Advertisement

مقاييس اللغة 001


الكتاب: معجم مقاييس اللغة
المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)
المحقق: عبد السلام محمد هارون
الناشر: دار الفكر
عام النشر: 1399هـ - 1979م.
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[الْمُقَدِّمَةُ]
مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسِ بْنِ زَكَرِيَّا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذَا كِتَابُ الْمَقَايِيسِ فِي اللُّغَةِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ
قَالَ أَحْمَدُ: أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ لِلُغَةِ الْعَرَبِ مَقَايِيسَ صَحِيحَةً، وَأُصُولًا تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ. وَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِي جَوَامِعِ اللُّغَةِ مَا أَلَّفُوا، وَلَمْ يُعْرِبُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ مِقْيَاسٍ مِنْ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ، وَلَا أَصْلٍ مِنَ الْأُصُولِ. وَالَّذِي أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ جَلِيلٌ، وَلَهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ. وَقَدْ صَدَّرْنَا كُلَّ فَصْلٍ بِأَصْلِهِ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنْهُ مَسَائِلُهُ، حَتَّى تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْمُوجَزَةُ شَامِلَةً لِلتَّفْصِيلِ، وَيَكُونَ الْمُجِيبُ عَمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ مُجِيبًا عَنِ الْبَابِ الْمَبْسُوطِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَقْرَبِهِ.
وَبِنَاءُ الْأَمْرِ فِي سَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى كُتُبٍ مُشْتَهِرَةٍ عَالِيَةٍ، تَحْوِي أَكْثَرَ اللُّغَةِ.
فَأَعْلَاهَا وَأَشْرَفُهَا كِتَابُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، الْمُسَمَّى (كِتَابُ الْعَيْنِ) أَخْبَرَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ، فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ،
(1/3)

أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ بُنْدَارِ بْنِ لِزَّةَ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَمَعْرُوفُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ الْخَلِيلِ.
وَمِنْهَا كِتَابَا أَبِي عُبَيْدٍ فِي (غَرِيبِ الْحَدِيثِ) ، وَ (مُصَنَّفِ الْغَرِيبِ) حَدَّثَنَا بِهِمَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ.
(1/4)

وَمِنْهَا (كِتَابُ الْمَنْطِقِ) وَأَخْبَرَنِي بِهِ فَارِسُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي نَصْرٍ ابْنِ أُخْتِ اللَّيْثِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
وَمِنْهَا كِتَابُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ الْمُسَمَّى (الْجَمْهَرَةُ) ; وَأَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ السَّاوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
فَهَذِهِ الْكُتُبُ الْخَمْسَةُ مُعْتَمَدُنَا فِيمَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْكُتُبِ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهَا، وَرَاجِعٌ إِلَيْهَا; حَتَّى إِذَا وَقَعَ الشَّيْءُ النَّادِرُ نَصَصْنَاهُ إِلَى قَائِلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ:
(1/5)

[كِتَابُ الْهَمْزَةِ] [بَابُ الْهَمْزَةِ فِي الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُضَاعَفُ]

بَابُ الْهَمْزَةِ فِي الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُضَاعَفُ
(أَبَّ) اعْلَمْ أَنَّ لِلْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَرْعَى، وَالْآخَرُ الْقَصْدُ وَالتَّهَيُّؤُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ لِلْأَبِّ ذِكْرًا إِلَّا فِي الْقُرْآنِ. قَالَ الْخَلِيلُ وَأَبُو زَيْدٍ: الْأَبُّ: الْمَرْعَى، بِوَزْنِ فَعْلٍ. وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
جِذْمُنَا قَيْسٌ وَنَجْدٌ دَارُنَا ... وَلَنَا الْأَبُّ بِهِ وَالْمَكْرَعُ
وَأَنْشَدَ شُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ لِأَبِي دُوَادٍ:
يَرْعَى بِرَوْضِ الْحَزْنِ مِنْ أَبِّهِ ... قُرْيَانَهُ فِي عَانَةٍ تَصْحَبُ
أَيْ تَحْفَظُ. يُقَالُ: صَحِبَكَ اللَّهُ، أَيْ حَفِظَكَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْأَبُّ جَمِيعُ الْكَلَأِ الَّذِي تَعْتَلِفُهُ الْمَاشِيَةُ، كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَهَذَا أَصْلٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ الْخَلِيلُ وَابْنُ دُرَيْدٍ: الْأَبُّ مَصْدَرُ: أَبَّ فُلَانٌ إِلَى سَيْفِهِ: إِذَا رَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ لِيَسْتَلَّهُ. الْأَبُّ فِي قَوْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ: النِّزَاعُ إِلَى الْوَطَنِ، وَالْأَبُّ فِي رِوَايَتِهِمَا التَّهَيُّؤُ لِلْمَسِيرِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَحْدَهُ: أَبَّ
(1/6)

هَذَا الشَّيْءُ: إِذَا تَهَيَّأَ وَاسْتَقَامَتْ طَرِيقَتُهُ إِبَابَةً. وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى:
صَرَمْتُ وَلَمْ أَصْرِمْكُمُ وَكَصَارِمٍ ... أَخٌ قَدْ طَوَى كَشْحًا وَأَبَّ لِيَذْهَبَا
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُقْبَةَ فِي الْإِبَابَةِ:
وَأَبَّ ذُو الْمَحْضَرِ الْبَادِي إِبَابَتَهُ ... وَقَوَّضَتْ نِيَّةٌ أَطْنَابَ تَخْيِيمِ
وَذَكَرَ نَاسٌ أَنَّ الظِّبَاءَ لَا تَرِدُ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا وِرْدٌ. قَالُوا: وَلِذَلِكَ قَالَتِ الْعَرَبُ فِي الظِّبَاءِ: "
إِنْ وَجَدَتْ فَلَا عَبَابَ
،
وَإِنْ عَدِمَتْ فَلَا أَبَابَ
"، مَعْنَاهُ إِنْ وَجَدَتْ مَاءً لَمْ تَعُبَّ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ لَمْ تَأْبُبْ لِطَلَبِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. وَالْأَبُّ: الْقَصْدُ، يُقَالُ أَبَبْتُ أَبَّهُ، وَأَمَمْتُ أَمَّهُ، وَحَمَمْتُ حَمَّهُ، وَحَرَدْتُ حَرْدَهُ، وَصَمَدْتُ صَمْدَهُ. قَالَ الرَّاجِزُ يَصِفُ ذِئْبًا:
مَرَّ مُدِلٍّ كَرِشَاءِ الْغَرْبِ ... فَأَبَّ أَبَّ غَنَمِي وَأَبِّي
أَيْ قَصَدَ قَصْدَهَا وَقَصْدِي.

(أَتَّ) قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَتَّهُ يَؤُتُّهُ:: إِذَا غَلَبَهُ بِالْكَلَامِ، أَوْ بَكَّتَهُ بِالْحُجَّةِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْبَابِ غَيْرُ هَذَا، وَأَحْسَبُ الْهَمْزَةَ مُنْقَلِبَةً عَنْ عَيْنٍ.
(1/7)

(أَثَّ) هَذَا بَابٌ يَتَفَرَّعُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَاللِّينِ، وَهُوَ أَصْلٌ وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَثَّ النَّبْتُ أَثًّا: إِذَا كَثُرَ. وَنَبْتٌ أَثِيثٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُوَطَّأٍ: أَثِيثٌ، وَقَدْ أُثِّثَ تَأْثِيثًا. وَأَثَاثُ الْبَيْتِ مِنْ هَذَا، يُقَالُ إِنَّ وَاحِدَهُ أَثَاثَةٌ، وَيُقَالُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَقَالَ الرَّاجِزُ فِي الْأَثِيثِ:
يَخْبِطْنَ مِنْهُ نَبْتَهُ الْأَثِيثَا ... حَتَّى تَرَى قَائِمَهُ جَثِيثَا
أَيْ مَجْثُوثًا مَقْلُوعًا. وَيُقَالُ: نِسَاءٌ أَثَائِثُ: وَثِيرَاتُ اللَّحْمِ. وَأَنْشَدَ:
وَمِنْ هَوَايَ الرُّجُحُ الْأَثَائِثُ ... تُمِيلُهَا أَعْجَازُهَا الْأَوَاعِثُ
وَفِي الْأَثَاثِ يَقُولُ الثَّقَفِيُّ:
أَشَاقَتْكَ الظَّعَائِنُ يَوْمَ بَانُوا
بِذِي الزِّيِّ الْجَمِيلِ مِنَ الْأَثَاثِ وَكَذَا جَاءَتْ رِوَايَةُ الْبَيْتِ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ (307: 8: 8) لَكِنْ فِي اللِّسَانِ (19: 8) : " بِذِي الرَّئِيِّ. وَالرَّئِيُّ مَا رَأَتْهُ الْعَيْنُ مِنْ حَالٍ حَسَنَةٍ وَكِسْوَةٍ ظَاهِرَةٍ. وَقَدْ نَبَّهَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ 377 أَنَّ " بِذِي الرَّئِيِّ " هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ.

(أَجَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ فَلَهَا أَصْلَانِ: الْحَفِيفُ، وَالشِّدَّةُ إِمَّا حَرًّا وَإِمَّا مُلُوحَةً. وَبَيَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَجَّ الظَّلِيمُ: إِذَا عَدَا، أَجِيجًا وَأَجًّا، وَذَلِكَ إِذَا سَمِعْتَ حَفِيفَهُ فِي عَدْوِهِ. وَالْأَجِيجُ: أَجِيجُ الْكِيرِ مِنْ حَفِيفِ النَّارِ. قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ نَاقَةً:
فَرَاحَتْ وَأَطْرَافُ الصُّوَى مُحْزَئِلَّةٌ ... تَئِجُّ كَمَا أَجَّ الظَّلِيمُ الْمُفَزَّعُ
(1/8)

وَقَالَ آخَرُ يَصِفُ فَرَسًا:
كَأَنَّ تَرَدُّدَ أَنْفَاسِهِ ... أَجِيجُ ضِرَامٍ زَفَتْهُ الشَّمَالُ
وَأَجَّةُ الْقَوْمِ: حَفِيفُ مَشْيِهِمْ وَاخْتِلَاطُ كَلَامِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ. وَالْمَاءُ الْأُجَاجُ: الْمِلْحُ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْأُجَاجُ: الْحَارُّ الْمُشْتَعِلُ الْمُتَوَهِّجُ، وَهُوَ مِنْ: تَأَجَّجَتِ النَّارُ. وَالْأَجَّةُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، يُقَالُ مِنْهُ: ائْتَجَّ النَّهَارُ ائْتِجَاجًا. قَالَ حُمَيْدٌ:
وَلَهَبُ الْفِتْنَةِ ذُو ائْتِجَاجِ
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي الْأَجَّةِ:
حَتَّى إِذَا مَعْمَعَانُ الصَّيْفِ هَبَّ لَهُ ... بِأَجَّةٍ نَشَّ عَنْهَا الْمَاءُ وَالرُّطُبُ
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ أَيُّوبَ الْعَنْبَرِيُّ يَرْثِي ابْنَ عَمٍّ لَهُ:
وَغِبْتُ فَلَمْ أَشْهَدْ وَلَوْ كُنْتُ شَاهِدًا ... لَخَفَّفَ عَنِّي مِنْ أَجِيجِ فُؤَادِيَا

(أَحَّ) وَلِلْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حِكَايَةُ السُّعَالِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ عَطَشٍ وَغَيْظٍ، وَكُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: فِي قَلْبِي عَلَيْهِ أُحَاحٌ، أَيْ: إِحْنَةٌ وَعَدَاوَةٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأُحَاحُ: الْعَطَشُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سَمِعْتُ لِفُلَانٍ أُحَاحًا وَأَحِيحًا: إِذَا تَوَجَّعَ مِنْ غَيْظٍ أَوْ حُزْنٍ. وَأَنْشَدَ:
يَطْوِي الْحَيَازِيمَ عَلَى أُحَاحِ وَأُحَيْحَةُ اسْمُ رَجُلٍ، مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ. وَيُقَالُ فِي حِكَايَةِ السُّعَالِ: أَحَّ أحًّا. قَالَ:
(1/9)

يَكَادُ مِنْ تَنَحْنُحٍ وَأَحِّ ... يَحْكِي سُعَالَ الشَّرِقِ الْأَبَحِّ
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَمْدُودٌ: آحَ. وَأَنْشَدَ:
كَأَنَّ صَوْتَ شَخْبِهَا الْمُمْتَاحِ ... سُعَالُ شَيْخٍ مِنْ بَنِي الْجُلَاحِ
يَقُولُ مِنْ بَعْدِ السُّعَالِ آحِ

(أَخَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْخَاءُ فَأَصْلَانِ: [أَحَدُهُمَا] تَأَوُّهٌ أَوْ تَكَرُّهٌ، وَالْأَصْلُ الْآخَرُ طَعَامٌ بِعَيْنِهِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَخِّ: كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّأَوُّهِ، وَأَحْسَبُهَا مُحْدَثَةً. وَيُقَالُ: إِنَّ " أَخِّ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّكَرُّهِ لِلشَّيْءِ. وَأَنْشَدَ:
وَكَانَ وَصْلُ الْغَانِيَاتِ أخَّا ... وَكَانَتْ دَخْتَنُوسُ بِنْتُ لَقِيطٍ،
عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عَمْرِو بْنِ عُدُسٍ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَنَفَخَ كَمَا يَنْفُخُ النَّائِمُ، فَقَالَ أَخِّ! فَقَالَتْ: أَخِّ وَاللَّهِ مِنْكَ! وَذَلِكَ بِسَمْعِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَأَغَارَتْ عَلَيْهِمْ خَيْلٌ لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَأَخَذُوهَا فِيمَنْ أُخِذَ، فَرَكِبَ الْحَيُّ وَلَحِقَ عَمْرُو بْنُ عمرٍو فَطَاعَنَ دُونَهَا حَتَّى أَخَذَهَا، وَقَالَ وَهُوَ رَاجِعٌ بِهَا:
(1/10)

أَيَّ زَوْجَيْكِ رَأَيْتِ خَيْرَا أَأَلْعَظِيمُ فَيْشَةً ... وَأَيْرَا أَمِ الَّذِي يَأْتِي الْكُمَاةَ سَيْرَا
فَقَالَتْ: ذَاكَ فِي ذَاكَ، وَهَذَا فِي هَذَا. والْأَخِيخَةُ: دَقِيقٌ يُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ فَيُبْرَقُ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ وَيُشْرَبُ. قَالَ:
تَجَشُّؤَ الشَّيْخِ عَنِ الْأَخِيخَهْ

(أَدَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ فِي الْمُضَاعَفِ فَأَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا عِظَمُ الشَّيْءِ وَشِدَّتُهُ وَتَكَرُّرُهُ، وَالْآخَرُ النُّدُودُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْإِدُّ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} [مريم: 89] ، أَيْ عَظِيمًا مِنَ الْكُفْرِ. وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
يَا أُمَّتَا رَكِبْتُ أَمْرًا إِدًّا ... رَأَيْتُ مَشْبُوحَ الْيَدَيْنِ نَهْدَا
أَبْيَضَ وَضَّاحَ الْجَبِينِ نَجْدَا ... فَنِلْتُ مِنْهُ رَشْفًا وَبَرْدَا
وَأَنْشَدَ الْخَلِيلُ:
وَنَتَّقِي الْفَحْشَاءَ وَالنَّآطِلَا ... وَالْإِدَدَ الْإِدَادَ وَالْعَضَائِلَا
وَيُقَالُ: أَدَّتِ النَّاقَةُ: إِذَا رَجَّعَتْ حَنِينَهَا. وَالْأَدُّ: الْقُوَّةُ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَأَنْشَدَ:
(1/11)

نَضَوْنَ عَنِّى شِرَّةً وَأَدَّا مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتُ صُمُلًّا نَهْدَا
فَهَذَا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَدَّتِ الْإِبِلُ: إِذَا نَدَّتْ. وَأَمَّا أُدُّ بْنُ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ فَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْهَمْزَةُ فِي " أُدٍّ " وَاوٌ، لِأَنَّهُ مِنَ الْوُدِّ وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

(أَذَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالذَّالُ فَلَيْسَ بِأَصْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُحَوَّلَةٌ مِنْ هَاءٍ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْهَاءِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَذَّ يَؤُذُّ أَذًّا: قَطَعَ، مِثْلَ هَذَّ. وَشَفْرَةٌ أَذُوذٌ: قَطَّاعَةٌ. أَنْشَدَ الْمُفَضَّلُ:
يَؤُذُّ بِالشَّفْرَةِ أَيَّ أَذِّ ... مِنْ قَمَعٍ وَمَأْنَةٍ وَفَلْذِ

(أَرَّ) أَصْلُ هَذَا الْبَابِ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَيْجُ الشَّيْءِ بِتَذْكِيَةٍ وَحَمْيٍ، فَالْأَرُّ: الْجِمَاعُ، يُقَالُ أَرَّهَا يَؤُرُّهَا أَرًّا، وَالْمِئَرُّ: الْكَثِيرُ الْجِمَاعِ. قَالَ الْأَغْلَبُ:
بَلَّتْ بِهِ عُلَابِطًا مِئَرَّا ... ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ وَأَيَّ زِبَرَّا
وَالْأَرُّ: إِيقَادُ النَّارِ، يُقَالُ أَرَّ الرَّجُلُ النَّارَ: إِذَا أَوْقَدَهَا. أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ، قَالَ أَمْلَى عَلَيْنَا ثَعْلَبٌ:
قَدْ هَاجَ سَارٍّ لِسَارِي لَيْلَةٍ طَرَبَا ... وَقَدْ تَصَرَّمَ أَوْ قَدْ كَادَ أَوْ ذَهَبَا
(1/12)

.. كَأَنَّ حِيرِيَّةً غَيْرَى مُلَاحِيَةً
بَاتَتْ تَؤُرُّ بِهِ مِنْ تَحْتِهِ لَهَبَا
وَالْأَرُّ أَنْ تُعَالِجَ النَّاقَةَ إِذَا انْقَطَعَ وِلَادُهَا، وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ غُصْنٌ مِنْ شَوْكِ قَتَادٍ فَيُبَلَّ ثُمَّ يُذَرَّ عَلَيْهِ مِلْحٌ فَيُؤَرَّ بِهِ حَيَاؤُهَا حَتَّى يَدْمَى، يُقَالُ: نَاقَةٌ مَأْرُورَةٌ، وَذَلِكَ الَّذِي تُعَالَجُ بِهِ هُوَ الْإِرَارُ.

(أَزَّ) وَالْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ يَدُلُّ عَلَى التَّحَرُّكِ وَالتَّحْرِيكِ وَالْإِزْعَاجِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَزُّ: حَمْلُ الْإِنْسَانِ الْإِنْسَانَ عَلَى الْأَمْرِ بِرِفْقٍ وَاحْتِيَالٍ. الشَّيْطَانُ يَؤُزُّ الْإِنْسَانَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَزًّا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: تُزْعِجُهُمْ إِزْعَاجًا. وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
لَا يَأْخُذُ التَّأْفِيكُ وَالتَّحَزِّي ... فِينَا وَلَا طَيْخُ الْعِدَى ذُو الْأَزِّ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأَزُّ: حَلْبُ النَّاقَةِ بِشِدَّةٍ. وَأَنْشَدَ:
شَدِيدَةُ أَزِّ الْآخِرَيْنِ كَأَنَّهَا ... إِذَا ابْتَدَّهَا الْعِلْجَانِ زَجْلَةُ قَافِلِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَزُّ: ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَزُّ: غَلَيَانُ
(1/13)

الْقِدْرِ، وَهُوَ الْأَزِيزُ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ» . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْأَزُّ: صَوْتُ الرَّعْدِ، يُقَالُ: أَزَّ يَئِزُّ أَزًّا وَأَزِيزًا. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَالْأَزِيزُ الْقُرُّ الشَّدِيدُ، يُقَالُ: لَيْلَةٌ ذَاتُ أَزِيزٍ وَلَا يُقَالُ: يَوْمٌ ذُو أَزِيزٍ. قَالَ: وَالْأَزِيزُ شِدَّةُ السَّيْرِ، يُقَالُ: أَزَّتْنَا الرِّيحُ، أَيْ: سَاقَتْنَا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: بَيْتٌ أَزَزٌ: إِذَا امْتَلَأَ نَاسًا.

(أَسَّ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ يَدُلُّ عَلَى الْأَصْلِ وَالشَّيْءِ الْوَطِيدِ الثَّابِتِ، فَالْأُسُّ أَصْلُ الْبِنَاءِ، وَجَمْعُهُ آسَاسٌ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ: أَسَاسٌ، بِقَصْرِ الْأَلِفِ، وَالْجَمْعُ أُسُسٌ. قَالُوا: الْأُسُّ أَصْلُ الرَّجُلِ، وَالْأُسُّ وَجْهُ الدَّهْرِ، وَيَقُولُونَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى أُسِّ الدَّهْرِ. قَالَ الْكَذَّابُ الْحِرْمَازِيُّ:
وَأُسُّ مَجْدٍ ثَابِتٌ وَطِيدُ ... نَالَ السَّمَاءَ فَرْعُهُ الْمَدِيدُ
فَأَمَّا الْآسُ فَلَيْسَ هَذَا بَابَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.

(أَشَّ) الْهَمْزَةُ وَالشِّينُ يَدُلُّ عَلَى الْحَرَكَةِ لِلِّقَاءِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَشَّ الْقَوْمُ يَؤُشُّونَ أشًّا: إِذَا قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لِلشَّرِّ لَا لِلْخَيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَشَاشُ مِثْلُ الْهَشَاشِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ إِذَا رَأَى مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْضَ الْأَشَاشِ وَعَظَهُمْ» .
(1/14)

(أَصَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالصَّادُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا أَصْلُ الشَّيْءِ وَمُجْتَمَعُهُ، وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الرِّعْدَةُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْإِصُّ الْأَصْلُ. وَيُقَالُ لِلنَّاقَةِ الْمُجْتَمِعَةِ الْخَلْقِ: أَصُوصٌ. وَجَمْعُ الْإِصِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ: آصَاصٌ. قَالَ:
قِلَالُ مَجْدٍ فَرَّعَتْ آصَاصَا ... وَعِزَّةٌ قَعْسَاءُ لَا تُنَاصَى
وَالْأَصِيصُ: أَصْلُ الدَّنِّ يُجْعَلُ فِيهِ شَرَابٌ. قَالَ عَدِيٌّ:
مَتَى أَرَى شَرْبًا حَوَالَيْ أَصِيصْ
فَهَذَا أَصْلٌ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَالُوا: أَفْلَتَ فُلَانٌ وَلَهُ أَصِيصٌ، أَيْ رِعْدَةٌ.

(أَضَّ) وَلِلْهَمْزَةِ وَالضَّادِ مَعْنَيَانِ: الِاضْطِرَارُ وَالْكَسْرُ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَضَّنِي إِلَى كَذَا [وَكَذَا] يَؤُضُّنِي أَضًّا: إِذَا اضْطَرَّنِي إِلَيْهِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
وَهِيَ تَرَى ذَا حَاجَةٍ مُؤْتَضَّا أَيْ مُضْطَرًّا. قَالَ: وَالْأَضُّ أَيْضًا الْكَسْرُ، يُقَالُ: أَضَّهُ، مِثْلُ هَضَّهُ سَوَاءٌ. وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ الْأَضَاضَةُ: الِاضْطِرَارُ. قَالَ:
زَمَانَ لَمْ أُخَالِفِ الْأَضَاضَهْ ... أَكْحَلُ مَا فِي عَيْنِهِ بَيَاضَهْ
(1/15)

(أَطَّ) وَلِلْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ معنًى وَاحِدٌ، وَهُوَ صَوْتُ الشَّيْءِ إِذَا حَنَّ وَأَنْقَضَ، يُقَالُ: أَطَّ الرَّحْلُ يَئِطُّ أَطِيطًا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ جَدِيدًا فَسَمِعْتَ لَهُ صَرِيرًا. وَكُلُّ صَوْتٍ أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ أَطِيطٌ. قَالَ الرَّاجِزُ:
يَطِحَرْنَ سَاعَاتِ إِنَى الْغَبُوقِ ... مِنْ كِظَّةِ الْأَطَّاطَةِ السَّنُوقِ
يَصِفُ إِبِلًا امْتَلَأَتْ بُطُونُهَا. يَطْحَرْنَ: يَتَنَفَّسْنَ تَنَفُّسًا شَدِيدًا كَالْأَنِينِ. وَالْإِنَى: وَقْتُ الشُّرْبِ عَشِيًّا. وَالْأَطَّاطَةُ: الَّتِي تَسْمَعُ لَهَا صَوْتًا. وَفِي الْحَدِيثِ: «حَتَّى يُسْمَعَ أَطِيطُهُ مِنَ الزِّحَامِ» ، يَعْنِي بَابَ الْجَنَّةِ وَيُقَالُ: أَطَّتِ الشَّجَرَةُ: إِذَا حَنَّتْ. قَالَ الرَّاجِزُ:
قَدْ عَرَفَتْنِي سِدْرَتِي وَأَطَّتِ ... وَقَدْ شَمِطْتُ بَعْدَهَا وَاشْمَطَّتِ

(أَفَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ فِي الْمُضَاعَفِ فَمَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا تَكَرُّهُ الشَّيْءِ، وَالْآخَرُ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَفَّ يَؤُفُّ أَفًّا: إِذَا تَأَفَّفَ مِنْ كَرْبٍ أَوْ ضَجَرٍ، وَرَجُلٌ أَفَّافٌ: كَثِيرُ التَّأَفُّفِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: أُفِّ، خَفْضًا بِغَيْرِ نُونٍ، وَأُفٍّ خَفْضًا مَعَ النُّونِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَوْتٌ، كَمَا تُخْفَضُ الْأَصْوَاتُ، فَيُقَالُ: طَاقِ
(1/16)

طَاقِ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: أُفٌّ لَهُ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: لَا تَقُولَنَّ لَهُ: أُفًّا وَلَا تُفًّا، يَجْعَلُهُ كَالِاسْمِ. قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: جَعَلَ يَتَأَفَّفُ مِنْ رِيحٍ وَجَدَهَا وَيَتَأَفَّفُ مِنَ الشِّدَّةِ تُلِمُّ بِهِ. وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ، حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ أَخِيهِ مَالِكٍ، فَقَالَ: " كَانَ يَرْكَبُ الْجَمَلَ الثَّفَالَ، وَيَقْتَادُ الْفَرَسَ الْبَطِيءَ، وَيَكْتَفِلُ الرُّمْحَ الْخَطِلَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ الْفَلُوتَ، بَيْنَ سَطِيحَتَيْنِ نَضُوحَيْنِ، فِي اللَّيْلِ الْبَلِيلِ، وَيُصَبِّحُ الْحَيَّ ضَاحِكًا لَا يَتَأَنَّنُ وَلَا يَتَأَفَّفُ ". قَالَ الْخَلِيلُ: الْأُفُّ وَالتُّفُّ، أَحَدُهُمَا وَسَخُ الْأَظْفَارِ، وَالْآخَرُ وَسَخُ الْأُذُنِ. قَالَ:
عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ وَالتَّأْفِيفُ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: أُفًّا لَهُ وَتُفًّا وَأُفَّةً لَهُ وَتُفَّةً. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
الْأَفَفُ الضَّجَرُ. وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ: الْيَأْفُوفُ: الْحَدِيدُ الْقَلْبِ.
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: قَوْلُهُمْ: جَاءَ عَلَى تَئِفَّةِ ذَاكَ وَأَفَفِهِ وَإِفَّانِهِ، أَيْ حِينِهِ. قَالَ:
عَلَى إفِّ هِجْرَانٍ وَسَاعَةِ خَلْوَةٍ

(أَكَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ فَمَعْنَى الشِّدَّةِ مِنْ حَرٍّ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْأَكَّةُ: الْحَرُّ الْمُحْتَدِمُ، يُقَالُ: أَصَابَتْنَا أَكَّةٌ مِنْ حَرٍّ،
(1/17)

وَهَذَا يَوْمٌ أَكٌّ وَيَوْمٌ ذُو أَكٍّ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأَكَّةُ: سُوءُ خُلُقٍ وَضِيقُ نَفْسٍ. وَأَنْشَدَ:
إِذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهْ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: ائْتَكَّ الرَّجُلُ: إِذَا اصْطَكَّتْ رِجْلَاهُ. قَالَ:
فِي رِجْلِهِ مِنْ نَعْظِهِ ائْتِكَاكُ قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَكَّةُ: الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ، وَقَدِ ائْتَكَّ فُلَانٌ مِنْ أَمْرٍ أَرْمَضَهُ ائْتِكَاكًا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يَوْمٌ عَكٌّ أَكٌّ، وَعَكِيكٌ أَكِيكٌ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ.

(أَلَّ) وَالْهَمْزَةُ وَاللَّامُ فِي الْمُضَاعَفِ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: اللَّمَعَانُ فِي اهْتِزَازٍ، وَالصَّوْتُ، وَالسَّبَبُ يُحَافَظُ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَلِيلُ وَابْنُ دُرَيْدٍ: أَلَّ الشَّيْءُ: إِذَا لَمَعَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَسُمِّيَتِ الْحَرْبَةُ أَلَّةً لِلَمَعَانِهَا. وَأَلَّ الْفَرَسُ يَئِلُّ أَلًّا: إِذَا اضْطَرَبَ فِي مَشْيِهِ. وَأَلَّتْ فَرَائِصُهُ: إِذَا لَمَعَتْ فِي عَدْوِهِ. قَالَ:
حَتَّى رَمَيْتُ بِهَا يَئِلُّ فَرِيصُهَا ... وَكَأَنَّ صَهْوَتَهَا مَدَاكُ رُخَامِ
وَأَلَّ الرَّجُلُ فِي مِشْيَتِهِ: اهْتَزَّ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَلَّةُ الْحَرْبَةُ، وَالْجَمْعُ إِلَالٌ.
قَالَ:
(1/18)

يُضِيءُ رَبَابُهُ فِي الْمُزْنِ حُبْشًا ... قِيَامًا بِالْحِرَابِ وَبِالْإِلَالِ
وَيُقَالُ لِلْحَرْبَةِ: الْأَلِيلَةُ أَيْضًا وَالْأَلِيلُ. قَالَ:
يُحَامِي عَنْ ذِمَارِ بَنِي أَبِيكُمْ ... وَيَطْعَنُ بِالْأَلِيلَةِ وَالْأَلِيلِ
قَالَ: وَسُمِّيَتِ الْأَلَّةَ لِأَنَّهَا دَقِيقَةُ الرَّأْسِ. وَأَلَّ الرَّجُلُ بِالْأَلَّةِ، أَيْ:: طَعَنَ.
وَقِيلَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ أُهْتِرَتْ: إِنَّ فُلَانًا أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ. فَقَالَتْ: أَمُعْجِلِي أَنْ أَدَّرِيَ وَأَدَّهِنَ، مَا لَهُ غُلَّ وَأُلَّ. قَالَ: وَالتَّأْلِيلُ: تَحْرِيفُكَ الشَّيْءَ، كَرَأْسِ الْقَلَمِ. وَالْمُؤَلَّلُ أَيْضًا الْمُحَدَّدُ. يُقَالُ: أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ، أَيْ: مُحَدَّدَةٌ، قَالَ طَرَفَةُ:
مُؤَلَّلَتَانِ تَعْرِفُ الْعِتْقَ فِيهِمَا ... كَسَامِعَتَيْ شَاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ
وَأُذُنٌ مَأْلُولَةٌ وَفَرَسٌ مَأْلُولٌ. قَالَ:
مَأْلُولَةُ الْأُذْنَيْنِ كَحْلَاءُ الْعَيْنِ
وَيُقَالُ: يَوْمٌ أَلِيلٌ، لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ. قَالَ الْأَفْوَهُ:
بِكُلِّ فَتًى رَحِيبِ الْبَاعِ يَسْمُو ... إِلَى الْغَارَاتِ فِي الْيَوْمِ الْأَلِيلِ
قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْأَلَلُ وَالْألَلَانِ: وَجْهَا السِّكِّينِ وَوَجْهَا كُلِّ عَرِيضٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَمِنْهُ يُقَالُ لِلَّحِمَتَيْنِ الْمُطَابِقَتَيْنِ بَيْنَهُمَا فَجْوَةٌ يَكُونَانِ فِي الْكَتِفِ، إِذَا قُشِرَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى سَالَ مِنْ بَيْنِهِمَا مَاءٌ: ألَلَانِ. وَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِجَارَتِهَا: لَا تُهْدِي لِضَرَّتِكِ الْكَتِفَ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَجْرِي بَيْنَ أَلَلَيْهَا، أَيْ: أَهْدِي شَرًّا مِنْهَا.
(1/19)

وَأَمَّا الصَّوْتُ فَقَالُوا فِي قَوْلِهِ:
وَطَعَنَ تُكْثِرُ الْألَلَيْنِ مِنْهُ ... فَتَاةُ الْحَيِّ تُتْبِعُهُ الرَّنِينَا
إِنَّهُ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمُوَلْوِلِ. قَالَ: وَالْأَلِيلُ: الْأَنِينُ فِي قَوْلِهِ:
إِمَّا تَرَيْنِي تُكْثِرِي الْأَلِيلَا
وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ:
وَقُولَا لَهَا مَا تَأْمُرِينَ بِوَامِقٍ ... لَهُ بَعْدَ نَوْمَاتِ الْعُيُونِ أَلِيلُ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: فِي جَوْفِهِ أَلِيلٌ وَصَلِيلٌ. وَسَمِعْتُ أَلِيلَ الْمَاءِ، أَيْ: صَوْتَهُ. وَقِيلَ الْأَلِيلَةُ الثُّكْلُ. وَأَنْشَدَ:
وَلِيَ الْأَلِيلَةُ إِنْ قُتِلَتْ خُؤُولَتِي ... وَلِيَ الْأَلِيلَةُ إِنْ هُمُ لَمْ يُقْتَلُوا
قَالُوا: وَرَجُلٌ مِئَلٌّ، أَيْ: كَثِيرُ الْكَلَامِ وَقَّاعٌ فِي النَّاسِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَلُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالْبُكَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَلَّ يَئِلُّ أَلِيلًا. وَفِي الْحَدِيثِ: «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ أَلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَةِ إِجَابَتِهِ إِيَّاكُمْ» . وَأَنْشَدُوا لِلْكُمَيْتِ:
وَأَنْتَ مَا أَنْتَ فِي غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... إِذَا دَعَتْ ألَلَيْهَا الْكَاعِبُ الْفُضُلُ
وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: الْإِلُّ: الرُّبُوبِيَّةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ كَلَامُ مُسَيْلِمَةَ:
(1/20)

" مَا خَرَجَ هَذَا مِنْ إِلٍّ " وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 10] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْإِلُّ: اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ قُرْبَى الرَّحِمِ. قَالَ:
هُمْ قَطَعُوا مِنْ إِلِّ مَا كَانَ بَيْنَنَا ... عُقُوقًا وَلَمْ يُوفُوا بِعَهْدٍ وَلَا ذِمَمْ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْإِلُّ كُلُّ سَبَبٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ. وَأَنْشَدَ:
لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ فِي قُرَيْشٍ ... كَإِلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأْلِ النَّعَامِ
وَالْإِلُّ: الْعَهْدُ. وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذِهِ الْأُصُولِ قَوْلُهُمْ أَلِلَ السِّقَاءُ: تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ; لِأَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ ذَكَرَ أَنَّهُ الَّذِي فَسَدَ أَلَلَاهُ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءُ بَيْنَ الْأَدِيمِ وَالْبَشَرَةِ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: قَدْ خَفَّفَتِ الْعَرَبُ الْإِلَّ. قَالَ الْأَعْشَى:
أَبْيَضُ لَا يَرْهَبُ الْهُزَالَ وَلَا ... يَقْطَعُ رِحْمًا وَلَا يَخُونُ إِلَّا

(أَمَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ فَأَصْلٌ وَاحِدٌ، يَتَفَرَّعُ مِنْهُ أَرْبَعُ أَبْوَابٍ، وَهِيَ الْأَصْلُ وَالْمَرْجِعُ وَالْجَمَاعَةُ وَالدِّينُ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ الْقَامَةُ وَالْحِينُ وَالْقَصْدُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْأُمُّ: الْوَاحِدُ، وَالْجَمْعُ أُمَّهَاتٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا: أُمٌّ وَأُمَّاتٌ. قَالَ شَاعِرٌ، وَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:
(1/21)

إِذَا الْأُمَّهَاتُ قَبَحْنَ الْوُجُوهَ ... فَرَجْتَ الظَّلَامَ بِأُمَّاتِكَا
وَقَالَ الرَّاعِي:
أَمَّاتُهُنَّ وَطَرْقُهُنَّ فَحِيلَا
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: " لَا أُمَّ لَهُ " فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كُنْتِ أُمًّا وَلَقَدْ أَمَمْتِ أُمُومَةً. وَفُلَانَةٌ تَؤُمُّ فُلَانًا، أَيْ: تَغْذُوهُ، أَيْ: تَكُونُ لَهُ أُمًّا تَغْذُوهُ وَتُرَبِّيهِ. قَالَ:
نَؤُمُّهُمُ وَنَأْبُوهُمْ جَمِيعًا ... كَمَا قُدَّ السُّيُورُ مِنَ الْأَدِيمِ
أَيْ: نَكُونُ لَهُمْ أُمَّهَاتٍ وَآبَاءً. وَأَنْشَدَ:
اطْلُبْ أَبَا نَخْلَةَ مِنْ يَأْبُوكَا ... فَكُلُّهُمْ يَنْفِيكَ عَنْ أَبِيكَا
وَتَقُولُ: أُمٌّ وَأُمَّةٌ، بِالْهَاءِ. قَالَ:
تَقَبَّلْتَهَا مِنْ أُمَّةٍ لَكَ طَالَمَا ... تُنُوزِعَ فِي الْأَسْوَاقِ عَنْهَا خِمَارُهَا
قَالَ الْخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ يُضَمُّ إِلَيْهِ مَا سِوَاهُ مِمَّا يَلِيهِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي ذَلِكَ الشَّيْءَ أُمًّا. وَمِنْ ذَلِكَ أُمُّ الرَّأْسِ وَهُوَ الدِّمَاغُ. تَقُولُ: أَمَمْتُ فُلَانًا بِالسَّيْفِ وَالْعَصَا أَمًّا: إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبَةً تَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ. وَالْأَمِيمُ: الْمَأْمُومُ، وَهِيَ أَيْضًا الْحِجَارَةُ الَّتِي تُشْدَخُ بِهَا الرُّؤُوسُ; قَالَ:
بِالْمَنْجَنِيقَاتِ وَبِالْأَمَائِمِ
(1/22)

وَالشَّجَّةُ الْآمَّةُ: الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الدِّمَاغِ، وَهِيَ الْمَأْمُومَةُ أَيْضًا. قَالَ:
يَحُجُّ مَأْمُومَةً فِي قَعْرِهَا لَجَفٌ ... فَاسْتُ الطَّبِيبِ قَذَاهَا كَالْمَغَارِيدِ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: بَعِيرٌ مَأْمُومٌ: إِذَا أُخْرِجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ عِظَامٌ فَذَهَبَتْ قَمْعَتُهُ. قَالَ:
لَيْسَ بِمَأْمُومٍ وَلَا أَجَبِّ
قَالَ الْخَلِيلُ: أُمُّ التَّنَائِفِ: أَشَدُّهَا وَأَبْعَدُهَا. وَأُمُّ الْقُرَى: مَكَّةُ; وَكُلُّ مَدِينَةٍ هِيَ أُمُّ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، وَكَذَلِكَ أُمُّ رُحْمٍ. وَأُمُّ الْقُرْآنِ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. وَأُمُّ الْكِتَابِ: مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَأُمُّ الرُّمْحِ: لِوَاؤُهُ وَمَا لُفَّ عَلَيْهِ. قَالَ:
وَسَلَبْنَ الرُّمْحَ فِيهِ أُمُّهُ ... مِنْ يَدِ الْعَاصِي وَمَا طَالَ الطِّوَلْ
وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي يُنْزَلُ عَلَيْهَا: أُمُّ مَثْوًى، وَلِلرَّجُلِ أَبُو مَثْوًى. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أُمُّ مِرْزَمٍ: الشَّمَالُ، قَالَ:
إِذَا هُوَ أَمْسَى بِالْحَلَاءَةِ شَاتِيًا ... تُقَشِّرُ أَعْلَى أَنْفِهِ أُمُّ مِرْزَمِ
(1/23)

وَأُمُّ كَلْبَةٍ: الْحُمَّى. فَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ الْخَيلِ: «أَبْرَحَ فَتًى إِنْ نَجَا مِنْ أُمِّ كَلْبَةٍ» . وَكَذَلِكَ أُمُّ مِلْدَمٍ. وَأُمُّ النُّجُومِ: السَّمَاءُ. قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:
يَرَى الْوَحْشَةَ الْأُنْسَ الْأَنِيسَ وَيَهْتَدِي ... بِحَيْثُ اهْتَدَتْ أُمُّ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ السُّنِّىِّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُسَبِّحٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: أُمُّ النُّجُومِ: الْمَجَرَّةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَّمَاءِ بُقْعَةٌ أَكْثَرَ عَدَدَ كَوَاكِبَ مِنْهَا، قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْبَيْتَ. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
بِشُعْثٍ يَشُجُّونَ الْفَلَا فِي رُؤُوسِهِ ... إِذَا حَوَّلَتْ أُمُّ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ
" حَوَّلَتْ " يُرِيدُ أَنَّهَا تَنْحَرِفُ. وَأُمُّ كِفَاتٍ: الْأَرْضُ. وَأُمُّ الْقُرَادِ، فِي مُؤَخَّرِ الرُّسْغِ فَوْقَ الْخُفِّ، وَهِيَ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا الْقِرْدَانُ كاَلسُّكُرُّجَّةِ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
لِلْأَرْضِ مِنْ أُمِّ الْقُرَادِ الْأَطْحَلِ
(1/24)

وَأُمُّ الصَّدَى هِيَ أُمُّ الدِّمَاغِ. وَأُمُّ عُوَيْفٍ: دُوَيْبَّةٌ مُنَقَّطَةٌ، إِذَا رَأَتِ الْإِنْسَانَ قَامَتْ عَلَى ذَنَبِهَا وَنَشَرَتْ أَجْنِحَتَهَا، يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْجُبْنِ. قَالَ:
يَا أُمَّ عَوْفٍ نَشِّرِي بُردَيْكْ ... إِنَّ الْأَمِيرَ وَاقِفٌ عَلَيْكْ
وَيُقَالُ: هِيَ الْجَرَادَةُ. وَأُمُّ حُمارِسٍ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ كَثِيرَةُ الْقَوَائِمِ.
وَأُمُّ صَبُّورٍ: الْأَمْرُ الْمُلْتَبِسُ، وَيُقَالُ: هِيَ الْهَضَبَةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ. وَأُمُّ غَيْلَانَ: شَجَرَةٌ كَثِيرَةُ الشَّوْكِ. وَأُمُّ اللُّهَيْمِ: الْمَنِيَّةُ. وَأُمُّ حُبَيْنٍ: دَابَّةٌ. وَأُمُّ الطَّرِيقِ: مُعْظَمُهُ. وَأُمُّ وَحْشٍ: الْمَفَازَةُ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الظِّبَاءِ. قَالَ:
وَهَانَتْ عَلَى أُمِّ الظِّبَاءِ بِحَاجَتِي ... إِذَا أَرْسَلَتْ تُرْبًا عَلَيْهِ سَحُوقُ
وَأُمُّ صَبَّارٍ: الْحَرَّةُ. قَالَ النَّابِغَةُ:
تُدَافِعُ النَّاسَ عَنَّا حِينَ نَرْكَبُهَا ... مِنَ الْمَظَالِمِ تُدْعَى أُمَّ صَبَّارِ
وَأُمُّ عَامِرٍ، وَأُمُّ الطَّرِيقِ: الضَّبُعُ. قَالَ يَعْقُوبُ: أُمُّ أَوْعَالٍ: هَضْبَةٌ بِعَيْنِهَا. قَالَ:
وَأُمُّ أَوْعَالٍ كَهَا أَوْ أَقْرَبَا
(1/25)

وَأُمُّ الْكَفِّ: الْيَدُ. قَالَ:
لَيْسَ لَهُ فِي أُمِّ كَفٍّ إِصْبَعُ
وَأُمُّ الْبَيْضِ: النَّعَامَةُ. قَالَ أَبُو دُؤَادٍ:
وَأَتَانَا يَسْعَى تَفَرُّشَ أُمِّ الْ ... بَيْضِ. . .
وَأُمُّ عَامِرٍ: الْمَفَازَةُ. وَأُمُّ كُلَيْبٍ: شُجَيْرَةٌ لَهَا نَوْرٌ أَصْفَرُ. وَأُمُّ عِرْيَطٍ: الْعَقْرَبُ. وَأُمُّ النَّدَامَةِ: الْعَجَلَةُ. وَأُمُّ قَشْعَمٍ، وَأُمُّ خَشَّافٍ، وَأُمُّ الرَّقُوبِ، وَأُمُّ الرَّقِمِ، وَأُمُّ أَرَيْقَ، وَأُمُّ رُبَيْقٍ، وَأُمُّ جُنْدَبٍ، وَأُمُّ الْبَلِيلِ، وَأُمُّ الرُّبَيْسِ، وَأُمُّ حَبَوْكَرَى، وَأُمُّ أَدْرَصٍ، وَأُمُّ نَآدٍ، كُلُّهَا كُنَى الدَّاهِيَةِ. وَأُمُّ فَرْوَةٍ: النَّعْجَةُ. وَأُمُّ سُوَيدٍ وَأُمُّ عِزْمٍ: سَافِلَةُ الْإِنْسَانِ. وَأُمُّ جَابِرٍ: إِيَادٌ. وَأُمُّ شَمْلَةٍ: الشَّمَالُ الْبَارِدَةُ. وَأُمُّ غِرْسٍ: الرَّكِيَّةُ.
(1/26)

وَأُمُّ خُرْمَانَ: طَرِيقٌ. وَأُمُّ الْهَشِيمَةِ: شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ يَابِسِ الشَّجَرِ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ يَصِفُ قِدْرًا:
إِذَا أُطْعِمَتْ أُمَّ الْهَشِيمَةِ أَرْزَمَتْ ... كَمَا أَرْزَمَتْ أُمُّ الْحِوَارِ الْمُجَلَّدِ
وَأُمُّ الطَّعَامِ: الْبَطْنُ. قَالَ:
رَبَّيْتُهُ وَهْوَ مِثْلُ الْفَرْخِ أَعْظَمُهُ ... أُمُّ الطَّعَامِ تَرَى فِي جِلْدِهِ زَغَبَا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْأُمَّةُ: الدِّينُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] . وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: لَا أُمَّةَ لَهُ، أَيْ: لَا دِينَ لَهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: «يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ» .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينٍ حَقٍّ مُخَالِفٍ لِسَائِرِ الْأَدْيَانِ فَهُوَ أُمَّةٌ. وَكُلُّ قَوْمٍ نُسِبُوا إِلَى شَيْءٍ وَأُضِيفُوا إِلَيْهِ فَهُمْ أُمَّةٌ، وَكُلُّ جِيلٍ مِنَ النَّاسِ أُمَّةٌ عَلَى حِدَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، وَلَكِنِ اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» . فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] ، فَقِيلَ: كَانُوا كُفَّارًا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ جَمِيعُ مَنْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السَّفِينَةِ مُؤْمِنًا ثُمَّ تَفَرَّقُوا. وَقِيلَ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] ، أَيْ: إِمَامًا يُهْتَدَى بِهِ، وَهُوَ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ. وَقَدْ تَكُونُ الْأُمَّةُ جَمَاعَةَ الْعُلَمَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
(1/27)

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأُمَّةُ: الْقَامَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: إِنَّ فُلَانًا لَطَوِيلُ الْأُمَّةِ، وَهُمْ طِوَالُ الْأُمَمِ، قَالَ الْأَعْشَى:
وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ الْأَكْرَمِينَ ... حِسَانُ الْوُجُوهِ طِوَالُ الْأُمَمْ
قَالَ الْكِسَائِيُّ: أُمَّةُ الرَّجُلِ بَدَنُهُ وَوَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأُمَّةُ: الطَّاعَةُ وَالرَّجُلُ الْعَالِمُ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: إِنَّهُ لَحَسَنُ أُمَّةِ الْوَجْهِ، يَغْزُونَ السُّنَّةَ. وَلَا أُمَّةَ لِبَنِي فُلَانٍ، أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ وَجْهٌ يَقْصِدُونَ إِلَيْهِ لَكِنَّهُمْ يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْوَاءَ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَا أَحْسَنَ أُمَّتَهُ، أَيْ: خَلْقَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأُمِّيُّ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْسُوبُ إِلَى مَا عَلَيْهِ جِبِلَّةُ النَّاسِ لَا يَكْتُبُ، فَهُوَ [فِي] أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ عَلَى مَا وُلِدَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ
فَمَنْ رَفَعَهُ أَرَادَ سُنَّةَ مَلِكَةٍ، وَمَنْ جَعَلَهُ مَكْسُورًا جَعَلَهُ دِينًا مِنَ الِائْتِمَامِ، كَقَوْلِكَ: ائْتَمَّ بِفُلَانٍ إِمَّةً. وَالْأُمَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] ، أَيْ بَعْدَ حِينٍ. وَالْإِمَامُ: كُلُّ مَنِ اقْتُدِيَ بِهِ وَقُدِّمَ فِي الْأُمُورِ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَالْخَلِيفَةُ إِمَامُ الرَّعِيَّةِ، وَالْقُرْآنُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِمَّةُ: النِّعْمَةُ. قَالَ الْأَعْشَى:
(1/28)

وَأَصَابَ غَزْوُكَ إَمَّةً فَأَزَالَهَا
قَالَ: وَيُقَالُ لِلْخَيْطِ الَّذِي يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ: إِمَامٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَامُ: الْقُدَّامُ، يَقُولُ: صَدْرُكَ أَمَامُكَ، رَفَعَ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا، وَيَقُولُ: أَخُوكَ أَمَامَكَ، نُصِبَ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الصِّفَةِ يَعْنِي بِهِ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ لَبِيدٍ:
فَغَدَتْ كِلَا الْفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّهُ ... مَوْلَى الْمَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا
فَإِنَّهُ رَدَّ الْخَلْفَ وَالْأَمَامَ عَلَى الْفَرْجَيْنِ، كَقَوْلِكَ: كِلَا جَانِبَيْكَ مَوْلَى الْمَخَافَةِ يَمِينُكَ وَشِمَالُكَ، أَيْ: صَاحِبُهَا وَوَلِيُّهَا، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: امْضِ يَمَامِي، فِي مَعْنَى: امْضِ أَمَامِي. وَيُقَالُ: يَمَامِي وَيَمَامَتِي. قَالَ:
فَقُلْ جَابَتِي لَبَّيْكَ وَاسْمَعْ يَمَامَتِي
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: "
أَمَامَهَا لَقِيَتْ أَمَةٌ عَمَلَهَا
" أَيْ: حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ وَجَدَتْ عَمَلًا. وَيَقُولُونَ: " أَمَامَكَ تَرَى أَثَرَكَ "، أَيْ: تَرَى مَا قَدَّمْتَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ:
رُوَيْدَ تَبَيَّنْ مَا أَمَامَةُ مِنْ هِنْدِ
(1/29)

يَقُولُ: تَثَبَّتْ فِي الْأَمْرِ وَلَا تَعْجَلْ يَتَبَيَّنْ لَكَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَمُ: الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الْحَقِيرُ، تَقُولُ: فَعَلْتُ شَيْئًا مَا هُوَ بِأَمَمٍ وَلَا دُونٍ. وَالْأَمَمُ: الشَّيْءُ الْقَرِيبُ الْمُتَنَاوَلُ. قَالَ:
كُوفِيَّةٌ نَازِحٌ مَحَلَّتُهَا ... لَا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: أَمَمٌ، أَيْ: [صَغِيرٌ، وَ] عَظِيمٌ، مِنَ الْأَضْدَادِ. وَقَالَ ابْنُ قَمِيئَةَ فِي الصَّغِيرِ:
يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى الشَّبَابِ وَلَمْ ... أَفْقِدْ بِهِ إِذْ فَقَدْتُهُ أَمَمَا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَمُ: الْقَصْدُ. قَالَ يُونُسُ: هَذَا أَمْرٌ مَأْمُومٌ: يَأْخُذُ بِهِ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: رَجُلٌ مِئَمٌّ، أَيْ: يَؤُمُّ الْبِلَادَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قَالَ:
احْذَرْنَ جَوَّابَ الْفَلَا مِئَمَّا
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] ، جَمْعُ " آمٍّ " يَؤُمُّونَ بَيْتَ اللَّهِ، أَيْ: يَقْصِدُونَهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: التَّيَمُّمُ يَجْرِي مَجْرَى التَّوَخِّي، يُقَالُ لَهُ: تَيَمَّمْ أَمْرًا حَسَنًا وَتَيَمَّمُوا أَطْيَبَ مَا عِنْدَكُمْ تَصَدَّقُوا بِهِ. وَالتَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، أَيْ: تَوَخَّوْا أَطْيَبَهُ وَأَنْظَفَهُ وَتَعَمَّدُوهُ. فَصَارَ التَّيَمُّمُ فِي أَفْوَاهِ الْعَامَّةِ فِعْلًا لِلتَّمَسُّحِ بِالصَّعِيدِ، حَتَّى يَقُولُوا قَدْ تَيَمَّمَ فُلَانٌ بِالتُّرَابِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، أَيْ: تَعَمَّدُوا. قَالَ:
(1/30)

إِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا ... فَعَمْدًا عَلَى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
وَتَقُولُ: يَمَّمْتُ فُلَانًا بِسَهْمِي وَرُمْحِي، أَيْ: تَوَخَّيْتُهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، قَالَ:
يَمَّمْتُهُ الرُّمْحَ شَزْرًا ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ... هَذِهِ الْمُرُوَّةُ لَا لِعْبُ الزَّحَالِيقِ
وَمَنْ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى: أَمَّمْتُهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ قَالَ " شَزْرًا " وَلَا يَكُونُ الشَّزْرُ إِلَّا مِنْ نَاحِيَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ أَمَامَهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْأُمَامَةُ الثَّمَانُونَ مِنَ الْإِبِلِ. قَالَ:
فَمَنَّ وَأَعْطَانِي الْجَزِيلَ وَزَادَنِي ... أُمَامَةَ يَحْدُوهَا إِلَيَّ حُدَاتُهَا
وَالْأُمُّ: الرَّئِيسُ، يُقَالُ: هُوَ أُمُّهُمْ. قَالَ الشَّنْفَرَى:
وَأُمُّ عِيَالٍ قَدْ شَهِدْتُ تَقُوتُهُمْ ... إِذَا أَطْعَمَتْهُمْ أَحْتَرَتْ وَأَقَلَّتِ
أَرَادَ بِأُمِّ الْعِيَالِ رَئِيسَهُمُ الَّذِي كَانَ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ تَأَبَّطَ شَرًّا.

(أَنَّ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ مُضَاعَفَةٌ فَأَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَوْتٌ بِتَوَجُّعٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ: أَنَّ الرَّجُلُ يَئِنُّ أَنِينًا وَأَنَّةً وَأَنًّا، وَذَلِكَ صَوْتُهُ بِتَوَجُّعٍ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(1/31)

تَشْكُو الْخِشَاشَ وَمَجْرَى النِّسْعَتَيْنِ كَمَا ... أَنَّ الْمَرِيضُ إِلَى عُوَّادِهِ الْوَصِبُ
وَيُقَالُ: رَجُلٌ أَنَّانٌ، أَيْ: كَثِيرُ الْأَنِينِ. اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ: الْقَوْسُ تَئِنُّ أَنِينًا: إِذَا لَانَ صَوْتُهَا وَامْتَدَّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
تَئِنُّ حِينَ تَجْذِبُ الْمَخْطُومَا ... أَنِينَ عَبْرَى أَسْلَمَتْ حَمِيمَا
قَالَ يَعْقُوبُ: الْأَنَّانَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَتَزَوَّجُ ثَانِيًا، فَكُلَّمَا رَأَتْهُ رَنَّتْ وَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا.
وَأَمَّا (الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ) فَلَيْسَ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ حِكَايَاتِ الْأَصْوَاتِ لَيْسَتْ أُصُولًا يُقَاسُ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَهَّ أَهَّةً وَآهَةً. قَالَ مُثَقِّبٌ:
: إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

(أَوْ) كَلِمَةُ شَكٍّ وَإِبَاحَةٍ.

(أَيَّ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ وَاسْتِفْهَامٍ، يُقَالُ: تَأَيَّيْتُ - عَلَى تَفَعَّلْتُ - أَيْ: تَمَكَّثْتُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَعَلِمْتُ أَنْ لَيْسَتْ بِدَارِ تَئِيَّةٍ
وَأَمَّا تَأَيَّيْتُ وَالْآيَةُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. وَآءَ - مَمْدُودٌ - شَجَرٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
(1/32)

أَصَكَّ مُصَلَّمِ الْأُذُنَيْنِ أَجْنَى ... لَهُ بِالسِّيِّ تَنُّومٌ وَآءُ
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ لِحِكَايَةِ الْأَصْوَاتِ فِي الْعَسَاكِرِ وَنَحْوِهَا: آءٌ. قَالَ:
فِي جَحْفَلٍ لَجِبٍ جَمٍّ صَوَاهِلُهُ ... بِاللَّيْلِ تُسْمَعُ فِي حَافَاتِهِ آءُ
وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَصْوَاتَ فِي الْحِكَايَاتِ لَيْسَتْ أُصُولًا يُقَاسُ عَلَيْهَا.

[بَابُ الثُّلَاثِيِّ الَّذِي أَوَّلُهُ الْهَمْزَةُ]
(أَبَتَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَرُّ وَشِدَّتُهُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ: أَبَتَ يَوْمُنَا يَأْبُتُ: إِذَا اشْتَدَّ حَرُّهُ، فَهُوَ أَبِتٌ. وَأَنْشَدَ:
بَرْكٌ هُجُودٌ بِفَلَاةٍ قَفْرِ ... أَحْمَى عَلَيْهَا الشمسَُ أبْتَُ الْحَرِّ
وَيُقَالُ: يَوْمٌ أبْتٌ وَلَيْلَةٌ أبْتَةٌ. وَرَجُلٌ مَأْبُوتٌ: أَصَابَهُ الْحَرُّ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: الْأَبْتَةُ كَالْوَغْرَةِ مِنَ الْقَيْظِ.

(أَبَثَ) وَهَذَا الْبَابُ مُهْمَلٌ عِنْدَ الْخَلِيلِ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: الْأَبِثُ: الْأَشِرُ النَّشِيطُ. قَالَ:
(1/33)

أَصْبَحَ عَمَّارٌ نَشِيطًا أَبِثَّا ... يَأْكُلُ لَحْمًا بَائِتًا قَدْ كَبِثَا
وَهَذَا الْبَابُ مُهْمَلٌ عِنْدَ الْخَلِيلِ، وَلَيْسَتِ الْكَلِمَةُ عِنْدَ ابْنِ دُرَيْدٍ.
وَالْكَبِثُ: الْمُتَغَيِّرُ الْمُرْوِحِ. وَلَيْسَ الْكَبِثُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَلَا ابْنِ دُرَيْدٍ. وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَقِرُّ مِنَ الْمَرَحِ: إِنَّهُ لَأَبِثٌ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ:
أَصَبْتُ إِبِلًا أبَاثَى
، يَعْنِي بُرُوكًا شَبَاعَى. وَنَاقَةٌ أبِثَةٌ.

(أَبَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالدَّالُ يَدُلُّ بِنَاؤُهَا عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَعَلَى التَّوَحُّشِ. قَالُوا: الْأَبَدُ: الدَّهْرُ، وَجَمْعُهُ آبَادٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَبَدٌ أَبِيدٌ، كَمَا يَقُولُونَ دَهْرٌ دَهِيرٌ. والْأَبْدَةٌ الْفَعْلَةُ تَبْقَى عَلَى الْأَبَدِ. وَتَأَبَّدَ الْبَعِيرُ تَوَحَّشَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ هَذِهِ الْبَهَائِمَ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ» . وَتَأَبَّدَ الْمَنْزِلُ خَلَا. قَالَ لَبِيدٌ:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْإِبِدُ ذَاتُ النِّتَاجِ مِنَ الْمَالِ، كَالْأَمَةِ وَالْفَرَسِ وَالْأَتَانِ، لِأَنَّهُنَّ يَضْنَأْنَ فِي كُلِّ عَامٍ، أَيْ: يَلِدْنَ، وَيُقَالُ: تَأَبَّدَ وَجْهُهُ كَلِفَ.
(1/34)

(أَبَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالرَّاءُ يَدُلُّ بِنَاؤُهَا عَلَى نَخْسِ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِبْرَةُ مَعْرُوفَةٌ، وَبَائِعُهَا أَبَّارٌ. وَالْأَبْرُ ضَرْبُ الْعَقْرَبِ بِإِبْرَتِهَا، وَهِيَ تَأْبُرُ، وَالْأَبْرُ إِلْقَاحُ النَّخْلِ، يُقَالُ: أَبَرَهُ أبْرًا، وَأَبَّرَهُ تَأْبِيرًا. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْأَبْرُ عِلَاجُ الزَّرْعِ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ السَّقْيِ وَالتَّعَهُّدِ. قَالَ طَرَفَةُ:
وَلِيَ الْأَصْلُ الَّذِي فِي مِثْلِهِ ... يُصْلِحُ الْآبِرُ زَرْعَ الْمُؤْتَبِرْ
الْمُؤْتَبِرُ الَّذِي يَطْلُبُ أَنْ يُقَامَ بِزَرْعِهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْمَآبِرُ النَّمَائِمُ، وَاحِدُهَا مِئْبَرٌ. [قَالَ النَّابِغَةُ] :
وَذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَتَاكَ أَقُولُهُ ... وَمِنْ دَسِّ أَعْدَاءٍ إِلَيْكَ الْمَآبِرَا
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَذُو مِئْبَرٍ: إِذَا كَانَ نَمَّامًا. قَالَ:
وَمَنْ يَكُ ذَا مِئْبَرٍ بِاللِّسَا ... نِ يَسْنَحْ بِهِ الْقَوْلُ أَوْ يَبْرَحِ
قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِبْرَةُ عُظَيْمٌ مُسْتَوٍ مَعَ طَرَفٍ الزَّنْدِ مِنَ الذِّرَاعِ إِلَى طَرَفِ الْإِصْبَعِ. قَالَ:
حَيْثُ تُلَاقِي الْإِبْرَةُ الْقَبِيحَا
وَيُقَالُ: إِنَّ إِبْرَةَ اللِّسَانِ طَرَفُهُ.
(1/35)

(أَبَزَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالزَّاءُ يَدُلُّ عَلَى الْقَلَقِ وَالسُّرْعَةِ وَقِلَّةِ الِاسْتِقْرَارِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِنْسَانُ يَأْبِزُ فِي عَدْوِهِ وَيَسْتَرِيحُ سَاعَةً وَيَمْضِي أَحْيَانًا.
قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأبَزَى وَالْقَفَزَى اسْمَانِ مِنْ أَبَزَ الْفَرَسُ وَقَفَزَ. وَالْأَبْزُ الْوَثْبُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: نَجِيبَةٌ أَبُوزُ، أَيْ: تَصْبِرُ صَبْرًا عَجِيبًا، وَقَدْ أَبَزَتْ تَأْبِزُ أبْزًا. قَالَ:
لَقَدْ صَبَحْتُ حَمَلَ بْنَ كُوزِ ... عُلَالَةً مِنْ وَكَرَى أَبُوزِ
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: الْآبِزُ الَّذِي يَأْبِزُ بِصَاحِبِهِ، أَيْ: يَبْغِي عَلَيْهِ وَيُعَرِّضُ بِهِ. يُقَالُ: أَرَاكَ تَأْبِزُ بِهِ.

(أَبَسَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالسِّينُ تَدُلُّ عَلَى الْقَهْرِ، يُقَالُ مِنْهُ أَبَسَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: إِذَا قَهَرَهُ. قَالَ:
أُسُودُ هَيْجَا لَمْ تُرَمْ بِأَبْسِ
وَالْأَبْسُ: كُلُّ مَكَانٍ خَشِنٍ. وَيُقَالُ: أبَسْتُ بِمَعْنَى حَبَسْتُ وَتَأَبَّسَ الشَّيْءُ تَغَيَّرَ. قَالَ الْمُتَلَمِّسُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْجَوْنَ أَصْبَحَ رَاسِيًا ... تُطِيفُ بِهِ الْأَيَّامُ لَا يَتَأَبَّسُ
وَيُقَالُ: هِيَ بِالْيَاءِ: " لَا يَتَأَيَّسُ " وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.
(1/36)

(أَبَشَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالشِّينُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَاءٍ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أبَشْتُ الشَّيْءَ وَهَبَشْتُهُ: إِذَا جَمَعْتُهُ.

(أَبَضَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالضَّادُ تَدُلُّ عَلَى الدَّهْرِ، وَعَلَى شَيْءٍ مِنْ أَرْفَاغِ الْبَطْنِ. الْأُبْضُ الدَّهْرُ وَجَمْعُهُ آبَاضٌ. قَالَ رُؤْبَةُ:
فِي حِقْبَةٍ عِشْنَا بِذَاكَ أُبْضَا
وَالْإِبَاضُ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ رُسْغُ الْبَعِيرِ إِلَى عَضُدِهِ، تَقُولُ أَبَضْتُهُ. وَيُقَالُ لِبَاطِنِ رُكْبَةِ الْبَعِيرِ الْمَأْبِضُ. وَتَصْغِيرُ الْإِبَاضِ أُبَيِّضٌ. قَالَ:
أَقُولُ لِصَاحِبِي وَاللَّيْلُ دَاجٍ ... أُبَيِّضُكَ الْأَسَيِّدَ لَا يَضِيعُ
يَقُولُ: احْفَظْ إِبَاضَكَ الْأَسْوَدَ كَيْ لَا يَضِيعَ. وَقَالَ لَبِيدٌ:
كَأَنَّ هِجَانَهَا مُتَأَبِّضَاتٍ ... وَفِي الْأَقْرَانِ، أَصْوِرَةُ الرَّغَامِ
مُتَأَبِّضَاتٌ: مُعْتَقَلَاتٌ بِالْأُبُضِ. يَقُولُ كَأَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي الْحِبَالِ أَصْوِرَةُ الرَّغَامِ.

(أَبَطَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِبِطُ الْإِنْسَانِ أَوِ اسْتِعَارَةٌ فِي غَيْرِهِ. الْإِبِطُ مَعْرُوفٌ. وَتَأَبَّطْتُ الشَّيْءَ تَحْتَ إِبِطِي.
(1/37)

قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: تَأَبَّطَ سَيْفَهُ: إِذَا تَقَلَّدَهُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَحْتَ إِبِطِهِ. وَكُلُّ شَيْءٍ تَقَلَّدْتَهُ فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ فَقَدْ تَأَبَّطْتَهُ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
شَرِبْتُ بِجَمِّهِ وَصَدَرْتُ عَنْهُ ... وَأَبْيَضَ صَارِمٍ ذَكَرٍ إِبَاطِي
قَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ إِبَاطِي، أَيْ: هُوَ نَاحِيَةَ إِبِطِي. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ إباطِيٌّ نَسَبَهُ إِلَى إِبِطِهِ ثُمَّ خَفَّفَهُ. وَالِاسْتِعَارَةُ: الْإِبِطُ مِنَ الرَّمْلِ، وَهُوَ أَنْ يَنْقَطِعَ مُعْظَمُهُ وَيَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ رَقِيقٌ مُنْبَسِطٌ مُتَّصِلٌ بِالْجَدَدِ، فَمُنْقَطَعُ مُعْظَمِهِ الْإِبِطُ، وَالْجَمْعُ الْآبَاطُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَحَوْمَانَةٍ وَرْقَاءَ يَجْرِي سَرَابُهَا ... بِمُنْسَحَّةِ الْآبَاطِ حُدْبٍ ظُهُورُهَا

(أَبَقَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْقَافُ يَدُلُّ عَلَى إِبَاقِ الْعَبْدِ، وَالتَّشَدُّدِ فِي الْأَمْرِ. أَبَقَ الْعَبْدُ يَأْبِقُ أَبْقًا وَأَبَقًا قَالَ الرَّاجِزُ:
أَمْسِكْ بَنِيكَ عَمْرُو إِنِّي آبِقُ ... بَرْقٌ عَلَى أَرْضِ السَّعَالِي آلِقُ
وَيُقَالُ: عَبْدٌ أَبُوقٌ وَأَبَّاقٌ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَأَبَّقَ الرَّجُلُ اسْتَتَرَ. قَالَ الْأَعْشَى:
(1/38)

وَلَكِنْ أَتَاهُ الْمَوْتُ لَا يَتَأَبَّقُ
وَقَالَ آخَر:
ألَا قَالَتْ بَهَانِ وَلِمَ تَأَبَّقُ ... نَعِمْتَ وَلَا يَلِيقُ بِكَ النَّعِيمُ
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِنَّ فِيكَ كَذَا، فَيَقُولُ: " أَمَا وَاللَّهِ مَا أَتَأَبَّقُ " أَيْ: مَا أُنْكِرُ. وَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ فُلَانَةٍ، فَيَقُولُ: " مَا أَتَأَبَّقُ مِنْهَا "، أَيْ: مَا أُنْكِرُهَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَبَقُ قِشْرُ الْقِنَّبِ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْأَبَقُ نَبَاتٌ تُدَقُّ سُوقُهُ حَتَّى يَخْلُصَ لِحَاؤُهُ فَيَكُونَ قِنَّبًا. قَالَ رُؤْبَةُ:
قُودٌ ثَمَانٍ مِثْلُ أَمْرَاسِ الْأَبَقْ
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ الْقِدِّ وَالْأَبَقَا

(أَبَكَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ السِّمَنُ، يُقَالُ: أَبِكَ الرَّجُلُ: إِذَا سَمِنَ.

(أَبَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَاللَّامُ بِنَاءٌ عَلَى أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: [عَلَى] الْإِبِلِ، وَعَلَى الِاجْتِزَاءِ، وَعَلَى الثِّقَلِ، وَ [عَلَى] الْغَلَبَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِبِلُ مَعْرُوفَةٌ.
(1/39)

وَإِبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ جُعِلَتْ قَطِيعًا قَطِيعًا، وَذَلِكَ نَعْتٌ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ ذِي الْإِبِلِ: آبِلٌ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْإِبِلُ يُقَالُ لِمَسَانِّهَا وَصِغَارِهَا، وَلَيْسَ لَهَا وَاحِدٌ مِنَ اللَّفْظِ، وَالْجَمْعُ آبَالٌ. قَالَ:
قَدْ شَرِبَتْ آبَالُهُمْ بِالنَّارِ ... وَالنَّارُ قَدْ تَشْفِي مِنَ الْأُوَارِ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: رَجُلٌ آبِلٌ: إِذَا كَانَ صَاحِبَ إِبِلٍ، وَأَبِلٌ بِوَزْنِ فَعِلٍ: إِذَا كَانَ حَاذِقًا بِرَعْيِهَا، وَقَدْ أَبِلَ يَأْبَلُ. وَهُوَ مِنْ آبَلِ النَّاسِ، أَيْ: أَحْذَقِهِمْ بِالْإِبِلِ، وَيَقُولُونَ: " هُوَ آبَلُ مِنْ حُنَيفِ الْحَنَاتِمِ ". وَالْإِبِلَاتُ الْإِبِلُ. وَأَبَّلَ الرَّجُلُ كَثُرَتْ إِبِلُهُ فَهُوَ مُؤَبِّلٌ، وَمَالٌ مُؤَبَّلٌ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَهُوَ كَثْرَتُهَا وَرُكُوبُ بَعْضِهَا بَعْضًا. وَفُلَانٌ لَا يَأْتَبِلُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ عَلَى الْإِبِلِ. وَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ عَنِ الْعَامِرِيِّ قَالَ: الْأَبَلَةُ كَالتَّكْرِمَةِ لِلْإِبِلِ، وَهُوَ أَنْ تُحْسِنَ الْقِيَامَ عَلَيْهَا، وَكَانَ أَبُو نَخِيلَةَ يَقُولُ: " إِنَّ أَحَقَّ الْأَمْوَالِ بِالْأَبَلَةِ وَالْكِنِّ، أَمْوَالٌ تَرْقَأُ الدِّمَاءَ، وَيُمْهَرُ مِنْهَا النِّسَاءُ، وَيُعْبَدُ عَلَيْهَا الْإِلَهُ فِي السَّمَاءِ، أَلْبَانُهَا شِفَاءٌ، وَأَبْوَالُهَا دَوَاءٌ، وَمَلَكَتُهَا سَنَاءٌ "، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: لِفُلَانٍ إِبِلٌ، أَيْ: لَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، جُعِلَ ذَلِكَ اسْمًا لِلْإِبِلِ الْمِائَةِ،
(1/40)

كَهُنَيْدَةَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَتْ فِيهَا رَاحِلَةٌ» . قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: فُلَانٌ يُؤَبِّلُ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا كَانَ يُكَثِّرُ عَلَيْهِ. وَتَأْوِيلُهُ التَّفْخِيمُ وَالتَّعْظِيمُ. قَالَ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا صَاحِبًا كُلَّمَا أَتَى ... أَقَرَّ وَلَمْ يَنْظُرْ لِقَوْلِ الْمُؤَبِّلِ
قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَتِ الْإِبِلُ لِعِظَمِ خَلْقِهَا. قَالَ الْخَلِيلُ: بَعِيرٌ آبِلٌ فِي مَوْضِعٍ لَا يَبْرَحُ يَجْتَزِئُ عَنِ الْمَاءِ. وَتَأَبَّلَ الرَّجُلُ عَنِ الْمَرْأَةِ كَمَا يَجْتَزِئُ الْوَحْشُ عَنِ الْمَاءِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «تَأَبَّلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ابْنِهِ الْمَقْتُولِ أَيَّامًا لَا يُصِيبُ حَوَّاءَ» . قَالَ لَبِيدٌ:
وَإِذَا حَرَّكْتُ غَرْزِي أَجْمَرَتْ ... أَوْ قِرَابَيْ عَدْوَ جَوْنٍ قَدْ أَبَلْ
يَعْنِي حِمَارًا اجْتَزَأَ عَنِ الْمَاءِ. وَيُقَالُ مِنْهُ: أَبَلَ يأْبِلُ وَيَأْبُلُ أُبُولًا. قَالَ الْعَجَّاجُ:
كَأَنَّ جَلْداتِ الْمَخَاضِ الْأُبَّالْ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَبَلَتْ تَأْبِلُ أَبْلًا: إِذَا رَعَتْ فِي الْكَلَأِ وَالْكَلَأُ [الرُّطْبُ وَ] الْيَابِسُ - فَإِذَا أَكَلَتِ الرُّطْبَ فَهُوَ الْجَزْءُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِبِلٌ أَوَابِلُ، وَأُبَّلٌ، وُأُبَّالُ، أَيْ: جَوَازِئُ. قَالَ:
(1/41)

بِهِ أَبَلَتْ شَهْرَيْ رَبِيعٍ كِلَيْهِمَا
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: إِبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِمْ غَنَمٌ مُغَنَّمَةٌ، وَبَقَرٌ مُبَقَّرَةٌ. وَيُقَالُ: هِيَ الْمُقْتَنَاةُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: نَاقَةٌ أَبِلَةٌ، أَيْ: شَدِيدَةٌ. وَيَقُولُونَ " مَا لَهُ هَابِلٌ وَلَا آبِلٌ "، الْهَابِلُ: الْمُحْتَالُ الْمُغْنِي عَنْهُ، وَالْآبِلُ: الرَّاعِي. قَالَ الْخَلِيلُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {طَيْرًا أَبَابِيلَ} [الفيل: 3] : أَيْ: يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاحِدُهَا إِبَّالَةٌ وَإِبَّوْلٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَبِيلُ مِنْ رُؤُوسِ النَّصَارَى، وَهُوَ الْأَبِيلِيُّ. قَالَ الْأَعْشَى:
وَمَا أَيْبُلِيٌّ عَلَى هَيْكَلٍ ... بَنَاهُ وَصَلَّبَ فِيهِ وَصَارَا
قَالَ: يُرِيدُ أَبِيليٌّ، فَلَمَّا اضْطُرَّ قَدَّمَ الْيَاءَ، كَمَا يُقَالُ: أَيْنَقُ وَالْأَصْلُ أَنْوَقُ.
قَالَ عَدِيٌّ:
إِنَّنِي وَاللَّهِ فَاقْبَلْ حَلْفَتِي ... بِأَبِيلٍ كُلَّمَا صَلَّى جَأَرْ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأَبَّلَ عَلَى الْمَيِّتِ حَزِنَ عَلَيْهِ. وَأَبَّلْتُ الْمَيِّتَ مِثْلَ أَبَّنْتُ. فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ:
قَبِيلَانِ، مِنْهُمْ خَاذِلٌ مَا يُجِيبُنِي ... وَمُسْتَأْبَلٌ مِنْهُمْ يُعَقُّ وَيُظْلَمُ
(1/42)

فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالْمُسْتَأْبَلِ الرَّجُلَ الْمَظْلُومَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَبَلَاتُ الْأَحْقَادُ، الْوَاحِدَةُ أَبَلَةٌ. قَالَ الْعَامِرِيُّ: قَضَى أَبَلَتَهُ مِنْ كَذَا، أَيْ: حَاجَتَهُ. قَالَ: وَهِيَ خَصْلَةُ شَرٍّ لَيْسَتْ بِخَيْرٍ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: مَا لِي إِلَيْكَ أَبِلَةٌ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، أَيْ: حَاجَةٌ. وَيُقَالُ: أَنَا أَطْلُبُهُ بِأَبِلَةٍ، أَيْ: تِرَةٍ. قَالَ يَعْقُوبُ: أُبْلَى مَوْضِعٌ. قَالَ الشَّمَّاخُ:
فَبَانَتْ بِأُبْلَى لَيْلَةً ثُمَّ لَيْلَةً ... بِحَاذَةَ وَاجْتَابَتْ نَوًى عَنْ نَوَاهُمَا
وَيُقَالُ: أَبَلَّ الرَّجُلُ يَأبِلُ أَبْلًا: إِذَا غَلَبَ وَامْتَنَعَ. والْأبَلَةُ: الثِّقَلُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ مَالٍ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَقَدْ ذَهَبَتْ أَبَلَتُهُ» . وَالْإِبَّالَةُ: الْحُزْمَةُ مِنَ الْحَطَبِ.

(أَبَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالنُّونُ يَدُلُّ عَلَى الذِّكْرِ، وَعَلَى الْعُقَدِ، وَقَفْوِ الشَّيْءِ. الْأُبَنُ: الْعُقَدُ فِي الْخَشَبَةِ. قَالَ:
قَضِيبَ سَراءٍ قَلِيلَ الْأُبَنْ
وَالْأُبَنُ: الْعَدَاوَاتُ. وَفُلَانٌ يُؤْبَنُ بِكَذَا، أَيْ: يُذَمُّ. وَجَاءَ فِي ذِكْرِ
(1/43)

مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: " «لَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ» "، أَيْ: لَا تُذْكَرُ. وَالتَّأْبِينُ: مَدْحُ الرَّجُلِ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ:
لَعَمْرِي وَمَا دَهْرِي بِتَأْبِينِ هَالِكٍ ... وَلَا جَزِعًا مِمَّا أَصَابَ فَأَوْجَعَا
وَهَذَا إِبَّانُ ذَلِكَ، أَيْ: حِينُهُ. وَتَقُولُ: أَبَّنْتُ أَثَرَهُ: إِذَا قَفَوْتُهُ، وَأَبَّنْتُ الشَّيْءَ رَقَبْتُهُ. قَالَ أَوْسٌ:
يَقُولُ لَهُ الرَّاؤُونَ هَذَاكَ رَاكِبٌ ... يُؤَبِّنُ شَخْصًا فَوْقَ عَلْيَاءَ وَاقِفُ

(أَبَهَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْهَاءُ يَدُلُّ عَلَى النَّبَاهَةِ وَالسُّمُوِّ. مَا أَبَهْتُ بِهِ، أَيْ: لَمْ أَعْلَمْ مَكَانَهُ وَلَا أَنِسْتُ بِهِ وَالْأُبَّهَةُ: الْجَلَالُ.

(أَبَوَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْوَاوُ يَدُلُّ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَالْغَذْوِ. أَبَوْتُ الشَّيْءَ آبُوهُ أَبْوًا: إِذَا غَذَوْتُهُ. وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَبُ أَبًا. وَيُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إِلَى أَبٍ: أَبَوِيٌّ. وَعَنْزٌ أَبْوَاءُ: إِذَا أَصَابَهَا وَجَعٌ عَنْ شَمِّ أَبْوَالِ الْأَرْوَى. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَبُ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ آبَاءٌ وَأُبُوَّةٌ. قَالَ:
أُحَاشِي نِزَارَ الشَّامِ إِنَّ نِزَارَهَا ... أُبُوَّةُ آبَائِي وَمِنِّى عَمِيدُهَا
قَالَ: وَتَقُولُ: تَأَبَّيْتُ أَبًا، كَمَا تَقُولُ: تَبَنَّيْتُ ابْنًا وَتَأَمَّهْتُ أُمًّا. قَالَ:
(1/44)

وَيَجُوزُ فِي الشِّعْرِ " هَذَانِ أَبَاكَ " وَأَنْتَ تُرِيدُ أَبَوَاكَ، و " رَأَيْتُ أَبِيكَ " يُرِيدُ أَبَوَيْكَ. قَالَ:
وَهْوَ يُفَدَّى بِالْأَبِينَ وَالْخَالْ
وَيَجُوزُ فِي الْجَمْعِ أَبُونَ. وَهَؤُلَاءِ أَبُوكُمْ أَيْ: آبَاؤُكُمْ. أَبُو عُبَيْدٍ: مَا كُنْتَ أَبًا وَلَقَدْ أَبَيْتَ أُبُوَّةً. وَأَبَوْتُ الْقَوْمَ، أَيْ: كُنْتُ لَهُمْ أَبًا. قَالَ:
نَؤُمُّهُمُ وَنَأْبُوهُمْ جَمِيعًا ... كَمَا قُدَّ السُّيُورُ مِنَ الْأَدِيمِ
قَالَ الْخَلِيلُ: فُلَانٌ يَأْبُو الْيَتِيمَ، أَيْ: يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُو الْوَالِدُ وَلَدَهُ.

(أَبَيَ) الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْيَاءُ يَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ. أَبَيْتُ الشَّيْءَ آبَاهُ، وَقَوْمٌ أَبِيُّونَ وَأُبَاةٌ. قَالَ:
أَبِيُّ الضَّيْمِ مِنْ نَفَرٍ أُبَاةٍ
وَالْإِبَاءُ: أَنْ تَعْرِضَ عَلَى الرَّجُلِ الشَّيْءَ فَيَأْبَى قَبُولَهُ، فَتَقُولُ مَا هَذَا الْإِبَاءُ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ. الْعَرَبُ مَا كَانَ مِنْ نَحْوِ فَعَلَ يَفْعَلُ. وَالْأَبِيَّةُ مِنَ الْإِبِلِ: الصَّعْبَةُ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ أَبَيَانٌ: إِذَا كَانَ يَأْبَى الْأَشْيَاءَ، وَمَاءٌ مَأْبَاةٌ عَلَى مِثَالِ مَعْباةٍ، أَيْ: تَأْبَاهُ الْإِبِلُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَخَذَهُ أَبَاءٌ
(1/45)

إِذَا كَانَ يَأْبَى الطَّعَامَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْأَوَابِي مِنَ الْإِبِلِ الْحِقَاقُ وَالْجِذَاعُ والثِّنَّاءُ: إِذَا ضَرَبَهَا الْفَحْلُ فَلَمْ تُلَقَّحْ، فَهِيَ تُسَمَّى الْأَوَابِيَ حَتَّى تُلَقَّحَ مَرَّةً، وَلَا تُسَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَوَابِيَ، وَاحِدَتُهَا آبِيَةٌ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْأُبَاءُ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ، وَهُوَ وَجَعٌ يَأْخُذُ الْمِعْزَى عَنْ شَمِّ أَبْوَالِ الْأَرْوَى. قَالَ:
فَقُلْتُ لِكَنَّازٍ تَرَكَّلْ فَإِنَّهُ ... أُبًا لَا إِخَالُ الضَّأْنَ مِنْهُ نَوَاجِيَا
الْأَبَاءُ: أَطْرَافُ الْقَصَبِ، الْوَاحِدَةُ أَبَاءَةٌ، ثُمَّ قِيلَ لِلْأَجَمَةِ أَبَاءَةٌ، كَمَا قَالُوا لِلْغَيْضَةِ أَرَاكَةٌ. قَالَ:
وَأَخُو الْإِبَاءَةِ إِذْ رَأَى خُلَّانَهُ ... تَلَّى شِفَاعًا حَوْلَهُ كَالْإِذْخِرِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْأَبَاءَةِ الرِّمَاحَ، شَبَّهَهَا بِالْقَصَبِ كَثْرَةً. قَالَ:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بَعْضُهُ ... بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ
(1/46)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَتَلَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَاللَّامُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْبُطْءُ وَالتَّثَاقُلُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَتَلَانُ تَقَارُبُ الْخَطْوِ فِي غَضَبٍ، يُقَالُ: أَتَلَ يَأْتِلُ، وَأَتَنَ يَأْتِنُ. وَأَنْشَدَ:
أَرَانِيَ لَا آتِيكَ إِلَّا كَأَنَّمَا ... أَسَأْتُ وإلَا أَنْتَ غَضْبَانُ تَأْتِلُ
وَهُوَ أَيْضًا مَشْيٌ بِتَثَاقُلٍ. وَأَنْشَدَ:
مَا لَكِ يَا نَاقَةُ تَأْتِلِينَا ... عَلَيَّ بِالدَّهْنَاءِ تَأْرَخِينَا
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: أَتَلَ الرَّجُلُ يَأْتِلُ أُتُولًا: إِذَا تَأَخَّرَ وَتَخَلَّفَ. قَالَ:
وَقَدْ مَلَأْتُ بَطْنَهُ حَتَّى أَتَلْ

(أَتَمَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَالْمِيمُ يَدُلُّ عَلَى انْضِمَامِ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، الْأَتَمُ فِي الْخُرَزِ أَنْ تَتَفَتَّقَ خُرْزَتَانِ فَتَصِيرَا وَاحِدَةً. وَمِنْهُ الْمَرْأَةُ الْأَتُومُ وَهِيَ الْمُفْضَاةُ الَّتِي صَارَ مَسْلَكَاهَا وَاحِدًا، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْأُتُمُ لُغَةٌ فِي الْعُتُمِ، وَهُوَ شَجَرُ الزَّيْتُونِ. وَيُقَالُ: أَتَمَ بِالْمَكَانِ: إِذَا ثَوَى، وَيُقَالُ: الْأَتَمُ الثَّوَاءُ، وَالْمَأْتَمُ: النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَذَا قَالَ الْقُتَبِيُّ، وَأَنْشَدَ:
(1/47)

رَمَتْهُ أَنَاةٌ مِنْ رَبِيعَةَ عَامِرٍ ... نَؤُومُ الضُّحَى فِي مَأْتَمٍ أَيِّ مَأْتَمِ
يُرِيدُ فِي نِسَاءٍ أَيِّ نِسَاءٍ. وَقَالَ رُؤْبَةُ:
إِذَا تَدَاعَى فِي الصِّمَادِ مَأْتَمُهْ ... أَحَنَّ غِيرَانًا تُنَادَى زُجَّمُهْ
شَبَّهَ الْبُومَ بِنِسَاءٍ يَنُحْنَ. وَقَوْلُهُ: أَحَنَّ غِيرَانًا، يُرِيدُ أَنَّ الْبُومَ إِذَا صَوَّتَتْ أَحَنَّتِ الْغِيرَانَ بِمُجَاوَبَةِ الصَّدَى، وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي تَسْمَعُهُ مِنَ الْجَبَلِ أَوِ الْغَارِ بَعْدَ صَوْتِكَ.

(أَتَنَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُنْثَى مِنَ الْحُمُرِ، أَوْ شَيْءٌ اسْتُعِيرَ لَهُ هَذَا الِاسْمُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَتَانُ مَعْرُوفَةٌ، وَالْجَمْعُ الْأُتُنُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هَذِهِ أَتَانٌ وَثَلَاثُ آتُنٍ، وَالْجَمْعُ أُتُنٌ وَأُتْنٌ بِالتَّخْفِيفِ وَلَا يَجُوزُ أَتَانَةٌ، لِأَنَّهُ اسْمٌ خُصَّ بِهِ الْمُؤَنَّثُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اسْتَأْتَنَ فُلَانٌ أَتَانًا أَيِ اتَّخَذَهَا. وَاسْتَأْتَنَ الْحِمَارُ: صَارَ أَتَانًا بَعْدَ أَنْ كَانَ حِمَارًا. وَالْمَأْتُونَاءُ: الْأُتُنُ. وَأَتَانُ الضَّحْلِ: صَخْرَةٌ كَبِيرَةٌ تَكُونُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يَرْكَبُهَا الطُّحْلُبُ. قَالَ أَوْسٌ:
بِجَسْرَةٍ كَأَتَانِ الضَّحْلِ صَلَّبَهَا ... أَكْلُ السَّوَادِيِّ رَضُّوهُ بِمِرْضاحِ
(1/48)

قَالَ يُونُسُ: الْأَتَانُ مَقَامُ الْمُسْتَقِي عَلَى فَمِ الرَّكِيَّةِ. قَالَ النَّضْرُ: الْأَتَانُ: قَاعِدَةُ الْهَوْدَجِ، وَالْجَمْعُ الْأُتُنُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَتَنَانُ تَقَارُبُ الْخَطْوِ فِي غَضَبٍ، يُقَالُ: أَتَنَ يَأْتِنُ. وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ النُّونَ مُبْدَلَةٌ مِنَ اللَّامِ، وَالْأَصْلُ الْأتَلَانُ. وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ.

(أَتَهَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَالْهَاءُ، يُقَالُ: إِنَّ التَّأَتُّهَ الْكِبْرُ وَالْخُيَلَاءُ.

(أَتَوَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْأَلِفُ وَالْيَاءُ يَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ الشَّيْءِ وَإِصْحَابِهِ وَطَاعَتِهِ. الْأَتْوُ الِاسْتِقَامَةُ فِي السَّيْرِ، يُقَالُ: أَتَا الْبَعِيرُ يَأْتُو. قَالَ:
تَوَكَّلْنَ وَاسْتَدْبَرْنَهُ كَيْفَ أَتْوُهُ ... بِهَا رَبِذًا سَهْوَ الْأَرَاجِيحِ مِرْجَمَا
وَيُقَالُ: مَا أَحْسَنَ أَتْوَ يَدَيْهَا فِي السَّيْرِ. وَقَالَ مُزَاحِمٌ:
فَلَا سَدْوَ إِلَّا سَدْوُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ ... وَلَا أَتْوَ إِلَّا أَتْوُهُ وَهُوَ مُقْبِلُ
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: أَتَوْتُ فُلَانًا بِمَعْنَى أَتَيْتُهُ. قَالَ:
يَا قَوْمِ مَا لِي وَأَبَا ذُؤَيْبِ ... كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبِ
(1/49)

قَالَ الضَّبِّيُّ: يُقَالُ لِلسِّقَاءِ إِذَا تَمَخَّضَ قَدْ جَاءَ أَتْوُهُ. الْخَلِيلُ: الْإِتَاوَةُ الْخَرَاجُ، وَالرِّشْوَةُ، وَالْجُعَالَةُ، وَكُلُّ قِسْمَةٍ تُقْسَمُ عَلَى قَوْمٍ فَتُجْبَى كَذَلِكَ. قَالَ:
يُؤَدُّونَ الْإِتَاوَةَ صَاغِرِينَا
وَأَنْشَدَ:
وَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ ... وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: أَتَوْتُهُ أَتْوًا: أَعْطَيْتُهُ الْإِتَاوَةَ.

(أَتَيَ) تَقُولُ: أَتَانِي فُلَانٌ إِتْيَانًا وَأَتْيًا وَأَتْيَةً وَأَتْوَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُقَالُ: إِتْيَانَةً وَاحِدَةً إِلَّا فِي اضْطِرَارِ شَاعِرٍ، وَهُوَ قَبِيحٌ لِأَنَّ الْمَصَادِرَ كُلَّهَا إِذَا جُعِلَتْ وَاحِدَةً رُدَّتْ إِلَى بِنَاءِ فِعْلِهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ عَلَى فَعَلَ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْفِعْلِ زِيَادَاتٌ فَوْقَ ذَلِكَ أُدْخِلَتْ فِيهَا زِيَادَاتُهَا فِي الْوَاحِدَةِ، كَقَوْلِنَا إِقْبَالَةً وَاحِدَةً. قَالَ شَاعِرٌ فِي الْأَتْيِ:
إِنِّي وَأَتْيَ ابْنِ غَلَّاقٍ لِيَقْرِيَنِي ... كَغَابِطِ الْكَلْبِ يَرْجُو الطِّرْقَ فِي الذَّنَبِ
وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ إتْيَانَةً. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: تِنِي بِفُلَانٍ: ائْتِنِي، وَلِلِاثْنَيْنِ
(1/50)

تِيَانِي بِهِ، وَلِلْجَمْعِ تُونِي بِهِ، وَلِلْمَرْأَةِ تِينِي بِهِ، وَلِلْجَمْعِ تِينَنِي. وَأَتَيْتُ الْأَمْرَ مِنْ مَأْتَاهُ وَمَأْتَاتِهِ. قَالَ:
وَحَاجَةٍ بِتُّ عَلَى صِمَاتِهَا ... أَتَيْتُهَا وَحْدِيَ مِنْ مَأْتَاتِهَا
قَالَ الْخَلِيلُ: آتَيْتُ فُلَانًا عَلَى أَمْرِهِ مُؤَاتَاةً، وَهُوَ حُسْنُ الْمُطَاوَعَةِ. وَلَا يُقَالُ: واتَيْتَهُ إِلَّا فِي لُغَةٍ قَبِيحَةٍ فِي الْيَمَنِ. وَمَا جَاءَ مِنْ نَحْوِ آسَيْتُ وَآكَلْتُ وَآمَرْتُ وَآخَيْتُ، إِنَّمَا يَجْعَلُونَهَا وَاوًا عَلَى تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ فِي يُوَاكِلُ وَيُوَامِرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَا أَتَيْتَنَا حَتَّى اسْتَأْتَيْنَاكَ، أَيِ اسْتَبْطَأْنَاكَ وَسَأَلْنَاكَ الْإِتْيَانَ. وَيُقَالُ: تَأَتَّ لِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: تَرَفَّقْ لَهُ. وَالْإِيتَاءُ الْإِعْطَاءُ، تَقُولُ آتَى يُؤْتِي إِيتَاءً. وَتَقُولُ هَاتِ بِمَعْنَى آتِ، أَيْ: فَاعِلْ، فَدَخَلَتِ الْهَاءُ عَلَى الْأَلِفِ. وَتَقُولُ تَأَتَّى لِفُلَانٍ أَمْرُهُ، وَقَدْ أَتَّاهُ اللَّهُ تَأْتِيَةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَتَأْتَى لَهُ الدَّهْرُ حَتَّى جَبَرْ
وَهُوَ مُخَفَّفٌ مَنْ تَأَتَّى. قَالَ لَبِيدٌ:
بِمُؤَتَّرٍ تَأْتَى لَهُ إِبْهَامُهَا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَتِيُّ مَا وَقَعَ فِي النَّهْرِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ وَرَقٍ مِمَّا يَحْبِسُ الْمَاءَ. تَقُولُ أَتِّ لِهَذَا الْمَاءِ، أَيْ: سَهِّلْ جَرْيَهُ. وَالْأَتِيُّ عِنْدَ الْعَامَّةِ: النَّهْرُ الَّذِي يَجْرِي
(1/51)

فِيهِ الْمَاءُ إِلَى الْحَوْضِ، وَالْجَمْعُ الْأُتِيُّ وَالْآتَاءُ. وَالْأَتِيُّ أَيْضًا: السَّيْلُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِكَ. قَالَ النَّابِغَةُ:
خَلَّتْ سَبِيلَ أَتِيٍّ كَانَ يَحْبِسُهُ ... وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السَّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَتِيَّ النُّؤَى، وَهُوَ مَجْرَاهُ، وَيُقَالُ: عَنَى بِهِ مَا يَحْبِسُ الْمَجْرَى مِنْ وَرَقٍ أَوْ حَشِيشٍ. وَأَتَّيْتُ لِلْمَاءِ تَأْتِيَةً: إِذَا وَجَّهْتُ لَهُ مَجْرًى. اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ أَتِيٌّ: إِذَا كَانَ نَافِذًا. قَالَ الْخَلِيلُ: رَجُلٌ أَتِيٌّ، أَيْ: غَرِيبٌ فِي قَوْمٍ لَيْسَ مِنْهُمْ. وَأَتَاوِيٌّ كَذَلِكَ. وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ:
لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ ... نَكْبَاءُ صِرٌّ بِأَصْحَابِ الْمُحِلَّاتِ
وَفِي حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الدَّحْدَاحِ: «إِنَّمَا هُوَ أَتِيٌّ فِينَا» . وَالْإِتَاءُ: نَمَاءُ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ. يُقَالُ: نَخْلٌ ذُو إِتَاءٍ، أَيْ: نَمَاءٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَتَتِ الْأَرْضُ وَالنَّخْلُ أَتْوًا، وَأَتَى الْمَاءُ إِتَاءً، أَيْ: كَثُرَ. قَالَ:
وَبَعْضُ الْقَوْلِ لَيْسَ لَهُ عِنَاجٌ ... كَسَيْلِ الْمَاءِ لَيْسَ لَهُ إِتَاءُ
وَقَالَ آخَرُ:
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي نَخْلَ سَقْيٍ ... وَلَا بَعْلٍ وَإِنْ عَظُمَ الْإِتَاءُ
(1/52)

(أَتَبَ) الْهَمْزَةُ وَالتَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يَشْتَمِلُ بِهِ الْإِبِطُ، قَمِيصٌ غَيْرُ مَخِيطِ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الْإِتْبِ مِنْهَا لَأَثَّرَا
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ الْبَقِيرَةُ، وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ بُرْدٌ فَيُشَقُّ، ثُمَّ تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ فِي عُنُقِهَا مِنْ غَيْرِ كُمَّيْنِ وَلَا جَيْبٍ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أتَّبْتُ الْمَرْأَةَ أُؤَتِّبُهَا: إِذَا أَلْبَسْتُهَا الْإِتْبَ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: التَّأَتُّبُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ حِمَالَةَ الْقَوْسِ فِي صَدْرِهِ وَيُخْرِجَ مَنْكِبَيْهِ مِنْهَا فَتَصِيرَ الْقَوْسُ عَلَى كَتِفَيْهِ. قَالَ النُّمَيْرِيُّ: الْمِئْتَبُ الْمِشْمَلُ وَقَدْ تَأَتَّبَهُ: إِذَا أَلْقَاهُ تَحْتَ إِبِطِهِ ثُمَّ اشْتَمَلَ. وَرَجُلٌ مُؤَتَّبُ الظَّهْرِ، وَيُقَالُ: مُؤْتَبٌ، أَيْ: أَجَنَؤُهُ. قَالَ:
عَلَى حَجَلِيٍّ رَاضِعٍ مُؤْتَبِ الظَّهْرِ

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَثَرَ) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالرَّاءُ، لَهُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: تَقْدِيمُ الشَّيْءِ، وَذِكْرُ الشَّيْءِ، وَرَسْمُ الشَّيْءِ الْبَاقِي. قَالَ الْخَلِيلُ: لَقَدْ أَثِرْتُ بِأَنْ أَفْعَلَ كَذَا، وَهُوَ هَمٌّ فِي عَزْمٍ. وَتَقُولُ افْعَلْ يَا فُلَانُ هَذَا آثِرًا مَا، وَآثِرَ [ذِي] أَثِيرٍ، أَيْ: إِنِ اخْتَرْتَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَافْعَلْ هَذَا إِمَّا لَا. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَعْنَاهُ افْعَلْهُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ:
(1/53)

وَقَالُوا مَا تَشَاءُ فَقُلْتُ أَلْهُو ... إِلَى الْإِصْبَاحِ آثِرَ ذِي أَثِيرِ
وَالْآثِرُ بِوَزْنِ فَاعِلٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ: «مَا حَلَفْتُ بَعْدَهَا آثِرًا وَلَا ذَاكِرًا» فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ آثِرًا مُخْبِرًا عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهِ. يَقُولُ لَمْ أَقُلْ إِنَّ فُلَانًا قَالَ وَأَبِي لَأَفْعَلَنَّ. مِنْ قَوْلِكَ أَثَرْتُ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثٌ مَأْثُورٌ. وَقَوْلُهُ: " وَلَا ذَاكِرًا "، أَيْ: لَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِي. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْآثِرُ الَّذِي يُؤَثِّرُ خُفَّ الْبَعِيرِ. وَالْأَثِيرُ مِنَ الدَّوَابِّ: الْعَظِيمُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ بِخُفِّهِ أَوْ حَافِرِهِ.
قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْأَثَرُ بَقِيَّةُ مَا يُرَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ أَنْ تَبْقَى فِيهِ عَلَقَةٌ. والْأَثَارُ الْأَثَرُ، كَالْفَلَاحِ وَالْفَلَحِ، وَالسَّدَادِ وَالسَّدَدِ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَثَرُ السَّيْفِ ضَرْبَتُهُ. وَتَقُولُ: " مَنْ يَشْتَرِي سَيْفِي وَهَذَا أَثَرُهُ " يَضْرِبُ لِلْمُجَرَّبِ الْمُخْتَبَرِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْمِئْثَرَةُ مَهْمُوزٌ: سِكِّينٌ يُؤَثَّرُ بِهَا فِي بَاطِنِ فِرْسِنِ الْبَعِيرِ، فَحَيْثُمَا ذَهَبَ عُرِفَ بِهَا أَثَرُهُ، وَالْجَمْعُ الْمَآثِرُ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْأَثَرُ الِاسْتِقْفَاءُ وَالِاتِّبَاعُ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أَثَرَ وَإِثْرَ. وَلَا يُشْتَقُّ مِنْ حُرُوفِهِ فِعْلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنْ يُقَالُ: ذَهَبْتُ فِي إِثْرِهِ. وَيَقُولُونَ: " تَدَعُ الْعَيْنَ وَتَطْلُبُ الْأَثَرَ " يُضْرَبُ لِمَنْ يَتْرُكُ السُّهُولَةَ إِلَى الصُّعُوبَةِ. وَالْأَثِيرُ: الْكَرِيمُ عَلَيْكَ الَّذِي تُؤْثِرُهُ بِفَضْلِكَ وَصِلَتِكَ. وَالْمَرْأَةُ الْأَثِيرَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْأَثَرَةُ، تَقُولُ عِنْدَنَا أَثَرَةٌ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: رَجُلٌ أَثِيرٌ عَلَى فَعِيلٍ، وَجَمَاعَةٌ أَثِيرُونَ، وَهُوَ بَيِّنُ
(1/54)

الْأَثَرَةِ، وَجَمْعُ الْأَثِيرِ أُثَرَاءُ. قَالَ الْخَلِيلُ: اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِفُلَانٍ: إِذَا مَاتَ وَهُوَ يُرْجَى لَهُ الْجَنَّةُ وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فَالْهُ عَنْهُ» ، أَيْ: إِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَاتْرُكْهُ. أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: أَخَذْتُ ذَلِكَ بِلَا أثَرَةٍ عَلَيْكَ، أَيْ: لَمْ أَسْتَأْثِرْ عَلَيْكَ. وَرَجُلٌ أَثُرٌ عَلَى فَعُلٍ، يَسْتَأْثِرُ عَلَى أَصْحَابِهِ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَخَذْتُهُ بِلَا أُثْرَى عَلَيْكَ. وَأَنْشَدَ:
فَقُلْتُ لَهُ يَا ذِئْبُ هَلْ لَكَ فِي أَخٍ ... يُوَاسِي بِلَا أُثْرَى عَلَيْكَ وَلَا بُخْلِ
وَفِي الْحَدِيثِ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً» ، أَيْ: [مَنْ] يَسْتَأْثِرُونَ بِالْفَيْءِ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: آثَرْتُهُ بِالشَّيْءِ إِيثَارًا، وَهِيَ الْأَثَرَةُ والْإِثْرَةُ، وَالْجَمْعُ الْإِثَرُ. قَالَ:
لَمْ يُؤْثِرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا ... لَا بَلْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْإِثَرُ
وَالْأَثَارَةُ: الْبَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ أَثَارَاتٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْإِبِلُ عَلَى أَثَارَةٍ، أَيْ: عَلَى شَحْمٍ قَدِيمٍ. قَالَ:
(1/55)

وَذَاتِ أَثَارَةٍ أَكَلَتْ عَلَيْهَا ... نَبَاتًا فِي أَكِمَّتِهِ تُؤَامَا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَثْرُ فِي السَّيْفِ شِبْهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْفِرِنْدُ، وَيُسَمَّى السَّيْفُ مَأْثُورًا لِذَلِكَ. يُقَالُ مِنْهُ أَثَرْتُ السَّيْفَ آثُرُهُ أَثْرًا: إِذَا جَلَوْتُهُ حَتَّى يَبْدُوَ فِرِنْدُهُ. الْفَرَّاءُ: الْأَثَرُ مَقْصُورٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا. وَأَنْشَدَ:
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأَبْرَزُوهَا ... فَجَاءَتْ كُلُّهَا يَتَقِي بِأَثْرِ
قَالَ: وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: أَثَرُ السَّيْفِ، مُحَرَّكَةٌ، وَيَنْشُدُ:
كَأَنَّهُمْ أَسْيُفٌ بِيضٌ يَمَانِيَةٌ ... صَافٍ مَضَارِبُهَا بَاقٍ بِهَا الْأَثَرُ
قَالَ النَّضْرُ: الْمَأْثُورَةُ مِنَ الْآبَارِ الَّتِي اخْتُفِيَتْ قَبْلَكَ ثُمَّ انْدَفَنَتْ ثُمَّ سَقَطْتَ أَنْتَ عَلَيْهَا، فَرَأَيْتَ آثَارَ الْأَرْشِيَةِ وَالْحِبَالِ، فَتِلْكَ الْمَأْثُورَةُ. حَكَى الْكَلْبِيُّ أُثِرْتُ بِهَذَا الْمَكَانِ، أَيْ: ثَبَتُّ فِيهِ. وَأَنْشَدَ:
فَإِنْ شِئْتَ كَانَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ بَيْنَنَا ... وَأَعْظَمُ مِيثَاقٍ وَعَهْدُ جِوَارِ
مُوَادَعَةً ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَلَمْ أَدَعْ ... قَلُوصِي وَلَمْ تَأْثَرْ بِسُوءِ قَرَارِ
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: طَرِيقٌ مَأْثُورٌ، أَيْ: حَدِيثُ الْأَثَرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
(1/56)

إِذَا تَخَلَّصَ اللَّبَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَخَلَصَ فَهُوَ الْأُثْرُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ الْأُثْرُ بِالضَّمِّ. وَكَسَرَهَا يَعْقُوبُ. وَالْجَمْعُ الْأُثُورُ. قَالَ:
وَتَصْدُرُ وَهِيَ رَاضِيَةٌ جَمِيعًا ... عَنَ امْرِي حِينَ آمُرُ أَوْ أُشِيرُ
وَأَنْتَ مُؤَخَّرٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ ... تُوَارِبُكَ الْجَوَازِمُ وَالْأُثُورُ
تُوَارِبُكَ، أَيْ: تَهُمُّكَ، مِنَ الْأَرَبِ وَهِيَ الْحَاجَةُ. وَالْجَوَازِمُ: وِطَابُ اللَّبَنِ الْمَمْلُوَّةُ.

(أَثَفَ) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالْفَاءُ يَدُلُّ عَلَى التَّجَمُّعِ وَالثَّبَاتِ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ تَأَثَّفْتُ بِالْمَكَانِ تَأَثُّفًا، أَيْ: أَقَمْتُ بِهِ، وَأَثَفَ الْقَوْمُ يَأْثِفُونَ أَثْفًا: إِذَا اسْتَأْخَرُوا وَتَخَلَّفُوا. وَتَأَثَّفَ الْقَوْمُ اجْتَمَعُوا. قَالَ النَّابِغَةُ:
وَلَوْ تَأَثَّفَكَ الْأَعْدَاءُ بِالرِّفَدِ
، أَيْ: تَكَنَّفُوكَ فَصَارُوا كَالْأَثَافِيِّ. وَالْأُثْفِيَّةُ هِيَ الْحِجَارَةُ تُنْصَبُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ، وَهِيَ أُفْعُولَةٌ مِنْ ثَفَّيْتُ، يُقَالُ: قِدْرٌ مُثَفَّاةٌ. وَيَقُولُونَ مُؤَثَّفَةٌ، وَالْمُثَفَّاةُ أَعْرَفُ وَأَعَمُّ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ مُؤَثْفَاةٌ بِوَزْنِ مُفَعْلَاةٍ فِي اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُؤَفْعَلَةٌ، لِأَنَّ أَثْفَى يُثْفَى عَلَى تَقْدِيرِ " أَفْعَلُ يُفْعَلُ " وَلَكِنَّهُمْ رُبَّمَا تَرَكُوا أَلِفَ " أَفْعَلُ يُؤَفْعَلُ " لِأَنَّ " أَفْعَلُ " أُخْرِجَتْ مِنْ حَدِّ الثُّلَاثِيِّ بِوَزْنِ الرُّبَاعِيِّ.
(1/57)

وَقَدْ جَاءَ: كِسَاءٌ مُؤَرْنَبٌ، أَثْبَتُوا الْأَلِفَ الَّتِي كَانَتْ فِي أَرْنَبٍ، وَهِيَ أَفْعَلُ، فَتَرَكُوا فِي مُؤَفْعَلٍ هَمْزَةً. وَرَجُلٌ مُؤَنْمَلٌ لِلْغَلِيظِ الْأَنَامِلِ. قَالَ:
وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنَ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: الْإِثْفِيَّةُ أَيْضًا بِالْكَسْرَةِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْأَثَافِيُّ كَوَاكِبُ بِحِيَالِ رَأْسِ الْقِدْرِ، كَأَثَافِيِّ الْقِدْرِ. وَالْقِدْرُ أَيْضًا كَوَاكِبُ مُسْتَدِيرَةٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُثَفَّاةُ سِمَةٌ عَلَى هَيْئَةِ الْأَثَافِيِّ. وَيُقَالُ: الْأَثَافِيُّ أَيْضًا. قَالَ: وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مُثَفَّاةٌ، أَيْ: مَاتَ عَنْهَا ثَلَاثَةُ أَزْوَاجٍ، وَرَجُلٌ مُثَفًّى تَزَوَّجَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ. أَبُو عَمْرٍو: أثَفَهُ يَأْثِفُهُ طَلَبَهُ. قَالَ: وَالْأَثِفُ الَّذِي يَتْبَعُ الْقَوْمَ، يُقَالُ: مَرَّ يَأْثِفُهُمْ وَيُثَفِّيهِمْ، أَيْ: يَتْبَعُهُمْ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَثَفَهُ يَأْثِفُهُ طَرَدَهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
بَقِيَتْ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أُثْفِيَّةٌ خَشْنَاءُ
: إِذَا بَقِيَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَجَمَاعَةٌ عَزِيزَةٌ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْمُؤَثَّفُ مِنَ الرِّجَالِ الْقَصِيرُ الْعَرِيضُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ. وَأَنْشَدَ:
لَيْسَ مِنَ الْقُرِّ بِمُسْتَكِينِ ... مُؤَثَّفٍ بِلَحْمِهِ سَمِينِ

(أَثَلَ) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَاللَّامُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ الشَّيْءِ وَتَجَمُّعِهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَثْلُ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرْفَاءَ إِلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَجْوَدُ عُودًا مِنْهُ، تُصْنَعُ مِنْهُ الْأَقْدَاحُ الْجِيَادُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْأَثْلُ مِنَ الْعِضَاهِ طُوَالٌ فِي السَّمَاءِ،
(1/58)

لَهُ هَدَبٌ طُوَالٌ دُقَاقٌ لَا شَوْكَ لَهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " هُوَ مُولَعٌ بِنَحْتِ أَثْلَتِهِ "، أَيْ: مُولَعٌ بِثَلْبِهِ وَشَتْمِهِ. قَالَ الْأَعْشَى:
أَلَسْتَ مَنْتَهِيًا عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنَا ... وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الْإِبِلُ
قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ أَثَّلَ فُلَانٌ تَأْثِيلًا: إِذَا كَثُرَ مَالُهُ وَحَسُنَتْ حَالُهُ.
وَالْمُتَأَثِّلُ: الَّذِي يَجْمَعُ مَالًا إِلَى مَالٍ. وَتَقُولُ أَثَّلَ اللَّهُ مُلْكَكَ، أَيْ: عَظَّمَهُ وَكَثَّرَهُ. قَالَ:
أَثَّلَ مُلْكًا خِنْدِفِيًّا فَدْغَمَا
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْأَثَالُ الْمَجْدُ أَوِ الْمَالُ. وَحَكَاهَا الْأَصْمَعِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَأَثَلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ. وَتَأَثَّلَ فُلَانٌ اتَّخَذَ أَصْلَ مَالٍ. وَالْمُتَأَثِّلُ مِنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ الْأَثِيثُ. وَأَنْشَدَ:
وَالْأَصْلُ يَنْبُتُ فَرْعُهُ مُتَأَثِّلًا ... وَالْكَفُّ لَيْسَ بَنَانُهَا بِسَوَاءِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَثَّلْتُ عَلَيْهِ الدُّيُونَ تَأْثِيلًا، أَيْ: جَمَعْتُهَا عَلَيْهِ، وَأَثَّلْتُهُ بِرِجَالٍ، أَيْ: كثَّرْتُهُ بِهِمْ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
أَتَشْتُمُ قَوْمًا أَثَّلُوكَ بِنَهْشَلٍ ... وَلَوْلَا هُمُ كُنْتُمْ كَعُكْلٍ مَوَالِيَا
وَيُقَالُ: تَأَثَّلْتُ لِلشِّتَاءِ، أَيْ: تَأَهَّبْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أُثالٌ اسْمُ جَبَلٍ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي قَوْلِهِ:
(1/59)

تُؤَثِّلُ كَعْبٌ عَلَيَّ الْقَضَاءَ ... فَرَبِّي يُغَيِّرُ أَعْمَالَهَا
قَالَ: تُؤَثِّلُ، أَيْ: تُلْزِمُنِيهِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَصْمَعِيُّ: تَأَثَّلْتُ الْبِئْرَ حَفَرْتُهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وَقَدْ أَرْسَلُوا فُرَّاطَهُمْ فَتَأَثَّلُوا ... قَلِيبًا سَفَاهَا كَالْإِمَاءِ الْقَوَاعِدِ
وَهَذَا قِيَاسُ الْبَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْرَاجُ مَا قَدْ كَانَ فِيهَا مُؤَثَّلًا.

(أَثَمَ) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالْمِيمُ تَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْبُطْءُ وَالتَّأَخُّرُ. يُقَالُ: نَاقَةٌ آثِمَةٌ، أَيْ: مُتَأَخِّرَةٌ. قَالَ الْأَعْشَى:
إِذَا كَذَبَ الْآثِمَاتُ الْهَجِيرَا
وَالْإِثْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَا الْإِثْمِ بَطِيءٌ عَنِ الْخَيْرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ.
قَالَ الْخَلِيلُ: أَثِمَ فُلَانٌ وَقَعَ فِي الْإِثْمِ، فَإِذَا تَحَرَّجَ وَكَفَّ قِيلَ تَأَثَّمَ كَمَا يُقَالُ حَرِجَ وَقَعَ فِي الْحَرَجِ، وَتَحَرَّجَ تَبَاعَدَ عَنِ الْحَرَجِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: رَجُلٌ أَثِيمٌ أَثُومٌ. وَذَكَرَ نَاسٌ عَنِ الْأَخْفَشِ - وَلَا أَعْلَمَ كَيْفَ صِحَّتُهُ - أَنَّ الْإِثْمَ الْخَمْرُ،
(1/60)

وَعَلَى ذَلِكَ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] . وَأَنْشَدَ:
شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ تَفْعَلُ بِالْعُقُولِ
فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهَا تُوقِعُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.

(أَثَنَ) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالنُّونُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِيهِ كَلِمَةٌ مِنَ الْإِبْدَالِ، يَقُولُونَ الْأُثُنُ لُغَةٌ فِي الْوُثُنِ. وَيَقُولُونَ الْأُثْنَةُ حَرَجَةُ الطَّلْحِ. وَقَدْ شَرَطْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا هَذَا أَلَّا نَقِيسَ إِلَّا الْكَلَامَ الصَّحِيحَ.

(أَثْوَى) الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، تَخْتَلِطُ الْوَاوُ فِيهِ بِالْيَاءِ، وَيَقُولُونَ أَثَى عَلَيْهِ يَأْثِي إثَاوَةً وَإثَايَةً وَأَثْوًا وَأَثْيًا: إِذَا نَمَّ عَلَيْهِ. وَيُنْشِدُونَ:
وَلَا أَكُونُ لَكُمْ ذَا نَيْرَبٍ آثِ
وَالنَّيْرَبُ: النَّمِيمَةُ. وَقَالَ:
وَإِنَّ امْرَأً يَأْثُو بِسَادَةِ قَوْمِهِ ... حَرِيٌّ لَعَمْرِي أَنْ يُذَمَّ وَيُشْتَمَا
(1/61)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَجَحَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالْحَاءُ فَرْعٌ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، فَالْأُجَاحُ: السِّتْرُ، وَأَصْلُهُ وُجَاحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْوَاوِ.

(أَجَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَعْقُودُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجَادَ الطَّاقُ الَّذِي يُعْقَدُ فِي الْبِنَاءِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ نَاقَةٌ أُجُدٌ. قَالَ النَّابِغَةُ:
فَعَدِّ عَمَّا تَرَى إِذْ لَا ارْتِجَاعَ لَهُ ... وَانْمِ الْقُتُودَ عَلَى عَيْرَانَةٍ أُجُدِ
وَيُقَالُ: هِيَ مُؤْجَدَةُ الْقَرَى. قَالَ طَرَفَةُ:
صُهَابِيَّةُ الْعُثْنُونِ مُؤْجَدَةُ الْقَرَى ... بَعِيدَةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارَةُ الْيَدِ
وَقِيلَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ فَقَارُهَا عَظْمًا وَاحِدًا بِلَا مَفْصِلٍ، وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، أَعْنِي الْقِيَاسَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

(أَجَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْمَعْنَى، فَالْأَوَّلُ الْكِرَاءُ عَلَى الْعَمَلِ، وَالثَّانِي جَبْرُ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ. فَأَمَّا الْكِرَاءُ فَالْأَجْرُ وَالْأُجْرَةُ. وَكَانَ الْخَلِيلُ يَقُولُ: الْأَجْرُ جَزَاءُ الْعَمَلِ، وَالْفِعْلُ أَجَرَ
(1/62)

يَأْجُرُ أَجْرًا، وَالْمَفْعُولُ مَأْجُورٌ. وَالْأَجِيرُ: الْمُسْتَأْجَرُ. وَالْأَُجَارَةُ مَا أَعْطَيْتَ مِنْ أَجْرٍ فِي عَمَلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ مَهْرُ الْمَرْأَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] . وَأَمَّا جَبْرُ الْعَظْمِ فَيُقَالُ مِنْهُ أُجِرَتْ يَدُهُ. وَنَاسٌ يَقُولُونَ أَجَرَتْ يَدُهُ. فَهَذَانِ الْأَصْلَانِ. وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أُجْرَةَ الْعَامِلِ كَأَنَّهَا شَيْءٌ يُجْبَرُ بِهِ حَالُهُ فِيمَا لَحِقَهُ مِنْ كَدٍّ فِيمَا عَمِلَهُ. فَأَمَّا الْإِجَّارُ فَلُغَةٌ شَامِيَّةٌ، وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بِهَا الْحِجَازِيُّونَ. فَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَاتَ عَلَى إِجَّارٍ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ قَدَمَيْهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . وَإِنَّمَا لَمْ نَذْكُرْهَا فِي قِيَاسِ الْبَابِ لِمَا قُلْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْبَادِيَةِ. وَنَاسٌ يَقُولُونَ إِنْجَارٌ، وَذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُ أَمْرَهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ هَذَا وَقَدْ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «قُومُوا فَقَدْ صَنَعَ جَابِرٌ لَكُمْ سُورًا» وَسُورٌ فَارِسِيَّةٌ، وَهُوَ الْعُرْسُ. فَإِنْ رَأَيْتَهَا فِي شِعْرٍ فَسَبِيلُهَا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ أَنْشَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ:
كَالْحَبَشِ الصَّفِّ عَلَى الْإِجَّارِ
شَبَّهَ أَعْنَاقَ الْخَيْلِ بِحَبَشٍ صَفٍّ عَلَى إِجَّارٍ يُشْرِفُونَ.
(1/63)

(أَجَصَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالصَّادُ لَيْسَتْ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ عَلَيْهَا إِلَّا الْإِجَّاصُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَرَبِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِيمَ تَقِلُّ مَعَ الصَّادِ.

(أَجَلَ) اعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَةَ وَالْجِيمَ وَاللَّامَ يَدُلُّ عَلَى خَمْسِ كَلِمَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، لَا يَكَادُ يُمْكِنُ حَمْلُ وَاحِدَةٍ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا. وَرَبُّكَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَالْأَجَلُ غَايَةُ الْوَقْتِ فِي مَحَلِّ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ صَرَّفَهُ الْخَلِيلُ فَقَالَ أَجِلَ هَذَا الشَّيْءُ وَهُوَ يَأْجَلُ، وَالِاسْمُ الْآجِلُ نَقِيضُ الْعَاجِلِ وَالْأَجِيلُ الْمُرْجَأُ، أَيِ الْمُؤَخَّرُ إِلَى وَقْتٍ. قَالَ:
وَغَايَةُ الْأَجِيلِ مَهْوَاةُ الرَّدَى
وَقَوْلُهُمْ " أَجَلْ " فِي الْجَوَابِ، هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ انْتَهَى وَبَلَغَ الْغَايَةَ. وَالْإِجْلُ: الْقَطِيعُ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ، وَالْجَمْعُ آجَالٌ. وَقَدْ تَأَجَّلَ الصُِّوَارُ: صَارَ قَطِيعًا. وَالْأَجْلُ مَصْدَرُ أَجَلَ عَلَيْهِمْ شَرًّا، أَيْ: جَنَاهُ وَبَحَثَهُ. قَالَ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ:
وَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ
أَيْ: جَانِيهِ. وَالْإِجْلُ: وَجَعٌ فِي الْعُنُقِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ: " بِي إِجْلٌ فَأَجِّلُونِي "، أَيْ: دَاوُونِي مِنْهُ. والْمَأْجَلُ: شِبْهُ حَوْضٍ وَاسِعٍ يُؤَجَّلُ فِيهِ مَاءُ الْبِئْرِ
(1/64)

أَوِ الْقَنَاةِ أَيَّامًا ثُمَّ يُفَجَّرُ فِي الزَّرْعِ، وَالْجَمْعُ مَآجِلُ. وَيَقُولُونَ: أَجِّلْ لِنَخْلَتِكَ، أَيِ اجْعَلْ لَهَا مِثْلَ الْحَوْضِ. فَهَذِهِ هِيَ الْأُصُولُ. وَبَقِيَتْ كَلِمَتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: أَجَلُوا مَالَهُمْ يَأْجِلُونَهُ أَجْلًا، أَيْ: حَبَسُوهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الزَّاءُ " أَزَلُوهُ ". وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُ هَذَا وَمَأْجَِلِ الْمَاءِ وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمَاءَ يُحْبَسُ فِيهِ. وَالْأُخْرَى قَوْلُهُمْ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَعَلْتُ كَذَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَجَلْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: جَنَيْتُهُ، فَمَعْنَاهُ [مِنْ] أَنْ أُجِلَ كَذَا فَعَلْتُ، أَيْ: مِنْ أَنْ جُنِيَ. فَأَمَّا أَجَلَى عَلَى " فَعَلَى " فَمَكَانٌ. وَالْأَمَاكِنُ أَكْثَرُهَا مَوْضُوعَةُ الْأَسْمَاءِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ. قَالَ:
حَلَّتْ سُلَيْمَى جَانِبَ الْجَرِيبِ ... بِأَجَلَى مَحَلَّةِ الْغَرِيبِ

(أَجَمَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالْمِيمُ لَا يَخْلُو مِنَ التَّجَمُّعِ وَالشِّدَّةِ. فَأَمَّا التَّجَمُّعُ فَالْأَجَمَةُ، وَهِيَ مَنْبِتُ الشَّجَرِ الْمُتَجَمِّعِ كَالْغَيْضَةِ، وَالْجَمْعُ الْآجَامُ. وَكَذَلِكَ الْأُجُمُ وَهُوَ الْحِصْنُ. وَمِثْلُهُ أُطُمٌ وَآطَامٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: «حَتَّى تَوَارَتْ بِآجَامِ الْمَدِينَةِ» . وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
(1/65)

وَذَلِكَ مُتَجَمَّعُ الْبُنْيَانِ وَالْأَهْلِ.
وَأَمَّا الشِّدَّةُ فَقَوْلُهُمْ: تَأَجَّمَ الْحَرُّ، اشْتَدَّ. وَمِنْهُ أجَمْتُ الطَّعَامَ مَلِلْتُهُ. وَذَلِكَ أَمْرٌ يَشْتَدُّ عَلَى الْإِنْسَانِ.

(أَجَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْجِيمُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَأَجَنَ الْمَاءُ يَأْجُنُ وَيَأْجِنُ: إِذَا تَغَيَّرَ، وَهِيَ الْفَصِيحَةُ. وَرُبَّمَا قَالُوا أَجِنَ يَأْجَنُ، وَهُوَ أَجُونٌ. قَالَ:
كضِفْدِعِ مَاءٍ أَجُونٍ يَنِقْ
فَأَمَّا الْمِئْجَنَةُ خَشَبَةُ الْقَصَّارِ فَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْوَاوِ. والْإِجَّانُ كَلَامٌ لَا يَكَادُ أَهْلُ اللُّغَةِ يُحِقُّونَهُ.

(أَجَأَ) جَبَلٌ لِطَيٍّ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الْأَمَاكِنَ لَا تَكَادُ تَنْقَاسُ أَسْمَاؤُهَا. وَقَالَ شَاعِرٌ فِي أَجَأَ:
وَمِنْ أَجَأٍ حَوْلِي رِعَانٌ كَأَنَّهَا ... قَنَابِلُ خَيْلٍ مِنْ كُمَيْتٍ وَمِنْ وَرْدِ
(1/66)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَحَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْحَاءُ وَالدَّالُ فَرْعٌ وَالْأَصْلُ الْوَاوُ: وَحَدَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْوَاوِ. وَقَالَ الدَّرِيدِيُّ: مَا اسْتَأْحَدْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: مَا انْفَرَدْتُ بِهِ.

(أَحَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْحَاءُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِحْنَةُ الْحِقْدُ فِي الصَّدْرِ. وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
مَتَى تَكُ فِي صَدْرِ ابْنِ عَمِّكَ إِحْنَةٌ ... فَلَا تَسْتَثِرْهَا سَوْفَ يَبْدُو دَفِينُهَا
وَقَالَ آخَرُ فِي جَمْعِ إِحْنَةٍ:
مَا كُنْتُمْ غَيْرَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ إِحَنٌ ... تُطَالِبُونَ بِهَا لَوْ يَنْتَهِي الطَّلَبُ
وَيُقَالُ: أَحِنَ عَلَيْهِ يَأْحَنُ إِحْنَةً. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: آحَنْتُهُ مُؤَاحَنَةً، أَيْ: عَادَيْتُهُ. وَرُبَّمَا قَالُوا: أَحِنَ: إِذَا غَضِبَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَةَ لَا تُجَامِعُ الْحَاءَ إِلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ لِقُرْبِ هَذِهِ مِنْ تِلْكَ.
(1/67)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَخَذَ) الْهَمْزَةُ وَالْخَاءُ وَالذَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تَتَفَرَّعُ مِنْهُ فُرُوعٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى. [أَمَّا] أَخَذَ فَالْأَصْلُ حَوْزُ الشَّيْءِ وَجَبْيُهُ وَجَمْعُهُ. تَقُولُ أَخَذْتُ الشَّيْءَ آخُذُهُ أَخْذًا. قَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ خِلَافُ الْعَطَاءِ، وَهُوَ التَّنَاوُلُ. قَالَ: وَالْأُخْذَةُ رُقْيَةٌ تَأْخُذُ الْعَيْنَ وَنَحْوَهَا. وَالْمُؤَخَّذُ: الرَّجُلُ الَّذِي تُؤَخِّذُهُ الْمَرْأَةُ عَنْ رَأْيِهِ وَتُؤَخِّذُهُ عَنِ النِّسَاءِ، كَأَنَّهُ حُبِسَ عَنْهُنَّ. وَالْإِخَاذَةُ - وَأَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ الْإِخَاذُ بِغَيْرِ هَاءٍ -: مَجْمَعُ الْمَاءِ شَبِيهٌ بِالْغَدِيرِ. قَالَ الْخَلِيلُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ. وَجَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى إِخَاذًا، لِأَخْذِهِ مِنْ مَاءٍ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ لِعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ يَصِفُ مَطَرًا:
فَآضَ فِيهِ مِثْلُ الْعُهُونِ مِنَ ... الرَّوْضِ وَمَا ضَنَّ بِالْإِخَاذِ غُدُرْ
وَجَمْعُ الْإِخَاذِ أُخُذٌ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
فَظَلَّ مُرْتَبِئًا والْأُخْذُ قَدْ حَمِيَتْ ... وَظَنَّ أَنَّ سَبِيلَ الْأُخْذِ مَثْمُودُ
وَقَالَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ: " مَا شَبَّهْتُ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْإِخَاذَ، تَكْفِي الْإِخَاذَةُ الرَّاكِبَ وَتَكْفِي الْإِخَاذَةُ الرَّاكِبَيْنِ
(1/68)

وَتَكْفِي الْإِخَاذَةُ الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ ". وَيُسْتَعْمَلُ هَذَا الْقِيَاسُ فِي أَدْوَاءٍ تَأْخُذُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَفِي غَيْرِ الْأَدْوَاءِ، إِلَّا أَنَّ قِيَاسَهَا وَاحِدٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْآخِذُ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي أَخَذَ فِيهِ السِّمَنُ، وَهُنَّ الْأَوَاخِذُ. قَالَ: وَأَخِذَ الْبَعِيرُ يَأْخَذُ أخْذًا فَهُوَ أَخِذٌ، خَفِيفٌ، وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْجُنُونِ يَأْخُذُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الشَّاءِ أَيْضًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ مَضَى الْقِيَاسُ فِي هَذَا الْبِنَاءِ صَحِيحًا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ فَمَا قَوْلُكَ فِي الرَّمَدِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأُخُذَ الرَّمَدُ وَالْأَخِذُ الرَّمِدُ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ قُلْنَا إِنَّ الْأَدْوَاءَ تُسَمَّى بِهَذَا لِأَخْذِهَا الْإِنْسَانَ وَفِيهِ. وَقَدْ قَالَ مُفَسِّرُو شِعْرِ هُذَيْلٍ فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
يَرْمِي الْغُيُوبَ بِعَيْنَيْهِ وَمَطْرِفُهُ ... مُغْضٍ كَمَا كَسَفَ الْمُسْتَأْخَذُ الرَّمِدُ
يُرِيدُ أَنَّ الْحِمَارَ يَرْمِي بِعَيْنَيْهِ كُلَّ مَا غَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَطَرَفُهُ مُغْضٍ، كَمَا كَسَفَ الْمُسْتَأْخَذُ الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ رَمَدُهُ أَيِ اشْتَدَّ أَخْذُهُ لَهُ، وَاسْتَأْخَذَ الرَّمَدُ فِيهِ فَكَسَفَ نَكَّسَ رَأْسَهُ، وَيُقَالُ: غَمَّضَ. فَقَدْ صَحَّ بِهَذَا مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ سُمِّيَ أُخُذًا لِأَنَّهُ يَسْتَأْخِذُ فِيهِ. وَهَذِهِ لَفْظَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أَعْنِي اسْتَأْخَذَ، قَالَ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
إِلَيْهِمْ مَتَى يَسْتَأْخِذُ النَّوْمُ فِيهِمُ ... وَلِي مَجْلِسٌ لَوْلَا اللُّبَانَةُ أَوْعَرُ
فَأَمَّا نُجُومُ الْأَخْذِ فَهِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ، وَقِيَاسُهَا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ الْقَمَرَ يَأْخُذُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلٍ مِنْهَا. قَالَ شَاعِرٌ:
(1/69)

وَأَخْوَتْ نُجُومُ الْأَخْذِ إِلَّا أَنِضَّةً ... أَنِضَّةَ مَحْلٍ لَيْسَ قَاطِرُهَا يُثْرِي

(أَخَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْخَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ إِلَيْهِ تَرْجِعُ فُرُوعُهُ، وَهُوَ خِلَافُ التَّقَدُّمِ. وَهَذَا قِيَاسٌ أَخَذْنَاهُ عَنِ الْخَلِيلِ فَإِنَّهُ قَالَ: الْآخِرُ نَقِيضُ الْمُتَقَدِّمِ. وَالْأُخُرُ نَقِيضُ الْقُدُمِ، تَقُولُ مَضَى قُدُمًا وَتَأَخَّرَ أُخُرًا. وَقَالَ: وَآخِرَةُ الرَّحْلِ وَقَادِمَتُهُ وَمُؤَخَّرُ الرَّحْلِ وَمُقَدَّمُهُ. قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ مُؤْخِرٌ مُخَفَّفَةً فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ إِلَّا فِي مُؤْخِرِ الْعَيْنِ وَمُقْدِمِ الْعَيْنِ فَقَطْ. وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ بِعْتُكَ بَيْعًا بِأَخِرَةٍ، أَيْ: نَظِرَةٍ، وَمَا عَرَفْتُهُ إِلَّا بِأَخَرَةٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: فَعَلَ اللَّهُ بِالْأَخِرِ، أَيْ: بِالْأَبْعَدِ. وَجِئْتُ فِي أُخْرَيَاتِهِمْ وَأُخْرَى الْقَوْمِ. قَالَ:
أَنَا الَّذِي وُلِدْتُ فِي أُخْرَى الْإِبِلْ
وَابْنُ دُرَيْدٍ يَقُولُ: الْآخِرُ تَالٍ لِلْأَوَّلِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا مَضَى ذِكْرُهُ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَنَا قَالَ آخِرُ الرَّجُلَيْنِ وَقَالَ الْآخِرُ، هُوَ لِقَوْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ أَشَدُّ مُلَاءَمَةً وَأَحْسَنُ مُطَابَقَةً. وَأُخَرُ: جَمَاعَةٌ أُخْرَى.

(أَخَوَ) الْهَمْزَةُ وَالْخَاءُ وَالْوَاوُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ عِنْدَنَا مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الْوَاوِ بِشَرْحِهَا، وَكَذَلِكَ الْآخِيَّةُ.
(1/70)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَدَرَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهِيَ الْأَدْرَةُ وَالْأَدَرَةُ، يُقَالُ: أَدِرَ يَأْدَرُ، وَهُوَ آدَرُ. قَالَ:
نُبِّئْتُ عُتْبَةَ خَضَّافًا تَوَعَّدَنِي ... يَا رُبَّ آدَرَ مِنْ مَيْثَاءَ مَأْفُونِ

(أَدَلَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ كَلِمَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ فِي الْمَعْنَى، مُتَبَاعِدَتَانِ فِي الظَّاهِرِ. فالْإِدْلُ اللَّبَنُ الْحَامِضُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: جَاءَ بِإِدْلَةٍ مَا تُطَاقُ [حَمَضًا] أَيْ: مِنْ حُمُوضَتِهَا. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَالَ الْفَرَّاءُ: الْإِدْلُ وَجَعُ الْعُنُقِ. فَالْمَعْنَى فِي الْكَرَاهَةِ وَاحِدٌ، وَفِيهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ قِيَاسٌ أَجْوَدُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، بَلْ هُوَ الْأَصْلُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذَا تَلَبَّدَ اللَّبَنُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَلَمْ يَنْقَطِعْ فَهُوَ إِدْلٌ. وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ، لِأَنَّ الْوَجَعَ فِي الْعُنُقِ قَدْ يَكُونُ مِنْ تَضَامِّ الْعُرُوقِ وَتَلَوِّيهَا.

(أَدَمَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُلَاءَمَةُ، وَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ -: «لَوْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» . قَالَ الْكِسَائِيُّ: يُؤْدَمُ يَعْنِي
(1/71)

أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا الْمَحَبَّةُ وَالِاتِّفَاقُ، يُقَالُ: أَدَمَ يَأْدِمُ أَدْمًا. وَقَالَ أَبُو الْجَرَّاحِ الْعُقَيْلِيُّ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَرَى هَذَا إِلَّا مِنْ أَدْمِ الطَّعَامِ، لِأَنَّ صَلَاحَهُ وَطِيبَهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِدَامِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: طَعَامٌ مَأْدُومٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ فِي طَعَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: " أَكْلَةٌ مَأْدُومَةٌ حَتَّى يَصُدُّوا ". قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ: " أَبَا فُلَانٍ، أَتُطَلِّقُنِي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي وَأبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، وَأَتَيْتُكَ بَاهِلًا غَيْرَ ذَاتِ صِرَارٍ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ: آدَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يُؤْدِمُ إِيدَامًا فَهُوَ مُؤْدَمٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالْبِيضُ لَا يُؤْدِمْنَ إِلَّا مُؤْدَمَا
أَيْ: لَا يُحْبِبْنَ إِلَّا مُحَبَّبًا مَوْضِعًا لِذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ جَعَلْتُ فُلَانًا أَدَمَةَ أَهْلِي، أَيْ: أُسْوَتَهُمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَفَّقَ بَيْنَهُمْ. وَالْأَدَمَةُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الشَّيْءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يُتَوَسَّلُ بِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَحْمِلُ الْأَدَمَةَ وَهِيَ بَاطِنُ الْجِلْدِ؟ قِيلَ لَهُ: الْأَدَمَةُ أَحْسَنُ مُلَاءَمَةً لِلَّحْمِ مِنَ الْبَشَرَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَدَمَةِ الْأَرْضِ.
وَيُقَالُ: هِيَ الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ، أَيْ: قَدْ جَمَعَ لِينَ الْأَدَمَةِ وَخُشُونَةَ الْبَشَرَةِ. فَأَمَّا اللَّوْنُ الْآدَمُ فَلِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ عَلَى بَنِي آدَمَ. وَنَاسٌ تَقُولُ: أَدِيمُ الْأَرْضِ وَأَدَمَتُهَا وَجْهُهَا.
(1/72)

(أَدَوَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالْوَاوُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. الْأدْوُ كَالْخَتْلِ وَالْمُرَاوَغَةِ. يُقَالُ: أَدَا يَأْدُو أَدْوًا. وَقَالَ:
أدَوْتُ لَهُ لِآخُذَهُ ... فَهَيْهَاتَ الْفَتَى حَذِرَا
وَهَذَا شَيْءٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَدَاةِ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ أَعْمَالًا حَتَّى يُوصَلَ بِهَا إِلَى مَا يُرَادُ. وَكَذَلِكَ الْخَتْلُ وَالْخَدْعُ يَعْمَلَانِ أَعْمَالًا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَلِفُ الَّتِي فِي الْأَدَاةِ لَا شَكَّ أَنَّهَا وَاوٌ، لِأَنَّ الْجِمَاعَ أَدَوَاتٌ. وَيُقَالُ: رَجُلٌ مُؤْدٍ عَامِلٌ. وَأَدَاةُ [الْحَرْبِ] : السِّلَاحُ. وَقَالَ:
أَمُرُّ مُشِيحًا مَعِي فِتْيَةٌ ... فَمِنْ بَيْنِ مُؤْدٍ وَ [مِنْ] حَاسِرِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: اسْتَأْدَيْتُ عَلَى فُلَانٍ بِمَعْنَى اسْتَعْدَيْتَ، كَأَنَّكَ طَلَبْتَ بِهِ أَدَاةً تُمَكِّنُكَ مِنْ خَصْمِكَ. وآدَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: أَعَنْتُهُ. قَالَ:
إِنِّي سَأُودِيكَ بِسَيْرٍ وَكْزِ
(1/73)

(أَدَيَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِيصَالُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ أَوْ وُصُولُهُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلَّبَنِ إِذَا وَصَلَ إِلَى حَالِ الرُّؤُوبِ، وَذَلِكَ إِذَا خَثُرَ: قَدْ أَدَى يَأْدِي أُدْيًا. قَالَ الْخَلِيلُ: أَدَّى فُلَانٌ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ أَدَاءً وَتَأْدِيَةً. وَتَقُولُ فُلَانٌ آدَى لِلْأَمَانَةِ مِنْكَ. وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
أَدَّى إِلَى هِنْدٍ تَحِيَّاتِهَا ... وَقَالَ هَذَا مِنْ وَدَاعِي بِكِرْ

(أَدَبَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تَتَفَرَّعُ مَسَائِلُهُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ: فَالْأَدْبُ أَنْ تَجْمَعَ النَّاسَ إِلَى طَعَامِكَ. وَهِيَ الْمَأْدَبَةُ وَالْمَأْدُبَةُ. وَالْآدِبُ الدَّاعِي. قَالَ طَرَفَةُ:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ
وَالْمَآدِبُ: جَمْعُ الْمَأْدَُبَةِ، قَالَ شَاعِرٌ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ فِي قَعْرِ عُشِّهَا ... نَوَى الْقَسْبِ مُلْقًى عِنْدَ بَعْضِ الْمَآدِبِ
(1/74)

وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ الْأَدَبُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ. فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ» فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَنْ قَالَ " مَأْدُبَةٌ " فَإِنَّهُ أَرَادَ الصَّنِيعَ يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ. يُقَالُ مِنْهُ أَدَبْتُ عَلَى الْقَوْمِ آدِبُ أَدْبًا، وَذَكَرَ بَيْتَ طَرَفَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْتَ عَدِيٍّ:
زَجِلٌ وَبْلُهُ يُجَاوِبُهُ دُ ... فٌّ لِخُونٍ مَأْدُوبَةٍ وَزَمِيرُ
قَالَ: وَمَنْ قَالَ " مَأْدَبَةٌ " فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى الْأَدَبِ. يَجْعَلُهُ مَفْعَلَةً مِنْ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْإِدْبَ الْعَجَبُ. فَإِنْ كَانَ كَذَا فَلِتَجَمُّعِ النَّاسِ لَهُ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَذَنَ) الْهَمْزَةُ وَالذَّالُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، مُتَبَاعِدَانِ فِي اللَّفْظِ، أَحَدُهُمَا أُذُنُ كُلِّ ذِي أُذُنٍ، وَالْآخَرُ الْعِلْمُ; وَعَنْهُمَا يَتَفَرَّعُ الْبَابُ كُلُّهُ. فَأَمَّا التَّقَارُبُ فَبِالْأُذُنِ يَقَعُ عِلْمُ كُلِّ مَسْمُوعٍ. وَأَمَّا تَفَرُّعُ الْبَابِ
(1/75)

فَالْأُذُنُ مَعْرُوفَةٌ مُؤَنَّثَةٌ. وَيُقَالُ لِذِي الْأُذُنِ آذَنُ، وَلِذَاتِ الْأُذُنِ أَذْنَاءُ. أَنْشَدَ سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ:
مِثْلَ النَّعَامَةِ كَانَتْ وَهْيَ سَالِمَةٌ ... أَذْنَاءَ حَتَّى زَهَاهَا الْحَيْنُ وَالْجُنُنُ
أَرَادَ الْجُنُونَ:
جَاءَتْ لِتَشْرِيَ قَرْنًا أَوْ تُعَوِّضَهُ ... وَالدَّهْرُ فِيهِ رَبَاحُ الْبَيْعِ وَالْغَبَنُ
فَقِيلَ أُذْنَاكِ ظُلْمٌ ثُمَّتِ اصْطُلِمَتْ ... إِلَى الصِّمَاخِ فَلَا قَرْنٌ وَلَا أُذُنُ
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ السَّامِعِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ أُذُنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة: 61] . وَالْأُذُنُ عُرْوَةُ الْكُوزِ، وَهَذَا مُسْتَعَارٌ. وَالْأَذَنُ الِاسْتِمَاعُ، وَقِيلَ أَذَنٌ لِأَنَّهُ بِالْأُذُنِ يَكُونُ. وَمِمَّا جَاءَ مَجَازًا وَاسْتِعَارَةً الْحَدِيثُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ... إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ
وَقَالَ أَيْضًا:
وَسَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ ... وَحَدِيثٍ مِثْلِ مَاذِيٍّ مُشَارِ
(1/76)

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْعِلْمُ وَالْإِعْلَامُ. تَقُولُ الْعَرَبُ قَدْ أَذِنْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: عَلِمْتُ. وآذَنَنِي فُلَانٌ أَعْلَمَنِي. وَالْمَصْدَرُ الْأَذْنُ وَالْإِيذَانُ. وَفَعَلَهُ بِإِذْنِي، أَيْ: بِعِلْمِي، وَيَجُوزُ بِأَمْرِي، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَمِنْ ذَلِكَ أُذِنَ لِي فِي كَذَا. وَمِنَ الْبَابِ الْأَذَانُ، وَهُوَ اسْمُ التَّأْذِينِ، كَمَا أَنَّ الْعَذَابَ اسْمُ التَّعْذِيبِ، وَرُبَّمَا حَوَّلُوهُ إِلَى فَعِيلٍ فَقَالُوا أَذِينٌ. قَالَ:
حَتَّى إِذَا نُودِيَ بِالْأَذِينِ
وَالْوَجْهُ فِي هَذَا أَنَّ الْأَذِينَ [الْأَذَانُ] ، وَحُجَّتُهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَالْأَذِينُ أَيْضًا: الْمَكَانُ يَأْتِيهِ الْأَذَانُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَقَالَ:
طَهُورُ الْحَصَى كَانَتْ أَذِينًا وَلَمْ تَكُنْ ... بِهَا رِيبَةٌ مِمَّا يُخَافُ تَرِيبُ
وَالْأَذِينُ أَيْضًا: الْمُؤَذِّنُ. قَالَ الرَّاجِزُ:
فَانْكَشَحَتْ لَهُ عَلَيْهَا زَمْجَرَهْ ... سَحْقًا وَمَا نَادَى أَذِينُ الْمَدَرَهْ
أَرَادَ مُؤَذِّنَ الْبُيُوتِ الَّتِي تُبْنَى بِالطِّينِ وَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] ، فَقَالَ الْخَلِيلُ: التَّأَذُّنُ مِنْ قَوْلِكَ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، تُرِيدُ بِهِ إِيجَابَ الْفِعْلِ، أَيْ: سَأَفْعَلُهُ لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا قَوْلٌ. وَأَوْضَحُ مِنْهُ قَوْلُ الْفَرَّاءِ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ: أَعْلَمَ رَبُّكُمْ. وَرُبَّمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي مَعْنَى أَفْعَلْتُ: تَفَعَّلْتُ. وَمِثْلُهُ أَوْعَدَنِي وَتَوَعَّدَنِي; وَهُوَ كَثِيرٌ. وَآذِنُ الرَّجُلِ حَاجِبُهُ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ.
(1/77)

(أَذَيَ) الْهَمْزَةُ وَالذَّالُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ تَتَكَرَّهُهُ وَلَا تَقَِرُّ عَلَيْهِ. تَقُولُ: آذَيْتُ فُلَانًا أُوذِيهِ. وَيُقَالُ: بَعِيرٌ أَذٍ وَنَاقَةٌ أَذِيَةٌ: إِذَا كَانَ لَا يَقَِرُّ فِي مَكَانٍ مِنْ غَيْرِ وَجَعٍ، وَكَأَنَّهُ يَأْذَى بِمَكَانِهِ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَرَزَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ والزَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يُخْلِفُ قِيَاسُهُ بَتَّةً، وَهُوَ التَّجَمُّعُ وَالتَّضَامُّ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» . وَيَقُولُونَ: أَرَزَ فُلَانٌ: إِذَا تَقَبَّضَ مِنْ بُخْلِهِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: " إِنَّ فُلَانًا إِذَا سُئِلَ أَرَزَ، وَإِذَا دُعِيَ انْتَهَزَ ". وَرَجُلٌ أَرُوزٌ: إِذَا لَمْ يَنْبَسِطْ لِلْمَعْرُوفِ. قَالَ شَاعِرٌ:
فَذَاكَ بَخَّالٌ أَرُوزُ الْأَرْزِ
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْبَسِطُ لَكِنَّهُ يَنْضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: مَا بَلَغَ فُلَانٌ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَّا آرِزًا، أَيْ: مُنْقَبِضًا عَنِ الِانْبِسَاطِ فِي مَشْيِهِ، مِنْ شِدَّةِ إِعْيَائِهِ. وَقَدْ أَعْيَا وَأَرَزَ. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ آرِزَةُ الْفَقَارَةِ: إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةً مُتَدَاخِلًا بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
(1/78)

بِآرِزَةِ الْفَقَارَةِ لَمْ يَخُنْهَا ... قِطَافٌ فِي الرِّكَابِ وَلَا خِلَاءُ
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ آرِزَةٌ فَمِنْ هَذَا، لِأَنَّ الْخِصْرَ يَتَضَامُّ.

(أَرَسَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً. وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَرَارِيسَ الزَّرَّاعُونَ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ.

(أَرَشَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالشِّينُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا، وَقَدْ جَعَلَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرْعًا، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَصْلَ الْهَرْشُ، وَأَنَّ الْهَمْزَةَ عِوَضٌ مِنَ الْهَاءِ. وَهَذَا عِنْدِي مُتَقَارِبٌ، لِأَنَّ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ - أَعْنِي الْهَمْزَةَ وَالْهَاءَ - مُتَقَارِبَانِ، يَقُولُونَ إِيَّاكَ وَهِيَّاكَ، وَأَرَقْتُ وَهَرَقْتُ. وَأَيًّا كَانَ فَالْكَلَامُ مِنْ بَابِ التَّحْرِيشِ، يُقَالُ: أرَّشْتُ الْحَرْبَ وَالنَّارَ: إِذَا أَوْقَدْتُهُمَا. قَالَ:
وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ أَرَّشَ الْحَرْبَ بَيْنَهُمْ ... وَلَكِنَّ مَسْعُودًا جَنَاهَا وَجُنْدُبَا
وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ: دِيَتُهَا، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يَدْعُو إِلَى خِلَافٍ وَتَحْرِيشٍ، فَالْبَابُ وَاحِدٌ.

(أَرَضَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ، أَصْلٌ يَتَفَرَّعُ وَتَكْثُرُ مَسَائِلُهُ، وَأَصْلَانِ لَا يَنْقَاسَانِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَوْضُوعٌ حَيْثُ وَضَعَتْهُ
(1/79)

الْعَرَبُ. فَأَمَّا هَذَانِ الْأَصْلَانِ فَالْأَرْضُ الزُّكْمَةُ، رَجُلٌ مَأْرُوضٌ، أَيْ: مَزْكُومٌ. وَهُوَ أَحَدُهُمَا، وَفِيهِ يَقُولُ الْهُذَلِيُّ:
جَهِلْتَ سَعُوطَكَ حَتَّى تَخَا ... لَ أَنْ قَدْ أُرِضْتَ وَلَمْ تُؤْرَضِ
وَالْآخَرُ الرِّعْدَةُ، يُقَالُ: بِفُلَانٍ أَرْضٌ، أَيْ: رِعْدَةٌ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
إِذَا تَوَجَّسَ رِكْزًا مِنْ سَنَابِكِهَا ... أَوْ كَانَ صَاحِبَ أَرْضٍ أَوْ بِهِ مُومُ
وَأَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فَكُلُّ شَيْءٍ يَسْفُلُ وَيُقَابِلُ السَّمَاءَ، يُقَالُ لِأَعْلَى الْفَرَسِ سَمَاءٌ، وَلِقَوَائِمِهِ أَرْضٌ. قَالَ:
وَأَحْمَرَ كَالدِّيبَاجِ أَمَّا سَمَاؤُهُ ... فَرَيًّا وَأَمَّا أَرْضُهُ فَمَُحُولُ
سَمَاؤُهُ: أَعَالِيهِ، وَأَرْضُهُ: قَوَائِمُهُ. وَالْأَرْضُ: الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا، وَتُجْمَعُ أَرَضِينَ، وَلَمْ تَجِئْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَجْمُوعَةً. فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ أَرْضٌ أَرِيضَةٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيِّنَةً طَيِّبَةً. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
بِلَادٌ عَرِيضَةٌ وَأَرْضٌ أَرِيضَةٌ ... مَدَافِعُ غَيْثٍ فِي فَضَاءٍ عَرِيضِ
وَمِنْهُ رَجُلٌ أَرِيضٌ لِلْخَيْرِ، أَيْ: خَلِيقٌ لَهُ، شُبِّهَ بِالْأَرْضِ الْأَرِيضَةِ. وَمِنْهُ تَأَرَّضَ النَّبْتُ: إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُجَزَّ، وَجَدْيٌ أَرِيضٌ: إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ
(1/80)

يَتَأَرَّضَ النَّبْتَ. وَالْإِرَاضُ: بِسَاطٌ ضَخْمٌ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ ابْنُ أَرْضٍ، أَيْ: غَرِيبٌ. قَالَ:
أَتَانَا ابْنُ أَرْضٍ يَبْتَغِي الزَّادَ بَعْدَمَا
وَيُقَالُ: تَأَرَّضَ فُلَانٌ: إِذَا لَزِمَ الْأَرْضَ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ:
وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا ... فَقَامَ مَا الْتَاثَ وَلَا تَأَرَّضَا

(أَرَطَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهَا، وَهِيَ الْأَرْطَى الشَّجَرَةُ، الْوَاحِدَةُ مِنْهَا أَرْطَاةُ، وَأَرْطَاتَانِ وَأَرْطَيَاتٌ. وَأَرْطًى مُنَوَّنٌ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَرْطَاةٌ وَأَرْطًى، لَمْ تُلْحَقِ الْأَلِفُ لِلتَّأْنِيثِ. قَالَ الْعَجَّاجُ:
فِي مَعْدِنِ الضَّالِ وَأَرْطًى مُعْبِلِ
وَهُوَ يُجْرَى وَلَا يُجْرَى. وَيُقَالُ: هَذَا أرْطًى كَثِيرٌ وَهَذِهِ أَرْطَى كَثِيرَةٌ. وَيُقَالُ: أَرْطَتِ الْأَرْضُ: أَنْبَتَتِ الْأَرْطَى، فَهِيَ مُرْطِئَةٌ. وَذَكَرَ الْخَلِيلُ كَلِمَةً إِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مِنَ الْإِبْدَالِ، أُقِيمَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا مُقَامَ الْهَاءِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَرِيطُ: الْعَاقِرُ مِنَ الرِّجَالِ. وَأَنْشَدَ:
(1/81)

مَاذَا تُرَجِّينَ مِنَ الْأَرِيطِ
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْهَرَطُ يُقَالُ: نَعْجَةٌ هَرِطَةٌ، وَهِيَ الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهَا غُثُوثَةٌ. وَالْإِنْسَانُ يَهْرِطُ فِي كَلَامِهِ: إِذَا خَلَطَ. وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِهِ.

(أَرَفَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا يُتَفَرَّعُ مِنْهُ. يُقَالُ: أُرِّفَ عَلَى الْأَرْضِ: إِذَا جُعِلَتْ لَهَا حُدُودٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ مَالٍ قُسِمَ وَأُرِّفَ عَلَيْهِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ» ، و " الْأُرَفُ تَقْطَعُ كُلَّ شُفْعَةٍ ".

(أَرَقَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْقَافُ أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا نِفَارُ النُّوَّمِ لَيْلًا، وَالْآخَرُ لَوْنٌ مِنَ الْأَلْوَانِ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ أَرِقْتُ أَرَقًا، وَأَرَّقَنِي الْهَمُّ يُؤَرِّقُنِي. قَالَ الْأَعْشَى:
أَرِقْتُ وَمَا هَذَا السُّهَادُ الْمُؤَرِّقُ ... وَمَا بِيَ مِنْ سُقْمٍ وَمَا بِي مَعْشَقُ
وَيُقَالُ: آرَقَنِي أَيْضًا. قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:
يَا عِيدُ مَا لَكَ مِنْ شَوْقٍ وَإِيرَاقِ ... وَمَرِّ طَيْفٍ عَلَى الْأَهْوَالِ طَرَّاقِ
وَرَجُلٌ أَرِقٌ وَآرِقٌ، عَلَى وَزْنِ فَعِلٍ وَفَاعِلٍ. قَالَ:
فَبِتُّ بِلَيْلِ الْآرِقِ الْمُتَمَلْمِلِ
(1/82)

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَيَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ ... كَأَنَّ فِي رَيْطَتَيْهِ نَضْحَ أَرْقَانِ
فَيُقَالُ: إِنَّ الْأرْقَانَ شَجَرٌ أَحْمَرُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الْأرَقَانُ الَّذِي يُصِيبُ الزَّرْعَ، وَهُوَ اصْفِرَارٌ يَعْتَرِيهِ، يُقَالُ: زَرْعٌ مَأْرُوقٌ وَقَدْ أُرِقَ. وَرَوَاهُ اللِّحْيَانِيُّ الْإِرَاقُ والْأَرْقُ.

(أَرَكَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ أَصْلَانِ عَنْهُمَا يَتَفَرَّعُ الْمَسَائِلُ، أَحَدُهُمَا شَجَرٌ، وَالْآخَرُ الْإِقَامَةُ. فَالْأَوَّلُ الْأَرَاكُ وَهُوَ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ.
حَدَّثَنَا ابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ مُسَبِّحٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: الْوَاحِدُ مِنَ الْأَرَاكِ أَرَاكَةٌ، وَبِهَا سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ أَرَاكَةَ. قَالَ: وَيُقَالُ: ائْتَرَكَ الْأَرَاكُ: إِذَا اسْتَحْكَمَ. قَالَ رُؤْبَةُ:
مِنَ الْعِضَاهِ وَالْأَرَاكِ الْمُؤْتَرِكْ
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَيُقَالُ لِلْإِبِلِ الَّتِي تَأْكُلُ الْأَرَاكَ أرَاكِيَّةٌ وَأَوَارِكُ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِعَرَفَةَ بِلَبَنِ إِبِلٍ أَوَارِكَ» . وَأَرْضٌ أَرِكَةٌ كَثِيرَةُ الْأَرَاكِ. وَيُقَالُ لِلْإِبِلِ الَّتِي تَرْعَى الْأَرَاكَ أَرِكَةٌ أَيْضًا، كَقَوْلِكَ حَامِضٌ مِنَ الْحَمْضِ. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
(1/83)

تَخَيَّرُ مِنْ لَبَنِ الْآرِكَا ... تِ بِالصَّيْفِ. . . . .
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْإِقَامَةُ. حَدَّثَنِي ابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ مُسَبِّحٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: جَعَلَ الْكِسَائِيُّ الْإِبِلَ الْأَرَاكِيَّةَ مِنَ الْأُرُوكِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَيْسَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ لَفْظِ الْأَرَاكِ، وَلَا دَالَّا عَلَى أَنَّهَا مُقِيمَةٌ فِي الْأَرَاكِ خَاصَّةً، بَلْ هَذَا لِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي مَقَامِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ أَرَكَ يأْرِكُ وَيَأْرُكُ أُرُوكًا. وَقَالَ كُثَيِّرٌ فِي وَصْفِ الظُّعُنِ:
وَفَوْقَ جِمَالِ الْحَيِّ بِيضٌ كَأَنَّهَا ... عَلَى الرَّقْمِ أَرْآمُ الْأَثِيلِ الْأَوَارِكُ
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْمِيَتُهُمُ السَّرِيرَ فِي الْحَجَلَةِ أَرِيكَةً، وَالْجَمْعُ أَرَائِكُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ زَعَمَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْجُرْحِ إِذَا صَلَحَ وَتَمَاثَلَ أَرَكَ يَأْرُِكَ أُرُوكًا; قِيلَ لَهُ: هَذَا مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ إِذَا انْدَمَلَ سَكَنَ بَغْيُهُ وَارْتِفَاعُهُ عَنْ جِلْدَةِ الْجَرِيحِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اشْتِقَاقُ اسْمِ أَرِيكٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ. قَالَ شَاعِرٌ:
فَمَرَّتْ عَلَى كُشُبٍ غُدْوَةً ... وَحَاذَتْ بِجَنْبِ أَرِيكٍ أَصِيلَا
(1/84)

وَأَمَّا (الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَاللَّامُ)
فَلَيْسَ بِأَصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: أَرُلُ جَبَلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْكَافِ.

(أَرَمَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَضْدُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ فِي ارْتِفَاعٍ ثُمَّ يَكُونُ الْقِيَاسُ فِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ وَاحِدًا. وَيَتَفَرَّعُ مِنْهُ فَرْعٌ وَاحِدٌ، هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ كُلِّهِ، أَكْلًا وَغَيْرَهُ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْمَ مُلْتَقَى قَبَائِلِ الرَّأْسِ، وَالرَّأْسُ الضَّخْمُ مُؤَرَّمٌ. وَبَيْضَةٌ مُؤَرَّمَةٌ وَاسِعَةُ الْأَعْلَى. وَالْإِرَمُ الْعَلَمُ، وَهِيَ حِجَارَةٌ مُجْتَمِعَةٌ كَأَنَّهَا رَجُلٌ قَائِمٌ. وَيُقَالُ: إرَمِيٌّ وَأَرَمِيٌّ، وَهَذِهِ أَسْنِمَةٌ كَالْأَيَارِمِ. قَالَ:
عَنْدَلَةُ سَنَامَهَا كَالْأَيْرَمِ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْأُرُومُ حُرُوفُ هَامَةِ الْبَعِيرِ الْمُسِنِّ. وَالْأَرُومَةُ أَصْلُ كُلِّ شَجَرَةٍ. وَأَصْلُ الْحَسَبِ أَرُومَةٌ، وَكَذَلِكَ أَصْلُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُجْتَمَعُهُ. وَالْأُرَّمُ الْحِجَارَةُ فِي قَوْلِ الْخَلِيلِ، وَأَنْشَدَ:
يَلُوكُ مِنْ حَرْدٍ عَلَيْنَا الْأُرَّمَا
وَيُقَالُ: الْأُرَّمُ الْأَضْرَاسُ، يُقَالُ: هُوَ يَحْرُقُ عَلَيْهِ الْأُرَّمَ. فَإِنْ كَانَ كَذَا فَلِأَنَّهَا تَأْرِمُ مَا عَضَّتْ. قَالَ:
(1/85)

نُبِّئْتُ أَحْمَاءَ سُلَيْمى إِنَّمَا ... بَاتُوا غِضَابًا يَحْرُقُونَ الْأُرَّمَا
وَأَرَمَتْهُمُ السَّنَةُ اسْتَأْصَلَتْهُمْ، وَهِيَ سُنُونَ أَوَارِمُ. وَسِكِّينٌ آرِمٌ قَاطِعٌ. وَأَرَمَ مَا عَلَى الْخِوَانِ أَكَلَهُ كُلَّهُ. وَقَوْلُهُمْ أَرَمَ حَبْلَهُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقُوَى تُجْمَعُ وَتُحْكَمُ فَتْلًا. وَفُلَانَةٌ حَسَنَةُ الْأَرْمِ، أَيْ: حَسَنَةُ فَتْلِ اللَّحْمِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: مَا فِي فُلَانٍ إِرْمٌ، بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، لِأَنَّ السِّنَّ يَأْرِمُ. وَأَرْضٌ مَأْرُومَةٌ أُكِلَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُوجَدْ بِهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ. قَالَ:
وَنَأْرِمُ كُلَّ نَابِتَةٍ رِعَاءً

(أَرَنَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا النَّشَاطُ. وَالْآخَرُ مأْوًى يَأْوِي إِلَيْهِ وَحْشِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَرَنُ النَّشَاطُ، أَرِنَ يَأْرَنُ أرَنًا. قَالَ الْأَعْشَى:
تَرَاهُ إِذَا مَا غَدَا صَحْبُهُ ... بِهِ جَانِبَيْهِ كَشَاةِ الْأَرَنْ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَكَمْ مِنْ إرَانٍ قَدْ سَلَبْتُ مَقِيلَهُ ... إِذَا ضَنَّ بِالْوَحْشِ الْعِتَاقِ مَعَاقِلُهُ
(1/86)

أَرَادَ الْمَكْنَسَ، أَيْ: كَمْ مَكْنَسٍ قَدْ سَلَبْتُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ، مِنَ الْقَيْلُولَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمِئْرَانُ مَأْوَى الْبَقَرِ مِنَ الشَّجَرِ. وَيُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ الْحِرْبَاءُ أُرْنَةٌ. قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
وَتَعَلَّلَ الْحِرْبَاءُ أُرْنَتَهُ ... مُتَشَاوِسًا لِوَرِيدِهِ نَقْرُ

(أَرَوَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْوَاوُ فَلَيْسَ إِلَّا الْأَرْوَى، وَلَيْسَ هُوَ أَصْلًا يُشْتَقُّ مِنْهُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْأُرْوِيَّةُ الْأُنْثَى مِنَ الْوُعُولِ وَثَلَاثُ أَرَاوِيٍّ إِلَى الْعَشْرِ، فَإِذَا كَثُرَتْ فَهِيَ الْأَرْوَى. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أُرْوِيَّةٌ.

(أَرَيَ) أَمَّا الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْيَاءُ فَأَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى التَّثَبُّتِ وَالْمُلَازَمَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَرْيُ الْقِدْرِ مَا الْتَزَقَ بِجَوَانِبِهَا مِنْ مَرَقٍ، وَكَذَلِكَ الْعَسَلُ الْمُلْتَزِقُ بِجَوَانِبِ الْعَسَّالَةِ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
أَرْيُ الْجَوَارِسِ فِي ذُؤَابَةِ مُشْرِفٍ ... فِيهِ النُّسُورُ كَمَا تَحَبَّى الْمَوْكِبُ
(1/87)

يَقُولُ: نَزَلَتِ النُّسُورُ فِيهِ لِوُعُورَتِهِ فَكَأَنَّهَا مَوْكِبٌ. قَعَدُوا مُحْتَبِينَ مُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ آخَرُ:
مِمَّا تَأْتَرِي وَتَتِيعُ
أَيْ: مَا تُلْزِقُ وَتُسِيلُ. وَالْتِزَاقُهُ ائْتِرَاؤُهُ. قَالَ زُهَيْرٌ:
يَشِمْنَ بُرُوقَهُ وَيُرِشُّ أَرْيَ الْ ... جَنُوبِ عَلَى حَوَاجِبِهَا الْعَمَاءُ
فَهَذَا أَرْيُ السَّحَابِ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّأَرِّي التَّوَقُّعُ. قَالَ:
لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ ... وَلَا يَعَضُّ عَلَى شَرسُوفِهِ الصَّفَرُ
يَقُولُ: يَأْكُلُ الْخُبْزَ الْقَفَارَ وَلَا يَنْتَظِرُ غِذَاءَ الْقَوْمِ وَلَا مَا فِي قُدُورِهِمْ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَأَرَّى بِالْمَكَانِ أَقَامَ، وَتَأَرَّى عَنْ أَصْحَابِهِ تَخَلَّفَ. وَيُقَالُ: بَيْنَهُمْ أَرْيُ عَدَاوَةٍ، أَيْ: عَدَاوَةٌ لَازِمَةٌ، وَأَرْيُ النَّدَى: مَا وَقَعَ مِنَ النَّدَى عَلَى الشَّجَرِ وَالصَّخْرِ وَالْعُشْبِ فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَزِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: آرِيُّ الدَّابَّةِ مَعْرُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ فَاعُولٌ. قَالَ:
يَعْتَادُ أرْبَاضًا لَهَا آرِيُّ
(1/88)

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: عَنِ الْعَامِرِيِّ التَّأْرِيَةُ أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى خَشَبَةٍ فِيهَا ثِنْيُ حَبْلٍ شَدِيدٍ فَتُودِعَهَا حُفْرَةً ثُمَّ تَحْثُوَ التُّرَابَ فَوْقَهَا ثُمَّ يَشُدَّ الْبَعِيرُ لِيَلِينَ وَتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ. يُقَالُ: أَرِّ لِبَعِيرِكَ وَأَوْكِدْ لَهُ. وَالْإِيكَادُ وَالتَّأْرِيَةُ وَاحِدٌ، وَقَدْ يَكُونُ لِلظِّبَاءِ أَيْضًا. قَالَ:
وَكَانَ الظِّبَاءُ الْعُفْرُ يَعْلَمْنَ أَنَّهُ ... شَدِيدُ عُرَى الْآرِيِّ فِي الْعُشَرَاتِ

(أَرَبَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْبَاءُ لَهَا أَرْبَعَةُ أُصُولٍ إِلَيْهَا تَرْجِعُ الْفُرُوعُ: وَهِيَ الْحَاجَةُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّصِيبُ، وَالْعَقْدُ. فَأَمَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَرَبُ الْحَاجَةُ، وَمَا أَرَبُكَ إِلَى هَذَا، أَيْ: مَا حَاجَتُكَ. وَالْمَأْرَبَةُ وَالْمَأْرُبَةُ وَالْإِرْبَةُ، كُلُّ ذَلِكَ الْحَاجَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور: 31] . وَفِي الْمَثَلِ: " أَرَبٌ لَا حَفَاوَةٌ "، أَيْ: حَاجَةٌ جَاءَتْ بِكَ وَلَا وُدٌّ وَلَا حُبٌّ. وَالْإِرْبُ: الْعَقْلُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ لِلْعَقْلِ أَيْضًا إِرْبٌ وَإِرْبَةٌ كَمَا يُقَالُ لِلْحَاجَةِ إِرْبَةٌ وَإِرْبٌ. وَالنَّعْتُ مِنَ الْإِرْبِ أَرِيبٌ، وَالْفِعْلُ أَرُبَ بِضَمِّ الرَّاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَرُبَ الرَّجُلُ يَأْرُبُ إِرَبًا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْفَوْزُ وَالْمَهَارَةُ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ: أَرِبْتُ بِالشَّيْءِ، أَيْ: صِرْتُ بِهِ مَاهِرًا. قَالَ قَيْسٌ:
أَرِبْتُ بِدَفْعِ الْحَرْبِ لَمَّا رَأَيْتُهَا ... عَلَى الدَّفْعِ لَا تَزْدَادُ غَيْرَ تَقَارُبِ
(1/89)

وَيُقَالُ: آرَبْتُ عَلَيْهِمْ فُزْتُ. قَالَ لَبِيدٌ:
وَنَفْسُ الْفَتَى رَهْنٌ بقَمْرةِ مُؤْرِبِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُؤَارَبَةُ وَهِيَ الْمُدَاهَاةُ، كَذَا قَالَ الْخَلِيلُ. وَكَذَلِكَ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " مُؤَارَبَةُ الْأَرِيبِ جَهْلٌ ". وَأَمَّا النَّصِيبُ فَهُوَ وَالْعُضْوُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمَا جُزْءُ الشَّيْءِ. قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: الْأُرْبَةُ نَصِيبُ الْيَسَرِ مِنَ الْجَزُورِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
لَا يَفْرَحُونَ إِذَا مَا فَازَ فَائِزُهُمْ ... وَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ أُرْبَةُ الْيَسَرِ
وَمِنْ هَذَا مَا فِي الْحَدِيثِ: «كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» ، أَيْ: لِعُضْوِهِ.
وَيُقَالُ: عُضْوٌ مُؤَرَّبٌ، أَيْ: مُوَفَّرُ اللَّحْمِ تَامُّهُ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَلَانْتَشَلَتْ عُضْوَيْنِ مِنْهَا يُحَابِرٌ ... وَكَانَ لِعَبْدِ الْقَيْسِ عُضْوٌ مُؤَرَّبُ
أَيْ: صَارَ لَهُمْ نَصِيبٌ وَافِرٌ. وَيُقَالُ: أَرِبَ، أَيْ: تَسَاقَطَتْ آرَابُهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَجُلٍ: " أَرِبْتَ مِنْ يَدَيْكَ، أَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ". يُقَالُ مِنْهُ أَرِبَ. وَأَمَّا الْعَقْدُ وَالتَّشْدِيدُ فَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَرِبَ الرَّجُلُ يَأْرَبُ: إِذَا تَشَدَّدَ وَضَنَّ وَتَحَكَّرَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ
(1/90)

التَّأْرِيبُ، وَهُوَ التَّحْرِيشُ، يُقَالُ: أَرَّبْتُ عَلَيْهِمْ. وَتَأَرَّبَ فُلَانٌ عَلَيْنَا: إِذَا الْتَوَى وَتَعَسَّرَ وَخَالَفَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: تَأَرَّبْتُ فِي حَاجَتِي تَشَدَّدْتُ، وَأَرَّبْتُ الْعُقْدَةَ، أَيْ: شَدَّدْتُهَا. وَهِيَ الَّتِي لَا تَنْحَلُّ حَتَّى تُحَلَّ حَلًّا. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قِلَادَةُ الْفَرَسِ وَالْكَلْبِ أُرْبَةً لِأَنَّهَا عُقِدَتْ فِي عُنُقِهِمَا. قَالَ الْمُتَلَمِّسُ:
لَوْ كُنْتَ كَلْبَ قَنِيصٍ كُنْتَ ذَا جُدَدٍ ... تَكُونُ أُرْبَتُهُ فِي آخِرِ الْمَرَسِ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأُرْبَةُ خِلَافُ الْأُنْشُوطَةِ. وَأَنْشَدَ:
وَأُرْبَةٍ قَدْ عَلَا كَيْدِي مَعَاقِمَهَا ... لَيْسَتْ بِفَوْرَةِ مَأْفُونٍ وَلَا بَرَمِ
قَالَ الْخَلِيلُ: الْمُسْتَأْرِبُ مِنَ الْأَوْتَارِ الشَّدِيدُ الْجَيِّدُ. قَالَ:
مِنْ نَزْعِ أَحْصَدَ مُسْتَأْرِبِ
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
شُمُّ الْعَرَانِينِ يُنْسِيهِمْ مَعَاطِفَهُمْ ... ضَرْبُ الْقِدَاحِ وَتَأْرِيبٌ عَلَى الْخَطَرِ
فَقِيلَ يُتَمِّمُونَ النَّصِيبَ، وَقِيلَ يَتَشَدَّدُونَ فِي الْخَطَرِ. وَقَالَ:
(1/91)

لَا يَفْرَحُونَ إِذَا مَا فَازَ فَائِزُهُمْ ... وَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ أُرْبَةُ الْعَسِرِ
أَيْ: هُمْ سُمَحَاءُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ عَسِرٌ يُفْسِدُ أُمُورَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: رَجُلٌ أَرِبٌ: إِذَا كَانَ مُحْكَمَ الْأَمْرِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَرِبْتُ بِكَذَا أَيِ اسْتَعَنْتُ. قَالَ أَوْسٌ:
وَلَقَدْ أَرِبْتُ عَلَى الْهُمُومِ بِجَسْرَةٍ ... عَيْرَانَةٍ بِالرِّدْفِ غَيْرِ لَجُونِ
وَاللَّجُونُ: الثَّقِيلَةُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْأُرَبَى، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ الْمُسْتَنْكَرَةُ. وَقَالُوا: سُمِّيَتْ لِتَأْرِيبِ عَقْدِهَا كَأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَى حَلِّهَا. قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
فَلَمَّا غَسَا لَيْلِي وَأَيْقَنْتُ أَنَّهَا ... هِيَ الْأُرَبَى جَاءَتْ بِأُمِّ حَبَوْكَرَى
فَهَذِهِ أُصُولُ هَذَا الْبِنَاءِ. وَمِنْ أَحَدِهَا إِرَابٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَبِهِ سُمِّيَ [يَوْمُ] إِرَابٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي غَزَا فِيهِ الْهُذَيلُ بْنُ حَسَّانَ التَّغْلِبِيُّ بَنِي يَرْبُوعٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ:
وَكَأَنَّ رَايَاتِ الْهُذَيْلِ إِذَا بَدَتْ ... فَوْقَ الْخَمِيسِ كَوَاسِرُ الْعِقْبَانِ
وَرَدُوا إِرَابَ بِجَحْفَلٍ مِنْ وَائِلٍ ... لِجَبِ الْعَشِيِّ ضُبَارِكِ الْأَقْرَانِ
ثُمَّ أَغَارَ جَزْءُ بْنُ سَعْدٍ الرِّيَاحِيُّ بِبَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَهُمْ خُلُوفٌ، فَأَصَابَ سَبْيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَالْتَقَيَا عَلَى إِرَابٍ، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ
(1/92)

خَلَّى جَزْءٌ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ سَبْيِ يَرْبُوعٍ وَأَمْوَالِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَ الْهُذيلِ وَبَيْنَ الْمَاءِ يَسْقِي خَيْلَهُ وَإِبِلَهُ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُولُ جَرِيرٌ:
وَنَحْنُ تَدَارَكْنَا ابْنَ حِصْنٍ وَرَهْطَهُ ... وَنَحْنُ مَنَعْنَا السَّبْيَ يَوْمَ الْأَرَاقِمِ

(أَرَثَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالثَّاءُ تَدُلُّ عَلَى قَدْحِ نَارٍ أَوْ شَبِّ عَدَاوَةٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَرَّثْتُ النَّارَ، أَيْ: قَدَحْتُهَا. قَالَ عَدِيٌّ:
وَلَهَا ظَبْيٌ يُوَرِّثُهَا ... عَاقِدٌ فِي الْجِيدِ تِقْصَارًا
وَالِاسْمُ الْأُرْثَةُ. وَفِي الْمَثَلِ: " النَّمِيمَةُ أُرْثَةُ الْعَدَاوَةِ ". قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: الْإِرَاثُ مَا ثَقَبْتَ بِهِ النَّارَ. قَالَ وَالتَّأَرُّثُ الِالْتِهَابُ. قَالَ شَاعِرٌ:
فَإِنَّ بِأَعْلَى ذِي الْمَجَازَةِ سَرْحَةً ... طَوِيلًا عَلَى أَهْلِ الْمَجَازَةِ عَارُهَا
وَلَوْ ضَرَبُوهَا بِالْفُؤُوسِ وَحَرَّقُوا ... عَلَى أَصْلِهَا حَتَّى تَأَرَّثَ نَارُهَا
وَيُقَالُ: أَرِّثْ نَارَكَ تَأْرِيثًا. فَأَمَّا الْأُرْثَةُ فَالْحَدُّ. وَ [أَمَّا الْإِرْثُ فَ] لَيْسَ مِنَ الْبَابِ لِأَنَّ الْأَلِفَ مُبْدَلَةٌ عَنْ وَاوٍ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ نَعْجَةٌ أَرْثَاءُ فَهِيَ الَّتِي اشْتَعَلَ بَيَاضُهَا فِي سَوَادِهَا، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ. وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْأُرْثَةُ، وَكَبْشٌ آرَثُ.
(1/93)

(أَرَجَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْأَرَجُ، وَهُوَ وَالْأَرِيجُ رَائِحَةُ الطِّيبِ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
كَأَنَّ عَلَيْهَا بَالَةً لَطَمِيَّةً ... لَهَا مِنْ خِلَالِ الدَّأْيَتَيْنِ أَرِيجُ

(أَرَخَ) الْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ وَالْخَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وَهِيَ الْإِرَاخُ لِبَقَرِ الْوَحْشِ. قَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
وَنَوْحٍ بَعَثْتَ كَمِثْلِ الْإِرَا ... خِ آنَسَتِ الْعِينُ أَشْبَالَهَا
وَأَمَّا تَأْرِيخُ الْكِتَابِ فَقَدْ سُمِعَ، وَلَيْسَ عَرَبِيًّا وَلَا سُمِعَ مِنْ فَصِيحٍ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالزَّاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَزِفَ) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْفَاءُ يَدُلُّ عَلَى الدُّنُوِّ وَالْمُقَارَبَةِ، يُقَالُ: أَزِفَ الرَّحِيلُ: إِذَا اقْتَرَبَ وَدَنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} [النجم: 57] ، يَعْنِي الْقِيَامَةَ. فَأَمَّا الْمُتَآزِفُ فَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ، يُقَالُ: رَجُلٌ مُتَآزِفٌ، أَيْ: قَصِيرٌ مُتَقَارِبُ الْخَلْقِ. قَالَتْ أُمُّ يَزِيدَ بْنِ الطَّثْرِيَّةِ:
(1/94)

فَتًى قُدَّ قَدَّ السَّيْفِ لَا مُتَآزِفٌ ... وَلَا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وَبَآدِلُهُ
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: الضَّيِّقُ الْخُلُقِ. وَأَنْشَدَ:
كَبِيرُ مُشَاشِ الزَّوْرِ لَا مُتَآزِفٌ ... أَرَحَّ وَلَا جَادِيَ الْيَدَيْنِ مُجَذَّرُ
الْمُجَذَّرُ: الْقَصِيرُ. وَالْجَاذِي: الْيَابِسُ. وَهَذَا الْبَيْتُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ فِي الْخُلُقِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْخَلْقِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّاعِرُ الْقَصِيرَ. وَيُقَالُ: تَآزَفَ الْقَوْمُ: إِذَا تَدَانَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: أَزَفَنِي فُلَانٌ، أَيْ: أَعْجَلَنِي يُؤْزِفُ إِيزَافًا. وَالْمَآزِفُ: الْمَوَاضِعُ الْقَذِرَةُ، وَاحِدَتُهَا مَأْزَفَةٌ. وَقَالَ:
كَأَنَّ رِدَاءَيْهِ إِذَا مَا ارْتَدَاهُمَا ... عَلَى جُعَلٍ يَغْشَى الْمآزِفَ بالنُّخَرْ
وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يَكُونُ إِلَّا فِي مَضِيقٍ

(أَزَقَ) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْقَافُ قِيَاسٌ وَاحِدٌ وَأَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الضِّيقُ. قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: الْأَزْقُ الضِّيقُ فِي الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ يُدْعَى مَكَانُ الْوَغَى الْمَأْزِقُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: استُؤْزِقَ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْمَكَانُ فَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَبْرُزَ. وَهُوَ فِي شِعْرِ الْعَجَّاجِ:
[مَلَالةً يَمَلُّهَا] وَأَزْقَا
(1/95)

(أَزَلَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَاللَّامُ فَأَصْلَانِ: الضِّيقُ وَالْكَذِبُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَزْلُ الشِّدَّةُ، تَقُولُ هُمْ فِي أَزْلٍ مِنَ الْعَيْشِ: إِذَا كَانُوا فِي سَنَةٍ أَوْ بَلْوَى. قَالَ:
ابْنَا نِزَارٍ فَرَّجَا الزَّلَازِلَا ... عَنِ الْمُصَلِّينَ وَأَزْلًا آزِلَا
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: أَزَلْتُ الْمَاشِيَةَ وَالْقَوْمَ أَزْلًا، أَيْ: ضَيَّقْتُ عَلَيْهِمْ. وَأُزِلَتِ الْإِبِلُ: حُبِسَتْ عَنِ الْمَرْعَى. وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيدٍ:
حَلَفَ خَشَّافٌ فَأَوْفَى قِيلَهْ ... لِيُرْعِيَنَّ رِعْيَةً مَأْزُولَهْ
وَيُقَالُ: أُزِلَ الْقَوْمُ يُؤْزَلُونَ: إِذَا أجْدَبُوا. قَالَ:
فَلْيُؤْزَلَنَّ وَتَبْكُؤَنَّ لَقَاحُهُ ... وَيُعَلَّلَنَّ صَبِيُّهُ بِسَمَارِ
السَّمَارُ: الْمَذيِقُ الَّذِي يَكْثُرُ مَاؤُهُ. وَالْآزِلُ: الرَّجُلُ الْمُجْدِبُ. قَالَ شَاعِرٌ:
مِنَ الْمُرْبِعِينَ وَمِنْ آزِلٍ ... إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ كَالنَّاحِطِ
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: أَزَلْتُ الْفَرَسَ: إِذَا قَصَّرْتَ حَبْلَهُ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ فِي مَرْعًى. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
لَمْ يَرْعَ مَأزُولًا وَلَمَّا يُعْقَلِ
(1/96)

وَأَمَّا الْكَذِبُ فالْإِزْلُ، قَالَ ابْنُ دَارَةٍ:
يَقُولُونَ إزْلٌ حُبُّ لَيْلَى وَوُدُّهَا ... وَقَدْ كَذَبُوا مَا فِي مَوَدَّتِهَا إزْلُ
وَأَمَّا الْأَزَلُ الَّذِي هُوَ الْقِدَمُ فَالْأَصْلُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامٌ مُوجَزٌ مُبْدَلٌ، إِنَّمَا كَانَ " لَمْ يَزَلْ " فَأَرَادُوا النِّسْبَةَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ، فَنَسَبُوا إِلَى يَزَلَ، ثُمَّ قَلَبُوا الْيَاءَ هَمْزَةً فَقَالُوا أَزَلِيٌّ، كَمَا قَالُوا فِي ذِي يَزَنَ حِينَ نَسَبُوا الرُّمْحَ إِلَيْهِ: أَزَنِيٌّ.

(أَزَمَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْمِيمُ فَأَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الضِّيقُ وَتَدَانِي الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ وَالْتِفَافٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَزَمْتُ وَأَنَا آزِمٌ. وَالْأَزْمُ شِدَّةُ الْعَضِّ. وَالْفَرَسُ يَأْزِمُ عَلَى فَأْسِ اللِّجَامِ. قَالَ طَرَفَةُ:
هَيْكَلَاتٌٍ وَفُحُولٌٍ حُصُنٌٍ أَعْوَجِيَّاتٌٍ عَلَى الشَّأْوِ أُزُمْ
قَالَ الْعَامِرِيُّ: يُقَالُ: أَزَمَ عَلَيْهِ: إِذَا عَضَّ وَلَمْ يَفْتَحْ فَمَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَزَمَ عَلَيْهِ: إِذَا قَبَضَ بِفَمِهِ، وَبَزَمَ: إِذَا كَانَ بِمُقَدَّمِ فِيهِ. والْحِمْيَةُ تُسَمَّى أَزْمًا
(1/97)

مِنْ هَذَا، كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْسِكُ عَلَى فَمِهِ. وَيُقَالُ: أَزَمَ الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ، أَيْ: لَزِمَهُ، وآزَمَنِي كَذَا، أَيْ: أَلْزَمَنِيهِ. وَالسَّنَةُ أَزْمَةٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي فِيهَا. قَالَ:
: إِذَا أَزَمَتْ أَوَازِمُ كُلِّ عَامِ
وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرٍو:
أَبْقَى مُلِمَّاتُ الزَّمَانِ الْعَارِمِ ... مِنْهَا وَمَرُّ الْغِيَرِ الْأَوَازِمِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَنَةٌ أَزُومٌ وَأَزَامِ مَخْفُوضَةٌ، قَالَ:
أَهَانَ لَهَا الطَّعَامَ فَلَمْ تُضِعْهُ ... غَدَاةَ الرَّوْعِ إِذْ أَزَمَتْ أَزَامِ
وَالْأَمْرُ الْأَزُومُ الْمُنْكَرُ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَزَمْتُ الْعِنَانَ وَالْحَبْلَ فَأَنَا آزِمٌ وَهُوَ مَأْزُومٌ: إِذَا أَحْكَمْتُ ضَفْرَهُ. وَالْمَأْزِمُ: مَضِيقُ الْوَادِي ذِي الْحُزُونَةِ. وَالْمَأْزِمَانِ: مَضِيقَانِ بِالْحَرَمِ.

(أَزَى) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْمُعْتَلِّ أَصْلَانِ، إِلَيْهِمَا تَرْجِعُ فُرُوعُ الْبَابِ كُلِّهِ بِإِعْمَالِ دَقِيقِ النَّظَرِ: أَحَدُهُمَا انْضِمَامُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، وَالْآخَرُ الْمُحَاذَاةُ. قَالَ الْخَلِيلُ أَزَى الشَّيْءُ يَأْزِي: إِذَا اكْتَنَزَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَانْضَمَّ. قَالَ:
فَهُوَ آزٍ لَحْمُهُ زِيَمُ
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: أَزَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغِيبِ أَزْيًا. وَأَزَى الظِّلُّ يَأْزِي أزْيًا وَأُزِيًّا: إِذَا قَلَصَ. وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
(1/98)

بَادِرْ بِشَيْخَيْكَ أُزِيَّ الظِّلِّ ... إِنَّ الشَّبَابَ عَنْهُمَا مُوَلِّ
وَإِذَا نَقَصَ الْمَاءُ قِيلَ أَزَى، وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ أَزَى الْمَالُ. قَالَ:
حَتَّى أَزَى دِيوَانُهُ الْمَحْسُوبُ
وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُ الْفَرَّاءِ: أَزَأْتُ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا كَعَعْتُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَعَّ تَقَبَّضَ وَانْضَمَّ. فَهَذَا أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ، وَالْآخَرُ الْإِزَاءُ وَهُوَ الْحِذَاءُ، يُقَالُ: آزَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: حَاذَيْتُهُ. فَأَمَّا الْقَيِّمُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْإِزَاءُ فَمِنْ هَذَا أَيْضًا، لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَبَدًا إِزَاءَهُ يَرْقُبُهُ. وَكَذَلِكَ إِزَاءُ الْحَوْضِ، لِأَنَّهُ مُحَاذٍ مَا يُقَابِلُهُ. قَالَ شَاعِرٌ فِي الْإِزَاءِ الَّذِي هُوَ الْقَيِّمُ:
إِزَاءُ مَعَاشٍ لَا يَزَالُ نِطَاقُهَا ... شَدِيدًا وَفِيهَا سَوْرَةٌ وَهْيَ قَاعِدُ
قَالَ أَبُو الْعَمَيْثَلِ: سَأَلَنِي الْأَصْمَعِيُّ عَنْ قَوْلِ الرَّاجِزِ فِي وَصْفِ حَوْضٍ:
إِزَاؤُهُ كَالظَّرِبَانِ الْمُوفِي
فَقُلْتُ الْإِزَاءُ مَصَبُّ الدَّلْوِ فِي الْحَوْضِ. فَقَالَ لِي: كَيْفَ يُشَبِّهُ مَصَبَّ الدَّلْوِ بِالظَّرِبَانِ؟ ! فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ فِيهِ؟ قَالَ لِي: إِنَّمَا أَرَادَ الْمُسْتَقِيَ، مِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ إِزَاءُ مَالٍ: إِذَا قَامَ بِهِ [وَوَلِيَهُ] . وَشَبَّهَهُ بِالظَّرِبَانِ لِذَفَرِ
(1/99)

رَائِحَتِهِ. وَإِمَّا إِزَاءُ الْحَوْضِ فَمَصَبُّ الْمَاءِ فِيهِ، يُقَالُ: آزَيْتُ الْحَوْضَ إِيزَاءً. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
لَعَمْرُ أَبِي لَيْلَى لَقَدْ سَاقَهُ الْمَنَى ... إِلَى جَدَثٍ يُوزَى لَهُ بِالْأَهَاضِبِ
وَتَقُولُ آزَيْتُ: إِذَا صَبَبْتَ عَلَى الْإِزَاءِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
نَغْرِفُ مِنْ ذِي غَيِّثٍ وَنُؤْزِي
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِكَ أَزَيْتُ عَلَى صَنِيعِ فُلَانٍ، أَيْ: أَضْعَفْتُ فَإِنْ كَانَ كَذَا فَلِأَنَّ الضِّعْفَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِزَاءُ الْآخَرِ. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ أَزِيَةٌ: إِذَا كَانَتْ لَا تَشْرَبُ إِلَّا مِنْ إِزَاءِ الْحَوْضِ.

(أَزَبَ) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلَانِ: الْقِصَرُ وَالدِّقَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَالْأَصْلُ الْآخَرُ النَّشَاطُ وَالصَّخَبُ فِي بَغْيٍ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْإِزْبُ الْقَصِيرُ. وَأَنْشَدَ:
وَأُبْغِضُ مِنْ هُذَيْلٍ كُلَّ إِزْبٍ ... قَصِيرِ الشَّخْصِ تَحْسَِبُهُ وَلِيدَا
(1/100)

وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْإِزْبُ الدَّقِيقُ الْمَفَاصِلِ، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ. وَيُقَالُ: هُوَ الْبَخِيلُ. مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ: الْمِيزَابُ وَالْجَمْعُ الْمَآزِيبُ، وَسُمِّيَ لِدِقَّتِهِ وَضِيقِ مَجْرَى الْمَاءِ فِيهِ. الْأَصْلُ الثَّانِي، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْأُزْبِيُّ السُّرْعَةُ وَالنَّشَاطُ. قَالَ الرَّاجِزُ:
حَتَّى أَتَى أُزْبِيُّهَا بِالْإِدْبِ
قَالَ الْكِسَائِيُّ: أُزْبيٌّ وَأَزَابِيُّ الصَّخَبُ. وَقَوْسٌ ذَاتُ أُزْبيٍّ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْعَالِي. قَالَ:
كَأَنَّ أُزْبِيَّهَا إِذَا رَدَمَتْ ... هَزْمُ بُغَاةٍ فِي إِثْرِ مَا وَجَدُوا
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْأَزَابِيُّ الْبَغْيُ. قَالَ:
ذَاتُ أَزَابِيَّ وَذَاتُ دَهْرَسِ ... مِمَّا عَلَيْهَا دَحْمَسُ
(1/101)

(أَزَحَ) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْحَاءُ. يُقَالُ: أَزَحَ: إِذَا تَخَلَّفَ عَنِ الشَّيْءِ يَأْزِحُ. وَأَزَحَ: إِذَا تَقَبَّضَ وَدَنَا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.

(أَزْدُ) قَبِيلَةٌ، وَالْأَصْلُ السِّينُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

(أَزَرَ) الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، يُقَالُ: تَأَزَّرَ النَّبْتُ: إِذَا قَوِيَ وَاشْتَدَّ. أَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ قَالَ: أَمْلَى عَلَيْنَا ثَعْلَبٌ:
تَأَزَّرَ فِيهِ النَّبْتُ حَتَّى تَخَايَلَتْ ... رُبَاهُ وَحَتَّى مَا تَُرى الشَّاءُ نُوَّمَا
يَصِفُ كَثْرَةَ النَّبَاتِ وَأَنَّ الشَّاءَ تَنَامُ فِيهِ فَلَا تُرَى. وَالْأَزْرُ: الْقُوَّةُ، قَالَ الْبَعِيثُ:
شَدَدْتُ لَهُ أَزْرِي بِمِرَّةِ حَازِمٍ ... عَلَى مَوْقِعٍ مِنْ أَمْرِهِ مُتَفَاقِمِ
(1/102)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَسَفَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْفَوْتِ وَالتَّلَهُّفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. يُقَالُ: أَسِفَ عَلَى الشَّيْءِ يَأْسَفُ أسَفًا مِثْلَ تَلَهَّفَ. وَالْأَسِفُ الْغَضْبَانُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف: 150] ، وَقَالَ الْأَعْشَى:
أَرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسِيفًا كَأَنَّمَا ... يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا
فَيُقَالُ: هُوَ الْغَضْبَانُ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَُسَافَةَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا; وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ النَّبَاتَ قَدْ فَاتَهَا. وَكَذَلِكَ الْجَمَلُ الْأَسِيفُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْمَنُ. وَأَمَّا التَّابِعُ وَتَسْمِيَتُهُمْ إِيَّاهُ أَسِيفًا فَلَيْسَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ عَيْنٍ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

(أَسَكَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالْكَافُ بِنَاؤُهُ فِي الْكِتَابَيْنِ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَأْسُوكَةُ الَّتِي أَخْطَأَتْ خَافِضَتُهَا فَأَصَابَتْ غَيْرَ مَوْضِعِ الْخَفْضِ.
(1/103)

(أَسَلَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَاللَّامُ تَدُلُّ عَلَى حِدَّةِ الشَّيْءِ وَطُولِهِ فِي دِقَّةٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَسَلُ الرِّمَاحُ. قَالَ: وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِأَسَلِ النَّبَاتِ. وَكُلُّ نَبْتٍ لَهُ شَوْكٌ طَوِيلٌ فَشَوْكُهُ أَسَلٌ. وَالْأَسَلَةُ مُسْتَدَقُّ الذِّرَاعِ. وَالْأَسَلَةُ: مُسْتَدَقُّ اللِّسَانِ. قَالُوا: وَكُلُّ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ فَهُوَ مُؤَسَّلٌ. قَالَ مُزَاحِمٌ:
يُبَارِي سَدِيسَاهَا إِذَا تَلَمَّجَتْ ... شَبًا مِثْلَ إِبْزِيمِ السِّلَاحِ الْمُؤَسَّلِ
يُبَارِي: يُعَارِضُ. سَدِيسَاهَا: ضِرْسَانِ فِي أَقْصَى الْفَمِ، طَالَا حَتَّى صَارَا يُعَارِضَانِ النَّابَيْنِ، وَهُمَا الشَّبَّا الَّذِي ذَكَرَ. وَالْإِبْزِيمُ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي تَرَاهَا فِي الْمِنْطَقَةِ دَقِيقَةً تُمْسِكُ الْمِنْطَقَةَ إِذَا شُدَّتْ.

(أَسَمَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أُسَامَةُ، اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَسَدِ.

(أَسَنَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا تَغَيُّرُ الشَّيْءِ، وَالْآخَرُ السَّبَبُ. فَأَ [مَّا ا] لْأَوَّلُ فَيُقَالُ: أَسَنَ الْمَاءُ يَأْسِنُ وَيَأْسُنُ.: إِذَا تَغَيَّرَ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ يُقَالُ: أَسِنَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] . وَأَسِنَ الرَّجُلُ: إِذَا غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ رِيحِ الْبِئْرِ. وَهَاهُنَا كَلِمَتَانِ مَعْلُولَتَانِ لَيْسَتَا بِأَصْلٍ، إِحْدَاهُمَا الْأُسُنُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الشَّحْمِ، وَهَذِهِ هَمْزَةٌ مُبْدَلَةٌ مِنْ عَيْنٍ، إِنَّمَا هُوَ عُسُنٌ، وَالْأُخْرَى قَوْلُهُمْ تَأَسَّنَ تَأَسُّنًا: إِذَا اعْتَلَّ وَأَبْطَأَ. وَعِلَّةُ هَذِهِ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ قَالَ:
(1/104)

إِنَّمَا هِيَ تأَسَّرَ تَأَسُّرًا، فَهَذِهِ عِلَّتُهَا. وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُهُمُ الْآسَانُ: الْحِبَالُ. قَالَ:
وَقَدْ كُنْتُ أَهْوَى النَّاقِمِيَّةَ حِقْبَةً ... فَقَدْ جَعَلَتْ آسَانُ بَيْنٍ تَقَطَّعُ
وَاسْتُعِيرَ هَذَا فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ عَلَى آسَانٍ مِنْ أَبِيهِ، أَيْ: طَرَائِقَ.

(أَسَوَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَاةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: أَسَوْتُ الْجُرْحَ: إِذَا دَاوَيْتُهُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الطَّبِيبُ الْآسِي. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
هُمُ الْآسُونَ أُمَّ الرَّأْسِ لَمَّا ... تَوَاكَلَهَا الْأَطِبَّةُ وَالْإِسَاءُ
أَيِ الْمُعَالِجُونَ. كَذَا قَالَ الْأُمَوِيُّ. وَيُقَالُ: أَسَوْتُ الْجُرْحَ أَسْوًا وَأَسًا: إِذَا دَاوَيْتُهُ. قَالَ الْأَعْشَى:
عِنْدَهُ الْبِرُّ وَالتُّقَى وَأَسَا الشَّ ... قِّ وَحَمْلٌ لِمُضْلِعِ الْأَثْقَالِ
وَيُقَالُ: أَسَوْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ: إِذَا أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: لِي فِي فُلَانٍ إُِسْوَةٌ، أَيْ: قَُِدْوَةٌ، أَيْ: إِنِّي أَقْتَدِي بِهِ. وَأَسَّيْتُ فُلَانًا: إِذَا عَزَّيْتُهُ، مِنْ هَذَا،
(1/105)

أَيْ قُلْتُ لَهُ: لِيَكُنْ لَكَ بِفُلَانٍ أُسْوَةٌ فَقَدْ أُصِيبَ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتَ بِهِ فَرَضِيَ وَسَلَّمَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: آسَيْتُهُ بِنَفْسِي.

(أَسَيَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْحُزْنُ; يُقَالُ: أَسِيتُ عَلَى الشَّيْءِ آسَى أَسًى، أَيْ: حَزِنْتُ عَلَيْهِ.

(أَسَدَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالدَّالُ، يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الشَّيْءِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَسَدُ أَسَدًا لِقُوَّتِهِ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ كُلِّ مَا أَشْبَهَهُ، يُقَالُ: اسْتَأْسَدَ النَّبْتُ قَوِيَ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
بِمُسْتَأْسِدِ الْقُرْيَانِ حُوٍّ تِلَاعُهُ ... فَنُوَّارُهُ مِيلٌ إِلَى الشَّمْسِ زَاهِرُهْ
وَيُقَالُ: اسْتَأْسَدَ عَلَيْهِ اجْتَرَأَ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَسَدْتُ الرَّجُلَ مِثْلُ سَبَعْتُهُ. وَأَسْدٌ بِسُكُونِ السِّينِ، الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْأَزْدُ، وَلَعَلَّهُ مِنَ الْبَابِ.
وَأَمَّا الْإِسَادَةُ فَلَيْسَتْ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. وَ [كَذَا] الْأُسْدِيُّ فِي قَوْلِ الْحُطَيْئَةِ:
مُسْتَهْلِكُ الْوَرْدِ كالْأُسْدِيِّ قَدْ جَعَلَتْ ... أَيْدِي الْمَطِيِّ بِهِ عَادِيَّةً رُغُبًا
(1/106)

(أَسَرَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَقِيَاسٌ مُطَّرِدٌ، وَهُوَ الْحَبْسُ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ. مِنْ ذَلِكَ الْأَسِيرُ، وَكَانُوا يَشُدُّونَهُ بِالْقِدِّ وَهُوَ الْإِسَارُ، فَسُمِّيَ كُلُّ أَخِيذٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْسَرْ أَسِيرًا. قَالَ الْأَعْشَى:
وَقَيَّدَنِي الشِّعْرُ فِي بَيْتِهِ ... كَمَا قَيَّدَ الْآسِراتُ الْحِمَارَا
أَيْ: أَنَا فِي بَيْتِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ بُلُوغَهُ النِّهَايَةَ فِيهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَسَرَ قَتَبَهُ، أَيْ: شَدَّهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} [الإنسان: 28] ، يُقَالُ: أَرَادَ الْخَلْقَ، وَيُقَالُ: بَلْ أَرَادَ مَجْرَى مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ. وَأُسْرَةُ الرَّجُلِ رَهْطُهُ، لِأَنَّهُ يَتَقَوَّى بِهِمْ. وَتَقُولُ أَسِيرٌ وَأَسْرَى فِي الْجَمْعِ وَأَسَارَى بِالْفَتْحِ. وَالْأُسْرُ احْتِبَاسُ الْبَوْلِ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَشَفَ) الْهَمْزَةُ وَالشِّينُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ بِالْأَصْلِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْهَا. وَالَّذِي سُمِعَ فِيهِ الْإِشْفَى.

(أَشَا) الْهَمْزَةُ وَالشِّينُ وَالْأَلِفُ. وَالْأَشَاءُ صِغَارُ النَّخْلِ، الْوَاحِدَةُ أَشَاءَةٌ.
(1/107)

(أَشَبَ) الْهَمْزَةُ وَالشِّينُ وَالْبَاءُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَاطٍ وَالْتِفَافٍ، يُقَالُ: عِيصٌ أَشِبٌ، أَيْ: مُلْتَفٌّ، وَجَاءَ فُلَانٌ فِي عَدَدٍ أَشِبٍ. وَتَأَشَّبَ الْقَوْمُ اخْتَلَطُوا. وَيُقَالُ: أَشَبْتُ فُلَانًا آشِبُهُ: إِذَا لُمْتُهُ، كَأَنَّكَ لَفَّقْتَ عَلَيْهِ قَبِيحًا فَلُمْتَهُ فِيهِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وَيَأْشِبُنِي فِيهَا الَّذِينَ يَلُونَهَا ... وَلَوْ عَلِمُوا لَمْ يَأْشِبُونِي بِطَائِلِ
وَالْأُشَابَةُ الْأَخْلَاطُ مِنَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ:
وَثِقْتُ لَهُ بِالنَّصْرِ إِذْ قِيلَ قَدْ غَزَتْ ... قَبَائِلُ مِنْ غَسَّانَ غَيْرُ أَشَائِبِ

(أَشَرَ) الْهَمْزَةُ وَالشِّينُ وَالرَّاءُ، أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْحِدَّةِ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هُوَ أَشِرٌ، أَيْ: بَطِرٌ مُتَسَرِّعٌ ذُو حِدَّةٍ. وَيُقَالُ مِنْهُ أَشِرَ يَأْشَرُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ نَاقَةٌ مِئْشِيرٌ، مِفْعِيلٌ مِنَ الْأَشَرِ. قَالَ أَوْسٌ:
حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ ... وَعَمُّهَا خَالُهَا وَجْنَاءُ مِئْشِيرُ
(1/108)

وَرَجُلٌ أَشِرٌ وَأَشُرٌ. وَالْأُشُرُ رِقَّةٌ وَحِدَّةٌ فِي أَطْرَافِ الْأَسْنَانِ: قَالَ طَرَفَةُ:
بَدَّلَتْهُ الشَّمْسُ مِنْ مَنْبِتِهِ ... بَرَدًا أَبْيَضَ مَصْقُولَ الْأُشُرْ
وَأَشَرْتُ الْخَشَبَةَ بِالْمِئْشَارِ مِنْ هَذَا.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَصَلَ) الْهَمْزَةُ وَالصَّادُ وَاللَّامُ، ثَلَاثَةُ أُصُولٍ مُتَبَاعِدٍ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، أَحَدُهَا: أَسَاسُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي: الْحَيَّةُ، وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَشِيِّ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأَصْلُ أَصْلُ الشَّيْءِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قَوْلِهِمْ: " لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا فَصْلَ لَهُ ": إِنَّ الْأَصْلَ الْحَسَبُ، وَالْفَصْلَ اللِّسَانُ. وَيُقَالُ: مَجْدٌ أَصِيلٌ. وَأَمَّا الْأَصَلَةُ فَالْحَيَّةُ الْعَظِيمَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ:
(1/109)

«كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ» . وَأَمَّا الزَّمَانُ فَالْأَصِيلُ بَعْدَ الْعَشِيِّ وَجَمْعُهُ أُصُلٌ وَآصَالٌ. وَ [يُقَالُ] أَصِيلٌ وَأَصِيلَةٌ، وَالْجَمْعُ أَصَائِلُ. قَالَ:
لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ ... وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ

(أَصَدَ) الْهَمْزَةُ وَالصَّادُ وَالدَّالُ، شَيْءٌ يَشْتَمِلُ عَلَى الشَّيْءِ. يَقُولُونَ لِلْحَظِيرَةِ أَصِيدَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا فِيهَا. وَمِنْ ذَلِكَ الْأُصْدَةُ، وَهُوَ قَمِيصٌ صَغِيرٌ يَلْبَسُهُ الصَّبَايَا، وَيُقَالُ: صَبِيَّةٌ ذَاتُ مُؤَصَّدٍ. قَالَ:
تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ مُؤَصَّدٍ ... وَلَمْ يَبْدُ [لِلْأَتْرَابِ] مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ

(أَصَرَ) الْهَمْزَةُ وَالصَّادُ وَالرَّاءُ، أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ أَشْيَاءُ مُتَقَارِبَةٌ. فَالْأَصْرُ الْحَبْسُ وَالْعَطْفُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَهْدَ يُقَالُ لَهُ إِصْرٌ، وَالْقَرَابَةُ تُسَمَّى آصِرَةٌ، وَكُلُّ عَقْدٍ وَقَرَابَةٍ وَعَهْدٍ إِصْرٌ. وَالْبَابُ كُلُّهُ وَاحِدٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " مَا تَأْصِرُنِي عَلَى فُلَانٍ آصِرَةٌ "، أَيْ: مَا تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ قَرَابَةٌ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
(1/110)

عَفْوًا عَلَيَّ بِغَيْرِ آ ... صِرَةٍ فَقَدْ عَظُمَ الْأَوَاصِرْ
أَيْ: عَطَفُوا عَلَيَّ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا قَرَابَةٍ. والْمَأْصَِرُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ شَيْءٌ يُحْبَسُ [بِهِ] . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ [الْعَهْدَ] الثَّقِيلَ إِصْرٌ فَهُوَ [مِنْ] هَذَا، لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْقَرَابَةَ لَهُمَا إِصْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتَحَمَّلَ. وَيُقَالُ: أَصَرْتُهُ: إِذَا حَبَسْتُهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِصَارُ، وَهُوَ الطُّنُبُ، وَجَمْعُهُ أُصُرٌ. وَيُقَالُ: هُوَ وَتَدُ الطُّنُبِ. فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
فَهَذَا يُعِدُّ لَهُنَّ الْخَلَا ... وَيَجْعَلُ ذَا بَيْنَهُنَّ الْإِصَارَا

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالضَّادِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَضَمَ) الْهَمْزَةُ وَالضَّادُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْحِقْدُ، يُقَالُ: أَضِمَ عَلَيْهِ: إِذَا حَقَدَ وَاغْتَاظَ. قَالَ الْجَعْدِيُّ:
وَأَزْجُرُ الْكَاشِحَ الْعَدُوَّ إِذَا اغْ ... تَابَكَ زَجْرًا مِنِّي عَلَى أَضَمِ
(1/111)

(أَضَا) الْهَمْزَةُ وَالضَّادُ مَعَ اعْتِلَالِ مَا بَعْدَهُمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْأَضَاةُ، مَكَانٌ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ كَالْغَدِيرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَضَاةُ الْمَاءُ الْمُسْتَنْقِعُ، مِنْ سَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَجَمْعُهُ أَضًا، وَجَمْعُ الْأَضَا إِضَاءٌ مَمْدُودٌ، وَهُوَ نَادِرٌ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَطَلَ) الْهَمْزَةُ وَالطَّاءُ وَاللَّامُ، أَصْلٌ وَاحِدٌ وَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْإِطِلُ والْإِطْلُ، وَهِيَ الْخَاصِرَةُ; وَجَمْعُهُ آطَالٌ. وَكَذَلِكَ الْأَيْطَلُ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ ... وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
وَذَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.

(أَطَمَ) الْهَمْزَةُ وَالطَّاءُ وَالْمِيمُ، يَدُلُّ عَلَى الْحَبْسِ وَالْإِحَاطَةِ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ لِلْحِصْنِ الْأُطُمُ وَجَمْعُهُ آطَامٌ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلَا أُطُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
(1/112)

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْأُطَامُ: احْتِبَاسُ الْبَطْنِ. والْأَطِيمَةُ: مَوْقِدُ النَّارِ وَالْجَمْعُ الْأَطَائِمُ. قَالَ الْأَسْعَرُ:
فِي مَوْقِفٍ ذَرِبِ الشَّبَا وَكَأَنَّمَا ... فِيهِ الرِّجَالُ عَلَى الْأَطَائِمِ وَاللَّظَى

(أَطَرَ) الْهَمْزَةُ وَالطَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ إِحَاطَتُهُ بِهِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ شَيْءٍ أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ إِطَارٌ. وَيُقَالُ لِمَا حَوْلَ الشَّفَةِ مِنْ حَرْفِهَا إِطَارٌ. وَيُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ إِطَارٌ لِبَنِي فُلَانٍ: إِذَا حَلُّوا حَوْلَهُمْ. قَالَ بِشْرٌ:
وَحَلَّ الْحَيُّ حَيُّ بَنِي سُبَيعٍ ... قُرَاضِبَةً وَنَحْنُ لَهُمْ إِطَارُ
وَيُقَالُ: أَطَرْتُ الْعُودَ: إِذَا عَطَفْتُهُ، فَهُوَ مَأْطُورٌ. وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» ، أَيْ: تَعْطِفُوهُ. وَيُقَالُ: أَطَرْتُ الْقَوْسَ: إِذَا عَطَفْتُهَا، قَالَ طَرَفَةُ:
كَأَنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفَانِهَا ... وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
وَيُقَالُ لِلْعَقَبَةِ الَّتِي تَجْمَعُ [الْفُوقَ] أُطْرَةٌ، يُقَالُ مِنْهُ أَطَرْتُ السَّهْمَ
(1/113)

أَطْرًا. وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَعْلَبًا يَقُولُ: التَّأَطُّرُ التَّمَكُّثُ. وَقَدْ شَذَّتْ مِنَ الْبَابِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْأَطِيرُ، وَهُوَ الذَّنْبُ. يُقَالُ: أَخَذَنِي بِأَطِيرِ غَيْرِي، أَيْ: بِذَنْبِهِ. وَكَذَلِكَ فَسَّرُوا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ:
وَإِنْ أَكْبَرْ فلَا بِأَطِيرِ إِصْرٍ ... يُفَارِقُ عَاتِقِي ذَكَرٌ خَشِيبُ

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
مُهْمَلٌ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَفَقَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى تَبَاعُدِ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ وَاتِّسَاعِهِ، وَعَلَى بُلُوغِ النِّهَايَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْآفَاقُ: النَّوَاحِي وَالْأَطْرَافُ، وَآفَاقُ الْبَيْتِ مِنْ بُيُوتِ الْأَعْرَابِ: نَوَاحِيهِ دُونَ سَمْكِهِ. وَأَنْشَدَ يَصِفُ الْخِلَالَ:
وَأَقْصَمَ سَيَّارٍ مَعَ النَّاسِ لَمْ يَدَعْ ... تَرَاوُحُ آفَاقِ السَّمَاءِ لَهُ صَدَرَا
وَلِذَلِكَ يُقَالُ: أَفَقَ الرَّجُلُ: إِذَا ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الدِّينَوَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُسَبِّحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لِلسَّمَاءِ آفَاقٌ وَلِلْأَرْضِ آفَاقٌ،
(1/114)

فَأَمَّا آفَاقُ السَّمَاءِ فَمَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْبَصَرُ مِنْهَا مَعَ وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، وَهُوَ الْحَدُّ بَيْنَ مَا بَطَنَ مِنَ الْفَلَكِ وَبَيْنَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قَبْلَ دُنُوِّ الْأُفْقِ مِنْ جَوْزَائِهِ
يُرِيدُ: قَبْلَ طُلُوعِ الْجَوْزَاءِ; لِأَنَّ الطُّلُوعَ وَالْغُرُوبَ هُمَا عَلَى الْأُفُقِ. وَقَالَ يَصِفُ الشَّمْسَ:
فَهِيَ عَلَى الْأُفْقِ كَعْينِ الْأَحْوَلِ
وَقَالَ آخَرُ:
حَتَّى إِذَا مَنْظَرُ الْغَرْبِيِّ حَارَ دَمًا ... مِنْ حُمْرَةِ الشَّمْسِ لَمَّا اغْتَالَهَا الْأُفُقُ
وَاغْتِيَالُهُ إِيَّاهَا تَغْيِيبُهُ لَهَا. قَالَ: وَأَمَّا آفَاقُ الْأَرْضِ فَأَطْرَافُهَا مِنْ حَيْثُ أَحَاطَتْ بِكَ. قَالَ الرَّاجِزُ:
تَكْفِيكَ مِنْ بَعْضِ ازْدِيارِ الْآفَاقْ ... سَمْرَاءُ مِمَّا دَرَسَ ابْنُ مِخْرَاقْ
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ أُفُقِيٌّ وَأَفَقِيٌّ، وَكَذَلِكَ الْكَوْكَبُ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مَجْرَاهُ مِنَ الْأُفُقِ لَا يُكَبِّدُ السَّمَاءَ، فَهُوَ أُفُقِيٌّ وَأَفَقِيٌّ.
(1/115)

إِلَى هَاهُنَا كَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيُقَالُ: الرَّجُلُ الْآفِقُ الَّذِي بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي الْكَرَمِ. وَامْرَأَةٌ آفِقَةٌ. قَالَ الْأَعْشَى:
آفِقًا يُجْبَى إِلَيْهِ خَرْجُهُ ... كُلُّ مَا بَيْنَ عُمَانٍ فَمَلَحْ
أَبُو عَمْرٍو: الْآفِقُ: مِثْلُ الْفَائِقِ، يُقَالُ: أَفَقَ يَأْفِقُ أَفْقًا: إِذَا غَلَبَ، وَالْأُفُقُ الْغَلَبَةُ. وَيُقَالُ: فَرَسٌ أُفُقٌ عَلَى فُعُلٍ، أَيْ: رَائِعَةٌ. فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
وَلَا الْمَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... [بِغِبْطَتِهِ] يُعْطِي الْقُطُوطَ وَيَأْفِقُ
فَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْآفَاقِ. قَالَ: وَاحِدُ الْآفَاقِ أُفُقٌ، وَهِيَ النَّاحِيَةُ مِنْ نَوَاحِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: رَجُلٌ أَفَقِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ، جَاءَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَدْ قِيلَ أُفُقِيٌّ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَفَقُ الطَّرِيقِ مِنْهَاجُهُ، يُقَالُ: قَعَدْتُ عَلَى أَفَقِ الطَّرِيقِ وَنَهْجِهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: الْأَفَقَةُ الْخَاصِرَةُ، وَالْجَمَاعَةُ الْأَفَقُ. قَالَ:
يَشْقَى بِهِ صَفْحُ الْفَرِيصِ والْأَفَقْ
وَيُقَالُ: شَرِبْتُ حَتَّى مَلَأْتُ أَفَقَتَيَّ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ: دَلْوٌ أَفِيقٌ: إِذَا كَانَتْ فَاضِلَةً عَلَى الدِّلَاءِ. قَالَ:
لَيْسَتْ بِدَلْوٍ بَلْ هِيَ الْأَفِيقُ
(1/116)

وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْجِلْدُ بَعْدَ الدَّبْغِ الْأَفِيقُ، وَجَمْعُهُ أَفَقٌ، وَيَجُوزُ أُفُقٌ. فَهَذَا مَا فِي اللُّغَةِ وَاشْتِقَاقِهَا. وَأَمَّا يَوْمُ الْأُفَاقَةِ فَمِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ يَوْمٌ الْعَُظَالَى، وَيَوْمُ أَعْشَاشٍ، وَيَوْمُ مُلَيْحَةَ - وَأُفَاقَةُ مَوْضِعٌ - وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ أَقْبَلَ فِي ثلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ يَتَوَكَّفُ انْحِدَارَ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي الْحَزْنِ، فَأَوَّلُ مَنْ طَلَعَ مِنْهُمْ بَنُو زُبَيْدٍ حَتَّى حَلُّوا الْحَدِيقَةَ بالْأُفَاقَةِ، وَأَقْبَلَ بِسْطَامٌ يَرْتَبِئُ، فَرَأَى السَّوَادَ بِحَدِيقَةِ الْأُفَاقَةِ، وَرَأَى مِنْهُمْ غُلَامًا فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: بَنُو زُبَيْدٍ. قَالَ: فَأَيْنَ بَنُو عُبَيْدٍ وَبَنُو أَزْنَمَ؟ قَالَ: بِرَوْضَةِ الثَّمَدِ. قَالَ بِسْطَامٌ لِقَوْمِهِ: أَطِيعُونِي وَاقْبِضُوا عَلَى هَذَا الْحَيِّ الْحَرِيدِ مِنْ زُبَيْدٍ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ إِحْدَى الْغَنِيمَتَيْنِ. قَالُوا: انْتَفَخَ سَحْرُكَ، بَلْ نَتَلَقَّطُ بَنِي زُبَيْدٍ ثُمَّ نَتَلَقَّطُ سَائِرَهُمْ كَمَا تُتَلَقَّطُ الْكَمْأَةُ. قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَلَقَّاكُمْ غَدًا طَعْنٌ يُنْسِيكُمُ الْغَنِيمَةَ! وَأَحَسَّتْ فَرَسٌ لِأُسِيدِ بْنِ حِنَّاءَةَ بِالْخَيْلِ فَبَحَثَتْ بِيَدِهَا، فَرَكِبَ أُسَيدٌ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَنَادَى: يَا صَبَاحَاهُ، يَا آلَ يَرْبُوعٍ! فَلَمْ يَرْتَفِعِ الضَّحَاءُ حَتَّى تَلَاحَقُوا بِالْغَبِيطِ، وَجَاءَ الْأُحَيْمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَرَمَى بِسْطَامًا بِفَرَسِهِ الشَّقْرَاءِ - وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْأُحَيْمِرَ لَمْ يَطْعَنْ بِرُمْحٍ قَطُّ إِلَّا انْكَسَرَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ " مُكَسِّرُ الرِّمَاحِ " - فَلَمَّا أَهْوَى لِيَطْعَنَ بِسْطَامًا انْهَزَمَ بِسْطَامٌ وَمَنْ مَعَهُ بَعْدَ قَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرٌ:
(1/117)

فَإِنْ يَكُ فِي جَيْشِ الْغَبِيطِ مَلَامَةٌ ... فَجَيْشُ الْعَُظَالَى كَانَ أَخْزَى وَأَلْوَمَا
وَفَرَّ أَبُو الصَّهْبَاءِ إِذْ حَمِسَ الْوَغَى ... وَأَلْقَى بِأَبْدَانِ السِّلَاحِ وَسَلَّمَا
فَلَوْ أَنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسَبْتَهَا ... مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْدًا وَأَزْنَمَا
وَهَذَا الْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْإِيَادِ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ جَرِيرٌ:
وَمَا شَهِدَتْ يَوْمَ الْإِيَادِ مُجَاشِعٌ ... وَذَا نَجَبٍ يَوْمَ الْأَسِنَّةُ تَرْعَُفُ

(أَفَكَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى قَلْبِ الشَّيْءِ وَصَرْفِهِ عَنْ جِهَتِهِ. يُقَالُ: أُفِكَ الشَّيْءُ. وَأَفِكَ الرَّجُلُ: إِذَا كَذَبَ. وَالْإِفْكُ الْكَذِبُ. وَأَفَكْتُ الرَّجُلَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا صَرَفْتُهُ عَنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} [الأحقاف: 22] . وَقَالَ شَاعِرٌ:
إِنْ تَكُ عَنْ أَفْضَلِ الْخَلِيفَةِ مَأْ ... فُوكًا فَفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا
وَالْمُؤْتَفِكَاتُ: الرِّيَاحُ الَّتِي تَخْتَلِفُ مَهَابُّهَا. يَقُولُونَ: " إِذَا كَثُرَتِ الْمُؤْتَفِكَاتُ زَكَتِ الْأَرْضُ ".
(1/118)

(أَفَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْغَيْبَةُ، وَالثَّانِي الصِّغَارُ مِنَ الْإِبِلِ. فَأَمَّا الْغَيْبَةُ فَيُقَالُ: أَفَلَتِ الشَّمْسُ غَابَتْ، وَنُجُومٌ أُفَّلٌ. وَكُلُّ شَيْءٍ غَابَ فَهُوَ آفِلٌ. قَالَ:
فَدَعْ عَنْكَ سُعدَى إِنَّمَا تُسْعِفُ النَّوَى ... قِرَانَ الثُّرَيَّا مَرَّةً ثُمَّ تَأْفِلُ
قَالَ الْخَلِيلُ: وَإِذَا اسْتَقَرَّ اللِّقَاحُ فِي قَرَارِ الرَّحِمِ فَقَدْ أَفَلَ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْأَفِيلُ، وَهُوَ الْفَصِيلُ، وَالْجَمْعُ الْإِفَالُ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَجَاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إِفَالِهَا ... يَزِفُّ وَجَاءَتْ خَلْفَهُ وَهِيَ زُفَّفُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْأَفِيلُ: ابْنُ الْمَخَاضِ وَابْنُ اللَّبُونِ، الْأُنْثَى أَفِيلَةٌ، فَإِذَا ارْتَفَعَ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِأَفِيلٍ. قَالَ إِهَابُ بْنُ عُمَيْرٍ:
ظَلَّتْ بِمُنْدَحِّ الرَّجَا مُثُولُهَا ... ثَامِنَةً وَمُعْوِلًا أَفِيلُهَا
ثَامِنَةً، أَيْ: وَارِدَةً ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. مُثُولُهَا: قِيَامُهَا مَاثِلَةً. وَفِي الْمَثَلِ: " إِنَّمَا الْقَرْمُ مِنَ الْأَفِيلِ " أَيْ: إِنَّ بَدْءَ الْكَبِيرِ مِنَ الصَّغِيرِ.

(أَفَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَالنُّونُ يَدُلُّ عَلَى خُلُوِّ الشَّيْءِ وَتَفْرِيغِهِ. قَالُوا: الْأَفَنُ قِلَّةُ الْعَقْلِ، وَرَجُلٌ مَأْفُونٌ. قَالَ:
(1/119)

نُبِّئْتُ عُتْبَةَ خَضَّافًا تَوَعَّدَنِي ... يَا رُبَّ آدَرَ مِنْ مَيْثَاءَ مَأْفُونِ
وَيُقَالُ: إِنَّ الْجَوْزَ الْمَأْفُونَ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِي جَوْفِهِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفَنَ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ: إِذَا شَرِبَهُ كُلَّهُ. وَأَفَنَ الْحَالِبُ النَّاقَةَ: إِذَا لَمْ يَدَعْ فِي ضَرْعِهَا شَيْئًا. قَالَ:
إِذَا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَكَ أَفْنُهَا ... وَإِنْ حُيِّنَتْ أَرْبَى عَلَى الْوَطْبِ حِينُهَا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفَنَتِ النَّاقَةُ قَلَّ لَبَنُهَا فَهِيَ أَفِنَةٌ، مَقْصُورَةٌ.

(أَفَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَالدَّالُ تَدُلُّ عَلَى دُنُوِّ الشَّيْءِ وَقُرْبِهِ، يُقَالُ: أَفِدَ الرَّحِيلُ: قَرُبَ. والْأَفِدُ الْمُسْتَعْجِلُ: قَالَ النَّابِغَةُ:
أَفِدَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ
وَبَعَثَتْ أَعْرَابِيَّةٌ بِنْتًا لَهَا إِلَى جَارَتِهَا فَقَالَتْ: " تَقُولُ لَكِ أُمِّي: أَعْطِينِي نَفَسًا أَوْ نَفَسَيْنِ أَمْعَسُ بِهِ مَنِيئَتِي فَإِنِّي أَفِدَةٌ ".

(أَفَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةٍ وَاخْتِلَاطٍ. يُقَالُ: أَفَرَ الرَّجُلُ: إِذَا خَفَّ فِي الْخِدْمَةِ. وَالْمِئْفَرُ: الْخَادِمُ. وَالْأُفْرَةُ: الِاخْتِلَاطُ.
(1/120)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْقَافِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَقَرَ) أُقُرُ: مَوْضِعٌ. قَالَ النَّابِغَةُ:
لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيانَ عَنْ أُقُرٍ ... وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ فِي كُلِّ أَصْفَارِ
وَلَيْسَ هَذَا أَصْلًا.

(أَقَطَ) الْهَمْزَةُ وَالْقَافُ وَالطَّاءُ تَدُلُّ عَلَى الْخَلْطِ وَالِاخْتِلَاطِ.
قَالُوا: الْأَقِطُ مِنَ اللَّبَنِ مَخِيضٌ يُطْبَخُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَمْصُلَ، وَالْقِطْعَةُ أَقِطَةٌ. وَأَقَطْتُ الْقَوْمَ أَقِْطًا، أَيْ: أَطْعَمْتُهُمْ ذَلِكَ. وَطَعَامٌ مَأْقُوطٌ خُلِطَ بِالْأَقِطِ. قَالَ:
أَتَتْكُمُ الْجَوْفَاءُ جَوْعَى تَطَّفِحْ ... طُفَاحَةَ الْقِدْرِ وَحِينًا تَصْطَبِحْ
مَأْقُوطَةٌ عَادَتْ ذَبَّاحُ الْمُدَّبِحْ
والْمَأْقِطُ: مَوْضِعُ الْحَرْبِ، وَهُوَ الْمَضِيقُ، لِأَنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ فِيهِ.
(1/121)

(أَقَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْقَافُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. الْأُقْنةُ: حُفْرَةٌ تَكُونُ فِي ظُهُورِ الْقِفَافِ ضَيِّقَةُ الرَّأْسِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ مَهْوَاةً بَيْنَ نِيقَيْنِ أَوْ شُنْخُوبَيْنِ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
فِي شَنَاظِي أُقَنٍ بَيْنَهَا ... عُرَّةُ الطَّيْرِ كَصَوْمِ النَّعَامْ

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَكَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَاللَّامُ بَابٌ تَكْثُرُ فُرُوعُهُ، وَالْأَصْلُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَعْنَاهَا التَّنَقُّصُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَكْلُ مَعْرُوفٌ وَالْأَكْلَةُ مَرَّةٌ، وَالْأُكَلَةُ اسْمٌ كَاللُّقْمَةِ. وَيُقَالُ: رَجُلٌ أَكُولٌ كَثِيرُ الْأَكْلِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَكَلَةُ جَمْعُ آكِلٍ، يُقَالُ: " مَا هُمْ إِلَّا أَكَلَةُ رَأْسٍ ". وَالْأَكِيلُ: الَّذِي يُؤَاكِلُكَ. وَالْمَأْكَلُ مَا يُؤْكَلُ، كَالْمَطْعَمِ. وَالْمُؤْكِلُ الْمُطْعِمُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ» . وَالْمَأْكَلَةُ الطُّعْمَةُ. وَمَا ذُقْتُ أَكَالًا، أَيْ: مَا يُؤْكَلُ. وَالْأُكْلُ - فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ -: طُعْمَةٌ كَانَتِ الْمُلُوكُ تُعْطِيهَا الْأَشْرَافَ كَالْقُرَى، وَالْجَمْعُ آكَالٌ. قَالَ:
جُندُكَ التَّالِدُ الطَّرِيفُ مِنَ السَّا ... دَاتِ أَهْلِ الْقِبَابِ وَالْآكَالِ
(1/122)

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: " أَكَّلْتِنِي مَا لَمْ آكُلْ " أَيِ ادَّعَيْتِهِ عَلَيَّ. وَالْأَكُولَةُ: الشَّاةُ تُرْعَى لِلْأَكْلِ لَا لِلْبَيْعِ وَالنَّسْلِ، يَقُولُونَ: " مَرْعًى وَلَا أَكُولَةَ " أَيْ: مَالٌ مُجْتَمِعٌ لَا مُنْفِقَ لَهُ. وَأَكِيلُ الذِّئْبِ: الشَّاةُ وَغَيْرُهَا إِذَا أَرَدْتَ مَعْنَى الْمَأْكُولِ، وَسَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَإِذَا أَرَدْتَ بِهِ اسْمًا جَعَلْتَهَا أَكِيلَةَ ذِئْبٍ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْأَكِيلَةُ فَرِيسَةُ الْأَسَدِ. وَأَكَائِلُ النَّخْلِ: الْمَحْبُوسَةُ لِلْأَكْلِ. وَالْآكِلَةُ عَلَى فَاعِلَةٍ: الرَّاعِيَةُ، وَيُقَالُ: هِيَ الْإِكْلَةُ. وَالْأَكِلَةُ، عَلَى فَعِلَةٍ: النَّاقَةُ يَنْبُتُ وَبَرُ وَلَدِهَا فِي بَطْنِهَا يُؤْذِيهَا وَيَأْكُلُهَا. وَيُقَالُ: ائْتَكَلَتِ النَّارُ: إِذَا اشْتَدَّ الْتِهَابُهَا; وَائْتَكَلَ الرَّجُلُ: إِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ. وَالْجَمْرَةُ تَتَأَكَّلُ، أَيْ: تَتَوَهَّجُ; وَالسَّيْفُ يَتَأَكَّلُ إِثْرُهُ. قَالَ أَوْسٌ:
: إِذَا سُلَّ مِنْ جَفْنٍ تَأَكَّلَ إِثْرُهُ ... عَلَى مِثْلِ مِصْحَاةِ اللُّجَيْنِ تَأَكُّلًا
وَيُقَالُ فِي الطِّيبِ إِذَا تَوَهَّجَتْ رَائِحَتُهُ تَأَكَّلَ. وَيُقَالُ: أَكَلَتِ النَّارُ الْحَطَبَ، وَآكَلْتُهَا أَطْعَمْتُهَا إِيَّاهُ. وَآكَلْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ أْفسَدْتُ. وَلَا تُؤْكِلْ فُلَانًا عِرْضَكَ، أَيْ: لَا تُسَابُّهُ فَتَدَعَهُ يَأْكُلَ عِرْضَكَ. وَالْمُؤْكِلُ النَّمَّامُ.
(1/123)

وَفُلَانٌ ذُو أُكْلَةٍ فِي النَّاسِ: إِذَا كَانَ يَغْتَابُهُمْ. وَالْأُكْلُ: حَظُّ الرَّجُلِ وَمَا يُعْطَاهُ مِنَ الدُّنْيَا. وَهُوَ ذُو أُكْلٍ، وَقَوْمٌ ذَوُو آكَالٍ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
حَوْلِي ذَوُو الْآكَالِ مِنْ وَائِلٍ ... كَاللَّيْلِ مِنْ بَادٍ وَمِنْ حَاضِرِ
وَيُقَالُ: ثَوْبٌ ذُو أُكْلٍ، أَيْ: كَثِيرُ الْغَزْلِ. وَرَجُلٌ ذُو أُكْلٍ: ذُو رَأْيٍ وَعَقْلٍ. وَنَخْلَةٌ ذَاتُ أُكْلٍ. وَزَرْعٌ ذُو أُكْلٍ. وَالْأُكَالُ: الْحُكَاكُ; يُقَالُ: أَصَابَهُ فِي رَأْسِهِ أُكَالٌ. وَالْأَكَلُ فِي الْأَدِيمِ: مَكَانٌ رَقِيقٌ ظَاهِرُهُ تَرَاهُ صَحِيحًا، فَإِذَا عُمِلَ بَدَا عُوَارُهُ. وَبِأَسْنَانِهِ أَكَلٌ، أَيْ: مُتَأَكِّلَةٌ، وَقَدْ أُكِلَتْ أَسْنَانُهُ تَأْكَلُ أَكَلًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: لِلسِّكِّينِ آكِلَةُ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ بِمِثْلِ آكِلَةِ اللَّحْمِ ثُمَّ يَرَى أَنْ لَا أُقِيدَهُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْمِئْكَلَةُ قِدْرٌ دُونَ الْجِمَاعِ، وَهِيَ الْقِدْرُ الَّتِي يَسْتَخِفُّ الْحَيُّ أَنْ يَطْبُخُوا فِيهَا. وَأُكُلُ الشَّجَرَةِ: ثَمَرُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] .
(1/124)

(أَكَمَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ تَجَمُّعُ الشَّيْءِ وَارْتِفَاعُهُ قَلِيلًا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَكَمَةُ تَلٌّ مِنَ الْقُفِّ، وَالْجَمْعُ آكَامٌ وَأَكَمٌ. وَاسْتَأْكَمَ الْمَكَانُ، أَيْ: صَارَ كَالْأَكَمَةِ. وَتُجْمَعُ عَلَى الْآكَامِ أَيْضًا، قَالَ أَبُو خِرَاشٍ:
وَلَا أَمْغَرُ السَّاقَيْنِ ظَلَّ كَأَنَّهُ ... عَلَى مُحْزَئِلَّاتِ الْإِكَامِ نَصِيلُ
يَعْنِي صَقْرًا. احْزَأَلَّ: انْتَصَبَ. نَصِيلٌ: حَجَرٌ قَدْرَ ذِرَاعٍ. وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ الْمَأْكَمَتَانِ: لُحْمَتَانِ وَصَلَتَا بَيْنَ الْعَجُزِ وَالْمَتْنَيْنِ، قَالَ:
إِذَا ضَرَبَتْهَا الرِّيحُ فِي الْمِرْطِ أَشْرَفَتْ ... مَآكِمُهَا وَالزُّلُّ فِي الرِّيحِ تُفْضَحُ

(أَكَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَالنُّونُ لَيْسَتْ أَصْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ. وَالْأَصْلُ وُكْنَةٌ، وَهُوَ عُشُّ الطَّائِرِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْوَاوِ.

(أَكَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَالدَّالُ لَيْسَتْ أَصْلًا، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، يُقَالُ: وَكَّدْتُ الْعَقْدَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.
(1/125)

(أَكَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَفْرُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْأُكْرَةُ حُفْرَةٌ تُحْفَرُ إِلَى جَنْبِ الْغَدِيرِ وَالْحَوْضِ، لِيَصْفُوَ فِيهَا الْمَاءُ; يُقَالُ: تَأَكَّرْتُ أُكْرَةً. وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَكَّارُ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
عَبْدًا لِعِلْجٍ مِنَ الْحِصْنَيْنِ أَكَّارِ
قَالَ الْعَامِرِيُّ: وَجَدْتُ مَاءً فِي أُكْرَةٍ فِي الْجَبَلِ، وَهِيَ نُقْرَةٌ فِي الصَّفَا قَدْرَ الْقَصْعَةِ.

(أَكَفَ) الْهَمْزَةُ وَالْكَافُ وَالْفَاءُ لَيْسَ أَصْلًا، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، يُقَالُ: وِكَافٌ وَإِكَافٌ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(أَلَمَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوَجَعُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَلَمُ: الْوَجَعُ، يُقَالُ: وَجَعٌ أَلِيمٌ، وَالْفِعْلُ مِنَ الْأَلَمِ أَلِمَ. وَهُوَ أَلِمٌ، وَالْمُجَاوِزُ أِلِيمٌ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. وَكَذَلِكَ وَجِيعٌ بِمَعْنَى مُوجِعٍ. قَالَ:
(1/126)

أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعُ
فَوَضَعَ السَّمِيعَ مَوْضِعَ مُسْمِعٍ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَيْ: مُؤْلِمٌ وَرَجُلٌ أَلِيمٌ وَمُؤْلَمٌ، أَيْ: مُوجَعٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: أَلِمْتَ نَفْسَكَ، كَمَا تَقُولُ سَفِهْتَ نَفْسَكَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " الْحُرُّ يُعْطِي وَالْعَبْدُ يَأْلَمُ قَلْبُهُ ".

(أَلَهَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ. فَالْإِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْبُودٌ. وَيُقَالُ: تَأَلَّهَ الرَّجُلُ: إِذَا تَعَبَّدَ. قَالَ رُؤْبَةُ:
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي
وَالْإِلَاهَةُ: الشَّمْسُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَبَادَرْنَا الْإِلَاهَةَ أَنْ تُؤَوِّبَا
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي التَّحَيُّرِ أَلِهَ يَأْلَهُ فَلَيْسَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ وَاوٌ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

(أَلَوَى) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الْمُعْتَلِّ أَصْلَانِ مُتَبَاعِدَانِ: أَحَدُهُمَا الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ [وَالْآخَرُ التَّقْصِيرُ] وَالثَّانِي خِلَافُ ذَلِكَ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُمْ آلَى يُولِي: إِذَا حَلَفَ أَلِيَّةً وَإِلْوَةً، قَالَ شَاعِرٌ:
(1/127)

أَتَانِي عَنِ النُّعْمَانِ جَوْرُ أَلِيَّةٍ ... يَجُورُ بِهَا مِنْ مُتْهِمٍ بَعْدَ مُنْجِدِ
وَقَالَ فِي الْأَلْوَةِ:
يُكَذِّبُ أَقْوَالِي وَيُحْنِثُ أَلْوَتِي
وَالْأَلِيَّةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى فَعْوَلَةٍ، وَأَلْوَةٌ عَلَى فَعْلَةٍ نَحْوَ الْقَدْمَةِ. وَيُقَالُ: يُؤْلِي وَيَأْتَلِي، وَيَتَأَلَّى فِي الْمُبَالَغَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: ائْتَلَى الرَّجُلُ: إِذَا حَلَفَ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22] . وَرُبَّمَا جَمَعُوا أَلْوَةً أُلًى. وَأَنْشَدَ:
قَلِيلًا كَتَحْلِيلِ الْأُلَى ثُمَّ قَلَّصَتْ ... بِهِ شِيمَةٌ رَوْعَاءُ تَقْلِيصَ طَائِرِ
قَالَ: وَيُقَالُ لِلْيَمِينِ أَلْوَةٌ وَأُلْوَةٌ وَإِلْوَةٌ وَأَلِيَّةٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: مَا أَلَوْتُ عَنِ الْجُهْدِ فِي حَاجَتِكَ، وَمَا أَلَوْتُكَ نُصْحًا، قَالَ:
نَحْنُ فَضَلْنَا جُهْدَنَا لَمْ نَأْتَلِهْ
أَيْ: لَمْ نَدَعْ جُهْدًا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: أَلَوْتُ فِي الشَّيْءِ آلُو: إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ. وَتَقُولُ فِي الْمَثَلِ: " إِلَّا حَظِيَّةٌ فَلَا أَلِيَّةٌ "، يَقُولُ: إِنْ أَخْطَأَتْكَ الْحُظْوَةُ فَلَا تَتَأَلَّ أَنْ تَتَوَدَّدَ إِلَى النَّاسِ. الشَّيْبَانِيُّ: آلَيْتُ تَوَانَيْتُ وَأَبْطَأْتُ. قَالَ:
فَمَا آلَى بَنِيَّ وَمَا أَسَاءُوا
وَأَلَّى الْكَلْبُ عَنْ صَيْدِهِ: إِذَا قَصَّرَ، وَكَذَلِكَ الْبَازِي وَنَحْوُهُ. قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ:
(1/128)

وَإِنِّي إِذْ تُسَابِقُنِي نَوَاهَا ... مُؤَلٍّ فِي زِيَارَتِهَا مُلِيمُ
فَأَمَّا قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
جَهْرَاءُ لَا تَأْلُو إِذَا هِيَ أَظْهَرَتْ ... بَصَرًا وَلَا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِينِي
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلَا ... يَقْطَعُ رِحْمًا وَلَا يَخُونُ إِلَّا

(أَلَبَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْبَاءُ يَكُونُ مِنَ التَّجَمُّعِ وَالْعَطْفِ وَالرُّجُوعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِلْبُ الصَِّغْوُ، يُقَالُ: إِلْبُهُ مَعَهُ، وَصَارُوا عَلَيْهِ إلْبًا وَاحِدًا فِي الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ. قَالَ:
وَالنَّاسُ إِلْبٌ عَلَيْنَا فِيكَ لَيْسَ لَنَا ... إِلَّا السُّيُوفَ وَأَطْرَافَ الْقَنَا وَزَرُ
الشَّيْبَانِيُّ: تَأَلَّبُوا عَلَيْهِ اجْتَمَعُوا، وَأَلَبُوا يَأْلِبُونَ أَلْبًا. وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَلْبَةَ الْمَجَاعَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَأَلُّبِ النَّاسِ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَلَبَ: رَجَعَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ بِحَدِيثٍ ثُمَّ أَخَذَ فِي غَيْرِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ:
(1/129)

" السَّاعَةَ يَأْلِبُ إِلَيْكَ "، أَيْ: يَرْجِعُ إِلَيْكَ. وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي غَدٍ ... وَبَعْدَ غَدٍ يَأْلِبْنَ أَلْبَ الطَّرَائِدِ
أَيْ: يَنْضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يَأْلُِبُ إِبِلَهُ، أَيْ: يَطْرُدُهَا. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: رَجُلٌ إِلْبُ حَرْبٍ: إِذَا كَانَ يُؤَلِّبُ فِيهَا وَيُجَمِّعُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَلَبَ الْجُرْحُ يَأْلُبُ أَلْبًا: إِذَا بَدَأَ [بُرْؤُهُ] ثُمَّ عَاوَدَهُ فِي أَسْفَلِهِ نَغَلٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ: إِلْبٌ، فَمِنْ هَذَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْأَصَابِعِ. قَالَ:
حَتَّى كَأَنَّ الْفَرْسَخَيْنِ إِلْبُ
وَالَّذِي حَكَاهُ ابْنُ السِّكِّيتِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَيْلَةٌ أَلُوبٌ، أَيْ: بَارِدَةٌ، مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّ وَاجِدَ الْبَرْدِ يَتَجَمَّعُ وَيَتَضَامُّ، وَمُمْكِنٌ أَنَّ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ، وَيَكُونُ الْهَمْزَةُ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
تَبَشَّرِي بِمَاتِحٍ أَلُوبِ
فَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ الدِّلَاءَ يَسْتَقِي بِبَعْضِهَا فِي إِثْرِ بَعْضٍ، كَمَا يَتَأَلَّبُ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.

(أَلَتَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، تَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ، يُقَالُ: أَلَتَهُ يَأْلِتُهُ، أَيْ: نَقَصَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَأْلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ.
(1/130)

(أَلَسَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخِيَانَةُ. الْعَرَبُ تُسَمِّي الْخِيَانَةَ أَلْسًا، يَقُولُونَ: " لَا يُدَالِسُ وَلَا يُؤَالِسُ ".

(أَلَفَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى انْضِمَامِ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَالْأَشْيَاءُ الْكَثِيرَةُ أَيْضًا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَلْفُ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ الْآلَافُ. وَقَدْ آلَفَتِ الْإِبِلُ، مَمْدُودَةٌ، أَيْ: صَارَتْ أَلْفًا. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: آلَفْتُ الْقَوْمَ: صَيَّرْتُهُمْ أَلْفًا، وآلَفْتُهُمْ، صَيَّرْتُهُمْ أَلْفًا بِغَيْرِي، وَآلَفُوا: صَارُوا أَلْفًا. وَمِثْلُهُ أَخْمَسُوا، وَأَمَاءُوا. وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْأَلْفَ اجْتِمَاعُ الْمِئِينَ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَلِفْتُ الشَّيْءَ آلَفُهُ. وَالْأُلْفَةُ مَصْدَرُ الِائْتِلَافِ. وَإِلْفُكَ وَأَلِيفُكَ: الَّذِي تَأْلَفُهُ. [وَ] كُلُّ شَيْءٍ ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَقَدْ أَلَّفْتَهُ تَأْلِيفًا. الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: أَلِفْتُ الشَّيْءَ آلَفُهُ إلْفًا وَأَنَا آلِفٌ، وَآلَفْتُهُ وَأَنَا مُؤْلِفٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مِنَ الْمُؤْلِفَاتِ الرَّمْلَِ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى فِي لَوْنِهَا يَتَوَضَّحُ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ آلَفْتُ الْمَكَانَ وَالْقَوْمَ. وآلَفْتُ غَيْرِي أَيْضًا حَمَلْتُهُ عَلَى أَنْ يَأْلَفَ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَأَوَالِفُ الطَّيْرِ: الَّتِي بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا. قَالَ:
أَوَالِفًا مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الْحَمِي
وَيُقَالُ: آلَفَتْ هَذِهِ الطَّيْرُ مَوْضِعَ كَذَا، وَهُنَّ مُؤْلِفَاتٌ، لِأَنَّهَا لَا تَبْرَحُ.
(1/131)

فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمَأْلَفُ: الشَّجَرُ الْمُودِقُ الَّذِي يَدْنُو إِلَيْهِ الصَّيْدُ لِإِلْفِهِ إِيَّاهُ، فَيَدِقُ إِلَيْهِ.

(أَلَقَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ، وَاللَّمَعَانِ بِسُرْعَةٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِلْقَةُ: السِّعْلَاةُ، وَالذِّئْبَةُ، وَالْمَرْأَةُ الْجَرِيئَةُ، لِخُبْثِهِنَّ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْجَمْعُ إِلَقٌ. قَالَ شَاعِرٌ:
جَدَّ وَجَدَّتْ إلَقَةٌ مِنَ الْإِلَقْ
قَالَ: وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ أَلَقَى سَرِيعَةُ الْوَثْبِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: رَجُلٌ أَلَّاقٌ، أَيْ: كَذَّابٌ. وَقَدْ أَلَقَ بِالْكَذِبِ يَأْلِقُ أَلْقًا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ، عَنِ الْقَرِيعِيِّ: تَأَلَّقَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا شَمَّرَتْ لِلْخُصُومَةِ وَاسْتَعَدَّتْ لِلشَّرِّ وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَعْنَاهُ صَارَتْ مِثْلَ الْإِلْقَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأَةٌ إِلْقَةٌ وَرَجُلٌ إِلْقٌ. وَمِنْ هَذَا الْقِيَاسِ: ائْتَلَقَ الْبَرْقُ ائْتِلَاقًا: إِذَا بَرَقَ، وَتَأَلَّقَ تَأَلُّقًا. قَالَ:
يُصِيخُ طَوْرًا وَطَوْرًا يَقْتَرِي دَهِسًا ... كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ بِالرَّمْلِ يَأْتَلِقُ

(أَلَكَ) الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَحَمُّلُ الرِّسَالَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَلُوكُ الرِّسَالَةُ، وَهِيَ الْمَأْلَُكَةُ عَلَى مَفْعَُلَةٍ. قَالَ النَّابِغَةُ:
(1/132)

أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَُ إِلَيْكَ قَوْلًا ... سَتَحْمِلُهُ الرُّوَاةُ إِلَيْكَ عَنِّي
قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الرِّسَالَةُ أَلُوكًا لِأَنَّهَا تُؤْلَكُ فِي الْفَمِ، مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْفَرَسُ يَأْلُكُ بِاللِّجَامِ وَيَعْلُكُهُ: إِذَا مَضَغَ الْحَدِيدَةَ. قَالَ: وَيَجُوزُ لِلشَّاعِرِ تَذْكِيرُ الْمَأْلَكَةِ. قَالَ عَدِيٌّ:
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكًا ... أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي
وَقَوْلُ الْعَرَبِ: " أَلِكْنِي إِلَى فُلَانٍ "، الْمَعْنَى تَحَمَّلْ رِسَالَتِي إِلَيْهِ. قَالَ:
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهَ يَا فَتَى ... بِآيَةٍ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَلَكْتُهُ أُلِيكُهُ إلَاكَةً: إِذَا أَرْسَلْتُهُ. قَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: اسْتَلْأَكَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ، أَيْ: ذَهَبَ بِرِسَالَتِهِ، وَالْقِيَاسُ اسْتَأْلَكَ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَمَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ مُتَقَارِبَانِ: أَحَدُهُمَا الْأَمَانَةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَمَعْنَاهَا سُكُونُ الْقَلْبِ، وَالْآخَرُ التَّصْدِيقُ. وَالْمَعْنَيَانِ كَمَا قُلْنَا مُتَدَانِيَانِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَنَةُ مِنَ الْأَمْنِ. وَالْأَمَانُ إِعْطَاءُ الْأَمَنَةِ. وَالْأَمَانَةُ ضِدُّ الْخِيَانَةِ.
(1/133)

يُقَالُ: أَمِنْتُ الرَّجُلَ أَمْنًا وَأَمَنَةً وَأَمَانًا، وَآمَنَنِي يُؤْمِنُنِي إِيمَانًا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ أُمَّانٌ: إِذَا كَانَ أَمِينًا. قَالَ الْأَعْشَى:
وَلَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجِرَ الْ ... أُمَّانَ مَوْرُودًا شَرَابُهْ
وَمَا كَانَ أَمِينًا وَلَقَدْ أَمُنَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْأَمِينُ الْمُؤْتَمَنُ. قَالَ النَّابِغَةُ:
وَكُنْتَ أَمِينَهُ لَوْ لَمْ تَخُنْهُ ... وَلَكِنْ لَا أَمَانَةَ لِلْيمَانِي
وَقَالَ حَسَّانُ:
وَأَمِينٍ حَفَّظْتُهُ سِرَّ نَفْسِي ... فَوَعَاهُ حِفْظَ الْأَمِينِ الْأَمِينَا
الْأَوَّلُ مَفْعُولٌ وَالثَّانِي فَاعِلٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: حِفْظَ الْمُؤْتَمَنِ الْمُؤْتَمِنَ. وَبَيْتٌ آمِنٌ ذُو أَمْنٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] . وَأَنْشَدَ اللِّحْيَانِيُّ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا اسْمَ وَيْحَكِ أَنَّنِي ... حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخُونُ أَمِينِي
، أَيْ: آمِنِي. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: رَجُلٌ أُمَنَةٌ: إِذَا كَانَ يَأْمَنُهُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ غَائِلَتَهُ; وَأَمَنَةٌ بِالْفَتْحِ يُصَدِّقُ مَا سَمِعَ وَلَا يُكَذِّبُ بِشَيْءٍ، يَثِقُ بِالنَّاسِ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَعْطَيْتُ فُلَانًا مِنْ آمَنِ مَالِيَ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ مِنْ أَعَزِّهِ عَلَيَّ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَا فَالْمَعْنَى مَعْنَى الْبَابِ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَعَزِّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي تَسْكُنُ نَفْسُهُ. وَأَنْشَدُوا قَوْلَ الْقَائِلِ:
وَنَقِي بِآمَنِ مَالِنَا أَحْسَابَنَا ... وَنُجِرُّ فِي الْهَيْجَا الرِّمَاحَ وَنَدَّعِي
(1/134)

وَفِي الْمَثَلِ: " مِنْ مَأْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذِرُ " وَيَقُولُونَ: " الْبَلَوِيُّ أَخُوكَ وَلَا تَأْمَنْهُ "، يُرَادُ بِهِ التَّحْذِيرُ.
وَأَمَّا التَّصْدِيقُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أَيْ: مُصَدِّقٍ لَنَا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ " الْمُؤْمِنَ " فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَصْدُقَ مَا وَعَدَ عَبْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُؤْمِنٌ لِأَوْلِيَائِهِ يُؤْمِنُهُمْ عَذَابَهُ وَلَا يَظْلِمُهُمْ. فَهَذَا قَدْ عَادَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَالْمُؤْمِنِ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغِيلِ والسَّعَدِ
وَمِنَ الْبَابِ الثَّانِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُنَا فِي الدُّعَاءِ: " آمِينَ " قَالُوا: تَفْسِيرُهُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ، وَيُقَالُ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ:
تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ وَابْنُ أُمِّهِ ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وَرُبَّمَا مَدُّوا، وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ:
يَا رَبِّ لَا تَسْلِبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا ... وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا
(1/135)

(أَمَهَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالْهَاءُ. فَقَدْ ذَكَرُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، أَنَّهُ النِّسْيَانُ، يُقَالُ: أَمِهْتُ: إِذَا نَسِيتُ. وَذَا حَرْفٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.

(أَمَوَى) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ [وَمَا] بَعْدَهُمَا مِنَ الْمُعْتَلِّ فَأَصْلٌ وَاحِدٌ. وَهُوَ عُبُودِيَّةُ الْمَمْلُوكَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَةُ الْمَرْأَةُ ذَاتُ عُبُودِيَّةٍ. تَقُولُ أَقَرَّتْ بِالْأُمُوَّةِ. قَالَ:
كَمَا تَهْدِي إِلَى الْعُرُسَاتِ آمِ
وَتَقُولُ: تَأَمَّيْتُ فُلَانَةَ جَعَلْتُهَا أَمَةً. وَكَذَلِكَ اسْتَأْمَيْتُ. قَالَ:
يَرْضَوْنَ بِالتَّعْبِيدِ وَالتَّأَمِّي
وَلَوْ قِيلَ: تَأَمَّتْ، أَيْ: صَارَتْ أَمَةً، لَكَانَ صَوَابًا. وَقَالَ فِي الْأُمِّيِّ:
إِذَا تَبَارَيْنَ مَعًا كَالْأُمِّيِّ ... فِي سَبْسَبٍ مُطَّرِدِ الْقَتَامْ
وَلَقَدْ أَمِيتِ وَتَأَمَّيْتِ أُمُوَّةً. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: اسْتَأْمَتْ: إِذَا أَشْبَهَتِ الْإِمَاءَ، وَلَيْسَتْ بِمُسْتَأْمِيَةٍ: إِذَا لَمْ تُشْبِهْهُنَّ وَكَذَلِكَ عَبْدٌ مُسْتَعْبِدٌ.
(1/136)

(أَمَتَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَمْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 107] . قَالَ الْخَلِيلُ: الْعِوَجُ وَالْأَمْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ - وَهُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى - إِنَّ الْأَمْتَ أَنْ يَغْلُظَ مَكَانٌ وَيَرِقَّ مَكَانٌ.

(أَمَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ، الْأَمَدُ: الْغَايَةُ. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.

(أَمَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ أُصُولٌ خَمْسَةٌ: الْأَمْرُ مِنَ الْأُمُورِ، وَالْأَمْرُ ضِدُّ النَّهْيِ، وَالْأَمَرَ النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْمَعْلَمُ، وَالْعَجَبُ.
فَأَمَّا الْوَاحِدُ مِنَ الْأُمُورِ فَقَوْلُهُمْ هَذَا أَمْرٌ رَضِيتُهُ، وَأَمْرٌ لَا أَرْضَاهُ. وَفِي الْمَثَلِ: " أَمْرٌ مَا أَتَى بِكَ ". وَمِنْ ذَلِكَ فِي الْمَثَلِ: " لِأَمْرٍ مَا يُسَوَّدُ مِنْ يَسُودُ ". وَالْأَمْرُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ النَّهْيِ قَوْلُكَ افْعَلْ كَذَا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: لِي عَلَيْكَ أَمْرَةٌ مُطَاعَةٌ، أَيْ: لِي عَلَيْكَ أَنْ آمُرَكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَتُطِيعَنِي. قَالَ الْكِسَائِيُّ: فُلَانٌ يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ، أَيْ: نَفْسٌ تَأْمُرُهُ بِشَيْءٍ وَنَفْسٌ تَأْمُرُهُ بِآخَرَ. وَقَالَ: إِنَّهُ لَأَمُورٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهِيٌّ عَنِ الْمُنْكَرِ، مِنْ قَوْمٍ أُمُرٍ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِمْرَةُ وَالْإِمَارَةُ، وَصَاحِبُهَا أَمِيرٌ وَمُؤَمَّرٌ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَمَّرْتُ فُلَانًا، أَيْ: جَعَلْتُهُ أَمِيرًا. وَأَمَرْتُهُ وَآمَرْتُهُ كُلُّهُنَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَمُرَ فُلَانٌ عَلَى قَوْمِهِ: إِذَا صَارَ
(1/137)

أَمِيرًا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِمَّرُ الَّذِي لَا يَزَالُ يَسْتَأْمِرُ النَّاسَ وَيَنْتَهِي إِلَى أَمْرِهِمْ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْإِمَّرُ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ الرَّأْيِ الْأَحْمَقُ الَّذِي يَسْمَعُ كَلَامَ هَذَا [وَكَلَامَ هَذَا] فَلَا يَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْخُذُ. قَالَ:
وَلَسْتُ بِذِي رَثْيَةٍ إِمَّرٍ ... إِذَا قِيدَ مُسْتَكْرَهًا أَصْحَبَا
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: " إِذَا طَلَعَتِ الشِّعْرَى سَحَرًا، وَلَمْ تَرَ فِيهَا مَطَرًا، فَلَا تُلْحِقَنَّ فِيهَا إِمَّرَةً وَلَا إمَّرًا "، يَقُولُ: لَا تُرْسِلْ فِي إِبِلِكَ رَجُلًا لَا عَقْلَ لَهُ.
وَأَمَّا النَّمَاءُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَرُ النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ وَامْرَأَةٌ أَمِرَةٌ، أَيْ: مُبَارَكَةٌ عَلَى زَوْجِهَا. وَقَدْ أَمِرَ الشَّيْءُ أَيْ كَثُرَ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: " مَنْ قَلَّ ذَلَّ، وَمَنْ أَمِرَ فَلَّ "، أَيْ: مَنْ كَثُرَ غَلَبَ. وَتَقُولُ: أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ أَمَرَةً، أَيْ: كَثُرُوا وَوَلَدَتْ نَعَمُهُمْ. قَالَ لَبِيدٌ:
إِنْ يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وَإِنْ أَمِرُوا ... يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهُلْكِ وَالنَّفَدِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يَقُولُ الْعَرَبُ: " خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ "
(1/138)

وَهِيَ الْكَثِيرَةُ الْوَلَدِ الْمُبَارَكَةُ. وَيُقَالُ: أَمَرَ اللَّهُ مَالَهُ وَآمَرَهُ. وَمِنْهُ " مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ " وَمِنَ الْأَوَّلِ: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] . وَمَنْ قَرَأَ (أَمَّرْنَا) فَتَأْوِيلُهُ وَلَّيْنَا.
وَأَمَّا الْمَعْلَمُ وَالْمَوْعِدُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَارَةُ الْمَوْعِدُ. قَالَ الْعَجَّاجُ:
إِلَى أَمَارٍ وَأَمَارِ مُدَّتِي
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْأَمَارَةُ الْعَلَامَةُ، تَقُولُ اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمَارَةً وَأَمَارًا. قَالَ:
إِذَا الشَّمْسُ ذَرَّتْ فِي الْبِلَادِ فَإِنَّهَا ... أَمَارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَسَلِّمِي
وَالْأَمَارُ أَمَارُ الطَّرِيقِ: مَعَالِمُهُ، الْوَاحِدَةُ أَمَارَةٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
بِسَوَاءِ مَجْمَعَةٍ كَأَنَّ أَمَارَةً ... فِيهَا إِذَا بَرَزَتْ فَنِيقٌ يَخْطِرُ
وَالْأَمَرُ وَالْيَأْمُورُ الْعَلَمُ أَيْضًا، يُقَالُ: جَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَمَارًا وَوَقْتًا وَمَوْعِدًا وَأَجَلًا، كُلُّ ذَلِكَ أَمَارٌ. وَأَمَّا الْعَجَبُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] .

(أَمَعَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالْعَيْنُ، لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَالَّذِي جَاءَ فِيهِ رَجُلٌ إِمَّعَةٌ، وَهُوَ الضَّعِيفُ الرَّأْيِ، الْقَائِلُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَا مَعَكَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لَا يَكُونَنَّ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً "، وَالْأَصْلُ " مَعَ " وَالْأَلِفُ زَائِدَةٌ.
(1/139)

(أَمَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: الْأَوَّلُ التَّثَبُّتُ وَالِانْتِظَارُ، وَالثَّانِي الْحَبْلُ مِنَ الرَّمْلِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَمَلُ الرَّجَاءُ، فَتَقُولُ أَمَّلْتُهُ أُؤَمِّلُهُ تَأْمِيلًا، وَأَمَلْتُهُ آمُلُهُ أَمْلًا وَإِمْلَةً عَلَى بِنَاءِ جِلْسَةٍ. وَهَذَا فِيهِ بَعْضُ الِانْتِظَارِ. وَقَالَ أَيْضًا: التَّأَمُّلُ التَّثَبُّتُ فِي النَّظَرِ. قَالَ:
تَأَمَّلْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ ... تَحَمَّلْنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ
وَقَالَ الْمِرَارُ:
تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ وَكُنْتَ قِدْمًا ... قُطَامِيَّا تَأَمُّلُهُ قَلِيلُ
الْقُطَامِيُّ: الصَّقْرُ، وَهُوَ مُكْتَفٍ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْأَمِيلُ حَبْلٌ مِنَ الرَّمْلِ مُعْتَزِلٌ مُعْظَمَ الرَّمْلِ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ فَعِيلٍ، وَجَمْعُهُ أُمُلٌ. أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
وَقَدْ تَجَشَّمْتُ أَمِيلَ الَامْلِ
تَجَشَّمْتُ: تَعَسَّفْتُ. وَأَمِيلُ الْأُمُلِ: أَعْظَمُهَا. وَقَالَ:
فَانْصَاعَ مَذْعُورًا وَمَا تَصَدَّفَا ... كَالْبَرْقِ يَجْتَازُ أَمِيلًا أَعْرَفَا
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فِي الْمَثَلِ: " قَدْ كَانَ بَيْنَ الْأَمِيلَيْنِ مَحَلٌّ " يُرَادُ قَدْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مُتَّسَعٌ.
(1/140)

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَنَى) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْمُعْتَلِّ، لَهُ أُصُولٌ أَرْبَعَةٌ: الْبُطْءُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْحِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَسَاعَةٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَإِدْرَاكُ الشَّيْءِ، وَظَرْفٌ مِنَ الظُّرُوفِ. فَأَ [مَّا ا] لْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْأَنَاةُ الْحِلْمُ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ تَأَنَّى وَتَأَيَّا. وَيُنْشِدُ قَوْلَ الْكُمَيْتِ:
قِفْ بِالدِّيَارِ وُقُوفَ زَائِرْ ... وَتَأَنَّ إِنَّكَ غَيْرُ صَاغِرْ
وَيُرْوَى: " وَتَأَيَّ " وَيُقَالُ لِلتَّمَكُّثِ فِي الْأُمُورِ التَّأَنِّي. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: «رَأَيْتُكَ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» يَعْنِي أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ وَأَبْطَأْتَ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ:
وَآنَيْتُ الْعِشَاءَ إِلَى سُهَيْلٍ ... أَوِ الشِّعْرَى فَطَالَ بِيَ الْأَنَاءُ
وَيُقَالُ مِنَ الْأَنَاةِ رَجُلٌ أَنِيٌّ ذُو أَنَاةٍ. قَالَ:
وَاحْلُمْ فَذُو الرَّأْيِ الْأَنِيُّ الْأَحْلَمُ
وَقِيلَ لِابْنَةِ الْخُسِّ: هَلْ يُلْقِحُ الثَّنِيُّ. قَالَتْ: نَعَمْ وَإِلْقَاحُهُ أَنِيٌّ، أَيْ: بَطِيٌّ.
(1/141)

وَيُقَالُ: فُلَانٌ خَيْرُهُ أَنِيٌّ، أَيْ: بَطِيٌّ. وَالْأَنَا مِنَ الْأَنَاةِ وَالتُّؤَدَةِ. قَالَ:
طَالَ الْأَنَا وَزَايَلَ الْحَقَّ الْأَشَرْ
وَقَالَ:
أَنَاةً وَحِلْمٍا وَانْتِظَارًا بِهِمْ غَدًا ... فَمَا أَنَا بِالْوَانِي وَلَا الضَّرَعِ الْغُمْرِ
وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ: إِنَّهُ لَذُو أَنَاةٍ، أَيْ: لَا يَعْجَلُ فِي الْأُمُورِ، وَهُوَ آنٍ وَقُورٌ. قَالَ النَّابِغَةُ:
الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْأَنَاةُ سَعَادَةٌ ... فَاسْتَأْنِ فِي رِفْقٍ تُلَاقِ نَجَاحَا
وَاسْتَأْنَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: لَمْ أُعْجِلْهُ. وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ الْحَلِيمَةِ الْمُبَارَكَةِ أَنَاةٌ، وَالْجَمْعُ أَنَوَاتٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَنَاةُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي فِيهَا فُتُورٌ عِنْدَ الْقِيَامِ.
وَأَمَّا الزَّمَانُ فَالْإِنَى وَالْأَنَى، سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَالْجَمْعُ آنَاءٌ، وَكُلُّ إِنًى سَاعَةٌ. وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: أُنِيٌّ فِي الْجَمِيعِ. قَالَ:
يَا لَيْتَ لِي مِثْلَ شَرِيبِي مِنْ غَنِيِّ ... وَهْوَ شَرِيبُ الصِّدْقِ ضَحَّاكُ الْأَنِيِّ
إِذِ الدِّلَاءُ حَمَلَتْهُنَّ الدُّلِيُّ
يَقُولُ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ جِئْتَهُ وَجَدْتَهُ يَضْحَكُ.
(1/142)

وَأَمَّا إِدْرَاكُ الشَّيْءِ فَالْإِنَى، تَقُولُ: انْتَظَرْنَا إِنَى اللَّحْمِ، أَيْ إِدْرَاكَهُ. وَتَقُولُ: مَا أَنَى لَكَ وَلَمْ يَأْنِ لَكَ، أَيْ: لَمْ يَحِنْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحديد: 16] ، أَيْ: لَمْ يَحِنْ. وَآنَ يَئِينُ. وَاسْتَأْنَيْتُ الطَّعَامَ، أَيِ انْتَظَرْتُ إِدْرَاكَهُ. وَ {حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَالْفِعْلُ أَنَى الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ يَأْنِي. وَ " {عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 5] " قَالَ عَبَّاسٌ:
عَلَانِيَةً وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا ... حَمِيمٌ وَآنٍ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: آنَ يَئِينُ أَيْنًا وَأَنَى لَكَ يَأْنِي أَنْيًا، أَيْ: حَانَ. وَيُقَالُ: أَتَيْتُ فَلَانًا آيِنَةً بَعْدَ آيِنَةٍ، أَيْ: أَحْيَانًا بَعْدَ أَحْيَانٍ، وَيُقَالُ: تَارَةً بَعْدَ تَارَةٍ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] . وَأَمَّا الظَّرْفُ فَالْإِنَاءُ مَمْدُودٌ، مِنَ الْآنِيَةِ. وَالْأَوَانِي جَمْعُ جَمْعٍ، يُجْمَعُ فِعَالٌ عَلَى أَفَعِلَةٍ.

(أَنَبَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالْبَاءُ، حَرْفٌ وَاحِدٌ، أَنَّبْتُهُ تَأْنِيبًا، أَيْ: وَبَّخْتُهُ وَلُمْتُهُ. وَالْأُنْبُوبُ مَا بَيْنَ كُلِّ عُقْدَتَيْنِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَنَابَ الْمِسْكُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَيُنْشِدُونَ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ:
كَأَنَّ تَرِيكَةً مِنْ مَاءِ مُزْنٍ ... وَدَارِيَّ الْأَنَابِ مَعَ الْمُدَامِ

(أَنَتَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالتَّاءُ، شَذَّ عَنْ كِتَابِ الْخَلِيلِ فِي هَذَا النَّسَقِ، وَكَذَلِكَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: وَهُوَ يَأْنِتُ، أَيْ: يَزْحَرُ. وَقَالُوا أَيْضًا
(1/143)

الْمَأْنُوتُ الْمَعْيُونُ. هَذَا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ. وَيُقَالُ: الْمَأْنُوتُ الْمُقَدَّرُ. قَالَ:
هَيْهَاتَ مِنْهَا مَاؤُهَا الْمَأْنُوتُ

(أَنَثَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالثَّاءُ فَقَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: الْأُنْثَى خِلَافُ الذَّكَرِ. وَيُقَالُ: سَيْفٌ [أَنِيثُ] الْحَدِيدِ: إِذَا كَانَتْ حَدِيدَتُهُ أُنْثَى. وَالْأُنْثَيَانِ: الْخُصْيَتَانِ. وَالْأُنْثَيَانِ أَيْضًا: الْأُذُنَانِ. قَالَ:
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... ضَرَبْنَاهُ تَحْتَ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى الْكَرْدِ
وَأَرْضٌ أَنِيثَةٌ: حَسَنَةُ النَّبَاتِ.

(أَنَحَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَوْتُ تَنَحْنُحٍ وَزَحِيرٍ، يُقَالُ: أَنَحَ يأَنَحُ أَنْحًا: إِذَا تَنَحْنَحَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ بُهْرٍ وَلَمْ يَئِنَّ. قَالَ:
تَرَى الْفِئَامَ قِيَامًا يَأْنِحُونَ لَهَا ... دَأْبَ الْمُعَضِّلُ إِذْ ضَاقَتْ مَلَاقِيهَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ صَوْتٌ مَعَ تَنَحْنُحٍ وَمَصْدَرُهُ الْأُنُوحُ. وَالْفِئَامُ: الْجَمَاعَةُ يَأْنِحُونَ لَهَا، يُرِيدُ لِلْمَنْجَنِيقِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْآنِحُ عَلَى مِثَالِ فَاعِلٍ: الَّذِي إِذَا سُئِلَ شَيْئًا تَنَحْنَحَ مِنْ بُخْلِهِ، وَهُوَ يأنَحُ وَيَأْنِحُ مِثْلَ يزْحَِرُ سَوَاءً. وَالْأَنَّاحُ فَعَّالٌ مِنْهُ. قَالَ:
لَيْسَ بِأَنَّاحٍ طَوِيلٍ غُمَرُهْ ... جَافٍ عَنِ الْمَوْلَى بِطِيءٍ نَظَرُهْ
(1/144)

قَالَ النَّضْرُ: الْأَنُوحُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي إِذَا حَمَلَ حِمْلًا قَالَ: أَحْ أَحْ. قَالَ:
لِهَمُّونَ لَا يَسْتَطِيعُ أَحْمَالَ مِثْلِهِمْ ... أَنُوحٌ وَلَا جَاذٍ قَصِيرُ الْقَوَائِمِ
الْجَاذِي: الْقَصِيرُ.

(أَنَسَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ طَرِيقَةَ التَّوَحُّشِ. قَالُوا: الْإِنْسُ خِلَافُ الْجِنِّ، وَسُمُّوا لِظُهُورِهِمْ. يُقَالُ: آنَسْتُ الشَّيْءَ: إِذَا رَأَيْتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] . وَيُقَالُ: آنَسْتُ الشَّيْءَ: إِذَا سَمِعْتُهُ. وَهَذَا مُسْتَعَارٌ مِنَ الْأَوَّلِ. قَالَ الْحَارِثُ:
آنَسَتْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا الْقُ ... نَّاصُ عَصْرًا وَقَدْ دَنَا الْإِمْسَاءُ
وَالْأَنْسُ: أَنْسُ الْإِنْسَانِ بِالشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَسْتَوْحِشْ مِنْهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كَيْفَ ابْنُ إِنْسِكَ؟ إِذَا سَأَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَيُقَالُ: إِنْسَانٌ وَإِنْسَانَانِ وَأَنَاسِيُّ. وَإِنْسَانُ الْعَيْنِ: صَبِيُّهَا الَّذِي فِي السَّوَادِ. ابْنُ إِنْسِكَ ضُبِطَ فِي الْمُخَصَّصِ (13: 200) ابْنُ إِنْسِكَ وَابْنُ أَنْسِكَ.

(أَنَضَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالضَّادُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، يُقَالُ: لَحْمٌ أَنِيضٌ: إِذَا بَقِيَ فِيهِ نُهُوءَةٌ، أَيْ: لَمْ يَنْضَجْ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
يُلَجْلِجُ مُضْغَةً فِيهَا أَنِيضٌ ... أَصَلَّتْ فَهِيَ تَحْتَ الْكَشْحِ دَاءُ
تَقُولُ: آنَضْتُهُ إِينَاضًا، وَأَنُضَ أَنَاضَةً.
(1/145)

(أَنَفَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالْفَاءُ أَصْلَانِ مِنْهُمَا يَتَفَرَّعُ مَسَائِلُ الْبَابِ كُلُّهَا: أَحَدُهُمَا أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَالثَّانِي أَنْفُ كُلِّ ذِي أَنْفٍ. وَقِيَاسُهُ التَّحْدِيدُ. فَأَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: اسْتَأْنَفْتُ كَذَا، أَيْ: رَجَعْتُ إِلَى أَوَّلِهِ، وَائْتَنَفْتُ ائْتِنَافًا. وَمُؤْتَنَفُ الْأَمْرِ: مَا يُبْتَدَأُ فِيهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: فَعَلَ كَذَا آنِفًا، كَأَنَّهُ ابْتِدَاؤُهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16] .
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْأَنْفُ، مَعْرُوفٌ، وَالْعَدَدُ آنُفٌ، وَالْجَمْعُ أُنُوفٌ. وَبَعِيرٌ مَأْنُوفٌ يُسَاقُ بِأَنْفِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا عَقَرَهُ الْخِشَاشُ انْقَادَ. وَبَعِيرٌ أَنِفٌ وَآنِفٌ مَقْصُورٌ مَمْدُودٌ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «الْمُسْلِمُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ، كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ وَإِنْ أُنِيخَ اسْتَنَاخَ» . وَرَجُلٌ أُنَافِيٌّ عَظِيمُ الْأَنْفِ. وَأَنَفْتُ الرَّجُلَ: ضَرَبْتُ أَنْفَهُ. وَامْرَأَةٌ أَنُوفٌ طَيِّبَةُ رِيحِ الْأَنْفِ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَنِفَ مِنْ كَذَا، فَهُوَ مِنَ الْأَنْفِ أَيْضًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ لِلْمُتَكَبِّرِ: " وَرِمَ أَنْفُهُ ". ذُكِرَ الْأَنْفُ دُونَ سَائِرِ الْجَسَدِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: شَمَخَ بِأَنْفِهِ، يُرِيدُ رَفَعَ رَأْسَهُ كِبْرًا، وَهَذَا يَكُونُ مِنَ الْغَضَبِ. قَالَ:
وَلَا يُهَاجُ إِذَا مَا أَنْفُهُ وَرِمَا
أَيْ: لَا يُكَلَّمُ عِنْدَ الْغَضَبِ. وَيُقَالُ: " وَجَعُهُ حَيْثُ لَا يَضَعُ الرَّاقِي أَنْفَهُ ". يُضْرَبُ لِمَا لَا دَوَاءَ لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَنُو أَنْفِ النَّاقَةِ بَنُو جَعْفَرِ بْنِ قُرَيْعِ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، يُقَالُ: إِنَّهُمْ نَحَرُوا جَزُورًا كَانُوا غَنِمُوهَا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِمْ،
(1/146)

وَقَدْ تَخَلَّفَ جَعْفَرُ بْنُ قُرَيْعٍ، فَجَاءَ وَلَمْ يَبْقَ مِنَ النَّاقَةِ إِلَّا الْأَنْفُ فَذَهَبَ بِهِ، فَسَمَّوْهُ بِهِ. هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ قُرَيْعَ بْنَ عَوْفٍ نَحَرَ جَزُورًا وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِنَّ بِلَحْمٍ خَلَا أُمَّ جَعْفَرٍ، فَقَالَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ: اذْهَبْ وَاطْلُبْ مِنْ أَبِيكَ لَحْمًا. فَجَاءَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَنْفُ فَأَخَذَهُ فَلَزِمَهُ وَهُجِيَ بِهِ. وَلَمْ يَزَالُوا يُسَبُّونَ بِذَلِكَ، إِلَى أَنْ قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
قَوْمٌ هُمُ الْأَنْفُ وَالْأَذْنَابُ غَيْرُهُمُ ... وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا
فَصَارَ بِذَلِكَ مَدْحًا لَهُمْ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ أَنْفِي، أَيْ: عِزِّي وَمَفْخَرِي. قَالَ شَاعِرٌ:
وَأَنْفِي فِي الْمَقَامَةِ وَافْتِخَارِي
قَالَ الْخَلِيلُ: أَنْفُ اللِّحْيَةِ طَرَفُهَا، وَأَنْفُ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ. قَالَ:
وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَنْفِ لِحْيَتِكَ الْيَدُ
وَأَنْفُ الْجَبَلِ: أَوَّلُهُ وَمَا بَدَا لَكَ مِنْهُ. قَالَ:
خُذَا أَنْفَ هَرْشَى أَوْقَفَاهَا فَإِنَّهُ ... كِلَا جَانِبَيْ هَرْشَى لَهُنَّ طَرِيقُ
قَالَ يَعْقُوبُ: أَنْفُ الْبَرْدِ: أَشَدُّهُ. وَجَاءَ يَعْدُو أَنْفَ الشَّدِّ، أَيْ: أَشَدَّهُ. وَأَنْفُ الْأَرْضِ: مَا اسْتَقْبَلَ الْأَرْضَ مِنَ الْجَلَدِ وَالضَّوَاحِي. وَرَجُلٌ مِئْنَافٌ: يَسِيرُ فِي أَنْفِ النَّهَارِ. وَخَمْرَةٌ أُنُفٌ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. قَالَ:
(1/147)

أُنُفٍ كَلَوْنِ دَمِ الْغَزَالِ مُعَتَّقٍ ... مِنْ خَمْرِ عَانَةَ أَوْ كُرُومِ شِبَامِ
وَجَارِيَةٌ أُنُفٌ مُؤْتَنِفَةُ الشَّبَابِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّفْتُ السِّرَاجَ: إِذَا أحْدَدْتُ طَرَفَهُ وَسَوَّيْتَهُ، وَمِنْهُ يُقَالُ فِي مَدْحِ الْفَرَسِ: " أُنِّفَ تَأْنِيفَ السَّيْرِ "، أَيْ: قُدَّ وَسُوِّيَ كَمَا يُسَوَّى السَّيْرُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سِنَانٌ مُؤَنَّفٌ، أَيْ: مُحَدَّدٌ. قَالَ:
بِكُلِّ هَتُوفٍ عَجْسُهَا رَضَوِيَّةٍ ... وَسَهْمٍ كَسَيْفِ الْحِمْيَرِيِّ الْمُؤَنَّفِ
وَالتَّأْنِيفُ فِي الْعُرْقُوبِ: التَّحْدِيدُ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَسِ.

(أَنَقَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالْقَافُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُعْجِبُ وَالْإِعْجَابُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَنَقُ الْإِعْجَابُ بِالشَّيْءِ، تَقُولُ أَنِقْتُ بِهِ، وَأَنَا آنَقُ بِهِ أَنَقًا، [وَأَنَا بِهِ أَنِقٌ] أَيْ: مُعْجَبٌ. وآنَقَنِي يُونِقُنِي إِينَاقًا. قَالَ:
إِذَا بَرَزَتْ مِنْ بَيْتِهَا رَاقَ عَيْنَهَا ... مُعَوَِّذُهُ وَآنَقَتْهَا الْعَقَائِقُ
وَشَيْءٌ أَنِيقٌ وَنَبَاتٌ أَنِيقٌ. وَقَالَ فِي الْأَنِقِ:
لَا أَمِنٌ جَلِيسُهُ وَلَا أَنِقْ
أَبُو عَمْرٍو: أَنِقْتُ الشَّيْءَ آنَقُهُ، أَيْ: أَحْبَبْتُهُ، وَتَأَنَّقْتُ الْمَكَانَ أَحْبَبْتُهُ. عَنِ
(1/148)

الْفَرَّاءِ. وَقَالَ الشَّيْبَانِيُّ: هُوَ يَتَأَنَّقُ فِي الْأَنَقِ، وَالْأَنَقُ مِنَ الْكَلَأِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِيَ أَفْضَلَهُ. قَالَ:
جَاءَ بَنُو عَمِّكَ رُوَّادُ الْأَنَقْ
وَقَدْ شَذَّتْ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: الْأَنُوقُ، وَهِيَ الرَّخَمَةُ. وَفِي الْمَثَلِ: " طَلَبَ بَيْضَ الْأَنُوقِ ". وَيُقَالُ: إِنَّهَا لَا تَبِيضُ وَيُقَالُ: بَلْ لَا يُقْدَرُ لَهَا عَلَى بَيْضٍ. وَقَالَ:
طَلَبَ الْأَبْلَقَ الْعَقُوقَ فَلَمَّا ... لَمْ يَنَلْهُ أَرَادَ بَيْضَ الْأَنُوقِ

(أَنَكَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالْكَافُ لَيْسَ فِيهِ أَصْلٌ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ الْآنُكُ. وَيُقَالُ: هُوَ خَالِصُ الرَّصَاصِ، وَيُقَالُ: بَلْ جِنْسٌ مِنْهُ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَهَبَ) الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَالْبَاءُ كَلِمَتَانِ مُتَبَايِنَتَا الْأَصْلِ، فَالْأُولَى الْإِهَابُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْإِهَابُ: الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ، وَالْجَمْعُ أَهَبٌ، وَهُوَ أَحَدُ مَا جُمِعَ عَلَى فَعَلٍ وَوَاحِدُهُ فَعِيلٌ [وَفَعُولٌ وَفِعَالٌ] : أَدِيمٌ وَأَدَمٌ، وَأَفِيقٌ وَأَفَقٌ، وَعَمُودٌ وَعَمَدٌ، وَإِهَابٌ وَأَهَبٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: كُلُّ جِلْدٍ إِهَابٌ، وَالْجَمْعُ أَهَبٌ.
(1/149)

وَالْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ التَّأَهُّبُ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَأَهَّبُوا لِلسَّيْرِ. وَأَخَذَ فُلَانٌ أُهْبَتَهُ، وَتَطْرَحُ الْأَلِفَ فَيُقَالُ: هُبَتَهُ.

(أَهَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، لَيْسَتْ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَلَا ابْنِ دُرَيْدٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْأَهَرَةُ مَتَاعُ الْبَيْتِ.

(أَهَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ مُتَبَاعِدَانِ، أَحَدُهُمَا الْأَهْلُ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَهْلُ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وَالتَّأَهُّلُ التَّزَوُّجُ. وَأَهْلُ الرَّجُلِ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ. وَأَهْلُ الْبَيْتِ: سُكَّانُهُ. وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ: مَنْ يَدِينُ بِهِ. وَجَمِيعُ الْأَهْلِ أَهْلُونَ. وَالْأَهَالِي جَمَاعَةُ الْجَمَاعَةِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
ثَلَاثَةَ أَهْلِينَ أَفْنَيْتُهُمْ ... وَكَانَ الْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَآسَا
وَتَقُولُ: أَهَّلْتُهُ لِهَذَا الْأَمْرِ تَأْهِيلًا. وَمَكَانٌ آهِلٌ مَأْهُولٌ. قَالَ:
وَقِدْمًا كَانَ مَأْهُولًا ... فَأَمْسَى مَرْتَعَ الْعُفْرِ
وَقَالَ الرَّاجِزُ:
عَرَفْتُ بِالنَّصْرِيَّةِ الْمَنَازِلَا ... قَفْرًا وَكَانَتْ مِنْهُمُ مَآهِلَا
وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا إِذَا أَلِفَ مَكَانًا فَهُوَ آهِلٌ وَأَهْلِيٌّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
(1/150)

«نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ الْعَرَبُ: " آهَلَكَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ إِيهَالًا " أَيْ: زَوَّجَكَ فِيهَا.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: الْإِهَالَةُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِهَالَةُ الْأَلْيَةُ وَنَحْوُهَا، يُؤْخَذُ فَيُقَطَّعُ وَيُذَابُ. فَتِلْكَ الْإِهَالَةُ، وَالْجَمِيلُ، وَالْجُمَالَةُ.

(أَهَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِهَانُ: الْعُرْجُونُ، وَهُوَ مَا فَوْقَ شَمَارِيخِ عِذْقِ التَّمْرِ، أَيِ النَّخْلَةِ. وَقَالَ:
إِنَّ لَهَا يَدًا كَمِثْلِ الْإِهَانِ ... مَلْسَا وَبَطْنًا بَاتَ خُمْصَانَا
وَالْعَدَدُ آهِنَةٌ، وَالْجَمِيعُ أُهُنٌ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَوَى) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا التَّجَمُّعُ، وَالثَّانِي الْإِشْفَاقُ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: أَوَى الرَّجُلُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَآوَى غَيْرَهُ أُوِيًّا وَإِيوَاءً. وَيُقَالُ: أَوَى إِوَاءً أَيْضًا. وَالْأُوِيُّ أَحْسَنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف: 10] ، وَقَالَ: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} [المؤمنون: 50] . وَالْمَأْوَى: مَكَانُ كُلِّ شَيْءٍ يُأْوَى إِلَيْهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. وَأَوَتِ الْإِبِلُ إِلَى أَهْلِهَا تَأْوِي أُوِيًّا فَهِيَ آوِيَةٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: التَّأَوِّي التَّجَمُّعُ،
(1/151)

يُقَالُ: تَأَوَّتِ الطَّيْرُ: إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَهُنَّ أُوِيٌّ وَمُتَأَوِّيَاتٌ. قَالَ:
كَمَا تَدَانَى الْحِدَأُ الْأُوِيُّ
شَبَّهَ كُلَّ أُثْفِيَّةٍ بِحِدَأَةٍ.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُهُمْ: أَوَيْتُ لِفُلَانٍ آوِي لَهُ مَأْوِيَةً، وَهُوَ أَنْ يَرِقَّ لَهُ وَيَرْحَمَهُ. وَيُقَالُ فِي الْمَصْدَرِ أَيَّةً أَيْضًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: اسْتَأْوَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَأْوِيَ لِي. قَالَ:
وَلَوْ أَنَّنِي اسْتَأْوَيْتُهُ مَا أَوَى لِيَا

(أَوَبَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الرُّجُوعُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ مَا يَبْعُدُ فِي السَّمْعِ قَلِيلًا، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: آبَ فُلَانٌ إِلَى سَيْفِهِ، أَيْ: رَدَّ يَدَهُ لِيَسْتَلَّهُ. وَالْأَوْبُ: تَرْجِيعُ الْأَيْدِي وَالْقَوَائِمِ فِي السَّيْرِ. قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا وَقَدْ عَرِقَتْ ... وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ
أَوْبُ يَدَيْ فَاقِدٍ شَمْطَاءَ مُعْوِلَةٍ ... بَاتَتْ وَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
وَالْفِعْلُ مِنْهُ التَّأْوِيبُ، وَلِذَلِكَ يُسَمُّونَ سَيْرَ [النَّهَارِ تَأْوِيبًا، وَسَيْرَ] اللَّيْلِ إِسْآدًا. وَقَالَ:
(1/152)

يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ ... وَيَوْمُ سَيْرٍ إِلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبِ
قَالَ: وَالْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ تَأْوِيبَةٌ. وَالتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَوَّبْتُ الْإِبِلَ: إِذَا رَوَّحْتُهَا إِلَى مَبَاءَتِهَا. وَيُقَالُ: تَأَوَّبَنِي، أَيْ: أَتَانِي لَيْلًا. قَالَ:
تَأَوَّبَنِي دَائِي الْقَدِيمُ فَغَلَّسَا ... أُحَاذِرُ أَنْ يَرْتَدَّ دَائِي فَأُنْكَسَا
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يُفَسِّرُ الشِّعْرَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ " الْإِيَابِ " أَنَّهُ مَعَ اللَّيْلِ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ:
تَأَوَّبَنِي دَاءٌ مَعَ اللَّيْلِ مُنْصِبُ
وَكَذَلِكَ يُفَسِّرُ جَمِيعَ مَا فِي الْأَشْعَارِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا الْإِيَابُ الرُّجُوعُ، أَيَّ وَقْتٍ رَجَعَ، تَقُولُ: قَدْ آبَ الْمُسَافِرُ. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ أُوَضِّحَ لَهُ، فَقُلْتُ: قَوْلُ عَبِيدٍ:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَؤُوبُ
أَهَذَا بِالْعَشِيِّ؟ فَذَهَبَ يُكَلِّمُنِي فِيهِ، فَقُلْتُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} [الغاشية: 25] ، أَهَذَا بِالْعَشِيِّ؟ فَسَكَتَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يَجِيءُ عَلَى مَا قَالَ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ.
وَالْمَآبُ: الْمَرْجِعُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: أُبْتُ الْقَوْمَ، أَيْ: إِلَى الْقَوْمِ. قَالَ:
أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ
(1/153)

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُسَمَّى مَخْرَجُ الدَّقِيقِ مِنَ الرَّحَى الْمَآبَ، لِأَنَّهُ يَؤُوبُ إِلَيْهِ مَا كَانَ تَحْتَ الرَّحَى. قَالَ الْخَلِيلُ: وَتَقُولُ آبَتِ الشَّمْسُ إِيَابًا: إِذَا غَابَتْ فِي مَآبِهَا، أَيْ: مَغِيبِهَا. قَالَ أُمَيَّةُ:
فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ إِيَابِهَا
قَالَ النَّضْرُ: الْمُؤَوِّبَةُ الشَّمْسُ، وَتَأْوِيبُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، تَدْأَبُ يَوْمَهَا وَتَؤُوبُ الْمَغْرِبَ. وَيُقَالُ: " جَاءُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ "، أَيْ: نَاحِيَةٍ وَوَجْهٍ; وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا. وَالْأَوْبُ: النَّحْلُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سُمِّيَتْ لِانْتِيَابِهَا الْمَبَاءَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَؤُوبُ مِنْ مَسَارِحِهَا. وَكَأَنَّ وَاحِدَ الْأَوْبِ آيِبٌ، كَمَا يُقَالُ: [آبَكَ اللَّهُ] : أَبْعَدَكَ اللَّهُ. قَالَ:
فَآبَكَ هَلَّا وَاللَّيَالِي بِغِرَّةٍ ... تَزُورُ وَفِي الْأَيَّامِ عَنْكَ شُغُولُ

(أَوَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعَطْفُ وَالِانْثِنَاءُ. أُدْتُ الشَّيْءَ عَطَفْتُهُ. وَتَأَوَّدَ النَّبْتُ مِثْلُ تَعَطَّفَ وَتَعَوَّجَ. قَالَ شَاعِرٌ:
(1/154)

فَلَوْ أَنَّ مَا أَبْقَيْتِ مِنِّي مُعَلَّقٌ ... بِعُودِ ثُمَامٍ مَا تَأَوَّدَ عُودُهَا
وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ آدَنِي الشَّيْءُ يَؤُودُنِي، كَأَنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْكَ حَتَّى ثَنَّاكَ وَعَطَفَك. وَأَوْدٌ: قَبِيلَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهَا مِنْ هَذَا. وَأُودٌ مَوْضِعٌ. قَالَ:
أَهَوًى أَرَاكَ بِرَامَتَيْنِ وَقُودَا ... أَمْ بِالْجُنَيْنَةِ مِنْ مَدَافِعِ أُودَا

(أَوَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَرُّ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأُوَارُ: حَرُّ الشَّمْسِ، وَحَرُّ التَّنُّورِ. وَيُقَالُ: أَرْضٌ أَوِرَةٌ. قَالَ: وَرُبَّمَا جَمَعُوا الْأُوَارَ عَلَى الْأُورِ. وَأُوَارَةُ: مَكَانٌ. وَيَوْمُ أُوَارَةَ كَانَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيَّ بَنَّى زُرَارَةَ بْنَ عُدُسٍ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ أَسْعَدُ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ الْغُلَامُ مَرَّتْ بِهِ نَاقَةٌ كَوْمَاءُ فَرَمَى ضَرْعَهَا، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَبُّهَا سُوَيْدٌ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ هَرَبَ سُوَيدٌ فَلَحِقَ مَكَّةَ، وَزُرَارَةُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْمُنْذِرِ، فَكَتَمَ قَتْلَ ابْنِهِ أَسْعَدَ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ مِلْقَطٍ الطَّائِيُّ - وَكَانَتْ فِي نَفْسِهِ حَسِيكَةٌ عَلَى زُرَارَةَ - فَقَالَ:
مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا فَإِنَّ ... الْمَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَهْ
هَا إِنَّ عِجْزَةَ أُمِّهِ ... بِالسَّفْحِ [أَسْفَلَ] مِنْ أُوَارَهْ
وَحَوَادِثُ الْأَيَّامِ لَا ... يَبْقَى لَهَا إِلَّا الْحِجَارَهْ
(1/155)

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا زُرَارَةُ [مَا تَقُولُ؟] . قَالَ: كَذَبَ، وَقَدْ عَلِمْتَ عَدَاوَتَهُ لِي. قَالَ: صَدَقْتَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ اجْلَوَّذَ زُرَارَةُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرِضَ وَمَاتَ، فَلَمَّا بَلَغَ عَمْرًا مَوْتُهُ غَزَا بَنِي دَارِمٍ، وَكَانَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ عَلَى أُوَارَةَ وَقَدْ نَذِرُوا وَفَرُّوا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ شَاعِرٌ لِيَمْدَحَهُ، فَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ لِيُوَفِّيَ بِهِ الْمِائَةَ، وَقَالَ: " إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ ". وَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ:
وَنَكُونُ فِي السَّلَفِ الْمُوَا ... زِي مِنْقَرًا وَبَنِي زُرَارَهْ
أَبْنَاءَ قَوْمٍ قُتِّلُوا ... يَوْمَ الْقُصَيبَةِ مِنْ أُوَارَهْ
وَالْأُوَارُ: الْمَكَانُ. قَالَ:
مِنَ اللَّائِي غُذِينَ بِغَيْرِ بُؤْسٍ ... مَنَازِلُهَا الْقَصِيمَةُ فَالْأُوَارُ

(أَوَسَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْعَطِيَّةُ. وَقَالُوا: أُسْتُ الرَّجُلَ أَؤُوسُهُ أَوْسًا أَعْطَيْتُهُ. وَيُقَالُ: الْأَوْسُ الْعِوَضُ. قَالَ الْجَعْدِيُّ:
ثَلَاثَةَ أَهْلِينَ أَفْنَيْتُهُمْ ... وَكَانَ الْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَآسَا
(1/156)

أَيِ الْمُسْتَعَاضَ. وَأَوْسٌ: الذِّئْبُ، وَيَكُونُ اشْتِقَاقُهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَتَصْغِيرُهُ أُوَيْسٌ، قَالَ:
مَا فَعَلَ الْيَوْمَ أُوَيْسٌ فِي الْغَنَمْ

(أَوَقَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالْقَافُ أَصْلَانِ: الْأَوَّلُ الثِّقَلُ، وَالثَّانِي مَكَانٌ مُنْهَبِطٌ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأَوْقُ الثِّقَلُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: آقَ عَلَيْهِمْ، أَيْ: ثَقُلَ. قَالَ:
سَوَائِحُ آقَ عَلَيْهِنَّ الْقَدَرْ ... يَهْوِينَ مِنْ خَشْيَةِ مَا لَاقَى الْأُخَرْ
يَقُولُ: أَثْقَلَهُنَّ مَا أَنْزَلَ بِالْأَوَّلِ الْقَدَرُ، فَهُنَّ يَخَفْنَ مِثْلَهُ. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: أَوَّقْتُ الْإِنْسَانَ: إِذَا حَمَّلْتُهُ مَا لَا يُطِيقُهُ. وَأَمَّا التَّأْوِيقُ فِي الطَّعَامِ فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّ عَلَى النَّفْسِ مِنْهُ ثِقَلًا، وَذَلِكَ تَأْخِيرُهُ وَتَقْلِيلُهُ. قَالَ:
لَقَدْ كَانَ حُتْرُوشُ بْنُ عَزَّةَ رَاضِيًا ... سِوَى عَيْشِهِ هَذَا بِعَيْشٍ مُؤَوَّقِ
وَقَالَ الرَّاجِزُ:
عَزَّ عَلَى عَمِّكِ أَنْ تُؤَوَّقي ... أَوْ أَنْ تَبِيِتي لَيْلَةً لَمْ تُغْبَقِي
أَوْ أَنْ تُرَيْ كَأْبَاءَ لَمْ تَبْرَنْشِقِي
(1/157)

وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأُوقَةُ، وَهِيَ هَبْطَةٌ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَالْجَمْعُ الْأُوَقُ قَالَ رُؤْبَةُ:
وَانْغَمَسَ الرَّامِي لَهَا بَيْنَ الْأُوَقْ
وَيُقَالُ: الْأُوقَةُ الْقَلِيبُ.

(أَوَلَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: ابْتِدَاءُ الْأَمْرِ وَانْتِهَاؤُهُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّيْءِ، وَالْمُؤَنَّثَةُ الْأُولَى، مِثْلُ أَفْعَلَ وَفُعْلَى، وَجَمْعُ الْأُولَى أُولَيَاتٌ مِثْلُ الْأُخْرَى. فَأَمَّا الْأَوَائِلُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَأْسِيسُ بِنَاءِ " أَوَّلٍ " مِنْ هَمْزَةٍ وَوَاوٍ وَلَامٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَأْسِيسُهُ مِنْ وَاوَيْنِ بَعْدَهُمَا لَامٌ. وَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ لِلْمُؤَنَّثَةِ أَوَّلَةٌ. وَجَمَعُوهَا أَوَّلَاتٌ وَأَنْشَدَ فِي صِفَةِ جَمَلٍ:
آدَمُ مَعْرُوفٌ بِأَوَّلَاتِهِ ... خَالُ أَبِيهِ لِبَنِي بَنَاتِهِ
أَيْ: خُيَلَاءُ أَبِيهِ ظَاهِرٌ فِي أَوْلَادِهِ. أَبُو زَيْدٍ: نَاقَةٌ أَوَّلَةٌ وَجَمَلٌ أَوَّلٌ: إِذَا تَقَدَّمَا الْإِبِلَ. وَالْقِيَاسُ فِي جَمْعِهِ أَوَاوِلُ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ وَاوٍ وَقَعَتْ طَرَفًا أَوْ قَرِيبَةً مِنْهُ بَعْدَ أَلِفٍ سَاكِنَةٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً. الْخَلِيلُ: رَأَيْتُهُ عَامًا أَوَّلَ يَا فَتَى، لِأَنَّ أَوَّلَ عَلَى بِنَاءِ أَفْعَلَ، وَمَنْ نَوَّنَ حَمَلَهُ عَلَى النَّكِرَةِ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
مَا ذَاقَ ثُفْلًا مُنْذُ عَامٍ أَوَّلِ
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: خُذْ هَذَا أَوَّلَ ذَاتِ يَدَيْنِ، وَأَوَّلَ ذِي أَوَّلَ، وَأَوَّلَ أَوَّلَ، أَيْ: قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. وَيَقُولُونَ: " أَمَّا أَوَّلُ ذَاتِ يَدَيْنِ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ ". وَالصَّلَاةُ
(1/158)

الْأُولَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا صُلِّيَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يُسَمُّونَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْأَوَّلَ. وَأَنْشَدُوا فِيهِ:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وَأَنَّ يَوْمِي ... بِأَوَّلَ أَوْ بأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَيِّلُ الذَّكَرُ مِنَ الْوُعُولِ، وَالْجَمْعُ أَيَائِلُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَيِّلًا لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْجَبَلِ يَتَحَصَّنُ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
كَأَنَّ فِي أَذْنَابِهِنَّ الشُّوَّلِ ... مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الْأَيِّلِ
شَبَّهَ مَا الْتَزَقَ بِأَذْنَابِهِنَّ مِنْ أَبِعَارِهِنَّ فَيَبِسَ، بِقُرُونِ الْأَوْعَالِ. وَقَوْلُهُمْ آلَ اللَّبَنُ، أَيْ: خَثُرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْثُرُ [إِلَّا] آخِرَ أَمْرِهِ. قَالَ الْخَلِيلُ أَوْ غَيْرُهُ: الْإِيَالُ عَلَى فِعَالٍ: وِعَاءٌ يُجْمَعُ فِيهِ الشَّرَابُ أَيَّامًا حَتَّى يَجُودَ. قَالَ:
يَفُضُّ الْخِتَامَ وَقَدْ أَزْمَنَتْ ... وَأَحْدَثَ بَعْدَ إِيَالٍ إِيَالَا
وَآلَ يَؤُولُ، أَيْ: رَجَعَ. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: " أَوَّلَ الْحُكْمَ إِلَى أَهْلِهِ "، أَيْ: أَرْجَعَهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. قَالَ الْأَعْشَى:
أُؤَوِّلُ الْحُكْمَ إِلَى أَهْلِهِ
(1/159)

قَالَ الْخَلِيلُ: آلَ اللَّبَنُ يَؤُولُ أَوْلًا وَأَوُولًا: خَثُرَ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: آلَ اللَّبَنُ عَلَى الْإِصْبَعِ، وَذَلِكَ أَنْ يَرُوبَ فَإِذَا جَعَلْتَ فِيهِ الْإِصْبَعَ قِيلَ آلَ عَلَيْهَا. وَآلَ الْقَطِرَانُ: إِذَا خَثُرَ. وَآلَ جِسْمُ الرَّجُلِ: إِذَا نَحُفَ. وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ يَحُورُ وَيَحْرِي، أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ. وَالْإِيَالَةُ السِّيَاسَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّ مَرْجِعَ الرَّعِيَّةِ إِلَى رَاعِيهَا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: آلَ الرَّجُلُ رَعِيَّتَهُ يَؤُولُهَا: إِذَا أَحْسَنَ سِيَاسَتَهَا. قَالَ الرَّاجِزُ:
يَؤُولُهَا أَوَّلُ ذِي سِياسِ
وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: " أُلْنَا وَإِيلَ عَلَيْنَا " أَيْ سُسْنَا وَسَاسَنَا غَيْرُنَا. وَقَالُوا فِي قَوْلِ لَبِيدٍ:
بِمُؤَتَّرٍ تَأْتَالُهُ إِبْهَامُهَا
هُوَ تَفْتَعِلُ مِنْ أَلْتُهُ أَيْ أَصْلَحْتُهُ. وَرَجُلٌ آيِلُ مَالٍ، مِثَالُ خَائِلِ مَالٍ، أَيْ: سَائِسُهُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: رَدَدْتُهُ إِلَى آيِلَتِهِ، أَيْ: طَبْعِهِ وَسُوسِهِ. وَآلُ الرَّجُلِ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ هَذَا أَيْضًا لِأَنَّهُ إِلَيْهِ مَآلُهُمْ وَإِلَيْهِمْ مَآلُهُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ يالَ فُلَانٍ. وَقَالَ طَرَفَةُ:
تَحْسَِبُ الطَّرْفَ عَلَيْهَا نَجْدَةً ... يالَ قَوْمِي لِلشَّبَابِ الْمُسْبَكِرْ
(1/160)

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنْهُ، قَوْلُ شَاعِرٍ:
قَدْ كَانَ حَقُّكَ أَنْ تَقُولَ لِبَارِقٍ ... يَا آلَ يَارِقَ فِيمَ سُبَّ جَرِيرُ
وَآلُ الرَّجُلِ شَخْصُهُ مِنْ هَذَا أَيْضًا. وَكَذَلِكَ آلُ كُلِّ شَيْءٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِآلِهِ، وَهُمْ عَشِيرَتُهُ، يَقُولُونَ آلُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَبَا بَكْرٍ. وَفِي هَذَا غُمُوضٌ قَلِيلٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: آلُ الْجَبَلِ أَطْرَافُهُ وَنَوَاحِيهِ. قَالَ:
كَأَنَّ رَعْنَ الْآلِ مِنْهُ فِي الْآلْ ... إِذَا بَدَا دُهَانِجٌ ذُو أَعْدَالْ
وَآلُ الْبَعِيرِ: أَلْوَاحُهُ وَمَا أَشْرَفَ مِنْ أَقْطَارِ جِسْمِهِ. قَالَ:
مِنَ اللَّوَاتِي إِذَا لَانَتْ عَرِيكَتُهَا ... يَبْقَى لَهَا بَعْدَهَا آلٌ وَمَجْلُودُ
وَقَالَ آخَرُ:
تَرَى لَهُ آلًا وَجِسْمًا شَرْجَعَا
وَآلُ الْخَيْمَةِ: الْعَُمَُدُ. قَالَ:
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا آلُ خَيْمٍ مُنَضَّدٌ ... وَسُفْعٌ عَلَى آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلَبُ
وَالْآلَةُ: الْحَالَةُ. قَالَ:
(1/161)

سَأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ... فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ، وَهُوَ عَاقِبَتُهُ وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53] . يَقُولُ: مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ بَعْثِهِمْ وَنُشُورِهِمْ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّهَا ... تَأَوُّلُ رِبِعِيِّ السِّقَابِ فَأُصْحِبَا
يُرِيدُ مَرْجِعَهُ وَعَاقِبَتَهُ. وَذَلِكَ مِنْ آلَ يَؤُولُ.

(أَوَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرِّفْقِ. يُقَالُ: آنَ يَؤُونُ أَوْنًا: إِذَا رَفَقَ. قَالَ شَاعِرٌ:
وَسَفَرٌ كَانَ قَلِيلَ الْأَوْنِ
وَيُقَالُ لِلْمُسَافِرِ: أُنْ عَلَى نَفْسِكَ، أَيِ اتَّدِعْ. وَأُنْتُ أَؤُونُ أَوْنًا; وَرَجُلٌ آئِنٌ.

(أَوَهَ) الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَالْهَاءُ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهَا. يُقَالُ: تَأَوَّهَ: إِذَا قَالَ أَوَّهْ وَأَوْهِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ:
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ
(1/162)

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] ، هُوَ الدَّعَّاءُ. أَوَّهْ فِيهِ لُغَاتٌ: مَدُّ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ، وَقَصْرُ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ، وَمَدُّ الْأَلِفِ وَتَخْفِيفُ الْوَاوِ. وَأَوْهِ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَأَوِّهْ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَآهِ وَآوِ، وَأَوَّتَاهُ.

[بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(أَيَدَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالْحِفْظِ. يُقَالُ: أَيَّدَهُ اللَّهُ، أَيْ: قَوَّاهُ اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] . فَهَذَا مَعْنَى الْقُوَّةِ. وَأَمَّا الْحِفْظُ فَالْإِيَادُ كُلُّ حَاجِزٍ الشَّيْءَ يَحْفَظُهُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
دَفَعْنَاهُ عَنْ بَيْضٍ حِسَانٍ بِأَجْرَعٍ ... حَوَى حَوْلَهَا مِنْ تُرَبِهِ بِإِيَادِ

(أَيَرَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الرِّيحُ. وَاخْتُلِفَ فِيهَا، قَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَارَّةٌ ذَاتُ أُوَارٍ. فَإِنْ كَانَ كَذَا فَالْيَاءُ فِي الْأَصْلِ وَاوٌ. وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَالرَّاءِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ الشَّمَالُ الْبَارِدَةُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. قَالَ:
وَإِنَّا مَسامِيحٌ إِذَا هَبَّتِ الصَّبَا ... وَإِنَّا مَرَاجِيحٌ إِذَا الْإِيرُ هُبَّتِ
(1/163)

(أَيَسَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالسِّينُ لَيْسَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ إِلَّا كَلِمَتَانِ مَا أحسَِبُهُمَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا لِذِكْرِ الْخَلِيلِ إِيَّاهُمَا. قَالَ الْخَلِيلُ: أَيْسَ كَلِمَةٌ قَدْ أُمِيتَتْ، غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: " ائْتِ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَيْسَ وَلَيْسَ " لَمْ يُسْتَعْمَلْ أَيْسَ إِلَّا فِي هَذِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا كَمَعْنَى [حَيْثُ] هُوَ فِي حَالِ الْكَيْنُونَةِ وَالْوُجْدِ وَالْجِدَةِ. وَقَالَ: إِنَّ " لَيْسَ " مَعْنَاهَا لَا أَيْسَ، أَيْ: لَا وُجْدَ.
وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرَى قَوْلُ الْخَلِيلِ إِنَّ التَّأْيِيسَ الِاسْتِقْلَالُ; يُقَالُ: مَا أَيَّسْنَا فُلَانًا، أَيْ: مَا اسْتَقْلَلْنَا مِنْهُ خَيْرًا.
وَكَلِمَةٌ أُخْرَى فِي قَوْلِ الْمُتَلَمِّسِ:
تُطِيفُ بِهِ الْأَيَّامُ مَا يَتَأَيَّسُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا يَتَأَيَّسُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ. وَأَنْشَدَ:
إِنْ كُنْتَ جُلْمُودَ صَخْرٍ لَا يُؤَيِّسُهُ
أَيْ: لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.

(أَيَضَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالضَّادُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ وَالْعَوْدِ، يُقَالُ: آضَ يَئِيضُ: إِذَا رَجَعَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ قَالَ ذَاكَ أَيْضًا، وَفَعَلَهُ أَيْضًا.
(1/164)

(أَيَقَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالْقَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَيْقُ الْوَظِيفُ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَيْدِ مِنَ الْفَرَسِ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
وَقَامَ الْمَهَا يُقْفِلْنَ كُلَّ مُكَبَّلٍ ... كَمَا رُصَّ أَيْقَا مُذْهَبِ اللَّوْنِ صَافِنِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو: الْأَيْقُ الْقَيْنُ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَيْدِ مِنَ الْوَظِيفِ.

(أَيَكَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ اجْتِمَاعُ شَجَرٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَيْكَةُ غَيْضَةٌ تُنْبِتُ السِّدْرَ وَالْأَرَاكَ. وَيُقَالُ: [أَيْكَةٌ] أَيِّكَةٌ، وَتَكُونُ مِنْ نَاعِمِ الشَّجَرِ. وَقَالَ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ: كَانُوا أَصْحَابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ. يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} [الشعراء: 176] ، قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْأَيْكَةُ جَمَاعَةُ الْأَرَاكِ. قَالَ الْأَخْطَلُ مِنَ النَّخِيلِ فِي قَوْلِهِ:
يَكَادُ يَحَارُ الْمُجْتَنِي وَسْطَ أَيْكِهَا ... إِذَا مَا تَنَادَى بِالْعَشِيِّ هَدِيلُهَا

(أَيَمَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالْمِيمُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ مُتَبَايِنَةٍ: الدُّخَانُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْمَرْأَةُ لَا زَوْجَ لَهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْإِيَامُ الدُّخَانُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
(1/165)

فَلَمَّا جَلَاهَا بِالْإِيَامِ تَحَيَّزَتْ ... ثُبَاتٍ عَلَيْهَا ذُلُّهَا وَاكْتِئَابُهَا
يَعْنِي أَنَّ الْعَاسِلَ جَلَا النَّحْلَ بِالدُّخَانِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: آمَ الرَّجُلُ يَؤُومُ إِيَامًا، دَخَّنَ عَلَى الْخَلِيَّةِ لِيَخْرُجَ نَحْلُهَا فَيَشْتَارَ عَسَلَهَا، فَهُوَ آيِمٌ، وَالنَّحْلَةَ مَؤُومَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ مَؤُومٌ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأَيْمُ مِنَ الْحَيَّاتِ الْأَبْيَضُ، قَالَ شَاعِرٌ:
كَأَنَّ زِمَامَهَا أَيْمٌ شُجَاعٌ ... تَرَأَّدَ فِي غُضُونٍ مُغْضَئِلَّهْ
وَقَالَ رُؤْبَةُ:
وَبَطْنَ أَيْمٍ وَقَوَامًا عُسْلُجَا ... وَكَفْلَا وَعْثًا إِذَا تَرَجْرَجَا
قَالَ يُونُسُ: هُوَ الْجَانُّ مِنَ الْحَيَّاتِ. وَبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ أَيْنٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهُ التَّشْدِيدُ، يُقَالُ: أَيِّمٌ وَأَيْمٌ، كَهَيِّنٍ وَهَيْنٍ. قَالَ:
إِلَّا عَوَاسِرُ كَالْمِرَاطِ مُعِيدَةٌ ... بِاللَّيْلِ مَوْرِدَ أَيِّمٍ مُتَغَضِّفِ
وَالثَّالِثُ الْأَيِّمُ: الْمَرْأَةُ لَا بَعْلَ لَهَا وَالرَّجُلُ لَا مَرْأَةَ لَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] . وَآمَتِ الْمَرْأَةُ تَئِيمُ أَيْمَةً وَأُيُومًا. قَالَ:
أَفَاطِمَُ إِنِّي هَالِكٌ فَتَأَيَّمِي ... وَلَا تَجْزَعِي كُلُّ النِّسَاءِ تَئِيمُ
(1/166)

(أَيَنَ) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْيَاءِ، وَقُرْبِ الشَّيْءِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأَيْنُ الْإِعْيَاءُ. وَيُقَالُ: لَا يُبْنَى مِنْهُ فِعْلٌ. وَقَدْ قَالُوا آنَ يَئِينُ أَيْنًا. وَأَمَّا الْقُرْبُ فَقَالُوا: آنَ لَكَ يَئِينُ أَيْنًا.
وَأَمَّا الْحَيَّةُ الَّتِي تُدْعَى (الْأَيْنُ) فَذَلِكَ إِبْدَالٌ وَالْأَصْلُ الْمِيمُ. قَالَ شَاعِرٌ:
يَسْرِي عَلَى الْأَيْنِ وَالْحَيَّاتِ مُحْتَفِيًا ... نَفِسي فِدَاؤُكَ مِنْ سَارٍ عَلَى سَاقِ

(أَيَهَ) وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالْهَاءُ فَهُوَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، يُقَالُ: أَيَّهَ تَأْيِيهًا: إِذَا صَوَّتَ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الْأَصْوَاتَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.

(أَيَّى) الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّظَرُ. يُقَالُ: تَأَيَّا يَتَأَيَّا تَأَيِّيًا، أَيْ: تَمَكَّثَ. قَالَ:
قِفْ بِالدِّيَارِ وُقُوفَ زَائِرْ ... وَتَأَيَّ إِنَّكَ غَيْرُ صَاغِرْ
قَالَ لَبِيدٌ:
وَتَأَيَّيْتُ عَلَيْهِ قَافِلًا ... وَعَلَى الْأَرْضِ غَيَايَاتُ الطَّفَلْ
أَيِ انْصَرَفْتُ عَلَى تُؤَدَةٍ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَأَيَّيْتُ [الْأَمْرَ] : انْتَظَرْتَ إِمْكَانَهُ. قَالَ عَدِيٌّ:
(1/167)

تَأَيَّيْتُ مِنْهُنَّ الْمَصِيرَ فَلَمْ أَزَلْ ... أُكَفْكِفُ عَنِّي وَاتِنًا وَمُنَازِعًا
وَيُقَالُ: لَيْسَتْ هَذِهِ بِدَارِ تَئِيَّةٍ، أَيْ: مُقَامٍ.
وَأَصْلٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّعَمُّدُ، يُقَالُ: تَآيَيْتُ، عَلَى تَفَاعَلْتُ، وَأَصْلُهُ تَعَمَّدْتُ آيَتَهُ وَشَخْصَهُ. قَالَ:
بِهِ أَتَآيَا كُلَّ شَأْنٍِ وَمَفْرِقِ
وَقَالُوا: الْآيَةُ الْعَلَامَةُ، وَهَذِهِ آيَةٌ مَأَيَاةٌ، كَقَوْلِكَ عَلَامَةٌ مَعْلَمَةٌ. وَقَدْ أَيَّيْتُ. قَالَ:
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ ... بِآيَةِ مَا تُحِبُّونَ الطَّعَامَا
قَالُوا: وَأَصْلُ آيَةٍ أَأْيَةٌ بِوَزْنِ أَعْيَةٍ، مَهْمُوزٌ هَمْزَتَيْنِ، فَخُفِّفَتِ الْأَخِيرَةُ فَامْتَدَّتْ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: مَوْضِعُ الْعَيْنِ مِنَ الْآيَةِ وَاوٌ; لِأَنَّ مَا كَانَ مَوْضِعُ الْعَيْنِ [مِنْهُ] وَاوًا، وَاللَّامُ يَاءً، أَكْثَرُ مِمَّا مَوْضِعُ الْعَيْنِ وَاللَّامِ مِنْهُ يَاءَانِ، مِثْلَ شَوَيْتُ، هُوَ أَكْثَرُ فِي الْكَلَامِ حَيِيْتُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: آيَةُ الرَّجُلِ شَخْصُهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ، أَيْ: بِجَمَاعَتِهِمْ. قَالَ بُرْجُ بْنُ مُسْهِرٍ:
(1/168)

خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَينِ لَا حَيَّ مِثْلَنَا ... بِآيَتِنَا نُزْجِي الْمَطِيَّ الْمَطَافِلَا
وَمِنْهُ آيَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا جَمَاعَةُ حُرُوفٍ، وَالْجَمْعُ آيٌ، وَإِيَاةُ الشَّمْسِ ضَوْءُهَا، وَهُوَ مِنْ ذَاكَ، لِأَنَّهُ كَالْعَلَامَةِ لَهَا. قَالَ:
سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إِلَّا لِثَاتِهِ ... أَسِفَّ وَلَمْ يُكْدَمْ عَلَيْهِ بِإِثْمِدِ
تَمَّ كِتَابُ الْهَمْزَةِ وَيَتْلُوهُ كِتَابُ الْبَاءِ
(1/169)

[كِتَابُ الْبَاءِ] [بَابُ الْبَاءِ وَمَا بَعْدَهَا فِي الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُضَاعَفُ]

بَابُ الْبَاءِ وَمَا بَعْدَهَا فِي الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُضَاعَفُ
(بَتَّ) الْبَاءُ وَالتَّاءُ لَهُ وَجْهَانِ وَأَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ، وَالْآخَرُ ضَرْبٌ مِنَ اللِّبَاسِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالُوا: الْبَتُّ الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ، يُقَالُ: بَتَتُّ الْحَبْلَ وَأَبْتَتُّ. وَيُقَالُ: أَعْطَيْتُهُ هَذِهِ الْقَطِيعَةَ بَتًّا بَتْلَا. " وَالْبَتَّةَ " اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْقَطْعِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُمْضَى وَلَا يُرْجَعُ فِيهِ. وَيُقَالُ: انْقَطَعَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ فَانْبَتَّ وَانْقَبَضَ. قَالَ:
فَحَلَّ فِي جُشَمٍ وَانْبَتَّ مُنْقَبِضًا ... بِحَبْلِهِ مِنْ ذُرَى الْغُرِّ الْغَطَارِيفِ
قَالَ الْخَلِيلُ: أَبَتَّ فُلَانٌ طَلَاقَ فُلَانَةَ، أَيْ: طَلَاقًا بَاتًّا. قَالَ الْكِسَائِيُّ: كَلَامُ الْعَرَبِ أَبْتَتُّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ بِالْأَلِفِ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: بَتَتُّ، وَأَنَا أَبُتُّ. وَضَرَبَ يَدَهُ فَأَبَتَّهَا وَبَتَّهَا، أَيْ: قَطَعَهَا. وَكُلُّ شَيْءٍ أنفَذْتَهُ وَأَمْضَيْتَهُ فَقَدْ بَتَتَّهُ. قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: رَجُلٌ أَحْمَقُ بَاتٌّ شَدِيدُ الْحُمْقِ، وَسَكْرَانُ بَاتٌّ، أَيْ: مُنْقَطِعٌ عَنِ الْعَمَلِ، وَسَكْرَانُ مَا يَبُتُّ، أَيْ: مَا يَقْطَعُ أمْرًا. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْبَعِيرُ [الْبَاتُّ] الَّذِي لَا
(1/170)

يَتَحَرَّكُ مِنَ الْإِعْيَاءِ فَيَمُوتُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» هُوَ الَّذِي أَتْعَبَ دَابَّتَهُ حَتَّى عَطِبَ ظَهْرُهُ فَبَقِيَ مُنقَطِعًا بِهِ. قَالَ التَّمِيمِيُّ: " هَذَا بَعِيرٌ مُبْدَعٌ وَأَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِ فَأَبُتَّهُ "، أَيْ: أَقْطَعُهُ. وَمُبْدَعٌ: مُثْقَلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " إِنِّي أُبْدِعَ بِي ". قَالَ النَّضْرُ: الْبَعِيرُ الْبَاتُّ الْمَهْزُولُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَرُّكِ. وَالزَّادُ يُقَالُ لَهُ بَتَّاتٌ، مِنْ هَذَا; لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الْفِرَاقِ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: بَتَّتَهُ أَهْلُهُ، أَيْ: زَوَّدُوهُ. قَالَ:
أَبُو خَمْسٍ يُطِفْنَ بِهِ جَمِيعًا ... غَدًا مِنْهُنَّ لَيْسَ بِذِي بَتَاتِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُؤْخَذُ عُشْرُ الْبَتَاتِ» يُرِيدُ الْمَتَاعَ، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ. قَالَ الْعَامِرِيُّ: الْبَتَاتُ الْجِهَازُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَقَدْ تَبَتَّتَ الرَّجُلُ لِلْخُرُوجِ، أَيْ: تَجَهَّزَ.
قَالَ الْعَامِرِيُّ: يُقَالُ: حَجَّ فُلَانٌ حَجًّا بَتًّا أَيْ فَرْدًا، وَكَذَلِكَ الْفَرْدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: وَرَجُلٌ بَتٌّ، أَيْ: فَرْدٌ; وَقَمِيصٌ بَتٌّ، أَيْ: فَرْدٌ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرُهُ. قَالَ:
يَا رُبَّ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا بَتُّ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَعْطَيْتُهُ كَذَا فَبَتَّتَ بِهِ، أَيِ انْفَرَدَ بِهِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ قَوْلُهُمْ: طَحَنَ بِالرَّحَى بَتًّا: إِذَا ذَهَبَ بِيَدِهِ عَنْ يَسَارِهِ، وَشَزْرًا: إِذَا ذَهَبَ بِهِ عَنْ يَمِينِهِ.
(1/171)

(بَثَّ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الشَّيْءِ وَإِظْهَارُهُ; يُقَالُ: بَثُّوا الْخَيْلَ فِي الْغَارَةِ. وَبَثَّ الصَّيَّادُ كِلَابَهُ عَلَى الصَّيْدِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
فَبَثَّهُنَّ عَلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ ... صُمْعُ الْكُعُوبِ بَرِيئَاتٌ مِنَ الْحَرَدِ
وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ وَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ لِمَعَاشِهِمْ. وَإِذَا بُسِطَ الْمَتَاعُ بِنَوَاحِي الْبَيْتِ وَالدَّارِ فَهُوَ مَبْثُوثٌ. وَفِي الْقُرْآنِ: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية: 16] ، أَيْ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَمْرٌ بَثٌّ، أَيْ: مُتَفَرِّقٌ لَمْ يَجْمَعْهُ كَنْزٌ. قَالَ: وَبَثَثْتُ الطَّعَامَ وَالتَّمْرَ: إِذَا قَلَّبْتُهُ وَأَلْقَيْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَبَثَثْتُ الْحَدِيثَ، أَيْ: نَشَرْتُهُ. وَأَمَّا الْبَثُّ مِنَ الْحُزْنِ فَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ شَيْءٌ يُشْتَكَى وَيُبَثُّ وَيُظْهَرُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مَنْ قَالَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: أَبَثَّ فُلَانٌ شُقُورَهُ وَفُقُورَهُ إِلَى فُلَانٍ يُبِثُّ إِبْثَاثًا. وَالْإِبْثَاثُ أَنْ يَشْكُوَ إِلَيْهِ فَقْرَهُ وَضَيْعَتَهُ. قَالَ:
وَأَبْكِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أُبِثُّهُ ... تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلَاعِبُهْ
وَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: " وَاللَّهِ لَقَدْ أَطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي، وَأَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، بِاهِلًا غَيْرَ ذَاتِ صِرَارٍ ".
(1/172)

(بَجَّ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّفَتُّحُ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِلطَّعْنِ بَجَّ. قَالَ رُؤْبَةُ:
قَفْخًا عَلَى الْهَامِ وَبَجًّا وَخْضَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ طَعْنٌ يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ فَلَا يَنْفُذُ; يُقَالُ مِنْهُ بَجَجْتُهُ أَبُجُّهُ بَجًّا. وَيُقَالُ: رَجُلٌ أَبَجُّ: إِذَا كَانَ وَاسِعَ مَشَقِّ الْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبَجُّ الْقَطْعُ وَشَقُّ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ عَنِ الدَّمِ. وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ:
فَجَاءَتْ كَأَنَّ الْقَسْوَرَ الْجَوْنَ بَجَّهَا ... عَسَالِيجُهُ وَالثَّامِرُ الْمُتَنَاوِحُ
يَصِفُ شَاةً يَقُولُ: هِيَ غَزِيرَةٌ، فَلَوْ لَمْ تَرْعَ لَجَاءَتْ مِنْ غُزْرِهَا مُمْتَلِئَةً ضُرُوعُهَا حَتَّى كَأَنَّهَا قَدْ رَعَتْ هَذِهِ الضُّرُوبَ مِنَ النَّبَاتِ، وَكَأَنَّهَا قَدْ بُجَّتْ ضُرُوعُهَا وَنُفِجَتْ. وَيُقَالُ: مَا زَالَ يَبُجُّ إِبِلَهُ، أَيْ: يَسْقِيهَا. وَبَجَجْتُ الْإِبِلَ بِالْمَاءِ بَجًّا: إِذَا أَرْوَيْتُهَا. وَقَدْ بَجَّهَا الْعُشْبُ: إِذَا مَلَأَهَا شَحْمًا. وَالْبَجْبَاجُ: الْبَدَنُ الْمُمْتَلِئُ. قَالَ:
بَعْدَ انْتِفَاخِ الْبَدَنِ الْبَجْبَاجِ
(1/173)

وَجَمْعُهُ بَجَابِجُ. وَيُقَالُ: عَيْنٌ بَجَّاءُ، وَهِيَ مِثْلُ النَّجْلَاءِ. وَرَجُلٌ بَجِيجُ الْعَيْنِ. وَأَنْشَدَ:
يَكُونُ خَِمارُ الْقَزِّ فَوْقَ مُقَسَّمٍ ... أَغَرَّ بَجِيجِ الْمُقْلَتَيْنِ صَبِيحِ
فَأَمَّا الْبِجْبَاجُ الْأَحْمَقُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ عَقْلَهُ لَيْسَ يَنَامُ، فَهُوَ يَتَفَتَّحُ فِي أَبْوَابِ الْجَهْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ شَاذٌّ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْبَجَّةُ وَهِيَ اسْمُ إِلَهٍ كَانَ يُعْبَدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

(بَحَّ) الْبَاءُ وَالْحَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَصْفُوَ صَوْتُ ذِي الصَّوْتِ، وَالْآخَرُ سِعَةُ الشَّيْءِ وَانْفِسَاحُهُ. فَالْأَوَّلُ الْبَحَحُ، وَهُوَ مَصْدَرُ الْأَبَحِّ. تَقُولُ مِنْهُ بَحَّ يَبَُحُّ بَحَحًا وَبُحُوحًا; وَإِذَا كَانَ مِنْ دَاءٍ فَهُوَ الْبُحَاحُ. قَالَ:
وَلَقَدْ بَحَِحْتُ مِنَ النِّدَا ... ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبارِزْ
وَعُودٌ أَبَحُّ: إِذَا كَانَ فِي صَوْتِهِ غِلَظٌ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا كُنْتَ أَبَحَّ وَلَقَدْ بَحِحْتَ بِالْكَسْرِ تَبَحُّ بَحَحًا وَبُحُوحَةً. وَالْبُحَّةُ الِاسْمُ، يُقَالُ: بِهِ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ. أَبُو عُبَيْدَةَ: بَحَحْتُ بِالْفَتْحِ لُغَةٌ. قَالَ شَاعِرٌ:
إِذَا الْحَسْنَاءُ لَمْ تَرْحَضْ يَدَيْهَا ... وَلَمْ يُقْصَرْ لَهَا بَصَرٌ بِسِتْرِ
قَرَوْا أَضْيَافَهُمْ رَبَحًا بِبُحٍّ ... يَعِيشُ بِفَضْلِهِنَّ الْحَيُّ سُمْرِ
الرَّبَحُ: الْفِصَالُ. وَالْبُحُّ: قِدَاحٌ يُقَامَرُ بِهَا. كَذَا قَالَ الشَّيْبَانِيُّ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ:
(1/174)

وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَفِي كَفِّهَا كِسْرٌ أَبَحُّ رَذُومُ
الرَّذُومُ: السَّائِلُ دَسَمًا. يَقُولُ: إِنَّهَا لَامَتْهُ عَلَى نَحْرِ مَالِهِ لِأَضْيَافِهِ، وَفِي كَفِّهَا كِسَرٌ، وَقَالَتْ: أَمِثْلُ هَذَا يُنْحَرُ؟ وَنُرَى أَنَّ السَّمِينَ وَذَا اللَّحْمِ إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَحَّ مُقَابَلَةً لِقَوْلِهِمْ فِي الْمَهْزُولِ: هُوَ عِظَامٌ تُقَعْقِعُ.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْبُحْبُوحَةُ وَسَطُ الدَّارِ، وَوَسَطُ مَحَلَّةِ الْقَوْمِ. قَالَ جَرِيرٌ:
قَوْمِي تَمِيمٌ هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ هُمُ ... يَنْفُونَ تَغْلِبَ عَنْ بُحْبُوحَةِ الدَّارِ
وَالتَّبَحْبُحُ: التَّمَكُّنُ فِي الْحُلُولِ وَالْمَقَامِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: نَحْنُ فِي بَاحَّةِ الدَّارِ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ أَوْسَعُهَا. وَلِذَلِكَ قِيلَ فُلَانٌ يَتَبَحْبَحُ فِي الْمَجْدِ، أَيْ: يَتَّسِعُ. وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي امْرَأَةٍ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ: "
تَرَكْتُهَا تَتَبَحْبَحُ عَلَى أَيْدِي الْقَوَابِلِ
".

(بَخَّ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ. وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ كَلَامٌ لَيْسَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَمَا أَرَاهُ عَرَبِيًّا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ عِنْدَ مَدْحِ الشَّيْءِ: بَخْ، وَبَخْبَخَ فُلَانٌ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ مُكَرِّرًا لَهُ. قَالَ:
بَيْنَ الْأَشَجِّ وَبينَ قَيْسٍ بَاذِخٌ ... بَخْ بَخْ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَوْلُودِ
وَرُبَّمَا قَالُوا: بَخٍ. قَالَ:
رَوَافِدُهُ أَكْرَمُ الرَّافِدَاتِ ... بَخٍ لَكَ بَخٍّ لِبَحْرٍ خِضَمْ
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " بَخْبِخُوا عَنْكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ "، أَيْ: أَبْرِدُوا، فَهُوَ لَيْسَ أَصْلًا; لِأَنَّهُ مَقْلُوبُ خَبَّ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.
(1/175)

(بَدَّ) الْبَاءُ وَالدَّالُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّفَرُّقُ وَتَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. يُقَالُ: فَرَسٌ أَبَدُّ، وَهُوَ الْبَعِيدُ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ. وَبَدَّدْتُ الشَّيْءَ: إِذَا فَرَّقْتُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: «يَا جَارِيَةُ أَبِدِّيهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً» " أَيْ: فَرِّقِيهَا فِيهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
فأَبَدَّهُنَّ حُتُوفَهُنَّ فَهَارِبٌ ... بِذَمَائِهِ أَوْ بَارِكٌ مُتَجَعْجِعُ
أَيْ: فَرَّقَ فِيهِنَّ الْحُتُوفَ. وَيُقَالُ: فَرَّقْنَاهُمْ بَدَادِ. قَالَ:
فَشِلُوا بِالرِّمَاحِ بَدَادِ
وَتَقُولُ بَادَدْتُهُ فِي الْبَيْعِ، أَيْ: بِعْتُهُ مُعَاوَضَةً. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ كَذَا، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا، كَأَنَّهُ أَرَادَ لَا فِرَاقَ مِنْهُ، لَا بُعْدَ عَنْهُ. فَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِلْمَفَازَةِ الْوَاسِعَةِ " بَدْبَدٌ " سُمِّيَتْ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَ أَقْطَارِهَا وَأَطْرَافِهَا. وَالْبَادَّانِ: بَاطِنَا الْفَخِذَيْنِ مِنْ ذَلِكَ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِلِانْفِرَاجِ الَّذِي بَيْنَهُمَا. وَقَدْ شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ كَلِمَتَانِ: قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الْعَظِيمِ الْخَلْقِ " أَبَدُّ ". قَالَ:
أَلَدَّ يَمْشِي مِشْيَةَ الْأَبَدِّ
وَقَوْلُهُمْ: مَا لَكَ بِهِ بَدَدٌ، أَيْ: مَا لَكَ بِهِ طَاقَةٌ.
(1/176)

(بَذَّ) الْبَاءُ وَالذَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ وَالْإِذْلَالُ. يُقَالُ: بَذَّ فُلَانٌ أَقْرَانَهُ: إِذَا غَلَبَهُمْ، فَهُوَ بَاذٌّ يَبُذُّهُمْ. وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُهُمْ: هُوَ بَاذُّ الْهَيْئَةِ، وَبَذُّ الْهَيْئَةِ بَيِّنُ الْبَذَاذَةِ، أَيْ: إِنَّ الْأَيَّامَ أَتَتْ عَلَيْهِ فَأَخْلَقَتْهَا فَهِيَ مَقْهُورَةٌ، وَيَكُونُ فَاعِلٌ فِي مَعْنَى مَفْعُولٍ.

(بَرَّ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ فِي الْمُضَاعَفِ أَرْبَعَةُ أُصُولٍ: الصِّدْقُ، وَحِكَايَةُ صَوْتٍ، وَخِلَافُ الْبَحْرِ، وَنَبْتٌ. فَأَمَّا الصِّدْقُ فَقَوْلُهُمْ: صَدَقَ فُلَانٌ وَبَرَّ، وَبَرَّتْ يَمِينُهُ صَدَقَتْ، وَأَبَرَّهَا أَمْضَاهَا عَلَى الصِّدْقِ.
وَتَقُولُ: بَرَّ اللَّهُ حَجَّكَ وَأَبَرَّهُ، وَحِجَّةٌ مَبْرُورَةٌ، أَيْ: قُبِلَتْ قَبُولَ الْعَمَلِ الصَّادِقِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَبَرُّ رَبَّهُ، أَيْ: يُطيِعُهُ. وَهُوَ مِنَ الصِّدْقِ. قَالَ:
لَاهُمَّ لَوْلَا أَنَّ بَكْرًا دُونَكَا ... يَبَرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] . وَ [أَمَّا] قَوْلُ النَّابِغَةِ:
عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عَامِدُونَ لِبَرِّهِمْ
فَقَالُوا: أَرَادَ الطَّاعَةَ، وَقِيلَ أَرَادَ الْحَجَّ. وَقَوْلُهُمْ لِلسَّابِقِ الْجَوَادِ " الْمُبِرُّ " هُوَ مِنْ هَذَا; لِأَنَّهُ إِذَا جَرَى صَدَقَ، وَإِذَا حَمَلَ صَدَقَ.
(1/177)

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سَأَلْتُ أَعْرَابِيًّا: هَلْ تَعْرِفُ الْجَوَادَ الْمُبِرَّ مِنَ الْبَطِيءِ الْمُقْرِفِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: صِفْهُمَا لِي. قَالَ: " أَمَّا الْجَوَادُ فَهُوَ الَّذِي لُهِزَ لَهْزَ الْعَيْرِ، وَأُنِّفَ تَأْنِيفَ السَّيْرِ، الَّذِي إِذَا عَدَا اسْلَهَبَّ، وَإِذَا انْتُصِبَ اتْلَأَبَّ. وَأَمَّا الْبَطِيءُ الْمُقْرِفُ فَالْمَدْلُوكُ الْحَجَبَةِ، الضَّخْمُ الْأَرْنَبَةِ، الْغَلِيظُ الرَّقَبَةِ، الْكَثِيرُ الْجَلَبَةِ، الَّذِي إِذَا أَمْسَكْتَهُ قَالَ أَرْسِلْنِي، وَإِذَا أَرْسَلْتَهُ قَالَ أَمْسِكْنِي ".
وَأَصْلُ الْإِبْرَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَمَرْجِعُهُ إِلَى الصِّدْقِ. قَالَ طَرَفَةُ:
يَكْشِفُونَ الضُّرَّ عَنْ ذِي ضُرِّهِمْ ... وَيُبِرُّونَ عَلَى الْآبِي الْمُبِرْ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: هُوَ يَبَرُّ ذَا قَرَابَتِهِ، وَأَصْلُهُ الصِّدْقُ فِي الْمَحَبَّةِ. يُقَالُ: رَجُلٌ بَرٌّ وَبَارٌّ. وَبَرَِرْتُ وَالِدِي وبرَِرْتُ فِي يَمِينِي. وَأَبَرَّ الرَّجُلُ وَلَدَ أَوْلَادًا أبْرَارًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَبَرَّةُ: اسْمٌ لِلْبِرِّ مَعْرِفَةٌ لَا تَنْصَرِفُ. قَالَ النَّابِغَةُ:
يَوْمَ اخْتَلَفْنَا خُطَّتَيْنَا بَيْنَنَا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ وَاحْتَمَلْتَ فَجَارِ
وَأَمَّا حِكَايَةُ الصَّوْتِ فَالْعَرَبُ تَقُولُ: " لَا يَعْرِفُ هِرًّا مَنْ بَرٍّ " فَالْهِرُّ دُعَاءُ
(1/178)

الْغَنَمِ، وَالْبِرُّ الصَّوْتُ بِهَا إِذَا سِيقَتْ. [وَ] يُقَالُ: لَا يَعْرِفُ مَنْ يَكْرَهُهُ مِمَّنْ يَبَرُّهُ. وَالْبَرْبَرَةُ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَالْجَلَبَةُ بِاللِّسَانِ. قَالَ:
بِالْعَضْرِ كُلُّ عَذَوَّرٍ بَرْبَارِ
وَرَجُلٌ بَرْبَارٌ وَبَرْبَارَةٌ. وَلَعَلَّ اشْتِقَاقَ الْبَرْبَرِ مِنْ هَذَا. فَأَمَّا قَوْلُ طَرَفَةَ:
وَلَكِنْ دَعَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ عُصْبَةً ... يَسُوقُونَ فِي أَعْلَى الْحِجَازِ الْبَرَابِرَا
فَيُقَالُ: إِنَّهُ جَمْعُ بُرْبُرٍ، وَهِيَ صِغَارُ أَوْلَادِ الْغَنَمِ. قَالُوا: وَذَلِكَ مِنَ الصَّوْتِ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَرْبَرَةَ صَوْتُ الْمَعْزِ. وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ خِلَافُ الْبَحْرِ. وَأَبَرَّ الرَّجُلُ صَارَ فِي الْبَرِّ، وَأَبْحَرَ صَارَ فِي الْبَحْرِ. وَالْبَرِّيَّةُ الصَّحْرَاءُ. وَالْبَرُّ نَقِيصُ الْكِنِّ. وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ نَكِرَةً، يَقُولُونَ خَرَجْتُ بَرًّا وَخَرَجْتُ بَحْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم: 41] .
وَأَمَّا النَّبْتُ فَمِنْهُ الْبُرُّ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ، الْوَاحِدَةُ بُرَّةٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَبَرَّتِ الْأَرْضُ: إِذَا كَثُرَ بُرُّهَا، كَمَا يُقَالُ: أَبْهَمَتْ: إِذَا كَثُرَ بُهْمَاهَا. وَالْبُرْبُورُ الْجَشِيشُ مِنَ الْبُرِّ. يُقَالُ لِلْخُبْزِ ابْنُ بُرَّةَ، وَابْنُ حَبَّةَ، غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: " هُوَ أَقْصَرُ مِنْ بُرَّةٍ " يَعْنِي وَاحِدَةَ الْبُرِّ. أَيْ إِنَّ الْبُرَّةَ غَايَةٌ فِي الْقِصَرِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَرِيرُ حَمْلُ الْأَرَاكِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
(1/179)

تَسَفُّ بَرِيرَهُ وَتَرُودُ فِيهِ
قَالَ أَبُو زِيَادٍ الْكِلَابِيُّ: الْبَرِيرُ أَصْغَرُ حَبًّا مِنَ الْمَرْدِ وَالْكَبَاثِ، كَأَنَّهُ خَرَزٌ صِغَارٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْبَرِيرُ: اسْمٌ لِمَا أَدْرَكَ مِنْ ثَمَرِ الْعِضَاهِ، فَإِذَا انْتَهَى يَنْعُهُ اشْتَدَّ سَوَادُهُ. قَالَ بِشْرٌ:
رَأَى دُرَّةً بَيْضَاءَ يَحْفِلُ لَوْنُهَا ... سُخَامٌ كَغِرْبَانِ الْبَرِيرِ مُقَصَّبُ
يَصِفُ شَعْرَهَا.

(بَزَّ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ [أَصْلٌ وَاحِدٌ] ، وَهُوَ الْهَيْئَةُ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ سِلَاحٍ. يُقَالُ: هُوَ بَزَّازٌ يَبِيعُ الْبَزَّ. وَفُلَانٌ حَسَنُ الْبِزَّةِ. وَالْبَزُّ: السِّلَاحُ. قَالَ شَاعِرٌ:
كَأَنِّي إِذْ غَدَوْا ضَمَّنْتُ بَزِّي ... مِنَ الْعِقْبَانِ خَائِتَةً طَلُوبَا
يَقُولُ: كَأَنَّ ثِيَابِي وَسِلَاحِي حِينَ غَدَوْتُ عَلَى عِقَابٍ، مِنْ سُرْعَتِي. وَقَوْلُهُ: خَائِنَةً، تَسْمَعُ لِجَنَاحِهَا صَوْتًا إِذَا انْقَضَّتْ. وَقَوْلُهُمْ بَزَزْتُ الرَّجُلَ، أَيْ: سَلَبْتُهُ، مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَقَعَ بِبَزِّهِ، كَمَا يُقَالُ: رَأَسْتُهُ: ضَرَبْتُ رَأْسَهُ.
مِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْبَابِ الْبَزْبَزَةُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ.
(1/180)

(بَسَّ) الْبَاءُ وَالسِّينُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا السَّوْقُ، وَالْآخَرُ فَتُّ الشَّيْءِ وَخَلْطُهُ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة: 5] ، يُقَالُ: سِيقَتْ سَوْقًا. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يَجِيءُ قَوْمٌ مِنَ الْمَدِينَةِ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» . وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ:
وَانْبَسَّ حَيَّاتُ الْكَثِيبِ الْأَهْيَلِ
أَيِ انْسَاقَ. وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُهُمْ بُسَّتِ الْحِنْطَةُ وَغَيْرُهَا، أَيْ: فُتَّتْ. وَفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة: 5] ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا. وَيُقَالُ: لِتِلْكَ الْبَسِيسَةِ، وَقَالَ شَاعِرٌ:
لَا تَخْبِزَا خَبْزًا وَبُسَّا بَسًّا
يَقُولُ: لَا تَخْبِزَا فَتُبْطِئَا بَلْ بُسَّا السَّوِيقَ بِالْمَاءِ وَكُلَا. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: بَسَّ بِالنَّاقَةِ وَأَبَسَّ بِهَا: إِذَا دَعَاهَا لِلْحَلْبِ، فَهُوَ مِنَ الْأَوَّلِ. وَفِي أَمْثَالِ الْعَرَبِ: " لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ مَا أَبَسَّ عَبْدٌ بِنَاقَةٍ " أَيْ: مَا دَعَاهَا للحَلْبِ. قَالَ شَاعِرٌ:
فَلَحَا اللَّهُ طَالِبَ الصُّلْحِ مِنَّا ... مَا أَطَافَ الْمُبِسُّ بِالدَّهْمَاءِ
(1/181)

(بَشَّ) الْبَاءُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللِّقَاءُ الْجَمِيلُ. وَالضَّحِكُ إِلَى الْإِنْسَانِ سُرُورًا بِهِ. أَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
لَا يَعْدَمُ السَّائِلُ مِنْهُ وَفْرَا ... وَقَبْلَهُ بَشَاشَةً وَبِشْرَا
يُقَالُ: بَشَّ بِهِ بَشًّا وَبَشَاشَةً.

(بَصَّ) الْبَاءُ وَالصَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ بَرِيقُ الشَّيْءِ وَلَمَعَانُهُ فِي حَرَكَتِهِ. يُقَالُ: بَصَّ: إِذَا لَمَعَ يَبِصُّ بَصِيصًا وَبَصًّا: إِذَا لَمَعَ. قَالَ:
يَبِصُّ مِنْهَا لِيطُهَا الدُّلَامِصُ ... كَدُرَّةِ الْبَحْرِ زَهَاهَا الْغَائِصُ
الدُّلَامِصُ: الْبَرَّاقُ. زَهَاهَا: رَفَعَهَا وَأَخْرَجَهَا. وَالْبَصَّاصَةُ: الْعَيْنُ. وَبَصْبَصَ الْكَلْبُ: إِذَا حَرَّكَ ذَنَبَهُ، وَكَذَلِكَ الْفَحْلُ. قَالَ:
بَصْبَصْنَ إِذْ حُدِينَا
وَقَالَ رُؤْبَةُ:
بَصْبَصْنَ بِالْأَذْنَابِ مِنْ لُوحٍ وَبَقْ
وَبَصْبَصَ جَرْوُ الْكَلْبِ: إِذَا لَمَعَ بِبَصَرِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَفَتَّحَ عَيْنُهُ. وَخِمْسٌ بَصْبَاصٌ: بَعِيدٌ. وَقَالَ أَبُو دُوَادَ:
(1/182)

وَلَقَدْ ذَعَرْتُ بَنَاتِ عَ ... مِّ الْمُرْشِقَاتِ لَهَا بَصابِصْ
قَالُوا: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: ذَعَرْتُ الْبَقَرَ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ الشِّعْرُ فَقَالَ: بَنَاتُ عَمِّ الْمُرْشِقَاتِ، وَهِيَ الظِّبَاءُ. وَأَرَادَ بِالْبَصَابِصِ تَحْرِيكَهَا أَذْنَابَهَا. وَالْبَصِيصُ الرِّعْدَةُ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ.

(بَضَّ) الْبَاءُ وَالضَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَنَدِّي الشَّيْءِ كَأَنَّهُ يَعْرَقُ. يُقَالُ: بَضَّ الْمَاءُ يَبِضُّ بَضًّا وَبُضُوضًا: إِذَا رَشَحَ مِنْ صَخْرَةٍ أَوْ أَرْضٍ. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ قَوْلُهُمْ: " وَلَا يَبِضُّ حَجَرُهُ "، أَيْ: لَا يُنَالُ مِنْهُ خَيْرٌ. وَرَكِيٌّ بَضُوضٌ: قَلِيلَةُ الْمَاءِ، وَلَا يُقَالُ: بَضَّ السِّقَاءُ وَلَا الْقِرْبَةُ. إِنَّمَا ذَلِكَ الرَّشْحُ أَوِ النَّتْحُ، فَإِذَا كَانَ مِنْ دُهْنٍ أَوْ سَمْنٍ فَهُوَ النَثُّ وَالْمَثُّ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْبَدَنِ الْمُمْتَلِئِ بَضٌّ فَهُوَ مِنْ هَذَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ مِنْ سِمَنِهِ وَامْتِلَائِهِ كَأَنَّهُ يَرْشَحُ فَيَبْرُقُ لَوْنُهُ. قَالُوا: وَالْبَدَنُ الْبَضُّ الْمُمْتَلِئُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْبَيَاضِ وَحْدَهُ، قَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِلْأَبْيَضِ وَالْآدَمِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: رَجُلٌ بَضٌّ بَيِّنُ الْبَضَاضَةِ وَالْبُضُوضَةِ: إِذَا كَانَ نَاصِعَ الْبَيَاضِ فِي سِمَنٍ. قَالَ شَاعِرٌ يَصِفُ قَتِيلًا:
وَأَبْيَضُ بَضٌّ عَلَيْهِ النُّسُورُ وَفِي ضِبْنِهِ ثَعْلَبٌ مُنْكَسِرْ
(1/183)

وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ:
يَا عُثْمَُ أَدْرِكْنِي فَإِنَّ رَكِيَّتِي ... صَلَدَتْ فَأَعْيَتْ أَنْ تَبِضَّ بِمَائِهَا

(بَطَّ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْبَطُّ وَالشَّقُّ. يُقَالُ: بَطَّ الْجُرْحَ يَبُطُّهُ بَطًّا، أَيْ: شَقَّهُ. فَأَمَّا الْبَطِيطُ الَّذِي هُوَ الْعَجَبُ فَمِنْ هَذَا أَيْضًا; لِأَنَّهُ أَمْرٌ بُطَّ عَنْهُ فَأُظْهِرَ حَتَّى أَعْجَبَ. وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
أَلَمَّا تَعْجَبِي وَتَرَيْ بَطِيطًا ... مِنَ اللَّائِينَ فِي الْحِجَجِ الْخَوَالِي
وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْبَاءِ وَالطَّاءِ فَفَارِسِيٌّ كُلُّهُ.

(بَظَّ) الْبَاءُ وَالظَّاءُ يُقَالُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ بَظَّ أَوْتَارَهُ لِلضَّرْبِ: إِذَا هَيَّأَهَا. وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

(بَعَّ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ، وَهُوَ الثِّقَلُ [وَ] الْإِلْحَاحُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَعَاعُ ثِقَلُ السَّحَابِ مِنَ الْمَطَرِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الْغَبِيطِ بَعَاعَهُ ... نُزُولَ الْيَمَانِيِّ ذِي الْعِيَابِ الْمُحَمَّلِ
قَالَ: وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَلْقَى بِنَفْسِهِ: أَلْقَى عَلَيْنَا بَعَاعَهُ. وَيُقَالُ لِلسَّحَابِ إِذَا أَلْقَى كُلَّ مَا فِيهِ مِنَ الْمَطَرِ: أَلْقَى بَعَاعَهُ. يُقَالُ: بَعَّ السَّحَابُ وَالْمَطَرُ بَعًّا وَبَعَاعًا: إِذَا
(1/184)

أَلَحَّ بِمَكَانٍ. وَأَمَّا ابْنُ دُرَيْدٍ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَذَكَرَ فِي التَّكْرِيرِ الْبَعْبَعَةَ: تَكْرِيرُ الْكَلَامِ فِي عَجَلَةٍ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الْأَصْوَاتَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.

(بَغَّ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَابْنِ دُرَيْدٍ. فَالْأَوَّلُ الْبَغْبَغَةُ، وَهِيَ حِكَايَةُ ضَرْبٍ مِنَ الْهَدِيرِ، وَأَنْشَدَ الْخَلِيلُ:
بِرَجْسِ بَغْبَاغِ الْهَدِيرِ الْبَهْبَهِ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ: الْبَغْبَغُ وَتَصْغِيرُهَا بُغَيْبِغٌ وَهِيَ الرَّكِيَّةُ الْقَرِيبَةُ الْمَنْزَعِ. قَالَ:
يَا رُبَّ مَاءٍ لَكَ بِالْأَجْبَالِ ... بُغَيْبِغٍ يُنْزَعُ بِالْعِقَالِ

(بَقَّ) الْبَاءُ وَالْقَافُ فِي قَوْلِ الْخَلِيلِ وَابْنِ دُريدٍ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا التَّفَتُّحُ فِي الشَّيْءِ، قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالثَّانِي الشَّيْءُ الطَّفِيفُ الْيَسِيرُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُمْ بَقَّ يَبُقُّ بَقًّا: إِذَا أَوْسَعَ مِنَ الْعَطِيَّةِ. وَكَذَلِكَ بَقَّتِ السَّمَاءُ بَقًّا: إِذَا جَاءَتْ بِمَطَرٍ شَدِيدٍ. قَالَ الرَّاجِزُ:
وَبَسَطَ الْخَيْرَ لَنَا وَبَقَّهُ ... فَالْخَلْقُ طُرًّا يَأْكُلُونَ رِزْقَهُ
(1/185)

وَبَقَّ فُلَانٌ عَلَيْنَا كَلَامَهُ: إِذَا كَثَّرَهُ. وَالْبَقْبَقَةُ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ، يُقَالُ: رَجُلٌ بَقَاقٌ وَبَقْبَاقٌ. قَالَ الرَّاجِزُ:
وَقَدْ أَقُودُ بِالدَّوَى الْمُزَمَّلِ ... أَخْرَسَ فِي الرَّكْبِ بَقَاقَ الْمَنْزِلِ
وَمِنْ ذَلِكَ بَقْبَقَةُ الْمَاءِ فِي حَرَكَتِهِ، وَالْقِدْرِ فِي غَلَيَانِهَا.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْبَقُّ مِنَ الْبَعُوضِ، الْوَاحِدَةُ بَقَّةٌ. قَالَ الرَّاجِزُ:
يَمْصَعْنَ بِالْأَذْنَابِ مِنْ لُوحٍ وَبَقْ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْبَقَاقُ: أَسْقَاطُ مَتَاعِ الْبَيْتِ.

(بَكَّ) الْبَاءُ وَالْكَافُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ يَجْمَعُ التَّزَاحُمَ وَالْمُغَالَبَةَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَكُّ دَقُّ الْعُنُقِ. وَيُقَالُ: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إِذَا أَلْحَدْوا فِيهَا بظُلْمٍ لَمْ يُنْظَرُوا. وَيُقَالُ: بَلْ سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّ النَّاسَ بَعْضُهُمْ يَبُكُّ بَعْضًا فِي الطَّوَافِ، أَيْ: يَدْفَعُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقِيلَ أَيْضًا: بَكَّةُ فَعْلَةٌ مِنْ بكَكْتُ الرَّجُلَ: إِذَا رَدَدْتُهُ وَوَضَعْتَ مِنْهُ. قَالَ:
إِذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهْ
وَقَالَ آخَرُ:
يَبُكُّ الْحَوْضَ عَلَّاهَا وَنَهْلَى ... وَدُونَ ذِيَادِهَا عَطَنٌ مُنِيمُ
(1/186)

تَبُكُّ: تَزْدَحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَبَاكَّتِ الْإِبِلُ: إِذَا ازْدَحَمَتْ عَلَى الْمَاءِ فَشَرِبَتْ وَرَجُلٌ أَبَكُّ شَدِيدٌ غَلَّابٌ، وَجَمْعُهُ بُكٌّ، وَيُقَالُ: بَكَّهُ: إِذَا غَلَبَهُ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ لِلرِّشَاءِ الْغَلِيظِ الْأَبَكُّ. وَالْأَبَكُّ فِي قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ الشَّجَرُ الْمُجْتَمِعُ. يُرِيدُ قَوْلَ الْقَائِلِ:
صَلَامَةٌ كَحُمُرِ الْأَبَكِّ ... لَا جَذَعٌ فِيهَا وَلَا مُذَكِّ

(بَلَّ) الْبَاءُ وَاللَّامُ فِي الْمُضَاعَفِ لَهُ أُصُولٌ خَمْسَةٌ هِيَ مُعْظَمُ الْبَابِ. فَالْأَوَّلُ النَّدَى، يُقَالُ: بَلَلْتُ الشَّيْءَ أَبُلُّهُ. وَالْبِلَّةُ الْبَلَلُ، وَقَدْ تُضَمُّ الْبَاءُ فَيُقَالُ: بُلَّةٌ. وَرُبَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الثَّمِيلَةِ فِي الْكَرِشِ. قَالَ الرَّاجِزُ:
وَفَارَقَتْهَا بُلَّةُ الْأَوَابِلِ
وَيُقَالُ: ذَهَبَتْ أَبْلَالُ الْإِبِلِ، أَيْ: نِطَافُهَا الَّتِي فِي بُطُونِهَا. قَالَ الضَّبِّيُّ: لَيْسَ مِنَ النُّوقِ نَاقَةٌ تَرِدُ الْمَاءَ فِيهَا بُلَّةٌ إِلَّا الصَّهْبَاءُ. أَيْ إِنَّهَا تَصْبِرُ عَلَى الْعَطَشِ. وَمِنْ ذَلِكَ الَّتِي هِيَ الْعَطِيَّةُ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ لِلْإِنْسَانِ إِذَا حَسُنَتْ حَالُهُ بَعْدَ الْهُزَالِ: قَدِ ابْتَلَّ وَتَبَلَّلَ. وَيَقُولُونَ: " لَا أَفْعَلُ كَذَا مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً " وَيُقَالُ: لِلْبَخِيلِ: مَا تَبُلُّ إِحْدَى يَدَيْهِ الْأُخْرَى. وَمِنْهُ " بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ ". وَيُقَالُ: لَا تَبُلُّكَ عِنْدِي بَالَّةٌ وَلَا بِلَالٌ وَلَا بَلَالِ عَلَى وَزْنِ حَذَامِ. قَالَ:
فَلَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَبِي عَقِيلٍ ... تَبُلُّكَ بَعْدَهَا فِينَا بَلَالِ
(1/187)

وَفِي أَمْثَالِ الْعَرَبِ: " اضْرِبُوا أَمْيَالًا تَجِدُوا بَلَالًا ". قَالَ الْخَلِيلُ: بِلَّةُ اللِّسَانِ وُقُوعُهُ عَلَى مَوَاضِعِ الْحُرُوفِ وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَى النُّطْقِ، يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ بِلَّةَ لِسَانِهِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْبَِلَّةُ عَسَلُ السَّمُرِ. وَيُقَالُ: أَبَلَّ الْعُودُ: إِذَا جَرَى فِيهِ نَدَى الْغَيْثِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: انْصَرَفَ الْقَوْمُ بِبَلَّتِهِمْ، أَيِ انْصَرَفُوا وَبِهِمْ بَقِيَّةٌ. وَيُقَالُ: اطْوِ الثَّوْبَ عَلَى بَُلَّتِهِ، أَيْ: عَلَى بَقِيَّةِ بَلَلٍ فِيهِ لِئَلَّا يَتَكَسَّرَ. وَأَصْلُهُ فِي السِّقَاءِ يَتَشَنَّنُ، فَإِذَا أُرِيدَ اسْتِعْمَالُهُ نُدِّيَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: طَوَيْتُ فُلَانًا عَلَى بِلَالِهِ، أَيِ احْتَمَلْتُهُ عَلَى إِسَاءَتِهِ، وَيُقَالُ: عَلَى بُلَّتِهِ وَبُلُلَتِهِ. وَأَنْشَدُوا:
وَلَقَدْ طَوَيْتُكُمُ عَلَى بُلُلَاتِكُمْ ... وَعَلِمْتُ مَا فِيكُمْ مِنَ الْأَذْرابِ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ بَلَلَ الرَّجُلِ، أَيْ: مَا أَحْسَنَ تَحَمُّلَهُ، بِفَتْحِ اللَّامَيْنِ جَمِيعًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلرِّيحِ الْبَارِدَةِ بَلِيلٌ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ رِيحٌ بَارِدَةٌ
(1/188)

تَجِيءُ فِي الشِّتَاءِ وَيَكُونُ مَعَهَا نَدًى. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
وَسَاقَتْهُ بَلِيلٌ زَعْزَعُ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْإِبْلَالُ مِنَ الْمَرَضِ، يُقَالُ: بَلَّ وَأَبَلَّ وَاسْتَبَلَّ: إِذَا بَرَأَ. قَالَ:
إِذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أَنَّهُ ... نَجَا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قَاتِلُهْ
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: أَخْذُ الشَّيْءِ وَالذَّهَابُ بِهِ. يُقَالُ: بَلَّ فُلَانٌ بِكَذَا: إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
بَلَّتْ بِهِ غَيْرَ طَيَّاشٍ وَلَا رَعِشٍ
وَيَقُولُونَ: " لَئِنْ بَلَّ بِهِ لَيَبَلَّنَّ بِمَا يَوَدُّهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
إِنَّ عَلَيْكِ فَاعْلِمَنَّ سَائِقَا ... بَلَا بِأَعْجَازِ الْمَطِيِّ لَاحِقَا
أَيْ: مُلَازِمًا لِأَعْجَازِهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَبَلٌّ بِالْقَرِينَةِ. وَأَنْشَدَ:
وَإِنِّي لَبَلٌّ بِالْقَرِينَةِ مَا ارعَوَتْ ... وَإِنِّي إِذَا صَارَمْتُهَا لَصَرُومُ
وَقَالَ آخَرُ:
بَلَّتْ عُرَيْنَةُ فِي اللِّقَاءِ بِفَارِسٍ ... لَا طَائِشٍ رَعِشٍ وَلَا وَقَّافِ
وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَيَبَلُّ بِهِ الْخَيْرُ، أَيْ: يُوَافِقُهُ.
(1/189)

وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ: الْبَلَلُ، وَهُوَ مَصْدَرُ الْأَبَلِّ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُوَ الْجَرِيءُ الْمُقْدِمُ الَّذِي لَا يَسْتَحْيِي وَلَا يُبَالِي. قَالَ شَاعِرٌ:
أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ يَا آلَ عَامِرٍ ... وَهَلْ يَتَّقِي اللَّهَ الْأَبَلُّ الْمُصَمِّمُ
وَيُقَالُ: هُوَ الْفَاجِرُ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ، وَيُقَالُ: هُوَ الْحَذِرُ الْأَرِيبُ. وَيُقَالُ: أَبَلَّ الرَّجُلُ يُبِلُّ إِبْلَالًا: إِذَا غَلَبَ وَأَعْيَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: رَجُلٌ أَبَلُّ وَامْرَأَةٌ بَلَّاءُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَهُ.
وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهِيَ حِكَايَةُ أَصْوَاتٍ وَأَشْيَاءَ لَيْسَتْ أُصُولًا تَنْقَاسُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو. الْبَلِيلُ: صَوْتٌ كَالْأَنِينِ. قَالَ الْمَرَّارُ:
صَوَادِيَ كُلُّهُنَّ كَأُمِّ بَوٍّ ... إِذَا حَنَّتْ سَمِعْتَ لَهَا بَلِيلًا
قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: بَلِيلُ الْمَاءِ: صَوْتُهُ. وَالْحَمَامُ الْمُبَلِّلُ هُوَ الدَّائِمُ الْهَدِيرِ. قَالَ:
يُنَفِّرْنَ بِالْحَيْحَاءِ شَاءَ صُعَائِدٍ ... وَمِنْ جَانِبِ الْوَادِي الْحَمَامَ الْمُبَلِّلَا
وَبَابِلُ: بَلَدٌ. وَالْبُلْبُلُ طَائِرٌ. وَالْبَلْبَلَةُ وَسْوَاسُ الْهُمُومِ فِي الصَّدْرِ، وَهُوَ الْبَلْبَالُ. وَبَلْبَلَةُ الْأَلْسُنِ اخْتِلَاطُهَا فِي الْكَلَامِ. وَيُقَالُ: بَلْبَلَ الْقَوْمُ، وَتِلْكَ ضَجَّتُهُمْ. وَالْبُلْبُلُ مِنَ الرِّجَالِ الْخَفِيفُ، وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِالطَّائِرِ الَّذِي يُسَمَّى الْبُلْبُلُ وَالْأَصْلُ فِيهِ الصَّوْتُ، وَالْجَمْعُ بَلَابِلُ. قَالَ:
(1/190)

سَتُدْرِكُ مَا يَحْمِي عُمَارَةُ وَابْنُهُ ... قَلَائِصُ رَسْلَاتٌ وَشُعْثٌ بَلَابِلُ

(بَنَّ) الْبَاءُ وَالنُّونُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ وَاحِدٌ، هُوَ اللُّزُومُ وَالْإِقَامَةُ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ مَسَائِلُ الْبَابِ كُلُّهَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِبْنَانُ اللُّزُومُ، يُقَالُ: أَبَنَّتِ السَّحَابَةُ: إِذَا لَزِمَتْ، وَأَبَنَّ الْقَوْمُ بِمَحَلَّةٍ أَقَامُوا. قَالَ:
يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ بِالنَّعْفِ الْمُبِنُّونَا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: بَنَّنَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُبَنَّنٌ، وَذَلِكَ أَنْ يَرْتَبِطَ الشَّاةَ لِيُسَمِّنَهَا. وَأَنْشَدَ:
يُعَيِّرُنِي قَوْمِي بِأَنِّي مُبَنِّنٌ ... وَهَلْ بَنَّنَ الْأَشْرَاطَ غَيْرُ الْأَكَارِمِ
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَنَانُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدَيْنِ. وَالْبَنَانُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] ، يَعْنِي الشَّوَى، وَهِيَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ. قَالَ: وَقَدْ يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ الْبَنَانَةُ بِالْهَاءِ لِلْإِصْبَعِ الْوَاحِدَةِ. وَقَالَ:
لَاهُمَّ كَرَّمْتَ بَنِي كِنَانَهْ ... لَيْسَ لِحَيٍّ فَوْقَهُمْ بَنَانَهْ
أَيْ: لِأَحَدٍ [عَلَيْهِمْ] فَضْلُ قِيسَ إِصْبَعٍ. وَقَالَ فِي الْبَنَانِ:
(1/191)

لَمَّا رَأَتْ صَدَأَ الْحَدِيدِ بِجِلْدِهِ ... فَاللَّوْنُ أَوْرَقُ وَالْبَنَانُ قِصَارُ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّرِّيِّ الزَّجَّاجُ: وَاحِدُ الْبَنَانِ بَنَانَةٌ. وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] ، الْأَصَابِعُ وَغَيْرُهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ. وَإِنَّمَا اشْتِقَاقُ الْبَنَانِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَبَنَّ بِالْمَكَانِ: إِذَا أَقَامَ; فَالْبَنَانُ بِهِ يُعْتَمَدُ كُلُّ مَا يَكُونُ لِلْإِقَامَةِ وَالْحَيَاةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْبَنَّةُ الرِّيحُ مِنْ أَرْبَاضِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الطِّيبِ، فَيُقَالُ: أَجِدُ فِي هَذَا الثَّوْبِ بَنَّةً طَيِّبَةً مِنْ عُرْفِ تُفَّاحٍ أَوْ سَفَرْجَلَ. وَأَنْشَدَ:
بَلَّ الذُّنَابَى عَبَسًا مُبِنَّا وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَلْزَمُ. وَقَالَ الرَّاجِزُ فِي الْإِبْنَانِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ:
قَلَائِصًا لَا يَشْتَكِينَ الْمَنَّا ... لَا يَنْتَظِرْنَ الرَّجُلَ الْمُبِنَّا
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْبَنِينُ مِنَ الرِّجَالِ الْعَاقِلُ الْمُتَثَبِّتُ. قَالَ: وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَنَّةِ. وَالْبُنَانَةُ الرَّوْضَةُ الْمُعْشِبَةُ الْحَالِيَةُ. وَمِنْهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، كَانَتْ لَهُ حَاضِنَةٌ تُسَمَّى بُنَانَةَ. وَهَذَا مِنْ ذَاكَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الرَّوْضَةَ الْمُعْشِبَةَ لَا تَعْدَمُ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ.
(1/192)

(بَهَّ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ فِي الْمُضَاعَفِ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حِكَايَةُ صَوْتٍ، أَوْ حَمْلُ لَفْظٍ عَلَى لَفْظٍ. فَالْبَهْبَهَةُ هَدِيرُ الْفَحْلِ. قَالَ شَاعِرٌ:
بِرَجْسٍ بَغْباغِ الْهَدِيرِ الْبَهْبَهِ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْبَهْبَهَةُ: الْأَصْوَاتُ الْكَثِيرَةُ. وَالْبَهْبَهَةُ: الْخَلْقُ الْكَثِيرُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْجَسِيمِ الْجَرِيءِ الْبَهْبَهِيُّ، فَهُوَ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ يُبَهْبِهُ فِي صَوْتِهِ. قَالَ:
لَا تَرَاهُ فِي حَادِثِ الدَّهْرِ ... إِلَّا وَهْوَ يَغْدُو بِبَهْبَهِيٍّ جَرِيمِ
وَقَوْلُهُمْ تَبَهْبَهَ الْقَوْمُ إِذَا تَشَرَّفُوا، هُوَ مِنْ حَمْلِ لَفْظٍ عَلَى لَفْظٍ، لِأَنَّ أَصْلَهُ بَخْبَخُوا، مِنْ قَوْلِهِمْ فِي التَّعَظُّمِ وَالتَّعْظِيمِ: بَخٍْ بَخٍْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَمْ تَرَ أَنِّي مِنْ زُبَيْدٍ بِذِرْوَةٍ ... تَفَرَّعَ فِيهَا مَعْشَرِي وَتَبَهْبَهُوا

(بَبَّ) الْبَاءُ وَالْبَاءُ فِي الْمُضَاعَفِ لَيْسَ أَصْلًا، لِأَنَّهُ حِكَايَةُ صَوْتٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَبَّةُ: هَدِيرُ الْفَحْلِ فِي تَرْجِيعِهِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
يَسُوقُهَا أَعْيَسُ هَدَّارٌ يَبِبْ ... إِذَا دَعَاهَا أَقْبَلَتْ لَا تَتَّئِبْ
وَقَدْ قَالُوا رَجُلٌ بَبٌّ، أَيْ: سَمِينٌ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُلَقَّبُ " بَبَّةَ ".
(1/193)

(بَوَّ) الْبَوُّ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ جِلْدُ حُِوارٍ يُحْشَى وَتُعْطَفُ عَلَيْهِ النَّاقَةُ إِذَا مَاتَ وَلَدُهَا. قَالَ الْكُمَيْتُ:
مُدْرَجَةٌ كَالْبَوِّ بَيْنَ الظِّئْرَيْنِ
وَالرَّمَادُ بَوُّ الْأَثَافِيِّ عَلَى التَّشْبِيهِ.

(بِيءْ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالْبَاءُ وَالْهَمْزَةُ، لَيْسَتْ أُصُولًا تُقَاسُ، لِأَنَّهَا كَلِمَاتٌ مُفْرَدَةٌ. يَقُولُونَ " هَيُّ بْنُ بَيٍّ " لِمَنْ لَا يُعْرَفُ. وَيَقُولُونَ بِأْبَأْتُ الصَّبِيَّ قُلْتُ لَهُ بَابَا. قَالَ الْأَحْمَرُ: بَأْبَأَ الرَّجُلُ أَسْرَعَ. وَقَدْ تَبَأْبَأْنَا: إِذَا أَسْرَعْنَا. وَالْبُؤْبُؤُ: السَّيِّدُ الظَّرِيفُ. وَالْبُؤْبُؤُ: الْأَصْلُ. قَالَ:
فِي بُؤْبُؤِ الْمَجْدِ وَبُحبُوحِ الْكَرَمْ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَتَرَ) الْبَاءُ وَالتَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَطْعُ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّهُ. وَالسَّيْفُ الْبَاتِرُ الْقَطَّاعُ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا عَقِبَ لَهُ أَبْتَرُ. وَكُلُّ مَنِ انْقَطَعَ مِنَ الْخَيْرِ أَثَرُهُ فَهُوَ أَبْتَرُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ» ، وَخَطَبَ زِيَادٌ خُطْبَتَهُ الْبَتْرَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْتَتِحْهَا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَجُلٌ أُباتِرٌ: يَقْطَعُ رَحِمَهُ يَبْتُرُهَا. قَالَ:
(1/194)

عَلَى قَطْعِ ذِي الْقُرْبَى أَحَذُّ أُباتِرُ

(بَتَعَ) الْبَاءُ وَالتَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ. فَالْبَتَعُ طُولُ الْعُنُقِ مَعَ شِدَّةِ مَغْرِزِهِ. وَيُقَالُ لِكُلِّ شَدِيدِ الْمَفَاصِلِ بَتِعٌ. فَأَمَّا الْبِتْعُ فَيَقُولُونَ إِنَّهُ نَبِيذُ الْعَسَلِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعِلَّةٍ أَنْ تَكُونَ فِيهِ.

(بَتَكَ) الْبَاءُ وَالتَّاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَطْعُ. قَالُوا: بَتَكْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ أَبْتُِكُهُ بَتْكًا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَتْكُ قَطْعُ الْأُذُنِ. وَفِي الْقُرْآنِ: {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء: 119] . قَالَ: وَالْبَاتِكُ السَّيْفُ الْقَاطِعُ. قَالَ: وَالْبَتْكُ أَنْ تَقْبِضَ عَلَى شَعَرٍ أَوْ رِيشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ تَجْذِبَهُ إِلَيْكَ فَيَنْبَتِكَ مِنْ أَصْلِهِ، أَيْ: يَنْقَطِعَ وَيَنْتَتِفَ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ ذَلِكَ بِتْكَةٌ، وَالْجَمْعُ بِتَكٌ. قَالَ زُهَيْرٌ:
حَتَّى إِذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الْغُلَامِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ

(بَتَلَ) الْبَاءُ وَالتَّاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى إِبَانَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ. يُقَالُ: بتَلْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَبَنْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَيُقَالُ: طَلَّقَهَا بَتَّةً بَتْلَةً. وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ " الْبَتُولُ " لِأَنَّهَا انْفَرَدَتْ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ. وَيُقَالُ: نَخْلَةٌ مُبْتِلٌ: إِذَا انْفَرَدَتْ عَنْهَا الصَّغِيرَةُ النَّابِتَةُ مَعَهَا. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
(1/195)

ذَلِكَ مَا دِينُكَ إِذْ قُرِّبَتْ ... أَجْمَالُهَا كَالْبُكُرِ الْمُبْتِلِ
وَالْبَتِيلَةُ: كُلُّ عُضْوٍ بِلَحْمِهِ مُكْتَنِزِ اللَّحْمِ، الْجَمْعُ بَتَائِلُ، كَأَنَّهُ بِكَثْرَةِ لَحْمِهِ بَائِنٌ عَنِ الْعُضْوِ الْآخَرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: امْرَأَةٌ مُبَتَّلَةُ الْخَلْقِ. وَالتَّبَتُّلُ: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِانْقِطَاعُ إِلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ، أَيِ انْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا.

[بَابُ الْبَاءِ وَالثَّاءِ مَعَ الَّذِي بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَثَرَ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ انْقِطَاعُ الشَّيْءِ مَعَ دَوَامٍ وَسُهُولَةٍ وَكَثْرَةٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: بَثَرَ جِلْدُهُ تَنَفَّطَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَثْرُ خُرَّاجٌ صِغَارٌ، الْوَاحِدَةُ بَثْرَةٌ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: بَثَرَ جِلْدُهُ بُثُورًا فَهُوَ بَاثِرٌ، وَبُثِرَ فَهُوَ مَبْثُورٌ. قَالَ: وَالْمَاءُ الْبَثْرُ الَّذِي يَنِشُّ وَيَبْقَى مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَالْعِرْمِضِ، وَهُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ. يَقُولُونَ: صَارَ الْغَدِيرُ بَثْرًا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: مَاءٌ بَثْرٌ كَثِيرٌ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
فَافْتَنَّهُنَّ مِنَ السَّوَاءِ وَمَاؤُهُ ... بَثْرٌ وَعَارَضَهُ طَرِيقٌ مَهْيَعُ
وَيُقَالُ: بَاثِرٌ وَبَاثِعٌ: إِذَا بَدَا وَنَتَأَ.
(1/196)

(بَثَعَ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ وَالْعَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ الْأَصْلِ الَّذِي قَبْلَهَا. يُقَالُ: شَفَةٌ بَاثِعَةٌ، أَيْ: مُمْتَلِئَةٌ.

(بَثَقَ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ وَالْقَافُ يَدُلُّ عَلَى التَّفَتُّحِ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ. الْبَثْقُ بَثْقُ الْمَاءِ، وَرُبَّمَا كُسِرَتْ فَقِيلَ بِثْقٌ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.

(بَثَنَ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّهُولَةِ وَاللِّينِ. يُقَالُ: أَرْضٌ بَِثْنَةٌ، أَيْ: سَهْلَةٌ، وَتَصْغِيرُهَا بُثَيْنَةٌ. وَبِهَا سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ بُثَيْنَةَ. وَالْبَثَنِيَّةُ حِنْطَةٌ مَنْسُوبَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَنِي عَلَى الشَّامِ، فَلَمَّا أَلْقَى بَوَانِيَهُ وَصَارَ بَثَنِيَّةً وَعَسَلًا عَزَلَنِي وَاسْتَعْمَلَ غَيْرِي.

(بَثَا) الْبَاءُ وَالثَّاءُ وَالْأَلِفُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَهِيَ الْبَثَاءُ: أَرْضٌ سَهْلَةٌ. وَهِيَ أَرْضٌ بِعَيْنِهَا. قَالَ:
رَفَعْتُ لَهَا طَرْفِي وَقَدْ حَالَ دُونَهَا ... جُمُوعٌ وَخَيْلٌ بِالْبَثَاءِ تُغِيرُ

[بَابُ الْبَاءِ وَالْجِيمِ وَمَا بَعْدَهُمَا]
(بَجَحَ) وَالْبَاءُ وَالْجِيمُ وَالْحَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. يُقَالُ: بَجَحَ بِالشَّيْءِ: إِذَا فَرِحَ بِهِ. وَيُبَجَّحُ بِكَذَا. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: " بَجَّحَنِي فَبَجَحْتُ " أَيْ: فَرَّحَنِي فَفَرِحْتُ. قَالَ الرَّاعِي:
(1/197)

فَمَا الْفَقْرُ مِنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ سَاقَنَا ... إِلَيْكَ وَلَكِنَّا بِقُرْبَاكَ نَبْجَحُ

(بَجَدَ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ وَالدَّالُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا دُِخْلَةُ الْأَمْرِ وَبَاطِنُهُ، وَالْآخَرُ جِنْسٌ مِنَ اللِّبَاسِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُمْ: هُوَ عَالِمٌ بِبَجْدَةِ أَمْرِكَ وَبُجْدَتِهِ، أَيْ: دُِخْلَتِهِ وَبَاطِنِهِ. وَيَقُولُونَ لِلدَّلِيلِ الْحَاذِقِ: " هُوَ ابْنُ بَجْدَتِهَا "، كَأَنَّهُ نَشَأَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْبِجَادُ، وَهُوَ كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ، وَجَمْعُهُ بُجْدٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
بِخُبْزٍ أَوْ بِتَمْرٍ أَوْ بِسَمْنٍ ... أَوِ الشَّيْءِ الْمُلَفَّفِ فِي الْبِجَادِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَجَدَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ.

(بَجَرَ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَعَقُّدُ الشَّيْءِ وَتَجَمُّعُهُ. يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي تَخْرُجُ سُرَّتُهُ وَتَتَجَمَّعُ عِنْدَهَا الْعُرُوقُ: الْأَبْجَرُ; وَتِلْكَ الْبُجْرَةُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " أَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِعُجَرِي وَبُجَرِي " أَيْ: أَطْلَعْتُهُ عَلَى أَمْرِي كُلِّهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْبَجَارَِي، وَهِيَ الدَّوَاهِي; لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُتَعَقِّدَةٌ مُشْتَبِهَةٌ; وَالْوَاحِدُ مِنْهَا بُجْرِيٌّ.
(1/198)

(بَجَسَ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ وَالسِّينُ: تَفَتُّحُ الشَّيْءِ بِالْمَاءِ خَاصَّةً. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَجْسُ انْشِقَاقٌ فِي قِرْبَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ أَرْضٍ يَنْبُعُ مِنْهَا مَاءٌ; فَإِنْ لَمْ يَنْبُعْ فَلَيْسَ بِانْبِجَاسٍ. قَالَ الْعَجَّاجُ:
وَكِيفَ غَرْبَيْ دَالِجٍ تَبَجَّسَا
قَالَ: وَالِانْبِجَاسُ عَامٌّ، وَالنُّبُوعُ لِلْعَيْنِ خَاصَّةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 160] . وَيَقُولُ الْعَرَبُ: تَبَجَّسَ الْغَرْبُ. وَهَذِهِ أَرْضٌ تَبَجَّسُ عُيُونًا، وَالسَّحَابُ يَتَبَجَّسُ مَطَرًا. قَالَ يَعْقُوبُ: جَاءَنَا بِثَرِيدَةٍ تَتَبَجَّسُ. وَذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الدَّسَمِ. وَذُكِرَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو تُرَابٍ، وَلَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ: بَجَسْتُ الْجُرْحَ مِثْلَ بَطَطْتُهُ.

(بَجَلَ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ وَاللَّامُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا الْكَفَافُ وَالِاحْتِسَابُ، وَالْآخَرُ الشَّيْءُ الْعَظِيمُ، وَالثَّالِثُ عِرْقٌ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ بَجَلْ بِمَعْنَى حَسْبُ. يَقُولُ مِنْهُ: أبْجَلَنِي كَذَا كَمَا يَقُولُ كَفَانِي وَأَحْسَبَنِي. قَالَ الْكُمَيْتُ:
إِلَيْهِ مَوَارِدُ أَهْلِ الْخَصَاصِ ... وَمِنْ عِنْدِهِ الصَّدَرُ الْمُبْجِلُ
قَالَ ثَعْلَبٌ: بَجَلْ بِمَعْنَى حَسْبُ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ مُضَافًا إِلَّا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ لَبِيدٍ:
(1/199)

بَجَلِي الْآنَ مِنَ الْعَيْشِ بَجَلْ كَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ. وَقَدْ قَالَ طَرَفَةُ:
ألَا إِنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَدَ حَالِكًا ... ألَا بَجَلِي مِنَ الشَّرَابِ ألَا بَجَلْ
وَبَجِيلَةُ قَبِيلَةٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِنْ هَذَا أَوْ مَا بَعْدَهُ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الْعَظِيمِ: بَجَالٌ وَبَجِيلٌ. وَالْبُجْلُ الْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ. وَحُجَّتُهُ قَوْلُ أَبِي دُوَادٍ:
قُلْتَ بُجْلًا قُلْتَ قَوْلًا كَاذِبًا وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ عِرْقٌ فِي بَاطِنِ الذِّرَاعِ. قَالَ شَاعِرٌ:
سَارَتْ إِلَيْهِمْ سُؤُورَ الْأَبْجَلِ الضَّارِي

(بَجَمَ) الْبَاءُ وَالْجِيمُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الْجَمْعِ. يُقَالُ لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ بَجْمٌ. وَمِنْ ذَلِكَ بَجَّمَ فِي نَظَرِهِ. وَذَلِكَ إِذَا جَمَّعَ أَجْفَانَهُ وَنَظَرَ.
(1/200)

[بَابُ الْبَاءِ وَالْحَاءِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَحَرَ) الْبَاءُ وَالْحَاءُ وَالرَّاءُ. قَالَ الْخَلِيلُ سُمِّيَ الْبَحْرُ بَحْرًا لِاسْتِبْحَارِهِ وَهُوَ انْبِسَاطُهُ وَسَعَتُهُ. وَاسْتَبْحَرَ فُلَانٌ فِي الْعِلْمِ، وَتَبَحَّرَ الرَّاعِي فِي رِعْيٍ كَثِيرٍ. قَالَ أُمَيَّةُ:
انعِقْ بِضَانِكَ فِي بَقْلٍ تَبَحَّرُهُ ... بَيْنَ الْأَبَاطِحِ وَاحْبِسْهَا بِجِلْدَانِ
وَتَبَحَّرَ فُلَانٌ فِي الْمَالِ. وَرَجُلٌ بَحْرٌ: إِذَا كَانَ سَخِيًّا، سَمَّوْهُ لِفَيْضِ كَفِّهِ بِالْعَطَاءِ كَمَا يَفِيضُ الْبَحْرُ. قَالَ الْعَامِرِيُّ: أَبْحَرَ الْقَوْمُ: إِذَا رَكِبُوا الْبَحْرَ، وَأَبَرُّوا أَخَذُوا فِي الْبَرِّ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: بَحِرَتِ الْإِبِلُ أَكَلَتْ شَجَرَ الْبَحْرِ. وَبَحِرَ الرَّجُلُ سَبَحَ فِي الْبَحْرِ فَانْقَطَعَتْ سِبَاحَتُهُ. وَيُقَالُ لِلْمَاءِ إِذَا غَلُظَ بَعْدَ عُذُوبَةٍ اسْتَبْحَرَ وَمَاءٌ بَحْرٌ، أَيْ: مِلْحٌ. قَالَ:
وَقَدْ عَادَ مَاءُ الْأَرْضِ بَحْرًا فَزَادَنِي ... عَلَى مَرَضِي أَنْ أَبْحَرَ الْمَشْرَبُ الْعَذْبُ
قَالَ: وَالْأَنْهَارُ كُلُّهَا بِحَارٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْبَحْرَةُ الرَّوْضَةُ. وَقَالَ الْأُمَوِيُّ: الْبَحْرَةُ الْبَلْدَةُ. وَيُقَالُ: هَذِهِ بَحْرَتُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَحْرَةُ الْفَجْوَةُ مِنَ الْأَرْضِ تَتَّسِعُ. قَالَ النِّمْرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
(1/201)

وَكَأَنَّهَا دَقَرَى تَخَيَّلُ، نَبْتُهَا ... أُنُفٌ، يَغُمُّ الضَّالَ نَبْتُ بِحَارِهَا
وَالْأَصْلُ الثَّانِي دَاءٌ، يُقَالُ: بَحِرَتِ الْغَنَمُ وَأَبْحَرُوهَا: إِذَا أَكَلَتْ عُشْبًا عَلَيْهِ نَدًى فَبَحِرَتْ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنْ تَخْمُصَ بُطُونُهَا وَتُهْلَسَ أَجْسَامُهَا. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: بَحِرَتِ الْإِبِلُ: إِذَا أَكَلَتِ النَّشْرَ، فَتَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا دَوَابٌّ كَأَنَّهَا حَيَّاتٌ. قَالَ الضَّبِّيُّ: الْبَحَرُ فِي الْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ السُّهَامِ فِي الْإِبِلِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْإِبِلِ بَحَرٌ وَلَا فِي الْغَنَمِ سُهَامٌ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: رَجُلٌ بَحِرٌ: إِذَا أَصَابَهُ سُلَالٌ. قَالَ:

وَغِلْمَتِي مِنْهُمْ سَحِيرٌ وَبَحِرْ
قَالَ الزِّيَادِيُّ: الْبَحْرُ اصْفِرَارُ اللَّوْنِ. وَالسَّحِيرُ الَّذِي يَشْتَكِي سَحْرَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ هَذَا مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِي الِاتِّسَاعِ وَالِانْبِسَاطِ؟ قِيلَ لَهُ: كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَحْرِ; لِأَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يُشْرَبُ، فَإِنْ شُرِبَ أَوْرَثَ دَاءً. كَذَلِكَ كُلُّ مَاءٍ مِلْحٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءَ بَحْرٍ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الرَّجُلُ الْبَاحِرُ، وَهُوَ الْأَحْمَقُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَّسِعُ بِجَهْلِهِ فِيمَا لَا يَتَّسِعُ فِيهِ الْعَاقِلُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَحَرْتُ النَّاقَةَ بَحْرًا، وَهُوَ شَقُّ أُذُنِهَا، وَهِيَ
(1/202)

الْبَحِيرَةُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا إِذَا نُتِجَتْ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ، فَلَا تُرْكَبُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِظَهْرِهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} [المائدة: 103] . وَأَمَّا الدَّمُ الْبَاحِرُ وَالْبَحْرَانِيُّ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ. وَالْأَصَحُّ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: أَنَّ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْبَحْرِ. قَالَ: وَالْبَحْرُ عُمْقُ الرَّحِمِ، فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إِلَى الْبَابِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَجُلٌ بَحْرَانِيٌّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَقَالُوا بَحْرَانِيٌّ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْبَحْرِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: " لَقِيتُهُ صَحْرَةَ بَحْرَةَ " أَيْ: مُشَافَهَةً. وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
بِأَرْضٍ هِجَانِ التُّرْبِ وَسْمِيَّةِ ... الثَّرَى عَذَاةٍ نَأَتْ عَنْهَا الْمُلُوحَةُ وَالْبَحْرُ
فَإِنَّهُ يَعْنِي كُلَّ مَاءٍ مِلْحٍ. وَالْبَحْرُ هُوَ الرِّيفُ.

(بَحَنَ) الْبَاءُ وَالْحَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الضِّخَمِ، يُقَالُ: جُلَّةٌ بَحْوَنَةٌ، أَيْ: ضَخْمَةٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يَقُولُ الْعَرَبُ لِلْغَرْبِ إِذَا كَانَ عَظِيمًا كَثِيرَ الْأَخْذِ: إِنَّهُ لَبَحْوَنُ، عَلَى مِثَالِ جَدْوَلٍ.

(بَحَتَ) الْبَاءُ وَالْحَاءُ وَالتَّاءُ، يَدُلُّ عَلَى خُلُوصِ الشَّيْءِ وَأَلَّا يَخْلِطَهُ غَيْرُهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَحْتُ الشَّيْءُ الْخَالِصُ، وَمِسْكٌ بَحْتٌ. وَلَا يُصَغَّرُ وَلَا يُثَنَّى. قَالَ الْعَامِرِيُّ: بَاحَتَنِي الْأَمْرَ، أَيْ: جَاهَرَنِي بِهِ وَبَيَّنَهُ وَلَمْ يُخْفِهِ عَلَيَّ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ:
(1/203)

بَاحَتَ فُلَانٌ دَابَّتَهُ بِالضَّرِيعِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّبْتِ، أَيْ: أَطْعَمَهَا إِيَّاهُ بَحْتًا. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ:
أَلَا مَنَعَتْ ثُمَالَةُ بَطْنَ وَجٍّ ... بِجُرْدٍ لَمْ تُبَاحَتْ بِالضَّرِيعِ
أَيْ: لَمْ تُطْعَمِ الضَّرِيعَ بَحْتًا لَا يَخْلِطُهُ [غَيْرُهُ] . وَيُقَالُ: ظُلْمٌ بَحْتٌ، أَيْ: لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ. وَبَرْدٌ بَحْتٌ وَمَحْتٌ، أَيْ: صَادِقٌ، وَحُبٌّ بَحْتٌ مِثْلُهُ. وَعَرَبِيٌّ بَحْتٌ وَمَحْضٌ وَقَلْبٌ. وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ.

(بَحَثَ) الْبَاءُ وَالْحَاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى إِثَارَةِ الشَّيْءِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَحْثُ طَلَبُكَ شَيْئًا فِي التُّرَابِ. وَالْبَحْثُ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ وَتَسْتَخْبِرَ. تَقُولُ اسْتَبْحِثْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَنَا أَسْتَبْحِثُ عَنْهُ. وَبَحَثْتُ عَنْ فُلَانٍ بَحْثًا، وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " كَالْبَاحِثِ عَنْ مُدْيَةٍ " يُضْرَبُ لِمَنْ يَكُونُ حَتْفُهُ بِيَدِهِ. وَأَصْلُهُ فِي الثَّوْرِ تُدْفَنُ لَهُ الْمُدْيَةُ فِي التُّرَابِ فَيَسْتَثِيرُهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَتَذْبَحُهُ، قَالَ:
وَلَا تَكُ كَالثَّوْرِ الَّذِي دُفِنَتْ لَهُ ... حَدِيدَةُ حَتْفٍ ثُمَّ ظَلَّ يُثِيرُهَا
قَالَ: وَالْبَحْثُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْيَدِ. وَهُوَ بِالرِّجْلِ الْفَحْصُ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: الْبَحُوثُ مِنَ الْإِبِلِ: [الَّتِي] إِذَا سَارَتْ بَحَثَتِ التُّرَابَ بِيَدِهَا أُخُرًا أُخُرًا، تَرْمِي بِهِ وَرَاءَهَا. قَالَ:
(1/204)

يَبْحَثْنَ بَحْثًا كَمُضِلَّاتِ الْخَدَمْ
وَيُقَالُ: بَحَثَ عَنِ الْخَبَرِ، أَيْ: طَلَبَ عِلْمَهُ. الدُّرَيْدِيُّ: يُقَالُ: " تَرَكْتُهُ بِمَبَاحِثِ الْبَقَرِ " أَيْ: بِحَيْثُ لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْبَاحِثَاءُ، عَلَى وَزْنِ الْقَاصِعَاءِ تُرَابٌ يَجْمَعُهُ الْيَرْبُوعُ، وَيُجْمَعُ بَاحِثَاوَاتٍ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالْخَاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَخَدَ) بَابُ الْبَاءِ وَالْخَاءُِ وَالدَّالِ. لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ بِدَخِيلٍ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. قَالُوا: امْرَأَةٌ بَخَنْدَاةُ، أَيْ: ثَقِيلَةُ الْأَوْرَاكِ.

(بَخَرَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ رَائِحَةٌ أَوْ رِيحٌ تَثُورُ. مِنْ ذَلِكَ الْبُخَارِ، وَمِنْهُ الْبَخُورُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَكَانَ ثَعْلَبٌ يَقُولُ: عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ مِثْلَ الْبَرُودِ وَالْوَجُورِ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلسَّحَائِبِ الَّتِي تَأْتِي قَبْلَ الصَّيْفِ بَنَاتُ بَخْرٍ فَلَيْسَ مِنَ الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْبَاءَ مُبْدَلَةٌ مِنْ مِيمٍ، وَالْأَصْلُ مَخْرٌ. وَقَدْ ذُكِرَ قِيَاسُهُ فِي بَابِهِ بِشَوَاهِدِهِ.

(بَخَسَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّقْصُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] ، أَيْ: نَقْصٍ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فِي الْمُخِّ: بَخَّسَ
(1/205)

تَبْخِيسًا: إِذَا صَارَ فِي السُّلَامَى وَالْعَيْنِ، وَذَلِكَ حَتَّى نُقْصَانِهِ وَذَهَابِهِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَقَالَ شَاعِرٌ:
لَا يَشْتَكِينَ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنْ ... مَا دَامَ مُخٌّ فِي سُلَامَى أَوْ عَيْنْ

(بَخَصَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالصَّادُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ لُحْمَةٌ خَاصَّةٌ: يُقَالُ: لِلُحْمَةِ الْعَيْنِ بَخَصَةٌ. وَبَخَصْتُ الرَّجُلَ: إِذَا ضَرَبْتُ مِنْهُ [ذَلِكَ] . وَالْبَخَصَةُ لَحْمُ بَاطِنِ خُفِّ الْبَعِيرِ. وَبَخَصُ الْيَدِ لَحْمُ أُصُولِ الْأَصَابِعِ مِمَّا يَلِي الرَّاحَةَ.

(بَخَعَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ وَمَا دَانَاهُ مِنْ إِذْلَالٍ وَقَهْرٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ: إِذَا قَتَلَهَا غَيْظًا مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ألَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُِ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} [الكهف: 6] . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَمِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَيَّاطِ عَنْهُ قَالَ:
(1/206)

قَالَ الضَّبِّيُّ: بَخَعْتُ الذَّبِيحَةَ: إِذَا قَطَعْتُ عَظْمَ رَقَبَتِهَا، فَهِيَ مَبْخُوعَةٌ، وَنَخَعْتُهَا دُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ النُّخَاعَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الَّذِي يَجْرِي فِي الرَّقَبَةِ وَفَقَارِ الظَّهْرِ، وَالْبِخَاعُ، بِالْبَاءِ: الْعِرْقُ الَّذِي فِي الصُّلْبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بَخَعْتُ لَهُ نَفْسِي وَنُصْحِي، أَيْ: جَهَدْتُ. وَأَرْضٌ مَبْخُوعَةٌ: إِذَا بُلِغَ مَجْهُودُهَا بِالزَّرْعِ. وَبَخَعَ لِي بِحَقِّي إِذَا أَقَرَّ.

(بَخَقَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، يُقَالُ: بَخَقْتُ عَيْنَهُ إِذَا ضَرَبْتُهَا حَتَّى تَعُورَهَا. قَالَ رُؤْبَةُ:

وَمَا بِعَيْنَيْهِ عَوَاوِيرُ الْبَخَقْ

(بَخَلَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ: الْبُخْلُ وَالْبَخَلُ. وَرَجُلٌ بَخِيلٌ وَبَاخِلٌ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُ فَهُوَ بَخَّالٌ. قَالَ رُؤْبَةُ:

فَذَاكَ بَخَّالٌ أَرُوزُ الْأَرْزِ
(1/207)

(بَخَوَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالْوَاوُ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْبَخْوُ الرُّطَبُ الرَّدِيُّ، يُقَالُ: رُطَبَةٌ بَخْوَةٌ.

(بَخَتَ) الْبَاءُ وَالْخَاءُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ دُرَيْدٍ، زَعَمَ أَنَّ الْبُخْتَ مِنَ الْجَمَالِ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، [وَأَنْشَدَ] :
لَبَنَ الْبُخْتِ فِي قِصَاعِ الْخَلَنْجِ

[بَابُ الْبَاءِ وَالدَّالِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَدَرَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ، أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا كَمَالُ الشَّيْءِ وَامْتِلَاؤُهُ، وَالْآخَرُ الْإِسْرَاعُ إِلَى الشَّيْءِ. [أَمَّا] الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُهُمْ لِكُلِّ شَيْءٍ تَمَّ بَدْرٌ، وَسُمِّيَ الْبَدْرُ بَدْرًا لِتَمَامِهِ وَامْتِلَائِهِ. وَقِيلَ لِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بَدْرَةٌ، لِأَنَّهَا تَمَامُ الْعَدَدِ وَمُنْتَهَاهُ. وَعَيْنٌ بَدْرَةٌ، أَيْ: مُمْتَلِئَةٌ. قَالَ شَاعِرٌ:
وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... إِلَى حَاجِبٍ غُلَّ فِيهِ الشُّفُرُ
وَيُقَالُ لِمَسْكِ السَّخْلَةِ بَدْرَةٌ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَدَدِ، كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسَعُ
(1/208)

هَذَا الْعَدَدَ. وَيَقُولُونَ غُلَامٌ بَدْرٌ: إِذَا امْتَلَأَ شَبَابًا. فَأَمَّا " بَدْرٌ " الْمَكَانُ فَهُوَ مَاءٌ مَعْرُوفٌ، نُسِبَ إِلَى رَجُلٍ اسْمُهُ بَدْرٌ. وَأَمَّا الْبَوَادِرُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ فَجَمْعُ بَادِرَةٍ، وَهِيَ اللُّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ، وَهِيَ مِنَ الْبَابِ لِأَنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ. قَالَ شَاعِرٌ:

وَجَاءَتِ الْخَيْلُ مُحْمَرًّا بَوَادِرُهَا
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: قَوْلُهُمْ بَدَرْتُ إِلَى الشَّيْءِ وَبَادَرْتُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَطَاءُ بَادِرَةً لِأَنَّهَا تَبْدُرُ مِنَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ حِدَّةٍ وَغَضَبٍ. يُقَالُ: كَانَتْ مِنْهُ بَوَادِرُ، أَيْ: سَقَطَاتٌ. وَيُقَالُ: بَدَرَتْ دَمْعَتُهُ وَبَادَرَتْ: إِذَا سَبَقَتْ، فَهِيَ بَادِرَةٌ، وَالْجَمْعُ بَوَادِرُ. قَالَ كُثَيِّرٌ:
إِذَا قِيلَ هَذِي دَارُ عَزَّةَ قَادَنِي ... إِلَيْهَا الْهَوَى وَاسْتَعْجَلَتْنِي الْبَوَادِرُ

(بَدَعَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْعَيْنُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَصُنْعُهُ لَا عَنْ مِثَالٍ، وَالْآخَرُ الِانْقِطَاعُ والْكَلَالُ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: أَبْدَعْتُ الشَّيْءَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا: إِذَا ابْتَدَأْتُهُ لَا عَنْ سَابِقِ مِثَالٍ. وَاللَّهُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ابْتَدَعَ فُلَانٌ الرَّكِيَّ: إِذَا اسْتَنْبَطَهُ. وَفُلَانٌ بِدْعٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] ، أَيْ: مَا كُنْتُ أَوَّلَ.
(1/209)

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُهُمْ: أُبْدِعَتِ الرَّاحِلَةُ: إِذَا كَلَّتْ وَعَطِبَتْ، وَأُبْدِعَ بِالرَّجُلِ: إِذَا كَلَّتْ رِكَابُهُ أَوْ عَطِبَتْ وَبَقِيَ مُنْقَطِعًا بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي» . وَيُقَالُ: الْإِبْدَاعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِظَلْعٍ. وَمِنْ بَعْضِ ذَلِكَ اشْتُقَّتِ الْبِدْعَةُ.

(بَدَغَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْغَيْنُ، لَيْسَتْ فِيهِ كَلِمَةٌ أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّ الدَّالَ فِي أَحَدِ أُصُولِهَا مُبْدَلَةٌ مِنْ طَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ بَدِغَ الرَّجُلُ: إِذَا تَلَطَّخَ بِالشَّرِّ، وَهُوَ بَدِغٌ مِنَ الرِّجَالِ. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ طَاءٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ (بَطَغَ) . وَبَقِيَتْ كَلِمَتَانِ مَشْكُوكٌ فِيهِمَا: إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُمُ الْبَدَغُ التَّزَحُّفُ عَلَى الْأَرْضِ. وَالْأُخْرَى قَوْلُهُمْ: إِنَّ بَنِي فُلَانٍ لَبَدِغُونَ: إِذَا كَانُوا سِمَانًا حَسَنَةً أَحْوَالُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

(بَدَلَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قِيَامُ الشَّيْءِ مَقَامَ الشَّيْءِ الذَّاهِبِ. يُقَالُ: هَذَا بَدَلُ الشَّيْءِ وَبَدِيلُهُ. وَيَقُولُونَ بَدَّلْتُ الشَّيْءَ: إِذَا غَيَّرْتُهُ وَإِنْ لَمْ تَأْتِ لَهُ بِبَدَلٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] . وَأَبْدَلْتُهُ: إِذَا أَتَيْتُ لَهُ بِبَدَلٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
عَزْلَ الْأَمِيرِ لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَلِ
(1/210)

(بَدَنَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شَخْصُ الشَّيْءِ دُونَ شَوَاهُ، وَشَوَاهُ أَطْرَافُهُ. يُقَالُ: هَذَا بَدَنُ الْإِنْسَانِ، وَالْجَمْعُ الْأَبْدَانُ. وَسُمِّيَ الْوَعْلُ الْمُسِنُّ بَدَنًا مِنْ هَذَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ ضَمَّهَا وَالْبَدَنَ الْحِقَابُ ... جِدِّي لِكُلِّ عَامِلٍ ثَوَابُ
الرَّأْسُ وَالْأَكْرُعُ وَالْإِهَابُ
وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا بَالَغُوا فِي نَعْتِ الشَّيْءِ سَمَّوْهُ بِاسْمِ الْجِنْسِ، كَمَا يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الْمُبَالَغِ فِي نَعْتِهِ: هُوَ رَجُلٌ، فَكَذَلِكَ الْوَعِلُ الشَّخِيصُ، سُمِّيَ بَدَنًا. وَكَذَلِكَ الْبَدَنَةُ الَّتِي تُهْدَى لِلْبَيْتِ، قَالُوا: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَسْمِنُونَهَا. وَرَجُلٌ بَدَنٌ، أَيْ: مُسِنٌّ. قَالَ الشَّاعِرُ:
هَلْ لِشَبَابٍ فَاتَ مِنْ مَطْلَبِ ... أَمْ مَا بُكَاءُ الْبَدَنِ الْأَشْيَبِ
وَرَجُلٌ بَادِنٌ وَبَدِينٌ، أَيْ: عَظِيمُ الشَّخْصِ وَالْجِسْمِ، يُقَالُ مِنْهُ بَدُنَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنِّي قَدْ بَدُنْتُ» . وَالنَّاسُ قَدْ يَرْوُونَهُ: " بَدَّنْتُ ". وَيَقُولُونَ: بَدَّنَ: إِذَا أَسَنَّ. قَالَ الشَّاعِرُ:
(1/211)

وَكُنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ وَالتَّبْدِينَا ... وَالْهَمَّ مِمَّا يُذْهِلُ الْقَرِينَا
وَتُسَمَّى الدِّرْعُ الْبَدَنَ لِأَنَّهَا تَضُمُّ الْبَدَنَ.

(بَدَهَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَوَّلِ الشَّيْءِ وَالَّذِي يُفَاجِئُ مِنْهُ. يُقَالُ: بَادَهْتُ فُلَانًا بِالْأَمْرِ: إِذَا فَاجَأْتُهُ. وَفُلَانٌ ذُو بَدِيهَةٍ: إِذَا فَجِئَهُ الْأَمْرُ لَمْ يَتَحَيَّرْ. والْبُدَاهَةُ أَوَّلُ جَرْيِ الْفَرَسِ، قَالَ الْأَعْشَى:
إِلَّا بُداهَةَ أَوْ عُلَا ... لَةَ سَابِحٍ نَهْدِ الْجُزَارَهْ

(بَدَوَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو: إِذَا ظَهَرَ، فَهُوَ بَادٍ. وَسُمِّيَ خِلَافُ الْحَضَرِ بَدْوًا مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ فِي بَرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَيْسُوا فِي قُرًى تَسْتُرُهُمْ أَبْنِيَتُهَا. وَالْبَادِيَةُ خِلَافُ الْحَاضِرَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَنْ تَكُنِ الْحَِضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ ... فَأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرَانَا
وَتَقُولُ: بَدَا لِي فِي هَذَا الْأَمْرِ بَدَاءٌ، أَيْ: تَغَيَّرَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ.

(بَدَأَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْهَمْزَةُ مِنِ افْتِتَاحِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: بَدَأْتُ بِالْأَمْرِ وَابْتَدَأْتُ، مِنَ الِابْتِدَاءِ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُبْدِئُ وَالْبَادِئُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13] ، وَقَالَ تَعَالَى: {كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: 20] . وَيُقَالُ: لِلْأَمْرِ الْعَجَبِ بَدِيٌّ، كَأَنَّهُ مِنْ عَجَبِهِ يُبْدَأُ بِهِ. قَالَ عَبِيدٌ:
(1/212)

فَلَا بَدِيٌّ وَلَا عَجِيبُ
وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ الْبَدْءُ، لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِذِكْرِهِ. قَالَ:
تَرَى ثِنَانًا إِذَا مَا جَاءَ بَدْأَهُمُ ... وَبَدْؤُهُمْ إِنْ أَتَانَا كَانَ ثُنْيَانًا
وَتَقُولُ: أَبَدَأْتُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أُخْرَى أُبدِئُ إِبْدَاءً: إِذَا خَرَجْتُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا. والْبُدْأَةُ النَّصِيبُ، وَهُوَ مِنْ هَذَا أَيْضًا، لِأَنَّ كُلَّ ذِي نَصِيبٍ فَهُوَ يُبْدَأُ بِذِكْرِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَهَمُّهَا إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَنَحْتُ بُدْأَتَهَا رَقِيبًا جَانِحًا ... وَالنَّارُ تَلْفَحُ وَجْهَهُ بِأُوَارِهَا
وَالْبُدُوءُ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ، وَاحِدُهَا بَدْءٌ، مِثْلَ بَدْعٍ. وَأَظُنُّهُ مِمَّا هُمِزَ وَلَيْسَ أَصْلَهُ الْهَمْزُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بُدُوءًا لِبُرُوزِهَا وَظُهُورِهَا، فَهِيَ إِذًا مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ وَلَا أَدْرِي مِمَّ اشْتِقَاقُهُ قَوْلُهُمْ بُدِئَ فَهُوَ مَبْدُوءٌ: إِذَا جُدِرَ أَوْ حُصِبَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكَأَنَّمَا بُدِئَتْ ظَوَاهِرُ جِلْدِهِ ... مِمَّا يُصَافِحُ مِنْ لَهِيبِ سِهَامِهَا
(1/213)

(بَدَحَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تُرَدُّ إِلَيْهِ فُرُوعٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ مُبْدَلٌ مِنْهُ. فَأَمَّا الْأَصْلُ فَاللِّينُ وَالرَّخَاوَةُ وَالسُّهُولَةُ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
كَأَنَّ أَتِيَّ السَّيْلِ مَدَّ عَلَيْهِمُ ... إِذَا دَفَعَتْهُ فِي الْبَدَاحِ الْجَراشِعُ
ثُمَّ اشْتُقَّ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ لِلْمَرْأَةِ الْبَادِنِ الضَّخْمَةِ بَيْدَحٌ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
أَغَارُ عَلَى نَفْسِي لِسَلْمَةَ خَالِيًا ... وَلَوْ عَرَضَتْ لِي كُلُّ بَيْضَاءَ بَيْدَحِ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: الْبَدْحَاءُ مِنَ النِّسَاءِ الْوَاسِعَةُ الرُّفْغِ. قَالَ:
بَدْحَاءَ لَا يَسْتُرُهُ فَخْذَاهَا
يُقَالُ: بَدَحَتِ الْمَرْأَةُ [وَ] تَبَدَّحَتْ: إِذَا حَسُنَتْ مِشْيَتُهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَبْدَحْنَ فِي أَسْوُقٍ خُرْسٍ خَلَاخِلُهَا ... مَشْيَ الْمِهَارِ بِمَاءٍ تَتَّقِي الْوَحَلَا
وَقَالَ آخَرُ:
يَتْبَعْنَ سَدْوَ رَسْلَةٍ تَبدَّحُ ... يَقُودُهَا هَادٍ وَعَيْنٌ تَلْمَحُ
تَبَدَّحَ: تَبَسَّطَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْخَلِيلِ: [الْبَدْحُ] ضَرْبُكَ بِشَيْءٍ فِيهِ
(1/214)

رَخَاوَةٌ، كَمَا تَأْخُذُ بِطِّيخَةً فَتَبْدَحُ بِهَا إِنْسَانًا. وَتَقُولُ: رَأَيْتُهُمْ يَتَبَادَحُونَ بِالْكُرِينَ وَالرُّمَّانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَبَثًا. فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ.
وَأَمَّا الْكَلِمَاتُ الْأُخَرُ فَقَوْلُهُمْ: بَدَحَهُ الْأَمْرُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَاءٌ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَاءٍ، وَالْأَصْلُ بَدَهَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمُ ابْتَدَحْتَ الشَّيْءَ: إِذَا ابْتَدَأْتَ بِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ ابْتَدَعْتَ وَاخْتَلَقْتَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا أَيُّهَا السَّائِلُ بِالْجَحْجَاحِ ... لَفِي مُرَادٍ غَيْرَ ذِي ابْتِدَاحِ
وَكَذَلِكَ الْبَدْحُ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْحَمَالَةِ إِذَا احْتَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، وَكَذَلِكَ عَجْزُ الْبَعِيرِ عَنْ حَمْلِ حِمْلِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكَايِنْ بِالْمَعْنِ مِنْ أَغَرَّ سَمَيْدَعٍ ... إِذَا حُمِّلَ الْأَثْقَالَ لَيْسَ بِبَادِحِ
فَهَذَا مِنَ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْإِبْدَاعُ الَّذِي مَضَى ذِكْرُهُ، إِذَا كَلَّ وَأَعْيَا. فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ:
بِالْهَجْرِ مِنْ شَعْثَاءَ وَالْ ... حَبْلِ الَّذِي قَطَعَتْهُ بَدْحَا
فَهُوَ مِنَ الْهَاءِ، كَأَنَّهَا فَاجَأَتْ بِهِ مِنَ الْبَدِيهَةِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ. وَأَمَّا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَحْتُهُ بِالْعَصَا، أَيْ: ضَرَبْتُهُ بِهَا، فَمَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: بَدَحْتُهُ بِالرُّمَّانِ وَشِبْهِهَا، وَالْأَصْلُ ذَاكَ.
(1/215)

[بَابُ الْبَاءِ وَالذَّالِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَذَرَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَثْرُ الشَّيْءِ وَتَفْرِيقُهُ. يُقَالُ: بَذَرْتُ الْبَذْرَ أَبْذُرُهُ بَذْرًا، وَبَذَّرْتُ الْمَالَ أُبَذِّرُهُ تَبْذِيرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 26] . وَالْبُذُرُ الْقَوْمُ لَا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا وَلَا يَحْفَظُونَ أَلْسِنَتَهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الدُّجَى، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ فَالْمَذَايِيعُ الَّذِينَ يُذِيعُونَ، وَالْبُذُرُ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ. وَبَذَّرُ مَكَانٌ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
سَقَى اللَّهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا ... جُرَابًا وَمَلْكُومًا وَبَذَّرَ وَالْغَمْرَا

(بَذَعَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالْعَيْنُ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا نَظَرٌ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، يَقُولُونَ بَذَعْتُهُ وَأَبْذَعْتُهُ: إِذَا أَفْزَعْتُهُ.

(بَذَلَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ تَرْكُ صِيَانَةِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: بَذَلْتُ الشَّيْءَ بَذْلًا، فَأَنَا بَاذِلٌ وَهُوَ مَبْذُولٌ، وَابْتَذَلْتُهُ ابْتِذَالًا. وَجَاءَ فُلَانٌ فِي مَبَاذِلِهِ، وَهِيَ ثِيَابُهُ الَّتِي يَبْتَذِلُهَا. وَيُقَالُ لَهَا مَعَاوِزُ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي بَابِهَا.
(1/216)

(بَذَأَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ طَرِيقَةِ الْإِحْمَادِ، تَقُولُ: هُوَ بَذِيءُ اللِّسَانِ، وَقَدْ بَذَأْتُ عَلَى فُلَانٍ أَبْذَأُ بُذَاءً. وَيُقَالُ: بَذَأْتُ الْمَكَانَ أَبْذَؤُهُ: إِذَا أَتَيْتَهُ فَلَمْ تُحْمِدْهُ.

(بَذَجَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ، وَهِيَ الْبَذَجُ مِنْ وُلْدِ الضَّأْنِ، وَالْجَمْعُ بِذْجَانٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ هَلَكَتْ جَارَتُنَا مِنَ الْهَمَجِ ... وَإِنْ تَجُعْ تَأْكُلْ عَتُودًا أَوْ بَذَجِ

(بَذَحَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الشَّقُّ وَالتَّشْرِيحُ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: قَالَ الْعَامِرِيُّ: بَذَحْتُ اللَّحْمَ: إِذَا شَرَّحْتَهُ. قَالَ: وَالْبَذْحُ الشَّقُّ وَيُقَالُ: أَصَابَهُ بَذْحٌ فِي رِجْلِهِ، أَيْ: شُقَاقٌ. وَأَنْشَدَ:
لَأَعْلِطَنَّ حَرْزَمًا بِعَلْطِ ... ثَلَاثَةً عِنْدَ بُذُوحِ الشَّرْطِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بَذَحْتُ لِسَانَ الْفَصِيلِ بَذْحًا، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّفْلِيكِ وَالْإِجْرَارِ. وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا الْبَابَ قَوْلُهُمْ لَسَحَجِ الْفَخِذَيْنِ مَذَحٌ.
(1/217)

(بَذَخَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالْخَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالتَّعَظُّمُ. يُقَالُ: بَذَخَ: إِذَا تَعَظَّمَ، وَفُلَانٌ [فِي] بَاذِخٍ مِنَ الشَّرَفِ، أَيْ: عَالٍ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالرَّاءِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَرَزَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ وَبُدُوُّهُ، قِيَاسٌ لَا يُخْلِفُ. يُقَالُ: بَرَزَ الشَّيْءُ فَهُوَ بَارِزٌ. وَكَذَلِكَ انْفِرَادُ الشَّيْءِ مِنْ أَمْثَالِهِ، نَحْوَ: تَبَارُزِ الْفَارِسَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ عَنْ جَمَاعَتِهِ إِلَى صَاحِبِهِ. وَالْبَرَازُ الْمُتَّسِعُ مِنَ الْأَرْضِ; لِأَنَّهُ بَادٍ لَيْسَ بِغَائِطٍ وَلَا دَحْلٍ وَلَا هُوَّةٍ. وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ بَرْزَةٌ، أَيْ: جَلِيلَةٌ تَبْرُزُ وَتَجْلِسُ بِفِنَاءِ بَيْتِهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: رَجُلٌ بَرْزٌ وَامْرَأَةٌ بَرْزَةٌ، يُوصَفَانِ بِالْجَهَارَةِ وَالْعَقْلِ. وَفِي كِتَابِ الْخَلِيلِ: رَجُلٌ بَرْزٌ طَاهِرٌ عَفِيفٌ. وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ سَائِرِ الْبَابِ، لِأَنَّ الْمُرِيبَ يَدُسُّ نَفْسَهُ وَيُخْفِيهَا. وَيُقَالُ: بَرَّزَ الرَّجُلُ وَالْفَرَسُ: إِذَا سَبَقَا، وَهُوَ [مِنَ] الْبَابِ. وَيُقَالُ: أَبْرَزْتُ الشَّيْءَ أُبْرِزُهُ إِبْرَازًا. وَقَدْ جَاءَ الْمُبَرْوَزُ. قَالَ لَبِيدٌ:
أَوْ مَذْهَبٌ جَدَدٌ عَلَى أَلْوَاحِهِ ... النَّاطِقُ الْمُبَرْوَزُ وَالْمَخْتُومُ
الْمُبَرْوَزُ: الظَّاهِرُ. وَالْمَخْتُومُ: غَيْرُ الظَّاهِرِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُبَرْوَزُ الْمَنْشُورُ. وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.
(1/218)

(بَرَسَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى السُّهُولَةِ وَاللِّينِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: بَرَّسْتُ الْمَكَانَ: إِذَا سَهَّلْتُهُ وَلَيَّنْتُهُ. قَالَ: وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ بُرْسَانَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ. والْبُِرْسُ الْقُطْنُ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ. وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُمْ: مَا أَدْرِي أَيُّ الْبَرَاسَاءِ وَالْبَرْنَسَاءِ هُوَ، أَيْ: أَيُّ الْخَلْقِ هُوَ.

(بَرَشَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالشِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ذَا نُقَطٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِيضٍ. وَكَانَ جَذِيمَةُ أَبْرَصَ، فَكُنِّيَ بِالْأَبْرَشِ.

(بَرَصَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالصَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّيْءِ لُمْعَةٌ تُخَالِفُ سَائِرَ لَوْنِهِ، مِنْ ذَلِكَ الْبَرَصُ. وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْقَمَرَ أَبْرَصَ. وَالْبَرِيصُ مِثْلُ الْبَصِيصِ، وَهُوَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ. قَالَ:
لَهُنَّ بِخَدِّهِ أَبَدًا بَرِيصُ
وَالْبِرَاصُ بِقَاعٌ فِي الرَّمْلِ لَا تُنْبِتُ. وَسَامُّ أَبْرَصَ مَعْرُوفٌ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: وَيُجْمَعُ عَلَى الْأَبَارِصِ. وَأَنْشَدَ:
وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ لِهَذَا خَالِصًا ... لَكُنْتُ عَبْدًا يَأْكُلُ الْأَبَارِصَا
(1/219)

وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي كِتَابِ الْفَصِيحِ: وَهُوَ سَامُّ أَبْرَصُ، وَسَامًّا أَبْرَصَ، وَسَوَامُّ أَبْرَصَ.

(بَرَضَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الشَّيْءِ وَأَخْذِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا. قَالَ الْخَلِيلُ: التَّبَرُّضُ التَّبَلُّغُ بِالْبُلْغَةِ مِنَ الْعَيْشِ وَالتَّطَلُّبُ لَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا قَلِيلًا بَعْدَ قَلِيلٍ. وَكَذَلِكَ تَبَرَّضَ الْمَاءَ مِنَ الْحَوْضِ، إِذَا قَلَّ صَبَّ فِي الْقِرْبَةِ مِنْ هُنَا وَهُنَا. قَالَ:
وَقَدْ كُنْتُ بَرَّاضًا لَهَا قَبْلَ وَصْلِهَا ... فَكَيْفَ وَلَزَّتْ حَبْلَهَا بِحِبَالِهَا
يَقُولُ: قَدْ كُنْتُ أَطْلُبُهَا فِي الْفَيْنَةِ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَيْ: أَحْيَانًا، فَكَيْفَ وَقَدْ عُلِّقَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَالِابْتِرَاضُ مِنْهُ. وَتَقُولُ: قَدْ بَرَضَ فُلَانٌ لِي مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ يَبْرُضُ بَرْضًا: إِذَا أَعْطَاكَ مِنْهُ الْقَلِيلَ. قَالَ:
لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَطِلَابَ سَلْمَى ... لَكَالْمُتَبَرِّضِ الثَّمَدَ الظَّنُونَا
وَثَمَدٌ، أَيْ: قَلِيلٌ، يَقُولُ رُؤْبَةُ:
فِي الْعِدِّ لَمْ تَقْدَحْ ثِمَادًا بَرْضًا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: بَرَضَ النَّبَاتُ يَبْرُِضُ بُرُوضًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَتَنَاوَلُ النَّعَمُ. وَالْبَارِضُ: أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنَ الْبُهْمَى. قَالَ:
(1/220)

رَعَى بَارِضَ الْبُهْمَى جَمِيمًا وَبُسْرَةً ... وَصَمْعَاءَ حَتَّى آنَفَتْهُ نِصَالُهَا

(بَرَعَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا التَّطَوُّعُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ. وَالْآخَرُ التَّبْرِيزُ وَالْفَضْلُ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ بَرَعَ يَبْرَعُ بُرُوعًا وَبَرَاعَةً، وَهُوَ يَتَبَرَّعُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ بِالْعَطَاءِ. وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
جَلَدٌ جَمِيلٌ أَصِيلٌ بَارِعٌ وَرِعٌ ... مَأْوَى الْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وَالْجَارِ
قَالَ: وَالْبَارِعُ: الْأَصِيلُ الْجَيِّدُ الرَّأْيِ. وَتَقُولُ: وُهِبَتْ لِلْإِنْسَانِ نَتْيَاءُ تَبَرُّعًا: إِذَا لَمْ يَطْلُبْ.

(بَرَقَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْقَافُ أَصْلَانِ تَتَفَرَّعُ الْفُرُوعُ مِنْهُمَا: أَحَدُهُمَا لَمَعَانُ الشَّيْءِ; وَالْآخَرُ اجْتِمَاعُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي الشَّيْءِ. وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَجَازٌ وَمَحْمُولٌ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْبَرْقُ وَمِيضُ السَّحَابِ، يُقَالُ: بَرَقَ السَّحَابُ بَرْقًا وَبَرِيقًا. قَالَ: وَأَبْرَقَ أَيْضًا لُغَةٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ: بَرْقَةٌ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ: إِذَا بَرَقَ، وَبُرْقَةٌ بِالضَّمِّ: إِذَا أَرَدْتَ الْمِقْدَارَ مِنَ الْبَرْقِ. وَيُقَالُ: " لَا أَفْعَلُهُ مَا بَرَقَ فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ " أَيْ: مَا طَلَعَ. وَأَتَانَا عِنْدَ مَبْرَقِ الصُّبْحِ، أَيْ: حِينَ بَرَقَ. اللِّحْيَانِيُّ:
(1/221)

وَأَبْرَقَ الرَّجُلُ: إِذَا أَمَّ الْبَرْقَ حِينَ يَرَاهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَارِقَةُ السَّحَابَةُ ذَاتُ الْبَرْقِ. وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَلَأْلَأُ لَوْنُهُ فَهُوَ بَارِقٌ يَبْرُقُ بَرِيقًا. وَيُقَالُ لِلسُّيُوفِ بَوَارِقُ. الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: أَبْرَقَ فُلَانٌ بِسَيْفِهِ إِبْرَاقًا: إِذَا لَمَعَ بِهِ. وَيُقَالُ: رَأَيْتُ الْبَارِقَةَ، ضَوْءَ بَرْقِ السُّيُوفِ. وَيُقَالُ: مَرَّتْ بِنَا اللَّيْلَةَ بَارِقَةٌ، أَيْ: سَحَابَةٌ فِيهَا بَرْقٌ، فَمَا أَدْرِي أَيْنَ أَصَابَتْ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " هُوَ أَعْذَبُ مِنْ مَاءِ الْبَارِقَةِ ".
وَيُقَالُ لِلسَّيْفِ وَلِكُلِّ مَا لَهُ بَرِيقٌ إِبْرِيقٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ الْبَرَّاقَةِ إِبْرِيقٌ. قَالَ:
دِيَارُ إِبْرِيقِ الْعَشِيِّ خَوْزَلِ
الْخَوْزَلُ الْمَرْأَةُ الْمُتَثَنِّيَةُ فِي مِشْيَتِهَا. وَأَنْشَدَ:
أَشْلَى عَلَيْهِ قَانِصٌ لَمَّا غَفَلْ ... مُقلَّدَاتِ الْقِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ
فَزَلَّ كَالْإِبْرِيقِ عَنْ مَتْنِ الْقَبَلْ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ: يُقَالُ: أَبْرَقَتِ السَّمَاءُ عَلَى بِلَادِ كَذَا. وَتَقُولُ أَبْرَقْتُ: إِذَا أَصَابَتْكَ السَّمَاءُ. وَأَبْرَقْتُ بِبَلَدِ كَذَا، أَيْ: أُمْطِرْتُ. قَالَ الْخَلِيلُ: [إِذَا] شَدَّدَ مُوعِدٌ بِالْوَعِيدِ، قِيلَ أَبْرَقَ وَأَرْعَدَ. قَالَ:
أَبْرِقْ وَأَرْعِدْ يَا يَزِي ... دُ فَمَا وَعِيدُكَ لِي بِضَائِرْ
يُقَالُ: بَرَقَ وَرَعَدَ أَيْضًا. قَالَ:
(1/222)

فَإِذَا جَعَلْتُ. . . فَارِسَ دُونَكُمْ ... فارْعَُدْ هُنَالِكَ مَا بَدَا لَكَ وَابْرُقِ
أَبُو زَيْدٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: بَرَقَتِ السَّمَاءُ: إِذَا جَاءَتْ بِبَرْقٍ. وَكَذَلِكَ رَعَدَتْ، وَبَرَقَ الرَّجُلُ وَرَعَدَ. وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَصْمَعِيُّ أَبْرَقَ وَأَرْعَدَ. وَأَنْشَدَ:
يَا جَلَّ مَا بَعُدَتْ عَلَيْكَ بِلَادُنَا ... فَابْرُقْ بِأَرْضِكَ مَا بَدَا لَكَ وارْعَُدِ
وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ الْكُمَيْتِ:
أَبْرِقْ وَأَرْعِدْ يَا يَزِي ... دُ. . . . . . . . . . .
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَقَدْ أَخْبَرَنَا بِهَا أَبُو زَيْدٍ عَنِ الْعَرَبِ. ثُمَّ إِنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَانَا مِنْ بَنِي كِلَابٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ فَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: دَعُونِي أَتَوَلَّى مَسْأَلَتَهُ فَأَنَا أَرْفَقُ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ إِنَّكَ لَتُبْرِقُ وَتُرْعِدُ؟ فَقَالَ: فِي الْخَجِيفِ؟ يَعْنِي التَّهَدُّدَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَقُولُ إِنَّكَ لَتُبْرِقُ وَتُرْعِدُ. فَأَخْبَرْتُ بِهِ الْأَصْمَعِيَّ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ إِلَّا بَرَقَ وَرَعَدَ.
وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْرَقَتِ النَّاقَةُ: إِذَا ضَرَبَتْ ذَنَبَهَا مَرَّةً عَلَى فَرْجِهَا، وَمَرَّةً عَلَى عَجُزِهَا، فَهِيَ بَرُوقٌ وَمُبْرِقٌ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا شَالَتْ ذَنَبَهَا كَاذِبَةً وَتَلَقَّحَتْ وَلَيْسَتْ بِلَاقِحٍ: أَبْرَقَتِ النَّاقَةُ فَهِيَ مُبْرِقٌ وَبُرُوقٌ. وَضِدُّهَا الْمِكْتَامُ.
(1/223)

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بَرَقَتْ فَهِيَ بَارِقٌ: إِذَا تَشَذَّرَتْ بِذَنَبِهَا مِنْ غَيْرِ لَقْحٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: بَرَّقَ الرَّجُلُ: إِذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَا مِصْدَاقَ لَهُ.
وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: " بَرَّقْتَ وَعَرَّقْتَ "، أَيْ: لَوَّحْتَ بِشَيْءٍ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ. وَعَرَّقَتْ أَقْلَلْتَ، مِنْ قَوْلِهِمْ:
لَا تَمْلَأِ الدَّلْوَ وَعَرِّقْ فِيهَا ... ألَا تَرَى حَبَارَ مَنْ يَسْقِيهَا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِنْسَانُ الْبَرُوقُ هُوَ الْفَرِقُ لَا يَزَالُ. قَالَ:
يُرَوِّعُ كُلَّ خَوَّارٍ بَرُوقِ
وَالْإِنْسَانُ إِذَا بَقِيَ كَالْمُتَحَيِّرِ قِيلَ بَرِقَ بَصَرُهُ بَرَقًا، فَهُوَ بَرِقٌ فَزِعٌ مَبْهُوتٌ. وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ مَنْ قَرَأَهَا: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة: 7] ، فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: {بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة: 7] فَإِنَّهُ يَقُولُ: تَرَاهُ يَلْمَعُ مِنْ شِدَّةِ شُخُوصِهِ تَرَاهُ لَا يُطِيقُ. قَالَ:
لَمَّا أَتَانِي ابْنُ عُمْيرٍ رَاغِبًا ... أَعْطَيْتُهُ عَيْسَاءَ مِنْهَا فَبَرَقْ
أَيْ: لِعَجَبِهِ بِذَلِكَ. وَبَرَّقَ بِعَيْنِهِ: إِذَا لَأْلَأَ مِنْ شِدَّةِ النَّظَرِ. قَالَ:
فَعَلِقَتْ بِكَفِّهَا تَصْفِيقَا ... وَطَفِقَتْ بِعَيْنِهَا تَبْرِيقَا
نَحْوَ الْأَمِيرِ تَبْتَغِي التّطْلِيقَا
(1/224)

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بَرِقَ الرَّجُلُ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، ذَهَبَ عَقْلُهُ. قَالَ الْيَزِيدِيُّ: بَرَقَ وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ يَبْرُقُ بَرْقًا، وَلَهُ بَرِيقٌ، وَكَذَلِكَ بَرَقْتُ الْأَدِيمَ أبْرُقُهُ بَرْقًا، وَبَرَّقْتُهُ تَبْرِيقًا.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: بَرَقَ طَعَامَهُ بِالزَّيْتِ أَوِ السَّمْنِ أَوْ ذَوْبَ الْإِهَالَةِ: إِذَا جَعَلَهُ فِي الطَّعَامِ وَقَلَّلَ مِنْهُ.
قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: بَرِقَ السِّقَاءُ يَبْرَقُ بَرَقًا وَبُرُوقًا: إِذَا أَصَابَهُ حَرٌّ فَذَابَ زُبْدُهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: زُبْدَةٌ بَرِقَةٌ وَسِقَاءٌ بَرِقٌ: إِذَا انْقَطَعَا مِنَ الْحَرِّ. وَرُبَّمَا قَالُوا زُبْدٌ مُبْرِقٌ. وَالْإِبْرِيقُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْبَرْوَقُ شَجَرَةٌ ضَعِيفَةٌ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: " هُوَ أَشْكَرُ مِنْ بَرْوَقَةٍ "، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا غَابَتِ السَّمَاءُ اخْضَرَّتْ وَيُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا أَصَابَهَا الْمَطَرُ الْغَزِيرُ هَلَكَتْ. قَالَ الشَّاعِرُ يَذْكُرُ حَرْبًا:
تَطِيحُ أَكُفُّ الْقَوْمِ فِيهَا كَأَنَّمَا ... يَطِيحُ بِهَا فِي الرَّوْعِ عِيدَانُ بَرْوَقِ
وَقَالَ الْأَسْوَدُ يَذْكُرُ امْرَأَةً:
وَنَالَتْ عَشَاءً مِنْ هَبِيدٍ وَبَرْوَقٍ ... وَنَالَتْ طَعَامًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْحُمِ
وَإِنَّمَا قَالَ ثَلَاثَةَ أَلْحُمٍ، لِأَنَّ الَّذِي أَطْعَمَهَا قَانِصٌ.
قَالَ يَعْقُوبُ: بَرِقَتِ الْإِبِلُ تَبْرَقُ بَرَقًا: إِذَا اشْتَكَتْ بُطُونُهَا مِنْهُ.
(1/225)

وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَقَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: تُسَمَّى الْعَيْنُ بَرْقَاءَ لِسَوَادِهَا وَبَيَاضِهَا. وَأَنْشَدَ:
وَمُنْحَدَرٍ مِنْ رَأْسِ بَرْقَاءَ حَطَّهُ ... مَخَافَةُ بَيْنٍ مِنْ حَبِيبٍ مُزَايِلِ
الْمُنْحَدَرُ: الدَّمْعُ. قَالُوا: وَالْبَرَقُ مَصْدَرُ الْأَبْرَقِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْجِبَالِ، وَهُوَ الْحَبْلُ أُبْرِمَ بِقُوَّةٍ سَوْدَاءَ وَقُوَّةٍ بَيْضَاءَ. وَمِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ مِنْهُ جُدَدٌ بِيضٌ وَجُدَدٌ سُودٌ. وَالْبَرْقَاءُ مِنَ الْأَرْضِ طَرَائِقُ، بُقْعَةٌ فِيهَا حِجَارَةٌ سُودٌ تُخَالِطُهَا رَمْلَةٌ بَيْضَاءُ. وَكُلُّ قِطْعَةٍ عَلَى حِيَالِهَا بُرْقَةٌ. وَإِذَا اتَّسَعَ فَهُوَ الْأَبْرَقُ وَالْأَبَارِقُ وَالْبَرَّاقُ. قَالَ:
لَنَا الْمَصَانِعُ مِنْ بُصْرَى إِلَى هَجَرٍ ... إِلَى الْيَمَامَةِ فَالْأَجْرَاعِ فَالْبُرَقِ
وَالْبُرْقَةُ مَا ابْيَضَّ مِنْ فَتْلِ الْحَبْلِ الْأَسْوَدِ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: الْبُرَقُ مَا دَفَعَ فِي السَّيْلِ مِنْ قِبَلِ الْجَبَلِ. قَالَ:
كَأَنَّهَا بِالْبُرَقِ الدَّوَافِعِ
قَالَ قُطْرُبٌ: الْأَبْرَقُ الْجَبَلُ يُعَارِضُكَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَمْلَسَ لَا يُرْتَقَى. قَالَ أَبُو زِيَادٍ الْكِلَابِيُّ: الْأَبْرَقُ فِي الْأَرْضِ أَعَالٍ فِيهَا حِجَارَةٌ، وَأَسَافِلُهَا رَمْلٌ يَحِلُّ بِهَا النَّاسُ. وَهِيَ تُنْسَبُ إِلَى الْجِبَالِ. وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةً غَالِبَةً جُمِعَتْ جَمْعَ الْأَسْمَاءِ، فَقَالُوا الْأَبَارِقُ، كَمَا قَالُوا: الْأَبَاطِحُ وَالْأَدَاهِمُ فِي جَمْعِ الْأَدْهَمِ الَّذِي هُوَ الْقَيْدُ، وَالْأَسَاوِدُ فِي جَمْعِ الْأَسْوَدِ الَّذِي هُوَ الْحَيَّةُ. قَالَ الرَّاعِي:
وَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِحَرَّةٍ ... مِنْ ذِي الْأَبَارِقِ إِذْ رَعَيْنَ حَقِيلَا
(1/226)

قَالَ قُطْرُبٌ: بَنُو بَارِقٍ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ مِنَ الْأَشْعَرِينَ. وَاسْمُ بَارِقٍ سَعْدُ بْنُ عَدِيٍّ، نَزَلَ جَبَلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ بَارِقٌ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ لِوَلَدِهِ بَنُو بَارِقٍ، يُعْرَفُونَ بِهِ.
قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ: الْأَبْرَقُ وَالْأَبَارِقُ مِنْ مَكَارِمِ النَّبَاتِ، وَهِيَ أَرْضٌ نِصْفٌ حِجَارَةٌ وَنِصْفٌ تُرَابٌ أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، وَبِهَا رَفَضُ حِجَارَةٍ حُمْرٍ. وَإِذَا كَانَ رَمْلٌ وَحِجَارَةٌ فَهُوَ أَيْضًا أَبْرَقُ. وَإِذَا عَنَيْتَ الْأَرْضَ قُلْتَ بَرْقَاءُ. وَالْأَبْرَقُ يَكُونُ عَلَمًا سَامِقًا مِنْ حِجَارَةٍ عَلَى لَوْنَيْنِ، أَوْ مِنْ طِينٍ وَحِجَارَةٍ. وَالْأَبْرَقُ وَالْبُرْقَةُ، وَالْجَمِيعُ الْبُرَقُ وَالْبِرَاقُ وَالْبَرْقَاوَاتُ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ الْبُرْقَانُ مَا اصْفَرَّ مِنَ الْجَرَادِ وَتَلَوَّنَتْ فِيهِ [خُطُوطٌ وَاسْوَدَّ] . وَيُقَالُ: رَأَيْتُ دَبًا بُرْقَانًا كَثِيرًا فِي الْأَرْضِ، الْوَاحِدَةُ بُرْقانَةُ، كَمَا يُقَالُ: ظَبْيَةٌ أُدْمَانَةٌ وَظِبَاءٌ أُدْمَانٌ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبُرْقَانُ فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ كَمَثَلِ بُرْقَةِ الشَّاةِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَبَرْقَاءُ أَيْضًا. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: يَمْكُثُ أَوَّلَ مَا يَخْرُجُ أَبْيَضَ سَبْعًا، ثُمَّ يَسْوَدُّ سَبْعًا، ثُمَّ يَصِيرُ بُرْقَانًا.
وَالْبَرْقَاءُ مِنَ الْغَنَمِ كَالْبَلْقَاءِ مِنَ الْخَيْلِ.

(بَرَكَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ثَبَاتُ الشَّيْءِ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ فُرُوعًا يُقَارِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. يُقَالُ: بَرَكَ الْبَعِيرُ يَبْرُكُ بُرُوكًا. قَالَ الْخَلِيلُ الْبَرْكُ يَقَعُ عَلَى مَا بَرَكَ مِنَ الْجِمَالِ وَالنُّوقِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ بِالْفَلَاةِ، مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ أَوِ الشِّبَعِ، الْوَاحِدُ بَارِكٌ، وَالْأُنْثَى بَارِكَةٌ. وَأَنْشَدَ فِي الْبَرْكِ أَيْضًا:
(1/227)

بَرْكَ هُجُودٍ بِفَلَاةٍ قَفْرِ ... أَحْمَى عَلَيْهَا الشَّمْسَ أَبْتُ الْحَرِّ
الْأَبْتُ: شِدَّةُ الْحَرِّ بِلَا رِيحٍ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْبَرْكُ الْإِبِلُ الْكَثِيرَةُ تَشْرَبُ ثُمَّ تَبْرُكُ فِي الْعَطَنِ، لَا تَكُونُ بَرْكًا إِلَّا كَذَا. قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْرَكْتُ النَّاقَةَ فَبَرَكَتْ. قَالَ: وَالْبَرْكُ أَيْضًا كَلْكَلُ الْبَعِيرِ وَصَدْرُهُ الَّذِي يَدُكُّ بِهِ الشَّيْءَ تَحْتَهُ. تَقُولُ: حَكَّهُ وَدَكَّهُ بِبَرْكِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَقْعَصَتْهُمْ وَحَكَّتْ بَرْكَهَا بِهِمُ ... وَأَعْطَتِ النَّهْبَ هَيَّانَ بْنَ بَيَّانِ
وَالْبِرْكَةُ: مَا وَلِيَ الْأَرْضَ مِنْ جِلْدِ الْبَطْنِ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الصَّدْرِ، مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ مَبْرَكِ الْإِبِلِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَبْرُكُ فِيهِ، وَالْجَمْعُ مَبَارِكُ. قَالَ يَعْقُوبُ: الْبِرْكَةُ مِنَ الْفَرَسِ حَيْثُ انْتَصَبَتْ فَهْدَتَاهُ مِنْ أَسْفَلَ، إِلَى الْعِرْقَيْنِ اللَّذَيْنِ دُونَ الْعَضُدَيْنِ إِلَى غُضُونِ الذِّرَاعَيْنِ مِنْ بَاطِنٍ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْبَرْكُ بِفَتْحِ الْبَاءِ: الصَّدْرُ، فَإِذَا أَدْخَلْتَ الْهَاءَ كَسَرْتَ الْبَاءَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَرْكُ الْقَصُّ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُسَمُّونَ زِيَادًا أَشْعَرَ بَرْكًا. قَالَ يَعْقُوبُ: يَقُولُ الْعَرَبُ: " هَذَا أَمْرٌ لَا يَبْرُكُ عَلَيْهِ إِبِلِي " أَيْ: لَا أَقْرَبُهُ وَلَا أَقْبَلُهُ. وَيَقُولُونَ أَيْضًا: " هَذَا أَمْرٌ لَا يَبْرُكُ عَلَيْهِ الصُّهْبُ الْمُحَزَّمَةُ " يُقَالُ ذَلِكَ لِلْأَمْرِ إِذَا تَفَاقَمَ وَاشْتَدَّ. وَذَلِكَ أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا أَنْكَرَتِ الشَّيْءَ نَفَرَتْ مِنْهُ.
(1/228)

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: خَصَّ الْإِبِلَ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَبْرُكُ فِي مَبْرَكٍ حَزْنٍ، إِنَّمَا تَطْلُبُ السُّهُولَةَ، تَذُوقُ الْأَرْضَ بِأَخْفَافِهَا، فَإِنْ كَانَتْ سَهْلَةً بَرَكَتْ فِيهَا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَفِي أَنْوَاءِ الْجَوْزَاءِ نَوْءٌ يُقَالُ لَهُ " الْبُرُوكُ "، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَوْزَاءَ لَا تَسْقُطُ أَنْوَاؤُهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ تَبْرُكُ الْإِبِلُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ وَمَطَرِهِ. قَالَ: وَالْبُرَكُ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، سُمِّيَ بِهِ يَوْمَ قِضَّةَ; لِأَنَّهُ عَقَرَ جَمَلَهُ عَلَى ثَنِيَّةٍ وَأَقَامَ، وَقَالَ: " أَنَا الْبُرَكُ أبْرُكُ حَيْثُ أُدْرَكُ ".
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: ابْتَرَكَ الرَّجُلُ فِي آخَرَ يَتَنَقَّصُهُ وَيَشْتُمُهُ. وَقَدِ ابْتُرِكُوا فِي الْحَرْبِ: إِذَا جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ ثُمَّ اقْتَتَلُوا ابتِرَاكًا. وَالْبَرَاكاَءُ اسْمٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بِشْرٌ فِيهِ:
وَلَا يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَّا ... بَرَاكَاءُ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَقُولُونَ بَرَاكِ بَرَاكِ، بِمَعْنَى ابْرُكُوا. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: بَرَكَ فُلَانٌ عَلَى الْأُمْرِ وَبَارَكَ، جَمِيعًا: إِذَا وَاظَبَ عَلَيْهِ. وَابْتَرَكَ الْفَرَسُ فِي عَدْوِهِ، أَيِ اجْتَهَدَ. قَالَ:
وَهُنَّ يَعْدُونَ بِنَا بُرُوكًا
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: أَبْرَكَ السَّحَابُ: إِذَا أَلَحَّ بِالْمَطَرِ عَلَى الْمَكَانِ. قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُقَالُ: ابْتَرَكَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ: وَأَنْشَدَ:
(1/229)

يَنْزِعُ عَنْهَا الْحَصَى أَجَشُّ مُبْتَرِكٌ ... كَأَنَّهُ فَاحِصٌ أَوْ لَاعِبٌ دَاحِ
فَأَمَّا قَوْلُ الْكُمَيْتِ:
ذُو بِرْكَةٍ لَمْ تَغِضْ قَيْدًا تَشِيعُ بِهِ ... مِنَ الْأَفَاوِيقِ فِي أَحْيَانِهَا الْوُظُبِ
الدَّائِمَةُ. فَإِنَّ الْبِرْكَةَ فِيمَا يُقَالُ: أَنْ تُحْلَبَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ.
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ عَنِ الْعَامِرِيِّ: يُقَالُ: حَلَبْتُ النَّاقَةَ بِرْكَتَهَا، وَحَلَبْتُ الْإِبِلَ بِرْكَتَهَا: إِذَا حَلَبْتُ لَبَنَهَا الَّذِي اجْتَمَعَ فِي ضَرْعِهَا فِي مَبْرَكِهَا. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْغُدُوَاتِ. وَلَا يُسَمَّى بِرْكَةً إِلَّا مَا اجْتَمَعَ فِي ضَرْعِهَا بِاللَّيْلِ وَحُلِبَ بِالْغُدْوَةِ. يُقَالُ: احْلُبْ لَنَا مِنْ بِرَكِ إِبِلِكَ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْبِرْكَةُ أَنْ يَدِرَّ لَبَنُ النَّاقَةِ بَارِكَةً فَيُقِيمَهَا فَيَحْلُبَهَا. قَالَ الْكُمَيْتُ:
لَبَوْنُ جُودِكَ غَيْرُ مَاضِرْ
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبِرْكَةُ شِبْهُ حَوْضٍ يُحْفَرُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تُجْعَلُ لَهُ أَعْضَادٌ فَوْقَ صَعِيدِ الْأَرْضِ. قَالَ الْكِلَابِيُّونَ: الْبِرْكَةُ الْمَصْنَعَةُ، وَجَمْعُهَا بِرَكٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَصْنَعَةَ لَا تُطْوَى، وَهَذِهِ تُطْوَى بِالْآجُرِّ.
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَرَكَةُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ. وَالتَّبْرِيكُ: أَنْ تَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ.
(1/230)

و {تَبَارَكَ اللَّهُ} [الأعراف: 54] تَمْجِيدٌ وَتَجْلِيلٌ. وَفُسِّرَ عَلَى " تَعَالَى اللَّهُ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: طَعَامٌ بَرِيكٌ، أَيْ: ذُو بَرَكَةٍ.

(بَرَمَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ يَدُلُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ: إِحْكَامُ الشَّيْءِ، وَالْغَرَضُ بِهِ، وَاخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ، وَجِنْسٌ مِنَ النَّبَاتِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: أَبْرَمْتُ الْأَمْرَ أَحْكَمْتُهُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ الْمَبَارِمُ مَغَازِلُ ضِخَامٌ تُبْرِمُ عَلَيْهَا الْمَرْأَةُ غَزْلَهَا، وَهِيَ مِنَ السَّمُرِ. وَيُقَالُ: أَبْرَمْتُ الْحَبْلَ: إِذَا فَتَلْتُهُ مَتِينًا. وَالْمُبْرَمُ الْغَزْلُ، وَهُوَ ضِدُّ السَّحِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْرَمَ عَلَى طَاقَيْنِ مَفْتُولَيْنِ، وَالسَّحِيلُ عَلَى طَاقٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا الْغَرَضُ فَيَقُولُونَ: بَرِمْتُ بِالْأَمْرِ عَيِيتُ بِهِ، وَأَبْرَمَنِي أَعْيَانِي. قَالَ: وَيَقُولُونَ أَرْجُو أَنْ لَا أَبْرَمَ بِالسُّؤَالِ عَنْ كَذَا، أَيْ: لَا أَعْيَا. قَالَ:
فَلَا تَعْذُلِينِي قَدْ بَرِمْتُ بِحِيلَتِي
قَالَ الْخَلِيلُ: بَرِمْتُ بِكَذَا، أَيْ: ضَجِرْتُ بِهِ بَرَمًا. وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
مَا تَأْمُرِينَ بِنَفْسٍ قَدْ بَرِمْتُ بِهَا ... كَأَنَّمَا عُرْوَةُ الْعُذْرِيُّ أَعْدَاهَا
مَشْعُوفَةٍ بِالَّتِي تُرْبَانُ مَحْضَرُهَا ... ثُمَّ الْهِدَمْلَةُ أَنْفَ الْبَرْدِ مَبْدَاهَا
وَيُقَالُ: أَبْرَمَنِي إِبْرَامًا. وَقَالَ [ابْنُ] الطَّثْرِيَّةِ:
فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ لِي كَلَامًا ... بَرِمْتُ فَمَا وَجَدْتُ لَهُ جَوَابًا
وَأَمَّا اخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ فَيُقَالُ: إِنَّ الْبَرِيمَيْنِ النَّوْعَانِ مِنْ كُلِّ ذِي خِلْطَيْنِ، مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ مُخْتَلِطًا بِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ الدَّمْعُ مَعَ الْإِثْمِدِ بَرِيمٌ. قَالَ عَلْقَمَةُ:
(1/231)

بِعَيْنَيْ مَهَاةٍ تَحْدُرُ الدَّمْعَ مِنْهُمَا ... بَرِيمَيْنِ شَتَّى مِنْ دُمُوعٍ وَإِثْمِدِ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الصُّبْحُ أَوَّلَ مَا يَبْدُو بَريِمًا، لِاخْتِلَاطِ بَيَاضِهِ بِسَوَادِ اللَّيْلِ. قَالَ:
عَلَى عَجَلٍ وَالصُّبْحُ بَادٍ كَأَنَّهُ ... بِأَدْعَجَ مِنْ لَيْلِ التِّمَامِ بَرِيمُ
قَالَ الْخَلِيلُ: يَقُولُ الْعَرَبُ: هَؤُلَاءِ بَرِيمُ قَوْمٍ، أَيْ: لَفِيفُهُمْ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. قَالَتْ لَيْلَى:
يَأَيُّهَا السَّدِمُ الْمُلَوِّي رَأْسَهُ ... لِيَقُودَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ بَرِيمَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَقُولُ اشْوِ لَنَا مِنْ بَرِيمَيْهَا، أَيْ: مِنَ الْكَبِدِ وَالسَّنَامِ. وَالْبَرِيمُ: الْقَطِيعُ مِنَ الظِّبَاءِ. قَالَ: وَالْبَرِيمُ شَيْءٌ تَشُدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ وَسَطَهَا مُنَظَّمٌ بِخَرَزٍ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
مُحَضَّرَةٌ لَا يُجْعَلُ السِّتْرُ دُونَهَا ... إِذَا الْمُرْضِعُ الْعَوْجَاءُ جَالَ بَرِيمُهَا
وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ: الْبَرَمُ، [وَأَطْيَبُهَا رِيحًا] بَرَمُ السَّلَمِ، وَأَخْبَثُهَا رِيحًا بَرَمَةُ
(1/232)

الْعُرْفُطِ، وَهِيَ بَيْضَاءُ كَبَرَمَةِ الْآسِ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: أَبْرَمَ الطَّلْحُ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا يُخْرِجُ ثَمَرَتَهُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبَرَمَةُ الزَّهْرَةُ الَّتِي تَخْرُجُ فِيهَا الْحُبْلَةُ.
أَبُو الْخَطَّابِ: الْبَرَمُ أَيْضًا حُبُوبُ الْعِنَبِ إِذَا زَادَتْ عَلَى الزَّمَعِ، أَمْثَالَ رُءُوسِ الذَّرِّ.
وَشَذَّ عَنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الْبُرَامُ، وَهُوَ الْقُرَادُ الْكَبِيرُ. يَقُولُ الْعَرَبُ: " هُوَ أَلْزَقُ مِنْ بُرامٍ ". وَكَذَلِكَ الْبُرْمَةُ، وَهِيَ الْقِدْرُ.

(بَرَوَى) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ بَعْدَهُمَا وَهُوَ الْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا تَسْوِيَةُ الشَّيْءِ نَحْتًا، وَالثَّانِي التَّعَرُّضُ وَالْمُحَاكَاةُ. فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ بَرَى الْعُودَ يَبْرِيهِ بَرْيًا، وَكَذَلِكَ الْقَلَمُ. وَنَاسٌ يَقُولُونَ يَبْرُو، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِلْبُرِّ يَقْلُو، وَهُوَ بِالْيَاءِ أَصْوَبُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: بَرَيْتُ الْقَوْسَ بَرْيًا وَبُرَايَةً، وَاسْمُ مَا يَسْقُطُ مِنْهُ الْبُرَايَةُ، وَيَتَوَسَّعُونَ فِي هَذَا حَتَّى يَقُولُوا مَطَرٌ ذُو بُرَايَةٍ، أَيْ: يَبْرِي الْأَرْضَ وَيَقْشُرُهَا.
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَرِيُّ السَّهْمُ الَّذِي قَدْ أُتِمَّ بَرْيُهُ وَلَمْ يُرَشَّ وَلَمْ يُنَصَّلْ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يَقُولُ الْعَرَبُ: " أَعْطِ الْقَوْسَ بَارِيَهَا "، أَيْ: كِلِ الْأَمْرَ إِلَى صَاحِبِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْبَعِيرِ إِنَّهُ لَذُو بُرَايَةٍ فَمِنْ هَذَا أَيْضًا، أَيْ إِنَّهُ بُرِيَ بَرْيًا مُحْكَمًا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ لِلْبَعِيرِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى السَّيْرِ: إِنَّهُ لَذُو بُرَايَةٍ. قَالَ الْأَعْلَمُ:
عَلَى حَتِّ الْبُرَايَةِ زَمْخَرِيُّ ال ... سَّوَاعِدِ ظَلَّ فِي شَرْيٍ طُِوَالِ
(1/233)

وَهُوَ أَنْ يَنْحَتَّ مِنْ لَحْمِهِ ثُمَّ يَنْحَتَّ، لَا يَنْهَمُّ فِي أَوَّلِ سَفَرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَذْهَبُ مِنْهُ ثُمَّ تَبْقَى بُرَايَةٌ، ثُمَّ تَذْهَبُ وَتَبْقَى بُرَايَةٌ. وَفُلَانٌ ذُو بُرَايَةٍ أَيْضًا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا الْبُرَةُ، وَهِيَ حَلْقَةٌ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، يُقَالُ: نَاقَةٌ مُبْرَاةٌ وَجَمَلٌ مُبْرًى، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَقَرَّبْتُ مُبْرَاةً يُخَالُ ضُلُوعُهَا ... مِنَ الْمَاسِخِيَّاتِ الْقِسِيَّ الْمُوَتَّرَا
وَهَذِهِ بُرَةٌ مَبْرُوَّةٌ، أَيْ: مَعْمُولَةً. وَيُقَالُ: أَبْرَيْتُ النَّاقَةَ أُبْرِيهَا إِبْرَاءً: إِذَا جَعَلْتَ فِي أَنْفِهَا بُرَةً. والْبُرَةُ أَيْضًا حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إِذَا كَانَتْ دَقِيقَةً مَعْطُوفَةَ الطَّرَفَيْنِ، وَالْجَمْعُ الْبُرَى وَالْبُرُونُ وَالْبِرُونُ. وَكُلُّ حَلْقَةٍ بُرَةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذُو الْبُرَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وَذُو الْبُرَةِ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ... بِهِ نُحْمَى وَنَحْمِي الْمُلْجَئِينَا
رَجُلٌ تَغْلِبيٌّ كَانَ جَعَلَ فِي أَنْفِهِ بُرَةً لِنَذْرٍ كَانَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ الْبُرَةُ سَيْفٌ، كَانَ لَهُ سَيْفٌ يُسَمَّى الْبُرَةُ. وَالْبُرَاءُ النُّحَاتَةُ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
حَرِقُ الْمُفَارِقِ كَالْبُرَاءِ الْأَعْفَرِ
(1/234)

وَمِنَ الْبَابِ الْبَرَى الْخَلْقُ، وَالْبَرَى التُّرَابُ. يُقَالُ: " بِفِيهِ الْبَرَى "، لِأَنَّ الْخَلْقَ مِنْهُ.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْمُحَاكَاةُ فِي الصَّنِيعِ وَالتَّعَرُّضُ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ: بَارَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: حَاكَيتَهُ. وَالْمُبَارَاةُ أَنْ يُبَارِيَ الرَّجُلُ آخَرَ فَيَصْنَعَ كَمَا يَصْنَعُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يُبَارِي جِيرَانَهُ، وَيُبَارِي الرِّيحَ، أَيْ: يُعْطِي مَا هَبَّتِ الرِّيحُ، وَقَالَ الرَّاجِزُ:
يَبْرِي لَهَا فِي الْعَوَمَانِ عَائِمُ
أَيْ: يُعَارِضُهَا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: انْبَرَى لَهُ وَبَرَى لَهُ، أَيْ: تَعَرَّضَ، وَقَالَ:
هِقْلَةُ شَدٍّ تَنْبَرِي لِهِقْلِ
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
تَبْرِي لَهُ صَعْلَةٌ خَرْجَاءُ خَاضِعَةٌ
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَبَرَّيْتُ مَعْرُوفَ فُلَانٍ وَتَبَرَّيْتُ لِمَعْرُوفِهِ، أَيْ: تَعَرَّضْتُ.
قَالَ:
وَأَهْلَةِ وُدٍّ قَدْ تَبَرَّيْتُ وُدَّهُمْ ... وَأَبْلَيْتُهُمْ فِي الْوُدِّ جُهْدِي وَنَائِلِي
(1/235)

يُقَالُ: أَهْلٌ وَأَهْلَةٌ. وَقَالَ الرَّاجِزُ:
وَهْوَ إِذَا مَا لِلصِّبَا تَبَرَّى ... وَلَبِسَ الْقَمِيصَ لَمْ يُزَرَّا
وَجَرَّ أَطْرَافَ الرِّدَاءِ جَرَّا

(بَرَأَ) فَأَمَّا الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْهَمْزَةُ فَأَصْلَانِ إِلَيْهِمَا تَرْجِعُ فُرُوعُ الْبَابِ: أَحَدُهُمَا الْخَلْقُ، يُقَالُ: بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَبْرَؤُهُمْ بَرْءًا. وَالْبَارِئُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] ، وَقَالَ أُمَيَّةُ:
الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: التَّبَاعُدُ مِنَ الشَّيْءِ وَمُزَايَلَتُهُ، مِنْ ذَلِكَ الْبُرْءُ وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنَ السُّقْمِ، يُقَالُ: بَرِئْتُ وَبَرَأْتُ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ: بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ أَبْرُؤُ بُرُوءًا. وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ يَقُولُونَ: [بَرَأْتُ أَبْرَأُ] بَرْءًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بَرِئْتُ إِلَيْكَ مِنْ حَقِّكَ. وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: أَنَا بَرَاءٌ مِنْكَ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ أَنَا بَرِيءٌ مِنْكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ {إِنِّي بَرِيءٌ} [الأنعام: 78] ، فَمَنْ قَالَ أَنَا بَرَاءٌ لَمْ يُثَنِّ وَلَمْ يُؤَنِّثْ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ مِنْ هَذَا. وَمَنْ قَالَ بَرِيءٌ قَالَ بَرِيئَانِ وَبَرِيئُونَ، وَبُرَآءُ عَلَى وَزْنِ بُرَعَاءِ، وَبُرَاءُ بِلَا أَجْرٍ نَحْوَ بُراعٍ، وَبِرَاءٌ مِثْلَ بِرَاعٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْعَيْبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَلَا يُقَالُ مِنْهُ إِلَّا بَرِئَ يَبْرَأُ. وَبَارَأْتُ الرَّجُلَ، أَيْ: بَرِئْتُ إِلَيْهِ وَبَرِئَ إِلَيَّ. وَبَارَأَتِ الْمَرْأَةُ صَاحِبَهَا عَلَى الْمُفَارَقَةِ، وَكَذَلِكَ بَارَأْتُ
(1/236)

شَرِيكِي وَأَبْرَأْتُ مِنَ الدَّيْنِ وَالضَّمَانِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْبَرَاءَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَبَرُّؤِ الْقَمَرِ مِنَ الشَّهْرِ. قَالَ:
يَوْمًا إِذَا كَانَ الْبَرَاءُ نَحْسَا
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْيَوْمُ الْبَرَاءُ السَّعْدُ، أَيْ إِنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا يُكْرَهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ جَارِيَةً فَلَا يَطَأَهَا حَتَّى تَحِيضَ. وَهَذَا مِنَ الْبَابِ لِأَنَّهَا قَدْ بُرِّئَتْ مِنَ الرِّيبَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا. وَبُرْأَةُ الصَّائِدِ نَامُوسُهُ وَهِيَ قُتْرَتُهُ وَالْجَمْعُ بُرَأٌ; وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ زَايَلَ إِلَيْهَا كُلَّ أَحَدٍ. قَالَ:
بِهَا بُرَأٌ مِثْلُ الْفَسِيلِ الْمُكَمَّمِ

(بَرَتَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَغِلَ الشَّيْءُ وُغُولًا. مِنْ ذَلِكَ الْبَُرْتُ، وَهِيَ الْفَأْسُ، وَبِهَا شُبِّهَ الرَّجُلُ الدَّلِيلُ، لِأَنَّهُ يَغِلُ فِي الْأَرْضِ وَيَهْتَدِي فِي الظُّلَمِ.

(بَرَثَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ الْأَرْضُ السَّهْلَةُ، يُقَالُ لِلْأَرْضِ السَّهْلَةِ بَرْثٌ، وَالْجَمْعُ بِرَاثٌ. وَجَعَلَهَا رُؤْبَةُ الْبَرَارِثُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَطَأٌ.
(1/237)

(بَرَجَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُرُوزُ وَالظُّهُورُ، وَالْآخَرُ الْوَزَرُ وَالْمَلْجَأُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ الْبَرَجُ وَهُوَ سَعَةُ الْعَيْنِ فِي شِدَّةِ سَوَادِ سَوَادِهَا وَشِدَّةِ [بَيَاضِ] بَيَاضِهَا، وَمِنْهُ التَّبَرُّجُ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْمَرْأَةِ مَحَاسِنَهَا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْبُرْجُ وَاحِدُ بُرُوجِ السَّمَاءِ. وَأَصْلُ الْبُرُوجِ الْحُصُونُ وَالْقُصُورُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] . وَيُقَالُ: ثَوْبٌ مُبَرَّجٌ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ صُوَرُ الْبُرُوجِ.

(بَرَحَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْحَاءُ أَصْلَانِ يَتَفَرَّعُ عَنْهُمَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ. فَالْأَوَّلُ: الزَّوَالُ وَالْبُرُوزُ وَالِانْكِشَافُ. وَالثَّانِي: الشِّدَّةُ وَالْعِظَمُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: بَرَحَ يَبْرَحُ بَرَاحًا: إِذَا رَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَأَبْرَحْتُهُ أَنَا. قَالَ الْعَامِرِيُّ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَاحِلَتِهِ إِذَا كَانَتْ بَطِيئَةً: لَا تَبْرَحُ بَرَاحًا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَيَقُولُ: مَا بَرِحْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ، فِي مَعْنَى مَازِلْتُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَمَّنْ قَالَ: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} [طه: 91] ، أَيْ: لَنْ نَزَالَ. وَأَنْشَدَ:
فَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللَّهُ قَوْمِي ... بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدًا
أَيْ: لَا أَزَالُ. وَمُجِيدٌ: صَاحِبُ فَرَسٍ جَوَادٍ، وَمُنْتَطِقٌ: قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ النِّطَاقَ. وَيَقُولُ الْعَرَبُ: " بَرَِحَ الْخَفَاءُ " أَيِ انْكَشَفَ الْأَمْرُ. وَقَالَ:
بَرَِحَ الْخَفَاءُ فَمَا لَدَيَّ تَجَلُّدُ
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبَرَحَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، أَيْ: مَضَى، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْبَارِحَةُ. قَالُوا:
(1/238)

الْبَارِحَةُ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَ لَيْلَتِكَ، صِفَةٌ غَالِبَةٌ لَهَا. حَتَّى صَارَ كَالِاسْمِ. وَأَصْلُهَا مِنْ بَرِحَ، أَيْ: زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَثَلِ: " مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ " لِلشَّيْءِ يَنْتَظِرُهُ خَيْرًا مِنْ شَيْءٍ، فَيَجِيءُ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْبِرَاحُ الْمُكَاشَفَةُ، يُقَالُ: بَارَحَ بِرَاحًا كَاشَفَ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الْبَارِحَ الَّذِي هُوَ خِلَافُ السَّانِحِ مِنْ هَذَا; لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَبْرُزُ وَيَظْهَرُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبُرُوحُ مَصْدَرُ الْبَارِحِ وَهُوَ خِلَافُ السَّانِحِ، وَذَلِكَ مِنَ الظِّبَاءِ وَالطَّيْرِ يُتَشَاءَمُ بِهِ أَوْ يُتَيَمَّنُ، قَالَ:
وَهُنَّ يَبْرُحْنَ لَهُ بُرُوحَا ... وَتَارَةً يَأْتِينَهُ سُنُوحَا
وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: " هُوَ كَبَارِحِ الْأَرْوَى، قَلِيلًا مَا يُرَى ". يُضْرَبُ لِمَنْ لَا يَكَادُ يُرَى، أَوْ لَا يَكُونُ الشَّيْءُ مِنْهُ إِلَّا فِي الزَّمَانِ مَرَّةً. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْأَرْوَى مَسَاكِنُهَا الْجِبَالُ وَقِنَانُهَا، فَلَا يَكَادُ النَّاسُ يَرَوْنَهَا سَانِحَةً وَلَا بَارِحَةً إِلَّا فِي الدَّهْرِ مَرَّةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ السِّينِ، عِنْدَ ذِكْرِنَا لِلسَّانِحِ. وَيُقَالُ فِي قَوْلِهِمْ: " هُوَ كَبَارِحِ الْأَرْوَى " إِنَّهُ مَشْئُومٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْوَى يُتَشَاءَمُ بِهَا حَيْثُ أَتَتْ، فَإِذَا بَرَحَتْ كَانَ أَعْظَمَ لِشُؤْمِهَا.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: مَا أَبْرَحَ هَذَا الْأَمْرَ، أَيْ: أَعْجَبَهُ. وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى:
(1/239)

فأَبْرَحْتِ رَبًّا وَأَبْرَحْتِ جَارَا
وَقَالُوا: مَعْنَاهُ أَعْظَمْتِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: أبْرَحْتُ بِفُلَانٍ، أَيْ: حَمَلْتُهُ عَلَى مَا لَا يُطِيقُ فَتَبَرَّحَ بِهِ وَغَمَّهُ. وَأَنْشَدَ:
أبْرَحْتَ مَغْرُوسًا وَأَنْعَمْتَ غَارِسَا
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبَرِيحُ التَّعَبُ. قَالَ أَبُو وَجْزَةَ:
عَلَى قَعُودٍ قَدْ وَنَى وَقَدْ لَغِبْ ... بِهِ مَسِيحٌ وَبَرِيحٌ وَصَخَبْ
الْمَسِيحُ: الْعَرَقُ. أَبُو عَمْرٍو: وَيُقَالُ: أبْرَحْتَ لُؤْمًا وَأَبْرَحْتَ كَرَمًا. وَيُقَالُ: بَرْحَى لَهُ: إِذَا تَعَجَّبْتَ لَهُ. وَيُقَالُ: الْبَعِيرُ بُرْحَةٌ مِنَ الْبُرَحِ، أَيْ: خِيَارٌ. وَأَعْطِنِي مِنْ بُرَحِ إِبِلِكَ، أَيْ: مِنْ خِيَارِهَا.
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: بَرَّحَ فُلَانٌ تَبْرِيحًا فَهُوَ مُبَرِّحٌ: إِذَا أَذَى بِالْإِلْحَاحِ; وَالِاسْمُ الْبَرْحُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَالْهَوَى بَرْحٌ عَلَى مَنْ يُطالِبُهْ
وَالتَّبَارِيحُ: الْكُلْفَةُ وَالْمَشَقَّةُ. وَضَرَبَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا. وَهَذَا الْأَمْرُ أَبْرَحُ عَلَيَّ مِنْ ذَاكَ، أَيْ: أَشَقُّ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(1/240)

أَنِينًا وَشَكْوَى بِالنَّهَارِ كَثِيرَةً ... عَلَيَّ وَمَا يَأْتِي بِهِ اللَّيْلُ أَبْرَحُ
، أَيْ: أَشَقُّ. وَيُقَالُ: لَقِيتُ مِنْهُ الْبُرَحِينَ وَالْبَرَحَيْنِ وَبَنَاتِ بَرْحٍ وَبَرْحًا بَارِحًا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْبَوَارِحُ مِنَ الرِّيَاحِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ التُّرَابَ لِشِدَّةِ هُبُوبِهَا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَا بَلْ هُوَ الشَّوْقُ مِنْ دَارٍ تَخَوَّنُهَا ... مَرًّا سَحَابٌ وَمَرًّا بَارِحٌ تَرِبُ
فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ عِنْدَ الرَّامِي إِذَا أَخْطَأَ: بَرْحَى، عَلَى وَزْنِ فَعْلَى، فَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ مِنَ الْبَابِ، كَأَنَّهُ قَالَ خُطَّةٌ بَرْحَى، أَيْ: شَدِيدَةٌ.

(بَرَخَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْخَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، إِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَهُوَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ لُغَةٌ نَبَطِيَّةٌ.

(بَرَدَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ أُصُولٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا خِلَافُ الْحَرِّ، وَالْآخَرُ السُّكُونُ وَالثُّبُوتُ، وَالثَّالِثُ الْمَلْبُوسُ، وَالرَّابِعُ الِاضْطِرَابُ وَالْحَرَكَةُ. وَإِلَيْهَا تَرْجِعُ الْفُرُوعُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْبَرْدُ خِلَافُ الْحَرِّ. يُقَالُ: بَرَدَ فَهُوَ بَارِدٌ، وَبَرَدَ الْمَاءُ حَرَارَةَ جَوْفِي يَبْرُدُهَا. قَالَ:
(1/241)

وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا ... سَتَبْرُدُ أَكْبَادًا وَتُبْكِي بَواكِيَا
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
لَئِنْ كَانَ بَرْدُ الْمَاءِ حَرَّانَ صَادِيَا ... إِلَيَّ عَجِيبًا إِنَّهَا لَعَجِيبُ
وَبَرَدْتُ عَيْنَهُ بِالْبَرُودِ. وَالْبَرَدَةُ: التُّخَمَةُ. وَسَحَابٌ بَرِدٌ: إِذَا كَانَ ذَا بَرَدٍ. وَالْأَبْرَدَانِ: طَرَفَا النَّهَارِ. قَالَ:
إِذَا الْأرْطَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ ... خُدُودُ جَوازِئٍ بِالرَّمْلِ عِينِ
وَيُقَالُ: الْبَرْدَانِ. وَيُقَالُ لِلسُّيُوفِ الْبَوارِدُ، قَالَ قَوْمٌ: هِيَ الْقَوَاتِلُ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَسُّ الْحَدِيدِ بَارِدٌ. وَأَنْشَدَ:
وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَغَصَّنِي ... مُغَصَّهُمَا بِالْمُرْهَفَاتِ الْبَوَارِدِ
وَيُقَالُ: جَاءُوا مُبْرِدِينَ، أَيْ: جَاءُوا وَقَدْ بَاخَ الْحَرُّ.
(1/242)

وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَالْبَرْدُ النَّوْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا} [النبأ: 24] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ عَلَيْكُمُ ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدَا
وَيُقَالُ: بَرَدَ الشَّيْءُ: إِذَا دَامَ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
الْيَوْمَ يَوْمٌ بَارِدٌ سَمُومُهْ ... مَنْ جَزِعَ الْيَوْمَ فَلَا تَلُومُهْ
بَارِدٌ بِمَعْنَى دَائِمٍ. وَبَرَدَ لِي عَلَى فُلَانٍ مِنَ الْمَالِ كَذَا، أَيْ: ثَبَتَ. وَبَرَدَ فِي يَدِي كَذَا، أَيْ: حَصَلَ. وَيَقُولُونَ بَرَدَ الرَّجُلُ: إِذَا مَاتَ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَالْبُرْدُ، مَعْرُوفٌ. قَالَ:
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تُلَفَ عَجَاجَتِي ... عَلَى ذِي كِسَاءٍ مِنْ سَلَامَانَ أَوْ بُرْدِ
وَبُرْدَا الْجَرَادَةِ: جَنَاحَاهَا.
وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ بَرِيدُ الْعَسَاكِرِ; لِأَنَّهُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ. قَالَ:
خَيَالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا ... مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ الْمُذَبْذَبِ
وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْمِبْرَدُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّ الْيَدَ تَضْطَرِبُ بِهِ إِذَا أُعْمِلَ.
(1/243)

[بَابُ الْبَاءِ وَالزَّاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَزَعَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الظَّرْفُ، يُقَالُ: لِلظَّرِيفِ بَزِيعٌ، وَتَبَزَّعَ الْغُلَامُ ظَرُفَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ صِفَةِ الْأَحْدَاثِ. وَرُبَّمَا قَالُوا تَبَزَّعَ الشَّرُّ: إِذَا تَفَاقَمَ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ أَصْلٌ ثَانٍ.

(بَزَغَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْغَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ طُلُوعُ الشَّيْءِ وَظُهُورُهُ. يُقَالُ: بَزَغَتِ الشَّمْسُ وَبَزَغَ نَابُ الْبَعِيرِ: إِذَا طَلَعَ. وَيَقُولُونَ لِلْبَيْطَارِ إِذَا أوْدَجَ الدَّابَّةَ قَدْ بَزَغَهُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ.

(بَزَقَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِلْقَاءُ الشَّيْءِ، يُقَالُ: بَزَقَ الْإِنْسَانُ، مِثْلَ بَصَقَ. وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَقُولُونَ: بَزَقَ الْأَرْضَ: إِذَا بَذَرَهَا.

(بَزَلَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: تَفَتُّحُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: بَزَلْتُ الشَّرَابَ بِالْمِبْزَلِ أَبْزُلُهُ بَزْلًا. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ بَزَلَ الْبَعِيرُ: إِذَا فَطَرَ نَابُهُ، أَيِ انْشَقَّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِحِجَّتِهِ التَّاسِعَةِ. وَشَجَّةٌ بَازِلَةٌ: إِذَا سَالَ دَمُهَا. وَانْبَزَلَ الطَّلْعُ: إِذَا تَفَتَّقَ. وَمِنَ الْبَابِ الْبَأْزَلَةُ وَهِيَ الْمِشْيَةُ السَّرِيعَةُ; لِأَنَّ الْمُسْرِعَ مُفَتِّحٌ فِي مِشْيَتِهِ. قَالَ:
فَأَدْبَرَتْ غَضْبَى تَمَشَّى الْبَازَلَهْ
(1/244)

وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَوْلُهُمْ أَمْرٌ ذُو بَزْلٍ، أَيْ: شِدَّةٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ:
يُفَلِّقْنَ رَأْسَ الْكَوْكَبِ الْفَخْمِ بَعْدَمَا ... تَدُورُ رَحَى الْمَلْحَاءِ فِي الْأَمْرِ ذِي الْبَزْلِ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ نَهَّاضٌ بِبَزْلَاءَ: إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأُمُورِ الْعِظَامِ. وَقَالَ قَوْمٌ، وَهُوَ هَذَا الْأَصْلُ: ذُو بَزْلَاءَ، أَيْ: ذُو رَأْيٍ. أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ:
إِنِّي إِذَا شَغَلَتْ قَوْمًا فُرُوجُهُمْ ... رَحْبُ الْمَسَالِكِ نَهَّاضٌ ببَزْلَاءِ

(بَزَمَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ: الْإِمْسَاكُ وَالْقَبْضُ. يُقَالُ: بَزَمَ عَلَى الشَّيْءِ: إِذَا قَبَضَ عَلَيْهِ بِمُقَدَّمِ فِيهِ. وَالْإِبْزِيمُ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا. وَالْبَزِيمُ فَضْلَةُ الزَّادِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أُمْسِكَ عَنْ إِنْفَاقِهَا.

(بَزَوَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَيْئَةٌ مِنْ هَيْئَاتِ الْجِسْمِ فِي خُرُوجِ صَدْرٍ، أَوْ تَطَاوُلٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ ظَهْرُهُ وَخَرَجَ صَدْرُهُ: هُوَ أَبْزَى. قَالَ كُثَيِّرٌ:
مِنَ الْقَوْمِ أَبْزَى مُنْحَنٍ مُتَبَاطِنُ
وَقَالَ قَوْمٌ: تَبَازَى: إِذَا حَرَّكَ عَجُزَهُ فِي مِشْيَتِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِبْزَاءُ أَنْ يَرْفَعَ الْإِنْسَانُ مُؤَخَّرَهُ، يُقَالُ مِنْهُ أَبْزَى يُبْزِي. وَالْبَازِي يَبْزُو فِي تَطَاوُلِهِ، أَوْ إِينَاسِهِ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْبَازُ بِلَا يَاءٍ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. قَالَ عَنْتَرَةُ يَذْكُرُ فَرَسًا:
(1/245)

كَأَنَّهُ بَازُ دَجْنٍ فَوْقَ مَرْقَبَةٍ ... جَلَا الْقَطَا فَهُوَ ضَارِي سَمْلَقٍ سَنِقُ
الْبَازِي فِي الدَّجْنِ أَشَدُّ طَلبًا لِلصَّيْدِ، ضَارِي سَمْلَقٌ، أَيْ: مُعْتَادٌ لِلصَّيْدِ فِي السَّمْلَقِ، وَهِيَ الصَّحْرَاءُ. سَنِقٌ: بَشِمٌ. وَأَظُنُّ أَنَا أَنَّ وَصْفَهُ إِيَّاهُ بِالْبَشَمِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. وَيَقُولُونَ: أَخَذْتُ مِنْ فُلَانٍ بَزْوَ كَذَا، أَيِ الْمَبْلَغَ الَّذِي يَبْلُغُهُ وَيَرْتَفِعُ إِلَيْهِ. وَرُبَّمَا قَالُوا أَبْزَيْتُ بِفُلَانٍ: إِذَا بَطَشْتَ بِهِ; وَهُوَ مِنْ هَذَا لِأَنَّهُ يَعْلُوهُ وَيَقْهَرُهُ.

(بَزَخَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالْخَاءُ أَصْلٌ يَقْرُبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْبَزَخُ خُرُوجُ الصَّدْرِ وَدُخُولُ الظَّهْرِ; يُقَالُ: رَجُلٌ أَبْزَخُ وَامْرَأَةٌ بَزْخَاءُ. وَتَبَازَخَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: إِذَا حَرَّكَتْ عَجُزَهَا فِي مِشْيَتِهَا.

(بَزَرَ) الْبَاءُ وَالزَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ دَقِّ الشَّيْءِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْرُوفٌ. قَالَ الدُّرَيدِيُّ: وَقَوْلُ الْعَامَّةِ بَزْرُ الْبَقْلِ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ بَذْرُ. وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي لِلْخَلِيلِ: الْبَزْرُ كُلُّ حَبٍّ يُبْذَرُ، يُقَالُ: بَذَرْتُهُ وَبَزَرْتُ الْقِدْرَ بِأَبْزَارِهَا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْبَيْزَرَةُ خَشَبَةُ الْقَصَّارِ الَّتِي يَدُقُّ بِهَا، وَلِذَا قَالَ أَوْسٌ:
بِأَيْدِيهِمْ بَيَازِيرُ
وَيُقَالُ: بَزَرْتُهُ بِالْعَصَا: إِذَا ضَرَبْتَهُ بِهَا.
(1/246)

[بَابُ الْبَاءِ وَالسِّينِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَسَطَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ امْتِدَادُ الشَّيْءِ، فِي عِرَضٍ أَوْ غَيْرِ عِرَضٍ. فَالْبِسَاطُ مَا يُبْسَطُ. وَالْبَسَاطُ الْأَرْضُ، وَهِيَ الْبَسِيطَةُ. يُقَالُ: مَكَانٌ بَسِيطٌ وَبَسَاطٌ. قَالَ:
وَدُونَ يَدِ الْحَجَّاجِ مِنْ أَنْ تَنَالَنِي ... بَسَاطٌ لِأَيْدِي النَّاعِجَاتِ عَرِيضُ
وَيَدُ فُلَانٍ بِسْطٌ: إِذَا كَانَ مِنْفَاقًا، وَالْبَسْطَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ السَّعَةُ وَهُوَ بَسِيطُ الْجِسْمِ وَالْبَاعِ وَالْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247] . وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُمْ لِلنَّاقَةِ الَّتِي خُلِّيَتْ هِيَ وَوَلَدُهَا لَا تُمْنَعُ مِنْهُ: بُِسْطٌ.

(بَسَقَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الشَّيْءِ وَعُلُوُّهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إِذَا طَالَتْ وَكَمُلَتْ. وَفِي الْقُرْآنِ: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] ، أَيْ: طَوِيلَاتٍ.
قَالَ يَعْقُوبُ: نَخْلَةٌ بَاسِقَةٌ وَنَخِيلٌ بَوَاسِقُ، الْمَصْدَرُ الْبُسُوقُ. قَالَ: وَيُقَالُ: بَسَقَ الرَّجُلُ طَالَ، وَبَسَقَ فِي عِلْمِهِ عَلَا.
أَبُو زَيْدٍ عَنِ الْمُنْتَجِعِ بْنِ نَبْهَانَ: غَمَامَةٌ بَاسِقَةٌ، أَيْ: بَيْضَاءُ عَالِيَةٌ. وَبَوَاسِقُ السَّحَابِ أَعَالِيهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ جَاءَ بَسَقَ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا لَيْسَ أَصْلًا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ السِّينَ فِيهِ مَقَامُ الصَّادِ وَالْأَصْلُ بَصَقَ.
(1/247)

ثُمَّ حُمِلَ عَلَى هَذَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَبْسَقَتِ الشَّاةُ فَهِيَ مُبْسِقٌ: إِذَا أَنْزَلَتْ لَبَنًا مِنْ قَبْلِ الْوِلَادَةِ بِشَهْرٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُحْلَبُ. وَهَذَا إِذَا صَحَّ فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ بِبُسَاقٍ، تَشْبِيهًا لَهُ بِبُسَاقِ الْإِنْسَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْجَارِيَةُ وَهِيَ بِكْرٌ يَصِيرُ فِي ثَدْيِهَا لَبَنٌ، فَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا كَالْبُسَاقِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمِبْسَاقُ الَّتِي تَدِرُّ قَبْلَ نِتَاجِهَا. وَأَنْشَدَ - وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّ هَذَا شِعْرٌ صَنَعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ -:
وَمُبْسِقٌ تُحْلَبُ نِصْفَ الْحَمْلِ ... تَدُرُّ مِنْ قَبْلِ نِتَاجِ السَّخْلِ

(بَسَلَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تَتَقَارَبُ فُرُوعُهُ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ لِلْحَرَامِ: بَسْلٌ. وَكُلُّ شَيْءٍ امْتَنَعَ. فَهُوَ بَسْلٌ. قَالَ زُهَيْرٌ:
فَإِنْ تُقْوِيَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمُ بَسْلُ
وَالْبَسَالَةُ الشَّجَاعَةُ مِنْ هَذَا; لِأَنَّهَا الِامْتِنَاعُ عَلَى الْقِرْنِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: أَبْسَلْتُ الشَّيْءَ أَسْلَمْتُهُ لِلْهَلَكَةِ. وَمِنْهُ أَبْسَلْتُ وَلَدِي رَهَنْتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} [الأنعام: 70] . ثُمَّ قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ:
وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدَمٍ مُرَاقٍ
(1/248)

وَأَمَّا الْبُسْلَةُ فَأُجْرَةُ الرَّاقِي، وَقَدْ يُرَدُّ بِدَقِيقٍ مِنَ النَّظَرِ إِلَى هَذَا. وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ هُوَ شاذٌ عَنْ مُعْظَمِ الْبَابِ. وَكَانَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يَقُولُ: الْبَسَلُ الْكَرِيهُ الْوَجْهِ; وَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ مُطَّرِدٌ عَلَى مَا أَصَّلْنَاهُ.

(بَسَمَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِبْدَاءُ مُقَدَّمِ الْفَمِ لِمَسَرَّةٍ; وَهُوَ دُونَ الضَّحِكِ يُقَالُ: بَسَمَ يَبْسِمُ وَتَبَسَّمَ وَابْتَسَمَ.

(بَسَأَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُنْسُ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ: بَسَأْتُ بِهِ وَبَسِئْتُ أَيْضًا. وَنَاقَةٌ بَسُوءٌ لَا تَمْنَعُ الْحَالِبَ.

(بَسَرَ) الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الطَّرَاءَةُ وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَبْلَ إِنَاهُ. وَالْأَصْلُ الْآخَرُ وُقُوفُ الشَّيْءِ وَقِلَّةُ حَرَكَتِهِ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ لِكُلِّ شَيْءٍ غَضٍّ بُسْرٌ; وَنَبَاتٌ بُسْرٌ: إِذَا كَانَ طَرِيًّا. وَمَاءٌ بُسْرٌ قَرِيبُ عَهْدٍ بِالسَّحَابِ. وَابْتَسَرَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ: إِذَا ضَرَبَهَا عَلَى غَيْرِ ضَبَعَةٍ. وَيُقَالُ لِلشَّمْسِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِهَا بُسْرَةٌ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ بَسَرَ الرَّجُلُ الْحَاجَةَ: إِذَا طَلَبَهَا مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الطَّلَبِ. وَقِيَاسُهُ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ طَلَبَهَا قَبْلَ إِنَاهَا. وَالْبَسْرُ ظَلْمُ السِّقَاءِ، وَذَلِكَ شُرْبُهُ قَبْلَ رَوْبِهِ.
(1/249)

[بَابُ الْبَاءِ وَالشِّينِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَشَعَ) الْبَاءُ وَالشِّينُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَرَاهَةُ الشَّيْءِ وَقِلَّةُ نُفُوذِهِ.
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَشَعُ طَعْمٌ كَرِيهٌ فِيهِ جُفُوفٌ وَمَرَارَةٌ كَطَعْمِ الْهَلِيلَجِ الْبَشِعَةِ.
قَالَ: وَيُقَالُ: رَجُلٌ بَشِعٌ وَامْرَأَةٌ بَشِعَةٌ، وَهُوَ الْكَرِيهُ رِيحِ الْفَمِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ وَلَا يَسْتَاكُ. وَالْمَصْدَرُ الْبَشَعُ وَالْبَشَاعَةُ. وَقَدْ بَشِعَ يَبْشَعُ بَشَعًا. وَالطَّعَامُ الْبَشِعُ الَّذِي لَا يَسُوغُ فِي الْحَلْقِ.
قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْبَشَعُ تَضَايُقُ الْحَلْقِ بِالطَّعَامِ الْخَشِنِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبَشِعُ الَّذِي لَا يَجُوزُ. يُقَالُ: بَشِعَ الْوَادِي بِالنَّاسِ: إِذَا كَثُرُوا فِيهِ حَتَّى يَضِيقَ بِهِمْ. وَأَنْشَدَ:
إِذَا لَقِيَ الْغُصُونَ انْسَلَّ مِنْهَا ... فَلَا بَشِعٌ وَلَا جَافٍ جَفُوفُ
قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: بَشِعْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: ضِقْتَ بِهِ ذَرْعًا. قَالَ النَّضْرُ: نَحَتُّ مَتْنَ الْعُودِ حَتَّى ذَهَبَ بَشَعُهُ، أَيْ: أُبَنُهُ. قَالَ الضَّبِّيُّ: الطَّعَامُ الْبَشِعُ الْغَلِيظُ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْخُولٍ، فَلَا يَسُوغُ فِي الْحَلْقِ خُشُونَةً.

(بَشَكَ) الْبَاءُ وَالشِّينُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ يَتَفَرَّعُ مَا يَقْرُبُ مِنَ الْخِفَّةِ. يُقَالُ: نَاقَةٌ بَشَكَى، أَيْ: سَرِيعَةٌ. وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ بَشَكَى عَمُولٌ. وَابْتَشَكَ فُلَانٌ الْكَذِبَ: إِذَا اخْتَلَقَهُ. وَبَشَكْتُ الثَّوْبَ قَطَعْتُهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْبَشْكِ فِي السَّيْرِ وَخِفَّةِ نَقْلِ الْقَوَائِمِ.
(1/250)

(بَشَمَ) الْبَاءُ وَالشِّينُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ السَّآمَةِ لِمَأْكُولٍ مَا، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. يُقَالُ: بَشِمْتُ مِنَ الطَّعَامِ، كَأَنَّكَ سَئِمْتَهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَشَمُ يُخَصُّ بِهِ الدَّسَمُ. قَالَ: وَيُقَالُ فِي الْفَصِيلِ: بَشِمَ مِنْ كَثْرَةِ شُرْبِ اللَّبَنِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْأَصْلِ الْبَشَامُ، وَهُوَ شَجَرٌ.

(بَشَرَ) الْبَاءُ وَالشِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ: ظُهُورُ الشَّيْءِ مَعَ حُسْنٍ وَجَمَالٍ. فَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْهُ بَاشَرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَذَلِكَ إِفْضَاؤُهُ بِبَشَرَتِهِ إِلَى بَشَرَتِهَا. وَسُمِّيَ الْبَشَرُ بَشَرًا لِظُهُورِهِمْ. وَالْبَشِيرُ الْحَسَنُ الْوَجْهِ. وَالْبَشَارَةُ، الْجَمَالُ. قَالَ الْأَعْشَى:
وَرَأَتْ بِأَنَّ الشَّيْبَ جَا ... نَبَهُ الْبَشَاشَةُ وَالْبَشَارَهْ
وَيُقَالُ: بَشَّرْتُ فُلَانًا أُبَشِّرُهُ تَبْشِيرًا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْخَيْرِ، وَرُبَّمَا حُمِلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الشَّرِّ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ جِنْسًا مِنَ التَّبْكِيتِ. فَأَمَّا إِذَا أُطْلِقَ الْكَلَامُ إِطْلَاقًا فَالْبِشَارَةُ بِالْخَيْرِ وَالنِّذَارَةُ بِغَيْرِهِ يُقَالُ: أَبْشَرَتِ الْأَرْضُ: إِذَا أَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا. وَيُقَالُ: مَا أَحْسَنَ بَشَرَةَ الْأَرْضِ. وَيُقَالُ: بَشَرْتُ الْأَدِيمَ: إِذَا قَشَرْتَ وَجْهَهُ. وَفُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ: إِذَا كَانَ كَامِلًا مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ جَمَعَ لِينَ الْأَدَمَةِ وَخُشُونَةَ الْبَشَرَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ بَحْنَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: " جَهِّزِيهَا فَإِنَّهَا الْمُؤْدَمَةُ الْمُبْشَرَةُ ".
(1/251)

وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَبْشَرْتُ الْأَدِيمَ، مِثْلَ بَشَرْتُ. وَتَبَاشِيرُ الصُّبْحِ أَوَائِلُهُ; وَكَذَلِكَ أَوَائِلُ كُلِّ شَيْءٍ. وَلَا يَكُونُ مِنْهُ فِعْلٌ. وَالْمُبَشِّرَاتُ الرِّيَاحُ الَّتِي تُبَشِّرُ بِالْغَيْثِ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالصَّادِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَصَطَ) الْبَاءُ وَالصَّادُ وَالطَّاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، لِأَنَّ الصَّادَ فِيهِ سِينٌ فِي الْأَصْلِ. يُقَالُ: بَصَطَ بِمَعْنَى بَسَطَ، وَفِي جِسْمِ فُلَانٍ بَصْطَةٌ مِثْلَ بَسْطَةٍ.

(بَصَعَ) الْبَاءُ وَالصَّادُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خُرُوجُ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ وَضِيقٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَصْعُ الْخَرْقُ الضَّيِّقُ الَّذِي لَا يَكَادُ الْمَاءُ يَنْفُذُ مِنْهُ، يُقَالُ: بَصَعَ يَبْصَعُ بَصَاعَةً. قَالَ الْخَلِيلُ: وَيُقَالُ: تَبَصَّعَ الْعَرَقُ مِنَ الْجَسَدِ: إِذَا نَبَعَ مِنْ أُصُولِ الشَّعْرِ قَلِيلًا.
قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: بَصَعَ الْعَرَقُ: إِذَا رَشَحَ. وَذَكَرَ أَنَّ الْخَلِيلَ كَانَ يُنْشِدُ:
تَأْبَى بِدِرَّتِهَا إِذَا مَا اسْتُكْرِهَتْ ... إِلَّا الْحَمِيمَ فَإِنَّهُ يَتَبَصَّعُ
بِالصَّادِّ، يَذْهَبُ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ الضَّادُ، وَهُوَ السَّيَلَانُ. وَقَالَ الدُّرَيْدِيُّ: الْبَصِيعُ الْعَرَقُ بِعَيْنِهِ. وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ [بَصْعٌ، أَيْ:] شَيْءٌ. يُحْكَى عَنْ قُطْرُبٍ: مَضَى بِصْعٌ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ: شَيْءٌ مِنْهُ.
(1/252)

(بَصَقَ) الْبَاءُ وَالصَّادُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يُشَارِكُ الْبَاءَ وَالسِّينَ وَالْقَافَ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ. يُقَالُ: بَصَقَ بِمَعْنَى بَزَقَ وَبَسَقَ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَهُوَ بِالصَّادِّ أَحْسَنُ. وَالِاسْمُ الْبُصَاقُ.
قَالَ أَبُو زِيَادٍ: يُقَالُ: أَبَصَقَتِ الشَّاةُ، وَإِبْصَاقُهَا أَنْ تُنْزِلَ اللَّبَنَ قَبْلَ الْوِلَادِ فَيَكُونَ فِي قَرَارِ ضَرْعِهَا شَيْءٌ مِنْ لَبَنٍ وَمَا فَوْقَهُ خَالٍ. قَالَ: وَذَلِكَ مِنَ الشَّاةِ عَلَى قِلَّةِ اللَّبَنِ إِذَا وَلَدَتْ. قَالَ: وَمَبَاصِيقُ الْغَنَمِ تُنْتَجُ بَعْدَ إِنْزَالِ اللَّبَنِ بِأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَكُونُ لَبَنُهَا إِلَّا فِي قَرَارِ الضَّرْعِ وَطَرَفِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: بَصَقْتُ الشَّاةَ حَلَبْتُهَا وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ. قَالَ: وَالْبَصُوقُ أَبْكَأُ الْغَنَمِ وَأَقَلُّهَا لَبَنًا. قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: بُصَاقُ الْإِبِلِ خِيَارُهَا، الْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْحَجَرِ الْأَبْيَضِ الَّذِي يَتَلَأْلَأُ: بُصَاقَةُ الْقَمَرِ، وَبَصْقَةُ الْقَمَرِ، فَمُشَبَّهٌ بِبُصَاقِ الْإِنْسَانِ. وَالْبُصَاقُ: جِنْسٌ مِنَ النَّخْلِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ قِيَاسِ الْبُسَاقِ. وَهُوَ فِي بَسَقَ.

(بَصَلَ) الْبَاءُ وَالصَّادُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ. وَالْبَصَلُ مَعْرُوفٌ، وَبِهِ شَبَّهَ لَبِيدٌ الْبَيْضَ فَقَالَ:
فَخْمَةً ذَفْرَاءَ تُرْتَى بِالْعُرَى ... قُرْدُمَانِيًّا وَتَرْكًا كَالْبَصَلْ

(بَصَرَ) الْبَاءُ وَالصَّادُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ; يُقَالُ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِ. وَمِنْ هَذِهِ الْبَصِيرَةُ، وَالْقِطْعَةُ مِنَ الدَّمِ إِذَا وَقَعَتْ بِالْأَرْضِ اسْتَدَارَتْ. قَالَ الْأَسْعَرُ:
(1/253)

رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ... وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى
وَالْبَصِيرَةُ التُّرْسُ فِيمَا يُقَالُ. وَالْبَصِيرَةُ: الْبُرْهَانُ. وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ وُضُوحُ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ: رَأَيْتُهُ لَمْحًا بَاصِرًا، أَيْ: نَاظِرًا بِتَحْدِيقٍ شَدِيدٍ. وَيُقَالُ: بَصُرْتُ بِالشَّيْءِ: إِذَا صِرْتَ بِهِ بَصِيرًا عَالِمًا، وَأَبْصَرْتُهُ: إِذَا رَأَيْتَهُ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَبُصْرُ الشَّيْءِ غِلَظُهُ. وَمِنْهُ الْبَصْرُ، هُوَ أَنْ يَضُمَّ أَدِيمٌ إِلَى أَدِيمٍ، يُخَاطَانِ كَمَا تُخَاطُ حَاشِيَةُ الثَّوْبِ. وَالْبَصِيرَةُ: مَا بَيْنَ شُقَّتَيِ الْبَيْتِ، وَهُوَ إِلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ أَقْرَبُ. فَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَالْحِجَارَةُ الرِّخْوَةُ، فَإِذَا سَقَطَتِ الْهَاءُ قُلْتَ بِصْرٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الثَّانِي.

[بَابُ الْبَاءِ وَالضَّادِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَضَعَ) الْبَاءُ وَالضَّادُ وَالْعَيْنُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ عُضْوًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالثَّانِي بُقْعَةٌ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُشْفَى شَيْءٌ بِكَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: بَضَعَ الْإِنْسَانُ اللَّحْمَ يَبْضَعُهُ بَضْعًا وَ [بَضَّعَهُ] يُبَضِّعُهُ تَبْضِيعًا: إِذَا جَعَلَهُ قِطَعًا. وَالْبَضْعَةُ الْقِطْعَةُ وَهِيَ الْهَبْرَةُ. وَيَقُولُونَ: إِنَّ فُلَانًا لَشَدِيدُ الْبَضِيعِ وَالْبَضْعَةِ: إِذَا كَانَ ذَا جِسْمٍ وَلَحْمٍ سَمِينٍ. قَالَ:
(1/254)

خَاظِي الْبَضيعِ لَحْمُهُ خَظَا بَظَا
قَالَ: خَاظِي الْبَضِيعِ شَدِيدُ اللَّحْمِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: الْبَضِيعُ مِنَ اللَّحْمِ جَمْعُ بَضْعٍ، كَقَوْلِكَ عَبْدٌ وَعَبِيدٌ. فَأَمَّا الْبَاضِعَةُ فَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ، يُقَالُ: فِرْقٌ بَواضِعٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْبَضْعَةُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ مُجْتَمِعَةٌ، وَجَمْعُهَا بِضَعٌ، كَمَا تَقُولُ بَدْرَةٌ وَبِدَرٌ، وَتُجْمَعُ عَلَى بَضْعٍ أَيْضًا. قَالَ زُهَيْرٌ:
دَمًا عِنْدَ شِلْوٍ تَحْجُِلُ الطَّيْرُ حَوْلَهُ ... وَبَضْعَ لِحَامٍ فِي إِهَابٍ مُقَدَّدٍ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: بَضَعْتُ الْغُصْنَ أَبْضَعُهُ، أَيْ: قَطَعْتُهُ. قَالَ أَوْسٌ:
وَمَبْضُوعَةً مِنْ رَأْسِ فَرْعٍ شَظِيَّةً ... بِطَوْدٍ تَرَاهُ بِالسَّحَابِ مُكَلَّلَا
فَأَمَّا الْمُبَاضَعَةُ الَّتِي هِيَ الْمُبَاشَرَةُ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْبُضْعِ، وَهُوَ مِنْ حَسَنِ الْكِنَايَاتِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بَاضَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ: إِذَا جَامَعَهَا، بِضَاعًا. وَفِي الْمَثَلِ: " كَمُعَلِّمَةٍ أُمَّهَا الْبِضَاعَ " يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ يُعَلِّمُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. قَالَ: وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَالِكُ بُضْعِهَا، أَيْ: تَزْوِيجِهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ نَاكِحَهَا وَمَالِكَ بُضْعِهَا ... وَبَنِي أَبِيهِمْ كُلَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا
(1/255)

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبُضْعُ النِّكَاحُ، وَالْبِضَاعُ الْجِمَاعُ.
وَمِمَّا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ بِضَاعَةُ التَّاجِرِ مِنْ مَالِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَبْضَعَ الرَّجُلُ بِضَاعَةً. قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: " كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ " يُضْرَبُ مَثَلًا لِمَنْ يَنْقُلُ الشَّيْءَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِهِ وَأَقْدَرُ عَلَيْهِ. وَجَمْعُ الْبِضَاعَةِ بِضَاعَاتٌ وَبَضَائِعُ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْبَاضِعُ الَّذِي يَجْلِبُ بَضَائِعَ الْحَيِّ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: اتَّخَذَ عِرْضَهُ بِضَاعَةً، أَيْ: جَعَلَهُ كَالشَّيْءِ يُشْتَرَى وَيُبَاعُ، وَقَدْ أَفْصَحَ الْأَصْمَعِيُّ بِمَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّ فِي نَصِّ قَوْلِهِ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْبِضَاعَةُ بِضَاعَةً لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْمَالِ تُجْعَلُ فِي التِّجَارَةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبَضَائِعُ كَالْعَلَائِقِ، وَهِيَ الْجَنَائِبُ تُجْنَبُ مَعَ الْإِبِلِ. وَأَنْشَدَ:
احْمِلْ عَلَيْهَا إِنَّهَا بَضَائِعُ ... وَمَا أَضَاعَ اللَّهُ فَهْوَ ضَائِعُ
وَمِثْلُهُ:
أَرْسَلَهَا عَلِيقَةً وَمَا عَلِمْ ... أَنَّ الْعَلِيقَاتِ يُلَاقِينَ الرَّقَمْ
وَمِنْ بَابِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ طَوَائِفُ مِنَ الْبَدَنِ قَوْلُهُمُ الشَّجَّةُ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ وَلَا تُوضِحُ عَنِ الْعَظْمِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ شَقًّا خَفِيفًا. وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَضَرَبَهُ أَدَبًا لَهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا كُلَّهَا تَبْضَعُ وَتَحْدُرُ، أَيْ: تَشُقُّ الْجِلْدَ وَتَحْدُرُ الدَّمَ.
(1/256)

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْبِضْعُ مِنَ الْعَدَدِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشْرَةِ. وَيُقَالُ: الْبِضْعُ سَبْعَةٌ. قَالُوا: وَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] . وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: " تُشْرِطُ الْبِضَاعَةُ "، يَقُولُ: إِذَا احْتَاجَ بَذَلَ بِضَاعَتَهُ وَمَا عِنْدَهُ.
وَأَمَّا الْبُقْعَةُ فالْبُضَيْعُ بَلَدٌ، قَالَ فِيهِ حَسَّانُ:
أَسَأَلْتَ رَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَمْ تَسْأَلِ ... بَيْنَ الْجَوَابِي فالْبُضَيْعِ فحَوْمَلِ
وَبَاضِعٌ: مَوْضِعٌ. وَبَضِيعٌ: جَبَلٌ. وَهُوَ فِي شِعْرِ لَبِيدٍ. وَالْبَضيعُ الْبَحْرُ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
فَظَلَّ يُرَاعِي الشَّمْسَ حَتَّى كَأَنَّهَا ... فُوَيْقَ الْبَضِيعِ فِي الشُّعَاعِ خَمِيلُ
وَقَالَ الدُّرَيْدِيُّ: الْبَضِيعُ جَزِيرَةٌ تُقْطَعُ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْبَحْرِ. فَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ صَحِيحًا فَقَدْ عَادَ إِلَى الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ فَقَوْلُهُمْ: بَضَعْتُ مِنَ الْمَاءِ: رَوِيتُ مِنْهُ. وَمَاءٌ بَضِيعٌ، أَيْ: نَمِيرٌ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: شَرِبَ فُلَانٌ فَمَا بَضَعَ، أَيْ: مَا رَوِيَ. وَالْبَضْعُ الرِّيُّ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: بَضَعَ بُضُوعًا، كَمَا يُقَالُ: نَقَعَ.
(1/257)

[بَابُ الْبَاءِ وَالطَّاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَطَغَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالْغَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّلَطُّخُ بِالشَّيْءِ. قَالَ الرَّاجِزُ:
لَوْلَا دَبُوقَاءُ اسْتِهِ لَمْ يَبْطَغِ

(بَطَلَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ذَهَابُ الشَّيْءِ وَقِلَّةُ مُكْثِهِ وَلُبْثِهِ. يُقَالُ: بَطَلَ الشَّيْءُ يَبْطُلُ بُطْلًا وَبُطُولًا. وَسُمِّيَ الشَّيْطَانُ الْبَاطِلَ لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِأَفْعَالِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا مَرْجُوعَ لَهُ وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ. وَالْبَطَلُ الشُّجَاعُ. قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْقِيَاسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْمَتَالِفِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، يُقَالُ: بَطَلٌ بَيِّنُ الْبُطُولَةِ وَالْبَطَالَةِ. وَقَدْ قَالُوا: امْرَأَةٌ بَطَلَةٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْمَثَلِ: " مُكْرَهٌ أَخُوكَ لَا بَطَلٌ " فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. قَالَ قَوْمٌ: الْمَثَلُ لِجَرْوَلِ بْنِ نَهْشَلِ بْنِ دَارِمٍ، وَكَانَ جَبَانًا ذَا خَلْقٍ كَامِلٍ، وَأَنَّ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ غَزَا بَنِي دَارِمٍ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَبَنُو دَارِمٍ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى، وَجَاءَ جَرْوَلٌ فَرَأَى رَجُلًا يَسُوقُ ظَعِينَةً فَلَمَّا رَآهُ الرَّجُلُ خَشِيَهُ لِكَمَالِ خَلْقِهِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ جَرْوَلٌ: " أَنَا جَرْوَلُ بْنُ نَهْشَلِ، فِي الْحَسَبِ الْمُرَفَّلِ "، فَعَطَفَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ وَأَخَذَهُ وَكَتَّفَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
إِذَا مَا رَأَيْتَ امْرَأً فِي الْوَغَى ... فَذَكِّرْ بِنَفْسِكَ يَا جَرْوَلُ
(1/258)

حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى قَائِدِ الْجَيْشِ، وَقَدْ كَانَ عَرَفَ جُبْنَ جَرْوَلٍ، فَقَالَ: يَا جَرْولُ، مَا عَهِدْنَاكَ تُقَاتِلُ الْأَبْطَالَ، وَتُحِبُّ النِّزَالَ! فَقَالَ جَرْوَلٌ: " مُكْرَهٌ أَخُوكَ لَا بَطَلٌ ".
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْمَثَلُ لِبَيْهَسٍ، وَقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ بِطُولِهِ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ بَطَّالٌ بَيِّنُ الْبَطَالَةِ. وَذَهَبَ دَمُهُ بُطْلًا، أَيْ: هَدَرًا.

(بَطَنَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يَكَادُ يُخْلِفُ، وَهُوَ إِنْسِيُّ الشَّيْءِ وَالْمُقْبِلُ مِنْهُ. فَالْبَطْنُ خِلَافُ الظَّهْرِ. تَقُولُ بَطَنْتُ الرَّجُلَ: إِذَا ضَرَبْتَ بَطْنَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ:
إِذَا ضَرَبْتَ مُوقَرًا فَابْطُنْ لَهُ
وَبَاطِنُ الْأَمْرِ دَُِخْلَتُهُ، خِلَافُ ظَاهِرِهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْبَاطِنُ; لِأَنَّهُ بَطَنَ الْأَشْيَاءَ خُبْرًا. تَقُولُ: بَطَنْتُ هَذَا الْأَمْرَ: إِذَا عَرَفْتَ بَاطِنَهُ. وَالْبَطِينُ: الرَّجُلُ الْعَظِيمُ الْبَطْنِ. وَالْمَبْطُونُ الْعَلِيلُ الْبَطْنِ. وَالْمِبْطَانُ: الْكَثِيرُ الْأَكْلِ. وَالْمُبْطِنُ الْخَمِيصُ الْبَطْنِ. وَالْبُطْنَانُ بُطْنَانُ الْقُذَذِ. وَالْبَطْنُ مِنَ الْعَرَبِ دُونَ الْقَبِيلَةِ. وَالْبُطَيْنُ نَجْمٌ، يُقَالُ: إِنَّهُ بَطْنُ الْحَمَلِ. وَالْبِطَانُ بِطَانُ الرَّحْلِ، وَهُوَ حِزَامُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَلِي الْبَطْنَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ لِدُخَلَاءِ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَبْطُنُونَ أَمْرَهُ: هُمْ بِطَانَتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] . وَيُقَالُ: تَبَطَّنْتُ الْكَلَأَ: إِذَا جَوَّلْتَ فِيهِ. قَالَ:
(1/259)

قَدْ تَبَطَّنْتُ وَتَحْتِي جَسْرَةٌ ... حَرَجٌ فِي مِرْفَقَيْهَا كَالْفَتَلْ

(بَطَأَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبُطْءُ فِي الْأَمْرِ. أَبْطَأَ إِبْطَاءً وَبُطْأً، وَرَجُلٌ بَطِيءٌ وَقَوْمٌ بِطَاءٌ. قَالَ:
وَمَبْثُوثَةٍ بَثَّ الدُّبَا مُسَبْطَرَةٍ ... رَدَدْتُ عَلَى بِطَائِهَا مِنْ سِرَاعِهَا

(بَطَحَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَبَسُّطُ الشَّيْءِ وَامْتِدَادُهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَطْحُ مِنْ قَوْلِكَ بَطَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ بَطْحًا. وَالْبَطْحَاءُ: مَسِيلٌ فِيهِ دُقَاقُ الْحَصَى، فَإِذَا اتَّسَعَ وَعَرُضَ سُمِّي أَبَطَحَ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّ الْبُرَى وَالْعَاجَ عِيجَتْ مُتُونُهَا ... عَلَى عُشَرٍ نَهَّى بِهِ السَّيْلَ أَبْطَحُ
وَقَالَ فِي التَّبَطُّحِ:
إِذَا تَبَطَّحْنَ عَلَى الْمَحَامِلِ ... تَبَطُّحَ الْبَطِّ بِجَنْبِ السَّاحِلِ
وَتَبَطَّحَ السَّيْلُ: إِذَا سَالَ سَيْلًا عَرِيضًا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَلَا زَالَ مِنْ نَوْءِ السِّمَاكِ عَلَيْكُمَا ... وَنَوْءِ الزُّبَانَى وَابِلٌ مُتَبَطِّحُ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأَبْطُحُ أَثَرُ السَّيْلِ وَاسِعًا كَانَ أَوْ ضَيِّقًا، وَالْجَمْعُ أَبَاطِحُ.
(1/260)

قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: [جُمِعَ] جَمْعَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى أَفْعَلَ، نَحْوَ الْأَحَامِدِ وَالْأَسَاوِدِ، وَذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى، حَتَّى صَارَ كَالِاسْمِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَطِيحَةُ مَا بَيْنَ وَاسِطٍ وَالْبَصْرَةِ مَاءٌ مُسْتَنْقِعٌ لَا يُرَى طَرَفَاهُ مِنْ سَعَتِهِ، وَهُوَ مَغِيضُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. وَبَطْحَاءُ مَكَّةَ مِنْ هَذَا. قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: قُرَيْشُ الْبِطَاحِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بَطْحَاءَ مَكَّةَ، وَقُرَيْشُ الظَّوَاهِرِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ مَا حَوْلَ مَكَّةَ. قَالَ:
فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِنْ قُرَيْشٍ عِصَابَةٌ ... قُرَيْشِ الْبِطَاحِ لَا قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ
قَالَ: فَيُسَمَّى التُّرَابُ الْبَطْحَاءَ، يُقَالُ: دَعَا بِبَطْحَا قِشْرِهَا. وَأَنْشَدَ:
شَرَّابَةٌ لِلَبَنِ اللِّقَاحِ ... حَلَّالَةٌ بِجَرَعِ الْبِطَاحِ
قَالَ الْفَرَّاءُ: مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا بَطْحَةٌ، يُرِيدُ قَامَةَ الرَّجُلِ، فَمَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فِي الْأَرْضِ قِيلَ بَطْحَةٌ، وَمَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فِي شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ فَهُوَ قَامَةٌ. وَالْبُطَاحُ مَرَضٌ شَبِيهٌ بِالْبِرْسَامِ وَلَيْسَ بِهِ; يُقَالُ: هُوَ مَبْطُوحٌ.

(بَطَخَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالْخَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْبِطِّيخُ وَمَا أُرَاهَا أَصْلًا، لِأَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ مِنَ الطِّبِّيخِ، وَهَذَا أَقْيَسُ وَأَحْسَنُ اطِّرَادًا. وَقَدْ كُتِبَ فِي بَابِهِ.
(1/261)

(بَطَرَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الشَّقُّ. وَسُمِّيَ الْبَيْطَارُ لِذَلِكَ. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْمُبَيْطِرُ. قَالَ النَّابِغَةُ:
شَكَّ الْفَرِيصَةَ بِالْمِدْرَى فَأَنْفَذَهَا ... شَكَّ الْمُبَيْطِرِ إِذْ يَشْفِي مِنَ الْعَضَدِ
فَالْعَضَدُ دَاءٌ يَأْخُذُ فِي الْعَضُدِ.
وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الْبَطَرُ، وَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الْمَرَحِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: ذَهَبَ دَمُهُ بَِطْرًا، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا عَنِ الْأَصْلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ شَقَّ مَجْرَاهُ شَقًّا فَذَهَبَ، وَذَلِكَ إِذَا أُهْدِرَ.

(بَطَشَ) الْبَاءُ وَالطَّاءُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ وَقُوَّةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] . وَيَدٌ بَاطِشَةٌ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالظَّاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَظَى) الْبَاءُ وَالظَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَمَكُّنُ الشَّيْءِ مَعَ لِينٍ وَنَعْمَةٍ فِيهِ. يُقَالُ: بَظِيَ لَحْمُهُ اكْتَنَزَ، وَلَحْمُهُ خَظَا بَظًا. وَرُبَّمَا قَالُوا خَظِيَتِ الْمَرْأَةُ وَبَظِيَتْ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، لَكِنَّهَا فِيمَا يُقَالُ: دَخِيلٌ.

(بَظَرَ) الْبَاءُ وَالظَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. فَالْبُظَارَةُ اللُّحْمَةُ الْمُتَدَلِّيَةُ مِنْ ضَرْعِ الشَّاةِ، وَهِيَ الْحَلَمَةُ. وَالْبُظَارَةُ هَنَةٌ نَاتِئَةٌ مِنَ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، لَا تَكُونُ بِكُلِّ أَحَدٍ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشُرَيْحٍ فِي فُتْيَا: " مَا تَقُولُ أَنْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَبْظَرُ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/262)

[بَابُ الْبَاءِ وَالْعَيْنِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَعَقَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شَقُّ الشَّيْءِ وَفَتْحُهُ. ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا يُقَارِبُهُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبُعَاقُ شِدَّةُ الصَّوْتِ. وَالْمَطَرُ الْبُعَاقُ، بَعَقَ الْوَابِلُ: إِذَا انْفَتَحَ فَجْأَةً. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبُعَاقُ مِنَ الْأَمْطَارِ أَشَدُّهَا، وَقَالَ أَرْضٌ مَبْعُوقَةٌ. قَالَ: وَالِانْبِعَاقُ أَنْ يَنْبَعِقَ عَلَيْكَ الشَّيْءُ فَجْأَةً. وَأَنْشَدَ:
بَيْنَمَا الْمَرْءُ آمِنٌ رَاعَهُ رَا ... ئِعُ حَتْفٍ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ انْبِعَاقَهْ
وَيُقَالُ: بَعَقْتُ الْإِبِلَ، أَيْ: نَحَرْتُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْعَقُونَ لِقَاحَنَا» ، أَيْ: يَنْحَرُونَهَا. أَصْلُهُ مِنْ سَيَلَانِ الدَّمِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: الْبَعْقُ الشَّقُّ الَّذِي يَكُونُ فِي أَلْيَةِ الْحَافِرِ. حَكَى بَعْضُ الْأَعْرَابِ: بَعَقْتُ فُلَانًا عَنِ الْأَمْرِ بَعْقًا، أَيْ: مَزَّقْتُهُ وَكَشَفْتُهُ. وَمُنْبَعَقُ الْمَفَازَةِ مُتَّسَعُهَا. وَقَالَ جَنْدَلٌ الطُّهَوِيُّ:
لِلرِّيحِ فِي مَبْعَقِهَا الْمَجْهُولِ ... مَسَاحِبٌ مَيَّاسَةُ الذُّيُولِ
قَالَ الضَّبِّيُّ فِي كَلَامٍ: " كَانَتْ قِبَلَنَا ذِئْبَةٌ مُجْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ هِيَ وَعِرْسُهَا لَيْلًا، فَبَعَقَا غَنَمَنَا " أَيْ: شَقَّقَا بُطُونَهَا.
(1/263)

(بَعَكَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَجْمَعُ التَّجَمُّعَ وَالِازْدِحَامَ وَالِاخْتِلَاطَ. قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: الْبَعَكُ الْغِلَظُ فِي الْجِسْمِ وَالْكَزَازَةُ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ بَعْكَكٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ غَيْرُهُ: تَرَكْتُهُ فِي بَعْكُوكَةِ الْقَوْمِ، أَيْ: مُجْتَمَعِ مَنَازِلِهِمْ، وَنَرَى أَنَّهُ فَتَحَ الْبَاءَ فَقَالَ فَعْلُولَةً، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُخْرَجَ الْمَصَادِرِ، مِثْلَ سَارَ سَيْرُورَةً، وَحَادَ حَيْدُودَةً، وَقَالَ قَيْلُولَةً. وَأَنْشَدَ:
يَخْرُجْنَ مِنْ بَعْكُوكَةِ الْخِلَاطِ ... وَهُنَّ أَمْثَالُ السُِّرَى الْأَمْرَاطِ
وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ هَذَا الْبِنَاءَ فِي الْمَصَادِرِ إِلَّا لِلْمُعْتَلَّاتِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بُعْكُوكَةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ أَيُّوبَ:
وَيَا رَبِّ إِلَّا تَعْفُ عَنِّيَ تُلْقِنِي ... مِنَ النَّارِ فِي بُعْكُوكِهَا الْمُتَدَانِي
وَيُقَالُ: وَقَعَ فِي بَعْكُوكَاءَ، أَيْ: شَرٍّ وَجَلَبَةٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْبَعْكُوكَةُ ازْدِحَامُ الْإِبِلِ فِي اجْتِمَاعِهَا، وَقِيلَ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنْهَا، وَالْجَمْعُ بَعَاكِيكُ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْبَاعِكُ مِنَ الرِّجَالِ الْهَالِكُ حُمْقًا، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ.

(بَعَلَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَاللَّامُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: فَالْأَوَّلُ الصَّاحِبُ، يُقَالُ لِلزَّوْجِ بَعْلٌ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ بَعْضَ الْأَصْنَامِ بَعْلًا. وَمِنْ ذَلِكَ الْبِعَالُ، وَهُوَ مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: «إِنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» . قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
(1/264)

وَكَمْ مِنْ حَصَانٍ ذَاتِ بَعْلٍ تَرَكْتَهَا ... إِذَا اللَّيْلُ أَدْجَى لَمْ تَجِدْ مَنْ تُبَاعِلُهْ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالدَّهَشِ، يُقَالُ: بَعِلَ الرَّجُلُ: إِذَا دَهِشَ. وَلَعَلَّ مِنْ هَذَا قَوْلَهُمُ امْرَأَةٌ بَعِلَةٌ: إِذَا كَانَتْ لَا تُحْسِنُ لُبْسَ الثِّيَابِ.
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ الْبَعْلُ مِنَ الْأَرْضِ: الْمُرْتَفِعَةُ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا الْمَطَرُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا عَلَوْنَا ظَهْرَ بَعْلٍ عَرِيضَةٍ ... تَخَالُ عَلَيْنَا قَيْضَ بَيْضٍ مُفَلَّقِ
وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْبَابِ الثَّالِثِ الْبَعْلُ، وَهُوَ مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ سَقْيِ سَمَاءٍ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي صَدَقَةِ النَّخْلِ: «مَا شَرِبَ مِنْهُ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ» . وَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي نَخْلَ سَقْيٍ ... وَلَا بَعْلٍ وَإِنْ عَظُمَ الْإِنَاءُ

(بَعَوِي) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: الْجِنَايَةُ وَأَخْذُ الشَّيْءِ عَارِيَّةً أَوْ قَمْرًا.
فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ بَعَوْتُ أَبْعُو وَأَبْعَى: إِذَا اجْترَمْتَ. قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ:
(1/265)

وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدَمٍ مُرَاقِ
قَالُوا: وَمِنْهُ بَعَوْتُهُ بِعَيْنِي، أَيْ: أَصَبْتُهُ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْبَعْوُ. قَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ الْعَارِيَّةُ، يُقَالُ: استَبْعَيْتُ مِنْهُ، أَيِ اسْتَعَرْتُ. وَقَالَ أَيْضًا الْبَعْوُ الْقَمْرُ، يُقَالُ: بَعَوْتُهُ بَعْوًا، أَيْ: أَصَبْتُ مِنْهُ وَقَمَرْتُهُ. قَالَ:
صَحَا الْقَلْبُ بَعْدَ الْإِلْفِ وَارْتَدَّ شَأْوُهُ ... وَرَدَّتْ عَلَيْهِ مَا بَعَتْهُ تُمَاضِرُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: أَبْعَيْتُ فُلَانًا فَرَسًا، فِي مَعْنَى أَخْبَلْتُهُ، وَذَلِكَ إِذَا أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ. وَالِاسْتِبْعَاءُ أَنْ يَسْتَعِيرَ الرَّجُلُ فَرَسًا مِنْ آخَرَ يُسَابِقُ عَلَيْهِ. يُقَالُ: اسْتَبْعَيْتُهُ فَأَبْعَانِي; وَهُوَ الْبَعْوُ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
لِيَسْتَبْعِيَا كَلْبًا بَهِيمًا مُخَزَّمًا ... وَمَنْ يَكُ أَفْيَالًا أُبُوَّتُهُ يَفِلْ

(بَعَثَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِثَارَةُ. وَيُقَالُ: بَعَثْتُ النَّاقَةَ: إِذَا أَثَرْتَهَا. وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
فَبَعَثْتُهَا تَقِصُ الْمَقَاصِرُ بَعْدَمَا ... كَرَبَتْ حَيَاةُ النَّارِ لِلْمُتَنَوِّرِ

(بَعَجَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ. هَذَا وَالْبَابُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْقَافِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، لَا يَكَادَانِ يَتَزَيَّلَانِ.
(1/266)

قَالَ الْخَلِيلُ: بَعَجَ بَطْنَهُ بِالسِّكِّينِ، أَيْ: شَجَّهُ وَشَقَّهُ وَخَضْخَضَهُ. قَالَ: وَقَدْ تَبَعَّجَ السَّحَابُ تَبَعُّجًا، وَهُوَ انْفِرَاجُهُ عَنِ الْوَدْقِ. قَالَ:
حَيْثُ اسْتَهَلَّ الْمُزْنُ أَوْ تَبَعَّجَا
وَبَعَّجَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ تَبْعِيجًا وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ فَحْصِهِ الْحِجَارَةَ. وَرَجُلٌ بَعِجٌ كَأَنَّهُ مُنْفَرِجُ الْبَطْنِ مِنْ ضَعْفِ مَشْيِهِ. قَالَ:
لَيْلَةً أَمْشِي عَلَى مُخَاطَرَةٍ ... مَشْيًا رُوَيْدًا كَمِشْيَةِ الْبَعِجِ
وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو: بَعَجْتُ إِلَيْهِ بَطْنِي، أَيْ: أَخْرَجْتُ إِلَيْهِ سِرِّي وَيُقَالُ: بَعَجَهُ حُزْنٌ. وَبَطْنٌ بَعِيجٌ فِي مَعْنَى مَبْعُوجٍ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وَذَلِكِ أَعْلَى مِنْكِ فَقْدًا لِأَنَّهُ ... كَرِيمٌ وَبَطْنِي بِالْكِرَامِ بَعِيجُ
قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ بَعِيجٌ وَامْرَأَةٌ بَعِيجٌ، وَنِسْوَةٌ بَعْجَى. وَكَذَلِكَ الرِّجَالُ. وَيُقَالُ: هُوَ تَخَرُّقُ الصِّفَاقِ وَانْدِيَالُ مَا فِيهِ. وَالِانْدِيَالُ: الزَّوَالُ. قَالَ الْخَلِيلُ: بَاعِجَةَ الْوَادِي حَيْثُ يَنْبَعِجُ وَيَتَّسِعُ. قَالَ:
(1/267)

وَنَصِيُّ بَاعِجَةٍ وَمَحْضٌ مُنْقَعُ
قَالَ أَبُو زِيَادٍ: [وَ] أَبُو فَقْعَسٍ: الْبَاعِجَةُ الرُّحَيْبَةُ الصَّغِيرَةُ بَعَجَتِ الْوَادِيَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ; وَهِيَ مِنْ مَنَابِتِ النَّصِيِّ. وَيُقَالُ: الْبَاعِجَةُ آخِرُ الرَّمْلِ، مَكَانٌ بَيْنَ السَّهْلِ وَالْحَزْنِ، رُبَّمَا كَانَ مُرْتَفِعًا وَرُبَّمَا كَانَ مُنْحَدِرًا. قَالَ النَّضْرُ: الْبَاعِجَةُ مَكَانٌ مُطْمَئِنٌّ مِنَ الرِّمَالِ كَهَيْئَةِ الْغَائِطِ، أَرْضٌ مَدْكُوكَةٌ لَا أَسْنَادَ لَهَا، تُنْبِتُ الرِّمْثَ وَالْحَمْضَ وَأَطَايِبَ الْعُشْبِ.
وَكُلُّ مَا تَرَكْنَاهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَبَاعِجَةُ الْقِرْدَانِ مَوْضِعٌ فِي قَوْلِ أَوْسٍ:
فَبَاعِجَةِ الْقِرْدَانِ فَالْمُتَثَلِّمِ

(بَعِدَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالدَّالُ أَصْلَانِ: خِلَافُ الْقُرْبِ، وَمُقَابِلُ قَبْلَ. قَالُوا: الْبُعْدُ خِلَافُ الْقُرْبِ، وَالْبُعْدُ وَالْبَعَدُ الْهَلَاكُ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] ، أَيْ: هَلَكَتْ. وَقِيَاسُ ذَلِكَ وَاحِدٌ. وَالْأَبَاعِدُ خِلَافُ الْأَقَارِبِ. قَالَ:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْرُكْ بِجَنْبِكَ بَعْضَ مَا ... يُرِيبُ مِنَ الْأَدْنَى رَمَاكَ الْأَبَاعِدُ
وَتَقُولُ: تَنَحَّ غَيْرَ بَاعِدٍ، أَيْ: غَيْرَ صَاغِرٍ. وَتَنَحَّ غَيْرَ بَعِيدٍ، أَيْ: كُنْ قَرِيبًا.
وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَوْلُكَ جَاءَ مِنْ بَعْدُ، كَمَا تَقُولُ فِي خِلَافِهِ: مِنْ قَبْلُ.
(1/268)

(بَعَرَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: الْجَمَالُ، وَالْبَعَْرُ. يُقَالُ: بَعِيرٌ وَأَبْعِرَةٌ وَأَبَاعِرُ وَبُعْرَانُ. قَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ:
وَإِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُرَى ... أُجَرِّرُ حَبْلًا لَيْسَ فِيهِ بَعِيرُ
وَأَنْ أَسْأَلَ الْمَرْءَ اللَّئِيمَ بَعِيرَهُ ... وَبُعْرَانُ رَبِّي فِي الْبِلَادِ كَثِيرُ
وَالْبَعَْرُ مَعْرُوفٌ.

(بَعَصَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالصَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاضْطِرَابُ. قَالَ أَبُو مَهْدِيٍّ: تَبَعْصَصَ الشَّيْءُ ارْتَكَضَ فِي الْيَدِ وَاضْطَرَبَ، وَكَذَلِكَ تَبَعْصَصَ فِي النَّارِ: إِذَا أُلْقِيَ فِيهَا فَأَخَذَ يَعْدُو وَلَا عَدْوَ بِهِ. وَالْأَرْنَبُ تَتَبَعْصَصُ فِي يَدِ الْإِنْسَانِ. وَيُقَالُ لِلْحَيَّةِ إِذَا ضُرِبَتْ وَلَوَتْ بِذَنَبِهَا قَدْ تَبَعْصَصَتْ.

(بَعَضَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالضَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَجْزِئَةٌ لِلشَّيْءِ. وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُ بَعْضٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: بَعْضُ كُلِّ شَيْءٍ طَائِفَةٌ مِنْهُ. تَقُولُ: جَارِيَةٌ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَبَعْضٌ مُذَكَّرٌ. تَقُولُ هَذِهِ الدَّارُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَبَعَّضْتُ الشَّيْءَ تَبْعِيضًا: إِذَا فَرَّقْتَهُ أَجْزَاءً. وَيُقَالُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَصِلُ بِبَعْضٍ كَمَا تَصِلُ بِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 159] ، وَ {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} [نوح: 25] . قَالَ: وَكَذَلِكَ بَعْضٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] . وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: " رَأَيْتُ غِرْبَانًا يَتَبَعْضَضْنَ " كَأَنَّهُ أَرَادَ يَتَنَاوَلُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
(1/269)

وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْبَعُوضَةُ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَالْجَمْعُ بَعُوضٌ. قَالَ:
وَصِرْتُ عَبْدًا لِلْبَعُوضِ أَخْضَعَا
وَهَذِهِ لَيْلَةٌ بَعِضَةٌ، أَيْ: كَثِيرَةُ الْبَعُوضِ، وَمَبْعُوضَةٌ أَيْضًا، كَقَوْلِهِمْ: مَكَانٌ سَبِعٍ وَمَسْبُوعٍ، وَذَئِبٍ وَمَذْؤُوبٍ. وَفِي الْمَثَلِ: " كَلَّفْتَنِي مُخَّ الْبَعُوضِ "، لِمَا لَا يَكُونُ. قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
مَا كُنْتُ مِنْ قَوْمِي بِدَالِهَةٍ ... لَوْ أَنَّ مَعْصِيًّا لَهُ أَمْرُ
كَلَّفْتَنِي مُخَّ الْبَعُوضِ فَقَدْ ... أقْصَرْتُ لَا نُجْحٌ وَلَا عُذْرُ
وَأَصْحَابُ الْبَعُوضَةِ قَوْمٌ قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الرِّدَّةِ، وَفِيهِمْ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
عَلَى مِثْلِ أَصْحَابِ الْبَعُوضَةِ فَاخْمِشِي

(بَعَطَ) الْبَاءُ وَالْعَيْنُ وَالطَّاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّاءَ فِي أَبْعَطَ مُبْدَلَةٌ مِنْ دَالٍ. يُقَالُ: أَبْعَطَ فِي السَّوْمِ، مِثْلَ أَبْعَدَ.
(1/270)

[بَابُ الْبَاءِ وَالْغَيْنِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]
(بَغَلَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَاللَّامُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ فِي الْجِسْمِ. مِنْ ذَلِكَ الْبَغْلُ، قَالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُوَّةِ خَلْقِهِ. وَقَدْ قَالُوا: سُمِّيَ بَغْلًا مِنَ التَّبْغِيلِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ. وَالَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ التَّبْغِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ سَيْرِ الْبَغْلِ.

(بَغَمَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ يَسِيرٌ، وَهُوَ صَوْتٌ وَشَبِيهٌ بِهِ لَا يَتَحَصَّلُ. فَالْبُغَامُ صَوْتُ النَّاقَةِ تُرَدِّدُهُ، وَصَوْتُ الظَّبْيَةِ بُغَامٌ أَيْضًا. وَظَبْيَةٌ بَغُومٌ. قَالَ الشَّاعِرُ فِي النَّاقَةِ:
حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ
وَمِمَّا يُحْمَلْ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ بَغَمْتُ لِلرَّجُلِ بِالْحَدِيثِ: إِذَا لَمْ تُفَسِّرْهُ لَهُ.

(بَغَوَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْوَاوُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْبَغْوَ. وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ التَّمْرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْكِمَ يُبْسُهُ.

(بَغَيَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا طَلَبُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الْفَسَادِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ بَغَيْتُ الشَّيْءَ أَبْغِيهِ: إِذَا طَلَبْتَهُ. وَيُقَالُ: بَغَيْتُكَ الشَّيْءَ: إِذَا طَلَبْتُهُ لَكَ، وَأَبْغَيْتُكَ الشَّيْءَ: إِذَا أَعَنْتُكَ عَلَى طَلَبِهِ. وَالْبُغْيَةُ وَالْبِغْيَةُ الْحَاجَةُ. وَتَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا. وَهَذَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُطَاوَعَةِ، تَقُولُ بَغَيْتُهُ فَانْبَغَى، كَمَا تَقُولُ كَسْرَتُهُ فَانْكَسَرَ.
(1/271)

وَالْأَصْلُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ بَغَى الْجُرْحُ: إِذَا تَرَامَى إِلَى فَسَادٍ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْ هَذَا مَا بَعْدَهُ. فَالْبَغِيُّ الْفَاجِرَةُ، تَقُولُ بَغَتْ تَبْغِي بِغَاءً، وَهِيَ بَغِيٌّ. وَمِنْهُ أَنْ يَبْغِيَ الْإِنْسَانُ عَلَى آخَرَ. وَمِنْهُ بَغْيُ الْمَطَرِ، وَهُوَ شِدَّتُهُ وَمُعْظَمُهُ. وَإِذَا كَانَ ذَا بَغْيٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ فَسَادٌ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَفَعْنَا بَغْيَ السَّمَاءِ خَلْفَنَا، أَيْ: مُعْظَمَ مَطَرِهَا.
وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ. قَالَ:
وَلَكِنَّ الْفَتَى حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ ... بَغَى، وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيَمُ
وَرُبَّمَا قَالُوا لِاخْتِيَالِ الْفَرَسِ وَمَرَحِهِ بَغْيٌ.
قَالَ الْخَلِيلُ: وَلَا يُقَالُ: فَرَسٌ بَاغٍ.

(بَغَتَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، مِنْهُ الْبَغْتُ، وَهُوَ أَنْ يَفْجَأَ الشَّيْءُ. قَالَ:
وَأَعْظَمُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ الْبَغْتُ

(بَغَثَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى ذُلِّ الشَّيْءِ وَضَعْفِهِ. مِنْ ذَلِكَ بَُِغَاثُ الطَّيْرِ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَصِيدُ وَلَا تَمْتَنِعُ. ثُمَّ يُقَالُ لِأَخْلَاطِ النَّاسِ
(1/272)

وَخُشَارَتِهِمُ الْبَغْثَاءُ. وَالْأَبْغَثُ: مَكَانٌ ذُو رَمْلٍ. وَهُوَ مِنْ ذَاكَ لِأَنَّهُ لَيِّنٌ غَيْرُ صُلْبٍ.

(بَغَرَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ كَلِمَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الشُّرْبِ وَمَعْنَاهُ. فَالْبَغَرُ أَنْ يَشْرَبَ الْإِنْسَانُ وَلَا يَرْوَى، وَهُوَ يُصِيبُ الْإِبِلَ أَيْضًا. وَعُيِّرَ رَجُلٌ فَقِيلَ: " مَاتَ أَبُوهُ بَشَمًا وَمَاتَتْ أُمُّهُ بَغَرًا ". وَيَقُولُونَ: بَغَرَ النَّوْءُ: إِذَا هَاجَ بِالْمَطَرِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ: بُغِرَتِ الْأَرْضُ: إِذَا لَيَّنَهَا الْمَطَرُ.

(بَغَزَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ، وَهُوَ كَالنَّشَاطِ وَالْجَرَاءَةِ فِي الْكَلَامِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
تَخَالُ بَاغِزَهَا بِاللَّيْلِ مَجْنُونًا
وَقَالُوا: الْبَاغِزُ الرَّجُلُ الْفَاحِشُ. وَذَلِكَ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْجُرْأَةِ.

(بَغَشَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَطَرُ الضَّعِيفُ، وَيُقَالُ لَهُ الْبَغْشُ. وَأَرْضٌ مَبْغُوشَةٌ. وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ: مَطَرٌ بَاغِشٌ.

(بَغَضَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالضَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْحُبِّ. يُقَالُ: أَبْغَضْتُهُ أُبْغِضُهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ:
(1/273)

وَمِنَ الْعَوَادِي أَنْ تَقَتْكَ بِبِغْضَةٍ ... وَتَقَاذُفٍ مِنْهَا وَأَنَّكَ تُرْقَبُ
فَقِيلَ الْبِغْضَةُ الْأَعْدَاءُ، وَقِيلَ أَرَادَ ذَوِي بِغْضَةٍ. وَرُبَّمَا قَالُوا بَغُضَ جَدُّهُ، كَقَوْلِهِمْ عَثَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالْقَافِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَقَلَ) الْبَاءُ وَالْقَافُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ النَّبَاتِ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ فُرُوعُ الْبَابِ كُلِّهِ.
قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَقْلُ مِنَ النَّبَاتِ مَا لَيْسَ بِشَجَرٍ دِقٍّ وَلَا جِلٍّ. وَفَرَقَ مَا بَيْنَ الْبَقْلِ وَدِقِّ الشَّجَرِ بِغِلَظِ الْعُودِ وَجِلَّتِهِ، فَإِنَّ الْأَمْطَارَ وَالرِّيَاحَ لَا تَكْسِرُ عِيدَانَهَا، تَرَاهَا قَائِمَةً أُكِلَ مَا أُكِلَ وَبَقِيَ مَا بَقِيَ. قَالَ الْخَلِيلُ: ابْتَقَلَ الْقَوْمُ: إِذَا رَعَوُا الْبَقْلَ، وَالْإِبِلُ تَبْتَقِلُ وَتَتَبَقَّلُ تَأْكُلُ الْبَقْلَ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
تَبَقَّلَتْ فِي أَوَّلِ التَّبَقُّلِ
قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْقَلَتِ الْأَرْضُ وَبَقَلَتْ: إِذَا أَنْبَتَتِ الْبَقْلَ، فَهِيَ مُبْقِلَةٌ. وَالْمَبْقَلَةُ وَالْبَقَّالَةُ ذَاتُ الْبَقْلِ.
قَالَ أَبُو الطَّمَحَانِ فِي مَكَانٍ بَاقِلٍ:
تَرَبَّعَ أَعْلَى عَرْعَرٍ فَنِهَاءَهُ ... فَأَسْرَابَ مَوْلِيِّ الْأَسِرَّةِ بَاقِلِ
(1/274)

قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرْضٌ بَقِلَةٌ وَبَقِيلَةٌ، أَيْ: كَثِيرَةُ الْبَقْلِ.
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: بَقَلَ الْحِمَارُ: إِذَا أَكَلَ الْبَقْلَ يَبْقُلُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَبْقَلَ الْمَكَانُ ذُو الرِّمْثِ. ثُمَّ يَقُولُونَ بَاقِلٌ، وَلَا نَعْلَمُهُمْ [يَقُولُونَ] بَقَلَ الْمَكَانُ، يُجْرُونَهَا مَجْرَى أَعْشَبَ الْبَلَدُ فَهُوَ عَاشِبٌ، وَأَوْرَسَ الرِّمْثُ فَهُوَ وَارِسٌ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبَقْلُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يَنْبُتُ أَوَّلًا. وَمِنْهُ قِيلَ لِوَجْهِ الْغُلَامِ أَوَّلَ مَا يَنْبُتُ: قَدْ بَقَلَ يَبْقُلُ بُقُولًا وَبَقْلًا. وَبَقَلَ نَابُ الْبَعِيرِ، أَيْ: طَلَعَ.
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَلَا يُسَمَّى الْخَلَا بَقْلًا إِلَّا إِذَا كَانَ رَطْبًا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَاقِلُ مَا يَخْرُجُ فِي أَعْرَاضِ الشَّجَرِ إِذَا دَنَتْ أَيَّامُ الرَّبِيعِ وَجَرَى فِيهَا الْمَاءُ رَأَيْتَ فِي أَعْرَاضِهَا شِبْهَ أَعْيُنِ الْجَرَادِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ وَرَقُهُ، فَذَلِكَ الْبَاقِلُ. وَقَدْ أَبْقَلَ الشَّجَرُ. وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: صَارَ الشَّجَرُ بَقْلَةً وَاحِدَةً. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلرِّمْثِ أَوَّلَ مَا يَنْبُتُ بَاقِلٌ، وَذَلِكَ إِذَا ضَرَبَهُ الْمَطَرُ حَتَّى تَرَى فِي أَفْنَانِهِ مِثْلَ رُءُوسِ النَّمْلِ، وَهُوَ خَيْرُ مَا يَكُونُ، ثُمَّ يَكُونُ حَانِطًا، ثُمَّ وَارِسًا، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَسَدَ وَانْتَهَتْ عَنْهُ الْإِبِلُ.
فَأَمَّا بَاقِلٌ فَرَجُلٌ ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْعِيِّ.

( [بَقَمَ) الْبَاءُ وَالْقَافُ وَالْمِيمُ] . . . . . . . . . . . . . .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْبُقَامَةَ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ. قَالَ: وَالْبُقَامَةُ مَا يَسْقُطُ مِنَ الصُّوفِ إِذَا طُرِقَ. وَذَكَرَ الْآخَرُ أَنَّ الْبِقَمَّ الْأَكُولُ الرَّغِيبُ. وَمَا هَذَا عِنْدِي بِشَيْءٍ فَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إِتْبَاعًا لِلْهِقَمِّ، يُقَالُ لِلْأَكُولِ هِقَمٌّ بِقَمٌّ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ
(1/275)

الْكِسَائِيُّ مِنْ قَوْلِهِمْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَتَبَقَّمَ: إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّمَا هُوَ تَبَكَّمَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْقَافُ مُقَامَ الْكَافِ. وَأَمَّا الْبَقَّمُ فَإِنَّ النَّحْوِيِّينَ يُنْكِرُونَهُ وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الْبَقَّمُ صِبْغٌ أَحْمَرُ. قَالَ:
كَمِرْجَلِ الصَّبَّاغِ جَاشَ بَقَّمُهْ
وَأَنْشَدَ آخَرُ:
نَفِيَّ قَطْرٍ مِثْلَ لَوْنِ الْبَقَّمِ
وَمَعْنَى الْبَابِ مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا.

(بَقِيَ) الْبَاءُ وَالْقَافُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الدَّوَامُ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: بَقِيَ الشَّيْءُ يَبْقَى بَقَاءً، وَهُوَ ضِدُّ الْفَنَاءِ. قَالَ: وَلُغَةُ طَيٍّ بَقَى يَبْقَى، وَكَذَلِكَ لُغَتُهُمْ فِي كُلِّ مَكْسُورٍ مَا قَبْلَهَا، يَجْعَلُونَهَا أَلِفًا، نَحْوَ بَقَى وَرَضَا. وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ اجْتِمَاعَ الْكَسْرَةِ وَالْيَاءِ، فَيَفْتَحُونَ مَا قَبْلَ الْيَاءِ، فَتَنْقَلِبُ الْيَاءُ أَلِفًا، وَيَقُولُونَ فِي جَارِيَةٍ جَارَاةً، وَفِي بَانِيَةٍ بَانَاةً، وَفِي نَاصِيَةٍ نَاصَاةً. قَالَ:
وَمَا صَدَّ عَنِّي خَالِدٌ مِنْ بَقِيَّةٍ ... وَلَكِنْ أَتَتْ دُونِي الْأُسُودُ الْهَواصِرُ
يُرِيدُ بِالْبَقِيَّةِ هَاهُنَا الْبُقْيَا عَلَيْهِ. وَيَقُولُ الْعَرَبُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ وَالْبُقْيَا. وَرُبَّمَا قَالُوا الْبَقْوَى. قَالَ الْخَلِيلُ: اسْتَبْقَيْتُ فُلَانًا، وَذَلِكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْ زَلَلِهِ فَتَسْتَبْقِيَ مَوَدَّتَهُ. قَالَ النَّابِغَةُ:
(1/276)

فَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ ... عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ
وَيَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ يَبْقِي الشَّيْءَ بِبَصَرِهِ: إِذَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَرْصُدُهُ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
ظَلَّتْ وَظَلَّ عَذُوبًا فَوْقَ رَابِيَةٍ ... تَبْقِيهِ بِالْأَعْيُنِ الْمَحْرُومَةِ الْعُذُبِ
يَصِفُ الْحِمَارَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَرِدَ بِأُتُنِهِ فَوْقَ رَابِيَةٍ، وَانْتَظَرَ غُرُوبَ الشَّمْسِ. وَكَذَلِكَ بَاتَ فُلَانٌ يَبْقِي الْبَرْقَ: إِذَا صَارَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَيْنَ يَلْمَعُ. قَالَ الْفَزَارِيُّ:
قَدْ هَاجَنِي اللَّيْلَةَ بَرْقٌ لَامِعٌ ... فَبِتُّ أَبْقِيهِ وَطَرْفِي هَامِعُ
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: بَقَيْتُ فُلَانًا أَبْقِيهِ: إِذَا رَعَيْتَهُ وَانْتَظَرْتَهُ. وَيُقَالُ: ابْقِ لِيَ الْأَذَانَ، أَيِ ارْقُبْهُ لِي. وَأَنْشَدَ:
فَمَا زِلْتُ أَبْقِي الظُّعْنَ حَتَّى كَأَنَّهَا ... أَوَاقِي سَدًى تَغْتَالُهُنَّ الْحَوَائِكُ
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «بَقَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ» ، يُرِيدُ انْتَظَرْنَاهُ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ; لِأَنَّ الِانْتِظَارَ بَعْضُ الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ.

( [بَقَرَ) الْبَاءُ وَالْقَافُ وَالرَّاءُ] أَصْلَانِ، وَرُبَّمَا جَمَعَ نَاسٌ بَيْنَهُمَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ الْبَقْرُ. وَالْأَصْلُ الثَّانِي التَّوَسُّعُ فِي الشَّيْءِ وَفَتْحُ الشَّيْءِ.
(1/277)

فَأَمَّا الْبَقَرُ فَجَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ، وَجَمْعُهَا أَيْضًا الْبَقِيرُ وَالْبَاقِرُ، كَقَوْلِكَ حَمِيرٌ وَضَئِينٌ. قَالَ:
يَكْسَعْنَ أَذْنَابَ الْبَقِيرِ الْكُنَّسِ
وَقَالَ فِي الْبَاقِرِ:
وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ بَاقِرٌ ... وَمَا إِنْ تَعَافُ الْمَاءَ إِلَّا لِيُضْرَبَا
وَالْبَاقِرُ مِثْلُ الْجَامِلِ فِي الْجِمَالِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِلذَّكَرِ أَيْضًا بَقَرَةٌ، كَمَا يُقَالُ لِلدِّيكِ دَجَاجَةٌ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: رَأَيْتُ لِبَنِي فُلَانٍ بَقَرًا وَبَقِيرًا وَبَاقِرًا وَبَاقُورَةً. قَالَ: وَأُبْقُورٌ مِثْلُ أُمْعُوزٍ. قَالَ: وَأَنْشَدَنِي ابْنُ [أَبِي] طَرَفَةَ:
فَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ ... بَوَاقِرُ جُلْحٌ أَسْكَنَتْهَا الْمَرَاتِعُ
قَالَ: وَالْبَوَاقِرُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ بَاقِرَةٍ. قَالَ: وَالْبَقِيرُ لَا وَاحِدَ لَهُ، وَهُوَ جَمْعٌ مِثْلُ الضَّئِينِ وَالشَّوِيِّ.
وَيُقَالُ: بَقِرَ الرَّجُلُ: إِذَا نَظَرَ إِلَى بَقَرٍ كَثِيرٍ مُفَاجَأَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ.
(1/278)

وَمِمَّا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فِي الْعِيَالِ الْبَقَرَةُ، يُقَالُ: جَاءَ فُلَانٌ يَسُوقُ بَقَرَةً، أَيْ: عِيَالًا كَثِيرًا. وَقَالَ يُونُسُ: الْبَقَرَةُ الْمَرْأَةُ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي فَالتَّبَقُّرُ التَّوَسُّعُ وَالتَّفَتُّحُ، مِنْ بَقَرْتُ الْبَطْنَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: تَبَقَّرَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ، أَيْ: أَفْسَدَهُ. وَإِلَيْهِ يُذْهَبُ فِي حَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَقُّرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: نَاقَةٌ بَقِيرٌ، لِلَّتِي يُبْقَرُ بَطْنُهَا عَنْ وَلَدِهَا. وَفِتْنَةٌ بَاقِرَةٌ كَدَاءِ الْبَطْنِ. وَالْمُهْرُ الْبَقِيرُ الَّذِي تَمُوتُ أُمُّهُ قَبْلَ النِّتَاجِ فَيُبْقَرُ بَطْنُهَا فَيُسْتَخْرَجُ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ لِلْمُهْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَهُوَ فِي السَّلَا وَالْمَاسِكَةِ، فَيَقَعُ بِالْأَرْضِ جَسَدُهُ: هُوَ بَقِيرٌ، وَضِدُّهُ السَّلِيلُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: بَقَّرُوا مَا حَوْلَهُمْ، أَيْ: حَفَرُوا; يُقَالُ: كَمْ بَقَّرْتُمْ لِفَسِيلِكُمْ. وَالْبُقَّيْرَى لُعْبَةٌ لَهُمْ، يُدَقْدِقُونَ دَارَاتٍ مِثْلَ مَوَاقِعِ الْحَوَافِرِ. وَقَالَ طُفَيْلٌ:
وَمِلْنَ فَمَا تَنْفَكُّ حَوْلَ مُتَالِعٍ ... لَهَا مِثْلَ آثَارِ الْمُبَقِّرِ مَلْعَبُ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْخُضْرِيِّ:
نِيطَ بِحِقْوَيْهَا جَمِيشٌ أَقْمَرُ ... جَهْمٌ كَبَقَّارِ الْوَلِيدِ أَشْعَرُ
(1/279)

فَهَذَا الْأَصْلُ الثَّانِي. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْبَقَرَ سُمِّيَتْ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ قَوْلُهُمْ بَيْقَرَ: إِذَا هَاجَرَ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ. وَيُقَالُ: بَيْقَرَ: إِذَا تَعَرَّضَ لِلْهَلَكَةِ. وَيُنْشَدُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
ألَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا
وَيُقَالُ: بَيْقَرَ، أَيْ: أَتَى أَرْضَ الْعِرَاقِ. وَيُقَالُ أَيْضًا بَيْقَرَ: إِذَا عَدَا مُنَكِّسًا رَأْسَهُ ضَعْفًا. قَالَ:
كَمَا بَيْقَرَ مَنْ يَمْشِي إِلَى الْجَلْسَدِ
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بَيْقَرَ: سَاقَ نَفْسَهُ. وَإِلَى بَعْضِ مَا مَضَى يَرْجِعُ الْبَقَّارُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ. قَالَ النَّابِغَةُ:
سَهِكِينَ مِنْ صَدَأِ الْحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ ... تَحْتَ السَّنَوَّرِ جِنَّةُ الْبَقَّارِ
وَبَقَرٌ: اسْمُ كَثِيبٍ. قَالَ:
(1/280)

تَنْفِي الطَّوَارِفَ عَنْهُ دِعْصَتَا بَقَرٍ ... وَيَافِعٌ مِنْ فِرِنْدَادَيْنِ مَلْمُومُ

(بَقَعَ) الْبَاءُ وَالْقَافُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فُرُوعُهَا كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا بُعْدٌ فَالْجِنْسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْأَلْوَانِ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ مِثْلُ الْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ فِي صَدْرِهِ بَيَاضٌ. يُقَالُ غُرَابٌ أَبْقَعُ، وَكَلْبٌ أَبْقَعُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْحَجَّاجِ فِي خَيْلِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: رَأَيْتُ قَوْمًا بُقْعًا. قَالَ: مَا الْبُقْعُ؟ قَالَ: رَقَّعُوا ثِيَابَهُمْ مِنْ سُوءِ الْحَالِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يُوشِكُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ بُقْعَانُ أَهْلِ الشَّامِ» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الرُّومُ وَالصَّقَالِبَةُ، وَقَصَدَ بِاللَّفْظِ الْبَيَاضَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبُقْعَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الَّتِي إِلَى جَنْبِهَا، وَجَمْعُهَا بِقَاعٌ وَبُقَعٌ. أَبُو زَيْدٍ: هِيَ الْبَقْعَةُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْبَاءِ. أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَبْقَعُ مِنَ الْخَيْلِ الَّذِي يَكُونُ فِي جَسَدِهِ بُقَعٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلَوْنِهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْبَقْعَاءُ مِنَ الْأَرَضِينَ الَّتِي يُصِيبُ بَعْضَهَا الْمَطَرُ وَلَمْ يُصِبِ الْبَعْضَ. وَكَذَلِكَ مُبَقَّعَةٌ، يُقَالُ أَرْضٌ بَقِعَةٌ إِذَا كَانَ فِيهَا بُقَعٌ مِنْ نَبْتٍ، وَقِيلَ هِيَ الْجَرِدَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْبَقْعَاءُ مِنَ الْأَرْضِ الْمَعْزَاءُ ذَاتُ الْحَصَى وَالْحِجَارَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ:
(1/281)

الْبَقِيعُ مِنَ الْأَرْضِ مَوْضِعٌ فِيهِ أَرُومُ شَجَرٍ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى. وَبِهِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ بِالْمَدِينَةِ. أَبُو زَيْدٍ: كُلُّ جَوٍّ مِنَ الْأَرْضِ وَنَاحِيَةٍ بَقِيعٌ. قَالَ:
وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يُنْغِضُ الرَّأْسَ مُغْضِيًا
وَفِي الْمَثَلِ: " نَجَّى حِمَارًا بِالْبَقِيعِ سِمَنُهُ ". وَالْبَاقِعَةُ: الدَّاهِيَةُ. يُقَالُ بَقَعَتْهُمْ بَاقِعَةٌ، أَيْ دَاهِيَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ يَلْصَقُ حَتَّى [يَذْهَبُ] أَثَرُهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سَنَةٌ بَقْعَاءُ، أَيْ مُجْدِبَةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَنُو الْبَقْعَاءِ بَنُو هَارِبَةَ بْنِ ذُبْيَانَ، وَأُمُّهُمُ الْبَقْعَاءُ بِنْتُ سَلَامَانَ بْنِ ذُبْيَانَ. وَلَهُمْ يَقُولُ بِشْرٌ:
وَلَمْ نَهْلِكْ لِمُرَّةَ إِذْ تَوَلَّوْا ... فَسَارُوا سَيْرَ هَارِبَةٍ فَغَارُوا
قَالَ أَبُو الْمُنْذِرِ: يُقَالُ لِهَارِبَةَ " الْبَقْعَاءُ "، وَهُمْ قَلِيلٌ. قَالَ: " وَلَمْ أَرَ هَارِبِيًّا قَطُّ ". وَفِيهِمْ يَقُولُ الْحُصَيْنُ بْنُ حُمَامٍ:
وَهَارِبَةُ الْبَقْعَاءِ أَصْبَحَ جَمْعُهَا ... أَمَامَ جُمُوعِ النَّاسِ جَمْعًا مُقَدَّمًا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَقْعَاءُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْيَمَامَةِ. قَالَ:
وَلَكِنْ قَدْ أَتَانِي أَنَّ يَحْيَى ... يُقَالُ عَلَيْهِ فِي بَقْعَاءَ شَرُّ
فَقُلْتُ لَهُ تَجَنَّبْ كُلَّ شَيْءٍ ... يُعَابُ عَلَيْكَ إِنَّ الْحُرَّ حُرُّ
(1/282)

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ بُقِعَ فُلَانٌ بِكَلَامِ سَوْءٍ، أَيْ رُمِيَ. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: ابْتُقِعَ لَوْنُهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ امْتُقِعَ لَوْنُهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِذَا تَغَيَّرَ اللَّوْنُ مِنْ حُزْنٍ يُصِيبُ صَاحِبَهُ أَوْ فَزَعٍ قِيلَ ابْتُقِعَ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ لَا أَدْرِي أَيْنَ سَقَعَ وَبَقَعَ، أَيْ أَيْنَ ذَهَبَ. قَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ بَقَعَ فِي الْأَرْضِ بُقُوعًا، إِذَا خَفِيَ فَذَهَبَ أَثَرُهُ. قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ: الْبُقْعَةُ مِنَ الرِّجَالِ ذُو الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الذَّاهِبِ فِي غَيْرِ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْمِي بِالْكَلَامِ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَوَّلُ وَلَا آخِرٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: بَقَعَ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ لَهُ حَلِفًا. وَعَامٌ أَبْقَعُ وَأَرْبَدُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَطَرٌ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالْكَافِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(بَكَلَ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الِاخْتِلَاطُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَالْآخَرُ إِفَادَةُ الشَّيْءِ وَتَغَنُّمُهُ.
فَالْأَوَّلُ الْبَكِيلَةُ، وَهُوَ أَنْ تُؤْخَذَ الْحِنْطَةُ فَتُطْحَنَ مَعَ الْأَقِطِ فَتُبْكَلَ بِالْمَاءِ، أَيْ تُخْلَطُ، ثُمَّ تُؤْكَلُ. وَأَنْشَدَ:
غَضْبَانُ لَمْ تُؤْدَمْ لَهُ الْبَكِيلَهْ
(1/283)

قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبَكْلَةُ وَالْبَكَالَةُ الدَّقِيقُ يُخْلَطُ بِالسَّوِيقِ، وَيُبَلُّ بِالزَّيْتِ أَوِ السَّمْنِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَكَذَلِكَ الْمَعْزُ إِذَا خَالَطَتْهَا الضَّأْنُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُحَمَّقُ فَقَالَتْ:
لَسْتُ إِذًا لِزَعْبَلَهْ إِنْ لَمْ أُغَيِّرْ ... بِكْلَتِي إِنْ لَمْ أُسَاوِ بِالطُّوَلْ
تَقُولُ: إِنْ لَمْ أُغَيِّرْ مَا أُخَلِّطُ فِيهِ مِنْ كَلَامٍ وَلَمْ أَطْلُبِ الْخِصَالَ الشَّرِيفَةَ، فَلَسْتُ لِزَعْبَلَةَ. وَزَعْبَلَةُ أَبُوهَا.
زَعَمَ اللِّحْيَانَيُّ أَنَّ الْبِكْلَةَ الْهَيْئَةُ وَالزِّيُّ، وَفَسَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الْمَرْأَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُتَبَكِّلُ الْمُخَلِّطُ فِي كَلَامِهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ: يُقَالُ تَبَكَّلَ الْقَوْمُ عَلَى الرَّجُلِ تَبَكُّلًا، إِذَا عَلَوْهُ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالْقَهْرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْجَمَاعَةِ اخْتِلَاطٌ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي فَقَالُوا: التَّبَكُّلُ التَّغَنُّمُ وَالتَّكَسُّبُ. قَالَ أَوْسٌ:
عَلَى خَيْرِ مَا أَبْصَرْتُهَا مِنْ بِضَاعَةٍ ... لِمُلْتَمِسٍ بَيْعًا بِهَا أَوْ تَبَكُّلًا
قَالَ الْخَلِيلُ: الْإِنْسَانُ يَتَبَكَّلُ، أَيْ يَحْتَالُ.

(بَكَمَ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ قَلِيلٌ، وَهُوَ الْخَرَسُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَبْكَمُ: الْأَخْرَسُ لَا يَتَكَلَّمُ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْكَلَامِ جَهْلًا أَوْ تَعَمُّدًا يُقَالُ بَكِمَ عَنِ الْكَلَامِ. وَقَدْ يُقَالُ لِلَّذِي لَا يُفْصِحُ: إِنَّهُ لَأَبْكَمُ. وَالْأَبْكَمُ فِي
(1/284)

التَّفْسِيرِ لِلَّذِي وُلِدَ أَخْرَسَ. قَالَ الدُّرَيْدِيُّ: يُقَالُ بَكِيمٌ فِي مَعْنَى أَبْكَمَ، وَجَمَعُوهُ عَلَى أَبْكَامٍ، كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ.

(بَكُوءٌ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَالْوَاوُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُكَاءُ، وَالْآخَرُ نُقْصَانُ الشَّيْءِ وَقِلَّتُهُ.
فَالْأَوَّلُ بَكَى يَبْكِي [بُكَاءً] . قَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ مَقْصُورٌ وَمَمْدُودٌ. وَتَقُولُ: بَاكَيْتُ فُلَانًا فَبَكَيْتُهُ، أَيْ كُنْتُ أَبْكِي مِنْهُ.
قَالَ النَّحْوِيُّونَ: مَنْ قَصَرَهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْأَدْوَاءِ وَالْأَمْرَاضِ، وَمَنْ مَدَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْأَصْوَاتِ كَالثُّغَاءِ وَالرُّغَاءِ وَالدُّعَاءِ. وَأَنْشَدَ فِي قَصْرِهِ وَمَدِّهِ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بَكَيْتُ الرَّجُلَ وَبَكَّيْتُهُ، كِلَاهُمَا إِذَا بَكَيْتُ عَلَيْهِ ; وَأَبْكَيْتُهُ صَنَعْتُ بِهِ مَا يُبْكِيهِ. قَالَ يَعْقُوبُ: الْبَكَّاءُ فِي الْعَرَبِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَيُقَالُ بَنُو الْبَكَّاءِ، هُوَ عَوْفُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، سُمِّيَهُ لِأَنَّ أُمَّهُ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَدَخَلَ عَوْفٌ الْمَنْزِلَ وَزَوْجُهَا مَعَهَا، فَظَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهَا، فَبَكَى أَشَدَّ الْبُكَاءِ.
(1/285)

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُهُمْ لِلنَّاقَةِ الْقَلِيلَةِ اللَّبَنِ هِيَ بَكِيئَةٌ، وَبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بُكَاءَةً مَمْدُودَةً. وَأَنْشَدَ:
يُقَالُ مَحْبِسُهَا أَدْنَى لِمَرْتَعِهَا ... وَلَوْ تَعَادَى بِبَكْءٍ كُلُّ مَحْلُوبِ
يَقُولُ: مَحْبِسُهَا فِي دَارِ الْحِفَاظِ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَجِدَ مَرْتَعًا مُخْصِبًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَاءٌ فَإِنَّهُمْ قَلِيلَةٌ دُمُوعُهُمْ» . وَقَالَ زَيْدُ الْخَيْلُ:
وَقَالُوا عَامِرٌ سَارَتْ إِلَيْكُمْ ... بِأَلْفٍ أَوْ بُكًا مِنْهُ قَلِيلُ
فَقَوْلُهُ بُكًا نَقْصٌ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ، مِنْ بَكَأَتِ النَّاقَةُ تَبْكَأُ، إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا، وَبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ أَيْضًا. وَقَالَ:
إِنَّمَا لِقْحَتُنَا خَابِيَةٌ ... جَوْنَةٌ يَتْبَعُهَا بِرْزِينُهَا
وَإِذَا مَا بَكَأَتْ أَوْ حَارَدَتْ ... فُضَّ عَنْ جَانِبِ أُخْرَى طِينُهَا
وَقَالَ الْأَسْعَرُ الْجُعْفِيُّ:
بَلْ رُبَّ عَرْجَلَةٍ أَصَابُوا خَلَّةً ... دَأَبُوا وَحَارَدَ لَيْلُهُمْ حَتَّى بَكَا
قَالَ: حَارَدَ قَلَّ فِيهِ الْمَطَرُ ; وَبَكَا، مِثْلُهُ، فَتَرَكَ الْهَمْزَ.
(1/286)

(بَكَتَ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَهُوَ التَّبْكِيتُ وَالْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ.

(بَكَرَ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَرْعَانِ هُمَا مِنْهُ. فَالْأَوَّلُ أَوَّلُ الشَّيْءِ وَبَدْؤُهُ. وَالثَّانِي مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ تَشْبِيهٌ. فَالْأَوَّلُ الْبُكْرَةُ وَهِيَ الْغَدَاةُ، وَالْجَمْعُ الْبُكَرُ. وَالتَّبْكِيرُ وَالْبُكُورُ وَالِابْتِكَارُ الْمُضِيُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَالْإِبْكَارُ: الْبُكْرَةُ، كَمَا أَنَّ الْإِصْبَاحَ اسْمُ الصُّبْحِ. وَبَاكَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا بَكَرْتَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَبَكَرْتُ الْوِرْدَ إِبْكَارًا، وَأَبْكَرْتُ الْغَدَاءَ، وَبَكَرْتُ عَلَى الْحَاجَةِ وَأَبْكَرْتُ غَيْرِي، بَكَرْتُ وَأَبْكَرْتُ. وَيُقَالُ رَجُلٌ بَكُِرٌ صَاحِبُ بُكُورٍ. كَمَا يُقَالُ حَذُِرٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: غَيْثٌ بَاكُورٌ وَهُوَ الْمُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ الْوَسْمِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا السَّارِي فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوَّلِ النَّهَارِ. قَالَ:
جَرَّتِ الرِّيحُ بِهَا عُثْنُونَهَا ... وَتَهَادَتْهَا مَدَالِيجُ بُكُرْ
يُقَالُ: سَحَابَةٌ مِدْلَاجٌ بَكُورٌ. وَيُقَالُ بَكَّرَتِ الْأَمْطَارُ تَبْكِيرًا وَبَكَرَتْ بُكُورًا، إِذَا تَقَدَّمَتْ.
(1/287)

الْفَرَّاءُ: أَبْكَرَ السَّحَابُ وَبَكَرَ، وَبَكَّرَ، وَبَكَرَتِ الشَّجَرَةُ وَأَبْكَرَتْ وَبَكَّرَتْ تُبَكِّرُ تَبْكِيرًا وَبَكَرَتْ بُكُورًا، وَهِيَ بَكُورٌ، إِذَا عَجَّلَتْ بِالْإِثْمَارِ وَالْيَنْعِ، وَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا ذَاكَ فَهِيَ مِبْكَارٌ، وَجَمْعُ بَكُورٍ بُكُرٌ، قَالَ الْهُذَلِيُّ:
ذَلِكَ مَا دِينُكَ إِذْ جُنِّبَتْ ... فِي الصُّبْحِ مِثْلَ الْبُكُرِ الْمُبْتِلِ
وَالتَّمْرَةُ بَاكُورَةٌ، وَيُقَالُ هِيَ الْبَكِيرَةُ وَالْبَكَائِرُ. وَيُقَالُ أَرْضٌ مِبْكَارٌ، إِذَا كَانَتْ تُنْبِتُ فِي أَوَّلِ نَبَاتِ الْأَرْضِ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
غَيْثٌ تَظَاهَرَ فِي مَيْثَاءَ مِبْكَارِ
فَهَذَا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ، وَمَا بَعْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ. فَمِنْهُ الْبَكْرُ مِنَ الْإِبِلِ، مَا لَمْ يَبْزُلْ بَعْدُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي فَتَاءِ سِنِّهِ وَأَوَّلِ عُمُرِهِ، فَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِذَا بَزَلَ فَهُوَ جَمَلٌ. وَالْبَكْرَةُ الْأُنْثَى، فَإِذَا بَزَلَتْ فَهِيَ نَاقَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَجَمْعُهُ بِكَارٌ، وَأَدْنَى الْعَدَدِ ثَلَاثَةُ أَبْكُرٍ. وَمِنْهُ الْمَثَلُ: " صَدَقَنِي سِنُّ بَكْرِهِ " وَأَصْلُهُ أَنَّ رَجُلًا سَاوَمَ آخَرَ بِبَكْرٍ أَرَادَ شِرَاءَهُ وَسَأَلَ الْبَائِعَ عَنْ سِنِّهِ، فَأَخْبَرَهُ بِغَيْرِ الصِّدْقِ فَقَالَ: بَكْرٌ - وَكَانَ هَرِمًا - فَفَرَّهُ الْمُشْتَرِيَ، فَقَالَ: " صَدَقَنِي سِنُّ بَكْرِهِ ".
قَالَ التَّمِيمِيُّ: يُسَمَّى الْبَعِيرُ بَكْرًا مِنْ لَدُنْ يُرْكَبُ إِلَى أَنْ يُرْبِعَ، وَالْأُنْثَى بَكْرَةٌ. وَالْقَعُودُ الْبَكْرُ. قَالَ: وَيَقُولُ الْعَرَبُ: " أَرْوَى مِنْ بَكْرِ هَبَنَّقَةَ "
(1/288)

وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُحَمَّقُ ; وَكَانَ بَكْرُهُ يَصْدُرُ عَنِ الْمَاءِ مَعَ الصَّادِرِ وَقَدْ رَوِيَ، ثُمَّ يَرِدُ مَعَ الْوَارِدِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْكَلَأِ.
قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْبِكْرُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَمْ تُمْسَسْ قَطُّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا فَهِيَ بِكْرٌ أَيْضًا. قَالَ الْخَلِيلُ: يُسَمَّى بِكْرًا أَوْ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً. وَيُقَالُ أَشَدُّ النَّاسِ بِكْرٌ ابْنُ بِكْرَيْنِ. قَالَ: وَبَقَرَةٌ بِكْرٌ فَتِيَّةٌ لَمْ تَحْمِلْ. وَالْبِكْرُ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أَوَّلُهُ. وَيَقُولُ: مَا هَذَا الْأَمْرُ بِبَكِيرٍ وَلَا ثَنِيٍّ، عَلَى مَعْنَى مَا هُوَ بِأَوَّلَ وَلَا ثَانٍ. قَالَ:
وُقُوفٌ لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابُ حَاجَةٍ ... عَوَانًا مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بَكْرًا
وَالْبِكْرُ: الْكَرْمُ الَّذِي حَمَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ الْأَعْشَى:
تَنَخَّلَهَا مِنْ بِكَارِ الْقِطَافِ ... أُزَيْرِقُ آمِنُ إِكْسَادِهَا
قَالَ الْخَلِيلُ: عَسَلٌ أَبْكَارٌ تُعَسِّلُهُ أَبْكَارُ النَّحْلِ، أَيْ أَفْتَاؤُهَا، وَيُقَالُ بَلِ الْأَبْكَارُ مِنَ الْجَوَارِي يَلِينَهُ. فَهَذَا الْأَصْلُ الثَّانِي، وَلَيْسَ بِالْبَعِيدِ مِنْ قِيَاسِ الْأَوَّلِ.
(1/289)

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَالْبَكَرَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهَا أُعِيرَتِ اسْمَ الْبَكْرَةِ مِنَ النُّوقِ كَانَ مَذْهَبًا، وَالْبَكَرَةُ مَعْرُوفَةٌ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ هَادِيَهَا إِذْ قَامَ مُلْجِمُهَا ... قَعْوٌ عَلَى بَكْرَةٍ زَوْرَاءَ مَنْصُوبُ
وَثَمَّ حَلَقَاتُ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ تُسَمَّى بَكَرَاتٍ. وَكُلُّ ذَلِكَ أَصْلُهُ وَاحِدٌ.

(بَكَعَ) الْبَاءُ وَالْكَافُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ضَرْبٌ مُتَتَابِعٌ، أَوْ عَطَاءٌ مُتَتَابِعٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَكْعُ شِدَّةُ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، تَقُولُ: بَكَعْنَاهُ بِالسَّيْفِ وَالْعَصَا بَكْعًا.
وَمِمَّا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ قِيَاسًا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ: الْبَكْعُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلَ بِمَا يَكْرَهُ.
قَالَ التَّمِيمِيُّ: أَعْطَاهُ الْمَالَ بَكْعًا وَلَمْ يُعْطِهِ نُجُومًا، وَذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَهُ جُمْلَةً وَهُوَ مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ يُتَابِعُهُ جُمْلَةً وَلَا يُوَاتِرُهُ.
وَيُقَالُ بَكَعْتُهُ بِالْأَمْرِ: بَكَّتُّهُ. قَالَ الْعُكْلِيُّ: بَكَعَهُ بِالسَّيْفِ: قَطَعَهُ.
(1/290)

[بَابُ الْبَاءِ وَاللَّامِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَلَمَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا وَرَمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، وَالثَّانِي نَبْتٌ.
فَالْأَوَّلُ بَلَمٌ، وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ النَّاقَةَ فِي حَلْقَةِ رَحِمِهَا. يُقَالُ أَبْلَمَتِ النَّاقَةُ إِذَا أَخَذَهَا ذَلِكَ. الْفَرَّاءُ: أَبْلَمَتْ وَبَلِمَتْ إِذَا وَرِمَ حَيَاؤُهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَا تُبَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْ لَا تُقَبِّحْ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَبْلَمَتِ الْبَكْرَةُ إِذَا لَمْ تَحْمِلْ قَطُّ ; وَهِيَ مُبْلِمٌ، وَالِاسْمُ الْبَلَمَةُ.
قَالَ يَعْقُوبُ: أَبْلَمَ الرَّجُلُ إِذَا وَرِمَتْ شَفَتَاهُ، وَرَأَيْتُ شَفَتَيْهِ مُبْلَمَتَيْنِ. وَالْإِبْلَامُ أَيْضًا: السُّكُوتُ، يُقَالُ أَبْلَمَ إِذَا سَكَتَ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْأَبْلَمُ ضَرْبٌ مِنَ الْخُوصِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: يُقَالُ إِبْلِمٌ وَأَبْلَمٌ وَأُبْلُمٌ. وَمِنْهُ الْمَثَلُ: " الْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شِقَّ الْأُبْلُمَةِ " وَقَدْ تُكْسَرُ وَتُفْتَحُ، أَيْ نِصْفَيْنِ ; لِأَنَّ الْأُبْلُمَةَ إِذَا شُقَّتْ طُولًا انْشَقَّتْ نِصْفَيْنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَيَرْفَعُ بَعْضُهُمْ فَيَقُولُ: " الْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شِقُّ الْأُبْلُمَةِ "، أَيْ هُوَ كَذَا.

(بَلَهَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شِبْهُ الْغَرَارَةِ وَالْغَفْلَةِ. قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: الْبَلَهُ ضَعْفُ الْعَقْلِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
(1/291)

«أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» يُرِيدُ الْأَكْيَاسَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ الزِّبْرِقَانُ [بْنُ] بَدْرٍ: " خَيْرُ أَوْلَادِنَا الْأَبْلَهُ الْعَقُولُ " يُرَادُ أَنَّهُ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ كَالْأَبْلَهِ، وَهُوَ عَقُولٌ. وَيُقَالُ شَبَابٌ أَبْلَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَارَةِ. وَعَيْشُ الْأَبْلَهِ قَلِيلُ الْهُمُومِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
بَعْدَ غُدَانِيِّ الشَّبَابِ الْأَبْلَهِ
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " بَلْهَ " فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا، وَمُحْتَمِلٌ عَلَى بُعْدِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى قِيَاسِ الْبَابِ، بِمَعْنَى دَعْ. وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ مَا أَطْلَعْتَهُمْ عَلَيْهِ» ، أَيْ دَعْ مَا أَطْلَعْتَهُمْ عَلَيْهِ، اغْفُلْ عَنْهُ.

(بَلَوِيٌّ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ، أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا إِخْلَاقُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي نَوْعٌ مِنَ الِاخْتِبَارِ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ أَيْضًا.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: بَلِيَ يَبْلَى فَهُوَ بَالٍ. وَالْبِلَى مَصْدَرُهُ. وَإِذَا فُتِحَ فَهُوَ الْبَلَاءُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ لُغَةٌ. وَأَنْشَدَ:
وَالْمَرْءَ يُبْلِيهِ بَلَاءَ السِّرْبَالْ ... مَرُّ اللَّيَالِي وَاخْتِلَافُ الْأَحْوَالْ
وَالْبَلِيَّةُ: الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُشَدُّ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا، وَتُشَدُّ عَلَى رَأْسِهَا وَلِيَّةٌ، فَلَا تُعْلَفُ وَلَا تُسْقَى حَتَّى تَمُوتَ. قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ:
(1/292)

كَالْبَلَايَا رُءُوسُهَا فِي الْوَلَايَا ... مَانِحَاتِ السَّمُومِ حُرَّ الْخُدُودِ
وَمِنْهَا مَا يُعْقَرُ عِنْدَ الْقَبْرِ حَتَّى تَمُوتَ. قَالَ:
تَكُوسُ بِهِ الْعَقْرَى عَلَى قِصَدِ الْقَنَا ... كَكَوْسِ الْبَلَايَا عُقِّرَتْ عِنْدَ مَقْبَرِ
وَيُقَالُ مِنْهُ بَلَّيْتُ الْبَلِيَّةَ. قَالَ الْيَزِيدِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْلَخُ رَاحِلَةَ الرَّجُلِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تَحْشُوهَا ثُمَامًا ثُمَّ تَتْرُكُهَا عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى النَّادِي. وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُبْعَثُ مَعَهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ حُشِرَ رَاجِلًا.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ بَلَّى عَلَيْهِ السَّفَرُ وَبَلَّاهُ. وَأَنْشَدَ:
قَلُوصَانِ عَوْجَاوَانِ بَلَّى عَلَيْهِمَا ... دُءُوبُ السُّرَى ثُمَّ اقْتِحَامُ الْهَوَاجِرِ
يُرِيدُ بَلَاهُمَا.
قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ نَاقَةٌ بِلْوُ سَفَرٍ، مِثْلَ نِضْوِ سَفَرٍ، أَيْ قَدْ أَبْلَاهَا السَّفَرُ. وَبِلْيُ سَفَرٍ، عَنِ الْكِسَائِيِّ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَقَوْلُهُمْ بُلِيَ الْإِنْسَانُ وَابْتُلِيَ، وَهَذَا مِنَ الِامْتِحَانِ، وَهُوَ الِاخْتِبَارُ. وَقَالَ:
بُلِيتُ وَفُِقْدَانُ الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ ... وَكَمْ مِنْ كِرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
وَيَكُونُ الْبَلَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَاللَّهُ تَعَالَى يُبْلِي الْعَبْدَ بَلَاءً حَسَنًا وَبَلَاءً سَيِّئًا، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا ; لِأَنَّ بِذَلِكَ يُخْتَبَرُ فِي صَبْرِهِ وَشُكْرِهِ.
(1/293)

وَقَالَ الْجَعْدِيُّ فِي الْبَلَاءِ إِنَّهُ الِاخْتِبَارُ:
كَفَانِي الْبَلَاءُ وَإِنِّي امْرُؤٌ ... إِذَا مَا تَبَيَّنْتُ لَمْ أَرْتَبِ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ الْبِلْوَةُ وَالْبَلِيَّةُ وَالْبَلْوَى. وَقَالُوا فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
مَعْنَاهُ أَعْطَاهُمَا خَيْرَ الْعَطَاءِ الَّذِي يَبْلُو بِهِ عِبَادَهُ.
قَالَ الْأَحْمَرُ: يَقُولُ الْعَرَبُ: نَزَلَتْ بَلَاءِ، عَلَى وَزْنِ حَذَامِ.
وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: أَبْلَيْتُ فُلَانًا عُذْرًا، أَيْ أَعْلَمْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَلَا لَوْمَ عَلَيَّ بَعْدُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَبْلَيْتُهُ يَمِينًا أَيْ طَيَّبْتُ نَفْسَهُ بِهَا. قَالَ أَوْسٌ:
كَأَنَّ جَدِيدَ الدَّارِ يُبْلِيكَ عَنْهُمُ ... نَقِيُّ الْيَمِينِ بَعْدَ عَهْدِكَ حَالِفُ
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُبْلِيكَ يُخْبِرُكَ. يَقُولُ الْعَرَبُ: أَبْلِنِي كَذَا، أَيْ أَخْبِرْنِي ; فَيَقُولُ الْآخَرُ: لَا أُبْلِيْكَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، حِينَ ذَكَرَتْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ، فَسَأَلَهَا عُمَرُ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: لَا، وَلَنْ أُبْلِيَ أَحَدًا بَعْدَكَ. أَيْ لَنْ أُخْبِرَ» .
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ ابْتَلَيْتُهُ فَأَبْلَانِي، أَيِ اسْتَخْبَرْتُهُ فَأَخْبَرَنِي.
(1/294)

ذِكْرُ مَا شَذَّ عَنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ: قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ: النَّاسُ بِذِي بَلِيٍّ وَذِي بِلِيٍّ، أَيْ هُمْ مُتَفَرِّقُونَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: هُمْ بِذِي بَلِيَّانِ أَيْضًا، وَذَلِكَ إِذَا بَعُدَ بَعْضُهُمْ [عَنْ بَعْضٍ] وَكَانُوا طَوَائِفَ مَعَ غَيْرِ إِمَامٍ يَجْمَعُهُمْ. وَمِنْهُ حَدِيثُ خَالِدٍ لَمَّا عَزَلَهُ عُمَرُ عَنِ الشَّامِ: " ذَاكَ إِذَا كَانَ النَّاسُ بِذِي بَلِيٍّ، وَذِي بَلَّى ". وَأَنْشَدَ الْكِسَائِيُّ فِي رَجُلٍ يُطِيلُ النَّوْمُ:
يَنَامُ وَيَذْهَبُ [الْأَقْوَامُ] حَتَّى ... يُقَالَ [أَتَوْا] عَلَى ذِي بِلِّيَانِ
وَأَمَّا بَلَى فَلَيْسَتْ مِنَ الْبَابِ بِوَجْهٍ، وَالْأَصْلُ فِيهَا بَلْ.
وَبَلِيُّ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ بَلَوِيٌّ. وَالْأَبْلَاءُ: اسْمُ بِئْرٍ. قَالَ الْحَارِثُ:
فَرِيَاضُ الْقَطَا فَأَوْدِيَةُ الشُّرْ ... بُبِ فَالشُّعْبَتَانِ فَالْأَبْلَاءُ

(بَلَتَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ. وَكَأَنَّهُ مِنَ الْمَقْلُوبِ عَنْ بَتَلَ. يَقُولُ الْعَرَبُ: تَكَلَّمَ حَتَّى بَلِتَ. قَالَ الشَّنْفَرَى:
عَلَى أُمِّهَا وَإِنْ تُخَاطِبْكَ تَبْلَِتِ
(1/295)

فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَهْرٌ مَضْمُونٌ مُبَلَّتٌ، فَهُوَ فِي هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ. عَلَى أَنَّ فِي الْكَلِمَةِ شَكًّا. وَأَنْشَدُوا:
وَمَا زُوِّجَتْ إِلَّا بِمَهْرٍ مُبَلَّتِ
وَيُقَالُ إِنَّ الْبَلِيتَ كَلَأُ عَامَيْنِ، وَهُوَ فِي هَذَا ; لِأَنَّهُ يَتَقَطَّعُ وَيَتَكَسَّرُ. قَالَ:
رَعَيْنَ بَلِيتًا سَاعَةً ثُمَّ إِنَّنَا ... قَطَعْنَا عَلَيْهِنَّ الْفِجَاجَ الطَّوَامِسَا

(بَلَجَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُنْقَاسٌ، وَهُوَ وُضُوحُ الشَّيْءِ وَإِشْرَاقُهُ. الْبَلَجُ الْإِشْرَاقُ، وَمِنْهُ انْبِلَاجُ الصُّبْحِ. قَالَ:
حَتَّى بَدَتْ أَعْنَاقُ صُبْحٍ أَبْلَجَا
وَيَقُولُ الْعَرَبُ: " الْحَقُّ أَبْلَجُ وَالْبَاطِلُ لَجْلَجٌ ". وَقَالَ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْحَقَّ تَلْقَاهُ أَبْلَجَا ... وَأَنَّكَ تَلْقَى بَاطِلَ الْقَوْمِ لَجْلَجًا
وَيُقَالُ لِلَّذِي لَيْسَ بِمَقْرُونِ الْحَاجِبَيْنِ أَبْلَجَ، وَذَلِكَ الْإِشْرَاقُ الَّذِي بَيْنَهُمَا بُلْجَةٌ. قَالَ:
أَبْلَجُ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ نُورُهُ ... إِذَا تَعَدَّى رُفِعَتْ مَبْتُورُهُ
(1/296)

(بَلَحَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ فُتُورٌ فِي الشَّيْءِ وَإِعْيَاءٌ وَقِلَّةُ إِحْكَامٍ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ فُرُوعُ الْبَابِ كُلِّهِ، فَالْبَلَحُ الْخَلَالُ، وَاحِدَتُهُ بَلَحَةٌ، وَهُوَ حَمْلُ النَّخْلِ مَا دَامَ أَخْضَرَ صِغَارًا كَحِصْرِمِ الْعِنَبِ. قَالَ أَبُو خِيرَةَ: ثَمَرَةُ السَّلَمِ تُسَمَّى الْبَلَحَ مَا دَامَتْ لَمْ تَنْفَتِقْ، فَإِذَا انْفَتَقَتْ فَهِيَ الْبَرَمَةُ. أَبُو عُبَيْدَةَ: أَبْلَحَتِ النَّخْلَةُ إِذَا أَخْرَجَتْ بَلَحَهَا. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُقَالُ لِلثَّرَى إِذَا يَبِسَ - وَهُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ - قَدْ بَلَحَ بُلُوحًا. وَأَنْشَدَ:
حَتَّى إِذَا الْعُودُ اشْتَهَى الصَّبُوحَا ... وَبَلَحَ التُّرْبُ لَهُ بُلُوحًا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَلَحَ الرَّجُلُ إِذَا انْقَطَعَ مِنَ الْإِعْيَاءِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَرُّكِ. قَالَ الْأَعْشَى:
وَإِذَا حُمِّلَ ثِقْلًا بَعْضُهُمْ ... وَاشْتَكَى الْأَوْصَالَ مِنْهُ وَبَلَحْ
وَقَالَ آخَرُ:
أَلَا بَلَحَتْ خَفَارَةُ آلِ لَأْيٍ ... فَلَا شَاةً تَرُدُّ وَلَا بَعِيرًا
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: يُقَالُ بَلَحَ إِذَا جَحَدَ. قَالَ قُطْرُبٌ: بَلَحَ الْمَاءُ قَلَّ، وَبَلَحَتِ الرَّكِيَّةُ. قَالَ:
مَالَكَ لَا تَجُمُّ يَا مُضَبَّحُ ... قَدْ كُنْتَ تَنْمِي وَالرَّكِيُّ بُلَّحُ
وَيُقَالُ بَلَحَ الزَّنْدُ إِذَا لَمْ يُورِ. قَالَ الْعَامِرِيُّ: يُقَالُ بَلَحَتْ عَلَيَّ رَاحِلَتِي، إِذَا كَلَّتْ وَلَمْ تُشَايِعْنِي. وَيُقَالُ بَلَحَ الْبَعِيرُ وَبَلَحَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ. قَالَ:
(1/297)

مُعْتَرِفٌ لِلرُّزْءِ فِي مَالِهِ ... إِذَا أَكَبَّ الْبَرَمُ الْبَالِحُ
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْبُلَحُ، طَائِرٌ، وَالْبَلَحْلَحَةُ: الْقَصْعَةُ لَا قَعْرَ لَهَا.

(بَلَخَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْخَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ، يُقَالُ رَجُلٌ أَبْلَخُ. وَتَبَلَّخَ: تَكَبَّرَ.

(بَلَدٌ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَقَارَبُ فُرُوعُهُ عِنْدَ النَّظَرِ فِي قِيَاسِهِ، وَالْأَصْلُ الصَّدْرُ. وَيُقَالُ وَضَعَتِ النَّاقَةُ بَلْدَتَهَا بِالْأَرْضِ، إِذَا بَرَكَتْ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بُغَامُهَا
وَيُقَالُ تَبَلَّدَ الرَّجُلُ، إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عِنْدَ تَحَيُّرِهِ فِي الْأَمْرِ. وَالْأَبْلَدُ الَّذِي لَيْسَ بِمَقْرُونِ الْحَاجِبَيْنِ، يُقَالُ لِمَا بَيْنَ حَاجِبَيْهِ بَُلْدَةٌ. وَهُوَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْأَرْضَ الْبَلْدَةَ. وَالْبَلْدَةُ: النَّجْمُ، يَقُولُونَ هُوَ بَلْدَةُ الْأَسَدِ، أَيْ صَدْرُهُ. وَالْبَلَدُ صَدْرُ الْقُرَى. فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الرِّقَاعِ:
(1/298)

مِنْ بَعْدِ مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبِلَادَهَا
فَهُوَ مِنْ هَذَا. وَقَالُوا: بَلِ الْبَلَدُ الْأَثَرُ، وَجَمْعُهُ أَبِلَادٌّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْيَسُ. وَيُقَالُ بَلَّدَ الرَّجُلُ بِالْأَرْضِ، إِذَا لَزِقَ بِهَا. قَالَ:
إِذَا لَمْ يُنَازِعْ جَاهِلَ الْقَوْمِ ذُو النُّهَى ... وَبَلَّدَتِ الْأَعْلَامُ بِاللَّيْلِ كَالْأَكَمْ
يَقُولُ: كَأَنَّهَا لَزِقَتْ بِالْأَرْضِ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ يَصِفُ حَوْضًا:
وَمُبْلِدٍ بَيْنَ مَوْمَاةٍ بَمَهْلَكَةٍ ... جَاوَرْتُهُ بِعَلَاةِ الْخَلْقِ عِلْيَانِ
يَذْكُرُ حَوْضًا لَاصِقًا بِالْأَرْضِ. وَيُقَالُ أَبْلَدَ الرَّجُلُ إِبْلَادًا، مِثْلَ تَبَلَّدَ سَوَاءً. وَالْمُبَالَدَةُ بِالسُّيُوفِ مِثْلُ الْمُبَالَطَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اشْتُقَّ مِنَ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُمْ لَزِمُوا الْأَرْضَ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا. وَالْبَالِدُ قِيَاسًا لِلْمُقِيمِ بِالْبَلَدِ.

(بَلَزَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالزَّاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَفِيهِ كُلَيْمَاتٌ، فَالْبِلِزُ الْمَرْأَةُ الْقَصِيرَةُ. وَيَقُولُونَ الْبَلْأَزُ: الْقَصِيرُ مِنَ الرِّجَالِ وَالْبَلْأَزَةُ: الْأَكْلُ. وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ.

(بَلَسَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَمَا بَعْدَهُ فَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ.
(1/299)

فَالْأَصْلُ الْيَأْسُ، يُقَالُ أَبْلَسَ إِذَا يَئِسَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون: 77] ، قَالُوا: وَمِنْ ذَلِكَ اشْتُقَّ اسْمُ إِبْلِيسَ، كَأَنَّهُ يَئِسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَبْلَسَ الرَّجُلُ سَكَتَ، وَمِنْهُ أَبْلَسَتِ النَّاقَةُ، وَهِيَ مِبْلَاسٌ، إِذَا لَمْ تَرْغُ مِنْ شِدَّةِ الضَّبَعَةِ. فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ:
عُوجِي ابْنَةَ الْبَلَسِ الظَّنُونِ فَقَدْ ... يَرْبُو الصَّغِيرُ وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ
فَيُقَالُ إِنَّ الْبَلَسَ الْوَاجِمُ.

(بَلَصَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالصَّادُ، فِيهِ كَلِمَاتٌ أَكْثَرُ ظَنِّي أَنْ لَا مُعَوَّلَ عَلَى مِثْلِهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَتَقَارَبُ. يَقُولُونَ بَلَّصَتِ الْغَنَمُ إِذَا قَلَّتْ أَلْبَانُهَا، وَتَبَلَّصَتِ الْغَنَمُ الْأَرْضَ إِذَا لَمْ تَدَعْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا رَعَتْهُ.
وَتَبَلَّصْتُ الشَّيْءَ، إِذَا طَلَبْتَهُ فِي خَفَاءٍ. وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ.

(بَلَّطَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالُوا: الْبَلَاطُ كُلُّ شَيْءٍ فُرِشَتْ بِهِ الدَّارُ مِنْ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
فِي مُشْرِفٍ لِيطَ لَيَّاقُ الْبَلَاطِ بِهِ ... كَانَتْ لِسَاسَتِهِ تُهْدَى قَرَابِينًا
يَقُولُ: هِيَ مَصْنَعَةٌ لِنَصَارَى يَتَعَبَّدُونَ فِيهَا، فِي مُشْرِفٍ أُلْصِقَ. لَيَّاقُ أَيْ لَصَّاقٌ يُقَالُ مَا يَلِيقُ بِكَ كَذَا، أَيْ لَا يَلْصَقُ. يَذْكُرُ حُسْنَ الْمَكَانِ وَأُنْسَهُ بِالْقُرْبَانِ
(1/300)

وَالْمَصَابِيحِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا - عَلَى أَنَّ الْبَلَاطَ عِنْدِي دَخِيلٌ - فَمِنْهُ الْمُبَالَطَةُ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَضَارَبَ الرَّجُلَانِ وَهُمَا بِالْبَلَاطِ، وَيَكُونَا فِي تَقَارُبِهِمَا كَالْمُتَلَاصِقَيْنِ.
وَأَبْلَطَ الرَّجُلُ افْتَقَرَ فَهُوَ مُبْلِطٌ، وَذَلِكَ مِنَ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُ افْتَقَرَ حَتَّى لَصِقَ بِالْبَلَاطِ، مِثْلُ تَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ حَتَّى لَصِقَ بِالتُّرَابِ. فَأَمَّا قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
نَزَلْتُ عَلَى عَمْرِو بْنِ دَرْمَاءَ بُلْطَةً
فَيُقَالُ هِيَ هَضْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَيُقَالُ بُلْطَةً مُفَاجَأَةً. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

(بَلَعَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ازْدِرَادُ الشَّيْءِ. تَقُولُ: بَلَعْتُ الشَّيْءَ أَبْلَعُهُ. وَالْبَالُوعُ مِنْ هَذَا لِأَنَّهُ يَبْلَعُ الْمَاءَ. وَسَعْدُ بُلَعَ نَجْمٌ. وَالْبُلَعُ السَّمُّ فِي قَامَةِ الْبَكْرَةِ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ يَبْلَعُ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَسْلُكُهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ بَلَّعَ الشَّيْبُ فِي رَأْسِهِ فَقَرِيبُ الْقِيَاسِ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ إِذَا شَمِلَ رَأْسَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ بَلِعَهُ.

(بَلَغَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْغَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْءِ. تَقُولُ بَلَغْتُ الْمَكَانَ، إِذَا وَصَلْتَ إِلَيْهِ. وَقَدْ تُسَمَّى الْمُشَارَفَةُ بُلُوغًا بِحَقِّ الْمُقَارَبَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ
(1/301)

قَوْلُهُمْ هُوَ أَحْمَقُ بِلْغٌ وَبَلْغٌ، أَيْ إِنَّهُ مَعَ حَمَاقَتِهِ يَبْلُغُ مَا يُرِيدُهُ. وَالْبُلْغَةُ مَا يُتَبَلَّغُ بِهِ مِنْ عَيْشٍ، كَأَنَّهُ يُرَادُ أَنَّهُ يَبْلُغُ رُتْبَةَ الْمُكْثِرِ إِذَا رَضِيَ وَقَنَعَ، وَكَذَلِكَ الْبَلَاغَةُ الَّتِي يُمْدَحُ بِهَا الْفَصِيحُ اللِّسَانِ، لِأَنَّهُ يَبْلُغُ بِهَا مَا يُرِيدُهُ، وَلِي فِي هَذَا بَلَاغٌ أَيْ كِفَايَةٌ. وَقَوْلُهُمْ بَلَّغَ الْفَارِسُ، يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، لِيَزِيدَ فِي عَدْوِهِ. وَقَوْلُهُمْ تَبَلَّغَتِ الْقِلَّةُ بِفُلَانٍ، إِذَا اشْتَدَّتْ، فَلِأَنَّهُ تَنَاهِيهَا بِهِ، وَبُلُوغُهَا الْغَايَةَ.

(بَلَقَ) الْبَاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُنْقَاسٌ مُطَّرِدٌ، وَهُوَ الْفَتْحُ. يُقَالُ أَبْلَقَ الْبَابَ وَبَلَقَهُ، إِذَا فَتَحَهُ كُلَّهُ. قَالَ:
وَالْحِصْنُ مُنْثَلِمٌ وَالْبَابُ مُنْبَلِقٌ
وَالْبَلَقُ الْفُسْطَاطُ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ. وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ الْبَلَقُ فِي الْأَلْوَانِ، وَهُوَ قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَهِيمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَابِ الْمُبْهَمِ، فَإِذَا ابْيَضَّ بَعْضُهُ فَهُوَ كَالشَّيْءِ يُفْتَحُ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالنُّونِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَنَيَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بِنَاءُ الشَّيْءِ بِضَمِّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ. تَقُولُ بَنَيْتُ الْبِنَاءَ أَبْنِيهِ. وَتُسَمَّى مَكَّةُ الْبَنِيَّةَ. وَيُقَالُ قَوْسٌ بَانِيَةٌ، وَهِيَ الَّتِي بَنَتْ عَلَى وَتَرِهَا، وَذَلِكَ أَنْ يَكَادَ وَتَرُهَا يَنْقَطِعُ لِلُصُوقِهِ بِهَا. وَطَيِّئٌ تَقُولُ مَكَانُ بَانِيَةٍ: بَانَاةٌ ; وَهُوَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
غَيْرِ بَانَاةٍ عَلَى وَتَرِهْ
(1/302)

وَيُقَالُ بُنْيَةٌ وَبُنًى، وَبِنْيَةٌ وَبِنًى بِكَسْرِ الْبَاءِ كَمَا يُقَالَ: جِزْيَةٌ وَجِزًى، وَمِشْيَةٌ وَمِشًى.

(بَنَوَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْوَاوُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ يَتَوَلَّدُ عَنِ الشَّيْءِ، كَابْنِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ. وَأَصْلُ بِنَائِهِ بَنَوَ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ بَنَوِيٌّ، وَكَذَلِكَ النِّسْبَةِ إِلَى بِنْتٍ وَإِلَى بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ. فَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ تُفَرِّعُ الْعَرَبُ. فَتُسَمِّي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً بِابْنِ كَذَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرِهَا بُنِّيَتْ كَذَا، فَيَقُولُونَ ابْنُ ذُكَاءِ الصُّبْحِ، وَذُكَاءُ الشَّمْسِ، لِأَنَّهَا تَذْكُو كَمَا تَذْكُو النَّارُ. قَالَ:
وَابْنُ ذُكَاءٍَ كَامِنٌ فِي كَفْرٍ وَابْنُ تُرْنَا
: اللَّئِيمُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
فَإِنَّ ابْنَ تُرْنَا إِذَا جِئْتُكُمْ ... يُدَافِعُ عَنِّي قَوْلًا بَرِيحًا
شَدِيدًا مِنْ بَرَّحَ بِهِ. وَابْنُ ثَأْدَاءَ: ابْنُ الْأَمَةِ. وَابْنُ الْمَاءِ: طَائِرٌ. قَالَ:
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ
وَابْنُ جَلَا: الصُّبْحُ، قَالَ:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَّى أَضَعِ الْعِمَامَةَ يَعْرِفُونِي
(1/303)

وَيُقَالُ لِلَّذِي تَنْزِلُ بِهِ الْمُلِمَّةُ فَيَكْشِفُهَا: ابْنُ مُلِمَّةٍ، وَلِلْحَذِرِ: ابْنُ أَحْذَارٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
بَلِّغْ زِيَادًا وَحَيْنُ الْمَرْءِ يُدْرِكُهُ ... فَلَوْ تَكَيَّسْتَ أَوْ كُنْتَ ابْنَ أَحْذَارِ
وَيُقَالُ لِلَّجَّاجِ: ابْنُ أَقْوَالٍ، وَلِلَّذِي يَتَعَسَّفُ الْمَفَاوِزَ: ابْنُ الْفَلَاةِ، وَلِلْفَقِيرِ الَّذِي لَا مَأْوَى لَهُ غَيْرُ الْأَرْضِ وَتُرَابِهَا: ابْنُ غَبْرَاءَ. قَالَ طَرَفَةُ:
رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لَا يُنْكِرُونَنِي ... وَلَا أَهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ
وَلِلْمُسَافِرِ: ابْنُ السَّبِيلِ. وَابْنُ لَيْلٍ: صَاحِبُ السُّرَى. وَابْنُ عَمَلٍ: صَاحِبُ الْعَمَلِ الْجَادُّ فِيهِ. قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا سَعْدُ يَاابْنَ عَمَلٍ يَا سَعْدُ
وَيَقُولُونَ: هُوَ ابْنُ مَدِينَةٍ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَابْنُ بَجْدَتِهَا أَيْ عَالِمٌ بِهَا
(1/304)

وَبِجِدَةُ الْأَمْرِ: دِخْلَتُهُ. وَيَقُولُونَ لِلْكَرِيمِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ هُوَ ابْنُ إِحْدَاهَا. وَيُقَالُ لِلْبَرِيءِ مِنَ الْأَمْرِ هُوَ ابْنُ خَلَاوَةَ، وَلِلْخُبْزِ ابْنُ حَبَّةَ، وَلِلطَّرِيقِ ابْنُ نَعَامَةَ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ الرِّجْلَ نَعَامَةً. قَالَ:
وَابْنُ النَّعَامَةِ يَوْمَ ذَلِكَ مَرْكَبِي
وَفِي الْمَثَلِ: " ابْنُكَ ابْنُ بُوحِكَ " أَيِ ابْنُ نَفْسِكَ الَّذِي وَلَدْتَهُ. وَيُقَالُ لِلَّيْلَةِ الَّتِي يَطْلُعُ فِيهَا الْقَمَرُ: فَحْمَةُ ابْنِ جَمِيرٍ. وَقَالَ:
نَهَارُهُمُ لَيْلٌ بَهِيمٌ وَلَيْلُهُمْ ... وَإِنْ كَانَ بَدْرًا فَحْمَةُ ابْنِ جَمِيرٍ
يَصِفُ قَوْمًا لُصُوصًا. وَابْنُ طَابٍ: عِذْقٌ بِالْمَدِينَةِ. وَسَائِرُ مَا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَهُوَ مُفَرَّقٌ فِي الْكِتَابِ، فَتَرَكْنَا كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْمَبْنَاةُ النِّطْعِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى ظَهْرِ مَبْنَاةٍ جَدِيدٍ سُيُورُهَا ... يَطُوفُ بِهَا وَسْطَ اللَّطِيمَةِ بَائِعُ
(1/305)

(بَنَجَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْجِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَتْ عِنْدِي أَصْلًا، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ هِيَ فِي قِيَاسِ اللُّغَةِ، لَكِنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ. قَالُوا: الْبِنْجُ الْأَصْلُ، يُقَالُ رَجَعَ إِلَى بِنْجِهِ.

(بَنَدَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالدَّالُ أَصْلٌ فَارِسِيٌ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ.

(بَنَسَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، يُقَالُ بَنَّسَ عَنِ الشَّيْءِ تَبْنِيسًا، إِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ.

(بَنَقَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْقَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَرَاهَا مِنَ الْحَوَاشِي غَيْرَ وَاسِطَةٍ. وَهِيَ الْبَنِيقَةُ، وَهُوَ جُِرُِبَّانُ الْقَمِيصِ. وَيُقَالُ: الْبَنِيقَةُ كُلُّ رُقْعَةٍ فِي الثَّوْبِ كَاللَّبِنَةِ وَنَحْوِهَا. عَلَى أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الشِّعْرِ. قَالَ:
يَضُمُّ إِلَيَّ اللَّيْلُ أَطْفَالَ حُبِّهَا ... كَمَا ضَمَّ أَزْرَارَ الْقَمِيصِ الْبَنَائِقُ

(بَنَكَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ تَبَنَّكَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَهِيَ شِبْهُ الَّتِي قَبْلَهَا.
(1/306)

[بَابُ الْبَاءِ وَالْهَاءِ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَهَوَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْبَيْتُ وَمَا أَشْبَهَهُ. فَالْبَهْوُ الْبَيْتُ الْمُقَدَّمُ أَمَامَ الْبُيُوتِ. وَالْبَهْوُ كِنَاسُ الثَّوْرِ. وَيُقَالُ الْبَهْوُ مَقِيلُ الْوَلَدِ بَيْنَ الْوُرْكَيْنِ مِنَ الْحَامِلِ. وَيُقَالُ لِجَوْفِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ الْبَهْوُ.

(بَهَيَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خُلُوُّ الشَّيْءِ وَتَعَطُّلُهُ. يُقَالُ بَيْتٌ بَاهٍ إِذَا كَانَ خَالِيًا لَا شَيْءَ فِيهِ. وَيَقُولُونَ: " الْمِعْزَى تُبْهِي وَلَا تُبْنِي " وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ مِنْ شُعُورِهَا بُيُوتٌ، وَهِيَ تَصْعَدُ الْخِيَمَ فَتُمَزِّقُهَا. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «أَبْهُوا الْخَيْلَ» أَيْ عَطِّلُوهَا. وَرُبَّمَا قَالُوا بَهِيَ الْبَيْتُ بَهَاءً، إِذَا تَخَرَّقَ.

(بَهَأَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُنْسُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: بَهَأْتُ بِالرَّجُلِ إِذَا أَنِسْتَ بِهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِبِلِ: نَاقَةٌ بَهَاءٌ مَمْدُودٌ، إِذَا كَانَتْ قَدْ أَنِسَتْ بِالْحَالِبِ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَهَأْتُ إِذَا أَنِسْتُ بِهِ. وَالْبَهَاءُ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ ; وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِ يَأْنَسُ.

(بَهَتَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ كَالدَّهَشِ وَالْحَيْرَةِ. يُقَالُ بُهِتَ الرَّجُلُ يُبْهَتُ بَهْتًا. وَالْبَهْتَةُ الْحَيْرَةُ. فَأَمَّا الْبُهْتَانُ فَالْكَذِبُ. يَقُولُ الْعَرَبُ: يَا لَلْبَهِيتَةِ، أَيْ يَا لَلْكَذِبِ.
(1/307)

(بَهَثَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالثَّاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَقَدْ سُمِّيَ الرَّجُلُ بُهْثَةً.

(بَهَجَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ السُّرُورُ وَالنَّضْرَةُ، يُقَالُ نَبَاتٌ بَهِيجٌ، أَيْ نَاضِرٌ حَسَنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] . وَالِابْتِهَاجُ السُّرُورُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا.

(بَهَرَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْغَلَبَةُ وَالْعُلُوُّ، وَالْآخَرُ وَسَطُ شَّيْءِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ [فَقَالَ] أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبَهْرُ الْغَلَبَةُ. يُقَالُ ضَوْءٌ بَاهِرٌ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الشَّتْمِ: بَهْرًا، أَيْ غَلَبَةً. قَالَ:
وَجَدًّا لِقَوْمِي إِذْ يَبِيعُونَ مُهْجَتِي ... بِجَارِيَةٍ بَهْرًا لَهُمْ بَعْدَهَا بَهْرَا
يَدْعُو عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا ... عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ
فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهَا بَهْرًا لَكُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهَا حُبًّا قَدْ غَلَبَ وَبَهَرَ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ قُلْتُ ذَلِكَ مُعْلِنًا غَيْرَ كَاتِمٍ لَهُ. قَالَ: وَمِنْهُ ابْتُهِرَ فُلَانٌ بِفُلَانَةَ أَيْ شُهِرَ بِهَا. وَيُقَالُ ابْتُهِرَ بِالشَّيْءِ شُهِرَ بِهِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ الْقَمَرُ الْبَاهِرُ، أَيِ الظَّاهِرُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " الْأَزْوَاجُ ثَلَاثَةٌ: زَوْجُ بَهْرٍ، وَزَوْجُ دَهْرٍ، وَزَوْجُ مَهْرٍ ".
(1/308)

الْبَهْرُ يُقَالُ لِلَّذِي يَبْهَرُ الْعُيُونَ بِحُسْنِهِ، وَمِنْهُ مَنْ يُجْعَلُ عُدَّةً لِلدَّهْرِ وَنَوَائِبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْمَهْرُ.
وَإِلَى هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ قَوْلُهُمْ: ابْتُهِرَ فُلَانٌ بِفُلَانَةَ. وَقَدْ يَكُونُ مَا يُدَّعَى مِنْ ذَلِكَ كَذِبًا. قَالَ تَمِيمٌ:
. . . حِينَ تَخْتَلِفُ الْعَوَالِي ... وَمَا بِي إِنْ مَدَحْتُهُمُ ابْتِهَارُ
أَيْ لَا يَغْلِبُ فِي ذَلِكَ دَعْوَةُ كَذِبٍ. وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
قَبِيحٌ بِمِثْلِيَ نَعْتُ الْفَتَا ... ةِ إِمَّا ابْتِهَارًا وَإِمَّا ابْتِيَارًا
وَ [أَمَّا] الْأَصْلُ الْآخَرُ فَقَوْلُهُمْ لِوَسَطِ الْوَادِي وَوَسَطِ كُلِّ شَيْءٍ بُهْرَةٌ. وَيُقَالُ ابْهَارَّ اللَّيْلُ، إِذَا انَتَصَفَ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَارَ لَيْلَةً حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ» . وَالْأَبَاهِرُ فِي رِيشِ الطَّائِرِ. وَمِنْ بَعْضِ ذَلِكَ اشْتِقَاقُ اسْمِ بَهْرَاءَ.
فَأَمَّا الْبُهَارُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فَلَيْسَ أَصْلُهُ عِنْدِي بَدَوِيًّا.

(بَهَزَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْغَلَبَةُ وَالدَّفْعُ بِعُنْفٍ.

(بَهَسَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، يُقَالُ إِنَّ الْأَسَدَ يُسَمَّى بَيْهَسًا.

(بِهَشَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالشِّينُ. شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا شِبْهُ الْفَرَحِ، وَالْآخَرُ جِنْسٌ مِنَ الشَّجَرِ.
(1/309)

فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ بَهَشَ إِلَيْهِ إِذَا رَآهُ فَسُرَّ بِهِ وَضَحِكَ إِلَيْهِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْلِعُ لَهْ لِسَانَهُ فَيَبْهَشُ الصَّبِيُّ لَهُ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَإِذَا رَأَيْتَ الْبَاهِشِيَنَ إِلَى الْعُلَى
وَالثَّانِي الْبَهْشُ، وَهُوَ الْمُقْلُ مَا كَانَ رَطْبًا، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ خَشْلٌ. وَقَالَ عُمَرُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَرَأَ حَرْفًا بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَقَالَ: " إِنَّ أَبَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْبَهْشِ ". يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْمُقْلُ يَنْبُتُ، يَقُولُ: فَالْقُرْآنُ نَازِلٌ بِلُغَةِ الْحِجَازِ لَا الْيَمَنِ.

(بَهَظَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالظَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ بَهَظَهُ الْأَمْرُ، إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِ. وَذَا أَمْرٌ بَاهِظٌ.

(بَهَقَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْقَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ سَوَادٌ يَعْتَرِي الْجِلْدَ، أَوْ لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَهُ. قَالَ رُؤْبَةُ:
كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ

(بَهَلَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَاللَّامُ. أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا التَّخْلِيَةُ، وَالثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الدُّعَاءِ، وَالثَّالِثُ قِلَّةٌ فِي الْمَاءِ.
(1/310)

فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَقُولُونَ: بَهَلْتُهُ إِذَا خَلَّيْتَهُ وَإِرَادَتَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ النَّاقَةُ الْبَاهِلُ، وَهِيَ الَّتِي لَا سِمَةَ عَلَيْهَا. وَيُقَالُ [الَّتِي] لَا صِرَارَ عَلَيْهَا. وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ لِبَعْلِهَا: " أَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، وَأَطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي، وَأَتَيْتُكَ بَاهِلًا غَيْرَ ذَاتِ صِرَارٍ "، وَقَدْ أَرَادَ تَطْلِيقَهَا.
وَأَمَّا الْآخَرُ فَالِابْتِهَالُ وَالتَّضَرُّعُ فِي الدُّعَاءِ. وَالْمُبَاهَلَةُ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ الْمُتَبَاهِلَيْنِ يَدْعُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
وَالثَّالِثُ الْبَهْلُ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ.

(بَهِمَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ: أَنْ يَبْقَى الشَّيْءُ لَا يُعْرَفُ الْمَأْتَى إِلَيْهِ. يُقَالُ هَذَا أَمْرٌ مُبْهَمٌ. وَمِنْهُ الْبُهْمَةُ: الصَّخْرَةُ الَّتِي لَا خَرْقَ فِيهَا، وَبِهَا شُبِّهَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَيِ نَاحِيَةٍ طُلِبَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْبُهْمَةُ جَمَاعَةُ الْفُرْسَانِ. وَمِنْهُ الْبَهِيمُ: اللَّوْنُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ، سَوَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَأَبْهَمْتُ الْبَابَ: أَغْلَقْتُهُ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْبَابِ: الْإِبْهَامُ مِنَ الْأَصَابِعِ. وَالْبَهْمُ صِغَارُ الْغَنَمِ. وَالْبُهْمَى نَبْتٌ، وَقَدْ أَبْهَمَتِ الْأَرْضُ كَثُرَتْ بُهْمَاهَا. قَالَ:
لَهَا مُوفِدٌ وَفَّاهُ وَاصٍ كَأَنَّهُ ... زَرَابِيُّ قَيْلٍ قَدْ تُحُومِيَ مُبْهَمُ
(1/311)

(بَهَنَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِيهَا أَيْضًا رِدَّةٌ يُقَالُ الْبَهْنَانَةُ الْمَرْأَةُ الضَّحَّاكَةُ، وَيُقَالُ الطَّيِّبَةُ الرِّيحِ. وَقَوْلُهُ:
أَلَا قَالَتْ بَهَانِ وَلِمَ تَأَبَّقْ ... بَلِيتَ وَلَا يَلِيقُ بِكَ النَّعِيمُ
فَإِنَّهُ أَرَادَ الِاسْمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى فَعَالِ.

[بَابُ الْبَاءِ وَالْوَاوِ وَمَا مَعَهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(بَوَأَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الرُّجُوعُ إِلَى الشَّيْءِ، وَالْآخَرُ تَسَاوِي الشَّيْئَيْنِ.
فَالْأَوَّلُ الْبَاءَةُ وَالْمَبَاءَةُ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْقَوْمِ، حَيْثُ يَتَبَوَّءُونَ فِي قُبُلِ وَادٍ [أَ] وْ سَنَدِ جَبَلٍ. وَيُقَالُ قَدْ تَبَوَّءُوا، وَبَوَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْزِلَ صِدْقٍ. قَالَ طَرَفَةُ:
طَيِّبُو الْبَاءَةِ سَهْلٌ وَلَهُمْ ... سُبُلٌ إِنْ شِئْتَ فِي وَحْشٍ وَعِرْ
وَقَالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
وَبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِهَا ... فَتَمَّ فِي قَوْمِهَا مُبَوَّؤُهَا
وَالْمَبَاءَةُ أَيْضًا: مَنْزِلُ الْإِبِلِ حَيْثُ تُنَاخُ فِي الْمَوَارِدِ. يُقَالُ أَبَأْنَا الْإِبِلَ نُبِيئُهَا إِبَاءَةً - مَمْدُودَةً - إِذَا أَنَخْتَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ. قَالَ:
(1/312)

خَلِيطَانِ بَيْنَهُمَا مِئْرَةٌ ... يُبِيئَانِ فِي مَعْطِنٍ ضَيِّقِ
وَقَالَ:
لَهُمْ مَنْزِلٌ رَحْبُ الْمَبَاءَةِ آهِلُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ قَدْ أَبَاءَهَا الرَّاعِي إِلَى مَبَائِهَا فَتَبَوَّأَتْهُ، وَبَوَّأَهَا إِيَّاهُ تَبْوِيئًا. أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الْبِيئَةِ عَلَى فِعْلَةٍ، مِنْ قَوْلِكَ تَبَوَّأْتُ مَنْزِلًا. وَبَاتَ فُلَانٌ بِبِيئَةِ سَوْءٍ. قَالَ:
ظَلِلْتُ بِذِي الْأَرْطَى فُوَيْقَ مُثَقَّبٍ ... بِبِيئَةِ سُوءٍ هَالِكًا أَوْ كَهَالِكِ
وَيُقَالُ هُوَ بِبِيئَةِ سَوْءٍ بِمَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو مَهْدِيٍّ: يُقَالُ بَاءَتْ عَلَى الْقَوْمِ بَائَيُتُهُمْ إِذَا رَاحَتْ عَلَيْهِمْ إِبِلُهُمْ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ أَبِئْ عَلَيْهِ حَقَّهُ، مِثْلَ أَرِحْ عَلَيْهِ حَقَّهُ. وَقَدْ أَبَاءَهُ عَلَيْهِ إِذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ بَاءَ فُلَانٌ بِذَنْبِهِ، كَأَنَّهُ عَادَ إِلَى مَبَاءَتِهِ مُحْتَمِلًا لِذَنْبِهِ. وَقَدْ بُؤْتُ بِالذَّنْبِ، وَبَاءَتِ الْيَهُودُ بِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّ فُلَانًا لَبَوَاءٌ بِفُلَانٍ، أَيْ إِنْ قُتِلَ بِهِ كَانَ كُفُوًا. وَيُقَالُ أَبَأْتُ بِفُلَانٍ قَاتِلَهُ، أَيْ قَتَلْتُهُ. وَاسْتَبَأْتُهُمْ قَاتِلَ أَخِي، أَيْ طَلَبْتُ إِلَيْهِمْ أَنْ يُقَيِّدُوهُ. وَاسْتَبَأْتُ بِهِ مِثْلَ اسْتَقَدْتُ. قَالَ:
(1/313)

فَإِنْ تَقْتُلُوا مِنَّا الْوَلِيدَ فَإِنَّنَا ... أَبَأْنَا بِهِ قَتْلَى تُذِلُّ الْمَعَاطِسَا
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
فَلَمْ أَرَ مَعْشَرًا أَسَرُوا هَدِيًّا ... وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ
وَتَقُولُ: بَاءَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ، إِذَا قُتِلَ بِهِ. قَالَ:
أَلَا تَنْتَهِي عَنَّا مُلُوكٌ وَتَتَّقِي ... مَحَارِمَنَا لَا يَبْوُءِ الدَّمُ بِالدَّمِ
أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبُوءَ الدِّمَاءُ ; إِذَا اسْتَوَتْ فِي الْقَتْلِ فَقَدْ بَاءَتْ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: كَلَّمْنَاهُمْ فَأَجَابُونَا عَنْ بَوَاءٍ وَاحِدٍ: [أَجَابُوا] كُلُّهُمْ جَوَابًا وَاحِدًا. وَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَوَاءٌ أَيْ سَوَاءٌ وَنُظَرَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَبَاءَوْا» ، أَيْ يَتَبَاءَوْنَ فِي الْقِصَاصِ. وَمِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ لِبُجَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ: " بُؤْ بِشِسْعِ كُلَيْبٍ ". وَأَنْشَدَ:
فَقُلْتُ لَهُ بُؤْ بِامْرِئٍ لَسْتَ مِثْلَهُ ... وَإِنْ كُنْتَ قُنْعَانًا لِمَنْ يَطْلُبُ الدَّمَا

(بَوَّبَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ تَبَوَّبْتُ بَوَّابًا، أَيِ اتَّخَذْتَ بَوَّابًا وَالْبَابُ أَصْلُ أَلِفِهِ وَاوٌ، فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا. فَأَمَّا الْبَوْبَاةُ فَمَكَانٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْ قَرْنٍ إِلَى الطَّائِفِ. قَالَ الْمُتَلَمِّسُ:
(1/314)

لَنْ تَسْلُكِي سُبُلَ الْبَوْبَاةِ مُنْجِدَةً ... مَا عِشْتِ عَمْرُو وَمَا عُمِّرْتَ قَابُوسُ

(بَوَثَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ [لَيْسَ] بِالْقَوِيِّ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ بَاثَ عَنِ الْأَمْرِ بَوْثًا، إِذَا بَحَثَ عَنْهُ.

(بَوَجَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنَ اللَّمَعَانِ. يَقُولُ الْعَرَبُ: تَبَوَّجَ الْبَرْقُ تَبَوُّجًا، إِذَا لَمَعَ.

(بَوَحَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ سَعَةُ الشَّيْءِ وَبُرُوزُهُ وَظُهُورُهُ، فَالْبُوحُ جُمَعُ بَاحَةٍ، وَهِيَ عَرْصَةُ الدَّارِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَدَعُوهَا كَبَاحَةِ الْيَهُودِ» . وَيَقُولُونَ فِي أَمْثَالِهِمُ: " ابْنُكَ ابْنُ بُوحِكَ " أَيِ الَّذِي وَلَدْتَهُ فِي بَاحَةِ دَارِكَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إِبَاحَةُ الشَّيْءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ وَاسِعٌ غَيْرُ مُضَيَّقٍ. وَ [مِنْ] الْقِيَاسِ اسْتَبَاحُوهُ، أَيِ انْتَهَبُوهُ. وَقَالَ:
حَتَّى اسْتَبَاحُوا آلَ عَوْفٍ عَنْوَةً ... بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْوَشِيجِ الذُّبَّلِ
وَزَعَمَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ الْبَهْدَلِيَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ الْبَاحَةَ جَمَاعَةُ النَّخْلِ. وَأَنْشَدَ:
أَعْطَى فَأَعْطَانِي يَدًا وَدَارًا ... وَبَاحَةً خَوَّلَهَا عَقَارًا
وَالْيَدُ جَمَاعَةُ قَوْمِهِ وَنُصَّارُهُ.
(1/315)

(بَوَخَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْخَاءُ كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ، وَهُوَ السُّكُونُ. يُقَالُ بَاخَتِ النَّارُ بَوْخًا سَكَنَتْ، وَكَذَلِكَ الْحَرُّ. وَيُقَالُ بَاخَ، إِذَا أَعْيَا ; وَذَلِكَ أَنَّ حَرَكَاتِهِ تَبُوخُ وَتَفْتُرُ.

(بَوَرَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا هَلَاكُ الشَّيْءِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ تَعَطُّلِهِ وَخُلُوِّهِ. وَالْآخَرُ ابْتِلَاءُ الشَّيْءِ وَامْتِحَانُهُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْخَلِيلُ: الْبَوَارُ الْهَلَاكُ، تَقُولُ: بَارُوا، وَهُمْ بُورٌ، أَيْ ضَالُّونَ هَلْكَى. وَأَبَارَهُمْ فُلَانٌ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّكُورِ بُورٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] . قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ» ، وَذَلِكَ أَنْ تَكْسُدَ فَلَا تَجِدَ زَوْجًا.
قَالَ يَعْقُوبُ: الْبُورُ: الرَّجُلُ الْفَاسِدُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ
قَالَ [أَبُو] زَيْدٍ: يُقَالُ إِنَّهُ لَفِي حُورٍ وَبُورٍ، أَيْ ضَيْعَةٍ. وَالْبَائِرُ الْكَاسِدُ، وَقَدْ بَارَتِ الْبِياعَاتُ أَيْ كَسَدَتْ. وَمِنْهُ {دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] ، وَأَرْضٌ بَوَارٌ لَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ.
قَالَ أَبُو زِيَادٍ: الْبَُورُ مِنَ الْأَرْضِ الَمَوَْتَانُ، الَّتِي لَا تَصْلُحُ أَنْ تُسْتَخْرَجَ. وَهِيَ أَرَضُونَ أَبْوَارٌ. وَمِنْهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِأُكَيْدِرَ: «إِنَّ لَنَا الْبَُوْرَ وَالْمُعَامِيَ» .
(1/316)

قَالَ الْيَزِيدِيُّ: الْبُورُ الْأَرْضُ الَّتِي تُجَمُّ سَنَةً لِتُزْرَعَ مِنْ قَابِلٍ، وَكَذَلِكَ الْبَوَارُ. قَالَ أَبُو عَبِيدٍ: عَنِ الْأَحْمَرِ نَزَلَتْ بَوَارٌ عَلَى النَّاسِ، أَيْ بَلَاءٌ. وَأَنْشَدَ:
قُتِلَتْ فَكَانَ تَظَالُمًا وَتَبَاغِيًا ... إِنَّ التَّظَالُمَ فِي الصِّدِيقِ بَوَارُ
وَالْأَصْلُ الثَّانِي التَّجْرِبَةُ وَالِاخْتِبَارُ. تَقُولُ بُرْتُ فُلَانًا وَبُرْتُ مَا عِنْدَهُ، أَيْ جَرَّبْتُهُ. وَبُرْتُ النَّاقَةَ فَأَنَا أَبُورُهَا، إِذَا أَدْنَيْتَهَا مِنَ الْفَحْلِ لِتَنْظُرَ أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ حَائِلٌ. وَكَذَلِكَ الْفَحْلُ مِبْوَرٌ، إِذَا كَانَ عَارِفًا بِالْحَالَيْنِ. قَالَ:
بِطَعْنٍ كَآذَانِ الْفَرَاءِ فُضُولُهُ ... وَطَعْنٍ كَإِيزَاغِ الْمَخَاضِ تَبُورُهَا
وَيُقَالُ بَارَ النَّاقَةَ بِالْفَحْلِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ:
مُذَكَّرَةُ الثُّنْيَا مُسَانَدَةُ الْقَرَى ... تُبَارُ إِلَيْهَا الْمُحْصَنَاتُ النَّجَائِبُ
يَقُولُ: يُشْتَرَى الْمُحَصَّنَاتُ النَّجَائِبُ عَلَى صِفَتِهَا، مِنْ قَوْلِكَ بُرْتُ النَّاقَةَ.

(بَوْشٌ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّجَمُّعُ مِنْ أَصْنَافٍ مُخْتَلِفِينَ. يُقَالُ: بَوْشٌ بَائِشٌ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا مِنْ صَمِيمِ كَلَامِ الْعَرَبِ.

(بَوَصَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالصَّادُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْآرَابِ، وَالْآخَرُ مِنَ السَّبْقِ.
(1/317)

فَالْأَوَّلُ الْبَُوْصُ، وَهِيَ عَجِيزَةُ الْمَرْأَةِ. قَالَ:
عَرِيضَةِ بَُوْصٍ إِذَا أَدْبَرَتْ ... هَضِيمِ الْحَشَا شَخْتَةِ الْمُحْتَضَنْ
وَالْبُوصُ اللَّوْنُ أَيْضًا.
فَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَالْبَوْصُ الْفَوْتُ وَالسَّبْقُ، يُقَالُ بَاصَنِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: خِمْسٌ بَائِصٌ، أَيْ جَادٌّ مُسْتَعْجِلٌ.

(بَوَعَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ امْتِدَادُ الشَّيْءِ. فَالْبَوْعُ مِنْ قَوْلِكَ بُعْتُ الْحَبَلَ بَوْعًا إِذَا مَدَدْتَ بَاعَكَ بِهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَوْعُ وَالْبَاعُ لُغَتَانِ، وَلَكِنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْبَوْعَ فِي الْخِلْقَةِ. فَأَمَّا بَسْطُ الْبَاعِ فِي الْكَرَمِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَقُولُونَ إِلَّا كَرِيمَ الْبَاعِ. قَالَ:
لَهُ فِي الْمَجْدِ سَابِقَةٌ وَبَاعٌ
وَالْبَاعُ أَيْضًا مَصْدَرُ بَاعَ يَبُوعُ، وَهُوَ بَسْطُ الْبَاعِ. وَالْإِبِلُ تَبُوعُ فِي سَيْرِهَا. قَالَ النَّابِغَةُ:
بِبَوْعِ الْقَدْرِ إِنْ قَلِقَ الْوَضِينُ
وَالرَّجُلُ يَبُوعُ بِمَالِهِ، إِذَا بَسَطَ بِهِ بَاعَهُ. قَالَ:
(1/318)

لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَلْقَى الْمَنَايَا وَلَمْ أَنَلْ ... مِنَ الْمَالِ مَا أَسْمُو بِهِ وَأَبُوعُ
وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
وَمُسْتَامَةٌ تُسْتَامُ وَهْيَ رَخِيصَةٌ ... تُبَاعُ بِرَاحَاتِ الْأَيَادِي وَتُمْسَحُ
يَصِفُ فَلَاةً تَسُومُ فِيهَا الْإِبِلُ. رَخِيصَةٌ: لَا تَمْتَنِعُ. تُبَاعُ: تَمُدُّ الْإِبِلُ بِهَا أَبْوَاعَهَا. وَتُمْسَحُ: تُقْطَعُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بُعْتُ الْحَبْلَ أَبُوعُهُ بَوْعًا، إِذَا مَدَدْتَ إِحْدَى يَدَيْكَ حَتَّى يَصِيرَ بَاعًا. اللِّحْيَانَيُّ: إِنَّهُ لَطَوِيلُ الْبَاعِ وَالْبَُوْعُ. وَقَدْ بَاعَ فِي مِشْيَتِهِ يَبُوعُ بَوْعًا وَتَبَوَّعَ تَبَوُّعًا، وَانْبَاعَ، إِذَا طَوَّلَ خُطَاهُ. قَالَ:
يَجْمَعُ حِلْمًا وَأَنَاةً مَعًا ... ثُمَّتَ يَنْبَاعُ انْبِيَاعَ الشُّجَاعْ
وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: " مُخْرَنْبِقٌ لِيَنْبَاعَ "، الْمُخْرَنْبِقُ الْمُطْرِقُ السَّاكِتُ. وَقَوْلُهُ: لِيَنْبَاعَ، أَيْ لِيَثِبَ. يُضْرَبُ مَثَلًا لِلرَّجُلِ يُطْرِقُ لِدَاهِيَةٍ يُرِيدُهَا.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: بَوْعُ الظَّبْيِ سَعْيُهُ دُونَ النَّفْزِ، وَالنَّفْزُ بُلُوغُهُ أَشَدَّ الْإِحْضَارِ.
اللِّحْيَانَيُّ: يُقَالُ: وَاللَّهِ لَا يَبُوعُونَ بَوْعَهُ أَبَدًا، أَيْ لَا يَبْلُغُونَ مَا بَلَغَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: جَمَلٌ بُوَاعٌ، أَيْ جَسِيمٌ. وَيُقَالُ انْبَاعَ الزَّيْتُ إِذَا سَالَ. [قَالَ] :
وَمُطَّرِدٌ لَدْنُ الْكُعُوبِ كَأَنَّمَا ... تَغَشَّاهُ مُنْبَاعٌ مِنَ الزَّيْتِ سَائِلُ
(1/319)

وَيُقَالُ فَرَسٌ بَيِّعٌ أَيْ بَعِيدُ الْخُطْوَةِ ; وَهُوَ مِنَ الْبَوْعِ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:
عَلَى مَتْنِ جَرْدَاءِ السَّرَاةِ نَبِيلَةٍ ... كَعَالِيَةِ الْمُرَّانِ بَيِّعَةِ الْقَدْرِ

(بَوَغَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْغَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ثَوَرَانُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: تَبَوَّغَ إِذَا ثَارَ، مِثْلَ تَبَيَّغَ. وَالْبَوْغَاءُ: التُّرَابُ يَثُورُ عَنْهُ غُبَارُهُ.

(بُوقٌ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْقَافُ لَيْسَ بِأَصْلٍ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِيهِ عِنْدِي كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْبُوقَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ. وَذَكَرُوا بَيْتًا لِحَسَّانَ:
إِلَّا الَّذِي نَطَقُوا بُوقًا وَلَمْ يَكُنِ
وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَكَأَنَّهُ حِكَايَةُ صَوْتٍ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: بَاقَتْهُمْ بَائِقَةٌ وَهِيَ الدَّاهِيَةُ تَنْزِلُ، فَلَيْسَتْ أَصْلًا، وَأُرَاهَا مُبْدَلَةً مِنْ جِيمٍ، وَالْبَائِجَةُ كَالْفَتْقِ وَالْخَلَلِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِيمَا مَضَى.

(بَوَكَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْكَافُ لَيْسَ أَصْلًا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ. يُقَالُ بَاكَ الْحِمَارُ الْأَتَانَ.
(1/320)

(بَوَلَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَاءٌ يَتَحَلَّبُ وَالثَّانِي الرُّوعُ.
فَالْأَوَّلُ الْبَوْلُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَفُلَانٌ حَسَنُ الْبِيلَةِ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنَ الْبَوْلِ. وَأَخَذَهُ بُوَالٌ إِذَا كَانَ يُكْثِرُ الْبَوْلَ. وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنِ النَّسْلِ بِالْبَوْلِ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
أَبِي هُوَ ذُو الْبَوْلِ الْكَثِيرِ مُجَاشِعٌ ... بِكُلِ بِلَادٍ لَا يَبُولُ بِهَا فَحْلُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ لِنُطَفِ الْبِغَالُ أَبْوَالُ الْبِغَالِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّرَابِ " أَبْوَالُ الْبِغَالِ " عَلَى التَّشْبِيهِ. وَإِنَّمَا شُبِّهَ بِأَبْوَالِ الْبِغَالِ لِأَنَّ بَوْلَ الْبِغَالِ كَاذِبٌ لَا يُلْقِحُ، وَالسَّرَابُ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
بِسَرْوِ حِمْيَرَ أَبْوَالُ الْبِغَالِ بِهِ ... أَنَّى تَسَدَّيْتَ وَهْنًا ذَلِكَ الْبِينَا
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: شَحْمَةٌ بَوَّالَةٌ، إِذَا أَسْرَعَ ذَوْبُهَا. [قَالَ] :
إِذْ قَالَتِ النَّثُولُ لِلْجَمُولِ ... يَا ابْنَةَ شَحْمٍ فِي الْمَرِيءِ بُولِيَ
الْجَمُولُ: شَحْمَةٌ تُطْبَخُ. وَالنَّثُولُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي تُخْرِجُهَا مِنَ الْقِدْرِ. وَيُقَالُ زِقٌّ بَوَّالٌ إِذَا كَانَ يَتَفَجَّرُ بِالشَّرَابِ، وَهُوَ فِي شِعْرِ عَدِيٍّ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي فَالْبَالُ: بَالُ النَّفْسِ. وَيُقَالُ مَا خَطَرَ بِبَالِي، أَيْ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِي. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْخَلِيلَ ذَكَرَ أَنَّ بَالَ النَّفْسِ هُوَ الِاكْتِرَاثُ، وَمِنْهُ
(1/321)

اشْتُقَّ مَا بَالَيْتُ، وَلَمْ يَخْطُِرْ بِبَالِي. قِيلَ لَهُ: هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمَعْنَى الِاكْتِرَاثِ أَنْ يَكْرُِثَهُ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ. وَالْمَصْدَرُ الْبَالَةُ وَالْمُبَالَاةُ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بِاللَّبَنِ: " مَا أُبَالِيهِ بَالَةً، اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ ". وَيَقُولُونَ: لَمْ أُبَالِ وَلَمْ أُبَلْ، عَلَى الْقَصْرِ.
وَمِمَّا حُمِلَ عَلَى هَذَا: الْبَالُ، وَهُوَ رَخَاءُ الْعَيْشِ ; يُقَالُ إِنَّهُ لَرَاخِي الْبَالِ، وَنَاعِمُ الْبَالِ.

(بَوَمَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. فَالْبُومُ ذَكَرُ الْهَامِ، وَهُوَ جَمْعُ بُومَةٍ. قَالَ:
قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ
قَالُوا: وَجَمْعُ الْبُومِ أَبْوَامٌ. قَالَ:
فَلَاةٍ لِصَوْتِ الْجِنِّ فِي مُنْكَرَاتِهَا ... هَرِيرٌ وَلِلْأَبْوَامِ فِيهَا نَوَائِحُ

(بَوَنَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْبُعْدُ. قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ وَبُوَنٌ - عَلَى وَزْنِ حَوْرٍ وَحُوَرٍ - وَبَيْنٌ بَعِيدٌ أَيْضًا، أَيْ فَرْقٌ.
(1/322)

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بَانَنِي فُلَانٌ يَبُونُنِي، إِذَا تَبَاعَدَ مِنْكَ أَوْ قَطَعَكَ. قَالَ وَبَانَنِي يَبِينُنِي مِثْلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَنْقَاسُ الْبُِوَانُ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: لَا يَبْعُدُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْبُِوَانَ الْعَمُودُ مِنْ أَعْمِدَةِ الْخِبَاءِ، وَهُوَ يُسْمَكُ بِهِ الْبَيْتُ وَيَسْمُو بِهِ، وَتِلْكَ الْفُرْجَةُ هِيَ الْبَوْنُ.
قَالَ أَبُو مَهْدِيٍّ: الْبُِوَانَ عَمُودٌ يُسْمَكُ بِهِ فِي الطُّنُبِ الْمُقَدَّمِ فِي وَسَطِ الشُّقَّةِ الْمُرَوَّقِ بِهَا الْبَيْتُ. قَالَ: فَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْبُِوَانِ. قَالَ: ثُمَّ تُسَمَّى سَائِرُ الْعَُمَُدِ بُوَنًا وَبُوَانَاتٍ. وَأَنْشَدَ:
وَمَجْلِسَهُ تَحْتَ الْبُِوَانِ الْمُقَدَّمِ
وَقَالَ آخَرُ:
يَمْشِي إِلَى بُِوَانِهَا مَشْيَ الْكَسِلْ
وَمِنَ الْبَابِ: الْبَانَةُ، وَهِيَ شَجَرَةٌ. فَأَمَّا ذُو الْبَانِ فَكَانَ مِنْ بِلَادِ بَنِي الْبَكَّاءِ. قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ:
وَوَجْدِي بِهَا أَيَّامَ ذِي الْبَانِ دَلَّهَا ... أَمِيرٌ لَهُ قَلْبٌ عَلَيَّ سَلِيمُ
وَبُوَانَةُ: وَادٍ لَبَنِي جُشَمَ.
(1/323)

(بَوَهَ) الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالْهَاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ عِنْدِي، وَهُوَ كَلَامٌ كَالتَّهَكُّمِ وَالْهُزْءِ. يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا غَنَاءَ عِنْدِهِ: بُوهَةٌ. قَالَ:
يَا هِنْدُ لَا تَنْكِحِي بُوهَةً ... عَلَيْهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبَا
وَمَثَلُهُ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْبُوهَ طَائِرٌ مِثْلُ الْبُومَةِ. قَالَ:
كَالْبُوهِ تَحْتَ الظُّلَّةِ الْمَرْشُوشِ
قَالَ: يَقُولُ: كَأَنِّي طَائِرٌ قَدْ تَمَرَّطَ رِيشُهُ مِنَ الْكِبَرِ، فَرُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِيَكُونَ أَسْرَعَ لِنَبَاتِ رِيشِهِ. قَالَ: هُوَ يُفْعَلُ هَذَا بِالصُّقُورَةِ خَاصَّةً. قَالُوا: وَإِيَّاهُ أَرَادَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، فَشَبَّهَ بِهِ الرَّجُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. وَكَذَلِكَ الْبُوهَةُ، وَهُوَ مَا طَارَتْ بِهِ الرِّيحُ مِنَ التُّرَابِ. يُقَالُ: " أَهْوَنُ مِنْ صَوْفَةٍ فِي بُوهَةٍ ".

[بَابُ الْبَاءِ وَالْيَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(بَيْتٌ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَأْوَى وَالْمَآبُ وَمَجْمَعُ الشَّمْلِ. يُقَالُ بَيْتٌ وَبُيُوتٌ وَأَبْيَاتٌ. وَمِنْهُ يُقَالُ لِبَيْتِ الشِّعْرِ بَيْتٌ عَلَى التَّشْبِيهِ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي، عَلَى شَرْطٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْوَزْنُ. وَإِيَّاهُ أَرَادَ الْقَائِلُ:
وَبَيْتٍ عَلَى ظَهْرِ الْمَطِيِّ بَنَيْتُهُ ... بِأَسْمَرَ مَشْقُوقِ الْخَيَاشِيمِ يَرْعُفُ
(1/324)

أَرَادَ بِالْأَسْمَرِ الْقَلَمَ. وَالْبَيْتُ: عِيَالُ الرَّجُلِ وَالَّذِينَ يَبِيتُ عِنْدَهُمْ. وَيُقَالُ:
مَا لِفُلَانٍ بِيتَةُ لَيْلَةٍ، أَيْ مَا يَبِيتُ عَلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ. وَبَيَّتَ الْأَمْرَ إِذَا دَبَّرَهُ لَيْلًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] ، أَيْ حِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بُيُوتِهِمْ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يُخَصُّ بِاللَّيْلِ. النَّهَارُ يَظَلُّ كَذَا. وَالْبَيُّوتُ: الْمَاءُ الَّذِي يَبِيتُ لَيْلًّا. وَالْبَيُّوتُ: الْأَمْرُ يُبَيِّتُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مُهْتَمًّا بِهِ. قَالَ أُمَيَّةُ:
وَأَجْعَلُ فُقْرَتَهَا عُدَّةً ... إِذَا خِفْتُ بَيُّوتَ أَمْرٍ عُضَالٍ
وَالْبَيَاتُ وَالتَّبْيِيتُ: أَنْ تَأْتِيَ الْعَدُوَّ لَيْلًا، كَأَنَّكَ أَخَذْتَهُ فِي بَيْتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ [أَبِي] عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: بُيِّتَ الشَّيْءُ إِذَا قُدِّرَ، وَيُشَبَّهُ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشَّعْرِ. وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلْنَاهُ وَقِسْنَا عَلَيْهِ.

(بَيَحَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالْحَاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْبِيَاحُ، وَهُوَ سَمَكٌ.

(بَيَدَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ [وَاحِدٌ] ، وَهُوَ أَنْ يُودِيَ الشَّيْءُ. يُقَالُ بَادَ الشَّيْءُ بَيْدًا وَبُيُودًا، إِذَا أَوْدَى. وَالْبَيْدَاءُ الْمَفَازَةُ مِنْ هَذَا أَيْضًا. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى ظَاهِرٌ. وَيُقَالُ إِنَّ الْبَيْدَانَةَ الْأَتَانُ تَسْكُنُ الْبَيْدَاءَ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ بَيْدَ، فَكَذَا جَاءَ بِمَعْنَى غَيْرَ، يُقَالُ فُعِلَ كَذَا بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ كَذَا. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
(1/325)

بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ» . وَقَالَ:
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي ... إِخَالُ لَوْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنِّي
وَهَذَا يُبَايِنُ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ. وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ أَصْلٌ بِرَأْسِهِ لَمْ يَبْعُدْ.

(بَيْصَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالصَّادُ لَيْسَ بِأَصْلٍ. لِأَنَّ بَيْصَ إِتْبَاعٌ لِحَيْصَ. يُقَالُ: وَقَعَ الْقَوْمُ فِي حَيْصَ بَيْصَ، أَيِ اخْتِلَاطٍ. قَالَ:
لَمْ تَلْتَحِصْنِي حَيْصَ بَيْصَ لَحَاصِ

(بَيْضَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالضَّادُ أَصْلٌ، وَمُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَمُشَبَّهٌ بِالْمُشْتَقِّ.
فَالْأَصْلُ الْبَيَاضُ مِنَ الْأَلْوَانِ. يُقَالُ ابْيَضَّ الشَّيْءُ. وَأَمَّا الْمُشْتَقُّ مِنْهُ فَالْبَيْضَةُ لِلدَّجَاجَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْجَمْعُ الْبَيْضُ، وَالْمُشَبَّهُ بِذَلِكَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ.
وَمِنَ الِاسْتِعَارَةِ قَوْلُهُمْ لِلْعَزِيزِ فِي مَكَانِهِ: هُوَ بَيْضَةُ الْبَلَدِ، أَيْ يُحْفَظُ وَيُحَصَّنُ كَمَا تُحْفَظُ الْبَيْضَةُ. يُقَالَ حَمَى بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ. فَإِذَا عَبَّرُوا عَنِ الذَّلِيلِ الْمُسْتَضْعَفِ بِأَنَّهُ بَيْضَةُ الْبَلَدِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ مَتْرُوكٌ مُفْرَدٌ كَالْبَيْضَةِ الْمَتْرُوكَةِ بِالْعَرَاءِ. وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْبَيْضَةُ التَّرِيكَةَ. وَقَدْ فُسِّرَتْ فِي مَوْضِعِهَا.
(1/326)

وَيُقَالُ بَاضَتِ الْبُهْمَى إِذَا سَقَطَتْ نِصَالُهَا. وَبَاضَ الْحَرُّ اشْتَدَّ ; وَيُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَمَكَّنَ كَأَنَّهُ بَاضَ وَفَرَّخَ وَتَوَطَّنَ.

(بَيَظَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالظَّاءُ كَلِمَةٌ مَا أَعْرِفُهَا فِي صَحِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا مَا كَانَ لِإِثْبَاتِهَا وَجْهٌ. قَالُوا: الْبَيْظُ مَاءُ الْفَحْلِ.

(بَيَعَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ الشِّرَى بَيْعًا. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» قَالُوا: مَعْنَاهُ لَا يَشْتَرِ عَلَى شِرَى أَخِيهِ. وَيُقَالُ بِعْتُ الشَّيْءَ بَيْعًا، فَإِنْ عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ قُلْتَ أَبَعْتُهُ. قَالَ:
فَرَضِيتُ آلَاءَ الْكُمَيْتِ فَمَنْ يُبِعْ ... فَرَسًا فَلَيْسَ جَوَادُنَا بِمُبَاعِ

(بَيَغَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالْغَيْنُ لَيْسَ بِأَصْلٍ. وَالَّذِي جَاءَ فِيهِ تَبَيُّغُ الدَّمِ، وَهُوَ هَيْجُهُ. قَالُوا: أَصْلُهُ تَبَغَّى، فَقُدِّمَتِ الْيَاءُ وَأُخِّرَتِ الْغَيْنُ، كَقَوْلِكَ جَذَبَ وَجَبَذَ، وَمَا أَطْيَبَهُ وَأَيْطَبَهُ.

(بَيْنَ) الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بُعْدُ الشَّيْءِ وَانْكِشَافُهُ. فَالْبَيْنُ الْفِرَاقُ ; يُقَالُ بَانَ يَبِينُ بَيْنًا وَبَيْنُونَةً. وَالْبَيُونُ الْبِئْرُ الْبَعِيدَةُ الْقَعْرِ. وَالْبِينُ: قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرُ مَدِّ الْبَصَرِ. قَالَ:
(1/327)

بِسَرْوِ حِمْيَرَ أَبْوَالُ الْبِغَالِ بِهِ ... أَنَّى تَسَدَّيْتَ وَهْنًا ذَلِكَ الْبِينَا
وَبَانَ الشَّيْءُ وَأَبَانَ إِذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ. وَفُلَانٌ أَبْيَنُ مِنْ فُلَانٍ ; أَيْ أَوْضَحُ كَلَامًا مِنْهُ. فَأَمَّا الْبَائِنُ فِي الْحَلْبِ. . . .

[بَابُ الْبَاءِ وَالْهَمْزَةِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(بَأْسٌ) الْبَاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَالشِّدَّةُ وَ [مَا] ضَارَعَهَا. فَالْبَأْسُ الشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ. وَرَجُلٌ ذُو بَأْسٍ وَبَئِيسٌ أَيْ شُجَاعٌ. وَقَدْ بَأَسَ بَأْسًا فَإِنْ نَعَتَّهُ بِالْبُؤْسِ قُلْتَ بَؤُسَ. وَالْبُؤْسُ: الشِّدَّةُ فِي الْعَيْشِ. وَالْمُبْتَئِسُ الْمُفْتَعِلُ مِنَ الْكَرَاهَةِ وَالْحُزْنِ. قَالَ:
مَا يَقْسِمِ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيمًا نَاعِمَ الْبَالِ

(بَأَوَ) الْبَاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْبَأْوُ، وَهُوَ الْعُجْبُ.

[بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ أَوَّلُهُ بَاءٌ]
اعْلَمْ أَنَّ لِلرُّبَاعِيِّ وَالْخُمَاسِيِّ مَذْهَبًا فِي الْقِيَاسِ، يَسْتَنْبِطُهُ النَّظَرُ الدَّقِيقُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا تَرَاهُ مِنْهُ مَنْحُوتٌ. وَمَعْنَى النَّحْتِ أَنْ تُؤْخَذَ كَلِمَتَانِ وَتُنْحَتَ مِنْهُمَا
(1/328)

كَلِمَةٌ تَكُونُ آخِذَةً مِنْهُمَا جَمِيعًا بِحَظٍّ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَيْعَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى. وَمِنَ الشَّيْءِ الَّذِي كَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: عَبْشَمِيٌّ. وَقَوْلُهُ:
تَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَنَيْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَقَايِيسِ الرُّبَاعِيِّ، فَنَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْحُوتُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالضَّرْبُ الْآخَرُ [الْمَوْضُوعُ] وَضْعًا لَا مَجَالَ لَهُ فِي طُرُقِ الْقِيَاسِ. وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ.
فَمِمَّا جَاءَ مَنْحُوتًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الرُّبَاعِيِّ أَوَّلُهُ بَاءٌ.

(الْبُلْعُومُ) مَجْرَى الطَّعَامِ فِي الْحَلْقِ. وَقَدْ يُحْذَفُ فَيُقَالُ بُلْعُمٌ. وَغَيْرُ مُشْكِلٍ أَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ بَلِعَ، إِلَّا أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ مَا زِيدَ لِجِنْسٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي مَعْنَاهُ. وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ (بُحْتُرٌ) وَهُوَ الْقَصِيرُ الْمُجْتَمِعُ الْخَلْقُ. فَهَذَا مَنْحُوتٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، مِنَ الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالرَّاءِ، وَهُوَ مِنْ بَتَرْتُهُ فَبُتِرَ، كَأَنَّهُ حُرِمَ الطُّولَ فَبُتِرَ خَلْقُهُ. وَالْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ الْحَاءُ وَالتَّاءُ وَالرَّاءُ، هُوَ مِنْ حَتَرْتُ وَأَحْتَرْتُ، وَذَلِكَ أَنْ لَا تُفْضِلَ عَلَى أَحَدٍ. يُقَالُ أَحْتَرَ عَلَى نَفْسِهِ [وَعِيَالِهِ] أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. فَقَدْ صَارَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقَصِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطَ مَا أُعْطِيَهُ الطَّوِيلُ.

وَمِنْ ذَلِكَ (بَحْثَرْتُ) الشَّيْءَ، إِذَا بَدَّدْتُهُ. وَالْبَحْثَرَةُ: الْكَدَرُ فِي الْمَاءِ. وَهَذِهِ مَنْحُوتَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مِنْ بَحَثْتُ الشَّيْءَ فِي التُّرَابِ - وَقَدْ فُسِّرَ فِي الثُّلَاثِيِّ -
(1/329)

وَمِنَ الْبَثْرِ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مُتَفَرِّقًا عَلَى الْجِلْدِ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَعْثَقَةُ) وَتَفْسِيرُهُ خُرُوجُ الْمَاءِ مِنَ الْحَوْضِ. يُقَالُ تَبَعْثَقَ الْمَاءُ مِنَ الْحَوْضِ إِذَا انْكَسَرَتْ مِنْهُ نَاحِيَةٌ فَخَرَجَ مِنْهَا. وَذَلِكَ مَنْحُوتٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: بَعَقَ وَبَثَقَ، يُقَالُ انْبَعَقَ الْمَاءُ تَفَتَّحَ - وَقَدْ فُسِّرَ فِي الثُّلَاثِيِّ - وَبَثَقْتُ الْمَاءَ، وَهُوَ الْبَثْقُ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبُرْجُدُ) وَهُوَ كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ. وَقَدْ نُحِتَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مِنَ الْبِجَادِ وَهُوَ الْكِسَاءُ - وَقَدْ فُسِّرَ - وَمِنَ الْبُرْدِ. وَالشَّبَهُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ (ابْلَنْدَحَ) وَتَفْسِيرُهُ اتَّسَعَ. وَهُوَ مَنْحُوتٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مَنَّ الْبَدَاحِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ، وَمِنَ الْبَلَدِ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْبَرَازُ. وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُهُمَا.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ ضَرَبَهُ فَ (بَخْذَعَهُ) وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ خُذِّعَ إِذَا حُزِّزَ وَقُطِّعَ. وَمِنْهُ:
فَكِلَاهُمَا بَطَلُ اللِّقَاءِ مُخَذَّعٌ
وَقَدْ فُسِّرَ - وَمِنْ بُذِعَ، يُقَالُ بُذِعُوا فَابْذَعَرُّوا، إِذَا تَفَرَّقُوا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ (بَلْطَحَ) الرَّجُلُ، إِذَا ضَرَبَ بِنَفْسِهِ الْأَرْضَ. فَهِيَ مَنْحُوتَةٌ
(1/330)

مِنْ بُطِحَ وَأُبْلِطَ، إِذَا لَصِقَ بِبَلَاطِ الْأَرْضِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ (بَزْمَخَ) الرَّجُلُ إِذَا تَكَبَّرَ. وَهِيَ مَنْحُوتَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ زَمَخَ إِذَا شَمَخَ بِأَنْفِهِ، وَهُوَ زَامِخٌ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ بَزَخَ إِذَا تَقَاعَسَ، وَمَشَى مُتَبَازِخًا إِذَا تَكَلَّفَ إِقَامَةَ صُلْبِهِ. وَقَدْ فُسِّرَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ (تَبَلْخَصَ) لَحْمُهُ، إِذَا غَلُظَ. وَذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ، مِنَ اللَّخَصِ وَهُوَ كَثْرَةُ اللَّحْمِ، يُقَالُ ضَرْعٌ لَخِيصٌ، وَمِنَ الْبَخَصِ، وَهِيَ لَحْمَةُ الذِّرَاعِ وَالْعَيْنِ وَأُصُولِ الْأَصَابِعِ.

وَمِنْ ذَلِكَ (تَبَزْعَرَ) أَيْ سَاءَ خُلُقُهُ. وَهَذَا مِنَ الزَّعَرِ وَالزَّعَارَةِ، وَالتَّبَزُّعِ. وَقَدْ فُسِّرَا فِي مَوَاضِعِهِمَا مِنَ الثُّلَاثِيِّ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبِرْقِشُ) وَهُوَ طَائِرٌ. وَهُوَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مِنْ رَقَشْتُ الشَّيْءَ - وَهُوَ كَالنَّقْشِ - وَمِنَ الْبَرَشِ وَهُوَ اخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَهْنَسَةُ) التَّبَخْتُرُ، فَهُوَ مِنَ الْبَهْسِ صِفَةِ الْأَسَدِ، وَمِنْ بَنَسَ إِذَا تَأَخَّرَ. مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمْشِي مُقَارِبًا فِي تَعَظُّمٍ وَكِبْرٍ.

وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا قَوْلُهُمْ (بَلْهَسَ) إِذَا أَسْرَعَ. فَهُوَ مِنْ بَهَسَ وَمِنْ بَلِهَ، وَهُوَ صِفَةُ الْأَبْلَهِ.
(1/331)

(بَلْأَصَ) غَيْرُ أَصْلٍ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ [مِنْ هَاءٍ] وَالصَّادُ مُبْدَلَةٌ مِنْ سِينٍ.

[بَابٌ مِنَ الرُّبَاعِيِّ آخَرُ]
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَجِيءُ عَلَى الرُّبَاعِيِّ وَهُوَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ حَرْفًا لِمَعْنًى يُرِيدُونَهُ مِنْ مُبَالَغَةٍ، كَمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي زُرْقُمٍ وَخَلْبَنٍ. لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَقَعُ أَوَّلًا وَغَيْرَ أَوَّلٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَحْظَلَةُ) قَالُوا: أَنْ يَقْفِزَ الرَّجُلُ قَفَزَانَ الْيَرْبُوعِ. فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ قَالَ الْخَلِيلُ: الْحَاظِلُ الَّذِي يَمْشِي فِي شِقِّهِ. يُقَالُ مَرَّ بِنَا يَحْظَلُ ظَالِعًا.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبِرْشَاعُ) الَّذِي لَا فُؤَادَ لَهُ. فَالرَّاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْبَاءِ وَالشِّينِ وَالْعَيْنِ، وَقَدْ فُسِّرَ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَرْغَثَةُ) فَالرَّاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالثَّاءُ. وَالْأَبْغَثُ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ كَلَوْنِ الرَّمَادِ. فَالْبَرْغَثَةُ لَوْنٌ شَبِيهٌ بِالطُّحْلَةِ وَمِنْهُ الْبُرْغُوثُ.
(1/332)

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَرْجَمَةُ) غِلَظُ الْكَلَامِ: فَالرَّاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ الْبَجْمُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: بَجَمَ الرَّجُلُ يَبْجَمُ بُجُومًا، إِذَا سَكَتَ مِنْ عِيٍّ أَوْ هَيْبَةٍ، فَهُوَ بَاجِمٌ.

(فَأَمَّا النَّبَهْرَجُ) فَلَيْسَتْ عَرَبِيَّةً صَحِيحَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يُطْلَبْ لَهَا قِيَاسٌ. وَالْبَهْرَجُ الرَّدِيُّ. وَيُقَالُ أَرْضٌ بَهْرَجٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَحْمِيهَا. وَبَهْرَجَ الشَّيْءَ إِذَا أَخَذَ بِهِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَاهِدُ شِعْرٍ فَهُوَ كَمَا يَقُولُونَ " السَّمَرَّجُ ". وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَمِمَّا فِيهِ حَرْفٌ زَائِدٌ (الْبَرْزَخُ) الْحَائِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، كَأَنَّ بَيْنَهُمَا بَرَازًا أَيْ مُتَّسَعًا مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ صَارَ كُلُّ حَائِلٍ بَرْزَحًا. فَالْخَاءُ زَائِدَةٌ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ (الْبِرْدِسُ) الرَّجُلُ الْخَبِيثُ. وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الرَّدْسِ، وَذَاكَ أَنْ تَقْتَحِمَ الْأُمُورَ، مِثْلَ الْمِرْدَاسِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ. وَقَدْ فُسِّرَ فِي بَابِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ (بَلْذَمَ) إِذَا فَرِقَ فَسَكَتَ. وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَذِمَ، إِذَا لَزِمَ بِمَكَانِهِ فَرَِقًا لَا يَتَحَرَّكُ.
(1/333)

وَمِنْ ذَلِكَ (بِرْقِعُ) اسْمُ سَمَاءِ الدُّنْيَا. فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَالْأَصْلُ الرَّاءُ وَالْقَافُ وَالْعَيْنُ ; لِأَنَّ كُلَّ سَمَاءٍ رَقِيعٌ، وَالسَّمَاوَاتُ أَرْقِعَةٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ (بَرْعَمَ) النَّبْتُ إِذَا اسْتَدَارَتْ رُءُوسُهُ. الْأَصْلُ بَرَعَ إِذَا طَالَ. وَمِنْ ذَلِكَ

(الْبَرْكَلَةُ) وَهُوَ مَشْيُ الْإِنْسَانِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَرَكَّلَ إِذَا ضَرَبَ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ فَأَدْخَلَهَا فِي الْأَرْضِ عِنْدَ الْحَفْرِ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
رَبَتْ وَرَبَا فِي حَجْرِهَا ابْنُ مَدِينَةٍ ... يَظَلُّ عَلَى مِسْحَاتِهِ يَتَرَكَّلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ (بَلْسَمَ) الرَّجُلُ كَرَّهُ وَجْهَهُ. فَالْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمُبْلِسِ، وَهُوَ الْكَئِيبُ الْحَزِينُ الْمُتَنَدِّمُ. قَالَ:
وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسٌ
وَمِنْ ذَلِكَ النَّاقَةُ (الْبَلْعَكُ) وَهِيَ الْمُسْتَرْخِيَةُ اللَّحْمِ. وَاللَّامُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ الْبَعْكُ وَهُوَ التَّجَمُّعُ. وَقَدْ ذُكِرَ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الْبَلْقَعُ) الَّذِي لَا شَيْءَ بِهِ. فَاللَّامُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْبَاءِ وَالْقَافِ وَالْعَيْنِ.
(1/334)

وَمِنْ ذَلِكَ (تَبَعْثَرَتْ نَفْسِي) فَالْعَيْنُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْبَاءِ وَالثَّاءِ وَالرَّاءِ. وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ الَّذِي وُضِعَ وَضْعًا]
(الْبَُهْصَُلَةُ) : الْمَرْأَةُ الْقَصِيرَةُ، وَحِمَارٌ بُهْصُلٌ قَصِيرٌ. وَالْبُخْنُقُ: الْبُرْقُعُ الْقَصِيرُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْبُخْنُقُ خِرْقَةٌ تَلْبَسُهَا الْمَرْأَةُ تَقِي بِهَا الْخِمَارَ الدُّهْنَ. الْبَلْعَثُ: السَّيِّئُ الْخُلُقِ. الْبَهْكَثَةُ: السُّرْعَةُ. الْبَحْزَجُ: وَلَدُ الْبَقَرَةِ. وَكَذَلِكَ الْبَُرْغَُزُ. بَرْذَنَ الرَّجُلُ: ثَقُلَ. الْبَرَازِقُ: الْجَمَاعَاتُ. الْبُرْزُلُ: الضَّخْمُ. نَاقَةٌ بِرْعِسٌ: غَزِيرَةٌ. بَرْشَطَ اللَّحْمَ: شَرْشَرَهُ. بَرْشَمَ الرَّجُلُ إِذَا وَجَمَ
(1/335)

وَأَظَهْرَ الْحُزْنَ. وَبَرْهَمَ، إِذَا أَدَامَ النَّظَرَ. قَالَ:
وَنَظَرًا هَوْنَ الْهُوَيْنَى بَرْهَمَا
الْبَرْقَطَةُ: خَطْوٌ مُتَقَارِبٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(تَمَّ كِتَابُ الْبَاءِ)
(1/336)

[كِتَابُ التَّاءِ] [بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مُضَاعَفًا أَوْ مُطَابِقًا وَأَوَّلُهُ تَاءٌ]

بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مُضَاعَفًا أَوْ مُطَابِقًا وَأَوَّلُهُ تَاءٌ
(تَخٌّ) التَّاءُ وَالْخَاءُ فِي الْمُضَاعَفِ لَيْسَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ أَوْ يُفَرَّعُ مِنْهُ، وَالَّذِي ذُكِرَ مِنْهُ فَلَيْسَ بِذَلِكَ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَالتَّخْتَخَةُ حِكَايَةُ صَوْتٍ. وَالتَّخُّ الْعَجِينُ الْحَامِضُ، تَخَّ تُخُوخَةً، وَأَتَخَّهُ صَاحِبُهُ إِتْخَاخًا.

(تَرَّ) التَّاءُ وَالرَّاءُ قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِيهِ مِنَ اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ بَدَنٌ ذُو تَرَارَةٍ، إِذَا كَانَ ذَا سِمَنٍ وَبَضَاضَةٍ. وَقَدْ تَرَّ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَنُصْبِحُ بِالْغَدَاةِ أَتَرَّ شَيْءٍ ... وَنُمْسِي بِالْعَشِيِّ طَلَنْفَحِينَا
وَأَمَّا التَّرَاتِرُ فَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَلَيْسَتْ [أَصْلًا] ; لِأَنَّ الرَّاءَ مُبْدَلَةٌ مِنْ لَامٍ.
وَقَوْلُهُمْ تَرَّتِ النَّوَاةُ مِنْ مِرْضَاحِهَا تَتِرُّ، فَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ. وَكَذَلِكَ الْخَيْطُ الَّذِي
(1/337)

يُسَمَّى " التُّرَّ " وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّهُ الْبَانِي، فَلَا يَكَادُ مِثْلُهُ يَصِحُّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْأُتْرُورَ: الْغُلَامُ الصَّغِيرُ. وَلَوْلَا وِجْدَانُنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ لَكَانَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ أَصْوَبَ. وَكَيْفَ يَصِحُّ شَيْءٌ يَكُونُ شَاهِدُهُ مِثْلَ هَذَا الشِّعْرِ:
أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِالْأَمِيرِ ... مِنْ عَامِلِ الشُّرْطَةِ وَالْأُتْرُورِ
وَمَثَلُهُ مَا حُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ: تَرَّ الرَّجُلُ عَنْ بِلَادِهِ: تَبَاعَدَ. وَأَتَرَّهُ الْقَضَاءُ: أَبْعَدَهُ.

(تَعَّ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ مِنَ الْكَلَامِ الْأَصِيلِ الصَّحِيحِ، وَقِيَاسُهُ الْقَلَقُ وَالْإِكْرَاهُ. يُقَالُ تَعْتَعَ الرَّجُلُ إِذَا تَبَلَّدَ فِي كَلَامِهِ. وَكُلُّ مَنْ أُكْرِهَ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَقْلَقَ [فَقَدَ] تُعْتِعَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «حَتَّى يُؤْخَذَ لِلضَّعِيفِ حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» . وَيُقَالُ تَعْتَعَ الْفَرَسُ إِذَا ارْتَطَمَ. قَالَ:
يُتَعْتِعُ فِي الْخَبَارِ إِذَا عَلَاهُ ... وَيَعْثُرُ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ
وَيُقَالُ: وَقَعَ الْقَوْمُ فِي تَعَاتِعَ، أَيْ أَرَاجِيفَ وَتَخْلِيطٍ.

(تَغَّ) التَّاءُ وَالْغَيْنُ لَيْسَ أَصْلًا. وَيَقُولُونَ: التَّغْتَغَةُ حِكَايَةُ صَوْتٍ أَوْ ضَحِكٍ.

(تَفَّ) التَّاءُ وَالْفَاءُ كَالَّذِي قَبْلَهُ. عَلَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: التُّفُّ وَسَخُ الظُّفُرِ.
(1/338)

(تَقِ) التَّاءُ وَالْقَافُ كَالَّذِي قَبْلَهُ. يَقُولُونَ تَتَقْتَقَ مِنَ الْجَبَلِ إِذَا وَقَعَ.

(تَكَّ) التَّاءُ وَالْكَافُ لَيْسَ أَصْلًا. وَيُضْعِفُ أَمْرَهُ قِلَّةُ ائْتِلَافِ التَّاءِ وَالْكَافِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، وَقَدْ جَاءَ التِّكَّةُ، وَتَكَكْتُ الشَّيْءَ: وَطِئْتُهُ. وَالتَّاكُّ: الْأَحْمَقُ. وَمَا شَاءَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَنْ يَصِحَّ فَهُوَ صَحِيحٌ.

(تَلَّ) التَّاءُ وَاللَّامُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الِانْتِصَابِ وَضِدُّ الِانْتِصَابِ.
فَأَمَّا الِانْتِصَابُ فَالتَّلُّ، مَعْرُوفٌ. وَالتَّلِيلُ الْعُنُقُ. وَتَلَلْتُ الشَّيْءَ فِي يَدِهِ. وَالتَّلْتَلَةُ الْإِقْلَاقُ، وَهُوَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا ضِدُّهُ فَتَلَّهُ أَيْ صَرَعَهُ. وَهَذَا جِنْسٌ مِنَ الْمُقَابَلَةِ. وَالْمِتَلُّ: الرُّمْحُ الَّذِي يُصْرَعُ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] . ثُمَّ قَالَ لَبِيدٌ:
رَابِطُ الْجَأْشِ عَلَى فَرْجِهِمُ ... أَعْطِفُ الْجَوْنَ بِمَرْبُوعٍ مِتَلِّ
يَقُولُ: أَعْطِفُهُ وَمَعِي رُمْحٌ مِتَلٌّ.

(تَمَّ) التَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُنْقَاسٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الْكَمَالِ. يُقَالُ تَمَّ الشَّيْءُ، إِذَا كَمَلَ، وَأَتْمَمْتُهُ أَنَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّمِيمَةُ: كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهَا تَمَامُ الدَّوَاءِ وَالشِّفَاءِ الْمَطْلُوبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ» وَالتَّمِيمُ أَيْضًا: الشَّيْءُ الصُّلْبُ. وَيُقَالُ امْرَأَةٌ حُبْلَى مُتِمٌّ، وَوَلَدَتْ لِتَمَامٍ، وَلَيْلُ التِّمَامِ لَا غَيْرَ. وَتَتْمِيمُ الْأَيْسَارِ
(1/339)

أَنْ تُطْعِمَهُمْ فَوْزَ قِدْحِكَ، فَلَا تَنْتَقِصْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ النَّابِغَةُ:
أَنِّي أُتَمِّمُ أَيَسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ ... مَثْنَى الْأَيَادِي وَأَكْسُوَ الْجَفْنَةَ الْأُدُمَا
وَالْمُسْتَتِمُّ: الَّذِي يَطْلُبُ شَيْئًا مِنْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ يُتِمُّ بِهِ نَسْجَ كِسَائِهِ. قَالَ أَبُو دُوَادَ:
فَهِيَ كَالْبَيْضِ فِي الْأَدَاحِيِّ لَا يُو ... هَبُ مِنْهَا لِمُسْتَتِمٍّ عِصَامُ
وَالْمَوْهُوبُ تِمَّةٌ وَتُمَّةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُتَتَمِّمُ الْمُتَكَسِّرُ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ يَتَنَاهَى حَتَّى يَتَكَسَّرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّاءُ بَدَلًا مِنْ ثَاءٍ كَأَنَّهُ مُتَثَمِّمٌ، وَهُوَ الْوَجْهُ. وَيُنْشَدُ فِيهِ:
كَانْهِيَاضِ الْمُتْعَبِ الْمُتَتَمِّمِ

(تِنٌّ) التَّاءُ وَالنُّونُ كَلِمَتَانِ مَا أَدْرِي مَا أَصْلُهُمَا، إِلَّا أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ التِّرْبَ: التِّنُّ. وَيَقُولُونَ: أَتَنَّهُ الْمَرَضُ، إِذَا قَصَعَهُ وَهُوَ لَا يَكَادُ يَشِبُّ.
(1/340)

(تِهْ) التَّاءُ وَالْهَاءُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهِ كَلِمَةٌ تَتَفَرَّعُ. إِنَّمَا يَقُولُونَ التَّهَاتُهُ الْبَاطِلُ. قَالَ الْقُطَامِيُّ:
وَلَمْ يَكُنْ مَا ابْتُلِينَا مِنْ مَوَاعِدِهَا ... إِلَّا التَّهَاتَِهَ وَالْأُمْنِيَّةَ السَّقَمَا
قَالُوا: وَالتَّهْتَهَةُ: اللُّكْنَةُ فِي اللِّسَانِ.

(تَوَّ) التَّاءُ وَالْوَاوُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ التَّوُّ، وَهُوَ الْفَرْدُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «الطَّوَافُ تَوٌّ» . وَيُقَالُ سَافَرَ سَفَرًا تَوًّا، وَذَلِكَ أَنْ لَا يُعَرِّجَ، فَإِنْ عَرَّجَ بِمَكَانٍ وَأَنْشَأَ سَفَرًا آخَرَ فَلَيْسَ بِتَوٍّ.

(تَبَّ) التَّاءُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التِّبَابُ، وَهُوَ الْخُسْرَانُ. وَتَبًّا لِلْكَافِرِ، أَيْ هَلَاكًا لَهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] ، أَيْ تَخْسِيرٍ. وَقَدْ جَاءَتْ فِي مُقَابَلَتِهِمَا كَلِمَةٌ، يَقُولُونَ اسْتَتَبَّ الْأَمْرُ إِذَا تَهَيَّأَ. فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَلِلْبَابِ إِذًا وَجْهَانِ: الْخُسْرَانُ، وَالِاسْتِقَامَةُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْجِيمِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَجَرَ) التَّاءُ وَالْجِيمُ وَالرَّاءُ، التِّجَارَةُ مَعْرُوفَةٌ. وَيُقَالُ تَاجِرٌ وَتَجْرٌ، كَمَا يُقَالُ صَاحِبٌ وَصَحْبٌ. وَلَا تَكَادُ تُرَى تَاءٌ بَعْدَهَا جِيمٌ.
(1/341)

[بَابُ التَّاءِ وَالْحَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَحَمَّ) الْأَتْحَمِيُّ: ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ:

(تَحْتَ) التَّاءُ وَالْحَاءُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، تَحْتَ الشَّيْءِ. وَالتُّحُوتُ: الدُّونُ مِنَ النَّاسِ وَفِي الْحَدِيثِ: «تَهْلِكُ الْوُعُولُ وَتَظْهَرُ التُّحُوتُ» . وَالْوُعُولُ: الْكِبَارُ وَالْعِلْيَةُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْخَاءِ وَمَا يَثْلُثُهُمَا]
(تَخِذَ) التَّاءُ وَالْخَاءُ وَالذَّالُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، تَخِذْتُ الشَّيْءَ وَاتَّخَذْتُهُ.

(تُخُمٌ) التَّاءُ وَالْخَاءُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَفَرَّعُ. التُّخُومُ: أَعْلَامُ الْأَرْضِ وَحُدُودُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ» . قَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ حُدُودَ الْحَرَمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي حُدُودِ غَيْرِهِ فَيَحُوزَهَا ظُلْمًا. قَالَ:
يَا بَنِيَّ التُّخُومَ لَا تَظْلِمُوهَا ... إِنَّ ظُلْمَ التُّخُومِ ذُو عُقَّالِ
وَأَمَّا التُّخَمَةُ فَفِي بَابِهَا مِنْ كِتَابِ الْوَاوِ.

[بَابُ التَّاءِ وَالرَّاءِ وَمَا يَثْلُثُهُمَا]
(1/341)

(تَرِزَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالزَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ صَحِيحَةٌ. تَرِزَ الشَّيْءُ صَلُبَ. وَكُلُّ مُسْتَحْكِمٍ تَارِزٌ. وَالْمَيِّتُ تَارِزٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَبِسَ. قَالَ:
كَأَنَّ الَّذِي يُرْمَى مِنَ الْوَحْشِ تَارِزٌ
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ - وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّارِزَ الصُّلْبُ -:
بِعَجْلَِزَةٍ قَدْ أَتْرَزَ الْجَرْيُ لَحْمَهَا ... كَمَيْتٍ كَأَنَّهَا هِرَاوَةُ مِنْوَالِ
وَيُقَالُ أَتْرَزَتِ الْمَرْأَةُ حَبْلَهَا: فَتَلَتْهُ فَتْلًا شَدِيدًا. وَأَتْرَزَتْ عَجِينَهَا إِذَا مَلَكَتْهُ.

(تَرَسَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التُّرْسُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ تِرَسَةٌ وَتِرَاسٌ وَتُرُوسٌ. قَالَ:
كَأَنَّ شَمْسًا نَزَلَتْ شُمُوسًا ... دُرُوعَنَا وَالْبَيْضَ وَالتُّرُوسَا

(تَرَشَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالشِّينُ لَيْسَ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا، سِوَى أَنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ ذَكَرَ أَنَّ التَّرَشَ خِفَّةٌ وَنَزَقٌ، يُقَالُ تَرِشَ يَتْرَشُ تَرَشًا. وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ.
(1/343)

(تَرُصَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالصَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِحْكَامُ. يُقَالُ تَرُصَ الشَّيْءُ، وَأَتْرَصْتُهُ أَحْكَمْتُهُ فَهُوَ مُتْرَصٌ. وَكُلُّ مَا أَحْكَمْتَ صَنْعَتَهُ فَقَدَ أَتْرَصْتَهُ. وَأَنْشَدَ الْخَلِيلُ:
وَشُدَّ يَدَيْكَ بِالْعَقْدِ التَّرِيصِ

(تَرَعَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ قِيَاسُهُ، وَهُوَ تَفَتُّحُ الشَّيْءِ. فَالتُّرْعَةُ الْبَابُ، وَالتَّرَّاعُ الْبَوَّابُ. قَالَ:
إِنِّي عَدَانِي أَنْ أَزُورَكِ مُحْكَمٌ ... مَتَى مَا أُحَرِّكُ فِيهِ سَاقَيَّ يَصْخَبِ
حَدِيدٌ وَمَرْصُوصٌ بِشِيدٍ وَجَنْدَلٍ ... لَهُ شُرُفَاتٌ مَرْقَبٌ فَوْقَ مَرْقَبِ
يُخَيِّرُنِي تَرَّاعُهُ بَيْنَ حَلْقَةٍ ... أَزُومٍ إِذَا عَضَّتْ وَكِبْلٍ مُضَبَّبِ
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْبَرِي هَذَا تُرْعَةٌ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ» . وَالتَّرَعُ: الْإِسْرَاعُ إِلَى الشَّرِّ. وَرَجُلٌ تَرِعٌ. وَهُوَ مِنْ ذَاكَ، لِأَنَّ فِيهِ تَفَتُّحًا إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي. وَلَا يَكَادُ يُقَالُ هَذَا فِي الْخَيْرِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَتْرَعْتُ الْإِنَاءَ مَلَأْتُهُ. وَجَفْنَةٌ مُتْرَعَةٌ. قَالَ:
لَوْ كَانَ حَيًّا لَغَادَاهُمْ بِمُتْرَعَةٍ
وَالتَّرَعُ: الِامْتِلَاءُ. وَقَدْ تَرِعَ الْإِنَاءُ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُ: لَا أَقُولُ تَرِعَ، وَلَكِنْ أُتْرِعَ. وَهَذَا مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ إِذَا أُتْرِعَ بَادَرَ إِلَى السَّيَلَانِ.
(1/344)

وَالتُّرْعَةُ - وَالْجَمْعُ تُرَعٌ: أَفْوَاهُ الْجَدَاوِلِ. وَيُقَالُ سَيْرٌ أَتْرَعُ. قَالَ:
فَافْتَرَشَ الْأَرْضَ بِسَيْرٍ أَتْرَعَا
وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ وَاحِدٌ.

(تَرَفٌ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التُّرْفَةُ. يُقَالُ رَجُلٌ مُتْرَفٌ مُنَعَّمٌ، وَتَرَّفَهُ أَهْلُهُ إِذَا نَعَّمُّوهُ بِالطَّعَامِ الطَّيِّبِ وَالشَّيْءِ يُخَصُّ بِهِ. وَفِي كِتَابِ الْخَلِيلِ: التُّرْفَةُ الْهَنَةُ فِي الشَّفَةِ الْعُلْيَا. وَهَذَا غَلَطٌ، إِنَّمَا هِيَ التُِّفْرَةُ وَقَدْ ذُكِرَتْ.

(تَرَقَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْقَافُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ التَّرْقُوَةِ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ زَعَمَ أَنَّهَا فَعْلُوَةٌ، وَهُوَ عَظَمٌ وَصَلَ مَا بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ.

(تَرَكَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ: التَّرْكُ التَّخْلِيَةُ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْبَيْضَةُ بِالْعَرَاءِ تَرِيكَةً. قَالَ الْأَعْشَى:
وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَأْلَهُ الْعَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَامِ تَرَائِكًا
وَتَرْكَةُ السِّلَاحِ، وَهِيَ الْبَيْضَةُ، مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَمُشَبَّهٌ بِهِ، وَالْجَمْعُ تَرْكٌ. قَالَ لَبِيدٌ:
فَخْمَةٌ ذَفْرَاءُ تُرْتَى بِالْعُرَى ... قُرْدُمَانِيًّا وَتَرْكًا كَالْبَصَلْ
وَتَرَاكِ بِمَعْنَى اتْرُكْ. قَالَ:
(1/345)

تَرَاكِهَا مِنْ إِبِلٍ تَرَاكِهَا ... أَمَا تَرَى الْمَوْتَ لَدَى أَوْرَاكِهَا
وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ: مَا يَتْرُكُهُ مِنْ تُرَاثِهِ. وَالتَّرِيكَةُ رَوْضَةٌ يَغْفَلُهَا النَّاسُ فَلَا يَرْعَوْنَهَا. وَفِي الْكِتَابِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْخَلِيلِ: يُقَالُ تَرَكْتُ الْحَبْلَ شَدِيدًا، أَيْ جَعَلْتُهُ شَدِيدًا. وَمَا أَحْسَِبُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْخَلِيلِ.

(تَرَهَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْهَاءُ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ بِأَصْلٍ مُتَفَرِّعٍ مِنْهُ. قَالُوا: التَّرَّهَاتُ، وَالتُّرَّهُ الْأَبَاطِيلُ مِنَ الْأُمُورِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
وَحَقَّةٍ لَيْسَتْ بِقَوْلِ التُّرَّهِ
قَالُوا: وَالْوَاحِدُ تُرَّهَةٌ. قَالَ: وَجَمَعَهَا أُنَاسٌ عَلَى التَّرَارِيهِ. قَالَ:
رُدُّوا بَنِي الْأَعْرَجِ إِبْلِي مِنْ كَثَبْ ... قَبْلَ التَّرَارِيهِ وَبَعْدَ الْمُطَّلَبْ

(تَرِبَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا التُّرَابُ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَالْآخَرُ تَسَاوِي الشَّيْئَيْنِ. فَالْأَوَّلُ التُّرَابُ، وَهُوَ التَّيْرَبُ وَالتَّوْرَابُ. وَيُقَالُ تَرِبَ الرَّجُلُ إِذَا افْتَقَرَ كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، وَأَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى، كَأَنَّهُ صَارَ لَهُ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ التُّرَابِ، وَالتَّرْبَاءُ الْأَرْضُ نَفْسُهَا. وَيُقَالُ رِيحٌ تَرِبَةٌ إِذَا جَاءَتْ بِالتُّرَابِ. قَالَ:
لَا بَلْ هُوَ الشَّوْقُ مِنْ دَارٍ تَخَوَّنَهَا ... مَرًّا سَحَابٌ وَمَرًّا بَارِحٌ تَرِبُ
(1/346)

وَأَمَّا الْآخَرُ فَالتِّرْبُ الْخِدْنُ، وَالْجَمْعُ أَتْرَابٌ. وَمِنْهُ التَّرِيبُ، وَهُوَ الصَّدْرُ عِنْدَ تَسَاوِي رُءُوسِ الْعِظَامِ. قَالَ:
أَشْرَفَ ثَدْيَاهَا عَلَى التَّرَيُّبِ
وَمِنْهُ التَّرِبَاتُ وَهِيَ الْأَنَامِلُ، الْوَاحِدَةُ تَرِبَةٌ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ التُّرْبَةُ وَهُوَ نَبْتٌ.

(تَرَجَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ لَا شَيْءَ فِيهِ إِلَّا " تَرْجٌ "، وَهُوَ مَوْضِعٌ. وَالْأُتْرُجُّ مَعْرُوفٌ.

(تَرَحَ) التَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْحَاءُ كَلِمَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ. قَالَ الْخَلِيلُ: التَّرَحُ نَقِيضُ الْفَرَحِ. وَيَقُولُونَ: " بَعْدَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةٌ، وَبَعْدَ كُلِّ حَبْرَةٍ عَبْرَةٌ "، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا فَرْحَةٌ إِلَّا سَتُعْقَبُ تَرْحَةً ... وَمَا عَامِرٌ إِلَّا وَشِيكًا سَيَخْرَبُ
وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرَى: النَّاقَةُ الْمِتْرَاحُ، وَهِيَ الَّتِي يُسْرِعُ انْقِطَاعُ لَبَنِهَا ; وَالْجَمْعُ مَتَارِيحُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالسِّينِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تِسْعٌ) التَّاءُ وَالسِّينُ وَالْعَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التِّسْعَةُ فِي الْعَدَدِ. تَقُولُ تَسَعْتُ الْقَوْمَ، أَيْ صِرْتُ تَاسِعَهُمْ. وَأَتْسَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ ثَمَانِيَةً فَأَتْمَمْتُهُ تِسْعَةً. وَالتِّسْعُ ثَلَاثُ لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ آخَرُ لَيْلَةٍ مِنْهَا اللَّيْلَةُ التَّاسِعَةُ. وَتَسَعْتُ الْقَوْمَ أَتْسَعُهُمْ إِذَا أَخَذْتَ تُسْعَ أَمْوَالِهِمْ.
(1/347)

[بَابُ التَّاءِ وَالشِّينِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
مُهْمَلٌ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَعِبَ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْإِعْيَاءُ حَتَّى يُقَالَ: تَعِبَ تَعَبًا، وَهُوَ تَعِبٌ، وَلَا يُقَالُ مَتْعُوبٌ. وَأَتْعَبْتُهُ أَنَا إِتْعَابًا. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ أُتْعِبَ الْعَظْمُ، إِذَا هِيضَ بَعْدَ الْجَبْرِ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ، إِنَّمَا هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ أُعْتِبَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. قَالَ:
إِذَا مَا رَآهَا رَأْيَةً هِيضَ قَلْبُهُ ... بِهَا كَانْهِيَاضِ الْمُتْعَبِ الْمُتَهَشِّمِ

(تَعَرَّ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالرَّاءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِلَّا تِعَارٌ، وَهُوَ جَبَلٌ.

(تَعِسَ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْكَبُّ، يُقَالُ تَعَسَهُ اللَّهُ وَأَتْعَسَهُ. قَالَ:
غَدَاةً هَزَمْنَا جَمْعَهُمْ بِمُتَالِعٍ ... فَآبُوا بِإِتْعَاسٍ عَلَى شَرِّ طَائِرِ

(تَعَصَ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالصَّادُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. ذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّ التَّعِصَ الَّذِي يَشْتَكِي عُنُقَهُ مِنَ الْمَشْيِ.
(1/348)

[بَابُ التَّاءِ وَالْغَيْنِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
مُهْمَلٌ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْفَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَفَلَ) التَّاءُ وَالْفَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خُبْثُ الشَّيْءِ وَكَرَاهَتُهُ. فَالتَّفَلُ الرِّيحُ الْخَبِيثَةُ. وَامْرَأَةٌ تَفِلَةٌ وَمِتْفَالٌ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلِيَخْرُجْنَ إِذَا خَرَجْنَ تَفِلَاتٍ» ، أَيْ لَا يَكُنَّ مُطَيَّبَاتٍ. وَقَدْ أتْفَلْتُ الشَّيْءَ، قَالَ:
يَا ابْنَ الَّتِي تَصَيَّدُ الْوِبَارَا ... وَتُتْفِلُ الْعَنْبَرَ وَالصُّوَارَا
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
إِذَا انْفَتَلَتْ مُرْتَجَّةٌ غَيْرُ مِتْفَالٍ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَفَلْتَ بِالشَّيْءِ، إِذَا رَمَيْتَ بِهِ مِنْ فَمِكَ مُتَكَرِّهًا لَهُ. قَالَ:
وَمِنْ جَوْفِ مَاءٍ عَرْمَضُ الْحَوْلِ فَوْقَهُ ... مَتَى يَحْسُ مِنْهُ مَائِحُ الْقَوْمِ يَتْفُلِ

(تَفِهَ) التَّاءُ وَالْفَاءُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قِلَّةُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَفِهَ الشَّيْءُ فَهُوَ تَافِهٌ، إِذَا قَلَّ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ: «لَا يَتْفَهُ وَلَا يُخْلِقُ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كَانَتِ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» .
(1/349)

(تَفَثَ) التَّاءُ وَالْفَاءُ وَالثَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ قَصُّ الْأَظَافِرِ وَأَخْذُ الشَّارِبِ وَشَمُّ الطِّيبِ وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِلَّا النِّكَاحَ. قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ فِيهِ شِعْرٌ يُحْتَجُّ بِهِ.

(تَفِرَ) التَّاءُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التَّفِرَةُ الدَّائِرَةُ الَّتِي تَحْتَ الْأَنْفِ فِي وَسَطِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: التَّفْرَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مِنَ الْبَعِيرِ النَّعْوُ. وَالتَّفِرَةُ نَبْتٌ، وَهُوَ أَحَبُّ الْمَرْعَى إِلَى الْمَالِ. قَالَ:
لَهَا تَفِرَاتٌ تَحْتَهَا وَقُصَارُهَا ... إِلَى مَشْرَةٍ لَمْ تُعْتَلَقْ بِالْمَحَاجِنِ

(تَفَحَ) التَّاءُ وَالْفَاءُ وَالْحَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التُّفَّاحُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْقَافِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَقَنَ) التَّاءُ وَالْقَافُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا إِحْكَامُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي الطِّينُ وَالْحَمْأَةُ.
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَتْقَنْتُ الشَّيْءَ أَحْكَمْتُهُ. وَرَجُلٌ تِقْنٌ: حَاذِقٌ. وَابْنُ تِقْنٍ: رَجُلٌ كَانَ جَيِّدَ الرَّمْيِ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ. قَالَ:
يَرْمِي بِهَا أَرَمَى مِنِ ابْنِ تِقْنٍ
(1/350)

وَأَمَّا الْحَمْأَةُ وَالطِّينُ فَيُقَالُ: تَقَّنُوا أَرْضَهُمْ، إِذَا أَصْلَحُوهَا بِذَلِكَ، وَذَلِكَ هُوَ التِّقْنُ.

(تَقَدَ) التَّاءُ وَالْقَافُ وَالدَّالُ. يَقُولُونَ التَِّقْدَةُ نَبْتٌ. وَهَذَا وَشِبْهُهُ مِمَّا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ.

[بَابُ التَّاءِ وَاللَّامِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تِلْوَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاتِّبَاعُ. يُقَالُ: تَلَوْتُهُ إِذَا تَبِعْتَهُ. وَمِنْهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يُتْبِعُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَلَوْتُ الرَّجُلَ أَتْلُوهُ تِلْوًا إِذَا خَذَلْتَهُ وَتَرَكْتَهُ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ مُصَاحِبُهُ وَمَعَهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ فَقَدْ صَارَ خَلْفَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّالِي.
وَمِنَ الْبَابِ التَّلِيَّةُ وُالتُّلَاوَةُ وَهِيَ الْبَقِيَّةُ، لِأَنَّهَا تَتْلُو مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
يَا حُرُّ أَمْسَتْ تَلِيَّاتُ الصِّبَا ذَهَبَتْ ... فَلَسْتُ مِنْهَا عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرِ
وَمِمَّا يَصِحُّ [فِي] هَذَا مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ. بَقِيَتْ لِي حَاجَةٌ فَأَنَا أَتَتَلَّاهَا. وَالتَّلَاءُ الذِّمَّةُ، لِأَنَّهَا تُتَّبَعُ وَتُطْلَبُ، يُقَالُ أَتْلَيْتُهُ ذِمَّةً. وَالْمُتَالِي الَّذِي يُرَادُّ صَاحِبَهُ الْغِنَاءَ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [يَتْلُو] صَاحِبَهُ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
أَوْ غِنَاءُ مُتَالِ
(1/351)

(تَلَدَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ. وَيَقُولُونَ تَلَدَ فُلَانٌ فِي بَنِي فُلَانٍ إِذَا أَقَامَ فِيهِمْ يَتْلِدُ. وَأَتْلَدَ إِذَا اتَّخَذَ مَالًا، وَالتِّلَادُ مَا نَتَجْتَهُ أَنْتَ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ. وَمَالٌ مُتْلَدٌ. وَقَالَ:
لَوْ كَانَ لِلدَّهْرِ مَالٌ كَانَ مُتْلِدَهُ ... لَكَانَ لِلدَّهْرِ صَخْرٌ مَالَ قُِنْيَانِ
وَالتَّلِيدُ: مَا اشْتَرَيْتَهُ صَغِيرًا فَنَبَتَ عِنْدَكَ. وَالْأَتْلَادُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ.

(تَلَعَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِامْتِدَادُ وَالطُّولُ صُعُدًا. يُقَالُ: أَتْلَعَتِ الظَّبْيَةُ إِذَا سَمَتْ بِجِيدِهَا. قَالَ:
ذَكَرْتُكِ لَمَّا أَتْلَعَتْ مِنْ كِنَاسِهَا ... وَذِكْرُكِ سَبَّاتٌ إِلَيَّ عَجِيبُ
وَجِيدٌ تَلِيعٌ، أَيْ طَوِيلٌ. قَالَ الْأَعْشَى:
يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قُتَيْلَةُ عَنْ جِي ... دٍ تَلِيعٍ تَزِينُهُ الْأَطْوَاقُ
وَالْأَتْلَعُ: الطَّوِيلُ الْعُنُقِ. وَيُقَالُ تَتَالَعَ فِي مِشْيَتِهِ إِذَا مَدَّ عُنُقَهُ. وَلَزِمَ فُلَانٌ مَكَانَهُ فَمَا تَتَلَّعَ، إِذَا لَمْ يُرِدِ الْبَرَاحَ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
فَوَرَدْنَ وَالْعَيُّوقُ مَقْعَدَ رَابِئِ ال ... ضُّرَبَاءِ خَلْفَ النَّجْمِ لَا يَتَتَلَّعُ
وَمُتَالِعٌ: جَبَلٌ. وَيُقَالُ إِنَّ التَّلِعَ الْكَثِيرُ التَّلَفُّتِ حَوْلَهُ. وَمِنَ الْبَابِ تَلَعَ النَّهَارُ وَأَتْلَعَ، إِذَا انْبَسَطَ. قَالَ:
(1/352)

كَأَنَّهُمْ فِي الْآلِ إِذْ تَلَعَ الضُّحَى ... سُفُنٌ تَعُومُ قَدْ أُلْبِسَتْ أَجْلَالًا
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ هُوَ تَلِعٌ إِلَى الشَّرِّ، فَمُمْكِنٌ أَنَّ يَكُونَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَسْتَشْرِفُ لِلشَّرِّ أَبَدًا. وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ مُبْدَلَةً مِنَ الرَّاءِ، وَهُوَ التَّرِعُ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ. وَالتَّلْعَةُ: أَرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ غَلِيظَةٌ، وَرُبَّمَا كَانَتْ عَرِيضَةً، يَتَرَدَّدُ فِيهَا السَّيْلُ ثُمَّ يُدْفَعُ مِنْهَا إِلَى تَلْعَةٍ أَسْفَلَ مِنْهَا. وَهِيَ مَكْرَمَةٌ مِنَ الْمَنَابِتِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
عَفَا حُسُمٌ مِنْ فَرْتِنَا فَالْفَوَارِعُ ... فَجَنْبَا أَرِيكٍ فَالتِّلَاعُ الدَّوَافِعُ

(تَلَفَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ ذَهَابُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَلِفَ يَتْلَفُ تَلَفًا. وَأَرْضٌ مَتْلَفَةٌ، وَالْجَمْعُ مَتَالِفُ.

(تُلِمُّ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَلَا فِيهِ كَلَامٌ صَحِيحٌ وَلَا فَصِيحٌ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي التَّلَامِ إِنَّهُ التَّلَامِيذُ. وَأَنْشَدَ:
كَالْحَمَالِيجِ بِأَيْدِي التَّلَامِ
وَفِي الْكِتَابِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْخَلِيلِ: التَّلَمُ مَشَقُّ الْكِرَابِ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَذَكَرَ فِي التَّلَامِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. وَمَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ أَنَّ التِّلْمِيذَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
(1/353)

(تَلَّهُ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْهَاءُ لَيْسَ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ تَلِهَ إِذَا تَحَيَّرَ، ثُمَّ يَقُولُونَ إِنَّ التَّاءَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ. وَقَالُوا: التَّلَهُ بَدَلٌ مِنَ التَّلَفِ، وَهُوَ ذَاكَ، وَيُنْشِدُونَ:
بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلِّ مَتْلَهِ
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ: " كُلِّ مِيلِهِ " قَالَ: وَهِيَ الْبِلَادُ الَّتِي تُوَلِّهُ الْإِنْسَانَ. وَالْوَالِهُ: الْمُتَحَيِّرُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَمَهَ) التَّاءُ وَالْمِيمُ وَالْهَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَمِهَ الطَّعَامُ إِذَا فَسَدَ. وَتَمِهَ اللَّبَنُ: تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ. وَشَاةٌ مِتْمَاهٌ: يَتْمَهُ لَبَنُهَا حِينَ يُحْلَبُ. وَالتَّمَهُ فِي اللَّبَنِ كَالنَّمَسِ فِي الدُّهْنِ.

(تَمْرٌ) التَّاءُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَهِيَ التَّمْرُ الْمَأْكُولُ. وَيُقَالُ لِلَّذِي عِنْدَهُ التَّمْرُ تَامِرٌ، وَلِلَّذِي يُطْعِمُهُ أَيْضًا تَامِرٌ، يُقَالُ تَمَرْتُهُمُ أُتْمِرُهُمْ، إِذَا أَطْعَمْتَهُمْ. قَالَ:
وَغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَ ... نَّكَ لَابِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرُ
(1/354)

وَالْمُتَمِّرُ لِلَّذِي يُيَبِّسُهُ. وَيُقَالُ تُمِّرَ اللَّحْمُ إِذَا جُفِّفَ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّمْرِ. قَالَ:
لَهَا أَشَارِيرُ مِنْ لَحْمٍ تُتَمِّرُهُ
وَالْمُتْمِرُ الْكَثِيرُ التَّمْرِ ; يُقَالُ أَتْمَرَ كَمَا يُقَالُ أَلْبَنَ إِذَا كَثُرَ لَبَنُهُ، وَأَلْبَأَ إِذَا كَثُرَ لِبَؤُهُ. وَالتَّمَّارُ: الَّذِي يَبِيعُ التَّمْرَ. وَالتَّمْرِيُّ الَّذِي يُحِبُّهُ.

(تَمَكَ) التَّاءُ وَالْمِيمُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَمَكَ السَّنَامُ إِذَا عَلَا ; وَهُوَ سَنَامٌ تَامِكٌ. وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَتْمَكَهَا الْكَلَأُ إِذَا أَسْمَنَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالنُّونِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَنَخَ) التَّاءُ وَالنُّونُ وَالْخَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ. يُقَالَ تَنَخَ بِالْمَكَانِ تُنُوخًا، وَتَتَنَّخَ تَتَنُّخًا إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ تَنُوخُ، وَهِيَ أَحْيَاءٌ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَمَعُوا وَتَحَالَفُوا، فَتَنَخُوا، أَيْ أَقَامُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ.

(تَنَفَ) التَّاءُ وَالنُّونُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، التَّنُوفَةُ الْمَفَازَةُ، وَكَذَلِكَ التَّنُوفِيَّةُ. قَالَ ابْنٌ احْمَرَ:
كَمْ دُونَ لَيْلَى مِنْ تَنُوفِيَّةٍ ... لَمَّاعَةٍ تُنْذَرُ فِيهَا النُّذُرُ
(1/355)

وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ " تَنُوفَى " وَقَالَ: ثَنِيَّةٌ مُشْرِفَةٌ. قَالَ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ يَنُوفَى. وَأَنْشَدَ:
كَأَنَّ بَنِي نَبْهَانَ أَوْدَتْ بِجَارِهِمْ ... عُقَابٌ تَنُوفَى لَا عُقَابُ الْقَوَاعِلِ
وَالْقَوَاعِلُ: ثَنَايَا صِغَارٌ. يَقُولُ: كَأَنَّ جَارَهُمْ طَارَتْ بِهِ هَذِهِ الْعُقَابُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْمُسَيَّبِ:
أَنْتَ الْوَفِيُّ فَمَا تُذَمُّ وَبَعْضُهُمْ ... تُوفِي بِذِمَّتِهِ عُقَابُ مَلَاعِ
قَالَ: مَلَاعِ، أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ حَذَامِ. يُقَالُ امْتَلَعَهُ اخْتَلَسَهُ.

(تَنَأَ) التَّاءُ وَالنُّونُ وَالْهَمْزَةُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. يُقَالُ تَنَأَ بِالْبَلَدِ إِذَا قَطَنَهُ، وَهُوَ تَانِئٌ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْهَاءِ وَالْمِيمِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَهِمَ) التَّاءُ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ فَسَادٌ عَنْ حَرٍّ. التَّهَمُ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودُ الرِّيحِ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِهَامَةُ. وَيُقَالُ أَتْهَمَ الرَّجُلُ أَتَى تِهَامَةَ. قَالَ:
فَإِنْ تُتْهِمُوا أُنْجِدْ خِلَافًا عَلَيْكُمُ ... وَإِنْ تُعْمِنُوا مُسْتَحْقِبِيِ الشَّرِّ أُعْرِقِ
(1/356)

وَيُقَالُ تَهِمَ الطَّعَامُ فَسَدَ. وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو: " إِذَا هَبَطُوا الْحِجَازَ أَتْهَمُوهُ ". كَأَنَّهُ يُرِيدُ اسْتَوْخَمُوهُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَوَيَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ بُطْلَانُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَوِيَ يَتْوَى تَوًى وَتَوَاءً. قَالَ:
وَكَانَ لِأُمِّهِمْ صَارَ التَّوَاءُ

(تَوَبَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ. يُقَالُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ، أَيْ رَجَعَ عَنْهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وَمَتَابًا، فَهُوَ تَائِبٌ. وَالتَّوْبُ التَّوْبَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] .

(تُوتٌ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ لَيْسَ أَصْلًا. وَفِيهِ التُّوتُ، وَهُوَ ثَمَرٌ.

(تَوَخٍّ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْخَاءُ لَيْسَ أَصْلًا. وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْخَلِيلِ حَرْفٌ أُرَاهُ تَصْحِيفًا. قَالَ: " تَاخَتِ الْإِصْبَعُ فِي الشَّيْءِ الرِّخْوِ ". وَإِنَّمَا هَذَا بِالثَّاءِ ثَاخَتْ.

(تَوْرٌ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ لَيْسَ أَصْلًا يُعْمَلُ عَلَيْهِ. أَمَّا الْخَلِيلُ فَذَكَرَ فِي بِنَائِهِ مَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ اسْتَوْأَرَتِ الْوَحْشُ. وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ
(1/357)

وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ كَلِمَةً لَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا كَانَ أَحْسَنَ. قَالَ التَّوْرُ الرَّسُولُ بَيْنَ الْقَوْمِ، عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. قَالَ:
وَالتَّوْرُ فِيمَا بَيْنَنَا مُعْمَلُ ... يَرْضَى بِهِ الْمُرْسِلُ وَالْمُرْسَلُ
وَيُقَالُ أَنَّ التَّارَةَ أَصْلُهَا وَاوٌ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ.

(تُوسٌ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالسِّينُ: الطَّبْعُ، وَلَيْسَ أَصْلًا، لِأَنَّ التَّاءَ مُبْدَلَةٌ مِنْ سِينٍ، وَهُوَ السُّوسُ.

(تَوَقَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نِزَاعُ النَّفْسِ. ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. يُقَالُ تَاقَ الرَّجُلُ يَتُوقُ. وَالتَّوْقُ نِزَاعُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ ; وَهُوَ التُّؤُوقُ. وَنَفْسٌ تَائِقَةٌ مُشْتَاقَةٌ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تُقْتُ وَتَئِقْتُ: اشْتَقْتُ.
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَاقَ يَتُوقُ إِذَا جَادَ بِنَفْسِهِ. وَمِثْلُهُ رَاقَ يَرِيقُ، وَفَاقَ يَفِيقُ أَوْ يَفُوقُ.

(تَوَعَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْعَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: أَتَاعَ الرَّجُلُ إِتَاعَةً، إِذَا قَاءَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْقُطَامِيِّ:
تَمُجُّ عُرُوقُهَا عَلَقًا مُتَاعَا
(1/358)

وَذَكَرَ الْخَلِيلُ كَلِمَةً غَيْرَهَا أَصَحَّ مِنْهَا. قَالَ: التَّوْعُ كَسْرُكَ لِبَأً أَوْ سَمْنًا بِكِسْرَةِ خُبْزٍ تَرْفَعُهُ بِهَا.

(تَوَلَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ مَا أَحْسَبُهَا صَحِيحَةً، لَكِنَّهَا قَدْ رُوِيَتْ قَالُوا: التُِّوَلَةُ جِنْسٌ مِنَ السِّحْرِ. وَقَالُوا: هُوَ شَيْءٌ تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ فِي عُنُقِهَا تَتَحَسَّنُ بِهِ عِنْدَ زَوْجِهَا.

(تَوَهَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْهَاءُ لَيْسَ أَصْلًا. قَالُوا: تَاهَ يَتُوهُ، مِثْلَ تَاهَ [يَتِيهُ] . وَهُوَ مِنَ الْإِبْدَالِ. وَقَدْ ذُكِرَ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْيَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا فِي الثُّلَاثِيِّ]
(تَيَحَ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ تَاحَ فِي مِشْيَتِهِ يَتِيحُ إِذَا تَمَايَلَ. وَفَرَسٌ مِتْيَحٌ وَتَيَِّحَانُ، إِذَا اعْتَرَضَ فِي مِشْيَتِهِ نَشَاطًا، وَمَالَ عَلَى قُطْرَيْهِ. وَرَجُلٌ مِتْيَحٌ وَتَيَِّحَانُ، أَيْ عِرِّيضٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْمِتْيَحِ:
أَفِي أَثَرِ الْأَظْعَانِ عَيْنُكَ تَلْمَحُ ... نَعَمْ لَاتَ هَنًّا إِنَّ قَلْبَكَ مِتْيَحُ
وَقَالَ فِي التَّيَِّحَانِ:
بِذَبِّي الذَّمَّ عَنْ حَسَبِي وَمَالِي ... وَزَبُّونَاتِ أَشْوَسَ تَيَِّحَانِ
(1/359)

وَيُقَالُ أَتَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّيْءَ يُتِيحُهُ إِتَاحَةً إِذَا قَدَّرَهُ. وَإِذَا قَدَّرَهُ لَهُ فَقَدْ أَمَالَهُ إِلَيْهِ. وَتَاحَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ.

(تَيَرَ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: التَّيَّارُ مَوْجُ الْبَحْرِ الَّذِي يَنْضَحُ الْمَاءَ. يُقَالُ ذَلِكَ تَنَفُّسُهُ. وَالْمَوْجُ الَّذِي لَا يَتَنَفَّسُ هُوَ الْأَعْجَمُ.

(تَيْزٌ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالزَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: التَّيَّازُ الْغَلِيظُ الْجِسْمِ مِنَ الرِّجَالِ. وَقَالَ الْقُطَامِيُّ:
إِذَا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلَاتِ قُلْنَا ... إِلَيْكَ إِلَيْكَ ضَاقَ بِهَا ذِرَاعًا

(تَيْسٌ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالسِّينُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: التَّيْسُ مَعْرُوفٌ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْمَعْزِ وَالْوُعُولِ. وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: " عَنْزٌ اسْتَتْيَسَتْ " إِذَا صَارَتْ كَالتَّيْسِ فِي جُرْأَتِهَا وَحَرَكَتِهَا. يُضْرَبُ مَثَلًا لِلذَّلِيلِ يَتَعَزَّزُ.

(تَيْعٌ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ اضْطِرَابُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَتَايَعَ الْبَعِيرُ فِي مِشْيَتِهِ إِذَا حَرَّكَ أَلْوَاحَهُ وَالسَّكْرَانُ يَتَتَايَعُ فِي مِشْيَتِهِ، إِذَا رَمَى بِنَفْسِهِ. وَالتَّتَايُعُ التَّهَافُتُ فِي الشَّرِّ، وَيُقَالُ هُوَ اللَّجَاجُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا يَحْمِلُكُمْ أَنْ تَتَايَعُوا فِي الْكَذِبِ كَمَا يَتَتَايَعُ الْفَرَاشُ فِي النَّارِ» وَلَا يَكُونُ التَّتَايُعُ فِي الْخَيْرِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْأَصْلِ التِّيعَةُ الْأَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «عَلَى التِّيعَةِ شَاةٌ» .
(1/360)

(تَيَّمَ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّعْبِيدُ. يُقَالُ تَيَّمَهُ الْحُبُّ إِذَا اسْتَعْبَدَهُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَمِنْهُ تَيْمُ اللَّهِ، أَيْ عَبْدُ اللَّهِ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْبَابِ التِّيمَةُ، وَهِيَ الشَّاةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَيُقَالُ بَلْ هِيَ الشَّاةُ يَحْتَلِبُهَا الرَّجُلُ فِي مَنْزِلِهِ. وَاتَّامَ الرَّجُلُ إِذَا ذَبَحَ تِيَمَتَهُ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
فَمَا تَتَّامُ جَارَةُ آلِ لَأْيٍ ... وَلَكِنْ يَضْمَنُونَ لَهَا قِرَاهَا

(تِينٌ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ لَيْسَ أَصْلًا، إِلَّا التِّينَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَالتِّينُ: جَبَلٌ. قَالَ:
صُهْبًا ظِمَاءً أَتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ... يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا مَاؤُهُ شَبِمَا

(تِيهٌ) التَّاءُ وَالْيَاءُ وَالْهَاءُ، كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الْحَيْرَةِ، وَالتِّيهُ وَالتَّيْهَاءُ: الْمَفَازَةُ يَتِيهُ فِيهَا الْإِنْسَانُ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْهَمْزَةِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَأَرَ) التَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. يُقَالُ أَتْأَرْتُ عَلَيْهِ النَّظَرَ إِذَا حَدَدْتُهُ. قَالَ:
مَازِلْتُ أَنْظُرُهُمْ وَالْآلُ يَرْفَعُهُمْ ... حَتَّى اسْمَدَرَّ بِطَرْفِ الْعَيْنِ إِتْآرِي
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ (اتَّأَبَ) إِذَا اسْتَحْيَا، فَلَهُ فِي كِتَابِ الْوَاوِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
(1/361)

(تَأَمَّ) التَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التَّوْأَمَانِ: الْوَلَدَانِ فِي بَطْنٍ تَقُولُ أَتْأَمَتِ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ مُتْئِمٌ. وَالتُّؤَامُ جَمْعٌ. وَقَوْلُ سُوِيدٍ:
كَالتُّؤَامِيَّةِ إِنْ بَاشَرْتَهَا
فَيُقَالُ إِنَّ التُّؤَامَ قَصَبَةُ عُمَانَ.

[بَابُ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(تَبَرَ) التَّاءُ وَالْبَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ مُتَبَاعِدٌ مَا بَيْنَهُمَا: أَحَدُهُمَا الْهَلَاكُ، وَالْآخَرُ [جَوْهَرٌ] مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: تَبَّرَ اللَّهُ عَمَلَ الْكَافِرِ، أَيْ أَهْلَكَهُ وَأَبْطَلَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139] .
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ التِّبْرُ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرَ مَصُوغٍ.

(تَبِعَ) التَّاءُ وَالْبَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يَشِذُّ عَنْهُ مِنَ الْبَابِ شَيْءٌ، وَهُوَ التُّلُوُّ وَالْقَفْوُ. يُقَالُ تَبِعْتُ فُلَانًا إِذَا تَلَوْتَهُ [وَ] اتَّبَعْتَهُ. وَأَتْبَعْتُهُ إِذَا لَحِقْتَهُ. وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْقَفْوِ وَاللُّحُوقِ فَغَيَّرُوا الْبِنَاءَ أَدْنَى تَغْيِيرٍ. قَالَ اللَّهُ: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] ، [وَ] : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89] فَهَذَا مَعْنَاهُ عَلَى
(1/362)

هَذِهِ الْقِرَاءَةِ اللُّحُوقُ، وَمِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدًا.
وَالتُّبُّعُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ:
يَرِدُ الْمِيَاهَ حَضِيرَةً وَنَفِيضَةً ... وِرْدَ الْقَطَاةِ إِذَا اسْمَأَلَّ التُّبَُّعُ
هُوَ الظِّلُّ، وَهُوَ تَابِعٌ أَبَدًا لِلشَّخْصِ. فَهَذَا قِيَاسٌ أَصْدَقُ مِنْ قَطَاةٍ. وَالتَّبِيعُ وَلَدُ الْبَقَرَةِ إِذَا تَبِعَ أُمَّهُ، وَهُوَ فَرْضُ الثَّلَاثِينَ. وَكَانَ بَعَضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: هُوَ الَّذِي يَسْتَوِي قَرْنَاهُ وَأُذُنَاهُ. وَهَذَا مِنْ طَرِيقَةِ الْفُتْيَا، لَا مِنْ قِيَاسِ اللُّغَةِ.
وَالتَّبَعُ قَوَائِمُ الدَّابَّةِ، وَسُمِّيَتْ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَالتَّبِيعُ النَّصِيرُ، لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ نَصْرُهُ. وَالتَّبِيعُ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ مَالٌ، فَأَنْتَ تَتْبَعُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبِعْ» . يَقُولُ: إِذَا أُحِيلَ عَلَيْهِ فَلْيَحْتَلْ.

(تَبْلٌ) التَّاءُ وَالْبَاءُ وَاللَّامُ كَلِمَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهِيَ خِلَافُ الصَّلَاحِ وَالسَّلَامَةِ، فَالتَّبْلُ الْعَدَاوَةُ، وَالتَّبْلُ غَلَبَةُ الْحُبِّ عَلَى الْقَلْبِ، يُقَالُ قَلْبٌ مَتْبُولٌ. وَيُقَالُ تَبَلَهُمُ الدَّهْرُ أَفْنَاهُمْ. وَقَالُوا فِي قَوْلِ الْأَعْشَى:
أَأَنْ رَأَتْ رَجُلًا أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ ... رَيْبُ الْمَنُونِ وَدَهْرٌ خَائِنٌ تَبِلُ

(تِبْنٌ) التَّاءُ وَالْبَاءُ وَالنُّونُ كَلِمَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْمَعْنَى جِدًّا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْضُوعًا وَضْعًا مِنْ غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا اشْتِقَاقٍ. فَالتِّبْنُ
(1/363)

مَعْرُوفٌ، وَهُوَ الْعَصْفُ. وَالتِّبْنُ أَعْظَمُ الْأَقْدَاحِ يَكَادُ يُرْوِي الْعِشْرِينَ. وَالتَّبَنُ الْفِطْنَةُ، وَكَذَلِكَ التَّبَّانَةُ. يُقَالُ تَبِنَ لِكَذَا. وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ التَّاءُ مُبْدَلَةً مِنْ طَاءٍ. وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " كُنَّا نَقُولُ كَذَا حَتَّى تَبَّنْتُمْ "، أَيْ دَقَّقْتُمُ النَّظَرَ بِفِطْنَتِكُمْ.

[بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ أَوَّلُهُ تَاءٌ]
(التَّوْلَبُ) : وَلَدُ الْبَقَرَةِ. وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّاءُ مُبْدَلَةً مِنْ وَاوٍ، الْوَاوُ بَعْدَهُ زَائِدَةٌ، كَأَنَّهُ فَوْعَلٌ مِنْ وَلَبَ إِذَا رَجَعَ. فَقِيَاسُهُ قِيَاسُ التَّبِيعِ. فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يُبْعِدْ.
وَأَمَّا (تِبْرَاكٌ) فَالتَّاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تِفْعَالٌ مِنْ بَرَكَ أَيْ ثَبَتَ وَأَقَامَ. فَهُوَ مِنْ بَابِ الْبَاءِ، لَكِنَّهُ ذُكِرَ هَاهُنَا لِلَّفْظِ. وَ (التُّرْنُوقُ) الطِّينُ يَبْقَى فِي سَبِيلِ الْمَاءِ إِذَا نَضَبَ، وَالتَّاءُ وَالْوَاوُ زَائِدَتَانِ وَهُوَ مِنَ الرَّنْقِ.
وَبَاقِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَلِيلٌ، مَوْضُوعٌ وَضْعًا.
مِنْ ذَلِكَ (اتْلَأَبَّ) الْأَمْرُ، إِذَا اسْتَقَامَ وَاطَّرَدَ.

[مَا جَاءَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوَّلُهُ تَاءٌ]
وَ (تِرْيَمُ) مَوْضِعٌ، قَالَ:
(1/364)

بِتِلَاعِ تِرْيَمَ هَامُهُمْ لَمْ تُقْبَرِ
فَأَمَّا التَّرَبُوتُ مِنَ الْإِبِلِ، وَهُوَ الذَّلُولُ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ مِنَ التَّاءِ وَالرَّاءِ وَالْبَاءِ، كَأَنَّهُ يُخْضَعُ حَتَّى يَلْصَقَ بِالتُّرَابِ كَانَ مَذْهَبًا.
وَ (اتْمَهَلَّ) إِذَا انْتَصَبَ.
وَ (التَّأْلَبُ) مِنَ الشَّجَرِ مَعْرُوفٌ.
وَ (التَّوْأَبَانِيَّانِ) : قَادِمَتَا الضَّرْعِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
فَمَرَّتْ عَلَى أَظْرَابِ هُرَّ عَشِيَّةً ... لَهَا تَوْأَبَانِيَّانِ لَمْ يَتَفَلْفَلَا
وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ التَّاءُ زَائِدَةً وَالْأَصْلُ الْوَأْبَ. وَالْوَأْبُ الْمُقَعَّبُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(تَمَّ كِتَابُ التَّاءِ)
[كِتَابُ الثَّاءِ]
[بَابُ الْكَلَامِ الَّذِي أَوَّلُهُ ثَاءٌ فِي الْمُضَاعَفِ وَالْمُطَابِقِ وَالْأَصَمِّ]
كِتَابُ الثَّاءِ بَابُ الْكَلَامِ الَّذِي أَوَّلُهُ ثَاءٌ فِي الْمُضَاعَفِ وَالْمُطَابِقِ وَالْأَصَمِّ
(1/365)

(ثَجَّ) الثَّاءُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَبُّ الشَّيْءِ. يُقَالُ ثَجَّ الْمَاءَ إِذَا صَبَّهُ ; وَمَاءٌ ثَجَّاجٌ أَيْ صَبَّابٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ: 14] ، يُقَالُ اكْتَظَّ الْوَادِي بِثَجِيجِ الْمَاءِ، إِذَا بَلَغَ ضَرِيرَيْهِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَنَاتِمَ مُزْنٍ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» فَالْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَالثَّجُّ سَيَلَانُ دِمَاءِ الْهَدْيِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: " إِنِّي أَثُجُّهُ ثَجًّا ".

(ثَرَّ) الثَّاءُ وَالرَّاءُ قِيَاسٌ لَا يُخْلِفُ، وَهُوَ غُزْرُ الشَّيْءِ الْغَزِيرِ. يُقَالُ سَحَابٌ ثَرٌّ أَيْ غَزِيرٌ. وَعَيْنٌ ثَرَّةٌ، وَهِيَ سَحَابَةٌ تَنْشَأُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ. قَالَ عَنْتَرَةُ:
جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ
(1/367)

وَيُقَالُ ثَرَّرْتُ الشَّيْءَ وَثَرَّيْتُهُ، أَيْ نَدَّيْتُةُ. وَنَاقَةٌ ثَرَّةٌ غَزِيرَةٌ. وَطَعْنَةٌ ثَرَّةٌ، إِذَا دَفَعَتِ الدَّمَ دَفْعًا بِغُزْرٍ وَكَثْرَةٍ. وَالثَّرْثَارُ الرَّجُلُ الْكَثِيرُ الْكَلَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَبْغَضُكُمْ إِلَيَّ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ» . وَالثَّرْثَارُ: وَادٍ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ سُلَيْمٌ وَعَامِرٌ ... عَلَى جَانِبِ الثَّرْثَارِ رَاغِيَةَ الْبَكْرِ

(ثَطَّ) الثَّاءُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، فَالثَّطَطُ خِفَّةُ اللِّحْيَةِ. وَالرَّجُلُ ثَطٌّ.

(ثَعَّ) الثَّاءُ وَالْعَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: الثَّعُّ الْقَيْءُ، يُقَالُ ثَعَّ ثَعَّةً، إِذَا قَاءَ قَيْئَةً.

(ثَلَّ) الثَّاءُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ: أَحَدُهُمَا التَّجَمُّعُ، وَالْآخَرُ السُّقُوطُ وَالْهَدْمُ وَالذُّلُّ.
فَالْأَوَّلُ: الثَّلَّةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْغَنَمِ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ يَخُصُّ بِهَذَا الِاسْمِ الضَّأْنَ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: حَبْلُ ثَلَّةٍ أَيْ صُوفٍ، وَقَالُوا: كِسَاءٌ جَيِّدُ الثَّلَّةِ. قَالَ:
قَدْ قَرَنُونِي بِامْرِئٍ قِثْوَلِّ ... رَثٍّ كَحَبْلِ الثُّلَّةِ الْمُبْتَلِّ
وَالثُّلَّةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39] .
وَالثَّانِي: ثَلَلْتُ الْبَيْتَ هَدَمْتُهُ. وَالثُّلَّةُ تُرَابُ الْبِئْرِ. وَالثَّلَلُ الْهَلَاكُ. قَالَ لَبِيدٌ:
(1/368)

فَصَلَقْنَا فِي مُرَادٍ صَلْقَةً ... وَصُدَاءًٍ أَلْحَقَتْهُمْ بِالثَّلَلِ
وَيُقَالُ ثُلَّ عَرْشُهُ، إِذَا سَاءَتْ حَالُهُ. قَالَ زُهَيْرٌ:
تَدَارَكْتُمَا الْأَحْلَافَ قَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا ... وَذُبْيَانَ إِذْ زَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ
وَقَالَ قَوْمٌ: ثُلَّ عَرْشُهُ وَعُرْشُهُ، إِذَا قُتِلَ. وَأَنْشَدُوا:
وَعَبْدُ يَغُوثَ تَحْجُِلُ الطَّيْرُ حَوْلَهُ ... وَقَدْ ثَلَّ عُرْشَيْهِ الْحُسَامُ الْمُذَكَّرُ
وَالْعُرْشَانِ: مَغْرِزُ الْعُنُقِ فِي الْكَاهِلِ.

(ثُمَّ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، هُوَ اجْتِمَاعٌ فِي لِينٍ. يُقَالُ ثَمَمْتُ الشَّيْءَ ثَمًّا، إِذَا جَمَعْتَهُ. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَشِيشِ. وَيُقَالُ لِلْقَُبْضَةِ مِنَ الْحَشِيشِ الثُّمَّةُ. وَالثُّمَامُ: شَجَرٌ ضَعِيفٌ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ بِهِ الرَّجُلُ. وَقَالَ:
جَعَلَتْ لَهَا عُودَيْنِ مِنْ ... نَشَمٍ وَآخَرَ مِنْ ثُمَامَهْ
وَقَالَ قَوْمٌ: الثُّمَامُ مَا كُسِرَ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ فَوُضِعَ لِنَضَدِ الثِّيَابِ، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ ثُمَامٌ. وَيُقَالُ ثَمَمْتُ الشَّيْءَ أَثُمُّهُ ثَمًّا، إِذَا جَمَعْتَهُ وَرَمَمْتَهُ. وَيُنْشَدُ بَيْتٌ
(1/369)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
ثَمَمْتُ حَوَائِجِي وَوَذَأْتُ بِشْرًا ... فَبِئْسَ مُعَرَّسُ الرَّكْبِ السِّغَابُ
وَثَمَّتِ الشَّاةُ النَّبْتَ بِفِيهَا قَلَعَتْهُ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «كُنَّا أَهْلَ ثَمِّهِ وَرَمِّهِ» أَيْ كُنَّا نَثُمُّهُ ثَمًّا، أَيْ نَجْمَعُهُ جَمْعًا.

(ثِنَّ) الثَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَبَاتٌ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَأَمَّا الشَّعْرُ فَالثُّنَّةُ الشَّعْرُ الْمُشْرِفُ عَلَى رُسْغِ الدَّابَّةِ مِنْ خَلْفٍ. وَالثِّنُّ مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ: حُطَامُ الْيَبِيسِ. وَأَنْشَدَ:
فَظَلْنَ يَخْبِطْنَ هَشِيمَ الثِّنِّ ... بَعْدَ عَمِيمِ الرَّوْضَةِ الْمُغِنِّ
فَأَمَّا الثُّنَّةُ فَمَا دُونَ السُّرَّةِ مِنْ أَسْفَلِ الْبَطْنِ مِنَ الدَّابَّةِ، وَلَعَلَّهُ بِشُعَيْرَاتٍ يَكُونُ ثَمَّ.

(ثَأْ) الثَّاءُ وَالْهَمْزَةُ، كَلِمَتَانِ لَيْسَتَا أَصْلًا، يُقَالُ: ثَأْثَأْتُ بِالْإِبِلِ صِحْتُ بِهَا، وَلَقِيتُ فُلَانًا فَثَأْثَأْتُ مِنْهُ، أَيْ هِبْتُهُ.

(ثَبَّ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابَيْنِ، وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى تَنَاهِي الشَّيْءِ. يُقَالُ ثَبَّ الْأَمْرُ إِذَا تَمَّ، وَيُقَالُ إِنَّ الثَّابَّةَ: الْمَرْأَةُ الْهَرِمَةُ، وَيَقُولُونَ: أَشَابَّةٌ أَمْ ثَابَّةٌ؟
(1/370)

[بَابُ الثَّاءِ وَالْجِيمِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَجَرَ) الثَّاءُ وَالْجِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى مُتَّسَعِ الشَّيْءِ وَعَرْضِهِ. فَثَجْرَةُ الْوَادِي: وَسَطُهُ وَمَا اتَّسَعَ مِنْهُ. وَيُقَالُ وَرَقٌ ثَجْرٌ أَيْ عَرِيضٌ. وَكُلُّ شَيْءٍ عَرَّضْتَهُ فَقَدْ ثَجَّرْتَهُ. وَثُجْرَةُ النَّحْرِ وَسَطُهُ وَمَا حَوْلَ الثَّغْرِ مِنْهُ. وَالثُّجَرُ سِهَامٌ غِلَاظٌ. وَيُقَالُ: فِي لَحْمِهِ تَثْجِيرٌ، أَيْ رَخَاوَةُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمُ انْثَجَرَ الْمَاءُ إِذَا فَاضَ وَانْثَجَرَ الدَّمُ مِنَ الطَّعْنَةِ، فَلَيْسَ مِنَ الْبَابِ ; لِأَنَّ الثَّاءَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ فَاءٍ. وَكَذَلِكَ الثَّجِيرُ.

(ثَجَلَ) الثَّاءُ وَالْجِيمُ وَاللَّامُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الشَّيْءِ الْأَجْوَفِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ بِأَجْوَفَ. فَالثُّجْلَةُ عِظَمُ الْبَطْنِ ; يُقَالُ رَجُلٌ أَثْجَلُ، وَامْرَأَةٌ ثَجْلَاءُ. [وَمَزَادَةٌ ثَجْلَاءُ] ، أَيْ وَاسِعَةٌ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الْأَثْجَلِ
وَيُرْوَى " الْأَنْجَلِ " ; وَقَدْ ذُكِرَ. وَيُقَالُ جُلَّةٌ ثَجْلَاءُ عَظِيمَةٌ. وَقَالَ:
بَاتُوا يُعَشُّونَ الْقُطَيْعَاءَ ضَيْفَهُمْ ... وَعِنْدَهُمُ الْبَرْنِيُّ فِي جُلَلٍ ثُجْلِ
وَهَذَا الْبِنَاءُ مُهْمَلٌ عِنْدَ الْخَلِيلِ، وَذَا عَجَبٌ.
(1/371)

(ثَجْمٌ) الثَّاءُ وَالْجِيمُ وَالْمِيمُ لَيْسَ أَصْلًا، وَهُوَ دَوَامُ الْمَطَرِ أَيَّامًا. يُقَالُ أَثْجَمَتِ السَّمَاءُ إِذَا دَامَتْ أَيَّامًا لَا تُقْلِعُ. وَأُرَى الثَّاءَ مَقْلُوبَةً عَنْ سِينٍ، إِلَّا أَنَّهَا إِذَا أُبْدِلَتْ ثَاءً جُعِلَتْ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ. وَهَاهُنَا كَلِمَةٌ أُخْرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا. قَالُوا: الثَّجْمُ سُرْعَةُ الصَّرْفِ عَنِ الشَّيْءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْحَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَحَجَ) الثَّاءُ وَالْحَاءُ وَالْجِيمُ. ذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الثَّاءِ وَالْحَاءِ وَالْجِيمِ كَلِمَةً زَعَمَ أَنَّهَا لِمَهْرَهَ بْنِ حَيْدَانَ. يَقُولُونَ ثَحَجَهُ بِرِجْلِهِ، إِذَا ضَرَبَهُ بِهَا. وَقَدْ أَبْعَدَ أَبُو بَكْرٍ شَاهِدَهُ مَا اسْتَطَاعَ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْخَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَخُنَ) الثَّاءُ وَالْخَاءُ وَالنُّونُ يَدُلُّ عَلَى رَزَانَةِ الشَّيْءِ فِي ثِقَلٍ. تَقُولُ ثَخُنَ الشَّيْءُ ثَخَانَةً. وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ الرَّزِينُ ثَخِينٌ. وَالثَّوْبُ الْمُكْتَنِزُ اللُّحْمَةِ وَالسَّدَى مِنْ جَوْدَةِ نَسْجِهِ ثَخِينٌ. وَقَدْ أَثْخَنْتُهُ أَيْ أَثْقَلْتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتِيلَ قَدْ أُثْقِلَ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِ. وَتَرَكْتُهُ مُثْخَنًا، أَيْ وَقِيذًا. وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَالُ لِلْأَعْزَلِ الَّذِي لَا سِلَاحَ مَعَهُ: ثَخِينٌ ; وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ، لِأَنَّ حَرَكَتَهُ تَقِلُّ، خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ.
(1/372)

[بَابُ الثَّاءِ وَالدَّالِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَدْيٌ) الثَّاءُ وَالدَّالُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ. وَالْجَمْعُ. أَثْدٍ. وَالثَّدْيَاءُ: الْكَبِيرَةُ الثَّدْيِ. ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي لِلرَّجُلِ، فَقِيلَ فِي الرَّجُلِ الثُّنْدُؤَةُ بِالضَّمِّ وَالْهَمْزَةِ، وَالثَّنْدُوَةُ بِالْفَتْحِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ.

(ثَدَقَ) الثَّاءُ وَالدَّالُ وَالْقَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. ثَدَقَ الْمَطَرُ، وَسَحَابٌ ثَادِقٌ. وَثَادِقٌ اسْمُ فُرْسٍ، كَأَنَّ صَاحِبَهُ شَبَّهَهُ بِالسَّحَابِ. قَالَ:
بَاتَتْ تَلُومُ عَلَى ثَادِقٍ ... لِيُشْرَى فَقَدْ جَدَّ عِصْيَانُهَا
أَيْ عِصْيَانِي لَهَا. لِيُشْرَى: لِيُبَاعَ.

(ثَدَمَ) الثَّاءُ وَالدَّالُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ أَصْلًا. زَعَمُوا أَنَّ الثَّدْمَ هُوَ الْفَدْمُ. وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ.

(ثَدَنَ) الثَّاءُ وَالدَّالُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ. يَقُولُونَ: الثَّدِنُ الرَّجُلُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ. وَيُقَالُ بَلِ الثَّدَنُ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ اللَّحْمِ.
(1/373)

[بَابُ الثَّاءِ وَالرَّاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَرْمٌ) الثَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ يُشْتَقُّ مِنْهَا، يُقَالُ ثَرَمْتُ الرَّجُلَ فَثَرِمَ، وَثَرَمْتُ ثَنِيَّتَهُ فَانْثَرَمَتْ. وَالثَّرْمَاءُ: مَاءٌ لِكِنْدَةَ.

(ثَرَوَى) الثَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْكَثْرَةُ، وَخِلَافُ الْيُبْسِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَرَا الْقَوْمُ يَثْرُونَ، إِذَا كَثُرُوا وَنَمَوْا. وَأَثْرَى الْقَوْمُ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. ثَرَا الْمَالُ يَثْرُوا إِذَا كَثُرَ. وَثَرَوْنَا الْقَوْمَ إِذَا كَثَرْنَاهُمْ، أَيْ كُنَّا أَكْثَرَ مِنْهُمْ. وَيُقَالُ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ مُثْرٍ، أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَيْبَسِ الثَّرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ. قَالَ جَرِيرٌ:
فَلَا تُوبِسُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنْ أَمْثَالِهِمْ فِي تَخَوُّفِ الرَّجُلِ هَجْرَ صَاحِبِهِ: " لَا تُوبِسِ الثَّرَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ " أَيْ لَا يُقْطَعُ الْأَمْرُ بَيْنَنَا. وَالْمَالُ الثَّرِيُّ الْكَثِيرُ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: " «وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا» ". وَمِنْهُ سُمِّي الرَّجُلُ ثَرْوَانَ، وَالْمَرْأَةُ ثَرْوَى ثُمَّ تُصَغَّرُ ثُرَيَّا. وَيُقَالُ ثَرَّيْتُ التُّرْبَةَ بَلَّلْتُهَا. وَثَرَّيْتُ الْأَقِطَ صَبَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَلْتَتُّهُ. وَيُقَالُ بَدَا ثَرَا الْمَاءِ مِنَ الْفَرَسِ، إِذَا نَدِيَ بِعَرَقِهِ. قَالَ طُفَيْلٌ:
(1/374)

يُذَدْنَ ذِيَادَ الْخَامِسَاتِ وَقَدْ بَدَا ... ثَرَى الْمَاءِ مِنْ أَعْطَافِهَا الْمُتَحَلِّبِ
وَيُقَالُ: الْتَقَى الثَّرَيَّانِ، وَذَلِكَ أَنْ يَجِيءَ الْمَطَرُ [فَيَرْسَخَ] فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَلْتَقِيَ هُوَ وَنَدَى الْأَرْضِ. وَيُقَالُ أَرْضٌ ثَرْيَاءُ، أَيْ ذَاتُ ثَرًى. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: ثَرِيتُ بِفُلَانٍ فَأَنَا ثَرٍ بِهِ، أَيْ غَنِيٌّ عَنِ النَّاسِ بِهِ. وَثَرَا اللَّهُ الْقَوْمَ كَثَّرَهُمْ. وَالثَّرَاءُ: كَثْرَةُ الْمَالِ. قَالَ عَلْقَمَةُ:
يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ ... وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ

(ثَرِبَ) الثَّاءُ وَالرَّاءُ وَالْبَاءُ كَلِمَتَانِ مُتَبَايِنَتَا الْأَصْلِ، لَا فُرُوعَ لَهُمَا. فَالتَّثْرِيبُ اللَّوْمُ وَالْأَخْذُ عَلَى الذَّنْبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] فَهَذَا أَصْلٌ وَاحِدٌ. وَالْآخَرُ الثَّرْبُ، وَهُوَ شَحْمٌ قَدْ غَشَّى الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءَ رَقِيقٌ ; وَالْجَمْعُ ثُرُوبٌ.

(ثَرَدَ) الثَّاءُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ فَتُّ الشَّيْءِ، وَمَا أَشْبَهَهُ. يُقَالُ ثَرَدْتُ الثَّرِيدَ أَثْرُدُهُ. وَيُقَالُ - وَهُوَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ - إِنَّ الثَّرَدَ تَشَقُّقٌ فِي الشَّفَتَيْنِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الذَّبِيحَةِ: «كُلُّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ غَيْرَ مُثَرَّدٍ» ، وَذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ الْحَدِيدَةُ حَادَّةً فَيَثُرَدَ مَوْضِعُ الذَّبْحِ، كَمَا يَتَشَقَّقُ الشَّيْءُ وَيَتَشَظَّى.
(1/375)

[بَابُ الثَّاءِ وَالطَّاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَطَأَ) الثَّاءُ وَالطَّاءُ وَالْهَمْزَةُ كَلِمَةٌ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا. يُقَالُ ثَطَأْتُهُ وَطِئْتُهُ.

(ثَطَعَ) الثَّاءُ وَالطَّاءُ وَالْعَيْنُ شَبِيهٌ بِمَا قَبْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ثَطَعَ الرَّجُلُ أَبْدَى. وَثُطِعَ إِذَا زُكِمَ. وَغَيْرُهُ أَصَحُّ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْعَيْنِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَعَلَ) الثَّاءُ وَالْعَيْنُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَزَيُّدٌ وَاخْتِلَافُ حَالٍ. فَالثَّعَلُ زِيَادَةُ السِّنِّ وَاخْتِلَافٌ فِي الْأَسْنَانِ فِي مَنْبَتِهَا. تَقُولُ ثَعِلَ الرَّجُلُ وَثَعِلَتْ سِنُّهُ، وَهُوَ يَثْعَلُ ثَعَلًا، وَهُوَ أَثْعَلُ وَالْمَرْأَةُ ثَعْلَاءُ وَالْجَمِيعُ الثُّعْلُ. وَرُبَّمَا كَانَ الثَّعَلُ فِي أَطْبَاءِ النَّاقَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي طُبْيَيْهَا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الثُّعْلُولُ: الرَّجُلُ الْغَضْبَانُ، وَأَنْشَدَ:
وَلَيْسَ بِثُعْلُولٍ إِذَا سِيلَ وَاجْتُدِيَ ... وَلَا بَرِمًا يَوْمًا إِذَا الضَّيْفُ أَوْهَمَا
أَيْ قَارَبَ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ كَلِمَةٌ ذَكَرَهَا الْخَلِيلُ، أَنَّ الْأَثْعَلَ السَّيِّدُ الضَّخْمُ إِذَا كَانَ لَهُ فُضُولٌ. وَمِمَّا اشْتُقَّ مِنْهُ ثُعَلٌ بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
(1/376)

أَحْلَلْتُ رَحْلَيْ فِي بَنِي ثُعَلٍ ... إِنَّ الْكِرَامَ لِلْكَرِيمِ مَحَلٌّ
وَيُقَالُ أَثْعَلَ الْقَوْمُ إِذَا خَالَفُوا.

(ثَعَمَ) الثَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْمِيمُ لَيْسَ أَصْلًا مُعَوَّلًا عَلَيْهِ. أَمَّا ابْنُ دُرَيْدٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا. وَأَمَّا الْخَلِيلُ فَجَعَلَهُ مَرَّةً فِي الْمُهْمَلِ، كَذَا خُبِّرْنَا بِهِ عَنْهُ. وَذُكِرَ عَنْهُ مَرَّةً أَنَّ الثَّعْمَ النَّزْعُ وَالْجَرُّ ; يُقَالُ ثَعَمْتُهُ أَيْ نَزَعْتُهُ وَجَرَرْتُهُ. وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ [يُقَالُ] تَثَعَّمَتْ فُلَانًا أَرْضُ بَنِي فُلَانٍ، إِذَا أَعْجَبَتْهُ وَجَرَّتْهُ إِلَيْهَا وَنَزَعَتْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا تَصْحِيفٌ، إِنَّمَا هُوَ تَنَعَّمَتْهُ فَتَنَعَّمَ، أَيْ أَرَتْهُ مَا فِيهِ لَهُ نَعِيمٌ فَتَنَعَّمَ، أَيْ أَعْمَلَ نَعَامَةَ رِجْلِهِ مَشْيًا إِلَيْهَا. وَمَا هَذَا عِنْدِي إِلَّا كَالْأَوَّلِ. وَمَا صَحَّتْ بِشَيْءٍ مِنْهُ رِوَايَةٌ.

(ثَعَرَ) التَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالرَّاءُ بِنَاءٌ إِنْ صَحَّ دَلَّ عَلَى قَمَاءَةٍ وَصِغَرٍ. فَالثُّعْرُورَانِ كَالْحَلَمَتَيْنِ تَكْتَنِفَانِ ضَرْعَ الشَّاةِ. وَعَلَى هَذَا قَالُوا لِلرَّجُلِ الْقَصِيرِ ثُعْرُورٌ.

(ثَعِطَ) الثَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ. يُقَالُ ثَعِطَ اللَّحْمُ إِذَا تَغَيَّرَ وَأَنْتَنَ. وَقَالَ:
يَأْكُلُ لَحْمًا بَائِتًا قَدْ ثَعِطَا
وَمِمَّا حُمِلَ عَلَيْهِ الثَّعِيطُ دُقَاقُ التُّرَابِ الَّذِي تَسْفِيهِ الرِّيحُ.
(1/377)

(ثَعْبٌ) الثَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِدَادِ الشَّيْءِ وَانْبِسَاطِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَاءٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ ثَعَبْتُ الْمَاءَ وَأَنَا أَثْعَبُهُ، إِذَا فَجَّرْتُهُ فَانْثَعَبَ، كَانْثِعَابِ الدَّمِ مِنَ الْأَنْفِ. قَالَ: وَمِنْهُ اشْتُقَّ مَثْعَبُ الْمَطَرِ. وَمِمَّا يَصْلُحُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا، الثُّعْبَانُ الْحَيَّةُ الضَّخْمُ الطَّوِيلُ ; وَهُوَ مِنَ الْقِيَاسِ، فِي انْبِسَاطِهِ وَامْتِدَادِهِ خَلْقًا وَحَرَكَةً. قَالَ:
عَلَى نَهْجٍ كَثُعْبَانِ الْعَرِينِ
وَرُبَّمَا قِيلَ مَاءٌ ثَعْبٌ، وَيَجْمَعُ عَلَى الثُّعْبَانِ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْغَيْنِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَغَا) الثَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الصَّوْتِ. فَالثُّغَاءُ ثُغَاءُ الشَّاءِ. وَالثَّاغِيَةُ: الشَّاةُ. يُقَالُ مَا لَهُ ثَاغِيَةٌ وَلَا رَاغِيَةٌ، أَيْ لَا شَاةٌ وَلَا نَاقَةٌ.

(ثَغْبٌ) الثَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ غَدِيرٌ فِي غِلَظٍ مِنْ أَرْضٍ. يُقَالُ لَهُ ثَغْبٌ وَثَغَبٌ، وَجَمْعُهُ ثِغَابٌ وَأَثْغَابٌ، وَيُقَالُ ثُِغْبَانٌ. وَقَالَ عُبَيْدٌ:
وَلَقَدْ تَحِلُّ بِهَا كَأَنَّ مُجَاجَهَا ... ثَغْبٌ يُصَفَّقُ صَفْوُهُ بِمُدَامِ

(ثَغْرٌ) الثَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تَفَتُّحٍ وَانْفِرَاجٍ.
(1/378)

فَالثَّغْرُ الْفَرْجُ مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ، وَثُغْرَةُ النَّحْرِ الْهَزْمَةُ الَّتِي فِي اللَّبَّةِ، وَالْجَمْعُ ثُغَرٌ. قَالَ:
وَتَارَةً فِي ثُغَرِ النُّحُورِ
وَالثَّغْرُ ثَغْرُ الْإِنْسَانِ. وَيُقَالُ ثُغِرَ الصَّبِيُّ إِذَا سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ. وَاثَّغَرَ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ السُّقُوطِ، وَرُبَّمَا قَالُوا عِنْدَ السُّقُوطِ اثَّغَرَ. قَالَ:
قَارِحٍ قَدْ فُرَّ عَنْهُ جَانِبٌ ... وَرَبَاعٍ جَانِبٌ لَمْ يَثَّغِرْ
وَيُقَالُ لَقِيَ بَنُو فُلَانٍ بَنِيَ فُلَانٍ فَثَغَرُوهُمْ، إِذَا سَدُّوا عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجَ فَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَأْخُذُونَ. قَالَ:
هُمُ ثَغَرُوا أَقْرَانَهُمْ بِمُضَرِّسِ ... وَشَفْرٍ وَحَازُوا الْقَوْمَ حَتَّى تَزَحْزَحُوا

(ثَغَمَ) الثَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالْمِيمُ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الثَّغَامَةُ، وَهِيَ شَجَرَةٌ بَيْضَاءُ الثَّمَرِ وَالزَّهْرِ، يُشَبَّهُ الشَّيْبُ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ [يَوْمَ الْفَتْحِ] وَكَأَنَّ رَأْسَهُ ثَغَامَةٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُغَيِّرَ» .
(1/379)

وَأَغْفَلَ ابْنُ دُرَيْدٍ هَذَا الْبِنَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ شُهْرَتِهِ. وَقِيلَ إِنَّ الثَّغِمَ الضَّارِي مِنَ الْكِلَابِ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الْكِتَابَيْنِ. فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ فِي بَابِ الْإِبْدَالِ، لِأَنَّ الثَّاءَ مُبْدَلَةٌ مِنْ فَاءٍ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْفَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَفَلَ) الثَّاءُ وَالْفَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ يَسْتَقِرُّ تَحْتَ الشَّيْءِ، يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْكَدَرِ وَغَيْرِهِ. يُقَالُ هُوَ ثُفْلُ الْقِدْرِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَا رَسَا مِنَ الْخُثَارَةِ. وَمِنَ الْبَابِ الثِّفَالُ الْجِلْدَةُ تُوضَعُ عَلَيْهَا الرَّحَى. وَيُقَالُ هُوَ قِطْعَةُ فَرْوٍ تُوضَعُ إِلَى جَنْبِ الرَّحَى. وَقَالَ:
يَكُونُ ثِفَالُهَا شَرْقِيَّ نَجْدٍ ... وَلُهْوَتُهَا قُضَاعَةَ أَجَمْعِينَا
وَقَالَ آخَرُ:
فَتَعْرُكْكُمُ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا ... وَتَلْقَحْ كِشَافًا ثُمَّ تَحْمِلْ فَتُتْئِمِ
فَأَمَّا الثَّفَالُ فَالْبَعِيرُ الْبَطِيءُ، وَاشْتِقَاقُهُ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مِنَ الْبُطْءِ مُسْتَقِرٌّ تَحْتَ حِمْلِهِ، لَا يَكَادُ يَبْرَحُ.

(ثَفَنَ) الثَّاءُ وَالْفَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُلَازَمَةُ الشَّيْءِ الشَّيْءَ. قَالَ الْخَلِيلُ: ثَفِنَاتُ الْبَعِيرِ: مَا أَصَابَ الْأَرْضَ مِنْ أَعْضَائِهِ فَغَلُظَ كَالرُّكْبَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
(1/380)

وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: ثَفَنْتُ الشَّيْءَ بِالْيَدِ أَثْفِنُهُ، إِذَا ضَرَبْتَهُ. قَالَ فِي الثَّفِنَةِ:
خَوَّى عَلَى مُسْتَوَيَاتٍ خَمْسٍ ... كِرْكِرَةٍ وَثَفِنَاتٍ مُلْسِ
وَيُقَالُ ثَافَنْتُ عَلَى الشَّيْءِ وَاظَبْتُ. وَيَقُولُونَ ثَافَنْتُهُ عَلَى الشَّيْءِ أَعَنْتُهُ. وَهُوَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ.

(ثَفْيٌ) الثَّاءُ وَالْفَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُثْفِيَّةُ، وَالْجَمْعُ أَثَافِيُّ. وَرُبَّمَا خَفَّفُوا، وَلَيْسَ بِالْجَيِّدِ.
وَمِمَّا يُشْتَقُّ مِنْ هَذَا الْمَرْأَةُ الْمُثَفِّيَةُ، الَّتِي مَاتَ عَنْهَا ثَلَاثَةُ أَزْوَاجٍ ; وَالرَّجُلُ الْمُثَفِّي الَّذِي يَمُوتُ عَنْهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ.
وَيَقُولُونَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ: بَقِيَتْ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أُثْفِيَّةٌ خَشْنَاءُ، إِذَا بَقِيَ مِنْهُمْ عَدَدٌ.
وَالثَّفَاءُ نَبْتٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَاذَا فِي الْأَمَرَّيْنِ مِنَ الشِّفَاءِ: الصَّبْرِ وَالثَّفَاءِ» . قَالُوا: هُوَ الْخَرْدَلُ.

(ثُفْرٌ) الثَّاءُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُؤَخَّرِ. فَالثَّفَرُ ثَفَرُ الدَّابَّةِ. وَيُقَالُ اسْتَثْفَرَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهَا إِذَا ائْتَزَرَتْ بِهِ ثُمَّ رَدَّتْ طَرَفَ الْإِزَارِ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهَا وَغَرَزَتْهُ فِي الْحُجْزَةِ مِنْ وَرَائِهِ. وَالثَّفْرُ الْحَيَاءُ مِنَ السَّبُعَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ:
جَزَى اللَّهُ فِيهَا الْأَعْوَرَيْنِ مَلَامَةً ... وَعَبْدَةَ ثَفْرَ الثَّوْرَةِ الْمُتَضَاجِمِ

[بَابُ الثَّاءِ وَالْقَافِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(1/381)

(ثِقَلٌ) الثَّاءُ وَالْقَافُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ كَلِمَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَهُوَ ضِدُّ الْخِفَّةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ الثَّقَلَيْنِ، لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. وَأَثْقَالُ الْأَرْضِ كُنُوزُهَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] ، وَيُقَالُ هِيَ أَجْسَادُ بَنِي آدَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} [النحل: 7] ، أَيْ أَجْسَادَكُمْ. وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
أَبَعْدَ ابْنَ عَمْرٍو مِنْ آلِ الشَّرِي ... دَ حَلَّتْ بِهِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
أَيْ زَيَّنَتْ مَوْتَاهَا بِهِ. وَيُقَالُ ارْتَحَلَ الْقَوْمُ بِثَقْلَتِهِمْ، أَيْ بِأَمْتِعَتِهِمْ، وَأَجِدُ فِي نَفْسِي ثَقَلَةً. كَذَا يَقُولُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الْفَرْقَ، وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ.

(ثُقْبٌ) الثَّاءُ وَالْقَافُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَنْفُذَ الشَّيْءُ. يُقَالُ ثَقَبْتُ الشَّيْءَ أَثْقُبُهُ ثَقْبًا. وَالثَّاقِبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 3] . قَالُوا: هُوَ نَجْمٌ يَنْفُذُ السَّمَاوَاتِ كُلَّهَا نُورُهُ. وَيُقَالُ ثَقَبْتُ النَّارَ إِذَا ذَكَّيْتَهَا، وَذَلِكَ الشَّيْءَ ثُقْبَةً وَذُكْوَةً. وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ ضَوْءَهَا يَنْفُذُ.

(ثَقِفَ) الثَّاءُ وَالْقَافُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَيْهَا يَرْجِعُ الْفُرُوعُ، وَهُوَ إِقَامَةُ دَرْءِ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ ثَقَّفْتُ الْقَنَاةَ إِذَا أَقَمْتَ عِوَجَهَا. قَالَ:
(1/382)

نَظَرَ الْمُثَقِّفُ فِي كُعُوبِ قَنَاتِهِ ... حَتَّى يُقِيمَ ثِقَافُهُ مُنْآدَهَا
وَثَقِفْتُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ فُلَانٍ. وَرَجُلٌ ثَقِْفٌ لَقِْفٌ، وَذَلِكَ أَنْ يُصِيبَ عِلْمَ مَا يَسْمَعُهُ عَلَى اسْتِوَاءٍ. وَيُقَالُ ثَقِفْتُ بِهِ إِذَا ظَفِرْتَ بِهِ. قَالَ:
فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ... وَإِنْ أُثْقَفْ فَسَوْفَ تَرَوْنَ بَالِي
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ قُرْبِ هَذَا مِنَ الْأَوَّلِ؟ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ إِذَا ثَقِفَهُ فَقَدْ أَمْسَكَهُ. وَكَذَلِكَ الظَّافِرُ بِالشَّيْءِ يُمْسِكُهُ. فَالْقِيَاسُ بِأَخْذِهِمَا مَأْخَذًا وَاحِدًا.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْكَافِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَكِلَ) الثَّاءُ وَالْكَافُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى فُِقْدَانِ الشَّيْءِ، وَكَأَنَّهُ يُخْتَصُّ بِذَلِكَ فُِقْدَانُ الْوَلَدِ. يُقَالُ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ تَثْكَلُهُ ثَكْلًا. وَلِأُمِّهِ الثُّكْلُ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِآخَرَ وَهُوَ لَيْسَ لَهُ بِوَلَدٍ فَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْأَصْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ.

(ثَكَمَ) الثَّاءُ وَالْكَافُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ تَنَحَّ عَنْ ثَكَمِ الطَّرِيقِ، أَيْ مُعْظَمِهِ وَوَاضِحِهِ.
(1/383)

(ثَكَنَ) الثَّاءُ وَالْكَافُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى مُجْتَمَعِ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَنَحَّ عَنْ ثَكَنِ الطَّرِيقِ، أَيْ مُعْظَمِهِ وَوَاضِحِهِ. وَالثُّكْنَةُ السِّرْبُ وَالْجَمَاعَةُ، وَالْجَمْعُ ثُكَنٌ. قَالَ الْأَعْشَى:
يُسَافِعُ وَرْقَاءَ جُونِيَّةً ... لِيُدْرِكَهَا فِي حَمَّامٍ ثُكَنْ

[بَابُ الثَّاءِ وَاللَّامِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَلَمَ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَشَرُّمٌ يَقَعُ فِي طَرَفِ الشَّيْءِ، كَالثُّلْمَةِ تَكُونُ فِي طَرَفِ الْإِنَاءِ. وَقَدْ يُسَمَّى الْخَلَلُ أَيْضًا ثُلْمَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّرَفِ. وَإِنَاءٌ مُنْثَلِمٌ وَمُتَثَلِّمٌ.

(ثَلَبَ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ مُطَّرِدَةُ الْقِيَاسِ فِي خَوَرِ الشَّيْءِ وَتَشَعُّثِهِ. فَالثَّلِبُ الرُّمْحُ الْخَوَّارُ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
وَمُطَّرِدٌ مِنَ الْخَطِّ ... يِّ لَا عَارٍ وَلَا ثَلِبُ
وَالثِّلْبُ: الْهِمُّ الْكَبِيرُ. وَقَدْ ثَلِبَ ثَلْبًا. وَيُقَالُ ثَلَبْتُهُ إِذَا عِبْتَهُ. وَهُوَ ذُو ثَلِبَةٍ أَيْ عَيْبٍ. وَالْقِيَاسُ ذَاكَ، لِأَنَّهُ يَضَعُ مِنْهُ وَيُشَعِّثُهُ. وَامْرَأَةٌ ثَالِبَةُ الشَّوَى،
(1/384)

أَيْ مُنْشَقَّةُ الْقَدَمَيْنِ. قَالَ:
لَقَدْ وَلَدَتْ غَسَّانَ ثَالِبَةُ الشَّوَى ... عَدُوسُ السَّرَى لَا يَعْرِفُ الْكَرْمَ جِيدُهَا
وَالثَّلَبُ: الْوَسَخُ، يُقَالُ إِنَّهُ لَثَلِبُ الْجِلْدِ، وَذَاكَ هُوَ الْقَشَفُ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ.

(ثُلْثٌ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالثَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ فِي الْعَدَدِ، يُقَالُ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ. وَالثَُّلَاثَاءُ مِنَ الْأَيَّامِ. قَالَ:
[قَالُوا] ثَُلَاثَاؤُهُ مَالٌ وَمَأْدُبَةٌ ... وَكُلُّ أَيَّامِهِ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ
وَثَالِثَةُ الْأَثَافِيِّ: الْحَيْدُ النَّادِرُ مِنَ الْجَبَلِ، يُجْمَعُ إِلَيْهِ صَخْرَتَانِ ثُمَّ تُنْصَبُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ. وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّمَّاخُ:
أَقَامَتْ عَلَى رَبْعَيْهِمَا جَارَتَا صَفَا ... كُمَيْتَا الْأَعَالِي جَوْنَتَا مُصْطَلَاهُمَا
وَالثَّلُوثُ مِنَ الْإِبِلِ: الَّتِي تَمْلَأُ ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ إِذَا حُلِبَتْ. وَالْمَثْلُوثَةُ: الْمَزَادَةُ تَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ جُلُودٍ. وَحَبْلٌ مَثْلُوثٌ، إِذَا كَانَ عَلَى ثَلَاثِ قُوًى.

(ثَلْجٌ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الثَّلْجُ الْمَعْرُوفُ. وَمِنْهُ تَتَفَرَّعُ الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَابِهِ. يُقَالُ أَرْضٌ مَثْلُوجَةٌ إِذَا أَصَابَهَا الثَّلْجُ. فَإِذَا قَالُوا
(1/385)

رَجُلٌ مَثْلُوجُ الْفُؤَادِ فَهُوَ الْبَلِيدُ الْعَاجِزُ. وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ الْقِيَاسِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فُؤَادَهُ كَأَنَّهُ ضُرِبَ بِثَلْجٍ فَبَرَدَتْ حَرَارَتُهُ وَتَبَلَّدَ. قَالَ:
تَنَبَّهَ مَثْلُوجَ الْفُؤَادِ مُوَرَّمًا
وَإِذَا قَالُوا ثَلِجَ بِخَبَرٍ أَتَاهُ، إِذَا سُرَّ بِهِ، فَهُوَ مِنَ الْبَابِ أَيْضًا ; وَذَلِكَ أَنَّ الْكَرْبَ إِذَا جَثَمَ عَلَى الْقَلْبِ كَانَتْ لَهُ لَوْعَةٌ وَحَرَارَةٌ، فَإِذَا وَرَدَ مَا يُضَادُّهُ جَاءَ بَرْدُ السُّرُورِ. وَهَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ. أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ: أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ. فَإِذَا دَعَوْا لَهُ قَالُوا: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ. وَيَحْمِلُونَ عَلَى هَذَا فَيَقُولُونَ: حَفَرَ حَتَّى أَثْلَجَ، إِذَا بَلَغَ الطِّينَ الْمُجْتَمِعَ مَعَ نُدُوَّتِهِ بِالثَّلْجِ.

(ثَلْطٌ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ ثَلْطُ الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ.

(ثَلَغَ) الثَّاءُ وَاللَّامُ وَالْغَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ شَدْخُ الشَّيْءِ. يُقَالُ ثَلَغْتُ رَأْسَهُ أَيْ شَدَخْتُهُ. وَيَقُولُونَ لِمَا سَقَطَ مِنَ الرُّطَبِ فَانْشَدَخَ مُثَلَّغٌ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْمِيمِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَمَنٌ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا عِوَضُ مَا يُبَاعُ، وَالْآخَرُ جُزْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ بِعْتُ كَذَا وَأَخَذْتُ ثَمَنَهُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
(1/386)

وَعَزَّتْ أَثْمُنُ الْبُدُنِ
فَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَهُوَ جَمْعُ ثَمَنٍ. وَمَنْ رَوَاهُ بِالْفَتْحِ " أَثْمَنُ الْبُدُنِ " فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَكْثَرَهَا ثَمَنًا.
وَأَمَّا الثُّمُنُ فَوَاحِدٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. يُقَالُ ثَمَنْتُ الْقَوْمَ أَثْمُنُهُمْ إِذَا أَخَذْتَ ثُمُنَ أَمْوَالِهِمْ. وَالثَّمِينُ: الثُّمْنُ. قَالَ:
فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي ... إِذَا [مَا] طَارَ مِنْ مَالِي الثَّمِينُ
وَقَالَ الشَّمَّاخُ أَوْ غَيْرُهُ:
وَمِثْلُ سَرَاةِ قَوْمِكَ لَنْ يُجَارَوْا ... إِلَى رُبُعِ الرِّهَانِ وَلَا الثَّمِينِ
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ " ثَمِينَةُ " وَهُوَ بَلَدٌ. وَقَالَ الْهُذَلِيُّ:
بِأَصْدَقَ بَأْسًا مِنْ خَلِيلِ ثَمِينَةٍ ... وَأَمْضَى إِذَا مَا أَفْلَطَ الْقَائِمَ الْيَدُ
وَمِنْهُ أَيْضًا الْمِثْمَنَةُ، وَهِيَ كَالْمِخْلَاةِ.

(ثَمْدٌ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ، فَالثَّمْدُ
(1/387)

الْمَاءُ الْقَلِيلُ لَا مَادَّةَ لَهُ. وَثَمَدَتْ فُلَانًا النِّسَاءُ إِذَا قَطَعْنَ مَاءَهُ. وَفُلَانٌ مَثْمُودٌ إِذَا كَثُرَ السُّؤَالُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْفَدَ مَا عِنْدَهُ. وَقَالَ فِي الْمَثْمُودِ:
أَوْ كَمَاءِ الْمَثْمُودِ بَعْدَ جِمَامٍ ... زَرِمِ الدَّمْعِ لَا يَؤُوبُ نَزُورًا
وَالثَّامِدُ مِنَ الْبَهْمِ حِينَ قَرِمَ ; لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ يَسِيرٌ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْإِثْمِدُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُ: هُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ يَسِيرٌ. وَهَذَا مَا لَا يُوقَفُ عَلَى وَجْهِهِ.

(ثَمَرٌ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتَوَلَّدُ عَنْ شَيْءٍ مُتَجَمِّعًا، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اسْتِعَارَةً.
فَالثَّمَرُ مَعْرُوفٌ. يُقَالُ ثَمَرَةٌ وَثَمَرٌ وَثِمَارٌ وَثُمُرٌ. وَالشَّجَرُ الثَّامِرُ: الَّذِي بَلَغَ أَوَانَ يُثْمِرُ. وَالْمُثْمِرُ: الَّذِي فِيهِ الثَّمَرُ. كَذَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ. وَثَمَّرَ الرَّجُلُ مَالَهُ أَحْسَنَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: " ثَمَّرَ اللَّهُ مَالَهُ " أَيْ نَمَّاهُ. وَالثَّمِيرَةُ مِنَ اللَّبَنِ حِينَ يُثْمِرُ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْجُمَّارِ الْأَبْيَضِ ; وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. وَيُقَالُ لِعُقْدَةِ السَّوْطِ ثَمَرَةٌ ; وَذَلِكَ تَشْبِيهٌ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ لَيْلَةُ ابْنِ ثَمِيرٍ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْقَمْرَاءُ. وَمَا أَدْرِي مَا أَصْلُهُ.
(1/388)

(ثَمَغَ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالْغَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا وَلَا يُفَرَّعُ مِنْهَا. يُقَالُ ثَمَغْتُ الثَّوْبَ ثَمْغًا إِذَا صَبَغْتُهُ صَبْغًا مُشْبَعًا. قَالَ:
تَرَكْتُ بَنِي الْغُزَيِّلِ غَيْرَ فَخْرٍ ... كَأَنَّ لِحَاهُمُ ثُمِغَتْ بِوَرْسِ
وَهَاهُنَا كَلِمَةٌ لَيْسَتْ مِنَ الْبَابِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: ثَمَغَةُ الْجَبَلِ أَعْلَاهُ، بِالثَّاءِ. قَالَ الْفَرَّاءُ، وَالَّذِي سَمِعْتُ أَنَا نَمَغَةٌ.

(ثَمَأَ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالْهَمْزَةُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَتْ أَصْلًا، بَلْ هِيَ فَرْعٌ لِمَا قَبْلَهَا. ثَمَأَ لِحْيَتَهُ صَبَغَهَا. وَالْهَمْزَةُ كَأَنَّهَا مُبْدَلَةٌ مِنْ غَيْنٍ. وَيُقَالُ ثَمَأْتُ الْكَمْأَةَ فِي السَّمْنِ طَرَحْتُهَا. وَهَذَا فِيهِ بَعْضُ مَا فِيهِ. فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ الْكَمْأَةَ كَأَنَّهَا صُبِغَتْ بِالسَّمْنِ.

(ثَمَلَ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَاللَّامُ أَصْلٌ يَنْقَاسُ مُطَّرِدًا، وَهُوَ الشَّيْءُ يَبْقَى وَيَثْبُتُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. يُقَالُ دَارُ بَنِي فُلَانٍ ثَمَلٌ، أَيْ دَارُ مُقَامٍ، وَالثَّمِيلَةُ: مَا بَقِيَ فِي الْكَرِشِ مِنَ الْعَلَفِ. وَكُلُّ بَقِيَّةٍ ثَمِيلَةٌ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَبْقَى ثُمَّ تَشْرَبُ الْإِبِلُ عَلَى تِلْكَ الثَّمِيلَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى شُرْبٍ، وَكَيْفَ تَشْرَبُ عَلَى [غَيْرِ] شَيْءٍ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ ثِمَالُ بَنِي فُلَانٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَمَدَهُمْ. وَهُوَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا تُعَوِّلُ الْإِبِلُ عَلَى تِلْكَ الثَّمِيلَةِ. وَقَالَ فِي الثِّمَالِ أَبُو طَالِبٍ فِي ابْنِ أَخِيهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
(1/389)

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ
وَالثَّمْلَةُ: بَقِيَّةُ الْمَاءِ. وَالثُّمَالُ: السُّمُّ الْمُنْقَعُ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
فَعَمَّا قَلِيلٍ سَقَاهَا مَعًا ... بِمُزْعِفِ ذَيْفَانِ قِشْبٍ ثُمَالِ
وَالثُّمْلَةُ: بَاقِي الْهِنَاءِ فِي الْإِنَاءِ. قَالَ:
كَمَا تُلَاثُ فِي الْهِنَاءِ الثَّمَلَهْ فَالثَّمَلَةُ هَاهُنَا الْخِرْقَةُ الَّتِي يُهَنَّأُ بِهَا الْبَعِيرُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ الْهِنَاءِ عَلَى مَعْنَى الْمُجَاوَرَةِ. وَرُبَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ مِثْمَلَةً. فَأَمَّا الثَّمِلُ فَإِنَّهُ السَّكْرَانُ، وَذَلِكَ لِبَقِيَّةِ الشَّرَابِ الَّتِي أَسْكَرَتْهُ وَخَثَّرَتْهُ. قَالَ:
فَقُلْتُ لِلْقَوْمِ فِي دُرْنَا وَقَدْ ثَمِلُوا ... شِيمُوا وَكَيْفَ يَشِيمُ الشَّارِبُ الثَّمِلُ
وَالثُّمَالَةُ: الرُِّغْوَةُ. وَأَثْمَلَ اللَّبَنُ: رَغَّى، وَهُوَ حَمْلٌ عَلَى الْأَصْلِ ; وَإِلَّا فَإِنَّ الثُّمَالَةَ قَلِيلَةُ الْبَقَاءِ. قَالَ:
إِذَا مَسَّ خِرْشَاءُ الثُّمَالَةِ أَنْفَهُ ... ثَنَى مِشْفَرَيْهِ لِلصَّرِيحِ فَأَقْنَعَا
فَجَعَلَ الرِّغْوَةَ الْخِرْشَاءَ، وَجَعَلَ لِلَّبَنِ الثُّمَالَةَ. وَكُلٌّ قَرِيبٌ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالنُّونِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(1/390)

(ثَنَيَ) الثَّاءُ وَالنُّونُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَكْرِيرُ الشَّيْءِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ جَعْلُهُ شَيْئَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ أَوْ مُتَبَايِنَيْنِ، وَذَلِكَ قَوْلُكَ ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا. وَالِاثْنَانِ فِي الْعَدَدِ مَعْرُوفَانِ. وَالثِّنَى وَالثُّنْيَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ السَّيِّدِ، كَأَنَّهُ ثَانِيهِ. قَالَ:
تَرَى ثِنَانًا إِذَا مَا جَاءَ بَدْأَهُمُ ... وَبَدْؤُهُمْ إِنْ أَتَانَا كَانَ ثُنْيَانًا
يُرْوَى: " ثُنْيَانُنَا إِنْ أَتَاهُمْ كَانَ بَدْأَهُمْ ". وَالثِّنَى: الْأَمْرُ يُعَادُ مَرَّتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا ثِنَى فِي الصَّدَقَةِ» يَعْنِي لَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ مَعْنٌ:
أَفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلَامَةً ... لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ مَلَامَتُهَا ثِنَى
وَقَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
فَإِذَا مَا لَمْ تُصِبْ رُشْدًا ... كَانَ بَعْضُ اللَّوْمِ ثُنْيَانَا
وَيُقَالُ امْرَأَةٌ ثِنْيٌ وَلَدَتِ اثْنَيْنِ، وَلَا يُقَالُ ثِلْثٌ وَلَا فَوْقَ ذَلِكَ. وَالثِّنَايَةُ: حَبْلٌ مِنْ شَعَرٍ أَوْ صُوفٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُثْنَى أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُثْنَى. قَالَ:
[وَ] الْحَجَرُ الْأَخْشَنُ وَالثِّنَايَهْ
(1/391)

وَالثُّنْيَا مِنَ الْجَزُورِ: الرَّأْسُ أَوْ غَيْرُهُ إِذَا اسْتَثْنَاهُ صَاحِبُهُ.
وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قِيَاسِ الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَهُ يُثَنَّى مَرَّةً فِي الْجُمْلَةِ وَمَرَّةً فِي التَّفْصِيلِ ; لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: خَرَجَ النَّاسُ، فَفِي النَّاسِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، فَإِذَا قُلْتَ: إِلَّا زَيْدًا، فَقَدْ ذَكَرْتَ بِهِ زَيْدًا مَرَّةً أُخْرَى ذِكْرًا ظَاهِرًا. وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ مَا عَمِلَ عِشْرُونَ فِي الدِّرْهَمِ. وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ.
وَالْمِثْنَاةُ: طَرَفُ الزِّمَامِ فِي الْخِشَاشِ، كَأَنَّهُ ثَانِي الزِّمَامِ. وَالْمَثْنَاةُ: مَا قُرِئَ مِنَ الْكِتَابِ وَكُرِّرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] أَرَادَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا تُثَنَّى وَتُكَرَّرُ.

(ثَنَتَ) الثَّاءُ وَالنُّونُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. ثَنِتَ اللَّحْمُ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ. وَقَدْ يَقُولُونَ ثَتِنَ. قَالَ:
وَثَتِنَتْ لِثَاتُهُ دِرْحَايَهْ

[بَابُ الثَّاءِ وَالْهَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَهَلَ) الثَّاءُ وَالْهَاءُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ ثَهْلَانُ، وَهُوَ مَشْهُورٌ. وَقَدْ قَالُوا - وَمَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا - إِنَّ الثَّهَلَ الِانْبِسَاطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْوَاوِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(1/392)

(ثَوِيَ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْإِقَامَةِ. يُقَالُ ثَوَى يَثْوِي فَهُوَ ثَاوٍ. وَقَالَ:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
وَيُقَالُ أَثْوَى أَيْضًا. قَالَ:
أَثْوَى وَقَصَّرَ لَيْلُهُ لِيُزَوَّدَا ... فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدًا
وَالثَّوِيَّةُ وَالثَّايَةُ: مَأْوَى الْغَنَمِ. وَالثَّوِيَّةُ: مَكَانٌ. وَأُمُّ مَثْوَى الرَّجُلِ: صَاحِبَةُ مَنْزِلِهِ. وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ وَاحِدٌ. وَالثَّايَةُ أَيْضًا: حِجَارَةٌ تُرْفَعُ لِلرَّاعِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا لَيْلًا، تَكُونُ عَلَمًا لَهُ.

(ثَوَبَ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْعَوْدُ وَالرُّجُوعُ. يُقَالُ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ. وَالْمَثَابَةُ: الْمَكَانُ يَثُوبُ إِلَيْهِ النَّاسُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: مَثَابَةً: يَثُوبُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا أَبَدًا. وَالْمَثَابَةُ: مَقَامُ الْمُسْتَقِي عَلَى فَمِ الْبِئْرِ. وَهُوَ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ يَثُوبُ إِلَيْهِ، وَالْجَمْعُ مَثَابَاتٌ. قَالَ:
(1/393)

وَمَا لِمَثَابَاتِ الْعُرُوشِ بَقِيَّةٌ ... إِذَا اسْتُلَّ مِنْ تَحْتِ الْعُرُوشِ الدَّعَائِمُ
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَثَابَةُ الْعَدَدُ الْكَبِيرُ. فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُمُ الْفِئَةُ الَّتِي يُثَابُ إِلَيْهَا. وَيُقَالُ ثَابَ الْحَوْضُ، إِذَا امْتَلَأَ. قَالَ:
إِنْ لَمْ يَثُبْ حَوْضُكَ قَبْلَ الرِّيِّ
وَهَكَذَا كَأَنَّهُ خَلَا ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِ الْمَاءُ، أَوْ عَادَ مُمْتَلِئًا بَعْدَ أَنْ خَلَا. وَالثَّوَابُ مِنَ الْأَجْرِ وَالْجَزَاءِ أَمْرٌ يُثَابُ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ إِنَّ الْمَثَابَةَ حِبَالَةُ الصَّائِدِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَلِأَنَّهُ مَثَابَةُ الصَّيْدِ، عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّشْبِيهِ. قَالَ الرَّاجِزُ:
مَتَى مَتَى تُطَّلَعُ الْمَثَابَا ... لَعَلَّ شَيْخًا مُهْتَرًا مُصَابَا
يَعْنِي بِالشَّيْخِ الْوَعِلَ يَصِيدُهُ. وَيُقَالُ إِنَّ الثَّوَابَ الْعَسَلُ ; وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّ النَّحْلَ يَثُوبُ إِلَيْهِ. قَالَ:
فَهُوَ أَحْلَى مِنَ الثَّوَابِ إِذَا ... ذُقْتَ فَاهَا وَبَارِئِ النَّسَمِ
قَالُوا: وَالْوَاحِدُ ثَوَابَةٌ. وَثَوَابٌ: اسْمُ رَجُلٍ كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الطَّوَاعِيَةِ، فَيُقَالُ: " أَطْوَعُ مِنْ ثَوَابٍ ". قَالَ:
(1/394)

وَكُنْتُ الدَّهْرَ لَسْتُ أُطِيعُ أُنْثَى ... فَصِرْتُ الْيَوْمَ أَطْوَعَ مِنْ ثَوَابِ
وَالثَّوْبُ الْمَلْبُوسُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُ يُلْبَسُ ثُمَّ يُلْبَسُ وَيُثَابُ إِلَيْهِ. وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنِ النَّفْسِ بِالثَّوْبِ، فَيُقَالُ هُوَ طَاهِرُ الثِّيَابِ.

(ثَوَرَ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ قَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَدْنَى نَظَرٍ. فَالْأَوَّلُ انْبِعَاثُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الْحَيَوَانِ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: ثَارَ الشَّيْءُ يَثُورُ ثَوْرًا وَثُؤُورًا وَثَوَرَانًا. وَثَارَتِ الْحَصْبَةُ تَثُورُ. وَثَاوَرَ فُلَانٌ فُلَانًا، إِذَا وَاثَبَهُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَارَ إِلَى صَاحِبِهِ. وَثَوَّرَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ شَرًّا، إِذَا أَظْهَرَهُ. وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الثَّوْرُ فِيمَنْ يَقُولُ إِنَّهُ الطُّحْلُبُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ ثَارَ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ.
وَالثَّانِي الثَّوْرُ مِنَ الثِّيرَانِ، وَجَمْعٌ عَلَى الْأَثْوَارِ أَيْضًا. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلسَّيِّدِ ثَوْرٌ فَهُوَ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ إِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ. عَلَى أَنِّي لَمْ أَرَ بِهِ رِوَايَةً صَحِيحَةً. فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ:
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلُهُ ... كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الثُّوَارُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْجِنِّيَّ يَرْكَبُ ظَهْرَ الثَّوْرِ فَيَمْتَنِعُ الْبَقَرُ مِنَ الشُّرْبِ. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ:
(1/395)

وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ بَاقِرٌ ... وَمَا إِنْ تَعَافُ الْمَاءَ إِلَّا لِيُضْرَبَا
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الطُّحْلُبُ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَثَوْرٌ: جَبَلٌ. وَثَوْرٌ: قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ. وَهَذَا عَلَى التَّشْبِيهِ. فَأَمَّا الثَّوْرُ فَالْقِطْعَةُ مِنَ الْأَقِطِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ. . .

(ثَوْلٌ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاضْطِرَابِ، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْفُرُوعُ. فَالثَّوَلُ دَاءٌ يُصِيبُ الشَّاةَ فَتَسْتَرْخِي أَعْضَاؤُهَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الذُّكْرَانِ أَيْضًا، يُقَالُ تَيْسٌ أَثْوَلُ، وَرُبَّمَا قَالُوا لِلْأَحْمَقِ الْبَطِيءِ الْخَيْرِ أَثْوَلُ ; وَهُوَ مِنَ الِاضْطِرَابِ. وَالثَّوْلُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّحْلِ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ إِذَا تَجَمَّعَ اضْطَرَبَ فَتَرَدَّدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَيُقَالُ تَثَوَّلَ الْقَوْمُ عَلَى فُلَانٍ تَثَوُّلًا، إِذَا تَجَمَّعُوا عَلَيْهِ.

(ثُومٌ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الثُّومَةُ مِنَ النَّبَاتِ. وَرُبَّمَا سَمَّوْا قَبِيعَةَ السَّيْفِ ثُومَةً. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَصْلٍ.

(ثَوَخَ) الثَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْخَاءُ لَيْسَ أَصْلًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ ثَاخَتِ الْإِصْبَعُ إِنَّمَا هِيَ مُبْدَلَةٌ مِنْ سَاخَتْ ; وَرُبَّمَا قَالُوا بِالتَّاءِ: تَاخَتْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْوَاوُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
فَهْيَ تَثُوخُ فِيهَا الْإِصْبَعُ

[بَابُ الثَّاءِ وَالْيَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(1/396)

(ثِيلٌ) الثَّاءُ وَالْيَاءُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الثِّيلُ، وَهُوَ وِعَاءُ قَضِيبِ الْبَعِيرِ. وَالثِّيلُ: نَبَاتٌ يَشْبِكُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَاشْتِقَاقُهُ وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وَاحِدٌ. وَمَا أَبْعَدَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْيَاءُ مُنْقَلِبَةً عَنْ وَاوٍ، تَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ ثَثَوَّلُوا عَلَيْهِ، إِذَا تَجَمَّعُوا.

[بَابُ الثَّاءِ وَالْهَمْزَةِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَأَرَ) الثَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الذَّحْلُ الْمَطْلُوبُ. يُقَالُ ثَأَرْتُ فُلَانًا بِفُلَانٍ، إِذَا قَتَلْتَ قَاتِلَهُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
ثَأَرْتُ عَدِيًّا وَالْخَطِيمَ فَلَمْ أُضِعْ ... وَصِيَّةَ أَشْيَاخٍ جُعِلْتُ إِزَاءَهَا
وَيُقَالُ " هُوَ الثَّأْرُ الْمُنِيمُ "، أَيِ الَّذِي إِذَا أَدْرَكَ صَاحِبَهُ نَامَ. وَيُقَالُ فِي الِافْتِعَالِ مِنْهُ اثَّأَرْتُ. قَالَ لَبِيدٌ:
وَالنِّيبُ إِنْ تَعْرُ مِنِّي رِمَّةً خَلَقًا ... بَعْدَ الْمَمَاتِ فَإِنِّي كُنْتُ أَتَّئِرُ
(1/397)

فَأَمَّا قَوْلُهُمُ اسْتَثْأَرَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا اسْتَغَاثَهُ، فَهُوَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى طَلَبِ الثَّأْرِ. قَالَ:
إِذَا جَاءَهُمْ مُسْتَثْئِرٌ كَانَ نَصْرُهُ ... دُعَاءً أَلَا طِيرُوا بِكُلِّ وَأًى نَهْدِ
وَالثُّؤْرَةُ: الثَّأْرُ أَيْضًا. قَالَ:
بَنِي عَامِرٍ هَلْ كُنْتُ فِي ثُؤْرَتِي نِكْسَا

(ثَأَطَ) الثَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَتْ أَصْلًا. فَالثَّأْطَةُ الْحَمْأَةُ وَالْجَمْعُ ثَأْطٌ. وَيُنْشِدُونَ:
فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ
وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَتْ أَصْلًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَهَا بِالدَّالِ، فَكَأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ.

(ثَأَدَ) الثَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالدَّالُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَهِيَ النَّدَى وَمَا أَشْبَهَهُ. فَالثَّأْدُ النَّدَى. وَالثَّئِدُ النَّدِيُّ اللَّيِّنُ. وَقَدْ ثَئِدَ الْمَكَانُ يَثْأَدُ. قَالَ:
هَلْ سُوَيْدٌ غَيْرُ لَيْثٍ خَادِرٍ ... ثَئِدَتْ أَرْضٌ عَلَيْهِ فَانْتَجَعْ
فَأَمَّا الثَّأْدَاءُ عَلَى فَعَلَاءَ وَفَعْلَاءَ فَهِيَ الْأَمَةُ، وَهِيَ قِيَاسُ الْبَابِ، وَمَعْنَاهُمَا
(1/398)

وَاحِدٌ. وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَا كُنْتَ فِيهَا بِابْنِ ثَأْدَاءَ ". وَرُبَّمَا قَلَبُوهُ فَقَالُوا: دَأْثَاءُ. وَأَنْشَدُوا:
وَمَا كُنَّا بَنِي ثَأْدَاءَ لَمَّا ... شَفَيْنَا بِالْأَسِنَّةِ كُلَّ وِتْرِ

(ثَأْيٌ) الثَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى فَسَادٍ وَخَرْمٍ. فَالثَّأْيُ عَلَى مِثَالِ الثَّعْيِ الْخَرْمِ ; يُقَالُ: أَثَأَتُِ الْخَارِزَةَ الْخَرْزَ تُثْئِيهِ إِذَا خَرَمْتَهُ. وَيُقَالُ أَثْأَيْتُ فِي الْقَوْمِ إِثْآءً جَرَحْتُ فِيهِمْ. قَالَ:
يَا لَكَ مِنْ عَيْثٍ وَمِنْ إِثْآءِ ... يُعْقِبُ بِالْقَتْلِ وَبِالسِّبَاءِ

[بَابُ الثَّاءِ وَالْبَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَبَتَ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ دَوَامُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: ثَبَتَ ثَبَاتًا وَثُبُوتًا. وَرَجُلٌ ثَبْتٌ وَثَبِيتٌ. قَالَ طَرَفَةُ فِي الثَّبِيتِ:
فَالْهَبِيتُ لَا فُؤَادَ لَهُ ... وَالثَّبِيتُ ثَبَّتَهُ فَهْمُهُ

(ثَبْجٌ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ وَالْجِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَتَفَرَّعُ مِنْهَا كَلِمٌ، وَهِيَ مُعْظَمُ الشَّيْءِ وَوَسَطُهُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
ثَبَجُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ
. وَرَجُلٌ أَثْبَجُ وَامْرَأَةٌ
(1/399)

ثَبْجَاءُ، إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْجَوْفِ. وَثَبَجَ الرَّجُلُ، إِذَا أَقْعَى عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ كَأَنَّهُ يَسْتَنْجِي وَتَرًا. قَالَ الرَّاجِزُ:
إِذَا الْكُمَاةُ جَثَمُوا عَلَى الرُّكَبْ ... ثَبَجْتُ يَا عَمْرُو ثُبُوجَ الْمُحْتَطِبْ
وَهَذَا إِنَّمَا يُقَالُ لِأَنَّهُ يُبْرِزُ ثَبَجَهُ. وَجَمْعُ الثَّبَجِ أَثْبَاجٌ وَثُبُوجٌ، وَقَوْمٌ ثُبْجٌ جَمْعُ أَثْبَجَ. وَتَثَبَّجَ الرَّجُلُ بِالْعَصَا إِذَا جَعَلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ يَدَيْهِ مِنْ وَرَائِهَا. وَثَبَجُ الرَّمْلِ مُعْظَمُهُ، وَكَذَلِكَ ثَبَجُ الْبَحْرِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ ثَبَّجَ الْكَلَامَ تَثْبِيجًا فَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ يَجْمَعُهُ جَمْعًا فَيَأْتِي بِهِ مُجْتَمِعًا غَيْرَ مُلَخَّصٍ وَلَا مُفَصَّلٍ.

(ثَبَرَ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ وَالرَّاءُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ السُّهُولَةُ، وَالثَّانِي الْهَلَاكُ، وَالثَّالِثُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ.
فَالْأَرْضُ السَّهْلَةُ هِيَ الثَّبْرَةُ. فَأَمَّا ثَبْرَةُ فَمَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ. قَالَ الرَّاجِزُ:
نَجَّيْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ حَزْرَهُ ... نِعْمَ الْفَتَى غَادَرْتُهُ بِثَبْرَهْ
لَنْ يُسْلِمَ الْحُرُّ الْكَرِيمُ بِكْرَهْ
قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَالثَّبْرَةُ تُرَابٌ شَبِيهٌ بِالنُّورَةِ إِذَا بَلَغَ عِرْقُ النَّخْلَةِ إِلَيْهِ وَقَفَ، فَيَقُولُونَ:
بَلَغَتِ النَّخْلَةُ ثَبْرَةً مِنَ الْأَرْضِ.
(1/400)


وَثَبِيرٌ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ. وَمَثْبِرُ النَّاقَةِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تَطْرَحُ فِيهِ وَلَدَهَا. وَثَبَرَ الْبَحْرُ جَزَرَ، وَذَلِكَ يُبْدِي عَنْ مَكَانٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ.
وَأَمَّا الْهَلَاكُ فَالثُّبُورُ، وَرَجُلٌ مَثْبُورٌ هَالِكٌ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13] .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُقَالُ: ثَابَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ وَاظَبْتُ. وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ: تَثَابَرَتِ الرِّجَالُ فِي الْحَرْبِ إِذَا تَوَاثَبَتْ. وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْأَخِيرِ.

(ثَبْنٌ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ وِعَاءٌ مِنَ الْأَوْعِيَةِ. قَالُوا: الثَّبْنُ اتِّخَاذُكَ حُجْزَةً فِي إِزَارِكَ، تَجْعَلُ فِيهَا مَا اجْتَنَيْتَهُ مِنْ رُطَبٍ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ ثِبَانًا» . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ قِيَاسًا مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا مَصْنُوعًا، قَالَ: الْمَثْبَنَةُ: كِيسٌ تَتَّخِذُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الْمِرْآةَ وَأَدَاتَهَا. وَزَعَمَ أَنَّهَا لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ.

(ثَبَيَ) الثَّاءُ وَالْبَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ. قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَقَالَ أَيْضًا: التَّثْبِيَةُ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالتَّثْبِيَةُ الثَّنَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ. وَأَنْشَدَ لِلَبِيدٍ:
يُثَبِّي ثَنَاءً مِنْ كَرِيمٍ وَقَوْلُهُ ... أَلَا انْعَمْ عَلَى حُسْنِ التَّحِيَّةِ وَاشْرَبِ
(1/401)

فَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا الثُّبَةُ فَالْعُصْبَةُ مِنَ الْفُرْسَانِ، يَكُونُونَ ثُبَةً، وَالْجُمَعَ ثُبَاتٌ وَثُبُونٌ. قَالَ عَمْرٌو:
فَأَمَّا يَوْمَ خَشْيَتِنَا عَلَيْهِمْ ... فَتُصْبِحُ خَيْلُنَا عُصَبًا ثُبِينًا
قَالَ الْخَلِيلُ: وَالثُّبَةُ أَيْضًا ثُبَةُ الْحَوْضِ، وَهُوَ وَسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ [إِلَيْهِ الْمَاءُ] . وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنَ الْخَلِيلِ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّاقِطَ مِنَ الثُّبَةِ وَاوٌ قَبْلَ الْبَاءِ ; لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ يَثُوبُ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَمَّا الْعَامَّةُ فَإِنَّهُمْ يُصَغِّرُونَهَا عَلَى ثُبَيَّةٍ، يَتْبَعُونَ اللَّفْظَ. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ ثُوَيْبَةُ فِي تَصْغِيرِ ثُبَةِ الْحَوْضِ، فَإِنَّهُمْ لَزِمُوا الْقِيَاسَ فَرَدُّوا إِلَيْهَا النُّقْصَانَ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِيرِ رَوِيَّةٍ رُوَيِّئَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ رَوَّأْتُ. وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي ثُبَةِ الْحَوْضِ وَثُبَةِ الْخَيْلِ وَاحِدٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَالتَّصْغِيرُ فِيهِمَا ثُبَيَّةٌ، وَقِيَاسُهُ مَا بَدَأْنَا بِهِ الْبَابَ فِي ذِكْرِ التَّثْبِيَةِ، وَهُوَ مِنْ ثَبَّى عَلَى الشَّيْءِ إِذَا دَامَ. وَأَمَّا اشْتِقَاقُهُ الرَّوِيَّةَ وَأَنَّهَا مِنْ رَوَّأْتُ فَفِيهِ نَظَرٌ.
(1/402)

[بَابُ الثَّاءِ وَالتَّاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(ثَتِنَ) الثَّاءُ وَالتَّاءُ وَالنُّونُ لَيْسَ أَصْلًا. يَقُولُونَ: ثَتِنَ اللَّحْمُ: أَنْتَنَ، وَثَتِنَتْ لَثَتُهُ: اسْتَرْخَتْ وَأَنْتَنَتْ. قَالَ:
وَلِثَةً قَدْ ثَتِنَتْ مُشَخَّمَهْ
وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ أَصْلًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَرَّةً ثَتِنَتْ، وَمَرَّةً ثَنِتَتْ.

[بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ أَوَّلُهُ ثَاءٌ]
(الثُّفْرُوقُ) : قِمَعُ التَّمْرَةِ. وَهَذَا مَنْحُوتٌ مِنَ الثَّفْرِ وَهُوَ الْمُؤَخَّرُ، وَمِنْ فَرَقَ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي مُؤَخَّرِ التَّمْرَةِ يُفَارِقُهَا. وَهَذَا احْتِمَالٌ لَيْسَ بِالْبَعِيدِ.

(الثَّعْلَبُ) : مَخْرَجُ الْمَاءِ مِنَ الْجَرِينِ. فَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ ثَعَبَ، وَاللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ. فَأَمَّا ثَعْلَبُ الرُّمْحِ فَهُوَ مَنْحُوتٌ مِنَ الثَّعْبِ وَمِنَ الْعَلْبِ. وَهُوَ فِي خِلْقَتِهِ يُشْبِهُ الْمَثْعَبَ، وَهُوَ مَعْلُوبٌ، وَقَدْ فُسِّرَ الْعَلْبُ فِي بَابِهِ. وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلْبِ وَمِنَ الثَّلِبِ، وَهُوَ الرُّمْحُ الْخَوَّارُ، وَذَلِكَ الطَّرَفُ دَقِيقٌ فَهُوَ ثَلِبٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ (الثُّرْمُطَةُ) وَهِيَ اللَّثَقُ وَالطِّينُ. وَهَذَا مَنْحُوتٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ
(1/403)

مِنَ الثَّرْطِ وَالرَّمْطِ، وَهُمَا اللَّطْخُ. يُقَالُ ثُرِطَ فُلَانٌ إِذَا لُطِخَ بِعَيْبٍ. وَكَذَلِكَ رُمِطَ.

وَمِنْ ذَلِكَ (اثْبَجَرَّ) الْقَوْمُ فِي أَمْرِهِمْ، إِذَا شَكُّوا فِيهِ وَتَرَدَّدُوا مِنْ فَزَعٍ وَذُعْرٍ. وَهَذَا مَنْحُوتٌ مِنَ الثَّبَجِ وَالثُّجْرَةِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَرَادُّونَ وَيَتَجَمَّعُونَ. وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ الْكَلِمَتَيْنِ.
تَمَّ كِتَابُ الثَّاءِ
(1/404)

[كِتَابُ الْجِيمِ] [بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْمُضَاعَفِ وَالْمُطَابِقِ وَالتَّرْخِيم]

بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْمُضَاعَفِ وَالْمُطَابِقِ وَالتَّرْخِيمِ
(جَحَّ) فِي الْمُضَاعَفِ. الْجِيمُ وَالْحَاءُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الشَّيْءِ، يُقَالُ لِلسَّيِّدِ مِنَ الرِّجَالِ الْجَحْجَاحُ، وَالْجَمْعُ جَحَاجِحُ وَجَحَاجِحَةٌ. قَالَ أُمَيَّةُ:
مَاذَا بِبَدْرٍ فَالْعَقَنْ ... قِلِ مِنْ مَرَازِبَةٍ جَحَاجِحِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَجَحَّتِ الْأُنْثَى إِذَا حَمَلَتْ وَأَقْرَبَتْ، وَذَلِكَ حِينَ يَعْظُمُ بَطْنُهَا لِكِبَرِ وَلَدِهَا فِيهِ. وَالْجَمْعُ مَجَاحُّ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ» . هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ. وَزَادَ ابْنُ دُرَيْدٍ بَعْضَ مَا فِيهِ نَظَرٌ، قَالَ: جَحَّ الشَّيْءَ إِذَا سَحَبَهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ فَقَالَ: " لُغَةٌ يَمَانِيَةٌ ". وَالْجُحُّ: صِغَارُ الْبِطِّيخِ.

(جَخَّ) الْجِيمُ وَالْخَاءُ. ذَكَرَ الْخَلِيلُ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا التَّحَوُّلُ، وَالتَّنَحِّي، وَالْآخَرُ الصِّيَاحُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُمْ جَخَّ الرَّجُلُ يَجِخُّ جَخًّا، وَهُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى
(1/405)

مَكَانٍ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى جَخَّ» ، أَيْ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
قَالَ: وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْجَخْجَخَةُ، وَهُوَ الصِّيَاحُ وَالنِّدَاءُ. وَيَقُولُونَ:
إِنْ سَرَّكَ الْعِزُّ فَجَخْجِخْ فِي جَشَمْ
يَقُولُ: صِحْ وَنَادِ فِيهِمْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: وَتَحَوَّلْ إِلَيْهِمْ. وَزَادَ ابْنُ دُرَيْدٍ: جَخَّ بِرِجْلِهِ إِذَا نَسَفَ بِهَا التُّرَابَ. وَجَخَّ بِبَوْلِهِ إِذَا رَغَّى بِهِ. وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَالْكَلِمَةُ الْأُولَى مِنَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ إِذَا نَسَفَ التُّرَابَ فَقَدْ حَوَّلَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. وَالْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأَصْلِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ إِذَا رَغَّى فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ صَوْتٌ. وَقَالَ: الَجَخْجَخَةُ صَوْتُ تَكَسُّرِ الْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا. فَأَمَّا قَوْلُهُ جَخْجَخْتُ الرَّجُلَ إِذَا صَرَعْتَهُ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ قِيَاسُهُ مِنَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْخَلِيلِ.

(جَدَّ) الْجِيمُ وَالدَّالُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الْعَظَمَةُ، وَالثَّانِي الْحَظُّ، وَالثَّالِثُ الْقَطْعُ.
فَالْأَوَّلُ الْعَظَمَةُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِخْبَارًا عَمَّنْ قَالَ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] . وَيُقَالُ جَدَّ الرَّجُلُ فِي عَيْنِي أَيْ عَظُمَ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: " كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ جَدَّ فِينَا "، أَيْ عَظُمَ فِي صُدُورِنَا.
(1/406)

وَالثَّانِي: الْغِنَى وَالْحَظُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ: «لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ، يُرِيدُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْكَ غِنَاهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ بِطَاعَتِكَ. وَفُلَانٌ أَجَدُّ مِنْ فُلَانٍ وَأَحَظُّ مِنْهُ بِمَعْنًى.
وَالثَّالِثُ: يُقَالُ جَدَدْتُ الشَّيْءَ جَدًّا، وَهُوَ مَجْدُودٌ وَجَدِيدٌ، أَيْ مَقْطُوعٌ. قَالَ:
أَبَى حُبِّي سُلَيْمَى أَنْ يَبِيدَا ... وَأَمْسَى حَبْلُهَا خَلَقًا جَدِيدًا
وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ الْجِدُّ فِي الْأَمْرِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَصْرِمُهُ صَرِيمَةً وَيَعْزِمُهُ عَزِيمَةً. وَمِنْ هَذَا قَوْلُكَ: أَجِدَّكَ تَفْعَلُ كَذَا؟ أَيْ أَجَدًّا مِنْكَ، أَصَرِيمَةً مِنْكَ، أَعَزِيمَةً مِنْكَ. قَالَ الْأَعْشَى:
أَجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمَّدٍ ... نَبِيِّ الْإِلَهِ حِينَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
وَقَالَ:
أَجِدَّكَ لَمْ تَغْتَمِضْ لَيْلَةً ... فَتَرْقُدَهَا مَعَ رُقَّادِهَا
وَالْجُدُّ الْبِئْرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ، لَكِنَّهَا بِضَمِّ الْجِيمِ. قَالَ الْأَعْشَى فِيهِ:
مَا جُعِلَ الْجُدُّ الظَّنُونُ الَّذِي ... جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الْمَاطِرِ
وَالْبِئْرُ تُقْطَعُ لَهَا الْأَرْضُ قَطْعًا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجَدْجَدُ: الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ. قَالَ:
(1/407)

يَفِيضُ عَلَى الْمَرْءِ أَرْدَانُهَا ... كَفَيْضِ الْأَتِيِّ عَلَى الْجَدْجَدِ
وَالْجَدَدُ مِثْلُ الْجَدْجَدِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " مَنْ سَلَكَ الْجَدَدَ أَمِنَ الْعِثَارَ ". وَيَقُولُونَ: " رُوَيْدَ يَعْلُونَ الْجَدَدَ ". وَيُقَالُ أَجَدَّ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا فِي الْجَدَدِ. وَالْجَدِيدُ: وَجْهُ الْأَرْضِ. قَالَ:
إِلَّا جَدِيدَ الْأَرْضِ أَوْ ظَهْرَ الْيَدِ
وَالْجُدَّةُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَكُلُّ جُدَّةٍ طَرِيقَةٌ. وَالْجُدَّةُ الْخُطَّةُ تَكُونُ عَلَى ظَهْرِ الْحِمَارِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجَدَّاءُ: الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ بِهَا، كَأَنَّ الْمَاءَ جُدَّ عَنْهَا، أَيْ قُطِعَ، وَمِنْهُ الْجَدُودُ وَالْجَدَّاءُ مِنَ الضَّانِ، وَهِيَ الَّتِي جَفَّ لَبَنُهَا وَيَبِسَ ضَرْعُهَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجِدَادُ وَالْجَدَادُ، وَهُوَ صِرَامُ النَّخْلِ. وَجَادَّةُ الطَّرِيقِ سَوَاؤُهُ، كَأَنَّهُ قَدْ قُطِعَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يُسْلَكُ وَيُجَدُّ. وَمِنْهُ الْجُدَّةُ. وَجَانِبُ كُلِّ شَيْءٍ جُدَّةٌ، نَحْوَ جُدَّةِ الْمَزَادَةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَكَانُ الْقَطْعِ مِنْ أَطْرَافِهَا. فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَضَاءَ مِظَلَّتَهُ بِالسِّرَا ... جِ وَاللَّيْلُ غَامِرُ جُدَّادِهَا
فَيُقَالُ إِنَّهَا بِالنَّبْطِيَّةِ، وَهِيَ الْخُيُوطُ الَّتِي تُعْقَدُ بِالْخَيْمَةِ. وَمَا هَذَا عِنْدِي بِشَيْءٍ،
(1/408)

بَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْجَدِّ وَهُوَ الْقَطْعُ ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تُقْطَعُ قِطَعًا عَلَى اسْتِوَاءٍ.
وَقَوْلُهُمْ ثَوْبٌ جَدِيدٌ، وَهُوَ مِنْ هَذَا، كَأَنَّ نَاسِجَهُ قَطَعَهُ الْآنَ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الْأَيَّامُ جَدِيدًا ; وَلِذَلِكَ يُسَمَّى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ الْجَدِيدَيْنِ وَالْأَجَدَّيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا جَاءَ فَهُوَ جَدِيدٌ. وَالْأَصْلُ فِي الْجَدَّةِ مَا قُلْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
تَجْتَنِي ثَامِرَ جُدَّادِهِ ... مِنْ فُرَادَى بَرَمٍ أَوْ تُؤَامِ
فَيُقَالُ إِنَّ الْجُدَّادَ صِغَارُ الشَّجَرِ، وَهُوَ عِنْدِي كَذَا عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ بِجُدَّادِ الْخَيْمَةِ، وَهِيَ الْخُيُوطُ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُهُ.

(جَذَّ) الْجِيمُ وَالذَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، إِمَّا كَسْرٌ وَإِمَّا قَطْعٌ. يُقَالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ كَسَرْتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء: 58] ، أَيْ كَسَّرَهُمْ. وَجَذَذْتُهُ قَطَعْتُهُ، [وَمِنْهُ] قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] ، أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ. وَيُقَالُ مَا عَلَيْهِ جُذَّةٌ، أَيْ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ مِنْ ثِيَابٍ، كَأَنَّهُ أَرَادَ خِرْقَةً وَمَا أَشْبَهَهَا.
[وَ] مِنَ الْبَابِ الْجَذِيذَةُ، وَهِيَ الْحَبُّ يُجَذُّ وَيُجْعَلُ سَوِيقًا. وَيُقَالُ لِحِجَارَةِ الذَّهَبِ: جُذَاذٌ، لِأَنَّهَا تُكَسَّرُ وَتُحَلُّ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
(1/409)

كَمَا صَرَفَتْ فَوْقَ الْجُذَاذِ الْمَسَاحِنُ
الْمَسَاحِنُ: آلَاتٌ يُدَقُّ بِهَا حِجَارَةُ الذَّهَبِ، وَاحِدَتُهَا مِسْحَنَةٌ.
فَأَمَّا الْمُجْذَوْذِي فَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا، وَهُوَ اللَّازِمُ الرَّحْلَ لَا يُفَارِقُهُ مُنْتَصِبًا عَلَيْهِ. يُقَالُ اجْذَوْذَى ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَا فَكَأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَانْتَصَبَ لِسَفَرِهِ عَلَى رَحْلِهِ. قَالَ:
أَلَسْتَ بِمُجْذَوْذٍ [عَلَى] الرَّحْلِ دَائِبًا ... فَمَالَكَ إِلَّا مَا رُزِقْتَ نَصِيبُ

(جَرَّ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ ; وَهُوَ مَدُّ الشَّيْءِ وَسَحْبُهُ. يُقَالُ جَرَرْتُ الْحَبْلَ وَغَيْرَهُ أَجُرُّهُ جَرًّا. قَالَ لَقِيطٌ:
جَرَّتْ لِمَا بَيْنَنَا حَبْلَ الشَّمُوسِ فَلَا ... يَأْسًا مُبِينًا نَرَى مِنْهَا وَلَا طَمَعًا
وَالْجَرُّ: أَسْفَلُ الْجَبَلِ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ سُحِبَ سَحْبًا. قَالَ:
وَقَدْ قَطَعْتُ وَادِيا وَجَرَّا
وَالْجَرُورُ مِنَ الْأَفْرَاسِ: الَّذِي يَمْنَعُ الْقِيَادَ. وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَأَنَّهُ أَبَدًا يُجَرُّ جَرًّا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ جَرُورًا عَلَى جِهَتِهِ، لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَيْهِ قَائِدَهُ جَرًّا.
(1/410)

وَالْجَرَّارُ: الْجَيْشُ الْعَظِيمُ، لِأَنَّهُ يَجُرُّ أَتْبَاعَهُ وَيَنْجَرُّ. قَالَ:
سَتَنْدَمُ إِذْ يَأْتِي عَلَيْكَ رَعِيلُنَا ... بِأَرْعَنَ جَرَّارٍ كَثِيرٍ صَوَاهِلُهْ
وَمِنِ الْقِيَاسِ الْجُرْجُورُ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ الْإِبِلِ. قَالَ:
مِائَةً مِنْ عَطَائِهِمْ جُرْجُورَا
وَالْجَرِيرُ: حَبْلٌ يَكُونُ فِي عُنُقِ النَّاقَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَبِهِ سُمِّيَ الرَّجُلُ جَرِيرًا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجَرِيرَةُ، مَا يَجُرُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَنْبٍ، لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجُرُّهُ إِلَى نَفْسِهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجِرَّةُ جِرَّةُ الْأَنْعَامِ، لِأَنَّهَا تُجَرُّ جَرًّا. وَسُمِّيَتْ مَجَرَّةُ السَّمَاءِ مَجَرَّةً لِأَنَّهَا كَأَثَرِ الْمَجَرِّ. وَالْإِجْرَارُ: أَنْ يُجَرَّ لِسَانُ الْفَصِيلِ ثُمَّ يُخَلَّ لِئَلَّا يَرْتَضِعَ. قَالَ:
كَمَا خَلَّ ظَهْرَ اللِّسَانِ الْمُجِرُّ
وَقَالَ قَوْمٌ الْإِجْرَارُ أَنْ يُجَرَّ ثُمَّ يُشَقَّ. وَعَلَى ذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُ عَمْرٍو:
فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي أَنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ ... نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أُجِرَّتِ
يَقُولُ: لَوْ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا لَذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي شِعْرِي مُفْتَخِرًا بِهِ، وَلَكِنَّ رِمَاحَهُمْ أَجَرَّتْنِي فَكَأَنَّهَا قَطَعَتِ اللِّسَانَ عَنِ الِافْتِخَارِ بِهِمْ.
(1/411)

وَيُقَالُ أَجَرَّهُ الرُّمْحَ إِذَا طَعَنَهُ وَتَرَكَ الرُّمْحَ فِيهِ يَجُرُّهُ. قَالَ:
وَنَجِرُّ فِي الْهَيْجَا الرِّمَاحَ وَنَدَّعِي
وَقَالَ:
وَغَادَرْنَ نَضْلَةَ فِي مَعْرَكٍ ... يَجُرُّ الْأَسِنَّةَ كَالْمُحْتَطِبْ
وَهُوَ مَثَلٌ، وَالْأَصْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرِّ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ جَرَّتِ النَّاقَةُ، إِذَا أَتَتْ عَلَى وَقْتِ نِتَاجِهَا وَلَمْ تُنْتَجْ إِلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَهِيَ قَدْ جَرَّتْ حَمْلَهَا جَرًّا. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا صَدَقَةَ فِي الْإِبِلِ الْجَارَّةِ» ، وَهِيَ الَّتِي تُجَرُّ بِأَزِمَّتِهَا وَتُقَادُ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ الْأَحْمَالِ، وَيُقَالُ بَلْ هِيَ رَكُوبَةُ الْقَوْمِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَجْرَرْتُ فُلَانًا الدَّيْنَ إِذَا أَخَّرْتَهُ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ إِجْرَارِ الرُّمْحِ وَالرَّسَنِ. وَمِنْهُ أَجَرَّ فُلَانٌ فُلَانًا أَغَانِيَّ، إِذَا تَابَعَهَا لَهُ. قَالَ:
فَلَمَّا قَضَى مِنِّي الْقَضَاءَ أَجَرَّنِي ... أَغَانِيَّ لَا يَعِيَا بِهَا الْمُتَرَنِّمُ
وَتَقُولُ: كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ كَذَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْيَوْمِ، أَيْ جُرَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ لَمْ يَنْقَطِعْ وَلَمْ يَنْصَرِمْ. وَالْجَرُّ فِي الْإِبِلِ أَيْضًا أَنْ تَرْعَى وَهِيَ سَائِرَةٌ تَجُرُّ أَثْقَالَهَا. وَالْجَارُورُ - فِيمَا يُقَالُ - نَهْرٌ يَشُقُّهُ السَّيْلُ. وَمِنَ الْبَابِ الْجُرَّةُ وَهِيَ خَشَبَةٌ نَحْوُ الذِّرَاعِ تُجْعَلُ فِي رَأْسِهَا كِفَّةٌ وَفِي وَسَطِهَا حَبْلٌ وَتُدْفَنُ لِلظِّبَاءِ فَتَنْشَبُ فِيهَا، فَإِذَا نَشِبَتْ نَاوَصَهَا سَاعَةً يَجُرُّهَا إِلَيْهِ وَتَجُرُّهُ إِلَيْهَا، فَإِذَا غَلَبَتْهُ اسْتَقَرَّ [فِيهَا] .
(1/412)

فَتَضْرِبُ الْعَرَبُ بِهَا مَثَلًا لِلَّذِي يُخَالِفُ الْقَوْمَ فِي رَائِهِمْ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ. فَيَقُولُونَ " نَاوَصَ الْجُرَّةَ ثُمَّ سَالَمَهَا ". وَالْجَرَّةُ مِنَ الْفَخَّارِ، لِأَنَّهَا تُجَرُّ لِلِاسْتِقَاءِ أَبَدًا. وَالْجَرُّ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ سُلَاخَةِ عُرْقُوبِ الْبَعِيرِ، تَجْعَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الْخَلْعَ ثُمَّ تُعَلِّقُهُ عِنْدَ الظَّعْنِ مِنْ مُؤَخَّرِ عِكْمِهَا، فَهُوَ أَبَدًا يَتَذَبْذَبُ. قَالَ:
زَوْجُكِ يَا ذَاتَ الثَّنَايَا الْغُرِّ ... وَالرَّتِلَاتِ وَالْجَبِينِ الْحُرِّ
أَعْيَا فَنُطْنَاهُ مَنَاطَ الْجَرِّ ... ثُمَّ شَدَدْنَا فَوْقَهُ بِمَرِّ
وَمِنَ الْبَابِ رَكِيٌّ جَرُورٌ، وَهِيَ الْبَعِيدَةُ الْقَعْرِ يُسْنَى عَلَيْهَا، وَهِيَ الَّتِي يُجَرُّ مَاؤُهَا جَرًّا. وَالْجَرَّةُ الْخُبْزَةُ تُجَرُّ مِنَ الْمَلَّةِ. قَالَ:
وَصَاحِبٍ صَاحَبْتُهُ خِبٍّ دَنِعْ ... دَاوَيْتُهُ لَمَّا تَشَكَّى وَوَجِعْ
بِجَرَّةٍ مِثْلَ الْحِصَانِ الْمُضْطَجِعْ
فَأَمَّا الْجَرْجَرَةُ، وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُرَدِّدُهُ الْبَعِيرُ فِي حَنْجَرَتِهِ فَمِنَ الْبَابِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ صَوْتٌ يَجُرُّهُ جَرًّا، لَكِنَّهُ لَمَّا تَكَرَّرَ قِيلَ جَرْجَرَ، كَمَا يُقَالُ صَلَّ وَصَلْصَلَ. وَقَالَ الْأَغْلَبُ:
جَرْجَرَ فِي حَنْجَرَةٍ كَالْحُبِّ ... وَهَامَةٍ كَالْمِرْجَلِ الْمُنْكَبِّ
(1/413)

وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْبَابُ قِيَاسًا مُطَّرِدًا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.

(جَزَّ) الْجِيمُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَطْعُ الشَّيْءِ ذِي الْقُوَى الْكَثِيرَةِ الضَّعِيفَةِ. يُقَالُ: جَزَزْتُ الصُّوفَ جَزًّا. وَهَذَا زَمَنُ الْجَزَازِ وَالْجِزَازِ. وَالْجَزُوزَةُ: الْغَنَمُ تُجَزُّ أَصْوَافُهَا. وَالْجُزَازَةُ: مَا سَقَطَ مِنَ الْأَدِيمِ إِذَا قُطِعَ. وَهَذَا حَمْلٌ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْأَصْلُ فِي الْجَزِّ مَا ذَكَرْتُهُ. وَالْجَزِيزَةُ: خُصْلَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَالْجَمْعُ جَزَائِزُ.

(جَسَّ) الْجِيمُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَعَرُّفُ الشَّيْءِ بِمَسٍّ لِطَيْفٍ. يُقَالُ جَسَسْتُ الْعِرْقَ وَغَيْرَهُ جَسًّا. وَالْجَاسُوسُ فَاعُولٌ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَتَخَبَّرُ مَا يُرِيدُهُ بِخَفَاءٍ وَلُطْفٍ. وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي هِيَ مَشَاعِرُ الْإِنْسَانِ رُبَّمَا سُمِّيَتْ جَوَاسَّ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَقَدْ يَكُونُ الْجَسُّ بِالْعَيْنِ. وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَأَنْشَدَ:
فَاعْصَوْصَبُوا ثُمَّ جَسُّوهُ بِأَعْيُنِهِمْ

(جَشَّ) الْجِيمُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّكَسُّرُ، يُقَالُ مِنْهُ جَشَشْتُ الْحَبَّ أَجُشُّهُ. وَالْجَشِيشَةُ: شَيْءٌ يُطْبَخُ مِنَ الْحَبِّ إِذَا جُشَّ. وَيَقُولُونَ فِي صِفَةِ الصَّوْتِ: أَجَشُّ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَكَسَّرُ فِي الْحَلْقِ تَكَسُّرًا. أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ:
(1/414)

قَصَبٌ أَجَشُّ مُهَضَّمٌ. وَيُقَالُ فَرَسٌ أَجَشُّ الصَّوْتِ، وَسَحَابٌ أَجَشُّ. قَالَ:
بِأَجَشِّ الصَّوْتِ يَعْبُوبٍ إِذَا ... طُرِقَ الْحَيُّ مِنَ اللَّيْلِ صَهَلْ
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ جَشَشْتُ الْبِئْرَ إِذَا كَنَسْتَهَا، فَهُوَ مِنْ هَذَا، لِأَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْهَا يَتَكَسَّرُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
يَقُولُونَ لَمَّا جُشَّتِ الْبِئْرُ أَوْرِدُوا ... وَلَيْسَ بِهَا أَدْنَى ذُِفَافٍ لِوَارِدِ

(جَصَّ) الْجِيمُ وَالصَّادُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا صَحِيحًا. فَأَمَّا الْجِصُّ فَمُعَرَّبٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقَِصَّةَ. وَجَصَّصَ الْجِرْوُ، وَذَلِكَ فَتْحُهُ عَيْنَيْهِ. وَالْإِجَّاصُ. وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ.

(جَضَّ) الْجِيمُ وَالضَّادُ قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. يَقُولُونَ جَضَّضَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، أَيْ حَمَلَ.

(جَظَّ) الْجِيمُ وَالظَّاءُ إِنْ صَحَّ فَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الْجَفَاءِ. وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «أَهْلُ النَّارِ كُلُّ جَظٍّ مُسْتَكْبِرٍ» ، وَفُسِّرَ أَنَّ الْجَظَّ الضَّخْمُ. وَيَقُولُونَ: جَظَّ، إِذَا نَكَحَ. وَكُلُّ هَذَا قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.

(جَعَّ) الْجِيمُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَكَانُ غَيْرُ الْمَرْضِيِّ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْجَعْجَاعُ مُنَاخُ السَّوْءِ. وَيُقَالُ لِلْقَتِيلِ: تُرِكَ بِجَعْجَاعٍ. قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:
(1/415)

مَنْ يَذُقِ الْحَرْبَ يَجِدْ طَعْمَهَا ... مُرًّا وَتَتْرُكْهُ بِجَعْجَاعِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَهُوَ الْحَبْسُ. قَالَ:
إِذَا جَعْجَعُوا بَيْنَ الْإِنَاخَةِ وَالْحَبْسِ
وَكَتَبَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى ابْنِ سَعْدٍ: " أَنْ جَعْجِعْ بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " كَأَنَّهُ يُرِيدُ: أَلْجِئْهُ إِلَى مَكَانٍ خَشِنٍ قَلِقٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْجَعْجَعَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْإِزْعَاجُ ; يُقَالُ جَعْجَعْتُ الْإِبِلَ، إِذَا حَرَّكْتَهَا لِلْإِنَاخَةِ. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ، فِي الْجَعْجَعَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى سُوءِ الْمَصْرَعِ:
فَأَبَدَّهُنَّ حُتُوفَهُنَّ فَهَارِبٌ ... بِذَمَائِهِ أَوْ بَارِكٌ مُتَجَعْجِعُ

(جَفَّ) الْجِيمُ وَالْفَاءُ أَصْلَانِ: فَالْأَوَّلُ قَوْلُكَ جَفَّ الشَّيْءُ جُفُوفًا يَجِفُّ. وَالثَّانِي الْجُفُّ جُفُّ الطَّلْعَةِ، وَهُوَ وِعَاؤُهَا. وَيُقَالُ الْجُفُّ شَيْءٌ يُنْقَرُ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ. وَالْجُفُّ: نِصْفُ قِرْبَةٍ يُتَّخَذُ دَلْوًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْجَمَاعَةِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ جُفٌّ، وَهُوَ فِي قَوْلِ النَّابِغَةِ:
فِي جُفِّ ثَعْلَبَ وَارِدِي الْأَمْرَارِ
(1/416)

فَهُوَ مِنْ هَذَا، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ يُنْضَوَى إِلَيْهَا وَيُجْتَمَعُ، فَكَأَنَّهَا مَجْمَعُ مَنْ يَأْوِي إِلَيْهَا.
فَأَمَّا الْجَفْجَفُ الْأَرْضُ الْمُرْتَفِعَةُ فَهُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَذَا كَانَ أَقَلَّ لِنَدَاهَا.
وَجُفَافُ الطَّيْرِ: مَكَانٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَا أَبْصَرَ النَّارَ الَّتِي وَضَحَتْ لَهُ ... وَرَاءَ جُفَافِ الطَّيْرِ إِلَّا تَمَارَيَا

(جَلَّ) الْجِيمُ وَاللَّامُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: جَلَّ الشَّيْءُ: عَظُمَ، وَجُلُّ الشَّيْءِ مُعْظَمُهُ. وَجَلَالُ اللَّهِ: عَظَمَتُهُ. وَهُوَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَالْجَلَلُ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ. وَالْجِلَّةُ: الْإِبِلُ الْمَسَانُّ. قَالَ:
أَوْ تَأْخُذَنْ إِبِلِي إِلَيَّ سِلَاحَهَا ... يَوْمًا لِجُلَّتِهَا وَلَا أَبْكَارِهَا
وَالْجُلَالَةُ: النَّاقَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْجَلِيلَةُ: خِلَافُ الدَّقِيقَةِ. وَيُقَالُ مَا لَهُ دَقِيقَةٌ وَلَا جَلِيلَةٌ، أَيْ لَا نَاقَةَ وَلَا شَاةَ. وَأَتَيْتُ فُلَانًا فَمَا أَجَلَّنِي وَلَا أَحْشَانِي، أَيْ مَا أَعْطَانِي صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا مِنَ الْجِلَّةِ وَلَا مِنَ الْحَاشِيَةِ. وَأَدَقَّ فُلَانٌ وَأَجَلَّ، إِذَا أَعْطَى الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ. [قَالَ] :
أَلَا مَنْ لِعَيْنٍ لَا تَرَى قُلَلَ الْحِمَى ... وَلَا جَبَلَ الرَّيَّانِ إِلَّا اسْتَهَلَّتِ
(1/417)

لَجُوجٍ إِذَا سَحَّتْ هَمُوعٍ إِذَا بَكَتْ ... بَكَتْ فَأَدَقَّتْ فِي الْبُكَا وَأَجَلَّتِ
يَقُولُ: أَتَتْ بِقَلِيلِ الْبُكَاءِ وَكَثِيرِهِ. وَيُقَالُ: فَعَلْتُ ذَاكَ مِنْ جَلَالِكَ. قَالُوا: مَعْنَاهُ مِنْ عِظَمِكَ فِي صَدْرِي. قَالَ كُثَيِّرٌ:
وَإِكْرَامِيَ الْعِدَى مِنْ جَلَالِهَا
وَالْأَصْلُ الثَّانِي شَيْءٌ يَشْمَلُ شَيْئًا، مِثْلَ جُلِّ الْفَرَسِ، وَمِثْلُ [الْمُجَلِّلِ] الْغَيْثُ الَّذِي يُجَلِّلُ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ وَالنَّبَاتِ. وَمِنْهُ الْجُلُولُ، وَهِيَ شُرُعُ السُّفُنِ. قَالَ الْقَطَامِيُّ:
فِي ذِي جُلُولٍ يُقَضِّي الْمَوْتَ صَاحِبُهُ ... إِذَا الصَّرَارِيُّ مِنْ أَهْوَالِهِ ارْتَسَمَا
الْوَاحِدُ جُلٌّ.
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنَ الصَّوْتِ ; يُقَالُ سَحَابٌ مُجَلْجِلٌ إِذَا صَوَّتَ. وَالْجُلْجُلُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ. وَمِنَ الْبَابِ جَلَجَلْتُ الشَّيْءَ فِي يَدِي، إِذَا خَلَطْتَهُ ثُمَّ ضَرَبْتَهُ.
فَجَلْجَلَهَا طَوْرَيْنِ ثُمَّ أَمَرَّهَا ... كَمَا أُرْسِلَتْ مَخْشُوبَةً لَمْ تُقَرَّمِ
(1/418)

وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ جُلْجُلَانُ السِّمْسِمِ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَتَجَلْجَلُ فِي سِنْفِهِ إِذَا يَبِسَ.
وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ: أَصَبْتُ جُلْجُلَانَ قَلْبِهِ، أَيْ حَبَّةَ قَلْبِهِ. وَمِنْهُ الْجَُِلُّ قَصَبُ الزَّرْعِ ; لِأَنَّ الرِّيحَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ جَلْجَلَتْهُ. وَمُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ لِغِلَظِهِ. وَمِنْهُ الْجَلِيلُ وَهُوَ الثُّمَامُ. قَالَ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَأَمَّا الْمَجَلَّةُ فَالصَّحِيفَةُ، وَهِيَ شَاذَّةٌ عَنِ الْبَابِ، إِلَّا أَنْ تُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ ; لِعِظَمِ خَطَرِ الْعِلْمِ وَجَلَالَتِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ كِتَابٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ مَجَلَّةٌ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْجُلَّةُ الْبَعَْرُ.

(جَمَّ) الْجِيمُ وَالْمِيمُ فِي الْمُضَاعَفِ لَهُ أَصْلَانِ: الْأَوَّلُ كَثْرَةُ الشَّيْءِ وَاجْتِمَاعُهُ، وَالثَّانِي عَدَمُ السِّلَاحِ.
فَالْأَوَّلُ الْجَمُّ وَهُوَ الْكَثِيرُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20] ، وَالْجِمَامُ: الْمِلْءُ، يُقَالُ إِنَاءٌ [جَمَّانُ، إِذَا بَلَغَ] جِمَامَهُ. قَالَ:
(1/419)

أَوْ كَمَاءِ الْمَثْمُودِ بَعْدَ جِمَامٍ ... زَرِمَ الدَّمْعِ لَا يَؤُوبُ نَزُورَا
وَيُقَالُ الْفَرَسُ فِي جَمَامِهِ ; وَالْجَمَامُ الرَّاحَةُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مْجْتَمِعًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ الْأَعْضَاءِ، فَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ. وَالْجُمَّةُ: الْقَوْمُ يَسْأَلُونَ فِي الدِّيَّةِ، وَذَلِكَ يَتَجَمَّعُونَ لِذَلِكَ. قَالَ:
وَجُمَّةٍ تَسْأَلُنِي أَعْطَيْتُ
وَالْجَمِيمُ مُجْتَمَعٌ مِنَ الْبُهْمَى. قَالَ:
رَعَى بَارِضَ الْبُهْمَى جَمِيمًا وَبُسْرَةً ... وَصَمْعَاءَ حَتَّى آنَفَتْهَا نِصَالُهَا
وَالْجُمَّةُ مِنَ الْإِنْسَانِ مُجْتَمَعُ شَعْرِ نَاصِيَتِهِ. وَالْجَمَّةُ مِنَ الْبِئْرِ الْمَكَانُ الَّذِي يَجْتَمِعُ مَاؤُهَا. وَالْجَمُومُ: الْبِئْرُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَقَدْ جَمَّتْ جُمُومًا. قَالَ:
يَزِيدُهَا مَخْجُ الدِّلَا جُمُومَا
وَالْجَمُومُ مِنَ الْأَفْرَاسِ: الَّذِي كُلَّمَا ذَهَبَ مِنْهُ إِحْضَارٌ جَاءَهُ إِحْضَارٌ آخَرُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ وَالِاجْتِمَاعِ. قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
جَمُومُ الشَّدِّ شَائِلَةُ الذُّنَابَى ... تَخَالُ بَيَاضَ غُرَّتِهَا سِرَاجَا
(1/420)

وَالْجُمْجُمَةُ: جُمْجُمَةُ الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّهَا تَجْمَعُ قَبَائِلَ الرَّاسِّ. وَالْجَمْجُمَةُ: الْبِئْرُ تُحْفَرُ فِي السَّبَخَةِ. وَجَمَّ الْفَرَسُ وَأَجَمَّ إِذَا تُرِكَ أَنْ يُرْكَبَ. وَهُوَ مِنَ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ تَثُوبُ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ وَتَجْتَمِعُ. وَجَمَاجِمُ الْعَرَبِ: الْقَبَائِلُ الَّتِي تَجْمَعُ الْبُطُونَ فَيُنْسَبُ إِلَيْهَا دُونَهُمْ، نَحْوَ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ، إِذَا قُلْتَ كَلْبِيٌّ وَاسْتَغْنَيْتَ أَنْ تَنْسُِبَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بُطُونِهَا.
وَالْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْبَيْضَةُ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ ; لِأَنَّهَا تَجْمَعُ شَعْرَ الرَّأْسِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَجَمَّ الشَّيْءُ: دَنَا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي الْأَجَمُّ، وَهُوَ الَّذِي لَا رُمْحَ مَعَهُ فِي الْحَرْبِ. وَالشَّاةُ الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أُمِرْنَا أَنْ نَبْنِيَ الْمَسَاجِدَ جُمًّا» ، يَعْنِي أَنْ [لَا] يَكُونَ لِجُدْرَانِهَا شُرَفٌ.

(جِنٌّ) الْجِيمُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ [السَّتْرُ وَ] التَّسَتُّرُ. فَالْجَنَّةُ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ ثَوَابٌ مَسْتُورٌ عَنْهُمُ الْيَوْمَ. وَالْجَنَّةُ الْبُسْتَانُ، وَهُوَ ذَاكَ لِأَنَّ الشَّجَرَ بِوَرَقِهِ يَسْتُرُ. وَنَاسٌ يَقُولُونَ: الْجَنَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ النَّخْلُ الطِّوَالُ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَأَنَّ عَيْنَيَّ [فِي] غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
(1/421)

وَالْجَنِينُ: الْوَلَدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَالْجَنِينُ: الْمَقْبُورُ. وَالْجَنَانُ: الْقَلْبُ. وَالْمِجَنُّ: التُّرْسُ. وَكُلُّ مَا اسْتُتِرَ بِهِ مِنَ السِّلَاحِ فَهُوَ جُنَّةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّلَاحُ مَا قُوتِلَ بِهِ، وَالْجُنَّةُ مَا اتُّقِيَ بِهِ. قَالَ:
حَيْثُ تَرَى الْخَيْلَ بِالْأَبْطَالِ عَابِسَةً ... يَنْهَضْنَ بِالْهُنْدُوانِيَّاتِ وَالْجُنَنِ
وَالْجِنَّةُ: الْجُنُونُ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ يُغَطِّي الْعَقْلَ. وَجَنَانُ اللَّيْلِ: سَوَادُهُ وَسَتْرُهُ الْأَشْيَاءَ. قَالَ:
وَلَوْلَا جَنَانُ اللَّيْلِ أَدْرَكَ رَكْضُنَا ... بِذِي الرِّمْثِ وَالْأَرْطَى عِيَاضَ بْنَ نَاشِبِ
وَيُقَالُ جُنُونُ اللَّيْلِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَيُقَالُ جُنَّ النَّبْتُ جُنُونًا إِذَا اشْتَدَّ وَخَرَجَ زَهْرُهُ. فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجُنُونِ اسْتِعَارَةً كَمَا يُجَنُّ الْإِنْسَانُ فَيَهِيجُ، ثُمَّ يَكُونُ أَصْلُ الْجُنُونِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السَّتْرِ. وَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ. وَجَنَانُ النَّاسِ مُعْظَمُهُمْ، وَيُسَمَّى السَّوَادَ. وَالْمَجَنَّةُ الْجُنُونُ. فَأَمَّا الْحَيَّةُ الَّذِي يُسَمَّى الْجَانَّ فَهُوَ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْوَاحِدِ مِنَ الْجَانِّ. وَالْجِنُّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُتَسَتِّرُونَ عَنْ أَعْيُنِ الْخَلْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] . وَالْجَنَاجِنُ: عِظَامُ الصَّدْرِ.

(جَهٌّ) الْجِيمُ وَالْهَاءُ لَيْسَ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ صَوْتٌ. يُقَالُ جَهْجَهْتُ بِالسَّبُعِ إِذَا صِحْتَ بِهِ. قَالَ:
فَجَاءَ دُونَ الزَّجْرِ وَالتَّجَهْجُهِ
(1/422)

وَحَكَى نَاسٌ: تَجَهْجَهَ عَنِ الْأَمْرِ انْتَهَى. وَهَذَا إِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ فِي بَابِ الْمُقَابَلَةِ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ جَهْجَهْتُ بِهِ فَتَجَهْجَهَ.

(جَوٌّ) الْجِيمُ وَالْوَاوُ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَحْتَوِي عَلَى شَيْءٍ مِنْ جَوَانِبِهِ. فَالْجَوُّ جَوُّ السَّمَاءِ، وَهُوَ مَا حَنَا عَلَى الْأَرْضِ بِأَقْطَارِهِ، وَجَوُّ الْبَيْتِ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا الْجُؤْجُؤُ. وَهُوَ الصَّدْرُ، فَمَهْمُوزٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى هَذَا.

(جَأَّ) الْجِيمُ وَالْهَمْزَةُ لَيْسَ أَصْلًا لِأَنَّهُ حِكَايَةُ صَوْتٍ. يُقَالُ جَأْجَأْتُ بِالْإِبِلِ إِذَا دَعَوْتُهَا لِلشُّرْبِ. وَالِاسْمُ الْجِيءُ. قَالَ:
وَمَا كَانَ عَلَى الْجِيءِ ... وَلَا الْهِيءِ امْتِدَاحِيكَا

(جَبَّ) الْجِيمُ وَالْبَاءُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ، وَالثَّانِي تَجَمُّعُ الشَّيْءِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْجَبُّ الْقَطْعُ، يُقَالُ: جَبَبْتُهُ أَجُبُّهُ جَبًّا. وَخَصِيٌّ مَجْبُوبٌ بَيِّنُ الْجِبَابِ. وَيُقَالُ جَبَّهُ إِذَا غَلَبَهُ بِحُسْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَطَعَهُ عَنْ مُسَامَاتِهِ وَمُفَاخَرَتِهِ. قَالَ:
جَبَّتْ نِسَاءَ الْعَالَمِينَ بِالسَّبَبْ ... فَهُنَّ بَعْدُ كُلِّهِنَّ كَالْمُحِبِّ
وَكَانَتْ قَدَّرَتْ عَجِيزَتَهَا بِحَبْلٍ وَبَعَثَتْ إِلَيْهِنَّ: هَلْ فِيكُنَّ مِثْلُهَا؟ فَلَمْ يَكُنْ، فَغَلَبَتْهُنَّ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْآخَرِ:
(1/423)

لَقَدْ أَهْدَتْ حَبَابَةُ بِنْتُ جَزْءٍ ... لِأَهْلِ جُلَاجِلٍ حَبْلًا طَوِيلًا
وَالْجَبَبُ أَنْ يُقْطَعَ سَنَامُ الْبَعِيرِ ; وَهُوَ أَجَبُّ وَنَاقَةٌ جَبَّاءُ.
الْأَصْلُ الثَّانِي الْجُبَّةُ مَعْرُوفَةٌ، لِأَنَّهَا تَشْمَلُ الْجِسْمَ وَتَجْمَعُهُ فِيهَا. وَالْجُبَّةُ مَا دَخَلَ فِيهِ ثَعْلَبُ الرُّمْحِ مِنَ السِّنَانِ. وَالْجُبْجُبَةُ: زَبِيلٌ مِنْ جُلُودٍ يُجْمَعُ فِيهِ التُّرَابُ إِذَا نُقِلَ. وَالْجُبْجُبَةُ: الْكَرِشُ يُجْعَلُ فِيهِ اللَّحْمُ وَهُوَ الْخَلْعُ. وَجَبَّ النَّاسُ النَّخْلَ إِذَا أَلْقَحُوهُ، وَذَا زَمَنُ الْجِبَابِ. وَالْجَبُوبُ: الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهَا. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ يَصِفُ عِقَابًا رَفَعَتْ صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ فَصَادَمَ الْأَرْضَ:
فَلَاقَتْهُ بِبَلْقَعَةٍ بَرَاحٍ ... فَصَادَمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ الْجَبُوبَا
الْمَجَبَّةُ: جَادَّةُ الطَّرِيقِ وَمُجْتَمَعُهُ. وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ. وَيُقَالُ جَبَّبَ تَجْبِيبًا إِذَا فَرَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْمَعُ نَفْسَهُ لِلْفِرَارِ وَيَتَشَمَّرُ.
وَمِنَ الْبَابِ الْجُبَابُ: شَيْءٌ يَجْتَمِعُ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ كَالزُّبْدِ. وَلَيْسَ لِلْإِبِلِ زُبْدٌ. قَالَ الرَّاجِزُ:
يَعْصِبُ فَاهُ الرِّيقُ أَيَّ عَصْبِ ... عَصْبَ الْجُبَابِ بِشِفَاهِ الْوَطْبِ
قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْجِبْجَابُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَكَذَلِكَ الْجُبَاجِبُ.
(1/424)

(جَثَّ) الْجِيمُ وَالثَّاءُ يَدُلُّ عَلَى تَجَمُّعِ الشَّيْءِ. وَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ. فَالْجُثَّةُ جُثَّةُ الْإِنْسَانِ، إِذَا كَانَ قَاعِدًا أَوْ نَائِمًا. وَالْجُثُّ: مُجْتَمِعٌ مِنَ الْأَرْضِ مُرْتَفِعٌ كَالْأَكَمَةِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَأَحْسَبُ أَنَّ جُثَّةَ الرَّجُلِ مِنْ هَذَا. وَيُقَالُ الْجَثُّ قَذًى يُخَالِطُ الْعَسَلَ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ:
فَمَا بَرِحَ الْأَسْبَابُ حَتَّى وَضَعْنَهُ ... لَدَى الثَّوْلِ يَنْفِي جَثَّهَا وَيَؤُومُهَا
وَيُقَالُ: الْجَثُّ الشَّمْعُ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ. وَيُقَالُ نَبْتٌ جُثَاجِثٌ كَثِيرٌ. وَلَعَلَّ الْجَثْجَاثَ مِنْ هَذَا. وَجُثِثْتُ مِنَ الرَّجُلِ إِذَا فَزِعْتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَذْعُورَ يَتَجَمَّعُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقِيسُ عَلَى هَذَا جَثَثْتُ الشَّيْءَ وَاجْتَثَثْتُهُ إِذَا قَلَعْتَهُ، وَالْجَثِيثُ مِنَ النَّخْلِ الْفَسِيلُ، وَالْمِجَثَّةُ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تَقْتَلِعُ بِهَا الشَّيْءَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ قِيَاسَهُ قِيَاسُ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ [لَا] يَكُونُ مَجْثُوثًا إِلَّا وَقَدْ قُلِعَ بِجَمِيعِ أُصُولِهِ وَعُرُوقِهِ حَتَّى لَا يُتْرَكَ مِنْهُ شَيْءٌ. فَقَدْ عَادَ إِلَى مَا أَصَّلْنَاهُ.

[بَابُ الْجِيمِ وَالْحَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(جَحَدَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْخَيْرِ. يُقَالُ عَامٌ جَحِدٌ قَلِيلُ الْمَطَرِ. وَرَجُلٌ جَحِْدٌ فَقِيرٌ، وَقَدْ جَحِدَ وَأَجْحَدَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَالْجَحْدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْقِلَّةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَنْ يَرَى مَا عَاشَ إِلَّا جَحْدًا
(1/425)

وَقَالَ الشَّيْبَانِيُّ: [أَجْحَدَ الرَّجُلُ وَجَحَدَ إِذَا أَنَفَضَ وَذَهَبَ مَالُهُ. وَأَنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ] :
وَبَيْضَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ تَذُقْ ... بَئِيسًا وَلَمْ تَتْبَعْ حُمُولَةَ مُجْحِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجُحُودُ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِقْرَارِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ عِلْمِ الْجَاحِدِ بِهِ أَنَّهُ صَحِيحٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] . وَمَا جَاءَ جَاحِدٌ بِخَيْرٍ قَطُّ.

(جَحَرَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ الشَّيْءِ وَالشِّدَّةِ. فَالْجِحَرَةُ جَمْعُ جُحْرٍ. [وَأَجْحَرَ] فُلَانًا الْفَزَعُ وَالْخَوْفُ، إِذَا أَلْجَأَهُ. وَمَجَاحِرُ الْقَوْمِ مَكَامِنُهُمْ. وَجَحَرَتْ عَيْنُهُ إِذَا غَارَتْ. وَالْجَحْرَةُ: السَّنَةُ الشَّدِيدَةُ.

(جَحَسَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالسِّينُ لَيْسَ أَصْلًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجِحَاسُ، ثُمَّ قَالُوا: السِّينُ [بَدَلَ] الشِّينِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: جُحِسَ جِلْدُهُ مِثْلَ جُحِشَ، إِذَا كُدِحَ.
(1/426)

(جَحْشٌ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالشِّينُ مُتَبَاعِدَةٌ جِدًّا. فَالْجَحْشُ مَعْرُوفٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " هُوَ جُحَيْشُ وَحْدِهِ " فِي الذَّمِّ، كَمَا يَقُولُونَ: " نَسِيجُ وَحْدِهِ " فِي الْمَدْحِ. فَهَذَا أَصْلٌ.
وَكَلِمَةٌ أُخْرَى، يَقُولُونَ: جُحِشَ إِذَا تَقَشَّرَ جِلْدُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ» .
وَكَلِمَةٌ أُخْرَى: جَاحَشْتُ عَنْهُ إِذَا دَافَعْتَ عَنْهُ. وَيُقَالُ نَزَلَ فُلَانٌ جَحِيشًا. وَهَذَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَذَلِكَ إِذَا نَزَلَ نَاحِيَةً مِنَ النَّاسِ. قَالَ الْأَعْشَى:
إِذَا نَزَلَ الْحَيُّ حَلَّ الْجَحِيشُ
وَأَمَّا الْجَحْوَشُ، وَهُوَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَحْشِ، وَإِنَّمَا زِيدَ فِي بِنَائِهِ لِئَلَّا يُسَمَّى بِالْجَحْشِ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ:
قَتَلْنَا مَخْلَدًا وَابْنَيْ حُرَاقٍ ... وَآخَرَ جَحْوَشًا فَوْقَ الْفَطِيمِ

(جَحَظَ) الْجِيمُ [وَالْحَاءُ] وَالظَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: جَحَظَتِ الْعَيْنُ إِذَا عَظُمَتْ مُقْلَتُهَا وَبَرَزَتْ.

(جَحَفَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالْفَاءُ [أَصْلٌ] وَاحِدٌ، قِيَاسُهُ الذَّهَابُ بِالشَّيْءِ مُسْتَوْعَبًا. يُقَالُ سَيْلٌ جُحَافٌ إِذَا جَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَهَبَ بِهِ. قَالَ:
(1/427)

لَهَا كَفَلٌ كَصَفَاةِ الْمَسِيلِ ... أَبْرَزَ عَنْهَا جُحَافٌ مُضِرُّ
وَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ جَحَفَ أَهْلَهَا، أَيْ حَمَلَهُمْ. وَيُقَالُ أَجْحَفَ بِالشَّيْءِ إِذَا ذَهَبَ بِهِ. وَمَوْتٌ جُحَافٌ مِثْلُ جُرَافٍ. قَالَ:
وَكَمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحَافِ الْمَقَادِرِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجُحَافُ: دَاءٌ يُصِيبُ الْإِنْسَانَ فِي جَوْفِهِ يُسْهِلُهُ، وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ. وَجَحَفْتُ لَهُ أَيْ غَرَفْتُ.
وَأَصْلٌ آخَرُ، وَهُوَ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ. فَمِنْهَا الْجِحَافُ وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ الدَّلْوُ فَمَ الْبِئْرِ عِنْدَ الِاسْتِقَاءِ. قَالَ:
تَقْوِيمُ فَرْغَيْهَا عَنِ الْجِحَافِ
وَتَجَاحَفَ الْقَوْمُ فِي الْقِتَالِ: مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ وَالْعِصِيِّ. وَجَاحَفَ الذَّنْبَ إِذَا مَالَ إِلَيْهِ. وَفُلَانٌ يُجْحِفُ لِفُلَانٍ: إِذَا مَالَ مَعَهُ عَلَى غَيْرِهِ.

(جَحْلٌ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الشَّيْءِ. فَالْجَحْلُ السِّقَاءُ الْعَظِيمُ. وَالْجَيْحَلُ: الصَّخْرَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْجَحْلُ: الْيَعْسُوبُ الْعَظِيمُ. وَالْجَحْلُ: الْحِرْبَاءُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(1/428)

فَلَمَّا تَقَضَّتْ حَاجَةٌ مِنْ تَحَمُّلِ ... وَأَظْهَرْنَ وَاقْلَوْلَى عَلَى عُودِهِ الْجَحْلُ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ جَحَّلْتُ الرَّجُلَ صَرَعْتُهُ فَهُوَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمَصْرُوعَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَحَوَّزَ وَيَتَجَمَّعَ. قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَمَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ أَشْعَثَ دَامِيًا ... وَأَنَّ أَبَا جَحْلٍ قَتِيلٌ مُجَحَّلٌ
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْجُحَالُ، وَهُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ. قَالَ:
جَرَّعَهُ الذَّيْفَانَ وَالْجُحَالَا

(جَحَمَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالْمِيمُ عُظْمُهَا بِهِ الْحَرَارَةُ وَشِدَّتُهَا. فَالْجَاحِمُ الْمَكَانُ الشَّدِيدُ الْحَرِّ. قَالَ الْأَعْشَى:
يُعِدُّونَ لِلْهَيْجَاءِ قَبْلَ لِقَائِهَا ... غَدَاةَ احْتِضَارِ الْبَأْسِ وَالْمَوْتُ جَاحِمُ
وَبِهِ سُمِّيَتِ الْجَحِيمُ جَحِيمًا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْهُ الْجَحْمَةُ الْعَيْنُ، وَيُقَالُ إِنَّهَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ. وَكَيْفَ كَانَ فَهِيَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ سِرَاجَانِ مُتَوَقِّدَانِ. قَالَ:
أَيَا جَحْمَتِي بَكِّي عَلَى أُمِّ عَامِرٍ ... أَكِيلَةِ قِلَّوْبٍ بِإِحْدَى الْمَذَانِبِ
قَالُوا: جَحْمَتَا الْأَسَدِ عَيْنَاهُ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا. وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّ عَيْنَيْهِ أَبَدًا
(1/429)

مُتَوَقِّدَتَانِ. وَيُقَالُ جَحَّمَ الرَّجُلُ، إِذَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ كَالشَّاخِصِ، وَالْعَيْنُ جَاحِمَةٌ. وَالْجُحَامُ: دَاءٌ يُصِيبُ الْإِنْسَانَ فِي عَيْنَيْهِ فَتَرِمُ عَيْنَاهُ. وَالْأَجْحَمُ: الشَّدِيدُ حُمْرَةِ الْعَيْنِ مَعَ سَعَتِهَا، وَامْرَأَةٌ جَحْمَاءُ. وَجَحَّمَنِي بِعَيْنِهِ إِذَا أَحَدَّ النَّظَرَ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَجْحَمَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا كَعَّ عَنْهُ فَلَيْسَ بِأَصْلٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَقْلُوبٌ عَنْ أَحْجَمَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ.

(جَحَنَ) الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ سُوءُ النَّمَاءِ وَصِغَرُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ. فَالْجَحَنُ سُوءُ الْغِذَاءِ، وَالْجَحِنُ السَّيِّئُ الْغِذَاءِ. قَالَ الشَّمَّاخُ:
وَقَدْ عَرِقَتْ مَغَابِنُهَا وَجَادَتْ ... بِدِرَّتِهَا قِرَى جَحِنٍ قَتِينِ
الْقَتِينُ: الْقَلِيلُ الطُّعْمِ. يَصِفُ قُرَادًا، جَعَلَهُ جَحِنًا لِسُوءِ غِذَائِهِ. وَالْمُجْحَنُ مِنَ النَّبَاتِ: الْقَصِيرُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ. وَأَمَّا [جَحْوَانُ فَاشْتِقَاقُهُ مِنْ] الْجَحْوَةِ وَ [هِيَ] الطَّلْعَةُ.

[بَابُ الْجِيمِ وَالْخَاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(جَخَرَ) الْجِيمُ وَالْخَاءُ وَالرَّاءُ: قُبْحٌ فِي الشَّيْءِ إِذَا اتَّسَعَ. يَقُولُونَ جَخَّرْنَا الْبِئْرَ وَسَّعْنَاهَا. وَالْجَخَرُ ذَمٌّ فِي صِفَةِ الْفَمِ، قَالُوا: هُوَ اتِّسَاعُهُ، وَقَالُوا تَغَيُّرُ رَائِحَتِهِ.
(1/430)

(جَخَفَ) الْجِيمُ وَالْخَاءُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ، يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو جَخْفٍ وَجَخِيفٍ إِذَا كَانَ مُتَكَبِّرًا كَثِيرَ التَّوَعُّدِ. يَقُولُونَ: جَخَفَ النَّائِمُ إِذَا نَفَخَ فِي نَوْمِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(جَدَرَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ، فَالْأَوَّلُ الْجِدَارُ، وَهُوَ الْحَائِطُ وَجَمْعُهُ جُدُرٌ وَجُدْرَانٌ. وَالْجَدْرُ أَصْلُ الْحَائِطِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ وَدَعِ الْمَاءَ يَرْجِعُ إِلَى الْجَدْرِ» . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْجَدَرَةُ حَيٌّ مَنَ الْأَزْدِ بَنَوْا جِدَارَ الْكَعْبَةِ. وَمِنْهُ الْجَدِيرَةُ، شَيْءٌ يُجْعَلُ لِلْغَنَمِ كَالْحَظِيرَةِ. وَجَدَرٌ: قَرْيَةٌ. قَالَ:
أَلَا يَا اصْبَحِينَا فَيْهَجًا جَدَرِيَّةً ... بِمَاءِ سَحَابٍ يَسْبِقُ الْحَقَّ بَاطِلِي
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ هُوَ جَدِيرٌ بِكَذَا، أَيْ حَرِيٌّ بِهِ. وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ وَيَبْنِيَ أَمْرَهُ عَلَيْهِ. وَيَقُولُونَ: الْجَدِيرَةُ الطَّبِيعَةُ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي ظُهُورُ الشَّيْءِ، نَبَاتًا وَغَيْرَهُ. فَالْجُدَرِيُّ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ الْجَدَرِيُّ أَيْضًا. وَيُقَالُ شَاةٌ جَدْرَاءُ إِذَا كَانَ بِهَا ذَاكَ، وَالْجَدَرُ: سِلْعَةٌ تَظْهَرُ فِي الْجَسَدِ. وَالْجَدْرُ النَّبَاتُ، يُقَالُ: أَجْدَرَ الْمَكَانُ وَجَدَرَ، إِذَا ظَهَرَ نَبَاتُهُ. قَالَ الْجَعْدِيُّ:
(1/431)

قَدْ تَسْتَحِبُّونَ عِنْدَ الْجَدْرِ أَنَّ لَكُمْ ... مِنْ آلِ جَعْدَةَ أَعْمَامًا وَأَخْوَالًا
وَالْجَدْرُ: أَثَرُ الْكَدْمِ بِعُنُقِ الْحِمَارِ. قَالَ رُؤْبَةُ:
أَوْ جَادِرُ اللِّيَتَيْنِ مَطْوِيُّ الْحَنَقِ
وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْتَأُ جِلْدُهُ فَكَأَنَّهُ الْجُدَرِيُّ.

(جَدَسَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالسِّينُ. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْأَرْضُ الْجَادِسَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا.

(جَدَعَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الْقَطْعِ يُقَالُ جَدَعَ أَنْفَهُ يَجْدَعُهُ جَدْعًا. وَجَدَاعٌ: السَّنَةُ الشَّدِيدَةُ ; لِأَنَّهَا تَذْهَبُ بِالْمَالِ، كَأَنَّهَا جَدَعَتْهُ. قَالَ:
لَقَدْ آلَيْتُ أَغْدِرُ فِي جَدَاعِ ... وَإِنْ مُنِّيتُ أُمَّاتِ الرُّبَاعِ
وَالْجَدِعُ: السَّيِّئُ الْغِذَاءِ، كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْهُ غِذَاؤُهُ. قَالَ:
وَذَاتُ هِدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرُهَا ... تُصْمِتُ بِالْمَاءِ تَوَلَبَا جَدِعَا
(1/432)

وَيَقُولُونَ: جَادَعَ فُلَانٌ فُلَانًا، إِذَا خَاصَمَهُ. وَهَذَا مِنَ الْبَابِ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرُومُ جَدْعَ صَاحِبِهِ. وَيَقُولُونَ: " تَرَكْتُ أَرْضَ بَنِي فُلَانٍ تُجَادِعُ أَفَاعِيَهَا ". وَالْمُجَدَّعُ مِنَ النَّبَاتِ: مَا أُكِلَ أَعْلَاهُ وَبَقِيَ أَسْفَلُهُ. وَكَلَأَ جُدَاعٌ: دَوٍ، كَأَنَّهُ يُجْدَعُ مِنْ رَدَاءَتِهِ وَوَخَامَتِهِ. قَالَ:
وَغِبُّ عَدَاوَتِي كَلَأٌ جُدَاعٌ
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْمَجْدُوعُ الْمَحْبُوسُ فِي السِّجْنِ.

[ (جَدَّفَ) ] الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْفَاءُ كَلِمَاتٌ كُلُّهَا مُنْفَرِدَةٌ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ يَجِيءُ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا.
فَالْمِجْدَافُ مِجْدَافُ السَّفِينَةِ. وَجَنَاحَا الطَّائِرِ مِجْدَافَاهُ. يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ جَدَفَ الطَّائِرُ إِذَا رَدَّ جَنَاحَيْهِ لِلطَّيَرَانِ. وَمَا أَبْعَدَ قِيَاسَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْجُدَافَى الْغَنِيمَةُ، [وَ] مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّجْدِيفَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تُجَدِّفُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» ، أَيْ تَحْقِرُوهَا.

(جَدَلَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ بَابِ اسْتِحْكَامِ الشَّيْءِ فِي اسْتِرْسَالٍ يَكُونُ فِيهِ، وَامْتِدَادِ الْخُصُومَةِ وَمُرَاجَعَةِ الْكَلَامِ. وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَيُقَالُ لِلزِّمَامِ الْمُمَرِّ: جَدِيلٌ. وَالْجَدْوَلُ: نَهْرٌ صَغِيرٌ، وَهُوَ مُمْتَدٌّ، وَمَاؤُهُ أَقْوَى فِي اجْتِمَاعِ أَجْزَائِهِ مِنَ الْمُنْبَطِحِ السَّائِحِ. وَرَجُلٌ مَجْدُولٌ، إِذَا كَانَ قَضِيفَ الْخِلْقَةِ مِنْ
(1/433)

غَيْرِ هُزَالٍ. وَغُلَامٌ جَادِلٌ إِذَا اشْتَدَّ. وَالْجُدُولُ: الْأَعْضَاءُ، وَاحِدُهَا جِدْلٌ. وَالْجَادِلُ مِنْ أَوْلَادِ الْإِبِلِ: فَوْقَ الرَّاشِحِ. وَالدِّرْعُ الْمَجْدُولَةُ: الْمُحْكَمَةُ الْعَمَلِ. وَيُقَالُ جَدَلَ الْحَبُّ فِي سُنْبُلِهِ: قَوِيَ. وَالْأَجْدَلُ: الصَّقْرُ ; سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُوَّتِهِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَذْكُرُ حَمِيرًا فِي عَدْوِهَا:
كَأَنَّهُنَّ خَوَافِي أَجَدَلٍ قَرِمٍ ... وَلَّى لِيَسْبِقَهُ بِالْأَمْعَزِ الْخَرَبُ
الْخَرَبُ: الذَّكَرُ مِنَ الْحُبَارَى. أَرَادَ: وَلَّى الْخَرَبُ لِيَسْبِقَهُ وَيَطْلُبَهُ.
وَمِنَ الْبَابِ الْجَدَالَةُ، هِيَ الْأَرْضُ، وَهِيَ صُلْبَةٌ. قَالَ:
قَدْ أَرْكَبُ الْآلَةَ بَعْدَ الْآلَهْ ... وَأَتْرُكُ الْعَاجِزَ بِالْجَدَالَهْ
وَلِذَلِكَ يُقَالُ طَعَنَهُ فَجَدَّلَهُ، أَيْ رَمَاهُ بِالْأَرْضِ. وَالْمِجْدَلُ: الْقَصْرُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ. قَالَ:
فِي مِجْدَلٍ شُيِّدَ بُنْيَانُهُ ... يَزِلُّ عَنْهُ ظُفُرُ الطَّائِرِ
وَالْجَدَالِ: الْخَلَالُ، الْوَاحِدَةُ جَدَالَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صُلْبٌ غَيْرَ نَضِيجٍ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ إِذَا كَانَ أَخْضَرَ. قَالَ:
يَخِرُّ عَلَى أَيْدِي السُّقَاةِ جِدَالُهَا
وَجَدِيلٌ: فَحْلٌ مَعْرُوفٌ. قَالَ الرَّاعِي:
صُهْبًا تُنَاسِبُ شَدْقَمًا وَجَدِيلًا
(1/434)

(جَدَمَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْمِيمُ يَدُلُّ عَلَى الْقَمَاءَةِ وَالْقِصَرِ. رَجُلٌ جَدَمَةٌ، أَيْ قَصِيرٌ. وَالشَّاةُ الْجَدَمَةُ: الرَّدِيَّةُ الْقَمِيئَةُ.

(جَدْوَى) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ خَمْسَةُ أُصُولٍ مُتَبَايِنَةٍ.
فَالْجَدَا مَقْصُورٌ: الْمَطَرُ الْعَامُّ، وَالْعَطِيَّةُ الْجَزْلَةُ. وَيُقَالُ أَجْدَيْتُ عَلَيْهِ. وَالْجَدَاءُ مَمْدُودٌ: الْغَنَاءُ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمَقْصُورِ. قَالَ:
لَقَلَّ جَدَاءً عَلَى مَالِكٍ ... إِذَا الْحَرْبُ شَبَّتْ بِأَجْذَالِهَا
وَالثَّانِي: الْجَادِيُّ؛ الزَّعْفَرَانُ. وَالثَّالِثُ: الْجَدْيُ؛ مَعْرُوفٌ. وَالْجِدَايَةُ: الظَّبْيَةُ. وَالرَّابِعُ: الْجَدِيَّةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الدَّمِ. وَالْخَامِسُ جِدْيَتَا السَّرْجِ، وَهُمَا تَحْتَ دَفَّتَيْهِ.

(جَدْبٌ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الشَّيْءِ. فَالْجَدْبُ: خِلَافُ الْخِصْبِ، وَمَكَانٌ جَدِيبٌ.
وَمِنْ قِيَاسِهِ الْجَدْبُ، وَهُوَ الْعَيْبُ وَالتَّنَقُّصُ. يُقَالُ جَدَبْتُهُ إِذَا عِبْتَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «جَدَبَ لَهُمُ السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ» ، أَيْ عَابَهُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
فَيَا لَكَ مِنْ خَدٍّ أَسِيلٍ وَمَنْطِقٍ ... رَخِيمٍ وَمِنْ خَلْقٍ تَعَلَّلَ جَادِبُهْ
أَيْ إِنَّهُ تَعَلَّلَ بِالْبَاطِلِ لَمَّا لَمْ يَجِدْ إِلَى الْحَقِّ سَبِيلًا.
(1/435)

(جَدَثَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالثَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: الْجَدَثُ الْقَبْرُ، وَجَمْعُهُ أَجْدَاثٌ.

(جَدَحَ) الْجِيمُ وَالدَّالُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ خَشَبَةٌ يُجْدَحُ بِهَا الدَّوَاءُ، [لَهَا] ثَلَاثَةُ أَعْيَارٍ. وَالْمَجْدُوحُ: شَيْءٌ كَانَ يُشْرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يُعْمَدُ إِلَى النَّاقَةِ فَتُفْصَدُ وَيُؤْخَذُ دَمُهَا فِي الْإِنَاءِ، وَيُشْرَبُ ذَلِكَ فِي الْجَدْبِ. وَالْمِجْدَحُ وَالْمُجْدَحُ: نَجْمٌ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَأَنَّهَا أَثَافِيُّ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ. قَالَ:
إِذَا خَفَقَ الْمِجْدَحُ
وَالْمِجْدَحُ: مِيسَمٌ مِنْ مَوَاسِمِ الْإِبِلِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، يُقَالُ أَجْدَحْتُ الْبَعِيرَ إِذَا وَسَمْتَهُ بِالْمُجْدَحِ.

[بَابُ الْجِيمِ وَالذَّالِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(جِذْرٌ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يُقَالَ لِأَصْلِ اللِّسَانِ: جِذْرٌ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ» . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْجَذْرُ الْأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ زُهَيْرٌ:
(1/436)

وَسَامِعَتَيْنِ تَعْرِفُ الْعِتْقَ فِيهِمَا ... إِلَى جَِذْرِ مَدْلُوكِ الْكُعُوبِ مُحَدَّدِ
وَفِي الْكِتَابِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْخَلِيلِ: الْجَذْرُ أَصْلُ الْحِسَابِ، وَيُقَالُ [عَشْرَةٌ] فِي عَشْرَةٍ مِائَةٌ. فَأَمَّا الْمَجْذُورُ وَالْمُجَذَّرُ فَيُقَالُ إِنَّهُ الْقَصِيرُ. وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنَ الْبَابِ كَأَنَّهُ أَصْلُ شَيْءٍ قَدْ فَارَقَهُ غَيْرُهُ.

(جِذْعُ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالْعَيْنُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: أَحَدُهَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ السِّنِّ وَطَرَاوَتِهِ. فَالْجَذَعُ مِنَ الشَّاءِ: مَا أَتَى لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنِ الْإِبِلِ الَّذِي أَتَتْ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ. وَيُسَمَّى الدَّهْرُ الْأَزْلَمُ الْجَذَعَ، لِأَنَّهُ جَدِيدٌ. قَالَ:
يَا بِشْرُ لَوْ لَمْ أَكُنْ مِنْكُمْ بِمَنْزِلَةٍ ... أَلْقَى عَلَيَّ يَدَيْهِ الْأَزْلَمُ الْجَذَعُ
وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِهِ الْأَسَدَ.
وَيُقَالُ: هُوَ فِي هَذَا الْأَمْرِ جَذَعٌ، إِذَا كَانَ أَخَذَ فِيهِ حَدِيثًا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: جِذْعُ الشَّجَرَةِ. وَالثَّالِثُ: الْجَذْعُ، مِنْ قَوْلِكَ جَذَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا دَلَّكْتَهُ. قَالَ:
كَأَنَّهُ مِنْ طُولِ جَذْعِ الْعَفْسِ
وَقَوْلُهُمْ فِي الْأَمْثَالِ: " خُذْ مِنْ جِذْعٍ مَا أَعْطَاكَ " فَإِنَّهُ [اسْمُ رَجُلٍ] .
(1/437)

(جَذَفَ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدَلُّ عَلَى الْإِسْرَاعِ وَالْقَطْعِ، يُقَالُ جَذَفْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ. قَالَ الْأَعْشَى:
قَاعِدًا عِنْدَهُ النَّدَامَى فَمَا يَنْ ... فَكٌّ يُؤْتَى بِمُوكَرٍ مَجْذُوفِ
وَيُقَالُ هُوَ بِالدَّالِ. وَيُقَالُ جَذَفَ الرَّجُلُ أَسْرَعَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: جَذَفَ الطَّائِرُ إِذَا أَسْرَعَ تَحْرِيكَ جَنَاحَيْهِ. وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ أَنْ يُقَصَّ أَحَدُ جَنَاحَيْهِ. وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ مِجْدَافِ السَّفِينَةِ. قَالَ: وَهُوَ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. قَالَ:
تَكَادُ إِنْ حُرِّكَ مِجْذَافُهَا ... تَنْسَلُّ مِنْ مَثْنَاتِهَا وَالْيَدِ
يَعْنِي النَّاقَةَ. جَعَلَ السَّوْطَ كَالْمِجْذَافِ لَهَا، وَهُوَ بِالذَّالِ وَالدَّالِ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ.

(جَذَلَ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّيْءِ الثَّابِتُ وَالْمُنْتَصِبُ. فَالْجِذْلُ أَصْلُ الشَّجَرَةِ. وَأَصْلُ كُلِّ شَيْءٍ جِذْلُهُ. قَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، لَمَّا اخْتَلَفَ الْأَنْصَارُ فِي الْبَيْعَةِ: " أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ ". وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغْرَزُ فِي حَائِطٍ فَتَحْتَكُّ بِهِ الْإِبِلُ الْجَرْبَى. يَقُولُ: فَأَنَا يُسْتَشْفَى بِرَأْيِي كَاسْتِشْفَاءِ الْإِبِلِ بِذَلِكَ الْجِذْلِ. وَقَالَ:
لَاقَتْ عَلَى الْمَاءِ جُذَيْلًا وَاتِدًا
يُرِيدُ أَنَّهُ مُنْتَصِبٌ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ، كَالْجِذْلِ الَّذِي وَتَدَ، أَيْ ثَبَتَ. وَأَمَّا الْجَذَلُ وَهُوَ الْفَرَحُ فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْفَرِحَ مُنْتَصِبٌ وَالْمَغْمُومَ لَاطِئٌ
(1/438)

بِالْأَرْضِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاحْتِمَالِ لَا التَّحْقِيقِ وَالْحُكْمِ. قَالُوا: وَالْجِذْلُ مَا بَرَزَ وَظَهَرَ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، وَالْجَمْعُ الْأَجْذَالُ. وَفُلَانٌ جِذْلُ مَالٍ، وَإِذَا كَانَ سَائِسًا لَهُ. وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ، كَأَنَّهُ فِي تَفَقُّدِهِ وَتَعَهُّدِهِ لَهُ جِذْلٌ لَا يَبْرَحُ.

(جُذِمَ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَطْعُ. يُقَالُ جَذَمْتُ الشَّيْءَ جَذْمًا. وَالْجِذْمَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحَبْلِ وَغَيْرِهِ. وَالْجُذَامُ سُمِّيَ لِتَقَطُّعِ الْأَصَابِعِ. وَالْأَجْذَمُ: الْمَقْطُوعُ الْيَدِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ أَجْذَمُ» . وَقَالَ الْمُتَلَمِّسُ:
وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِثْلَ قَاطِعِ كَفِّهِ ... بِكَفٍّ لَهُ أُخْرَى فَأَصْبَحَ أَجْذَمَا
وَانْجَذَمَ الْحَبْلُ: انْقَطَعَ. قَالَ النَّابِغَةُ:
بَانَتْ سُعَادُ فَأَمْسَى حَبْلُهَا انْجَذَمَا ... وَاحْتَلَّتِ الشَّرْعَ فَالْخَبْتَيْنِ مِنْ إِضَمَا
وَالْإِجْذَامُ: السُّرْعَةُ فِي السَّيْرِ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ. وَالْإِجْذَامُ: الْإِقْلَاعُ عَنِ الشَّيْءِ.

(جَذَوَ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الِانْتِصَابِ. يُقَالُ جَذَوْتُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِي، إِذَا قُمْتُ. قَالَ:
إِذَا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ ... وَصَنَّاجَةُ تَجْذُو عَلَى حَدِّ مَنْسِمِ
قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ جَذَا يَجْذُو، مِثْلَ جَثَا يَجْثُو، إِلَّا أَنَّ جَذَا أَدَلُّ عَلَى اللُّزُومِ.
(1/439)

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ فَدَلِيلٌ لَنَا فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَقَايِيسِ الْكَلَامِ. وَالْخَلِيلُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَعْنَى إِمَامٌ.
قَالَ: وَيُقَالُ جَذَا الْقُرَادُ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ ; لِشِدَّةِ الْتِزَاقِهِ. وَجَذَتْ ظَلِفَةُ الْإِكَافِ فِي جَنْبِ الْحِمَارِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ مِثْلُ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً» . أَرَادَ بِالْمُجْذِيَةِ الثَّابِتَةَ.
وَمِنَ الْبَابِ تَجَاذَى الْقَوْمُ الْحَجَرَ، إِذَا تَشَاوَلُوهُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ رَجُلٌ جَاذٍ، أَيْ قَصِيرُ الْبَاعِ، فَهُوَ عِنْدِي مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْبَاعَ إِذَا لَمْ يَكُنْ طَوِيلًا مَمْدُودًا كَانَ كَالشَّيْءِ النَّاتِئِ الْمُنْتَصِبِ. قَالَ:
إِنَّ الْخِلَافَةَ لَمْ تَكُنْ مَقْصُورَةً ... أَبَدًا عَلَى جَاذِي الْيَدَيْنِ مُبَخَّلِ

(جَذَبَ) الْجِيمُ وَالذَّالُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى بَتْرِ الشَّيْءِ. يُقَالُ جَذَبْتُ الشَّيْءَ أَجْذِبُهُ جَذْبًا. وَجَذَبْتُ الْمُهْرَ عَنْ أُمِّهِ إِذَا فَطَمْتَهُ، وَيُقَالُ نَاقَةٌ جَاذِبٌ، إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا، وَالْجَمْعُ جَوَاذِبُ. وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا فَكَأَنَّهَا جَذَبَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا.
وَقَدْ شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْجَذَبُ، وَهُوَ الْجُمَّارُ الْخَشِنُ، الْوَاحِدُ جَذَبَةٌ.
(1/440)

[بَابُ الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَمَا يُثَلِّثُهُمَا]
(جَرَزَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَطْعُ. يُقَالُ جَرَزْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ. وَسَيْفٌ جُرَازٌ أَيْ قَطَّاعٌ. وَأَرْضٌ جُرُزٌ لَا نَبْتَ بِهَا. كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْهَا. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَصْمَعِيُّ: أَرْضٌ مَجْرُوزَةٌ مِنَ الْجُرُزِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا الْمَطَرُ، وَيُقَالُ هِيَ الَّتِي أُكِلَ نَبَاتُهَا. وَالْجَرُوزُ: الرَّجُلُ الَّذِي إِذَا أَكَلَ لَمْ يَتْرُكْ عَلَى الْمَائِدَةِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْجَرُوزُ، وَالنَّاقَةُ. قَالَ:
تَرَى الْعَجُوزَ خَِبَّةً جَرُوزَا
وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي أَمْثَالِهَا: " لَنْ تَرْضَى شَانِئَةٌ إِلَّا بِجَرْزَةٍ، أَيْ إِنَّهَا مِنْ شِدَّةِ بَغْضَائِهَا وَحَسَدِهَا لَا تَرْضَى لِلَّذِينِ تُبْغِضُهُمْ إِلَّا بِالِاسْتِئْصَالِ. وَالْجَارِزُ: الشَّدِيدُ مِنَ السُّعَالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْحَلْقَ. قَالَ الشَّمَّاخُ:
لَهَا بِالرُّغَامَى وَالْخَيَاشِيمِ جَارِزُ
وَيُقَالُ أَرْضٌ جَارِزَةٌ: يَابِسَةٌ غَلِيظَةٌ يَكْتَنِفُهَا رَمْلٌ. وَامْرَأَةٌ جَارِزٌ عَاقِرٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ ذُو جَرَزٍ إِذَا كَانَ غَلِيظًا صُلْبًا، وَكَذَلِكَ الْبَعِيرُ، فَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الْأَرْضِ الْجَارِزَةِ الْغَلِيظَةِ. وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا.
(1/441)

(جَرَسٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّوْتِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
قَالُوا: الْجَرْسُ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، يُقَالُ مَا سَمِعْتُ لَهُ جَرْسًا، وَسَمِعْتُ جَرْسَ الطَّيْرِ، إِذَا سَمِعْتَ صَوْتَ مَنَاقِيرِهَا عَلَى شَيْءٍ تَأْكُلُهُ. وَقَدْ أَجْرَسَ الطَّائِرُ.
وَمِمَّا حُمِلَ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ لِلنَّحْلِ جَوَارِسُ، بِمَعْنَى أَوَاكِلَ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ أَدْنَى شَيْءٍ كَأَنَّهُ صَوْتٌ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَذْكُرُ نَحْلًا:
يَظَلُّ عَلَى الثَّمْرَاءِ مِنْهَا جَوَارِسٌ ... مَرَاضِيعُ صُهْبُ الرِّيشِ زُغْبٌ رِقَابُهَا
وَالْجَرَسُ: الَّذِي يُعَلَّقُ عَلَى الْجِمَالِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» . وَيُقَالُ جَرَسْتُ بِالْكَلَامِ أَيْ تَكَلَّمْتُ بِهِ. وَأَجْرَسَ الْحَلْيُ: صَوَّتَ. قَالَ:
تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ إِذَا مَا وَسْوَسَا ... وَارْتَجَّ فِي أَجْيَادِهَا وَأَجْرَسَا
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الرَّجُلُ الْمُجَرَّسُ وَهُوَ الْمُجَرَّبُ. وَمَعْنَى جَرَْسٌ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ طَائِفَةٌ.

(جَرْشٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالشِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ جَرْشُ الشَّيْءِ: أَنْ يُدَقَّ وَلَا يُنْعَمَ دَقُّهُ. يُقَالُ جَرَشْتُهُ، وَهُوَ جَرِيشٌ. وَالْجُرَاشَةُ: مَا سَقَطَ مِنَ الشَّيْءِ
(1/442)

الْمَجْرُوشُ. وَجَرَّشْتُ الرَّأْسَ بِالْمُشْطِ: حَكَكْتُهُ حَتَّى تَسْتَكْثِرَ الْإِبْرِيَةُ. وَذَكَرَ الْخَلِيلُ أَنَّ الْجَرْشَ الْأَكْلُ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْجِرِشَّى، وَهُوَ النَّفْسُ. قَالَ:
إِلَيْهِ الْجِرِشَّى وَارْمَعَلَّ حَنِينُهَا
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَضَى جَرْشٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَهِيَ الطَّائِفَةُ، وَهُوَ شَاذٌّ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. قَالَ:
حَتَّى إِذَا [مَا] تُرِكَتْ بِجَرْشٍ

(جَرْضٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا جِنْسٌ مِنَ الْغَصَصِ، وَالْآخَرُ مِنَ الْعِظَمِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَقُولُونَ جَرِضَ بِرِيقِهِ إِذَا اغْتَصَّ بِهِ. قَالَ:
كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَغْنَ فِي النَّاسِ لَيْلَةً ... إِذَا اخْتَلَفَ اللَّحْيَانِ عِنْدَ الْجَرِيضِ
قَالَ الْخَلِيلُ: الْجَرَضُ أَنْ يَبْتَلِعَ الْإِنْسَانُ رِيقَهُ عَلَى هَمٍّ وَحُزْنٍ. وَيُقَالُ: مَاتَ فُلَانٌ جَرِيضًا، أَيْ مَغْمُومًا.
(1/443)

وَالثَّانِي قَوْلُهُمْ بَعِيرٌ جِرْوَاضٌ، أَيْ غَلِيظٌ. وَالْجُرَائِضُ: الْبَعِيرُ الضَّخْمُ، وَيُقَالُ الشَّدِيدُ الْأَكْلِ. وَنَعْجَةٌ جُرَئِضَةٌ ضَخْمَةٌ.

(جَرَّعَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الشَّيْءِ الْمَشْرُوبِ. يُقَالُ: جَرِعَ الشَّارِبُ الْمَاءَ يَجْرَعُهُ، وَجَرَعَ يَجْرَعُ. فَأَمَّا [الْجَرْعَاءُ فَ] الرَّمَلَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَذَلِكَ مِنْ أَنَّ الشُّرْبَ يَنْفَعُهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَمَا اسْتَحْلَبَتْ عَيْنَيْكَ إِلَّا مَحَلَّةٌ ... بِجُمْهُورِ حُزْوَى أَمْ بِجَرْعَاءِ مَالِكٍ
وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُهُمْ: " أَفْلَتَ فُلَانٌ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ "، وَهُوَ آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنَ النَّفَسِ. كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ. وَيُقَالُ نُوقٌ مَجَارِيعُ: قَلِيلَاتُ اللَّبَنِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي ضُرُوعِهَا إِلَّا جُرَعٌ.
وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْجَرَعُ: الْتِوَاءٌ فِي قُوَّةٍ مِنْ قُوَى الْحَبْلِ ظَاهِرَةٌ عَلَى سَائِرِ الْقُوَى.

(جَرَفَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ كُلِّهِ هَبْشًا. يُقَالُ: جَرَفْتُ الشَّيْءَ جَرْفًا، إِذَا ذَهَبْتَ بِهِ كُلِّهِ. وَسَيْفٌ جُرَافٌ يُذْهِبُ كُلَّ شَيْءٍ. وَالْجُرُْفُ الْمَكَانُ يَأْكُلُهُ السَّيْلُ. وَجَرَّفَ الدَّهْرُ مَالَهُ: اجْتَاحَهُ. وَمَالٌ مُجَرَّفٌ. وَرَجُلٌ جُرَافٌ نُكَحَةٌ، كَأَنَّهُ يُجْرِفُ ذَلِكَ جَرْفًا. وَمِنَ الْبَابِ: الْجُرْفَةُ: أَنْ تُقْطَعَ مِنْ فَخِذِ الْبَعِيرِ جِلْدَةٌ وَتُجْمَعَ عَلَى فَخِذِهِ.
(1/444)

(جَرَلَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْحِجَارَةُ: وَالْآخَرُ لَوْنٌ مِنَ الْأَلْوَانِ.
فَالْأَوَّلُ الْجَرْوَلُ وَالْجَرَاوِلُ الْحِجَارَةُ. يُقَالُ: أَرْضٌ جَرِلَةٌ، إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْجَرَاوِلِ. وَالْأَجْرَالُ جَمْعُ الْجَرَلِ، وَهُوَ مَكَانٌ ذُو حِجَارَةٍ. قَالَ جَرِيرٌ:
مِنْ كُلِّ مُشْتَرِفٍ وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... ضَرِمِ الرِّفَاقِ مُنَاقِلِ الْأَجْرَالِ
وَالْآخَرُ الْجِرْيَالُ، وَهُوَ الصِّبْغُ الْأَحْمَرُ ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ جِرْيَالًا. فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
وَسَبِيئَةٍ مِمَّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ ... كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتُهَا جِرْيَالَهَا
فَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ لَوْنَهَا، وَهِيَ حُمْرَتُهَا. رَوَوْا عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَوْنَهَا.

(جِرْمٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْفُرُوعُ. فَالْجِرْمُ الْقَطْعُ. وَيُقَالُ لِصَِرَامِ النَّخْلِ الْجَِرَامِ. وَقَدْ جَاءَ زَمَنُ الْجَِرَامِ. وَجَرَمْتُ صُوفَ الشَّاةِ وَأَخَذْتُهُ. وَالْجُرَامَةُ: مَا سَقَطَ مِنَ التَّمْرِ إِذَا جُرِمَ. وَيُقَالُ: الْجُرَامَةُ مَا الْتُقِطَ مِنْ كَرَبِهِ بَعْدَ مَا يُصْرَمُ. وَيُقَالُ سَنَةٌ مُجَرَّمَةٌ، أَيْ تَامَّةٌ، كَأَنَّهَا تَصَرَّمَتْ عَنْ تَمَامٍ. وَهُوَ مِنْ تَجَرَّمَ اللَّيْلُ ذَهَبَ. وَالْجَرَامُ وَالْجَرِيمُ: التَّمْرُ الْيَابِسُ. فَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفِقٌ لَفْظًا وَمَعْنًى وَقِيَاسًا.
(1/445)

وَمِمَّا يُرَدُّ إِلَيْهِ قَوْلُهُمْ جَرَمَ، أَيْ كَسَبَ ; لِأَنَّ الَّذِي يَحُوزُهُ فَكَأَنَّهُ اقْتَطَعَهُ. وَفُلَانٌ جَرِيمَةُ أَهْلِهِ، أَيْ كَاسِبُهُمْ. قَالَ:
جَرِيمَةَ نَاهِضٍ فِي رَأْسِ نِيقٍ ... تَرَى لِعِظَامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبًا
يَصِفُ عُقَابًا. يَقُولُ: هِيَ كَاسِبَةُ نَاهِضٍ. أَرَادَ فَرْخَهَا. وَالْجُرْمُ وَالْجَرِيمَةُ: الذَّنْبُ وَهُوَ مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ كَسْبٌ، وَالْكَسْبُ اقْتِطَاعٌ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِمْ " لَا جَرَمَ ": هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ جَرَمْتُ أَيْ كَسَبْتُ. وَأَنْشَدُوا:
وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
أَيْ كَسَبَتْهُمْ غَضَبًا. وَالْجَسَدُ جِرْمٌ، لِأَنَّ لَهُ قَدْرًا وَتَقْطِيعًا. وَيُقَالُ مَشْيَخَةٌ جِلَّةُ جَرِيمٍ، أَيْ عِظَامُ الْأَجْرَامِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِصَاحِبِ الصَّوْتِ: إِنَّهُ لَحَسَنُ الْجِرْمِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الصَّوْتُ يُقَالُ لَهُ الْجِرْمُ. وَأَصَحُّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ: إِنَّ مَعْنَاهُ حُسْنُ خُرُوجِ الصَّوْتِ مِنَ الْجِرْمِ. وَبَنُو جَارِمٍ فِي الْعَرَبِ. وَالْجَارِمُ: الْكَاسِبُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَالْجَارِمِيُّ عَمِيدُهَا
وَجَرْمٌ هُوَ الْكَسْبُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ جَرْمٌ، وَهُمَا بِطْنَانِ: أَحَدُهُمَا فِي قُضَاعَةَ، وَالْآخَرُ فِي طَيٍّ.
(1/446)

(جَرَنَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى اللِّينِ وَالسُّهُولَةِ. يُقَالُ لِلْبَيْدَرِ جَرِينٌ ; لِأَنَّهُ مَكَانٌ قَدْ أُصْلِحَ وَمُلِّسَ. وَالْجَارِنُ مِنَ الثِّيَابِ: الَّذِي انْسَحَقَ وَلَانَ. وَجَرَنَتِ الدِّرْعُ: لَانَتْ وَامْلَاسَّتْ. وَمِنَ الْبَابِ جِرَانُ الْبَعِيرِ: مُقَدَّمُ عُنُقِهِ مِنْ مَذْبَحِهِ، وَالْجَمْعُ جُرُنٌ. قَالَ:
خُذَا حَذَرًا يَا جَارَتَيَّ فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ جِرَانَ الْعَوْدِ قَدْ كَادَ يَصْلُحُ
وَذَكَرَ نَاسٌ أَنَّ الْجَارِنَ وَلَدُ الْحَيَّةِ. فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ لَيِّنُ الْمَسِّ أَمْلَسُ.

(جَرَهَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْهَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْجَرَاهِيَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: جَرَاهِيَةُ الْقَوْمِ: جَلَبَتُهُمْ وَكَلَامُهُمْ فِي عَلَانِيَتِهِمْ دُونَ سِرِّهِمْ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ هَذَا مَقْلُوبٌ مِنَ الْجَهْرِ وَالْجَهْرَاءِ وَالْجَهَارَةِ لَكَانَ مَذْهَبًا.

(جَرَوَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنْ وَلَدِ الْكَلْبِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ تَشْبِيهًا. فَالْجَرْوُ لِلْكَلْبِ وَغَيْرِهِ. وَيُقَالُ: سَبُعَةٌ مُجْرِيَةٌ وَمُجْرٍ، إِذَا كَانَ مَعَهَا جِرْوُهَا. قَالَ:
وَتَجُرُّ مُجْرِيَةٌ لَهَا ... لَحْمِي إِلَى أَجْرٍ حَوَاشِبِ
فَهَذَا الْأَصْلُ. ثُمَّ يُقَالُ لِلصَّغِيرَةِ مِنَ الْقِثَّاءِ الْجِرْوَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أُتِيَ
(1/447)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَجْرٍ زُغْبٍ» ، وَكَذَلِكَ جَُِرْوُ الْحَنْظَلِ وَالرُّمَّانِ. يَعْنِي أَنَّهَا صَغِيرَةٌ. وَبَنُو جِرْوَةَ بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ. وَيُقَالُ أَلْقَى الرَّجُلُ جِرْوَتَهُ، أَيْ رَبَطَ جَأْشَهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ رَبَطَ جَرْوًا وَسَكَّنَهُ. وَهُوَ تَشْبِيهٌ.

(جَرَيَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ انْسِيَاحُ الشَّيْءِ. يُقَالُ جَرَى الْمَاءُ يَجْرِي جَرْيَةً وَجَرْيًا وَجَرَيَانًا. وَيُقَالُ لِلْعَادَةِ الًإِجْرِيَّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْإِنْسَانُ. وَالْجَرِيُّ: الْوَكِيلُ، وَهُوَ بَيِّنُ الْجِرَايَةِ، تَقُولُ جَرَّيْتُ جَرِيًّا وَاسْتَجْرَيْتُ، أَيِ اتَّخَذْتُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُجَرِّيَنَّكَمُ الشَّيْطَانُ» . وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ جَرِيًّا لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مُوَكِّلِهِ، وَالْجَمْعُ أَجْرِيَاءُ.
فَأَمَّا السَّفِينَةُ فَهِيَ الْجَارِيَةُ، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَالْجَارِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهَا تُسْتَجْرَى فِي الْخِدْمَةِ، وَهِيَ بَيِّنَةُ الْجِرَاءِ. قَالَ:
وَالْبِيضُ قَدْ عَنَسَتْ وَطَالَ جِرَاؤُهَا ... وَنَشَأْنَ فِي قِنٍّ وَفِي أَذْوَادِ
وَيُقَالُ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ جِرَائِهَا، أَيْ صِبَاهَا. وَأَمَّا الْجِرِّيَّةُ، وَهِيَ الْحَوْصَلَةُ فَالْأَصْلُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيهَا أَنَّ الْجِيمَ مُبْدَلَةٌ مِنْ قَافٍ، كَأَنَّ أَصْلَهَا قِرِّيَّةٌ، لِأَنَّهَا تَقْرِي الشَّيْءَ أَيْ تَجْمَعُهُ، ثُمَّ أَبْدَلُوا الْقَافَ جِيمًا كَمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيهِمَا.
(1/448)

(جَرَّبَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الشَّيْءُ الْبَسِيطُ يَعْلُوهُ كَالنَّبَاتِ مِنْ جِنْسِهِ، وَالْآخَرُ شَيْءٌ يَحْوِي شَيْئًا.
فَالْأَوَّلُ الْجَرَبُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يَنْبُتُ عَلَى الْجِلْدِ مِنْ جِنْسِهِ. يُقَالُ: بَعِيرٌ أَجْرَبُ، وَالْجَمْعُ جَرْبَى. قَالَ الْقَطِرَانُ:
أَنَا الْقَطِرَانُ وَالشُّعَرَاءُ جَرْبَى ... وَفِي الْقَطِرَانِ لِلْجَرْبَى شِفَاءُ
وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا تَشْبِيهًا تَسْمِيَتُهُمُ السَّمَاءَ جَرْبَاءَ، شُبِّهَتْ كَوَاكِبُهَا بِجَرَبِ الْأَجْرَبِ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ الْحَارِثِ:
أَرَتْهُ مِنَ الْجَرْبَاءِ فِي كُلِّ مَنْظَرٍ ... طِبَابًا فَمَثْوَاهُ النَّهَارُ الْمَرَاكِدُ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
تَنَاوُلَ كَلْبًا فِي دِيَارِهِمُ ... وَكَادَ يَسْمُو إِلَى الْجَرْبَاءِ فَارْتَفَعَا
وَالْجِرْبَةُ: الْقَرَاحُ، وَهُوَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ بَسِيطٌ يَعْلُوهُ مَا يَعْلُوهُ مِنْهُ. قَالَ الْأَسْعَرُ:
أَمَّا إِذَا يَعْلُو فَثَعْلَبُ جِرْبَةٍ ... أَوْ ذِئْبُ عَادِيَّةٍ يُعَجْرِمُ عَجْرَمَهْ
الْعَجْرَمَةُ: سُرْعَةٌ فِي خِفَّةٍ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ: الْجِرْبَةُ الْمَزْرَعَةُ. قَالَ بِشْرٌ:
(1/449)

عَلَى جِرْبَةٍ تَعْلُو الدِّبَارَ غُرُوبُهَا
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَالُ لِلْمَجَرَّةِ جِرْبَةَ النُّجُومِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَخَوَتْ جِرْبَةُ النُّجُومِ فَمَا تَشْ ... رَبُ أُرْوِيَّةٌ بِمَرْيِ الْجَنُوبِ
خَيُّهَا: أَنْ لَا تُمْطِرَ. وَمَرْيُ الْجَنُوبِ: اسْتِدْرَارُهَا الْغَيْثَ.
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْجِرَابُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَجِرَابُ الْبِئْرِ: جَوْفُهَا مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا. وَالْجَرَبَّةُ: الْعَانَةُ مِنَ الْحَمِيرِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَجَمُّعًا. وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْأَقْوِيَاءَ مِنَ النَّاسِ إِذَا اجْتَمَعُوا جَرَبَّةً. قَالَ:
لَيْسَ بِنَا فَقْرٌ إِلَى التَّشَكِّي ... جَرَبَّةٌ كَحُمُرِ الْأَبَكِّ

(جَرْجٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْجَادَّةُ، يُقَالُ لَهَا جَرَجَةٌ. وَزَعَمَ نَاسٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا صَحَّفَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدٍ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، وَالْجَرَجَةُ صَحِيحَةٌ. وَقِيَاسُهَا جُرَيْجٌ اسْمُ رَجُلٍ. وَيُقَالُ إِنَّ الْجَرِجَ الْقَلِقُ. قَالَ:
خَلْخَالُهَا فِي سَاقِهَا غَيْرُ جَرِجِ
وَهَذَا مُمْكِنٌ أَنْ يُقَالَ مُبْدَلٌ مِنْ مَرِجَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَالْجَرَجُ الْأَرْضُ
(1/450)

ذَاتُ الْحِجَارَةِ. فَأَمَّا الْجُرْجَةُ لِشَيْءٍ شِبْهُ الْخُرْجِ وَالْعَيْبَةِ، فَمَا أُرَاهَا عَرَبِيَّةً مَحْضَةً. عَلَى أَنَّ أُوْسًا قَدْ قَالَ:
ثَلَاثَةُ أَبْرَادٍ جِيَادٍ وَجُرْجَةٌ ... وَأَدْكَنُ مِنْ أَرْيِ الدُّبُورِ مُعَسَّلُ

(جُرْحٌ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْحَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْكَسْبُ، وَالثَّانِي شَقُّ الْجِلْدِ.
فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ [اجْتَرَحَ] إِذَا عَمِلَ وَكَسَبَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجاثية: 21] . وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ اجْتِرَاحًا لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْكَوَاسِبُ. وَالْجَوَارِحُ مِنَ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ: ذَوَاتُ الصَّيْدِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ [فَقَوْلُهُمْ] جَرَحَهُ بِحَدِيدَةٍ جَرْحًا، وَالِاسْمُ الْجُرْحُ. وَيُقَالُ جَرَحَ الشَّاهِدَ إِذَا رَدَّ قَوْلَهُ بِنَثًا غَيْرِ جَمِيلٍ. وَاسْتَجْرَحَ فُلَانٌ إِذَا عَمِلَ مَا يُجْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ: " قَدْ وَعَظْتُكُمْ فَلَمْ تَزْدَادُوا عَلَى الْمَوْعِظَةِ إِلَّا اسْتِجْرَاحًا " إِنَّهُ النُّقْصَانُ مِنَ الْخَيْرِ، فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالَّذِي أَرَادَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا فَسَّرْنَاهُ. أَيْ إِنَّكُمْ مَا تَزْدَادُونَ عَلَى الْوَعْظِ إِلَّا مَا يُكْسِبُكُمُ الْجَرْحَ وَالطَّعْنَ عَلَيْكُمْ، كَمَا تُجْرَحُ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُرِيدُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ صَحِيحُهَا قَلِيلٌ. وَالْمَعْنَى عِنْدَنَا فِي هَذَا كَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّهَا كَثُرَتْ حَتَّى أَحْوَجَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهَا إِلَى جَرْحِ بَعْضِهَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
(1/451)

(جَرَّدَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بُدُوُّ ظَاهِرِ الشَّيْءِ حَيْثُ لَا يَسْتُرُهُ سَاتِرٌ. ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ. يُقَالُ تَجَرَّدَ الرَّجُلُ مِنْ ثِيَابِهِ يَتَجَرَّدُ تَجَرُّدًا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْجَرِيدُ سَعَفُ النَّخْلِ، الْوَاحِدَةُ جَرِيدَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ جُرِدَ عَنْهَا خُوصُهَا. وَالْأَرْضُ الْجَرَدُ: الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُرُوزِهِ وَظُهُورِهِ وَأَنْ لَا يَسْتُرَهُ شَيْءٌ. وَيُقَالُ فَرَسٌ أَجْرَدُ إِذَا رَقَّتْ شَعْرَتُهُ. وَهُوَ حَسَنُ الْجُرْدَةِ وَالْمُتَجَرَّدُ. وَرَجُلٌ جَارُودٌ، أَيْ مَشْئُومٌ، كَأَنَّهُ يَجْرُدُ وَيَحُتُّ. وَسَنَةٌ جَارُودَةٌ، أَيْ مَحْلٌ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَرَادُ مَعْرُوفٌ. وَأَرْضٌ مَجْرُودَةٌ أَصَابَهَا الْجَرَادُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سُمِّيَ جَرَادًا لِأَنَّهُ يَجْرُدُ الْأَرْضَ يَأْكُلُ مَا عَلَيْهَا. وَالْجَرَدُ: أَنْ يَشْرَى جِلْدُ الْإِنْسَانِ مِنْ أَكْلِ الْجَرَادِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ - وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَمِرُّ - قَوْلُهُمْ: عَامٌ جَرِيدٌ، أَيْ تَامٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَمُلَ فَخَرَجَ جَرِيدًا لَا يُنْسَبُ إِلَى نُقْصَانٍ. وَمِنْهُ: " مَا رَأَيْتُهُ مُذْ أَجْرَدَانِ وَجَرِيدَانِ " يُرِيدُ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ. وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ. وَمِنْهُ انْجَرَدَ بِنَا السَّيْرُ: امْتَدَّ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلشَّيْءِ يَذْهَبُ وَلَا يُوقَفُ [لَهُ] عَلَى خَبَرٍ: " مَا أَدْرِي أَيُّ الْجَرَادِ عَارَهُ " فَهُوَ مَثَلٌ