Advertisement

لسان العرب 001



الكتاب: لسان العرب
المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711ه)
الناشر: دار صادر - بيروت
الطبعة: الثالثة - 1414 ه
عدد الأجزاء: 15
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بحواشي اليازجي وجماعة من اللغويين]
[لسان العرب]
المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711ه)
الناشر: دار صادر - بيروت
الطبعة: الثالثة - 1414 ه
عدد الأجزاء: 15
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بحواشي اليازجي وجماعة من اللغويين]
(/)

تَرْجَمَة الْمُؤلف
[اسْمه]
ابْن مَنْظُور مُحَمَّد بن مُكرَّم بن عليّ بن أَحْمد بن حبقة الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي كَانَ يُنسب إِلَى رُوَيْفِع بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، من صحابة رَسُول الله وَهُوَ صَاحب «لِسَان الْعَرَب» فِي اللُّغَة.

[وِلَادَته]
وُلِدَ ابْن مَنْظُور فِي الْقَاهِرَة، وَقيل فِي طرابلس، فِي شهر الْمحرم سنة 630 ه / سنة 1232 م

[مَنْزِلَته ورحلته العلمية]
كَانَت حَيَاته حَيَاة جد وَعمل مَوْصُول، كَانَ عَالما فِي الْفِقْه مِمَّا أهَّلَه لتولي منصب الْقَضَاء فِي طرابلس، كَمَا عمل فَتْرَة طَوِيلَة فِي ديوَان الْإِنْشَاء وَكَانَ عَالما فِي اللُّغَة وَيشْهد لَهُ بذلك هَذَا الْكتاب الْفَرد «سان الْعَرَب» وَقد جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح والجمهرة وَالنِّهَايَة وحاشية الصِّحَاح جوّده مَا شَاءَ ورتبه تَرْتِيب الصِّحَاح وَهُوَ كَبِير، وَكَانَ من أفضل عُلَمَاء عصره فِي المعارف الكونية فَهُوَ بِحَق مفخرة من المفاخر الخالدة فِي التراث الْعَرَبِيّ، وَسمع من ابْن المقير ومرتضى بن حَاتِم وَعبد الرَّحِيم بن الطُّفَيْل ويوسف بن المخيلي وَغَيرهم. وعمَّر وَكبر وحدَّث فَأَكْثرُوا عَنهُ، وَكَانَ مغرى بِاخْتِصَار كتب الْأَدَب المطوَّلة، اختصر الأغاني والعِقد والذخيرة ونشوان المحاضرة ومفردات ابْن البيطار والتواريخ الْكِبَار وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك، قَالَ الصَّفَدِي: لَا أعرف فِي الْأَدَب وَغَيره كِتابا مطوَّلا إِلَّا وَقد اخْتَصَرَهُ، قَالَ: وَأَخْبرنِي وَلَده قطب الدّين أَنه ترك بِخَطِّهِ خَمْسمِائَة مجلدة، وَيُقَال إِن الْكتب الَّتِي علقها بِخَطِّهِ من مختصراته خَمْسمِائَة مجلدة. وَكَانَ عِنْده تشيُّع بِلَا رفض، قَالَ أَبُو حَيَّان أَنْشدني لنَفسِهِ:
ضع كتابي إِذا أَتَاك إِلَى الأَرْض ... وقلِّبه فِي يَديك لماما
فعلى خَتمه وَفِي جانبيه ... قُبَلٌ قد وضعتهنَّ تؤَاما
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ:
النَّاس قد أثموا فِينَا بظنهم ... وَصَدقُوا بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا
مَاذَا يضرُّك فِي تَصْدِيق قَوْلهم ... بِأَن نحقق مَا فِينَا يظنونا
حملي وحملك ذَنبا وَاحِدًا ثِقَة ... بِالْعَفو أجمل من إِثْم الورى فِينَا
قَالَ الصَّفَدِي: هُوَ معنى مطروق للقدماء لَكِن زَاد فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله ثِقَة بِالْعَفو من أحسن متممات البلاغة. وَذكر ابْن فضل الله أَنه عَمِيَ فِي آخر عمره، وَكَانَ صَاحب نكت ونوادر وَهُوَ الْقَائِل:
بِاللَّه إِن جزت بوادي الْأَرَاك ... وَقبلت عيدانه الْخضر فَاك
فَابْعَثْ، إِلَى عَبدك، من بَعْضهَا ... فإنني، وَالله، مَا لي سواك

[مؤلفاته]
1. مُعْجم «لِسَان الْعَرَب» فِي اللُّغَة.
2. مُخْتَار الأغاني.
3. مُخْتَصر «تَارِيخ بَغْدَاد» للخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي عشرَة مجلدات.
4. مُخْتَصر «تَارِيخ دمشق» لِابْنِ عَسَاكِر.
5. مُخْتَصر «مُفْرَدَات ابْن البيطار».
6. مُخْتَصر «العقد الفريد» لِابْنِ عبد ربه.
7. مُخْتَصر «زهر الْآدَاب» للحصري.
8. مُخْتَصر «الْحَيَوَان» للجاحظ.
9. مُخْتَصر «يتيمة الدَّهْر» للثعالبي.
10. مُخْتَصر «نشوان المحاضرة» للتنوخي.
11. مُخْتَصر «الذَّخِيرَة».

[وَفَاته]
توفّي فِي مصر سنة 711 ه / 1311م.
(/)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

[مقدمة الناشر]
عزمنا بعد الاتكال عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَبعد إِعْمَال الروية وتقليب الْفِكر، أَن نصدر طبعة جَدِيدَة للسان الْعَرَب، لِابْنِ مَنْظُور الإفْرِيقِي، وَلَيْسَ هَذَا الْعَمَل يَسِيرا، فان الطبعة الأولى توافرت عَلَيْهَا أَمْوَال حُكُومَة الخديو مُحَمَّد توفيق وَتَحْت إمرتها مطبعة كَبِيرَة، كَمَا تعاون علماؤها فِي الإشراف على الْعَمَل، وَمَعَ ذَلِك لم تخل من أغاليط، بَعْضهَا نبه عَلَيْهِ جمَاعَة من الْعلمَاء، وَبَعضهَا لم يُنَبه عَلَيْهِ أحد، فتداركنا ذَلِك كُله، مستعينين بنخبة من عُلَمَاء اللُّغَة المتخصصين، ورأينا أَن نثبت تحقيقات مصحح الطبعة الأولى الْوَارِدَة فِي الهوامش بنصها.
وسنصدر الْكتاب أَجزَاء ليسهل اقتناؤه.
وسنضيف إِلَيْهِ فهرسا شَامِلًا أَسمَاء الشُّعَرَاء وذيلا بالمفردات والمصطلحات الحديثة الَّتِي أقرتها المجامع اللُّغَوِيَّة فِي الْبِلَاد الْعَرَبيَّة، لوصل مَا انْقَطع من التراث اللّغَوِيّ.
وأشير علينا أَن نغير تَرْتِيب " اللِّسَان " وَلَكنَّا آثرنا أَن يبْقى على حَاله حفظا للأثر من أَن يُغير، ولأن تَرْتِيب الْأَبْوَاب على الْحَرْف الْأَخير يعين الشَّاعِر على القافية - وَلَعَلَّه أحد الْمَقَاصِد الَّتِي أرادها صَاحب اللِّسَان - وَهُنَاكَ معاجم تسير على غير هَذَا التَّرْتِيب الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن مَنْظُور وَاخْتَارَهُ مثله الفيروز آبادي.
غير أننا تيسيرا للبحث عَن اللَّفْظَة المُرَاد الْبَحْث عَنْهَا، وإيضاح مَكَانهَا من مادتها، رَأينَا أَن نضع فواصل حاولنا بهَا على قدر الِاسْتِطَاعَة، أَن نفصل بَين اللَّفْظَة وَالْأُخْرَى، لكَي تبرز للباحث ضالته الَّتِي ينشدها بأيسر سَبِيل وَأَقل عناء.
وَالله ولي التَّوْفِيق.
الناشر
(1/3)

تَرْجَمَة الْمُؤلف رَحمَه الله
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْفضل احْمَد بن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه الدُّرَر الكامنة فِي أَعْيَان الْمِائَة الثَّامِنَة فِي حرف الْمِيم مَا نَصه: هُوَ مُحَمَّد بن مكرم بن عَليّ بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي ثمَّ الْمصْرِيّ جمال الدّين أَبُو الْفضل، كَانَ ينْسب إِلَى رويفع بن ثَابت الْأنْصَارِيّ.
ولد سنة 630 فِي الْمحرم وَسمع من ابْن المقير ومرتضى بن حَاتِم وَعبد الرَّحِيم بن الطُّفَيْل ويوسف بن المخيلي وَغَيرهم.
وَعمر وَكبر وَحدث فَأَكْثرُوا عَنهُ، وَكَانَ مغرى بِاخْتِصَار كتب الْأَدَب المطولة، اختصر الأغاني وَالْعقد والذخيرة ونشوار المحاضرة ومفردات ابْن البيطار والتواريخ الْكِبَار وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك، قَالَ الصَّفَدِي: لَا أعرف فِي الْأَدَب وَغَيره كتابا مطولا إِلَّا وَقد اخْتَصَرَهُ، قَالَ: وَأَخْبرنِي وَلَده قطب الدّين أَنه ترك بِخَطِّهِ خَمْسمِائَة مجلدة، وَيُقَال إِن الْكتب الَّتِي علقها بِخَطِّهِ من مختصراته خَمْسمِائَة مجلدة، قلت: وَجمع فِي اللُّغَة كتابا سَمَّاهُ " لِسَان الْعَرَب " جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح والجمهرة وَالنِّهَايَة وحاشية الصِّحَاح، جوده مَا شَاءَ ورتبه تَرْتِيب الصِّحَاح، وَهُوَ كَبِير، وخدم فِي ديوَان الْإِنْشَاء طول عمره وَولي قَضَاء طرابلس.
وَكَانَ عِنْده تشيع بِلَا رفض، قَالَ أَبُو حَيَّان أَنْشدني لنَفسِهِ:
ضع كتابي إِذا أَتَاك إِلَى الأر ... ض وَقَلبه فِي يَديك لماما
فعلى خَتمه وَفِي جانبيه ... قبل قد وضعتهن تؤاما
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ:
النَّاس قد أثموا فِينَا بظنهم ... وَصَدقُوا بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا
مَاذَا يَضرك فِي تَصْدِيق قَوْلهم ... بَان نحقق مَا فِينَا يظنونا
حملي وحملك ذَنبا وَاحِدًا ثِقَة ... بِالْعَفو أجمل من إِثْم الورى فِينَا
قَالَ الصَّفَدِي: هُوَ معني مطروق للقدماء لَكِن زَاد فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله ثِقَة بِالْعَفو من أحسن متممات البلاغة.
وَذكر ابْن فضل الله أَنه عمي فِي آخر عمره، وَكَانَ صَاحب نكت ونوادر وَهُوَ الْقَائِل: بِاللَّه إِن جزت بوادي الْأَرَاك، ... وَقبلت عيدانه الْحَضَر فَاك
فَابْعَثْ، إِلَى عَبدك، من بَعْضهَا، ... فإنني، وَالله، مَا لي سواك
وَمَات فِي شعْبَان سنة 711.

* * *
وَقَالَ الْحَافِظ جلال الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر السُّيُوطِيّ فِي بغية الوعاة فِي طَبَقَات
اللغويين والنحاة فِيمَن اسْمه مُحَمَّد: مُحَمَّد بن مكرم بن عَليّ وَقيل رضوَان بن أَحْمد بن أبي الْقَاسِم بن حبقة بن مَنْظُور الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي الْمصْرِيّ جمال الدّين أَبُو الْفضل صَاحب لِسَان الْعَرَب فِي اللُّغَة الَّذِي جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة وَالنِّهَايَة، ولد فِي الْمحرم سنة 630 وَسمع من ابْن المقير وَغَيره وَجمع وَعمر وَحدث وَاخْتصرَ كثيرا من كتب الْأَدَب المطولة كالأغاني وَالْعقد والذخيرة ومفردات ابْن البيطار، وَنقل أَن مختصراته خَمْسمِائَة مُجَلد، وَكَانَ صَدرا رَئِيسا فَاضلا فِي الْأَدَب مليح الْإِنْشَاء روى عَنهُ السُّبْكِيّ والذهبي وَقَالَ تفرد بالغوالي وَكَانَ عَارِفًا بالنحو واللغة والتاريخ وَالْكِتَابَة وَاخْتصرَ تَارِيخ دمشق فِي نَحْو ربعه، وَعِنْده تشيع بِلَا رفض، مَاتَ فِي شعْبَان سنة 711.
(1/4)

مُقَدّمَة الطبعة الأولى
الْحَمد لله منطق اللِّسَان بتحميد صِفَاته، وملهم الْجنان إِلَى تَوْحِيد ذَاته، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد أشرف مخلوقاته، وعَلى آله وَصَحبه الَّذين اقتدوا بقداته واهتدوا بسماته.
وَبعد فقد اتّفقت آراء الْأُمَم: الْعَرَب مِنْهُم والعجم، الَّذين مارسوا اللُّغَات ودروا مَا فِيهَا من الْفُنُون وَالْحكم، وأساليب التَّعْبِير عَن كل معنى يجرى على اللِّسَان والقلم، على أَن لُغَة الْعَرَب أوسعها وأسنعها، وأخلصها وأنصعها، وَأَشْرَفهَا وأفضلها، وآصلها وأكلمها، وَذَلِكَ لغزارة موادها، واطراد اشتقاقها، وسرارة جوادها، واتحاد انتساقها.
وَمن جملَته تعدد المترادف، الَّذِي هُوَ للبليغ خير رافد ورادف، وَمَا يَأْتِي على رُوِيَ وَاحِد فِي القصائد مِمَّا يكْسب النّظم من التحسين وُجُوهًا، لَا تَجِد لَهَا فِي غَيرهَا من لُغَات الْعَجم شَبِيها.
وَهَذَا التَّفْضِيل يزْدَاد بَيَانا وظهورا، وَيزِيد المتأمل تَعَجبا وتحييرا، إِذا اعْتبرت أَنَّهَا كَانَت لُغَة قوم أُمِّيين لم يكن لَهُم فلسفة اليونانيين، وَلَا صنائع أهل الصين، وَمَعَ ذَلِك فقد جعلت بِحَيْثُ يعبر فِيهَا عَن خواطر هذَيْن الجيلين بل سَائِر الأجيال، إِذا كَانَت جديرة بَان يشغل بهَا البال، وتحسن فِي الِاسْتِعْمَال الَّذِي من لوازمه أَن يكون المعني الْمُفْرد وَغير الْمُفْرد مَوْضُوعا بإزائه لفظ مُفْرد فِي الْوَضع، يخف النُّطْق بِهِ على اللِّسَان ويرتاح لَهُ الطَّبْع، وَهُوَ شان الْعَرَبيَّة، وكفاها فضلا على مَا سواهَا هَذِه المزية.
وَإِنَّمَا قلت مُفْرد فِي الْوَضع لانا نرى مُعظم أَلْفَاظ اليونانية، وَغَيرهَا من اللُّغَات الإفرنجية، من قبيل النحت، وشتان مَا بَينه وَبَين الْمُفْرد البحت، فَإِن هَذَا يدل على أَن الْوَاضِع فطن، من أول الْأَمر، إِلَى الْمعَانِي الْمَقْصُودَة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا لإِفَادَة السَّامع، بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال والمواقع.
وَذَاكَ يدل على أَن تِلْكَ الْمعَانِي لم تخطر بِبَالِهِ الا عِنْدَمَا مست الْحَاجة إِلَيْهَا، فلفق لَهَا ألفاظا كَيْفَمَا اتّفق وَاعْتمد فِي الإفادة عَلَيْهَا.
فَمثل من وضع اللَّفْظ الْمُفْرد، مثل من بنى صرحا لينعم فِيهِ ويقصد، فَقدر من قبل الْبناء كل مَا لزم لَهُ من المداخل والمخارج، والمرافق والمدارج، ومنافذ النُّور والهواء، والمناظر المطلة على المنازه الفيحاء، وَهَكَذَا أتم بناءه، كَمَا قدره وشاءه.
وَمثل من عمد إِلَى النحت والتلفيق، مثل من بنى من غير تَقْدِير وَلَا تنسيق، فَلم يفْطن إِلَى مَا لزم لمبناه الا بعد أَن سكنه، وَشعر بِأَنَّهُ لَا يُصِيب فِيهِ سكنه، فتدارك مَا فرط مِنْهُ تدارك من لهوج فعجز، فجَاء بِنَاؤُه سدادا من عوز.
هَذَا من حَيْثُ كَون الْأَلْفَاظ مُفْردَة كَمَا أسلفت مفصلا.
فَأَما من حَيْثُ كَونهَا تركب جملا، وتكسى من منوال البلاغة حللا، فنسبة تِلْكَ اللُّغَات إِلَى الْعَرَبيَّة، كنسبة الْعُرْيَان إِلَى الكاسي، والظمآن إِلَى الحاسي، وَلَا يُنكر ذَلِك الا مكابر، على جحد الْحق مثابر.
وحسبك أَنه لَيْسَ فِي تِلْكَ اللُّغَات من أَنْوَاع البديع الا التَّشْبِيه وَالْمجَاز، وَمَا سوى ذَلِك يحْسب فِيهَا من قبيل الإعجاز.
هَذَا وكما أَنِّي قررت أَن اللُّغَة الْعَرَبيَّة أشرف اللُّغَات، كَذَلِك أقرر أَن أعظم كتاب ألف فِي مفرداتها كتاب لِسَان الْعَرَب للْإِمَام المتقن جمال الدّين مُحَمَّد بن جلال الدّين الْأنْصَارِيّ الخزرجي الإفْرِيقِي، نزيل مصر، وَيعرف بِابْن مكرم وَابْن مَنْظُور، ولد فِي الْمحرم سنة 690، وَتُوفِّي سنة 771 (1).
وَقد جمع فِي
__________
(1) كَانَت وِلَادَته سنة 630 ووفاته سنة 711 كَمَا فِي الوافي بالوفيات للصفدي والدرر الكامنة لِابْنِ حجر والمنهل الصافي لِابْنِ تغري بردى والبغية للسيوطي.
(1/5)

كِتَابه هَذَا الصِّحَاح للجوهري وحاشيته لِابْنِ بري، والتهذيب للأزهري، والمحكم لِابْنِ سَيّده، والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد، وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير، وَغير ذَلِك، فَهُوَ يغنى عَن سَائِر كتب اللُّغَة، إِذْ هِيَ بجملتها لم تبلغ مِنْهَا مَا بلغه.
قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن الطّيب محشي الْقَامُوس: وَهُوَ عَجِيب فِي نقُوله وتهذيبه، وتنقيحه وترتيبه، إلا انه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ لغيره من المصنفات المتداولة، وزاحم عصره صَاحب الْقَامُوس رحم الله الْجَمِيع انْتهى.
وَسبب قلته كبر حجمه وَتَطْوِيل عِبَارَته، فإنه ثَلَاثُونَ مجلدا، فالمادة الَّتِي تملأ فِي الْقَامُوس صفحة وَاحِدَة تملأ فِيهِ أَربع صفحات بل أَكثر، وَلِهَذَا عجزت طلبة الْعلم عَن تَحْصِيله وَالِانْتِفَاع بِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب لُغَة، وَنَحْو، وَصرف، وَفقه، وأدب، وَشرح للْحَدِيث الشريف، وَتَفْسِير للقران الْكَرِيم، فَصدق عَلَيْهِ الْمثل: إِن من الْحسن لشقوة.
وَلَوْلَا أَن الله تبَارك وَتَعَالَى أودع فِيهِ سرا مَخْصُوصًا لما بَقِي إِلَى الْآن، بل كَانَ لحق بنظرائه من الْأُمَّهَات المطولة الَّتِي اغتالتها طوارق الْحدثَان: كالموعب لعيسى ابْن غَالب التياني، والبارع لأبي عَليّ القالي، وَالْجَامِع للقزاز، غَيرهَا مِمَّا لم يبْق لَهُ عين وَلَا أثر، إلا فِي ذكر اللغويين حِين ينوهون بِمن ألف فِي اللُّغَة وَأثر، فَالْحَمْد لله مولي النعم ومؤتي الهمم على أَن حفظه لنا مصونا من تعاقب الْأَحْوَال، وتناوب الْأَحْوَال، كَمَا نحمده على أَن ألهم فِي هَذِه الْأَيَّام سيدنَا الخديو الْمُعظم، الْعَزِيز ابْن الْعَزِيز ابْن الْعَزِيز مُحَمَّد توفيق الْمَحْمُود بَين الْعَرَب والعجم، والمحفوف بالتوفيق لكل صَلَاح جم، وفلاح عَم، إِلَى أَن يكون هَذَا الْكتاب الفريد بالطبع منشورا، ونفعه فِي جَمِيع الأقطار مَشْهُورا، بعد أَن كَانَ دهرا طَويلا كالكنز المدفون، والدر الْمكنون.
وَذَلِكَ بمساعي أَمِين دولته، وشاكر نعْمَته، الشهم الْهمام، الَّذِي ذاعت مآثره بَين الْأَنَام، وسرت محامده فِي الْآفَاق: حُسَيْن حسني بك نَاظر مطبعة بولاق، وهمة ذِي الْعَزْم المتين، وَالْفضل المكين، الراقي فِي معارج الْكَمَال إِلَى الأوج، الْعلم الْفَرد الَّذِي يفضل كل فَوْج، من إِذا ادلهم عَلَيْك أَمر يرشدك بصائب فكره ويهديك: حَضْرَة حُسَيْن أَفَنْدِي على الديك، فَإِنَّهُ حفظه الله شمر عَن ساعد الْجد حَتَّى احْتمل عبء هَذَا الْكتاب وبذل فِي تَحْصِيله نَفِيس مَاله، رَغْبَة فِي عُمُوم نَفعه، واغتناما لجميل الثَّنَاء وجزيل الثَّوَاب.
فدونك كتابا علا بقدمه على هام السها، وغازل أَفْئِدَة البلغاء مغازلة ندمان الصفاء عُيُون المها، ورد علينا أنموذجه، فَإِذا هُوَ يَتِيم اللُّؤْلُؤ منضد فِي سموط النضار، يروق نظيمه الْأَلْبَاب ويبهج نثيره الأنظار، بلغ، من حسن الطَّبْع وجماله، مَا شهرته ورؤيته تغنيك عَن الإطراء.
وَمن جيد الصِّحَّة مَا قَامَ بِهِ الجم الْغَفِير من جهابذة النجباء، جمعُوا لَهُ، على مَا بلغنَا، شوارد النّسخ الْمُعْتَبرَة والمحتاج إِلَيْهِ من الْموَاد، وعثروا، أثْنَاء ذَلِك، على نُسْخَة منسوبة للمؤلف، فبلغوا من مقصودهم المُرَاد.
وجلبوا غير ذَلِك، من خَزَائِن الْمُلُوك وَمن كل فج، وأنجدوا فِي تَصْحِيح فرائده، وأتهموا وانتجعوا، فِي تطبيق شواهده، كل منتجع، وتيمموا حَتَّى بلغُوا أقاصي الشَّام وَالْعراق وَوَج.
أعانهم الله على صنيعهم حَتَّى يصل إِلَى حد الْكَمَال، وَأتم لَهُم نسيجهم على أحكم منوال، وجزى الله حَضْرَة نَاظر هم أحسن الْجَزَاء، وشكره على حسن مساعيه وحباه جميل الحباء، فَإِن هَذِه نعْمَة كبرى على جَمِيع الْمُسلمين، يجب أَن يقابلوها بالشكر وَالدُّعَاء على ممر السنين، كلما تلوا: إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْمُرْسلين.

فِي 17 رَجَب الْمُعظم سنة 1300
كتبه الْفَقِير إِلَى ربه الْوَاهِب
أحْمَد فَارس صَاحب الجوائب
(1/6)

مُقدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرم بن أبي الْحسن بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، عَفا الله عَنهُ بكرمه: الْحَمد لله رب الْعَالمين، تبركا بِفَاتِحَة الْكتاب الْعَزِيز، واستغراقا لأجناس الْحَمد بِهَذَا الْكَلَام الْوَجِيز، إِذْ كل مُجْتَهد فِي حَمده، مقصر عَن هَذِه الْمُبَالغَة، وَإِن تَعَالَى؛ وَلَو كَانَ للحمد لفظ أبلغ من هَذَا لحمد بِهِ نَفسه، تقدّس وَتَعَالَى، نحمده على نعمه الَّتِي يواليها فِي كل وَقت ويجدّدها، وَلها الْأَوْلَوِيَّة بِأَن يُقَال فِيهَا نعدّ مِنْهَا وَلَا نعدّدها؛ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد المشرَّف بالشفاعة، الْمَخْصُوص بِبَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم السَّاعَة، وعَلى آله الْأَطْهَار، وَأَصْحَابه الْأَبْرَار، وأتباعهم الأخيار، صَلَاة بَاقِيَة بَقَاء اللَّيْل وَالنَّهَار.
أما بعد فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد كرَّم الْإِنْسَان وفضله بالنطق على سَائِر الْحَيَوَان، وشرَّف هَذَا اللِّسَان العربيَّ بِالْبَيَانِ على كل لِسَان، وَكَفاهُ شرفا أَنه بِهِ نزل الْقُرْآن، وَأَنه لُغَة أهل الْجنان. رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ
مَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - "أَحبُّوا الْعَرَب لثلاث: لِأَنِّي عربيّ، وَالْقُرْآن عربيّ، وَكَلَام أهل الْجنَّة عربيّ"

وَإِنِّي لم أزل مشغوفا بمطالعات كتب اللُّغَات والاطلاع على تصانيفها، وَعلل تصاريفها؛ وَرَأَيْت علماءها بَين رجلَيْنِ: أما من أحسن جمعه فَإِنَّهُ لم يحسن وَضعه، وَأما من أَجَاد وَضعه فَإِنَّهُ لم يُجد جمعه، فَلم يُفد حسنُ الْجمع مَعَ إساءة الْوَضع، وَلَا نَفَعت إجادةُ الْوَضع مَعَ رداءة الْجمع. وَلم أجد فِي كتب اللُّغَة أجمل من تَهْذِيب اللُّغَة لأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَزْهَرِي، وَلَا أكمل من الْمُحكم لأبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سَيّده الأندلسي، رحمهمَا الله، وهما من أمّهات كتب اللُّغَة على التَّحْقِيق، وَمَا عداهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا ثنيَّات للطريق. غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك، وكأنَّ وَاضعه شرع للنَّاس موردا عذبا وجلاهم عَنهُ، وارتاد لَهُم مرعًى مربعًا ومنعهم مِنْهُ؛ قد أخّر وقدّم، وَقصد أَن يُعرب فأعجم. فرّق الذِّهْن بَين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدّد الْفِكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فَضَاعَ الْمَطْلُوب، فأهمل النَّاس أَمرهمَا، وَانْصَرفُوا عَنْهُمَا، وكادت الْبِلَاد لعدم الإقبال عَلَيْهِمَا أَن تَخْلُو مِنْهُمَا. وَلَيْسَ لذَلِك سَبَب إِلَّا سوء التَّرْتِيب، وتخليط التَّفْصِيل والتبويب. وَرَأَيْت أَبَا نصر إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي قد أحسن تَرْتِيب مُخْتَصره، وشهره، بسهولة وَضعه، شهرة أبي دُلف بَين باديه ومحتضره، فخف على النَّاس أمره فتناولوه، وَقرب عَلَيْهِم مأخذه فتداولوه وتناقلوه، غير أَنه فِي جو اللُّغَة كالذرّة، وَفِي بحرها كالقطرة، وَإِن كَانَ فِي نحرها كالدرّة؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِك قد صحّف وحرّف، وجزف فِيمَا صرّف، فأُتيح لَهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن بري فتتبع مَا فِيهِ، وأملى عَلَيْهِ أَمَالِيهِ، مخرِّجًا لسقطاته، مؤرِّخًا لغلطاته؛ فاستخرت الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جمع هَذَا الْكتاب الْمُبَارك، الَّذِي لَا يُساهَم فِي سَعَة فَضله وَلَا يُشارَك، وَلم أخرج فِيهِ عَمَّا فِي هَذِه الْأُصُول، ورتبته تَرْتِيب [الصِّحَاح] فِي الْأَبْوَاب والفصول؛ وقصدت توشيحه
(1/7)

بجليل الْأَخْبَار، وَجَمِيل الْآثَار، مُضَافا إِلَى مَا فِيهِ من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالْكَلَام على معجزات الذّكر الْحَكِيم، ليتحلى بترصيع (1) دررها عقده، وَيكون على مدَار الْآيَات وَالْأَخْبَار والْآثَار والأمثال والأشعار حلّه وعقده؛ فَرَأَيْت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْجَزرِي قد جَاءَ فِي ذَلِك بالنهاية، وَجَاوَزَ فِي الْجَوْدَة حد الْغَايَة، غير أَنه لم يضع الْكَلِمَات فِي محلهَا، وَلَا رَاعى زَائِد حروفها من أَصْلهَا، فَوضعت كُلًّا مِنْهَا فِي مَكَانَهُ، وأظهرته مَعَ برهانه؛ فجَاء هَذَا الْكتاب بِحَمْد الله وَاضح الْمنْهَج سهل السلوك، آمنا بمنة الله من أَن يصبح مثل غَيره وَهُوَ مطروح مَتْرُوك. عظُم نفعُه بِمَ اشْتَمَل من الْعُلُوم عَلَيْهِ، وغني بِمَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ، وَجمع من اللُّغَات والشواهد والأدلة، مَا لم يجمع مثلُه مثلَه؛ لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء انْفَرد بِرِوَايَة رَوَاهَا، وبكلمة سَمعهَا من الْعَرَب شفاهًا، وَلم يَأْتِ فِي كِتَابه بِكُل مَا فِي كتاب أَخِيه، وَلَا أَقُول تعاظم عَن نقل مَا نَقله بل أَقُول اسْتغنى بِمَا فِيهِ؛ فَصَارَت الْفَوَائِد فِي كتبهمْ مفرقة، وسارت أنجم الْفَضَائِل فِي أفلاكها هَذِه مغرّبة وَهَذِه مشرّقة؛ فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مَا تفرّق، وقرنت بَين مَا غرّب مِنْهَا وَبَين مَا شرّق، فانتظم شَمل تِلْكَ الْأُصُول كلهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوع، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة الأَصْل وَأُولَئِكَ بِمَنْزِلَة الْفُرُوع، فجَاء بِحَمْد الله وفْق البُغية وَفَوق المُنية، بديع الإتقان، صَحِيح الْأَركان، سليما من لَفْظَة لَو كَانَ. حللت بِوَضْعِهِ ذرْوَة الْحفاظ، وحللت بجمعه عقدَة الْأَلْفَاظ، وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أدّعي فِيهِ دَعْوَى فَأَقُول شافهتُ أَو سمعتُ، أَو فعلتُ أَو صنعتُ، أَو شددتُ أَو رحلتُ، أَو نقلتُ عَن الْعَرَب العَرْباء أَو حملتُ؛ فَكل هَذِه الدَّعَاوَى لم يتْرك فِيهَا الْأَزْهَرِي وَابْن سَيّده لقائلٍ مقَالا، وَلم يُخليا فِيهِ لأحدٍ مجالا، فَإِنَّهُمَا عيَّنا فِي كِتَابَيْهِمَا عَمَّن رويا، وبرهنا عَمَّا حويا، ونشرا فِي خطيهما مَا طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وَأَتيا بالمقاصد ووفيا.
وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الْكتاب فَضِيلَة أمتُّ بهَا، وَلَا وَسِيلَة أتمسك بِسَبَبِهَا، سوى أَنِّي جمعت فِيهِ مَا تفرَّق فِي تِلْكَ الْكتب من الْعُلُوم، وَبسطت القَوْل فِيهِ وَلم أشْبع باليسير، وطالِبُ الْعلم منهوم. فَمن وقف فِيهِ على صَوَاب أَو زلل، أَو صِحَة أَو خلل، فعهدته على المصنِّف الأوّل، وحمده وذمه لأصله الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول. لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، وَلم أبدل مِنْهُ شَيْئا،
فَيُقَال فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه بل أديتُ الْأَمَانَة فِي نقل الْأُصُول بالفص، وَمَا تصرفت فِيهِ بِكَلَام غير مَا فِيهَا من النَّص؛ فليعتدّ منْ ينْقل عَن كتابي هَذَا أَنه ينْقل عَن هَذِه الْأُصُول الْخَمْسَة، ولْيَغْنَ عَن الاهتداء بنجومها فقد غَابَتْ لما أطلعتُ شمسَه.
والناقل عَنهُ يمد بَاعه وَيُطلق لِسَانه، ويتنوع فِي نَقله عَنهُ لِأَنَّهُ ينْقل عَن خزانَة. وَالله تَعَالَى يشْكر مَا لَهُ بإلهام جمعه من منَّة، وَيجْعَل بَينه وَبَين محرِّفي كَلِمِه عَن موَاضعه واقيةً وجُنَّةً. وَهُوَ المسؤول أَن يعاملني فِيهِ بِالنِّيَّةِ الَّتِي جمعتُه لأَجلهَا، فإنني لم أقصد سوى حفظ أصُول هَذِه اللُّغَة النَّبَوِيَّة وَضبط فَضلهَا، إِذْ عَلَيْهَا مدَار أَحْكَام الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة؛ وَلِأَن العالِمَ بغوامضها يعلم مَا توَافق فِيهِ النيةُ اللسانَ، (2) وَيُخَالف فِيهِ اللسانُ النيةَ، وَذَلِكَ لِما رأيتُه قد غلب، فِي هَذَا الأوان، من اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة والألوان، حَتَّى لقد أصبح اللّحن فِي الْكَلَام يعد لحنًا مردودًا، وَصَارَ النطقُ بِالْعَرَبِيَّةِ من المعايب معدودًا. وتنافس الناسُ فِي نصانيف الترجمانات فِي اللُّغَة الأعجمية، وتفاصحوا فِي غير اللُّغَة الْعَرَبيَّة، فَجمعت هَذَا الْكتاب فِي زمنٍ أهلُهُ بِغَيْر لغته يفخرون، وصنعته كَمَا صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه مِنْهُ يسخرون، وسميته [لسانَ الْعَرَب]
،
__________
(1) نُسْخَة بتوشيح.
(2) نُسْخَة بِالْعَرَبِيَّةِ.
(*)
(1/8)

وَأَرْجُو من كرم الله تَعَالَى أَن يرفع قدر هَذَا الْكتاب وينفعَ بِعُلُومِهِ الزاخرة، ويصلَ النَّفْع بِهِ بتناقل الْعلمَاء لَهُ فِي الدُّنْيَا وبنطق أهل الْجنَّة بِهِ فِي الْآخِرَة؛ وَأَن يكون من الثَّلَاث الَّتِي يَنْقَطِع عمل ابْن آدم إِذا مَاتَ إِلَّا مِنْهَا؛ وَأَن أنال بِهِ الدَّرَجَات بعد الْوَفَاة بانتفاع كل من عمل بِعُلُومِهِ أَو نقل عَنْهَا؛ وَأَن يَجْعَل تأليفه خَالِصا لوجهه الْجَلِيل، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرّم: شرطنا فِي هَذَا الْكتاب الْمُبَارك أَن نرتبه كَمَا رتب الْجَوْهَرِي صحاحَه، وَقد قمنا، والْمنَّة لله، بِمَا شرطناه فِيهِ. إِلَّا أَن الْأَزْهَرِي ذكر، فِي أَوَاخِر كِتَابه، فصلا جمع فِيهِ تفسيرَ الْحُرُوف المقطَّعة، الَّتِي وَردت فِي أَوَائِل سور الْقُرْآن الْعَزِيز، لِأَنَّهَا ينْطق بهَا مفرّقة غير مؤلّفة وَلَا منتظمة، فتَرِد كل كلمة فِي بَابهَا، فَجعل لَهَا بَابا بمفردها؛ وَقد استخرتُ اللهَ تَعَالَى وقدمتها فِي صدر كتابي لفائدتين: أهمهما مقدَّمُهما، وَهُوَ التَّبَرُّك بتفسير كَلَام الله تَعَالَى الْخَاص بِهِ، الَّذِي لم يُشَارِكهُ أحد فِيهِ إِلَّا من تبرك بالنطق بِهِ فِي تِلَاوَته، وَلَا يعلم مَعْنَاهُ إِلَّا هُوَ، فاخترت الِابْتِدَاء بِهِ لهَذِهِ الْبركَة، قبل الْخَوْض فِي كَلَام النَّاس؛ وَالثَّانيَِة أَنَّهَا إِذا كَانَت فِي أول الْكتاب كَانَت أقرب إِلَى كل مُطالع من آخِره، لِأَن الْعَادة أَن يُطالع أول الْكتاب ليكشف مِنْهُ ترتيبه وغرض مُصَنفه، وَقد لَا يتهيأ للمُطالع أَن يكْشف آخِره، لِأَنَّهُ إِذا اطلع من خطبَته أَنه على تَرْتِيب الصِّحَاح أيِس أَن يكون فِي آخِره شَيْء من ذَلِك، فَلهَذَا قدَّمتُه فِي أوّل الْكتاب.
(1/9)

بَاب تَفْسِير الْحُرُوف الْمُقطعَة
روى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة، مثل ألم ألمص المر وَغَيرهَا، ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا أَن قَول الله عزوجل: ألم أقسم بِهَذِهِ الْحُرُوف ان هَذَا الْكتاب، الَّذِي أنزل على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَذَا الْكتاب الَّذِي من عِنْد الله عزوجل لَا شكّ فِيهِ، قَالَ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ألم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي عَنهُ: إِن الرَّحِم ن اسْم الرَّحْمَن مقطع فِي اللَّفْظ، مَوْصُول فِي الْمَعْنى، وَالْقَوْل الثَّالِث عَنهُ إِنَّه قَالَ: الم ذَلِك الْكتاب، قَالَ: ألم مَعْنَاهُ أَنا الله أعلم وارى.
وروى عِكْرِمَة فِي قَوْله: الم ذَلِك الْكتاب قَالَ: الم قسم، وروى عَن السّديّ قَالَ: بَلغنِي عَن ابْن عَبَّاس انه قَالَ: ألم اسْم من أَسمَاء الله وَهُوَ الِاسْم الاعظم، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: ألر والم وحم حُرُوف معرفَة 1 أَي بنيت معرفَة، قَالَ أبي فَحدثت بِهِ الاعمش فَقَالَ: عنْدك مثل هَذَا وَلَا تحدثنا بِهِ! وَرُوِيَ عَن قَتَادَة قَالَ: الم اسْم من اسماء الْقُرْآن، وَكَذَلِكَ حم وَيس، وَجَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من حُرُوف الهجاء فِي أَوَائِل السُّور.
وَسُئِلَ عَامر عَن فواتح الْقُرْآن، نَحْو حم وَنَحْو ص والم والر.
قَالَ: هِيَ اسْم من أَسمَاء الله مقطعَة بالهجاء، إِذا وصلتها كَانَت اسْما من اسماء الله.
ثمَّ قَالَ عَامر، الرَّحْمَن 2.
قَالَ: هَذِه فَاتِحَة ثَلَاث سور، إِذا جمعتهن كَانَت اسْما من اسماء الله تَعَالَى.
وروى أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم عَن ضَمرَة بن حبيب وَحَكِيم بن عُمَيْر وَرَاشِد بن سعد 3 قَالُوا: المر والمص والم واشباه ذَلِك، وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا، ان فِيهَا اسْم الله الاعظم.
وَرُوِيَ عَن ابي الْعَالِيَة فِي قَوْله: الم قَالَ: هَذِه الاحرف الثَّلَاثَة من التِّسْعَة وَالْعِشْرين حرفا لَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاح اسْم من اسماء الله، وَلَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ فِي الآئه وبلائه، وَلَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ فِي مُدَّة قوم وآجالهم.
قَالَ وَقَالَ عِيسَى بن عمر: أعجب انهم ينطقون باسمائه ويعيشون فِي رزقه كَيفَ يفكرون بِهِ: فالالف مِفْتَاح اسْمه الله، وَلَام مِفْتَاح اسْمه لطيف، وَمِيم مِفْتَاح اسْمه مجيد.
فالالف آلَاء الله، وَاللَّام لطف الله، وَالْمِيم مجد الله، والالف وَاحِد، وَاللَّام ثَلَاثُونَ، وَالْمِيم اربعون.
وَرُوِيَ عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: الم آيَة، وحم آيَة.
وَرُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: هَذِه الْحُرُوف الْمُقطعَة حُرُوف الهجاء، وَهِي افْتِتَاح كَلَام وَنَحْو ذَلِك.
قَالَ الاخفش: وَدَلِيل ذَلِك أَن الْكَلَام الَّذِي ذكر قبل السُّورَة قد تمّ.
__________
(1) قَوْله " حُرُوف معرفَة الخ " كَذَا بالاصول الَّتِي بايدينا وَلَعَلَّ الاولى مفرقة.
(2) الرَّحْمَن " قَالَ هَذِه الخ " كَذَا بالنسخ الَّتِي بايدينا وَالْمُنَاسِب لما بعده ان تكْتب مفرقة هَكَذَا الر حم ن قَالَ هَذِه فَاتِحَة ثَلَاث الخ.
(3) قَوْله " وَرَاشِد بن سعد " فِي نُسْخَة ورائد بن سعد.
(*)
(1/10)

وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فِي كهيعص هُوَ كَاف، هاد، يَمِين، عَزِيز، صَادِق، جعل اسْم الْيَمين مشتقا من الْيمن، وسنوسع القَوْل فِي ذَلِك فِي تَرْجَمَة يمن ان شَاءَ الله تَعَالَى.
وَزعم قطرب أَن الر والمص والم وكهيعص وص وق وَيس ون، حُرُوف المعجم لتدل أَن هَذَا الْقُرْآن مؤلف من هَذِه الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي هِيَ: حُرُوف اب ت ث، فجَاء بَعْضهَا مقطعا، وَجَاء تَمامهَا مؤلفا ليدل الْقَوْم، الَّذين نزل عَلَيْهِم الْقُرْآن، أَنه بحروفهم الَّتِي يعقلونها لَا ريب فِيهِ.
قَالَ، ولقطرب وَجه آخر فِي الم: زعم أَنه يجوز أَن يكون لما لَغَا الْقَوْم فِي الْقُرْآن فَلم يتفهموه حِين قَالُوا: " لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ " أنزل عَلَيْهِم ذكر هَذِه الْحُرُوف لانهم لم يعتادوا الْخطاب بتقطيع الْحُرُوف، فَسَكَتُوا لما سمعُوا الْحُرُوف طَمَعا فِي الظفر بِمَا يحبونَ، ليفهموا، بعد الْحُرُوف، الْقُرْآن وَمَا فِيهِ، فَتكون الْحجَّة عَلَيْهِم أثبت، إِذا جَحَدُوا بعد تفهم وَتعلم.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الزّجاج: الْمُخْتَار من هَذِه الاقاويل مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ: أَن معنى الم أَنا الله أعلم، وان كل حرف مِنْهَا لَهُ تَفْسِير.
قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعَرَب تنطق بالحرف الْوَاحِد تدل بِهِ على الْكَلِمَة الَّتِي هُوَ مِنْهَا، وانشد: قلت لَهَا قفي فَقَالَت ق فَنَطَقَ بقاف فَقَط تُرِيدُ أَقف.
وانشد أَيْضا: ناديتهم أَن ألجموا أَلا تا! قَالُوا، جَمِيعًا، كلهم: أَلا فا! قَالَ تَفْسِيره: نادوهم أَن الجموا أَلا تَرْكَبُونَ؟ قَالُوا جَمِيعًا: أَلا فاركبوا، فانما نطق بتاء وَفَاء كَمَا نطق الاول بقاف.
وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي اختاروه فِي معنى هَذِه الْحُرُوف، وَالله أعلم بحقيقتها.
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: لله عزوجل، فِي كل كتاب، سر، وسره، فِي الْقُرْآن، حُرُوف الهجاء الْمَذْكُورَة فِي أَوَائِل السُّور.
واجمع النحويون: أَن حُرُوف التهجي، وَهِي الالف وَالْبَاء وَالتَّاء والثاء وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن مِنْهَا، انها مَبْنِيَّة على الْوَقْف، وانها لَا تعرب.
وَمعنى الْوَقْف أَنَّك تقدر أَن تسكت على كل حرف مِنْهَا، فالنطق بهَا: الم.
وَالدَّلِيل على أَن حُرُوف الهجاء مَبْنِيَّة على السكت، كَمَا بني الْعدَد على السكت، أَنَّك تَقول فِيهَا بِالْوُقُوفِ 1، مَعَ الْجمع، بَين ساكنين، كَمَا تَقول، إِذا عددت وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة اربعة، فتقطع ألف اثْنَيْنِ، والف اثْنَيْنِ ألف وصل، وتذكر الْهَاء فِي ثَلَاثَة واربعة، وَلَوْلَا أَنَّك تقدر السكت لَقلت ثَلَاثَة، كَمَا تَقول ثَلَاثَة يَا هَذَا، وحقها من الاعراب أَن تكون سواكن الاواخر.
وَشرح هَذِه الْحُرُوف وتفسيرها: ان هَذِه الْحُرُوف لَيست تجْرِي مجْرى الاسماء المتمكنة والافعال المضارعة الَّتِي يجب لَهَا الاعراب، فانما هِيَ تقطيع الِاسْم الْمُؤلف الَّذِي لَا يجب الاعراب إِلَّا مَعَ كَمَاله، فقولك جَعْفَر لَا يجب أَن تعرب مِنْهُ الْجِيم وَلَا الْعين وَلَا الْفَاء وَلَا الرَّاء دون تَكْمِيل الِاسْم، وانما هِيَ حكايات
__________
(1) فِي نُسْخَة بِالْوَقْفِ.
(*)
(1/11)

وضعت على هَذِه الْحُرُوف، فان أجريتها مجْرى الاسماء وَحدثت عَنْهَا قلت: هَذِه كَاف حَسَنَة، وَهَذَا كَاف حسن، وَكَذَلِكَ سَائِر حُرُوف المعجم، فَمن قَالَ: هَذِه كَاف أنث بِمَعْنى الْكَلِمَة، وَمن ذكر فلمعنى الْحَرْف، والاعراب وَقع فِيهَا لانك تخرجها من بَاب الْحِكَايَة.
قَالَ الشَّاعِر: كافا وميمين وسينا طاسما وَقَالَ آخر: كَمَا بيّنت كَاف تلوح وميمها 1 فَذكر طاسما لانه جعله صفة للسين، وَجعل السِّين فِي معنى الْحَرْف، وَقَالَ كَاف تلوح فانث الْكَاف لانه ذهب بهَا إِلَى الْكَلِمَة.
وَإِذا عطفت هَذِه الْحُرُوف بَعْضهَا على بعض أعربتها فَقلت: ألف وباء وتاء وثاء إِلَى آخرهَا وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَت الْعَامَّة فِي جمع حم وطس طواسين وحواميم.
قَالَ: وَالصَّوَاب ذَوَات طس وَذَوَات حم وَذَوَات الم.
وَقَوله تَعَالَى يس كَقَوْلِه عزوجل الم وحم واوائل السُّور.
وَقَالَ عِكْرِمَة مَعْنَاهُ يَا إِنْسَان، لانه قَالَ: إِنَّك لمن الْمُرْسلين.
وَقَالَ ابْن سَيّده: الالف والاليف حرف هجاء.
وَقَالَ الاخفش هِيَ من حُرُوف المعجم مُؤَنّثَة وَكَذَلِكَ سَائِر الْحُرُوف.
وَقَالَ: وَهَذَا كَلَام الْعَرَب، وَإِذا ذكرت جَازَ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: حُرُوف المعجم كلهَا تذكر وتؤنث كَمَا أَن الانسان يذكر وَيُؤَنث.
قَالَ: وَقَوله عزوجل الم والمص والمر.
قَالَ الزّجاج: الذى اخترنا فِي تَفْسِيرهَا قَول ابْن عَبَّاس: ان ألم أَنا الله أعلم، والمص أَنا الله اعْلَم وافصل، والمر أَنا الله أعلم وارى.
قَالَ بعض النَّحْوِيين: مَوضِع هَذِه الْحُرُوف رفع بِمَا بعْدهَا أَو مَا بعْدهَا رفع بهَا.
قَالَ: المص كتاب، فكتاب مُرْتَفع بالمص، وَكَانَ مَعْنَاهُ المص حُرُوف كتاب أنزل إِلَيْك.
قَالَ: وَهَذَا لَو كَانَ كَمَا وصف لَكَانَ بعد هَذِه الْحُرُوف أبدا ذكر الْكتاب، فَقَوله: الم الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم، يدل على أَن الم رَافع لَهَا على قَوْله، وَكَذَلِكَ يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم، وَكَذَلِكَ حم عسق، كَذَلِك يوحي إِلَيْك، وَقَوله حم وَالْكتاب الْمُبين انا انزلناه، فَهَذِهِ الاشياء تدل على أَن الامر على غير مَا ذكر.
قَالَ وَلَو كَانَ كَذَلِك أَيْضا لما كَانَ الم وحم مكررين.
قَالَ وَقد اجْمَعْ النحويون على أَن قَوْله الاشياء تدل على أَن الامر على غير مَا ذكر.
قَالَ وَلَو كَانَ كَذَلِك أَيْضا لما كَانَ الم وحم مكررين.
قَالَ وَقد اجْمَعْ النحويون على أَن قَوْله عزوجل كتاب أنزل إِلَيْك مَرْفُوع بِغَيْر هَذِه الْحُرُوف، فَالْمَعْنى هَذَا كتاب أنزل إِلَيْك.
وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ الْحَرَّانِي شَيْئا فِي خَواص الْحُرُوف الْمنزلَة أَوَائِل السُّور وسنذكره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا فِي ألقاب الْحُرُوف.
__________
(1) قَوْله " كَمَا بيّنت الخ " فِي نُسْخَة كَمَا بنيت.
(*)
(1/12)

بَاب ألقاب الْحُرُوف وطبائعها وخواصها
قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرم: هَذَا الْبَاب أَيْضا لَيْسَ من شرطنا لكني اخْتَرْت ذكر الْيَسِير مِنْهُ، وَإِنِّي لَا أضْرب صفحا عَنهُ ليظفر طَالبه مِنْهُ بِمَا يُرِيد وينال الافادة مِنْهُ من يَسْتَفِيد، وليعلم كل طَالب أَن وَرَاء مطلبه أخر، وَأَن لله تَعَالَى فِي كل شئ سرا لَهُ فعل واثر.
وَلم أوسع القَوْل فِيهِ خوفًا من انتقاد من لَا يدريه.
ذكر ابْن كيسَان فِي ألقاب الْحُرُوف: أَن مِنْهَا المجهور والمهموس، وَمعنى المجهور مِنْهَا أَنه لزم مَوْضِعه إِلَى انْقِضَاء حُرُوفه، وَحبس النَّفس أَن يجْرِي مَعَه، فَصَارَ مجهورا لانه لم يخالطه شئ يُغَيِّرهُ، وَهُوَ تِسْعَة عشر حرفا: الالف وَالْعين والغين وَالْقَاف وَالْجِيم وَالْبَاء وَالضَّاد وَاللَّام وَالنُّون وَالرَّاء والطاء وَالدَّال وَالزَّاي والظاء والذال وَالْمِيم وَالْوَاو والهمزة وَالْيَاء، وَمعنى المهموس مِنْهَا أَنه حرف لَان مخرجه دون المجهور، وَجرى مَعَه النَّفس، وَكَانَ دون المجهور فِي رفع الصَّوْت، وَهُوَ عشرَة أحرف: الْهَاء والحاء وَالْخَاء وَالْكَاف والشين وَالسِّين وَالتَّاء وَالصَّاد والثاء وَالْفَاء، وَقد يكون المجهور شَدِيدا، وَيكون رخوا، والمهموس كَذَلِك.
وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: حُرُوف الْعَرَبيَّة تِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا مِنْهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ حرفا صِحَاح، لَهَا أحياز ومدارج، واربعة أحرف جَوف: الْوَاو وَالْيَاء والالف اللينة والهمزة، وَسميت جوفا لانها تخرج من الْجوف، فَلَا تخرج فِي مدرجة من مدارج الْحلق، وَلَا مدارج اللهاة، وَلَا مدارج اللِّسَان، وَهِي فِي الْهَوَاء، فَلَيْسَ لَهَا حيّز تنْسب إِلَيْهِ إِلَّا الْجوف.
وَكَانَ يَقُول: الالف اللينة وَالْوَاو وَالْيَاء هوائية أَي أَنَّهَا فِي الْهَوَاء.
واقصى الْحُرُوف كلهَا الْعين، وارفع مِنْهَا الْحَاء، وَلَوْلَا بحة فِي الْحَاء لاشبهت الْعين لقرب مخرجها مِنْهَا، ثمَّ الْهَاء، وَلَوْلَا هتة فِي الْهَاء، وَقَالَ مرّة أُخْرَى ههة فِي الْهَاء، لاشبهت الْحَاء لقرب مخرجها مِنْهَا، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة فِي حيّز وَاحِد، ولهذه الْحُرُوف ألقاب أخر، الحلقية: الْعين وَالْهَاء والحاء وَالْخَاء والغين، اللهوية: الْقَاف وَالْكَاف، الشجرية: الْجِيم والشين وَالضَّاد، وَالشَّجر مفرج الْفَم، الاسلية: الصَّاد وَالسِّين وَالزَّاي، لَان مبداها من أسلة اللِّسَان وَهِي مستدق طرفه، النطعية: الطَّاء والذال وَالتَّاء، لَان مبداها من نطع الْغَار الاعلى، اللثوية: الظَّاء وَالدَّال والثاء، لَان مبداها من اللثة، الذلقية: الرَّاء وَاللَّام وَالنُّون، الشفوية: الْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم، وَقَالَ مرّة شفهية، الهوائية: الْوَاو والالف وَالْيَاء.
وَسَنذكر فِي صدر كل حرف أَيْضا شَيْئا مِمَّا يَخُصُّهُ.
واما تَرْتِيب كتاب الْعين وَغَيره، فقد قَالَ اللَّيْث بن المظفر: لما أَرَادَ الْخَلِيل بن أَحْمد الِابْتِدَاء فِي كتاب الْعين أعمل فكره فِيهِ، فَلم يُمكنهُ أَن يَبْتَدِئ فِي أول حُرُوف المعجم، لَان الالف حرف معتل، فَلَمَّا فَاتَهُ أول الْحُرُوف كره أَن يَجْعَل الثَّانِي أَولا، وَهُوَ الْبَاء، إِلَّا بِحجَّة وَبعد استقصاء، فدبر وَنظر إِلَى الْحُرُوف كلهَا وذاقها، فَوجدَ مخرج الْكَلَام كُله من الْحق، فصير أولاها، فِي الِابْتِدَاء، أدخلها فِي الْحلق.
وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَذُوق الْحَرْف فتح فَاه بالف ثمَّ أظهر الْحَرْف ثمَّ يَقُول: اب ات اث اج اع، فَوجدَ الْعين أقصاها فِي الْحلق، وادخلها، فَجعل أول الْكتاب الْعين، ثمَّ مَا قرب مخرجه مِنْهَا بعد الْعين الا رفع
(1/13)

فالارفع، حَتَّى أَتَى على آخر الْحُرُوف، فَقلب الْحُرُوف عَن موَاضعهَا، ووضعها على قدر مخرجها من الْحلق.
وَهَذَا تأليفه وترتيبه: الْعين والحاء وَالْهَاء وَالْخَاء والغين وَالْقَاف وَالْكَاف وَالْجِيم والشين وَالضَّاد وَالصَّاد وَالسِّين وَالزَّاي والطاء وَالدَّال وَالتَّاء والظاء والذال والثاء وَالرَّاء وَاللَّام وَالنُّون وَالْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم وَالْيَاء وَالْوَاو والالف.
وَهَذَا هُوَ تَرْتِيب الْمُحكم لِابْنِ سَيّده، إِلَّا انه خَالفه فِي الاخير، فرتب بعد الْمِيم الالف وَالْيَاء وَالْوَاو.
وَلَقَد انشدني شخص بِدِمَشْق المحروسة أبياتا، فِي تَرْتِيب الْمُحكم، هِيَ أَجود مَا قيل فِيهَا: عَلَيْك حروفا هن خير غوامض، * قيود كتاب، جلّ، شانا، ضوابطه صِرَاط سوي، زل طَالب دحضه، * تزيد ظهورا ذَا ثبات روابطه لذلكم نلتذ فوزا بمحكم، * مُصَنفه، أَيْضا، يفوز وضابطه وَقد انتقد هَذَا التَّرْتِيب على من رتبه.
وترتيب سِيبَوَيْهٍ على هَذِه الصُّورَة: الْهمزَة وَالْهَاء وَالْعين والحاء وَالْخَاء والغين وَالْقَاف وَالْكَاف وَالضَّاد وَالْجِيم والشين وَاللَّام وَالرَّاء وَالنُّون والطاء وَالدَّال وَالتَّاء وَالصَّاد وَالزَّاي وَالسِّين والظاء والذال والثاء وَالْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم وَالْيَاء والالف وَالْوَاو.
واما تقَارب بَعْضهَا من بعض وتباعدها، فان لَهَا سرا، فِي النُّطْق، يكشفه من تعناه، كَمَا انْكَشَفَ لنا سره فِي حل المترجمات، لشدَّة احتياجنا إِلَى معرفَة مَا يتقارب بعضه من بعض، ويتباعد بعضه من بعض، ويتركب بعضه مَعَ بعض، وَلَا يتركب بعضه مَعَ بعض، فان من الْحُرُوف مَا يتَكَرَّر وَيكثر فِي الْكَلَام اسْتِعْمَاله، وَهُوَ: ال م ه وي ن، وَمِنْهَا مَا يكون تكراره دون ذَلِك، وَهُوَ: ر ع ف ت ب ك د س ق ح ج، وَمِنْهَا مَا يكون تكراره أقل من ذَلِك، وَهُوَ: ظ غ ط ز ث خَ ض ش ص ذ.
وَمن الْحُرُوف مَا لَا يَخْلُو مِنْهُ أَكثر الْكَلِمَات، حَتَّى قَالُوا: ان كل كلمة ثلاثية فَصَاعِدا لَا يكون فِيهَا حرف أَو حرفان مِنْهَا، فَلَيْسَتْ بعربية، وَهِي سِتَّة أحرف: د ب م ن ل ف، وَمِنْهَا مَا لَا يتركب بعضه مَعَ بعض، إِذا اجْتمع فِي كلمة، إِلَّا ان يقدم، وَلَا يجْتَمع، إِذا تَأَخّر، وَهُوَ: ع ه، فان الْعين إِذا تقدّمت تركبت، وَإِذا تَأَخَّرت لَا تتركب، وَمِنْهَا مَا لَا يتركب، إِذا تقدم، ويتركب، إِذا تَأَخّر، وَهُوَ: ض ج، فان الضَّاد إِذا تقدّمت (1) تركبت، وَإِذا تَأَخَّرت لَا تتركب فِي أصل الْعَرَبيَّة، وَمِنْهَا مَالا يتركب بعضه مَعَ بعض لَا إِن تقدم وَلَا إِن تَأَخّر، وَهُوَ: س ث ض ز ظ ص، فَاعْلَم ذَلِك.
وَأما خواصها: فان لَهَا أعمالا عَظِيمَة تتَعَلَّق بابواب جليلة من أَنْوَاع المعالجات، وأوضاع الطلسمات، وَلها نفع شرِيف بطبائعها، وَلها خُصُوصِيَّة بالافلاك المقدسة وملائمة لَهَا، وَمَنَافع لَا يحصيها من يصفها، لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا، لَكنا لَا بُد ان نلوح بشي من ذَلِك، ننبه على مِقْدَار نعم الله تَعَالَى على من كشف لَهُ سرها، وَعلمه علمهَا، وأباح لَهُ التَّصَرُّف بهَا.
وَهُوَ أَن مِنْهَا مَا هُوَ حَار يَابِس طبع النَّار، وَهُوَ: الالف وَالْهَاء والطاء وَالْمِيم وَالْفَاء والشين والذال، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ النارية، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد يَابِس طبع التُّرَاب، وَهُوَ: الْبَاء وَالْوَاو وَالْيَاء وَالنُّون وَالصَّاد وَالتَّاء وَالضَّاد، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ الترابية، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَار رطب طبع الْهَوَاء، وَهُوَ: الْجِيم وَالزَّاي وَالْكَاف وَالسِّين وَالْقَاف والثاء والظاء، وَله
__________
قَوْله " فان الضَّاد إِذا تقدّمت الخ " الاولى فِي التَّفْرِيع ان يُقَال فان الْجِيم إِذا تقدّمت لَا تتركب وَإِذا تَأَخَّرت تتركب وَإِن كَانَ ذَلِك لَازِما لكَلَامه.
(*)
(1/14)

خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ الهوائيه، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد رطب طبع المَاء، وَهُوَ: الدَّال والحاء وَاللَّام وَالْعين وَالرَّاء وَالْخَاء والغين، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ المائية.
ولهذه الْحُرُوف فِي طبائعها مَرَاتِب ودرجات ودقائق وثوان وثوالث وروابع وخوامس يُوزن بهَا الْكَلَام، وَيعرف الْعَمَل بِهِ علماؤه، وَلَوْلَا خوف الاطالة، وانتقاد ذَوي الْجَهَالَة، وَبعد اكثر النَّاس عَن تَأمل دقائق صنع الله وحكمته، لذكرت هُنَا اسرارا من افعال الْكَوَاكِب المقدسة، إِذا مازجتها الْحُرُوف تخرق عقول من لَا اهْتَدَى إِلَيْهَا، وَلَا هجم بِهِ تنقيبه وبحثه عَلَيْهَا.
وَلَا انتقاد عَليّ فِي قَول ذَوي الْجَهَالَة، فان الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله عزوجل: وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا، وهم عَن آياتها معرضون، قَالَ: عَن آياتها اي عَمَّا وضع الله فِيهَا من الادلة والعبر، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر، وَسَائِر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها على الْحساب القويم، وَالتَّرْتِيب العجيب، الدَّال على الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْقُدْرَة الباهرة.
قَالَ وَأي جهل أعظم من جهل من أعرض عَنْهَا، وَلم يذهب بِهِ وهمه الى تدبرها وَالِاعْتِبَار بهَا، وَالِاسْتِدْلَال على عَظمَة شان من اوجدها عَن عدم، ودبرها ونصبها هَذِه النصبة، واودعها مَا اودعها مِمَّا لَا يعرف كنهه الا هُوَ جلت قدرته، ولطف علمه.
هَذَا نَص كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ رَحمَه الله.
وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد الْبونِي رَحمَه الله قَالَ: منَازِل الْقَمَر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ مِنْهَا اربعة عشر فَوق الارض، وَمِنْهَا اربعة عشر تَحت الارض.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُرُوف: مِنْهَا اربعة عشر مُهْملَة بِغَيْر نقط، واربعة عشر مُعْجمَة بنقط، فَمَا هُوَ مِنْهَا غير منقوط، فَهُوَ اشبه بمنازل السُّعُود، وَمَا هُوَ مِنْهَا منقوط، فَهُوَ منَازِل النحوس والممتزجات، وَمَا كَانَ مِنْهَا لَهُ نقطة وَاحِدَة، فَهُوَ اقْربْ الى السُّعُود، وَمَا هُوَ بنقطتين، فَهُوَ متوسط فِي النحوس، فَهُوَ الممتزج، وَمَا هُوَ بِثَلَاث نقط، فَهُوَ عَام النحوس.
هَكَذَا وجدته.
وَالَّذِي نرَاهُ فِي الْحُرُوف انها ثَلَاثَة عشر مُهْملَة وَخَمْسَة عشر مُعْجمَة، إِلَّا أَن يكون كَانَ لَهُم اصْطِلَاح فِي النقط تغير فِي وقتنا هَذَا.
واما الْمعَانِي المنتفع بهَا من قواها وطبائعها فقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ الْحَرَّانِي وَالشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد الْبونِي والبعلبكي وَغَيرهم، رَحِمهم الله، من ذَلِك مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ كتبهمْ من قواها وتاثيراتها، وَمِمَّا قيل فِيهَا أَن تتَّخذ الْحُرُوف الْيَابِسَة وَتجمع متواليا، فَتكون متقوية لما يُرَاد فِيهِ تَقْوِيَة الْحَيَاة الَّتِي تسميها الاطباء الغريزية، أَو لما يُرَاد دَفعه من آثَار الامراض الْبَارِدَة الرّطبَة، فيكتبها، أَو يرقي بهَا، أَو يسقيها لصَاحب الحمي البلغمية والمفلوج والملووق.
وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الْبَارِدَة الرّطبَة، إِذا اسْتعْملت بعد تتبعها، وعولج بهَا، رقية أَو كِتَابَة أَو سقيا، من بِهِ حمى محرقة، أَو كتبت على ورم حَار، وخصوصا حرف الْحَاء لانها، فِي عالمها، عَالم صُورَة.
وَإِذا اقْتصر على حرف مِنْهَا كتب بعدده، فَيكْتب الْحَاء مثلا ثَمَانِي مَرَّات، وَكَذَلِكَ مَا تكتبه من الْمُفْردَات تكتبه بعدده.
وَقد شاهدنا نَحن ذَلِك فِي عصرنا، وراينا، من معلمي الْكِتَابَة وَغَيرهم، من يكْتب على خدود الصّبيان، إِذا تورمت، حُرُوف أبجد بكمالها، ويعتقد أَنَّهَا مفيدة، وَرُبمَا افادت، وَلَيْسَ الامر كَمَا اعْتقد، وَإِنَّمَا لما جهل اكثر النَّاس طبائع الْحُرُوف، وراوا مَا يكْتب مِنْهَا، ظنُّوا الْجَمِيع أَنه مُفِيد فكتبوها كلهَا.
(1/15)

وشاهدنا أَيْضا من يقلقه الصداع الشَّديد ويمنعه الْقُرْآن (1)، فَيكْتب لَهُ صُورَة لوح، وعَلى جوانبه تاءات ارْبَعْ، فَيبرأ بذلك من الصداع.
وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الرّطبَة إِذا اسْتعْملت رقى، أَو كِتَابَة، أَو سقيا، قوت الْمِنَّة وادامت الصِّحَّة وقوت على الباه، وَإِذا كتبت للصَّغِير حسن نَبَاته، وَهِي اوتار الْحُرُوف كلهَا، وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الْبَارِدَة الْيَابِسَة، إِذا عولج بهَا من نزف دم بسقي، أَو كِتَابَة، أَو بخور، وَنَحْو ذَلِك من الامراض.
وَقد ذكر الشَّيْخ محيي الدّين بن الْعَرَبِيّ، فِي كتبه، من ذَلِك، جملا كَثِيرَة.
وَقَالَ الشَّيْخ عَليّ الحرالي رَحمَه الله: إِن الْحُرُوف الْمنزلَة اوائل السُّور وعدتها، بعد اسقاط مكررها، اربعة عشر حرفا، وَهِي: الالف وَالْهَاء والحاء والطاء وَالْيَاء وَالْكَاف وَاللَّام وَالْمِيم وَالرَّاء وَالسِّين وَالْعين وَالصَّاد وَالْقَاف وَالنُّون، قَالَ: إِنَّهَا يقْتَصر بهَا على مداواة السمُوم، وتقاوم السمُوم باضدادها، فيسقى للدغ الْعَقْرَب حارها، وَمن نهشة الْحَيَّة باردها الرطب، أَو تكْتب لَهُ، وتجري المحاولة، فِي الامور، على نَحْو من الطبيعة فتسقى الْحُرُوف الحارة الرّطبَة للتفريح وإذهاب الْغم، وَكَذَلِكَ الحارة الْيَابِسَة لتقوية الْفِكر وَالْحِفْظ، والباردة الْيَابِسَة الثَّبَات وَالصَّبْر، والباردة الرّطبَة لتيسير الامور وتسهيل الْحَاجَات وَطلب الصفح وَالْعَفو.
وَقد صنف البعلبكي فِي خَواص الْحُرُوف كتابا مُفردا، وَوصف لكل حرف خاصية يَفْعَلهَا بِنَفسِهِ، وخا صية بمشاركة غَيره من الْحُرُوف على اوضاع مُعينَة فِي كِتَابه، وَجعل لَهَا نفعا بمفردها على الصُّورَة الْعَرَبيَّة، ونفعا بمفردها، إِذا كتبت على الصُّورَة الْهِنْدِيَّة، ونفعا بمشاركتهما فِي الْكِتَابَة، وَقد اشْتَمَل من الْعَجَائِب على مَا لَا يعلم مِقْدَاره الا من علم مَعْنَاهُ.
وَأما اعمالها فِي الطلسمات فان لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهَا سرا عجيبا، وصنعا جميلا، شاهدنا صِحَة اخبارها، وَجَمِيل آثارها.
وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الاطالة بِذكر مَا جربناه مِنْهَا ورأيناه من التَّأْثِير عَنْهَا، فسبحان مسدي النِّعْمَة، ومؤتى الْحِكْمَة، الْعَالم بِمن خلق، وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير.
__________
(1) قَوْله " الْقُرْآن " كَذَا بالنسخ وَلَعَلَّ الاظهر الْقَرار.
(*)
(1/16)

حرف الْهمزَة
نذْكر، فِي هَذَا الْحَرْف، الْهمزَة الاصلية، الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل، فاما المبدلة من الْوَاو نَحْو العزاء، الذى اصله عز أَو، لانه من عزوت، أَو المبدلة من الْيَاء نَحْو الاباء، الذى اصله اباي، لانه من ابيت، فنذكره فِي بَاب الْوَاو وَالْيَاء، ونقدم هُنَا الحَدِيث فِي الْهمزَة.
قَالَ الازهري: إعلم أَن الْهمزَة لَا هجاء لَهَا، انما تكْتب مرّة ألفا وَمرَّة يَاء وَمرَّة واوا، والالف اللينة لَا حرف لَهَا، انما هِيَ جُزْء من مُدَّة بعد فَتْحة.
والحروف ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا مَعَ الْوَاو والالف وَالْيَاء، وتتم بِالْهَمْزَةِ تِسْعَة وَعشْرين حرفا.
والهمزة كالحرف الصَّحِيح، غير أَن لَهَا حالات من التليين والحذف والابدال وَالتَّحْقِيق تعتل، فالحقت بالاحرف المعتلة الْجوف، وَلَيْسَت من الْجوف، انما هِيَ حلقية فِي أقْصَى الْفَم، وَلها ألقاب كالقاب الْحُرُوف الْجوف، فَمِنْهَا همزَة التَّأْنِيث، كهمزة الْحَمْرَاء وَالنُّفَسَاء والعشراء والخشاء، وكل مِنْهَا مَذْكُور فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا الْهمزَة الاصلية فِي آخر الْكَلِمَة مثل: الْجفَاء والبواء والرطاء والطواء، وَمِنْهَا الوحاء وَالْبَاء والداء والايطاء فِي الشّعْر.
هَذِه كلهَا همزها أُصَلِّي، وَمِنْهَا همزَة الْمدَّة المبدلة من الْيَاء وَالْوَاو: كهمزة السَّمَاء والبكاء والكساء وَالدُّعَاء وَالْجَزَاء وَمَا اشبهها، وَمِنْهَا الْهمزَة المجتلبة بعد الالف الساكنة نَحْو: همزَة وَائِل وطائف، وَفِي الْجمع نَحْو كتائب وسرائر، وَمِنْهَا الْهمزَة الزَّائِدَة نَحْو: همزَة الشمأل والشامل والغرقئ، وَمِنْهَا الْهمزَة الَّتِي تزاد لِئَلَّا يجْتَمع ساكنان نَحْو: اطْمَأَن واشمأز وازبأر وَمَا شاكلها، وَمِنْهَا همزَة الوقفة فِي آخر الْفِعْل لُغَة لبَعض دون بعض نَحْو قَوْلهم للْمَرْأَة: قولئ، وللرجلين قولا، وللجميع قولؤ، وَإِذا وصلوا الْكَلَام لم يهمزوا، ويهمزون لَا إِذا وقفُوا عَلَيْهَا، وَمِنْهَا همزَة التَّوَهُّم، كَمَا روى الْفراء عَن بعض الْعَرَب أَنهم يهمزون مَا لَا همز فِيهِ إِذا ضارع المهموز.
قَالَ: وَسمعت امراة من غَنِي تَقول: رثات زَوجي بابيات، كَأَنَّهَا لما سَمِعت رثات اللَّبن ذهبت الى أَن مرثية الْمَيِّت مِنْهَا.
قَالَ: وَيَقُولُونَ لبات بِالْحَجِّ وحلات السويق، فيغلطون لَان حلات يُقَال فِي دفع العطشان عَن المَاء، ولبات يذهب بهَا اللبا.
وَقَالُوا: استنشأت الرّيح وَالصَّوَاب استنشيت، ذَهَبُوا بِهِ الى قَوْلهم نشا السَّحَاب، وَمِنْهَا الْهمزَة الاصلية الظَّاهِرَة نَحْو همز الخبء والدفء والكفء والعبء وَمَا اشبهها، وَمِنْهَا اجْتِمَاع همزتين فِي كلمة وَاحِدَة نَحْو همزتي الرئاء والحاوئاء، واما الضياء فَلَا يجوز همز يائه، والمدة الاخيرة فِيهِ همزَة اصلية من ضاء يضوء ضوءا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن يحيى فِيمَن همز مَا لَيْسَ بمهموز: وَكنت أرجي بِئْر نعْمَان، حائرا، * فلوأ بالعينين والانف حائر اراد لوى، فهمز، كَمَا قَالَ: كمشترئ بِالْحَمْد مَا لَا يضيره
(1/17)

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هَذِه لُغَة من يهمز مَا لَيْسَ بمهموز.
قَالَ: وَالنَّاس كلهم يَقُولُونَ، إِذا كَانَت الْهمزَة طرفا، وَقبلهَا سَاكن، حذفوها فِي الْخَفْض وَالرَّفْع، واثبتوها فِي النصب، الا الْكسَائي وَحده، فانه يثبتها كلهَا.
قَالَ وَإِذا كَانَت الْهمزَة وسطى اجْمَعُوا كلهم على ان لَا تسْقط.
قَالَ وَاخْتلف الْعلمَاء باى صُورَة تكون الْهمزَة، فَقَالَت طَائِفَة: نكتبها بحركة مَا قبلهَا وهم الْجَمَاعَة، وَقَالَ اصحاب الْقيَاس: نكتبها بحركة نَفسهَا، واحتجت الْجَمَاعَة بَان الْخط يَنُوب عَن اللِّسَان.
قَالَ وانما يلْزمنَا ان نترجم بالخط مَا نطق بِهِ اللِّسَان.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَهَذَا هُوَ الْكَلَام.
قَالَ: وَمِنْهَا اجْتِمَاع الهمزتين بمعنيين وَاخْتِلَاف النَّحْوِيين فيهمَا.
قَالَ الله عزوجل: أأنذرتهم ام لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ.
من الْقُرَّاء من يُحَقّق الهمزتين فيقرا أأنذرتهم، قرا بِهِ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وقرا أَبُو عَمْرو آأنذرتهم مُطَوَّلَة، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا اشبهه نَحْو قَوْله تَعَالَى: آانت قلت للنَّاس، آألد وانا عَجُوز، آاله مَعَ الله، وَكَذَلِكَ قرا ابْن كثير وَنَافِع وَيَعْقُوب بِهَمْزَة مُطَوَّلَة، وقرا عبد الله بن ابي اسحق آأنذرتهم بالف بَين الهمزتين، وَهِي لُغَة سائرة بَين الْعَرَب.
قَالَ ذُو الرمة: تطاللت، فاستشرفته، فعرفته، فَقلت لَهُ: آأنت زيد الارانب؟ وَأنْشد احْمَد بن يحيى: خرق إِذا مَا الْقَوْم أجروا فكاهة * تذكر آإياه يعنون أم قردا؟ وَقَالَ الزّجاج: زعم سِيبَوَيْهٍ أَن من الْعَرَب من يُحَقّق الْهمزَة وَلَا يجمع بَين الهمزتين، وَإِن كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ.
قَالَ: وَأهل الْحجاز لَا يحققون وَاحِدَة مِنْهُمَا.
وَكَانَ الْخَلِيل يري تَخْفيف الثَّانِيَة، فَيجْعَل الثَّانِيَة بَين الْهمزَة والالف وَلَا يَجْعَلهَا ألفا خَالِصَة.
قَالَ: وَمن جعلهَا ألفا خَالِصَة، فقد اخطا من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَنه جمع بَين ساكنين، والاخرى أَنه أبدل من همزَة متحركة، قبلهَا حَرَكَة، ألفا، وَالْحَرَكَة الْفَتْح.
قَالَ: وانما حق الْهمزَة، إِذا تحركت وَانْفَتح مَا قبلهَا، ان تجْعَل بَين بَين، أَعنِي بَين الْهمزَة وَبَين الْحَرْف الَّذِي مِنْهُ حركتها، فَتَقول فِي سَالَ سَالَ، وَفِي رؤف رؤف، وَفِي بئس بئس، وَهَذَا فِي الْخط وَاحِد، وانما تحكمه بالمشافهة.
قَالَ: وَكَانَ غير الْخَلِيل يَقُول فِي مثل قَوْله " فقد جَاءَ اشراطها " أَن تخفف الاولى.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: جمَاعَة من الْعَرَب يقراون: فقد جَاءَ اشراطها، يحققون الثَّانِيَة ويخففون الاولى.
قَالَ والى هَذَا ذهب أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء.
قَالَ: وَأما الْخَلِيل، فانه يقْرَأ بتحقيق الاولى وَتَخْفِيف الثَّانِيَة.
قَالَ: وانما اخْتَرْت تَخْفيف الثَّانِيَة لِاجْتِمَاع النَّاس على بدل الثَّانِيَة فِي قَوْلهم: آدم وَآخر، لَان الاصل فِي آدم أأدم، وَفِي آخر أأخر.
(1/18)

قَالَ الزّجاج: وَقَول الْخَلِيل أَقيس، وَقَول أبي عَمْرو جيد أَيْضا.
وَأما الهمزتان، إِذا كَانَتَا مكسورتين، نَحْو قَوْله: على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا، وَإِذا كَانَتَا مضمومتين نَحْو قَوْله: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، فان أَبَا عَمْرو يُخَفف الْهمزَة الاولى مِنْهُمَا، فَيَقُول: على الْبغاء ان، وأولياء أُولَئِكَ، فَيجْعَل الْهمزَة الاولى فِي الْبغاء بَين الْهمزَة وَالْيَاء ويكسرها، وَيجْعَل الْهمزَة فِي قَوْله: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، الاولى بَين الْوَاو والهمزة ويضمها.
قَالَ: وَجُمْلَة ماقاله فِي مثل هَذِه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا، وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل، أَن يَجْعَل مَكَان الْهمزَة الثَّانِيَة همزَة بَين بَين، فَإِذا كَانَ مضموما جعل الْهمزَة بَين الْوَاو والهمزة.
قَالَ: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، على الْبغاء ان، وَأما أَبُو عَمْرو فيقرا على مَا ذكرنَا، وَأما ابْن أبي اسحق وَجَمَاعَة من الْقُرَّاء، فانهم يجمعُونَ بَين الهمزتين، وَأما اخْتِلَاف الهمزتين نَحْو قَوْله تَعَالَى: كَمَا آمن السُّفَهَاء أَلا، فاكثر الْقُرَّاء على تَحْقِيق الهمزتين، وَأما أَبُو عَمْرو، فانه يُحَقّق الْهمزَة الثَّانِيَة فِي رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ، ويخفف الاولى، فيجعلها بَين الْوَاو والهمزة، فَيَقُول: السُّفَهَاء أَلا، ويقرا من فِي السَّمَاء أَن، فيحقق الثَّانِيَة، واما سِيبَوَيْهٍ والخليل فَيَقُولَانِ: السُّفَهَاء وَلَا، يجعلان الْهمزَة الثَّانِيَة واوا خَالِصَة.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: أأمنة من فِي السماءين، يَاء خَالِصَة، وَالله اعْلَم.
قَالَ وَمِمَّا جَاءَ عَن الْعَرَب فِي تَحْقِيق الْهَمْز وتليينه وتحويله وحذفه، وَقَالَ أَبُو زيد الانصاري: الْهَمْز على ثَلَاثَة اوجه: التَّحْقِيق وَالتَّخْفِيف والتحويل.
فالتحقيق مِنْهُ أَن تُعْطى الْهمزَة حَقّهَا من الاشباع، فَإِذا اردت أَن تعرف إشباع الْهمزَة، فَاجْعَلْ الْعين فِي موضعهَا، كَقَوْلِك من الخبء: قد خبات لَك بِوَزْن خبعت لَك، وقرات بِوَزْن قرعت، فانا أخبع وأقرع، وانا خابع وخابئ وقارئ نَحْو قارع، بعد تَحْقِيق الْهمزَة بِالْعينِ، كَمَا وصفت لَك، قَالَ: وَالتَّخْفِيف من الْهَمْز انما سموهُ تَخْفِيفًا لانه لم يُعْط حَقه من الاعراب والاشباع، وَهُوَ مشرب همزا، تصرف فِي وُجُوه الْعَرَبيَّة بِمَنْزِلَة سَائِر الْحُرُوف الَّتِي تحرّك، كَقَوْلِك: خبات وقرات، فَجعل الْهمزَة ألفا سَاكِنة على سكونها فِي التَّحْقِيق، إِذا كَانَ مَا قبلهَا مَفْتُوحًا، وَهِي كَسَائِر الْحُرُوف الَّتِي يدخلهَا التحريك، كَقَوْلِك: لم يخبا الرجل، وَلم يقرا الْقرَان، فَكسر الالف من يخبا ويقرا لسكون مَا بعْدهَا، فكانك قلت لم يخبير جلّ وَلم يقر يلقران، وَهُوَ يخبو ويقرو، فيجعلها واوا مَضْمُومَة فِي الادراج، فان وقفتها جَعلتهَا ألفا غير أَنَّك تهيئها للضمة من غير أَن تظهر ضمتها فَتَقول: مَا أخباه وَأَقَرَّاهُ، فَتحَرك الالف بِفَتْح لبَقيَّة مَا فِيهَا من الْهمزَة كَمَا وصفت لَك، وَأما التَّحْوِيل من الْهَمْز، فان تحول الْهَمْز الى الْيَاء وَالْوَاو، كَقَوْلِك: قد خبيت الْمَتَاع فَهُوَ مخبي، فَهُوَ يخباه، فَاعْلَم، فَيجْعَل الْيَاء الْفَا حَيْثُ كَانَ قبلهَا فَتْحة نَحْو الف يسْعَى ويخشى لَان مَا قبلهَا مَفْتُوح.
قَالَ: وَتقول رفوت الثَّوْب رفوا، فحولت الْهمزَة واوا كَمَا ترى، وَتقول لم يخب عني شَيْئا فَتسقط مَوضِع اللَّام من تظيرها من الْفِعْل للاعراب، وَتَدَع مَا بَقِي على حَاله متحركا، وَتقول مَا أخباه، فتسكن الالف المحولة كَمَا أسكنت الالف من قَوْلك مَا أخشاه وأسعاه.
قَالَ: وَمن مُحَقّق الْهَمْز قَوْلك للرجل: يلؤم، كانك قلت يلعم، إِذا كَانَ بَخِيلًا، وَأسد يزئر كَقَوْلِك يزعر، فَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت للرجل: يلم، وللاسد يزر على إِن القيت الْهمزَة من قَوْلك يلؤم ويزئر، وحركت مَا قبلهَا بحركتها على الضَّم وَالْكَسْر، إِذا كَانَ مَا قبلهَا سَاكِنا، فَإِذا اردت
(1/19)

تَحْويل الْهمزَة مِنْهَا قلت للرجل يلوم فجعلتها واوا سَاكِنة لانها تبِعت ضمة، والاسد يزير فجعلتها يَاء للكسرة قبلهَا نَحْو يَبِيع ويخيط، وَكَذَلِكَ كل همزَة تبِعت حرفا سَاكِنا عدلتها إِلَى التَّخْفِيف، فانك تلقيها وتحرك بحركتها الْحَرْف السَّاكِن قبلهَا، كَقَوْلِك للرجل: سل، فتحذف الْهمزَة تحرّك مَوضِع الْفَاء من نظيرها من الْفِعْل بحركتها، واسقطت الف الْوَصْل، إِذْ تحرّك مَا بعْدهَا، وانما يجتلبونها للاسكان، فَإِذا تحرّك مَا بعْدهَا لم يحتاجوا إِلَيْهَا.
وَقَالَ رؤبة: وانت يَا بامسلم وفيتا ترك الْهمزَة، وَكَانَ وَجه الْكَلَام: يَا أَبَا مُسلم، فَحذف الْهمزَة، وَهِي أَصْلِيَّة، كَمَا قَالُوا لَا أَب لَك، وَلَا ابا لَك، وَلَا با لَك، ولاب لغيرك، وَلَا با لشانئك.
وَمِنْهَا نوع آخر من الْمُحَقق، وَهُوَ قَوْلك من رايت، وانت تامر: إرا، كَقَوْلِك إرع زيدا، فَإِذا اردت التَّخْفِيف قلت: رزيدا فَتسقط الف الْوَصْل لتحرك مَا بعْدهَا.
قَالَ أَبُو زيد: وَسمعت من الْعَرَب من يَقُول: يَا فلَان نويك على التَّخْفِيف، وتحقيقه نؤيك، كَقَوْلِك إبغ بغيك، إِذا امْرَهْ ان يَجْعَل نَحْو خبائه نؤيا كالطوق يصرف عَنهُ مَاء الْمَطَر.
قَالَ: وَمن هَذَا النَّوْع رايت الرجل، فَإِذا اردت التَّخْفِيف قلت: رايت، فحركت الالف بِغَيْر اشباع همز، وَلم تسْقط الْهمزَة لَان مَا قبلهَا متحرك، وَتقول للرجل تراى ذَلِك على التَّحْقِيق.
وَعَامة كَلَام الْعَرَب فِي يري وتري وارى ونرى، على التَّخْفِيف، لم تزد على ان القت الْهمزَة من الْكَلِمَة، وَجعلت حركتها بِالضَّمِّ (1) على الْحَرْف السَّاكِن قبلهَا.
قَالَ أَبُو زيد: وَاعْلَم ان وَاو فعول ومفعول وياء فعيل وياء التصغير لَا يعتقين الْهَمْز فِي شئ من الْكَلَام، لَان الاسماء طولت بهَا، كَقَوْلِك فِي التَّحْقِيق: هَذِه خَطِيئَة، كَقَوْلِك خطيعة، فَإِذا ابدلتها إِلَى التَّخْفِيف قلت: هَذِه خطية، جعلت حركتها يَاء للكسرة، وَتقول: هَذَا رجل خبوء، كَقَوْلِك خبوع، فَإِذا خففت قلت: رجل خبو، فتجعل الْهمزَة واواللضمة الَّتِي قبلهَا، وجعلتها حرفا ثقيلا فِي وزن حرفين مَعَ الْوَاو الَّتِي قبلهَا، وَتقول: هَذَا مَتَاع مخبوء بِوَزْن مخبوع، فَإِذا خففت قلت: مَتَاع مخبو، فحولت الْهمزَة واوا للضمة قبلهَا.
قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَمن الْعَرَب من يدغم الْوَاو فِي الْوَاو ويشددها، فَيَقُول: مخبو.
قَالَ أَبُو زيد: تَقول رجل برَاء من الشّرك، كَقَوْلِك براع، فَإِذا عدلتها الى التَّخْفِيف قلت: براو، فَتَصِير الْهمزَة واوا لانها مَضْمُومَة، وَتقول: مَرَرْت بِرَجُل براي فَتَصِير يَاء على الكسرة ورايت رجلا برايا، فَتَصِير ألفا لانها مَفْتُوحَة.
وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلهم: هَذَا غطاء وَكسَاء وخباء، فتهمز مَوضِع اللَّام من نظيرها من الْفِعْل لانها غَايَة، وَقبلهَا ألف سَاكِنة، كَقَوْلِهِم: هَذَا غطاع وكساع وخباع، فالعين وخباع، فالعين مَوضِع الْهمزَة، فَإِذا جمعت الِاثْنَيْنِ على سنة الْوَاحِد فِي التَّحْقِيق، قلت: هَذَانِ غطاآن وكساآن وخباآن، كَقَوْلِك غطاعان
__________
(1) قَوْله " بِالضَّمِّ " كَذَا بالنسخ الَّتِي بايد ينا وَلَعَلَّه بِالْفَتْح.
(*)
(1/20)

وكساعان وخباعان، فتهمز الِاثْنَيْنِ على سنة الْوَاحِد، وَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت: هَذَا غطاو وكساو وخباو، فتجعل الْهمزَة واوا لانها مَضْمُومَة، وان جمعت الِاثْنَيْنِ بِالتَّخْفِيفِ على سنة الْوَاحِد قلت: هَذَانِ عطاأن وكساأن وخباأن، فَتحَرك الالف، الَّتِي فِي مَوضِع اللَّام من نظيرها من الْفِعْل، بِغَيْر إشباع، لَان فِيهَا بَقِيَّة من الْهمزَة، وَقبلهَا ألف سَاكِنة، فَإِذا أردْت تَحْويل الْهمزَة قلت: هَذَا غطاو وكساو لَان قبلهَا حرفا سَاكِنا، وَهِي مَضْمُومَة، وَكَذَلِكَ الفضاء: هَذَا فضاو، على التَّحْوِيل، لَان ظُهُور الْوَاو هَهُنَا أخف من ظُهُور الْيَاء، وَتقول فِي الِاثْنَيْنِ، إِذا جمعتهما على سنة تَحْويل الْوَاو: هما غطاوان وكساوان وخباوان وفضاوان.
قَالَ أَبُو زيد وَسمعت بعض بني فَزَارَة يَقُول: هما كسايان وخبايان وفضايان، فيحول الْوَاو الى الْيَاء.
قَالَ: وَالْوَاو فِي هَذِه الْحُرُوف أَكثر فِي الْكَلَام.
قَالَ: وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلك: يَا زيد من أَنْت، كَقَوْلِك من عنت، فَإِذا عدلت الْهمزَة إِلَى التَّخْفِيف قلت: يَا زيد من نت، كانك قلت مننت، لانك أسقطت الْهمزَة من أَنْت وحركت مَا قبلهَا بحركتها، وَلم يدْخلهُ إدغام، لَان النُّون الاخيرة سَاكِنة والاولى متحركة، وَتقول من أَنا، كَقَوْلِك من عَنَّا على التَّحْقِيق، فَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت: يَا زيد من نَا، كانك قلت: يَا زيد منا، ادخلت النُّون الاولى فِي الاخرة، وجعلتهما حرفا وَاحِدًا ثقيلا فِي وزن حرفين، لانهما متحركان فِي حَال التَّخْفِيف، وَمثله قَوْله تَعَالَى: لَكنا هُوَ الله رَبِّي، خففوا الْهمزَة من لَكِن أَنا، فَصَارَت لَكِن نَا، كَقَوْلِك لكننا، ثمَّ أسكنوا بعد التَّخْفِيف، فَقَالُوا لَكنا.
قَالَ: وَسمعت اعرابيا من قيس يَقُول: يَا أَب أقبل وياب أقبل يَا أَبَة أقبل ويابة أقبل، فالقي الْهمزَة من (1) ...
وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلك إفعو علت من وايت: إيا وايت، كَقَوْلِك إفعو عيت، فَإِذا عدلته الى التَّخْفِيف قلت: ايويت وَحدهَا، وويت، والاولى مِنْهُمَا فِي مَوضِع الْفَاء من الْفِعْل، وَهِي سَاكِنة، وَالثَّانيَِة هِيَ الزَّائِدَة، فحركتها بحركة الهمزتين قبلهَا (2).
وَثقل ظُهُور الواوين مفتوحتين، فهمزوا الاولى مِنْهُمَا، وَلَو كَانَت الْوَاو الاولى وَاو عطف لم يثقل ظهورهما فِي الْكَلَام، كَقَوْلِك: ذهب زيد ووافد، وَقدم عَمْرو وواهب.
قَالَ: وَإِذا أردْت تَحْقِيق مفعوعل من وأيت قلت: موأوئي، كَقَوْلِك موعوعي، فَإِذا عدلت الى التَّخْفِيف قلت: مواوي، فتفتح الْوَاو الَّتِي فِي مَوضِع الْفَاء بفتحة الْهمزَة الَّتِي فِي مَوضِع الْعين من الْفِعْل، وتكسر الْوَاو الثَّانِيَة، وَهِي الثَّابِتَة، بِكَسْر الْهمزَة الَّتِي بعْدهَا.
قَالَ أَبُو زيد وَسمعت بعض بني عجلَان من قيس يَقُول: رَأَيْت غلاميبيك، ورايت غلاميسد، تحول الْهمزَة الَّتِي فِي أَسد وَفِي أَبِيك على الْيَاء، ويدخلونها فِي الْيَاء الَّتِي فِي الغلامين، الَّتِي هِيَ نفس الاعراب، فَيظْهر يَاء ثَقيلَة فِي وزن حرفين، كانك قلت رايت غلاميبيك ورايت غلاميسد.
__________
(1) كَذَا بَيَاض النّسخ الَّتِي بايدينا وَلَعَلَّ السَّاقِط بعد من " ياب ويابة " كَمَا بِهَامِش نُسْخَة.
(2) قَوْله " الهمزتين قبلهَا " كَذَا بالنسخ أَيْضا وَلَعَلَّ الصَّوَاب الْهمزَة بعْدهَا كَمَا هُوَ المألوف فِي التصريف، وَقَوله فهمزوا الاولى أَي فَصَارَ وويت أويت كرميت، وَقَوله وَهِي الثَّابِتَة لَعَلَّه وَهِي الزَّائِدَة.
(*)
(1/21)

قَالَ وَسمعت رجلا من بني كلب يَقُول: هَذِه دَابَّة، وَهَذِه امراة شَابة، فهمز الالف فيهمَا وَذَلِكَ أَنه ثقل عَلَيْهِ إسكان الحرفين مَعًا، وَإِن كَانَ الْحَرْف الاخر مِنْهُمَا متحركا.
وَأنْشد الْفراء: يَا عجبا! لقد رايت عجبا: * حمَار قبان يَسُوق ارنبا، وَأمّهَا خاطمها أَن تذهبا قَالَ أَبُو زيد: أهل الْحجاز وهذيل وَأهل مَكَّة وَالْمَدينَة لَا ينبرون.
وقف عَلَيْهَا عِيسَى بن عمر فَقَالَ: مَا آخذ من قَول تَمِيم الا بالنبر وهم أَصْحَاب النبر، وَأهل الْحجاز إِذا اضطروا نبروا.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو عمر الهذلى قد توضيت فَلم يهمز وحولها يَاء، وَكَذَلِكَ مَا أشبه هَذَا من بَاب الْهَمْز.
وَالله تَعَالَى أعلم.
(1/22)

الجزء الأول
أ

فصل الهمزة
أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي رحِمه اللَّهُ: الأَبَاءَةُ لأَجَمَةِ القَصَبِ، والجمعُ أَباءٌ. قَالَ وَرُبَّمَا ذُكر هَذَا الْحَرْفُ فِي المعتلِّ مِنَ الصِّحاح وإِن الهمزةَ أَصلها ياءٌ. قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ سِيبَوَيهِ بَلْ يحمِلها عَلَى ظَاهِرِهَا حَتَّى يقومَ دليلٌ أَنها مِنَ الْوَاوِ أَو مِنَ الياءِ نَحْوَ: الرِّداء لأَنه مِنَ الرَّدْية، والكِساء لأَنه مِنَ الكُسْوة، وَاللَّهُ أَعلم.
أتأ: حَكَى أَبو عَلِيٍّ، فِي التَّذكرة، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: أَتْأةُ أُمُّ قَيْس بْنِ ضِرار قَاتِلِ الْمِقْدَامِ، وَهِيَ مِنْ بَكر وَائِلٍ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ أَجأ «1». قَالَ جَرِيرٌ:
أَتَبِيتُ لَيْلَكَ، يَا ابْنَ أَتْأَةَ، نَائِمًا، ... وبَنُو أُمامَةَ، عَنْكَ، غَيرُ نيامِ
وتَرى القِتالَ، مَعَ الكرامِ، مُحَرَّماً، ... وتَرى الزِّناءَ، عَلَيْكَ، غَيرَ حَرَامِ
أثأ: جاءَ فُلَانٌ فِي أُثْئِيَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ أَي جَمَاعَةٍ. قَالَ: وأَثَأْتُه إِذا رميتُه بِسَهْمٍ، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ الأَصمعي. أَثيْتُه بِسَهْمٍ أَي رَمْيَتُهُ، وَهُوَ حَرْفٌ غَرِيبٌ. قَالَ وجاءَ أَيضاً أَصبحَ فلانٌ مُؤْتَثِئاً أَي لَا يَشتهي الطَّعَامَ، عَنِ الشيباني.
أجأ: أَجَأ عَلَى فَعَلٍ بِالتَّحْرِيكِ: جبلٌ لطيِءٍ يذكَّر ويؤَنَّث. وَهُنَالِكَ ثلاثةُ أَجبُل: أَجَأ وسَلْمَى والعَوْجَاءُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَجَأً اسمُ رجُل تعشَّق سَلْمَى وجمعَتْهما العَوْجاءُ، فَهَرَبَ أَجأ بسَلمى وذهبَت مَعَهُمَا العوجاءُ، فتبِعهم بعلُ سَلْمَى، فأَدركهم وَقَتَلَهُمْ، وصلبَ أَجأً عَلَى أَحدِ الأَجْبُلِ، فسمِّيَ أَجأً، وَصَلَبَ سَلْمَى عَلَى الْجَبَلِ الآخرِ، فسمِّيَ بِهَا، وَصلَبَ العوجاءَ عَلَى الثَّالِثِ، فسمِّيَ بِاسْمِهَا. قَالَ:
إِذَا أَجَأ تَلفَّعتْ بشِعافِها ... عليَّ، وأَمْستْ، بالعماءِ، مُكلَّله
وأَصْبَحَتِ العَوْجاءُ يَهتَزُّ جِيدُها، ... كَجِيدِ عَرُوسٍ أَصْبَحَتْ مُتَبَذِّلَه
__________
(1). قوله قَالَ [وَهُوَ مِنْ بَابِ إلخ] كذا بالنسخ والذي في شرح القاموس وأنشد ياقوت في أجأ لجرير.
(1/23)

وَقَوْلُ أَبي النَّجم:
قدْ حيَّرَتْهُ جِنُّ سَلْمى وأَجا
أَراد وأَجأ فخفَّف تَخْفِيفًا قِيَاسِيًّا، وعامَلَ اللَّفْظَ كَمَا أَجاز الْخَلِيلُ رأْساً مَعَ ناس، على غَيْرِ التَّخْفِيفِ البدَلي، وَلَكِنْ عَلَى مُعَامَلَةِ اللَّفْظِ، واللفظُ كَثِيرًا مَا يراعَى فِي صِنَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ. أَلا تَرى أَن موضوعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ الأَخفَش عَلَى الْبَدَلِ. فأَما قَوْلُهُ:
مِثْل خَناذِيذِ أَجا وصخْرهِ
فإِنه أَبدل الهمزةَ فَقَلَبَهَا حَرْفَ علَّة لِلضَّرُورَةِ، والخَناذِيذُ رءُوس الْجِبِالِ: أَي إِبل مِثْلُ قِطع هَذَا الْجَبَلِ. الْجَوْهَرِيُّ: أَجأ وَسَلْمَى جَبَلَانِ لطيءٍ يُنْسب إِلَيْهِمَا الأَجئِيّون مِثَلَ الأَجعِيُّون. ابْنُ الأَعرابي: أَجَأَ إِذا فَرَّ.
أشأ: الأَشاءُ: صِغَارُ النَّخْلِ، واحدتها أَشاءَةٌ.
ألأ: الأَلاءُ بِوَزْنِ العَلاء: شَجَرٌ، ورقهُ وحَمْله دباغٌ، يُمدُّ ويُقْصر، وَهُوَ حسَن الْمَنْظَرِ مرُّ الطَّعْمِ، وَلَا يَزَالُ أَخضرَ شِتَاءً وَصَيْفًا. وَاحِدَتُهُ أَلاءَة بِوَزْنِ أَلاعة، وتأْليفه مِنْ لَامٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ. أَبو زَيْدٍ: هِيَ شَجَرَةٌ تُشْبِهُ الْآسَ لَا تَغيَّرُ فِي الْقَيْظِ، وَلَهَا ثَمَرَةٌ تُشبه سُنْبل الذُّرة، ومنبتُها الرَّمْلُ والأَودية. قَالَ: والسُّلامانُ نَحْوُ الأَلاءِ غَيْرَ أَنها أَصغرُ مِنْهَا، يُتَّخذ مِنْهَا الْمَسَاوِيكُ، وَثَمَرَتُهَا مِثْلُ ثَمَرَتِهَا، وَمَنْبَتُهَا الأَودية وَالصَّحَارِي؛ قَالَ ابْنُ عَنَمَة:
فخرَّ عَلَى الأَلاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ، ... كأَنَّ جبِينَهُ سَيْفٌ صقِيلُ
وأَرض مأْلأَةٌ: كثيرةُ الأَلاءِ. وأَديمٌ مأْلوءٌ: مدبوغٌ بالأَلاءِ. وَرَوَى ثعلبٌ: إِهابٌ مأْلَى: مدبوغ بالأَلاءِ.
أوأ: آءَ عَلَى وَزْنِ عَاعَ: شَجَرٌ، وَاحِدَتُهُ آءَة. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: بَيْنَ نَخْلة وضَالَة وسِدْرة وآءَة. الآءَة بِوَزْنِ العاعَة، وتُجمع عَلَى آءٍ بوزنِ عاعٍ: هُوَ شجرٌ معروفٌ، لَيْسَ فِي الكلامِ اسمٌ وقعَت فيهِ ألفٌ بَيْنِ هَمزتين إلَّا هَذَا. هَذَا قولُ كُرَاعٍ، وَهُوَ مِنْ مَراتِعِ النَّعامِ، والتنُّومُ نبتٌ آخَرُ. وَتَصْغِيرُهَا: أُوَيْأَةٌ، وتأسيسُ بِنَائها مِنْ تأْليفِ واوٍ بينَ هَمْزَتَيْنِ. وَلَوْ قلتَ مِنَ الآءِ، كَمَا تَقُولُ مِنَ النَّومِ مَنامةٌ، عَلَى تقديرِ مَفعلةٌ، قُلْتَ: أَرض مآءَة. وَلَوِ اشتُقَّ منهُ فعلٌ، كَمَا يُشْتَقُّ مِنَ القرظِ، فقيلَ مقروظٌ، فَإِنْ كَانَ يدبغُ أَو يؤدمُ بِهِ طعامٌ أَو يخلطُ بِهِ دواءٌ قلتَ: هو مَؤُوءٌ مِثْلُ مَعُوع. وَيُقَالُ مِنْ ذلك أُؤْتُهُ بالآءِ آءُ «1». قَالَ ابنُ بَرِّي: والدليلُ عَلَى أَنَّ أَصلَ هَذِهِ الأَلفِ الَّتِي بينَ الْهَمْزَتَيْنِ واوٌ قولُهم فِي تَصْغِيرِ آءَة أُوَيْأَةٌ. وأَرضٌ مآءَةٌ: تُنبتُ الآءَ، وَلَيْسَ بثَبتٍ. قال زهيرُ ابن أَبي سُلمى:
كأَنَّ الرَّحْلَ مِنْها فَوقَ صَعْلٍ ... منَ الظِّلْمانِ، جُؤْجُؤُهُ هواءُ
أَصَكَّ، مُصَلَّمِ الأُذُنَيْنِ، أَجْنَى ... لَهُ، بالسِّيِّ، تَنُّومٌ وآءُ
أَبو عَمْرٍو: مِنَ الشَّجرِ الدِّفْلى والآءُ، بِوَزْنِ العاعُ، والأَلاءُ والحَبْنُ كُلُّهُ الدِّفْلى. قَالَ الليثُ: الآءُ شجرٌ لهُ ثمرٌ يأْكلهُ النَّعامُ؛ قَالَ: وتُسمى الشجرةُ سَرْحَةً وثَمَرُها الْآءُ. وآءٌ، ممدودٌ: مِنْ زجر الإِبل. وآء
__________
(1). صواب هذه اللفظة: [أوأ] وهي مصدر [آء] على جعله من الأجوف الواوي مثل: قلت قولًا، وهو ما أراده المصنف بلا ريب كما يدل عليه الأثر الباقي في الرسم لأنه مكتوب بألِفين كما رأيت في الصورة التي نقلناها. ولو أراد أن يكون ممدوداً لرسمه بألفٍ واحدة كما هو الاصطلاح في رسم الممدود. إبراهيم اليازجي
(1/24)

حِكَايَةُ أَصْوَاتٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إنْ تَلْقَ عَمْراً، فَقَدْ لاقَيْتَ مُدَّرِعاً، ... ولَيْسَ، مِنْ هَمِّه، إِبْلٌ وَلَا شاءُ
فِي جَحْفلٍ لَجِبٍ، جَمٍّ صواهِلُهُ، ... باللَّيْلِ تُسمَعُ، فِي حَافاتِهِ، آءُ
قَالَ ابنُ بَرِّي: الصحيحُ عندَ أَهلِ اللغةِ أَنَّ الآءَ ثمرُ السَّرحِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ عنبٌ أَبيض يأْكلهُ النَّاسُ، ويتَّخذونَ منهُ رُبّاً؛ وعُذْر مَنْ سمَّاه بِالشَّجَرِ أَنهم قَدْ يُسمونَ الشجرَ باسمِ ثَمَرِهِ، فيقولُ أَحدُهم: فِي بُسْتَانِي السَّفَرْجَلُ وَالتُّفَّاحُ، وَهُوَ يُرِيدُ الأَشجارَ، فَيُعَبِّرُ بِالثَّمَرَةِ عَنِ الشجرِ؛ ومنهُ قولهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً. وَلَوْ بنيتَ مِنْهَا فِعْلًا لقلتَ: أُوتُ الأَديمَ إِذَا دبغتهُ به، والأَصلُ أُؤْتُ الأَديمَ بِهَمْزَتَيْنِ، فأُبدلت الهمزةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا. أَبو عَمْرٍو: الآءُ بِوَزْنِ الْعَاعِ: الدِّفلى. قَالَ: والآءُ أَيضاً صياحُ الأَمير بالغلام مثلُ العاع.
بأبأ: اللَّيْثُ البَأْبَأَةُ قولُ الإِنسان لصاحبهِ بِأَبي أَنْتَ، ومعناهُ أَفْدِيكَ بِأَبي، فيُشتقُّ مِنْ ذَلِكَ فِعْلٌ فَيُقَالُ: بَأْبَأَ بِهِ. قَالَ وَمِنَ العربِ مَنْ يَقُولُ: وا بِأَبَا أَنتَ، جَعَلُوهَا كَلِمَةً مبنِيَّةً عَلَى هَذَا التأْسيس. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ يا وَيْلَتى *، معْناهُ يَا وَيْلَتي، فقلبَ الياءَ أَلفاً، وكذلكَ يَا أَبَتا معناهُ يَا أَبَتِي، وَعَلَى هَذَا تُوَجَّهُ قراءَة مَنْ قرأَ: يَا أَبَتَ إِني، أَراد يَا أَبتا، وَهُوَ يُرِيدُ يَا أَبَتي، ثُمَّ حذفَ الأَلفَ، وَمَنْ قالَ يَا بِيَبَا حوَّلَ الْهَمْزَةَ يَاءً والأَصل: يَا بِأَبَا مَعْنَاهُ يَا بِأَبِي. وَالْفِعْلُ مِنْ هَذَا بَأْبأَ يُبَأْبِئُ بَأْبَأَةً. وبَأْبَأْتُ الصبيَّ وبَأْبأْتُ بِهِ: قلتُ لَهُ بأَبي أَنتَ وأُمي؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
وصاحِبٍ ذِي غَمْرةٍ داجَيْتُه، ... بَأْبَأْتُهُ، وإِنْ أَبَى فَدَّيْتُه،
حَتَّى أَتى الحيَّ، وَمَا آذَيْتُه
وبأْبَأْته أَيضاً، وبأْبأْتُ بِهِ قلتُ لَهُ: بَابَا. وَقَالُوا: بَأْبَأَ الصبيَّ أَبوهُ إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وبَأْبَأَهُ الصبيُّ، إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وَقَالَ الفَرَّاءُ: بَأْبأْتُ بالصبيِّ بِئْباءً إِذَا قلتُ لَهُ: بِأَبي. قَالَ ابنُ جِنِّي: سأَلت أَبا عَلِيٍّ فقلتُ لَهُ: بَأْبَأْتُ الصَّبيَّ بَأْبأَةً إِذَا قلتُ لَهُ بَابَا، فَمَا مثالُ البَأْبَأَةِ عندكَ الْآنَ؟ أَتزنها عَلَى لَفْظِهَا فِي الأَصل، فَتَقُولُ مِثَالُهَا البَقْبَقَةُ بِمَنْزِلَةِ الصَلْصَلةِ والقَلْقَلةِ؟ فَقَالَ: بَلْ أَزِنُها عَلَى مَا صارَت إِلَيْهِ، وأَترك مَا كَانَتْ قبلُ عَلَيْهِ، فأَقولُ: الفَعْلَلة. قَالَ: وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ، وَبِهِ انعقادُ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ أَيضاً: إِذا قُلْتَ بأَبي أَنتَ، فَالْبَاءُ فِي أَوَّلِ الاسمِ حرفُ جَرٍّ بِمَنْزِلَةِ اللامِ فِي قولكَ: لِلَّهِ أنتَ، فَإِذَا اشتَقَقْتَ منهُ فِعْلًا اشْتِقَاقًا صَوْتِيّاً اسْتَحَالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ فَقُلْتَ: بَأْبَأْتُ بِهِ بِئباءً، وَقَدْ أَكثرت مِنَ البَأْبأَة، فَالْبَاءُ الْآنَ فِي لفظِ الأَصل، وإِن كَانَ قَدْ عُلم أَنها فِيمَا اشْتُقَّت منهُ زائدةٌ للجَرِّ؛ وَعَلَى هَذَا مِنْهَا البِأَبُ، فصارَ فِعْلًا مِنْ بَابِ سَلِسَ وقَلِقَ؛ قَالَ:
يَا بِأَبِي أَنْتَ، وَيَا فَوْقَ البِأَبْ
فالبِأَبُ الآنَ بمنزلةِ الضِّلَعِ والعِنَبِ. وَبَأْبَؤُوه: أَظْهَروا لَطافَةً؛ قَالَ:
إِذَا مَا القبائِلُ بَأْبَأْنَنا، ... فَماذا نُرَجِّي بِبئْبائِها؟
وَكَذَلِكَ تَبأْبئُوا عليهِ. والبَأْباءُ، ممدودٌ: تَرْقِيصُ الْمَرْأَةِ ولدَها. والبَأْباءُ: زَجْرُ السِّنَّوْر، وَهُوَ الغِسُّ؛ وأَنشَدَ ابنُ الأَعرابي لرجلٍ
(1/25)

فِي الخَيْل:
وهُنَّ أَهلُ مَا يَتمازَيْن؛ ... وهُنَّ أَهلُ مَا يُبَأْبَيْن
أَي يُقَالُ لَهَا: بِأَبي فَرَسِي نَجَّانِي مِنْ كَذَا؛ وَمَا فِيهِمَا صِلة مَعْنَاهُ أَنهنَّ، يَعْنِي الخيْلَ، أَهْلٌ للمُناغاةِ بِهَذَا الكلامِ كَمَا يُرَقَّصُ الصبيُّ؛ وَقَوْلُهُ يَتمازَيْنَ أَي يَتَفاضَلْنَ. وبَأْبَأَ الفَحْلُ، وَهُوَ تَرْجِيعُ الباءِ فِي هَدِيرهِ. وبَأْبأَ الرَّجُلُ: أَسْرَعَ. وبأْبأْنا أَي أَسْرَعْنا. وتَبَأْبأْتُ تَبَأْبُؤاً إِذا عَدَوْتُ. والبُؤْبُؤُ: السيِّد الظَّريفُ الخفيفُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والبؤْبُؤُ: الأَصلُ، وَقِيلَ الأَصلُ الكريمُ أَو الخَسيسُ. وَقَالَ شَمِرٌ: بُؤْبُؤُ الرجلِ: أَصلُهُ. وَقَالَ أَبو عَمرو: البُؤْبُؤُ: العالِمُ المُعَلِّمُ. وَفِي الْمُحْكَمِ: العالمُ مثلُ السُّرْسُورِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي بُؤْبُؤ الكَرَمِ. وَيُقَالُ: البُؤْبُؤُ إِنسانُ العَيْن. وَفِي التَّهْذِيبِ: البُؤْبُؤُ: عَيْرُ العَيْن. وَقَالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: البؤْبؤُ بِلَا مَدّ عَلَى مِثَالِ الفُلْفُل. قالَ: البؤْبؤُ: بُؤْبؤُ العَيْنِ، وأَنشدَ شَاهِدًا عَلَى البُؤْبؤِ بِمَعْنَى السَّيِّد قولَ الرَّاجز فِي صفةِ امرأةٍ:
قَدْ فاقَتِ البؤْبُؤَ الْبُؤَيْبِيَهْ، ... والجِلدُ مِنْها غِرْقِئُ القُوَيْقِيَهْ
الغِرْقِئُ: قِشْرُ البَيْضة. والقُويقِيةُ: كِنَايَةٌ عَنِ البَيْضة. قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: البؤْبُؤُ، بِغَيْرِ مدٍّ: السَّيِّد، والبُؤَيْبِيَةُ: السيِّدة، وأَنْشدَ لِجَرِيرٍ:
فِي بؤْبُؤ المَجْدِ وبُحْبوحِ الكَرَمْ
وأَمَّا القَالي فإِنهُ أَنْشده:
فِي ضِئْضئِ المَجْدِ وبُؤْبُوءِ الكَرَمْ
وَقَالَ: وَكَذَا رأَيتُهُ فِي شعرِ جَرِيرٍ؛ قَالَ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «1» مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ مِنْ كونهِ مِثَالَ سُرسُور. قَالَ وكأَنهما لُغَتَانِ، التَّهْذِيبُ، وأَنشدَ ابنُ السِّكِّيتِ:
ولكِنْ يُبَأْبِئُهُ بُؤْبؤٌ، ... وبِئباؤُهُ حَجَأ أَحْجَؤُه
قَالَ ابْنُ السِكِّيت: يُبَأْبِئه: يُفَدِّيه، بُؤْبُؤٌ: سيدٌ كريمٌ، بِئبْاؤُهُ: تَفْدِيَتُه، وحَجَأ: أَي فَرَحٌ، أَحْجَؤُهُ: أَفْرَحُ بهِ. ويقالُ فلانٌ فِي بُؤْبؤِ صِدقٍ أَي أَصْلِ صِدْقٍ، وَقَالَ:
أَنا فِي بُؤْبؤِ صِدْقٍ، ... نَعَمْ، وفي أَكْرَمِ أَصْلِ «2»
بتأ: بَتَأَ بِالْمَكَانِ يَبْتَأُ بُتُوءاً: أَقامَ. وَقِيلَ هَذِهِ لُغَةٌ، وَالْفَصِيحُ بَتَا بُتُوّاً. وسنذكرُ ذَلِكَ فِي المعتلِّ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى.
بثأ: بَثَاءُ: مَوضِعٌ مَعْرُوفٌ. أَنشدَ المُفَضَّلُ:
بِنَفْسِيَ ماءُ عَبْشَمْسِ بنِ سَعْدٍ، ... غَداةَ بَثَاءَ، إِذْ عَرَفُوا اليَقِينا
وَقَدْ ذكرهُ الجوهريُّ فِي بَثَا مِنَ المعتلِّ. قَالَ ابنُ بَرِّي فَهَذَا مَوْضِعُهُ.
بدأ: فِي أَسماء اللهِ عزَّ وَجَلَّ المُبْدئ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً مِنْ غيرِ سابقِ مِثَالٍ. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَهُ. ويقالُ: لكَ البَدْءُ والبَدْأَةُ والبُدْأَةُ والبَدِيئةُ
__________
(1). قوله [وعلى هذه الرواية إلخ] كذا بالنسخ والمراد ظاهر.
(2). قوله [أنا في بؤبؤ إلخ] كذا بالنسخ وانظر هل البيت من المجتث وتحرّفت في بؤبؤ عن ببؤبؤ أو اختلس الشاعر كلمة في.
(1/26)

والبَداءَةُ والبُداءَةُ بالمدِّ والبَدَاهةُ عَلَى البدلِ أَي لكَ أَنْ تَبْدَأَ قَبْلَ غَيْرِكَ فِي الرَّمْي وغيرهِ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: كَانَ ذلكَ فِي بَدْأَتِنا وبِدْأَتِنا، بالقصرِ والمدِّ «1»؛ قَالَ: وَلَا أَدري كَيْفَ ذلكَ. وَفِي مَبْدَأَتِنا عنهُ أَيضاً. وَقَدْ أَبْدَأْنا وبَدأْنا كُلُّ ذَلِكَ عَنْهُ. والبَدِيئةُ والبَداءَةُ والبَداهةُ: أَوّلُ مَا يَفْجَؤُكَ، الْهَاءُ فيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزِ. وبَدِيتُ بالشيءِ قَدَّمتُهُ، أَنْصاريّةٌ. وبَدِيتُ بالشيءِ وبَدأْتُ: ابْتَدَأْتُ. وأَبْدَأْتُ بالأَمْرِ بَدْءاً ابْتَدأْتُ بِهِ. وبَدأْتُ الشيءَ: فَعَلْتُهُ ابْتِداءً. وَفِي الْحَدِيثِ: الخَيْلُ مُبَدَّأَةٌ يومَ الوِرْدِ أَي يُبْدَأُ بِهَا فِي السَّقْيِ قبلَ الإِبِلِ والغَنَمِ، وَقَدْ تحذفُ الْهَمْزَةُ فتصيرُ أَلفاً سَاكِنَةً. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الأَوَّلُ؛ ومنهُ قَوْلُهُمْ: افْعَلْهُ بادِيَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْلٍ، وبادِي بَدِيءٍ عَلَى فَعِيلٍ، أَي أَوَّلَ شيءٍ، والياءُ من بادِي ساكِنةٌ فِي موضعِ النصبِ؛ هَكَذَا يتكلمونَ بهِ. قَالَ وَرُبَّمَا تَرَكُوا هَمَزَهُ لكثرةِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا نذكرهُ فِي بَابِ الْمُعْتَلِّ. وبادِئُ الرأْيِ: أَوَّلُهُ وابْتِداؤُهُ. وَعِنْدَ أَهلِ التحقيقِ مَنَّ الأَوائِلِ مَا أُدْرِكَ قبلَ إِنْعامِ النَّظرِ؛ يُقال فَعَلَه فِي بادئِ الرأيِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَنتَ بادئَ الرَأْي ومُبْتَدَأَهُ تُرِيدُ ظُلْمنا، أَي أَنتَ فِي أَوَّلِ الرَّأْيِ تُريدُ ظُلْمنا. وَرُوِيَ أَيضاً: أَنتَ باديَ الرأْي تُرِيدُ ظُلمنا بِغَيْرِ هَمْزٍ، ومعناهُ أَنتَ فِيمَا بَدا مِنَ الرأْي وظَهَرَ أَي أَنتَ فِي ظَاهِرِ الرأْي، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: [وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ] وبادئَ الرَّأْيِ؛ قرأَ أَبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: بادئَ الرأْيِ بِالْهَمْزِ، وَسَائِرُ القرّاءِ قرءُوا بادِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَالَ الفَرّاءُ: لَا تَهْمِزُوا باديَ الرأْيِ لأَنَّ الْمَعْنَى فِيمَا يظهرُ لَنَا وَيَبْدُو؛ قَالَ: وَلَوْ أَرادَ ابْتِداءَ الرأْيِ فهَمزَ كَانَ صَوَابًا. وَسَنَذْكُرُهُ أَيضاً فِي بَدَا. وَمَعْنَى قراءَةِ أَبي عَمْرٍو بادئَ الرأيِ أَي أَوَّلَ الرأْيِ أَي اتَّبَعُوكَ ابْتِداءَ الرَأْي حِينَ ابْتَدءوا ينظرونَ، وَإِذَا فَكَّرُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ. وقالَ ابنُ الأَنباري: بادئَ، بالهمزِ، مَنْ بَدَأَ إِذَا ابْتَدَأَ؛ قَالَ: وانْتِصابُ مَنْ هَمزَ وَلَمْ يَهْمِزْ بالاتِّباع عَلَى مَذهَب المَصدرِ أَي اتَّبَعوكَ اتِّباعاً ظَاهِرًا، أَو اتِّباعاً مُبْتَدأً؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَعْنَى مَا نَراك اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا فِي ظاهرِ مَا نَرى مِنْهُمْ، وطَوِيَّاتُهم عَلَى خِلافِك وعَلى مُوافَقَتنَا؛ وَهُوَ منْ بَدا يَبْدُو إِذَا ظَهَر. وَفِي حديثِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: فانْطَلقَ إِلَى أَحَدِهم بادئَ الرَّأْي فَقَتَله. قَالَ ابنُ الأَثير: أَي فِي أَوَّلِ رأْيٍ رآهُ وابتدائِه، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ مِنَ البُدُوِّ: الظُّهور أَي فِي ظاهرِ الرَّأْيِ والنَّظَرِ. قَالُوا افْعَلْهُ بَدءاً وأَوَّلَ بَدْءٍ، عَنْ ثعلبٍ، وبادِيَ بَدْءٍ وباديَ بَدِيٍّ لَا يهمزُ. قَالَ وَهَذَا نادرٌ لأَنهُ لَيْسَ عَلَى التخفيفِ القياسيِّ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَما بادِئَ بَدْءٍ فإنِّي أَحْمَدُ اللهَ، وبادِي بَدأَةَ وبادئَ بداءٍ وَبَدَا بَدْءٍ وبَدْأَةَ بَدْأَةَ وباديَ بَدوٍ وبادِي بَداءٍ أَي أَمَّا بَدْءَ الرأْيِ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللهَ. ورأَيتُ فِي بعضِ أُصول الصحاحِ يقالُ: افْعَلْه بَدْأَةَ ذِي بَدْءٍ وبَدأَةَ ذِي بَدْأَةَ وبَدْأَةَ ذِي بَدِيءٍ وبَدْأَةَ بَديءٍ وبَديءَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْل، وبادِئَ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، وبادِئَ بَدِئٍ، عَلَى فَعِلٍ، وبَديءَ ذِي بَديءٍ أَي
__________
(1). قوله [وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ كَانَ ذَلِكَ في بدأتنا إلخ] عبارة القاموس وشرحه وحكى اللحياني قولهم في الحكاية كان ذلك الأَمر في بدأتنا مثلثة الباء فتحاً وضماً وكسراً مع القصر والمدّ وفي بدأتنا محركة قَالَ الأَزهري وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَلِكَ وفي مبدئنا بالضم ومبدئنا بالفتح ومبدأتنا بالفتح.
(1/27)

أَوَّلَ أَوَّلَ. وبدأَ فِي الأَمرِ وعادَ وأَبْدَأَ وأَعادَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ أَيَّ شيءٍ يُبْدِئُ الباطلُ وأَيَّ شيءٍ يُعِيدُ، وتكونُ مَا نَفْياً والباطلُ هُنَا إِبْليِسُ، أَي مَا يَخْلُقُ إِبلِيسُ وَلَا يَبْعَثُ، واللهُ جلَّ وعزَّ هُوَ الخالقُ والباعثُ. وفَعَلَه عَوْدَه عَلَى بَدْئِه وَفِي عَوْدِه وبَدْئِه وَفِي عَوْدَتِه وبَدأَته. وَتَقُولُ: افْعَلْ ذلكَ عَوْداً وبَدْءاً وَيُقَالُ: رجَعَ عَوْدَه عَلَى بَدْئِه: إِذا رَجَعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّم نَفَّلَ فِي البَدْأَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُلثَ
، أَرادَ بالبَدْأَةِ ابتِداءَ سَفَرِ الغَزْوِ وبالرَّجْعةِ القُفُولَ منهُ؛ والمعْنى كانَ إِذا نَهَضَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جُملةِ الْعَسْكَرِ المُقْبِل عَلَى العَدُوّ فأَوْقَعَتْ بطائِفةٍ مِنَ العَدُوّ، فَمَا غَنِمُوا كانَ لهمْ الرُّبُع ويَشْرَكُهُمْ سائِرُ العَسكر فِي ثلاثةِ أَرباعِ مَا غَنِموا، وإِذا فَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْدَ عَوْدِ العسكرِ كانَ لهمْ مِنْ جَمِيعِ مَا غَنِمُوا الثُّلث، لأَنَّ الكَرَّةَ الثانِيَةَ أَشَقُّ عَلَيْهِمْ، والخَطَر فِيهَا أَعْظَمُ، وَذَلِكَ لقُوّة الظَّهْرِ عِنْدَ دُخولهم وضَعْفِه عِنْدَ خُروجهم، وهمْ فِي الأَوّلِ أَنْشَطُ وأَشْهى للسَّيْرِ والإِمْعانِ فِي بِلادِ العَدُوّ، وهمْ عِنْدَ القُفُولِ أَضْعَفُ وأَفْترُ وأَشْهَى للرُّجوعِ إِلى أَوْطانهمْ، فزادَهمْ لِذلك. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ: واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُه يَقُولُ: لَيَضْرِبُنَّكُم عَلَى الدِّين عَوْداً كَمَا ضَرَبْتُموهم عَلَيْهِ بَدْءاً
أَي أَوّلًا، يَعْنِي العَجَمَ والمَوالي. وَفِي حَديثِ الحُدَيْبِيةِ: يكونُ لَهُمْ بَدءُ الفُجُورِ وثناهُ أَي أَوّلُه وآخِرُه. ويُقالُ فُلَانٌ مَا يُبدِئُ وَمَا يُعِيدُ أَي مَا يَتَكَلَّمُ ببادِئَةٍ وَلَا عائِدَةٍ. وَفِي الحديثِ:
مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمها وقَفِيزَها، ومَنَعَتِ الشامُ مُدْيَها ودِينارَها، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّها، وعُدْتم مِن حيثُ بَدَأْتُمْ.
قالَ ابنُ الأَثيرِ: هَذَا الحديثُ مِنْ مُعْجِزات سيدِنا رسول اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وَسَلَّمَ، لأَنهُ أَخبر بِمَا لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ فِي عِلم اللهِ كَائِنٌ، فَخرَج لفظُه عَلَى لَفْظِ الماضِي ودَلَّ بهِ عَلَى رِضَاهُ مِنْ عُمَر بنِ الْخَطَّابِ رضيَ اللهُ عَنْهُ بِمَا وَظَّفَه عَلَى الكَفَرةِ مِنَ الجِزْيةِ فِي الْأَمْصَارِ. وَفِي تَفْسِيرِ المنعِ قَوْلَانِ: أَحدُهما أَنه علِم أَنهم سَيُسْلِمُون ويَسْقُطُ عَنْهُمْ مَا وُظِّفَ عَلَيْهِمْ، فصارُوا لَهُ بِإسلامهم مَانِعِينَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وعُدْتُم مِن حيثُ بَدَأْتم، لأَنَّ بَدْأَهم، فِي عِلْم اللهِ، أَنهم سَيُسلِمُون، فَعَادُوا مِن حَيْثُ بَدَءُوا. وَالثَّانِي أَنهم يَخرُجونَ عَنِ الطّاعةِ ويَعْصون الإِمام، فيَمْنَعون مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الوَظائفِ. والمُدْيُ مِكيالُ أَهلِ الشامِ، والقَفِيزُ لأَهْلِ العِراقِ، والإِرْدَبُّ لأَهْل مِصْرَ. والابتداءُ فِي العَرُوض: اسْمٌ لِكُلِّ جُزْءٍ يَعْتَلُّ فِي أَوّلِ البيتِ بِعلةٍ لَا يَكُونُ فِي شيءٍ مِنْ حَشْوِ البيتِ كالخَرْم فِي الطَّوِيلِ والوافِرِ والهَزَجِ والمُتقارَب، فإِنَّ هَذِهِ كُلُّهَا يُسَمَّى كلُ واحِدٍ مِنْ أَجْزائِها، إِذا اعْتَلَّ، ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ لأَنَّ فَعُولُنْ تُحذف منهُ الفاءُ فِي الابتداءِ، وَلَا تُحْذَفُ الْفَاءُ مِنْ فَعُولُنْ فِي حَشْوِ الْبَيْتِ البتةَ وَكَذَلِكَ أَوّل مُفاعلتن وأَوّل مَفاعيلن يُحذفان فِي أَولِ الْبَيْتِ، وَلَا يُسمى مُسْتَفْعِلُن فِي البسيطِ وَمَا أَشبههُ مِمَّا علَّتُه، كَعِلَّةِ أَجزاءِ حَشوهِ، ابْتِدَاءً، وَزَعْمَ الأَخْفَشُ أَن الْخَلِيلَ جَعَلَ فَاعِلَاتُنْ فِي أَوّلِ المديدِ ابْتِدَاءً؛ قَالَ: ولَم يدرِ الأَخْفَشُ لِمَ جَعَلَ فاعِلاتُن ابْتداءً، وَهِيَ تَكُونُ فَعِلاتن وفاعِلاتن كَمَا تَكُونُ أَجزاءُ الحَشْوِ. وذهبَ عَلَى الأَخْفَشِ أَنَّ الخَليل جعلَ فاعِلاتُن هُنَا لَيْسَتْ كالحَشو لأَن أَلِفَها تسقُطُ أَبداً بِلا مُعاقبة، وكُلُّ مَا جَازَ فِي جُزْئهِ الأَوّلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي حَشْوِهِ، فَاسْمُهُ الابتداءُ؛ وإِنما سُمِّي مَا وَقَعَ فِي الجزءِ ابْتِدَاءً لابتدائِكَ بِالإِعْلالِ. وبَدَأَ اللهُ الخَلْقَ بَدْءاً وأَبْدَأَهمْ بِمَعْنَى خَلَقَهم. وَفِي
(1/28)

التنزيل العزيز: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ*
. وَفِيهِ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ
. وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
. وقالَ: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
؛ فالأَوّل مِنَ البادِئِ وَالثَّانِي منَ المُبْدِئِ وَكلاهُما صِفةٌ للهِ جَلِيلَةٌ. والبَدِيءُ: المَخْلوقُ. وبِئرٌ بَدِيءٌ كَبديع، والجمْعُ بُدُؤٌ. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الْبِئْرُ الَّتِي حُفِرت فِي الإِسلام حَدِيثةً وَلَيْسَتْ بعادِيَّةٍ، وتُرِكَ فِيهَا الهمزةُ فِي أَكثرِ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَن يَحْفِر بِئْرًا فِي الأَرْضِ المَواتِ الَّتِي لَا رَبَّ لَهَا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ المسيَّب:
فِي حَرِيمِ البئرِ البَدِيءِ خَمسٌ وعِشْرونَ ذِراعاً
، يَقُولُ: لَهُ خَمس وَعِشْرُونَ ذِراعاً حَوالَيْها حَرِيمُها، ليسَ لأَحَدٍ أَن يَحْفِرَ فِي تلكَ الخمسِ والعشرينَ بِئْرًا. وإِنما شُبِّهت هَذِهِ البئرُ بالأَرضِ الَّتِي يُحْيِيها الرجُلُ فَيَكُونُ مالِكاً لَهَا، قَالَ: والقَلِيبُ: البئرُ العادِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعلمُ لَهَا رَبٌّ وَلَا حافِرٌ، فَلَيْسَ لأَحدٍ أَن يَنْزِلَ عَلَى خمسينَ ذِرَاعًا مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنها لعامَّة النَّاسِ، فإِذا نزَلها نازِلٌ مَنَعَ غَيْرَهُ؛ وَمَعْنَى النُّزولِ أَن لَا يَتَّخِذها دَارًا ويُقِيم عَلَيْهَا، وأَمّا أَن يَكُونَ عابِرَ سَبيلٍ فَلَا. أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ للرَّكِيَّةِ: بَدِيءٌ وبَدِيعٌ، إِذَا حَفَرْتها أَنت، فإِن أَصَبْتها قَدْ حُفِرَتْ قبلَك، فَهِيَ خَفِيَّةٌ، وزَمْزَمُ خَفِيَّةٌ لأَنها لإِسمعِيل فاندَفنت، وأَنشَدَ:
فَصَبَّحَتْ، قَبْلَ أَذانِ الفُرْقانْ، ... تَعْصِبُ أَعْقارَ حِياض البُودانْ
قَالَ: البُودانُ القُلْبانُ، وَهِيَ الرَّكايا، وَاحِدُهَا بَدِيءٌ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مقلوبٌ، والأَصلُ بُدْيانٌ، فقَدَّمَ الياءَ وجعَلَها وَاوًا؛ والفُرقانُ: الصُّبْحُ، والبَدِيءُ: العَجَبُ، وجاءَ بأَمرٍ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، أَيْ عَجيبٍ. وبَدِيءٌ مِن بَدَأْتُ، والبَدِيءُ: الأَمْرُ البَدِيعُ، وأَبْدَأَ الرَّجُلُ: إِذا جاءَ بهِ، يُقال أَمرٌ بَدِيءٌ. قالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبرَص:
فَلَا بَدِيءٌ وَلَا عَجِيبُ
والبَدْءُ: السيِّدُ، وقِيلَ الشَّابُّ المُسْتَجادُ الرأْيِ، المُسْتشَارُ، والجَمْعُ بُدُوءٌ. والبَدْءُ: السَيِّدُ الأَوَّلُ فِي السِّيادةِ، والثُنْيانُ: الذِي يِليهِ فِي السُّؤْدد. قالَ أَوْسُ بْنُ مَغْراءَ السَّعْدِيّ:
ثُنْيانُنا، إِنْ أَتاهُمْ، كانَ بَدْأَهُمُ، ... وبدْؤُهُمْ، إنْ أَتانا، كانَ ثُنْيانا
والبَدْءُ: المَفصِلُ. والبَدْءُ: العَظْمُ بِمَا عَليهِ مِنَ اللَّحمِ. والبَدْءُ: خَيرُ عَظْمٍ فِي الجَزُورِ، وقيلَ خَيْرُ نَصِيبٍ فِي الجَزُور. والجمْعُ أَبْدَاءٌ وبُدُوءٌ مِثلُ جَفْنٍ وأَجْفانٍ وجُفُونٍ. قالَ طَرَفةُ بْنُ الْعَبْدِ:
وهُمُ أَيْسارُ لُقْمانَ، إِذا ... أَغْلَتِ الشَّتْوةُ أَبْداءَ الجُزُرْ
ويُقالُ: أَهْدَى لهُ بَدْأَةَ الجَزُورِ أَيْ خَيْرَ الأَنصِباءِ، وأَنشَدَ ابنُ السِّكِّيتِ:
عَلَى أَيِّ بَدْءٍ مَقْسَمُ اللّحْمِ يُجْعَلُ
والأَبْداءُ: المفَاصِلُ، واحِدُها بَدًى، مقصورٌ، وهو أَيْضاً بَدءٌ، مَهْمُوزٌ، تقدِيرُهُ بَدْعٌ. وأَبْدَاءُ الجَزُورِ عَشرَةٌ: وَرِكاهَا وفَخِذَاهَا وساقاهَا وكَتِفَاهَا وعَضُداها، وهُمَا أَلأَمُ الجَزُورِ لِكَثرَةِ العُرُوقِ. والبُدْأَةُ: النَّصِيبُ مِنْ أَنْصِباءِ الجَزُور؛ قالَ النَّمِرُ ابن تَوْلَب:
فَمَنَحْتُ بُدْأَتَهَا رَقِيباً جانِحاً، ... والنارُ تَلْفَحُ وَجْهَهُ بأُوَارِها
(1/29)

وَرَوَى ابنُ الأَعرابيِّ: فمَنَحْتُ بُدَّتَها، وَهِيَ النَّصيبُ، وهوَ مَذْكورٌ فِي مَوْضِعِه؛ وروَى ثَعْلَبٌ رفِيقاً جانِحاً «2». وَفِي الصِّحاحِ: البَدْءُ والبَدْأَةُ: النصِيبُ مِنَ الجَزورِ بفَتحِ الباءِ فِيهِمَا؛ وَهَذَا شِعْرُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ بضمِّها كَمَا ترَى. وبُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً فَهُوَ مبْدُوءٌ: جُدِرَ أَوْ حُصِبَ. قَالَ الكميتُ:
فكأَنَّما بُدِئَتْ ظواهِرُ جِلْدِهِ، ... ممَّا يُصَافِحُ مِنْ لهِيبِ سُهَامِها «3»
وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: بُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً: خَرَجَ بهِ بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيِّ؛ ثمَّ قَالَ: قالَ بَعْضُهُمْ هُو الجُدريُّ بِعَيْنِهِ. ورَجُلٌ مَبْدُوءٌ: خرَج بهِ ذلِك. وَفِي حديثِ
عائِشة رضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنها قالتْ: فِي اليومِ الَّذِي بُدِئَ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّم، وَا رَأْساه.
قالَ ابنُ الأَثير: يُقالُ مَتَى بُدِئَ فلانٌ أَي مَتَى مَرِضَ؛ قَالَ: ويُسأَلُ بهِ عَنِ الحيِّ والمَيِّتِ. وبَدَأَ مِنْ أَرضٍ إِلَى أَرضٍ أُخرى وأَبْدأَ: خرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا إِبْداءً. وأَبْدأَ الرَّجلُ: كِناية عَنِ النَّجْو، والاسمُ البَداءُ، ممدودٌ. وأَبْدَأَ الصبيُّ: خَرَجت أَسْنانُهُ بَعْدَ سُقُوطِها. والبُدْأَةُ: هَنَةٌ سوداءُ كأَنها كَمْءٌ وَلَا يُنتَفَعُ بِهَا، حَكَاهُ أَبو حنيفة.
بذأ: بَذَأْتُ الرَّجلَ بَذْءاً: إِذا رأَيْتُ مِنْهُ حَالًا كرِهْتُها. وبَذَأَتْهُ عَيْني تَبْذَؤُهُ بَذاءً وبذاءَةً: ازْدَرَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، وَلَمْ تَقْبَله، وَلَمْ تُعْجِبْكَ مَرْآتُه. وبَذَأْتُهُ أَبْذَؤُهُ بَذْءاً: إِذا ذَممْتُهُ. أَبو زيدٍ، يُقال: بَذَأَتْهُ عَيْني بَذْءاً إِذا أُطرِيَ لكَ وعندَكَ الشيءُ ثُمَّ لَمْ ترَهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا رأَيتهُ كَمَا وُصِفَ لكَ قُلْتَ: مَا تَبْذَؤُهُ العَيْنُ. وبَذَأَ الشيءَ: ذَمَّه. وبُذئَ الرَّجُلُ: إِذَا ازْدُرِيَ. وبَذَأَ الأَرضَ: ذَمَّ مَرْعاها. قال:
أُزِّيَ مُسْتَهنئٌ فِي البَدِيءِ، ... فَيَرْمَأُ فيهِ وَلَا يَبْذَؤُهْ
وَيُرْوَى: فِي البَدِيِّ؛ وكذلِك المَوْضِع إِذَا لَمْ تَحْمَدْه. وأَرضٌ بَذِيئَةٌ عَلَى مِثالِ فَعِيلة: لَا مَرْعى بِهَا. وباذَأْتُ الرَّجلَ: إِذَا خاصَمْته. وَقَالَ الشَّعْبي: إِذا عَظُمَتِ الحَلْقَةُ فَإِنَّمَا هِيَ بِذاءٌ ونِجاءٌ. وقِيلَ البِذاءُ: المُباذأَةُ وَهِيَ المُفاحَشة. يُقال باذَأْتُهُ بِذاءً ومُباذأَةً؛ والنِّجاءُ: المُناجاة. وَقَالَ شمِرٌ فِي تفسيرِ قولِهِ: إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَبَذيءٌ مُغْرِقٌ. قَالَ: البَذِيءُ: الفاحِشُ القَوْلِ، ورَجُلٌ بَذِيءٌ مِن قَوْمٍ أَبْذِياءَ، والبَذِيءُ: الفاحِشُ مِن الرِّجالِ، والأُنثى بَذِيئةٌ. وَقَدْ بَذُؤَ يَبْذُؤُ بِذَاءً وبَذاءَةً، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بَذِئَ يَبْذَأُ بَذْءاً. قَالَ أَبو النَّجْمِ:
فاليَومُ يَوْمُ تَفاضُلٍ وبَذاء
وامرأَةٌ بَذِيئةٌ ورَجُلٌ بَذيءٌ مِنْ قَوْمٍ أَبْذِياءَ: بَيِّنُ البَذاءَةِ. وأَنشَدَ:
هَذْرَ البَذِيئةِ، لَيْلَها، لَمْ تَهْجَعِ
وامرأَةٌ بَذِيَّةٌ. وَسَنَذْكُرُ فِي المعتلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
__________
(2). قوله [جانحاً] كذا هو في النسخ بالنون وسيأتي في ب د د بالميم.
(3). قوله [سهامها] ضبط في التكملة بالفتح والضم ورمز له بلفظ معاً إشارة إلى أن البيت مروي بهما.
(1/30)

برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ
. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ مِثالٍ. قالَ ولهذِهِ اللفْظَةِ مِن الاخْتِصاصِ بخَلْقِ الحيَوانِ مَا لَيْسَ لَهَا بغَيرهِ مِن المخْلوقات، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ فِي غيرِ الحيوانِ، فيُقال: برَأَ اللهُ النسَمَة وخَلَقَ السَّماوات والأَرضَ. قَالَ ابنُ سِيدَة: برَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم بَرءاً وبُرُوءاً: خَلَقَهُم، يكونُ ذلكَ فِي الجَواهِرِ والأَعْراضِ. وَفِي التنزِيلِ: [مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
] وَفِي التَّهْذِيبِ: والبَرِيَّةُ أَيضاً: الخَلْق، بِلَا هَمْزٍ. قالَ الفَرَّاءُ: هيَ مِنْ بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ أَي خَلَقَهُم. والبَرِيَّةُ: الخَلْقُ، وأَصْلُها الهمْزُ، وَقَدْ ترَكَت العَرَبُ هَمْزَها. ونظِيرهُ: النبيُّ والذُّرِّيَّةُ. وأَهلُ مَكَّةَ يُخالِفُونَ غيرَهُم مِنَ العَرَب، يَهْمِزُونَ البَريئةَ والنَّبيءَ والذّرِّيئةَ، مِنْ ذَرَأَ اللهُ الخلْقَ، وذلِكَ قلِيلٌ. قالَ الفرَّاءُ: وإِذا أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن البرَى، وَهُوَ التُّراب، فأَصلها غَيْرُ الهمْزِ. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَجمَعَتِ العَرَبُ عَلَى ترْكِ هَمْزِ هَذِهِ الثلاثةِ، وَلَمْ يَستثنِ أَهل مكةَ. وبَرِئْتُ مِن المَرَضِ، وبَرَأَ المرِيضُ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ بَرْءاً وبُرُوءاً، وأَهلُ العَالِيَةِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ أَبْرأُ بَرْءاً وبُروءاً، وأَهلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ مِنَ المرَضِ بَرءاً، بالفتحِ، وسائرُ العَرَبِ يَقُولُونَ: بَرِئتُ مِنَ المرَضِ. وأَصْبَحَ بارِئاً مِنْ مَرَضِهِ وبَرِيئاً مِنْ قومٍ بِراءٍ، كقولكَ صحِيحاً، وصِحاحاً، فذلِكَ ذَلِكَ. غيرَ أَنه إِنما ذَهَبَ فِي بِراءٍ إِلَى أَنه جَمْعُ بَرِيءٍ. قَالَ وقدْ يجوزُ أَنْ يَكون بِرَاءٌ أَيضاً جمْع بارِئٍ، كجائعٍ وجِياعٍ وصاحِبٍ وصِحابٍ. وقدْ أَبرَأَهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ إِبراءً. قَالَ ابنُ بَرِّيّ: لَمْ يَذكُر الجوهَري بَرَأْتُ أَبرُؤُ، بالضمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ: وَقَدْ ذكَرهُ سِيبويهِ وأَبو عثمانَ المازِني وغيرُهُما مِنَ البصرِيين. قالَ وإِنما ذكَرْتُ هَذَا لأَنَّ بعْضَهُم لَحَّنَ بَشار بنَ بُرْد فِي قولهِ:
نَفَرَ الحَيُّ مِنْ مَكاني، فَقَالُوا: ... فُزْ بصَبْرٍ، لعَلَّ عَيْنَكَ تبْرُو
مَسَّهُ، مِنْ صُدودِ عَبْدةَ، ضُرٌّ، ... فبَنَاتُ الفُؤَادِ مَا تسْتَقِرُّ
وَفِي حدِيثِ
مَرَضِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وسَلَّم، قالَ العباسُ لِعَلِيٍّ رضِيَ اللهُ عنهُما: كيفَ أَصْبَحَ رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ؟ قالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بارِئاً
، أَي مُعافًى. يقالُ: بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبرَأُ بَرْءاً، بِالْفَتْحِ، فأَنا بارِئٌ؛ وأَبرَأَني اللهُ مِنَ المرَض. وغيرُ أَهلِ الحِجازِ يَقُولُونَ: برِئت، بالكسرِ، بُرْءاً، بِالضَّمِّ. ومِنْهُ قولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْف لأَبي بَكْرٍ رضيَ اللهُ عنهُما: أَراكَ بَارِئًا. وَفِي حديثِ
الشُّرْب: فإِنهُ أَرْوَى وأَبرَى
، أَي يُبرِئهُ مِنْ أَلَمِ العَطَشِ. أَو أَرادَ أَنهُ لَا يكونُ مِنْهُ مَرَضٌ، لأَنهُ قدْ جاءَ فِي حديثٍ آخَرَ:
فإِنهُ يُورِثُ الكُبادَ.
قالَ: وَهَكَذَا يُرْوَى فِي الحديثِ أَبْرى، غيرَ مَهْمُوزةٍ، لأَجلِ أَرْوَى. والبَرَاءُ فِي المَدِيدِ: الجُزْءُ السَّالِمُ مِنْ زِحَافِ المُعاقبَةِ. وكلُّ جزءٍ يمكِنُ أَنْ يَدْخُله الزِّحافُ كالمُعاقبَةِ، فيَسْلَمُ منهُ، فَهُوَ بَرِيءٌ. الأَزهَرِي: وأَما قَوْلُهُمْ بَرِئْتُ مِنَ الدَّينِ، والرَّجُلُ
(1/31)

أَبْرَأَ بَراءَةً، وبَرِئتُ إليْكَ مِنْ فلانٍ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فليسَ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ اللغَةِ. قَالَ الأَزهَري: وَقَدْ رَوَوْا بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبْرُؤُ بُرْءاً. قَالَ: وَلَمْ نجِدْ فِيمَا لَامُهُ هَمْزةٌ فَعَلْتُ أَفْعُلُ. قَالَ: وَقَدِ اسْتَقْصَى العلماءُ باللغَةِ هَذَا، فَلَمْ يجدُوهُ إِلا فِي هَذَا الحرْف، ثُمَّ ذكرَ قرَأْتُ أَقْرُؤُ وهَنَأْتُ البعِيرَ أَهْنُؤُه. وقولهُ عزَّ وجلَّ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
، قَالَ: فِي رَفعِ بَرَاءةٌ قولانِ: أَحدهُما عَلَى خَبرِ الابتداءِ، الْمَعْنَى: هذهِ الآياتُ بَرَاءَةٌ مِن اللهِ ورسولهِ؛ وَالثَّانِي بَراءَةٌ
ابتداءٌ والخبرُ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. قَالَ: وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ. وأَبْرأْتُه مِمَّا لِي عليْهِ وبَرَّأْتُهُ تَبْرِئةً، وبَرِئَ مِنَ الأَمْرِ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ، والأَخِير نادِرٌ، بَراءَةً وبَراءً، الأَخِيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ قالَ: وكذلِكَ فِي الدَّينِ والعُيوبِ بَرِئَ إِليكَ مِنْ حَقِّكَ بَراءَةً وبَراءً وبُروءاً وتبرُّؤاً، وأَبرَأَكَ مِنهُ وبَرَّأَكَ. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ: [فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا]. وأَنا بَرِيءٌ مِنْ ذلِكَ وبَراءٌ، والجمْعُ بِراءٌ، مِثْلَ كَرِيمٍ وكِرامٍ، وبُرَآءُ، مِثل فقِيه وفُقَهاء، وأَبراء، مِثْلَ شريفٍ وأَشرافٍ، وأَبرِياءُ، مِثْلَ نَصِيبٍ وأَنْصِباء، وبَرِيئون وبَراء. وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: البُراءُ جمعُ بَريء، وَهُوَ مِنْ بابِ رَخْلٍ ورُخالٍ. وَحَكَى الفرَّاءُ فِي جَمْعِهِ: بُراء غَيْرَ مصروفٍ عَلَى حذفِ إِحدى الهمزَتين. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَهلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: أَنا مِنك بَراء. قَالَ: وَفِي التَّنْزِيلِ العزيزِ: [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
]. وتَبَرَّأْتُ مِن كَذَا وأَنا بَراءٌ مِنهُ وخَلاءٌ، لَا يُثَنَّى وَلَا يجمَع، لأَنهُ مصدَرٌ فِي الأَصْل، مِثل سَمِعَ سَمَاعاً، فَإِذَا قُلْتَ: أَنا بَرِيءٌ مِنهُ وخَلِيٌّ مِنْهُ ثنَّيت وجَمَعْت وأَنَّثْت. ولغةُ تميمٍ وَغَيْرِهِمْ مِن العَرَب: أَنا بَرِيءٌ. وَفِي غيرِ موضعٍ مِن القرآنِ: إِنِّي بَرِيءٌ*
؛ والأُنثى بَريئَةٌ، وَلَا يُقال: بَرَاءَةٌ، وهُما بَريئتانِ، والجمعُ بَرِيئات، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: بَرِيَّاتٌ وبَرايا كخَطايا؛ وأَنا البرَاءُ مِنهُ، وكذلِكَ الِاثْنَانِ والجمعُ والمؤَنث. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
]. الأَزهري: والعَرَبُ تَقُولُ: نحنُ مِنكَ البَراءُ والخَلاءُ والواحِد وَالِاثْنَانِ والجمْعُ مِنَ المذكَّر والمؤَنث يُقال: بَراءٌ لأَنهُ مصدَر. وَلَوْ قَالَ: بَرِيء، لقِيلَ فِي الاثنينِ: بَريئانِ، وَفِي الْجَمْعِ: بَرِيئونَ وبَراءٌ. وَقَالَ أَبو إِسحاق: الْمَعْنَى فِي البَراءِ أَي ذُو البَراءِ مِنْكُمْ، ونحنُ ذَوُو البَراءِ مِنْكُمْ. وزادَ الأَصمَعِي: نحنُ بُرَآء عَلَى فُعَلاء، وبِراء عَلَى فِعالٍ، وأَبْرِياء؛ وَفِي المؤَنث: إِنني بَرِيئةٌ وبَرِيئتانِ، وَفِي الجمْعِ بَرِيئاتٌ وبَرايا. الْجَوْهَرِيُّ: رجلٌ بَرِيءٌ وبُراءٌ مثلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: المعروفُ فِي بُراءٍ أَنه جمعٌ لَا واحِدٌ، وعليهِ قولُ الشاعِر:
رأَيتُ الحَرْبَ يَجنُبُها رِجالٌ، ... ويَصْلى، حَرَّها، قَوْمٌ بُراءٌ
قَالَ ومثلهُ لزُهير:
إليْكُم إِنَّنا قَوْمٌ بُراءٌ
وَنَصَّ ابْنُ جِنِّي عَلَى كونِهِ جَمْعاً، فَقَالَ: يجمَعُ بَرِيءٌ عَلَى أَربَعَةٍ مِن الجُموع: بَرِيءٌ وبِراءٌ، مِثل ظَريفٍ وظِرافٍ، وبَرِيءٌ وبُرَآءُ، مِثْلَ شَرِيفٍ وشُرفاء، وبَرِيءٌ وأَبْرِياءُ، مِثل صَدِيقٍ وأَصدِقاء، وبَريءٌ وبُراءٌ، مِثْلَ مَا جاءَ مِنَ الجُموعِ عَلَى فُعالٍ نَحْوَ تُؤَامٍ ورُباءٍ «4» فِي جمعِ تَوْأَم ورُبَّى.
__________
(4). الصواب أن يقال في جمعها: رُبَاب بالباء في آخره وهو الذي ذكره المصنّف وصاحب القاموس وغيرهما في مادة ر ب ب أحمد تيمور.
(1/32)

ابنُ الأَعرابي: بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ، وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ، وبَرِئَ، إِذا أَعْذَرَ وأَنذَرَ؛ وَمِنْهُ قولهُ تَعَالَى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
، أَي إِعْذارٌ وإِنذارٌ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيرة رضيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا دعاهُ عُمَرُ إِلَى العَملِ فأَبَى، فَقَالَ عُمر: إِنّ يُوسُفَ قَدْ سأَلَ العَمَلَ. فقالَ: إِنَّ يُوسُفَ مِنِّي بَرِيءٌ وأَنا مِنْه بَرَاء
أَيْ بَرِيءٌ عَنْ مُساواتِهِ فِي الحُكْمِ وأَنْ أُقاسَ بهِ؛ وَلَمْ يُرِدْ بَراءَةَ الوِلايةِ والمَحَبَّةِ لأَنهُ مأْمورٌ بالإِيمانِ بِهِ، والبَرَاءُ والبَرِيءُ سَواءٌ. وليلةُ البَراءِ لَيْلَةَ يَتَبَرَّأُ القمرُ منَ الشمسِ، وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الشهرِ. التَّهْذِيبُ: البرَاءُ أَوَّلُ يومٍ منَ الشهرِ، وَقَدْ أَبْرأَ: إِذَا دخلَ فِي البَراءِ، وَهُوَ أوّلُ الشهرِ. وَفِي الصحاحِ البَراءُ، بالفتحِ: أَوَّلُ ليلةٍ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ ليلةُ البَراءِ، قَالَ:
يَا عَيْنُ بَكِّي مالِكاً وعَبْسَا، ... يَوْماً، إِذا كانَ البَراءُ نَحْسا
أَي إِذا لَمْ يَكُنْ فيهِ مَطَرٌ، وَهُمْ يَسْتَحِبُّونَ المطرَ فِي آخِرِ الشهرِ؛ وجمعهُ أَبْرِئةٌ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ثعلبٍ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ تُسَمَّى بَراء لتَبَرُّؤِ الْقَمَرِ فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ لِآخِرِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ البَراء لأَنه قد بَرِئَ مِن هَذَا الشَّهْرِ. وابنُ البَراء: أَوَّل يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ. ابْنُ الأَعرابي: البَراءُ مِنَ الأَيامِ يَوْمُ سَعْدٍ يُتَبرَّكُ بِكُلِّ مَا يَحدُث فِيهِ، وأَنشد:
كَانَ البَراءُ لَهُمْ نَحْساً فَغَرَّقَهُم، ... وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ نحْساً مُذ سَرَى القَمَرُ
وَقَالَ آخَرُ:
إِنَّ عبِيداً «1» لَا يَكُونُ غُسّاً، ... كَمَا البَراءُ لَا يَكُونُ نحْسا
أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: أَبْرَأَ الرَّجُل: إِذَا صادَفَ بَرِيئاً، وَهُوَ قَصَبُ السُّكَّرِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَحْسَبُ هَذَا غَيْرَ صَحِيحٍ؛ قَالَ: وَالَّذِي أَعرفه أَبَرْت: إِذَا صادَفْتَ بَرِيّاً، وهو سُكَّر الطَّبَرْزَدِ. وبارَأْتُ الرَّجل: بَرِئْتُ إِلَيْهِ وبَرِئَ إِليَّ. وبارَأْتُ شَرِيكي: إِذَا فارَقْتَه. وبارأَ المرأَةَ والكَرِيَّ مُبارأَةً وبِراءً: صالَحَهما عَلَى الفِراق. والاستِبراءُ: أَن يَشْتَرِيَ الرَّجلُ جارِيةً، فَلَا يَطَؤُها حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضةً ثُمَّ تَطْهُرَ؛ وَكَذَلِكَ إِذَا سبَاها لَمْ يَطَأْها حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ، ومعناهُ: طَلَبُ بَراءَتها مِنَ الحَمْل. واستَبْرأتُ مَا عِنْدَكَ: غيرُه. اسْتَبْرَأَ المرأَةَ: إِذَا لَمْ يَطَأْها حَتَّى تحِيضَ؛ وَكَذَلِكَ اسْتَبْرَأَ الرّحِمَ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي اسْتِبْراء الْجَارِيَةِ: لَا يَمَسُّها حَتَّى تَبْرَأَ رَحِمُها ويَتَبَيَّنَ حَالُهَا هَلْ هِيَ حامِلٌ أَم لَا. وَكَذَلِكَ الاسْتِبْراءُ الَّذِي يُذْكَر مَعَ الاسْتِنْجاء فِي الطَّهارة، وَهُوَ أَن يَسْتَفْرِغَ بَقِيَّةَ الْبَوْلِ، ويُنَقِّي مَوْضِعَه ومَجْراه، حَتَّى يُبْرِئَهما مِنْهُ أَي يُبِينَه عَنْهُمَا، كَمَا يَبْرَأُ مِنَ الدَّين والمَرَض. والاسْتِبْراءُ: اسْتِنقاء الذَّكَر عَنِ الْبَوْلِ. واسْتَبْرأَ الذَّكَرَ: طَلَبَ بَراءَتَه مِن بَقِيَّةِ بَوْلٍ فِيهِ بِتَحْرِيكِهِ ونَتْرِه وَمَا أَشبه ذَلِكَ، حَتَّى يَعْلَم أَنه لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ. ابْنُ الأَعرابي: البَرِيءُ: المُتَفصِّي مِنَ القَبائح، المُتنَجِّي عَنِ الْبَاطِلِ والكَذِبِ، البعِيدُ مِن التُّهم، النَّقِيُّ القَلْبِ مِنَ الشِّرك. والبَرِيءُ الصحِيحُ الجِسمِ والعقلِ. والبُرْأَةُ، بالضمِّ: قُتْرةُ الصَّائِدِ الَّتِي يَكْمُن فيها،
__________
(1). قوله [عبيداً] كذا في النسخ والذي في الأَساس سعيداً.
(1/33)

وَالْجَمْعُ بُرَأٌ. قَالَ الأَعشى يَصِفُ الْحَمِيرَ:
فأَوْرَدَها عَيْناً، مِنَ السِّيف، رَيَّةً، ... بِها بُرَأ مِثْلُ الفَسِيلِ المُكَمَّمِ
بسأ: بَسَأَ بِهِ يَبْسَأُ بَسْأً وبُسوءاً وبَسِئَ بَسَأً: أَنِسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ بَهَأْتُ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
بَسَأْتَ بِنِيِّها، وجَوِيتَ عنها، ... وعِنْدَكَ، لَوْ أَرَدْتَ، لَها دَواءُ
وَفِي الْحَدِيثِ
أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ قَالَ بَعْدَ وَقْعة بدرٍ: لَوْ كَانَ أَبو طالبٍ حَيّاً لَرأَى سُيُوفَنَا وَقَدْ بَسِئَتْ بالمَياثِلِ.
بَسِئَتْ وبَسَأَتْ بفتحِ السِّينِ وكسرِها: اعْتادَت واسْتَأْنَسَتْ، والمَياثِلُ: الأَماثِلُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا فُسِّر، وكأَنه مِنَ المَقلوب. وبَسَأَ بذلكَ الأَمْرِ بَسْأً وبُسُوءاً: مَرَنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكْتَرِث لِقُبْحه وَمَا يُقَالُ فِيهِ. وبَسَأَ بِهِ: تَهاوَنَ. وَنَاقَةٌ بَسُوءٌ: لَا تمنَعُ الحالِبَ. وأَبْسأَنِي فلانٌ فبَسِئْتُ بِهِ.
بطأ: البُطْءُ والإِبْطاءُ: نَقِيضُ الإِسْراع. تَقُولُ مِنْهُ: بَطُؤَ مَجِيئُكَ وبَطُؤَ فِي مَشْيِه يَبْطُؤُ بُطْأً وبِطاءً، وأبْطَأَ، وتَباطأَ، وَهُوَ بَطِيءٌ، وَلَا تَقُلْ: أَبْطَيْتُ، وَالْجَمْعُ بِطاءٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ «1»:
فَضْلَ الجِيادِ عَلَى الخَيل البِطاءِ، فَلَا ... يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُوناً وَلَا نَزِقا
ومنه الإِبْطاءُ والتَّباطُؤُ. وَقَدِ اسْتَبْطَأَ وأَبْطَأَ الرجُلُ: إِذا كَانَتْ دَوابُّه بِطَاءً، وَكَذَلِكَ أَبْطأَ القومُ: إِذا كَانَتْ دَوَابُهُمْ بِطاءً. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ بَطَّأَ بِهِ عملُه لَمْ يَنْفَعْه نَسَبُه
أَي مَنْ أَخَّرَه عملُه السَّيِءُ أَو تَفْريطُه فِي الْعَمَلِ الصالحِ لَمْ يَنْفَعْه فِي الآخرةِ شَرَفُ النَّسبِ. وأَبْطأَ عَلَيْهِ الأَمْرُ: تَأَخَّرَ. وبَطَّأَ عَلَيْهِ بالأَمْرِ وأَبْطَأَ بِهِ، كِلاهما: أَخَّرَهُ. وبَطَّأَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذا ثَبَّطَه عَنْ أَمرٍ عَزَمَ عَلَيْهِ. وَمَا أَبْطَأَ بِكَ وبَطَّأَ بِكَ عَنَّا، بِمَعْنًى، أَي مَا أَبْطَأَ «2» ... وتَباطأَ الرَّجُل فِي مَسِيرهِ. وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
وهُمُ العشِيرةُ أَنْ يُبَطّئَ حاسِدٌ، ... أَوْ أَنْ يَلُومَ، مَعَ العِدا، لُوّامها
فسرهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: يَعْنِي أَن يَحُثّ الْعَدُوَّ عَلَى مَساوِيهم، كأَنّ هَذَا الحاسِد لَمْ يَقْنع بِعَيْبِهِ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى حَثَّ. وبُطْآنَ مَا يَكُونُ ذَلِكَ وبَطْآنَ أَي بَطُؤَ، جَعَلُوهُ اسْمًا لِلْفِعْلِ كَسُرْعانَ. وبُطْآنَ ذَا خُروجاً: أَي بَطُؤَ ذَا خُرُوجًا، جُعِلت الفتحةُ الَّتِي فِي بَطُؤَ عَلَى نُونِ بُطْآنَ حِينَ أَدَّتْ عَنْهُ لِيَكُونَ عَلَماً لَهَا، ونُقلت ضَمَّةُ الطَّاءِ إِلَى الْبَاءِ. وَإِنَّمَا صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ لأَن مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ: أَي مَا أَبْطَأَه. اللَّيْثُ: وباطِئةٌ اسْمٌ مجهولٌ أَصلُه. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الباطِئةُ: النَّاجُودُ. قَالَ: وَلَا أَدري أَمُعَرَّبٌ أَم عَرَبِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُجعل فِيهِ الشرابُ، وَجَمْعُهُ البَواطِئ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشعارِهم.
بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ
عليٍّ: دخل عليَ
__________
(1). أي يَمْدَحُ هَرِمَ بْنَ سِنَانٍ المرّي وقبله: يَطْعَنُهُمْ مَا ارْتَمَوْا حَتَّى إذا طعنوا ضَارَبَ حَتَّى إِذَا مَا ضاربوا اعتنقا
(2). كذا بياض بالنسخ وأصل العبارة للصحاح بدون تفسير.
(1/34)

رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى شَاةٍ بَكِيءٍ، فَحلَبها.
وَفِي حَدِيثِ
عُمَر أَنه سأَل جَيْشاً: هَلْ ثَبتَ لَكُمُ العَدوّ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ بَكيئةٍ؟
قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
وَشَدُّ كَوْرٍ عَلَى وَجْناء ناجِيةٍ، ... وَشدّ سَرْجٍ عَلَى جَرْداءَ سُرْحُوبِ
يقالُ مَحْبِسُها أَدْنى لِمَرْتَعِها، ... وَلَوْ نُفادِي بِبَكْءٍ كلَّ مَحْلُوب
أَراد بِقَوْلِهِ مَحْبِسُها أَيْ مَحْبِسُ هَذِهِ الإِبل وَالْخَيْلِ عَلَى الجَدْب، وَمُقَابَلَةُ الْعَدُوِّ عَلَى الثَّغْر أَدنى وأَقربُ مِنْ أَن تَرتعَ وتُخْصِب وتُضَيِّعَ الثَّغْرَ فِي إِرسالِها لتَرْعى وتُخْصِب. وناقةٌ بَكيئةٌ وأَيْنُقٌ بِكاء، قَالَ:
فَلَيَأْزِلَنَّ «1» وتَبْكُؤُنَّ لِقاحُه، ... ويُعَلِّلَنَّ صَبِيَّه بِسَمارِ
السَّمارُ: اللَّبَنُ الَّذِي رُقِّق بِالْمَاءِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: سَماعُنا، فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، بَكُؤَتْ تَبْكُؤُ، قَالَ: وَسَمِعْنَا فِي الْمُصَنَّفِ لِشَمِرٍ عَنْ أَبي عُبيد عَنْ أَبي عَمْرو: بَكَأَتِ الناقةُ تَبْكَأُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: كُلُّ ذَلِكَ مَهْمُوزٌ. وَفِي حَدِيثِ
طاؤوس: مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبن فَلَهُ بكُلّ حَلْبةٍ عشرُ حَسَناتٍ غَزُرَتْ أَو بَكَأَتْ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبَنٍ بكِيئةً كَانَتْ أَو غَزِيرةً.
وأَما قَوْلُهُ:
أَلا بَكَرَتْ أُمُّ الكِلابِ تلُومُنِي، ... تَقُولُ: أَلا قَدْ أَبْكَأَ الدَّرَّ حَالِبُهْ
فَزَعَمَ أَبو رِياش أَنّ مَعْنَاهُ وجدَ الحالِبُ الدَّرَّ بَكِيئاً، كَمَا تَقُولُ أَحْمَدَه: وجَده حَمِيداً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدِي أَن تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ أَي جَعَلَهُ بَكِيئاً، غَيْرَ أَني لَمْ أَسمع ذَلِكَ مِنْ أَحد، وإِنما عَامَلْتُ الأَسبق والأَكثر. وبَكأَ الرجُل بَكاءَةً، فَهُوَ بَكِيءٌ مِنْ قَوْمٍ بِكاء: قلَّ كلامُه خِلْقةً. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِنّا مَعْشر النُّبَآءِ بِكاءٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ:
نحنُ مَعاشِرَ الأَنبياء فِينَا بُكْءٌ وبُكاءٌ
: أَي قِلَّة كلامٍ إِلَّا فِيمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ. بَكُؤَتِ النَّاقةُ: إِذَا قلَّ لبنُها؛ ومَعاشِرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. والاسمُ البُكْءُ. وبَكِئَ الرَّجل: لَمْ يُصِبْ حَاجَتَهُ. والبُكْءُ: نَبْتٌ كالجَرْجِير، وَاحِدَتُهُ بُكْأَةٌ.
بهأ: بَهَأَ بِهِ يَبْهَأُ وبَهِئَ وبَهُؤَ بَهْأً وبهَاءً وبَهُوءاً: أَنِسَ بِهِ. وأَنشد:
وقَدْ بَهأَتْ، بالحاجِلاتِ، إفالُها، ... وسَيْفٍ كَرِيمٍ لَا يَزالُ يصُوعها
وبَهَأْتُ بِهِ وبَهِئْتُ: أَنِسْتُ. والبَهاءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: النَّاقَةُ الَّتِي تَسْتأْنِسُ إِلَى الحالِب، وَهُوَ مِن بَهَأْتُ بِهِ، أَي أَنِسْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ بَهاء، وَهَذَا مَهْمُوزٌ مَنْ بَهَأْت بِالشَّيْءِ. وَفِي حَدِيثِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنه رأَى رَجُلًا يَحْلِف عِنْدَ المَقامِ، فَقَالَ أَرى النَّاسَ قَدْ بَهَئُوا بِهَذَا المَقامِ
، مَعْنَاهُ: أَنهم أَنِسُوا بِهِ. حَتَّى قَلَّتْ هَيْبَتُه فِي قُلوبهم. وَمِنْهُ حَدِيثُ
مَيْمُون بْنِ مِهرانَ أَنه كَتَبَ إِلَى يُونُس بْنِ عُبَيْدٍ: عليكَ بكِتابِ اللَّهِ فإِنَّ الناسَ قَدْ بَهَئُوا بِهِ، واسْتَخَفُّوا عَلَيْهِ أَحادِيثَ الرِّجال.
قَالَ أَبو عُبيد: رُوِي بَهَوا بِهِ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ في الكلام مهموز.
__________
(1). قوله [فليأزلن] في التكملة والرواية وليأزلن بالواو منسوقاً عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ:
فليضربن المرء مفرق خاله ... ضرب الفقار بمعول الجزار
والبيتان لأَبي مكعت الأسدي.
(1/35)

أَبو سَعِيدٍ: ابْتَهأْتُ بِالشَّيْءِ: إذا أَنِسْتَ به وأَحْبَبْتَ قُرْبه. قَالَ الأَعشى:
وَفِي الحَيِّ مَنْ يَهْوَى هَوانَا، ويَبْتَهِي، ... وآخَرُ قَدْ أَبْدَى الكآبَةَ، مُغْضَبا «1»
تَرَكَ الْهَمْزَ مَنْ يَبْتَهِي. وبَهَأَ البيتَ: أَخْلاه مِنَ المَتاعِ أَو خَرَّقَه كأَبْهاه. وأَما البَهاءُ مِنَ الحُسْن فإِنه مَنْ بَهِيَ الرَّجُلُ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَا بَهَأْتُ لَهُ وَمَا بَأَهْتُ لَهُ: أَي مَا فَطِنْتُ له.
بوأ: باءَ إِلَى الشَّيْءِ يَبُوءُ بَوْءاً: رَجَعَ. وبُؤْت إِلَيْهِ وأَبَأْتُه، عَنْ ثَعْلَبٍ، وبُؤْته، عَنِ الْكِسَائِيِّ، كأَبَأْتُه، وَهِيَ قَلِيلَةٌ. والباءَةُ، مِثْلَ الباعةِ، وَالْبَاءُ: النِّكاح. وسُمي النكاحُ باءَةً وَبَاءً مِنَ المَباءَةِ لأَن الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مَنْ أَهله أَي يَسْتَمْكِنُ مِنْ أَهله، كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دارِه. قَالَ الرَّاجِزُ يَصِفُ الحِمار والأُتُنَ:
يُعْرِسُ أَبْكاراً بِهَا وعُنَّسا، ... أَكرَمُ عِرْسٍ، بَاءَةً، إِذ أعْرَسا
وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتزوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ، فعليهِ بالصَّومِ، فإِنَّه له
؛ وجاء: أَراد بِالْبَاءَةِ النكاحَ والتَّزْويج. وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَريصٌ عَلَى الْبَاءَةِ أَي عَلَى النِّكَاحِ. وَيُقَالُ: الجِماعُ نَفْسُه باءةٌ، والأَصلُ فِي الباءةِ المَنْزِل ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ التَّزْوِيجِ باءةٌ لأَنَّ مَن تزوَّج امرأَةً بَوَّأَها مَنْزِلًا. وَالْهَاءُ فِي الْبَاءَةِ زَائِدَةٌ، والناسُ يَقُولُونَ: الْبَاهُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الباءُ والباءةُ والباهُ كُلها مَقُولَاتٌ. ابْنُ الأَنباري: الباءُ النِّكاح، يُقَالُ: فُلانٌ حريصٌ عَلَى الْبَاءِ والباءَة والباهِ، بِالْهَاءِ وَالْقَصْرِ، أَي عَلَى النِّكَاحِ؛ والباءةُ الواحِدةُ وَالْبَاءُ الْجَمْعُ، وتُجمع الباءَةُ عَلَى الباءَاتِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا أَيُّها الرّاكِبُ، ذُو الثّباتِ، ... إنْ كُنتَ تَبْغِي صاحِبَ الباءَاتِ،
فاعْمِدْ إِلَى هاتِيكُمُ الأَبْياتِ
وَفِي الْحَدِيثِ:
عَلَيْكُمْ بالباءَةِ
، يَعْنِي النّكاحَ والتَّزْويج؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ:
إِن امرأَة مات عنها زوجُها فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ وَقَدْ تَزَيَّنَت للباءَةِ.
وبَوَّأَ الرجلُ: نَكَحَ. قَالَ جَرِيرٌ:
تُبَوّئُها بِمَحْنِيةٍ، وحِيناً ... تُبادِرُ حَدَّ دِرَّتِها السِّقابا
وللبئرِ مَباءَتان: إِحْدَاهُمَا مَرْجِع الْمَاءِ إِلَى جَمِّها، والأُخْرى مَوْضِعُ وقُوفِ سائِق السّانِية. وَقَوْلُ صَخْرِ الْغَيِّ يمدَح سَيْفًا لَهُ:
وصارِمٍ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ، ... أَبْيضَ مَهْوٍ، فِي مَتْنِه رُبَدُ
فَلَوْتُ عَنْهُ سُيوفَ أَرْيحَ، ... حَتَّى باءَ كَفّي، وَلَمْ أَكَدْ أَجِدُ
الخَشِيبةُ: الطَّبْعُ الأَوَّلُ قَبْلَ أَن يُصْقَلَ ويُهَيَّأَ، وفَلَوْتُ: انْتَقَيْتُ. أَرْيَحُ: مِن اليَمَنِ. باءَ كَفِّي: أَي صارَ كَفِّي لَهُ مَباءَةً أَي مَرْجِعاً. وباءَ بذَنْبِه وبإِثْمِه يَبُوءُ بَوْءاً وبَواءً: احتمَله وَصَارَ المُذْنِبُ مأْوَى الذَّنب، وَقِيلَ اعْتَرفَ بِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ إِن عَزَمْتَ عَلَى
__________
(1). قوله [مغضبا] كذا في النسخ وشرح القاموس والذي في التكملة وهي أصح الكتب التي بأيدينا مغضب.
(1/36)

قَتْلِي كَانَ الإِثْمُ بِكَ لَا بِي. قَالَ الأَخفش: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ*
: رَجَعُوا بِهِ أَي صارَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَبو إِسحاق فِي قَوْلِهِ تعالى فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
، قَالَ: بَاؤُوا فِي اللُّغَةِ: احْتَمَلُوا، يُقَالُ: قَدْ بُؤْتُ بِهَذَا الذَّنْب أَي احْتَمَلْتُه. وقيل: باؤُ بِغَضَبٍ*
أَي بإثْم اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ عَلَى إثْمٍ اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ أَيضاً. قَالَ الأَصمعي: باءَ بإثْمِه، فَهُوَ يَبُوءُ بِهِ بَوْءاً: إِذَا أَقَرّ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَبُوءُ بِنعْمَتِك عليَّ، وأَبُوءُ بِذَنْبِي
أَي أَلتزِمُ وأَرْجِع وأُقِرُّ. وأَصل البَواءِ اللزومُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَقَدْ باءَ بِهِ أَحدُهما
أَي التزَمَه ورجَع بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
وائلِ بْنِ حُجْر: إنْ عَفَوتَ عَنْهُ يَبُوءُ بإثْمِه وإثْم صاحِبِه
أَي كانَ عَلَيْهِ عُقُوبةُ ذَنْبِه وعُقوبةُ قَتْلِ صاحِبِه، فأَضافَ الإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ لأَن قَتلَه سَبَب لإِثْمه؛ وَفِي رِوَايَةٍ:
إنْ قَتَلَه كَانَ مِثْلَه
أَي فِي حُكم البَواءِ وَصَارَا مُتَساوِيَيْن لَا فَضْلَ للمُقْتَصِّ إِذَا اسْتوْفَى حَقَّه عَلَى المُقْتَصِّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
بُؤْ للأَمِيرِ بذَنْبِك،
أَي اعْتَرِفْ بِهِ. وباءَ بدَمِ فُلَانٍ وبحَقِّه: أَقَرَّ، وَذَا يَكُونُ أَبداً بِمَا عليهِ لَا لَه. قَالَ لَبِيدٌ:
أَنْكَرْت باطِلَها، وبُؤْت بحَقِّها ... عِنْدِي، وَلَمْ تَفْخَرْ عَلَيَّ كِرامُها
وأَبَأْتُه: قَرَّرْتُه وباءَ دَمُه بِدَمِه بَوْءاً وبَواءً: عَدَلَه. وباءَ فُلانٌ بِفُلانٍ بَواءً، مَمْدُودٌ، وأَباءَه وباوَأَه: إِذَا قُتِل بِهِ وَصَارَ دَمُه بِدَمِه. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبير:
قَضَى اللهُ أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ بَيْنَنا، ... ولمَ نكُ نَرْضَى أَنْ نُباوِئَكُمْ قَبْلُ
والبَواء: السَّواء. وفُلانٌ بَواءُ فُلانٍ: أَي كُفْؤُهُ إِنْ قُتِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الاثنانِ والجَمِيعُ. وباءَه: قَتَلَه بِهِ «2» أَبو بَكْرٍ، البَواء: التَّكافُؤ، يُقَالُ: مَا فُلانٌ ببَواءٍ لفُلانٍ: أَي مَا هُوَ بكُفْءٍ لَهُ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ: الْقَوْمُ بُواءٌ: أَي سَواءٌ. وَيُقَالُ: القومُ عَلَى بَواءٍ. وقُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى بَواءٍ: أَي عَلَى سواءٍ. وأَبَأْتُ فُلاناً بفُلانٍ: قَتَلْتُه بِهِ. وَيُقَالُ: هُمْ بَواءٌ فِي هَذَا الأَمر: أَي أَكْفاءٌ نُظَراء، وَيُقَالُ: دمُ فُلَانٍ بَواءٌ لدَم فُلان: إذا كان كُفْ ءاً لَهُ. قَالَتْ لَيْلى الأَخْيلية فِي مَقْتَلِ تَوْبةَ بْنِ الحُمَيِّر:
فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً، فإنَّكُمْ ... فَتىً مَا قَتَلْتُم، آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ
وأَبَأْتُ القاتِلَ بالقَتِيل واسْتَبَأْتُه أَيضاً: إِذَا قَتَلْته بِهِ. واسْتَبَأْتُ الحَكَمَ واسْتَبَأْتُ بِهِ كِلَاهُمَا: اسْتَقَدْته. وتَباوَأَ القَتِيلانِ: تَعادَلا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ العَربِ قتالٌ، وَكَانَ لأَحَدِ الحَيَّينِ طَوْلٌ عَلَى الآخَر، فَقَالُوا لَا نَرْضَى حَتَّى يُقْتَل بالعَبْدِ مِنَّا الحُرُّ مِنْهُمْ وبالمرأَةِ الرجلُ، فأَمَرهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يَتَباءَوْا.
قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هَكَذَا رُوِيَ لَنَا بِوَزْنِ يَتَباعَوْا، قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَن يَتَباوَءُوا بِوَزْنِ يَتباوَعُوا عَلَى مِثَالِ يَتَقاوَلوا، مِنَ البَواءِ وَهِيَ المُساواةُ، يُقَالُ: باوَأْتُ بَيْنَ القَتْلى: أَي ساوَيْتُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّي: يَجُوزُ أَن يَكُونَ يتَباءَوْا عَلَى الْقَلْبِ، كَمَا قَالُوا جاءَاني، وَالْقِيَاسُ جايَأَني فِي المُفاعَلة مِنْ جاءَني وجِئْتُه؛ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَقِيلَ: يَتَباءَوْا صحيحٌ. يُقَالُ: باءَ بِهِ إذا كان كُفْ ءاً لَهُ، وَهُمْ بَواءٌ أَي أَكْفاءٌ
__________
(2). قوله [وباءَه قتله به] كذا في النسخ التي بأيدينا ولعله وأَباءَه بفلان قتله به.
(1/37)

، مَعْنَاهُ ذَوُو بَواء. وَفِي الْحَدِيثِ أَنه قَالَ:
الجِراحاتُ بَواءٌ
يَعْنِي أَنها مُتَساويةٌ فِي القِصاص، وأَنه لَا يُقْتَصُّ للمَجْرُوحِ إلَّا مِنْ جارِحِه الْجَانِي، وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِثْلُ جِراحَتِه سَواء وَمَا يُساوِيها فِي الجُرْحِ، وَذَلِكَ البَواءُ. وَفِي حَدِيثِ
الصَّادِقِ: قِيلَ لَهُ: مَا بالُ العَقْرَبِ مُغْتاظةً عَلَى بَنِي آدمَ؟ فَقَالَ: تُريدُ البَواءَ
أَي تُؤْذِي كَمَا تُؤْذَى. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ رضِي اللَّهُ عَنْهُ: فَيَكُونُ الثّوابُ جَزَاءً والعِقابُ بَواءً.
وباءَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا كان كُفْ ءاً لَهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ وَمِنْهُ قول المُهَلْهِلِ لابن الحرث بْنِ عَبَّادٍ حِينَ قَتَله: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلَيْ كُلَيْبٍ، معناه: كُنْ كُفْ ءاً لِشِسْعِ نَعْلَيْه. وَبَاءَ الرجلُ بِصَاحِبِهِ: إِذَا قُتِلَ بِهِ. يقالُ: باءتْ عَرارِ بكَحْلٍ، وَهُمَا بَقَرَتانِ قُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا بالأُخرى؛ وَيُقَالُ: بُؤْ بِهِ أَي كُنْ مِمَّنْ يُقْتَل بِهِ. وأَنشد الأَحمر لِرَجُلٍ قَتَلَ قاتِلَ أَخِيه، فَقَالَ:
فقلتُ لَهُ بُؤْ بامرِئٍ لَسْتَ مثْلَه، ... وَإِنْ كُنتَ قُنْعاناً لِمَنْ يَطْلُبُ الدَّما
يَقُولُ: أنتَ، وَإِنْ كنتَ فِي حَسَبِكَ مَقْنَعاً لِكُلِّ مَنْ طَلَبَكَ بثَأْر، فلَسْتَ مِثلَ أَخي. وَإِذَا أَقَصَّ السلطانُ رَجُلًا بِرَجُلٍ قِيل: أَباءَ فُلَانًا بِفُلَانٍ. قَالَ طُفَيْل الغَنَوِيُّ:
أَباءَ بقَتْلانا مِن القومِ ضِعْفَهم، ... وَمَا لَا يُعَدُّ مِن أَسِيرٍ مُكَلَّبِ
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَتَلَهُ السلطانُ بقَود قِيلَ: قَدْ أَقادَ السلطانُ فُلَانًا وأَقَصَّه وأَباءَه وأَصْبَرَه. وَقَدْ أَبأْتُه أُبيئُه إباءَةً. قَالَ ابْنُ السكِّيت فِي قَوْلِ زُهَيْر بْنُ أَبي سُلْمَى:
فَلَم أَرَ مَعْشَراً أَسَرُوا هَديّاً ... وَلَمْ أَرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ
قَالَ: الهَديُّ ذُو الحُرْمَة؛ وَقَوْلُهُ يُسْتَباءُ أَي يُتَبَوّأُ، تُتَّخَذ امرأتُهُ أَهلًا؛ وَقَالَ أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: يُسْتبَاء، مِنَ البَواء، وَهُوَ القَوَد. وَذَلِكَ أَنه أَتاهم يُرِيدُ أَنَ يَسْتَجِيرَ بِهِمْ فأَخَذُوه، فَقَتَلُوهُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَوْلُ التَّغْلَبي:
أَلا تَنْتَهِي عَنَّا مُلوكٌ، وتتَّقي ... مَحارِمَنا لَا يُبْأَءُ الدَّمُ بالدَّمِ
أَرادَ: حِذارَ أَن يُباء الدَّم بالدَّم؛ وَيُرْوَى: لَا يَبْؤُءُ الدَّمُ بالدَّمِ أَي حِذارَ أَنْ تَبُوءَ دِماؤُهم بدِماء مَنْ قتَلوه. وبَوَّأَ الرُّمحَ نَحْوَهُ: قابَله بِهِ، وسَدَّدَه نحْوَه. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ رَجُلًا بَوَّأَ رَجلًا برُمحِه
، أَي سَدَّده قِبَلَه وهَيَّأَه. وبَوَّأَهُم مَنْزِلًا: نَزَلَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَل. وأَبَأْتُ بالمَكان: أَقَمْتُ بِهِ. وبَوَّأْتُكَ بَيتاً: اتَّخَذْتُ لَكَ بَيْتًا. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
، أَي اتَّخِذا. أَبو زَيْدٍ: أَبَأْتُ القومَ مَنْزلًا وبَوَّأْتُهم مَنْزِلًا تَبْوِيئاً، وَذَلِكَ إِذَا نزلْتَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَلٍ، أَو قِبَلِ نَهر. والتبوُّؤُ: أَن يُعْلِمَ الرجلُ الرجلَ عَلَى المَكان إِذَا أَعجبه لِيَنْزِلَهُ. وَقِيلَ: تَبَوَّأَه: أَصْلَحه وهَيَّأَه. وَقِيلَ: تَبوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا: إِذَا نظَر إِلَى أَسْهَلِ مَا يُرى وأَشَدِّه اسْتِواءً وأَمْكَنِه لِمَبيتِهِ، فاتَّخذَه؛ وتَبوَّأَ: نَزَلَ وأَقام، والمَعْنَيانِ قَريبان. والمباءَةُ: مَعْطِنُ القَوْمِ للإبِل، حَيْثُ تُناخُ فِي المَوارِد.
وَفِي الْحَدِيثِ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أُصَلِّي فِي مَباءة الغَنَم؟ قَالَ: نَعَمْ
، أَي مَنْزِلها الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ المُتَبَوّأُ أَيضاً. وَفِي الْحَدِيثِ
أَنه قَالَ: في المدينة هاهُنا المُتَبَوَّأُ.
وأَباءَه مَنْزِلًا وبَوَّأَه إيَّاهُ وبَوَّأَه له وبَوَّأَهُ فِيهِ، بِمَعْنَى هَيَّأَه لَهُ وأَنْزَلَه ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ. قَالَ:
(1/38)

وبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِها، ... وتَمَّ، فِي قَوْمِها، مُبَوَّؤُها
أَي نَزَلَت مِنَ الكَرم فِي صَمِيمِ النَّسب. وَالِاسْمُ البِيئةُ. واسْتَباءه أَي اتَّخَذَهُ مَباءَةً. وتَبَوَّأْتُ مَنْزِلًا أَي نَزَلْتُه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
، جَعلَ الإِيمانَ مَحَلًّا لَهُمْ عَلَى المَثَل؛ وقد يكون أَرادَ: وتَبَوَّءُوا مكانَ الإِيمانِ وبَلَدَ الإِيمانِ، فحَذَف. وتَبَوَّأَ المكانَ: حَلَّه. وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هَيْئَةُ التَّبَوُّءِ. والبيئةُ والباءَةُ والمباءَةُ: الْمَنْزِلُ، وَقِيلَ مَنْزِل القوم حيث يَتَبَوَّءُونَ مِنْ قِبَلِ وادٍ أَو سَنَدِ جَبَلٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: المَباءَةُ: مَنْزِلُ الْقَوْمِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَيُقَالُ: كلُّ مَنْزِل يَنْزِله القومُ. قَالَ طَرَفة:
طَيِّبو الْبَاءَةَ، «1» سَهْلٌ، ولَهُمْ ... سُبُلٌ، إِنْ شئتَ فِي وَحْش وَعِر
وتَبَوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا، أَي اتَّخَذَهُ، وبَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا وأَبَأْتُ القَومَ مَنْزِلًا. وَقَالَ الفرَّاء فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
، يُقَالُ: بَوَّأْتُه مَنْزِلًا، وأَثْوَيْتُه مَنْزِلًا ثُواءً: أَنْزَلْتُه، وبَوَّأْتُه مَنْزِلًا أَي جَعَلْتُهُ ذَا مَنْزِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ.
وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهَا: لِيَنْزِلْ مَنْزِله مِن النَّارِ. يُقَالُ: بَوَّأَه اللهُ مَنْزِلًا أَي أَسكَنه إِيَّاهُ. وَيُسَمَّى كِناسُ الثَّوْرِ الوَحْشِيِّ مَبَاءَةً؛ ومَباءَةُ الإِبل: مَعْطِنها. وأَبَأْتُ الإِبل مَباءَة: أَنَخْتُ بعضَها إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
حَلِيفان، بَيْنَهما مِيرةٌ ... يُبِيئانِ فِي عَطَنٍ ضَيِّقِ
وأَبَأْتُ الإِبلَ، رَدَدْتُها إِلَى المَباءَةِ، والمَباءَةُ: بَيْتُهَا فِي الْجَبَلِ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: وَهُوَ المُراحُ الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. والمَباءَةُ مِن الرَّحِمِ: حَيْثُ تَبَوَّأَ الولَدُ. قَالَ الأَعلم:
ولَعَمْرُ مَحْبَلِكِ الهَجِينِ عَلَى ... رَحبِ المَباءَةِ، مُنْتِنِ الجِرْمِ
وباءَتْ بِبيئةِ سُوءٍ، عَلَى مِثالِ بِيعةٍ: أَي بحالِ سُوءٍ؛ وَإِنَّهُ لحَسَنُ البِيئةِ؛ وعَمَّ بعضُهم بِهِ جميعَ الْحَالِ. وأَباءَ عَلَيْهِ مالَه: أَراحَه. تَقُولُ: أَبَأْتُ عَلَى فُلَانٍ مَالَهُ: إِذا أَرَحْتَ عَلَيْهِ إِبلَه وغَنَمَه، وأَباءَ مِنْهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَلَّمناهم، فأَجابونا عَنْ بَواءٍ واحدٍ: أَي جوابٍ وَاحِدٍ. وَفِي أَرض كَذَا فَلاةٌ تُبيء فِي فلاةٍ: أَي تَذْهبُ. الفرَّاء: باءَ، بِوَزْنِ باعَ: إِذَا تكبَّر، كأَنه مَقْلُوبٌ مِن بَأَى، كَمَا قَالُوا أَرى ورأَى «2». وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ: وأَبَأْتُ أَدِيمَها: جَعَلْتُه في الدباغ.
تأتأ: تَأْتَأَ التَّيْسُ عِنْدَ السِّفادِ يُتَأْتِئُ تَأْتَأَةً وتِئْتاءً ليَنْزُوَ ويُقْبِلَ.
__________
(1). قوله [طيبو الباءة] كذا في النسخ وشرح القاموس بصيغة جمع المذكر السالم والذي في مجموعة أَشعار يظن بها الصحة طيب بالإفراد وقبله:
وَلِيَ الأَصل الَّذِي فِي مِثْلِهِ ... يُصْلِحُ الْآبِرُ زَرْعَ المؤتبر
(2). مقتضاه أنّ أرى مقلوب من رأى كما أن باء مقلوب من بأى، ولا تنظير بين الجانبين كما لا يخفى فضلًا عن أن أرى ليس من المقلوب وإن أوهم لفظُه ذلك والصواب [كما قالوا راءَ من رأى]. إبراهيم اليازجي
(1/39)

ورجُل تَأْتاءٌ، عَلَى فَعْلالٍ، وَفِيهِ تَأْتَأَةٌ: يَتردَّدُ فِي التَّاءِ إِذَا تَكلَّمَ. والتَّأْتَأَةُ: حِكَايَةُ الصَّوْتِ. والتَأْتاءُ: مَشْيُ الصبيِّ الصَّغِيرِ؛ والتَأْتاءُ: التَّبَخْتُر فِي الحَرب شَجَاعَةً؛ والتَّأْتاء «1»: دُعاء الحِطّانِ إِلَى العَسْبِ، والحِطّانُ التَّيْسُ، وَهُوَ الثَّأْثاء أَيضاً بالثاء.
تطأ: التَّهْذِيبُ: أَهمله اللَّيْثُ. ابْنُ الأَعرابي: تَطَأَ إذا ظَلَمَ «2»
تفأ: أَتَيْتُه عَلَى تَفِئَةِ ذَلِكَ: أَي عَلَى حِينِه وزَمانِه. حَكَى اللِّحْيَانِيُّ فِيهِ الْهَمْزَ وَالْبَدَلَ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى التَّخْفِيفِ القِياسي لأَنه قَدِ اعْتُدَّ بِهِ لُغةً. وَفِي الْحَدِيثِ:
دَخَلَ عُمر فَكَلَّمَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ أَبو بَكْرٍ عَلَى تَفِئَةِ ذَلِكَ
أَي عَلَى إِثْرِهِ. وَفِيهِ لُغَةٌ أُخرى: تَئِفَةِ ذَلِكَ، بِتَقْدِيمِ الْيَاءِ عَلَى الْفَاءِ، وَقَدْ تُشدّد، وَالتَّاءُ فِيهَا زَائِدَةٌ عَلَى أَنها تَفْعِلَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كَانَتْ تَفْعِلة لَكَانَتْ عَلَى وَزْنِ تَهْيِئَةٍ، فَهِيَ إِذاً لَوْلَا الْقَلْبُ فَعِيلةٌ لأَجل الإِعلالِ وَلَامُهَا هَمْزَةٌ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِي تَفِئَةٍ وتافِئٍ أَصلية. وتَفِئَ تَفَأً: إِذَا احْتَدَّ وغَضِبَ.
تكأ: ذَكَرَ الأَزهري هُنَا مَا سَنَذْكُرُهُ فِي وكأَ، وَقَالَ هُوَ أَيضاً: إِنّ تُكَأَةً أَصله وُكَأَةٌ.
تنأ: تَنَأَ بِالْمَكَانِ يَتْنَأُ: أَقامَ وقَطَن. قَالَ ثَعْلَبٌ: وَبِهِ سُمِّي التَّانِئُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا مِنْ أَقبح الْغَلَطِ إِن صَحَّ عَنْهُ، وخَلِيقٌ أَن يَصحّ لأَنه قَدْ ثَبَتَ فِي أَماليه وَنَوَادِرِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمر: ابنُ السَّبِيل أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنَ التّانِئِ عَلَيْهِ.
أَراد أَن ابْنَ السَّبِيلِ، إِذا مَرَّ برَكِيَّةٍ عَلَيْهَا قَوْمٌ يَسْقُون مِنها نَعَمَهُم، وَهُمْ مُقِيمون عَلَيْهَا، فَابْنُ السَّبِيلِ مَارًّا أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنْهُمْ، يُبَدَأُ بِهِ فَيُسْقَى وظَهْرَه لأَنه سَائِرٌ، وَهُمْ مُقيمون، وَلَا يَفُوتُهُم السَّقْيُ، وَلَا يُعْجِلُهم السَّفَر والمَسِيرُ. وَفِي حَدِيثِ
ابنِ سيرِينَ: لَيْسَ للتانِئَة شَيْءٌ
، يُرِيدُ أَن الْمُقِيمِينَ فِي الْبِلَادِ الَّذِينَ لَا يَنْفِرُون مَعَ الغُزاة، لَيْسَ لَهُمْ فِي الفَيْء نَصِيب؛ وَيُرِيدُ بالتانِئَةِ الجمَاعة مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا، وَإِنَّمَا التَّأْنِيثُ أَجاز إِطلاقه عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ تَنَأَ فِي أَرض الْعَجَمِ، فَعَمِلَ نَيْرُوزَهم ومَهْرَجَانَهم حُشِرَ مَعَهُمْ.
وتَنَأَ فَهُوَ تانِئٌ: إِذَا أَقامَ فِي الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ. الْجَوْهَرِيُّ: وَهُمْ تِناء البَلد، وَالِاسْمُ التِّناءةُ. وَقَالُوا تَنَا فِي الْمَكَانِ فأَبدلوا فظنَّه قَوْمٌ لُغَةً، وَهُوَ خَطأ. الْأَزْهَرِيُّ: تَنَخَ بِالْمَكَانِ وتَنَأَ، فَهُوَ تانِخٌ وتانِئٌ، أَي مقيم.

فصل الثاء المثلثة
ثأثأ: ثَأْثَأَ الشيءَ عَنْ مَوْضِعِهِ: أَزاله. وثَأْثَأَ الرجُلُ عَنِ الأَمْر: حَبَسَ. وَيُقَالُ: ثَأْثِئْ عَنِ الرَّجُلِ: أَي احْبِسْ، والثَّأْثَأَةُ: الحَبْسُ. وثَأْثَأْتُ عَنِ الْقَوْمِ: دَفَعْتُ عَنْهُمْ. وثَأْثَأَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا أَراده ثُمَّ بَدَا لَهُ تَرْكُه أَو المُقامُ عَلَيْهِ. أَبو زَيْدٍ: تَثَأْثأْتُ تَثَأْثُؤاً: إِذَا أَردت سَفَرًا ثُمَّ بَدا لَكَ المُقام. وثَأْثَأَ عَنْهُ غَضَبَه: أَطْفأَه. ولقِيتُ فُلَانًا فَتَثَأْثَأْت مِنْهُ: أَي هِبْتُه. وأَثَأْتُه بسَهم «3» إِثَاءَةً: رميته.
__________
(1). قوله [والتأتاء مشي الصبي إلى آخر الجمل الثلاث] هو الذي في النسخ بأيدينا وتهذيب الأَزهري وتكملة الصاغاني ووقع في القاموس التأتأة.
(2). قوله [تطأ] هذه المادة أوردها المجد والصاغاني والمؤلف في المعتل ولم يوردها التهذيب بالوجهين فإيراد المؤلف لها هنا سهو.
(3). قوله [وأَثَأْتُه بسهم] تبع المؤلف الجوهري وفي الصاغاني والصواب أن يفرد له تركيب بعد تركيب ثمأ لأَنه من باب أَجَأْتُهُ أَجِيئُهُ وأَفَأْتُهُ أَفِيئُهُ.
(1/40)

وثَأْثَأَ الإِبلَ: أَرواها مِنَ الْمَاءِ، وَقِيلَ سَقاها فَلَمْ تَرْوَ. وثَأْثَأَتْ هِيَ، وَقِيلَ ثَأْثَأْتُ الإِبلَ أَي سَقَيْتُها حَتَّى يَذْهَب عَطَشُها، وَلَمْ أُرْوِها. وَقِيلَ ثَأْثَأْتُ الإِبلَ: أَرْوَيْتُها. وأَنشد الْمُفَضَّلُ:
إِنَّكَ لَنْ تُثَأْثِئَ النِّهالا، ... بِمِثْلِ أَنْ تُدارِكَ السِّجالا
وثَأْثَأَ بالتَّيْس: دَعاه، عَنْ أَبي زيد.
ثدأ: الثُّداء: نَبت لَهُ ورَق كأَنه وَرَقُ الكُرّاث وقُضْبان طِوال تَدُقُّها الناسُ، وَهِيَ رَطْبة، فَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا أَرْشِيةً يَسْقُون بِهَا، هَذَا قَوْلُ أَبي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُرَّةُ: هِيَ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ يُحبها الْمَالُ ويأْكلها، وأُصولُها بِيضٌ حُلْوة، وَلَهَا نَوْرٌ مِثْلُ نَوْرِ الخِطْمِيّ الأَبيض، فِي أَصلها شيءٌ مِنْ حُمرة يَسيرة، قَالَ: وَيَنْبُتُ فِي أَضْعافِه الطَّراثيثُ والضَّغابيسُ، وَتَكُونُ الثُدّاءَةُ مِثْلَ قِعْدةِ الصَّبِيِّ. والثَّنْدُوَةُ لِلرَّجُلِ: بِمَنْزِلَةِ الثَّدْي للمرأَة؛ وَقَالَ الأَصمعي: هِيَ مَغْرِزُ الثّدْي؛ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هِيَ اللَّحْمُ الَّذِي حَوْلَ الثَّدْيِ، إِذا ضَمَمْتَ أَوَّلها هَمَزْتَ، فَتَكُونُ فُعْلُلةً، فإِذا فَتَحْتَهُ لَمْ تَهْمِزْ، فَتَكُونُ فَعْلُوة مِثْلَ تَرْقُوة وعَرْقُوة.
ثرطأ: الثِّرْطِئَةُ، بِالْهَمْزِ بَعْدَ الطَّاءِ: الرَّجل الثَّقيل، وَقَدْ حُكِيَتْ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَضْعًا. قَالَ الأَزهري: إِنْ كَانَتِ الْهَمْزَةُ أَصلية، فَالْكَلِمَةُ رُبَاعِيَّةٌ، وإِن لَمْ تَكُنْ أَصلية، فَهِيَ ثُلَاثِيَّةٌ، والغِرْقِئُ مِثْلُهُ. وَقِيلَ: الثِّرْطِئَةُ مِنَ النِّسَاءِ والرجال: القصير.
ثطأ: ابْنُ الأَعرابي: ثَطا إِذا خَطَا. وثَطِئَ ثَطَأً: حَمُقَ. وثَطَأْتُهُ بِيَدِي وَرِجْلِي حَتَّى مَا يَتَحَرَّكُ أَي وَطِئْتُ، عَنْ أَبي عَمْرٍو. والثَّطْأَةُ: دُوَيْبَّةٌ لَمْ يَحِكْهَا غَيْرُ صَاحِبِ الْعَيْنِ. أَبو عمرو: الثُّطْأَةُ: العنكبوت.
ثفأ: ثَفَأَ القِدْرَ: كَسَرَ غَلَيانَها. والثُّفَّاءُ عَلَى مِثَالِ القُرَّاء: الخَرْدل، وَيُقَالُ الحُرْف، وَهُوَ فُعّال، وَاحِدَتُهُ ثُفَّاءَةٌ بِلُغَةِ أَهل الغَوْر، وَقِيلَ بَلْ هُوَ الخَرْدَلُ المُعالَجُ بالصِّباغ، وَقِيلَ: الثُّفَّاء: حَبُّ الرَّشاد؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَمْزَتُهُ تَحْتَمِلُ أَن تَكُونَ وَضْعًا وَأَنْ تَكُونَ مُبْدلة مِنْ ياءٍ أَو وَاوٍ، إِلا أَنَّا عامَلْنا اللَّفْظَ إِذْ لَمْ نَجِدْ لَهُ مَادَّةً. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَاذَا فِي الأَمَرَّيْن مِن الشِّفاءِ الصَّبرِ والثُّفَّاءِ
، هُوَ مِن ذَلِكَ. الثُّفَّاءُ: الخَرْدَلُ، وَقِيلَ الحُرْفُ، ويسمِّيه أَهْلُ العِراق حَبَّ الرَّشادِ، والواحدةُ ثُفَّاءَة، وجعلَهُ مُرًّا للحُروفة الَّتِي فِيهِ ولَذْعِه اللّسانَ.
ثمأ: الثَّمْءُ: طَرْحُكَ الكَمْءَ فِي السَّمْنِ. ثَمَأَ القومَ ثَمْأً: أَطْعَمَهم الدَّسَم. وثَمَأَ الكَمْأَةَ يَثْمَؤُها ثَمْأً: طَرَحَها فِي السَّمن. وثَمَأَ الخُبزَ ثَمْأً: ثَرَده، وَقِيلَ زَرَده. وثَمَأَ رأْسه بِالْحَجَرِ وَالْعَصَا ثَمْأً فانْثَمَأَ: شَدَخَه وثَرَده. وانْثَمَأَ التَّمرُ والشجرُ كَذَلِكَ. وثَمَأَ لحيتَه يَثْمَؤُها ثَمْأً: صَبَغَها بالحنَّاء. وثَمَأَ أَنْفَه: كسَره فسال دَماً.

فصل الجيم
جأجأ: جِئْ جِئْ: أَمْرٌ لِلْإِبِلِ بِوُرُودِ الْمَاءِ، وَهِيَ عَلَى الحَوْض. وجُؤْجُؤْ: أَمر لَهَا بوُرُودِ الْمَاءِ، وَهِيَ بَعِيدة مِنْهُ، وَقِيلَ هُوَ زَجْر لَا أَمْر بالمَجِيء. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ رَجلًا قَالَ لبَعِيره: شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ، فَنَهَاهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم عن لَعْنِه
؛ قَالَ أَبو
(1/41)

مَنْصُورٍ: شَأْ زَجر، وبعضُ الْعَرَبِ يَقُولُ: جَأْ بِالْجِيمِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ جَأْجَأَ الإِبلَ وجَأْجَأَ بِهَا: دَعَاهَا إِلَى الشُّرْب، وَقَالَ جِئْ جِئْ. وجَأْجَأَ بِالْحِمَارِ كَذَلِكَ، حكاه ثعلب. والاسم الجِيءُ مِثْلَ الجِيعِ، وأَصله جِئئ، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى يَاءً. قَالَ مُعاذٌ الهَرَّاء:
وَمَا كانَ عَلَى الجِيءِ، ... وَلَا الهِيءِ امْتِداحِيكا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ أَن يَذْكُرَهُ فِي فَصْلِ جيأَ. وَقَالَ:
ذَكَّرها الوِرْد يَقُولُ جِئْجَا، ... فأَقْبَلَتْ أَعْناقُها الفُرُوجَا
يَعْنِي فُرُوجَ الحَوْضِ. والجُؤْجُؤُ: عِظامُ صَدْرِ الطَّائِرِ. وَفِي حَدِيثِ
عليٍّ كَرَّمَ الله وجهه: كأَنِّي أَنظرُ إِلَى مسجِدِها كَجُؤْجُؤِ سَفِينةٍ، أَو نَعامةٍ جاثِمَةٍ، أَو كَجُؤْجُؤِ طائرٍ فِي لُجّةِ بَحْرٍ.
الجُؤْجُؤُ: الصَّدْرُ، وَقِيلَ: عِظامُه، وَالْجَمْعُ الجَآجِئُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ
سَطِيح:
حَتَّى أَتَى عارِي الجَآجِئِ والقَطَنْ
وَفِي حَدِيثِ
الْحَسَنِ: خُلِقَ جُؤْجُؤُ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ كَثِيبِ ضَرِيَّةَ
، وضرِيَّةُ: بئْرٌ بالحِجاز يُنْسَبُ إِلَيْهَا حِمَى ضَرِيَّة. وَقِيلَ سُمِّيَ بضَرِيَّةَ بنْتِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزارٍ. والجُؤْجُؤُ: الصَّدْرُ، وَالْجَمْعُ الجآجِئُ، وَقِيلَ الجَآجِئُ: مُجْتَمع رُءُوس عِظَامِ الصَّدْر؛ وَقِيلَ: هِيَ مواصِلُ العِظام فِي الصَّدْرِ، يُقَالُ ذَلِكَ للإِنسان وَغَيْرِهِ مِنَ الحَيوان؛ وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ: مَا أَطْيَبَ جُواذِبَ الأَرُزّ بَجَآجِئِ الإِوَزّ. وجُؤْجُؤُ السَّفينةِ والطائرِ: صَدْرُهما. وتَجَأْجَأَ عَنِ الأَمر: كَفَّ وَانْتَهَى. وتَجَأْجَأَ عَنْهُ: تأَخَّر، وأَنشد:
سأَنْزِعُ مِنكَ عِرْسَ أَبيك، إِنّي ... رأَيتُك لَا تَجَأْجَأُ عَنْ حِماها
أَبو عَمْرٍو: الجَأْجَاءُ: الهَزيمة. قَالَ: وتَجَأْجَأْتُ عَنْهُ، أَي هِبْتُه. وَفُلَانٌ لَا يَتَجَأْجَأُ عَنْ فُلَانٍ، أَي هوَ جَرِيءٌ عَلَيْهِ.
جبأ: جَبَأَ عَنْهُ يَجْبَأُ: ارْتَدَعَ. وجَبأتُ عَنِ الأَمر: إِذَا هِبْته وارْتَدَعْت عَنْهُ. وَرَجُلٌ جُبَّاءٌ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ «4»، بِضَمِّ الْجِيمِ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: جَبَانٌ. قَالَ مَفْرُوق بْنُ عَمرو الشَّيْبانِي يَرْثِي إخْوته قَيْساً والدَّعَّاءَ وبِشْراً القَتْلَى فِي غَزْوة بارِقٍ بِشَطِّ الفَيْض:
أَبْكِي عَلَى الدَعّاءِ فِي كلِّ شَتْوةٍ، ... ولَهْفِي علَى قيسٍ، زمَامِ الفَوارِسِ
فَمَا أَنا، مِن رَيْبِ الزَّمانِ، بِجُبَّإٍ، ... وَلَا أَنا، مِن سَيْبِ الإِلهِ، بِيائِسِ
وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: جُبَّاء، بِالْمَدِّ، وَفَسَّرَهُ السِّيرَافِيُّ أَنه فِي مَعْنَى جُبَّإٍ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وغَلب عَلَيْهِ الْجَمْعُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ لأَن مؤَنثه مِمَّا تَدْخُلُهُ التَّاءُ. وجَبَأَتْ عَيْنِي عَنِ الشَيْءِ: نَبَتْ عَنْهُ وكَرِهَتْه، فتأَخَّرْتُ عَنْهُ. الأَصمعي: يُقَالُ للمرأَة، إِذَا كَانَتْ كريهةَ المَنْظَرِ لَا تُسْتَحْلى: إِنَّ العينَ لَتَجْبَأُ عَنْهَا. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْر الهِلالي:
__________
(4). قوله [يمد ويقصر إلخ] عبارتان جمع المؤلف بينهما على عادته.
(1/42)

لَيْسَتْ، إِذَا سَمِنَتْ، بَجابِئةٍ ... عَنْهَا العُيونُ، كَريهةَ «1» المَسِ
أَبو عَمْرٍو: الجُبَّاء مِنَ النِّسَاءِ، بِوَزْنِ جُبّاع: الَّتِي إِذا نَظَرَتْ لَا تَرُوعُ؛ الأَصمعي: هِيَ الَّتِي إِذَا نَظَرَت إِلَى الرِّجَالِ، انْخَزَلَت رَاجِعَةً لِصغرِها؛ وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
وطَفْلةٍ غَيْرِ جُبَّاءٍ، وَلَا نَصَفٍ، ... مِن دَلِّ أَمثالِها بادٍ ومكتُومُ
«2» وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَتْ بِصَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ؛ وَرَوَى غَيْرُهُ جُبَّاعٍ، وَهِيَ الْقَصِيرَةُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ، شَبَّهَهَا بِسَهْمٍ قَصِيرٍ يَرْمي بِهِ الصِّبيان يُقَالُ لَهُ الجُبَّاعُ. وَجَبَأَ عَلَيْهِ الأَسْوَدُ مِنْ جُحْره يَجْبَأ جَبْأً وجُبُوءاً: طلَع وَخَرَجَ، وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ والضَّبُّ واليَرْبُوع، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُفْزِعَك. وجَبَأَ عَلَى القَوْم: طَلَعَ عَلَيْهِمْ مُفاجأَةً. وأَجْبَأَ عَلَيْهِمْ: أَشْرَفَ. وَفِي حَدِيثِ
أُسَامَةَ: فَلَمَّا رَأَوْنا جَبَئُوا مِنْ أَخبِيَتِهم
أَي خَرَجُوا مِنْهَا. يُقَالُ: جَبَأَ عَلَيْهِمْ يَجْبَأُ: إِذا خَرَجَ. وَمَا جَبَأَ عَنْ شَتْمِي أَيْ مَا تأَخَّر وَلَا كَذَب. وَجَبَأْتُ عَنِ الرَّجل جَبْأً وجُبُوءاً: خَنَسْتُ عَنْهُ، وَأَنْشَدَ:
وهَلْ أَنا إلَّا مِثْلُ سَيِّقةِ العِدا، ... إِنِ اسْتَقْدَمَتْ نَحْرٌ، وإِنْ جَبَأَتْ عَقْرُ
ابْنُ الأَعرابي: الإِجْباء: أَنْ يُغَيِّبَ الرجلُ إِبلَه، عَنِ المُصَدِّقِ. يُقالُ: جَبَأَ عَنِ الشَّيْءِ: تَوَارَى عَنْهُ، وأَجْبَيْتُه إِذَا وارَيْتَه. وجَبَأَ الضَّبُّ فِي جُحْره إِذا اسْتَخْفَى. والجَبْءُ: الكَمْأَة الحَمراء؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الجَبْأَة هَنَةٌ بَيْضاءُ كأَنها كَمءٌ وَلَا يُنتفع بِهَا، وَالْجَمْعُ أَجْبُؤٌ وجِبَأَةٌ مِثَالُ فَقْعٍ وفِقَعَةٍ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ، يَعْنِي تَكْسِيرَ فَعْلٍ عَلَى فِعَلَةٍ؛ وَأَمَّا الجَبْأَةُ فَاسْمٌ لِلْجَمْعِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي كَمْء وكَمْأَةٍ لأَنّ فَعْلًا لَيْسَ مِمَّا يُكسر عَلَى فَعْلةٍ، لأَن فَعْلةً لَيْسَتْ مِنْ أَبْنِية الجُموع. وتحقيرُه: جُبَيْئَةٌ عَلَى لَفْظِهِ، وَلَا يُرَدّ إِلَى واحِدِه ثُمَّ يُجمع بالأَلف وَالتَّاءِ لأَن أَسْماء الجُموع بِمَنْزِلَةِ الْآحَادِ؛ وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ:
أَخْشَى رُكَيْباً ورُجَيلًا عَادِيَا
فَلَمْ يَرُدّ رَكْباً وَلَا رَجْلًا إِلَى وَاحِدِهِ، وَبِهَذَا قَوِيَ قولُ سِيبَوَيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبي الْحَسَنِ لأَن هَذَا عِنْدَ أَبي الْحَسَنِ جَمْعٌ لَا اسْمُ جَمْعٍ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الجَبْءُ: الكَمأَة السُّودُ، والسُّود خِيارُ الكَمأَةِ، وأَنشد:
إِنَّ أُحَيْحاً ماتَ مِن غَيْر مَرَضْ، ... ووُجْدَ فِي مَرْمَضهِ حيثُ ارْتمَضْ
عَساقِلٌ وجِبَأٌ، فِيهَا قَضَضْ
فَجِبأ هُنَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ جَمْعَ جَبْءٍ كَجِبَأَةٍ، وَهُوَ نادرٌ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أَرَادَ جِبَأَةً، فَحَذَفَ الْهَاءَ لِلضَّرُورَةِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ وَحَكَى كُرَاعٌ فِي جَمْعِ جَبْءٍ جِبَاءً عَلَى مِثَالِ بِنَاءٍ، فَإِنْ صحَّ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا جِبَأ اسْمٌ لِجَمْعِ جَبْءٍ، وَلَيْسَ بجَمْع لَهُ لأَن فَعْلًا، بِسُكُونِ الْعَيْنِ، لَيْسَ مِمَّا يُجْمَعُ عَلَى فِعَلٍ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ. وأَجبَأَت الأَرض: أَيْ كَثُرَتْ جَبْأَتها، وَفِي الصِّحَاحِ: أَيْ كَثُرَتْ كَمْأَتُها، وَهِيَ أَرْضٌ مَجْبأَةٌ. قَالَ الأَحمر:
__________
(1). قوله [كريهة] ضبطت في التكملة بالنصب والجر ورمز لذلك على عادته بكلمة معاً.
(2). وبعده كما في التكملة:
عانقتها فانثنت طوع العناق كما ... مالت بشاربها صهباء خرطوم
(1/43)

الجَبْأَةُ هِيَ الَّتِي إِلَى الحُمْرة، والكَمْأَةُ هِيَ الَّتِي إِلَى الغُبْرة والسَّواد؛ والفِقَعَةُ: الْبَيْضُ، وَبَنَاتُ أَوْبَرَ: الصِّغار. الأَصمعي: مِنَ الكَمْأَة الجِبأَةُ؛ قَالَ أَبو زَيْدٍ: هِيَ الحُمر مِنْهَا؛ وَاحِدُهَا جبْءٌ، وَثَلَاثَةُ أَجْبُؤ. والجَبْءُ: نُقرة فِي الْجَبَلِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ، عَنْ أَبي العَمَيثل الأَعرابي؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: الجَبْءُ حفرةٌ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ. والجَبْأَةُ مِثْلُ الجَبْهة: الفُرْزُوم، وَهِيَ خَشَبَةُ الحَذّاء الَّتِي يَحْذو عَلَيْهَا. قَالَ الْجَعْدِيُّ:
فِي مِرْفَقَيْه تقارُبٌ، وَلَهُ ... بِرْكةُ زَوْرٍ، كجبْأَةِ الخَزَمِ
والجَبْأَةُ: مَقَطُّ شَراسِيفِ البَعير إِلَى السُّرَّة والضّرْع. والإِجباءُ: بيعُ الزَّرْع قَبْلَ أَن يَبْدُوَ صلَاحُه، أَو يُدْرِك، تَقُولُ مِنْهُ: أَجْبَأْتُ الزَّرْعَ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ، بِلَا هَمْزٍ: مَن أَجْبى فَقَدْ أَرْبَى، وأَصله الْهَمْزُ. وامرأَةٌ جَبْأَى: قائمةُ الثّديَين. ومُجْبأَة أُفضِيَ إِلَيْهَا فَخَبَطَت «1» التَّهْذِيبِ: سُمِّيَ الجَراد الجابئُ لِطُلُوعِهِ؛ يُقَالُ: جَبَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ أَي طَلَعَ، والجابئُ: الْجَرَادُ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. وجبأَ الجَرادُ: هَجَم عَلَى الْبَلَدِ؛ قَالَ الْهُذَلِيُّ:
صابُوا بِستّة أَبياتٍ وأَربعةٍ، ... حَتَّى كأنَّ عَلَيْهِمْ جَابِئًا لُبَدَا
وكلُّ طالعٍ فَجْأَةً: جابِئٌ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ أَيضاً. ابْنُ بُزُرْج: جَأْبَةُ البَطْن وجَبأَتُه: مأْنَتُه. والجُبَّأُ: السَّهْمُ الَّذِي يُوضَعُ أَسفله كالجوزةِ فِي مَوْضِعِ النَّصْلِ؛ والجُبَّأُ: طَرَفُ قَرْن الثَور، عَنْ كُرَاعٍ؛ قَالَ ابنْ سِيدَهْ: وَلَا أَدري مَا صِحَّتُها.
جرأ: الجُرأَةُ مِثْلُ الجُرْعةِ: الشجاعةُ، وَقَدْ يُتْرَكُ هَمْزُهُ فَيُقَالُ: الجُرةُ مِثْلُ الكُرةِ، كَمَا قَالُوا للمرأَة مَرةٌ. وَرَجُلٌ جَرِيءٌ: مُقْدِمٌ مِنْ قومٍ أَجْرِئاء، بِهَمْزَتَيْنِ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَيَجُوزُ حَذْفُ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ؛ وجمعُ الجرِيِّ الوكيلِ: أَجْرِيَاءُ بِالْمَدَّةِ فِيهَا هَمْزَةٌ؛ والجَرِيءُ: المِقْدامُ. وَقَدْ جَرُؤَ يَجْرُؤُ جُرْأَةً وجَراءَةً، بِالْمَدِّ، وجَرايَةً، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَادِرٌ، وجَرائِيةً عَلَى فعالِيةٍ، واستَجْرَأَ وتَجَرَّأَ وجَرَّأَه عَلَيْهِ حَتَّى اجتَرَأَ عَلَيْهِ جُرْأَةً، وَهُوَ جَرِيءُ المَقْدَم: أَيْ جَريءٌ عِنْدَ الإقدامِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وبِناء الْكَعْبَةِ: تَرَكها حَتَّى إِذَا كَانَ المَوسِمُ وقَدِمَ الناسُ يُرِيدُ أَن يُجرِّئَهم عَلَى أَهل الشام، هو مِنَ الجُرْأَةِ والإِقدامِ عَلَى الشَّيْءِ.
أَراد أَن يَزِيدَ فِي جُرْأَتهِم عَلَيْهِمْ ومُطالبَتِهِم بإحراقِ الْكَعْبَةِ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِيهِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وجَبُنَّا
: يُرِيدُ أَنه أَقْدَمَ عَلَى الإِكثار مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجَبُنَّا نَحْنُ عَنْهُ، فكثُر حديثُه وقَلَّ حديثُنا. وَفِي الْحَدِيثِ:
وقومُه جُرَآءُ عَلَيْهِ
، بِوَزْنِ عُلماءَ، جَمْعُ جَريءٍ: أَي مُتَسَلِّطين غيرَ هائِبين لَهُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا رَوَاهُ وَشَرَحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْمَعْرُوفُ حِراءٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسَيَجِيءُ. والجِرِّيَّة والجِرِّيئَةُ: الحُلْقومُ. والجِرِّيئَةُ، مَمْدُودٌ: القانِصةُ، التَّهْذِيبُ. أَبو زَيْدٍ: هِيَ الفِرِّيَّةُ والجِرِّيَّةُ والنَّوْطةُ لِحَوْصَلةِ الطَّائِرِ، هَكَذَا رَوَاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ نجْدةَ بِغَيْرِ هَمْز؛ وأَما ابْنُ هَانِئٍ فإنه قال: الجِرِّيئَةُ
__________
(1). قوله [ومجبأة إلخ] كذا في النسخ وأصل العبارة لابن سيدة وهي غير محررة.
(1/44)

مَهْمُوزٌ، لأَبي زَيْدٍ، والجَرِيئَةُ مِثَالُ خَطِيئةٍ: بَيْتٌ يُبْنى مِنْ حِجارة ويُجعل عَلَى بَابِهِ حَجَر يَكُونُ أَعلى الْبَابِ ويَجْعلون لحمَةَ السَّبُع فِي مُؤَخَّر الْبَيْتِ، فَإِذَا دَخل السبُعُ فَتناوَلَ اللَّحْمَةَ سقَط الحَجرُ عَلَى الْبَابِ فسَدَّه، وجَمْعُها جَرائِئُ، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَبو زَيْدٍ، قَالَ: وَهَذَا مِنَ الأُصول الْمَرْفُوضَةِ عِنْدَ أَهل الْعَرَبِيَّةِ إلَّا في الشُّذُوذ.
جَزَأَ: الجُزْء والجَزْءُ: البعْضُ، وَالْجَمْعُ أَجْزاء. سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُكَسَّر الجُزءُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وجَزَأَ الشيءَ جَزْءاً وجَزَّأَه كِلَاهُمَا: جَعله أَجْزاء، وَكَذَلِكَ التجْزِئةُ. وجَزَّأَ المالَ بَيْنَهُمْ مُشَدَّدٌ لَا غَيْرُ: قَسَّمه. وأَجزأَ مِنْهُ جُزْءاً: أَخذه. والجُزْءُ، فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: النَّصِيبُ، وَجَمْعُهُ أَجْزَاء؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
قرأَ جُزْأَه مِن اللَّيْلِ
؛ الجُزْءُ: النَّصِيبُ والقِطعةُ مِنَ الشَّيْءِ،
وَفِي الْحَدِيثِ: الرُّؤْيا الصّالِحةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأَربعين جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّة
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا العدَدَ الْمَذْكُورَ لأَن عُمُرَ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ فِي أَكثر الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مدّةُ نُبُوَّتِه مِنْهَا ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لأَنه بُعث عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الأَربعين، وَكَانَ فِي أَوّل الأَمر يَرَى الْوَحْيَ فِي الْمَنَامِ، ودامَ كَذَلِكَ نِصْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ رأَى المَلَكَ فِي اليَقَظة، فَإِذَا نَسَبْتَ مُدَّةَ الوَحْيِ فِي النَّوْمِ، وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ، إِلَى مُدّة نُبُوَّتِهِ، وَهِيَ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، كانتْ نِصْفَ جُزْءٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً، وَهُوَ جزءٌ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ وأَربعين جُزْءًا؛ قَالَ: وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَحاديث الرُّؤْيَا بِهَذَا الْعَدَدِ، وَجَاءَ، فِي بَعْضِهَا، جزءٌ من خمسة وأَربعين جُزْءاً، ووَجْهُ ذَلِكَ أَنّ عُمُره لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي أَثناء السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ، ونِسبةُ نصفِ السَّنَةِ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وبعضِ الْأُخْرَى، كَنِسْبَةِ جزء من خمسة وأَربعين؛ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: جُزْءٌ مِنْ أَربعين، وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى مَن رَوى أَنّ عُمُرَهُ كَانَ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ نِسْبَةُ نِصْفِ سَنَةٍ إِلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ، كَنِسْبَةِ جزءٍ إِلَى أَربعين. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
الهَدْيُ الصّالِحُ والسَّمْتُ الصّالِحُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
: أَي إِنَّ هَذِهِ الخِلالَ مِنْ شَمائلِ الأَنْبياء وَمِنْ جُملة الخصالِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ خِصَالِهِمْ وإِنها جزءٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَجزاء أَفعالِهم فاقْتَدوُا بِهِمْ فِيهَا وتابِعُوهم، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أنَّ النُّبوّة تتجزأُ، وَلَا أَنّ مَنْ جمَع هَذِهِ الخِلالَ كَانَ فِيهِ جُزءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ النبوَّة غَيْرُ مُكْتَسَبةٍ وَلَا مُجْتَلَبة بالأَسباب، وإِنما هِيَ كَرامةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أَراد بالنبوّة هاهنا مَا جاءتْ بِهِ النُّبُوَّةُ ودَعَت إِلَيْهِ مِنَ الخَيْرات أَي إِن هَذِهِ الخِلَال جزءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ ودَعا إِلَيْهِ الأَنْبياء. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكين عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ غيرهُم، فَدَعَاهُمْ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهم أَثلاثاً ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فأَعْتَق اثْنَيْنِ وأَرقَّ أَربعة
: أَي فَرَّقهم أَجزاء ثَلَاثَةً، وأَراد بالتَّجْزِئَةِ أَنه قسَّمَهم عَلَى عِبْرة الْقِيمَةِ دُونَ عَدَد الرُّءُوس إِلا أَنَّ قِيمَتَهُمْ تَسَاوَتْ فِيهِمْ، فَخَرَجَ عددُ الرُّءُوس مُسَاوِيًا للقِيَم. وعَبيدُ أَهلِ الحِجاز إِنما هُم الزُّنوجُ والحَبَشُ غَالِبًا والقِيَمُ فِيهِمْ مُتساوِية أَو مُتقارِبة، ولأَن الغرَض أَن تَنْفُذ وصِيَّته فِي ثُلُث مَالِهِ، والثلُثُ إِنَّمَا يُعتبر بالقِيمة لَا بالعَدَد. وَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وأَحمد، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يُعْتَقُ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ويُسْتَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ. التَّهْذِيبُ: يُقَالُ: جَزَأْتُ المالَ بَيْنَهُمْ وجَزَّأْتُه: أَي قسَّمْته.
(1/45)

والمَجْزُوءُ مِن الشِّعر: مَا حُذِف منه جُزْآن أَو كان على جُزْءَينِ فَقَطْ، فالأُولى عَلَى السَّلبِ والثانيةُ عَلَى الوُجُوب. وجَزَأَ الشِّعْرَ جَزْءاً وجَزَّأَه فِيهِمَا: حذَف منه جُزْءَينِ أَو بَقَّاه على جُزْءَين. التَّهْذِيبُ: والمَجْزُوء مِن الشِّعر: إِذَا ذَهَبَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فَواصِله، كَقَوْلِهِ:
يَظُنُّ الناسُ، بالمَلِكَيْنِ ... ، أَنَّهما قدِ التأَما
فإنْ تَسْمَعْ بلأْمِهِما، ... فإنَّ الأَمْر قَدْ فَقَما
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
أَصْبَحَ قَلْبي صَرِدا ... لَا يَشْتَهي أَنْ يَرِدا
ذَهَبَ مِنْهُ الجُزء الثَّالِثُ مِنْ عَجُزه. والجَزْءُ: الاستِغناء بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وكأَنَّه الِاسْتِغْنَاءُ بالأَقَلّ عَنِ الأَكثر، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الجُزْء. ابن الأعرابي: يُجْزِئُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ ويُجْزِئُ هذا من هذا: أَي كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقومُ مقَام صاحِبه، وجَزَأَ بِالشَّيْءِ وتَجَزَّأَ: قَنِعَ واكْتَفَى بِهِ، وأَجْزأَهُ الشيءُ: كفَاه، وأَنشد:
لَقَدْ آلَيْتُ أَغْدِرُ فِي جَداعِ، ... وإِنْ مُنِّيتُ أُمّاتِ الرِّباعِ
بأَنَّ الغَدْرَ، فِي الأَقْوام، عارٌ، ... وأَنَّ المَرْءَ يَجْزَأُ بالكُراعِ
أَي يَكْتَفِي بِهِ. وَمِنْهُ قولُ النَّاسِ: اجْتَزَأْتُ بِكَذَا وَكَذَا، وتَجَزَّأْتُ بِهِ: بمعنَى اكْتَفَيْتُ، وأَجْزَأْتُ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ إِلَّا اللَبَنَ، أَي لَيْسَ يَكْفِي. وجَزِئَتِ الإِبلُ: إِذَا اكْتَفَتْ بالرُّطْبِ عَنِ الْمَاءِ. وجَزَأَتْ تَجْزَأُ جَزْءاً وجُزْءاً بِالضَّمِّ وجُزُوءاً أَي اكْتَفَتْ، وَالِاسْمُ الجُزْءُ. وأَجْزَأَها هُوَ وجَزَّأَها تَجْزِئَةً وأَجزأَ القومُ: جَزِئَتْ إبلُهم. وظَبْيَةٌ جازِئةٌ: اسْتَغْنَتْ بالرُّطْب عَنِ الْمَاءِ. والجَوازِئُ: الوحْشُ، لتجَزُّئِها بالرُّطْب عَنِ الْمَاءِ، وَقَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرار، وَاسْمُهُ مَعْقِلٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبو سَعيد:
إِذَا الأَرْطَى تَوَسَّدَ، أَبْرَدَيْهِ، ... خُدُودُ جَوازئٍ، بالرَّمْلِ، عِينِ
لَا يَعْنِي بِهِ الظِّباء، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، لأَن الظِّبَاءَ لَا تَجْزأُ بالكَلإِ عَنِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا عَنَى البَقَرَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أَنه قَالَ: عِينٌ، والعِينُ مِنْ صِفات البَقَر لَا مِنْ صِفاتِ الظِّباء؛ والأَرطى، مَقْصُورٌ: شَجَرٌ يُدبغ بِهِ، وتَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ، أَي اتَّخَذَ الأَرطى فِيهِمَا كالوِسادة، والأَبْردان: الظِّلُّ والفَيءُ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِبَرْدِهِمَا. والأَبْردانِ أَيضاً الغَداة وَالْعَشِيُّ، وَانْتِصَابُ أَبْرَدَيْهِ عَلَى الظَّرْفِ؛ والأَرطى مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بتوسدَ، أَي تَوَسَّدَ خُدودُ الْبَقَرِ الأَرْطى فِي أَبرديه، وَالْجَوَازِئُ: الْبَقَرُ وَالظِّبَاءُ الَّتِي جَزَأَت بالرُّطْب عَنِ الْمَاءِ، والعِينُ جَمْعُ عَيناء، وَهِيَ الْوَاسِعَةُ الْعَيْنِ؛ وَقَوْلُ ثَعْلَبِ بْنِ عُبَيْدٍ:
جَوازِئ، لَمْ تَنْزِعْ لِصَوْبِ غَمامةٍ، ... ورُوّادُها، فِي الأَرض، دائمةُ الرَّكْض
قَالَ: إِنَّمَا عَنَى بالجَوازِئِ النخلَ يَعْنِي أَنها قَدِ اسْتَغْنَتْ عَنِ السَّقْيِ، فاسْتَبْعَلَت. وطعامٌ لَا جَزْءَ لَهُ: أَي لَا يُتَجَزَّأُ بقليلهِ. وأَجْزَأَ عَنْهُ مَجْزَأَه ومَجْزَأَتَه ومُجْزَأَهُ ومُجْزَأَتَه: أَغْنى عَنْهُ مَغْناه. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: البقرةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ
(1/46)

وتَجْزِي، فَمَنْ هَمَزَ فَمَعْنَاهُ تُغْني، وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ، فَهُوَ مِنَ الجَزاء. وأَجْزَأَتْ عنكَ شاةٌ، لُغَةٌ فِي جَزَتْ أَي قَضَتْ؛ وَفِي حَدِيثِ الأُضْحِيَة:
وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحدٍ بَعْدَكَ
: أَي لنْ تَكْفِيَ، مِن أَجْزَأَني الشيءُ أَي كَفَانِي. وَرَجُلٌ لَهُ جَزْءٌ أَي غَنَاء، قَالَ:
إِنِّي لأَرْجُو، مِنْ شَبِيبٍ، بِرَّا، ... والجَزْءَ، إِنْ أَخْدَرْتُ يَوْماً قَرَّا
أَي أَن يُجْزِئَ عَنِّي وَيَقُومَ بأَمْري. وَمَا عندَه جُزْأَةُ ذَلِكَ، أَي قَوامُه. وَيُقَالُ: مَا لفلانٍ جَزْءٌ وَمَا لَهُ إِجْزاءٌ: أَي مَا لَهُ كِفايةٌ. وَفِي حَدِيثِ
سَهْل: مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليومَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فلانٌ
، أَي فَعَلَ فِعْلًا ظَهَرَ أَثرُه وقامَ فِيهِ مَقَامًا لَمْ يقُمْه غيرهُ وَلَا كَفَى فِيهِ كِفايَتَه. والجَزأَة: أَصْل مَغْرِزِ الذّنَب، وخصَّ بِهِ بعضُهم أَصل ذَنَبِ الْبَعِيرِ مِنْ مَغْرِزِه. والجُزْأَةُ بالضمِّ: نصابُ السِّكِّين والإِشْفى والمِخْصَفِ والمِيثَرةِ، وَهِيَ الحَدِيدةُ الَّتِي يُؤْثَرُ بِهَا أَسْفَلُ خُفِّ الْبَعِيرِ. وَقَدْ أَجْزَأَها وجَزَّأَها وأَنْصَبها: جَعَلَ لَهَا نِصاباً وجُزْأَةً، وَهُمَا عَجُزُ السِّكِّين. قَالَ أَبو زَيْدٍ: الجُزْأَةُ لَا تَكُونُ لِلسَّيْفِ وَلَا للخَنْجَر وَلَكِنْ للمِيثَرةِ الَّتِي يُوسَم بِهَا أَخْفافُ الْإِبِلِ وَالسِّكِّينِ، وَهِيَ المَقْبِضْ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: [وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
]. قَالَ أَبو إِسحاق: يَعْنِي بِهِ الَّذِينَ جعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بناتِ اللهِ، تَعَالَى اللهُ وتقدَّس عَمَّا افْتَرَوْا. قَالَ: وَقَدْ أُنشدت بَيْتًا يَدُلُّ عَلَى أَنّ مَعْنَى جُزْءاً مَعْنَى الْإِنَاثِ. قَالَ: وَلَا أَدري الْبَيْتَ هُوَ قَديمٌ أَم مَصْنُوعٌ:
إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ، يَوْماً، فَلَا عَجَبٌ، ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحْيانا
وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
: أَي جَعَلوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الْوَلَدِ الإِناثَ. قَالَ: وَلَمْ أَجده فِي شِعْرٍ قَديم وَلَا رَوَاهُ عَنِ الْعَرَبِ الثقاتُ. وأَجْزَأَتِ المرأَةُ: ولَدتِ الْإِنَاثَ، وأَنشد أَبو حَنِيفَةَ:
زُوِّجْتُها، مِنْ بَناتِ الأَوْسِ، مُجْزِئَةً، ... للعَوْسَجِ اللَّدْنِ، فِي أَبياتِها، زَجَلُ
يَعْنِي امرَأَةً غزَّالةً بمغازِل سُوِّيَت مِنْ شَجَرِ العَوْسَج. الأَصمعي: اسْمُ الرَّجُلِ جَزْءٌ وكأَنه مَصْدَرُ جَزَأَتْ جَزْءاً. وجُزْءٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ. قَالَ الرَّاعي:
كانتْ بجُزْءٍ، فَمَنَّتْها مَذاهِبُه ... «2»، وأَخْلَفَتْها رِياحُ الصَّيْفِ بالغُبَرِ
والجازِئُ: فرَس الحَرِث بْنِ كَعْبٍ. وأَبو جَزْءٍ: كُنْيَةٌ. وجَزْءٌ، بِالْفَتْحِ: اسْمُ رَجُلٍ. قَالَ حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ:
إنْ كنتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِباً، ... جَزْءُ، فلاقيتَ مِثْلَها عَجَلا
وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِ هَذَا الشِّعْرِ أَنَّ هَذَا الشَّاعِرَ كَانَ لَهُ تسعةُ إِخْوة فَهَلكوا، وَهَذَا جَزْءٌ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ وَكَانَ يُنافِسه، فزَعَم أَن حَضْرَمِيّاً سُرَّ بموتِ إِخْوَتِهِ لأَنه وَرِثَهم، فَقَالَ حَضْرَميُّ هَذَا الْبَيْتَ، وَقَبْلَهُ:
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِرامَ، وأَنْ ... أُورَثَ ذَوْداً شَصائصاً، نَبَلا
يُرِيدُ: أَأَفْرَحُ، فحذَف الْهَمْزَةَ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ: أَي لَا وجْهَ للفَرَح بِمَوْتِ الكِرام مِنْ إِخْوَتِي لأَرِثَ شَصائِصَ لَا أَلبانَ لَهَا، واحدَتُها شَصُوصٌ، ونَبَلًا:
__________
(2). قوله [مذاهبه] في نسخة المحكم مذانبه.
(1/47)

صِغاراً. وَرَوَى: أَنَّ جَزْءاً هَذَا كَانَ لَهُ تِسْعَةُ إِخوة جَلسُوا عَلَى بِئْرٍ، فانْخَسَفَتْ بِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ حضرميٌّ بِذَلِكَ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ كَلِمَةٌ وَافَقَتْ قَدَرا، يُرِيدُ قَوْلَهُ: فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجَلًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بقِناعِ جَزْءٍ
؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَم رَاوِيهِ أَنه اسْمُ الرُّطَبِ عِنْدَ أَهل الْمَدِينَةِ؛ قَالَ: فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، فكأَنَّهم سَمَّوْه بِذَلِكَ للِاجْتِزاء بِهِ عَنِ الطَّعام؛ وَالْمَحْفُوظُ: بقِناعِ جَرْو بِالرَّاءِ، وَهُوَ صِغار القِثَّاء، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
جَسَأَ: جَسَأَ الشيءُ يَجْسَأُ جُسُوءاً وجُسأَةً، فَهُوَ جَاسِئٌ: صَلُبَ وخَشُنَ. والجاسِياء: الصَّلابةُ والغِلَظُ. وَجَبَلٌ جاسِئٌ وأَرض جاسِئةٌ ونبتٌ جاسِئٌ: يَابِسٌ. ويدٌ جَسْآء: مُكْنِبةٌ مِنَ الْعَمَلِ. وجَسَأَتْ يدُه مِنَ الْعَمَلِ تجسَأُ جَسْأً: صَلُبَت، وَالِاسْمُ الجُسْأَةُ مِثْلُ الجُرعة. وجَسَأَتْ يَدُ الرَّجُلِ جُسوءاً: إِذَا يَبِست، وَكَذَلِكَ النَّبتُ إِذَا يبِس، فَهُوَ جاسِئٌ فِيهِ صَلابة وَخُشُونَةٌ. وجُسِئَتِ الأَرضُ، فَهِيَ مَجْسُوءةٌ مِنَ الجَسْءِ: وَهُوَ الْجِلْدُ الخَشِنُ الذي يُشبِه الحَصا الصِّغار. وَمَكَانٌ جاسِئٌ وشاسِئٌ: غَلِيظٌ. والجُسْأَةُ فِي الدَّوَابِّ: يُبْس المَعْطِف، وَدَابَّةٌ جاسئةُ القوائِم.
جَشَأَ: جَشَأَتْ نفسُه تجْشأُ جُشوءاً: ارتفَعَت ونَهَضَت إِلَيْهِ وجاشَت مِنْ حُزْن أَو فَزَع. وجَشَأَتْ: ثارَت للقَيْءِ. شِمْرٌ: جَشَأَتْ نَفْسِي وخَبُثَتْ ولَقِسَتْ وَاحِدٌ. ابْنُ شُمَيْلٍ: جَشَأَتْ إليَّ نَفْسِي أَي خَبُثَتْ مِنَ الْوَجَعِ مِمَّا تَكْرَهُ، تجَشَأُ، وأَنشد:
وقَوْلي، كُلَّما جَشَأَتْ، لنفسِي: ... مَكانَكِ تُحْمَدي، أَو تَسْتَرِيحي
«1» يُرِيدُ تَطَلّعت ونَهَضَت جَزَعاً وَكَرَاهَةً. وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ: جَشَأَتِ الرُّومُ عَلَى عَهْدِ عُمَر أَي نَهَضَتْ وأَقبلت مِنْ بِلَادِهَا، وَهُوَ مِنْ جَشَأَتْ نَفْسِي إِذَا نَهَضَتْ مِن حُزْن أَو فَزَعٍ. وجَشَأَ الرَّجلُ إِذا نَهَض مِنْ أَرض إِلَى أَرض. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فَجَشأَ عَلَى نفْسه
، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ ضَيَّقَ عَلَيْهَا. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الجَشْءُ: الْكَثِيرُ. وَقَدْ جَشَأَ الليلُ والبَحْرُ إِذا أَظْلَم وأَشْرَفَ عَلَيْكَ. وجُشاءُ الليلِ والبَحْرِ: دُفْعَتُه. والتَّجَشُّؤُ: تَنَفُّس المَعِدة عِنْدَ الامْتِلاء. وجَشَأَت المَعِدةُ وتجَشَّأَت: تَنَفَّسَت، وَالِاسْمُ الجُشاء، مَمْدُودٌ، عَلَى وَزْنِ فُعال كأَنه مِنْ بَابِ العُطاس والدُّوار والبُوال. وَكَانَ عليُّ بْنُ حَمْزَة يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا الجُشْأَةُ هُبوبُ الرِّيحِ عِنْدَ الفَجْر. والجُشَأَةُ عَلَى مِثَالِ الهُمَزَةِ: الجُشْأَةُ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
فِي جُشْأَةٍ مِنْ جُشَآتِ الفَجْرِ
قَالَ ابْنُ بَرِّي: وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَبو زَيْدٍ: جُشْأَة، بِتَسْكِينِ الشِّينِ، وَهَذَا مُسْتَعَارٌ لِلْفَجْرِ مِنَ الجُشْأَة عَنِ الطَّعام؛ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ: إِنما الجُشْأَةُ هُبُوبُ الرِّيحِ عِنْدَ الفَجْر. وتَجَشَّأَ تَجَشُّؤاً، والتَجْشِئَةُ مِثْلُهُ. قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ الفَقْعَسِي:
وَلَمْ تَبِتْ حُمَّى بهِ تُوَصِّمُهْ، ... وَلَمْ يُجَشِّئْ عَنْ طَعامٍ يُبْشِمُهْ
__________
(1). قوله [وقولي إلخ] هو رواية التهذيب.
(1/48)

وجَشَأَت الغنمُ: وَهُوَ صَوْتٌ تُخْرِجُه مِنْ حُلُوقِها؛ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
إِذَا جَشَأَتْ سَمِعْتَ لَهَا ثُغاءً، ... كأَنَّ الحَيَّ صَبَّحَهُمْ نَعِيُ
قَالَ: وَمِنْهُ اشْتُقَّ تَجَشَّأْتُ. والجَشْءُ: القَضِيبُ، وقَوْسٌ جَشْءٌ: مُرِنَّةٌ خَفِيفةٌ، وَالْجَمْعُ أَجْشاءٌ وجَشَآتٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الجَشْءُ: الْقَوْسُ الْخَفِيفَةُ؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: هِيَ ذاتُ الإِرنانِ فِي صَوْتِها، وقِسِيٌّ أَجْشاء وجَشَآتٌ، وأَنشد لأَبي ذُؤَيب:
ونَمِيمةً مِنْ قانِصٍ مُتَلَبِّبٍ، ... فِي كَفِّهِ جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطُعُ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ القَضِيبُ مِنَ النَّبْع الْخَفِيفِ. وسَهم جَشْءٌ: خَفِيفٌ، حَكَاهُ يَعْقُوبُ فِي المُبْدَل، وأَنشد:
ولوْ دَعا، ناصِرَه، لَقِيطا، ... لذَاقَ جَشْأً لَمْ يَكُنْ مَلِيطا
المَلِيطُ الَّذِي لَا ريشَ عَلَيْهِ. وجَشَأَ فُلَانٌ عَنِ الطَّعام: إِذَا اتَّخَم فكَرِهَ الطعامَ. وَقَدْ جَشَأَتْ نفسُه، فَمَا تَشْتَهي طَعَامًا، تَجْشَأُ. وجَشَأَت الوَحْشُ: ثارَتْ ثَوْرَةً وَاحِدَةً. وجَشَأَ القومُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ: خَرَجُوا، وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
أَحْراس ناسٍ جَشَئُوا، ومَلَّتْ ... أَرْضاً، وأَحوالُ الجَبانِ أَهْوَلَت
«1» جَشَؤُوا: نَهضوا مِنْ أَرض إِلَى أَرض، يَعْنِي النَّاسَ. ومَلَّتْ أَرْضاً؛ وأَهْوَلَتْ: اشتَدَّ هوْلُها. واجْتَشَأَ الْبِلَادَ واجْتَشَأَته: لَمْ تُوافِقْه، كأَنَّه مِنْ جَشَأَتْ نفْسِي.
جَفَأَ: جَفَأَ الرَّجلَ جَفْأً: صَرَعه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقتَلَعه وذَهَب بِهِ الأَرضَ. وأَجْفَأَ بِهِ: طَرَحَهُ. وجَفَأَ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبَها بِهِ. وجَفَأَ البُرْمةَ فِي القَصْعةِ جَفْأً: أَكْفأَها، أَو أَمالها فَصَبَّ مَا فِيهَا، وَلَا تَقُلْ أَجْفَأْتُها. وفي الحديث: فاجْفَؤُوا القُدورَ بِمَا فِيهَا، وَالْمَعْرُوفُ بِغَيْرِ أَلف؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةٌ مَجْهُولَةٌ؛ وَقَالَ الرَّاجِزُ:
جَفْؤُكَ ذَا قِدْرِكَ للضِّيفانِ، ... جَفْأً عَلَى الرُّغْفانِ فِي الجِفانِ
خَيْرٌ مِن العَكِيسِ بالأَلْبانِ
وَفِي حَدِيثِ خَيْبَرَ: أَنه حَرَّمَ الحُمُرَ الأَهْلية، فجَفَؤُوا القُدورَ أَي فَرَّغُوها وقَلَبُوها؛ وروي: فأَجْفَئُوا، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ قَلِيلَةٌ مِثْلُ كَفَئُوا وأَكْفَئُوا. وجَفَأَ الوادِي غُثاءَهُ يَجْفَأُ جَفْأً: رَمَى بالزَّبَدِ والقَذَى، وَكَذَلِكَ جَفَأَت القدْرُ: رَمَت بزَبَدِها عِنْدَ الغَلَيانِ، وأَجْفَأَتْ بِهِ وأَجْفَأَته. وَاسْمُ الزَّبَدِ: الجُفاء. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: خَلَقَ اللَّهُ الأَرضَ السُّفْلى مِنَ الزَّبَدِ الجُفاء أَي مِن زَبَدٍ اجْتَمَعَ لِلْمَاءِ. يُقَالُ: جَفَأَ الْوَادِي جَفْأً: إِذَا رَمَى بالزَّبَد والقَذَى. وَفِي التَّنْزِيلِ: فأَمّا الزَّبَدُ فيَذْهَبُ جُفاءً، أَي بَاطِلًا. قَالَ الفرَّاء: أَصله الْهَمْزَةُ، أَو الجُفاء مَا نَفاه السَّيْلُ. والجُفاء: الباطلُ أَيضاً. وجَفَأَ الواديَ: مَسَحَ غُثاءَه. وَقِيلَ: الجُفاء كَمَا يُقَالُ الغُثاء. وكلُّ مصدرٍ اجْتَمَعَ بعضُه إِلَى بَعْضٍ مثلُ القُماشِ والدُّقاقِ والحُطامِ مصدرٌ يَكُونُ فِي مذهبِ اسمٍ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا كَانَ العَطاء اسْمًا لِلْإِعْطَاءِ، كَذَلِكَ القُماش لَوْ أَردتَ مَصْدَرَ قَمَشْته قَمْشاً. الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُ قَوْلِهِ جُفاء نَصْب عَلَى الْحَالِ. وَفِي حَدِيثِ
البَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ حُنَيْن: انْطَلَق جُفاءٌ مِن النَّاسِ
__________
(1). قوله [أحراس ناس إلخ] كذا بالأصل وشرح القاموس.
(1/49)

إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِن هوازِنَ
، أَراد: سَرَعانَ الناسِ وأَوائلهم، شبَّهَهم بجُفاء السَيْل. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ فِي كِتَابِ الْهَرَوِيِّ، وَالَّذِي قرأْناه فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: انْطَلَق أَخِفَّاءُ مِنَ الناسِ، جَمْعُ خَفِيفٍ. وَفِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ: سَرَعانُ النَّاسِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: الجُفاءُ: مَا جَفَأَه الْوَادِي: إِذَا رَمَى بِهِ، وجَفَأتُ الغُثاء عَنِ الْوَادِي وجَفَأْتُ القِدْرَ أَي مَسَحْتُ زَبَدها الَّذِي فَوْقَها مِنْ غَلْيِها، فَإِذَا أَمَرْت قُلْتَ: اجْفَأْها. وَيُقَالُ: أَجْفَأَتِ القِدْرُ إِذَا عَلا زَبَدُها. وَتَصْغِيرُ الجُفاء: جُفَيءٌ، وَتَصْغِيرُ الغُثاء: غُثَيٌّ بِلَا هَمْزٍ. وجَفَأَ البابَ جَفْأً وأَجْفَأَه: أَغْلَقَه. وَفِي التَّهْذِيبِ: فَتَحه. وجَفأَ البقلَ والشجرَ يَجْفَؤُه جَفْأً واجْتَفَأَهُ: قَلَعَه مِنْ أَصْله.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: سُئل بعضُ الأَعراب عَنْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَتى تحِلُّ لنَا المَيْتَة؟ فَقَالَ: مَا لَمْ تَجْتَفِئوا.
يُقَالُ اجْتَفأَ الشيءَ: اقْتَلَعه ثمَّ رَمَى بِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: مَا لَمْ تَجْتَفِئوا بَقْلًا وتَرْمُوا بِهِ، مِنْ جَفَأَتِ القِدْرُ إِذَا رَمَتْ بِمَا يَجْتَمِعُ عَلَى رأَسِها مِنَ الزَّبد والوَسَخِ. وَقِيلَ: جَفَأَ النبتَ واجْتَفأَه: جَزَّه، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ.
جَلَأَ: جَلَأَ بالرَّجُل يَجْلَأُ بِهِ جَلْأً وجَلاءَةً: صَرَعَه. وجَلَأَ بثَوْبه جَلَاءً: رَمَى به.
جَلْظَأَ: التَّهْذِيبُ فِي الرُّبَاعِيِّ: فِي حَدِيثِ
لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: إِذَا اضْطَجَعْتُ لَا أَجْلَنْظِي
؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: المُجْلَنْظِي المُسْبَطِرُّ فِي اضْطِجاعِه؛ يَقُولُ: فلستُ كَذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَن يَهْمِزُ فَيَقُولُ: اجْلَنْظَأْت؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: اجْلَنْظَيْتُ.
جَمَأَ: جَمِئَ عَلَيْهِ: غَضِبَ. وتَجَمَّأَ فِي ثِيَابِهِ: تَجَمَّعَ. وتَجَمَّأَ عَلَى الشَّيْءِ: أَخذه فواراه.
جنأ: جَنَأَ عَلَيْهِ يَجْنَأُ جُنُوءاً وجَانَأَ عَلَيْهِ وتَجانَأَ عَلَيْهِ: أَكَبَّ. وَفِي التَّهْذِيبِ: جَنَأَ فِي عَدْوِه: إِذَا أَلَحَّ وأَكَبَّ، وأَنشد:
وكأَنَّه فَوْتُ الحَوالِبِ، جانِئاً، ... رِيمٌ، تُضايِقُه كِلابٌ، أَخْضَعُ
تُضايِقُه: تُلْجِئُهُ، ريمٌ أَخْضَعُ. وأَجْنَأَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ: أَكَبَّ؛ قَالَ: وإِذا أَكَبَّ الرَّجل عَلَى الرَّجُلِ يَقِيه شَيْئًا قِيلَ: أَجْنأَ. وَفِي الْحَدِيثِ: فَعَلقَ يُجانِئُ عَلَيْهَا يَقِيها الْحِجَارَةَ، أَي يُكِبُّ عَلَيْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ
أَنَّ يَهُوديّاً زَنَى بامرأَة، فَأَمَرَ برَجْمِهما فَجَعَلَ الرَّجلُ يُجْنِئُ عَلَيْهَا
أَي يُكِبُّ ويَمِيل عَلَيْهَا لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخرى:
فَلَقَد رأَيْتُه يُجانِئُ عَلَيْهَا
، مُفاعَلة مِنْ جانَأَ يُجانِئُ؛ وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فِي صِفة إِسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَبْيَضُ أَجْنَأُ خَفِيفُ العارِضَيْن.
الجَنَأُ: مَيَلٌ فِي الظَّهْر، وَقِيلَ: فِي العُنُق. وجَنَأَتِ المرأَةُ عَلَى الْوَلَدِ: أَكَبَّتْ عَلَيْهِ. قَالَ:
بَيْضاء صَفْراء لَمْ تَجْنَأْ عَلَى ولَدٍ، ... إِلَّا لأُخْرَى، وَلَمْ تَقْعُدْ عَلَى نارِ
وَقَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
أَغاضِرَ، لوْ شَهِدْتِ، غَداةَ بِنْتُمْ، ... جُنُوءَ العائداتِ عَلَى وِسادي
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: جَنِئَ عَلَيْهِ: أَكَبَّ عَلَيْهِ يُكلِّمُه. وجَنِئَ الرَّجُلُ جَنَأً، وَهُوَ أَجْنأُ بَيِّنُ الجَنَإ: أَشْرَفَ كاهِلُه عَلَى صَدْرِهِ؛ وَفِي الصِّحَاحِ: رَجُل أَجْنَأُ بَيِّنُ الجَنَإ، أَي أَحْدَبُ الظَّهْرِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: جَنَأَ ظهرُهُ جُنُوءاً كَذَلِكَ،
(1/50)

وَالْأُنْثَى جَنْواء. وجَنِئَ الرجُل يَجْنَأُ جَنَأً: إِذَا كَانَتْ فِيهِ خِلْقةً. الأَصمعي: جَنَأَ يَجْنَأُ جُنُوءاً: إِذَا انْكَبَّ عَلَى فَرَسِهِ يَتَّقِي الطعْنَ؛ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
ونَجَّاكَ مِنَّا بَعْدَ ما مِلتَ جانِئاً، ... ورُمْتَ حِياضَ المَوْتِ كلَّ مَرامِ
قَالَ: فَإِذَا كَانَ مُستقيم الظهرِ ثُمَّ أَصابه جَنَأٌ قِيلَ جَنِئَ يَجْنَأُ جَنَأً، فَهُوَ أَجْنَأُ. اللَّيْثُ: الأَجْنَأُ: الَّذِي فِي كَاهِلِهِ انْحِناء عَلَى صَدْرِهِ، وَلَيْسَ بالأَحْدب. أَبو عَمْرٍو: رجلٌ أَجْنَأُ وأَدنَأُ مَهْمُوزَانِ، بِمَعْنَى الأَقْعَسِ، وَهُوَ الَّذِي فِي صَدْرِهِ انكِباب إِلَى ظَهْرِهِ. وظَلِيمٌ أَجْنَأُ ونَعامة جَنْآءُ، وَمَنْ حَذَفَ الْهَمْزَةَ قَالَ: جَنْواء، وَالْمَصْدَرُ الجَنَأُ، وأَنشد:
أَصَكُّ، مُصَلَّمُ الأُذُنَيْنِ، أَجْنَا
والمُجْنَأُ، بِالضَّمِّ: التُّرْس لاحْديدابهِ. قَالَ أَبو قَيْس ابن الأَسلت السُّلَمِي:
أَحْفِزُها عنِّي بذِي رَوْنَقٍ، ... مُهَنَّدٍ، كالمِلْحِ قَطَّاعِ
صَدْقٍ، حُسامٍ، وادِقٍ حَدُّهُ، ... ومُجْنَإٍ، أَسْمَرَ، قَرّاعِ
والوادِقُ: الْمَاضِي فِي الضَّريبةِ؛ وقولُ ساعِدَةَ بْنِ جُؤَيّةَ:
إِذَا مَا زارَ مُجْنَأَةً، عَليْها ... ثِقالُ الصَّخْرِ والخَشَبُ القَطِيلُ
إِنَّمَا عَنَى قَبراً. والمُجْنأَةُ: حُفْرَةُ الْقَبْرِ. قَالَ الْهُذَلِيُّ وأَنشد الْبَيْتَ:
إِذَا مَا زَارَ مجنأَة عَلَيْهَا
جوأ: «2» الجاءةُ والجُؤْوةُ، بِوَزْنِ جُعْوةٍ: لَوْنُ الأَجْأَى وَهُوَ سَوَادٌ فِي غُبْرة وحُمرة، وَقِيلَ غُبْرةٌ فِي حُمرة، وَقِيلَ كُدْرة فِي صُدْأَةٍ. قَالَ:
تنازَعَها لوْنانِ: وَرْدٌ وجُؤْوةٌ، ... تَرَى، لأَياءِ الشمسِ، فِيهِ تَحَدُّرا
أَراد: وُرْدةً وجُؤْوةً، فَوَضَعَ الصِّفَةَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ. جَأَى وأُجْأَوَى، وَهُوَ أَجْأَى والأُنثى جَأْواء، وكَتِيبة جَأْواءُ: عَلَيْهَا صَدَأُ الحَديد وسوادُه، فَإِذَا خَالَطَ كُمتةَ الْبَعِيرِ مثلُ صدإِ الْحَدِيدِ، فَهُوَ الجُؤْوةُ، وبعير أَجأَى. والجُؤْوةُ: قِطعة مِنَ الأَرض غَليظة حَمْرَاءُ فِي سَوَادٍ. وجَأَى الثوبَ جَأْواً: خَاطَهُ وأَصلحه، وَسَنَذْكُرُهُ. والجِئْوةُ: سيرٌ يُخاطُ بِهِ. الأُموي: الجُوَّة، غَيْرُ مَهْمُوزٍ: الرُّقعة فِي السِّقاء، يُقَالُ: جَوَّيْتُ السِّقاءَ: رَقَعْتُه، وقال شمر: هي الجُؤْوةُ تَقْدِيرُ الجُعْوة، يُقَالُ: سِقَاءٌ مَجْئِيٌّ، وَهُوَ أَن يُقابَلَ بَيْنَ الرُّقْعَتَينِ عَلَى الوَهي من باطن وظاهر. والجُؤْوتانِ: رُقعتان يُرْقَعُ بِهِمَا السِّقاءُ مِنْ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ، وَهُمَا مُتقابلتانِ؛ قَالَ أَبو الْحَسَنِ: وَلَمْ أَسمعه بِالْوَاوِ «3»، والأَصل الْوَاوُ، وَفِيهَا مَا يُذْكَرُ فِي جيأَ، وَاللَّهُ أَعلم.
جيأ: المَجِيء: الإِتيان. جَاءَ جَيْئاً ومَجِيئاً. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ هُوَ يَجِيكَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ. وَجَاءَ يَجيءُ جَيْئةً، وَهُوَ مِنْ بِنَاءِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ إِلَّا أنه
__________
(2). قوله جوأ هذه المادة لم يذكرها في المهموز أحد من اللغويين إلا واقتصر على يَجُوءُ لُغَةٌ فِي يَجِيءُ وجميع ما أورده المؤلف هنا إنما ذكروه في معتل الواو كما يعلم ذلك بالاطلاع، والجاءة التي صدّر بها هي الجأي كما يعلم من المحكم والقاموس ولا تغتر بمن اغتر باللسان.
(3). قوله [ولن أسمعه بالواو] هو في عبارة المحكم عقب قوله سقاء مجئي وهو واضح.
(1/51)

وُضِع مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ مِثْلُ الرَّجْفةِ والرحْمة. وَالِاسْمُ الجِيئَةُ عَلَى فِعْلةٍ، بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَقُولُ: جئْت مَجِيئاً حَسناً، وَهُوَ شَاذٌّ لأَن الْمَصْدَرَ مِنْ فعَلَ يَفْعِلُ مَفْعَلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَقَدْ شَذَّتْ مِنْهُ حُرُوفٌ فَجَاءَتْ عَلَى مَفْعِلٍ كالمَجِيء والمَحِيضِ والمَكيل والمَصِير. وأَجَأْتُه أَي جِئتُ بِهِ. وجايأَني، عَلَى فاعَلني، وَجَاءَانِي فَجِئْتُه أَجِيئه أَي غالبَني بِكَثْرَةِ المَجيء فغلَبْتُه. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ جايأَنِي؛ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ مَا ذَكَرَهُ إلَّا عَلَى الْقَلْبِ. وَجَاءَ بِهِ، وأَجاءه، وإِنه لَجَيَّاءٌ بِخَيْرٍ، وجَثَّاءٌ، الأَخيرة نَادِرَةٌ. وَحَكَى ابْنُ جِنِّي رَحِمَهُ اللَّهُ: جائِيٌّ عَلَى وَجْهِ الشُّذُوذِ. وَجَايَا: لُغَةٌ فِي جَاءَا، وَهُوَ مِنَ البَدليّ. ابْنُ الأَعرابي: جايأَني الرجل من قُرْب أَي قابَلَني ومَرَّ بِي، مُجايأَة أَي مُقَابَلَةً؛ قَالَ الأَزهري: هُوَ مِنْ جِئْتُه مَجيئاً ومَجِيئةً: فأَنا جاءٍ. أَبو زَيْدٍ: جايَأْتُ فُلَانًا: إِذَا وافَقْت مَجِيئَه. وَيُقَالُ: لَوْ قَدْ جاوَزْتَ هَذَا الْمَكَانَ لجايَأْتَ الغَيْث مُجايأَةً وجِياءً أَي وَافَقْتَهُ. وَتَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ أَي الْحَمْدُ للهِ إذْ جِئتَ، وَلَا تَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جِئْتَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الصَّحِيحُ مَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّ الْجَوْهَرِيِّ فِي كِتَابِهِ عِنْدَ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ، والحمدُ للهِ إذْ جِئْتَ، هَكَذَا بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ جِئْتَ، عِوَضًا مِنْ قَوْلِهِ: أَي الحمدُ لِلَّهِ إذْ جِئْتَ؛ قَالَ: ويقوِّي صِحَّة هَذَا قَوْلُ ابْنِ السِّكِّيتِ، تَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ إذْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا تَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى تَقُولَ بِهِ أَو مِنْه أَو عَنه. وَإِنَّهُ لحَسَنُ الجِيئة أَي الحالةِ الَّتِي يَجيء عَلَيْهَا. وأَجاءَه إِلَى الشَّيْءِ: جاءَ بِهِ وأَلجأَه واضْطَرَّه إِلَيْهِ؛ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبي سُلْمى:
وجارٍ، سارَ مُعْتَمِداً إليْكُم، ... أَجاءَتْهُ المخافةُ والرَّجاء
قَالَ الفرَّاء: أَصله مِنْ جِئْتُ، وَقَدْ جَعَلَتْهُ العَرب إِلْجَاءً. وَفِي الْمَثَلِ: شَرٌّ مَا أَجاءَك إِلَى مُخَّةِ العُرْقُوب، وشَرٌّ مَا يُجِيئُك إِلَى مُخَّةِ عُرْقُوب؛ قَالَ الأَصمعي: وَذَلِكَ أَنّ العُرْقوب لَا مُخَّ فِيهِ وَإِنَّمَا يُحْوَجُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَقدِرُ عَلَى شَيْءٍ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: شَرٌّ مَا أَلجأَك، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَتَمِيمٌ تَقُولُ: شَرٌّ مَا أَشاءَك، قَالَ الشَّاعِرُ:
وشَدَدْنا شَدَّةً صادِقةً، ... فأَجاءتْكم إِلَى سَفْحِ الجَبَلْ
وَمَا جاءتْ حاجَتَك أَي مَا صارَتْ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَدخلَ التأْنيثَ عَلَى مَا حَيْثُ كانتِ الْحَاجَةُ؛ كَمَا قَالُوا: مَن كَانَتْ أُمَّك، حَيْثُ أَوْقَعُوا مَنْ عَلَى مُؤَنث، وَإِنَّمَا صُيِّر جَاءَ بِمَنْزِلَةِ كَانَ فِي هَذَا الْحَرْفِ لأَنه بِمَنْزِلَةِ الْمَثَلِ، كَمَا جَعَلُوا عَسَى بِمَنْزِلَةِ كَانَ فِي قَوْلِهِمْ: عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُساً، وَلَا تَقُولُ: عَسِيت أَخانا. والجِئاوةُ والجِياء والجِياءة: وِعاء تُوضَعُ فيه القِدْر، وَقِيلَ هِيَ كلُّ مَا وُضِعَت فِيهِ مِنْ خَصفَةٍ أَو جِلْدٍ أَو غَيْرِهِ؛ وَقَالَ الأَحمر: هِيَ الجِواءُ والجِياء؛ وَفِي حَدِيثِ
عليٍّ: لأَنْ أَطَّلِيَ بِجِواءِ قِدْرٍ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَطَّليَ بزَعْفَرانٍ.
قَالَ: وَجَمْعُ الجِئاء «1» أَجْئِيةٌ، وَجَمْعُ الجِواء أَجْوِيةٌ. الْفَرَّاءُ: جَأَوْتُ البُرْمَةَ: رَقَعْتُها، وَكَذَلِكَ النَّعل. اللَّيْثُ: جِياوةُ: اسْمُ حَيٍّ مِنْ قَيْسٍ قَدْ دَرَجُوا ولا يُعْرَفُون.
__________
(1). قوله [قال وجمع إلخ] يعني ابن الأَثير ونصه وجمعها (أي الجواء) أَجْوِيَةٌ وَقِيلَ هِيَ الْجِئَاءُ مهموز وجمعها أجئية ويقال لها الجيا بلا همز انتهى. وبهامشها جواء القدر سوادها.
(1/52)

وجَيَّأْتُ القِرْبةَ: خِطْتُها. قَالَ الشَّاعِرُ:
تَخَرَّقَ ثَفرُها، أَيَّام خُلَّتْ، ... عَلَى عَجَلٍ، فجِيبَ بِهَا أَدِيمُ
فجَيَّأَها النِّساءُ، فَخانَ مِنْها، ... كَبَعْثاةٌ ورادِعةٌ رَدُوم
ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرأَةٌ مُجَيَّأَةٌ: إِذَا أُفْضِيَتْ، فَإِذَا جُومِعَتْ أَحْدَثَتْ. وَرَجُلٌ مُجَيَّأ: إِذَا جامَعَ سَلَحَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ
؛ هُوَ مِنْ جِئْتُ، كَمَا تَقُولُ: فَجَاءَ بِهَا المَخاضُ، فَلَمَّا أُلقِيَتِ الباءُ جُعل فِي الفِعْل أَلِفٌ، كَمَا تَقُولُ: آتَيْتُكَ زَيْداً، تُرِيدُ: أَتَيْتُك بِزَيْدٍ. والجايئةُ: مِدَّةُ الجُرْح والخُرَاجِ وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ المِدَّة والقَيْحِ؛ يُقَالُ: جاءتْ جايِئةُ الجِراحِ. والجِئَةُ والجِيئَةُ: حُفْرةٌ فِي الهَبْطةِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ، والأَعرف: الجِيَّةُ، مِنَ الجَوَى الَّذِي هُوَ فسادُ الجَوْف لأَنَّ الماءَ يَأْجِنُ هُنَاكَ فيَتَغَيَّر، وَالْجَمْعُ جَيْءٌ. وَفِي التَّهْذِيبِ: الجَيْأَةُ: مُجْتَمَعُ مَاءٍ فِي هَبْطةٍ حَوَالَيِ الحُصُونِ؛ وَقِيلَ: الجَيْأَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ الْمَاءُ؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: الجَيْأَةُ: الحُفْرة الْعَظِيمَةُ يَجْتَمِع فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ وتُشْرِعُ الناسُ فِيهِ حَشُوشَهم؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
ضفادِعُ جَيْأَةٍ حَسِبَتْ أَضاةً، ... مُنَضِّبةً، سَتَمْنَعُها، وطِينا
وجَيْئةَ الْبَطْنِ: أَسْفل مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الْعَانَةِ. والجَيْئةُ: قِطعة يُرْقَعُ بِهَا النَّعل، وَقِيلَ: هِيَ سَيْرٌ يُخاط بِهِ. وَقَدْ أَجاءها. والجِيءُ والجَيءُ: الدُّعاء إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ أَيضاً دُعَاءُ الإِبل إِلَى الْمَاءِ؛ قَالَ مُعَاذٌ الْهَرَّاءُ:
وَمَا كانَ عَلَى الجِيء، ... وَلَا الهِيءِ امْتِداحِيكا
وَقَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الهِيء والجِيء مَا نَفَعَه؛ قَالَ أَبو عَمْرٍو: الهِيءُ: الطَّعَامُ، والجِيءُ: الشَّرابُ. وَقَالَ الأُموي: هُما اسْمانِ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَأْجَأْتُ بالإِبل إِذَا دَعَوْتها للشُّرْب، وهَأْهَأْتُ بِهَا: إِذَا دَعَوْتها للعَلف.

فصل الحاء المهملة
حأحأ: حَأْحَأَ بالتَّيْسِ: دعَاه. وحِئْ حِئْ: دُعاء الحِمار إِلَى الْمَاءِ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والحَأْحَأَةُ، وَزْنُ الجَعْجعةِ، بِالْكَبْشِ: أَن تَقول لَهُ: حَأْحَأْ، زَجْراً.
حبأ: الحَبَأُ عَلَى مِثَالِ نَبَإٍ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: جَلِيسُ المَلِك وخاصَّته، وَالْجَمْعُ أَحْباء، مِثْلُ سَبَبٍ وأَسْبابٍ؛ وَحُكِيَ: هُو منْ حَبَإِ المَلِكِ، أَي مِنْ خاصَّته. الأَزهري، اللَّيْثُ: الحَبَأَةُ: لوْحُ الإِسْكافِ المُسْتَديرُ، وَجَمْعُهَا حَبَوات؛ قَالَ الأَزهري هَذَا تَصْحِيفٌ فَاحِشٌ، وَالصَّوَابُ الجَبْأَةُ بِالْجِيمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ: كَجَبْأَةِ الخَزَمِ. الفرَّاء: الحَابيانِ «1»: الذِّئْبُ والجَراد، وحَبا الْفَارِسُ: إِذَا خَفَقَ، وأَنشد:
نَحْبُو إِلَى المَوْتِ كما يَحْبُو الجَمَلْ
حتأ: حَتَأْتُ الكِساءَ حَتْأً: إِذَا فَتَلْتَ هُدْبَه وكَفَفْتَه مُلْزَقاً بِهِ، يُهْمَزُ وَلَا يهمز. وحَتَأَ الثوبَ
__________
(1). قوله [الحابيان] كذا في النسخ، ونسخة التهذيب بالياء، وحبا الفارس بالألف والمضارع في الشاهد بالواو وهو كما لا يخفى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْبَابِ.
(1/53)

يَحْتَؤُه حَتْأً وأَحْتَأَه، بالأَلف: خاطَه، وَقِيلَ: خاطَه الخِياطة الثَّانِيَةَ، وَقِيلَ: كَفَّه؛ وَقِيلَ: فَتَلَ هُدْبَه وكَفَّه؛ وَقِيلَ: فَتَلَه فَتْلَ الأَكْسِيةِ. والحِتْءُ: مَا فَتَلَه مِنْهُ. وحَتَأَ العُقْدةَ وأَحْتَأَها: شدَّها. وحَتَأْتُه حَتْأً إِذَا ضَرَبْتَهُ، وَهُوَ الحَتْء، بِالْهَمْزِ. وحَتَأَ المرأةَ يَحْتَؤُها حَتْأً: نَكَحَها، وَكَذَلِكَ خَجَأَها. والحِنْتَأْوُ: الْقَصِيرُ الصَّغِيرُ، مُلْحَقٌ بِجِرْدَحْلٍ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَتى بِهَا الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ حنت، رَجُلٌ حِنْتَأْوٌ وامرأَة حِنْتَأْوةٌ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يُعْجَب بِنَفْسِهِ، وَهُوَ فِي أَعين النَّاسِ صَغِيرٌ؛ وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَقَالَ الأَزهري فِي الرُّبَاعِيِّ أَيضاً: رَجُلٌ حِنْتَأْوٌ، وَهُوَ الَّذِي يُعْجِبهُ حُسنه، وَهُوَ فِي عُيُونِ النَّاسِ صغير، والواو أَصلية.
حجأ: حَجِئَ بِالشَّيْءِ حَجَأً: ضنَّ بِهِ، وَهُوَ بِهِ حَجِئٌ، أَي مُولَعٌ بِهِ ضَنِينٌ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. قَالَ:
فَإنِّي بالجَمُوحِ وأُمِّ بَكْرٍ ... ودَوْلَحَ، فاعْلَموا، حَجِئٌ، ضَنِينُ
وَكَذَلِكَ تَحَجَّأْتُ بِهِ. الأَزهري عَنِ الْفَرَّاءِ: حَجِئتُ بِالشَّيْءِ وتَحجَّيْتُ بِهِ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ: تَمَسَّكت بِهِ، ولَزِمْتُه، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
أَطَفَّ، لأَنْفِه المُوسَى، قَصِيرٌ، ... وكانَ بأَنْفِه حَجِئاً، ضَنِينا
وحَجِئ بالأَمر: فَرِح بِهِ، وحَجَأْتُ: فَرِحْتُ بِهِ. وحَجِئَ بِالشَّيْءِ وحَجَأَ به حَجْأً: تَمَسَّكَ بِهِ وَلَزِمَه. وَإِنَّهُ لَحَجِئٌ أَن يَفْعَل كَذَا أَي خَلِيقٌ، لُغَةٌ فِي حَجِيٍّ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَإِنَّهُمَا لَحجِئان وإِنهم لحَجِئون وإِنها لحَجِئةٌ وإِنهما لَحَجِئتان وإِنّهنّ لَحَجايا مثل قولك خطايا.
حدأ: الحِدَأَةُ: طَائِرٌ يَطِير يَصِيدُ الجِرْذان، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ يَصِيدُ عَلَى عَهد سُلَيْمان، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ مِنْ أَصْيدِ الجَوارِح، فانْقَطَع عَنْهُ الصَّيْد لدَعْوة سُلَيْمَانَ. الحِدَأَةُ: الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ، وَلَا يُقَالُ حِداءةٌ؛ وَالْجَمْعُ حِدَأ، مَكْسُورُ الأَوّل مَهْمُوزٌ، مِثْلُ حِبَرَةٍ وحِبَرٍ وعِنَبَةٍ وعِنَبٍ. قَالَ الْعَجَّاجُ يَصِفُ الأَثافِيَّ:
كَمَا تَدَانَى الحِدأُ الأُوِيُ
وحِداءٌ، نَادِرَةٌ؛ قَالَ كُثَيِّرُ عَزة:
لَكَ الوَيْلُ مِنْ عَيْنَيْ خُبَيْبٍ وثابِتٍ ... وحَمْزَةَ، أَشْباهِ الحِداءِ التَّوائم
وحِدْآنٌ أَيضاً. وَفِي الْحَدِيثِ:
خَمْسٌ يُقْتَلْن فِي الحِلِّ والحَرَم، وعَدّ الحِدَأَ مِنْهَا
، وَهُوَ هَذَا الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الجَوارِحِ؛ التَّهْذِيبُ: وَرُبَّمَا فَتَحُوا الْحَاءَ فَقَالُوا حَدَأَةٌ وحَدَأ، وَالْكَسْرُ أَجود؛ وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: أَهل الحَجاز يُخْطِئون، فَيَقُولُونَ لِهَذَا الطَّائِرِ: الحُدَيَّا، وَهُوَ خَطَأٌ، وَيَجْمَعُونَهُ الحَدادِي، وَهُوَ خَطَأٌ؛ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنه قَالَ: لَا بأْس بِقَتْلِ الحِدَوْ والإِفعَوْ للمُحرِم، وكأَنها لُغَةٌ فِي الحِدَإ. والحُدَيَّا: تَصْغِيرُ الحِدَوْ. والحَدَا، مَقْصُورٌ: شبْهُ فأْس تُنْقَر بِهِ الحِجارةُ، وَهُوَ مُحَدَّد الطَّرَف. والحَدَأَةُ: الْفَأْسُ ذاتُ الرأْسين، وَالْجَمْعُ حَدَأ مِثْلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ؛ وأَنشد الشَّمَّاخُ يَصِفُ إِبِلًا حِدادَ الأَسْنانِ:
يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقْنَعاتٍ، ... نَواجِذُهنَّ كالحَدَإِ الوَقِيعِ
(1/54)

شَبَّه أَسنانَها بفُئُوس قَدْ حُدِّدَتْ؛ وَرَوَى أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي وأَبي عُبَيْدَةَ أَنهما قَالَا: يُقَالُ لَهَا الحِدَأَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى مِثَالِ عِنَبَة، وَجَمْعُهَا حِدَأ، وأَنشد بَيْتَ الشَّمَّاخِ بِكَسْرِ الْحَاءِ؛ وَرَوَى ابْنُ السِّكِّيتِ عَنِ الْفَرَّاءِ وَابْنِ الأَعرابي أَنهما قَالَا: الحَدَأَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْجَمْعُ الحَدَأُ، وأَنشد بَيْتَ الشَّمَّاخِ بِفَتْحِ الْحَاءِ؛ قَالَ: وَالْبَصْرِيُّونَ عَلَى حِدَأَة بِالْكَسْرِ فِي الفأْس، وَالْكُوفِيُّونَ: عَلَى حَدَأَةٍ؛ وَقِيلَ: الحِدَأَةُ: الفأْسُ العَظيمة؛ وَقِيلَ: الحِدَأُ: رُءُوسُ الفُئُوسِ، والحَدَأَةُ: نَصْل السَّهْمِ. وحَدِئَ بِالْمَكَانِ حَدَأً بِالتَّحْرِيكِ: إِذَا لزِقَ بِهِ. وحَدِئَ إِلَيْهِ حَدَأً: لجَأَ. وحَدَئَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ حَدَأَ: حَدِبَ عَلَيْهِ وعطَفَ عَلَيْهِ ونَصَرَه ومَنَعَه مِنَ الظُّلم. وحَدِئَ عَلَيْهِ: غَضِبَ. وحَدَأَ الشيءَ حَدْءاً: صَرَفه. وحَدِئَتِ الشاةُ: إِذَا انْقَطعَ سَلَاهَا فِي بَطْنِهَا فاشتَكَتْ عَنْهُ حَدَأً، مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ. وحَدِئَتِ المرأَةُ عَلَى وَلَدِهَا حَدَأً. وَرَوَى أَبو عُبَيْدٍ عَنْ أَبي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْغَنَمِ: حَذِيَتِ الشاةُ بِالذَّالِ: إِذَا انْقَطَعَ سَلَاهَا فِي بَطْنِهَا؛ قَالَ الأَزهري: هَذَا تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ بِالدَّالِ وَالْهَمْزِ، وَهُوَ قَوْلُ الفرَّاء. وَقَوْلُهُمْ فِي الْمَثَلِ: حِدَأَ حِدَأَ وراءكِ بُنْدُقة، قِيلَ: هُمَا قَبيلتانِ مِن اليمَن، وَقِيلَ هُمَا قبيلتانِ: حِدَأُ بْنُ نَمِرَةَ بْنِ سَعْد الْعَشِيرَةِ، وَهُمْ بِالْكُوفَةِ، وبُنْدُقةُ بْنُ مَظَّةَ، وَقِيلَ: بُنْدُقة بْنُ مِطِيَّةَ «1» وَهُوَ سُفْيان بْنُ سَلْهَم بْنِ الْحَكَمِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ، وَهُمْ بِالْيَمَنِ، أَغارت حِدَأ عَلَى بُنْدُقة، فنالَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَغارَتْ بُندُقة عَلَى حِدَأَ، فأَبادَتْهُم؛ وَقِيلَ: هُوَ تَرْخِيمُ حِدأَة؛ قَالَ الأَزهري: وَهُوَ الْقَوْلُ، وأَنشد هُنَا لِلنَّابِغَةِ:
فأَوْردَهُنَّ بَطْنَ الأَتمِ، شُعْثاً، ... يَصُنَّ المَشْيَ، كالحِدإِ التُّؤَام
وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: كَانَتْ قَبِيلَةٌ تَتَعَمَّد القَبائلَ بالقِتال، يُقَالُ لَهَا حِدَأَة، وَكَانَتْ قَدْ أَبَرَّتْ عَلَى النَّاسِ، فَتَحَدَّتْها قَبِيلَةٌ يُقَالُ لَهَا بُندُقة، فَهَزَمَتْها، فَانْكَسَرَتْ حِدأَة، فَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا مَرَّ بِهَا حِدَئِيٌّ تَقُولُ لَهُ: حِدَأَ حِدَأَ وراءكِ بُنْدُقة؛ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: حَدَا حَدَا، بِالْفَتْحِ غير مهموز.
حزأ: حَزَأَ الإِبلَ يَحْزَؤُها حَزْءاً: جَمَعَهَا وَسَاقَهَا. واحْزَوْزَأَتْ هِيَ: اجْتَمَعَتْ. واحْزَوْزأَ الطَّائِرُ: ضَمَّ جناحَيْه وَتَجَافَى عَنْ بَيْضِهِ. قَالَ:
مُحْزَوزِئيْنِ الزِّفَّ عَنْ مَكَوَيْهما
وَقَالَ رُؤْبَةُ، فَلَمْ يَهْمِزْ:
والسَّيْرُ مُحْزَوْزٍ بِنَا احْزِيزاؤُه، ... ناجٍ، وَقَدْ زَوْزَى بِنَا زِيزاؤُه
وحَزَأَ السَّرابُ الشخصَ يَحْزَؤُه حَزْءاً رَفَعَه، لُغَةٌ فِي حَزاه يَحْزُوه، بلا همز.
حشأ: حَشَأَه بِالْعَصَا حَشْأً، مَهْمُوزٌ: ضَرَب بِهَا جَنْبَيْه وبَطْنَه. وحَشَأَه بسَهْمٍ يَحْشَؤُه حَشْأً: رَمَاهُ فأَصاب بِهِ جَوْفَهُ قَالَ أَسماء بْنُ خارجةَ يَصِفُ ذِئْباً طَمِع فِي نَاقَتِهِ وَتَسَمَّى هَبالةَ:
لِي كُلَّ يومٍ، مِنْ ذُؤَالَهْ، ... ضِغْثٌ يَزِيدُ عَلَى إِبَالَهْ
فِي كُلِّ يومٍ صِيقةٌ ... فَوْقِي، تَأَجَّلُ كالظُّلالَهْ
فَلأَحْشَأَنَّك مِشْقَصاً، ... أَوساً، أُوَيْسُ، مِنَ الهَبالَه
__________
(1). قوله [مطية] هي عبارة التهذيب وفي المحكم مطنة.
(1/55)

أُوَيْسُ: تَصْغِيرُ أَوْسٍ وَهُوَ مِنْ أَسْماء الذِّئب، وَهُوَ مُنَادَى مُفْرَدٌ، وأَوْساً مُنْتَصِبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَي عِوَضاً، والمِشْقَصُ: السَّهْمُ العَرِيضُ النَّصْلِ؛ وَقَوْلُهُ: ضِغْثٌ يَزيد عَلَى إِبالَهْ أَي بَلِيّةٌ عَلَى بَلِيّة، وَهُوَ مَثَل سَائِرٌ. الأَزهري، شَمِرٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: حَشَأْتُه سَهْماً وحَشَوْتُه؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: حَشَأْتُه إِذَا أَدخلته جَوفَه، وَإِذَا أَصبتَ حَشاه قُلْتَ: حَشَيْتُه. وَفِي التَّهْذِيبِ: حَشَأْتُ النارَ إِذَا غَشِيتَها؛ قَالَ الأَزهري: هُوَ بَاطِلٌ وَصَوَابُهُ: حَشَأْتُ المرأَةَ إِذَا غَشِيتَها؛ فَافْهَمْهُ؛ قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَصْحِيفِ الْوَرَّاقِينَ. وحَشَأَ المرأَةَ يَحْشَؤُها حَشْأً: نَكَحَها. وحَشَأَ النارَ: أَوْقَدها. والمِحْشاءُ والمِحْشَأُ: كِساء أَبيض صَغِيرٌ يَتَّخِذُونَهُ مِئزراً، وَقِيلَ هُوَ كِساء أَو إِزارٌ غَلِيظ يُشتَملُ بِهِ، وَالْجَمْعُ المَحاشِئ؛ قَالَ:
يَنْفُضُ، بالمَشافِرِ الهَدالِقِ، ... نَفْضَكَ بالمَحاشِئ المَحالِقِ
يَعْنِي الَّتِي تَحْلِقُ الشَّعَرَ من خُشونتها.
حصأ: حَصَأَ الصبيُّ مِنَ اللَّبَنِ حَصْأً: رَضِعَ حَتَّى امْتَلأَ بطنُه، وَكَذَلِكَ الجَدْيُ إِذَا رَضِعَ مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى تمْتَلِئَ إنْفَحَتُه. وحَصَأَتِ الناقةُ تَحْصَأُ حَصْأً: اشتدَّ شُرْبها أَو أَكْلُها أَو اشْتَدَّا جَمِيعًا. وحَصَأَ مِنَ الْمَاءِ حَصْأً: رَوِيَ. وأَحْصَأَ غيرَه: أَرواه. وحَصَأَ بِهَا حَصْأً: ضَرِطَ، وَكَذَلِكَ حَصَمَ ومَحَصَ. وَرَجُلٌ حِنْصَأ: ضعيفٌ. الأَزهري، شَمِرٌ: الحِنْصَأْوةُ مِنَ الرِّجَالِ: الضَّعِيفُ، وأَنشد:
حَتَّى تَرَى الحِنْصَأْوةَ الفَرُوقا، ... مُتَّكِئاً، يَقْتَمِحُ السَّوِيقا
حضأ: حَضَأَتِ النارُ حَضْأً: الْتَهَبَتْ. وحَضَأَها يَحْضَؤُها حَضْأً: فَتَحَهَا لتَلْتَهِب، وَقِيلَ: أَوقَدَها، وأَنشد فِي التَّهْذِيبِ:
باتَتْ هُمُومي فِي الصَّدْرِ، تَحْضَؤُها ... طَمْحاتُ دَهْرٍ، مَا كُنْتُ أَدْرَؤُها
الْفَرَّاءُ: حَضَأْتُ النارَ وحضَبْتُها. والمِحْضَأُ عَلَى مِفْعَلٍ: العُودُ. والمِحْضاءُ عَلَى مِفْعال: الْعُودُ الَّذِي تُحْضَأُ بِهِ النارُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: وَهُوَ المِحْضَأُ والمِحْضَبُ، وقولُ أَبي ذؤَيب:
فأَطْفِئْ، وَلَا تُوقِدْ، وَلَا تَكُ مِحْضَأً ... لِنارِ الأَعَادِي، أَنْ تَطِير شَداتُها «2»
إِنما أَراد مِثْلَ مِحْضَإٍ لأَن الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مِحضَأً، فمِن هُنا قُدِّر فِيهِ مِثْل. وحَضَأْتُ النارَ: سَعَّرْتُها، يُهمز وَلَا يُهْمَزُ، وَإِذَا لَمْ يُهْمَزْ، فَالْعُودُ مِحْضاء، مَمْدُودٌ عَلَى مِفْعال؛ قَالَ تأَبَّط شَرًا:
ونارٍ، قَدْ حَضَأْتُ، بُعَيْدَ هَدْءٍ، ... بدارٍ مَا أُرِيدُ بِهَا مُقاما
حطأ: حَطَأَ بِهِ الأَرضَ حَطْأً: ضَرَبَها بِهِ وصَرَعَه، قَالَ:
قَدْ حَطَأَتْ أُمُّ خُثَيْمٍ بأَذَنْ، ... بِخارِجِ الخَثْلةِ، مُفْسُوءِ القَطَنْ
أَراد بأَذَّنَ، فَخَفَّف؛ قَالَ الأَزهري: وأَنشد شمر:
وو اللهِ، لَا آتِي ابْنَ حاطِئةِ اسْتِها، ... سَجِيسَ عُجَيْسٍ، مَا أَبانَ لِسانِيا
__________
(2). قوله [شداتها] كذا في النسخ بأيدينا، ونسخة المحكم أيضاً بالدال مهملة.
(1/56)

أَيْ ضَارِبَةِ اسْتِها. وَقَالَ اللَّيْثُ: الحَطْءُ، مَهْمُوزٌ: شِدّة الصَّرْعِ، يُقَالُ: احْتَمَلَه فَحَطَأَ بِهِ الأَرضَ؛ أَبو زَيْدٍ: حَطَأْتُ الرَّجل حَطْأً إِذا صَرَعْتَه؛ قَالَ: وحَطَأْته بِيَدِي حَطأً: إِذَا قَفَدْته؛ وَقَالَ شَمِرٌ: حَطَأْتُه بِيَدِي أَي ضَربته. والحُطَيْئَةُ مِنْ هَذَا، تَصْغِيرُ حَطْأَة، وَهِيَ الضَّرْبُ بالأَرض؛ قَالَ: أَقرأَنيه الإِيادِيُّ، وَقَالَ قُطْرُبٌ: الحَطْأَة: ضَربة بِالْيَدِ مَبْسُوطةً أَيَّ الجَسَدِ أَصابَتْ، والحُطَيْئَةُ مِنْهُ مأْخوذ. وحَطَأَه بِيَدِهِ حَطْأً: ضَرَبه بِهَا مَنشُورةً أَيَّ موضعٍ أَصابَتْ. وحَطَأَه: ضرَب ظهرَه بيده مبسوطة؛ فِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَخَذَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقَفَايَ فحَطَأَني حَطْأَةً، وَقَالَ اذْهَبْ فادْعُ لِي فُلَانًا
؛ وَقَدْ رُوِيَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، رَوَاهُ
ابْنُ الأَعرابي: فحَطاني حَطْوةً
؛ وَقَالَ خَالِدُ بْنُ جَنْبةَ: لَا تَكُونُ الحَطْأَة إِلَّا ضَرْبَةً بالكَفِّ بَيْنَ الكَتِفين أَو عَلَى جُراشِ «1» الْجَنْبِ أَو الصَّدْرِ أَو عَلَى الكَتِدِ، فَإِنْ كَانَتْ بالرأْس فَهِيَ صَقْعةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْوَجْهِ فَهِيَ لَطْمةٌ؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: حَطَأْتُ رأْسَه حَطْأَة شَدِيدَةً: وَهِيَ شِدَّة القَفْدِ بالرَّاحةِ، وأَنشد:
وإنْ حَطَأْتُ كَتِفَيْه ذَرْمَلا
ابْنُ الْأَثِيرِ: يُقَالُ حَطَأَه يَحْطَؤُهُ حَطْأً إِذَا دَفَعَه بِكَفِّه. وَمِنْهُ حَدِيثُ
المُغيرة، قَالَ لمعاويةَ حينَ ولَّى عمْراً: مَا لبَّثَكَ السَّهْمِيُّ أَنْ حَطَأَ بِكَ إِذا تشاورْتُما
، أَي دَفَعَك عَنْ رأْيك. وحَطَأَتِ القِدْرُ بِزَبَدها أَي دَفَعَتْه ورَمَت بِهِ عِنْدَ الغَلَيان، وَبِهِ سُمِّيَ الحُطَيْئَة. وحَطَأَ بِسَلْحِهِ: رَمَى بِهِ. وحَطَأَ المرأَةَ حَطْأً: نكَحها. وحَطَأَ حَطْأً: ضَرطَ. وحَطَأَ بِهَا: حَبَقَ. والحَطِيءُ مِنَ النَّاسِ، مَهْمُوزٌ، عَلَى مِثَالِ فَعِيل: الرُّذالُ مِنَ الرِّجال. وَقَالَ شَمِرٌ: الحَطِيءُ حَرْفٌ غَرِيبٌ، يُقَالُ: حَطِيءٌ نَطِيءٌ، إِتباع لَهُ. والحُطَيْئَةُ: الرَّجُلُ الْقَصِيرُ، وسمي الحُطَيْئَة لدَمامته. والحُطَيْئَة: شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ. التَّهْذِيبُ: حَطَأَ يَحْطِئُ إِذا جَعَس جَعْساً رَهْواً، وأَنشد:
أَحْطِئْ، فإِنَّكَ أَنْتَ أَقْذَرُ مَنْ مَشَى، ... وَبِذَاكَ سُمِّيَتَ الحُطَيْئَةَ، فاذْرُقِ
أَي اسْلَحْ. وَقِيلَ: الحَطْءُ: الدَّفْع. وَفِي النَّوَادِرِ يُقَالُ: حِطْءٌ مِنْ تَمْرٍ وحِتْءٌ مِنْ تَمْر أَي رَفَضٌ قدْرُ مَا يَحمِله الإِنسان فَوْقَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ الأَزهري فِي أَثناءِ تَرْجَمَةِ طَحَا وحَطَى «2»: ألقَى الْإِنْسَانَ عَلَى وَجْهِه.
حبطأ: هَذِهِ تَرْجَمَةٌ ذَكَرَهَا الْجَوْهَرِيَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَقَالَ فِيهَا: رَجُلٌ حَبَنْطَأ، بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، وحَبَنْطَاةٌ وحَبنْطىً أَيضاً، بِلَا همزٍ: قَصِيرٌ سَمِينٌ ضَخْمُ الْبَطْنِ، وَكَذَلِكَ المُحْبَنْطِئُ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وَيُقَالُ: هُوَ المُمْتَلِئُ غَيْظاً. واحْبَنْطأَ الرَّجُلُ: انْتَفَخَ جَوْفُه؛ قَالَ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُ هَذَا أَن يَذْكُرَ فِي تَرْجَمَةِ حبط لأَنّ الهمزة
__________
(1). قوله [جراش] كذا في نسخة التهذيب مضبوطاً.
(2). قوله [وحطى] كذا في النسخ ونسخة التهذيب بالياء والذي يظهر أنه ليس من المهموز فلا وجه لإِيراده هنا وأورده مجد الدين بهذا المعنى في طحا من المعتل بتقديم الطاء.
(1/57)

زَائِدَةٌ لَيْسَتْ أَصلية؛ وَلِهَذَا قِيلَ: حَبِطَ بَطْنُه إِذَا انتفَخَ. وَكَذَلِكَ المُحْبَنْطِئُ هُوَ المُنْتَفِخُ جَوْفُه؛ قَالَ الْمَازِنِيُّ: سَمِعْتُ أَبا زَيْدٍ يَقُولُ: احْبَنْطأْتُ، بِالْهَمْزِ، أَي امْتَلأَ بَطْنِي، واحْبَنْطَيْتُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ أَي فَسَدَ بَطْنِي؛ قَالَ الْمُبَرِّدُ: وَالَّذِي نَعْرِفُهُ، وَعَلَيْهِ جُمْلَةُ الرُّواة: حَبِطَ بَطْنُ الرَّجل إِذَا انْتَفَخَ وحَبِجَ، واحْبَنْطَأَ إِذَا انتَفَخَ بَطْنُه لِطَعَامٍ أَو غَيْرِهِ؛ وَيُقَالُ احْبَنْطَأَ الرَّجلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَكَانَ أَبو عُبَيْدَةَ يُجِيزُ فِيهِ تَرْكَ الْهَمْزِ، وأَنشد:
إِنِّي، إِذا اسْتُنْشِدْتُ، لَا أَحْبَنْطِي، ... وَلَا أُحِبُّ كَثْرةَ التَّمَطِّي
اللَّيْثُ: الحَبَنْطَأُ، بِالْهَمْزِ: العَظِيمُ البَطْنِ المُنْتَفِخ؛ وَقَدِ احْبَنْطَأْتُ واحْبَنْطَيْتُ، لُغَتَانِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
يَظَلُّ السِّقْطُ مُحْبَنْطِئاً عَلَى بَابِ الجنَّةِ
؛ قَالَ: قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هُوَ المُتَغَضِّبُ المُسْتَبْطِئُ لِلشَّيْءِ؛ وَقَالَ: المُحْبَنْطِئُ: العَظِيمُ البَطْنِ المُنْتَفِخُ؛ قَالَ الْكِسَائِيُّ: يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ؛ وَقِيلَ فِي الطِّفْل: مُحْبَنْطِئٌ أَي مُمْتَنِعٌ «1»
حظأ: رَجُلٌ حِنْظَأْوٌ: قصِير، عن كُراع.
حفأ: الحَفَأُ: البَرْدِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ البَرْدِيُّ الأَخْضَرُ مَا دَامَ فِي مَنْبِته، وَقِيلَ مَا كَانَ فِي مَنْبَتِهِ كَثِيرًا دَائِمًا، وَقِيلَ: هُوَ أَصله الأَبيض الرَّطْب الَّذِي يُؤْكَلُ. قَالَ:
أَوْ ناشِئ البَرْدِيِّ تَحْتَ الحَفا
«2» وَقَالَ:
كذَوائِبِ الحَفإِ الرّطِيبِ، غَطا بهِ ... غَيْلٌ، ومَدَّ، بجانِبَيْه، الطُّحْلُبُ
غَطا بهِ: ارْتَفَعَ، والغَيْلُ: الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وجهِ الأَرضِ؛ وَقَوْلُهُ ومَدَّ بجانِبَيْه الطُحْلُبُ، قِيلَ: إِنَّ الطُّحْلُبَ هُنا ارْتَفَع بِفِعْلِهِ؛ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَدَّ الغَيْلُ ثُمَّ استأْنف جُمْلَةً أُخرى يُخبر أَنَّ الطُّحْلُبَ بِجَانِبَيْهِ كَمَا تَقُولُ قامَ زَيْدٌ أُبُوه يَضْربه؛ ومَدَّ: امْتَدَّ؛ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ حَفَأَةٌ واحْتَفَأَ الحَفَأَ: اقْتَلَعَه مِنْ مَنْبِته. وحَفَأَ بِهِ الأَرضَ: ضرَبها بِهِ، والجيم لغة.
حكأ: حَكَأَ العُقْدةَ حَكْأً وأَحْكَأَها إِحكاءً وأَحْكَأَها: شَدَّها وأَحْكَمَها؛ قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ العِبادِيُّ يَصِفُ جارِيةً:
أَجْلَ أنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ، ... فَوقَ منْ أَحْكَأَ صُلْباً، بِإِزَارْ
أَرَادَ فَوْقَ مَن أَحْكأَ إِزَارًا بصُلْبٍ، مَعْنَاهُ فَضَّلَكم عَلَى مَنِ ائْتزر، فَشَدَّ صُلْبَه بإِزار أَي فَوْقَ النَّاسِ أَجمعين، لأَنَّ الناسَ كلَّهم يُحْكِئُونَ أُزُرَهم بأَصلابهم؛ وَيُرْوَى:
فَوْقَ مَا أَحْكِي بصُلْبٍ وإِزار
أَي بحَسَبٍ وعِفَّةٍ، أَراد بالصُّلب هَاهُنَا الحَسَبَ وبالإِزار العِفَّةَ عَنِ المَحارِم أَي فَضَّلكم اللهُ بحسَب وعَفاف فَوْقَ مَا أَحْكِي أَي مَا أَقُول. وَقَالَ شَمِرٌ: هُوَ مِنْ أَحْكَأْتُ العُقْدةَ أَي أَحكمتها. واحتَكَأَت هِيَ: اشتْدَّتْ. واحْتَكَأَ العَقْدُ فِي عُنُقِه: نَشِبَ. واحْتَكَأَ الشيءُ فِي صَدْرِه: ثَبتَ؛ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقَالُ: احْتَكَأَ ذَلِكَ الأَمْرُ فِي نَفْسي أَي ثَبَتَ، فَلَمْ أَشك فِيهِ؛ وَمِنْهُ: احتكأَتِ العُقدةُ. يُقَالُ: سَمِعْتُ أَحاديثَ فَمَا احْتَكَأَ فِي صَدْرِي مِنْهَا شيءٌ، أَي مَا تَخالَجَ. وَفِي النَّوَادِرِ يُقَالُ: لَوِ احْتَكَأَ لِي أَمْري لفَعَلْت كَذَا، أَي لَوْ بانَ لِي أَمرِي في أَوّله.
__________
(1). قوله [أي ممتنع] زاد في النهاية امتناع طلبة لا امتناع إباء.
(2). قوله [تحت الحفا] قال في التهذيب ترك فيه الهمز.
(1/58)

والحُكَأَةُ: دُوَيْبَّة؛ وَقِيلَ: هِيَ العَظايةُ الضَّخْمَةُ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وَالْجَمِيعُ الحُكَأُ، مَقْصُورٌ. ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِي حَدِيثِ
عَطَاءٍ أَنه سُئِلَ عَنِ الحُكَأَةِ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ قَتْلَها
؛ الحُكَأَةُ: العَظاءَة، بِلُغَةِ أَهل مَكَّةَ، وَجَمْعُهَا حُكَاءٌ، وَقَدْ يُقَالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَيُجْمَعُ عَلَى حُكاً، مَقْصُورٌ. قَالَ أَبو حَاتِمٍ: قَالَتِ أُمّ الهَيْثَمِ: الحُكاءةُ، مَمْدُودَةٌ مَهْمُوزَةٌ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وَهُوَ كَمَا قَالَتْ؛ قَالَ: والحُكاء، مَمْدُودٌ: ذَكَرُ الْخَنَافِسِ، وإِنما لَمْ يُحِبَّ قَتْلَهَا لأَنها لَا تُؤْذِي، قَالَ: هَكَذَا قَالَ أَبو مُوسَى؛ وَرُوِيَ عَنِ الأَزهري أَنه قَالَ: أَهل مَكَّةَ يُسمُّون العَظاءَةَ الحُكأَةَ، وَالْجَمْعُ الحُكَأُ، مقصورة.
حلأ: حَلأْتُ لَهُ حَلُوءاً، عَلَى فَعُولٍ: إِذا حَكَكْتَ لَهُ حجَراً عَلَى حجَر ثُمَّ جَعَلْتَ الحُكاكةَ عَلَى كفِّك وصَدَّأْتَ بِهَا المِرآةَ ثُمَّ كَحَلْتَه بِهَا. والحُلاءَة، بمنزلة فُعالةٍ، بالضم. والحَلُوءُ: الَّذِي يُحَكُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ليُكتَحَل بِهِ؛ وَقِيلَ الحَلُوءُ: حَجَرٌ بِعَيْنِهِ يُسْتَشْفَى مِنَ الرَّمد بحُكاكتِه؛ وَقَالَ ابْنُ السكِّيت: الحَلُوءُ: حَجَرٌ يُدْلَكُ عَلَيْهِ دواءٌ ثُمَّ تُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ. حَلَأَه يَحْلَؤُه حَلأً وأَحْلأَه: كَحَله بالحَلُوء. والحالئةُ: ضَرْب مِنَ الحَيَّات تَحْلأُ لِمَنْ تَلْسَعُه السَّمَّ كَمَا يَحْلأُ الكَحَّالُ الأَرْمَدَ حُكاكةً فيَكْحُله بِهَا. وَقَالَ الفرَّاء: احْلِئ لِي حَلُوءاً؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: أَحْلَأْتُ للرَّجل إحْلاءً إِذا حكَكْتَ لَهُ حُكاكةَ حَجَرَين فَداوَى بِحُكاكَتِهما عَيْنَيْهِ إِذَا رَمِدَتا. أَبو زَيْدٍ، يُقَالُ: حَلَأْتُه بِالسَّوْطِ حَلْأً إِذَا جَلَدْتَهُ بِهِ. وحَلَأَه بالسَّوْط والسَّيف حَلْأً: ضرَبَه بِهِ؛ وعَمَّ بِهِ بعضُهم فَقَالَ: حَلَأَه حَلْأً: ضَرَبه. وحَلَّأَ الإِبلَ والماشِيةَ عَنِ الْمَاءِ تَحْلِيئاً وتَحْلِئةً: طَرَدها أَو حبَسَها عَنِ الوُرُود ومَنَعَها أَن تَرِده، قَالَ الشَّاعِرُ إِسحاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ المَوْصِلي:
يَا سَرْحةَ الْمَاءِ، قَدْ سُدَّتْ مَوارِدُه، ... أَما إليْكِ سَبيلٌ غَيْرُ مَسْدُودِ
لِحائمٍ حامَ، حتَّى لَا حَوامَ بِهِ، ... مُحَلَّا عَنْ سَبيلِ الْمَاءِ، مَطْرودِ
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ بَرِّيٍّ، وَقَالَ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ فِي أَماليه، وَكَذَلِكَ حَلَّأَ القَوْمَ عَنِ الْمَاءُ؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: قَالَتْ قُرَيْبةُ: كَانَ رَجُلٌ عَاشِقٌ لمرأَة فَتَزَوَّجَهَا فَجَاءَهَا النساءُ فَقَالَ بِعَضُّهُنَّ لِبَعْضٍ:
قَدْ طَالَمَا حَلَّأْتُماها لَا تَرِدْ، ... فخَلِّياها والسِّجالَ تَبْتَرِدْ
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وأَعْجَبَني مَشْيُ الحُزُقّةِ، خالدٍ، ... كَمَشْيِ أَتانٍ حُلِّئَتْ عَن مَناهِلِ
وَفِي الْحَدِيثِ:
يَرِدُ عليَّ يوم القِيامةِ رَهْطٌ فيُحَلَّؤُونَ عَنِ الحَوْضِ
أَي يُصَدُّون عَنْهُ ويُمنعُون مِنْ وُروده؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سأَل وَفداً فَقَالَ: مَا لإِبلكُم خِماصاً؟ فَقَالُوا: حَلَّأَنا بَنُو ثَعْلَبَةَ. فأَجْلاهم
أَي نَفَاهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِمْ؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ
سَلَمَةَ بْنِ الأَكوع: فأَتيت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ
، هَكَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فقُلبت الْهَمْزَةُ يَاءً وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ لأَن الياءَ لَا تُبْدَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ إلَّا أَن يَكُونَ مَا قَبْلَهَا مَكْسُورًا نَحْوَ بيرٍ وإيلافٍ، وَقَدْ شَذَّ قَرَيْتُ فِي قَرأْت، وَلَيْسَ بِالْكَثِيرِ، والأَصل الْهَمْزُ. وحَلَأْتُ الأَديمَ إِذَا قَشَرْتَ عَنْهُ التِّحْلِئَ.
(1/59)

والتِّحْلِئُ: القِشْر عَلَى وَجْهِ الأَديم مِمَّا يَلِي الشَّعَر. وحَلَأَ الجِلْدَ يَحْلَؤُه حَلْأ وحَلِيئة «1»: قَشَرَهُ وَبَشَّرَهُ. والحُلاءَة: قِشْرَةُ الْجِلْدِ الَّتِي يَقْشُرُها الدَّبَّاغ مِمَّا يَلِي اللَّحْمَ. والتِّحْلِئُ، بِالْكَسْرِ: مَا أَفسده السِّكِّينُ مِنَ الْجِلْدِ إِذَا قُشِرَ. تَقُولُ مِنْهُ: حَلِئَ الأَديمُ حَلأ، بِالتَّحْرِيكِ، إِذَا صَارَ فِيهِ التِّحْلِئُ، وَفِي المثل: لا يَنفَعُ الدَّبغُ عَلَى التِّحْلِئ. والتِّحْلِئُ والتِّحْلِئَةُ: شَعَرُ وَجْه الأَدِيم ووَسَخُه وسَواده. والمِحْلَأَة: مَا حُلِئَ بِهِ. وَفِي الْمَثَلِ فِي حَذَر الإِنسان عَلَى نَفْسِهِ ومُدافَعَتِه عَنْهَا: حَلَأَتْ حالِئةٌ عَنْ كُوعها أَي إِنَّ حَلأَها عَنْ كُوعها إِنَّمَا هُوَ حذَرَ الشَّفْرة عَلَيْهِ لَا عَنِ الْجِلْدِ، لأَنَّ المرأَة الصَّناعَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَتْ فَقَشَرَتْ كُوعَها؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: حَلَأَتْ حالِئةٌ عَنْ كوعِها مَعْنَاهُ أَنها إِذَا حَلَأَت مَا عَلَى الإِهاب أَخذَت مِحْلَأَةً مِنْ حَدِيدٍ، فُوها وقَفاها سَواء، فتَحْلَأُ مَا عَلَى الإِهاب مِنْ تِحْلئة، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ سَواده وَوَسَخِهِ وَشَعْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تُبالِغ المِحْلأَةُ وَلَمْ تقْلَع ذَلِكَ عَنِ الإِهاب، أَخذت الحالِئةُ نَشْفةً، وَهُوَ حَجَرٌ خَشِن مُثَقَّب، ثُمَّ لَفَّت جَانِبًا مِنَ الإِهابِ عَلَى يَدِهَا، ثُمَّ اعتَمَدَتْ بِتِلْكَ النَّشْفة عَلَيْهِ لتَقْلَعَ عَنْهُ مَا لَمْ تُخرج عَنْهُ المِحلأَةُ، فَيُقَالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يَدفَع عَنْ نَفْسِهِ ويَحُضُّ عَلَى إِصْلَاحِ شأْنه، ويُضْربُ هَذَا الْمَثَلُ لَهُ، أَي عَنْ كُوعِها عَمِلَتْ مَا عَمِلَتْ وبِحِيلتِها وعَمَلِها نالتْ مَا نالتْ، أَي فَهِيَ أَحقُّ بشَيْئِها وعَمَلِها، كَمَا تَقُولُ: عَنْ حِيلتي نِلتُ مَا نِلتُ، وَعَنْ عَمَلِي كَانَ ذَلِكَ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
كَحالِئة عَنْ كُوعِها، وَهْيَ تَبْتَغي ... صَلاحَ أَدِيمٍ ضَيَّعَتْه، وتَعمَلُ
وَقَالَ الأَصمعي: أَصله أَن المرأَة تَحْلأُ الأَديم، وَهُوَ نَزْعُ تِحْلِئِه، فإِن هِيَ رَفَقَتْ سَلِمَتْ، وَإِنْ هِيَ خَرُقَتْ أَخْطأَت، فقطَعَت بالشَّفْرَة كُوعها؛ وَرُوِيَ عَنِ الفرَّاء يُقَالُ: حَلَأَتْ حالِئةٌ عَنْ كُوعِهَا أَي لِتَغسِلْ غاسِلةٌ عَنْ كُوعِهَا أَي ليَعمَلْ كلُّ عَامِلٍ لِنَفْسِهِ؛ قَالَ: وَيُقَالُ اغْسِلْ عَنْ وَجْهِكَ وَيَدِكَ، وَلَا يُقَالُ اغْسِلْ عَنْ ثَوْبِكَ. وحَلَأَ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبها بِهِ، قَالَ الأَزهري: وَيَجُوزُ جَلَأْتُ بِهِ الأَرضَ بِالْجِيمِ؛ ابْنُ الأَعرابي: حَلَأْتُه عِشْرِينَ سَوطاً ومتَحْتُه ومَشَقْتُه ومَشَنْتُه بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وحَلَأَ المرأَة: نَكَحَها. والحَلَأُ: العُقْبُولُ. وحَلِئَتْ شَفَتِي تَحْلَأُ حَلَأً إِذَا بَثُرَتْ «2» أَي خَرَجَ فِيهَا غِبَّ الحُمَّى بُثُورُها؛ قَالَ: وَبَعْضُهُمْ لا يَهْمِزُ فَيَقُولُ: حَلِيَتْ شَفَتُه حَلىً، مَقْصُورٌ. ابْنُ السِّكِّيتِ فِي بَابِ الْمَقْصُورِ الْمَهْمُوزِ، الحَلَأُ: هُوَ الحَرُّ الَّذِي يَخرج عَلَى شَفةِ الرَّجلِ غِبَّ الحُمَّى. وحَلَأْته مِائَةَ دِرْهَمٍ إِذَا أَعْطيْته. التَّهْذِيبُ: حَكَى أَبو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسي: مَا حَلِئتُ مِنْهُ بِطَائِلٍ، فَهَمْزٌ؛ وَيُقَالُ: حَلَّأْتُ السَّوِيقَ؛ قَالَ الفرَّاء: هَمَزُوا مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ لأَنه مِنَ الحلْواء. والحَلاءةُ: أَرضٌ، حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: وليس بِثَبَتٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنه ثَبَتٌ؛ وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَاءٍ؛ وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَوْضِعٌ. قَالَ صَخْرُ الْغَيِّ:
__________
(1). قوله [حلأ وحليئة] المصدر الثاني لم نره إلا في نسخة المحكم ورسمه يحتمل أن يكون حلئة كفرحة وحليئة كخطيئة. ورسم شارح القاموس له حلاءة مما لا يعوّل عليه ولا يلتفت إليه.
(2). قوله [بثرت] الثاء بالحركات الثلاث كما في المختار.
(1/60)

كأَنِّي أَراه، بالحَلاءَةِ، شاتِياً، ... تُقَفِّعُ، أَعْلَى أَنْفِه، أُمُّ مِرزَمِ «1»
أُمُّ مِرْزم هِيَ الشَّمالُ، فأَجابه أَبو المُثَلَّم:
أَعَيَّرْتَني قُرَّ الحِلاءة شاتِياً، ... وأَنْت بأَرْضٍ، قُرُّها غَيْر مُنْجِمِ
أَي غَيْرُ مُقْلِعٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا قَضَيْنَا بأَن هَمْزَتَهَا وَضْعِيَّةٌ مُعاملة لِلَّفْظِ إِذَا لَمْ تَجْتَذِبْه مادَّة يَاءٍ وَلَا واو.
حمأ: الحَمْأَةُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأَسود المُنتن؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*
، وَقِيلَ حَمَأٌ: اسْمٌ لِجَمْعِ حَمْأَةٍ كَحَلَق اسْمِ جَمْعِ حَلْقَة؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَاحِدَةُ الحَمَإ حَمَأَة كقَصَبَةٍ، وَاحِدَةُ القَصَب. وحَمِئَت البئرُ حَمَأً، بِالتَّحْرِيكِ، فَهِيَ حَمِئَةٌ إِذَا صَارَتْ فِيهَا الحَمْأَةُ وَكَثُرَتْ. وحَمِئَ الماءُ حَمْأً وحَمَأً خَالَطَتْهُ الحَمْأَة فكَدِرَ وتَغَيرت رَائِحَتُهُ. وَعَيْنٌ حَمِئَةٌ: فِيهَا حَمْأَة؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
، وقرأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ: حاميةٍ، وَمَنْ قَرَأَ حَامِيَةٍ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، أَراد حَارَّةً، وَقَدْ تَكُونُ حَارَّةً ذاتَ حَمْأَة، وَبِئْرٌ حَمِئةٌ أَيضا، كَذَلِكَ. وأَحْمَأَها إحْمَاءً: جَعَلَ فِيهَا الحَمْأَة. وحَمَأَها يَحْمَؤُها حَمْأً، بِالتَّسْكِينِ: أَخرج حَمْأَتها وَتُرَابَهَا؛ الأَزهري: أَحْمَأْتُها أَنا إحْماءً: إِذَا نَقَّيْتَها مِنْ حَمْأَتها، وحَمَأْتُها إِذَا أَلقيتَ فِيهَا الحَمْأَةَ. قَالَ الأَزهري: ذَكَرَ هَذَا الأَصمعي فِي كِتَابِ الأَجناس، كَمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، وَمَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا. الفرَّاء: حَمِئْتُ عَلَيْهِ، مَهْمُوزًا وَغَيْرَ مَهْمُوزٍ، أَي غَضِبْت عَلَيْهِ؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: حَمِيت فِي الغَضَب أَحْمى حَمْياً، وَبَعْضُهُمْ: حَمِئْت فِي الْغَضَبِ، بِالْهَمْزِ. والحَمءُ والحَمَأُ: أَبو زَوْجِ المرأَة، وَقِيلَ: الْوَاحِدُ مِنْ أَقارب الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَهِيَ أَقَلُّهما، وَالْجَمْعُ أَحْمَاء؛ وَفِي الصِّحَاحِ: الحَمْء: كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ مِثْلَ الأَخ والأَب، وَفِيهِ أَربع لُغَاتٍ: حَمْء بِالْهَمْزِ، وأَنشد:
قُلْتُ لِبَوَّابٍ، لَدَيْهِ دارُها: ... تِئذَنْ، فَإِنِّي حَمْؤُها وجَارُها
وحَماً مثل قَفاً، وحَمُو مثل أَبُو، وحَمٌ مِثْلُ أَبٍ. وحَمِئَ: غَضِبَ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَبي عُبَيْدٍ: جَمِئَ بالجيم.
حنأ: حَنَأَتِ الأَرضُ تَحْنَأُ: اخْضَرَّت والتفَّ نَبْتُها. وأَخْضَر ناضِرٌ وباقِلٌ وحانِئٌ: شَدِيدُ الخُضْرة. والحِنّاءُ، بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ: مَعْرُوفٌ، والحِنّاءَةُ: أَخصُّ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ حِنّانٌ، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ، وأَنشد:
وَلَقَدْ أَرُوحَ بِلِمّةٍ فَيْنانةٍ، ... سَوْداء، لَمْ تُخْضَبْ مِنَ الحِنّانِ
وحَنَّأَ لِحْيتَه وحَنَّأَ رأْسَه تَحْنِيئاً وتَحْنِئةً: خَضَبه بالحِنّاء. وَابْنُ حِنَّاءَةَ: رَجُلٌ. والحِنّاءَتان: رَمْلتان فِي دِيَارِ تَمِيمٍ؛ الأَزهري: ورأَيت فِي دِيَارِهِمْ رَكِيَّة تُدعَى الحِنّاءَةَ، وَقَدْ وَرَدْتُهَا، وماؤُها في صفرة.
حنطأ: عَنز حُنَطِئَةٌ: عَرِيضَةٌ ضخْمة، مِثَالُ عُلَبِطَةٍ، بِفَتْحِ النُّونِ. والحِنْطَأْوُ والحِنْطَأْوةُ: الْعَظِيمُ البطن. والحِنْطَأْوُ:
__________
(1). قوله [كأني أراه إلخ] في معجم ياقوت الحلاءة بالكسر ويروى بالفتح ثم قال وهو موضع شديد البرد وفسر أم مرزم بالريح البارد.
(1/61)

القصير، وقيل: العظيم. والحِنطِئُ: الْقَصِيرُ، وَبِهِ فسَّر السُّكَّرِيُّ قَوْلَ الأَعلم الهذلي:
والحِنْطِئُ، الحِنْطِيُّ، يُمنَحُ ... بالعَظيمةِ والرَّغائِبْ
والحِنطِيّ: الَّذِي غِذاؤُه الحِنْطة، وَقَالَ: يُمنَح أَي يُطْعَمُ وَيُكْرَمُ ويُرَبَّبُ، وَيُرْوَى يُمْثَجُ أَي يُخْلَط.

فصل الخاء المعجمة
خبأ: خَبَأَ الشيءَ يَخْبَؤُه خَبْأً: سَتَرَه، وَمِنْهُ الخابِيةُ وَهِيَ الحُبُّ، أَصلها الْهَمْزَةُ، مِنْ خَبَأْتُ، إلَّا أَن الْعَرَبَ تَرَكَتْ هَمْزَةٌ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: تَرَكَتِ الْعَرَبُ الْهَمْزَ فِي أَخْبَيْتُ وخَبَّيْتُ وَفِي الخابيةِ لأَنها كَثُرَتْ فِي كَلَامِهِمْ، فَاسْتَثْقَلُوا الْهَمْزَ فِيهَا. واخْتَبأَتْ: اسْتَتَرتْ. وَجَارِيَةٌ مُخْبَأَةٌ أَي مُسْتَتِرة؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: امرأَة مُخَبَّأَةُ، وَهِيَ المُعْصِرُ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّج، وَقِيلَ: المُخَبَّأَةُ مِنَ الجَواري هِيَ المُخَدَّرة الَّتِي لَا بُروزَ لَهَا؛ في حَدِيثِ
أَبي أُمامةَ: لَمْ أَرَ كاليَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ.
المُخَبَّأَة: الجاريةُ الَّتِي فِي خِدْرها لَم تَتَزَوَّج بعدُ لأَنَّ صِيانتها أَبلغ مِمَّنْ قَدْ تَزَوَّجَتْ. وَامْرَأَةٌ خُبَأَةٌ مِثْلُ هُمَزة: تَلْزَمُ بيتَها وتسْتَتِرُ. والخُبَأَةُ: المرأَةُ تَطَّلِعُ ثُمَّ تَخْتَبِئُ؛ وَقَوْلُ الزِّبْرقان بْنِ بدرٍ: إِنَّ أَبْغَضَ كَنائِنِي إليَّ الطُّلَعَةُ الخُبَأَةُ: يَعْنِي الَّتِي تَطَّلِعُ ثُمَّ تَخْبأُ رَأْسَهَا؛ وَيُرْوَى: الطُّلَعةُ القُبَعةُ؛ وَهِيَ الَّتِي تَقْبَعُ رأْسها أَي تُدْخِلُه، وَقِيلَ: تَخْبَؤُه؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خُبَأَةٌ خيرٌ مِنْ يَفَعة سَوْءٍ، أَي بِنْتٌ تَلْزَمُ الْبَيْتَ، تَخْبَؤُ نَفسها فِيهِ، خَيْرٌ مِنْ غُلَامِ سَوْءٍ لَا خَيْرَ فِيهِ. والخَبْءُ: مَا خُبِئَ، سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ الخَبِيءُ، عَلَى فَعِيل؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ الخَبْءُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ المطَر، والخَبْءُ الَّذِي فِي الأَرض هُوَ النَّبات، قَالَ: وَالصَّحِيحُ، وَاللَّهُ أَعلم: أَنَّ الخَبْءَ كلُّ مَا غَابَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى يَعْلَمُ الغيبَ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرض، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ صَيَّادٍ: خَبَأْتُ لَكَ خَبْأً
؛ الخَبْءُ: كُلُّ شَيْءٍ غائِبٍ مَسْتُورٍ، يُقَالُ: خَبَأْتُ الشيءَ خَبْأً إِذَا أَخفَيْتَه، والخَبْءُ والخَبِيءُ والخَبِيئَةُ: الشيءُ المَخْبُوءُ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ تَصِفُ عُمَرَ: ولَفَظَت خَبِيئَها
أَي مَا كَانَ مَخْبُوءاً فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، تَعْنِي الأَرض، وفَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. والخَبْءُ: مَا خَبَأْتَ مِنْ ذَخيرة ليومٍ مَا. قَالَ الفرَّاء: الخَبْءُ، مَهْمُوزٌ، هُوَ الغَيْب غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرض، والخُبْأَةُ والخَبِيئةُ، جَمِيعًا: مَا خُبِئَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
اطْلُبوا الرِّزقَ فِي خَبايا الأَرض
، قِيلَ مَعْنَاهُ: الحَرْثُ وإثارةُ الأَرضِ لِلزِّرَاعَةِ، وأَصله مِنَ الخَبْء الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلَّ: يُخْرِجُ الْخَبْءَ
. وَوَاحِدَةُ الخَبايا: خَبِيئةٌ، مِثْلُ خطِيئة وخَطايا وأَراد بالخَبايا: الزَّرعَ لأَنه إِذَا ألقَى الْبَذْرَ فِي الأَرض، فَقَدْ خَبَأَه فِيهَا. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ازْرَعْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ:
تَتَبَّعْ خَبَايَا الأَرض، وادْع مَلِيكَها، ... لَعَلَّكَ يَوْماً أَن تُجابَ وتُرْزَقا
وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مَا خَبَأَه اللَّهُ فِي مَعادن الأَرض. وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اخْتَبَأْتُ عِنْدَ اللَّهِ خِصالًا: إنِّي لَرابِعُ الإِسلام وَكَذَا وَكَذَا
، أَي ادَّخَرْتها وجَعَلْتُها عِنْدَهُ لِي. والخِباءُ، مَدَّته هَمْزَةٌ: وَهُوَ سِمَةٌ تُوضَعُ فِي مَوْضِعٍ
(1/62)

خَفِيٍّ مِنَ النَّاقَةِ النَّجِيبة، وَإِنَّمَا هِيَ لُذَيْعةٌ بِالنَّارِ، وَالْجَمْعُ أَخْبِئَةٌ، مَهْمُوزٌ. وَقَدْ خَبِئَت النارُ وأَخْبَأَها المُخْبِئُ إِذَا أَخْمدَها. والخِباء: مِنَ الأَبنية، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَصله مِنْ خَبَأْت. وَقَدْ تَخَبَّأْت خِباءً، وَلَمْ يَقُلْ أَحد إنَّ خِباء أَصله الْهَمْزُ إِلَّا هُوَ، بَلْ قَدْ صُرِّح بِخِلَافِ ذَلِكَ. والخَبِيءُ: مَا عُمِّيَ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ حُوجِيَ بِهِ. وَقَدِ اخْتَبَأَه. وخَبِيئَةُ: اسْمُ امرأَة؛ قَالَ ابْنُ الأَعرابي: هِيَ خَبِيئةُ بِنْتُ رِياح بْنِ يَرْبوع بن ثعْلَبَةَ.
ختأ: خَتَأَ الرجُلَ يَخْتَؤُه خَتْأً: كَفَّه عَنِ الأَمر. واخْتَتأَ مِنْهُ: فَرِقَ. واختَتأَ لَهُ اختِتاءً: خَتَلَه؛ قَالَ أَعرابي: رأَيت نَمِراً فاخْتَتَأَ لِي؛ وَقَالَ الأَصمعي: اخْتَتَأَ: ذَلَّ؛ وَقَالَ مَرَّةً: اخْتَتَأَ: اخْتَبأَ، وأَنشد:
كُنَّا، ومَن عَزَّ بزَّ، نَخْتَبس ... الناسَ، وَلَا نَخْتَتِي لِمُخْتَبِسِ
أَي لمُغتَنِم، مِنَ الخُباسةِ وَهُوَ الغَنِيمةُ. أَبو زَيْدٍ: اخْتَتَأْت اختِتاءً إِذَا مَا خِفْتَ أَن يَلْحَقَكَ مِنَ المَسَبَّة شَيْءٌ، أَو مِنَ السُّلْطَانِ. واخْتَتَأَ: انْقمعَ وذَلَّ؛ وَإِذَا تغيَّر لوْنُ الرَّجُلِ مِنْ مَخافةِ شَيْءٍ نَحْوَ السلطانِ وَغَيْرِهِ فَقَدِ اخْتَتَأَ؛ واخْتَتَأَ الشيءَ: اخْتَطَفَه، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ومَفازة مُختَتِئَةُ: لَا يُسمع فِيهَا صَوْت وَلَا يُهتدى فِيهَا. واخْتَتَأَ مِنْ فُلَانٍ: اختَبأَ مِنْهُ، واسْتَتَر خَوفاً أَو حَياءً؛ وأَنشد الأَخفش لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
وَلَا يُرْهِبُ، ابنَ العَمِّ، مِنِّي صَوْلةٌ، ... وَلَا أَخْتَتِي مِنْ صَوْلةِ المُتَهَدِّدِ
وإنِّي، إنْ أَوْعَدْتُه، أَوْ وَعَدْتُه، ... لَيَأْمَنُ مِيعادِي، ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَيُرْوَى:
لمُخْلِفُ مِيعادي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
قَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ هَمْزَهُ ضَرُورَةً. وَيُقَالُ: أَراكَ اختَتَأْت مِنْ فُلَانٍ فَرَقاً؛ وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
مُخْتَتِئاً لشَيِّئانَ مِرْجَمِ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَصل اختَتَأَ مَنْ خَتَا لونه يَخْتُو خُتُوّاً إذا تَغَيَّرَ مِنْ فَزَع أَو مَرَضٍ، فَعَلَى هَذَا كَانَ حَقُّهُ أَن يُذكر فِي خَتا من المعتل.
خجأ: الخَجَأُ: النِّكَاحُ، مَصْدَرُ خَجَأْتها، ذَكَرَهَا فِي التَّهْذِيبِ، بِفَتْحِ الْجِيمِ، مِنْ حُرُوفٍ كُلُّهَا كَذَلِكَ مِثْلُ الكَلَإِ والرَّشَإِ والحَزَإِ «1» لِلنَّبْتِ، وَمَا أَشبهها. وخَجَأَ الْمَرْأَةَ يَخْجَؤُها خَجَأً: نَكَحها. وَرَجُلٌ خُجَأَةٌ أَي نُكَحَةٌ كَثِيرُ النِّكَاحِ. وَفَحْلٌ خُجَأَة: كَثِيرُ الضِّراب؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَزَالُ قاعِياً عَلَى كُلِّ ناقةٍ؛ وَامْرَأَةٌ خُجَأَة: مُتَشَهِّيَةٌ لِذَلِكَ. قَالَتِ ابْنَةُ الخُسِّ: خيرُ الفُحُولِ البازِلُ الخُجَأَةُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ:
وسَوْداءَ، مِنْ نَبْهانَ، تَثْنِي نِطاقَها، ... بأَخْجَى قَعُورٍ، أَو جَواعِرِ ذِيبِ «2»
وَقَوْلُهُ: أَو جَوَاعِرِ ذِيبِ أَراد أَنها رَسْحاء، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا عَلِمتُ مِثْلَ شارفٍ خُجَأَةٍ أَي مَا صادَفْتُ أَشدَّ
__________
(1). قوله [والحزإ] هو هكذا في التهذيب أيضاً ونقر عنه.
(2). قوله [وسوداء إلخ] ليس من المهموز بل من المعتل وعبارة التهذيب في خ ج ي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ: الأخجى هنُ المرأة إِذَا كَانَ كَثِيرَ الْمَاءِ فاسداً قعوراً بعيد المسبار وهو أخبث له. وأنشد وسوداء إلخ. وأورده في المعتل من التكملة تبعاً له.
(1/63)

مِنْهَا غُلْمةً. والتَّخاجُؤُ: أَن يُؤَرِّم اسْتَه ويُخْرِجَ مُؤَخَّرهُ إِلَى مَا وَراءه؛ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
دَعُوا التَّخاجُؤَ، وامْشُوا مِشْيةً سُجُحاً، ... إِنَّ الرِّجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
والعَصْبُ: شِدَّة الخَلْق، وَمِنْهُ رَجُلٌ مَعْصُوب أَي شَدِيدٌ؛ والمِشْيةُ السُّجُحُ: السَّهْلة؛ وَقِيلَ: التَّخاجُؤُ فِي المَشْي: التَّباطُؤُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا الْبَيْتُ فِي الصِّحَاحِ: دَعُوا التَّخاجِىءَ، وَالصَّحِيحُ: التَّخاجُؤُ، لأَن التَّفاعُلَ فِي مَصْدَرِ تَفاعَلَ حَقُّهُ أَن يَكُونَ مَضْمُومَ الْعَيْنِ نَحْوَ التَّقاتُلِ والتَّضارُبِ، وَلَا تَكُونُ الْعَيْنُ مَكْسُورَةً إلَّا فِي الْمُعْتَلِّ اللَّامِ نَحْوَ التَّغازِي والتَّرامِي؛ وَالصَّوَابُ فِي الْبَيْتِ: دَعُوا التَّخاجُؤَ، وَالْبَيْتُ فِي التَّهْذِيبِ أَيضاً، كَمَا هُوَ فِي الصِّحَاحِ، دَعُوا التَّخاجِئَ؛ وَقِيلَ: التَّخاجُؤُ مشْيَةٌ فِيهَا تَبَخْتُر. والخُجَأَة: الأَحمق، وَهُوَ أَيضاً المُضْطَرِبُ. وَهُوَ أَيضاً الكَثِير اللحْمِ الثَّقِيلُ. أَبو زَيْدٍ: إِذَا أَلَحَّ عَلَيْكَ السائلُ حَتَّى يُبْرِمَكَ ويُمِلَّك قُلْتَ: أَخْجَأَنِي إخْجاءً وأَبْلَطَني. شَمِرٌ: خَجَأْتُ خُجُوءاً: إِذَا انْقَمَعت؛ وخَجِئْتُ: إِذَا اسْتَحْيَيْتَ. والخَجَأُ: الفُحْشُ، مَصْدَرُ خَجِئْتُ.
خذأ: خَذِئَ لَهُ وخَذَأَ لَهُ يَخْذَأُ خَذَأً وخَذْءاً وخُذُوءاً: خَضَعَ وانْقادَ لَهُ، وَكَذَلِكَ اسْتَخْذَأْتُ لَهُ، وتركُ الْهَمْزِ فِيهِ لُغَةٌ. وأَخْذَأَه فُلَانٌ أَي ذلَّله. وَقِيلَ لأَعرابي: كَيْفَ تَقُولُ اسْتَخْذَيْت لِيُتَعَرَّفَ منه الهمزُ؟ فقال: الْعَرَبُ لَا تَسْتَخْذِئُ، وهَمَزَه. والخَذَأُ، مَقْصُورٌ: ضَعْفُ النَّفْسِ.
خرأ: الخُرْءُ، بِالضَّمِّ: العَذِرةُ. خَرِئَ خِرَاءَةً وخُرُوءَةً وخَرْءاً: سَلَحَ، مِثْلُ كَرِهَ كَرَاهةً وكَرْهاً. وَالِاسْمُ: الخِراءُ، قَالَ الأَعشى:
يَا رَخَماً قاظَ عَلَى مَطْلُوبِ، ... يُعْجِلُ كَفَّ الخارئِ المُطِيبِ
وشَعَر الأَسْتاهِ فِي الجَبُوبِ
مَعْنَى قَاظَ: أَقام، يُقَالُ: قَاظَ بِالْمَكَانِ: أَقامَ بِهِ فِي القَيْظ. والمُطِيب: المُسْتَنْجِي. والجَبُوبُ: وجهُ الأَرض. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ الكُفَّارَ قَالُوا لسَلْمانَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُعَلِّمُكم كلَّ شيءٍ حَتَّى الخِراءةَ. قَالَ: أَجَلْ، أَمَرَنا أَن لَا نَكْتَفِيَ بأَقَلَّ مِن ثَلاثةِ أَحْجارٍ.
ابْنُ الأَثير: الخِراءةُ، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ: التَّخَلي والقُعود لِلْحَاجَةِ؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وأَكثر الرُّواة يَفْتَحُونَ الْخَاءَ، قَالَ: وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرًا وَبِالْكَسْرِ اسْمًا. وَاسْمُ السَّلْحِ: الخُرْءُ. وَالْجَمْعُ خُرُوءٌ، فُعُول، مِثْلَ جُنْدٍ وجُنُودٍ. قَالَ جَوَّاسُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّي يَهْجُو؛ وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ القَطَّاعِ لجَوَّاس بْنِ القَعْطَلِ وَلَيْسَ لَهُ:
كأَنَّ خُروءَ الطَّيْرِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، ... إِذَا اجْتَمَعَتْ قَيْسٌ، مَعًا، وتَمِيمُ
مَتَى تَسْأَلِ الضَّبِّيَّ عَنْ شَرِّ قَوْمه، ... يَقُلْ لَكَ: إنَّ العائذِيَّ لَئِيمُ
كَأَنَّ خروءَ الطَّيْرِ فوقَ رُؤُوسِهم أَي مِنْ ذُلِّهم. وَمِنْ جَمْعِهِ أَيضاً: خُرْآنٌ، وخُرُؤٌ، فُعُلٌ، يُقَالُ: رَمَوْا بِخُرُوئهم وسُلُوحِهم، ورَمَى بخُرْآنِه وسُلْحانِه.
(1/64)

وخُروءَةٌ: فُعولةٌ، وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ للجُرَذِ والكَلْب. قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: طُلِيتُ بشيءٍ كأَنه خُرْءُ الْكَلْبِ؛ وخُرُوءٌ: يَعْنِي النَّوْرَةَ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ للنَّحل والذُّباب. والمَخْرَأَةُ والمَخْرُؤَةُ: مَوْضِعُ الخِراءة. التَّهْذِيبُ: والمَخْرُؤَةُ: الْمَكَانُ الَّذِي يُتَخَلَّى فِيهِ، وَيُقَالُ للمَخْرَج: مَخْرُؤَةٌ ومَخْرَأَةٌ.
خسأ: الخاسِئُ مِنَ الكِلاب والخَنازِير وَالشَّيَاطِينِ: البعِيدُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ أَن يَدْنُوَ مِنَ الإِنسانِ. والخاسِئُ: المَطْرُود. وخَسَأَ الكلبَ يَخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءاً، فَخَسَأَ وانْخَسَأَ: طَرَدَه. قَالَ:
كالكَلْبِ إِنْ قِيلَ لَهُ اخْسَإِ انْخَسَأْ
أَي إِنْ طَرَدْته انْطَرَدَ. اللَّيْثُ: خَسَأْتُ الكلبَ أَي زَجَرْتُه فقلتُ لَهُ اخْسَأْ، وَيُقَالُ: خَسَأْتُه فَخَسَأَ أَي أَبْعَدْتُه فَبَعُد. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَخَسَأْتُ الكلبَ
أَي طَرَدْتُه وأَبْعَدْتُه. والخاسِئُ: المُبْعَدُ، وَيَكُونُ الخاسِئُ بِمَعْنَى الصاغِرِ القَمِئِ. وخَسَأَ الكلبُ بنَفْسِه يَخْسَأُ خُسُوءاً، يَتعدَّى وَلَا يَتَعَدَّى؛ وَيُقَالُ: اخْسَأْ إِلَيْكَ واخْسَأْ عنِّي، وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ عز وجل: قال اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
: مَعْنَاهُ تَباعُدُ سَخَطٍ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْيَهُودِ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ*
أَي مَدْحُورِين. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبْعَدِين. وَقَالَ ابْنُ أَبي إِسحاق لبُكَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ: مَا أَلحَن فِي شَيْءٍ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ. فَقَالَ: فخُذْ عليَّ كَلِمةً. فَقَالَ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، قُلْ كَلِمهْ؛ ومرَّت بِهِ سِنَّوْرةٌ فَقَالَ لَهَا: اخْسَيْ. فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأْتَ إِنَّمَا هُوَ: اخْسَئِي. وَقَالَ أَبو مَهْدِيَّةَ: اخْسَأْنانِّ عَنِّي. قَالَ الأَصمعي: أَظنه يَعْنِي الشَّيَاطِينَ. وخَسَأَ بصَرُه يَخْسَأُ خَسْأً وخُسُوءاً إِذَا سَدِرَ وكَلَّ وأَعيا. وَفِي التَّنْزِيلِ: [يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً، وَهُوَ حَسِيرٌ]
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خاسِئاً، أَي صاغِراً، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ. وتخاسَأَ القومُ بِالْحِجَارَةِ: تَرامَوْا بِهَا. وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مُخاسأَةٌ.
خطأ: الخَطَأُ والخَطاءُ: ضدُّ الصَّوَابِ. وَقَدْ أَخْطَأَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: [وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ]
عدَّاه بِالْبَاءِ لأَنه فِي مَعْنَى عَثَرْتُم أَو غَلِطْتُم؛ وَقَوْلُ رؤْبة:
يَا رَبِّ إِنْ أَخْطَأْتُ، أَو نَسِيتُ، ... فأَنْتَ لَا تَنْسَى، وَلَا تمُوتُ
فَإِنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ الكَمال والفَضْل، وَهُوَ السَّبَب مِنَ العَفْو وَهُوَ المُسَبَّبُ، وَذَلِكَ أَنّ مِنْ حَقِيقَةِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَن يَكُونَ الثَّانِي مُسَبَّباً عَنِ الأَول نَحْوُ قَوْلِكَ: إِنْ زُرْتَنِي أَكْرَمْتُك، فَالْكَرَامَةُ مُسَبَّبةٌ عَنِ الزِّيَارَةِ، وَلَيْسَ كونُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ غَيْرَ ناسٍ وَلَا مُخْطِئٍ أمْراً مُسبَّباً عَنْ خَطَإِ رُؤْبَةَ، وَلَا عَنْ إِصَابَتِهِ، إِنَّمَا تِلْكَ صِفَةٌ لَهُ عزَّ اسْمُهُ مِنْ صِفَاتِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ كَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَاهُ، أَي: إِنْ أَخْطَأْتُ أَو نسِيتُ، فاعْفُ عَنِّي لنَقْصِي وفَضْلِك؛ وَقَدْ يُمَدُّ الخَطَأُ وقُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
. وأَخْطَأَ وتَخَطَّأَ بِمَعْنًى، وَلَا تَقُلْ أَخْطَيْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ. وأَخْطَأَه «3» وتَخَطَّأَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وتَخَاطَأَ كِلَاهُمَا: أَراه أَنه مُخْطِئٌ فِيهَا، الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِيِّ حَكَاهَا فِي الجُمل. وأَخْطَأَ الطَّرِيقَ: عَدَل عَنْهُ. وأَخْطَأَ الرَّامِي الغَرَضَ: لَمْ يُصِبْه.
__________
(3). قوله [وأخطأه] ما قبله عبارة الصحاح وما بعده عبارة المحكم ولينظر لم وضع المؤلف هذه الجملة هنا.
(1/65)

وأَخْطَأَ نَوْؤُه إِذَا طَلَبَ حَاجَتَهُ فَلَمْ يَنْجَحْ وَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنه سُئل عَنْ رَجُل جعلَ أَمْرَ امرَأَتِه بيدِها فَقَالَتْ: أَنتَ طالِقٌ ثَلَاثًا. فَقَالَ: خَطَّأَ اللهُ نَوْأَها أَلَّا طَلَّقَتْ نَفسَها
؛ يُقَالُ لمَنْ طَلَبَ حَاجَةً فَلَمْ يَنْجَحْ: أَخْطَأَ نَوْؤُكَ، أَراد جَعَلَ اللَّهُ نَوْأَها مُخطِئاً لَا يُصِيبها مَطَرُه. وَيُرْوَى:
خَطَّى اللهُ نَوْأَها
، بِلَا هَمْزٍ، وَيَكُونُ مِنْ خَطَط، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنْ خَطَّى اللهُ عَنْكَ السوءَ أَي جَعَلَهُ يتَخَطَّاك، يُرِيدُ يَتَعدَّاها فَلَا يُمْطِرُها، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُعْتَلِّ اللَّامِ، وَفِيهِ أَيضاً حَدِيثِ
عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنه قَالَ لامْرأَة مُلِّكَتْ أَمْرَها فطلَّقت زَوجَها: إِنَّ اللَّهَ خَطَّأَ نَوْأَها
أَي لَمْ تُنْجِحْ فِي فِعْلها وَلَمْ تُصِب مَا أَرادت مِنَ الخَلاص. الفرَّاء: خَطِئَ السَّهْمُ وخَطَأَ، لُغتانِ «1» والخِطْأَةُ: أَرض يُخْطِئُها الْمَطَرُ ويُصِيبُ أُخْرى قُرْبَها. وَيُقَالُ خُطِّئَ عَنْكَ السُوءُ: إِذَا دَعَوْا لَهُ أَن يُدْفَعَ عَنْهُ السُّوءُ، وَقَالَ ابْنُ السِكِّيت: يُقَالُ: خُطِّئَ عَنْكَ السُّوءُ؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: خَطَأَ عَنْكَ السُّوءُ أَي أَخطَأَكَ البَلاءُ. وخَطِئَ الرجلُ يَخطَأُ خِطْأً وخِطْأَةً عَلَى فِعْلَةٍ: أَذنب. وخَطَّأَه تَخْطِئَةً وتَخْطِيئاً: نَسَبه إِلَى الخَطَإِ، وَقَالَ لَهُ أَخْطَأْتَ. يُقَالُ: إنْ أَخْطَأْتُ فَخَطِّئْنِي، وَإِنْ أَصَبْتُ فَصَوِّبْنِي، وإِنْ أَسَأْتُ فَسَوِّئْ عليَّ أَي قُل لِي قَدْ أَسَأْتَ. وتَخَطَّأْتُ لَهُ فِي المسأَلة أَي أَخْطَأْتُ. وتَخَاطَأَه وتَخَطَّأَه أَي أَخْطَأَهُ. قَالَ أَوفى بْنُ مَطَرٍ الْمَازِنِيُّ:
أَلا أَبْلِغا خُلَّتي، جَابِرًا، ... بأَنَّ خَلِيلَكَ لَمْ يُقْتَلِ
تَخَطَّأَتِ النَّبْلُ أَحْشاءَهُ، ... وأَخَّرَ يَوْمِي، فَلَمْ يَعْجَلِ
والخَطَأُ: مَا لَمْ يُتَعَمَّدْ، والخِطْءُ: مَا تُعُمِّدَ؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
قَتْلُ الخَطَإِ دِيَتُه كَذَا وَكَذَا
هُوَ ضِدُّ العَمْد، وَهُوَ أَن تَقْتُلَ إِنْسَانًا بِفِعْلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْصِدَ قَتْلَه، أَو لَا تَقْصِد ضرْبه بِمَا قَتَلْتَه بِهِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الخَطَإِ والخَطِيئةِ فِي الْحَدِيثِ. وأَخطَأَ يُخطِئُ إِذَا سَلَكَ سَبيلَ الخَطَإِ عَمْداً وسَهواً؛ وَيُقَالُ: خَطِئَ بِمَعْنَى أَخْطَأَ، وَقِيلَ: خَطِئَ إِذَا تَعَمَّدَ، وأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدُ. وَيُقَالُ لِمَنْ أَراد شَيْئًا فَفَعَلَ غَيْرَهُ أَو فَعَلَ غَيْرَ الصَّوَابِ: أَخْطَأَ. وَفِي حَدِيثِ الكُسُوفُ:
فأَخْطَأَ بدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدائه
، أَي غَلِطَ. قَالَ: يُقَالُ لِمَنْ أَراد شَيْئًا فَفَعَلَ غَيْرَهُ: أَخْطَأَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ قَصَد ذَلِكَ، كأَنه في اسْتِعْجاله غَلِظَ فأخَذ دِرْعَ بَعْضِ نِسائهِ عوَض رِدَائِهِ. وَيُرْوَى: خَطا مِنَ الخَطْوِ: المَشْيِ، والأَوّل أَكثر. وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ:
أَنه تَلِدُه أُمُّه، فَيَحْمِلْنَ النساءُ بالخطَّائِين
، يُقَالُ: رَجُلٌ خَطَّاءٌ إِذا كَانَ مُلازِماً للخَطايا غيرَ تَارِكٍ لَهَا، وَهُوَ مِنْ أَبْنِية المُبالغَة، وَمَعْنَى يَحْمِلْن بالخَطَّائِينَ أَي بالكَفَرة والعُصاة الَّذِينَ يَكُونُونَ تَبَعاً
__________
(1). قوله [خَطِئَ السَّهْمُ وخَطَأَ لُغَتَانِ] كذا في النسخ وشرح القاموس والذي في التهذيب عن الفراء عن أبي عبيدة وكذا في صحاح الجوهري عن أبي عبيدة خَطِئَ وأَخْطَأَ لغتان بمعنى وعبارة المصباح قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْأً من باب علم وأَخْطَأَ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد. وقال غيره خَطِئَ في الدين وأَخْطَأَ في كل شيء عامداً كان أو غير عامد وَقِيلَ خَطِئَ إِذَا تَعَمَّدَ إلخ. فانظره وسينقل المؤلف نحوه وكذا لم نجد فيما بأيدينا من الكتب خَطَأَ عنك السوءُ ثلاثياً مفتوح الثاني.
(1/66)

للدَّجال، وَقَوْلُهُ يَحْمِلْنَ النِّساءُ: عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: أَكَلُوني البَراغِيثُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُهْ
وَقَالَ الأُموي: المُخْطِئُ: مَنْ أَراد الصَّوَابَ، فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، والخاطِئُ: مَنْ تعمَّد لِمَا لَا يَنْبَغِي، وَتَقُولُ: لأَن تُخْطِئ فِي الْعِلْمِ أَيسَرُ مِنْ أَن تُخْطِئ فِي الدِّين. وَيُقَالُ: قَدْ خَطِئْتُ إِذَا أَثِمْتَ، فأَنا أَخْطَأُ وأَنا خاطِئٌ؛ قَالَ المُنْذِري: سمعتُ أَبا الهَيْثَم يَقُولُ: خَطِئْتُ: لِمَا صَنَعه عَمْداً، وَهُوَ الذَّنْب، وأَخْطَأْتُ: لِمَا صَنعه خَطَأً، غَيْرَ عَمْدٍ. قَالَ: والخَطَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: اسْمٌ مَنْ أَخْطَأْتُ خَطَأً وإخْطاءً؛ قَالَ: وخَطِئتُ خِطْأً، بِكَسْرِ الْخَاءِ، مَقْصُورٌ، إِذَا أَثَمْتَ. وأَنشد:
عِبادُك يَخْطَئُونَ، وأَنتَ رَبٌّ ... كَرِيمٌ، لَا تَلِيقُ بِكَ الذُّمُومُ
والخَطِيئةُ: الذَّنْبُ عَلَى عَمْدٍ. والخِطْءُ: الذَّنْبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
؛ أَي إثْماً. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
، أَيْ آثِمِينَ. والخَطِيئةُ، عَلَى فَعِيلة: الذَّنْب، وَلَكَ أَن تُشَدّد الْيَاءَ لأَنَّ كُلَّ يَاءٍ سَاكِنَةٌ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، أَو وَاوٌ سَاكِنَةٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ، وَهُمَا زَائِدَتَانِ لِلْمَدِّ لَا لِلْإِلْحَاقِ، وَلَا هُمَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّكَ تَقْلِبُ الْهَمْزَةَ بَعْدَ الْوَاوِ وَاوًا وَبَعْدَ الْيَاءِ يَاءً وتُدْغِمُ وَتَقُولُ فِي مَقْرُوءٍ مَقْرُوٍّ، وَفِي خَبِيءٍ خَبِيٍّ، بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَالْجَمْعُ خَطايا، نَادِرٌ؛ وَحَكَى أَبو زَيْدٍ فِي جَمْعِهِ خَطائئُ، بِهَمْزَتَيْنِ، عَلَى فَعائل، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْهَمْزَتَانِ قُلبت الثَّانِيَةُ يَاءً لأَن قَبْلَهَا كَسْرَةً ثُمَّ اسْتُثْقِلَتْ، وَالْجَمْعُ ثَقِيلٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَلٌّ، فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفاً ثُمَّ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى يَاءً لِخَفَائِهَا بَيْنَ الأَلفين؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: الخَطِيئةُ فَعيلة، وَجَمْعُهَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَكُونَ خَطائِئَ، بِهَمْزَتَيْنِ، فَاسْتَثْقَلُوا الْتِقَاءَ هَمْزَتَيْنِ، فَخَفَّفُوا الأَخيرةَ مِنْهُمَا كَمَا يُخَفَّف جائئٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وكَرِهوا أَن تَكُونَ عِلَّتهُ مِثْلَ عِلَّةِ جائِئٍ لأَن تِلْكَ الْهَمْزَةَ زَائِدَةٌ، وَهَذِهِ أَصلية، فَفَرُّوا بِخَطايا إِلَى يَتَامى، وَوَجَدُوا لَهُ فِي الأَسماء الصَّحِيحَةِ نَظِيراً، وَذَلِكَ مِثْلُ: طاهرٍ وطاهِرةٍ وطَهارَى. وَقَالَ أَبو إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ
، قَالَ: الأَصل فِي خَطَايَا كَانَ خَطايُؤاً، فَاعْلَمْ، فَيَجِبُ أَن يُبْدَل مِنْ هَذِهِ الْيَاءِ همزةٌ فَتَصِيرُ خَطائِيَ مِثْلَ خَطاعِعَ، فَتَجْتَمِعُ هَمْزَتَانِ، فقُلِبت الثَّانِيَةُ يَاءً فَتَصِيرُ خَطائِيَ مِثْلَ خَطَاعِيَ، ثُمَّ يَجِبُ أَن تُقْلب الْيَاءُ وَالْكَسْرَةُ إِلَى الْفَتْحَةِ والأَلف فَيَصِيرُ خَطاءا مَثَلَ خَطاعا، فَيَجِبُ أَن تُبْدَلَ الْهَمْزَةُ يَاءً لِوُقُوعِهَا بَيْنَ أَلِفَيْنِ، فَتَصِيرُ خَطايا، وَإِنَّمَا أَبدلوا الْهَمْزَةَ حِينَ وَقَعَتْ بَيْنَ أَلِفَيْنِ لأَنَّ الْهَمْزَةَ مُجانِسَة لِلْأَلِفَاتِ، فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثَةُ أَحرف مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. الأَزهري فِي الْمُعْتَلِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ*، قَالَ: قرأَ بَعْضُهُمْ خُطُؤَات الشَّيطان مِنَ الخَطِيئَةِ: المَأْثَمِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحداً مِنْ قُرّاء الأَمصار قرأَه بِالْهَمْزَةِ وَلَا مَعْنَى لَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنّ خَطِيئَته قولهُ: إِنَّ سارةَ أُخْتِي، وقولهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ؛ وقولهُ: إِنِّي سَقِيمٌ. قَالَ: وَمَعْنَى خَطيئتِي أَن الأَنبياء بَشَرٌ، وقَد يَجُوزُ أَن تَقَع عَلَيْهِمُ الخَطِيئةُ إلَّا أَنهم، صلواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، لَا تَكُونُ مِنْهُمُ الكَبِيرةُ لأَنهم مَعْصُومُونَ، صَلواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجمعين. وَقَدْ أَخْطَأَ وخَطِئَ، لغَتان بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
(1/67)

يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا
أَي إذْ أَخْطَأْنَ كاهِلا؛ قَالَ: وَوَجْهُ الكَلامِ فِيهِ: أَخْطَأْنَ بالأَلف، فَرَدَّهُ إِلَى الثُّلَاثِيِّ لأَنه الأَصل، فَجَعَلَ خَطِئنَ بِمَعْنَى أَخْطَأْنَ، وَهَذَا الشِّعْرُ عَنَى بِهِ الخَيْلَ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر، وَهَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ. وَحَكَى أَبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَبي زَيْدٍ: أَخْطَأَ خاطِئةً، جاءَ بِالْمَصْدَرِ عَلَى لَفْظِ فاعِلةٍ، كالعافيةِ والجازيةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ
. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عنهمَا، أَنهم نَصَبُوا دَجاجةً يَتَرامَوْنَها وَقَدْ جَعلُوا لِصاحِبها كُلَّ خاطئةٍ مِنْ نَبْلِهم
، أَي كُلَّ واحِدةٍ لَا تُصِيبُها، والخاطَئةُ هَهُنَا بِمَعْنَى المُخْطِئة. وقولُهم: مَا أَخْطَأَه إِنَّمَا هُوَ تَعَجُّبٌ مِن خَطِئَ لَا مِنْ أَخطَأَ. وَفِي المَثل: مَعَ الخَواطِئِ سَهْمٌ صائِبٌ، يُضْرَبُ لِلَّذِي يُكثر الخَطَأَ ويأْتي الأَحْيانَ بالصَّواب. وَرَوَى ثَعْلَبٌ أَن ابنَ الأَعرابي أَنشده:
وَلَا يَسْبِقُ المِضْمارَ، فِي كُلِّ مَوطِنٍ، ... مِنَ الخَيْلِ عِنْدَ الجِدِّ، إلَّا عِرابُها
لِكُلِّ امْرئٍ مَا قَدَّمَتْ نَفْسُه له، ... خطاءَاتُها، إذا أَخْطأَتْ، أَو صَوابُها «1»
وَيُقَالُ: خَطِيئةُ يومٍ يمُرُّ بِي أَن لَا أَرى فِيهِ فُلَانًا، وخَطِيئةُ لَيْلةٍ تمُرُّ بِي أَن لَا أَرى فُلَانًا فِي النَّوْم، كَقَوْلِهِ: طِيل لَيْلَةٍ وَطِيلُ يَوْمٍ «2»
خفأ: خَفَأَ الرَّجُلَ خَفْأً: صَرَعَه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقْتَلعه وضَرب بِهِ الأَرضَ. وخَفَأَ فُلَانٌ بَيْتَه: قوَّضَه وأَلْقاه.
خلأ: الخِلاءُ فِي الإِبل كالحِرانِ فِي الدَّوابِّ. خَلأَتِ الناقةُ تَخْلأُ خَلْأ وخِلاءً، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ، وخُلُوءاً، وَهِيَ خَلُوءٌ: بَرَكَتْ، أَو حَرَنَتْ مِنْ غَيْرِ علةٍ؛ وَقِيلَ إِذَا لَمْ تَبْرَحْ مَكانَها، وَكَذَلِكَ الجَمَلُ، وَخَصَّ بعضُهم بِهِ الإناثَ مِنَ الْإِبِلِ، وَقَالَ فِي الْجَمَلِ: أَلَحَّ، وَفِي الْفَرَسِ: حَرَنَ؛ قَالَ: وَلَا يُقَالُ لِلْجَمَلِ: خَلأَ؛ يُقَالُ: خَلأَتِ الناقةُ، وأَلَحَّ الجَمَلُ، وحَرَنَ الفرسُ؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن نَاقَةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَلأَتْ بِهِ يومَ الحُدَيْبِية، فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْواءُ؛ فَقَالَ رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا خَلأَتْ، وَمَا هُو لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ.
قَالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ نَاقَةً:
بآرِزةِ الفَقارةِ لَمْ يَخُنْها ... قِطافٌ فِي الرِّكاب، وَلَا خِلاءُ
وقال الرَّاجِزُ يَصِفُ رَحَى يَدٍ فاسْتعارَ ذَلِكَ لَهَا:
بُدِّلْتُ، مِن وَصْلِ الغَوانِي البِيضِ، ... كَبْداءَ مِلْحاحاً عَلَى الرَّضيضِ،
تَخْلأُ إلَّا بيدِ القَبِيضِ
القَبِيضُ: الرَّجلُ الشديدُ القَبْضِ عَلَى الشَّيْءِ؛ والرَّضِيضُ: حِجارةُ المَعادِن فِيهَا الذهبُ وَالْفِضَّةُ؛ والكَبْداءُ الضَخْمةُ الوَسطِ: يَعْنِي رَحًى تَطْحَنُ حجارةَ المَعْدِنِ؛ وتَخْلَأُ: تَقُومُ فَلَا تَجْرِي. وخَلَأَ الإنسانُ يَخْلأُ خُلُوءاً: لَمْ يَبْرَحْ مكانَه، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: خَلَأَتِ الناقةُ تَخْلأُ خِلاءً، وَهِيَ ناقةٌ خالِئٌ بِغَيْرِ هَاءٍ، إِذَا بَرَكَتْ فَلَمْ تَقُمْ، فَإِذَا قَامَتْ وَلَمْ تَبْرَحْ قِيلَ: حَرَنَتْ تَحْرُنُ حِراناً، وَقَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والخِلاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلنَّاقَةِ، وأَكثر مَا يكون
__________
(1). قوله [خطاءاتها] كذا بالنسخ والذي في شرح القاموس خطاءتها بالإفراد ولعل الخاء فيهما مفتوحة.
(2). قوله [كقوله طيل ليلة إلخ] كذا في النسخ وشرح القاموس.
(1/68)

الخِلاء مِنْهَا إِذَا ضَبِعَتْ، تَبْرك فَلَا تَثُور. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ لِلْجَمَلِ: خَلَأَ يَخْلأُ خِلاءً: إِذَا بَرَكَ فَلَمْ يَقُمْ. قَالَ: وَلَا يُقَالُ خَلَأَ إلَّا لِلْجَمَلِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَمْ يَعْرِفِ ابْنُ شُمَيْلٍ الخِلاء فَجَعَلَهُ لِلْجَمَلِ خَاصَّةً، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ لِلنَّاقَةِ، وأَنشد قَوْلَ زُهَيْرٍ:
بِآرِزَةِ الْفَقَارَةِ لَمْ يَخُنْهَا
والتِّخْلِئُ: الدُّنْيَا، وأَنشد أَبو حَمْزَةَ:
لو كان، في التِّخْلِئِ، زَيْد مَا نَفَعْ، ... لأَنَّ زَيْداً عاجِزُ الرَّأْيِ، لُكَعْ «1»
وَيُقَالُ: تِخْلِئٌ وتَخْلِئٌ، وَقِيلَ: هُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ؛ يُقَالُ: لو كان في التِّخْلِئ مَا نَفَعَهُ. وخالأَ القومُ: تَرَكُوا شَيْئًا وأَخذوا فِي غَيْرِهِ، حَكَاهُ ثَعْلَبٌ، وأَنشد:
فلَمَّا فَنَى مَا فِي الكَنائنِ خالَؤُوا ... إِلَى القَرْعِ مِنْ جِلدِ الهِجانِ المُجَوَّبِ
يَقُولُ: فَزِعُوا إِلَى السُّيوف والدَّرَقِ. وَفِي حَدِيثِ أُم زَرْع:
كنتُ لكِ كأَبِي زَرْعٍ لأُمّ زرعٍ فِي الأُلفةِ والرِّفاء لا في الفُرقةِ والخِلاء.
الخِلاء، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ: المُباعَدةُ والمُجانَبةُ.
خمأ: الخَمَأُ، مَقْصُورٌ: مَوْضِعٌ.

فصل الدال المهملة
دأدأ: الدِّئْداءُ: أَشدُّ عَدْوِ البعيرِ. دَأْدَأَ دَأْدأَةً ودِئْداءً، مَمْدُودٌ: عَدا أَشَدَّ العَدْو، ودَأْدَأْت دَأْدَأَةً. قَالَ أَبو دُواد يَزيد بْنِ معاويةَ بْنُ عَمرو بْنِ قَيس بْنِ عُبيد بْنِ رُؤَاس بْنِ كِلاب بْنِ ربيعةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة الرُّؤاسي، وَقِيلَ فِي كُنيته أَبو دُوادٍ:
واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ، تَرْكُضُه ... أُمُّ الفَوارِسِ، بالدِّئْداء والرَّبَعَهْ
وَكَانَ أَبو عُمر الزاهِدُ يَقُولُ فِي الرُؤَاسي أَحدِ القُرّاء والمُحدِّثين إِنَّهُ الرَّواسِي، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْوَاوِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى رَواسٍ قَبِيلَةٌ مَنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانَ يُنْكِرُ أَن يُقَالَ الرؤاسِي بِالْهَمْزِ، كَمَا يَقُولُهُ المُحدِّثون وَغَيْرُهُمْ. وبَيْتُ أَبي دُواد هَذَا الْمُتَقَدِّمُ يُضْرب مَثَلًا فِي شِدَّة الأَمر. يَقُولُ: رَكِبَتْ هَذِهِ المرأَةُ الَّتِي لَهَا بَنُونَ فوارِسُ بَعِيراً صَعباً عُرْياً مِنْ شِدَّة الجَدْبِ، وَكَانَ البَعِيرُ لَا خِطام لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ أُمّ الفَوارِس قَدْ بَلَغَ بِهَا هَذَا الجَهدُ فَكَيْفَ غَيرُها؟ والفَوارِسُ فِي الْبَيْتِ: الشُجْعان. يُقَالُ رَجُلٌ فارِسٌ، أَي شُجاعٌ؛ والعُلُطُ: الَّذِي لَا خِطامَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: بَعِيرٌ عُلُطٌ مُلُطٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَسْمٌ؛ والدِّئداءُ والرَّبَعةُ: شِدّة العَدْوِ، قِيلَ: هُوَ أَشَدُّ عَدْو البَعِير. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَبْرٌ تَدَأْدَأَ مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ
أَي أَقْبَلَ عَلَيْنَا مُسْرِعاً، وَهُوَ مِنَ الدِّئداء أَشدِّ عَدْوِ الْبَعِيرِ؛ وَقَدْ دَأْدَأَ وتَدَأْدَأَ وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ تَدَهْدَه، فقُلِبَت الهاءُ هَمْزَةً، أَي تَدَحْرَجَ وَسَقَطَ عَلَيْنَا؛ وَفِي حَدِيثِ أُحُدٍ:
فَتَدَأْدَأَ عَنْ فَرَسِهِ.
ودَأْدَأَ الهِلالُ إِذَا أَسرَعَ السَّيرَ؛ قَالَ: وَذَلِكَ أَن يَكُونَ فِي آخِرِ مَنزِل مِنْ منازِل الْقَمَرِ، فَيَكُونُ فِي هُبُوطٍ فَيُدَأْدِئُ فِيهَا دِئْداءً. ودَأْدأَتِ الدابةُ: عَدَتْ عَدْواً فَوْقَ العَنَقِ. أَبو عَمْرٍو: الدَّأْداءُ: النَّخُّ مِنَ السَّيْرِ، وَهُوَ السَّرِيع، والدَّأْدأَة: السُّرْعة والإِحضارُ.
__________
(1). قوله [لو كان في التخلئ إلخ] في التكملة بعد المشطور الثاني: إذا رأى الضيف توارى وانقمع
(1/69)

وَفِي النَّوَادِرِ: دَوْدَأَ فُلَانٌ دَوْدأَةً وتَوْدَأَ تَوْدَأَةً وكَوْدَأَ كَوْدَأَةً إِذَا عَدا. والدَّأْدَأَةُ والدِّئداءُ فِي سَيْرِ الْإِبِلِ: قَرْمَطةٌ فَوْقَ الحَفْد. ودَأْدَأَ فِي أَثَرِه: تَبِعَه مُقْتَفِياً لَهُ؛ ودَأْدَأَ مِنْهُ وتَدَأْدَأَ: أَحْضَر نَجَاءً مِنْهُ، فتَبِعَه وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ. والدَّأْدَاءُ والدُّؤْدُؤُ والدُّؤْدَاءُ «2» والدِّئدَاءُ: آخَرُ أَيام الشَّهْرِ. قَالَ:
نحنُ أَجَزْنا كُلَّ ذَيَّالٍ قَتِرْ، ... فِي الحَجِّ، مِنْ قَبْلِ دَآدِي المُؤْتَمِرْ
أَراد دَآدِئَ المُؤْتَمرِ، فأَبدل الْهَمْزَةَ يَاءً ثُمَّ حَذَفَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ الأَعشى:
تَدَارَكَه فِي مُنْصِل الأَلِّ، بَعْدَ ما ... مَضَى، غَيْرَ دَأْدَاءٍ، وَقَدْ كادَ يَعْطَبُ
قَالَ الأَزهري: أَراد أَنه تَدارَكَه فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ ليالِي رجبٍ، وَقِيلَ الدَأْدَاءُ والدِّئداءُ: لَيْلَةُ خمسٍ وسِتٍّ وسبعٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْعَرَبُ تُسَمِّي لَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ الدَّآدِئَ، وَالْوَاحِدَةُ دَأْدَاءَةٌ؛ وَفِي الصحاحِ: الدَآدِئُ: ثلاثُ ليالٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ قبلَ لَيَالِي المِحاق، والمِحاقُ آخِرُها؛ وَقِيلَ: هِيَ هِيَ؛ أَبو الْهَيْثَمِ: اللَّيَالِي الثلاثُ الَّتِي بَعْدَ المِحاقِ سُمِّينَ دَآدِئَ لأَن الْقَمَرَ فِيهَا يُدَأْدِئُ إِلَى الغُيوب أَي يُسْرِعُ، مِنْ دَأْدَأَةِ الْبَعِيرِ؛ وَقَالَ الأَصمعي: فِي لَيَالِي الشَّهْرِ ثلاثٌ مِحاقٌ وثلاثٌ دَآدِئُ؛ قَالَ: والدَّآدِئُ: الأَواخر، وأَنشد:
أَبْدَى لَنَا غُرَّةَ وَجْهٍ بَادِي، ... كَزُهْرَةِ النُّجُومِ فِي الدَّآدِي
وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه نَهَى عن صَوْمِ الدَّأْدَاءِ
، قِيلَ: هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ؛ وَقِيلَ: يومُ الشَّكِّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَيْسَ عُفْرُ الليالِي كالدَّآدِئِ
؛ العُفْرُ: البِيضُ المُقْمِرةُ، والدَّآدِئُ: المُظلِمةُ لِاخْتِفَاءِ الْقَمَرِ فِيهَا. والدَأْدَاءُ: اليومُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَمِنَ الشَّهرِ هُوَ أَمْ مِنَ الآخَرِ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ عَنْ أَبي بَكْرٍ: الدَّأْدَاءُ الَّتِي يُشَكُّ فِيهَا أَمِن آخِر الشهرِ الْمَاضِي هِيَ أَمْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهرِ المُقْبِل، وأَنشد بَيْتَ الأَعشى:
مَضَى غَيْرَ دَأْدَاءٍ وَقَدْ كادَ يَعْطَبُ
وليلةٌ دأْدَاءٌ ودَأْدَاءَةٌ: شديدةُ الظُّلْمة. وتَدَأْدَأَ القومُ: تزاحَمُوا، وكلُّ مَا تَدَحْرَج بَيْنَ يَدَيْك فذَهَب فَقَدْ تَدَأْدَأَ. ودَأْدَأَةُ الحَجرِ: صَوْتُ وَقْعه عَلَى المَسِيلِ. اللَّيْثُ: الدَّأْدَاءُ: صَوْتُ وَقعِ الحِجارة فِي المَسِيل. الْفَرَّاءُ، يُقَالُ: سَمِعْتُ لَهُ دَوْدَأَةً أَي جَلَبةً، وَإِنِّي لأَسْمَع لَهُ دَوْدَأَةً مُنْذ اليومِ أَي جَلَبةً. ورأَيت فِي حَاشِيَةِ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ ودَأْدَأَ: غَطَّى. قَالَ:
وَقَدْ دَأْدَأْتُمُ ذاتَ الوُسومِ
وتَدَأْدَأَتِ الإِبِلُ، مِثْلُ أَدَّتْ، إِذَا رَجَّعَت الحنِينَ فِي أَجوافِها. وتَدأْدَأَ حِمْلُه: مالَ. وتَدَأْدَأَ الرَّجل فِي مَشْيِه: تَمَايَلَ، وتَدأْدَأَ عَنِ الشيءِ: مَالَ فَتَرَجَّحَ بِهِ. ودَأْدَأَ الشيءَ: حَرَّكه وسَكَّنَه.
__________
(2). قوله [والدُؤْدَاءُ] كذا ضبط في هامش نسخة من النهاية يوثق بضبطها معزوّاً للقاموس ووقع فيه وفي شرحه المطبوعين الدُؤْدُؤُ كهُدْهُدٍ والثابت فيه على كلا الضبطين ثلاث لغات لا أربع.
(1/70)

والدَّأْداءُ: عَجلة «1» جَواب الأَحْمق. والدَّأْدَأَةُ: صَوْتُ تَحريكِ الصَّبِيِّ فِي المَهْد. والدَّأْدَاءُ: مَا اتَّسَع مِنَ التِّلاع. والدَّأْدَاء: الفَضاء، عَنْ أَبي مَالِكٍ.
دبأ: دَبَّأَ عَلَى الأَمرِ: غَطَّى؛ أَبو زَيْدٍ: دَبَّأْتُ الشيءَ ودَبَّأْتُ عَلَيْهِ إِذَا غَطَّيْتَ عَلَيْهِ. ورأَيت فِي حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنَ الصِّحَاحِ: دَبَأْتُه بالعَصا دَبْأً: ضَرَبْته.
دثأ: الدَّثَئِيُّ مِنَ المطَر: الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ. قَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ الَّذِي يجيءُ إِذَا قاءَت الأَرضُ الكَمأَة، والدَّثَئِيُّ: نِتَاجُ الغَنمِ فِي الصَّيف، كلُّ ذَلِكَ صِيغَ صِيغةَ النَّسب وليس بِنَسَب.
درأ: الدَّرْءُ: الدَّفْع. دَرَأَهُ يَدْرَؤُهُ دَرْءًا ودَرْأَةً: دَفَعَهُ. وتَدارَأَ القومُ: تَدافَعوا فِي الخُصومة وَنَحْوِهَا واخْتَلَفوا. ودَارَأْتُ، بِالْهَمْزِ: دافَعْتُ. وكلُّ مَن دَفَعْتَه عَنْكَ فَقَدْ دَرَأْتَه. قَالَ أَبو زُبَيْدٍ:
كانَ عَنِّي يَردُّ دَرْؤُكَ، بَعْدَ ... اللَّهِ، شَغْبَ المُسْتَصْعِبِ، المِرِّيد
يَعْنِي كَانَ دَفْعُكَ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: [فَادَّارَأْتُمْ فِيها
]. وَتَقُولُ: تَدارأْتم، أَي اخْتَلَفْتُم وتَدَافَعتُم. وَكَذَلِكَ ادَّارَأْتُمْ، وأَصله تَدارَأْتُمْ، فأُدْغِمت التاءُ فِي الدَّالِ واجتُلِبت الأَلف لِيَصِحَّ الابتداءُ بِهَا؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا تَدارَأْتُمْ فِي الطَّرِيقِ
أَي تَدافَعْتم واخْتَلَفْتُمْ. والمُدارأَةُ: المُخالفةُ والمُدافَعَةُ. يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يُدارِئُ وَلَا يُمارِي؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
كَانَ لَا يُداري وَلَا يُمارِي
أَي لَا يُشاغِبُ وَلَا يُخالِفُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ ليُزاوِجَ يُمارِي. وأَما المُدارأَة فِي حُسْنِ الخُلُق والمُعاشَرة فَإِنَّ ابْنَ الأَحمر يَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. يُقَالُ: دَارَأْتُه مدارأَةً ودارَيْتُه إِذَا اتَّقيتَه ولايَنْتَه. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَنْ هَمَزَ، فَمَعْنَاهُ الاتّقاءُ لشَرِّه، وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِنْ دَرَيْتُ بِمَعْنَى خَتَلْتُ؛ وَفِي حَدِيثِ
قَيْسِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَرِيكي، فكانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدارِئُ وَلَا يُمارِي.
قَالَ أَبو عبيد: المُدارأَةُ ههنا مهموزة مِنْ دارَأْتُ، وَهِيَ المُشاغَبةُ والمُخالَفةُ عَلَى صَاحِبِكَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَادَّارَأْتُمْ فِيها
، يَعْنِي اختلافَهم فِي القَتِيل؛ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى فادَّارَأْتُم: فتَدارأْتُم، أَي تَدافَعْتُم، أَي أَلقَى بعضُكم إِلَى بعضٍ، يُقَالُ: دَارَأْتُ فُلَانًا أَي دافَعْتُه. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ
الشَّعْبِيِّ فِي المختلعةِ إِذَا كَانَ الدَّرْءُ مِنْ قِبَلِها، فَلَا بأْس أَن يأْخذ مِنْهَا
؛ يَعْنِي بالدَّرْءِ النُّشوزَ والاعْوِجاجَ والاختِلافَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا تَتعلَّموا العِلْم لِثَلَاثٍ وَلَا تَتْرُكوه لِثلاثٍ: لَا تَتعلَّموه للتَّدارِي وَلَا للتَّمارِي وَلَا للتَّباهِي، وَلَا تَدَعُوه رَغبْةً عَنْهُ، وَلَا رِضاً بالجَهْل، وَلَا اسْتِحْياءً مِنَ الفِعل لَهُ. ودارَأْتُ الرَّجُلَ: إِذَا دافَعْتَه، بِالْهَمْزِ. والأَصل فِي التَّدارِي التَّدارُؤُ، فتُرِكَ الهَمز ونُقِلَ الْحَرْفُ إِلَى التَّشْبِيهِ بالتَّقاضِي والتَّداعِي.
__________
(1). قوله [والدَأْدَاء عجلة] كذا في النسخ وفي نسخة التهذيب أيضاً والذي في شرح القاموس والدَأْدَأَة عجلة إلخ.
(1/71)

وإِنه لَذُو تُدْرَإٍ أَي حِفاظٍ ومَنَعةٍ وقُوَّةٍ عَلَى أَعْدائه ومُدافَعةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الحَرْب والخُصومة، وَهُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ للدَّفْع، تاؤهُ زَائِدَةٌ، لأَنه مِنْ دَرَأْتُ ولأَنه لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ جُعْفَرٍ. ودرأْتُ عَنْهُ الحَدَّ وغيرَه، أَدْرَؤُهُ دَرْءاً إِذا أَخَّرْته عَنْهُ. ودَرَأْتُه عَنِّي أَدْرَؤُه دَرْءاً: دَفَعْته. وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْرَأُ بِكَ فِي نَحْرِ عَدُوِّيِ لَتَكْفِيَنِي شَرَّه. وَفِي الْحَدِيثِ:
ادْرَؤُوا الحُدود بالشُّبُهاتِ
أَي ادْفَعُوا؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
اللَّهُمَّ إِني أَدْرَأُ بِك فِي نُحورهم
أَي أَدْفَع بِكَ لتَكْفِيَنِي أَمرَهم، وَإِنَّمَا خصَّ النُّحور لأَنه أَسْرَعُ وأَقْوَى فِي الدَّفْع والتمكُّنِ مِنَ المدفوعِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُصَلِّي فجاءَت بَهْمةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدارِئُها
أَي يُدافِعُها؛ ورُوِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ المُداراة؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَيْسَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُمْ: السُّلطان ذُو تُدْرَإٍ، بِضَمِّ التاءِ، أَي ذُو عُدّةٍ وقُوّةٍ عَلَى دَفْعِ أَعْدائه عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِلدَّفْعِ، وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ كَمَا زِيدَتْ فِي تَرْتُبٍ وتَنْضُبٍ وتَتْفُلٍ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: ذُو تُدْرَإٍ أَي ذُو هُجومٍ لَا يَتَوَقَّى وَلَا يَهابُ، فَفِيهِ قوَّةٌ عَلَى دَفْع أَعدائه؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْداس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَقَدْ كنتُ، فِي القَوْم ذَا تُدْرَإٍ، ... فلَمْ أُعْطَ شَيْئًا، ولَمْ أُمْنَعِ
وانْدَرَأْتُ عَلَيْهِ انْدِراءً، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ انْدَرَيْتُ. وَيُقَالُ: دَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ دُرُوءاً إِذَا خَرَجَ مُفاجَأَةً. وجاءَ السَّيْلُ دَرْءاً: ظَهْراً. ودَرَأَ فُلَانٌ عَلَيْنَا، وطَرَأَ إِذَا طَلَعَ مِنْ حَيْثُ لَا نَدْرِي. غيرُه: وانْدَرَأَ عَلَيْنَا بِشَرٍّ وتَدَرَّأَ: انْدَفَع. ودَرَأَ السَّيْلُ وانْدَرَأَ: انْدَفَع. وجاءَ السيلُ دَرءاً وَدُرْءاً إِذَا انْدَرَأَ مِنْ مَكَانٍ لَا يُعْلَمُ بِهِ فِيهِ؛ وَقِيلَ: جاءَ الوادِي دُرْءاً بِالضَّمِّ، إِذَا سالَ بِمَطَرِ وادٍ آخَرَ؛ وَقِيلَ: جاءَ دَرْءاً أَي مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ سالَ بمطَر نَفْسِه قِيلَ: سَالَ ظَهْراً، حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي؛ وَاسْتَعَارَ بَعْضُ الرُّجَّازِ الدَّرْءَ لِسَيَلَانِ الْمَاءِ مِنْ أَفْواهِ الإِبل فِي أَجْوافِها لأَن الماءَ إِنَّمَا يَسِيل هُنَالِكَ غَرِيبًا أَيضاً إذْ أَجْوافُ الإِبِل لَيْسَتْ مِنْ مَنابِعِ الْمَاءِ، وَلَا مِنْ مَناقِعه، فَقَالَ:
جابَ لَها لُقْمانُ، فِي قِلاتِها، ... مَاءً نَقُوعاً لِصَدى هاماتِها
تَلْهَمُه لَهْماً بِجَحْفَلاتِها، ... يَسِيلُ دُرْءاً بَيْنَ جانِحاتِها
فَاسْتَعَارَ للإِبل جَحَافِلَ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذَوَاتِ الحوافِر، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. ودَرَأَ الوادِي بالسَّيْلِ: دَفَعَ؛ وَفِي حَدِيثِ
أَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
صادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْءاً يَدْفَعُه
يُقَالُ لِلسَّيْلِ إِذا أَتاك مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبه: سيلٌ دَرْءٌ أَي يَدْفَع هَذَا ذاكَ وذاكَ هَذَا. وقولُ العَلاءِ بْنِ مِنْهالٍ الغَنَوِيِّ فِي شَرِيك بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِي:
ليتَ أَبا شَرِيكٍ كَانَ حَيّاً، ... فَيُقْصِرَ حِينَ يُبْصِرُه شَرِيكْ
ويَتْرُكَ مِن تَدَرِّيهِ عَلَيْنا، ... إِذَا قُلْنا لَهُ هَذَا أَبُوكْ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا أَرَادَ مِنْ تَدَرُّئِه، فأَبدل الْهَمْزَةَ
(1/72)

إِبِدَالًا صَحِيحًا حَتَّى جَعَلَهَا كَأَن مَوْضُوعَهَا الْيَاءُ وَكَسَرَ الرَّاء لِمُجَاوَرَةِ هَذِهِ الياءِ الْمُبْدَلَةِ كَمَا كَانَ يَكْسِرُهَا لَوْ أَنها فِي مَوضُوعِها حرفُ عِلة كَقَوْلِكَ تَقَضِّيها وتَخَلِّيها، وَلَوْ قَالَ مِنْ تَدَرُّئِه لَكَانَ صَحِيحًا، لأَن قَوْلَهُ تَدَرُّئه مُفاعَلتن؛ قَالَ: وَلَا أَدري لِمَ فَعَلَ العَلاءُ هَذَا مَعَ تَمَامِ الْوَزْنِ وَخُلُوصِ تَدَرُّئِه مِنْ هَذَا الْبَدَلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ مثلُه إِلَّا فِي الشِّعْرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكُونَ العَلاءُ هَذَا لُغَتُهُ الْبَدَلُ. ودَرَأَ الرجلُ يَدْرَأُ دَرْءًا ودُرُوءًا: مِثْلُ طَرَأَ. وَهُمُ الدُّرَّاءُ والدُّرَآءُ. ودَرَأَ عَلَيْهِمْ دَرْءًا ودُرُوءًا: خَرَجَ، وَقِيلَ خَرج فَجْأَةً، وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
أُحَسُّ لِيَرْبُوعٍ، وأَحْمِي ذِمارَها، ... وأَدْفَعُ عَنْهَا مِنْ دُرُوءِ القَبائِل
أَي مِنْ خُروجِها وحَمْلِها. وَكَذَلِكَ انْدَرَأَ وتَدَرَّأَ. ابْنُ الأَعرابي: الدَّارِئُ: العدوُّ المُبادِئُ؛ والدَارِئُ: الغريبُ. يُقَالُ: نحنُ فُقَراءُ دُرَآءُ. والدَّرْءُ: المَيْلُ. وانْدَرَأَ الحَريقُ: انْتَشَرَ. وكَوْكَبٌ دُرِّيءٌ عَلَى فُعِّيلٍ: مُندفعٌ فِي مُضِيِّهِ مَن المَشرِق إِلَى المَغرِب مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَمْعُ دَرَارِيءُ عَلَى وَزْنِ دَرارِيعَ. وَقَدْ دَرَأَ الكَوْكَبُ دُرُوءاً. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: سأَلت رَجُلًا مِن سعْد بْنِ بَكر مِنْ أَهل ذاتِ عِرْقٍ فَقُلْتُ: هَذَا الكوكبُ الضَّخْمُ مَا تُسمُّونه؟ قَالَ: الدِّرِّيءُّ، وَكَانَ مِنْ أَفصح النَّاسِ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: إِنْ ضَمَمْتَ الدَّال، فَقُلْتَ دُرِّيٌّ، يَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَى الدُّرِّ، عَلَى فُعْلِيٍّ، وَلَمْ تَهْمِزْهُ، لأَنه لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فُعِّيلٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ: فِي هَذَا الْمَكَانِ قَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ أَنه يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ فُعِّيلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ للعُصْفُر: مُرِّيقٌ، وكَوْكَبٌ دُرِّيءٌ، وَمَنْ هَمَزَهُ مِنَ القُرّاء، فَإِنَّمَا أَرَادَ فُعُّولًا مِثْلَ سُبُّوحٍ، فَاسْتَثْقَلَ الضَّمَّ، فرَدَّ بعضَه إِلَى الْكَسْرِ. وَحَكَى الأَخفش عَنْ بَعْضِهِمْ: دَرِّيءٌ، مَنْ دَرَأْتُه، وَهَمَزَهَا وَجَعَلَهَا عَلَى فَعِّيل مَفتوحةَ الأَوّل؛ قَالَ: وَذَلِكَ مِنْ تَلَأْلُئِه. قَالَ الفرّاءُ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الكواكِبَ العِظامَ الَّتِي لَا تُعرف أَسماؤُها: الدَّرارِيَّ. التَّهْذِيبُ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ أَنه قرأَها دُرِّيٌّ، فَضَمَّ الدَّالَ، وأَنكره النَّحْوِيُّونَ أَجمعون، وَقَالُوا: دِرِّيءٌ، بِالْكَسْرِ وَالْهَمْزِ، جيِّد، عَلَى بِنَاءِ فِعِّيلٍ، يَكُونُ مِنَ النُّجُومِ الدَّرَارِئ الَّتِي تَدْرَأُ أَي تَنحَطُّ وتَسير؛ قَالَ الفرّاءُ: الدِّرِّيءُ مِنَ الكَواكِب: الناصِعة؛ وَهُوَ مِنْ قَوْلِكِ: دَرَأَ الكَوْكَبُ كأَنه رُجِمَ بِهِ الشيطانُ فَدَفَعَه. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: دَرَأَ فُلَانٌ عَلَيْنَا أَي هَجَم. قَالَ والدِّرِّيءُ: الكَوكَبُ المُنْقَضُّ يُدْرَأُ عَلَى الشَّيْطَانِ، وأَنشد لأَوْس بْنِ حَجَر يَصِفُ ثَوْراً وَحْشِيّاً:
فانْقَضَّ، كالدِّرِّيء، يَتْبَعُه ... نَقْعٌ يَثُوبُ، تخالُه طُنُبَا
قَوْلُهُ: تَخالُه طُنُبا: يُرِيدُ تَخاله فُسْطاطاً مَضْرُوبًا. وَقَالَ شَمِرٌ: يُقَالُ دَرَأَتِ النارُ إِذا أَضاءَتِ. وَرَوَى الْمُنْذِرِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: يُقَالُ دَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ وطَرأَ إِذا طَلَعَ فَجْأَة. ودَرأَ الكَوكَبُ دُرُوءًا، مِنْ ذَلِكَ. قَالَ، وَقَالَ نَصْرٌ الرَّازِيُّ: دُرُوءُ الكَوكبِ: طُلُوعُه. يُقَالُ: دَرَأَ عَلَيْنَا. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ الله عنه أَنه صَلَّى المَغْرِبَ،
(1/73)

فَلَمَّا انْصَرَفَ دَرَأَ جُمْعةً مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ، وأَلْقَى عَلَيْها رَداءَهُ، واسْتَلْقَى
أَي سَوَّاها بيدِه وبَسَطَها؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: يَا جارِيةُ ادْرَئِي إلَيَّ الوِسادَةَ أَي ابْسُطِي. وتقولُ: تَدَرَّأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ أَي تَطَاول. قَالَ عَوفُ بْنُ الأَحْوَصِ:
لَقِينا، مِنْ تَدَرُّئِكم عَلَيْنا ... وقَتْلِ سَراتِنا، ذاتَ العَراقِي
أَراد بِقَوْلِهِ ذَاتَ العَراقِي أَي ذاتَ الدَّواهِي، مأْخوذ مِنْ عَراقِي الإِكام، وَهِيَ الَّتِي لَا تُرْتَقَى إلَّا بِمَشَقَّةٍ. والدَّرِيئة: الحَلْقةُ الَّتِي يَتَعَلَّم الرَّامي الطَّعْنَ والرَّمْيَ عَلَيْهَا. قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
ظَلِلْتُ كأَنِّي للرِّماح دَرِيئةٌ، ... أُقاتِلُ عَنْ أَبنْاءِ جَرْمٍ، وفَرَّتِ
قَالَ الأَصمعي: هُوَ مَهْمُوزٌ. وَفِي حَدِيثِ
دُرَيْد بْنِ الصِّمة فِي غَزْوة حُنَيْن: دَرِيئَةٌ أَمامَ الخَيْلِ.
الدَّرِيئةُ: حَلْقةٌ يُتَعَلَّم عَليْها الطَّعْنُ؛ وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: الدَرِيئةُ، مَهْمُوزٌ: البَعِير أَو غيرُه الَّذِي يَسْتَتِرُ بِهِ الصَّائِدُ مِنَ الوحْشِ، يَخْتِل حتَّى إِذَا أَمْكَنَ رَمْيُه رَمَى؛ وأَنشد بَيْتَ عَمْرو أَيضاً، وأَنشد غَيْرَهُ فِي هَمْزِهِ أَيْضًا:
إِذَا ادَّرَؤُوا منْهُمْ بِقِرْدٍ رَمَيْتُه ... بِمُوهِيةٍ، تُوهِي عِظامَ الحَواجِب
غَيْرُهُ: الدَّرِيئَةُ: كُّل مَا اسْتُتِرُ بِهِ مِنَ الصيْد ليُخْتَلَ مِنْ بَعِير أَو غَيْرِهِ هُوَ مَهْمُوزٌ لأَنها تُدْرَأُ نَحْوَ الصيْدِ أَي تُدْفَع، وَالْجَمْعُ الدَّرايا والدَرائِئُ، بِهَمْزَتَيْنِ، كِلَاهُمَا نَادِرٌ. ودَرَأَ الدَّرِيئَةَ لِلصَّيْدِ يَدرَؤُها دَرْءًا: ساقَها واسْتَتَرَ بِهَا، فَإِذَا أَمْكَنه الصيدُ رَمَى. وتَدَرَّأَ القومُ: اسْتَتَرُوا عَنِ الشَّيْءِ ليَخْتِلُوه. وادَّرَأْتُ للصيْدِ، عَلَى افْتَعَلْتُ: إِذا اتَّخَذْت لَهُ دَرِيئةً. قَالَ ابْنُ الأَثير: الدَّريَّة، بِغَيْرِ هَمْزٍ: حَيَوَانٌ يَسْتَتِر بِهِ الصائدُ، فَيَتْرُكُه يَرْعَى مَعَ الوحْش، حَتَّى إِذَا أَنِسَتْ بِهِ وأَمكَنَتْ مِنْ طالِبها، رَماها. وَقِيلَ عَلَى العَكْسِ مِنْهُمَا فِي الْهَمْزِ وتَرْكِه. الأَصمعي: إِذا كَانَ مَعَ الغُدّة، وَهِيَ طاعونُ الإِبل، ورَمٌ فِي ضَرْعها فَهُوَ دارِئٌ. ابْنُ الأَعرابي: إِذَا دَرَأَ البعيرُ مِنْ غُدَّته رَجَوْا أَن يَسْلَم؛ قَالَ: ودَرَأَ إِذَا وَرِمَ نَحْرُه. ودَرَأَ البعيرُ يَدْرَأُ دُرُوءًا فَهُوَ دارِئٌ: أَغَدَّ ووَرِمَ ظَهْرُه، فَهُوَ دارِئٌ، وَكَذَلِكَ الأُنثى دارئٌ، بِغَيْرِ هاءٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: ناقةٌ دارِيٌ إِذَا أَخَذَتْها الغُدَّةُ مِنْ مَراقِها، واسْتَبانَ حَجْمُها. قَالَ: وَيُسَمَّى الحَجْمُ دَرْءاً بِالْفَتْحِ؛ وحَجْمُها نُتوؤُها، والمَراقُ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ: مَجرى الْمَاءِ مِنْ حَلْقِها، وَاسْتَعَارَهُ رؤْبة للمُنْتَفِخِ المُتَغَضِّب، فَقَالَ:
يَا أَيُّها الدّارِئُ كَالمنْكُوفِ، ... والمُتَشَكِّي مَغْلةَ المَحْجُوفِ
جَعَلَ حِقْده الَّذِي نَفَخَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَرَمِ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْبَعِيرِ، والمَنْكُوفُ: الَّذِي يَشْتَكي نَكَفَتَه، وَهِيَ أَصل اللِّهْزِمة. وأَدْرَأَتِ الناقةُ بضَرْعِها، وَهِيَ مُدْرِئ إِذَا اسْتَرْخَى ضَرعُها؛ وَقِيلَ: هُوَ إِذَا أَنزلت اللَّبَنَ عندَ النِّتاجِ.
(1/74)

والدَّرْءُ، بِالْفَتْحِ: العَوَجُ فِي الْقَنَاةِ والعَصا وَنَحْوِهَا مِمَّا تَصْلُبُ وتَصْعُبُ إِقامتُه، وَالْجَمْعُ: دُروءٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إنَّ قَناتي مِنْ صَلِيباتِ القَنا، ... عَلَى العِداةِ أَن يُقِيموا دَرْأَنا
وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّرْءُ، بِالْفَتْحِ: العَوَجُ، فأَطْلَق. يُقَالُ: أَقمتُ دَرْءَ فُلَانٍ أَي اعْوِجاجَه وشَعْبَه؛ قَالَ الْمُتَلَمِّسُ:
وكُنَّا، إِذا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ، ... أَقَمْنا لَه مِن دَرْئِهِ، فَتَقَوَّما
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَظُنُّ هَذَا الْبَيْتَ لِلْفَرَزْدَقِ، وَلَيْسَ لَهُ، وَبَيْتُ الْفَرَزْدَقِ هُوَ:
وكنَّا، إِذَا الْجَبَّارُ صعَّر خَدَّهُ، ... ضَرَبْناه تَحْتَ الأُنْثَيَيْنِ عَلَى الكَرْدِ
وَكَنَّى بالأُنثيين عَنِ الأُذُنَينِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بِئر ذاتُ دَرْءٍ، وَهُوَ الحَيْدُ. ودُرُوءُ الطريقِ: كُسُورُه وأَخاقِيقُه، وطرِيقٌ ذُو دُروءٍ، عَلَى فُعُولٍ: أَي ذُو كُسورٍ وحَدَبٍ وجِرفَةٍ. والدَّرْءُ: نادِرٌ. يَنْدُرُ مِنَ الجبلِ، وَجَمْعُهُ دُروءٌ. ودرأَ الشيءَ بالشيءِ «2»: جَعَلَهُ لَهُ رِدْءًا. وأَرْدَأَهُ: أَعانه. وَيُقَالُ: دَرَأْتُ لَهُ وِسادَةً إِذَا بَسَطْتَها. ودَرَأْتُ وضِينَ البعيرِ إِذَا بَسَطْتَه عَلَى الأَرضِ ثُمَّ أَبْرَكْته عَلَيْهِ لِتَشُدَّه بِهِ، وَقَدْ دَرَأْتُ فُلَانًا الوَضينَ «3» عَلَى الْبَعِيرِ ودارَيْتُه، وَمِنْهُ قَوْلُ المُثَقِّبِ العَبْدِي:
تقُول، إِذَا دَرأْتُ لَهَا وَضِيني: ... أَهذا دِينُه أَبَداً ودِيني؟
قَالَ شَمِرٌ: دَرَأْتُ عَنِ الْبَعِيرِ الحَقَبَ: دَفَعْتُه أَي أَخَّرْته عَنْهُ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَسَطْتُه عَلَى الأَرض وأَنَخْتُها عَلَيْهِ. وتَدَرَّأَ القومُ: تعاوَنُوا «4». ودَرَأَ الحائطَ ببناءٍ: أَلزَقَه بِهِ. ودَرَأَه بِحَجَرٍ: رَمَاهُ، كرَدَأَه؛ وَقَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
وبالتَّرْك قَدْ دَمَّها نَيُّها، ... وذاتُ المُدارَأَة العائطُ
المَدْمُومةُ: المَطْلِيّةُ، كأَنها طُلِيَتْ بشَحْمٍ. وذاتُ المُدارَأَةِ: هِيَ الشَّدِيدةُ النَّفْسِ، فَهِيَ تَدْرَأُ. وَيُرْوَى:
وذاتُ المُداراةِ والعائطُ
قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَن الْهَمْزَ وترك الهمز جائز.
دفأ: الدِّفْءُ والدَّفَأُ: نَقِيضُ حِدّةِ البَرْدِ، وَالْجَمْعُ أَدْفاء. قال ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ العدوِي:
فَلَمَّا انْقضَى صِرُّ الشِّتاءِ، وآنَسَتْ، ... مِنَ الصَّيْفِ، أَدْفاءَ السُّخُونةِ فِي الأَرْضِ
والدَّفَأُ، مهموز مقصور: هو الدِّفءُ نَفْسُهُ، إلَّا أَنَ
__________
(2). قوله [ودرأ الشيء بالشيء إلخ] سهو من وجهين الأَول: أن قوله وأردأه أعانه ليس من هذه المادة. الثاني: أن قوله ودرأ الشيء إلخ صوابه وردأ كما هو نص المحكم وسيأتي في ردأ ولمجاورة ردأ لدرأ. فيه سبقة النظر إليه وكتبه المؤلف هنا سهواً.
(3). قوله [وَقَدْ دَرَأْتُ فُلَانًا الْوَضِينَ] كذا في النسخ والتهذيب.
(4). قوله [وتدرأ القوم إلخ] الذي في المحكم في مادة ردأ ترادأ القوم تعاونوا وَرَدَأَ الْحَائِطَ بِبِنَاءٍ أَلْزَقَهُ بِهِ وَرَدَأَهُ بِحَجَرٍ رَمَاهُ كرداه فطغا قلمه لمجاوة ردأَ لدرأَ فسبحان من لا يسهو ولا يغتر بمن قلد اللسان.
(1/75)

الدِّفْءَ «1» كأَنه اسْمٌ شِبْه الظِّمْء، والدَّفَأُ شِبه الظَّمَإِ. والدَّفاء، مَمدود: مَصْدَرُ دَفِئْتُ مِنَ الْبَرَدِ دَفاءً؛ والوَطَاء: الِاسْمُ مِنَ الفِراش الوَطِيء، والكَفاء: هُوَ الكُفْءُ مِثْلُ كِفاء الْبَيْتِ؛ وَنَعْجَةٌ بِهَا حَثاء إِذَا أَرادت الْفَحْلَ؛ وَجِئْتُكَ بالهَواء وَاللَّوَاءِ أَي بِكُلِّ شَيْءٍ؛ والفَلاء: فَلاء الشَعر وأَخذك مَا فِيهِ، كَلِمَةٌ مَمْدُودَةٌ. وَيَكُونُ الدِّفْءُ: السُّخونَة؛ وَقَدْ دَفِئَ دَفاءةً مِثْلُ كَرِهَ كَراهةً ودَفَأً مِثْلُ ظَمِئَ ظَمَأً؛ ودَفُؤَ وتَدَفَّأَ وادَّفأَ واسْتَدْفَأَ. وأَدْفَأَه: أَلْبَسه مَا يُدْفئه؛ وَيُقَالُ: ادَّفَيْتُ واسْتَدْفَيْتُ أَي لبست مَا يُدْفئُني، وَهَذَا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَتْرُكُ الْهَمْزَ، وَالِاسْمُ الدِّفْءُ، بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُدْفئُك، وَالْجَمْعُ الأَدْفاءُ. تَقُولُ: مَا عَلَيْهِ دِفْءٌ لأَنه اسْمٌ، وَلَا تَقُلْ مَا عَلَيْهِ دَفاءةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ؛ وَتَقُولُ: اقْعُد فِي دِفْءِ هَذَا الحائطِ أَي كِنِّه. وَرَجُلٌ دَفِئٌ، عَلَى فَعِلٍ، إِذَا لَبِسَ مَا يُدْفِئه: والدِّفاءُ: مَا اسْتُدْفِئَ بِهِ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: أَنه سَمِعَ أَبا الدِّينَارِ يُحَدِّثُ عَنْ أَعرابية أَنها قَالَتْ: الصِّلاءَ والدِّفاءَ، نصبَتْ عَلَى الإِغْراء أَو الأَمْرِ. وَرَجُلٌ دَفْآنُ: مُسْتَدْفِئٌ، والأُنثى دَفْأَى، وَجَمْعُهُمَا مَعًا دِفاءٌ. والدَّفِئُ كالدَّفآن، عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وأَنشد:
يَبيتُ أَبُو لَيْلى دَفِيئاً، وضَيفُه، ... مِن القُرِّ، يُضْحِي مُسْتَخِفّاً خَصائِلُه
وَمَا كَانَ الرَّجُلُ دَفَآنَ، وَلَقَدْ دَفِئَ. وَمَا كَانَ البيتُ دفِيئاً، وَلَقَدْ دَفُؤَ. وَمَنْزِلٌ دَفِيءٌ عَلَى فَعِيل، وغُرْفةٌ دَفِيئةٌ، وَيَوْمٌ دَفِيءٌ، وَلَيْلَةٌ دَفِيئةٌ، وبَلدة دَفِيئةٌ، وثَوب دَفِيءٌ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَعِيلٍ وفَعِيلةٍ: يُدْفِئُكَ. وأَدْفأَهُ الثوبُ وتَدَفَّأَ هُوَ بِالثَّوْبِ واسْتَدْفَأَ بِهِ وادَّفَأَ بِهِ، وَهُوَ افْتعل، أَي لَبِسَ مَا يُدْفِئه. الأَصمعي: ثَوْبٌ ذُو دَفْءٍ ودَفاءَةٍ. ودَفُؤَتْ لَيْلَتُنا. والدَفْأَةُ: الذَّرَى تَسْتَدْفِئُ بهِ مِنَ الرِّيح. وأَرضٌ مَدْفَأَةٌ: ذاتُ دُفْءٍ. قَالَ سَاعِدَةُ يَصِفُ غَزَالًا:
يَقْرُوا أَبارِقَه، ويَدْنُو، تَارَةً ... بمَدافِئٍ مِنْهُ، بهنَّ الحُلَّبُ
قَالَ: وأُرَى الدَّفِئَ مَقْصُورًا لُغةً. وَفِي خَبَرِ
أَبي الْعَارِمِ: فِيهَا مِنَ الأَرْطَى والنِّقارِ الدَّفِئة «2»
كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي مَقْصُورًا. قَالَ الْمُؤَرِّجُ: أَدْفَأْتُ الرجلَ إِدْفَاءً إِذَا أَعْطيْته عَطاءً كَثِيرًا. والدِّفْءُ: العَطِيَّة. وأَدْفَأْتُ القومَ أَي جَمَعْتُهم حَتَّى اجْتَمَعُوا. والإِدفاءُ: القَتل، فِي لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه أُتِيَ بأَسِيرٍ يُرْعَد، فَقَالَ لقَوْمٍ: اذْهَبُوا بِهِ فأَدْفُوهُ، فَذهبوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَوداهُ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
؛ أَراد الإِدْفَاء مِنَ الدِّفْءِ، وأَن يُدفَأَ بِثَوْبٍ، فَحَسِبُوه بِمَعْنَى الْقَتْلِ فِي لُغَةِ أَهل الْيَمَنِ؛ وأَراد أَدْفِئوه، بِالْهَمْزِ، فَخَفَّفه بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ. وَهُوَ تَخْفِيفٌ شَاذٌّ، كَقَوْلِهِمْ: لَا هَناكَ المَرْتَعُ، وَتَخْفِيفُهُ الْقِيَاسِيُّ أَن تُجعل الهمزةُ بَيْنَ بَيْنَ لا أَن تُحْذَفَ،
__________
(1). قوله [إلا أنّ الدفء إلى قوله ويكون الدفء] كذا في النسخ ونقر عنه فلعلك تظفر بأصله.
(2). قوله [الدفئة] أي على فعلة بفتح فكسر كما في مادة نقر من المحكم فما وقع في تلك المادة من اللسان الدفئية على فعلية خطأ.
(1/76)

فَارْتَكَبَ الشُّذُوذَ لأَن الْهَمْزَ لَيْسَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ. فأَمَّا الْقَتْلُ فَيُقَالُ فِيهِ: أَدْفَأْتُ الجَرِيحَ ودافَأْتُه ودَفَوْتُه ودَافَيْتُه ودافَفتُه: إِذَا أَجْهَزْتَ عَلَيْهِ. وَإِبِلٌ مُدَفَّأَةٌ ومُدْفأَةٌ: كثيرةُ الأَوْبار والشُّحوم يُدْفِئها أَوْبارُها؛ ومُدْفِئةٌ ومُدَفِّئةٌ: كثيرةٌ، يُدفِئُ بعضُها بَعْضًا بأَنفاسها. والمُدْفآت: جَمْعُ المُدْفأَةِ، وأَنشد لِلشَّمَّاخِ:
وكيفَ يَضِيعُ صاحِبُ مُدْفَآتٍ، ... عَلَى أَثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إبلٌ مُدْفَأَةٌ، مُخَفَّفَةُ الْفَاءِ: كَثِيرَةُ الأَوبار، ومُدْفِئةٌ، مُخَفَّفَةُ الْفَاءِ أَيضاً، إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً. والدَّفَئِيَّةُ: المِيرةُ تُحْمَل فِي قُبُلِ الصَيْفِ، وَهِيَ الميرةُ الثَّالِثَةُ، لأَن أَوَّل المِيرةِ الرِّبْعِيَّةُ ثُمَّ الصَّيفِيَّةُ ثُمَّ الدَّفَئيَّةُ ثُمَّ الرَّمَضِيَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي حِينَ تَحْترِقُ الأَرض. قَالَ أَبو زَيْدٍ: كُلُّ مِيرة يَمْتارُونها قَبْل الصَّيْفِ فَهِيَ دَفَئِيَّةٌ مِثَالُ عَجَمِيَّةٍ؛ قَالَ وَكَذَلِكَ النِّتاجُ. قَالَ: وأَوَّلُ الدَّفَئِيِّ وُقُوعُ الجَبْهة، وَآخِرُهُ الصَّرْفة. والدَّفَئِيُّ مِثَالُ العَجَمِيِّ: الْمَطَرُ بَعْدَ أَن يَشتَدّ الْحَرُّ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: وَهُوَ إِذَا قاءَتِ الأَرضُ الكَمْأَةَ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّفَئِيُّ مِثَالُ العَجَمِيِّ: المَطَر الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الرَّبيع قَبْلَ الصَّيْفِ حِينَ تَذْهَبُ الكَمأَةُ، وَلَا يَبقَى فِي الأَرض مِنْهَا شيءٌ، وَكَذَلِكَ الدَّثَئِيُّ والدَّفَئِيُّ: نِتاجُ الْغَنَمِ آخِر الشِّتَاءِ، وَقِيلَ: أَيَّ وَقْتٍ كَانَ. والدِّفْءُ: مَا أَدْفأَ مِنْ أَصواف الْغَنَمِ وأَوبار الإِبل، عَنْ ثَعْلَبٍ. والدِّفْءُ: نِتاجُ الإِبل وأَوبارُها وأَلبانها وَالِانْتِفَاعُ بِهَا، وَفِي الصِّحَاحِ: وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْهَا. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: [لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ
]. قَالَ الفرَّاء: الدِّفْءُ كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ بِالدَّالِ وَالْفَاءِ، وَإِنْ كُتِبَتْ بِوَاوٍ فِي الرَّفْعِ وياءٍ فِي الْخَفْضِ وأَلف فِي النَّصْبِ كَانَ صَوَابًا، وَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْهَمْزِ وَنَقْلِ إِعْرَابِ الْهَمْزِ إِلَى الْحُرُوفِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ: والدِّفْءُ: مَا انتُفِعَ بِهِ مِنْ أَوْبارِها وأَشْعارِها وأَصوافِها؛ أَراد: مَا يَلبَسُون مِنْهَا وَيَبْتَنُونَ. وَرُوِيَ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ
، قَالَ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الدِّفْءُ عِنْدَ العَرَب: نتاجُ الإِبل وأَلبانُها وَالِانْتِفَاعُ بِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَنا مِنْ دِفْئهِم وصِرامِهم مَا سَلَّمُوا بالمِيثاقِ
أَي إبِلِهم وغَنَمِهم. الدِّفْءُ: نِتاجُ الإِبل وَمَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْهَا، سَمَّاهَا دِفْأً لأَنها يُتخذ مِنْ أَوْبارها وأَصْوافِها مَا يُسْتَدْفأُ بِهِ. وأَدفأَتِ الإِبلُ عَلَى مِائَةٍ: زَادَتْ. والدَّفَأُ: الحنَأُ كالدَّنَإِ. رَجُلٌ أَدْفَأُ وامرأَة دَفْأَى. وفُلان فيه دَفَأٌ أَي انحِناءٌ. وَفُلَانٌ أَدْفَى، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فِيهِ انحِناءٌ. وَفِي حَدِيثِ الدَّجّالِ:
فِيهِ دَفَأ
، كَذَا حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ، مَهْمُوزًا، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ، وَقَدْ وَرَدَ مَقْصُورًا أَيضاً وَسَنَذْكُرُهُ.
دكأ: المُداكأَةُ: المُدافَعةُ. دَاكَأْتُ القومَ مُداكأَةً: دَافَعْتُهم وزاحَمْتُهم. وقد تَداكَؤُوا عَلَيْهِ: تَزاحَمُوا. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
وقَرَّبُوا كلَّ صِهْميمٍ مَناكِبُه، ... إِذَا تَدَاكَأَ مِنْهُ دَفعُه شَنَفا
أَبو الْهَيْثَمِ: الصِّهْمِيمُ مِنَ الرِّجَالِ والجِمال إِذَا كَانَ حَميَّ الأَنْفِ أَبِيّاً شدِيدَ النَّفْسِ بطِيءَ الانْكِسارِ. وتَداكَأَ تَداكُؤاً: تَدافَع. ودَفْعه سَيْرُه. وَيُقَالُ: دَاكأَتْ عليه الدُّيون.
(1/77)

دنأ: الدَّنيءُ، مِنَ الرِّجَالِ: الخَسيس، الدُّونُ، الخَبِيثُ الْبَطْنِ والفَرْجِ، الماجِنُ. وَقِيلَ: الدَّقيقُ، الحَقيرُ، وَالْجَمْعُ: أَدْنِياءُ ودُنَآءُ. وَقَدْ دَنَأَ يَدْنَأُ دَناءةً فَهُوَ دَانِئٌ: خَبُثَ. ودَنُؤَ دَنَاءةً ودُنُوءةً: صارَ دَنيئاً لَا خَيْرَ فِيهِ، وسَفُلَ فِي فعْله، ومَجُنَ. وأَدنأَ: ركِب أَمراً دَنِيئًا. والدَّنَأُ: الحَدَبُ. والأَدْنأُ: الأَحْدَبُ. ورجُل أَجْنَأُ وأَدْنَأُ وأَقْعَسُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَإِنَّهُ لدَانِئٌ: خَبيثٌ. وَرَجُلٌ أَدْنَأُ: أَجْنَأُ الظَّهر. وَقَدْ دَنِئَ دَنَأً. والدَّنيئة: النَّقيصةُ. وَيُقَالُ: مَا كنتَ يَا فلانُ دَنِيئاً، وَلَقَدْ دَنُؤْتَ تَدْنُؤُ دَناءةً، مَصْدَرُهُ مَهْمُوزٌ. وَيُقَالُ: مَا يَزْدادُ مِنَّا إلَّا قُرْباً ودَناوةً، فُرِق بين مصدر دَنأَ وَمَصْدَرِ دَنَا بِجَعْلِ مَصْدَرِ دَنا دَناوةً وَمَصْدَرِ دَنأَ دَنَاءَةً كَمَا تَرَى. ابْنُ السِّكِّيتِ، يُقَالُ: لَقَدْ دَنَأْتَ تَدْنَأُ أَي سفَلْتَ فِي فِعْلِك ومَجُنْتَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
، قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِنَ الدَّناءَةِ. وَالْعَرَبُ تَقول: إِنَّهُ لَدَنِيٌّ فِي الأُمور، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، يَتَّبعُ خِساسَها وأَصاغِرها. وَكَانَ زُهير الْفَرَوِيُّ يَهْمِزُ أَتَستبدلون الَّذِي هُوَ أَدْنأُ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. قَالَ الفرَّاء: وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ تَهْمِزُ أَدنأَ إِذَا كَانَ مِنَ الخِسَّة، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لدانِئٌ خَبيثٌ، فَيَهْمِزُونَ. قَالَ: وأَنشدني بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ:
باسِلة الوَقْعِ، سَرابِيلُها ... بِيضٌ إِلَى دانِئِها الظاهِرِ
وَقَالَ فِي كِتَابِ المَصادِرِ: دَنُؤَ الرَّجلُ يَدْنُؤُ دُنُوءًا ودَناءَةً إِذَا كَانَ مَاجِنًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى قَوْلِهِ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى
، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، أَي أَقْرَبُ، وَمَعْنَى أَقربُ أَقَلُّ قِيمةً كَمَا يُقَالُ ثَوْبٌ مُقارِبٌ، فأَما الخَسِيسُ، فَاللُّغَةُ فِيهِ دَنُؤَ دناءَةً، وَهُوَ دَنِيءٌ، بِالْهَمْزِ، وَهُوَ أَدْنَأُ مِنْهُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَهل اللُّغَةِ لَا يَهْمِزُونَ دنُوَ فِي بَابِ الخِسَّة، وَإِنَّمَا يَهْمِزُونَهُ فِي بَابِ المُجُونِ والخُبْثِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ: رَجُلٌ دَنِيءٌ مِنْ قَومٍ أَدْنِئاءَ، وَقَدْ دَنُؤَ دَناءَةً، وَهُوَ الخَبيثُ البَطْنِ والفَرْجِ. ورَجل دَنيٌّ مِنْ قَوْمِ أَدْنِياءَ، وَقَدْ دَنا يَدْنأُ ودَنُوَ يَدْنُو دُنُوًّا، وَهُوَ الضَّعِيفُ الخَسِيسُ الَّذِي لَا غَنَاء عِنْدَهِ، المُقصِّر فِي كُلِّ مَا أَخَذ فِيهِ. وأَنشد:
فَلا وأَبِيكَ، ما خُلُقِي بِوعْرٍ ... وَلَا أَنا بالدَّنِيِّ، وَلَا المُدَنِّي
وَقَالَ أَبو زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْهَمْزِ: دَنَأَ الرَّجل يَدْنَأُ دناءَةً ودَنُؤَ يَدْنُؤُ دُنُوءاً إِذَا كَانَ دَنِيئاً لَا خَيْر فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: رجل دَنِيءٌ ودانِئٌ، وَهُوَ الْخَبِيثُ البَطن وَالْفَرْجِ، الماجِن، مِنْ قَوْمٍ أَدْنِئاءَ، اللَّامُ مَهْمُوزَةٌ. قَالَ: وَيُقَالُ لِلْخَسِيسِ: إِنَّهُ لدَنِيٌّ مِنْ أَدْنِياءَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ. قَالَ الأَزهري: وَالَّذِي قَالَهُ أَبو زيد واللحياني وابن السِّكِّيتِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالَّذِي قَالَهُ الزَّجَّاجُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
دهدأ: أَبو زَيْدٍ: مَا أَدري أَيُّ الدَّهْدإ هُوَ كَقَوْلِكَ مَا أَدري أَيُّ الطَّمْشِ هُوَ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ. وضافَ رَجل رَجُلًا، فَلَمْ يَقْرِه وباتَ يُصلِّي وَتَرَكَهُ جَائِعًا يَتَضَوَّرُ، فَقَالَ:
تبِيتُ تُدَهْدِئُ القُرآنَ حَوْلِي، ... كأَنَّكَ، عِندَ رَأْسِي، عُقْرُبَانُ
فَهَمْزٌ تُدَهْدئُ، وَهُوَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ.
(1/78)

دَوَأَ: الداءُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مرَض وعَيْب فِي الرِّجَالِ ظَاهِرٍ أَو بَاطِنٍ، حَتَّى يُقَالَ: داءُ الشُّحِّ أَشدُّ الأَدْواءِ وَمِنْهُ قَوْلُ المرأَة: كلُّ داءٍ لَهُ داءٌ، أَرادتْ: كلُّ عَيْبٍ فِي الرِّجَالِ فَهُوَ فِيهِ. غيرُه: الداءُ: المَرَضُ، وَالْجَمْعُ أَدْواءٌ. وَقَدْ داءَ يَداءُ دَاءً عَلَى مِثَالِ شاءَ يشاءُ إِذَا صارَ فِي جَوْفِه الداءُ. وأَداءَ يُدِيءُ وأَدْوَأَ: مَرِضَ وصارَ ذَا داءٍ، الأَخيرة عَنْ أَبي زَيْدٍ، فَهُوَ داءٌ. وَرَجُلٌ داءٌ، فَعِلٌ، عَنْ سِيبَوَيْهِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: وَرَجُلَانِ داءانِ، وَرِجَالٌ أَدْواءٌ، وَرَجُلٌ دَوًى، مَقْصُورٌ، مِثْلُ ضَنًى، وامرأَة داءَةٌ. التَّهْذِيبُ: وَفِي لُغَةٍ أُخرى: رَجُلٌ دَيِّئٌ وامرأَةٌ دَيِّئةٌ، عَلَى فَيْعِلٍ وفَيْعِلةٍ، وَقَدْ داءَ يَداءُ دَاءً ودَوْءًا؛ كلُّ ذَلِكَ يُقَالُ. قَالَ: ودَوْءٌ أَصْوَبُ لأَنه يُحْمَلُ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقَدْ دِئْتَ يَا رَجُلُ، وأَدَأْتَ، فأَنت مُدِيءٌ. وأَدَأْتُه أَي أَصَبْتُه بداءٍ، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. وداءَ الرجلُ إِذَا أَصابه الدَّاءُ. وأَداءَ الرجلُ يُديءُ إداءَةً: إِذَا اتَّهَمْتَه. وأَدْوَأَ: اتُّهِمَ وأَدْوَى بِمَعْنَاهُ. أَبو زَيْدٍ: تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا اتَّهمتَه: قَدْ أَدَأْتَ إداءَةً وأَدْوَأْتَ إدْواءً. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَيِّتُ الداءِ، إِذَا كَانَ لَا يَحقِدُ عَلَى مَنْ يُسِيءُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: رَماه اللَّهُ بِداءِ الذِّئب، قَالَ ثَعْلَبٌ: داءُ الذئبِ الجُوعُ، وَقَوْلُهُ:
لَا تَجْهَمِينا، أُمَّ عَمْرو، فَإِنَّمَا ... بِنا داءُ ظَبْيٍ، لَمْ تَخُنْه عوامِلُهْ
قَالَ الأُموي: داءُ الظَّبْيِ أَنه إِذَا أَراد أَن يَثِبَ مَكَث قَلِيلًا ثُمَّ وَثَب. قَالَ، وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: مَعْنَاهُ لَيْسَ بِنا داءٌ، يُقَالُ بِهِ داءُ ظَبْيٍ، مَعْنَاهُ لَيْسَ بِهِ داءٌ كَمَا لَا داءَ بالظَّبْيِ. قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَهَذَا أَحَبُّ إليَّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
وأَيُّ داءٍ أَدْوى مِنَ الْبُخْلِ
، أَي أَيُّ عَيْب أَقْبَحُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: الصَّوَابُ أَدْوَأُ مِنَ البُخْل، بِالْهَمْزِ، وَلَكِنَّ هَكَذَا يُرْوَى، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وداءةُ مَوْضِعٌ ببلاد هذيل.

فصل الدال المعجمة
ذأذأ: الذَّأْذَاءُ والذَّأْذَاءَة: الاضْطراب. وَقَدْ تذَأْذَأَ: مَشَى كَذَلِكَ. أَبو عَمْرٍو: الذَّأْذَاءُ: زَجْرُ الحَلِيمِ السَّفِيهَ. وَيُقَالُ: ذَأْذَأْتُه ذَأْذَأَةً: زَجَرْتُه.
ذرأ: فِي صِفَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، الذّارِئُ، وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَ الخَلْقَ أَي خَلَقَهم، وَكَذَلِكَ البارِئُ؛ قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً
أَي خَلَقْنَا. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
. قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى يَذرَؤُكم بِهِ أَي يُكثِّركم بِجَعْلِهِ مِنْكُمْ وَمِنَ الأَنعام أَزواجاً، وَلِذَلِكَ ذَكر الْهَاءَ فِي فِيهِ. وأَنشد الفرَّاء فِيمَنْ جَعَلَ فِي بِمَعْنَى الْبَاءَ، كأَنه قَالَ يَذْرَؤُكم بِهِ:
وأَرْغَبُ فِيهَا عَن لَقِيطٍ ورَهْطِه، ... ولكِنَّني عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ
وذرَأَ اللهُ الخَلْقَ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءاً: خَلَقَهم. وَفِي حَدِيثِ الدُّعاءِ:
أَعوذ بكَلِمات اللَّهِ التامّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وذرَأَ وبَرَأَ.
وكأَنَّ الذَّرْءَ مُخْتَص بخَلْقِ الذّرِّيَّة. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتب إِلَى خالِدٍ: وإِنِّي
(1/79)

لأَظُنُّكم آلَ المُغِيرَةِ ذَرْءَ النَّارِ
، يَعْنِي خَلْقَها الَّذِينَ خُلِقُوا لَهَا. وَيُرْوَى ذَرْوَ النَّارِ، بِالْوَاوِ، يَعْنِي الَّذِينَ يُفَرَّقُون فِيهَا، مِنْ ذَرَتِ الريحُ الترابَ إِذَا فَرَّقَتْه. وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
، مَعْنَاهُ يُكَثِّرُكُمْ فِيهِ أَي فِي الْخَلْقِ. قَالَ: والذُّرِّيَّة والذِّرِّيَّةُ مِنْهُ، وَهِيَ نَسْلُ الثَّقَلَيْن. قَالَ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَن تَكُونَ مَهْمُوزَةً فَكَثُرَتْ، فأُسقط الْهَمْزُ، وَتَرَكَتِ الْعَرَبُ هَمْزَهَا، وَجَمْعُهَا ذَراريُّ. والذَّرْءُ: عَدَد الذُّرِّيَّة، تَقُولُ: أَنْمَى اللَّهُ ذَرْأَكَ وذَرْوَكَ أَي ذُرِّيَّتَكَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: جَعَلَ الْجَوْهَرِيُّ الذُّرِّية أَصلها ذُرِّيئة، بِالْهَمْزِ، فخُفِّفت هَمْزَتُهَا، وأُلزِمَت التَّخْفِيفَ. قَالَ: وَوَزْنُ الذُّرِّيَّةِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ، فُعِّيلةٌ مِنْ ذَرَأَ اللهُ الخلقَ، وَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مُرِّيقةٍ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنَ العُصْفُر، وغيرُ الْجَوْهَرِيِّ يَجْعَلُ الذُّرِّيةَ فُعْلِيَّةً من الذَّرِّئ، وفُعْلُولةً، فَيَكُونُ الأَصل ذُرُّورةً ثُمَّ قُلِبَتِ الرَّاءُ الْأَخِيرَةُ يَاءً لِتَقَارُبِ الأَمثال ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وأُدغمت فِي الْيَاءِ وَكُسِرَ مَا قَبْلَ الْيَاءِ فَصَارَ ذُرِّيةً. والزَّرْعُ أَوَّلُ مَا تَزْرَعُه يُسَمَّى الذَّرِيءَ. وذَرَأْنا الْأَرْضَ: بَذَرْناها. وزَرْعٌ ذَرِيءٌ، عَلَى فَعِيل. وأُنشد لعُبَيْد اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَة بْنِ مَسْعُود:
شَقَقْتَ القَلبَ ثُمَّ ذَرَأْتَ فِيهِ ... هَواكَ، فَلِيمَ، فالتْأَمَ الفُطُورُ
وَالصَّحِيحُ ثُمَّ ذَرَيْتَ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ. وَيُرْوَى ذَرَرْتَ. وأَصل لِيمَ لُئِمَ فَتُرِكَ الْهَمْزُ لِيَصِحَّ الْوَزْنُ. والذَّرَأُ، بِالتَّحْرِيكِ: الشَّيب فِي مُقدَّم الرأْس. وذرِئَ رأْسُ فُلَانٍ يَذْرَأُ إِذَا ابْيَضَّ. وَقَدْ عَلَتْهُ ذُرْأَةٌ أَي شَيْبٌ. والذُّرْأَة، بِالضَّمِّ: الشَّمَطُ. قَالَ أَبو نُخَيْلةَ السَّعْدِي:
وَقَدْ عَلَتْني ذُرأَةٌ بادِي بَدِي، ... ورَثْيةٌ تَنْهَضُ بالتَّشَدُّدِ
بادِي بَدِي: أَي أَوّلَ كلِّ شَيْءٍ مِنْ بَدَأَ فتُركَ الهَمْز لكثرةِ الِاسْتِعْمَالِ وطَلَبِ التَّخْفِيفِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ مِن بَدا يَبْدُو إِذَا ظَهَرَ. والرَّثْيةُ: انْحِلالُ الرُّكَبِ والمَفاصِل. وَقِيلَ: هُوَ أَوّلُ بَياضِ الشَّيبِ. ذَرِئَ ذَرَأً، وَهُوَ أَذْرَأُ، والأُنثى ذَرْآءُ. وذَرِئَ شَعَرُه وذَرَأَ، لُغَتانِ. قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ الْفَقْعَسِيُّ:
قالَتْ سُلَيْمى: إنَّني لَا أَبْغِيهْ، ... أَراهُ شَيْخاً عارِياً تَراقِيهْ
مُحْمرَّةً مِنْ كِبَرٍ مآقِيهْ، ... مُقَوَّساً، قَدْ ذَرِئَتْ مَجالِيهْ
يَقْلِي الغَوانِي، والغَوانِي تَقْلِيهْ
هَذَا الرَّجَز فِي الصِّحَاحِ:
رَأَيْنَ شَيْخاً ذَرِئَتْ مَجالِيهْ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَصَوَابُهُ كَمَا أَنشدناه. والمَجالِي: مَا يُرَى مِنَ الرَّأْس إِذَا اسْتُقْبِلَ الوَجْهُ، الْوَاحِدُ مَجْلًى، وَهُوَ مَوضِع الجَلا. وَمِنْهُ يُقَالُ: جَدْيٌ أَذْرَأُ وعَناقٌ ذَرْآءُ إِذَا كَانَ فِي رأْسها بَيَاضٌ، وكَبْشٌ أَذْرَأُ ونَعْجةٌ ذَرْآءُ: فِي رؤوسهما بَيَاضٌ. والذَّرْآءُ مِنَ المَعز: الرَّقْشاء الأُذُنَيْنِ وسائرُها أَسْوَدُ، وَهُوَ مِنْ شِياتِ الْمَعِزِ دُونَ الضأْن. وَفَرَسٌ أَذْرَأُ وجَدْيٌ أَذْرَأُ أَي أَرْقَش الأُذنين.
(1/80)

وملح ذَرْآنِيٌّ وذَرَآنِيٌّ: شَديد الْبَيَاضِ، بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَتَسْكِينِهَا، وَالتَّثْقِيلُ أَجود، وَهُوَ مأْخوذ مِنَ الذُّرْأَةِ، وَلَا تَقُلْ أَنْذرانِيٌّ. وأَذْرَأَنِي فُلَانٌ وأَشْكَعَنِي أَي أَغْضَبَنِي. وأَذْرَأَه، أَي أَغْضَبَه وأَوْلَعَه بالشيءِ. أَبو زَيْدٍ: أَذْرَأْتُ الرجلَ بَصاحِبه إذْراءً إِذَا حَرَّشْتَه عَلَيْهِ وأَوْلَعْتَه بِهِ فَدَبَّرَ بِهِ. غَيْرُهُ: أَذْرَأْتُه أَي أَلجأْته. وَحَكَى أَبو عُبَيْدٍ أَذراه، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فردَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَذْرَأَه. وأَذْرَأَه أَيضاً: ذَعرَه. وبَلَغَنِي ذرْءٌ مِنْ خَبَرٍ أَي طَرَفٌ مِنْهُ وَلَمْ يَتكامل. وَقِيلَ: هُوَ الشيءُ اليَسِيرُ مِنَ القَوْلِ. قَالَ صخْر بْنُ حَبْناء:
أَتانِي، عَنْ مُغِيرةَ، ذَرْءُ قَوْلٍ، ... وَعَنْ عيسَى، فقُلْتُ لَهُ: كَذاكا
وأَذْرأَتِ الناقةُ، وَهِيَ مُذْرِئٌ: أَنْزلَت اللَّبنَ. قَالَ الأَزهري: قَالَ اللَّيْثَ فِي هَذَا الْبَابِ يُقَالُ: ذَرَأْتُ الوَضِينَ إِذَا بسَطْتَه عَلَى الأَرض. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا تَصْحِيفٌ مُنْكَرٌ، وَالصَّوَابُ دَرَأْتُ الوضِينَ إِذَا بَسَطْتَه عَلَى الأَرض ثُمَّ أَنخْتَه عَلَيْهِ لتَشُدَّ عَلَيْهِ الرّحْلَ. وَقَدْ تقدَّم فِي حَرْفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ قَالَ ذَرَأْتُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ صحَّف، وَاللَّهُ أَعلم.
ذمأ: رأَيت فِي بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ ذَمَأَ عَلَيْهِ ذَمْأً: شقَّ عليه.
ذيأ: تَذَيَّأَ الجُرْحُ والقُرْحةُ: تَقَطَّعت وفَسَدَتْ. وَقِيلَ: هُوَ انْفصالُ اللَّحْم عَنِ العَظْمِ بذَبْح أَو فَسَادٍ. الأَصمعي: إِذَا فَسدت القُرْحةُ وتَقَطَّعت قِيلَ قَدْ تَذَيَّأَت تَذَيُّؤاً وتَهَذَّأَتْ تَهَذُّؤاً. وأَنشدَ شَمِرٌ:
تَذَيَّأَ مِنْهَا الرأْسُ، حتَّى كأَنَّه، ... مِنَ الحَرِّ، فِي نارٍ يَبِضُّ مَلِيلُها
وتَذَيَّأَتِ القِرْبةُ: تقَطَّعت، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الصِّحَاحِ: ذَيَّأْتُ اللحمَ فَتَذَيَّأَ إِذَا أَنْضَجْتَه حَتَّى يَسقُطَ عَنْ عَظْمِه. وَقَدْ تَذَيَّأَ اللَّحْمُ تَذَيُّؤاً إِذَا انْفَصَلَ لحمُه عَنِ العَظْم بفَساد أَو طَبْخ.

فصل الراء
رأرأ: الرَّأْرأَةُ: تحرِيكُ الحَدَقةِ وتَحْدِيدُ النَّظَر. يُقَالُ: رَأْرَأَ رَأْرَأَةً. ورجلٌ رَأْرَأُ العَيْن، عَلَى فَعْلَلٍ، ورَأْراءُ الْعَيْنِ، المدُّ عَنْ كُرَاعٍ: يُكْثِرُ تَقْلِيبَ حدَقَتَيْه. وَهُوَ يُرَأْرِئُ بِعَيْنَيْهِ. ورَأْرَأَتْ عَيْنَاهُ إِذَا كَانَ يُديرُهما. ورَأْرَأَتِ المرأَةُ بعينِها: بَرَّقَتْها. وامرأَةٌ رَأْرَأَةٌ ورَأْرأ ورأْراءٌ. التَّهْذِيبُ: رَجُلٌ رَأْرَأ وامْرأَةٌ رأْراءٌ بِغَيْرِ هاءٍ، مَمْدُودٌ. وَقَالَ:
شِنظِيرةُ الأَخْلاقِ رَأْراءُ العَيْنْ
وَيُقَالُ: الرَّأْرَأةُ: تَقْلِيبُ الهَجُولِ عَيْنَيْها لطالِبِها. يُقَالُ: رَأْرَأَتْ، وجَحَظَتْ، ومَرْمَشَتْ «3» بِعَيْنَيْهَا. ورأَيته جاحِظاً مِرْماشاً. ورأْرَأَتِ الظِّباءُ بأَذْنابها ولأْلأَتْ إِذَا بَصْبَصَتْ. والرَّأْراءُ: أُخْت تَمِيم بنِ مُرٍّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وأَدخلوا الأَلف وَاللَّامَ لأَنهم جَعَلُوهَا الشيءَ بعَيْنِه كالحَرِث وَالْعَبَّاسِ. ورَأْرَأَتِ المرأَةُ: نظرَتْ فِي المِرْآةِ. ورَأْرَأَ السَّحابُ: لمَعَ، وَهُوَ دُونَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ. ورَأْرَأَ بالغنمِ رَأْرأَةً: مثل رَعْرَعَ رَعْرَعةً،
__________
(3). وقوله [ومرمشت] كذا بالنسخ ولعله ورمشت لأَن المرماش بمعنى الرأراء ذكروه في رمش اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ استعمل هكذا شذوذاً.
(1/81)

وطَرْطَبَ بِهَا طَرطَبةً: دَعَاهَا، فَقَالَ لَهَا: أَرّ أَرّ. وَقِيلَ: إرْ، وَإِنَّمَا قياسُ هَذَا أَن يُقَالَ فِيهِ: أَرْأَرَ، إِلَّا أَن يَكُونَ شَاذًّا أَو مَقْلُوبًا. زَادَ الأَزهريّ: وَهَذَا فِي الضأْن وَالْمَعِزِ. قَالَ: والرَّأْرأَةُ إشلاؤُكَها إِلَى الْمَاءِ، والطَّرْطَبةُ بِالشَّفَتَيْنِ.
ربأ: رَبَأَ القومَ يَرْبَؤُهم رَبْأً، وربَأَ لَهُمُ: اطَّلَعَ لَهُمْ عَلَى شَرَفٍ. ورَبأتُهم وارْتَبأتُهم أَي رَقَبْتُهم، وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ لَهُمْ طَلِيعةً فَوْقَ شَرَفٍ. يُقَالُ رَبأَ لَنَا فُلَانٌ وارْتبأَ إِذَا اعْتانَ. والرَّبِيئةُ: الطليعةُ، وَإِنَّمَا أَنَّثوه لأَن الطَلِيعةَ يُقَالُ لَهُ الْعَيْنُ إِذْ بعَيْنهِ ينْظُرُ وَالْعَيْنُ مؤَنثة. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَين لأَنه يَرْعى أُمُورهم ويَحْرُسُهم. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ فِي الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الطَّلِيعة: أَنه يذكَّر ويؤَنث، فَيُقَالُ رَبِيءٌ ورَبِيئةٌ. فَمَنْ أَنّث فَعَلَى الأَصل، وَمَنْ ذكَّر فَعَلَى أَنه قَدْ نُقِلَ مِنَ الجزءِ إِلَى الْكُلِّ، والجمعُ: الرَّبايا. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَثَلِي ومَثَلُكُم كرجلٍ ذَهَبَ يَربَأُ أَهلَه
أَي يَحْفَظُهم مِنْ عَدُوِّهم. وَالِاسْمُ: الرَّبِيئةُ، وَهُوَ الْعَيْنُ والطَّلِيعةُ الَّذِي يَنْظُرُ لِلْقَوْمِ لِئَلَّا يَدْهَمَهُم عدُوّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى جَبَلٍ أَو شَرَف يَنْظُرُ مِنْهُ. وارْتَبَأْتُ الجبلَ: صَعِدْتُه. والمِرْبَأُ والمَرْبأُ، مَوْضِعُ الرَّبِيئةِ. التَّهْذِيبُ: الرَّبيئة: عَين الْقَوْمِ الَّذِي يَربَأُ لَهُمْ فوقَ مِرْبَإٍ مِنَ الأَرَض، ويَرْتَبِئُ أَي يقُوم هُنَالِكَ. والمَرْبَاءُ: المَرْقَاة. عَنِ ابْنِ الأَعرابي، هَكَذَا حَكَاهُ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ أَوله، وأَنشد:
كأَنَّها صَقْعاءُ فِي مَرْبَائِها
قَالَ ثَعْلَبٌ: كسرُ مرباءَ أَجود وفَتحُه لَمْ يأْت مِثله. ورَبَأَ وارْتَبَأَ: أَشرف. وَقَالَ غَيْلانُ الرَّبعي:
قَدْ أَغْتَدِي، وَالطَّيْرُ فَوْقَ الأَصْواءْ، ... مُرْتَبِئاتٍ، فَوْقَ أَعْلى العَلْيَاءْ
ومَرْبَأَةُ البازِي: مَنارةٌ يَرْبَأُ عَلَيْهَا، وَقَدْ خَفَّفَ الرَّاجِزُ هَمْزَهَا فَقَالَ:
باتَ، عَلَى مَرْباتِه، مُقَيَّدا
ومَرْبأَةُ الْبَازِي، الموضِعُ الَّذِي يُشرِفُ عَلَيْهِ. ورَابَأَهم: حارَسَهم. ورَابَأْتُ فُلَانًا إِذَا حارَسْتَه وحارَسَكَ. ورَابأَ الشيءَ: راقَبَه. والمَرْبَأَةُ: المَرْقَبةُ، وَكَذَلِكَ المَرْبَأُ والمُرْتَبَأُ. وَمِنْهُ قِيلَ لِمَكَانِ الْبَازِي الَّذِي يَقِفُ فِيهِ: مَرْبَأٌ. وَيُقَالُ: أَرْضٌ لَا رِباءَ فِيهَا وَلَا وِطاءَ، مَمْدُودَانِ. ورَبَأْتُ المرأَة وارْتَبَأْتُها أَي عَلَوْتُها. وَرَبَأْتُ بِك عَنْ كَذَا وكذا أَرْبَأُ رَبْأً: رَفَعْتُكَ. ورَبَأْتُ بِكَ أَرْفَعَ الأَمرِ: رَفَعْتك، هَذِهِ عَنِ ابْنِ جِنِّي. وَيُقَالُ: إنِّي لأَرْبَأُ بِكَ عَنْ ذَلِكَ الأَمْرِ أَي أَرْفَعُكَ عَنْهُ. وَيُقَالُ: مَا عَرَفْت فُلَانًا حَتَّى أَرْبَأَ لِي أَي أَشْرَفَ لِي. ورابَأْتُ الشَّيْءَ ورَابَأْتُ فُلَانًا: حَذِرْته واتَّقَيْتُه. ورَابَأَ الرجلَ: اتَّقاه، وَقَالَ البَعِيثُ:
فَرَابَأْتُ، واسْتتْمَمْتُ حَبْلًا عَقَدْته ... إِلَى عَظَماتٍ، مَنْعُها الجارَ مُحْكَمُ
ورَبَأَتِ الأَرضُ رَباءً: زكَتْ وارْتَفَعَتْ. وقُرِئَ: فَإِذَا أَنْزَلْنا عَلَيها الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ورَبَأَتْ أَي ارْتَفَعَتْ.
(1/82)

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ذَلِكَ لأَنَّ النَّبت إِذَا هَمَّ أَن يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأَرضُ. وفَعَلَ بِهِ فِعْلًا مَا رَبَأَ رَبْأَه أَي مَا عَلِمَ وَلَا شَعَرَ بِهِ وَلَا تَهيَّأَ لَهُ وَلَا أَخَذَ أُهْبَته وَلَا أَبَهَ لَه وَلَا اكْتَرَثَ لَهُ. وَيُقَالُ: مَا رَبَأْتُ رَبْأَه وَمَا مَأَنْتُ مَأْنَه أَي لَمْ أُبالِ بِهِ وَلَمْ أَحتَفِل لَهُ. ورَبَؤُوا لَهُ: جَمَعوا لَهُ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ، لبنٍ وتَمْر وَغَيْرِهِ. وجاءَ يَرْبَأُ فِي مِشْيَته أَي يَتَثاقَل.
رتأ: رَتَأَ العُقْدةَ رَتْأً: شَدَّها. ابْنُ شُمَيْلٍ، يُقَالُ: مَا رَتَأَ كَبِدَه اليومَ بِطعامٍ أَي مَا أَكل شَيْئًا يَهْجَأُ بِهِ جُوعُه، وَلَا يُقَالُ رَتَأَ إلَّا فِي الكَبِد. وَيُقَالُ: رَتأَها يَرْتَؤُها رتْأً، بالهمز.
رثأ: الرَّثيِئةُ: اللَبنُ الحامِضُ يُحْلَب عَلَيْهِ فَيَخْثُر. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الرَّثِيئة، مَهْمُوزَةً: أَن تَحْلُب حَليباً عَلَى حامِضٍ فَيَرُوبَ ويَغْلُظَ، أَو تَصُبَّ حَلِيباً عَلَى لَبَنٍ حامِضٍ، فَتَجْدَحَه بالمِجْدَحةِ حَتَّى يَغْلُظَ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَسَمِعْتُ أَعرابيّاً مِنْ بَنِي مُضَرِّس يَقُولُ لخادِمٍ لَهُ: ارْثَأْ لِي لُبَيْنَةً أَشْرَبها. وَقَدِ ارْتَثَأْتُ أَنا رَثِيئةً إِذَا شَرِبْتَها. ورَثأَه يَرْثَؤُه رَثْأً: خَلَطه. وَقِيلَ: رَثَأَه: صَيَّره رَثِيئَةً. وأَرْثَأَ اللبَنُ: خَثُر، فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ. ورَثَأَ القومَ ورَثَأَ لَهُمْ: عَمِلَ لَهُمْ رَثِيئَةً. وَيُقَالُ فِي المثَل: الرَّثِيئَةُ تَفْثأُ الغضَبَ أَي تَكْسِرُهُ وتُذْهِبُه. وَفِي حَدِيثِ
عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ: وأَشْرَبُ التِّينَ مَعَ اللَّبَنِ رَثِيئَةً أَو صَرِيفاً.
الرَّثِيئَةُ: اللبَنُ الحَلِيبُ يُصَبُّ عَلَيْهِ اللبنُ الحامِضُ فَيَرُوبُ مِنْ ساعَتِه. وَفِي حديثِ
زيادٍ: لَهُوَ أَشْهَى إليَّ مِن رَثِيئَةٍ فُثِئَتْ بسُلالةِ ثَغَبٍ «1» فِي يَوْمٍ شدِيدِ الوَدِيقةِ.
ورَثَؤُوا رأْيَهم رَثْأً: خَلَطُوه. وارْتَثَأَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهم: اخْتَلَطَ. وَهُمْ يَرْتَثِئُون أَمْرَهم: أُخِذ مِنَ الرَّثِيئةِ وَهُوَ اللبَّن المُخْتَلِطُ، وَهُمْ يَرْثَؤُون رَأْيَهم رَثْأً أَي يَخْلِطُون. وارْتَثأَ فُلَانٌ فِي رَأْيه أَي خَلَّطَ. والرَّثْأَةُ: قِلَّةُ «2» الفِطْنةِ وضَعْف الفُؤَادِ. ورجلٌ مَرْثُوءٌ: ضَعِيفُ الفُؤَادِ قَلِيلُ الفِطنْةِ؛ وَبِهِ رَثْأَةٌ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: قِيلَ لأَبي الجَرّاح: كيفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مَرْثُوءًا مَوْثُوءًا، فَجَعَلَهُ اللِّحْيَانِيُّ مِنْ الاخْتِلاط وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الضَّعْف. والرَّثِيئةُ: الحُمق، عَنْ ثَعْلَبٍ. والرُثْأَةُ: الرُقْطةُ. كَبْشٌ أَرْثَأُ وَنَعْجَةٌ رَثْآءُ. وَرَثَأْتُ الرَّجلَ رَثْأً: مَدَحْتُه بَعْدَ مَوْتِهِ، لُغَةٌ فِي رَثَيْتُه. ورَثَأَتِ المرأَةُ زَوْجَهَا، كَذَلِكَ؛ وَهِيَ المَرْثِئَةُ. وَقَالَتِ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ: رَثَأْتُ زَوْجي بأَبيات، وهَمَزَتْ، أَرادت رَثَيْتُه. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَصله غَيْرُ مَهْمُوزٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهَذَا مِنَ المرأَة عَلَى التَّوَهُّمِ لأَنها رأَتهم يَقُولُونَ: رثَأْتُ اللَّبَنَ فَظَنَّتْ أَنَّ المَرْثِيةَ منها.
رجأ: أَرْجَأَ الأَمرَ: أَخَّرَه، وتركُ الهَمْز لُغَةٌ. ابْنُ السِّكِّيتِ: أَرْجَأْت الأَمْرَ وأَرْجَيْتُه إِذَا أَخَّرْتَه. وقُرِئَ: أَرْجِهْ*
وأَرْجِئْهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تُرْجِئُ مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ. قَالَ
__________
(1). قوله [بسلالة ثغب] كذا هو في النهاية، وأورده في ث غ ب بِسُلَالَةٍ مِنْ مَاءِ ثَغْبٍ.
(2). قوله [والرَّثْأَةُ قلة] أثبتها شارح القاموس نقلًا عن أمهات اللغة.
(1/83)

الزَّجَّاجُ: هَذَا مِمَّا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ لَهُ أَن يُؤَخِّرَ مَنْ يَشاءُ مِن نِسائه، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ أُمته، وَلَهُ أَن يَرُدَّ مَنْ أَخَّر إِلَى فِراشِه. وقُرِئَ تُرْجِي
، بِغَيْرِ هَمْزٍ، والهَمزُ أَجْودُ. قَالَ: وأُرَى تُرجِي، مُخَفَّفًا مِنْ تُرْجِئُ لِمَكان تُؤْوِي. وقُرِئَ: وآخَرُون مُرْجَؤُون لأَمْرِ اللَّهِ أَي مُؤَخَّرون لأَمر اللَّهِ حَتَّى يُنْزِلَ اللهُ فِيهِمْ مَا يُرِيد. وَفِي حَدِيثُ تَوْبةِ
كَعْب بْنِ مَالِكٍ: وأَرْجَأَ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَنا
أَي أَخَّرَه. والإِرْجاءُ: التأْخير، مَهْمُوزٌ. وَمِنْهُ سُمِّيَتِ المُرجِئةُ مِثَالُ المُرْجِعَةِ. يُقَالُ: رَجلٌ مُرْجِئٌ مِثَالُ مُرْجِعٍ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ مُرْجِئِيٌّ مِثَالُ مُرْجِعِيٍّ. هَذَا إِذَا هَمَزْتَ، فَإِذَا لَمْ تَهْمِزْ قُلْتَ: رَجلٌ مُرْجٍ مِثَالُ مُعْطٍ، وَهُمُ المُرْجِيَّة، بِالتَّشْدِيدِ، لأَن بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ: أَرْجَيْتُ وأَخْطَيْت وتَوَضَّيْتُ، فَلَا يَهْمِز. وَقِيلَ: مَن لَمْ يَهمز فَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ مُرْجِيٌّ. والمُرْجِئَةُ: صِنْفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: الإِيمانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَل، كأَنهم قدّمُوا القَوْلَ وأَرْجَؤُوا الْعَمَلَ أَي أَخَّروه، لأَنهم يَرَوْنَ أَنهم لَوْ لَمْ يُصلُّوا وَلَمْ يَصُومُوا لنَجَّاهم إِيمَانُهُمْ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: هُمُ المُرْجِيَّة، بِالتَّشْدِيدِ، إِنْ أَراد بِهِ أَنهم مَنْسُوبُونَ إِلَى المُرْجِيَة، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَراد بِهِ الطَّائِفَةَ نَفْسَهَا، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَشْدِيدُ الْيَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَنْسُوبِ إِلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يُقَالَ: رجلٌ مُرْجِئِيٌّ ومُرْجِيٌّ فِي النَّسَبِ إِلَى المُرْجئةِ والمُرْجِيةِ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ المُرْجِئةِ، وَهُمْ فِرْقةٌ مِنْ فِرَق الإِسلام يَعْتقدون أَنه لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمان مَعْصِية، كَمَا أَنه لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ. سُمُّوا مُرْجِئَةً لأَنّ اللهَ أَرْجَأَ تعذيبَهم عَلَى الْمَعَاصِي أَي أَخَّرَه عَنْهُمْ. (قُلْتُ): وَلَوْ قَالَ ابْنُ الأَثير هُنَا: سُمُّوا مُرْجِئَةً لأَنهم يَعْتَقِدُونَ أَن اللَّهَ أَرْجَأَ تَعْذِيبَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي كَانَ أَجود. وَقَوْلُ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَلا تَرَى أَنهم يَتَبايعون الذهبَ بِالذَّهَبِ والطعامَ مُرْجًى
أَي مؤَجَّلًا مُؤَخراً، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، نَذْكُرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ. وأَرْجَأَتِ الناقةُ: دَنَا نِتاجُها، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: هُوَ مَهْمُوزٌ، وأَنشد لِذِي الرُّمَّةِ يصِفُ بَيْضَةً:
نَتُوجٍ، وَلَمْ تُقْرِفْ لِما يُمْتنَى لَهُ، ... إِذَا أَرْجَأَتْ ماتَتْ، وحَيَّ سَلِيلُها
وَيُرْوَى إِذَا نُتِجَتْ. أَبو عَمْرٍو: أَرْجَأَتِ الحامِلُ إِذَا دنَتْ أَن تُخرِجَ ولَدَها، فَهِيَ مُرْجِئٌ ومُرْجِئةٌ. وَخَرَجْنَا إِلَى الصَّيْدِ فأَرْجَأْنَا كأَرْجَيْنَا أَي لَمْ نُصِبْ شيئاً.
ردأ: رَدأَ الشيءَ بالشيءِ: جعَله لَهُ رِدْءًا. وأَرْدأَهُ: أَعانَه. وتَرَادَأَ القومُ: تَعَاوَنُوا. وأَرْدَأْتُه بِنَفْسِي إِذَا كُنْتَ لَهُ رِدْءًا، وَهُوَ العَوْنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي
. وَفُلَانٌ رِدْءٌ لِفُلَانٍ أَي يَنْصُرُه ويَشُدُّ ظَهْرَهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: تَقُولُ رَدَأْتُ فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا أَي جعلْته قُوَّةً لَهُ وعِماداً كَالْحَائِطِ تَرْدَؤُه مِنْ بناءٍ تُلزِقُه بِهِ. وَتَقُولُ: أَرْدَأْت فُلَانًا أَي رَدَأْتُه وصِرْتُ لَهُ رِدْءًا أَي مُعِيناً. وتَرَادَؤُوا أَي تعاوَنُوا.
(1/84)

والرِّدْءُ المُعينُ. وَفِي وَصِيَّةِ
عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عِنْدَ مَوته: وأُوصيه بأَهل الأَمصار خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الإِسلامِ وجُباةُ المالِ.
الرِّدْءُ: العَوْنُ والناصِرُ. وَرَدَأَ الحائطَ بِبِناءٍ، أَلزَقَه بِهِ. وَرَدَأَه بحَجر: رَماه كَرَداه. والمِرْدَاةُ: الحَجر الَّذِي لَا يَكَادُ الرَّجُلُ الضابِطُ يَرْفَعُه بِيَدَيْهِ؛ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا. ابْنُ شُمَيْلٍ: رَدَأْتُ الحائطَ أَرْدَؤُه إِذَا دَعَمْتَه بخَشَب أَو كَبْش يَدفَعُه أَن يَسْقُطَ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: أَرْدَأْتُ الحائطَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَهَذَا شيءٌ رَدِيءٌ بيِّن الرَّداءَةِ، وَلَا تَقُلْ رَداوةً. والرَّدِيءُ: المُنكَرُ المَكْروه. وَرَدُؤَ الشيءُ يَرْدُؤُ رَدَاءَةً فَهُوَ رَدِيءٌ: فَسَد، فَهُوَ فاسدٌ. ورجلٌ رَدِيءٌ: كَذَلِكَ، مِنْ قومٍ أَرْدِئاءَ، بِهَمْزَتَيْنِ. عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَحْدَهُ. وأَرْدَأْته: أَفْسَدْته. وأَرْدَأَ الرجلُ: فَعَلَ شَيْئًا رَديئاً أَو أَصابَه. وأَرْدَأْتُ الشيءَ: جَعَلْتُهُ رَدِيئاً. ورَدَأْتُه أَي أَعَنْتُه، وَإِذَا أَصاب الإِنسانُ شَيْئًا رَدِيئاً فَهُوَ مُرْدِئٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا رَدِيئاً. وأَرْدَأَ هَذَا الأَمرُ عَلَى غَيْرِهِ: أَرْبَى، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. وأَرْدَأَ عَلَى السِّتِّين: زَادَ عَلَيْهَا، فَهُوَ مَهْمُوزٌ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وَالَّذِي حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ: أَرْدَى. وَقَوْلُهُ:
فِي هَجْمةٍ يُرْدِئها وتُلْهيهْ
يَجُوزُ أَن يَكُونَ أَراد يُعِينُها وأَن يَكُونَ أَراد يَزِيدُ فِيهَا، فخذف الحَرْفَ وأَوْصَلَ الفِعْلَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: لُغَةُ الْعَرَبِ: أَرْدَأَ عَلَى الْخَمْسِينَ إِذَا زادَ. قَالَ الأَزهريّ: لَمْ أَسمع الْهَمْزَ فِي أَرْدَى لِغَيْرِ اللَّيْثِ وَهُوَ غَلَطٌ. والأَرْدَاءُ: الأَعْدالُ الثَّقيلةُ، كلُّ عِدْلٍ مِنْهَا رِدْءٌ. وَقَدِ اعْتَكَمْنَا أَرْدَاءً لَنا ثِقالًا أَي أَعدالًا.
رزأ: رَزَأَ فُلانٌ فُلَانًا إِذَا بَرَّه، مَهْمُوزٌ وَغَيْرُ مَهْمُوزٍ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَهْمُوزٌ، فَخُفِّف وكُتب بالأَلف. ورَزأَه مالَه ورَزِئَه يَرْزَؤُه فِيهِمَا رُزْءًا: أَصابَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا. وارْتَزَأَه مالَه كَرَزِئَه. وارْتَزَأَ الشيءُ: انْتَقَصَ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
حَمَلْتُ عَلَيْهَا، فَشَرَّدْتُها ... بِسَامِي اللّبانِ، يَبُذُّ الفِحالا
كَرِيمِ النِّجارِ، حَمَى ظَهْرَه، ... فلَم يُرْتَزَأْ بِرُكُوبٍ زِبالا
وَرُوِيَ برُكُونٍ. والزِّبالُ: مَا تَحْمِله البَعُوضة. وَيُرْوَى: وَلَمْ يَرْتَزِئْ. ورَزَأَهُ يَرْزَؤُه رُزْءًا ومَرْزِئةً: أَصابَ مِنْهُ خَيْراً مَا كَانَ. وَيُقَالُ: مَا رَزَأْتُه مالَه وَمَا رَزِئْتُه مالَه، بِالْكَسْرِ، أَي مَا نَقَصْتُه، وَيُقَالُ: مَا رَزَأَ فُلَانًا شَيْئًا أَي مَا أَصابَ مِنْ مالِه شَيْئًا وَلَا نَقَصَ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ
سُراقةَ بْنِ جُعْشُمٍ: فَلَمْ يَرْزَآني شَيْئًا
أَي لَمْ يأْخُذا مِنّي شَيْئًا. وَمِنْهُ حَدِيثُ
عِمْرانَ والمرأَةِ صاحبةِ المَزادَتَيْنِ: أَتعلمين أَنَّا مَا رَزَأْنا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا
أَي مَا نَقَصْنا وَلَا أَخَذْنا. وَمِنْهُ حَدِيثُ
ابْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وأَجِدُ نَجْوِي أَكْثَر مِنْ رُزْئِي.
النَّجْوُ: الحَدَثُ، أَي أَجِدُ
(1/85)

أَكثَرَ مِمَّا آخُذه مِنَ الطَّعام. وَمِنْهُ حَدِيثُ
الشَّعْبِيِّ أَنه قَالَ لبَنِي العَنْبر: إِنَّمَا نُهِينا عَنِ الشِّعر إِذَا أُبِنَتْ فِيهِ النساءُ وتُروزِئتْ فِيهِ الأَمْوال
أَي اسْتُجْلِبَتْ واسْتُنْقِصَتْ مِنْ أَرْبابها وأُنْفِقَت فِيهِ. وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ:
لَوْلا أَنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ ضَلالةَ العَمَلِ مَا رَزَيْناكَ عِقالًا.
جاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ هَكَذَا غَيْرَ مَهْمُوزٍ. قَالَ ابْنُ الأَثير: والأَصْل الْهَمْزُ، وَهُوَ مِنَ التَّخْفِيفِ الشَّاذِّ. وضَلالةُ العَمَل: بُطْلانه وذَهاب نَفْعِه. ورجلٌ مُرَزَّأ: أَي كرِيمٌ يُصاب مِنْهُ كَثِيرًا. وَفِي الصِّحَاحِ: يُصيبُ الناسُ خَيْرَه. أَنشد أَبو حَنِيفَةَ:
فَراحَ ثَقِيلَ الحِلْمِ، رُزْءًا، مُرَزَّأً، ... وباكَرَ مَمْلُوءًا، مِنَ الرَّاح، مُتْرَعا
أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ رُزِئْتُه إِذَا أُخِذَ مِنْكَ. قَالَ: وَلَا يُقَالُ رُزِيتُه. وَقَالَ الفَرَزدق:
رُزِئْنا غَالِبًا وأَباهُ، كَانَا ... سِماكَيْ كُلِّ مُهْتَلِكٍ فَقيِر
وقَوم مُرَزَّؤُونَ: يُصِيب الموتُ خِيارَهُمْ. والرُّزْءُ: المُصِيبةُ. قَالَ أَبو ذؤَيب:
أَعاذِلَ إنَّ الرُّزْءَ مِثلُ ابْنِ مالِكٍ، ... زُهَيرٍ، وأَمْثالُ ابْن نَضْلَةَ، واقِدِ
أَراد مثلُ رُزءِ ابن مالِك. والمَرْزِئةُ والرَّزِيئةُ: المُصِيبةُ، وَالْجَمْعُ أَرْزاءٌ ورَزايا. وَقَدْ رَزَأَتْهُ رَزِيئةٌ أَي أَصابته مُصِيبةٌ. وَقَدْ أَصَابَه رُزءٌ عَظِيمٌ. وَفِي حَدِيثِ
المرأَة الَّتِي جاءَت تسأَل عَنِ ابْنِهَا: إِنْ أُرْزَأ ابْنِي، فَلَمْ أُرْزَأْ حَيايَ
أَي إنْ أُصِبْتُ بِهِ وفَقَدْتُه فَلَمْ أُصَبْ بِحَيايَ. والرُّزْءُ: المُصِيبةُ بفَقْد الأَعِزَّةِ، وَهُوَ مِنَ الانْتِقاصِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ ذِي يَزَنَ: فنحنُ وَفْدُ التَّهْنِئَة لَا وَفْدُ المَرْزِئة. وَإِنَّهُ لقَلِيلُ الرُّزْءِ مِنَ الطَّعَامِ
أَي قَلِيلُ الإِصابةِ منه.
رشأ: رَشَأَ المرأَةَ: نكَحَها. والرَّشَأُ. عَلَى فَعَلٍ بِالتَّحْرِيكِ: الظَّبْيُ إِذَا قَوِيَ وتَحرّك ومشَى مَعَ أُمِّه، وَالْجَمْعُ أَرْشاءٌ. والرَّشَأُ أَيضاً: شَجَرَةٌ تَسْمُو فَوْقَ القامةِ ورَقُها كورَق الخِرْوَعِ وَلَا ثَمَرَةَ لَهَا، وَلَا يأْكلها شيءٌ. والرَّشَأُ: عُشبة تُشْبِه القَرْنُوةَ. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَخبرني أَعرابيّ مِن رَبِيعةَ قَالَ: الرّشَأُ مِثْلُ الجُمَّة، وَلَهَا قُضْبانٌ كَثِيرَةُ العُقَدِ، وَهِيَ مُرَّةٌ جِدًّا شديدةُ الخُضْرة لَزِجةٌ، تَنْبُت بالقِيعانِ، مُتَسَطِّحةٌ عَلَى الأَرْض، وورَقَتُها لَطِيفَةٌ مُحَدَّدة، والناسُ يَطبُخونها، وَهِيَ مِن خَيْرِ بَقْلة تَنْبُت بنَجْد، وَاحِدَتُهَا رَشَأَةٌ. وَقِيلَ: الرَّشَأَةُ خَضْراءُ غَبْراءُ تَسْلَنْطِحُ. وَلَهَا زَهْرةٌ بيضاءُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ لَامَ الرشإِ هَمْزَةٌ بالرَّشإِ الَّذِي هُوَ شَجَرٌ أَيضاً وإلَّا فَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ يَاءً أَو وَاوًا، وَاللَّهُ أَعلم.
رطأ: رَطَأَ المرأَةَ يَرْطَؤُها رَطْأً: نكَحها. والرَّطَأُ: الحُمْقُ. والرَّطِيءُ، عَلَى فَعِيل: الأَحْمق، مِن الرِّطاء، والأَنثى رَطِيئةٌ. واسْتَرْطَأَ: صَارَ رَطِيئاً. وَفِي حَدِيثِ
رَبِيعة: أَدْرَكْتُ أَبْناءَ أَصحابِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدَّهِنُون بالرِّطاءِ
، وَفَسَّرَهُ فَقَالَ: هُوَ التَّدَهُّن الْكَثِيرُ، أَو قَالَ: الدَّهْنُ الْكَثِيرُ. وَقِيلَ: هُوَ الدَّهْن بِالْمَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ رَطَأْتُ القومَ إِذَا رَكِبْتَهم بِمَا لَا يُحِبُّونَ لأَنَّ الماءَ يَعْلُوه الدُّهْنُ.
(1/86)

رفأ: رَفَأَ السَّفِينَةَ يَرْفَؤُها رَفْأً: أَدْناها مِن الشَّطِّ. وأَرْفَأْتُها إِذَا قَرَّبتها إِلَى الجَدِّ مِنَ الأَرض. وَفِي الصِّحَاحِ: أَرفَأْتُها إرْفاءً: قَرَّبْتها مِنَ الشَّطِّ، وَهُوَ المَرفَأُ. ومَرْفَأُ السفِينةِ: حَيْثُ تَقْرُب مِن الشَّطِّ. وأَرْفَأْتُ السَّفِينةَ إِذَا أَدْنَيْتها الجِدَّةَ، والجِدَّةُ وجْهُ الأَرضِ. وأَرْفَأَتِ السَّفِينةُ نَفْسُها إِذَا مَا دَنَتْ للجِدَّة. والجَدُّ مَا قَرُبَ مِن الأَرض. وَقِيلَ: الجَدُّ شاطِئُ النَّهْرِ. وَفِي حَدِيثِ
تَمِيمٍ الدارِي: أَنَّهُم رَكِبُوا البحر ثم أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ.
قَالَ أَرْفَأْتُ السَّفِينةَ إِذَا قَرَّبْتها مِنَ الشَّطِّ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَرْفَيْتُ بِالْيَاءِ. قَالَ: والأَصل الْهَمْزُ. وَفِي حَدِيثِ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: حَتَّى أَرْفَأَ بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ الماءِ.
وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي القِيامة: فتكونُ الأَرضُ كالسَّفِينة المُرْفَأَة فِي الْبَحْرِ تَضْرِبها الأَمْواجُ.
ورفَأَ الثوبَ، مَهْمُوزٌ، يَرْفَؤُه رَفْأً: لأَمَ خَرْقَه وضمَّ بعضَه إِلَى بَعْضٍ وأَصْلَح مَا وَهَى مِنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنْ رَفْءِ السَّفينة، وَرُبَّمَا لَمْ يُهمز. وَقَالَ فِي بَابِ تَحْوِيلِ الهَمزة: رَفَوْتُ الثوبَ رَفْواً، تحوَّل الْهَمْزَةُ وَاوًا كَمَا تَرَى. ورجلٌ رَفَّاءٌ: صَنْعَتُه الرَّفْءُ. قَالَ غَيْلان الرَّبَعِيُّ:
فَهُنَّ يَعْبِطْنَ جَدِيدَ البَيْداءْ ... مَا لَا يُسَوَّى عَبْطُه بالرَّفَّاءْ
أَراد برَفْءِ الرَّفَّاءِ، وَيُقَالُ: مَنِ اغتابَ خَرَقَ، ومَن اسْتَغْفر اللهَ رَفَأَ، أَي خَرَقَ دِينه بالاغتِيابِ ورَفَأَه بالاسْتِغْفار، وكلُّ ذَلِكَ عَلَى المَثَل. والرِّفاءُ بِالْمَدِّ: الالتِئامُ والاتِّفاقُ. وَرَفأَ الرجلَ يَرْفَؤُه رَفْأً: سَكَّنَه. وَفِي الدُّعَاءِ لِلمُمْلِكِ بالرِّفاءِ والبَنِينَ أَي بِالِالْتِئَامِ والاتِّفاقِ وحُسْنِ الِاجْتِمَاعِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْنَاهُ بِالسُّكُونِ والهُدُوِّ والطُّمَأنينةِ، فيكون أَصله غير الْهَمْزِ مِنْ قَوْلِهِمْ رَفَوْتُ الرجلَ إِذَا سَكَّنْته. وَمِنَ الأَوَّل يُقَالُ: أُخِذَ رَفْءُ الثَّوبِ لأَنه يُرْفَأُ فيُضَمُّ بعضُه إِلَى بَعْضٍ ويُلأَم بَيْنَهُ. وَمِنَ الثَّانِي قَوْلِ أَبي خِراش الهُذَلِيِّ:
رَفَوْنِي، وَقَالُوا: يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فقلتُ، وأَنْكَرْتُ الوُجوهَ: هُمُ هُمُ
يَقُولُ: سكَّنُوني. وَقَالَ ابْنُ هانئٍ: يُرِيدُ رَفَؤُوني فأَلقى الْهَمْزَةَ. قَالَ: وَالْهَمْزَةُ لَا تُلْقَى إلَّا فِي الشِّعْرِ، وَقَدْ أَلقاها فِي هَذَا الْبَيْتِ. قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنِّي فَزِعْتُ فَطَارَ قَلْبِي فضَمُّوا بَعْضِي إِلَى بَعْضٍ. وَمِنْهُ بالرِّفاءِ والبَنِينَ. ورَفَّأَهُ تَرفِئةً وتَرْفِيئاً: دَعَا لَهُ، قَالَ لَهُ: بالرِّفاءِ وَالْبَنِينَ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه نَهى أَن يُقَالَ بالرِّفاءِ وَالْبَنِينَ.
الرِّفاءُ: الالتئامُ والاتِّفاقُ والبَرَكةُ والنَّماءُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ كراهِيةً لأَنه كَانَ مَنْ عَادَتِهِمْ، وَلِهَذَا سُنَّ فِيهِ غيرُه. وَفِي حَدِيثِ
شُرَيْحٍ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ المرأَةَ. قَالَ: بالرِّفاءِ وَالْبَنِينَ.
وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ:
أَنه كَانَ إِذَا رَفَّأَ رَجُلًا قَالَ: بَارَكَ اللهُ عليكَ وَبَارَكَ فيكِ، وَجَمَعَ بَيْنِكُمَا فِي خَيْرٍ.
وَيُهْمَزُ الْفِعْلُ وَلَا يُهْمَزُ. قَالَ ابْنُ هانئٍ: رَفَّأَ أَي تزوَّج، وأَصل الرَّفْءِ: الِاجْتِمَاعُ والتَّلاؤُم. ابْنُ السِّكِّيتِ فِيمَا لَا يُهْمَزُ، فَيَكُونُ لَهُ مَعْنًى، فَإِذَا هُمِز كَانَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ: رَفَأْتُ الثوبَ أَرْفَؤُه رَفْأً. قَالَ: وَقَوْلُهُمْ بالرِّفاءِ والبَنِينَ أَي بالتِئامٍ واجتماعٍ، وأَصله الْهَمْزُ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْنَاهُ السكونَ
(1/87)

والطُّمَأْنِينةَ، فيكون أَصله غير الْهَمْزِ مَنْ رَفَوْت الرجلَ إِذَا سَكَّنْته. وَفِي حَدِيثِ
أُمِّ زَرْعٍ: كنتُ لكِ كأَبي زَرْعٍ لأُمِّ زرعٍ فِي الأُلْفةِ والرِّفاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
قَالَ لقُرَيْش: جئْتُكُم بالذَّبْح. فأَخَذَتْهُم كلمتُه، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهم فِيهِ وَصاءَةً ليَرْفَؤُه بأَحسنِ مَا يَجِدُ مِنَ القَوْلِ
أَي يُسَكِّنُه ويَرْفُقُ بِهِ ويَدْعُو لَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ رجُلًا شَكا إِلَيْهِ التَّعَزُّبَ فَقَالَ لَهُ: عَفِّ شعَرَك. فَفَعَلَ، فَارْفَأَنَ
أَي سَكَنَ مَا كَانَ بِهِ، والمُرْفَئِنُّ: الساكِنُ. ورَفَأَ الرجلَ: حَابَاهُ. وأَرْفَأَه: دَارَاهُ، هَذِهِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ورافَأَنِي الرجلُ فِي البيعِ مُرَافَأَةً إِذَا حاباكَ فيه. ورَافَأْتُه فِي الْبَيْعِ: حابَيْتُه. وتَرَافَأْنَا عَلَى الأَمْر تَرافُؤاً نَحْوَ التَّمالُؤِ إِذَا كَانَ كَيْدُهم وأَمْرُهم وَاحِدًا. وتَرافَأْنا عَلَى الأَمْر: تَواطَأْنا وتَوافَقنا. وَرَفَأَ بَيْنَهُمْ: أَصْلَح، وَسَنَذْكُرُهُ فِي رَقَأَ أَيضاً. وأَرْفَأَ إِلَيْهِ: لَجَأَ. الفرَّاء: أَرْفَأْتُ وأَرْفَيْتُ إِلَيْهِ لُغَتَانِ بِمَعْنَى جَنَحْتُ. واليَرْفَئِيُّ: المُنْتَزَعُ الْقَلْبِ فَزَعاً. واليَرْفَئِيُّ: رَاعِي الغنمِ. واليَرْفَئِيُّ: الظَّلِيمُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
كأَنِّي ورَحْلِي والقِرابَ ونُمْرُقِي ... عَلَى يَرْفَئِيٍّ، ذِي زَوائدَ، نِقْنِقِ
واليَرْفَئِيُّ: القفُوز المُوَلِّي هَرَباً. واليَرْفَئِيُّ: الظَّبيُ لنَشاطِه وتَدارُكِ عَدْوِه.
رقأ: رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ تَرْقَأُ رقْأً ورُقُوءًا: جَفَّتْ وانْقَطَعَتْ. وَرَقَأَ الدمُ والعِرْقُ يَرْقَأُ رَقْأً ورُقُوءًا: ارتفَع، والعِرْقُ سَكَنَ وانْقَطَع. وأَرْقَأَهُ هُوَ وأَرْقَأَهُ اللَّهُ: سَكَّنه. وَرَوَى الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَبي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِمْ لَا أَرْقَأَ اللَّهُ دَمْعَتَه قَالَ: مَعْنَاهُ لَا رَفَع اللَّهُ دَمْعَتَه. وَمِنْهُ رَقَأْتُ الدَّرَجَةَ، وَمِنْ هَذَا سُمِّيت المِرْقاة. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: فبِتُّ لَيْلَتِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ.
والرَّقُوءُ، عَلَى فَعُولٍ، بِالْفَتْحِ: الدَّواءُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الدَّمِ ليُرْقِئَه فيسكُن، وَالِاسْمُ الرَّقُوء. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَسُبُّوا الإِبلَ فإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ ومَهْرَ الكَرِيمةِ
أَي إِنها تُعْطَى فِي الدِّياتِ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ فتُحْقَنُ بِهَا الدِّماءُ ويسكُنُ بِهَا الدمُ. وَرَقَأَ بَيْنَهُمْ يَرْقَأُ رَقْأً: أَفسَد وأَصلَح. ورَقَأَ مَا بَيْنَهُمْ يَرْقَأُ رَقْأً إِذَا أَصلَح. فأَما رَفَأَ بالفاءِ فأَصلَح، عَنْ ثَعْلَبٍ، وَقَدْ تقدَّم. وَرَجُلٌ رَقُوءٌ بَيْنَ القَوْمِ: مُصْلِحٌ. قَالَ:
ولكِنَّنِي رائبٌ صَدْعَهمْ، ... رَقُوءٌ لِما بينَهم، مُسْمِلُ
وارْقَأْ عَلَى ظَلْعِك أَي الزَمْه وارْبَعْ عَلَيْهِ، لُغَةٌ فِي قَوْلِكَ: ارْقَ عَلَى ظَلْعِك أَي ارْفُقْ بنفْسِك وَلَا تحْمِل عَلَيْهَا أَكثر مِمَّا تُطِيقُ. ابْنُ الأَعرابي يُقَالُ: ارْقَ عَلَى ظَلْعِك، فَتَقُولُ: رَقِيتُ رُقِيّاً. غيرُه: وَقَدْ يُقَالُ لِلرَّجُلِ: ارْقَأْ عَلَى ظَلْعِكَ أَي أَصلِحْ أَوَّلًا أَمْركَ، فَيَقُولُ: قَدْ رقَأْتُ رَقْأً. وَرَقَأَ فِي الدرجَةِ رَقْأً: صَعِدَ، عَنْ كُرَاعٍ، نَادِرٌ. وَالْمَعْرُوفُ: رَقِيَ. التَّهْذِيبُ يُقَالُ: رَقَأْتُ ورَقِيتُ، وَتَرْكُ الْهَمْزِ أَكثر. قَالَ الأَصمعي: أَصل ذَلِكَ فِي الدَّمِ إِذَا قَتلَ رَجلٌ رَجلًا فأَخَذ وليُّ الدمِ الديَة رَقَأَ دمُ القاتِل أَي ارتفَع، وَلَوْ لَمْ تُؤْخَذِ الديةُ لهُرِيقَ دَمُه فانْحَدَرَ. وَكَذَلِكَ
(1/88)

قَالَ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ، وأَنشد:
وتَرْقَأُ، فِي مَعاقِلها، الدِّماءُ
رمأ: رَمَأَتِ الإِبلُ بِالْمَكَانِ تَرْمَأُ رَمْأً ورُمُوءًا: أَقامت فِيهِ. وَخَصَّ بعضُهم بِهِ إِقَامَتَهَا فِي العُشْبِ. وَرَمَأَ الرجلُ بالمكانِ: أَقامَ. وَهَلْ رمأَ إِلَيْكَ خَبَرٌ، وَهُوَ، مِنَ الأَخبار، ظَنٌّ فِي حَقيقة. وَرَمَأَ الخَبَرَ: ظَنَّه وقَدَّره. قَالَ أَوس بْنُ حَجَرٍ:
أَجْلَتْ مُرَمَّأَةُ الأَخْبارِ، إِذْ وَلَدَتْ، ... عَنْ يومِ سَوءٍ، لعبْدِ القَيْسِ، مَذْكُورِ
رنأ: الرَّنْءُ: الصَّوت. رَنَأَ يَرْنَأُ رَنْأً. قَالَ الْكُمَيْتُ يَصِفُ السَّهْمَ:
يُرِيدُ أَهْزَعَ حَنَّاناً، يُعَلِّلهُ ... عِنْدَ الإِدامة، حَتَّى يَرْنَأَ الطرَبُ
الأَهْزَعُ: السهمُ. وحَنَّانٌ: مُصَوِّتٌ، والطَّرَبُ: السهمُ نَفْسُه، سَمَّاهُ طَرَباً لِتَصْوِيتِهِ إِذَا دُوِّم أَي فُتِلَ بالأَصابع. وَقَالُوا: الطَّرِبُ الرَّجُلُ، لأَنَّ السهمَ إِنَّمَا يُصَوِّتُ عِنْدَ الإِدامةِ إِذَا كَانَ جَيِّداً وصاحِبُه يَطْرَبُ لِصَوْتِهِ وتأخُذه لَهُ أَرْيَحِيَّةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الكُمَيْتُ أَيضاً:
هَزِجاتٍ، إِذَا أُدِرْنَ عَلَى الكَفِّ، ... يُطَرِّبْنَ، بالغِناءِ، المُدِيرا
واليَرَنَّأُ واليُرَنَّأُ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَهَمْزَةِ الأَلِف: اسْمٌ للحِنَّاءِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي وَقَالُوا: يَرْنَأَ لِحيَتَه: صَبَغَها باليُرَنَّإِ، وَقَالَ: هَذَا يَفْعَلَ فِي الْمَاضِي، وَمَا أَغْرَبَه وأَطْرَفَه.
رهأ: الرَّهْيَأَةُ: الضَّعْفُ والعَجْزُ والتَّواني. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ عَلِمَ المُرَهْيِئونَ الحَمْقَى، ... ومَنْ تَحَزَّى عاطِساً، أَو طَرْقَا
والرَّهْيَأَةُ: التَّخْلِيط فِي الأَمر وَتَرْكُ الإِحْكام، يُقَالُ: جَاءَ بأَمْر مُرَهْيَإٍ. ابْنُ شُمَيْلٍ: رَهْيَأْتَ فِي أَمرك أَي ضَعُفْتَ وتَوَانَيْتَ. ورَهْيَأَ رأيَه رَهْيَأَةً: أَفْسَدَه فَلَمْ يُحْكِمْه. ورَهْيَأَ فِي أَمْرِه: لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ. وتَرَهْيَأَ فِيهِ إِذَا همَّ بِهِ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَفْعَله. وتَرَهْيَأَ فِيهِ: اضْطَرَب. أَبو عُبَيْدٍ: رَهْيَأَ فِي أَمْره رَهْيَأَةً إِذَا اخْتَلَط فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى رأْي. وعَيْناه تَرَهْيَآنِ: لَا يَقِرُّ طَرْفاهُما. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ، إِذَا لَمْ يُقِمْ عَلَى الأَمْر ويَمْضي وَجَعَلَ يَشُكُّ ويَتَرَدَّد: قَدْ رَهْيَأَ. ورَهْيَأَ الحِمْلَ: جَعَلَ أَحد العِدْلَيْنِ أَثقلَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُوَ الرَّهْيَأَة. تقولُ: رَهْيَأْتَ حِمْلَك رَهْيَأَةً، وَكَذَلِكَ رَهْيَأْتَ أَمْرَك إِذَا لَمْ تُقَوِّمْه. وَقِيلَ: الرَّهْيَأَةُ أَن يَحْمِلَ الرجلُ حِملًا فَلَا يَشُدَّه، فَهُوَ يَمِيلُ. وتَرَهْيَأَ الشَّيءُ: تَحَرَّك. أَبو زَيْدٍ: رَهْيَأَ الرَّجلُ، فَهُوَ مُرَهْيئٌ، وَذَلِكَ أَن يَحْمِل حِمْلًا فَلَا يَشُدَّه بالحِبال، فَهُوَ يَميلُ كُلَّما عَدَله. وتَرَهْيَأَ السحابُ إِذَا تحرَّك. وَرَهْيَأَتِ السَّحابةُ وتَرَهْيَأَت: اضْطرَبتْ. وَقِيلَ: رَهْيَأَةُ السَّحابةِ تَمخُّضُها وتَهَيُّؤُها لِلْمَطَرِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رجلَا كَانَ فِي أَرضٍ لَهُ إِذْ مَرَّتْ بِهِ عَنانةٌ تَرَهْيأُ، فسَمِع فِيهَا قَائِلًا يَقُولُ: ائْتِي أَرضَ فُلَانٍ فاسْقِيها.
الأَصمعي: تَرَهْيَأُ يَعْنِي أَنها قَدْ تَهيَّأَت لِلْمَطَرِ، فَهِيَ تُريد ذَلِكَ ولمَّا تَفْعَلْ.
(1/89)

والرَّهْيَأَةُ: أَن تَغْرَوْرِقَ العَينانِ مِن الكِبَرِ أَو مِنَ الجَهْد، وأَنشد:
إنْ كانَ حظُّكُما، مِنْ مالِ شَيْخِكُما، ... نابٌ تَرَهْيَأُ عَيْناها مِنَ الكِبَرِ
والمرأَة تَرَهْيَأُ فِي مِشْيَتِها أَي تَكَفَّأُ كَمَا تَرَهْيَأُ النخلة العَيْدانةُ.
روأ: روَّأَ فِي الأَمرِ تَرْوِئةً وتَرْوِيئاً: نَظَرَ فِيهِ وتَعَقَّبه وَلَمْ يَعْجَلْ بِجَواب. وَهِيَ الرَّوِيئةُ، وَقِيلَ إِنما هِيَ الرَّوِيَّةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالُوا رَوَّأَ، فَهَمَزُوهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قَالُوا حَلَّأْتُ السَّوِيقَ، وإِنما هُوَ مِنَ الحَلاوةِ. ورَوَّى لُغَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: أَنَّ الرَّوِيَّةَ جَرَتْ فِي كَلَامِهِمْ غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ. التَّهْذِيبُ: رَوَّأْتُ فِي الأَمْر ورَيَّأْتُ وفَكَّرْتُ بِمَعْنًى واحِد. وَالرَّاءُ: شَجر سَهلِيٌّ لَهُ ثَمَرٌ أَبيضُ. وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ أَغْبَرُ لَهُ ثَمر أَحمرُ، وَاحِدَتُهُ راءَة، وَتَصْغِيرُهَا رُوَيْئةٌ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الرَّاءَةُ لَا تَكُونُ أَطْوَل وَلَا أَعْرضَ مِنْ قَدْر الإِنسان جَالِسًا. قَالَ: وَعَنْ بَعْضِ أَعراب عَمَّانَ أَنه قَالَ: الرَّاءةُ شُجَيْرَةٌ تَرْتَفِعُ عَلَى ساقٍ ثُمَّ تَتَفَرَّعُ، لَهَا ورَقٌ مُدَوَّرٌ أَحْرَشُ. قَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: شُجَيْرَةٌ جبَلِيَّةٌ كأَنها عِظْلِمةٌ، وَلَهَا زَهرة بَيْضَاءُ لَيِّنة كأَنها قُطن. وأَرْوَأَتِ الأَرض: كَثر راؤُها، عَنْ أَبي زَيْدٍ، حَكَى ذَلِكَ أَبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ. أَبو الْهَيْثَمِ: الرَّاء: زَبَدُ الْبَحْرِ، والمَظُّ: دَمُ الأَخَوَيْن، وَهُوَ دمُ الغَزال وعُصارةُ عُروق الأَرْطَى، وَهِيَ حُمر، وأَنشد:
كَأَنَّ، بِنَحْرِها وبِمِشْفَرَيْها ... ومَخْلِجِ أَنْفِها، رَاءً ومَظَّا
والمَظُّ: رُمَّان البَرِّ.

فصل الزاي
زأزأ: تَزَأْزَأَ مِنْهُ: هابَه وتصاغَرَ لَهُ. وزَأْزَأَه الخَوْفُ. وتَزَأْزَأَ مِنْهُ: اخْتَبَأَ. التَّهْذِيبِ: وتَزَأْزَأَتِ المرأَة: اخْتَبَأَتْ. قَالَ جَرِيرٌ:
تَبْدُو فتُبْدِي جَمالًا زانَهُ خَفَرٌ، ... إِذَا تَزَأْزَأَتِ السُّودُ العناكِيبُ
وزَأْزَأَ زأْزَأَةً: عَدَا. وزَأْزَأَ الظَّلِيمُ: مَشَى مُسْرِعاً ورَفَعَ قُطْرَيْهِ. وتَزَأْزَأَت المرأَةُ: مَشَتْ وحَرَّكَتْ أعْطافَها كَمِشْية القِصارِ. وقِدْرٌ زُؤَازِئَةٌ وزُؤَزِئَةٌ: عَظِيمَةٌ تضُمُّ الجَزُورَ. أَبو زَيْدٍ: تَزَأْزَأَتُ مِنَ الرَّجل تَزَأْزؤاً شَدِيدًا إِذَا تَصاغَرْتَ له وفَرِقْتَ منه.
زرأ: «3»: أَزْرَأَ إِلَى كَذَا: صَارَ. اللَّيْثُ: أَزْرأَ فُلان إِلَى كَذَا أَي صارَ إِلَيْهِ. فَهَمَزَهُ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ فِيهِ تَرْكُ الْهَمْزِ، وَاللَّهُ أَعلم.
زكأ: زَكَأَه مائةَ سَوْطٍ زَكْأً: ضربَه. وزَكَأَه مائةَ دِرهم زَكْأً: نَقَده. وَقِيلَ: زَكَأَه زَكْأً: عَجَّلَ نَقْدَه. ومَلِيءٌ زُكَاءٌ وزُكَأَةٌ، مِثْلُ هُمَزةٍ وهُبَعةٍ: مُوسِرٌ كَثِيرُ الدراهِم حاضِرُ النَّقْد عاجِلُه. وإِنه لَزُكاءُ النَّقْدِ. وزَكَأَتِ الناقةُ بوَلدها تَزْكَأُ زَكْأً: رَمَتْ بِهِ عِنْدَ رِجْلَيْها. وَفِي التَّهْذِيبِ: رَمَتْ بِهِ عِنْدَ الطَّلْقِ. قَالَ: وَالْمَصْدَرُ الزَّكْءُ، عَلَى فَعْل، مَهْمُوزٌ. ويقال:
__________
(3). قوله [زرأ] هذه المادة حقها أن تورد في فصل الراء كما هي في عبارة التهذيب وأوردها المجد في المعتل على الصحيح من فصل الراء.
(1/90)

قَبَّحَ اللَّهُ أُمًّا زَكَأَتْ بِهِ ولَكَأَتْ بِهِ أَي ولَدَته. ابْنُ شُمَيْلٍ: نَكَأْتُه حقَّه نَكْأً وزَكَأْته زَكْأً أَي قَضَيته. وازْدَكَأْتُ مِنْهُ حَقِّي وانْتَكَأْته أَي أَخَذْتُه. ولَتَجِدَنَّه زُكَأَةً نُكَأَةً يَقْضِي مَا عَلَيْهِ. وزَكَأَ إِلَيْهِ: اسْتَنَد. قَالَ:
وكَيْفَ أَرْهَبُ أَمراً، أَو أُراعُ لَه، ... وَقَدْ زَكَأْتُ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوانِ
ونِعْمَ مَزْكَأُ مَن ضاقَتْ مَذاهِبُه؛ ... ونِعْمَ مَنْ هُو فِي سِرٍّ وإعْلانِ
زنأ: زَنَأَ إِلَى الشيءِ يَزْنَأُ زَنْأً وزُنُوءاً: لَجأَ إليه. وأَزْنَأَه إِلَى الأَمْر: أَلجَأَه. وزَنَّأَ عَلَيْهِ إِذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِ، مُثَقّلةٌ مَهْمُوزَةٌ. والزَّنْءُ: الزُّنُوءُ فِي الْجَبَلِ. وزَنَأَ فِي الجَبل يَزْنَأُ زَنْأً وزُنُوءاً: صَعِدَ فِيهِ. قَالَ قَيْسُ بْنُ عاصِم المِنْقَرِي وأَخَذ صَبِيّاً مِنْ أُمِّه يُرَقِّصُه، وأُمُّه مَنْفُوسةُ بِنْتُ زَيْدِ الفَوارسِ، والصبيُّ هُوَ حُكيم ابْنُهُ:
أَشْبِهْ أَبا أُمِّكَ، أَو أَشْبِهْ حَمَلْ ... «1»، وَلَا تَكُونَنَّ كهِلَّوْفٍ وَكَلْ
يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِه قَدِ انْجَدَلْ ... وارْقَ إِلَى الخَيْراتِ، زَنْأً فِي الجَبَلْ
الهِلَّوْفُ: الثَّقِيلُ الْجَافِي العَظِيمُ اللِّحْيةِ. والوَكَلُ: الَّذِي يَكِلُ أَمْرَه إِلَى غَيره. وَزَعَمَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ للمرأَة قَالَتْهُ تُرَقِّصُ ابْنَها، فَردَّه عَلَيْهِ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ، وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. قَالَ وَقَالَتْ أُمه تَرُدُّ عَلَى أَبيه:
أَشْبِه أَخِي، أَو أَشْبِهَنْ أَباكَا، ... أَمَّا أَبِي، فَلَنْ تَنالَ ذَاكا،
تَقْصُرُ أَنْ تَناله يَدَاكَا
وأَزْنَأَ غَيْرَه: صَعَّدَه. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يُصَلِّي زانِئٌ
، يَعْنِي الَّذِي يُصَعِّدُ فِي الجَبَل حَتَّى يَسْتَتِمَّ الصُعُودَ إِمَّا لأَنه لَا يَتَمَكَّنُ، أَو مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ البُهْرِ والنَّهيجِ، فيَضِيق لِذَلِكَ نَفَسُه، مَنْ زَنَأَ فِي الْجَبَلِ إِذَا صَعَّدَ. والزَّناءُ: الضَّيْقُ والضِّيقُ جَمِيعًا، وكلُّ شيءٍ ضَيِّق زَناءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه كَانَ لَا يُحِبُّ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا أَزْنأَها
أَي أَضْيَقَها. وَفِي حَدِيثِ
سَعْدِ بْنِ ضَمُرَةَ: فَزَنَؤُوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ
أَي ضَيَّقُوا. قَالَ الأَخطل يَذكُر الْقَبْرَ:
وَإِذَا قُذِفْتُ إِلَى زَناءٍ قَعْرُها، ... غَبْراءَ، مُظْلِمةٍ مَنَ الأَحْفارِ
وزَنَّأَ عَلَيْهِ تَزْنِئةً أَي ضَيَّقَ عَلَيْهِ. قَالَ العَفِيفُ العَبْدِيُّ:
لَا هُمَّ، إنَّ الحَرِثَ بنَ جَبَلَهْ، ... زَنَّا عَلَى أَبيه ثُمَّ قَتَلَهْ
ورَكِبَ الشَّادِخةَ المُحَجَّلَهْ، ... وَكَانَ فِي جاراتِه لَا عَهْدَ لَهْ
وأَيُّ أَمْرٍ سَيِءٍ لَا فَعَلَهْ
قَالَ: وأَصله زَنَّأَ عَلَى أَبيه، بِالْهَمْزِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: إِنَّمَا تَرَكَ هَمْزَهُ ضَرُورَةً. والحَرِثُ هذا هو الحَرِث بْنُ أَبي شَمِرٍ الغَسَّانِيِّ. فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا أَعجبته امرأَة مِنْ بَنِي قَيْسٍ بَعَثَ إِلَيْهَا واغْتَصَبها، وفيه يقول
__________
(1). قوله [حمل] كذا هو في النسخ والتهذيب والمحكم بالحاء المهملة وأورده المؤلف في مادة عمل بالعين المهملة.
(1/91)

خُوَيْلِدُ بنُ نَوْفَلٍ الكِلابي، وأَقْوَى:
يَا أَيُّها المَلِكُ المَخُوفُ أَما تَرَى ... لَيْلًا وصُبْحاً كَيْفَ يَخْتَلِفان؟
هَلْ تَستَطيعُ الشَّمْسَ أَنْ تَأْتِي بِهَا ... لَيْلًا، وهَلْ لكَ بالمَلِيك يَدانِ؟
يَا حارِ، إنَّكَ مَيِّتٌ ومُحاسَبٌ، ... واعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدانُ
وزَنَأَ الظِّلُّ يَزْنأُ: قَلَص وقَصُر ودَنا بعضُه مِنْ بَعْضٍ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ يَصِفُ الإِبل:
وتُولِجُ فِي الظِّلِّ الزَّناءِ رُؤُوسَها، ... وتَحْسَبُها هِيماً، وهُنَّ صَحائح
وزَنَأَ إِلَى الشيءِ يَزْنأُ: دَنا مِنْهُ. وزَنَأَ للخَمْسِين زَنْأً: دَنا لَهَا. والزَّناءُ «1» بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: القَصِيرُ المُجْتمِعُ. يُقَالُ رَجُلٌ زَناءٌ وظلٌّ زَناءٌ. والزَّناءُ: الحاقِنُ لبَوْلِه. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحدُكم وَهُوَ زَنَاءٌ
أَي بِوَزْنِ جبَان. وَيُقَالُ مِنْهُ: قَدْ زَنَأَ بَوْلُه يَزْنأُ زَنْأً وزُنُوءًا: احْتَقَنَ، وأَزْنَأَه هُوَ إزْناءً إِذَا حَقَنَه، وأَصله الضِّيقُ. قَالَ: فكأَنَّ الحاقِنَ سُمِّي زَناءً لأَنَّ الْبَوْلَ يَحْتقِنُ فيُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعلم.
زوأ: رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ
أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ الإِيمانَ بَدَأَ غَرِيبًا وسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ. فَطُوبَى للغُرَباءِ، إِذَا فسَد الناسُ «2»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبي القاسمِ بيدهِ لَيُزْوَأَنَّ الإِيمانُ بَيْنَ هذَينِ المسجِدَينِ كَمَا تأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرها.
هَكَذَا رُوِيَ بِالْهَمْزِ. قَالَ شَمِرٌ: لَمْ أَسمع زَوَأْت بالهمز، والصواب: لَيُزْوَيَنَّ أَي لَيُجْمَعَنَّ ولَيُضَمَّنَّ، مِنْ زَوَيْت الشيءَ إِذَا جَمَعْته. وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الأَصمعي: الزَّوْءُ، بِالْهَمْزِ، زَوْءُ المَنِيَّة: مَا يَحْدُث مَنَ الْمَنِيَّةِ. أَبو عَمْرٍو: زاءَ الدَّهْرُ بِفُلَانٍ أَي انْقَلَبَ بِهِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: زاءَ فَعَلَ مِنَ الزَّوْءِ، كَمَا يُقَالُ مِنَ الزَّوْغِ زاغَ.

فصل السين المهملة
سَأْسَأَ: أَبو عَمْرٍو: السَّأْساءُ: زَجْرُ الحِمار. وَقَالَ اللَّيْثُ: السَّأْسَأَةُ مِنْ قَوْلِكَ سَأْسَأْتُ بالحِمار إِذَا زَجَرْتَه ليَمْضِيَ، قُلْتَ: سأْسأْ. غَيْرُهُ: سَأْسَأَ: زَجَرَ الْحِمَارَ ليَحْتَبِسَ أَو يَشْرَبَ. وَقَدْ سَأْسَأْتُ بِهِ. وَقِيلَ: سَأْسَأْتُ بِالْحِمَارِ إِذَا دَعَوْتَه ليَشرَب، وَقُلْتَ لَهُ: سأْسأْ. وَفِي الْمَثَلِ: قَرِّبِ الحِمارَ مِنَ الرَّدْهةِ وَلَا تَقُلْ لَهُ سَأْ. الرَّدْهةُ: نُقْرةٌ فِي صَخْرة يَستَنْقِعُ فِيهَا الماءُ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كُثْوَةَ أَنه قَالَ: مِنْ أَمثال الْعَرَبِ إِذَا جَعَلْتَ الحِمارَ إِلَى جَنْبِ الرّدْهة فَلَا تَقُلْ لَهُ سَأْ. قَالَ: يُقَالُ عِنْدَ الاسْتمْكانِ مِنَ الحاجةِ آخِذاً أَو تَارِكًا، وأَنشد فِي صِفَةِ امْرَأَةٍ:
لَمْ تَدْرِ مَا سَأْ للحَمِيرِ، ولَمْ ... تَضْرِبْ بكَفِّ مُخابِطِ السَّلَمِ
يُقَالُ: سَأْ للحِمارِ، عِنْدَ الشُّرْبِ، يُبْتارُ بِهِ رِيُّه، فَإِنْ رَوِيَ انطَلَق، وإلَّا لَمْ يَبرَح. قَالَ: وَمَعْنَى قوله سَأْ
__________
(1). قوله [والزَّنَاءُ بالفتح إلخ] لو صنع كما في التهذيب بأن قدّمه واستشهد عليه بالبيت الذي قبله لكان أسبك.
(2). قوله [فسد الناس] في التهذيب فسد الزمان.
(1/92)

أَي اشربْ، فإِني أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ بِكَ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والأَصل فِي سَأْ زَجْرٌ وتَحْرِيكٌ للمُضِيِّ كأَنه يُحرِّكُه لِيَشْرَبَ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَاءِ مَخافةَ أَن يُصْدِره وبه بَقيَّةُ الظَّمَإِ.
سبأ: سَبَأَ الخَمْرَ يَسْبَؤُها سَبْأً وسِباءً ومَسْبَأً واستَبَأَها: شَراها. وَفِي الصِّحَاحِ: اشْتَرَاهَا لِيشْرَبَها. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمةَ:
خَوْدٌ تُعاطِيكَ، بَعْدَ رَقْدَتِها، ... إِذَا يُلاقِي العُيونَ مَهْدَؤُها
كأْساً بِفِيها صَهْباء، مُعْرَقة، ... يَغْلُو بأَيدي التِّجارِ مَسْبَؤُها
مُعْرَقةٌ أَي قليلةُ المِزاجِ أَي إِنها مِنْ جَوْدَتِها يغلُو اشتِراؤُها. واسْتَبَأَها: مِثله. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إلَّا فِي الخَمرِ خَاصَّةً. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَبي كَعْبٍ:
بَعَثْتُ إِلَى حانُوتِها، فاسْتَبَأْتُها ... بغيرِ مِكاسٍ فِي السِّوام، وَلَا غَصْبِ
وَالِاسْمُ السِّباءُ، عَلَى فِعالٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ. وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ سَبِيئةً. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
كأَنَّ سَبِيئةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ، ... يكونُ مِزاجَها عسلٌ وماءُ
وَخَبَرُ كأَنَّ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي وَهُوَ:
عَلَى أَنْيابها، أَو طَعْمُ غَضٍّ ... مِنَ التُّفَّاحِ، هَصَّرَه اجْتِناءُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي الصِّحَاحِ:
كأَنَّ سَبِيئةً فِي بَيْتِ رأْسٍ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَصَوَابُهُ مِن بَيْتِ رأْسٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ. والسَّبَّاءُ: بَيَّاعُها. قَالَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لعُمر بْنِ يُوَسُفَ الثَّقفي: يَا ابْنَ السَّبَّاءِ، حَكَى ذَلِكَ أَبو حَنِيفَةَ. وَهِيَ السِّباءُ والسَّبِيئةُ، وَيُسَمَّى الخَمَّار سَبَّاءً. ابْنُ الأَنباري: حَكَى الْكِسَائِيُّ: السَّبَأُ الخَمْرُ، واللَّظَأُ: الشيءُ الثَّقيل «1»، حَكَاهُمَا مَهْمُوزَيْنِ مَقْصُورَيْنِ. قَالَ: وَلَمْ يَحْكِهِمَا غَيْرُهُ. قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ فِي الخَمْرِ السِّباءُ، بِكَسْرِ السِّينِ وَالْمَدِّ، وَإِذَا اشْتَرَيْتَ الْخَمْرَ لِتَحْمِلَهَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ قُلْتَ: سَبَيْتُها، بِلَا هَمْزٍ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه دَعا بالجِفانِ فسَبَأَ الشَّرابَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو مُوسَى: الْمَعْنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فِيمَا قِيلَ: جَمَعَها وخَبَأَها. وسَبَأَتْه السِّياطُ والنارُ سَبْأً: لَذَعَتْه، وَقِيلَ غَيَّرتْه ولَوَّحَتْه، وَكَذَلِكَ الشمسُ والسَّيْرُ والحُمَّى كُلُّهُنَّ يَسْبَأُ الإِنسانَ أَي يُغَيِّره. وسَبَأْتُ الرجلَ سَبْأً جَلَدْتُه. وسَبَأَ جِلْدَه سَبْأً: أَحْرَقَه، وَقِيلَ سلَخَه. وانْسَبَأَ هُوَ وسَبَأْتُه بِالنَّارِ سَبْأً إِذَا أَحْرَقْته بِهَا. وانْسَبَأَ الجِلْد: انْسَلَخَ. وانْسَبَأَ جلْدُه إِذَا تَقَشَّر. وَقَالَ:
وَقَدْ نَصَلَ الأَظفارُ وانْسَبَأَ الجِلْدُ
وَإِنَّكَ لتريدُ سبْأَةً أَي تُرِيد سَفَراً بَعِيدًا يُغَيِّرُك. التَّهْذِيبِ: السُّبْأَةُ: السَّفر الْبَعِيدُ، سُمِّيَ سُبْأَةً لأَن الإِنسان إِذَا طَالَ سَفَرُه سَبَأَتْه الشمسُ ولَوَّحَتْه، وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا قِيلَ: تُرِيدُ سَرْبةً. والمَسْبَأُ: الطريقُ في الجبل.
__________
(1). قوله [اللظأ الشيء الثقيل] كذا في التهذيب بالظاء المشالة أيضاً والذي في مادة لظأ من القاموس الشيء القليل.
(1/93)

وسَبَأَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْبَأُ سَبْأً: حَلَف، وَقِيلَ: سبَأَ عَلَى يَمِينٍ يَسْبَأُ سَبْأً مَرَّ عَلَيْهَا كَاذِبًا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهَا. وأَسْبَأَ لأَمر اللَّهِ: أَخْبَتَ. وأَسْبَأَ عَلَى الشيءِ: خَبَتَ لَهُ قَلْبُه. وسَبَأُ: اسْمُ رَجُلٍ يَجْمع عامَّةَ قَبائل اليَمن، يُصْرَفُ عَلَى إِرَادَةِ الحَيِّ ويُتْرَك صرْفُه عَلَى إِرَادَةِ القَبِيلة. وَفِي التَّنْزِيلِ: [لقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَساكِنِهم] وَكَانَ أَبو عَمْرٍو يقرأُ لِسَبَأَ. قَالَ:
مِنْ سَبَأَ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ، إذْ ... يَبْنُونَ، مِنْ دُونِ سَيْلِها، العَرِما
وَقَالَ:
أَضْحَتْ يُنَفِّرُها الوِلدانُ مِنْ سَبَإٍ، ... كأَنهم، تَحتَ دَفَّيْها، دَحارِيجُ
وَهُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، يُصرف وَلَا يُصرف، ويمدُّ وَلَا يُمَدُّ. وَقِيلَ: اسْمُ بَلْدَةٍ كَانَتْ تَسْكُنها بِلْقِيسُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
. القُرَّاءُ عَلَى إجْراءِ سَبَإٍ، وَإِنْ لَمْ يُجْروه كَانَ صَوَابًا. قَالَ: وَلَمْ يُجْرِه أَبو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: سَبَأٌ هِيَ مَدِينَةٌ تُعرَف بمَأرِب مِن صَنْعاءَ عَلَى مَسِيرةِ ثلاثِ ليالٍ، وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْ فلأَنه اسْمُ مَدِينَةٍ، وَمَنْ صَرَفَهُ فلأَنه اسْمُ الْبَلَدِ، فَيَكُونُ مُذَكَّرًا سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ. وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ سَبَأ قَالَ: هُوَ اسْمُ مَدِينَةِ بِلْقِيسَ بِالْيَمَنِ. وَقَالُوا: تَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبا وأَيادِي سَبا، فَبَنَوْهُ. وَلَيْسَ بِتَخْفِيفٍ عَنْ سَبَإٍ لأَن صُورَةَ تَحْقِيقِهِ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ وَذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ فِي كَلَامِهِمْ، قَالَ:
مِنْ صادِرٍ، أَو وارِدٍ أَيْدِي سَبَا
وَقَالَ كُثَيِّرٌ:
أَيادِي سَبَا، يَا عَزَّ، مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ، ... فَلَمْ يَحْلَ للعَيْنَيْنِ، بَعْدَكِ، مَنْزِلُ
وضَرَبَتِ العَرَبُ بِهِم المَثَلَ فِي الفُرْقة لأَنه لمَّا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَنَّتَهم وغَرَّقَ مكانَهُم تَبَدَّدُوا فِي الْبِلَادِ. التَّهْذِيبِ: وَقَوْلُهُمْ ذَهَبُوا أَيْدِي سَبَا أَي مُتَفَرِّقين، شُبِّهُوا بأَهلِ سبَأ لمَّا مزَّقهم اللَّهُ فِي الأَرض كلَّ مُمَزَّقٍ، فأَخذ كلُّ طائفةٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا عَلَى حِدةٍ. واليَدُ: الطَّرِيق، يُقَالُ: أَخَذَ القَومُ يَدَ بَحْرٍ. فَقِيلَ لِلْقَوْمِ، إِذَا تَفَرَّقوا فِي جهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: ذَهَبوا أَيدي سَبَا أَي فَرَّقَتْهم طُرُقُهم الَّتِي سَلَكُوها كَمَا تَفَرَّقَ أَهل سَبَأٍ فِي مذاهبَ شَتَّى. وَالْعَرَبُ لَا تَهْمِزُ سَبَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لأَنه كثر في كَلَامِهِمْ، فاسْتَثْقَلوا فِيهِ الْهَمْزَةَ، وَإِنْ كَانَ أَصله مَهْمُوزًا. وَقِيلَ: سَبَأٌ اسْمُ رَجُلٍ ولَدَ عَشَرَةَ بَنِينَ، فَسُمِّيَتِ القَرْية بِاسْمِ أَبِيهم. والسَّبائِيَّةُ والسَّبَئِيَّةُ مِنَ الغُلاةِ ويُنْسَبُون إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ.
سرأ: السِّرْءُ والسِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَيْضُ الجَراد والضَّبِّ والسَّمَك وَمَا أَشْبَهه، وَجَمْعُهُ: سرْءٌ. وَيُقَالُ: سِرْوةٌ، وأَصله الْهَمْزُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الأَصبهاني: السِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَيْضُ الجَرادِ، والسِّرْوةُ: السَّهْمُ لَا غَيْرَ. وأَرضٌ مَسْروءَةٌ: ذاتُ سِرْأَة. وسَرَأَتِ الجَرادةُ تَسْرَأُ سَرْءاً، فَهِيَ سَرُوءٌ: باضَتْ، وَالْجَمْعُ سُرُؤٌ وسُرَّأ، الأَخيرة نَادِرَةٌ، لأَن فَعُولًا لَا يُكَسَّرُ عَلَى فُعَّلٍ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأَحمر: سَرَأَت الجَرادة: أَلْقَتْ بَيْضَها، وأَسْرَأَتْ: حانَ ذَلِكَ مِنْهَا، ورَزَّتِ الجَرادةُ، والرَّزُّ أَن تُدْخِل
(1/94)

ذَنَبها فِي الأَرض فتُلقِي سَرْأَها، وسَرْؤُها: بَيْضُهَا. قَالَ اللَّيْثُ: وَكَذَلِكَ سَرْءُ السمَكة وَمَا أَشبهه مِنَ الْبَيْضِ، فَهِيَ سَرُوءٌ، وَالْوَاحِدَةُ سَرْأَةٌ. القَنانِيُّ: إِذَا أَلقَى الجَرادُ بيضَه قِيلَ: قَدْ سَرَأَ بَيْضَه يَسْرَأُ بِهِ. الأَصمعي: الجَراد يَكُونُ سَرْءاً، وَهُوَ بَيْضٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ سُوداً، فَهِيَ دَبًى. وسَرَأَت المرأَة سَرْءاً: كَثُرَ وَلَدُهَا. وضَبَّةٌ سَرُوءٌ، عَلَى فَعُول، وَضَبَابٌ سُرُءٌ، عَلَى فُعُلٍ، وَهِيَ الَّتِي بَيْضُهَا فِي جَوْفِهَا لَمْ تُلْقِه. وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى البيضُ سَرْءاً حَتَّى تُلْقِيَهُ. وسَرَأَتِ الضَّبَّةُ: باضَتْ. والسَّراءُ: ضَرْب مِنْ شَجَرِ القِسِيِّ، الواحدةُ سَراءَةٌ.
سطأ: ابْنُ الْفَرَجِ: سَمِعْتُ الباهِليِّينَ يَقُولُونَ: سَطأَ الرجلُ المرأَة ومَطَأَها، بِالْهَمْزِ، أَي وَطِئها. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وشَطَأَها، بِالشِّينِ، بِهَذَا الْمَعْنَى، لغة.
سلأ: سَلَأَ السَّمْنَ يَسْلَؤُه سَلْأً واسْتَلَأَه: طَبَخَه وعالَجَه فأذابَ زُبْدَه، وَالِاسْمُ: السِّلاءُ، بِالْكَسْرِ، مَمْدُودٌ، وَهُوَ السَّمْنُ، وَالْجَمْعُ: أَسْلِئَةٌ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كانُوا كَسالِئةٍ حَمْقاءَ، إِذْ حَقَنَتْ ... سِلاءَها فِي أَدِيمٍ، غَيْر مَرْبُوبِ
وسَلَأَ السِّمْسِمَ سَلْأً: عَصَرَه فاسْتَخْرَجَ دُهْنَه. وسَلَأَهُ مَائَةَ دِرْهمٍ: نَقَده. وسَلَأَه مائةَ سَوْطٍ سَلْأً: ضَربه بِهَا. وسَلأَ الجِذْعَ والعَسِيبَ سَلْأً: نَزَعَ شَوْكَهُمَا. والسُّلَّاءُ، بِالضَّمِّ، مَمْدُودٌ: شَوْك النَّخْلِ عَلَى وَزْنِ القُرَّاء، وَاحِدَتُهُ سُلَّاءَةٌ. قَالَ عَلْقَمةُ بْنُ عَبْدَةَ يَصف فَرَسًا:
سُلَّاءَةً كَعَصا النَّهْدِيِّ، غُلَّ لَها ... ذُو فَيئةٍ، مِن نَوَى قُرَّانَ، مَعْجُومُ
وسَلَأَ النَّخْلَة والعَسِيبَ سَلْأً: نَزَع سُلَّاءَهما، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والسُّلَّاءُ: ضَرْبٌ مِن النِّصال عَلَى شَكْلِ سُلَّاءِ النَّخْلِ. وَفِي الْحَدِيثِ
فِي صِفَةِ الجَبانِ: كأَنما يُضْرب جِلْدُه بالسُّلَّاءِ
، وَهِيَ شَوْكَةُ النَّخْلَةِ، وَالْجَمْعُ سُلَّاء بِوَزْنِ جُمّار. والسُّلَّاءُ: ضَرب مِنَ الطَّيْرِ، وَهُوَ طَائِرٌ أَغْبَرُ طَوِيلُ الرجلين.
سنتأ: ابْنُ الأَعرابي: المُسَنْتَأُ «2»، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: الرَّجُلُ يَكُونُ رأْسُه طويلًا كالكُوخِ.
سندأ: رَجُلٌ سِنْدَأْوَةٌ وسِنْدَأْوٌ: خَفِيف. وَقِيلَ: هُوَ الجَرِيءُ المُقْدِمُ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَصِيرُ. وَقِيلَ: هُوَ الرَّقِيقُ الْجِسْمِ «3» مَعَ عِرَضِ رأْس، كلُّ ذَلِكَ عَنِ السِّيرَافِيِّ. وَقِيلَ: هُوَ العَظِيمُ الرَّأْسِ. وَنَاقَةٌ سِنْدَأْوةٌ: جَرِيئةٌ. والسِّنْدَأْوُ: الفَسِيحُ مِنَ الإِبل فِي مَشْيِه.
سوأ: ساءَهُ يَسُوءُه سَوْءًا وسُوءًا وسَواءً وسَواءَةً وسَوايةً وسَوائِيَةً ومَساءَةً ومَسايةً ومَساءً ومَسَائِيَةً: فَعَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ، نَقِيضُ سَرَّه. وَالِاسْمُ: السُّوءُ بالضم. وسُؤْتُ الرجلَ سَوايةً ومَسايةً، يُخَفَّفَانِ، أَي ساءَهُ مَا رَآهُ مِنّي. قَالَ سِيبَوَيْهِ: سأَلت الْخَلِيلَ عَنْ سَوائِيَةٍ، فَقَالَ: هِيَ فَعالِيةٌ بِمَنْزِلَةِ عَلانِيَةٍ. قَالَ: وَالَّذِينَ قَالُوا سَوايةً حَذَفُوا الْهَمْزَةَ، كَمَا حَذَفُوا هَمْزَةَ هارٍ ولاثٍ، كَمَا اجْتَمَعَ أَكثرهم عَلَى تَرْكِ الْهَمْزِ فِي مَلَك، وأَصله مَلأَكٌ. قَالَ: وسأَلته عَنْ مَسَائِيَةٍ، فَقَالَ: هِيَ مَقْلُوبَةٌ، وَإِنَّمَا حَدُّها مَساوِئَةٌ، فَكَرِهُوا الْوَاوَ مَعَ الهمزِ لأَنهما حرفان
__________
(2). قوله [المُسَنْتَأُ إلخ] تبع المؤلف التهذيب. وفي القاموس المسبنتأ بزيادة الباء الموحدة.
(3). قوله [الرقيق الجسم] بالراء وفي شرح القاموس على قوله الدقيق قَالَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الرقيق.
(1/95)

مُسْتَثْقَلانِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: مَسايةً، حَذَفُوا الْهَمْزَ تَخْفِيفًا. وَقَوْلُهُمْ: الخَيْلُ تَجْرِي عَلَى مَساوِيها أَي إِنها وَإِنْ كَانَتْ بِهَا أَوْصابٌ وعُيُوبٌ، فإنَّ كَرَمها يَحْمِلُها عَلَى الجَرْي. وَتَقُولُ مِنَ السُّوءِ: اسْتَاءَ فلانٌ فِي الصَّنِيعِ مِثْلَ اسْتاعَ، كَمَا تَقُولُ مِنَ الغَمِّ اغْتَمَّ، واسْتَاءَ هُوَ: اهْتَمَّ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنّ رَجُلًا قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيا فاسْتَاءَ لَهَا، ثُمَّ قَالَ: خِلافةُ نُبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ المُلْكَ مَن يَشَاءُ.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: أَراد أَنَّ الرُّؤْيا ساءَتْه فاسْتاءَ لَهَا، افْتَعل مِنَ المَساءَةِ. وَيُقَالُ: اسْتَاءَ فُلَانٌ بِمَكَانِي أَي ساءَه ذَلِكَ. وَيُرْوَى: فاسْتَالَها أَي طلَب تأْويلَها بالنَّظَر والتَّأَمُّل. وَيُقَالُ: ساءَ مَا فَعَلَ فُلان صَنِيعاً يَسُوءُ أَي قَبُحَ صَنِيعُه صَنِيعاً. والسُّوءُ: الفُجُورُ والمُنْكَر. وَيُقَالُ: فُلَانٌ سيِّئُ الاخْتِيار، وَقَدْ يُخَفَّفُ مِثْلُ هَيِّنٍ وهَيْنٍ، ولَيِّنٍ ولَيْنٍ. قَالَ الطُّهَوِيُّ:
وَلَا يَجْزُونَ مِنْ حَسَنٍ بِسَيْءٍ، ... وَلَا يَجْزُونَ مِن غِلَظٍ بِلَيْنِ
وَيُقَالُ: عِنْدِي مَا سَاءَه وناءَه وَمَا يَسُوءُه ويَنُوءُه. ابْنُ السِّكِّيتِ: وسُؤْتُ بِهِ ظَنّاً، وأَسَأْتُ بِهِ الظَّنَّ، قَالَ: يُثْبِتُونَ الأَلف إِذَا جاؤُوا بالأَلف وَاللَّامِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِنَّمَا نَكَّرَ ظَنًّا فِي قَوْلِهِ سُؤْت بِهِ ظَنًّا لأَن ظَنّاً مُنْتَصِب عَلَى التَّمْيِيزِ، وأَما أَسَأْت بِهِ الظَّنَّ، فالظَّنُّ مَفْعُولٌ بِهِ، وَلِهَذَا أَتى بِهِ مَعْرِفةً لأَن أَسَأْت متَعدٍّ. وَيُقَالُ أَسَأْت بِهِ وَإِلَيْهِ وَعَلَيْهِ وَلَهُ، وَكَذَلِكَ أَحسَنْت. قَالَ كُثَيِّرٌ:
أَسِيئِي بِنا، أَوْ أَحْسِنِي، لَا مَلُولةٌ ... لَدَيْنا، وَلَا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي. وَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
. وَقَالَ: وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها*
. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. وسُؤْتُ لَهُ وجهَه: قَبَّحته. اللَّيْثُ: ساءَ يَسُوءُ: فِعْلٌ لَازِمٌ ومُجاوِز، تَقُولُ: ساءَ الشيءُ يَسُوءُ سَوْءًا، فَهُوَ سيِّئٌ، إِذَا قَبُحَ، وَرَجُلٌ أَسْوَأُ: قَبِيحٌ، والأُنثى سَوْآءُ: قَبِيحةٌ، وَقِيلَ هِيَ فَعْلاءُ لَا أَفْعَلَ لَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَوْآءُ ولُودٌ خيرٌ مِن حَسْناءَ عقِيمٍ.
قَالَ الأُموي: السَّوْآءُ القبيحةُ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ: أَسْوأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ، والأُنثى سَوْآءُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: أَخرجه الأَزهري حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَخرجه غَيْرُهُ حَدِيثًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ: السَّوْآءُ بنتُ السيِّدِ أَحَبُّ إليَّ مِنَ الحَسْناءِ بنتِ الظَّنُونِ.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى
، قَالَ: هِيَ جهنمُ أَعاذنا اللهُ مِنْهَا. والسَّوْأَةُ السَّوْآءُ: المرأَةُ المُخالِفة. والسَّوْأَةُ السَّوْآءُ: الخَلّةُ القَبِيحةُ. وكلُّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ أَو فَعْلة قبيحةٍ فَهِيَ سَوْآءُ. قَالَ أَبو زُبَيْد فِي رَجُلٍ مِنْ طَيِّئٍ نزَل بِهِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي شَيْبانَ، فأَضافه الطَّائِيُّ وأَحْسَنَ إِلَيْهِ وسَقاه، فَلَمَّا أَسرَعَ الشرابُ فِي الطَّائِيِّ افْتَخَرَ ومدَّ يدَه، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الشَّيْبَانِيُّ فقَطَع يدَه، فَقَالَ أَبو زُبَيْدٍ:
ظَلَّ ضَيْفاً أَخُوكُمُ لأَخِينا، ... فِي شَرابٍ، ونَعْمةٍ، وشِواءِ
لَمْ يَهَبْ حُرْمةَ النَّدِيمِ، وحُقَّتْ، ... يَا لَقَوْمِي، للسَّوْأَةِ السَّوْآءِ
(1/96)

وَيُقَالُ: سُؤْتُ وجهَ فُلَانٍ، وأَنا أَسُوءُه مَساءَةً ومَسائِيَةً، والمَسايةُ لُغَةٌ فِي المَساءَة، تَقُولُ: أَردت مَساءَتك ومَسايَتَكَ. وَيُقَالُ: أَسأْتُ إِلَيْهِ فِي الصَّنِيعِ. وخَزْيانُ سَوْآنُ: مِنَ القُبْح. والسُّوأَى، بِوَزْنِ فُعْلى: اسْمٌ للفَعْلة السيِّئَة بِمَنْزِلَةِ الحُسْنَى للحَسَنة، محمولةٌ عَلَى جهةِ النَّعْت فِي حَدِّ أَفْعَل وفُعْلى كالأَسْوإ والسُّوأَى. والسُّوأَى: خِلَافُ الحُسْنَى. وَقَوْلُهُ عزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى
؛ الذين أَساؤُوا هُنَا الَّذِينَ أَشْرَكُوا. والسُّوأَى: النارُ. وأَساءَ الرجلُ إساءَةً: خلافُ أَحسَن. وأَساءَ إِلَيْهِ: نَقِيضُ أَحْسَن إِلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ
مُطَرِّف، قَالَ لِابْنِهِ لَمَّا اجْتَهد فِي العِبادة: خَيْرُ الأُمورِ أَوساطُها، والحَسَنةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْن
أَي الغُلُوُّ سَيِّئةٌ والتقصيرُ سَيِّئةٌ والاقتِصادُ بَيْنَهُمَا حَسَنةٌ. وَقَدْ كَثُرَ ذِكْرُ السَّيِّئة فِي الْحَدِيثِ، وَهِيَ والحَسَنةُ مِنَ الصفاتِ الْغَالِبَةِ. يُقَالُ: كَلِمَةٌ حَسَنةٌ وَكَلِمَةٌ سَيِّئةٌ، وفَعْلة حَسَنة وفَعْلةٌ سيِّئة. وأَساءَ الشيءَ: أَفْسَدَه وَلَمْ يُحْسِنْ عَمَلَه. وأَساءَ فلانٌ الخِياطةَ والعَمَلَ. وَفِي الْمَثَلِ أَساءَ كارِهٌ مَا عَمِلَ. وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أَكْرَهَه آخَرُ عَلَى عَمَلٍ فأَساءَ عَمَله. يُضْرَب هَذَا لِلرَّجُلِ يَطْلُب الحاجةَ «1» فَلَا يُبالِغُ فِيهَا. والسَّيِّئةُ: الخَطِيئةُ، أَصلها سَيْوِئةٌ، فقُلبت الْوَاوُ يَاءً وأُدْغِمت. وقولٌ سَيِّئٌ: يَسُوءُ. والسَيِّئُ والسَّيِّئةُ: عَمَلانِ قَبِيحانِ، يَصِيرُ السَيِّئُ نَعْتًا لِلذَّكَرِ مِنَ الأَعمالِ والسَّيِّئةُ الأُنثى. وَاللَّهُ يَعْفو عَنِ السَّيِّئاتِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَمَكْرَ السَّيِّئِ
، فأَضافَ. وَفِيهِ: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
، وَالْمَعْنَى مَكْرُ الشِّرْك. وقرأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ومَكْراً سَيِّئاً عَلَى النَّعْتِ. وَقَوْلُهُ:
أَنَّى جَزَّوْا عامِراً سَيْئاً بِفِعلِهِم، ... أَمْ كَيْف يَجْزُونَني السُّوأَى مِنَ الحَسَنِ؟
فَإِنَّهُ أَراد سَيِّئاً، فخفَّف كهَيْنٍ مِنْ هَيِّنٍ. وأَراد مِنَ الحُسْنَى فَوَضَعَ الحَسَن مَكَانَهُ لأَنه لَمْ يُمْكِنْهُ أَكثر مِنْ ذَلِكَ. وسَوَّأْتُ عَلَيْهِ فِعْلَه وَمَا صنَع تَسْوِئةً وتَسْوِيئاً إِذَا عِبْتَه عَلَيْهِ، وقلتَ لَهُ: أَسَأْتَ. وَيُقَالُ: إنْ أَخْطَأْتُ فَخطِّئْني، وإنْ أسَأْتُ فَسَوِّئْ عَليَّ أَي قَبِّحْ عَليَّ إساءَتي. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَمَا سَوَّأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ
، أَي مَا قَالَ لَهُ أَسأْتَ. قَالَ أَبو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِ ضَرَبَ فلانٌ عَلَى فلانٍ سَايَةً: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحدُهما السايةُ، الفَعْلة مِنَ السَّوْء، فتُرك همزُها، وَالْمَعْنَى: فَعَل بِهِ مَا يؤَدِّي إِلَى مَكْرُوهٍ والإِساءة بِه. وَقِيلَ: ضَرَبَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ سَايَةً مَعْنَاهُ: جَعل لِمَا يُريد أَن يَفْعَلَهُ بِهِ طَرِيقًا. فالسايةُ فَعْلةٌ مِن سَوَيْتُ، كَانَ فِي الأَصل سَوْية فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ، وَالسَّابِقُ سَاكِنٌ، جَعَلُوهَا يَاءً مُشَدَّدَةً، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا التَّشْدِيدَ، فأَتْبَعُوهما مَا قَبْلَهُ، فَقَالُوا سايةٌ كَمَا قَالُوا دِينارٌ ودِيوانٌ وقِيراطٌ، والأَصل دِوَّانٌ، فَاسْتَثْقَلُوا التَّشْدِيدَ، فأَتْبَعُوه الْكَسْرَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. والسَّوْأَة: العَوْرة وَالْفَاحِشَةُ. والسَّوْأَة: الفَرْجُ. اللَّيْثُ: السَّوْأَةُ: فَرْج الرَّجل والمرأَة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما*
. قَالَ: فالسَّوْأَةُ كلُّ عَمَلٍ وأَمْرٍ شَائِنٍ. يُقَالُ: سَوْأَةً لِفُلَانٍ، نَصْبٌ لأَنه شَتْم ودُعاء.
وَفِي حَدِيثِ الحُدَيْبِيةِ والمُغِيرة: وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْأَتَكَ إلَّا أَمْسِ؟
قَالَ ابْنُ الأَثير: السَّوْأَةُ فِي الأَصل الفَرْجُ ثُمَّ نُقِل إِلَى كُلِّ مَا يُسْتَحْيا مِنْهُ إِذَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلٍ
__________
(1). قوله [يطلب الحاجة] كذا في النسخ وشرح القاموس والذي في شرح الميداني: يطلب إليه الحاجة.
(1/97)

وَفِعْلٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ إِشارة إِلى غَدْرٍ كَانَ المُغِيرةُ فَعَله مَعَ قَوْمٍ صَحِبوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فقَتَلهم وأَخَذَ أَمْوالَهم. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ*؛ قَالَ: يَجْعلانِه عَلَى سَوْآتِهما
أَي عَلَى فُرُوجِهما. ورَجُلُ سَوْءٍ: يَعملُ عَمَل سَوْءٍ، وَإِذَا عرَّفتَه وصَفْت بِهِ وَتَقُولُ: هَذَا رجلُ سَوْءٍ، بالإِضافة، وتُدخِلُ عَلَيْهِ الأَلفَ وَاللَّامَ فَتَقُولُ: هَذَا رَجُلُ السَّوْء. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وكنتُ كَذِئبِ السَّوْءِ لَمَّا رأَى دَماً ... بِصاحِبه، يوْماً، أَحالَ عَلَى الدَّمِ
قَالَ الأَخفش: وَلَا يُقَالُ الرجُلُ السَّوْءُ، وَيُقَالُ الحقُّ اليَقِينُ، وحَقُّ اليَّقِينِ، جَمِيعًا، لأَنَّ السَّوْءَ لَيْسَ بالرجُل، واليَقِينُ هُو الحَقُّ. قَالَ: وَلَا يقال هذا رجلُ السُّوءِ، بِالضَّمِّ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ أَجاز الأَخفش أَن يُقَالَ: رَجُلُ السَّوْءِ ورَجُلُ سَوْءٍ، بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِمَا، وَلَمْ يُجوِّزْ رَجُلُ سُوء، بِضَمِّ السِّينِ، لأَن السُّوء اسْمٌ لِلضُّرِّ وسُوء الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُضاف إِلَى المَصْدر الَّذِي هُوَ فِعْله كَمَا يُقَالُ رجلُ الضَّرْبِ والطَّعْنِ فيَقوم مَقام قَوْلِكَ رجلٌ ضَرَّابٌ وطَعَّانٌ، فَلِهَذَا جَازَ أَن يُقَالَ: رَجُلُ السَّوْءِ، بِالْفَتْحِ، وَلَمْ يَجُز أَن يقال: هذا رجلُ السُّوءِ، بِالضَّمِّ. قَالَ ابْنُ هَانِئٍ: الْمَصْدَرُ السَّوْءُ، وَاسْمُ الفِعْل السُّوءُ، وَقَالَ: السَّوْءُ مَصْدَرُ سُؤْتُه أَسُوءُه سَوءًا، وأَما السُّوءُ فاسْم الفِعْل. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ، وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً
. وَتَقُولُ فِي النَّكِرَةِ: رَجُلُ سَوْءٍ، وَإِذَا عَرَّفت قُلْتَ: هَذَا الرَّجلُ السَّوْءُ، وَلَمْ تُضِفْ، وَتَقُولُ: هَذَا عَمَلُ سَوْءٍ، وَلَا تَقُلِ السَّوْءِ، لأَن السَّوْءَ يَكُونُ نَعْتًا لِلرَّجُلِ، وَلَا يَكُونُ السَّوْء نَعْتًا لِلْعَمَلِ، لأَن الفِعل مِنَ الرَّجُلِ وَلَيْسَ الفِعل مِنَ السَّوْءِ، كَمَا تَقُولُ: قَوْلُ صِدْقٍ، والقَوْلُ الصِّدْقُ، ورَجلٌ صِدْقٌ، وَلَا تَقُولُ: رجلُ الصِّدْقِ، لأَن الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الصِّدْقِ. الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
؛ مِثْلُ قَوْلِكَ: رجلُ السَّوْءِ. قَالَ: ودائِرَةُ السَّوْءِ
: العذابُ. السَّوْء، بِالْفَتْحِ، أَفْشَى فِي الْقِرَاءَةِ وأَكثر، وَقَلَّمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: دائرةُ السُّوءِ، بِرَفْعِ السِّينِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
. كَانُوا ظَنُّوا أَنْ لَنْ يَعُودَ الرسولُ والمُؤمِنون إِلَى أَهليهم، فَجَعل اللهُ دائرةَ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ظَنَّ السُّوء، فَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ: وَلَا أَعلم أَحداً قَرَأَ بِهَا إلَّا أَنها قَدْ رُوِيت. وَزَعَمَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: أَن مَعْنَى السَّوْءِ ههنا الفَساد، يَعْنِي الظانِّينَ بِاللَّهِ ظنَّ الفَسادِ، وَهُوَ مَا ظَنُّوا أَنَّ الرسولَ ومَن معَه لَا يَرجِعون. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
، أَي الفَسادُ والهلاكُ يَقَعُ بِهِمْ. قَالَ الأَزهريّ: قَوْلُهُ لَا أَعلم أَحداً قرأَ ظَنَّ السُّوءِ، بِضَمِّ السِّينِ مَمْدُودَةً، صَحِيحٌ، وَقَدْ قرأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأَبو عَمْرٍو: دَائِرَةُ السُّوءِ، بِضَمِّ السِّينِ مَمْدُودَةً، فِي سُورَةِ براءَة وَسُورَةِ الْفَتْحِ، وقرأَ سَائِرُ القرّاءِ السَّوْءِ*
، بِفَتْحِ السِّينِ فِي السُّورَتَيْنِ. وَقَالَ الفرّاءُ فِي سُورَةِ براءَة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
؛ قَالَ: قرأَ القُرّاءُ بِنَصْبِ السِّينِ، وأَراد بالسَّوْءِ الْمَصْدَرَ مِنْ سُؤْتُه سَوءًا ومَساءَةً ومَسائِيةً وسَوائِيةً، فَهَذِهِ مَصَادِرُ، ومَن رَفع السِّينَ جَعَله اسْمًا كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائرةُ البَلاءِ والعَذاب. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ
؛ وَلَا فِي قَوْلِهِ: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
؛ لأَنه ضِدٌّ لِقَوْلِهِمْ: هَذَا رجلُ صِدْقٍ، وثوبُ صِدْقٍ، وليس للسَّوءِ ههنا مَعْنًى فِي بَلاءٍ وَلَا عَذاب، فَيُضَمُّ. وقرئَ قَوْلُهُ تعالى: عليهم
(1/98)

دائرةُ السُّوءِ، يَعْنِي الهزِيمةَ والشرَّ، ومَن فَتَح، فَهُوَ مِنَ المَساءَة. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: السُّوءُ: خِيانةُ صاحِبه، والفَحْشاءُ: رُكُوبُ الْفَاحِشَةِ. وَإِنَّ اللَّيْلَ طويلٌ وَلَا يَسوءُ بالهُ أَي يَسُوءُنِي بالُه، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. قَالَ: وَمَعْنَاهُ الدُّعاءُ. والسُّوءُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْآفَاتِ والداءِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
، قِيلَ مَعْنَاهُ: مَا بِي مِنْ جُنون، لأَنهم نَسَبوا النبيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلى الجُنون. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: سُوءُ الحِسابِ أَن لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ حسنةٌ، وَلَا يُتجاوَز عَنْ سَيِّئَةٍ، لأَنَّ كُفرَهم أَحْبَط أَعْمالَهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. وَقِيلَ: سُوءُ الْحِسَابِ: أَن يُسْتَقصَى عَلَيْهِ حِسابُهُ، وَلَا يُتَجاوَز لَهُ عَنْ شيءٍ مِنْ سَيّئاته، وَكِلَاهُمَا فِيهِ. أَلا تَراهم قَالُوا «2»:
مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ.
وَقَوْلُهُمْ:
لَا أُنْكِرُك مِنْ سُوءٍ، وَمَا أُنْكِرُك مِنْ سُوءٍ
أَي لَمْ يَكُنْ إِنْكارِي إِيَّاكَ مِنْ سُوءٍ رأَيتُه بِكَ، إِنما هُوَ لقلَّةِ الْمَعْرِفَةِ. وَيُقَالُ: إِن السُّوءَ البَرَصُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، *
أَي مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: أَمَّا السوءُ، فَمَا ذُكِرَ بسَيِّئٍ، فَهُوَ السُّوءُ. قَالَ: وَيُكَنَّى بالسُّوءِ عَنِ اسْمِ البرَص، وَيُقَالُ: لَا خَيْرَ فِي قَوْلِ السُّوءِ، فَإِذَا فتَحتَ السِّينَ، فَهُوَ عَلَى مَا وصَفْنا، وإِذا ضَمَمْتَ السِّينَ، فَمَعْنَاهُ لَا تَقُلْ سُوءًا. وبنو سُوءَةَ: حَيٌّ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَلي.
سيأ: السَّيْءُ والسِّيءُ: اللبَنُ قَبْلَ نُزُولِ الدِّرَّة يَكُونُ فِي طَرَفِ الأَخْلافِ. وَرُوِيَ قَوْلُ زُهَيْرٌ:
كَمَا اسْتَغاثَ، بسَيْءٍ، فَزُّ غَيْطَلةٍ، ... خافَ العُيونَ، وَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بسَيْءٍ وبِسِيءٍ. وَقَدْ سَيَّأَتِ الناقةُ وتَسَيَّأَها الرجلُ: احْتَلَب سَيْئَها، عَنِ الْهَجَرِيِّ. وَقَالَ الفرّاءُ: تَسَيَّأَتِ الناقةُ إِذَا أَرسَلَت لَبنها مِنْ غَيْرِ حَلَبٍ، وَهُوَ السَّيْءُ. وَقَدِ انْسَيَأَ اللبنُ. وَيُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَيَتَسَيَّأُني بسَيْءٍ قَلِيلٍ؛ وأَصله مِنَ السَّيْءِ اللبنِ قَبْلَ نُزُولِ الدِّرَّة. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تُسَلِّم ابْنَكَ سَيَّاءً.
قَالَ ابْنُ الأَثير: جاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ
أَنه الَّذِي يَبِيعُ الأَكفانَ ويَتَمنَّى مَوتَ الناسِ
، وَلَعَلَّهُ مِنَ السُّوءِ والمَساءَةِ، أَوْ مِنَ السَّيْءِ، بِالْفَتْحِ، وَهُوَ اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ فِي مُقَدَّم الضَّرع، وَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ فعَّالًا مِنْ سَيَّأْتُها إِذَا حَلَبْتها. والسِّيءُ، بِالْكَسْرِ مَهْمُوزٌ: اسم أَرض.

فصل الشين المعجمة
شأشأ: أَبو عَمْرٍو، الشَّأْشَاءُ: زَجْرُ الحِمارِ، وَكَذَلِكَ السَّأْساءُ. شُؤْشُؤْ وشَأْشَأْ: دُعاءُ الحِمار إِلَى الماءِ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وشَأْشَأَ بالحُمُر والغَنَم: زَجرها للمضيِّ، فَقَالَ: شَأْشَأْ وتَشُؤْتَشُؤْ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الحِرْمازِ: تَشَأْتَشَأْ، وَفَتَحَ الشِّينَ. أَبو زَيْدٍ: شَأْشَأْتُ الحِمارَ إِذَا دَعَوْته تَشَأْتَشَأْ وتَشُؤْتَشُؤْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ رَجُلًا قَالَ لبَعيره شَأْ لعَنَكَ اللهُ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَعْنِه.
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: شَأْ زَجْرٌ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ: جَأْ، بِالْجِيمِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. والشَّأْشاءُ: الشِّيصُ. والشَّأْشاءُ: النَّخْلُ الطِّوَالُ. وتَشَأْشَأَ القومُ: تفرَّقوا، وَاللَّهُ أَعلم.
شسأ: أَبو مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ: مكانٌ شِئسٌ، وَهُوَ الخَشِنُ مِنَ الْحِجَارَةِ، قَالَ: وَقَدْ يُخَفَّفُ، فَيُقَالُ لِلْمَكَانِ الغليظ: شَأْسٌ وشَأْزٌ، ويقال مَقْلُوبًا: مكانٌ شاسِئٌ وجاسِئٌ غليظ.
__________
(2). قوله [قالوا من إلخ] كذا في النسخ بواو الجمع والمعروف قال أي النبي خطاباً للسيدة عائشة كما في صحيح البخاري.
(1/99)

شطأ: الشَّطْءُ: فَرْخُ الزَّرْع وَالنَّخْلِ. وَقِيلَ: هُوَ وَرَقُ الزَّرْع. وَفِي التَّنْزِيلِ: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
؛ أَي طَرَفَه وَجَمْعُهُ شُطُوءٌ. وَقَالَ الفرّاءُ: شَطْؤُه السُّنْبُل تُنْبِت الحَبَّةُ عَشْراً وَثَمَانِيًا وسَبْعاً، فيَقْوَى بعضُه بِبَعْضٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآزَرَهُ أَي فأَعانَه. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَخْرَجَ شَطْأَهُ
أَخرج نباتَه: وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: شَطْأَه: فِراخَه. الْجَوْهَرِيُّ: شَطْءُ الزَّرْعِ والنَّباتِ: فِراخُه. وَفِي حَدِيثِ
أَنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
. شَطْؤُهُ: نباتُه وفِراخُه.
يُقَالُ: أَشْطَأَ الزَّرْعُ، فَهُوَ مُشْطِئٌ، إِذَا فَرَّخَ. وشاطِئُ النَّهرِ: جانِبُه وطَرَفُه. وشَطَأَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ يَشْطَأُ شَطْأً وشُطُوءًا: أَخرج شَطْأَه. وشَطْءُ الشجرِ: مَا خَرج حَوْلَ أَصله، وَالْجَمْعُ أَشْطاءٌ. وأَشْطَأَ الشجرُ بغُصونه: أَخرجها. وأَشْطَأَتِ الشَّجَرَةُ بغُصونها إِذا أَخرجت غُصونَها. وأَشْطَأَ الزرعُ إِذَا فَرَّخ. وأَشطأَ الزرعُ: خَرجَ شَطْؤُه، وأَشْطَأَ الرجلُ: بَلغ ولَدُه مَبْلَغَ الرِّجالِ فَصَارَ مِثْلَهُ. وشَطْءُ الْوَادِي والنَّهَر: شِقَّته، وَقِيلَ: جانبُه، وَالْجَمْعُ شُطُوءٌ. وشاطِئُه كشَطْئِه، وَالْجَمْعُ شُطوءٌ وشَواطِئُ وشُطْآنٌ عَلَى أَن شُطْآناً قَدْ يَكُونُ جَمْعَ شَطْءٍ. قَالَ:
وتَصَوَّحَ الوَسْمِيُّ مِنْ شُطْآنِه، ... بَقْلٌ بِظاهِرِه، وبَقْلُ مِتانِه
وشاطِئُ الْبَحْرِ: ساحِلُه. وَفِي الصِّحَاحِ: وشاطِئُ الْوَادِي: شطُّه وجانِبُه، وَتَقُولُ: شاطِئُ الأَوْدِيةِ، وَلَا يُجمَعُ. وشَطَأَ مَشَى عَلَى شاطِئِ النَّهرِ. وشاطأْتُ الرَّجُل إِذَا مَشَيْتَ عَلَى شاطئٍ ومَشَى هُوَ عَلَى الشاطِئِ الآخَر. ووادٍ مُشْطِئٌ: سالَ شاطِئَاه. وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ: مِلْنا لِوادِي كَذَا وَكَذَا، فوَجَدْناه مُشْطِئاً. وشَطَأَ المرأَةَ يَشْطَؤُها شَطْأً: نَكَحَها. وشَطَأَ الرجلَ شَطْأً: قَهَرَه. وشَطَأَ الناقةَ يَشْطَؤُها شَطْأً: شَدَّ عَلَيْهَا الرحْلَ. وشَطَأَه بالحِمْلِ شَطْأً: أَثْقَلَه. وشَطْيَأَ الرَّجُلُ فِي رَأْيِهِ وأَمرِهِ كَرَهْيَأَ. وَيُقَالُ: لَعَنَ اللهُ أُمّاً شَطَأَتْ بِهِ وفَطَأَتْ بِهِ أَي طَرَحَتْه. ابْنُ السِّكِّيتِ: شَطَأْتُ بالحِمْلِ أَي قَوِيتُ عَلَيْهِ، وأَنشد:
كشَطْئِكَ بالعِبْءِ مَا تَشْطَؤُهْ
ابْنُ الأَعرابي: الشُّطْأَةُ «1»: الزُّكام، وَقَدْ شُطِئَ إِذَا زُكِمَ، وأَشْطَأَ إِذَا أَخَذَتْه الشُّطْأَةُ.
شقأ: شَقَأَ نابُه يَشْقَأُ شَقْأً وشُقُوءًا وشَكَأَ: طَلَعَ وظَهَرَ. وشَقَأَ رَأْسَه: شَقَّه. وشَقَأَهُ بالمِدْرَى أَو المُشْطِ شَقْأً وشُقُوءًا: فَرَّقه. والمَشْقَأُ: المَفْرَقُ. والمِشْقَأُ والمِشْقَاءُ، بِالْكَسْرِ، والمِشْقأَةُ: المِشْطُ [المُشْطُ]. والمِشْقَأَةُ: المِدْراةُ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: المِشْقَأُ والمِشْقاءُ والمِشْقَى، مَقْصُورٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ: المِشْط [المُشْط].
__________
(1). قوله [الشُطْأَةُ إلخ] كذا هو في النسخ هنا بتقديم الشين على الطاء والذي في نسخة التَّهْذِيبُ عَنِ ابْنِ الأَعرابي بتقديم الطاء في الكلمات الأَربع وذكر نحوه المجد في فصل الطاء ولم نرَ أحداً ذكره بتقديم الشين، ولمجاورة شطأ طشأ طغا قلم المؤلف فكتب ما كتب.
(1/100)

وشَقَأْتُه بِالْعَصَا شَقْأً: أَصَبْتُ مَشْقَأَه أَي مَفْرَقَه. أَبو تُرَابٍ عَنِ الأَصمعي: إِبل شُوَيْقِئَةٌ وشُوَيْكِئَةٌ حِينَ يَطْلُعُ نابُها، مِنْ شَقَأَ نابُهُ وشَكَأَ وشاكَ أَيضاً وأَنشد:
شُوَيْقِئَةُ النابَيْن، يَعْدِل دَفُّها، ... بأَقْتَلَ، منْ سَعْدانةِ الزَّوْرِ، بَائِنِ
شكأ: الشُّكاءُ، بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ: شِبْه الشُّقاقِ فِي الأَظفار. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أشْكَأَتِ الشجرةُ بغُصُونِها: أَخْرَجَتْها. الأَصمعي: إبلٌ شُوَيْقِئَةٌ وشُوَيْكِئَةٌ حِينَ يَطْلُع نابُها، مِنْ شَقَأَ نابُه وشَكَأَ وشاكَ أَيضاً، وأَنشد:
عَلَى مُسْتَظِلَّات الْعُيُونِ، سَواهِمٍ، ... شُوَيْكِئةٍ، يَكْسُو بُراها لُغامُها
أَراد بِقَوْلِهِ شُوَيْكِئة: شُوَيْقِئة، فقُلِبت الْقَافُ كَافًا، مِنْ شَقَأَ نابُهُ إِذَا طَلَعَ، كَمَا قِيلَ كُشِطَ عَنِ الْفَرَسِ الجُلُّ، وقُشِطَ. وَقِيلَ: شُوَيْكِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ: إِبِلٌ مَنْسُوبَةٌ «1». التَّهْذِيبِ: سَلَمَةُ قَالَ: بِهِ شُكَأٌ شَدِيدٌ، تَقَشُّر. وَقَدْ شَكِئَتْ أَصَابِعُهُ، وَهُوَ التَّقَشُّر بَيْنَ اللَّحْمِ والأَظفار شَبيه بالتَّشَقُّقِ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ. وَفِي أَظفاره شَكَأٌ إِذَا تشَقَّقَت أَظفارُه. الأَصمعي: شَقَأَ نابُ الْبَعِيرِ، وشَكَأَ إِذَا طَلَعَ، فَشَقَّ اللحمَ.
شنأ: الشَّنَاءَةُ مِثْلُ الشَّناعةِ: البُغْضُ. شَنِئَ الشيءَ وشَنَأَه أَيضاً، الأَخيرة عَنْ ثَعْلَبٍ، يَشْنَؤُهُ فِيهِمَا شَنْأً وشُنْأً وشِنْأً وشَنْأَةً ومَشْنَأً ومَشْنَأَةً ومَشْنُؤَةً وشَنَآناً وشَنْآناً، بِالتَّحْرِيكِ وَالتَّسْكِينِ: أَبْغَضَه. وقُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ*
. فَمَنْ سكَّن، فَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كَلَيَّان، وَيَكُونُ صِفَةً كَسَكْرانَ، أَي مُبْغِضُ قَوْمٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ شَاذٌّ فِي اللَّفْظِ لأَنه لَمْ يَجِئْ شيءٌ مِنَ الْمَصَادِرِ عَلَيْهِ. وَمَنْ حرَّك، فَإِنَّمَا هُوَ شَاذٌّ فِي الْمَعْنَى لأَن فَعَلانَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بِناءِ مَا كَانَ مَعْنَاهُ الْحَرَكَةَ والاضْطِرابَ كالضَّرَبانِ والخَفَقَانِ. التَّهْذِيبُ: الشَّنَآنُ مَصْدَرٌ عَلَى فَعَلان كالنَّزَوانِ والضَّرَبانِ. وقرأَ عَاصِمٌ: شَنَآنُ*
، بِإِسْكَانِ النُّونِ، وَهَذَا يَكُونُ اسْمًا كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَجْرِمَنَّكم بَغِيضُ قومٍ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: وَقَدْ أَنكر هَذَا رجلٌ مِنْ أَهل الْبَصْرَةِ يُعرف بأَبي حَاتِمٍ السِّجِسْتاني مَعَهُ تَعدٍّ شديدٌ وإِقدام عَلَى الطَعْن فِي السَّلف. قَالَ: فَحَكَيْتُ ذَلِكَ لأَحمد بْنِ يَحْيَى، فَقَالَ: هَذَا مِنْ ضِيقِ عَطَنِه وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ، أَما سَمِع قولَ ذِي الرُّمَّة:
فأُقْسِمُ، لَا أَدْرِي أَجَوْلانُ عَبْرةٍ، ... تَجُودُ بها العَيْنانِ، أَحْرَى أَمِ الصَّبْرُ
قَالَ: قُلْتُ لَهُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا فَفِيهِ الْوَاوُ. فَقَالَ: قَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ وَشْكانَ ذَا إِهَالَةً وحَقْناً، فَهَذَا مَصْدَرٌ، وَقَدْ أَسكنه، والشَّنانُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِثْلُ الشَّنَآنِ، وأَنشد للأَحوص:
وَمَا العيْشُ إِلَّا مَا تَلَذُّ وتَشْتَهي، ... وإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَّنانِ وفَنَّدا
سَلَمَةُ عَنِ الفرّاءِ: مَنْ قرأَ شَنَآنُ قَوْمٍ، فمعناهُ بُغْضُ
__________
(1). قوله [منسوبة] مقتضاه تشديد الياء ولكن وقع في التكملة في عدة مواضع مخفف الياء مع التصريح بأنه منسوب لشويكة الموضع أو لإبل ولم يقتصر على الضبط بل رقم في كل موضع من النثر والنظم خف إشارة إلى عدم التشديد.
(1/101)

قومٍ. شَنِئْتُه شَنَآناً وشَنْآناً. وَقِيلَ: قَوْلُهُ شَنآنُ أَي بَغْضاؤُهم، ومَن قَرأَ شَنْآنُ قَوْم، فَهُوَ الِاسْمُ: لَا يَحْمِلَنَّكم بَغِيضُ قَوْم. وَرَجُلٌ شَنائِيةٌ وشَنْآنُ والأُنثى شَنْآنَةٌ وشَنْأَى. اللَّيْثُ: رَجُلٌ شَنَاءَةٌ وشَنَائِيَةٌ، بِوَزْنِ فَعالةٍ وفَعالِية: مُبْغِضٌ سَيِءُ الخُلق. وشُنِئَ الرجلُ، فَهُوَ مَشْنُوءٌ، إِذَا كَانَ مُبْغَضاً، وَإِنْ كَانَ جَمِيلًا. ومَشْنَأٌ، عَلَى مَفْعَل، بِالْفَتْحِ: قَبِيحُ الْوَجْهِ، أَو قَبِيحُ المَنْظَر، الواحد والمثنى والجميع وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي ذَلِكَ سواءٌ. والمِشْنَاءُ، بِالْكَسْرِ مَمْدُودٌ، عَلَى مِثالِ مِفْعالٍ: الَّذِي يُبْغِضُه الناسُ. عَنْ أَبي عُبيد قَالَ: وَلَيْسَ بِحَسن لأَن المِشْناءَ صِيغَةُ فَاعِلٍ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي يُبْغِضُه الناسُ، فِي قوَّة الْمَفْعُولِ، حَتَّى كأَنه قَالَ: المِشْناءُ المُبْغَضُ، وَصِيغَةُ الْمَفْعُولِ لَا يُعَبَّر بِهَا «1» عَنْ صِيغَةِ الْفَاعِلِ، فأَمَّا رَوْضةٌ مِحْلالٌ، فَمَعْنَاهُ أَنها تُحِلُّ الناسَ، أَو تَحُلُّ بِهِمْ أَي تَجْعَلُهم يَحُلُّون، وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى مَحْلُولةٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ذَكَرَ أَبو عُبَيْدٍ أَنَّ المَشْنَأَ مِثْلُ المَشْنَعِ: القَبِيحُ المَنْظَر، وَإِنْ كَانَ مُحَبَّباً، والمِشْناءُ مِثْلُ المِشْناعِ: الَّذِي يُبْغِضُه الناسُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ: المِشْناءُ بِالْمَدِّ: الَّذِي يُبْغِضُ الناسَ. وَفِي حَدِيثِ
أُم مَعْبَدٍ: لَا تَشْنَؤُه مِن طُولٍ.
قَالَ ابْنُ الأَثير: كَذَا جاءَ فِي رِوَايَةٍ أَي لَا يُبْغَضُ لفَرْطِ طُولِهِ، وَيُرْوَى لَا يُتَشَنَّى مِنْ طُول، أُبْدل مِنَ الْهَمْزَةِ يَاءً. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ كرَّم اللَّهُ وَجْهَهُ: ومُبْغِضٌ يَحْمِله شَنَآني عَلَى أَنْ يَبْهَتَني.
وتَشانَؤُوا أَي تَباغَضوا، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
. قَالَ الفرَّاءُ: قَالَ الله تعالى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ شانِئَكَ
أَي مُبْغِضَك وعَدُوَّكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. أَبو عَمْرٍو: الشَّانِئُ: المُبْغِضُ. والشَّنْءُ والشِّنْءُ: البِغْضَةُ. وقالَ أَبو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ*
، يُقَالُ الشَّنَآن، بِتَحْرِيكِ النُّونِ، والشَّنْآنُ، بِإِسْكَانِ النُّونِ: البِغْضةُ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ يُقَالُ: شَنِئْتُ الرجلَ أَي أَبْغَضْته. قَالَ: وَلُغَةٌ رَدِيئَةٌ شَنَأْتُ، بِالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا أَبا لشانِئك وَلَا أَبٌ أَي لِمُبْغِضِكَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا أَبا لَكَ. والشَّنُوءَة، عَلَى فَعُولة: التَّقَزُّزُ مِنَ الشيءِ، وَهُوَ التَّباعدُ مِنَ الأَدْناس. وَرَجُلٌ فِيهِ شَنُوءَةٌ وشُنُوءَةٌ أَي تَقَزُّزٌ، فَهُوَ مَرَّةً صِفَةٌ وَمَرَّةً اسْمٌ. وأَزدُ شَنُوءَةَ، قَبِيلَةٌ مِن اليَمن: مِنْ ذَلِكَ، النسبُ إِلَيْهِ: شَنَئِيٌّ، أَجْرَوْا فَعُولةَ مَجْرى فَعِيلةَ لِمُشَابَهَتِهَا إِياها مِنْ عِدّة أَوجه مِنْهَا: أَن كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ فَعُولة وفَعِيلة ثُلَاثِيٌّ، ثُمَّ إِنَّ ثَالِثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرْفٌ لَيِّنٌ يَجْرِي مَجْرَى صَاحِبِهِ؛ وَمِنْهَا: أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فَعُولة وفَعِيلة تاءَ التأْنيث؛ وَمِنْهَا: اصْطِحابُ فَعُول وفَعِيل عَلَى الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ نَحْوَ أَثُوم وأَثِيم ورَحُوم ورَحِيم، فَلَمَّا اسْتَمَرَّتْ حَالُ فَعُولَةٍ وَفَعِيلَةٍ هَذَا الِاسْتِمْرَارَ جَرَتْ وَاوُ شنوءَة مَجرى ياءِ حَنِيفة، فَكَمَا قَالُوا حَنَفيٌّ، قياساً، قالوا شَنَئِيءٌّ، قِيَاسًا. قَالَ أَبو الْحَسَنِ الأَخفش: فَإِنْ قُلْتَ إِنَّمَا جاءَ هَذَا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ يَعْنِي شَنُوءَة، قَالَ: فَإِنَّهُ جَمِيعُ مَا جاءَ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَمَا أَلطفَ هَذَا القولَ مِنْ أَبي الْحَسَنِ، قَالَ: وَتَفْسِيرُهُ أَن الَّذِي جاءَ فِي فَعُولة هُوَ هَذَا الْحَرْفُ، وَالْقِيَاسُ قابِلُه، قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ شيءٌ يَنْقُضُه. وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُمْ. وَرُبَّمَا قَالُوا: أَزْد شَنُوَّة، بِالتَّشْدِيدِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويُنسب إِلَيْهَا شَنَوِيٌّ، وقال:
__________
(1). قوله [لا يعبر بها إلخ] كذا في النسخ ولعل المناسب لا يعبر عنها بصيغة الفاعل.
(1/102)

نَحْنُ قريْشٌ، وهُمُ شَنُوَّهْ، ... بِنا قُرَيْشاً خُتِمَ النُّبُوَّهْ
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَزْدُ شَنُوءَة، بِالْهَمْزِ، عَلَى فَعُولة مَمْدُودَةٍ، وَلَا يُقَالُ شَنُوَّة. أَبو عُبَيْدٍ: الرجلُ الشَّنُوءَة: الَّذِي يَتَقَزَّزُ مِنَ الشيءِ. قَالَ: وأَحْسَبُ أَنَّ أَزْدَ شَنُوءَة سُمِّيَ بِهَذَا. قَالَ اللَّيْثُ: وأَزْدُ شَنُوءَة أَصح الأَزد أَصْلًا وَفَرْعًا، وأَنشد:
فَما أَنْتُمُ بالأَزْدِ أَزْدِ شَنُوءَةٍ، ... وَلَا مِنْ بَنِي كَعْبِ بنِ عَمْرو بْنِ عامِرِ
أَبو عُبَيْدٍ: شَنِئْتُ حَقَّك: أَقْرَرْت بِهِ وأَخرَجْته مِنْ عِنْدِي. وشَنِئَ لَهُ حَقَّه وَبِهِ: أَعْطاه إيَّاه. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: شَنَأَ إِلَيْهِ حَقَّه: أَعطاه إيَّاه وتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَهُوَ أَصَحُّ، وأَما قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
زَلَّ بَنُو العَوَّامِ عَنْ آلِ الحَكَمْ، ... وشَنِئوا المُلْكَ لِمُلْكٍ ذِي قِدَمْ
فَإِنَّهُ يُرْوَى لِمُلْكٍ ولِمَلْكٍ، فَمَنْ رَوَاهُ لِمُلْكٍ، فَوَجْهُهُ شَنِئوا أَي أَبْغَضُوا هَذَا المُلك لِذَلِكَ المُلْكِ، ومَنْ رَوَاهُ لِمَلْكٍ، فالأَجْودُ شَنَؤوا أَي تَبَرَّؤُوا بِهِ إِلَيْهِ. وَمَعْنَى الرَّجَزِ أَي خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِمْ. وقَدَمٌ: مَنْزِلةٌ ورِفْعةٌ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
ولَوْ كانَ فِي دَيْنٍ سِوَى ذَا شَنِئْتُمُ ... لَنا حَقَّنا، أَو غَصَّ بِالْمَاءِ شارِبُهْ
وشَنِئَ بِهِ أَي أَقَرَّ بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ: عَلَيْكُمْ بالمَشْنِيئةِ النافعةِ التَّلْبِينةِ
، تَعْنِي الحَساء، وَهِيَ مفعولةٌ مِنْ شَنِئْتُ أَي أَبْغَضْتُ. قَالَ الرِّيَاشِيُّ: سَأَلْتُ الأَصمعي عَنِ المَشْنِيئةِ، فَقَالَ: البَغِيضةُ. قَالَ ابْنُ الأَثير فِي قَوْلِهِ: مَفْعُولةٌ مِنْ شَنِئْتُ إِذَا أَبْغَضْتَ، فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَهَذَا البِناءُ شَاذٌّ. فَإِنَّ أَصله مَشْنُوءٌ بِالْوَاوِ، وَلَا يُقَالُ فِي مَقْرُوءٍ ومَوْطُوءٍ مَقرِيٌّ ومَوْطِيٌّ وَوَجْهُهُ أَنه لَمَّا خَفَّفَ الْهَمْزَةَ صَارَتْ يَاءً، فَقَالَ مَشْنِيٌّ كَمَرْضيٍّ، فَلَمَّا أَعادَ الْهَمْزَةَ اسْتَصْحَبَ الحالَ المُخَفّفة. وَقَوْلُهَا التَّلْبينة: هِيَ تَفْسِيرُ المَشْنِيئةِ، وَجَعَلَتْهَا بَغِيضة لِكَرَاهَتِهَا. وَفِي حَدِيثِ
كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُوشِكُ أَن يُرْفَعَ عَنْكُمُ الطاعونُ ويَفِيضَ فِيكُمْ شَنَآنُ الشِّتاءِ.
قِيلَ: مَا شَنآنُ الشِّتاءِ؟ قَالَ: بَرْدُه؛ اسْتعارَ الشَّنآنَ للبَرْد لأَنه يَفِيضُ فِي الشِّتَاءِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْبَرْدِ سُهولة الأَمر والرَّاحَة، لأَن الْعَرَبَ تَكْني بِالْبَرْدِ عَنِ الرَّاحة، وَالْمَعْنَى: يُرْفَعُ عَنْكُمُ الطاعونُ والشِّدَّةُ، ويَكثر فِيكُمُ التَّباغُضُ والراحة والدَّعة. وشوانِئُ الْمَالِ: مَا لَا يُضَنُّ بِهِ. عَنِ ابْنِ الأَعرابي مِنْ تَذْكِرَةِ أَبي عَلِيٍّ قَالَ: وَأَرَى ذَلِكَ لأَنها شُنِئَت فجِيدَ بِهَا فأَخْرجه مُخرَج النَّسب، فجاءَ بِهِ عَلَى فَاعِلٍ. والشَّنَآنُ: مِنْ شُعَرائهم، وَهُوَ الشَّنَآنُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ مِنْ حَزْنِ بن عُبادةَ.
شيأ: المَشِيئةُ: الإِرادة. شِئْتُ الشيءَ أَشاؤُه شَيئاً ومَشِيئةً ومَشاءَةً ومَشايةً «2»: أَرَدْتُه، وَالِاسْمُ الشِّيئةُ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. التَّهْذِيبُ: المَشِيئةُ: مَصْدَرُ شاءَ يَشاءُ مَشِيئةً. وَقَالُوا: كلُّ شيءٍ بِشِيئةِ اللَّهِ، بِكَسْرِ الشِّينِ، مِثْلُ شِيعةٍ أَي بمَشِيئتِه. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن يَهُوديّاً أَتى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكم تَنْذِرُون وتُشْرِكُون؛ تَقُولُونَ: مَا شاءَ اللهُ وشِئتُ. فأَمَرَهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَن يَقُولُوا: مَا شاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتُ.
المَشِيئةُ، مَهْمُوزَةً: الإِرادةُ. وَقَدْ شِئتُ الشيءَ أَشاؤُه، وَإِنَّمَا فَرَق بَيْنَ قَوْلِهِ مَا شاءَ
__________
(2). قوله [ومشاية] كذا في النسخ والمحكم وقال شارح القاموس مشائية كعلانية.
(1/103)

اللَّهُ وشِئتُ، وَمَا شاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئتُ، لأَن الْوَاوَ تُفِيدُ الْجَمْعَ دُونَ التَّرْتِيبِ، وَثُمَّ تَجْمَعُ وتُرَتِّبُ، فَمَعَ الْوَاوِ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَهُ فِي المَشِيئةِ، ومَع ثُمَّ يَكُونُ قَدْ قَدَّمَ مشِيئَة اللهِ عَلَى مَشِيئتِه. والشَّيءُ: مَعْلُومٌ. قَالَ سِيبَوَيْهِ حِينَ أَراد أَن يَجْعَلَ المُذَكَّر أَصلًا للمؤَنث: أَلا تَرَى أَن الشيءَ مذكَّر، وَهُوَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا أُخْبِرُ عَنْهُ. فأَما مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ أَيضاً مِنْ قَوْلِ العَرَب: مَا أَغْفَلَه عَنْكَ شَيْئاً، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَي دَعِ الشَّكَّ عنْكَ، وَهَذَا غَيْرُ مُقْنِعٍ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ شَيئاً هَهُنَا مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ حَتَّى كأَنه قَالَ: مَا أَغْفَله عَنْكَ غُفولًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، لأَن فِعْلَ التَّعَجُّبِ قَدِ اسْتَغْنَى بِمَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ عَنْ أَن يؤكَّد بالمصْدر. قَالَ: وأَما قَوْلُهُمْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ شَيْئاً، فإنَّ شَيْئًا هُنَا مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ بشَيءٍ، فَلَمَّا حَذَف حَرْفَ الجرِّ أَوْصَلَ إِلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ أَن مَعْنَى هُوَ أَفْعَلُ مِنْهُ فِي المُبالغَةِ كَمَعْنَى مَا أفْعَله، فَكَمَا لَمْ يَجُزْ مَا أَقْوَمَه قِياماً، كَذَلِكَ لَمْ يَجُز هُوَ أَقْوَمُ مِنْهُ قِياماً. وَالْجَمْعُ: أشياءُ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ، وأَشْياواتٌ وأشاواتٌ وأَشايا وأَشاوَى، مِنْ بَابِ جَبَيْتُ الخَراجَ جِباوةً. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي جَمْعِهَا: أَشْيايا وأَشاوِهَ؛ وحكَى أَن شَيْخًا أَنشده فِي مَجْلِس الْكِسَائِيِّ عَنْ بَعْضِ الأَعراب:
وَذلِك مَا أُوصِيكِ، يَا أُّمَّ مَعْمَرٍ، ... وبَعْضُ الوَصايا، فِي أَشاوِهَ، تَنْفَعُ
قَالَ: وَزَعَمَ الشَّيْخُ أَن الأَعرابي قَالَ: أُريد أَشايا، وَهَذَا مِنْ أَشَذّ الجَمْع، لأَنه لَا هاءَ فِي أَشْياءَ فَتَكُونُ فِي أَشاوِهَ. وأَشْياءُ: لَفعاءُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَعِنْدَ أَبي الْحَسَنِ الأَخفش أَفْعِلاءُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ النَّحْوِيُّونَ فِي أَن أَشْياء جَمْعُ شَيْءٍ، وأَنها غَيْرُ مُجراة. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي العِلة فكَرِهْتُ أَن أَحكِيَ مَقالة كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، واقتصرتُ عَلَى مَا قَالَهُ أَبو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي كِتَابِهِ لأَنه جَمَعَ أَقاوِيلَهم عَلَى اخْتِلافها، وَاحْتَجَّ لأَصْوَبِها عِنْدَهُ، وَعَزَاهُ إِلَى الْخَلِيلِ، فَقَالَ قوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
، أَشْياءُ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ، إلَّا أَنها فُتحت لأَنها لَا تَنْصَرِفُ. قَالَ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَشْبَهَ آخِرُها آخِرَ حَمْراءَ، وكَثُر اسْتِعْمَالُهَا، فَلَمْ تُصْرَفْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَدْ أَجمع الْبَصْرِيُّونَ وأَكثر الْكُوفِيِّينَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْكِسَائِيِّ خطأٌ فِي هَذَا، وأَلزموه أَن لَا يَصرِف أَبناء وأَسماء. وَقَالَ الفرّاءُ والأَخفش: أَصل أَشياء أَفْعِلاء كَمَا تَقُولُ هَيْنٌ وأَهْوِناء، إِلَّا أَنه كَانَ فِي الأَصل أَشْيِئاء، عَلَى وَزْنِ أَشْيِعاع، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلف فحُذِفت الْهَمْزَةُ الأُولى. قَالَ أَبو إِسحاق: وَهَذَا الْقَوْلُ أَيضاً غَلَطٌ لأَن شَيْئاً فَعْلٌ، وفَعْلٌ لَا يُجْمَعُ أَفْعِلاء، فأَما هَيْنٌ فأَصله هَيِّنٌ، فجُمِعَ عَلَى أَفْعِلاء كَمَا يُجْمَعُ فَعِيلٌ عَلَى أَفْعِلاءَ، مِثْلَ نَصِيب وأَنْصِباء. قَالَ وَقَالَ الْخَلِيلُ: أَشياء اسْمٌ لِلْجَمْعِ كَانَ أصلُه فَعْلاءَ شَيْئاءَ، فاسْتُثْقل الْهَمْزَتَانِ، فَقَلَبُوا الْهَمْزَةَ الْأَوْلَى إِلَى أَول الْكَلِمَةِ، فجُعِلَت لَفْعاءَ، كَمَا قَلَبُوا أَنْوقاً فَقَالُوا أَيْنُقاً. وَكَمَا قَلَبُوا قُوُوساً قِسِيّاً. قَالَ: وَتَصْدِيقُ قَوْلِ الْخَلِيلِ جمعُهم أَشْياءَ أَشاوَى وأَشايا، قَالَ: وَقَوْلُ الْخَلِيلِ هُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَالْمَازِنِيِّ وَجَمِيعِ الْبَصْرِيِّينَ، إلَّا الزِّيَّادِي مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يَمِيل إِلَى قَوْلِ الأَخفش. وذُكِر أَن الْمَازِنِيَّ ناظَر الأَخفش فِي هَذَا، فقطَع المازِنيُّ الأَخفشَ، وَذَلِكَ أَنه سأَله كَيْفَ تُصغِّر أَشياء، فَقَالَ لَهُ أَقول: أُشَيَّاء؛ فَاعْلَمْ، وَلَوْ كَانَتْ أَفعلاء لردَّت فِي التَّصْغِيرِ إِلَى وَاحِدِهَا فَقِيلَ: شُيَيْئات. وأَجمع الْبَصْرِيُّونَ أَنَّ تَصْغِيرَ أَصْدِقاء، إِنْ كَانَتْ لِلْمُؤَنَّثِ:
(1/104)

صُدَيقات، وَإِنْ كَانَ للمذكرِ: صُدَيْقُون. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَما اللَّيْثُ، فَإِنَّهُ حَكَى عَنِ الْخَلِيلِ غَيْرَ مَا حَكَى عَنْهُ الثِّقَاتُ، وخَلَّط فِيمَا حَكَى وطوَّل تَطْوِيلًا دَلَّ عَلَى حَيْرته، قَالَ: فَلِذَلِكَ تَرَكْتُهُ، فَلَمْ أَحكه بِعَيْنِهِ. وَتَصْغِيرُ الشيءِ: شُيَيْءٌ وشِيَيْءٌ بِكَسْرِ الشِّينِ وَضَمِّهَا. قَالَ: وَلَا تَقُلْ شُوَيْءٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّمَا تُرِكَ صَرْفُ أَشياءَ لأَن أَصله فَعْلاء جُمِعَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدِهِ، كَمَا أَنَّ الشُّعراءَ جُمعَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدِهِ، لأَن الْفَاعِلَ لَا يُجْمَعُ عَلَى فُعَلاء، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا الْهَمْزَتَيْنِ فِي آخِرِهِ، فَقَلَبُوا الْأُولَى أَوَّل الْكَلِمَةِ، فَقَالُوا: أَشياء، كَمَا قَالُوا: عُقابٌ بعَنْقاة، وأَيْنُقٌ وقِسِيٌّ، فَصَارَ تَقْدِيرُهُ لَفْعاء؛ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةٍ ذَلِكَ أَنه لَا يُصْرَفُ، وأَنه يُصَغَّرُ عَلَى أُشَيَّاء، وأَنه يجمع على أَشاوَى، وأَصله أَشائِيُّ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ يَاءَاتٍ، فحُذفت الوُسْطى وقُلِبت الأَخيرة أَلِفاً، وأُبْدِلت من الأُولى واوا، كَمَا قَالُوا: أَتَيْتُه أَتْوَةً. وَحَكَى الأَصمعي: أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَفصح الْعَرَبِ يَقُولُ لِخَلَفٍ الأَحمر: إنَّ عِنْدَكَ لأَشاوى، مِثْلَ الصَّحَارَى، وَيُجْمَعُ أَيضاً عَلَى أَشايا وأَشْياوات. وَقَالَ الأَخفش: هُوَ أَفْعلاء، فَلِهَذَا لَمْ يُصرف، لأَن أَصله أَشْيِئاءُ، حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي بَيْنَ الْيَاءِ والأَلِف لِلتَّخْفِيفِ. قَالَ لَهُ الْمَازِنِيُّ: كَيْفَ تُصغِّر العربُ أَشياءَ؟ فَقَالَ: أُشَيَّاء. فَقَالَ لَهُ: تَرَكْتُ قَوْلَكَ لأَنَّ كل جمع كُسِّرَ على غَيْرِ وَاحِدِهِ، وَهُوَ مِنْ أَبنية الْجَمْعِ، فإِنه يُردُّ فِي التَّصْغِيرِ إِلَى وَاحِدِهِ، كَمَا قَالُوا: شُوَيْعِرون فِي تَصْغِيرِ الشُّعَراءِ، وَفِيمَا لَا يَعْقِلُ بالأَلِف والتاءِ، فَكَانَ يَجِبُ أَن يَقُولُوا شُيَيْئَات. قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَلْزَمُ الْخَلِيلَ، لأَنَّ فَعْلاء لَيْسَ مِنْ أَبنية الْجَمْعِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَشياء أَفعالٌ مِثْلُ فَرْخٍ وأَفْراخٍ، وإِنما تَرَكُوا صَرْفَهَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهَا لأَنها شُبِّهت بفَعْلاء. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصل شيءٍ شَيِّئٌ، عَلَى مِثَالِ شَيِّعٍ، فَجُمِعَ على أَفْعِلاء مثل هَيِّنٍ وأَهْيِناء ولَيِّنٍ وأَلْيِناء، ثُمَّ خُفِّفَ، فَقِيلَ شيءٌ كَمَا قَالُوا هَيْنٌ ولَيْنٌ، وَقَالُوا أَشياء فَحَذَفُوا الْهَمْزَةَ الأُولى وَهَذَا الْقَوْلُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَن لَا يُجْمَع عَلَى أَشاوَى، هَذَا نَصُّ كَلَامِ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ حِكَايَةِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ الْخَلِيلِ: إِنَّ أَشْياءَ فَعْلاء جُمِع عَلَى غَيْرِ وَاحِدِهِ، كَمَا أَنَّ الشُّعَرَاءَ جُمِع على غيره وَاحِدِهِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حِكايَتُه عَنِ الْخَلِيلِ أَنه قَالَ: إِنها جَمْع عَلَى غَيْرِ وَاحِدِهِ كشاعِر وشُعراءٍ، وَهَمٌ مِنْهُ، بَلْ وَاحِدُهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَلَيْسَتْ أَشياء عِنْدَهُ بِجَمْعٍ مكسَّر، وَإِنَّمَا هِيَ اسْمٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ الطَّرْفاءِ والقَصْباءِ والحَلْفاءِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهَا بَدَلًا مِنْ جَمع مُكَسَّرٍ بِدَلَالَةِ إِضَافَةِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِمْ: ثَلَاثَةُ أَشْياء، فأَما جَمْعُهَا عَلَى غير واحدها، فذلك مَذْهَبُ الأَخفش لأَنه يَرى أَنَّ أَشياء وَزْنُهَا أَفْعِلاء، وأَصلها أَشْيئاء، فحُذِفت الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا. قَالَ: وَكَانَ أَبو عَلِيٍّ يُجِيزُ قَوْلَ أَبي الْحَسَنِ عَلَى أَن يَكُونَ وَاحِدُهَا شَيْئًا وَيَكُونُ أَفْعِلاء جَمْعًا لفَعْل فِي هَذَا كَمَا جُمِعَ فَعْلٌ عَلَى فُعَلاء فِي نَحْوِ سَمْحٍ وسُمَحاء. قَالَ: وَهُوَ وهَم مِنْ أَبي عَلِيٍّ لأَن شَيْئًا اسْمٌ وسَمْحاً صِفَةٌ بِمَعْنَى سَمِيحٍ لأَن اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ سَمُحَ قِيَاسُهُ سَمِيحٌ، وسَمِيح يُجْمَعُ عَلَى سُمَحاء كظَريف وظُرَفاء، وَمِثْلُهُ خَصْم وخُصَماء لأَنه فِي مَعْنَى خَصِيم وَالْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ يَقُولَانِ: أَصلها شَيئاءُ، فَقُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ إِلَى أَوَّلها فَصَارَتْ أَشْياء، فَوَزْنُهَا لَفْعاء. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمَا أَن الْعَرَبَ قَالَتْ فِي تَصْغِيرِهَا: أُشَيَّاء. قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ جَمْعًا مُكَسَّرًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الأَخفش: لَقِيلَ فِي تَصْغِيرِهَا: شُيَيْئات، كَمَا يُفعل ذَلِكَ فِي الجُموع المُكسَّرة كجِمالٍ وكِعابٍ وكِلابٍ، تَقُولُ فِي تَصْغِيرِهَا: جُمَيْلاتٌ وكُعَيْباتٌ وكُلَيْباتٌ، فَتَرُدُّهَا إِلَى الْوَاحِدِ، ثُمَّ تَجْمَعُهَا بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ. وَقَالَ ابْنُ
(1/105)

بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ: إِنَّ أَشْياء يُجْمَعُ عَلَى أَشاوِي، وأَصله أَشائِيُّ فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ أَلفاً، وأُبدلت مِنَ الْأُولَى وَاوًا، قَالَ: قَوْلُهُ أَصله أَشائِيُّ سَهْوٌ، وَإِنَّمَا أَصله أَشايِيُّ بِثَلَاثِ يَاءَاتٍ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ هَمْزُ الْيَاءِ الْأُولَى لِكَوْنِهَا أَصلًا غَيْرَ زَائِدَةٍ، كَمَا تَقُولُ في جَمْع أَبْياتٍ أَبايِيت، فَلَا تَهْمِزُ الْيَاءُ الَّتِي بَعْدَ الأَلف، ثُمَّ خُفِّفَتِ الْيَاءَ الْمُشَدَّدَةَ، كَمَا قَالُوا فِي صَحارِيّ صَحارٍ، فَصَارَ أَشايٍ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الْكَسْرَةِ فتحةٌ وَمِنَ الْيَاءِ أَلف، فَصَارَ أَشايا، كَمَا قَالُوا فِي صَحارٍ صَحارَى، ثُمَّ أَبدلوا مِنَ الْيَاءِ واواً، كما أَبدلوها فِي جَبَيْتُ الخَراجَ جِبايةً وجِباوةً. وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: أَنَّ أَشاوَى جَمْعٌ لإِشاوةٍ، وإِن لَمْ يُنْطَقْ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ إِن الْمَازِنِيَّ قَالَ للأَخفش: كَيْفَ تصغِّر الْعَرَبُ أَشياء، فَقَالَ أُشَيَّاء، فَقَالَ لَهُ: تَرَكْتُ قَوْلَكَ لأَن كل جمع كسر على غَيْرِ وَاحِدِهِ، وَهُوَ مِنْ أَبنية الْجَمْعِ، فإِنه يُردُّ بِالتَّصْغِيرِ إِلَى وَاحِدِهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ مُغَيَّرَةٌ لأَنَّ الْمَازِنِيَّ إِنَّمَا أَنكر عَلَى الأَخفش تَصْغِيرَ أَشياء، وَهِيَ جَمْعٌ مُكَسِّرٌ لِلْكَثْرَةِ، مِنْ غَيْرِ أَن يُردَّ إِلَى الْوَاحِدِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِن كُلَّ جمع كسر على غير وَاحِدِهِ، لأَنه لَيْسَ السببُ المُوجِبُ لردِّ الْجَمْعِ إِلَى وَاحِدِهِ عِنْدَ التَّصْغِيرِ هُوَ كَوْنُهُ كُسِرَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ جَمْعَ كَثرة لَا قِلَّةٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ الْفَرَّاءِ: إِن أَصل شيءٍ شَيِّئٌ، فجمع على أَفْعِلاء، مِثْلُ هَيِّنٍ وأَهْيِناء، قَالَ: هَذَا سَهْوٌ، وَصَوَابُهُ أَهْوناء، لأَنه مِنَ الهَوْنِ، وَهُوَ اللِّين. اللَّيْثُ: الشَّيء: الْمَاءُ، وأَنشد:
تَرَى رَكْبَه بالشيءِ فِي وَسْطِ قَفْرةٍ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَا أَعرف الشَّيْءَ بِمَعْنَى الْمَاءِ وَلَا أَدري مَا هُوَ وَلَا أَعرف الْبَيْتَ. وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ: قَالَ الأَصمعي: إِذَا قَالَ لَكَ الرَّجُلُ: مَا أَردت؟ قلتَ: لَا شَيْئًا؛ وَإِذَا قَالَ لَكَ: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ قلت: للا شَيْءٍ؛ وإِن قَالَ: مَا أَمْرُكَ؟ قُلْتَ: لَا شَيْءٌ، تُنَوِّن فِيهِنَّ كُلِّهن. والمُشَيَّأُ: المُخْتَلِفُ الخَلْقِ المُخَبَّله «1» القَبِيحُ. قَالَ:
فَطَيِّئٌ مَا طَيِّئٌ مَا طَيِّئُ؟ ... شَيَّأَهُم، إِذْ خَلَقَ، المُشَيِّئُ
وَقَدْ شَيَّأَ اللَّهُ خَلْقَه أَي قَبَّحه. وَقَالَتِ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ:
إِنّي لأَهْوَى الأَطْوَلِينَ الغُلْبا، ... وأُبْغِضُ المُشَيَّئِينَ الزُّغْبا
وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: المُشَيَّأُ مِثل المُؤَبَّن. وَقَالَ الجَعْدِيُّ:
زَفِير المُتِمِّ بالمُشَيَّإِ طَرَّقَتْ ... بِكاهِلِه، فَما يَرِيمُ المَلاقِيَا
وشَيَّأْتُ الرَّجلَ عَلَى الأَمْرِ: حَمَلْتُه عَلَيْهِ. وَيَا شَيْء: كَلِمَةٌ يُتَعَجَّب بِهَا. قَالَ:
يَا شَيْءَ مَا لِي مَنْ يُعَمَّرْ يُفْنِهِ ... مَرُّ الزَّمانِ عَلَيْهِ، والتَّقْلِيبُ
قَالَ: وَمَعْنَاهَا التأَسُّف عَلَى الشَّيْءِ يُفُوت. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَعْنَاهُ يَا عَجَبي، وَمَا: فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. الأَحمر: يَا فَيْءَ مَا لِي، وَيَا شَيْءَ مَا لِي، وَيَا هَيْءَ مَا لِي مَعْنَاهُ كُلِّه الأَسَفُ والتَّلَهُّفُ وَالْحُزْنُ. الْكِسَائِيُّ: يَا فَيَّ مَا لِي وَيَا هَيَّ مَا لِي، لَا يُهْمَزان، وَيَا شَيْءَ مَا لِي، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ؛ وَمَا، فِي كُلِّهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تأْويلُه يَا عَجَبا مَا لِي، وَمَعْنَاهُ التَّلَهُّف والأَسَى. قَالَ الْكِسَائِيُّ: مِن الْعَرَبِ من
__________
(1). قوله [المخبله] هو هكذا في نسخ المحكم بالباء الموحدة.
(1/106)

يَتَعَجَّبُ بشيَّ وهَيَّ وَفيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ مَا، فَيَقُولُ: يَا شيَّ مَا، وَيَا هَيَّ مَا، وَيَا فيَّ مَا أَي مَا أَحْسَنَ هَذَا. وأَشاءَه لُغَةٌ فِي أَجاءه أَي أَلْجَأَه. وَتَمِيمٌ تَقُولُ: شَرٌّ مَا يُشِيئُكَ إِلَى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ أَي يُجِيئُك. قَالَ زُهَيْرُ ابن ذُؤَيْبٍ الْعَدَوِيُّ:
فَيَالَ تَمِيمٍ صابِرُوا، قَدْ أُشِئْتُمُ ... إِلَيْهِ، وكُونُوا كالمُحَرِّبة البُسْل

فصل الصاد المهملة
صأصأ: صَأْصَأَ الجَرْوُ: حَرَّك عَيْنَيْهِ قَبْلَ التَّفْقِيحِ. وَقِيلَ صَأْصَأَ: كَادَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَفْتَحْهُمَا وَفِي الصِّحَاحِ: إِذَا التَمَسَ النَّظَرَ قَبْلَ أَن يَفْتحَ عَيْنَيْه، وَذَلِكَ أَن يُرِيدَ فَتْحَهُمَا قَبْل أَوانه. وَكَانَ عُبيد اللهِ بْنُ جَحْشٍ أَسْلمَ وهاجَر إِلَى الحَبَشةِ ثُمَّ ارْتَدَّ وتَنَصَّرَ بالحَبَشةِ فَكَانَ يَمُرُّ بالمُهاجِرينَ فَيَقُولُ: فَقَّحْنا وصَأْصَأْتُم أَي أَبْصَرْنا أَمْرَنا وَلَمْ تُبْصِرُوا أَمْرَكُم. وقيلَ: أَبْصَرْنا وأَنتم تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ صَأْصَأَ الجَرْوُ إِذا لَمْ يَفْتحْ عَيْنَيْهِ أَوانَ فَتْحِه، وفَقَّحَ إِذا فَتَحَ عَيْنَيْهِ، فأَراد: أَنَّا أَبْصَرْنا أَمْرَنا وَلَمْ تُبصِروه. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: الصَّأْصَأُ: تأْخير الْجَرْوِ فَتْحَ عَيْنيه. والصَّأْصَأُ: الفَزَعُ الشَّدِيدُ: وصَأْصَأَ مِن الرَّجُلِ وتَصَأْصَأَ مِثْلُ تَزَأْزَأَ: فَرِقَ مِنْهُ واسْتَرْخَى. حَكَى ابْنُ الأَعرابي عَنِ العُقَيْليِّ: مَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا صَأْصَأَةً مِنِّي أَي خَوْفاً وذُلًّا. وصَأْصَأَ بِهِ: صَوَّتَ. والصَّأْصاءُ: الشِّيصُ «1». والصِّئْصِئُ والصِّيصِئُ كِلَاهُمَا: الأَصل، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: وَالْهَمْزُ أَعرف. والصِّئصاء: مَا تَحَشَّفَ مِنَ التَّمْرِ فَلَمْ يَعْقِدْ لَهُ نَوًى، وَمَا كَانَ مِنَ الحَبِّ لَا لُبَّ لَهُ كحبِّ البطِّيخِ والحَنْظَلِ وَغَيْرِهِ، وَالْوَاحِدُ صِيصاءَةٌ. وصَأْصَأَتِ النخلةُ صِئْصاءً إِذَا لَمْ تَقْبَلِ اللَّقاح وَلَمْ يَكُنْ لبُسْرها نَوًى. وَقِيلَ: صَأْصَأَت إِذَا صَارَتْ شِيصاً. وَقَالَ الأُموي: فِي لُغَةُ بَلْحارث بْنِ كَعْبٍ الصِّيصُ هُوَ الشِّيصُ عِنْدَ النَّاسِ، وأَنشد:
بأَعْقارِها القِرْدانُ هَزْلَى، كأَنها ... نوادِرُ صِيصاءِ الهَبِيدِ المُحَطَّمِ
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الصِّيصاء: قِشْر حبِّ الحَنْظَلِ. أَبو عَمْرٍو: الصِّيصةُ مِنَ الرِّعاء: الحَسَنُ القِيامِ عَلَى مَالِهِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ فِي صِئْصِئِ صِدْقٍ وضِئْضِئ صِدْقٍ، قَالَهُ شَمِرٌ وَاللِّحْيَانِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الخَوارِجِ:
يَخرج مِنْ صِئْصِئِ هَذَا قومٌ يَمْرُقُون مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُق السَّهم مِنَ الرَّمِيَّة
؛ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الضاد المعجمة أَيضاً.
صبأ: الصابِئون: قَوْمٌ يَزعُمون أَنهم عَلَى دِينِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَذِبِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: جنسٌ مِنْ أَهل الْكِتَابِ وقِبْلَتُهم مِنْ مَهَبِّ الشَّمال عِنْدَ مُنْتَصَف النَّهَارِ. التَّهْذِيبُ، اللَّيْثُ: الصابِئون قَوْمٌ يُشْبِه دِينُهم دينَ النَّصارى إلَّا أَنَّ قِبْلَتَهم نَحْوَ مَهَبِّ الجَنُوبِ، يَزعُمون أَنهم عَلَى دِين نوحٍ، وَهُمْ كَاذِبُونَ. وَكَانَ يُقَالُ للرجلِ إِذَا أَسْلمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ صَبَأَ، عَنَوْا أَنه خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلى دين.
__________
(1). قوله [والصأصاء الشيص] هو في التهذيب بهذا الضبط ويؤيده ما في شرح القاموس من أنه كدحداح.
(1/107)

وَقَدْ صَبَأَ يَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءًا، وصَبُؤَ يَصْبُؤُ صَبْأً وصُبُوءًا كِلَاهُمَا: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ، كَمَا تَصْبَأُ النُّجوم أَي تَخْرُجُ مِنْ مَطالِعها. وَفِي التَّهْذِيبِ: صَبَأَ الرَّجُلُ فِي دِينِهِ يَصْبَأُ صُبُوءًا إِذَا كَانَ صابِئاً. أَبو إِسحاق الزجَّاج فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالصَّابِئِينَ*
: مَعْنَاهُ الخارِجِين مِنْ دينٍ إِلَى دِينٍ. يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ يَصْبَأُ إِذَا خَرج مِنْ دِينِهِ. أَبو زَيْدٍ يُقَالُ: أَصْبَأْتُ القومَ إصْباءً إِذَا هَجَمْتَ عَلَيْهِمْ، وأَنت لَا تَشْعرُ بِمَكَانِهِمْ، وأَنشد:
هَوَى عَلَيْهِمْ مُصبِئاً مُنْقَضَّا
وَفِي حَدِيثِ
بَنِي جَذيمة: كَانُوا يَقُولُونَ، لَمَّا أَسْلموا، صَبَأْنا، صَبَأْنا.
وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي النَّبِيَّ، صَلَّى الله عليه وسلم، الصابِئَ، لأَنه خَرَجَ مِنْ دِينِ قُرَيْش إِلَى الإِسلام، وَيُسَمُّونَ مَن يَدْخُلُ فِي دِينِ الإِسلام مَصْبُوّاً، لأَنهم كَانُوا لَا يَهْمِزُونَ، فأَبدلوا مِنَ الْهَمْزَةِ وَاوًا، وَيُسَمُّونَ الْمُسْلِمِينَ الصُّباةَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، كأَنه جَمْع الصَّابِي، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، كقاضٍ وقُضاةٍ وغازٍ وغُزاةٍ. وصَبَأَ عَلَيْهِمْ يَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءاً وأَصْبأَ كِلَاهُمَا: طَلَعَ عَلَيْهِمْ. وصَبَأَ نابُ الخُفِّ والظِّلْف وَالْحَافِرِ يَصْبَأُ صُبُوءاً: طَلَعَ حَدُّه وَخَرَجَ. وصَبَأَتْ سِنُّ الغلامِ: طَلَعَت. وصبَأَ النجمُ والقمرُ يَصْبَأُ، وأَصْبأَ: كَذَلِكَ. وَفِي الصِّحَاحِ: أَي طَلَعَ الثريَّا. قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ قَحْطًا:
وأَصْبَأَ النَّجْمُ فِي غَبْراءَ كاسِفةٍ، ... كأَنَّه بائِسٌ، مُجْتابُ أَخْلاقِ
وصَبَأَتِ النُّجومُ إِذَا ظَهَرَت. وقُدِّم إِلَيْهِ طَعام فَمَا صَبَأَ ولا أَصْبأَ فيه أَي مَا وَضَع فِيهِ يَدَه، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. أَبو زَيْدٍ يُقَالُ: صَبَأْت عَلَى الْقَوْمِ صَبْأً وصَبَعتُ وَهُوَ أَن تَدُلَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: صَبَأَ عَلَيْهِ إِذَا خَرج عَلَيْهِ ومالَ عَلَيْهِ بالعَداوة. وجعلَ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَتَعُودُنَّ فِيهَا أَساوِدَ صُبًّى: فُعَّلًا مِنْ هَذَا خُفِّف هَمْزُهُ. أَراد أَنهم كالحيَّات الَّتِي يَمِيل بَعْضُهَا عَلَى بعض.
صتأ: صتَأَه يَصْتَؤُه صَتْأً: صَمَدَ له.
صدأ: الصُّدْأَةُ: شُقْرةٌ تَضْرِبُ إِلَى السَّوادِ الغالِبِ. صَدِئَ صَدَأً، وَهُوَ أَصْدَأُ والأُنثى صَدْآءُ وصَدِئةٌ، وَفَرَسٌ أَصْدَأُ وجَدْيٌ أَصْدَأُ بيِّن الصَّدَإِ، إِذَا كَانَ أَسودَ مُشْرَباً حُمْرةً، وَقَدْ صَدِئَ. وعَناقٌ صَدْآءُ. وَهَذَا اللَّوْنُ مِنْ شِياتِ المعِز والخَيْل. يُقَالُ: كُمَيْتٌ أَصْدَأُ إِذَا عَلَتْه كُدْرةٌ، وَالْفِعْلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: صَدِئَ يَصْدَأُ وأَصْدَأَ يُصْدِئُ. الأَصمعي فِي بَابِ أَلوان الإِبل: إِذَا خالَطَ كُمْتةَ البَعِيرِ مثْلُ صَدَإ الْحَدِيدِ فَهُوَ الحُوَّةُ. شَمِرٌ: الصَّدْآءُ عَلَى فَعْلاء: الأَرض الَّتِي تَرى حَجَرها أَصْدَأَ أَحمر يَضْرِب إِلَى السَّواد، لَا تَكُونُ إلَّا غَلِيظة، وَلَا تَكُونُ مُسْتَوِيةً بالأَرض، وَمَا تحتَ حِجارة الصدْآء أَرض غَلِيظةٌ، وَرُبَّمَا كَانَتْ طِيناً وحِجارةً. وصُداء، مَمْدُودٌ: حَيٌّ مِنَ اليَمَنِ. وَقَالَ لَبِيدٌ:
فَصَلَقْنا فِي مُراد صَلْقةً، ... وصُداءٌ أَلْحَقَتْهُمْ بالثَّلَلْ
والنِّسبةُ إِلَيْهِ صُداويٌّ بِمَنْزِلَةٍ الرُهاوِي. قَالَ: وَهَذِهِ المَدَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الأَصل يَاءً أَو واوا، فإنما تُجْعَلُ فِي النِّسبة وَاوًا كراهيةَ الْتِقَاءِ الْيَاءَاتِ. أَلا تَرَى أَنك تَقُولُ: رَحًى ورَحَيانِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَلف رَحًى
(1/108)

يَاءٌ. وَقَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِلَيْهَا رَحَوِيٌّ لِتِلْكَ العِلّة. والصَّدَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: الطَّبَعُ والدَّنَسُ يَرْكَب الحديدَ. وصَدَأُ الحديدِ: وسَخهُ. وصَدِئَ الحديدُ ونحوهُ يَصْدَأُ صَدَأً، وَهُوَ أَصْدَأُ: عَلاه الطَّبَعُ، وَهُوَ الوسَخُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
إنَّ هَذِهِ القُلوب تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ، وَهُوَ أَن يَرْكَبَها الرَّيْنُ بِمُباشَرةِ المَعاصِي والآثامِ، فَيَذْهَبَ بِجَلائِها، كَمَا يَعْلُو الصَّدأُ وجْهَ المِرآةِ والسَّيْفِ وَنَحْوَهُمَا.
وكَتِيبةٌ صَدْآء: عِلْيَتُها صَدَأُ الحَديد، وكَتِيبةٌ جَأْواء إِذَا كَانَ عِلْيَتُها صدأَ الْحَدِيدِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه سأَلَ الأُسْقُفَّ عَنِ الخُلَفاء فحَدَّثه حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَعْتِ الرَّابِع مِنْهُمْ فَقَالَ: صَدَأٌ مِنْ حَدِيدٍ
، وَيُرْوَى: صَدَعٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَرادَ دَوامَ لُبْس الحَدِيد لاتِّصال الْحُرُوبِ فِي أَيام عليٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا مُنِيَ بِهِ مِنْ مُقاتَلةِ الخَوارِج والبُغاة ومُلابَسةِ الأُمُورِ المُشْكِلة والخُطُوبِ المُعْضِلة، وَلِذَلِكَ قَالَ
عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وا دَفْراه، تضَجُّرا مِنْ ذَلِكَ واستِفْحاشاً.
وَرَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، كأَنَّ الصَّدَا لُغَةٌ فِي الصَدَع، وَهُوَ اللَّطِيفُ الجِسْمِ. أَراد أَنَّ عَلِيَّاً خَفيفُ الجِسْمِ يَخِفُّ إِلَى الحُروب، وَلَا يَكْسَلُ، لِشدّة بأْسه وشجاعَته. ويَدِي مِن الحَدِيد صَدِئةٌ أَي سَهِكةٌ. وَفُلَانٌ صاغِرٌ صَدِئ إِذَا لَزِمَه صَدَأُ العارِ واللَّوْمِ. وَرَجُلٌ صَدَأ: لَطِيفُ الجِسمِ كَصَدَعٍ. وَرُوِيَ الْحَدِيثُ: صَدَعٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَالَ: والصَّدأُ أَشبهُ بِالْمَعْنَى، لأَن الصَّدَأَ لَهُ دَفَرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عمر وا دَفْراه، وَهُوَ حِدّةُ رائحةِ الشَّيْءِ خَبِيثًا «2» كَانَ أَو طَيِّبًا. وأَما الذَّفَرُ، بِالذَّالِ، فَهُوَ النَّتْن خَاصَّةً. قَالَ الأَزهري: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ شَمِرٌ مَعْنَاهُ حَسُنَ. أَراد أَنه، يَعْنِي عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خفيفٌ يَخِفُّ إِلَى الحُرُوب فَلَا يَكْسَلُ، وَهُوَ حَدِيدٌ لشدةِ بأْسه وشَجاعتِه. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. وصَدْآءُ: عَيْنٌ عَذْبَةُ الْمَاءِ، أَو بِئْرٌ. وَفِي الْمَثَلِ: ماءٌ وَلَا كَصَدْآءَ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: مَنْ أَمثالهم فِي الرَّجُلَيْنِ يكونانِ ذَوَيْ فَضْلٍ غَيْرَ أَن لأَحدهما فَضْلًا عَلَى الْآخَرِ قَولهم: ماءٌ وَلَا كَصَدْآءَ، وَرَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ: وَلَا كَصَدَّاءَ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ والمَدّة، وَذَكَرَ أَن المثَل لقَذورَ بِنْتِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الشَّيباني، وَكَانَتْ زَوْجَةَ لَقِيط بْنِ زُرارةَ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رجُل مِنْ قَومها، فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: أَنا أَجملُ أَم لَقِيطٌ؟ فَقَالَتْ: ماءٌ وَلَا كَصَدْآء أَي أَنت جَميلٌ ولستَ مثلَه. قَالَ الْمُفَضَّلُ: صَدَّاءُ: رَكِيّةٌ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَاءٌ أَعذب مِنْ مَائِهَا، وَفِيهَا يَقُولُ ضِرارُ بْنُ عَمرو السَّعدي:
وإِني، وتَهْيامي بزَيْنَبَ، كَالَّذِي ... يُطالِبُ، مِنْ أَحْواضِ صَدَّاءَ، مَشْرَبا
قَالَ الأَزهري: وَلَا أَدري صدَّاء فَعَّالٌ أَو فَعَلَاءُ، فإِن كَانَ فَعَّالًا: فَهُوَ مِنْ صَدا يَصْدُو أَو صَدِيَ يَصْدَى. وَقَالَ شَمِرٌ: صَدا الهامُ يَصْدُو إِذَا صاحَ، وإِن كَانَتْ صَدَّاءُ فَعْلاء، فَهُوَ مِنَ المُضاعَفِ كَقَوْلِهِمْ: صَمَّاء مِنَ الصَّمَم.
صمأ: صَمَأَ عَلَيْهِمْ صَمْأً: طَلَع. وَمَا أَدري مِن أَين صَمَأَ أَي طَلَعَ. قَالَ: وأَرَى الْمِيمَ بَدلًا من الباء.
__________
(2). قوله [خبيثاً إلخ] هذا التعميم إنما يناسب الذفر بالذال المعجمة كما هو المنصوص في كتب اللغة، فقوله وأَما الذفر بالذال فصوابه بالدال المهملة فانقلب الحكم على المؤلف، جل من لا يسهو.
(1/109)

صيأ: الصاءَةُ والصاءُ: الْمَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِي السَّلَى. وَقِيلَ: الْمَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رأْس الْوَلَدِ كالصَّآة. وَقِيلَ إِنَّ أَبا عُبَيْدٍ قَالَ: صآةٌ، فصحَّف، فرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ صاءَةٌ. فقَبِله أَبو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: الصاءَةُ عَلَى مِثَالِ الساعةِ، لِئلا يَنْساهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الجوهريُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي صَوأَ وَقَالَ: الصاءَة عَلَى مِثَالِ الصَّاعةِ: مَا يخرُجُ مِنْ رَحِمِ الشَّاةِ بَعْدَ الوِلادةِ مِن القَذَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ماءٌ ثَخينٌ يخرجُ مَعَ الْوَلَدِ. يُقَالُ أَلقَتِ الشاةُ صاءَتها. وصَيَّأَ رأْسَه تَصيِيئاً: بلَّه قَلِيلًا قَلِيلًا. وَالِاسْمُ: الصِّيئةُ. وصَيَّأَه: غَسَله فَلَمْ يُنْقِه وبَقِيَت آثارُ الوسَخِ فِيهِ. وصَيَّأَ النخلُ: ظَهَرت أَلوانُ بُسْرِه، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ قَالَ لامرأَةٍ: أَنتِ مثلُ العَقْرَب تَلْدَغُ وتَصِيءُ.
صاءَت العَقْرَب تَصِيءُ إِذَا صاحتْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مَقْلُوبٌ مَنْ صَأَى يَصْئِي مِثْلُ رَمَى يَرْمِي «1»، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وتصِيءُ، لِلْحَالِ، أَي تَلْدَغُ، وَهِيَ صائِحةٌ. وَسَنَذْكُرُهُ أَيضاً فِي الْمُعْتَلِّ.

فصل الضاد المعجمة
ضأضأ: الضِّئْضِئُ والضُّؤْضُؤُ: الأَصل والمَعْدِنُ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَجَدْتُك فِي الضِّنْءِ مِنْ ضِئْضِئٍ، ... أَحَلَّ الأَكابِرُ مِنْهُ الصِّغارا
وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن رَجُلًا أَتى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقْسِم الْغَنَائِمَ، فَقَالَ لَهُ: اعْدِلْ فإِنك لَمْ تَعْدِل. فَقَالَ: يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئي هَذَا قوم يَقْرَؤُون الْقُرْآنَ لَا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقون مِنَ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ.
الضئْضِئُ: الأَصْلُ. وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
بأَصل الضِّنْوِ ضئْضِئِه الأَصِيل «2»
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ مِثْلَهُ، وأَنشد:
أَنا مِنْ ضِئْضِئِ صِدْقٍ، ... بَخْ وَفِي أَكْرَمِ جِذْلِ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَخْرُج مِنْ ضِئْضِئي هَذَا أَي من أَصلِ ونَسْلِه. قَالَ الرَّاجِزُ:
غَيْران مِنْ ضِئْضِئِ أَجْمالٍ غُيُرْ
تَقُولُ: ضِئْضِئُ صِدقٍ وضُؤْضُؤُ صِدقٍ. وَحُكِيَ: ضِئْضِيءٌ مِثْلُ قِنْدِيلٍ؛ يُرِيدُ أَنَه يَخْرُجُ مِنْ نَسْلِه وعَقِبه. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَعطَيْتُ نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فأَردتُ أَن أَشترِيَ مِنْ نسْلِها، أَو قَالَ: مِنْ ضِئْضِئها، فسأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: دعْها حَتَّى تَجيءَ يومَ الْقِيَامَةِ هِيَ وأَولادُها فِي ميزانِكَ.
والضِّئْضِئُ: كَثْرَةُ النَسْل وبرَكَتُه، وضِئْضِئُ الضَّأْنِ مِنْ ذَلِكَ. أَبو عَمْرٍو: الضَّأْضاءُ صَوْتُ الناسِ، وَهُوَ الضَّوْضاءُ. والضُّؤْضُؤُ: هَذَا الطائرُ الَّذِي يُسَمَّى الأَخْيَلَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَلَا أَدري مَا صِحَّتُهُ.
ضبأ: ضَبَأَ بالأَرض يَضْبَأُ ضَبْأً وضُبُوءاً وضَبَأَ فِي الأَرض، وَهُوَ ضَبِيءٌ: لَطِئَ واخْتَبأَ، وَالْمَوْضِعُ: مَضْبَأٌ. وَكَذَلِكَ الذِّئْبُ إِذَا لَزِقَ بالأَرض أَو بشجرة
__________
(1). قوله [مثل رمى إلخ] كذا في النهاية والذي في صحاح الجوهري مثل سعى يسعى وكذا في التهذيب والقاموس.
(2). قوله [بأصل الضنو إلخ] صدره كما في ضنأ من التهذيب: وَمِيرَاثُ ابْنِ آجَرَ حَيْثُ ألقت.
(1/110)

أَو استَتَر بالخَمَر لِيَخْتِلَ الصَيْد. وَمِنْهُ سُمِّي الرجلُ ضابِئاً، وَهُوَ ضابئُ بْنُ الحَرَثِ البُرْجُمِيُّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي الضابِئِ المُخْتَبِئِ الصَّيَّادِ:
إِلّا كُمَيْتاً، كالقَناةِ وضابِئاً ... بالفَرْجِ بَيْنَ لَبانِه وَيَدِهْ «1»
يَصِفُ الصَّيَّادَ أَنه ضَبَأَ فِي فُروج مَا بَيْنَ يَدَيْ فَرَسِهِ لِيَخْتِلَ بِهِ الوَحْشَ، وَكَذَلِكَ الناقةُ تُعَلَّم ذَلِكَ، وأَنشد:
لَمَّا تَفَلَّقَ عَنْهُ قَيْضُ بَيْضَتِه، ... آوَاهُ فِي ضِبْنِ مَضْبَإٍ بِهِ نَضَبُ
قَالَ: والمَضْبَأُ: الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ. يُقَالُ لِلنَّاسِ: هَذَا مَضْبَؤُكم أَي مَوْضِعُكم، وَجَمْعُهُ مَضابِئُ. وضَبَأَ: لَصِقَ بالأَرضِ. وضَبَأْتُ بِهِ الأَرضَ، فَهُوَ مَضْبوءٌ بِهِ، إِذا أَلْزَقه بِهَا. وضَبَأْتُ إِلَيْهِ: لَجأْت. وأَضْبَأَ عَلَى الشيءِ إِضْبَاءً: سَكَتَ عَلَيْهِ وكَتَمه، فَهُوَ مُضْبِئٌ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: أَضْبَأَ فُلَانٌ عَلَى داهيةٍ مِثْلُ أَضَبَّ. وأَضْبَأَ عَلَى مَا فِي يَدَيْه: أَمْسَكَ. اللِّحْيَانِيُّ: أَضْبَأَ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وأَضْبَى، وأَضَبَّ إِذا أَمسك، وأَضْبَأَ القومُ عَلَى مَا فِي أَنفُسهم إِذَا كَتَمُوهُ. وضَبَأَ: اسْتَخْفَى. وضَبَأَ مِنْهُ: اسْتَحْيا. أَبو عُبَيْدٍ: اضْطَبَأْتُ مِنْهُ أَي اسْتَحْيَيْتُ، رَوَاهُ بالباءِ عَنِ الأُموي. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: إِنما هُوَ اضْطَنَأْتُ، بِالنُّونِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الأَضْباءُ: وَعْوَعَةُ جَرْوِ الْكَلْبِ إِذا وَحْوَحَ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ فحنحه «2». قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هَذَا خطأٌ وَتَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ: الأَصْياءُ، بِالصَّادِ، مِنْ صَأَى يَصْأَى، وَهُوَ الصَّئِيُّ. وَرَوَى الْمُنْذِرِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ عَنِ العُكْليِّ: أَنَّ أَعرابيّاً أَنشده:
فَهاؤُوا مُضابِئَةً، لَم يَؤُلَّ ... بادِئَها البَدْءُ، إِذ تَبْدَؤُهْ
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: المُضابِئةُ: الغِرارةُ المُثْقَلَةُ تُضْبِئُ مَنْ يحْمِلُها تَحْتَهَا أَي تُخْفِيه. قَالَ: وَعَنَى بِهَا هَذِهِ الْقَصِيدَةَ الْمَبْتُورَةَ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَؤُلَّ أَي لَمْ يُضْعِفْ. بَادِئَهَا: قائِلَها الذي ابْتَدأَها. وهاؤُوا أَي هَاتُوا. وضَبَأَتِ المرأَةُ إِذَا كَثُرَ وَلَدِهَا. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هَذَا تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ ضَنَأَت المرأَة، بِالنُّونِ وَالْهَمْزَةِ، إِذَا كَثُرَ وَلَدُهَا. والضَّابِئُ: الرَّمادُ.
ضنأ: ضَنَأَتِ المرأَةُ تَضْنَأُ ضَنْأً وضُنُوءً اوأَضْنَأَتْ: كَثُرَ وَلَدُهَا، فَهِيَ ضانِئُ وضانِئة. وَقِيلَ: ضَنَأَتْ تَضْنَأُ ضَنْأً وضُنُوءًا إِذَا ولَدت. الْكِسَائِيُّ: امْرأَةٌ ضانِئةٌ وماشِيةٌ مَعْنَاهُمَا أَن يَكْثُرَ وَلَدُهَا. وضَنَأَ الْمَالُ: كَثُر، وَكَذَلِكَ الماشيةُ. وأَضْنَأَ القومُ إِذَا كَثُرت مَواشِيهم. والضَنْءُ: كَثْرَةُ النَّسْل. وضَنَأَتِ الماشيةُ: كَثُر نِتاجُها. وضَنْءُ كلِّ شيءٍ: نَسْلُه. قَالَ:
أَكْرَم ضَنْءٍ وضِئْضِئٍ عنْ ... ساقَيِ الحَوْض ضِئْضِئها ومَضْنَؤُها «3»
والضَّنْءُ والضِّنْءُ، بِالْفَتْحِ والكسْر مَهْمُوزٌ سَاكِنُ النُّونِ: الْوَلَدُ، لَا يُفْرَدُ لَهُ وَاحِدٌ، إِنما هُوَ مِنْ بَابِ نَفَرٍ
__________
(1). قوله [ويده] كذا في النسخ والتهذيب بالإِفراد ووقع في شرح القاموس بالتثنية ويناسبه قوله في التفسير بعده مَا بَيْنَ يَدَيْ فَرَسِهِ.
(2). قوله [فحنحه] كذا رسم في بعض النسخ.
(3). قوله [أكرم ضنء] كذا في النسخ.
(1/111)

ورَهْطٍ، وَالْجَمْعُ ضُنُوءٌ. التَّهْذِيبِ، أَبو عَمْرٍو: الضَّنْءُ الْوَلَدُ، مَهْمُوزٌ سَاكِنُ النُّونِ. وَقَدْ يُقَالُ لَهُ: الضِّنْءُ. والضِّنْءُ، بِالْكَسْرِ: الأَصْلُ والمعْدِن. وَفِي حَدِيثِ
قُتَيلة بِنْتُ النَّضْرِ بْنِ الحرث أَو أُخته:
أَمُحَمَّدٌ، ولأَنْتَ ضِنْءُ نَجِيبَةٍ ... مِنْ قَوْمِها والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
الضِّنْءُ، بِالْكَسْرِ: الأَصل. وَيُقَالُ: فُلَانٌ فِي ضِنْءِ صِدْقٍ وضِنْءِ سَوْءٍ. واضْطَنَأَ لَه وَمِنْهُ: اسْتَحْيا وانْقَبَضَ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
إِذَا ذُكِرَتْ مَسْعاةُ وَالِدِهِ اضْطَنا، ... وَلَا يَضْطَني مِنْ شَتْمِ أَهْلِ الفَضائِلِ
أَراد اضْطَنَأَ فأَبْدَلَ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الضَّنَى الَّذِي هُوَ المَرضُ، كأَنَّه يَمْرَضُ مِنْ سَماع مَثالِب أَبيه. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي التَّهْذِيبِ:
وَلَا يُضْطَنا مِن فِعْلِ أَهْلِ الفَضائِلِ
وقال:
تَزاءَكَ مُضْطَنِئٌ آرِمٌ، ... إِذَا ائتَبهُ الإِدُّ لَا يَفْطَؤُهْ «1»
التزاؤُك: الاسْتِحْياءُ. وضَنَأَ فِي الأَرض ضَنْأً وضُنُوءاً، اخْتَبَأَ. وَقَعَدَ مَقْعَدَ ضُنْأَةٍ أَي مَقْعَدَ ضَرُورَةٍ، وَمَعْنَاهُ الأَنَفَة. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَظن ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ اضْطَنَأْتُ أَي اسْتَحْيَيْتُ.
ضهأ: ضاهَأَ الرجُلَ وغَيْرَه: رَفَق بِهِ؛ هَذِهِ رِوَايَةُ أَبي عُبَيْدٍ عَنْ الأُمَوِيِّ فِي المُصَنَّف. والمُضاهَأَةُ: المُشاكَلَةُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: ضَاهَأْتُ الرَّجُلَ وضَاهَيْتُه أَي شابَهْتُه، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وقرئَ بِهِمَا قَوْلُهُ عزَّ وجلَّ: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ضوأ: الضَّوءُ والضُّوءُ، بِالضَّمِّ، مَعْرُوفٌ: الضِّياءُ، وَجَمْعُهُ أَضْواءٌ. وَهُوَ الضِّواءُ والضِّياءُ. وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْي:
يَسْمَعُ الصَّوْتَ ويَرَى الضَّؤْءَ
، أَي مَا كَانَ يَسمع مِنْ صَوْتِ المَلَك وَيَرَاهُ مِن نُوره وأَنْوارِ آياتِ رَبِّه. التهذيب، اللَّيْثُ: الضَّوْءُ والضِّياءُ: مَا أضاءَ لَكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
يُقَالُ: ضاءَ السِّراجُ يَضوءُ وأَضاءَ يُضِيءُ. قَالَ: وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ المُختارة، وَقَدْ يَكُونُ الضِّياءُ جَمْعًا. وَقَدْ ضاءَتِ النارُ وضاءَ الشيءُ يَضُوءُ ضَوْءاً وضُوءاً وأَضاءَ يُضِيءُ. وَفِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ:
وأَنْتَ، لمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَت الأَرضُ، ... وضاءَت، بِنُورِك، الأُفُقُ
يُقَالُ: ضاءَتْ وأَضاءَت بِمَعْنًى أَي اسْتَنارَتْ، وصارَت مُضِيئةً. وأَضَاءَتْه، يَتعدَّى وَلَا يَتعدَّى. قَالَ الْجَعْدِيُّ:
أضاءَتْ لَنَا النارُ وَجْهاً أَغَرَّ، ... مُلْتَبِساً، بالفُؤَادِ، التِباسا
أَبو عُبَيْدٍ: أَضاءَتِ النارُ وأَضاءَها غيرُها، وَهُوَ الضَّوْءُ والضُّوءُ، وأَمَّا الضِّياءُ، فَلَا هَمْزَ فِي يَائِهِ. وأَضاءَه لَهُ واسْتَضَأْتُ بِهِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ كرَّم الله وجهه:
__________
(1). قوله [تزاءك مضطنئ] هذا هو الصواب كما هو المنصوص في كتب اللغة. نعم أنشده الصاغاني تزاؤك مضطنئ بالإضافة ونصب تزاؤك. قال ويروى تزؤل باللام على تفعل ويروى تتاؤب فإيراد المؤلف له في زوك خطأ وما أسنده في مادة زأل للتهذيب في ضنأ من أنه تزاءل باللام فلعله نسخة وقعت له وإلا فالذي فيه تزاءك بالكاف كما ترى.
(1/112)

لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُور العِلم ولم يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وثِيقٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ المُشْرِكِين
، أَي لَا تَسْتَشِيرُوهم وَلَا تأْخُذُوا آراءَهم. جَعَل الضوءَ مَثَلًا للرأْي عِنْدَ الحَيْرَةِ. وأَضأْتُ بِهِ البيتَ وضَوَّأْتُه بِهِ وضَوَّأْتُ عَنْهُ. اللَّيْثُ: ضَوَّأْتُ عَنِ الأَمر تَضْوِئَةً أَي حِدْتُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَمْ أَسمعه مِنْ غَيْرِهِ. أَبو زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: التَّضَوُّؤُ أَن يَقوم الإِنسانُ فِي ظُلْمةٍ حَيْثُ يَرى بِضَوْءِ النَّارِ أَهْلَها وَلَا يَرَوْنه. قَالَ: وعَلِقَ رَجُلٌ مِنَ العَرَب امرأَةً، فإِذا كَانَ اللَّيْلُ اجْتَنَح إِلَى حَيْثُ يَرَى ضَوْءَ نارِها فَتَضَوَّأَها، فَقيل لَها إِن فُلَانًا يَتَضَوَّؤُكِ، لِكَيْما تَحْذَره، فَلَا تُريه إِلَّا حَسَناً. فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ حَسَرَتْ عَنْ يَدِها إِلَى مَنْكِبها ثُمَّ ضَرَبتْ بِكَفِّها الأُخْرى إبْطَها، وَقَالَتْ: يَا مُتَضَوِّئاهْ هَذِهِ فِي اسْتِكَ إِلَى الإِبْطِ. فَلَمَّا رأَى ذَلِكَ رَفَضَها. يُقَالُ ذَلِكَ عِنْدَ تَعْيِيرِ مَن لَا يُبَالي مَا ظَهَر مِنْهُ مِنْ قَبِيح. وأَضاءَ بِبَوْلِه: حَذَف بِهِ، حَكَاهُ عَنْ كُرَاعٍ فِي المُنَجَّد.
ضيأ: ضَيَّأَتِ المرأَةُ: كَثُرَ ولَدُها، وَالْمَعْرُوفُ ضَنَأَ. قَالَ: وأرى الأَوَّل تصحيفاً.

فصل الطاء المهملة
طأطأ: الطَّأْطَأَةُ مَصْدَرُ طَأْطَأَ رأْسَه طَأْطَأَةً: طامَنَه. وتَطَأْطَأَ: تَطامَنَ. وطَأْطَأَ الشيءَ: خَفَضَه. وطَأْطَأَ عَنِ الشَّيْءِ: خَفَض رأْسَه عَنْه. وكلُّ مَا حُطَّ فَقَدْ طُؤْطِئَ. وَقَدْ تَطَأْطَأَ إِذَا خَفَضَ رأْسَه. وَفِي حَدِيثِ
عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَطَأْطَأْت لَكُمْ تَطَأْطُؤَ الدُّلاةِ
أَي خَفَضْتُ لَكُمْ نَفْسِي كَتَطامن الدُّلاة، وَهُوَ جَمْعُ دالٍ: الَّذِي يَنْزِعُ بالدَّلْو، كقاضٍ وقُضاة، أَي كَمَا يخْفِضها المُسْتَقُون بالدِّلاءِ، وَتَوَاضَعْتُ لَكُمْ وانحَنَيْتُ. وطَأْطَأَ فرسَه: نَحزَه بِفَخِذَيْهِ وحَرَّكه للحُضْر. وطَأْطَأَ يَدَه بالعِنان: أَرسَلَها بِهِ للإِحْضار. وطَأْطَأَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ إِذَا وَضَع مِنْ قَدْره. قَالَ مَرَّارُ بْنُ مُنْقِذ:
شُنْدُفٌ أَشْدَفُ مَا وَرَّعْتَه، ... وَإِذَا طُؤْطِئَ طَيَّارٌ، طِمِرْ
وطَأْطَأَ: أَسْرَعَ، وطَأْطَأَ فِي قَتْلِهِم: اشْتَدَّ وبالغَ. أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
ولَئِنْ طَأْطَأْتُ فِي قتْلِهِم، ... لَتُهاضَنَّ عِظامِي عَنْ عُفُرْ
وطَأْطَأَ الرَّكْضَ فِي مَالِهِ: أَسْرَعَ إنْفاقَه وبالغَ فِيهِ. والطَأْطَاءُ: الجَملُ الخَرْبَصِيصُ، وَهُوَ القَصِيرُ السيرِ. والطَأْطاءُ: المُنْهَبِطُ مِنَ الأَرض يَسْتُرُ مَنْ كَانَ فِيهِ. قَالَ يَصِفُ وَحْشًا:
مِنْهَا اثْنَتان لِما الطَّأْطاءُ يَحْجُبُه، ... والأُخْرَيانِ لِما يَبْدُو بِهِ القَبَلُ
والطَّأْطاءُ: المُطْمَئِنُّ الضَّيِّقُ، وَيُقَالُ لَهُ الصَّاعُ والمِعَى.
طتأ: أَهمله اللَّيْثُ. ابْنُ الأَعرابي: طتأَ إِذَا هَرَبَ «2».
طثأ: ابْنُ الأَعرابي: طَثأَ إِذَا لَعِبَ بالقُلة. وطَثَأَ طَثْأً: أَلقَى مَا فِي جَوْفِه.
__________
(2). قوله [طَتَأَ أهمله إلخ] هذه المادة أوردها الصاغاني والمجد في المعتل وكذا التهذيب غير أنه كثيراً لا يخلص المهموز من المعتل فظن المؤلف أنها من المهموز.
(1/113)

طرأ: طَرَأَ عَلَى الْقَوْمِ يَطْرَأُ طرْءاً وطُرُوءاً: أَتاهم مِن مَكانٍ، أَو طَلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَلَدٍ آخَر، أَو خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِن مكانٍ بَعيدٍ فَجاءَةً، أَو أَتاهم مِنْ غَيْرِ أَن يَعْلَمُوا، أَو خَرج عَلَيْهِمْ مِنْ فَجْوةٍ. وَهُمُ الطُّرَّاءُ والطُّرَآءُ. وَيُقَالُ للغُرباء الطُّرآء، وَهُمُ الَّذِينَ يأْتُون مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَصله الْهَمْزُ مِنْ طَرَأَ يَطْرَأُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
طَرَأَ عَلَيَّ حزْبي مِن القرآنِ
، أَي وَرَدَ وأَقبل. يُقَالُ: طَرَأَ يَطْرَأُ، مَهْمُوزًا، إِذَا جاءَ مُفاجَأَةً، كأَنه فَجِئَه الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يُؤَدي فِيهِ وِرْدَه مِن القرآنِ، أَو جَعَلَ ابْتِداءَه فِيهِ طُرُوءاً مِنْهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ يُترك الْهَمْزُ فِيهِ. فَيُقَالُ: طَرَا يَطْرُو طُرُوّاً. وطَرَأَ مِن الأَرض: خَرَجَ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ الطُّرْآنِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: طُرْآنُ جَبَلٌ فِيهِ حَمَامٌ كَثِيرٌ، إِلَيْهِ يُنْسَبُ الحمامُ الطُّرْآنِيُّ؛ لَا يُدْرَى مِن حَيْثُ أَتى. وَكَذَلِكَ أَمْرٌ طُرْآنِيٌّ، وَهُوَ نَسَبٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ يَذْكُرُ عَفافَه:
إنْ تَدْنُ، أَو تَنْأَ، فَلَا نَسِيُّ، ... لِما قَضَى اللهُ، وَلَا قَضِيُ
«1» وَلَا مَعَ الماشِي، وَلَا مَشِيُّ ... بِسِرِّها، وَذَاكَ طُرْآنِيُ
وَلَا مَشِيٌّ: فَعُولٌ مِنَ المَشْيِ. والطُّرْآنِيُّ يَقُولُ: هُوَ مُنْكَر عَجَبٌ. وَقِيلَ حَمامٌ طُرآنِيٌّ: منكَر، مِنْ طَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ أَي طَلَع وَلَمْ نَعرفه. قَالَ: وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: حَمامٌ طُورانِيٌّ، وَهُوَ خطأٌ. وَسُئِلَ أَبو حَاتِمٍ عَنْ قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أَعارِيبُ طُورِيُّونَ، عَنْ كُلِّ قَرْيةٍ، ... يَحِيدُون عَنْهَا مِنْ حِذارِ المَقادِرِ
فَقَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ طَرَأَ وَلَوْ كَانَ مِنْهُ لَقَالَ طَرْئِيُّون، الهمزةُ بَعْدَ الراءِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: أَراد أَنهم مِنْ بِلَادِ الطُّور يَعْنِي الشَّامَ فَقَالَ طُورِيُّون كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
دانَى جَناحَيْهِ مِنَ الطُّور فَمَرْ
أَراد أَنه جاءَ مِنَ الشَّامِ. وطُرأَةُ السَّيْلِ: دُفْعَتُه. وطَرُؤَ الشيءُ طَراءَةً وطَراءً فَهُوَ طَرِيءٌ وَهُوَ خِلَافُ الذّاوِي. وأَطْرَأَ القومَ: مَدَحَهُم، نادرة، والأَعرف بالياء.
طسأ: إِذَا غَلب الدَّسمُ عَلَى قَلْبِ الْآكِلِ فاتَّخَمَ قِيلَ طَسِئَ يَطْسَأُ طَسْأً وطَسَاءً «2»، فَهُوَ طَسِيءٌ: اتَّخَم عَنِ الدسَم. وأَطْسَأَه الشِّبَعُ. يُقَالُ طَسِئَت نَفْسُه، فَهِيَ طاسِئةٌ، إِذَا تَغَيَّرت عَنْ أَكل الدَّسم، فرأَيته مُتَكَرِّهاً لِذَلِكَ، يَهْمَزُ وَلَا يَهْمَزُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنَّ الشَّيطان قَالَ: مَا حَسَدْتُ ابنَ آدَم إلَّا عَلَى الطُّسْأَةِ والحُقْوةِ.
الطُّسْأَةُ: التُّخَمَةُ والهيْضَةُ. يقال طَسِئَ إِذَا غَلب الدَّسَمُ على قَلْبه.
طشأ: رَجُلٌ طُشْأَةٌ: فَدْمٌ؛ عَيِيٌّ لَا يَضر وَلَا يَنْفَعُ.
طفأ: طَفِئَتِ النارُ تَطْفَأُ طَفْأً وطُفُوءاً وانطَفَأَتْ: ذهَبَ لَهَبُها. الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِيِّ حَكَاهَا فِي كِتَابِ الجُمل.
__________
(1). قوله [إن تدن إلخ] كذا في النسخ.
(2). قوله [وطَسَاءً] هو على وزن فعال في النسخ. وعبارة شارح القاموس على قوله وطَسَأ أي بزنة الفرح، وفي نسخة كسحاب لكن الذي في النسخ هو الذي في المحكم.
(1/114)

وأَطْفَأَها هُوَ وأَطْفَأَ الحَرْبَ؛ مِنْهُ عَلَى الْمِثْلِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
، أَيْ أَهْمَدَها حَتَّى تَبْرُد، وَقَالَ:
وكانتْ بَيْنَ آلِ بَنِي عَدِيٍّ ... «1» رَباذِيةٌ، فأَطْفَأَها زِيادُ
والنارُ إِذَا سَكَن لَهَبُها وجَمْرُها بعدُ فَهِيَ خامدةٌ، فَإِذَا سكنَ لَهبها وبرَدَ جَمْرُهَا فَهِيَ هامِدةٌ وطافِئةٌ. ومُطْفِئُ الجَمْر: الخامِس مِنْ أَيام الْعَجُوزِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وبآمِرٍ، وأَخِيهِ مؤْتَمِرٍ، ... ومُعَلِّلٍ، وبمُطْفِئِ الجمْرِ
ومُطْفِئةُ الرَّضْف: الشَّاةُ الْمَهْزُولَةُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: حَدَسَ لَهُمْ بمُطْفِئَةِ الرضْف، عن اللحياني.
طفنشأ: التَّهْذِيبُ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ الأُموي: الطَّفَنْشَأُ، مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجَالِ. وَقَالَ شَمِرٌ: الطَّفَنْشَلُ، بِاللَّامِ.
طلفأ: المُطْلَنْفِئُ والطَّلَنْفَأُ والطَلَنْفَى: اللَّازقُ بالأَرضِ اللَّاطِئُ بِهَا وَقَدِ اطْلَنْفَأَ اطْلِنْفاءً واطْلَنْفَى: لَزِقَ بالأَرض. وجَملٌ مُطْلَنْفِئُ الشَّرَفِ أَي لازِقُ السَّنام. والمُطْلَنْفِئُ: اللاطِئُ بالأَرض. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ المُستَلْقِي عَلَى ظهره.
طنأ: الطِّنْءُ: التُّهمَةُ. والطِّنْءُ: المنْزِل. والطِّنْءُ: الفُجور. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وضارِيةٌ مَا مَرَّ إلَّا اقْتَسَمْنَه، ... عَلَيْهِنَّ خَوّاضٌ، إِلَى الطِّنْءِ، مِخْشَفُ
ابْنُ الأَعرابي: الطِّنْءُ: الرِّيبةُ. والطِّنْءُ: البِساطُ. والطِّنْءُ: المَيْلُ بالهَوَى. والطِّنْءُ: الأَرضُ البَيضاءُ. والطِّنْءُ: الرَّوْضة، وَهِيَ بقيَّة الْمَاءِ فِي الحَوض. وأَنشد الفرّاءُ:
كأَنَّ عَلَى ذِي الطِّنْءِ عَيْنًا بَصِيرةً
أَي عَلَى ذِي الرِّيبةِ. وَفِي النَّوَادِرِ: الطِّنْءُ شيءٌ يُتخذ لصَيد السِّباعِ مِثْلُ الزُّبْيَةِ. والطِّنْءُ فِي بَعْضِ الشِّعْرِ: اسْمٌ لِلرَّمَادِ الهامِد. والطِّنْءُ، بِالْكَسْرِ: الرِّيبة والتُّهمة والداءُ. وطَنأْتُ طُنُوءاً وزَنَأْتُ إِذَا اسْتَحْيَيْتُ. وطَنِئَ البعيرُ يَطْنَأُ طَنَأً: لَزق طِحالُهُ بِجَنْبِهِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ. وطَنِئَ فُلَانٌ طَنَأً إِذَا كَانَ فِي صَدْرِهِ شيءٌ يَستَحْيي أَن يُخْرِجَهُ. وإِنه لَبَعيدُ الطِّنْءِ أَي الهِمَّةِ، عَنِ اللحياني. الطِّنْءُ: بقيَّةُ الرُّوحِ. يُقَالُ: تَرَكْتُهُ بِطِنْئِه أَي بحُشاشةِ نفْسِه، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ حَيَّةٌ لَا تُطْنِئُ أَي لَا يَعِيش صاحِبُها، يُقتل مِنْ سَاعَتِهَا، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وأَصله الْهَمْزُ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ: رُميَ فُلَانٌ فِي طِنْئِه وَفِي نَيْطِه وَذَلِكَ إِذَا رُميَ فِي جَنازَتِه وَمَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ. اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ طَنٍ وَهُوَ الَّذِي يُحَمُّ غِبّاً فيعظُمُ طِحالهُ، وَقَدْ طَنِيَ طَنًى. قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَهْمِزُ فَيَقُولُ: طَنِئَ طَنَأً فهو طَنِئٌ.
طوأ: مَا بِهَا طُوئِيٌّ أَي أَحد. والطاءَةُ: الحَمْأَةُ. وَحَكَى كراعٌ: طَآةٌ كأَنه مَقْلُوبٌ. وطاءَ فِي الأَرض يَطُوءُ: ذَهَبَ. والطاءَةُ مِثْلُ الطَّاعَةِ: الإِبعاد فِي المَرْعَى. يُقَالُ: فَرَسٌ بَعيدُ الطاءَةِ. قَالَ: وَمِنْهُ أُخِذ طَيِّئٌ، مثل سيِّدٍ،
__________
(1). قوله [بني عدي] هو في المحكم كذلك والذي في مادة ربذ أبي أبيّ.
(1/115)

أَبو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُوَ طَيِّئُ بْنُ أُدَدَ بْنُ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأ بْنِ حِمْير، وَهُوَ فَيْعِلٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّسَبُ إِلَيْهَا طائِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قِيلَ فِي النَّسَبِ إِلَى الحِيرَةِ حارِيٌّ، وَقِيَاسُهُ طَيْئِيٌّ مِثْلُ طَيْعِيٍّ، فَقَلَبُوا الياءَ الأُولى أَلفاً وَحَذَفُوا الثَّانِيَةَ، كَمَا قِيلَ فِي النَّسَبِ إِلَى طَيِّبٍ طَيْبِيٌّ كراهيةَ الكسَرات وَالْيَاءَاتِ، وأَبْدَلوا الأَلف مِنَ الْيَاءِ فِيهِ، كَمَا أَبدلوها مِنْهَا فِي زَبَانِيٍّ. وَنَظِيرُهُ: لاهِ أَبوكَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. فأَما قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنه سُمِّيَ طَيِّئاً لأَنه أَوَّل مَنْ طَوَى الْمَنَاهِلَ، فغيرُ صَحِيحٍ فِي التَّصْرِيفِ. فأَما قَوْلُ ابْنِ أَصْرَمَ:
عاداتُ طَيٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ، ... رِيُّ القَنا، وخِضابُ كلِّ حُسام
إِنَّمَا أَراد عاداتُ طَيِّئٍ، فَحُذِفَ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ طَيِّئَ، غَيْرَ مصروف، جعله اسماً للقبيلة.
ظأظأ: ظَأْظَأَ ظَأْظَأَةً، وَهِيَ حِكَايَةُ بَعْضِ كَلَامِ الأَعْلَمِ الشَّفةِ والأَهْتَم الثَّنايا، وَفِيهِ غُنَّة. أَبو عَمْرٍو: الظَّأْظاءُ: صَوت التَّيْس إِذَا نَبَّ.
ظمأ: الظَّمَأُ: العَطَشُ. وَقِيلَ: هُوَ أَخَفُّه وأَيْسَرُه. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ أَشدُّه. والظَّمْآن: العَطْشانُ. وَقَدْ ظمِئَ فُلَانٌ يَظْمَأُ ظَمَأً وظَماءً وظَماءَةً إِذَا اشتدَّ عَطَشُه. وَيُقَالُ ظَمِئْتُ أَظْمَأُ ظَمْأً فأَنا ظامٍ وَقَوْمٌ ظِماءٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ: لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ
. وَهُوَ ظَمِئٌ وظَمْآنُ والأُنثى ظَمْأَى، وَقَوْمٌ ظِماءٌ أَي عِطاشٌ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
إلَيْكُم ذَوي آلِ النبيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوازِعُ، مِنْ قَلْبِي، ظِماءٌ، وأَلْبُبُ
اسْتَعَارَ الظِّماء للنَّوازِعِ، وإِن لَمْ تَكُنْ أَشخاصاً. وأَظْمَأْتُه: أَعْطَشْتُه. وَكَذَلِكَ التَّظْمِئةُ. وَرَجُلٌ مِظْماءٌ مِعطاشٌ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. التَّهْذِيبُ: رَجُلٌ ظَمْآنُ وامرأَة ظَمْأَى لَا يَنْصَرِفَانِ، نَكِرَةٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ. وظَمِئَ إِلَى لِقائه: اشْتاقَ، وأَصله ذَلِكَ. وَالِاسْمُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ: الظِّمْءُ، بِالْكَسْرِ. والظِّمْءُ: مَا بَيْنَ الشُّرْبَيْنِ والوِرْدَيْن، زَادَ غَيْرُهُ: فِي وِرْد الإِبل، وَهُوَ حَبْسُ الإِبل عَنِ الْمَاءِ إِلَى غَايَةِ الوِرْد. وَالْجَمْعُ: أَظْماءٌ. قَالَ غَيْلان الرَّبَعِي:
مُقْفاً عَلَى الحَيِّ قَصير الأَظماءْ
وظِمْءُ الحَياةِ: مَا بَيْنَ سُقُوط الْوَلَدِ إِلَى وَقْتِ مَوْتِه. وَقَوْلُهُمْ: مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَّا قَدْرُ ظِمْءِ الحِمار أَي لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُره إلَّا اليسيرُ. يُقَالُ: إِنه لَيْسَ شيءٌ مِنَ الدوابِّ أَقْصَرَ ظِمْأً مِنَ الحِمار، وَهُوَ أَقل الدَّوَابِّ صَبْراً عَنِ العَطَش، يَرِدُ الماءَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الصَّيْفِ مَرَّتَيْنِ. وَفِي حَدِيث بَعْضِهِمْ: حِينَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُري إلَّا ظِمْءُ حِمار أَي شيءٌ يَسِيرٍ. وأَقصَرُ الأَظْماء: الغِبُّ، وَذَلِكَ أَن تَرِدَ الإِبلُ يَوْمًا وتَصْدُرَ، فَتَكُونُ فِي الْمَرْعَى يَوْمًا وتَرِدُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، وَمَا بَيْنَ شَرْبَتَيْها ظِمْءٌ، طَالَ أَو قَصُر. والمَظْمَأُ: مَوْضِعُ الظَّمإ مِنَ الأَرض. قَالَ الشَّاعِرُ:
وخَرْقٍ مَهارِقَ، ذِي لُهْلُهٍ، ... أَجَدَّ الأُوامَ بِهِ مَظْمَؤُهْ
أَجدَّ: جَدَّد. وَفِي حَدِيثِ
مُعاذ: وإِن كَانَ نَشْر أَرض يُسْلِمُ عَلَيْهَا صاحِبُها فإِنه يُخْرَجُ مِنْهَا مَا أُعْطِيَ نَشرُها رُبعَ المَسْقَويِّ وعُشْرَ المَظْمئيِّ.
المَظْمَئِيُّ: الَّذِي تُسْقِيه السماءُ، والمَسْقَوِيُّ: الَّذِي يُسْقَى بالسَّيح، وَهُمَا مَنْسُوبَانِ إِلَى المَظْمإ
(1/116)

والمَسْقَى، مَصْدَرَيْ أَسْقى وأَظْمَأَ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَالَ أَبو مُوسَى: المَظْمِيُّ أَصله المَظْمَئِيُّ فترك همزه، يعني فِي الرِّوَايَةِ. وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الْمُعْتَلِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهَمْزِ وَلَا تعرَّض إِلَى ذِكْرِ تَخْفِيفِهِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ أَيضاً. وَوَجْهٌ ظَمْآنُ: قليلُ اللَّحْمِ لَزِقت جِلْدَتُه بِعَظْمِهِ. وقَلَّ ماؤُه، وَهُوَ خِلاف الرَّيَّان. قَالَ الْمُخَبَّلُ:
وتُرِيكَ وَجْهاً كالصَّحِيفة لَا ... ظَمْآنُ مُخْتَلَجٌ، وَلَا جَهْمُ
وساقٌ ظَمْأَى: مُعْتَرِقةُ اللَّحْمِ. وعَيْنٌ ظَمْأَى: رَقِيقَةُ الجَفْن. قَالَ الأَصمعي: رِيحٌ ظَمْأَى إِذَا كَانَتْ حارَّةً لَيْسَ فِيهَا نَدى. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ السَّرابَ:
يَجْرِي، فَيَرْقُد أَحْياناً، ويَطْرُدُه ... نَكْباءُ ظَمْأَى، مِنَ القَيْظِيَّةِ الهُوجِ
الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: وَيُقَالُ لِلْفَرَسِ إِن فصُوصَه لَظِماءٌ أَي لَيْسَتْ برَهْلةٍ كثيرةِ اللَّحْمِ. فَردَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ ذَلِكَ، وَقَالَ: ظِماءٌ ههنا مِنْ بَابِ الْمُعْتَلِّ اللَّامِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَهْمُوزِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ساقٌ ظَمْياءُ أَي قَلِيلةُ اللَّحْمِ. وَلَمَّا قَالَ أَبو الطِّيبِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي مِنْهَا:
فِي سَرْجِ ظامِيةِ الفُصوصِ، طِمِرَّةٍ، ... يأْبَى تَفَرُّدُها لَهَا التَّمْثِيلا
كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا قُلْتُ ظَامِيَةِ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ لأَني أَردتُ أَنها لَيْسَتْ بِرَهِلَةٍ كَثِيرَةَ اللَّحْمِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: رُمْح أَظْمَى وشَفةٌ ظَمْياءُ. التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ لِلْفَرَسِ إِذَا كَانَ مُعَرَّقَ الشَّوَى إِنَّهُ لأَظْمَى الشَّوَى، وإِنَّ فُصوصَه لَظِماءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَهَلٌ، وكانت مُتَوتِّرةً، ويُحمَدُ ذَلِكَ فِيهَا، والأَصل فِيهَا الهَمز. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ يَصِفُ فَرَسًا، أَنشده ابْنُ السِّكِّيتِ:
يُنْجِيه، مِن مِثْلِ حَمامِ الأَغْلالْ، ... وَقْعُ يَدٍ عَجْلَى ورِجْلٍ شِمْلالْ
ظَمْأَى النَّسا مِنْ تَحْتُ رَيَّا مِنْ عالْ
فَجَعَلَ قَوائِمَه ظِماءً. وسَراةٌ رَيَّا أَي مُمْتَلِئةٌ مِنَ اللَّحْمِ. وَيُقَالُ لِلْفَرَسِ إِذَا ضُمِّرَ: قَدْ أُظْمِئَ إظْماءً، أَو ظُمِئَ تَظْمِئةً. وَقَالَ أَبو النَّجْمِ يَصِفُ فَرَسًا ضَمَّره:
نَطْوِيه، والطَّيُّ الرَّفِيقُ يَجْدُلُه، ... نُظَمِّئُ الشَّحْمَ، ولَسْنَا نَهْزِلُه
أَي نَعْتَصِرُ ماءَ بَدَنِهِ بالتَّعْرِيق، حَتَّى يَذْهَبَ رَهَلُه ويَكْتَنِز لَحْمُهُ. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: ظَماءَة الرجلِ، عَلَى فَعالةٍ: سُوءُ خُلقِه ولُؤْمُ ضَرِيبَتِه وقِلَّة إنْصافِه لمُخالِطِه، والأَصل فِي ذَلِكَ أَن الشَّرِيب إِذَا ساءَ خُلُقُه لَمْ يُنْصِف شُركاءَه، فأَما الظَّمأُ، مَقْصُورٌ، مَصْدَرُ ظَمِئَ يَظْمأُ، فَهُوَ مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَن يَمدُّ فَيَقُولُ: الظَّماءُ، وَمِنْ أَمثالهم: الظَّماءُ الفادِح خَيْرٌ منَ الرِّيِّ الفاضِح.

فصل العين المهملة
عبأ: العِبْءُ، بالكسرِ: الحِمْل والثِّقلُ مِنْ أَي شيءٍ كَانَ، وَالْجَمْعُ الأَعْباء، وَهِيَ الأَحْمال والأَثْقالُ. وأُنشد لِزُهَيْرٍ:
الحامِل العِبْء الثَّقِيل عَنِ الجاني، ... بِغَيرِ يَدٍ وَلَا شُكْرٍ
وَيُرْوَى لِغَيْرِ يَدٍ وَلَا شُكْرٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: العِبءُ: كلُ
(1/117)

حِمْلٍ مِنْ غُرْمٍ أَو حَمالةٍ. والعِبْءُ أَيضاً: العِدْل، وَهْمَا عِبْآنِ، والأَعباء: الأَعدال. وَهَذَا عِبْءُ هَذَا أَي مِثْلُه ونَظِيرُه. وعبْءُ الشَّيءِ كالعِدْلِ والعَدْلِ، وَالْجَمْعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَعْباء. وَمَا عَبَأْتُ بِفُلَانٍ عَبْأً أَي مَا بالَيْتُ بِهِ. وَمَا أَعْبَأُ بِهِ عَبْأً أَي مَا أُبالِيه. قَالَ الأَزهري: وَمَا عَبَأْتُ لَهُ شَيئاً أَي لَمْ أُبالِه. وَمَا أَعْبَأُ بِهَذَا الأَمر أَي مَا أَصْنَعُ بِهِ. قَالَ: وأَما عَبَأَ فَهُوَ مَهْمُوزٌ لَا أَعْرِفُ فِي مُعْتَلَّاتِ الْعَيْنِ حَرْفًا مَهْمُوزًا غَيْرَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً
. قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ. وَرَوَى ابْنُ نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنه قَالَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي
أَي مَا يَفْعَل بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعاؤه إِيَّاكُمْ لتَعْبُدوه وتُطِيعوه، وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَرَوَى سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ: أَي مَا يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعاؤكم، ابْتَلَاكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُهُ إِيَّاكُمْ إِلَى الإِسلام. وَقَالَ أَبو إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي
أَي مَا يَفْعَلُ بِكُمْ لَوْلا دُعاؤُكُمْ مَعْنَاهُ لَوْلَا تَوْحِيدُكم. قَالَ: تأْويله أَيُّ وزْنٍ لَكُمْ عِنْدَهُ لَوْلَا تَوحِيدُكم، كَمَا تَقُولُ مَا عَبَأْتُ بِفُلَانٍ أَي مَا كَانَ لَهُ عِنْدِي وَزْنٌ وَلَا قَدْرٌ. قَالَ: وأَصل العِبْءِ الثِّقْل. وَقَالَ شَمِرٌ وَقَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا أَي لَمْ أَعُدَّه شَيْئًا. وَقَالَ أَبو عَدْنان عَنِ رَجُلٍ مِنْ باهِلةَ يُقَالُ: مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِفُلَانٍ إِذَا كَانَ فَاجِرًا مَائِقًا، وَإِذَا قِيلَ: قَدْ عَبَأَ اللهُ بِهِ، فَهُوَ رجُلُ صِدْقٍ وَقَدْ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شيءٍ. قَالَ وأَقول: مَا عَبَأْتُ بِفُلَانٍ أَي لَمْ أَقبل مِنْهُ شَيْئًا وَلَا مِنْ حَديثه. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَبَأْتُ لَهُ شَرًّا أَي هَيَّأْتُه. قَالَ، وَقَالَ ابْنُ بُزُرْجَ: احْتَوَيْتُ مَا عِنْدَهُ وامْتَخَرْتُه واعْتَبَأْتُه وازْدَلَعْتُه وأَخَذْتُه: واحد. وعَبَأَ الأَمرَ عَبْأً وعَبَّأَهُ يُعَبِّئه: هَيَّأَه. وعَبَّأْتُ المَتاعَ: جَعَلْتُ بعضَه عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: عَبَأَ المَتاعَ يَعْبَأُه عَبْأً وعَبَّأَه: كِلَاهُمَا هيأَه، وَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْجَيْشُ. وَكَانَ يُونُسُ لَا يَهْمِزُ تَعْبِيَةَ الْجَيْشِ. قَالَ الأَزهري: وَيُقَالُ عَبَّأْت المَتاعَ تَعْبِئةً، قَالَ: وكلٌّ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وعَبَّأْت الْخَيْلَ تَعْبِئةً وتَعْبِيئاً. وَفِي حَدِيثِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَبَأَنا النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَدْرٍ، لَيْلًا.
يُقَالُ عَبَأْتُ الجيشَ عَبْأً وعَبَّأْتهم تَعْبِئةً، وَقَدْ يُترك الْهَمْزُ، فَيُقَالُ: عَبَّيْتُهم تَعْبِيةً أَي رَتَّبْتُهم فِي مَواضِعهم وهَيَّأْتُهم للحَرْب. وعَبَأَ الطِّيبَ والأَمرَ يَعْبَؤُه عَبْأً: صَنَعه وخَلَطَه. قَالَ أَبو زُبَيْدٍ يَصِف أَسداً:
كأَنَّ بنَحْرِه وبمَنْكِبَيْه ... عَبِيراً، باتَ يَعْبَؤُه عَرُوسُ
وَيُرْوَى بَاتَ يَخْبَؤُه. وعَبَّيْتُه وعَبَّأْتُه تَعْبِيةً وتَعْبِيئاً. والعباءَة والعَباءُ: ضَرْب مِنَ الأَكسية، وَالْجَمْعُ أَعْبِئَةٌ. وَرَجُلٌ عَبَاءٌ: ثَقِيلٌ «2» وَخِمٌ كعَبَامٍ. والمِعْبَأَةُ: خِرْقةُ الحائضِ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَقَدْ اعْتَبَأَتِ المرأَة بالمِعْبَأَةِ. والاعْتِباءُ: الاحْتِشاءُ. وَقَالَ: عَبَا وجهُه يَعْبُو إِذَا أَضاءَ وجهُه وأَشرَقَ. قَالَ: والعَبْوةُ: ضَوْءُ الشمسِ، وَجَمْعُهُ عِباً. وعَبْءُ الشمسِ: ضوءُها، لَا يُدرى أَهو لُغَةٌ فِي عَبِ الشَّمْسِ أَم هُوَ أَصلُه. قَالَ الأَزهري: وَرَوَى الرِّيَاشِيُّ وأَبو حَاتِمٍ مَعًا قَالَا: اجْتَمَعَ أَصحابنا عَلَى عَبِ الشَّمْسِ أَنه ضوءُها،
__________
(2). قوله [ورجل عَبَاءٌ ثقيل] شاهده كما في مادة ع ب ي من المحكم:
كَجَبْهَةِ الشَّيْخِ العَبَاء الثَّطِّ
وأنكره الأزهري. انظر اللسان في تلك المادة.
(1/118)

وأَنشد:
إِذَا مَا رأَتْ، شَمْساً، عَبُ الشمسِ شَمَّرَتْ ... إِلَى رَمْلِها، والجُرْهُمِيُّ عَمِيدُها «1»
قَالَا: نَسَبُهُ إِلَى عَبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ ضَوْءُها. قَالَا: وأَما عَبْدُ شَمْسٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَغَيْرُ هَذَا. قَالَ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ هُمْ عَبُ الشَّمْسِ ورأَيت عبَ الشَّمْسِ وَمَرَرْتُ بِعَبِ الشَّمْسِ، يُرِيدُونَ عبدَ شَمْسٍ. قَالَ: وأَكثر كَلَامِهِمْ رأَيت عبدَ شَمْسٍ، وأَنشد الْبَيْتَ:
إِذَا مَا رأَت، شَمْسًا، عَبُ الشمسِ شمَّرت
قَالَ: وعَبُ الشَّمْسِ ضَوْءُها. يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ عبَها أَي ضَوْءَها. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ، وَالْقَوْلُ عِنْدِي مَا قَالَ أَبو زَيْدٍ إِنه فِي الأَصل عَبْدُ شَمْسٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: هَذَا بَلْخَبِيثة وَمَرَرْتُ بِبَلْخَبيثة. وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ: بَلْمُهَلَّب، يُرِيدُ بَنِي المُهَلَّبِ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَبُّ شَمْسٍ، بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ، يُرِيدُ عَبدَ شَمس. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبَا: وعبُ الشَّمْسِ: ضوءُها، نَاقِصٌ مِثْلُ دَمٍ، وَبِهِ سمي الرجل.
عدأ: العِنْدَأوةُ: العَسَرُ والالْتِواءُ يَكُونُ فِي الرِّجل. وَقَالَ اللِّحْياني: العِنْدَأْوة: أَدْهَى الدّواهِي. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمُ العِنْدَأْوةُ: المَكْرُ والخَدِيعةُ، وَلَمْ يَهْمِزْهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْمَثَلِ: إنَّ تَحْتَ طِرِّيقَتِكَ لَعِنْدَأْوةً أَي خِلافاً وتَعَسُّفاً، يُقَالُ هَذَا للمُطْرِقِ الدَّاهِي السِّكِّيت والمُطاوِلِ ليَأْتِيَ بداهِيةٍ ويَشُدَّ شدّةَ لَيْثٍ غَيْرِ مُتَّقٍ. والطِّرِّيقة: الِاسْمُ مِنَ الإِطْراقِ، وَهُوَ السُّكُونُ والضَّعْفُ واللِّين. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بناءٌ عَلَى فِنْعلوةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ العَداءِ، وَالنُّونُ وَالْهَمْزَةُ زَائِدَتَانِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عِنْدَأْوةٌ فِعْلَلْوَةٌ، والأَصل قَدْ أُمِيتَ فِعْلُه، وَلَكِنْ أَصحاب النَّحْوِ يَتَكَلَّفُونَ ذَلِكَ باشتِقاقِ الأَمْثِلة مِنَ الأَفاعِيل، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ كَلَامِ الْعَرَبِ شيءٌ تَدْخُلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ وَالْعَيْنُ فِي أَصل بِنَائِهِ إلَّا عِنْدَأْوةٌ وإمَّعَةٌ وعَباءٌ وعفاءٌ وعَماءٌ، فأَما عَظاءةٌ فَهِيَ لُغَةٌ فِي عَظايةٍ، وإعاءٌ لُغَةٌ فِي وعاءٍ. وَحَكَى شَمِرٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: نَاقَةٌ عِنْدَأْوةٌ وقِنْدَأْوةٌ وسِنْدَأْوةٌ أَي جَرِيئةٌ.

فصل الغين المعجمة
غبأ: غَبَأَ لَهُ يَغْبَأُ غَبْأً: قَصَدَ، وَلَمْ يَعْرِفْهَا الرِّياشي بالغين المعجمة.
غرقأ: الغِرقئُ: قِشْر البَيض الَّذِي تَحْتَ القَيْضِ. قَالَ الفرّاءُ: هَمْزَتُهُ زَائِدَةٌ لأَنه مِنَ الغَرَق، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَةُ فِي الكِرْفِئَةِ والطِّهْلِئةِ زَائِدَتَانِ.

فصل الفاء
فأفأ: الفَأْفاءُ، عَلَى فَعْلالٍ: الَّذِي يُكْثِر ترْدادَ الْفَاءِ إِذَا تَكلَّم. والفَأْفأَةُ: حُبْسةٌ فِي اللِّسَانِ وغَلَبة الْفَاءِ عَلَى الْكَلَامِ. وَقَدْ فَأْفَأَ. ورَجل فَأْفأٌ وفَأْفَاءٌ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وامرأَة فَأْفَأَةٌ، وَفِيهِ فَأْفَأَة. اللَّيْثُ: الفأْفَأَةُ فِي الْكَلَامِ، كأَنَّ الفاءَ يَغْلِبُ عَلَى اللِّسان، فَتَقُولُ: فَأْفَأَ فُلَانٌ فِي كَلَامِهِ فَأْفَأَةً. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الفَأْفأَةُ: التَّرْدِيدُ فِي الفاءِ، وَهُوَ أَن يَتَرَدَّدَ فِي الْفَاءِ إِذَا تَكَلَّمَ.
فتا: مَا فَتِئْتُ وَمَا فَتَأْتُ أَذكره: لُغَتان، بِالْكَسْرِ والنصب. فَتَأَهُ فَتْأً وفُتُوءاً وَمَا أَفْتَأْتُ، الأَخيرة تَمِيميَّة، أَي مَا بَرِحْتُ وَمَا زِلْتُ، لَا يُسْتَعْمَل إلَّا فِي النَّفْي، وَلَا يُتَكَلَّم بِهِ إلَّا مَعَ الجَحْد، فَإِنِ استُعْمل بِغَيْرِ مَا وَنَحْوِهَا فَهِيَ مَنْوِيَّة عَلَى حَسَبِ مَا تَجيءُ عَلَيْهِ أَخَواتُها. قَالَ: وَرُبَّمَا حذفتِ العَرَبُ
__________
(1). قوله [والجرهميّ] بالراء وسيأتي في عمد باللام وهي رواية ابن سيدة.
(1/119)

حَرْفَ الجَحْدِ مِنْ هَذِهِ الأَلفاظ، وَهُوَ مَنْوِيٌّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
، أَي مَا تَفْتَأُ. وقولُ ساعِدةَ بْنِ جُؤَيَّةَ:
أَنَدّ مِنْ قارِبٍ، رُوحٍ قَوائمهُ، ... صُمٍّ حَوافِرُه، مَا يَفْتَأُ الدَّلَجَا
أَراد مَا يَفْتَأُ مِنَ الدَّلَجِ، فَحَذف وأَوْصَلَ. وَرُويَ عَنْ أَبي زَيْدٍ قَالَ: تَمِيمٌ تَقُولُ أَفْتَأْتُ، وَقَيْسٌ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ فَتِئْتُ. تَقُولُ: مَا أَفْتَأْتُ أَذكره إفْتاءً، وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ لَا تزالُ تَذْكره. وَمَا فَتِئْت أَذكره أَفْتَأُ فَتْأً. وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب فَتِئْتُ عَنِ الأَمر أَفْتَأُ إِذا نَسِيتَه وانْقَدَعْتَ «1».
فثأ: فَثَأَ الرجُلَ وفَثَأَ غَضَبَه يَفْثَؤُه فَثْأً: كَسَرَ غَضَبَه وسَكَّنه بقَول أَو غَيْره. وَكَذَلِكَ: فَثَأْتُ عَنِّي فُلَانًا فَثْأً إِذَا كَسَرْتَه عَنْكَ. وفَثِئَ هُوَ: انْكَسَرَ غضَبُه. وفَثَأَ القِدْرَ يَفْثُؤُها فَثْأً وفُثُوءا، الْمَصْدَرَانِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: سَكَّن غَلَيانَها كَثَفأَها. وفَثَأَ الشيءَ يَفْثَؤُه فَثْأً: سَكَّنَ بَرْدَه بالتَّسْخِين. وفَثَأْتُ الماءَ فَثْأً إِذَا سَخَّنْتَه، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا سَخَّنْتَه. وفَثَأَتِ الشمسُ الماءَ فُثُوءاً: كَسَرَتْ بَرْدَه. وفَثَأَ القِدْرَ: سكَّن غَلَيانَها بماءٍ بارِدٍ أَو قَدْحٍ بالمِقْدحة. قَالَ الجَعْدِيُّ:
تَفُورُ عَلَيْنا قِدْرُهم، فَنُدِيمُها ... ونَفْثَؤُها عَنَّا، إِذَا حَمْيُها غَلَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي التَّهْذِيبِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكُمَيْتِ. وفَثَأَ اللبنُ يَفْثَأُ فَثْأً إِذَا أُغْليَ حَتَّى يَرْتَفِعَ لَهُ زُبْدٌ ويَتَقَطَّعَ، فَهُوَ فاثِئٌ. وَمِنْ أَمثالهم فِي اليَسِير مِنَ البرِّ: إنَّ الرَّثيئَة تَفْثَأُ الغَضَبَ، وأَصله أَنَّ رَجُلًا كَانَ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ، وَكَانَ مَعَ غَضَبِه جَائِعًا، فَسَقَوْه رَثِيئةً، فَسكَن غَضَبُه وكَفَّ عَنْهُمْ. وَفِي حَدِيثِ
زيادٍ: لَهُوَ أَحبُّ إِلَيَّ مِنْ رَثِيئةٍ فُثِئَتْ بسُلالةٍ
أَي خُلِطَتْ بِهِ وكُسِرَتْ حِدَّتُه. والفَثْءُ: الكَسْر، يُقَالُ: فَثَأْتُه أَفْثَؤُه فَثْأً. وأَفْثَأَ الحَرُّ: سكَنَ وفَتَرَ. وفَثَأَ الشيءَ عَنْهُ يَفْثَؤُه فَثْأً: كَفَّه. وعَدا الرجلُ حَتَّى أَفْثَأَ أَي حَتَّى أَعْيا وانْبَهَرَ وفَتَرَ، قَالَتِ الخَنساء:
أَلا مَنْ لِعَيْنٍ لَا تَجِفُّ دُموعُها، ... إِذَا قُلْتُ أَفْثَتْ، تَسْتَهِلُّ، فَتَحْفِلُ
أَرادت أَفْثَأَتْ، فَخَفَّفَتْ.
فجأ: فَجِئَه الأَمْرُ وفَجَأَه، بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ، يَفْجَؤُه فَجْأً وفُجَاءةً، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، وافْتَجَأَه وفاجأَه يُفاجئُه مُفَاجأَةً وفِجاءً: هَجَم عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَن يَشْعُر بِهِ، وَقِيلَ: إِذَا جَاءَهُ بَغْتةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ. وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:
كأَنهُ، إِذْ فاجأَه افْتِجاؤُهُ، ... أَثْناءُ لَيْلٍ، مُغْدِفٍ أَثْناؤُهُ
وَكُلُّ مَا هَجَمَ عَلَيْكَ مِنْ أَمر لَمْ تَحْتَسِبْهُ فَقَدَ فَجأَك. ابْنُ الأَعرابي: أَفْجَأَ إِذَا صادَفَ صَدِيقَه عَلَى فَضِيحةٍ. الأَصمعي: فَجِئَتِ الناقةُ: عَظُمَ بَطْنُها، وَالْمَصْدَرُ الفَجَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ. والفُجاءةُ: أَبو قَطَرِيٍّ المازِنِيِّ. ولَقِيتُه فُجاءةً، وضَعُوه موضعَ الْمَصْدَرِ وَاسْتَعْمَلَهُ ثَعْلَبٌ بالأَلف وَاللَّامِ ومَكَّنهُ، فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ خَرَجتُ فَإِذَا زيْدٌ، فهذا هو
__________
(1). قوله [وانقدعت] كذا هو في المحكم أيضاً بالقاف والعين لا بالفاء والغين.
(1/120)

الفُجاءةُ، فَلَا يُدْرَى أَهو مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، أَو هُوَ مِنْ كَلَامِهِ. والفُجاءةُ: مَا فاجأَكَ. ومَوْتُ الفُجاءةِ: مَا يَفْجَأُ الإِنسانَ مِنْ ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ على المرّة.
فرأ: الفَرَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: حمارُ الوَحْشِ، وَقِيلَ الفَتيُّ مِنْهَا. وَفِي الْمَثَلِ: كلُّ صَيْدٍ فِي جَوْفِ الفَرَإِ «1». وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن أَبا سُفْيَانَ استأْذَنَ النبيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحَجَبَه ثُمَّ أَذِن لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا كِدْتَ تأْذَنُ لِي حَتَّى تأْذَنَ لحِجارة الجُلْهُمَتَينِ. فَقَالَ: يَا أَبا سفيانَ أَنت كَمَا قَالَ القائلُ: كلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَإ
، مَقْصُورٌ، وَيُقَالُ فِي جَوْفِ الفَرَاءِ، مَمْدُودٌ، وأَراد النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بِمَا قَالَهُ لأَبي سفيانَ تأَلُّفَه عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ:
أَنتَ فِي الناسِ كحِمارِ الوَحْش فِي الصَّيْدِ
، يعني أَنها كلها مثلهُ. وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: مَعْنَاهُ أَنه إِذَا حَجَبَكَ قَنِعَ كُلُّ مَحْجُوبٍ ورَضِي، لأَن كلَّ صَيْدٍ أَقلُّ مِنَ الحِمار الوَحْشِيِّ، فكلُّ صَيْدٍ لِصغَرِه يَدْخُلُ فِي جَوْفِ الْحِمَارِ، وَذَلِكَ أَنه حَجَبَه وأَذِنَ لِغَيْرِهِ. فيُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ حاجاتٌ، مِنْهَا وَاحِدَةٌ كَبِيرَةٌ، فَإِذَا قُضِيَتْ تِلْكَ الكَبيرةُ لَمْ يُبالِ أَن لَا تُقْضى بَاقِي حاجاتِه. وجمعُ الفَرَإ أَفْراء وفِراء، مِثْلُ جَبَلٍ وجبالٍ. قَالَ مَالِكِ بْنِ زُغْبَة الباهليُّ:
بضَرْبٍ، كآذانِ الفِراء فُضُولهُ، ... وطَعْنٍ، كإِيزاغِ المخَاض، تَبُورُها
الإِيزاغُ: إِخراجُ البولِ دُفعةً دُفعةً. وتَبُورُها أَي تَخْتَبِرُها. وَمَعْنَى الْبَيْتِ أَنَّ ضَرْبَه يُصَيِّر فِيهِ لَحْماً مُعَلَّقاً كَآذَانِ الحُمُر. وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَ قَالَ: فَرَا «2». وَحَضَرَ الأَصمعي وأَبو عَمْرٍو الشيبانيُّ عِنْدَ أَبي السَّمْراء فأَنشده الأَصمعي:
بضربٍ، كَآذَانِ الفِراء فُضُولُهُ. ... وطعنٍ كتَشْهاقِ العَفا، هَمَّ بالنَّهْقِ
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى فَرْوٍ كَانَ بقُربه يُوهِمُ أَنَّ الشَّاعِرَ أَراد فَرْواً، فَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَراد الفَرْوَ. فَقَالَ الأَصمعي: هَكَذَا روايَتُكُم، فأَما قَوْلُهُمْ: أَنْكَحْنا الفَرا فَسَنَرى، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّخْفِيفِ البَدَليّ موافَقة لسَنَرى لأَنه مثلٌ والأَمثالُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَلَمَّا سكِّنَت الْهَمْزَةُ أُبدلت أَلفاً لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَمَعْنَاهُ: قَدْ طَلَبْنَا عاليَ الأُمور فسَنَرى أَعمالَنا بعدُ، قَالَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ. وَقَالَ الأَصمعي: يُضْرَبُ مَثَلًا لِلرَّجُلِ إِذَا غُرِّرَ بأَمر فَلَمْ يَرَ مَا يُحِبُّ أَي صَنَعْنا الحَزْم فَآلَ بِنَا إِلَى عاقبةِ سُوء. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّا قَدْ نَظَرْنا فِي الأَمر فَسَنَنْظُرُ عَمَّا ينكشف.
فسأ: فَسَأَ الثوبَ يَفْسَؤُه فَسْأً وفَسَّأَه فَتَفَسَّأَ: شَقَّه فتَشَقَّقَ. وتفسَّأَ الثوبُ أَي تَقَطَّع وبَلِيَ. وتَفَصَّأَ: مِثْلُهُ. أَبو زَيْدٍ: فَسَأْتُه بالعَصا إِذَا ضَرَبْتَ بِهَا ظهرَه. وفَسَّأْتُ الثَّوْبَ تَفْسئةً وتَفْسِيئاً: مَدَدْتُه حَتَّى تَفَزَّر. وَيُقَالُ: مَا لَكَ تَفْسأُ ثوبَك؟ وفَسَأَه يَفْسَؤُه فَسْأً: ضَرَبَ ظهرَه بالعَصا. والأَفْسَأُ: الأَبْزَخُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي خَرج صدْرُه ونَتَأَتْ خَثْلَتُه، والأُنثى فَسْآءُ.
__________
(1). قوله [في المثل إلخ] ضبط الفرأ في المحكم بالهمز على الأَصل وكذا في الحديث.
(2). قوله [ومن ترك الهمز إلخ] انظر بم تتعلق هذه الجملة.
(1/121)

والأَفْسأُ والمَفسُوءُ: الَّذِي كأَنه إِذَا مشَى يُرَجِّعُ اسْتَه. ابْنُ الأَعرابي: الفَسَأُ دُخول الصُّلْب، والفَقَأُ خُروجُ الصَدْر؛ وَفِي وَرِكَيْه فَسَأٌ. وأَنشد ثَعْلَبٌ:
قَدْ حَطَأَتْ أُمُّ خُثَيْمِ بأَدَنّ ... «3» بِخارِج الخَثْلةِ، مَفْسوءِ القَطَنْ
وَفِي التَّهْذِيبِ:
بِناتِئِ الجَبْهةِ، مَفْسُوءِ القَطَنْ
عَدَّى حَطَأَتْ بِالْبَاءِ لأَنّ فِيهِ مَعْنَى فازَتْ أَو بَلَّتْ، وَيُرْوَى خَطَأَتْ، وَالِاسْمُ، مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، الفَسَأُ. وتفاسَأَ الرَّجل تفاسُؤًا، بِهَمْزٍ وَغَيْرِ هَمْزٍ: أَخرج عَجيزَته وَظَهْرَهُ.
فشأ: تَفَشَّأَ الشيءُ تَفَشُّؤًا: انتَشَر. أَبو زَيْدٍ: تَفَشَّأَ بِالْقَوْمِ المرضُ، بِالْهَمْزِ، تَفَشُّؤًا إِذَا انْتَشَر فِيهِمْ، وأَنشد:
وأَمْرٌ عظيمُ الشَّأْنِ، يُرْهَبُ هَوْلُهُ، ... ويَعْيا بِهِ مَنْ كَانَ يُحْسَبُ راقِيا
تَفَشَّأَ إخْوانَ الثِّقَاتِ، فعَمَّهُم، ... فأَسْكَتُّ عنِّي المُعْوِلات البواكِيا
ابْنُ بُزُرْجَ: الفَشْءُ: مِنَ الْفَخْرِ مِنْ أَفْشَأْتُ، وَيُقَالُ فَشَأْتُ.
فصأ: قَالَ فِي تَرْجَمَةِ فسأَ: تَفَسَّأَ الثَوْبُ أَي تَقَطَّعَ وبَلِيَ، وتَفَصَّأَ: مِثْلُهُ.
فضأ: أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي فِي بَابِ الْهَمْزِ: أَفْضَأْتُ الرجلَ أَطْعَمْته. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَنكر شَمِرٌ هَذَا الْحَرْفَ، قَالَ: وحَقَّ لَهُ أَن يُنْكِرَه لأَنّ الصوابَ أَقْضَأْته، بِالْقَافِ، إِذَا أَطعمتَه. وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
فطأ: الفَطَأُ: الفَطَسُ. والفُطْأَةُ: الفُطْسةُ. والأَفْطَأُ: الأَفْطَس. ورجلٌ أَفْطَأُ: بَيِّنُ الفَطَإ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ: أَنه رأَى مُسَيْلِمَة أَصْفَر الْوَجْهِ أَفْطَأَ الأَنْفِ دَقِيقَ الساقَيْن.
والفَطَأُ والفُطْأَةُ: دخُولُ وسَطِ الظَّهْر، وَقِيلَ: دخُول الظَّهْرِ وخُروجُ الصَّدْرِ. فَطِئَ فَطَأً، وَهُوَ أَفْطَأُ، والأُنثى فَطْآءُ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ الفُطْأَةُ، وَبَعِيرٌ أَفْطَأُ الظَّهْرِ، كَذَلِكَ. وفَطِئَ الْبَعِيرُ إِذَا تَطامَن ظَهْرُه خِلْقةً. وفَطَأَ ظَهْرَ بَعِيرِهِ: حَمَلَ عليهِ ثِقْلًا فاطْمَأَنّ وَدَخَلَ. وتَفَاطَأَ فُلَانٌ، وَهُوَ أَشدُّ مِنَ التَّقاعُس، وتفاطأَ عَنْهُ: تأَخَّر. والفَطَأُ فِي سَنامِ البعِير. بَعيرٌ أَفْطَأُ الظَّهْرِ. والفعلُ فَطِئَ يَفْطَأُ فَطَأً. وفَطَأَ ظهرَه بِالْعَصَا يَفْطَؤُه فَطْأً: ضَرَبَهُ، وَقِيلَ هُوَ الضَّرْبُ فِي أَي عُضْوٍ كَانَ. وفَطَأَه: ضرَبه عَلَى ظَهْرِهِ، مِثْلُ حَطَأَه. أَبو زَيْدٍ: فَطأْتُ الرجلَ أَفْطَؤُه فَطْأً إِذَا ضَرَبْتَهُ بعَصاً أَو بظَهْر رجْلِك. وفَطَأَ بِهِ الأَرضَ: صَرَعه. وفَطَأَ بسَلْحه: رَمَى بِهِ، وَرُبَّمَا جاءَ بِالثَّاءِ. وفَطَأَ الشيءَ: شَدخَه. وفَطَأَ بِهَا: حَبَقَ. وفَطَأَ المرأَة يَفْطَؤُها فَطْأً: نَكَحَها. وأَفْطَأَ الرجلُ إِذَا جامَعَ جِماعاً كَثِيرًا. وأَفْطَأَ إِذَا اتَّسَعَت حالهُ. وأَفْطَأَ إِذَا سَاءَ خُلُقه بَعْدَ حُسْنٍ.
__________
(3). قوله [بأدن] هو بالدال المهملة كما في مادة د ن ن ووقع في مادة ح ط أبالذال المعجمة تبعاً لما فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْمُحْكَمِ.
(1/122)

وَيُقَالُ تَفَاطَأَ فُلَانٌ عَنِ القوم بعد ما حَمَلَ عَلَيْهِمْ تَفاطُؤاً وَذَلِكَ إِذَا انْكسر عَنْهُمْ ورجَعَ، وتَبازَخَ عَنْهُمْ تَبازُخاً فِي معناها.
فقأ: فَقَأَ العَينَ والبَثْرةَ وَنَحْوَهُمَا يَفْقَؤُهما فَقْأً وفَقَّأَها تَفْقِئةً فانْفَقَأَتْ وتَفَقَّأَتْ: كسَرَها. وَقِيلَ قَلعها وبَخَقَها، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَوْ أَنّ رَجُلًا اطَّلعَ فِي بَيتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنهم ففَقَؤُوا عينَه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ
، أَي شَقوها. والفَقْءُ: الشَّقُّ والبَخْصُ. وَفِي حَدِيثِ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنه فَقَأَ عينَ مَلَكِ الموْتِ.
وَمِنْهُ الحديثُ:
كأَنما فُقِئَ فِي وجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ
، أَي بُخِصَ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَفَقَّأَتْ
أَي انْفَلَقَتْ وانْشَقَّتْ. وَمِنْ مَسَائِلِ الْكِتَابِ: تَفَقَأْتُ شَحْماً، بِنَصْبِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَي تَفَقَّأَ شَحْمِي، فنُقِل الْفِعْلُ فَصَارَ فِي اللَّفْظِ لَيٌّ، فَخَرَجَ الْفَاعِلُ، فِي الأَصل، مميِّزاً، وَلَا يَجُوزُ عَرَقاً تَصَبَّبتُ، وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمُمَيِّزُ هُوَ الْفَاعِلُ فِي الْمَعْنَى، فَكَمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْفِعْلِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُمَيِّزِ، إِذْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ فِي الْمَعْنَى، عَلَى الْفِعْلِ؛ هَذَا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي. وَقَالَ وَيُقَالُ لِلضَّعِيفِ الْوَادِعُ: إِنَّهُ لَا يُفَقِّئُ البيضَ. اللَّيْثُ: انْفَقَأَتِ العَينُ وانْفَقَأَتِ البَثْرةُ، وَبَكَى حَتَّى كَادَ يَنْفَقِئُ بطنُه: يَنْشَقُّ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا بَلغ إبلُ الرَّجُلِ مِنْهُمْ أَلفاً فَقَأَ عينَ بعِير مِنْهَا وسرَّحَه حَتَّى لَا يُنْتَفَع بِهِ. وأَنشد:
غَلَبْتُكَ بالمُفَقِّئِ والمُعَنَّى، ... وبَيْتِ المُحْتَبي والخافِقاتِ
قَالَ الأَزهري: لَيْسَ مَعْنَى المُفَقِّئِ، فِي هَذَا الْبَيْتِ، مَا ذَهَب إِلَيْهِ اللَّيْثُ، وَإِنَّمَا أَراد بِهِ الْفَرَزْدَقُ قَوْلَهُ لِجَرِيرٍ:
ولستَ، وَلَوْ فَقَّأْتَ عَيْنَكَ، وَاجِدًا ... أَباً لَكَ، إنْ عُدَّ المَساعي، كدارِمِ
وتَفَقَّأَتِ البُهْمَى تَفَقُّؤاً: انْشَقَّتْ لَفائفُها عَنْ نَوْرِها. وَيُقَالُ: فَقَأَت فَقْأً إِذَا تشقَّقت لفائفُها عَنْ ثَمرَتها. وتَفَقَّأَ الدُّمَّلُ والقَرْحُ وتَفَقَّأَتِ السحابةُ عَنْ مَائِهَا: تَشَقَّقتْ. وتَفَقَّأَت: تَبَعَّجَت بِمَائِهَا. قَالَ ابْنُ أَحمر:
تَفَقَّأَ فَوْقَهُ القَلَعُ السَّوارِي، ... وجُنَّ الخازِبازِ بِهِ جُنُونا
الخازِبازِ: صَوْتُ الذُّباب، سُمِّيَ الذُّباب بِهِ، وَهُمَا صَوْتَانِ جُعِلا صَوْتًا وَاحِدًا لأَن صَوْتَهُ خازِبازِ، وَمَنْ أَعْرَبه نَزَّله مَنْزِلَةَ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَقَالَ: خازِبازُ. وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ تَفَقَّأَ فوقَه، عائدةٌ عَلَى قَوْلِهِ بِهَجْلٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ:
بهَجْلٍ مِن قَساً ذَفِرِ الخُزامَى ... «1»، تَهادَى الجِرْبِياءُ بِهِ الحَنِينا
يَعْنِي فَوْقَ الهَجْل. والهَجْلُ: هُوَ المُطْمئِنُّ مِنَ الأَرض. والجِرْبِياء: الشَّمالُ. وَيُقَالُ: أَصابَتْنا فَقْأَةٌ أَي سَحَابَةٌ لَا رَعْدَ فِيهَا وَلَا بَرْقَ ومَطَرُها مُتقارِب. والفَقْءُ: السَّابِياءُ الَّتِي تَنْفَقِئُ عَنْ رأْس الْوَلَدِ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ، والجَمع فُقوءٌ. وَحَكَى كُرَاعٌ فِي جمعِه فاقِياء، قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ لأَن مِثْلَ هَذَا لَمْ يَأْتِ فِي الجَمْعِ. قَالَ: وأُرى الفاقِياء لُغَةً فِي الفَقْء كالسَّابِياء، وأَصله فاقِئاءُ، بالهمز، فكُرِه
__________
(1). قوله [بهجل] سيأتي في قسأ عن المحكم بجوّ.
(1/123)

اجتماعُ الْهَمْزَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَلِفٌ، فقُلِبت الأُولى يَاءً. ابْنُ الأَعرابي: الفُقْأَةُ: جِلْدَةٌ رَقِيقة تَكُونُ عَلَى الأَنف فَإِنْ لَمْ تَكْشِفْها مَاتَ الْوَلَدُ. الأَصمعي: السَّابِياءُ: الْمَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ. ابْنُ الأَعرابي: السابياءُ: السَّلَى الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَلَدُ. وكَثُر سابِياؤهم العامَ، أَيْ كَثُر نِتاجُهم. والسُّخْد: دَمٌ وَمَاءٌ فِي السَّابِياءِ. والفَقْءُ: الْمَاءُ الَّذِي فِي المَشِيمة، وَهُوَ السُّخْدُ والسُّخْتُ والنُّخْطُ. وناقةٌ فَقْأَى، وَهِيَ الَّتِي يأْخذها داءٌ يُقَالُ لَهُ الحَقْوَةُ فَلَا تَبُولُ وَلَا تَبْعَرُ، وَرُبَّمَا شَرِقَتْ عَرُوقُها ولحمُها بالدَّمِ فانتَفَخَتْ، وَرُبَّمَا انْفَقَأَتْ كَرشُها مِنْ شِدَّةِ انْتِفاخِها، فَهِيَ الفَقِيءُ حِينَئِذٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي ناقةٍ مُنْكَسِرَةٍ: مَا هِيَ بِكَذَا وَلَا كَذَا وَلَا هِيَ بِفَقِيءٍ فَتَشْرَق عُرُوقُها.
الفَقِيءُ: الَّذِي يأْخذه داءٌ فِي البَطْنِ كَمَا وصَفْناه، فَإِنْ ذُبِحَ وطُبِخَ امتَلأَت القِدْرُ مِنْهُ دَمًا، وفَعِيلٌ يُقَالُ لِلذِّكْرِ والأُنثى. والفَقَأُ: خُرُوج الصَّدْر. والفَسَأُ: دُخُولُ الصُّلْب. ابْنُ الأَعرابي: أَفْقَأَ إِذَا انخَسَفَ صَدْرُه مِنْ عِلَّة. والفَقْءُ: نَقْرٌ فِي حَجر أَو غَلْظٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ. وَقِيلَ هُوَ كالحُفْرةِ تَكُونُ فِي وسَط الأَرض. وَقِيلَ: الفَقْءُ كالحُفْرةِ فِي وَسَطِ الحَرَّةِ. والفَقْءُ: الحُفْرَةُ فِي الجَبَل، شَكَّ أَبو عُبَيْدٍ فِي الحُفْرةِ أَو الجُفْرةِ، قَالَ: وَهُمَا سواءٌ. والفَقِيءٌ كالفَقْءِ، وأَنشد ثَعْلَبٌ:
فِي صَدْرهِ مِثلُ الفَقيء المُطْمَئِنّ
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مِثْلُ الفُقَيْءِ، عَلَى لَفْظِ التَّصْغِيرِ. وَجَمْعُ الفَقِيءِ فُقْآنٌ. والمُفَقِّئَة: الأَودية الَّتِي تَشُقُّ الأَرض شَقّاً، وأَنشد لِلْفَرَزْدَقِ:
أَتَعْدِلُ دارِماً بِبَني كُلَيْبٍ، ... وتَعْدِلُ، بالمُفَقِّئَةِ، الشِّعابا «1»
والفَقْءُ: مَوْضِعٌ.
فنأ: مالٌ ذُو فَنَإٍ أَي كَثْرة كفَنَعٍ. قَالَ: وأُرَى الْهَمْزَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَيْنِ، وأَنشد أَبو العَلاء بَيْتَ أَبي محْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:
وَقَدْ أَجُودُ، وَمَا مَالِي بِذي فَنَإٍ، ... وأَكْتُمُ السِّرَّ، فِيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ
وَرِوَايَةُ يعقوبَ فِي الأَلفاظ: بِذي فَنَعٍ.
فيأ: الفَيْءُ: مَا كَانَ شَمْسًا فَنَسَخَه الظِّلُّ، وَالْجَمْعُ: أَفْيَاءٌ وفُيُوءٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرِي، لأَنْتَ البَيتُ أَكْرَمُ أَهْلِهِ، ... وأَقْعَدُ فِي أَفْيائِه بالأَصائِل
وفاءَ الفَيْءُ فَيْئاً: تَحوَّلَ. وتَفَيَّأَ فِيهِ: تَظَلَّلَ. وَفِي الصِّحَاحِ: الفَيْءُ مَا بَعْدَ الزوالِ مِن الظلِّ. قَالَ حُمَيْد بْنُ ثَوْر يَصِف سَرْحةً وَكَنَى بِهَا عَنِ امرأَة:
فَلَا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُحَى تَستطيعُه، ... وَلا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الظلُّ فَيْئًا لرُجُوعه مِن جانِب إِلَى جانِب.
__________
(1). مما يستدرك به على المؤلف ما في التهذيب، قيل لِامْرَأَةٍ: إِنَّكِ لَمْ تُحْسِنِي الخرز فافْتَقِئِيهِ أَي أعيدي عليه. يقال: افْتَقَأْتُه أي أعدت عليه، وذلك أن يجعل بَيْنَ الْكُلْبَتَيْنِ كُلْبَةً كَمَا تُخَاطُ البَوَارِيُّ إِذَا أُعِيدَ عليه. والكلبة السَّيْرُ أَوِ الْخَيْطُ فِي الكلبة وَهِيَ مَثْنِيَّةٌ فَتُدْخَلُ فِي مَوْضِعِ الْخَرْزِ وَيُدْخِلُ الْخَارِزُ يَدَهُ فِي الْإِدَاوَةِ ثُمَّ يمد السير والخيط.
(1/124)

قَالَ ابْنُ السِّكِّيت: الظِّل: مَا نَسَخَتْه الشمسُ، والفَيْءُ: مَا نَسَخَ الشمسَ. وَحَكَى أَبو عُبيدةَ عَنْ رُؤْبَةَ، قَالَ: كلُّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الشمسُ فَزالتْ عَنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ وظِلٌّ، وَمَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشمسُ فَهُوَ ظِلٌّ. وتَفَيَّأَتِ الظِّلالُ أَي تَقَلَّبَتْ. وَفِي التَّنْزِيلِ العزيز: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
. والتَّفَيُّؤُ تَفَعُّلٌ مِنَ الفَيْءِ، وَهُوَ الظِّلُّ بالعَشِيِّ. وتَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رجُوعُها بعدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ وابْتعاثِ الأَشياءِ ظِلالَها. والتَّفَيُّؤُ لَا يَكُونُ إِلَّا بالعَشِيِّ، والظِّلُّ بالغداةِ، وَهُوَ مَا لَم تَنَلْه الشَّمْسُ، والفَيْءُ بالعَشِيِّ مَا انصَرَفَتْ عَنْهُ الشمسُ، وَقَدْ بَيَّنه حُمَيد بْنُ ثَور فِي وَصْفِ السَّرْحة، كَمَا أَنْشَدْنَاهُ آنِفاً. وتَفَيَّأَتِ الشجرةُ وفَيَّأَتْ وفاءَتْ تَفْيِئةً: كثرَ فَيْؤُها. وتَفَيَّأْتُ أَنا فِي فَيْئِها. والمَفْيُؤَةُ: مَوْضِعُ الفَيْءِ، وَهِيَ المَفْيُوءَةُ، جاءَت عَلَى الأَصل، وَحَكَى الْفَارِسِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ: المَفِيئَةَ فيها. الأَزهري، الليث: المَفْيُؤَةُ هي المَقْنُؤَةُ مِنَ الفَيْءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ يقال: مَقْنَأَةٌ ومَقْنُؤَةٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. قَالَ: وَلَمْ أَسمع مَفْيُؤَة بِالْفَاءِ لِغَيْرِ اللَّيْثِ. قَالَ: وَهِيَ تُشْبِهُ الصَّوَابَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي قَنَأَ أَيضاً. والمَفْيُوءَةُ: هُوَ المَعْتُوه لَزِمَهُ هَذَا الِاسْمُ مِنْ طُولِ لُزومِه الظِّلَّ. وفَيَّأَتِ المرأَةُ شَعَرَها: حَرَكَته مِنَ الخُيَلاءِ. والرِّيح تُفَيِّئُ الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ: تحرِّكهما. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَثَل المؤْمن كَخَامَةِ الزَّرْعِ تُفَيِّئُها الرِّيحُ مرةَ هُنا وَمَرَّةً هُنَا.
وَفِي رِوَايَةٍ:
كالخامةِ مِنَ الزرعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْها الريحُ تُفَيِّئُها
أَي تُحَرِّكُها وتُمِيلُها يَمِينًا وشِمالًا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِذَا رأَيتم الفَيْءَ على رؤوسهنَّ، يَعْنِي النساءَ، مِثْل أَسْنِمة البُخْتِ فأَعْلِمُوهنَّ أَن اللَّهَ لَا يَقْبَلُ لهُن صَلَاةً.
شَبَّه رؤُوسهنَّ بأَسْنِمة البُخْت لِكَثْرَةِ مَا وَصَلنَ بِهِ شعورَهنَّ حَتَّى صَارَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُفَيِّئُها أَي يُحَرِّكها خُيلاءً وعُجْباً، قَالَ نَافِعُ بْنُ لَقِيط الفَقْعَسِيّ:
فَلَئِنْ بَلِيتُ فَقَدَ عَمِرْتُ كأَنِّني ... غُصْنٌ، تُفَيِّئُه الرِّياحُ، رَطِيبُ
وفاءَ: رجَع. وفاءَ إِلَى الأَمْرِ يَفِيءُ وفاءَه فَيْئاً وفُيُوءاً: رَجَع إِلَيْهِ. وأَفاءَهُ غيرُه: رَجَعه. وَيُقَالُ: فِئْتُ إِلَى الأَمر فَيْئاً إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ النَّظَرَ. وَيُقَالُ لِلْحَدِيدَةِ إِذَا كَلَّتْ بَعْدَ حِدَّتِها: فاءَتْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الفَيءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ
أَي العَطْفُ عَلَيْهِ والرُّجوعُ إِلَيْهِ بالبِرِّ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ: أَفَأْتُ فُلَانًا عَلَى الأَمر إِفاءَةً إِذَا أَراد أَمْراً، فَعَدَلْتَه إِلَى أَمْرٍ غَيْرِهِ. وأَفَاءَ واسْتَفاءَ كَفَاءَ. قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
فَأَقْلَعَ مِنْ عَشْرٍ، وأَصْبَحَ مُزْنُه ... أَفَاءَ، وآفاقُ السَّماءِ حَواسِرُ
وَيُنْشِدُ:
عَقُّوا بسَهْمٍ، وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ، ... ثمَّ اسْتَفاؤُوا، وَقَالُوا حَبَّذا الوَضَحُ
أَي رَجَعوا عَنْ طَلَبِ التِّرَةِ إِلَى قَبُولِ الدِّيَةِ. وفلانٌ سَريعُ الفَيْءِ مِن غَضَبِه. وفاءَ مِنْ غَضَبِه: رَجَعَ، وإِنه لَسَرِيعُ الفَيْءِ والفَيْئَةِ والفِيئَةِ أَي الرُّجوع، الأَخيرتان عَنِ اللِّحيانِي، وإِنه لَحَسَنُ الفِيئَةِ، بِالْكَسْرِ مِثْلُ الفِيقَةِ، أَي حَسَنُ الرُّجوع. وَفِي حَدِيثِ
عائشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ عَنْ زَيْنَبَ: كلُّ خِلالِها مَحْمُودةٌ مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ تُسْرِعُ مِنْهَا الفِيئَةَ
؛ الفِيئَةُ، بِوَزْنِ الفِيعَةِ؛ الحالةُ مِنَ الرُّجوعِ
(1/125)

عَنِ الشيءِ الَّذِي يَكُونُ قَدْ لابَسه الإِنسانُ وباشَرَه. وفاءَ المُولِي مِنِ امرأَتِه: كَفَّرَ يَمينَه ورَجَعَ إِلَيْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. قَالَ: الفَيْءُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ مَعانٍ مَرْجِعُها إِلَى أَصل وَاحِدٍ وَهُوَ الرُّجُوعُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي المُولِين مِن نسائهم: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وَذَلِكَ أَنَّ المُولي حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امرأَتَه فجعَل اللهُ مدةَ أَربعةِ أشْهُر بعدَ إِيلائهِ، فإِن جامَعها فِي الأَربعة أَشهر فَقَدْ فاءَ، أَي رَجَعَ عَمَّا حَلَفَ عليهِ مِنْ أَنْ لَا يُجامِعَها، إِلَى جِماعِها، وَعَلَيْهِ لحِنْثِه كَفَّارةُ يَمينٍ، وَإِنْ لَمْ يُجامِعْها حَتَّى تَنْقَضِي أَربعةُ أَشهر مِنْ يَوْمِ آلَى، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَوقعوا عَلَيْهَا تَطْلِيقَةً، وَجَعَلُوا عَنِ الطَّلَاقِ انْقِضاءَ الأَشهر، وخَالفَهم الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنْ أَصْحابِ رَسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهل الْعِلْمِ، وَقَالُوا: إِذَا انْقَضَتْ أَربعةُ أَشهر وَلَمْ يُجامِعْها وُقِفَ المُولي، فَإِمَّا أَنْ يَفِيء أَي يَجامِعُ ويُكفِّرَ، وإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ، فَهَذَا هُوَ الفَيءُ مِنَ الإِيلاءِ، وَهُوَ الرُّجوعُ إِلَى مَا حَلفَ أَنْ لَا يَفْعَلَه. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُكَرَّمِ: وَهَذَا هُوَ نَصُّ التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فاؤُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
. وتَفَيَّأْتِ المرأَةُ لِزَوْجِهَا: تَثَنَّتْ عَلَيْهِ وتَكَسَّرَتْ لَهُ تَدَلُّلًا وأَلْقَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ؛ مِنَ الفَيْءِ وَهُوَ الرُّجوع، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْقَافِ. قَالَ الأَزهري: وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ تَفَيَّأَتْ، بِالْفَاءِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
تَفَيَّأَتْ ذاتُ الدَّلالِ والخَفَرْ ... لِعابِسٍ، جَافِي الدَّلال، مُقْشَعِرّ
والفَيْءُ: الغَنِيمةُ، والخَراجُ. تَقُولُ مِنْهُ: أَفاءَ اللهُ عَلَى المُسْلِمينَ مالَ الكُفَّارِ يُفِيءُ إِفاءَةً. وَقَدْ تكرَّر فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الفَيْءِ عَلَى اخْتِلاف تَصرُّفِه، وَهُوَ مَا حَصل لِلمُسلِمينَ مِنْ أَموالِ الكُفَّار مِنْ غَيْرِ حَرْب وَلَا جِهادٍ. وأَصْلُ الفَيْءِ: الرُجوعُ، كأَنه كانَ فِي الأَصْل لَهُمْ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَمِنْهُ قِيل للظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ بعدَ الزوالِ فَيْءٌ لأَنه يَرْجِعُ مِنْ جانِب الغَرْب إِلَى جَانِبِ الشَّرْق. وَفِي الْحَدِيثِ:
جاءَتِ امرأَةٌ مِن الأَنصار بابْنَتيْنِ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رسولَ اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا فُلانٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقد اسْتَفَاءَ عَمُّهما مالَهما ومِراثَهما
، أَي اسْتَرْجَعَ حَقَّهُما مِن المِيراث وجَعَلَه فَيْئاً لَهُ، وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِن الفَيْءِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فلَقَدْ رَأَيتُنا نَسْتَفِيءُ سُهْمانَهُما
أَي نأْخُذُها لأَنْفُسِنا ونَقْتَسِمُ بِهَا. وَقَدْ فِئْتُ فَيْئاً واسْتَفَأْتُ هَذَا المالَ: أَخَذْتُه فَيْئاً. وأَفَاءَ اللَهُ عَلَيْهِ يُفِيءُ إِفَاءَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
. التَّهْذِيبُ: الفَيْءُ مَا رَدَّ اللهُ تَعَالَى علَى أَهْلِ دِينِهِ مِنْ أَمْوالِ مَنْ خالَفَ دِينَه، بِلَا قِتالٍ، إِمَّا بأَنْ يُجْلَوا عَن أَوْطانِهِم ويُخَلُّوها لِلْمُسْلِمِينَ، أَو يُصالِحُوا عَلَى جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَها عَن رُؤوسِهم، أَو مالٍ غَيْرِ الجِزْيةِ يَفْتَدُونَ بِهِ مِن سَفْكِ دِمائهم، فَهَذَا المالُ هُوَ الفَيْءُ. فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ. أَي لَمْ تُوجِفُوا عَلَيْهِ خَيْلًا وَلَا رِكاباً، نَزَلَتْ فِي أَموال بَنِي النَّضِيرِ حِينَ نَقَضُوا العَهْدَ وجُلُوا عَنْ أَوْطانِهم إِلَى الشَّامِ، فَقَسَمَ رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، أَموالَهم مِن النَّخِيل وغَيْرِها فِي الوُجُوه الَّتِي أَراهُ اللَّهُ أَن
(1/126)

يَقْسِمَها فِيهَا. وقِسمةُ الفَيءِ غيرُ قسمةِ الغَنِيمة الَّتِي أَوْجَفَ اللهُ عَلَيْهَا بالخَيْلِ والرِّكاب. وأَصلُ الفَيْءِ: الرُّجُوعُ، سُمِّيَ هَذَا المالُ فَيْئاً لأَنه رَجَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوالِ الكُفّار عَفْواً بِلَا قِتالٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِتالِ أَهلِ البَغْيِ: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
، أَي تَرجِعَ إِلَى الطاعةِ. وأَفَأْتُ عَلَى الْقَوْمِ فَيْئاً إِذَا أَخَذْتَ لَهُمْ سَلَبَ قوْمٍ آخَرِينَ فجئْتَهم بِهِ. وأفَأْتُ عَلَيْهِمْ فَيْئاً إِذَا أَخذتَ لَهُمْ فَيْئاً أُخِذَ مِنْهُمْ. وَيُقَالُ لنَوَى التَّمْرِ إِذَا كَانَ صُلْباً: ذُو فَيْئَةٍ، وَذَلِكَ أَنه تُعْلَفُه الدّوابُّ فَتَأْكُلُه ثُمَّ يَخرُج مِنْ بُطُونِهَا كَمَا كَانَ نَدِيًّا. وَقَالَ عَلْقمةُ بْنُ عَبدَةَ يَصِفُ فَرَسًا:
سُلَّاءةً كَعصا النَّهْدِيِّ، غُلَّ لَهَا ... ذُو فَيْئَةٍ مِن نَوَى قُرَّانَ، مَعْجُومُ
قَالَ: ويفسَّر قَوْلُهُ غُلَّ لَها ذُو فَيْئَةٍ تَفْسِيرين، أَحدهما: أَنه أُدْخِلَ جَوْفَها نَوًى مِن نَوى نَخِيل قُرَّانَ حَتَّى اشْتَدَّ لَحْمُهَا، وَالثَّانِي: أَنه خُلِق لَهَا فِي بَطْنِ حَوافِرها نُسورٌ صِلابٌ كأَنها نَوَى قُرَّان. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ عَلَى مُفِيءٍ.
المُفَاءُ الَّذِي افْتُتِحَتْ بلدَتُه وكُورَتُه، فَصَارَتْ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِينَ. يُقَالُ: أَفَأْتُ كَذَا أَي صَيَّرته فَيْئاً، فأَنا مُفِيءٌ، وَذَلِكَ مُفَاءٌ. كأَنه قَالَ: لَا يَلِينَّ أَحدٌ مِنْ أَهل السَّواد عَلَى الصَّحابة وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ افتَتَحُوه عَنْوةً. والفَيْءُ القِطعةُ مِنَ الطَّيْرِ، وَيُقَالُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الطَّيْرِ: فَيْءٌ وعَرِقةٌ وصَفٌّ. والفَيْئَةُ: طَائِرٌ يُشبه العُقابَ فَإِذَا خافَ البرْد انحدَرَ إِلَى الْيَمَنِ. وجاءَه بَعْدَ فَيْئَةٍ أَي بَعْدَ حيِنٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَا فَيْءَ مَالِي، تَتَأَسَّف بِذَلِكَ. قَالَ:
يَا فَيْءَ مَالِي، مَنْ يُعَمَّرْ يُفْنِه ... مَرُّ الزَّمانِ عَلَيْهِ، والتَّقْلِيبُ
وَاخْتَارَ اللِّحياني: يَا فَيَّ مَالِي، ورُوي أَيضاً يَا هَيْءَ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَزَادَ الأَحمر يَا شيْءَ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا كُلُّهَا التَّعَجُّب. والفِئةُ: الطائفةُ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْيَاءِ الَّتِي نَقَصَتْ مِنْ وَسَطِهِ، أَصله فِيءٌ مِثَالُ فِيعٍ، لأَنه مِنْ فاءَ، وَيُجْمَعُ عَلَى فِئون وفِئاتٍ مِثْلَ شِياتٍ ولِداتٍ ومِئاتٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ سَهْوٌ، وأَصله فِئْوٌ مِثْلُ فِعْوٍ، فَالْهَمْزَةُ عَيْنٌ لَا لَامٌ، وَالْمَحْذُوفُ هُوَ لَامُهَا، وَهُوَ الْوَاوُ. وَقَالَ: وَهِيَ مِنْ فَأَوْتُ أَي فَرَّقْت، لأَن الفِئة كَالفرقةِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكلَّمه، ثُمَّ دَخَلَ أَبو بَكْرٍ عَلَى تَفِيئةِ ذَلِكَ
أَي عَلَى أَثَرِه. قَالَ: وَمِثْلُهُ عَلَى تَئِيفةِ ذَلِكَ، بِتَقْدِيمِ الياءِ عَلَى الفاءِ، وَقَدْ تُشَدِّدُ، والتاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ عَلَى أَنها تَفْعِلة، وَقِيلَ هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ، وِتَاؤُهَا إِما أَن تَكُونَ مَزِيدَةً أَو أَصلية. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا تَكُونُ مَزِيدَةً، والبِنْيةُ كَمَا هِيَ مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ، فَلَوْ كَانَتِ التَّفِيئَة تَفْعِلةً مِنَ الفَيْءِ لَخَرَجَتْ عَلَى وَزْنِ تَهْنِئة، فَهِيَ إِذًا لَوْلَا القلبُ فَعِيلةٌ لأَجل الإِعلال، وَلَامُهَا هَمْزَةٌ، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ عَنِ التَّئِيفة هُوَ الْقَاضِي بِزِيَادَةِ التاءِ، فَتَكُونُ تَفْعِلةً.

فصل القاف
قبأ: القَبْأَةُ: حَشِيشةٌ تَنْبُت فِي الغَلْظِ، وَلَا تَنْبُتُ فِي الجَبَل، تَرْتَفِعُ عَلَى الأَرض قِيسَ الإِصْبَعِ أَو أَقلَّ، يَرعاها المالُ، وَهِيَ أَيضاً القَباةُ، كَذَلِكَ حَكَاهَا
(1/127)

أَهل اللُّغَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَن القَبَاةَ فِي القَبْأَةِ كَالْكَمَاةِ فِي الكمْأَة والمَراةِ فِي المَرْأَة.
قثأ: القِثَّاءُ والقُثَّاءُ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا، مَعْرُوفٌ، مَدَّتُهَا هَمْزَةٌ. وأَرض مَقثأَةٌ ومَقْثُؤَةٌ: كَثِيرَةُ القِثَّاءِ. والمَقْثَأَةُ والمَقْثُؤَة: مَوْضِعُ القِثَّاءِ. وَقَدْ أَقْثَأَتِ الأَرضُ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ القثّاءِ. وأَقْثَأَ القومُ: كَثُر عِنْدَهُمُ القثّاءُ. وَفِي الصِّحَاحِ: القِثّاءُ: الخِيار، الْوَاحِدَةُ قِثّاءَةٌ.
قدأ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الرُّباعيِّ. القِنْدَأُ «2» والقِنْدَأْوةُ: السَّيِّئُ الخُلُقِ والغِذاءِ، وَقِيلَ الخَفِيفُ. والقِنْدَأْو: القَصِير مِنَ الرِّجَالِ، وَهُمْ قِنْدَأْوُون. وَنَاقَةٌ قِنْدَأْوةٌ: جريئةٌ «3». قَالَ شَمِرٌ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: قِنْدَاوَةٌ: فِنْعالةٌ. قَالَ الأَزهري: النُّونُ فِيهَا لَيْسَتْ بأَصلية. وَقَالَ اللَّيْثُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ قَدَأَ، وَالنُّونُ زَائِدَةٌ، وَالْوَاوُ فِيهَا صِلَةٌ، وَهِيَ النَّاقَةُ الصُّلْبة الشَّدِيدَةُ. والقِنْدَأْو: الصَّغِيرُ العُنُق الشدِيدُ الرأسِ، وَقِيلَ: العَظِيمُ الرأْسِ، وَجَمَلٌ قِنْدَأْوٌ: صُلْبٌ. وَقَدْ هَمَزَ اللَّيْثُ جملٌ قِنْدَأْوٌ وسِنْدَأْوٌ. وَاحْتَجَّ بأَنه لَمْ يَجِئْ بناءٌ عَلَى لفظِ قِنْدَأْوٍ إلَّا وَثَانِيهِ نُونٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْ عَلَى هَذَا البناءِ بِغَيْرِ نُونٍ عَلِمْنَا أَن النُّونَ زَائِدَةٌ فِيهَا. والقِنْدَأْوُ: الجَرِيءُ المُقْدِمُ، التَّمْثِيلُ لِسِيبَوَيْهِ، وَالتَّفْسِيرُ لِلسِّيرَافِيِّ.
قرأ: القُرآن: التَّنْزِيلُ الْعَزِيزُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَى مَا هُوَ أَبْسَطُ مِنْهُ لشَرفه. قَرَأَهُ يَقْرَؤُهُ ويَقْرُؤُهُ، الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِ، قَرْءاً وقِراءَةً وقُرآناً، الأُولى عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُوَ مَقْرُوءٌ. أَبو إِسحاق النَّحْوِيُّ: يُسمى كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَنزله عَلَى نَبِيَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كِتَابًا وقُرْآناً وفُرْقاناً، وَمَعْنَى القُرآن مَعْنَى الْجَمْعِ، وَسُمِّيَ قُرْآناً لأَنه يَجْمَعُ السُّوَر، فيَضُمُّها. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، أَي جَمْعَه وقِراءَته، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
، أَي قِراءَتَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فإِذا بيَّنَّاه لَكَ بالقراءَة، فاعْمَلْ بِمَا بَيَّنَّاه لَكَ، فأَما قَوْلُهُ:
هُنَّ الحَرائِرُ، لَا ربَّاتُ أَحْمِرةٍ، ... سُودُ المَحاجِرِ، لَا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
فَإِنَّهُ أَراد لَا يَقْرَأْنَ السُّوَر، فَزَادَ الباءَ كقراءَة مَنْ قرأَ: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ، وقِراءَة منْ قرأَ: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، أَي تُنْبِتُ الدُّهنَ ويُذْهِبُ الأَبصارَ. وقَرَأْتُ الشيءَ قُرْآناً: جَمَعْتُه وضَمَمْتُ بعضَه إِلَى بَعْضٍ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَا قَرأَتْ هَذِهِ الناقةُ سَلىً قَطُّ، وَمَا قَرَأَتْ جَنِيناً قطُّ. أَي لَمْ يَضْطَمّ رَحِمُها على ولد، وأَنشد:
هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وَقَالَ: قَالَ أَكثر النَّاسِ مَعْنَاهُ لَمْ تَجْمع جَنِيناً أَي لَمْ يَضطَمّ رَحِمُها عَلَى الْجَنِينِ. قَالَ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: لَمْ تقرأْ جَنِينًا أَي لَمْ تُلْقه. وَمَعْنَى قَرَأْتُ القُرآن: لَفَظْت بِهِ مَجْمُوعاً أَي أَلقيته. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنه قرأَ الْقُرْآنَ عَلَى إِسماعيل بن قُسْطَنْطِين،
__________
(2). قوله [القِنْدَأُ] كذا في النسخ وفي غير نسخة من المحكم أيضاً فهو بزنة فنعل.
(3). قوله [ناقة قِنْدَأْوَةٌ جريئة] كذا هو في المحكم والتهذيب بهمزة بعد الياء فهو من الجراءة لا من الجري.
(1/128)

وَكَانَ يَقُولُ: القُران اسْمٌ، وَلَيْسَ بِمَهْمُوزٍ، وَلَمْ يُؤْخذ مِنْ قَرأْت، ولكنَّه اسْمٌ لِكِتَابِ اللَّهِ مِثْلُ التَّوْرَاةِ والإِنجيل، ويَهمز قرأْت وَلَا يَهمز القرانَ، كَمَا تَقُولُ إِذَا قَرَأْتُ القُرانَ. قَالَ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: قَرأْتُ عَلَى شِبْل، وأَخبر شِبْلٌ أَنه قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِير، وأَخبر عَبْدُ اللَّهِ أَنه قرأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وأَخبر مُجَاهِدٌ أَنه قرأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وأَخبر ابْنِ عَبَّاسٍ أَنه قرأَ عَلَى أُبَيٍّ، وقرأَ أُبَيٌّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ المقرئُ: كَانَ أَبو عَمرو بْنُ العلاءِ لَا يَهْمِزُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ يقرؤُه كَمَا رَوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَقْرَؤُكم أُبَيٌّ.
قَالَ ابْنُ الأَثير: قِيلَ أَراد مِنْ جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ، أَو فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوقات، فإنَّ غَيْرَهُ كَانَ أَقْرَأَ مِنْهُ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ بِهِ أَكثرَهم قِراءَة، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ عَامًّا وأَنه أَقرأُ الصَّحَابَةِ أَي أَتْقَنُ للقُرآن وأَحفظُ. وَرَجُلٌ قارئٌ مِنْ قَوْم قُرَّاءٍ وقَرَأَةٍ وقارِئِين. وأَقْرَأَ غيرَه يُقْرِئه إِقراءً. وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ المُقْرِئُ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: قَرَأَ واقْتَرأَ، بِمَعْنًى، بِمَنْزِلَةِ عَلا قِرْنَه واسْتَعْلاه. وصحيفةٌ مقْرُوءَةٌ، لَا يُجِيز الْكِسَائِيُّ والفرَّاءُ غيرَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَحَكَى أَبو زَيْدٍ: صَحِيفَةٌ مَقْرِيَّةٌ، وَهُوَ نَادِرٌ إِلا فِي لُغَةِ مَنْ قَالَ قَرَيْتُ. وَقَرأتُ الكتابَ قِراءَةً وقُرْآناً، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقُرْآنُ. وأَقْرَأَه القُرآنَ، فَهُوَ مُقْرِئٌ. وَقَالَ ابْنُ الأَثير: تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ القِراءَة والاقْتراءِ والقارِئِ والقُرْآن، والأَصل فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْجَمْعُ، وكلُّ شيءٍ جَمَعْتَه فَقَدَ قَرَأْتَه. وَسُمِّيَ القرآنَ لأَنه جَمَعَ القِصَصَ والأَمرَ والنهيَ والوَعْدَ والوَعِيدَ والآياتِ والسورَ بعضَها إِلَى بعضٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والكُفْرانِ. قَالَ: وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصَّلَاةِ لأَنّ فِيهَا قِراءَةً، تَسْمِيةً للشيءِ ببعضِه، وَعَلَى القِراءَة نَفْسِها، يُقَالُ: قَرَأَ يَقْرَأُ قِراءَةً وقُرآناً. والاقْتِراءُ: افتِعالٌ مِنَ القِراءَة. قَالَ: وَقَدْ تُحذف الْهَمْزَةُ مِنْهُ تَخْفِيفًا، فَيُقَالُ: قُرانٌ، وقَرَيْتُ، وقارٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّصْرِيفِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَكثرُ مُنافِقي أُمَّتِي قُرّاؤُها
، أَي أَنهم يَحْفَظونَ القُرآنَ نَفْياً للتُّهمَة عَنْ أَنفسهم، وَهُمْ مُعْتَقِدون تَضْيِيعَه. وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي عَصْر النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وقَارَأَه مُقارَأَةً وقِراءً، بِغَيْرِ هَاءٍ: دارَسه. واسْتَقْرَأَه: طَلَبَ إِلَيْهِ أَن يَقْرَأَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَسَمَّعْتُ للقَرَأَةِ فإِذا هُمْ مُتَقارِئُون؛ حكاهُ اللِّحْيَانِيِّ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنّ الجنَّ كَانُوا يَرُومون القِراءَةَ. وَفِي حَدِيثِ
أُبَيٍّ فِي ذِكْرِ سُورَةِ الأَحزابِ: إِن كَانَتْ لَتُقارئُ سورةَ البقرةِ، أَو هِيَ أَطْولُ
، أَي تُجاريها مَدَى طولِها فِي القِراءَة، أَو إِن قارِئَها ليُساوِي قارِئَ الْبَقَرَةِ فِي زمنِ قِراءَتها؛ وَهِيَ مُفاعَلةٌ مِنَ القِراءَةِ. قَالَ الخطابيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ هَاشِمٍ، وأَكثر الرِّوَايَاتِ: إِن كَانَتْ لَتُوازي. وَرَجُلٌ قَرَّاءٌ: حَسَنُ القِراءَة مِنْ قَوم قَرائِين، وَلَا يُكَسَّرُ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنه كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي الظُّهر وَالْعَصْرِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
، مَعْنَاهُ: أَنه كَانَ لَا يَجْهَر بالقِراءَة فِيهِمَا، أَو لَا يُسْمِع نَفْسَه قِراءَتَه، كأَنه رَأَى قوماً يقرؤون فيُسَمِّعون نفوسَهم ومَن قَرُبَ مِنْهُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، يُرِيدُ أَن القِراءَة الَّتِي تَجْهَرُ بِهَا، أَو تُسْمِعُها نفْسَك، يَكَتُبُهَا الْمَلَكَانِ، وَإِذَا قَرأْتَها فِي نفْسِك لَمْ يَكْتُباها، وَاللَّهُ يَحْفَظُها لَكَ
(1/129)

وَلَا يَنْساها لِيُجازِيَكَ عَلَيْهَا. والقَارِئُ والمُتَقَرِّئُ والقُرَّاءُ كُلّه: الناسِكُ، مِثْلُ حُسَّانٍ وجُمَّالٍ. وقولُ زَيْد بنِ تُركِيٍّ الزُّبَيْدِيّ، وَفِي الصِّحَاحِ قَالَ الفرّاءُ: أَنشدني أَبو صَدَقة الدُبَيْرِيّ:
بَيْضاءُ تَصْطادُ الغَوِيَّ، وتَسْتَبِي، ... بالحُسْنِ، قَلْبَ المُسْلمِ القُرَّاء
القُرَّاءُ: يَكُونُ مِنَ القِراءة جَمْعَ قارئٍ، وَلَا يَكُونُ مِنَ التَّنَسُّك «1»، وَهُوَ أَحسن. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُ إِنْشَادِهِ بيضاءَ بِالْفَتْحِ لأَنّ قَبْلَهُ:
وَلَقَدْ عَجِبْت لكاعِبٍ، مَوْدُونةٍ، ... أَطْرافُها بالحَلْيِ والحِنّاءِ
ومَوْدُونةٌ: مُلَيَّنةٌ؛ وَدَنُوه أَي رَطَّبُوه. وَجَمْعُ القُرّاء: قُرَّاؤُون وقَرائِئُ «2»، جاؤوا بِالْهَمْزِ فِي الْجَمْعِ لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ مُنْقَلِبةٍ بَلْ مَوْجُودَةٌ فِي قَرَأْتُ. الفرَّاء، يُقَالُ: رَجُلٌ قُرَّاءٌ وامْرأَة قُرَّاءةٌ. وتَقَرَّأَ: تَفَقَّه. وتَقَرَّأَ: تَنَسَّكَ. وَيُقَالُ: قَرَأْتُ أَي صِرْتُ قَارِئًا ناسِكاً. وتَقَرَّأْتُ تَقَرُّؤاً، فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَأْتُ: تَفَقَّهْتُ. وَيُقَالُ: أَقْرَأْتُ فِي الشِّعر، وَهَذَا الشِّعْرُ عَلَى قَرْءِ هَذَا الشِّعْر أَي طريقتِه ومِثاله. ابْنُ بُزُرْجَ: هَذَا الشِّعْرُ عَلَى قَرِيِّ هَذَا. وقَرَأَ عَلَيْهِ السلامَ يَقْرَؤُه عَلَيْهِ وأَقْرَأَه إِياه: أَبلَغه. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِن الرّبَّ عَزَّ وَجَلَّ يُقْرِئُكَ السلامَ.
يُقَالُ: أَقْرِئْ فُلَانًا السَّلامَ واقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلامَ، كأَنه حِينَ يُبَلِّغُه سَلامَه يَحمِلهُ عَلَى أَن يَقْرَأَ السلامَ ويَرُدَّه. وَإِذَا قَرَأَ الرجلُ القرآنَ والحديثَ عَلَى الشَّيْخِ يَقُولُ: أَقْرَأَنِي فلانٌ أَي حَمَلَنِي عَلَى أَن أَقْرَأَ عَلَيْهِ. والقَرْءُ: الوَقْتُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا السَّماءُ لَمْ تَغِمْ، ثُمَّ أَخْلَفَتْ ... قُروء الثُّرَيَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا قَطْرُ
يُرِيدُ وَقْتَ نَوْئها الَّذِي يُمْطَرُ فِيهِ الناسُ. وَيُقَالُ للحُمَّى: قَرْءٌ، وَلِلْغَائِبِ: قَرْءٌ، وللبعِيد: قَرْءٌ. والقَرْءُ والقُرْءُ: الحَيْضُ، والطُّهرُ ضِدّ. وَذَلِكَ أَنَّ القَرْء الْوَقْتُ، فَقَدْ يَكُونُ للحَيْض والطُهر. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: القَرْءُ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ. قَالَ: وَأَظُنُّهُ مِنْ أَقْرَأَتِ النُّجومُ إِذَا غابتْ. وَالْجَمْعُ: أَقْراء. وَفِي الْحَدِيثِ:
دَعي الصلاةَ أَيامَ أَقْرَائِكِ.
وقُروءٌ، عَلَى فُعُول، وأَقْرُؤٌ، الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ فِي أَدنى الْعَدَدِ، وَلَمْ يَعْرِفْ سِيبَوَيْهِ أَقْراءً وَلَا أَقْرُؤاً. قَالَ: اسْتَغَنَوْا عَنْهُ بفُعُول. وَفِي التَّنْزِيلِ: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
، أَراد ثلاثةَ أَقْراء مِنْ قُرُوء، كَمَا قَالُوا خَمْسَةُ كِلاب، يُرادُ بِهَا خمسةٌ مِن الكِلاب. وَكَقَوْلِهِ:
خَمْسُ بَنانٍ قانِئِ الأَظْفارِ
أَراد خَمْساً مِنَ البَنانِ. وَقَالَ الأَعشى:
مُوَرَّثةً مَالًا، وَفِي الحَيِّ رِفعْةً، ... لِما ضاعَ فِيها مِنْ قُرُوءِ نِسائِكا
__________
(1). قوله [وَلَا يَكُونُ مِنَ التَّنَسُّكِ] عبارة المحكم في غير نسخة ويكون من التنسك، بدون لا.
(2). قوله [وقرائئ] كذا في بعض النسخ والذي في القاموس قوارئ بواو بعد القاف بزنة فواعل ولكن في غير نسخة من المحكم قرارئ براءين بزنة فعاعل.
(1/130)

وَقَالَ الأَصمعي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
، قَالَ: جَاءَ هَذَا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، والقياسُ ثلاثةُ أَقْرُؤٍ. وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ ثلاثةُ فُلُوس، إِنما يُقَالُ ثلاثةُ أَفْلُسٍ، فَإِذَا كَثُرت فَهِيَ الفُلُوس، وَلَا يُقَالُ ثَلاثةُ رِجالٍ، وإنما هِيَ ثلاثةُ رَجْلةٍ، وَلَا يُقَالُ ثلاثةُ كِلاب، إِنَّمَا هِيَ ثلاثةُ أَكْلُبٍ. قَالَ أَبو حَاتِمٍ: وَالنَّحْوِيُّونَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
. أَراد ثَلَاثَةً مِنَ القُرُوء. أَبو عُبَيْدٍ: الأَقْراءُ: الحِيَضُ، والأَقْراء: الأَطْهار، وَقَدْ أَقْرَأَتِ المرأَةُ، فِي الأَمرين جَمِيعًا، وأَصله مِنْ دُنُوِّ وقْتِ الشَّيْءِ. قَالَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: القَرْء اسْمٌ لِلْوَقْتُ فَلَمَّا كَانَ الحَيْضُ يَجِيء لِوقتٍ، والطُّهر يَجِيءُ لوقْتٍ جَازَ أَن يَكُونَ الأَقْراء حِيَضاً وأَطْهاراً. قَالَ: ودَلَّت سنَّةُ رَسُولِ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَراد بِقَوْلِهِ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
: الأَطْهار. وَذَلِكَ
أَنَّ ابنَ عُمَرَ لمَّا طَلَّقَ امرأَتَه، وَهِيَ حائضٌ، فاسْتَفْتَى عُمرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، النبيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا فَعَلَ، فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُراجِعها، فإِذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْها، فتِلك العِدّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَهُ تَعَالَى أَن يُطَلَّقَ لَهَا النِّساءُ.
وَقَالَ أَبو إِسْحَاقَ: الَّذي عِنْدِي فِي حَقِيقَةِ هَذَا أَنَّ القَرْءَ، فِي اللُّغَةِ، الجَمْعُ. وأَنّ قَوْلَهُمْ قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الحَوْضِ، وإِن كَانَ قَدْ أُلْزِمَ الياءَ، فَهُوَ جَمَعْتُ، وقَرَأْتُ القُرآنَ: لَفَظْتُ بِهِ مَجْموعاً، والقِرْدُ يَقْرِي أَي يَجْمَعُ مَا يَأْكُلُ فِي فِيهِ، فإنَّما القَرْءُ اجْتماعُ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الطُّهر. وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنهما قَالًا: الأَقْراء والقُرُوء: الأَطْهار. وحَقَّقَ هَذَا اللفظَ، مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، قولُ الأَعشى:
لِما ضاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائكا
فالقُرُوءُ هُنَا الأَطْهارُ لَا الحِيَضُ، لأَن النّساءَ إِنما يُؤْتَيْن فِي أَطْهارِهِنَّ لَا فِي حِيَضِهنَّ، فإِنما ضاعَ بغَيْبَتِه عنهنَّ أَطْهارُهُنَّ، وَيُقَالُ: قَرَأَتِ المرأَةُ: طَهُرت، وقَرَأَتْ: حاضَتْ. قَالَ حُمَيْدٌ:
أَراها غُلامانا الخَلا، فتَشَذَّرَتْ ... مِراحاً، وَلَمْ تَقْرَأْ جَنِيناً وَلَا دَما
يُقَالُ: لَمْ تَحْمِلْ عَلَقةً أَي دَماً وَلَا جَنِيناً. قَالَ الأَزهريُّ: وأَهلُ العِراق يَقُولُونَ: القَرْءُ: الحَيْضُ، وَحُجَّتُهُمْ
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعِي الصلاةَ أَيَّامَ أَقْرائِكِ
، أَي أَيامَ حِيَضِكِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ والفَرّاء مَعًا: أَقْرأَتِ المرأَةُ إِذَا حاضَتْ، فَهِيَ مُقْرِئٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَقْرأَتِ الحاجةُ إِذَا تَأَخَّرَتْ. وَقَالَ الأَخفش: أَقْرأَتِ المرأَةُ إِذَا حاضَتْ، وَمَا قَرَأَتْ حَيْضةً أَي مَا ضَمَّت رَحِمُها عَلَى حَيْضةٍ. قَالَ ابْنُ الأَثير: قَدْ تكرَّرت هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ مُفْرَدةً ومَجْمُوعةً، فالمُفْردة، بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُجْمَعُ عَلَى أَقْراءٍ وقُروءٍ، وَهُوَ مِنَ الأَضْداد، يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وأَهل الحِجاز، وَيَقَعُ عَلَى الْحَيْضِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبو حَنِيفَةَ وأَهل العِراق، والأَصل فِي القَرْءِ الوَقْتُ الْمَعْلُومُ، وَلِذَلِكَ وقعَ عَلَى الضِّدَّيْن، لأَن لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَقْتًا. وأَقْرأَتِ المرأَةُ إِذَا طَهُرت وَإِذَا حَاضَتْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَراد بالأَقْراءِ فِيهِ الحِيَضَ، لأَنه أَمَرَها فِيهِ بِتَرْك الصلاةِ. وأَقْرَأَتِ المرأَةُ، وَهِيَ مُقْرِئٌ: حاضَتْ وطَهُرَتْ. وقَرَأَتْ إِذَا رَأَتِ الدمَ. والمُقَرَّأَةُ: الَّتِي يُنْتَظَرُ بِهَا انْقِضاءُ أَقْرائها. قَالَ أَبو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: دَفَع فُلَانٌ جاريتَه إِلَى فُلانة تُقَرِّئُها أَي تُمْسِكُها عِنْدَهَا حَتَّى تَحِيضَ للاسْتِبراءِ. وقُرِئَتِ المرأَةُ: حُبِسَتْ حَتَّى انْقَضَتْ
(1/131)

عِدَّتُها. وَقَالَ الأَخفش: أَقْرَأَتِ المرأَةُ إِذَا صَارَتْ صاحِبةَ حَيْضٍ، فإِذا حَاضَتْ قُلْتَ: قَرَأَتْ، بِلَا أَلف. يُقَالُ: قَرَأَتِ المرأَةُ حَيْضَةً أَو حَيْضَتَيْن. والقَرْءُ انْقِضاءُ الحَيْضِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا بَيْنَ الحَيْضَتَيْن. وَفِي إِسْلامِ أَبي ذَرّ: لَقَدْ وضَعْتُ قولَه عَلَى أَقْراءِ الشِّعْر، فَلَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسانِ أَحدٍ أَي عَلَى طُرُق الشِّعْر وبُحُوره، وَاحِدُهَا قَرْءٌ، بِالْفَتْحِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أَو غَيْرُهُ: أَقْراءُ الشِّعْر: قَوافِيه الَّتِي يُخْتَمُ بِهَا، كأَقْراءِ الطُّهْر الَّتِي يَنْقَطِعُ عِندَها. الْوَاحِدُ قَرْءٌ وقُرْءٌ وقَرِيءٌ، لأَنها مَقَاطِعُ الأَبيات وحُدُودُها. وقَرَأَتِ الناقةُ والشَّاةُ تَقْرَأُ: حَمَلَتْ. قَالَ:
هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وَنَاقَةٌ قارئٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ، وَمَا قَرَأَتْ سَلًى قَطُّ: مَا حَمَلَتْ مَلْقُوحاً، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَعْنَاهُ مَا طَرَحَتْ. وقَرَأَتِ الناقةُ: وَلَدت. وأَقْرَأَت الناقةُ والشاةُ: اسْتَقَرَّ الماءُ فِي رَحِمِها؛ وَهِيَ فِي قِرْوتها، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، والقِياسُ قِرْأَتها. وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ يُقَالُ: مَا قَرَأَتِ الناقةُ سَلًى قَطُّ، وَمَا قَرَأَتْ مَلْقُوحاً قَطُّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَحْمِلْ فِي رَحمِها وَلَدًا قَطُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَسْقَطَتْ وَلَدًا قَطُّ أَي لَمْ تَحْمِلْ. ابْنُ شُمَيْلٍ: ضَرَبَ الفحلُ الناقةَ عَلَى غَيْرِ قُرْءٍ «3»، وقُرْءُ الناقةِ: ضَبَعَتُها. وَهَذِهِ نَاقَةٌ قارئٌ وَهَذِهِ نُوقٌ قَوارِئُ يَا هَذَا؛ وَهُوَ مِنْ أَقْرأَتِ المرأَةُ، إِلَّا أَنه يُقَالُ فِي المرأَة بالأَلف وَفِي النَّاقَةِ بِغَيْرِ أَلف. وقَرْءُ الفَرَسِ: أَيامُ وداقِها، أَو أَيام سِفادِها، وَالْجَمْعُ أَقْراءٌ. واسْتَقْرَأَ الجَملُ الناقةَ إِذَا تارَكَها ليَنْظُر أَلَقِحَت أَم لَا. أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا دَامَتِ الوَدِيقُ فِي وَداقِها، فَهِيَ فِي قُرُوئِها، وأَقْرائِها. وأَقْرأَتِ النُّجوم: حانَ مغِيبها. وأَقْرَأَتِ النجومُ أَيضاً: تأَخَّر مَطَرُها. وأَقْرَأَتِ الرِّياحُ: هَبَّتْ لأَوانِها ودَخلت فِي أَوانِها. والقارئُ: الوَقْتُ. وَقَوْلُ مَالِكِ بْنِ الحَرثِ الهُذَليّ:
كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ، ... إِذَا هَبَّتْ، لقارئِها، الرِّياحُ
أَي لوَقْتِ هُبُوبِها وشِدَّة بَرْدِها. والعَقْرُ: مَوضِعٌ بعَيْنِه. وشَلِيلٌ: جَدُّ جَرِير بْنَ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيّ. وَيُقَالُ هذا قارِيءُ الرِّيح: لوَقْتِ هُبُوبِها، وَهُوَ مِنْ بَابِ الكاهِل والغارِب، وَقَدْ يَكُونَ عَلَى طَرْحِ الزَّائد. وأَقْرَأَ أَمْرُك وأَقْرَأَتْ حاجَتُك، قِيلَ: دَنَا، وَقِيلَ: اسْتَأْخَر. وَفِي الصِّحَاحِ: وأَقْرَأَتْ حاجَتُكَ: دَنَتْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْتَمْتَ قِراكَ أَم أَقْرَأْتَه أَي أَحَبَسْتَه وأَخَّرْته؟ وأَقْرَأَ مِنْ أَهْله: دَنا. وأَقْرَأَ مِنْ سَفَرِه: رَجَعَ. وأَقْرَأْتُ مِنْ سَفَري أَيْ انْصَرَفْتُ. والقِرْأَةُ، بِالْكَسْرِ، مِثْلُ القِرْعةِ: الوَباءُ. وقِرْأَةُ البِلاد: وَباؤُها. قَالَ الأَصمعي: إِذَا قَدِمْتَ بِلَادًا فَمَكَثْتَ بِهَا خَمْسَ عَشْرةَ لَيْلَةً، فَقَدْ ذَهَبَتْ عنكَ قِرْأَةُ الْبِلَادِ، وقِرْءُ الْبِلَادِ. فأَما قَوْلُ أَهل الْحِجَازِ قِرَةُ الْبِلَادِ، فَإِنَّمَا هو على حذف
__________
(3). قوله [غير قرء] هي في التهذيب بهذا الضبط.
(1/132)

الْهَمْزَةِ المتحرِّكة وَإِلْقَائِهَا عَلَى السَّاكِنِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقِيَاسِ، فأَما إغرابُ أَبِي عُبَيْدٍ، وظَنُّه إِيَّاهُ لُغَةً، فَخَطأٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: أَن قَوْلَهُمْ قِرةٌ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، مَعْنَاهُ: أَنه إِذَا مَرِضَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ وَباءِ البلاد.
قرضأ: القِرْضِئُ، مَهْمُوزٌ: مِنَ النَّبَاتِ مَا تَعَلَّقَ بِالشَّجَرِ أَو التَبَسَ بِهِ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: القِرْضِئُ ينبُت فِي أَصل السَّمُرة والعُرْفُطِ والسَّلَمِ، وزَهْرُه أَشدُّ صُفرةً مِنَ الوَرْس، وَورقُه لِطافٌ رِقاقٌ. أَبو عَمْرٍو: مِنْ غَرِيبِ شَجَرِ الْبَرِّ القِرْضِئُ، واحِدته قرْضِئةٌ.
قسأ: قُساءٌ: مَوْضِعٌ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ قُساءً هَذَا هُوَ قَسىً الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَحمر فِي قَوْلِهِ:
بِجَوٍّ، مِن قَسىً، ذَفِرِ الخُزامَى، ... تَهادَى الجِربِياءُ بِهِ الحَنِينا
قَالَ: فإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْيَاءِ، وسنذكره في موضعه.
قضأ: قَضِئَ السِّقاءُ والقِرْبةُ يَقْضَأُ قَضَأً فهو قَضِئٌ: فَسَدَ فَعَفِنَ وتَهافَتَ، وَذَلِكَ إِذَا طُوِيَ وَهُوَ رَطْبٌ. وقِرْبةٌ قَضِئَةٌ: فَسَدَتْ وعَفِنَتْ. وقَضِئَتْ عَيْنُه تَقْضَأُ قَضَأً، فهي قَضِئَةٌ: احْمَرَّت واسْتَرْخَت مآقِيها وقَرِحَتْ وفَسَدَت. والقُضْأَةُ: الِاسْمُ. وَفِيهَا قَضْأَةٌ أَي فَسادٌ، وَفِي حَدِيثِ المُلاعَنةِ:
إِنْ جاءَت به قَضِئَ العينِ، فَهُوَ لِهِلال
أَي فاسِدَ الْعَيْنِ. وقَضِئَ الثوبُ والحَبْلُ: أَخْلَقَ وتَقَطَّعَ وعَفِنَ مِنْ طُول النَّدَى والطَّيّ. وَقِيلَ قَضِئَ الحَبْلُ إِذَا طالَ دَفْنُه فِي الأَرض حَتَّى يَتَهَتَّكَ. وقَضِئَ حَسَبُه قَضَأً وقَضاءَةً، بِالْمَدِّ، وقُضُوءًا: عابَ وفَسَدَ. وَفِيهِ قَضْأَةٌ وقُضْأَةٌ أَي عَيْبٌ وفَساد. قَالَ الشَّاعِرُ:
تُعَيِّرُني سَلْمَى، وَلَيْسَ بقُضْأَةٍ، ... وَلَوْ كنتُ مِنْ سَلْمَى تَفَرَّعْتُ دارِما
وسَلْمَى حَيٌ مِنْ دارِمٍ. وَتَقُولُ: مَا عَلَيْكَ فِي هَذَا الأَمر قُضْأَةٌ، مِثْلَ قُضْعَةٍ، بِالضَّمِّ، أَي عارٌ وضَعةٌ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا نَكَح فِي غَيْرِ كَفاءَةٍ: نَكَحَ فِي قُضْأَةٍ. ابْنُ بُزُرْجَ يقال: إِنهم لَيتَقَضَّؤُون مِنْهُ أَن يُزَوِّجُوه أَي يَسْتَخِسُّون حَسَبه، مِنَ القُضْأَةِ. وَقَضِئَ الشيءَ يَقْضَؤُه قَضْأً، سَاكِنَةٌ، عَنْ كُرَاعٍ: أَكَلَه. وأَقْضَأَ الرَّجُلَ: أَطْعَمَهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا هِيَ أَفْضَأَه، بِالْفَاءِ.
قفأ: قَفِئَتِ الأَرضُ قَفْأً: مُطِرَتْ وَفِيهَا نَبْتٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ المطَرُ، فأَفْسَدَه. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: القَفْءُ: أَن يَقَعَ الترابُ عَلَى البَقْلِ، فإِنْ غَسَله المطَرُ، وإلَّا فَسَدَ. واقْتَفَأَ الخَرْزَ: أَعادَ عَلَيْهِ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. قَالَ وَقِيلَ لامرأَة: إِنكِ لَمْ تُحْسِني الخَرْزَ فاقْتَفِئِيه «1» أَي أَعِيدِي عَلَيْهِ، واجْعَلي عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلْبَتَيْنِ كُلْبَةً، كَمَا تُخاطُ البَوارِيُّ إِذَا أُعِيدَ عليها. يقال:
__________
(1). قوله [وقيل لامرأة إلخ] هذه الحكاية أوردها ابن سيدة هنا وأوردها الأَزهري في ف ق أبتقديم الفاء.
(1/133)

اقْتَفَأْتُه إِذَا أَعَدْتَ عَلَيْهِ. والكُلْبَةُ: السَّيْرُ والطاقةُ مِنَ اللِّيفِ تُسْتَعْمَلُ كَمَا يُسْتَعْمَل الإِشْفَى الَّذِي فِي رأْسِه حَجَر يُدْخَلُ السَّيرُ أَو الخَيْطُ فِي الكُلْبَةِ، وَهِيَ مَثْنِيَّةٌ، فيَدْخُل فِي مَوْضِعِ الخَرْزِ، ويُدْخِلُ الخارِزُ يَدَه فِي الإِداوةِ ثُمَّ يَمُدُّ السيرَ أَو الخَيطَ. وَقَدِ اكْتَلَب إِذَا اسْتَعْمَلَ الكُلْبَةَ.
قمأ: قَمَأَ الرَّجُلُ وغيرُه، وقَمُؤَ قَمْأَةً وقَمَاءً وقَمَاءَةً، لا يُعْنَى بقَمْأَةٍ ههنا المرَّة الْوَاحِدَةُ البتَّة: ذَلَّ وصَغُرَ وَصَارَ قَمِيئاً. وَرَجُلٌ قَمِيءٌ: ذَلِيلٌ عَلَى فَعِيلٍ، وَالْجَمْعُ قِمَاءٌ وقُمَاءٌ، الأَخيرة جمعٌ عزيزٌ، والأُنثى قَميئةٌ. وأَقْمَأْتُه: صَغَّرْتُه وذَلَّلته. والصاغِرُ القَمِيءُ يُصَغَّر بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصِيرًا. وأَقْمَيْتُ الرجُلَ إِذَا ذَلَّلْتَه. وقَمَأَتِ المرأَةُ قَمَاءَةً، مَمْدُودٌ: صغُر جِسمُها. وقَمَأَتِ الماشيةُ تَقْمَأُ قُمُوءًا وقُمُوءَةً وقَمْأً، وقَمُؤَت قَمَاءَةً وقَمَاءً وقَمَأً، وأَقْمأَتْ: سَمِنَت. وأَقْمَأَ القومُ: سَمِنَت إبِلهم. التَّهْذِيبُ: قَمَأَتْ تَقْمَأُ، فَهِيَ قامِئةٌ: امتلأَت سِمَناً، وأَنشد الباهليُّ:
وجُرْدٍ، طارَ باطِلُها نَسيلًا، ... وأَحْدَثَ قَمْؤُها شَعَراً قِصارا
وأَقْمَأَني الشيءُ: أَعْجَبَنِي. أَبو زَيْدٍ: هَذَا زَمَانٌ تَقْمَأُ فِيهِ الإِبل أَي يَحْسُن وَبَرُها وتَسْمَنُ. وقَمَأَتِ الإِبل بِالْمَكَانِ: أَقامَتْ بِهِ وأَعْجَبها خِصْبُه وسَمِنَتْ فِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَقْمَأُ إِلَى مَنْزِل عائشةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَثِيرًا
أَي يَدْخُل. وقَمَأْتُ بِالْمَكَانِ قَمْأً: دَخَلْتُهُ وأَقَمْتُ بِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِنْهُ اقْتَمَأَ الشيءَ إِذَا جَمَعه. والقَمْءُ: الْمَكَانُ الَّذِي تُقِيمُ فِيهِ الناقةُ والبَعِيرُ حَتَّى يَسْمَنا، وَكَذَلِكَ المرأَةُ والرَّجلُ. وَيُقَالُ قَمَأتِ الماشيةُ بِمَكَانِ كَذَا حَتَّى سَمِنَتْ. والقَمْأَةُ: المكانُ الَّذِي لَا تَطْلُع عَلَيْهِ الشمسُ، وجَمْعُها القِمَاءُ. وَيُقَالُ: المَقْمَأَةُ والمَقْمُؤَةُ، وَهِيَ المَقْنَأَةُ والمَقْنُؤَةُ. أَبو عَمْرٍو: المَقْنَأَةُ والمَقْنُؤَةُ: الْمَكَانُ الَّذِي لَا تَطْلُع عَلَيْهِ الشمسُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَقْناة، بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَإِنَّهُمْ لَفِي قَمْأَةٍ وقُمْأَةٍ عَلَى مِثَالِ قُمْعةٍ، أَي خِصْب ودَعةٍ. وتَقَمَّأَ الشيءَ: أَخَذَ خِياره، حَكَاهُ ثَعْلَبٌ، وأَنشد لابن مُقْبِلٍ:
لَقَدْ قَضَيْتُ، فَلَا تَسْتَهْزِئَا، سَفَهاً ... مِمَّا تَقَمَّأْتُه مِنْ لَذَّةٍ، وطَرِي
وَقِيلَ: تَقَمَّأْته: جمعتُه شَيْئًا بَعْدَ شيءٍ. وَمَا قَامَأَتْهُم الأَرضُ: وافَقَتْهُم، والأَعرف تَرْكُ الْهَمْزِ. وعَمْرُو بْنُ قمِيئةَ: الشاعِرُ، عَلَى فَعِيلة. الأَصمعي: مَا يُقامِينِي الشيءُ وَمَا يُقانِينِي أَي مَا يُوافِقُنِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزُ يُقاميني. وتَقَمَّأْتُ المكانَ تَقَمُّؤاً أَي وافقَني، فأَقَمْتُ فيه.
قنأ: قَنَأَ الشيءُ يَقْنَأُ قُنُوءًا: اشْتَدَّتْ حُمرَتُه. وقَنَّأَهُ هُوَ. قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
يَسْعَى بِهَا ذُو تُومَتَيْنِ مُشَمِّرٌ، ... قَنَأَتْ أَنامِلُه مِنَ الفِرْصاد
(1/134)

والفِرْصادُ: التُّوتُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَرَرْتُ بأَبي بَكْرٍ، فَإِذَا لِحْيتُه قانِئةٌ
، أَي شَديدة الحُمْرة. وَقَدْ قَنَأَتْ تَقْنَأُ قُنُوءاً، وتركُ الْهَمْزَةِ فِيهِ لُغَةٌ أُخرى. وشيءٌ أَحمرُ قانِئٌ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: قَنَأَ الجِلْدُ قُنُوءاً: أُلْقِيَ فِي الدِّباغ بَعْدَ نَزْع تِحْلِئِه، وقَنَّأَه صاحِبُه. وَقَوْلُهُ:
وَمَا خِفْتُ حَتَّى بيَّنَ الشِّرْبُ والأَذَى، ... بقانِئةٍ، أَنِّي مِنَ الحَيِّ أَبْيَنُ
هَذَا شَرِيبٌ لِقَوْمٍ، يَقُولُ: لَمْ يَزَالُوَا يَمْنعُونني الشُّرْبَ حَتَّى احمرَّتِ الشمسُ. وقَنَأَتْ أَطْرافُ الجارِيةِ بالحِنَّاءِ: اسوَدَّتْ. وَفِي التَّهْذِيبِ: احْمَرَّتِ احْمِراراً شَدِيدًا. وقَنَّأَ لِحْيَتَه بالخِضاب تَقْنِئَةً: سَوَّدَها. وقَنَأَتْ هِيَ مِنَ الخِضاب. التَّهْذِيبُ: وقَرَأْت للمؤَرِّج، يُقَالُ: ضَرَبْتُهُ حَتَّى قَنِئَ يَقْنَأُ قُنُوءًا، إِذَا مَاتَ. وقَنَأَهُ فُلَانٌ يَقْنَؤُه قَنْأً، وأَقْنَأْتُ الرَّجل إقْناءً: حَمَلْتُه على القتل. والمَقْنَأَةُ والمَقْنُؤَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تُصِيبه الشَّمْسُ فِي الشِّتَاءِ. وَفِي حَدِيثِ
شَرِيكٍ: أَنه جَلَس فِي مَقْنُؤَةٍ لَهُ
أَي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشمسُ، وَهِيَ المَقْنَأَةُ أَيضاً، وَقِيلَ هُمَا غَيْرُ مَهْمُوزَيْنِ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: زَعَمَ أَبو عَمْرٍو أَنها الْمَكَانُ الَّذِي لَا تطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. قَالَ: وَلِهَذَا وَجْهٌ لأَنه يَرْجِعُ إِلَى دوامِ الخُضْرة، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَنَأَ لِحْيَتَه إِذَا سَوَّدها. وَقَالَ غَيْرُ أَبي عَمْرٍو: مَقْناةٌ ومَقْنُوَةٌ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نقيضُ المَضْحاة. وأَقْنَأَني الشيءُ: أَمْكَنَنِي ودَنا مني.
قيأ: القَيْءُ، مَهْمُوزٌ، وَمِنْهُ الاسْتِقاءُ وَهُوَ التكَلُّفُ لِذَلِكَ، والتَّقَيُّؤُ أَبلغ وأَكثر. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَوْ يَعْلَمُ الشَّارِبُ قَائِمًا مَاذَا عَلَيْهِ لاسْتَقاءَ مَا شَرِبَ.
قاءَ يَقيءُ قَيْئاً، واسْتَقاءَ، وتَقَيَّأَ: تَكَلَّفَ القَيْءَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَن رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اسْتَقَاءَ عامِداً، فأَفْطَرَ.
هو اسْتَفْعَلَ مِنَ القَيْءِ، والتَّقَيُّؤُ أَبلغ مِنْهُ، لأَنَّ فِي الاسْتِقاءَةِ تكلُّفاً أَكثر مِنْهُ، وَهُوَ استِخراجُ مَا فِي الجَوْفِ عَامِدًا. وقَيَّأَه الدَّواءُ، وَالِاسْمُ القُيَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الراجِعُ فِي هِبَتِه كالراجِعِ فِي قَيْئِه.
وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ ذَرَعَه القَيْءُ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَا شيءَ عَلَيْهِ، ومَنْ تَقَيَّأَ فَعَلَيْهِ الإِعادةُ
، أَي تَكَلَّفَه وتعَمَّدَه. وقَيَّأْتُ الرجُلَ إِذَا فَعَلْتَ بِهِ فِعْلًا يَتَقَيَّأُ مِنْهُ. وقاءَ فُلَانٌ مَا أَكل يَقِيئُه قَيْئاً إِذَا أَلقاه، فَهُوَ قاءٍ. وَيُقَالُ: بِهِ قُيَاءٌ، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، إِذَا جَعل يُكثِر القَيْءَ. والقَيُوءُ، بِالْفَتْحِ عَلَى فَعُول: مَا قَيَّأَكَ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدواءُ الَّذِي يُشرب للقَيْءِ. وَرَجُلٌ قَيُوءٌ: كَثِيرُ القَيْءِ. وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي: رَجُلٌ قَيُوٌّ، وَقَالَ: عَلَى مِثَالِ عَدُوٍّ، فإِن كَانَ إِنما مثَّله بِعدُوٍّ فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ وجِيهٌ، وَإِنْ كَانَ ذَهَب بِهِ إِلَى أَنه مُعتلّ، فَهُوَ خَطَأٌ، لأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ قَيَيْتُ وَلَا قَيَوْتُ، وَقَدْ نَفَى سِيبَوَيْهِ مِثْلَ قَيَوْتُ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ حَيَوْتُ، فَإِذًا مَا حَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي مِنْ قَوْلِهِمْ قَيُوٌّ، إِنَّمَا هُوَ مُخَفَّفٌ مِنْ رَجُلٍ قَيُوءٍ كَمَقْرُوٍّ مِنْ مَقْرُوءٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا حَكَيْنَا هَذَا عَنِ ابْنِ الأَعرابي لِيُحْتَرَسَ مِنْهُ، وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحد أَن قَيُوّاً مِنَ الْوَاوِ أَو الْيَاءِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نظَّره بعدُوٍّ وهَدُوٍّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَنَاتِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ.
(1/135)

وقاءَتِ الأَرضُ الكَمْأَةَ: أَخرجَتْها وأَظْهَرَتْها. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ تَصِفُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وبَعَجَ الأَرضَ فَقَاءَتْ أُكْلَها
، أَي أَظهرت نَباتَها وخَزائنَها. والأَرض تَقيءُ النَّدَى، وَكِلَاهُمَا عَلَى الْمَثَلِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
تَقِيءُ الأَرضُ أَفْلاذَ كَبِدِها
، أَي تُخْرِجُ كُنُوزَها وتَطْرَحُها عَلَى ظَهْرِهَا. وَثَوْبٌ يَقِيءُ الصِّبْغَ إِذَا كَانَ مُشْبَعاً. وتَقَيَّأَتِ المرأَةُ: تَعَرَّضَتْ لبَعْلِها وأَلْقَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ. اللَّيْثُ: تَقَيَّأَتِ المَرأَةُ لِزَوْجِهَا، وتَقَيُّؤُها: تَكَسُّرها لَهُ وإلقاؤُها نفسَها عَلَيْهِ وتَعَرُّضُها لَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تَقَيَّأَتْ ذاتُ الدَّلالِ والخَفَرْ ... لِعابِسٍ، جَافِي الدَّلالِ، مُقْشَعِرّ
قَالَ الأَزهري: تَقَيَّأَتْ، بِالْقَافِ، بِهَذَا الْمَعْنَى عِنْدِي: تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ تَفَيَّأتْ، بالفاءِ، وتَفَيُّؤُها: تَثنِّيها وتَكَسُّرها عَلَيْهِ، مِنَ الفَيْءِ، وَهُوَ الرُّجو ع.

فصل الكاف
كأكأ: تكَأْكَأَ القومُ: ازْدَحَمُوا. والتَّكَأْكُؤُ: التَّجَمُّع. وَسَقَطَ عِيسَى بْنُ عُمر عَنْ حِمار لَهُ، فاجتَمع عَلَيْهِ الناسُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ تَكَأْكَأْتُم عليَّ تَكَأْكُؤَكُم عَلَى ذِي جِنَّةٍ؟ افْرَنْقِعُوا عَنِّي. وَيُرْوَى: عَلَى ذِي حَيَّةٍ أَي حَوَّاء. وَفِي حَدِيثِ
الحَكَم بْنِ عُتَيْبة: خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَكَأْكَأَ الناسُ عَلَى أَخِيهِ عِمرانَ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَوْ حَدَّث الشيطانُ لتَكَأْكَأَ الناسُ عَلَيْهِ
أَي عَكَفوا عَلَيْهِ مُزْدَحمِين. وتَكَأْكَأَ الرجُل فِي كَلَامِهِ: عَيَّ فَلَمْ يَقدِرْ عَلَى أَن يَتَكَلَّمَ. وتَكَأْكَأَ أَي جَبُنَ ونَكَصَ، مِثْلُ تَكَعْكَعَ. اللَّيْثُ: الكَأْكَأَةُ: النُّكُوصُ، وَقَدْ تَكَأْكَأَ إِذَا انْقَدَعَ. أَبو عَمْرٍو: الكَأْكاءُ: الجُبْنُ الهالِعُ. والكَأْكاءُ: عَدْوُ اللِّصِّ. والمُتَكَأْكِئُ: القَصِير.
كتأ: اللَّيْثُ الكَتْأَةُ، بِوَزْن فَعْلةٍ، مَهْمُوزٌ: نَبَاتٌ كالجِرجِير يُطْبَخُ فَيُؤْكل. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هِيَ الكَثْأَةُ، بِالثَّاءِ، وَتُسَمَّى النَّهْقَ؛ قَالَهُ أَبو مالك وغيره.
كثأ: كَثَأَتِ القِدْرُ كَثْأً: أَزْبَدَتْ للغَلْيِ. وكَثْأَتُها: زَبَدُها. يُقَالُ: خُذ كَثْأَةَ قِدْرِكَ وكُثْأَتَهَا، وَهُوَ مَا ارْتَفَع منها بعد ما تَغْلِي، وكَثْأَةُ اللَّبَنِ: طُفاوَتُه فوقَ الْمَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَعْلُوَ دَسَمُه وخُثُورَتُه رأْسَه. وَقَدْ كَثَأَ اللبَنُ وكَثَعَ، يَكْثَأُ كَثْأً إذا ارْتَفَعِ فَوْقَ الْمَاءِ وصَفا الْمَاءُ مِنْ تَحْتِ اللَّبَنِ. وَيُقَالُ: كَثَأَ وكَثَعَ إِذَا خَثُرَ وعَلاه دَسَمُه، وَهُوَ الكَثْأَةُ والكَثْعَةُ. وَيُقَالُ: كَثَّأْتُ إِذَا أَكلتَ مَا عَلَى رأْسِ اللَّبَنِ. أَبو حاتِم: مِنَ الأَقِط الكَثْءُ، وَهُوَ مَا يُكْثَأُ فِي القِدْر ويُنصَبُ، وَيَكُونُ أَعْلاه غَلِيظاً وأَسْفَلُه مَاءً أَصفر، وأَما المصرَع «2» فَالَّذِي يَخْثُر ويكادُ يَنْضَجُ، والعاقِدُ الَّذِي ذهَب مَاؤُهُ ونَضِج، والكَرِيضُ الَّذِي طُبِخ مَعَ النَّهَقِ أَوِ الحَمَصِيصِ، وأَمّا المَصْلُ فَمِنَ الأَقط يُطْبَخ مَرَّةً أُخرى، والثَّوْرُ القِطْعة العَظيمة مِنْهُ.
__________
(2). قوله [وأما المصرع] كذا ضبطت الراء فقط في نسخة من التهذيب.
(1/136)

والكُثْأَةُ: الحِنْزابُ، وَقِيلَ الكُرّاثُ، وَقِيلَ: بِزْرُ الجِرْجِير. وأَكْثَأَتِ الأَرضُ: كَثُرَتْ كُثْأَتُها. وكَثَأَ النَّبْتُ والوَبَر يَكْثَأُ كَثْأً، وَهُوَ كاثِئٌ: نَبَتَ وطَلَع، وَقِيلَ كَثُفَ وغَلُظَ وطالَ. وكَثَأَ الزرعُ: غَلُظَ والتَفَّ. وكَثَّأَ اللَّبَنُ والوبَرُ والنَّبتُ تَكْثِئةً، وَكَذَلِكَ كَثَأَتِ اللِّحْيةُ وأَكْثَأَتْ وكَنْثَأَتْ. أَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
وأَنْتَ امْرُؤ قَدْ كَثَّأَتْ لَكَ لِحْيةٌ، ... كَأَنَّكَ مِنْها قاعِدٌ فِي جُوالِقِ
وَيُرْوَى كَنْثَأَتْ. وَلِحْيَةٌ كَنْثَأَةٌ، وَإِنَّهُ لكَنْثاءُ اللِّحْيةِ وكَنْثَؤُها، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّاءِ.
كدأ: كَدَأَ النبتُ يَكْدَأُ كَدْءًا وكُدُوءًا، وكَدِئَ: أَصابَه البَرْدُ فَلبَّده فِي الأَرضِ، أَو أَصابَه العطَشُ فأَبْطَأَ نَبْتُه. وكَدَأَ البَرْدُ الزرعَ: رَدَّه فِي الأَرضِ يُقَالُ: أَصابَ الزرعَ بَرْدٌ فكَدَّأَه فِي الأَرض تَكْدِئةً. وأَرضٌ كادِئةٌ: بَطِيئةُ النَّباتِ والإِنْباتِ. وإبلٌ كادِئةُ الأَوْبارِ: قَلِيلَتُها. وَقَدْ كَدِئَتْ تَكْدَأُ كَدَأً. وأَنشد:
كَوادِئُ الأَوْبارِ، تَشْكُو الدَّلَجا
وكَدِئَ الغُرابُ يَكْدَأُ كَدَأً إِذَا رأَيتَه كأَنه يَقِيءُ في شَحِيجِه.
كرثأ: الكِرْثِئَةُ: النَّبْتُ المُجتَمِعُ المُلْتَفُّ. وكَرْثَأَ شَعَرُ الرجُل: كَثُرَ والتَفَّ، فِي لُغَةِ بَنِي أَسد. والكِرْثِئَةُ: رُغْوة المَحْضِ إِذَا حُلِبَ عَلَيْهِ لبَنُ شاةٍ فارْتَفَعَ. وَتَكَرْثَأَ السَّحابُ: تَراكَمَ. وكلُّ ذَلِكَ ثُلَاثِيٌّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والكِرْثِئُ من السحاب.
كرفأ: الكِرْفِئُ: سَحابٌ مُتَراكِمٌ، وَاحِدَتُهُ كِرْفِئةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الكِرْفِئُ: السّحابُ المُرْتَفِعُ الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، والقِطْعةُ مِنْهُ كِرْفِئةٌ. قَالَتِ الخنساءُ:
كَكِرْفِئَةِ الغَيْثِ، ذاتِ الصَّبِيرِ، ... تَرْمِي السَّحابَ، ويَرْمي لَها
وَقَدْ جاءَ أَيضاً فِي شِعْرِ عَامِرُ بْنُ جُوَيْنٍ الطَّائِيُّ يَصِف جارَيةً:
وَجارِيةٍ مِنْ بَناتِ المُلوكِ، ... قَعْقَعْتُ، بالخَيْلِ، خَلْخالَها
كَكِرْفِئةِ الغَيْثِ، ذاتِ الصَّبِيرِ، ... تَأْتِي السَّحابَ وتَأْتالَها
وَمَعْنَى تَأْتَالُ: تُصْلِحُ، وأَصْلُه تَأْتَوِلُ، وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَن، وَمَثَلُهُ بَيْتُ لَبيد:
بِصبُوحِ صافِيةٍ، وجَذْبِ كَرِينةٍ ... بِمُوَتَّرٍ، تَأْتالُه إِبْهامُها
أَي تُصْلِحُه، وَهُوَ تَفْتَعِلُ مِنْ آلَ يَؤُول. وَيُرْوَى: تَأْتالَه إبْهامُها، بفتحِ اللَّامِ، مِنْ تأْتالَه، عَلَى أَن يَكُونَ أَراد تَأْتِي لَهُ، فأَبدَلَ مِنَ الياءِ أَلفاً، كَقَوْلِهِمْ فِي بَقِيَ بَقا، وَفِي رَضِيَ رَضا. وتَكَرْفَأَ السَّحابُ: كَتَكَرْثَأَ. والكِرْفِئُ: قشْر الْبَيْضِ الأَعلى، والكِرْفِئة: قِشْرَةُ البَيضْةِ العُلْيا اليابِسةُ. وَنَظَرَ أَبو الْغَوْثِ
(1/137)

الأَعرابي إِلَى قِرْطاسٍ رَقِيقٍ فَقَالَ: غِرْقِئٌ تَحْتَ كِرْفِئٍ، وَهَمْزَتُهُ زَائِدَةٌ. والكِرْفِئُ مِنَ السَّحاب مِثْلُ الكِرْثِئِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ ثُلَاثِيًّا. وكَرْفَأَتِ القِدْرُ: أَزْبَدَتْ لِلْغَلْي.
كسأ: كُسْءُ كُلِّ شَيءٍ وكُسُوءُهُ: مُؤَخَّرُه. وكُسْءُ الشَّهْرِ وكُسُوءُه: آخِرهُ، قَدْرُ عَشْرٍ بَقِينَ مِنْهُ وَنَحْوُهَا. وجاءَ دُبُرَ الشهرِ وَعَلَى دُبُرِه وكُسْأَه وأَكْسَاءَه، وجِئْتُكَ عَلَى كُسْئِه وَفِي كُسْئِه أَي بعد ما مَضَى الشهرُ كُلُّه. وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ:
كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقاً يَمانِيةً، ... إِذَا الحِدَادُ، عَلَى أَكْسائِها، حَفَدُوا
وجاءَ فِي كُسْءِ الشهرِ وَعَلَى كُسْئِه، وجاءَ كُسْأَه أَي فِي آخِرِه، والجمعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ: أَكْسَاءٌ. وجِئْتُ فِي أَكْسَاءِ القَوْمِ أَي فِي مآخِيرهم. وصَلَّيْت أَكْسَاءَ الفَرِيضةِ أَي مآخِيرَها. ورَكِبَ كُسْأَهُ: وَقَعَ عَلَى قَفَاه؛ هَذِهِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وكَسَأَ الدابَّةَ يَكْسَؤُها كَسْأً: ساقَها عَلَى إثْر أُخْرَى. وكَسَأَ القومَ يَكْسَؤُهم كَسْأً: غَلَبَهم فِي خُصُومة وَنَحْوِهَا. وكَسَأْتُه: تَبِعْتُه. ومَرَّ يَكْسَؤُهم أَي يَتْبَعُهم، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ومَرَّ كَسْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أَي قِطْعةٌ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا هَزَم القومَ فَمَرَّ وَهُوَ يَطْردُهُم: مرَّ فُلَانٌ يَكْسَؤُهم ويَكْسَعُهم أَي يَتْبَعُهم. قَالَ أَبو شِبْل الأَعرابي:
كُسِعَ الشِّتاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرِ، ... أَيَّامِ شَهْلَتِنا مِنَ الشَّهْرِ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ بَدَلَ هَذَا العَجُز:
بالصِّنِّ والصِّنَّبْرِ والوَبْرِ ... وبآمِرٍ، وأَخِيه مُؤْتَمِرٍ،
ومُعَلِّلٍ، وبمُطْفِئِ الجَمْرِ
والأَكْسَاءُ: الأَدْبارُ. قَالَ المُثَلَّمُ بْنِ عَمْرو التَّنُوخِي:
حَتَّى أَرَى فارِسَ الصَّمُوتِ علَى ... أَكْساءِ خَيْلٍ، كأَنَّها الإِبِلُ
يَعْنِي: خَلْفَ القَوْمِ، وَهُوَ يَطْرُدُهُم. مَعْنَاهُ: حَتَّى يَهْزِم أَعْداءَه، فيَسُوقُهُم مِنْ ورائِهِم، كَمَا تُساقُ الإِبل. والصَّمُوتُ: اسْمُ فَرَسه.
كشأ: كَشَأَ وَسَطَه كَشْأَ: قَطَعَه. وكَشَأَ المرأَةَ كَشْأً: نَكَحها. وكَشَأَ اللحمَ كَشْأً، فهو كشِيءٌ، وأَكْشَأَه، كِلَاهُمَا: شَواهُ حَتَّى يَبِسَ، وَمِثْلُهُ: وزَأْتُ اللحمَ إِذَا أَيْبَسْتَه. وَفُلَانٌ يَتَكَشَّأُ اللحمَ: يأْكله وَهُوَ يابِسٌ. وكَشَأَ يَكْشَأُ إِذَا أَكلَ قِطْعَةً مِن الكَشِيء، وَهُوَ الشِّواءُ المُنْضَجُ. وأَكْشَأَ إِذَا أَكَلَ الكَشيءَ، وكَشَأْتُ اللحمَ وكَشَّأْته إِذَا أَكلتَه. قَالَ: وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِ اللَّحْمِ. وكَشَأْتُ القِثَّاءَ: أَكَلْته. وكَشَأَ الطَّعامَ كَشْأً: أَكلَه، وَقِيلَ: أَكله خَضْماً، كَمَا يُؤْكَلُ القِثَّاءُ وَنَحْوُهُ. وكَشِئَ مِنَ الطَّعَامِ كَشْأً وكَشَاءً، الأَخيرة عَنْ كُراع، فَهُوَ كَشِئٌ وكَشِيءٌ، وَرَجُلٌ كَشِيءٌ: مُمْتَلِئٌ مِنَ الطَّعام. وَتكَشَّأَ: امْتَلأَ. وتَكَشَّأَ الأَدِيمُ تَكَشُّؤاً إِذَا تَقَشَّر. وَقَالَ الفَرَّاءُ: كَشَأْتُه ولَفَأْتُه أَي قَشَرْتُه.
(1/138)

وكَشِئَ السِّقاءُ كَشْأً: بانَتْ أَدَمَتُه مِن بَشَرَتِه. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: هُوَ إِذَا أُطِيلَ طَيُّه فَيَبِسَ فِي طَيِّه وتَكَسَّرَ. وكَشِئْتُ مِنَ الطَّعام كَشْأً: وَهُوَ أَن تَمْتَلِئَ مِنْهُ. وكَشَأْتُ وَسَطَه بِالسَّيْفِ كَشْأً إِذَا قَطَعْتَهُ. والكَشْءُ: غِلَظٌ فِي جِلْد اليَدِ وتَقَبُّضٌ. وَقَدْ كَشِئَتْ يَدُه. وَذُو كَشَاءٍ: موضعٌ، حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ قَالَ: وَقَالَتْ جِنِّيَّةٌ مَن أَراد الشِّفَاءَ مِن كُلِّ داءٍ فَعَلَيْهِ بِنَباتِ البُرْقةِ مِنْ ذِي كَشَاءٍ. تَعْنِي بَنَبات البُرْقةِ الكُرَّاثَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
كفأ: كافَأَهُ عَلَى الشَّيْءِ مُكافأَةً وكِفَاءً: جَازَاهُ. تَقُولُ: مَا لِي بهِ قِبَلٌ وَلَا كِفاءٌ أَي مَا لِي بِهِ طاقةٌ عَلَى أَن أُكَافِئَهُ. وَقَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
أَي جبريلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَيْسَ لَهُ نَظِير وَلَا مَثيل. وَفِي الْحَدِيثِ:
فَنَظَر إِلَيْهِمْ فَقَالَ: مَن يَكافِئُ هَؤُلَاءِ.
وَفِي حَدِيثِ
الأَحنف: لَا أُقاوِمُ مَن لَا كِفَاء لَهُ
، يَعْنِي الشيطانَ. وَيُرْوَى: لَا أُقاوِلُ. والكَفِيءُ: النَّظِيرُ، وَكَذَلِكَ الكُفْءُ والكُفُوءُ، عَلَى فُعْلٍ وفُعُولٍ. وَالْمَصْدَرُ الكَفَاءةُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ. وَتَقُولُ: لَا كِفَاء لَهُ، بِالْكَسْرِ، وَهُوَ فِي الأَصل مَصْدَرٌ، أَي لَا نَظِيرَ لَهُ. والكُفْءُ: النَّظِيرُ والمُساوِي. وَمِنْهُ الكفَاءةُ فِي النِّكاح، وَهُوَ أَن يَكُونَ الزَّوْجُ مُساوياً للمرأَة فِي حَسَبِها ودِينِها ونَسَبِها وبَيْتِها وَغَيْرِ ذَلِكَ. وتَكافَأَ الشَّيْئانِ: تَماثَلا. وَكافَأَه مُكافَأَةً وكِفَاءً: ماثَلَه. وَمِنْ كَلَامِهِمْ: الحمدُ لِلَّهِ كِفاء الْوَاجِبِ أَي قَدْرَ مَا يَكُونُ مُكافِئاً لَهُ. وَالِاسْمُ: الكَفاءَةُ والكَفَاءُ. قَالَ:
فَأَنْكَحَها، لَا فِي كَفَاءٍ وَلَا غِنىً، ... زِيادٌ، أَضَلَّ اللهُ سَعْيَ زِيادِ
وَهَذَا كِفَاءُ هَذَا وكِفْأَتُه وكَفِيئُه وكُفْؤُه وكُفُؤُه وكَفْؤُه، بِالْفَتْحِ عَنْ كُرَاعٍ، أَي مِثْلُهُ، يَكُونُ هَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: سَمِعْتُ امرأَة مِنْ عُقَيْل وزَوجَها يَقْرآن: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفىً أَحَدٌ، فأَلقى الْهَمْزَةَ وحَوَّل حَرَكَتَهَا عَلَى الْفَاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
؛ أَربعةُ أَوجه الْقِرَاءَةِ، منها ثلاثة: كُفُواً
، بِضَمِّ الْكَافِ وَالْفَاءِ، وكُفْأً، بِضَمِّ الْكَافِ وإِسكان الْفَاءِ، وكِفْأً، بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَقَدْ قُرئ بِهَا، وكِفاءً، بِكَسْرِ الْكَافِ وَالْمَدِّ، وَلَمْ يُقْرَأْ بِهَا. وَمَعْنَاهُ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِثْلًا لِلَّهِ، تَعَالَى ذِكْرُه. وَيُقَالُ: فُلَانٌ كَفِيءُ فُلَانٍ وكُفُؤُ فُلَانٍ. وَقَدْ قرأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأَبو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ كُفُؤاً، مُثْقَلًا مَهْمُوزًا. وقرأَ حَمْزَةُ كُفْأً، بِسُكُونِ الْفَاءِ مَهْمُوزًا، وَإِذَا وَقَفَ قرأَ كُفَا، بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَاخْتَلَفَ عَنْ نَافِعٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: كُفُؤاً، مِثْلَ أَبي عَمْرو، وَرُوِيَ: كُفْأً، مِثْلَ حَمْزَةَ. والتَّكافُؤُ: الاسْتِواء.
(1/139)

وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُرِيدُ تَتساوَى فِي الدِّياتِ والقِصاصِ، فَلَيْسَ لشَرِيف عَلَى وَضِيعٍ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ. وَفُلَانٌ كُفْءُ فلانةَ إِذَا كَانَ يَصْلُح لَهَا بَعْلًا، وَالْجَمْعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ: أَكْفَاء. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَعرف للكَفْءِ جَمْعًا عَلَى أَفْعُلٍ وَلَا فُعُولٍ. وحَرِيٌّ أَن يَسَعَه ذَلِكَ، أَعني أَن يَكُونَ أَكْفَاء جمعَ كَفْءٍ، المفتوحِ الأَول أَيضاً. وَشَاتَانِ مُكافَأَتانِ: مُشْتَبِهتانِ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَفِي حَدِيثِ العَقِيقةِ عَنِ الْغُلَامِ:
شاتانِ مُكافِئَتانِ
أَي مُتَساوِيَتانِ فِي السِّنِّ أَي لَا يُعَقُّ عَنْهُ إِلَّا بمُسِنَّةٍ، وأَقلُّه أَن يَكُونَ جَذَعاً، كَمَا يُجْزِئُ فِي الضَحايا. وَقِيلَ: مُكافِئَتانِ أَي مُسْتوِيتانِ أَو مُتقارِبتانِ. وَاخْتَارَ الخَطَّابِيُّ الأَوَّلَ، قَالَ: وَاللَّفْظَةُ مُكافِئَتانِ، بِكَسْرِ الْفَاءِ، يُقَالُ: كافَأَه يُكافِئهُ فَهُوَ مُكافِئهُ أَي مُساوِيه. قَالَ: والمحدِّثون يَقُولُونَ مُكافَأَتَانِ، بِالْفَتْحِ. قَالَ: وأَرى الْفَتْحَ أَولى لإِنه يُرِيدُ شَاتَيْنِ قَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا أَي مُساوًى بَيْنَهُمَا. قَالَ: وأَما بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ أَنهما مُساوِيتَان، فيُحتاجُ أَن يَذْكُرَ أَيَّ شَيْءٍ ساوَيَا، وإِنما لَوْ قَالَ مُتكافِئتان كَانَ الْكَسْرُ أَولى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا فَرْق بَيْنَ المكافِئَتيْنِ والمُكافَأَتَيْنِ، لأَن كُلَّ وَاحِدَةٍ إِذَا كافَأَتْ أُختَها فَقَدْ كُوفِئَتْ، فَهِيَ مُكافِئة ومُكافَأَة، أَو يَكُونُ مَعْنَاهُ: مُعَادَلَتانِ، لِما يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ والأُضْحِيَّة مِنَ الأَسنان. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ مَعَ الْفَتْحِ أَن يُرَادَ مَذْبُوحَتان، مَنْ كافَأَ الرجلُ بَيْنَ الْبَعِيرَيْنِ إِذَا نَحَرَ هَذَا ثُمَّ هَذَا مَعاً مِنْ غَيْرِ تَفْريق؛ كأَنه يُرِيدُ شَاتَيْنِ يَذْبحهما فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: تُذْبَحُ إِحداهما مُقابلة الأُخرى، وكلُّ شيءٍ ساوَى شَيْئًا، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَهُ، فَهُوَ مُكافِئٌ لَهُ. والمكافَأَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذَا. يُقَالُ: كافَأْتُ الرجلَ أَي فَعَلْتُ بِهِ مثلَ مَا فَعَلَ بِي. وَمِنْهُ الكُفْءُ مِنَ الرِّجال للمرأَة، تَقُولُ: إِنه مِثْلُهَا فِي حَسَبها. وأَما
قَوْلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسْأَلِ المرأَةُ طَلاقَ أُختها لتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتها فإِنما لَهَا مَا كُتِبَ لَهَا.
فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لِتَكْتَفِئَ: تَفتَعِلُ، مِنْ كَفَأْتُ القِدْرَ وَغَيْرَهَا إِذَا كَبَبْتها لتُفْرِغَ مَا فِيهَا؛ والصَّحْفةُ: القَصْعةُ. وَهَذَا مَثَلٌ لإِمالةِ الضَّرَّةِ حَقَّ صاحِبَتها مِنْ زَوْجِهَا إِلَى نَفْسِها إِذَا سأَلت طلاقَها ليَصِير حَقُّ الأُخرى كلُّه مِنْ زوجِها لَهَا. وَيُقَالُ: كافَأَ الرجلُ بَيْنَ فَارِسَيْنِ برُمْحِه إِذَا والَى بَيْنَهُمَا فَطَعَنَ هَذَا ثُمَّ هَذَا. قَالَ الْكُمَيْتُ:
نَحْر المُكافِئِ، والمَكْثُورُ يَهْتَبِلُ
والمَكْثُورُ: الَّذِي غَلَبه الأَقْرانُ بِكَثْرَتِهِمْ. يهْتَبلُ: يَحْتالُ لِلْخَلَاصِ. وَيُقَالُ: بَنَى فُلَانٌ ظُلَّةً يُكافِئُ بِهَا عينَ الشمسِ ليَتَّقيَ حَرَّها.
قَالَ أَبو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِهِ: وَلَنَا عَباءَتانِ نُكافِئُ بِهِمَا عَنَّا عَيْنَ الشمسِ أَي نُقابِلُ بِهِمَا الشمسَ ونُدافِعُ، مِنَ المُكافَأَة: المُقاوَمة، وإنِّي لأَخشَى فَضْلَ الحِساب.
وكَفَأَ الشيءَ والإِنَاءَ يَكْفَؤُه كَفْأً وكَفَّأَهُ فَتَكَفَّأَ، وَهُوَ مَكْفُوءٌ، واكْتَفَأَه مِثْلُ كَفَأَه: قَلَبَه. قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبي خَازِمٍ:
وكأَنَّ ظُعْنَهُم، غَداةَ تَحَمَّلُوا، ... سُفُنٌ تَكَفَّأُ فِي خَلِيجٍ مُغْرَبِ
(1/140)

وَهَذَا الْبَيْتُ بِعَيْنِهِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى تَكَفَّأَتِ المرأَةُ فِي مِشْيَتِها: تَرَهْيَأَتْ ومادَتْ، كَمَا تَتَكَفَّأُ النَّخْلَةُ العَيْدانَةُ. الْكِسَائِيُّ: كَفَأْتُ الإِناءَ إِذَا كَبَبْتَه، وأَكْفَأَ الشيءَ: أَمَاله، لُغَيّة، وأَباها الأَصمعي. ومُكْفِئُ الظُعْنِ: آخِرُ أَيام العَجُوزِ. والكَفَأُ: أَيْسَرُ المَيَلِ فِي السَّنام وَنَحْوِهِ؛ جملٌ أَكْفَأُ وَنَاقَةٌ كَفْآءُ. ابْنُ شُمَيْلٍ: سَنامٌ أَكْفَأُ وَهُوَ الَّذِي مالَ عَلَى أَحَدِ جَنْبَي البَعِير، وَنَاقَةٌ كَفْآءُ وجَمَل أَكْفَأُ، وَهُوَ مِنْ أَهْوَنِ عِيوب الْبَعِيرِ لأَنه إِذَا سَمِنَ اسْتَقامَ سَنامُه. وكَفَأْتُ الإِناءَ: كَبَبْته. وأَكْفَأَ الشيءَ: أَمالَه، وَلِهَذَا قِيلَ: أَكْفَأْتُ القَوْسَ إِذَا أَملْتَ رأَسَها وَلَمْ تَنْصِبْها نَصْباً حَتَّى تَرْمِيَ عَنْهَا. غَيْرُهُ: وأَكْفَأَ القَوْسَ: أَمَالَ رأَسَها وَلَمْ يَنْصِبْها نَصْباً حِينَ يَرْمِي عَلَيْهَا «1». قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
قَطَعْتُ بِهَا أَرْضاً، تَرَى وَجْهَ رَكْبِها، ... إِذَا مَا عَلَوْها، مُكْفَأً، غيرَ ساجِعِ
أَي مُمالًا غيرَ مُستَقِيمٍ. والساجِعُ: القاصِدُ المُسْتَوِي المُسْتَقِيمُ. والمُكْفَأُ: الْجَائِرُ، يَعْنِي جَائِرًا غَيْرَ قاصِدٍ؛ وَمِنْهُ السَّجْعُ فِي الْقَوْلِ. وَفِي حَدِيثِ الهِرّة:
أَنه كَانَ يُكْفِئُ لَهَا الإِناءَ
أَي يُمِيلُه لتَشْرَب مِنْهُ بسُهولة. وَفِي حَدِيثِ الفَرَعَة:
خيرٌ مِنْ أَن تَذْبَحَه يَلْصَقُ لَحْمُهُ بوَبَرِه، وتُكْفِئُ إِناءَك، وتُولِهُ ناقَتَكَ
أَي تَكُبُّ إِناءَكَ لأَنه لَا يَبْقَى لَكَ لَبن تحْلُبه فِيهِ. وتُولِهُ ناقَتَكَ أَي تَجْعَلُها والِهَةً بِذبْحِك ولَدَها. وَفِي حَدِيثِ الصِّرَاطِ:
آخِرُ مَن يَمرُّ رجلٌ يَتَكَفَّأُ بِهِ الصراطُ
، أَي يَتَميَّل ويَتَقَلَّبُ. وَفِي حَدِيثِ دُعاء الطَّعَامِ:
غيرَ مُكْفَإٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبَّنا
، أَي غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الطَّعَامِ. وَفِي رِوَايَةٍ غيرَ مَكْفِيٍّ، مِنِ الْكِفَايَةِ، فَيَكُونُ مِنَ المعتلِّ. يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ المُطْعِم وَالْكَافِي، وَهُوَ غَيْرُ مُطْعَم وَلَا مَكْفِيٍّ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَوْلُهُ: وَلَا مُوَدَّعٍ أَي غيرَ مَتْرُوكِ الطَّلَبِ إِلَيْهِ والرَّغْبةِ فِيمَا عِنْدَهُ. وأَما قَوْلُهُ: رَبَّنا، فَيَكُونُ عَلَى الأَول مَنْصُوبًا عَلَى النِّدَاءِ الْمُضَافِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ المؤَخَّر أَي ربُّنا غيرُ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ الْكَلَامُ رَاجِعًا إِلَى الْحَمْدِ كأَنه قَالَ: حَمْدًا كَثِيرًا مَبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مكفيٍّ وَلَا مُودَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنىً عَنْهُ أَي عَنِ الْحَمْدِ. وَفِي حَدِيثِ الضَّحِيَّةِ:
ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا
، أَي مالَ وَرَجَعَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
فأَضَعُ السيفَ فِي بطنِه ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ:
وَتَكُونُ الأَرضُ خُبْزةً وَاحِدَةً يَكْفَؤُها الجَبَّار بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحدُكم خُبْزَته فِي السَّفَر.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَتَكَفَّؤُها، يُرِيدُ الخُبْزة الَّتِي يَصْنَعُها المُسافِر ويَضَعُها فِي المَلَّة، فإِنها لَا تُبْسَط كالرُّقاقة، وإِنما تُقَلَّب عَلَى الأَيدي حَتَّى تَسْتَوِيَ. وَفِي حَدِيثِ
صِفَةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه كَانَ إِذَا مشَى تَكَفَّى تَكَفِّياً.
التَّكَفِّي: التَّمايُلُ إِلَى قُدَّام
__________
(1). قوله [حين يرمي عليها] هذه عبارة المحكم وعبارة الصحاح حين يرمي عنها.
(1/141)

كَمَا تَتَكَفَّأُ السَّفِينةُ فِي جَرْيها. قَالَ ابْنُ الأَثير: رُوِيَ مَهْمُوزًا وَغَيْرَ مَهْمُوزٍ. قَالَ: والأَصل الْهَمْزُ لأَن مَصْدَرَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّحِيحِ تَفَعُّلٌ كَتَقَدَّمَ تَقَدُّماً، وتَكَفَّأَ تَكَفُّؤاً، وَالْهَمْزَةُ حَرْفٌ صَحِيحٌ، فأَما إِذَا اعْتَلَّ انْكَسَرَتْ عَيْنُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ نَحْوَ تَحَفَّى تَحَفِّياً، وتَسَمَّى تَسَمِّياً، فإِذا خُفِّفت الهمزةُ الْتَحَقَتْ بِالْمُعْتَلِّ وَصَارَ تَكَفِّياً بِالْكَسْرِ. وكلُّ شيءٍ أَمَلْته فَقَدْ كَفَأْتَه، وَهَذَا كَمَا جاءَ أَيضاً
أَنه كَانَ إِذَا مَشَى كأَنَّه يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذَا مَشَى تَقَلَّع، وبعضُه مُوافِقٌ بَعْضًا وَمُفَسِّرُهُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: كأَنما يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ: أَراد أَنه قَوِيُّ البَدَن، فَإِذَا مَشَى فكأَنما يَمْشِي عَلَى صُدُور قَدَمَيْه مِنَ القوَّة، وأَنشد:
الواطِئِينَ عَلَى صُدُورِ نِعالِهِمْ، ... يَمْشُونَ فِي الدَّفَئِيِّ والأَبْرادِ
والتَّكَفِّي فِي الأَصل مَهْمُوزٌ فتُرِك هَمْزُهُ، وَلِذَلِكَ جُعِل الْمَصْدَرُ تَكَفِّياً. وأَكْفَأَ فِي سَيره: جارَ عَنِ القَصْدِ. وأَكْفَأَ فِي الشِّعْرِ: خالَف بَيْنَ ضُروبِ إِعْرابِ قَوافِيه، وقيل: هي المُخالَفةُ بَيْنَ هِجاءِ قَوافِيهِ، إِذَا تَقارَبَتْ مَخارِجُ الحُروفِ أَو تَباعَدَتْ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الإِكْفَاءُ فِي الشِّعْرِ هُوَ المُعاقَبَةُ بَيْنَ الرَّاءِ وَاللَّامِ، وَالنُّونِ وَالْمِيمِ. قَالَ الأَخفش: زَعَمَ الْخَلِيلُ أَنَّ الإِكْفَاءَ هُوَ الإِقْواءُ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهل الْعِلْمِ. قَالَ: وسَأَلتُ العَربَ الفُصَحاءَ عَنِ الإِكْفَاءِ، فَإِذَا هُمْ يَجْعَلُونَهُ الفَسادَ فِي آخِر الْبَيْتِ والاخْتِلافَ مِنْ غَيْرِ أَن يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ شَيْئًا، إلَّا أَني رأَيت بَعْضَهُمْ يَجْعَلُهُ اخْتِلَافَ الحُروف، فأَنشدته:
كأَنَّ فَا قارُورةٍ لَمْ تُعْفَصِ، ... مِنْهَا، حِجاجا مُقْلةٍ لَمْ تُلْخَصِ،
كأَنَّ صِيرانَ المَها المُنَقِّزِ
فَقَالَ: هَذَا هُوَ الإِكْفَاءُ. قَالَ: وأَنشد آخَرُ قوافِيَ عَلَى حُرُوفٍ مُخْتَلِفَةٍ، فعابَه، وَلَا أَعلمه إلَّا قَالَ لَهُ: قَدْ أَكْفَأْتَ. وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنِ الفرَّاءِ: أَكْفَأَ الشَّاعِرُ إِذَا خالَف بَيْنَ حَركات الرَّوِيّ، وَهُوَ مِثْلُ الإِقْواءِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: إِذَا كَانَ الإِكْفَاءُ فِي الشِّعْر مَحْمُولًا عَلَى الإِكْفاءِ فِي غَيْرِهِ، وَكَانَ وَضْعُ الإِكْفَاءِ إِنما هُوَ للخلافِ ووقُوعِ الشيءِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، لَمْ يُنْكَر أَن يُسَمُّوا بِهِ الإِقْواءَ فِي اخْتلاف حُروف الرَّوِيِّ جَمِيعًا، لأَنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا واقِعٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِواءٍ. قَالَ الأَخفش: إِلَّا أَنِّي رأَيتهم، إِذَا قَرُبت مَخارِجُ الحُروف، أَو كَانَتْ مِنْ مَخْرَج وَاحِدٍ، ثُمَّ اشْتَدَّ تَشابُهُها، لَمْ تَفْطُنْ لَهَا عامَّتُهم، يَعْنِي عامَّةَ الْعَرَبِ. وَقَدْ عَابَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ قَوْلَهُ: الإِكْفاءُ فِي الشِّعْرِ أَن يُخالَف بَيْنَ قَوافِيه، فيُجْعَلَ بعضُها مِيمًا وَبَعْضُهَا طَاءً، فَقَالَ: صَوَابُ هَذَا أَن يَقُولَ وَبَعْضُهَا نُونًا لأَن الإِكْفَاءَ إِنما يَكُونُ فِي الْحُرُوفِ المُتقارِبة فِي الْمَخْرَجِ، وأَما الطَّاءُ فَلَيْسَتْ مِنْ مَخْرَجِ الْمِيمِ. والمُكْفَأُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ المَقْلُوب، وَإِلَى هَذَا يَذْهَبُونَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
ولَمَّا أَصابَتْنِي، مِنَ الدَّهْرِ، نَزْلةٌ، ... شُغِلْتُ، وأَلْهَى الناسَ عَنِّي شُؤُونُها
إِذَا الفارِغَ المَكْفِيَّ مِنهم دَعَوْتُه، ... أَبَرَّ، وكانَتْ دَعْوةً يَسْتَدِيمُها
فَجَمَعَ الْمِيمَ مَعَ النُّونِ لِشِبْهِهَا بِهَا لأَنهما يَخْرُجَانِ مِنَ الخَياشِيم. قَالَ وأَخبرني مَنْ أَثق بِهِ مِنْ أَهل الْعِلْمِ أَن ابْنَةَ أَبِي مُسافِعٍ قَالَتْ تَرْثِي أَباها، وقُتِلَ،
(1/142)

وَهُوَ يَحْمِي جِيفةَ أَبي جَهْل بْنِ هِشام:
وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ، ذُو ... أَظافِيرَ، وإقْدامْ
كَحِبِّي، إذْ تَلَاقَوْا، وَ ... وُجُوهُ القَوْمِ أَقْرانْ
وأَنتَ الطَّاعِنُ النَّجلاءَ، ... مِنْها مُزْبِدٌ آنْ
وبالكَفِّ حُسامٌ صارِمٌ، ... أَبْيَضُ، خَدّامْ
وقَدْ تَرْحَلُ بالرَّكْبِ، ... فَمَا تُخْنِي بِصُحْبانْ
قَالَ: جَمَعُوا بَيْنَ الْمِيمِ وَالنُّونِ لقُرْبهما، وَهُوَ كَثِيرٌ. قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الْعَرَبِ مثلَ هَذَا مَا لَا أُحْصِي. قَالَ الأَخفش: وَبِالْجُمْلَةِ فإِنَّ الإِكْفاءَ المُخالَفةُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: مُكْفَأً غير ساجِعِ: المُكْفَأُ ههنا: الَّذِي لَيْسَ بِمُوافِقٍ. وَفِي حَدِيثِ النَّابِغَةِ أَنه كَانَ يُكْفِئُ فِي شِعْرِه: هُوَ أَن يُخالَفَ بَيْنَ حَرَكَاتِ الرَّويّ رَفْعاً ونَصباً وَجَرًّا. قَالَ: وَهُوَ كالإِقْواء، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُخالَف بَيْنَ قَوافِيه، فَلَا يَلْزَمَ حَرْفًا وَاحِدًا. وكَفَأَ القومُ: انْصَرَفُوا عَنِ الشيءِ. وكَفَأَهُم عَنْهُ كَفْأً: صَرَفَهم. وَقِيلَ: كَفَأْتُهُم كَفْأً إِذَا أَرادوا وَجْهًا فَصَرَفْتَهم عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فانْكَفَؤُوا أَي رَجَعُوا. وَيُقَالُ: كَانَ الناسُ مُجْتَمِعِينَ فانْكَفَؤُوا وانْكَفَتُوا، إِذَا انْهَزَمُوا. وانْكَفَأَ القومُ: انْهَزَمُوا. وكَفَأَ الإِبلَ: طَرَدَها. واكْتَفَأَها: أَغارَ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ بِهَا. وَفِي حَدِيثِ
السُّلَيْكِ بْنِ السُّلَكةِ: أَصابَ أَهْلِيهم وأَموالَهم، فاكْتَفَأَها.
والكَفْأَةُ والكُفْأَةُ فِي النَّخل: حَمْل سَنَتِها، وَهُوَ فِي الأَرض زِراعةُ سنةٍ. قَالَ:
غُلْبٌ، مَجالِيحُ، عنْدَ المَحْلِ كُفْأَتُها، ... أَشْطانُها، فِي عِذابِ البَحْرِ، تَسْتَبِقُ «2»
أَراد بِهِ النخيلَ، وأَرادَ بأَشْطانِها عُرُوقَها؛ والبحرُ ههنا: الماءُ الكَثِير، لأَن النَّخِيلَ لَا تَشْرَبُ فِي الْبَحْرِ. أَبو زَيْدٍ يُقَالُ: اسْتَكْفَأْتُ فُلَانًا نَخْلَةً إِذَا سأَلته ثَمَرَهَا سَنَةً، فَجَعَلَ لِلنَّخْلِ كَفْأَةً، وَهُوَ ثَمَرُ سَنَتِها، شُبِّهت بكَفْأَةِ الإِبل. واسْتَكْفَأْتُ فُلَانًا إِبِلَه أَي سأَلتُه نِتاجَ إِبِلِه سَنةً، فَأَكْفَأَنِيها أَي أَعْطاني لَبَنها ووبرَها وأَولادَها مِنْهُ. وَالِاسْمُ: الكَفْأَة والكُفْأَة، تَضُمُّ وَتَفْتَحُ. تَقُولُ: أَعْطِني كَفْأَةَ ناقَتِك وكُفْأَةَ ناقَتِك. غَيْرُهُ: كَفْأَةُ الإِبل وكُفْأَتُها: نِتاجُ عامٍ. ونَتَجَ الإِبلَ كُفْأَتَيْنِ. وأَكْفأَها إِذَا جَعَلَها كَفْأَتين، وَهُوَ أَن يَجْعَلَها نِصْفَيْنِ يَنْتِجُ كُلَّ عَامٍ نِصْفًا، ويَدَعُ نِصْفًا، كَمَا يَصْنَعُ بالأَرض بِالزِّرَاعَةِ، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ المُقْبِل أَرْسَلَ الفحْل فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُرْسِله فِيهِ مِنَ العامِ الفارِطِ، لأَنَّ أَجْوَدَ الأَوقاتِ، عِنْدَ الْعَرَبِ فِي نِتاجِ الإِبل، أَن تُتْرَكَ الناقةُ بَعْدَ نِتاجِها سَنَةً لَا يُحْمَل عَلَيْهَا الفَحْل ثُمَّ تُضْرَبُ إِذَا أَرادت الْفَحْلَ. وَفِي الصِّحَاحِ: لأَنّ أَفضل النِّتاج أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الإِبل الفُحولةُ عاماً،
__________
(2). قوله [عذاب] هو في غير نسخة من المحكم بالذال المعجمة مضبوطاً كما ترى وهو في التهذيب بالدال المهملة مع فتح العين.
(1/143)

وتُتْرَكَ عَامًا، كَمَا يُصْنَع بالأَرض فِي الزِّرَاعَةِ، وأَنشد قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:
تَرَى كُفْأَتَيْها تُنْفِضَانِ، ولَم يَجِدْ ... لَها ثِيلَ سَقْبٍ، فِي النِّتاجَيْنِ، لامِسُ
وَفِي الصِّحَاحِ: كِلا كَفْأَتَيْها، يَعْنِي: أَنها نُتِجَتْ كُلُّهَا إِناثاً، وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
إِذَا مَا نَتَجْنا أَرْبَعاً، عامَ كُفْأَةٍ، ... بَغاها خَناسِيراً، فأَهْلَكَ أَرْبَعا
الخَناسِيرُ: الهَلاكُ. وَقِيلَ: الكَفْأَةُ والكُفْأَةُ: نِتاجُ الإِبل بَعْدَ حِيالِ سَنةٍ. وَقِيلَ: بعدَ حِيالِ سنةٍ وأَكثرَ. يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: نَتَجَ فُلَانٌ إِبِلَهُ كَفْأَةً وكُفْأَةً، وأَكْفَأْتُ فِي الشاءِ: مِثلُه فِي الإِبل. وأَكْفَأَتِ الإِبل: كَثُر نِتاجُها. وأَكْفَأَ إبلَه وغَنَمَهُ فُلَانًا: جَعل لَهُ أَوبارَها وأصْوافَها وأَشْعارَها وأَلْبانَها وأَوْلادَها. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنَحَه كَفْأَةَ غَنَمِه وكُفْأَتَها: وَهَب لَهُ أَلبانَها وأَولادها وأصوافَها سَنَةً ورَدَّ عَلَيْهِ الأُمَّهاتِ. ووَهَبْتُ لَهُ كَفْأَةَ ناقتِي وكُفْأَتها، تُضَمُّ وَتُفْتَحُ، إِذَا وَهَبْتَ لَهُ ولدَهَا ولبنَها وَوَبَرَهَا سَنَةً. واسْتَكْفَأَه، فأَكْفَأَه: سَأَلَه أَن يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ. أَبو زَيْدٍ: اسْتَكْفَأَ زيدٌ عَمراً ناقَتَه إِذَا سأَله أَن يَهَبَها لَهُ وَوَلَدَهَا وَوَبَرَهَا سَنَةً. وَرُوِيَ عَنِ
الحرث بن أَبي الحَرِث الأَزْدِيِّ مِنْ أَهل نَصِيبِينَ: أَن أَباه اشْتَرَى مَعْدِناً بمائةِ شَاةٍ مُتْبِع، فأَتَى أُمَّه، فاسْتَأْمَرَها، فَقَالَتْ: إِنَّكَ اشْتَرَيْتَهُ بِثَلَثِمِائَةِ شَاةٍ: أُمُّها مائةٌ، وأَولادُها مِائَةُ شَاةٍ، وكُفْأَتُها مِائَةُ شَاةٍ، فَنَدِمَ، فاسْتَقالَ صاحِبَه، فأَبَى أنْ يُقِيلَه، فَقَبَضَ المَعْدِنَ، فأَذابَه وأَخرج مِنْهُ ثَمَنَ أَلْفِ شاةٍ، فأَثَى بِهِ صاحِبُه إِلَى عَلِيٍّ، كَرُّم اللَّهُ وَجْهَهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبا الحرث أَصابَ رِكازاً؛ فسأَله عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فأَخبره أَنه اشْتَرَاهُ بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِع. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَرَى الخُمُسَ إِلَّا عَلَى البائِعِ، فأَخذَ الخُمُس مِنَ الْغَنَمِ
؛ أَراد بالمُتْبِع: الَّتِي يَتْبَعُها أَولادُها. وَقَوْلُهُ أَثَى بِهِ أَي وَشَى بِهِ وسَعَى بِهِ، يَأْثُوا أَثْواً. والكُفْأَةُ أَصلها فِي الإِبل: وَهُوَ أَن تُجْعَلَ الإِبل قَطْعَتَيْن يُراوَحُ بَيْنَهُمَا فِي النِّتاجِ، وأَنشد شَمِرٌ:
قَطَعْتُ إبْلي كُفْأَتَيْنِ ثِنْتَيْن، ... قَسَمْتُها بقِطْعَتَيْنِ نِصْفَيْن
أَنْتِجُ كُفْأَتَيْهِما فِي عامَيْن، ... أَنْتِجُ عَامًا ذِي، وهذِي يُعْفَيْن
وأَنْتِجُ المُعْفَى مِنَ القَطِيعَيْن، ... مِنْ عامِنا الجَائي، وتِيكَ يَبْقَيْن
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لمْ يَزِدْ شَمِرٌ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ أُمَّ الرَّجُلِ جعلَت كُفْأَةَ مائةِ شاةٍ فِي كُلِّ نِتاجٍ مِائَةً. وَلَوْ كَانَتْ إِبِلًا كَانَ كُفْأَةُ مائةٍ مِنَ الإِبلِ خَمْسين، لأَن الغنمَ يُرْسَلُ الفَحْلُ فِيهَا وَقْتَ ضِرابِها أَجْمَعَ، وتَحْمِلُ أَجْمَع، وليستْ مِثلَ الإِبلِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا سَنةً، وَسَنَةً لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا. وأَرادتْ أُمُّ الرَّجُلِ تَكْثِيرَ مَا اشْتَرى بِهِ ابنُها، وإعلامَه أَنه غُبِنَ فِيمَا ابْتاعَ، فَفَطَّنَتْه أَنه كأَنه اشْتَرَى المَعْدِنَ بِثَلَثِمِائَةِ شاةٍ، فَنَدِمَ الابنُ واسْتَقالَ بائعَه، فأَبَى، وبارَكَ اللهُ لَهُ فِي المَعْدِن، فَحَسَده الْبَائِعُ عَلَى كَثْرَةِ الرِّبح، وسَعَى بِهِ إِلَى عَليٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْخُمُسَ، فَأَلْزَمَ الخُمُسَ البائِعَ، وأَضرَّ السَّاعِي بِنَفْسِه فِي
(1/144)

سِعايَته بصاحِبِه إِلَيْهِ. والكِفاءُ، بِالْكَسْرِ والمَدّ: سُتْرةٌ فِي الْبَيْتِ مِنْ أَعْلاه إِلَى أَسْفَلِه مِنْ مُؤَخَّرِه. وَقِيلَ: الكِفاءُ الشُّقَّة الَّتِي تَكُونُ فِي مُؤَخَّرِ الخِبَاءِ. وَقِيلَ: هُوَ شُقَّةٌ أَو شُقَّتان يُنْصَحُ إِحْدَاهُمَا بالأُخرى ثُمَّ يُحْمَلُ بِهِ مُؤَخَّر الخِبَاء. وَقِيلَ: هُوَ كِساءٌ يُلْقَى عَلَى الخِبَاءِ كالإِزارِ حَتَّى يَبْلُغَ الأَرضَ. وَقَدْ أَكْفَأَ البيتَ إكْفاءً، وَهُوَ مُكْفَأٌ، إِذَا عَمِلْتَ لَهُ كِفَاءً. وكِفَاءُ البيتِ: مؤَخَّرُه. وَفِي حَدِيثِ
أُمِّ مَعْبَدٍ: رأَى شَاةً فِي كِفَاءِ الْبَيْتِ
، هُوَ مِنْ ذَلِكَ، والجمعُ أَكْفِئةٌ، كَحِمارٍ وأَحْمِرَةٍ. ورجُلٌ مُكْفَأُ الوجهِ: مُتَغَيِّرُه ساهِمُه. ورأَيت فُلَانًا مُكْفَأَ الوَجْهِ إِذَا رأَيتَه كاسِفَ اللَّوْنِ ساهِماً. وَيُقَالُ: رأَيته مُتَكَفِّئَ اللَّوْنِ ومُنْكَفِتَ اللّوْنِ «1» أَي مُتَغَيِّرَ اللّوْنِ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه انْكَفَأَ لونُه عامَ الرَّمادة
أَي تَغَيّر لونُه عَنْ حَالِهِ. وَيُقَالُ: أَصْبَحَ فُلَانٌ كَفِيءَ اللّونِ مُتَغَيِّرَه، كأَنه كُفِئَ، فَهُوَ مَكْفُوءٌ وكَفِيءٌ. قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّة:
وأَسْمَرَ، مِنْ قِداحِ النَّبْعِ، فَرْعٍ، ... كَفِيءِ اللّوْنِ مِنْ مَسٍّ وضَرْسِ
أَي مُتَغَيِّرِ اللونِ مِنْ كَثْرَةِ مَا مُسِحَ وعُضَّ. وَفِي حَدِيثِ
الأَنصاريِّ: مَا لِي أَرى لَوْنَك مُنْكَفِئاً؟ قَالَ: مِنَ الجُوعِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: كَانَ لَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكافِئٍ.
قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى رَجُلٍ نِعْمةً فكافَأَه بالثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَبِلَ ثَنَاءَه، وَإِذَا أَثْنَى قَبْلَ أَن يُنْعِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْها. قَالَ ابْنُ الأَثير، وَقَالَ ابْنُ الأَنباري: هَذَا غلط، إذ كَانَ أَحد لَا يَنْفَكُّ مِنْ إِنْعام النبيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، بَعَثَه رَحْمةً لِلنَّاسِ كافَّةً، فَلَا يَخرج مِنْهَا مُكافِئٌ وَلَا غَيْرُ مُكافِئٍ، والثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَرْضٌ لَا يَتِمُّ الإِسلام إِلَّا بِهِ. وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَنه لَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ إِسْلَامِهِ، وَلَا يَدْخُلُ عِنْدَهُ فِي جُمْلة المُنافِقين الَّذِينَ يَقولون بأَلسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. قَالَ: وَقَالَ الأَزهريّ: وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: إِلَّا مِنْ مُكافِئٍ أَي مُقارِبٍ غَيْرِ مُجاوِزٍ حَدَّ مثلِه، وَلَا مُقصِّر عَمَّا رَفَعَه اللَّهُ إليه.
كلأ: قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ
. قَالَ الفرَّاءُ: هِيَ مَهْمُوزَةٌ، وَلَوْ تَرَكْتَ هَمْزَ مثلِه فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ قُلْتَ: يَكْلُوكم، بواو ساكنة، ويَكْلاكم، بأَلف سَاكِنَةٍ، مِثْلَ يَخْشاكم؛ ومَن جَعَلَهَا وَاوًا سَاكِنَةً قَالَ: كَلات، بأَلف يَتْرُكُ النَّبْرةَ مِنْهَا؛ وَمَنْ قَالَ يَكْلاكُم قال: كَلَيْتُ مثل قَضَيْتُ، وَهِيَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ، وكلٌّ حَسَنٌ، إِلَّا أَنهم يَقُولُونَ فِي الْوَجْهَيْنِ: مَكْلُوَّةٌ ومَكْلُوٌّ، أَكثرَ مما يَقُولُونَ مَكْلِيٌّ، وَلَوْ قِيلَ مَكْلِيٌّ فِي الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَلَيْت، كَانَ صَوَابًا. قَالَ: وسمعتُ بَعْضَ الأَعراب يَنْشُدُ:
مَا خاصَمَ الأَقْوامَ مِن ذِي خُصُومةٍ، ... كَوَرْهاءَ مَشْنِيٍّ إِلَيْهَا حَلِيلُها
فبَنَى عَلَى شَنَيْت بتَرْك النَّبْرةِ. اللَّيْثُ: يُقَالُ: كلأَكَ اللَّهُ كِلاءَةً أَي حَفِظَك
__________
(1). قوله [مُتَكَفِّئَ اللَّوْنِ وَمُنْكَفِتَ اللَّوْنِ] الأَول من التفعل والثاني من الانفعال كما يفيده ضبط غَيْرِ نُسْخَةٍ مِنَ التَّهْذِيبِ.
(1/145)

وَحَرَسَكَ، وَالْمَفْعُولُ مِنْهُ مَكْلُوءٌ، وأَنشد:
إنَّ سُلَيْمَى، وَاللَّهُ يَكْلَؤُها، ... ضَنَّتْ بِزادٍ مَا كانَ يَرْزَؤُها
وَفِي الْحَدِيثِ
أَنه قَالَ لِبِلالٍ، وَهُمْ مُسافِرُون: اكْلأْ لَنا وقْتَنا.
هُوَ مِنَ الحِفْظ والحِراسة. وَقَدْ تُخَفَّفُ هَمْزَةُ الكِلاءَة وتُقْلَبُ يَاءً. وَقَدْ كَلَأَه يَكْلَؤُه كَلأً وكِلاءً وكِلاءَةً، بِالْكَسْرِ: حَرَسَه وحَفِظَه. قَالَ جَميل:
فَكُونِي بخَيْرٍ فِي كِلاءٍ وغِبْطةٍ، ... وإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْري وبِغْضَتي
قَالَ أَبو الْحَسَنِ: كِلاءٌ يَجُوزُ أَن يَكُونَ مَصْدَرًا كَكِلاءَةٍ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ جَمْعَ كِلاءَةٍ، ويَجُوزُ أَن يَكُونَ أَراد فِي كِلاءَةٍ، فَحَذَفَ الْهَاءَ للضَّرُورة. وَيُقَالُ: اذْهَبُوا فِي كِلاءَةِ اللَّهِ. واكْتَلأَ مِنْهُ اكْتِلاءً: احْتَرَسَ منه. قال كعب ابن زُهَيْرٍ:
أَنَخْتُ بَعِيري واكْتَلأَتُ بعَيْنِه، ... وآمَرْتُ نَفْسِي أَيَّ أَمْرَيَّ أَفْعَلُ
وَيُرْوَى أَيُّ أَمْرَيَّ أَوْفقُ. وكَلأَ القومَ: كَانَ لَهُمْ رَبِيئةً. واكْتَلأَتْ عَيْنِي اكْتِلاءً إِذَا لَمْ تَنَمْ وحَذِرَتْ أَمْراً، فَسَهِرَتْ لَهُ. وَيُقَالُ: عَيْنٌ كَلُوءٌ إِذَا كَانَتْ ساهِرَةً، ورجلٌ كَلُوءُ العينِ أَي شَدِيدُها لَا يَغْلِبُه النَّوْمُ، وَكَذَلِكَ الأُنثى. قَالَ الأَخطل:
ومَهْمَهٍ مُقْفِرٍ، تُخْشَى غَوائِلُه، ... قَطَعْتُه بِكَلُوءِ العَيْنِ، مِسْفارِ
وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعرابيّ لامْرَأَتِه: فَوَاللَّهِ إنِّي لأُبْغِضُ المرأَةَ كَلُوءَ الليلِ. وكَالَأَهُ مُكَالأَةً وكِلاءً: راقَبَه. وأَكلأْتُ بَصَرِي فِي الشَّيْءِ إِذَا ردَّدْتَه فِيهِ. والكَلّاءُ: مَرْفَأُ السُّفُن، وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فَعَّالٌ، مِثْلَ جَبَّارٍ، لأَنه يَكْلأُ السفُنَ مِن الرِّيحِ؛ وَعِنْدَ أَحمد بْنِ يَحْيَى: فَعْلاء، لأَنَّ الرِّيح تَكِلُّ فِيهِ، فَلَا يَنْخَرِقُ، وَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ مُرَجَّحٌ، وَمِمَّا يُرَجِّحُه أَن أَبا حَاتِمٍ ذَكَرَ أَنَّ الكَلَّاءَ مذكَّر لَا يؤَنِّثه أَحد مِنَ الْعَرَبِ. وكَلَّأَ القومُ سَفيِنَتهم تَكْلِيئاً وتَكْلِئةً، عَلَى مِثَالِ تكْلِيم وتكْلِمةٍ: أَدْنَوْها مِنَ الشَطِّ وحَبَسُوها. قَالَ: وَهَذَا أَيضاً مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ كَلَّاءً فَعَّالٌ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. والمُكَلَّأُ، بِالتَّشْدِيدِ: شاطِئُ النَّهْرِ وَمَرْفَأُ السفُن، وهو ساحِلُ كلِّ نَهر. وَمِنْهُ سُوقُ الكَلَّاءِ، مَشْدُودٌ مَمْدُودٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، لأَنهم يُكَلِّئُون سُفُنَهم هُنَاكَ أَي يَحْبِسُونها، يُذَكَّرُ ويؤَنث. وَالْمَعْنَى: أَنَّ المَوضع يَدْفَعُ الرِّيحَ عَنِ السُّفُن ويحفَظها، فَهُوَ عَلَى هَذَا مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَكَرَ الْبَصْرَةَ: إيَّاكَ وسِباخَها وكَلَّاءَها.
التَّهْذِيبُ: الكَلَّاءُ والمُكَلَّأُ، الأَوَّل مَمْدُودٌ وَالثَّانِي مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ: مَكَانٌ تُرْفَأُ فِيهِ السُّفُنُ، وهو ساحِلُ كلِّ نَهر. وكَلَّأْتُ تَكْلِئةً إِذَا أَتَيْت مَكاناً فِيهِ مُسْتَتَرٌ مِنَ الرِّيح، وَالْمَوْضِعُ مُكَلَّأٌ وكَلَّاءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ عَرَّضَ عَرَّضْنا لَه، وَمَنْ مَشَى عَلَى الكَلَّاءِ أَلقَيْناه فِي النَّهَر.
مَعْنَاهُ: أَن مَن عَرَّضَ بالقَذْفِ وَلَمْ يُصَرِّحْ عَرَّضْنا لَهُ
(1/146)

بتَأْدِيبٍ لَا يَبْلُغ الحَدّ، وَمَنْ صَرَّحَ بالقذْفِ، فَرَكِب نَهَر الحُدُودِ ووَسَطَه، أَلْقَيْناه فِي نَهَرِ الحَدِّ فَحَدَدْناه. وَذَلِكَ أَن الكَلَّاءَ مَرْفَأُ السُّفُن عِنْدَ الساحِل. وَهَذَا مَثَل ضَرَبه لِمَنْ عَرَّضَ بالقَذْف، شَبَّهه فِي مُقارَبَتِه للتَّصريح بالماشي على شاطِيءِ النَّهَر، وإلقاؤُه فِي الماءِ إيجابُ الْقَذْفِ عَلَيْهِ، وإلزامُه الحَدَّ. ويُثنَّى الكَلَّاءُ فَيُقَالُ: كَلَّاآن، ويجمع فيقال: كَلَّاؤُون. قَالَ أَبو النَّجْمِ:
تَرَى بِكَلَّاوَيْهِ مِنهُ عَسْكَرا، ... قَوْماً يَدُقُّونَ الصَّفَا المُكَسَّرا
وَصَف الهَنِيءَ والمرِيءَ، وَهُمَا نَهَرانِ حَفَرهما هِشامُ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ. يَقُولُ: تَرَى بِكَلَّاوَي هَذَا النَّهَرِ مِنَ الحَفَرَةِ قوْماً يَحْفِرُون ويَدُقُّونَ حِجَارَةً مَوْضِعَ الحَفْرِ مِنْهُ، ويُكَسِّرُونها. ابْنُ السِّكِّيتِ: الكَلَّاءُ: مُجْتَمَعُ السُّفُن، وَمِنْ هَذَا سُمِّيَ كَلَّاءُ البَّصْرَة كَلّاءً لِاجْتِمَاعِ سُفُنِه. وكَلأَ الدَّيْنُ، أَي تَأَخَّر، كَلأً. والكالِئُ والكُلأَة: النَّسيِئة والسُّلْفةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وعَيْنُه كالكالِئِ الضِّمَارِ
أَي نَقْدُه كالنَّسِيئةِ الَّتِي لَا تُرْجَى. وَمَا أَعْطَيْتَ فِي الطَّعامِ مِن الدَّراهم نَسِيئةً، فَهُوَ الكُلأَة، بِالضَّمِّ. وأَكلأَ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ إكْلاءً، وكَلَّأَ تَكْلِيْئاً: أَسْلَفَ وسَلَّمَ. أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
فَمَنْ يُحْسِنْ إِلَيْهِمْ لَا يُكَلِّئْ، ... إِلَى جارٍ، بذاكَ، وَلَا كَرِيمِ
وَفِي التَّهْذِيبِ:
إِلَى جارٍ، بِذَاكَ، وَلَا شَكُورِ
وأَكْلأَ إكْلاءً، كَذَلِكَ. واكْتَلأَ كُلأَةً وتَكَلَّأَها: تَسَلَّمَها. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنِ الكالِئِ بالكالِئِ.
قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي النَّسِيئةَ بالنَّسِيئةِ. وَكَانَ الأَصمعي لَا يَهْمِزه، ويُنْشِد لعَبِيد بْنِ الأَبْرَصِ:
وَإِذَا تُباشِرُكَ الهُمُومُ، ... فإِنَّها كالٍ وناجِزْ
أَي مِنْهَا نَسيئةٌ وَمِنْهَا نَقْدٌ. أَبو عُبَيْدَةَ: تَكَلَّأْتُ كُلأَةً أَي اسْتَنْسَأْتُ نَسِيئةً، والنَّسِيئةُ: التَّأخِيرُ، وَكَذَلِكَ اسْتَكلأْتُ كُلأَةً، بِالضَّمِّ، وَهُوَ مِنَ التَّأخِير. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَتَفْسِيرُهُ أَن يُسْلِمَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ مائةَ دِرهمٍ إِلَى سَنَةٍ فِي كُرِّ طَعام، فَإِذَا انقَضَت السنةُ وحَلَّ الطَّعامُ عَلَيْهِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلدَّافِعِ: لَيْسَ عِنْدِي طَعامٌ، وَلَكِنْ بِعْنِي هَذَا الكُرَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إِلَى شَهْرٍ، فَيبيعُه مِنْهُ، وَلَا يَجرِي بَيْنَهُمَا تَقابُضٌ، فَهَذِهِ نَسِيئةٌ انْتَقَلَتْ إِلَى نَسِيئةٍ، وكلُّ مَا أَشبهَ هَذَا هَكَذَا. وَلَوْ قَبَضَ الطعامَ مِنْهُ ثُمَّ باعَه مِنْهُ أَو مِن غَيْرِهِ بِنَسيئةٍ لَمْ يَكُنْ كَالِئًا بكالِئٍ. وَقَوْلُ أُمية الهذَلي:
أُسَلِّي الهُمومَ بأَمْثالِها، ... وأَطْوِي البلادَ وأَقْضِي الكَوالي
أَراد الكوالِئَ، فإِمَّا أَن يَكُونَ أَبْدَلَ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ سَكَّن، ثُمَّ خَفَّفَ تَخْفِيفًا قِياسِيّاً. وبَلَّغَ اللَّهُ بِكَ أَكْلأَ العُمُرِ أَي أَقْصَاهُ وآخِرَه وأَبْعَدَه. وكَلأَ عُمُرُه: انْتَهَى. قَالَ:
تَعَفَّفْتُ عَنْهَا فِي العُصُورِ الَّتِي خَلَتْ، ... فَكَيْفَ التَّصابي بَعْدَ ما كَلأَ العُمْرُ
(1/147)

الأَزهري: التَّكْلِئةُ: التَّقَدُّمُ إِلَى الْمَكَانِ والوُقُوفُ بِهِ. وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: كَلَّأْتُ إِلَى فُلَانٍ فِي الأَمر تَكْلِيئاً أَي تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ. وأَنشد الفرّاءُ فِيمَن لَمْ يَهْمِز:
فَمَنْ يُحْسِنْ إِلَيْهِمْ لَا يُكَلِّي
الْبَيْتَ. وَقَالَ أَبو وَجْزَةَ:
فإِن تَبَدَّلْتَ، أَو كَلَّأْتَ فِي رَجُلٍ ... فَلَا يَغُرَّنْكَ ذُو أَلْفَينِ، مَغْمُورُ
قَالُوا: أَرَادَ بِذِي أَلْفَيْنِ مَن لَهُ أَلفان مِنَ الْمَالِ. وَيُقَالُ: كَلَّأْتُ فِي أَمْرِك تكْلِيئاً أَي تأَمَّلْتُ ونَظَرتُ فِيهِ، وكَلَّأْتُ فِي فُلَانٍ: نَظَرْت إِلَيْهِ مُتَأَمِّلًا، فأَعْجَبَنِي. وَيُقَالُ: كَلَأْته مائةَ سَوْطٍ كَلأً إِذَا ضَرَبْتَه. الأَصمعي: كَلَأْتُ الرَّجُلَ كَلأً وسَلأَته سَلأً بالسَّوط، وَقَالَهُ النَّضِرُ. الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ عَشَبَ: الكَلأُ عِنْدَ الْعَرَبِ: يَقَعُ عَلَى العشْب وَهُوَ الرُّطْبُ، وَعَلَى العُرْوةِ والشَّجَر والنَّصِيِّ والصِّلِّيانِ الطَّيِّب، كلُّ ذَلِكَ مِنَ الكلإِ. غَيْرُهُ: والكَلَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: مَا يُرْعَى. وَقِيلَ: الكَلأُ العُشْبُ رَطْبُه ويابِسُه، وَهُوَ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، وَلَا واحِدَ لَهُ. وأَكْلَأَتِ الأَرضُ إكْلاءً وكَلِئَتْ وكَلأَتْ: كَثُرَ كَلَؤُها. وأَرضٌ كَلِئَةٌ، عَلَى النَّسَب، ومَكْلأَةٌ: كِلْتاهما كَثِيرةُ الكَلإِ ومُكْلِئةٌ، وسَواء يابِسُه ورَطْبُه. والكَلأُ: اسْمٌ لجَماعة لَا يُفْرَدُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الكَلأُ يَجْمَعُ النَّصِيَّ والصِّلِّيانَ والحَلمَةَ والشِّيحَ والعَرْفَجَ وضُروبَ العُرَا، كلُّها دَاخِلَةٌ فِي الكَلإِ، وَكَذَلِكَ العُشْب والبَقْل وَمَا أَشبهها. وكَلأَتِ الناقةُ وأَكْلأَتْ: أَكَلَت الكَلأَ. والكَلالِئُ: أَعْضادُ الدَّبَرَة، الْوَاحِدَةُ: كَلَّاءٌ، مَمْدُودٌ. وَقَالَ النَّضِرُ: أَرْضٌ مُكْلِئةٌ، وَهِيَ الَّتِي قَدْ شَبِعَ إبِلُها، وَمَا لَمْ يُشْبعِ الإِبلَ لَمْ يَعُدُّوه إعْشاباً وَلَا إكْلاءً، وَإِنْ شَبِعَت الغَنمُ. قَالَ: والكَلأُ: البقْلُ والشَّجر. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلأُ
؛ وَفِي رِوَايَةٍ: فَضْلُ الكَلإِ، مَعْنَاهُ: أَن البِئْر تكونُ فِي الباديةِ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا كَلأٌ، فَإِذَا ورَدَ عَلَيْهَا واردٌ، فَغَلَب عَلَى مَائِهَا ومَنَعَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الاسْتِقاءِ مِنْهَا، فَهُوَ بِمَنْعِهِ الماءَ مانِعٌ مِنَ الكَلإِ، لأَنه مَتَى ورَدَ رَجلٌ بإِبِلِه فأَرْعاها ذَلِكَ الكَلأَ ثُمَّ لَمْ يَسْقِها قَتلها العَطَشُ، فَالَّذِي يَمنع ماءَ البئْرِ يَمْنَعُ النَّبَاتَ القَرِيب منه.
كمأ: الكَمْأَةُ وَاحِدُهَا كَمءٌ عَلَى غيرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ مِنَ النوادِرِ. فإنَّ القِياسَ العَكْسُ. الكَمْءُ: نَبات يُنَقِّضُ الأَرضَ فَيَخْرُجُ كَمَا يَخرج الفُطْرُ، وَالْجَمْعُ أَكْمُؤٌ وكَمْأَةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا قَوْلُ أَهل اللُّغَةِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَتِ الكَمْأَةُ بجمعِ كَمْءٍ لأَن فَعْلَةً لَيْسَ مِمَّا يُكَسَّر عَلَيْهِ فَعْلٌ، إِنما هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ. وَقَالَ أَبو خَيْرة وَحْدَه: كَمْأَةٌ لِلْوَاحِدِ وكَمْءٌ لِلْجَمِيعِ. وَقَالَ مُنْتَجِع: كَمْءٌ لِلْوَاحِدِ وكَمْأَةٌ لِلْجَمِيعِ. فَمَرَّ رُؤْبةُ فسَأَلاه فَقَالَ: كَمْءٌ لِلْوَاحِدِ وكَمْأَةٌ لِلْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ مُنْتَجِع. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: كَمْأَةٌ وَاحِدَةٌ وكَمْأَتانِ وكَمْآتٌ. وحَكَى عَنْ أَبي زَيْدٍ أَن الكَمْأَة تَكُونُ وَاحِدَةً وجَمْعاً، وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ. أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ كَمْءٌ لِلْوَاحِدِ وَجَمْعُهُ كَمْأَةٌ، وَلَا يُجمع شيءٌ عَلَى فَعْلة إلَّا كَمْءٌ
(1/148)

وكَمْأَةٌ، ورَجْلٌ ورَجْلةٌ. شَمِرٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: يُجمع كَمْءٌ أَكْمُؤاً، وَجَمْعُ الْجَمْعِ كَمْأَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: تَقُولُ هذا كَمْءٌ وهذان كَمْآنِ وهؤُلاءِ أَكْمُؤٌ ثَلَاثَةٌ، فإذا كثرت، فهي الكَمْأَةُ. وَقِيلَ: الكَمْأَةُ هِيَ الَّتِي إِلَى الغُبرة والسَّواد، والجِبَأَةُ إِلَى الحُمْرةِ، والفِقَعةُ البِيضُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ.
وأَكْمَأَتِ الأَرضُ فَهِيَ مُكْمِئةٌ، كَثُرت كَمْأَتُها. وأَرضٌ مَكْمُؤَةٌ: كَثِيرَةُ الكَمْأَة. وكَمَأَ القومَ وأَكْمَأَهم، الأَخيرةُ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ: أَطْعَمَهُم الكَمْأَةَ. وخَرجَ الناسُ يَتَكَمَّؤُون أَي يَجْتَنُون الكَمْأَةَ. وَيُقَالُ: خَرَجَ المُتَكَمِّئُون، وَهُمُ الَّذِينَ يَطْلُبون الكَمْأَةَ. والكَمَّاءُ: بَيَّاعُ الكَمْأَة وَجَانِيهَا لِلْبَيْعِ. أَنشد أَبو حَنِيفَةَ:
لَقَدْ ساءَني، والناسُ لَا يَعْلَمُونَه، ... عَرازِيلُ كَمَّاءٍ، بِهِنَّ مُقِيمُ
شَمِرٌ: سَمِعْتُ أَعرابياً يَقُولُ: بَنُو فُلَانٍ يَقْتُلُون الكَمَّاءَ والضَّعِيفَ. وكَمِئَ الرَّجلُ يَكْمَأُ كَمَأً، مَهْمُوزٌ: حَفِيَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلٌ «2». وَقِيلَ: الكَمَأُ فِي الرِّجْل كالقَسَط، ورَجُل كَمِئٌ. قَالَ:
أَنْشُدُ بِاللَّهِ، مِنَ النَّعْلَيْنِهْ ... «3»، نِشْدةَ شيخٍ كَمِئِ الرِّجْلَيْنِهْ
وَقِيلَ: كَمِئَتْ رِجْلُه، بِالْكَسْرِ: تَشَقَّقَتْ، عَنْ ثَعْلَبٍ. وقَدْ أَكْمَأَتْهُ السِّنُّ أَي شَيَّخَتْه، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَعَنْهُ أَيضاً: تَلَمَّعَتْ عَلَيْهِ الأَرضُ وَتَودَّأَت عَلَيْهِ الأَرض وتَكَمَّأَت عَلَيْهِ إِذَا غَيَّبَتْه وذَهَبَتْ بِهِ. وكَمِئَ عَنِ الأَخبار كَمَأً: جَهِلَها وغَبِيَ عَنْهَا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: إنْ جَهِلَ الرجلُ الخَبَر قَالَ: كَمِئْتُ عَنِ الأَخْبار أَكْمَأُ عَنْهَا.
كوأ: كُؤْتُ عَنِ الأَمر كَأْواً: نَكَلْتُ، الْمَصْدَرُ مَقْلُوبٌ مُغَيَّر.
كيأ: كاءَ عَنِ الأَمر يَكِيءُ كَيْئاً وكَيْأَة: نَكَل عَنْهُ، أَو نَبَتْ عَنْهُ عينُه فَلَمْ يُرِدْهُ. وأَكاءَ إِكاءَةً وإِكاءً إِذَا أَراد أَمْراً ففاجَأَه، عَلَى تَئِفَّة ذَلِكَ، فَرَدَّه عَنْهُ وهابَهُ وجَبُنَ عَنْهُ «4». وأَكَأْتُ الرجُلَ وكِئْتُ عَنْهُ: مِثْلَ كِعْتُ أَكِيعُ. والكَيْءُ والكِيءُ والكاءُ: الضَّعِيفُ الفُؤادِ الجَبانُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وإِنِّي لَكَيْءٌ عَنِ المُوئِباتْ ... «5»، إِذَا مَا الرَّطِيءُ انْمَأَى مَرْتَؤُهْ
وَرَجُلٌ كَيْأَةٌ وَهُوَ الجَبانُ. وَدَعِ الأَمْرَ كَيْأَتَه، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هيأَتَه، أَي عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وسيُذكر فِي مَوْضِعِهِ.
__________
(2). قَوْلُهُ [وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلٌ] كذا في النسخ وعبارة الصحاح ولم يكن عليه نعل ولكن الذي في القاموس والمحكم وتهذيب الأزهري حفي وعليه نعل وبما في المحكم والتهذيب تعلم مأخذ القاموس.
(3). قوله [النعلينه إلخ] هو كذلك في المحكم والتهذيب بدون ياء بعد النون فلا يغتر بسواه.
(4). عبارة القاموس: أكاءه إكاءةً وإكاءً: فاجأه على تَئِفة أمرٍ أراده فهابه ورجع عنه.
(5). قوله [وإني لكَيْءٌ إلخ] هو كما ترى في غير نسخة من التهذيب وذكره المؤلف في وأ ب وفسره.
(1/149)

فصل اللام
لأَلأَ: اللُّؤْلُؤَةُ: الدُّرَّةُ، وَالْجَمْعُ اللُّؤْلُؤُ والَّلآلِئُ، وبائعُه لأْآءٌ، ولأْآلٌ، ولأْلاءٌ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الفرّاءُ سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ لِصَاحِبِ اللؤْلؤ لأْآءٌ عَلَى مِثَالِ لَعَّاعٍ، وَكرِهَ قَوْلُ النَّاسِ لأْآلٌ عَلَى مِثَالِ لَعَّالٍ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: هُوَ مِنَ بَابِ سبطر. وقال عليّ ابنُ حَمْزَةَ: خَالَفَ الفرّاءُ فِي هَذَا الْكَلَامِ العربَ وَالْقِيَاسَ، لأَن الْمَسْمُوعَ لأْآلٌ وَالْقِيَاسَ لُؤْلُؤِيٌّ، لأَنه لَا يُبْنَى مِنَ الرُّبَاعِيِّ فَعَّالٌ، ولأْآل شَاذٌّ. اللَّيْثُ: اللُّؤْلُؤُ مَعْرُوفٌ وَصَاحِبُهُ لأْآل. قَالَ: وَحَذَفُوا الْهَمْزَةَ الأَخيرة حَتَّى اسْتَقَامَ لَهُمْ فَعَّالٌ، وأَنشد:
دُرَّةٌ منْ عَقائِل البَحْرِ بِكْرٌ، ... لَمْ تَخُنْها مَثاقِبُ الَّلأْآلِ
وَلَوْلَا اعْتِلَالُ الْهَمْزَةِ مَا حَسُنَ حَذفها. أَلا تَرَى أَنهم لَا يَقُولُونَ لِبَيَّاعِ السِّمْسِمِ سَمّاسٌ وحَذْوُهُما فِي الْقِيَاسِ وَاحِدٌ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى هَذَا خَطَأً. واللِّئالةُ، بِوَزْنِ اللِّعالةِ: حِرْفَةُ الَّلأْآلِ. وتَلأْلأَ النجمُ والقَمرُ والنارُ والبَرقُ، ولأْلأَ: أَضاءَ ولَمع. وَقِيلَ هُوَ: اضْطَرَب بَرِيقُه. وَفِي صِفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَتَلأْلأُ وجهُه تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ أَي يَسْتَنِير ويُشْرِقُ، مأْخوذ مِنَ اللُّؤْلُؤِ. وتَلأْلأَتِ النارُ: اضْطَرَبَتْ. وَلأْلأَتِ النارُ لأْلأَةً إِذَا تَوَقَّدت. ولأْلأَتِ المرأَةُ بعَيْنَيْها: برَّقَتْهُما. وَقَوْلُ ابْنِ الأَحمر:
مارِيّةٌ، لُؤْلُؤَانُ اللَّوْنِ أَوْرَدَها ... طَلٌّ، وبَنَّسَ عَنْهَا فَرْقَدٌ خَصِرُ
فَإِنَّهُ أَراد لُؤْلُؤِيَّتَهُ، برَّاقَتَه. وَلأْلأَ الثَورُ بذَنبِه: حَرَّكه، وَكَذَلِكَ الظَّبْيُ، وَيُقَالُ لِلثَّوْرِ الْوَحْشِيِّ: لَأْلَأَ بِذَنْبِهِ. وَفِي الْمَثَلِ: لَا آتِيكَ مَا لَأْلَأَتِ الفُورُ أَي بَصْبَصَتْ بأَذنابِها، وَرَوَاهُ اللِّحْيَانِيُّ: مَا لأْلأَتِ الفُورُ بأَذنابها، والفُور: الظِّباءُ، لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا.
لبأ: اللِّبَأُ، عَلَى فِعَلٍ، بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ: أَوّلُ اللَّبَنِ فِي النِّتاجِ. أَبو زَيْدٍ: أَوّلُ الأَلْبانِ اللِّبَأُ عِنْدَ الوِلادةِ، وأَكثرُ مَا يَكُونُ ثلاثَ حَلْباتٍ وأَقله حَلْبةٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: اللِّبَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: أَوَّلُ حَلَبٍ عِنْدَ وَضْعِ المُلْبِئِ. ولَبأَتِ الشاةُ ولَدَها أَي أَرْضَعَتْه اللِّبَأَ، وَهِيَ تَلْبَؤُه، والتَبَأْتُ أَنا: شَرِبتُ اللِّبَأَ. ولَبَأْتُ الجَدْيَ: أَطْعَمْتُه اللِّبَأَ. وَيُقَالُ: لَبَأْتُ اللِّبَأَ أَلْبَؤُه لَبْأً إِذَا حَلَبْتُ الشَّاةَ لِبَأً. ولَبَأَ الشاةَ يَلْبَؤُها لَبْأً، بِالتَّسْكِينِ، والتَبَأَها: احْتَلَبَ لِبَأَها. والتَبَأَها ولَدُها واسْتَلْبَأَها: رَضِعَها. وَيُقَالُ: اسْتَلْبَأَ الجَدْيُ اسْتِلْباءً إِذَا مَا رَضِعَ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِه، وأَلْبَأَ الجَدْيُ إِلباءً إِذَا رَضَعَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وأَلْبَأَ الجَدْيَ إلْبَاءً إِذَا شَدَّه إِلَى رأْس الخِلْفِ ليَرْضَعَ اللّبأَ، وأَلْبَأَتْه أُمُّه ولَبأَتْه: أَرْضَعَتْه اللِّبَأَ، وأَلْبَأْتُه: سَقَيْتُه اللِّبَأَ. أَبو حَاتِمٍ: أَلْبَأَتِ الشاةُ وَلَدها أَي قَامَتْ حَتَّى تُرْضِعَ لِبَأَها، وَقَدِ التَبَأْناها أَي احْتَلَبنا لِبَأَها، واسْتَلْبأَها ولدُها أَي شَرِبَ لِبأَها. وَفِي حَدِيثِ
وِلَادَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وأَلبَأَه برِيقِه
أَي صَبَّ رِيقَه فِي فِيهِ كَمَا يُصَبُّ اللِّبَأُ فِي فَمِ الصَّبِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ. ولَبَأَ القومَ يَلْبَؤُهم لَبْأً إِذَا صَنَع لَهُمُ اللِّبَأَ. ولبَأَ
(1/150)

القومَ يَلْبَؤُهم لَبْأً، وأَلْبَأَهم: أَطْعمهم اللِّبَأَ. وَقِيلَ: لَبَأَهم: أَطْعَمهم اللِّبَأَ، وأَلبأَهمَ: زوَّدهُم إِياه. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: لَبَأْتُهم لَبْأً ولِبَأً، وَهُوَ الِاسْمُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَدري مَا حَاصِلُ كَلَامِ اللِّحْيَانِيِّ هَذَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيدَ أَن اللِّبَأَ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمًا، وَهَذَا لا يعرف. وأَلْبَؤُوا: كَثُر لِبَؤُهم. وأَلْبَأَتِ الشاةُ: أَنزلت اللِّبَأَ، وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
ومَرْبُوعةٍ رِبْعِيَّةٍ قَدْ لَبَأْتُها، ... بِكَفَّيَّ، مِنْ دَوِّيَّةٍ، سَفَراً، سَفْرا
فَسَّرَهُ الْفَارِسِيُّ وَحْدَهُ، فَقَالَ: يَعْنِي الكَمْأَةَ. مَرْبوعةٍ: أَصابها الرَّبيعُ. ورِبْعيَّةٍ: مُتَرَوّية بمطَر الرَّبِيعِ؛ ولَبَأْتُها: أَطْعَمتها أَوّل مَا بَدَتْ، وَهِيَ استعارةٌ، كَمَا يُطعَمُ اللِّبَأُ. يَعْنِي: أَن الكمَّاءَ جنَاها فبَاكَرَهم بِهَا طَرِيّةً؛ وسَفَراً مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَي غُدْوةً؛ وسَفْراً مَفْعُولٌ ثانٍ للَبَأْتُها، وعَدَّاه إِلَى مَفْعُولَيْنِ لأَنه فِي مَعْنَى أَطْعَمْت. وأَلبَأَ اللِّبَأَ: أَصْلَحَه وطَبَخَه. ولَبأَ اللِّبأَ يَلْبَؤُهُ لَبْأً، وأَلْبَأَه: طَبخَه، الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي. ولَبَّأَتِ الناقةُ تَلْبِيئاً، وَهِيَ مُلَبِّئٌ، بِوَزْنِ مُلَبِّعٍ: وَقَعَ اللِّبَأُ فِي ضَرْعها، ثُمَّ الفِصْحُ بَعْدَ اللِّبَإِ إِذَا جَاءَ اللبنُ بَعْدَ انْقِطَاعِ اللِّبَإِ، يُقَالُ قَدْ أَفْصَحتِ الناقةُ وأَفْصحَ لَبَنُها. وعِشارٌ مَلابِئُ إِذَا دَنَا نِتاجُها. وَيُقَالُ: لَبَأْتُ الفَسِيلَ أَلْبَؤُه لَبْأً إِذَا سَقَيْتَه حِينَ تَغْرِسُه. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا غرسْتَ فَسيلةً، وَقِيلَ الساعةُ تقومُ، فَلَا يَمْنَعك أَن تَلْبَأَها
، أَي تَسْقِيَها، وَذَلِكَ أَوَّل سَقْيِك إِيَّاهَا. وَفِي حَدِيثِ
بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنه مَرَّ بأَنْصاريٍّ يَغْرِسُ نَخلًا فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخي إِنْ بلَغَك أَنَّ الدجالَ قَدْ خَرج، فَلَا يَمنعنَّك مِنْ أَن تَلْبَأَها
، أَي لَا يَمنعنَّكَ خُروجُه عَنْ غَرْسِها وسَقْيِها أَولَ سَقْيةٍ؛ مأْخوذ مِنَ اللِّبإ. ولَبَّأْت بالحجِّ تَلْبِئةً، وأَصله لَبَّيْت، غَيْرُ مَهْمُوزٍ. قَالَ الفرّاءُ: رُبَّمَا خَرَجَتْ بِهِمْ فَصَاحَتُهُمْ إِلَى أَن يَهْمِزُوا مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ، فَقَالُوا لَبَّأْتُ بالحَج، وحَلَّأْتُ السَّوِيقَ، ورثَأْتُ الْمَيِّتَ. ابْنُ شُمَيْلٍ فِي تَفْسِيرِ لَبَّيْكَ، يُقَالُ: لَبَأَ فُلَانٌ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ يَلْبَأُ لَبْأً إِذَا أَكثر مِنْهُ. قَالَ: ولَبَّيْكَ كأَنه اسْتِرْزاقٌ الأَحمر: بَيْنَهم المُلْتَبِئةُ أَي هُمْ مُتفاوِضُون لَا يَكْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي النَّوَادِرِ يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ لَا يَلْتَبِئُون فَتاهُم، وَلَا يَتَعَيَّرونَ شَيْخَهم. الْمَعْنَى: لَا يُزَوّجُون الْغُلَامَ صَغِيرًا وَلَا الشَّيْخَ كَبِيرًا طَلَباً للنَّسْل. واللَّبُؤَةُ: الأُنثى مِنَ الأُسُود، وَالْجَمْعُ لَبُؤٌ، واللَّبْأَةُ واللَّبَاة كاللَّبُؤَةِ، فَإِنْ كَانَ مُخَفَّفًا مِنْهُ، فَجَمْعُهُ كَجَمْعِهِ، وَإِنْ كَانَ لُغَةً، فَجَمْعُهُ لَبَآتٌ. واللَّبْوةُ، سَاكِنَةُ الْبَاءِ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ لُغَةٌ فِيهَا، واللَّبُؤُ الأَسد، قَالَ: وَقَدْ أُميت، أَعني أَنَّهُمْ قَلَّ اسْتِعْمَالُهُمْ إِيَّاهُ أَلْبَتَّةَ. واللَّبُوءُ: رَجُلٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ اللَّبُوءُ بْنُ عَبْدِ القيس. واللَّبْءُ: حيٌّ.
لتأ: لَتَأَ فِي صَدْره يَلْتَأُ لَتْأً: دَفَعَ. ولَتَأَ المرأَة يَلْتَؤُها لَتْأً: نَكَحَهَا. ولَتَأَه بسهَم لَتْأً: رمَاه بِهِ. ولَتَأْتُ الرَّجُلَ بِالْحَجَرِ إِذَا رَمَيْتَه بِهِ. ولَتَأْتُه
(1/151)

بعَيْنِي لَتْأً إِذَا أَحْدَدْتَ إِلَيْهِ النظَرَ، وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
تَراه، إِذَا أَمَّه الصِّنْو لَا ... «6» يَنُوءُ اللَّتِيءُ الَّذِي يَلْتَؤُهْ
قَالَ: اللَّتِيءُ، فَعِيلٌ مِن لَتَأْتُه إِذَا أَصَبْتَه. واللَّتِيءُ المَلْتِيُّ: المَرْمِيُّ. ولَتَأَتْ بِهِ أُمُّه: ولَدَته. يُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ أُمّاً لَتَأَتْ بِهِ، ولَكَأَت بِهِ، أَي رَمَتْه.
لثأ: الأَزهري: رَوَى سَلَمَةُ عَنِ الفرّاءِ أَنه قَالَ: اللَّثَأُ، بِالْهَمْزِ، لِما يَسِيلُ مِنَ الشَّجَرِ. وَقَالَ أَيضاً فِي تَرْجَمَةِ لَثَى: اللَّثَى مَا سَال مِنْ مَاءِ الشَّجَرِ مِنْ سَاقِهَا خاثِراً، وسيأْتي ذكره.
لجأ: لَجَأَ إِلَى الشَّيْءِ والمَكان يَلْجَأُ لَجْأً ولُجُوءاً ومَلْجَأً، ولَجِئَ لَجَأً، والْتَجَأَ، وأَلْجأْتُ أَمْري إِلَى اللَّهِ أَسْنَدتُ. وَفِي حَدِيثِ
كَعْب، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن دَخَل فِي دِيوَانِ المُسلِمِين ثمَ تَلجَّأَ مِنْهُمْ، فَقَدْ خَرج مِنْ قُبَّة الإِسْلامِ.
يُقَالُ: لَجَأْتُ إِلَى فُلَانٍ وَعَنْهُ، والتَجَأْتُ، وتَلجَّأْتُ إِذَا اسْتَنَدْتَ إِليه واعْتَضَدْتَ بِهِ، أَو عَدَلْتَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، كأَنه إِشارةٌ إِلَى الخُروج والانْفراد عَنِ المسلمِين. وأَلْجَأَه إِلَى الشيءِ: اضْطَرَّه إِليه. وأَلْجَأَه: عَصَمه. والتَّلْجِئَةُ: الإِكْراهُ. أَبو الْهَيْثَمِ: التَّلْجِئَةُ أَنْ يُلْجئَكَ أَن تَأْتِيَ أَمْراً باطِنُه خِلافُ ظَاهِرِهِ، وذلِكَ مِثْلُ إِشْهادٍ عَلَى أَمْرٍ ظاهِرُه خِلافُ باطِنِه. وَفِي حَدِيثِ
النُّعْمانِ بْنِ بَشِير: هَذَا تَلْجِئَةٌ، فأَشْهِدْ عَلَيْهِ غَيْرِي.
التَّلْجِئة: تَفْعِلة مِنَ الإِلْجَاءِ، كأَنه قَدْ أَلْجَأَكَ إِلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمراً باطنُه خلافُ ظَاهِرِهِ، وأَحْوَجَك إِلَى أَن تَفْعَل فِعلًا تَكْرَهُه. وَكَانَ بَشِيرٌ قَدْ أَفْرَدَ ابنَه النُّعمانَ بشيءٍ دُونَ إِخْوَتِهِ حَمَلتْه عَلَيْهِ أُمُّه. والمَلْجَأُ واللَّجَأُ: المَعْقِلُ، وَالْجَمْعُ أَلْجاءٌ. ويقالُ: أَلْجَأْتُ فُلَانًا إِلَى الشيءِ إِذَا حَصَّنْته فِي مَلْجإٍ، ولَجَإٍ، والْتَجَأْتُ إِلَيْهِ الْتِجاءً. ابْنُ شُمَيْلٍ: التَّلْجِئةُ أَن يَجْعَلَ مالَه لبَعض ورَثته دُونَ بَعْضٍ، كأَنه يتصدَّق بِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَارِثُهُ. قَالَ: وَلَا تَلْجِئةَ إِلَّا إِلَى وارِثٍ. وَيُقَالُ: أَلكَ لَجَأٌ يَا فُلَانُ؟ واللَّجأُ: الزوجةُ. وعُمَر بْنُ لَجَإٍ التَّميمي الشاعر.
لزأ: لَزَأَ الرجلَ ولَزَّأَه كِلَاهُمَا: أَعطاهُ. ولَزَأَ إِبِلي ولَزَّأَها كِلَاهُمَا: أَحسنَ رِعْيَتَها. وأَلْزَأَ غَنَمِي: أَشْبَعَها. غَيْرُهُ: ولَزَّأْتُ الإِبلَ تَلْزِئةً إِذَا أَحْسَنْتَ رِعْيَتَها. وتَلَزَّأَتْ رِيّاً إِذَا امْتَلأَتْ رِيّاً، وَكَذَلِكَ تَوَزَّأَتْ رِيّاً. ولَزَأْتُ القِرْبةَ إِذَا مَلأْتَها. وقَبَحَ اللَّهُ أُمّاً لَزَأَتْ به.
لطأ: اللَّطْءُ: لزوقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ. لَطِئَ، بِالْكَسْرِ، يَلْطَأُ بالأَرض لُطُوءاً، ولَطَأَ يَلْطَأُ لَطْأً: لَزِقَ بِهَا. يُقَالُ: رأَيت فُلَانًا لاطِئاً بالأَرض، ورأَيت الذِّئْبَ لاطِئاً للسَّرِقَةِ. ولَطَأْتُ بالأَرض ولَطِئْتُ أَي لَزِقْتُ. وَقَالَ الشَّمَّاخُ، فَتَرَكَ الْهَمْزَ:
__________
(6). قوله [أمه كذا] هو في شرح القاموس والذي في نسخ من اللسان لا يوثق بها بدل الميم حاء مهملة، وفي نسخة سقيمة من التهذيب بدل الحاء جيم.
(1/152)

فَوافَقَهُنَّ أَطْلَسُ عامِرِيٌّ، ... لَطا بصفائِحٍ مُتَسانِداتِ
أَراد لَطَأَ، يَعْنِي الصَّيَّادَ أَي لَزِقَ بالأَرض، فَتَرَكَ الْهَمْزَةِ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ إِدريسَ: لَطِئَ لِسَانِي، فَقَلَّ عَنْ ذكْرِ اللهِ
، أَي يَبِسَ، فكَبُرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ تَحْرِيكَه. وَفِي حَدِيثِ
نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: إِذَا ذُكر عبدُ مناف الْطَهْ
؛ هُوَ مِنْ لَطِئَ بالأَرض، فَحَذف الْهَمْزَةَ ثُمَّ أَتْبَعَها هاءَ السَّكْتِ. يُرِيدُ: إِذا ذُكر، فالتَصِقُوا فِي الأَرض وَلَا تَعُدُّوا أَنفسكم، وكُونوا كالتُّراب. ويروى: فالْطَؤُوا. وأَكَمةٌ لاطِئةٌ: لازِقةٌ. واللَّاطِئةُ مِن الشِّجاج: السِّمْحاقُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: مِنْ أَسماءِ الشِّجاج اللَّاطِئَةُ. قِيلَ: هِيَ السِّمْحاقُ، والسِّمْحاقُ عِنْدَهُمُ المِلْطَى، بِالْقَصْرِ، والمِلْطاةُ. والمِلْطَى: قِشْرَةٌ رقِيقة بَيْنَ عَظْمِ الرأسِ ولَحْمِه. واللَّاطئةُ: خُراجٌ يَخْرُج بِالْإِنْسَانِ لَا يكادُ يَبْرأُ مِنْهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنه مِن لَسْعِ الثُّطْأَة. ولَطَأَه بالعَصا لَطْأً: ضرَبه، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ ضربَ الظهر.
لفأ: لَفَأَت الريحُ السَّحابَ عَنِ الماءِ، والترابَ عَنْ وجه الأَرض، تَلْفَؤُه لَفْأً: فَرَّقَتْه وسَفَرَتْه. ولَفَأَ اللحمَ عن العظم يَلْفَؤُه لَفْأً ولَفاً، والْتَفَأَه كِلَاهُمَا: قَشَرَه وجَلَفَه عَنْهُ، والقِطْعةُ مِنْهُ لَفيِئَةٌ «1» نَحْوُ النَّحْضة والهَبْرةِ والوذْرةِ، وكلُّ بَضْعةٍ لَا عَظْمَ فِيهَا لَفِيئةٌ، وَالْجَمْعُ لَفِيءٌ، وَجَمْعُ اللَّفِيئَةِ مِنَ اللَّحْمِ لَفايا مِثْلَ خَطِيئةٍ وخَطايا. وَفِي الْحَدِيثِ:
رَضِيتُ مِن الوَفاءِ باللَّفاء.
قَالَ ابْنُ الأَثير: الْوَفَاءُ التَّمَامُ، واللَّفاء النُّقصان، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ لَفَأْتُ الْعَظْمَ إِذَا أَخذْتَ بَعْضَ لَحْمِهِ عَنْهُ، وَاسْمُ تِلْكَ اللَّحْمة لَفِيئة. ولَفَأَ العُودَ يَلْفَؤُه لَفْأً: قَشَرَه. ولَفَأَه بالعَصا لَفْأً: ضرَبَه بِهَا. ولَفَأَه: رَدَّه. واللَّفَاءُ: التُّراب والقُماش عَلَى وَجْهِ الأَرض. واللَّفَاءُ: الشيءُ القَلِيلُ. واللَّفَاءُ: دُونَ الحَقِّ. وَيُقَالُ: ارْضَ مِن الوَفاءِ باللَّفَاءِ أَي بِدُونِ الحَقّ. قَالَ أَبو زُبَيْدٍ:
فَمَا أَنا بالضَّعِيف، فَتَزْدَرِيني، ... وَلَا حَظِّي اللَّفَاءُ، وَلَا الخَسِيسُ
وَيُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَرْضَى باللَّفاءِ مِنَ الوَفاءِ أَي لَا يَرْضى بِدُونِ وَفاء حَقِّه. وأَنشد الفرّاءُ:
أَظَنَّتْ بَنُو جَحْوانَ أَنَّك آكِلٌ ... كِباشي، وقاضِيَّ اللَّفاءَ فَقابِلُهْ؟
قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ يُقَالُ: لَفَأْتُ الرجلَ إِذَا نَقَصْتَه حَقَّه وأَعطَيْتَه دُونَ الوَفاء. يُقَالُ: رَضِيَ مِنَ الوَفاءِ باللَّفاءِ. التَّهْذِيبُ: ولَفَأَه حَقَّه إِذَا أَعْطاه أَقَلَّ مِن حقِّه. قَالَ أَبو سَعِيدٍ: قَالَ أَبو تُرَابٍ: أَحْسَبُ هَذَا الْحَرْفَ مِنَ الأَضداد.
لكأ: لَكِئَ بالمَكان: أَقَامَ بِهِ كَلَكِيَ. ولَكَأَه بالسَّوْط لَكْأً: ضَرَبه. ولَكَأْتُ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبْتُ بِهِ الأَرض. ولَعَن اللهُ أُمًّا لَكَأَتْ بِهِ ولَتَأَتْ بِهِ أَي رَمَتْه. وتَلَكَّأَ عَلَيْهِ: اعْتَلَّ وأَبْطَأَ. وتَلَكَّأْتُ عن الأَمر
__________
(1). قوله [لفيئة] كذا في المحكم وفي الصحاح لفئة بدون ياء.
(1/153)

تَلَكُّؤاً: تباطَأْت عَنْهُ وتَوَقَّفْتُ واعْتَلَلْتُ عَلَيْهِ وامْتَنَعْتُ. وَفِي حَدِيثِ المُلاعَنةِ:
فَتَلَكَّأَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ أَي توقَّفَت وتباطَأَتْ أَن تَقُولَها.
وَفِي حَدِيثِ
زِيادٍ: أُتِيَ برَجُل فَتَلَكَّأَ في الشّهادةِ.
لمأ: تَلَمَّأَتْ بِهِ الأَرضُ وَعَلَيْهِ تَلَمُّؤاً: اشْتَمَلت واسْتَوَت ووارَتْه. وأَنشد:
ولِلأَرْضِ كَمْ مِنْ صالِحٍ قَدْ تَلَمَّأَتْ ... عَلَيْهِ، فَوارَتْه بلَمَّاعةٍ قَفْرِ
وَيُقَالُ: قَدْ أَلْمأْتُ عَلَى الشيءِ إِلْمَاءً إِذَا احْتَوَيْتَ عَلَيْهِ. ولَمَأَ بِهِ: اشْتَمَلَ عَلَيْهِ. وأَلْمَأَ اللِّصُّ عَلَى الشيءِ: ذَهَب بِهِ خُفْيةً. وأَلْمَأَ عَلَى حَقِّي: جَحَده. وذهَب ثَوْبِي فَمَا أَدْري مَنْ أَلمَأَ عَلَيْهِ. وَفِي الصِّحَاحِ: مَن أَلمَأَ بِهِ، حَكَاهُ يَعْقُوبُ فِي الجَحْد، قَالَ: وَيُتَكَلَّمُ بِهَذَا بِغَيْرِ جَحد. وَحَكَاهُ يَعْقُوبُ أَيضاً: وَكَانَ بالأَرض مَرْعًى أَو زَرْعٌ، فَهَاجَتْ بِهِ دَوابُّ، فأَلْمَأَتْه أَي تَرَكَتْه صعِيداً لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ. وَفِي التَّهْذِيبِ: فهاجَتْ بِهِ الرّياحُ، فأَلمأَتْه أَي تَرَكَتْه صَعِيداً. وَمَا أَدْرِي أَين أَلْمَأَ مِن بِلاد اللَّهِ أَي ذَهَب. وَقَالَ ابْنُ كَثْوةَ: مَا يَلْمَأُ فَمُه بِكَلِمَةٍ وَمَا يَجْأَى فَمُه بِكَلِمَةٍ، بِمَعْنَاهُ. وَمَا يَلْمَأُ فَمُ فُلَانٍ بِكَلِمَةٍ، مَعْنَاهُ: أَنه لَا يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ قَبِيح. ولَمَأَ الشيءَ يَلْمَؤُه: أَخذَه بأَجْمَعِه. وأَلْمأَ بِمَا فِي الجَفْنة، وتَلَمَّأَ بِهِ، والتَمَأَه: اسْتَأْثَرَ بِهِ وغَلَب عَلَيْهِ. والتُمِئَ لونُه: تَغيَّر كالتُمِعَ. وَحَكَى بَعْضُهُمُ: الْتَمَأَ كالتَمَع. ولَمَأَ الشيءَ: أَبْصَرَه كَلَمَحَه. وَفِي حَدِيثِ الْمَوْلِدِ:
فَلَمَأْتُها نُوراً يُضِيءُ لَهُ مَا حَوْلَه كَإضاءَةِ البَدْرِ.
لَمَأْتُها أَي أَبْصَرْتُها ولَمَحْتُها. واللَّمءُ واللَّمحُ: سُرْعة إبصار الشيء.
لهلأ: التَّهْذِيبُ فِي الْخُمَاسِيِّ: تَلَهْلَأْتُ أَي نَكَصْتُ.
لوأ: التَّهْذِيبُ فِي تَرْجَمَةِ لَوَى: وَيُقَالُ لَوَّأَ اللَّهُ بِكَ، بِالْهَمْزِ، أَي شَوَّهَ بِكَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وكنتُ أُرَجِّي، بَعْدَ نَعْمانَ، جابِراً، ... فَلَوَّأَ، بالعَيْنَيْنِ والوجهِ، جابِرُ
أَي شَوَّه. وَيُقَالُ: هَذِهِ وَاللَّهِ الشَّوْهةُ واللَّوْأَة. وَيُقَالُ: اللَّوَّة، بِغَيْرِ همز.
ليأ: اللِّيَاءُ: حَبٌّ أَبيضُ مِثْلُ الحِمَّصِ، شديدُ البَياض يُؤْكل. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: لَا أَدري أَلَهُ قُطْنِيَّةٌ أَم لا؟

فصل الميم
مأمأ: المَأْمَأَةُ: حِكايةُ صَوْتِ الشاةِ أَو الظَّبْي إِذَا وصَلَتْ صَوْتَها.
متأ: مَتَأَه بالعَصا: ضَرَبه بِهَا. ومَتَأَ الحَبْلَ يَمْتَؤُه مَتْأً: مدَّه، لُغَةٌ فِي مَتَوْتُه.
مرأ: المُرُوءَة: كَمالُ الرُّجُولِيَّة. مَرُؤَ الرجلُ يَمْرُؤُ مُرُوءَةً، فَهُوَ مَرِيءٌ، عَلَى فعيلٍ، وَتمَرَّأَ، عَلَى تَفَعَّلَ: صَارَ ذَا مُروءَةٍ. وتَمَرَّأَ: تَكَلَّفَ المُروءَة. وتَمَرَّأَ بِنَا أَي طَلَب بإِكْرامِنا اسْمَ المُروءَةِ. وَفُلَانٌ يَتَمَرَّأُ بِنَا أَي يَطْلُبُ المُروءَةَ بنَقْصِنا أَو عَيْبِنَا. والمُرُوءَة: الإِنسانية، وَلَكَ أَن تُشَدّد. الفرَّاءُ: يُقَالُ مِنَ المُرُوءَةِ مَرُؤَ الرجلُ يَمْرُؤُ مُرُوءَةً،
(1/154)

ومَرُؤَ الطعامُ يَمْرُؤُ مَراءَةً، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ إِلَّا اخْتِلَافَ الْمَصْدَرَيْنِ. وكَتَب عمرُ بنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبي مُوسَى: خُذِ الناسَ بالعَرَبيَّةِ، فإِنه يَزيدُ فِي العَقْل ويُثْبِتُ المروءَةَ. وَقِيلَ للأَحْنَفِ: مَا المُرُوءَةُ؟ فَقَالَ: العِفَّةُ والحِرْفةُ. وَسُئِلَ آخَرُ عَنِ المُروءَة، فَقَالَ: المُرُوءَة أَن لَا تَفْعَلَ فِي السِّرِّ أَمراً وأَنت تَسْتَحْيِي أَن تَفْعَلَه جَهْراً. وطعامٌ مَريءٌ هَنِيءٌ: حَمِيدُ المَغَبَّةِ بَيِّنُ المَرْأَةِ، عَلَى مِثَالِ تَمْرةٍ. وَقَدْ مَرُؤَ الطعامُ، ومَرَأَ: صَارَ مَرِيئاً، وَكَذَلِكَ مَرِئَ الطعامُ كما تقول فَقُهَ وفَقِهَ، بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا؛ واسْتَمْرَأَه. وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ:
اسقِنا غَيْثاً مَرِيئاً مَرِيعاً.
يُقَالُ: مَرَأَني الطعامُ وأَمْرَأَني إِذَا لَمْ يَثْقُل عَلَى المَعِدة وانْحَدَر عَنْهَا طَيِّباً. وَفِي حَدِيثِ الشُّرْب:
فإِنه أَهْنَأُ وأَمْرَأُ.
وَقَالُوا: هَنِئَنِي الطَّعامُ «1» ومَرِئَني وهَنَأَنِي ومَرَأَنِي، عَلَى الإِتْباعِ، إِذَا أَتْبَعُوها هَنَأَنِي قَالُوا مَرَأَنِي، فَإِذَا أَفردوه عَنْ هَنَأَنِي قَالُوا أَمْرَأَنِي، وَلَا يُقَالُ أَهْنَأَنِي. قَالَ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ أَمْرَأَنِي الطعامُ إِمْراءً، وَهُوَ طعامٌ مُمْرِئٌ، ومَرِئْتُ الطعامَ، بِالْكَسْرِ: اسْتَمْرأْتُه. وَمَا كَانَ مَرِيئاً وَلَقَدْ مَرُؤَ. وَهَذَا يُمْرِئُ الطعامَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: مَا كَانَ الطعامُ مَرِيئاً وَلَقَدْ مَرَأَ، وَمَا كَانَ الرجلُ مَرِيئاً وَلَقَدْ مَرُؤَ. وَقَالَ شَمِرٌ عَنْ أَصحابه: يُقَالُ مَرِئَ لِي هَذَا الطعامُ مَراءَةً أَي اسْتَمْرَأْتُه، وهَنِئَ هَذَا الطعامُ، وأَكَلْنا مِنْ هَذَا الطَّعَامِ حَتَّى هَنِئْنا مِنْهُ أَي شَبِعْنا، ومَرِئْتُ الطعامَ واسْتَمْرَأْته، وقَلَّما يَمْرَأُ لَكَ الطعامُ. وَيُقَالُ: مَا لَكَ لَا تَمْرَأُ أَي مَا لَك لَا تَطْعَمُ، وَقَدْ مَرَأْتُ أَي طَعِمْتُ. والمَرءُ: الإِطعامُ عَلَى بِنَاءِ دَارٍ أَو تَزْوِيجٍ. وكَلأٌ مَرِيءٌ: غَيْرُ وَخِيمٍ. ومَرُؤَتِ الأَرضُ مَراءَةً، فَهِيَ مَرِيئةٌ: حَسُنَ هواءُها. والمَرِيءُ: مَجْرى الطَّعَامِ والشَّراب، وَهُوَ رأْس المَعدة والكَرِش اللاصقُ بالحُلْقُوم الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَيَدْخُلُ فِيهِ، وَالْجَمْعُ: أَمْرِئةٌ ومُرُؤٌ، مَهموزة بِوَزْنِ مُرُعٍ، مِثْلَ سَرِير وسُرُرٍ. أَبو عُبَيْدٍ: الشَّجْرُ مَا لَصِقَ بالحُلْقُوم، والمَرِيءُ، بِالْهَمْزِ غَيْرُ مُشدد. وَفِي حَدِيثِ
الأَحنَف: يَأْتِينَا فِي مِثْلِ مَرِيءِ نَعامٍ
«2». المَرِيءُ: مَجْرى الطَّعام والشَّراب مِنَ الحَلْق، ضَرَبه مَثَلًا لِضيق العَيْشِ وَقِلَّةِ الطَّعَام، وَإِنَّمَا خَصَّ النَّعام لدقةِ عُنُقِه، ويُستدلُّ بِهِ عَلَى ضِيق مَريئه. وأَصلُ المَريءِ: رأْسُ المَعِدة المُتَّصِلُ بالحُلْقُوم وَبِهِ يَكُونُ اسْتِمْراءُ الطَّعَامِ. وَتَقُولُ: هُوَ مَرِيءُ الجَزُور وَالشَّاةِ لِلْمُتَّصِلِ بالحُلْقوم الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الطعامُ والشرابُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَقرأَني أَبو بكر الإِياديّ: المريءُ لأَبي عُبَيْدٍ، فَهَمَزَهُ بِلَا تَشْدِيدٍ. قَالَ: وأَقرأَني الْمُنْذِرِيُّ: المَريُّ لأَبي الْهَيْثَمِ، فَلَمْ يَهْمِزْهُ وشدَّد الياءَ. والمَرْءُ: الإِنسان. تَقُولُ: هَذَا مَرْءٌ، وَكَذَلِكَ فِي النَّصْبِ وَالْخَفْضِ تَفْتَحُ الْمِيمَ، هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ الْمِيمَ فِي الرَّفْعِ وَيَفْتَحُهَا في النصب ويكسرها
__________
(1). قوله [هنئني الطعام إلخ] كذا رسم في النسخ وشرح القاموس أيضاً.
(2). قوله [يَأْتِينَا فِي مِثْلِ مَرِيءِ إلخ] كذا بالنسخ وهو لفظ النهاية والذي في الأساس يأتينا ما يَأْتِينَا فِي مِثْلِ مَرِيءِ النعامة.
(1/155)

فِي الْخَفْضِ، يُتْبِعُهَا الْهَمْزَ عَلَى حَدِّ مَا يُتْبِعُون الرَّاء إِيَّاهَا إِذَا أَدخلوا أَلف الْوَصْلِ فَقَالُوا امْرُؤٌ. وَقَوْلُ أَبي خِراش:
جَمَعْتَ أُمُوراً، يُنْفِذُ المِرْءَ بَعْضُها، ... مِنَ الحِلْمِ والمَعْرُوفِ والحَسَبِ الضَّخْمِ
هَكَذَا رَوَاهُ السُّكَّرِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَزَعْمَ أَن ذَلِكَ لُغَةُ هُذَيْلٍ. وَهُمَا مِرْآنِ صالِحان، وَلَا يُكَسَّرُ هَذَا الِاسْمُ وَلَا يُجْمَعُ عَلَى لَفْظِهِ، وَلَا يُجْمَع جَمْع السَّلامة، لَا يُقَالُ أَمْراءٌ وَلَا أَمْرُؤٌ وَلَا مَرْؤُونَ وَلَا أَمارِئُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ
الْحَسَنِ: أَحْسِنُوا ملأَكُمْ أَيها المَرْؤُونَ.
قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ جَمْعُ المَرْءِ، وَهُوَ الرَّجل. وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبةَ لِطائفةٍ رَآهم: أَيْنَ يُرِيد المَرْؤُونَ؟ وَقَدْ أَنَّثوا فَقَالُوا: مَرْأَةٌ، وخَفَّفوا التَّخْفِيفَ الْقِيَاسِيَّ فَقَالُوا: مَرَةٌ، بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الراءِ، وَهَذَا مطَّرد. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ قَالُوا: مَراةٌ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ كَمَاةٌ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَلَيْسَ بمُطَّرِد كأَنهم تَوَهَّمُوا حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ، فَبَقِيَ مَرَأْةً، ثُمَّ خُفِّف عَلَى هَذَا اللَّفْظِ. وأَلحقوا أَلف الْوَصْلِ فِي المؤَنث أَيضاً، فَقَالُوا: امْرأَةٌ، فَإِذَا عرَّفوها قَالُوا: المَرأة. وَقَدْ حَكَى أَبو عَلِيٍّ: الامْرَأَة. اللَّيْثُ: امْرَأَةٌ تأْنيث امْرِئٍ. وَقَالَ ابْنُ الأَنباري: الأَلف فِي امْرأةٍ وامْرِئٍ أَلف وَصْلٍ. قَالَ: وَلِلْعَرَبِ فِي المَرأَةِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، يُقَالُ: هِيَ امْرَأَتُه وَهِيَ مَرْأَتُه وَهِيَ مَرَتُه. وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي: أَنه يُقَالُ للمرأَة إِنَّهَا لَامْرُؤُ صِدْقٍ كالرَّجل، قَالَ: وَهَذَا نَادِرٌ. وَفِي حَدِيثِ
عليٍّ، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، لَمَّا تَزَوَّج فاطِمَة، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا: قَالَ لَهُ يَهُودِيٌّ، أَراد أَن يَبْتَاعَ مِنْهُ ثِياباً، لَقَدْ تَزَوَّجْتَ امْرأَةً
، يُرِيد امْرَأَةً كامِلةً، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ رَجُلٌ، أَي كامِلٌ فِي الرِّجال. وَفِي الْحَدِيثِ:
يَقْتُلُون كَلْبَ المُرَيْئةِ
؛ هِيَ تَصْغِيرُ المرأَة. وَفِي الصِّحَاحِ: إِنْ جِئْتَ بأَلف الْوَصْلِ كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: فَتْحُ الراءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، حَكَاهَا الفرَّاءُ، وَضَمُّهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِعْرَابُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. تقول: هذا امْرُؤٌ ورأَيت امْرَأً وَمَرَرْتُ بامْرِئٍ، معرَباً مِنْ مَكَانَيْنِ، وَلَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: فِي النَّصْبِ تَقُولُ: هذا امْرَؤٌ ورأَيت امْرَأً وَمَرَرْتُ بامْرَئٍ، وَفِي الرَّفْعِ تقول: هذا امْرُؤٌ ورأَيت امْرُأً وَمَرَرْتُ بامْرُئٍ، وَتَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ، مَفْتُوحَةُ الراءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَالَ الْكِسَائِيُّ والفرَّاءُ: امْرُؤٌ مُعْرَبٌ مِنَ الراءِ وَالْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا أُعرب مِنْ مَكَانَيْنِ، والإِعراب الْوَاحِدُ يَكْفِي مِنَ الإِعرابين، أَن آخِرَهُ هَمْزَةٌ، وَالْهَمْزَةُ قَدْ تُتْرَكُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ، فَكَرِهُوا أَن يَفْتَحُوا الراءَ وَيَتْرُكُوا الْهَمْزَةَ، فَيَقُولُونَ: امْرَوْ، فَتَكُونُ الرَّاءُ مَفْتُوحَةً وَالْوَاوُ سَاكِنَةً، فَلَا يَكُونُ، فِي الْكَلِمَةِ، علامةٌ لِلرَّفْعِ، فَعَرَّبوه مِنَ الراءِ لِيَكُونُوا، إِذَا تَرَكُوا الْهَمْزَةَ، آمِنين مِنْ سُقوط الإِعْراب. قَالَ الفرَّاءُ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُعْرِبُهُ مِنَ الْهَمْزِ وَحْدَه ويَدَعُ الراءَ مَفْتُوحَةً، فَيَقُولُ: قَامَ امرَؤٌ وَضَرَبْتُ امْرَأً وَمَرَرْتُ بامْرَئٍ، وأَنشد:
بِأَبْيَ امْرَؤٌ، والشامُ بَيْنِي وبَينَه، ... أَتَتْنِي، بِبُشْرَى، بُرْدُه ورَسائِلُهْ
وَقَالَ آخَرُ:
أَنتَ امْرَؤٌ مِن خِيار الناسِ، قَدْ عَلِمُوا، ... يُعْطِي الجَزيلَ، ويُعْطَى الحَمْدَ بالثَّمنِ
(1/156)

هَكَذَا أَنشده بِأَبْيَ، بِإِسْكَانِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ. وَالْبَصْرِيُّونَ يُنْشِدُونَهُ بِبَنْيَ امْرَؤٌ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: فإِذا أَسقطت الْعَرَبُ مِنِ امرئٍ الأَلف فَلَهَا فِي تَعْرِيبِهِ مَذْهَبَانِ: أَحدهما التَّعْرِيبُ مِنْ مَكَانَيْنِ، وَالْآخَرُ التَّعْرِيبُ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا عَرَّبُوه مِنْ مَكَانَيْنِ قَالُوا: قَامَ مُرْءٌ وضربت مَرْءًا ومررت بمِرْءٍ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قام مَرءٌ وضربت مَرْءًا وَمَرَرْتُ بمَرْءٍ. قَالَ: ونَزَلَ القرآنُ بتعْريبِه مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
، عَلَى فَتْحِ الْمِيمِ. الْجَوْهَرِيُّ المرءُ: الرَّجُلُ، تَقُولُ: هَذَا مَرْءٌ صالحٌ، وَمَرَرْتُ بِمَرْءٍ صالحٍ ورأَيت مَرْءًا صَالِحًا. قَالَ: وَضَمُّ الْمِيمِ لُغَةٌ، تَقُولُ: هَذَا مُرْؤٌ ورأَيت مُرْءًا وَمَرَرْتُ بمُرْءٍ، وَتَقُولُ: هذا مُرْءٌ ورأَيت مَرْءًا وَمَرَرْتُ بِمِرْءٍ، مُعْرَباً مِنْ مَكَانَيْنِ. قَالَ: وَإِنْ صَغَّرْتَ أَسقطت أَلِف الْوَصْلِ فَقُلْتَ: مُرَيْءٌ ومُرَيْئةٌ، وَرُبَّمَا سَمَّوُا الذِّئْبَ امْرَأً، وَذَكَرَ يُونُسُ أَن قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وأَنتَ امْرُؤٌ تَعْدُو عَلَى كلِّ غِرَّةٍ، ... فتُخْطِئُ فِيهَا، مرَّةً، وتُصِيبُ
يَعْنِي بِهِ الذِّئْبَ. وَقَالَتِ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ: أَنا امْرُؤٌ لَا أُخْبِرُ السِّرَّ. وَالنِّسْبَةُ إِلَى امْرِئٍ مَرَئِيٌّ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ المَرَئِيُّ الشَّاعِرُ. وَكَذَلِكَ النِّسْبَةُ إِلَى امْرِئِ القَيْس، وإِن شِئْتَ امْرِئِيٌّ. وامْرؤُ الْقَيْسِ مِنْ أَسمائهم، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْقَبِيلَةِ، والإِضافةُ إِلَيْهِ امْرِئيّ، وَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الإِضافة إِلَى الأَول دُونَ الثَّانِي، لأَن امْرَأً لَمْ يُضَفْ إِلَى اسْمِ عَلَمٍ فِي كَلَامِهِمْ إِلَّا فِي قَوْلِهِمُ امرؤُ الْقَيْسِ. وأَما الَّذِينَ قَالُوا: مَرَئِيٌّ، فكأَنهم أَضافوا إِلَى مَرْءٍ، فَكَانَ قِيَاسُهُ عَلَى ذَلِكَ مَرْئِيٌّ، وَلَكِنَّهُ نادرٌ مَعْدُولُ النَّسَبِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
إِذَا المَرَئِيُّ شَبَّ لَهُ بناتٌ، ... عَقَدْنَ برأْسِه إبَةً وعارَا
والمَرْآةُ: مَصْدَرُ الشَّيْءِ المَرْئِيِّ. التَّهْذِيبِ: وَجَمْعُ المَرْآةِ مَراءٍ، بِوَزْنِ مَراعٍ. قَالَ: والعوامُّ يَقُولُونَ فِي جَمْعِ المَرْآةِ مَرايا. قَالَ: وَهُوَ خطأٌ. ومَرْأَةُ: قَرْيَةٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
فَلَمَّا دَخَلْنا جَوْفَ مَرْأَةَ غُلِّقَتْ ... دساكِرُ، لَمْ تُرْفَعْ، لخَيْرٍ، ظلالُها
وَقَدْ قِيلَ: هِيَ قَرْيَةُ هِشَامٍ المَرئِيِّ. وأَما قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ:
لَا يَتَمَرْأَى أَحدُكم فِي الدُّنْيَا
، أَي لَا يَنْظُرُ فِيهَا، وَهُوَ يَتَمَفْعَلُ مِنَ الرُّؤْية، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَتَمَرَّأُ أَحدُكم بِالدُّنْيَا، مِن الشَّيْءِ المَرِيءِ.
مسأ: مَسَأَ يَمْسَأُ مَسْأً ومُسُوءًا: مَجَنَ، والماسِئُ: الماجِنُ. ومَسْءُ الطريقِ: وَسَطُه. ومَسَأَ مَسْأً: مَرَنَ عَلَى الشيءِ. ومَسَأَ: أَبْطَأَ. ومَسَأَ بَيْنَهُمْ مَسْأً ومُسُوءًا: حَرَّش. أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي: الماسُ، خَفِيفٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يلتفِتُ إِلَى مَوْعِظةِ أَحد، وَلَا يَقبل قَوْلَه. يُقَالُ: رَجُلٌ ماسٌ، وَمَا أَمْساهُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: كأَنه مَقْلُوبٌ، كَمَا قالوا هارٌ وهارٍ وهائرٌ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَيَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ الماسُ فِي الأَصل ماسِئاً، وَهُوَ مَهْمُوزٌ في الأَصل.
مطأ: ابْنُ الْفَرَجِ: سَمِعْتُ الباهِلِيِّين تَقُولُ: مَطا الرجُلُ المرأَةَ ومَطَأَها، بِالْهَمْزِ، أَي وَطِئَها. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وشَطَأَها، بِالشِّينِ، بِهَذَا الْمَعْنَى لغة.
(1/157)

مكأ: المَكْءُ: جُحْر الثَّعْلَب والأَرْنَب. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ جُحْر الضَّبِّ. قَالَ الطِّرِمَّاح:
كَمْ بِهِ مِنْ مَكْءِ وحْشِيَّةٍ، ... قِيضَ فِي مُنْتَثَلٍ أَو هَيامِ
عَنَى بالوَحْشِيَّةِ هُنَا الضَّبَّةَ، لأَنه لَا يَبِيضُ الثَّعلب وَلَا الأَرنب. إِنما تَبِيض الضَّبَّة. وقِيضَ: حُفِرَ وشُقَّ، ومَن رَوَاهُ مِنْ مَكْن وَحْشِيَّةٍ، وَهُوَ البَيْضُ، فقِيضَ عِنْدَهُ كُسِرَ قَيْضُه، فأُخْرِجَ مَا فِيهِ. والمُنْتَثَلُ: مَا يُخْرَج مِنْهُ مِنْ التُّراب. والهَيامُ: التُّراب الَّذِي لَا يَتَماسَكُ أَن يَسِيلَ مِنَ الْيَدِ.
ملأَ: مَلأَ الشيءَ يَمْلَؤُه مَلأً، فَهُوَ مَمْلُوءٌ، ومَلَّأَه فامْتَلأَ، وتَمَلَّأَ، وَإِنَّهُ لَحَسَنُ المِلأَةِ أَي المَلْءِ، لَا التَّمَلُّؤِ. وإِناءٌ مَلآنُ، والأُنثى مَلأَى ومَلآنةٌ، وَالْجَمْعُ مِلاءٌ؛ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: إِناءٌ مَلًا. أَبو حَاتِمٍ يُقَالُ: حُبٌّ مَلآنُ، وقِرْبةٌ مَلأَى، وحِبابٌ مِلاءٌ. قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الْهَمْزَةَ، فَقُلْتَ فِي الْمُذَكَّرِ مَلانُ، وَفِي المؤَنث مَلًا. ودَلْوٌ مَلًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
حَبَّذا دَلْوُك إذْ جاءَت مَلا
أَراد مَلأَى. وَيُقَالُ: مَلأْتُه مَلْأً، بِوَزْنِ مَلْعاً، فإِن خَفَّفْتَ قُلْتَ: مَلًا؛ وأَنشد شَمِرٌ فِي مَلًا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، بِمَعْنَى مَلْءٍ:
وكائِنْ مَا تَرَى مِنْ مُهْوَئِنٍّ، ... مَلا عَيْنٍ وأَكْثِبةٍ وَقُورِ
أَراد مَلْء عَيْنٍ، فَخَفَّفَ الْهَمْزَةَ. وَقَدِ امْتَلأَ الإِناءُ امْتِلاءً، وامْتَلأَ وتَمَلَّأَ، بِمَعْنًى. والمِلْءُ، بِالْكَسْرِ: اسْمٌ مَا يَأْخُذُهُ الإِناءُ إِذَا امْتَلأَ. يُقَالُ: أَعْطَى مِلأَه ومِلأَيْهِ وثلاثةَ أَمْلائه. وكوزٌ مَلآنُ؛ والعامَّةُ تَقُولُ: مَلًا مَاءً. وَفِي دُعَاءِ الصَّلَاةِ:
لكَ الحمدُ مِلْءَ السمواتِ والأَرضِ.
هَذَا تَمْثِيلٌ لأَنّ الكلامَ لَا يَسَعُ الأَماكِنَ، وَالْمُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الْعَدَدِ. يَقُولُ: لَوْ قُدِّر أَن تَكُونَ كلماتُ الحَمد أَجْساماً لبلَغت مِنْ كَثْرَتِهَا أَن تَمْلأَ السمواتِ والأَرضَ؛ وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ المرادُ بِهِ تَفْخِيمَ شأْنِ كَلِمَةِ الحَمد، وَيَجُوزُ أَن يرادَ بِهِ أَجْرُها وثَوابُها. وَمِنْهُ حَدِيثِ
إِسلام أَبي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لَنَا كلِمَةً تَمْلأُ الفمَ
أَي إِنها عَظِيمَةٌ شَنِيعةٌ، لَا يَجُوزُ أَن تُحْكَى وتُقالَ، فكأَنَّ الفَمَ مَلآنُ بِهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطق. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
امْلَؤُوا أَفْواهَكم مِنَ القُرْآنِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمّ زَرْعٍ:
مِلْءُ كِسائها وغَيْظُ جارَتِها
؛ أَرادت أَنها سَمِينة، فَإِذَا تغطَّت بِكسائها مَلأَتْه. وَفِي حَدِيثِ
عِمْرانَ ومَزادةِ الْمَاءِ: إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلينا أَنها أَشدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتُدِئَ فِيهَا
، أَي أَشدُّ امْتلاءً. يُقَالُ مَلأْتُ الإِناءَ أَمْلَؤُه مَلأً، والمِلْءُ الِاسْمُ، والمِلأَةُ أَخصُّ مِنْهُ. والمُلأَة، بِالضَّمِّ مِثَالُ المُتْعةِ، والمُلاءَةُ والمُلاءُ: الزُّكام يُصيب مِن امْتِلاءِ المَعِدة. وَقَدْ مَلُؤَ، فَهُوَ مَلِيءٌ، ومُلِئَ فُلَانٌ، وأَمْلأَه اللهُ إِمْلَاءً أَي أَزْكَمه، فَهُوَ مَمْلُوءٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، يُحمل عَلَى مُلِئَ. والمِلْءُ: الكِظَّة مِنْ كَثْرَةِ الأَكل. اللَّيْثُ: المُلأَةُ
(1/158)

ثِقَلٌ يَأْخُذُ فِي الرَّأْسِ كالزُّكام مِنَ امْتِلاءِ المَعِدة. وَقَدْ تَمَّلأَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَمَلُّؤاً، وتَمَلَّأَ غَيْظاً. ابْنُ السِّكِّيتِ: تَمَلَّأْتُ مِنَ الطَّعَامِ تَملُّؤاً، وَقَدْ تَملَّيْتُ العَيْشَ تَملِّياً إِذَا عِشْتَ مَلِيّاً أَي طَويلًا. والمُلْأَةُ: رَهَلٌ يُصِيبُ البعيرَ مِنْ طُول الحَبْسِ بَعْدَ السَّيْرِ. ومَلَّأَ فِي قَوْسِه: غَرَّقَ النُّشَّابَةَ والسَّهْمَ. وأَمْلَأْتُ النَّزْعَ فِي القَوْسِ إِذَا شَدَدْتَ النَّزْعَ فِيهَا. التَّهْذِيبُ، يُقَالُ: أَمْلَأَ فُلَانٌ فِي قَوْسِه إِذَا أَغْرَقَ فِي النَّزْعِ، ومَلَأَ فلانٌ فُرُوجَ فَرَسِه إِذَا حَمَله عَلَى أَشَدِّ الحُضْرِ. ورَجل مَلِيءٌ، مَهْمُوزٌ: كَثِيرُ المالِ، بَيِّن المَلاء، يَا هَذَا، وَالْجَمْعُ مِلاءٌ، وأَمْلِئاءُ، بِهَمْزَتَيْنِ، ومُلَآءُ، كِلَاهُمَا عَنِ اللِّحْيَانِي وَحْدَهُ، وَلِذَلِكَ أُتِيَ بِهِمَا آخِرًا. وَقَدْ مَلُؤَ الرَّجُلُ يَمْلُؤُ مَلاءَةً، فَهُوَ مَلِيءٌ: صَارَ مَلِيئاً أَي ثِقةً، فَهُوَ غَنِيٌّ مَلِيءٌ بَيِّن المَلاءِ والمَلاءَةِ، مَمْدُودَانِ. وَفِي حَدِيثِ الدَّيْنِ:
إِذَا أُتْبِعَ أَحدُكم عَلَى مَلِيءٍ فلْيَتَّبِعْ.
المَلِيءٌ، بِالْهَمْزِ: الثِّقةُ الغَنِيُّ، وَقَدْ أُولِعَ فِيهِ النَّاسُ بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَا مَلِيءٌ وَاللَّهِ بإصْدارِ مَا ورَدَ عَلَيْهِ.
واسْتَمْلَأَ فِي الدَّيْنِ: جَعل دَيْنَه فِي مُلَآءَ. وَهَذَا الأَمر أَمْلَأُ بكَ أَي أَمْلَكُ. والمَلَأُ: الرُّؤَساءُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لأَنهم مِلاءٌ بِمَا يُحتاج إِلَيْهِ. والمَلَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ أَشْرافُ الْقَوْمِ ووجُوهُهم ورؤَساؤهم ومُقَدَّمُوهم، الَّذِينَ يُرْجَع إِلَى قَوْلِهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتصِمُ الملأُ الأَعْلى؟
يُرِيدُ الملائكةَ المُقَرَّبين. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ
. وَفِيهِ أَيضاً: وَقالَ الْمَلَأُ*
. وَيُرْوَى
أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الأَنصار وَقَدْ رَجَعُوا مَن غَزْوةِ بَدْر يَقُولُ: مَا قَتَلْنا إِلَّا عجائزَ صُلْعاً، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُولئِكَ المَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ حَضَرْتَ فِعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ
؛ أَي أَشْرافُ قُرَيْشٍ، وَالْجَمْعُ أَمْلاء. أَبو الْحَسَنِ: لَيْسَ المَلَأُ مِن بَابِ رَهْطٍ، وَإِنْ كَانَا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ، لأَن رَهْطاً لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، والمَلَأُ وإِن كَانَ لَمْ يُكسر مالِئٌ عَلَيْهِ، فإنَّ مالِئاً مَنْ لَفْظِهِ. حَكَى أَحمد بْنُ يَحْيَى: رَجُلٌ مالِئٌ جَلِيلٌ يَمْلَأُ الْعَيْنَ بِجُهْرَتِه، فَهُوَ كعَرَبٍ ورَوَحٍ. وشابٌّ مالِئُ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ فَخْماً حَسَناً. قَالَ الرَّاجِزُ:
بِهَجْمةٍ تَمْلَأُ عَيْنَ الحاسِدِ
وَيُقَالُ: فُلَانٌ أَمْلَأُ لِعَيْنِي مِن فُلَانٍ، أَي أَتَمُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَنْظَراً وحُسْناً. وَهُوَ رَجُلٌ مالِئُ الْعَيْنِ إِذَا أَعْجَبَك حُسْنُه وبَهْجَتُه. وحَكَى: مَلَأَهُ عَلَى الأَمْر يَمْلَؤُه ومالأَهُ «3»، وَكَذَلِكَ المَلَأُ إِنَّمَا هُمُ القَوْم ذَوُو الشَّارَةِ والتَّجَمُّع للإِدارة، فَفَارَقَ بابَ رَهْط لِذَلِكَ، والمَلَأُ عَلَى هَذَا صِفَةٌ غَالِبَةٌ. وَقَدْ مَالَأْتُه عَلَى الأَمر مُمَالَأَةً: ساعَدْتُه عَلَيْهِ وشايَعْتُه. وتَمَالَأْنا عَلَيْهِ: اجْتَمَعْنا، وتَمالَؤُوا عَلَيْهِ: اجْتَمعوا عَلَيْهِ؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وتَحَدَّثُوا مَلَأً، لِتُصْبِحَ أُمّنا ... عَذْراءَ، لَا كَهْلٌ ولا مَوْلُودُ
__________
(3). قوله [وَحَكَى ملأَه عَلَى الأَمر إلخ] كذا في النسخ والمحكم بدون تعرض لمعنى ذلك وفي القاموس وملَأَه على الأَمر ساعده كمالأَه.
(1/159)

أَي تَشَاوَرُوا وتَحَدَّثُوا مُتَمالِئينَ عَلَى ذَلِكَ ليَقْتُلونا أَجمعين، فَتُصْبِحُ أُمنا كالعَذْراء الَّتِي لَا وَلَد لَهَا. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ لِلْقَوْمِ إِذَا تَتابَعُوا برَأْيِهم عَلَى أَمر قد تَمالَؤُوا عَلَيْهِ. ابْنُ الأَعرابي: مَالَأَه إِذَا عاوَنَه، ومَالَأَه إِذَا صَحِبَه أَشْباهُه. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ عُثمانَ، وَلَا مَالَأْتُ عَلَى قَتْلِهِ
؛ أَي مَا ساعَدْتُ وَلَا عاوَنْتُ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنه قَتَل سبعةَ نَفَرٍ بِرَجُلٍ قَتَلُوه غِيلةً
، وَقَالَ: لَو تَمالأَ عَلَيْهِ أَهلُ صَنْعاء لأَقَدْتُهم بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَتَلْتُهم. يَقُولُ: لَوْ تضافَرُوا عليه وتَعاوَنُوا وتَساعَدُوا. المَلَأُ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: الخُلُقُ. وَفِي التَّهْذِيبِ: الخُلُقُ المَلِيءُ بِمَا يُحْتاجُ إِلَيْهِ. وَمَا أَحسن مَلَأَ بَنِي فُلَانٍ أَي أَخْلاقَهم وعِشْرَتَهم. قَالَ الجُهَنِيُّ:
تَنادَوْا يَا لَبُهْثَةَ، إذْ رَأَوْنا، ... فَقُلْنا: أَحْسِني مَلَأً جُهَيْنا
أَي أَحْسِنِي أَخْلاقاً يَا جُهَيْنةُ؛ وَالْجَمْعُ أَملاء. وَيُقَالُ: أَراد أَحْسِنِي ممالأَةً أَي مُعاوَنةً، مِنْ قَوْلِكَ مَالَأْتُ فُلاناً أَي عاوَنْتهُ وظاهَرْته. والمَلَأُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الخُلُقُ، يُقَالُ: أَحْسِنُوا أَمْلاءَكم أَي أَحْسِنُوا أَخْلاقَكم. وَفِي حَدِيثِ
أَبي قَتادَة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَن النبي، صلى الله عليه وَسَلَّمَ، لَمَّا تَكابُّوا عَلَى الْمَاءِ فِي تِلْكَ الغَزاةِ لِعَطَشٍ نالَهم؛ وَفِي طَرِيقٍ: لَمَّا ازدَحَمَ الناسُ عَلَى المِيضأَةِ، قَالَ لَهُمْ رسولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحْسِنُوا المَلَأَ، فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى.
قَالَ ابْنُ الأَثير: وأَكثر قُرّاء الحديث يَقْرَؤُونها أَحْسِنُوا المِلْءَ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ مِنْ مَلْءِ الإَناء، قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَفِي الْحَدِيثِ
أَنه قَالَ لأَصحابه حِينَ ضَرَبُوا الأَعرابيَّ الَّذِي بَالَ فِي المَسجد: أَحسنوا أَمْلاءَكم، أَي أَخْلاقَكم.
وَفِي غَرِيبِ أَبي عُبيدة: مَلَأً أَي غَلَبَةً «1». وَفِي حَدِيثِ
الْحَسَنِ أَنهم ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: أَحْسِنُوا أَمْلاءَكم أَيها المَرْؤُون.
والمَلَأُ: العِلْيةُ، وَالْجَمْعُ أَمْلاءٌ أَيضاً. وَمَا كَانَ هَذَا الأَمرُ عَنْ مَلإٍ منَّا أَي تشاوُرٍ وَاجْتِمَاعٍ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضي الله عَنْهُ، حِين طُعِنَ: أَكان هَذَا عَنْ مَلإِ مِنْكُمْ
، أَي مُشاوَرةٍ مِنْ أَشرافِكم وجَماعَتِكم. والمَلَأُ: الطَّمَعُ والظَّنُّ، عَنِ ابْنِ الأَعْرابي، وَبِهِ فَسَّرَ قَوْلُهُ وتحَدَّثُوا مَلَأً، الْبَيْتُ الَّذِي تَقَدَّم، وَبِهِ فُسِّرَ أَيضاً قَوْلُهُ:
فَقُلْنا أَحْسِنِي مَلَأً جُهَيْنا
أَي أَحْسِنِي ظَنّاً. والمُلاءَة، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، الرَّيْطة، وَهِيَ المِلْحفةُ، وَالْجَمْعُ مُلاءٌ. وَفِي حَدِيثِ الاستسقاءِ:
فرأَيت السَّحابَ يَتَمَزَّقُ كأَنه المُلاءُ حِينَ تُطْوَى.
المُلاءُ، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ: جَمْعُ مُلاءةٍ، وَهِيَ الإِزارُ والرَّيْطة. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِن الْجَمْعَ مُلَأٌ، بِغَيْرِ مَدٍّ، وَالْوَاحِدُ مَمْدُودٌ، والأَول أَثبت. شبَّه تَفَرُّقَ الْغَيْمِ وَاجْتِمَاعُ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ فِي أَطراف السَّمَاءِ بالإِزار إِذَا جُمِعَتْ أَطرافُه وطُوِيَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ
قَيْلةَ: وَعَلَيْهِ أَسمالُ مُلَيَّتَيْنِ
، هُوَ تَصْغِيرُ مُلاءَة مُثَنَّاةُ الْمُخَفَّفَةِ الْهَمْزِ، وَقَوْلُ أَبي خِراش:
كأَنَّ المُلاءَ المَحْضَ، خَلْفَ ذَراعِه، ... صُراحِيّةٌ والآخِنِيُّ المُتَحَّمُ
عَنَى بالمَحْضِ هُنَا الغُبارَ الخالِصَ، شبَّهه بالمُلاءِ من الثياب.
__________
(1). قوله [ملأً أي غلبة] كذا هو في غير نسخة من النهاية.
(1/160)

منأ: المَنِيئَةُ، عَلَى فَعِيلةٍ: الجِلْدُ أَوَّلَ مَا يُدْبَغُ ثُمَّ هُوَ أَفِيقٌ ثُمَّ أَدِيمٌ. مَنَأَه يَمْنَؤُه مَنْأً إِذَا أَنْقَعه فِي الدِّباغِ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
إِذَا أَنتَ باكَرْتَ المَنِيئةَ باكَرَتْ ... مَداكاً لَها، مِنْ زَعْفَرانٍ وإثْمِدا
ومَنأْتُه: وافَقْتُه، عَلَى مِثْلِ فَعَلْتُه. والمَنِيئةُ، عِنْدَ الفارِسيِّ، مَفْعِلةٌ مِنَ اللَّحم النِّيءِ، أَنْبأَ بِذَلِكَ عَنْهُ أَبُو العَلاء، ومَنَأَ تَأْبَى ذَلِكَ. والمَنِيئةُ: المَدْبَغةُ. والمَنِيئةُ: الجِلد مَا كَانَ فِي الدِّباغ. وبَعَثَتِ امرأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ بِنْتًا لَهَا إِلَى جَارَتِهَا فَقَالَتْ: تَقُولُ لَكِ أُمّي أَعْطِيني نَفْساً أَو نَفْسَيْن أَمْعَسُ بِهِ مَنِيئَتِي، فإنِّي أَفِدةٌ. وَفِي حَدِيثِ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنْهُ: وآدِمةٌ فِي المَنِيئةِ
أَي فِي الدِّباغ. وَيُقَالُ لِلْجِلْدِ مَا دَامَ فِي الدِّباغ: مَنِيئةٌ. وَفِي حَدِيثِ
أَسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئةً لَهَا.
والمَمْنَأَةُ: الأَرض السَّوْداءُ، تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ. والمَنِيَّةُ، مِنَ المَوْت، معتل.
موأ: ماءَ السِّنَّوْرُ يَمُوءُ مَوْءاً «2» كَمَأَى. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: ماءَتِ الهرَّةُ تَمُوءُ مِثْلُ ماعَتْ تَمُوعُ، وَهُوَ الضُّغاء، إِذَا صَاحَتْ. وَقَالَ: هِرَّةٌ مَؤُوءٌ، عَلَى مَعُوعٍ، وصَوتُها المُواءُ، عَلَى فُعَال. أَبو عَمْرٍو: أَمْوَأَ السِّنَّوْرُ إِذَا صاحَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: هِيَ المائِيَةُ، بِوَزْنِ الماعيَة، والمائِيّةُ، بِوَزْنِ الماعِيّةِ، يُقَالُ ذَلِكَ للسِّنَّوْر، وَاللَّهُ أَعلم.

فصل النون
نأنأ: النَّأْنَأَةُ: العَجْزُ والضَّعْفُ. وَرَوَى
عِكْرِمةُ عَنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: طُوبَى لِمَنْ ماتَ فِي النَّأْنَأَةِ
، مَهْمُوزَةٌ، يَعْنِي أَوّل الإِسلام قَبْلَ أَن يَقْوَى ويكثُرَ أَهلُه وناصِرُه والدّاخِلُون فِيهِ، فَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ ضَعِيفٌ. ونَأْنَأْتُ فِي الرأْي إِذَا خَلَّطْت فِيهِ تَخْلِيطاً وَلَمْ تُبْرِمْه. وَقَدْ تَنَأْنَأَ ونَأْنَأَ فِي رأْيه نَأْنَأَةً ومُنَأْنَأَةً: ضَعُفَ فِيهِ وَلَمْ يُبْرِمْه. قال عَبد هِنْد ابن زَيْدٍ التَّغْلبِيّ، جَاهِلِيٌّ:
فَلَا أَسْمَعَنْ مِنْكُمْ بأَمرٍ مُنَأْنَإٍ، ... ضَعِيفٍ، وَلَا تَسْمَعْ بِهِ هامَتي بَعْدِي
فإِنَّ السِّنانَ يَرْكَبُ المَرْءُ حَدَّه، ... مِن الخِزْي، أَو يَعْدُو عَلَى الأَسَدِ الوَرْدِ
وتَنَأْنَأَ: ضَعُفَ واسْتَرْخَى. وَرَجُلٌ نَأْنَأٌ ونَأْنَاءٌ، بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ: عَاجِزٌ جَبانٌ ضَعِيفٌ. قَالَ امرؤُ الْقَيْسِ يَمْدَحُ سَعْدَ بْنَ الضَّبابِ الإِيادِيَّ:
لعَمْرُكَ مَا سعْدٌ بِخُلّةِ آثِمٍ، ... وَلَا نَأْنَإٍ، عندَ الحِفاظِ، وَلَا حَصِرْ
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَمِنْ ذَلِكَ
قَوْلُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لسليمانَ بْنِ صُرَدٍ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ يَوْمَ الجَمَلِ ثُمَّ أَتاه، فَقَالَ لَهُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنَأْنَأْتَ وتَراخَيْتَ، فَكَيْفَ رأَيتَ صُنْعَ اللَّهِ؟
قَوْلُهُ: تَنَأْنَأْتَ يُرِيدُ ضَعُفْتَ واسْتَرْخَيْتَ. الأُموي: نَأْنَأْتُ الرَّجُلَ نَأْنَأَةً إِذَا نَهْنَهْتَه عَمَّا يُرِيدُ وكَفَفْتَه، كأَنه يُرِيدُ إِنِّي حَمَلْتُه عَلَى أَن ضَعُفَ
__________
(2). قوله [يموء موءاً] الذي في المحكم والتكملة مواء أي بزنة غراب وهو القياس في الأَصوات.
(1/161)

عَمَّا أَراد وَتَرَاخَى. وَرَجُلٌ نَأْناءٌ: يُكثر تَقْلِيبَ حَدَقَتيه، والمعروف رَأْراءٌ.
نبأ: النَّبَأُ: الْخَبَرُ، وَالْجَمْعُ أَنْبَاءٌ، وإنَّ لِفُلَانٍ نَبَأً أَي خَبَرًا. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
. قِيلَ عَنِ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ عَنِ البَعْث، وَقِيلَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَنْبَأَه إِيّاه وَبِهِ، وَكَذَلِكَ نَبَّأَه، مُتَعَدِّيَةٌ بِحَرْفٍ وَغَيْرِ حَرْفٍ، أَي أَخبر. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: أَنا أَنْبُؤُك، عَلَى الإِتباع. وَقَوْلُهُ:
إِلَى هِنْدٍ مَتَى تَسَلِي تُنْبَيْ
أَبدل هَمْزَةَ تُنْبَئِي إِبدالًا صَحِيحًا حَتَّى صَارَتِ الْهَمْزَةُ حَرْفَ عِلَّةٍ، فَقَوْلُهُ تُنْبَيْ كَقَوْلِهِ تُقْضَيْ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَالْبَيْتُ هَكَذَا وُجِدَ، وَهُوَ لَا مَحَالَةَ نَاقِصٌ. واسْتَنْبأَ النَّبَأَ: بحَث عَنْهُ. ونَابَأْتُ الرجلَ ونابَأَنِي: أَنْبَأْته وأَنْبأَنِي. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَهْجُو قَوْمًا:
زُرْقُ العُيُونِ، إِذَا جاوَرْتَهُم سَرَقُوا ... مَا يَسْرِقُ العَبْدُ، أَو نَابَأْتَهُم كَذَبُوا
وَقِيلَ: نَابَأْتَهم: تركْتَ جِوارَهم وتَباعَدْت عَنْهُمْ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَساءَلُونَ
. قَالَ الفرَّاءُ: يَقُولُ الْقَائِلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ*؛ كَيْفَ قَالَ هَهُنَا: فَهُمْ لَا يتساءَلُون؟ قَالَ أَهل التَّفْسِيرِ: إِنَّهُ يَقُولُ عَمِيتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ يومئذٍ، فَسَكَتُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَهُمْ لَا يَتَساءَلُونَ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: سمَّى الحُجَج أَنْبَاءً، وَهِيَ جَمْعُ النَّبَإِ، لأَنَّ الحُجَجَ أَنْبَاءٌ عَنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. الْجَوْهَرِيُّ: والنَبِيءُ: المُخْبِر عَنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مَكِّيَّةٌ، لأَنه أَنْبَأَ عَنْهُ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فاعِلٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ أَن يَقُولَ فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعِل مِثْلَ نَذِير بِمَعْنَى مُنْذِر وأَلِيمٍ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: فَعِيل بِمَعْنَى فاعِل لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ النَّبَإِ الخَبَر، لأَنه أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ أَي أَخْبَرَ. قَالَ: وَيَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزِ وَتَخْفِيفُهُ. يُقَالُ نَبَأَ ونَبَّأَ وأَنْبَأَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ أَحد مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا وَيَقُولُ تَنَبَّأَ مُسَيْلِمة، بِالْهَمْزِ، غَيْرَ أَنهم تَرَكُوا الْهَمْزَ فِي النبيِّ كَمَا تَرَكُوهُ فِي الذُرِّيَّةِ والبَرِيَّةِ والخابِيةِ، إِلَّا أَهلَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ يَهْمِزُونَ هَذِهِ الأَحرف وَلَا يَهْمِزُونَ غَيْرَهَا، ويُخالِفون الْعَرَبَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَالْهَمْزُ فِي النَّبِيءِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، يَعْنِي لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا، لَا لأَنَّ الْقِيَاسَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِ
سيِّدِنا رسولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَدْ قِيلَ يَا نَبِيءَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَنْبِر باسْمي، فَإِنَّمَا أَنا نَبِيُّ اللَّهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ:
فَقَالَ لستُ بِنَبِيءِ اللَّهِ ولكنِّي نبيُّ اللَّهِ.
وَذَلِكَ أَنه، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنكر الْهَمْزَ فِي اسْمِهِ فرَدَّه عَلَى قَائِلِهِ لأَنه لَمْ يَدْرِ بِمَا سَمَّاهُ، فأَشْفَقَ أَن يُمْسِكَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ شيءٌ يَتَعَلَّقُ بالشَّرْع، فَيَكُونَ بالإِمْساك عَنْهُ مُبِيحَ مَحْظُورٍ أَو حاظِرَ مُباحٍ. وَالْجَمْعُ: أَنْبِئَاءُ ونُبَآءُ. قَالَ العَبَّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
يَا خاتِمَ النُّبَآءِ، إنَّكَ مُرْسَلٌ ... بالخَيْرِ، كلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُداكا
إنَّ الإِلهَ ثَنَى عَلَيْكَ مَحَبَّةً ... فِي خَلْقِه، ومُحَمَّداً سَمَّاكا
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُجْمع أَنْبِيَاء، لأَن الْهَمْزَ لَمَّا أُبْدِل وأُلْزِم الإِبْدالَ جُمِعَ جَمْعَ مَا أَصلُ لَامِهُ حَرْفُ
(1/162)

الْعِلَّةِ كَعِيد وأَعْياد، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ. قَالَ الفرَّاءُ: النبيُّ: هُوَ مَنْ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ، فَتُرِك هَمزه. قال: وإن أُخِذَ مِنَ النَّبْوةِ والنَّباوةِ، وَهِيَ الِارْتِفَاعُ عَنِ الأَرض، أَي إِنه أَشْرَف عَلَى سَائِرِ الخَلْق، فأَصله غَيْرُ الْهَمْزِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: القِرَاءَة الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا، فِي النَّبِيِّين والأَنْبِياء، طَرْحُ الْهَمْزِ، وَقَدْ هَمَزَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهل الْمَدِينَةِ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا. وَاشْتِقَاقُهُ من نَبَأَ وأَنْبَأَ أَي أَخبر. قَالَ: والأَجود تَرْكُ الْهَمْزِ؛ وسيأْتي فِي الْمُعْتَلِّ. وَمِنْ غَيْرِ الْمَهْمُوزِ: حَدِيثُ
البَراءِ. قُلْتُ: ورَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فردَّ عَليَّ وَقَالَ: ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.
قَالَ ابْنُ الأَثير: إِنَّمَا ردَّ عَلَيْهِ ليَخْتَلِفَ اللَّفْظانِ، وَيَجْمَعَ لَهُ الثناءَ بَيْنَ مَعْنَى النُّبُوَّة والرِّسالة، وَيَكُونَ تَعْدِيدًا لِلنِّعْمَةِ فِي الحالَيْن، وَتَعْظِيمًا لِلمِنَّةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. والرَّسولُ أَخصُّ مِنَ النَّبِيِّ، لأَنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا. وَيُقَالُ: تَنَبَّى الكَذَّابُ إِذَا ادَّعَى النُّبُوّةَ. وتَنَبَّى كَمَا تَنَبَّى مُسَيْلِمةُ الكَذّابُ وغيرُه مِنَ الدَّجَّالِينَ المُتَنَبِّينَ. وَتَصْغِيرُ النَّبِيءِ: نُبَيِّئٌ، مثالُ نُبَيِّعٍ. وَتَصْغِيرُ النُّبُوءَة: نُبَيِّئَةٌ، مِثَالُ نُبَيِّعةٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي تَصْغِيرِ النَّبِيءِ نُبَيِّئٌ، بِالْهَمْزِ عَلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ. قَالَ: وَلَيْسَ الأَمر كَمَا ذَكر، لأَن سِيبَوَيْهِ قَالَ: مَنْ جَمَعَ نَبِيئاً عَلَى نُبَآء قَالَ فِي تَصْغِيرِهِ نُبَيِّئ، بِالْهَمْزِ، وَمَنْ جَمَعَ نَبيئاً عَلَى أَنْبِياء قَالَ فِي تَصْغِيرِهِ نُبَيٌّ، بِغَيْرِ هَمْزٍ. يُرِيدُ: مَنْ لَزِمَ الْهَمْزَ فِي الْجَمْعِ لَزِمَهُ فِي التَّصْغِيرِ، وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَ فِي الْجَمْعِ تَرَكَهُ فِي التَّصْغِيرِ. وَقِيلَ: النَّبيُّ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّبَاوةِ، وَهِيَ الشيءُ المُرْتَفِعُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي التَّصْغِيرِ: كَانَتْ نُبَيِّئةُ مُّسَيْلِمَة نُبَيِّئةَ سَوْءٍ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ الَّذِي ذكره سيبوبه: كَانَتْ نُبُوّةُ مُسَيْلِمَةَ نُبَيِّئةَ سَوْءٍ، فَذَكَرَ الأَول غَيْرَ مُصَغَّرٍ وَلَا مَهْمُوزٍ لِيُبَيِّنَ أَنهم قَدْ هَمَزُوهُ فِي التَّصْغِيرِ، وإِن لَمْ يَكُنْ مَهْمُوزًا فِي التَّكْبِيرِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
. فَقَدَّمَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَلَى نُوحٍ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فِي أَخذ المِيثاق، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لأَنّ الْوَاوَ مَعْنَاهَا الاجْتِماعُ، وَلَيْسَ فِيهَا دليلٌ أَن الْمَذْكُورَ أَوّلًا لَا يَسْتَقِيمُ أَن يَكُونَ مَعْنَاهُ التأْخير، فَالْمَعْنَى عَلَى مَذْهَبِ أَهل اللُّغَةِ: وَمِنْ نُوح وإِبراهيم ومُوسَى وَعِيسَى بنِ مريمَ ومِنْكَ. وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: إِنّي خُلِقْتُ قَبْلَ الأَنبياء وبُعِثْتُ بعدَهم. فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيمَ وَلَا تأْخير فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ عَلَى نَسَقِه. وأَخْذُ المِيثاقِ حِينَ أُخْرِجوا مِنْ صُلْب آدمَ كالذَّرّ، وَهِيَ النُّبُوءَةُ. وتَنَبَّأَ الرَّجل: ادّعَى النُّبُوءَةَ. ورَمَى فأَنْبَأَ أَي لَمْ يَشْرِمْ وَلَمْ يَخْدِشْ. ونَبَأْتُ عَلَى الْقَوْمِ أَنْبَأُ نَبْأً إِذَا طَلَعْتَ عَلَيْهِمْ. وَيُقَالُ نَبَأْتُ مِنَ الأَرض إِلَى أَرض أُخرى إِذَا خرجتَ مِنْهَا إِلَيْهَا. ونَبَأَ مِنْ بَلَدِ كَذَا يَنْبَأُ نَبْأً ونُبُوءاً: طَرأَ. والنابِئُ: الثَّوْرُ الَّذِي يَنْبَأُ مِنْ أَرض إِلَى أَرض أَي يَخْرُج. قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ يَصِفُ فَرَسًا:
ولَهُ النَّعْجةُ المَرِيُّ تُجاهَ الرَّكْبِ، ... عِدْلًا بالنَّابِئِ المِخْراقِ
أَرادَ بالنَّابِئِ: الثَّوْرَ خَرَج مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، يُقَالُ: نَبَأَ وطَرَأَ ونَشِطَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. ونَبَأْتُ مِنْ أَرض إِلَى أَرض إِذَا خَرَجْتَ مِنْهَا إِلَى أُخرى. وسَيْلٌ نابِئٌ: جَاءَ مِنْ بَلَدٍ آخَر. وَرَجُلٌ
(1/163)

نابِئٌ. كَذَلِكَ قَالَ الأَخطل:
أَلا فاسْقِياني وانْفِيا عَنِّيَ القَذَى، ... فليسَ القَذَى بالعُودِ يَسْقُطُ فِي الخَمْرِ
وليسَ قَذاها بالَّذِي قَدْ يَريبُها، ... وَلَا بِذُبابٍ، نَزْعُه أَيْسَرُ الأَمْرِ
«1» ولكِنْ قَذاها كُلُّ أَشْعَثَ نابِئٍ، ... أَتَتْنا بِه الأَقْدارُ مِنْ حَيْثُ لَا نَدْري
وَيُرْوَى: قَدَاهَا، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ: وَصَوَابُهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ الأَعرابي لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَا نَبِيءَ اللَّهِ، فهَمز، أَي يَا مَن خَرَج مِنْ مكةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فأَنكر عَلَيْهِ الْهَمْزَ، لأَنه لَيْسَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ. ونَبَأَ عَلَيْهِمْ يَنْبَأُ نَبْأً ونُبُوءاً: هَجَم وطَلَع، وَكَذَلِكَ نَبَهَ ونَبَع، كِلَاهُمَا عَلَى الْبَدَلِ. ونَبَأَتْ بِهِ الأَرضُ: جاءَت بِهِ قَالَ حَنَشُ بْنُ مَالِكٍ:
فَنَفْسَكَ أَحْرِزْ، فإِنَّ الحُتُوفَ ... يَنْبَأْنَ بالمَرْءِ فِي كلَّ وَادِ
ونَبَأَ نَبْأً ونُبُوءاً: ارْتَفَعَ. والنَّبْأَةُ: النَّشْزُ، والنَبِيءُ: الطَّريقُ الواضِحُ. والنَّبْأَةُ: صوتُ الكِلاب، وَقِيلَ هِيَ الجَرْسُ أَيّاً كَانَ. وَقَدْ نَبَأَ نَبْأً. والنَّبْأَةُ: الصوتُ الخَفِيُّ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزاً مُقْفِرٌ، نَدُسٌ، ... بِنَبْأَةِ الصَّوْتِ، مَا فِي سَمْعِه كَذِبُ
الرِّكْزُ: الصوتُ. والمُقْفِرُ: أَخُو القَفْرةِ، يُرِيدُ الصَّائِدَ. والنَّدُسُ: الفَطِنُ. التَّهْذِيبُ: النَّبْأَةُ: الصوتُ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
آنَسَتْ نَبْأَةً، وأَفْزَعَها القَنَّاصُ ... قَصْراً، وقَدْ دَنا الإِمْساءُ
أَرادَ صاحِبَ نَبْأَةٍ.
نتأ: نَتَأَ الشيءُ يَنْتَأُ نَتْأً ونُتُوءاً: انْتَبَر وانْتَفَخَ. وكلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ نَبْتٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ نَتَأَ، وَهُوَ ناتِئٌ، وأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ:
قَدْ وَعَدَتْنِي أُمُّ عَمْرو أَنْ تَا ... تَمْسَحَ رَأْسِي، وتُفَلِّيني وَا
وتَمْسَحَ القَنْفَاءَ، حَتَّى تَنْتا
فَإِنَّهُ أرَاد حَتَّى تَنْتَأَ. فإِمَّا أَن يَكُونَ خَفَّفَ تَخْفِيفًا قِياسِيًّا، عَلَى مَا ذَهب إِلَيْهِ أَبو عُثْمَانَ فِي هَذَا النَّحْوِ، وإِما أَن يَكُونَ أَبدلَ إِبْدَالًا صَحِيحًا، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الأَخفش. وَكُلُّ ذَلِكَ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ تَا مِنْ قَوْلِهِ:
وَعَدَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو أَن تَا
ووَا مِنْ قَوْلِهِ:
تَمْسَحَ رأْسي وتفلِّيني وَا
وَلَوْ جَعَلَهَا بَيْنَ بَيْنَ لَكَانَتِ الْهَمْزَةُ الْخَفِيفَةُ فِي نِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ، حَتَّى كأَنه قَالَ: تَنْتَأُ، فَكَانَ يَكُونُ تَا تَنْتَأُ مُسْتَفْعِلُنْ. وَقَوْلُهُ: رَنَ أَن تَا: مَفْعُولُنْ. وَلِيَنِيَ وَا: مَفْعُولُنْ، وَمَفْعُولُنْ لَا يجيءُ مَعَ مُسْتَفْعِلُنْ، وَقَدْ أَكْفَأَ هَذَا الشَّاعِرُ بَيْنَ التاءِ وَالْوَاوِ، وأَراد أَن تَمْسَح وتُفَلِّيَنِي وتَمْسَحَ، وَهَذَا مِن أَقْبَحِ مَا جاءَ فِي الإِكْفَاءِ. وإِنما ذَهَبَ الأَخفش: أَن الرويَّ مِنْ تَا وَوَا التاءُ وَالْوَاوُ مِنْ قِبَل أَنَّ الأَلف فِيهِمَا إِنما هِيَ لإِشباع فتحة
__________
(1). [وليس قذاها إلخ] سيأتي هذا الشعر في ق ذ ي على غير هذا الوجه.
(1/164)

التاءِ وَالْوَاوِ، فَهِيَ مَدٌّ زَائِدٌ لإِشباع الْحَرَكَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَهِيَ إِذًا كالأَلف وَالْيَاءِ وَالْوَاوِ فِي الجَرعا والأَيَّامِي والخِيامُو. ونَتَأَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ: ارْتَفَعَ. ونَتَأَ الشيءُ: خَرَج مِنْ مَوْضِعه مِنْ غَيْرِ أَن يَبِينَ، وَهُوَ النُّتُوءُ. ونَتَأَتِ القُرْحةُ: وَرِمَتْ. ونَتَأْتُ عَلَى الْقَوْمِ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ، مِثْلُ نَبَأْت. ونَتَأَتِ الجارِيةُ: بَلَغَتْ وارْتَفَعَتْ. ونَتَأَ عَلَى الْقَوْمِ نَتْأً: ارْتَفَعَ. وكلُّ مَا ارْتَفَع فَهُوَ ناتِئٌ. وانْتَتَأَ إِذَا ارْتَفَعَ «1». وأَنشد أَبو حَازِمٍ:
فَلَمَّا انْتَتَأْتُ لِدِرِّيئِهِمْ، ... نَزَأْتُ عَلَيْهِ الْوَأَى أَهْذَؤُهْ
لِدِرِّيئِهمْ أَي لعَرِيفِهم. نَزَأْتُ عَلَيْهِ أَي هَيَّجْتُ عَلَيْهِ ونَزَعْتُ الْوَأَى، وَهُوَ السَّيْف. أَهْذَؤُه: أَقْطَعُه. وَفِي الْمَثَلِ: تَحْقِرُه ويَنْتَأُ أَي يَرْتَفِعُ. يُقَالُ هَذَا لِلَّذِي لَيْسَ لَهُ شاهِدُ مَنْظَر وَلَهُ باطِنُ مَخْبَر، أَي تَزْدَرِيهِ لسُكُونه، وَهُوَ يُجاذِبُكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَسْتَصْغِرُه ويَعْظُمُ. وَقِيلَ: تَحْقِرُه ويَنْتُو، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وسنذكره في موضعه.
نجأ: نَجَأَ الشيءَ نَجْأَةً وانْتَجَأَه: أَصابَه بِالْعَيْنِ، الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وتَنَجَّأَه أَي تَعَيَّنَه. وَرَجُلٌ نَجِئُ العَيْنِ، عَلَى فَعِلٍ، ونَجِيءُ الْعَيْنِ، عَلَى فَعِيلٍ، ونَجُؤُ العينِ، عَلَى فَعُلٍ، ونَجُوءُ العينِ، عَلَى فَعُولٍ: شَدِيدُ الإِصابة بِهَا خَبِيثُ الْعَيْنِ. ورُدَّ عَنْكَ نَجْأَةَ هَذَا الشَّيْءِ أَي شَهْوتَك إِيّاه، وَذَلِكَ إِذَا رأَيت شَيْئًا، فاشْتَهَيْتَه. التَّهْذِيبُ: يُقَالُ ادْفَعْ عَنْكَ نَجْأَةَ السَّائلِ أَي أَعْطِه شَيْئًا مِمَّا تأْكل لِتَدْفَعَ بِهِ عَنْكَ شدَّةَ نَظَرِه، وأَنشد:
أَلا بِكَ النَّجْأَةُ يَا ردَّادُ
الْكِسَائِيُّ: نَجَأْتُ الدابةَ وغيرَها: أَصَبْتُها بِعَيْنِي، وَالِاسْمُ النَّجْأَةُ. قَالَ: وأَما قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
رُدُّوا نَجْأَةَ السَّائل باللُّقْمة، فَقَدْ تَكُونُ الشَّهوةَ، وَقَدْ تَكُونُ الإِصابةَ بِالْعَيْنِ.
والنَّجْأَةُ: شِدَّةُ النظرِ؛ أَي إِذَا سَأَلَكُم عَنْ طَعام بَيْنَ أَيْدِيكم، فأَعْطُوه لِئَلَّا يُصِيبكم بِالْعَيْنِ، ورُدُّوا شِدَّة نَظَرِه إِلَى طَعَامِكُمْ بلُقْمةٍ تَدْفَعُونها إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الأَثير: الْمَعْنَى: أَعْطِه اللُّقمة لِتَدْفَعَ بِهَا شِدَّةَ النَّظَرِ إِلَيْكَ. قَالَ: وَلَهُ مَعْنَيَانِ أَحدهما أَن تَقْضِيَ شَهْوَتَه وتَرُدَّ عَيْنَه مِنْ نَظَره إِلَى طَعامِك رِفْقاً بِهِ ورَحْمةً، وَالثَّانِي أَن تَحْذَرَ إِصابَتَه نِعْمَتَك بِعَيْنِهِ لِفَرْطِ تَحْدِيقهِ وحِرْصِه.
ندأ: نَدَأَ اللحمَ يَنْدَؤُه نَدْءاً: أَلقاهُ فِي النَّارِ، أَو دَفَنَه فِيهَا. وَفِي التَّهْذِيبِ: نَدَأْتُه إِذَا مَلَلْتَه فِي المَلَّةِ والجَمْر. قَالَ: والنَّديءُ الِاسْمُ، وَهُوَ مِثْلُ الطَّبِيخِ، ولَحْمٌ نَدِيءٌ. ونَدَأَ المَلَّة يَنْدَؤُها: عَمِلَها. ونَدَأَ القُرْصَ فِي النَّارِ نَدْءاً: دَفَنَه فِي المَلَّة ليَنْضَجَ. وَكَذَلِكَ نَدَأَ اللحمَ فِي المَلَّة: دَفَنه حَتَّى يَنْضَج. ونَدَأَ الشيءَ: كَرِهَه. والنَّدْأَةُ والنُّدْأَةُ: الكَثْرةُ مِنَ الْمَالِ، مِثْلَ النَّدْهةِ والنُّدْهةِ. والنُّدْأَةُ والنَّدْأَةُ: دارةُ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ،
__________
(1). قوله [وانتتأ إذا ارتفع إلخ] كذا في النسخ والتهذيب. وعبارة التكملة انتتأ أي ارتفع، وانتتأ أيضاً انبرى وبكليهما فسر قول أبي حازم العكلي: فلما إلخ.
(1/165)

وَقِيلَ: هَمَا قَوْسُ قُزَحَ. والنَّدْأَةُ والنُّدْأَةُ والنَّدِيءُ، الأَخيرة عَنْ كُراع: الحُمْرة تَكُونُ فِي الغَيْم إِلَى غُروب الشمسِ أَوْ طُلُوعها. وَقَالَ مَرَّةً: النَّدْأَةُ والنُّدْأَةُ والنَّدِيءُ: الْحُمْرَةُ الَّتِي تَكُونُ إِلَى جَنْبِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلوعها وغُروبها. وَفِي التَّهْذِيبِ: إِلَى جانِب مَغْرِب الشمسِ، أَو مَطْلَعِها. والنُّدْأَةُ: طَريقةٌ فِي اللَّحم مُخالِفَةٌ لِلَوْنِه. وَفِي التَّهْذِيبِ: النُّدْأَةُ، فِي لَحْمِ الجَزُور، طَرِيقةٌ مُخالِفةٌ لِلَوْنِ اللَّحْمِ. والنُّدْأَتان: طَرِيقَتا لَحْمٍ فِي بَوَاطِنِ الْفَخْذَيْنِ، عَلَيْهِمَا بَيَاضٌ رَقِيقٌ مِنْ عَقَبٍ، كأَنه نَسْجُ العنْكبوت، تَفْصِل بَيْنَهُمَا مَضِيغة وَاحِدَةٌ، فَتَصِيرُ كأَنها مَضِيغتان. والنُّدَأُ: القِطَعُ المُتَفَرِّقة مِنَ النَّبْتِ، كالنُّفَإِ، وَاحِدَتُهَا نُدْأَةٌ ونُدَأَةٌ. ابْنُ الأَعرابي: النُّدْأَةُ: الدُّرْجَة الَّتِي يُحْشَى بِهَا خَوْرانُ الناقةِ ثُمَّ تُخَلَّلُ، إِذَا عُطِفَتْ عَلَى وَلَدِ غَيرها، أَو عَلَى بَوٍّ أُعِدَّ لَهَا. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ، وَيُقَالُ ندَأْتُه أَنْدَؤُهُ نَدْءاً، إذا ذَعَرْتَه.
نزأ: نَزَأَ بَيْنَهُمْ يَنْزَأُ نَزْءاً ونُزُوءاً: حَرَّش وأَفْسَد بَيْنَهُمْ. وَكَذَلِكَ نَزَغَ بَيْنَهُمْ. ونزأَ الشيطانُ بَيْنَهُمْ: أَلْقَى الشَّرَّ والإِغْراءَ. والنَّزِيءُ، مِثَالُ فَعِيل، فاعِلُ ذَلِكَ. ونَزَأَه عَلَى صَاحِبِهِ: حَمَلَه عَلَيْهِ. ونَزَأَ عَلَيْهِ نَزْءاً: حَمَل. يُقَالُ: مَا نَزَأَك عَلَى هَذَا؟ أَي مَا حَمَلَك عَلَيْهِ. ونَزَأْتُ عَلَيْهِ: حَمَلْتُ عَلَيْهِ. ورَجُلٌ مَنْزُوءٌ بِكَذَا أَي مُولَعٌ بِهِ. ونَزَأَه عَنْ قَوْلِهِ نَزْءاً: ردَّه. وإذا كان الرجلُ عل طَرِيقةٍ حَسَنةٍ أَو سَيِّئةٍ، فَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ مُخاطِباً لنفسِك: إِنَّكَ لَا تَدْري عَلامَ يَنْزَأُ هَرَمُك، وَلَا تَدْرِي بِمَ يُولَعُ هَرَمُكَ أَي نَفْسُك وعَقْلُك. مَعْنَاهُ: أَنك لَا تدري إلامَ يَؤُولُ حالُكَ.
نسأ: نُسِئَتِ المرأَةُ تُنْسَأُ نَسْأً: تأَخَّر حَيْضُها عَنْ وقتِه، وبَدَأَ حَمْلُها، فَهِيَ نَسْءٌ ونَسِيءٌ، وَالْجَمْعُ أَنْسَاءٌ ونُسُوءٌ، وَقَدْ يُقَالُ: نِساءٌ نَسْءٌ، عَلَى الصِّفَةِ بِالْمَصْدَرِ. يُقَالُ للمرأَة أَوَّلَ مَا تَحْمِل: قَدْ نُسِئَتْ. ونَسَأَ الشيءَ يَنْسَؤُه نَسْأً وأَنْسَأَه: أَخَّره؛ فَعَلَ وأَفْعَلَ بِمَعْنًى، وَالِاسْمُ النَّسِيئةُ والنَّسِيءُ. ونَسَأَ اللهُ فِي أَجَلِه، وأَنْسَأَ أَجَلَه: أَخَّره. وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ: مَدَّ لَهُ فِي الأَجَلِ أَنْسَأَه فِيهِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَدري كَيْفَ هَذَا، وَالِاسْمُ النَّسَاءُ. وأَنسَأَه اللهُ أَجَلَه ونَسَأَه فِي أَجَلِه، بِمَعْنًى. وَفِي الصِّحَاحِ: ونَسَأَ فِي أَجَلِه، بِمَعْنًى. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ
أَنس بْنِ مَالِكٍ: مَن أَحَبَّ أَن يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِه ويُنْسَأَ فِي أَجَلِه فَلْيَصِلْ رَحِمَه.
النَّسْءُ: التأخيرُ يَكُونُ فِي العُمُرِ والدَّيْنِ. وَقَوْلُهُ يُنْسَأُ أَي يُؤَخَّر. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
صِلةُ الرَّحِم مَثْراةٌ فِي المالِ مَنْسَأَةٌ في الأَثَر
؛ هي مَفْعَلَةٌ مِنْهُ أَي مَظِنَّةٌ لَهُ وَمَوْضِعٌ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَوْفٍ: وَكَانَ قَدْ أُنْسِئَ لَهُ فِي العُمُرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَسْتَنْسِئُوا الشيطانَ
، أَي إِذَا أَردتُمْ عَمَلًا صَالِحًا، فَلَا تُؤَخِّرُوه إِلَى غَدٍ، وَلَا تَسْتَمْهِلُوا الشيطانَ. يُرِيدُ: أَن ذَلِكَ مُهْلةٌ مُسَوَّلةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. والنُّسْأَة، بِالضَّمِّ مِثْلَ الكُلْأَةِ: التأْخيرُ. وَقَالَ فَقِيهُ الْعَرَبِ: مَنْ سَرَّه النَّساءُ وَلَا نَساء، فليُخَفِّفِ الرِّداءَ، ولْيُباكِر الغَداءَ، وليُقِلَّ غِشْيانَ النِّساءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وليُؤَخِّرْ غِشْيَانَ النساءِ؛ أَي
(1/166)

تَأَخُّرُ العُمُرِ والبَقَاء. وقرأَ أَبو عَمْرٍو: مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أَو نَنْسَأْها، الْمَعْنَى: مَا نَنْسَخْ لَكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظ، أَو نَنْسَأْها: نُؤَخِّرْها وَلَا نُنْزِلْها. وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: التأْويل أَنه نَسخَها بِغَيْرِهَا وأَقَرَّ خَطَّها، وَهَذَا عِنْدَهُمُ الأَكثر والأَجودُ. ونَسَأَ الشيءَ نَسْأً: بَاعَهُ بتأْخيرٍ، وَالِاسْمُ النَّسِيئةُ. تَقُولُ: نَسَأْتُه البيعَ وأَنْسَأْتُه وبِعْتُه بِنُسْأَةٍ وَبِعْتُهُ بِكُلْأَةٍ وَبِعْتُهُ بِنَسِيئةٍ أَي بأَخَرةٍ والنَّسِيءُ: شَهْرٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تُؤَخِّره فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فنَهى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عَنْهُ. وَقَوْلُهُ، عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
. قَالَ الفرّاءُ: النَّسِيءُ الْمَصْدَرُ، وَيَكُونُ المَنْسُوءَ، مِثْلَ قَتِيلٍ ومَقْتولٍ، والنَّسِيءُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ قَوْلِكَ نَسَأتُ الشيءَ، فَهُوَ مَنْسُوءٌ إِذَا أَخَّرْته، ثُمَّ يُحَوَّل مَنْسُوءٌ إِلَى نَسيءٍ، كَمَا يُحَوَّل مَقْتول إِلَى قَتيل. وَرَجُلٌ ناسِئٌ وَقَوْمٌ نَسَأَةٌ، مِثْلَ فاسِقٍ وفَسَقةٍ، وَذَلِكَ أَن الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا صَدَرُوا عَنْ مِنى يَقُومُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَنْ كِنَانَةَ فَيَقُولُ: أَنا الَّذِي لَا أُعابُ وَلَا أُجابُ وَلَا يُرَدُّ لِي قضاءٌ، فَيَقُولُونَ: صَدَقْتَ أَنْسِئْنا شَهْرًا أَي أَخِّرْ عنَّا حُرْمة المُحرَّم وَاجْعَلْهَا فِي صَفَر وأَحِلَّ المُحرَّمَ، لأَنهم كَانُوا يَكرهون أَن يَتوالى عَلَيْهِمْ ثلاثة أَشهر حُرُمٍ، لا يُغِيرُون فِيهَا لأَنَّ مَعاشَهم كَانَ مِنَ الْغَارَةِ، فيُحِلُّ لَهُمُ المحرَّم، فَذَلِكَ الإِنساءُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: النَّسِيءُ فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
؛ بِمَعْنَى الإِنْسَاءِ، اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرَ الْحَقِيقِيِّ مِنَ أَنْسَأْتُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَسَأْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى أَنْسَأْتُ. وَقَالَ عُمير بْنُ قَيْسِ بنِ جِذْلِ الطِّعان:
أَلَسْنا النَّاسِئِينَ، عَلَى مَعَدٍّ، ... شُهُورَ الحِلِّ، نَجْعَلُها حَراما
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَتْ النُّسْأَةُ فِي كِنْدَةَ.
النُسْأَةُ، بِالضَّمِّ وَسُكُونِ السِّينِ: النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الشُّهُورِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ. وانْتَسَأْتُ عَنْهُ: تأَخَّرْتُ وتباعَدْتُ. وَكَذَلِكَ الإِبل إِذَا تَباعَدَتْ فِي الْمَرْعَى. وَيُقَالُ: إِنَّ لِي عَنْكَ لمُنْتَسَأً أَي مُنْتَأًى وسَعَةً. وأَنْسَأَه الدَّينَ والبَيْع: أَخَّرَه بِهِ أَي جَعَلَهُ مُؤَخراً، كأَنه جَعَلَهُ لَهُ بأَخَرةٍ. وَاسْمُ ذَلِكَ الدَّيْن: النَّسيئةُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِنَّمَا الرِّبا فِي النَّسِيئةِ هِيَ البَيْعُ إِلَى أَجل مَعْلُومٍ
، يُرِيدُ: أَنَّ بَيْعَ الرِّبَوِيّات بالتأْخِير مِنْ غَيْرِ تَقابُض هُوَ الرِّبا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَهَذَا مذهب ابن عباس، كان يَرَى بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ مُتفاضِلة مَعَ التَّقابُض جَائِزًا، وأَن الرِّبا مَخْصُوصٌ بالنَّسِيئة. واسْتَنْسأَه: سأَله أَن يُنْسِئَه دَيْنَه. وأَنشد ثَعْلَبٌ:
قَدِ اسْتَنْسَأَتْ حَقِّي رَبيعةُ لِلْحَيا، ... وعندَ الحَيا عارٌ عَلَيْكَ عَظيمُ
وإنَّ قَضاءَ المَحْلِ أَهْوَنُ ضَيْعةً، ... مِنَ المُخِّ، فِي أَنْقاءِ كلِّ حَلِيم
قَالَ: هَذَا رَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ بَعِيرٌ طَلَب مِنْهُ حَقَّه. قَالَ: فأَنظِرني حَتَّى أُخْصِبَ. فَقَالَ: إِن أَعطيتني الْيَوْمَ جَمَلًا مَهْزُولًا كَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَن تُعْطِيَه إِذَا أَخْصَبَتْ إِبلُكَ. وَتَقُولُ: اسْتَنْسَأْتُه
(1/167)

الدَّينَ، فأَنْسَأَني، ونَسَأْت عَنْهُ دَيْنَه: أَخَّرْته نَساءً، بِالْمَدِّ. قَالَ: وَكَذَلِكَ النَّسَاءُ فِي العُمُر، مَمْدُودٌ. وَإِذَا أَخَّرْت الرَّجُلَ بدَيْنه قُلْتَ: أَنْسَأْتُه، فَإِذَا زِدتَ فِي الأَجل زِيادةً يَقَعُ عَلَيْهَا تأْخيرٌ قُلْتَ: قَدْ نَسَأْت فِي أَيامك، ونَسَأْت فِي أَجَلك. وَكَذَلِكَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ: نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلك، لأَنّ الأَجَلَ مَزِيدٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ للَّبنِ: النَّسيءُ لِزِيَادَةِ الْمَاءِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ قِيلَ: نُسِئَتِ المرأَةُ إِذَا حَبِلَتْ، جُعلت زِيادةُ الْوَلَدِ فِيهَا كَزِيَادَةِ الْمَاءِ فِي اللَّبَنِ. وَيُقَالُ لِلنَّاقَةِ: نَسَأْتُها أَي زَجَرْتها لِيَزْدَادَ سَيْرُها. وَمَا لَه نَسَأَه اللَّهُ أَي أَخْزاه. وَيُقَالُ: أَخَّره اللَّهُ، وَإِذَا أَخَّره فَقَدْ أَخْزاه. ونُسِئَتِ المرأَةُ تُنْسَأُ نَسْأً، عَلَى مَا لَمْ يُسمَّ فاعِلُه، إِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَوَّل حَبَلِها، وَذَلِكَ حِينَ يتأَخَّرُ حَيْضُها عَنْ وَقْتِهِ، فيُرْجَى أَنها حُبْلَى. وَهِيَ امرأَة نَسِيءٌ. وقال الأَصمعي: يُقَالُ للمرأَة أَوَّلَ مَا تَحْمِلُ قَدْ نُسِئَتْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
كَانَتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تحتَ أَبي العاصِ بْنِ الرَّبِيع، فَلَمَّا خَرَجَ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى الْمَدِينَةِ أَرسَلَها إِلَى أَبيها، وَهِيَ نَسُوءٌ
أَي مَظْنونٌ بِهَا الحَمْل. يُقَالُ: امرأَةٌ نَسْءٌ ونَسُوءٌ، ونِسْوةٌ نِساءٌ إِذَا تأَخَّر حَيْضُها، ورُجِي حَبَلُها، فَهُوَ مِنَ التأْخير، وَقِيلَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ مِنْ نَسَأْتُ اللَّبنَ إِذَا جَعَلْت فِيهِ الْمَاءَ تُكَّثِّره بِهِ، والحَمْلُ زيادةٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّسُوءُ، عَلَى فَعُول، والنَّسْءُ، عَلَى فَعْلٍ، وَرُوِيَ نُسُوءٌ، بِضَمِّ النُّونِ. فالنَّسُوءُ كالحَلُوبِ، والنُّسوءُ تَسْميةٌ بِالْمَصْدَرِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه دَخَلَ عَلَى أُمِّ عَامِرِ بْنِ رَبِيعةَ، وَهِيَ نَسُوءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ نَسْءٌ، فَقَالَ لَهَا ابْشِري بعبدِ اللَّهِ خَلَفاً مِن عبدِ اللَّهِ، فولَدت غُلَامًا، فسمَّتْه عَبْدَ اللَّهِ.
وأَنْسَأَ عَنْهُ: تأَخَّر وتباعَدَ، قَالَ مَالِكِ بْنِ زُغْبةَ الباهِليّ:
إذا أَنْسَؤُوا فَوْتَ الرِّماحِ أَتَتْهُمُ ... عَوائِرُ نَبْلٍ، كالجَرادِ تُطِيرُها
وَفِي رواية: إِذَا انْتَسَؤُوا فَوْت الرِّماح. وناساهُ إِذَا أَبعده، جاؤُوا بِهِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وأَصله الْهَمْزُ. وعَوائرُ نَبْلٍ أَي جماعةُ سِهامٍ مُتَفَرِّقة لَا يُدْرَى مِنْ أَين أَتَتْ. وانْتَسَأَ القومُ إِذَا تباعَدُوا. وَفِي حَدِيثِ عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ارْمُوا فإِنَّ الرَّمْي جَلادةٌ، وَإِذَا رَمَيْتُم فانْتَسُوا عَنِ البُيُوت، أَي تأَخَّرُوا. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا يُرْوَى بِلَا هَمْزٍ، وَالصَّوَابُ: فانْتَسِئُوا، بِالْهَمْزِ؛ وَيُرْوَى: فَبَنِّسُوا أَي تأَخَّروا. وَيُقَالُ: بَنَّسْتُ إِذَا تأَخَّرْت. وَقَوْلُهُمْ: أَنْسَأْتُ سُرْبَتِي أَي أَبْعَدْتُ مَذْهَبي. قَالَ الشَّنْفَرى يَصِفُ خُرُوجَه وأَصحابه إِلَى الغَزْو، وأَنهم أبْعَدُوا المَذْهَب:
غَدوْنَ مِن الْوَادِي الَّذِي بيْنَ مِشْعَلٍ، ... وبَيْنَ الحَشا، هيْهاتَ أَنْسَأْتُ سُربَتِي
وَيُرْوَى: أَنْشَأَتُ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. فالسُّرْبةُ فِي رِوَايَتِهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ: الْمَذْهَبُ، وَفِي رِوَايَتِهِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ الأَصمعي وَالْمُفَضَّلِ. وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمَا: أَظْهَرْتُ جَماعَتِي مِنْ مَكَانٍ بعيدٍ لِمَغْزًى بَعيِد. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَورده الْجَوْهَرِيُّ: غَدَوْنَ مِنَ الْوَادِي، وَالصَّوَابُ غَدَوْنا. لأَنه يَصِفُ
(1/168)

أَنه خَرَجَ هُوَ وأَصحابه إِلَى الْغَزْوِ، وأَنهم أَبعدوا الْمَذْهَبَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ أَنشده الْجَوْهَرِيُّ أَيضاً: غَدَوْنَا، فِي فَصْلِ سِرْبٍ. والسُّرْبة: الْمَذْهَبُ، فِي هَذَا الْبَيْتِ. ونَسَأَ الإِبلَ نَسْأً: زَادَ فِي وِرْدِها وأَخَّرها عَنْ وَقْتِهِ. ونَسَأَها: دَفَعها فِي السَّيْر وساقَها. ونَسَأْتُ فِي ظِمْءِ الإِبل أَنْسَؤُها نَسْأً إِذَا زِدْتَ فِي ظِمْئِها يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو أَكثر مِنْ ذَلِكَ. ونَسَأْتها أَيضاً عَنِ الْحَوْضِ إِذَا أَخَّرْتها عَنْهُ. والمِنْسَأَةُ: العَصا، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، يُنْسَأُ بِهَا. وأَبدلوا إِبْدَالًا كُلِّيًّا فَقَالُوا: مِنْساة، وأَصلها الْهَمْزُ، وَلَكِنَّهَا بَدَلٌ لَازِمٌ، حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ. وَقَدْ قُرئَ بِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ الفرَّاءُ فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
، هِيَ الْعَصَا الْعَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الرَّاعِي، يُقَالُ لَهَا المُنْسأَة، أُخذت مِنْ نَسَأْتُ الْبَعِيرَ أَي زَجَرْتُه لِيَزْداد سَيْرُه. قَالَ أَبو طَالِبٍ عمُّ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْهَمْزِ:
أَمِنْ أَجْلِ حَبْلٍ، لَا أَباكَ، ضَرَبْتَه ... بِمِنْسَأَةٍ، قَدْ جَرَّ حَبْلُك أَحْبُلا
هَكَذَا أَنشده الْجَوْهَرِيُّ مَنْصُوبًا. قَالَ: وَالصَّوَابُ قَدْ جاءَ حَبْلٌ بأَحْبُل، وَيُرْوَى وأَحبلُ، بِالرَّفْعِ، وَيُرْوَى قَدْ جَرَّ حَبْلَكَ أَحْبُلُ، بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ. وَبَعْدَهُ بأَبيات:
هَلُمَّ إِلَى حُكْمِ ابْنِ صَخْرةَ إِنَّه ... سَيَحْكُم فِيمَا بَيْنَنا، ثمَّ يَعْدِلُ
كَمَا كَانَ يَقْضي فِي أَمُورٍ تَنُوبُنا، ... فيَعْمِدُ للأَمْرِ الجَمِيل، ويَفْصِلُ
وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي تَرْكِ الْهَمْزِ:
إِذَا دَبَبْتَ عَلَى المِنْسَاةِ مِنْ هَرَمٍ، ... فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ونَسَأَ الدابةَ والنّاقَةَ والإِبلَ يَنْسَؤُها نَسْأً: زَجَرَها وساقَها. قَالَ:
وعَنْسٍ، كأَلْواحِ الإِرانِ، نَسَأْتُها، ... إِذَا قِيلَ للمَشْبُوبَتَيْنِ: هُما هُما
المَشْبُوبتان: الشِّعْرَيانِ. وَكَذَلِكَ نَسَّأَها تَنْسِئةً: زجَرها وساقَها. وأَنشد الأَعشى:
وَمَا أُمُّ خِشْفٍ، بالعَلايَةِ، شادِنٍ، ... تُنَسِّئُ، فِي بَرْدِ الظِّلالِ، غَزالَها
وَخَبَرُ مَا فِي الْبَيْتِ الَّذِي بَعْدَهُ:
بِأَحْسَنَ مِنْهَا، يَوْمَ قامَ نَواعِمٌ، ... فَأَنْكَرْنَ، لَمَّا واجَهَتْهُنَّ، حالَها
ونَسَأَتِ الدَّابَّةُ والماشِيةُ تَنْسَأُ نَسْأً: سَمِنَتْ، وَقِيلَ هُوَ بَدْءُ سِمَنِها حِينَ يَنْبُتُ وَبَرُها بَعْدَ تَساقُطِه. يُقَالُ: جَرَى النَّسْءُ فِي الدَّوابِّ يَعْنِي السِّمَنَ. قَالَ أَبو ذُؤَيْب يَصِفُ ظَبْيةً:
بِهِ أَبَلَتْ شَهْرَيْ رَبِيعٍ كِلَيْهِما، ... فَقَدْ مارَ فِيهَا نَسْؤُها واقْتِرارُها
أَبَلَتْ: جَزَأَتْ بالرُّطْبِ عَنِ الْمَاءِ. ومارَ: جَرَى. والنَّسْءُ: بَدْءُ السِّمَنِ. والاقْتِرَارُ: نِهايةُ سِمَنها عَنْ أَكل اليَبِيسِ. وكلُّ سَمِينٍ ناسِئٌ. والنَّسْءُ، بِالْهَمْزِ، والنَّسِيءُ: اللَّبَنُ الرَّقِيقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: المَمْذُوق بِالْمَاءِ. ونَسَأْتُه نَسْأً ونَسَأْتُه لَهُ ونَسَأْتُه إِيَّاهُ: خَلَطْته
(1/169)

لَهُ بِمَاءٍ، وَاسْمُهُ النَّسْءُ. قَالَ عُروةُ بْنُ الوَرْدِ العَبْسِيّ:
سَقَوْنِي النَّسْءَ، ثُمَّ تَكَنَّفُوني، ... عُداةَ اللهِ، مِنْ كَذِبٍ وزُورِ
وَقِيلَ: النَّسْءُ الشَّرابُ الَّذِي يُزيلُ الْعَقْلَ، وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الأَعرابي النَّسْءَ ههنا. قَالَ: إِنَّمَا سَقَوْه الخَمْر، وَيُقَوِّي ذَلِكَ رِوَايَةُ سِيبَوَيْهِ: سَقَوْني الْخَمْرَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي مَرَّةً: هُوَ النِّسِيءُ، بِالْكَسْرِ، وأَنشد:
يَقُولُون لَا تَشْرَبْ نِسِيئاً، فإنَّه ... عَلَيْكَ، إِذَا مَا ذُقْتَه، لَوخِيمُ
وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّسِيءُ، بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ: وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ الأَعرابي خطأٌ، لأَن فِعِيلًا لَيْسَ فِي الْكَلَامِ إِلَّا أَن يَكُونَ ثَانِي الْكَلِمَةِ أَحدَ حُروف الحَلْق، وَمَا أَطْرفَ قَوْلَه. وَلَا يُقَالُ نَسِيءٌ، بِالْفَتْحِ، مَعَ عِلْمِنَا أَنّ كلَّ فِعِيل بِالْكَسْرِ فَفَعِيلٌ بِالْفَتْحِ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ فِيهِ، فَهَذَا خَطأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فصحَّ أَنَّ النَّسِيءَ، بِالْفَتْحِ، هُوَ الصَّحِيحُ. وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الْبَيْتِ: لَا تَشْرَبْ نَسِيئاً، بالفتح، والله أعلم.
نشأ: أَنْشَأَه اللَّهُ: خَلَقَه. ونَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً ونُشُوءاً ونَشَاءً ونَشْأَةً ونَشَاءَةً: حَيِيَ، وأَنْشَأَ اللهُ الخَلْقَ أَي ابْتَدَأَ خَلْقَهم. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
؛ أَي البَعْثةَ. وقرأَ أَبو عَمْرٍو: النَّشاءةَ، بِالْمَدِّ. الفرّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
؛ القُرَّاءُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى جَزْمِ الشِّينِ وقَصْرِها إِلَّا الحسنَ البَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ مدَّها فِي كلِّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: النَّشاءَةَ مِثْلَ الرّأفةِ والرّآفةِ، والكَأْبةِ والكَآبة. وقرأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأَبو عَمْرٍو: النَّشاءَةَ، مَمْدُودٌ، حَيْثُ وَقَعَتْ. وقرأَ عَاصِمٌ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ النَّشْأَةَ
، بِوَزْنِ النَّشْعةِ حَيْثُ وَقَعَتْ. ونَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً ونُشُوءاً ونَشاءً: رَبا وشَبَّ. ونَشَأْتُ فِي بَنِي فُلَانٍ نَشْأً ونُشُوءاً: شَبَبْتُ فِيهِمْ. ونُشِّئَ وأُنْشِئَ، بِمَعْنًى. وقُرئَ:
أَوَمنْ يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ.
وَقِيلَ الناشِئُ فوَيْقَ المُحْتَلِمِ، وَقِيلَ: هُوَ الحَدَثُ الَّذِي جاوَزَ حَدَّ الصِّغَر، وَكَذَلِكَ الأُنثى ناشِئٌ، بِغَيْرِ هاءٍ أَيضاً، وَالْجَمْعُ مِنْهُمَا نَشَأٌ مِثْلَ طالِبٍ وطَلَبٍ، وَكَذَلِكَ النَشْءُ مِثْلَ صاحِبٍ وصَحْبٍ. قَالَ نُصَيْب فِي المؤَنث:
ولَوْلا أَنْ يُقَالَ صَبا نُصَيْبٌ، ... لَقُلْتُ: بنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغارُ
وَفِي الْحَدِيثِ:
نَشَأٌ يَتَّخِذُونَ القرآنَ مَزامِيرَ.
يُرْوَى بِفَتْحِ الشِّينِ جَمْعُ ناشِئٍ كخادِمٍ وخَدَمٍ؛ يُرِيدُ: جَمَاعَةً أَحداثاً. وَقَالَ أَبو مُوسَى: المحفوظُ بِسُكُونِ الشِّينِ كأَنه تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
ضُمُّوا نَواشِئَكم فِي ثَوْرةِ العِشَاءِ
؛ أَي صِبْيانَكم وأَحْداثَكُم. قَالَ ابْنُ الأَثير: كَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، وَالْمَحْفُوظُ فَواشيَكُم، بِالْفَاءِ، وسيأْتي ذِكْرُهُ فِي الْمُعْتَلِّ. اللَّيْثُ: النَّشْءُ أَحْداثُ النَّاسِ، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ أَيضاً هُوَ نَشْءُ سَوْءٍ، وَهَؤُلَاءِ نَشْءُ سَوْءٍ؛ والناشِئُ الشابُّ. يُقَالُ: فَتىً ناشِئٌ. قَالَ اللَّيْثُ: وَلَمْ أَسمع هَذَا النَّعْتَ فِي الْجَارِيَةِ. الفرّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ هَؤُلَاءِ نَشْءُ صِدْقٍ، ورأَيت نَشْءَ صِدقٍ، وَمَرَرْتُ بِنَشْءِ صِدْقٍ، فإِذا طَرَحُوا الْهَمْزَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ
(1/170)

نَشُو صِدْقٍ، وَرَأَيْتُ نَشا صِدقٍ، وَمَرَرْتُ بِنَشِي صِدقٍ. وأَجْود مِنْ ذَلِكَ حَذْفُ الْوَاوِ والأَلف وَالْيَاءِ، لأَن قَوْلَهُمْ يَسَلُ أَكثر مَنْ يَسأَلُ ومَسَلةٌ أَكثر مِنْ مَسْأَلة. أَبو عَمْرٍو: النَّشَأُ: أَحْداثُ النَّاسِ؛ غلامٌ ناشِئٌ وَجَارِيَةٌ ناشِئةٌ، وَالْجَمْعُ نَشَأٌ. وَقَالَ شَمِرٌ: نَشَأَ: ارْتَفَعَ. ابْنُ الأَعرابي: الناشِئُ: الْغُلَامُ الحَسَنُ الشابُّ. أَبو الْهَيْثَمِ: الناشئُ: الشابُّ حِينَ نَشَأَ أَي بَلَغَ قامةَ الرَّجُلِ. وَيُقَالُ للشابِّ والشابَّة إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ: هُمُ النَّشَأُ، يَا هَذَا، والناشِئُونَ. وأَنشد بَيْتَ نُصَيْبٍ:
لَقُلْتُ بنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغارُ
وَقَالَ بَعْدَهُ: فالنَّشَأُ قَدِ ارْتَفَعْنَ عَنْ حَدِّ الصِّبا إِلَى الإِدْراك أَو قَرُبْنَ مِنْهُ. نَشَأَتْ تَنْشَأُ نَشْأً، وأَنْشأَها اللهُ إنْشاءً. قَالَ: وناشِئٌ ونَشَأٌ: جَمَاعَةٌ مِثْلَ خادِم وخَدَمٍ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: النَّشَأُ الجوارِي الصِّغارُ فِي بَيْتِ نُصَيْب. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ
. قَالَ الفرّاءُ: قرأَ أَصحاب عَبْدِ اللَّهِ يُنَشَّأُ، وقرأَ عَاصِمٌ وأَهل الحجاز يُنَشَّؤُا
. قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا إنَّ الملائكةَ بناتُ اللَّهِ، تَعَالَى اللهُ عَمّا افْتَرَوْا، فَقَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: أَخَصَصْتُم الرحمنَ بالبَناتِ وأَحَدُكم إِذَا وُلِدَ لَهُ بنتٌ يَسْوَدُّ وجهُه. قَالَ: وكأَنه قَالَ: أَوَمَن لَا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الحِلْيةِ، وَلَا بَيان لَهُ عِنْدَ الخِصام، يَعْنِي الْبَنَاتُ تجعلونَهنَّ لله وتَسْتَأْثِرُون بالبنين. والنَّشْئُ، بِسُكُونِ الشِّينِ: صِغار الإِبل، عَنْ كُرَاعٍ. وأَنْشَأَت الناقةُ، وهي مُنْشِءٌ: لَقِحَت، هُذَلِيَّةٌ. ونَشَأَ السحابُ نَشْأً ونُشُوءاً: ارْتَفَعَ وبَدَا، وَذَلِكَ فِي أَوّل مَا يَبْدأُ. وَلِهَذَا السَّحَابِ نَشْءٌ حَسَنٌ، يَعْنِي أَوَّل ظُهُورِهِ. الأَصمعي: خَرَجَ السحابُ لَهُ نَشْءٌ حَسَنٌ وخَرج لَهُ خُروجٌ حَسَنٌ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ، وأَنشد:
إِذَا هَمَّ بالإِقْلاعِ هَمَّتْ بِهِ الصَّبا، ... فَعاقَبَ نَشْءٌ بَعْدَها وخُروجُ
وَقِيلَ: النَّشْءُ أَن تَرى السَّحابَ كالمُلاء المَنْشُور. والنَّشْءُ والنَّشِيءُ: أَوَّلُ مَا يَنْشَأُ مِنَ السَّحَابِ ويَرْتَفِعُ، وَقَدْ أَنْشَأَه اللهُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
كَانَ إِذَا رَأَى ناشِئاً فِي أَفُقِ السماءِ
؛ أَي سَحاباً لَمْ يَتكامَلِ اجتماعُه واصطحابُه. وَمِنْهُ نَشَأَ الصبيُّ يَنْشَأُ، فَهُوَ ناشِئُ، إِذَا كَبِرَ وشَبَّ، وَلَمْ يَتكامَلْ. وأَنْشَا السَّحابُ يَمطُرُ: بَدَأَ. وأَنْشَأَ دَارًا: بَدَأَ بِناءَها. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي فِي تأْدِيةِ الأَمْثالِ عَلَى مَا وُضِعَت عَلَيْهِ: يُؤَدَّى ذَلِكَ فِي كلِّ مَوْضِعٍ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي أُنْشِئَ فِي مَبْدَئِه عَلَيْهَا، فاسْتَعْمَلَ الإِنْشَاءَ فِي العَرَضِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ. وأَنْشَأَ يَحْكِي حَدِيثًا: جَعَل. وأَنْشَأَ يَفْعَلُ كَذَا وَيَقُولُ كَذَا: ابتَدَأَ وأَقْبَلَ. وَفُلَانٌ يُنْشِئُ الأَحاديث أَي يضعُها. قَالَ اللَّيْثُ: أَنْشَأَ فُلَانٌ حَدِيثًا أَي ابْتَدأَ حَدِيثًا ورَفَعَه. ومنْ أَيْنَ أَنْشَأْتَ أَي خَرَجْتَ، عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وأَنْشَأَ فلانٌ: أَقْبلَ. وأَنشد قَوْلَ الرَّاجِزِ:
مَكانَ مَنْ أَنْشَا عَلَى الرَّكائبِ
أَراد أَنْشَأَ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ الشِّعرُ، فأَبدَل. ابْنُ
(1/171)

الأَعرابي: أَنْشَأَ إِذَا أَنشد شِعْراً أَو خَطَبَ خُطْبةً، فأَحْسَنَ فِيهِمَا. ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْ أَبي عَمْرٍو: تَنَشَّأْتُ إِلَى حَاجَتِي: نَهَضْتُ إِلَيْهَا ومَشَيْتُ. وأَنشد:
فلَمَّا أَنْ تَنَشَّأَ قامَ خِرْقٌ، ... مِنَ الفِتْيانِ، مُخْتَلَقٌ، هضُومُ «2»
قَالَ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَعراب يَقُولُ: تَنَشَّأَ فُلَانٌ غَادِيًا إِذَا ذهَب لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ
؛ أَي ابْتَدَعَها وابْتَدَأَ خَلْقَها. وكلُّ مَنِ ابْتَدأَ شَيْئًا فَهُوَ أَنْشَأَه. والجَنَّاتُ: البَساتينُ. مَعْرُوشاتٍ: الكُروم. وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ: النَّخْلُ والزَّرْعُ. ونَشَأَ الليلُ: ارتَفَع. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
. قِيلَ: هِيَ أَوَّل ساعةٍ، وَقِيلَ: الناشِئةُ والنَّشِيئةُ إِذَا نِمْتَ مِنْ أوَّلِ الليلِ نَوْمةً ثمَّ قمتَ، وَمِنْهُ ناشِئةُ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: مَا يَنْشَأُ فِي اللَّيْلِ مِنَ الطَّاعَاتِ. والناشِئةُ: أَوَّلُ النهارِ والليلِ. أَبو عُبَيْدَةَ: ناشِئةُ الليلِ ساعاتُه، وَهِيَ آناءُ الليلِ ناشِئةٌ بَعْدَ ناشِئةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ناشِئةٌ الليلِ ساعاتُ الليلِ كلُّها، مَا نَشَأَ مِنْهُ أَي مَا حَدَثَ، فَهُوَ ناشِئَةٌ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: ناشِئةُ الليلِ قِيامُ الليلِ، مَصْدَرٌ جاءَ عَلَى فاعِلةٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى النَّشْء، مثلُ الْعَافِيَةِ بِمَعْنَى العَفْوِ. والعاقِبةِ بِمَعْنَى العَقْبِ، والخاتِمةِ بمعنى الخَتْمِ. وَقِيلَ: ناشِئةُ اللَّيْلِ أَوَّلُه، وَقِيلَ: كلُّه ناشئةٌ مَتَى قمتَ، فَقَدْ نَشَأْتَ. والنَّشِيئةُ: الرَّطْبُ مِنَ الطَّرِيفةِ، فإِذا يَبِسَ، فَهُوَ طَرِيفةٌ. والنَشِيئةُ أَيضاً: نَبْتُ النَّصِيِّ والصِّلِّيانِ. قَالَ: والقَوْلانِ مُقْتَرِبانِ. والنَّشِيئةُ أَيضاً: التَّفِرةُ إِذَا غَلُظَتْ قَلِيلًا وارْتَفَعَتْ وَهِيَ رَطْبةٌ، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُرَّةُ: النَّشِيئةُ والنَّشْأَةُ مِنْ كلِّ النباتِ: ناهِضُه الَّذِي لَمْ يَغْلُظْ بَعْدُ. وأَنشد لِابْنِ مَناذرَ فِي وَصْفِ حَمِيرِ وَحْشٍ:
أَرناتٍ، صُفْرِ المَناخِرِ والأَشْداقِ، ... يَخْضِدْنَ نَشْأَةَ اليَعْضِيدِ
ونَشِيئَةُ البِئْر: تُرابُها المُخْرَجُ مِنْهَا، ونَشِيئةُ الحَوْضِ: مَا وراءَ النَّصائِب مِنَ التُّرَابِ. وَقِيلَ: هُوَ الحَجَر الَّذِي يُجْعَلُ فِي أَسفل الحَوْضِ. وَقِيلَ: هِيَ أَعْضادُ الحَوض؛ والنَّصائبُ: مَا نُصِبَ حَوْلَه. وَقِيلَ: هُوَ أَوَّل مَا يُعْمَلُ مِنَ الحَوْضِ، يُقَالُ: هُوَ بادِي النَّشِيئةِ إِذَا جَفَّ عَنْهُ الماءُ وظَهَرت أَرْضُه. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
هَرَقْناهُ في بادِي النَّشِيئةِ، دائِرٍ، ... قَديمٍ بِعَهْدِ الماءِ، بُقْعٍ نَصائِبُهْ
يَقُولُ: هَرَقْنا الماءَ فِي حوضٍ بادِي النَّشِيئةِ. والنَّصائبُ: حِجارة الحَوْضِ، وَاحِدَتُهَا نَصِيبةٌ. وَقَوْلُهُ: بُقْعٍ نَصائبُه: جَمْع بَقْعاء، وجَمَعَها بِذَلِكَ لِوُقُوع النَّظَرِ عَلَيْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَنه دَخَل عَلَى خَديجةَ خَطَبَها، ودَخَل عَلَيْهَا مُسْتَنْشِئةٌ مِنْ مُوَلَّداتِ قُرَيْشٍ.
قَالَ الأَزهري: هِيَ اسْمُ تِلْكَ الكاهِنةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: المُسْتَنْشِئةُ: الكاهِنةُ سُمّيت بِذَلِكَ لأَنها كَانَتْ تَسْتَنْشِئُ الأَخْبَارَ أَي تَبْحَثُ عَنْهَا وتَطْلُبها، مِنْ قَوْلِكَ رَجُلٌ نَشْيانُ للخَبَرِ. ومُسْتَنْشِئةٌ يُهْمَزُ وَلَا يهمز. والذِّئب
__________
(2). قوله [تنشأ] سيأتي في مادة خ ل ق عن ابن بري تنشى وهضيم بدل ما ترى وضبط مختلق في التكملة بفتح اللام وكسرها.
(1/172)

يَسْتَنْشِئُ الرِّيحَ، بِالْهَمْزِ. قَالَ: وإِنما هُوَ مِنَ نَشِيتُ الرِّيح، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، أَي شَمِمْتُها. والاسْتِنْشاءُ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الإِنْشَاءِ: الابْتِداءِ. وَفِي خُطْبَةِ الْمُحْكَمِ: وَمِمَّا يُهْمَزُ مِمَّا لَيْسَ أَصله الْهَمْزَ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ قَوْلُهُمُ: الذِّئْبُ يَسْتَنْشِئُ الرِّيحَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ النَّشْوةِ؛ والكاهِنةُ تَسْتَحْدِثُ الأُمورَ وتُجَدِّدُ الأَخْبارَ. وَيُقَالُ: مِنْ أَيْنَ نَشِيتَ هَذَا الخَبَرَ، بِالْكَسْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، أَي مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَه. قَالَ ابْنُ الأَثير وَقَالَ الأَزهريّ: مُسْتَنْشِئةُ اسْمُ عَلَم لتِلك الكاهِنةِ الَّتِي دَخَلت عَلَيْهَا، وَلَا يُنَوَّن لِلتَّعْرِيفِ والتأْنيث. وأَما قَوْلُ صَخْرِ الْغَيِّ:
تَدَلَّى عَلَيْهِ، مِنْ بَشامٍ وأَيْكةٍ ... نَشاةِ فُرُوعٍ، مُرْثَعِنّ الذَّوائِبِ
يَجُوزُ أَن يَكُونَ نَشْأَةٌ فَعْلَةً مِنْ نَشَأَ ثُمَّ يُخفَّفُ عَلَى حدِّ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِمُ الكماةُ والمَراةُ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ نَشاة فَعْلة فَتَكون نَشاة مِنْ أَنْشَأْتُ كطاعةٍ مِنْ أَطَعْتُ، إِلا أَنّ الْهَمْزَةَ عَلَى هَذَا أُبدِلت وَلَمْ تُخَفَّفْ. وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنَ نَشا يَنْشُو بمعنى نَشَأَ يَنْشَأُ، وَقَدْ حَكَاهُ قُطْرُبٌ، فَتَكُونُ فَعَلةً مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، ومِنْ زائدةٌ، عَلَى مَذْهَبِ الأَخفش، أَي تَدَلَّى عَلَيْهِ بَشامٌ وأَيْكةٌ. قَالَ: وَقِيَاسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ شَاهِدٌ فِي اللَّفْظِ؛ التَّعْلِيلُ لِابْنِ جِنِّي. ابْنُ الأَعرابي: النَّشِيءُ رِيح الخَمْر. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ
، وقُرئَ المُنْشِئاتُ، قَالَ: وَمَعْنَى المُنْشَآتُ: السُّفُنُ المَرْفُوعةُ الشُّرُعِ. قَالَ: والمُنْشِئاتُ: الرَّافِعاتُ الشُرُعِ. وَقَالَ الفرّاءُ: مَنْ قرأَ المُنْشِئاتُ فَهُنَّ اللَّاتِي يُقْبِلْنَ ويُدْبِرْنَ، وَيُقَالُ المُنْشِئاتُ: المُبْتَدِئاتُ فِي الجَرْي. قَالَ: والمُنْشَآتُ أُقْبِلَ بِهنَّ وأُدْبِرَ. قَالَ الشَّمَّاخُ:
عَلَيْها الدُّجَى مُسْتَنْشَآتٍ، كَأَنَّها ... هَوادِجُ، مَشْدُودٌ عَلَيْها الجَزاجِزُ
يَعْنِي الزُّبَى المَرْفُوعات. والْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
. قَالَ: هِيَ السُّفُنُ الَّتِي رُفِعَ قَلْعُها، وَإِذَا لَمْ يُرفع قَلْعُها، فَلَيْسَتْ بِمُنْشآتٍ، والله أَعلم.
نصأ: نَصَأَ الدابةَ والبَعِيرَ يَنْصَؤُها نَصْأً إِذَا زَجَرَها. ونَصَأَ الشيءَ نَصْأً، بِالْهَمْزِ رَفَعَه، لُغَةٌ فِي نَصَيْتُ. قَالَ طَرَفَةُ:
أَمُونٍ، كأَلْواحِ الإِرانِ، نَصَأتُها ... عَلَى لاحِبٍ، كأَنَّه ظَهْرُ بُرْجُدِ
نفأ: النُّفَأُ: القِطَعُ مِنَ النّباتِ المُتَفَرِّقةُ هُنا وَهُنَا. وَقِيلَ: هِيَ رِياضٌ مُجْتَمِعةٌ تَنْقَطِع مِنْ مُعْظَم الكَلإِ وتُرْبِي عَلَيْهِ. قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
جادَتْ سَواريه، وآزَرَ نَبْتَه ... نُفَأٌ مِنَ الصَّفْراءِ والزُّبَّاد
فَهُمَا نَبْتانِ مِنَ العُشْب، وَاحِدَتُهُ نُفْأَةٌ مِثْلُ صُبْرةٍ وصُبَرٍ، ونُفَأَةٌ، بِالتَّحْرِيكِ، عَلَى فُعَلٍ. وَقَوْلُهُ: وآزَرَ نَبْتَه يُقَوِّي أَنَّ نُفَأَةً ونُفَأً مِنْ بَابِ عُشَرَةٍ وعُشَرٍ، إِذْ لَوْ كَانَ مُكَسَّرًا لاحْتالَ حَتَّى يُقولَ آزَرَتْ.
نكأ: نَكَأَ القَرْحةَ يَنْكَؤُها نَكْأً: قَشَرَهَا قَبْلَ أَن تَبْرَأَ فَنَدِيَتْ. قَالَ مُتَمِّم بْنُ نُوَيْرَةَ:
قَعِيدَكِ أَن لَا تُسْمِعِينِي مَلامةً، ... وَلَا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤَادِ، فَيِيجَعا
(1/173)

وَمَعْنَى قَعِيدَكِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قِعْدَكَ اللهَ إلَّا فَعَلْتَ، يُريدُون: نَشَدْتُك اللَّهَ إِلَّا فَعَلْتَ. ونَكَأْتُ العَدُوَّ أَنْكَؤُهم: لُغَةٌ فِي نَكَيْتُهم. التَّهْذِيبُ: نَكَأْتُ فِي العَدُوِّ نِكايةً. ابْنُ السِّكِّيتِ فِي بَابِ الحروف التي تهمز، فيكون لَهَا مَعْنًى، وَلَا تُهْمَزُ، فَيَكُونُ لَهَا مَعْنًى آخَرَ: نَكَأْتُ القُرْحةَ أَنْكَؤُها إِذَا قَرَفْتَها، وَقَدْ نَكَيْتُ فِي العَدُوِّ أَنْكِي نِكايةً أَي هَزَمْتُه وغَلَبْتُه، فنَكِيَ يَنْكَى نَكًى. ابْنُ شُمَيْلٍ: نَكَأْتُه حَقّه نَكْأً وزَكَأْتُه زَكْأً أَي قَضَيْتُه. وازْدَكَأْتُ مِنْهُ حَقِّي وانْتَكَأْتُه أَي أَخَذْتُه. ولَتَجِدَنَّه زُكَأَةً نُكَأَةً: يَقْضِي مَا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: هُنِّئْتَ وَلَا تُنْكَأْ أَي هَنَّأَكَ اللَّهُ بِمَا نِلْتَ وَلَا أَصابَكَ بوَجَعٍ. وَيُقَالُ: وَلَا تُنْكَهْ مِثْلُ أَراقَ وهَراقَ. وَفِي التَّهْذِيبِ: أَي أَصَبْتَ خَيْراً وَلَا أَصَابكَ الضُّرُّ، يَدْعُو لَهُ. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ فِي هَذَا الْمَثَلِ لَا تَنْكَهْ وَلَا تُنْكَهْ جَمِيعًا، مَنْ قَالَ لَا تَنْكَهْ، فالأَصل لَا تَنْكَ بِغَيْرِ هَاءٍ، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْكَافِ اجْتَمَعَ سَاكِنَانِ فَحُرِّكَ الْكَافُ وَزِيدَتِ الهاءُ يَسْكُتُونَ عَلَيْهَا. قَالَ: وقولهم هُنِّئْتَ أَي ظَفِرت بِمَعْنَى الدعاءِ لَهُ، وَقَوْلُهُمْ لَا تُنْكَ أَي لَا نُكِيتَ أَي لَا جَعَلَك اللهُ مَنْكِيّاً مُنْهَزِماً مَغْلوباً. والنَّكَأَةُ: لُغَةٌ فِي النَّكَعَةِ، وَهُوَ نَبْتٌ شِبْهُ الطُّرْثُوثِ. وَاللَّهُ أَعلم.
نمأ: النَّمْءُ والنَّمْوُ «1»: القَمْلُ الصِّغارُ، عن كراع.
نهأ: النَّهِيءُ عَلَى مِثَالِ فَعيلٍ: اللَحْمُ الَّذِي لَمْ يَنْضَجْ. نَهِئَ اللَّحْمُ ونَهُؤَ نَهَأً، مَقْصُورٌ، يَنْهَأُ نَهْأً ونَهَأً ونَهَاءَةً، ممدود، عل فَعَالةٍ، ونُهُوءَةً «2» عَلَى فُعُولةٍ، ونُهُوءًا ونَهاوةً، الأَخيرة شَاذَّةٌ، فَهُوَ نَهِيءٌ، عَلَى فَعِيل: لَمْ يَنْضَجْ. وَهُوَ بَيِّنُ النُّهُوءِ، مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ، وبَيِّن النُّيُوءِ: مِثْلُ النُّيُوع. وأَنْهَأَه هُوَ إنْهاءً، فَهُوَ مُنْهَأٌ إِذَا لَمْ يُنْضِجْه. وأَنْهَأَ الأَمرَ: لَمْ يُبْرِمْه. وشَرِبَ فُلَانٌ حَتَّى نَهَأَ أَي امتلأَ. وَفِي الْمَثَلِ: مَا أُبالي مَا نَهِئَ مِنْ ضَبِّكَ. ابن لأَعرابي: الناهِئُ: الشَّبْعانُ والرَّيّانُ، وَاللَّهُ أَعلم.
نوأ: ناءَ بِجِمْلِه يَنُوءُ نَوْءًا وتَنْوَاءً: نَهَضَ بجَهْد ومَشَقَّةٍ. وَقِيلَ: أُثْقِلَ فسقَطَ، فَهُوَ مِنَ الأَضداد. وَكَذَلِكَ نُؤْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: ناءَ بالحِمْل إِذَا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا. وناءَ بِهِ الحِملُ إِذَا أَثْقَلَه. والمرأَة تنُوءُ بِهَا عَجِيزَتُها أَي تُثْقِلُها، وَهِيَ تَنُوءُ بِعَجِيزَتِها أَي تَنْهَضُ بِهَا مُثْقلةً. وناءَ بِهِ الحِمْلُ وأَناءَه مِثْلُ أَناعَه: أَثْقَلَه وأَمالَه، كَمَا يُقَالُ ذهَبَ بِهِ وأَذْهَبَه، بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
. قَالَ: نُوْءُها بالعُصْبةِ أَنْ تُثْقِلَهم. وَالْمَعْنَى إنَّ مفاتِحَه لَتَنُوءُ بالعُصْبةِ أَي تُمِيلُهم مِن ثِقَلِها، فَإِذَا أَدخلت الباءَ قُلْتَ تَنُوءُ بِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. وَالْمَعْنَى ائْتُوني بقِطْرٍ أُفْرِغْ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَذَفْتَ الباءَ زدْتَ عَلَى الْفِعْلِ فِي أَوله. قَالَ الفرّاءُ: وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهل الْعَرَبِيَّةِ:
__________
(1). قوله [النمء والنموُ إلخ] كذا في النسخ والمحكم وقال في القاموس النَّمَأُ والنَّمْءُ كجَبَلٍ وحَبْلٍ وأورده المؤلف في المعتل كما هنا فلم يذكروا النَّمَأَ كجَبَلٍ، نعم هو في التكملة عن ابن الأَعرابي.
(2). قوله [ونُهُوءَةً إلخ] كذا ضبط في نسخة من التهذيب بالضم وكذا به أيضاً في قوله بين النُّهُوء وفي شرح القاموس كقبول.
(1/174)

مَا إنَّ العُصْبةَ لَتَنُوءُ بِمفاتِحِه، فَحُوِّلَ الفِعْلُ إِلَى المَفاتِحِ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
إِنَّ سِراجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ، ... تَحْلى بهِ العَيْنُ، إِذَا مَا تَجْهَرُهْ
وَهُوَ الَّذِي يَحْلى بالعين، فإذا كَانَ سُمِعَ آتَوْا بِهَذَا، فَهُوَ وَجْه، وإلَّا فَإِنَّ الرجُلَ جَهِلَ الْمَعْنَى. قَالَ الأَزهري: وأَنشدني بَعْضُ الْعَرَبِ:
حَتَّى إِذَا مَا التَأَمَتْ مَواصِلُهْ، ... وناءَ، فِي شِقِّ الشِّمالِ، كاهِلُهْ
يَعْنِي الرَّامي لَمَّا أَخَذَ القَوْسَ ونَزَعَ مالَ عَلَيْها. قَالَ: وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ مَا ساءَكَ وناءَكَ: مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنه أَلقَى الأَلفَ لأَنه مُتْبَعٌ لِساءَكَ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: أَكَلْتُ طَعاماً فهَنَأَني ومَرَأَني، مَعْنَاهُ إِذَا أُفْرِدَ أَمْرَأَني فَحُذِفَ مِنْهُ الأَلِف لَمَّا أُتْبِعَ مَا لَيْسَ فِيهِ الأَلِف، وَمَعْنَاهُ: مَا ساءَكَ وأَناءَكَ. وَكَذَلِكَ: إنِّي لآتِيهِ بالغَدايا والعَشايا، والغَداةُ لَا تُجمع عَلَى غَدايا. وَقَالَ الفرَّاءُ: لَتُنِيءُ بالعُصْبةِ: تُثْقِلُها، وَقَالَ:
إنِّي، وَجَدِّك، لَا أَقْضِي الغَرِيمَ، وإِنْ ... حانَ القَضاءُ، وَمَا رَقَّتْ لَهُ كَبِدِي
إلَّا عَصا أَرْزَنٍ، طارَتْ بُرايَتُها، ... تَنُوءُ ضَرْبَتُها بالكَفِّ والعَضُدِ
أَي تُثْقِلُ ضَرْبَتُها الكَفَّ والعَضُدَ. وَقَالُوا: لَهُ عِنْدِي مَا سَاءَه وَناءَه أَي أَثْقَلَه وَمَا يَسُوءُه ويَنُوءُه. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَراد ساءَه وناءَه وإِنما قَالَ ناءَه، وَهُوَ لَا يَتَعدَّى، لأَجل ساءَه، فَهُمْ إِذَا أَفردوا قَالُوا أَناءَه، لأَنهم إِنَّمَا قَالُوا ناءَه، وَهُوَ لَا يتعدَّى لِمَكَانِ سَاءَه ليَزْدَوِجَ الْكَلَامُ. والنَّوْءُ: النَّجْمُ إِذَا مَالَ للمَغِيب، وَالْجَمْعُ أَنْواءٌ ونُوآنٌ، حَكَاهُ ابْنُ جِنِّي، مِثْلُ عَبْد وعُبْدانٍ وبَطْنٍ وبُطْنانٍ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِها. ... إِذَا قَحَطَ الغَيْثُ، نُوآنُها
وَقَدْ ناءَ نَوْءاً واسْتَناءَ واسْتَنْأَى، الأَخيرة عَلَى القَلْب. قَالَ:
يَجُرُّ ويَسْتَنْئِي نَشاصاً، كأَنَّه ... بِغَيْقةَ، لَمَّا جَلْجَلَ الصَّوْتَ، جالِبُ
قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: اسْتَنْأَوُا الوَسْمِيَّ: نَظَرُوا إِلَيْهِ، وأَصله مِنَ النَّوْءِ، فقدَّم الهمزةَ. وَقَوْلُ ابْنِ أَحمر:
الفاضِلُ، العادِلُ، الهادِي نَقِيبَتُه، ... والمُسْتَناءُ، إِذَا مَا يَقْحَطُ المَطَرُ
المُسْتَنَاءُ: الَّذِي يُطْلَبُ نَوْءُه. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَعْنَاهُ الَّذِي يُطْلَبُ رِفْدُه. وَقِيلَ: مَعْنَى النَّوْءِ سُقوطُ نَجْمٍ مِنَ المَنازِل فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وطُلوعُ رَقِيبه، وَهُوَ نَجْمٌ آخَرُ يُقابِلُه، مِنْ سَاعَتِهِ فِي الْمَشْرِقِ، فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَهَكَذَا كلُّ نَجْمٍ مِنْهَا إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ، مَا خَلَا الجَبْهةَ، فَإِنَّ لَهَا أَربعة عَشَرَ يَوْمًا، فتنقضِي جميعُها مَعَ انقضاءِ السَّنَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَوْءاً لأَنَّه إِذَا سَقَطَ الغارِبُ ناءَ الطالِعُ، وَذَلِكَ الطُّلوع هُوَ النَّوْءُ. وبعضُهم يَجْعَلُ النَّوْءَ السُّقُوطَ، كأَنه مِنَ الأَضداد. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَمْ يُسْمع فِي النَّوْءِ أَنه السُّقوط إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُضِيفُ الأَمْطار والرِّياح والحرَّ وَالْبَرْدَ إِلَى السَّاقِطِ مِنْهَا. وَقَالَ
(1/175)

الأَصمعي: إِلَى الطَّالِعِ مِنْهَا فِي سُلْطَانِهِ، فَتَقُولُ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذَا، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: نَوْءُ النَّجْمِ: هُوَ أَوَّل سُقُوطٍ يُدْرِكُه بالغَداة، إِذَا هَمَّت الكواكِبُ بالمُصُوحِ، وَذَلِكَ فِي بَيَاضِ الْفَجْرِ المُسْتَطِير. التَّهْذِيبِ: ناءَ النجمُ يَنْوءُ نَوْءاً إِذَا سقَطَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
ثلاثٌ مِنَ أَمْرِ الجاهِليَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ والنِّياحةُ والأَنْواءُ.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الأَنواءُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَجْمًا مَعْرُوفَةَ المَطالِع فِي أزْمِنةِ السَّنَةِ كُلِّهَا مِنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ، يَسْقُطُ مِنْهَا فِي كُلِّ ثلاثَ عَشْرة لَيْلَةً نجمٌ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، ويَطْلُع آخَرُ يُقَابِلُهُ فِي الْمَشْرِقِ مِنْ سَاعَتِهِ، وَكِلَاهُمَا مَعْلُومٌ مُسَمًّى، وانقضاءُ هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ كُلِّهَا مَعَ انقضاءِ السَّنَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الأَمر إِلَى النَّجْمِ الأَوّل مَعَ اسْتِئْنَافِ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا نَجْمٌ وَطَلَعَ آخَرُ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ أَن يَكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ مَطَرٌ أَو رِيَاحٌ، فيَنْسِبُون كلَّ غَيْثٍ يَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ النَّجْمِ، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُرَيَّا والدَّبَرانِ والسِّماكِ. والأَنْوَاءُ وَاحِدُهَا نَوْءٌ. قَالَ: وإِنما سُمِّيَ نَوْءاً لأَنه إِذَا سَقَط الساقِط مِنْهَا بِالْمَغْرِبِ ناءَ الطَّالِعُ بِالْمَشْرِقِ يَنُوءُ نَوْءاً أَي نَهَضَ وطَلَعَ، وَذَلِكَ النُّهُوض هُوَ النَّوْءُ، فَسُمِّيَ النَّجْمُ بِهِ، وَذَلِكَ كُلُّ نَاهِضٍ بِثِقَلٍ وإبْطَاءٍ، فَإِنَّهُ يَنُوءُ عِنْدَ نُهوضِه، وَقَدْ يَكُونُ النَّوْءُ السُّقُوطُ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ النَّوْءَ السُّقُوطُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
تَنُوءُ بِأُخْراها، فَلأْياً قِيامُها؛ ... وتَمْشِي الهُوَيْنَى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ
مَعْنَاهُ: أَنَّ أُخْراها، وَهِيَ عَجِيزَتُها، تُنِيئُها إِلَى الأَرضِ لِضخَمِها وكَثْرة لَحْمِهَا فِي أَرْدافِها. قَالَ: وَهَذَا تَحْوِيلٌ لِلْفِعْلِ أَيضاً. وَقِيلَ: أَراد بالنَّوْءِ الغروبَ، وَهُوَ مِنَ الأَضْداد. قَالَ شَمِرٌ: هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ وَعِشْرُونَ، الَّتِي أَراد أَبو عُبَيْدٍ، هِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الفُرْس وَالرُّومِ وَالْهِنْدِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنها ثَمَانِيَةُ وَعِشْرُونَ، يَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلَةٍ مِنْهَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ. قَالَ شَمِرٌ: وَقَدْ رأَيتها بِالْهِنْدِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ مُتَرْجَمَةً. قَالَ: وَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ فِيمَا أَخبرني بِهِ ابْنُ الأَعرابي: الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والنَّجْمُ، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراع، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهةُ، والخَراتانِ، والصَّرْفَةُ، والعَوَّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَى، والإِكْليلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلةُ، والنَّعائمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْو المُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، والحُوتُ. قَالَ: وَلَا تَسْتَنِيءُ العَرَبُ بِهَا كُلِّها إِنَّمَا تَذْكُرُ بالأَنْواءِ بَعْضَها، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ فِي أَشعارهم وَكَلَامِهِمْ. وَكَانَ ابْنُ الأَعرابي يَقُولُ: لَا يَكُونُ نَوْءٌ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ مَطَر، وَإِلَّا فَلَا نَوْءَ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَول الْمَطَرِ: الوَسْمِيُّ، وأَنْواؤُه العَرْقُوتانِ المُؤَخَّرتانِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُمَا الفَرْغُ المُؤَخَّر ثُمَّ الشَّرَطُ ثُمَّ الثُّرَيَّا ثُمَّ الشَّتَوِيُّ، وأَنْواؤُه الجَوْزاءُ، ثمَّ الذِّراعانِ، ونَثْرَتُهما، ثمَّ الجَبْهةُ، وَهِيَ آخِر الشَّتَوِيِّ، وأَوَّلُ الدَّفَئِيّ والصَّيْفِي، ثُمَّ الصَّيْفِيُّ، وأَنْواؤُه السِّماكانِ الأَوَّل الأَعْزَلُ، والآخرُ الرَّقيبُ، وَمَا بَيْنَ السِّماكَيْنِ صَيف، وَهُوَ نَحْوُ مِنْ أَربعين يَوْمًا، ثمَّ الحَمِيمُ، وَهُوَ نَحْوُ مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً عِنْدَ طُلُوعِ
(1/176)

الدَّبَرانِ، وَهُوَ بَيْنَ الصيفِ والخَرِيفِ، وَلَيْسَ لَهُ نَوْءٌ، ثمَّ الخَرِيفِيُّ وأَنْواؤُه النَّسْرانِ، ثمَّ الأَخْضَرُ، ثُمَّ عَرْقُوتا الدَّلْوِ الأُولَيانِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهُمَا الفَرْغُ المُقَدَّمُ. قَالَ: وكلُّ مطَر مِنَ الوَسْمِيِّ إِلَى الدَّفَئِيِّ ربيعٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي بَعْضٍ أَمالِيهِ وذَكر قَوْلَ
النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَالَ سُقِينا بالنَّجْمِ فَقَدْ آمَنَ بالنَّجْم وكَفَر باللهِ، وَمَنْ قَالَ سَقانا اللهُ فَقَدْ آمَنَ باللهِ وكَفَر بالنَّجْمِ.
قَالَ: وَمَعْنَى مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذَا، أَي مُطِرْنا بطُلوع نَجْمٍ وسُقُوط آخَر. قَالَ: والنَّوْءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ سُقُوط نَجْمٍ فِي المَغْرِب وطُلوعُ آخَرَ فِي الْمَشْرِقِ، فالساقِطةُ فِي الْمَغْرِبِ هِيَ الأَنْواءُ، والطالِعةُ فِي الْمَشْرِقِ هِيَ البَوارِحُ. قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّوْءُ ارْتِفاعُ نَجْمٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَسُقُوطُ نَظِيرِهِ فِي الْمَغْرِبِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْقَوْلِ الأَوَّل، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ مُطِرْنا بِنَوْءِ الثرَيَّا، فإِنما تأْويله أَنَّه ارْتَفَعَ النَّجْمُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَسَقَطَ نَظِيرُهُ فِي الْمَغْرِبِ، أَي مُطِرْنا بِمَا ناءَ بِهِ هَذَا النَّجمُ. قَالَ: وإِنما غَلَّظَ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهَا لأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَن ذَلِكَ الْمَطَرَ الَّذِي جاءَ بسقوطِ نَجْمٍ هُوَ فِعْلُ النَّجْمِ، وَكَانَتْ تَنْسُبُ الْمَطَرَ إِلَيْهِ، وَلَا يَجْعَلُونَهُ سُقْيا مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ وافَقَ سقُوطَ ذَلِكَ النَّجْمِ المطرُ يَجْعَلُونَ النجمَ هُوَ الْفَاعِلَ، لأَن فِي الْحَدِيثِ دَلِيلَ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ:
مَن قَالَ سُقِينا بالنَّجْمِ فَقَدْ آمَنَ بالنَّجْم وكَفَرَ باللهِ.
قَالَ أَبو إِسحاق: وأَما مَنْ قَالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمَعْنَى ومرادُه أَنَّا مُطِرْنا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَلِمَ يَقْصِدْ إِلَى فِعْل النَّجْمِ، فَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعلم، جَائِزٌ، كَمَا جاءَ
عَنْ عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّه اسْتَسْقَى بالمُصَلَّى ثُمَّ نادَى العباسَ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيَّا؟ فَقَالَ: إنَّ العُلماءَ بِهَا يَزْعُمُونَ أَنها تَعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ سَبْعاً بَعْدَ وقُوعِها، فواللهِ مَا مَضَتْ تِلْكَ السَّبْعُ حَتَّى غِيثَ الناسُ
، فَإِنَّمَا أَراد عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَمْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أنَّه إِذَا تَمَّ أَتَى اللهُ بِالْمَطَرِ. قَالَ ابْنُ الأَثير: أَمَّا مَنْ جَعلَ المَطَر مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى، وأَراد بِقَوْلِهِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذَا أَي فِي وَقْت كَذَا وَهُوَ هَذَا النَّوْءُ الْفُلَانِيُّ، فإِن ذَلِكَ جَائِزٌ أَي إِن اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ أَن يأْتِيَ المَطَرُ فِي هَذِهِ الأَوقات. قَالَ: ورَوى
عَليٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّه قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ؛ قَالَ: يَقُولُونَ مُطِرْنا بنوءِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَعْنَاهُ: وتَجْعَلُون شُكْرَ رِزْقِكم، الَّذِي رَزَقَكُمُوه اللَّهُ، التَّكْذِيبَ أَنَّه مِنْ عندَ الرَّزَّاقِ، وَتَجْعَلُونَ الرِّزْقَ مِنْ عندِ غيرِ اللهِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ؛ فأَمَّا مَنْ جَعَلَ الرِّزْقَ مِن عندِ اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وجَعَل النجمَ وقْتاً وقَّتَه للغَيْثِ، وَلَمْ يَجعلْه المُغِيثَ الرَّزَّاقَ، رَجَوْتُ أَن لَا يَكُونُ مُكَذِّباً، وَاللَّهُ أَعلم. قَالَ: وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ أَبو إِسحاق وَغَيْرُهُ مِنْ ذَوِي التَّمْيِيزِ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: هَذِهِ الأَنْواءُ فِي غَيْبوبة هَذِهِ النُّجُومِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَصل النَّوْءِ: المَيْلُ فِي شِقٍّ. وَقِيلَ لِمَنْ نَهَضَ بِحِمْلِهِ: ناءَ بِهِ، لأَنَّه إِذَا نَهَضَ بِهِ، وَهُوَ ثَقِيلٌ، أَناءَ الناهِضَ أَي أَماله. وَكَذَلِكَ النَّجْمُ، إِذَا سَقَطَ، مائلٌ نحوَ مَغِيبه الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الإِصلاح: مَا بِالبادِيَةِ أَنْوَأُ مِنْ فُلَانٍ، أَي أَعْلَمُ بأَنْواءِ النُّجوم مِنْهُ، وَلَا فِعْلَ لَهُ. وَهَذَا أَحد مَا جاءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ غَيْرِ أَن يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ أَحْنَكِ الشَّاتَيْنِ وأَحْنَكِ البَعِيرَيْنِ.
(1/177)

قَالَ
أَبو عُبَيْدٍ: سُئِلَ ابْنِ عبَّاس، رَضِيَ اللَّهُ عنهما، عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِه بِيَدِها، فَقَالَتْ لَهُ: أَنت طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: خَطَّأَ اللهُ نَوْءَها أَلّا طَلَّقَتْ نَفْسها ثَلَاثًا.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: النَّوْءُ هُوَ النَّجْم الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْمَطَرُ، فَمن هَمَز الْحَرْفَ أَرادَ الدُّعاءَ عَلَيْهَا أَي أَخْطَأَها المَطَرُ، وَمَنْ قَالَ خطَّ اللهُ نَوْءَها جَعَلَه مِنَ الخَطِيطَةِ. قَالَ أَبو سَعِيدٍ: مَعْنَى النَّوْءِ النُّهوضُ لَا نَوْءُ الْمَطَرِ، والنَّوْءُ نُهُوضُ الرَّجل إِلَى كلِّ شيءٍ يَطْلُبه، أَرَادَ: خَطَّأَ اللهُ مَنْهَضَها ونَوْءَها إِلَى كلِّ مَا تَنْوِيه، كَمَا تَقُولُ: لَا سَدّدَ اللهُ فُلَانًا لِمَا يَطْلُب، وَهِيَ امرأَة قَالَ لَهَا زَوْجُها: طَلِّقي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ لَهُ: طَلَّقْتُكَ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَوْ عَقَلَتْ لَقالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي. وَرَوَى ابْنُ الأَثير هَذَا الحديثَ عَنْ عُثمانَ، وَقَالَ فِيهِ:
إنَّ اللهَ خَطَّأَ نَوْءَها أَلَّا طَلَّقَتْ نَفْسَها.
وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: قِيلَ هُوَ دُعاءٌ عَلَيْهَا، كَمَا يُقَالُ: لَا سَقاه اللَّهُ الغَيْثَ، وأَراد بالنَوْءِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ المَطَر. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: هَذَا لَا يُشْبِهُ الدُّعاءَ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ، وَالَّذِي يُشْبِهُ أَن يَكُونَ دُعاءً حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
خَطَّأَ اللهُ نَوْءَها
، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَها لَوَقَعَ الطَّلاق، فَحَيْثُ طَلَّقَتْ زوجَها لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ، وَكَانَتْ كَمَنْ يُخْطِئُه النَّوْءُ، فَلَا يُمْطَر. وناوَأْتُ الرَّجُلَ مُناوَأَةً ونِوَاءً: فاخَرْتُه وعادَيْتُه. يُقَالُ: إِذَا ناوَأْتَ الرجلَ فاصْبِرْ، وَرُبَّمَا لَمْ يُهمز وأَصله الْهَمْزُ، لأَنَّه مِنْ ناءَ إلَيْكَ ونُؤْتَ إِلَيْهِ أَي نَهَضَ إليكَ وَنهَضْتَ إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا أَنْتَ ناوَأْتَ الرِّجالَ، فَلَمْ تَنُؤْ ... بِقَرْنَيْنِ، غَرَّتْكَ القُرونُ الكَوامِلُ
وَلَا يَسْتَوِي قَرْنُ النِّطاحِ، الَّذِي بِهِ ... تَنُوءُ، وقَرْنٌ كُلَّما نُؤتَ مائلُ
والنَّوْءُ والمُناوَأَةُ: المُعاداةُ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي الْخَيْلِ:
ورجُلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِياءً ونِوَاءً لأَهل الإِسلام
، أَي مُعاداةً لَهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا تَزالُ طائفةٌ مِنْ أُمّتي ظاهرينَ عَلَى مَن ناوَأَهم
؛ أَي ناهَضَهم وعاداهم.
نيأ: ناءَ الرجلُ، مِثْلُ ناعَ، كَنَأَى، مَقْلُوبٌ مِنْهُ: إِذَا بَعُدَ، أَو لُغَةٌ فِيهِ. أَنشد يَعْقُوبُ:
أَقولُ، وَقَدْ ناءَتْ بِهِمْ غُرْبةُ النَّوَى، ... نَوًى خَيْتَعُورٌ، لَا تَشِطُّ دِيارُكِ
وَاسْتَشْهَدَ الْجَوْهَرِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِقَوْلِ سَهْمِ بْنِ حَنْظَلَةَ:
مَنْ إنْ رآكَ غَنِيّاً لانَ جانِبُه؛ ... وإنْ رَآكَ فَقِيراً ناءَ، فاغْتَربا
ورأَيت بِخَطِّ الشَّيْخِ الصَّلَاحِ الْمُحَدِّثِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّ الَّذِي أَنشده الأَصمعي لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ:
إِذَا افْتَقَرْتَ نَأَى، واشْتَدَّ جانِبُه؛ ... وإنْ رَآَكَ غَنِيّاً لانَ، واقْتَرَبا
وناءَ الشيءُ واللَّحْمُ يَنِيءُ نَيْئاً، بِوَزْنٍ ناعَ يَنِيعُ نَيْعاً، وأَنَأْتُه أَنا إِناءَةً إِذَا لَمْ تُنْضِجْه. وَكَذَلِكَ نَهِئَ اللحمُ، وَهُوَ لَحْمٌ بَيِّنُ النُّهُوءِ والنُّيُوءِ، بِوَزْنِ النُّيُوعِ، وَهُوَ بَيِّنُ النُّيُوءِ والنُّيُوءَةِ: لَمْ يَنْضَجْ. وَلَحْمٌ نِيءٌ، بِالْكَسْرِ، مِثْلُ نِيعٍ: لَمْ تَمْسَسْه نَارٌ؛ هَذَا هُوَ الأَصل. وَقَدْ يُترك الْهَمْزُ ويُقلب يَاءً فَيُقَالُ: نِيٌّ، مشدَّداً. قَالَ أَبو
(1/178)

ذُؤَيْبٍ:
عُقارٌ كَماءِ النِّيِّ لَيْسَتْ بخَمْطةٍ؛ ... وَلَا خَلَّةٍ، يَكْوِي الشَّرُوبَ شِهابُها
شِهابُها: نارُها وحِدَّتُها. وأَناءَ اللحمَ يُنيئُه إِناءَةً إِذَا لَمْ يُنْضِجْه. وَفِي الْحَدِيثِ:
نَهَى عَنْ أَكل اللَّحْم النِّيءِ
: هُوَ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، أَو طُبِخَ أَدْنَى طَبْخ وَلَمْ يُنْضَجْ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لحمٌ نِيٌّ، فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَ وأَصله الْهَمْزُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ للبَن المَحْضِ: نِيءٌ، فَإِذَا حَمُضَ، فَهُوَ نَضِيج. وأَنشد الأَصمعي:
إِذَا مَا شِئْتُ باكَرَني غُلامٌ ... بِزِقٍّ، فِيهِ نِيءٌ، أَو نَضِيجُ
وَقَالَ: أَراد بالنِّيءِ خَمْراً لَمْ تَمَسَّها النارُ، وبالنَّضِيجِ المَطْبُوخَ. وَقَالَ شَمِرٌ: النِّيءُ مِنَ اللَّبَنِ ساعةَ يُحْلَبُ قَبْلَ أَن يُجْعَلَ فِي السِّقاءِ. قَالَ شَمِرٌ: وناءَ اللحمُ يَنُوءُ نَوْءاً ونِيّاً، لَمْ يَهْمِزْ نِيّاً، فَإِذَا قَالُوا النَّيُّ. بِفَتْحِ النُّونِ، فَهُوَ الشَّحْمُ دُونَ اللَّحْمِ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
فظَلْتُ، وظَلَّ أَصْحابي، لَدَيْهِمْ ... غَريضُ اللَّحْم: نِيٌّ أو نَضِيجُ

فصل الهاء
هأهأ: الهأْهاءُ: دُعاءُ الإِبل إِلَى العَلَفِ؛ وَهُوَ زجْر الْكَلْبِ وإشْلاؤُه؛ وَهُوَ الضَّحِكُ العالِي. وهَأْهَأَ إِذَا قَهْقَهَ وأَكثر المَدَّ. وأَنشد:
أَهَأْ أَهَأْ، عِند زادِ القَوْمِ، ضِحْكُهُمُ، ... وأَنْتُمُ كُشُفٌ، عندَ اللِّقا، خُورُ؟ «3»
الأَلف قَبْلَ الْهَاءِ، لِلْاسْتِفْهَامِ، مُسْتَنْكر. وهَأْهَأَ بالإِبِلِ هِئْهاءً وهَأْهاءً، الأَخيرة نادرةٌ: دَعَاهَا إِلَى العَلَفِ، فَقَالَ هِئْ هِئْ. وَجَارِيَةٌ هَأْهأَةٌ، مَقْصُورٌ: ضَحَّاكةٌ. وجَأْجَأْتُ بالإِبل: دَعَوْتُها للشُّرْب. وَالْاسْمُ الهِيءُ والجِيءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. الأَزهري: هاهَيْتُ بالإِبل: دَعَوْتُها. وهَأْهَأْتُ للْعَلَف، وجَأْجَأْتُ بالإِبل لِتَشْرَبَ. وَالْاسْمُ مِنْهُ: الهِيءُ والجِيءُ. وأَنشد لِمُعَاذِ بْنِ هَرَّاءٍ:
وَمَا كانَ، عَلَى الهِيءِ، ... وَلَا الجِيءِ، امْتِداحِيكا
رأَيت بِخَطِّ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ المُرْسِي بْنِ أَبي الفَضْل: أَنَّ بِخَطِّ الأَزهري الهِيءِ والجِيءِ، بِالْكَسْرِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قيَّدهما فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي جَامِعِ اللِّحْيَانِيِّ: رجلٌ هَأْهَأٌ وهَأْهَاءٌ مِنَ الضَّحِكِ. وأَنشد:
يَا رُبَّ بَيْضاءَ مِنَ العَواسِجِ، ... هَأْهَأَةٍ، ذاتِ جَبِينٍ سارج «4»
هبأ: الهَبْءُ: حَيٌّ.
هتأ: هَتَأَه بالعَصا هَتْأً: ضرَبَه. وتَهَتَّأَ الثوبُ: تَقَطَّعَ وبَلِيَ، بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ تَهَمَّأَ، بِالْمِيمِ، وتَفَسَّأَ. وكلٌّ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. ومَضَى مِنَ اللَّيْلِ هَتْءٌ وهِتْءٌ وهِيتَأٌ وهِيتَاءٌ وهَزيعٌ أَي وَقْتٌ. أَبو الْهَيْثَمِ: جَاءَ بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وهَتْأَةٍ. اللِّحْيَانِيُّ: جَاءَ بَعْدَ هَتِيءٍ، على فَعِيلٍ،
__________
(3). قوله [أهأ أهأ إلخ] هذا الْبَيْتُ أَوْرَدَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُعْتَلِّ فقال:
أَهَا أَهَا، عِنْدَ زَادِ القوم، ضحكتهم
. والوغى بدل اللقا.
(4). قوله [سارج] في التهذيب أي حسن، اشتقاقه من السراج، وفي التكملة السارج الواضح.
(1/179)

وهَتْءٍ، عَلَى فَعْلٍ، وهَتْيٍ، بِلَا هَمْزٍ، وهِتاءٍ وهِيتاءٍ، مَمْدُودَانِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: ذهَب هِتْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَمَا بقيَ إِلَّا هِتْءٌ، وَمَا بَقيَ مِنْ غَنَمِهِمْ إِلَّا هِتْءٌ، وَهُوَ أَقلُّ مِنَ الذَّاهبة. وَفِيهَا هَتَأٌ شَدِيدٌ، غَيْرُ مَمْدُودٍ، وهُتُوءٌ، يريدُ شَقٌّ وخَرْقٌ.
هجأ: هَجِئَ الرَّجُل هَجَأً: التَهبَ جُوعُه، وهَجَأَ جُوعُه هَجْأً وهُجُوءاً: سَكَنَ وذهَب. وهَجَأَ غَرَثِي يَهْجَأُ هَجْأً: سَكَنَ وذهَب وانْقَطَع. وهَجَأَه الطعامُ يَهْجَؤُهُ هَجْأً: مَلَأَه، وهَجَأَ الطعامَ: أَكله. وأَهْجَأَ الطعامُ غَرَثِي: سكَّنه وقَطَعَه، إهْجاءً. قال:
فأَخْزاهُمُ رَبِّي، ودَلَّ عَليْهِمُ، ... وأَطْعَمَهُم مِنْ مَطْعَمٍ غَيْرِ مُهْجِئِ
وهَجَأَ الإِبلَ والغنمَ وأَهْجَأَها: كَفَّها لِتَرْعى. والهِجاءُ، مَمْدُودٌ: تَهْجِئَةُ الْحَرْفِ. وتَهَجَّأْت الْحَرْفَ وَتَهَجَّيْتُهُ، بِهَمْزٍ وَتَبْدِيلٍ. أَبو الْعَبَّاسِ: الهَجَأُ يُقصر وَيُهْمَزُ، وَهُوَ كلُّ مَا كُنْتَ فِيهِ، فانْقَطَع عَنْكَ. وَمِنْهُ قَوْلُ بَشَّارٍ، وقَصَره وَلَمْ يَهْمِزْ، والأَصل الْهَمْزُ:
وقَضَيْتُ مِنْ وَرَقِ الشَّبابِ هَجاً، ... مِنْ كُلِّ أَحْوَزَ راجِحٍ قَصَبُهْ
وأَهْجَأْتُه حَقَّه وأَهْجَيْتُه حَقَّه إِذَا أَدّيته إِلَيْهِ.
هدأ: هَدَأَ يَهْدَأُ هَدْءاً وهُدُوءاً: سَكَن، يَكُونُ فِي سُكُونِ الْحَرَكَةِ والصّوْت وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ هَرْمةَ:
لَيْتَ السِّباعَ لَنا كَانَتْ مُجاوِرةً، ... وأَنَّنا لَا نَرَى، مِمَّنْ نَرَى، أَحَدا
إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا عَنْ فَرائِسها، ... والناسُ لَيْسَ بهادٍ شَرُّهم أَبَدا
أَراد لَتَهْدَأُ وبهادِئٍ، فأَبدل الْهَمْزَةَ إِبدالًا صَحِيحًا، وَذَلِكَ أَنَّه جَعَلَهَا يَاءً، فأَلحق هادِياً برامٍ وسامٍ، وَهَذَا عند سيبوبه إِنما يُؤْخَذُ سَمَاعًا لَا قِيَاسًا. وَلَوْ خَفَّفَهَا تَخْفِيفًا قِيَاسِيًّا لَجَعَلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَكْسِرُ الْبَيْتَ وَالْكَسْرُ لَا يَجُوزُ، وإِنما يَجُوزُ الزِّحافُ. وَالْاسْمُ: الهَدْأَةُ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وأَهْدَأَه: سَكَّنه. وهَدَأَ عَنْهُ: سَكَنَ. أَبو الْهَيْثَمِ يُقَالُ: نَظَرْتُ إِلَى هَدْئِه، بِالْهَمْزِ، وهَدْيِه. قَالَ: إِنما أَسقطوا الْهَمْزَةَ فَجَعَلُوا مَكَانَهَا الْيَاءَ، وأَصلها الْهَمْزُ، مِنْ هَدَأَ يَهْدَأُ إِذا سَكَنَ. وأَتانا وَقَدْ هَدَأَتِ الرِّجْلُ أَي بعدَ ما سكَنَ الناسُ بِاللَّيْلِ. وأَتانا بعدَ ما هَدَأَتِ الرِّجْلُ والعَيْنُ أَي سَكَنَتْ وسَكَنَ الناسُ بِاللَّيْلِ. وهَدَأَ بِالْمَكَانِ: أَقام فسَكَن. وَلَا أَهْدَأَه اللَّهُ: لَا أَسْكَنَ عَناءَهُ ونَصَبَه. وأَتانا وَقَدْ هَدَأَتِ العيونُ، وأَتانا هُدُوءاً إِذَا جاءَ بَعْدَ نَوْمةٍ. وأَتانا بعدَ هُدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ وهَدْءٍ وهَدْأَةٍ وهَدِيءٍ، فَعِيلٍ، وهُدُوءٍ، فُعولٍ، أَي بَعْدِ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَكُونُ هَذَا الأَخير مَصْدَرًا وَجَمْعًا، أَي حِينَ سكَن الناسُ. وَقَدْ هَدَأَ الليلُ، عن سيبويه، وبعد ما هَدَأَ الناسُ أَي نَامُوا. وَقِيلَ: الهَدْءُ مِنْ أَوَّله إِلَى ثُلُثِهِ، وَذَلِكَ ابْتِداءُ سكُونه. وَفِي الْحَدِيثِ:
إيَّاكُم والسَّمَرَ بَعْدَ هَدْأَةِ الرِّجْل.
الهَدْأَةُ والهُدُوءُ: السُّكُونُ عَنِ الحركات، أَي بعد ما يَسْكُنُ الناسُ عَنِ المَشْي والاختِلافِ فِي الطُّرُقِ. وَفِي حَدِيثِ
سَوادِ بْنِ قارِبٍ: جاءَني بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ
أَي بَعْدَ طائفةٍ ذهَبَتْ مِنْهُ.
(1/180)

والهَدْأَةُ: مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِف، سُئل أَهلها لِمَ سُمِّيَتْ هَدْأَةً، فَقَالُوا: لأَن الْمَطَرَ يُصِيبها بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. والنَّسَبُ إِلَيْهِ هَدَوِيٌّ، شاذٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحدهما تَحْرِيكُ الدَّالِ، والآخَر قَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا. وَمَا لَهُ هِدْأَةُ ليلةٍ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَن مَعْنَاهُ مَا يقُوتُه، فَيُسَكِّنُ جُوعَه أَوْ سَهَرَه أَو هَمَّه. وهَدَأَ الرَّجُلُ يَهْدَأُ هُدُوءاً: مَاتَ. وَفِي حَدِيثِ
أُم سُلَيْمٍ قَالَتْ لأَبي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِهَا: هُوَ أَهْدَأُ مِمَّا كَانَ
أَي أَسْكَنُ؛ كَنَتْ بِذَلِكَ عَنِ الْمَوْتِ تَطْيِيباً لِقَلْبِ أَبيِه. وهَدِئَ هَدَأً، فَهُوَ أَهْدَأُ: جَنِئَ. وأَهْدَأَه الضَرْبُ أَو الكِبَرُ. والهَدَأُ: صِغَرُ السَّنامِ يَعْتَرِي الإِبل مِنَ الحَمْلِ وَهُوَ دُونَ الجَبَبِ. والهَدْآءُ مِنَ الإِبل: الَّتِي هَدِئَ سَنامُها مِنَ الحَمْل ولَطَأَ عَلَيْهِ وبَرُه وَلَمْ يُجْرَحْ. والأَهْدَأُ مِنَ المَناكِب: الَّذِي دَرِمَ أَعْلاه واسْتَرْخَى حَبْلُه. وَقَدْ أَهْدَأَه اللَّهُ. ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ هَدْئِك مِنْ رَجُلٍ، عَنِ الزَّجَّاجِيِّ، وَالْمَعْرُوفُ هَدِّكَ مِنْ رَجُلٍ. وأَهْدَأْتُ الصبيَّ إِذا جَعَلْتَ تَضْرِبُ عَلَيْهِ بكَفِّك وتُسَكِّنُه لِيَنامَ. قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
شَئِزٌ جَنْبِي كأَنِّي مُهْدَأ، ... جَعَلَ القَيْنُ عَلَى الدَّفِّ الإِبَرْ
وأَهْدَأْتُه إِهْدَاءً. الأَزهري: أَهْدَأَتِ المرأَةُ صَبيَّها إِذَا قارَبَتْه وسَكَّنَتْه لِيَنام، فَهُوَ مُهْدَأ. وَابْنُ الأَعرابي يَرْوِي هَذَا الْبَيْتَ مُهْدَأ، وَهُوَ الصَّبِيُّ المُعَلَّلُ لِيَنامَ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مَهْدَأً أَي بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَيُقَالُ: تَرَكْتُ فُلَانًا عَلَى مُهَيْدِئَتِه أَي عَلَى حالَتِه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، تَصْغِيرُ المَهْدَأَةِ. وَرَجُلٌ أَهْدَأُ أَي أَحْدَبُ بَيِّنُ الهَدَإِ. قَالَ الرَّاجِزُ فِي صِفَةِ الرَّاعي:
أَهْدَأُ، يَمْشِي مِشْيةَ الظَّلِيمِ
الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ: الهَدَأُ مَصْدَرُ الأَهْدَإِ. رَجُلٌ أَهْدَأُ وامرأَة هَدْآءُ، وَذَلِكَ أَن يَكُونَ مَنْكِبه مُنْخَفِضًا مُسْتَوِيًا، أَو يَكُونُ مَائِلًا نَحْوَ الصَّدْرِ غَيْرَ مُنْتَصِبٍ. يُقَالُ مَنْكِبٌ أَهْدَأُ. وَقَالَ الأَصمعي: رَجُلٌ أَهْدَأُ إِذَا كَانَ فِيهِ انْحِناءٌ، وهَدِئَ وجَنِئَ إِذَا انحنى.
هذأ: هَذَأَه بِالسَّيْفِ وَغَيْرَهُ يَهْذَؤُه هَذْءاً: قَطَعَه قَطْعاً أَوْحَى مِنَ الهَذِّ. وسَيْفٌ هَذَّاءٌ: قاطِعٌ. وهَذَأَ العَدُوَّ هَذْءاً: أَبارَهم وأَفناهم. وهَذَأَ الكلامَ إِذَا أَكثر مِنْهُ فِي خَطَإٍ. وهَذَأَه بِلِسَانِهِ هَذْءاً: آذَاهُ وأَسْمَعَه مَا يَكْرَه. وتَهَذَّأَتِ القَرْحةُ تَهَذُّؤاً وتَذَيَّأَتْ تَذَيُّؤاً: فَسَدَتْ وتَقَطَّعَت. وهَذَأْتُ اللَّحْمَ بالسِّكِّين هَذْءاً إِذا قَطَعْتَه به.
هرأ: هَرَأَ فِي مَنْطِقِه يَهْرَأُ هَرْءاً: أَكثر، وَقِيلَ: أَكثر فِي خَطَإٍ أَو قَالَ الخَنا والقَبِيحَ. والهُراءُ، مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ: المَنْطِقُ الكَثِيرُ، وَقِيلَ: المَنْطِقُ الفاسِدُ الَّذِي لَا نِظامَ لَهُ. وقَوْلُ ذِي الرُّمَّة:
لَها بَشَرٌ مِثْلُ الحَرِيرِ، ومَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الحَواشِي، لَا هُراءٌ وَلَا نَزْرُ
(1/181)

يَحْتَمِلُهُمَا جَمِيعًا. وأَهْرَأَ الكلامَ إِذا أَكثره وَلَمْ يُصِب المَعْنَى. وإِنَّ مَنْطِقَه لغيرُ هُراءٍ. ورَجُلٌ هُراءٌ