِ الأَسماء «1». الَّتِي تُكْتبُ بِهَا هَذِهِ الْمَعَارِفُ وأُضيفت إِلَيْهَا غَيْرُ معرِّفة لَهَا؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
كأُمّ حُبَيْنٍ لَمْ ترَ الناسُ غيرَها، ... وغابَتْ حُبَيْنٌ حينَ غابَتْ بنُو سَعْد.
وَمِثْلُهُ لأَبي الْعَلَاءِ المعرِّي:
يَتَكَنَّى أَبَا الوَفاءِ رجالٌ ... مَا وجَدنا الوَفاءَ إلَّا طَرِيحا
وأَبو جَعْدة ذُؤالةُ، مَن جَعْدةُ؟ ... لَا زَالَ حَامِلًا تَتْرِيحَا
وابنَ عِرْس عَرَفْتُ، وابنَ بَريحٍ، ... ثُمَّ عِرْساً جَهِلْته وبَريحا
. وأَما ابنُ مَخاضٍ وابنُ لَبُونٍ فَنَكِرَتَانِ يتعرَّفان بالأَلف وَاللَّامِ تَعْرِيفَ جِنْسٍ. وَفِي حَدِيثِ
عُقْبَةَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَلَا تصلُّوا صَلَاةَ أُمِّ حُبَيْنٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هِيَ دُوَيْبَّة كالحِرْباء عظيمةُ البطنِ، إِذَا مَشَتْ تُطَأْطِئ رأْسَها كَثِيرًا وترفعُه لعِظَم بَطْنِهَا، فَهِيَ تقعُ عَلَى رأْسها وتقومُ، فشبَّه بِهَا صلاتَهم فِي السُّجُودِ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
فِي نَقْرة الْغُرَابِ.
والحَبْنُ: الدِّفْلى «2». وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الحَبْنُ شَجَرَةُ الدِّفْلى، أَخْبر بِذَلِكَ بعضُ أَعراب عُمانَ. والحُبَيْنُ وحَبَوْنَنٌ وحِبَوْنَنٌ: أَسماء. وحَبَوْنَن: اسمُ وَادٍ؛ عَنِ السِّيرَافِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْبَحْرَيْنِ، وَرَوَى ثَعْلَبٌ: حَبَوْنَى، بأَلف غَيْرِ مُنَوَّنَةٍ؛ وأَنشد:
خَلِيلَيَّ، لَا تسْتَعْجِلا وتَبَيَّنا ... بِوادِي حَبَوْنَى، هَلْ لهنَّ زَوالُ؟
وَلَا تَيْأَسا مِنْ رحمةِ اللَّهِ، وادْعُوَا ... بوادِي حَبَوْنَى أَن تَهُبَّ شَمالُ
. قَالَ: والأَصل حَبَوْنَنٌ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَإِنَّمَا أَبدل النُّونَ أَلفاً لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فأَعلَّه؛ قَالَ وَعْلة الْجَرْمِيُّ:
وَلَقَدْ صَبَحتُكُم ببَطْنِ حَبَوْنَنٍ، ... وعلَيَّ إِنْ شَاءَ الإِلهُ ثَناءُ
. وَقَالَ أَبو الأَخْزَر الحُمَّاني:
بالثِّنْيِ مِنْ بِئْشةَ أَو حَبَوْنَن
وأَنشد ابْنُ خَالَوَيْهِ:
سَقى أَثْلَةٌ بالفِرْقِ فِرْقِ حَبَوْنَنٍ، ... مِنَ الصَّيفِ، زَمْزامُ العشِيّ صَدُوق.
حتن: الحَتْنُ والحِتْنُ: المِثْلُ والقِرْنُ والمُساوِي. وَيُقَالُ: هُمَا حَتْنانِ وحِتْنانِ أَي سِيَّانِ، وَذَلِكَ إِذَا تَساويا فِي الرَّمْي. وتَحاتَنُوا: تساوَوْا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَفَحِتْنُه فلانٌ
؛ الحِتْنُ الحَتْنُ، بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: المِثْلُ والقِرْنُ. والمُحاتَنةُ: المُساواةُ، وكلُّ اثْنَيْنِ لَا يَتخالفانِ فَهُمَا حَتْنانِ، وَهُمَا حَتْنان وتِرْبان مُسْتَوِيان، وَهُمْ أَحْتانٌ أَتْنانٌ. والمحاتَنةُ: المسُاواةُ. والتَّحاتُنُ: التساوِي والتَّبارِي. وَالْقَوْمُ حَتَنى وحَتْنى أَي مُسْتَوونَ أَو مُتشابِهُون؛ الأَخيرة عَنْ ثَعْلَبٍ. ووقَعَت النَّبْلُ حَتَنَى أَي
__________
(1). قوله [وهذه الأَسماء إلخ] هكذا في الأَصل ولم نعثر عليها في المحكم ولا التهذيب والصحاح
(2). قوله [والحبن الدفلى] في القاموس: والحبن بالفتح شجر الدفلى، وضبط في التكملة والمحكم بالتحريك
(13/106)

مُتَسَاوِيَةً. وتحاتَنَ الرَّجُلان: تَرامَيا فَكَانَ رَمْيهُما وَاحِدًا، وَالِاسْمُ الحَتْنى؛ وَفِي الْمَثَلِ:
الحَتَنَى لَا خيرَ فِي سَهْم زَلَجْ
. وَهُوَ رَجَزٌ. وَالزَّالِجُ مِنَ السِّهَامِ: الَّذِي مَرَّ عَلَى وَجْهِ الأَرض حَتَّى وقَع فِي الهدَف وَلَمْ يُصب الْقِرْطَاسَ، وَهُوَ مثَلٌ فِي تَتْمِيمِ الإِحسان ومُوالاتِه. ووقَعَت السِّهامُ فِي الهدَف حَتَنَى أَي مُتقاربة المَواقع ومُتساويَتَها؛ أَنشد الأَصمعي:
كأَنَّ صَوْتَ ضَرْعِها تُساجِلُ، ... هاتِيك هَاتَا حَتَنَى تُكايِلُ،
لَدْمُ العُجَى تَلْكُمُها الجَنادِلُ
. والحَتَنُ: متابعةُ السِّهام المُقَرْطِسَة أَي الَّتِي تُصِيب القِرْطاس؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَهَلْ غَرَضٌ يَبْقَى عَلَى حَتَن النَّبْل؟
وحَتِنَ الحَرُّ: اشتدَّ. ويومٌ حاتِنٌ: اسْتَوَى أَوَّله وآخرُه فِي الْحَرِّ. وتحاتَنَ الدمعُ: وقَعَ دَمْعَتَيْن دَمعَتَيْن، وَقِيلَ: تتابَع مُتساوياً؛ قَالَ الطِّرماح:
كأَنَّ العُيونَ المُرْسَلاتِ، عَشِيَّةً، ... شَآبيبُ دَمْعِ العَبْرَة المُتَحاتِن
. والحَتَنُ: مِنْ قَوْلِكَ تحاتَنَت دُموعُه إِذَا تتابَعَت. وتحاتَنَت الخِصال فِي النِّصال: وَقَعَتْ فِي أَصل الْقِرْطَاسِ عَلَى تقَارُبٍ أَو تساوٍ. الأَزهري: الخَصْلةُ كُلُّ رَمِيَّةٍ لَزِمَت الْقِرْطَاسَ مِنْ غَيْرِ أَن تُصيبَه، قَالَ: إِذَا وَقَعَتْ خَصَلاتٌ فِي أَصل القِرْطاس قِيلَ تَحاتَنَت أَي تتابَعَت، قَالَ: وأَهلُ النِّضَال يَحْسَبُونَ كُلَّ خَصْلَتَيْن مُقَرْطِسةً، قَالَ: وَإِذَا تصارَع الرَّجُلان فصُرع أَحدُهما وَثَبَ ثُمَّ قَالَ:
الحَتَنَى لَا خَيْرَ فِي سَهْمٍ زَلَج
. وَقَوْلُهُ الحَتَنَى أَي عاوِدِ الصِّراع، والزّالجُ: السَّهمُ الَّذِي يَقَعُ بالأَرض ثُمَّ يُصِيبُ القِرْطاسَ، قَالَ: والتَّحاتُنُ التَّبارِي؛ قَالَ النَّابغة يَصِفُ الرِّياح واختلافَها:
شَمال تُجاذِبْها الجَنُوبُ بعَرْضِها، ... ونَزْعُ الصَّبَا مُورَ الدَّبُورِ يُحاتِنُ
. والمُحْتَتِنُ: الشيءُ الْمُسْتَوِي لَا يُخَالِفُ بعضُه بَعْضًا، وَقَدِ احْتَتَنَ؛ فأَما مَا أَنشده ابْنُ الأَعرابي مِنْ قَوْلِهِ:
كأَنَّ صَوْتَ شُخْبِها المُحْتانِ، ... تحتَ الصَّقِيعِ، جَرْشُ أُفْعُوانِ
. فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْنِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَعرف كَيْفَ هَذَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدِي المُحْتَتِنُ أَي الْمُسْتَوِي، ثُمَّ حَذَفَ تَاءَ مُفْتَعل فَبَقِيَ المُحْتَن، ثُمَّ أَشبع الْفَتْحَةَ فَقَالَ المُحْتان كَقَوْلِهِ:
ومِن عَيْبِ الرِّجالِ بمُنتزَاحِ
. أَراد بمنتَزَحٍ فأَشْبَع. واحْتَتَنَ الشَّيءُ: استَوى؛ قَالَ الطِّرماح:
تِلْكَ أَحْسابُنا، إِذَا احْتَتَنَ الخَصْلُ، ... ومُدَّ المَدَى مَدَى الأَعْراضِ.
احْتَتَنَ الخَصْلُ أَي اسْتَوَى إصابةُ المُتَناضِلَيْن. والخَصْلةُ: الإِصابةُ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ سِنُّ فلانٍ وتِنُّه وحِتْنُه إِذَا كَانَ لِدَتَه على سِنِّه. وجئْ بِهِ مِنْ حَتْنِك أَي مِنْ حَيْثُ كَانَ. وحَوْتَنان: موضعٌ، وَقِيلَ: حَوْتَنانان وادِيانِ فِي بِلَادِ قَيْس كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ حَوْتَنان؛ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ فَقَالَ:
ثُمَّ اسْتَغاثُوا بماءٍ لَا رِشاءَ لَهُ ... مِنْ حَوْتَنانَيْن، لَا مِلْح وَلَا زَنَن
. وَلَا زَنَن أَي لَا ضيِّق قَلِيلٌ. وَيُقَالُ: رَمَى القومُ
(13/107)

فَوَقَعَتْ سِهامُهم حَتَنَى أَي مُسْتَوِيَةً لَمْ يَفْضُل واحدٌ مِنْهُمْ أَصحابَه. ابْنُ الأَعرابي: رَمَى فأَحْتَن إِذَا وَقَعَتْ سِهامُه كلُّها فِي مَوْضِعٍ واحد.
حثن: الحَثَنُ: حِصْرِمُ العِنَب، وَقِيلَ: هُوَ إِذَا كَانَ الحبُّ كرؤُوس الذَّرِّ، واحدتُه بِالْهَاءِ. وحُثُنٌ: موضعٌ جاءَ فِي شِعْرِ هُذَيْلٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِهِمْ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ:
أَرى حُثُناً أَمْسَى ذَليلًا كأَنه ... تُراثٌ، وخَلَّاه الصِّعاب الصَّعاتِر.
حجن: حَجَنَ العُودَ يَحْجِنُه حَجْناً وحَجَّنَه: عطَفَه. والحَجَنُ والحُجْنةُ والتحَجُّن: اعْوجاج الشَّيْءِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: اعوِجاجُ الشَّيْءِ الأَحْجَنِ. والمِحْجَنُ والمِحْجَنَةُ: العَصَا المُعْوَجَّةُ. الْجَوْهَرِيُّ: المِحْجَنُ كالصَّوْلَجانِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ يَسْتَلِم الرُّكْنَ بمِحْجَنَهِ
؛ المِحْجَنُ: عَصاً مُعَقَّفة الرأْس كالصَّوْلجان، قَالَ: وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وكلُّ مَعْطُوفٍ مُعْوجّ كَذَلِكَ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
قَدْ صَرَّح السَّيْرُ عَنْ كُتْمانَ، وابتُذِلَت ... وَقْعُ المَحاجِنِ بالمَهْرِيَّةِ الذُّقُنِ
. أَراد: وابتُذِلَت المَحَاجِنُ، وأَنَّثَ الوَقْعَ لإِضافته إِلَى المَحاجِن. وفلانٌ لَا يَرْكُضُ المِحْجَن أَي لَا غَنَاءَ عِنْدِهِ، وأَصل ذَلِكَ أَن يُدْخَلَ مِحْجَن بَيْنَ رِجْلَي الْبَعِيرِ، فإنْ كَانَ البعيرُ بَليداً لَمْ يَرْكُض ذَلِكَ المِحْجَنَ، وَإِنْ كَانَ ذَكِيّاً رَكَض المِحْجَن ومضَى. والاحْتِجانُ: الفعلُ بالمِحْجَن. والصَّقْرُ أَحْجَنُ المِنْقارِ. وصقرٌ أَحْجَنُ المَخالِب: مُعَوَجُّها. ومِحْجَنُ الطائِرِ: مِنْقَارُه لاعْوِجاجِهِ. والتَّحْجِينُ: سِمةٌ مُعْوَجَّة، اسْمٌ كالتَّنْبيتِ والتَّمْتين. وَيُقَالُ: حَجَنْت البعيرَ فأَنا أَحْجِنُه، وَهُوَ بَعِيرٌ مَحْجون إِذَا وُسِمَ بِسِمَة المِحْجَن، وَهُوَ خَطٌّ فِي طرَفِهِ عَقْفة مِثْلُ مِحْجَنِ الْعَصَا. وأُذُنٌ حَجْنَاءُ: مائلةُ أَحد الطرَفين مِنْ قِبَل الْجَبْهَةِ سُفْلًا، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي أَقْبَل أَطراف إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخرى قِبَل الجَبْهة، وكلُّ ذَلِكَ مَعَ اعْوِجاج. الأَزهري: الحُجْنةُ مصدرٌ كالحَجَن، وَهُوَ الشعرُ الَّذِي جُعودته فِي أَطرافه. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَشَعْرٌ حَجِنٌ وأَحْجَنُ مُتَسَلْسِلٌ مُسْتَرْسِلٌ رَجِلٌ، فِي أَطْرافه شيءٌ مِنْ جُعودةٍ وتكسُّرٍ. وَقِيلَ: مُعَقّف متداخلٌ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: الأَحْجَنُ الشعَرُ الرَّجِلُ. والحُجْنةُ: الرَّجَلُ. والسَّبِطُ: الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ حُجْنة. قَالَ الأَزهري: وَمِنَ الأُنوف أَحْجَنُ. وأَنْف أَحْجَنُ: مُقْبِل الرَّوْثةِ نحوَ الفمِ، زَادَ الأَزهري: واستأْخرت ناشِزتاه قُبْحاً. والحُجْنةُ: مَوْضِعٌ أَصابه اعْوِجاجٌ مِنَ الْعَصَا. والمِحْجَن: عَصًا فِي طرَفها عُقَّافة، وَالْفِعْلُ بِهَا الاحْتِجان. ابْنُ سِيدَهْ: الحُجْنةُ موضعُ الاعْوِجاج. وحُجْنةُ المِغْزَل، بِالضَّمِّ: هِيَ المُنْعَقِفةُ فِي رأْسه. وَفِي الْحَدِيثِ:
توضَع الرحِمُ يومَ الْقِيَامَةِ لَهَا حُجْنةٌ كحُجْنةِ المِغْزَل
أَي صِنّارتِه المُعْوَجَّة فِي رأْسه الَّتِي يُعَلَّق بِهَا الخيطُ يُفْتَلُ للغَزْل، وكلُّ مُتَعَقِّفٍ أَحْجَنُ. والحُجْنةُ: مَا اختَزَنْتَ مِنْ شَيْءٍ واخْتَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ؛ الأَزهري: وَمِنْ ذَلِكَ يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا اختصَّ بِشَيْءٍ لِنَفْسِهِ قَدِ احْتَجَنه لِنَفْسِهِ دُونَ أَصحابه. والاحْتِجانُ: جمعُ الشَّيْءِ وضمُّه إِلَيْكَ، وَهُوَ افْتِعال مِنَ المِحْجَن. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا أَقْطَعَك العَقيقَ لتَحْتَجنَه
أَي تتملَّكه دُونَ النَّاسِ. واحْتَجَن الشيءَ: احْتَوَى عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ ذِي يَزَن: واحْتَجَنّاه دُونَ غَيْرِنَا.
واحْتَجَنَ عَلَيْهِ: حَجَر. وحَجِنَ عَلَيْهِ حَجَناً: ضَنَّ. وحَجِنَ بِهِ: كحَجِيَ بِهِ، وَهُوَ نَحْوُ الأَول. وحَجِنَ
(13/108)

بِالدَّارِ: أَقام. وحُجْنَةُ الثُّمامِ وحَجَنَتُه: خُوصتُه. وأَحْجَنَ الثُّمامُ: خَرَجَتْ حُجْنَتُه، وَهِيَ خُوصُهُ. وَفِي حَدِيثِ
أُصَيْل حِينَ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ: فسأَله رسول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: تركتُها قَدْ أَحْجَنَ ثُمامُها وأَعْذَقَ إذْخِرُها وأَمْشَرَ سَلَمُها، فَقَالَ: يَا أُصَيْل، دَعِ القلوبَ تَقِرُّ
، أَي بَدَا وَرَقُه «3». والثُّمام نَبْتٌ مَعْرُوفٌ. والحَجَنُ: قَصَدٌ ينبُت فِي أَعراض عِيدان الثُّمام والضِّعةِ. والحَجَنُ: القُضْبانُ القِصَارُ الَّتِي فِيهَا الْعِنَبُ، واحدتُه حَجَنة. وَإِنَّهُ لمِحْجَنُ مالٍ: يَصْلُح المالُ عَلَى يَدَيْهِ ويُحْسِن رِعْيَته والقيامَ عَلَيْهِ؛ قَالَ نَافِعُ بْنُ لَقِيطٍ الأَسدي:
قَدْ عَنَّتَ الجَلْعَدُ شَيْخاً أَعْجَفا، ... مِحْجَنَ مالٍ أَينَمَا تَصَرَّفا
. واحْتِجانُ المالِ: إصْلاحُه وجَمْعُه وضَمُّ مَا انْتَشَرَ مِنْهُ. واحْتِجانُ مالِ غيرِك: اقتِطاعُه وسَرِقتُه. وصاحبُ المِحْجَن فِي الْجَاهِلِيَّةِ: رجلٌ كَانَ مَعَهُ محجَن، وَكَانَ يقْعُد فِي جادَّة الطَّرِيقِ فيأْخذ بمحْجنِه الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ مِنْ أَثاث المارَّة، فَإِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ اعْتَلَّ بأَنه تَعَلَّقَ بمحْجنه، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ:
كَانَ يَسْرِقُ الحاجَّ بمحْجَنِه. فإِذا فُطِنَ بِهِ قَالَ تعلَّق بمِحْجَني
، وَالْجَمْعُ مَحاجِنُ. وَفِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ:
وجَعلَت المَحاجِنُ تُمْسِكُ رِجَالًا.
وحَجَنْت الشيءَ واحْتَجَنْتُه إِذَا جَذَبْتَه بالمِحْجَنِ إِلَى نَفْسِك؛ وَمِنْهُ قولُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ فِي وصيَّتِه: عَلَيْكُمْ بِالْمَالِ واحْتِجانِه، وَهُوَ ضمُّكَه إِلَى نفْسِك وإِمساكُكَ إِيَّاهُ. وحَجَنَه عَنِ الشَّيْءِ: صَدَّه وصَرَفه؛ قَالَ:
وَلَا بُدَّ للمَشْعُوفِ مِنْ تَبَعِ الهَوى، ... إِذَا لَمْ يَزَعْه مِنْ هَوَى النَّفْسِ حاجِنُ
والغَزْوَةُ الحَجُونُ: الَّتِي تُظهر غَيْرَهَا ثُمَّ تُخَالِفُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ويُقْصَدُ إِلَيْهَا، وَيُقَالُ: هِيَ الْبَعِيدَةُ قَالَ الأَعشى:
وَلَا بُدَّ مِنْ غَزوةٍ، فِي الرَّبيع، ... حَجُونٍ تُكِلُّ الوَقاحَ الشَّكورا
. وَيُقَالُ: سِرْنا عقَبةً حَجُوناً أَي بَعِيدَةً طَوِيلَةً. والحَجُونُ: موضعٌ بِمَكَّةَ نَاحِيَةٌ مِنَ الْبَيْتِ؛ قَالَ الأَعشى:
فَمَا أَنتَ مِنْ أَهل الحَجُونِ وَلَا الصَّفا، ... وَلَا لَكَ حَقُّ الشِّرْبِ فِي مَاءِ زَمْزَم
. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الحَجونُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، جبلٌ بِمَكَّةَ وَهِيَ مَقْبُرة. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحرث بْنِ مُضاض بْنِ عَمْرٍو يتأَسَّف عَلَى الْبَيْتِ، وَقِيلَ هو للحرث الجُرْهمي:
كأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجونِ إِلَى الصَّفا ... أَنِيسٌ، وَلَمْ يَسْمُر بمكَّة سامِرُ
بَلى نَحْنُ كُنّا أَهلَها، فأَبادَنا ... صُروفُ اللَّيَالِي والجُدودُ العواثِرُ
. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ عَلَى الحَجُون كَئيباً.
وَقَالَ ابْنُ الأَثير: الحَجُونُ الجبلُ المُشْرِف مِمَّا يَلي شِعْب الجَزَّارين بِمَكَّةَ، وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ فِيهِ اعْوِجاج، قَالَ: وَالْمَشْهُورُ الأَوَّل، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ. والحَوْجَنُ، بِالنُّونِ: الوَرْدُ الأَحمر؛ عَنْ كُرَاعٍ. وَقَدْ سمَّوْا حَجْناً وحُجَيْناً وحَجْناءَ وأَحْجَنَ، وَهُوَ أَبو بَطْنٍ مِنْهُمْ، ومِحْجَناً، وَهُوَ مِحْجَن بْنُ عُطارِد العَنْبَريّ شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ؛ وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا صُورَتُهُ: والحَجِنُ المرأَةُ القليلةُ الطَّعْم؛ قَالَ الشَّمَّاخِ:
وَقَدْ عَرِقَتْ مَغابِنُها، وجادَتْ ... بِدرَّتِها قِرَى حَجِنٍ قَتِينِ
. قَالَ: والقَتِينُ مثل الحَجِين أَيضاً، أَراد بالحَجِن
__________
(3). الضمير عائد إلى الثمام
(13/109)

قُراداً، وَجَعَلَ عَرَق هَذِهِ النَّاقَةِ قُوتاً لَهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ الأَزهري وَابْنُ سِيدَهْ فِي تَرْجَمَةِ جحن، بِالْجِيمِ قَبْلَ الْحَاءِ، فإِما أَن يَكُونَ الشَّيْخُ ابْنُ بَرِّيٍّ وَجَدَ لَهُ وَجْهًا فَنَقَلَهُ أَو وَهم فيه.
حذن: الحُذُنَّتان: الأُذُنان، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ؛ قَالَ جَرِيرٌ:
يَا ابنَ الَّتِي حُذُنَّتاها باعُ
. وتُفْرَد فَيُقَالُ: حُذُنَّة. وَرَجُلٌ حُذُنَّة وحُذُنٌّ: صَغِيرُ الأُذنين خفيفُ الرأْسِ. وحُذْنُ الرجُلِ وحُذْلُه: حُجْزَتُه. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن دخَل حَائِطًا فلْيأْكُلْ مِنْهُ غيرَ آخذٍ فِي حُذْنِه شَيْئًا
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مِثْلُ الحُذْل، بِاللَّامِ، وَهُوَ طرفُ الإِزار أَو حُجْزةُ الْقَمِيصِ وطرَفُه. والحَوْذانةُ: بَقْلة مِنْ بُقول الرِّيَاضِ؛ قَالَ الأَزهري: رأَيتُها فِي رِياض الصَّمّان وقِيعانِها، وَلَهَا نَوْر أَصفرُ رائحتُه طيبة، وتجمع الحَوْذانَ.
حرن: حَرَنتِ الدابةُ تَحْرُن حِراناً وحُراناً وحَرُنَتْ، لُغَتَانِ، وَهِيَ حَرونٌ: وَهِيَ الَّتِي إِذا استُدِرَّ جَرْيُها وقَفَتْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ خاصَّة، ونظيرُه فِي الإِبل اللِّجانُ والخِلاءُ، وَاسْتَعْمَلَ أَبو عُبَيْدٍ الحِرانَ فِي النَّاقَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا خَلأَت وَلَا حَرَنَتْ وَلَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيل.
وَفَرَسٌ حَرُونٌ مِنْ خَيْل حُرُنٍ: لَا يَنْقادُ، إِذا اشْتَدَّ بِهِ الجَرْيُ وَقَف. وَقَدْ حَرَنَ يَحْرُنُ حُرُوناً وحَرُنَ، بِالضَّمِّ أَيضاً: صَارَ حَرُوناً، وَالِاسْمُ الحِرانُ. والحَرُونُ: اسْمُ فَرَسٍ كَانَ لباهِلَة، إِلَيْهِ تُنْسَبُ الْخَيْلُ الحَرُونِيَّة. والحَرُونُ: اسْمُ فَرَسِ مُسْلم بْنِ عمروٍ الباهليِّ فِي الإِسلام كَانَ يُسابِق الخيلَ، فإِذا اسْتُدرَّ جَرْيه وقَف حَتَّى تكادَ تسْبِقُه، ثُمَّ يَجْرِي فيسبِقها، وَفِي الصِّحَاحِ: حَرون اسمُ فرسِ أَبي صَالِحٍ مُسْلم بْنِ عمروٍ الْبَاهِلِيِّ وَالِدِ قُتَيْبة؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا قُريش خَلَا مُلْكُها، ... فإِنَّ الخِلافةَ فِي باهِلَهْ
لِرَبِّ الحَرونِ أَبي صَالِحٍ، ... وَمَا ذَاكَ بالسُّنَّة العادلَهْ
. وَقَالَ الأَصمعي: هُوَ مِنْ نَسْل أَعوج، وَهُوَ الحَرون بْنُ الأَثاثيّ بْنِ الخُزَز بْنِ ذِي الصُّوفة بْنِ أَعْوج، قَالَ: وَكَانَ يسبِق الخيلَ ثمَ يَحْرُن حَتَّى تَلْحَقَه، فإِذا لَحِقَتْه سبَقها ثُمَّ حرَن ثُمَّ سبَقَها، وَقِيلَ: الحَرونُ فرسُ عُقبة بْنِ مُدْلِجٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِحَبِيبِ بْنِ المهلَّب أَو مُحَمَّدِ بْنِ المُهلَّب الحَرُون، لأَنه كَانَ يَحْرُنُ فِي الْحَرْبِ فَلَا يَبْرَحُ، اسْتُعِيرَ ذَلِكَ لَهُ وإِنما أَصله فِي الْخَيْلِ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: حَرَنَت الناقةُ قَامَتْ فَلَمْ تَبْرَحْ، وخَلأَت بركَتْ فَلَمْ تَقُمْ؛ والحَرونُ فِي قَوْلِ الشَّمَّاخِ:
وَمَا أَرْوَى، وإِن كَرُمَتْ عَلَيْنَا، ... بأَدْنَى مِنْ مُوَقَّفةٍ حَرونِ
. هِيَ الَّتِي لَا تَبْرَحُ أَعلى الجَبل مِنَ الصَّيْد. وَيُقَالُ: حَرَن فِي الْبَيْعِ إِذَا لَمْ يَزِد وَلَمْ يَنْقُص. والمَحارينُ مِنَ النَّحْل: اللَّواتي يَلْصَقْنَ بالخَلِيَّة حَتَّى يُنْتزَعْنَ بالمَحابِض؛ وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
كأَنَّ أَصْواتَها، مِنْ حَيْثُ نسمَعُها، ... نَبْضُ المَحابضِ يَنْزِعْنَ المَحارِينا
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الهاءُ فِي أَصواتها تعودُ عَلَى النَّواقيس فِي بيتٍ قَبْله، والمَحابضُ: عِيدانٌ يُشارُ بِهَا العسلُ، قَالَ: والمَحارينُ جَمْعُ مِحْرانٍ، وَهُوَ مَا حَرُنَ عَلَى الشَّهْد مِنَ النَّحْلِ فَلَا يَبْرَح عَنْهُ؛ الأَزهري: المَحارينُ مَا يموتُ مِنَ النَّحْلِ فِي عَسَلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: المَحارينُ
(13/110)

مِنَ الْعَسَلِ مَا لَزِقَ بالخلِيَّة فعَسُر نَزْعُه، أُخذ مِنْ قَوْلِكَ حَرُن بِالْمَكَانِ حُرونة إِذَا لَزِمَهُ فَلَمْ يُفارِقْه، وكأَنَّ العسلَ حَرُن فعسُر اشتِيارُه؛ قَالَ الرَّاعِي:
كِناس تَنوفةٍ ظَلَّت إِليها ... هِجانُ الوَحْشِ حَارِنَةً حُرونا
. وَقَالَ الأَصمعي فِي قَوْلِهِ حَارِنَةً: متأَخرة، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: لازِمة. والمَحارينُ: الشِّهادُ، وَهِيَ أَيضاً حَبّات القُطن، واحدتُها مِحْرانٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَيْتِ ابْنِ مُقْبِلٍ: يَخْلِجْنَ المَحارينا. وحَرّان: اسْمُ بَلَدٍ، وَهُوَ فَعّال، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ فَعْلانَ، وَالنِّسْبَةُ إِليه حَرْنانيٌّ، كَمَا قَالُوا مَنانيّ فِي النِّسْبَةِ إِلَى مَانِي، وَالْقِيَاسُ مانَوِيّ، وحَرّاني عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ. وحُرَينٌ: اسمٌ. وَبَنُو حِرْنَة: بُطَين «1».
حردن: الحِرْدَوْنُ: دُوَيْبَّة تُشبِه الحِرْباءَ تَكُونُ بِنَاحِيَةِ مصرَ، حَمَاهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مليحةٌ مُوشَّاة بأَلوانٍ ونُقَط، قَالَ: وَلَهُ نِزْكانِ كَمَا أَنَّ للضَّبِّ نِزْكَيْن.
حرذن: الحِرْذَوْنُ: العَظَاءَةُ، مَثَّلَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وَفَسَّرَهُ السِّيرَافِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَهِيَ غَيْرُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. والحِرْذَوْنُ مِنَ الإِبل: الَّذِي يُرْكَبُ حَتَّى لَا تَبقى فِيهِ بقيَّة. الْجَوْهَرِيُّ: الحِرْذَوْنُ دُوَيْبَّة، بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَيُقَالُ: هُوَ ذكرُ الضَّبِّ.
حرسن: الحُرْسُونُ: البعيرُ الْمَهْزُولُ؛ عَنِ الْهَجَرِيِّ؛ وأَنشد لعَمّار بْنِ البَوْلانِيّة الْكَلْبِيِّ:
وَتَابِعٌ غَيْرُ مَتْبُوعٍ، حَلائلُه ... يُزْجِينَ أَقْعِدَةً حُدْباً حَراسِينا
. والقصيدةُ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْبَيْتُ مجرورةُ الْقَوَافِي؛ وأَولها:
وَدَّعْتُ نَجْداً، وَمَا قلْبي بمَحْزونِ، ... وداعَ مَنْ قَدْ سَلا عَنْهَا إِلَى حينِ
. الأَزهري عَنْ أَبي عَمْرٍو: إبِلٌ حَراسِينُ عِجافٌ مَجْهُودَةٌ؛ وَقَالَ:
يَا أُمَّ عَمْروٍ، مَا هداكِ لِفِتْيةٍ ... وخُوصٍ حَراسينٍ شَديدٍ لُغوبُها
أَبو عَمْرٍو: الحراسيمُ والحراسينُ السِّنون المُقْحِطات.
حرشن: حَرْشَنٌ: اسْمٌ. والحُرْشونُ: جنسٌ مِنَ الْقُطْنِ لَا ينْتَفِشُ وَلَا تُدَيّثُه المَطارِقُ؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ؛ وأَنشد:
كَمَا تَطايَر مَنْدُوفُ الحَراشينِ
. والحُرْشونُ: حَسَكةٌ صَغِيرَةٌ صُلْبة تتعلَّق بِصُوفِ الشَّاةِ، وأَنشد البيت أَيضاً.
حزن: الحُزْنُ والحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وَهُوَ خلافُ السُّرور. قَالَ الأَخفش: وَالْمِثَالَانِ يَعْتَقِبان هَذَا الضَّرْبَ باطِّرادٍ، والجمعُ أَحْزانٌ، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ حَزِنَ، بِالْكَسْرِ، حَزَناً وتحازَنَ وتحَزَّن. وَرَجُلٌ حَزْنانٌ ومِحْزانٌ: شَدِيدُ الحُزْنِ. وحَزَنَه الأَمرُ يَحْزُنُه حُزْناً وأَحْزَنَه، فَهُوَ مَحْزونٌ ومُحْزَنٌ وحَزِينٌ وحَزِنٌ؛ الأَخيرة عَلَى النَّسب، مِنْ قَوْمٍ حِزانٍ وحُزَناءَ. الْجَوْهَرِيُّ: حَزَنَه لغةُ قُرَيْشٍ، وأَحْزَنه لغةُ تَمِيمٍ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ إِذَا حَزَنه أَمرٌ صلَّى
أَي أَوْقَعه فِي الحُزْن، وَيُرْوَى بِالْبَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ، واحْتزَنَ وتحَزَّنَ بِمَعْنًى؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
بَكَيْتُ والمُحْتَزَن البَكِيُّ، ... وإِنما يأْتي الصِّبا الصّبِيُ
. وفلانٌ يقرأُ بالتَّحْزين إِذَا أَرَقَّ صَوْتَه. وقال سيبويه:
__________
(1). قوله [وبنو حرنة بطين] كذا في الأَصل والمحكم بكسر فسكون، وفي القاموس والتكملة بكسر الحاء والراء وشد النون
(13/111)

أَحْزَنَه جَعَلَهُ حَزِيناً، وحَزَنَه جعلَ فِيهِ حُزْناً، كأَفْتَنَه جَعَلَهُ فاتِناً، وفَتَنه جعلَ فِيهِ فِتنَة. وعامُ الحُزْنِ «2». العامُ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ خديجةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وأَبو طَالِبٍ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عامَ الحُزْنِ؛ حَكَى ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، قَالَ: وَمَاتَا قَبْل الهِجرة بِثَلَاثِ سِنِينَ. اللَّيْثُ: لِلْعَرَبِ فِي الحُزْن لغتانِ، إِذَا فَتَحُوا ثَقَّلوا، وَإِذَا ضَمُّوا خَفَّفوا؛ يُقَالُ: أَصابَه حَزَنٌ شَدِيدٌ وحُزْنٌ شَدِيدٌ؛ أَبو عَمْرٍو: إِذَا جَاءَ الحزَن مَنْصُوبًا فتَحوه، وَإِذَا جَاءَ مَرْفُوعًا أَو مَكْسُورًا ضَمُّوا الْحَاءَ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
؛ أَي أَنه فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
؛ أَي أَنه فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقَالَ: شْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
، ضمُّوا الْحَاءَ هَاهُنَا؛ قَالَ: وَفِي اسْتِعْمَالِ الْفِعْلِ مِنْهُ لُغَتَانِ: تَقُولُ حَزَنَني يَحْزُنُني حُزْناً فأَنا مَحْزونٌ، وَيَقُولُونَ أَحْزَنَني فأَنا مُحْزَنٌ وَهُوَ مُحْزِنٌ، وَيَقُولُونَ: صوْتٌ مُحْزِنٌ وأَمرٌ مُحْزِن، وَلَا يَقُولُونَ صَوْتٌ حازنٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ حَزَنه يَحْزُنه، وأَكثر القرَّاء قرؤوا: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
؛ وأَما الْفِعْلُ اللَّازِمُ فإِنه يُقَالُ فِيهِ حَزِنَ يَحْزَنُ حَزَناً لَا غَيْرُ. أَبو زَيْدٍ: لَا يَقُولُونَ قَدْ حَزَنَه الأَمْرُ، وَيَقُولُونَ يَحْزُنُه، فَإِذَا قَالُوا أَفْعَلَه اللَّهُ فَهُوَ بالأَلف. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ حِينَ ذَكَر الغَزْوَ وذَكَر مَنْ يَغْزو وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّ الشيطانَ يُحَزِّنُه
أَي يُوَسْوِس إِلَيْهِ ويُندِّمُه وَيَقُولُ لَهُ لِمَ تَرَكْتَ أَهْلَكَ ومالَكَ؟ فَيَقَعُ فِي الحُزْنِ ويبْطلُ أَجْرُه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
؛ قَالُوا فِيهِ: الحَزَنُ هَمُّ الغَداءِ والعَشاءِ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ مَا يَحْزُن مِنْ حَزَنِ معاشٍ أَو حَزَنِ عذابٍ أَو حَزَنِ موتٍ، فَقَدْ أَذهبَ اللهُ عَنْ أَهل الجنَّة كلَّ الأَحْزانِ. والحُزَانةُ، بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ: عِيَالُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَتَجَزَّنُ بأَمْرهم وَلَهُمْ. اللَّيْثُ: يَقُولُ الرجلُ لِصَاحِبِهِ كَيْفَ حَشَمُك وحُزانَتُك أَي كَيْفَ مَنْ تَتَحَزَّن بأَمْرِهم. وَفِي قَلْبِهِ عَلَيْكَ حُزانةٌ أَي فِتْنةٌ «3». قَالَ: وَتُسَمَّى سَفَنْجقانِيَّةُ الْعَرَبِ عَلَى الْعَجَمِ فِي أَول قُدومهم الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ مِنَ الدُّورِ وَالضِّيَاعِ مَا اسْتَحَقوا حُزانةً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والحُزانةُ قَدْمةُ العربِ عَلَى الْعَجَمِ فِي أَوّل قُدُومِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ مَا اسْتَحقُّوا مِنَ الدُّورِ والضِّياع؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا كُلُّهُ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ عَلَى فُعَالة. والسَّفَنْجَقانيَّة: شَرْطٌ كَانَ لِلْعَرَبِ عَلَى الْعَجَمِ بِخُراسان إِذَا أَخذوا بَلَدًا صُلْحاً أَن يَكُونُوا إِذَا مرَّ بِهِمُ الْجُيُوشُ أَفذاذاً أَو جماعاتٍ أَن يُنْزلوهم ويَقْرُوهم، ثُمَّ يُزَوِّدوهم إِلَى ناحيةٍ أُخرى. والحَزْنُ: بلادٌ للعَربِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والحَزْنُ مَا غلُظَ مِنَ الأَرض، وَالْجَمْعُ حُزُونٌ وَفِيهَا حُزُونةٌ؛ وَقَوْلُهُ:
الحَزْنُ بَابًا والعَقورُ كَلْباً
. أَجرى فِيهِ الِاسْمَ مُجْرى الصِّفَةِ، لأَن قَوْلَهُ الحَزْنُ بَابًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ الوَعْر بَابًا والمُمْتَنِع بَابًا. وَقَدْ حَزُنَ المكانُ حُزونةً، جاؤوا بِهِ عَلَى بِنَاءِ ضِدِّه وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مكانٌ سَهْلٌ وَقَدْ سَهُل سُهولة. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ المُسَيَّب: أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَراد أَن يُغَيِّرَ اسمَ جدِّه حَزْنٍ ويُسَمِّيَه سَهْلًا
__________
(2). قوله [وعام الحزن] ضبط في الأَصل والقاموس بضم فسكون وصرح بذلك شارح القاموس، وضبط في المحكم بالتحريك
(3). قوله [حزانة أي فتنة] ضبط في الأَصل بضم الحاء وفي المحكم بفتحها
(13/112)

فأَبى، وَقَالَ: لَا أُغيِّر اسْمًا سَمَّاني بِهِ أَبي، قَالَ: فَمَا زَالَتْ فِينَا تِلْكَ الحُزونةُ بَعْدُ.
والحَزْنُ: المكانُ الْغَلِيظُ، وَهُوَ الخَشِنُ. والحُزونةُ: الخُشونة؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
الْمُغِيرَةِ: مَحْزون اللِّهْزِمة
أَي خَشِنها أَو أَنَّ لِهْزِمَته تَدَلَّتْ مِنَ الْكَآبَةِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
الشَّعْبِيِّ: أَحْزَنَ بِنَا المنزلُ
أَي صَارَ ذَا حُزونةٍ كأَخْصَبَ وأَجْدَبَ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنَ قولهم أَحْزَنَ وأَسْهَلَ إِذَا رَكِبَ الحَزْنَ والسَّهْلَ، كأَنَّ المنزلَ أَرْكَبَهم الحُزونةَ حَيْثُ نَزلوا فِيهِ. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الحَزْنُ حَزْنُ بَنِي يربوعٍ، وَهُوَ قُفٌّ غَلِيظٌ مَسِيرُ ثلاثِ ليالٍ فِي مِثْلِها، وَهِيَ بعيدةٌ مِنَ الْمِيَاهِ فَلَيْسَ تَرْعاها الشاءُ وَلَا الحُمُر، فَلَيْسَ فِيهَا دِمَنٌ وَلَا أَرْواث. وبعيرٌ حَزْنِيٌّ: يَرْعَى الحَزْنَ مِنَ الأَرض. والحَزْنةُ: لُغَةٌ فِي الحَزْنِ؛ وقولُ أَبي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ مَطَرًا:
فَحَطَّ، مِنَ الحُزَنِ، المُغْفِراتِ، ... والطَّيْرُ تَلْثَقُ حَتَّى تَصِيحا
. قَالَ الأَصمعي: الحُزَنُ الْجِبَالُ الغلاظُ، الْوَاحِدَةُ حُزْنة مِثْلُ صُبْرةٍ وصُبَر، والمُغْفِراتُ: ذواتُ الأَغفار، والغُفْرُ: وَلَدُ الأُرْوية، والمُغْفِرات مفعولٌ بِحَطَّ، وَمَنْ رَوَاهُ فأَنزلَ مِنْ حُزَنِ المُغْفِراتِ حُذِفَ التَّنْوِينُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وتَلْثَق حَتَّى تَصِيحَا أَي ممَّا بِهَا مِنَ الْمَاءِ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْمُتَنَخِّلِ الهذلي:
وأَكْسُوا الحُلَّة الشَّوْكاءَ خِدْني، ... وبَعْضُ الخَيْرِ فِي حُزَنٍ وِراطِ «1»
. والحَزْنُ مِنَ الدوابِّ: مَا خَشُنَ، صفةٌ، والأُنْثَى حَزْنةٌ؛ والحَزْنُ: قبيلةٌ مِنْ غَسَّانَ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الأَخطل فِي قَوْلِهِ:
تَسْأَلُه الصُّبْرُ مِنْ غَسَّان، إذْ حَضروا، ... والحَزْنُ: كَيْفَ قَراكَ الغِلْمةُ الجَشَرُ؟
وأَورده الْجَوْهَرِيُّ: كَيْفَ قَرَاهُ الْغِلْمَةُ الْجَشَرُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الصَّوَابُ كَيْفَ قَراك كَمَا أَورده غَيْرُهُ أَي الصُّبْرُ تسأَل عُمَيْر بنَ الحُباب، وَكَانَ قَدْ قُتِل، فَتَقُولُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ: كَيْفَ قَراكَ الغِلمةُ الجشَر، وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ لأَنه كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّمَا أَنتم جَشَرٌ، والجَشَرُ: الَّذِينَ يَبِيتون مَعَ إِبِلِهِمْ فِي مَوْضِعِ رَعْيِها وَلَا يَرْجِعُونَ إِلى بُيُوتِهِمْ. والحَزْنُ: بلادُ بَنِي يربوعٍ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
وَمَا لِيَ ذَنْبٌ، إنْ جَنُوبٌ تَنَفَّسَتْ ... بِنَفْحةِ حَزْنِيٍّ مِنَ النَّبْتِ أَخضرا
. قَالَ هَذَا رَجُلٌ اتُّهم بِسَرَق بَعِير فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي إنَّما نَزَع إِلَى الحَزْن الَّذِي هُوَ هَذَا البَلَد، يَقُولُ: جَاءَتِ الجَنُوبُ بريحِ البَقْلِ فنَزَع إِلَيْهَا؛ والحَزْنُ فِي قَوْلَ الأَعشى:
مَا رَوْضَةٌ، مِنْ رِياضِ الحَزْن، مُعْشِبَةٌ ... خَضْراءَ جادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ
. موضعٌ مَعْرُوفٌ كَانَتْ تَرْعَى فِيهِ إِبِلُ المُلوك، وَهُوَ مِنْ أَرض بَنِي أَسَدٍ. قَالَ الأَزهري: فِي بِلَادِ العَرب حَزْنانِ: أَحدهما حَزْن بَنِي يَرْبوعٍ، وَهُوَ مَرْبَعٌ مِنْ مَرابعِ العرَب فِيهِ رياضٌ وقِيعانٌ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ مَنْ تَرَبَّعَ الحَزْنَ وتَشَتَّى الصَّمَّانَ وتَقَيَّظَ الشَّرَفَ فَقَدْ أَخْصَبَ، والحَزْنُ الآخرُ مَا بَيْنَ زُبالة فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مُصْعِداً فِي بِلَادِ نَجْد، وَفِيهِ غِلَظٌ وارتفاعٌ، وَكَانَ أَبو عَمْرٍو يَقُولُ: الحَزْنُ والحَزْمُ الغَليظُ مِنَ الأَرض، وَقَالَ غَيْرُهُ: الحَزْمُ مِنَ الأَرض مَا احْتَزم من السَّيْل من
__________
(1). قوله [وبعض الخير] أنشده في مادة شوك: وبعض القوم
(13/113)

نَجَوات المُتُون والظُّهور، وَالْجَمْعُ الحُزُوم. والحَزْنُ: مَا غَلُظ مِنَ الأَرض فِي ارْتفاعٍ، وَقَدْ ذُكِرَ الحَزْم فِي مَكَانِهِ. قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: أَوَّلُ حُزُونِ الأَرض قِفافُها وجِبالُها وقَواقِيها وخَشِنُها ورَضْمُها، وَلَا تُعَدُّ أَرضٌ طَيِّبَةٌ، وَإِنْ جَلُدَتْ، حَزْناً، وجمعُها حُزُون، قَالَ: وَيُقَالُ حَزْنَةٌ وحَزْن. وأَحْزَن الرجلُ إِذَا صَارَ فِي الحَزْن. قَالَ: وَيُقَالُ للحَزْن حُزُن لُغَتان؛ وأَنشد قول ابنِ مُقْبل:
مَرَابِعُهُ الحُمْرُ مِنْ صَاحَةٍ، ... ومُصْطَافُهُ فِي الوُعُولِ الحُزُنْ
. الحُزُن: جَمْعُ حَزْن. وحُزَن: جَبَلٌ؛ وَرُوِيَ بَيْتُ أَبي ذُؤَيْبٍ الْمُتَقَدِّمُ:
فأَنْزَلَ مِنْ حُزَن المُغْفِرات
. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حُزُن، بِضَمِّ الْحَاءِ وَالزَّايِ. والحَزُون: الشَّاةُ السيِّئة الخُلق. والحَزينُ: اسْمُ شَاعِرٍ، وَهُوَ الْحَزِينُ الكِنانيُّ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُهَيب، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ووفَد إِلَيْهِ إِلَى مِصْرَ وَهُوَ وَالِيهَا يمدحُه فِي أَبيات مِنْ جُمْلَتِهَا:
لمَّا وقَفْت عَلَيْهِمْ فِي الجُموع ضُحًى، ... وَقَدْ تَعَرَّضَتِ الحُجَّابُ والخَدَمُ،
حَيَّيْتُه بسَلامٍ وَهُوَ مُرْتَفِقٌ، ... وضَجَّةُ القَوْمِ عِنْدَ الْبَابِ تَزْدَحِمُ
فِي كَفِّه خَيزُرانٌ رِيحُه عَبِق، ... فِي كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِه شَمَمُ
يُغْضِي حَياءً ويُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ، ... فَمَا يُكَلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ «1»
وَهُوَ الْقَائِلُ أَيضاً يَهْجُو إِنْسَانًا بالبُخل:
كأَنَّما خُلِقَتْ كَفَّاه منْ حَجَرٍ، ... فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ والنَّدَى عَمَلُ،
يَرَى التَّيَمُّمَ فِي بَرٍّ وَفِي بَحَرٍ، ... مَخَافَةَ أَنْ يُرى فِي كَفِّه بَلَلُ.
حزبن: الحَيْزَبونُ: الْعَجُوزُ مِنَ النِّسَاءِ؛ قَالَ الْقَطَامِيُّ:
إِذَا حَيْزَبونٌ تُوقِدُ النار، بعدَ ما ... تَلفَّعتِ الظَّلْماء مِنْ كلِّ جانِبِ
وَنَاقَةٌ حَيزَبون: شَهْمة حَديدة؛ وَبِهِ فسَّر ثَعْلَبٌ قَوْلَ الْحَذْلَمِيِّ يَصِفُ إِبِلًا:
تَلْبِطُ فِيهَا كلُّ حَيْزَبونِ
قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنشدني أَبو الْقَمْقَامِ:
يَذْهَب مِنْهَا كلُّ حَيزَبونِ ... مانِعة بِغَيْرِهَا زَبونِ
الحَيزَبون: الْعَجُوزُ. والحَيزَبون: السَّيِّئَةُ الْخُلُقِ، وَهُوَ هَاهُنَا السَّيِّئَةُ الخُلق أَيضاً.
حسن: الحُسْنُ: ضدُّ القُبْح وَنَقِيضُهُ. الأَزهري: الحُسْن نَعْت لِمَا حَسُن؛ حَسُنَ وحَسَن يَحْسُن حُسْناً فِيهِمَا، فَهُوَ حاسِنٌ وحَسَن؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ مَحاسِن، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنه جَمْعُ مَحْسَن. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: احْسُنْ إِنْ كنتَ حاسِناً، فَهَذَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنَّهُ لَحَسَن، يُرِيدُ فِعْل الْحَالِ، وَجَمْعُ الحَسَن حِسان. الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ قَدْ حَسُن الشيءُ، وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْت الضَّمَّةَ فَقُلْتَ: حَسْنَ الشيءُ، وَلَا يَجُوزُ أَن تنقُل الضَّمَّةَ إِلَى الْحَاءِ لأَنه خبَرٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ النقْل إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَدْحِ أَو الذَّم لأَنه يُشبَّه فِي جَوَازِ النَّقْل بنِعْم وبِئْس، وَذَلِكَ أَن الأَصل فِيهِمَا نَعِم وبَئِس، فسُكِّن ثَانِيهِمَا ونقِلتْ حَرَكَتُهُ إِلَى مَا قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ كلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا؛ قَالَ سَهْمُ بْنُ
__________
(1). روي البيتان الأَخيران للفرزدق من قصيدته في مدح زين العابدين: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.
(13/114)

حَنْظَلَةَ الغَنَوي:
لَمْ يَمْنَعِ الناسُ مِنِّي مَا أَردتُ، وَمَا ... أُعْطِيهمُ مَا أَرادوا، حُسْنَ ذَا أَدَبا
. أَراد: حَسُن هَذَا أَدَباً، فخفَّف ونقَل. وَرَجُلٌ حَسَنٌ بَسَن: إِتْبَاعٌ لَهُ، وامرأَة حَسَنة، وَقَالُوا: امرأَة حَسْناء وَلَمْ يَقُولُوا رَجُلٌ أَحْسَن، قَالَ ثَعْلَبٌ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَالَ لأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَهُوَ اسْمٌ أُنِّث مِنْ غَيْرِ تَذْكير، كَمَا قَالُوا غُلَامٌ أَمرَد وَلَمْ يَقُولُوا جَارِيَةٌ مَرْداء، فَهُوَ تَذْكِيرٌ مِنْ غَيْرِ تأْنيث. والحُسّان، بِالضَّمِّ: أَحسَن مِنَ الحَسَن. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَرَجُلٌ حُسَان، مخفَّف، كحَسَن، وحُسّان، وَالْجَمْعُ حُسّانونَ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَا يُكَسَّر، استغْنَوْا عَنْهُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، والأُنثى حَسَنة، وَالْجَمْعُ حِسان كَالْمُذَكَّرِ وحُسّانة؛ قَالَ الشَّمَّاخُ:
دارَ الفَتاةِ الَّتِي كُنّا نَقُولُ لَهَا: ... يَا ظَبْيةً عُطُلًا حُسّانةَ الجِيدِ
. وَالْجَمْعُ حُسّانات، قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّمَا نَصَبَ دارَ بِإِضْمَارِ أَعني، وَيُرْوَى بِالرَّفْعِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حَسِين وحُسَان وحُسّان مِثْلُ كَبير وكُبَار وكُبَّار وعَجيب وعُجاب وعُجَّاب وَظَرِيفٍ وظُراف وظُرَّاف؛ وَقَالَ ذُو الإِصبع:
كأَنَّا يَوْمَ قُرَّى ... إِنَّما نَقْتُل إِيَّانَا
قِياماً بَيْنَهُمْ كلُّ ... فَتًى أَبْيَضَ حُسّانا
. وأَصل قَوْلِهِمْ شَيْءٌ حَسَن حَسِين لأَنه مِنْ حَسُن يَحْسُن كَمَا قَالُوا عَظُم فَهُوَ عَظِيم، وكَرُم فَهُوَ كَرِيمٌ، كَذَلِكَ حَسُن فَهُوَ حَسِين، إِلَّا أَنه جَاءَ نَادِرًا، ثُمَّ قُلِبَ الفَعِيل فُعالًا ثُمَّ فُعّالًا إِذَا بُولِغَ فِي نَعْته فَقَالُوا حَسَنٌ وحُسَان وحُسّان، وَكَذَلِكَ كَرِيمٌ وكُرام وكُرّام، وَجَمْعُ الحَسْناء مِنَ النِّسَاءِ حِسانٌ وَلَا نَظِيرَ لَهَا إِلَّا عَجْفاء وعِجاف، وَلَا يُقَالُ لِلذَّكَرِ أَحْسَن، إِنَّمَا تَقُولُ هُوَ الأَحْسن عَلَى إِرَادَةِ التَّفْضِيلِ، وَالْجَمْعُ الأَحاسِن. وأَحاسِنُ الْقَوْمِ: حِسانهم. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَحاسِنُكم أَخْلاقاً المُوَطَّؤُون أَكنافاً
، وَهِيَ الحُسْنَى. والحاسِنُ: القَمَر. وحسَّنْتُ الشيءَ تحْسيناً: زَيَّنتُه، وأَحسَنْتُ إِلَيْهِ وَبِهِ، وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
؛ أَي قَدْ أَحسن إِلَيَّ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَحسَنْتُ بفلانٍ وأَسأْتُ بفلانٍ أَي أَحسنت إِلَيْهِ وأَسأْت إِلَيْهِ. وَتَقُولُ: أَحْسِنْ بِنَا أَي أَحسِنْ إِلَيْنَا وَلَا تُسِئْ بِنَا؛ قَالَ كُثيِّر:
أَسِيئي بِنَا أَو أَحْسِنِي، لَا مَلومةٌ ... لَدَيْنا، وَلَا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
؛ قِيلَ أَراد الْجَنَّةَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
؛ فالحُسْنى هِيَ الْجَنَّةُ، والزِّيادة النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ سِيدَهْ: والحُسْنى هُنَا الْجَنَّةُ، وَعِنْدِي أَنها المُجازاة الحُسْنى. والحُسْنى: ضدُّ السُّوأَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
. قَالَ أَبو حَاتِمٍ: قرأَ
الأَخفش وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنى
، فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَجُوزُ، لأَن حُسْنى مِثْلُ فُعْلى، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلَّا بالأَلف وَاللَّامِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا نصُّ لَفْظِهِ، وَقَالَ قَالَ ابْنُ جِنِّي: هَذَا عِنْدِي غيرُ لَازِمٍ لأَبي الْحَسَنِ، لأَن حُسْنى هُنَا غَيْرُ صِفَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مصدرٌ بِمَنْزِلَةِ الحُسْن كَقِرَاءَةِ غَيْرِهِ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
، وَمِثْلُهُ فِي الفِعْل والفِعْلى: الذِّكْرُ والذِّكْرى، وَكِلَاهُمَا مَصْدَرٌ، وَمِنَ الأَول البُؤسُ والبُؤسى والنُّعْم والنُّعْمى، وَلَا يُسْتَوْحَش مِنْ
(13/115)

تَشْبِيهِ حُسْنى بذِكرى لِاخْتِلَافِ الحركات، فسيبويه قَدْ عَمل مثلَ هَذَا فَقَالَ: ومثلُ النَّضْرِ الحَسَن إلَّا أَن هَذَا مُسَكَّن الأَوْسَط، يَعْنِي النَّضْرَ، وَالْجَمْعُ الحُسْنَيات «1». والحُسَنُ، لَا يَسْقُطُ مِنْهُمَا الأَلف وَاللَّامُ لأَنها مُعاقبة، فأَما قِرَاءَةُ مَنْ قرأَ:
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنى
، فَزَعَمَ الْفَارِسِيُّ أَنه اسْمُ المصدر، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
، أَي قَوْلًا ذَا حُسْنٍ والخِطاب لِلْيَهُودِ أَي اصْدُقوا فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَحمد بْنِ يَحْيَى أَنه قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَصحابنا اخْترْنا حَسَناً لأَنه يُرِيدُ قَوْلًا حَسَناً، قَالَ: والأُخرى مَصْدَرُ حَسُنَ يَحسُن حُسْناً، قَالَ: وَنَحْنُ نَذْهَبُ إِلى أَن الحَسَن شيءٌ مِنَ الحُسْن، والحُسْن شيءٌ مِنَ الْكُلِّ، وَيَجُوزُ هَذَا وَهَذَا، قَالَ: واخْتار أَبو حَاتِمٍ حُسْناً، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ قرأَ حُسْناً بِالتَّنْوِينِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحدهما وَقُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا ذَا حُسْنٍ، قَالَ: وَزَعَمَ الأَخفش أَنه يَجُوزُ أَن يَكُونَ حُسْناً فِي مَعْنَى حَسَناً، قَالَ: وَمَنْ قرأَ حُسْنى فَهُوَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ أَن يقرأَ بِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
؛ فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ فَقَالَ: الحُسْنَيان الموتُ أَو الغَلَبة، يَعْنِي الظفَر أَو الشَّهَادَةُ، وأَنَّثَهُما لأَنه أَراد الخَصْلتَين، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ
؛ أَي بِاسْتِقَامَةٍ وسُلوك الطَّرِيقِ الَّذِي درَج السَّابِقُونَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
؛ يَعْنِي إِبراهيم، صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ، آتَيناه لِسانَ صِدْقٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
؛ الصلواتُ الْخَمْسُ تكفِّر مَا بَيْنَهَا. والحَسَنةُ: ضدُّ السيِّئة. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
؛ وَالْجَمْعُ حَسَنات وَلَا يُكسَّر. والمَحاسنُ فِي الأَعمال: ضدُّ المَساوي. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*
؛ الَّذِينَ يُحْسِنون التأْويلَ. وَيُقَالُ: إِنه كَانَ يَنْصر الضَّعِيفَ ويُعين الْمَظْلُومَ ويَعُود الْمَرِيضَ، فَذَلِكَ إِحْسانه. وقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ*
؛ أَي يَدْفَعُونَ بِالْكَلَامِ الحَسَن مَا وردَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَيِءِ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبو إِسحق فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
؛ قَالَ: يَكُونَ تَمَامًا عَلَى المُحْسِن، الْمَعْنَى تَمَامًا مِنَ اللَّهِ عَلَى المُحْسِنين، وَيَكُونُ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَن عَلَى الَّذِي أَحْسَنه مُوسَى مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ واتِّباع أَمره، وَقَالَ: يُجْعل الَّذِي فِي مَعْنَى مَا يُرِيدُ تَمَامًا عَلَى مَا أَحْسَنَ مُوسَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ*
؛ قِيلَ: هُوَ أَن يأْخذَ مِنْ مَالِهِ مَا سَتَرَ عَوْرَتَه وسَدَّ جَوعَتَه. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
؛ فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَتَّبع الرَّسُولَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
؛ أَحْسَنَ يَعْنِي حَسَّنَ، يَقُولُ حَسَّنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ، نَصَبَ خلقَه عَلَى الْبَدَلِ، وَمَنْ قرأَ خَلَقه فَهُوَ فِعْلٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
، تأْنيث الأَحسن. يُقَالُ: الِاسْمُ الأَحْسَن والأَسماء الحُسْنى؛ وَلَوْ قِيلَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الحُسْن لَجاز؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى؛ لأَن الْجَمَاعَةَ مؤَنثة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
؛ أَي يَفْعَلُ بِهِمَا مَا يَحْسُنُ حُسْناً. وقوله تعالى: اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
؛ أَي اتَّبعوا الْقُرْآنَ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
؛ أَي نِعْمةً، وَيُقَالُ حُظوظاً حسَنة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
، أَي نِعْمة، وَقَوْلُهُ: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
، أَي غَنيمة وخِصب،
__________
(1). قوله [والجمع الحسنيات] عبارة ابن سيدة بعد أن ساق جميع ما تقدم: وقيل الحسنى العاقبة والجمع إلخ فهو راجع لقوله وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
(13/116)

وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ، أَي مَحْلٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
؛ أَي يَعْمَلُوا بحَسَنِها، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ نَحْوَ مَا أَمَرنا بِهِ مِنَ الِانْتِصَارِ بَعْدَ الظُّلْمِ، والصبرُ أَحسَنُ مِنَ القِصاص والعَفْوُ أَحسَنُ. والمَحاسِنُ: الْمَوَاضِعُ الحسَنة مِنَ البَدن. يُقَالُ: فُلَانَةٌ كَثِيرَةُ المَحاسِن؛ قَالَ الأَزهري: لَا تَكَادُ الْعَرَبُ توحِّد المَحاسِن، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا مَحْسَن؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَيْسَ هَذَا بالقويِّ وَلَا بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ، إِنما المَحاسِنُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ جمعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِذا نسبْتَ إِلى مَحَاسِنٍ قُلْتَ مَحاسِنيّ، فَلَوْ كَانَ لَهُ وَاحِدٌ لرَدَّه إِليه فِي النَّسَبِ، وإِنما يُقَالُ إِن واحدَه حَسَن عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَمِثْلُهُ المَفاقِر والمَشابِه والمَلامِح وَاللَّيَالِي. وَوَجْهٌ مُحَسَّن: حَسَنٌ، وحسَّنه اللَّهُ، لَيْسَ مِنْ بَابِ مُدَرْهَم ومفؤود كَمَا ذَهَبَ إِليه بَعْضُهُمْ فِيمَا ذُكِر. وطَعامٌ مَحْسَنةٌ لِلْجِسْمِ، بِالْفَتْحِ: يَحْسُن بِهِ. والإِحْسانُ: ضدُّ الإِساءة. وَرَجُلٌ مُحْسِن ومِحسان؛ الأَخيرة عَنْ سِيبَوَيْهِ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ مَا أَحسَنَه؛ أَبو الْحَسَنِ: يَعْنِي منْ هَذِهِ، لأَن هَذِهِ الصِّيغَةَ قَدِ اقْتَضَتْ عِنْدَهُ التَّكْثِيرَ فأَغْنَتْ عَنْ صِيغَةِ التَّعَجُّبِ. وَيُقَالُ: أَحْسِنْ يَا هَذَا فإِنك مِحْسانٌ أَي لَا تَزَالُ مُحْسِناً.
وَفَسَّرَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الإِحسانَ حِينَ سأَله جِبْرِيلُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، فَقَالَ: هُوَ أَن تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنه يَراك
، وَهُوَ تأْويلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
؛ وأَراد بالإِحسان الإِخْلاص، وَهُوَ شرطٌ فِي صِحَّةِ الإِيمان والإِسلام مَعًا، وَذَلِكَ أَن مَنْ تلفَّظ بِالْكَلِمَةِ وَجَاءَ بِالْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ إِخْلاص لَمْ يَكُنْ مُحْسِناً، وإِن كَانَ إِيمانُه صَحِيحًا، وَقِيلَ: أَراد بالإِحسان الإِشارةَ إِلى المُراقبة وحُسْن الطَّاعَةِ، فَإِنَّ مَنْ راقَبَ اللهَ أَحسَن عمَله، وَقَدْ أَشار إِليه فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ:
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنه يَرَاكَ
، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
؛ أَي مَا جزاءُ مَنْ أَحْسَن فِي الدُّنيا إِلا أَن يُحْسَنَ إِليه فِي الْآخِرَةِ. وأَحسَنَ بِهِ الظنَّ: نقيضُ أَساءَه، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِحسان والإِنعام أَن الإِحسانَ يَكُونُ لنفسِ الإِنسان وَلِغَيْرِهِ، تَقُولُ: أَحْسَنْتُ إِلى نَفْسِي، والإِنعامُ لَا يَكُونُ إِلا لِغَيْرِهِ. وكتابُ التَّحاسين: خِلَافُ المَشْق، ونحوُ هَذَا يُجْعَل مَصْدَرًا ثُمَّ يُجْمَعُ كالتَّكاذِيب والتَّكاليف، وَلَيْسَ الجمعُ فِي الْمَصْدَرِ بفاشٍ، وَلَكِنَّهُمْ يُجْرُون بَعْضَهُ مُجْرى الأَسماء ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ. والتَّحاسينُ: جمعُ التَّحْسِين، اسْمٌ بُنِيَ عَلَى تَفْعيل، ومثلُه تَكاليفُ الأُمور، وتَقاصيبُ الشَّعَرِ مَا جَعُدَ مِنْ ذَوائِبه. وَهُوَ يُحْسِنُ الشيءَ أَي يَعْمَله، ويَسْتَحْسِنُ الشيءَ أَي يَعُدُّه حَسَناً. وَيُقَالُ: إِني أُحاسِنُ بِكَ الناسَ. وَفِي النَّوَادِرِ: حُسَيْناؤُه أَن يَفْعَلَ كَذَا، وحُسَيْناه مِثْلُه، وَكَذَلِكَ غُنَيْماؤه وحُمَيْداؤه أَي جُهْدُه وغايتُه. وحَسَّان: اسْمُ رَجُلٍ، إِن جَعَلْتَهُ فعَّالًا مِنَ الحُسْنِ أَجْرَيْتَه، وإِن جَعَلْتَه فَعْلَانَ مِنَ الحَسِّ وَهُوَ القَتْل أَو الحِسِّ بِالشَّيْءِ لَمْ تُجْرِه؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنه مِنَ الحِسِّ أَو مِنَ الحَسِّ، وَقَالَ: ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنه فَعَّالٌ مِنَ الحُسْنِ، قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وتصغيرُ فعَّالٍ حُسَيْسِين، وتصغيرُ فَعْلانَ حُسَيْسان. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَسَنٌ وحُسَيْن يقالانِ بِاللَّامِ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى إِرادة الصِّفَةِ، وَقَالَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَما الَّذِينَ قَالُوا الحَسَن، فِي اسْمِ الرَّجُلِ، فَإِنَّمَا أَرادوا أَن يَجْعَلُوا الرجلَ هُوَ الشيءَ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَجْعلوه سُمِّيَ بِذَلِكَ،
(13/117)

وَلَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ كأَنه وصفٌ لَهُ غَلَب عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ حَسَن فَلَمْ يُدْخِل فِيهِ الأَلفَ واللامَ فَهُوَ يُجْريه مُجْرَى زيدٍ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي ليلةٍ ظَلْماءَ حِنْدِسٍ وعندَه الحَسَنُ والحُسَيْنُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فسَمِعَ تَوَلْوُلَ فاطمةَ، رضوانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَهِيَ تُنادِيهما: يَا حَسَنانِ يَا حُسَيْنانِ فَقَالَ: الْحَقا بأُمّكما
؛ غَلَّبَت أَحدَ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَمَا قَالُوا العُمَران لأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، والقَمَران لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَيَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ كَقَوْلِهِمُ الجَلَمانُ للجَلَم، والقَلَمانُ للمِقْلامِ، وَهُوَ المِقْراضُ، وَقَالَ: هَكَذَا رَوَى سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ، بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا جَمِيعًا، كأَنه جَعَلَ الِاسْمَيْنِ اسْمًا وَاحِدًا فأَعطاهما حَظَّ الِاسْمِ الْوَاحِدِ مِنَ الإِعراب. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ أَن فِي طيِء بَطْنَيْن يُقَالُ لَهُمَا الحسَن والحُسَيْن. والحَسَنُ: اسمُ رَمْلَةٍ لِبَنِي سَعْد؛ وَقَالَ الأَزهري: الحَسَنُ نَقاً فِي دِيَارِ بَنِي تَمِيمٍ مَعْرُوفٌ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ الحَسَنانُ، يُرِيدُ الحَسَنَ وَهُوَ هَذَا الرملُ بِعَيْنِهِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قُتِل بِهَذِهِ الرَّمْلَةِ أَبو الصَّهْباء بِسْطامُ بنُ قيْس بنِ خالدٍ الشَّيْبانيِّ، يَوْمَ النَّقَا، قتَله عاصِمُ بْنُ خَلِيفةَ الضَّبِّي، قَالَ: وهما جَبَلانِ أَو نَقَوانِ، يُقَالُ لأَحد هذين الجَبَلَيْن الحَسَن؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنَمة الضَّبّيّ فِي الحَسَن يَرْثِي بِسْطَامَ بنَ قَيْس:
لأُمِّ الأَرضِ وَيْلٌ مَا أَجَنَّتْ، ... بحيثُ أَضَرَّ بالحَسَنِ السَّبيلُ
. وَفِي حَدِيثِ
أَبي رَجاء العُطارِدِيِّ: وَقِيلَ لَهُ مَا تَذْكُر؟ فَقَالَ: أَذْكُرُ مَقْتَلَ بِسْطام بنِ قَيْسٍ على الحَسَنِ
؛ هو بِفَتْحَتَيْنِ: جَبَل مَعْرُوفٌ مِنْ رَمْلٍ، وَكَانَ أَبو رَجَاءٍ قَدْ عُمِّر مِائَةً وثمانِياً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وإِذا ثُنِّيَتْ قُلْتَ الحَسَنانِ؛ وأَنشد ابْنُ سِيدَهْ فِي الحَسَنين لشَمْعَلة بْنِ الأَخْضَر الضَّبِّيّ:
ويوْمَ شَقيقةِ الحَسَنَيْنِ لاقَتْ ... بَنُو شَيْبان آجَالًا قِصارا
شَكَكْنا بالأَسِنَّة، وهْيَ زُورٌ، ... صِماخَيْ كَبْشِهم حَتَّى اسْتَدارا
فَخَرَّ عَلَى الأَلاءةِ لَمْ يُوَسَّدْ، ... وَقَدْ كَانَ الدِّماءُ لَهُ خِمارا
قَوْلُهُ: وَهِيَ زُورٌ يَعْنِي الخيلَ، وأَنشد فِيهِ ابنُ بَرِّيٍّ لِجَرِيرٍ:
أَبَتْ عيْناكِ بالحَسَنِ الرُّقادا، ... وأَنْكَرْتَ الأَصادِقَ والبِلادا
وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ فِي حُسَيْن جَبَلٍ:
تَركْنَا، بالنَّواصِف مِنْ حُسَيْنٍ، ... نساءَ الحيِّ يَلْقُطْنَ الجُمانا.
فحُسَيْنٌ هَاهُنَا: جبلٌ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ أَحْسَنَ الرجلُ إِذا جَلَسَ عَلَى الحَسَنِ، وَهُوَ الكثيبُ النَّقِيّ الْعَالِي، قَالَ: وَبِهِ سُمِّيَ الْغُلَامُ حَسَناً. والحُسَيْنُ: الجبَلُ الْعَالِي، وَبِهِ سُمِّيَ الْغُلَامُ حُسَيْناً. والحَسَنانِ: جبلانِ، أَحدُهما بإِزاء الْآخَرِ. وحَسْنَى: مَوْضِعٌ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: إِذا ذكَر كُثيِّر غَيْقةَ فَمَعَهَا حَسْنَى، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إِنما هُوَ حِسْيٌ، وإِذا لَمْ يَذْكُرْ غيْقةَ فحِسْمَى. وَحَكَى الأَزهري عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ: الحَسَنُ شَجَرُ الأَلاء مُصْطفّاً بكَثيب رمْلٍ، فالحسَنُ هُوَ الشجرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحُسْنِه ونُسِبَ الكثيبُ إِليه فَقِيلَ نَقا الحَسَنِ، وَقِيلَ: الحَسَنةُ جبلٌ أَمْلَسُ شاهقٌ لَيْسَ بِهِ صَدْعٌ، والحَسَنُ جمعُه؛ قَالَ أَبو صعْتَرة البَوْلانِيُّ:
(13/118)

فَمَا نُطْفةٌ مِنْ حَبِّ مُزْنٍ تَقاذَفَتْ ... بِهِ حَسَنُ الجُودِيّ، والليلُ دامِسُ
. وَيُرْوَى: بِهِ جَنْبَتا الجُودِيِّ، والجودِيُّ وادٍ، وأَعلاه بأَجَأَ فِي شواهِقها، وأَسفلُه أَباطحُ سهلةٌ، ويُسَمِّي الحَسَنةَ أَهلُ الْحِجَازِ المَلقَة.
حشن: الحَشَنُ: الوسَخُ؛ قَالَ:
بِرُغَثاوَيْهِ مُبِيناً حَشَنُه
والحَشَنُ أَيضاً: اللَّزِجُ مِنْ دَسَمِ البدَنِ، وَقِيلَ: هُوَ الوسخُ الَّذِي يتَراكَبُ فِي دَاخِلِ الوَطْبِ، وَقَدْ حشِنَ السِّقَاءُ يَحْشَنُ حَشَناً، فَهُوَ حَشِنٌ: أَنْتَنَ، وأَحْشَنْتُه أَنا إِحْشاناً إِذا أَكْثَرْتَ استِعْمالَه بِحَقْنِ اللَّبَنِ فِيهِ، وَلَمْ تَتَعَهَّدْه بالغَسْل، وَلَا بِمَا يُنَظِّفُه مِنَ الوَضَر والدَّرَن، فأَرْوَحَ وتغيَّر باطنُه ولَزِق بِهِ وَسَخُ اللَّبَنِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وإِن أَتاها ذُو فِلاقٍ وحَشَنْ، ... تُعارِض الكَلْبَ، إِذا الكلبُ رَشَنْ.
يَعْنِي وَطْباً تَفَلَّقَ لبنُه ووَسِخَ فَمُه. وحُشِنَ عَنِ الوطبِ: كَثُر وَسَخُ اللَّبن عَلَيْهِ فقُشِر عَنْهُ؛ هَذِهِ رِوَايَةُ ثَعْلَبٍ، وأَما ابْنُ الأَعرابي فَرَوَاهُ: حُشِرَ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهان: مِنْ حِشَانةٍ
أَي سِقاءٍ مُتغيِّر الرِّيحِ. والحِشْنةُ: الحِقْدُ؛ أَنشد الأُمَوِيّ:
أَلا لَا أَرَى ذَا حِشْنةٍ فِي فؤادِه ... يُجَمْجِمُها، إِلَّا سيَبْدُو دَفينُها
. وَقَالَ شَمِرٌ: وَلَا أَعرف الحِشْنةَ، قَالَ: وأُراه مأْخوذاً مِنْ حَشِنَ السِّقاء إِذا لَزِق بِهِ وَضَرُ اللبَنِ. والمُحْشَئنُّ: الغَضْبان، وَالْخَاءُ لُغَةٌ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: والتَّحَشُّن الِاكْتِسَابُ؛ وأَنشد لأَبِي مَسْلَمَة المُحاربيِّ:
تَحشّنْتُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ لَعَلَّنِي ... بعاقبةٍ أُغْني الضعيفَ الحَزَوَّرا
. قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ التَّحَشُّنُ التوسُّخ. والحَشَنُ الوسَخُ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي هَذَا الْفَصْلِ. وَفِي الْحَدِيثِ ذكرُ حُشَّانٍ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ، أُطُمٌ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ عَلَى طريقِ قُبورِ الشُّهداء.
حصن: حَصُنَ المكانُ يَحْصُنُ حَصانةً، فَهُوَ حَصِين: مَنُع، وأَحْصَنَه صاحبُه وحَصَّنه. والحِصْنُ: كلُّ مَوْضِعٍ حَصِين لَا يُوصَل إِلى مَا فِي جَوْفِه، وَالْجَمْعُ حُصونٌ. وحِصْنٌ حَصِينٌ: مِنَ الحَصانة. وحَصَّنْتُ الْقَرْيَةَ إِذا بنيتَ حولَها، وتَحَصَّنَ العَدُوُّ. وَفِي حَدِيثِ
الأَشعث: تَحَصَّنَ فِي مِحْصَنٍ
«2». المِحْصَنُ: القصرُ والحِصْنُ. وتَحَصَّنَ إِذا دَخَلَ الحِصْنَ واحْتَمى بِهِ. ودرْعٌ حَصِين وحَصِينة: مُحْكمَة؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
همُ كَانُوا اليَدَ اليُمْنى، وَكَانُوا ... قِوامَ الظَّهْرِ والدِّرعَ الحَصِينا.
وَيُرْوَى: اليدَ العُلْيا، وَيُرْوَى: الوُثْقَى؛ قَالَ الأَعشى:
وكلُّ دِلاصٍ، كالأَضاةِ، حَصِينةٍ، ... تَرَى فَضْلَها عَنْ رَبِّها يَتَذَبْذَبُ «3»
. وَقَالَ شَمِرٌ: الحَصِينة مِنَ الدُّرُوعِ الأَمينة المُتدانية الحِلَق الَّتِي لَا يَحِيكُ فِيهَا السِّلاح؛ قَالَ عَنْترة العَبْسيُّ:
فَلَقَّى أَلَّتي بَدَناً حَصِيناً، ... وعَطْعَطَ مَا أَعَدَّ مِنَ السِّهام
. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ دَاوُدُ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ
__________
(2). قوله [في محصن] كذا ضبط في الأَصل، وقال شارح القاموس كمنبر، والذي في بعض نسخ النهاية كمقعد
(3). قوله [عن ربها] كذا في الأَصل، وفي التهذيب والمحكم عن ريعها
(13/119)

وَالسَّلَامُ: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
؛ قَالَ الْفَرَّاءُ:
قُرئ لِيُحْصِنَكم
ولِتُحْصِنَكم
وَلِنُحَصِّنَكُمْ
، فَمَنْ قرأَ ليُحْصِنكم فَالتَّذْكِيرُ لِلَّبُوس، وَمَنْ قرأَ لتُحْصِنَكم ذَهَبَ إِلى الصَّنْعَةِ، وإِن شِئْتَ جَعَلْتَهُ لِلدِّرْعِ لأَنها هِيَ اللبوسُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَمَعْنَى ليُحْصِنَكم لِيَمْنَعَكُمْ ويُحْرِزَكم، وَمَنْ قرأَ لِنُحْصِنَكم، بِالنُّونِ، فَمَعْنَى لنُحْصِنَكم نحنُ، الفعلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وامرأَة حَصانٌ، بِفَتْحِ الْحَاءِ: عَفِيفَةٌ بَيِّنة الحَصانةِ والحُصْنِ ومتزوّجَةٌ أَيضاً مِنْ نِسْوَةٍ حُصُنٍ وحَصاناتٍ، وحاصِنٌ مِنْ نِسْوَةٍ حَواصِنَ وحاصِنات، وَقَدْ حَصُنَت تَحْصُنُ حِصْناً وحُصْناً وحَصْناً إِذا عَفَّتْ عَنِ الرِّيبة، فَهِيَ حَصانٌ؛ أَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
الحُصْنُ أَدْنى، لَوْ تآيَيْتهِ، ... مِنْ حَثْيِكِ التُّرْبَ عَلَى الرَّاكِبِ
. وحَصَّنَت المرأَةُ نفسَها وتَحَصَّنَتْ وأَحْصَنَها وحَصَّنها وأَحْصَنَت نَفْسَهَا. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
. وَقَالَ شَمِرٌ: امرأَة حَصانٌ وحاصِنٌ وَهِيَ الْعَفِيفَةُ، وأَنشد:
وحاصِن منْ حاصِنات مُلْسِ ... مِنَ الأَذَى، وَمِنْ قِرافِ الوَقْسِ
. وَفِي الصِّحَاحِ: فَهِيَ حاصِنٌ وحَصانٌ وحَصْناء أَيضاً بَيِّنة الحَصانةِ. والمُحْصَنةُ: الَّتِي أَحصنها زَوْجُهَا، وَهُنَّ المُحْصَنات، فَالْمَعْنَى أَنهن أُحْصِنَّ بأَزْواجِهنَّ. والمُحْصَنات: العَفائِفُ مِنَ النِّسَاءِ. وَرَوَى الأَزهري عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ: كلامُ الْعَرَبِ كلُّه عَلَى أَفْعَلَ فَهُوَ مُفْعِل إِلا ثَلَاثَةَ أَحرف: أَحْصَنَ فَهُوَ مُحْصَنٌ، وأَلْفَجَ فَهُوَ مُلْفَجٌ، وأَسْهَبَ فِي كلامِهِ فَهُوَ مُسْهَب؛ زَادَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَسْهَمَ فَهُوَ مُسْهَم. وَفِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الإِحْصان والمُحْصَناتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وأَصل الإِحْصانِ المنعُ، والمرأَة تَكُونُ مُحْصَنة بالإِسلام والعَفافِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّزْوِيجِ. يُقَالُ: أَحْصَنَت المرأَة، فَهِيَ مُحْصَنة ومُحْصِنَة، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ. والمُحْصَنُ، بِالْفَتْحِ: يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ؛ وَفِي شِعْرِ حسَّان يُثْني عَلَى عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
حَصَانٌ رَازانٌ مَا تُزَنُّ بِريبةٍ، ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافِل
. وكلُّ امرأَةٍ عفيفةٍ مُحْصَنةٌ ومُحْصِنَةٌ، وكلُّ امرأَة متزوِّجة مُحْصَنةٌ، بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ؛ وَقَالَ:
أَحْصَنُوا أُمَّهُمُ مِنْ عَبْدِهم، ... تِلْكَ أَفْعالُ القِزام الوَكَعهْ
أَي زَوَّجُوا. والوَكَعة: جَمْعُ أَوْكَعَ. يُقَالُ: عبدٌ أَوْكَعُ، وَكَانَ قياسُهُ وُكع، فشُبِّه بفاعِل فجُمِع جَمْعَه، كَمَا قَالُوا أَعْزَل وعُزَّل كأَنه جَمْعُ عازِل؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: أَجمع القرَّاء عَلَى نَصْبِ الصَّادِ فِي الْحَرْفِ الأَول مِنَ النِّسَاءِ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي فَتْحِ هَذِهِ لأَن تأْويلها ذَوَاتُ الأَزواج يُسْبَيْنَ فيُحِلُّهنَّ السِّباء لِمَنْ وطِئها مِنَ المالِكين لَهَا، وَتَنْقَطِعُ العِصْمةُ بينهنَّ وَبَيْنَ أَزواجهن بأَن يَحِضْنَ حَيْضَةً ويَطْهُرْنَ مِنْهَا، فأَما سِوَى الْحَرْفِ الأَول فالقُرَّاءُ مُخْتَلِفُونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الصَّادَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا، فمَنْ نَصَبَ ذَهَبَ إِلى ذَوَاتِ الأَزواج اللَّاتِي قَدْ أَحْصَنَهُنَّ أَزواجُهن، ومَنْ كسَر ذهبَ إِلى أَنهن أَسْلَمْنَ فأَحْصَنَّ أَنفسهن فهنَّ مُحْصِنات. قَالَ الْفَرَّاءُ: والمُحْصَنات مِنَ النِّسَاءِ، بِنَصْب الصَّادِ، أَكثر فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وأَحْصَنَتْ المرأَةُ: عَفَّت، وأَحْصَنَها زَوْجُها، فَهِيَ مُحْصَنة ومُحْصِنة. وَرَجُلٌ مُحْصَنٌ: متزوِّج،
(13/120)

وَقَدْ أَحْصَنَه التزوّجُ. وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي: أَحْصَنَ الرجلُ تزوجَ، فَهُوَ مُحصَن، بِفَتْحِ الصَّادِ فِيهِمَا نَادِرٌ. قَالَ الأَزهري: وأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
؛ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قرأَ:
فَإِذَا أَحْصَنَ
، وَقَالَ: إِحْصانُ الأَمةِ إِسلامُها، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: فَإِذا أُحْصِنَ
، عَلَى مَا لَمْ يسمَّ فَاعِلُهُ، وَيُفَسِّرُهُ:
فإِذا أُحْصِنَّ بِزَوْجٍ
، وَكَانَ لَا يرَى عَلَى الأَمة حَدًّا مَا لَمْ تُزَوَّجْ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى عَلَيْهَا نِصْفَ حَدِّ الحرَّة إِذا أَسلمت وإِن لَمْ تُزَوَّجْ، وَبِقَوْلِهِ يقولُ فُقَهَاءُ الأَمصار، وَهُوَ الصَّوَابُ. وقرأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وأَبو عَمْرٍو وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: فَإِذا أُحْصِنَ
، بِضَمِّ الأَلف، وقرأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ مثلَه، وأَما أَبو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ فَقَدْ فَتَحَ الأَلف، وقرأَ حمزة والكسائي
فإِذا أُحْصَنَ
، بِفَتْحِ الأَلف، وقالَ شَمِرٌ: أَصلُ الحَصانةِ المنعُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَدِينةَ حَصينة ودِرْعٌ حَصِينة؛ وأَنشد يُونُسُ:
زَوْجٌ حَصَانٌ حُصْنُها لَمْ يُعْقَم
. وَقَالَ: حُصْنُها تَحْصِينُها نفسَها. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ*
؛ قَالَ: مُتَزَوِّجين غَيْرَ زُناةٍ، قَالَ: والإِحْصانُ إِحْصانُ الْفَرْجِ وَهُوَ إِعْفافُه؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَحْصَنَتْ فَرْجَها*
؛ أَي أَعفَّتْه. قَالَ الأَزهري: والأَمة إِذا زُوِّجَتْ جازَ أَن يُقَالَ قَدْ أُحْصِنَت لأَن تَزْوِيجَهَا قَدْ أَحْصَنَها، وَكَذَلِكَ إِذا أُعْتِقَتْ فَهِيَ مُحْصَنة، لأَن عِتْقَها قَدْ أَعَفَّها، وَكَذَلِكَ إِذا أَسْلَمت فإِن إِسْلامَها إِحْصانٌ لَهَا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَالُوا بناءٌ حَصِينٌ وامرأَة حَصَان، فَرقوا بَيْنَ البِنَاء والمرأَةِ حِينَ أَرادُوا أَن يُخْبِرُوا أَن الْبِنَاءَ مُحْرِز لِمَنْ لجأَ إِليه، وأَن المرأَة مُحْرِزة لفَرْجها. والحِصَانُ: الفحلُ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْجَمْعُ حُصُنٌ. قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَوْلُهُمْ فرَسٌ حِصانٌ بَيِّنُ التحصُّن هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصانةِ لأَنه مُحْرِز لِفَارِسِهِ، كَمَا قَالُوا فِي الأُنثى حِجْر، وَهُوَ مَنْ حَجَر عَلَيْهِ أَي مَنَعَهُ. وتَحَصَّنَ الفَرسُ: صارَ حِصاناً. وَقَالَ الأَزهري: تَحَصَّنَ إِذا تَكَلَّف ذَلِكَ، وخَيْلُ الْعَرَبِ حُصونها. قَالَ الأَزهري: وهُمْ إِلى الْيَوْمِ يُسَمُّونها حُصوناً ذُكورَها وإِناثَها، وَسُئِلَ بَعْضُ الحُكَّام عَنْ رجلٍ جَعَلَ مَالًا لَهُ فِي الحُصونِ فَقَالَ: اشْتَرُوا خَيْلًا واحْمِلوا عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ ذَهَبَ إِلى قَوْلِ الْجُعْفِيِّ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ عَلَى تَوَقِّي الرَّدَى ... أَن الحُصونَ الخَيْلُ، لَا مَدَرُ القُرى
. وَقِيلَ: سُمِّيَ الفرسُ حِصاناً لأَنه ضُنَّ بِمَائِهِ فَلَمْ يُنْزَ إِلا عَلَى كَرِيمَةٍ، ثُمَّ كثُر ذَلِكَ حَتَّى سَمَّوا كلَّ ذَكَر مِنَ الْخَيْلِ حِصاناً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السِّلاحَ كلَّه حِصْناً؛ وَجَعَلَ ساعِدةُ الْهُذَلِيُّ النّصالَ أَحْصِنة فَقَالَ:
وأَحْصِنةٌ ثُجْرُ الظُّباتِ كأَنَّها، ... إِذا لَمْ يُغَيِّبْها الجفيرُ، جَحِيمُ
. الثُّجْرُ: العراضُ، وَيُرْوَى: وأَحصَنه ثجرُ الظُّبَاتِ أَي أَحْرَزَه؛ وَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
وَمَا أَدْرِي، وسَوْفَ إِخالُ أَدْرِي، ... أَقومٌ آلُ حِصْنٍ أَم نِساءُ
يُرِيدُ حِصْنَ بنَ حُذَيْفَةَ الفزاريَّ. والحَواصِنُ مِنَ النِّسَاءِ: الحَبالى؛ قَالَ:
تُبِيل الحَواصِنُ أَبْوالَها
والمِحْصَنُ «4».: القُفْلُ. والمِحْصَنُ أَيضاً: المِكْتلةُ
__________
(4). زاد في المحكم: وأَحصنت المرأَة حملت وكذلك الأَتان، قال رؤبة:
قد أَحصنت مثل دعاميص الرفق ... أَجنة في مستكنات الحلق
عدّاه لما كان معناه حملت، والمحصن القفل إِلخ
(13/121)

الَّتِي هِيَ الزَّبيلُ، وَلَا يُقَالُ مِحْصَنة. والحِصْنُ: الهِلالُ. وحُصَيْنٌ: مَوْضِعٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
أَقول، إِذا مَا أَقلعَ الغَيْثُ عَنْهُمُ: ... أَمَا عَيْشُنا يومَ الحُصَيْن بِعَائِدِ؟
والثعلبُ يُكْنى أَبا الحِصْنِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَبو الحُصَيْن كُنْيَةُ الثَّعْلَبِ؛ أَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
لِلَّهِ دَرُّ أَبي الحُصَيْنِ لقدْ بَدَتْ ... مِنْهُ مَكايِدُ حُوَّلِيٍّ قُلَّبِ
. قَالَ: وَيُقَالُ لَهُ أَبو الهِجْرِس وأَبو الحِنْبِص. والحِصْنانِ: موضعٌ، النَّسَبُ إِليه حِصْنيٌّ كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ إِعرابين، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ النُّونَيْنِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وحِصْنانِ بَلَدٌ. قَالَ اليَزِيديُّ: سأَلني والكسائيَّ المهديُّ عَنِ النِّسْبة إِلى الْبَحْرِينِ وإِلى حِصْنَين لِمَ قَالُوا حِصْنِيٌّ وبَحْرانِيٌّ فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَرِهُوا أَن يَقُولُوا حِصْنانيٌّ لِاجْتِمَاعِ النُّونَيْنِ، وقلتُ أَنا: كَرِهُوا أَن يَقُولُوا بَحْرِيٌّ فيُشْبه النِّسبةَ إِلى البَحْر. وَبَنُو حِصْنٍ: حَيٌّ. والحِصْنُ: ثَعْلبة بْنِ عُكابَة وتَيْم اللاتِ وذُهْل. ومِحْصَن: اسمٌ. ودارةُ مِحْصَن: موضعٌ؛ عَنْ كُرَاعٍ. وحُصَيْنٌ: أَبو الرَّاعِي عُبَيْدُ بنُ حُصَيْنٍ النُّمَيْريّ الشَّاعِرُ. وَقَدْ سمَّت العربُ حِصْناً وحَصِيناً.
حضن: الحِضْنُ: مَا دُونُ الإِبْط إِلى الكَشح، وَقِيلَ: هُوَ الصَّدْرُ والعَضُدان وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالْجَمْعُ أَحْضانٌ؛ وَمِنْهُ الاحْتِضانُ، وَهُوَ احتمالُك الشيءَ وجعلُه فِي حِضْنِك كَمَا تَحْتَضِنُ المرأَةُ وَلَدَهَا فَتَحْتَمِلُهُ فِي أَحد شِقَّيْها. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه خَرَجَ مُحْتَضِناً أَحَدَ ابْنَي ابْنَتِه
أَي حامِلًا لَهُ فِي حِضْنه. والحِضْنُ: الجَنْبُ، وَهُمَا حِضْنانِ. وَفِي حَدِيثِ
أُسيدِ بْنِ حُضَير: أَنه قَالَ لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيل اخْرُجْ بِذِمَّتِك لِئَلَّا أُنْفِذَ حِضْنَيْك.
والمُحْتَضَنُ: الحِضْنُ؛ قَالَ الأَعشى:
عَرِيضة بُوصٍ، إِذا أَدْبَرَتْ، ... هَضِيم الحَشا، شَخْتة المُحْتَضَنْ
البُوصُ: العَجُزُ. وحِضْنُ الضبُع: وِجارُه؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
كَمَا خَامَرَتْ فِي حِضْنِها أُمُّ عامِرٍ، ... لَدَى الحَبْلِ، حَتَّى غالَ أَوْسٌ عِيالَها
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حِضْنُها الموضعُ الَّذِي تُصاد فِيهِ، ولَدى الحَبْل أَي عِنْدِ الحَبْل الَّذِي تصادُ بِهِ، وَيُرْوَى: لِذِي الحَبْلِ أَي لِصَاحِبِ الحَبْل، وَيُرْوَى عالَ، بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، لأَنه يُحْكى أَن الضَّبُعَ إِذا ماتَتْ أَطْعَمَ الذِّئْبُ جِراءَها، ومَنْ رَوَى غالَ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، فَمَعْنَاهُ أَكَلَ جراءَها. وحَضَنَ الصبيَّ يَحْضُنُه حَضْناً وحَضانةً [حِضانةً] «1».: جَعَلَهُ فِي حِضْنِه وحِضْنا المَفازه: شِقَّاها، وَالْفَلَاةِ نَاحِيَتَاهَا؛ قَالَ:
أَجَزْتُ حِضْنَيْها هِبَلًّا وغْما
. وحِضْنا اللَّيْلِ: جَانِبَاهُ «2». وحِضْنُ الْجَبَلِ: مَا يُطيف بِهِ، وحِضْنُه وحُضْنُه أَيضاً: أَصْلُه. الأَزهري: حِضْنا الْجَبَلِ نَاحِيَتَاهُ. وحضْنا الرَّجُلِ: جَنْباه. وحِضْنا الشَّيْءِ: جَانِبَاهُ. وَنَوَاحِي كُلِّ شَيْءٍ أَحْضانُه. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وجهه: عَلَيْكُم
__________
(1). قوله [وحضانة] هو بفتح الحاء وكسرها كما في المصباح
(2). قوله [وحضنا الليل جانباه] زاد في المحكم: والجمع حضون؛ قال:
وأَزمعت رحلة ماضي الهموم ... أَطعن من ظلمات حضونا
. وحضن الجبل إِلخ
(13/122)

بالحِضْنَيْنِ
؛ يُرِيدُ بجَنْبَتَي العَسْكَر؛ وَفِي حَدِيثِ
سَطِيح:
كأَنَّما حَثْحَثَ مِنْ حِضْنَيْ ثَكَنْ.
وحَضَنَ الطائرُ أَيضاً بَيْضَه وَعَلَى بيضِه يَحْضُنُ حَضْناً وحِضانةً وحِضاناً وحُضوناً: رَجَنَ عَلَيْهِ للتَّفْرِيخِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَضَنَ الطائرُ بَيْضَه إِذا ضَمَّه إِلى نَفْسِهِ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ، وَكَذَلِكَ المرأَة إِذا حَضَنَتْ وَلَدَهَا. وحمامةٌ حاضِنٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ، وَاسْمُ الْمَكَانِ المِحْضَن «1». والمِحْضَنةُ: الْمَعْمُولَةُ لِلْحَمَامَةِ كالقَصْعة الرَّوْحاء مِنَ الطِّينِ. والحَضانةُ: مصدرُ الحاضِنِ وَالْحَاضِنَةِ. والمَحاضنُ: المواضعُ الَّتِي تَحْضُن فِيهَا الْحَمَامَةُ عَلَى بَيْضِهَا، والواحدُ مِحْضَن. وحضَنَ الصبيَّ يَحْضُنه حَضْناً: ربَّاه. والحاضِنُ والحاضِنةُ: المُوَكَّلانِ بالصبيِّ يَحْفَظانِهِ ويُرَبِّيانه. وَفِي حَدِيثِ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: عَجِبْتُ لقومٍ طلَبُوا الْعِلْمَ حَتَّى إِذا نَالُوا مِنْهُ صارُوا حُضّاناً لأَبْناء المُلوكِ
أَي مُرَبِّينَ وكافِلينَ، وحُضّانٌ: جمعُ حاضِنٍ لأَن المُرَبِّي والكافِلَ يَضُمُّ الطِّفْلَ إِلى حِضْنِه، وَبِهِ سُمِّيَتِ الحاضنةُ، وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي الطفلَ. والحَضانة، بِالْفَتْحِ: فِعلُها. ونخلةٌ حاضِنةٌ: خَرَجَتْ كَبائِسُها وفارَقتْ كَوافيرَها وقَصُرَت عَراجينُها؛ حَكَى ذَلِكَ أَبو حَنِيفَةَ؛ وأَنشد لِحَبِيبٍ الْقُشَيْرِيِّ:
مِنْ كُلِّ بائنةٍ تُبِينُ عُذُوقَها ... عَنْهَا، وحاضِنة لَهَا مِيقار
. وَقَالَ كُرَاعٌ: الحاضِنةُ النخلةُ القصيرةُ العُذوقِ فَهِيَ بائِنة. اللَّيْثُ: احْتَجَنَ فلانٌ بأَمرٍ دُونِي واحْتَضَنَني مِنْهُ وحَضَنَني أَي أَخْرَجَني مِنْهُ فِي نَاحِيَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ
الأَنصارِ يَوْمَ السَّقيفة حَيْثُ أَرادوا أَن يَكُونَ لَهُمْ شركةٌ فِي الْخِلَافَةِ: فَقَالُوا لأَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتُريدونَ أَن تَحْضُنونا مِنْ هَذَا الأَمرِ
أَي تُخرِجونا. يُقَالُ: حَضَنْتُ الرجلَ عَنْ هَذَا الأَمر حَضْناً وحَضانةً إِذا نَحَّيْتَه عَنْهُ واسْتَبدَدْتَ بِهِ وَانْفَرَدْتَ بِهِ دُونَهُ كأَنه جعلَه فِي حِضْنٍ مِنْهُ أَي جانبٍ. وحَضَنْتُه عَنْ حَاجَتِهِ أَحْضُنه، بِالضَّمِّ، أَي حَبَسْتُه عَنْهَا، واحتَضَنته عَنْ كَذَا مِثْلَهُ، وَالِاسْمُ الحَضْنُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَضَنَ الرجلَ عن الأَمرِ يَحْضُنُه حَضْناً وحَضانةً واحْتَضَنه خَزَلَه دُونَهُ ومنَعَه مِنْهُ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
عُمَرَ أَيضاً يومَ أَتى سَقِيفةَ بَنِي سَاعِدَةَ للبَيْعة قَالَ: فَإِذَا إِخواننا مِنَ الأَنصار يُريدون أَن يَخْتَزِلوا الأَمرَ دونَنا ويَحْضُنونا عَنْهُ
؛ هَكَذَا رواه ابن جَبَلَةَ وعَليُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ أَبي عُبيد، بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، لأَن اللَّيْثَ جَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ للأَنصار، وَجَاءَ بِهِ أَبو عُبيد لعُمَر، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي دَارَ الحديثُ عَلَيْهَا. الْكِسَائِيُّ: حضَنْتُ فُلَانًا عَمَّا يُرِيد أَحْضُنُه حَضْناً وحَضانةً واحتَضَنْتُه إِذا منَعْتَه عَمَّا يُرِيدُ. قَالَ الأَزهري: قَالَ اللَّيْثَ يُقَالُ أَحْضَنَني مِنْ هَذَا الأَمر أَي أَخرَجني مِنْهُ، وَالصَّوَابُ حضَنَني. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ أَوْصَى فَقَالَ: وَلَا تُحْضَنُ زَيْنَبُ عَنْ ذَلِكَ
، يَعْنِي امرأَتَه، أَي لَا تُحْجَبُ عَنِ النظرِ فِي وصِيَّتِه وإِنْفاذِها، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا تُحْضَنُ لَا تُحْجَبُ عَنْهُ وَلَا يُقطَعُ أَمرٌ دُونها. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن امرأَة نُعَيْم أَتَتْ رسولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِن نُعَيْماً يُريدُ أَن يَحْضُنَني أَمرَ ابْنَتِي، فَقَالَ: لَا تَحْضُنْها وشاوِرْها.
وحَضَنَ عَنَّا هدِيَّتَه يَحْضُنها حَضْناً: كَفَّها وصَرَفها؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: حقيقتُه صَرَفَ معروفَه وهدِيَّته عَنْ جيرانِه ومعارِفه إِلى غَيْرِهِمْ، وَحُكِيَ: مَا حُضِنَت عَنْهُ المروءةُ إِلى غَيْرِهِ أَي مَا صُرِفَت.
__________
(1). قوله [واسم المكان المحضن] ضبط في الأَصل والمحكم كمنبر، وقال في القاموس: واسم المكان كمقعد ومنزل
(13/123)

وأَحْضَنَ بالرَّجُلِ إِحْضاناً وأَحضَنَه: أَزْرَى بِهِ. وأَحْضَنْتُ الرجلَ: أَبْذَيتُ بِهِ. والحِضانُ: أَن تَقْصُرَ إِحدى طُبْيَتَيِ العَنْزِ وتَطولَ الأُخرى جِدًّا، فَهِيَ حَضُونٌ بَيِّنة الحِضان، بِالْكَسْرِ. والحَضُون مِنَ الإِبلِ وَالْغَنَمِ وَالنِّسَاءِ: الشَّطُورُ، وَهِيَ الَّتِي أَحدُ خِلْفَيها أَو ثَدْيَيها أَكبرُ مِنَ الْآخَرِ، وَقَدْ حَضُنَت حِضاناً. والحَضونُ مِنَ الإِبلِ والمِعْزَى: الَّتِي قَدْ ذَهَبَ أَحدُ طُبْيَيها، والاسمُ الحِضانُ؛ هَذَا قَوْلُ أَبي عُبَيْدٍ، اسْتَعْمَلَ الطُّبْيَ مَكَانَ الخِلْف. والحِضانُ: أَن تكونَ إِحدى الخُصْيَتَينِ أَعظَمَ مِنَ الأُخرى، ورجلٌ حَضونٌ إِذا كَانَ كَذَلِكَ. والحَضون مِنَ الفروجِ: الَّذِي أَحدُ شُفْرَيه أَعظم مِنَ الْآخَرِ. وأَخذَ فلانٌ حقَّه عَلَى حَضْنِه أَي قَسْراً. والأَعنُزُ الحضَنِيَّةُ: ضرْبٌ شديدُ السوادِ، وضربٌ شديدُ الحُمْرة. قَالَ اللَّيْثُ: كأَنها نُسِبَت إِلى حَضَن، وَهُوَ جبَل بقُلَّةِ نجدٍ مَعْرُوفٌ؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ
عِمْرانَ بْنِ حُصَينٍ: لَأَنْ أَكونَ عَبْدًا حَبَشِيّاً فِي أَعنُزٍ حضَنِيّاتٍ أَرْعاهُنَّ حَتَّى يُدْرِكَني أَجَلي، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَن أَرميَ فِي أَحدِ الصَّفَّينِ بِسَهْمٍ، أَصبتُ أَم أَخطأْتُ.
والحَضَنُ: العاجُ، فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ. الأَزهري: الحضَنُ نابُ الفِيل؛ وَيُنْشَدُ فِي ذَلِكَ:
تبَسَّمَت عَنْ وَمِيضِ البَرْقِ كاشِرةً، ... وأَبرَزَتْ عَنْ هِجانِ اللَّوْنِ كالحَضَنِ
. وَيُقَالُ للأَثافيِّ: سُفْعٌ [حواضِنُ] أَي جَواثِم؛ وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وسُفْعٌ عَلَى مَا بينَهُنَّ حَواضِن
يَعْنِي الأَثافيَّ والرَّمادَ. وحَضَنٌ: اسمُ جَبَلٍ فِي أَعالي نَجْدٍ. وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ: أَنْجَدَ منْ رأَى حَضَناً أَي مَن عايَنَ هَذَا الجَبَلَ فَقَدْ دَخل فِي نَاحِيَةِ نجدٍ. وحَضَنٌ: قبيلةٌ؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ:
فَمَا جَمَّعْتَ مِنْ حَضَنٍ وعَمْروٍ، ... وَمَا حَضَنٌ وعَمروٌ والجِيادا «1»
. وحَضَنٌ: اسْمُ رَجُلٍ؛ قَالَ:
يَا حَضَنُ بنَ حَضَنٍ مَا تَبْغون
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وحُضَينٌ هُوَ الحُضَينُ بْنُ المُنذِرِ أَحد بَنِي عَمْرِو بْنِ شَيبان بْنِ ذُهْلٍ؛ وَقَالَ أَبو الْيَقْظَانِ: هُوَ حُضَيْنُ بْنُ المنذر بن الحرث بْنُ وَعلَة بْنِ المُجالِدِ بْنِ يَثْرَبيّ بْنِ رَيّان بْنُ الْحَرْثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ شَيبانَ بْنِ ذُهل أَحد بَنِي رَقَاشِ، وَكَانَ شَاعِرًا؛ وَهُوَ الْقَائِلُ لِابْنِهِ غَيّاظ:
وسُمِّيتَ غَيّاظاً، ولَستَ بغائِظٍ ... عَدُوّاً، ولكِنَّ الصَّدِيقَ تَغيظُ
عَدُوُّكَ مَسرورٌ، وَذُو الوُدِّ، بِالَّذِي ... يَرَى منكَ مِنْ غَيْظٍ، عليكَ كَظِيظُ.
وَكَانَتْ مَعَهُ رايةُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالبٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، يَوْمَ صِفِّينَ دَفَعَهَا إِليه وعُمْرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وَفِيهِ يَقُولُ:
لِمَنْ رايَةٌ سَوْداءُ يَخْفِقُ ظِلُّها، ... إِذا قِيلَ: قَدِّمْها حُضَينُ، تَقَدَّما؟
ويُورِدُها للطَّعْنِ حَتَّى يُزِيرَها ... حِياضَ المَنايا، تَقطُر الموتَ والدَّما.
حطن: التَّهْذِيبُ: أَهمله اللَّيْثُ. والحِطّانُ: التَّيْسُ، فإِن كَانَ فِعّالًا مِثْلَ كِذّابٍ مِنَ الكَذِب فَالنُّونُ أَصلية مِنْ حَطَنَ، وإِن جَعَلْتَهُ فِعْلاناً فَهُوَ مِنَ الحطِّ، وَاللَّهُ أَعلم.
__________
(1). قوله [فما جمعت] في المحكم: بما جمعت. وقوله: والجيادا، لعله نُصب على جعله إِياه مفعولًا معه
(13/124)

حفن: الحَفْنُ: أَخذُكَ الشيءَ بِرَاحَةِ كَفِّكَ والأَصابعُ مضمومةٌ، وَقَدْ حَفَنَ لَهُ بِيَدِهِ حَفْنةً. وحَفَنْتُ لِفُلَانٍ حَفْنَةً: أَعطيتُه قَلِيلًا، وملْءُ كلِّ كفٍّ حَفْنةٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ
أَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ الشَّفاعةِ: إِنما نَحْنُ حَفْنَةٌ مِنْ حَفَناتِ اللَّهِ
؛ أَراد إِنَّا عَلَى كَثرتِنا قليلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ كالحَفْنةِ أَي يَسِيرٌ بالإِضافة إِلى مُلْكِه وَرَحْمَتِهِ، وَهِيَ مِلْءُ الكَفِّ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ وَالتَّمْثِيلِ، تَعَالَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ التَّشْبِيهِ؛ وَهُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ:
حَثْية مِنْ حَثَياتِ رَبِّنا.
الْجَوْهَرِيُّ: الحَفْنةُ مِلْءُ الكَفَّين مِنْ طَعَامٍ. وحَفَنْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَرَفْتَه بكِلْتَا يَدَيْكَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الشَّيْءِ الْيَابِسِ كَالدَّقِيقِ وَنَحْوِهِ. وحَفَن الماءَ عَلَى رأْسه: أَلقاه بحَفْنَتِه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وحَفَنَ لَهُ مِنْ مَالِهِ حَفْنةً: أَعطاه إِيَّاهَا. وَرَجُلٌ مِحْفَنٌ: كَثِيرُ الحَفْنِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنَ الأَول وَمِنَ الثَّانِي. واحتَفَنَ الشيءَ: أَخذَه لِنَفْسِهِ. وَيُقَالُ: حَفَنَ لِلْقَوْمِ وحَفَا المالَ إِذَا أَعطى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَفْنةً وحَفْوَةً. واحْتَفَنَ الرجلَ احتِفاناً: اقْتَلَعه مِنَ الأَرض. والحُفْنةُ، بِالضَّمِّ: الحُفْرَةُ يَحْفِرُها السيلُ فِي الغَلْظِ فِي مَجرَى الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ الحُفْرَةُ أَينما كَانَتْ، وَالْجَمْعُ الحُفَنُ؛ وأَنشد شَمِرٌ:
هَلْ تَعْرِفُ الدارَ تعَفَّتْ بالحُفَنْ
. قَالَ: وَهِيَ قَلْتاتٌ يَحْتَفِرُهَا الْمَاءُ كَهَيْئَةِ البِرَك. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الحُفَنُ نُقَرٌ يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا، وَفِي أَسفلها حَصًى وترابٌ؛ قَالَ: وأَنشدني الإِياديُّ لِعَديِّ بْنِ الرِّقاعِ العامِليِّ:
بِكْر يُرَبِّثُها آثارُ مُنْبَعِقٍ، ... تَرَى بِهِ حُفَناً زُرْقاً وغُدْرانا
. وَكَانَ مِحْفَنٌ أَبا بَطْحاءَ، نُسِبَ إِلَيْهِ الدوابُّ البَطْحاوِيَّة. والحَفّانُ: فِراخُ النَّعَامِ، وَهُوَ مِنَ الْمُضَاعَفِ وَرُبَّمَا سَمَّوا صغارَ الإِبل حَفّاناً، وَالْوَاحِدَةُ حَفّانة لِلذَّكَرِ والأُنثى جَمِيعًا؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
والحَشْوُ مِنْ حَفّانِها كالحَنْظَلِ
وشاهدُه لفِراخِ النَّعَامِ قولُ الهُذَليِّ:
وإلَّا النَّعامَ وحَفَّانَه، ... وطُغْياً مَعَ اللَّهَقِ الناشِطِ
وبنو حُفَينٍ: بطن. وفي الحديث:
أَن المُقَوْقِسَ أَهدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مارِيَةَ من حَفْنٍ
؛ هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الفاء والنون، قرية من صعيد مصر، ولها ذكر في حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عليٍّ مع معاوية.
حفتن: حَفَيْتَنٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ كُثيِّر عَزَّةَ:
فَقَدْ فُتْنَني لمَّا وَرَدْنَ حَفَيْتَناً، ... وهُنَّ عَلَى ماءِ الحُراضَةِ أَبْعَدُ «2».
حقن: حَقَنَ الشَّيءَ يَحْقُنُه ويَحْقِنُه حَقْناً، فَهُوَ مَحْقُونٌ وحَقِينٌ: حَبَسه. وَفِي الْمَثَلِ: أَبَى الحَقِينُ العِذْرةَ أَي العُذْر، يُضْرَبُ مَثَلًا لِلرَّجُلِ يَعْتَذِر وَلَا عُذْرَ لَهُ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: أَصل ذَلِكَ أَن رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فاستَسْقاهم لَبَناً، وَعِنْدَهُمْ لبنٌ قَدْ حَقَنُوه فِي وَطْبٍ، فاعْتَلُّوا عَلَيْهِ واعْتَذَروا، فَقَالَ أَبَى الحَقينُ العِذْرةَ أَي أَن هَذَا الحقينَ يُكَذِّبُكم؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ فِي الحَقين للمُخبَّل:
وَفِي إبلٍ ستِّينَ حَسْبُ ظَعِينة، ... يَرُوحُ عَلَيْهَا مَخْضُها وحَقينُها
. وحَقَنَ اللبنَ فِي القِرْبة والماءَ فِي السِّقَاءِ كَذَلِكَ.
__________
(2). قوله [الحراضة] في ياقوت هو بالفتح ثم التخفيف ماء لجشم، وقد روي بالضم
(13/125)

وحقَنَ البَوْلَ يَحقُنُه ويَحْقِنُه: حَبَسه حَقْناً، وَلَا يُقَالُ أَحْقَنه وَلَا حَقَنَني هُوَ. وأَحْقَنَ الرجلُ إِذَا جَمَعَ أَنواع اللَّبَنِ حَتَّى يَطِيب. وأَحْقَنَ بولَه إِذَا حَبَسه. وبعيرٌ مِحْقانٌ: يَحْقِنُ البولَ، فَإِذَا بالَ أَكثرَ، وَقَدْ عَمَّ بِهِ الجوهريُّ فَقَالَ: والمِحْقانُ الَّذِي يَحْقِنُ بَوْلَهُ، فإِذا بالَ أَكثرَ مِنْهُ. واحْتَقَنَ المريضُ: احتبَسَ بَوْله. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا رأْيَ لحاقِبٍ وَلَا حاقِن
، فالحاقِنُ فِي الْبَوْلِ، والحاقِبُ فِي الْغَائِطِ، والحاقنُ الَّذِي لَهُ بولٌ شَدِيدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يُصَلِّيَنَّ أَحدُكم وَهُوَ حاقِنٌ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
وَهُوَ حَقِنٌ
، حَتَّى يتخفَّفَ الحاقِنُ والحَقِنُ سواءٌ. والحُقْنةُ: دواءٌ يُحْقَنُ بِهِ المريضُ المُحْتَقِنُ، واحْتَقَنَ المريضُ بالحُقْنةِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنه كَرِه الحُقْنةَ
؛ هِيَ أَن يُعطى المريضُ الدواءَ مِنْ أَسفلِه وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الأَطِبّاء. والحاقِنةُ: المَعِدة صِفَةٌ غَالِبَةٌ لأَنها تحْقِنُ الطعامَ. قَالَ الْمُفَضَّلُ: كلَّما مَلأْتَ شَيْئًا أَو دَسَسْتَه فِيهِ فَقَدْ حقَنْتَه؛ وَمِنْهُ سمِّيت الحُقْنة. والحاقِنةُ: مَا بَيْنَ التَّرْقُوة والعُنُق، وَقِيلَ: الحاقِنتانِ مَا بَيْنَ التَّرْقُوَتين وحَبْلَي العاتِق، وَفِي التَّهْذِيبِ: نُقْرَتا التَّرْقُوتين، وَالْجَمْعُ الحواقِنُ، وَفِي الصِّحَاحِ: الحاقِنةُ النُّقْرَةُ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَةِ وَحَبْلِ العاتِق، وَهُمَا حاقِنتان. وَفِي الْمَثَلِ: لأُلْزِقَنَّ حَواقِنَكَ بذَواقِنِك؛ حَواقِنُه: مَا حَقَن الطعامَ مِنْ بَطْنِه، وذواقِنُه: أَسفَل بَطْنه ورُكْبَتاه. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الحَواقِنُ مَا سَفُلَ مِنَ الْبَطْنِ، والذَّواقِنُ مَا عَلا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ الحاقِنَتان الهَزْمَتانِ تَحْتَ التَّرْقُوَتَيْنِ، وَقَالَ الأَزهري فِي هَذَا الْمَثَلِ: لأُلْحِقَنَّ حواقِنَك بذواقِنِك، وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ الأَعرابي الحاقِنةُ المَعِدة، والذاقِنةُ الذَّقَنُ، وَقِيلَ: الذاقِنةُ طَرَفُ الحُلْقوم. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: تُوفِّي رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيْنَ سَحْرِي ونَحْري، وَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي وَبَيْنَ شَجْري
، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّحْيَين. الأَزهري: الحاقِنةُ الوَهْدة الْمُنْخَفِضَةُ بَيْنَ التَّرْقُوتين مِنَ الحَلْق. ابْنُ الأَعرابي: الحَقْلَةُ والحَقْنةُ وجعٌ يَكُونُ فِي الْبَطْنِ، وَالْجَمْعُ أَحْقالٌ وأَحْقانٌ. وحَقَنَ دَمَ الرجلِ: حَلَّ بِهِ القتلُ فأَنْقذَه. واحْتَقَنَ الدَّمُ: اجْتَمَعَ فِي الْجَوْفِ. قَالَ الْمُفَضَّلُ: وحقَنَ اللهُ دمَه حَبَسه فِي جِلْدِهِ ومَلأَه بِهِ؛ وأَنشد فِي نعتِ إِبِلٍ امتلأَتْ أَجوافُها:
جُرْداً تَحَقَّنَتْ النَّجِيلَ، كأَنما ... بجلُودِهِنَّ مدارجُ الأَنْبار
. قَالَ اللَّيْثُ: إِذَا اجْتَمَعَ الدمُ فِي الْجَوْفِ مِنْ طَعْنةٍ جائفةٍ تَقُولُ احْتَقَنَ الدمُ فِي جَوْفِهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
فحَقَنَ لَهُ دَمَه.
يُقَالُ: حَقَنْتُ لَهُ دَمَه إِذَا مَنَعْتَ مِنْ قَتْلِه وإراقَتِه أَي جَمعْتَه لَهُ وحبَسْتَه عَلَيْهِ. وحقَنْتُ دَمه: منعتُ أَن يُسْفَك. ابْنُ شُمَيْلٍ: المُحْتقِنُ مِنَ الضُّروع الْوَاسِعُ الفَسيحُ، وَهُوَ أَحسنُها قَدْرًا، كأَنما هُوَ قَلْتٌ مُجْتَمِعٌ مُتَصعِّد حسنٌ، وَإِنَّهَا لمُحْتقِنةُ الضرعِ. ابْنُ سِيدَهْ: وحقَن اللبنَ فِي السِّقاء يَحْقُنُه حَقْناً صبَّه فِيهِ ليُخرج زُبْدَتَه. والحَقينُ: اللبنُ الَّذِي قَدْ حُقِنَ فِي السِّقاء، حَقنْتُه أَحْقُنُه، بِالضَّمِّ: جَمَعْتُهُ فِي السِّقَاءِ وَصَبَبْتُ حليبَه عَلَى رائِبه، وَاسْمُ هَذَا اللَّبَنِ الحَقينُ. والمِحْقَنُ: الَّذِي يُجعل فِي فمِ السِّقاءِ والزِّقّ ثُمَّ يُصب فِيهِ الشَّرَابُ أَو الْمَاءُ. قَالَ الأَزهري: المِحْقن القِمَعُ الَّذِي يُحْقَن بِهِ اللبنُ فِي السِّقَاءِ، وَيَجُوزُ أَن يُقَالَ لِلسِّقَاءِ نَفْسِهِ مِحْقَن، كَمَا يُقَالُ لَهُ مِصْرَب ومِجزَم، قَالَ: وَكُلُّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ عَنِ الْعَرَبِ. واحْتَقنَتِ الرَّوْضةُ: أَشرفت جوانبُها عَلَى سَرارِها؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ.
(13/126)

حلن: الحُلّانُ: الجدْي، وَقِيلَ: هُوَ الجَدْيُ الَّذِي يُشَقُّ عَلَيْهِ بَطْنُ أُمه فَيَخْرُجُ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فُعّالٌ مُبْدَلٌ مِنْ حُلّام، وَهُمَا بِمَعْنًى؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
فِداكَ كلُّ ضَئِيلِ الجِسْمِ مُخْتَشِع ... وَسْطَ المَقامةِ، يَرْعى الضَّأْنَ أَحياناً
تُهْدَى إِلَيْهِ ذِراعُ الجَدْي تَكْرِمةً، ... إِمَّا ذَبِيحًا، وَإِمَّا كَانَ حُلّانا.
يُرِيدُ: أَن الذِّرَاعَ لَا تُهْدَى إِلَّا لِمَهينٍ ساقطٍ لقلَّتها وَحَقَارَتِهَا، وَرُوِيَ:
إِمَّا ذَكِيًّا، وَإِمَّا كَانَ حُلّانا.
والذَّبيحُ: الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ أَدرك أَن يُضَحَّى بِهِ وَصَلَحَ أَن يُذْبح للنُّسك. والحُلَّان: الجدْيُ الصَّغِيرُ وَلَا يَصْلُحُ للنُّسُك وَلَا للذَّبْح، وَقِيلَ: الذَّكيُّ الَّذِي ماتَ، وَإِنَّمَا جَازَ أَكْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لأَنه لَمَّا وُلِد جُعِل فِي أُذنه حَزٌّ، عَلَى مَا نَشْرَحُهُ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الْحَلَالِ فَهُوَ فُعْلان، وَالْمِيمُ مُبْدَلَةٌ مِنْهُ؛ وَقَالَ الأَصمعي: الحُلَّامُ والحُلَّان، بِالْمِيمِ وَالنُّونِ، صِغار الْغَنَمِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الحُلَّان الحَمَل الصَّغِيرُ يَعْنِي الْخَرُوفَ، وَقِيلَ: الحُلَّان لُغَةٌ فِي الحُلّام كأَنَّ أَحَدَ الْحَرْفَيْنِ بدلٌ مِنْ صَاحِبِهِ، قَالَ: فإِن كَانَ ذَلِكَ فَهُوَ ثلاثيٌّ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه قَضى فِي فِداءِ الأَرنب، إِذَا قتلَه المُحْرِم، بِحُلَّان
، هُوَ الحُلَّام، وَقَدْ فُسِّر فِي الْحَدِيثِ أَنه الحَمَل. الأَصمعي: وَلد الْمِعْزَى حُلَّامٌ وحُلَّان. ابْنُ الأَعرابي: الحُلَّام والحُلَّان وَاحِدٌ، وَهُمَا مَا يُولد مِنَ الْغَنَمِ صَغِيرًا، وَهُوَ الَّذِي يَخُطُّون عَلَى أُذنه إِذَا وُلِدَ خَطّاً فَيَقُولُونَ ذَكَّيْناه، فَإِنْ مَاتَ أَكَلوه. وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: ذُكِرَ أَن أَهل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا وَلَّدوا شَاةً عَمَدوا إِلَى السَّخْلَةِ فشَرَطوا أُذنَها وَقَالُوا وَهُمْ يَشْرِطون: حُلَّان حُلَّان أَي حَلالٌ بِهَذَا الشَّرْط أَن تُؤْكَلَ، فَإِنْ مَاتَتْ كَانَ ذكاتُها عِنْدَهُمْ ذَلِكَ الشرْط الَّذِي تقدَّم، وَهُوَ مَعْنَى قول ابن أَحمر، قَالَ: وسُمّي حُلّاناً إِذَا حُلَّ مِنَ الرّبْق فأَقبَل وأَدْبر، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ، وَوَزْنُهُ فُعْلان لَا فُعّال. وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه قَضَى فِي أُم حُبَينٍ يقتُلها المُحْرِم بحُلَّان
، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ:
ذُبِح عثمانُ كَمَا يُذْبَح الحُلَّانُ
أَي أَن دَمَهُ أُبْطِل كَمَا يُبْطَل دمُ الحلَّان. الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ فِي الضَّبِّ حُلَّانٌ، وَفِي اليَرْبُوع جَفْرة. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ فِي الحُلَّان: إِنَّ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحدهم إِذَا وُلِد لَهُ جَدْيٌ حَزَّ فِي أُذنه حَزّاً وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ عَاشَ فقَنيٌّ، وَإِنْ مَاتَ فذَكِيٌّ، فَإِنْ عَاشَ فَهُوَ الَّذِي أَراد، وَإِنْ مَاتَ قَالَ قَدْ ذكيْتُه بالحُزِّ فَاسْتَجَازَ أَكله بِذَلِكَ؛ وَقَالَ مُهَلْهِل:
كلُّ قَتيلٍ فِي كُلَيبٍ حُلَّانْ، ... حَتَّى يَنالَ القَتْلُ آلَ شَيْبانْ.
وَيُرْوَى: حُلَّام وآلَ هَمَّام، وَمَعْنَى حُلَّان هَدَرٌ وفِرْغٌ. وحُلْوان الْكَاهِنُ: مِنَ الحَلاوة، نذكره في حلا.
حلزن: الحَلَزُون: دَابَّةٌ تَكُونُ فِي الرِّمْث، بِفَتْحِ الْحَاءِ واللام.
حلقن: الحُلْقانةُ والحُلْقانُ مِنَ البُسْر: مَا بَلَغَ الإِرْطابُ ثلُثَيه، وَقِيلَ: الحُلْقانةُ لِلْوَاحِدِ، والحُلْقان لِلْجَمْعِ، وَقَدْ حَلْقَن البُسْرُ، وَهُوَ مُحَلْقِن إِذَا بلغ الإِرْطابُ ثلثيه، وقيل: نُونُهُ زَائِدَةٌ. ورُطَبٌ مُحَلقِمٌ ومحَلقِنٌ، وَهِيَ الحُلقانةُ والحُلقامةُ، وَهِيَ الَّتِي بَدَا فِيهَا النضْجُ مِنْ قِبَل قِمَعها، فإِذا أَرطبتْ مِنْ قِبَل الذَّنَب فَهِيَ التَّذْنوبةُ. أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ للبُسْر إِذَا بَدَا فِيهِ الإِرْطاب مِنْ قِبَل ذنَبه مُذَنّب، فإِذا
(13/127)

بَلَغَ فِيهِ الإِرْطابُ نِصْفَهُ فهو مُجَزَّعٌ، فإِذا بلغ ثلثيه فهو حُلْقان ومُحَلقِن.
حمن: الحَمْن والحَمْنانُ: صِغَارُ القِرْدان، وَاحِدَتُهُ حَمْنة وحَمْنانة. وأَرض مُحْمِنة: كَثِيرَةُ الحَمْنان. والحَمْنانُ: ضربٌ مِنْ عِنَبِ الطَّائِفِ، أَسود إِلَى الْحُمْرَةِ «1». قَلِيلُ الْحَبَّةِ، وَهُوَ أَصغر الْعِنَبِ حَبًّا، وَقِيلَ: الحَمْنان الحبُّ الصِّغَارُ الَّتِي بَيْنَ الْحَبِّ العِظام. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الحَمْنانةُ قُراد، وَفِي التَّهْذِيبِ: القُراد أَول مَا يَكُونُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَكَادُ يُرى مِنْ صِغَرِهِ، يُقَالُ لَهُ قَمْقامة، ثُمَّ يَصِيرُ حَمْنانة، ثُمَّ قُرَادًا، ثُمَّ حَلَمة، زَادَ الْجَوْهَرِيُّ: ثُمَّ علٌّ وطِلحٌ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَمْ قَتَلْتَ مِنْ حَمْنانةٍ
؛ هو من ذَلِكَ. وحَمْنةُ، بِالْفَتْحِ، اسْمُ امرأَة؛ قِيلَ: هِيَ أَحد الْجَائِينَ عَلَى عَائِشَةَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، بالإِفك. والحَوْمانةُ: وَاحِدَةُ الحَوامين، وَهِيَ أَماكن غِلَاظٌ مُنقادة؛ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
أَمِنْ آلِ أَوفى دِمْنةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بحَوْمانةِ الدَّرَّاجِ، فالمُتَثَلَّم
. وَلَمْ يَرْوِ أَحدٌ بحَوْمانة الدُّرَّاج، بِضَمِّ الدَّالِّ، إلَّا أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ بِفَتْحِ الدَّالِ. والدُّرّاج الَّذِي هُوَ الحَيْقُطان: مَضْمُومٌ عِنْدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَّا ابْنَ دُرَيْدٍ، فإِنه فَتَحَهَا، قَالَ أَبو خَيرة: الحَوْمانُ وَاحِدَتُهَا حَوْمانة، وَجَمْعُهَا حوامِين، وَهِيَ شقائقُ بين الجبال، وهي أَطيبُ الحُزونة، وَلَكِنَّهَا جَلَدٌ لَيْسَ فيها آكام ولا أَبارِق. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: الحَوْمان مَا كَانَ فَوْقَ الرَّمل وَدُونَهُ حِينَ تَصْعَدُهُ أَو تَهبطه، وحَمْنانُ مكّةُ؛ قَالَ يَعْلى بْنُ مُسْلم بْنِ قَيْسٍ الشَّكْريّ:
فَليْتَ لَنَا، مِنْ ماءِ حَمْنان، شَرْبةً ... مُبَرَّدةً باتَتْ عَلَى طَهَيان
. والطَّهيَان: خَشَبَةٌ يُبرَّد عَلَيْهَا الْمَاءُ. وشَكْرٌ: قَبِيلَةٌ مِنَ الأَزد.
حنن: الحَنّانُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الحَنّانُ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، بِمَعْنَى الرَّحِيمِ، قَالَ ابْنُ الأَثير: الحَنَّانُ الرَّحِيمُ بعبادِه، فعّالٌ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُبَالَغَةِ؛ الأَزهري: هُوَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ صَحِيحٌ، قَالَ: وَكَانَ بعضُ مشايِخنا أَنكر التَّشْدِيدَ فِيهِ لأَنه ذهَب بِهِ إِلَى الحَنين، فاسْتَوحش أَن يَكُونَ الحَنين مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا مَعْنَى الحَنّان الرَّحِيمُ مِنَ الحَنان، وَهُوَ الرَّحْمَةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
؛ أَي رَحْمة منْ لَدُنّا؛ قال أَبو إسحق: الحَنَّانُ فِي صِفَةِ اللَّهِ، هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، ذُو الرَّحمة والتعطُّفِ. وَفِي حَدِيثِ
بِلَالٍ: أَنه مَرَّ عَلَيْهِ ورقةُ بْنُ نوْفَل وَهُوَ يُعَذَّب فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُموه لأَتَّخِذَنَّه حَناناً
؛ الحَنانُ: الرحمةُ والعطفُ، والحَنَانُ: الرِّزْقُ والبركةُ، أَراد لأَجْعَلَنَّ قَبْرَه موضعَ حَنانٍ أَي مَظِنَّةً منْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فأَتَمَسَّحُ بِهِ مُتَبَرِّكًا، كَمَا يُتمسَّح بِقُبُورِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ قُتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ عَارًا عَلَيْكُمْ وسُبَّةً عِنْدَ النَّاسِ،
وَكَانَ ورقةُ عَلَى دِينِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَلَكَ قُبَيْل مَبْعَثِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأَنه قَالَ لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، إِن يُدْرِكْنِي يَوْمُك لأَنْصُرَنَّكَ نَصْراً مُؤَزَّراً
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير. وَفِي هَذَا نظرٌ فَإِنَّ بِلَالًا مَا عُذِّب إِلَّا بَعْدَ أَن أَسْلَمَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمة وَعِنْدَهَا غلامٌ يُسَمَّى الوليدَ، فَقَالَ: اتَّخَذْتُمْ الوليدَ حَناناً غَيِّرُوا اسمَه
أَي تَتَعَطَّفُون عَلَى هَذَا الِاسْمِ فَتُحِبُّونه، وَفِي رِوَايَةٍ:
__________
(1). قوله [إلى الحمرة] في المحكم: إلى الغبرة
(13/128)

أَنه مِنْ أَسماء الفَراعِنة، فكَرِه أَن يُسَمَّى بِهِ.
والحَنانُ، بِالتَّخْفِيفِ: الرَّحْمَةُ. تَقُولُ: حَنَّ عَلَيْهِ يَحِنُّ حَناناً؛ قَالَ أَبو إِسْحَقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
؛ أَي وآتَيْناه حَناناً؛ قَالَ: الحَنانُ العَطْفُ وَالرَّحْمَةُ؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ: فَقَالَتْ:
حَنانٌ مَا أَتى بِكِ هَاهُنا؟ ... أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بالحَيِّ عارِفُ؟
أَي أَمْرِي حَنانٌ أَو مَا يُصيبُنا حَنانٌ أَي عَطْفٌ وَرَحْمَةٌ، وَالَّذِي يُرْفَع عَلَيْهِ غَيْرُ مستعمَل إظهارُه. وَقَالَ الفَراء فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وحَناناً مِنْ لَدُنَّا الرحمةُ؛ أَي وَفِعْلُنَا ذَلِكَ رَحْمةً لأَبَوَيْك. وَذَكَرَ
عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنه قَالَ: مَا أَدْري مَا الحَنانُ.
والحَنينُ: الشديدُ مِنَ البُكاءِ والطَّرَبِ، وَقِيلَ: هُوَ صوتُ الطَّرَبِ كَانَ ذَلِكَ عَنْ حُزْنٍ أَو فَرَحٍ. والحَنِينُ: الشَّوْقُ وتَوَقانُ النَّفس، والمَعْنَيان مُتَقَارِبَانِ، حَنَّ إِلَيْهِ يَحِنُّ حَنِيناً فَهُوَ حانٌّ. والاسْتِحْنانُ: الاسْتِطْرابُ. واسْتَحَنَّ: اسْتَطْرَبَ: وحَنَّت الإِبلُ: نَزَعَتْ إِلَى أَوْطانِها أَو أَوْلادِها، والناقةُ تَحِنُّ فِي إِثْرِ ولَدِها حَنِيناً تَطْرَب مَعَ صَوْت، وَقِيلَ: حَنِينُها نِزَاعُها بصوتٍ وبغير يصوتٍ والأَكثر أَن الحَنين بالصَّوْتِ. وتَحَنَّنَت النّاقةُ عَلَى ولدِها: تَعَطَّفَت، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: حنينُ النَّاقَةِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: حَنِينُها صوْتُها إِذَا اشْتَاقَتْ إِلَى وَلَدِها، وحَنينُها نِزَاعُها إِلَى وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
حَنَّت قَلُوصِي أَمْسِ بالأُرْدُنِّ، ... حِنِّي فَمَا ظُلِّمْتِ أَن تَحِنِّي
. يُقَالُ: حَنَّ قَلْبي إِليه فَهَذَا نِزاعٌ واشْتِياق مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وحَنَّت النّاقةُ إِلى أُلَّافِها فَهَذَا صوتٌ مَعَ نِزاعٍ، وَكَذَلِكَ حَنَّتْ إِلى وَلَدِهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يُعارِضْنَ مِلْواحاً كأَنَّ حَنِينَها، ... قُبَيْلَ انْفِتاقِ الصُّبْحِ، تَرْجِيعُ زامِرِ
. وَيُقَالُ: حَنَّ عَلَيْهِ أَي عَطَف. وحَنَّ إِليه أَي نزَعَ إِليه. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُصَلِّي فِي أَصل أُسْطُوانةِ جِذْعٍ فِي مَسْجِدِهِ، ثُمَّ تحوَّلَ إِلى أَصلِ أُخرى، فحنَّتْ إِليه الأُولى وَمَالَتْ نحوَه حَتَّى رجَع إِليها فاحْتَضَنها فَسَكَنَتْ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
أَنه كَانَ يصلِّي إِلى جذْعٍ فِي مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا عُمِلَ لَهُ المِنْبَرُ صَعِدَ عَلَيْهِ فحَنَّ الجِذْعُ إِليه
أَي نَزَع وَاشْتَاقَ، قَالَ: وأَصلُ الحَنِينِ ترجيعُ النَّاقَةِ صوْتَها إِثْرَ وَلَدِهَا. وتحانَّت: كحنَّتْ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: حَكَاهُ يعقوبُ فِي بَعْضِ شُرُوحِهِ، وَكَذَلِكَ الحَمامَةُ والرجلُ؛
وَسَمِعَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلالًا يُنشِد:
أَلا لَيْتَ شِعْري هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بوادٍ وحَوْلي إِذْخِرٌ وجَليلُ؟
فَقَالَ لَهُ: حَنَنْتَ يَا ابنَ السَّوْداء.
والحَنَّانُ: الَّذِي يَحِنُّ إِلى الشَّيْءِ. والحِنَّةُ، بِالْكَسْرِ: رقَّةُ القلبِ؛ عَنْ كُرَاعٍ. وَفِي حَدِيثِ
زَيْدِ بْنِ عَمْرو بْنِ نُفَيل: حَنانَيْكَ يَا رَبِ
أَي ارْحَمْني رَحْمَةً بَعْدَ رَحْمَةٍ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ المُثنَّاة الَّتِي لَا يَظْهر فعْلُها كلَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وَقَالُوا: حَنانَك وحَنانَيْك أَي تَحَنُّناً عليَّ بَعْدَ تَحَنُّن، فَمَعْنَى حَنانَيْك تَحَنَّنْ عليَّ مرَّة بعد أُخرى وحَنانٍ بعد حَناناٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: يَقُولُ كلَّما كنْتُ فِي رحمةٍ مِنْكَ وخيرٍ فَلَا يَنْقَطِعنَّ،
(13/129)

ولْيَكُنْ مَوْصُولًا بآخرَ مِنْ رحمتِك، هَذَا مَعْنَى التَّثْنِيَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا الضَّرْبِ؛ قَالَ طَرَفَةُ:
أَبا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا، ... حَنانَيْكَ، بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بعضِ
. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَا يُسْتَعْمل مُثَنًّى إِلا فِي حَدِّ الإِضافة. وَحَكَى الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: حَنانَيْكَ يَا فُلَانُ افْعَلْ كَذَا وَلَا تَفْعَلْ كَذَا، يذكِّرُه الرَّحمةَ والبِرَّ، وأَنشد بَيْتَ طَرَفَةَ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ قَالُوا حَناناً فصَلُوه مِنَ الإِضافة فِي حَدِّ الإِفْراد، وكلُّ ذَلِكَ بدلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالْفِعْلِ، وَالَّذِي يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ غيرُ مستعمَلٍ إِظهارُه، كَمَا أَنَّ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَنانَك يَا رَبِّ وحَنانَيْك بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَي رحمتَك، وَقَالُوا: سبحانَ اللَّهِ وَحَنانَيْه أَي واسْتِرْحامَه، كَمَا قَالُوا: سبحانَ اللَّهِ ورَيْحانَه أَي اسْتِرْزاقَه؛ وَقَوْلُ إِمرئ الْقَيْسِ:
ويَمْنَعُها بَنُو شَمَجَى بنِ جَرْم ... مَعِيزَهُمُ، حَنانَك ذَا الحَنانِ
. فَسَّرَهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: مَعْنَاهُ رَحمتَك يا رحمنُ فأَغْنِني عَنْهُمْ، وَرَوَاهُ الأَصمعي: ويَمْنَحُها أَي يُعْطِيها، وفسَّر حَنانَك بِرَحْمَتِكَ أَيضاً أَي أَنْزِلْ عَلَيْهِمْ رحمتَك وَرِزْقَكَ، فروايةُ ابْنِ الأَعرابي تَسَخُّطٌ وذمٌّ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ، وروايةُ الأَصمعي تَشكُّرٌ وحمدٌ ودعاءٌ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ، وَالْفِعْلُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِ، وَهُوَ التحنُّنُ. وتَحَنَّنْ عَلَيْهِ: ترحَّمْ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للحُطَيْئة:
تَحَنَّنْ عليَّ، هَداك المَلِيك، ... فإِن لكلِّ مقامٍ مَقَالَا
. والحَنانُ: الرحمةُ، والحَنانُ: الرِّزق. والحَنانُ: الْبَرَكَةُ. والحَنانُ: الهَيْبَةُ. والحَنانُ: الوَقار. الأُمَوِيُّ: مَا نَرَى لَهُ حَناناً أَي هَيْبَةً. والتَّحنُّنُ: كالحَنانِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبةَ بنِ أَبي مُعَيْطٍ: أُقْتَلُ مِنْ بَيْنِ قُرَيش، فَقَالَ عُمَرُ: حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا
؛ هُوَ مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ يَنْتَمي إِلى نسبٍ لَيْسَ مِنْهُ أَو يَدَّعي مَا لَيْسَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، والقِدْحُ، بِالْكَسْرِ: أَحدُ سِهام المَيْسِر، فإِذا كَانَ مِنْ غَيْرِ جَوْهَرِ أَخَواتِه ثُمَّ حرَّكها المُفيض بِهَا خَرَجَ لَهُ صوتٌ يخالِف أَصواتَها فعُرِفَ بِهِ؛ وَمِنْهُ
كِتَابُ عليٍّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، إِلى مُعَاوِيَةَ: وأَما قَوْلُكَ كَيْتَ وكَيْتَ فَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا.
والحَنُونُ مِنَ الرِّيَاحِ: الَّتِي لَهَا حَنِينٌ كحَنِين الإِبِل أَي صَوْتٌ يُشْبِه صَوْتَها عِنْدَ الحَنِين؛ قَالَ النَّابِغَةُ:
غَشِيتُ لَهَا مَنازِلَ مُقْفِراتٍ، ... تُذَعْذِعُها مُذَعْذعَةٌ حَنُونٌ
وَقَدْ حَنَّتْ واسْتَحَنَّتْ؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ لأَبي زُبَيد:
مُسْتَحِنٌّ بِهَا الرِّياحُ، فمَا ... يَجْتابُها فِي الظَّلامِ كلُّ هَجُودِ
. وسحابٌ حَنَّانٌ كَذَلِكَ؛ وَقَوْلُهُ:
فاسْتَقْبَلَتْ لَيْلَةَ خِمْسٍ حَنَّانْ
. جَعَلَ الحَنَّان للخِمْس، وإِنما هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلنَّاقَةِ، لَكِنْ لَمَّا بَعُد عَلَيْهِ أَمدُ الوِرْد فحنَّت نسَب ذَلِكَ إِلى الخِمْسِ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَجْلِه. وخِمْسٌ حَنَّانٌ أَي بائصٌ؛ الأَصمعي: أَي لَهُ حَنِينٌ مِن سُرْعَتِه. وامْرأَةٌ حَنَّانةٌ: تَحِنُّ إِلى زَوْجِهَا الأَول وتعطِفُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَحِنُّ عَلَى وَلَدِهَا الَّذِي مِنْ زَوْجِهَا المُفارِقِها. والحَنونُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي تَتَزوَّج رِقَّةً عَلَى وَلَدِها إِذا كَانُوا صِغَارًا ليقومَ الزوجُ بأَمرهم، وَفِي بَعْضِ الأَخْبار: أَنَّ رَجُلًا أَوْصى ابْنَهُ
(13/130)

فَقَالَ: لَا تَتَزَوَّجَنَّ حَنَّانةً وَلَا مَنَّانة. وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِهِ: يَا بُنيَّ إِيَّاكَ والرَّقُوبَ الغَضُوبَ الأَنَّانةَ الحَنَّانَةَ المنَّانةَ؛ الحَنَّانةُ الَّتِي كَانَ لَهَا زوجٌ قَبْلَهُ فَهِيَ تَذْكُره بالتَّحَزُّنِ والأَنينِ والحَنينِ إِليه. الحرَّاني عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ قَالَ: الحَنونُ مِنَ النساءِ الَّتِي تَتَزَوَّج رِقَّةً عَلَى وَلَدِهَا إِذا كَانُوا صِغَارًا ليقومَ الزوجُ بأَمْرِهم. وحَنَّةُ الرَّجل: امرأَتُه؛ قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ الفَقْعَسِيّ:
ولَيْلة ذَاتَ دُجًى سَرَيْتُ، ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ،
ولم تَضِرْني حَنَّةٌ وبَيْتُ.
وَهِيَ طَلَّتُه وكَنِينتُه ونَهضَتُه وحاصِنته وحاضِنتُه. وَمَا لَهُ حانَّةٌ وَلَا آنَّةٌ أَي نَاقَةٌ وَلَا شاةٌ؛ والحَانَّةُ: الناقةُ، والآنَّةُ: الشاةُ، وَقِيلَ: هِيَ الأَمَةُ لأَنها تَئِنُّ مِنَ التَّعَب. الأَزهري: الحَنِينُ لِلنَّاقَةِ والأَنينُ للشاةِ. يُقَالُ: مَا لَهُ حانَّةٌ وَلَا آنَّةٌ أَي مَا لَه شاةٌ وَلَا بَعِيرٌ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ مَا لَهُ حانَّة وَلَا جارَّة، فالحانَّةُ: الإِبلُ الَّتِي تَحِنُّ، والجارَّةُ: الحَمُولةُ تَحْمِلُ المتاعَ والطعامَ. وحَنَّةُ البعيرِ: رُغاؤُه. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمَا لَهُ حانَّةٌ وَلَا آنَّةٌ أَي ناقةٌ وَلَا شاةٌ، قَالَ: والمُسْتَحِنُّ مِثْله؛ قَالَ الأَعشى:
تَرَى الشَّيخَ مِنْهَا يُحِبُّ الإِيابَ، ... يَرْجُفُ كالشارِف المُستَحِنّ.
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الضميرُ فِي مِنْهَا يَعُودُ عَلَى غَزْوَةٍ فِي بَيْتٍ مُتَقَدِّمٍ؛ وَهُوَ:
وَفِي كلِّ عامٍ لَهُ غزْوةٌ ... تَحُتُّ الدَّوابِرَ حَتَّ السَّفَنْ.
قَالَ: والمُسْتَحِنُّ الَّذِي اسْتَحَنَّه الشوقُ إِلى وَطَنِه؛ قَالَ: ومثلُه ليزيدَ بنِ النُّعمانِ الأَشعري:
لَقَدْ تَرَكَتْ فُؤَادَك، مُسْتَحِناً، ... مُطَوَّقَةٌ عَلَى غُصْنٍ تَغَنَّى.
وَقَالُوا: لَا أَفْعلُ ذَلِكَ حَتَّى يَحِنَّ الضبُّ فِي إِثْرِ الإِبلِ الصَّادرة، وَلَيْسَ للضبِّ حَنِينٌ إِنما هُوَ مَثَلٌ، وَذَلِكَ لأَنَّ الضبَّ لَا يَرِدُ أَبداً. والطَّسْتُ تَحِنُّ إِذا نُقِرَت، عَلَى التَّشْبِيهِ. وحَنَّت القوسُ حَنيناً: صَوَّتَت، وأَحَنَّها صاحِبُها. وقوسٌ حَنَّانة: تَحِنُّ عِنْدَ الإِنْباضِ؛ وَقَالَ:
وَفِي مَنْكِبَيْ حَنَّانةٍ عُودُ نَبْعَةٍ، ... تَخَيَّرَها لِي، سُوقَ مَكَّةَ، بائعُ.
أَي فِي سُوقِ مَكَّةَ؛ وأَنشد أَبو حَنِيفَةَ:
حَنَّانةٌ مِنْ نَشَمٍ أَو تأْلَبِ.
قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْقَوْسُ حَنَّانةً اسْمٌ لَهَا عَلَمٌ؛ قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَبي حَنِيفَةَ وَحْدَه، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْسَ تُسَمَّى حَنَّانةً، إِنما هُوَ صِفَةٌ تَغْلِب عَلَيْهَا غَلَبة الِاسْمِ، فإِن كَانَ أَبو حَنِيفَةَ أَراد هَذَا، وإِلَّا فَقَدْ أَساءَ التعبيرَ. وعُودٌ حَنَّانٌ: مُطَرِّب. والحَنَّانُ مِنَ السِّهَامِ: الَّذِي إِذا أُديرَ بالأَناملِ عَلَى الأَباهِيم حَنّ لِعِتْقِ عُودِه والْتئامِهِ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ لِلسَّهْمِ الَّذِي يُصَوِّت إِذا نَفَّزْته بَيْنَ إِصْبعيك حَنَّان؛ وأَنشد قَوْلَ الْكُمَيْتِ يَصِف السَّهم:
فاسْتَلَّ أَهْزَعَ حَنَّاناً يُعَلِّله، ... عِنْدَ الإِدامةِ حَتَّى يَرْنُوَ الطَّرِبُ
. إِدامتُه: تْنفِيزُه، يُعَلِّلُه: يُغَنِّيه بِصَوْتِهِ حَتَّى يَرْنُوَ لَهُ الطَّرِب يَسْتَمِعُ إِليه وَيَنْظُرُ متعجِّباً مِنْ حُسْنِه. وطريقٌ حَنَّانٌ: بَيِّنٌ وَاضِحٌ مُنْبَسِط. وَطَرِيقٌ يَحِنُّ فِيهِ العَوْدُ: يَنْبَسِط. الأَزهري:
(13/131)

اللَّيْثُ الحَنَّةُ خِرْقَةٌ تَلْبَسُهَا المرأَةُ فَتُغَطِّي رأْسها؛ قَالَ الأَزهري: هَذَا حاقُّ التَّصْحِيفِ، وَالَّذِي أَراد الخْبَّة، بِالْخَاءِ وَالْبَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وأَما الحَنَّةُ، بِالْحَاءِ وَالنُّونِ، فَلَا أَصل لَهُ فِي بَابِ الثِّياب. والحَنِينُ والحَنَّةُ: الشَّبَهُ. وَفِي الْمَثَلِ: لَا تَعْدَمُ ناقةٌ مِنْ أُمِّها حَنِيناً وحَنَّةً أَي شَبَهاً. وَفِي التَّهْذِيبِ: لَا تَعْدَمُ أَدْماءُ مِنْ أُمِّها حنَّةً؛ يُضْرَبُ مَثَلًا للرجُل يُشْبِهُ الرَّجُلَ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ أَشْبَه أَباه وأُمَّه؛ قَالَ الأَزهري: والحَنَّةُ فِي هَذَا المَثَلِ العَطْفَةُ والشَّفَقةُ والحِيطةُ. وحَنَّ عَلَيْهِ يَحُنُّ، بِالضَّمِّ، أَي صَدَّ. وَمَا تَحُنُّني شَيْئًا مِنْ شَرِّكَ أَي مَا تَرُدُّه وَمَا تَصْرِفه عَنِّي. وَمَا حَنَّنَ عَنِّي أَي مَا انْثَنَى وَلَا قَصَّرَ؛ حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي، قَالَ شَمِرٌ: وَلَمْ أَسمع تَحنُنُّي بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ الأَصمعي. وَيُقَالُ: حُنَّ عَنَّا شَرَّكَ أَي اصْرِفْه. وَيُقَالُ: حَمَلَ فَحَنَّنَ كَقَوْلِكَ حَمَلَ فَهَلَّلَ إِذا جَبُنَ. وأَثَرٌ لَا يُحِنُّ عَنِ الجِلْدِ أَي لَا يَزُولُ؛ وأَنشد:
وإِنَّ لَهَا قَتْلَى فَعَلَّكَ مِنْهُمُ، ... وإِلَّا فجُرْحٌ لَا يُحِنُّ عَنِ العَظْمِ
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إِنما هُوَ يَحِنُّ، وَهَكَذَا أَنشد الْبَيْتَ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ. والمَحْنُون مِنَ الحقِّ: المنقوصُ. يُقَالُ: مَا حَنَنْتُك شَيْئًا مِنْ حقِّك أَي مَا نَقَصْتُكَ. والحَنُّونُ: نَوْرُ كلِّ شَجَرَةٍ ونَبْتٍ، واحدتُه حَنُّونةٌ. وحَنَّنَ الشجرُ والعُشْبُ: أَخرج ذَلِكَ. والحِنَّانُ: لُغَةٌ فِي الحِنَّاء؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وَزَيْتٌ حَنِينٌ: مُتَغَيِّرُ الرِّيحِ، وجَوْزٌ حَنِينٌ كَذَلِكَ؛ قَالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبرَصِ:
كأَنَّها لِقْوَةٌ طَلُوبُ، ... تَحِنُّ فِي وَكْرِهَا القُلُوبُ.
وَبَنُو حُنٍّ: حيٌّ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْد: هُمْ بطنٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ؛ وَقَالَ النَّابِغَةُ:
تَجَنَّبْ بَنِي حُنٍّ، فإِن لقاءَهُمْ ... كَرِيهٌ، وإِن لَمْ تَلْقَ إِلَّا بِصابِرِ
. والحِنُّ، بِالْكَسْرِ: حيٌّ مِنَ الْجِنِّ، يُقَالُ: مِنْهُمُ الكلابُ السُّودُ البُهْمُ، يُقَالُ: كَلْبٌ حِنِّيٌّ، وَقِيلَ: الحِنُّ ضَرْبٌ مِنَ الْجِنِّ؛ وأَنشد:
يَلْعَبْنَ أَحْواليَ مِنْ حِنٍّ وجِنٌّ.
والحِنُّ: سَفِلَةُ الجِنِّ أَيضاً وضُعَفاؤُهم؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد لمُهاصِرِ بنِ المُحِلِّ:
أَبيتُ أَهْوِي فِي شيَاطين تُرِنّ، ... مُخْتلفٍ نَجْواهُمُ جِنٍّ وحِنّ.
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَن الحِنَّ سَفِلَةُ الجِنِّ، وَلَا عَلَى أَنهم حَيٌّ مِنَ الْجِنِّ، إِنما يَدُلُّ عَلَى أَن الحِنَّ نوعٌ آخَرُ غَيْرُ الْجِنِّ. وَيُقَالُ: الحِنُّ خَلْقٌ بَيْنَ الْجِنِّ والإِنس. الْفَرَّاءُ: الحِنُّ كِلابُ الجِنِّ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ: إِنَّ هَذِهِ الْكِلَابَ الَّتِي لَهَا أَربعُ أَعْيُنٍ مِنَ الحِنِ
؛ فُسِّرَ هَذَا الْحَدِيثُ الحِنُّ حيٌّ مِنَ الجِنِّ. وَيُقَالُ: مَجْنونٌ مَحْنونٌ، ورجلٌ مَحْنونٌ أَي مجنون، وبه حِنَّةٌ حَنَّةٌ أَي جِنَّةٌ. أَبو عَمْرٍو: المَحْنون الَّذِي يُصْرعُ ثُمَّ يُفيق زَمَانًا. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ الحِنُّ الكلابُ السُّود المُعَيَّنة. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: الكِلابُ مِنَ الحِنِّ، وَهِيَ ضَعَفَةُ الجِنِّ، فَإِذَا غَشِيَتْكُم عِنْدَ طَعامِكم فأَلْقُوا لَهُنَّ، فإِنَّ لَهُنَّ أَنْفُساً
؛ جمعُ نَفْسٍ أَي أَنها تُصِيبُ بأَعْيُنِها. وحَنَّةُ وحَنُّونةُ: اسمُ امرأَة، قَالَ اللَّيْثُ: بَلَغَنَا أَن أُمَّ مَرْيَمَ كَانَتْ تُسَمَّى حَنَّةَ. وحُنَيْنٌ: اسمُ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. قَالَ الأَزهري: حُنَيْنٌ اسمُ وادٍ
(13/132)

بِهِ كَانَتْ وَقْعَةُ أَوْطاسٍ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حُنَيْنٌ مَوْضِعٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَإِذَا قَصَدْتَ بِهِ الْمَوْضِعَ والبلَد ذكَّرْتَه وصَرفْتَه كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
، وإِن قصدْتَ بِهِ البلدةَ والبُقْعةَ أَنَّثْته وَلَمْ تَصْرِفْهُ كَمَا قَالَ حَسَّان بْنُ ثَابِتٍ:
نَصَرُوا نَبِيَّهُم وشَدُّوا أَزْرَه بِحُنَيْنَ، ... يومَ تَواكُلِ الأَبْطال
. وحُنَيْنٌ: اسمُ رَجُلٍ. وقولُهم لِلرَّجُلِ إِذا رُدَّ عَنْ حاجتِه ورجَعَ بالخَيْبةِ: رَجَعَ بخُفَّيْ حُنَيْنٍ؛ أَصله أَن حُنَيْناً كَانَ رَجُلًا شَرِيفًا ادَّعَى إِلى أَسدِ بنِ هاشمِ بْنُ عبدِ منافٍ، فأَتى إِلى عبدِ المُطَّلب وَعَلَيْهِ خُفَّانِ أَحْمرانِ فَقَالَ: يَا عَمِّ أَنا ابنُ أَسدِ بْنِ هاشمٍ، فَقَالَ لَهُ عبدُ الْمُطَّلِبِ: لَا وثيابِ هاشمٍ مَا أَعْرِفُ شمائلَ هَاشِمٍ فِيكَ فارْجِعْ رَاشِدًا، فانْصَرَف خَائِبًا فَقَالُوا: رجعَ حُنَيْنٌ بِخُفَّيه، فَصَارَ مَثَلًا؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ اسْمُ إِسْكافٍ مِنْ أَهل الحيرةِ، ساوَمه أَعْرابيٌّ بخُفَّيْن فَلَمْ يَشتَرِهما، فغاظَه ذَلِكَ وعلَّقَ أَحَدَ الخُفَّيْنِ فِي طَرِيقِهِ، وتقدَّم وطرَحَ الآخَرَ وكَمَن لَهُ، وجاءَ الأَعرابيُّ فرأَى أَحَدَ الخُفَّيْن فَقَالَ: مَا أَشْبَه هَذَا بِخُفِّ حُنَيْنٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ آخرُ اشْتَرَيْتُه فتقدَّم ورأَى الخُفَّ الآخرَ مَطْرُوحًا فِي الطَّرِيقِ، فنزلَ وعَقَلَ بعيرَه وَرَجَعَ إِلى الأَوّل، فَذَهَبَ الإِسكافُ براحِلتِه، وجاءَ إِلى الحَيِّ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ. والحَنَّانُ: موضعٌ يُنْسَبُ إِليه أَبْرَقُ الحَنَّانِ. الْجَوْهَرِيُّ: وأَبْرَقُ الحَنَّانِ موضعٌ. قَالَ ابْنُ الأَثير: الحَنَّانُ رمْلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَهُ ذِكْرٌ فِي مَسِير النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلى بَدْرٍ؛ وحَنَانةُ: اسمُ راعٍ فِي قَوْلِ طَرَفَةَ:
نَعاني حَنَانةُ طُوبالةً، ... تسفُّ يَبِيساً مِنَ العِشرِقِ.
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: رَوَاهُ ابْنُ الْقُطَاعِ بَغاني حَنَانةُ، بِالْبَاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَالصَّحِيحُ بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ كَمَا وَقَعَ فِي الأُصول، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ:
فنَفْسَك فانْعَ وَلَا تَنْعَني، ... وداوِ الكُلُومَ وَلَا تَبْرَقِ
. والحَنَّانُ: اسمُ فحْلٍ مِنْ خُيولِ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ. وحُنٌّ، بِالضَّمِّ: اسْمُ رَجُلٍ. وحَنِينٌ والحَنِينُ «2». جَمِيعًا: جُمادَى الأُولى اسمٌ لَهُ كالعَلَم؛ وَقَالَ:
وَذُو النَّحْبِ نُؤْمِنْه فيَقْضي نُذورَه، ... لَدَى البِيضِ مِنْ نِصْفِ الحَنِين المُقَدَّرِ
وجمعُه أَحِنَّةٌ وحُنُونٌ وحَنَائِنُ. وَفِي التَّهْذِيبِ عَنِ الْفَرَّاءِ وَالْمُفَضَّلِ أَنهما قَالَا: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِجُمادَى الآخِرة حَنِينٌ، وصُرِفَ لأَنه عُني بِهِ الشَّهْرُ.
حنحن: الأَزهري: ابْنُ الأَعرابي حَنْحَنَ إِذا أَشفق.
حون: الحانةُ: موضعُ بَيْعِ الخَمْر؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَظُنُّها فَارِسِيَّةً وأَن أَصلها خَانَةٌ. والتَّحَوُّنُ: الذُّلُّ والهَلاكُ.
حين: الحِينُ: الدهرُ، وَقِيلَ: وَقْتٌ مِنَ الدَّهر مُبْهَمٌ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأَزمان كُلِّهَا، طَالَتْ أَو قَصُرَتْ، يَكُونُ سَنَةً وأَكثر مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ أَربعين سَنَةً أَو سَبْعَ سِنِينَ أَو سَنَتَيْنِ أَو سِتَّةَ أَشهر أَو شَهْرَيْنِ. والحِينُ: الوقتُ، يُقَالُ: حِينَئِذٍ؛ قَالَ خُوَيْلِدٌ:
كَابِي الرَّمادِ عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُه، ... حينَ الشتاءِ، كَحَوْضِ المَنْهَلِ اللَّقِفِ.
والحِينُ: المُدَّة؛ ومنه قوله تعالى:
__________
(2). قوله [وحنين والحنين إِلخ] بوزن أَمير وسكيت فيهما كما في القاموس
(13/133)

هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
. التَّهْذِيبِ: الحِينُ وَقْتٌ مِنَ الزَّمَانِ، تَقُولُ: حانَ أَن يَكُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَحِين، وَيُجْمَعُ عَلَى الأَحيانِ، ثُمَّ تُجْمَعُ الأَحيانُ أَحايينَ، وإِذا بَاعَدُوا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ بَاعَدُوا بإِذ فَقَالُوا: حِينَئذٍ، وَرُبَّمَا خَفَّفُوا هَمْزَةَ إِذ فأَبدلوها يَاءً وَكَتَبُوهَا بِالْيَاءِ. وحانَ لَهُ أَن يَفْعَلَ كَذَا يَحِينُ حِينًا أَي آنَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
؛ قِيلَ: كلَّ سنةٍ، وَقِيلَ: كُلَّ سِتَّةِ أَشهر، وَقِيلَ: كُلَّ غُدْوةٍ وعَشِيَّة. قَالَ الأَزهري: وَجَمِيعُ مَنْ شاهدتُه مِنْ أَهل اللُّغَةِ يَذْهَبُ إِلى أَن الحِينَ اسْمٌ كَالْوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأَزمان، قَالَ: فَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ
، أَنه يُنْتَفَعُ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا يَنْقَطِعُ نَفْعُهَا أَلْبَتَّةَ؛ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَن الحِينَ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْتِ قَوْلُ النَّابِغَةِ أَنشده الأَصمعي:
تَناذَرَها الراقونَ مِنْ سَوْءِ سَمِّها، ... تُطَلِّقه حِيناً، وحِيناً تُراجِعُ
. الْمَعْنَى: أَن السَّمَّ يَخِفُّ أَلَمُه وقْتاً وَيَعُودُ وَقْتًا. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ زِمْلٍ: أَكَبُّوا رَواحِلَهم فِي الطَّرِيقِ وَقَالُوا هَذَا حِينُ المَنْزِلِ
أَي وَقْتَ الرُّكُونِ إِلى النُّزُولِ، وَيُرْوَى خَيْرُ الْمَنْزِلِ، بِالْخَاءِ وَالرَّاءِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
؛ أَي بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَفِي الْمُحْكَمِ أَي بَعْدَ مَوْتٍ؛ عَنِ الزَّجَّاجِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
؛ أَي حَتَّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ الَّتِي أُمْهِلوا فِيهَا، وَالْجَمْعُ أَحْيانٌ، وأَحايينُ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَرُبَّمَا أَدخلوا عَلَيْهِ التَّاءَ وَقَالُوا لاتَ حِينَ بِمَعْنَى لَيْسَ حِينَ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
؛ وأَما قَوْلُ أَبي وَجْزة:
العاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عاطفٍ، ... والمُفْضِلونَ يَداً، إِذا مَا أَنْعَمُوا
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قِيلَ إِنه أَراد العاطِفُونَ مِثْلَ الْقَائِمُونَ وَالْقَاعِدُونَ، ثُمَّ إِنه زَادَ التَّاءَ فِي حِينَ كَمَا زَادَهَا الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
نَوِّلِي قَبْلَ نَأْي دَارِي جُمانَا، ... وصِلِينا كَمَا زَعَمْتِ تَلانا
. أَراد الْآنَ، فَزَادَ التَّاءَ وأَلقى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا. قَالَ أَبو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ حَسْبُكَ تَلانَ، يُرِيدُ الْآنَ، فَزَادَ التَّاءَ، وَقِيلَ: أَراد العاطفونَهْ، فأَجراه فِي الْوَصْلِ عَلَى حَدِّ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْفِ، وَذَلِكَ أَنه يُقَالُ فِي الْوَقْفِ: هَؤُلَاءِ مسلمونهْ وضاربونَهْ فَتَلْحَقُ الْهَاءُ لِبَيَانِ حَرَكَةِ النُّونِ، كَمَا أَنشدوا:
أَهكذَا يَا طيْب تَفْعَلُونَهْ، ... أَعَلَلَا وَنَحْنُ مُنْهِلُونَهْ؟
فَصَارَ التَّقْدِيرُ الْعَاطِفُونَهْ، ثُمَّ إِنه شَبَّهَ هَاءَ الْوَقْفِ بِهَاءِ التأْنيث، فَلَمَّا احْتَاجَ لإِقامة الْوَزْنِ إِلى حَرَكَةِ الْهَاءِ قَلَبَهَا تَاءً كَمَا تَقُولُ هَذَا طَلْحَهْ، فَإِذَا وَصَلْتَ صَارَتِ الْهَاءُ تَاءً فَقُلْتَ: هَذَا طَلْحَتُنَا، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْعَاطِفُونَهْ، وَفُتِحَتِ التَّاءُ كَمَا فُتِحَتْ فِي آخِرِ رُبَّتَ وثُمَّتَ وذَيْتَ وكَيْتَ؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ «3». بَيْتَ أَبي وَجْزَةَ:
العاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عاطفٍ، ... والمُطْعِمونَ زمانَ أَيْنَ المُطْعِمُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَنشد ابْنُ السِّيرَافِيِّ:
فإِلَى ذَرَى آلِ الزُّبَيْرِ بفَضْلِهم، ... نِعْمَ الذَّرَى فِي النائباتِ لَنَا هُمُ
الْعَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عاطِفٍ، ... والمُسْبِغُونَ يَدًا إِذا مَا أَنْعَمُوا
__________
(3). قوله [وأَنشد الجوهري إِلخ] عبارة الصاغاني هو إِنشاد مداخل والرواية:
الْعَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ، ... وَالْمُسْبِغُونَ يَدًا إِذا مَا أَنعموا
والمانعون من الهضيمة جارهم، ... والحاملون إِذا العشيرة تغرم
وَاللَّاحِقُونَ جِفَانَهُمْ قَمْعَ الذُّرَى ... وَالْمُطْعِمُونَ زَمَانَ أَين الْمُطْعِمُ.
(13/134)

قَالَ: هَذِهِ الْهَاءُ هِيَ هَاءُ السَّكْتِ اضْطَرَّ إِلى تَحْرِيكِهَا؛ قَالَ وَمِثْلُهُ:
همُ القائلونَ الخيرَ والآمِرُونَهُ، ... إِذا مَا خَشُوا مِنْ مُحْدَثِ الأَمْرِ مُعْظَما.
وحينئذٍ: تَبْعيدٌ لِقَوْلِكَ الْآنَ. وَمَا أَلقاه إِلا الحَيْنَة الحِيْنَة بعد الحَيْنَةِ [الحِيْنَةِ] أَي الحِينَ بَعْدَ الحِينِ. وَعَامَلَهُ مُحايَنَةً وحِياناً: مِنَ الحينِ؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَكَذَلِكَ استأْجره مُحايَنَةً وحِياناً؛ عَنْهُ أَيضاً. وأَحانَ مِنَ الحِين: أَزْمَنَ. وحَيَّنَ الشيءَ: جَعَلَ لَهُ حِيناً. وحانَ حِينُه أَي قَرُبَ وَقْتُه. والنَّفْسُ قَدْ حانَ حِينُها إِذا هَلَكَتْ؛ وَقَالَتْ بُثَيْنة:
وإِنَّ سُلُوِّي عَنْ جَميلٍ لساعَةٌ، ... مِنَ الدَّهْرِ، مَا حانَتْ وَلَا حانَ حِينُها
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: لَمْ يُحْفَظْ لِبُثَيْنَةَ غَيْرُ هَذَا الْبَيْتِ؛ قَالَ: وَمِثْلُهُ لمُدْرِك بْنِ حِصْنٍ:
وليسَ ابنُ أُنْثى مائِتاً دُونَ يَوْمِهِ، ... وَلَا مُفْلِتاً مِنْ مِيتَةٍ حانَ حِينُها
. وَفِي تَرْجَمَةِ حَيْثُ: كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمَكَانِ، لأَنه ظَرْفٌ في الأَمكنة بمنزلة حِينٍ فِي الأَزمنة. قَالَ الأَصمعي: وَمِمَّا تُخْطِئُ فِيهِ العامَّةُ وَالْخَاصَّةُ بَابُ حِينَ وَحَيْثُ، غَلِطَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِثْلُ أَبي عُبَيْدَةَ وَسِيبَوَيْهِ؛ قَالَ أَبو حَاتِمٍ: رأَيت فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ أَشياء كَثِيرَةً يَجْعَلُ حِينَ حَيْثُ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ أَبي عُبَيْدَةَ بِخَطِّهِ؛ قَالَ أَبو حَاتِمٍ: وَاعْلَمْ أَن حِينَ وَحَيْثُ ظَرْفَانِ، فَحِينَ ظَرْفٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَحَيْثُ ظَرْفٌ مِنَ الْمَكَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدٌّ لَا يُجَاوِزُهُ، قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ جَعَلُوهُمَا مَعًا حَيْثُ، قَالَ: وَالصَّوَابُ أَن تَقُولَ رأَيت حَيْثُ كُنْتَ أَي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ، واذْهَب حَيْثُ شِئْتَ أَي إِلى أَي مَوْضِعٍ شِئْتَ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما. وَتَقُولُ: رأَيتك حينَ خَرَجَ الحاجُّ أَي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَهَذَا ظَرْفٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَا تَقُلْ حَيْثُ خَرَجَ الْحَاجُّ. وَتَقُولُ: ائتِني حينَ مَقْدَمِ الحاجِّ، ولا يجوز حيثُ مَقْدَم الْحَاجِّ، وَقَدْ صَيَّرَ النَّاسُ هَذَا كُلَّهُ حَيْثُ، فلْيَتَعَهَّدِ الرجلُ كَلَامَهُ، فإِذا كَانَ موضعٌ يَحْسُنُ فِيهِ أَيْنَ وأَيُّ موضع فهو حيثُ، لأَن أَيْنَ مَعْنَاهُ حَيْثُ، وَقَوْلُهُمْ حَيْثُ كَانُوا وأَين كَانُوا مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ أَجازوا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنه يَحْسُن فِي مَوْضِعِ حينَ لَمَّا وإِذ وإِذا ووقت ويوم وساعة ومتى، تقول: رأَيتك لَمَّا جِئْتَ، وحينَ جِئْتَ، وإِذْ جِئْتَ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي تَرْجَمَةِ حَيْثُ. وعَامَلْته مُحايَنة: مِثْلَ مُساوَعة. وأَحْيَنْتُ بِالْمَكَانِ إِذا أَقمت بِهِ حِيناً. أَبو عَمْرٍو: أَحْيَنَتِ الإِبلُ إِذا حانَ لَهَا أَن تُحْلَب أَو يُعْكَم عَلَيْهَا. وَفُلَانٌ يَفْعَلُ كَذَا أَحياناً وَفِي الأَحايِينِ. وتَحَيَّنْتُ رُؤْيَةَ فُلَانٍ أَي تَنَظَّرْتُه. وتَحيَّنَ الوارِشُ إِذا انْتَظَرَ وَقْتَ الأَكل لِيَدْخُلَ. وحَيَّنْتُ النَّاقَةَ إِذا جَعَلْتَ لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَقْتًا تَحْلِبُهَا فِيهِ. وحَيَّنَ الناقةَ وتَحَيَّنها: حَلَبها مَرَّةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالِاسْمُ الحِينَةُ؛ قَالَ المُخَبَّلُ يَصِفُ إِبلًا:
إِذا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَكَ أَفْنُها، ... وإِن حُيِّنَتْ أَرْبَى عَلَى الوَطْبِ حَينُها.
وَفِي حَدِيثِ الأَذان:
كَانُوا يَتَحَيَّنُون وقتَ الصَّلَاةِ
أَي يَطْلُبُونَ حِينَها. والحينُ: الوقتُ. وَفِي حَدِيثِ الجِمارِ:
كُنَّا نَتَحَيَّنُ زوالَ الشَّمْسِ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
تَحَيَّنُوا نُوقَكم
؛ هُوَ أَن تَحْلُبها مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ. الأَصمعي: التَّحْيينُ أَن تحْلُبَ النَّاقَةَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، قَالَ: والتَّوْجِيبُ مِثْلُهُ وَهُوَ كَلَامُ الْعَرَبِ. وإِبل مُحَيَّنةٌ إِذا كَانَتْ لَا
(13/135)

تُحْلَبُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بعد ما تَشُولُ وتَقِلُّ أَلبانُها. وَهُوَ يأْكل الحِينةَ والحَيْنة أَي الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَفِي بَعْضِ الأُصول أَي وَجْبَةً فِي الْيَوْمِ لأَهل الْحِجَازِ، يَعْنِي الْفَتْحَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: فَرَّقَ أَبو عَمْرٍو الزَّاهِدُ بَيْنَ الحَيْنةِ وَالْوَجْبَةِ فَقَالَ: الحَيْنة فِي النُّوقِ والوَجْبة فِي النَّاسِ، وكِلاهما لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فالوَجْبة: أَن يأْكل الإِنسان فِي الْيَوْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، والحَيْنة: أَن تَحْلُبَ النَّاقَةَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً. والحِينُ: يومُ الْقِيَامَةِ. والحَيْنُ، بِالْفَتْحِ: الْهَلَاكُ؛ قَالَ:
وَمَا كانَ إِلا الحَيْنُ يومَ لِقائِها، ... وقَطْعُ جَديدِ حَبْلِها مِنْ حِبالكا
. وَقَدْ حانَ الرجلُ: هَلَك، وأَحانه اللَّهُ. وَفِي الْمَثَلِ: أَتَتْكَ بحائنٍ رِجْلاه. وَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يُوَفَّق للرَّشاد فَقَدْ حانَ. الأَزهري: يُقَالُ حانَ يَحِينُ حَيْناً، وحَيَّنَه اللَّهُ فتَحَيَّنَ. والحائنةُ: النَّازِلَةُ ذاتُ الحَين، وَالْجَمْعُ الحَوائنُ؛ قَالَ النَّابِغَةُ:
بِتَبْلٍ غَيْرِ مُطَّلَبٍ لَدَيْها، ... ولكِنَّ الحَوائنَ قَدْ تَحِينُ
وَقَوْلُ مُلَيح:
وحُبُّ لَيْلى وَلَا تَخْشى مَحُونَتَهُ ... صَدْعٌ بنَفْسِكَ مِمَّا لَيْسَ يُنْتَقَدُ
. يَكُونُ مِنَ الحَيْنِ، وَيَكُونُ مِنَ المِحْنةِ. وحانَ الشيءُ: قَرُبَ. وحانَتِ الصلاةُ: دَنَتْ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ. وحانَ سنْبُلُ الزَّرْعِ: يَبِسَ فآنَ حصادُه. وأَحْيَنَ القومُ: حانَ لَهُمْ مَا حَاوَلُوهُ أَو حَانَ لَهُمْ أَن يَبْلُغُوا مَا أَمَّلوه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
كيفَ تَنام بعدَ ما أَحْيَنَّا
. أَي حانَ لَنَا أَن نَبْلُغَ. والحانَةُ: الحانُوتُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. الْجَوْهَرِيُّ: والحاناتُ الْمَوَاضِعُ الَّتِي فِيهَا تُبَاعُ الْخَمْرُ. والحانِيَّةُ: الْخَمْرُ مَنْسُوبَةٌ إِلى الْحَانَةِ، وَهُوَ حانوتُ الخَمَّارِ، والحانوتُ مَعْرُوفٌ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وأَصله حانُوَةٌ مِثْلُ تَرْقُوَةٍ، فَلَمَّا أُسكنت الْوَاوُ انْقَلَبَتْ هَاءُ التأْنيث تَاءً، وَالْجَمْعُ الحَوانيتُ لأَن الرَّابِعَ مِنْهُ حَرْفُ لِينٍ، وإِنما يُرَدُّ الاسمُ الَّذِي جَاوَزَ أَربعة أَحرف إِلى الرُّبَاعِيِّ فِي الْجَمْعِ وَالتَّصْغِيرِ، إِذا لَمْ يَكُنِ الْحَرْفُ الرَّابِعُ مِنْهُ أَحد حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حانوتٌ أَصله حَنَوُوت، فقُدِّمت اللَّامُ عَلَى الْعَيْنِ فَصَارَتْ حَوَنُوتٌ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ أَلفاً لتحرُّكها وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ حانُوتٍ، وَمِثْلُ حانُوت طاغُوتٌ، وأَصله طَغَيُوتٌ، والله أَعلم.

فصل الخاء المعجمة
خبن: خَبَنَ الثوبَ وغَيرَه يَخْبِنُه خَبْناً وخِباناً وخُباناً: قلَّصَه بِالْخِيَاطَةِ. قَالَ اللَّيْثُ: خَبَنْتُ الثوبَ خَبْناً إِذا رفعتَ ذُلْذُلَ الثوبِ فخِطْتَه أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِهِ كَيْ يَتَقَلَّصَ ويَقْصُر كَمَا يُفْعَلُ بِثَوْبِ الصَّبِيِّ، قَالَ: والخُبْنةُ ثيابُ الرَّجُلِ، وَهُوَ ذُلْذُلُ ثَوْبِهِ الْمَرْفُوعِ. يُقَالُ: رَفَعَ فِي خُبْنَتِه شَيْئًا، وَقَدْ خَبَنَ خَبْناً. والخُبْنةُ: الحُجْزة يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ فِي إِزاره لأَنه يُقَلِّصُها. والخُبْنة: الوعاءُ يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ ثُمَّ يُحْمَلُ كَذَلِكَ أَيضاً، فإِن جَعَلْتَهُ أَمامك فَهُوَ ثِبانٌ، وإِن حَمَلْتَهُ عَلَى ظَهْرِكَ فَهُوَ حالٌ. والخُبْنَةُ: مَا تَحْمِلُهُ فِي حِضْنِك. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: إِذا مَرَّ أَحدُكم بحائطٍ فلْيأْكُلْ مِنْهُ وَلَا يتخذْ خُبْنةً
؛ قَالَ: الخُبْنةُ والحُبْكةُ فِي الحُجْزَة حُجْزَةِ السَّراويل، والثُّبْنةُ فِي الإِزارِ. وَيُقَالُ لِلثَّوْبِ إِذا
(13/136)

طَالَ فَثَنَيْتَه: قَدْ خَبَنْته وغبَنْته وكَبَنْته. ابْنُ الأَعرابي: أَخْبَنَ الرجلُ إِذا خَبَأَ فِي خُبْنة سَراويلِه مِمَّا يَلِي الصُّلْبَ، وأَثْبَنَ إِذا خَبَأَ فِي ثُبْنَتِه مِمَّا يَلِي البَطْنَ، وعَنى بثُبْنَتِه إِزارَه. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
مَنْ أَصابَ بفِيه مِنْ ذِي حاجةٍ غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
أَي لَا يأْخذ مِنْهُ فِي ثَوْبِهِ. وخَبَنَ الشِّعْرَ يخْبِنه خَبْناً: حذَف ثَانِيَهُ مِنْ غَيْرِ أَن يَسْكُنَ لَهُ شَيْءٌ إِذا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الزحافُ، كحذْف السِّينِ مِنْ مُسْتَفعِلُن، وَالْفَاءِ مِنْ مَفْعولات، والأَلف مِنْ فاعِلاتن، وَكُلُّهُ مِنَ الخَبْنِ الَّذِي هُوَ التَّقْليصُ. قال أَبو إِسحق: إِنما سُمِّيَ مَخْبُوناً لأَنك كأَنك عطَفتَ الجُزْءَ، وإِن شِئْتَ أَتممتَ، كَمَا أَنَّ كلَّ مَا خَبَنْتَه مِنْ ثوبٍ أَمكَنَكَ إِرْسالُه، وإِنما سُمِّيَ خَبْناً لأَن حَذْفَه مَعَ أَوَّله؛ هَذَا قَوْلُ أَبي إِسحق، وَقَوْلُ المُخبَّل أَنشده ابْنُ الأَعرابي:
وكانَ لَهَا مِنَ حوْضِ سَيْحانَ فُرْصةٌ، ... أَراغَ لَهَا نَجْمٌ مِنَ القَيْظِ خابنُ
. أَي خَبَنَها القيظُ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: خابِنٌ خَبَنَ مِنْ طُولِ ظِمئها أَي قَصَّر، يَقُولُ: اشتَدَّ القيظُ ويَبِسَ البَقْلُ فقَصُر الظِّمءُ. ورجلٌ خُبُنٌّ: مُتقَبِّضٌ ككُبُنٍّ. وخَبَنَ الشَّيْءَ يَخْبِنُه خَبْناً: أَخفاه. وخَبَنَ الطَّعامَ إِذا غَيَّبَه واستَعَدَّه للشِّدَّة. والخُبْنُ فِي الْمَزَادَةِ: مَا بَيْنَ الخَرَبِ «1». والفَمِ، وَهُوَ دُونَ المِسْمَع، وَلِكُلِّ مِسْمَع خُبْنان. وَيُقَالُ: خَبَنَتْه خَبُونُ مِثْلَ شَعَبَتْه شَعُوبُ إِذا مَاتَ. والخُبْنة: موضعٌ. وإِنه لَذُو خَبَناتٍ وخَنَباتٍ: وَهُوَ الَّذِي يَصْلُحُ مَرَّةً ويَفْسُد أُخرى.
خبعثن: الخُبَعْثِنة: الناقةُ الحَريزة. وتَيسٌ خُبَعْثِنٌ: غَلِيظٌ شَدِيدٌ؛ قَالَ:
رأَيتُ تَيْساً راقَني لسَكَني، ... ذَا مَنْبِتٍ يَرْغَبُ فِيهِ المُقْتَني،
أَهْدَبَ مَعْقودَ القَرَى خُبَعْثِن
. والخُبَعْثِنُ أَيضاً مِنَ الرِّجَالِ: القويُّ الشَّدِيدُ. أَبو عُبَيْدَةَ: الخُبَعْثِنة مِنَ الرِّجَالِ الشديدُ الخَلْق الْعَظِيمُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَظِيمُ الشَّدِيدُ مِنَ الأُسد. الْجَوْهَرِيُّ: الخُبَعْثِنة الضَّخْمُ الشَّدِيدُ مِثْلُ القُذَعْمِلَة؛ وأَنشد أَبو عَمْرٍو:
خُبَعْثِنُ الخَلْقِ فِي أَخلاقه زَعَرٌ
وَقَالَ أَبو زُبيدٍ الطَّائِيُّ فِي وَصْفِ الأَسد:
خُبَعْثِنةٌ فِي ساعِدَيهِ تَزايُلٌ، ... تقولَ وعَى مِنْ بعدِ مَا قَدْ تكَسَّرا
. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَصِفُ إِبِلًا:
حُوَاساتُ العَشاءِ خُبَعْثناتٌ، ... إِذا النَّكْباءُ عارَضَتِ الشَّمَالا
. حُواسات: أَكُولات. يُقَالُ: حاسَ يَحُوسَ حَوْساً أَكل، والعَشاء، بِفَتْحِ الْعَيْنِ: الطَّعَامُ بِعَيْنِهِ، أَي هِيَ أَكولاتٌ مستوفياتٌ لِعَشَائِهِنَّ، وَمَنْ رَوَى العِشاء، بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فَمَعْنَى حُواسات مُجْتَمِعَاتٌ؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: الخُبَعْثِنُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ التارُّ البَدَنِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ ذَكَرَهَا الْجَوْهَرِيُّ بَعْدَ تَرْجَمَةِ خَتَنَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ أَيضاً وَلَمْ يَنْتَقِدْهُ على الجوهري.
ختن: خَتَنَ الغلامَ وَالْجَارِيَةَ يَخْتِنُهما ويَخْتُنهما خَتْناً، وَالِاسْمُ الخِتانُ والخِتانةُ، وَهُوَ مَخْتون، وَقِيلَ: الخَتْن لِلرِّجَالِ، والخَفْضُ لِلنِّسَاءِ. والخَتِين: المَخْتُونُ، الذَّكَرُ والأُنثى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. والخِتانة: صِنَاعَةُ الْخَاتِنِ. والخَتْنُ: فِعْل الْخَاتِنِ الغُلامَ، والخِتان ذَلِكَ الأَمْرُ كُلُّه وعِلاجُه. والخِتانُ:
__________
(1). قوله [ما بين الخرب] بالتحريك آخره باء موحدة كما في المحكم والتكملة
(13/137)

مَوْضِعُ الخَتْنِ مِنَ الذَّكَرِ، وَمَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ نَواة الْجَارِيَةِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنثى؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ المرويُّ:
إِذا الْتَقَى الخِتانان فَقَدْ وَجَبَ الغسلُ
، وَهُمَا مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ ذَكَرِ الْغُلَامِ وَفَرْجِ الْجَارِيَةِ. وَيُقَالُ لقَطْعهما الإِعْذارُ والخَفْضُ، وَمَعْنَى الْتِقَائِهِمَا غُيُوبُ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِ المرأَة حَتَّى يَصِيرَ خِتانه بِحِذَاءِ خِتَانِها، وَذَلِكَ أَن مَدْخَلَ الذَّكَرِ مِنَ المرأَة سَافِلٌ عَنْ خِتانِها لأَن خِتَانَهَا مستعلٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يَمَاسَّ خِتانُه خِتَانَهَا؛ هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ. وأَصل الخَتْن: القطعُ. وَيُقَالُ: أُطْحِرَتْ خِتانَتُه إِذا اسْتُقْصِيَتْ فِي القَطْعِ، وَتُسَمَّى الدَّعْوةُ لِذَلِكَ خِتاناً، وخَتَنُ الرجلِ المُتزوِّجُ بِابْنَتِهِ أَو بأُخته؛ قَالَ الأَصمعي: ابْنُ الأَعرابي: الخَتَنُ أَبو امرأَة الرَّجُلِ وأَخو امرأَته وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ امرأَته، وَالْجَمْعُ أَخْتانٌ، والأُنثى خَتَنَة. وخاتَنَ الرجلُ الرجلَ إِذا تَزَوَّجَ إِليه. وَفِي الْحَدِيثِ:
عليٌّ خَتَنُ رسول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، أَي زوجُ ابْنَتِهِ، وَالِاسْمُ الخُتُونة. التَّهْذِيبُ: الأَحْماءُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، والأَخْتانُ مِنْ قِبَلِ المرأَة، والصِّهْرُ يَجْمَعُهُمَا. والخَتَنة: أُمُّ المرأَة وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. غَيْرُهُ: الخَتَنُ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ المرأَة مِثْلَ الأَب والأَخ، وَهُمُ الأَخْتانُ، هَكَذَا عِنْدَ الْعَرَبِ، وأَما العامَّةُ فخَتَنُ الرَّجُلِ زوجُ ابْنَتِهِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلرَّاجِزِ:
وَمَا عَلَيَّ أَن تكونَ جارِيهْ، ... حَتَّى إِذا مَا بَلَغَتْ ثَمانِيَهْ
زَوَّجْتُها عُتْبَةَ أَو مُعاوِيهْ، ... أَخْتانُ صدقٍ ومُهورٌ عالِيَهْ
. وأَبو بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، خَتَنا رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسُئِلَ
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيَنْظُر الرَّجُلُ إِلى شَعَرِ خَتَنَتِه؟ فقرأَ هَذِهِ الْآيَةَ: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، حَتَّى قرأَ الْآيَةَ فَقَالَ: لَا أَراه فِيهِمْ وَلَا أَراها فيهنَ
، أَراد بخَتَنَتِه أُمَّ امرأَته. وَرَوَى الأَزهري أَيضاً قَالَ: سُئِلَ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى رأْس أُم امرأَته فَتَلَا: لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ، إِلى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: لَا أَراها فِيهِنَّ.
ابْنُ المظفَّر: الخَتَن الصِّهْر. يُقَالُ: خاتَنْتُ فُلَانًا مُخاتَنةً، وَهُوَ الرَّجُلُ الْمُتَزَوِّجُ فِي الْقَوْمِ، قَالَ: والأَبوانِ أَيضاً خَتَنا ذَلِكَ الزَّوْجِ. والخَتَنُ: زوجُ فَتَاةِ الْقَوْمِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِه مِنْ رَجُلٍ أَو امرأَة فَهُمْ كُلُّهُمْ أَخْتانٌ لأَهل المرأَة. وأُمّ المرأَة وأَبوها: خَتَنانِ لِلزَّوْجِ، الرجلُ خَتَنٌ والمرأَة خَتَنة. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الخُتُونة المُصاهرة وَكَذَلِكَ الخُتون، بِغَيْرِ هَاءٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
رأَيتُ خُتونَ العامِ، والعامِ قَبْلَهُ، ... كحائضةٍ يُزْنى بِهَا غيرَ طاهِر
. أَراد رأَيت مُصَاهَرَةَ الْعَامِ وَالْعَامِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ كامرأَة حَائِضٍ زُنِيَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنهما كَانَا عامَيْ جَدْبٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ الهَجِينُ إِذا كَثُرَ مَالُهُ يَخْطُبُ إِلى الرَّجُلِ الشَّرِيفِ الْحَسِيبِ الصَّرِيحِ النَّسَبِ إِذا قَلَّ مالُه حَريمتَه فَيُزَوِّجُهُ إِياها لِيَكْفِيَهُ مَؤُونَتَهَا فِي جُدُوبَةِ السَّنَةِ، فَيَتَشَرَّفُ الهَجِينُ بِهَا لِشَرَفِ نَسَبِهَا عَلَى نَسَبِهِ، وَتَعِيشُ هِيَ بِمَالِهِ، غَيْرَ أَنها تُورِثُ أَهلها عَارًا كَحَائِضَةٍ فُجِرَ بِهَا فَجَاءَهَا الْعَارُ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحداهما أَنها أُتيت حَائِضًا، وَالثَّانِيَةُ أَن الوطءَ كَانَ حَرَامًا وإِن لَمْ تكُن حَائِضًا. والخُتونة أَيضاً: تَزَوُّجُ الرَّجُلِ المرأَةَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
وَمَا اسْتَعْهَدَ الأَقوامُ مِنْ ذِي خُتُونةٍ ... مِنَ الناسِ، إِلا مِنكَ أَو مِنْ مُحاربِ
. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والخُتُونة تَجْمَعُ المُصاهرةَ بَيْنَ
(13/138)

الرَّجُلِ والمرأَة، فأَهلُ بَيْتِهَا أَخْتانُ أَهل بَيْتِ الزَّوْجِ وأَهلُ بيتِ الزَّوْجِ أَخْتانُ المرأَةِ وأَهلِها. ابْنُ شُمَيْلٍ: سُمِّيَتِ المُخاتَنَة مُخاتنةً، وَهِيَ الْمُصَاهَرَةُ، لِالْتِقَاءِ الخِتانَيْنِ مِنْهُمَا. وَرُوِيَ عَنْ
عُيَيْنة بْنِ حِصْنٍ: أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِن مُوسَى أَجَرَ نَفْسَه بعِفَّةِ فَرْجِهِ وشِبَعِ بَطْنِه، فَقَالَ لَهُ خَتَنُه: إِن لَكَ فِي غَنَمِي مَا جَاءَتْ بِهِ قالِبَ لَوْنٍ
؛ قالِبَ لَوْنٍ: عَلَى غَيْرِ أَلوان أُمهاتها، أَراد بالخَتَنِ أَبا المرأَة، وَاللَّهُ أَعلم.
خدن: الخِدْنُ والخَدِين: الصديقُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الصاحبُ المُحدِّثُ، وَالْجَمْعُ أَخْدانٌ وخُدَناء. والخِدْنُ والخَدِينُ: الَّذِي يُخَادِنُك فَيَكُونُ مَعَكَ فِي كُلِّ أَمر ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ. وخِدْنُ الْجَارِيَةِ: مُحَدِّثُها، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ خِدْنٍ يُحَدِّثُ الْجَارِيَةَ فَجَاءَ الإِسلامُ بِهَدْمِهِ. والمُخادَنة: المُصاحبة، يُقَالُ: خادَنْتُ الرجلَ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِن احْتاجَ إِلى مَعُونتهم فشَرُّ خليلٍ وأَلأَمُ خَدِينٍ
؛ الخِدْنُ والخَدِينُ: الصَّدِيقُ. والأَخْدَنُ: ذُو الأَخْدانِ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وانْصَعْنَ أَخْداناً لذاكَ الأَخْدَنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ خِدْنُ الْجَارِيَةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ
؛ يَعْنِي أَن يَتِّخِذْنَ أَصدقاء. وَرَجُلٌ خُدَنةٌ: يُخادِنُ الناسَ كثيراً.
خذن: اللَّيْثُ: الخُذُنَّتانِ الأُذُنانِ؛ وأَنشد:
يَا ابْنَ الَّتِي خُذُنَّتاها باعُ
. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هَذَا تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ الحُذُنَّتان، هَكَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ، والخاء وهم.
خذعن: الخُذْعُونة: القِطْعَةُ مِنَ القَرْعة والقِثَّاءةِ أَو الشَّحْمِ.
خرطن: الخَراطِينُ: دِيدانٌ طِوالٌ تَكُونُ فِي طِينِ الأَنهار؛ قَالَ الأَزهري: وَلَا أَحْسَبُها عَرَبِيَّةً مَحْضَةً، وَاللَّهُ أَعلم.
خزن: خَزَنَ الشَّيءَ يَخْزُنه خَزْناً واخْتَزَنه: أَحْرَزه وَجَعَلَهُ فِي خِزانة وَاخْتَزَنَهُ لِنَفْسِهِ. والخِزانةُ: اسْمُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُخْزَن فِيهِ الشَّيْءِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
. والخِزانةُ: عَملُ الخازِن. والمَخْزَن، بِفَتْحِ الزَّايِ: مَا يُخْزَن فِيهِ الشَّيْءُ. والخِزانةُ: وَاحِدَةُ الخَزائن. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَنباري: مَعْنَاهُ غُيوب عِلْمِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ، وَقِيلَ للغُيوب خَزائنُ لِغُمُوضِهَا عَلَى النَّاسِ وَاسْتِتَارِهَا عَنْهُمْ. وخَزَن المالَ إِذا غيَّبه. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنما آياتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فإِذا دخلتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَن لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا، قَالَ: شبَّه الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْوِعَاءِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الْمَالُ الْمَخْزُونُ، وَسُمِّيَ الْوِعَاءُ خِزَانَةً لأَنه مِنْ سَبَبِ الْمَخْزُونِ فِيهِ. وخِزانة الإِنسان: قَلْبُهُ. وخازِنه وخَزّانه: لِسَانُهُ، كِلَاهُمَا عَلَى الْمِثْلِ. وَقَالَ
لُقْمَانُ لِابْنِهِ: إِذا كَانَ خازِنك حَفِيظًا وخِزانتك أَمينةً رَشدْتَ فِي أَمرَيْكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ
، يَعْنِي اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ؛ وَقَالَ:
إِذا المَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لسانُه، ... فَلَيْسَ عَلَى شيءٍ سِواه بخازِنِ
. وخَزَنتُ السِّرَّ واختزَنْتُه: كتَمْتُه. وخَزِنَ اللحمُ، بِالْكَسْرِ، يَخْزَنُ وخَزَنَ يَخْزُن خَزْناً وخُزوناً وخَزُنَ، فَهُوَ خَزينٌ: تَغَيَّرَ وأَنتن مِثْلَ خَنِزَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ؛ قالَ طَرَفَةُ:
(13/139)

ثُمَّ لا يَحْزَنُ فِينَا لَحْمُها، ... إِنما يَخْزَنُ لحمُ المُدَّخِر
. وعمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ تَغَيُّرَ الطَّعَامِ كُلِّهِ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الخَزَّانُ الرُّطَب تسْوَدُّ أَجوافه مِنْ آفَةٍ تُصِيبُهُ، اسْمٌ كالجَبّان والقَذّاف، وَاحِدَتُهُ خَزّانة. واختَزَنتُ الطريقَ واخْتَصرْتُه، وأَخذنا مخازِنَ الطَّرِيقِ ومَخاصِرَها أَي أَخذنا أَقرَبها.
خسن: أَهمله اللَّيْثُ، وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: أَخسَنَ الرجلُ: إِذا ذَلَّ بَعْدَ عِزٍّ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
خشن: الخَشِنُ والأَخشَنُ: الأَحرشُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ قَالَ:
والحجرَ الأَخْشَن والثِّنايه
. وَجَمْعُهُ خِشانٌ والأُنثى خَشِنة وخَشْناء؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي يَعْنِي جُلَّة التَّمْرِ: وَقَدْ
لَفَّفا خَشْناءَ ليْسَتْ بوَخشةٍ، ... تُوارِي سماءَ البيتِ، مُشْرِفةَ القُتْرِ
. خَشُنَ خُشْنةً وخَشانة وخُشونة ومَخْشَنة، فَهُوَ خَشِنَ أَخشَن، والمُخاشنة فِي الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ. وَرَجُلٌ أَخشن: خَشِن. والخُشونة: ضِدُّ اللِّينِ، وَقَدْ خَشُن، بِالضَّمِّ، فَهُوَ خَشِن. واخشَوْشنَ الشيءُ: اشتَدَّت خُشونتُه، وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ أَعشَبت الأَرضُ واعْشَوْشَبتْ، وَالْجَمْعُ خُشْنٌ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
تعَلَّمَنْ يَا زَيْدُ، يَا ابنَ زَينِ، ... لأُكْلَةٌ مِنْ أَقِطٍ وسَمْنِ،
وشَرْبتان مِنْ عكِيِّ الضَّأْنِ، ... أَلْيَنُ مَسّاً فِي حَوايا البَطْنِ.
مِنْ يَثْرَبِيّاتٍ قِذاذٍ خُشْنٍ، ... يَرْمي بِهَا أَرْمى مِنِ ابنِ تِقْنِ
. يَعْنِي بِهِ الجُدُد. وَفِي الْحَدِيثِ:
أُخَيْشِنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ
؛ هُوَ تَصْغِيرُ الأَخشَنِ للخَشِن. وتخَشَّنَ واخشَوْشَن الرجلُ: لَبِسَ الخَشِن وَتَعَوَّدَهُ أَو أَكله أَو تَكَلَّمَ بِهِ أَو عَاشَ عَيشاً خَشِناً، وَقَالَ قَوْلًا فِيهِ خُشونة. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: اخشَوْشنوا
، فِي إِحدى رِوَايَاتِهِ، وفي حديث الْآخَرِ أَنه
قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: نِشْنِشة مِنْ أَخشَن
أَي حجرٌ مِنْ جبَل، وَالْجِبَالُ تُوصَفُ بالخُشونة. وَفِي حَدِيثِ
ظَبْيان: ذَنِّبوا خِشانَه
؛ الخِشانُ: مَا خَشُن مِنَ الأَرض، وَمَعْنَى خَشُن دُونَ مَعْنَى اخْشَوْشَنَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْرِيرِ الْعَيْنِ وَزِيَادَةِ الْوَاوِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا كاعشَوْشَبَ وَنَحْوِهِ. واستَخْشَنه: وَجَدَهُ خَشِناً، وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَذْكُرُ الْعُلَمَاءَ الأَتقياء: واستَلانوا مَا اسْتَخْشَنَ المُتْرَفُون.
وخاشَنَه: خَشُن عَلَيْهِ، يَكُونُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَفُلَانٌ خَشِن الْجَانِبِ أَي صَعْب لَا يُطاق. وإِنه لَذُو خُشْنةٍ وخُشونة ومَخْشَنة إِذا كَانَ خَشِن الْجَانِبِ. وَفِي الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ خُشونة، ومُلاءَة خشْناء: فِيهَا خُشونة إِما مِنَ الجِدَّة، وإِما مِنَ الْعَمَلِ. والخَشْناء: الأَرض الْغَلِيظَةُ. وأَرض خَشْناء: فِيهَا حِجَارَةٌ وَرَمْلٌ كخَشّاء. وكَتيبة خَشْناء: كَثِيرَةُ السِّلَاحِ. وَفِي حَدِيثِ الْخُرُوجِ إِلى أُحُد:
فإِذا بكَتيبة خَشْناء
أَي كَثِيرَةِ السِّلَاحِ خَشِنته، ومعشَر خُشْنٌ، وَيَجُوزُ تَحْرِيكُهُ فِي الشِّعْرِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
إِذاً لَقامَ بنَصْري مَعْشَرٌ خُشُنٌ، ... عندَ الحفيظةِ، إِنْ ذُو لُوثةٍ لَانَا
. قَالَ: هُوَ مِثْلَ فَطِنٍ وفُطُن؛ قَالَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ فِي فُطُنٍ:
لَا يَفْطِنُون لَعَيْبِ جارِهِم، ... وهُمُ لحِفْظِ جِوارِه فُطُنُ.
(13/140)

وخاشَنْتُه: خِلَافُ لايَنْته. وخَشَّنْت صدرَه تَخْشيناً: أَوْغَرْتُ؛ قَالَ عَنْتَرَةُ:
لعَمري لَقَدْ أَعْذَرْت لَوْ تَعْذُرينني، ... وخَشَّنْتُ صَدْراً جَيْبُه لَكِ ناصِحُ.
والخُشْنة: الخُشونة؛ قَالَ حَكِيمُ بْنُ مُصعَب:
تشَكَّى إِليَّ الكلبُ خُشْنةَ عَيْشِه، ... وَبِي مثلُ مَا بِالْكَلْبِ أَوْ بِيَ أَكثر.
وَقَالَ شَمِرٌ: اخْشَوْشَنَ عَلَيْهِ صدْرُه وخَشُن عَلَيْهِ صدْرُه إِذا وَجَد عَلَيْهِ. والخَشْناء والخُشَيْناء: بَقْلَةٌ خَضْرَاءُ وَرَقُهَا قَصِيرٌ مِثْلُ الرَّمْرام، غَيْرُ أَنها أَشد اجْتِمَاعًا، وَلَهَا حبٌّ تَكُونُ فِي الرَّوْض والقِيعان، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لخُشونتها؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الخُشَيناء بَقْلَةٌ تَنفَرش عَلَى الأَرض، خَشْناء فِي المَسِّ لَيِّنَةٌ فِي الْفَمِ، لَهَا تَلزُّج كتَلزُّج الرِّجْلة، ونَوْرتها صَفْرَاءُ كنَوْرة المُرّة، وَتُؤْكَلُ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَرْعًى. وخُشَيْنة: بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ الْعَرَبِ، وَالنِّسْبَةُ إِليهم خُشَنيٌّ. وَبَنُو خَشْناء وخُشَين: حَيّان، وَقَدْ سَمَّوْا أَخْشَنَ ومُخاشِناً وخُشَيْناً وخَشِناً. وأَخْشَنُ: جَبَلٌ. وَرَوَى ابْنُ الأَعرابي هَذَا الْمَثَلُ: شِنْشِنة أَعرفها مِنْ أَخْشَنَ، وَفَسَّرَهُ بأَنه اسْمُ جَبَلٍ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ أَعرفها مِنْ أَخْزَم، فَهُوَ اسم رجل.
خصن: ابْنُ الأَعرابي: مِنْ أَسماء الفأْس الخَصِينُ والحَدَثانُ والمِكْشاح. ابْنُ سِيدَهْ: الخَصِينُ فأْسٌ ذاتُ خَلْفٍ وَاحِدٍ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالْجَمْعُ أَخْصُنٌ، وثلاثُ أَخْصُنٍ لتأْنيثه، وَهُوَ النَّاجَخُ «2». أَيضاً؛ قَالَ إِمرؤ الْقَيْسِ:
يَقْطَعُ الغافَ بالخَصِينِ ويُشْلي، ... قَدْ عَلِمْنا بمَنْ يُدِير الرَّبابا.
خضن: خاضَنَ المرأَةَ خِضَاناً ومُخاضَنةً: غازَلها. والمُخاضَنَةُ: التَّرامي بِقَوْلِ الفُحْشِ. والمُخاضَنَةُ: المُغازَلة؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
وأَلقتْ إِليَّ القولَ منهنَّ زَوْلَةٌ، ... تُخاضِنُ أَو تَرْنُو لقَوْلِ المُخاضِنِ «3»
. وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ:
وبَيْضاءَ مِثْل الرِّيم، لَوْ شِئْتُ قَدْ صَبَتْ ... إِليَّ، وَفِيهَا للمُخاضِنِ مَلْعَبُ
الأَصمعي وَغَيْرُهُ: يُقَالُ خَضَنْت الهديةَ والمعروفَ إِذا صَرَفها، وَكَذَلِكَ إِذا خَبَنها، اللِّحْيَانِيُّ: مَا خُضِنَتْ عَنْهُ المُروءَةُ إِلى غَيْرِهِ أَي مَا صُرِفَتْ. وَيُقَالُ: خَضنَه وخَبَنَه إِذا كَفَّه؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
تَعتَزُّ أَعْناقَ الصِّعابِ اللُّجَّنِ ... مِنَ الأَوابي بالرِّياضِ المِخْضَنِ
. اللُّجَّنُ: جَمْعُ اللَّجُونِ «4». وَهُوَ الَّذِي لَا يَحْرُن وَلَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ وإِن ضُرب، مِنَ الأَوابي: صِلَةٌ لِلصِّعَابِ، والمِخْضَنُ: المُذِلُّ. يُقَالُ: خَضَنَه خَضْناً إِذا أَذله. ابْنُ الأَعرابي: المِخْضَن الذي يُذَلِّلُ الدوابَّ.
خفن: اللَّيْثُ: الخَفَّانُ رِئالُ النَّعامِ، الْوَاحِدَةُ خَفَّانَة، وَهُوَ فَرْخُها؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هَذَا تَصْحِيفٌ، وَالَّذِي أَراد اللَّيْثُ: الحَفَّان، بِالْحَاءِ، وَهِيَ رِئالُ النَّعام، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي حَرْفِ الْفَاءِ، قَالَ: وَالْخَاءُ فِيهِ خَطَأٌ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وخَفَّانُ مأْسدة بَيْنَ الثِّنْي وعُذَيْبٍ، فِيهِ غِياضٌ ونُزُوزٌ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ.
__________
(2). قوله [وهو الناجخ] كذا بالتهذيب والتكملة كهاجر ولم نرها في مادتها
(3). قوله [وأَلقت إِليّ الْقَوْلَ مِنْهُنَّ] كذا في الصحاح، وقال الصاغاني الرواية: وأَدّت إِليّ الْقَوْلَ عَنْهُنَّ إِلخ
(4). قوله [اللجن جمع اللجون إِلخ] عبارة التكملة: اللجن البطاء
(13/141)

ابْنُ الأَعرابي: الخَفْنُ اسْتِرخاء البَطْن، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُوَ حَرْفٌ غَرِيبٌ لَمْ أَسمعه لِغَيْرِهِ، اللَّيْثُ: الخَيْفانُ الجَراد أَوَّلَ مَا يَطِيرُ، جَرادةٌ خَيْفانة، وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: جَعَلَ خَيْفاناً فَيْعالًا مِنَ الخَفْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنما الخَيْفان مِنَ الْجَرَادِ الَّذِي صَارَ فِيهِ خُطوطٌ مُخْتَلِفَةٌ، وأَصله مِنَ الأَخْيَفِ، والنُّون فِي خَيْفان نُونُ فَعْلان، وَالْيَاءُ أَصلية. وخَفَيْنَنٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ يَنْبُعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ؛ قَالَ كثيِّر:
فَقَدْ فُتْنَني لمَّا وردنَ خَفَيْنَناً، ... وهُنَّ عَلَى ماء الخُراضَةِ أَبعدُ.
خقن: خاقانُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ. وخَقَّنُوه عَلَى أَنفسهم: رأَّسوهُ. اللَّيْثُ: خَاقانُ اسْمٌ يُسَمَّى بِهِ مَنْ يُخَقِّنُه التركُ عَلَى أَنفسهم؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَلَيْسَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ في شيء.
خمن: خَمَنَ الشيءَ يَخْمِنه خَمْناً وخَمَنَ يَخْمُنُ خَمْناً: قَالَ فِيهِ بالحَدْسِ والتخمينِ أَي بِالْوَهْمِ وَالظَّنِّ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَحْسِبه مولَّداً. والتَّخْمِينُ: القولُ بالحَدْسِ. قَالَ أَبو حَاتِمٍ: هَذِهِ كَلِمَةٌ أَصلها فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأَصلها مِنْ قَوْلِهِمْ خُمَاناً عَلَى الظَّنِّ «1». والحَدْسِ. وخَمَّانُ الناسِ: خُشارَتُهم. وخَمَّانُ المَتاعِ: رَدِيئُهُ. والخَمَّانُ مِنَ الرُّمْح: الضَّعِيفُ. وَرُمْحٌ خَمَّانٌ: ضَعِيفٌ. وقَناة خَمَّانة كَذَلِكَ. وَهُوَ خامِنُ الذِّكْرِ: كَقَوْلِكَ خامِلُ الذِّكْرِ، عَلَى الْبَدَلِ؛ وأَنشد:
أَتاني، ودُوني مِنْ عَتَادي مَعاقِلٌ، ... وعيدُ مَلِيكٍ ذِكْرُه غيرُ خامِنِ.
فَعَلَّ أَبا قابُوسَ يَمْلِكُ غَرْبَهُ، ... ويَرْدَعُه عِلْمٌ بِمَا فِي الكَنَائِنِ
. وَيُرْوَى: عِلْماً، قَالَ: وَالرَّفْعُ أَحسن وأَجود.
خنن: الخَنِينُ مِنْ بُكَاءِ النِّسَاءِ: دُونَ الانْتِحابِ، وَقِيلَ: هُوَ تَرَدُّد الْبُكَاءِ حَتَّى يَصِيرَ فِي الصَّوْتِ غُنَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنْ الأَنف، خَنَّ يَخِنُّ خَنِيناً، وَهُوَ بُكَاءُ المرأَةُ تَخِنُّ فِي بُكَائِهَا. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ: أَنه قَالَ لِابْنِهِ الحَسَن، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنك تَخِنُّ خَنِينَ الْجَارِيَةِ
؛ قَالَ شَمِرٌ: خَنَّ خَنِيناً فِي الْبُكَاءِ إِذا رَدَّد الْبُكَاءَ فِي الخَياشيم، والخَنينُ يَكُونُ مِنَ الضَّحِكِ الْخَافِي أَيضاً. الْجَوْهَرِيُّ: الخَنِينُ كالبكاء في الأَنف وَالضَّحِكِ فِي الأَنف؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنَ الخَنينِ كَالْبُكَاءِ فِي الأَنف قولُ مُدْرِكِ بْنِ حِصْنٍ الأَسَديّ:
بَكَى جَزَعاً مِنْ أَن يَمُوتَ، ... وأَجْهَشَتْ إِليه الجِرِشَّى، وارمَعَلَّ خَنِينُها
. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ يُسْمَع خَنينُه فِي الصَّلَاةِ
؛ الخَنِينُ: ضَرْبٌ مِنَ الْبُكَاءِ دُونَ الِانْتِحَابِ، وأَصلُ الخَنِين خروجُ الصَّوْتِ مِنَ الأَنف كالحَنين مِنَ الْفَمِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: فَغَطَّى أَصحابُ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجُوهَهم لَهُمْ خَنِينٌ.
وَفِي حَدِيثِ
خَالِدٍ: فأَخْبَرهم الخبرَ فَخَنُّوا يَبْكُونَ.
وَفِي حَدِيثِ
فَاطِمَةَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا: قَامَ بِالْبَابِ لَهُ خَنِينٌ.
والخَنِينُ: الضَّحِكُ إِذا أَظهره الإِنسان فَخَرَجَ خَافِيًا، وَالْفِعْلُ كَالْفِعْلِ، خَنَّ يَخِنُّ خَنِيناً، فَإِذَا أَخرج صَوْتًا رَقِيقًا فَهُوَ الرَّنينُ، فإِذا أَخفاه فَهُوَ الهَنينُ، وَقِيلَ: الهَنِينُ مِثْلُ الأَنِينِ، يُقال: أَنَّ وهَنَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والخَنَنُ والخُنَّةُ والمَخَنَّة كالغُنَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ فَوْقَ الغُنَّة وأَقبح مِنْهَا، قال
__________
(1). قوله [مِنْ قَوْلِهِمْ خُمَانًا عَلَى الظن إِلخ] هي عبارة التكملة بهذا الضبط
(13/142)

المُبَرَّدُ: الغُنَّة أَن يُشْرَبَ الحرفُ صَوْتَ الخَيْشوم، والخُنَّة أَشدُّ مِنْهَا. التَّهْذِيبُ: الخُنَّة ضَرْبٌ مِنَ الْغُنَّةِ، كأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْخَيَاشِيمِ، يُقَالُ: امرأَة خَنَّاء وغَنَّاء وَفِيهَا مَخَنَّةٌ. وَرَجُلٌ أَخَنُّ أَي أَغَنُّ مسدودُ الْخَيَاشِيمِ، وَقِيلَ: هُوَ السَّاقِطُ الخَياشيم، والأُنثى خَنَّاء، وَقَدْ خَنَّ، وَالْجَمْعُ خُنٌّ؛ قَالَ دَهْلَبُ بْنُ قُرَيْعٍ:
جَارِيَةٌ ليستْ مِنَ الوَخْشَنِّ، ... وَلَا مِنَ السُّودِ القِصارِ الخُنِ
. ابْنُ الأَعرابي: النَّشِيجُ مِنَ الْفَمِ، والخَنِينُ مِنَ الأَنف، وَكَذَلِكَ النَّخِير، وَقَالَ الفَصِيحُ مِنْ أَعراب بَنِي كِلَابٍ: الخَنين سُدَدٌ فِي الخَياشيم، والخُنانُ مِنْهُ. وَقَدْ خَنْخَن إِذَا أَخرج الْكَلَامَ مِنْ أَنفه. والخُنانُ: دَاءٌ يأْخذ فِي الأَنف. والخَنْخَنة: أَن لَا يُبَيِّنَ الْكَلَامَ فيُخَنْخِن فِي خَياشيمه؛ وأَنشد:
خَنْخَنَ لِي فِي قَوْلِهِ سَاعَةً، ... فَقَالَ لِي شَيْئًا وَلَمْ أَسْمَعِ.
ابْنُ الأَعرابي: الرُّبّاحُ القِردُ، وَهُوَ الحَوْدَلُ، وَيُقَالُ لِصَوْتِهِ الخَنْخَنةُ، وَلِضَحِكِهِ القَحْقَحةُ. والخُنَنةُ: الثورُ المُسِنُّ الضَّخم. والخُنَانُ فِي الإِبل: كالزُّكام فِي النَّاسِ. يُقَالُ: خُنَّ الْبَعِيرُ، فَهُوَ مَخْنُون. وَزَمَنُ الخُنَانِ: زَمَنٌ مَاتَتْ فِيهِ الإِبل؛ عَنْهُ؛ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ زَمَنٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدْ ذَكَرُوهُ فِي أَشعارهم، قَالَ: وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ مِنْ عُلَمَائِنَا تَفْسِيرًا شَافِيًا، قَالَ: والأَوَّل أَصح؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الخُنَانِ للإِبل:
فَمَنْ يَحْرِصْ عَلَى كِبَري، فإِني ... مِنَ الشُّبّانِ أَيّامَ الخُنانِ
. قَالَ الأَصمعي: كَانَ الخُنَانُ دَاءً يأْخذ الإِبلَ فِي مَنَاخِرِهَا وَتَمُوتُ مِنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ تَارِيخًا لَهُمْ، قَالَ والخُنانُ داءٌ يأْخذ النَّاسَ، وَقِيلَ: هُوَ داءٌ يأْخذ فِي الأَنف. ابْنُ سِيدَهْ: والخُنانُ داءٌ يَأْخُذُ الطَّيْرَ فِي حُلُوقها. يُقَالُ: طَائِرٌ مَخْنُون، وَهُوَ أَيضاً داءٌ يأْخذ الْعَيْنَ؛ قَالَ جَرِيرٌ:
وأَشْفِي مِنْ تَخَلُّج كلِّ داءٍ، ... وأَكْوي الناظِرَيْنِ مِنَ الخُنانِ
. والمَخَنَّةُ: الأَنف. التَّهْذِيبُ: قَالَ بَعْضُهُمْ خَنَنْتُ الجِذْعَ بالفأْس خَنّاً إِذَا قَطَعْتَهُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا حَرْفٌ مُريبٌ، قَالَ: وَصَوَابُهُ عِنْدِي وجثَثْتُ العودَ جَثًّا، فأَما خَنَنْتُ بِمَعْنَى قَطَعْتُ فَمَا سَمِعْتُهُ. اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ مَجْنُون مَخْنُونٌ مَحْنُونٌ، وَقَدْ أَجَنَّه اللهُ وأَحَنَّه وأَخنَّه بِمَعْنًى وَاحِدٍ. أَبو عَمْرٍو: الخِنُّ السَّفِينَةُ الْفَارِغَةُ. ووَطِئَ مِخَنَّتَهم ومَخَنَّتَهم أَي حَرِيمُهُمْ. والمِخَنُّ: الرجلُ الطَّوِيلُ، وَالصَّحِيحُ المَخْنُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وأَنشد الأَزهري:
لَمَّا رَآهُ جَسْرَباً مِخَنَّا ... أَقْصَرَ عَنْ حَسْناءَ وارْثَعَنَّا
. أَي استَرْخَى عَنْهَا. قَالَ: وَيُقَالُ لِلطَّوِيلِ مَخْنٌ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَجَزْمِ الْخَاءِ. وَفُلَانٌ مَخَنَّة لِفُلَانٍ أَي مأْكَلة. ومَخَنَّةُ الْقَوْمِ: حَرِيمُهُمْ. وخَنَنْتُ الجُلَّة إِذَا استخرجتَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شيءٍ. التَّهْذِيبُ: المَخَنَّة وَسَطُ الدَّارِ، والمَخَنَّة الفِناءُ، والمَخَنَّةُ الْحَرَمُ، والمَخَنَّة مَضِيقُ الْوَادِي، والمَخَنَّةُ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ التَّلْعَةِ إِلَى الْوَادِي، والمَخَنَّةُ فُوَّهَةُ الطَّرِيقِ، والمَخَنَّة المَحجَّة الْبَيِّنَةُ، والمَخَنَّة طَرَفُ الأَنف، قَالَ: وَرَوَى
الشَّعْبي أَن النَّاسَ لَمَّا قَدِمُوا الْبَصْرَةَ قَالَ بَنُو تَمِيمٍ لِعَائِشَةَ: هَلْ لَكِ فِي الأَحْنَفِ؟ قَالَتْ: لَا،
(13/143)

وَلَكِنْ كُونُوا عَلَى مَخَنَّتِه أَي طَرِيقَتِهِ، وَذَلِكَ أَن الأَحْنَف تَكَلَّمَ فِيهَا بِكَلِمَاتٍ، وَقَالَ أَبياتاً يَلُومُهَا فِيهَا فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ؛ مِنْهَا:
فَلَوْ كانتِ الأَكْنانُ دُونَكِ، ... لَمْ يَجِدْ عَليكِ مَقَالًا ذُو أَداةٍ يَقُولُها
. فَبَلَغَهَا كلامُه وشِعْرُه فَقَالَتْ: أَلِي كَانَ يَسْتَجِمُّ مَثابَةَ سَفَهِه؟ وَمَا للأَحْنفِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُمْ عُلُوجٌ لآلِ عُبَيْدِ اللَّهِ سَكنوا الرِّيفَ، إِلَى اللَّهِ أَشكو عقوقَ أَبنائي؛ ثُمَّ قَالَتْ:
بُنَيَّ اتَّعِظْ، إنَّ المَواعِظَ سَهْلةٌ، ... ويُوشِكُ أَن تَكْتانَ وَعْراً سَبيلُها.
وَلَا تَنْسَينْ فِي اللهِ حَقَّ أُمُومَتي، ... فإِنك أَوْلى الناسِ أَن لَا تَقُولُها
وَلَا تَنْطِقَنْ فِي أُمَّةٍ ليَ بالخَنا ... حَنِيفيَّة، قَدْ كان بَعْلي رَسْولُها.
خون: المَخانَةُ: خَوْنُ النُّصْحِ وخَوْنُ الوُدِّ، والخَوْنُ عَلَى مِحَنٍ شَتَّى «2». وَفِي الْحَدِيثِ:
المُؤْمِنُ يُطْبَع عَلَى كلِّ خُلُقٍ إِلَّا الخِيانَةَ والكَذِب.
ابْنُ سِيدَهْ: الخَوْنُ أَن يُؤْتَمن الإِنسانُ فَلَا يَنْصَحَ، خَانَهُ يَخُونُه خَوْناً وخِيانةً وخانَةً ومَخانَةً؛ وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقَدْ تَمَثَّلَتْ بِبَيْتِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
يتَحَدَّثونَ مَخانَةً ومَلاذَةً، ... ويُعابُ قائلُهم، وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ.
المَخانة: مَصْدَرٌ مِنَ الخِيَانَةِ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبو مُوسَى فِي الْجِيمِ مِنَ المُجُونِ، فَتَكُونُ الْمِيمُ أَصلية، وخانَهُ واخْتانه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
؛ أَي بعضُكم بَعْضًا. وَرَجُلٌ خائنٌ وَخَائِنَةٌ أَيضاً، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، مِثْلُ عَلَّامة ونَسّابة؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ لِلْكِلَّابِيِّ يُخَاطِبُ قُرَيْناً أَخا عُمَيْرٍ الحَنَفِيِّ، وَكَانَ لَهُ عِنْدَهُ دَمٌ:
أَقُرَيْنُ، إِنَّكَ لَوْ رأَيْتَ فَوارِسِي ... نَعَماً يَبِتْنَ إِلى جَوانِبِ صَلْقَعِ
«3» حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بالوَفاءِ، وَلَمْ تَكُنْ ... للغَدْرِ خائِنةً مُغِلَّ الإِصْبَعِ
. وخَؤُونٌ وخَوَّانٌ، وَالْجَمْعُ خانةٌ وخَوَنةٌ؛ الأَخيرة شَاذَّةٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ يأْت شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْيَاءِ، أَعني لَمْ يَجِئْ مِثْلُ سَائِرٍ وسَيَرة، قَالَ: وإِنما شَذَّ مِنْ هَذَا مَا عَيْنُهُ وَاوٌ لَا يَاءٌ. وقومٌ خَوَنةٌ كَمَا قَالُوا حَوَكَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَجْهِ ثُبُوتِ الْوَاوِ، وخُوَّانٌ، وَقَدْ خَانَهُ العَهْدَ والأَمانةَ؛ قَالَ: فقالَ مُجِيباً:
وَالَّذِي حَجَّ حاتِمٌ ... أَخُونُكَ عَهْدًا، إِنني غَيرُ خَوَّانِ
وخَوَّنَ الرجلَ: نَسَبه إِلى الخَوْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
نَهَى أَن يَطْرُق الرجلُ أَهلَه لَيْلًا لِئَلَّا يَتَخَوَّنهم
أَي يَطْلُبَ خِيانتَهم وعَثَراتِهم ويَتَّهِمَهُمْ. وَخَانَهُ سيفُه: نَبا، كَقَوْلِهِ: السيفُ أَخوك وَرُبَّمَا خانَكَ. وَخَانَهُ الدَّهْرُ: غَيَّرَ حالَه مِنَ اللِّين إِلى الشِّدَّةِ؛ قَالَ الأَعشى:
وخانَ الزمانُ أَبا مالِكٍ، ... وأَيُّ امرئٍ لَمْ يخُنْه الزّمَنْ؟
وَكَذَلِكَ تَخَوَّنه. التَّهْذِيبُ: خَانَهُ الدهرُ والنعيمُ خَوْناً، وَهُوَ تَغَيُّرُ حَالِهِ إِلى شرٍّ مِنْهَا، وَإِذَا نَبا سيفُك عَنِ الضَّريبة فَقَدْ خَانَكَ. وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنِ السَّيْفِ فَقَالَ: أَخوك وَرُبَّمَا خَانَكَ. وكلُّ مَا غيَّرك عَنْ حَالِكَ فَقَدْ تَخَوَّنَك؛ وأَنشد لِذِي الرُّمَّةِ:
__________
(2). قوله [على محن شتى] كذا بالأَصل بالتهذيب
(3). قوله [صلقع] هكذا في الأَصل.
(13/144)

لَا يَرْفَعُ الطَّرْفَ، إِلَّا مَا تَخَوَّنَهُ ... دَاعٍ، يُنادِيهِ باسمِ الْمَاءِ، مَبْغُومُ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَّا مَا تَخَوَّنه حُجَّةً لِمَا احْتَجَّ لَهُ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ إِلَّا مَا تَعَهَّده، قَالَ: كَذَا رَوَى أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي أَنه قَالَ: التَّخَوُّنُ التَّعَهُّدُ، وَإِنَّمَا وصفَ وَلَدَ ظَبْيةٍ أَوْدَعتْه خَمراً، وَهِيَ تَرْتَع بالقُرْب مِنْهُ، وَتَتَعَهَّدُهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وتُؤنسه ببُغامِها، وَقَوْلُهُ بِاسْمِ الْمَاءِ، الماءُ حِكَايَةُ دُعَائِهَا إِيَّاهُ، وَقَالَ دَاعٍ يُنَادِيهِ فذكَّره لأَنه ذَهَبَ بِهِ إِلَى الصَّوْتِ وَالنِّدَاءِ. وتَخَوَّنه وخَوَّنه وخَوَّن مِنْهُ: نقَصه. يُقَالُ: تَخَوَّنني فلانٌ حَقِّي إِذَا تنَقَّصَك؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَا بَلْ هُوَ الشَّوْقُ مِنْ دارٍ تخَوَّنَها ... مَرّاً سَحابٌ، ومَرّاً بارِحٌ تَرِبُ
وَقَالَ لَبِيدٌ يَصِفُ نَاقَةً:
عُذَافِرَةٌ تُقَمِّصُ بالرُّدَافَى، ... تَخَوَّنَها نُزولي وارْتِحالي.
أَي تنَقَّص لحمَها وشَحْمَها. والرُّدَافَى: جمعُ رَدِيفٍ، قَالَ وَمِثْلُهُ لعبْدَةَ بْنِ الطَّبيب:
عَنْ قانِئٍ لَمْ تُخَوِّنْه الأَحاليلُ
وَفِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لَمْ تُخَوِّنْه الأَحاليلُ
وخَوَّنه وتخَوَّنه: تعَهَّدَه. يُقَالُ: الحُمَّى تخَوَّنُه أَي تعَهَّدُه؛ وأَنشد بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ:
لَا يَنْعَشُ الطَّرْفَ إِلا مَا تَخَوَّنَه.
يَقُولُ: الْغَزَالُ ناعِسٌ لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَّا أَن تجيءَ أُمه وَهِيَ الْمُتَعَهِّدَةُ لَهُ. وَيُقَالُ: إِلَّا مَا تنَقَّصَ نومَه دُعاءُ أُمِّه لَهُ. والخَوَّانُ: مِنْ أَسماء الأَسد. وَيُقَالُ: تخَوَّنته الدُّهورُ وتخَوَّفَتْه أَي تنَقَّصَتْه. والتَّخوُّن لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحدهما التَّنقُّصُ، وَالْآخَرُ التَّعُهُّدُ، وَمَنْ جَعَلَهُ تَعَهُّداً جَعَلَ النُّونَ مُبْدَلَةً مِنَ اللَّامِ، يُقَالُ: تخَوَّنه وتخَوَّله بِمَعْنًى وَاحِدٍ. والخَوْنُ: فَتْرة فِي النَّظَرِ، يُقَالُ للأَسد خائنُ الْعَيْنِ، مِنْ ذَلِكَ، وَبِهِ سُمِّيَ الأَسد خَوَّاناً. وخائِنةُ الأَعْيُنِ: مَا تُسارِقُ مِنَ النَّظَرِ إِلى مَا لَا يَحِلُّ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ أَن يَنْظُرَ نَظْرَةً بِرِيبَةٍ وَهُوَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَراد يَعْلَمُ خيانةَ الأَعين، فأَخرج الْمَصْدَرَ عَلَى فَاعِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً؛ أَي لَغْواً، وَمِثْلُهُ: سمعتُ راغِيَةَ الإِبل وثاغِيَةَ الشاءِ أَي رُغاءها وثُغاءها، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَن النَّاظِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ نَظَرَ خيانةٍ يُسِرُّها مُسَارَقَةً عَلِمَهَا اللَّهُ، لأَنه إِذَا نَظَرَ أَول نَظْرَةٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ خِيَانَةً غيرُ آثِمٍ وَلَا خَائِنٍ، فإِن أَعاد النَّظَرَ ونيتُه الْخِيَانَةُ فَهُوَ خَائِنُ النَّظَرِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا كَانَ لنبيٍّ أَن تكونَ لَهُ خائنةُ الأَعْيُن
أَي يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ غيرَ مَا يُظْهِرُهُ، فإِذا كَفَّ لِسَانَهُ وأَومأَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ خَانَ، وَإِذَا كَانَ ظُهُورُ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ قِبَل الْعَيْنِ سُمِّيَتْ خائِنَةَ الْعَيْنِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
؛ أَي مَا يَخُونون فِيهِ مِنْ مُسارقة النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ. والخائِنةُ: بِمَعْنَى الْخِيَانَةِ، وَهِيَ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لَفْظِ الْفَاعِلَةِ كَالْعَاقِبَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه رَدَّ شهادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: لَا نُرَاهُ خَصَّ بِهِ الخِيانةَ فِي أَمانات النَّاسِ دُونَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وأْتمنهم عَلَيْهِ، فإِنه قَدْ سَمَّى ذَلِكَ أَمانة فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
؛ فَمَنْ ضَيَّع شَيْئًا مِمَّا أَمر اللَّهُ بِهِ أَو رَكِبَ شَيْئًا مِمَّا نَهى عَنْهُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يَكُونَ عَدْلًا.
(13/145)

والخُوانُ والخِوَانُ: الَّذِي يُؤْكل عَلَيْهِ، مُعَرَّبٌ، وَالْجَمْعُ أَخْوِنة فِي الْقَلِيلِ، وَفِي الْكَثِيرِ خُونٌ. قَالَ عدِيٌّ: لِخُونٍ مَأْدُوبةٍ وزَمير؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُحَرِّكُوا الْوَاوَ كَرَاهَةَ الضَّمَّةِ قَبْلَهَا وَالضَّمَّةُ فِيهَا. والإِخْوَانُ: كالخِوانِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ونظيرُ خُوَانٍ وخُونٍ بِوانٌ وبُونٌ، وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا، قَالَ: وأَما عَوَانٌ وعُونٌ فإِنه مَفْتُوحُ الأَول، وَقَدْ قِيلَ بُوانٌ، بِضَمِّ الْبَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي تَرْجَمَةِ بَوَنَ أَن مثلهما إِوَانٌ وأُوانٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَوْلَ هَاهُنَا. اللَّيْثُ: الخِوَان الْمَائِدَةُ، مُعرَّبة. وَفِي حَدِيثِ الدَّابَّةِ:
حَتَّى إِن أَهلَ الخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا يَا مؤْمن وَهَذَا يَا كَافِرُ
، وجاءَ فِي رِوَايَةٍ:
الإِخوان
، بِهَمْزَةٍ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ
أَبي سَعِيدٍ: فإِذا أَنا بأَخاوِينَ عَلَيْهَا لُحومٌ مُنْتِنَةٌ
، هِيَ جَمْعُ خِوَانٍ وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطعامُ عِنْدَ الأَكل؛ وبالإِخوَانِ فسِّر قَوْلُ الشَّاعِرِ:
ومَنْحَرِ مِئْناثٍ تَجُرُّ حُوارَها، ... ومَوْضِع إِخوانٍ إِلى جَنْبِ إِخوانِ
. عَنْ أَبي عُبَيْدٍ. والخَوَّانةُ: الاسْتُ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي رَبِيعًا الأَوَّلَ: خَوَّاناً وخُوَّاناً؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وَفِي النِّصْفِ مِنْ خَوَّانَ وَدَّ عَدُوُّنا ... بأَنَّه فِي أَمْعاءِ حُوتٍ لَدَى البَحْرِ «1»
. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَجَمْعُهُ أَخْوِنة، قَالَ: وَلَا أَدري كَيْفَ هَذَا. وخَيْوَانُ: بَلَدٌ بِالْيَمَنِ لَيْسَ فَعْلانَ لأَنه لَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ عَيْنُهُ يَاءٌ وَلَامُهُ وَاوٌ، وَتُرِكَ صَرْفُهُ لأَنه اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا تَعْلِيلُ الْفَارِسِيِّ، فأَما رجاءُ بنُ حَيْوَة فَقَدْ يَكُونُ مَقْلُوبًا عَنْ حيَّةٍ فِيمَنْ جَعَلَ حَيَّةً مِنْ ح وي، وَهُوَ رأْي أَبي حَاتِمٍ، ويُعَضِّدُه رَجُلٌ حَوَّاء وحاوٍ لِلَّذِي عَمَلُه جَمْعُ الحَيّاتِ، وَكَذَلِكَ يُعَضِّدُه أَرض مَحْواة، فأَما مَحْياةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فمُعاقِبَةٌ إِيثاراً لِلْيَاءِ، أَو مَقْلُوبٌ عَنْ مَحْوَاة، فَلَمَّا نُقِلَتْ حَيَّةُ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ خُصَّت الْعَلَمِيَّةُ بِإِخْرَاجِهَا عَلَى الأَصل بَعْدَ الْقَلْبِ، وسَهَّلَ ذَلِكَ لَهُمُ القلبُ، إذْ لَوْ أَعَلُّوا بَعْدَ الْقَلْبِ، والقَلْبُ علةٌ، لَتَوَالَى الإِعْلالانِ. وَقَدْ قِيلَ عَنِ الْفَارِسِيِّ: إِن حَيَّة مِنْ ح ي ي، وإِن حَوَّاءَ مِنْ بَابِ لَأْآءٍ، وَقَدْ يَكُونُ حَيْوَة فَيْعِلَة مِنْ حَوَى يَحْوِي حَيْوِيَةً، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِلْكَسْرَةِ فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ يَاءَاتٍ، وَمِثْلُهُ حَيْيِيَة فَحُذِفَتِ الْيَاءُ الأَخيرة فَبَقِيَ حَيَّة، ثُمَّ أُخرجت عَلَى الأَصل فَقِيلَ حَيْوَة، فَإِذَا كَانَ حَيْوَةُ مُتَوَجِّهاً عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَقَدْ تَأَدَّى ضمانُ الْفَارِسِيِّ أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَامِ شَيْءٌ عَيْنُهُ يَاءٌ وَلَامُهُ وَاوٌ الْبَتَّةَ. والخَانُ: الحانُوتُ أَو صَاحِبُ الحانوتِ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ: الخانُ الَّذِي للتِّجارِ.

فصل الدال المهملة
دبن: الدِّبْنُ: حَظِيرة مِنْ قَصَب تُعْمَلُ للغَنَم، فإِن كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ فَهِيَ زَرْب، وإِن كَانَتْ مِنْ حِجارة فَهِيَ صِيرَة، وكلٌّ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَفِي حَدِيثِ
جُندب بْنِ عَامِرٍ: أَنه كَانَ يُصَلِّي فِي الدِّبْن
، والدِّبْن فَارِسِيٌّ معرَّب. ابْنُ الأَعرابي: الدُّبْنة اللُّقْمة الْكَبِيرَةُ، وَهِيَ الدُّبْلة أَيضاً، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَوْلُ ابْنُ أَحمر:
خَلُّوا طَرِيقَ الدَّيْدَبُونِ، فَقَد ... فَاتَ الصِّبا، وتَفَاوت البُجر
دَيْدَبُون فَيْعَلُول، الْيَاءُ زائِدة، قال: وهذا
__________
(1). قوله: بأنه؛ هكذا في الأَصل، دون إشباع حركة الضمير
(13/146)

فِي الرُّبَاعِيِّ مثلُ كَوْكب ودَيْدَن وسَيْسَبان وقَيْقَبَان، قَالَ: وَمِثْلُ الأَول الزَّيْزَفُون، وَزْنُهُ فَيْعَلول، وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ، والدَّيْدَبُون: اللَّهْوُ. وَيُقَالُ: الدَّيدَبُون هُنَا الباطل، والله أَعلم.
دثن: دثَّن الطائرُ يُدَثِّن تَدْثِيناً إِذَا طَارَ وأَسْرَع السُّقوطَ فِي مواضِعَ مُتقارِبة وواترَ ذَلِكَ. ودَثَّن فِي الشَّجرة: اتَّخَذَ فِيهَا عُشّاً. والدَّثِينة: الدَّفِينَةُ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى الْبَدَلِ. والدَّثِينَة والدَّفينَة: مَنْزِلٌ لِبَنِي سُلَيم، وَحَكَاهُ يَعْقُوبُ فِي الْمُبْدَلِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَنَحْنُ تَرَكْنا بالدَّثينة حاضِراً، ... لآلِ سُلَيْمٍ، هَامَّةً غيرَ نَائِمٍ
. الْجَوْهَرِيُّ: الدَّثينة مَوْضِعٌ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي سَيَّارِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ:
وَعَلَى الرُّمَيْثةِ مِنْ سُكَينٍ حاضرٌ، ... وَعَلَى الدَّثِينةِ مِنْ بَني سَيّار
. وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الدَّفينة ثُمَّ تطيَّروا مِنْهَا فسمَّوْها الدَّثينة؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي أَنشده الْجَوْهَرِيُّ:
وَعَلَى الدُّمَيْنة مِنْ سُكَين
قَالَ: وَهُوَ بِخَطِّ ثَعْلَبٍ:
وَعَلَى الرُّمَيْثة مِنْ سُكَين
. وَفِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدَّثينة، وَهِيَ بِكَسْرِ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، نَاحِيَةٌ قُرْبَ عَدَن، لَهَا ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ أَبي سَبرة النَّخَعِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ
غَزْوَةِ داثِن
، وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ غَزّة الشَّامِ، أَوقع بِهَا الْمُسْلِمُونَ بِالرُّومِ، وَهِيَ أَول حَرْبٍ جَرَتْ بَيْنَهُمْ.
دجن: الدَّجْنُ: ظلُّ الْغَيْمِ فِي الْيَوْمِ المَطير. ابْنُ سِيدَهْ: الدَّجْن إِلباسُ الغَيم الأَرضَ، وَقِيلَ: هُوَ إِلْباسُه أَقطارَ السَّمَاءِ، وَالْجَمْعُ أَدْجان ودُجون ودِجان؛ قَالَ أَبو صَخْرٍ الْهُذَلِيُّ:
وَلَذَائِذُ مَعْسولة فِي رِيقةٍ، ... وصِباً لَنَا كدِجانِ يومٍ ماطرِ
. وَقَدْ أَدْجَن يومُنا وادْجَوْجن، فَهُوَ مُدْجن إِذا أَضَبَّ فأَظلم. وأَدْجَنوا: دَخَلُوا فِي الدَّجْن؛ حَكَاهَا الْفَارِسِيُّ. ابْنُ الأَعرابي: دَجَن يومُنا يَدْجُن، بِالضَّمِّ، دَجْناً ودُجوناً ودَغَن، وَيَوْمُ ذُو دُجُنَّة ودُغُنَّة. وَيَوْمٌ دَجْنٌ إِذا كَانَ ذَا مَطَرٍ، وَيَوْمٌ دَغْنٌ إِذا كَانَ ذَا غَيم بِلَا مَطَرٍ. والدَّجْن: الْمَطَرُ الْكَثِيرُ. وأَدْجَنت السَّمَاءُ: دَامَ مَطَرُهَا؛ قَالَ لَبِيدٌ:
مِنْ كلِّ ساريةٍ وغادٍ مُدْجِنٍ، ... وعَشِيّةٍ مُتَجاوِبٍ إِرْزامُها.
وأَدْجَن الْمَطَرُ: دَامَ فَلَمْ يُقْلع أَياماً، وأَدجَنت عَلَيْهِ الْحُمَّى كَذَلِكَ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والدُّجُنَّة مِنَ الْغَيْمِ: المُطَبّقُ تَطْبِيقًا، الرَّيان المُظْلم الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَطَرٌ. يُقَالُ: يومُ دَجْنٍ ويومُ دُجُنَّة، بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ بِالْوَصْفِ والإِضافة. والدُّجْنة: الظُّلمة، وَجَمْعُهَا دُجُن «2». مَثّل بِهِ سِيبَوَيْهِ وَفَسَّرَهُ السِّيرَافِيُّ، وَزَادَ الْجَوْهَرِيُّ فِي جَمْعِهِ دُجُنّات. وَفِي حَدِيثِ
قُسٍّ: يَجْلو دُجُنَّات الدَّياجي والبُهَم
؛ الدُّجُنَّات: جَمْعُ دُجُنَّة، وَهِيَ الظُّلْمَةُ. وَالدَّيَاجِيُّ: اللَّيَالِي المُظلمة، وَالْفِعْلُ مِنْهُ ادْجَوْجَن؛ وأَنشد:
لِيَسْقِ ابنةَ العَمْريّ سَلْمَى، وإِن نأَت ... كِثافُ العُلى دَاجِي الدُّجُنَّةِ رائِحُ «3».
__________
(2). قوله [وجمعها دجن] بضمتين في المحكم، وضبط في الصحاح بضم ففتح، ونبه عليهما شارح القاموس
(3). قوله [داجي الدجنة] الذي في التهذيب: واهي الداجنة
(13/147)

وَالدَّاجِنَةُ: المطَرةُ المُطبقة نَحْوُ الدِّيمة؛ وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ الدُّجُون، قَالَ:
حَتَّى إِذا انجَلى دُجى الدُّجونِ
. وَلَيْلَةٌ مِدْجانٌ: مُظلِمة. ودَجَن بَالْمَكَانِ يَدْجُن دُجوناً: أَقام بِهِ وأَلِفَه. ابْنُ الأَعرابي: أَدْجَنَ، مِثْلُهُ، أَقام فِي بَيْتِهِ، ودَجَن فِي بَيْتِهِ إِذا لَزِمه، وَبِهِ سُمِّيَتْ دَواجن البُيوت، وَهِيَ مَا أَلِف البيتَ مِنَ الشاءِ وَغَيْرِهَا، الْوَاحِدَةُ داجِنة؛ قَالَ ابْنُ أُمّ قُعْنُبٍ يَهْجُو قَوْمًا:
رأْسُ الخَنا منهُمُ والكفْر خامِسهُمْ، ... وحِشْوةٌ منهُمُ فِي اللُّؤمِ قَدْ دَجَنوا
. والمُداجَنَة: حُسْن الْمُخَالَطَةِ. وَسَحَابَةٌ داجِنة وَمُدْجِنَةٌ وَقَدْ دَجَنتْ تَدْجُن وأَدجنَت؛ ابْنُ سِيدَهْ: دَجَنَت الناقةُ والشاةُ تَدْجُن دُجوناً، وَهِيَ داجِن، لزِمتا البُيوت، وَجَمْعُهَا دَواجِن؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
رِجالٌ بَرَتْنا الحرْبُ، حَتَّى كأَننا ... جِذالُ حِكاكٍ لوَّحَتْها الدَّواجِن
وَذَلِكَ لأَن الإِبل الجرِبة تُحْبَس فِي الْمَنْزِلِ لِئَلَّا تسرَح فِي الإِبل فتُعْدِيها، فَهِيَ تحْتَكّ بأَصل يُنْصَبُ لَهَا لتُشْفى بِهِ فِي المَبْرك، وإِنما أَرادَ أَن نَارَ الْحَرْبِ قَدْ لوَّحَتْنا، فبِنا مِنْهَا مَا بِهَذَا الجِذْل مِنْ آثَارِ الإِبل الجرْبى. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَعَنَ اللهُ مَن مَثَّل بِدَوَاجِنِهِ
؛ هِيَ جَمْعٌ داجِن وَهِيَ الشَّاةُ الَّتِي تَعلِفها الناسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، والمُثْلة بِهَا أَن يَجْدَعها ويخصِيَها. وَالْمُدَاجَنَةُ: حُسن الْمُخَالَطَةِ، قَالَ: وَقَدْ تَقَعُ عَلَى غَيْرِ الشَّاءِ مِنْ كُلِّ مَا يأْلف البيوتَ مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهَا. وَفِي حَدِيثِ الإِفك:
تَدخُل الداجنُ فتأْكل عجينَها.
والدَّجون مِنَ الشَّاءِ: الَّتِي لَا تَمْنَعُ ضرْعَها سِخالَ غَيْرِهَا، وَقَدْ دَجَنتْ عَلَى البَهْم تدجُنُ دُجوناً ودِجاناً. وَفِي حَدِيثِ
عِمْرَانَ بْنِ حُصين: كَانَتِ العَضْباءُ داجِناً لَا تُمْنَع مِنْ حَوْض وَلَا نَبْتٍ
؛ هِيَ نَاقَةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَلْبٌ دَجُون: آلِفٌ للبُيوت. اللَّيْثُ: كَلْبٌ داجِن قَدْ أَلِف البيتَ. الْجَوْهَرِيُّ: شاةٌ دَاجِنٌ وراجِن إِذا أَلِفت الْبُيُوتَ واستأْنست، قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُهَا بِالْهَاءِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الشَّاةِ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
حَتَّى إِذا يَئِس الرُّماةُ، وأَرسَلوا ... غُضُفاً دَواجِنَ قافِلًا أَعصامُها
. أَراد بِهِ كِلَابَ الصَّيْدِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَشَاةٌ مِدْجان تأْلف البَهْم وتحِبُّها. وَنَاقَةٌ مَدْجُونة: عُوِّدت السِّناوة أَي دُجِنت للسِّناوة، وجمَل دَجون وَدَاجِنٌ كَذَلِكَ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ لِهِمْيَانَ بْنَ قُحَافَةَ:
يُحْسِنُ فِي مَنْحاتِه الهَمالِجا، ... يُدْعى هَلُمَّ داجِناً مُدامِجا
. والدُّجْنة فِي أَلوان الإِبل: أَقبَحُ السَّوَادِ. يُقَالُ: بَعِيرٌ أَدْجَنُ وَنَاقَةٌ دَجْناء. والدَّواجن مِنَ الحَمام: كَالدَّوَاجِنِ مِنَ الشَّاءِ والإِبل. والدُّجون: الأَلَفانُ. والدَّجَّانة: الإِبل الَّتِي تحْمل الْمَتَاعَ، وَهُوَ اسْمٌ كالجَبَّانة. اللَّيْثُ: الدَّيْدَجانُ الإِبل تَحْمِلُ التِّجَارَةَ. وَالْمُدَاجَنَةُ: كالمُداهنة. ودُجَيْنة: اسْمُ امرأَة. وأَبو دُجانة: كُنْيَةُ سِماك بْنِ خَرَشة الأَنصاريّ، وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ مَسَح ظهرَ آدمَ بدَجْناء
«1». هو بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ اسْمُ مَوْضِعٍ، ويروى بالحاء المهملة.
دحن: الدَّحِنُ: الخِبُّ [الخَبُ] الْخَبِيثِ كالدَّحِل، وَقِيلَ: الدَّاهِي، وَقِيلَ: الدَّحِن الْمُسْتَرْخِي الْبَطْنَ، وَقِيلَ: الْعَظِيمَةُ، وَقِيلَ: الدَّحِن والدِّحَنُّ السَّمِينُ الْمُنْدَلِقُ
__________
(1). قوله [بدجناء] ضبط في النهاية بفتح فسكون، وفي القاموس: ودجنا، بالضم أَو بالكسر وقد يمدّ، وقوله [ويروى بالحاء] عليه اقتصر ياقوت وضبطه بفتح فسكون كالمحكم وسيأْتي قريباً
(13/148)

الْبَطْنِ الْقَصِيرُ، وَالْفِعْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ دَحِن يَدْحَن دَحَناً. والدِّحَنَّة والدِّحْوَنَّة: كالدَّحِن؛ وأَنشد الأَزهري:
دِحْوَنَّة مُكَرْدَسٌ بَلَنْدَحُ، ... إِذا يُرادُ شَدُّه يُكَرْمِحُ.
وَيُرْوَى: يُكَرْدِح. والكَرْمَحة والكَرْدَحة والكَرْبَحة بِمَعْنًى: وَهُوَ عدْو الْقَصِيرِ يُقَرْمِط، والمُكَرْدَسُ: الملَزَّز الخَلْق، وَالْبَلَنْدَحُ: الْقَصِيرُ السَّمِينُ، وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِحُمَيْدٍ بْنِ ثَوْرٍ فِي الدَّحِنِ:
تَبْرِي لَكِيكَ الدَّحِن المِخْراجِ
. وَبَعِيرٌ دِحِنَّة ودِحْوَنَّة: عَرِيضٌ، وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ والمرأَة؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ. الأَزهري: قِيلَ لِابْنَةِ الخُسّ أَيُّ الإِبل خَيْر؟ فَقَالَتْ: خَيْرُ الإِبل الدِّحِنَّة الدِّحَنَّة الطوِيلُ الذِّرَاعُ القصيرُ الكُراع، وَقَلَّمَا تَجِدَنَّه. قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ الدِّحِنَّة الْكَثِيرُ اللحْم الغليظُ. قَالَ الأَزهري: يُقَالُ نَاقَةٌ دِحَنَّة ودِحِنَّة، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، فَمَنْ كَسَرَهَا فَهُوَ عَلَى مِثَالِ امرأَة عِفِرّة وضِبِرَّة، وَمَنْ فَتَحَ فَهُوَ عَلَى مِثَالِ رَجُلٍ عِكَبّ وامرأَة عِكَبَّة إِذا كَانَا جَافِيَيِ الخَلْق. وَنَاقَةٌ دِفَقّة: سَرِيعَةٌ؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
أَلا ارْحَلوا دِعْكِنةً دِحِنَّة [دِحَنَّة]، ... بما ارتعَى مُزْهِية مُغِنّة. وَيُرْوَى «1»
. أَلا ارْحَلوا ذَا عُكْنة أَي تَعَكَّن الشحْمُ عَلَيْهَا، قَالَ: وَهَذَا أَجود. والدِّحَنَّة: الأَرض المرتفِعة؛ عَنْ أَبي مَالِكٍ يَمَانِيَةٌ. والدَّيْحانُ: الْجَرَادُ، فَيْعال؛ عَنْ كُرَاعٍ. ودَحْنا: اسْمُ أَرض. وَرُوِيَ عَنْ
سَعِيدٍ أَنه قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدمَ مِنْ دَحْناءَ ومسَح ظهرَه بِنَعْمانِ السَّحابِ، وَهُوَ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ
، وَيُرْوَى بِالْجِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
دخن: الدُّخْن: الجَاوَرْس، وَفِي الْمُحْكَمِ: حَبُّ الجاوَرْس، وَاحِدَتُهُ دُخْنَة. والدُّخَان: العُثانُ، دُخَانُ النَّارِ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَدْخِنة ودَواخِن ودَواخِينُ، وَمِثْلُ دُخَان ودواخِن عُثان وعواثِن، ودَواخِن عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
كأَنَّ الغُبارَ، الَّذِي غادَرَتْ ... ضُحَيَّا، دَواخِنُ مَنْ تَنْضُبِ
وَدَخَنَ الدُّخانُ دُخوناً إِذا سطَع. ودَخَنتِ النارُ تَدْخُن وتَدْخِن «2». دُخاناً ودُخُوناً: ارْتَفَعَ دُخانها، وادَّخَنت مِثْلُهُ عَلَى افْتَعلت. ودَخِنَت تَدْخَن دَخَناً: أُلقِي عَلَيْهَا حَطَبٌ فأُفْسِدت حَتَّى هَاجَ لِذَلِكَ دُخان شَدِيدٌ، وَكَذَلِكَ دَخِن الطعامُ وَاللَّحْمُ وَغَيْرُهُ دَخَناً، فَهُوَ دَخِن إِذا أَصابه الدُّخَانُ فِي حَالِ شَيّه أَو طَبْخِهِ حَتَّى تَغْلبَ رائحتُه عَلَى طَعْمِهِ، ودَخِن الطَّبِيخُ إِذا تَدخّنت الْقِدْرُ. وَشَرَابٌ دَخِن: مُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
وفِتْيان صِدْقٍ قَدْ غَدَوْتُ عليهِمُ ... بِلَا دَخِن، وَلَا رَجِيع مُجَنَّبِ
. فالمُجَنَّب: الَّذِي جَنَّبَه النَّاسُ. والمُجَنَّب: الَّذِي بَاتَ فِي الْبَاطِيَةِ. والدَّخَن أَيضاً: الدُّخان؛ قَالَ الأَعشى:
تُبارِي الزِّجاجَ، مَغَاوِيرُهَا ... شَماطِيط فِي رهَج كالدَّخَن
. وَلَيْلَةٌ دَخْنانة: كأَنما تَغَشّاها دُخان مِنْ شِدَّةِ حَرّها. وَيَوْمٌ دَخْنان: سَخْنان. وقوله عز وجل:
__________
(1). قوله [ويروى إِلخ] فسره في التهذيب فقال: أَي جملًا ذا عكن من الشحم، قَالَ: وَهُوَ أَشبه لأَنه وصفه بنعت الذكر فقال ارتعى
(2). قوله [تدخن وتدخن] ضبط في الأَصل والصحاح من حد ضرب ونصر، وفي القاموس دخنت النار كمنع ونصر
(13/149)

يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
؛ أَي بِجَدْب بَيّن. يُقَالُ: إِن الجائعَ كَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَيُقَالُ: بَلْ قِيلَ لِلْجُوعِ دُخان ليُبْس الأَرض فِي الجَدْب وَارْتِفَاعِ الغُبار، فَشَبَّهَ غُبْرتها بِالدُّخَانِ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِسَنَةِ المَجاعة: غَبْراء، وَجُوعٌ أَغْبَر. وَرُبَّمَا وَضَعَتِ الْعَرَبُ الدُّخان مَوْضِعَ الشَّرِّ إِذا عَلَا فَيَقُولُونَ: كَانَ بَيْنَنَا أَمر ارْتفَعَ لَهُ دُخَانٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِن الدُّخَانَ قَدْ مَضَى. والدُّخْنة: كالذَّريرة يُدخَّن بِهَا البيوتُ. وَفِي الْمُحْكَمِ: الدُّخنة بَخُور يُدَخَّن بِهِ الثيابُ أَو الْبَيْتُ، وَقَدْ تَدَخَّن بِهَا ودَخَّن غيرَه؛ قَالَ:
آلَيْت لَا أَدْفِن قَتْلاكُمُ، ... فَدَخِّنوا المَرْءَ وسِرْباله.
والدَّواخِن: الكُوَى الَّتِي تُتَّخَذُ عَلَى الأَتُّونات والمَقالِي. التَّهْذِيبُ: الداخِنة كُوًى فِيهَا إِرْدَبَّات تُتَّخَذُ عَلَى الْمَقَالِي والأَتُّونات؛ وأَنشد «1».
كمِثْل الدَّواخِن فَوْقَ الإِرينا
ودَخَن الغُبارُ دُخوناً: سَطَعَ وَارْتَفَعَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
اسْتَلْحَمَ الوَحْشَ عَلَى أَكْسائِها ... أَهْوجُ مِحضيرٌ، إِذا النَّقْعُ دَخَنْ
. أَي سَطَعَ. والدَّخَن: الكُدُورة إِلى السَّوَادِ. والدُّخْنة مِنْ لَوْنِ الأَدْخَن: كُدْرة فِي سَوَادٍ كالدُّخان دَخِن دَخَناً، وَهُوَ أَدْخَن. وَكَبْشٌ أَدْخَن وَشَاةٌ دَخْناء بَيِّنَةُ الدَّخَن؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
مَرْتٌ كظَهْر الصَّرْصَران الأَدْخَنِ
. قَالَ: صَرْصَران سَمَكٌ بِحَرِيٌّ. وَلَيْلَةٌ دَخْنانة: شَدِيدَةُ الْحَرِّ وَالْغَمِّ. وَيَوْمٌ دَخْنانٌ: سَخْنانٌ. والدَّخَن: الحِقْد. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه ذَكَرَ فتْنَةً فَقَالَ: دَخَنُها مِنْ تَحْت قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهل بَيْتِي
؛ يَعْنِي ظُهُورَهَا وإِثارتها، شَبَّهَهَا بِالدُّخَانِ الْمُرْتَفِعِ. والدَّخَن، بِالتَّحْرِيكِ: مَصْدَرُ دَخِنَت النَّارُ تَدْخَن إِذا أُلْقِي عَلَيْهَا حَطَبٌ رَطْب وكثُر دُخَانُهَا. وَفِي حَدِيثِ الْفِتْنَةِ:
هُدْنةٌ عَلَى دَخَنٍ وجماعةٌ عَلَى أَقْذاء
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ هُدْنة عَلَى دَخَن تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ لَا تَرْجِعُ قلوبُ قَوْمٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَي لَا يَصْفو بعضُها لِبَعْضٍ وَلَا ينْصَعُ حُبّها كَالْكُدُورَةِ الَّتِي فِي لَوْنِ الدابَّة، وَقِيلَ: هُدْنة عَلَى دَخَن أَي سُكُونٍ لِعلَّة لَا لِلصُّلْحِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: شَبَّهَهَا بِدُخَانِ الحَطب الرَّطْب لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ تَحْتَ الصَّلاح الظَّاهِرِ، وأَصل الدَّخَن أَن يَكُونَ فِي لَوْن الدَّابَّةِ أَو الثَّوْبِ كُدْرة إِلى سَوَادٍ؛ قَالَ المعطَّل الْهُذَلِيُّ يَصِفُ سَيْفًا:
لَيْنٌ حُسامٌ لَا يُلِيقُ ضَرِيبةً، ... فِي مَتْنه دَخَنٌ وأَثْرٌ أَحلَسُ
. قَوْلُهُ: دَخَن يَعْنِي كُدورة إِلى السَّوَادِ؛ قَالَ: وَلَا أَحسبه إِلا مِنَ الدُّخان، وَهَذَا شَبِيهٌ بِلَوْنِ الْحَدِيدِ، قَالَ: فوجْهه أَنه يَقُولُ تَكُونُ الْقُلُوبُ هَكَذَا لَا يَصْفو بعضُها لِبَعْضٍ وَلَا يَنْصَع حُبها كَمَا كَانَتْ، وإِن لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ فِتْنَةٌ، وَقِيلَ: الدَّخَن فِرِنْدُ السَّيْفِ فِي قَوْلِ الْهُذَلِيِّ. وَقَالَ شَمِرٌ: يُقَالُ للرجُل إِذا كَانَ خَبِيثَ الخُلُق إِنه لدَخِن الخُلُق؛ وَقَالَ قَعْنَب:
وَقَدْ عَلِمْتُ عَلَى أَنِي أُعاشِرُهم، ... لَا نَفْتأُ الدَّهْرَ إِلَّا بَيْنَنَا دَخَنُ
. ودَخِن خُلُقُه دَخَناً، فَهُوَ دَخِن وداخِن: ساءَ وفسَد وخَبُث. وَرَجُلٌ دَخِن الحسَب والدِّين
__________
(1). قوله [وأَنشد إِلخ] الذي في التكملة: وأَنشد لِكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: يثرن الغبار على وجهه كلون الدواخن
(13/150)

وَالْعَقْلِ: متغيرهُنَّ. والدُّخْنَان: ضرْب مِنَ الْعَصَافِيرِ. وأَبو دُخْنة: طَائِرٌ يُشْبِه لَوْنُهُ لونَ القُبّرة. وَابْنَا دُخانٍ: غَنِيّ وباهِلةُ؛ وأَنشد ابْنَ بَرِّيٍّ للأَخطل:
تَعُوذُ نساؤُهُمْ بابْنَيْ دُخانٍ، ... وَلَوْلَا ذَاكَ أُبْنَ مَعَ الرِّفاقِ
. قَالَ: يُرِيدُ غَنِيًّا وباهلةَ؛ قَالَ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَهْجُو الأَصمَّ الْبَاهِلِيَّ:
أَأَجْعَل دارِماً كابْنَيْ دُخانٍ، ... وَكَانَا فِي الغَنيمةِ كالرِّكاب
. التَّهْذِيبُ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لغَنيّ وَبَاهِلَةَ بَنُو دُخان؛ قَالَ الطرمَّاح:
يَا عَجَباً ليَشْكُرَ إِذ أَعدَّت، ... لتنصُرَهم، رُواةَ بَني دُخانِ
. وَقِيلَ: سُمُّوا بِهِ لأَنهم دَخَّنوا عَلَى قَوْمٍ فِي غَارٍ فقتلُوهم، وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ أَنهم إِنما سُمُّوا بِذَلِكَ لأَنه غَزاهم ملِك مِنَ الْيَمَنِ، فَدَخَلَ هُوَ وأَصحابُه فِي كَهْفٍ، فنَذِرت بِهِمْ غَنِيٌّ وباهلةُ فأَخذوا بابَ الْكَهْفِ ودخَّنوا عَلَيْهِمْ حَتَّى مَاتُوا، قَالَ: وَيُقَالُ ابْنَا دُخَانٍ جبَلا غَنِيٍّ وَبَاهِلَةَ. ابْنُ بَرِّيٍّ: أَبو دُخْنَةَ طَائِرٌ يُشْبه لَوْنُهُ لونَ القُبّرة.
دخشن: ابْنُ سِيدَهْ: رَجُلٌ دَخْشَن غَلِيظٌ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَيُقَالُ الدَّخْشَم. التَّهذيب: الْفَرَّاءُ الدَّخْشَن الحَدَبَةُ «1». وأَنشد:
حُدْبٌ حَدابيرُ مِنَ الدَّخْشَنِّ، ... تَرَكْنَ راعِيهِنَّ مثلَ الشَّنِّ.
قَالَ: والدَّخْشَن فِي الْكَلَامِ لَا ينوَّن، وَالشَّاعِرُ ثقَّل نونَه لحاجته إِليه.
ددن: الدَّدانُ مِنَ السُّيُوفِ: نَحْوُ الكَهامِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ الَّذِي يُقْطَع بِهِ الشَّجَرُ، وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِنما هُوَ المِعْضَد. وَسَيْفٌ كَهَامٌ ودَدَانٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: لَا يَمْضِي؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لطُفَيْل:
لَوْ كنتَ سَيْفاً كَانَ أَثْرُك جُعْرةً، ... وكنتَ دَدَاناً لَا يُغَيِّرك الصَّقلُ
. والدَّدَانُ: الرجُل الَّذِي لَا غَنَاءَ عِنْدَهِ، وَنَسَبَ ابْنُ بَرِّيٍّ هَذَا الْقَوْلَ لِلْفَرَّاءِ قَالَ: لَمْ يَجِئ مَا عَيْنُهُ وفاؤُه مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إِلَّا دَدَن وَدَدَانُ، قَالَ: وَذَكَرَ غَيْرُهُ البَبْر، وَقِيلَ: البَبْر أَعجميّ، وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ وَافَقَ الأَعجمي، وَقَدْ جَاءَ مَعَ الْفَصْلِ نَحْوَ كَوْكَب وسَوْسَن ودَيْدَن وسَيْسَبان، والدَّدَن والدَّدُ مَحْذُوفٌ مِنَ الدَّدَن، والدَّدا محوَّل عَنِ الدَّدَن، والدَّيْدَن كُلُّهُ «2». اللَّهْو وَاللَّعِبُ، اعْتَقَبت النونُ وحرفُ الْعِلَّةِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لَامًا كَمَا اعْتَقَبَتِ الْهَاءُ وَالْوَاوُ فِي سِنَةٍ لَامًا وَكَمَا اعْتَقَبَتْ فِي عِضاه؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: هُوَ اللَّهْوُ. والدَّيْدَبُون، وَهُوَ ددٌ ودَداً ودَيْدٌ ودَيَدانٌ ودَدَنٌ كُلُّهَا لغاتٌ صَحِيحَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنا مِنْ ددٍ وَلَا الدَّدُ منِّي
، وَفِي رِوَايَةٍ:
مَا أَنا مِنْ دَداً وَلَا دَداً منِّي
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: الدَّدُ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، وَهِيَ مَحْذُوفَةُ اللَّامِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ مُتَمَّمَة عَلَى ضَرْبَيْنِ:
__________
(1). قوله [الحدبة] بحاء ودال مهملتين مفتوحتين كما في الأَصل والتهذيب والصاغاني ونسخة القاموس التي شرح عليها السيد مرتضى وهو المطابق للبيت، لأَن الحدبة واحدة الحدب محركاً: نبات أَو هو النصيّ. فما في نسخ القاموس الطبع: الخدبة، بكسر الخاء المعجمة وَفَتْحِ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الموحدة خطأ
(2). قوله [والديدن كله إِلخ] كذا بالأَصل مضبوطاً، وفي القاموس: الديدان، محركة
(13/151)

دَداً كنَدًى، ودَدَن كبَدَن، قَالَ: وَلَا يَخْلُو الْمَحْذُوفُ مِنْ أَن يَكُونَ ياءَ كَقَوْلِهِمْ يَدٌ فِي يَدْيٍ، أَو نُونًا كَقَوْلِهِمْ لَدُ فِي لَدُنْ، وَمَعْنَى تَنْكِيرِ الدَّدَ فِي الأُولى الشِّياعُ والاستغراقُ، وأَن لَا يَبْقَى شيءٌ مِنْهُ إِلّا وَهُوَ منزَّه عَنْهُ أَي مَا أَنا فِي شيءٍ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وتعريفُه فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لأَنه صَارَ مَعْهُودًا بِالذِّكْرِ كأَنه قَالَ: وَلَا ذَلِكَ النوعُ منِّي، وإِنما لَمْ يقُل وَلَا هُوَ منِّي لأَنَّ الصَّرِيحَ آكَدُ وأَبلغ، وَقِيلَ: اللَّامُ فِي الدَّدِ لِاسْتِغْرَاقِ جِنْسِ اللَّعِبِ أَي وَلَا جِنْسُ اللعب مني، سواء كان الَّذِي قُلْتُهُ أَو غيرَه مِنْ أَنواع اللهوِ وَاللَّعِبِ، قَالَ: وَاخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأَول وَقَالَ: لَيْسَ يَحْسُن أَن يَكُونَ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ وَيَخْرُجُ عَنِ الْتِئَامِهِ، وَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا أَنا مِنْ أَهلِ دَدٍ وَلَا الدَّدُ مِنْ أَشغالي، وَقَالَ الأَحمر: فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، يُقَالُ لِلَّهْوِ ددٌ مِثْلُ يَدٍ، ودَداً مِثْلُ قَفًا وَعَصًا، ودَدَنٌ مِثْلُ حَزَن؛ وأَنشد لِعَدِيٍّ:
أَيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بدَدَنْ، ... إِنَّ هَمِّي فِي سَماعٍ وأَذَنْ
. وَقَالَ الأَعشى:
أَتَرْحَلُ مِنْ لَيْلَى، ولَمَّا تَزوّدِ، ... وكنتَ كَمَنْ قَضى اللُّبانةَ مِنْ دَدِ.
ورأَيت بِخَطِّ الشَّيخ رَضِيِّ الدِّينِ الشَّاطبي اللُّغَوِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي بَعْضِ الأُصول: دَدّ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، قَالَ: وَهُوَ نَادِرٌ ذَكَرَهُ أَبو عُمَرَ الْمَطْرَزِيُّ؛ قَالَ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ: وَلَا أَعلم أَحداً حَكَاهُ غَيْرَهُ، قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وَنَظِيرُ دَدَنٍ ودَداً ودَدٍ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّامِ تَارَةً نُونًا، وَتَارَةً حَرْفَ عِلَّةٍ، وَتَارَةً مَحْذُوفَةً لدُنْ ولَداً ولَدُ، كلُّ ذَلِكَ يُقَالُ؛ وَقَالَ الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ دَعَبَ: قَالَ الطرمَّاح:
واستَطْرَقَتْ ظُعْنُهمْ. لمَّا احزأَلَّ بِهِمْ، ... مَعَ الضُّحَى، ناشِطٌ من داعِبات دَدِ «3»
قَالَ: يَعْنِي اللَّواتي يَمْزَحْن ويَلْعَبْن ويُدأْدِدْن بأَصابعهنَّ والدَّدُ: هُوَ الضرْب بالأَصابع فِي اللَّعِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي هَذَا البيتَ:
مِنْ داعِبٍ دَدِدِ
يَجْعَلُهُ نَعْتًا لِلدَّاعِبِ ويَكْسَعُه بِدَالٍ أُخرى لِيَتِمّ النَّعْتُ، لأَنَّ النَّعت لَا يَتَمَكَّنُ حَتَّى يَصِيرَ ثَلَاثَةَ أَحرف، فإِذا اشْتقوا مِنْهُ فِعْلًا أَدخلوا بَيْنَ الأُوليين هَمْزَةً لِئَلَّا تَتَوَالَى الدَّالَاتُ فَتَثْقُلَ فَيَقُولُونَ: دأْدَدَ يُدَأْدِدُ دأْددة؛ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
يَعُدّ زأْراً وهَدِيراً زَغْدَبا، ... بَعْبَعَة مَرّاً، ومَرّاً بَأْبَبَا «4»
وإِنما حَكَى خَرَسًا شَبَّهَ بِبَبٍ فَلَمْ يَسْتَقِمْ فِي التَّصْرِيفِ إِلَّا كَذَلِكَ «5» وَقَالَ آخَرُ يَصِفُ فَحْلًا:
يَسوقُها أَعْيَسُ هدَّارٌ بببْ، ... إِذا دَعاها أَقْبَلَتْ لَا تَتَّئِبْ
. والدَّيْدنُ: الدأْب وَالْعَادَةُ، وَهِيَ الدَّيْدانُ؛ عَنِ ابْنِ جِنِّي؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
وَلَا يَزال عندَهُمْ حَفَّانُهُ، ... دَيْدانُهُمْ ذَاكَ، وَذَا دَيْدانُهُ
. والدَّيْدَبُونُ: اللَّهْوُ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:
خَلُّوا طَريقَ الدَّيْدَبُونِ، فَقَدْ ... فَاتَ الصِّبا، وتَفاوَتَ البُجْر.
__________
(3). قوله [مع الضحى ناشط] كذا بالأَصل، وفي القاموس في مادَّة ددد: آل الضحى ناشطٌ.
(4). قوله [يعد] كذا بالأَصل مضبوطاً، والذي في شرح القاموس في مادة زغدب ونسبه للعجاج: يمد زأَراً.
(5). قوله: وإِنما حكى إِلخ هكذا في الأَصل، والكلام غامض ولعل فيه سقطاً.
(13/152)

وَفِي النِّهَايَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ
خَرَجْت لَيْلَةً أَطُوف فإِذا أَنا بامرأَة تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ عُدْتُ فوجدتُها ودَيْدانُها أَن تقولَ ذَلِكَ
؛ الدَّيْدانُ والدَّيْدَنُ والدِّين: الْعَادَةُ، تَقُولُ: مَا زَالَ ذَلِكَ دَيدَنَه ودَيدَانه ودِينَه ودأْبَه وعادَتَه وسَدَمه وهِجِّيرَه وهِجِّيراه واهْجِيراه ودُرابَتَه، قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَدَدَ اسْمُ رَجُلٍ؛ قَالَ:
مَا لِدَدٍ مَا لِدَدٍ ما لَهْ.
دذن: الدَّاذِينُ: مَناورُ مِنْ خَشَب الأَرْز يُسْتَصبح بِهَا، وَهُوَ يُتَّخَذُ بِبِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ شَجَرِ المَظّ، وَاللَّهُ أَعلم.
درن: الدَّرَنُ: الوسَخ، وَقِيلَ: تَلَطُّخُ الْوَسَخِ. وَفِي الْمَثَلِ: مَا كَانَ إِلا كَدَرَنٍ بكَفِّي، يَعْنِي دَرَناً كَانَ بإِحدى يَدَيْهِ فَمَسْحَهَا بالأُخرى، يُضْرَبُ ذَلِكَ لِلشَّيْءِ العَجِل. وَقَدْ دَرِنَ الثوبُ، بِالْكَسْرِ، دَرَناً فَهُوَ دَرِن وأَدْرَنُ؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
إِن امْرُؤٌ دَغْمَرَ لَوْنَ الأَدْرَنِ، ... سَلمت عِرْضاً ثَوبُه لَمْ يَدْكَنِ «1»
وأَدْرَنَه صاحبُه. وَفِي حَدِيثِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ:
تُذْهِبُ الخَطايا كَمَا يُذهب الماءُ الدَّرَنَ
أَي الوسخَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ:
وَلَمْ يُعطِ الهَرِمة وَلَا الدَّرِنة
أَي الْجَرْبَاءَ، وأَصله مِنَ الْوَسَخِ. وَرَجُلٌ مِدْرانٌ: كَثِيرُ الدَّرَن؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
مَدارِينُ إِن جاعُوا، وأَذْعَرُ مَن مَشى، ... إِذا الرَّوْضةُ الخضْراءُ ذَبّ غَدِيرُها
. ذَبَّ: جَفّ فِي آخِرِ الجَزْءِ، والأُنثى مِدْرانٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ؛ قَالَ الفرزدق:
تَرَكُوا لتَغْلِبَ، إِذ رَأَوْا أَرماحَهُمْ، ... بِأَرابَ كُلَّ لَئِيمَةٍ مِدْرانِ
. والدَّرينُ والدُّرانة: يَبيسُ الحشِيش وَكُلُّ حُطام مِنْ حَمْض أَو شَجَرٍ أَو أَحرار الْبُقُولِ وَذُكُورِهَا إِذا قَدُمَ، فَهُوَ دَرِين؛ قَالَ أَوس بْنُ مَغْراءِ السَّعدي:
وَلَمْ يَجِدِ السَّوامُ لَدَى المَراعِي ... مَساماً يُرْتَجَى، إِلا الدَّرِينا
. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الدَّرِين النَّبْتُ الَّذِي أَتى عَلَيْهِ سَنَةٌ ثُمَّ جَفَّ، واليَبيسُ الْحَوْلِيُّ هُوَ الدَرِين. وَيُقَالُ: مَا فِي الأَرض مِنَ الْيَبِيسِ إِلا الدُّرانة. الْجَوْهَرِيُّ: الدَّرين حُطام المَرْعى إِذا قَدُم، وَهُوَ مَا بَلِيَ مِنَ الْحَشِيشِ، وقلَّما تَنْتَفِعُ بِهِ الإِبلُ؛ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وَنَحْنُ الحابِسُون بذِي أُراطَى، ... تسَفُّ الجِلَّةُ الخُورُ الدَّرِينا
. وأَدْرَنَت الإِبلُ: رَعَتِ الدَّرِين، وَذَلِكَ فِي الْجَدَبِ. وَحَطَبٌ مُدْرِنٌ: يَابِسٌ. وَفِي حَدِيثِ
جَرِيرٍ: وإِذا سَقَطَ كَانَ دَرِيناً
؛ الدَّرِينُ حُطام الْمَرْعَى إِذا تَنَاثَرَ وَسَقَطَ عَلَى الأَرض. وَيُقَالُ للأَرض الْمُجْدِبَةِ: أُمُّ دَرِين؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
تعالَيْ نُسَمِّطْ حُبَّ دَعْدٍ ونَغْتدي ... سَواءَيْن، والمَرْعى بأُمّ دَرِينِ
. يَقُولُ: تعالَيْ نلزَم حُبَّنا، وإِن ضَاقَ الْعَيْشُ. وإِدْرَوْن الدَّابَّةِ: آريُّه. وَرَجَعَ الْفَرَسُ إِلى إِدْرَوْنه أَي آرِيِّهِ. والإِدْرَوْنُ: المَعْلَف. والإِدْرَوْن: الأَصل؛ قَالَ القُلاخ:
وَمِثْلُ عَتَّابٍ رَدَدْنَاهُ إِلى ... إِدْرَوْنه ولُؤم أَصِّه على
__________
(1). قوله [ثوبه لم يدكن] كذا في الأَصل هنا وفي مادة دكن، وتقدم في مادة دغمر: لونه لم يدكن.
(13/153)

أَلرّغْم مَوْطوءَ الْحَصَى مُذَلَّلا «1»
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَمَنْ جَعَلَ الْهَمْزَ فِي إِدرون فَاءَ الْمِثَالِ فَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ مِثْلَ فِرْعون وبِرْذون، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بالإِدْرَوْن الْخَبِيثَ مِنَ الأُصول، فَذَهَبَ أَن اشْتِقَاقَهُ مِنَ الدَّرَن؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: الإِدْرَوْن الدَّرَن، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مَعْرُوفًا. ورجَع إِلى إِدْرَوْنه أَي وطَنه؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: مُلْحَقُ بِجِرْدَحْل وحِنْزَقْر، وَذَلِكَ أَن الْوَاوَ الَّتِي فِيهَا لَيْسَتْ مَدًّا لأَنَّ مَا قَبْلَهَا مَفْتُوحٌ، فَشَابَهَتِ الأُصول بِذَلِكَ فأُلحقت بِهَا. ابْنُ الأَعرابي: فُلَانٌ إِدْرَوْن شَرّ وطِمِرُّ شَرٍّ إِذا كَانَ نِهَايَةً فِي الشَّرِّ. والدَّرَان: الثَّعْلَبُ. وأَهل الْكُوفَةِ يُسمون الأَحمق دُرَيْنَة. ودُرَّانة: مِنْ أَسماء النِّسَاءِ، وَهُوَ فُعْلانة. قَالَ الأَزهري: النُّونُ فِي الدُّرّانة إِن كَانَتْ أَصلية فَهِيَ فُعْلالة مِنَ الدَّرَن، وإِن كَانَتْ غَيْرَ أَصلية فَهِيَ فُعْلانة مِنَ الدُّرّ أَو الدَّرّ، كَمَا قَالُوا قُرّان مِنَ الْقُرَى وَمِنَ القَرين. ودَرْنا ودُرْنا، بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: مَوْضِعٌ زَعَمُوا أَنه بِنَاحِيَةِ الْيَمَامَةِ؛ قَالَ الأَعشى:
حَلَّ أَهلي ما بَيْن دُرْنا فبادُولى ... ، وحَلَّتْ عُلْوِيّةً بالسِّخالِ
. وَقَالَ أَيضاً:
فقلْتُ للشَّرْب فِي دُرْنا، وَقَدْ ثَمِلُوا: ... شِيمُوا، وكيفَ يَشِيمُ الشارِبُ الثَّمِلُ؟
وَرُوِيَ دَرْنا، بِالْفَتْحِ، وَالرَّجُلُ دُرْنِيّ والمرأَة دُرْنيَّة؛ وَقَالَ:
وإِن طَحَنَتْ دُرْنِيّةٌ لِعيالِها، ... تَطَبْطَب ثَدْياها فطارَ طَحِينُها
. ودارِينُ: مَوْضِعٌ أَيضاً، قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
أُلْقِيَ فِيهِ فِلْجانِ من مِسْك دارِينَ، ... وفِلْجٌ مِنْ فُلْفُلٍ ضَرِمِ
. الْجَوْهَرِيُّ: ودارِينُ اسمُ فُرْضة بالبحرَيْن يُنْسَبُ إِليها المِسك، يُقَالُ: مسكُ دارينَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
مَسائحُ فَوْدَيْ رأْسِه مُسْبِغِلّةٌ، ... جَرى مِسْكُ دارِينَ الأَحَمُّ خِلالَها
. والنِّسْبةُ إِليها دارِيٌّ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كأَنَّ تَرِيكةً مِنْ ماءِ مُزْنٍ، ... ودارِيَّ الذَّكيِّ مِنَ المُدامِ
وَقَالَ كُثَيِّر:
أُفِيدَ عَلَيْهَا المِسْكُ، حَتَّى كأَنَّها ... لَطِيمةُ دارِيٍّ تَفَتَّق فارُها «2».
دربن: الدَّرْبان والدِّرْبانُ والدُّرْبانُ: البوّابُ، فَارِسِيَّةٌ؛ عَنْ كُرَاعٍ. والدَّرابنة: الْبَوَّابُونَ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ؛ قَالَ الْمُثَقَّبُ الْعَبْدِيِّ يَصِفُ نَاقَةً:
فأَبْقَى باطِلي والجِدُّ مِنْهَا، ... كدُكّانِ الدَّرابِنةِ المَطينِ
. وَقِيلَ الدَّرَابِنَةُ التُّجار، وَقِيلَ: جَمْعُ الدِّرْبان، قَالَ: ودِرْبان قِيَاسُهُ عَلَى طَرِيقَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَن يَكُونَ وَزْنُهُ فَعْلان [فِعْلان]، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ، وَلَا يَكُونُ أَصلًا لأَنه لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فعْلال إِلا مضاعفاً.
درحمن: ابْنُ بَرِّيٍّ: الدُّرَحْمِينُ، بِالْحَاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، الرَّجُلُ الثَّقِيلُ؛ عَنِ الطُّوسِيِّ، وَقَالَ أَبو الطِّيبِ: هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لَا غَيْرُ، قَالَ: وَقَالَ قَوْمٌ الرَّجُلُ الدَّاهِيَةُ يُقَالُ فِيهِ دُرَخْمين، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وأَما الرَّجُلُ الثَّقِيلُ فبالحاء لا غير.
__________
(1). قوله [موطوء الحصى] الذي في التهذيب: موطوء الحمى. وقد قطع همزة الرغم مراعاة للوزن.
(2). قوله [أفيد] كذا بالأَصل مضبوطاً، وأَنشده شارح القاموس: فيد، وهو الموافق لما قالوا في مادة فيد، وإِن كان عليه مخروماً.
(13/154)

درخبن: التَّهْذِيبُ: أَبو مَالِكٍ الدُّرَخْبيل والدُّرَخْبين الداهية.
درخمن: الدُّرَخْمين، بِوَزْنِ شُرَحْبيل: مِنْ أَسماء الدَّاهِيَةِ كالدُّرَخْميل؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
أَنعَتُ مِنْ حَيّاتِ بُهْلٍ كُشُحينْ، ... صِلَّ صَفًا دَاهِيَةً دُرَخْمِينْ «1»
. وأَنشد ابْنُ الأَعرابي: فَقَالَ:
تاحَ لَهُ أَعرَفُ ضَافِي العُثْنُون، ... فزَلَّ عَنْ داهيةٍ دُرَخْمِين،
حَتْف الحُبارَيات والكَراوِين.
والدُّرَخْمين: الضَّخْمُ مِنَ الإِبل؛ عَنِ السِّيرَافِيِّ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
أَنعَتُ عَيْرَ عانةٍ دُرَخْمين.
درقن: الدُّرَّاقِنُ: الخَوْخ الشَّامِيُّ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الدُّرّاقِنُ الْخَوْخُ بِلُغَةِ أَهل الشَّامِ.
دشن: داشِنٌ: مُعَرَّبٌ، مِنَ الدَّشْن، وَهُوَ كَلَامٌ عِرَاقِيٍّ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهل الْبَادِيَةِ كأَنهم يَعْنُونَ بِهِ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ الَّذِي لَمْ يُلبس، أَو الدَّارَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي لَمْ تُسْكَنْ وَلَا اسْتُعْمِلَتْ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الداشِن والبُرْكة كِلَاهُمَا الدَّسْتارانُ، وَيُقَالُ: بُرْكة الطحان.
دعن: الدَّعْن: سَعَف يُضَمُّ بَعْضِهِ إِلى بَعْضٍ ويُرَمَّلُ بالشَّريط وَيُبْسَطُ عَلَيْهِ التَّمْرُ، أَزْديّة. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو فِي تَفْسِيرِ شِعْرِ ابْنِ مُقبل: أُدْعِنَت الناقةُ وأُدعن الْجَمَلُ إِذا أُطيل رُكُوبُهُ حَتَّى يَهْلِك، رَوَاهُ بِالدَّالِ والنون.
دعكن: الدِّعْكِنةُ: النَّاقَةُ الصُّلْبَةُ الشَّدِيدَةُ، وَقِيلَ: السَّمِينَةُ؛ وأَنشد:
أَلا ارْحَلُوا دِعْكِنةً دِحَنَّهْ، ... بما ارْتَعى مُزْهِيةً مُغِنَّهْ
. الأَزهري قَالَ: وَفِي النَّوَادِرِ رَجُلٌ دَعْكَنٌ دَمِثٌ حَسَنُ الخُلق. وبِرْذون دَعْكَنٌ قَرودٌ أَلْيَسُ بَيِّن اللَّيَس إِذا كان ذلولًا.
دغن: دَغَنَ يومُنا: كدَجَن؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، قَالَ: وإِنه لَيَوْمٌ ذُو دُغُنَّة كدُجُنَّة. ودُغَيْنة: الأَحمق، مَعْرِفَةٌ، ودُغَيْنة: اسْمُ امرأَة. اللَّيْثُ: يُقَالُ للأَحمق دُغَة ودُغَيْنة، وَيُقَالُ: إِنها كَانَتِ امرأَة حمقاء.
دفن: الدَّفْن: السَّتْر والمُواراة، دَفَنه [دَفِنه] يَدْفِنُه دَفْناً وادَّفَنه فاندَفَن وتَدَفَّن فَهُوَ مَدْفون ودَفِين. والدِّفْن والدَّفينُ: الْمَدْفُونُ، وَالْجَمْعُ أَدفان ودُفَناء. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: امرأَة دَفين ودَفينة مِنْ نِسوة دَفْنى ودَفائِن. وركيَّةٌ دَفين: مُنْدفِنة، وَكَذَلِكَ مِدْفان، كأَنَّ الدَّفْن مِنْ فعْلها. وَرَكِيَّةٌ دَفين ودِفان إِذا انْدَفَنَ بعضُها، وَرَكَايَا دُفُن؛ قَالَ لَبِيدٌ:
سُدُماً، قَلِيلًا عَهْدُه بأَنِيسه، ... مِنْ بَيْن أَصفَرَ ناصِعٍ ودِفان
. والمِدْفان والدِّفْن: الرَّكِيّة أَو الْحَوْضُ أَو المَنْهل يَنْدَفِنُ، وَالْجَمْعُ دِفان ودُفُن. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ تَصِفُ أَباها، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: واجْتَهَرَ دُفُن الرَّواءِ
؛ الدُّفُن: جَمْعُ دَفين وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَدْفُونُ. وأَرض دَفْنٌ: مَدْفونة، وَالْجَمْعُ أَيضاً دُفُن، وَمَاءٌ دِفان كَذَلِكَ. والدَّفْن والدِّفْنُ: بِئْرٌ أَو حَوْضٌ أَو مَنهل سَفَت الرِّيحُ فِيهِ التُّرَابَ حَتَّى ادَّفَن؛ وأَنشد:
دَفْن وَطامٍ مَاؤُهُ كالجِرْيال.
وادَّفن الشيءُ، عَلَى افْتَعَلَ، وَانْدَفَنَ بِمَعْنًى. وَدَاءٌ دَفين: لَا يُعْلم بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السلام:
__________
(1). قوله [أَنعت إِلخ] كذا بالأَصل والصحاح مضبوطاً، والذي في معجم ياقوت: بهلكجين، بالضم ثم الفتح وسكون اللام وفتح الكاف وكسر الجيم وياء ساكنة ونون: موضع
(13/155)

قُمْ عَنِ الشَّمْسِ فإِنها تُظهِر الداءَ الدَّفِينَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ الدَّاءُ المستَتر الَّذِي قهَرته الطبيعةُ، يَقُولُ: الشَّمْسُ تُعينُه عَلَى الطَّبِيعَةِ وتُظهِره بحرِّها، ودَفَن الميِّتَ وَارَاهُ، هَذَا الأَصل، ثُمَّ قَالُوا: دَفَن سِرَّه أَي كتمه. والدَّفينة: الشَّيْءُ تَدْفِنه؛ حَكَاهَا ثَعْلَبٌ. والمِدْفن: السِّقاء الخَلَق. والمِدْفان: السِّقَاءُ الْبَالِي وَالْمَنْهَلُ الدَّفِينُ أَيضاً، وَهُوَ مِدْفان: بِمَنْزِلَةِ المَدْفون. والمِدْفان والدَّفون مِنَ الإِبل وَالنَّاسِ: الذاهبُ عَلَى وَجْهِهِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَالْآبِقِ، وَقِيلَ: الدَّفون مِنَ الإِبل الَّتِي تَكُونُ وسَطهن إِذا وردَت، وَقَدْ دَفَنَتْ تَدْفِن دَفْناً. ابْنُ شُمَيْلٍ: نَاقَةٌ دَفون إِذا كَانَتْ تَغِيبُ عَنِ الإِبل وَتَرْكَبُ رأْسها وَحْدَهَا، وَقَدِ ادَّفَنت نَاقَتُكُمْ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: حَسَب دَفونٌ إِذا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا، وَرَجُلٌ دَفون. الْجَوْهَرِيُّ: نَاقَةٌ دَفون إِذا كَانَ مِنْ عَادَتِهَا أَن تَكُونَ فِي وَسَطِ الإِبل، والتَّدافن: التَّكاتُم. يُقَالُ فِي الْحَدِيثِ:
لَوْ تكاشَفْتم مَا تَدافَنْتم
أَي لَوْ تكَشَّف عيبُ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ. وَبَقَرَةٌ دافِنة الجِذْم: وَهِيَ الَّتِي انسحَقت أَضراسُها مِنَ الْهَرَمِ. الأَصمعي: رَجُلٌ دَفين الْمُرُوءَةِ، ودَفْنُ الْمُرُوءَةِ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُرُوءَةٌ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
يُباري الرِّيحَ لَيْسَ بِجانِبِيٍّ، ... وَلَا دَفْنٌ مُروءَتُه لَئيم
. والادِّفانُ: إِباقُ العَبد. وادَّفن العَبْدُ: أَبَق قَبْلَ أَن ينتهي به إِلى الْمِصْرِ الَّذِي يُباع فِيهِ، فإِن أَبَق مِنَ الْمِصْرِ فَهُوَ الإِباقُ، وَقِيلَ: الادِّفانُ أَن يَرُوغَ مِنْ مَوالِيه الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ أَن لَا يَغِيبَ مِنَ الْمِصْرِ فِي غَيْبَتِهِ، وَعَبْدٌ دَفون: فَعُول لِذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ
شُريح: أَنه كَانَ لَا يَرُدّ العبدَ مِنَ الادِّفان وَيَرُدُّهُ مِنَ الإِباق الباتِ
، وَفَسَّرَهُ أَبو زَيْدٍ وأَبو عُبَيْدَةَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْح قَالَ يَزِيدُ: الادِّفانُ أَن يأْبَق الْعَبْدُ قَبْلَ أَن يُنتهى به إِلى الْمِصْرِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ، فإِن أَبق مِنَ الْمِصْرِ فَهُوَ الإِباق الَّذِي يُرَدُّ مِنْهُ فِي الحُكم، وإِن لَمْ يَغِب عَنِ الْمِصْرِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والقولُ مَا قَالَهُ أَبو زَيْدٍ وأَبو عُبَيْدَةَ وَالْحَكَمُ عَلَى ذَلِكَ، لأَنه إِذا غَابَ عَنْ مَوَالِيهِ فِي الْمِصْرِ اليومَ وَالْيَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بإِباقٍ باتٍّ، قَالَ: وَلَسْتُ أَدري مَا أَوْحَشَ أَبا عُبَيْدٍ مِنْ هَذَا، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ وَقَالَ ابْنُ الأَثير فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: الادِّفانُ هُوَ أَن يَخْتفي العبدُ عَنْ مَوَالِيهِ اليومَ واليومَيْن وَلَا يَغيبَ عَنِ الْمِصْرِ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الدَّفْن لأَنه يَدْفِن نفْسه فِي الْبَلَدِ أَي يكتُمُها، والإِباقُ هُوَ أَن يَهْرُب مِنَ المِصْر، وَالْبَاتُّ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا شُبْهة فِيهِ. وَالدَّاءُ الدَّفِين: الَّذِي يظْهَر بَعْدَ الْخَفَاءِ وَيَفْشُو مِنْهُ شَرّ وعَرٌّ. وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي: دَاءٌ دَفِن، وَهُوَ نَادِرٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى النَّسَبِ كَرَجُلٍ نَهِر؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي للمُهاصر بْنِ الْمَحَلِّ وَوَقَفَ عَلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالْكُوفَةِ وَهُوَ يَكْتُبُ الزَّمْنى:
إِن يَكْتبوا الزَّمْنى، فإِنِّي لَطَمِنْ ... مِنْ ظاهِر الدَّاء، وداءٍ مُسْتَكِنْ
وَلَا يَكادُ يَبْرَأُ الدَّاءُ الدَّفِنْ
. والدَّاء الدَّفين: الَّذِي لَا يُعلم بِهِ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ شَرّ وعَرّ. وَالدَّفَائِنُ: الْكُنُوزُ، وَاحِدَتُهَا دَفِينة. والدَّفَنِيُّ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ، وَقِيلَ مِنَ الثِّيَابِ المُخَطَّطة؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للأَعشى:
الواطِئينَ عَلَى صُدورِ نِعَالِهِمْ، ... يَمْشُونَ فِي الدَّفَنِيِّ والأَبْرادِ
. والدَّفِينُ: مَوْضِعٌ؛ قَالَ الحَذْلَميّ:
إِلى نُقاوى أَمْعَزِ الدَّفِين.
(13/156)

والدَّفِينة والدَّثِينةُ: مَنْزِلٌ لِبَنِي سُلَيْمٍ. والدَّفافين: خَشَبُ السَّفِينَةِ، وَاحِدُهَا دُفَّان؛ عَنْ أَبي عَمْرٍو. ودَوْفَن: اسْمٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَدْري أَرجل أَم مَوْضِعٌ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
وعَلِمتُ أَني قَدْ مُنِيتُ بِنئْطِلٍ، ... إِذ قِيلَ كَانَ منَ الِ دَوْفَنَ قُمَّسُ
. قَالَ: فإِن كَانَ رَجُلًا فَعَسَى أَن يَكُونَ أَعجَمياً فَلَمْ يَصْرفْه، أَو لَعَلَّ الشَّاعِرَ احْتَاجَ إِلى تَرْكِ صَرفه فَلَمْ يَصْرِفه، فإِنه رأْيٌ لِبَعْضِ النَّحويين، وإِن كَانَ عَنَى قَبِيلَةً أَو امرأَة أَو بُقْعة فَحُكْمُهُ أَن لَا يَنْصَرِفَ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ.
دقن: الدِّقْدانُ والدِّيقان: أَثافي القدر.
دكن: الدَّكْن والدَّكَن والدُّكْنة: لَوْنُ الأَدْكن كَلَوْنِ الخَزِّ الَّذِي يضربُ إِلى الغُبرة بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ، وَفِي الصِّحَاحِ: يَضْرِبُ إِلى السَّوَادِ، دَكِن يَدْكَن دَكَناً وأَدْكَن وَهُوَ أَدْكَنُ؛ قَالَ رُؤْبَةُ يُخَاطِبُ بِلَالَ بْنَ أَبي بُرْدة:
فَاللَّهُ يَجْزِيكَ جَزاءَ المُحْسِنِ، ... عن الشرِيف والضعِيفِ الأَوْهَنِ
سَلمتَ عِرْضًا ثوبُه لَمْ يَدْكَن، ... وَصَافِيًا غَمْرَ الحِبا لَمْ يَدْمَنِ
والشيءُ أَدْكَنُ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
أُغْلي السِّباءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عاتِقٍ، ... أَو جَوْنةٍ فُدِحَت وفُضّ خِتامُها «2»
. يَعْنِي زِقّاً قَدْ صَلَح وَجَادَ فِي لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ لعِتْقه. وَفِي حَدِيثِ
فَاطِمَةَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا: أَنّها أَوْقَدت القِدْرَ حَتَّى دَكِنَت ثِيابُها
؛ دَكِن الثوبُ إِذا اتَّسَخَ واغبرَّ لونُه يَدْكَنُ دَكَناً؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
أُم خَالِدٍ فِي الْقَمِيصِ: حَتَّى دَكِن
؛ وَفِي قَصِيدَةٍ مُدح بِهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ «3». صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
عليٌّ لَهُ فضلانِ: فضلُ قرابةٍ، ... وفضْلٌ بنَصْلِ السَّيْفِ والسُّمُرِ الدُّكْلِ
. قَالَ: الدُّكْل والدُّكْن وَاحِدٌ، يريدُ لونَ الرِّمَاحِ. ودَكَن المتاعَ يَدْكُنه دَكْناً ودَكَّنه: نَضّد بعضَه عَلَى بَعْضٍ؛ وَمِنْهُ الدُّكان مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ: وَهُوَ عِنْدَ أَبي الْحَسَنِ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّكَّاء، وَهِيَ الأَرض المُنبسطة، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ، والدُّكّان فُعّال، وَالْفِعْلُ التَّدْكِين. الْجَوْهَرِيُّ: الدُّكَّان وَاحِدُ الدَّكَاكِينِ، وَهِيَ الْحَوَانِيتُ، فَارِسِيٌّ معرَّب. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ: فبَنَيْنا لَهُ دُكَّاناً مِنْ طِينٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ
؛ الدُّكَّان: الدّكَّة المبنِيَّة لِلْجُلُوسِ عَلَيْهَا، قَالَ: وَالنُّونُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعلُها أَصلًا، وَمِنْهُمْ مَن يَجْعَلُهَا زَائِدَةً. ودَكَّن الدُّكَّانَ: عَمِله. وَثَرِيدَةٌ دَكْناء: وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا مِنَ الأَبزار، مَا دَكَّنها مِنَ الفُلْفُل وَغَيْرِهِ. والدُّكَيْناء، مَمْدُودٌ: دُوَيْبَّة مِنْ أَحناش الأَرض. ودُكَيْن ودَوْكَن: اسمان.
دلن: دَلان: مِنْ أَسماء الْعَرَبِ، وَقَدْ أُميت أَصل بنائه.
دمن: دِمْنةُ الدَّارِ: أَثَرُها. والدِّمْنة: آثارُ النَّاسِ وَمَا سَوَّدوا، وَقِيلَ: مَا سَوَّدوا مِنْ آثَارِ البَعَر وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ دِمَن، عَلَى بَابِهِ، ودِمْنٌ، الأَخيرة كسِدْرة وسِدْر. والدِّمْن: البَعَر. ودَمَّنتِ الماشيةُ المكانَ: بَعَرت فِيهِ وَبَالَتْ. ودَمَّن الشاءُ الْمَاءَ، هَذَا مِنَ البَعَر؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً:
__________
(2). قوله [فدحت] بالحاء المهملة في الأَصل والصحاح، ولعلها بالخاء المعجمة أَو الدال مبدلة من التاء المثناة من فوق
(3). قوله [مدح بها سيدنا إِلخ] الذي في النهاية: مدح بها أَصحاب النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
(13/157)

إِذا مَا عَلاها راكِبُ الصّيْفِ لَمْ يَزَلْ ... يَرَى نَعْجةً فِي مَرْتَع، فيُثيرُها
مُوَلَّعةً خَنْساءَ ليْستْ بنعْجة، ... يُدَمِّن أَجْوافَ المِياه وَقِيرُها
. ودَمّن القومُ الموضعَ: سَوَّدُوهُ وأَثَّروا فِيهِ بالدِّمْن؛ قَالَ عَبيد بْنُ الأَبرص:
مَنْزِلٌ دَمّنه آباؤُنا المُورثُون ... المَجْدَ فِي أُولى اللَّيالي
. وَالْمَاءُ مُتَدَمِّن إِذا سقَطَت فِيهِ أَبعار الغَنَم والإِبل. والدِّمْن: مَا تَلَبَّد مِنَ السِّرقِينِ وَصَارَ كِرْساً عَلَى وَجْهِ الأَرض. والدِّمْنة: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَلْتبدُ فِيهِ السِّرقِين، وَكَذَلِكَ مَا اخْتَلَطَ مِنَ الْبَعْرِ وَالطِّينِ عِنْدَ الْحَوْضِ فتَلَبَّد. الصِّحَاحُ: الدِّمْن البَعر؛ قَالَ لَبِيدٌ:
راسِخُ الدِّمْن عَلَى أَعضادِه، ... ثَلَمَتْه كُلُّ رِيحٍ وسَبَلْ
. ودمَنْتُ الأَرضَ: مِثْلُ دَمَلْتها، وَقِيلَ: الدِّمْن اسْمٌ لِلْجِنْسِ مِثْلُ السِّدْر اسْمٌ لِلْجِنْسِ. والدِّمَن: جَمْعُ دِمْنة، ودِمْنٌ «1». وَيُقَالُ: فُلَانٌ دِمْنُ مالٍ كَمَا يُقَالُ إِزاءُ مالٍ. والدِّمْنة: الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنَ الدَّارِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِيّاكم وخَضْراءَ الدِّمَن، قِيلَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: المرأَة الْحَسْنَاءُ فِي المَنْبت السُّوء
؛ شَبَّهَ المرأَة بِمَا يَنْبُتُ فِي الدِّمَن مِنَ الكلأِ يُرى لَهُ غَضارة وَهُوَ وَبيء المرْعى مُنْتِن الأَصل؛ قَالَ زُفَر بْنُ الْحَرْثِ:
وَقَدْ يَنْبُت المَرْعى عَلَى دِمَن الثَّرَى، ... وتَبْقى حَزازاتُ النُّفوسِ كَمَا هيَا
والدِّمْنة: الْحِقْدُ المُدَمِّن لِلصَّدْرِ، وَالْجَمْعُ دِمن، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ الْحِقْدُ دِمْنة حَتَّى يأْتي عَلَيْهِ الدَّهْرُ وَقَدْ دَمِن عَلَيْهِ. وَقَدْ دَمِنَت قلوبُهم، بِالْكَسْرِ، ودَمِنْت عَلَى فُلَانٍ أَي ضَغِنْت؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: أَراد فسادَ النَّسَب إِذا خِيفَ أَن تَكُونَ لِغَيْرِ رِشْدة، وإِنما جَعَلَهَا خَضْرَاءَ الدِّمَن تَشْبِيهًا بِالْبَقْلَةِ النَّاضِرَةِ فِي دِمْنَةِ الْبَعَرِ، وأَصل الدِّمْن مَا تُدَمِّنه الإِبل وَالْغَنَمُ مِنْ أَبعارها وأَبوالها أَي تُلَبِّده فِي مَرَابِضِهَا، فَرُبَّمَا نَبَتَ فِيهَا النباتُ الْحَسَنُ النَّضِير، وأَصله مِنْ دِمْنة، يقول: فَمَنظَرُها أَنيق حَسَنٌ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
فيَنْبُتون نباتَ الدِّمْن فِي السَّيْلِ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، يُرِيدُ الْبَعْرَ لِسُرْعَةِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثِ:
فأَتينا عَلَى جُدْجُد مُتَدَمِّن
أَي بِئْرٍ حَوْلَهَا الدِّمْنة. وَفِي حَدِيثِ
النَّخَعِيِّ: كَانَ لَا يَرَى بأْساً بِالصَّلَاةِ فِي دِمْنة الْغَنَمِ.
والدِّمنة: بَقِيَّةُ الْمَاءِ فِي الْحَوْضِ، وَجَمْعُهَا دِمْن؛ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَة:
تُرادى عَلَى دِمْن الحِياضِ، فإِن تَعَفْ ... فإِنّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكوبُ
. والدَّمْن والدَّمان: عَفَن النَّخْلَةِ وسوادُها، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُنسِغَ النَّخْلُ عَنْ عَفَن وَسَوَادٍ. الأَصمعي: إِذا أَنْسَغَت النَّخْلَةُ عَنْ عَفَنٍ وَسَوَادٍ قِيلَ قَدْ أَصابه الدَّمَان، بِالْفَتْحِ. وَقَالَ ابْنُ أَبي الزِّناد: هُوَ الأَدَمانُ. وَقَالَ شِمْرٌ: الصَّحِيحُ إِذا انْشَقَّت النخلةُ عَنْ عَفَنٍ لَا أَنْسَغَت، قَالَ: والإِنْساغ أَن تُقْطَع الشجرةُ ثُمَّ تَنْبت بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
كَانُوا يَتَبايَعُون الثِّمَار قَبْلَ أَن يَبْدُو صَلاحُها، فإِذا جَاءَ التَّقَاضِي قَالُوا أَصاب الثمرَ الدَّمانُ
؛ هُوَ بِالْفَتْحِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ فَسَادُ الثَّمَرِ وعفَنُه قَبْلَ إِدراكه حَتَّى يَسْوَدَّ، مِنَ الدِّمْن وَهُوَ السِّرْقِينُ. وَيُقَالُ: إِذا أَطلعت النَّخْلَةُ عَنْ عَفَن وَسَوَادٍ قِيلَ أَصابها الدَّمانُ، وَيُقَالُ: الدَّمال أَيضاً، بِاللَّامِ وفتح الدال بمعناه؛ ابن الأَثير: كذا
__________
(1). قوله [ودمن] بالرفع عطف على والدمن
(13/158)

قَيَّدَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْفَتْحِ، قَالَ: وَالَّذِي جَاءَ فِي غَرِيبِ الْخَطَّابِيِّ بِالضَّمِّ، قَالَ: وكأَنه أَشبه لأَن مَا كَانَ مِنْ الأَدواء وَالْعَاهَاتِ فَهُوَ بِالضَّمِّ كالسُّعال والنُّحاز والزُّكام. وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: القُشام والمُراض، وَهُمَا مِنْ آفَاتِ الثَّمَرَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي ضمِّهما، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيُرْوَى الدَّمار، بِالرَّاءِ، قَالَ: وَلَا مَعْنَى لَهُ. والدَّمان: الرَّماد. والدَّمان: السّرْجين. والدَّمان: الَّذِي يُسَرقِنُ الأَرضَ أَي يَدْبِلها ويَزْبِلُها. وأَدْمَن الشرابَ وغيرَه: لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ثَعْلَبٌ:
فَقُلنا: أَمِن قبَرْ خَرَجْتَ سَكَنْتَه؟ ... لكَ الوَيْلُ أَم أَدْمَنْتَ جُحْرَ الثَّعالب؟
مَعْنَاهُ: لزمتَه وأَدْمَنْت سُكناه، وكأَنه أَراد أَدْمنْت سُكنى جُحْر الثَّعَالِبِ لأَن الإِدْمان لَا يَقَعُ إِلا عَلَى الأَعراض. وَيُقَالُ: فُلَانٌ يُدْمِنُ الشُّرب وَالْخَمْرَ إِذا لزِم شُرْبَهَا. يُقَالُ: فُلَانٌ يُدْمِنُ كَذَا أَي يُديمه. ومُدْمِن الْخَمْرِ الَّذِي لَا يُقْلع عَنْ شُرْبِهَا. يُقَالُ: فُلَانٌ مُدْمن خَمْرٍ أَي مُداومُ شربِها. قَالَ الأَزهري: وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ دَمْنِ الْبَعْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مُدْمِن الْخَمْرِ كَعَابِدِ الوثَن
؛ هُوَ الَّذِي يُعاقِر شُرْبَهَا وَيُلَازِمُهُ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَهَذَا تَغْلِيظٌ فِي أَمرها وتحريمِهِ. وَيُقَالُ: دَمَّن فُلَانٌ فِناءَ فُلَانٍ تَدْمِيناً إِذا غَشِيَهُ وَلَزِمَهُ؛ قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
أَرْعى الأَمانةَ لَا أَخُونُ وَلَا أُرى، ... أَبداً، أُدَمِّن عَرْصَة الإِخْوانِ «1»
ودَمَّن الرجلَ: رخَّص لَهُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. والمُدَمَّن: أَرض. ودَمُّون؛ بِالتَّشْدِيدِ: مَوْضِعٌ، وَقِيلَ: أَرض؛ حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ؛ وأَنشد لإمرئ الْقَيْسِ:
تَطاولَ الليلُ عَلَيْنَا دَمُّونْ، ... دَمُّون إِنَّا مَعشَرٌ يمانُونْ،
وإِنَّنا لأَهْلِنا مُحِبُّونْ
. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الدُّمَيْنة: من شعرائهم.
دنن: الدَّنّ: مَا عَظُم مِنَ الرَّواقِيد، وَهُوَ كَهَيْئَةِ الحُبّ إِلا أَنه أَطول مُسْتَوي الصَّنْعة فِي أَسفله كَهَيْئَةِ قَوْنَس الْبَيْضَةِ، وَالْجَمْعُ الدِّنان وَهِيَ الحِباب، وَقِيلَ: الدَّنُّ أَصغر مِنَ الحُبّ، لَهُ عُسْعُس فَلَا يَقْعُدُ إِلا أَن يُحْفَر لَهُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الدَّنُّ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ؛ وأَنشد:
وقابلَها الرِّيحُ فِي دَنِّها، ... وصلَّى عَلَى دَنِّها وارْتَسَمْ
. وَجَمْعُهُ دِنان. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَيُقَالُ للدَّنِّ الإِقنيز، عَرَبِيَّةٌ. والدَّنَن: انحناءٌ فِي الظَّهْرِ، وَهُوَ فِي العُنُق والصَّدر دُنُوٌّ وتطأْطُؤ وتطامُن مِنْ أَصلها خِلْقَةً؛ رَجُلٌ أَدَنُّ وامرأَة دَنَّاء، وَكَذَلِكَ الدابَّة وَكُلُّ ذِي أَربع. وَكَانَ الأَصمعيّ يَقُولُ: لَمْ يَسْبِق أَدَنّ قَطُّ إِلا أَدَنَّ بَنِي يَرْبوع. أَبو الْهَيْثَمِ: الأَدَنُّ مِنَ الدَّوَابِّ الَّذِي يَدَاهُ قَصِيرَتَانِ وعنقُه قَرِيبٌ مِنَ الأَرض؛ وأَنشد:
بَرَّحَ بالصِّينيّ طُولُ المَنِّ، ... وسَيْرُ كلِّ راكبٍ أَدَنِّ،
مُعْتَرضٍ مِثْلَ اعتراضِ الطُّنّ
. الطُّنّ: العِلاوة الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ العِدْلين؛ وَقَالَ الرَّاجِزُ:
لَا دَنَنٌ فِيهِ وَلَا إِخْطافُ
والإِخْطاف: صِغَر الْجَوْفِ، وَهُوَ شَرُّ عُيُوب الْخَيْلِ. ابْنُ الأَعرابي: الأَدَنّ الَّذِي كأَن صُلْبَه
__________
(1). قوله [عرصة الإِخوان] كذا بالأَصل والتهذيب، والذي في التكملة: عرصة الخوَّان.
(13/159)

دَنّ؛ وأَنشد:
قَدْ خَطِئَتْ أُمُّ خُثَيْمٍ بأَدَنْ، ... بناتِئ الجَبْهة مَفْسُوءِ القَطَنْ
. قَالَ: والفَسأُ دُخول الصُّلْبِ، والفَقَأ خُرُوجُ الصدْر. وَيُقَالُ: دَنُّ وأَدْنَنُ وأَدَنُّ ودِنَّانٌ ودِنَنَةٌ. أَبو زَيْدٍ: الأَدَنُّ الْبَعِيرُ المائِل قُدُماً وَفِي يَدَيْهِ قِصَرٌ، وَهُوَ الدَّنَن. وَفَرَسٌ أَدَنّ بيِّن الدَّنَن: قَصِيرُ الْيَدَيْنِ؛ قَالَ الأَصمعي: وَمِنْ أَسوإِ الْعُيُوبِ الدَّنَنُ فِي كُلِّ ذِي أَربع، وَهُوَ دُنُوّ الصَّدْرِ مِنَ الأَرض. وَرَجُلٌ أَدَنُّ أَي مُنْحني الظَّهْرِ. وَبَيْتٌ أَدَنّ أَي مُتَطَامِنٌ. والدَّنِين والدِّنْدِن والدَّنْدنة: صَوْتُ الذُّبَابِ وَالنَّحْلِ وَالزَّنَابِيرِ وَنَحْوِهَا مِنْ هَيْنَمة الْكَلَامِ الَّذِي لَا يُفهم؛ وأَنشد:
كدَنْدنةِ النَّحلِ فِي الخَشْرَمِ
. الْجَوْهَرِيُّ: الدَّنْدَنة أَن تَسْمَعَ مِنَ الرَّجُلِ نَغْمة وَلَا تَفْهَمَ مَا يَقُولُ، وَقِيلَ: الدَّنْدنة الْكَلَامُ الْخَفِيُّ.
وسأَل النبي، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، رَجُلًا: مَا تَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ؟ قَالَ: أَسأَل اللَّهَ الْجَنَّةَ وأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، فأَمَّا دَنْدنتك ودَنْدَنةُ مُعَاذٍ فَلَا نُحْسِنُهَا، فَقَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: حَوْلَهُمَا نُدَنْدِن
، وَرُوِيَ:
عَنْهُمَا نُدَنْدِن.
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الدَّنْدنة أَن يَتكلَّم الرَّجُلُ بِالْكَلَامِ تَسْمَعُ نَغْمته وَلَا تَفْهَمُهُ عَنْهُ لأَنه يُخْفيه، والهَيْنمة نَحْوٌ مِنْهَا؛ وَقَالَ ابْنُ الأَثير: وَهُوَ الدَّنْدنة أَرفع مِنَ الهيْنمة قَلِيلًا، وَالضَّمِيرُ فِي حولَهما لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَي فِي طَلَبِهِمَا نُدَنْدن، وَمِنْهُ: دَنْدَن إِذا اخْتَلَفَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مَجِيئًا وذَهاباً، وأَمّا
عَنْهُمَا نُدَنْدِن
فَمَعْنَاهُ أَن دَنْدَنتنا صَادِرَةٌ عَنْهُمَا وَكَائِنَةٌ بِسَبَبِهِمَا. شِمْرٌ: طَنْطَن طَنْطَنة ودَنْدن دَنْدَنة بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وأَنشد:
نُدَنْدِن مِثْلَ دَنْدَنةِ الذُّباب
. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ: أَي نَدُورُ. يُقَالُ: نُدَنْدِنُ حَوْلَ الْمَاءِ ونَحُوم ونُرَهْسِم. والدَّندنة: الصَّوْتُ وَالْكَلَامُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ، وَكَذَلِكَ الدِّنْدان مِثْلُ الدَّنْدنة؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ:
وللبَعوضِ فَوْقَنَا دِنْدانُ
قَالَ الأَصمعي: يَحْتَمِلُ أَن يكونَ مِنَ الصَّوْتِ وَمِنَ الدَّوَران. والدِّنْدِن، بِالْكَسْرِ: مَا بَلِي وَاسْوَدَّ مِنَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَخَصَّ بِهِ بعضُهم حُطام البُهْمَى إِذا اسْوَدَّ وقَدُم، وَقِيلَ: هِيَ أُصول الشَّجَرِ الْبَالِي؛ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
المالُ يَغْشَى أُناساً لَا طباخَ لهُم، ... كالسَّيْل يَغْشَى أُصولَ الدِّنْدِن الْبَالِي
. الأَصمعي: إِذا اسْودَّ الْيَبِيسُ مِنَ القِدَم فَهُوَ الدِّنْدِن؛ وأَنشد:
مِثْلُ الدِّنْدِن الْبَالِي
. والدِّنْدِن: أُصول الشَّجَرِ. ابْنُ الْفَرَجِ: أَدَنَّ الرجلُ بِالْمَكَانِ إِدْناناً وأَبَنَّ إِبْناناً إِذا أَقام، وَمِثْلُهُ مِمَّا تَعَاقَبَ فِيهِ الْبَاءِ وَالدَّالُ انْدَرَى وانْبَرَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: قَالَ أَبو عَمْرٍو الدِّنْدِن الصِّلِّيان المُحِيل، تَمِيمِيَّةٌ ثَابِتَةٌ. والدَّنَنُ اسْمُ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ.
دهن: الدُّهْن: مَعْرُوفٌ. دَهَن رأْسه وَغَيْرَهُ يَدْهُنه دَهْناً: بلَّه، وَالِاسْمُ الدُّهْن، وَالْجَمْعُ أَدْهان ودِهان. وَفِي حَدِيثِ
سَمُرة: فيخرجُون مِنْهُ كأَنما دُهنوا بالدِّهان
؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
قَتَادَةَ بنِ مَلْحان: كُنْتُ إِذا رأَيته كأَنَّ عَلَى وَجْهِهِ الدِّهانَ.
والدُّهْنة: الطَّائِفَةُ مِنَ الدُّهْن؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:
(13/160)

فَمَا رِيحُ رَيْحانٍ بِمِسْكٍ بعنبرٍ، ... برَنْدٍ بكافورٍ بدُهْنةِ بانِ،
بأَطيبَ مِنْ رَيَّا حَبِيبِي لَوْ أَنَّنِي ... وجدتُ حَبِيبِي خَالِيًا بمكانِ
. وَقَدِ ادَّهَن بالدُّهْن. وَيُقَالُ: دَهَنْتُه بالدِّهان أَدْهُنه وتَدَهّن هُوَ وادَّهن أَيضاً، عَلَى افْتعل، إِذا تَطَلَّى بالدُّهن. التَّهْذِيبُ: الدُّهن الِاسْمُ، والدَّهْن الْفِعْلُ المُجاوِز، والادِّهان الْفِعْلُ اللَّازِمُ، والدَّهَّان: الَّذِي يَبِيعُ الدُّهن. وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ:
وإِلى جَانِبِهِ صورةٌ تُشبِهه إِلَّا أَنه مُدْهانّ الرأْس
أَي دَهِين الشَّعْرِ كالمُصْفارّ والمُحْمارّ. والمُدْهُن، بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ: آلَةُ الدُّهْن، وَهُوَ أَحد مَا شَذَّ مِنْ هَذَا الضَّرْبُ عَلَى مُفْعُل مِمَّا يُستعمَل مِنَ الأَدوات، وَالْجَمْعُ مَداهن. اللَّيْثُ: المُدْهُن كَانَ فِي الأَصل مِدْهناً، فَلَمَّا كَثُرَ فِي الْكَلَامِ ضَمُّوهُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: مَا كَانَ عَلَى مِفْعل ومِفْعلة مِمَّا يُعْتَمل بِهِ فَهُوَ مَكْسُورُ الْمِيمِ نَحْوَ مِخْرَز ومِقْطَع ومِسَلّ ومِخَدة، إِلا أَحرفاً جَاءَتْ نَوَادِرَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَهِيَ: مُدْهُن ومُسْعُط ومُنْخُل ومُكْحُل ومُنْضُل، وَالْقِيَاسُ مِدْهَن ومِنْخَل ومِسْعَط ومِكْحَل. وتَمَدْهن الرَّجُلُ إِذا أَخذ مُدْهُناً. ولِحْية دَهِين: مَدْهونة. والدَّهْن والدُّهن مِنَ الْمَطَرِ: قدرُ مَا يَبُلّ وجهَ الأَرض، وَالْجَمْعُ دِهان. ودَهَن المطرُ الأَرضَ: بلَّها بَلًّا يَسِيرًا. اللَّيْثُ: الأَدْهان الأَمطار اللَّيِّنة، وَاحِدُهَا دُهْن. أَبو زَيْدٍ: الدِّهَان الأَمْطار الضَّعِيفَةُ، وَاحِدُهَا دُهْن، بِالضَّمِّ. يُقَالُ: دهَنَها وَلْيُها، فَهِيَ مَدْهُونة. وَقَوْمٌ مُدَهَّنون، بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ: عَلَيْهِمْ آثَارُ النِّعَم. اللَّيْثُ: رَجُلٌ دَهِين ضَعِيفٌ. وَيُقَالُ: أَتيت بأَمر دَهِين؛ قَالَ ابْنُ عَرَادة:
لِيَنْتَزعُوا تُراثَ بَنِي تَمِيم، ... لَقَدْ ظَنُّوا بِنَا ظَنًّا دَهِينا
والدَّهين مِنَ الإِبل: النَّاقَةُ البَكيئة الْقَلِيلَةُ اللَّبَنِ الَّتِي يُمْرَى ضرعُها فَلَا يَدِرّ قَطرةً، وَالْجَمْعُ دُهُن؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ يَهْجُو أُمه:
جَزاكِ اللهُ شَرًّا مِنْ عجوزٍ، ... ولَقَّاكِ العُقوقَ مِنَ الَبنينِ
لِسانُكِ مِبْرَدٌ لَا عَيْبَ فِيهِ، ... ودَرُّكِ دَرُّ جاذبةٍ دَهينِ «2»
. وأَنشد الأَزهري لِلْمُثَقَّبِ:
تَسُدُّ، بمَضْرَحيِّ اللَّوْنِ جَثْلٍ، ... خَوايَةَ فرْج مِقْلاتٍ دَهينِ
. وَقَدْ دَهُنت ودهَنَت تَدْهُن دَهانة. وَفَحْلٌ دَهِين: لَا يَكاد يُلْقِح أَصلًا كأَنَّ ذَلِكَ لقلَّة مَائِهِ، وإِذا أَلقَح فِي أَول قَرْعِه فَهُوَ قَبِيس. والمُدْهُن: نُقْرَةٌ فِي الْجَبَلِ يَسْتَنْقِع فِيهَا الْمَاءُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: والمُدْهُن مُسْتَنْقَع الْمَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ حَفَرَهُ سَيْلٌ أَو مَاءٌ واكفٌ فِي حَجَر. وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ «3».
نَشِفَ المُدْهُن وَيَبِسَ الجِعْثِن
؛ هُوَ نُقْرَةٌ فِي الْجَبَلِ يَستنقِع فِيهَا الْمَاءُ ويَجتمع فِيهَا الْمَطَرُ. أَبو عَمْرٍو: المَداهن نُقَر في رؤوس الْجِبَالِ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَاحِدُهَا مُدْهُن؛ قَالَ أَوس:
يُقَلِّبُ قَيْدوداً كأَنَّ سَراتَها ... صَفَا مُدْهُنٍ، قَدْ زَلَّقته الزَّحالِفُ
وَفِي الْحَدِيثِ:
كأَنَّ وجهَه مُدْهُنة
؛ هِيَ تأْنيث المُدْهُن، شَبَّهَ وجهَه لإِشْراق السُّرُورِ عَلَيْهِ بِصَفَاءِ الْمَاءِ الْمُجْتَمِعِ فِي الْحَجَرِ؛ قَالَ ابن الأَثير: والمُدْهُن
__________
(2). قوله [مِبْرَدٌ لَا عَيْبَ فِيهِ] قال الصاغاني: الرواية مبرد لم يبق شيئاً
(3). قوله [ومنه حديث الزهري] تبع فيه الجوهري، وقال الصاغاني: الصواب النهدي، بالنون والدال، وهو طهفة بن زهير
(13/161)

أَيضاً والمُدْهُنة مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدُّهن فَيَكُونُ قَدْ شبَّهه بِصَفَاءِ الدُّهْن، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: كأَنَّ وجهَه مُذْهبَة، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. والمُداهَنة والإِدْهانُ: المُصانَعة واللِّين، وَقِيلَ: المُداهَنة إِظهارُ خِلَافِ مَا يُضمِر. والإِدْهانُ: الغِش. ودَهَن الرجلُ إِذا نَافَقَ. ودَهَن غلامَه إِذا ضَرَبَهُ، ودهَنه بِالْعَصَا يَدْهُنه دَهْناً: ضَرَبَهُ بِهَا، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ مسَحَه بِالْعَصَا وَبِالسَّيْفِ إِذا ضَرَبَهُ برِفْق. الْجَوْهَرِيُّ: والمُداهَنة والإِدْهان كالمُصانعة. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
. وَقَالَ قَوْمٌ: داهَنت بِمَعْنَى وَارَيْتَ، وأَدْهَنت بِمَعْنَى غَشَشْت. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
، ودُّوا لَوْ تَكْفُر فَيَكْفُرُونَ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
؛ أَي مُكَذِّبون، وَيُقَالُ: كَافِرُونَ. وَقَوْلُهُ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
، وَدُّوا لَوْ تَلِينُ فِي دِينك فيَلِينون. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: الإِدْهان المُقاربَة فِي الْكَلَامِ والتَّليين فِي الْقَوْلِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
؛ أَي ودُّوا لَوْ تُصانِعهم فِي الدِّين فيُصانِعوك. اللَّيْثُ: الإِدْهان اللِّين. والمُداهِن: المُصانع؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
وَفِي الحِلْمِ إِدْهان، وَفِي العَفْوِ دُرْبةٌ، ... وَفِي الصِّدْق مَنْجَاةٌ مِنَ الشَّرِّ، فاصْدُقِ
. وَقَالَ أَبو بَكْرٍ الأَنباري: أَصل الإِدْهان الإِبْقاء؛ يُقَالُ: لَا تُدْهِنْ عَلَيْهِ أَي لَا تُبْقِ عَلَيْهِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ مَا أَدهنت إِلا عَلَى نَفْسِكَ أَي مَا أَبقيت، بِالدَّالِ. وَيُقَالُ: مَا أَرْهَيت ذَلِكَ أَي مَا تَرَكْتَهُ سَاكِنًا، والإِرهاء: الإِسكان. وَقَالَ بَعْضُ أَهل اللُّغَةِ: مَعْنَى داهَن وأَدْهن أَي أَظهر خِلَافَ مَا أَضمر، فكأَنه بيَّن الْكَذِبَ عَلَى نَفْسِهِ. والدِّهان: الْجِلْدُ الأَحمر، وَقِيلَ: الأَملس، وَقِيلَ: الطَّرِيقُ الأَملس، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
، قَالَ: شبَّهها فِي اخْتِلَافِ أَلوانها بالدُّهن واختلافِ أَلوانه، قَالَ: وَيُقَالُ الدِّهان الأَديم الأَحمر أَي صَارَتْ حَمْرَاءَ كالأَديم، مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ وَرْدٌ، والأُنثى وَرْدَةٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ شَبَابَهُ وَحُمْرَةَ لَوْنِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ:
كغُصْنِ بانٍ عُودُه سَرَعْرَعُ، ... كأَنَّ وَرْداً مِنْ دِهانٍ يُمْرَعُ
لوْني، وَلَوْ هَبَّتْ عَقِيمٌ تَسْفَعُ
. أَي يَكْثُرُ دُهْنُهُ، يَقُولُ: كأَنَّ لَوْنَهُ يُعْلى بالدُّهن لِصَفَائِهِ؛ قَالَ الأَعشى:
وأَجْرَدَ مِنْ فُحول الخيلِ طرْفٍ، ... كأَنَّ عَلَى شواكِلِه دِهانا
. وَقَالَ لَبِيدٌ:
وكلُّ مُدَمّاةٍ كُمَيْتٍ، كأَنها ... سَلِيمُ دِهانٍ فِي طِرَاف مُطَنَّب
. غَيْرُهُ: الدِّهانُ فِي الْقُرْآنِ الأَديمُ الأَحمر الصِّرفُ. وَقَالَ أَبو إِسحق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
؛ تتلوَّنُ مِنَ الفَزَع الأَكبر كَمَا تتلوَّن الدِّهانُ المختلفةُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ؛ أَي كَالزَّيْتِ الَّذِي قَدْ أُغلي؛ وَقَالَ مِسْكينٌ الدَّارميُّ:
ومُخاصِمٍ قاوَمْتُ فِي كَبَدٍ ... مِثْل الدِّهان، فكانَ لِيَ العُذْرُ
. يَعْنِي أَنه قاوَمَ هَذَا المُخاصِمَ فِي مكانٍ مُزِلّ يَزْلَقُ عَنْهُ مَنْ قَامَ بِهِ، فَثَبَتَ هُوَ وزلِقَ خَصْمُه وَلَمْ يَثْبُتْ. والدِّهانُ: الطَّرِيقُ الأَملس هَاهُنَا، والعُذْرُ فِي بَيْتِ مِسْكِينٍ الدَّارِمِيِّ: النُّجْح، وَقِيلَ: الدِّهَانُ الطَّوِيلُ الأَملس.
(13/162)

والدَّهْناء: الفَلاة. والدَّهْناء: موضعٌ كلُّه رَمْلٌ، وَقِيلَ: الدَّهْنَاءُ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ بَنِي تَمِيمٍ مَسِيرة ثَلَاثَةِ أَيام لَا مَاءَ فِيهِ، يُمَدُّ ويقصَر؛ قَالَ:
لسْتَ عَلَى أُمك بالدَّهْنا تَدِلّ
أَنشده ابْنُ الأَعرابي، يُضْرَبُ لِلْمُتَسَخِّطِ عَلَى مَنْ لَا يُبالى بِتَسَخُّطِهِ؛ وأَنشد غَيْرُهُ:
ثُمَّ مالَتْ لجانِبِ الدَّهْناءِ
. وَقَالَ جَرِيرٌ:
نارٌ تُصَعْصِعُ بالدَّهْنا قَطاً جُونا
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لأَكْثِبَة الدَّهْنا جَميعاً ومالِيَا
. وَالنِّسْبَةُ إِليها دَهْناوِيٌّ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَجبل فِي عَرْضِها، بَيْنَ كُلِّ جَبَلَيْنِ شَقِيقَةٌ، وَطُولُهَا مِنْ حَزْنِ يَنْسُوعةَ إِلى رَمْلِ يَبْرِينَ، وَهِيَ قَلِيلَةُ الْمَاءِ كَثِيرَةُ الكلإِ لَيْسَ فِي بلادِ الْعَرَبِ مَرْبَعٌ مثلُها، وإِذا أَخصبت رَبَعت العربُ «1». جَمْعَاءُ. وَفِي حَدِيثِ
صَفِيَّة ودُحَيْبَةَ: إِنما هَذِهِ الدَّهْنا مُقَيَّدُ الجمَل
؛ هُوَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ بِبِلَادِ تَمِيمٍ. والدَّهْناء، مَمْدُودٌ: عُشْبة حَمْرَاءُ لَهَا وَرَقٌ عِراض يُدْبَغُ بِهِ. والدِّهْنُ: شجرةُ سَوْءٍ كالدِّفْلى؛ قَالَ أَبو وَجْزَة:
وحَدَّثَ الدِّهْنُ والدِّفْلى خَبيرَكُمُ، ... وسالَ تَحْتَكُمْ سَيْلٌ فَمَا نَشِفا
. وَبَنُو دُهْن وَبَنُو داهنٍ: حَيّانِ. ودُهْنٌ: حيٌّ مِنَ الْيَمَنِ يُنْسَبُ إِليهم عَمَّارُ الدُّهْنيُّ. والدَّهْناء: بنتُ مِسْحَل أَحد بني مَالِكِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زيدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَهِيَ امرأَة الْعَجَّاجِ؛ وَكَانَ قَدْ عُنِّن عَنْهَا فَقَالَ فِيهَا:
أَظَنَّتِ الدَّهْنا وظَنَّ مِسْحَلُ ... أَن الأَميرَ بالقضاءِ يَعْجَلُ
«2». عَنْ كَسَلاتي، والحِصانُ يَكْسَلُ ... عَنِ السِّفادِ، وَهُوَ طِرْفٌ هَيْكَلُ؟
دهدن: الدُّهْدُنُّ، بِالضَّمِّ: مَعْنَاهُ الْبَاطِلُ؛ قَالَ:
لأَجْعَلَنْ لابنةِ عَمْروٍ فَنَّا، ... حَتَّى يَكُونَ مَهْرُها دُهْدُنَّا
. وَيُرْوَى لِابْنَةِ عَثْمٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الدُّهْدُنُّ كَلَامٌ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَرُبَّمَا قَالُوا دُهْدُرٌّ، بِالرَّاءِ. وَفِي الْمَثَلِ: دُهْدُرَّيْن وسَعْدُ القَيْن «3». يضرب للكذاب.
دهقن: التَّدَهْقُنُ: التَّكَيُّسُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: سأَلته، يَعْنِي الْخَلِيلَ، عن دُهْقان [دِهْقان] فَقَالَ: إِن سَمَّيْتَهُ مِنَ التَّدَهْقُن فَهُوَ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنك إِن جَعَلْتَ دِهْقاناً مِنَ الدَّهْق لَمْ تَصْرِفْهُ لأَنه فَعْلَانُ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِن جَعَلْتَ النُّونَ أَصلية، مِنْ قَوْلِهِمْ تَدَهْقَنَ الرجلُ وَلَهُ دَهْقَنةُ موضِع كَذَا، صرَفْتَه لأَنه فِعْلال. والدِّهْقان والدُّهقان: التَّاجِرُ، فَارِسِيٌّ معرَّب، وَهُمُ الدَّهاقنة والدَّهاقين؛ قَالَ:
إِذا شِئْتُ غَنَّتْني دَهاقِينُ قَرْية، ... وصَنّاجَةٌ تَجْذُو عَلَى كلِّ مَنْسِمِ
. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: دِهْقان ودُهْقان مِثْلُ قِرْطاس وقُرْطاس، قَالَ: ودِهْقانُ فِي بَيْتِ الأَعشى عَرَبِيٌّ، وَهُوَ اسم واد؛ قال:
__________
(1). قوله [ربعت العرب إِلخ] زاد الأَزهري: لسعتها وكثرة شجرها، وهي عذاة مكرمة نزهة من سكنها لم يعرف الحمى لطيب تربتها وهوائها
(2). قوله [أَظنت إِلخ] قال الصاغاني: الإِنشاد مختل، والرواية بعد قوله يعجل:
كلا ولم يقض القضاء الفيصل ... وإِن كسلت فالحصان يَكْسَلُ
عَنِ السِّفَادِ وَهُوَ طرف يؤكل ... عند الرواق مقرب مجلل
(3). قوله [وسعد القين] كذا بالأَصل والصحاح بواو العطف، وفي القاموس وموضع آخر من اللسان بحذفها
(13/163)

فظَلَّ يَغْشى لِوَى الدِّهْقانِ مُنْصَلِتاً، ... كالفارِسِيِّ تَمَشَّى، وَهُوَ مُنْتَطِقُ
والدُّهْقان والدِّهْقان: الْقَوِيُّ عَلَى التَّصَرُّفِ مَعَ حِدَّة، والأُنثى دِهْقانة، وَالِاسْمُ الدَّهْقَنةُ. اللَّيْثُ: الدَّهْقنة الِاسْمُ مِنَ الدِّهْقانِ، وَهُوَ نَبزٌ. ودُهْقِنَ الرجلُ: جُعِلَ دِهْقاناً؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
دُهْقِنَ بِالتَّاجِ وبالتَّسْويرِ
. ولِوَى الدِّهْقانِ: مَوْضِعٌ بِنَجْدٍ. الأَزهري: وَبِالْبَادِيَةِ رَمَلَةٌ تُعْرَفُ بلِوَى دِهْقان؛ قَالَ الرَّاعِي يَصِفُ ثَوْرًا:
فظَلَّ يَعْلو لِوَى دِهْقانَ مُعْترِضاً ... يَرْدي، وأَظْلافُه خُضْرٌ مِنَ الزَّهَرِ
ودَهْقَنَ الطعامَ: أَلانَه؛ عَنْ أَبي عُبَيْدٍ. الأَصمعي: الدَّهْمَقةُ والدَّهْقَنة سَوَاءٌ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ لأَن لِينَ الطَّعَامِ من الدَّهْقنة.
دَوَنَ: دُونُ: نقيضُ فوقَ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ، وَيَكُونُ ظَرْفًا. والدُّونُ: الْحَقِيرُ الْخَسِيسُ؛ وَقَالَ:
إِذا مَا عَلا المرءُ رامَ العَلاء، ... ويَقْنَع بالدُّونِ مَن كَانَ دُونا
وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ فِعْلٌ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مِنْهُ: دانَ يَدُونُ دَوْناً وأُدِين إِدانةً؛ وَيُرْوَى قولُ عَدِيٍّ فِي قَوْلِهِ:
أَنْسَلَ الذِّرْعانَ غَرْبٌ جَذِمٌ، ... وعَلا الرَّبْرَبَ أَزْمٌ لَمْ يُدَنْ
. وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ: لَمْ يُدَنّ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِنْ دَنَّى يُدَنِّي أَي ضَعُفَ، وَقَوْلُهُ: أَنسل الذِّرْعانَ جَمْعُ ذَرَعٍ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ الْوَحْشِيَّةِ؛ يَقُولُ: جَرْيُ هَذَا الْفَرَسِ وحِدَّتُه خَلَّف أَولادَ الْبَقَرَةِ خلْفَه وَقَدْ عَلَا الرَّبْرَبَ شَدٌّ لَيْسَ فِيهِ تَقْصِيرٌ. وَيُقَالُ: هَذَا دُونَ ذَلِكَ أَي أَقرب مِنْهُ. ابْنُ سِيدَهْ: دونُ كَلِمَةٌ فِي مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَالتَّقْرِيبِ، يَكُونُ ظَرْفًا فَيُنْصَبُ، وَيَكُونُ اسْمًا فَيَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَيْهِ فَيُقَالُ: هَذَا دُونَكَ وَهَذَا مِنْ دُونِكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ:
ووجَدَ مِنْ دُونهم امرأَتين
؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ:
لَا يَحْمِلُ الفارسَ إِلّا المَلْبُونْ، ... أَلمحْضُ مِنْ أَمامِه وَمِنْ دُونْ
. قَالَ: وإِنما قُلْنَا فِيهِ إِنه إِنما أَراد مِنْ دُونِهِ لِقَوْلِهِ مِنْ أَمامه فأَضاف، فَكَذَلِكَ نَوَى إِضافة دُونَ؛ وأَنشد فِي مِثْلِ هَذَا لِلْجَعْدِيِّ:
لَهَا فَرَطٌ يكونُ، وَلَا تَراهُ، ... أَماماً مِنْ مُعَرَّسِنا ودُونا
. التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ هَذَا دُونَ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيبِ وَالتَّحْقِيرِ، فَالتَّحْقِيرُ مِنْهُ مَرْفُوعٌ، وَالتَّقْرِيبُ مَنْصُوبٌ لأَنه صِفَةٌ. وَيُقَالُ: دُونُك زيدٌ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقُرْبِ والبُعْد؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَما مَا أَنشده ابْنُ جِنِّي مِنْ قَوْلِ بَعْضِ المولَّدين:
وقامَتْ إِليه خَدْلَةُ السَّاقِ، أَعْلَقَتْ ... بِهِ مِنْهُ مَسْمُوماً دُوَيْنَةَ حاجِبِهْ
. قَالَ: فإِني لَا أَعرف دُونَ تُؤَنَّثُ بِالْهَاءِ بِعَلَامَةِ تأْنيث وَلَا بِغَيْرِ عَلَامَةٍ، أَلا تَرَى أَن النَّحْوِيِّينَ كُلَّهُمْ قَالُوا الظُّرُوفُ كُلُّهَا مُذَكَّرَةٌ إِلا قُدّام وَوَرَاءَ؟ قَالَ: فَلَا أَدري مَا الَّذِي صَغَّرَهُ هَذَا الشَّاعِرُ، اللَّهُمَّ إِلا أَن يَكُونَ قَدْ قَالُوا هُوَ دُوَيْنُه، فإِن كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ دُوَيْنَةَ حَاجِبِهْ حَسُنَ عَلَى وَجْهِهِ؛ وأَدخل الأَخفش عَلَيْهِ الباءَ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ فِي الْقَوَافِي، وَقَدْ ذَكَرَ أَعرابيّاً أَنشده شِعْرًا مُكْفَأً: فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصحابه فِيهِمْ مَن ليْسَ بدُونِه، فأَدخل عَلَيْهِ الْبَاءَ كَمَا تَرَى، وَقَدْ قَالُوا: مِنْ دُونُ، يُرِيدُونَ مِنْ دُونِه، وَقَدْ قَالُوا: دُونك فِي الشَّرَفِ وَالْحَسَبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ قَالَ
(13/164)

سِيبَوَيْهِ: هُوَ عَلَى الْمَثَلِ كَمَا قَالُوا إِنه لصُلْبُ الْقَنَاةِ وإِنه لَمِنْ شَجَرَةٍ صَالِحَةٍ، قَالَ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَرْفُوعًا فِي حَالِ الإِضافة. وأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
؛ فإِنه أَراد وَمِنَّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ. وَثَوْبٌ دُونٌ: رَدِيٌّ. ورجل دُونٌ: ليس بلاحق. وَهُوَ مِنْ دُونِ الناسِ والمتاعِ أَي مِنْ مُقارِبِهِما. غَيْرُهُ: وَيُقَالُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ دُونٍ، وَلَا يُقَالُ رجلٌ دونٌ، لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ وَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ مَا أَدْوَنَه، وَلَمْ يُصَرَّف فعلُه كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ نَذْلٌ بيِّنُ النَّذَالة. وَفِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ: وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
، بِالنَّصْبِ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ رَفْعٍ، وَذَلِكَ أَن الْعَادَةَ فِي دُونَ أَن يَكُونَ ظَرْفًا وَلِذَلِكَ نَصَبُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: التَّدَوُّنُ الغنَى التَّامُّ. اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ رَضِيتُ مِنْ فُلَانٍ بمَقْصِر أَي بأَمر دُونَ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: أَكثر كَلَامِ الْعَرَبِ أَنت رَجُلٌ مِنْ دُونٍ وَهَذَا شَيْءٌ مِنْ دُونٍ، يَقُولُونَهَا مَعَ مِن. وَيُقَالُ: لَوْلَا أَنك مِنْ دُونٍ لَمْ تَرْضَ بِذَا، وَقَدْ يُقَالُ بِغَيْرِ مِنْ. ابْنُ سِيدَهْ: وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ أَيضاً رَضِيتُ مِنْ فُلَانٍ بأَمر مِنْ دُونٍ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: فِي شيءٍ دُونٍ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِالْمُعَرَّبِ، وَكَذَلِكَ أَقَلُّ الأَمرين وأَدْوَنُهما، فَاسْتُعْمِلَ مِنْهُ أَفعل وَهَذَا بَعِيدٌ، لأَنه لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّيغَةُ مَبْنِيَّةً مِنْهُ، وإِنما تُصَاغُ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنَ الأَفعال كَقَوْلِكَ أَوْضَعُ مِنْهُ وأَرْفَعُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنه قَدْ جَاءَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَحْنَكُ الشاتَيْنِ وأَحْنَكُ الْبَعِيرَيْنِ، كَمَا قَالُوا: آكَلُ الشاتَيْنِ كأَنهم قَالُوا حَنَك وَنَحْوَ ذلك، فإِنما جاؤُوا بأَفعل عَلَى نَحْوِ هَذَا وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِالْفِعْلِ، وَقَالُوا: آبَلُ النَّاسِ، بِمَنْزِلَةِ آبَلُ مِنْهُ لأَن مَا جَازَ فِيهِ أَفعل جَازَ فِيهِ هَذَا، وَمَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِيهِ هَذَا، وَهَذِهِ الأَشياء الَّتِي لَيْسَ لَهَا فِعْلٌ لَيْسَ الْقِيَاسُ أَن يُقَالَ فِيهَا أَفعل مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالُوا: فُلَانٌ آبَلُ مِنْهُ كَمَا قَالُوا أَحْنَكُ الشَّاتَيْنِ. اللَّيْثُ: يُقَالُ زيدٌ دُونَك أَي هُوَ أَحسن مِنْكَ فِي الحَسَب، وَكَذَلِكَ الدُّونُ يَكُونُ صِفَةً وَيَكُونُ نَعْتًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ فِعْلٌ. ابْنُ سِيدَهْ: وادْنُ دُونَك أَي قَرِيبًا «1». قَالَ جَرِيرٌ:
أَعَيّاشُ، قَدْ ذاقَ القُيونُ مَراسَتي ... وأَوقدتُ نَارِي، فادْنُ دُونَكَ فَاصْطَلِي
. قَالَ: وَدُونَ بِمَعْنَى خَلْفَ وَقُدَّامَ. ودُونك الشيءَ وَدُونَكَ بِهِ أَي خُذْهُ. وَيُقَالُ فِي الإِغراء بِالشَّيْءِ: دُونَكه. قَالَتْ تَمِيمٌ لِلْحَجَّاجِ: أَقْبِرْنا صَالِحًا، وَقَدْ كَانَ صَلَبه، فَقَالَ: دُونَكُموه. التَّهْذِيبُ: ابْنُ الأَعرابي يُقَالُ ادْنُ دُونك أَي اقترِبْ؛ قَالَ لَبِيدٌ:
مِثْل الَّذِي بالغَيْلِ يَغْزُو مُخْمَداً، ... يَزْدادُ قُرْباً دُونه أَن يُوعَدا
. مُخْمد: سَاكِنٌ قَدْ وَطَّن نَفْسَهُ عَلَى الأَمر؛ يَقُولُ: لَا يَرُدُّه الوعيدُ فَهُوَ يتقدَّم أَمامه يَغشى الزَّجْرَ؛ وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ خَبَّاب:
وإِن عِفْتَ هَذَا، فادْنُ دُونَكَ، إِنني ... قليلُ الغِرار، والشَّرِيجُ شِعاري
. الغِرار: النَّوْمُ، وَالشَّرِيجُ: الْقَوْسُ؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
تُريكَ القَذى مِنْ دُونها، وَهِيَ دُونه، ... إِذا ذاقَها مَنْ ذاقَها يَتَمَطَّقُ
. فَسَّرَهُ فَقَالَ: تُريك هَذِهِ الخمرُ مِنْ دُونِهَا أَي مِنْ وَرَائِهَا، وَالْخَمْرُ دُونَ الْقَذَى إِليك، وَلَيْسَ ثَمَّ قَذًى وَلَكِنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ؛ يَقُولُ: لَوْ كَانَ أَسفلها قَذًى لرأَيته. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لدُونَ تِسْعَةُ معانٍ: تَكُونُ بِمَعْنَى قَبْل وَبِمَعْنَى أَمامَ وَبِمَعْنَى وَرَاءَ وَبِمَعْنَى تَحْتَ وَبِمَعْنَى فَوْقَ وَبِمَعْنَى السَّاقِطِ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ وبمعنى الشريف
__________
(1). قوله [أَي قريباً] عبارة القاموس: أَي اقترب مني
(13/165)

وَبِمَعْنَى الأَمر وَبِمَعْنَى الْوَعِيدِ وَبِمَعْنَى الإِغراء، فأَما دُونَ بِمَعْنَى قَبْلَ فَكَقَوْلِكَ: دُون النَّهْرِ قِتال ودُون قَتْلِ الأَسد أَهوال أَي قَبْلَ أَن تَصِلَ إِلى ذَلِكَ. ودُونَ بِمَعْنَى وَرَاءَ كَقَوْلِكَ: هَذَا أَمير عَلَى مَا دُون جَيحونَ أَي عَلَى مَا وراءَه. وَالْوَعِيدُ كَقَوْلِكَ: دُونك صِرَاعِي وَدُونَكَ فتَمرَّسْ بِي. وَفِي الأَمر: دُونَكَ الدرهمَ أَي خُذْهُ. وَفِي الإِغراء: دُونَكَ زَيْدًا أَي الزمْ زَيْدًا فِي حِفْظِهِ. وَبِمَعْنَى تَحْتَ كَقَوْلِكَ: دونَ قَدَمِك خَدُّ عَدُوِّكَ أَي تَحْتَ قَدَمِكَ. وَبِمَعْنَى فَوْقَ كَقَوْلِكَ: إِن فُلَانًا لَشَرِيفٌ، فَيُجِيبُ آخَرُ فَيَقُولُ: ودُون ذَلِكَ أَي فَوْقَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: دُونَ تَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى، وَتَكُونُ بِمَعْنَى عَلَّ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى بَعْد، وَتَكُونُ بِمَعْنَى عِنْدَ، وَتَكُونُ إِغراء، وَتَكُونُ بِمَعْنَى أَقلّ مِنْ ذَا وأَنقص مِنْ ذَا، ودُونُ تَكُونُ خَسِيسًا. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ
؛ دُونَ الغَوْص، يُرِيدُ سِوَى الغَوْص مِنَ الْبِنَاءِ؛ وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ فِي قَوْلِهِ:
يَزيدُ يَغُضُّ الطَّرفَ دُوني
. أَي يُنَكِّسُه فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَكَانِ. يُقَالُ: ادْنُ دُونَكَ أَي اقترِبْ مِنِّي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. والطَّرفُ: تَحْرِيكُ جُفُونِ الْعَيْنَيْنِ بِالنَّظَرِ، يُقَالُ لِسُرْعَةٍ مِنَ الطَّرف واللمْح. أَبو حَاتِمٍ عَنِ الأَصمعي: يُقَالُ يَكْفِينِي دُونُ هَذَا، لأَنه اسْمٌ. والدِّيوانُ: مُجْتَمع الصُّحُفِ؛ أَبو عُبَيْدَةَ: هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ؛ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ، الْكِسَائِيُّ: بِالْفَتْحِ لُغَةٌ مولَّدة وَقَدْ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ وَقَالَ: إِنما صحَّت الْوَاوُ فِي دِيوان، وإِن كَانَتْ بَعْدَ الْيَاءِ وَلَمْ تَعْتَلَّ كَمَا اعْتَلَّتْ فِي سَيِّدٍ، لأَن الْيَاءَ فِي دِيوَانٍ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وإِنما هُوَ فِعّال مِنْ دَوَّنْتُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: دُوَيْوِينٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنه فِعَّال وأَنك إِنما أَبدلت الْوَاوَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ دَيْوان فَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ بَيْطار، وإِنما لَمْ تُقْلَبِ الْوَاوُ فِي دِيوَانٍ يَاءً، وإِن كَانَتْ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، مِنْ قِبَل أَن الْيَاءَ غَيْرُ مُلَازِمَةٍ، وإِنما أُبدلت مِنَ الْوَاوِ تَخْفِيفًا، أَلا تَرَاهُمْ قَالُوا دَوَاوِينُ لَمَّا زَالَتِ الْكَسْرَةُ مِنْ قِبَل الْوَاوِ؟ عَلَى أَن بَعْضَهُمْ قَدْ قَالَ دَياوِينُ، فأَقرّ الْيَاءَ بِحَالِهَا، وإِن كَانَتِ الْكَسْرَةُ قَدْ زَالَتْ مِنْ قِبَلها، وأَجرى غَيْرُ اللَّازِمِ مُجْرَى اللَّازِم، وَقَدْ كَانَ سَبِيلُهُ إِذا أَجراها مَجْرَى الْيَاءِ اللَّازِمَةِ أَن يَقُولَ دِيّانٌ، إِلا أَنه كَرِهَ تَضْعِيفَ الْيَاءِ كَمَا كَرِهَ الْوَاوَ فِي دَياوِين؛ قَالَ:
عَداني أَن أَزورَكِ، أُمَّ عَمروٍ، ... دَياوِينٌ تُنَفَّقُ بالمِدادِ
. الْجَوْهَرِيُّ: الدِّيوانُ أَصله دِوَّانٌ، فعُوِّض مِنْ إِحدى الْوَاوَيْنِ يَاءٌ لأَنه يُجْمَعُ عَلَى دَواوينَ، وَلَوْ كَانَتِ الْيَاءُ أَصلية لَقَالُوا دَياوين، وَقَدْ دُوِّنت الدَّواوينُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَحُكِيَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَابْنُ جِنِّي أَنه يُقَالُ دَياوين. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَجْمَعهم ديوانُ حافظٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أَسماء الْجَيْشِ وأَهلُ الْعَطَاءِ. وأَول مَنْ دَوَّنَ الدِّيوان عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. ابْنُ بَرِّيٍّ: وَدِيوَانٌ اسم كلب؛ قال الرَّاجِزُ:
أَعْدَدْتُ دِيوَانًا لدِرْباسِ الحَمِتْ، ... مَتَى يُعايِنْ شَخْصَه لَا يَنْفَلِتْ
. ودِرْباس أَيضاً: كَلْبٌ أَي أَعددت كَلْبِي لِكَلْبِ جِيرَانِي الَّذِي يُؤْذِينِي في الحَمْتِ.
دَيَنَ: الدَّيّانُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَعْنَاهُ الحكَم الْقَاضِي.
وَسُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: كَانَ دَيّانَ هَذِهِ الأُمة بَعْدَ نَبِيِّهَا
أَي قَاضِيهَا وَحَاكِمَهَا. والدَّيَّانُ: القَهَّار، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الإِصبع العَدْواني
(13/166)

:
لاهِ ابنُ عَمِّك، لَا أَفضَلْتَ فِي حسَب ... فِينَا، وَلَا أَنتَ دَيَّاني فتَخْزُوني!
أَي لَسْتَ بِقَاهِرٍ لِي فتَسوس أَمري. والدَّيّانُ: اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. والدَّيَّانُ: القَهَّارُ، وَقِيلَ: الْحَاكِمُ وَالْقَاضِي، وَهُوَ فَعَّال مِنْ دَانَ الناسَ أَي قهَرَهم عَلَى الطَّاعَةِ. يُقَالُ: دِنْتُهم فَدَانُوا أَي قهَرْتهم فأَطاعوا، وَمِنْهُ شِعْرُ الأَعشى الحِرْمازيّ يُخَاطِبُ سَيِّدَنَا رسول الله، صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
يَا سيِّدَ الناسِ ودَيَّانَ العَرَبْ
وَفِي حَدِيثِ
أَبي طَالِبٍ: قَالَ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُريد مِنْ قُرَيْشٍ كَلِمَةً تَدينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ
أَي تُطِيعُهُمْ وَتَخْضَعُ لَهُمْ. والدَّينُ: وَاحِدُ الدُّيون، مَعْرُوفٌ. وكلُّ شَيْءٍ غَيْرُ حَاضِرٍ دَينٌ، وَالْجَمْعُ أَدْيُن مِثْلَ أَعْيُن ودُيونٌ، قَالَ ثَعْلَبٌةُ بْنُ عُبَيد يَصِفُ النَّخْلَ:
تُضَمَّنُ حاجاتِ العِيالِ وضَيْفهمْ، ... ومَهْمَا تُضَمَّنْ مِنْ دُيُونِهِمُ تَقْضِي
يَعْنِي بالدُّيون مَا يُنالُ مِنْ جنَاها، وإِن لَمْ يَكُنْ دَيناً عَلَى النَّخْل، كَقَوْلِ الأَنصاري:
أَدِينُ، وَمَا دَيْنِي عَلَيْكُمْ بِمَغْرَمٍ، ... ولكنْ عَلَى الشُّمِّ الجِلادِ القَراوِحِ
ابْنُ الأَعرابي: دِنْت وأَنا أَدِينُ إِذا أَخذت دَيناً، وأَنشد أَيضاً قَوْلَ الأَنصاري:
أَدين وَمَا دَيْنِي عَلَيْكُمْ بِمَغْرَمٍ
قَالَ ابْنُ الأَعرابي: القَراوِحُ مِنَ النَّخِيلِ الَّتِي لَا تُبالي الزمانَ، وَكَذَلِكَ مِنَ الإِبل، قَالَ: وَهِيَ الَّتِي لَا كَرَبَ لَهَا مِنَ النَّخِيلِ، ودِنْتُ الرجلَ: أَقْرَضْتُه فَهُوَ مَدِينٌ ومَدْيون. ابْنُ سِيدَهْ: دِنْتُ الرجلَ وأَدَنْته أَعطيته الدَّيْنَ إِلى أَجل، قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
أَدَانَ، وأَنْبأَه الأَوّلُونَ ... بأَنَّ المُدانَ مَلِيٌّ وفِيّ
الأَوّلون: الناسُ الأَوَّلون والمَشْيَخَة، وَقِيلَ: دِنْتُه أَقْرَضْتُه، وأَدَنْتُه اسْتَقْرَضته مِنْهُ. ودانَ هُوَ: أَخَذَ الدَّيْنَ. وَرَجُلٌ دائنٌ ومَدِينٌ ومَدْيُون، الأَخيرة تَمِيمِيَّةٌ، ومُدانٌ: عَلَيْهِ الدينُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ. الْجَوْهَرِيُّ: رَجُلٌ مَدْيونٌ كَثُرَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَقَالَ:
وناهَزُوا البَيْعَ مِنْ تُرْعِيَّةٍ رَهِقٍ ... مُسْتأْرَبٍ، عَضَّه السلطانُ، مَدْيونِ
ومِدْيانٌ إِذا كَانَ عَادَتُهُ أَن يأْخذ بالدَّيْن وَيَسْتَقْرِضَ. وأَدَان فلانٌ إِدانَةً إِذا بَاعَ مِنَ الْقَوْمِ إِلى أَجل فَصَارَ لَهُ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ، تَقُولُ مِنْهُ: أَدِنِّي عَشرةَ دَرَاهِمَ، وأَنشد بَيْتَ أَبي ذُؤَيْبٍ:
بأَن الْمُدَانَ مليٌّ وَفِيُّ
والمَدينُ: الَّذِي يَبِيعُ بِدَيْنٍ. وادَّانَ واسْتَدان وأَدانَ: اسْتَقْرض وأَخذ بِدَيْنٍ، وَهُوَ افْتَعَلَ، وَمِنْهُ قَوْلُ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فادَّانَ مُعْرِضاً
أَي اسْتَدَانَ، وَهُوَ الَّذِي يَعْتَرِضُ الناسَ ويَسْتدين مِمَّنْ أَمكنه. وتَدايَنُوا: تَبَايَعُوا بِالدَّيْنِ. واسْتَدانوا: اسْتَقْرَضُوا. اللَّيْثُ: أَدَانَ الرجلُ، فَهُوَ مُدِين أَي مُسْتَدِينٌ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا خطأٌ عِنْدِي، قَالَ: وَقَدْ حَكَاهُ شَمِر لِبَعْضِهِمْ وأَظنه أَخذه عَنْهُ. وأَدَانَ: مَعْنَاهُ أَنه بَاعَ بدَيْن أَو صَارَ لَهُ عَلَى النَّاسِ دَيْنٌ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: إِن فُلَانًا يَدِينُ وَلَا مَالَ لَهُ.
يُقَالُ: دَانَ واسْتَدانَ وادَّانَ، مشدَّداً، إِذا أَخذ الدَّيْنَ وَاقْتَرَضَ، فإِذا أَعطى الدَّيْنَ قِيلَ أَدَانَ مُخَفَّفًا. وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ عَنْ
أُسَيْفِع جُهَيْنة: فادَّانَ
(13/167)

مُعْرِضاً
أَي اسْتَدَانَ مُعْرِضًا عَنِ الْوَفَاءِ. واسْتَدانه: طَلَبَ مِنْهُ الدَّيْنَ. وَاسْتَدَانَهُ: اسْتَقْرَضَ مِنْهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فإِنْ يَكُ، يَا جَناحُ، عَلَيَّ دَيْنٌ، ... فعِمْرانُ بنُ موسَى يَسْتَدِينُ
ودِنْتُه: أَعطيته الدينَ. ودِنْتُه: اسْتَقْرَضْتُ مِنْهُ. ودَان فلانٌ يَدِينُ دَيْنًا: اسْتَقْرَضَ وَصَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ دَائِنٌ، وأَنشد الأَحمر للعُجَيْر السَّلُولي:
نَدِينُ ويَقْضي اللَّهُ عَنَّا، وَقَدْ نَرَى ... مَصارِعَ قومٍ، لَا يَدِينُون، ضُيَّعا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ ضُيَّع، بِالْخَفْضِ عَلَى الصِّفَةِ لِقَوْمٍ، وَقَبْلَهُ:
فعِدْ صاحِبَ اللَّحَّامِ سَيْفًا تَبيعُه، ... وزِدْ دِرْهَمًا فوقَ المُغالِينَ واخْنَعِ
وتداينَ القومُ وادَّايَنُوا: أَخَذُوا بالدَّين، وَالِاسْمُ الدِّينَةُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: جِئْتُ أَطلب الدِّينَةَ، قَالَ: هُوَ اسْمُ الدَّيْن. وَمَا أَكثر دِينَتَه أَي دَيْنه. الشَّيْبَانِيُّ: أَدَانَ الرجلُ إِذا صَارَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ. ابْنُ سِيدَهْ: وأَدَانَ فُلَانٌ النَّاسَ أَعطاهم الدَّيْنَ وأَقرضهم، وَبِهِ فَسَّرَ بِهِ بَعْضُهُمْ قَوْلَ أَبي ذُؤَيْبٍ:
أَدانَ، وأَنبأَه الأَولون ... بِأَنَّ المُدانَ مَلِيٌّ وَفِيُّ
وَقَالَ شِمْرٌ فِي قَوْلِهِمْ يَدِينُ الرجلُ أَمره: أَي يَمْلِكُ، وأَنشد بَيْتَ أَبي ذُؤَيْبٍ أَيضاً. وأَدَنْتُ الرجلَ إِذا أَقرضته. وَقَدِ ادَّانَ إِذا صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ. والقَرْضُ: أَن يَقْتَرِضَ الإِنسان دَرَاهِمَ أَو دَنَانِيرَ أَو حَبًّا أَو تَمْرًا أَو زَبِيبًا أَو مَا أَشبه ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لأَجل لأَن الأَجل فِيهِ بَاطِلٌ. وَقَالَ شِمْرٌ: ادَّانَ الرجلُ إِذا كَثُرَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وأَنشد:
أَنَدَّانُ أَم نَعْتانُ، أَم يَنْبَرِي لَنا ... فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السيفِ هُزَّتْ مَضارِبُه
نَعْتانُ أَي نأْخذ العِينة. وَرَجُلٌ مِدْيان: يُقْرِضُ الناسَ، وَكَذَلِكَ الأُنثى بِغَيْرِ هَاءٍ، وَجَمْعُهُمَا جَمِيعًا مَدايِينُ. ابْنُ بَرِّيٍّ: وَحَكَى ابْنُ خَالَوَيْهِ أَن بَعْضَ أَهل اللُّغَةِ يَجْعَلُ المِدْيانَ الَّذِي يُقْرِضُ الناسَ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَدَانَ بِمَعْنَى أَقْرَضَ، قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ. ودَايَنْتُ فُلَانًا إِذا أَقْرَضته وأَقرضك، قَالَ رُؤْبَةُ:
دَايَنْتُ أَرْوَى، والدُّيونُ تُقْضَى، ... فماطَلَتْ بَعْضًا وأَدَّتْ بَعْضا
وداينتُ فُلَانًا إِذا عَامَلْتَهُ فأَعطيتَ دَيْنًا وأَخذتَ بدَين، وتدايَنَّا كَمَا تَقُولُ قاتَله وتَقاتَلْنا. وَبِعْتُهُ بدِينَةٍ أَي بتأْخير، والدِّينَةُ جَمْعُهَا دِيَنٌ، قَالَ رِداءُ بْنُ مَنْظُورٍ:
فإِن تُمْسِ قَدْ عالَ عَنْ شَأْنِها ... شُؤُونٌ، فَقَدْ طالَ مِنْهَا الدِّيَنْ
أَي دَيْنٌ عَلَى دَين. والمُدَّانُ: الَّذِي لَا يَزَالُ عَلَيْهِ دَين، قَالَ: والمِدْيانُ إِن شِئْتَ جَعَلْتَهُ الَّذِي يُقْرض كَثِيرًا، وإِن شِئْتَ جَعَلْتَهُ الَّذِي يَسْتَقْرِضُ كَثِيرًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
ثلاثةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهم، مِنْهُمُ المِدْيانُ الَّذِي يُريد الأَدَاءَ
، المِدْيانُ: الْكَثِيرُ الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ الدُّيُونُ، وَهُوَ مِفْعال مِنَ الدَّين لِلْمُبَالَغَةِ. قَالَ: وَالدَّائِنُ الَّذِي يَسْتَدِينُ، وَالدَّائِنُ الَّذِي يُجْري الدَّين. وتَدَيَّن الرجلُ إِذا اسْتَدَانَ، وأَنشد:
تُعَيِّرني بالدَّين قَوْمِي، وإِنما ... تَدَيَّنْتُ فِي أَشياءَ تُكْسِبُهم حَمْدا
وَيُقَالُ: رأَيت بِفُلَانٍ دِينَةً إِذا رأَي بِهِ سَبَبَ الْمَوْتِ. وَيُقَالُ: رَمَاهُ اللَّه بدَينهِ أَي بِالْمَوْتِ لأَنه دَين عَلَى كُلِّ أَحد.
(13/168)

والدِّين: الْجَزَاءُ والمُكافأَة. ودِنْتُه بفعلِه دَيْناً: جَزَيته، وَقِيلَ الدَّيْنُ الْمَصْدَرُ، والدِّين الِاسْمُ، قَالَ:
دِينَ هَذَا القلبُ مِنْ نُعْمٍ ... بِسَقَامٍ لَيْسَ كالسُّقْمِ
ودَايَنه مُداينةً ودِيَاناً كَذَلِكَ أَيضاً. ويومُ الدِّينِ: يومُ الْجَزَاءِ. وَفِي الْمَثَلِ: كَمَا تَدِينُ تُدان أَي كَمَا تُجازي تُجازَى أَي تُجازَى بِفِعْلِكَ وَبِحَسْبِ مَا عَمِلْتَ، وَقِيلَ: كَمَا تَفْعَل يُفعَل بِكَ، قَالَ خُوَيلد بْنُ نَوْفل الْكِلَابِيُّ لِلْحَرْثِ بْنُ أَبي شَمِرٍ الغَسَّاني، وَكَانَ اغْتَصَبَهُ ابنتَه:
يَا أَيُّها المَلِك المَخوفُ، أَما تَرَى ... لَيْلًا وصُبحاً كيفَ يَخْتَلِفان؟
هَلْ تَسْتَطِيعُ الشمسَ أَن تأْتي بِهَا ... لَيْلًا، وَهَلْ لَك بالمَلِيكِ يَدانِ؟
يَا حارِ، أَيْقِنْ أَنَّ مُلْكَكَ زائلٌ، ... واعْلَمْ بأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدانُ «2»
أَي تُجْزَى بِمَا تَفْعَلُ. ودانَه دَيْناً أَي جَازَاهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا لَمَدِينُونَ
، أَي مَجْزِيُّون مُحاسَبون، وَمِنْهُ الدَّيَّانُ فِي صِفَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وَفِي حَدِيثِ
سَلْمان: إِن اللَّه ليَدِين للجمَّاء مِنْ ذاتِ القَرْن
أَي يَقْتَصُّ ويَجْزي. والدِّين: الْجَزَاءُ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَمْرٍو: لَا تَسُبُّوا السلطانَ فإِن كَانَ لَا بُدَّ فَقُولُوا اللَّهُمَّ دِنْهم كَمَا يَدينُونا
أَي اجْزِهم بِمَا يُعامِلونا بِهِ. والدِّين الحسابُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَالِكِ يَوْمِ الْجَزَاءِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ*
، أَي ذَلِكَ الحسابُ الصَّحِيحُ وَالْعَدَدُ الْمُسْتَوِي. والدِّين الطَّاعَةُ. وَقَدْ دِنْته ودِنْتُ لَهُ أَي أَطعته، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وأَياماً لَنَا غُرّاً كِراماً ... عَصَيْنا المَلْكَ فِيهَا أَن نَدِينا
وَيُرْوَى:
وأَيامٍ لَنَا وَلَهُمْ طِوالٍ
والجمعُ الأَدْيانُ. يُقَالُ: دَانَ بِكَذَا دِيانة، وتَدَيَّنَ بِهِ فَهُوَ دَيِّنٌ ومُتَدَيِّنٌ. ودَيَّنْتُ الرجلَ تَدْيِيناً إِذا وَكَلْتَهُ إِلى دِينه. والدِّين: الإِسلام، وَقَدْ دِنْتُ بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: محبةُ العلماءِ دِينٌ يُدانُ بِهِ.
والدِّينُ: الْعَادَةُ والشأْن، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا زالَ ذَلِكَ دِيني ودَيْدَني أَي عَادَتِي، قَالَ المُثَقِّبُ العَبْدي يَذْكُرُ نَاقَتَهُ:
تقولُ إِذا دَرَأْتُ لَهَا وَضِيني: ... أَهذا دِينُه أَبَداً ودِيني
وَرُوِيَ قَوْلُهُ:
دِينَ هَذَا الْقَلْبُ مِنْ نُعْمٍ
يُرِيدُ يَا دِينَهُ أَي يَا عَادَتَهُ، وَالْجَمْعُ أَدْيان. والدِّينَةُ: كالدِّين، قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
أَلا يَا عَناء القلبِ مِنْ أُمِّ عامِرٍ، ... ودِينَتَه مِنْ حُبِّ مَنْ لَا يُجاوِرُ
ودِينَ: عُوِّد، وَقِيلَ: لَا فِعْلَ لَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الكيِّس مَنْ دانَ نَفْسَه وعَمِل لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، والأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّه
، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ
دَانَ نَفْسَهُ
أَي أَذلها وَاسْتَعْبَدَهَا، وَقِيلَ: حَاسَبَهَا. يُقَالُ: دِنْتُ القومَ أَدِينُهم إِذا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِمْ، قَالَ الأَعشى يَمْدَحُ رَجُلًا:
هُوَ دانَ الرَّبابَ إِذْ كَرِهُوا الدَّينَ، ... دِراكاً بغَزْوةٍ وصيالِ
ثُمَّ دَانَتْ بعدُ الرَّبابُ، وَكَانَتْ ... كعذابٍ عُقُوبَةُ الأَقوالِ
قَالَ: هُوَ دانَ الربابَ يَعْنِي أَذلها، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ دانت
__________
(2). 1 في هذا البيت إِقواء.
(13/169)

بعدُ الربابُ أَي ذَلَّتْ لَهُ وأَطاعته، والدِّينُ لِلَّهِ مِنْ هَذَا إِنما هُوَ طَاعَتُهُ وَالتَّعَبُّدُ لَهُ. وَدَانَهُ دِيناً أَي أَذله وَاسْتَعْبَدَهُ. يُقَالُ: دِنْتُه فَدَانَ. وَقَوْمٌ دِينٌ أَي دَائِنُونَ، وَقَالَ:
وَكَانَ الناسُ، إِلا نَحْنُ، دِينا
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
، قَالَ قَتَادَةُ: فِي قَضَاءِ الْمَلِكِ. ابْنُ الأَعرابي: دانَ الرجلُ إِذا عَزَّ، ودانَ إِذا ذَلَّ، وَدَانَ إِذا أَطاع، ودانَ إِذا عَصَى، وَدَانَ إِذا اعْتادَ خَيْرًا أَو شَرًّا، ودانَ إِذا أَصابه الدِّينُ، وَهُوَ دَاءٌ، وأَنشد:
يَا دِينَ قلبِكَ مِنْ سَلْمى وَقَدْ دِينَا
قَالَ: وَقَالَ الْمُفَضَّلُ مَعْنَاهُ يَا داءَ قَلْبِكَ الْقَدِيمِ. ودِنْتُ الرَّجُلَ: خَدَمْتُهُ وأَحسنت إِليه. والدِّينُ: الذُّلُّ. والمَدِينُ: الْعَبْدُ. والمَدِينةُ: الأَمة الْمَمْلُوكَةُ كأنَهما أَذَلهما العملُ، قَالَ الأَخطل:
رَبَتْ، ورَبا فِي حَجْرِها ابنُ مَدِينةٍ ... يَظَلُّ عَلَى مِسْحاتِه يَتَرَكَّلُ
وَيُرْوَى: فِي كَرْمها ابْنُ مَدِينَةٍ، قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: أَي ابْنُ أَمة، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: مَعْنَى ابْنِ مَدِينَةٍ عَالِمٌ بِهَا كَقَوْلِهِمْ هَذَا ابْنُ بَجْدَتها. وقوله تَعَالَى: إِنَّا لَمَدِينُونَ
، أَي مَمْلُوكُونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها
، قَالَ الْفَرَّاءُ: غيرَ مَدِينِينَ أَي غَيْرَ مَمْلُوكِينَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ مَجْزِيِّين، وَقَالَ أَبو إِسحق: مَعْنَاهُ هلَّا تَرْجِعُون الروحَ إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ مُدَبَّرين. وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* أَن لَكُمْ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ قُدْرَةً، وهذا كقوله: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. ودِنْتُه أَدِينُه دَيْناً: سُسْته. ودِنْتُه: مَلَكْتُه. ودُيّنْته أَي مُلِّكته. ودَيَّنْتُه القومَ: وَلَّيْتُهُ سياسَتهم، قَالَ الحُطَيْئة:
لَقَدْ دُيِّنْتِ أَمْرَ بَنيكِ، حَتَّى ... تَرَكْتِهِم أَدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ
يَعْنِي مُلِّكْتِ، وَيُرْوَى: سُوّسْتِ، يُخَاطِبُ أُمه، وَنَاسٌ يَقُولُونَ: وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمِصْرُ مَدِينةً. والدَّيَّان: السَّائِسُ، وأَنشد بَيْتَ ذِي الإِصبع العَدْواني:
لاهِ ابنُ عَمِّكَ، لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... يَوْمًا، وَلَا أَنْتَ دَيَّاني فتَخْزُوني!
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَي وَلَا أَنت مَالِكُ أَمري فَتَسُوسُني. ودِنْتُ الرجلَ: حَمَلْتُهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ. ودَيَّنْتُ الرَّجُلَ تَدْييناً إِذا وَكَلْتَهُ إِلَى دِينِهِ. والدِّينُ: الحالُ. قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: سأَلت أَعرابيّاً عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَوْ لَقِيتَنِي عَلَى دِينٍ غَيْرِ هَذِهِ لأَخبرتك. والدِّين: مَا يَتَدَيَّنُ بِهِ الرَّجُلُ. والدِّينُ: السُّلْطَانُ. والدِّين: الوَرَعُ. والدِّين: الْقَهْرُ. والدِّينُ: الْمَعْصِيَةُ. وَالدِّينُ: الطَّاعَةُ. وَفِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ:
يَمْرُقُون مِنَ الدِّين مُروقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّة
، يُرِيدُ أَن دُخُولَهُمْ فِي الإِسلام ثُمَّ خُرُوجُهُمْ مِنْهُ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَالسَّهْمِ الَّذِي دَخَلَ فِي الرَّمِيَّةِ ثُمَّ نَفَذ فِيهَا وَخَرَجَ مِنْهَا وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ أَجمع عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَن الْخَوَارِجَ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ المسلمِين وأَجازوا مُنَاكَحَتَهُمْ وأَكل ذَبَائِحِهِمْ وَقَبُولَ شَهَادَتِهِمْ،
وَسُئِلَ عَنْهُمْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقِيلَ: أَكفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الِكُفْرِ فَرُّوا، قِيلَ: أَفمنافقون هُمْ؟ قَالَ: إِن الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا، وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ اللَّه بُكرة وأَصيلًا، فَقِيلَ: مَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ أَصابتهم فِتْنَةٌ فعَمُوا وصَمُّوا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَعْنِي قَوْلُهُ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَمْرُقُون مِنَ الدِّينِ
، أَراد بِالدِّينِ الطَّاعَةَ أَي أَنهم يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَةِ الإِمام المُفْتَرَضِ الطَّاعَةِ وَيَنْسَلِخُونَ مِنْهَا، واللَّه أَعلم.
(13/170)

ودَيَّنَ الرجلَ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّه: صَدَّقه. ابْنُ الأَعرابي: دَيَّنْتُ الْحَالِفَ أَي نَوَّيته فِيمَا حَلَفَ، وَهُوَ التَّدْيين. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
أَنه، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ
، قَالَ ابْنُ الأَثير: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، وإِنما أَراد أَنه كَانَ عَلَى مَا بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ إِرث إِبراهيم، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْحَجِّ وَالنِّكَاحِ وَالْمِيرَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحكام الإِيمان، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الدِّين العادةِ يُرِيدُ بِهِ أَخلاقهم مِنَ الْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ الْحَجِّ:
كَانَتْ قريشٌ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ
أَي اتَّبَعَهُمْ فِي دِينهم وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ وَاتَّخَذَ دِينهم لَهُ دِيناً وَعِبَادَةً. وَفِي حَدِيثِ دُعاء السَّفَرِ:
أَستَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وأَمانتك
، جَعَلَ دِينَهُ وأَمانته مِنَ الْوَدَائِعِ لأَن السَّفَرَ يُصِيبُ الإِنسانَ فِيهِ المشقةُ وَالْخَوْفُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لإِهمال بَعْضِ أُمور الدِّينِ فَدَعَا لَهُ بالمَعُونة وَالتَّوْفِيقِ، وأَما الأَمانة هَاهُنَا فَيُرِيدُ بِهَا أَهل الرَّجُلِ وَمَالَهُ وَمَنْ يُخْلِفُه عَنْ سَفَرِهِ. والدِّين: الدَّاءُ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وأَنشد:
يَا دِينَ قلبِك مِنْ سَلْمى وَقَدْ دِينا
قَالَ: يَا دِينَ قَلْبِكَ يَا عَادَةَ قَلْبِكَ، «3» وَقَدْ دِينَ أَي حُمِل عَلَى مَا يَكْرَهُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: مَعْنَاهُ وَقَدْ عُوِّد. اللَّيْثُ: الدِّينُ مِنَ الأَمطار مَا تَعَاهَدَ مَوْضِعًا لَا يَزَالُ يرُبُّ بِهِ وَيُصِيبُهُ، وأَنشد: مَعْهُودٌ ودِين، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هَذَا خَطَأٌ، وَالْبَيْتُ لِلطِّرِمَّاحِ، وَهُوَ:
عَقائلُ رملةٍ نازَعْنَ مِنْهَا ... دُفُوفَ أَقاحِ مَعْهُودٍ ودِينِ
أَراد: دُفُوفَ رَمْلٍ أَوْ كُثُبَ أَقاحِ معهودٍ أَي مَمْطُورٍ أَصابه عَهْد مِنَ الْمَطَرِ بَعْدَ مَطَرٍ، وَقَوْلُهُ وَدِينٍ أَي مَوْدُون مَبْلُولٍ مِنْ وَدَنْتُه أَدِنُه ودْناً إِذا بَلَلْتَهُ، وَالْوَاوُ فَاءُ الْفِعْلِ، وَهِيَ أَصلية وَلَيْسَتْ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَلَا يُعْرَفُ الدِّين فِي بَابِ الأَمْطار، وَهَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ اللَّيْثِ أَو مِمَّنْ زَادَهُ فِي كِتَابِهِ. وَفِي حَدِيثِ مَكْحُولٍ:
الدَّين بَيْنَ يَدَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، والعُشْر بَيْنَ يَدَيِ الدَّينِ فِي الزَّرْعِ والإِبل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
، قَالَ ابْنُ الأَثير: يَعْنِي أَن الزَّكَاةَ تُقَدَّمُ عَلَى الدَّين، والدَّين يُقَدَّمُ عَلَى الْمِيرَاثِ. والدَّيَّانُ بْنُ قَطَنٍ الْحَارِثِيِّ: مِنْ شُرَفَائِهِمْ، فأَما قَوْلُ مُسْهِرِ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ:
هَا إِنَّ ذَا ظالِمُ الدَّيَّانُ مُتَّكِئاً ... عَلَى أَسِرَّتِه، يَسْقِي الْكَوَانِينَا
فإِنه شَبَّهَ ظَالِمًا هَذَا بالدَّيان بْنِ قَطَنِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ عَبْدُ المُدانِ، فِي نَخْوتِه، وَلَيْسَ ظَالِمٌ هُوَ الدَّيَّان بِعَيْنِهِ. وَبَنُو الدَّيَّانِ: بَطْنٌ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: أُرَاهُ نَسَبُوا إِلى هَذَا، قَالَ السَّمَوْأَلُ بْنُ عادِيا أَو غَيْرُهُ:
فَإِنَّ بَنِي الدَّيَّانِ قُطْبٌ لقومِهِمْ، ... تَدُورُ رحاهْم حَولَهُمْ وتَجُولُ

فصل الذال المعجمة
ذأن: الذُّؤْنُونُ والعُرْجُون والطُّرْثُوث مِنْ جِنْسٍ: وَهُوَ مِمَّا يَنْبُتُ فِي الشِّتَاءِ، فإِذا سَخُنَ النَّهَارُ فَسَدَ وَذَهَبَ. غَيْرُهُ: الذُّؤْنون نَبْتٌ يَنْبُتُ فِي أُصول الأَرْطى والرِّمْثِ والأَلاء، تنشقُّ عَنْهُ الأَرض فَيَخْرُجُ مِثْلَ سَوَاعِدِ الرِّجَالِ لَا وَرَقَ لَهُ، وَهُوَ أَسْحَمُ وأَغْبَر، وَطَرَفُهُ مُحَدَّد كَهَيْئَةِ الكَمَرة، وَلَهُ أَكمام كأَكمام الباقِلى وَثَمَرَةٌ صَفْرَاءُ فِي أَعلاه، وَقِيلَ: هُوَ نَبَاتٌ يُنْبِتُ أَمثال الْعَرَاجِينِ مِنْ نَبَاتِ الفُطْرِ، وَالْجَمْعُ الذَّآنِينُ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الذَّآنين هَنَواتٌ مِنَ الفُقُوع تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الأَرض كأَنَّها العَمَدُ الضِّخَام وَلَا يأْكلها شَيْءٌ، إِلا أَنها تُعْلَفُها الإِبلُ فِي السَّنَةِ
__________
(3). 1 قوله" يا عادة قلبك" كذا بالأصل، والمناسب يا داء قلبك وإن فسر الدين في البيت بالعادة أيضاً.
(13/171)

وتأْكلها المِعْزى وَتَسْمَنُ عَلَيْهَا، وَلَهَا أَرُومة، وَهِيَ تُتَّخَذُ للأَدوية وَلَا يأْكلها إِلَّا الْجَائِعُ لِمَرَارَتِهَا. وَقَالَ مَرَّةً: الذَّآنِينُ تَنْبُتُ فِي أُصول الشَّجَرِ أَشبه شَيْءٍ بالهِلْيَوْن، إِلَّا أَنه أَعظم مِنْهُ وأَضخم، لَيْسَ لَهُ وَرَقٌ وَلَهُ بُرْعُومة تتورَّد ثُمَّ تَنْقَلِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ. والذُّؤْنون: مَاءٌ كُلُّهُ وَهُوَ أَبيض إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ تِلْكَ البُرْعُومة، وَلَا يأْكله شَيْءٌ، إِلَّا أَنه إِذَا أَسْنَتَ النَّاسُ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَا «1». شَيْءٌ، أَغنى، وَاحِدَتُهُ ذُؤْنُونة. وذَأْنَنَتِ الأَرضُ: أَنبتت الذَّآنِينَ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَخَرَجُوا يَتَذأْنَنُون أَي يَطْلُبُونَ الذَّآنِين ويأْخذونها؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
كُلُّ الطعامِ يأْكلُ الطَّائِيونا: ... الحَمَضِيضَ الرَّطْب والذآنِينا
. قَالَ الأَزهري: وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَهْمِزُ فَيَقُولُ ذُونون، وذَوانين الْجَمْعُ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الذُّؤْنُون أَسمر اللَّوْنِ مُدَمْلَكٌ لَهُ وَرَقٌ لَازِقٌ بِهِ، وَهُوَ طَوِيلٌ مِثْلُ الطُّرْثُوث، تَمِهٌ لَا طَعْمَ لَهُ، لَيْسَ بِحُلْوٍ وَلَا مُرٍّ، لَا يأْكله إِلَّا الْغَنَمُ، يَنْبُتُ فِي سُهُولِ الأَرض، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ذُونون لَا رِمْثَ لَهُ، وطُرْثوث لَا أَرطاة؛ يُقَالُ هَذَا لِلْقَوْمِ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ نَجْدَة وَفَضْلٌ فَهَلَكُوا وَتَغَيَّرَتْ حَالُهُمْ، فَيُقَالُ: ذآنينُ لَا رِمْثَ لَهَا وطَراثيثُ لَا أَرْطى أَي قَدِ استُؤْصِلوا فَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ هِلْيَوْنُ الْبَرِّ؛ وأَنشد لِلرَّاجِزِ يَصِفُ نَفْسَهُ بالرَّخاوة واللِّينِ:
كأَنني، وقَدَمي تَهِيثُ، ... ذُؤْنونُ سَوْءٍ رأْسُه نَكِيثُ
. قَوْلُهُ: تَهِيثُ أَي تَهِيثُ الترابَ مِثْلُ هَاثَ لَهُ بِالْعَطَاءِ، ونَكِيثٌ: مُتَشَعِّثٌ؛ وَقَالَ آخَرُ:
غَداةَ تَوَلَّيْتُمْ كأَنَّ سيوفَكم ... ذَآنينُ فِي أَعناقِكم لَمْ تُسَلَّلِ
وَفِي حَدِيثِ
حُذَيْفَةَ: قَالَ لجُنْدُب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَتاك مِنَ النَّاسِ مثلُ الوَتِد أَو مِثْلُ الذُّؤْنون يَقُولُ اتَّبِعْني وَلَا أَتبعك؟
الذُّؤْنون: نَبْتٌ طَوِيلٌ ضَعِيفٌ لَهُ رأْس مُدوَّر، وَرُبَّمَا أَكله الأَعراب، قَالَ: وَهُوَ مِنْ ذأَنَه إِذَا حَقَّرَه وضَعَّف شأْنَه، شَبَّهَهُ بِهِ لِصِغَرِهِ وَحَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَهُوَ يَدْعُو الْمَشَايِخَ إِلَى اتِّبَاعِهِ، أَي مَا تَصْنَعُ إِذَا أَتاك رَجُلٌ ضَالٌّ، وَهُوَ فِي نَحَافَةِ جِسْمِهِ كالوَتِد أَو الذُّؤْنون لكدِّه نفسَه بِالْعِبَادَةِ يَخْدَعُكَ بِذَلِكَ وَيْسَتَتْبِعُكَ.
ذبن: ابْنُ الأَعرابي: الذُّبْنةُ ذُبُولُ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الْعَطَشِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والأَصل الذُّبْلة فَقُلِبَتِ اللَّامُ نُونًا.
ذعن: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: مُذْعِنين مُقِر