Advertisement

تهذيب اللغة 005

أَبْوَاب الْحَاء وَالرَّاء [/ كت]
ح ر ل
اسْتعْمل من وجوهه:
رَحل: قَالَ اللَّيْث: الرَّحْلُ: مَرْكَبٌ للبعير. والرحالةُ نحوُه، كلُّ ذَلِك من مَراكِب النِّسَاء. قلت: الرَّحْلُ فِي كَلَام الْعَرَب على وجُوهٍ. قَالَ شمر: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الرحْلُ بِجَمِيعِ رَبَضِه وحَقَبِه وحِلْسِه وَجَمِيع أَغْرُضِه. قَالَ: وَيَقُولُونَ أَيْضا لأعواد الرَّحْلِ بِغَيْر أداةٍ رَحْلٌ، وَأنْشد:
كَأَن رَحْلي وأداة رَحْلِي
على حَزَاب كأَتان الضَّحْل
قلت وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيدة. وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء.
وَأما الرحَالَةُ فَهِيَ أكبر من السَّرْج وتُغَشَّى بالجُلودِ تكون للخَيْل والنَّجائبِ من الْإِبِل وَمِنْه قَول الطرِمَّاحِ:
قَتَرُوا النجائبَ عِنْدَ ذَ
لَك بِالرحَالِ وبالرَّحَائِل
وَقَالَ عنترةُ فَجَعلهَا سُرُجاً:
إذْ لَا أَزَالُ على رِحَالَةِ سَابحٍ
نَهْدٍ مَرَاكِلُه نَبِيلِ المحْزَمِ
قلت: فقد صَحَّ أَن الرَّحل والرحالة من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء.
والرَّحْل فِي غير هَذَا منزِلُ الرجل ومسكَنُه وبَيْتُه، يُقَال: دخلتُ على الرَّجُل رحْلَه أَي منزِلَه وَفِي حَدِيث يزيدَ بْنِ شَجَرَة: (أَنه خطب النَّاس فِي بَعْثٍ كَانَ هُوَ قائِدَهم، فحثَّهُم على الجهادِ وَقَالَ إِنَّكُم تَرَوْن مَا أَرَى من بَيْن أَصْفَرَ وأَحمَرَ، وَفِي الرحَالِ مَا فِيهَا، فَاتَّقُوا الله وَلَا تخزوا الحُورَ العِينَ) يقولُ: مَعكُمْ من زَهْرَةِ الدُّنْيَا وزُخْرُفِها مَا يُوجِبُ عَلَيْكُم ذِكْرَ نعمةِ الله عَلَيْكُم واتقَاءَ سَخَطِه، وَأَنْ تَصْدُقوا العَدُوَّ القِتَال وتجاهِدُوهُمْ حَقَّ الجِهَادِ، فاتَّقُوا الله وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا وزُخْرُفِها، وَلَا تَوَلَّوْا عَن عَدوكُمْ إِذا الْتَقَيْتُم وَلَا تُخْزُوا الحورَ الْعين بِأَنْ لَا تُبْلُوا وَلَا تجْتَهدوا وتفْشَلُوا عَن الْعَدو فيُوَلينَ، يَعْنِي الحُورَ العِين عَنْكُم بِخَزَاية واستحْياءٍ لكم. وَقد فُسر الخَزَايةُ فِي موضعهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: رَحْلُ الرَّجُلِ: مسكَنُه. وإنَّه لخَصِيبُ الرَّحْل. وانتهيْنَا إِلَى رِحَالِنَا: أَي إِلَى مَنَازِلِنا. ورُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ:
(5/5)

(إِذَا ابْتَلَّت النعَالُ فَالصَّلَاة فِي الرحَالِ) . وَقد مرّ تفسيرُه فِي كتاب الْعين.
وَيُقَال: إِن فلَانا يَرْحَلُ فُلاناً بِمَا يكره، أَي يَركَبُه.
وَيُقَال: رحَلْتُ الْبَعِير أَرْحَلُه رَحْلاً: إِذا شَدَدْتَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ.
وَيُقَال: رحَلْتُ فلَانا بسيْفِي أَرْحَلُه رَحْلاً: إِذا علوتُهُ.
وَقَالَ أَبُو زيد: أَرْحَلَ الرجلُ البَعِيرَ، وَهُوَ رَجُلٌ مُرْحِلٌ. وَذَلِكَ إِذا أَخَذَ بَعِيرًا صَعْباً فَجعله رَاحِلَةً. وَفِي الحَدِيث عِنْد اقتراب السَّاعَة (تخرج نَار من قصر عدن تُرَحل النَّاس) رَوَاهُ شُعْبَة قَالَ: وَمعنى تُرَحّل أَي تَنْزِل مَعَهم إِذا نَزَلوا وتَقِيلُ إِذا قَالُوا. جَاءَ بِهِ مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ قَالَ شَمِر: وَقيل معنى ترحلهم أَي تُنْزلُهم المَرَاحِلَ. قَالَ: والترحِيلُ والإرْحَال بِمَعْنى الإشْخَاصِ والإزعَاجِ يُقَال: رَحَلَ الرجلُ إِذا سَار وأَرْحَلْتُه أَنا.
والمرحلة: المنْزِلُ يُرْتَحَلُ مِنْها. وَمَا بَيْنَ المنْزِلَين مَرْحَلَةٌ.
وَرجل رَحُولٌ، وَقوم رُحُلٌ: أَي يرتحلون كثيرا، وجمل رَحِيلٌ وناقة رَحيلَةٌ بِمَعْنى النجِيبِ والظهيرِ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الرَّحُول من الإبلِ الَّذِي يصلُح لِأَن يُرْحلَ. وبَعِيرٌ ذُو رُحلَةٍ: إِذا كَانَ قويًّا على أَن يُرْحلَ. والرَّاحُولُ: الرَّحْلُ، وَفِي حَدِيث الْجَعْدِي: أَنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ أَمَرَ لَهُ بِرَاحِلَةٍ رَحيلٍ. قَالَ الْمبرد: راحِلَةٌ رَحِيلٌ أَي قويٌّ على الرحْلَةِ، كَمَا يُقال: فَحْلٌ فَحِيلٌ: ذُو فِحْلَة.
وَرُوِيَ عَن النّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (تَجِدُونَ الناسَ كإبلٍ مائَةٍ لَيْسَ فِيهَا راحلةٌ) قَالَ ابْن قُتَيْبَةَ: الرَّاحِلَةُ هِيَ الناقةُ يختارُهَا الرَّجُلُ لمَرْكَبِه ورَحْلِه على النجابَةِ وتَمَامِ الخَلْق وحُسْنِ المَنْظَرِ، وَإِذا كَانَت فِي جَماعةِ الْإِبِل تبيَّنَتْ وعُرِفَتْ. يقولُ: فالناسُ مُتساوون، لَيْسَ لأَحَدٍ مِنْهُم على أَحَد فضلٌ فِي النَّسَب، وَلَكنهُمْ أشْبَاهٌ كإبلٍ مائَةٍ لَيست فِيهَا راحِلَةٌ تَتَبَيَّنُ فِيهَا وتَتَمَيَّزُ مِنْهَا بالتَّمَامِ وحُسْنِ المَنْظَرِ.
قلت: غَلِطَ ابنُ قُتيْبَةَ فِي شَيْئَيْنِ: فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث، أحَدُهما أَنَّهُ جعَل الراحلَةَ النَّاقَةَ، وَلَيْسَ الجملُ عِنْده رَاحِلَة. والراحلةُ عِنْد العربِ كلُّ بعيرٍ نجيبٍ جوادٍ سواءٌ كَانَ ذكرا أَو أُنْثى، وَلَيْسَت الناقةُ أَوْلَى باسْمِ الراحلةِ من الجملِ، تَقول العربُ للجمَلِ إِذا كَانَ نجيباً: راحلةٌ وَجمعه رواحلُ، وَدخُول الْهَاء فِي الراحلةِ للْمُبَالَغَة فِي الصفَةِ، كَمَا يُقالُ: رَجلٌ داهيةٌ وباقِعَةٌ وعَلاَّمَةٌ. وَقيل: إنَّها سُميَتْ راحلَةً لِأَنَّهَا تُرْحَلُ، كَمَا قَالَ الله {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ} (الحاقة: 21) أَي مَرْضِيَّةٍ، و {خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} (الطّارق: 6) أَي مَدْفُوق. وَقيل: سُميَتْ رَاحِلَةً لِأَنَّهَا ذاتُ رَحْل، وَكَذَلِكَ عيشة راضيةٌ: ذاتُ رضى. وَمَاء دافِقٌ ذُو دَفْق.
وَأما قَوْله: إِن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ أَن النَّاس متساوُون فِي الْفضل لَيْسَ لأحد مِنْهُم فضلٌ على الآخَرِ وَلَكنهُمْ أشباهٌ كإبل مائةٍ لَيْسَ
(5/6)

فِيهَا راحلةٌ، فَلَيْسَ الْمَعْنى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ. وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ الله تبَارك وَتَعَالَى ذَمَّ الدُّنْيَا ورُكُونَ الخلْقِ إِلَيْهَا وحذَّرَ عِبَادَهُ سُوءَ مَغَبَّتِها، وزهَّدَهُم فِي اقتنائِها وزُخْرُفِها وضربَ لَهُمْ فِيهَا الأمْثَالَ لِيَعُوها ويَعْتَبِرُوا بهَا، فَقَالَ: {الْجَحِيمِ اعْلَمُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الاَْمْوَالِ وَالاَْوْلْادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ} (الحَديد: 20) الْآيَة. وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحذرُ أصحابَه بِمَا حذَّرَهم الله من ذَمِيم عَوَاقِبِها وينهاهم عَن التَّبَقُّرِ فِيهَا ويزهدُهم فِيمَا زهَّدَهُم الله فِيهِ مِنْهَا، فَرَغِبَ أكثرُ أَصْحَابه عَلَيْهِ السَّلَام بعده فِيهَا، وتَشَاحُّوا عَلَيْهَا وتَنَافَسُوا فِي اقتنائِها حَتَّى كَانَ الزهْدُ فِي النادِرِ القليلِ مِنْهُم، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (تَجِدُونَ النَّاس بَعْدِي كإبلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا راحلةٌ) وَلم يُرِدْ بِهَذَا تساوِيَهُم فِي الشَّر وَلكنه أَرَادَ أنَّ الكامِلَ فِي الْخَيْرِ والزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا مَعَ رَغْبَتِهِ فِي الآخِرَةِ والعملِ لَهَا قليلٌ، كَمَا أَن الراحلَةَ النجيبةَ نادِرٌ فِي الْإِبِل الكثيرِ.
وَسمعت غَيْرَ واحِدٍ من مشايِخِنا يَقُول: إِن زُهَّادَ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَتَتَامُّوا عشرَة مَعَ وُفُور عددِهم وَكَثْرَة خَيْرِهم، وسبْقِهم الأمَّةَ إِلَى مَا يستَوْجِبُون بِهِ كريمَ المآب برحمة الله إيَّاهم وَرِضْوانِه عَلَيْهِم فَكيف مَنْ بَعْدَهم وَقد شاهَدُوا التَّنْزِيلَ وعايَنُوا الرَّسُولَ وَكَانُوا مَعَ الرغْبَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُم فِي الدُّنْيَا خَيْرَ هَذِه الْأمة الَّتِي وصَفَهَا الله جلَّ وعَزَّ فَقَالَ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عِمرَان: 110) وواجبٌ على مَنْ بَعْدَهمْ الاستغفارُ لَهُم والترحمُ عليْهِم وَأَن يسأَلُوا الله أَلاَّ يَجْعَل فِي قُلُوبهم غِلاًّ لَهُم وَلَا يذكُرُوا أحدا بِمَا فِيهِ مَنْقَصَةٌ لَهُم، وَالله يَرْحَمنَا وإيّاهم ويتغمَّد زَلَلَنَا بفضْلِهِ وَرَحمته إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: ناقَةٌ رَحِيلَةٌ: شديدَةٌ قويَّةٌ على السّير، وجمل رَحيلٌ مِثْلُه، وإنَّها لَذَاتُ رُحلَةٍ. وَقَالَ الأمَوِيُّ ناقةٌ حِضَارٌ إِذا جَمَعَتْ قُوَّةً ورُحْلَةً يَعْنِي جَوْدَةَ السّير.
وَقَالَ شَمِر: ارْتَحَلْتُ البعيرَ إِذا شدَدْتُ الرَّحْلَ عَلَيْهِ وارْتَحَلْتُه إِذا رَكِبْتَهُ بقتب أواعْرَوْرَيْتَهُ وَقَالَ الْجَعْدِي:
وَمَا عَصَيْتُ أَمِيرا غَيْرَ مُتَّهَمٍ
عِنْدِي ولكنَّ أَمْرَ المرْءِ مَا ارْتَحَلاَ
أَي يَرْتَحِلُ الْأَمر، يركبه.
قَالَ شمر: وَلَو أنّ رجلا صَرَع آخر وَقعد على ظَهره لَقلت رأيتُه مُرْتَحِله. ومُرْتَحَلُ الْبَعِير: مَوْضِعُ رَحْلِه من ظَهْرِه وَهُوَ مَرْحَلُهُ، قَالَ: وبعيرٌ ذُو رُحْلَةٍ وَذُو رِحلة وبعير مِرْحَلٌ ورَحِيلٌ إِذا كَانَ قويّاً.
الحرَّاني عَن ابْن السّكيت: قَالَ الْفراء: رِحْلَةٌ ورُحْلَةٌ بِمَعْنى واحدٍ، قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الرحْلَةُ: الارْتحال، والرُّحْلَةُ بِالضَّمِّ: الوجْه الَّذِي تُرِيدُه. تَقول: أَنتُمْ رُحْلَتِي. قَالَ وَقَالَ أَبُو زيد نَحْواً مِنْهُ.
وَيُقَال للراحلة الَّتِي رِيضَتْ وأُدبت: قد أَرْحَلَتْ إِرْحَالاً وأَمْهَرَتْ إِمْهَاراً إِذا جَعَلها الرائِض مَهْريَّة وراحلةً.
(5/7)

وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : نَاقَة رَحِيلةٌ ورحيلٌ ومُرْحِلَةٌ ومُسْتَرْحِلَةٌ أَي نجيبَةٌ. وبعير مُرْحِلٌ إِذا كَانَ سميناً وَإِن لم يكن نجيباً.
وَقَالَ اللَّيْث: ارتحل الْقَوْم ارتحالاً. والرحْلَةُ: اسمُ ارتحالِ الْقَوْم للمسير. قَالَ: والمُرْتَحَل نقيضُ المحَل. وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
إِنَّ مَحَلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا
يُرِيد إِن ارتحالاً وَإِن حلولاً.
قَالَ: وَقد يكون المُرْتَحَلُ اسْمَ المَوْضِعِ الَّذِي تَحُلُّ فِيهِ. قَالَ: والترحُّلُ: ارتحالٌ فِي مُهْلَةٍ.
والمرحَّلُ: ضَرْبٌ من بُرُودِ الْيمن، وَقيل سمي مُرَحَّلاً لما عَلَيْهِ من تَصَاويرِ الرَّحْل وَمَا ضَاهَاهُ. قَالَ: ورَاحِيلُ اسمُ أُم يُوسُفَ ابنِ يعقوبَ. وَالْعرب تكني عَن الْقَذْف للرجل بقَوْلهمْ (يَا ابْن مُلْقَى أَرْحُلِ الرُّكبان) ويفسَّرُ قَول زُهَيْر:
ومَنْ لَا يَزَلْ يسترْحِلِ الناسَ نَفْسَهُ
وَلَا يُعْفِهَا يَوْماً من الذُّل يَنْدَمِ
تفسيرين: أحدُهما أَنَّهُ يَذِلُّ لَهُم حَتَّى يَرْكَبوه بالأَذَى ويستذِلُّوه، وَالثَّانِي: أَنه يَسْأَلُهم أَن يحملوا عَنهُ كَلَّه وثُقْلَه ومَؤُونَتَه وَمن قَالَ هَذَا القَوْل روى الْبَيْت (وَلَا يعفها يَوْمًا من النَّاس يُسْأَمِ) وَقَالَ ذَلِك كلَّه ابنُ السّكيت فِي كِتَابه فِي الْمعَانِي.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي شيات الْخَيل: إِذا كَانَ الفَرَسُ أبيضَ الظهرِ فَهُوَ أَرْحَلُ، وَإِن كَانَ أبيضَ العَجُزِ فَهُوَ آزَرُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي شيات الْغنم إِن ابْيَصَّ طولُ النَّعْجَةِ غيرَ مَوْضِعِ الرَّاكب مِنْهَا فَهِيَ رَحْلاَءُ، فَإِن ابْيَضَّتْ إِحْدَى رِجْلَيْها فَهِي رَجْلاَءُ. وَقَالَ الفرزدق:
عليهِنَّ رَاحُولاَتُ كُل قطيفة
من الخَز أَوْ مِنْ قَيْصَرانَ عِلاَمُها
قَالَ: الراحُولاَتُ: المُرَحَّلُ المَوْشِيُّ على فَاعُولات. قَالَ وقَيْصَرَانُ ضربٌ من الثيابِ المَوْشِيَّةُ.
وَيُقَال: ارْتَحَل فلانٌ فلَانا: إِذا علا ظَهْرَهُ وَركِبَه. وَمِنْه حَدِيثُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنه سَجَدَ فَركبه الحَسَنُ فأَبْطَأَ فِي سُجُودِهِ، وَقَالَ: إنَّ ابنِي ارْتَحَلَنِي فكرِهْتُ أَن أُعْجِله) .
(ح ر ن)
حرن، حنر، نخر، رنح: مستعملة
حرن: قَالَ اللَّيْث حَرَنت الدابَّةُ وحَرُنَتْ لُغَتَان، وَهِي تحرُن حِرَاناً. وَفِي الحَدِيث (مَا خلأت وَلاَ حَرَنَتْ وَلَكِن حَبَسَها حَابِسُ الْفِيلِ) .
وَيُقَال فَرَسٌ حَرُونٌ مِنْ خَيْلٍ حُرُنٍ. والحَرُونُ: اسمُ فَرَسٍ كَانَ لِبَاهِلَةَ، إِلَيْهِ تنْسب الْخَيل الحرونية. وَقَالَ أَبُو عَمْرو فِي قولِ ابْن مقبل: صَوت المحابض ينزعن المحارينا قَالَ: المحارين مايموت من النَّحْل فِي عسله وَقَالَ غَيره: المحارين من الْعَسَل مَا لزق بالخلية فعسر نَزعه أَخذ من قَوْلك حَرَنَ بِالْمَكَانِ حُرُوناً إِذا لزمَه فَلم يُفَارِقهُ وكأَنَّ العَسَل حَرِن فَعَسُر اشْتِيَارُه. وَقَالَ الرَّاعِي:
كناس تنوفه ظلت إِلَيْهَا
هجانُ الْوَحْش حَارِنةً حرونا
(5/8)

قَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَوْله حارنةً مُتَأَخِّرَة. وغيرُه يَقُول لازِمَةً. وَقَالَ ابْن شمَيْلٍ: المحارينُ حَبُّ الْقطن الْوَاحِد مِحْرَانٌ.
رنح: قَالَ اللَّيْث رُنح فلَان ترنيحاً إِذا اعتراه وهْنٌ فِي عِظَامه وَضَعْفٌ فِي جسده عِنْد ضرب أَو فزع يَغْشَاهُ وَقَالَ الطرماح:
وناصِرُكَ الأَدْنى عَلَيْهِ ظعينَةٌ
تَمِيدُ إِذا استَعْبَرْتَ مَيْدَ المُرَنَّح
وَقَالَ غَيره: رُنحَ بِهِ إِذا أُدِيرَ بِهِ كالمغشي عَلَيْهِ وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
فَظَلَّ يُرَنَّحُ فِي غَيْطَلٍ
كَمَا يستدير الْحِمارُ النَّعِرْ
قَالَ اللَّيْث المُرَنَّحُ أَيْضا ضرب من الْعود من أَجْودِه يُسْتَجْمرُ بِهِ. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: المَرْنَحَةُ صَدْرُ السَّفِينَة قَالَ: والدَوْطِيرةُ كَوْثَلُها، والقَبُّ رَأس الدَّقَل، والقَرِيَّةُ خَشَبَة مربَّعَةٌ على رَأس القَب.
حنر: اللَّيْث: الحِنَّوْرَةُ دويبَّة ذَميمة يُشَبَّه بهَا الإنسانُ فَيُقَال يَا حِنَّوْرَةُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي بَاب فِعّوْل الحِنَّوْر: دابَّة تشبه العَظَاءَ وَقَالَ اللَّيْث: الحَنِيرَةُ العَقْدُ المضْرُوب وَلَيْسَ بِذَاكَ العريض. قَالَ: وَفِي الحَدِيث (لَو صلَّيتم حَتَّى تَكُونُوا كالأوتار، أَو صمتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنائر مَا نفعكم ذَلِك إِلَّا بنيَّةٍ صادِقَةٍ وورعٍ صادقٍ) .
وَتقول حنَرْتُ حَنِيرَةً إِذا بَنَيْتَها. أَبُو عَمْرو: الحَنِيرَةُ: قَوْسٌ بِلَا وَتَرٍ، وجَمْعُها حَنِيرٌ. قَالَ وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: جمعهَا حَنَائرُ. قَالَ وَفِي حَدِيث أبي ذَرَ (لَو صليتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنائر مَا نفعكم ذَلِكُم حَتَّى تُحِبُّوا آلَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: الْحُنَيْرَةُ تَصْغِير حَنْرَة وَهِي العطْفَة المحْكَمَة لِلْقَوْس.
نحر: قَالَ اللَّيْث: النَّحْرُ: الصَّدْرُ. والنُّحُور: الصدُور. قَالَ: والنَّحْرُ: ذَبْحُكَ البعِيرَ تطعنُه فِي مَنْحَرِه حيثُ يَبْدو الحُلْقُومُ من أعْلَى الصدْر. قَالَ: ويومُ النَّحْر: يومُ الأَضْحَى.
وَإِذا تَشَاحَّ القوْمُ على أمْرٍ قيل: انْتَحَرُوا عَلَيْهِ من شِدَّةِ حِرْصِهِمْ. وإذَا اسْتَقْبَلَتْ دَارٌ دَاراً قيل: هَذِه تَنْحَرُ تِلْكَ. وَإِذا انْتَصَب الإنسانُ فِي صَلاَتِه فنهد قيل: قَدْ نَحَرَ.
قَالَ: واختلفُوا فِي تَفْسِير قَوْله تبَارك وَتَعَالَى: {ُِالْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكَوثر: 2) قَالَ بَعضهم: انْحَرْ البُدْنَ. وَقيل: ضَعِ اليمينَ على الشمَال فِي الصلاةِ. وَقَالَ الفَرَّاءُ: معنى قولِه {لِرَبِّكَ} استَقْبِل القِبْلَة بنَحْرِك. قَالَ: وسمعتُ بعضَ الْعَرَب يَقُول: مَنَازِلُهُ تَنَاحَرُ، هذَا يَنْحَرُ هَذَا، أَي قُبَالَتَه. وَأنْشد فِي بعض بني أَسد:
أَبَا حَكَمٍ هَل أَنْت عَم مجَالد
وسيدُ أهل الأَبْطَحِ المُتَنَاحِرِ
وَذكر الْفراء الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين أَيْضا فِي قَوْله: {لِرَبِّكَ} .
وَقَالَ أَبُو عبيد النَّحيرَةُ: آخِرُ يومٍ من الشَّهْرِ لِأَنَّهُ يَنْحَرُ الَّذِي يَدْخُلُ بَعْدَه. قلت: مَعْنَاهُ أَنه يسْتَقْبل أول الشَّهْر. وَأنْشد للكميت:
(5/9)

والغيث بالمُتَأَلقَا
تِ مِنَ الأَهِلَّة فِي النواحر
وَيُقَال لَهُ نَاحِرٌ. وَيُقَال لآخر ليلةٍ من الشَّهْر نَحيرَةٌ لِأَنَّهَا تَنْحَرُ الهِلاَلَ. وَقَالَ الْكُمَيْت أَيْضا:
فَبَادَرَ لَيْلَةَ لاَ مُقْمِرٍ
نَحيرَةَ شَهْرٍ لِشَهْرٍ سِرَاراً
أَرَادَ ليلةَ لَا رَجُلٍ مُقْمِرٍ. والسرارُ مردودٌ على الليلَةِ. ونحيرَة فعيلة بِمَعْنى فاعِلَة لأنَّها تَنْحَرُ الهلالَ، أَي تستَقْبِلُه.
وَيُقَال للسحاب إِذا انْعَقَّ بِمَاءٍ كثيرٍ: قد انْتَحَرَ انتِحَاراً. وَقَالَ الرَّاعِي:
قَمَرَّ عَلَى مَنَازِلِهَا وَأَلْقَى
بهَا الأَثْقَالَ وَانْتَحَرَ انْتِحَاراً
وَقَالَ عديُّ بن زيد يصف الْغَيْث:
مَرِحٌ وَبْلُه يسحّ سُبُوب الْ
مَاءِ سَحَا كأَنَّه مَنْحُورُ
والنحْرِيرُ: الرجُل الطَبِنُ الفَطِنُ فِي كل شَيْء، وَجمعه: النَّحَارِيرُ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: النَّحْرَةُ انْتِصَابُ الرَّجُلِ فِي الصَّلاَة بِإِزَاءِ الْمِحْرَاب. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي قَوْله: {ُِالْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكَوثَر: 2) قَالَت طَائِفَة أُمِرَ بِنَحْرِ النُّسُكِ بَعْد الصَّلاة. وَقيل أُمِرَ أَنْ يَنْتَصِبَ بنَحْره بإزَاءِ القِبْلَة وأَلاَّ يَلْتَفِتَ يَمِينا وَلَا شمالاً.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النَّاحِرَتَانِ: التَّرْقُوَتَان من الإِبِل والناسِ. وَالْجَوانحُ: مَا وقَعَ عَلَيْهِ الكَتِفُ مِنَ الدَّابَّة والبَعِيرِ، وهِيَ من الإنسانِ الدَّأْيُ، والدَّأْيُ: مَا كَانَ من قِبَلِ الظَّهْرِ، وَهِي سِتٌّ: ثَلاَثٌ من كل جانبٍ، وَهِي من الصَّدْر الجوانِحُ لجُنُوحِها على القَلْب. وقَالَ: الكَتِفُ على ثلاثةِ أضْلاَع من جَانب وَسِتَّة أضلاع من جَانب وَهَذِه السِّتَّة يُقَال لَهَا الدَّأَيَاتُ. أَبُو زيد الجوانح أدنى الضلوع من المَنْحَر، وفيهن النَّاحِرَتَان، وَهِي ثلاثٌ من كل جَانب، ثمَّ الدَّأَيات وَهِي ثَلاثٌ من كُل شِقّ، ثمَّ يبْقى من بعد ذَلِك سِتٌّ من كل جانبٍ متَّصِلاتٌ بالشراسيف لَا يسمونها إِلَّا الأضلاع، ثمَّ ضِلَع الخَلْفِ، وَهِي أَوَاخِر الضُّلوع.
(ح ر ف)
حرف، حفر، فَرح، رحف، رفح: مستعملة.
حرف: قَالَ اللَّيْث: الحَرْفُ من حُرُوفِ الهِجَاء. قَالَ: وَكُلُّ كَلِمَةٍ بُنِيَتْ أَدَاةً عارِيةً فِي الكلامِ لِتَفْرِقَةِ المَعَانِي فاسْمُها حرفٌ، وإِنْ كَانَ بِنَاؤُها بحرفين أَو فَوْقَ ذَلِك، مثل: حَتَّى وَهَلْ وَبل وَلَعَلّ.
وكل كلمة تُقْرَأُ على وُجُوهٍ مِنَ القُرْآنِ تُسمى حَرْفاً، يقْرَأ هَذَا فِي حرف ابْن مَسْعُود أَي فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
قَالَ والإنسانُ يكونُ على حَرْفٍ من أَمْرِه: كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ ويتوقَّعُ، فإِنْ رَأَى من نَاحِيَتِهِ مَا يحبُّ، وإلاَّ مَالَ إِلَى غَيْرِهَا. وَقَالَ الله جلّ وَعز: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} (الحَجّ: 11) أَي إِذا لَمْ يَرَ مَا أَحَبَّ انْقَلَبَ عَلَى وَجهه.
قَالَ: وحَرْفُ السفينةِ: جَانِبُ شِقها. وَقَالَ أَبُو إسحاقَ فِي تفسيرِ هَذِه الْآيَة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} جَاءَ فِي
(5/10)

التفسيرِ: على شَكَ، قَالَ: وحقيقَتُهُ أَنَّه يعبدُ الله على حرفِ الطَّرِيقَة فِي الدّين، لَا يدخُلُ فِيهِ دُخُولَ مُتَمَكنٍ. وأفادني المنذريُّ عَن ابْن اليزيدي عَن أبي زيدٍ فِي قَوْله {عَلَى حَرْفٍ} على شَكَ. وأفادني عَن أَبِي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ: أما تسميتُهم الْحَرْفَ حَرْفاً فحرْفُ كل شيءٍ ناحيتهُ كحرْفِ الجَبَلِ والنهرِ والسيفِ وغيرهِ، قلتُ كأَنَّ الْخَيْر والخِصْبَ ناحيةٌ، والضَّرَّ والشَّرَّ وَالْمَكْرُوه ناحيةٌ أُخْرَى، فهما حرفان، وعَلى العبْدِ أَن يَعْبُدَ خالِقَه على حَالَة السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ. ومَنْ عَبَدَ الله على السَّرَّاءِ وحْدَهَا دون أَن يَعْبُدَه عَلَى الضَّراءِ يَبْتَلِيه الله بِهَا فَقَدْ عَبَدَهُ على حَرْفٍ، وَمن عَبَدَهُ كَيْفَما تصرَّفَتْ بِهِ الحالُ فقد عَبَدَهُ عِبادةَ عَبْدٍ مُقِرَ بأَنَّ لَهُ خَالِقاً يُصَرفه كيفَ يشاءُ، وَأَنه إِن امْتَحَنَه باللأواء وأنعم عَلَيْهِ بالسَّراء فَهُوَ فِي ذَلِك عادلٌ أَو متفضلٌ غير ظالمٍ وَلَا متعدَ، لَهُ الخيَرَةُ وَبِيَدِهِ الأمرُ وَلَا خِيَرَةَ للعَبْدِ عَلَيْهِ.
وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نُزلَ الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف كلهَا شاف كَاف) لقد أشبَعْتُ تَفْسِيره فِي كتاب (القراءَات وعِللِ النحويينَ) فِيهَا وَأَنا مختصرٌ لَكَ فِي هَذَا الموضِعِ من الجُمَلِ الَّتِي أودَعْتُها ذَلِك الكتابَ مَا يَقِفُ بِكَ على الصوابِ. فَالَّذِي أذْهَبُ إِلَيْهِ فِي تفسيرِ قولهِ: (نُزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحرف مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو عبَيْدٍ واتَّبعه على ذَلِك أَبُو العَبَّاسِ أَحْمد بن يحيى.
فَأَما قَول أبي عبيدٍ فَإِن عبدَ الله بنَ مُحَمَّد ابْن هاجَك أَخْبرنِي عَن ابْن جَبَلَة عَن أبي عبيدٍ أَنه قَالَ فِي قَوْله (على سَبْعَة أحرف) يَعْنِي سبع لُغَاتٍ من لُغَات العَرَبِ. قَالَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يكونَ فِي الْحَرْف الواحدِ سبعَةُ أَوْجُهٍ هَذَا لَمْ نَسمعْ بِهِ. قَالَ وَلَكِن نقُول: هَذِه اللغاتُ السبعُ متفرقَةٌ فِي الْقُرْآن فبعضه بِلُغَةِ قُرَيْش وبعضُه بلغَة هوازِنَ وبعضُه بلغَة هُذَيْلٍ وبعضُه بلغَة أهلِ اليَمَن، وَكَذَلِكَ سائِرُ اللُّغَات ومعانيها فِي هَذَا كُله وَاحِدَةٌ. قَالَ ومِمَّا يُبَينُ ذَلِك قولُ ابْن مَسْعُود: إِنِّي قد سَمِعت القراءَةَ ووجدتهم متقاربين فاقرءوا كَمَا علمْتُم، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْل أحدكُم هَلُمَّ وَتَعَال وأَقْبِل.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه سُئِل عَن قَوْله (نزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف) فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا لغاتٌ. قلت: فَأَبُو العبَّاسِ النَّحْوِيّ وَهُوَ وَاحِدُ عصره، قد ارْتَضَى مَا ذهبَ إِلَيْهِ أَبُو عبيد واستصْوبَه. قلت: وَهَذِه الأحْرُفُ السبعةُ الَّتِي مَعْنَاهَا اللغاتُ غيرُ خَارِجَةٍ من الَّذِي كُتِبَ فِي مصاحِف الْمُسلمين الَّتِي اجْتمع عَلَيْهَا السلفُ المرضيُّون وَالْخلف المتبعون فَمن قَرَأَ بحرفٍ لَا يُخَالِفُ المصحفَ بزيادةٍ أَو نُقْصانٍ أَو تَقْدِيم مؤخَّرٍ أَو تأخيرِ مُقَدَّم وَقَدْ قَرَأَ بِهِ إِمامٌ من أَئِمَّة القُرَّاءِ المُشْتهرين فِي الأَمْصَارِ فقد قَرَأَ بحرْفٍ من الحُرْوف السَّبْعَة الَّتِي نزل الْقُرْآن بهَا، وَمن قرأَ بحرفٍ شاذَ يُخَالِفُ المصحفَ، وخالَفَ بذلك جمهورَ القَرَأَةِ المعروفين، فَهُوَ غيرُ مصيبٍ. وَهَذَا مذهبُ أهلِ العِلْم الَّذين هم القُدْوَة، ومذهبُ الراسخِين فِي عِلْمِ الْقُرْآن قَدِيما وحديثاً، وَإِلَى هَذَا أَوْمَى أَبُو الْعَبَّاس
(5/11)

النحويُّ، وَأَبُو بكرٍ الأنبارِيُّ فِي كتاب لَهُ ألَّفَهُ فِي اتِّبَاع مَا فِي المصحَفِ الإمَامِ، وَافقه على ذَلِك أَبُو بكرٍ مجاهدُ مُقْرِىء أهلِ العِراق وغيرُه من الاثْبَاتِ المُتْقِنِين. وَلَا يجوز عِنْدِي غيرُ مَا قَالُوا، وَالله يوفقنا للاتّباع وتجنُّبِ الابْتداع، إِنَّه خير مُوَفق وخيرُ مُعين.
وَقَالَ اللَّيْث: التحريفُ فِي الْقُرْآن: تغييرُ الكلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا وَهِي قريبَةُ الشَّبَهِ، كَمَا كَانَت اليهودُ تُغَير مَعانِيَ التوْراةِ بالأَشْبَاه، فوصَفَهم الله بِفِعْلِهم فَقَالَ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} (النِّسَاء: 46) قَالَ: وَإِذا مَال إنسانٌ عَن شَيْء يُقَال: تحرّف وانْحَرَفَ واحْرَوْرَف وَأنْشد فِي صفة ثَوْر حفر كناساً فَقَالَ:
وَإِن أصَاب عُدَوَاءَ احْرورفا
قَالَ: والحَرْف النَّاقة الصُّلْبَةُ، شُبهت بِحَرْفِ الْجَبَل.
وَأنْشد:
جُمَالِيَّةٌ حَرْفٌ سِنَادٌ يَشُلُّهَا
وَظِيفٌ أَزَجُّ الخَطْوِرِيَّانُ سَهْوَق
قَالَ: وهَذَا البَيْتُ يَنْقُضُ تفسيرَ مَنْ قَالَ: نَاقَة حَرْفٌ: أَيْ مَهْزولَةٌ شبهت بحرْفِ كتابَةٍ لِدَقَّتِها وهُزَالِها.
وروى أَبُو عبيدٍ عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ: الحرْفُ: الناقَةُ الضَّامِرُ، قَالَ: وَقَالَ بعضهُم: شُبهَت بِحَرْف الْجَبَل. قَالَ أَبُو عبيدٍ وَقَالَ الأَصمعيُّ: الحرفُ: المَهْزُولَةُ، وَقَالَ شَمِر: الحَرْفُ من الجَبَلِ: مَا نَتَأَ فِي جَنْبِهِ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الدُّكَّانِ الصغيرِ أَو نحوِه. قَالَ والحرف أَيْضا فِي أعْلاَهُ تَرَى لَهُ حَرْفاً دَقِيقًا مشرفاً على سواءِ ظَهْرِه.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحرْفُ: الشَّكُّ فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} (الحَجّ: 11) أَي شَكَ.
قَالَ أَبُو العبَّاسِ: والعربُ تَصِفُ الناقَةَ بالحَرْفِ لأَنَّها ضَامِرٌ، وتُشَبَّهُ بالحَرْفِ من حُرُوفِ المُعْجَم، وَهُوَ الأَلِفُ. وتشبَّه بِحَرْفِ الجبَل إِذا وصفت بالعِظَم. قَالَ هَذَا فِي تَفْسِير قَول كَعْب:
حَرْف أَخُوهَا أَبوهَا من مهجَّنة
وَقَالَ اللَّيْث: الْحُرْفُ: حَبٌّ كالخَرْدَلِ، الْوَاحِدَة حُرْفَةٌ. قَالَ: والمُحَارَفَةُ: المُقَايَسَةُ بالمِحْرَافِ، وَهُوَ المِيلُ الَّذِي يُسْبَرُ بِهِ الجِرَاحَاتُ وَأنْشد:
كَمَا زَلَّ عَنْ رَأْسِ الشّجِيج المُحَارِف
أَبُو عُبَيْدٍ عَن أبي زيدٍ: أَحْرَفَ الرجلُ إِحرافاً إِذا نما مَالُه وصَلُحَ. ورُوِيَ عَن ابنِ مسعودٍ أَنه قَالَ: موت المؤمِنِ بِعَرَق الجبين تبقَى عَلَيْهِ البقيَّةُ من الذُّنُوبِ فَيحَارَفُ عِنْد الْمَوْت أَي يُقَايَسُ بهَا فَيكون كَفَّارَة لذنوبه. وَمعنى عَرَقِ الجبينِ شدّةُ السيَاق. وَيُقَال: لَا تُحَارِفْ أخَاكَ بالسوءِ: أَي لَا تُجَازِهِ بِسُوءِ صَنِيعِه تُقَايِسْه، وأحْسِنْ إِذَا أَساءَ، واصْفَحْ عَنهُ. وَيُقَال للمَحْرومِ الَّذِي قُترَ عَلَيْهِ رزْقُه مُحَارَفٌ. حدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عُرْوَةَ عَن أبي بكرٍ بن زَنْجَوَيْهِ عَن محمدِ بن يوسفَ عَن سفيانَ قَالَ حَدثنَا أَو إسحاقَ عَن قسر ابْن كركم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ُِيَسْتَغْفِرُونَ وَفِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ}
(5/12)

(الذّاريَات: 19) قَالَ: (السائلُ) : الَّذِي يسألُ الناسَ، و (المحروم) : الْمُحَارَفُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَام سَهْمٌ، فَهُوَ مُحَارَفٌ. قالَ وأخْبَرَنا الزعْفرانيُّ عَن الشافِعِي أَنه قَالَ: كُلُّ من استغْنَى بكَسْبِه فَلَيْسَ لَهُ أَن يسألَ الصدقَةَ وَإِذا كَانَ لَا يبلغ كَسبه مَا يُقِيمُه وعيالَه فَهُوَ الَّذِي ذكر المفسرُونَ أنَّه المحرومُ الْمُحَارَفُ. قَالَ: والْمُحَارَفُ: الَّذِي يَحْتَرِفُ بيدَيْهِ قد حُرِمَ سهْمَه من الْغَنِيمَة لَا يَغْزُو مَعَ الْمُسلمين فَبَقيَ محروماً يُعْطَى من الصدقةِ مَا يَسُدّ حِرْمَانَهُ. وَجَاء فِي تَفْسِير قَول الله جلّ وَعز: {حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ} أنّ المحرومَ هُوَ المُحَارَفُ، والاسْمُ منْهُ الحُرْفَةُ بالضَّم، وَأما الحِرْفَة فَهُوَ اسْم من الاحْتِرَافِ، وَهُوَ الاكتسابُ؛ يُقَال هُوَ يَحْرِفُ لِعِيَالِهِ ويَحْتَرِفُ، وَيَقْرِشُ وَيَقْتَرِشُ، ويَجْرَحُ ويَجْتَرِحُ: بِمَعْنى يَكْتَسِبُ.
ثعلبُ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: أَحْرَفَ الرجُلُ إِذا جازَى على خيرٍ أَو شَرَ. قَالَ وَمِنْه الخبرُ: (إِن العبدَ ليُحَارَفُ على عَمَلِه الخيرَ والشرَّ) . قَالَ: وأحرف إِذا اسْتغنى بعد فقر وأحرف الرجل إِذا كدّ على عِيَاله أَبُو عُبَيْدة عَن أبي زيدٍ: أحْرَفَ الرجُلُ إِحْرَافاً إِذا نَمَا مَالُه وصَلَح.
رحف: أهمله اللَّيْث وَهُوَ مُسْتَعْمل.
روى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: أَرْحَفَ الرجلُ إِذا حدَّد سكّيناً أَو غيرَه يُقَالُ: أَرْحَفَ شَفْرَتَهُ حَتَّى قَعَدَتْ كَأَنَّها حَرْبَةٌ. وَمعنى قَعَدَتْ أَي صَارَتْ. قلتُ كَأَنَّ الحاءَ مُبْدَلَةٌ من الْهَاء فِي أَرْحَفَ، والأصْلُ أَرْهَف. وسيفٌ مُرْهَفٌ وَرَهِيفٌ أَي مُحَدَّدٌ.
حفر: قَالَ اللَّيْث: الْحُفْرَةُ: مَا يُحْفَرُ فِي الأَرْضِ، وَمثله الحَفِيرَةُ، قَالَ: والحَفَرُ اسمُ المَكَانِ الَّذِي حُفِرَ كخَنْدَقٍ أَو بِئْرٍ، قَالَ وَكَذَلِكَ البئرُ إِذا وُسعَتْ فَوْقَ قَدْرِها تُسَمَّى حَفِيراً وحَفَراً وحَفِيرَةً، قَالَ: وحَفِيرٌ وحَفِيرَةٌ اسْمَا مَوْضِعَين ذكَرَهُمَا الشعراءُ القدماءُ.
قلتُ: والأَحْفَارُ المَعْرُوفَةُ فِي بلادِ العربِ ثلاثَةٌ: فَمِنْهَا حَفَر أَبي مُوسَى، وَهِي رَكَايا احْتَفَرَهَا أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ على جَادَّة البَصْرة وَقَدْ نَزَلْتُ بهَا واستَقَيْتُ من رَكَاياها وَهِي مَا بَين مَاويَّةَ والمَنْجَشَانِيَّاتِ وركايا الحَفَر مَسْنَوِيَّةٌ بعيدَة الرشَاء عَذْبَةُ الماءِ، مَسْنَوِيَّةٌ أَي يستقى مِنْهَا بالسانية وَهَذَا كَقَوْلِهِم زرع مَسْقَوِيّ أَي يُسْقَى. وَمِنْهَا حَفَرُ ضَبَّةَ: وَهِي ركايَا بِنَاحيةِ الشَّوَاجِن بعيدةُ القَعْرِ، عَذْبَةُ الماءِ. وَمِنْهَا حَفَرُ سَعْدِ بنِ زَيْدِ مَنَاةَ ابْن تَمِيم، وَهيَ بِحِذَاء العَرَمَة وَرَاءَ الدَّهْنَاءِ، يُسْتَقَى مِنْهَا بالسانيَة عِنْدَ حَبْلٍ من حِبَالِ الدَّهْنَاءِ، يُقَال لَهُ حَبْلُ الحَاضِر.
وَقَالَ الفرَّاءُ فِي قَول الله جلّ وَعز {ُيَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى} {ِالْحَافِرَةِ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} (النَّازعَات: 10، 11) مَعْنَاهُ إنّا لمَرْدُودُون إِلَى أَمرنا الأوّل إِلَى الْحَيَاة. قَالَ: والعربُ تَقُولُ: أَتَيْتُ فُلاناً ثمَّ رَجَعتُ علَى حَافِرَتِي: أيْ رَجَعْتُ مِنْ حَيْثُ جئتُ. قالَ: وَمن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: النَّقْد عِنْدَ الْحَافِرَةِ. والحافر معناهُ إِذا قَال قَدْ بِعْتُك
(5/13)

رجعتَ عَلَيْهِ بِالثّمن؛ وهُمَا فِي الْمَعْنى واحدٌ. قَالَ: وبعضُهم يَقُول النَّقْدُ عندَ الحَافِرِ، يُرِيد عِنْد حَافِرِ الفَرَسِ، وكَأَنَّ هَذَا المَثَل جَرَى فِي الخيْلِ. قَالَ: وقالَ بعضُهم: الحافِرَةُ الأَرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيهَا قُبُورُهم، فسمَّاهَا الْحَافِرَةَ، والمعْنَى يريدُ المحْفُورَةَ، كَمَا قَالَ {مِن مَّآءٍ} (الطّارق: 6) يُرِيد مَدْفُوق. وَأَخْبرنِي المُنْذِرِيُّ عَن أبي العَبَّاس أَنه قَال: هَذِه كلمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُون بهَا عِنْد السَّبْق. قَالَ والحَافِرَةُ: الأرضُ المَحْفُورَةُ، يَقُول: أقل مَا يَقَعُ حَافِرُ الفَرَسِ على الْحَافِرَةِ فقد وَجَبَ النقْدُ، يَعْنِي فِي الرهَانِ، أَي كَمَا يَسْبِقُ فيَقَعُ حَافِرُه عَلَيْها تَقول هَاتِ النَّقْدَ: وَقَالَ الليثُ: النقْدُ عِنْدَ الْحَافِرِ مَعْنَاهُ إِذا اشتريْتَه لم تَبْرَح حَتَّى تَنْقُد. الحرَّانِيّ عَن ابْن السكيتِ أَنه قَالَ: مَعْنَى النَّقْدُ عِنْد الْحَافِرَة أَيْ عِنْد أَوَّلِ كَلِمَةٍ. ويُقَال: الْتَقَى القَوْمُ فاقْتَتَلُوا عِنْدَ الْحَافِرَة أَيْ عِنْدَ أَوَّلِ كَلِمَةٍ وعِنْدَ أَوَّلِ مَا الْتَقُوا، قَالَ الله جَلّ وَعَزّ {يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى} أَيْ فِي أَوَّلِ أَمْرِنَا. قَالَ: وَأَنْشَدَنِي ابنُ الأعرابيّ:
أَحَافِرَةً عَلَى صَلَعٍ وَشَيْبٍ
مَعَاذَ الله مِنْ سَفَهٍ وَعَارِ
كَأَنَّهُ قَالَ أأرجع فِي صِبَايَ وَأَمْرِي الأوَّلِ بعد أَن صَلِعْتُ وشِبْتُ. وَقَالَ الليثُ: الحافِرَةُ العَوْدَةُ فِي الشَّيْءِ حتَّى يُرَدَّ آخِرُه عَلَى أَوَّلِه. قَالَ: وفِي الْحَدِيثِ (إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يُتْرَكُ عَلَى حَالِه حَتَّى يُرَدَّ عَلَى حَافِرَتِه أَيْ عَلَى أَوَّلِ تَأسِيسِه، وقَالَ فِي قَوْله: {يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى} أَي فِي الخَلْقِ الأَوَّل بَعْدَ مَا نَمُوتُ. وَقَالَ ابنُ الأَعْرَابيّ {لَمَرْدُودُونَ فِى} أيْ فِي الدُّنْيَا كَما كُنَّا.
وَقَالَ اللَّيْثُ الحَفْرُ والحَفَرُ جَزْمٌ وفَتْحٌ لُغَتَانِ: وَهُوَ مَا يَلْزَق بالأسْنَانِ من ظَاهرٍ وباطنٍ، تَقول: حَفِرَتْ أسنانهُ حفَراً، ولغةٌ أُخْرَى حفَرت أسنانُه تَحفِر حَفْراً. وأخْبرَني أبُو بكرٍ عَن شمر أنَّهُ سُئِل عَن الحَفْر فِي الأسْنان، فَقَالَ: هُوَ أَن يَحْفِرَ القَلَحُ أُصُولَ الْأَسْنَان بَيْنَ اللثة وأَصْلِ السنّ من ظَاهِرٍ وبَاطِنٍ يُلِحُّ على العَظْمِ حَتَّى يَتَقَشَّر العظْمُ إِن لم يُدْرَكْ سَرِيعا، يُقَال أَخَذَ فِيه حَفْرٌ وحَفَرَةٌ. أَبُو عبيد: عَن الْكسَائي قَالَ: الحفْر بتسكين وَقد حفر فُوَه يحفِر حَفْراً.
وَقَالَ اللَّيْث الحِفْرَاةُ نباتٌ من نباتِ الرَّبِيع، قَالَ ونَاسٌ من أَهْلِ اليمنِ يُسَمُّون الْخَشَبَةَ ذاتَ الأصَابِع الَّتِي يُذُرَّى الكُدْس المَدُوسُ وَيُنَقَّى بهَا البُرُّ مِن التبْن بِحفْرَاةَ.
ثعلبٌ عَن ابْن الأعرابيّ: أحفَرَ الرجلُ إِذا رَعَى إِبِلَه الحِفْرَى، وَهُوَ نَبْتٌ، قلتُ وَهُو مِن أَرْدَإِ المَرَاعي، قَالَ: وَأحفَرَ إِذَا عَمِل بالحِفْرَاةِ وَهِي الرَّقْش الَّذِي تُذَرَّى بِهِ الحنطةُ، وَهِي الْخَشَبَةُ المُصْمَتَة الرأسِ، فَأَما المُفَرَّجُ فَهُوَ العَضْمُ بالضَّاد والمِعْزَقَةُ، قَالَ: والمِعْزَقَةُ فِي غير هَذَا: المَرُّ، قَال والرقْشُ فِي غير هَذَا: الأكلُ الكثيرُ.
وَقَالَ أَبُو حاتمٍ: يُقَال حَافَرَ اليربوعُ مُحَافرةً، وَفُلَان أَرْوَغُ من يَرْبُوعٍ: مُحَافِرٍ، وَذَلِكَ أَن يَحْفِر فِي لُغزٍ من ألْغَازِه فيذهبَ سُفْلاً ويحفِرَ الإنسانُ حَتَّى يُعْيَى فَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ ويُشَبَّه عَلَيْهِ الجُحْرُ فَلَا يعرفهُ من غَيره
(5/14)

فيَدَعَهُ، وَإِذا فعل اليَرْبُوعُ ذَلِك قِيلَ لمن يَطْلُبُه دَعْه لَقَدْ حَافَر فَلَا يقدرُ عَلَيْهِ أحدٌ وَقَالَ: إِنَّه إِذا حَافَرَ أَبَى أنْ يَحْفِر الترابَ وَلَا يَنْبِثُه وَلَا يُدْرَى وجْهُ جُحْره، يُقَال قد حثا فترى الجُحْرَ مملوءًا تُراباً مستَوِياً مَعَ مَا سِواهُ إِذا حَثَا، ويُسَمَّى ذَلِك الحَاثِيَاءَ، ممدودٌ، يُقَال مَا أَشد اشْتِبَاه حَاثِيَائِه. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْل: رَجُلٌ مُحَافِرٌ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وَأنْشد:
مُحَافِرُ الْعَيْش أَبى جِوَارِي
لَيْسَ لَهُ مِمَّا أفاءَ الشَّاري
غيرُ مُدَىً وبُرْمَةٍ أعشارِ
أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال أَحْفَرَ المُهْرُ للإِثْنَاءِ والإرْبَاع والقُرُوحِ وَأَفَرَّتِ الإِبلُ للاثناء إِذا ذهبت رَوَاضِعُها وطَلَع غَيْرُها. وَقَالَ فِي كتاب (الخيْلِ) يُقَال أَحْفَرَ المُهْرُ إحْفاراً فَهُوَ مُحْفِر، قَالَ وإِحْفَارُهُ أَن يَتَحَرَّك الثَّنِيَّتان السُفْلَيَان والعُلْيَيَان من رَوَاضِعِه، فَإِذا تحرَّكْنَ قَالُوا قَدْ أَحْفَرَت ثَنَايَا رَوَاضِعِه فسَقَطْن. قَالَ وأولُ مَا يُحْفِرْنَ فِيمَا بَين ثَلَاثِينَ شهرا أدْنَى ذَلِك إِلَى ثلاثةِ أعْوَامٍ، ثمَّ يسقُطْن فَيَقَع عَلَيْهَا اسمُ الإبْدَاء، ثمَّ يُبدىء فَيخرج لَهُ ثَنِيَّتَان سُفْلَيَان وثَنِيَّتَانِ عُلْيَيَانِ مَكَانَ ثَنَايَاه الرَّواضِعِ الَّتِي سَقَطْنَ بعد ثلاثةِ أَعْوَام فَهُوَ مُبْدِىءٌ قَالَ ثمَّ يُثَني فَلَا يزَال ثَنِيّاً حَتَّى يُحْفِرَ إحْفَاراً، وإحفارُهُ أَن تُحَركَ لَهُ الرَّبَاعِيَّتَانِ السفْلَيَان والرَّبَاعيتان العُلْيَيَان من رَوَاضِعه وَإِذا تَحَرَّكْن قيل قد أَحْفَرت رُبَاعِيَاتُ رواضعه فيسقُطْنَ، وَأول مَا يُحْفِرْن فِي اسْتِيفَائه أربعةَ أعوامٍ، ثمَّ يَقع عَلَيْهَا اسمُ الإبْدَاءِ، ثمَّ لَا يزَال رَبَاعِياً حَتَّى يُحفر لِلْقُروحِ وَهُوَ أَن يَتَحَرَّك قَارِحَاه، وَذَلِكَ إِذا استَوْفَى خَمْسَةَ أعوامٍ، ثمَّ يَقع عَلَيْهِ اسْمُ الإبْدَاءِ، عَلَى مَا وَصَفْنا ثمَّ هُوَ قارح.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي إِذا استَتَم المُهْرُ سنتَيْن فَهُوَ جَذَعٌ، ثمَّ إِذا استتم الثالثةَ فَهُوَ ثَنِيٌّ، فَإِذا أثْنَى أَلْقَى رَوَاضِعَه فَيُقَال أثنَى وأَدْرَمَ للأَثناء، ثمَّ هُوَ رَبَاعٍ إِذا استتمّ الرَّابِعَة من السنين يُقَال أَهْضم للإِرْبَاعِ وَإِذا دخل فِي الْخَامِسَة فَهُوَ قارِحٌ وَقد قَرَحَ يَقْرَحُ قُرُوحاً، قلت: وصَوَابُه إِذا استَتَمّ الخامِسَةَ، فَيكون مُوَافقا لقَوْل أبي عُبَيْدَة وكأَنَّهُ سقطَ شَيْءٌ.
وَيُقَال: حَفَرْتَ ثَرَى فُلانٍ إِذا فَتَّشْتَ عَن أمْرِه ووقَفْتَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابنُ الْأَعرَابِي حَفَرَ إِذا جَامَع وحَفَرَ إِذا فَسَدَ.
فَرح: قَالَ اللَّيْث رجل مُفْرَحٌ قد أَثْقَلَهُ الدَّيْن، وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (وَلَا يُتْرَكُ فِي الْإِسْلَام مُفْرَح) قَالَ أَبُو عبيد المُفْرَح: الَّذِي قد أَفْرَحَهُ الدَّيْنُ أَي أَثْقَلَهُ، وَلَا يجِدُ قَضَاءَهُ. قَالَ وأنشدنا أَبُو عُبَيْدَة:
إذَا أَنْتَ لم تَبْرَحْ تُؤَدي أَمَانَةً
وتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْكَ الوَدَائِعُ
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ فِي قَوْله: (وَلَا يتْرك فِي الْإِسْلَام مُفْرَح) هُوَ الَّذِي أثْقَلَ الدَّيْنُ ظَهْرَه، قَالَ: وَمن قَالَ مُفْرَجٌ فَهُوَ الَّذِي أثقله الْعِيَال وَإِن لم يكن مُدَّاناً.
وَقَالَ اللَّيْث: رَجُلٌ فَرِحٌ وفَرْحَانٌ وَامْرَأَة فَرِحَةٌ وفَرْحَى، وَيُقَال مَا يسرني بِهِ مَفْروحٌ ومُفْرِحٌ، فاالمَفْرُوح: الشيءُ الَّذِي أَنا أفْرَحُ
(5/15)

بِهِ، والمُفْرِحُ: الشَّيْء الَّذِي يُفْرِحُني. أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال: مَا يسرني بِهِ مُفْرِحٌ وَلَا يجوز مَفْرُوحٌ، وَهَذَا عِنْده مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ العامَّة.
رفح: قَالَ أَبُو حَاتِم: من قُرُون الْبَقر الأَرْفَحُ وَهُوَ الَّذِي يَذْهَبُ قَرْنَاهُ قِبَلَ أُذُنَيْه فِي تَبَاعُدِ مَا بَينهمَا قَالَ والأَرْفَى الَّذِي يَأْتِي أُذُنَاهُ عَلَى قَرْنَيْه.

(بَاب الْحَاء وَالرَّاء ممع والبَاء)
ح ر ب
حَرْب، حبر، ربح، رحب، بَحر، برح: مستعملات.
حَرْب: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الحارِبُ: المُشَلح، يُقَال حَرَبَه إِذا أخَذَ مَالَه، وأَحْرَبَه دَلَّه على مَا يَحْرُبُه، وحَرَّبَه إِذا أطْعمهُ الحَرَب وَهُوَ الطَّلْع، وأَحْرَبَهُ: وجده مَحْرُوباً.
وَقَالَ اللَّيْثُ: الْحَرْب: نقيضُ السَّلْم، تؤنث، وتصغيرها حُرَيْبٌ بِغَيْر هَاء رِوَايَة عَن الْعَرَب وَمثلهَا ذُرَيْع وَقُوَيْسٌ وَفُرَيْسٌ أُنْثَى ونُيَيْبٌ وذُوَيْدٌ تَصْغِير ذَوْدٍ وقُدَيْرٌ تَصْغِير قِدْر وخُلَيْقٌ يُقَال مِلْحَفة خُلَيْق. كل ذَلِك تَأْنِيثٌ يُصَغَّرُ بِغَيْر هَاءٍ. قلت أنَّثُوا الْحَرْب لأَنهم ذَهَبُوا إِلَى المُحَارَبَةِ، وَكَذَلِكَ السلْم والسَّلْم يذهب بهما إِلَى المُسالمة، فتؤنث.
وَقَالَ اللَّيْث رجل مُحَرب: شُجَاعٌ. وَفُلَان حَرْبُ فلانٍ أَي مُحَارِبهُ. ودَارُ الحَرْبِ بِلادُ المُشْرِكين الَّذين لَا صُلْحَ بَينهم وَبَين الْمُسلمين. وَتقول حَرَّبْتُ فلَانا تَحْرِيباً إِذا حرَّشْتَه تحريشاً بِإِنْسَان فأُولِعَ بِهِ وبعَدَاوته.
وَيُقَال حُرِب فلَان حَرَباً، والحَرَب أَن يُؤْخَذ مَاله كُلُّه، فَهُوَ رجل حَرِبٌ نزل بِهِ الحَرَبُ، وَهُوَ مَحْرُوبٌ حَرِيبٌ. وحَرِيبَةُ الرجلِ: مالُه الَّذِي يعِيش بِهِ. والحَرِيبُ: الَّذِي سُلِبَ حَرِيبَتَه. ابْن شُميل فِي قَوْله (اتَّقوا الدَّيْن فَإِن أَوَّلَه وآخِرَه حَرَبٌ) قَالَ يُبَاع دَارُه وعَقَارُه، وَهُوَ من الحَرِيبَةِ.
محروبٌ: حُرِبَ دِينَه أَي سُلِبَ دِينَه، يَعْنِي قولَه (فَإِن المحْرُوبَ من حُرِبَ دِينَه) وَقَالَ الله {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يَعْنِي الْمعْصِيَة وَقَوله {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (البَقَرَة: 279) يُقَال: هُوَ القَتْلُ أما قَوْلُه جلّ وعَزَّ {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (المَائدة: 33) الْآيَة فإنّ أَبَا إسحاقٍ النحويَّ زعم أَن قَول الْعلمَاء أنّ هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْكفَّار خَاصَّة.
ورُوِي فِي التَّفْسِير أَن أَبَا بُرْدَةَ الأسلميَّ كَانَ عاهَدَ النبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألاَّ يَعْرِضَ لمن يريدُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وألاّ يمنَعَ مِنْ ذَلِك، وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يمْنَعُ من يريدُ أَبَا بُرْدَةَ فمرّ قوم بِأَبِي بُرْدَةَ يُرِيدُونَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَعرض أصحابُه لَهُم فَقَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، فَأنْزل الله جلّ وعزّ على نبيّه، وَأَتَاهُ جبريلُ فَأعلمهُ أنَّ الله يأمُرُه أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ وَأَخَذَ المالَ قَتَله وَصَلَبَهُ، وَمن قَتَل وَلم يَأْخُذِ المالَ قَتَله، وَمن أَخَذَ المالَ وَلم يَقْتُل قطع يَدَه لأَخْذِه المالَ، ورِجْلَهُ لإخَافَتِه السبيلَ.
(5/16)

وَقَالَ الليثُ: شُيُوخ حَرْبى وَالْوَاحد حَرِبٌ شبيهٌ بالكَلْبى والكَلِب. وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
وشيوخٍ حَرْبى بشطَّيْ أَرِيكٍ
ونِسَاءٍ كأنَّهُنَّ السَّعَالي
قلت وَلم أسمع الحَرْبَى بمَعْنى الكَلْبى إِلَّا هَهُنَا. وَلَعَلَّه شَبَّهَه بالكلبى أَنه على مِثَاله.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَرْبَةُ دون الرُّمْحِ والجميع الحِرَابُ.
وَقَالَ والمِحْرَاب: الغُرْفة وَأنْشد قَول امرىء الْقَيْس:
كغزلان رمل فِي محاريب أَقْوَال.
قَالَ والمِحْرَابُ عِنْد الْعَامَّة اليومَ مَقَامُ الإمامِ فِي المَسْجِد.
وكانَتْ مَحَارِيبُ بني إسْرَائيلَ مَسَاجِدَهُم الَّتِي يَجْتَمعُونَ فِيهَا للصَّلَاة.
قَالَ أَبُو عبيد: المِحْرَابُ: سيّد الْمجَالِس ومُقدَّمُها وأشْرَفُها، وكذلِكَ هُوَ من الْمَسَاجِد. وَقَالَ ابنُ الْأَعرَابِي: المحرابُ: مَجْلِسُ الناسِ ومُجْتَمَعُهُم.
وَقَالَ الأصمعيّ: الْعَرَب تسمي القَصْرَ محْرَاباً لِشَرفه. وَأنْشد:
أَو دميةٍ صُورَ مِحْرَابُها
أَبُو درة شِيفَتْ إِلَى تَاجر
أَرَادَ بالمحراب الْقصر، وبالدُّمْيَة الصُّورَة.
وَقَالَ الأصمعيّ: عَن أَبي عَمْرِو بنِ الْعَلَاء دخلتُ مِحْرَاباً من مَحَارِيبِ حِمْيَر فَنَفَخ فِي وَجْهي رِيحُ الْمسك أَرَادَ قَصْرَاً أَو مَا يشبه القصرَ، وَقَالَ الزّجاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {ُِالْخِطَابِ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ} . (ص: 21) قَالَ: الْمِحْرَاب أَرْفَعُ بيتٍ فِي الدَّار، وأَرْفَعُ مَكانٍ فِي المسْجِد. قَالَ والمِحْرَابُ هَهُنَا كالغُرْفة وَأنْشد:
رَبَّةُ مِحْرَابٍ إِذا جِئْتُها
لم أَلْقَهَا أَوْ أَرْتَقِي سُلَّما
وَقَالَ الفرَّاءُ فِي قَول الله جلّ وعزّ: {مَا يَشَآءُ مِن} (سَبَإ: 13) ذُكِرَ أنَّها صُوَرُ الأنبياءِ والملائكةِ، كَانَت تُصَوَّرُ فِي الْمَسَاجِد ليراها النّاسُ فيزْدَادُوا عبَادَة.
وَقَالَ الزجَّاجُ: هِيَ واحِدَةُ المِحْرابِ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ.
وَفِي الحَدِيث أنّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث عُرْوَةَ بن مسعودٍ إِلَى قومه بِالطَّائِف فَأَتاهُمْ ودَخَل محراباً لَهُ فَأَشْرَف عَلَيْهِم عِنْد الْفجْر، ثمَّ أذَّن للصَّلَاة. وَهَذَا يَدُلُّ على أَنه غرفَة يُرْتَقَى إِلَيْهَا. وَقَالَ اللَّيْث الْمِحْرَاب عنق الدَّابَّة.
ابْن الْأَنْبَارِي عَن أَحْمد بن عبيد: سمي المحرابُ مِحْرَاباً لانفراد الإِمَام فِيهِ وبُعْدِه عَن النَّاس.
وَمِنْه يُقَال فلانٌ حَرْبٌ لفُلَان إِذا كَانَ بَينهمَا تبَاعد ومباغضة واحتجَّ بقوله:
وحارَبَ مرفَقَها دَفُّها
وسامَى بِهِ عُنُقٌ مِسْعَر
أَرَادَ بعد مرفقها من دفها.
وَقَالَ الراجز:
كأنَّهَا لَمَّا سَمَا مِحْرابُها
وَقَالَ الْأَعْشَى:
(5/17)

وَترى مَجْلِسا يغص بِهِ المح
راب مِلْقوم وَالثيَاب رقاق
أَرَادَ من الْقَوْم. قَالَ: والحِرَباءُ دويبَةٌ على خِلْقة سَام أَبْرَصَ ذاتُ قوائِمَ أَربع، دقيقةُ الرَّأْس، مخطَّطَةُ الظهرِ، تستقبلُ الشمسَ نهارَها. والجميعُ محرابيّ. قَالَ والْحِربَاءُ: رأسُ المِسْمَارِ فِي الْحلقَة فِي الدرْع.
وَقَالَ أبُو عُبَيْد: الحِرْبَاءُ: مساميرُ الدرْع. وَقَالَ لبيد:
كلّ حرباء إِذا أُكْرِهَ صَلّ
قَالَ: وقَالَ أَبُو عَمْرٍ والشَّيبانيُّ: حَرَابِيّ المَتْنِ: لَحْمُ المَتْنِ، قَالَ: وَاحِدُها حِرْبَاءُ؛ شُبه بِحِرْبَاءِ الفَلاَةِ وإِنَاثُ الحرابِي يُقَال لَهَا أُمَّهَاتُ حُبَيْنٍ، الْوَاحِدَة أُمُّ حُبَيْنٍ، وَهِي قَذِرَةٌ لَا تأْكُلُهَا العَرَبُ بتَّة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أرضٌ مُحَرْبِئَةٌ مِنَ الحِرْبَاءِ.
أبُو العبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحُرْبَة: الجُوَالِقُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: الحُرْبة: الوِعَاءُ.
أَبُو عبيد: حَرِب الرجل يحرَبُ حَرَباً إِذا غضب. قَالَ وحَرَّبْتُ عَلَيْهِ غَيْرِي أَي أغْضَبْتُه وَسنَان مُحَرَّبٌ مُذَرَّبٌ إِذا كَانَ مُحَدَّراً مُؤَلَّلاً.
أَبُو عبيد عَن يونُسَ قَالَ: أَحْرَبْتُ الرجل: إِذا دَلَلْتُهُ على مالٍ يُغِيرُ علَيْه.
عمرٌ عَن أَبِيه: الحَرَبَةُ: الطَّلْقَةُ إِذا كَانَت بقِشْرِها، وَيُقَال لِقِشْرِها إِذا نُزِع: القِيقَاءَةُ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: المحرابُ: القِبْلَةُ. والمِحْرَابُ الغُرْفَة. والمِحْرَابُ: صَدْرُ المَجْلِسِ والمحراب مَأْوَى الْأسد، يُقَال: دَخَلَ فُلانٌ على الأسَدِ فِي مِحْرَابه وغِيله وعَرِينِه وَرجل مِحْرَبٌ أَي محَارب لِعَدُوه. وَقيل سمي مِحْرابُ الإمامِ مِحْرَاباً لِأَن الإِمَام إِذا قَامَ فِيهِ لم يَأْمَنْ أنْ يَلْحَن أَو يُخْطِىء فَهُوَ خَائِفٌ مَكَانا كَأَنَّهُ مَأْوى الْأسد.
رحب: شمر عَن ابْن شُمَيْل فِي قَول الله جلّ وعزّ: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} (التّوبَة: 118) أَي على رُحْبِها وسعَتِهَا. وأرضٌ رَحِيبَةٌ: واسِعَةٌ. قَالَ وَقَالَ ابنُ الأعرابيّ: الرُّحْبَةُ: مَا اتَّسَع من الأرضِ. وَجَمعهَا رُحَبٌ، مثل قَرْيَة وقُرًى. قلت وَهَذَا يجيءُ شاذّاً فِي بَاب النَّاقِص، فَأَما السَّالِم فَمَا سَمِعت فَعْلَة جُمِعَتْ على فُعَل، وَابْن الْأَعرَابِي ثِقَة لَا يَقُول إِلَّا ماقَدْ سَمعه.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَّحْبُ والرَّحيبُ: الشيءُ الواسعُ. قَالَ: رَحَبَةُ الْمَسَاجِد سَاحَاتها. ونقول رَحَب يَرْحُبُ رُحْباً ورَحَابةً. ورجلٌ رحيبُ الجوفِ: واسِعُه. وَقَالَ نصر بن سيار: أَرَحُبَكُم الدُّخُول فِي طَاعة الكِرْماني، يَعْنِي أَوَسِعَكُم. وَقَالَ الليثُ: وَهَذِه كلمة شَاذَّةٌ على فَعُلَ مُجَاوِزٍ وفَعُلَ لَا يكون مجاوِزاً أبدا. قلت لَا يجوز رحُبَكُم عِنْد النَّحْوِيين، وَنصر لَيْسَ بحُجَّة.
وَقَالَ اللَّيْث: أَرْحَبُ حيٌّ أَوْ مَوْضِعٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ النجائبُ الأَرْحَبِيَّةُ. قلت: ويَحْتَمِل أَن يكونَ أَرْحَبُ فَحْلاً نُسِبَتْ إِلَيْهِ النجائِبُ لأنَّها من نَسْلِه. وَقَالَ الليثُ فِي قَول الْعَرَب مَرْحباً، مَعْنَاهُ انْزل فِي الرَّحْب
(5/18)

والسَّعَة فَأَقِمْ فَلَكَ عندنَا ذَلِك. وسُئل الخليلُ عَن نصْب مَرْحَباً: فَقَالَ فِيهِ كَمِينُ الْفِعْل، أَرَادَ بِهِ انْزِل أَوْ أَقِمْ فَنَصَب بِفِعْلٍ مُضْمَر، فَلَمَّا عُرِف مَعْنَاهُ المُرادُ بِه أُمِيتَ الفعلُ. قلت وَقَالَ غيرُه فِي قَوْلِهمْ: مَرْحَباً، أَتَيْت رُحْباً وسَعَةً لَا ضِيقاً. وَكَذَلِكَ قَالَ سَهْلاً، أَرَادَ نَزَلْتَ بَلداً سَهْلاً لَا حَزْناً غليظاً.
وَقَالَ شمر: سَمِعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: مَرْحَبَكَ الله ومَسْهَلَكَ، ومرحباً بك الله ومسْهلاً بكَ الله. وَتقول العَرَبُ: لامرحباً بك أَي لَا رَحُبَتْ عَلَيْك بِلادُك. قَالَ وَهِي من المَصادِرِ الَّتِي تَقَعُ فِي الدُّعَاءِ للرجُلِ وَعَلِيهِ، نَحْو سَقْياً ورَحْباً وجَدْعاً وعَقْراً؛ يُرِيدُونَ سَقاك الله ورعاك.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن سَلمَة قَالَ سمعتُ الفرّاء يَقُول يُقَال رحُبتْ بلادُك رَحْباً ورَحَابةً ورحِبَتْ رَحَباً ورُحْباً. وَيُقَال أرْحَبَتْ، لُغَةٌ بذلك الْمَعْنى.
وَقَالَ اللَّيْث: الرُّحْبَى على بِنَاء فُعْلى أعْرَضُ ضِلَع فِي الصَّدْر، قَالَ: والرُّحْبَى: سِمَةٌ تَسِمُ بهَا العربُ على جَنْب الْبَعِير.
وَقَالَ أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه: الرُّحْبَيَانِ مَرْجِعَا المِرْفَقَين، قَالَ والنَّاحِزُ إِنَّمَا يكون فِي الرُّحْبَيَيْن. وَقَالَ غَيره: الرُّحْبى: مَنْبِضُ القلبِ من الدوابّ وَالْإِنْسَان.
وَرَحْبَةُ مالكِ ابْنِ طوقٍ: مدينةٌ أَحْدَثها مالكٌ على شاطيء الْفُرَات. وَرُحَابَةُ: مَوضِع مَعْرُوف.
شمر عَن ابْن شُمَيْل قَالَ: الرّحَابُ فِي الأودية الواحدةُ رَحْبَةٌ، وَهِي مواضعُ متواطئة يسْتَنقِع الماءُ فِيهَا، وَهِي أَسْرَعُ الأرْضِ نباتاً تكون عِنْد مُنْتَهى الوَادِي وَفِي وَسَطِه، وَقد تكون فِي الْمَكَان المُشْرِف ويَسْتَنْقِعُ فِيهَا الماءُ، وَمَا حولهَا مُشْرِفٌ عَلَيْهَا، وَإِذا كَانَت فِي الأرضِ المستوية نَزَلها النَّاسُ، وَإِذا كَانَت فِي بطن المسيلِ لم يَنزِلْها النَّاس، وَإِذا كَانَت فِي بطن الْوَادي فَهِيَ أُقْنَةٌ تُمْسِكُ المَاء لَيست بالقعيرة جدا وسعتها قَدْرُ غَلْوة، وَالنَّاس ينزِلون نَاحيَة مِنْهَا، وَلَا تكونُ الرحَابُ فِي الرَّمل وتكونُ فِي بطونِ الأَرْض وَفِي ظواهرِها.
وَقَالَ الفرَّاء: يُقَال للصحراء بَين أفْنيَةِ الْقَوْم وَالْمَسْجِد رَحْبَةٌ. ورَحَبَةٌ اسمٌ وَرَحْبَةٌ نعت. يُقَال بِلَاد رَحْبَةٌ، وَلَا يُقَال رَحَبة. قلت ذهب الفرَّاء إِلَى أَنه يُقَال بلد رَحْبٌ وبلاد رَحْبَةٌ، كَمَا يُقَال بلد سَهْلٌ وبلاد سَهْلَةٌ.
برح: قَالَ اللَّيْث بَرِحَ الرجلُ يَبْرَحُ بَرَاحاً: إِذا رَام مِنْ مَوْضِعه وَيُقَال مَا بَرِحْتُ أَفْعَلُ كَذَا، بِمَعْنى مَا زِلْتُ. وَقَالَ الله جلَّ وعزَّ {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} (طاه: 91) أَي لن نزال.
وَقَول الْعَرَب: بَرِحَ الْخَفَاءُ، قَالَ بعضُهم مَعْنَاه زَالَ الخفاءُ، وَقيل مَعْنَى بَرِحَ الخفاءُ أَي ظهر مَا كَانَ خافياً وانكشف، مأخوذٌ من بَرَاح الأَرْض وَهُوَ الظَّاهِر البارز. وَقَالَ اللَّيْثُ: البَرَاحُ: البَيَان، يُقَال جَاءَ بالْكفْر بَرَاحاً وَيجوز أَن يكون قَوْلهم بَرِح الخَفَاءُ أَي ظهر مَا كنتُ أُخْفِي.
(5/19)

والبَارِح من الظبَاءِ والطيرِ خلافُ السَّانح وَقد مَرّ تَفْسِيرهَا فِي بَاب (سنح) من هَذَا الْكتاب.
وَقَالَ الدينَوَرِي: البَيّرُوخُ: هُوَ اللُّقَّاحُ الأصْفُرُ مثل الباذنجان طيّبُ الرَّائِحَة وَيدخل فِي الأدْوية، وَيُسمى المغْدَ أَيْضا. قَالَ واللُّقَّاحُ أَيْضا ضربٌ من الفِرْسِك أجرَدُ فِيهِ حُمْرة.
وَقَالَ اللَّيْث: البارحُ من الرِّيَاح: الَّتِي تَحْمِلُ التُّرَابَ فِي شِدّة الهُبوب.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ: البَوَارحُ الشَّمْأَلُ فِي الصيفِ خَاصَّة. قلت وكلامُ الْعَرَب الَّذين شاهَدْتُهم على مَا قالَ أَبُو زيد. وَقَالَ ابْن كُنَاسةَ: كلّ ريحٍ تكون فِي نُجُوم القيْظِ فَهِيَ عِنْد العربِ بَوَارِحُ، قَالَ وأكثرُ مَا تَهُبُّ بنجومِ الْمِيزَان، وَهِي السَمَائِم، وَقَالَ ذُو الرمة:
لاَ بَلْ هُوَ الشَّوْقُ من دارٍ تَخَوَّنَهَا
مَرّاً سحابٌ ومَرّاً بَارِحُ تَرِبُ
فنسبها إِلَى التُّراب لِأَنَّهَا قَيْظِيَّة لارِبْعِيَّة، ورياح الصَّيف كلُّها تَرِبَةٌ.
وَقَالَ الليثُ: يُقَال للمحموم الشديدِ الحُمَّى: أصَابَتْه البُرَحَاءُ، وَيُقَال بَرَّحَ بِنَا فُلانٌ تَبْرِيحاً فَهُوَ مُبَرحٌ، وَأَنا مبرَّح: إِذْ آذَاك بإلحَاحِ المَشَقّة، وَالِاسْم التَّبْرِيحُ والبُرْحُ. وَأنْشد:
لنا والهوى بَرْحٌ على مَنْ يغَالِبُه
والتباريح: كُلَفُ الْمَعيشَة فِي مشَقَّة. وضَرَبَهُ ضَرْباً مُبَرحاً، وَلَا تقل مُبَرَّحاً. وَيُقَال هَذَا الأمرُ أَبْرَحُ عَلَيَّ من ذَلِك الأمرِ أَي أَشَقُّ وأَشَدُّ. وَأنْشد لذِي الرمة:
أَنِيناً وشَكْوَى بالنَّهَارِ كثيرةٌ
عَلَيَّ وَمَا يَأْتِي بِهِ الليلُ أبْرَحُ
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي إِذا تمدَّد المحموم لِلْحُمَّى فَذَلِك المُطَوَاءُ فَإِذا تثاءب عَلَيْهَا فَهِيَ الثُّؤَبَاءُ، فَإِذا عرق عَلَيْهَا فَهِيَ الرُّحَضَاء، فَإِن اشتدت الْحمى فَهِيَ البُرحَاءُ، والبرحاء: الشدَّة والمشقَّةُ. قَالَ أَبُو عبيد وَقَالَ الْكسَائي لقِيت مِنْهُ البِرَحينَ والبُرَحينَ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلَمَةَ عَن الفرَّاءِ: لَقِيتُ مِنْهُ بَنَاتِ بَرْحٍ وَبني بَرْحٍ، كلُّ ذَلِك مَعْنَاهُ الدَّاهيةُ والشدّة. وَقَالَ غَيره يُقَال: لقِيت مِنْهُ بَرْحاً بَارِحاً.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: ويَرْحَى لَهُ ومَرْحَى إِذا تعجَّب مِنه. وَقَالَ الْأَعْشَى:
أَبْرَحْتَ ربّاً وأَبْرَحْتَ جارا
قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَعْظَمْتَ ربّاً، وقالَ آخَرُونَ أَعْجَبْتِ رَبّاً، وَيُقَال أُكْرِمْتَ مِن رَب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَبْرَحْتَ: بَالَغْتَ، لُؤْماً وأَبْرَحْتَ كَرَماً أَي جئتَ بأَمْرٍ مُفْرِط. وَقَالَ ابْن بُزُرْجَ: قَالُوا للمرأةِ: أبرحْتِ عائِذاً وأَبْرَحَتِ العائِذُ: إِذا تَعَجَّبَ من جمَالها، وَهِي والدٌ ذاتُ صَبِي وَقَالَ أَبُو عَمْرو: بُرْحةُ كل شَيْء خِيَاره، وَيُقَال للبعير هُوَ بُرْحَةُ من البُرَح يُرِيد أَنَّهُ من خِيَار الْإِبِل. قَالَ: وأبْرَحَ فلانٌ رَجُلاً إِذا فَضَله، وَكَذَلِكَ كلُّ شَيْء تُفضّله. قَالَ وَقَالَ العُذري: بَرَّح الله عَنهُ، أَي فرَّج الله عَنهُ، قَالَ: وَإِذا غضب الإنسانُ على صَاحبه قيل: مَا أشدَّ مَا بَرِح عَلَيْهِ،
(5/20)

وَالْعرب تَقول فعلنَا الْبَارِحةَ كَذَا وَكَذَا، للَّيْلَةِ الَّتِي مَضَتْ يُقَال ذَاك بعد زَوَال الشَّمْس. وَيَقُولُونَ قَبْلَ الزَّوال فعلنَا الليلةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَول ذِي الرمة:
تَبَلَّغ بَارِحّي كَرَاهُ فِيهِ
قَالَ بَعضهم: أَرَادَ النومَ الَّذِي شقّ عَلَيْهِ أمرُه لامتناعه مِنْهُ وَيُقَال أَرَادَ نوم اللَّيْلَة البارِحة. والعربُ تقولُ مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بالبارحةِ، أَي مَا أَشْبَهَ الليلةَ الَّتِي نَحن فِيهَا بالليلةِ الأولى الَّتِي قد بَرِحت أَوْ زَالت وَمَضَت. وَيُقَال للشَّمْس إِذا غَرَبت: دَلَكَت بَرَاحِ يَا هَذَا، على فَعَالِ، الْمَعْنى أَنَّها زَالَت وبَرِحَت حِين غَرَبَت. وبَرَاحِ بِمَعْنى بَارِحةٍ، كَمَا قَالُوا لكلْبِ الصيْد كَسَابِ بِمَعْنى كاسِبَةٍ، وَكَذَلِكَ حَذَامِ بِمَعْنى حَاذِمَةٍ. وَمن قَالَ دَلَكَت الشمسُ بِرَاحِ، فَالْمَعْنى أَنَّهَا كَادَت تَغْرُب وَقد وضع يَده على حَاجِبه ينظر زَوَالهَا أَوغروبَها، ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي دلَكت بِرَاحِ أَي اسْتُريح مِنْهَا. وَأنْشد الْفراء:
هَذَا مُقام قَدَمَيْ رَبَاحِ
ذبَّبَ حَتَّى دَلَكَتْ بِرَاحِ
يَعْنِي الشمسَ. قَالَ شمر قَالَ ابْن أبي ظَبْيَة الْعَنْبَري:
بُكْرةً حَتَّى دلكت براح
أَي بعشيَ رائحٍ فأسقط الْيَاء مثل جرف هار وهائِر. وَقَالَ المفضّل دلكت بَراحِ وبَراحُ بِكَسْر الْحَاء وَضمّهَا. وَقَالَ أَبُو زيد دلكت براحٍ مجرورٌ منونٌ ودلكت براحُ مضموم غير منون.
حَدثنَا الْكُوفِي حَدثنَا الْحلْوانِي حَدثنَا عفانُ عَن حمادٍ بن سَلمَة عَن حُمَيْدٍ، قَالَ: قُلْنَا للحسَن مَا قَوْله ضربا غير مبرح؟ قَالَ: غير مُؤثر. وَهُوَ قولُ الْفراء. وَقَالَ ابنُ الأعرابيّ: دَلَكَت بَراحِ أَي استُريح مِنْهَا. وروى شمر فِي حَدِيث عِكْرِمَة أَنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن التَّوْلِيهِ والتبْريح، قَالَ التَّبْرِيحُ قَتْلُ السوءِ، جَاءَ التفسيرُ مُتَّصِلاً بِالْحَدِيثِ. قَالَ شمر ذكر ابْن الْمُبَارك هَذَا الحَدِيث مَعَ مَا ذُكِرَ من كراهةِ إلْقاءِ السَّمكة إِذا كَانَت حَيَّة على النارِ. وَقَالَ: أما الأكلُ فَتُؤْكلُ وَلَا يُعْجِبُني قَالَ: وَذكر بعضُهم أَن إلقاءَ القَمْل فِي النارِ مثلُه. قلت: وَرَأَيْت العربَ يملأون الوِعاء من الجَرادِ وَهِي تهتمش فِيهِ، ويحتفرون حُفْرَة فِي الرَّمل ويوقدون فِيهَا، ثمَّ يَكُبُّون الجَرادَ من الوعاءِ فِيهَا ويُهيلون عَلَيْهَا الإرَّة حَتَّى تَمُوت، ثمَّ يستخرجونَها ويشررُونها فِي الشَّمْس فَإِذا يَبِسَتْ أكلوها.
ربح: قَالَ اللَّيْث رَبِحَ فلانٌ وأَرْبَحْتُهُ، وَهَذَا بيع مُرْبِحٌ إِذا كَانَ يُرْبَحُ فِيهِ وَالْعرب تَقول رَبِحَتْ تجارتُه إِذا ربح صاحبُها فِيهَا. قَالَ الله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} (البَقَرَة: 16) . وَيُقَال أَعْطَيْتُه المَال مُرَابَحَةً على أنَّ الربحَ بيني وَبَينه، هَذَا قَول اللَّيْث. وَقَالَ غيرُه: بِعْتُه السلْعَةَ مُرَابَحَةً على كل عشرةِ دارهمَ دِرْهَمٌ، وَكَذَلِكَ اشتَرَيْتُهُ مُرَابَحةً، وَلَا بدّ من تَسْمِيَةِ الرِّبْح.
وَقَالَ الليْثُ رُبَّاحٌ اسْم القِرْد، قَالَ: وضَرْبٌ من التَّمْر يُقَال لَهُ زُبُّ رُبَّاح. وَأنْشد شمر للبعيث:
(5/21)

شآمية زرْق الْعُيُون كَأَنَّهَا
رَبَابِيحُ تَنْزُو أَوْفُرار مُزَلّم
وَقَالَ أَبُو عبيد: الرُّبَّاحُ: القرد فِي بَاب فُعَّال. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: هُوَ الرُّبَّاح للقرد، وَهُوَ الهَوْبَرُ والحَوْدَلُ. وَقَالَ خَالِد بنُ جنبه: الرُّبَّاح الفَصِيلُ والحاشيةُ الصغيرُ الضَّاوي. وَأنْشد:
حطّت بِهِ الدَّلْوُ إِلَى قَعْر الطَّوَى
كأنَّما حطَّت بِرُبَّاح ثَنِيّ
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم كَيفَ يكون فصيلاً صَغِيرا وَقد جعله ثَنِيّاً، والثَّنِيُّ ابْن خمس سِنِين، وَأنْشد شمر لخداش بن زُهَيْر:
وَمَسَبُّكُم سُفْيَان ثمَّ تُرِكْتُم
تَتَنَتَّجُون تَنَتُّجَ الرُّبَّاح
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي لخفاف بن ندبة:
قَرَوْا أَضْيَافَهُمْ رَبَحاً بِبُجَ
يَجِيء بفضْلِهن المسّ سُمْر
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الرَّبَحُ والربحُ مثل البَدَلِ والبِدْلُ. وَقد رَبِحَ يَربَحُ رِبْحَاً ورَبَحاً. قَالَ والبجُّ قِداح الميْسر. قَالَ وَيُقَال الرَّبَح. الفصيل، وَجمعه رِبَاحٌ مثل جمَل وجمال، وَيُقَال الرَّبَحُ الفِصَالُ، وَاحِدهَا رَابح. يَقُول أعوزَهُم الكبارُ فتقامَروا على الفِصَالِ. قَالَ: وَيُقَال أَرْبَحَ الرجل إِذا نحر لضِيفَانه الرَّبَحَ، وَهِي الفُصْلان الصغارُ.
يُقَال رَابحٌ ورَبَحٌ مثل حَارِسٍ وحَرَسٍ. وَقَالَ شمر: الرَّبَحُ: الشحْمُ: قَالَ وَمن رَوَاهُ رُبَحاً فَهُوَ ولد النَّاقة وَأنْشد:
قد هَدِلت أفْواهُ ذِي الرُّبُوح
وَأما قَول الْأَعْشَى:
مِثْلَمَا مُدَّتْ نِصَاحَاتُ الرُّبَح
فقد قيل إنّه أَرَادَ الرُّبَع، فأبدل الْحَاء من الْعين.
حبر: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (يخرج رجلٌ من النَّار قد ذهب حِبْرُه وسِبْرُه) قَالَ أَبُو عبيد، قَالَ الْأَصْمَعِي: حِبْرُه وسِبْرُه هُوَ الجمالُ والبَهاءُ. يُقَال فلَان حَسَن الحِبْرِ والسبْرِ. وَقَالَ ابنُ أَحمر وذَكَر زَمَاناً:
لَبِسْنَا حِبْرَهُ حَتَّى اقْتُضِينَا
لأجيال وأعمال قُضِينَا
أَي لبسنا جماله وهيبته وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ غَيره: فلَان حَسَنُ الحَبْرِ والسَّبْر إِذا كَانَ جميلاً حسَن الهَيْئة بِالْفَتْح. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ عِنْدِي بالحَبْر أشبهُ، لِأَنَّهُ مصدر حَبَرْتُه حَبْراً إِذا حسَّنْتَه. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ يُقَال للطُّفَيْلِ الغَنَوِي: مُحَبر، فِي الجاهليّة، لِأَنَّهُ كَانَ يُحَسن الشّعْر. قَالَ وَهُوَ مأخُوذ من التحبير وحُسْنِ الْخط والمنطِق. شمر عَن ابْن الأعرابيّ: هُوَ الحِبْر والسبْر بِالْكَسْرِ. قَالَ وأخبرَني أَبُو زيادٍ الكلابيُّ أَنه قَالَ: وقفت على رَجُلٍ من أهل الْبَادِيَة بعد مُنْصَرَفي منَ الْعرَاق، فَقَالَ: أمّا اللِّسَان فَبدَويٌّ، وَأما السبْرُ فحضريٌّ. قَالَ: والسبْرُ: الزيُّ والهيئةُ. قَالَ: وَقَالَت بدوية: أعجبَنَا سِبْرُ فلانٍ أَي حُسْنُ حَالِه وخصْبُهُ فِي بدنه، وَقَالَت: رَأَيْته سييءَ السبْر إِذا كَانَ شاحباً مضروراً فِي بدنه فَجعلت السبْرَ بمعنيين.
(5/22)

وَقَالَ اللَّيْث: الحَبَارُ والحِبَرُ أَثَرُ الشَّيْء. وَقَالَ أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الحَبَارُ أَثَرُ الشَّيْء وَأنْشد:
لَا تملأ الدَّلوَ وعرقْ فِيهَا
أَلا ترَى حَبَارَ مَنْ يَسْقيها
قَالَ أَبُو عبيد: وأمَّا الأحْبَارُ والرُّهبان فالفُقَهاءُ قد اخْتلفُوا فِيهِ فبعضهم يَقُول: حَبْرٌ وَبَعْضهمْ: حِبْرٌ. قَالَ، وَقَالَ الْفراء: إِنَّمَا هُوَ حِبْر. يُقَال ذَلِك للعالِم. وَإِنَّمَا قيل كَعْب الحِبْر لمَكَان هَذَا الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ؛ وَذَلِكَ أَنه كَانَ صاحِبَ كُتُبٍ. قَالَ وَقَالَ الأصمعيُّ: لَا أَدْرِي أهوَ الحِبْرُ أَو الحَبْرُ للرجل العالمِ. وَكَانَ أَبُو الْهَيْثَمِ يَقُول: وَاحِدُ الأحْبَار حَبْرٌ لَا غيرُ، وينكر الْحِبرَ. وَأَخْبرنِي المُنْذِريُّ عَن الحرّانِيّ عَن ابْن السّكيت عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: حَبْرٌ وحِبْرٌ للعالمِ. وَمثله بَزْر وبِزْرٌ وسَجْف وسِجْفٌ. وَقَالَ ابْن السّكيت: ذهب حِبْرُه وسِبْرُه أَي هيْئَتُهُ وسَحْناؤه. وَقَالَ ابنُ الْأَعرَابِي: رجل حَسَنُ الْحِبْرِ والسبر: أَي حسن الْبشرَة. وروى عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ الْحِبْرُ من النَّاس: الداهيةُ وَكَذَلِكَ النبْرُ. وَرجل حِبْرٌ نِبْرٌ. وَقَالَ الشَّمَّاخ:
كَمَا خَطّ عِبْرَانِيَّةً بِيَمِينهِ
بِتَيْمَاءَ حَبْرٌ ثمَّ عَرَّض أَسْطُرَا
رَوَاهُ الرُّواة بِالْفَتْح لَا غيرُ.
وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ حِبْر وَحَبْرٌ لِلْعالِم ذِميَّاً كَانَ أَو مُسلماً، بعد أَن يكون من أهل الْكتاب. قَالَ: وَكَذَلِكَ الحِبْر والحَبْر فِي الجمَال والبَهاء. قَالَ والتحبيرُ: حسن الخطّ.
وَأنْشد الفراءُ فِيمَا روى سَلمَة عَنهُ:
كتحبير الكتابِ بخَط يَوْماً
يهودِيَ يُقَارِبُ أَو يَزِيل
وَقَالَ اللَّيْث: حَبَّرْتُ الشعرَ والكلامَ، وحَبَرْته: حسَّنْتُه.
وقَالَ ابنُ السّكيت فِي قَول الله جلّ وعزّ: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى} (الرّوم: 15) يُسَرُّون. قَالَ: والحَبْر: السُّرورُ. وَأنْشد:
الْحَمد لله الَّذِي أعْطى الحَبَرْ
وَقَالَ الزجّاج {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى} أَي يُكْرَمُون إكْراماً يُبَالَغُ فِيهِ. قَالَ: والحَبْرَةُ الْمُبَالغَة فِيمَا وُصِفَ بجميلٍ.
وَقَالَ الليثُ: يحبرون يُنَعَّمون. قَالَ: والحَبْرَةُ النِّعْمَة. وَقد حُبِرَ الرجلُ حَبْرَةً وحَبَراً فَهُوَ محبور.
وَقَالَ المزار الْعَدوي:
قد لَبِسْتُ الدَّهر منْ أَفْنَانِه
كُلَّ فَنَ ناعمٍ مِنْهُ حَبِر
وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله {الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى} قَالَ: السَّمَاعُ فِي الْجنَّة. والْحَبْرَةُ فِي اللُّغة النعْمَةُ التَّامَّة.
وَقَالَ شمر: الحَبَرُ صُفْرَةٌ تَرْكَبُ الإنسانَ وَهِي الحِبْرَةُ أَيْضا. وَأنْشد:
تجلو بأخْضَر من نَعْمَانَ ذَا أُشُرٍ
كعارض البرْقِ لم يستشرب لِحَبَرا
ونَحوَ ذَلِك قَالَ اللَّيْث فِي الحبر. وَقَالَ شَمِر: أَوله الحِبَر، وَهُوَ صُفْرَةٌ، فَإِذا اخضرّ فَهُوَ قَلَحٌ، فَإِذا ألحّ على اللثة حَتَّى تظهرَ الأسْنَاخُ فَهُوَ الحَفَر والحَفْرُ.
(5/23)

وَقَالَ اللَّيْث: برودُ حِبَرَةٍ ضرب من البُرُود اليمانية.
يُقَال بُرْدُ حبرَة وبُرُودُ حِبَرَةٍ. قَالَ: وَلَيْسَ حِبَرَةُ موضعا أَو شَيْئا مَعْلُوما. إِنَّمَا هُوَ وَشْيٌ كَقَوْلِك ثوبُ قِرْمِزٍ، والقِرْمِزُ صِبْغَةٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحبيرُ من السَّحَاب مَا يُرَى فِيهِ التَّنْميرُ من كَثْرَة المَاء.
قَالَ: والحبير من زَبَدِ اللُّغام إِذا صَار على رَأس الْبَعِير. قلت صحّف الليثُ هَذَا الحرفَ وَصَوَابه الْخَبِير بِالْخَاءِ لزَبَد أفْواهِ الْإِبِل هَكَذَا قَالَ أَبُو عبيدٍ فِيمَا رَوَاهُ الْإِيَادِي لنا عَن شمر، عَن أبي عُبيد.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْحسن الصَّيْدَاوِيُّ عَن الرياشي. قَالَ: الْخَبِير الزَّبَدُ بِالْخَاءِ وَأما الحَبيرُ بِمَعْنى السَّحَاب فَلَا أعرفهُ وَإِن كَانَ أَخذه من قَول الْهُذلِيّ:
تَغَذَّمْنَ فِي جانبيه الحَبيرَ
لَمَّا وهَى مُزْنُهُ واستُبِيحا
فَهُوَ بِالْخَاءِ أَيْضا وسنقف عَلَيْهِ فِي كتاب الْخَاء مُشْبَعاً إِن شَاءَ الله.
وروَى شَمِر عَن أبي عَمْرو قَالَ: المحْبَارُ الأَرْض السريعةُ الْكلأ.
وَقَالَ عنترةُ الطَّائِي:
لنا جِبَالٌ وَحمى مِحْبَارُ
وطُرُق يُبْنَى بهَا المَنَار
وَيُقَال للمِحْبَارِ من الأَرْض حَبِرٌ أَيْضا وَقَالَ:
لَيْسَ بِمِعْشَابِ اللوى وَلَا حَبِر
وَلَا بعيدٍ من أَذًى وَلَا قَذَر
قَالَ، وَقَالَ ابْن شُمَيْل: المِحْبَارُ الأرضُ السريعةُ النَّبَاتِ السهلةُ الدفِيئَةُ الَّتِي ببطون الأَرْض وسَرَارَتِها وأَرَاضتها فَتلك المحابير. وَقد حَبِرَت الأرضُ وأَحْبَرَتْ. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خطب خديجَةَ وأجابَتْهُ اسْتَأْذَنت أَبَاهَا فِي أَن تَتَزَوَّجَهُ وَهُوَ ثَمِلٌ فَأذن لَهَا فِي ذَلِك، وَقَالَ: هُوَ الْفَحْل لَا يُقْرَعُ أَنْفُه فنَحَرتْ بَعِيرًا، وخلَّقت أَبَاهَا بالعبِير، وكسَتْه بُرْداً أحمرَ، فلمّا صَحا من سُكُرِه قَالَ: مَا هَذَا الحبِيرُ وَهَذَا العقير وَهَذَا العبير؟ أَرَادَ بالحبيرِ البُرْدَ الَّذِي كستْهُ، وبالعبير الخَلُوقَ الَّذِي خلّقته، وَأَرَادَ بالعقيرِ البعيرَ المنحورَ، وَكَانَ عُقر سَاقه.
والحُبَارَى ذكرهَا الحَرَبُ، وَتجمع حُبارَيَات. وللعرب فِيهَا أَمْثَال جمّة، مِنْهَا قولُهم أَذْرَقُ من حُبَارى، وأَسْلَحُ من حُبارَى، لأنَّها ترمي الصَّقْر بسَلْحِها إِذا أَرَاغها ليصيدَها فتلوث ريشه بِلَثَق سَلْحِها. وَيُقَال إنّ ذَلِك يشْتَد على الصَّقْر لمَنعه إيّاه من الطيران، وَمن أَمْثَالِهم فِي الحُبَارى: أَمْوَقُ من الحُبَارى، وَذَلِكَ أَنّها تعلّم وَلَدهَا الطيرانَ قَبْلَ نَبَاتِ جَنَاحه، فتطير مُعَارِضَةً لفَرْخِها ليتعلّم مِنْهَا الطيران، وَمِنْه المثلُ السائِر للْعَرَب (كل شَيْء يحبُّ وَلَده حَتَّى الحُبَارى وتَدِفُّ عَنَدَهُ) وَمعنى قولِهم (تَدِفُّ عَنَدَه) أَي تطير عَنَدَه أَي تُعَارضه بالطَّيران وَلَا طيران لَهُ لضعف حِفَافَيه وقَوَادِمه. وَقَالَ الأصمعيُّ: فلَان يعانِدُ فلَانا أَي يفعل فعله ويباريه. وَمن أمثالِهم فِي الحُبارى قَوْلهم: (فلَان ميت كَمَدَ
(5/24)

الحُبارى) وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَسر مَعَ الطير أَيَّام التَّحْسِير أَي تُلقي الريش ثُمَّ يُبْطِىءُ نباتُ رِيشها فَإِذا سَار سائِرُ الطير عجزت عَن الطيران، فتموت كَمَداً، وَمِنْه قَول أبي الْأسود الدؤَلِي:
يزيدٌ ميّتٌ كَمَدَ الحُبارى
إِذا ظَعَنَتْ أُمَيَّةُ أَو يُلِمُّ
أَي يَمُوت أَو يقْرُب من الموتِ.
والحبَابِيرُ فِراخُ الحُبَارى، واحدتُها حُبُّورة جَاءَ فِي شعر كَعْب بن زُهَيْر وَقيل اليَحْبُور ذَكَرُ الحُبَارى وَقَالَ:
كأنّكُمُ ريش يَحْبُورَةٍ
قليلُ الغناءِ عَن المُرْتَمى
قلت: والحُبَارَى لَا تشربُ المَاء، وتبيضُ فِي الرمال النائِية، وكنَّا إِذا ظَعَنَّا نُسيرُ فِي حِبَالِ الدَّهْنَاء، فَرُبمَا التَقَطْنَا فِي يَوْم وَاحِدٍ من بَيْضِها مَا بَين الأَرْبعة إِلَى الثَّمَانِية، وَهِي تبيض أَرْبَعَ بَيْضَاتٍ، وَيضْرِبُ لَوْنُها إِلَى الوُرْقَةِ وطَعْمُها أَلَذُّ من طَعْمِ بَيْضِ الدَّجاج وبَيْضِ النَّعَامِ، والنعامُ أَيْضا لَا تردُ الماءَ وَلَا تشربهُ إِذا وجدته.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: اليَحْبُور: الناعمُ من الرِّجَال. ونَحْوَ ذَلِك قَالَ شَمِرُ. وَجمعه اليَحابير مَأْخُوذ من الحَبَرَة وَهِي النعْمة.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: مَا أَغْنَى فلانٌ عني حَبَرْبَراً، وَهُوَ الشيءُ اليسيرُ من كل شَيْء، وَقَالَ شمر: ماأغْنَى فلانٌ عني حَبَرْبَراً: أَي شَيْئا. وَقَالَ ابنُ أَحْمَر الْبَاهِلِيّ:
أَمَانيُّ لَا يُغنين عَنْهَا حَبَرْبَراً
وَقَالَ اللَّيْث: يُقالُ مَا عَلَى رَأسه حَبَرْبَرَةٌ: أَي مَا على رَأسه شَعْرَةٌ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الحَبَرْبَرُ والحَبْحَبِيُّ: الجملُ الصَّغِير. وَقَالَ شمر: رجل مُحَبَّر إِذا أكل البراغيثُ جِلْدَه فَصَارَ لَهَا أَثَرٌ فِي جِلْدِه. وَيُقَال للآنية الَّتِي يَجْعَل فِيهَا الحِبْرُ من خَزَفٍ كانَ أَو من قَوَارِيرَ مَحْبُرة ومحبَرة، كَمَا يُقَال مَزْرُعة، ومَزْرَعة، ومَقْبُرَة ومَقْبَرَة ومخبُزَة ومخبَزَة. وحِبِرٌّ موضعٌ معروفٌ فِي الْبَادِيَة. وَأنْشد شمر عجز بَيت: فَقَفَا حِبرّ.
بَحر: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: أبْحَرَ الرجلُ إِذا أَخذه السُّلُّ. وأبْحَرَ الرجلُ إِذا اشتدَّتْ حُمْرَةُ أَنْفِه. وأَبْحَرَ إِذا صادفَ إنْسَانا على غير اعْتِمَاد وَقصد لرُؤْيَته.
وَهُوَ من قَوْلهم لَقيته صَحْرة بَحْرَةً وَقَالَ اللَّيثُ: سُمي البحرُ بَحْراً لاستبْحاره، وَهُوَ انْبِسَاطُه وسَعَتُه. وَيُقَال استبْحَرَ فلانٌ فِي الْعلم. وتَبَحَّرَ الرَّاعِي فِي رَعْي كثيرٍ، وتَبَحَّر فلانٌ فِي الْعلم، وتبحّر فِي المَال، إِذا كثُرَ مَالُه، وَقَالَ غَيره: سمي البَحْرُ بَحْراً لِأَنَّهُ شَقَّ فِي الأَرْض شَقَّاً، وجَعَلَ ذَلِك الشَّقُّ لمائه قَراراً، والبحرُ فِي كَلَام الْعَرَب الشَّقَ، وَمِنْه قيل للنَّاقَةِ الَّتِي كَانُوا يَشُقّون فِي أذنها شَقّاً: بَحِيرَةٌ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق النَّحْوِيّ فِي قَول الله جلّ وعزّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} (المَائدة: 103) أثْبَتُ مَا رَوَيْنا عَن أهل اللُّغَة فِي البَحِيرَةِ أَنَّهَا النّاقة كَانَت إِذا نُتِجَتْ خمسةَ أَبْطُنٍ فَكَانَ آخرُها ذكرا بَحَرُوا أُذُنَها أَي شقوها، وأعْفَوْا ظهرَها من الرُّكوب والحَمْلِ والذَّبْح وَلَا تُحَلأُ عَنْ مَاءٍ تَرِدُه
(5/25)

وَلَا تُمْنَع من مَرْعى، وَإِذا لقيها المُعْيِى المنقطَعُ بِه لم يركبْها. وَجَاء فِي الحَدِيث أَن أول من بَحَّرَ البحائر وحَمَى الحَامِي وغيَّر دينَ إِسْمَاعِيل عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمَعَة بن خِنْدِفٍ.
وَقيل: البحيرةُ الشَّاة إِذا وَلَدتْ خمسةَ أَبْطُن فَكَانَ آخرُها ذكرا بحروا أُذنها أَي شقُّوها وتُركت فَلَا يَمَسُّها أحد. قلت: والقولُ هُوَ الأوَّل لما جَاءَ فِي حَدِيث أبي الْأَحْوَص الجشميّ عَن أَبِيه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ (أَرَبُّ إبِلٍ أَنْتَ أَمْ رَبُّ غَنَمٍ؟ فَقَالَ: منْ كُلَ قد آتَانِي الله فأَكثَرَ. فَقَالَ لَهُ: هَل تُنْتَجُ إبِلُك وافيةً أَذُنُها فَتَشُقّ فِيهَا وَتقول بُحُر؟) يُرِيد جمعَ البَحِيرة.
وَقَالَ اللَّيْث: البحيرةُ: الناقةُ إِذا نُتِجَتْ عَشْرَةَ أَبْطُنٍ لم تُرْكَبْ وَلم يُنْتَفع بظهرها فَنَهى الله عَنْ ذَلِك. قلت والقولُ هُوَ الأول فَقَالَ الفرَّاء: البحيرَةُ: هِيَ ابْنَةُ السائِبة، وسنفسر السائِبة فِي موضعهَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذا كَانَ البحرُ صَغِيرا قيل لَهُ بُحَيْرَةٌ. قَالَ وَأما البُحَيْرةُ الَّتِي بالطَبريَّة فَإِنَّهَا بَحر عَظِيم وَهُوَ نحوٌ من عَشْرَةِ أَمْيالٍ فِي سِتَّة أَمْيَال، وغُؤُور مائِها علامةٌ لخُرُوج الدَّجَّال. قلتُ: والعربُ تَقول: لِكل قَرْيَة هَذِه بَحْرَتُنا وروى أَبُو عبيد عَن الأُمَويّ أَنه قَالَ: البَحْرَةُ الأرْضُ والبلدةُ. قَالَ: وَيُقَال: هَذِه بَحْرَتُنَا.
قَالَ: والماءُ البَحْرُ هُوَ المِلْح، وَقد أبحر المَاء إِذا صَار مِلْحاً وَقَالَ نُصَيْبٌ:
وَقد عَادَ ماءُ الأرْض بَحْراً فَزَادَنِي
إِلَى مرضِي أَن أَبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ
وحدّثنا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السعديُّ قَالَ حدّثنا الرّمادي قَالَ حدّثنا عبد الرَّزَّاق عَن مَعْمَر عَن الزُّهري عَن عُرْوَة أَن أُسَامَةَ بن زيد أخبرهُ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكِب حِمَاراً عَلَى إكافٍ وتَحْتَهُ قطيفَةٌ فَرَكِبَه وأَرْدَف أُسامة وَهُوَ يَعُود سَعْدَ بنَ عُبَادة وَذَلِكَ قَبْل وقْعة بدر فَلَمَّا غشيت المجْلِسَ عجاجَةُ الدّابَّة خمَّر عبدُ الله بنُ أُبَيَ أنْفَه، ثمَّ قَالَ لَا تُغَبرُوا عليْنَا، ثمَّ نزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوقف وَدَعاهم إِلَى الله وقَرَأَ القرآنَ فَقَالَ لَهُ عبد الله: أَيهَا الْمَرْء إِن كَانَ مَا تَقول حَقّاً فَلَا تؤذِنا فِي مَجْلِسنا، وارْجِعْ إِلَى أهلِكَ فَمن جَاءَك منّا فقُصَّ عَلَيْهِ. ثمَّ ركب دَابّته حَتَّى دخَلَ على سعدِ بن عُبَادةَ، فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ، ألم تسمع مَا قَالَ أَبُو حُبَاب؟ قَالَ كَذَا: فَقَالَ سعد: اعْفُ عَنْه واصْفَحْ فوَاللَّه لَقَدْ أَعْطَاك الله الَّذِي أَعْطَاك، وَلَقَد اصْطَلَحَ أهل هَذِه البُحَيْرَةِ على أَن يُتَوجُوه، يَعْنِي يُمَلكُوه فَيُعَصبوه بالعِصابة، فلمَّا رَدّ الله ذَلِك بِالْحَقِّ الَّذِي أعْطَاكَهُ شَرِقَ لذَلِك فَذَلِك فعل بِهِ مَا رَأَيْت فَعَفَا عَنهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله جلّ وعزّ {عَمَّا يُشْرِكُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الرُّوم: 41) الْآيَة مَعْنَاهُ: أَجْدَبَ البَرُّ، وانْقَطَعت مادّةُ البَحْرِ بِذُنُوبِهِمْ، كَانَ ذَلِك ليذُوقوا الشدَّةَ بذُنُوبهم فِي العاجل.
وَقَالَ الزَّجّاج مَعْنَاهُ: ظَهَرَ الجَدْبُ فِي البَر، والقحطُ فِي مُدُن الْبَحْر الَّتِي على الْأَنْهَار. قَالَ: وكل نَهر ذِي ماءٍ فَهُوَ بَحرٌ. قلت: كل نهر لَا يَنْقَطِعُ مَاؤُهُ: مثل دِجْلة
(5/26)

والنّيلِ وَمَا أشبههما من الأنهارِ العذْبة الكبارِ فَهِيَ بحارٌ. وَأما البحرُ الْكَبِير الَّذِي هُوَ مَغِيضُ هَذِه الْأَنْهَار الكبارِ فَلَا يكون مَاؤُهُ إِلَّا مِلْحاً أُجَاجاً، وَلَا يكون مَاؤُهُ إِلَّا رَاكِداً، وَأما هَذِه الأنهارُ العذْبَةُ فماؤها جارٍ. وَسميت هَذِه الأنهارُ بحاراً لِأَنَّهَا مَشْقُوقَةٌ فِي الأَرْض شَقّاً.
وَيُقَال للرَّوْضَةِ بَحْرَةٌ وَقد أبْحَرَتِ الأرضُ إِذا كثُر مناقع المَاء فِيهَا.
وَقَالَ شمر: البَحْرَةُ الأُوقَةُ يَسْتنقِع فِيهَا الماءُ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: البَحْرَةُ: المنخفض من الأَرْض وَأنْشد شمر لِابْنِ مقبل:
فِيهِ من الأخرج المرباع قرقرة
هدر الديافيّ وسط الهجمة البُحُر
قَالَ: البُحْر الغِزَارُ والأَخْرَجُ المِرْبَاعُ المكَّاءُ.
ابْن السّكيت أَبْحَر الرجلُ إِذا ركب البحرَ والماءَ، وَقد أبرَّ إِذا ركب البرَّ، وأرْيَفَ إِذا صَار إِلَى الرِّيف.
وَقَالَ اللَّيْث: رَجُلٌ بَحْرَانِيٌّ مَنْسُوب إِلَى البَحْرَيْنِ. قَالَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَين الْبَصْرَة وعُمَانَ. قَالَ: وَيَقُولُونَ هَذِه البَحْريْنُ وانتهينا إِلَى الْبَحْرين.
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي سَأَلَني المهْدِيُّ وَسَأَلَ الْكسَائي عَن النِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْحِصْنَيْن، لِمَ قَالُوا حِصْنِيٌّ وبَحْرَانِيٌّ؟
فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا حِصْنَانِي لِاجْتِمَاع النونين، قَالَ وَقلت أَنا: كَرهُوا أَن يَقُولُوا بَحْرِيُّ فَيُشبه النِّسْبَة إِلَى البَحْرِ.
قلت أنَا وإِنمَا ثَنَّوْا الْبَحْرين لأنَّ فِي نَاحيَة قُراها بُحَيْرَةً على بَاب الأحساء، وقرى هَجَرَ بَينهَا وَبَين الْبَحْر الأخْضَرِ عَشْرَةُ فَرَاسخ، وقَدَّرْتُ البُحَيْرَة ثلاثةَ أميالٍ فِي مثلهَا، وَلَا يَغِيضُ مَاؤُهَا، وماؤها راكد زُعاق. وَقد ذكرهَا الفرزدقُ فَقَالَ:
كأنّ ديارًا بَين أَسْنُمَة النَّقا
وَبَين هَذَالِيل البُحَيْرَة مُصْحَفُ
وَقَالَ اللَّيْث: بَنَات بحرٍ ضرب من السَّحَاب.
قلت: وَهَذَا تَصْحِيف مُنكر وَالصَّوَاب بَنَات بَخْرِ
قَالَ أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال لسَحَائِبَ يأتينَ قُبُلَ الصيفِ مُنْتَصباتٍ بَنَاتُ بَخْر وَبَناتُ مَخْر بِالْبَاء وَالْمِيم، وَنحو ذَلِك قَالَ اللحيانيّ وَغَيره، وَإِيَّاهَا أَرَادَ طرفَةُ بقوله:
كبنات المَخرِ يَمْأَدْن إِذا
أَنْبَت الصَّيْف عَسَاليجَ الْخَضِر
وَقَالَ اللَّيْث: الباحر الأحمقُ الَّذِي إِذا كُلمَ بَحِرِ كالمبْهوت، وروى أَبُو عبيد عَن الفرّاء أَنه قَالَ: الباحرُ الأحمق.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ الباحرُ الفُضُوليّ، والباحرُ الكذّاب، والباحرُ الأحْمَرُ الشَّديد الحُمْرَة، يُقَال أحْمَرُ باحِرِيٌّ وبَحْرَانِيّ. وَقَالَ ابنُ السّكيت:
(5/27)

قَالَ ابْن الأعرابيّ: أحمرُ قانِىءٌ وأحمرُ باحِرِيّ وذَرِيحيٌّ بِمَعْنى وَاحِد.
وَسُئِلَ ابنُ عَبَّاس عَن الْمَرْأَة تُسْتَحَاض ويستمرُّ بهَا الدَّم، فَقَالَ تُصَلي وتتوضَّأ لكل صَلَاة فَإِذا رأَتِ الدَّم البَحْرَانِيَّ قعدت عَن الصَّلَاة.
وَقيل الدَّمُ البحرانيُّ مَنْسُوب إِلَى قَعْر الرَّحِمِ وعُمْقِها. وَقَالَ العجاج:
وِرْدٌ من الْجوف وبَحْرَانِيّ
أَي عبيط خَالص. وَيُقَال دَمٌ بَاحِرِيٌّ أَيْضا إِذا كَانَ شديدَ الحُمْرَة.
شمر يُقَال بَحِرَ الرجلُ إِذا رأى الْبَحْر فَفَرِقَ حَتَّى دُهِش، وَكَذَلِكَ بَرِقَ إِذا رأى سَنَا الْبَرْق فتحير وَبقِر إِذا رأى الْبَقر الْكثير وَمثله خَرِق وعقر وفَرِي.
عَمْرو عَن أَبِيه: قَالَ البحير والبَحِرُ: الَّذِي بِهِ السُّل، والسَّحيرُ: الَّذِي قد انْقَطَعت رِئَتُه وَيُقَال سَحِرٌ. وتاجر بَحْرِيٌّ أَي حَضَرِيّ وَأنْشد أَبُو العميثل:
كأنّ فِيهَا تَاجِرًا بحرياً
وَيُقَال للعظيم الْبَطن بحريٌّ
وَقَالَ الطرماح:
وَلم ينتطق بحريَّةٌ من مُجَاشع
عَلَيْهِ وَلم يُدْعَمْ لَهُ جَانب المهد
وَمن سكن الْبَحْرين عَظُمَ طِحَالُه. والبَحْرَةُ مَنبِتُ الثُّمام من الأوْدِيَة.
وَفِي حَدِيث أنس بن مَالك أنّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ركب فَرَساً لأبي طَلْحَة عُرْياً فَقَالَ إِنِّي (وجدته بَحْراً ؤ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُقَال للْفرس الْجواد إِنَّه لبَحْرٌ لَا يُنكش حُضُرُه.
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال فرس بَحْر وفَيْضٌ وسَكْبٌ وحَثٌّ إِذا كَانَ جواداً كثير العدْو. وَقَالَ الفراءُ البَحَرُ أَن يَلْغَى البعيرُ بِالْمَاءِ فيُكثر مِنْهُ حَتَّى يصيبَه مِنْهُ داءٌ يُقَال بَحِرَ يَبْحَرُ بَحَراً فَهُوَ بَحِرٌ وَأنْشد:
لأُعْلِطَنَّهُ وسْماً لَا يُفَارِقُه
كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ الميسم البَحِرُ
قَالَ وَإِذا أَصَابَهُ الدَّاء كَوِيَ فِي مواضِعَ فَيبرأ قلت: الداءُ الَّذِي يُصِيب البعيرَ فَلَا يَرْوَى من المَاء هُوَ النَّجَرُ بالنُّون وَالْجِيم، والبَجَرُ بِالْبَاء وَالْجِيم، وَكَذَلِكَ البَقْرُ، وَأما البَحْرُ فَهُوَ داءٌ يورِث السُّل.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الطوسي عَن أبي جَعْفَر أَنه سمع ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: البحير المسلول الْجِسْم الذَّاهِب اللَّحْم وَأنْشد:
وغِلْمَتي مِنْهُم سَحِيرٌ وبَحِرْ
وآبقٌ من جَذْبِ دَلْوبْهَا هَجِرْ
وَيُقَال استبحر الشَّاعِر إِذا اتّسع لَهُ القَوْل وَقَالَ الطرماح:
بِمثل ثنائك يحلو المديح
وتَسْتَبحر الأَلْسُنُ المادِحَه
وَكَانَت أسماءُ بنت عُمَيْسٍ يُقَال لَهَا البَحْرِيَّة لِأَنَّهَا كَانَت هاجَرَت إِلَى بِلَاد النَّجَاشِيّ فركبت البَحْرَ، وكل مَا نُسِبَ إِلَى البَحْرِ فَهُوَ بَحْرِيُّ.

(بَاب الْحَاء وَالرَّاء مَعَ الْمِيم)
ح ر م
حرم، حمرهرحم، رمح، مرح، محر: مستعملة.
(5/28)

حرم: قَالَ شَمِر قَالَ يحيى بنُ ميسرةَ الكلابيُّ: الحُرْمَةُ: المَهَابةُ. قَالَ: وَإِذا كَانَ للْإنْسَان رَحِمٌ وكنَّ نستحي مِنْهُ قُلْنَا: لَهُ حُرْمَةٌ. قَالَ: وللمسلم على الْمُسلم حُرْمَةٌ ومهابَةٌ.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: هُوَ حُرْمَتُك، وهما حُرْمَتُك، وهم حُرْمَتُك، وَهِي حُرْمَتُك، وهُنَّ حُرْمَتُك؛ وهم ذَوُو رَحِمه وجارُه وَمن يَنْصرُه غَائِبا وَشَاهدا وَمن وَجَبَ عَلَيْهِ حقُّه.
وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَول الله {ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} (الحَجّ: 30) حُرُماتِ الله) فَإِن الحُرُماتِ مكةُ والحَجُّ وَالْعمْرَة وَمَا نهَى الله عَنهُ من مَعَاصيه كلهَا.
وَقَالَ عطاءٌ: حُرُمَاتُ الله معاصي الله.
وَقَالَ الليثُ: الحَرَمُ حَرَمُ مكَّةَ وَمَا أحَاط بهَا إِلَى قريب من الْحرم.
قلت الْحَرَمُ قد ضُرِبَ على حُدُوده بالمَنَارِ الْقَدِيمَة الَّتِي بيَّن خليلُ الله إبراهيمُ ج مَشَاعِرَها، وَكَانَت قريشٌ تعرِفُها فِي الجاهليةِ وَالْإِسْلَام؛ لأَنهم كَانُوا سكّانَ الْحَرَم، ويعلمون أنّ مَا دون الْمنَار إِلَى مَكَّة من الْحَرَم، وَمَا وراءَها لَيْسَ من الْحرم. ولمّا بعث الله جلّ وَعز مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِيّاً أقَرَّ قُرَيْشاً على مَا عرفوه من ذَلِك.
وَكتب مَعَ ابْن مَرْبَع الْأنْصَارِيّ إِلَى قَريش أَن قرُّوا على مشاعركم فَإِنَّكُم على إِرْث من إِرْث إِبْرَاهِيم، فَمَا كَانَ دُونَ الْمنَار فَهُوَ حَرَم وَلَا يحِلُّ صيدُه، وَلَا يُقْطَع شجرُه، وَمَا كَانَ وَرَاء الْمنَار فَهُوَ من الحلّ، يحل صيدُه إِذا لم يكن صائده مُحْرِماً.
فَإِن قَالَ قائلٌ من الْمُلْحِدِينَ فِي قَول الله جلّ وعزّ: {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً} (العَنكبوت: 67) . كَيفَ يكون حرما آمنا وَقد أُخيفُوا وقُتِلُوا فِي الْحَرَم؟ فَالْجَوَاب فِيهِ أنّه جلّ وعزّ جعله حَرَماً آمنا أَمْراً وتعبُّداً لَهُم بذلك لَا إجباراً، فَمن آمَنَ بذلك كَفّ عمَّا نُهِيَ عَنهُ اتبَاعا وانتهاءً إِلَى مَا أُمِر بِهِ، وَمن أَلْحَدَ وأنْكر أَمْرَ الحَرَمِ وحرمَتهُ فَهُوَ كَافِر مُبَاح الدَّم، وَمن أَقَرَّ وركِبَ النَّهْي فصَادَ صَيْدَ الْحَرَم وقَتَلَ فِيهِ فَهُوَ فَاسق وَعَلِيهِ الكفَّارة فِيمَا قَتَل من الصَّيْد، فإنْ عادَ فإنَّ الله ينْتَقم مِنْهُ.
وأمّا الْمَوَاقِيت الَّتِي يُهَلُّ مِنْهَا لِلْحج فَهِيَ بعيدةٌ من حُدود الْحَرَم، وَهِي من الْحِل وَمن أَحْرَمَ مِنْهَا بالحجّ فِي أشهر الحَجّ فَهُوَ مُحْرِمٌ مأمورٌ بالانتهاء مَا دَامَ محرما عَن الرفَث وَمَا وراءَه من أمْرِ النِّسَاء، وَعَن التطيُّبِ بالطيب، وَعَن لُبْس الثَّوْب المخِيط، وَعَن صيْد الصَّيْدِ.
وَقَالَ اللَّيْث فِي قَول الْأَعْشَى:
بِأجْيَادَ غَرْبِيَّ الصَّفَا والمُحَرَّم
قَالَ: المحرَّم هُوَ الْحَرَمُ، قَالَ والمنسوب إِلَى الْحرم حِرْمِيٌّ.
وَأنْشد:
لَا تأويَنَّ لحرميّ مَرَرْت بِهِ
يَوْمًا وَإِن ألْقى الحِرْميُّ فِي النَّار
وَقَالَ الليثُ: إِذا نسبوا غَيْرَ النَّاس قَالُوا ثوب حَرَميٌّ.
(5/29)

قلت: وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّيْث. وروى شمر حَدِيثا أَن فلَانا كَانَ حِرْمِيَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: والحِرْمِيُّ: أَنَّ أشْرافَ الْعَرَب الَّذين كَانُوا يتحمَّسون فِي دينِهم إِذا حجَّ أحدُهم لم يَأْكُل طعامَ رَجُلٍ من الحَرَم، وَلم يَطُفْ إلاّ فِي ثِيَابه، فَكَانَ لكل شريفٍ من أشرافِ الْعَرَب رجلٌ من قُرَيْش، فكلُّ واحدٍ منْهُمَا حِرْمِيُ صاحبِه، كَمَا يُقَال كَرِيّ للمُكري، المكترِي وخَصْمٌ للمخاصِم والمخاصَم.
وَتقول أحْرَمَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُحْرِمٌ وحَرَامٌ. والبيتُ الحَرَامُ، والمَسْجِدُ الحرامُ، والبلدُ الحرامُ، وَقوم حُرُمٌ، ومُحْرِمُون، وَشهر حَرَامٌ. والأشْهُرُ الحُرُم ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ؛ ثلاثَةٌ سَرْدٌ أَي متتابعة وَوَاحِد فَرْدٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: وَالْحرَام: مَا حرَّمه الله، والحُرْمَةُ مَا لايَحِلُّ لَك انتهاكُه. وَتقول: فلانٌ لَهُ حُرْمَةٌ أَي تحرَّم بِنَا بِصُحْبَة أَو بِحَقَ وذمَّةٍ. وحُرَمُ الرجل نساؤُه وَمَا يَحْمِي. والمحارِمُ مَا لَا يحِلُّ استحْلالُه. والمَحْرَمُ ذاتُ الرحِمِ فِي الْقَرَابَة الَّتِي لَا يحل تزوُّجُها، تَقول هُوَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَهِي ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَقَالَ الراجز:
وجارةُ الْبَيْت أَرَاهَا مَحْرَمَا
كَمَا بَراهَا الله، إلاَّ إنَّمَا
مكارِمُ السَّعْي لمَن تكرَّمَا
كَمَا بَراها الله كَمَا جعلهَا الله.
والمُحْرِم الدَّاخِلُ فِي الشَّهْر الحَرَامِ أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: أحْرَمَ الرجلُ فَهُوَ مُحْرِمٌ إِذا كَانَت لَهُ ذمَّة، وَقَالَ الرَّاعِي:
قتلوا ابْنَ عفَّانَ الْخَلِيفَة مُحْرِما
ودَعَا فَلم أَرَ مثلَه مَخْذُولا
قَالَ: وأحْرَمَ الْقَوْم إِذا دخلُوا فِي الشَّهْر الحَرَامِ. قَالَ زُهَيْر:
جعلن القنانَ عَن يمينٍ وحَزْنَه
وَكم بالقنانِ من مُحِلَ ومُحْرِم
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: المُحْرِمُ المسالم فِي قَول خِدَاش بن زُهَيْر.
إِذا مَا أصابَ الغَيْثُ لم يَرْعَ غَيْثَهُم
من النَّاس إِلَّا مُحْرِمٌ أَو مُكَافِل
قَالَ وَهُوَ من قَول الشَّاعِر:
وأُنْبِئْتُها أَحْرَمَتْ قَوْمَها
لِتَنْكِحَ فِي مَعْشَرٍ آخَرينا
أَي حرَّمَتْهم على نَفسهَا. قَالَ والمُكَافِلُ المُجَاوِرُ المُحَالِفُ وَالْكَفِيل من هَذَا أُخِذَ. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي فِي قَوْله أَحْرَمَتْ قَومهَا أَي حَرَمَتْهُم أَن يَنْكِحُوها يُقَال حَرَمْتُه وأَحْرَمْتُه حِرْمَاناً إِذا منعتَه العطيّة.
وروى شَمِر لعمر أَنه قَالَ: (الصّيام إحْرَامٌ) قَالَ إِنَّمَا قَالَ الصيَامُ إحرامٌ لِامْتِنَاع الصَّائِم مِمَّا يَثْلِمُ صيامَه. قَالَ وَيُقَال للصَّائِم مُحْرِمٌ. قَالَ الرَّاعِي.
قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة مُحْرِماً
قَالَ أَبُو عَمْرو الشيبانيُّ: مُحْرِماً أَي صَائِما.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (كل مُسلم عَن مُسلم مُحْرِمٌ، أخَوانِ نَصِيران) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال إنَّه لَمُحْرِمٌ عَنْك يَحْرُم أذاك عَلَيْهِ.
(5/30)

قلت: وَهَذَا معنى الخَبَرِ أَرَادَ أَنه يَحْرُم على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يُؤْذِي صاحبَه لحُرْمَةِ الْإِسْلَام الْمَانِعَتِهِ عَن ظُلْمه.
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي حَرُمَت الصلاةُ على الْمَرْأَة حُرْماً، وحَرِمَتْ عَلَيْهَا حَرَماً وحَرَاماً.
أَبُو نصر عَن الْأَصْمَعِي: أحْرَمَ الرجُلُ إِذا دخل فِي الإحْرَامِ بالإهْلاَل. وأَحْرَمَ إِذا صَار فِي حُرْمَةٍ من عَهْدٍ أَو مِيثَاق هُوَ لَهُ حُرْمة من أَن يُغَارَ عَلَيْه. وَيُقَال مُسلم مُحْرِمٌ وَهُوَ الَّذِي لم يُحِلّ من نَفسه شيْئاً يُوقع بِهِ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: حَرَمْتُ الرجل العطيةَ أَحْرِمُه حِرْمَاناً؛ وَزَاد غَيره عَنهُ. وحَرِيمةً، ولغة أُخْرَى أَحْرَمْتُ وَلَيْسَت بجيدة وَأنْشد:
وأُنْبِئْتُها أحْرَمَتْ قَوْمَها
لِتَنْكِحَ فِي مَعْشَرِ آخرينا
قَالَ وحَرُمَت الصلاةُ على المرأةِ تَحْرُم حُرُوماً وروى غَيره عَنهُ وحَرُمَت الْمَرْأَة على زَوجهَا تَحرُم حُرْماً وحَرَاماً.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد أَحْرَمْتُ الرجلَ إِذا قَمَرْتَه، وحَرِمَ الرجل يَحْرَم حَرَماً إِذا قُمِرَ. وَقَالَ الْكسَائي مثله وَأنْشد غَيره:
وَرمى بِسَهْم جريمة لم يصطد
أَبُو عبيد عَن الأمويّ: اسْتَحْرَمت الكلبةُ إِذا اشتهت السفَاد، رَوَاهُ عَن بني الْحَارِث بن كَعْب. قَالَ أَبُو عبيد وَقَالَ غَيره: الاسْتِحْرَام لكل ذَات ظِلْفٍ خَاصَّة.
وَقَالَ أَبُو نصر قَالَ الْأَصْمَعِي: استَحْرَمَت الماعِزَةُ إِذا اشتهت الفحلَ، وَمَا أَبْيَنَ حِرْمَتَها. قَالَ وروى الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عمَّن أخبرهُ، قَالَ: الَّذين تُدْرِكهُمْ السَّاعَة تبْعَث عَلَيْهِم الحِرْمَة أَي الغُلْمَة ويُسْلَبُون الحياءَ. وَفِي حَدِيث عائشةَ أَنَّهَا قَالَت: (كنت أُطَيبُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِحله وحُرْمه) الْمَعْنى أَنَّهَا كَانَت تطيّبه إِذا اغْتسل وَأَرَادَ الْإِحْرَام والإهلال بِمَا يكون بِهِ مُحْرِماً من حجَ أَو عُمْرَةٍ، وَكَانَت تطيبُه إِذا حَلَّ مِن إِحْرَامه.
وَسمعت الْعَرَب تَقول نَاقَة مُحَرَّمَةُ الظَّهْرِ إِذا كَانَت صعبة لم تُرَضْ وَلم تُذَلَّلْ. وجِلْدٌ مُحَرَّمٌ غيرُ مدبوغ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
ترى عينَها صَغْوَاء فِي جَنْبِ مَأقها
تراقب كفّي والقطيع المحرَّما
أَرَادَ بالقطيع سَوْطه. قلت وَقد رَأَيْت الْعَرَب يسوُّون سياطهم من جُلودِ الْإِبِل الَّتِي لم تدبغ يَأْخُذُونَ السَّريحة العريضة فيقطعون مِنْهَا سيوراً عِراضاً ويدفنونها فِي الثّرى فَإِذا اتّدَنَتْ ولانَت جَعلوا مِنْهُ أَربع قُوًى ثمَّ فَتَلُوها ثمَّ علّقوها من شعَبَيْ خَشَبَة يركَّزونها فِي الأَرْض قتقلُّها أَي ترفعها من الأَرْض ممدودةً وَقد أثقلوها حَتَّى تيْبَس.
قَالَ شمر قَالَ أَبُو وَاصل الكلابيُّ: حَريمُ الدَّار مَا دخل فِيهَا مِمَّا يُغْلَق عَلَيْهِ بَابهَا، وَمَا خرج مِنْهَا فَهُوَ الفِنَاء. قَالَ: وفِنَاءُ البدوي مَا يُدْرِكهُ حُجْرَتُه وأطْنَابُه، وَهُوَ من الحضَرِي إِذا كَانَت دَارُه تُحاذيها دارٌ أُخْرَى فَفِناؤُهما حدّ مَا بَينهمَا.
(5/31)

اللَّيْث: حَرِيم الدَّارِ مَا أُضِيف إِلَيْهَا وَكَانَ من حُقوقها ومرافقها. وحريم النَّهر مُلْقَى طِينِه والمَمْشى على حافَتَيْه وَنَحْو ذَلِك. والحريمُ الَّذِي حَرُم مَسُّه فَلَا يُدنَى مِنْهُ. وَكَانَت العربُ فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا حَجّت البيتَ تخْلَعُ ثِيَابهَا الَّتِي عَلَيْهَا إِذا دَخَلُوا الحَرَم، وَلم يلْبَسُوها مَا داموا فِي الحَرَم. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لَقىً بَين أَيدي الطائفين حَرِيمُ
وَقَالَ المفسرُون فِي قَول الله جلّ وعزّ: {يَابَنِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعرَاف: 31) كَانَ أَهْلُ الجاهليَّة يطوفون بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَيَقُولُونَ لَا نَطوف بِالْبَيْتِ فِي ثيابٍ قد أذْنَبْنَا فِيهَا، وَكَانَت المرأةُ تطُوف عُرْيانَةً أَيْضا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَت تلبَسُ رَهْطاً من سُيُورٍ وَقَالَت امْرَأَة من الْعَرَب:
الْيَوْم يَبْدُو بَعْضُه أَو كُلُّه
ومَا بَدَا مِنْه فَلاَ أُحِلُّه
تَعْنِي فرجَها أَنَّه يظْهر من فُرُوج الرَّهْطِ الَّذِي لبسته، فَأمر الله بَعْدَ ذكْرِه عُقُوبَةَ آدَمَ وحوّاءَ بِأَنْ بَدَتْ سَوْآتُهما بالاستِتَار، فَقَالَ {يَابَنِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وأَعلم أَن التَّعَريَ وظهورَ السَّوْءَةِ مَكْرُوه، وَذَلِكَ من لَدُن آدَمَ.
وَقَالَ الليثُ: تَقول: هَذَا حَرَامٌ والجميع حُرُمٌ قَالَ الْأَعْشَى:
تَهادِي النهارَ لجاراتهم
وبالليل هُنَّ عَلَيْهِم حُرُم
والمحْرُومُ: الَّذِي حُرِمَ الخيْرَ حِرْماناً فِي قَول الله جلّ وعزّ: {حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ} (الذّاريَات: 19) .
وَأما قَوْله جلّ وعزّ: {ُ ((ِوَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} (الأنبيَاء: 95) قَالَ قتادةُ عَن ابْن عباسٍ: مَعْنَاهُ واجِبٌ عَلَيْها إِذا هَلَكَتْ ألاّ تَرْجِعَ إِلَى دُنْيَاها.
وَقَالَ أَبُو مُعَاذٍ النحويُّ: بَلَغني عَن ابْن عَبَّاس أنّه قَرَأَهَا (وحَرِمَ على قَرْيَة) يَقُول وَجب عَلَيْهَا. قَالَ وَحدثت عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَرَأها (وحِرْمُ على قَرْيَة) فَسئلَ عَنْهَا فَقَالَ عزم عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ} يحْتَاج هَذَا إِلَى أَن يبيَّن، وَهُوَ وَالله أعلم أَنه جلّ وعزّ لما قَالَ {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} (الأنبيَاء: 94) أعْلَمَنَا أنَّه قد حرم أعمالَ الْكفَّار، فَالْمَعْنى حرَام على قَرْيَة أهلكناها، أَنْ يُتَقَبَّل مِنْهُمْ عَمَلٌ لأَنهم لَا يرجعُونَ أَي لَا يتوبون.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ابْن أبي الدُّمَيْكِ عَن حميد بن مَسْعدةَ عَن يزِيد بن زُرَيْعِ عَن داودَ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله {ُ ((ِوَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} (الأنبيَاء: 95) قَالَ: وَجَبَ على قَرْيةٍ أهلكناها أَنَّهُ لَا يَرجِع مِنْهُم رَاجِعٌ: لَا يَتُوب مِنْهُم تائبٌ. قلت وَهَذَا يُؤَيّد مَا قَالَه الزجّاج. وروى الفَرّاء بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس (حِرْمٌ) قَالَ وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة {وَحَرَامٌ} قَالَ الْفراء {وَحَرَامٌ} أَفْشَى فِي الْقِرَاءَة.
(5/32)

أَبُو عَمْرو: الحَرُومُ النَّاقة المعْتَاطَةُ الرَّحِم والزَّجُومُ الَّتِي لَا ترغو.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الحَيْرَمُ البَقَرُ، والْحَورَمُ المالُ الكَثيرُ من الصَّامتِ والنَّاطِق. قَالَ: والحَرِيمُ قَصَبَةُ الدّار، والحريمُ فِناءُ الْمَسْجِد، والحُرْمُ الْمَنْع، قَالَ: والحريم الصّديق، يُقَال فلَان حَرِيمٌ صَرِيحٌ أَي صديقٌ خالصٌ.
وَكَانَت العربُ تسمي شهرَ رَجَبَ الأَصَمَّ والمحرَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأنْشد شَمِر قولَ حُمَيْدِ بن ثَوْر:
رَعَيْنَ المُرَارَ الْجَوْنَ من كلِ مذْنَبٍ
شهُورَ جُمَادى كُلَّها والمُحَرَّمَا
قَالَ وَأَرَادَ بالمحرَّم رَجَبَ، قَالَه ابنُ الْأَعرَابِي. وَقَالَ الآخر:
أقَمْنَا بهَا شَهْرَيْ رَبيعٍ كِلَيْهِما
وشَهْرَيْ جُمَادَى واستَهَلُّوا المحرَّما
وَقَالَ أَبُو زَيدٍ فِيمَا رَوَى عَنهُ أَبُو عبيد: قالَ العُقَيْلِيُّون: حَرَامُ الله لَا أفْعَلُ ذَاك ويَمِينُ الله لَا أَفْعَلُ ذَاك، ومعناهُما واحِدٌ. وَقَالَ أَبُو زيد: وَيُقَال للرجُلِ مَا هُوَ بحارِمِ عَقْلٍ، وَمَا هُوَ بِعادِمِ عَقْلٍ، مَعْنَاهُمَا أَنَّ لَهُ عَقْلاً.
وَيُقَال إِن لفُلَان مَحْرُماتٍ فَلَا تَهْتِكْها، الْوَاحِدَة مَحْرُمَةٌ يُرِيد أَن لَهُ حُرماتٍ.
رحم: قَالَ اللَّيْث: الرحْمانُ الرَّحيمُ اسمان اشتقاقُهما من الرَّحْمَة، قَالَ ورحمةُ الله وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمين. وَقَالَ الزجَّاج: الرحْمانُ الرَّحيمُ صفتان مَعْنَاهُمَا فِيمَا ذكر أَبُو عُبَيْدَة ذُو الرَّحمة، قَالَ: وَلَا يجوز أَن يُقَال رَحْمَنٌ إِلَّا لله جلّ وعزّ. قَالَ وفَعْلانُ من أَبْنِيَةِ مَا يُبَالَغُ فِي وَصفه، قَالَ: فالرَّحْمان الَّذِي وَسِعت رحمتُه كلَّ شَيْء، فَلَا يجوز أَن يُقالَ رَحْمَنٌ لغير الله. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: هما مثلُ نَدْمان ونَدِيم.
وَقَالَ اللَّيثُ: يُقَال مَا أقْرَبَ رُحْمَ فُلانٍ إِذا كَانَ ذَا مَرْحَمَةٍ وبِرَ. قَالَ: وقولُ الله جلّ وعزّ: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} (الْكَهْف: 81) يَقُول أبَرّ بالوالدين من الْقَتِيل الَّذِي قَتله الْخضر، وَكَانَ الأَبَوانِ مُسلمين والابنُ كَانَ كافِرًا فَوُلِدَ لَهما بعدُ بِنْتٌ فَوَلَدَتْ نَبِيّاً. وَأنْشد اللَّيْث:
أحْنَى وأَرْحَمُ مِنْ أُمَ بِواحِدِها
رُحْماً وأشْجَعُ من ذِي لِبْدَة ضارِي
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أَي أقْرَبَ عَطْفاً وأُءَمَسَّ بِالْقَرَابَةِ. قَالَ والرُّحْمُ والرّحُمُ فِي اللُّغَة العطْفُ وَالرَّحْمَة وَأنْشد:
وكَيْفَ بظُلْمِ جارِيَةٍ
ومنْها اللين والرُّحْم
وَقَالَ أَبُو بكر المنذريُّ: سمعتُ أبَا الْعَبَّاس يَقُول فِي قَوْله الرَّحْمَن الرَّحِيم جمع بَينهمَا لأنَّ الرحمان عبرانيّ والرحيم عَرَبِيّ وَأنْشد لجرير:
لن تَدْرِكُوا الْمجْدَ أَو تَشْروا عَبَاءَكُم
بالخَز أَو تجْعَلُوا الينبوب ضُمْرانا
أَو تتركون إِلَى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكم
ومَسْحَكم صُلْبَهُم رَحْمَنُ قُرْبانا
(5/33)

وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هما اسمانِ رقيقان أحَدُهما أَرَقُّ من الآخر، فالرحْمان الرَّقِيق، والرَّحِيمُ العاطِفُ على خَلْقِه بالرزق، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بنُ الْعَلَاء (وَأقرب رُحُما) بالتَّثْقيل واحتجّ بقول زُهَيْرٍ يمدح هَرِمَ بن سِنَانٍ:
وَمن ضَريبَتهِ التَّقْوَى ويَعْصِمُه
من سَيىءِ العَثرَاتِ الله والرُّحُمُ
وَقَالَ اللَّيْث: المرحمة الرَّحْمة، تَقول رَحِمْتُه أرْحَمُه رَحْمَةً ومَرْحَمَةً، وترحَّمْتُ عَلَيْهِ، أَي قلتُ: رَحمَةُ الله عَلَيْهِ، وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ} (البَلد: 17) أَي أَوْصى بعضُهم بَعْضًا برحْمَةِ الضَّعِيف والتَّعَطُّفِ عَلَيْهِ.
والرَّحِمُ بَيْتُ مَنْبِت الوَلَدِ وَوِعاؤُه فِي الْبَطن، وَجمعه الأَرْحامُ. وَأما الرَّحِمُ الَّذِي جاءَ فِي الحَدِيث (الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَقول: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَني واقْطَعْ مَنْ قَطَعَني) فالرَّحِمُ القَرابَةُ تَجْمَع بَنِي أَبٍ وَبَينهمَا رَحِمٌ أَي قرابةٌ قَرِيبَةٌ. وناقَةٌ رَحُومٌ أصابَها داءٌ فِي رَحِمِها فَلَا تَقْبَلُ اللَّقاح، تَقول: قد رَحُمَتْ. وَقَالَ غَيْرُه: الرُّحامُ أَن تَلِدَ الشَّاةُ ثمَّ لَا تُلْقِي سَلاها. وشَاةٌ راحِمٌ وغَنَمٌ رَواحِمُ إِذا وَرِمَ رَحِمُها. وَقد رَحِمَت الْمَرْأَة وَرحُمَتْ إِذا اشتكت رَحِمَها.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الرَّحْمُ خُرُوج الرَّحِم من عِلّةِ، والرَّحِمُ مؤنَّثَةٌ لاغيرُ وسَمَّى الله الغيثَ رَحْمَةً لِأَنَّهُ بِرَحمَتِه يَنْزِلُ من السَّمَاء. وتاءُ قَوْله { (الْأَعْرَاف: 56) أَصْلهَا هَاء وَإنْ كُتِبَتْ تَاء.
مرح: قَالَ اللَّيْث: المَرَحُ شدَّة الفَرَحِ حَتَّى يجاوزَ قَدْرَه. وَفرس مَرِحٌ مِمْرَاحٌ مَرُوحٌ، وناقة مِمْرَاحٌ مَرُوحٌ وَأنْشد:
نطوي الفلا بِمَروحٍ لَحْمُها زِيَمُ
وَقَالَ الْأَعْشَى يصف نَاقَة:
مَرِحَتْ حُرَّةٌ كقنْطَرة الرّومي
تَفْرِي الهَجِيرَ بالإرقَال
وَقَالَ اللَّيْث: التَّمْرِيحُ أَن تَأْخُذ المَزادَةَ أَوَّلَ مَا تخْرَزُ فتَملأها مَاء حَتَّى تَنْتَفِخَ خُروزُها. وَيُقَال: قد ذهبَ مَرَحُ المَزادَةِ إِذا لم يَسِلْ مِنْهَا شيءٌ، وَقد مَرِحَتْ مَرَحاناً وَأنْشد:
كأنّ قذًى فِي الْعين قد مَرِحَتْ بِهِ
وَمَا حاجَةُ الأُخْرى إِلَى المَرَحانِ
وَقَالَ شَمِر: المَرَحُ: خُرُوج الدّمْعِ إِذا كثُر، وَقَالَ عديُّ بن زيد:
مَرِحٌ وَبْلُه يَسحُ سُيوبَ ال
مَاء سَحّاً كأَنَّه مَنْحورُ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: التّمْريحُ تطييبُ القِرْبةِ الجديدةِ بإذْخِرٍ أَو شيح فَإِذا تطيّبَت بِطِين فَهُوَ التَّشْرِيبُ. قَالَ:
وَبَعْضهمْ يجعلُ تمريحَ المزادَةِ أَن يملأها مَاء حَتَّى تَبْتَلَّ خُروزُها وَيكثر سيلانُها قبل انْتِفاخِها، فَذَلِك مَرَحُها وَقد مَرِحَت مَرَحاً. وَذهب مَرَحُ المزادَةِ إِذا انسدّت عيونُها فَلم يَسِلْ مِنْهَا شيءٌ. وَأَرْض مِمْراحٌ إِذا كَانَت سريعَة النَّباتِ حِين يُصِيبُها المطرُ. وعَيْنٌ مِمْراحٌ سريعةُ البُكاءِ. وَقَالَ الأصمعيُّ: المِمْراحُ من الأَرْض الَّتِي حَالَتْ سنة فَهِيَ تَمْرَحُ بِنَباتها.
(5/34)

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بنُ الْعَلَاء: إِذا رَمَى الرجُل فَأصَاب قيل مَرْحَى لَهُ، وَهُوَ تعجُّبٌ من جَوْدَةِ رَمْيِه قَالَ ابْن مقبل:
أَقُول والحَبْلُ مشدود بمقوده
مرحى لَهُ إِن يَفُتْنا مَسحه يَطِرِ
وأَمْرَحَ الزَّرْعُ إِمْرَاحاً ومَرِح مَرَحاً، لُغَتَانِ، إِذا أَفْرخَ سنابله أَوّلَ مَا يُخْرِجُه.
رمح: قَالَ اللَّيْث: الرمْحُ وَاحِد الرمَاح، ومُتخِذُه الرَّمَّاح، وحرفته الرمَاحَةُ. والرَّامِحُ نَجْمٌ فِي السماءِ يُقَال لَهُ السماك المِرْزَمُ. وَقَالَ ابْن كُنَاسة: هما سِمَاكَانِ، أَحدهمَا السمَاكُ الأَعْزَلُ، والآخَرُ يُقَال لَهُ السمَاكُ الرَّامِحُ، قَالَ: والرَّامِحُ أشَدُّ حُمْرَةً، ويُسَمَّى رَامِحاً لكوكب أَمَامَه تَجْعَلهُ العربُ رُمْحَه. وَقَالَ الطرماح:
مَحَاهُنّ صيبُ صَوْتِ الرّبيع
من الأنجم العُزْلِ والرَّامِحَه
والسماكُ الرَّامِحُ لَا نَوْءَ لَهُ، إِنَّمَا النَّوْءُ للأعْزل.
وَقَالَ اللَّيْث: ذُو الرُّمَيْح ضَرْبٌ من اليرابيع طَويلُ الرجْلين فِي أوساطِ أَوْظِفَتِه فِي كل وَظِيفٍ فَضْلُ ظُفْرِ، وَإِذا امْتنعت البُهْمَى ونحوُها من المَرَاعِي فَيَبِس سَفَاهَا قيل أَخَذَتْ رِمَاحُها، ورماحُها سَفَاها اليابِسُ.
وَيُقَال رَمَحَت الدابَّة، وكل ذِي حافرٍ يَرْمَحُ رَمْحاً إِذا ضَرَب بِرِجْلَيه، وَرُبمَا استُعِير الرّمْحُ لذِي الخُف. قَالَ الْهُذلِيّ:
بِطَعْن كَرَمْحِ الشَّوْلِ أَمْسَتْ غَوَارِزاً
حَوَاذِبُها تأبى على المُتَغَير
وَيُقَال بَرِئت إِلَيْك من الجِمَاحِ والرمَاحِ وَهَذَا من بَاب العُيوب الَّتِي يُرَدُّ المبيعُ بهَا. وَيُقَال رَمَحَ الجُندُب إِذا ضرب الحَصَى بِرِجْله قَالَ ذُو الرمة:
والجندب الجون يرمح
وَالْعرب تسمي الثورَ الوحشِيَّ رَامِحاً، وَأنْشد أَبُو عبيد:
وكائِنْ ذَعَرْنا من مَهَاةٍ وَرَامِحٍ
بلادُ الورَى ليستْ لَهَا بِبِلاد
ويُقَال للنَّاقَةِ إِذا سَمِنَتْ ذاتُ رُمْحٍ وللنُّوق السمَانِ ذوَاتُ رِمَاحٍ وَذَلِكَ أَنَّ صاحِبَها إِذَا أَراد نَحْرَها نَظَرَ إِلَى سِمَنِها وَحُسْنِها فامتنَعَ من نَحْرِها نَفَاسَةً بهَا لما يروقه من أَسْنِمَتِها، وَمِنْه قَول الفرزدق:
فَمَكَّنْتُ سيْفي من ذَوَات رِمَاحها
غِشَاشاً وَلم أَحْفِل بكاءَ رِعائيا
يَقُول نحرْتُها وأطعَمْتُها الأضْيَاف وَلم يمنَعْني مَا عَلَيْهَا عَن الشُّحوم عَن نحرها نَفَاسَةً.
وَيُقَال: رجلٌ رامِحٌ أَي ذُو رُمْحٍ، وقَدْ رَمَحَه إِذا طَعَنَهُ بالرُّمْحِ وَهُوَ رَامِح وَرَمَّاحٌ. وبالدَهْنَاء نُقْيَانٌ طوالٌ يُقَالُ لَهَا الأَرْمَاحُ.
وَذَكَرُ الرَّجُلِ رُمَيْحُه، وَفَرْجُ المرْأةِ شُرَيْحُها.
حمر: قَالَ اللَّيْث: الحُمْرَةُ لون الأَحْمَر، تَقول احْمَرّ الشيءُ احْمِرَاراً إِذا لزم لونَهُ فَلم يتغيّر من حالٍ إِلَى حالٍ، واحمَارّ يَحْمَارُّ احميراراً إِذا كَانَ عَرَضاً حادِثاً لَا يثبت، كَقَوْلِك: جَعَلَ يَحْمَارُّ مَرَّةً ويصفَارُّ أُخْرَى.
(5/35)

قَالَ: والحُمْرَةُ تَعْتَرِي النَّاسَ فَيَحْمَرُّ موضِعُها وَتُغَالَبُ بالرُّقْيَةِ. قلت: الحُمْرَةُ وَرَمُ من جنس الطَّواعِين نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا.
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت أَنه قَالَ الحُمْرَةُ بِسُكُون الْمِيم نَبْتٌ. قَالَ: وَيُقَال لِلْحُمَّرِ وَهُوَ طَائرٌ حُمَرٌ بِالتَّخْفِيفِ، الْوَاحِدَة حُمَّرةٌ وَقَالَ حُمَرَة. وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
إلاّ تُدَارِكْهُمْ تصبِحْ منَازِلُهم
قفراً تبيض على أرجائها الحُمَرُ
قَالَ: خفّفها ضَرُورَة. وَأنْشد فِي تَشْدِيد الحمّر:
قد كنتُ أَحْسِبُكُم أُسُودَ خَفِيَّةٍ
فَإِذا لَصَافِ تبيضُ فِيهَا الحُمَّر
قَالَ وحُمَّرَاتٌ جَمْعٌ. وأنشدني الْهِلَالِي أَو الْكلابِي:
عُلق حَوْضِي نُغَرٌ مكبُّ
إِذا غفلت غَفلَة يَغبُّ
وحُمَّرَاتٌ شُرْبُهُنَّ غِبُّ
قَالَ: وَهِي القُبَّر.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِمار العيْرُ الأَهْلِيُّ والوحشيُّ، وجمْعُه الْحَمِيرُ والحُمُراتُ، وَالْعدَد أَحْمِرَةٌ، والأنْثَى حِمَارَةٌ، قَالَ والْحَمِيرة الأُشْكُزُّ: مُعرب وَلَيْسَ بعربي وَسميت حميرةً لِأَنَّهَا تُحمَّر أَي تُقَشَّر وكل شَيْء قشَّرْتَه فقد حَمَّرْتَه فَهُوَ مَحْمُور وحَمِيرٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الْحِمَار خَشَبَةٌ فِي مقدَّمِ الرحْلِ تَقْبِضُ المرأةُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مقدم الإِكَافِ أَيْضاً. وَقَالَ الْأَعْشَى:
وقيدني الشعرُ فِي بَيته
كَمَا قَيَّد الأسراتُ الحمارا
وَقَالَ غَيره: الْحمار ثَلاثُ خَشَبات أَوْ أَرْبَعٌ تُعْرَض عَلَيْهَا خشبةٌ وتُؤْسَرُ بِهَا. وَقَالَ أَبُو سعيد الْحِمَارُ العُودُ الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ الأَقْتَابُ، والأَسَرَاتُ النِّسَاء اللواتي يُوَكدْن الرحالَ بالقَد ويُوَثقْنَها.
وَقَالَ اللَّيْث: حِمَارُ الصَّيْقَل خشَبتُه الَّتِي يَصْقُلُ عَلَيْهَا الحديدَ قَالَ وحمار قَبَّان دَابَّةٌ صَغِيرَة لَازِقَة بِالْأَرْضِ ذَات قَوَائِم كَثِيرَة وَأنْشد الْفراء:
يَا عجبَاً لقد رأيْتُ عجبا
حِمَارَ قَبَّانٍ يَسُوق أَرْنَبَا
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي الْحَمائِر حِجَارَةٌ تُنْصَب حول قُتْرَةِ الصَّائِد واحِدُها حمارة وَأنْشد:
بَيت حتوف أُرْدِحَت حمائِره
وَقَالَ شمر فِي قَوْله ج (زُوِيتْ لي الأرضُ فرأيتُ مشارِقَها ومَغارِبها، وأُعْطِيتُ الكنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ) أَرَادَ الذّهَبَ والفِضَّة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحمائِر حجارةٌ تُجْعل حَوْلَ الْحَوْضِ تَرُدُّ الماءَ إِذَا طَغَى وَأنشد:
كَأَنَّمَا الشَّحْطُ فِي أُعْلَى حمائِرِه
سبائِبُ القَز من رَيْطٍ وَكَتَّان
وروى حمادُ بن سلمةَ عَن ثابتٍ عَن أَنَسٍ أنّ رَسُول الله قَالَ (أُرْسِلْتُ إِلَى كل أَحْمَرَ وأَسْوَدَ) قَالَ شمر: يَعْني العربَ والعجمَ، والغالبُ على أَلْوان العربِ
(5/36)

السُّمْرَةُ والأُدْمَةُ، وعَلى أَلْوان العجمِ البياضُ والحُمْرَةُ.
وَقَالَ شمر حَدثنِي السمريُّ عَن أبي مسحل أَنه قَالَ فِي قَوْله (بُعِثْتُ إِلَى الأَسْودِ والأَحْمَرِ) يُرِيد بالأسودِ الجِن، وبالأحْمَرِ الإِنَسَ، سمي الإنسُ بالأَحْمَرِ للدَّمِ الَّذِي فيهم، وَالله أعلم، وروى عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ فِي قَوْله (بعثت إِلَى الأحْمر وَالْأسود) مَعْنَاهُ بُعِثْتُ إِلَى الأَسودِ والأبْيَض. قَالَ: وامْرأَةٌ حَمْرَاء أَي بَيْضاءُ، وَمِنْه قَول النَّبِي لعَائِشَة (يَا حُمَيْراءُ) قَالَ والأحْمَرُ الَّذِي لَا سلاحَ مَعَهُ، وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن الحَرْبي فِي قَوْله (أُعْطِيتُ الكنْزَيْنِ الأحمرَ والأبيضَ) قَالَ فالأحْمَرُ مُلْكُ الشامِ والأبيضُ مُلْكُ فارسَ، وَإِنَّمَا قيل لمُلكِ فارسَ الكنْزُ الأبيضُ لبياض أَلْوَانِهِمْ، وَلذَلِك قيل لَهُم بَنُو الأحرارِ يَعْنِي الْبيض وَلِأَن الغالبَ على كنوزهم الورِقُ وَهِي بيضٌ، وَقَالَ فِي الشامِ الكنزُ الأحمرُ لِأَن الغالبَ على أَلْوانِهم الحُمْرَةُ وعَلى كُنُوزِهم الذّهَبُ وَهُوَ أَحْمَر. وَقَالَ ابنُ السّكّيت قَالَ الأصمعيُّ أَتَانِي كلُّ أسودَ مِنْهُم وأحمرَ وَلَا يُقَال أبيضَ، حَكَاهُ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَقَالَ:
جَمَعْتُمْ فأوْعَيْتُمْ وجِئْتم بِمَعْشَرٍ
توافَتْ بِهِ حُمْرانُ عَبْدٍ وسودُها
وَيُقَال كلّمْتُه فَمَا ردّ عليَّ سوداءَ وَلَا بَيْضَاء أَي كلمة رَدِيئَةً وَلَا حَسَنَة. قلت: والقولُ مَا قَالَ أَبُو عمرٍ وَأَنَّهُمْ الأسودُ والأبيضُ؛ لأنّ هذَيْن النّعْتينِ يَعُمَّان الآدميينَ أَجمعين. وَهَذَا كَقَوْلِه (بُعِثْتُ إِلَى النَّاس كَافَّة) وَكَانَت العربُ تَقول للعجمِ الَّذين يكون البياضُ غَالِبا على أَلْوانِهم مثلِ الرُّومِ والفرسِ وَمن ضاقَبَهُمْ: إِنَّهُم الحَمْراءُ، وَمِنْه حديثُ عليّ حِين قَالَ لَهُ سَراةٌ من أصحابِه العَربِ: غلبتْنا عَلَيْك هَذِه الحُمْرَةُ، فَقَالَ: لَيَضْرِبنَّكُمْ على الدّين عَوْداً كَمَا ضربتموهم عَلَيْهِ بَدْءاً، أَرادُوا بالْحَمْرَاء الفرسَ والرُّومَ. والعربُ إِذا قالُوا: فلانٌ أبيضُ وفلانةٌ بيضاءٌ، فمعناهَا الكرمُ فِي الْأَخْلَاق، لَا لونُ الخِلْقَةِ. وَإِذا قَالُوا: فلانُ أحمرُ وفلانةُ حمراءُ عَنَتْ بياضَ اللَّونِ.
ورَوَى أَبُو العبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ فِي قولهِمْ الْحُسْنُ أَحْمَرُ أَي شاقٌّ، أَي من أَحَبَّ الحُسْنَ احتَمَل المَشَقَّة. وَكَذَلِكَ موتٌ أَحْمَرُ، قَالَ الحُمْرَةُ فِي الدَّمِ والقتالِ. يَقُول: يَلْقى مِنْهُ المشقةَ كَمَا يَلْقى من القتالِ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال جَاءَ بِغَنَمِه حُمْرَ الكُلى، وَجَاء بِها سُودَ البُطونِ، مَعْنَاهُمَا المَهَازِيلُ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَمَرُ داءٌ يعتري الدابّة من كَثْرَة الشّعير، وَقد حَمِر البرذَوْنُ يحمَرُ حَمَراً. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
لَعَمْرِي لسَعْدُ بنُ الضبابِ إِذَا غَدا
أحبُّ إلينَا مِنْك، فَافَرَسٍ حَمِر
أرَادَ يَافَا فَرَسٍ حَمِر، لقَّبَهُ بِفِي فَرَسٍ حَمِرٍ لِنَتْن فِيهِ. قَالَ وسنَةٌ حَمْرَاء شديدةٌ، وَأنْشد:
أَشْكُو إِلَيْك سَنَوَاتٍ حُمْرَا
(5/37)

قَالَ: أخرج نَعته عَلَى الأعوامِ فَذكَّرَ، وَلَو أخْرَجَهُ على السَّنواتِ لقَالَ حَمْرَاوَاتٍ. وَقَالَ غَيْرُه: قيل لِسِني القَحْطِ حَمْرَاواتٌ لاحمرار الْآفَاق فِيهَا. وَمِنْه قَول أُمَيّةَ:
وسُودَت شَمْسُهُمْ إِذا طَلَعَتْ
بالجِلْبِ هفا كأنَّه كَتَمُ
والكتم صِبْغٌ أحمرُ يُخْتَضَبُ بِهِ. والجِلْبُ السحابُ الرقيقُ الَّذِي لَا ماءَ فِيهِ. والهَفُّ الرَّقِيق أَيْضا ونَصَبَه على الْحَال.
وَفِي حَدِيث عليّ ح أَنه قَالَ: كُنَّا إِذا احْمَرَّ البأْسُ اتَّقَيْنَا برَسُول الله العَدُوَّ.
قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الأصمعيُّ: يُقَال هُوَ الموتُ الأَحْمَرُ والموتُ الأسودُ. قَالَ وَمَعْنَاهُ الشَّدِيدُ، قَالَ وَأَرَى ذَلِك من أَلْوَانِ السباعِ كأَنَّهُ من شِدَّته سَبُعٌ. وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ يصف الْأسد:
إِذَا عَلِقَتْ قِرْناً خَطَاطِيفُ كَفه
رَأَى الموتَ بالعيْنَينِ أَسْودَ أَحْمَرا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فكأنَّه أَرَادَ بقَوْلِه احْمَرّ البَأْسُ أَيْ صَارَ فِي الشدَّةِ والهَوْلِ مثل ذَلِك. وَقَالَ الأصمعيُّ يُقَال: هَذِه وَطْأَةٌ حمراءُ، إِذا كَانَت جَدِيدا ووطأةٌ دَهْمَاءُ إِذا كَانَت دَارِسَةً.
قَالَ الأصمعيُّ ويجوزُ أَن يكُون قَوْلُهمْ: الموتُ الأحمرَ من ذَلِك، أَي جديدٌ طريّ. ويروى عَن عبد الله بن الصَّامِت أَنه قَالَ: أَسْرَعُ الأَرْض خَراباً البصرةُ، قيل وَمَا يُخْرِبُها؟ قَالَ: القتْلُ الأَحْمَرُ والجوع الأغْبَرُ.
قلت والحَمْرُ بمعْنى القَشْرِ يكون باللسَان والسَّوْط والحَديد والمِحْمَرُ والمِحْلأُ: هُوَ الحديدُ أَو الحَجَرُ الَّذِي يُحْلأُ بِهِ تحْلِىءُ الإهاب وَيُنْتَفُ. وَيُقَال للهجين مِحْمَرٌ ولمَطَيَّةِ السُّوءِ مِحْمَر، وَرَجُلٌ مُحْمَرٌّ؛ لَا يُعْطي إلاَّ على الكَد والإلْحَاحِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شمر يُقَال حَمِرَ فلانٌ عليَّ يَحْمَرُ حَمْراً إِذا تَحَرَّق عَلَيْك غَضبا وغيظاً. وَهُوَ رجل حَمِرٌ من قوم حَمِيرِين. قَالَ وحِمِرُّ القَيْظ والشتاءِ أشَدُّهُ.
قَالَ: والعربُ إِذا ذكرت شيْئاً بالمشَقَّةِ والشدَّة وصَفَتْهُ بالحُمْرَةِ. وَمِنْه قيل سنَةٌ حَمْرَاءُ للجَدْبَةِ.
قَالَ: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي قولِهِمْ الحُسْنُ أَحْمَرُ يُرِيدُون إِنْ تَكلَّفْتَ التَّحَسُّنَ والجَمَال فاصْبِرْ فِيهِ على الأَذَى والمشقَّة. قَالَ: وحَمَرْتُ الجِلْدَ إِذا قَشَرْتَه وحلقتَه.
وَقَالَ اللَّيْث: حَمَارَّةُ الصَّيف شدَّة وَقْتِ حَره. قَالَ وَلم أَسْمَع كلمة على تَقْدِير فَعَالّة غيرَ الحمارَّة والزَّعَارَّة وَهَكَذَا.
قَالَ الْخَلِيل قَالَ اللَّيْث: وَسمعت بعد ذَلِك بخُرَاسَان سبارَّةُ الشّتَاء وَسمعت: إِن وراءَك لَقُرَّاً حِمِرّاً. قلت: وَقد جاءَتْ أَحْرُفٌ أُخَرُ على وزن فَعَالَّة.
روى أَبُو عبيدٍ عَن الْكسَائي: أَتَيْتُه فِي حَمَارَّةِ القيظ، وَفِي صَبَارَّةِ الشّتاء بالصَّاد، وهُمَا شِدَّةُ الحَر والبَرْدِ. قَالَ وَقَالَ الأمَوِيُّ: أتَيْتُه عَلَى حَبَالَّةِ ذَاك، أَي على حِينِ ذَاك، وَألقى فلَان عَلَى عَبَالَّته أَي ثِقله. قَالَه اليزيديُّ والأَحْمَرُ.
(5/38)

وَقَالَ القَنَانِيّ: أَتَوْنِي بِزرَافَّتهِم يَعْنِي جَمَاعَتَهُم.
وَسمعت العربَ تَقُول كُنّا فِي حَمْراء القيظ على مَاء شُفَيَّة، وَهِي ركيَّةٌ عذبَةٌ.
وَقَالَ اللَّيْث فِي قَوْلهم: أهْلَكَ النساءَ الأحمران، يعنون الذهبَ والزعفرانَ.
أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: الأحمرانِ الخَمْرُ واللَّحْمُ وَأنْشد:
إِن الأحَامِرَةَ الثلاثَةَ أهلكَتْ
مَالِي وَكنت بِهِن قِدْماً مُولَعاً
الرَّاحَ واللحْمَ السمينَ إدَامُه
والزَّعْفَرانَ فَلَنْ أَرُوحَ مُبَقَّعَا
قَالَ أَرَادَ الخمرَ واللحمَ والزعفرانَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأصفرانِ الذَّهَبُ والزعفرانُ. قلت والصَّوابُ فِي الأحمَرينِ مَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. وَالَّذِي قَالَه الليثُ يضاهي الخَبَرَ المرويَّ فِيهِ.
وَقَالَ شمر: سَمِعت ابنَ الْأَعرَابِي يَقُول: الأحمرانِ النّبيذُ واللحمُ. وَأنْشد:
الأحمرَينِ الرَّاحَ والمُحَبَّرَا
قَالَ شمِر: أَرَاد الخَمْرَ والبُرُودَ.
وَقَالَ اللَّيْث: فَرَسٌ مِحْمَرٌ والجميع المَحَامِر والمَحَامِيرُ. وَأنْشد:
يَدِبُّ إِذْ نَكَس الفُحْجُ المحاميرُ
وَقَالَ غيرُه: الْخَيل الحمارَّةُ مثلُ المَحَامِرِ سَوَاء.
وَرُوِيَ عَن شُرَيْح أَنه كَانَ يردّ الحمَّارَةَ من الخَيْلِ. قلت أَراد شريحٌ بالحمَّارَة أصحابَ الحَمِير، كأنَّه ردَّهُم فَلم يُلْحِقْهُمْ بأصحاب الخَيْلِ فِي السهامِ. وَقد يُقَال لأصْحاب البِغَال البَغَّالة ولأصحاب الجِمَال الجَمَّالَةُ وَمِنْه قولُ ابْن أَحْمَر:
شدّد كَمَا تطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
وَرجل حَامِرٌ وحَمَّارٌ ذُو حِمَارٍ، كَمَا يُقَال فارسٌ لذِي الفَرس.
ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: حَمَرَت المرأةُ جلْدَهَا تَحمِرُهُ. والحَمْرُ فِي الْوَبر وَالصُّوف وَقد انْحَمَر مَا على الجِلْدِ وأتاهم الله بغيثٍ حِمِرَ يَحْمُر الأَرْض حمراً أَي يقشرها.
وَقَالَ ابْن السّكيت: حَمَر الخَارِزُ السَّيْرَ يحْمِرُهُ حَمْراً إِذا مَاسَحا باطِنَه ودَهَنه ثمَّ خَرَزَ بِه، وحَمَر الشَّاةَ إِذا مَا سمطها، وأُذُنُ الحِمَارِ نَبْتٌ عريضُ الوَرَق كأَنَّه شُبه بأذن الحِمَار.
وروَى أَبُو الْعَبَّاس أَنه قَالَ: يُقَال إِن الحُسْنَ أَحْمَر، يُقَال ذَلِك للرَّجُلِ يميلُ إِلَى هَوَاه، ويخْتَصُّ بِمن يُحِبُّ كَمَا يُقَال الْهَوَى غَالِب، وكما يُقَال إِن الْهوى يمِيل بإسْتِ الرَّاكِب إِذا آثَر من يهواه على غَيره.
وَقَالَ غيرهُ حِمْيرٌ اسمٌ، وَقيل هُوَ أَبُو مُلوكِ اليمَن، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي القبيلةُ. ومدينة ظَفَارِ كَانَت لِحِمْيَرَ. وحَمَّرَ الرجلُ إِذا تكلم بالحِمْيَريّة، وَلَهُم ألفاظٌ ولغاتٌ تخَالف لغاتِ سائِرِ الْعَرَب.
وَقَالَ بعض مُلُوكهمْ: من دَخَلَ ظَفَارِ حَمَّرَ، أَي تعلَّم الحِمْيَرِيّة. ويُقالُ للَّذين يُحَمرون رَايَاتِهم خِلاَفَ زِيّ المُسَودَةِ من بني هَاشِمٍ المُحَمرة، كَمَا يُقَال للحَرُورِيَّة
(5/39)

المبيضة، لِأَن راياتِهم فِي الحُروب كَانَت بَيْضَاءَ.
محر: قَالَ اللَّيْث: المَحَارَةُ دابَّةٌ فِي الصَّدَفَيْن. قَالَ: ويُسمّى باطِنُ الأُذُن مَحَارَةً. قَالَ وربّما قَالُوا لَهَا مَحَارَةُ بالدَّابّة والصدفينِ.
وروى أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ المَحَارَةُ الصدفَةُ قَالَ والمَحَار من الإنسانِ الحَنَكُ وَهُوَ حَيْثُ يُحنك البَيْطارُ الدَّابة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: المَحَارَةُ النُّقْصَانُ، والمحارَةُ داخلُ الأُذُن، والمحارةُ الرجوعُ، والمَحَارة المُحاوَرَة، والمَحَارَة الصَّدَفَةُ.
قلت ذكر الأصمعيُّ وَغَيره هَذَا الحرفَ أَعنِي المحارةَ فِي بَاب حَارَ يَحُور، فدلّ ذَلِك أَنه مَفْعَلَةٌ وأَن الميمَ لَيست بأصليَّةٍ، وَخَالفهُم اللَّيْثُ فَوضع المَحَارَة فِي بَاب مَحَر، وَلَا يُعْرَف مَحَر فِي شَيْء من كَلَام الْعَرَب.

(أَبْوَاب الْحَاء وَاللَّام)
ح ل ن
اسْتعْمل من وجوهه: لحن، نحل.
لحن: قَالَ اللَّيْث: اللَّحْنُ مَا تَلْحَنُ إِلَيْهِ بلسانِك أَي تَميلُ إِلَيْهِ بِقَوْلِك.
ومِنْه قَول الله جلّ وعزّ: {} (محَمَّد: 30) وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد نزُول هَذِه الْآيَة يعرفُ المنافِقِين إِذا سَمِعَ نُطْقَهُم وكَلاَمَهُمْ؛ يستدلُّ بِهِ على مَا يَرَى من لَحْنِه، أَي من مِثْلِه فِي كَلَامه فِي اللَّحْنِ.
وروى سلمةُ عَن الْفراء فِي قَوْله: {بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ} (محَمَّد: 30) يَقُول فِي نَحْو القَوْل وَمعنى القَوْل.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجَّاجُ {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ} أَي نحوِ القَوْل. دلَّ بِهَذَا وَالله أعلم أنَّ قولَ القائلِ وفعلَه يَدُلاَّن على نِيَّتِه وَمَا فِي ضميرِه.
قَالَ وقولُ النّاس قد لَحَن فُلانٌ تأويلُه قد أَخَذَ فِي ناحِيةٍ عَن الصّوابِ إِلَيْهَا.
وَأنْشد:
منطقٌ صائِب وتلْحَنُ أَحْيَاناً
وخَيْر الحديثِ مَا كانَ لَحْنَا
تَأْوِيله وخيرُ الحَديثِ من مثلِ هَذِه الجاريَةِ مَا كَانَ لَا يَعْرِفُه كُلُّ أَحَدٍ إِنَّمَا يُعرَفُ أمرهَا فِي أنْحَاءِ قَوْلهَا.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الهيثَم أَنه قَالَ: العُنْوانُ واللَّحْن واحدٌ، وَهِي العلامةُ نُشير بهَا إِلَى الإنسانِ ليفْطِنَ بهَا إِلَى غيرِه، نَقُول لَحَنَ فلانٌ بلَحْنٍ ففطِنْتُ.
وَأنْشد:
وتعرف فِي عُنْوَانِها بعضَ لَحْنِها
وَفِي جوفها صَمْعَاءُ تحكِي الدَّوَاهِيَا
قَالَ وَيُقَال للرَّجُل الَّذِي يُعَرضُ وَلَا يُصَرحُ: قد جَعَلَ كَذَا وكَذَا لَحْنَاً لحاجَتِه وعُنواناً.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد لَحَنَ الرجلُ بِلَحْنِه إِذا تكلمَ بلُغته، ولَحَنْتُ لَهُ لَحْناً أَلْحَنُ لَهُ إِذا قلتَ لَهُ قولا يَفْقَهُه عَنْك ويَخْفى على غَيره.
قَالَ ولَحِنَ عَني يَلْحَنُ لَحْناً أَي فَهِمَه. وأَلْحَنَتْهُ عَني إيّاه إلْحاناً.
(5/40)

وَقَالَ أَبُو عُبيد: يُقَال لاحنْتُ النَّاس أَي فاطَنْتهم وَقَالَ فِي تَفْسِير حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَن يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ من بَعْض) يَعْنِي أَفْطَنَ لَهَا وأجْدَل. قَالَ واللَّحَنُ بفتحِ الحاءِ الفِطْنَةُ. وَمِنْه قولُ عمرَ بن عبدِ الْعَزِيز (عَجِبْتُ لمن لاَحَنَ النَّاسَ كيفَ لَا يعرفُ جوَامعَ الكَلِم) قَالَ وَمِنْه قيل: رجل لَحِنٌ، إِذا كَانَ فَطِناً. وَقَالَ لبيد:
مُتَعَوذٌ لَحِنٌ يُعِيد بِكَفه
قَلَماً على عُسُبٍ ذَبُلْنَ وَبَانِ
وأمّا قولُ عمر بن الْخطاب (تعلمُوا اللَّحْنَ والفَرَائِضَ) فَهُوَ بتسكين الحاءِ، قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ الْخَطَأ فِي الْكَلَام وَقد لَحَنَ الرجلُ لَحْناً وَمِنْه حديثُ أبي العاليةِ قَالَ: (كنتُ أَطُوف مَعَ ابنِ عبَّاس وَهُوَ يُعَلمُنِي لَحْنَ الْكَلَام) .
قَالَ أَبُو عبيد: وَإِنَّمَا سَمَّاهُ لَحْناً لِأَنَّهُ إِذا بصَّرَهُ الصوابَ فقد بصَّرَهُ اللَّحْن.
قَالَ وَقَوله {بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ} أَي فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ.
وَقَالَ شَمِر قَالَ أَبُو عدنان: سَأَلت الكِلاَبِيينَ عَن قَول عُمَرَ: (تعلّموا اللَّحْن فِي القرآنِ كَمَا تَعَلَّمُونَه) ، فَقَالُوا كُتِبَ هَذَا عَن قَوْمٍ لَهُم لَغْوٌ لَيْسَ كلَغْوِنا، قلت مَا اللغْوُ؟ فقالَ: الفاسدُ من الكَلاَمِ.
وَقَالَ الكلابيُّون: اللَّحْنُ اللُّغَةُ، فَالْمَعْنى فِي قَول عمر: تعلمُوا اللَّحْنَ فِيهِ، يَقُول: تعلَّموا كيفَ لُغَةُ العَرَبِ الَّذين نَزَلَ القرآنُ بِلُغَتِهم.
قَالَ أَبُو عدنان: وَيكون معنى تعلَّمُوا اللَّحْن فِيهِ، أَي اعْرِفوا معانِيَه، كَقَوْلِه جلّ وعزّ: {بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ} (محَمَّد: 30) أَي فِي مَعْنَاهُ وفحواه.
قَالَ أَبُو عدنان وَأَخْبرنِي أَو زيد: أَنَّ معنَى قولِ عُمَرَ: (أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وإنَّا لنَرْغَبُ عَن كثيرٍ من لَحْنِهِ) قَالَ لَحْنُ الرجل لغَتُه. وأنشدَتْني الكلبيَّةُ:
وقومٌ لَهُم لحنٌ سِوَى لَحْنِ قَوْمِنَا
وشَكْلٌ وبيتِ الله لَسْنَا نُشَاكِلُهْ
وَقَالَ عبيد بن أَيُّوب:
وَللَّه دَرُّ الغُولِ أيُّ رفيقةٍ
لصاحِبِ قَفْرٍ خائفٍ يَتَقَتَّرُ
فَلَمَّا رأتْ أَلاَّ أُهَالَ وأنني
شُجاعٌ إِذا هُزَّ الجَبَان المطيَّرُ
أتَتْنِي بِلَحْن بعد لحْنٍ وأوْقَدَتْ
حَوَالَيَّ نيراناً تَبُوخُ وتَزْهَرُ
قَالَ الليثُ: والألحانُ الضُّرُوبُ من الأصْوَاتِ الموْضُوعَةِ المصُوغَة، قَالَ: واللَّحْنُ تَرْكُ الصّوابِ فِي الْقِرَاءَة والنَّشيد، يُخَفَّفُ ويثَقَّل، قَالَ واللَّحَّانُ واللَّحَّانَةُ: الرجلُ الكثيرُ اللَّحْن، وَقَالَ غيرُه فِي قَول الطرماح:
وأَدَّتْ إليَّ القَوْلَ عَنْهُنَّ زَوْلَةٌ
تُلاَحنُ أَو تَرْنُو لقَوْل المُلاَحن
أَي تَكلَّم بِمَعْنى كلامٍ لَا يُفْطَنُ لَهُ ويَخْفَى على النَّاس غَيْرِي. وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله: منطق صائب وتلحن أَحْيَانًا: إنَّها تُخْطىءُ فِي الإعرَابِ، وَذَلِكَ أَنه يُسْتَمْلَحُ من
(5/41)

الجَوَارِي ذَاك إِذا كَانَ خَفِيفاً، ويستثقل منهنَّ لُزُوم حاق الْإِعْرَاب.
وقِدْحٌ لاحِنٌ إِذا لم يكن صَافِيَ الصَّوْتِ عِنْد الْإِفَاضَة. وكَذَلِكَ قَوْسٌ لاَحِنَةٌ إِذا أُنْبِضَتْ. وسَهْمٌ لاَحِنٌ عِنْد التَّنْفِيز: إِذا لم يكن حنَّاناً عنْد الإدَامَةِ على الإصْبَع والمُعْرِبُ من جَمِيعِ ذَلِك على ضِده. وملاحِنُ العُودِ ضُرُوبُ دَسْتَانَاتِهِ، يُقَال هَذَا لَحْنُ فُلانٍ العَوَّادِ، وَهُوَ الوجْهُ الَّذِي يَضْرب بِهِ.
نحل: فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أنّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن قتل النَّحْلَةِ والنَّمْلَةِ والصُّرَدِ والهُدْهُد.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَنه قَالَ: إنَّما نَهى عَن قَتْلهِن لِأَنَّهُنَّ لَا يُؤْذِينَ النَّاسَ، وَهِي أقل الطُّيُورِ والدَّوَاب ضَرَراً على النَّاس، لَيْسَ هِيَ مِثْلَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النّاسُ من الطيورِ الغرابِ وغيرِه، قيل لَهُ: فالنَّمْلَةُ إِذا عضَّتْ تُقْتَلُ؟ قَالَ: النملةُ لَا تعَضُّ إِنَّمَا يَعَضُّ الذَّرُّ. قيل لَهُ فَإِذا عَضَّتْ الذَّرَّةُ تُقْتَلُ؟ قَالَ: إِذا آذَتْكَ فاقْتُلْها.
قَالَ: والنَّمْلةُ الَّتِي لَهَا قَوائمُ تكون فِي البَرَارِي والخرَابَاتِ، وَهَذِه الَّذِي يَتَأَذَّى بهَا النَّاس هِيَ الذَّرُّ. ثمَّ قَالَ: والنَّمْلُ ثَلَاثَة أَصْنَافٍ: النَّمْلُ، فارز، وعُقَيْفانُ.
قَالَ اللَّيْث: والنحل دَبْرُ العسلِ، الواحدةُ نَحْلَةٌ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجَّاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} (النّحل: 68) الْآيَة، جائزٌ أَن يكون سُميَ نَحْلاً لأنَّ الله جلَّ وعزَّ نَحَل الناسَ العسلَ الَّذِي يَخْرُج من بُطونها.
وَقَالَ غيرُه من أهل الْعَرَبيَّة النَّحْلُ يذكَّرُ ويؤَنَّثُ، وَقد أنثها الله جلَّ وعزّ فَقَالَ: {أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} (النّحل: 68) والواحدةُ نَحْلَةٌ، وَمن ذكَّرَ النَّحْلَ فَلِأَن لفْظَهُ مذكَّرٌ، وَمن أَنَّثه فلأَنه جَمْعُ نحْلَة.
وَقَالَ اللَّيْث: النُّحْلُ إعْطاؤُك إنْسَاناً شَيْئا بِلَا استعاضَةٍ قَالَ ونُحْلُ الْمَرْأَة مَهْرُها وَتقول أعطيتهَا مهرهَا نحْلةً إِذا لم تُرِدْ مِنْهَا عِوَضاً.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النِّسَاء: 4) .
قَالَ بَعضهم: فَرِيضَة.
وَقَالَ بَعضهم: دِيَانَةً، كَمَا تَقول فلَان يَنْتَحِلُ كَذَا وَكَذَا، أَي يَدِينُ بِهِ.
وَقَالَ بَعضهم: هِيَ نِحْلة من الله لَهُنَّ؟ أَنْ جَعلْ على الرجالِ الصَّدَاقَ، وَلم يَجْعَل على المرْأةِ شَيْئاً من الغُرْمِ فَتلك نِحْلَةٌ من الله للنِّسَاء. وَيُقَال: نَحَلْتُ الرجلَ والمرأةَ إِذا وهَبْتُ لَهُ نَحْلَةً ونُحْلاً. قلت وَمثل نِحْلة ونُحْل حِكْمة وحُكْم.
ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله: {صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} أَي دِيناً وتدَيُّناً.
وَقَالَ اللَّيْث: نَحَلَ فلانٌ فلَانا أَي سابَّهُ فَهُوَ ينحَلُهُ: يسابّه.
وَقَالَ طرفَة:
(5/42)

فَذَرْ ذَا وانْحَلِ النُّعْمانَ قولا
كنَحْتِ الفَأْسِ يُنْجِد أَو يَغُور
قلت: قَوْله نحل فلَان فلَانا أَي سابَّه باطلٌ وَهُوَ تَصْحِيف لنَجَل فلانُ فلَانا إِذا قطعه بالغِيبة.
وَرُوِيَ فِي الحَدِيث (مَنْ نَجل النَّاس نَجَلُوه) أَي من عابَ الناسَ عابُوه، وَمن سبَّهم سبُّوه. وَهُوَ مثلُ مَا رُوِيَ عَن أَبي الدّرْداء: إِن قارَضْت الناسَ قارضُوك وَإِن تركْتَهُمْ لم يتْرُكُوك) وَقَوله: إِن قارضْتَ الناسَ مأخوذٌ من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رفع الله الْحَرَج إلاّ مَن اقْتَرض عِرْضَ امرىءٍ مُسْلِمٍ فَذَلِك الَّذِي حَرِجَ) وَقد فسرناه فِي موضعِهِ. والنَّجلُ والقَرْضُ معناهُما القَطْع. وَمِنْه قيل للحديدة ذَات الْأَسْنَان مِنْجَل.
وَقَالَ اللَّيثُ: يُقَال انْتَحَل فلانُ شِعْرَ فُلانٍ إِذا ادّعاه أَنَّهُ قائِلُه. وَيُقَال نُحِل الشاعرُ قصيدةً إِذا نُسِبَتْ إِلَيْهِ وَهِي من قِيل غَيْره.
وَقَالَ الْأَعْشَى فِي الانتحال:
فكيْفَ أَنا وانْتِحالي القوا
فِ بَعْد المشيبِ كَفَى ذَاك عَارا
أَرَادَ انتحالي القوافي فدلَّت كسرةُ الْفَاء من القوافِي على سُقُوط الياءِ، فَحَذَفَها كَمَا قَالَ الله {مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} : (سَبَإ: 13) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أحمدُ بن يحيى فِي قَوْلهم انْتَحلَ فلانٌ كَذَا وَكَذَا: مَعْنَاهُ قد ألْزَمَهُ نَفْسَه وَجعله كالمِلْك لَهُ، أُخِذَ من النحلة وَهِي الهِبَةُ والعطيّة يُعْطَاهَا الإنسانُ. قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} أَرَادَ هِبَةً، والصَّدَاقُ فَرْضٌ؛ لِأَن أَهْلَ الجاهليةِ كَانُوا لَا يُعْطُون النسَاءَ من مُهُورِهِنَّ شَيْئا فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} هبة من الله إذْ كانَ أهلُ الجاهليَّة يَدْفَعُونَهُنَّ عَن صَدُقَاتِهِنَّ، والنحلة هِبَةٌ من الله للنِّسَاء فَرَضَهُ لَهُنَّ على الأزْوَاج.
وَقَالَ الليثُ: نَحلَ الْجِسْم يَنْحَلُ نُحْولاً فَهُوَ نَاحلٌ. قلت: وَالسيف النَّاحِلُ الَّذِي فِيهِ فُلُولٌ فَيُسَنُّ مَرَّةً بعد أُخْرَى حَتَّى يَرِقّ ويذهبَ أَثَرُ فُلُوله، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذا ضُرِبَ بِهِ فَصَمَّم انْفَلَّ فينْحني القَيْنُ عَلَيْهِ بالمَدَاوِس والصَّقْلِ حَتَّى يُذْهِبَ فُلولَه. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى:
مَضَارِبُها من طول مَا ضربوا بِها
ومِنْ عَض هَامِ الدَّارعين نَواحِل
وجمل ناحل: مَهْزُولٌ دَقِيق وقمر ناحِل إِذا دقّ وَاسْتَقْوَسَ وَرجل ناحِلٌ وامرأةٌ نَاحِلَةٌ ونِساءٌ نَوَاحلُ وَرِجَال نُحَّلُ.
ح ل ف
حلف، حفل، لحف، فَحل، لفح، فلح: مستعملات.
حلف: قَالَ اللَّيْث: الحَلْفُ والحَلِفُ لُغَتَانِ وَهُوَ القَسَمُ والواحدة حَلْفة وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
حلفتُ لَهَا بِاللَّه حِلْفَة فاجرٍ
لناموا فَمَا إنْ مِنْ حديثٍ وَلَا صالِ
قَالَ وَيُقَال: مَحْلُوفَةً بِاللَّه مَا قَالَ ذَاك، يَنْصِبُون على ضميرِ أَحْلِفُ بِاللَّه مَحْلُوفَةً أَي قَسَماً والمحْلُوفَة القَسَم.
أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: حَلَفت مَحْلُوفاً مصدرٌ وَكَذَلِكَ الْمَعْقُول والميسور والمعسور. وَقَالَ ابْن بُزُرْج: لَا ومحْلُوفَائِه
(5/43)

لَا أفْعَلُ يُرِيد: ومحْلوفِه فمدّها. وَقَالَ الفرَّاءُ حِكَايَة عَن الْعَرَب: إنّ بني نُمَيْرٍ لَيْسَ لَهُم مَكْذُوبَةٌ؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: رجل حلاَّفٌ وحلاَّفَةٌ كثيرُ الحلفِ. وَيَقُول استَحلَفْتُه بِاللَّه مَا فعل ذَاكَ.
قَالَ وَتقول: حَالَفَ فلانٌ فُلاَناً فَهُوَ حَلِيفُه. وَبَينهمَا حلفٌ لأنَّهُما تحالَفَا بالأَيْمان أَن يكون أمْرُهما وَاحِدًا بِالْوَفَاءِ فَلَمّا لَزِم ذَلِك عندهُم فِي الأَحْلاَفِ الَّتِي فِي العشائر والقبائِلِ صَار كلُّ شَيْءٍ لَزِمَ شَيْئاً فَلم يُفَارِقْه فَهُوَ حَلِيفُه حَتَّى يُقَال: فلانٌ حليفُ الجُودِ، وَفُلَان حليفُ الْإِكْثَار وحليفُ الإقْلاَلِ: وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
وشرِيكيْنِ فِي كثيرٍ من الما
لِ وَكَانَا مُحَالِفَيْ إِقْلاَلِ
وَقَالَ شَمِر: سمعتُ ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: الأَحْلاَفُ فِي قُرَيْش خَمْسُ قبائل، عبدُ الدّار وجُمَحُ وسَهْمٌ ومَخْزُومٌ وعَدِيُّ بن كعبٍ. سُمُّوا بذلك لمَّا أَرَادَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَخْذَ مَا فِي أَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ من الحِجَابَةِ والرفَادَةِ واللوَاءِ والسقَايَةِ وأَبت بَنُو عَبْدِ الدّارِ، عَقَدَ كلُّ قَوْم على أَمرهم حِلْفاً مُؤكَّداً على ألاَّ يَتَخاذَلُوا، فَأَخْرَجَتْ عَبْدُ مَنَافٍ جَفْنَةً مملوءَةً طيبا فوضَعُوهَا لأَحْلاَفِهِمْ فِي الْمَسْجِد عندَ الكعبةِ، ثمَّ غَمَسَ القوْمُ أيديَهم فِيها وتعاقَدُوا ثمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَة بِأَيْدِيهِم توكيداً. فسموا المطيَّبين، وتعاقدت بَنُو عبدِ الدّارِ وحلفاؤها حِلْفاً آخَرَ مؤكَّداً على ألاَّ يتخاذلوا، فَسُمُّوا الأَحْلاَفَ. وَقَالَ الْكُمَيْت يذكرهم:
نسبا فِي المطيَّبين وَفِي الأح
لاف حَلَّ الذُّؤَابَةَ الْجُمْهُورَا
وروى ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن جُرَيْج عَن ابْن أبي مُلَيْكة قَالَ كنت عِنْد ابْنِ عبّاس فَأَتَاهُ ابْن صفوانَ فَقَالَ: نِعْمَ الإمارَةُ إمَارَةُ الأَحْلافِ كَانَت لَكُمُ.
قَالَ: الَّذِي كَانَ قبْلَها خيرٌ مِنْهَا، كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المطيبِين، وَكَانَ أَبُو بكرٍ من المطيبين وَكَانَ عمر من الأَحْلاَف يَعْنِي إمارةَ عمر. وَسمع ابْن عَبَّاس نَادِبَةَ عُمَرَ وَهِي تَقول: يَا سيّد الأحْلاَفِ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: نعم، والمُحْتَلَفِ عَلَيْهِم. قلت وَأَنَّهَا ذَكَرت مَا اقْتَصَّه ابنُ الْأَعرَابِي لِأَن القُتَيْبيَّ ذكر الطيبين والأحْلافَ فَخَلَطَ فِيمَا فسّر وَلم يُؤَد القِصَّةَ عَلَى وَجْهِها، وَأَرْجُو أَن يكونَ مَا روَاهُ شَمِرٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي صَحِيحاً.
وَفِي الحَدِيث أنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَالَفَ بَيْن قُرَيْشٍ والأنصارِ أَي آخَى بَيْنَهُم، لِأَنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَام.
وَقَالَ الليثُ: أَحْلَفَ الغلامُ إِذا جَاوزَ رِهَاقَ الحُلُمِ. وَقَالَ بعضُهم قد أُحْلِفَ. قلت أَنا: أُحْلِفَ الغُلاَمُ بِهَذَا الْمَعْنى خَطَأٌ إِنَّمَا يُقَال أَحْلَفَ الْغُلَام إِذا رَاهَقَ الحُلُم فَاخْتلف النَّاظِرُون إِلَيْه، فَقَائِل يَقُول قد احْتَلَم وأدْرَكَ، ويَحْلِفُ على ذَلِكَ، وقائلٌ يقولُ: غَيْرُ مُدْرِك، ويَحْلِفُ على قولِه. وكلُّ شَيْء يخْتَلف فِيهِ النَّاس وَلَا يَقِفُون مِنْهُ على أَمْرٍ صَحِيح فَهُوَ مُحْلِف، وَالْعرب تَقول للشَّيْء الْمُخْتَلف فِيهِ مُحْلِفٌ ومُحْنِثٌ.
(5/44)

وروى أَبُو عُبَيْد عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنَّهُ قَالَ: حَضَارِ والوزْنُ مُحْلِفَان، وهما نجمان يَطْلُعَان قَبْلَ سُهَيْلٍ من مَطْلَعِه، فكلُّ مَنْ رآهما أوْ أَحَدَهُما حَلَفَ أَنَّهُ سُهَيْلٌ ثمَّ يَتَبَيَّنُ بعد طُلُوعِ سُهَيْلٍ أَنَّهُ غَيْرُ سُهَيْلٍ. وَيُقَال كُمَيْتٌ مُحْلِفٌ إِذا كَانَ بَين الأَحْوَى والأَحَم حَتَّى يُخْتَلَفُ فِي كُمْتَتِه. وكُمَيْتٌ غير مُحْلِفٍ إِذا كَانَ أَحْوَى خَالص الحُوَّة أَوْ أَحَمَّ بَينَ الحُمَّةِ. وَالْأُنْثَى كُمَيْتٌ مُحْلِفةٌ وغيرُ مُحْلِفةٍ. وَأنْشد أَبُو عبيد:
كُمَيْتٌ غَيْرُ مُحْلِفةٍ وَلَكِن
كلون الصّرْف عُلَّ بِه الأَدِيمُ
وناقة مُحْلِفَةُ السَّنَامِ إِذا كَانَ لَا يُدْرَى أَفِي سَنَامها شَحم أم لَا.
وَقَالَ الْكُمَيْت:
أطلالُ مُحْلِفَةِ الرُّسُو
م بأَلْوَتَيْ بَرَ وفَاجِرْ
أَيْ يَحْلِفُ اثْنانِ أَحَدُهُمَا على الدُّروس، والآخرُ على أَنَّهُ لَيْسَ بِدَارسٍ، فَيَبَرُّ أَحَدُهُمَا بيمينِه، ويَحْنَثُ الآخرُ، وَهُوَ الْفَاجِر.
وَقَالَ اللَّيْث: الْحَلْفاءُ نباتُ حَمْلُه قصب النَّشَّابِ، الْوَاحِدَة حَلَفَةٌ والجميع الحَلَفُ. قلت: الْحَلْفَاءُ نَبْتٌ أطرافُه مَحْدُودَةٌ كأنَّها أَطْرَاف سَعَفِ النَّخْلِ والخوص، يَنْبُت فِي مَغَايِضِ الماءِ والنُّزُوزِ، الْوَاحِدَة حَلَفَةٌ مثل قَصَبة وقَصْبَاء، وطَرَفَة وطَرْفَاء وشَجَرة وشَجْراءُ، وَقد يجمع حَلَفاً وشَجَراً وقَصَباً وطَرَفاً، وكَانَ الأصمعيُّ يَقُول: الْوَاحِدَة حَلِفَة، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ الْحَلْفَاءُ واحدٌ وجميعٌ وَكَذَلِكَ طَرْفَاءُ، وبُهْمَى وشُكَاعَى واحدةٌ وجميعٌ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ رجلٌ حليفُ اللسانِ أَي حديدُ اللسانِ وسِنَانٌ حليفٌ أَي حديدٌ. قلت: أُرَاهُ جُعِلَ حَلِيفاً لأنَّه شُبه حدَّةُ طَرْفِه بحدّة أَطْرَافِ الْحَلْفَاءِ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: الْحَلْفَاءُ الأَمَةُ الصَّخَّابة، وَيُقَال أَحْلَفْتُ الرجلَ واستحلْفتُه بمعنَى واحِدٍ، وَمثله أرْهَبْتُه واستَرْهَبْتُه. وَرجل حلاَّف كثير الحَلِفِ، وحالَفَ فلَانا بَثُّه وَحُزْنُه أَي لازَمَهُ.
لحف: قَالَ ابْن الْفرج: سَمِعت الحُصَيْنيّ يَقُول: هُوَ أَفْلَسُ من ضَاربِ قِحْفِ اسْتِه وَمن ضَارِبِ لِحْفِ اسْتِه.
قَالَ: وَهُوَ شقّ الاست وَإِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجد شَيْئا يلْبسهُ فَتَقَع يَده على شُعَب استه.
وَقَالَ اللَّيْث: اللَّحْفُ تَغْطِيتُك الشيءَ باللحافِ، واللحافُ اللبَاس الَّذِي فَوق سائِر اللبَاس من دِثَارِ الْبرد ونحوهِ، تَقول لَحَفْتُ فلَانا لِحَافاً إِذا أَنْت ألبستَه إياهُ، ولَحَفْتُ لِحَافاً، وَهُوَ جَعْلُكَهُ وتَلَحَّفْتُ لِحَافاً إِذا اتخذْتَه لِنَفْسِك، وَكَذَلِكَ الْتحفْتُ وَقَالَ طرفَة:
يَلْحَفُون الأرضَ هُدَّابَ الأُزُر
أَي يجرُّونَها على الأَرْض.
أَخْبرنِي المنذريّ عَن الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت أَنه أنْشدهُ:
(5/45)

كَمْ قَدْ نزلْتُ بِكُمْ ضيفاً فَتَلْحفُني
فضْلَ اللحافِ ونِعْمَ الفضْلُ يُلْتَحَفُ
قَالَ أَرادَ: أعْطَيْتَنِي فضل عَطَائِكَ وجُودِك، وَقد لَحَفَهُ فضْلَ لِحَافِه، إِذا أَنَالَه معروفَه وفضلَه وزوَّده.
أَبُو عُبَيْد عَن الْكسَائي: لَحَفْتُه وأَلْحفْتُه بِمَعْنى وَاحِد، وَأنْشد بيتَ طَرَفَة:
ورُوي عَن عائشةَ أَنَّهَا قالتْ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُصَلّي فِي شُعُرنا وَلَا فِي لُحُفِنَا.
قَالَ أَبُو عبيد اللحَافُ كُلُّ مَا تَغَطَّيْتَ بِه فقد الْتَحَفْتَ بِهِ، ولَحَفْتُ الرجلَ أَلْحفُه إِذا فعلْتَ بِهِ ذَلِك يَعْنِي إِذا غَطّيْتَه.
وَقَول طرفَة:
يلحفون الأَرْض هدَّاب الأزر
أَي يُغَطُّونَها ويُلْبِسونَها هدّاب أزُرِهِم إِذا جرُّوها فِي الأرْضِ.
قلتُ وَيُقَال لذَلِك الثوبِ لِحَافٌ ومِلْحَفٌ بِمَعْنى واحدٍ كَمَا يُقَال إزَار وَمِئْزَرٌ وقِرَامٌ ومِقْرمٌ. وَقد يُقَال مِلْحَفَةٌ ومِقْرَمَة سَوَاء كَانَ الثَّوْب سُمْطاً أَو مُبَطَّناً يُقَال لَهُ لِحافُ، وَقد تَلَحَّف فلانٌ بالملْحَفَةِ والْتَحَفَ بِها إِذا تَغَطَّى بهَا. والملحفة عِنْد الْعَرَب هِيَ المُلاءةُ السمْط فَإِذا بُطنَتْ بِبِطَانَةٍ أَو حُشِيتْ فَهِيَ عِنْد عوامّ النَّاس مِلْحَفةٌ. وَالْعرب لَا تعرفُ ذَلِك.
وَقَالَ الزّجاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (البَقَرَة: 273) رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من سَأَل وَله أَرْبَعُون دِرْهَماً فقد أَلْحفَ) . قَالَ وَمعنى أَلْحَفَ أَي شَمِلَ بِالْمَسْأَلَة وَهُوَ مستغنٍ عَنْهَا، قَالَ واللّحاف من هَذَا اشتقاقُه لِأَنَّهُ يَشْمَل الإنسانَ فِي التَغْطية. قَالَ: وَالْمعْنَى فِي قَوْله {لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} أَي لَيْسَ مِنْهُم سُؤَالٌ فيكونَ إلحَافٌ كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
على لاَحِب لَا يُهْتَدى بِمنَارِه
الْمَعْنى لَيْسَ بِهِ منار فَيُهتدَى بِهِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ من هَؤُلَاءِ سؤالٌ فيقعَ فِيهِ إِلْحَافٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الإلْحَافُ شدَّةُ الإلحاح فِي الْمَسْأَلَة. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَلْحفَ الرجلُ إِذا مَشَى فِي لِحْفِ الْجَبَل وَهُوَ أصْلُه قَالَ وأَلْحَفَ إِذا آثَر ضَيْفَه بفراشِه ولحافِه فِي الْحَليت وَهُوَ الثَّلج الدائمُ والأريزُ البارِدُ وأَلْحَفَ وَلَحَّف إِذا جَرَّ إزَارَه على الأَرْضِ خُيَلاءَ وبطراً، وَأنْشد قَول طرفَة. وَيُقَال فلَان حسن اللحفة وَهِي الحالةُ الَّتِي يَتَلَحف بهَا.
فلح: قَالَ اللَّيْث: الفَلاَح والفَلَحُ السَّحُور، وَهُوَ البقاءُ فِي الْخيْر. وَفِي الأَذَان حيَّ على الفَلاح، يَعْنِي هَلُمّ على بَقَاءِ الْخَيْرِ. وَقَالَ غَيره حيّ أَي عجل وأَسْرِع على الفَلاَح، مَعْنَاهُ إِلَى الْفَوْز بِالْبَقَاءِ الدَّائِم.
الحرانيّ عَن ابْن السّكيت: الفَلَحُ والفَلاَح البَقَاءُ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
ولَئِنْ كُنَّا كَقَوْمٍ هَلَكُوا
مَا لحيَ يِا لَقَوْمٍ من فَلَح
وَقَالَ عديّ:
ثمَّ بَعْد الفَلاَحِ والرُّشدِ ولاُّمَّة
وارتْهُمُ هُنَاكَ قُبُور
(5/46)

قَالَ: والفَلَحُ السَّحُورُ، وَجَاء فِي الحَدِيث صَلَّيْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى خَشِينَا أَن يفوتَ الفَلَحُ. وَقَالَ أَبُو عبيد فِي حَدِيث (حَتَّى خشينا أَن يفوتنا الْفَلاح) قَالَ وَفِي الحَدِيث (قيل وَمَا الْفَلاح قَالَ السّحُور) قَالَ، وأصْلُ الفلاحِ البقاءُ وَأنْشد للأضبط ابْن قريع السَّعْدِيّ:
لِكُل هِمَ من الهُمُوم سَعَهْ
والمُسْيُ والصُّبْحُ لَا فَلاَحَ مَعَه
يَقُول لَيْسَ مَعَ كرّ اللَّيَالِي والنَّهارِ بقاءٌ، قَالَ وَمِنْه قَول عبيد بن الأبرص:
أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بالضع
ف وقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ
يَقُول عِشْ بِمَا شِئْتَ من عقلٍ وحمْق فقد يُرْزَقُ الأَحْمَقُ ويُحْرَمُ العاقِلُ. قَالَ وإنَّما قيل لأهل الجنّة: مُفْلِحُون، لفوزِهمْ بِبَقَاء الأَبَد، فَكَأَنَّ مَعْنَى فَلاحِ السَّحُورِ أَنَّ بِهِ بقاءَ الصومِ.
وَفِي حديثِ ابْن مسعودٍ أَنه قَالَ: إِذا قَالَ الرَّجُلُ لامْرَأَته استَفْلِحي بأمْرِكِ، قَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ اظْفَرِي بأَمْرِك وفُوزِي بأمْرِك واستبدي بأمْرِك. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَول الله: {وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البَقَرة: 5) يُقَال لكلّ من أصَاب خيرا مُفْلِحٌ. وَقَالَ الليثُ فِي قَوْله جلّ وعزّ: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} (طاه: 64) أَي ظَفِرَ بالمُلْكِ مَنْ غَلَب.
قَالَ والفَلاَّحُ الأَكَّارُ، وَإِنَّمَا قِيل فلاحٌ لِأَنَّهُ يَفْلَحُ الأرضَ أَي يَشُقُّها قَالَ والفَلَحُ الشقُّ فِي الشفةِ وَفِي وسَطِها دون العَلَمِ، وَرجل أَفْلَحُ وامرأةٌ فَلْحاءُ. الحرَّانِيُّ عَن ابْن السّكيت: الفَلْحُ فَلَحْتُ الأرضَ إِذا شَقَقْتُها للزِّرَاعَة. قَالَ: والفَلَحُ شقّ فِي الشَّفَةِ السُّفْلى. وَقَالَ غَيره فَإِذا كَانَ فِي العُلْيا فَهُوَ عَلَمٌ وَقَالَ أَبُو عبيد عَن أبي زيد مثله وَأنْشد:
وعَنْتَرَةُ الْفَلْحَاءُ جَاءَ ملأماً
كَأَنَّك فِنْد من عَماية أسودُ
وَيُقَال أفْلَحْتُ الأرْضَ إِذا شَقَقْتَها للحَرْثِ. وَقَالَ الزجَّاجُ الفلاَّح الأكَّار والفِلاحَةُ صِنَاعتُه. قَالَ وَيُقَال: فلحت الْحَدِيد إِذا قطعته وَأنْشد:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْلُك يَا بْنَ الصَّحْصَحْ
أَنَّ الحَدِيدَ بالحدِيدِ يُفْلَحْ
قَالَ: يُقَال للمُكَارِي فلاَّحٌ، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ فَلاَّحٌ تَشْبيهاً بالأكَّار، وَمِنْه قَول عَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ:
لَهَا رِطْلٌ تكِيلُ الزَّيْتَ فيهِ
وفَلاَّحٌ يسوقُ لَها حِمَاراً
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: فَلَحْتُ للقَوْمِ وبالقوم أفْلَحُ فِلاَحةً وَهُوَ أَن يُزَين البيعَ وَالشِّرَاء للبائِع والمشترِي. قَالَ وفَلَّحْتُ بهم تَفْلِيحاً إِذا مكَرَ بهم، وقالَ لَهُمْ غيرَ الحقّ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الفَلْحُ النَجْسُ وَهُوَ زِيَادَة المكْترِي ليزِيد غيرُه فيُغَرُّ بِهِ. والتَّفْلِيحُ المكْرُ والاستهْزاء، وَقَالَ أَعْرَابِي: قد فلّحوا بِي: أَيْ مَكَرُوا بِي.
لفح: قَالَ اللَّيْث: تَقول لَفَحتْهُ النَّارُ إذَا أَصَابَتْ أَعالِيَ جَسَدِه فأَحْرَقَتْ. والسَّمُومُ
(5/47)

تَلْفَحُ الإنسانَ. واللُّفَّاحُ شيءٌ أصفَرُ مثلُ البَاذَنْجَانِ طيبُ الرّيح.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: مَا كَانَ من الرِّيَاح بردٌ فَهُوَ نفح وَمَا كَانَ لِفحٌ فَهُوَ حَرٌّ، وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} (الْمُؤْمِنُونَ: 104) قَالَ تَلْفَحُ وتَنْفَحُ بمعنَى وَاحِدٍ إِلَّا أنَّ النَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثيراً قلتُ وَمِمَّا يُؤَيد قولَه قولُ الله: {نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} (الأنبيَاء: 46) وَقَالَ ابنُ الأعرابيّ: اللَّفْحُ لكل حارٍ، والنَّفْحُ لِكُل بَارِدٍ، وَأنْشد أَبُو الْعَالِيَة:
مَا أنْتِ يَا بَغْدَادُ إلاَّ سَلْحُ
إِذا يَهُبُّ مَطَرٌ أَوْ نَفْحٌ
فإنْ جَفَفْتِ فَتُرابٌ بَرْحُ
قَالَ: بَرْحُ خالصٌ دَقَيقٌ
فَحل: قَالَ الليثُ: الفحلُ والجميع الفُحول والفِحَالَة: والفِحْلَةُ افتِحَالُ الْإِنْسَان فَحْلاً لدوَابه وَأنْشد:
نَحن افْتَحَلْنَا فَحْلَنَا لم نَأْتِلَهْ
قَالَ: وَمن قَالَ اسْتَفْحَلْنَا فَحْلاً لِدَوَابنَا فقد أخْطَأَ. وَإِنَّمَا الاستِفْحَالُ على مَا بَلغني من عُلُوجِ أهلِ كابُلَ وجُهَّالِهِم أَنَّهُم إِذا وجَدُوا رجُلاً من الْعَرَب جَسِيماً جميلاً خَلَّوْا بينَه وَبَين نِسائِهم رجاءَ أَن يُولَد فيهم مثْلُه. قَالَ وفَحْلٌ فَحِيلٌ أَي كريمُ المُنْتَجَب. وَأنْشد أَبُو عبيد قَول الرَّاعِي:
كَانَت هَجَائِنَ مُنْذِرٍ ومُحَرق
أُمَّاتُهُنَّ وطَرْقُهُن فَحِيلاً
أَي وَكَانَ طَرْقُهُنْ مُنْجِباً. والطَّرْقُ الفَحْلُ هَهُنَا. وَفِي حَديثِ ابْن عُمَرَ أُنَّه بَعَثَ رَجُلاً يَشْترِي لَهُ أُضْحِيَةً، فَقَالَ اشْتَرِ كَبْشاً فَحِيلاً قَالَ أَبُو عبيدٍ قَالَ الأصْمَعِيُّ قَوْله (فَحيلاً) هُوَ الَّذِي يُشْبِه الفَحُولَةَ فِي خَلْقِه ونُبْلِه. وَيُقَال إِن الفحيلَ المُنْجِبُ فِي ضِرَابه، وَأنْشد قولَ الرَّاعِي: قَالَ أَبُو عبيد والّذي يُرَادُ من الحديثِ أَنه اخْتَارَ الفَحْلَ على الخَصِي والنعجةِ وطَلَبُ جَمَالِه ونُبْلِه. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَالُ للنَّخْلَةِ الذَّكَرِ الَّذِي يُلْقَحُ بِهِ حَوَائِلُ النَّخْلِ فُحَّالٌ الْوَاحِدَة فُحَّالَةٌ.
الحرَّانِيُّ عَن ابْن السّكيت أفَحَلْتُ فلَانا فَحْلاً إِذا أعطيْتَه فَحْلاً يضْرِبُ فِي إبِلِه وَقد فَحَلْتُ إبِلي فَحْلاً إذَا أَرْسَلْتَ فِيهَا فَحْلاً وَقَالَ الراجز:
نَفْلَحُها الْبيض القليلاتِ الطَّبَعْ
من كل عرّاص إِذا هَزّ اهْتَزَعْ
وَقَالَ غَيره: استَفْحَل أمْرُ العَدُو إذَا قَوِي واشتَدّ فَهُوَ مُسْتَفْحِلٌ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يجمع فُحَّالُ النّخل فَحَاحِيلَ، وَيُقَال للفُحَّال فَحْلٌ وَجمعه فُحُول.
وَفِي الحَدِيث أَنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ من الأَنْصارِ وَفِي ناحيةِ الْبَيْت فَحْلٌ من تِلْكَ الفُحُول فأمَرَ بناحيةٍ منْه فُرشَتْ ثمَّ صلَّى عَلَيْه. قَالَ أَبُو عبيد: الفَحْلُ الحَصِيرُ فِي هَذَا الحديثِ، قلت هُوَ الحَصِيرُ الَّذِي رُمِلَ من سَعْفِ فُحَّالِ النَّخِيل، وأَمَّا حَدِيث عُثْمَان أَنه قَالَ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْر وَلَا فَحْلٍ والأُرَفُ، تَقْطَعُ كُلَّ شُفْعَةٍ فإنَّه أَرَادَ بالفَحْلِ فَحْلَ النَّخْلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّما يكون بَين جماعةٍ فَحْلُ نَخْلٍ يأخُذُ كُلُّ واحِد من الشركاءِ فِيهِ زمنَ تَأْبِيرِ النَّخِيل مَا يَحْتَاجُ
(5/48)

إِلَيْهِ من الحِرْقِ لتأبير نخِيله الإناثِ، فَإِذا بَاع واحدٌ من الشركاءِ نصيبَه من ذَلِك الفحْل بعض الشركاءِ فيهِ لم يكن للباقين من الشُّرَكَاء شُفْعَةٌ فِي المَبِيع، والّذي اشْتَرَاهُ أَحَقُّ بِهِ لأَنَّه لَا يَنْقسِمُ، والشُّفْعَةُ إنّما تَجِبُ فِيمَا يَنْقَسِمُ، وَهَذَا مذهبُ أَهْلِ الْمَدِينَة وإليْه يذهبُ الشَّافِعِي ومالكٌ وَهُوَ مُوافِقٌ لحَدِيث جَابر (إِنَّمَا جَعَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الشفْعَةَ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ؛ فَإِذا حُدَّتْ الحدُودُ فَلَا شُفْعَة لِأَن قَوْله ج (فيمَا لَمْ يُقْسَمْ) دليلٌ على أَنه جَعَل الشُّفْعَة فِيمَا يَنْقَسِمُ، فَأَما مَا لَا يَنْقَسِمُ مثلُ الْبِئْر وفَحْلِ النّخيلِ يُبَاع مِنْهُمَا الشقْص بأَصْلِه من الأَرْض فَلَا شُفْعَة فِيهِ لأَنه لَا يَنْقَسِم، وَكَانَ أبُو عُبَيْدِ ح فسّرَ حَدِيث عثمانَ هَذَا تَفْسِيرا لم يرْتَضِه أهْلُ الْمعرفَة وَلذَلِك تركته وَلم أَحْكِهِ بعيْنِه، وتفسيرُه عَلَى مَا بيَّنْتُه.
وفُحُول الشُّعَراءِ هم الَّذين غَلَبُوا بالهِجاء مَنْ هَاجَاهُم، مثلُ جريرِ والفرزدقِ وأَشْبَاهِهمَا، وَكَذَلِكَ كُل من عَارضَ شَاعِرًا فغُلّب عَلَيْهِ، مثل علْقَمَةَ بْنِ عَبَدةَ، وَكَانَ يُسمى فَحْلاً لأنَّه عَارض امْرَأ القَيْسِ فِي قصيدته الَّتِي يَقُول فِي أَولهَا:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُم جُنْدُبِ
بقوله فِي قصيدته:
ذهبتَ من الهُجْران فِي غيرِ مَذْهَبِ
وكلُّ واحدٍ منهمَا يعارِضُ صاحبَه فِي نَعته فَرَسَه، فَفُضلَ علقَمةُ عَلَيْهِ، ولُقبَ الفَحْل.
وَقَالَ شمر: قيل للحصير فَحْلٌ لِأَنَّهُ يُسَوّى من سَعَفِ الفَحْلِ من النَّخِيلِ، فتُكُلمَ بِهِ على التَجَوُّزِ كَمَا قَالُوا فلانٌ يَلْبَس الْقطن وَالصُّوف، وَإِنَّمَا هِيَ ثِيَاب تغزَل وتتَّخذ مِنْهُمَا، وَقَالَ المرار:
والوحشُ ساريةٌ كأَنَّ مُتُونها
قُطْنٌ تُباعُ شَدِيدَةُ الصَّقْلِ
أَرَادَ كأنَّ مُتُونها ثيابُ قطنٍ لشدَّة بياضها.
حفل: قَالَ اللَّيْث الحَفْلُ اجْتِماعُ المَاء فِي مَحْفِلِه تَقول حَفَلَ الماءُ حُفُولاً وحَفْلاً. وحَفَلَ القومُ إِذا اجْتَمعُوا والمحْفِلُ المجْلِس، والمُجْتَمَع فِي غيرِ مَجْلِسٍ أَيْضاً، تَقول احْتَفَلوا أَي اجْتَمَعوا وشاةٌ حَافِلٌ، وَقد حَفَلَتْ حُفُولاً إِذا احْتَفَلَ لَبَنُها فِي ضَرْعها، وَهن حُفَّلٌ وحَوَافِلُ. وَفِي الحَدِيث (من اشْتَرى مُحَفَّلَةً فَلم يَرْضَها رَدّها وَرَدَّ مَعهَا صَاعا من تَمْر) والمُحَفَّلَةُ النّاقة أَو الْبَقَرَة أَو الشَّاة لَا يحلِبُها صاحبُها أيّاماً حَتَّى يجتمعَ لَبَنُها فِي ضَرْعها فَإِذا احْتَلَبَها المُشْتَرِي وَجَدَها غَزِيرَةً فزَادَ فِي ثَمَنِها، فَإِذَا حَلَبَها بعد ذَلِك وَجَدها ناقِصة اللَّبَن عَمَّا حَلَبه أيامَ تَحْفِيلِها، فجعلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَدَل لَبن التَّحْفِيل صَاعا من تَمْر، وهَذا مذْهَبُ الشّافِعيّ وأهلِ السُّنَّة الَّذين يَقُولُونَ بسنّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
والمُحَفَّلَةُ والمُصَرَّاةُ واحدةٌ وَجَاء فِي حَدِيث رُقْيَةِ النملةِ (الْعَرُوس تَقْتَالُ وتَحْتَفِلُ وكلُّ شَيْء تَفْتَعِل، غيرَ أَنَّها لَا تَعصِي الرجُل) وَمعنى تَقْتَال أَي تَحْتَكِم على زَوْجِها وتَحْتَفِلُ أَي تَتَزَيَّن وتحتَشِد للزينَة، يُقَال حَفَّلَتَّ الشَّيْء أَي جَلَوْتُه وَقَالَ بشر يصف جَارِيَته:
رَأَى دُرَّةً بيضاءَ يَحْفِلْ لَوْنُها
سُخَامٌ كغِربان البريرِ مُقَصَّبُ
(5/49)

يُرِيد أَن شعرَها يَشُبُّ بياضَ لونِها فيزيدُه بَيَاضًا بِشِدَّة سَواده.
سَلمَة عَن الفراءِ قَالَ الحوفلة القَنْفاءُ، وَقَالَ ابنُ الْأَعرَابِي حَوْفَل الرجلُ إِذا انتفَخَتْ حَوْفَلته وَهِي القَنْفَاءُ. يُقَال للْمَرْأَة تحفَّلي لزوجك أَي تزيّني لِتَحْظَيْ عِنْده، والحَفْلُ المُبالاَةُ يُقَال مَا أَحْفِلُ بفُلانٍ أَي مَا أُبَالي بِهِ. قَالَ لبيد:
فَمَتَى أَهْلِكْ فَلا أَحْفِلُه
بَجَلِي الآنَ من الْعَيْش بَجَلْ
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الحُفَالَةُ والْحُثَالَةُ الرديءُ من كل شَيْء، وَطَرِيق مُحْتَفِلٌ ظاهرٌ مستَبِينٌ، وَقد احْتَفَلَ أَي استَبَان وَمِنْه قَول لبيدٍ يصف طَرِيقا:
تَرْزُم الشَّارِفُ من عِرْفَانِه
كُلَّما لاَح بِنَجْدٍ واحْتَفَلْ
وَقَالَ الرّاعي يصف طَرِيقا:
فِي لاَحِبٍ بِزِقَاق الأَرْض مُحْتَفِل
هاد إِذا عَزَّه الحُدْبُ الحَدَابِيرُ
قَالَ أَرَادَ بالحدب الحدابير صلابة الأَرْض أَي هَذَا الطَّرِيق ظاهرٌ مستبينٌ فِي الصَّلابةِ أَيْضاً، ومُحْتَفَلُ الأمرِ معظَمُه. ومحتفِلُ لَحْمِ الفَخذِ والساقِ أَكْثَره لَحْماً وَمِنْه قَول الهُذَليّ يصف سَيْفا:
أبْيَضُ كالرَّجْع رسوبٌ إِذا
مَا ثَاخ فِي مُحْتَفَلٍ يَخْتلي
وَيجوز فِي مُحْتَفِل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الاحتِفَال من عَدْوِ الْخَيل أَنْ يَرى الفارسُ أَنَّ فرسَه قد بلغَ أَقْصى حُضْرِه وَفِيه بقيَّةٌ يُقَال فرس مُحْتَفِلٌ. وَقَالَ الْقطَامِي يذكر إبِلا اشْتَدَّ عَلَيْهَا حفل اللَّبن فِي ضروعها حَتَّى أذاها فَهِيَ تَبْكي:
ذَوَارِفُ عَيْنَيها من الحَفْلِ بالضُّحَى
سَجُومٌ كتَنْضَاحِ الشنَانِ المشَرّبِ
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الحُفَال الجمعُ العظيمُ، والحُفَالُ اللبنُ المجْتَمَعُ، وَقَالَ أَبُو تُرَابٍ: قَالَ بعضُ بَني سُلَيْم؛ فلانٌ محافظ عَلَى حَسبه ومُحَافِلٌ عَلَيْه إِذا صَانه. وَأنْشد شمر:
يَا وَرْسُ ذاتَ الحِد والحفيلْ
منحناك مَانِحَ المُخِيلْ
لَو جاءها بِصَاعِه عقيلْ
على عِهِبَّى الْكَيْل إِذْ يكيلْ
مَا بَرِحَتْ وَرسَةُ أَو يسيلْ
وَرْسَةُ اسْم عَنْز كَانَت غَزِيرَةً عَهِبَّى أَي أولِ الْكَيْل وَمِنْه عَهَتَى زمانِه أَي أَوله وعهتى كل شَيْء أوَّلُه، ورجلٌ حَفِيلٌ فِي أمْرِه أَي ذُو اجْتِهاد.
ح ل ب
حلب، حَبل، لحب، لبح، بلح، بِحل: مستعملات
أما: بِحل ولبح: فَإِن اللَّيْث أهملهما.
(بِحل) : وروَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ البَحْلُ الإدْقَاعُ الشَّدِيدُ وَهَذَا غريبٌ.
لبح: قَالَ ابْن الأعرابيّ أَيْضا اللَّبَحُ الشجاعةُ وَبِه سُمي الرجل لَبَحاً، وَمِنْه الْخَبَر: تَبَاعَدَتْ شَعُوب من لَبَحٍ فَعَاشَ أيَّاماً.
حَبل: قَالَ اللَّيْث الحَبْلُ الرَّسَنُ، والجميع الحِبَالُ. والْحَبْلُ العَهْدُ والأَمَانُ والْحَبْلُ التَّوَاصُلُ. وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {وَاعْتَصِمُواْ
(5/50)

بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} (آل عِمرَان: 103) قالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الاعتصامُ بِحَبل الله هُوَ تَرْكُ الفُرْقَةِ واتّبَاعُ القرآنِ، وإيَّاه أَرَادَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ بقوله: عَلَيْكُم بحبْل الله فإِنَّه كتاب الله.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الحِبْلُ الرجل العالِمُ الفَطِنُ الدَّاهي. قَالَ وأنشدني المُفَضّل:
فيا عجبا للخود تبدي قناعها
تُرَ أرِىءُ بالعيْنَيْنِ للرجُلِ الحِبْلِ
يُقَال رَأْرَأَتْ بِعَيْنيها وغَيَّقَتْ وَهَجَلَتْ؛ إِذَا أَدَارَتْه تَغْمِزُ الرَّجُلَ.
قَالَ أَبُو عبيد وأصْل الحَبْلِ فِي كلامِ العربِ يتصرَّف على وجوهٍ، مِنْهَا العَهْدُ وَهُوَ الأَمَانُ، وَذَلِكَ أنَّ العربَ كانَتْ يُخِيفُ بعضُها بَعْضًا فِي الْجَاهِلِيَّة، فكانَ الرجلُ إِذا أَرادَ سَفَراً أَخذ عهْداً من سيد الْقَبِيلَة، فيأمنُ بِهِ مَا دَامَ فِي تِلْكَ الْقَبِيلَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْأُخْرَى فيأخُذُ مثل ذَلِك أَيْضاً يُرِيدُ بِهِ الأَمَانَ. قَالَ فَمَعْنَى الحديثِ أَنَّهُ يَقُول: عَلَيْكُم بكتابِ الله وتَرْكِ الفُرقة فإِنَّه أَمَانٌ لَكُمْ وعَهْدٌ من عذَاب الله وعِقَابِه. وَقَالَ الْأَعْشَى يذكر مسيرًا لَهُ:
وَإِذا تُجَوزُها حِبَالُ قَبِيلَةٍ
أَخَذَتْ من الأُخرَى إليْكَ حِبَالَها
قَالَ: والحَبْلُ فِي غير هَذَا الموضِعِ المُوَاصَلَةُ وَقَالَ امرؤُ الْقَيْس:
إِنِّي بحبلك وَاصِلٌ حَبْلي
وَبِريش نَبْلِك رائِش نَبْلي
قَالَ: والحَبْل مِنَ الرَّمْلِ المُجْتَمِعُ الكَثِيرُ العَالِي. الحرَّانِيُّ عَن ابْن السّكيت قَالَ: الحَبْلُ الوِصَالُ، والحَبْلُ رَمْلٌ يستطيل ويمتد، والحَبْلُ حَبْلُ العاتق، والحَبْلُ الوَحِدُ مِنَ الْحِبَالِ. وَهَذَا كلُّهُ بفَتْحِ الحاءِ. قَالَ: والحِبْلُ الدَّاهية وَجمعه حُبُولٌ وَأنْشد لكثير:
فَلَا تَعْجَلي يَا عَزُّ أَنْ تَتَفَهَّمِي
بِنُصْحٍ أَتَى الْوَاشُونَ أَمْ بِحُبُول
وَقَالَ الآخرُ فِي الْحَبل بِمَعْنى الْعَهْد والذّمة:
مَا زلتُ مُعْتَصِماً بِحَبلٍ منكُم
من حَلّ سَاحَتَكُمْ بِأسْبَابٍ نجَا
بِحَبْلٍ أَي بِعَهْدٍ وذِمَّةٍ.
وَقَالَ اللَّيْث: حَبْلُ العَاتِق وُصْلَةٌ مَا بَين العاتِق والمَنْكِب. وحَبْلُ الوَرِيدِ عِرْقٌ يَدِرُّ فِي الحَلْقِ. والورِيدُ عرقٌ يَنْبِضُ من الْحَيَوَان لَا دَمَ فِيه. وَقَالَ الفرَّاءُ فِي قَول الله جلّ وعزّ: {نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ} (ق: 16) قَالَ: الحَبْلُ هُوَ الوَرِيدُ فَأُضِيفَ إلَى نَفْسِه لاختلافِ لَفْظِ الاسْمَيْنِ. قَالَ والورِيدُ عِرْقٌ بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْبَاوَين.
وَقَالَ أَبُو عُبيد قَالَ الأصمعيّ: من أَمْثَالهِم فِي تسهيلِ الحاجةِ وتَقْرِيبِها: هُوَ عَلَى حَبْل ذِرَاعِك، أَي لَا يُخَالفك: وحبل الذرَاعِ عِرْقٌ فِي الْيَدِ. وحِبَالُ الفَرَسِ عروقُ قوائِمِهِ. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
كأَنَّ نُجُوماً عُلقَتْ فِي مَصَامِه
بأمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُم جَنْدَلِ
والأمْرَاسُ الحِبَالُ، الواحدةُ مَرَسَةٌ، شَبَّه عُروقَ قَوَائِمِه بِحبَالِ الكَتَّانِ، وَشبه صلابة
(5/51)

حَوَافِرِهِ بِصُم الجندل، وشَبَّه تَحْجِيلَ قوائِمِه بِبَيَاضِ نُجومِ السَّماء.
والحَبْلُ مصدر حَبَلْتُ الصَّيْدَ واحْتَبَلْتُه إِذا نصبتَ لَهُ حِبَالَةً فنشِب فِيهَا وأخذتَه. والحِبَالَةُ جمع الحَبْلِ، يُقَال حَبَلٌ وحِبَالٌ وَحِبَالَةٌ مثل جَمَلٍ وجِمَالٍ وجِمَالَة وَذَكَرٍ وذِكَارٍ وذِكَارَة.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ فِي قصّة الْيَهُود وذُلهم إِلَى آخر الدُّنْيَا وانقضائها {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} (آل عِمرَانَ: 112) تكلّمَ علماءٌ اللُّغَةِ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة واختلَفَتْ مذاهِبُهم فِيهَا لإشكالها، فَقَالَ الفَرّاءُ معناهُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِم الذلَّةُ إِلَّا أنْ يَعْتَصِمُوا بحبْلٍ من الله فأضْمَرَ ذَلك قَالَ وَمثله قَوْله:
رَأَتْنِي بحَبْلَيْهَا فَصَدَّتْ مَخَافَة
وَفِي الحَبْل رَوْعَاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
قَالَ: أَرَادَ رأَتْني أقْبَلْتُ بحَبْلَيْهَا فأضْمَرَ (أَقْبَلْتُ) كَمَا أضْمَرَ الاعْتِصَامَ فِي الْآيَة.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي العبَّاس أحمدَ بن يحيى أَنه قَالَ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الفراءُ بعيدٌ أَن تَحْذِفَ أَنْ وَتُبْقِيَ صِلَتَها، ولكنّ الْمَعْنى إِن شَاءَ الله ضُرِبْتْ عَلَيْهِم الذّلّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا بِكُل مَكانٍ إِلَّا بمَوْضِعِ حَبْلٍ من الله وَهُوَ استِثْناءٌ متَّصِلٌ كَمَا تَقول ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلّة فِي الأمْكِنَة إلاّ فِي هَذَا المكانِ.
قَالَ وقولُ الشَّاعِر (رأَتْنِي بحبليها) هُوَ كَمَا تَقول أَنا بِاللَّه أيْ مُتَمَسك فَتكون الباءُ من صِلَةِ رأَتْنِي مُتَمَسكاً بحَبْلَيْهَا فاكتَفَى بالرُّؤْيةِ من التَّمَسُّك.
قَالَ وَقَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ} (آل عِمرَان: 112) إنَّهُ استثْنَاءٌ خارِجٌ من أَوّل الْكَلَام فِي معنى لَكِنْ. قلت والقولُ مَا قَالَ أَبُو العبَّاس.
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أُوصيكم بالثَّقَلَيْنِ كتابِ الله وعِتْرَتِي، أَحَدُهُما أَعْظَمُ من الآخَر، وَهُوَ كتابُ الله حَبْلٌ مَمْدُودٌ من السَّماء إِلَى الأَرْض) قلت وَفِي هَذَا الحَدِيث اتّصالُ كتابِ الله جلّ وعزّ بِهِ وَإِن كَانَ يُتْلَى فِي الأرْضِ ويُنْسَخُ ويُكْتَبُ. ومَعْنَى الحبلِ الممدُودِ نورُ هُدَاه. والعَرَبُ تُشَبه النُّورَ بالحَبلِ والخيْطِ قَالَ الله {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} (البَقَرَة: 187) فالخيطُ الأبيضُ هُوَ نورُ الصُّبْح إِذا تَبَيَّنَ للأَبْصَارِ وانْفَلق، والْخَيْطُ الأسْوَدُ دونَه فِي الإنارة لِغَلبة سوادِ اللَّيْل عَلَيْهِ؛ وَلذَلِك نُعِتَ بالأسْود، ونُعِت الآخَرُ بالأبْيضِ.
وَالْخَيْط والحبلُ قريبان من السَّواء.
وَقَالَ الليثُ: يُقَال للكَرْمَة حَبَلَةٌ، قَالَ والحَبَلَةُ طاق من قُضبان الكرْم.
وَقَالَ أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي الجَفْنَةُ الأصلُ من أصُول الكرْم وَجَمعهَا الجَفْن وَهِي الحَبَلة بِفَتْح البَاءِ وروى أنس بن مَالك أَنه كَانَت لَهُ حَبَلَةٌ تحمل كُرَّاً وَكَانَ يسميها أمَّ الْعِيَال وَهِي الأصَلَةُ من الكرْم انتشرت قُضْبَانُها على عرائشها وامتدّت وكثُرت قضبانُها حَتَّى بلغ حملهَا كُرّاً.
(5/52)

قَالَ شمر: يُقَال حَبَلة وحَبْلة، يُثقَّل ويُخَفَّف.
وَقَالَ اللَّيْث: المُحَبَّلُ الحَبْلُ فِي قَول رؤبة كلُّ جُلال يمْلَأ المُحَبَّلا قَالَ وحبِلَت الْمَرْأَة تحبَلُ حَبَلاً وَهِي حُبْلَى قَالَ: وحَبَلُ الحَبَلَةِ ولَدُ الْوَلدِ الَّذِي فِي البطْن كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتبايعون أولادَ مَا فِي بُطون الحوامِل فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الملاقِيح والمضامينِ وَقد مر تَفْسِيرهَا.
قَالَ شمر: قَالَ يَزِيدُ بْنُ مُرَّةَ نَهَى عَن حَبَلِ الحَبَلَةِ، جعل فِي الحَبَلَةِ هاءٌ، وَقَالَ هِيَ الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ حَبَلٌ فِي بَطْنِ أُمها فينتَظرُ أَن تُنْتَجَ من بَطْنِ أُمها، ثمَّ يُنْتَظَرُ بهَا حَتَّى تَشِبَّ ثمَّ يرسَلُ عَلَيْها الفحلُ فتَلْقَحَ فَلهُ مَا فِي بَطْنِها، وَيُقَال حَبَلُ الحَبَلَةِ للإبِل وَغَيرهَا.
قَالَ الْأَزْهَرِي جَعَلَ الأولى حَبَلَةً لِأَنَّهَا أُنْثَى فَإِذا نُتِجَت الحَبَلَةُ فولدها حَبَلٌ وَإِنَّمَا بيع حَبَلُ الحَبَلَةِ.
وَقَالَ أَبُو عبيد حَبَلُ الحَبَلَةِ وَلَدُ الجَنِين الَّذِي فِي بطن النَّاقة، وَنَحْو ذَلِك قَالَ الشَّافِعِي.
وَقَالَ اللَّيْث سِنَّورَةٌ حُبْلَى وشاةٌ حُبْلى. قَالَ: وَجمع الحُبْلَى حَبَالَى.
وَفِي حَدِيث سعدِ بْن أبي وقَّاصِ أَنه قَالَ (لقد رَأَيْتُنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومالنا طَعَامٌ إِلَّا الحُبْلَةُ وورق السَّمُر) .
قَالَ أَبُو عبيد الحُبْلَةُ والسَّمُرُ ضَرْبَان من الشّجر. قَالَ وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحُبْلَةُ فِي غير هَذَا حلي كَانَ يَجْعَل فِي القلائد فِي الْجَاهِلِيَّة وَأنْشد:
ويَزِينُها فِي النَّحْرِ حَلْيٌ وَاضح
وقلائِدُ من حُبْلَةٍ وسُلُوسٍ
قَالَ والسَّلْسُ خيط يُنْظَم فِيهِ الخَرَزُ وَجمعه سُلوس.
وَقَالَ شمر قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الحَبُلَةُ ثَمَر السَّمُر شبه اللوبياء وَهُوَ العُلَّفُ من الطلح والسنْفُ من المرْخِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحُبْلَةُ ثَمَر العِضَاهِ وَنَحْو ذَلِك.
قَالَ أَبُو عَمْرو وَقَالَ الليثُ: فلَان الحُبَليّ مَنْسُوب إِلَى حَيّ من الْيمن. قَالَ والْحِبَالَةُ المصيدة وَجَمعهَا حبائل.
قَالَ أَبُو حَاتِم ينْسب الرجل من بني الْحُبْلَى وهم رَهْط عبد الله بن أُبَي المنافقِ حُبَلِيّ قَالَ وَقَالَ أَبُو زيد ينْسب إِلَى الحبلى حُبْلَوِيّ وحُبْلِيّ وحُبْلاَوِيّ. وبَنُو الحُبْلَى من الأنْصَارِ.
الحرَّاني عَن ابْن السّكيت ضَبٌّ حَابِلٌ ساحٍ يرْعَى الحُبَلَةَ والسحاءَ وَقَالَ الباهليُّ فِي قَول المتَنَخل الْهُذلِيّ:
إِن يُمْسِ نَشْوَانَ بمَصْروفَةٍ
مِنْهَا بِرِيّ، وعَلى مِرْجَلِ
لَا تقهِ الْمَوْت وَقِيَّاتُه
خُط لَهُ ذَلِك فِي المَحْبَلِ
قَالَ: نَشْوان أَي سكْرَانَ، وقولُه بمصروفةٍ أَي بخَمْرٍ صِرْفٍ على مِرْجل أَي على لَحْمٍ فِي قِدْرٍ، أَي وَإِن كَانَ هَذَا دَائِما لَهُ فَلَيْسَ يَقِيه الموتَ، خُطَّ لَهُ ذَلِك فِي المحْبَلِ أَي كُتِبَ لَهُ الموتُ حينَ حَبِلَتْ بِهِ أمُّه، والمَحْبَلُ موضِع الحَبَل قلت أَرَادَ معنى حديثِ ابْن مسعودٍ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَن
(5/53)

النُّطْفَة تكون فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ يبعثُ الله المَلَكَ فيقولُ لَهُ اكْتُبْ رزقه وعَمَله وأَجَلَه وشقيٌّ أَو سعيدٌ فَيُخْتَمُ لَهُ على ذَلِك فَمَا من أحد إِلَّا وَقد كُتِبَ لَهُ الموتُ عِنْد انْقِضَاء الأجلِ المُؤَجَّل لَهُ) .
والمُحْتَبَلُ من الدَّبة رُسْغُها لِأَنَّهُ مَوضِع الحَبْلِ الَّذِي يَشدُّ فِيهِ إِذا رُبط وَمِنْه قَول لبيد:
وَلَقَد أَغْدُو وَمَا يَعْدِمُني
صاحبٌ غيرُ طَوِيل المُحْتَبَلْ
أَي لَيْسَ بطويل الأرْساغ، وَإِذا قصرت أرساغُه كَانَ أشدُّ لَهُ. وَمن أَمْثَال الْعَرَب فِي الشدَّةِ تصيبُ الناسَ: قد ثَارَ حابِلُهم على نَابِلِهمْ. والحابِلُ الَّذِي ينصب الحِبَالَةَ والنابلُ الرَّامي عَن قوسه بالنّبل، وَيكون النابلُ صاحبَ النبل. وَقد يُضْرَب هَذَا مثلا للْقَوْم تنْقَلب أحْوَالُهُم ويَثُورُ بعضُهم على بعض بعد السّكُون والرخاء.
وَقَالَ أَبُو زيدٍ من أمثالهم: إِنَّه لَوَاسِعُ الحَبْلِ وإنَّهُ لَضيقُ الحَبْلِ، كَقَوْلِك هُوَ ضَيقُ الخُلُق وواسع الخُلُق. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي مثله: إِنَّه لواسع العَطَن وضيق العَطَن.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي رجل حَبْلاَنُ إِذا امْتَلأ غيظاً وَمِنْه حَبَلُ المَرْأَةِ وَهُوَ امتلاءُ رَحِمِها. وَقَالَ غيرُه رجل حَبْلاَنُ من الماءِ والشَّرَابِ إِذا امْتَلَأَ رِيّاً. وَفِي حديثٍ جَاءَ فِيهِ ذكْرُ الدَّجَّال لعنَهُ الله أَنه مُحَبَّل الشعْرِ كَأَن كل قَرْنٍ من قُرون رأسِه حَبْلٌ لأنَّه جعله تَقَاصيب لِجعُودة شَعْرِه وطولِه.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يقالُ لِلْمَوْتِ حَبِيلُ بَرَاحِ، قَالَ والأُحْبُلُ والْحُنْبُلُ اللُوبياء. قَالَ والحبْلُ: الثّقل، والْحُبَالُ الشَّعْرُ الْكثير، والحُبال انتفاخُ البَطْنِ من الشَّرَاب والنبيذ أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي أَتَيْته على حبالّة ذَاك، أَي على حِين ذَاك بتَشْديد اللَّام. ابْن الْأَعرَابِي عَن الْمفضل: الحَبَلُ: انتفاخ الْبَطن من كل الشَّرَاب والنبيذ وَالْمَاء وغيرِه، وَرجل حَبْلاَنُ وَامْرَأَة حَبْلاَنَةٌ، وَبِه سمي حَمْلُ الْمَرْأَة حَبَلاً، وَفُلَان حَبْلاَنُ على فلَان أَي غضْبَانُ، وَبِه حَبَلٌ أَي غَضَبٌ وغَمٌّ، وَأَصله من حَبَلِ الْمَرْأَة وحُبَلُ مَوضِع فِي شعر لبيد:
فبخترير فأطرافِ حُبَلْ
حلب: قَالَ اللَّيْث الحَلَبُ اللَّبَنُ الحليب، تَقول شربت لَبَنًا حَلِيباً وحَلَباً، والحِلاَبُ هُوَ المِحْلَبُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ اللَّبن وَأنْشد:
صَاحِ هَل رأيتَ أَو سَمِعْتَ بِرَاعٍ
رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَى فِي الحِلاَبِ
قَالَ: والإحْلاَبُ أَن يَكُونَ الرُّعْيانُ إبلهُم فِي المرعى فَمَهْمَا حَلَبُوا جمَعُوا حَتَّى بلغ وَسْقاً حملوه إِلَى الحَي فَيُقَال قد جَاءُوا بإحْلاَبَيْنِ وثلاثَةِ أَحاليبَ وَإِذا كَانُوا فِي الشاءِ والبقرِ فَفَعَلُوا مَا وصفت قَالُوا جَاءُوا بإمخاضَيْنِ وثلاثةِ أَمَاخِيضَ. أَبُو عبيد عَن أبي زيد الإحْلاَبةُ أَن تحلب لأهْلك وَأَنت فِي المرعى لَبَنًا ثمَّ تبعثُ بِهِ إِلَيْهِم، يُقَال مِنْهُ أَحْلَبْتُهُمْ إحلاباً وَاسم اللَّبَنِ الإحلابَةُ. قلت وَهَذَا مسموعٌ من الْعَرَب صَحِيح، وَمثله الإعْجَالةُ والإعجالاتُ. وَقَالَ الليثُ: الحَلَب من الجبايةِ مثل الصدقةِ
(5/54)

ونحوِها مِمَّا لَا تكون وظيفته مَعْلُومَة وَهِي الإحْلاَبُ فِي ديوَان الصَّدقَات.
وناقة حَلُوبٌ ذاتُ لبنٍ فَإِذا صيَّرتَها اسْما قلت هَذِه الحَلُوبَةُ لفُلَان وَقَد يخرجُون الْهَاء من الحلوبة وهم يعنونها ومثاله الرَّكُوبَةُ والرَّكُوبُ لما يركبُون، كَذَلِك الحلُوبُ والحلوبة لما يحلِبُون. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ نَاقَة حَلْبَاةٌ رَكْبَاةٌ أَي ذاتُ لَبَنٍ تُحْلَبُ وتُرْكَبُ وَهِي أَيْضا الْحَلبانَةُ والرَّكْبَانَةُ وَأنْشد شمر:
حَلْبَانَةٍ رَكْبَانَةٍ صَفُوفِ
تَخْلِطُ بَين وَبَرٍ وصُوفِ
يُرِيد أنَّ يَدَيْها كيدَيْ ناسِجةٍ تخلط بَين وَبَرٍ وصوف من سُرْعَتها.
أَبُو عبيد: حَلَبْتُ حَلَباً مثل طلبتُ طَلَبَاً وهربْتُ هَرَبَاً وجنبت جَنَباً وجَلَبت جَلَباً، قَالَ والمَحْلَبُ شيءٌ يُجعل حبُّه فِي العِطْرِ، قَالَه الفَرَّاء والأصمعي بِفَتْح الْمِيم، وَأما الَّذِي يحلبُ فِيهِ اللَّبن فَهُوَ مِحْلَبٌ بِالْكَسْرِ وَجمعه المحالبُ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي الحُلَّبُ والحِلِبْلاب نبتان يُقَال هَذَا تَيْسُ حُلَّب. وَمِنْه قَوْله:
أَقَبَّ كتيسِ الحُلَّبِ الغَذَوَان
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الحُلَّبُ بقلة جعدة غَبْرَاءُ فِي خضْرةٍ تنبسط على وَجه الأرضِ يسيل مِنْهَا لَبَنٌ إِذا قُطِعَتْ وَيُقَال عنز تُحْلُبةُ وتِحْلِبَة إِذا دَرَّت قبل أَن تَلِد، وقَبْلَ أَنْ تَحْمِل.
وَقَالَ اللَّيْث الحَلْبَةُ خَيْلٌ تَجْتَمِع للسبَاقِ من كل أَوْبٍ لَا تخرج من موضعٍ واحدٍ وَلَكِن من كل حَيَ، وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة:
نَحن سَبقنَا الحَلَبَاتِ الأرْبَعَا
الفَحْلَ والقُرَّحَ فِي شَوْطٍ مَعَا
وَإِذا جَاءَ الْقَوْم من كُل وَجْهٍ فَاجْتمعُوا لحربٍ وَغير ذَلِك قيل قد أحلبوا وَأنْشد:
إِذا نفرٌ مِنْهُم دُوَيَّةُ أَحْلَبُوا
على عامِلٍ جَاءَت مَنِيَّتُه تعدو
قَالَ وربَّمَا جمعُوا الحَلْبة حَلاَئب وَلَا يُقَال للْوَاحِد مِنْهَا حَلِيبَةٌ وَلَا حِلاَبة وَقَالَ العجاج:
وسابق الحلائب اللهَمُّ
يُرِيد الحَلْبَة.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ أَحْلَبَ الْقَوْم غيرَ أَصْحَابهم إِذا أَعَانُوهم وأَحْلَبَ الرجُلُ غير قَوْمِه إِذا أعَان بَعْضَهُم على بَعْضٍ، وَهُوَ رجل مُحْلِبٌ. قَالَ وحَلَب الْقَوْم إِذا اجْتَمعُوا من كل أَوْب يَحْلُبون حُلُوباً وحَلْباً وأحلب الرجل صاحبَه إِذا أَعَانَهُ على الحَلْب. وَقَالَ ابنُ شُميل أَحْلَبَ بَنُو فلَان بَنِي فلَان أَي نَصَرُوهم، وأَحْلَبَ بَنُو فلَان مَعَ بَنِي فُلانٍ إِذا جَاءُوا أَنْصَاراً لَهُم. قَالَ: وَيَدْعُو الرجل للرجل فَيَقُول: مَاله أَحْلَبَ ولاَ أَجْلَبَ. وَمعنى أحْلَبَ أَي وَلَدَتْ إبِلُه الإناثَ دون الذُّكُور، وَلَا أجْلَبَ إِذْ دَعَا لإبله أَن لَا تَلِدَ الذكورَ لِأَنَّهُ المَحْقُ الخَفِيُّ لذهاب اللَّبَنِ وانقطاعِ النَّسل، وَإِذا نُتِجَت الإبِلُ الإنَاثَ فقد أَحْلَبَ وَإِذا نُتِجَت
(5/55)

الذُّكُور فقد أَجْلَبَ. قَالَ ابْن السّكيت فِي قَول بشر:
أَشَارَ بِهِمْ، لَمْعَ الأَصَم، فأقْبَلُوا
عرانِينَ لَا يَأْتِيه للنصر مُحْلِبُ
كأَنَّه قَالَ لَمَعَ لَمْعَ الأَصم لِأَن الأصَمَّ لَا يسمع الْجَواب فَهُوَ يُديم اللَّمْع. وَقَوله لَا يَأْتِيهِ مُحْلِبُ أَي لَا يَأْتِيهِ مُعِينٌ من غير قومه، وَإِذا كَانَ الْمعِين من قومه لم يكن مُحْلِباً وَقَالَ:
صَرِيحٌ مُحْلِبٌ من أَهْلِ نَجْدٍ
لحي بَين أثلة والنجَامِ
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: لَيْسَ لَهَا رَاعٍ وَلَكِن حَلْبة، يُضْرَبُ للرجل يَسْتَعِينُكِ فَتُعِينه وَلَا مَعُونَة عِنْده. قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَالَ وَمن أمثالهم: لَبثْ قَلِيلا يلْحق الحلائِب يَعْنِي الْجَمَاعَات أنْشد الْبَاهِلِيّ للجعدي:
وبَنُو فَزَارَةَ إِنَّهَا
لَا تُلْبِثُ الحَلْبَ الحَلاَئب
حُكيَ عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: لَا تُلْبِثُ الحلائِبُ حَلْبَ ناقةٍ حَتَّى تَهْزِمَهُم: قَالَ وَقَالَ بَعضهم: لَا تُلْبِثُ الحلائبُ أَن تَحْلِب عَلَيْهَا تُعَاجِلُها قبل أَن تَأْتِيهَا الأَمْدَادُ وَهَذَا زَعَم أَثْبَتُ. وَمن أمثالهم حَلَبْتَ بالساعد الأشِدّ أَي استعَنْتَ بِمن يقوم بِأَمْرِك ويُعْنَى بحاجَتِك.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أسْرع الظباء تَيْسُ الحُلَّب لِأَنَّهُ قد رعى الربيعَ، والربل والرَبْلُ مَا تَرَبّل من الرَّيحة فِي أَيَّام الصَّفَريَة وَهِي عشرُون يَوْمًا من آخِرِ القَيْظِ، والرَّيحة تكون من الْحَلب والنصِيّ والرُّخَامِي، والمَكْرِ، وَهُوَ أَن يظْهر النبت فِي أُصُوله فالتي بقيت من الْعَام الأَوّلِ فِي الأَرْض تَرُبُّ الثرى أَي تلْزمهُ. والحُلَّب نبت ينبسط على الأَرْض تدوم خُضْرَتُه لَهُ ورق صغَار يُدبغ بِهِ يُقَال سِقاءٌ حُلَّبى.
أَبُو زيد بقرة مُحِلُّ وشاةٌ مُحِلٌّ وَقد أحلَّت إحْلالاً إِذا حَلَبت بِفَتْح الْحَاء قبل وِلاَدها، قَالَ وحَلَبت أَي أَنْزَلت اللَّبَن قبل وِلاَدها.
أَبُو عبيد من أمثالهم فِي الْمَنْع: لَيْسَ كلَّ حِين أُحْلَب فأُشْرَب، هَكَذَا رَوَاهُ المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم.
قَالَ أَبُو عبيد وَهَذَا الْمثل يرْوى عَن سعيد بن جُبَيْر، قَالَه فِي حَدِيث سُئِلَ عَنهُ وَهُوَ يضْرب فِي كل شَيْء يُمْنَع. وَقد يُقَال: لَيْسَ كلَّ حِين أَحْلِب فأَشْرَب.
وَقَالَ اللَّيْث: تَحَلَّب فُو فُلانٍ وتحلَّب الندى إِذا سَالَ وَأنْشد:
وظلَّ كَتَيْسِ الرَّمْلِ يَنْفُض مَتْنَهُ
أذَاةً بِه من صَائك مُتَحَلبِ
شَبَّه الْفرس بالتَّيْس الَّذِي تحلّب عَلَيْهِ صائك المَطَر من الشّجر، والصائِكُ الَّذِي يتَغَيَّر لونُه وريحه والحُلْبَةُ حَبَّةٌ والجميع حُلُب. والْحُلْبُوب اللَّوْن الْأسود وَقَالَ رؤبة:
واللون فِي حُوَّته حُلْبُوب
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الحُلُب السُّود من كل الْحَيَوَان. قَالَ والحُلُب الفُهَماء من الرِّجَال.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُلْبُ الْجُلُوس على ركبته يُقَال احْلُبْ فَكُلْ.
(5/56)

وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي حَلَب يَحْلُب إِذا جلس على رُكْبَتَيْهِ.
ابْن السّكيت عَن ابْن الْأَعرَابِي أسود حُلْبُوبٌ وسَحْكُوكٌ وغِرْبيبٌ وَأنْشد:
أما تَرانِي الْيَوْم عَشّاً نَاخِصَا
أسودَ حُلْبُوباً وكنتُ وَابِصا
وَقَالَ أَبُو عبيد: الحالِبَانِ من الدّابة عِرْقان يكتنفان السُّرَّةَ وَأما قَول الشمَّاخ:
تُوَائِلُ من مِصَكَ أَنْصَبَتْهُ
حوالب أَسْهَرَيْهِ بالذَّنَينِ
فَإِن أَبَا عَمْرو قَالَ أسْهَرَاه ذَكَرُه وأَنْفُه وحوالِبُهُما عروقٌ تَمُدّ الذَّنينَ من الأَنْفِ، والمذْي من قَضِيبِه.
ويُروَى حَوَالِبُ أَسْهَرَتْهُ يَعْنِي عُرُوقاً يَذنّ مِنْهَا أَنْفُه.
وحَوَالِبُ البئْرِ مَنَابِعُ مَائِهَا، وَكَذَلِكَ حَوَالِبُ الْعُيُون الفوَّارةَ وحوالب الْعُيُون الدامقَةِ.
وَقَالَ الْكُمَيْت:
تدفَّق جُوداً إِذا مَا الْبحار
غَاضَت حَوَالِبُها الحُفَّلُ
أَي غارت موادّها، وحَلاَّبُ من أَسمَاء خيل الْعَرَب السَّابِقَة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة حَلاَّبُ هُوَ من نتاج الأعوج.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي فِي بَاب أخلاقِ النَّاس فِي اجْتِمَاعهم وافتراقهم قَوْلهم شَتَّى تَؤُوب الحَلَبَةُ قَالَ وأصلُه أَنهم يوردون إبلهم الشَّريعة والحوضَ مَعَاً، فَإِذا صدرُوا تفرّقوا إِلَى مَنَازِلهمْ فَحلبَ كلُّ وَاحِد مِنْهُم فِي أَهله على حياله.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: من أَمْثالِهِمْ حلبت حَلْبَتَها ثمَّ أَقْلَعَتْ يُضْرَبُ مثلا للرجل يَصْخَب ويُجلب ثمَّ يسكت من غير أَن يكون مِنْهُ شيءٌ غير جَلَبتهِ وصِيَاحِه.
أَبُو عبيد عَن الأمويّ إِذا خرج من ضرع العنز شيءٌ من اللَّبن قبل أَن ينزو عَلَيْهَا التيس قيل هِيَ عَنْزٌ تُحْلُبة وتِحْلِبة.
وروى شمر للفراء وعنْزٌ تُحْلَبة.
وحَلَب اسْم بلد من الثغور الشامية.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الحَلْبُ البروك والشَّرْب الفَهْمُ يُقَال حَلَب يَحْلُب حَلْباً إِذا بَرَك وشَرَب يَشرُب شَرْباً إِذا فَهم، وَيُقَال للبليد احلُب ثمَّ اشرُب.
شمر يُقَال يومٌ حَلاَّبٌ وَيَوْم هَلاَّبٌ وَيَوْم هَمَّام وصَفْوَانُ ومَلْحَانُ وشَيْبَانُ، فَأَما الهلاَّب فاليابس بَرداً، وَأما الحَلاَّبُ فَفِيهِ ندًى، وَأما الهمّام فَالذي قد هَمَّ بالبَرْد، قَالَ والهَلْبُ تتَابع الْقطر وَقَالَ رؤبة:
والمذريات بالذواري خصبا
بهَا جُلالا ودقاقا هُلبا
وَهُوَ التَّتَابُع والمرّ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحِلْبَاءُ الأَمَةُ البارِكَةُ من كسلها وَقد حَلَبت تحلُب إِذا بَركت على ركبتيها.
لحب: قَالَ اللَّيْث اللَّحْبُ قَطْعُكَ اللَّحْمَ طُولاً وَلحبَ مَتْنُ الْفرس وعجزه إِذا امَّلَسَ فِي حُدُور وَأنْشد:
والمتنُ ملحوب
(5/57)

أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي الْمُلَحَّبُ نَحْو من المُخَذَّم.
وَقَالَ اللَّيْث: طَرِيق لاحِبُ ولِحب ومَلْحُوبٌ إِذا كَانَ وَاضِحاً. وَسمعت الْعَرَب تَقول الْتَحَب فلانٌ مَحَجَّة الطَّرِيق ولَحَبَها والْتَحَمَها إِذا رَكِبهَا، وَمِنْه قَول ذِي الرمة:
يَلْحَبْن لَا يَأْتَلي المطلوبُ والطَّلَبُ
أَي يركبن اللاحِبَ وَبِه سمي الطَّرِيق الموطأُ لاحِباً لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ لَحِبَ أَي قُشِر عَن وَجهه التُّرَاب فَهُوَ ذُو لَحْبٍ قَالَ والمِلْحَب اللِّسَان الفصيح والمِلْحَب الْحَدِيد الْقَاطِع.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
لِسَانا كمقراض الخَفَاجِيّ مِلْحَبَا
وَقَالَ أَبُو دُواد:
رفَعْنَاها ذَمِيلاً فِي
مُحَلَ مُعْمَلٍ لَحْبِ
ولَحَب يلحَبُ إِذا أسْرع فِي سيره فَهُوَ لاحب.
بلح: قَالَ ابْن بُزُرج البوالح من الْأَرْضين الَّتِي قد عُطلت فَلَا تُزْرَعُ وَلَا تُعْمَرُ. والبَالِحُ الأرضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئا وَأنْشد:
سلالي قَدُورَ الحارثيَّةَ مَا تَرَى
أَتَبْلَحُ أم يُعْطَى الوفاءَ غَرِيمُها
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ البُلَحُ طَائِر أكبر من الرَّخَم.
وَقَالَ شمر قَالَ ابْن شُمَيْل استبق رجلَانِ فَلَمَّا سبق أحدُهما صاحِبَه تَبَالحا أَي تجاحدا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي بَلَحَ مَا على غريمي إِذا لم يكن عِنْده شَيْء، وبَلَحتْ خَفَارَتُه إِذا لم تَفِ وَقَالَ بشر بن أبي خازم:
أَلاَ بَلَحَتْ خَفَارَةُ آلِ لأْيٍ
فَلَا شَاةً تَرُدُّ وَلَا بَعِيرَا
وَبَلَحَ الغريمُ إِذا أَفْلَسَ وبَلَحَ الماءُ بُلُوحاً إِذا ذَهَبَ وبئر بَلُوحٌ وَقَالَ الراجز:
وَلَا الصماريد البِكَاءُ البِلْحُ
وَقَالَ اللَّيْث البلح الْخلال وَهُوَ حَمْلُ النّخل مَا دَامَ أخْضَرَ كحِصْرِمِ الْعِنَب.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: البلح هُوَ السيَابُ، اللَّيْث البُلَحُ طائِر أعظم من النّسر مُحترق الريش يُقَال إِنَّه لَا يَقع ريشة من ريشه وسط ريش سَائِر الطير إِلَّا أحرقته. وَيُقَال هُوَ النسْر الْقَدِيم إِذا هرم والجميع البِلُحان قَالَ: والبُلوح تَبَلُّدُ الحامِلِ تَحت الحِمْل من ثِقَلِه.
وَيُقَال حُمِل على الْبَعِير حَتَّى بَلَحَ، وَقَالَ أَبُو النَّجْم:
وَبَلَحَ النَّمْلُ بِهِ بُلُوحاً
يصف النَّمْل ونَقْلَه الحَبَّ فِي الحَر. أَبُو عبيد إِذا انْقَطع من الإعياء فَلم يقدر على التحرك قيل بَلَحَ وَقَالَ الْأَعْشَى:
واشتَلى الأوصالَ مِنْهُ وبلح
ح ل م
حمل، حلم، لحم، لمح، ملح، مَحل: مستعملات.
حمل: قَالَ اللَّيْث: الحَمَلُ الخروف والجميع الْحُمْلاَنُ. والحَمَلُ بُرْجٌ من بُرُوجِ السَّمَاءِ، أَوله الشَّرْطانِ وهما قرْنَا الحَمَل ثمَّ البُطيْن
(5/58)

ثَلَاثَة كَوَاكِب ثمَّ الثُّريا وَهِي أَلْيَةُ الحَمَل، هَذِه النجومُ على هَذِه الصّفة تسمى حَمَلاً.
سَلمَة عَن الفرَّاء: المُحَامِلُ الَّذِي يَقْدر على جوابك فيدعُه إبْقَاء على مودتك، والمُجَامِل الَّذِي لَا يَقْدر على جوابك فيتركُه ويحقدُ عَلَيْك إِلَى وقتٍ مّا. وَيُقَال فلَان لَا يَحْمِلُ أَي يُظْهِر غَضَبَهُ.
سَلمَة عَن الْفراء قَالَ الحَمَلُ النَّوْءُ قَالَ وَهُوَ الطَّلِيُّ، يُقَال مُطِرْنَا بِنَوْءِ الحَمَلِ وبِنَوْءِ الطَّلِي.
اللَّيْث: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُه حَمْلاً وحُمْلاَناً وَيكون الْحُمْلاَنُ أجرا لما يُحْمَلُ. قَالَ والحُمْلاَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ من الدوابّ فِي الهِبَةِ خَاصَّة.
الحرانيّ عَن ابْن السّكيت: الحَمْلُ مَا كَانَ فِي بَطْنٍ أَو على رَأس شجرةٍ، وَجمعه أحْمَال والحِمْلُ مَا كَانَ على ظهْر أَو على رأسٍ. وَقَالَ غيرُه حَمْل الشّجر وحمْلُه.
وَقَالَ بَعضهم مَا ظهر فَهُوَ حِمْلٌ وَمَا بطن فَهُوَ حَمْلٌ. وَقيل مَا كَانَ لَازِما للشَّيْء فَهُوَ حَمْلٌ وَمَا كَانَ بَائِنا فَهُوَ حِمْل. وَالصَّوَاب مَا قَالَ ابْن السّكيت.
وَقَالَ الْفراء فِي قَوْله الله جلّ وعزّ: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} (الْأَنْعَام: 142) الحَمُولَةُ مَا أَطاق العَمَل والحَمْل، والفرشُ الصغَارُ.
وَحدثنَا السعديُّ قَالَ حَدثنَا عمرُ بن شبة عَن غنْدر عَن شُعبةَ عَن أبي الْفَيْض قَالَ سَمِعت سعيد بن جُبَير يحدث عَن أَبِيه أَنَّ أَبَا بكر شيَّع قوما فَقَالَ لَهُم: تَرَاحَمُوا تُرْحَمُوا وتَحَامَلُوا تُحْمَلُوا، مَعْنَاهُ أَبقوا على غَيْركُمْ يُبْق عَلَيْكم وهابوا النَّاس تُهابُوا.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله جلّ وعزّ: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} الحَمُولة مَا أَطاق العَمل والحَمْل والفرشُ الصغَارُ.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم الحَمُولَةُ من الْإِبِل الَّتِي تَحْمِلُ الْأَحْمَال على ظُهُورهَا بِفَتْح الْحَاء. قَالَ والحُمُولة بِضَم الْحَاء هِيَ الأَحْمَال الَّتِي تُحْمَل عَلَيْهَا، وَاحِدُها حِمْلٌ وأَحْمَالٌ وحُمُولٌ وحُمُولة. قَالَ فَأَما الحُمُر والبغالُ فَلَا تدخل فِي الحَمُولة.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحُمُولُ الإبلُ وَمَا عَلَيْهَا، وَقَالَ غَيره: هِيَ الهَوادِجُ وَاحِدهَا حِمْل وَيُقَال الحُمُولة والحُمُول وَاحِد وَأنْشد:
أَحَزْقَاءُ للبَيْنِ استقلَّت حُمُولَها
قَالَ والحُمُول أَيْضا مَا يكون على الْبَعِير. وَقَالَ أَبُو زيد الحُمُولة مَا احْتَمَلَ عَلَيْهِ الحيُّ، والحُمُولة الأثقال. أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ الحُمُولة الحُمُول وَاحِدهَا حِمل وَهِي الهوادج أَيْضا كَانَ فِيهَا نسَاء أَو لَا، وَقَالَ ابْن السّكيت قَالَ أَبُو زيد الحُمولة مَا احْتمل عَلَيْهِ الحيّ من بعير أَو حمَار أَو غَيره، كَانَ عَلَيْهَا أَحْمالٌ أَو لم تكن. وَأنكر أَبُو الْهَيْثَم مَا قَالَه أَبُو زيد فردّ عَلَيْهِ قَوْله وَقَالَ اللَّيْث: الحَمُولة الإبِلُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الأثقالُ. والحُمُول الْإِبِل بأثقالها وَأنْشد:
أَصَاحِ تَرى وأَنْتَ إِذا بعيرٌ
حُمُول الْحَيّ يرفعها الوَجِينُ
(5/59)

الوجين مَا غلظ من الأَرْض قَالَه النَّابِغَة، وَقَالَ أَيْضاً:
يُخالُ بِهِ راعي الحَمُولة طائرا
الْأَصْمَعِي: الحَمَالَةُ الغُرْم تُحمل عَن الْقَوْم، ونَحوَ ذَلِك قَالَ اللَّيث: وَقَالَ يُقَال أَيْضا حَمَالٌ، وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
فرع نَبْعٍ يهتزُّ فِي غُصُن الْمجد
عظيمُ الندى كثير الحَمَالِ
وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحِمَالةُ بِكَسْر الْحَاء عِلاقة السَّيْف والجميع الحمائِل وَكَذَلِكَ المِحْمَل عِلاقة السَّيْف وَجمعه محامل قَالَ الشَّاعِر:
ذرفت دموعك فَوق ظهر المِحْمَل
والمِحْمَل الَّذِي يُرْكَبُ عَلَيْهِ بِكَسْر الْمِيم أَيْضا والمَحْمِل بِفَتْح الْمِيم الْمُعْتَمد يُقَال مَا عَلَيْهِ مَحْمِلٌ أَي مُعْتَمد.
وَقَالَ اللَّيْث: مَا على فلَان مَحْمِلٌ من تحميل الْحَوَائِج وَمَا على الْبَعِير مَحْمِلٌ من ثِقَل الحِمْلِ. أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ المُحْمِلُ المرأةُ الَّتِي ينزل لَبنهَا من غير حَبَل وَقد أَحْمَلَتْ وَيُقَال ذَلِك للناقة أَيْضا.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي قوم يخرجُون من النَّار حُمَمَاً فَيَنْبُتُون كَمَا تنْبت الحِبّة فِي حَمِيلِ السَّيْل، قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: الحَمِيلُ مَا حمله السَّيْل وكل مَحْمُولٍ فَهُوَ حَمِيلٌ.
قَالَ أَبُو عبيد وَمِنْه قَول عمر فِي الحَمِيل إِنَّه لَا يُوَرَّث إِلَّا ببيّنة، سمي حَمِيلاً لِأَنَّهُ يُحْمَلُ صَغِيرا من بِلَاد العَدُوّ وَلم يولدْ فِي الْإِسْلَام، وَيُقَال بل سمي حَمِيلا لِأَنَّهُ مَحْمُول النَّسَب، وَيُقَال للدعيّ أَيْضا حَمِيلٌ وَقَالَ الْكُمَيْت يُعَاتب قضاعَة فِي تحويلهم إِلَى الْيمن بنسبهم:
عَلاَمَ نزلتُمُ من غير فَقْرٍ
وَلَا ضَرَّاءَ مَنْزِلةَ الحَمِيلِ
وَقَالَ اللَّيْث: الْحميل المنبوذُ يَحْمِلُه قوم فَيُرَبُّونه، قَالَ وَيُسمى الولَدُ فِي بطن الأُم إِذْ أُخِذَت من أَرض الشّرك حَميلاً. وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحَمِيلُ الكفيلُ. وَقَالَ الْكسَائي حَمَلْتُ بِهِ حَمَالَةً كَفَلْتُ بِهِ وَفِي الحَدِيث (لَا تحل الْمَسْأَلَة إِلَّا لثَلاثَةٍ) ذكر مِنْهُم رجلا تَحَمَّلَ بِحَمَالةٍ بَين قوم وَهُوَ أَن يَقع حربٌ بَين فريقين تُسفك فِيهَا الدماءُ فيتحمّل رجلٌ تِلْكَ الدياتِ ليُصلح بَينهم وَيسْأل النَّاس فِيهَا، وَقَتَادَة صَاحب الحَمَالَة سمّي بذلك لِأَنَّهُ بحمَالَةٍ كَثِيرَة فسأَل فِيهَا وأَدَّاها. وَيَجِيء الرجلُ الرجلَ إِذا انْقَطع بِهِ فِي سَفَرٍ فيقولُ لَهُ احْمِلْني فقد أُبْدِعَ بِي أَي أَعطني ظهرا أرْكُبُه. وَإِذا قَالَ الرجل للرجل أَحْمِلْني بِقطع الأَلف فَمَعْنَاه أَعنِي على حَمْلِ مَا أَحْمِلُه.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَول الله جلّ وعزّ: { (الْأَحْزَاب: 72) فَقَالَ بعد مَا ذكر أقاويل الْمُفَسّرين فِي هَذِه الْآيَة: إِن حقيقَتَها وَالله أعلم وَهُوَ مُوَافق لما فسروا أَن الله جلّ وعزّ ائْتَمن بني آدمَ على مَا افْترضَه عَلَيْهِم من طاعتِهِ وائْتمَن السماواتِ والأرضَ وَالْجِبَال بقول {} (فُصَلَت: 11) ، فَعرفنَا الله أَنّ السماواتِ
(5/60)

والأرضَ لم تَحْمِل الْأَمَانَة أَي أدَّتْها، وكلُّ من خَانَ الأمانَةَ لقد حَمَلها، وكَذلك كل من أَثِمَ فقد حَمَل الإثْم، وَمِنْه قَول الله جلّ وعزّ: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (العَنكبوت: 13) الْآيَة، فَأعْلم الله أنّ من بَاء بالإثْم يُسمى حَامِلا للإثمِ، والسمواتُ والأرضُ أَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَ الأَمَانَةَ وأَدَّيْنَها، وأَدَاؤُها طاعَةُ الله فِيمَا أمرهَا بِهِ والعملُ بِهِ وتركُ الْمعْصِيَة، وحَمَلَهَا الإنسانُ. قَالَ الْحسن أَرَادَ الكافرَ والمنافقَ حَمَلا الأَمَانَةَ أَي خَانَا وَلم يُطِيعَا فَهَذَا الْمَعْنى وَالله أَعْلَمُ صَحِيح وَمن أطَاع من الْأَنْبِيَاء وَالصديقين وَالْمُؤمنِينَ فَلَا يُقَال كَانَ ظَلوماً جهولاً، وتصديقُ ذَلِك مَا يَتْلو هَذَا من قوْله {ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزَاب: 73) إِلَى آخرهَا، قلت وَمَا علمتُ أحدا شرح من تَفْسِير هَذِه الْآيَة مَا شرحَهُ أَبُو إِسْحَاق، وممّا يُؤيدُ قولَه فِي حمل الْأَمَانَة أَنَّ خِيَانَتَها وَترك أَدَائِها قولُ الشَّاعِر أنْشدهُ أَبُو عبيد:
إِذا أَنْتَ لم تَبْرَحْ تؤدّي أَمَانَة
وتحملُ أُخْرَى أَفْرَحَتْك الوَدَائعُ
أَرَادَ بقوله وتحملُ أُخْرَى أَي تخونها فَلَا تُؤديها يدلك على ذَلِك قَوْله أَفْرَحَتْك الودائع، أَي أثقل ظهرَكَ الأماناتُ الَّتِي تخونُها وَلَا تؤديها، يُقَال حَمَلَ فلانٌ الحِقْدَ على فلَان إِذا أَكَنَّه فِي نَفسه واضْطغنه وَيُقَال للرجل إِذا استخفّه الغَضَبُ قد احتُمل وأُقِلَّ وَيُقَال للَّذي تحَلَّم عَمَّن يَسُبُّه قد احْتَمَل فَهُوَ مُحْتَمِل وَقَالَ أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه فِي قَول المتنخل الْهُذلِيّ:
كالسُّحُل البيضِ جَلاَ لَوْنُها
هَطْلُ نَجَاءُ الحَمَلِ الأسولِ
الحَمَلُ السَّحَاب الْأسود، قَالَ وَقيل فِي الْحمل إِنَّه المَطَرُ للّذي يكون بِنَوْءِ الَحَملِ وسمى الله جلّ وعزّ الإثْم حِمْلاً فَقَالَ {وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ} (فَاطِر: 18) يَقُول إنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْلَةٌ بأوزارها ذَا قَرابة لَهَا أَن يَحْمِلَ وِزْرَها شَيْئا لم يَحْمِل من أوزَارها شَيْئا.
ابْن السّكيت عَن الْفراء: يُقَال امْرَأَة حامِلٌ وحامِلَةٌ إِذا كَانَ فِي بَطنهَا ولد وَأنْشد:
تمخَّضَت الْمنون لَهُ بِيَوْم
أَنى وَلكُل حاملة تُمَامُ
فَمن قَالَ حاملٌ بِغَيْر هَاء وَهَذَا نعت لَا يكون إِلَّا للمُؤنَّث وَمن قَالَ حاملةٌ بناه على حَمَلَتْ فَهِيَ حاملةٌ فَإِذا حَمَلَت الْمَرْأَة شَيْئا على ظهرِها أَو على رأْسِها فَهِيَ حاملةٌ لَا غَيْرُ؛ لِأَن هَذَا قد يكون للذَّكر. وحَمَلٌ اسْم رجل بِعَيْنِه وَقَالَ الراجز:
اشْبِهْ أَبَا أُمك أَو أَشْبِه حَمَلْ
وحَمَلٌ اسْم جبل بِعَيْنِه.
سَلمَة عَن الْفراء احْتَمَلَ الرجل إِذا غَضِبَ وَيكون بِمَعْنى حَلُم. وَقَالَ الأصمعيُّ فِي الْغَضَب غضب فلَان حَتَّى احْتَمَل وَيُقَال حَمَل عَلَيْهِ حَمْلَةً منكَرة (وَشد عَلَيْهِ شدَّة مُنكرَة) وَرجل حَمَّالٌ يحمل الكَلَّ عَن النَّاس وَرَأَيْت جبلا فِي الْبَادِيَة اسْمه حَمّال
(5/61)

وحَمَلٌ اسْم جبل فِيهِ جَبَلانِ يُقَال لَهما طِمِرَّان وَقَالَ:
كَأَنَّهَا وَقد تدلّى النَّسران
ضمهما من حمل طِمِرَّان
صعبانُ عَن شمائِلٍ وأَيْمَان
مَحل: شمر عَن ابْن الأَعرابي أَرض مَحْلٌ ومَحْلَةٌ ومَحُولٌ لَا مَرْعَى فِيهَا وَلَا كَلأ وَرجل مَحْلٌ لَا يُنْتَفَع.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل المُحُول والقُحُوط احتباسُ الْمَطَر وَأَرْض مَحْل وقحط لم يصبْها الْمَطَر فِي حِينه. وأَمْحَلَ الْمَطَر أَي احْتَبَس. وأَمْحَلْنَا نَحن وَإِذا احْتَبَس القَطْرُ حَتَّى يمْضِي زمَان الوسْمِي كَانَت الأَرْض مَحُولاً حَتَّى يُصِيبهَا الْمَطَر وَيُقَال قد أَمْحَلْنَا مُنْذُ ثلاثِ سِنِين وَأَرْض مِمْحَال وَقَالَ الأخطل:
وَبَيْدَاءَ مِمْحَالٍ كأَنَّ نَعَامَها
بأرجائها القُصوى أَبَا عِزُ هُمَّلُ
وَقَالَ اللَّيْث المَحْلُ انْقِطَاعُ المَطَرِ ويُبْسُ الأرضِ من الكَلأ. أرضٌ مَحْلٌ ومَحْوُلٌ وَرُبمَا جُمِعَ المَحْلُ أَمْحَالاً وَأنْشد:
لَا يَبْرَمُون إِذا مَا الْأُفق جلّله
صِرُّ الشتَاء من الأَمْحَالِ كالأَدَمِ
أَمْحَلت الأَرْض فَهِيَ مُمْحِلٌ وأَمْحَلَ القومُ وزمانٌ ماحِلٌ وَأنْشد:
والقائلُ القولَ الَّذِي مثلُه
يُمرع مِنْهُ الزمنُ الماحِلُ
وَقَالَ القتيبي فِي قَول الله جلّ وعزّ: { (الرَّعْد: 13، 14) أَي شَدِيد الكيد المَكْرِ قَالَ وأصل المِحَالِ الحيلةُ وَأنْشد قَول ذِي الرمة:
ولَبَّس بَين أقوامٍ فَكُلٌّ
أَعْدَّ لَه الشَغَازِبَ والمِحَالا
قلت وَقَول القتيبي أصل المِحال الحيلةُ غلطٌ فاحِشٌ، وَأَحْسبهُ توهم أَن مِيم الْمحَال مِيم مِفْعل وَأَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا توهمه؛ لِأَن مِفْعلاً إِذا كَانَ من بَنَات الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ يَجِيء بِإِظْهَار الْوَاو وَالْيَاء مثل المِزْوَدُ والمِرْوَدُ والمِجْول والمِحْوَر والمِزْيَلُ والمِعْيَر وَمَا شاكلها، وَإِذا رَأَيْت الْحَرْف على مِثَال فِعَالٍ أولُه ميمٌ مكسورةٌ فَهِيَ أَصْلِيَّة، مثل مِيم مِهاد ومِلاك ومِراس ومِحال وَمَا أشبههَا. وَقَالَ الْفراء فِي كتاب (المصادر) المِحَالُ المُماحلة، يُقَال فعلت مِنْهُ مَحَلْتُ أَمْحَلُ مَحْلاً. قَالَ وَأما المَحالَةُ فَهِيَ مَفْعَلَةٌ من الْحِيلَة، قلت وَهَذَا صَحِيح كَمَا قَالَه. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ} أَي شَدِيد القُوَّة وَالْعَذَاب يُقَال ماحلتُه مِحَالاً إِذا قاويْتُه حَتَّى يتَبَيَّن لَك أيُّكُمَا أشَدُّ والمَحْلُ فِي اللُّغَة الشدَّة وَالله أعلم، وَقَالَ شَمِر روى عبدُ الصَّمَدِ بنُ حسان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ فِي قَوْله {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} قَالَ شَدِيد الانتقام. وَقَالَ عبدُ الرَّزَّاق عَن مَعْمرٍ عَن قَتَادَة شديدُ الحِيلَة فِي تَفْسِيره. وروى أَبُو عبيد عَن حجاج عَن ابْن جُرَيْجٌ {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} أَي الحَوْل. قَالَ أَبُو عبيد أرَاهُ أَرَادَ المَحَالَ بِفَتْح الْمِيم
(5/62)

كَأَنَّهُ قِرَاءَة كَذَلِك، وَلذَلِك فسّره الحَوْل. قَالَ والمِحَالُ الكيد وَالْمَكْر قَالَ عدي بن زيد:
مَحَلوا مَحْلَهُم بِصَرْعَتِنا العا
م فَقَدْ أوْقَعُوا الرحَى بالثقَال
قَالَ مَكَرُوا وسَعَوْا. قَالَ والمِحَال المُمَاكَرَةُ.
شمر قَالَ خَالِد بن جَنْبة يُقَال تَمَحَّلْ لي خيرا أَي اطْلُبْه. قَالَ والمِحَالُ مُمَاحَلَةُ الْإِنْسَان وَهِي مُنَاكَرَتهُ إِيَّاه يُنْكِرُ الَّذِي قَالَه.
قَالَ ومَحَلَ فلانٌ بصاحبِه إِذا بَهَتَه، وَقَالَ أَنه قَالَ شَيْئا لم يَقُلْه.
وَقَالَ ابْنُ الأنْبَاريّ سَمِعت أَحْمد بن يحيى يَقُول المِحَالُ مأخوذٌ من قولِ العَرَبِ مَحَلَ فلَان بِفُلاَنٍ أَي سَعَى بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وعَرَّضَه لأمْرٍ يُهْلِكُه.
قَالَ ويُرْوَى عَن الأَعْرَج أَنه قَرَأَ (وَهُوَ شَدِيد المَحَال) بِفَتْح الْمِيم، قَالَ وَتَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس يدل على الفَتْح لِأَنَّهُ قَالَ الْمَعْنى وَهُوَ شَدِيد الحَوْل.
وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود (إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مشفَّع ومَاحلٌ مُصَدَّق) قَالَ أَبُو عبيد جعله يَمْحَل بِصَاحِبِهِ إِذا لم يتّبع مَا فِيهِ. قَالَ والماحل الساعِي يُقَال نَحَلْتُ بفلان أَمْحَلُ بِهِ إِذا سعيتَ بِهِ إِلَى ذِي سلطانٍ حَتَّى تُوقعه فِي وَرْطة ووشيْتَ بِهِ.
وَقَالَ اللحياني عَن الْكسَائي: يُقَال مَحلْني يَا فلَان أَي قَوني قلت وَقَول الله {شَدِيدُ الْمِحَالِ} مِنْهُ أَي شَدِيد القُوَّة. وَأما قَول النَّاس تَمَحَّلْتُ مَالا لِغَريمي فَإِن بعض النَّاس ظن أَنه بِمَعْنى احْتَلْتُ وقدَّر أَنه من المَحَالَةِ بِفَتْح الْمِيم وَهِي مَفْعَلَةٌ من الْحِيلَة، ثمَّ وُجّهت الْمِيم فِيهَا وِجْهَةَ الْمِيم الْأَصْلِيَّة فَقيل تَمَحَّلْتُ كَمَا قَالُوا مَكَان وَأَصله من الْكَوْن ثمَّ قَالُوا تَمكَّنتُ من فلَان. ومكَّنْت فُلاناً من فلَان وَلَيْسَ التمَحُّل عِنْدِي ممَّا ذهبَ إِلَيْهِ هَذَا الذاهبُ وَلكنه عِنْدِي من المَحْلِ وَهُوَ السَّعْيُ كَأَنَّهُ يسْعَى فِي طلبه ويتصرف فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ إِذا حُقِن اللَّبن فِي السقاء فَذَهَبت عَنهُ حلاوة الْحَلب وَلم يتغيَّر طعمه فَهُوَ سَامِطٌ، فَإِن أَخذ شَيْئا من الرّيح فَهُوَ خَامِطٌ، فَإِن أَخذ شَيْئا من طَعْم فَهُوَ المُمَحَّل وَقَالَ شمر يُقَال مَعَ فلَان مِمْحلة أَي شكوة يُمَحل فِيهَا اللبنَ وَهُوَ المُمَحَّلُ بِفَتْح الْحَاء وتشديدها. وَقَالَ اللَّيْث المُمَحَّلُ من اللَّبن الَّذِي حُقِن ثمَّ شُرِب قبل أَن يَأْخُذَ الطَّعْمَ وَأنْشد:
إِلَّا من القارصِ والممحَّل
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: قَالَ المُتَمَاحِلُ الطويلُ من الرِّجَال. وَقَالَ غَيره: مفازَةٌ مُتَمَاحِلَةٌ بعيدَة الأطرافِ وَأنْشد:
من المُسْبَطِرات الجيادِ طِمِرَّةٌ
لَجُوجٌ هَواهَا السَّبْسَبُ المُتَمَاحِلُ
أَي هَواهَا أَنْ تَجِدَ مُتَّسَعاً بَعيدا مَا بَين الطرَفيْنِ تعدو فِيهِ.
وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: إِن من وَرَائِكُمْ أموراً مُتَمَاحِلَةً أَرَادَ فِتَناً يطول أَيَّامُها ويَعْظُم خَطَرُها ويشتد كَلَبُها. والمِحَلُ الَّذِي قد طُرِد حَتَّى أَعْيَا وَقَالَ العجاج:
يمشي كمشي المِحَل المَبْهُور
(5/63)

وَأما قَول جندل الطُّهَوي:
عُوجٌ تسانَدْن إِلَى مُمحَّلِ
فَإِنَّه أرادَ مَوْضِع مَحَال الظّهْر جعل الْمِيم لما لَزِمت المحَالة وَهِي الفَقَارَةُ من فَقَار الظّهر كالأصْلِيَّة. وَفِي (النَّوَادِر) رَأَيْت فلَانا مُتَحاحِلاً ومَاحِلاً ونَاحِلاً إِذا تَغَيَّرَ بَدَنُه.
والمَحَالَةُ البَكَرةُ الْعَظِيمَة الَّتِي تكون للسائِيّةِ، سُميَتْ مَحَالةً تَشْبِيها بِمحَالَةِ الظَّهْرِ. وَقَالَ اللَّيْث: مَفْعَلةٌ سميت مَحَالَةً لتحوُّلِها فِي دوَرانها، وقولُهم: لَا مَحَالَةَ، تُوضَعُ مَوضِع لاَ بُدَّ وَلَا حِيلَةَ مَفْعَلَةٌ أَيْضا من الحَوْلِ والقُوَّةِ، عَمْرو عَن أَبِيه: المَحْلُ: الجَدْبُ. والمَحْل الجوعُ الشَّديدُ وَإِن لم يكن جدبٌ والمَحْلُ السعَاية من ناصِحٍ وَغير ناصِحٍ. والمَحْلُ البُعْدُ والمِحَالُ المَكْرُ بِالْحَقِّ. والمِحَالُ الغَضَبُ. والمِحَالُ التَّدْبِيرُ. وَفُلَان يُماحِلُ عَن الْإِسْلَام يُمَاكِرُ ويُدَافِع.
لمح: قَالَ اللَّيْث: لَمَحَ الْبَرْقُ ولَمَعَ ولَمُحَ البَصَرُ. وَتقول لمحه ببصره. واللَّمْحَةُ النَّظْرَةُ وَقَالَ غَيره أَلْمَحَت الْمَرْأَة من وَجْهِها إِلمَاحاً إِذا أمكنت من أَنْ تُلْمَحَ، تفعل ذَلِك الحسناءُ تُرِي محاسِنَها من يتَصَدَّى لَهَا ثمَّ تُخْفِيهَا. وَقَالَ ذُو الرمة:
وأَلْمَحْنَ لَمْحاً من خُدودٍ أَسِيلَةٍ
رِوَاءً خلا مَا أَن تَشِفَّ المعاطِسُ
سَلمَة عَن الْفراء فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ} (القَمَر: 50) قَالَ كخَطْفَةٍ بالبصر واللُّمَّاح: الصقُور الذكيّة قَالَه ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ واللَّمْحُ: النّظر بالعَجَلَةِ.
ملح: قَالَ اللَّيْث: المِلْحُ مَا يطيَّب بِهِ الطَّعَامُ. والمِلْحُ خلاف العَذْبِ من المَاء. يُقَال مَاءٌ مِلْحٌ وَلَا تَقول مالِحٌ. والمِلْحُ من الملاحة. تَقول: مَلُحَ يَمْلُحُ مَلاحَةً ومَلْحاً فَهُوَ مَايحٌ. قَالَ: وَالمُحَالَحَةُ المُوَاكَلَةُ وَإِذا وصَفْتَ الشيءَ بِمَا فِيهِ المُلُوحَة قلت سَمَكٌ مَالحٌ وَبَقْلَةُ مَالِحَةٌ وَتقول: مَلَحْتُ الشيءَ وَمَلَّحْتُه فَهُوَ مَمْلُوح مُمَلَّحٌ مَلِيحٌ. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال هَذَا مَاء مِلْحٌ، وَلَا يُقَال مَالحٌ، قَالَ وسمك مَلِيحٌ ومَمْلُوحٌ. وَلَا يُقَال مَالحٌ، وَلم يَجِيء إِلَّا فِي بَيت العذافر:
بَصْرِيَّةٍ تَزَوَّجَتْ بَصْرِيّا
يَطْعِمُها المالِحَ وَالطَّرِيَّا
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: قَالَ يُونُس: لم أسمع أَحَداً من الْعَرَب يَقُول ماءٌ مالحٌ. قَالَ وَيُقَال سمك مَالحٌ وَأحسن مِنْهَا سَمَكٌ مَلِيحٌ وَمَمْلُوح. قَالَ وَقَالَ أَبُو الدُّقَيْش: مَاءٌ مَالحٌ وَمَاءٌ مِلْحٌ قلت: هَذَا وَإِنْ وُجِدَ فِي كَلَام العَرَبِ قَلِيلا فَهِيَ لُغَةٌ لَا تُنْكر.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: مَلَحْتُ القِدْر فَأَنا أَمْلَحُها وأَمْلُحُها إِذا كَانَ مِلْحُها بِقَدْرٍ فَإِنْ أَكْثَرْتَ مِلْحَها حَتَّى تَفْسُدَ القِدْرُ قلت مَلَّحْتها تَمْلِيحاً.
وَقَالَ اللَّيْث: المُلاَّح من الحَمْضِ وَأنْشد:
يخبطن مُلاَّحاً كذاوي القَرْمَلِ
قلت: المُلاَّحُ من بقُولِ الرياض الْوَاحِدَة مُلاَّحَةً وَهِي بَقْلَةٌ ناعمة عَرِيضَةُ الوَرَقِ فِي طعمها مُلُوحَةٌ، منابتها القِيعَانُ.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه حكى عَن أبي الْمُجيب
(5/64)

الرَبَعيّ فِي صفة رَوْضَة: رَأَيْتهَا تَنْدَى من بُهْمَى وصوفَانة وزُبَادَةٍ ويَنَمةٍ ومُلاَّحَةٍ ونَهْقَةٍ.
وَقَالَ اللَّيْث: المُنْحَةُ الْكَلِمَة المَلِيحَةُ، والمَلاَّحَةُ مَنْبِتُ المِلْحِ، والمَلاَّحُ صَاحب السَّفِينَة ومُتَعَهدُ النَّهر ليصلح فُوهَتَه، وصنعته الملاَحة والملاَّحِية وَقَالَ الْأَعْشَى:
تكأكأ ملاَّحها وَسْطَها
من الْخَوْف، كَوْثَلَها يَلْتَزِم
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ المُلاَح الرّيح الَّتِي تجْرِي بهَا السَّفِينَة وَبِه سمي المَلاَّح مَلاَّحاً. وَقَالَ غَيره سُمي السَّفَّانُ ملاَّحاً لمعالجته الماءَ الْملح بإجراء السفُنِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: المِلاَحُ: المِخْلاة وَجَاء فِي الْخَبَر أَن الْمُخْتَار لما قتل عمر بن سعد جعل رَأسه فِي مِلاَحٍ أَي فِي مخلاة وعلقه.
قَالَ: والمِلاَحُ الستْرَة، والمِلاَحُ الرمْح، والمِلاَحُ أَن تَهُبَّ الجَنُوبُ بَعْد الشَمال.
وَقَالَ اللَّيْث: المِلْحُ الرَّضاعُ، وَفِي حَدِيث وَفد هوَازن أَنهم كلّموا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَبْي عشائِرِهم فَقَالَ خطيبُهم إِنَّا لَوْ كُنَّا مَلَحْنا للحارِث بن أبي شَمِر الغَسَّاني أَو للنّعْمانِ بن المندر ثمَّ نزل مَنْزِلَكَ هَذَا منَّا لَحَفِظَ ذَلِك لنا وَأَنت خيرُ المكْفُولِين فِي حَدِيث طَوِيل قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصْمَعِيُّ فِي قَوْله: مَلَحْنا يَعْنِي أرْضَعْنا. وَإِنَّمَا قَالَ الهوازنيُّ ذَلِك لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مُسْتَرْضَعاً فيهم، أَرْضَعَتْه حليمَةُ السَّعْدِيّة والمِلْحُ هُوَ الرَّضاعُ. وَقَالَ أَبُو الطَّمَحانِ وَكَانَت لَهُ إبلٌ سقى قوما أَلْبَانَها، ثمَّ أَغاروا عَلَيْهَا فَقَالَ:
وإِني لأَرْجُو مِلْحَها فِي بُطُونِكُم
وَمَا بَسَطَتْ من جلْد أَشْعَثَ أَغْبَرِ
يَقُول: أرْجو أَن تحفظُوا مَا شَرِبْتُم من أَلْبانها، وَمَا بسطَتْ من جُلودكم بعد أَن كُنْتُم مهازِيلَ. قَالَ وأنشدنا لغَيره:
جزى الله ربُّكَ ربُّ الْعباد
والمِلْحُ مَا وَلَدَتْ خالدة
يَعْنِي بالملح الرضاعَ وَرَوَاهُ ابْن السّكيت
لَا يعبدُ الله ربُّ العبا
د وَالْملح
وَهُوَ أصحُّ وَقَالَ أَبُو سعيد: الملحُ فِي قَول أبي الطمحان الحُرّمَةُ والذمامُ، يُقَال بَين فلانٍ وفلانٍ ملحٌ ومِلْحَةٌ إِذا كَانَ بَينهمَا حُرْمَةٌ فَقَالَ أَرْجُو أَن يَأْحُذَكُمُ الله بِحرْمَة صاحبِها وغَدْرِكُمْ بِها.
والمِلْحُ البَرَكَةُ، يُقَال: لَا يباركُ الله فِيهِ وَلَا يَمْلُحَ قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْعَرَب تعظّم أَمْرَ المِلْحِ والنَّار والرَّماد قَالَ وَقَوْلهمْ: مِلْحُ فلَان على ركبتَيْهِ فِيهِ قَولَانِ: أحدُهما أَنه مَضَيعٌ لِحَقّ الرّضاع غيرُ حَافظ لَهُ فأَدْنَى شَيْء يُنسيه ذِمامَه، كأنّ الَّذِي يضَعُ الملْحَ على رُكْبَتَيْهِ أدْنى شَيْء يُبَددُه. وَالْقَوْل الآخرُ: سَيىءُ الْخلق يغضَب من أَدْنى شَيْء كَمَا أَن الملْحَ على الرّكبة يتبدّدُ من أدنى شَيْء. قَالَ والملْحُ يؤنَّثُ ويذكَّر والتأنيثُ فِيهِ أَكثر.
(5/65)

وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الملْحُ اللبنُ، والملْحُ والمُلَحُ من الْأَخْبَار بِفَتْح الْمِيم، والملْحُ العلْم، والملْحُ العلماءُ. ويروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الصَّادِق يُعْطَى ثلاثَ خِصَال الملْحَةَ والمحَبَّة والمهابة) . قَالَ وَيُقَال تملَّحَت الإبلُ إِذا سمِنت، فلعلّ هَذَا مِنْهُ كَأَنَّهُ يُرِيد الفضلَ والزيادةَ، وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي هَذَا الْبَيْت:
ورد جازِرُهم حَرْفاً مُصَرّمةً
فِي الرأسِ مِنْهَا وَفِي الرجْلَينِ تمليحُ
قَالَ وَهُوَ كَمَا قَالَ:
مَا دَامَ مُخٌّ فِي سُلاَمَى أَو عيْن
قَالَ وَسَأَلَ رجل آخَرَ فَقَالَ أحب أَن تملحَني عِنْد فلَان بِنَفْسِك أَي أحب أَن تزينَني وتُطْرِيني. قَالَ مَلَح يَملَحُ ويَملُحُ إِذا رضع وَقَالَ ملَحَ الماءُ ومَلُحَ يَملُحُ مَلاحَةً. وَقَالَ ابْن بُزُرْج: مَلَح الله فِيهِ فَهُوَ مَمْلُوح فِيهِ، أَي مُبَارَكٌ لَهُ فِي عيشه ومالِه، قلت أَرَادَ بالملْحَة البركةَ. وَيُقَال: كانَ ربيعُنا مملوحاً فِيهِ، وَذَلِكَ إِذا أَلْبَنَ القومُ فِيهِ وأسمنوا. وَإِذا دُعِيَ عَلَيْهِ قيل لَا مَلَحَ الله فِيهِ أَي لَا بَارك فِيهِ.
وَيُقَال: أصبْنَا مُلْحَةً من الرّبيع أَي شَيْئا يَسِيرا مِنْهُ، وأَمْلَحَ البعيرُ إِذا حَمَل الشحْمَ، ومُلِحَ فَهُوَ مَمْلُوحٌ إِذا سمن.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: أمْلَحْتُ القِدْر بِالْألف إِذا جعلْتَ فِيهَا شَيْئا من شَحم. قَالَ ومَلَحْتُ الماشيةَ إِذا أطعمتها سَنْجَةَ الْملح وَذَلِكَ إِذا لم تَجِد حمضاً فأطعمتها هَذَا مَكَانَهُ. ومَلَّحَتْ الناقةُ فَهِيَ مُمَلَّح إِذا سمنت قَلِيلا وَمِنْه قَوْله:
من جزورٍ مُمَلح
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّه ضَحَّى بكبشين أمْلَحَيْنِ، قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْكسَائي وَأَبُو زيد وَغَيرهمَا: الأَمْلَحُ الَّذِي فِيهِ بياضٌ وَسَوَاد وَيكون البياضُ أَكثر وَكَذَلِكَ كل شعرٍ وصوفٍ فِيهِ بياضٌ وسوادٌ فَهُوَ أمْلَحُ وأنشدنا:
لكل دَهْرٍ قد لبستُ أَثْوُبا
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأسُ قِناعاً أشيبا
أَمْلَحَ لَا لَذَّ وَلَا محبَّبا
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأمْلَحُ الأبيضُ النقيُّ البياضِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ الأبيضُ الَّذِي لَيْسَ يخالِط البياضَ فِيهِ عُفْرةٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الأمْلَحُ الأبْلَقُ بِسَوادٍ وَبَيَاض. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: والقولُ مَا قَالَه الأصمعيّ. وَقَالَ أَبُو عمر: الأمْلَحُ الأعْرَمُ وَهُوَ الأبلَقُ بسوادٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير قَوْله:
لَا تَلُمْها إنّها من نسوةٍ
مِلْحُها موضوعَةٌ فوقَ الرُّكب
فَقَالَ الْأَصْمَعِي هَذِه زَنْجِيّة، ومِلْحُها شَحْمُها وسِمَن الزَّنج فِي أفْخَاذها. وَقَالَ شمر: الشّحم يُسمى مِلْحاً. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله:
مِلْحُها مَوْضُوعَة فَوق الرُّكَب
هَذِه قَليلَة الْوَفَاء قَالَ والملْحُ هَهُنَا هُوَ الملْحُ. يُقَال فلَان مِلْحُه على رُكْبَتَيهِ إِذا
(5/66)

كَانَ قليلَ الوفاءِ. قَالَ وَالْعرب تحلف بالملْحِ والماءِ تَعْظِيمًا لَهما. وروى قَوْله:
والملحِ مَا ولدت خالدة
بِكَسْر الْحَاء وجَعَلَ الْوَاو واوَ القَسَم، وأمَّا الكسائيُّ فَرَوَاهُ والمِلْحُ بِضَم الْحَاء عطفه على قَوْله لَا يبعد الله.
اللَّيْث: أَمْلَحْتَ يَا فلانُ جَاءَ بمعنيين: أَي جِئْت بكلمةٍ مليحةٍ، وَأَكْثَرت مِلْحَ القِدْرِ، قلت واللغة الجيدة مَلَّحْتَ الْقدر إِذا أكثرتَ ملحها بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ والمَلْحَاءُ: وسط الظّهْر بَين الْكَاهِل والعَجُز، وَهِي من الْبَعِير مَا تَحت السَّنَام. قَالَ: وَفِي المَلْحَاءِ ستُّ مَحَالاَتٍ وَهِي سِتّ فقرات والجميع مَلْحَاوَات والمُلاَّحِيُّ ضربٌ من الْعِنَب أبيضُ، فِي حَبه طولٌ. قَالَ: والملَحُ داءٌ وعيب فِي رِجْلِ الدَّابَّة. وَقَالَ غَيره يُقَال للنَّدى الَّذِي يسْقط بِاللَّيْلِ على البقل أَمْلَحُ لبياضِه وَمِنْه قَوْله:
أقامَتْ بِهِ حَدَّ الرَّبيعِ وَجَارُها
أخُو سَلْوَةٍ مَسَّى بِهِ اللَّيْلُ أَمْلَحُ
أَرَادَ بجارها نَدَى اللَّيْلِ يُجيرُها من الْعَطش، وَقَالَ شمر: شِيْبانُ ومِلْحانُ هما الكانُونان، وَقَالَ الْكُمَيْت:
إِذا أمست الْآفَاق حُمْراً جُنُوبها
الشِيبانُ أَو مِلْحان وَالْيَوْم أَشهب
قَالَ وَقَالَ عَمْرو بن أبي عَمْرو شِيبانُ بِكَسْر الشين ومِلحان من الْأَيَّام إِذا ابيضّت الأَرْض من الحَليتِ والصقيع.
سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: الْمليح الْحَلِيم وَكَذَلِكَ الرَاسب والمَرِثُ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المِلاَحُ أَن تَشْتَكِي الناقةُ حياءَها فتؤخذ خرقةٌ ويُطْلَى عَلَيْهَا دَوَاءٌ ثمَّ يُلْصَقَ على الْحيَاء فَيَبْرَأُ.
قَالَ: والمِلاَحُ المراضعة، والمِلاَحُ الْمِيَاه المِلْحُ، والمِلاَحُ الرّمْح.
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: تَقول الْعَرَب للَّذي يخلِط كذبا بِصدق هُوَ يخصف حِذَاءه وَهُوَ يرتشي إِذا خلط كذبا بِحَق ويَمْتَلِحُ مثلُه. وَإِذا قَالُوا: فلَان يَمْلَحُ فَهُوَ الَّذِي لَا يخلص الصدْق وَإِذا قَالُوا عِنْد فلَان كذبٌ قليلٌ فَهُوَ الصدوق الَّذِي لَا يكذب وَإِذا قَالُوا إنّ فلَانا يَمْتَذِق فَهُوَ الكذوب.
لحم: قَالَ اللَّيْث: تَقول الْعَرَب هَذَا لَحْمٌ ولَحَمٌ مخفَّف ومثقَّل. وَرجل لَحيمٌ كثير لَحْمِ الْجَسَد وَقد لَحُمَ لَحامَةٌ، وَرجل لَحِمٌ أكولٌ للّحِمِ وَبَيت لَحِمٌ يكثر اللَّحْمُ فِيهِ.
وَجَاء فِي الحَدِيث (إِن الله يُبْغِضُ البيتَ اللَّحِمَ وأَهْلَه) وَفِي حديثِ آخر (يُبْغِضُ أهلَ البيتِ اللَّحِمِين) .
حَدثنَا عبد الله بن عُرْوةَ عَن الْعَبَّاس الدُريّ عَن مُحَمَّد بن عبيد الطنافسيّ قَالَ: سَأَلَ رجل سُفْيَان الثوريّ أرأيتَ هَذَا الحَدِيث الَّذِي يرْوى (إنَّ الله لَيُبْغِضُ أهلَ البيتِ اللَّحِمِين) أهُمُ الَّذين يكثرون أكل اللَّحْم؟ فَقَالَ سفيانُ: هم الَّذين يُكْثِرُون أَكْلَ لحُومِ النَّاس.
وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ: يُقَال أَلْحَمْتُ فلَانا فلَانا، أَي مكَّنْتُهُ من عِرْضِه وشَتْمِه. وفلانٌ يَأكُلُ لُحُومَ الناسِ أَي يَغْتابُهم.
وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(5/67)

وَإِذا أَمْكَنَهُ لحمي رَتَعْ
وَفِي الحَدِيث (إنّ أَرْبى الرِّبَا اسْتِطالةُ الرجُلِ فِي عِرْضِ أَخِيه) قلت: ومِن هَذَا قَول الله جلّ وعزّ: {تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} (الحجرات: 12) .
وَقَالَ اللَّيْث: باز مُلْحَمٌ يطعمُ اللَّحْمَ، وبازٍ لَحِمٌ أَيْضا لِأَن أَكْلَهُ لَحْمٌ.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
تدلّي حثيثاً كَأَن الصوا
رِ يَتْبَعُهُ أَزْرَقِيٌّ لَحِم
وَقَالَ ابْن السّكيت: رجل شحيمٌ لَحيمٌ أَي سمين وَرجل شَحِمٌ لَحِمٌ أَي قَرِمٌ إِلَى اللَّحْمِ والشحم يَشْتَهيهِما، ورجلٌ لحّام شَحّامٌ إِذا كَانَ يَبِيع اللَّحْمَ والشَّحْمَ، وَرجل مُلْحَمٌ إِذا كَانَ مُطْعَماً للصَّيْد، وَرجل مُلحِمٌ إِذا كثر عِنْده اللَّحْمُ وَكَذَلِكَ مُشْحِمٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: أَلْحَمْتُ الْقَوْم إِذا قتلتَهم حَتَّى صَارُوا لَحْماً، واللَّحيمُ: القتيلُ. وَأنْشد قَول سَاعِدَة الْهُذلِيّ:
وَلَا رَيْبَ أَن قد كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ
وَقَالَ أَبُو عبيد: استُلحِمَ الرجُلُ إِذا أُزْهِقَ فِي الْقِتَال. قَالَ: والملحَمَةُ: الْقِتَال فِي الْفِتْنَة. وَقَالَ شمر قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الملحمة حَيْثُ يُقَاطِعُون لحومهم بِالسُّيُوفِ.
الأصمعيُّ: أَلْحَمْتُ الْقَوْم: أطْعَمْتُهُم اللَّحْمَ بالأَلِفِ.
وَقَالَ مَالك بن نُوَيْرَة يصف ضَبُعاً:
وتظل تَنْشِطُنِي وتُلحِمُ أَجْرَيا
وسط العَرِينِ وَلَيْسَ حيٌّ يَمْنَعُ
قَالَ: جَعَلَ مَأْوَاهَا لَهَا عريناً: وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ غير الْأَصْمَعِي: لَحَمْتُ القومَ بِغَيْر ألِف. قَالَ شَمِر وَهُوَ الْقيَاس. قَالَ: وأَلحَمَ القَوْمُ كَثُرَ لَحْمُ بُيُوتِهم. ولَحَمَ الرجلُ كثر لَحْمُ بَدَنِه فَهُوَ لحيمٌ شحيمٌ. ولَحُمَ الصَّقْر إِذا اشْتهى اللَّحْمَ فَهُوَ لَحِمٌ. قَالَ ولَحَمَ الرَّجُل يَلحَمُ إِذا نَشِبَ بِالْمَكَانِ، ولَحْمَةُ الصّقْرِ والأَسَدِ وغيرِه مَا يأكُل. ولَحْمَةُ النَّسَب بِالْفَتْح. ولُحْمَةُ الصَّيْد مَا يُصَادُ بِهِ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: لَحْمَةُ الثَّوْب ولَحْمَةُ النَّسب بِالْفَتْح. ولُحمةُ الصَّيْد مَا يُصاد بِهِ.
أَبُو عبيد عَن الأَصمعي: لحُم الرجل وشحُم فِي بدنه إِذا أكل كثيرا فَلَحُم عَلَيْهِ، قيل لَحِم وشَحِم. وَقَالَ شمر: المُلحَمُ الدعِيُّ وَأنْشد:
حَتَّى إِذا مَا فَرَّ كلُّ مُلْحَمِ
وَقَالَ الأَصمعيُّ: هُوَ المُلْصَقُ بالْقوم لَيْسَ مِنْهُم. قَالَ: ولاحَمْتُ الشَّيْء بالشَّيْء إِذا لَزَقْتَه بِهِ.
وَقَالَ اللَّيْث يُقَال: استلحم فلَان الطَّرِيق إِذا اتَّبعه وَأنْشد:
وَمن أَرَيْنَاه الطَّريق استلْحَمَا
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
استلحم الوَحْشُ على أكسائها
أَهْوَجُ مِحْفِيرٌ إِذا النَّقْعُ دَخَنْ
(5/68)

وشَجَّةٌ متلاحِمَةٌ: إِذا بَلَغت اللَّحْمَ والتحم الصَّدْعُ والْتَأَمَ بِمَعْنى وَاحِد. والملحَمَةُ الحربُ ذَات القَتْلِ الشَّديد. واللحَامُ مَا يُلْحَمُ بِهِ الصَّدْعُ. غَيره أُلْحمَ الرجلُ إِلْحَاماً واستَلْحَم استلحاماً إِذا نشِب فِي الحرْب فَلم يجد مَخْلَصاً. قَالَ وأَلْحَمَه القتالُ، وَمِنْه حديثُ جَعْفَر الطيّار يَوْم مُؤْتَةَ أَنَّهُ أَخَذَ الرّاية بعد قتل زَيْدٍ فقاتل بهَا حَتَّى أَلْحَمَهُ القتالُ فَنزل وعَقَر فرسه.
وَيُقَال: تلاحَمَت الشَّجَّةُ إِذا أَخَذَتْ فِي اللَّحم، وتلاحَمَت أَيْضا إِذا بَرَأَت والْتَحَمَت والمُتَلاَحِمَة من النِّسَاء الرتْقَاء.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: المُتلاحِمَةُ الضيقَة الملاقي وَهِي مَآزِمُ الفَرْج. وَقَالَ أَبُو سعيد إِنَّمَا يُقَال لَهَا لاحِمَةٌ كَأَن هُنَاكَ لَحْمًا يمْنَع من الجِمَاعِ. قَالَ: وَلَا يَصح مُتلاحِمةٌ.
وَقَالَ شمر قَالَ عبد الْوَهَّاب: المُتَلاَحِمَةُ من الشجَاجِ الَّتِي تَشُقُّ اللحمَ كلَّه دون الْعظم ثمَّ تتلاحمُ بعد شَقها، فَلَا يجوز فِيهَا المِسْبَارُ بعد تلاحُمِ اللَّحْمِ، قَالَ: وتتلاحم من يوْمِها وَمن غَدٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول الراجز يصف الْخَيل:
نُطْعِمُها اللَّحْمَ إِذا عزَّ الشَّجَرْ
والخيلُ أطعامُها اللَّحْمَ ضَرَر
قَالَ يزِيد نطعمها اللَّبَنَ فَسمى اللَّبَنَ لَحْماً لِأَنَّهَا تَسْمَنُ على اللَّبن. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانُوا إِذا أجدبوا وقلّ اللَّبن يبسوا اللَّحْمَ وحَمَلُوه فِي أَسْفَارِهم وأَطْعَمُوه الخيلَ. وَأنكر مَا قَالَه الأصمعيُّ وَقَالَ إِذا لم يكن الشجرُ لم يكن اللبنُ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ استَلْحَم الزَّرْع واسْتَكَّ وازْدَجَّ وَهُوَ الطَّهْلِيُّ قلت مَعْنَاهُ أَنه التفَّ.
وَقَالَ أَبُو سعيد يُقَال هَذَا الكلامُ لَحِيمُ هَذَا الْكَلَام وطَريدُه أَي وَفْقُه وشكله. وَقَالَ أَبُو زيد أَلْحَمْتُ الثوبَ إِلحَاماً وأَلْحَمْتُ الطَّيْرَ إِلْحَاماً، وَهِي لُحمَةُ الثَّوْب، وَهِي الْأَعْلَى ولَحْمَتُهُ، والسَّدَى الْأَسْفَل من الثوْب، اللَّحَّامُ الَّذِي يَبِيع اللَّحْمَ وَيجمع اللَّحْمُ لحُوماً ولُحْمَاناً ولِحَاماً.
حلم: قَالَ اللَّيْث: الحُلُم الرُّؤْيَا يُقَال حَلَمَ يَحْلُم إِذا رأى فِي الْمَنَام. وَفِي الحَدِيث: (مَن تحلَّم مَا لم يَحْلَم) يَعْنِي من تكلَّف حُلْماً لم يره، والحُلُم الِاحْتِلَام أَيْضا يجمع على الأحلام. وأحْلاَمُ الْقَوْم حُلمَاؤُهم، وَالْوَاحد حَليمٌ وَقَالَ الْأَعْشَى:
فَأَمَّا إِذا جَلَسُوا بالعشيّ
فأحلام عَادٍ وأيدي هُضُم
وَقد حَلُم الرجل يَحْلَم فَهُوَ حَلِيمٌ، والحليمُ فِي صفة الله تَعَالَى مَعْنَاهُ الصبور.
وَمن أَسمَاء الرِّجَال مُحَلم وَهُوَ الَّذِي يُعَلم غَيره الْحِلْمَ، ويقالُ أَحْلَمَتْ المرأةُ إِذا وَلَدَت الحُلمَاءَ. قَالَ والأحلام الأجسَامُ، والحَلَمَةُ، والجميعُ الحَلَم، وَهُوَ مَا عَظُم من القُرَادِ. وبعيرٌ حَلِمٌ قد أفْسدهُ الحَلَمُ من كثرتها عَلَيْهِ، وأديمٌ حَلِمٌ قد أفْسدهُ الحَلَم قبل أَن يسلخ وَقد حَلِم حَلَماً وَمِنْه قَول عُقْبة:
فإنَّكَ والكتابَ إِلَى عَلِيَ
كدابغَةٍ وَقد حَلِم الأديمُ
(5/69)

وعَناقٌ حَلِمَةٌ قد أَفْسَدَ
جلدَها الحَلَمُ وَكَذَلِكَ عناقُ
تَحلِمَةٌ والجميع الحِلاَمُ. وحلَّمْتُ البعيرَ أخذت عَنهُ الحَلَمَ وجماعةُ تَحْلِمَةٍ تَحَالِمٌ قد كثر الحَلَمُ عَلَيْهَا.
وَفِي الحديثِ أنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر مُعَاذاً أَن يأخُذَ من كل حالِمٍ دِينَارا قَالَ أَبُو الْهَيْثَم أرادَ بالحالِمِ كلَّ مَنْ بَلَغَ الحُلُم، حَلَمَ أَو لم يَحْلُم وَيُقَال حلَم فِي نَومه يحلُم حُلُماً وحُلْماً. واحْتَلَم بِمَعْنَاهُ. وَفِي الحَدِيث (الغُسْلُ يومَ الْجُمُعَة واجبٌ على كل حالِم) أَي على كل بَالغ إِنَّمَا هُوَ على من بَلَغَ الحُلُم أَي بلغ أَن يَحْتَلِمَ أَو احْتَلَم قبل ذَلِك ورُوِيَ على كل مُحْتَلِم أَي على كل بالغٍ احْتَلَم أَو لم يَحْتَلِمْ.
والحَلَمَةُ قَالَ اللَّيْث: هِيَ شجرةُ السَّعْدانِ وَهِي من أفاضل المَرْعَى.
قلت: لَيست الْحَلَمَةُ من شَجَرِ السَّعْدانِ فِي شَيْء، السعدان بَقْلٌ لَهُ حَسَكٌ مستديرٌ ذُو شوكٍ كثيرٍ إِذا يَبِسَ آذَى واطِئَه والْحَلَمَةُ لَا شوكَ لَهَا وَهِي من الْجَنْبَةِ وَقد رأيتهما، وَيُقَال للحلمة الحَمَاطَةُ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَلَمَةُ رَأس الثَّدْي فِي وسط السَّعْدَانَةِ.
قلت: الحلمة الهُنَيَّة الشاخصة من ثَدْي الْمَرْأَة وثُنْدُوَةِ الرجُلِ، وهِيَ القُرَادُ.
وَأما السَّعدانة فَمَا أَحاطَ بالقُرَادِ مِمَّا خَالف لونُه لونَ الثدي، واللَّوْعَةُ السوادُ حول الحَلَمَةِ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: القُرَادُ أولَ مَا يكون صَغِيرا قَمْقَامَةٌ ثمَّ يصير حَمْنَانة ثمَّ يصير قُرَاداً ثمَّ يصير حَلَمَةً.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو تحلَّم الصبيُّ إِذا أقبل شحمُه.
وَقَالَ أَوْس بن حجر:
لَحَيْنَهُمُ لَحْيَ العَصَا فَطَرَدْنَهُمْ
إِلَى سنَةٍ قِرْدَانُها لم تَحَلَّمِ
أَي لم تسمن لجُدُوبَةِ السَّنة.
وَقَالَ اللَّيْث: مُحَلمٌ نهر بِالْبَحْرَيْنِ. قلت أَنا: مُحَلم عين فوارة بِالْبَحْرَيْنِ، وَمَا رَأَيْت عينا أَكثر مَاء مِنْهَا، وماؤها حَارٌّ فِي منبعه، وَإِذا بَرُد فَهُوَ ماءٌ عَذْبٌ، ولهذه الْعين إِذا جرت فِي نَهْرِها خُلُجٌ كَثِيرَة تَتَخَلَّجُ مِنْهَا، تَسْقِي نخيل جُؤَاثَا وعَسَلَّج وقُرَيَّاتٍ من قرى هَجَر. وَأرى محلماً اسمَ رجل نسبت الْعين إِلَيْهِ.
وَقَول المخبَّل:
واسْتَيْقَهُوا لِلْمُحَلمِ
أَي أطاعوا من يعلمهُمْ الحِلْم. ويومُ حليمةَ أحدُ أَيَّام العربِ المشهورةِ، وَالْعرب تضرب بِهِ المثلَ فِي كل أَمر مُتَعالَم مَشْهُور فَتَقول: (مَا يَوْمُ حَلِيمَةَ بِسِرَ) وَقد يُضْرَب مثلا للرجل النابه الذّكر الشريف وَقد ذكره النَّابِغَةُ فِي شعره فَقَالَ يصف السيوف:
تُخِيرْنَ مِن أَزْمَان يَوْم حليمة
إِلَى اليومِ قد جُربْنَ كُلَّ التجارب
وَقَالَ ابنُ الكلبيّ: هِيَ حَلِيمَةٌ ابنةُ الْحَارِث بن أبي شمر، وجَّه أبُوها جَيْشًا
(5/70)

إِلَى المنذرِ بْنِ مَاء السَّمَاء فأخرجت حليمةُ لَهُمْ مِرْكَناً من طيب وطيَّبَتْهُم رَوَاهُ أَبُو عبيد عَنهُ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُلاَّم الجَدْيُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ الْأَصْمَعِي: ولد المَعْزِ حُلاَّمٌ وحُلاَّنٌ.
قلت: والأصلُ حُلاَّنٌ وَهُوَ فُعْلاَنُ من التَّحْليل، فقلبت النُّون مِيماً. وشارةٌ حلِيمَةٌ سَمِينَةٌ. وَيُقَال: حَلَمْتُ خَيَالَ فلانةَ فَهُوَ مَحْلُومٌ.
وَقَالَ الأخطل:
فَحَلُمْتُها وبنورُ فَيْدةَ دونَها
لَا يبعدنّ خيالُها المَحْلُومُ

(أَبْوَاب الْحَاء وَالنُّون)
ح ن ف
نَحن، حنف، حفن، نحف، نفح: (مستعملة) .
فحن: أما فحن فمهملٌ عِنْد اللَّيْث. وفَيْحَانُ اسْم مَوضِع، وأظُنُّهُ فَيْعَالاً من فَحَنَ، وَالْأَكْثَر أَنه فَعْلاَن من الأفْيَحِ وَهُوَ الواسِعُ وسمَّت الْعَرَب الْمَرْأَة فَيْحُونَةَ.
حنف: قَالَ اللَّيْث: الحَنَفُ مَيَلٌ فِي صدر القدَمِ، فالرَّجُلُ أَحْنَفُ والرجْلُ حَنْفَاءُ، وَيُقَال: سُمي الأحنفُ بنُ قَيْسٍ بِهِ لِحَنَفٍ كَانَ فِي رِجْله.
وروى ثعلبٌ عَن أبي نصر عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الحَنَفُ أَن تُقْبِلَ إبْهِامُ الرجْلِ اليُمْنَى على أُخْتِهَا من اليُسْرَى وأَنْ تُقْبِلَ الأُخْرَى إلَيْها إقْبَالاً شَدِيدا.
وَأنْشد لِدَايَةِ الأحْنفِ وَكَانَت ترقصُه وَهُوَ طِفْل:
وَالله لولاَ حَنَفٌ برِجْلِهِ
مَا كانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِه
ومِنْ صلةٌ هَهُنا.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الحنيفُ المائِل من خَيْرٍ إِلَى شَرَ وَمن شَرَ إِلَى خَيْرٍ.
قَالَ ثَعْلَب وَمِنْه أُخِذَ الحَنَفُ.
ورَوَى ابْنُ نجدة عَن أبي زيد أَنه قَالَ الحنيف الْمُسْتَقيم، وَأنْشد:
تعلَّمْ أَن سيَهْدِيكُم إلَيْنَا
طريقٌ لَا يَجُورُ بِكم حَنِيفُ
وَقَالَ اللَّيْث: الحنيفُ الْمُسلم الَّذِي يستقبِلُ البيتَ الحرامَ على مِلَّةِ إبراهيمَ فَهُوَ حنيفٌ. وَقيل: كلُّ من أَسْلَمَ لأمرِ الله وَلم يلْتَوِ فَهُوَ حنيفٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول الله جلّ وعزّ: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (البَقَرَة: 135) .
قَالَ: مَنْ كَانَ على دين إبراهيمَ فَهُوَ حنيفٌ.
قَالَ: وَكَانَ عَبَدَةُ الأوْثَانِ فِي الجاهليَّة يَقُولُونَ: نَحن حُنَفَاءُ على دين إِبْرَاهِيم، فلمَّا جَاءَ الإسلامُ سَمَّوا المُسْلِمَ حنِيفاً.
وَقَالَ الأخْفش: الحنيفُ المُسْلِمُ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لِمَن اخْتَتَن وحَجَّ البيْتَ حنيفٌ؛ لأَنَّ العربَ لم تتمسَّكْ فِي الجاهليّة بِشَيْء من دين إِبْرَاهِيم غيرَ الخِتَان وحَج الْبَيْت، فكلُّ من اخْتَتَن وحَجَّ قيل لَهُ حَنِيفٌ. فلمَّا جاءَ الإسلامُ عَادَتْ الحنيفيَّةُ فالحنيف الْمُسلم.
(5/71)

حدَّثَنَا الْحُسَيْن قَالَ حَدثنَا عُثْمَان قَالَ حَدثنَا وكيعٌ عَن مَرْزُوق قَالَ سَمِعت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى: {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (الحَجّ: 31) قَالَ حُجَّاجاً وَكَذَلِكَ قَالَ السّدي قَالَ حنفَاء حُجَّاجاً.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج نَصَبَ {حَنِيفًا} فِي هَذِه الآيةِ على الحَالِ، الْمَعْنى بل نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِه، ومَعْنَى الحَنِيفِيَّةِ فِي اللُّغَة المَيْلُ، وَالْمعْنَى أَنَّ إِبْرَاهِيم حَنَفَ إِلَى دين الله وَدين الْإِسْلَام فَإِنَّمَا أُخِذَ الحَنَفُ من قَوْلهم: رِجْل حَنْفَاءُ ورَجُلٌ أَحْنَفُ، وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ قَدَمَاه كلُّ واحدةٍ إِلَى أُختِها بِأَصَابعها.
وَقَالَ الفرَّاءُ: الحنيفُ مَنْ سُنَّتُهُ الاخْتِتَانُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ السُّيُوف الحنيفية تنْسب إِلَى الأحْنفِ بْنِ قَيْسٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ باتخَاذِها. قَالَ: وَالْقِيَاس أحْنَفِيُّ. وَبَنُو حنيفةَ حَيٌّ من ربيعةَ. وَيُقَال: تَحَنَّفَ فلانٌ إِلَى الشَّيْء تحنُّفاً إِذا مَال إِلَيْهِ. وحَسَبٌ حَنِيفٌ أَي حَدِيث إسلامي لَا قَدِيمَ لَهُ.
وَقَالَ بن حَبْنَاء التميميُّ:
وماذَا غيرَ أَنَّك ذُو سِبَالٍ
تُمَسحُها وذُو حَسَبٍ حَنِيفِ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الْحَنْفَاءُ شجرةٌ. والحَنْفَاءُ الْقوس، والحَنْفَاءُ الموسى، والحَنْفَاءُ السُّلَحْفَاةُ، والحنْفَاء الحرباءة، والحَنْفَاء الأَمَة المتلوّنة تكسَل مَرة وتنشط أُخْرَى.
نحف: قَالَ اللَّيثُ: نَحُفَ الرجل يَنْحُفُ نحافة فَهُوَ نَحِيفٌ قَضِيفٌ ضَرِبٌ قَلِيل اللَّحْم، وَأنْشد:
ترى الرَّجُلَ النحيفَ فَتَزْدَرِيه
وتَحْتَ ثِيَابِه رَجُلٌ مَزِير
نفح: أَخْبرنِي المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: النَّفِيحُ والمِنفَحُ والمِعَنُّ الدَّاخِل مَعَ القومِ وَلَيْسَ شأنُه شَأْنَهُم.
قَالَ الْأَزْهَرِي: هَكَذَا جَاء بِهِ فِي هَذَا الْموضع.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: النَّفِيج بِالْجِيم الَّذِي يَعْتَرِض بَين الْقَوْم وَلا يُصلح وَلَا يفْسد، وهَذَا قَوْلُ ثَعْلَب.
قَالَ: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النَّفِيحُ الَّذِي يَجيءُ أَجْنَبِيّاً فيدخلُ بَين الْقَوْم ويسُلّ بَينهم ويُصلح أَمرهم.
وَقَالَ اللَّيْثُ: نَفَح الطيبُ يَنْفَحُ نَفْحاً ونُفُوحاً إِذا فَاح رِيحُه، وَله نَفْحَةٌ طيبةٌ ونَفْحَةٌ خبيثَةٌ ونَفَحت الدَّابَّة إِذا رمِحت بِرِجْلِها ورمت بحدّ حافرها.
ونَفَحَهُ بالسّيف إِذا تنَاوله شَزْراً، ونَفَحَه بِالْمَالِ نَفْحاً؛ وَلَا تزَال لَهُ نَفَحَاتٌ من المعْرُوفِ أَي دفعات. قَالَ: وَالله هُوَ النَّفَّاحُ المُنْعِمُ على عبَادِه. قلت: لم أَسْمَعْ النَّفَّاحَ فِي صِفَات الله الَّتِي جَاءَت فِي الْقُرْآن ثُمَّ فِي سُنَّةِ الْمُصْطَفى عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا يجوز عِنْد أَهْلِ العِلْم أَن يُوصف الله جلّ وَعز بِصفة لم يُنْزِلْها فِي كِتَابه، وَلم يبينْهَا على لِسَان نَبِيه ج. وَإِذا قِيلَ للرَّجُل نَفَّاحٌ فَمَعْنَاه الْكثير العَطَايَا.
(5/72)

وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وعزّ: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} (الأنبيَاء: 46) فَقَالَ: أصابَتْنَا نَفْحَةُ الصَّبا أَي رَوْحَةٌ وَطِيبٌ لَا غَمّ فِيهَا وَلَا كَرْبَ، وأصابتنا نَفْحَةٌ من سَمُومٍ: أَي حَرٌّ وغمٌّ وكربٌّ وَأنْشد فِي طيب الصَّبا:
إِذا نَفَحَتْ مِنْ عَنْ يَمِين المَشَارِق
ونَفَحُ الطّيب إِذا فَاحَ رِيحُه وَقَالَ جِرانُ الْعود يذكر جارَته:
لَقدْ عَاجَلَتْنِي بالقَبِيح وَثوْبُها
جَدِيدٌ وَمن أَرْدَانِها المسْكُ يَنْفَحُ
أَي يفُوح طيبُه، فَجعل النَّفْحَةَ مَرَّة أشَدَّ العذابِ لقَوْل الله جلّ وعزّ: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} . وَجعلهَا مرّة ريحَ مِسْكٍ. وَقَالَ الأصمعيُّ: مَا كَانَ من الرّيح سَمُوماً فَلهُ لَفْحٌ وَمَا كَانَ بارِداً فَلهُ نَفْحٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الإنْفَحَةُ لَا تكُونُ إِلَّا لكل ذِي كَرِش، وَهُوَ شَيْء يُسْتَخْرَجُ من بَطْنِ ذِيهِ أصفرُ يُعْصَرُ فِي صوفَةٍ مُبْتَلَّةٍ فِي اللَّبن فيغلَظُ كالجُبن. الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت هِيَ إِنْفَحَةُ الجَدْي وإِنْفَحَّةُ الْجدي وَلَا تقل أَنْفِحَة. قَالَ: وحضرني أَعْرابِيَّانِ فَصيحَانِ من بني كلابٍ، فَقَالَ أَحدهمَا: لَا أَقُول إلاَّ إنْفَحَةً وَقَالَ الآخَرُ: لَا أقولُ إِلَّا مِنْفَحَةٍ، ثمَّ افْتَرقَا على أَن يسألاَ عَنْهُمَا أَشْيَاخ بَنِي كلاب، فاتفقت جماعةٌ على قولِ ذَا وجماعةٌ على قولِ ذَا، فهما لُغتانِ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الإنْفَحَةُ بِكَسْر الْألف وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: إِنْفَحَةٌ وإِنْفَحَةٌ وَهِي اللُّغَة الجَيدَة، وَيُقَال مِنْفَحَةٌ وبِنَفْحَةٌ.
وَفِي الحَدِيث: (أَوَّلُ نَفْحَةٍ من دم الشَّهِيد) ، قَالَ شمر قَالَ خَالِد بن جَنْبة: نفحة الدّم أَوَّلُ فَوْرَةٍ مِنْهُ ودَفْعَةٍ. وَقَالَ الرَّاعِي:
نَرْجُو سِجَالاً من الْمَعْرُوف ينفحها
لِسَائِلِيه فَلَا مَنٌّ وَلَا حَسَدُ
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: الجَفْرُ من أَوْلادِ الضَأَنِ والمعز مَا قد استكرش وفُطِمَ خمسينَ يَوْماً من الوِلادة أَو شَهْرَيْنِ أَو صَارَت إِنْفَحَتهُ كَرِشَاً حِين رَعَى النَّبْتَ وَإِنَّمَا تكون إنْفَحَةً مَا دَامَ يَرْضَعْ. وَقَالَ الْفراء طعنة نَفُوحٌ يَنْفَحُ دَمُها سَريعاً.
وَقَالَ أَبُو زيد: من الضُّروع النَّفُوحُ وَهِي الَّتِي لَا تحبس لَبَنَها ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: النَّفْحُ الذبُّ عَن الرَّجُلِ، يُقَال: هُوَ يُنَافِحُ عَن فُلانٍ. وَقَالَ غَيره: هُوَ يُنَاضِحُ عَنهُ. وَقَالَ ابْن السّكيت: النَّفِيحةُ القَوْسُ وَهِي شطيبة من نَبْعٍ وَقَالَ مُليحٌ الْهُذلِيّ:
أَنَاخُوا مُعِيداتِ الوَجيفِ كأَنَّها
نَفَائِحُ نَبْعٍ لم تَربَّعْ ذَوَابِل
وَيُقَال للقوس النفيحة أَيْضا، وَهِي الفجواءُ المُنفَحَّة.
حفن: قَالَ اللَّيْث: الحَفْنُ أَخْذُكَ الشَّيْءَ بِرَاحَةِ الكَف والأصابِع مَضْمُومَة. ومِلْءُ كُل كفَ حَفْنَةٌ. واحْتَفَنْتُ إِذا أخذتَ لنَفسك.
(5/73)

والمحْفَنُ ذُو الجَفْنِ الكثيرِ. وَكَانَ مِحْفَنٌ أَبَا بَطحَاءَ إِلَيْهِ ينْسب الدوابّ البَطْحَاوِيَّةُ.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: احتَفَنْتُ الرجلَ احْتِفَاناً إِذا اقتلعَته من الأَرْض.
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الحُفْنَةُ الحُفْرَةُ، وَجَمعهَا حُفَن.
وَقَالَ شمر: الحُفنة الحُفْرَةُ وَأنْشد:
هَلْ تَعْرِفُ الدَّارَ تَعفَّتْ بالحُفَنْ
قَالَ: وَهِي قَلَتَاتٌ يَحْتَفِرُها الماءُ كَهَيْئَةِ البِرَكِ.
وَقَالَ ابْنُ السكيتِ: الحُفَن: نُقرٌ يكون الماءُ فِيهَا، وَفِي أَسْفَلِها حَصًى وتُرابٌ. وأنشدني أَبُو بكر الْإِيَادِي لعَدِيّ بن الرّقاع العاملي.
بِكْرُ تُرَيثها آثَارُ مُنْبَعِقٍ
تَرى بِه حُفَنَاً زُرْقاً وغُدْرَانَا
ح ن ب
حبن، حنب، نحب، نبح، بحن، بنح: مستعملات.
حبن: قَالَ اللَّيْث: الحِبْنُ مَا يعتري الْإِنْسَان فِي الْجَسَد فيقيحُ ويَرِم، والجميع الحُبُون. والحَبَنُ أَيْن يكثر السقْي فِي شَحم الْبَطن فيعظُمَ البَطْنُ لذَلِك.
أَبُو عبيد عَن اليزيديّ قَالَ الأحْبَنُ الَّذِي بِهِ السقْيُ.
قَالَ وَقَالَ العُدَيْس الكنانيّ يُقَال لأُم حُبَيْنٍ حُبَيْنَةٌ وَهِي دَابَّة قَدْرُ كف الْإِنْسَان. وَقَالَ اللَّيْث هِيَ دُويبَة على خِلْقَةِ الْحِرْبَاءِ عريضَةُ البَطْنِ جِدَّا وَأنْشد:
أمَّ حُبَيْنٍ أبسطي بُرْدَيْك
إِن الْأَمِير دَاخِلٌ عَلَيْك
وضَارِبٌ بِالسَّيْفِ مَنْكِبَيْكِ
والحَبَنُ عِظَمُ البَطْنِ، وَلذَلِك قيل لمن سَقَى بطْنُه قد حَبَن. وَأم حُبَيْنٍ هِيَ الْأُنْثَى من الحَرَابِيّ.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أنَّه رَأَى بِلالاً وَقد خَرَجَ بَطْنُه، فَقَالَ أمُّ حُبَيْنٍ) وَهَذَا من مَزْحِه ج أَرَادَ ضِخَمَ بطْنِه.
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) رَأَيْت فلَانا مُحْبَئِنّاً ومقْطَئِرّاً ومُصْمَغِدّاً أَي ممتلئاً غَضَباً.
وَقَالَ ابْنُ بُزُرْج تَقول الْعَرَب فِي أُدْعِيَّة بَين الْقَوْم يتداعون بهَا: صب الله عَلَيْكَ أُمَّ حُبَين ماحضاً يَعْنُون اللَّيْلَ.
حنب: قَالَ اللَّيْث الحَنَبُ اعوجاج فِي السَّاقَيْن. قَالَ والتَّحْنِيبُ فِي الخَيْل ممَّا يُوصف صَاحبه بالشدَّة، وَلَيْسَ ذَلِك باعْوِجَاجٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التَّحْنِيبُ توتيرٌ فِي الرجْلَين.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: التَّحْنِيبُ فِي السَّاق.
وَقَالَ غَيره اعْوِجَاجٌ فِي الضُّلُوع.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل المُحَنَّبُ من الْخَيل المُعطَّفُ العِظَامِ.
قَالَ وَيُقَال حَنَّبَهُ الكِبَرُ وحَنَاه إِذا نَكَّسَه.
وَقَالَ اللَّيْث: رَجُلٌ مُحَنَّب شيخ مُنْحَنٍ وَأنْشد:
يظل نَصْباً لِرَيْبِ الدَّهْرِ يَقْذِفُه
قَذْفَ المُحَنَّبِ بالآفَاتِ والسَّقَم
(5/74)

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: الْحَنْبَاءُ عِنْد الْأَصْمَعِي المُعْوَجَّةُ السَّاقَيْنِ. قَالَ: وَهِي عِنْد ابْن الأعرابيّ فِي الرجْلَيْنِ وَقَالَ فِي موضعٍ آخَرَ: الْحنْبَاءُ المعوَجَّةُ السَّاق وَهُوَ مَدْحٌ فِي الخَيْلِ. وَقد حَنَبَ فلانٌ أَزَجاً مُحْكَماً أَي بَنَاه مُحْكَماً فَحَناه.
نحب: قَالَ اللَّيْث: النَّحْبُ النَّذْرُ.
قَالَ الله جلّ وعزّ: {اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن} (الْأَحْزَاب: 23) قُتِلوا فِي سَبِيل الله فأدركوا مَا تمنَّوا فَذَلِك قَضَاء النَّحْبِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَول الله جلّ وعزّ {اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن} أَي أَجَلَه وَكَذَلِكَ قَالَ الفرّاء. وَقَالَ شمر: النَّحْبُ النَّذْرُ، والنَّحْبُ الموتُ، والنَّحْبُ الخَطَرُ العظِيمُ.
وَقَالَ جرير:
بِطَخَفَة جالدْنَا الْمُلُوك وخيلُنا
عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْن على نَحبِ
أَي على خطر عَظِيم، وَيُقَال على نَذْرٍ. وَيُقَال سَار فلَان على نَحْبٍ إِذا سَار وأَجْهَد السَّيْرَ. وَيُقَال نَحَّبَ القَوْمُ إِذا جَدُّوا فِي عَمَلِهمْ.
وَقَالَ طُفَيْلُ:
يزرن إِلاَلاً مَا يُنَحبْنَ غَيْرَهُ
بِكُل مُلَبَ أشعثِ الرأْس مُحْرِم
وَيُقَال سَار سيراً مُنَحباً: قَاصِدا لَا يُرِيدُ غَيْرَه كأنّه جعل ذَلِك نَذْراً على نَفْسِه لَا يريدُ غَيره.
وَقَالَ الكُمَيْتُ:
يَخِدْنَ بِنَا عَرْض الفَلاةِ وطُولَها
كَمَا سَار عَن يُمْنَى يَدَيْهِ المُنَحبُ
يَقُول إِن لم أبلغ مَكَان كَذَا وَكَذَا فلك يَمِيني. وَقَالَ لبيد:
أَلا تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ
أَنَخْبٌ فيُقْضَى أم ضَلالٌ وبَاطِلُ
يَقُول عَلَيْهِ نَذْرٌ فِي طُولِ سَعْيهِ.
شمر عَن عَمْرو بن زُرَارَةَ عَن محمدِ بن إِسْحَاق فِي قَوْله {اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن} قَالَ: فَرَغ من عَمَلِهِ ورجَعَ إِلَى رَبه، هَذَا لمن اسْتُشْهِد يَوْم أُحُد، وَمِنْهُم من يَنْتَظِر مَاوَعَدَهُ الله من نصْره أَو الشَّهَادَةِ على مَا مَضَى عَلَيْهِ أصحابُه. وَفِي حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله أَنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: هَل لَك أَن أُنَاحِبَك وترفَع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: نَاحَبْتُ الرجل إِذا حَاكَمْتَه أَو قاضَيْتَه إِلَى رَجُلٍ. قَالَ أَبُو عبيد وَقَالَ غَيره: نَاحَبْتُه ونافَرْتُه أَيْضا مثلُه. قلت: أَرَادَ طلحةُ هَذَا الْمَعْنى: كأنَّه قَالَ لِابْنِ عباسٍ أُنَافِرُك فتعدّ فضائلك وحَسَبَك وأَعُد فَضَائِلي وَلَا تذكر فِي فضائلك وَحَسَبَك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقُرْبَ قَرَابَتِكَ مِنْهُ، فإنّ هَذَا الفضلَ مسلَّم لَك، فارفعه من النفَار وَأَنا أُنَافِرُك بِمَا سواهُ.
وَقَالَ أَبُو عبيد التنحيب شدَّة القَرَب للْمَاء وَقَالَ ذُو الرمة:
ورُب مَفَازَةٍ قَذَفٍ جَمُوحٍ
تَغُول مُنَحبَ القَرَبِ اغتيالا
قَالَ: والمُنَحبُ الرجُلُ. اللَّيْث: النحيبُ البُكاءُ. وَقد انْتَحَب انتحاباً. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: من أمراض الْإِبِل النُّحَابُ والقُحَابُ والنُحازُ، وكل هَذَا من السُّعال. وَقد نَحَب يَنْحِبُ.
(5/75)

وَقَالَ أَبُو سعيدٍ: التَّنْحِيبُ الإكبابُ على الشَّيْء لَا تُفَارِقُه. وَيُقَال نَحَّب فُلانٌ على أمرٍ. قَالَ وَقَالَ أَعْرَابِي أصابَتْهُ شَوْكَة فَنَحَّبَ عَلَيْهَا يَسْتَخْرِجُها أَي أكَبَّ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كل شيءٍ هُوَ مُنَحبٌ فِي كَذَا. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: النَّحْبُ النومُ، والنَّحْبُ النَّفس، والنَّحْبُ صوتُ البُكاءِ، والنَّحْبُ الطُول والنَّحْبُ السمَن، والنَّحْبُ الشدَّةُ، والنَّحْب القِمَارُ والنَّحْبُ النَّذْرُ، وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الصَيداويّ عَن الرياشي أَنه قَالَ يومٌ نَحْبٌ أَي طَوِيل.
نبح: قَالَ اللَّيْث: النَّبْحُ صَوت الْكَلْب، تَقول: نَبَحَ يَنْبَحُ نَبْحاً ونُبَاحاً، والتيسُ عِنْد السفَاد يَنْبَحُ، والحيَّة تَنْبَحُ فِي بعض أَصْواتِها وَأنْشد:
يأْخذُ فِيهِ الحيَّةَ النَّبُوحا
قَالَ: والنَّوابِحُ والنُّبُوح جماعةُ النَّابِح من الكلابِ. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: رجل نَبَّاحٌ ونَبَّاجٌ شَدِيد الصَّوْت. قَالَ: والنُّبُوح الجماعةُ الكثيرةُ من النَّاس. وَقَالَ الأخطل
إنَّ العَرَارَةَ والنُّبُوح لِدَارِمٍ
والمستخِفُّ أخُوهُمُ الأثقالا
وَقَالَ شمر: يُقَال نَبَحَتْهُ الكِلابُ، ونَبَحَتْ عَلَيْهِ، ونَابَحَه الكلبُ. وَيُقَال فِي مَثَلٍ: فلَان لَا يُعْوَى وَلَا يُنْبَحُ، يَقُول هُوَ من ضَعْفِه لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يُكَلَّمُ بِخَيْرٍ وَلَا شَرّ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
نَبَحتْ كِلاَبُك طَارِقاً مثلي
وَقَالَ غَيره: الظبي يَنْبَحُ فِي بعض الْأَصْوَات وَأنْشد:
وقُصْرَى شَنِجِ الأنْسَا
ء نَبَّاح من الشُّعْب
رَوَاهُ الجاحظ نباح من الشَّعْب، وَفَسرهُ يَعْنِي من جِهَة الشَّعْب وَأنْشد:
ويَنْبَجُ بَين الشَّعْبِ نَبْحاً كَأَنَّه
نُبَاحُ سَلوقٍ أَبْصَرَتْ مَا يَرِيبُها
قَالَ: والظَّبْيُ إِذا أَسَنَّ ونَبَتَتْ لقرونِه شُعَبٌ نَبَح. قلت: وَالصَّوَاب الشُّعْب بِضَم الشين جمع الأَشْعَب وَهُوَ الَّذِي انْشَعَب قرناه.
وَقَالَ اللَّيْث: النَّبَّاحُ مَنَاقِفُ صِغَارٌ بيض يجاءُ بِهَا من مَكَّة تُجْعَلُ فِي القلائد والوُشُحِ. عَمْرو عَن أَبِيه النُّبَحَاء الصيَّاحة من الظباء.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الْأَعرَابِي النَّبَّاح الظبي الكثيرُ الصياحِ. والنَّبَّاحُ الهدهد الْكثير القَرْقَرة وَقَالَ أَبُو خيرة النُّبَاح صَوت الأَسْوَد يَنْبح نُباح الجرو.
بنح: أهمله اللَّيْث وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: البِنَحُ: العطايا. قلت: الأَصْل فِيهَا المِنَح جمع المنيحة فقلبت الْمِيم بَاء قَالَ والبُنَحُ الظباء.
بحن: عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: البَحْنَانَة: الجُلَّة الْعَظِيمَة البحرانية الَّتِي يحمل فِيهَا الكنعد المالح وَهِي البَحْوَنة أَيْضا وَكَذَلِكَ دَلْوُ بَحْوَنِيُّ عَظِيم كثير الأخْذِ للْمَاء. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ يُقَال: لضَرْبٍ من النّخل بَحْنَةٌ وَبِه سُمى ابْن بُحَيْنَةَ. قَالَ: وَابْن بَحْنَةَ السوطُ. قلت: قيل للسوط ابْن بَحْنَةَ لأَنه يُسوى من قُلُوس العَرَاجين. وَيُقَال للجُلَّة الْعَظِيمَة البَحْنَاءُ أَيْضا.
(5/76)

ح ن م
حنم، حمن، منح، محن، نحم: مستعملات.
حنم: أهمل اللَّيْث حنم.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: الحَنَمَةُ: البُومة قلت وَلم أسمع هَذَا الحرفَ لغيره وَهُوَ ثِقَة.
نحم: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي النَّحْمَةُ: السَّعْلَةُ وَتَكون الزّحْرَةَ. وَقَالَ اللَّيْث: نَحَم الفَهْد يَنْحَمُ نَحِيماً، وَنَحْوه من السبَاع كَذَلِك. وَكَذَلِكَ النَّئِيمُ وَهُوَ صوتٌ شَدِيد. والنُّحَامُ طَائِر أَحْمَر على خِلْقة الوزّ الْوَاحِدَة نُحَامَةٌ. وَرجل نَحَّامٌ بخيل إِذا طُلِب معروفُه كَثُر سعاله وَمِنْه قَول طرفَة:
أَرَى قبر نَحَّامٍ بخيل بِمَالِه
كقبر غوِيّ فِي البَطَالة مُفسد
وَقَالَ غَيره نحم الساقي وَالْعَامِل ينحِمُ.
وينحم نحيماً إِذا استراح إِلَى شبه أَنِين يُخرجهُ من صَدره وَأنْشد:
مَالك لَا تَنْحَمُ يَا رواحهْ
إِن النَّحيم للسُّقَاة راحهْ
منح: قَالَ اللَّيْث: مَنَحْتُ فلَانا شَاة، وَتلك الشَّاة اسْمُها المِنِيحة وَلَا تكون المَنِيحَةُ إِلَّا عَارِية للَّبَنِ خاصَّةً: أَبُو عبيد عَن الْكسَائي أمْنَحَت النَّاقة فَهِيَ تُمنِحٌ إِذا دنا نِتَاجُها. وَقَالَ شمر لَا أعرف أمْنَحَتْ بِهَذَا الْمَعْنى. قلت: أمْنَحَتْ بِهَذَا المعنَى صَحِيحٌ، وَمن الْعَرَب مسموع، وَلَا يضرُّه إِنْكَار شمر إِيَّاه.
وَفِي حَدِيث النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (من مَنَحَ مِنْحة وَرِق أَو مَنح لبَناً كَانَ كَعَدْل رقَبَةٍ) .
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مِنْحَةُ الوَرِق هُوَ القَرْضُ. وَقَالَ أَبُو عبيد المِنْحَةُ عِنْد العربِ على مَعْنَيَيْنِ: أَحدهمَا أَن يُعْطى الرجلُ صاحبَه المالَ هبة أَو صِلَة فيكونُ لَهُ، وَأما المِنحةُ الأُخْرَى فأَنْ يمنحَ الرجلُ أخَاه نَاقَة أَو شَاة يَحْتَلِبُها زمَناً أَو أيَّاماً ثمَّ يردُّها، وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله ج: (المِنْحَةُ مردودَةُ وَالْعَارِية مؤدَّاةٌ) ، قَالَ والمِنْحةُ أَيْضا تكون فِي الأَرْضِ يَمْنَحُ الرجلُ الرجلَ أرضَه ليزْرَعها. وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من كَانَ لَهُ أرضٌ فليزرعْها أَو يمنحْها أَخَاهُ) أَي يدفعْها إِلَيْهِ حَتَّى يزرَعها فَإِذا فَرَغ رَفَع زرْعَها وردَّها على صَاحبهَا.
أَبُو عبيد عَن الْفراء: مَنَحْتُه أمْنِحُه وأمنَحُه فِي بَاب فَعَل يفعِلُ ويفعَل وَقَالَ اللَّيْث المنْحَةُ منفعتُك أخَاك بِمَا تَمْنَحَهُ. وكلُّ شَيْء تقصد بِهِ قصدَ شَيْء فقد مَنَحْتَه إِيَّاه كَمَا تمنح المرأةُ وجههَا المرآةَ وَمِنْه قَول سُوَيد بن كُرَاع:
تمنح المرآةَ وَجْهَاً وَاضِحاً
مثلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي الصَّحْوِ ارْتَفَع
والمَنِيحُ الثامِنُ مِنْ قِدَاح المَيْسِر. وَقَالَ اللحياني المَنِيحُ أحدُ القِدَاحِ الأرْبَعَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا غُنْمٌ وَلَا غُرْمٌ، إِنَّمَا يثقَّل بهَا القداح كَرَاهَة التُّهمَة؛ أَولهَا المُصَدَّرُ ثمَّ المضعَّفُ ثمَّ المَنِيحُ ثمَّ السَّفِيحُ. والمنيح أَيْضا قِدْح من قِدَاحِ الميسر يُوثَقُ بفَوْزِه فيستعار لِيُتَيَمَّن بفوزه، فالمنيح الأولُ من لَغْو القِدَاحِ، وَهُوَ اسْم لَهُ. والمنيح الثَّانِي
(5/77)

هُوَ المستعَارُ. وَأما الحَدِيث الَّذِي جَاءَ فِيهِ: (كنتُ مَنيحَ أَصْحَابِي يَوْم بَدْرٍ) ، فَمَعْنَاه أَنِّي كنت مِمَّن لَا يُضْرَبُ لَهُ بسهمٍ من الْفيء لِصِغرى، فَكنت بِمَنْزِلَة السهْم اللَّغْوِ الَّذِي لَا فوزَ لَهُ وَلَا خسْرَ عَلَيْهِ، وَقد ذكر ابْن مقبل القِدْح الْمُسْتَعَار الَّذِي يتيمن بفوزه فَقَالَ:
إِذا امْتَنَحَتْه من مَعَد عِصَابَة
غَدَا رَبُّه قَبْلَ المُفيضِينَ يَقْدَح
يَقُول إِذا استعارُوا هَذَا القِدْحَ غَدَا صاحِبُه يقْدَح النارَ لِثِقَتِهِ بفوزِه، فَهُوَ المنيحُ المستعارُ. وأمّا قَوْله:
فمهلاً يَا قُضَاعُ فَلا تَكُونِي
مَنِيحاً فِي قداح يَدَيْ مُجِيلِ
فإِنَّه أَرَاد المنِيحَ الَّذِي لَا غُنْمَ لَهُ وَلَا غُرْمَ، وَيُقَال رجل منَّاح فيَّاح إِذا كَانَ كثيرَ العطايا. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو المَمَانِحُ النَّاقة الَّتِي يبْقى لَبَنُها بَعْدَمَا تذْهب أَلْبَانُ الْإِبِل، بِغَيْر هَاء. وَقَالَ ذَلِك الأصمعيُّ وَقد مانَحَتْ مِنَاحاً ومُمَانَحةً، وَكَذَلِكَ مانَحتِ العينُ إِذا سَالَتْ دُموعها فَلم تَنْقَطِع، وَقَالَ المُمَانح من الأمطار الْمَطَر الَّذِي لَا يَنْقَطِع.
حمن: أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي القُراد أوّل مَا يكون وَهُوَ صَغِير لَا يكَاد يرى من صغره. يُقَال لَهُ قُمْقَامة ثمَّ يصير حُمْنَانَة ثمَّ قُراداً ثمَّ حَلَمَةً.
وَقَالَ اللَّيْث أَرض مَحْمَنة كَثِيرَة الْحَمْنَان وَهِي صغَار القِرْدان. قَالَ والْحَمْنَانُ على مِثَال فَعْلان الْوَاحِدَة حَمْنَانَةٌ.
شمر عَن الأصمعيّ الحوْمانةُ وَجَمعهَا حَوَامِينُ أَماكنُ غِلاظٌ منقادَةٌ وَقَالَ أَبُو خَيْرة الحوْمانُ واحدتها حَوْمَانَةٌ وَجَمعهَا حوامينُ وَهِي شقائق بَين الجِبَال وَهِي أطيب الحُزُونة، جَلَد لَيْسَ فِيهَا إكام وَلَا أبارق.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الحَوْمَانُ مَا كَانَ فَوق الرَّمل ودونه حِين تصعَدُه أَو تهبِطُه. وَقَالَ زُهَيْر:
بحومانة الدَّرَّاج فالمُتَثَلَّم
قلت: حوْمان فَوْعال من حمن.
محن: قَالَ أَبُو العبَّاس أَخْبرنِي سلمةُ عَن الْفراء أَنه قَالَ يُقَال محنته: ومخَنْتُه بِالْحَاء وَالْخَاء ومحجْتُه ونقَحْتُه وجَلَهْتُه وجحشته ومَشَنْتُه وعَرَمْتُه وحَسَفْتُه وخبلته وخَسَلْتُه ولَتَحْتُه كُله بِمَعْنى قشرته.
وَقَالَ اللَّيْث المحنة معنى الْكَلَام الَّذِي يُمْتَحَنُ بِهِ ليُعرف بِكَلَامِهِ ضميرُ قلبه، تَقول: امتحنْتُه وامتحَنْتُ الكلمةَ إِذا نظرتَ إِلَى مَا يصير إلَيْهِ صَيُّورُها. وَقَالَ غَيره محنته وامتحنْتُه بمنزلةِ خَبَرْتُه واختبرتُه وبلوته وابتلَيْتُه وأصل المَحْن الضربُ بالسوْطِ.
روى أَبُو عبيد عَن الأمَوِيّ مَحَنْتُه عشْرين سَوْطًا مَحْناً إِذا ضربتَه وَقَالَ المفضَّل فِيمَا رَوَى عَنهُ ابْن الْأَعرَابِي مَحنت الثَّوْب مَحْناً إِذا لبِسته حَتَّى تُخلقه وَقَالَ أَبُو سعيد: محنت الْأَدِيم مَحْناً إِذا مددته حَتَّى توسعَه قَالَ وَمعنى قَول الله جلّ وعزّ: {اللَّهِ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الحجرات: 3) شرح الله قُلُوبهم كأنّ مَعْنَاهُ وسّع الله على قُلُوبهم للتقوى.
(5/78)

أَبُو الْعَبَّاس عَن الْأَعرَابِي المَحْن اللينُ من كل شَيْء. والمَحْنُ العطيَّة يُقَال سَأَلته فَمَا مَحَنَنِي شَيْئا أَي مَا أَعْطَانِي.
أَبُو عَمْرو: المَحْنُ النِّكَاح الشَّديد يُقَال مَحَنَها ومَخَنَها ومَسَحَها إِذا نكَحَها.
حَدثنَا الْحُسَيْن عَن سُوَيْد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن صَفْوَان أَن أَبَا الْمثنى المُلَيْكي حدَّثه أَنه سمع عُتبة بن عبدٍ السُّلَمِيَّ وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدَّث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْقَتْلَى ثلاثةٌ: رجل مؤْمِنٌ جاهدَ بِنَفسِهِ ومالِه فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي العَدُوَّ قاتَلهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَاك الشَّهِيد المُمْتَحَنُ فِي خَيْمة الله تَحت عَرْشه لَا يَفْضُله النبيُّون إِلَّا بِدَرَجَة النُّبُوَّة) ثمَّ ذكر الحَدِيث إِلَى آخِره، قَالَ شمر قَوْله (فَذَاك الشَّهِيد الممتحَن) هُوَ المصفَّى المهذَّب المُخْلَص.
وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد {اللَّهِ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الحُجرَات: 3) قَالَ أَخْلَصَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة {الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ} صفَّاها وهذَّبها. وَقَالَ غَيره الممتَحن الموطَّأ المذلَّل.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَحَنْتُه بالشدّ والعَدْوِ وَهُوَ البَلْس بالطرد والممتحِنُ والمُمَحِصّ واحِدٌ، وَجلد مُمَحَّن مقشور.

(أَبْوَاب الْحَاء وَالْفَاء)
ح ف ب: مهمل (1))
ح ف م
اسْتعْمل من وجوهه: (فَحم) .
فَحم: قَالَ اللَّيْث: الفَحْمُ الْجَمْر الطافِىء؛ الْوَاحِدَة فَحَمَةٌ وَأنْشد أَبُو الْهَيْثَم للأغلب:
قد قَاتلُوا لاَ ينفخون فِي فَحَم
يَقُول لَو كَانَ قِتَالهمْ يُغْنِي شَيْئاً وَلكنه لَا يُغْني فَكَانَ كَالَّذي ينفخُ نَارا وَلَا فَحم وَلَا حطب، فَلَا تذكو النَّارُ وَلَا تَتَّقِدُ، يضْرب هَذَا مثلا للرجل الَّذِي يُمارِسُ أمْراً لَا يُجْدِي عَلَيْهِ.
وَقَالَ اللَّيْث: فَحم الصَّبِي وَهُوَ يفحم إِذا طَال بكاؤه حَتَّى يَنْقَطِع نَفَسه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْكسَائي فَحِمَ الصَّبِي يفْحَمُ فُحُوماً وفُحَاماً إِذا بَكَى حَتَّى يَنْقَطِع. وَقَالَ اللَّيْث كلَّمني فلَان فأفحمتُه إِذا لم يُطِقْ جوابَك، قلت كأنّه شُبه بِالَّذِي يبكي حَتَّى يَنْقَطِع نَفَسه، وشاعر مُفْحَمٌ لَا يُجيب محاجِيَه، وَرجل مُفْحَم لَا يَقُول الشّعْر.
وَقَالَ اللَّيْث شَعَرٌ فَاحِمٌ وَقد فَحَم فُحومة وَهُوَ الْأسود الْحسن وَقَالَ الْأَعْشَى:
مبتلة هيفاءُ رُودٌ شبابُها
لَهَا مُقْلتا رِئْم وأسودُ فاحمُ
أَبُو عبيد ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ضُمُّوا فَوَاشِيكُمْ حَتَّى تذهَب فَحْمَةُ الْعشَاء) . وَالْفَوَاشِي: مَا انْتَشَر من المَال، الْإِبِل وَالْغنم وَغَيرهَا. قَالَ: وفَحْمةُ العِشاء شدَّة سَواد الليلِ وظلمته، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي أوَّله حَتَّى إِذا سكن فَوْرُه قلّت ظُلمته، وَقَالَ الفرَّاء يُقَال فَحِمُوا عَن العِشَاء يَقُول
(5/79)

لَا تَسِيروا فِي أَوَّله حِين تقوم الظُّلْمَةُ وَلَكِن أمهلوا حَتَّى تسكُنَ وتعدل الظلمَة ثمَّ سِيرُوا وَقَالَ لبيد:
واضْبِطِ اللَّيْل إِذا طَالَ السُّرَى
وتَدَجَّى بعد فَوْرٍ واعتدل
وَقَالَ شمر يُقَال فَحْمَةٌ وفَحَمَةٌ لُغَتَانِ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الفَحْمَةُ مَا بَين غرُوب الشَّمْس إِلَى نوم الناسِ سميت فَحْمَة لحَرها وأولُ اللَّيْل أحَرُّ من آخِره. قَالَ وَلَا تكون الفحْمة فِي الشتَاء. قَالَ وَلَا يُقَال فِي الشَّرَاب فَحْمَةٌ كَمَا يُقَال الجاشريَّة والصَّبُوح والغَبُوق والقَيْل. قَالَ: وَيُقَال للَّذي لَا يتَكَلَّم أصلا فَاحِمٌ وَيُقَال للَّذي لَا يَقُول الشّعْر مُفْحَم.

(بَاب الْحَاء وَالْبَاء مَعَ الْمِيم: مهمل)
آخر الثلاثي الصَّحِيح من حرف الْحَاء.
(5/80)

أول الثلاثي المعتل من الْحَاء
أهملت الْحَاء مَعَ بَاقِي حُرُوف الْحلق فِي المعتلات

(بَاب الْحَاء وَالْقَاف)
(ح ق (وايء))
حَقي، حاق، قحا، قاح، وقح: (مستعملة) .
حَقي: وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أعْطى غَسَلَةَ ابْنَته حَقْوَه وَقَالَ أشعرْنَها إيَّاه، وَذَلِكَ حِين توفيت وغُسلَتْ وكفنت. الحَقْوُ: الإزَارِ هَاهُنَا وَجمعه حُقِيّ. وَقَالَ أَبُو عبيد الحَقْو مَعقِد الْإِزَار من الجَنْبِ، يُقَال أخذتُ بحَقْوِ فلَان. وجمعُ الحَقْوِ حِقَاءٌ. وَقَالَ اللَّيْث الحَقْوانِ الخاصرتَان. والجميع الأَحْقَاءُ. وَالْعدَد أَحْقٍ كَمَا ترى تَقول عُذْتُ بِحَقْوِ فلَان إِذا عاذَ بِهِ ليمنَعَه، وَأنْشد:
وعذتم بأَحْقَاءِ الزّنادِق بَعْدَمَا
عركتكم عَرْكَ الرّحى بِثِفَالها
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن بشر بن مُوسَى عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كلُّ مَوضِع يَبْلُغُه سيلُ الماءِ فَهُوَ حَقْوٌ. وَقَالَ اللَّيْث: إِذا نظرت إِلَى رَأس الثَّنِيَّةِ من ثَنَايا الْجَبَل رَأَيْت لِمَخرِمَيْها حَقْوَينِ وَقَالَ ذُو الرمة:
تَلْوِي الثنايا بأَحْقِيَها حَوَاشِيه
لَيَّ المُلاَءِ بأبوابِ التَّفَاريج
التفاريج: خَصَاص الدَرَابَزِين بنحِقرات قَالَه ثَعْلَب يَعْنِي السّراب. وَيُقَال: رمى فلانٌ بِحَقْوٍ، أَي رمى بِإِزَارِهِ. والحَقْوَةُ داءُ يَأْخُذ فِي البَطْن يورِث نَفْخَةً فِي الحَقْوَيْنِ تَقول: حُقِيَ الرجل فَهُوَ مَحْقُوُّ إِذا أَصَابَهُ ذَلِك الدَّاء قَالَ رؤبة:
من حَقْوَةِ الدَّاء وَرَاء الأعْداد
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الحَقْوَةُ داءُ يكون فِي الْبَطن من أَن يَأكُلَ الرجُلُ اللَّحْم بَحتَاتٍ فَيَقَع عَلَيْهِ الْمَشْي وَقد حُقِيَ فَهُوَ مَحْقُوٌّ.
وَقَالَ ابْن الأَعرابي الحَقْوة فِي الْإِبِل نَحْو التَّقْطيع يأخُذُها من النُّحَازِ. قَالَ: وأكثرُ مَا تقع الحَقْوَةُ للْإنْسَان. وروى عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس أَنه قَالَ حَقِي يَحْقَى حَقاً مقصورٌ وَرجل مَحْقُوٌّ قَالَ أَبُو بكر مَعْنَاهُ إِذا اشْتَكَى
(5/81)

حَقْوَهُ أَبُو عَمْرو الحِقَاءُ رِباط الجُلّ على بطن الْفرس إِذا حُنذ للتَّضْمير وَأنْشد لطَلْق بن عدي:
/ ثمَّ حَطَطْنا الجُلَّ ذَا الحِقَاء
كَمثل لَوْن خَالِصِ الحِنَّاءِ
أخبر أَنه كُمَيْتٌ. قَالَ: الحِقاء جمع حَقْوةٍ، وَهُوَ مُرْتَفع عَن النَّجْدَةِ وَهُوَ مِنْهَا مَوضِع الحَقْوِ من الرجل يتحرَّزُ فِيهِ الضباع من السَّيْل. قَالَ أَبُو النَّجْم يصف مَطَرا:
يَنْفِي ضِبَاع القُفّ من حِفائه
وَقَالَ النَّضر: حُقِيُّ الأَرْض سُفوحها وأسنادها وَاحِدهَا حَقْوٌ وَهُوَ السَّنَدُ والهَدَفُ.
ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء قَالَت الدُّبَيرية يُقَال: ولغَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء ولجن واحْتَقَى يَحْتَقي احتقاءً بِمَعْنى وَاحِد.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: حَقْوُ السَّهْم مُسْتَدَقُّه مِمَّا يَلِي الريش. وَيُقَال حَقْوُ السهْم مَوضِع الريش وَجمع الْحَقْوِ حِقَاءٌ وحُقِيٌّ.
قحا: قَالَ الليثُ: القَحْوُ تأسيس الأقْحُوَان وَهِي فِي التَّقْدِير أفْعُلاَن وَهُوَ من نَبَات الرّبيع مُفَرَّضُ الْوَرق دَقِيق العيدان لَهُ نوْرٌ أَبيض كَأَنَّهُ ثغر جَارِيَة حَدَثةِ السن. والواحدة أقْحُوانة وَلَو جعلته فِي دَوَاء قلت: دَوَاء مَقْحُوٌ ومُقَحًّى.
وأقحوانة مَوضِع مَعْرُوف فِي ديار بني تَمِيم، وَقد نزلت بِهِ.
والأُقحوان هُوَ القُرَّاصُ عِنْد الْعَرَب وَهُوَ البابُونج والبابونك عِنْد الْفرس. وَالْعرب تَقول رَأَيْت أقاحي أمره كَقَوْلِك رَأَيْت تباشير أمره وَفِي (النَّوَادِر) اقتحَيْتُ المَال وقَحَوْتُه واجْتَفَفْتُه وازْدَفَفْتُه أَي أَخَذته.
وَقَالَ: فالأقحوانة منا منزل قمِن.
حوق: عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الحُوقَةُ الْجَمَاعَة الممحزِقة وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحوق الكنس، والمِحوقَةُ المِكْنَسة قَالَ والحوق الحَوْقَلَةُ. وَقَالَ اللَّيْث الحَوْقُ والحُوقُ لُغَتَانِ، وَهُوَ مَا اسْتَدَارَ بالكمرة يُقَال فَيْشَلة حوقاءُ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحَوْقُ الْجمع الْكثير. أَبُو عبيد عَن الْكسَائي الحُواقَةُ القماش. وَقد حُقْتُ الْبَيْت حَوْقاً: كنسته.
وَقَالَ النَّضر: حَاق بهم العذابُ كأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِم، وَقَالَ: حاق الْعَذَاب يَحِيق فَهُوَ حَائق. وَقَالَ اللَّيْث: الحَيْق مَا حَاقَ بالإنسان من مكْرٍ أَو سُوءٍ يعملهُ فينزلُ ذَلِك بِهِ، تَقول أحاق الله بِهِمْ مَكْرَهُم وحاق بهم مَكْرهمْ. وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله جلّ وعزّ: {الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ} (غَافِر: 83) أَي أَحاط بهم العذابُ الَّذِي هُوَ جزءُ مَا كَانُوا يستهزءون. كَمَا تَقول أحَاط بفلان عملهُ وأهلكه كسْبُه؛ أَي أهلكه جَزَاء كَسبه. قلت: جعل أَبُو إِسْحَاق حاق بِمَعْنى أَحاط، وكأَن مأخذَه من الحُوق وَهُوَ مَا اسْتَدَارَ بالكَمَرَةِ، وَجَائِز أَن يكون الحُوقُ فُعْلاً من حاق يَحِيق كأَنَّه كَانَ فِي الأَصْل حُيْقاً فقلبت الْيَاء واواً لانضمام مَا قبلهَا، وَالْيَاء تدخل على الواوِ فِي حُرُوف كَثِيرَة، يُقَال تصوّح النبت وتصيّح إِذا تشقق وتوَّهَه وتيَّهه وطوّحه وطيّحه.
(5/82)

سَلمَة عَن الْفراء فِي قَوْله: {الْعِلْمِ وَحَاقَ} هُوَ فِي كَلامِ العرَب عَاد عَلَيْهِم مَا استهزءُوا وَجَاء فِي التَّفْسِير أَحَاطَ بهم وَنزل بهم.
وقح: اللَّيْث الوَقَاحُ الحافِر الصُّلْبُ الْبَاقِي على الْحِجَارَة. والنعت وقاحٌ، الذَّكُر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء والجميع وُقُح وَوُقَّح، ورجلٌ وقَاحُ الْوَجْه صُلبه قليلُ الحياءِ، وَقد وَقُح وقَاحَةً وقِحَةً وَوَقَح الفرسُ وَقاحة وقِحَةً والتوقيح أَن يوقح الحافرُ بشحْمَةٍ تذاب حَتَّى إِذا تشيّطت الشحمة وذابت كُوِيَ بهَا مَوَاضِع الحَفَاء والأَشَاعِر. واستوقح إِذا صلُب وَقَالَ غَيره: وَقحْ حوضَك أَي امْدُرْه حَتَّى يَصْلُبَ فَلَا ينشَفَ الماءُ، وَقد يُوَقَّح بالصفائِح وَقَالَ أَبُو وجزة:
أفْرِغْ لَهَا فِي ذِي صَفِيحٍ أَوْقَحَا
قيح: قَالَ اللَّيْث يُقَال للجرح إِذا انْتَبَرَ: قَدْ تَقَوَّحَ. قَالَ وقَاحَ الجرحُ يَقيحُ وقَيَّحَ وأَقَاحَ، والقيح المِدَّةُ الْخَالِصَة الَّتِي لَا يخالطها دَمٌ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أقاح الرَّجُلُ إذَا صمَّم على الْمَنْع بعد السُّؤَال، وَرُوِيَ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ مَنْ مَلأَ عيْنَيه من قَاحَةِ بيْتٍ قبل أَن يُؤْذَنَ لَهُ فقد فَجَر.
وَقَالَ ابنُ الْفرج سَمِعت أَبَا الْمِقْدَام السُلَميَّ يَقُول هَذِه بَاحَةُ الدَّارِ وقَاحَتُها وَمثله طين لازِبٌ ولازقٌ. ونَبِيثَةُ البِئْرِ ونَقِيثَتُها وَقد نَبَّثَ عَن الأَمْرِ ونَقَّثَ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي زِيَادٍ: مَرَرْت على دَوْقَرة فَرَأَيْت فِي قَاحَتِها دَعْلَجاً شَظِيظاً. قَالَ قاحةُ الدَّار وسَطُهَا، والدَّعْلَجُ الحُوَالِقُ والدوقَرَةُ أرضٌ نَقِيَّة بَين جبالٍ أحاطت بهَا.
وروى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي القُوح الأرَضُون الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئا، يُقَال قَاحَةٌ وقُوحٌ مثل ساحةٍ وسُوحٍ ولابَةٍ ولُوبٍ وقارَةٍ وقُورٍ.

(أَبْوَاب الْحَاء وَالْكَاف)
(ح ك (وايء)
حاك، (يحوك، ويحيك) ، كاح، حكى، حكأ، وكح، كحا: مستعملة.
حوك حيك: قَالَ اللَّيْث الحُوك بقلة ورَوَى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحَوْكُ الباذروج. قَالَ اليزيدي ماحكّ فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء وَمَا حاكَ وكلٌّ يُقَال:
فَمن قَالَ حكَّ قَالَ يحُكُّ وَمن قَالَ حاك قَالَ يحِيكُ حَيْكاً، وَيُقَال مَا أحاك فِيهِ السَّيْف وَمَا حاك كلٌّ يُقَال:
فَمن قَالَ أحَاكَ قَالَ يُحِيكُ إحاكَةً، وَمن قَالَ حاكَ قَالَ يَحيكُ حَيْكاً وحاك الحائك يحُوك حياكَةً وحَوْكاً وحَاك فِي مَشْيهِ يَحِيكُ حَيَكاناً أَي تبختر.
وَحدثنَا السَّعْدِيّ قَالَ حَدثنَا الزَّعْفَرَانِي عَن زيد بن الحُبَاب:
قَالَ أخبرنَا مُعَاوِيَة بن صَالح قَالَ أَخْبرنِي عبد الرحمان بن نُغَيْر عَن أَبِيه عَن النَوَّاس بن سَمْعان الْأنْصَارِيّ: أَنه سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن البِرّ والإثْم فَقَالَ:
(البِرُّ حُسْنُ الخُلُق وَالْإِثْم مَا حَاكَ فِي نفْسِك وكَرِهْتَ أَن يطّلِعَ عَلَيْهِ النَّاس) .
(5/83)

وَقَالَ اللَّيْث الشَّاعِر يحوك الشعْرَ حَوْكاً والحائك يَحِيك الثَّوْب حَيْكاً والحِياكةُ حرْفَتُه. قلت هَذَا غلط الحائك يحوك الثَّوْب وَجَمِيع الحائك حَوَكَةٌ وَكَذَلِكَ الشَّاعِر يَحُوكُ الْكَلَام حَوْكاً. وأمّا حاك يَحِيكُ فَمَعْنَاه التَّبَخْتُر.
وَقَالَ اللَّيْث الحَيْك النسج والحَيْكُ أَخْذُ القَوْل فِي الْقلب، يُقَال:
مَا يَحِيكُ كلامُكَ فِي فلَان وَلَا يَحيكُ الفأْسُ وَلَا القَدُومُ فِي هَذِه الشَّجَرَة.
قَالَ والحَيَكَانُ مَشْيَةٌ يُحَركُ فِيهَا الْمَاشِي أَلْيَتَهُ، تقولُ رجل حَيّاكٌ وَامْرَأَة حَيّاكَةٌ تَتَحَيّكُ فِي مِشْيَتها. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الحيكان أَن يُحَرَّكَ مَنْكِبَيْه وجسدَه حِين يمشي مَعَ كَثْرَة لحم.
ابْن بُزُرْج قَالُوا حَوْكٌ وحَوَكٌ وحُوُوكةٌ، وَالْمعْنَى التسَاجات وَهِي الثِّيَاب بِأَعْيَانِهَا.
أَبُو نصر عَن الْأَصْمَعِي: مَا حاك سيْفُه أَي مَا قَطَع، وَمَا حَكَّ فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء، أَي مَا تخالَجَ فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء. قَالَ وحَاكَ يحيكُ حيكاً إِذا فَحَّجَ فِي مِشْيَتِهِ وحرّكَ مَنْكِبَيْه وَقَالَ المُبَرد: حَاكَ الثوبَ والشعرَ يحوكُهُ، كِلاَهُما بِالْوَاو، وَهُوَ يَحِيكُ فِي مِشْيته، ومِشْيةٌ حَيَكَى إِذا كَانَ فِيهَا تبختر.
كوح كيح: قَالَ الليثُ: كاوحتُ فلَانا مكاوحَةً إِذا قاتَلْتَه فَغَلَبْتَه. ورأَيتُهما يتكاوحان، والمكاوحَةُ أَيْضاً فِي الْخُصُوماتِ وَغَيرهَا. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أكاح زيدا. وكوَّحه إِذا غَلَبه، وأَكاحَ زيدا إِذا أَهْلَكَه.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو والتكْوِيحُ التَّغْلِيبُ وَأنْشد:
أعددتُه للخَصْم ذِي التَّعَدّي
كوَّحْتُه مِنْكَ بِدُونِ الْجَهْدِ
وكوَّحَ الزمَامُ البعيرَ إِذا ذلَّلَه، وَقَالَ الشَّاعِر:
إِذا رام بغياً أَو مراحاً أقامَهُ
زِمَامٌ بمَثْنَاهُ خِشَاشٌ مكوحُ
بمثناه بِمَا ثنى من طرفَهِ حَلْقَةً
شمر عَن الْأَصْمَعِي الكِيحُ نَاحيَة الْجَبَل وَقَالَ رؤبة:
عَن صَلَتٍ من كيحنَا لَا تَكْلِمه
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الكِيحُ عُرْض الْجَبَل وأَغْلَظُه قَالَ والوادي رُبمَا كَانَ لَهُ كِيحٌ إِذا كَانَ فِي جُرُفٍ غليظ فجرفه كيحهُ، وَلَا يعد الكِيحُ إِلَّا مَا كَانَ من أصْلَب الحِجَارة وأخْشنها، وكل سنَدٍ جبلٍ غليظٍ كِيحٌ وَإِنَّمَا كوْحه خُشْنته وغِلَظُه، وَالْجَمَاعَة الكِيحَةُ. وَقَالَ اللَّيْث أسنانٌ كيحٌ غَلِيظَة وَأنْشد:
ذَا حَنَكٍ كِيح كحب القِلقِل
قَالَ والكِيح صقع الجُرْف وصقْع سنَدِ الْجَبَل.
وكح: أَبُو عبيد عَن أبي زيد أَوْكَحَ عطيَّتَه إيكاحاً إِذا قَطَعَها.
الْأَصْمَعِي: حفر فَأكْدَى وأَوْكَحَ إِذا بَلَغَ المكانَ الصُّلْبَ وَقَالَ المفضّل سَأَلته فاسْتَوْكَحَ استيكاحاً أَي أمسك وَلم يُعْط.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: استوكَحَتِ الفراخُ إِذا غلظت وَهِي فراخ وُكُحٌ. وَقَالَ غَيره أَرَادَ أَمْراً فَأَوْكَحَ عَنهُ أَي كفَّ عَنهُ وتَرَكَه.
(5/84)

حكى: اللَّيْث الحِكاية كَقَوْلِك حكَيْتُ فلَانا وحاكَيْتُه إِذا فعلتَ مثلَ فعلِه سَوَاء وَقلت مثلَ قولِه سَوَاء لَا تجاوزُه.
سَلمَة عَن الفرّاء: الحاكِيَةُ الشادّة يُقَال حكت أَي شدّت قَالَ والحائِكة المتبخترة.
حكأ: قَالَ اللَّيْث أحكأتُ العُقْدَةَ إحْكَاء إِذا شدَدْتَّها واحْتَكأَتِ العُقْدَةُ إِذا اشتدّت وَقَالَ الأصمعيّ: أَحْكَأَ عُقْدَتَه إحكاءً إِذا شدّها، وأَنشد شمر:
أَجْلَ أَنَّ الله قد فَضَّلكم
فوقَ من أَحكأ صُلْباً بإزار
الصُّلْبُ هَاهُنَا الحَسَبُ، والإزار العِفَّةُ من الْمَحَارِم.
وَقَالَ شمر هُوَ من أحْكأتُ العُقْدَة أَي أحْكَمْتُهَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم قَالَ الأصمعيّ: أهل مكّة يسمون العِظَاءة الحُكَأَة. والجميع الحُكَى، مَقْصُور. قَالَ أَبُو حَاتِم. وَقَالَت أم الْهَيْثَم الحُكاءَة ممدودة مَهْمُوزَة. وَهُوَ كَمَا قَالَت. وَفِي (النَّوادر) . يَقُول لَهُ احْتَكَأَ أمْرِي لفَعَلت كَذَا، أَي لَو بَان لي أَمْرِي فِي أوّله. ابْن السّكيت يُقَال احْتَكَأ ذَاك الأمْرُ فِي نَفسِي أَي ثَبَتَ فَلم أشُكَّ فِيهِ، وَمِنْه إحْكَاء العُقْدَةِ، وَيُقَال سَمِعت أَحَادِيث فَمَا احتكأ فِي صَدْرِي مِنْهَا شيءٌ.
كحا: أهمله اللَّيْث وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ كَحَا إِذا فسد. قلتُ: وَهُوَ غَريبٌ.

(بَاب الْحَاء وَالْجِيم)
(ح ج (وايء))
حجا، حَاج، جحا، جاح، وجح، وَحج، أحح.
حجا (أحج) : وَقَالَ اللَّيْث: تَقول حاجَيْتُه فَحَجَوْتُه إِذا ألقيت عَلَيْهِ كلمة مُحْجِيَةً مُخَالفَة المَعْنَى لِلَّفظ. والجواري يتحاجَيْن. والحُجَيَّا تَصْغِيرُ الحَجْوَى. وَتقول الجاريةُ للأخْرى جُحَيَّاكِ مَا كانَ كذَا وكذَا. والأُحْجِيَّةُ اسْم المحاجاةِ وَفِي لُغَة أُحْجُوَّة وَالْيَاء أحسن. والْحجْوَى اسْم أَيْضا للمحاجاة.
وَقَالَت بنت الخُس العاديَّةُ فِيمَا يُرْوَى لَهَا:
قَالَتْ قالَةً أختى
وحَجْوَاهَا لَهَا عَقْلُ
ترى الفتيان كالنخل
وَمَا يدرِيك مَا الدَّخْلُ
الدَّخْلُ العيْبُ.
أَبُو عُبَيْدٍ: بَينهم أُحْجِيَّةٌ يتحاجَوْن بِهَا، وَهِي مثل الأُغلوطة وأُدْعيَّه فِي مَعْنَاهَا، وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال مِنْهُ حاجَيْتُه، وَهُوَ نَحْو قَوْلهم أَخْرِجْ مَا فِي يَدي وَلَك كَذَا.
سلمةُ عَن الْفراء قَالَ: حُجَيَّاكَ مافي يَدي، أَي حاجَيْتُك. وَقَالَ الْأَصْمَعِي فلَان يأتينا بالأحاجيّ أَي بالأغاليط. وَقَالَ اللَّيْث الحَجَاةُ فُقَّاعةٌ ترْتَفع فوقَ المَاء كأنَّها قارورةُ والجميع الحَجَوَاتُ وَأنْشد:
وعَيْنَاي فِيهَا كالحَجاة من الْقطر
وَقَالَ الْأَصْمَعِي الحَجَا مقصورٌ النُّفاخات على المَاء الْوَاحِدَة حَجَاةٌ. قَالَ: والحِجَا
(5/85)

العقلُ مقصورُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو زيد والفراءُ. وَأنْشد اللَّيْث قولَ الْأَعْشَى:
إِذْ هِيَ مثلُ الغُصْن ميَّالَةٌ
تروق عَيْنَيْ ذِي الْحِجا الزائر
وَيُقَال: هُوَ حَجٍ بِهِ قَالَ وَتقول إنَّه لَحِجَيٌّ أَن يفعل ذَاك أَي حَرِيٌّ بِهِ، وَمَا أَحْجَاهُ بِهِ وأحْراه قَالَ العجاج:
كرَّ بِأَحْجَى مَانِعٍ أَن يَمْنَعَا
وَتقول أَحْجِ بِهِ أيْ أَحْرِبه وأخلِقْ بِهِ أَن يكون، قَالَ الأصمعيُّ وَقَالَ اللَّيْث الحَجَا الزمزمة وَقَالَ الشَّاعِر:
زمزمة الْمَجُوس فِي أحجائها
وَقَالَ ابنُ الْأَعرَابِي فِي حَدِيث رَوَاهُ عَن رجل رَأَيْت عِلْجاً يومَ الْقَادِسِيَّة قد تكَنَّى وتَحَجَّى فقتلتُه؛ قَالَ ثعلبٌ سَأَلت ابنَ الْأَعرَابِي عَن تحجَّى فَقَالَ: مَعْنَاهُ زَمْزَمَ قَالَ والحِجاءُ مَمْدُود الزمْزَمة وَأنْشد:
زَمْزَةُ الْمَجُوس فِي حِجَائِها
هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس عَنهُ وكأنهما لُغَتَانِ إِذا فتحتَ الْحَاء قصرْتَ وَإِذا كسرتها مددت، وَمثله الصَّلا والصلاءُ والأَيا والإياءُ للضَّوْءِ. قَالَ وتكنى لزم الكِنَّ، أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ حاجَانِي فلانٌ فاحْتَجَيْتُ أَي أصَبْتُ مَا سَأَلَني عَنهُ وأنشدنا:
فَنَاصِيَتي ورَاحِلَتي ورحْلي
ونِسْعَا نَاقَتِي لمن احْتَجَاهَا
وَقَالَ اللَّيْث الْحجْوَة الْحَجْمَة يَعْنِي الحدقة. قلت لَا أَدْرِي هِيَ الحَجْوَةُ أَو الجَحْوَة للحدقة. وَقَالَ الأصمعيّ حجا الرجل يحجو إِذا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَثَبت وَقَالَ العجاج:
فَهُنَّ يعكُفْنَ بِهِ إِذا حَجَا
وَيُقَال تحجّيتكم إلَى هَذَا الْمَكَانِ أَي سَبَقْتُكمْ إِلَيْهِ وَلَزِمتهُ قبلكُمْ وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
أصَمَّ دُعَاء عاذلتي تحجي
بآخرنا وتنسى أوّلينا
قَالَ وأَحْجَاءُ الْبِلَاد نَوَاحِيهَا وأطرافُها، وَقَالَ ابْن مُقْبل:
لَا يُحْرِزُ المرءَ أحجاءٌ البِلاَدِ وَلَا
تُبْنَى لَهُ فِي السماواتِ السَّلاَليم
وَقَالَ غيرُه وَاحِد الأحجاء حَجاً مَنْقُوص، ناحيةُ الشَّيْء وَقَالَ ذُو الرمة:
فَجَاءَت بأَغباش تحجَّى شَرِيعَة
تِلاداً عَلَيْهَا رمْيُها واحتِبالُها
قَالَ تَحَجَّى تقصد، حَجَاهُ، وَيُقَال تحجّى فلانٌ بظَنه إِذا ظنَّ شَيْئا فادّعاه ظانّاً، وَلم يستيقنه وَقَالَ الكُمَيْتُ:
تَحَجَّى أَبُوهَا مَنْ أبوهم فصادفُوا
سواهُ وَمن يجهلْ أَبَاهُ فقد جَهِل
وَتقول: حَجَوْتُ فلَانا بكَذَا أَيْ ظننْته بِهِ، وَقَالَ الشَّاعِر:
قد كُنْت أحجو أَبَا عَمْرٍ وأَخاً ثِقَة
حتّى أَلَمَّت بِنَا يَوْمًا ملمّاتُ
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ الحَجْوُ الوُقُوف حَجَا إِذا وقف قَالَ وحَجِي معدولٌ من حَجَا إِذا وقَفَ.
وَقَالَ الكسائيُّ: مَا حَجَوْتُ مِنْهُ شَيئاً، وَمَا هَجَوْتُ مِنْهُ شَيْئا أَي مَا حفِظْتُ مِنْهُ
(5/86)

شَيْئا. وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْفراء حَجِيتُ بالشَّيْء، وتحجَّيْتُ بِهِ، يُهمز وَلَا يُهمز تمسكْتُ بِهِ ولزمْتُه وَأنْشد بَيت ابْن أَحْمَر:
أَصَمَّ دَعَاءُ عَاذِلتي تَحَجَّى
أَي تمسك بِهِ وَتلْزَمهُ قَالَ وَهُوَ يحجوبه وَأنْشد:
فهن يعكفن بِهِ إِذا حَجَا
أَي إِذا أَقَامَ بِهِ وَمِنْه قَول عدي بن زيد:
أطفَّ لأنفه الموسى قصيرٌ
وَكَانَ بِأَنْفِهِ حَجِئاً ضنينا
قَالَ شمر: تحجَّيتُ تمسكت جيدا قَالَ اللحياني يُقَال مَاله حَمْجَأٌ وَلَا مَلْجَأٌ بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ أَبُو زيد إنَّه لَحَجيء بني فلَان أَي لاجىءٌ إِلَيْهِم وَقَالَ ابْن هانىء قَالَ أَبُو زيد حجا سرُّه يَحْجُوه إِذا كَتَمَهُ وَيُقَال لِلرَّاعِي إِذا ضَيَّع غَنَمَه فتفرَّقَت مَا يَحْجُو فلانٌ غنَمه وَلَا إبِلَهُ، وَمَا يَحْجُو السقَاءُ شَيْئا إِذا لم يَحْبِس الماءَ ونَفَحَ من جوانبه.
وَفِي (نَوادِرِ الأَعراب) لَا محاجَاةَ عِنْدِي فِي كَذَا وَلَا مكافأةَ، أَي لَا كتمانَ لَهُ عِنْدِي وَلَا ستر. وَقَول الأخطل:
جحونا بني النُّعْمَان إِذْ عَضّ ملكهم
وَقبل بَني النعمانِ حاربَنَا عَمْرو
قَالَ الَّذِي فسره جحونا قَصَدْنَا واعتمدْنا، قلت: مِنْهُ قَوْلهم إِنَّه لحجيّ بِكَذَا أَي حَرِيٌّ وَمَا أَحْجَاه أَي مَا أَخْلَقَهُ.
جحا: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: جَحَا إِذا خَطَا. قَالَ: والجَحْوَة الخَطْوَة الْوَاحِدَة قَالَ أَبُو الْعَبَّاس إِذا سمّيت رجلا بِجُحَا فألْحِقْه بِبَاب زُفَر. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الجاحي الحسنُ الصلاةِ، والجاحي المثاقب، والجائح الجَرَاد، قَالَ: وجُحَا معدول من جَحَا يَحْجُو إِذا خَطَا، وَقَالَ غَيره بَنو حَجْوانَ حَيٌّ من الْعَرَب.
واجتحى الشيءَ واجتاحه بِمَعْنى وَاحِد إِذا استأصَلَه. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ قَالَ أَخْبرنِي ثعلبٌ عَن سلمةَ عَن الفرَّاء وَقَالَ فِي كَلَام تجاحيا الْأَمْوَال فَقلب يُرِيد اجتاحا وَهُوَ من أَوْلَاد الثلاثةِ فِي الأَصْل.
حوج: قَالَ اللَّيْث: الحَوْجُ من الحاجةِ، تَقول أَحْوَجَهُ الله. وَقد أَحْوجَ الرجلُ إِذا احتَاجَ. والحَاجُ جمع الحاجَةِ، وَكَذَلِكَ الحوائِج والحاجات. وَتقول لقد جَاءَت بِهِ حاجةٌ حائجةٌ. قَالَ: والتَّحَوُّجُ طلب الحاجَةِ وَقَالَ العجّاج:
إِلَّا انتظارَ الْحَاج من تَحوَّجَا
وَقَالَ الْفراء هِيَ الحِوَج للحاجات وَأنْشد.
وَعَن حِوَجٍ قَضَاؤُها من شِفَائِيا
والحاجُ ضرب من الشوك. ورُوي عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: تَصْغِير الحاجِ الشوكِ حُيَيْجَةٌ. قَالَ وأَحْيَجت الأرضُ وأَحَاجَتْ إِذا أَنْبَتَت الحَاجَ. وَقَالَ الرّاجز:
كَأَنَّهَا الحاجُ أفادت عصبَة
أَرَادَ الحاجّ فخذف إِحْدَى الجيمين وخففه كَقَوْلِه:
لسوء الغالبات إِذا فليني: أَرَادَ فلينني وَأنْشد شمر.
والشحطُ قطّاعٌ رجاءَ من رجا
إِلَّا احْتضار الحاجِ من تحوَّجا
(5/87)

قَالَ شمر يَقُول إِذا بعد من تُحِبُّ انْقَطع الرَّجَاء إِلَّا أَن يكون حَاضرا لحاجَتِك قَرِيبا مِنْهَا. وَقَالَ رَجَاء من رجا، ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ إِلَّا احتضار الْحَاج أَي إِلَّا أَن تحضره، والحاج جمع حاجَةٍ، وتَحَوَّج طلب حَاجَة. وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْحسن الشيخي عَن الرياشي قَالَ يُقَال حاجَةٌ وحَاجٌ وأَخْبَرني عَن أبي الْهَيْثَم أنّه قَالَ الحاجَةُ فِي كَلَام الْعَرَب الأَصْل فِيهَا حائجة حذفوا مِنْهَا الْيَاء فلمَّا جمعوها ردوا إِلَيْهَا مَا حذفوا مِنْهَا فَقَالُوا حَاجَة وحوائج فدلّ جمعهم إِيَّاهَا على حوائج أَن الْيَاء محذوفة من الْوَاحِدَة قَالَ وَقَالُوا حَاجَة حوجاء وَأنْشد:
وحُجْتُ فَلم أكُدُرْكُمُ بالأَصَابِع
أَي تعفَّفْتُ عَن سُؤَالِكُمْ. وَقَالَ اللحياني حَاجَ الرّجُلُ يَحُوجُ ويَحِيجُ، وَقد حِجتُ وحُجْتُ أَي احتَجْتُ وَيُقَال كلمت فلَانا فَمَا رَدّ عليّ حَوْجَاءَ وَلَا لَوْجَاء على فعلاء مَمْدُود، وَمَعْنَاهُ مَا ردّ عليّ كلمة قبيحة وَلَا حَسَنَة. وَقَالَ اللحياني مَالِي فِيهِ حوجَاءُ وَلَا لَوْجَاءٌ وَلَا حويْجَاءُ وَلَا لويجاء أَبُو العبّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي حَاجَ يَحُوجُ حَوْجاً إِذا احْتَاجَ. قَالَ: والحَوْجُ الطّلب، والحَوْجُ الْفقر.
جوح: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: جَاحَ الرَّجُل يجوح جَوْحاً إِذا أَهْلَكَ مَال أقربائِه، وجَاح يَجُوح جَوْحاً إِذا عدا عَن المحجَّة إِلَى غَيرهَا، أَبُو عبيد الجَائِحة الْمُصِيبَة تحل بِالرجلِ فِي مَاله فتجْتَاحُه كُلَّه. قَالَ شمر، وَقَالَ ابْن شُمَيْل: أصابَتْهُمْ جائِحة أَي سنَةٌ شديدةٌ اجتاحت أموالَهُم فَلم تَدعْ لَهُم وَجَاحاً، والوَجاح بَقِيَّة الشَّيْء من مَالٍ أَو غيرِه. وَقَالَ اللَّيْث الجوح من الاجْتِياح، يُقَال جَاحَتْهُم السّنة واجتاحتهم، وَهِي تَجُوحُهم جَوْحاً وجِياحَةً، وَهِي سنة جَائِحَة جدْبَةٌ. وَنزلت بفلان جائِحة من الجوائِح. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنّه أَمر بِوَضْع الجوائِح وَمِنْه قَول شَاعِر الْأَنْصَار:
ولَكِنْ عرايا فِي السنين الجوائِحِ
وَأَخْبرنِي عبد الْملك عَن الرّبيع عَن الشَّافِعِي قَالَ: جِمَاع الجَوائِح كلُّ مَا أذْهَبَ الثَّمَرَة أوْ بعضَها من أمْرٍ سماوِيَ بِغَيْر جنايةِ آدَمِيّ. قَالَ وَإِذا اشْترى الرجل ثَمَر نخل بَعْدَمَا يحل بيعُه فأُصِيبَ الثَّمر بَعْدَمَا قَبضه المشترِي لزمَه الثّمن كلّه، وَلم يكن على البائِع وضْعُ مَا أصابَه من الجائِحة عَنْه. قَالَ واحتملَ أمرُه بِوَضْع الجوائِح أَن يكون حَضّاً على الْخَيْر لَا حتما كَمَا أَمَر بالصُّلْح على النّصْف وَمثل أمرِه بِالصَّدَقَةِ تَطَوّعا فَإِذا خَلَّى البائِعُ بَين المشترِي وَبَين الثَّمر فأصابته جَائِحَة لم يُحكمْ على البائِع بِأَن يضع عَنهُ من ثمنه شَيْئا.
قلت: والجائحة تكون بالبَرَدِ يقعُ من السَّمَاء إِذا عظم حَجْمُه فَكثر ضَرَرُه، وَتَكون بالبرْدِ المحرق وَالْحر المُفْرِط حَتَّى يفْسد الثَّمر.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الجَوْحُ الْهَلَاك والجائِحَةُ مأخوذةٌ مِنْهُ.
وجح: قَالَ شمر: الوَجَحُ الملجأُ وَكَذَلِكَ الوَجَحُ وَأنْشد:
(5/88)

فَلَا وَجَحٌ ينْجِيكَ إِن رُمْت حَرْبَنَا
وَلَا أَنْت مِنَّا عندَ تِلْكَ بآئل
وَقَالَ حُمَيْدُ بن ثَوْر:
نضْحَ السُّقَاةِ بصُبَابات الرَّجَا
ساعةَ لَا ينفَعُها مِنْهُ وجَحٌ
قَالَ ويُروى بَيت الْهُذلِيّ: فَلَا وجْحَ ينْجِيك.
قَالَ وَقد وجَحَ يَوْجَحُ وجْحاً إِذا التجأ، كَذَلِك قرأته بِخَط شَمِر، وَرُوِيَ عَن عمر أَنه صلّى بِقوم فلمّا سلم قَالَ: من استطاعَ مِنْكُم فَلَا يُصَل مُوجِحاً. فَقُلْنَا: وَمَا المُوجِحُ؟ قَالَ: مِنْ خَلاَءٍ أَو بَوْلٍ. قَالَ شمر: هَكَذَا رُوِيَ بِكَسْر الْجِيم، قَالَ وَقَالَ بَعضهم: مُوجَحٌ وقَدْ أَوْجَحهُ بولُه. قَالَ: وَسمعت أعرابيّاً سَأَلته عَنهُ فَقَالَ هُوَ المُجِحُّ ذهب بِهِ إِلَى الْحَامِل.
قَالَ شمر وَيُقَال ثوب موجَح كثير الْغَزل كثيف قَالَ وَطَرِيق موجِح مَهْيع وَقَالَ سَاعِدَة الْهُذلِيّ:
لَقَدْ أشهدُ البيتُ المُحَجَّبَ زَانَه
فِرَاشٌ وخِدْرٌ موجَحٌ ولطائِم
قَالَ الموجَحُ الغليظُ الكثيف، وثوب وَجِيحٌ متين كثيف. قَالَ شمر كَأَنَّهُ شَبَّه مَا يجد المحتقِن من الامْتلاء والانتفاخ بذلك قَالَ: وَيكون من أَوْجَحَ الشيءُ إِذا ظهر. يُقَال (وجح) الطريقُ والنارُ إِذا وَضُح وبَدَا. قَالَه ابْن المظفّر. وَقَالَ أَبُو وجزة:
جَوْفَاءٌ محشُوَّةٌ فِي موحَحٍ مَغِصٍ
أَضْيَافُه جَوَّعٌ مِنْهُ مَهَازيلُ
أَرَادَ بالموجَح جلدا لَهُ أمْلَسَ وأضيافُه قِرْدانه والموجَحُ يُشبه المغَار. وَقَالَ:
بِكُل أمعزَ مِنْهَا غيرِ ذِي وَجَحٍ
وكل دارة هَجْلٍ ذاتِ أوجاح
أَي ذَات غِيرَان. وأوْجَحَتْ غُرَّةُ الْفرس إيجَاحاً وأوضَحتْ إيضَاحاً.
قَالَ شمر: والمُوجِحُ أيْضاً الَّذِي يوجِحُ الشَّيْء يسترهُ ويُخْفِيه من الوِجَاح وَهُوَ السّتْر وَقَالَ اللَّيْث: مَا عَلَيْهِ وَجَاحٌ أَي مَا عَلَيْهِ سِترٌ وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْفراء: الوِجَاحُ والأَجاح والوَجاح السّتْر، الحرانيُّ عَن ابْن السّكيت قَالَ الْفراء: لَيْسَ بيني وَبَينه وِجاح ووَجاح وَأجاح وإجَاحٌ أَي لَيْسَ بَيْني وبينَه سِتْرٌ قَالَ شمر: وَسمعت أَبَا معاذٍ النحويَّ يَقُول: مَا بيني وَبَينه جَاحُ بِمَعْنى وَجاح.
قَالَ شمر: والموجِحُ أَيْضا الَّذِي يُوجحُ الشَّيْء يُمْسِكُه ويمنعُه من الوَجَحِ وَهُوَ الملجَأُ. قَالَ وأقرأني إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الْوَاقِدِيّ للجُلاَح:
أتتركُ أَمْرَ القَوْمِ فِيه بَلابِلٌ
وتترك غيظاً كَانَ فِي الصدْرِ موجِحاً
(5/89)

(بَاب الْحَاء والشين)
(ح ش (وَا يء))
حَشا، شحا، حاش، شاح، وشح، وَحش. أشح.
حَشا: قَالَ اللَّيْث الحشو: مَا حشَوْتَ بِه فِراشاً أَو غيرَ ذَلِك. والحَشِيَّةُ الفِراش المحشُوُّ. وَتقول احتشيتُ بِمَعْنى امْتلأْتُ. وَتقول انْحشَى صوتٌ فِي صوتٍ وانحشى حَرْفٌ فِي حَرْفٍ. قَالَ: والاحْتِشَاء احتشاءُ الرجلِ ذِي الإبْرِدِة والمستحاضةُ تحْتَشِي بالكُرْسُف. قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لامرأةٍ: (احْتَشِي كُرْسُفاً) ، وَهُوَ الْقطن تحشُو بِهِ فرجَهَا.
والحَشْوُ من الْكَلَام الفضْل الَّذِي لَا يُعتَمد عَلَيْهِ. قَالَ: والحشو صِغَارُ الْإِبِل، وَكَذَلِكَ حَوَاشِيها صغارُها، وَاحِدهَا حاشِيَةٌ. والحَشْوُ من النّاس الَّذين لَا يُعتدُّ بهم. وحاشِيَتَا الثَّوْب جَنَبَتَاه الطويلتَان فِي طرفيْهما الهُدْبُ. وحاشيةُ السَّرَابِ كلُّ ناحيةٍ مِنْهُ.
والحشا مَا دُون الحجابِ مِمَّا فِي الْبَطن كُله من الكبد والطحَال والكَرِش وَمَا تبع ذَلِكَ حَشا كُلُّه. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الحَرَّاني عَن ابْن السّكيت: الحَشَا مَا بَيْن آخِرِ الأَضْلاَع إِلَى الوَرِك. قلت والشافعيُّ ح سَمَّى ذَلِك كلّه حِشْوَةً. ونحوَ ذَلِك سَمِعت الْعَرَب تَقول لجَمِيع مَا فِي البَطْنِ: حِشْوَةٌ مَا عدا الشَّحْم فَإِنَّهُ لَيْسَ من الحِشْوَة. وَقَالَ اللَّيْث الحشَا أَيْضا ظاهرُ البطْنِ وَهُوَ الخَصْرُ، وَأنْشد فِي صفة امْرَأَة:
هَضِيم الحشَا مَا الشمسُ فِي يَوْم دَجْنها
وَإِذا ثنَّيتَ قلت حشَيانِ، والجميعُ الأحشاء. وَيُقَال فلَان لطيفُ الحشَا إِذا كَانَ أقبَّ ضامر الخَصْر.
وَقَالَ اللَّيْث: تَقول حشوتُه سَهْماً إِذا أَصَبْتَ حشاه. قَالَ وَتقول: حشأتُه بالعصَا حشَأً مهموزٌ إِذا ضربْتَ بَطْنه بهَا، مَزَّقوا بَينهمَا. وَأنْشد:
وكائِنْ تَرى يَوْم الكُلاَبِ مُجَدلاً
حشوناه مَحْشُورَ الحديدةِ أَصْمَعَا
وَتقول حشَأْتُ النارَ أَي غَشِيتُها. قلت: هَذَا غلطٌ وَصَوَابه حشأتُ المرأَةَ إِذْ غشِيتَها، وَكَأَنَّهُ من تصحيفِ الورَّاقين. شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي حشَأْتُه سَهْما وحشَوْتُه. وَقَالَ الْفراء: حشأتُه إِذا أدخلته جوفَه. وَإِذا أصبتَ حشَاه قلت حَشِيْتُه. وروَى أَبُو الْفضل لنا عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: حشَأْته سهْماً إِذا رميتَه فَأصَاب جَوْفه وَأنْشد هَذِه الأبيات:
لي كلَّ يَوْم مِنْ ذُؤاله
ضغثٌ يزِيد على إبَاله
لي كلَّ يَوْم صِبْقَةٌ
فَوقِي تَأَجَّلُ كالظُّلاَله
فلأحْشَأَنَّكَ مِشْقَصاً
أَوْساً أُوَيْسُ مِنَ الهباله
والصبْقَةُ الْغُبَار وَقَوله أَوْساً أَي عوضا من هَبَالتك يَا أَوْسُ، وَهُوَ الذِّئْب كَانَ يعبَثُ فِي غَنَمِه ويَهْتَبِلُ لَحْمَها فَرَمَاهُ بِسَهْم فِي جوْفِه وقَتَلَه.
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت قَالَ حَشَأَ الرجلُ امرأَتَهُ يَحْشَؤُهَا حَشْأً إِذا نَكَحَها.
(5/90)

قَالَ وحشَأتَه بسهمٍ إِذا أصبتَ بِهِ جَوْفه. وَقد حشَا الوسادةَ يحشُوها حَشْواً. وَقَالَ أَبُو زيد حشَأتُ الرجلَ بالسهمِ حَشْأً إِذا أصبتَ بِهِ جَنْبَيْهِ وبطنَه وحشَأتُ الْمَرْأَة حَشْأ إِذا نكَحْتَها. وحشأتُ بطنَه بالعَصَا حَشْأ إِذا ضربتَه بهَا. قلت: والصوابُ فِي حشَأت مَا روينَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة.
قَالَ المنذريُّ قَالَ أَبُو حَاتِم قَالَ الأصمعيُّ الحِشْوَةُ موَاضِعُ الطَّعَام، وَفِيه الأحْشَاءُ والأقْصَاب. قَالَ وَسمعت الأصمعيَّ يَقُول: أسفلُ مواضِعِ الطعامِ الَّذِي يُؤَدي إِلَى الْمَذْهَب المَحْشَاة بنصْبِ الْمِيم والجميع مَحَاشٍ وَهِي المَبْعَرُ من الدوابّ. وَقَالَ: إيَّاكم وإتْيَانَ النِّسَاء فِي مَحَاشِيهنَّ؛ فَإِن كل مَحْشَاةٍ حَرَامٌ. قَالَ: والكُلْيَتَان فِي أَسْفَل البطْن بَينهمَا المثانة وَمَكَان الْبَوْل فِي المثانة. والمَرْبَضُ تَحت السُّرَّة وَفِيه الصفاقُ. والصفاق جلدةُ البطْن الباطِنَة والجلْدُ الأسفلُ الَّذِي إِذا انخرق كَانَ رَقِيقا. والمَأْنَةُ مَا غَلُظَ مِمَّا تَحت السُّرَّة. وروى أَبُو نصر عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ المحاشِيءُ بِالْهَمْزَةِ أكسيةٌ خَشْنَة تحلق الْجَسَد وَاحِدهَا مِحْشَأُ. وَأنْشد:
ينْفُضْن بالمشافر الهَدَالِق
نَفْضَك بالمَحَاشِىء المَحَالِقِ
وَقَالَ غَيره المِحْشَاةُ بِغَيْر همز مَا وَلِي الدُّبُرَ من المَبْعَر. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الحَشِيَّة رِفاعةُ الْمَرْأَة وَهُوَ مَا تَضَعه المرأةُ على عَجِيزَتِها تفطمها بِهِ، يُقَال تَحَشَّت الْمَرْأَة تَحشياً فَهِيَ متحشيَةٌ.
وعيش رَقِيق الحَوَاشِي إِذا كَانَ نَاعِماً فِي دَعَةٍ. وَقَالَ ابْن السّكيت الحاشِيَتان ابنُ المَخَاض وابنُ اللَّبُون. يُقَال: أرسلَ بنُو فلَان رَائِداً وانْتهى إِلَى أَرض قد شبعت حاشيتاها.
أَبُو عبيد إِذا اشْتَكَى الرَّجُلُ حَشَاه ونَسَاهُ فَهُوَ حَشٍ ونَسٍ. قَالَ والحَشْيَان الَّذِي بِهِ الرَّبْوُ. وَامْرَأَة حَشْيَا. وَفِي حَدِيث عَائِشَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ من بَيتهَا لَيْلًا وَمضى إِلَى البقيعِ، فتبعَتْهُ عائشةُ وظنَّت أَنه دخلَ بعضَ حُجَرِ نسائِه، فَلَمَّا أَحَسَّ بسوادِها قصد قَصْدَه فعدَتْ وعَدَا على إثْرِها، فَلم يدْرِكْها إِلَّا وَهِي فِي جَوف حُجْرَتِها، فَدَنَا مِنْهَا وَقد وقَع عَلَيْهَا البَهْرُ والرَّبْوُ فَقَالَ لَهَا مَالي أرَاك حَشْيَا رَابِية. أَرَادَ مَا لي أَرَاك قد وَقع عَلَيْك الرَّبْوُ وَهُوَ البَهْرُ، والرَّبْو يُقَال لَهُ الحشَا وَقَالَ الْهُذلِيّ:
فَنَهْنَهْتُ أُولَى الْقَوْم منْهم بضرْبةٍ
تَنَفَّس مِنْهَا كلُّ حشيانَ مُحْجِرُ
وَقَالَ الفرّاء فِي قَول الله جلّ وعزّ: {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} (يُوسُف: 51) هُوَ مِنْ حَاشَيْتُ أُحَاشِي. وَقَالَ غَيره يُقَال شَتَمْتُم فَمَا تحشَّيْتُ مِنْهُم أحدا وَمَا حَاشَيْتُ مِنْهُم أحدا ومَا حَاشَيْتُ أَي مَا قلت حَاشَى فلانٍ أَي مَا استثْنيت مِنْهُم أحدا.
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: معنى حَاشَا فِي كَلَام الْعَرَب أَعْزِلُ فلَانا من وصْفِ الْقَوْم بالحَشَا، وأعْزِلُه بناحيته وَلَا أُدْخِلُه فِي جُمْلتهم، وَمعنى الحشا النَّاحِبةُ وَأنْشد:
وَلَا أُحَاشِي من الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ
(5/91)

ويقالُ حاشَى لِفُلانٍ، وحَاشَا فلَانا وحَشَى فُلاَنٍ. قَالَ عمرُ بن أبي ربيعَة:
من رَامَها حاشَى النَّبِيَّ وَأَهْلهُ
فِي الفَخْرِ غَطْمَطَهُ هُنَاكَ المُزْبِدُ
وَأنْشد الْفراء:
حشَى رَهْطِ النَّبِي فإنّ مِنْهُم
بُحوراً لَا تكدرُها الدَّلاَءُ
فَمن قَالَ حاشى لِفُلانٍ خَفَضَه بِاللَّامِ الزَّائِدَة، وَمن قَالَ حَاشى فلَانا أضمر فِي حاشَى مَرْفُوعا ونصبَ فلَانا بحَاشَى، وَالتَّقْدِير حاشَى فِعْلُهُم فلَانا. وَمن قَالَ حاشى فلانٍ خفض بإضمار اللَّام لِطُول صُحبتها حَاشَى، وَيجوز أَن تَخْفِضَه بحاشى لأنَّ حَاشَى لَمَّا خلت من الصَّاحِب أَشْبَهت الِاسْم فَأَضيفَتْ إِلَى مَا بَعْدَها. وَمن الْعَرَب من يَقُول حَاشَ لفُلان فيُسقط الْألف، وقَدْ قُرِىءَ فِي الْقُرْآن بِالْوَجْهَيْنِ. قلت حَاشَ لله كَانَ فِي الأَصْل حاشَى لله فَلَمَّا كثُرَ فِي كَلاَمِهمْ حَذَفُوا الياءَ وجُعِلَ اسْما وَإِن كَانَ فِي الأَصْل فِعْلاً، وَهُوَ حَرْفٌ من حُرُوفِ الِاسْتِثْنَاء مثل عدا وخَلاَ ولِذَلِكَ خَفَضوا بِحَاشى كَمَا خَفَضُوا بهما لِأَنَّهُمَا جُعِلا حَرْفين وَإِن كَانَ فِي الأصْل فعلين. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} (يُوسُف: 51) اشتُق هَذَا من قَوْلِك كُنْتَ فِي حَشَا فَلاَنٍ أَي فِي ناحِيَتِه فَالْمَعْنى فِي حاشى لله بَرَاءَة لله من هَذَا التَنَحّي. الْمَعْنى قد نَحَّى الله هَذَا من هَذَا وَإِذا قُلْتَ حَاشَ لِزَيْدٍ من هَذَا فَالْمَعْنى قد تَنَحَّى زَيْدٌ من هَذَا وتَبَاعَد مِنْهُ، كَمَا تَقول تَنَحَّى من النَّاحِيَةِ، كَذَلِك تَحاشَى من حاشِية الشَّيْء وَهُوَ ناحيته. وَأنْشد أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي الحشا النَّاحِيَة:
يَقُول الَّذِي أَمْسَى إِلَى الحَزْن أهْلُهُ
بأيّ الحَشَا أَمْسَى الحبيبُ المبَايِنُ
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي قَوْلهم: حاشَى فلَانا، مَعْنَاهُ قد استثنَيْتُه وأخرجْتُه فَلم أُدْخِلْه فِي جُمْلَة الْمَذْكُورين. قلت: جعله من حَشَا الشَّيْءِ وَهُوَ ناحيتُه. وَأنْشد الباهليُّ فِي الْمعَانِي:
وَلَا يتحَشَّى الفحلُ إِن أَعْرَضَتْ بِه
وَلَا يَمْنَعُ المِرْبَاعَ مِنْهُ فَصِيلُها
قَالَ لَا يَتَحَشَّى لَا يُبالي مَنْ حاشى. يُقَال: شتَمْتُهم فَمَا تحشَّيت مِنْهُم أَحَداً وَمَا حاشَيتُ مِنْهُم أحدا أَي مَا بالَيْتُه مِنْ حاشى فلانٌ، وَقَالَ ابْن الأعرابيّ تحشَّيْتُ من فلانٍ أَي تَذَمَّمْتُ وَقَالَ الأخطل:
فلولا التَّحَشي من رِياحٍ رمَيْتُها
بكالِمةِ الأنْيابِ باقٍ وُسومُها
حوش (حاشا) : قَالَ اللَّيْث: المَحاش كَأَنَّهُ مَفْعل من الحَوْشِ. وَهُوَ قَوْمٌ لفيف أُشابَةٌ. وَأنْشد بيتَ النابِغة:
جَمعْ مَحاشَكَ يايزيدُ فإنَّني
أَعْدَدْتُ يَربوعاً لكم وتمِيماً
قلت غلط اللَّيْث فِي المَحاش من جِهَتَيْنِ إحْداهُما فَتْحُه المِيمِ وجعلُه إيَّاه مَفْعَلاً من الحَوْش، والجهةُ الْأُخْرَى مَا قَالَ فِي تفسيرِه، وَالصَّوَاب المِحاشُ بِكَسْر الْمِيم، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِيمَا يَرْوِي عَنهُ أَبُو عبيد وَهُوَ قَول ابْن الأعرابيّ إنَّما هُوَ: جمّع
(5/92)

مِحاشَك، بِكَسْر الْمِيم، جَعَلُوهُ من مَحَشَتْه النارُ إِذا أحْرَقَتْه لَا من الحَوْش وَقد مرّ تَفْسِيره فِيمَا تقدم من الْكتاب أَن المِحاش القومُ يتحالفون عِنْد النَّار وأمَّا المَحاشُ بِفَتْح الْمِيم فَهُوَ أثاث الْبَيْت، وَأَصله من الحَوْشِ وَهُوَ جمع الشَّيْء وضَمُّه، وَلَا يُقَال للفيف النَّاس مَحاش.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُوْش بِلادُ الجنّ لَا يَمُرُّ بهَا أحدٌ من النَّاس وَرجل حُوشِيُّ لَا يألَفُ الناسَ ولَيْلٌ حوشِيٌ مظلم هائل وَقَالَ رؤبة:
إلَيْكَ سارَتْ من بِلادِ الحوشِ
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ابْن الْهَيْثَم أَنه قَالَ الْإِبِل الحوشِيَّةُ هِيَ الوحْشِيَّة، وَيُقَال إِن فحلاً من فحولها ضرب فِي إبل لمَهْرة بن حَيْدان فَنُتِجَتْ النجائبُ المهريَّةُ من تِلْكَ الفحول الحوشيَّةِ فَهِيَ لَا يكادُ يُدْرِكُها التَّعَب. قَالَ وَذكر أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَنه رأى أرْبَع فِقَرٍ من مَهْرِيَّةٍ عَظْماً وَاحِدًا. قَالَ وإبل حوشِيَّةٌ محرماتٌ لعِزَّة نُفوسِها. وَيُقَال: فلانٌ يتَتَبَّعُ حوشِيَّ الْكَلَام وَوَحْشِيَّ الكلامِ وعُقْمِيَّ الْكَلَام بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ الليثُ: يُقَال حُشْنا الصيدَ وأحَشْناها أخذْناها من نَوَاحِيهَا تعْرِفُها إِلَى الحبائل الَّتِي نُصِبَتْ لَهَا. وَيُقَال فلَان مَا يَنْحاشُ من فلَان أَي مَا يكْتَرِثُ لَهُ. وزجرتُ الذئْبَ فِي أنْحاشَ لِزَجْرِي وَأنْشد الأَصْمعيُّ بيتَ ذِي الرُّمَّة يصف النعامة وبيضها.
وبيضاءَ لاتَنْحاشُ مِنَّا وَأمّهَا
إِذا مَا رأتْنا ذِيلَ مِنْهَا زَوِيلَها
أَرَادَ بالبيضاءِ بيْضَةَ النعامة وأمُّها النعامَةُ لِأَنَّهَا باضَتْها.
قَالَ أَبُو عبيدٍ قَالَ أَبُو زيد حُشْتُ عَلَيْهِ الصيدَ وأحْوَشْتُ أَي أخَذْنا مِنْ حواليه لنَعْرِفَه إِلَى الحِبالَةِ. وَيُقَال احْتَوَش القومُ فلَانا أَو تحاوَشوه أَي جَعَلُوهُ وَسطهمْ. وَقَالَ التحْويش التَّحْوِيل.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحُواشَةُ الاستحياء، والحُواسَة بِالسِّين الأكلُ الشديدُ وَقَالَ أَبُو عبيد الحائش جِماع النَّخْلِ. وَقَالَ شمر الحائش جمَاعَة كل شجرٍ من الطرفاء والنخْلِ وَغَيرهمَا وَأنْشد:
فَوُجِدَ الحائش فِيمَا أحْدَقا
قَفْرَا من الرَّامين إِذْ تَوَدَّقا
قَالَ وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا جُعل حائِشاً لِأَنَّهُ لَا منْفذَ لَهُ وَيُقَال الحُواشة من الْأَمر مَا فِيهِ قَطِيعَةٌ، يُقَال لَا تَغْش الحُواشة قَالَ الشَّاعِر:
غَشِيتُ حُواشَةً وجَهِلْتُ حقّاً
وآثَرْتُ الغُواية غَيْرَ رَاض
وَقَالَ أَبُو عَمْرو فِي (نوادره) : التحوّشُ الاستحياء وَقد تحوشت مِنْهُ أَي استحيت.
وَحش: وَقَالَ اللَّيْث: الوَحْشُ كلّ شَيْء من دوابّ الْبر مِمَّا لَا يُستأنس فَهُوَ وَحْشِيٌّ والجميع الوحوشُ يُقَال هَذَا حمارُ وحْشٍ وحمارٌ وحَشْيٌّ. وكل شَيْء يَستوْحِشُ عَنِ النَّاس فَهُوَ وَحْشِي.
قَالَ وَقَالَ بَعضهم: إِذا أقْبل اللّيلُ استأنس كلُّ وحْشِيّ واستوْحَش كلُّ إنْسِيّ.
(5/93)

وَيُقَال للجائع الْخَالِي البطنِ: قد توحَّش. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: رجل موحِشٌ وَوَحْشٌ وَهُوَ الجائع من قوم أَوْحاشٍ. يُقَال بَات وَحْشاً وَوَحِشاً أَي جائعاً. وَيُقَال توحّش فلَان للدواء إِذا أَخْلى مَعِدتَه ليَكُون أسهلَ لخُرُوج الفضولِ من عُروقه.
وَفِي حَدِيث الحَرورِيّين الَّذين قَاتلُوا عَلِياً بالنهرَوَان أَنهم وحَّشوا برماحهم أَي رَمَوْا بهَا على بُعْدٍ مِنْهُم. يُقَال للرجل إِذا كَانَ بِيَدِهِ شيءٌ فَزَجَّه زَجّاً بَعيدا قد وحّش بِهِ وَقَالَ:
إِن أَنْتُم لم تَطْلُبُوا بأخيكم
فَذروا السِّلَاح ووحشوا بالأبْرَقِ
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للمكان الَّذِي ذهبَ عَنهُ الناسُ قد أَوْحَشَ، وطلَلُ موحِشُ وَأنْشد:
لِسَلْمى موحِشاً طَلَلُ
يلوح كأنَّه خِلل
نَصَبَ موحِشاً لِأَنَّهُ نَعْتُ النكرةِ مُقدَّماً وَأنْشد:
مَنازِلُها حِشونا
على قِيَاس سنُون، وَفِي مَوضِع النصبِ والجرِ حِشِيْنَ مثل سِنين، وَأنْشد:
فأمْسَتْ بَعْدَ ساكنِها حِشِينا
قلت أَنا: حِشُون جمع حِشَةٍ وَهُوَ من الْأَسْمَاء الناقِصة وَأَصلهَا وَحْشَةٌ فنقص مِنْهَا الواوُ كَمَا نقصوها من زِنَةٍ وصِلَةٍ وعِدَةٍ، ثمَّ جَمَعوها على حِشِينَ كَمَا قَالُوا عِزِين وعِضِينَ من الْأَسْمَاء النَّاقِصَة.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: وَحش فلانٌ بِثَوْبِهِ ووحَشَ بدرْعه إِذا أرهقه طالبُه فخافَ أَن يلحقَه فرسَ بِدرْعه ليُخَففَ عَن دابّته ونحوِ ذَلِك.
قَالَ الليثُ: وَرَأَيْت فِي كتابٍ أَنَّ أَبَا النَّجْم وَحَش بِثيابه وارْتدَّ يُنْشِد، أَي رَمَى بثيابه قَالَ والوَحْشيُّ والإنسي شِقّا كُل شَيْء، فإنسيّ القَدَمِ من الْإِنْسَان مَا أَقْبَلَ مِنْهَا على القَدم الأُخْرَى ووحشيُّها مَا خالَفَ إنسيها، عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ ووحشيُّ الْقوس الفارسيّة ظهْرُها وإنسيُّها بَطْنُها المقبلُ عَلَيْك. قَالَ: ووحْشِيُّ كل دابَّةٍ شقُّه الأَيْمَنُ وإنسيُّه شقَّه الأيْسر قلت جَوَّد ابنُ المظفَّر فِي تَفْسِير الوحشيّ والإنسيّ ووافَقَ قولُه قولُ أَئِمتنا المتقنين.
وروى أَحْمد بن يحيى عَن المفضّل وَرُوِيَ عَن أبي نصرٍ عَن الأصمعيّ وَرُوِيَ عَن الأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة قَالُوا كلهم: الوحشيُّ من جَمِيع الْحَيَوَان لَيْسَ الإنسانَ هُوَ الجانبُ الَّذِي لَا يُرْكَبُ مِنْهُ وَلَا يُحْلَبُ، والإنسيّ الْجَانِب الَّذِي يُركبُ مِنْهُ ويحلب مِنْهُ الحالبُ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَاخْتلف النَّاس فيهمَا من الْإِنْسَان؛ فبعضهم يُلْحِقُه بالخيلِ والإبلِ، وَبَعْضهمْ فرّق بَينهمَا فَقَالَ الوحشيّ مَا وَلِيَ الكَيْفَ، والإنسيّ مَا وَلِيَ الإبِطَ، قَالَ وَهَذَا هُوَ الاختبار ليَكُون فَرْقا بَين بني آدمَ وسائِر الْحَيَوَان. وروى أَبُو عبيد عَن أبي زيد والعَدَبَّس الْكِنَانِي، فِي الوحشِيّ والإنسي من البهائِم مثلَ مَا روى أحمدُ بن يحيى عَن المفضّل والأصمعيّ وَأبي عُبَيْدَة، وَهَكَذَا قَالَ ابْن شُمَيْل. وَرَأَيْت كَلَام الْعَرَب على مَا قَالُوهُ، وَقد روى أَبُو عبيدٍ عَن الأصمعيّ فِي الوحْشِيّ
(5/94)

والإنسي شَيْئا خالفَ فِيهِ روايةَ ثعلبٍ عَن أبي نصر عَن الأصمعيّ. وَالصَّوَاب مَا عَلَيْهِ الجماعةُ وَأما قَول أبي كَبِير الْهُذلِيّ:
وَلَقَد غَدَوْتُ وصاحِبِي وحشيَّةٌ
تحتَ الرداءِ بصيرةٌ بالمُشْرِفِ
فَإِن الباهليَّ زعم أَنه عَنَى بِالوَحْشيَّةِ ريحًا تدخُلُ تحتَ ثِيَابِه، وَقَوله بصيرةٌ بالمشرف يَعْنِي الرّيح من أَشْرَفَ لَهَا أَصَابَته، والرداء السَّيْف.
شمر عَن ابْن شُمَيْل يُقَال للْوَاحِد من الوحْشِ هَذَا وَحْشٌ ضَخْمٌ وَهَذِه شَاة وَحْشٌ، وَالْجَمَاعَة هِيَ الوَحْشُ والوُحُوشُ والوحيشُ وَقَالَ أَبُو النَّجْم:
أَمْسَى يبابا والنَعَامُ نَعمُهْ
قَفْراً وآجَالُ الوحِيش غَنَمُهْ
وَهَذَا مثل ضَائِنٍ وضَئِينِ. وَأَرْض مَوْحُوشة كثيرةُ الْوَحْش. والموَحْشَةُ الفَرَقُ من الخَلْوَةِ، أخَذَتْهُ وَحْشَةٌ وَيُقَال أوحَشْتُ المكانَ إِذا صَادفته وَحْشاً، وَمِنْه قَوْله:
وأوحَشَ مِنْهَا رَحْرَحانَ فَرَاكِسا
قَالَ أَبُو عبيد وَأَرْض موحوشة كَثِيرَة الوَحْش.
وشح: وَقَالَ اللَّيْث: جمع الوِشاح وُشُحٌ وَهُوَ حَلْيُ النِّسَاء كِرْسَانِ من لُؤْلؤٍ وجَوْهَرٍ منْظُومَان مُخَالَفٌ بَينهمَا معطوفٌ أَحَدُهما على الآخَرِ، تتوشَّحُ المرأةُ بِهِ، وَمِنْه اشْتُق تَوَشَّحَ الرجلَ بِثَوْبِهِ. قلت: والتوشُّحُ بالرداء مثل التَّأَبُّط والاضْطِبَاع وَهُوَ أَن يُدْخل الرجُل الثوبَ من تحتِ يدِه اليُمْنى فيلقيَهُ على عاتِقِه الأَيْسرِ كَمَا يَفْعَله المُحْرِمُ، وَكَذَلِكَ الرجُلُ يَتَوَشَّحُ بحمائِل سَيْفه فَتَقَع الحمائِل على عاتِقِه اليُسرى وَتَكون اليُمْنى مكشوفة، وَمِنْه قَول لبيد فِي توشّحه بلجام فرسه:
وَلَقَد حَمَيْتَ الحَيَّ تحمل شِكَّتِي
فُرُطٌ وِشَاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامُها
أخبر أَنه خرج رَبِيئَةً أَي طَلِيعةً لِقَوْمِهِ على رَاحِلته، وَقد اجْتَنب إِلَيْهَا فَرَسه يَقُودهُ بِمِقْوَدِه وتوشَّح بلجام فَرَسه، فَإِن أحسّ بالعدوّ أَلْجَمَها أوْرَابَهُ مِنْهُ رَيْبٌ نزل عَن رَاحِلَته وأَلْجَمَ فرسه وَركبهُ تحرُّزاً من العدُو وغَاوَلهم إِلَى الْحَيّ مُنْذِراً.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد الوشحاء من المِعزى الموشّحة ببياض. وأمَّا قولُ الراجز يُخَاطب ابْنا لَهُ:
أحبُّ مِنْك مَوضِع الْوُشْحُنّ
وَأَنه زَاد نوناً فِي الوُشُح كَمَا زَادهَا فِي قَوْله ومَوْضِعَ الإزَارِ والقَفَنَّ أَرَادَ الْقَفَا فَزَاد نوناً، هَكَذَا أنشدهما أَبُو عبيد وَقَالَ اللَّيْث: ديك مُوشَّحٌ إِذا كَانَ لَهُ خُطَّتان كالوِشاح وَقَالَ الطرماح:
ونَبهْ ذَا العفَاءِ الموشَّحِ
وَقَالَ أَبُو عبيد الموشَّحَةُ من الظباء الَّتِي لَهَا طرَّتَانِ من جانِبَيْها، وَيُقَال وِشاح وإشاح كَمَا يُقَال وِكاف وِإكافٌ.
شيح: قَالَ اللَّيْث: الشيحُ نبت يُتخذ من بعضه المكانسُ. قَالَ: والشيحُ ضرب من بُرودِ الْيمن، يُقَال لَهُ الشّيح والمشَيَّح وَهُوَ مخطّط، قلت لَيْسَ فِي البرُود والثيابِ شِيحٌ وَلَا شِيح بالشين مُعْجمَة من فَوق،
(5/95)

وَصَوَابه السّيح والمسيَّح بِالسِّين وَالْيَاء، وَأَنا أذكرهما فِي موضعِهما من بَاب الْحَاء وَالسِّين فِي أَبْوَاب المعتلّ، وأَعْزِي مَا قيلَ فيهمَا إِلَى قائِله إِن شَاءَ الله.
وَقَالَ اللَّيْث الشياحُ الحِذَارُ وَرجل شائحٌ حَذِر وَتقول إِنَّه لمُشيح حازمٌ حَذِرٌ، وَأنْشد:
أَمُرُّ مُشِيحاً معي فتية
فَمِنْ بَيْنِ مُؤْدٍ وَمن خَاسِر
والمشيح المجدُّ. وَقَالَ عَمْرو بن الإطنابة:
وإقدامي على المكرُوه نَفْسِي
وضربي هامةَ البطلِ المُشِيح
قَالَ اللَّيْث: وَإِذا أَرْخَى الفَرَسُ ذَنَبَهُ قيل قد أَشَاح بِذَنبِهِ وَإِذا نَحَّى الرجلُ وجْهَهُ عَن وهَجِ نارٍ أصابَه، أَو عَن أَذًى قيل قد أَشَاحَ بِوَجْهه. قلت أَمَّا مَا قَالَ فِي إشَاحَتِه عَن وَهَج النَّار فَهُوَ صَحيحٌ لأنَّه حَذَرٌ وأَمَّا قولُه: أَشَاح الفرسُ بذنَبه إِذا أَرْخَاه فَإِنَّهُ تصْحيف عِنْدِي، وَالصَّوَاب فِيهِ أَسَاح بِذَنبه، وَكَذَلِكَ أَسَابَ بِهِ، ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (اتَّقُوا النَّار وَلَو بِشِقّ تَمْرَةٍ ثمَّ أعْرض وأشاح) .
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي المُشِيح الجادُّ والمُشيح الحذِر، وروى سلمةُ عَن الفراءِ أَنه قَالَ: المُشِيحُ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا المُقْبِلُ عَلَيْك، والآخَرُ المانِعُ لِما ورَاءَ ظَهْرِه، قَالَ: وَقَوله أَعْرَضَ ثمَّ أَشَاحَ: أَي أقْبَلَ. الْفراء وَيُقَال إِنَّهُم لفي مَشْيُوحَاءَ ومَشِحَاءَ من أَمرهم: أَي يُحَاوِلون أَمْراً يَبْتَدِرُونه وَقَالَ بَعضهم: فِي اختلاطٍ من أمرِهِمْ. وَقَالَ شمر: المُشِيحُ ليسَ من الأضْدَادِ، إِنَّمَا هِيَ كلمةٌ جَاءَت بِمَعْنَيَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أعرض بِوَجْهِه وأَشَاح أَي جَدَّ فِي الْإِعْرَاض، وَقَالَ: المُشِيحُ الجادُّ قَالَ: وأقرأَنا لطرفة يصف الْخَيل:
دُوخِلُ الصَّنْعةُ فِي أَمْتُنِها
فَهِيَ من تحتُ مُشِيحَاتُ الحُزُمْ
يَقُول جَدّ ارتفاعُها فِي الحُزُم. وَقَالَ: إِذا ضَمُرَ وارتفع حزامه سمي مُشِيحاً.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الإشَاحَةُ أَيْضا الحَذَرُ، وَأنْشد قَول أَوْسٍ:
فِي حيثُ لَا تنفعُ الإشَاحَةُ من
أَمْرٍ لمن قد يُحاولُ البِدَعا
قَالَ والإشاحَةُ الحَذَرُ والخوفُ لمن حاولَ أَن يَدْفَعَ المَوْتَ، ومُحاوَلَتُه دَفْعُهُ بِدْعَةٌ. قَالَ وَلَا يكون الحذِرُ بِغَيْر جِدّ مُشِيحاً. وَقَالَ خَالِد بن جَنْبة الشَّيْحَانُ الَّذِي يتهمّسُ عدْواً أَرَادَ السرعة، أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو الشَّيْحَانُ الطويلُ وَأنْشد شمر:
مُشِيحٌ فَوق شَيْحَانِ
يَدُورُ كأَنَّه كَلْبُ
وَقَالَ شمر: وَرُوِيَ فَوق شِيحانٍ بِكَسْر الشين.
وَقَالَ الليثُ: شَايَحَ أَي قَاتَل وَأنْشد:
وشايَحْتَ قبل اليومِ إِنَّك شِيحُ
وَقَالَ فِي قَوْله:
تُشِيح على الفَلاةِ فتعْتَليها
بِبَوْع القِدْرِ إِذْ قَلِق الوضِينُ
أَي تُديم السّير. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: المَشْيُوحَاءُ الأَرْض الَّتِي تُنبت الشيحَ،
(5/96)

يقصرُ ويمدُّ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي يُقَال شَيَحَ الرجلُ إِذا نظر إِلَى خَصمه فضايَقَه. وَقَالَ شمر الشَّيحان الغَيور وَأنْشد الْمفضل:
لما استمرّ بهَا شَيْحان مَبْتَجِجٌ
بالبَيْن عَنْك بهَا يَرْآكَ شَنْأَنا
شحا: قَالَ الليثُ: شَحَى فلانٌ فَاهُ شَحْيَاً، واللجامُ يَشْحَى فَمَ الفَرَسِ شَحْياً. وَأنْشد:
كأنَّ فاهاً واللجام شاحِيه
جَنْباً غَبيطٍ سَلِسٍ نواحِيه
وَيُقَال: أَقبلت الخيلُ شواحِيَ وشَاحِيَاتٍ أَي فاتِحَاتٍ أَفْوَاهَهَا. أَبُو عبيدٍ عَن الْكسَائي: شَحَوْتُ فَمِي أَشْحَاه إِذا فَتَحْتُهُ. وأَشْحُوه شَحْواً مصدرهما واحِدٌ. وَأَبُو زيد قَالَ مثلَه: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال شَحَا فَاهُ، وشَحَا فُوه وأشحَى وَشحَّى فَاه، وَلَا يُقَال أشْحَى فُوه قلت: وَالصَّوَاب مَا قَالَ الكسائيُّ. وَأَبُو زيد شَحَا يَشْحُو وَيَشْحَى شَحْواً.
عَمْرو عَن أَبِيه جَاءَنَا شَاحِياً أَي فِي غيرِ حاجةٍ وشاحِياً خاطِياً من الخَطْوِ. وَيُقَال للْفرس إِذا كَانَ وَاسع الذَّرع إِنَّه لرعِيبُ الشَّحْوَةِ وَقَالَ أَبُو سعيد تَشحَّى فلانٌ على فلانٍ إِذا بَسَط لِسَانَهُ فِيهِ. وأصْلُه التوسُّعُ فِي كُل شيْءٍ؛ قَالَ الْفراء شَحَا ماءَةٌ لبَعض العرَب، تكْتب بِالْيَاءِ وَإِن شِئْت بِالْألف، لِأَنَّهُ يُقَال شَحَوْتُ وشَحيْتُ وَلَا تجريها. نقُول هَذِه شَحَا فَاعْلَم. وَقَالَ ابْن الأعْرابي سَجَا بِالسِّين وَالْجِيم اسمُ بئرٍ قَالَ وماءةٌ يُقَال لَهَا وَشْحَى بِفَتْح الْوَاو وتسكين الشين قَالَ الراجز:
صبَّحْنَ من وشْحَى قَلِيباً سُكَّا
أشح: عَن أبي عدنَان أَشِحَ الرجل يأْشَحُ، وَهُوَ رجل أَشْحَان أَي غَضْبَانُ. قلت وَهَذَا حرف غَرِيب وأظن قَول الطرماح مِنْهُ:
على تُشْحَةٍ من ذائد غيرِ واهن
أَرَادَ على وُشْحَةٍ فَقلب الْهمزَة وَاو فِي الْفِعْل، وقلبها تَاءً فِي الشّعْر، كَمَا قَالُوا تُراث ووُراث وتُكلان فِي وُكلان وَمعنى قَوْله على تُشْحَةٍ أَي عَلَى حَمِيَّة غضب من أَشِح يَأْشَحُ.
حيش (حاشا) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي حَاشَ يحِيشُ حَيْشاً إِذا فَزِع. وَقَالَ عُمَر لِأَخِيهِ زيد حِين نُدِبَ لقِتَال أهل الردَّة فَتَثَاقَلَ: مَا هَذَا الحَيْش والقِلُّ؟ أَي مَا هَذَا الفَزَعُ والرعْدَة؟ قَالَ وحَوَّش إِذا جَمع وشوّح إِذا أنْكر. قَالَ والحَيْشَانُ الْكثير الْفَزع والشَّيْحَان الطَّوِيل الحسَن الطول والحَيْشَانَةُ الْمَرْأَة الذَّعُورُ، وَهِي المذْعُورَة من الرِّيبَة.

(بَاب الْحَاء والضَاد)
(ح ض (وايء))
حضا، حاض، ضحا، ضاح، وضح.
وحض (مهمل) .
حضا: قَالَ ابْن المظفر يُقَال حَضَأْت النَّارَ إِذا سَخَيْتَ عَنْهَا لتلْتهِب، وَأنْشد:
(5/97)

بانْت هُمومي فِي الصَّدْرِ تَحْضَاؤها
طَحْحَاتُ دَهْرٍ مَا كنْتُ أَدْرَؤُها
سَلمَة عَن الْفراء حَضَأَتْ النارُ وحَضَبْتها وَهُوَ المَحْضَأُ والمحْضَب وَقَالَ تأبَّطَ شَراً:
ونارٍ قد حضَأْتُ بُعَيْد هَدْءٍ
بِدَارٍ مَا أُريدُ بهَا مُقاما
ضحا (ضاح) : قَالَ اللَّيْث: الضّحْوُ ارْتِفَاعُ النَّهارِ. والضُّحَى فُوَيْقَ ذَلِك والضُّحَاءُ ممدودٌ إِذا امتَدَّ النهارُ وكَرَبَ أَن يَنْتَصِف وَقَالَ رؤبة:
هابى العشيّ دَيْسقٌ ضحَاؤُه
وَقَالَ آخر:
عَلَيْهِ من نَسْجِ الضُّحَى شُفُوف
شبه السراب بالسُّنْتُورِ البيضِ. وَقَالَ الله جلّ وعزّ:
{} (الشّمس: 1) قَالَ الْفراء: ضُحَا نَهَارِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله: {يَرْضَى} (الضُّحَى: 1، 2) هُوَ النَّهار كُله. وَقَالَ الزجَّاجُ: {وَالضُّحَى وَالَّيْلِ} وضيائِها، وَقَالَ فِي قَوْله {يَرْضَى} : النهارُ، وَقيل ساعةٌ من ساعاتِ النَّهَارِ، وَقَالَ أَبُو عبيد يُقَال هُوَ يَتَضحَّى، أَي يَتَغَدَّى وَاسم الْغَدَاء الضَّحَاءُ، سمّي بذلك لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ فِي الضُّحاءِ، قَالَ والضُّحَاءُ ارتفاعُ الشَّمْس الأعْلَى، وَهُوَ ممدودٌ مذكرٌ، وَالضُّحَى مؤنَّثةٌ مَقْصُورَة، وَذَلِكَ حِين تشرق الشَّمْس.
وَقَالَ اللَّيْث ضَحِيَ الرجل يَضْحَى ضَحاً إِذا أَصابَهُ حَرُّ الشَّمْس.
وَقَالَ الله: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى} (طاه: 119) قَالَ يُؤْذِيك حَرُّ الشّمْسُ، وَقَالَ الفرَّاءُ: {وَلاَ تَضْحَى} لَا تصيبُك شمسٌ مؤذيةٌ. قَالَ: وَفِي بعض التَّفْسِير {وَلاَ تَضْحَى} لَا تَعْرَق. والأوَّلُ أَشْبَهُ بالصَّوَابِ. وَقَالَ عُمَرُ بنُ أبي ربيعَة:
رَأَتْ رَجُلاً أَمَّا إِذا الشَّمْسُ أَعْرَضَت
فَيَضْحَى وَأما بالعشيْ فَيَنْحصر
وَفِي حَدِيث ابْن عمر: اضْحَ لمن أَحرمْت لَهُ. قَالَ شمر: يُقَال ضَحِي يَضْحَى ضُحِيَّاً وضَحَا، يضْحُو ضُحُوّاً. وَقَالَ ابنُ شُمَيْل ضَحَا الرجلُ للشمس يَضْحَى ضُحُوَّاً إِذا برز لَهَا. وَشد مَا ضَحَوْتَ وضَحَيْتَ للشمس وَالرِّيح وَغَيرهمَا. وَقَالَ شمر: وَقَالَ بعض الكِلابِيينَ: الضَّاحي الَّذِي بَرَزَتْ عليهِ الشمسُ وغَدا فُلان ضَحِيّاً. وَغدا ضَاحِيّاً، وَذَلِكَ قُرْبَ طُلُوع الشمْسِ شَيْئا، وَلَا يزَال يُقَالُ غَدا ضَاحِيّاً مَا لم تكن قائِلةٌ. وَقَالَ بَعضهم الغَادي أَن يَغْدُوَ بَعْدَ صَلَاة الغَدَاةِ، والضَّاحِي إِذا استعْلَت الشمسُ، وَقَالَ بعض الكِلابِيين بَين الغَادِي والضَّاحي قدرُ فُوَاقِ نَاقةٍ وَقَالَ القُطامي:
مُستبطَئونَ وَمَا كَانَت أَنَاتُهم
إِلَّا كَمَا لَبِثَ الضّاحِي عَن الفَادِي
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت يُقَال: ضَحِيَ يَضْحَى. إِذا برزَ للشّمس. قَالَ وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: ضَحيتُ للشمس، وضَحَيْتُ أَضْحَى مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَأنْشد:
سَمِينِ الضَّواحي لم تورقه لَيْلَة
وأنْعَمَ، أبكارُ الهموم وعُونُهَا
(5/98)

قَالَ والضواحي مَا بَدَا من جسده، وَمَعْنَاهُ لم تؤرقه لَيْلَة أبكارُ الهموم وَعُونها. وأنْعَمَ أَي وزَاد على هَذِه الصفَة. قَالَ والضواحي من الشَّجرِ القليلةُ الورَقِ الَّتِي تبرُزُ عيدَانُها للشمس. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم يُقَال ضَحَا الشيءُ يَضْحُو فَهُوَ ضَاحٍ أَي برز، وضَحِيَ الرجل يَضْحَى إِذا برز للشمس قَالَ والضُّحَى على فُعَل، حِين تَطْلُعُ الشَّمْس فيصفو ضَوْءها والضَّحَاءُ بِالْفَتْح والمدّ إِذا ارْتَفَعَ النّهَارُ واشتَدّ وقْعُ الشّمس. والضّحَاءُ أَيْضا الغَدَاء، وَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَغَدّى بِهِ. قَالَ والضّاحِي من كُل شَيْء البارِزُ الظاهِرُ الَّذِي لَا يستُره مِنْك حائطٌ وَلَا غَيره.
وَيُقَال للبادية الضّاحيةُ. وَيُقَال وُلي فلَان على ضاحية مصر وضاحية الْمَدِينَة أَي على مَا يَليهَا من الْبَادِيَة.
وفُلاَنٌ سَمينُ الضَّوَاحِي وجْهُهُ وكَفَّاهُ وقَدَمَاهُ وَمَا أشبه ذَلِك.
قَالَ وضحَّيْتُ فُلاناً أُضَحيه تَضْحِية أَي غَدّيتُه وَأنْشد:
ترى الثَّوْرَ يَمْشي راجِعاً من ضَحائِه
بهَا، مِثْلَ مَشْي الهِبْرِزِيّ المُسَرْوَلِ
والهبرِزيّ الماضِي فِي أمْرِه من ضَحائِه أَي مِن غَدَائه من المرعى وقْتَ الغَدَاءِ إِذا ارْتَفَعَ النَّهَارُ.
قَالَ أَبُو عبيدةَ: لَا يُقَالُ للفَرَسِ إِذا مَا أبيضَ أَبيض، وَلَكِن يُقَال لَهُ أضْحَى قَالَ والضُّحَى مِنْهُ مأخوذٌ؛ لأنَّهم لَا يُصَلُّونَ حتّى تطلع الشَّمْس.
وَقَالَ أَبُو زيد: أنشدت بَيت شعر لَيْسَ فِيهِ حلاوةٌ وَلَا ضُحًى أَي لَيْسَ بِضَاحٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالك: وَلَا ضَحَاءٌ. وضَاحَيْتُ فلَانا أَتَيْتُه ضَحَاءً. قَالَ وبَاعَ فلانٌ ضَاحِيَةَ أَرْضٍ إِذَا باعَ أَرْضاً لَيْسَ عَلَيْهَا حَائِطٌ، وَبَاعَ فلَان حائِطاً وحديقةً إِذا بَاعَ أَرْضاً عَلَيْهَا حائِطٌ.
سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: تَمِيم تَقول: ضَحَوْتُ للشمس أَضْحو. قَالَ: وَيُقَال فلَان يُضاحِينَا أُضْحِيَّةَ كُل يَوْمٍ إِذا أَتاهم كُلَّ غَدَاةٍ. وَقَالَ الفَرَّاء يُقَال ضَحّت الإبلُ الماءَ ضُحًى إِذا وَردت ضُحَى. قلت فَإِن أَرَادوا أَنها رَعَتْ ضُحَى قَالُوا تَضَحّت الإبلُ تَتَضَحّى تَضَحّياً.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: ضَحّيْتُ عَن الشَّيْء وعَشَيْتُ عَنهُ، مَعْنَاهُمَا رفَقْتُ بِهِ.
وَقَالَ زيد الْخَيل:
فَلَو أَنّ نَصْراً أَصْلَحَتْ ذَات بَينهَا
لَضَحّت رُوَيْداً عَن مَظَالِمهَا عَمْرُو
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ، قَالَ: المضَحي الَّذِي يُضَحي إِبِلَه، والمضحي المُبَينُ عَن الْأَمر الخفيّ، يُقَال ضَح لي عَن أَمرك، وأَضحِ لي عَن أَمرك، وأوضِح لي عَن أَمرك وَأنْشد بيتَ زيدِ الْخَيل هَذَا، قلت: وَالْعرب قد تضع التّضْحِيَةَ مَوْضِعَ الرفْقِ والتأنّي فِي الْأَمر، وَأَصله أَنَّهُمْ فِي البَادِيَةِ يسيرُون يَوْم ظَعْنِهِمْ فَإِذا مَرُّوا بِلَمْعَةٍ من الكَلأ، قَالَ قائدُهم أَلا ضَحُّوا رُوَيْداً فيدَعونها تضحّى وتجر، ثمَّ وضعُوا التَّضْحِيَة مَوضِع الرِّفْق لرفْقِهِمْ بحَمُولتهم ومالِهِمْ فِي ضحاياها سائرة وَمَا لِلْمَالِ من
(5/99)

الرِّفْق فِي تضَحيها وبلوغِها مُنْتَوَاها، وَقد شبِعَت. فَأَما بيتُ زيدِ الْخَيل فَإِن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ فِي قَوْله:
لضحّت رويداً عَن مظالمها
بِمَعْنى أَوْضَحَتْ وبيّنَتْ وَهُوَ حسن.
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت قَالَ: الأَضْحَى مؤنثةٌ وَهِي جمع أَضْحَاةٍ، قَالَ وَقد تُذَكَّرُ، يُذْهَبُ بهَا إِلَى اليَوْمِ وَأنْشد:
رأيتكُم بَين الخَذْوَاءِ لمَّا
دَنَا الأَضْحَى وصَلَّلتِ اللحامُ
توليتمْ بودَكُم وقلتم
لَعَلُّك مِنْك أقْرَبُ أَو جُذَام
قَالَ: وَقَالَ الأصمعيّ: فِيهَا أربعُ لغاتٍ، يُقَال: أُضحيَّة وإِضحيَّةٌ وَجَمعهَا أَضاحيّ، وضحيَّة وَجَمعهَا ضَحَايَا وأَضْحَاةٌ وجمعُها أضْحَى. قَالَ وَبِه سمي يومُ الْأَضْحَى قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أضْحَى جمع أَضْحَاة منونٌ وَمثله أَرْطَى جمع أَرْطَاةٍ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الضحيَّة الشاةُ الَّتِي تُذْبَح ضَحْوة مثل غَدِيَّة وعَشِيَّة. قَالَ: والضحيَّة ارْتِفَاع النَّهَار تجمع ضَحَيَات وَأنْشد:
رَقود ضَحِيَّاتٍ كأنّ لسانَه
إِذا واجه السُّفَّار مِكحالٌ إِثْمِدا
ويروى أَرْمَدَا. قَالَ ضُحَيّات جمع ضُحيّة وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال أَضْحَى الرجلُ يفعلُ ذَاك إِذا فعل مِنْ أَوَّل النَّهار، وأَضْحَى إِذا بَلَغ وقْتَ الضُّحَى. والمَضْحَاةُ المكانُ الَّذِي لَا تكادُ تغيبُ الشمسُ عنْهُ، تَقول: عَلَيْك بِمِضْحَاةِ الجَبَلِ. قَالَ: والضَّحْيَانُ من كل شَيْء البارزُ للشّمس. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
يَكْفِيك جهلَ الأحمق المستجْهلِ
ضحيانه من عَقَدَاتِ السلْسل
قَالَ: أَرَادَ بالضَّحْيانَة عَصا نابتةً فِي الشَّمْس حَتَّى طبَخَتْها فَهِيَ أَشَدُّ مَا تكون، وَهِي من الطَّلْحِ. والسلْسلُ حَبْلٌ من حِبَال الدَّهْنَاءِ.
وَيُقَال: سلاسِلُ، وَقَالَ الليْثُ: تَقول: فَعلْتُ ذَلِك الأمرَ ضَاحِيةً أَي ظَاهِرَة بيّناً وَقَالَ النَّابِغَة:
فقد جزتْكُم بَنُو ذُبْيَان ضاحيةً
حقّاً يَقِينا ولمّا يأْتنا الصّدَرُ
قَالَ: وضواحي الحوْضِ نواحيه.
وَقَالَ لبيد:
فَهَرَقْنا لَهما فِي دَاثِر
لضَواحِيه نَشِيشٌ بالْبَلَلْ
قلت: أرادَ بضواحي الحوضِ مَا ظهرَ مِنْهُ وَبَرَز، وَقَالَ جرير يمدح عبد الْملك:
فَمَا شجراتُ عِيصِكَ فِي قرَيْشٍ
بِعَشَّات الفُرُوع وَلَا ضَوَاحِي
قَالَ اللَّيْث: يُرِيد وَلَا فِي النَّواحي. قلت: أرادَ جريرٌ بقوله: (ولاضَواحِي) قريْشُ الظواهرِ وهم الَّذين لَا ينزلون شعب مَكَّة وبطحاءها. أَرَادَ جريرٌ أَن عبد الْملك من قُرَيْش البِطَاحِ لَا من قريشِ الظَّواهِر، وقريشُ البطاح أَكرَمُ وأشْرَفُ من قُرَيْشِ الظواهِرِ لِأَن البَطْحَاوِيّين من قُرَيْش حاضِرَتُهم، وهم قُطَّانُ الحَرَمِ، والظواهر
(5/100)

أَعْرَابٌ باديةٌ خارجَ الحرمِ. وضَاحِيَةُ كل بَلْدَة ظاهِرَتُها البادَيةُ، يُقَال هَؤُلَاءِ ينزلون الباطِنَة، وَهَؤُلَاء ينزِلُون الضّوَاحِي.
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كتب لأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الجنْدَل (إِن لنا الضاحيةَ من الضّحْلِ، وَلكم الضامنَةُ من النَّخْلِ) . قَالَ أَبُو عبيد: الضاحِيَةُ مَا ظهر وبَرَزَ وَكَانَ خارِجاً من الْعِمَارَة. وَقَالَ شمر: كلُّ مَا بَرَزَ وظَهَرَ فقد ضَحَا، يَقُول: خرج الرَّجُلُ من مَنْزِلِه فَضَحَا لي، والشجرة الضَّاحِيَةُ البارزةُ للشّمْسِ، وَأنْشد لِابْنِ الدُّمَيْنَةِ يصف القوْسَ:
وخُوطٍ من فروع النبع ضاحٍ
لَهَا فِي كَف أَعْسَرَ كالضُّبَاحِ
قَالَ: الضّاحِي عُودُها الَّذِي نَبَتَ فِي غَيْرِ ظِل وَلَا فِي مَاء فَهُوَ أصْلَبُ لَهُ وأَجْوَدُ وَأما قَول الشَّاعِر:
عمي الَّذِي منعَ الدينَارَ ضَاحيةً
فَمَعْنَاه أَنه مَنعه نَهَارا جهاراً أَي جاهَرَ بالامتناع مِمَّن كَانَ يُجِيبُه.
أَبُو عبيد عَن الفرّاء: لَيْلَة إضْحِيَانَةُ وضَحْيَاءُ إِذا كَانَت مُضيئةً. وَقَالَ اللَّيْث: يَوْم إِضْحِيَانٌ لَا غَيْمَ فِيهِ، وَلَيْلَة إضْحِيَانَةٌ مضيئة شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي: لَيْلَة أَضْحِيالةُ وَلَيْلَة إِضْحِيَانَة وضَحْيَاءُ وضحْيَانَةٌ إِذا كَانَت مُقمِرة قَالَ وَلَيْلَة ضاحِيَةٌ مثل ضحْيَاءَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فرس أضحَى إِذا كَانَ أبْيَض وَلَا يُقَال فرس أبْيَضُ. وَإِذا اشتدّ بياضُه قيل أَبْيَضُ قِرْطَاسِيّ.
أَبُو زيد: يُقَال ضاحَيْتُه أَي أتيتُه ضُحىً، وَفُلَان يُضاحِينَا ضَحْوَة كل يومٍ أَي يأتينا. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال للرجل إِذا مَاتَ ضَحَا ظِلُّه لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ صَار لَا ظِلَّ لَهُ. وشجرةٌ ضاحِيَةُ الظل أَي لَا ظِلَّ لَهَا لِأَنَّهَا عَشَّةٌ دقيقَةُ الأغْصانِ. قلت: وَهَذَا معنى جيدٌ فِي بَيت جرير الَّذِي نقدم تَفْسِيره وَقَالَ الشَّاعِر:
وقَحَّمَ سيرنَا من قُورِ حِسْمَى
مَروتُ الرَّعْي ضاحيةُ الظلال
يَقُول رعيها مَرْتٌ فِيهِ وظلالُها ضاحية أَي لَيْسَ بهَا ظلّ لقلَّة شَجَرِها. وَفِي (نوادِرِ الْأَعْرَاب) : رجل ضَحَيانُ متضحَ مستضحٍ مضطحٍ إِذا أَضْحَى، ويومُ ضحيانُ أَي طَلْقٌ، وسراجٌ ضَحْيَانُ مُضِيءٌ، ومفازة ضَاحِيَة الظّلالِ لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ يستظَلُّ بِهِ. وَفِي الدُّعَاء: لَا أَضْحَى الله ظِلَّكَ، مَعْنَاهُ: لَا أَمَاتَكَ الله حَتَّى يُذْهِبَ ظِلَّ شَخْصِكَ الْقَائِم.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فرس ضَاحِي العِجَان يُوصف بِهِ المحبَّب يُمدح بِهِ وضحَّيْنَا بني فُلانٍ أَتَيْنَاهم ضُحًى مُغِيرين عليْهم. وَقَالَ:
أَرَاني إِذا ناكَبْتُ قوما عَدَاوَةً
فضحيتهم، إنّي على الناسِ قَادِر
وَقَالَ شمر: أَضْحَى الرجل إِذا صَار فِي وَقْتِ الضُّحَى، وأَضْحَى فِي الغُدُو إِذا أَخَّرَه. وضَحِيَ الشيءُ وأضحيْتُه أَنا أَي أَظهَرْتُه. وَقَالَ الرَّاعِي:
حَفَرْن عُروقَه حَتَّى أظَلَّتْ
مَقَاتِلُه وَأَضْحَيْن القُرونَا
(5/101)

قَالَ: وضَاحِيةُ كل بَلْدَةٍ ناحيَتُها، والجَوُّ بَاطِنهَا، يُقَال هؤلاءِ يَنْزِلُون الباطِنَة وَهَؤُلَاء ينزلون الضَّوَاحي وضواحي الأَرْض الَّتِي لم يُخَطَّ عَلَيْها.
وضح: قَالَ اللَّيْث: الموضَحُ بياضُ الصُّبْح. وَقَالَ الْأَعْشَى:
إِذْ أَتَتْكمْ شيْبَانُ فِي وَضَح الصُّبْ
ح بكبشٍ ترى لَهُ قُدَّامَا
قَالَ والموضَحُ بياضُ البرصِ وَبَيَاض الغُرَّةِ والتَحجِيلُ فِي القَوائم وَغير ذَلِك من نحوِه. ومِنَ الألوانِ إِذا كَانَ بياضٌ غَالبٌ فِي ألوان الشَّاءِ قَدْ نَشَأ فِي الصَّدْرِ والظَّهْرِ والوجهِ يقالُ بِهِ تَوْضِيحٌ شَدِيدٌ، وَقد توضّح.
وَيُقَال: أَوْضحْتُ أمرا فَوَضَح ووَضّحْتُه فتَوَضَّح، وَيُقَال من أَيْن أَوْضَحَ الراكبُ؟ وَمن أَيْن أَوْضَعَ الرَّاكِب؟ أَبُو عُبَيْدَة عَن أبي عمرٍ واستوضحتُ الشيءَ واستَشْرَفْتُ واستكْفَفتُه، وَذَلِكَ إِذا وضعْتَ يدك على عَيْنَيْكَ فِي الشَّمس تنظرُ هَلْ ترَاهُ تُوَقي بكفك عيْنَكَ شُعَاعَ الشَّمْسِ. والْموَاضِحَةُ الأسنانُ الَّتي تَبْدُو عِنْد الضَّحِك. وَقَالَ الشَّاعِر:
كلُّ خليلٍ كنتُ صافَيْتُه
لَا تَرَكَ الله لَهُ وَاضِحَهْ
كلَّهم أروَغَ من ثَعْلَبٍ
مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بالبَارِحَهْ
وَيُقَال: استَوْضِح عَن هَذَا الأمْرِ، أَي ابْحَثْ عَنْهُ، وَيُقَال للرجُلِ الحسنِ الوجْهِ: إِنَّه لوضَّاحُ. قَالَ: والمُوضحةُ الشَّجَّةُ الَّتِي تصِلُ إِلَى العِظَام، تَقول بِهِ شَجَّةٌ أَوْضَحَتْ عَن الْعظم. وَقَالَ أَبُو عبيد: المُوضحةُ من الشجَاجِ الَّتِي تُبدي وَضَحَ الْعظم.
وَقَالَ اللَّيْث: إِذا اجْتمعت الكواكبُ الْخُنَّسُ مَعَ الكواكبِ المُضِيئةِ من كواكبِ المنازلِ سُمين جَمِيعًا الوُضَّحَ. وَفِي الحَدِيث: أَن يهوديّاً قتل جُوَيْرِية على أَوْضَاحٍ لَهَا، قَالَ أَبُو عبيد يَعْنِي حَلْيَ فضَّة، وتُوضِحُ مَوضِع مَعْرُوف.
وَقَالَ اللحياني: يُقَال: فِيهَا أَوْضَاحٌ من النَّاس وأَوْبَاشٌ وأسقاطٌ يَعْنِي جماعاتٍ من قبائلَ شتَّى. قَالَ: لم يُسْمَعْ لهَذِهِ الْحُرُوف بواحدٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: فِي الأَرْض أوضَاحٌ من كَلأ إِذا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ قد ابيضّ، قلتُ وأكْثَرُ مَا سمعْتُ العربَ يَقُولُونَ الوَضَحُ فِي الْكلأ إِنَّمَا يَعْنون بِهِ النَّصِي والصليَّان الصيْفِيّ الَّذِي لم يسوَدّ من القِدَم وَلم يَصِرْ دِريناً. للنَّعَم وضيحةٌ ووضائح وَمِنْه قَول أبي وجزة:
لِقَوْميَ إذْ قَوْمي جميعٌ نَوَاهم
وإذْ أَنَا فِي حَيّ كثيرِ الوضائح
وَيُقَال لِلَّبن الموَضَحُ وَمِنْه قَول الْهُذلِيّ:
ثمَّ استفاءوا وَقَالُوا حبَّذا الوضح
أَي قَالُوا: اللَّبَنُ أحبُّ إِلَيْنَا من القَوَد. وَيُقَال كَثُرَ الوضَحُ عِنْدَ بَني فُلاَنٍ أَي كَثُرَتْ أَلْبَانُ نَعَمِهمْ. وَالْعرب تسمي النَّهَار الوَضَّاح والليلَ الدُّهْمَان وبِكْرُ الوَضَّاحِ صَلَاة الغَدَاةِ وَفِي أَحَادِيث المَبْعث وَدَلَائِل نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل أَن أَوْحى الله إِلَيْهِ: أَنه
(5/102)

كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يلْعَبُ وَهُوَ صغيرٌ مَعَ الغلمان بِعظم وضَّاح، وَهِي لُعبة لصبيانِ الْأَعْرَاب يعمِدون إِلَى عظمٍ أبيضَ فيرمونه فِي ظُلمة اللَّيْل، ثمَّ يتفرّقون فِي طلبه، فَمن وجده مِنْهُم فَلهُ القَمْر قلت وَقد رَأَيْت وِلدانهم يصغّرونه وَيَقُولُونَ عُظيمُ وضَّاح. وَأنْشد بَعضهم:
عَظِيم وضاح ضِحَنَّ الليلَة
لَا تَضِحَنَّ بعْدهَا منْ لَيْلة
وَقَوْلهمْ: ضِحَنّ أمرٌ بتثقيل النُّون من وَضَح يَضِح وَمَعْنَاهُ أُظْهَرَنّ وَأُبْدُوَنّ، كَمَا يُقَال من الْوَصْل صِلَنّ.
وَيُقَال أَوْضَحَ الرَّجُلُ إِذا جَاءَ بأوْلادٍ بيض، وأوضحت المرأَةُ إِذا ولدت أَوْلَادًا بيضًا. وَوَضَحُ الْقدَم بَيَاض إخْمصه. وَقَالَ الجميح:
وَالشوْكُ فِي وَضَح الرَّجْلَيْن مَرْكُوزُ
وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: المتوضحُ والواضِحُ من الْإِبِل الأبيضُ وَلَيْسَ بالشّديد البياضِ، أشدُّ بَيَاضًا من الأعْيس والأصْهب وَهُوَ المُتَوَضح الأقراب وَأنْشد:
متوضح الأقْرَابِ فِيهِ شُهلَةٌ
شَنِجُ الْيَدَيْنِ تَخَالُه مشكولا
قَالَ الْمُنْذِرِيّ أُخبِرْتُ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ فِي قَوْلهم جَاءَ فلَان بالضحّ وَالرِّيح، وأصل الضحّ الوَضَحُ وَهُوَ فوْرُ النَّهَار وضوْء الشَّمْس، فَأسْقطت الْوَاو وزيدت الحاءُ مَكَانهَا فَصَارَت مَعَ الْأَصْلِيَّة حاءً ثَقيلَة قَالَ وَكَذَلِكَ القحة الوقْحة فَأسْقطت الْوَاو وزيدت الْحَاء مَكَانهَا فَصَارَت قِحَّةً بحائين وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الضحُّ البرازُ الظّاهر.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الضحُّ ماضحا للشمس، والريحُ مَا نَالهُ الرّيح. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الضحّ الشَّمْس بِعَينهَا وَأنْشد:
أبيضُ أبرزه للضَّح راقِبُه
مقلَّدٌ قُضُبَ الرّيْحَان مفعُوم
وَقَالَ أَبُو زيد: تَقول من أَيْن وَضَحَ الرَّاكبُ؟ أَي من أَيْن بَدَأَ؟ وَقَالَ غَيره من أَيْن أَوْضَحَ بِالْألف.
حَوْض حيض: قَالَ اللَّيْث: الحَوْضُ مَعْرُوف، والجميع الحِيَاضُ والأحوَاضُ، وَالْفِعْل التّحْوِيضُ، واستحوضَ الماءُ أَي اتخذ لنَفسِهِ حَوْضاً، وحَوْضَى اسْم موضعٍ. الْأَصْمَعِي إِنِّي لأُدَورُ حول ذَاك الْأَمر وأُحَوض وأُحَوط حولَه بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَيْضُ مَعْرُوف، والمرة الْوَاحِدَة الحَيْضَةُ، وَالِاسْم الحِيضَةُ وَجَمعهَا الحِيض والحِيضَات جمَاعَة. وَالْفِعْل حَاضَت الْمَرْأَة تَحِيضُ حَيْضاً ومَحِيضاً، فالمحيضُ يكون اسْما وَيكون مَصْدراً. وَامْرَأَة حائِضُ، وَنسَاء حُيَّضٌ على فُعَّل، والمستحاضةُ الْمَرْأَة الَّتِي يسيل مِنْهَا الدَّمُ فَلَا يرقأُ، وَلَا يَسِيلُ من المحِيضِ، وَلكنه يسيل من عِرْقٍ يُقَال لَهُ العَاذِل، وَإِذا استُحِيضَت المرأةُ فِي غير أَيَّام حَيْضِها واستَمرّ بهَا الدَّمُ صلّت وصامت وَلم تَقْعُد عَن الصَّلاة كَمَا تقعد الْحَائِض وَقَالَ الله جلّ وَعز: {وَيَسْئَلُونَك
(5/103)

َ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} (البَقَرَة: 222) قَالَ أَبُو إِسْحَاق: يُقَال قَدْ حَاضَتِ الْمَرْأَة تَحِيضُ حَيْضاً ومحيضاً ومحاضاً. قَالَ وَعند النَّحْوِيين أَن الْمصدر فِي هَذَا الْبَاب بَابه المَفْعَل والمَفْعِل جيّد بَالغٌ، وَقَالَ غَيره المحِيضُ فِي هَذِه الْآيَة المَأْتَى من الْمَرْأَة لِأَنَّهُ مَوْضعُ الحيْض فَكَأَنَّهُ قَالَ اعْتزلوا النِّسَاء فِي موضِع الْحَيض وَلَا تجامِعُوهنّ فِي هَذَا الْمَكَان. ويقالُ حاضَ السيلُ وفاضَ إِذا سَالَ، يحيض ويفيضُ. وَقَالَ عمَارَة:
أجالت حصاهن الذَّوَارِي وحَيّضَت
عليهنّ حَيْضَاتُ السُّيُول الطّواحِم
أنشدنيه المنذريُّ عَن المبرِد أَن عمَارَة أنْشدهُ. وَمعنى حيّضت أَي سيّلت. قلت: ومِنْ هَذَا قيلَ للحوضِ: حَوْضُ المَاء؛ لِأَن المَاء يَحيضُ إِلَيْهِ أَي يسيلُ، وَالْعرب تدخل الواوَ على الْيَاء والياءَ على الواوِ؛ لِأَنَّهُمَا من حيزٍ واحِدٍ وَهُوَ الهوَاءُ وهما حَرْفا لِين. وَقَالَ اللحيانيُّ فِي بَاب الضّاد وَالصَّاد: حاضَ وحاص بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ أَبُو سعيد: إِنَّمَا هُوَ حاضَ وجاضَ بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الْفراء حاضَت السَّمُرَةُ تحيض إِذا سَالَ مِنْهَا الدُّوَدِم وَيجمع الْحَوْض حياضاً وأحواضاً والمحوَّض الْموضع الَّذِي يسمَّى حوضاً.
ضيح: قَالَ اللَّيْث: الضَّيَاحُ اللَّبن الخاثرُ يُصَبُّ فِيهِ الماءُ ثمَّ يُجدَحُ، يُقَال ضَيّحْتُه فَتَضَيَّح. قَالَ: وَلَا يُسمى ضَياحاً إِلَّا اللبنُ وتضيُّحُه تزيّده. قلت: الضَّيَاحُ والضّيْحُ عِنْد الْعَرَب أَن يُصَبَّ الماءُ على اللبَنِ حَتَّى يَرِق، وَسَوَاء كَانَ اللبنُ حليباً أَو رائباً، وَسمعت أعرابيَّاً يَقُول ضَوحْ لي لُبَيْنَةً وَلم يقل ضَيحْ وَهَذَا مِمَّا أَعْلمْتُكَ أَنَّهم يدْخلُونَ أحد حرفي اللَّبن على الآخَرِ كَمَا يُقالُ حَيضه وحَوَّضه وتَوّهه وتيّهه. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: إِذا كثر المَاء فِي اللَّبن فَهُوَ الضَّيْحُ والضّيَاح وَقَالَ الْكسَائي قد ضيّحه من الضّيَاح. ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من اعتذَر إِلَيْهِ أخُوه من ذَنْبٍ فردّه لم يَرِدْ عليَّ الْحوضَ إِلَّا مُتَضَيحاً وَأنْشد شمر:
قد علمت يَوْم وَرَدْنا سَيْحا
أَنِّي كفيْت أَخَوَيْهَا الميْحَا
فامتَحَضا وسقَّيا فِي ضَيْحَا
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال الريحُ والضيحُ تقويةٌ لِلَفْظِ الرّيح فإذَا أفْرَدْتَه فَلَيْسَ لَهُ معنى. قلت: وغيْرُ اللَّيْث لَا يُجيز الضيحَ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: جَاءَ فلَان بالضح وَالرِّيح قَالَ: وَمعنى الضح الشمسُ، أَي إِنَّمَا جَاء بمثْل الشَّمس وَالرِّيح فِي الكثْرَةِ. قَالَ: والعامّة تَقول: جَاءَ بالضيح وَالرِّيح. وَلَيْسَ الضيح بِشَيْء.

(بَاب الْحَاء والصَاد)
(ح ص (وايء))
حصا، حصأ، حَاص، صَحا، صَاح، (صواح) ، صوح، وحص.
صَحا: قَالَ اللَّيْث: الصّحْوُ ذهابُ الغيْم، يُقَال اليومُ يومٌ صَحْوٍ. وأصحَتِ السماءُ فَهِيَ مُصْحِيَةٌ ويومٌ مُصْحٍ. قَالَ: والصَّحْوُ ذهابُ السُّكْرِ وتَرْكُ الصِّبَا والباطِل، يُقَال
(5/104)

مِنْهُ: صَحَا قَلْبُه، وصَحَا مِنْ سُكْرِه. قلت: وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُه. ورَوى الحرَّانِيُّ عَن ابْن السّكيت: أَصْحَت السماءُ تُصْحِي فَهِيَ مُصْحيَةٌ، وَقد صَحَا السكرانُ يَصْحُو صُحُوَّا فَهُوَ صاحٍ، ونحوَ ذَلِك قَالَ الفراءُ والأصمعيُّ.
قَالَ اللَّيْث: والمِصْحَاةُ جَامٌ يُشْرَبُ فِيهِ. وَقَالَ الأصمعيُّ فِيمَا روَى عَنهُ أَبُو عبيد: المِصْحَاةُ إِنَاءٌ، قَالَ: وَلَا أَدْري مِنْ أَي شَيءٍ هُو. شمِرٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي المِصْحَاةُ الكَأْسُ قَالَ وَقَالَ غيرُه هُوَ القَدَحُ من الفضّة وَاحْتج بقول أَوْس:
كمِصْحَاةِ اللُّجَين تأكّلا
وَقَالَ ابْن بُزُرْج: من أَمْثالهم (يُرِيد أَنْ يَأْخُذَها من الصَّحْوَة والسَّكْرَةِ) مَثَلٌ لطَالب الأمْرِ يتجاهلُ وَهُوَ يَعْلَم.
حوص حيص: قَالَ اللَّيْث: الحَوَصُ ضِيقٌ فِي إِحْدَى الْعَينَيْنِ دونَ الأُخْرى، وَرجل أَحْوَصُ وَامْرَأَة حَوْصَاءُ، قلت: الحَوَصُ عِنْد جَمِيعهم ضيقٌ فِي الْعَينَيْنِ معَاً، رجل أَحْوَصُ إِذا كَانَ فِي عينيْه ضيقٌ، وَقد حَوِصَ يَحْوَصُ حَوَصاً.
أَبُو العبّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: الحَوَص بِفَتْح الْحَاء الصغَارُ الْعُيُون، وهم الحُوصُ. قلت: من قَالَ حَوَصٌ أَرَادَ أَنهم ذوُو حَوَص.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ الحَوْصُ الخِياطة وَقد حُصْت الثَّوْب أَحوصُهُ حَوْصاً إِذا خطِتْهُ. وَفِي حَدِيث عليّ أَنه اشْترى قَمِيصًا فَقَطع مَا فضل من الكُمَّين عَن يَدِه، ثمَّ قَالَ للخياط حُصْه أَي خِطْ كِفَافَهُ، وَمِنْه قيل للعين الضيّقة حَوْصَاءُ كَأَنَّمَا خِيط جانِبٌ مِنْهَا. قَالَ وحُصْت عينَ الْبَازِي إِذا خِطْته.
وَقَالَ ابْن السّكيت: الأَحْوَصَانِ: الأَحْوَصُ بن جَعْفَر بن كلابٍ، واسْمه ربيعةُ، وَكَانَ صغيرَ العيْنَيْنِ، وَعَمْرو بن الْأَحْوَص وَقد رَأس وَقَالَ الْأَعْشَى:
أَتَاني وَعِيدُ الحُوصِ منْ آلَ جَعْفَر
فيا عَبْدَ عَمْرٍ وَلَو نهيْت الأحَاوِصَا
يَعْنِي عبدَ عمرِو بنِ شُرَيْح بنِ الْأَحْوَص، وعَنَى بالأحاوص مَنْ وَلَده الأحْوَصُ، مِنْهُم عَوْفُ بنُ الأحْوص، وعَمْرو بن الأحْوص، وشُرَيْحٌ بن الْأَحْوَص، وَرَبِيعَة بن الْأَحْوَص.
وَقَالَ أَبُو زيدٍ يُقَال: لأطْعَنَنّ فِي حَوصك أَي لأكيدَنَّك ولأجِدّن فِي هَلاَكِكَ. وَقَالَ النَّضر: من أَمْثَال العربِ طَعَنَ فلانٌ فِي حَوْصٍ لَيْسَ مِنْه فِي شَيْء. إِذا مارس مَا لَا يُحْسِنه وتكلّف مَا لَا يَعْنيه. وحَاصَ فلاَنٌ سِقَاءَه إِذا وَهَى وَلم يكن مَعَه سِرَادٌ يخرزه بِهِ فأدخلَ فِيهِ عُودَيْنِ وسد الوَهْي بَينهمَا يخَيْط دُون الخَرْزِ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: ناقَة مُحتَاصَةٌ وَهِي الَّتِي احْتاصَتْ رَحِمُها دُونَ الفحْل فَلَا يقدرُ عَلَيْهَا الفحلُ، وَهُوَ أَن تعقِد حَلَقَها على رَحِمِها فَلَا يقدر الفَحْلُ أَن يُجيز عليْها، يُقَال قد احْتاصَت الناقةُ واحتاصَتْ رَحِمها سواءٌ، وناقة حائص ومحتاصَةٌ وَلَا يُقَال حَاصَت النَّاقة، وبئر حَوْصاءُ ضيقةٌ.
(5/105)

وَرُوِيَ أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: الحيصاءُ النَّاقة الضيّقة الحَيَا. قَالَ والمِحْيَاصُ الضيّقة الملاقي.
الأصمعيّ والفرّاء: الحائص والناقة الَّتِي لَا يَجُوز فِيهَا قضيبُ الفَحْلِ كأنّ بهَا رَتْقاً. وَقَالَ اللَّيْث الحَيْصُ الحَيْدُ عَن الشَّيْء. يُقَال هُوَ يحيصُ عني أَي يَحيدُ، وَهُوَ يحايصني، وَمَا لَك من هَذَا الأمْرِ مَحِيصٌ أَي مَحِيد، وَكَذَلِكَ مَحَاصٌ، وَفِي حَدِيث مطرّف: أَنه خرج من الطَّاعُون، فقيلَ لَهُ فِي ذَلك، فَقَالَ: هُوَ الموتُ نْحَايصُه وَلَا بُدّ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ نزوغ عَنهُ. يُقَال حَاص يحيص حَيْصاً، وَمِنْه قَول الله جلّ وعزّ: {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن} (فُصّلَت: 48) .
ورُوي عَن ابْن عُمَرَ أنَّه ذكر قتَالاً أوْ أَمْراً، فَقَالَ: فَحَاصَ المُسْلِمون حَيْصَةً.
ويروى فَحَاضَ الْمُسلمُونَ حَيْضَةً، مَعْنَاهُمَا وَاحِد.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: وَقع القَوْمُ فِي حَيْصَ بَيْصَ، أَي فِي اخْتِلَاط من أمْر لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهُ. وأنشدنا لأميَّة بن عائِذ الْهُذلِيّ:
قد كنتُ خَرَّاجاً وَلُوجاً صَيرَفاً
لم تَلْتَحِصْني حَيْصَ بَيْصَ لَحَاصِ
ونصبَ حَيْصَ بيْصَ على كل حالٍ. قَالَ وَقَالَ الْكسَائي فِي حيصَ بيص مثلَه إلاّ أَنه قَالَهَا بِكَسْر الْحَاء وَالْبَاء حِيصَ بِيصَ.
الحَرّاني عَن ابْن السّكيت إِنَّك لتحسَبُ عليَّ الأَرْض حَيْصاً بَيْصاً وحِيصاً بِيصاً. وَفِي حَدِيث سعيد بن جُبَير وَسُئِلَ عَن المكاتَب يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أهلُه أَن لَا يخرُجَ من بَلَده، فَقَالَ: أَثْقَلْتُمْ ظهْره وجعلتم الأرْض عَلَيْهِ حَيصَ بَيصَ أَي ضيقتم الأَرْض عَلَيْهِ حَتَّى لَا مَضْربَ لَهُ فِيهَا وَلَا مُتَصَرَّفَ للكَسْبِ.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الْفراء قَالَ: هُمْ فِي حَيْصَ بَيْصَ وحِيصَ بِيصَ.
وَقَالَ: إِذا أفْردوه أجْرَوْه وَرُبمَا تركُوا إجراءَه وَقَالُوا وَقَعُوا فِي حِيصٍ أَي فِي ضيق. وَفِي (كتاب ابْن السّكيت) فِي الْقلب والإبدال فِي بَاب الصَّاد وَالضَّاد. يُقَال: حَاصَ وحَاضَ وجَاضَ بِمَعْنى واحدٍ. وَكَذَلِكَ ناصَ وناضَ. وَقَالَ عزَّ من قَائِل {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ} (ص: 3) أَي لات حينَ مَهْرَب.
وروى اللَّيْث بَيت الْأَعْشَى:
لقد نَال حَيْصاً من عُفَيْرَةَ حائصاً
قَالَ يرْوى بِالْحَاء وَالْخَاء. قلت: والرُّواة روَوْهُ بِالْخَاءِ خَيْصاً وَهُوَ الصَّحِيح.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل الخِيَاصة سيْرٌ طَوِيل يشدُّ بِهِ حِزَامُ الدّابّةِ.
حصا: قَالَ اللَّيْث: الحَصَى صِغَارُ الحِجَارَةِ، الْوَاحِدَة حَصَاةٌ وثلاثُ حَصَيَاتٍ. قَالَ والحَصى كَثْرَة العَدَدِ شُبه بحصى الْحِجَارَة فِي الْكَثْرَة، وَقَالَ الْأَعْشَى:
(5/106)

فلستُ بالأكْثَرِ منْهُم حَصًى
وَإِنَّمَا العزَّةُ للْكاثِر
قَالَ: وحَصَاةُ اللّسَانِ ذَرَابَتُهُ. قَالَ وَفِي الحَدِيث: (وَهل يُكَبُّ الناسُ على مناخرهم فِي جَهنَّم إِلَّا حَصَا أَلْسِنَتهم) . قلت والرّواية الصَّحِيحَة (إلاَّ حصائدُ ألسنتهم) ؟ وَقد مرّ تَفْسِيره فِي بَابه، وأَمَّا الحَصَاةُ فَهُوَ الْعقل نَفسه.
وروى ابْن السّكيت عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: فلَان ذُو حَصَاةٍ وأَصَاةٍ إِذا كَانَ حازِماً كَتُوماً على نفْسِه يحفظ سرَّه. قَالَ والحَصَاة الْعقل، وَهُوَ فَعَلَة من أحْصَيْتُ قَالَ طرفَة:
وإنّ لسانَ المَرْءِ مَا لم يَكُنْ لَهُ
حصاةٌ على عَوْرَاتِه لَدلِيلُ
يَقُول إِذا لم يكنْ مَعَ اللِّسَان عقل يحجزه عَن بسْطه فِيمَا لَا يجب دَل اللِّسَان على عَيبه بِمَا بِلَفْظ بِهِ من عُور الْكَلَام.
قَالَ اللَّيْث وَيُقَال لكل قطعَة من الْمسك حصاةٌ. قَالَ: والحصاةُ داءٌ فِي المثانَة، وَهُوَ أَن يخثُرَ الْبَوْل فيشتد حَتَّى يصير كالحصاة. يُقَال حصِيَ الرجلُ فَهُوَ مَحْصِي.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الحَصْوُ هُوَ المَغَسُ فِي البَطْنِ. وَفُلَان ذُو حَصى أَي ذُو عَددٍ، بِغَيْر هَاء. وَهُوَ من الإحْصَاء لَا من حَصَى الْحِجَارَة وَفُلَان حَصِيٌّ وحَصيفٌ ومُسْتَحْصٍ إِذا كَانَ شديدَ العَقْل، وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ} (الْجِنّ: 28) أَي أحَاط علمُه بِاسْتِيفَاء عَدَدِ كل شَيْء.
وَقَالَ الْفراء فِي قَوْله {وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} (المُزمّل: 20) قَالَ علم أَن لنْ تحفظُوا مَوَاقِيت اللَّيلِ، وَقَالَ غَيره مَعْنَاهُ {وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ} أَي عَلِمَ أَن لن تُطِيقوه، وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحْصَاها دخلَ الجَنّة) فمعْناه وَالله أعلم من أحْصَاهَا عِلْماً وإيماناً بهَا ويقيناً بِأَنَّهَا صفاتُ الله جلّ وعزّ، وَلم يُرد الإحصاء الَّذِي هُوَ العَدّ. والحَصَاةُ الْعقل: اسْم من الإحصاء فِي هَذَا الْموضع وَقَالَ أَبُو زُبَيد:
يُبْلغُ الجَهْدَ ذَا الْحَصَاة من القو
مِ وَمن يُلْفَ وَاهناً فَهُوَ مُود
يَقُول: يُبلغ ذَا الْحَصَاة من الْقَوْم الجَهْد أَي ذَا الْقُوَّة والرزانة وَالْعقل وَالْعلم بمصادر الْأُمُور ومواردها.
صوح، صِيحَ: أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ وَأبي عَمْرو قَالَ: الصُّوحُ حَائِط الْوَادي وهما صُوحَانِ. وَفِي الحَدِيث أَن مُحَلم بن جُثَامة قتل رجلا يَقُول لَا إلاه إلاّ الله، فلمّا مَاتَ دفنوه قَالَ فلفَظَتْه الأَرْض فألْقَوْه بَين صُوحيْن فأكلته السبَاع.
ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي: الصَّوْحُ بِفَتْح الصَّاد الجانبُ من الرأسِ والجبلِ. قلت: وغيرُه يَقُول صُوحٌ لوجه الْجَبَل الْقَائِم كَأنه حَائِط، وهما لُغَتَانِ صَوْحٌ وصُوحٌ.
سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: الصُّوَاحِيُّ مَأْخُوذ من الصُّوَاح وَهُوَ الْجصّ وَأنْشد:
جَلَبْنَا الخيلَ من تثْليث حَتَّى
كأنّ على مَنَاسِجِها صُواحَا
(5/107)

قَالَ: شبّه عَرَقَ الخيْلِ لما ابيضّ بالصُّوَاح وَهُوَ الجصّ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الصَّاحَةُ من الأَرْض الَّتِي لَا تنْبِتُ شَيْئا أبدا.
وَقَالَ اللَّيْث: التصوّح تشقّق الشّعْر وتناثُره وَرُبمَا صوَّحه الجُفُوف.
قَالَ: والبقلُ إِذا أَصَابَته عاهة فيبِس قيل تَصَوّح البَقْلُ وصوّحَتْه الريحُ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: إِذا تهيّأ النباتُ لليُبْس قيل قد اقْطَارَ فَإِذا يَبِس وانْشَقّ قِيل قد تَصَوَّح.
قلت: وتصوُّحُه من يُبْسِهِ زمانَ الحَر لَا مِنْ آفةٍ تصيبُه.
وَقَالَ ذُو الرمة يصف هَيْج البقل فِي الصَّيف:
وصوح البقْلَ نآجٌ تجيءُ بِهِ
هَيْفُ بِمَا نِيَةٌ فِي مَرهَا نكَبُ
أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: فإنْ تشقَّق الثَّوْب من قِبَل نَفْسه قيل قد انْصَاحَ انْصِياحاً وَمِنْه قَول عبيد:
من بَين مرتَتِقٍ مِنْهَا ومُنْصاح
قَالَ شمر: وَرَوَاهُ ابْن الأعرابيّ:
من بَين مرتَفِقٍ مِنْهَا ومنصاح
وَفسّر المُنْصَاحَ الفائِضَ الجارِي على وجْهِ الأرْضِ. قَالَ: والمُرْتَفِق الممتلىءُ.
قَالَ: ويروى عَن أبي تَمام الْأَسدي أَنه أنْشدهُ:
من بَين مرتفِق مِنْهَا ومِنْ طَاحِي
قَالَ: والطَّاحِي الَّذِي قَدْ سالَ وفاضَ وَذهب.
وَقَالَ الأصمعيُّ: انْصَاحَ الفَجْرُ انصِياحاً إِذا اسْتَنَارَ وأَضَاءَ، وَأَصله الانْشِقَاق. وتَصَايحَ غِمْدُ السَّيْف إِذا تشقّق.
وَقَالَ اللَّيْث الصُّوَّاحَةُ على تَقْدِير فُعَّالة من تشقق الصُّوف إِذا تصوَّح.
وَفِي (النَّوَادِر) : صوّحتْه الشمسُ ولوَّحتْه وصَمَحَتْه إِذا أَذْوَتْه وآذَتْه.
وَمن نَبَات الْيَاء، أَبُو عبيد عَن أبي زيد: لَقيته قبْلَ كل صَيْحٍ ونَفْرٍ، فالصَّيْحُ الصيَاح والنَّفْر التفَرُّق. وَيُقَال غَضِبَ فلانٌ من غير صَيْحٍ وَلَا نَفْرٍ، من غير قَلِيل وَلَا كثيرٍ. وَقَالَ الشَّاعِر:
كَذُوبٌ محولٌ يجعلُ الله عُرْضَةً
لأَيْمانِه من غير صيْحِ وَلَا نَفْر
قَالَ: مَعْنَاهُ من غير شَيْء. وَيُقَال: تصيّح النبْتُ إِذا تشقّق بِمَعْنى تصوَّح.
وَقَالَ اللَّيْث: تصيّح الخَشَبُ وغيرُه إِذا تصدّع.
وأنشدني أعرابيٌّ من بني كُلَيْب بن يَرْبُوع:
ويومٍ من الجوْزَاءِ مُؤتَقِد الحَصَى
تكَادُ صَيَاصِي العيْنِ مِنْهُ تَصَيَّحُ
قَالَ: والصيَاحُ صوتُ كُل شَيْء إِذا اشتدّ. والصَّيْحَةُ العذابُ.
قَالَ الله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} (الحِجر: 73) يَعْنِي بِهِ العذَاب. وَيُقَال: صِيحَ فِي آلِ فلَان إِذا هَلَكُوا.
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(5/108)

دعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاته
وَلَكِن حديثٌ مَا حديثُ الرَّوَاحل
وَقَالَ الله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} أَي الهلَكَةُ. وصَيْحةُ الْغَارة إِذا فاجأتْهم الخيلُ المُغيرةُ والصَّائِحَةُ صَيْحَةُ المَنَاحَة. وَيُقَال: مَا ينْتَظِرُون إِلَّا مثلَ صَيْحَةِ الحُبْلَى أَي شرّاً يَفْجَؤُهم. والصيْحانيّ ضَرْبٌ من التَّمْرِ أسْوَدُ صُلْبُ المَمْضَغَةِ شديدُ الحلاوَةِ.
قلت: وسُمي صَيْحَانِياً لأنّ صيْحانَ اسمُ كَبْشٍ كَانَ يُرْبَطَ عِنْدَ نَخْلةٍ بِالْمَدِينَةِ فأثمرت ثمْراً صيْحَانِيّاً فنُسِبَ إِلَى صَيْحَان.
وَقَول الله جلّ وعزّ: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} (هُود: 67) فذكّر الْفِعْل لِأَن الصّيْحَةَ مصدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الصيَاحُ، وَلَو قيل وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصيحةُ بالتأنيث كَانَ جَائِزا تذْهب بِهِ إِلَى لفظ الصّيْحَةِ.
حصأ: مهموزاً. أَبُو عبيد عَن الأُمَوِيّ: حَصَأْتُ من المَاء أَي رَوِيتُ.
وَقَالَ أَبُو زيد: حَصَأ الصَّبيُّ من اللَّبن حَصْأ إِذا أُرْضِع حَتَّى تمتلىء إنْفَحَتُه إِن كَانَ جَدْياً، وَإِن كَانَ صبِياً فبطْنُه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيُّ: يُقَال للرجل وَغَيره حَصَأ بِهَا وحَصَمَ بِهَا إِذا ضَرَط.
وَقَالَ غَيره: أحْصَأتُه أَي أَرْوَيتْهُ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الحَصَا مَا خَذَفْت بِهِ خَذْفاً وَهُوَ مَا كَانَ مثلَ بَعْرِ الْغنم.
وَقَالَ أَبُو أسلم: العظيمُ مثل بَعْرِ البعيرِ من الْحَصَى.
وَقَالَ أَبُو زيد حَصَاة وحِصِيّ وقناة وقِنِيٌّ ونواة ونِوَيٌّ ودواةٌ ودِوِيّ، هَكَذَا قيّده شمر، وغيرُه يَقُول بِفَتْح الحَاء والقَافِ وَالنُّون وَالدَّال حَصَّى وقَنَّى ونوَّى ودَوَّى. وَيُقَال نهر حَصَوِيٌّ أَي كثيرُ الحَصَى.
وَقَالَ الْأَحْمَر: أَرض مَحْصَاةٌ من الحَصَا وحَصِيَّة وَقد حَصِيتْ تَحْصَى. وَيُقَال حَصَيْتُه بالحَصَى أحْصِيه أَي رمَيْتُه.
وَقَالَ اللَّيْث فِي قَوْلهم وَقع فلَان فِي حَيْص بَيْص أَي فِي ضيقٍ وَالْأَصْل فِيهِ بَطْنُ الضبّ يُبْعَج فيخْرَجُ مَكْنُه وَمَا كَانَ فِيهِ ثمَّ يحَاصُ.
وحص: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الوحْصُ البَثْر يخرج فِي وَجه الجَارِية المَلِيحة.
وَقَالَ ابْن السّكيت: أصبَحَتْ وَلَيْسَ بهَا وَحْصَةٌ وَلَا وَذْيَةٌ.
قَالَ الأزهريُّ مَعْنَاهُ لَيْسَ بهَا عِلَّة.

(أَبْوَاب الْحَاء وَالسِّين)
(ح س (وايء))
حسا، حاس، سَحا، ساح: (مستعملة) .
حسا: قَالَ اللَّيْث: الحَسْوُ الْفِعْل، يُقَال حَسا يَحْسو حَسْواً، والشيءُ الَّذِي يُحْسَى اسمُه الحَسَاء مَمْدُود. والحُسوَةُ مِلْءُ الفَم. وَيُقَال اتَّخذُوا لَهُ حَسِيَّةً. والحُسْوَةُ الشَّيْء الْقَلِيل مِنْهُ.
الحرَّاني عَن ابْن السّكيت: حَسَوْتُ حَسْوَةً وَاحِدَة والحُسْوَةُ مِلءُ الْفَم.
وَقَالَ اللحياني: حَسوة وحُسوة وغَرفة وغُرفة بِمَعْنى وَاحِد.
(5/109)

وَقَالَ يُونُس: حَسوت حَسوة وَفِي الْإِنَاء حُسوةٌ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: شربت حَسُوّاً وحَسَاءً، وشربت مَشُوّاً ومَشَاءً.
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَالَ أَبُو ذبيان بن الرعبل: أبْغض الشُّيُوخ إليَّ الحَسُوُّ الفَسُوُّ. قَالَ: الحَسُوُّ الشروبُ.
قلت: جمع الحُسْوَةِ حُسًى، وَالعرب تَقول: نمت نَوْمة كحَسْوِ الطير إِذا نَام نوماً قَلِيلا. وَيقول الرجلُ للرجلِ هَل احتسيت من فلَان شَيْئا؟ على معنى هَل وَجَدْتَ، وَقَول أبي نخيلة:
لما احْتَسَى مُنْحَدِرُ من مُصْعِد
أَن الحَيَا مُغْلوْلِبٌ لم يَجْحَدِ
احتسى أَي استَخْبَرَ فأُخْبِرَ أَن الخِصْب فاشٍ.
وَسمعت غيرَ واحدٍ من بني تَمِيم يَقُول: احتَسَيْنا حِسْياً أَي أنْبطْنا مَاء حَسْيٍ، والحَسْيُ الرَّمْل المتراكم أَسْفَله جبل أصلدُ، فَإِذا مُطِرَ الرمل نَشِفَ مَاء الْمَطَر، فَإِذا انْتهى إِلَى الْجَبَل الَّذِي أسفَلُه أمسكَ المَاء وَمنع الرملُ حرَّ الشَّمْس أَن ينشف المَاء فَإِذا اشْتَدَّ الْحر نُبِثَ وجْهُ الرمل عَن المَاء فنبَعَ بَارِدًا عذباً يتَبَرَّضُ تبرُّضاً وَقد رَأَيْت فِي الْبَادِيَة أحْسَاءُ كَثِيرَة على هَذِه الصفَة مِنْهَا أحْساءً بَنِي سَعْدٍ بحذاء هَجَرَ وقُرَاها وَهِي اليومَ دارُ القَرَامِطَةِ، وَبهَا مَنَازِلُهم وَمِنْهَا أَحْسَاءُ خِرْشَافِ وأَحْسَاءُ القَطِيف. وبحذاء حاجِرٍ فِي طَرِيق مَكَّة أَحْساءٌ فِي وادٍ مُتَطَامِن ذِي رَمْلِ إِذا رَوِيَتْ فِي الشتَاء من السُّيُول الْكَثِيرَة لم يَنْقَطِع ماءُ أحْسائها فِي القَيْظ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحِسَى المَاء الْقَلِيل.
وَقَالَ شَمِر: يُقَال جعلت لَهُ حَسوًا وحَساء وحَسِيّة إِذا طُبَخَ لَهُ الشَّيْء الرَّقِيق يتحسَّاه إِذا اشْتَكَى صدرَه، وَيجمع الحِسْيُ حِسَاءً وأحْساءً.
سَحا: قَالَ اللَّيْث: سَحَوْتُ الطينَ بالمِسْحَاةِ عَن الأَرْضِ سَحْواً وسَحْياً، وَأَنا أَسْحَاهُ وأَسْحُوه وأسْحِيه، ثلاثُ لُغَاتٍ.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: سَحَوْتُ الطين عَن الأرْضِ أَسْحُوهُ وأَسْحَاه، وَلم يذكر أسحِيه. قَالَ وسَحْوُ الشَّحْم عَن الإهاب قَشْرُه، وَمَا قْشِرَ عَنهُ فَهُوَ سِحاءَة نَحْو سحاءةِ النواة، وسحاءة القرطاس وَفِي السَّمَاء سِحَاءةٌ من سَحَاب، أَي غيمٌ رقيقٌ. وَيُقَال: سحَّيْتُ الْكتاب تَسْحِيَةً لِشَدهِ بالسحَاءَةِ، وَيُقَال بالسحَاية، لُغَتَانِ.
قَالَ اللَّيْث: وسَمّى رؤبة سنابك الحُمُرِ مَسَاحِيَ لِأَنَّهَا تُسْحَى بهَا الأَرْض فَقَالَ:
سَوَّى مساحِيهِنّ تقطيطَ الحُقَق
قَالَ: وَرجل أُسْحُوان: كثير الأَكْلِ. قَالَ والأُسْحِيَّة كل قشرة تكونُ على مضائِغ اللَّحْم من الْجلد. ومتَّخِذُ الْمساحِي سَحَّاءٌ على فَعال وحرفته السحَايةُ.
وَقَالَ الأصمعيُّ: الساحِيَةُ المَطْرَةُ الشَّدِيدَة الوقعِ الَّتِي تَقْشِر الأرضَ. وَأنْشد أَبُو عبيد:
(5/110)

أَصَابَ الأرْضَ مُنْقَمِشُ الثريَّا
بساحِيَةٍ وأَتْبَعَها طِلاَلا
قَالَ: وسَحَوْتُ القرطاسَ وسَحَيْتُه والسحَاةُ الخُفّاش وَجَمعهَا سَحاً. قَالَ: والسحاء ضربٌ من الشّجر يرعاه النَّحْل. وَكتب الْحجَّاج إِلَى عَامل لَهُ أَن أرسل إليَّ بِعَسَل السحاء أخْضَرَ فِي الْإِنَاء.
وَقَالَ ابْن السّكيت: ضَبٌّ سَاحٍ حابلٌ إِذا رعى السَّحَاءَ والحُبْلَة. وسِحَاءَةٌ أُم الرَّأْس الَّتِي تكون فِيهَا الدِّمَاغ، قَالَ: وسِحَاءَةُ القِرْطاس ممدودةٌ وسِحَاءٌ مَمْدُود بِلَا هَاء. قَالَ والسحاءُ الخفاش بِكَسْر ويُمَدّ، ويُفْتَحُ فيُقْصر، فَيُقَال هُوَ السَّحا، مقصورٌ كَمَا ترى.
حوس، حيس: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحَوْسُ الأكلُ الشَّديد، والحُوسُ الشجعان. قَالَ والحَوْسَاءُ النَّاقة الشَّدِيدَة الأكْلِ.
قَالَ وَيُقَال حاسُوهم وجاسُوهم ودَرْنَجُوهم وفَنَّخُوهم أَي ذَلّلوهم.
وَقَالَ اللَّيْث الحَوْس انتشارُ الغَارة والقَتْل، والتحركُ فِي ذَلِك، يُقَال حُسْتُه أَي وطئْتهُ وخالطْتُه.
وَقَالَ الْفراء: حَاسَهم وجَاسَهم إِذا ذَهَبُوا وَجَاءُوا يَقْتُلُونهم.
ابْن السّكيت عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: تركت فلَانا يَحُوس بَنِي فلَان ويَجُوسهم. يَقُول يَدُوسُهمْ ويطْلُب فيهم.
وَقَالَ اللَّيْث: الأَحْوَسُ الجَرِيءُ الَّذِي لَا يهوله شَيْء وَأنْشد:
أَحُوسُ فِي الظَّلْمَاءِ بالرُّمْحِ الخَطِلْ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ الأحْوسُ الشديدُ الأكلِ، والأحْوسُ الْكثير القَتْلِ من الرِّجَال، والأحْوَسُ الَّذِي لَا يَبْرَح مكانَه حَتَّى ينالَ حَاجته.
وَقَالَ الفرزدق يصف إبِلا:
حَوَاسَاتُ الشتَاء خَبَعْثِنَاتٌ
إِذا النَّكْبَاءُ ناوحت الشمالا
ابْن السّكيت: يُقَال للرجُل إِذا مَا تحبَّس وأَبْطَأَ: مَا زَالَ يتحوَّسُ، وإبِلٌ حُوسٌ بَطِيئةُ التحرُّك من مَرْعاها وإبلٌ حُوسٌ كثيرات الْأكل.
وَقَالَ اللَّيْث: التحوُّس الْإِقَامَة كأنَّه يُرِيد سفَراً وَلَا يَتَهَيَّأ لَهُ لانشغاله بِشَيْء بعد شَيءٍ وَقَالَ المتلمس:
سِرْقد أنَى لَك أَيُّها المُتَحَوسُ
فالدار قد كادَت لِعَهْدِك تدرُس
وَرجل حَوَّاسٌ عَوَّاسٌ طَلاَّبٌ بِاللَّيْلِ، وغيث أحْوَسِيٌّ دَائِم لَا يقطع. قَالَ الراجز:
أَنْعَتُ غيثاً رائحاً عُلْوِيّا
صَعَّدَ فِي نَخْلَةَ أَحْوَسِيّا
يَجُرُّ من عَفَائِهِ حَبِيّا
جَرّ الأسِيفِ الرَمَك الَمرعِيَّا
أنْشدهُ شمر. وَفِي حَدِيث عُمر أنّه قَالَ لرجل: بَلْ تَحُوسُكَ فِتْنَةٌ.
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ العَدَبَّس الْكِنَانِي فِي قَوْله: بَلْ تَحُوسُك فِتْنَةٌ، أَي تُخَالِطُ قَلْبك وتَحُثُّك وتُحَركُكَ على رُكُوبها.
(5/111)

وَقَالَ أَبُو عبيد: وكل مَوضِع خَالَطْته وَوَطِئْتَه فقد حُسْتَه وجُسْتَه وَقَالَ الحطيئة:
رهْطُ ابنِ أَفْعَلَ فِي الخُطُوبِ أَذِلَّةٌ
دُنُسُ الثيابِ قَنَاتُهُمْ لم تُضْرَس
بِالْهَمْزِ من طُولِ الثقَافِ وجَارُهم
يُعطِي الظَّلامَةَ فِي الخطوب الحُوَّسِ
يَعْنِي الأمورَ الَّتِي تنزلُ بهم فتفْشَاهم وتَخلَّلُ دِيارَهُم.
وقَالَ ابنُ الأعرابيّ: الإبِلُ الْكَثِيرَة يُقَال لَهَا حَوْسى وَأنْشد:
تبدَّلَتْ بعد أَنِيسٍ رُغُب
وَبعد حَوْسى جامل وسرب
وحاست الْمَرْأَة ذيلَها حَوْساً إِذا سحبتها وامرأةٌ حَوْسَاءُ الذيل وَأنْشد شمر قَوْله:
تَعيِبينَ أَمْراً ثمَّ تأتينَ مِثْلَه
لقد حَاسَ هَذَا الأَمْرَ عنْدك حائس
وَذَلِكَ أَن امْرَأَة وجدت رَجُلاً على فُجُورٍ فعيّرته فَلم تلبث أَنْ وَجَدها الرجلَ على ذَلِك. ومثلٌ للْعَرَب: عَاد الحيس يُحَاس؛ أَي عَاد الْفَاسِد يُفْسِد، وَمَعْنَاهُ أَن تَقول لصاحبك: إِن هَذَا الْأَمر حَيْس أَي لَيْسَ بِمُحْكم وَهُوَ ردِيءٌ، وَمِنْه الْبَيْت: تعيبني أَمْراً.
قَالَ شمر رُوي عَن الْفراء: لقد حِيس حَيْسَهم كَمَا تَقول دَنَا هَلاَكُهُمْ.
أَبُو عبيد عَن الأُمَوِيّ: إِذا أَحْدَق بالرَّجُلِ ونَسَبِه الإمَاءُ مِنْ كُل وَجْهٍ فَهُوَ مَحْيُوسٌ، وَذَلِكَ لأَنَّه يشبَّه بالحَيْس وَهُوَ يخلط خَلْطاً شَدِيدا.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: إِذا كَانَت جدّتاه من قِبَلِ أَبِيه وأُمه أَمَةً فَهُوَ المحْيُوس من الحَيْس، يُقَال حُست أَحِيسُ حَيْساً وَأنْشد:
عَن أَكْلِيَ العِلْهِزَ أَكْلَ الحَيْس
والحيْسُ التَّمْر البرنيُّ والأَقِطُ يُدَقَّانِ ويُعْجَنَان بالسَّمْنِ عَجْناً شَدِيدا حَتَّى تَنْدُرَ مِنْهُ نواةٌ ثمَّ يسوى كالثريد وَهِي الوطيئَةُ أَيْضا، إلاّ أنّ الحيس رُبمَا جُعل فِيهِ السَّوِيقُ وأَمَّا فِي الوطيئةِ فَلَا وَأنْشد:
وَإِذا تكونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا
وإذَا يُحَاسُ والحيس يدعى جُنْدُبُ
شمر وَمن أمثالهم: عَاد الحَيْسُ يُحَاسُ وَمَعْنَاهُ أَن رجلا أُمر بأَمْرٍ فَلم يُحْكِمْه فذمّه آخر فَقَامَ لِيُحْكمَه فجَاء بِشَرَ مِنْهُ فَقَالَ الْآمِر: عَادَ الحَيْسُ يُحَاسُ، أَي عَاد الفَاسد يُفْسدُ وَامْرَأَة حوْساء الذيل أَي طَوِيلَة الذيل. قَالَ: قد علمت صفراء حوساء الذيل وَقد حَاست ذَيْلَها تَحُوسُه إِذا وطئَتْهُ تسحَبُه، كَمَا يُقَال حاسَهم وجَاسهم إِذا وَطِئَهم.
سيح سوح: قَالَ اللَّيْث: السَّيْحُ المَاء الظَّاهِرُ على وجْه الأرْض يَسِيحُ سَيْحاً.
الْأَصْمَعِي: ساحَ الماءُ يسيحُ سَيْحاً إِذا جرَى على وَجه الأَرْض، وَمَاء سَيْح وغَيْلٌ إِذا جرَى على وَجه الأَرْض، وَجمعه سَيُوح وأَسْيَاحٌ، وَمِنْه قَوْله:
تِسْعَةُ أَسْيَاح وسَيْحُ الغَمَرْ
وَقَالَ اللَّيْث: السيَاحَةُ ذهَاب الرجل فِي الأرْضِ لِلْعِبَادَةِ والتَّرَهُّبِ، وسياحَةُ هَذِه الأمّة الصيَامُ ولزومُ الْمَسَاجِد.
(5/112)

وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (لَا سياحة فِي الْإِسْلَام) ، أَرَادَ بالسياحة مفارَقَةَ الأَمْصَارِ والذهابَ فِي الأرضِ وَأَصله من سَيْح الماءِ الْجَارِي.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} (التّوبَة: 112) وَقَالَ {عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ} (التّحْريم: 5)
جَاءَ فِي التَّفْسِير أَن السائحين والسائحات الصائمون.
وَقَالَ الْحسن: هم الَّذين يَصومُون الْفَرْض. وَقد قيل: إِنَّهُم الَّذين يُدِيمُون الصّيام. وَقَول الْحسن أَبْيَنُ. وَقيل للصَّائِم: سائح لِأَن الَّذِي يسيح مُتَعبداً يذهبُ فِي الأَرْض لَا زادَ مَعه فحين يَجِد الزَّاد يَطْعَمُ، والصائم لَا يَطْعَم أَيْضا، فَلِشَبهَه بِهِ سمي سائحاً.
وَفِي الحَدِيث على أَنه وصف قَوْماً فَقَالَ: (لَيْسُوا بالمسَايِيح البُذُر) .
قَالَ شمر: المسايِيحُ لَيْسَ من السّياحة وَلكنه من التسييح فِي الثوْبِ أَن يكون فِيهِ خطُوطٌ مختلفةٌ لَيْسَ من نحوٍ واحدٍ
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: المُسَيَّحُ من العَبَاءِ الَّذِي فِيهِ جُدَدٌ، واحدةٌ بيضاءُ وأُخْرى سَوْدَاءُ لَيست بشديدةِ السَواد. وكل عباءة سَيْحٌ ومُسَيَّحَةٌ. يُقَال: نِعْم السَّيْحُ هَذَا، وَمَا لم يكن ذَا جُدَدٍ، فَإِنَّمَا هُوَ كِسَاء وَلَيْسَ بِعَبَاءٍ. وَقَالَ: وَكَذَلِكَ المُسَيَّح من الطّرق المبيَّنُ، وَإِنَّمَا سيَّحه كَثْرَة شَرَكِه، شُبه بالعَباءِ المُسَيَّح. وَيُقَال للحمار الْوَحْش مُسيَّح لجُدَّته الَّتِي تفْصِل بَين البَطْن والجَنْبِ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: السيْح مِسْحٌ مُخَطَّطٌ يكونُ فِي الْبَيْت يصلح أَن يُفْتَرَش وَأَن يسْتَتر بِهِ.
وَقَالَ الأصمعيُّ: إِذا صارَ فِي الجَرَادِ خطوطٌ سودٌ وصُفْرٌ وبيضٌ فَهُوَ المُسَيَّح، فَإِذا بدا حَجْمُ جَناحِه فَذَلِك الكُتْفَان لِأَنَّهُ حينئذٍ يَكْتِف الْمَشْي فَإِذا ظَهَرَتْ أجْنِحَتُه وَصَارَ أحْمَرَ إِلَى الغُبْرَةِ فَهُوَ الغَوْغَاءُ والواحدة غَوْغَاءَةٌ؛ وَذَلِكَ حِين يَمُوجُ بعضُه فِي بَعْضٍ وَلَا يتوجّه جِهَةً وَاحِدَة، هَذَا فِي رِوَايَة عمر بن بَحْرٍ.
وَقَالَ شمر: المسايِيحُ الذَين يسيحون فِي الأرْض بالشَّر والنميمةِ والإفسادِ بَين النَّاس، والمَذَايِيعُ الَّذين يُذيعُون الْفَوَاحِش.
وَقَالَ الليثُ: السَّاحة فَضَاءٌ يكون بَين دُور الحَي، والجمعُ سوحٌ وسَاحَاتٌ، وتصغيرها سُوَيْحَةٌ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للأتان قد انْسَاح بَطْنُها وأنْدَال سِيَاحاً إِذا ضَخُمَ ودَنَا من الأَرْض. وَيُقَال: أساحَ الفَرَسُ ذَكره وأَسابَه إِذا أخرجه من قُنْبِه. قَالَه خَليفَة الحصيني قَالَ وسيَّبه وسيَّحه مثلُه.
وَقَالَ غَيره: أسَاحَ فلانٌ نَهْراً إِذا أَجْراه. وَقَالَ الفرزدق:
وَكم لِلْمُسلمِين أسَحْتَ يَجْرِي
بِإِذن الله من نَهْر ونَهْرِ
يَقُول: كم من نَهْرٍ أجريتَه للْمُسلمين فانتفعوا بمائه.
(5/113)

(بَاب الْحَاء وَالزَّاي)
(ح ز (وايء))
حزى حزا، حَاز (تحوز، تحيز) ، زاح، أزح.
حزى: قَالَ اللَّيْث: الحَازِي الكاهِنُ تَقول: حَزَا يَحْزُو ويَحْزِي ويَتَحَزَّى.
وَأنْشد:
وَمن تَحَزَّى عَاطساً أَو طَرَقا
وَقَالَ آخر:
وحازِيَةٍ ملبونة ومنجسٍ
وطارقةٍ فِي طرقها لم تُسَدَّد
قَالَ الأصمعيُّ التحزّي التكهن.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الحازِي أقَلُّ عِلْماً من الطّارق، والطّارقُ كَاد أَن يكونَ كاهِناً، والحازِي يَقُول بِظَنَ وخَوْفٍ، والعائف العالمُ بالأمور وَلَا يُسْتعافُ إِلَّا من عَلِم وحَرَّب وعرَف؛ والعَرَّاف الَّذِي يَشُمُّ الأَرْض فيعرفُ مواقِع الْمِيَاه، وَيعرف بِأَيّ بلدٍ هُوَ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: حَزَيْت الشَّيْء أحْزيه إِذا خَرَصْتَه وحزوتُه مثلُه، لُغَتَانِ من الحازِي، وَمِنْه حَزَيْتُ الطيرَ إِنَّمَا هُوَ الخَرْصُ وحَزَا السرابُ الشيءَ يحزوه: رَفَعه. ابْن هانىء عَن أبي زيد: حزونا الطير نحزوها حَزْواً، زجرناها زجرا قَالَ: وَهُوَ عِنْدهم أَن ينعَقَ الْغُرَاب مُسْتقبِلَ رَجُلٍ وَهُوَ يُرِيد حَاجَةً فَيَقُول: هُوَ خيرٌ فَيخرج، أَو ينعق مُستَدْبِرَه فَيَقُول: هَذَا شَرٌ فَلَا يخرج، وَإِن سنح لَهُ عَن يَمِينه شيءٌ تَيَمَّنَ بِهِ، أَو سَنَح عَن يسَاره تشاءم بِهِ، فَهُوَ الحَزْوُ والزَّجْرُ، وَيُقَال أحْزَى يُحزي إحْزاء إِذا هاب وأبى. وأنشدوا:
وَنَفْسِي أَرَادَت هجر سلمى وَلم تطقْ
لَهَا الهجر هابته وأحْزَى جَنِينُها
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
كعُوذِ المعطف أحْزَى لَهَا
بمصدرة المَاء رَأْمٌ
أَي رَجَعَ لَهَا، رَأْمُ أَي وَقد رُدَّ هالكٌ ضعيفٌ والعُوذُ الحديثَةُ الْعَهْد بالنتاج. وَقَالَ اللَّيْث: الحَزَا مقصورٌ: نَبَات يُشْبِه الكرفْسَ من أَحْرَار الْبُقُول، ولريحه خَمْطةٌ يزْعم الْأَعْرَاب أَن الْجِنّ لَا تدخل بَيْتا يكون فِيهِ الْحَزَا، والواحدة حَزَاةٌ. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الحَزَاءُ ممدودٌ: نبتٌ. وَقَالَ شمر: تَقول الْعَرَب ريحُ حَزَاء فالنَّجاءَ، قَالَ وَهُوَ نَبَات ذَفِرٌ يَتَدَخَّنُ بِهِ للأرواح، يُشْبِهُ الكَرَفْسَ، وَهُوَ أعْظَمُ مِنْهُ. فَيُقَال اهرُب إِن هَذَا ريحُ شَر. قَالَ: وَدخل عمر بن الحكم النَّهْدِيّ عَلَى يزِيد بن المهلّب وَهُوَ فِي الحَبْس فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: أَبَا خَالِد
ريحُ حزاء فالنَّجا لَا تكن
فريسة للأسد اللابد
أَي أَن هَذَا تباشيرُ شَر وَمَا يَجِيء بعد هَذَا شَرٌ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم الحَزَاءُ ممدودة لَا يُقصر. وَقَالَ شمر: الحَزَاءُ يمَدُّ وَيقصر.
وحَزْوَى جبلٌ من جبالِ الدهناء، وَقد مررتُ بِهِ
وَمن مَهْمُوز هَذَا الْبَاب:
(5/114)

حَزَأْتُ: الإبلَ وأَنا أَحْزُؤُها، وَهُوَ أَن تَضُمَّها وتسوقَها. وَقَالَ: واحْزَوْزَأَتْ الإبلُ إِذا اجْتمعت. والطائِر يحزَوْزِىء، وَهُوَ ضمُّه نفْسَه وتجَافِيه عَن بيضه وَأنْشد:
مُحْزَوْزأيْنِ الزفَّ عَن مَكَوَيْهِما
وَقَالَ رؤبة فَلم يهمز:
والسيرُ محزوزٍ بِهِ أحْزِيزَاؤُه
قَالَ ذَلِك كلُّه اللَّيْث. وَقَالَ أَبُو زيد فِي كتاب الْهَمْز:
حَزَأْتُ الْإِبِل حَزْأً
إِذا جمعتَها وسقتَها
حوز حيّز: قَالَ اللَّيْث: الحَوْزُ السيْرُ اللين. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الحَوْزُ السيْر الروَيْدُ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الحَيْز السيْرُ الروَيْدُ. وَقد حِزْتُها أَحِيزُها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ الْحَوْزُ وَأنْشد قَول الحطيئة:
وَقد نظرْتكم إيناءَ صَادِرةٍ
للوِرْد طَال بهَا حَوْزِي وتَناسِي
وَقَالَ عائشةُ فِي شمر: كَانَ وَالله أحْوَزِيّا نسيجَ وحْدِه. قَالَ السَّائِق الْحسن السِّيَاق وَفِيه معَ سِيَاقه بعض النفار. وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول: الأحوزي.
أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي الأحوزيّ الخفيثُ. وَقَالَ العجاج يصف ثوراً وكلاباً:
يحوزهن وَله حُوزِيّ
كَمَا يحوز الفِئَة الكَمِيُّ
وَبَعْضهمْ يرويهِ، كَانَ وَالله أحْوَذِياً بِالذَّالِ، وَهُوَ قريب من الأحوزي.
قَالَ شمر الحَوْز من الأرْض أَن يتخذَها رجلٌ، ويبيّن حدودَها فيستحقُّها، فَلَا يكونُ لأحدٍ فِيهَا حقٌّ مَعَه، فَذَلِك الحَوْز. وقولُ العجاج وَله حُوزِي أَي لَهُ مَذْخُورُ سَيْرٍ لم يَبْتَذِلْه أَي يَغْلبهنّ بالهُوَيْنَى.
وَقَالَ شمر فِي قَوْله: وَله حُوزِيّ، أَي لَهُ طَارِدٌ يطرُد عَن نَفْسه من نشاطِه وحْدَه. قَالَ: وَسمعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: جمل حُوزِيّ ورجُلٌ حُوزِيٌّ ورجُلٌ أَحْوَزِيٌّ قد حَاز الأمورَ وأحكمَها.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَوْزُ أَيْضا موضعٌ يحوزُه الرجلُ يتَّخذْ حواليه مُسَنَّاة، والجميع الأحْوَازُ، قَالَ وكلُّ من ضمَّ شَيْئا إِلَى نَفْسه من مَال وغيرِ ذَلِك فقد حازَه واحْتَازَه. قَالَ وحَوْزُ الرجُلِ طبيعتُه من خير أَو شَرّ. قَالَ والحَوْزُ النِّكَاح وَأنْشد:
تَقول لمّا حَازَها حَوْزَ المَطِي
أَي جَامعها. وَفِي الحَدِيث: (فَلَمَّا تحوّز لَهُ عَن فِراشه) . قَالَ أَبُو عبيد التحوُّزُ هِيَ التنَحي. وَفِيه لُغَتَانِ: التحوُّز والتحيُّز.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} (الأنفَال: 16) فالتحوز تَفَعُّلٌ والتحيّز التَّفَيْعلُ، ونحوَ ذَلِك قَالَ الفراءُ وحذّاقُ النَّحْوِيين. وَقَالَ الْقطَامِي يصف عجوزاً استضَافها فَجعلت تروغُ عَنهُ فَقَالَ:
تَحَوَّزُ عنّي خَشْيَةً أَن أضِيفَها
كَمَا انحازَت الأفْعى مخافَة ضَارِب
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَول الله: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} (الْأَنْفَال: 16) نصب {مُتَحَرِّفاً} و {وُوِمُتَحَيِّزاً} على الْحَال، إِلَّا أَن
(5/115)

يتحرّف لِأَن يُقاتل أَو أَن ينْحازَ أَي ينفرِدَ ليكُون مَعَ المقاتِلة. قَالَ وأصل متحيز محيوِز فأُدْغِمت الواوُ فِي الْيَاء.
قَالَ شمر: الْإِثْم حَوَّاز القلوبِ أَي يحوزَ القلْبَ ويغلبُ عَلَيْهِ حَتَّى يركب مَا لَا يَجِبُ، وكأنّه من حَاز يحوز. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَأكْثر الرِّوَايَة (الْإِثْم حزّاز الْقُلُوب) أَي حزّ فِي القلبِ وحاكَ فِيهِ.
وَقَالَ شمر: حُزْتُ الشَّيْء أَي جمعتُه أَو نحيته قَالَ والحوزِي المتوحّد فِي قَول الطرماح:
يَطُغْنُ بِحُوزِي لم يُرَعْ بواديه
من قَرْع القِسيّ الكِنَائنُ
قَالَ: الحوزيُّ المتوحدُ وَهُوَ الفَحْلُ مِنْهَا وَهُوَ مِنْ حُزْتُ الشَّيْء إِذا جمعته أَو نحَيتَه.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال مَالك تَتَحَوَّزُ إِذا لم تَسْتقرَّ على الأرضِ، وَالِاسْم مِنْهُ التحوُّز. قَالَ: وحَيزُ الدّار مَا انضمَّ إِلَيْهَا من الْمرَافِق والمنافِع، وكلُّ ناحِية حيّزُ على حدَةٍ، بتَشْديد الْيَاء، والجميع أحْيَازٌ، وَكَانَ الْقيَاس أَن يكون أحْوَازاً، بِمَنْزِلَة الميّت والأموات وَلَكنهُمْ فرّقوا بَينهمَا كراهةَ الالتباس، وَقَالَ الرَّاعِي يصف إبِلا:
حوزيَّةٌ طُوِيَتْ على زَفَراتِها
طيَّ القناطِر قد بزلْن بزولا
قَالَ والحُوزية النوق الَّتِي لَهَا خِلْقَةٌ انْقَطَعت عَن الْإِبِل فِي خِلْقَتِها وفراهتها، كَمَا تَقول منقطِع القرين.
وَقيل نَاقَة حُوزِيةٌ أَي مُنْحازَة عَن الْإِبِل لَا تخالطها من سَيْرها مصونٌ لَا يُدْرك، وَكَذَلِكَ الرجل الحُوزيّ الَّذِي لَهُ أبدا، من رَأْيه وعقله مذخور.
وَقيل بل الحُوزية الَّتِي عِنْدهَا مذخورٌ، وَقَالَ العجّاج (يحوزُهنّ وَله حُوزِيٌّ) أَي يَغْلِبُهن بالهوينَى، وَعِنْده مذخورٌ مِنْهُ لم يبتذلْه وَفِي حَدِيث: (فَلم نزل مفطرين حَتَّى بلغنَا مَا حُوزَنَا) .
قَالَ شمر: فِي قَوْله (مَا حُوزَنا) : هُوَ الْموضع الَّذِي أرادُوه، وَأهل الشَّام يسمون المكانَ الَّذِي بَينهم وَبَين العدوّ الَّذِي فِيهِ أَساميهِم ومكاتبُهم الماحُوزُ.
قَالَ شمر: قَالَ بَعضهم: هُوَ من قَوْلك حُزْتُ الشَّيْء إِذا أحرزْتَه.
قَالَ الْأَزْهَرِي: لَو كَانَ مِنْهُ لقيل مَحازَنا أَو مَحُوزَنَا، وحزت الأرضَ إِذا أعلَمْتُها وأحيْيتُ حدودَها، وَهُوَ يُحاوِزُه أَي يُخالطه ويجامِعُه. قلت: أحسَبُ قَوْله: (مَا حوزنا) بلغَة غير عَرَبِيَّة وكأنَّه فاعُولٌ، وَالْمِيم أصليّة مثل الفاخُور لنبْت والرّاحول للرّحْلِ.
وَقَالَ الأصمعيُّ: إِذا كَانَت الإبِلُ بعيدَة المَرْعَى من الماءِ فأوَّلُ ليلَةٍ توجهِها إِلَى المَاء ليلةُ الجَوْزِ وَقد حوَّزْتُها وَأنْشد:
حوَّزَها من بُرَقِ الغَيَمِ
أهدأُ يَمْشِي مِشْيَة الظلِيم
وَيُقَال للرجل إِذا تحبّس فِي الْأَمر: دَعْنِي من حَوْزك وطِلْقِك. وَيُقَال: طوَّلَ فلانٌ علينا بالحَوْزِ والطلْقِ، والطلْقُ أَن يخليَ
(5/116)

وُجُوه الْإِبِل إِلَى المَاء ويتركَهَا فِي ذَلِك تَرْعَى لَيْلَتَئِذٍ، فَهِيَ لَيْلَة الطلْقِ وأنْشدَ ابنُ السّكيت:
قد غرَّ زيدا حُوْزُه وطِلْقُهُ
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: تحوُّز الحيةِ وَهُوَ بُطْء القِيَامِ إِذا أَرَادَ أَنْ يَقُوم. وَقَالَ غَيره: التحوُّس مثله عَمْرو عَن أَبِيه: الحوْزُ الْملك الْملك وحَوْزَةُ الْمَرْأَة فرجهَا وَقَالَت امْرَأَة:
فَظَلْتُ أحْثِي التُّرْبَ فِي وَجْهِه
عنّي وأَحْمِي حَوْزَةَ الغَائب
أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال حوزاته وَأنْشد:
لَهَا سَلَفُ يعوذُ بِكُل رَيْعٍ
حَمَى الحوْزَاتِ واشتَهر الإفَالا
قَالَ السَّلَفُ الفحْل حَمى حَوْزَاته، أَي لَا يدنو فَحل سواهُ مِنْهَا وَأنْشد الْفراء:
حمى حَوْزَاتِه فَتُرِكْن قَفْراً
وأَحْمَى مَا يَلِيه من الإجَامِ
أَرَادَ بحوْزاته نواحيَه من المراعي.
زيح زوح: قَالَ اللَّيْث: الزَّيحُ ذهَاب الشَّيْء، تَقول: قد أَزَحْتُ عِلَّتَه فزاحَتْ، وَهِي تَزِيحُ، وَقَالَ الْأَعْشَى:
هَنَأْنَا فَلم نَمْنن عَليْهَا فأصبحَتْ
رَخِيَّةَ بَالٍ قد أَزَحْنَا هُزَالَها
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: أزاحَ الأمْرَ إِذا قَضَاه، عَمْرو عَن أَبِيه: الزَّوْح تفريقُ الْإِبِل، وَيُقَال الزَّوْحُ جَمْعها إِذا تفرَّقت، والزَّوْحُ الزَّوَلاَن. شمر: زَاحَ وزَاخ بِالْحَاء وَالْخَاء بمعنَى واحدٍ إِذا تنحَّى قَالَ وَمِنْه قَول لبيد:
لَو يقوم الفيلُ أَبُو فَيَّالُه
زَاحَ عَن مثل مَقامي وزَحل
قَالَ وَمِنْه زاحت عِلَّتُه وأزَحْتُها أَنا.
أزح: قَالَ أَبُو عبيد أزَح يَأزِح أُزُوحاً، إِذا تخلّف وَقَالَ العجاج:
جَرَى ابنُ لَيْلَى جِرْيةَ السُّبُوح
جِرْيَةَ لَا كابٍ وَلَا أَزُوحِ
قَالَ الأزُوح: الثقيل الَّذِي يَزْحَرُ عِنْد الحَمْل.
وَقَالَ شمر الأَزُوح المتقاعِس عَن الأَمْر.
وَقَالَ الْكُمَيْت:
وَلم أك عِنْد مَحْملِها أَزُوحاً
كَمَا يَتَقَاعَسُ الفَرسُ الحزوَّرْ
يصف حِمَالة تحمّلها. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي أَزَحَ الإنسانُ وغيرُه بأزِح أُزوحاً وأَرَزَ يأْرِزُ أروزاً إِذا تقبَّض ودنا بعضُه من بعض. وَقَالَ غَيره أَزَاحَتْ قدمُه إِذا زلَّت، وَكَذَلِكَ أَزَحت نَعْلُهُ قَالَ الطرّماح يصف ثوراً وحشياً:
تزِلُّ عَن الأَرْض أَزْلامُه
كَمَا زلّت القدَمُ الآزحه
وَالله أعلم.

(بَاب الْحَاء والطاء)
(ح ط (وايء))
حطا، حاط، طحا، طاح، وطح (احطوطى) .
(5/117)

حطا: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ: الحَطْءُ تحريكُ الشَّيْء مُزَعْزَعاً. وَمِنْه حَدِيث ابنِ عبّاس، أَتَانِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَحَطَاني حُطْوةً. هَكَذَا رَوَاهُ ابْن الأعرابيّ غيرَ مَهْمُوز، وهمزه غيرُه. وقرأت بِخَط شمر فِيمَا فَسَّر من حَدِيث ابْن عباسٍ قَالَ: تنَاول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقَقَايَ فحطأَنِي حَطْأَةَ، قَالَ شمر: قَالَ خَالِد بن جَنبة: لَا تكون الحَطَأَةُ إِلَّا صَربة بالكف بَين الْكَتِفَيْنِ، أَو على حبراش الجَنْبِ أَو الصدْر أَو الكَتَدِ، فَإِن كَانَت بِالرَّأْسِ فَهِيَ صَقْعَةٌ وَإِن كَانَت بالوجْه فَهِيَ لَطْمَةٌ. وَقَالَ أَبُو زيد، حَطَأتْ رَأسه حَطَأَةً شَدِيدَة شَدِيدَة وَهِي شدَّة القَعْدِ بالرّاحة وَأنْشد:
وَإِن حطَأْتُ كَتِفَيْه ذَرْمَلاَ
قَالَ شمر: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي حطَأْتُ بِهِ الأرضَ حَطَأً إِذا ضربتَ بِهِ الأرْضَ وَأنْشد شمر:
وَوَاللَّه لَا أَتَى ابنَ حاطِئَةِ اسْتِها
سَجِيسَ عُجَلْيسٍ مَا أَبَان لسانيا
أَي ضارِبةَ اسْتِها. وَقَالَ اللَّيْث: المطْءُ مهموزٌ شدّة الصَّرَع، تَقول: احتمله فَحَطأ بِهِ الأرضَ، وَقال أَبُو زيد حطأت الرّجُل حَطْأً إِذا صرعتْه، وَقَالَ: حطَأْتُه حَطْأً بيَدي إِذا فَقَدْتَه.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد الحَطِىءُ من النَّاس مَهْمُوز على مِثَال فعِيلٍ هم الرُّذَالَةُ من النَّاس.
وَقَالَ غَيره: حطأ يحْطِىءُ إِذا جَعَس جَعْساً رَهْواً، وَأنْشد:
إحْطِىء فإنّك أنْتَ أقْذَرُ من مَشى
وبذاك سُميتَ الحُطَيْئَة فاذْرُق أَي أسلح.
قَالَ: حَطَأْتُه بيدِي ضرَبتهُ، والحطيْئَةُ من هَذَا تصغيرٌ حَطْأة، وَهِي العزبةُ بِالْأَرْضِ، أقْرَأَنِيهِ الْإِيَادِي.
وَقَالَ قطرب: الحَطْأَةُ ضربةٌ بِالْيَدِ مبسوطةً أيّ الجسدِ أصابَ، والحطيئة مِنْهُ مأخوذٌ، وَقيل الحَطْءُ الدفعُ، وحَطأَت القدرُ بزِبَدِها إِذا دفَعته فرمَتْ بِهِ عِنْد الغليان، وَبِه سمي الحطيْئَةُ.
وَفِي (النَّوَادِر) يُقَال: حِطْء من تمر وحِثْى من تمر أَي رَفَض قدرُ مَا يحملهُ الإنسانُ فَوق ظَهره.
طحا: قَالَ اللَّيْث: الطَّحْوُ كالدّحو، وَهُوَ البَسْطُ. وَفِيه لُغَتَانِ طحا يَطْحُو وطَحَا يَطْحَى، والطُّحِيُّ من النَّاس الرُّذَّال، وَالْقَوْم يَطْحَى بعضُهُمْ بَعْضاً أَي يَدْفَعُ.
وَقَالَ الليثُ: سألْت أبَا الدقَيْش عَن قَوْله: المُدَومة الطَّواحي، فَقَالَ: هِيَ النُّسور تستدِير حوَالي الْقَتِيل.
قَالَ: وطحا بك همُّك أَي ذهب بك فِي مَذْهَبٍ بعيدٍ، وَهُوَ يَطْحَى بِكَ طَحْواً وطَحْياً.
وَقَالَ الله تَعَالَى: {ُِبَنَاهَا وَالاَْرْضِ وَمَا طَحَاهَا} (الشّمس: 6) .
قَالَ الفرّاء: طحاها ودحاها وَاحِد.
وَقَالَ شمر: {ُِبَنَاهَا وَالاَْرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . مَعْنَاهُ وَالله أعلم، ومَنْ دَحَاها. فأبدل الطّاء من الدَّال.
قَالَ: ودحاها وسَّعَها، ونام فلَان فتدحَّى أَي اضْطَجَع فِي سَعَةٍ من الأَرْض.
(5/118)

وَقَالَ ابْن شُمَيْل المُطَحي اللازق بالأرْض، رَأَيْته مَطْحِيّاً أَي مُتَبَطحاً.
قَالَ: والبَقْلَةُ المُطَحيَةُ النّابِتَةُ على وجْهِ الأَرْض قد افترشَتْها.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي إِذا ضربَه حَتَّى يمتدّ من الضّرْبة على الأَرْض قيل طَحَا مِنْهَا وَأنْشد:
من الأَنَسِ الطَّاحِي غَلَيْك العرمْرَم
قَالَ: وَمِنْه قيل طَحَا بِه قلْبُه أيْ ذهب بِهِ فِي كُلّ مَذْهَبٍ، وطَحَى الْبَعِير إِلَى الأَرْض إِمَّا خِلاءً وَإِمَّا هُزالاً، أَي لَزِق بهَا.
وَقد قَالَ شمر: قَالَ الْفراء: شربَ حَتَّى طَحَى يُرِيد مَدَّ رِجْلَيْه.
قَالَ: وقرأْتُه بخطّ الإياديّ طَحَّى مشدَّداً، وَهُوَ أَصَحُّ إِذا مَا دعوْه فِي نصرٍ أَو معروفٍ فَلم يأتِهِمْ.
قَالَ: والمطحي اللازق بِالْأَرْضِ، كل ذَلِك بِالتَّشْدِيدِ.
قلت: كَأَنَّهُ عَارض بِهَذَا الْكَلَام مَا قَالَ الأصمعيُّ فِي طحا بِالتَّخْفِيفِ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي الطَّاحي الجمعُ الْعَظِيم، والطائح الْهَالِك، والحائط الْبُسْتَان.
قَالَ: وطَحا إِذا مد الشَّيْء، وطَحَا إِذا هَلَك، وحَطَى ألْقى إنْسَانا على وجْهه.
وَقَالَ غَيره: طَحَوْتُه أَي بطحْتُه وصرعْتُه فطَحَّى أَي انبطح انبِطَاحاً، وَفرس طاحٍ مشرِفٌ.
وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب فِي يَمِين لَهُ: لَا والقمرِ الطَّاحي أَي المرتَفِع، والطَّاحي أَيْضا المنبِسط. أَبُو زيد يُقَال للبيت الْعَظِيم مِظَلَّةٌ مطحوَّة ومطحيَّة وطاحِيَةٌ وَهُوَ الضَّخْمُ.
حوط: قَالَ اللَّيْث: حاط يَحوط حَوْطاً وحياطَة، وَالْحمار يحوطُ عانَته يجمعها، وَالِاسْم الحِيطَة، يُقَال حاطَه حِيطَةً إِذا تعاهده.
قَالَ: واحتاطَتْ الخيلُ وأَحَاطَتْ بفلانٍ إِذا أَحْدَقَتْ بِهِ، وكلُّ من أحرز شَيْئا كلَّه، وَبلغ علمُه أقصاه فقد أحاطَ بِهِ، يُقَال هَذَا أَمْرٌ مَا أحَطْتُ بِهِ عِلْماً.
قَالَ: والحائِط سمي بذلك لِأَنَّهُ يحوط مَا فِيهِ، وَتقول حَوَّطْتُ حَائِطا.
قَالَ: والحُوَّاط عظيمةٌ تُتَّخَذُ للطعام أَو الشَّيْء يُقْلَعُ عَنهُ سَرِيعا، وَأنْشد:
إِنَّا وجدنَا عُرُس الحَنَّاط
مذمومةً لئيمةَ الحُوَّاط
وَجمع الْحَائِط حيطانٌ.
قَالَ ابْن بُزُرْج: يَقُولُونَ للدراهم إِذا نقصت فِي الفرائضِ أَو غَيرهَا: هَلُمَّ حِوَطَها.
قَالَ: والحِوَطُ مَا يتمُّ بِهِ دَرَاهِمه.
وَقَالَ غيرُه: حَاوَطْتُ فلَانا مُحاوطَةً إِذا دَاوَرْتَهُ فِي أمرٍ تريدُه مِنْهُ وَهُوَ يأباه كَأَنَّك تَحُوطُه ويحُوطُك.
وَقَالَ ابْن مقبل:
وحاوطتْهُ حَتَّى ثَنَيْتُ عِنَانَه
على مُدْبر العِلْباءِ رَيَّانَ كَاهِلُه
(5/119)

وأُحِيطَ بفُلانٍ إذَا دنا هلاكُه، فَهُوَ مُحَاطٌ بِهِ. قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} (الْكَهْف: 42) أَي أَصَابَهُ مَا أهلكه وأفسده.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحَوْطُ خَيْطٌ مفتول من لونين أحمرَ وأسودَ، يُقَال لَهُ البَرِيمُ تشدُّه المرأةُ فِي وَسطهَا لِئَلَّا تصيبَها العينُ فِيهِ خَرَزَاتٌ وهلالٌ من فضَّة يُسمى ذَلِك الهلالُ الحَوْطَ، فَسُمي الْخَيط بِهِ.
قَالَ وَيُقَال للأرْضِ المُحاطِ عَلَيهَا حائِط وحَديقةٌ، فَإِذا لم يُحَطْ عَلَيْهَا فَهِيَ ضاحِيَةٌ.
أَبُو زيد: حُطت قومِي وأحطت الْحَائِط. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: حُطْ حُطْ إِذا أَمرته بصلَة الرَّحِم، وحُطْ حُطْ إِذا أَمرته بِأَن يحلي صبيَّه بالحَوْط وَهُوَ هلالٌ من فضَّةٍ.
طوح طيح: قَالَ: الطائحُ الْهَالِك أَو المشرِف على الْهَلَاك. وكلُّ شَيْء ذهب وفَنِي فقد طاح يطِيح طَيْحاً وطَوْحاً لُغَتَانِ.
وَقَالَ طوَّحُوا بفلان إِذا حملوه على رُكوبِ مفازة يخَاف هلاكُه فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو النَّجْم:
يُطَوح الْهَادِي بِهِ تَطْويحا
وَقَالَ ذُو الرمة:
ونَشْوانَ من كأسِ النُّعاس كأنّه
بحبْلين فِي مَشْطُونةٍ يتطَوَّحُ
أَي يجيءُ ويذهبُ فِي الْهَوَاء، يُقَال طوّح الرجل بِثَوْبِهِ إِذا رمَى بِهِ فِي مهلَكة، وطيّح بِهِ مثلُه.
ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرَّاء قَالَ طيّحتُه وطوّحْتُه، وتضوَّع ريحُه وتضَيَّعَ، قَالَ والمياثِق والموَاثِق، وَيُقَال طاح بِهِ فرَسُه إِذا مضى بِهِ يَطِيحُ طَيْحاً، وَذَلِكَ كذهاب السهْم بِسُرْعَة.
يُقَال أَيْن طُيح بك؟ أَي أَيْن ذُهِب بك؟ قَالَ الجعديُّ يذكر فرسا:
يَطيحُ بالفارس المدجّج ذِي القونَس
حَتَّى يغيب فِي القَتَمِ
أَرَادَ القتَامَ وَهُوَ الغُبَارُ.
وَقَالَ أَبُو سعيدٍ: أَصَابَت النّاسَ طَيْحةٌ أَي أُمورٌ فرَّقت بَينهم؛ وَكَانَ ذَلِك فِي زَمَن الطَّيْحة.
وَقَالَ اللَّيْث: الطَّيْحُ الْهَلَاك.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أطاح مالَه وطوَّحه إِذا أهلكه، وطوّح بالشَّيْء إِذا أَلْقَاهُ فِي الْهَوَاء.
وطح: اللَّيْث: الوطْحُ مَا تعلّق بالأظلاف ومخالب الطّير من العُرّة والطينِ وَأَشْبَاه ذَلِك. والواحدة وَطْحَةٌ بجزم الطَّاء.
أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: تَوَاطَحَ القومُ تداولوا الشَّرّ بَينهم.
قَالَ الشَّاعِر:
يَتَواطَحُون بِهِ على دينارِ
وَقَالَ أَبُو وجزة:
وَأكْثر مِنْهُم قَائِلا بمقالة
تُفَرج بَين الْعَسْكَر المُتَواطح
وتواطحت الْإِبِل على الحوْض إِذا ازدحمت عَلَيْهِ.
(5/120)

احطوطى: فِي (النَّوَادِر) فلَان مُحْطَوْطٍ على فلَان ومُقْطَوْطٍ ومُكْتَوْتٍ ومحْتَيْطٍ أَي غَضْبَان.

(بَاب الْحَاء وَالدَّال)
(ح د (وايء))
حدا، حدأ، حاد، دحا، داح، وحد، ودح، أحد.
حدا: قَالَ اللَّيْث: يُقَال حدَا يَحْدُو حَدْواً وحُدَاءً مَمْدودٌ: إِذا رَجَز الْحَادِي خلف الْإِبِل وَيُقَال: حَدَا يَحْدُو حَدْواً إِذا تَبع شَيْئا. وَيُقَال للعَيْر حادِي ثلاثٍ وحادي ثمانٍ إِذا قدَّم من أُتُنه أَمَامه عدّةً.
وَقَالَ ذُو الرمة:
حادي ثمانٍ من الحُقْب السماحيج
وَيُقَال للسَّهْم إِذا مضى: حدا الريشَ وحدا النَّصْلَ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُدَيَّا من التَّحَدي، يُقَال فلَان يتحدى فلَانا أَي يُباريه ويُنازِعُه الْغَلَبَة، تَقول أَنا حَدَيَّاك بِهَذَا الأمْرِ أَي أبرُزْ لي وجَارِني، وَأنْشد:
حُدَيَّا الناسِ كلهم جَمِيعًا
لِتَغْلِبَ فِي الْخطوب الأولينا
عَمْرو عَن أَبِيه: الحَادِي المتعمدُ للشَّيْء، يُقَال حداه وتَحَدَّاه وتحرَّاه بِمَعْنى واحدٍ.
قَالَ وَمِنْه قَول مُجَاهِد: كنت أتحدّى القُرّاء فأقرأ، أَي أتعمَّد، وَقَالَ ابْن الأعرابيّ مثله. قَالَ: وَهُوَ حُدَيَّا النَّاس أَي يتحدَّاهم ويتعمَّدُهم. وَقَالَ: الهوادِي أَوَائِل كُل شَيْء والحَوَادِي أَوَاخِرُ كل شَيْء.
ورُوِيَ عَن الأصمعيّ أَنه قَالَ: يُقَال لَك هُدَيّا هَذَا وحُدَيَّا هَذَا وَشَرْوَاه وشكْلُه، كُله واحِدٌ.
أَبُو زيد يُقَال لَا يقوم لهَذَا الْأَمر إِلَّا ابْن إِحْدَاهمَا يَقُول إِلَّا كريم الْآبَاء والأمهات من الرِّجَال وَالْإِبِل.
وَمن مهموزه:
حدأ: قَالَ اللَّيْث: الحِدَأةُ طَائِر يطير يصيد الجِرْذَان، وَقَالَ بَعضهم إِنَّه كَانَ يصيد على عهد سليمانَ، وَكَانَ من أصْيَدِ الْجَوَارِح فَانْقَطع عَنهُ الصيدُ لدَعْوَة سُلَيْمَان.
وَقَالَ العجاج فِي صفة الأثافي:
كأنّهن الحِدأُ الأُوِيُّ
وَقَالَ أَبُو بكر بن الأنْبَارِيّ الحِدَأُ جمع الحِدَأَةِ، وَهُوَ طَائِر، وَرُبمَا فتحُوا الْحَاء فَقَالُوا حَدَأَةٌ، وحَدأ، وَالْكَسْر أجْود. وَقَالَ الحَدَأ الفُؤُوس، بِفَتْح الْحَاء.
قَالَ: وحَدِىء بِالْمَكَانِ حَدَأً إِذا لَزِقَ بِهِ وحَدِىء على صَاحبه حَدَأً إِذا عَطَف عَلَيْهِ. وحَدِئت الشَّاة إِذا انْقَطع سلاها فِي بَطنهَا واشتكت عَلَيْهِ حَدَأً، مقصورٌ مَهْمُوز. قَالَ والحَدَأُ مقصورٌ بِفَتْح الْحَاء شبه فأس يُنْقر بِهِ الْحِجَارَة وَهُوَ محدد الطّرف.
وَقَالَ الشماخ يصف الْإِبِل:
يُبَاكِرْن العِضَاهَ بِمُقْنعاتٍ
نواجِذُهن كالحَدَإ الوقِيع
شبّه أنيابَها بالفُؤُوس المحدَّدَة.
وَقَالَ ابْن السّكيت تَقول هِيَ الحِدَأَةُ والجميع الحِدَأُ مكسورُ الأوّل مهموزٌ، وَلَا تَقول حَدَأَةٌ، قَالَ: وَتقول فِي هَذِه
(5/121)

الْكَلِمَة: حِدَأَ حِدَأَ وراءَك بندقَةٌ. قَالَ وَهُوَ ترخيمُ حدأة. قَالَ وَزعم ابنُ الْكَلْبِيّ عَن الشَّرْقِي أَن حِدَأةً، وبندقَةً، قبيلتان من الْيمن، وَالْقَوْل هُوَ الأَوَّل.
وَقَالَ النَّابِغَة:
فأوْرَدَهُنَ بَطْنَ الأَتْم شُعْثاً
يَصُنَّ المَشْيَ كالحِدَأ التُّؤَامِ
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أهل الْحجاز يُخْطِئُون فَيَقُولُونَ لهَذَا الطائِر: الحُدَيّا، وَهُوَ خَطَأٌ، ويجمعونه الحَدَادِي، وَهُوَ خطأ.
قلتُ ورُوِي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا بَأْس بقتل الحِدَوْ والأَفْعَوْ للمُحْرِم، وكأنّها لُغَة فِي الحِدَإ، والحُدَيَّا تَصْغِير الحَدَوْ.
قلت وأمّا الفَأس ذاتُ الرأسين فإنّ أَبَا عبيد روى عَن الأصمعيّ وَأبي عُبَيْدَة أَنَّهُمَا قَالَا يُقَال لَهَا الحِدَأة على مثل عِنَبة، وَجَمعهَا حِدَأٌ بِكَسْر الْحَاء، وَأنْشد قَول الشماخ بِالْكَسْرِ كالحِدَإ الوقيع.
قلتُ: ورَوَى ابنُ السّكيت عَن الفرّاء وَابْن الأعرابيّ أَنَّهُمَا قَالَا هِيَ الحَدَأةُ بِفَتْح الحَاء، والجميع الحَدَأُ، وَأنْشد قولَ الشماخ بِفَتْح الْحَاء، قلت والبصريون على حِدَأةٍ بِالْكَسْرِ فِي الفأس، والكوفيّون على حَدَأَةٍ.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي قَوْلهم حِدَأْ حِدَأْ وراءَكِ بُنْدُقة.
قَالَ قَالَ الشَّرْقِي: هُوَ حِدَأُ بنُ نَمِرة بنِ سعد الْعَشِيرَة، وهم بِالْكُوفَةِ. وبندُقَةُ بنُ مطيّة وَهُوَ سفيانُ بنُ سَلهم بن الحكَمِ بن سعد الْعَشِيرَة، وبندقة بِالْيمن، فأغارت حِدَأُ على بندقة فنالتْ مِنْهُم، ثمَّ أغارت بندقَةُ على حِدَأَ فأبادَتْهم.
وَقَالَ أَبُو زيد فِي كتاب الْهَمْز: حَدِئتُ بِالْمَكَانِ حَدَأً إِذا لزقتَ بِهِ، وحَدئْتُ إِلَيْهِ حَدَأً إِذا لجأتَ إِلَيْهِ، وحدئتُ عَلَيْهِ حَدَأ إِذا حديْتَ عَلَيْهِ ونصرْتَه ومنَعْتَه.
وَقَالَ الْفراء فِي (الْمَقْصُور والممدود) حَدِئَت الْمَرْأَة على وَلَدهَا حَدَأً وحَدِئت الشَّاةُ إِذا انْقَطع سَلاَهَا فِي بطْنها فاشتكت مِنْهُ.
أَبُو عَمْرو: حَدِئتُ عَلَيْهِ وحَدِيتُ بِمَعْنى وَاحِد: إِذا نصرْتَه ومنعْتَه.
وروى أَبُو عبيد عَن أبي زيد فِي كتاب الغَنَمِ فِيمَا قرأْتُ على الْإِيَادِي لشمر، حَذَيتْ الشَّاة تَحْذَى حُذَاء بِالذَّالِ إِذا انْقَطع سلاها فِي بَطنهَا.
قلت: وَهَذَا تَصْحِيف وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْفراء بِالدَّال والهمز.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: كَانَت قبيلةٌ تتعمد الْقَبَائِل بِالْقِتَالِ يُقَال لَهَا حِدَأةُ وَكَانَت قد أنزت على النّاس فتحدَّتْها قبيلةٌ يُقَال لَهَا بُنْدُقَةٌ فهزمَتْها فَانْكَسَرت حِدَأَة فَكَانَت العربُ إِذا مر بهَا حِدَئِيٌّ تَقول لَهُ حِدَأْ حِدَأْ وراءَك بندُقة.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو وَالْكسَائِيّ فِي بَاب الْهَمْز حَدَأْتُ الشيءَ: صرفْتُه.
حيد: قَالَ اللَّيْث: الحَيْدُ كلُّ حَرْف من الرَّأْس، وَأنْشد:
حابى الحُيُود فَارِضِ الحُنْجُور
(5/122)

قَالَ: والحَيْدُ مَا شَخَص من الجَبَلِ واعوجّ، وكل ضِلَعٍ شديدِ الاعوجاج حَيْد، وَكَذَلِكَ من العظْم، وَجمعه حُيُود.
وَالرجل يَحِيدُ عَن الشَّيْء إِذا صَدّ عَنهُ خوفًا وَأَنفةً، مصدره: حَيْدُودَةً وحَيْداً وحَيَداناً، ومَالَكَ مَحِيدٌ عَن ذَلِك. وحُيُودُ الْبَعِير مثلُ الورِكْين والساقَين.
وَقَالَ أَبُو النَّجْم يصف فحلاً:
يقودُها ضَافي الحُيُود هَجْرَع
مُعْتَدِل فِي صَبْره هَجَنَّع
أَي يَقُود الإبلَ فحلٌ هَذِه صفته.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي رجل حَيَدَى: الَّذِي يَحيدُ، قَالَ وَأنْشد الْأَصْمَعِي لأمية ابْن أبي عَائِذ:
أَو اصْحَمَ حَامٍ جَرَامِيزَه
حَزَابِيَةٍ حَيَدَى بالدحال
الْمَعْنى أَنه يحمي نفسَه من الرُّماة.
قَالَ الْأَصْمَعِي وَلم أسمع فَعَلى إلاّ فِي المؤنّث إِلَّا فِي قَول الْهُذلِيّ:
كَأَنِّي ورَحْلِي إِذا رُعْتُها
على جَمَزَى جَازِىءٍ بالرمال
قَالَ: أنشدنَاهُ أَبُو شعيْبٍ عَن يَعْقُوب زُعْتها وسُمي جَدُّ جريرٍ الخَطَفَى بِبَيْت قَالَه:
وعَنقا بعد الكلال خَطَفى
ويروى خَيْطَفى.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي الحَيْدُ شاخص يخرج من الجَبَل فَيَتَقدَّم كأنَّه جنَاح.
وَقَالَ غَيره اشتكت الشَّاة حَيَداً إِذا نشب وَلَدهَا فَلم يسهل مَخْرجه. وَيُقَال: فِي هَذَا العُودِ حُرُودٌ وحُيُود: أَي عُجَرٌ. وَيُقَال قدّ فلَان السَّيْر فَحَرَّدَه وحَيَّده: إِذا جعل فِيهِ حُيوداً. وحُيودُ الْقرن مَا تلوَّى مِنْهُ. وَيُقَال قرن ذُو حِيَدٍ أَي ذُو أَنَابِيبَ مُلْتَوِية. وَقَالَ الْهُذلِيّ:
تالله يبْقى على الْأَيَّام ذُو حَيَدٍ
يَعْنِي وَعِلاً فِي قرنه حيد.
دحا: قَالَ اللَّيْث: المِدْحاةُ خَشَبَة يَدْحَى بهَا الصبيُّ فتمر على وجْه الأَرْض لَا تَأتي على شَيْء إِلَّا أجْحَفته. والمطر الدَّاحي يَدْحَى الحَصَى عَن وَجه الأَرْض. والدَّحْو الْبسط.
وَفِي حَدِيث عَليّ ح: أَنه قَالَ (اللَّهم دَاحِيَ المُدْحِيَّات) يَعْنِي باسطَ الأرَضينَ السَّبع وموسعَها، وَهِي المدحُوّات بِالْوَاو. والأُدْحيُّ مَبِيضُ النعام. وَهَذَا الْمنزل الَّذِي يُقَال لَهُ البَلْدَةُ فِي السَّمَاء بَين النَّعَائِم وسعدٍ الذّابح يُقَال لَهُ الأُدْحِيّ.
وَقَالَ الفرّاء فِي قَول الله جلّ وعزّ: {ُ للهِضُحَاهَا وَالاَْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (النَّازعَات: 30) . قَالَ: بَسَطَها.
وَقَالَ شمر أنشدتني أعرابية:
الْحَمد لله الَّذِي أَطَاقَا
بَنَى السَّماءَ فَوْقَنَا طِبَاقَا
ثمَّ دَحَا الأرْضَ فَما أَضَافا
قَالَ شمر: وفَسَّرَتْه فَقَالَت: دحا الله الأرْضَ أوْسَعَها. قَالَت: وَيُقَال: نَام فلانٌ فتدَحَّى أَي اضْطجع فِي سَعَةِ الأَرْض.
وَقَالَ العِتْريفيُّ: تدحَّت الْإِبِل إِذا تَفَحَّصَتْ فِي مَبارِكها السهلةِ حَتَّى تَدَعَ فِيهَا قَرامِيصَ
(5/123)

أمثالَ الحِفَار، وَإِنَّمَا تفعل ذَلِك إِذا سَمِنَتْ. قَالَ: وَقَالَ غَيره: دحَّ فلَان فلَانا يَدُحُّه ودَحَاه يَدْحُوه إِذا دَفعه وَرمى بِهِ، كَمَا يُقَال عَرَاه وعَرَّ إِذا أَتَاهُ.
وَفِي الحَدِيث (يَدْخل البيتَ المعمورَ كُلَّ يومٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دِحيةٌ مَعَ كل دِحية سَبْعُونَ ألف مَلَكٍ) والدحْية رَئِيس الْجُنْدِ، وَبِه سُمي دِحيةُ الكلبيّ.
ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الدحْيَةُ: رئيسُ الْقَوْم وسيدهم بِكَسْر الدَال.
وروى ابْن أبي ذُؤيْب عَن إِسْحَاق بن يزِيد الْهُذلِيّ أَنه سألَ ابنَ المسيَّب عَن الدَّحْوِ بالحجارَةِ فَقَالَ لَا بَأْس بِهِ.
قَالَ شمر: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: هُوَ يَدْحُو الحَجَرَ بِيَدِهِ أَي يَرْمِي بِهِ ويَدْفَعُه. قَالَ: والدَّاحِي الَّذِي يَدْحُو الحَجَرَ بيدِه، وَقد دَحَا بِه يَدحو دَحْوَاً ودَحَى يدحى دَحْياً.
وَقَالَ عبيد يصف غيثاً:
يَنْزِعُ جلْدَ الْحَصَى أَجَشُّ مُبْتَرِكٌ
كأنّه فَاحِصٌ أَو لاعِبٌ داحِ
قَالَ شمر: وَقَالَ غيرُه: المِدْحَاةُ لُعبة يلعَبُ بهَا أهلُ مكَّةَ. قَالَ: وَسمعت الْأَسدي يصفها وَيَقُول: هِيَ المَدَاحِي والمَسَادِي، وَهِي أَحْجَارٌ أمثالٌ القِرَصة وَقد حفروا حَفيرة بِقَدْرِ ذَلِك الحَجَرِ فيتنَحَّون قَلِيلا ثمَّ يَدْحُون بِتِلْكَ الأحجارِ إِلَى تِلْكَ الحَفيرة، فَإِن وَقع فِيهَا الحجرُ فقد قَمَر وَإِلَّا فقد قُمِر. قَالَ: وَهُوَ يَدْحُو ويَسْدُو إِذا دَحَاها على الأَرْض إِلَى الحفرة. قَالَ: والحفرة هِيَ أُدْحِيَّة وَهِي أُفْعُولة من دحَوْتُ وَأنْشد:
وَيَدْحُو بك الدَّاحِي إِلَى كُل سَوْءَةٍ
فياشر من يَدْحُو بأطيش مُدْحَوِي
دوح: قَالَ اللَّيْث: الدَّوْحُ الشجرُ العِظَام، الْوَاحِدَة دَوْحَةٌ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: بَيت الشَّعر إِذا كَانَ ضَخْماً فَهُوَ دَوْحٌ.
أَبُو عبيد: عَن أَصْحَابه: الدَّوْحَةُ الشجرةُ العظيمةُ.
وَقَالَ أَبُو عُمَر أَخْبرنِي أَبُو عبدِ الله الملهوف عَن ابْن حَمْزَة الصُّوفِي أَنه أنْشد:
لَوْلَا حِبَّتي دَاحَهْ
لَكَانَ الموتُ لي رَاحَهْ
قَالَ: فَقلت لَهُ: مادَاحَهْ؟ فَقَالَ: الدُّنْيَا. قَالَ أَبُو عُمَر: وَهَذَا حرفٌ صَحِيح فِي اللُّغَة لم يكن عِنْد أَحْمد بن يحيى، قَالَ وَقَول الصّبيان الدّاحُ مِنْهُ. وَيُقَال دَاحت الشَّجَرَة تَدُوحُ إِذا عظُمَتْ، فَهِيَ دَائحةٌ وَجَمعهَا دَوائح.
وَقَالَ الرَّاعِي:
غَذاه وحَوْلِيُّ الثرى فَوق مَتْنِه
مَدَبُّ الأَتِي والأَرَاكُ الدوائحُ
وحد أحد: قَالَ اللَّيْث: الوحَدُ المنفرِدُ، رجل وحَدٌ وثور وحَدٌ وتفسيرُ الرّجُلِ الوَحَدِ أنْ لاَ يُعْرَفَ لَهُ أَصْلٌ.
وَقَالَ النَّابِغَة:
بِذِي الجَليل على مُسْتَأْنِسِ وَحَدِ
(5/124)

قَالَ: والوَحْدُ خفيفٌ: حِدَةُ كل شَيْء، يُقَال: وَحَدَ الشَّيْء فَهُوَ يَحِدُ حِدَةً، وكل شيءٍ على حِدَةٍ بائنٌ من آخَرَ، يُقَال ذَاك على حِدَتِه، وهما على حِدَتِهما، وهم على حِدَتِهم. والوَحْدَةُ الِانْفِرَاد.
ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء رجل وَحِيدٌ وَوَحَدٌ ووَحِدٌ، وَكَذَلِكَ فريد وفَرَدٌ وفَرِدٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: رجلٌ وحيدٌ لَا أَحَدَ مَعَه يُؤْنِسُه، وَقد وَحُدَ يَوْحُدُ وحَادَةً وَوَحْدَةً وَوَحَداً.
قَالَ: والتَوْحيد الإيمانُ بِاللَّه وحْدَهُ لَا شريك لَهُ، وَالله الْوَاحِدُ الْأَحَد ذُو الوحْدانيَّة والتَّوَحُّدِ.
قَالَ: والوَاحِدُ أَوّلُ عَدَدٍ من الحسابِ تَقول: واحدٌ وَاثْنَانِ وثلاثةٌ إِلَى عشرَة فَإِذا زَاد قلت: أَحَدَ عشْرَ يجْرِي أحد فِي الْعدَد مجْرى واحدٍ، وَإِن شِئْت قلت فِي الِابْتِدَاء وَاحِدٌ اثْنَان ثَلَاثَة، وَلَا يُقَال فِي أحد عشر غير أحد والتأنيثُ وَاحِدَةٌ وَإِحْدَى فِي الِابْتِدَاء يجْرِي مَجْرَى وَاحِدِ فِي قَوْلك أحد وَعِشْرُونَ كَمَا يُقالُ واحِدٌ وَعِشْرُونَ.
فأمَّا إِحْدَى عشرَة، فَلَا يُقَال غَيْرُها، فَإِذا حَمَلوا الأحَدَ على الفَاعِل أُجْرِي مُجْرَى الثّاني والثالثِ، وَقَالُوا هُوَ حَادِي عشرتهم وَهَذَا ثَانِي عَشَرَتِهم والليلةُ الْحَادِيَة عشر وَالْيَوْم الْحَادِي عَشَرَ. قَالَ وَهَذَا مقلوبٌ كَمَا يُقَال: جَبَذ وجَذَبَ.
قَالَ: والوُحْدَانُ جمع الوَاحِدِ، وَيُقَال الأُحْدَانُ فِي مَوضِع الوُحْدانِ. وَيُقَال أَحِدْتُ إِلَيْهِ أَي عَهِدتُ إِلَيْهِ وَأنْشد الْفراء:
بانَ الأحِبَّةُ بالأَحْدِ الَّذِي أَحِدُوا
يُرِيد بالعهْدِ الَّذِي عهدوا. وَتقول: هُوَ أَحَدُهُم، وَهِي إحْداهُنّ، فَإِن كَانَت امرأةٌ مَعَ رجال لم يستقم أَن تَقول هِيَ إحداهُم وَلَا أحَدُهم، إلاّ أَن يُقَالَ هِيَ كأحَدِهم أَو هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْهُم.
قَالَ: وتَقُول: الجلوسُ والقعودُ واحدٌ وأصحابي وأصحابُك واحِدٌ. قَالَ: والمَوْحَدُ كالمَثْنَى والمَثْلَثِ. تَقول جَاءُوا مَثْنَى مَثْنَى. ومَوْحَدَ ومَوْحَد. وَكَذَلِكَ جاءُوا ثُلاَثَ وثُنَاءَ وأُحَاد. قَالَ: والمِيحَادُ كالمِعْشَارِ، وَهُوَ جُزْءٌ واحدٌ كَمَا أَن المِعْشَارَ عُشْرٌ. والمَوَاحِيدُ جَمَاعةُ الميحادِ. لَو رأيتُ أَكَمَاتٍ منفرِدَاتٍ كلُّ واحدةٍ بَائِنَةٌ من الأُخْرى كَانَت مِيحاداً أَو مواحيدَ.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنَّه قَالَ فِي قَوْله:
لقد بَهَرْتَ فَمَا تَخْفى على أَحَد
إِلَّا على أحدٍ لَا يعرف القَمَرَا
فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم أَقَامَ أَحَدَ مُقَام مَا أَوْ شَيْء، وَلَيْسَ أحدٌ من الإنْس وَلَا من الْجنّ وَلَا يتكلَّم بِأَحَدٍ إلاّ فِي قَوْلك: مَا رأيتُ أحَداً قَالَ أَو تكلّم بِذَاكَ من الجنّ والإنْس والمَلاَئِكَةِ، فَإِذا كَانَ النَّفْسُ فِي غَيرهم قلتَ مَا رأيْتُ شَيْئا يَعْدِلُ هَذَا، وَمَا رَأَيْت مَا يَعْدل هَذَا، ثمَّ تُدْخِلُ العربُ شَيْئا على أحَدٍ، وأَحَداً على شَيْء، قَالَ الله تَعَالَى {حَكِيمٌ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} (المُمتَحنَة: 11) الْآيَة وَقرأَهَا ابْن مَسْعُود (وَإِن فاتكم أحد من أزواجكم) . وَقَالَ:
(5/125)

وَقَالَت فَلَو شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُه
سِوَاكَ ولكِنْ لم نَجدْ لَك مَدْفعا
أقامَ شَيْئاً مُقَامَ أحَدٍ، أَي لَيْسَ أحَدٌ معدولاً بك.
وَتقول: ذَاك أَمْرٌ لَسْتُ فِيهِ بأَوْحَدَ: لست على حِدةٍ. قَالَ: والأَحَدُ أصلُها الْوَاو. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه سُئل عَن الْآحَاد: أهِي جمع الْأَحَد؟ فَقَالَ: معاذَ الله لَيْسَ للأَحَدِ جمعٌ؛ وَلَكِن إِن جعلْتَه جَمْعَ الوَاحِدِ فَهُوَ محتَملٌ، مثل شَاهد وأَشْهَاد، قَالَ وَلَيْسَ للْوَاحِد تثنيةٌ وَلَا للاثنين واحدٌ من جِنْسِه.
ألف أحد مقطوعةٌ، وَكَذَلِكَ إِحْدَى، وتصغير أحَدِ أُحَيْد وتصغير إِحْدَى أُحَيْدَى، وَثُبُوت الأَلِفِ فِي أَحَدٍ وإِحْدَى دليلٌ على أَنَّهَا مَقْطُوعَة وأَمَّا الأَلِفَ اثْنَي واثنَتَي فَألِفُ وَصْلٍ. وتصغيرُ اثْنَي ثُنَيَّا، وتصغير اثنَتَيْ ثُنَيّتَا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق النَّحْوِيّ: الأَحَدُ أَصله الوَحَدُ. وَقَالَ غَيره: الفرقُ بَين الوَاحدِ والأحدِ أَنَّ الأَحدَ بُنِي لنَفْي مَا يُذكَرُ مَعَه من العَدَد، والواحدُ اسمٌ لمُفْتَتَح العَدَدِ، وأَحَدٌ يصلح فِي الْكَلَام فِي موضِعِ الجَحْدِ، وواحِدٌ فِي موضِعِ الإثْبَاتِ. تَقول مَا أَتَانِي مِنْهُم أحدٌ وَجَاءَنِي مِنْهُم وَاحدٌ. وَلا يقالُ جاءَني منْهُمْ أحدٌ، لِأَنَّك إِذا قلت: مَا أَتَانِي مِنْهُم أَحَدٌ فَمَعْنَاه، لَا وَاحِدَ أَتَانِي وَلا اثْنَانِ، وَإِذا قلت جَاءَنِي مِنْهُم وَاحِدٌ فَمَعْنَاه أَنه لم يأتني مِنْهُم اثْنَانِ، فَهَذَا أحَدَ الأَحَدِ مَا لم يُضَفْ، فَإِذا أُضِيفَ قَرُبَ من معنى الوَاحِد، وَذَلِكَ أَنَّك تَقول: قَالَ أَحَدُ الثلاثَةِ كَذَا وَكَذَا، فَأَنت تُرِيدُ وَاحِداً من الثَّلاثة.
والواحِدُ بُنِيَ على انقطاعِ النَّظِيرَ وعَوَزِ المثْلِ، والوحِيدُ بني على الوَحْدَةِ والانفرادِ عَن الْأَصْحَاب، من طَرِيق بَيْنُونَتِه عَنْهم. وَقَوْلهمْ لست فِي هَذَا الْأَمر بأوْحَدَ أَي لَسْتُ بعادم لي فِيهِ مِثْلاً وعِدْلاً وَتقول: بقيتُ وحَيداً فَرِيداً حَرِيداً بمعنَى وَاحِدٍ، وَلَا يُقَال بقيتُ أَوْحَدَ وَأَنت تُرِيدُ فَرْداً. وَكَلَام الْعَرَب يُجْرَى على مَا بُنِيَ عَلَيْهِ مأخوذاً عَنْهُم لَا يُعْدَى بِهِ مَوْضِعُه وَلَا يَجُوزُ أَن يَتَكَلم فِيهِ إِلَّا أهلُ المعرفةِ الثاقِبةِ بِهِ الّذين رسخُوا فِيهِ وأَخَذُوه عَن العربِ أَو عَمَّن أَخَذَه عَنْهُم من الأَئِمّة المأمونِين وَذَوي التَّمْيِيز المبرزين.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال فلَان إحْدَى الأَحَدِ كَمَا يُقَال واحدٌ لَا مِثْلَ لَهُ. يُقَال: هُوَ إحدَى الإحَدِ وأَوْحَدُ الأَحَدِين ووَاحِدُ الآحَادِ، قَالَ: ووَاحِدٌ وَوَحِدٌ وأَحَدٌ بِمَعْنى وَقَالَ:
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَاحِدَيْنِ عَلَوْتُه
بِذِي الْكَفّ إِنِّي لِلْكُماةِ ضَرُوبُ
وسُئِلَ سُفيانُ بن عُيَيْنَة فَقَالَ: ذَاك أَحَدُ الأَحَدِين.
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: هَذَا أَبْلَغُ الْمَدْح.
أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: قَالَ الْعَرَب تَقول: مَا جَاءني مِنْ أَحَدٍ وَلَا يقالُ قدْ جَاءَنِي من أَحَدٍ، وَلَا يُقَال إِذا قيلَ لَك مَا يَقُول ذَلِك أَحَدٌ بلَى يَقُول ذَلِك أَحَدٌ.
(5/126)

قَالَ وَيُقَال: مَا فِي الدّارِ عَرِيبٌ، وَلَا يُقَال: بَلَى فِيهَا عَرِيبٌ.
وروى أَبُو طَالب عَن سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: أَحَدٌ يكون للجَميع ولِلْوَاحِد فِي النّفي، وَمِنْه قَول الله جلّ وعزّ: {ُ)) ِالْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ} (الحَاقَّة: 47) جعل أَحَداً فِي موضِع جَمْع، وَكَذَلِكَ قَوْله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البَقَرة: 285) فَهَذَا جمْع لأنّ (بَيْن) يَقَعُ إِلَّا على اثْنَيْنِ فَمَا زَاد. وَقَالَ وَالْعرب تَقول: أَنْتُم حيٌّ وَاحِد وحيٌّ واحِدُونَ، قَالَ وموضِعُ واحدينَ وَاحِدٌ وَقَالَ الْكُمَيْت:
فَرَدَّ قَوَاصِيَ الأَحْيَاء منْهُمْ
فقد أَضْحَوْا كحَي وَاحِدِينا
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرَاء أَنه حكى عَن بعض الْأَعْرَاب: معي عشرةٌ فَاحْدُهُنَّ لِيَه، أَي صيرْهن لي أحَدَ عَشَرَ، ونحوَ ذَلِك قَالَ ابنُ السّكيت. قلت: جعل قَوْله فاحْدُهن ليَهْ من الحَادي لَا من أَحَدٍ.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَا يَقُوم لهَذَا الْأَمر إِلَّا ابْن إِحْدَاهمَا أَي الكريمُ من الرجالِ، وَفِي (النَّوَادِر) : لَا يستطيعها إِلَّا ابنُ إحْدَاتِها، يَعْنِي إِلَّا ابنُ وَاحدَةٍ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال هَذَا الحادِيَ عَشَرَ، وَهَذَا الثَّانِي عَشَرَ وَكَذَلِكَ الثالثَ عَشَرَ إِلَى الْعشْرين، مَفْتُوح كُله وَفِي الْمُؤَنَّث هَذِه الحاديةَ عشرةَ والثانيةَ عشرَة إِلَى الْعشْرين، تُدخِلُ الهاءَ فيهمَا جَمِيعًا. قلتُ: وَمَا ذكرت فِي هَذَا البابِ من الألفاظِ النَّادرة فِي الأَحَدِ والوَاحِد وإحْدَى والحَادي وغيرِها فَإِنَّهُ يُجْرَى على مَا جاءَ عَن الْعَرَب وَلَا يُعدى بِهِ مَا حُكِيَ عَنْهُم لقياس مُتَوَهَّمٍ اطّرادُه؛ فإنّ فِي كلامِ العربِ النوادرَ لَا تنقاس، وَإِنَّمَا يحفَظُها أهل الْمعرفَة المعنّيون بهَا وَلَا يقيسون عَلَيْهَا.
وأمّا اسْم الله جلّ ثَنَاؤُهُ أَحَدٌ فَإِنَّهُ لَا يُوصف شَيْء بالأحَدِيَّة غيرُه، لَا يُقَال رَجُلٌ أَحَدٌ وَلَا دِرْهَمٌ أَحَدٌ، كَمَا يُقَال رجل وَحَدٌ أَي فَرْدٌ، لأنّ أحَداً صفةٌ من صِفَات الله الَّتِي اسْتَأْثر بهَا، فَلَا يَشْركُه فِيهَا شيءٌ، وَلَيْسَ كَقَوْلِك: الله واحدٌ، وَهَذَا شَيْء واحدٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَال شَيْء أحَدٌ وَإِن كَانَ بعضُ اللغويين قَالَ إِن الأَصْل فِي الأَحَدِ وَحَدٌ.
وَقَالَ اللحياني قَالَ الكسائيُّ: مَا أَنْت إِلَّا من الأَحَدِ أَي من النَّاس وَأنْشد:
وَلَيْسَ يَطْلُبُني فِي أَمْرٍ غانيه
إِلَّا كعَمْرُو مَا عمرٌ وَمن الأَحَدِ
قَالَ وَلَو قلت: مَا هُوَ مِنَ الْإِنْسَان، تُرِيدُ من النَّاس أصَبْتَ.
قَالَ وَقَوله: {ُِوَأَخَّرَتْ ياأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ} (الانفِطار: 6) قيل إِنَّه بِمَعْنى النَّاس، وَأما قولُ الله جلّ وعزّ: {} (الْإِخْلَاص: 1، 2) فإنّ أكثَرَ القُرّاءِ على تَنْوين {أَحَدٌ وَقد قُرِىءَ بترك التَّنْوِين، وقُرىء بِإِسْكَان الدَّال (قل هُوَ الله أحَدْ) وأجودها الرَّفْعُ مَعَ إِثْبَات التَّنْوِين فِي الإدراج، وَإِنَّمَا كُسر التنوينُ لسكونه وَسُكُون اللاّم من الله، وَمَن حذف التَّنْوِين فلالْتقاء الساكنين أَيْضا.
(5/127)

وَأما قَول الله جلّ وعزّ: {أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} فَهُوَ كِنَايَة عَن ذكر الله الْمَعْلُوم قبل نزُول الْقُرْآن، وَالْمعْنَى الَّذِي سَأَلْتُم تَبْيينَ نَسبه هُوَ الله، وَقَوله {أَحَدٌ مَرْفُوع على معنى: هُوَ الله هُوَ أحد.
ورُوِي فِي التَّفْسِير أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي انسُب لنا رَبك فَأنْزل الله:} قلت وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أنّ لله نسبا انتسب إِلَيْهِ وَلَكِن مَعْنَاهُ نفي النّسَب عَن الله الواحِدِ لِأَن الأَنْسَابَ إِنَّمَا تكون للمخلوقين، وَالله صفته أَنه لم يَلِدْ ولدا يُنْسَب إِلَيْهِ وَلم يلده أحد، فينسبَ إِلَى وَالِدهِ وَلم يكن لَهُ مِثْل، وَلَا يكون فيُشبه بِهِ، تَعَالَى الله عَن افتراء المفترين وتقدّس عَن إلحاد الْمُشْركين وسبحانَه عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوّاً كَبِيرا.
قلت والواحِدُ فِي صفة الله مَعْنَاهُ أَنه لَا ثَانِي لَهُ، وَيجوز أَن يُنْعَتَ الشَّيْء بأَنه وَاحِدٌ فأمَّا أَحَدٌ فَلَا يوصَفُ بِهِ غيرُ الله لِخُلوصِ هَذَا الاسمِ الشريف لَهُ جلّ ثَنَاؤُه.
وَيَقُول أحَّدْتُ الله ووحَّدْتُه وَهُوَ الأَحَدُ الوَاحِدُ، وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهُ قَالَ لرجل ذكر الله وَأَوْمَأَ بأصبعَيْه فَقَالَ لَهُ: أَحد أَحدْ، مَعْنَاهُ أَشِرْ بإصبَع وَاحِدٍ وَأما قَول النَّاس توحَّد الله بالأمْرِ وتفرّد فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ صَحِيحا فِي الْعَرَبيَّة فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَن ألْفِظَ بلفْظٍ فِي صفة الله لم يصِفْ بِهِ نَفْسه فِي التَّنْزِيل أَو فِي السّنة وَلم أجد المتوحد وَلَا المتفرد فِي صِفَاته، وَإِنَّمَا تَنْتَهي فِي صِفَات الله إِلَى مَا وصف بِهِ نَفسه، وَلَا تجاوزه إِلَى غَيره لجوازه فِي الْعَرَبيَّة تَعَالَى الله عَن التَّمْثِيل والتشبيه علوّاً كَبِيرا.
اللحياني يُقَال: وُحِد فلَان يُوحَد أَي بَقِي وحْدَه، وَيُقَال أوحد الله جَانِبه أَي بَقي وَحْدَهُ، ويقالُ أَوْحَدَنِي فلانٌ للأعداء. قَالَ وَوحِد فلَان ووَحُد وفَرُد وفَرِد فَقِهَ وفَقُهَ وسَفُه وسَفِهَ وسَقُمَ وسَقِم وفَرُع وفَرِع وحَرُص وحَرِص.
وَقَالَ اللَّيْثُ الوَحْدُ فِي كل شَيْء مَنْصُوب لِأَنَّهُ جرى مَجْرى الْمصدر خَارِجا من الْوَصْف لَيْسَ بنعْتٍ فيتبعَ الِاسْم وَلَا بِخَبَر فيقصدَ إِلَيْهِ فَكَانَ النصبُ أولَى بِهِ إِلَّا أَن الْعَرَب قد أضافَتْ إِلَيْهِ فَقَالَت هُوَ نَسِيجُ وَحْده وهما نَسِيجَا وحْدِهِما، وهم نُسجَاء وَحْدِهم، وَهِي نسيجَة وَحْدِها، وهنّ نسائج وحْدِهِنّ؛ وَهُوَ الرجل المُصيب الرأْي. قَالَ وَكَذَلِكَ قَرِيعُ وحْدِه وَكَذَلِكَ صَرْفه وَهُوَ الَّذِي لَا يُقَارعه فِي الفَضْلِ أحَدُ.
قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وحْدَهُ مَنْصُوب فِي جَمِيع كَلَام الْعَرَب إِلَّا فِي ثلاثةِ مَوَاضِع: يُقَال لَا إلاه إلاّ الله وحدَه ومررت بزيد وحْدَه وبالقوم وحْدَهم. قَالَ وَفِي نصب وحْدَه ثَلَاثَة أَقْوَال قَالَ جماعةٌ من الْبَصرِيين هُوَ مَنْصُوبٌ على الْحَال. وَقَالَ يونُس (وحدَهُ) هُوَ بِمَنْزِلَة عِنْدَهُ. وَقَالَ هِشَام: وحدَهُ هُوَ مَنْصُوب على المصْدَر. وَحكى وَحَدَ يَحِد، صَدَّرَ وحْدَه عَن هَذَا الْفِعْل. قَالَ هِشَام وَالْفراء: نَسِيجُ وحْدِه وعُيَيْر وحْدِه ووَاحِد أُمه نكرات. الدَّلِيل على هَذَا تَقول ربّ نَسِيج وحْدِه قد رأيتُ، وربّ وَاحِدِ أمّه قد أسرْت وَقَالَ حَاتِم:
(5/128)

أماوِيَّ إِنِّي رُبّ واحِدِ أُمه
أخَذْتُ وَلَا قتلٌ عَلَيْهِ وَلَا أَسْرُ
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي قَول عَائِشَة ووصفِها عُمَرَ: كَانَ وَالله أحْوَزِياً نسيجَ وحْدِه تَعْنِي أَنه لَيْسَ شِبْهٌ فِي رَأْيه وَجَمِيع أَمْرِه وَأنْشد:
جَاءَت بِهِ مُعْتَجِراً بِبُرده
سفواءُ تَخْدِي بنسيج وحْدِه
قَالَ: وَالْعرب تَنْصِبُ وحْدَه فِي الْكَلَام كُله، وَلَا ترفعه وَلَا تَخْفِضُه إلاّ فِي ثَلَاثَة أحرف نَسِيج وحْدِه وعيير وَحده وجُحَيْشُ وحْدِه. قَالَ وَقَالَ البصريون: إنّما نصبوا وحدَه على مَذْهَب الْمصدر أَي توحَّد وَحده وَقَالَ أصحابُنَا: إنّما النصب على مَذْهَبِ الصّفة.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقد يدْخل فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ شمر أمَّا نَسِيج وَحده فمحمودٌ وَأما جُحيش وحْدِه وعُيَيْر وَحده فموضوعان مَوْضِعَ الذَّمّ وهما اللَّذَان لَا يشاوران أحدا، وَلَا يُخَالِطَانِ النَّاس، وهما مَعَ ذَلِك ذَوا مَهانَةٍ وضَعْفٍ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَى قَوْلِهم: هُوَ نَسيجُ وحْدِه أَي لَا ثانِيَ لَهُ، وأصْلُه الثوْبُ الّذي لَا يُسْدَى على سَدَاه غيرُه من الثِّيَاب لدقّته.
وَيُقَال فِي جمع الوَاحِد أُحْدَانٌ وَالْأَصْل وُحْدان فقلبت الْوَاو همزَة لانضمامها.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: نَسِيج وَحده وعُيير وحدِه ورجُلُ وحْدِه، وَيُقَال جلس على وَحْدِه وَجلسَ وَحْدَهُ، وجلسا على وَحْدِهما، وَقمت من على الوسادة.
ابْن السّكيت تَقول هَذَا رَجُل لَا واحِدَ لَهُ كَمَا تَقول هُوَ نسيجُ وحْدِه، والوحِيدَان ماءان فِي بِلَاد قَيْسٍ مَعْرُوفَانِ. وآلُ الوَحِيدِ حَيٌّ من بَنِي عامِرٍ.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال اقتضيْتُ كلّ دِرْهَم على وَحْدِه وعَلى حِدَتِه وَتقول فعل ذَلِك من ذَات حِدَته، وَمن ذَات نَفْسِه، وَمن ذَاتِ رَأْيه، وعَلى ذَات حِدته وَمن ذِي حِدَته بِمَعْنى وَاحِد.
ودح: قَالَ ابْن السّكيت: أَوْدَحَ الرجلُ إِذا أقرَّ بِالْبَاطِلِ وَقَالَ أَبُو زيد: الإيداحُ الإقرارُ بالذُّل والانقيادُ لمن يقودُه وَأنْشد:
وأكوى على قرنيه بعد خِصائه
بناري وَقد يكوى العَتُود فَيُودِح
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْكسَائي: إِذا حَسَنَتْ حَالُ الْإِبِل السمَن قيل أوْدَحَتْ، عَمْرو عَن أَبِيه يُقَال مَا أغْنى عني وَدَحَةً وَلَا وَتَحَةً وَلَا وَدْحَة وَلَا وشمة وَلَا رشمة أَي مَا أغْنى عني شَيْئا.

(بَاب الْحَاء وَالتَّاء)
(ح ت (وايء))
حَتَّى، حات، تاح، وتح، تحى، و (التاحي) .
حَتَّى: مُشَدّدة التَّاء تكْتب بِالْيَاءِ وَلَا تُمَالُ فِي اللَّفظ، وَتَكون غَايَة مَعْنَاهَا معنى (إلَى) مَعَ الْأَسْمَاء، وَإِذا كَانَت مَعَ الْأَفْعَال فمعناها (إلَى أَنْ) وَكذَلك نصبوا بهَا المستقبلَ.
وَقَالَ أَبُو زيد: سَمِعت الْعَرَب تَقول: جَلَست عِنْده عتّى اللَّيْل يُرِيدُونَ حَتَّى اللَّيْل فيقْلِبُون الْحَاء عَيْناً.
(5/129)


وَقَالَ اللَّيْث: الْحَتْوُ كفُّك هُدْبَ الكساءِ مُلْزَقاً بِهِ، تَقول حَتَوْتُه أَحْتُوهُ حَتْواً وَفِي لُغَة حتأته حتأ.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: أحتأتُ الثَّوْبَ إِذا فتلْتَه فَتْلَ الأكْسِيَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الأَعرابي حَتَيْتُ الثَّوْب وأحْتيته حتأته إِذا خطته.
وَأَخْبرنِي الْإِيَادِي عَن شمر قَالَ: حاشيةُ الثَّوْب طُرَّتُه مَعَ الطول وصِنْفَتُه ناحيته الَّتِي تلِي الهُدْبَ.
يُقَال أحْتِ صِنْفَة هَذَا الكساءِ، وَهُوَ أَن يُفْتَل كَمَا يفتل الكساءُ القُومَسِيّ.
قَالَ: والْحَتيُ: الفتل.
أَبُو عَمْرو: حتأتُ المرأةَ حَتْأً وخَجَأتُها إِذا نكحتَها.
قَالَ: وحَتَأْتُه حتْأ إِذا ضربتَه، وَهُوَ الحُتُوءُ بِالْهَمْز.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَتِيُّ سَوِيقُ المقلِ.
وَفِي (النَّوَادِر) الحتي: الدمن، والحتيُ فِي الْغَزل والحتيّ ثُفْل التَّمْر وقشوره.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الحاتىء: الْكثير الشَّرَاب.
حوت: قَالَ اللَّيْث: الحُوت معروفُ وَجمعه الحيتانُ، وَهُوَ السّمك.
قَالَ الله فِي قصَّة يُونُس: {ُ) ِأَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} (الصَّافات: 142) . قَالَ: والحَوْتُ والحَوَتَانُ حَوَمَان الطَّائِر حول المَاء، وحَومَانُ الوحشيَّة حول شَيْء وَقَالَ طرفَة:
مَا كنتُ مَجدُوداً إِذا غَدَوْت
وَمَا رَأَيْت مثل مَا لقِيت
لِطائر ظَلَّ بِنَا يحوتُ
ينصبُّ فِي اللَّوْح فَمَا يَفُوت
يكَاد من رهبتنا يَمُوت
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المحاوتَةُ المراوغة يُقَال: هُوَ يحاوتني يراوغُني. قَالَ: والحائت الْكثير العذل.
وتح: قَالَ اللَّيْث: الوَتْحُ: القليلُ من كل شَيْء، يُقَال: أَعْطَاني عَطاءً وَتْحاً، وَقد وَتَحَ عطاءه ووتُح عطاؤُه وَتَاحَةً وتِحَةً.
أَبُو عبيد قَلِيل وَتْحٌ وَوَعْرٌ وَهِي الوُتوحَةُ والوعورَةُ، وَقَالَ اللّحياني قليلٌ وَتيحٌ، وَقَالَ غيرُه: أَوْتَحَ فلَان عطاءَه أَي أَقَلَّه.
أَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه أنْشدهُ:
دَرَادِقاً وَهِي الشيوخُ قُرَّعاً
فَرْقَمَهم عَيْش خبيثٌ أوتحا
أَي يَأْكُلُون أكْلَ الْكِبَار وهم صِغَارٌ قُرَّحاً: أَي قد انْتهى أسنَانُهم، الدّرادِقُ: الصغار، قَرْقَمهم: أَسَاءَ غذاءهم. قَالَ وأوتَحَ جَهَدَهم، وَبلغ مِنْهُ، وأوتَختَ منّي بلغت منّي أبدل الْخَاء من الْحَاء.
تيح: قَالَ اللَّيْث: يُقَال: وَقع فلانٌ فِي مهلَكَةٍ فتاح لَهُ رجلٌ فأنقذه، وأتاح الله لَهُ منْ أنْقذه، وَيُقَال أُتيح لفُلَان الشيءُ أَي هُيىء لَهُ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أتاح الله لَهُ كَذَا وَكَذَا أَي قَدَّره وأتيح لَهُ الشَّيْء أَي قدر قَالَ الْهُذلِيّ:
(5/130)

أتيح لَهَا أُقَيْدِرُ ذُو حَشيفٍ
إِذا سامت على المَلَقَاتِ ساما
أَي قُدر لَهَا. وَقَالَ اللَّيْث: رجل مِتْيَحٌ لَا يزَال يَقع فِي بليَّة. وقلبٌ مِتْيَحٌ. وَأنْشد للطرماح:
أَفِي أَثَر الأظْعَانِ عينُك تلمح
نعم لاَت هَنّا إنّ قَلْبك مِتْيَحُ
وروى أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: يُقَال رجل مِعَنٌّ مِتْيَحٌ وَهُوَ الَّذِي يعرض فِي كل شَيْء وَيدخل فِيمَا لَا يعنيه. قَالَ: وَهُوَ تَفْسِير قَوْلهم بالفارسيّة اندروبست.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ المِتْيَحُ والنفيحُ والمنفح بِالْحَاء الدَّاخِل مَعَ الْقَوْم لَيْسَ شأنُه شأنَهُم.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: التَّيحان والتَّيَّحان الطَّوِيل وَقَالَ غَيره رجل تيّحان يتَعَرَّض لكل مكرمَة وَأمر سديد وَقَالَ العجاج:
لقد مُنُوا بَتَيحَانٍ ساطى
وَقَالَ الآخر:
أُقَومُ دَرْءَ خَصْمٍ تَيحَانٍ
وفَرَس تَيحَانٌ شديدُ الجَرْي، وَكَذَلِكَ فرس تَيَّاحٌ أَي جواد، وَيُقَال: تاح لِفلان كَذَا وَكَذَا أَي تَقَدّر وَمِنْه قَول الْأَغْلَب:
تَاحَ لَهَا بعدَك حِنْزَابٌ وَأَي
وَقَالَ الأصمعيّ: الحيُّوتُ: الذّكر من الحيّات قلت: وَالتَّاء فِي الحيّوت زَائِدَة لِأَن أَصله الحيَّة.
تحى: أهمله اللَّيْث، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: التَّاحي الْبُسْتَان بَانَ وَأَبُو تَحْيَاء كنية رجل كَأَنَّهُ من حيَيْت تحيا وتحياء التَّاء لَيست بأصليّة.

(بَاب الْحَاء والظاء)
(ح ظ (وايء))
حظى، الحظوة، والحظي.
اسْتعْمل من وجوهه:
(حظا) : قَالَ أَبُو زيد: يُقَال إِنَّه لذُو حُظْوَةٍ فِيهِنَّ وعندهنّ، وَلَا يُقَال ذَلِك إِلَّا فِيمَا بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء.
وَيُقَال إِنَّه لذُو حَظَ فِي الْعلم.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِظْوَةُ المكانة والمنزلة للرجل من ذِي سُلْطَان وَنَحْوه، تَقول حظِي عِنْده يحظى حِظْوة.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: أحظيتُ فلَانا على فلَان من الحُظوة وَالتفضيلِ.
وَقَالَ ابْن بُزُرْج: وَاحِد الأحَاظي أحظَاءُ، وَوَاحِد الأحظاء حِظًى مَنْقُوص.
قَالَ: وأصل الحِظَى الحَظُّ.
ابْن الْأَنْبَارِي: الحِظَى الحُظْوَة وَجمع الحِظَى أَحْظٍ ثمَّ أَحاظ.
قَالَ: وَيُقَال للسَّروَة حَظوة وَثَلَاث حِظَاءٍ.
وَقَالَ غَيره: هِيَ السرْوة بِكَسْر السِّين.
وَمن أَمْثالهم إِحْدَى حُظَيّاتِ لقمانَ تَصْغِير حَظوَات واحدتها حَظْوَة. وَمعنى الْمثل: إِحْدَى دواهِيه ومَرامِيه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: إِذا عُرِفَ الرجلُ بالشّرَارة ثمَّ جَاءَت مِنْهُ هَنَةٌ قيل إِحْدَى حُظَيّاتِ لُقْمَان، أَي إِنَّهَا من فَعَلاته. وأصل الحُظَيّات المرَامِي، واحدتها حُظَيَّة
(5/131)

وتكبيرها حُظْوَة، وَهِي الَّتِي لَا نَصْل لَهَا من المرامي، وَقَالَ الْكُمَيْت.
أراهطَ امرىء الْقَيْس اعْبَئُوا حَظَوَاتكم
لحيّ سوانا قَبْل قاصمة الصُّلْبِ
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الحَظَا الْقمل، واحدتها حَظَاةٌ. وَمن أمثالهم: إلاّ حَظِيَّة فَلَا أَلِيّة، وَهِي من أمْثال النِّسَاء، تَقول إِن لم أحْظَ عِنْد زَوْجي فَلَا أَلُو فِيمَا يُحْظِيني عِنْده بانتهائي إِلَى مَا يهواه. وَيُقَال هِيَ الحِظوة والحِظَةُ.
وَقَالَ الراجز:
هَل هِيَ إِلَّا حِظَّةٌ أَو تطليقْ
أَو صلف من دُون ذَاك تعليقْ
والحَظْوَةُ من المرامي مَا لاقُذَذَ لَهُ وَجَمعهَا حَظَوات.

(بَاب الْحَاء والذال)
(ح ذ (وايء))
حذا، حاذ، ذاح، وذح، ذحا.
حذا: قَالَ اللَّيْث: حَذَوْتُ لَهُ نعلا: إِذا قطعْتَها على مثالٍ. وَتقول: فلَان يحْتَذِي على مِثَال فُلان إِذا اقْتدى بِهِ فِي أُمُوره. وَيُقَال: حاذَيْتُ موضِعاً إِذا صرتَ بحذائه.
أَبُو نصر عَن الأصمعيّ: الحِذَاء النَّعْل، وَيُقَال: هُوَ جيّد الحذاءِ؛ أَي: جيد القَدّ. وَيُقَال: أحذاه يُحذيه إِحذاءً وحَذِيَّةً وحُذْيَاً، مَقْصُورَة وحِذْوَةً: إِذا أعطَاهُ.
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب الهذليّ:
وقائلةٍ مَا كَانَ حِذْوَةَ بَعْلِها
غَدَا تَئِذٍ، مِنْ شَاءِ قِرْدٍ وكَاهِلِ
وَيُقَال: حَذَى يَده فَهُوَ يَحْذِيها حَذْياً: إِذا حزَّها. وحذا لَهُ نَعْلاً، وحَذَاه نَعْلاً إِذا حملَه على نَعْل.
أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: حذَانِي فلَان نَعْلاً وَلَا تقل أَحْذَاني.
وَأنْشد قَول الْهُذلِيّ:
حَذَاني بعدَ مَا خَذِمَتْ نِعَالي
دُبيَّةُ إنّه نِعْمَ الخَلِيلُ
بِمَوْرِكَتَيْنِ مِنْ صَلَوَيْ مِشَبَ
من الثيران عَقْدُهُما جَمِيلُ
قَالَ وَيُقَال: أحذاني من الحُذْيَا أَي أَعْطَانِي ممّا أصَاب شَيْئا.
وَقَالَ أَبُو نصر عَنهُ: هَذَا البن يحذِي اللِّسَان حَذْياً؛ أَي: يقرُض. وَفُلَان بحذاء فلانٍ. وَيُقَال: تَحَذَّ بحذاءِ هَذِه الشجرةِ؛ أَي: صِرْ بحِذَائِها.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: أَعْطيته حِذْيةً من لحم وحُذَّةً وفِلْذَةً، كل هَذَا إِذا قُطِعَ طولا.
وَقَول الْكُمَيْت:
مَذَانِبُ لَا تَستَنْبِتُ العُودَ فِي الثرَّى
وَلَا يتَحَاذَى الحائِمُونَ فِضَالها
يُرِيد بالمَذَانِب مذانب الفِتن أَي: هَذِه المذانِبُ لَا تُنبت كمذَانِب الرياض وَلَا يقتسم السَّفْرُ فِيهَا المَاء، وَلكنهَا مَذانِبُ شَر وفتنةٍ، وَيُقَال: تحاذى القومُ الماءَ فِيمَا بَينهم إِذا اقتسموه مثل التَّصَافُن.
وَقَالَ شَمِر: يُقَال أتيتُ على أَرض قد حُذِيَ بَقْلُها على أَفْوَاه غَنَمِها، فَإِذا حُذِي
(5/132)

على أفواهِها فقد شبِعت مِنْهُ مَا شَاءَت، وَهُوَ أَن يكون حَذْوَ أفواهِها لَا يجاوزها.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: حَذَوْتُ التُّرَابَ فِي وُجُوههم وحثَوْته، بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ: وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَبَدَّ يدَه على الأَرْض عِنْد انكشاف الْمُسلمين يَوْم حُنَيْن فأخَذَ مِنْهَا قَبْضَة من تُرَاب فَحَذَا بهَا فِي وُجُوههم، فَمَا زَالَ حَدُّهم كليلاً، أَي حثا.
وَقَالَ اللحيانيّ: أحذيت الرجل طعنةً، أَي: طعنته وأحذاه نعلا أَي وَهبهَا لَهُ. وحَذَا الجلدَ يحذُوه إِذا قَوَّره. وَإِذا قلت: حَذَيَ الجلدَ يَحْذِيهِ، فَمَعْنَاه: أَنَّهُ جرحه جَرْحاً، وحذَى أُذُنَه يَحْذِيها إِذا قطعَ مِنْهَا شَيْئا.
وَيُقَال: اجْلِسْ حِذَةَ فلَان أَي: بِحِذَائِه. وَيُقَال أخَذَها بَين الحُذْيَة والخُلْسة أَي بَين الهبَة والاستِلاب، ودابَّةٌ حسن الحِذَاءِ: أَي حسن القَدّ.
ابْن السّكيت: أحذيْتُه من الغنيمةِ أُحْذِيه إِذا أعطيتَه وَالِاسْم الحذِيّةُ والحِذوةُ والحُذْيا. وحذَيْتُ يدَه بالسكين.
وَهَذَا شرابٌ يحذِي اللسانَ، وَقد حذْوتُ النعْلَ بالنعلِ إِذا قدَّرْتَها عَلَيْهَا. وَمِنْه قَوْلهم: حَذْو القُذّة بالقُذّة. والمِحذى: الشفرةُ الَّتِي يُحْذَى بهَا.
حوذ:: أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الحَوْذُ والإحْوَاذُ السَّيْرُ الشديدُ، يُقَال: حُذْت الإبلَ أَحُوذُها، وَرجل أحوذيّ: مُشَمرٌ فِي الْأُمُور.
قَالَ شمر: الحَوِيذُ من الرِّجَال: المشَمر.
قَالَ عمرَان بن حَطان:
ثِقْفٌ حُوَيْذٌ مُبِينُ الكَف ناصِعُهُ
لَا طَائِشُ الكَف وقَّافٌ وَلَا كَفِلُ
يُرِيد بالكَفِل الكِفْلَ.
وَقَالَ أَبُو عبيد الله بن الْمُبَارك الأحوذيّ الَّذِي يغلِب واستحوذ غلب.
وَقَالَ غَيره: الأحوذي: الَّذِي يسير مَسِيرة عشر فِي ثَلَاث لَيَال، وَأنْشد:
لقد أَكُونُ على الحاجَاتِ ذَا لَبَثٍ
وأَحْوَذِيَّاً إِذا انْضَمَّ الذَّعالِيبُ
قَالَ: انضمامُها انطواء بَدَنِها، وَهِي إِذا انضمَّت فَهُوَ أسْرع لَهَا، قَالَ: والذَّعاليبُ، أَيْضا ذُيُول الثِّيَاب.
وَقَالَ اللَّيْث: حاذَ يحُوذُ حَوْذاً، بِمَعْنى: حاطَ يحوطُ حَوْطاً، واستحوذَ عَلَيْهِ الشيطانُ إِذا غَلبَ عَلَيْهِ، ولغةً استحاذَ.
وَقَالَ الله جلَّ وعزَّ حِكَايَة عَن الْمُنَافِقين يخاطبُون بهَا الكفارَ: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النِّسَاء: 141) . قَالَ الفرّاء: استَحْوَذَ عَلَيْهِم أَي غلب عَلَيْهِم.
وَقَالَ أَبُو طَالب: يُقَال أحْوَذَ الشيءَ، أَي جمعَه وضمَّه؛ وَمِنْه يُقَال استَحْوَذَ على كَذَا إِذا حَوَاهُ.
وَقَالَ لبيد:
إِذا اجْتَمعَتْ وأَحْوَذَ جانِبَيْها
وأَوْرَدَها على عُوجٍ طِوَالِ
(5/133)

وَيُقَال: أحوذ الصَّانِع القِدْح إِذا أخَفَّه وَمن هَذَا أَخذ الأحوذي المنكمش الحاد الْخَفِيف فِي أُمُوره.
وَقَالَ لبيد:
فَهْو كَقِدْحِ المَنِيحِ أَحْوَذَهُ الصَّا
نِعُ يَنْفِي عَن مَتْنِهِ القُوَبَا
وَقَالَ أَبو إِسْحَاق فِي قَوْله: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} (النِّسَاء: 141) مَعْنَاهُ ألم نستوْلِ عَلَيْكُم بالمُوالاة لكم. قَالَ: وحاذَ الحِمَارُ أُتُنَهُ إِذا استولى عَلَيْهَا وَجَمعهَا، وَكَذَلِكَ حازها.
وَقَالَ العجّاج:
يَحُوذُهُنَّ وَله حُوذِي
قَالَ وَقَالَ النحويون: استَحْوَذَ خرج على أَصله، فَمن قَالَ حَاذَ يَحوذُ، لم يقل إِلَّا استَحاذ، وَمن قَالَ أحْوَذ فَأخْرجهُ على الأَصْل قَالَ استَحْوَذَ.
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: الحاذُ: شجر، والواحدة حَاذَةٌ من شجر الجَنَبَة؛ وَأنْشد:
ذَوَاتِ أُمْطِيَ وذَاتَ الْحَاذِ
والأُمْطِيُّ شَجَرَة لَهَا صَمْغٌ يمضغُه صبيان الْأَعْرَاب وَنِسَاؤُهُمْ، وَقيل الحاذَةُ شَجَرَة يألفها بَقَرُ الْوَحْش.
قَالَ ابْن مقبل:
وَهُنَّ جُنوحٌ لذِي حاذَةٍ
ضَوَارِبَ غِزْلانُها بالْجُرنْوأخبرني المنذريُّ عَن الرياشي قَالَ: الحاذُ: الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الذَّنَبُ من الفخذين من ذَا الجانبِ وذَا الجانبِ، وَأنْشد:
وتَلُفُّ حَاذَيْهَا بذِي خُصَلٍ
عَقِمَتْ فَنِعْمَ بُنَيَّةُ العُقْمِ
وَقَالَ أَبُو زيد الْعَرَب تَقول: أنْفَعُ اللَّبَنِ مَا وَلِي حَاذيَ النَّاقة، أَي ساعةَ يُحْلَبُ من غير أَن يكونَ رَضَعها حُوَارٌ قبل ذَلِك. قَالَ: والحاذُ مَا وَقع عَلَيْهِ الذَّنب من أَدْبارِ الفخذين. قَالَ: وَجمع الحاذِ أَحْواذٌ. وَفُلَان خَفِيف الحاذِ، أَي: خفيفُ الحالِ من المالِ وأصل الحاذِ طَريقَة المتْنِ.
وَفِي الحَدِيث (ليأتينّ على النَّاس زمانٌ يُغْبَطُ الرجلُ فِيهِ بِخفَّة الحاذِ كَمَا يُغْبَطُ الْيَوْم أَبُو الْعشْرَة) .
وَقَالَ شمر: يُقَال كَيفَ حالُكَ وحاذُكَ؟ وَفِي حَدِيث آخر: (المُؤْمِن خفيفُ الحاذِ) .
وَأنْشد:
خَفِيفُ الحَاذِ نَسَّالُ الفَيَافي
وعَبْدٌ لَلصَّحَابَةِ غَيْرُ عبد
وَقَالَ: الحالُ والحاذُ: مَا وَقع عَلَيْهِ اللّبد من ظهر الْفرس. وضربَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله: (المؤمنُ خفيفُ الحاذِ) : قِلَّةُ اللَّحْمِ مثلا لقلّة مَاله وقلّة عِيَاله، كَمَا يُقَال: هُوَ خَفِيف الظّهر، وَرجل خَفِيف الحاذِ أَي قليلُ المَال.
ذحا: قَالَ أَبُو زيد: ذَحَتْنَا الريحُ تَذْحَانَا ذَحْيًا إِذا أصابتنا ريح وَلَيْسَ لنا مِنْهَا ذَرىً نتذرَّى بِهِ.
ذوح: أَبُو عبيد قَالَ أَبُو زيد: الذَّوْحُ: السُّوق الشّديد.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: ذَوَّح إِبِلَه إِذا بدَّدها وذَوَّحَ مَاله: إِذا فرّقه.
(5/134)

وَمِنْه قَوْله:
على حَقنا فِي كل يومٍ تذَوَّحُ
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الذوْح: السّير العنيف. وذُحْتُها أَذُوحها ذَوْحاً.
وذح: أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: الوَذَح: مَا يتعلّق بالأصواف من أَبْعَار الْغنم فتجفُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
فترى الأَعْدَاءَ حَوْلِي شُزَّراً
خَاضِعِي الأَعْنَاقِ أَمْثَالَ الوَذَح
وَقَالَ النَّضر: الوَذَح احتراقٌ وانْسِحاجٌ يكون فِي بَاطِن الفخذين. قَالَ: وَيُقَال لَهُ المَذَحُ.
غَيره: عَبْدٌ أَوْذَحُ إِذا كَانَ لئيماً.
وَقَالَ بعض الرُّجَّاز يهجو أَبَا وَجْزَة مَوْلَى بَنِي سَعْدٍ هَجِيناً أَوْذَحَاً:
يَسوقُ بَكْرَيْنِ وَنَاباً كُحكِحَا
كحكحا أَرَادَ هَرِمَة. قلت: كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الوَذَح.
عَمْرو عَن أَبِيه: مَا أغْنى عني وتَحةً وَلَا وذَحةً أَي مَا أغْنى عني شَيْئا.

(بَاب الْحَاء والثاء)
(ح ث (وايء))
حثا، حاث: (مستعملان) .
حثا: قَالَ اللَّيْث: يُقَال: حَثَى فِي وَجهه التُّرَاب حَثْياً، وَهُوَ يحثي.
الحرّانيّ عَن ابْن السّكيت: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة حَثَوتُ عَلَيْهِ التُّرَاب وحَثَيْتُ حَثْواً وحَثْيَاً وَأنْشد:
الحُصْنُ أدْنَى لَو تآيَيْتِهِ
من حَثْيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكِبِ
الحُصن: حَصانَةُ الْمَرْأَة وعفَّتُها، تآييته: أَي قصدْته.
حَيْثُ: وَقَالَ اللَّيْث: للْعَرَب فِي حيثُ لُغَتَانِ، واللغة الْعَالِيَة، حَيْثُ: الثَّاء مضمومةٌ، وَهُوَ أداةٌ للرفع ترفع الِاسْم بعده. ولغةٌ أُخْرَى حَوْثَ رِوَايَة عَن الْعَرَب لبني تَمِيم، يظنون حيثُ فِي مَوضِع نَصْبٍ يَقُولُونَ القَه حيثُ لَقيته. وَنَحْو ذَلِك كَذَلِك.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم حَيْثُ ظرفٌ من الظروف يحْتَاج إِلَى اسمٍ وَخبر؛ وَهِي تجمع معنى ظرفين كَقَوْلِك: حَيْثُ عبدُ الله قاعدٌ زيدٌ قائمٌ، الْمَعْنى الْموضع الَّذِي فِيهِ عبد الله قَاعد زيد قَائِم. قَالَ: وَحَيْثُ من حُرُوف الْمَوَاضِع لَا من حُرُوف الْمعَانِي، وَإِنَّمَا ضُمَّتْ لِأَنَّهَا ضُمنت الِاسْم الَّذِي كَانَت تستحقُّ إضافتها إِلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا ضُمَّتْ لِأَن أَصْلهَا حَوْثُ، فَلَمَّا قلبوا واوها يَاء ضمُّوا آخرهَا.
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: وَهَذَا خطأٌ؛ لأَنهم إِنَّمَا يُعْقبون فِي الْحَرْف ضمَّةً دالّة على واوٍ سَاقِطَة.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَ الأصمعيّ: وممّا تخطِىءُ فِيهِ العامَّةُ والخاصَّة بَاب حيثُ وحينَ غلط فِيهِ العلماءُ مثلُ أبي عُبَيْدَة وسيبويه.
قَالَ أَبُو حَاتِم: رَأَيْت فِي (كتاب سِيبَوَيْهٍ) شَيْئا كثيرا يَجْعَل حينَ حيثُ، وَكَذَلِكَ فِي (كتاب أبي عُبَيْدَة) بِخَطِّهِ.
(5/135)

قَالَ أَبُو حَاتِم: وَاعْلَم أَن حيثُ وحينَ ظرفان، فحينَ ظرفٌ من الزَّمَان، وحيثُ ظرفٌ من المكانِ، وَلكُل واحدٍ مِنْهُمَا حدٌ لَا يجاوزُه. وَالْأَكْثَر من النَّاس جعلوهما مَعًا حَيْثُ، وَالصَّوَاب أَن تَقول: رَأَيْتُك حيثُ كنت، أَي الموضِع الَّذِي كنتَ فِيهِ، واذهب حيثُ شئتَ، أَي إِلَى أيّ مَوضِع شِئْت.
وَقَالَ الله جلّ وَعز: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} (الأعرَاف: 19) .
وَيُقَال: رَأَيْتُك حِين خَرَجَ الحاجُّ أَي فِي ذلكَ الْوَقْت، فَهَذَا ظرفٌ من الزمانِ، وَلَا يَجُوزُ حيثُ خرجَ الحاجُّ، وَتقول: ائْتِنِي حينَ يقدم الحاجُّ، وَلَا يجوز حيثُ يقدم الحاجُّ، وَقد صيَّر الناسُ هَذَا كلَّه حيثُ، فليتعهد الرجلُ كلامَه، فَإِذا كَانَ موضعٌ يحسُن فِيهِ أَيْنَ وأيُّ موضعٍ فَهُوَ حيثُ؛ لِأَن أَيْن مَعْنَاهُ حَيْثُ. وَقَوْلهمْ حيثُ كانُوا وَأَيْنَ كَانُوا، مَعْنَاهُمَا وَاحِد، ولكنْ أَجَازُوا الجمعَ بَينهمَا، لاخْتِلَاف اللّفظين.
وَاعْلَم أَنه يحسن فِي مَوضِع حينَ لَمّا وإذْ وإذَا وَوقت وَيَوْم وَسَاعَة ومتَى. تَقول رَأَيْتُك لمّا جئتَ وحينَ جئتَ وإذْ جِئْت، وَيُقَال: سأعطيك إذَا جِئْت وَمَتى جِئْت.
وَقَالَ ابْن كَيْسَانَ حَيْثُ حرف مَبْنِيّ على الضَّم وَمَا بعدَهُ صِلةٌ لَهُ يرْتَفع الِاسْم بعدَه على الِابْتِدَاء، كَقَوْلِك قمتُ حيثُ زيدٌ قائمٌ، والكوفيّون يجيزون حذفَ قائمٌ ويرفعون زيدا بِحَيْثُ، وَهُوَ صِلَةٌ لَهَا، فَإِذا أظهرُوا قَائِما بعد زيد أَجَازُوا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، الرفعَ والنصبَ، فيرفعون الاسمَ أيْضاً وَلَيْسَ بصلَة لَهَا وينصبون خَبره ويرفعونه فَيَقُولُونَ: قَامَت مقَام صِفَتَيْنِ، والمعْنى زيد فِي موضِعٍ فِيهِ عمروٌ، فعمرو مُرْتَفع بِفِيهِ وَهُوَ صلةٌ للموضع، وَزيد مُرْتَفع بفي الأولى وَهِي خبر، وَلَيْسَت بصلَة لشَيْء، قَالَ: وَأهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ حَيْثُ مضافةٌ إِلَى جملَة فَلذَلِك لم تخفِضْ، وَقد أنْشد الفرّاء بَيْتا أجَاز فِيهِ الْخَفْض:
أما ترى حيثُ سُهَيْلٍ طالعا
فلمّا أضافَها فتحهَا كَمَا يفعَل بِعنْدَ وخَلْفَ. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: يُقَال: تَركتهم حَاثِ باثِ: إِذا تفَرقُوا. قَالَ: وَمثلهمَا من مُزْدَوِج الْكَلَام خَاقِ بَاقِ، وَهُوَ صوتُ حركةِ أبي عُمير فِي زَرْنَب الفَلْهم قَال وخَاشِ مَاشِ قُماشُ الْبَيْت، وخَازِ بَازِ ورَمٌ، وَهُوَ أَيْضا صَوْتُ الذُّبَاب. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحاثِيَاء تُرابٌ يُخْرجه اليَرْبُوع من نافِقَائِه بُني على فَاعِلاء.
حثى: وَقَالَ ابنُ الْأَنْبَارِي: الحَثَى قشور التَّمْر بِالْيَاءِ وبالألف، وَهُوَ جمع حَثَاةٍ وَكَذَلِكَ الثتى وَهُوَ جمع ثتَاةٍ قشورُ التَّمْر ورديئه وَقَالَ الْفراء الحثي مَقْصُور دُقاق التبْن وحطامه وَأنْشد:
ويأْكُلُ التمْرَ وَلَا يُلْقِي النَّوَى
كأَنَّه غِرَارَةٌ ملْأَى حَثَى
وَيُقَال للتُّراب الحَثَى أَيْضا وَمن أَمْثَال الْعَرَب يَا لَيْتَني المَحْثِيُّ عَلَيْهِ، قَالَه رجلٌ كَانَ قَاعِدا إِلَى امْرَأَة فَأقبل وَصِيلٌ لَهَا فَلَمَّا رأَتْه حثَتْ فِي وَجهه التُّرَاب تَرْئيَةً لجليسها بِأَن لَا يدنوَ مِنْهَا فيطلعَ على أَمرهمَا. يُقَال ذَلِك عِنْد تَمَنّي منزلةِ من تُخْفَى لَهُ الْكَرَامَة
(5/136)

ويُظْهَرُ لَهُ الإهانة. وَقَالَ الْفراء أحثيت الأَرْض وأبْثَيْتُهَا فَهِيَ مُحْثَاةٌ وَمُبْثَاةٌ. وَقَالَ غَيره أحَثْتُ الأرْضَ وأبَثْتُهَا فَهِيَ مُحَاثَةٌ ومُبَاثَةٌ، والإحاثة والاستحاثَةُ والإباثة والاستباثة وَاحِد وَقَالَ اللحياني: تركته حاثَ باثَ وحيثَ بيثَ وحوثاً بوثاً، إِذا تركته مختَلِطَ الْأَمر. فأمَّا حاثِ باثِ فَإِنَّهُ خَرَج مَخْرَج حَزَامِ وقطامِ، وَأما حيثَ بيثَ فَإِنَّهُ خَرَج مَخْرَجَ حيصَ بيصَ.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء قَالَ تركته حيثٍ بِيثٍ وحاثٍ باثٍ وحوثاً بوثاً إِذا أذْلَلْتَه ودققته وَتركت الأَرْض حاثِ باثِ إِذا دقَّتْها الخيلُ وَقد أحاثَتْها الْخَيل. وأَحَثْتُ الأَرْض وأبَثْتُهَا. وَقَالَ الْفراء يُقَال تركت الْبِلَاد حوْثاً بوْثاً وحاثِ باثِ وحيْثَ بَيْثَ لَا يجريان إِذا دقّقوها.

(بَاب الْحَاء وَالرَّاء)
(ح ر (وايء))
حرى، حَار (حور) ، رَحا، رَاح، وحر، حرح.
حرى: قَالَ اللَّيْث: الحرَاوَةُ: حرارةٌ تكون فِي طعْم نحوِ الخردلِ وَمَا أشبهه، حَتَّى يُقَال: لهَذَا الفُجْل حَرَاوة ومَضَاضَةٌ فِي العَيْن. أَبُو عبيد عَن الأمويّ: الحَرْوَةُ الحُرْقَةُ يجدهَا الرجل فِي حَلْقِه. وَقَالَ النَّضر الفُلْفُل لَهُ حَرَاوَةٌ بِالْوَاو وحَرَارَةٌ بالراء. وَقَالَ اللَّيْث: الحَرْيُ النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة يُقَال إِنَّه لَيُحْرِي كَمَا يَحْرِي القمَرُ حَرْياً ينقص الأوَّلُ مِنه فالأولُ وَأنْشد شَمِر:
مَا زالَ مجْنُوناً على اسْتِ الدّهْرِ
فِي بَدَنٍ يَنْمِي وَعقْلٍ يَحْرِي
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حَرَى الشيءُ يَحْرِي حَرْياً إِذا نقص، وأَحْرَاهُ الزمانُ وَيُقَال للأفْعَى حَارِيَةٌ للَّتِي قَدْ كَبِرَتْ ونَقَصَ جِسْمُهَا، وَهِي أَخبث مَا تكون، قَالَ شمر: وَيُقَال أَفْعَى حَاريَةٌ؛ وَأنْشد:
ابعثْ على الجَوْفَاءِ فِي الصُّبْحِ الفَضِحْ
حُوَيْرِياً مِثْلَ قَضِيبِ المُجْتَدِحْ
وَقَالَ اللَّيْث: الحَرَى مقصورٌ والجميع أحْرَا، وَهُوَ الأُفْحُوص والأُدْحِيّ وَأنْشد:
بَيْضَةٌ زَادَ هَيْقُها عَن حَرَاها
كُلَّ طَارٍ عَلَيْهِ أَن يَطْرَاهَا
قَالَ: والحَرَى أَيْضا كلُّ موضعٍ لظبْيٍ يأوِي إِلَيْهِ، قلت: قَول اللَّيْث الحَرَى: إنَّه بيضُ النَّعامِ أَو مَأْوَى الظَّبْيِ باطلٌ، والحَرَى عِنْد الْعَرَب مَا روى أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ الحرى جَنَابُ الرجل وَمَا حولَه، يُقَال: لَا تَقْرَبَنَّ حَرَانا، وَيُقَال نزل فلانٌ بِحَراه وعَرَاه إِذا نزل بساحته، وحَرَى مبيضِ النعام مَا حولَه وَكَذَلِكَ حرى كِناسِ الظَّبي مَا حولَه. وَقَالَ اللَّيْث الحَرَى الخليقُ كَقَوْلِك حرىً أَنْ يكونَ كَذَا وَإنَّهُ لَحَرىً أَن يكون ذَاك وَأنْشد:
إِن تقُلْ هنَّ من بني عبد شمسٍ
فَحَرىً أَن يكونَ ذاكَ وَكَانَا
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت: هُوَ حَرىً لكذا وَكَذَا وحَرٍ أَي خليق لَهُ وَأنْشد:
وَهُنَّ حَرىً أَلاَّ يُثِبْنَكَ نَقْرَةً
وأنتَ حَرىً بالنارِ حينَ تُثِيبُ
(5/137)

فَمن قَالَ حرىً لم يُثَن وَلم يجمع، وَمن قَالَ حَرٍ ثنّى وجَمع. وَقَالَ غَيره: هُوَ حرِيٌّ بِذَاكَ على فعيلٍ، وهما حَرِيّان، وهم أَحْرِياءُ بِذَاكَ. وَيُقَال: أَحْرِ بِهِ وَمَا أَحْراهُ بذلك، كَقَوْلِك: مَا أَخْلَقَه.
وَقَالَ الشَّاعِر:
فإِنْ كنتَ تُوعِدُنا بالهِجَاءِ
فَأَحْرِ بِمَنْ رَامَنا أَن يَخِيبَا
وَقَالَ اللَّيْث: حِرَاءُ: جبل بِمَكَّة معروفٌ. وَقَالَ غَيره هُوَ يتحرَّى الصوابَ أَي يتوخّاه. والتحرّي قصْدُ الأَوْلى والأحَقّ، مَأْخُوذ من الحَرَى، وَهُوَ الخليق، والمتوخي مثلُه.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الحَرَاةُ والوَحَاةُ والخوَاتُ الصَّوْتُ وَيُقَال إِنَّه لَمحْرَاةٌ أَن يفعلَ ذَاك، كَقَوْلِك مَخْلَقَةٌ ومَقْمَنَة.
حرح: قَالَ اللَّيْث: الحِرُ: يجمع على الأحْراحِ. يُقَال: رجل حَرِحٌ: مُولَعٌ بالأَحراح وَقد حَرِحَ الرجل قلت ذكر اللَّيْث هَذَا الحَرْفَ فِي المعتلات، وَبَاب المضاعف أولى بِهِ.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: الحِرُّ حِرُ الْمَرْأَة شدّدَ الرَّاء، كَانَ فِي الأَصْل حِرْحٌ فَثقلَتْ الْحَاء الْأَخِيرَة مَعَ سُكُون الرّاء فثقّلوا الرّاء وحذفوا الْحَاء، وَالدَّلِيل على ذَلِك جمعهم الحِرَ أَحْرَاحاً.
قَالَ: وَيُقَال: حَرَحْت الْمَرْأَة إِذا أصَبْتَ حِرَها فَهِيَ مَحْرُوحَةٌ. وَرجل حَرِحٌ يُحِبّ الأحْرَاح.
رَحا: قَالَ اللَّيْث: يُقَال رَحا، ورَحَيَانِ، وثلاثُ أَرْحِ، وأرحاءٌ كَثِيرَة. والأَرْحِيَةُ كَأَنَّهَا جماعةُ الجماعةِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: جمع الرَّحا أَرْحاءٌ وَمن قَالَ أَرْحِيَةٌ فقد أَخطَأ. قَالَ: وَرُبمَا قَالُوا فِي الْجمع الْكثير رُحِيّ. قَالَ: وَسَمعنَا فِي أدنى الْعدَد ثلاثَ أَرْحٍ. قَالَ: والرَّحَا مؤنثةٌ، وَكَذَلِكَ القَفَا، قَالَ: وَجمع الْقَفَا أقْفَاءٌ وَمن قَالَ أَقْفِيَةٌ فقد أَخطَأ.
وَقَالَ اللَّيْث: رَحَا الحربِ حَوْمتُها ورَحَا الموتِ ومَرْحى الحَرْب.
وَقَالَ سُلَيْمَان بن صُرَد أتيت عليا رَضِي الله عَنهُ حِين فرغ من مَرْحَى الْجمل.
قَالَ أَبُو عبيد يَعْنِي الموضعَ الَّذِي دارت عَلَيْهِ رَحَا الْحَرْب. وَأنْشد:
فَدُرْنا كَمَا دارَتْ على قُطْبِها الرَّحَا
ودَارَتْ على هامِ الرجالِ الصّفَائِحُ
وَقَالَ الليثُ يُقَال لفراسِن الْفِيل أرْحاؤُه. قلت: وَكَذَلِكَ فَراسِنُ الجَمَل أرْحَاؤه وثَفِنَاتُ رُكَبِهِ وكِرْكِرَتِه أَرْحَاؤُه.
وَأنْشد ابْن السّكيت:
إليكَ عبد اللَّهِ يَا مُحمّدُ
باتَتْ لَهَا قَوَائِدٌ وقُوَّدُ
وتَالِيَاتٌ ورَحاً تَمَيَّدُ
وَقَالَ: رَحا الْإِبِل مثل رَحا الْقَوْم وَهِي الْجَمَاعَة تَقول استأخرت جواحِرُها واستقدمت قوائدها وَوَسطت رَحَاها بَين القوائد والجواحر.
وَقَالَ اللَّيْث: الرحا الْقطعَة من النَّجَف تعظم مِنْ نَحْو مِيلٍ مشرفةٌ على مَا حولهَا.
(5/138)

شمر عَن ابْن الأعرابيّ: الرَّحا من الأَرْض مكانٌ مستديرٌ غليظ يكون بَين رِمَالٍ.
قَالَ ابْن شُمَيْل: الرَّحَا: القَارةُ الضخمةُ الغليظةُ، وَإِنَّمَا رَحَّاها استدارتُها وغِلَظُها وإشرافُها على مَا حولهَا، وَأَنَّهَا أَكَمَةٌ مستديرة مشرفةٌ، وَلَا تنقادُ على وجهِ الأَرْض وَلَا تُنْبِتُ بَقْلاً وَلَا شَجرا.
وَقَالَ الْكُمَيْت:
إِذا مَا القُفُّ ذُو الرّحَبَيْنِ أَبْدَى
مَحَاسِنَه وأفْرَخَتِ الوُكُورُ
قَالَ: والرحا الحجارةُ والصخْرةُ الْعَظِيمَة.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَّحَا نَبَاتٌ تسميه الفُرْسُ اسبانِخَ. غَيره: تَرَحَّت الحيَّةُ إِذا تلوَّتْ واستدَارَتْ، فَهِيَ مترحيَةٌ.
وَقَالَ رؤبة:
يَا حَيَّ لَا أفْرَقُ أَنْ تَفِحي
أَوْ أَنْ تَرَحَّيْ كَرَحا المُرَحي
والمرحي: الَّذِي يُسَوّي الرَّحَا. قَالَ: وفحيحُ الحيَّة بِفِيهِ، وحفِيفُه من جَرْشِ بعضِه ببَعْضٍ إِذا مَشَى فَتسمعُ لَهُ صَوتا.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ رَحَا القومِ سيدهم الَّذِي يَصْدُرُون عَن رَأْيه وينتهون إِلَى أمره، وَكَانَ يُقَال لعمر بن الْخطاب رَحا دَارَةِ الْعَرَب. قَالَ: وَيُقَال رَحَاهُ إِذا عظّمه وحَرَاه إِذا أَضَافَهُ.
روح ريح: قَالَ اللَّيْث: الرَّوْحُ: بَرْدُ نسيمِ الرّيح.
وَقَالَ أَحْمد بن يحيى: الرُّوحُ: النّفْس.
وَقَالَ الأصمعيّ الرَّوْحُ الاسْتِرَاحَة من غمّ الْقلب.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الرَّوْح: الفرَج.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَول الله جلّ وَعز: {الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ} (الواقِعَة: 89) قَالَ مَعْنَاهُ: فاستراحةٌ وبَرْدٌ وَهَذَا تَفْسِير الرَّوْح دونَ الريحان.
وَقَالَ اللَّيْث: الرّيح ياؤُها واوٌ صُيرت يَاءً لانكسار مَا قبلهَا، قَالَ: وتصغيرُها رُوَيْحَةٌ، وَجَمعهَا رِياحٌ وأرْوَاح. وَتقول: رِحْتُ مِنْهُ رَائِحَة طيبَة أَي وَجَدْتُ. قَالَ: والرائحة ريحٌ طيبَة تجدها فِي النسيم، تَقول لهَذِهِ البَقْلَةِ رائحةٌ طيبَةٌ قَالَ والرَّيحَةُ نَبَات أَخْضَر بعد مَا يبس ورقه وأعالي أغصانِه.
وَقَالَ الأصمعيُّ يُقَال تَرَوَّحَ الشجرُ ورَاحَ، وَذَلِكَ حِين يبرُد اللَّيْل فيتقطَّر بالورق من غير مَطَر.
وَقَالَ الرَّاعِي:
وخادَعَ المجدُ أَقْوَامًا لَهُم وَرَقٌ
راحَ العِضَاهُ بهِ والعِرْقُ مَدْخُولُ
قَالَ شمر: روى الأصمعيُّ وخادَعَ المجدُ أَقْوَامًا لَهُم وَرَقٌ أَي مَال، قَالَ: وخادَع تركَ. قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو وخادع المجدَ أقوامٌ أَي تركُوا الْمجد أَي لَيْسُوا من أَهله. قَالَ وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: فِي رِجْله رَوَحٌ ثمَّ مَذَعٌ ثمَّ عَقَلٌ وَهُوَ أشدّها قلت: والرَّيحَةُ الَّتِي ذكرهَا اللَّيْث من النَّبَات فَهِيَ هَذِه الشَّجَرَة الَّتِي تَتَرَوَّحُ وتَرَاح إِذا بَرَدَ عَلَيْهَا اللَّيْل فَتَقَطَّرُ بالورق من غير مطر. سَمِعت الْعَرَب تسميها الريحَة.
(5/139)

وَقَالَ اللَّيْث: يَوْم رَيْحٌ طيّب وَيَوْم رَاحٌ ذُو رِيحٍ شَدِيدَة، قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِك كَبْش صافٌ، وَالْأَصْل يَوْم رائح وكبش صَائِف فقلبوا، وكما خفّفوا الحائجة فَقَالُوا: حاجةٌ، وَيُقَال قَالُوا صافٌ وراحٌ على صَوفٍ وروحٍ فَلَمَّا خففوا استنامت الفتحة قبلهَا فَصَارَت ألفا.
الأصمعيّ وَأَبُو زيد يومٌ ريحٌ طيب، وَلَيْلَة ريحَةٌ. وَقَالَ أَبُو زيد: وَحده، وَكَذَلِكَ يومٌ رَوْحٌ وَلَيْلَة رَوْحَةٌ. قَالَ: وَيَوْم رَاحٌ إِذا اشتدّت رِيحُه، وليلةٌ راحةٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَّاحَةُ وِجْدَانُكَ رَوْحاً بعد مَشَقَّةٍ، تَقول أَرِحْني إرَاحَةً فَأَسْتَرِيحَ. وَقَالَ غيرُه: أَرَاحَهُ إِرَاحَةً وَرَاحَةً، فالإراحةُ المصدرُ والرَّاحَةُ الِاسْم، كَقَوْلِك أطعْتُه إطاعة وَطَاعَة، وأَعَرتُه إِعَارَة وعارةً.
وَقَالَ النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِبلَال مؤذنه: (أَرِحْنَا بهَا) أَي أذنْ للصَّلَاة فنستريحَ بأدائها من اشْتِغَال قُلُوبنَا بهَا.
قَالَ شمر: يُقَال رَاح يومُنَا يَرَاحُ رِيحاً: إِذا اشتدّت رِيحُه، وَهُوَ يَوْم رَاحٌ، وَرَاح يومُنَا يَرَاحُ رَوْحاً إِذا طابت رِيحه، وَيَوْم رَيحٌ وَقَالَ جرير:
محا طُلَلاً بَين المُنيفَةِ والنَّقا
صَباً رَاحَةٌ أَو ذُو حَبِيَّيْنِ رَائِحُ
وَقَالَ الفرّاء: مَكَان راحٌ وَيَوْم رَاحٌ. وَيُقَال: افْتَحْ الْبَيْت حَتَّى يَراحَ الْبَيْت أَي حَتَّى تدخله الرّيح والروْح. وَقَالَ يُونُس: افْتَحْ الْبَاب يَرَح البيتُ. وغصن رَاحٌ وَشَجر رَاحَةٌ يُصِيبهَا الرّيح وَقَالَ:
كأنَّ عيْنِي والفِرَاقُ مَحْذُورْ
غُصْنٌ من الطَّرْفَاءِ راحٌ مَمْطُورْ
وَيُقَال: ريحت الشجرةُ وَهِي مَرُوحَةٌ. وَقَالَ الفرّاء: شجرةٌ مَرُوحَةٌ إِذا هبّت بهَا الرّيح وأَروحَنِي الصيدُ إِذا وجد ريحَك مَرُوحَةٌ كَانَت فِي الأَصْل مَرْيُوحة.
وَقَالَ اللَّيْث: التَّرْوِيحَةُ فِي شهر رمضانَ، سميت ترويحةً لاستراحة الْقَوْم بعد كل أَربع رَكْعَات قَالَ: والرَّاحُ: جمع راحَةِ الكفّ. وَقَالَ أَبُو الدُّقَيْشِ: عمَد مِنَّا رَجُلٌ إِلَى قِرْبةٍ فملأها من رُوحه أَي من رِيحه ونَفَسه.
وتروُّح الشجرِ تَضوره وَخُرُوج ورقه إِذا أَوْرَق النَّبْتُ فِي اسْتِقْبَال الشتاءِ. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أراحَ الرجلُ إِذا استراح بعد التّعب. وَأنْشد:
يُرِيحُ بعد النَّفَسِ المَحْفُوزِ
إِرَاحَةَ الجِدَايَةِ النَّفُوزِ
أَي: تستريح. قَالَ: وأَراح: إِذا مَاتَ وأَراح: دخل فِي الرّيح، وأَرَاحَ: إِذا وَجَدَ نسيم الرّيح. وأراح: إِذا دخل فِي الرَّواح، وأراح: إِذا نزل عَن بعيرٍ ليُرِيحه، ويخفف عَنهُ. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: أَرَاحَ القَوْمُ: دخلُوا فِي الرّيح. قَالَ: وَيُقَال للْمَيت إِذا قضى: قَدْ أَراح. وَقَالَ العجاج:
أَرَاحَ بعدَ الغَم والتَّغَمْغُمِ
وَيُقَال: أَراحَ الرجلَ: إِذا رجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُه بعد الإعياء. وَكَذَلِكَ الدابَّة، وأراح الصيدُ واسترْوَح إِذا وجدَ رِيحَ الْإِنْسَان. وَيُقَال:
(5/140)

أَرَحْتُ على الرجل حَقَّه: إِذا ردَدْتَه عَلَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْث: الإراحة: ردُّ الْإِبِل بالعَشِيّ إِلَى مُراحِها حَيْثُ تأوِي إِلَيْهِ لَيْلًا. وَقد أراحها راعيها يُريحها. وَفِي لُغَة هَراحها يُهَرِيحها.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَاح اللحْم وأَرْوَح إِذا تغيّر وأَنْتَنَ. وَأصْبح بعيرك مُريحاً أَي مُفِيقاً، وَأنْشد ابْن السّكيت:
أراح بعد النَّفَسِ المَحْفُوزِ
إراحَةَ الجِدايَةِ النَّفُوزِ
يَوْم راَحٌ وَلَيْلَة رَاحَةٌ وَقد راحَ وَهُوَ يَرُوح رَوْحاً وبعضهُم يَرَاحُ، فَإِذا كَانَ اليومُ رَيْحاً طيّباً قبل يَوْمٌ رَيّحٌ وَلَيْلَة ريحةٌ، وَقد رَاحَ وَهُوَ يَروحُ رَوْحاً. قَالَ: ورَاحَ فلانٌ يَرُوح رَوَاحاً من ذهابِه أَوْ سيْرِه بالعشيّ، وَرَاح الشجرُ يَرَاحُ إِذا تَفَطَّر بالنَّبَاتِ. ورَاحَ رِيحَ الرَّوْضَة يَرَاحُها. وإنّ يَدَيْهِ لتَرَاحَانِ بِالْمَعْرُوفِ. ورَاحَ فُلانٌ فَهُوَ يَرَاحُ رَاحماً ورُؤُوحماً. وارْتاح ارْتِيَاحاً إِذا أَشْرَف لذَلِك وفَرِحَ بِهِ. وَيُقَال أصابَتْنَا رائحةٌ أَي سماءٌ، وراحةُ البيْتِ ساحتُه وراحةُ الثَّوْبِ طَيُّه. والرَّوَاحَةُ القطيعُ من الْغنم وأَرِحْ عَلَيْهِ حَقّه أَي رُدَّه.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (من قتل نفْساً مُعَاهَدة لم يَرِحْ رَائِحَة الجنّة) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو هُوَ من رِحْت الشَّيْء أَرِيحُه إِذا وجدتَ رِيحه. قَالَ وَقَالَ الكسائيّ: إِنَّمَا هُوَ لم يُرِح رائحةَ الجنّة من أَرْحتُ الشيءَ فَأَنا أُريحُه إِذا وجدتَ رِيحه. وَقَالَ الأصمعيُّ: راحَ الرجلُ ريحَ الرَّوْضَةِ يَرَاحُها، وأَرَاح يُرِيحُ: إِذا وَجَدَ رِيحهَا. قَالَ: وَلَا أَدْرِي هُوَ من رِحْت أم من أَرَحْت. وَقَالَ أَبُو عبيد: أُرَاه لم يَرَح، بِالْفَتْح وَأنْشد قَول الهذليّ:
وماءٍ وَرَدْتُ على زَوْرَةٍ
كَمَشْيِ السَّبَنْتَى يَرَاحُ الشَّفِيفَا
وَقَالَ أَبُو زيد: أرْوَحني الصيدُ والضَّبُّ إرواحاً وأنشأني إنْشَاء إِذا وَجَدَ رِيحك ونشْوَتك. وَكَذَلِكَ أَرْوَحتْ من فلَان طيبا وأنْشَيْتَ مِنْهُ نَشوة. وَقَالَ أَبُو زيد: راحَت الْإِبِل تَرَاحُ رَاحَةً، وأرحْتُها أَنَا، ورَاحَ الفرسُ يَرَاحُ رَاحَةً إِذا تحصّن. قلت: قَوْله تَراحُ رَائِحَة مصدرٌ على فاعِلة. وسمعتُ العرَبَ تَقول: سَمِعت راغِيةَ الْإِبِل وثَاغِيةَ الشَّاة أَي سَمِعت رُغَاءَها وثُغَاءَها. وَيُقَال: راحَ يومُنَا يَرَاحُ إِذا اشتدت ريحُه. وَقَالَ الأصمعيّ: يُقَال: فلَان يَرَاحُ للمعروفِ: إِذا أخذتْه أريحيَّةٌ وخِفَّةٌ وَقد رِيح الغدير إِذا أَصَابَته ريحٌ فَهُوَ مَرُوحٌ. وراحت يدُه بالسَّيْفِ أَي خفت إِلَى الضَّرْب بِهِ وَقَالَ الْهُذلِيّ:
تَرَاحُ يَدَاهُ بِمَحْشُورَةٍ
خَواظِي القِدَاح عِجَافِ النصَالِ
وَقَالَ اللَّيْث: رَاحَ الإنسانُ إِلَى الشيءِ يَرَاحُ إِذا نشِط وسُرَّ بِهِ، وَكَذَلِكَ ارْتَاح، وَأنْشد:
وزَعَمْتَ أنّكَ لَا تَرَاحُ إِلَى النسا
وسَمِعْتَ قِيلَ الكاشِحِ المُتَرَددِ
قَالَ: ونَزَلَتْ بفلانٍ بَلِيَّةٌ فارتاح الله لَه برحْمته وأنْقَذَهُ مِنْهَا. وَقَالَ رؤبة:
(5/141)

فارْتَاحَ رَبِّي وَأَرَادَ رَحْمَتِي
ونِعْمَةً أتَمَّهَا فتَمَّتِ
وَتَفْسِير ارْتَاحَ أَي نظر إليّ ورحمني. قلت وَقَول رؤبة فِي فعل الْخَالِق جلّ وَعز ارْتَاحَ قَالَه بأَعْرَابِيَّتِه وَنحن نستوحش مِنْ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظ فِي صفته لِأَن الله جلّ وعزّ إِنَّمَا يُوصف بِمَا وصَفَ بِهِ نَفْسه، وَلَوْلَا أَن اللَّهَ هدَانَا بفضله لتحْميده وحَمْدِه بِصِفاته الَّتِي أنْزَلَ فِي كتابِه مَا كنّا لِنَهْتَدِي لَهَا أَو نَجْتَرِىءَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: الأريحيُّ الرجل الْوَاسِع الخُلُق الْبَسِيط إِلَى الْمَعْرُوف يَرْتَاح لما طلبْتَ إِلَيْهِ ويراحُ قلبُه سُرُورًا بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبيد: الأريحيُّ الَّذِي يرتاح للنَّدى.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال لكل شَيْء وَاسع أَرْيَحُ وَأنْشد:
ومَحْمِلٌ أَرْيَحٌ حَجَّاجِيّ
قَالَ: وَبَعْضهمْ مَحمل أَرْوَحُ، وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ قَدْ ذَمَّه لِأَن الرَّوَحَ الانْبِطَاحُ وَهُوَ عيْبٌ فِي المحْمِل.
قَالَ والأرْيَحيُّ: مأخوذٌ من رَاح يَرَاح، كَمَا يُقَال للصَّلْت المُنْصَلِت أَصْلَتيُّ وللمجتنب أَجْنَبِيُّ.
قَالَ: وَالْعرب تحمِلُ كثيرا من النَّعْت على أَفْعَلِيّ فَيصير كأنّه نسبةٌ.
قلت أَنا: كَلَام الْعَرَب رجل أَجْنَبُ وجَانِبٌ وجُنُبٌ، وَلَا تكَاد تَقول رجل أَجْنَبِيٌّ.
وَقَالَ اللَّيْث وَغَيره: الرَّاحُ: الخمْرُ، اسمٌ لَهُ وَقَول الهذليّ:
فَلَوْتُ عَنهُ سُيوفَ أَرْيَحَ حَتى
بَاءَ كَفي وَلم أَكَدْ أَجِدُ
أَرْيَحُ حتيٌّ من الْيمن، بَاء كفي صارَ كفي لَهُ مَبَاءَةً أَي مَرْجِعاً، وكفّي مَوضِع نصب لم أكد أجد لعزّته.
قَالَ: الاسترواح: التشمر، قَالَ: والغصن يسترْوِح إِذا اهْتَزَّ، والمطر يسترْوح الشجرَ أَي: يُحْيِيه.
قَالَ: والريَاحَةُ أَن يَرَاحَ الإنسانُ إِلَى الشَّيْء يَنْشَطُ إِليه.
وَقَالَ الفرّاء فِي قَوْله {ُِالاَْكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} (الرَّحمان: 12) ، الريحان فِي كَلَام الْعَرَب الرزْقُ، يَقُولُونَ خرجْنَا نطلب رَيْحانَ اللَّهِ، أَي رِزْقَه.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} ذُو الوَرقِ، والرزقُ، وَالْعرب تَقول سبحانَ اللَّهِ ورَيْحَانُه. قَالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنَاهُ واستِرْزَاقُه.
قَالَ النمر بن تولب:
سَلاَمُ الإِلهِ ورَيْحَانُهُ
ورَحْمَتُه وسَمَاءٌ دِرَد
قَالُوا معنى قَوْله: وريحانهُ ورزْقُه. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وغيرُه قَالَ وَقيل الرَّيحانُ هَهُنَا هُوَ الرَّيْحَانُ الَّذِي يُشَمُّ. قَالَ وَقَوله: {الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ} (الواقِعَة: 89) مَعْنَاهُ فاستِراحَةٌ وبَرْدٌ وَرَيْحَان رِزْقٌ. قَالَ: وَجَائِز أَن يكون رَيْحَانٌ هَهُنَا تَحِيَّة لأهْلِ الجنَّة قَالَ: وَأجْمع النحويّون أَن ريحَان فِي اللُّغَة من
(5/142)

ذَوَات الْوَاو، وَالْأَصْل رَيْوَحَان فقلبت الواوُ يَاء وأدغمتْ فِيهَا الياءُ الأولى فَصَارَت الرّيحان، ثمَّ خفّفت، كَمَا قَالُوا ميت وميْت، وَلَا يجوز فِي ريحَان التشديدُ إِلَّا على بُعد لأنّه قد زيد فِيهِ ألِف وَنون، فَخُفف بِحَذْف الْيَاء وأُلْزِم التخفيفَ. وَقَالَ اللَّيْث: الرَّيْحانُ: اسْم جامعٌ للرياحِينِ الطيّبة الريحِ. والطاقَةُ الواحِدَةُ رَيْحَانَةٌ، قَالَ: والرَّيْحَانُ: أَطْرَاف كل بقلةٍ طيّبةِ الرّيح إِذا خرج عَلَيْهِ أَوَائِل النَّوْر. قَالَ: والرَّوَاحُ: العَشِيُّ، يُقَال: رُحْنَا رَوَاحاً: يَعْنِي السّير بالعَشِيّ، وَسَار القومُ رَوَاحاً، ورَاحَ الْقَوْم كَذَلِك. قَالَ والرَّوَاح من لدن زَوالِ الشمْس إِلَى اللَّيْل. يُقَال: رَاحُوا يَفْعلون كَذَا وَكَذَا، وَيُقَال: مَا لِفلانٍ فِي هَذَا الْأَمر من رَوَاحٍ أَي من رَاحته وَقَالَ الأصمعيّ: أفعل ذَاك فِي سَرَاحٍ وَرَواحٍ، أَي فِي يُسْرٍ، وَوجدت لذَلِك الأمرِ رَاحةً أَي خِفَّةً أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه: خَرجُوا برِياح من العَشِي بِكَسْر الرَّاء، وَبِرَوَاحٍ من الْعشي وأَرْوَاح، قَالَ: وعشيَّةٌ رَاحَةٌ. قلت: وَسمعت الْعَرَب تسْتَعْمل الرَّوَاح فِي السيرِ كُلَّ وقْتٍ، يُقَال رَاحَ القوْمُ إِذا سارُوا وغَدَوْا كَذَلِك. وَيَقُول أحدُهم لصَاحبه تَرَوَّحْ ويخاطب أَصْحَابه فَيَقُول رُوحُوا أَي سِيرُوا. وَيَقُول لَهُم أَلا تَرُوحُون ومِنْ ذَلِك مَا جَاءَ فِي الأخبارِ الصَّحِيحَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من رَاحَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي السَّاعَة الأولى فَلهُ كَذَا، وَمن رَاح فِي الساعةِ الثَّانِيَة) ، الْمَعْنى فِيهَا: المُضِيُّ إِلَى الجمعةِ والخِفَّةُ إِلَيْهَا لَا بِمَعْنى أَنها الرَّوَاحُ بالعَشِيّ. وَإِذا قَالَت الْعَرَب راحت النَّعَمُ رَائِحَة فَرَوَاحُهَا هَهُنَا أَن تأْوِي بعد غيوب الشَّمْس إِلَى مُرَاحها الَّذِي تبيت فِيهِ. وَقَالَ أَبُو زيد سَمِعت رَجُلاً من قيس وآخَرَ من تَمِيم يَقُولَانِ قَعدْنا فِي الظّل نلتمس الرَّاحَة والرَّوِيحةَ والرائحةَ بِمَعْنى واحدِ. أَبُو عبيد: إِذا طَال النبْتُ قيل تروّحت البُقول، فَهِيَ مُتَروحةٌ. وَقَالَ اللَّيْث: المَرَاحُ الْموضع الَّذِي يَرُوح مِنْه الْقَوْم أَو يَرُوحُون إِلَيْهِ كالمَغْدى قَالَ وَقَول الْأَعْشَى:
مَا تَعِيفُ اليومَ فِي الطيرِ الرَّوَحْ
من غُرابِ البَيْن أَوْ تَيْسٍ بَرَحْ
قَالَ أَرَادَ الرَّوْحة مثل الكَفْرَة والفَجْرَة فَطرح الْهَاء قَالَ: والرَّوَحُ فِي هَذَا الْبَيْت المتفرقةُ.
قَالَ: والمُرَاوَحة عملان فِي عَمَلٍ، يُعْمل ذَا مَرّةً وَذَا مَرّةً، كَقول لبيد:
يُرَاوِحُ بينَ صَوْنٍ وابْتِذَالِ
قلت: وَيُقَال فلَان يُراوِحُ بَين قَدَمَيْه إِذا اعْتمد مرّةً على إِحْدَاهمَا، ثمَّ اعْتمد على الْأُخْرَى مرّةً، وَيُقَال هما يتراوحان عملا أَي يتعاقَبَانِه، ويَرْتَوِحان مثلَه.
وَفِي حَدِيث النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّه نهى أَن يكتحل الرجلُ بالإثْمِد الْمُرَوَّح.
قَالَ أَبُو عبيد: المروَّح المطيَّب بالمسك وَقَالَ مروّح بِالْوَاو لِأَن الْيَاء فِي الرّيح وَاو، وَمِنْه يُقَال تروّحْت بالمِرْوَحَةِ.
وَقَالَ الأصمعيّ: ذَرِيرَةٌ مُرَوَّحَةٌ أَي مطيَّبَةٌ وَرَوح دُهنك بِشَيْءٍ فتجعل فِيهِ طِيباً. وَيُقَال
(5/143)

فلَان بِمَرْوَحَةٍ أَي بِمَمَر الرّيح. والمِرْوحة بِكَسْر الْمِيم الَّتِي يُتَرَوَّح بهَا.
شمر عَن ابْن شُمَيْل: الرَّاحة الأَرْض المستوية فِيهَا ظهورٌ واستواءٌ تُنْبِتُ كثيرا، جَلَدٌ من الأَرْض وَفِي أَمَاكِن مِنْهَا سهولٌ أَو جراثيمُ، وَلَيْسَت من السَّيْل فِي شَيْء وَلَا الْوَادي. وَجَمعهَا الرّاح، كَثِيرَة النَّبْتِ.
أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال أَتَانَا فلانٌ وَمَا فِي وَجهه رَائِحَة دَمٍ من الفَرَق، وَذُو الرَّاحَة سيفٌ كَانَ للمختار بن أبي عبيد.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله: دَلَكَتْ بِرَاحٍ قَالَ مَعْنَاهُ أستريح مِنْهَا، وَقَالَ فِي قَول الْقَائِل:
مُعَاوِيَ مَنْ ذَا تَجْعَلُونَ مكانَنَا
إِذا دَلَكَتْ شمسُ النَّهارِ بِرَاحِ
يَقُول إِذا أظلم النّهار واستُريح من حرّها يَعْنِي الشمسَ، لما غشيها من غَبَرة الْحَرْب فَكَأَنَّهَا غاربة كَقَوْلِه:
تَبْدُ كَواكِبُه والشمسُ طَالِعةٌ
لَا النُّورُ نُورٌ وَلَا الإِظْلاَمُ إِظْلاَمُ
وَقيل: دَلكَتْ بِرَاحٍ أَي غَرُبت، والناظر إِليها يَتَوَقَّى شُعاعَها براحَتِه.
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي الرُّوح والنَّفْس واحِدٌ، غيرَ أَن الرُّوح مذكَّر والنفْس مُؤَنّثَة عِنْد الْعَرَب.
قلت: وَقد أَلَّفْتُ فِي الرُّوح وَمَا جَاءَ فِيهِ فِي الْقُرْآن وَالسّنة كتابا جَامعا واقتصرت فِي هَذَا الْكتاب على مَا جَاءَ عَن أهل اللُّغَةِ مَعَ جوامعَ ذكرتُها للمفسّرين. فأمّا قَول الله جلَّ وعزَّ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} (الإسرَاء: 85) فَإِن المنذريَّ أخبرنَا عَن مُحَمَّد بن مُوسَى النَّهرتيري عَن أبي مَعْمَرٍ عَن عبد السَّلَام بن حَرْب عَن خُصَيْفٍ عَن مُجاهد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قل إِن الرّوح قد نزل من الْقُرْآن بمنَازِلَ وَلَكِن قُولُوا كَمَا قَالَ الله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسرَاء: 85) ورُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْيَهُود سأَلُوه عَن الرُّوح فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الْفراء أَنه قَالَ فِي قَوْله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} قَالَ من عِلْمِ ربّي أَي أَنكُمْ لَا تعلمونه.
قَالَ الْفراء: والرُّوحُ هُوَ الَّذِي يعِيش بِهِ الإنسانُ لم يُخْبِر اللَّهُ بِهِ أَحداً من خلقه، وَلم يُعْطِ عِلْمَه العِبادَ.
قَالَ: وَقَوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} (الحِجر: 29) فَهَذَا الَّذِي نَفَخَه فِي آدمَ وَفينَا لم يُعْطِ علمه أحدا من عباده.
قَالَ: وَسمعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول الرُّوحُ إِنَّمَا هُوَ النَّفَسُ الَّذِي يتنفَّسُه الْإِنْسَان، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيع الْجَسَد فَإِذا خرج لم يتنفَّسْ بعد خُرُوجه وَإِذا تَتَامَّ خُروجه بَقِي بَصَره شاخصاً نَحوه حَتَّى يُغَصَّ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ جَان. قَالَ: وَقَول الله جلَّ وعزَّ فِي قصَّة مَرْيَم: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} (مَرْيَم: 17) قَالَ: أضَاف الرُّوحَ المُرْسَلَ إِلَى مَرْيم إِلى نَفسه كَمَا تَقول: أَرْضُ اللَّهِ وسماؤُه.
(5/144)

قَالَ: وهكَذا قَوْله لملائِكَتِهِ: {لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِّن} (ص: 71، 72) وَمثله {طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (النِّسَاء: 171) والرُّوحُ فِي هَذَا كُله خَلْقٌ من خلْق الله لم يُعْطِ علمه أحدا.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى أَنه قَالَ فِي قَول الله جلَّ وعزَّ: {حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَاكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} (الشّورى: 52) قَالَ: هُوَ مَا نَزَل بِهِ جِبْرِيل من الدّين فَصَارَ يُحْيِ بِهِ الناسَ، يعيشُ بِهِ الناسُ. قَالَ: وكلُّ مَا كَانَ فِي القُرآن فَعَلْنَا فَهُوَ أَمْرُه بأعْوانه أَمَرَ بِهِ جبريلَ وميكائيلَ وملائكتَه، وَمَا كَانَ فعلْتُ فَهُوَ مَا تفرَّد بِهِ.
قَالَ: وأمَّا قَوْله {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (البَقَرَة: 87) فَهُوَ جبريلُج.
وَقَول الله: {خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ} (النّبَإ: 38) قَالَ ابْن عَبَّاس: الرُّوح مَلَكٌ فِي السَّماء السابِعة وَجْهُه على صُورَةِ الْإِنْسَان وجَسَدُهُ على صُورَةِ الْمَلَائِكَة. وَجَاء فِي التَّفْسِير أَن الرُّوحَ هَهُنا جِبْرِيلُ.
قَالَ وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: الرُّوْح الفَرَحُ، والرُّوح القرآنُ، والرُّوح الأَمْر، والرُّوح النفْس.
وَيُقَال: هَذَا الْأَمر بَيْننَا رَوْحٌ ورِوَحٌ وعَوَرٌ إِذا تَرَاوَحُوه وتعاوَرُوه.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَقَوله جلَّ وعزَّ: {الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ} (غَافر: 15) وَقَوله {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} (النّحل: 2) هَذَا كُله مَعْنَاهُ الوحْيُ، سُمي رُوحاً لِأَنَّهُ حياةٌ مِنْ مَوْتِ الكُفْرِ فَصَارَ يَحْيَا بِهِ النَّاسُ كالرُّوح الَّذِي يَحْيَا بِهِ جَسَدُ الْإِنْسَان. وَقَوله {الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ} (الواقِعة: 89) على قِرَاءَة من قَرأَ بضَم الرّاء، فتفسيرُه فحياةٌ دائِمَةٌ لَا موتَ مَعَها. وَمن قَالَ (فَرَوْحٌ) فَمَعْنَاه فاستِرَاحَةٌ. وأمَّا قَول الله جلَّ وعزَّ: {الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ} (المجَادلة: 22) فَمَعْنَاه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ، كَذَلِك قَالَ الْمُفَسِّرُونَ. وَقد يكون الرَّوْح أَيْضا بِمَعْنى الرَّحْمَة قَالَ الله جلَّ وعزَّ: {وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ} (يُوسُف: 87) أَي من رَحْمَة الله، سمّاها رَوْحاً؛ لِأَن الرَّوْح والرَّاحَةُ بهَا. قلت وَكَذَلِكَ قَول الله جلَّ وعزَّ فِي عِيسَى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} (النِّسَاء: 171) أَي رحمةٌ مِنْهُ تبَارك وَتَعَالَى.
والرُّوح فِي كَلَام العَرب أَيْضا النَّفْخُ، سُمي رُوحاً لِأَنَّهُ يَخْرجُ من الرّوح وَمِنْه قَول ذِي الرُّمَّة فِي نارٍ اقْتدحها وَأمر صاحباً لَهُ بالنفخ فِيهَا، فَقَالَ:
فقلتُ لَهُ ارْفَعْها إليكَ وأَحْيِها
بِرُوحِكَ واجْعَله لَهَا قِيتَةً قدْراً
أحْيِها برُوحك أَي بِنَفْخِك. واجعله لَهَا: الْهَاء للرُّوح لأنَّه مذكَّر فِي قَوْله واجعله. وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله (لَهَا) أَي للنّار وَهِي مؤنَّثَة. وأمّا الرُّوحَانيُّ من خلْق الله فَإِن أَبا دَاوُد المَصَاحفي رَوى عَن النَّضر بن شُمَيْل فِي كتاب الْحُرُوف المفسَّرة من غَرِيب الحَدِيث أَنه قَالَ، حَدثنَا عَوْف الأعرابيّ عَن وَرْدان أبي خَالِد أَنه قَالَ: بلغَنَي أَن الملائكةَ: مِنْهُم رَوحَانِيُّون وَمِنْهُم من خُلِقَ من النُّورِ.
(5/145)

قَالَ: وَمن الرُّوحَانِييّن جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ. قَالَ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ النَّضر: الرُّوحانِيُّون أَرْوَاحٌ لَيست لَهَا أَجْسَامٌ، هَكَذَا يُقَال. قَالَ: وَلَا يُقَال لشيءٍ من الخَلْقِ رُوحَانِيّ إِلَّا للأَرْواح الَّتِي لَا أجْسَادَ لَهَا، مثلُ الملائِكَةِ والْجِن وَمَا أشْبَهَهُما فأمّا ذَواتُ الأجْسادِ فَلَا يُقَال لَهُم رُوحانيّون. قلت: وَهَذَا القولُ فِي الروحانيّين هُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَمد لَا مَا قَالَه ابْن المظفَّر أَن الروحانيّ الجسدُ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ الرُّوح. وَقَالَ اللَّيْث: الأَرْوَحُ الَّذِي فِي صدر قَدَمَيْه انبساط، تَقول رَوِحَ الرَّجُلُ يَرْوَحُ رَوَحاً وَرَوِحَتْ قدمُه فَهِيَ قدم رَوْحَاءُ قَالَ وقصعَةٌ رَوْحَاءُ قريبَة القَعْر وإناء أَرْوَحُ.
وحر: قَالَ اللَّيْث: الوَحَرُ: وَغْرٌ فِي الصَّدْر من الغيْظ والحقد. يُقَال وَحِرَ صدْرُه على فلَان وَحَراً، وإنّه لوَحِرُ الصَّدْر. قَالَ: وَالْوَحَرُ وَزَغَةٌ تكون فِي الصحارَى أَصْغَر من العَظَاية، وَهِي إِلْفُ سَوَام أَبْرَصَ خِلْقَةً.
قَالَ: وَسمعت مَن يَقُول: امرأةٌ وَحِرَةٌ سوداءُ ذميمةٌ. وَفِي الحَدِيث (من سره أَن يذهبَ كثير من وَحَرِ صدْرِه فليصُمْ شهر الصبْر وَثَلَاثَة أيَّامٍ من كُل شهر) قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْكسَائي والأصمعيّ فِي قَوْله وَحَر صَدْرِه: الوَحَرُ غُشْيَته وبلابله. وَيُقَال إِن أصل هَذَا دُوَيْبَّة يُقَال لَهَا الوَحَرَة، وَجَمعهَا وَحَرٌ، شبّهت العداوةُ والغِلُّ بهَا. وَيُقَال وَغِر صَدره وَغَراً وَوَحِر وَحَراً، شبَّهُوا العداوةَ ولُزُوقَها بالصّدْر بالْتِزاق الوَحَرةِ بِالْأَرْضِ.
ولحمٌ وَحِرٌ دَبَّ عَلَيْهِ الوَحَر. قلت: وَقد رَأَيْت الوَحَرَة فِي الْبَادِيَة وخِلْقَتُها خِلْقَةُ الوَزَغِ إلاّ أَنّها أَشد بَيَاضًا مِنْهَا وَهِي منقَّطَةٌ بِنُقَط حُمْرِ، وَهِي من أقْذَرِ الدَّوَابّ عِنْد الْعَرَب، وَلَا يأكلها أحد. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الوَحَرَة إِذا دَبَّتْ على اللَّحْم أَوْحَرَتْه، وإيحارُها إيَّاهُ أَن يأخُذَ آكلَهَا القيءُ والمَشْيُ، وَقَالَ أَعْرَابِي: من أكل الوَحَرَةَ فأُمُّه منتحرة بغائطٍ ذِي حَجَرة.
وَيُقَال: إِن الوَحَرَةَ لَا تطَأُ طَعَاما أَو شرابًا إِلَّا سمَّته، وَلَا يأكُلُه أحد إِلَّا دَقِيَ وأخذَه قَيْءٌ، وربّما هَلَك آكِلُه. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الوَحَرُ أشَدُّ الْغَضَب. يُقَال إِنَّه لوَحِرٌ عَلَيَّ، وَقد وَحِر وحَراً، ووَغِرَ وَغَراً، وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
هَل فِي صدُورِهِمُ من ظُلْمِنَا وَحَرُ
وَيُقَال الْوَحَرُ: الغيْظُ والحِقْدُ.
حور حير: قَالَ اللَّيْث: الحَوْرُ الرُّجُوع عَن الشَّيْء إِلَى غَيره. قَالَ: والغُصَّةُ إِذا انحدَرتْ يُقَال: حارَتْ تَحُورُ، وأَحَارَ صاحبُها وَأنْشد:
وَتلك لعمري غُصَّةٌ لَا أُحِيرُها
قَالَ: وكل شيءٍ يتغيّر من حَال إِلَى حَال فإنّك تَقول حارَ يحورُ وَقَالَ لبيد:
وَمَا المَرْءُ إلاّ كالشهابِ وَضَوْئِهِ
يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُو سَاطِعُ
قَالَ: والمُحَاوَرَةُ: مُرَاجعَة الكلامِ فِي المخاطبة، تَقول حاورْتُه فِي المنْطِق،
(5/146)

وأَحَرْتُ لَهُ جَوَابا، وَمَا أَحَارَ بِكَلِمَة، وَالِاسْم من المحاورة الحَوِيرُ، تَقول: سمعتُ حَوِيرَهُما وحِوَارَهُما، قَالَ: والمَحْورَةُ من المُحَاوَرةِ كالمَشْوَرَة من المُشَاورة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
بِحَاجَةِ ذِي بَثَ ومَحْوَرَةٍ لَهُ
كَفَى رَجْعُها مِنْ قِصَّةِ المُتَكلمِ
وَقَالَ ابنُ هانىءٍ: يُقَال عِنْد تَأْكِيد المَرْزِئة عَلَيْهِ بِقلّة النَّماء: مَا يَحُورُ فلَان وَمَا يَبُور، وَذهب فلَان فِي الحَوَارِ والبَوَارِ، منصوبَا الأوّلِ، وَذهب فِي الْحُور والبُور. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ كَلمته فَمَا رَجَع إليَّ حِوَاراً وحَوَاراً وحَوِيراً ومَحُورَةً بِضَم الْحَاء بِوَزْن مَشُورَة.
ابْن السّكيت: فلَان مَا يعِيش بِأَحْوَرِ أَي مَا يعِيش بعقْل. قَالَ هُدْبَة:
فَمَا أَنْسِ مِ الأشْياءِ لَا أَنْس قَوْلَها
لجارَتِها مَا إِنْ يَعِيشُ بأَحْوَرَا
وَقَالَ نُصَيْر: أَحْوَرُ الرجلِ قلبُه، يُقَال مَا يعِيش فلَان بأَحْوَر أَي بقلب اسمٌ لَهُ.
قَالَ وَيُقَال إنّ الْبَاطِل لفي حَوْرٍ أَي فِي رُجُوع ونَقْصٍ. وَقَالَ شَمِرٌ: إِنَّه ليسعى فِي الحُور والبُور أَي فِي النُّقْصَان والفسادِ؛ وَرجل حائِرٌ بائِرٌ، وَقد حارَ وبارَ، وَهُوَ يحور حُؤُوراً: إِذا نقص وَرجع وَقَالَ العجَّاج:
فِي بِئْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ
أَرَادَ حُؤُورٍ، فخفّف الْوَاو، وَهَذَا قَول ابنِ الأعرابيّ. قلت: و (لَا) صلةٌ فِي قَوْله. وَقَالَ الفرّاء: لَا قائِمة فِي هَذَا البيتِ صحيحةٌ، أَرَادَ فِي بِئْر مَاء لَا تُحِيرُ عَلَيْهِ شَيْئا.
شمر عَن ابْن الأعرابيّ: فلَان حَوْرٌ فِي مَحَارَةٍ، هَكَذَا سمعتُه بِفَتْح الْحَاء، يُضْرَب مثلا للشيءِ الَّذِي لَا يَصْلُح أَو كَانَ صالِحاً ففسد. قَالَ: والمَحَاوَرَةُ الْمَكَان الَّذِي يَحُور أَو يُحَارُ فِيهِ. قَالَ: وَالحائِر الرّاجع من حالٍ كَانَ عَلَيْهَا إِلَى حَال كَانَ دُونَها، وَالبائِر الْهَالِك. وَيقال حوَّرَ الله فلَانا أَي خيّبه وَرَجَعه إِلَى النَّقْص.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ حوَّرْتُ الخبزةَ تَحْوِيراً إِذا هَيَّأْتَها لتضعَها فِي الملَّة. قَالَ: وَحَوَّرْتُ عينَ الدَّابَّة إِذا حَجَّرْتَ حولهَا بِكَيَ وَذَلِكَ من دَاء يُصيبها، وَالكيَّةُ يُقَال لَهَا الحَوْرَاءُ، سُميت بذلك لِأَن مَوْضعها يَبْيَضُّ. قَالَ وَالتحوير: التبييض. وَقال غَيره: حوَّرْتُ الثوبَ إِذا بَيَّضْتَه. أَبُو عبيد عَن الأمويّ الإحْوِرَارُ الابيضاض، وَأنشد:
يَا وَرْدُ إِنّي سَأَمُوتُ مَرَّهْ
فَمَنْ حَلِيفُ الجَفْنَةِ المُحْوَرَّهْ
يَعْنِي المبيَضَّة، قَالَ أَبُو عبيد: وَإِنَّمَا سُمي أصحابُ عِيسَى الحواريّين للبَيَاض، وَكَانُوا قَصّارين وَقَالَ الفرزدق:
فَقُلتُ إنَّ الحَوَارِيَّاتِ مَعْطَبَةٌ
إِذا تَفَتَّلْنَ من تحتِ الجَلاَبِيبِ
يَعْنِي النساءَ. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (الزبير ابنُ عَمَّتي وحَوَارِيٌّ من أُمَّتِي) . قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال وَالله أعلم إنَّ أصل هَذَا كَانَ بَدْؤُه من الحواريّين أصحابِ عِيسَى، وَإِنَّمَا سُمُّوا حواريّين لأَنهم كَانُوا يَغْسلون الثِّيَاب يُحورونها وَهُوَ
(5/147)

التبْييض وَمِنْه قيل امْرَأَة حَوَارِيّة إِذا كَانَت بيضاءَ. قَالَ: فلمّا كَانَ عِيسَى ابنُ مريمَ نَصَره هَؤُلَاءِ الحواريُّون فَكَانُوا أَنْصارَه دونَ النّاس قيل لكل ناصرٍ نَبيَّه: حواريٌّ إِذا بَالغ فِي نُصْرَتِه؛ تَشْبِيها بأولئك.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الحَوارِيُّون: الأنصارُ، وهم خاصّةُ أَصْحَابه. وروى شَمِرٌ عَنهُ أَنه قَالَ: الحَوَارِيُّ الناصح، وَأَصله الشيءُ الْخَالِص. وكلُّ شَيْء خلص لَونه فَهُوَ حَوَارِيٌّ. والحَوَاريَّاتُ من النِّسَاء النقيّات الألْوَانِ والجُلودِ. وَمن هَذَا قيل لصَاحب الحُوَّارَى مُحَور. وَقَالَ الزّجاج: الحواريُّون خُلَصَاء الأنبياءِت وصفوتُهم، وَالدَّلِيل على ذَلِكَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الزبير ابْن عمَّتي وحواريٌّ من أُمَّتي) . قَالَ: وَأَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حواريُّون. وَتَأْويل الحواريين فِي اللُّغة الَّذين أُخْلِصوا ونُقُّوا من كل عيب، وَكَذَلِكَ الحُوَّارَى من الدَّقِيق، سُمي بِهِ لأَنَّه يُنَقَّى من لُباب البُر، قَالَ: وتأوِيلُه فِي النَّاس الَّذِي قَدْ رُوجِع فِي اخْتِيَارِه مرّةً بعد مرَّةٍ فَوُجِدَ نَقِيّاً من الْعُيُوب. قَالَ: وأصل التحوير فِي اللّغة من حَارَ يَحورُ، وَهُوَ الرُّجُوع. والتَّحويرُ الترجيع، فَهَذَا تَأْوِيله وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال لِنسَاء الأمْصَار حَوارِيَّات لِأَنَّهُنَّ تباعدن عَن قشَفِ الأعرابيات بنظافَتِهن، وَأنْشد:
فَقُلْ لِلْحَوَاريَّاتِ يَبْكِيْنَ غيرَنا
وَلَا يَبْكِينَ إلاّ الكِلابُ النَّوَابِحُ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: دَقِيق حُوَّارَى أَخذ من هَذَا لِأَنَّهُ لباب البُر، وعجين مُحَوَّر، وَهُوَ الَّذِي مُسح وَجهه بِالْمَاءِ حَتَّى صَفَا.
وَعين حَوْرَاءُ إِذا اشتدّ بياضُ بياضِها وخَلُص واشتدّ سَواد سوادِها، وَلَا تُسَمَّى المرأةُ حَوْرَاءَ حَتَّى تكونَ مَعَ حَوَرِ عينيها بيضاءَ لَوْنِ الجَسَدِ، وَقَالَ الْكُمَيْت:
وَدَامَتْ قُدُورُك للسَّاغبي
ن فِي المَحْلِ غَرْغَرةً واحْوِرَارا
أَرَادَ بالغرغرة: صوتَ الغلَيانِ وبالاحْوِرَار بياضَ الإهَالَةِ والشحمِ. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يتعوّذ من الحَوْر بعد الكَوْرِ، ويروى بعد الكَوْن. قَالَ أَبُو عبيد: سُئِلَ عَاصِم عَن هَذَا فَقَالَ ألم تسمع إِلَى قَوْلهم: حَارَ بعد مَا كانَ يقولُ إِنَّه كَانَ على حَال جميلةٍ، فحارَ عَن ذَلِك أَي رَجَعَ. وَمن رَوَاهُ بعد الكَوْر فَمَعْنَاه النُّقْصَان بعد الزّيادة، مَأْخُوذ من كَوْر الْعِمَامَة إِذا انْتقض لَيُّها، وبعضُه يقرب من بعض. عَمْرو عَن أَبِيه الحَوْرُ التحيُّر، قَالَ: والحَوْرُ النُّقصان والحَوْرُ الرُّجُوع. قَالَ اللَّيْث: الحَوْرُ مَا تَحت الكَوْر من الْعِمَامَة. قَالَ: والْحَوَرُ خشب يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء قَالَ والْحُوارُ النصيل أَوَّلَ مَا يُنْتَجُ، وجَمْعُه حِيرَانٌ، والحُورُ الأَدِيمُ المصبوغُ بِحُمْرة، وَأنْشد:
فَظَلَّ يَرْشَحُ مِسْكاً فَوْقَهُ عَلَق
كأنَّما قُدَّ فِي أَثْوَابِه الحَوَرُ
قَالَ: وخُفٌّ محوَّرٌ إِذا بُطن بحُور. وَيُقَال للرجل إِذا اضْطربَ أَمْره: لقد قَلِقَتْ مَحَاوِرُه، وَأنْشد ابْن السّكيت:
(5/148)

يَا مَيُّ مَا لِي قَلِقَتْ مَحَاوِرِي
قَالَ: والمِحْوَرُ الحديدةُ الَّتِي يَدُورُ فِيهَا لسانُ الإبريم فِي طَرَف المِنْطقة وَغَيرهَا. قَالَ: والحديدةُ الَّتِي تَدور عَلَيْهَا البكرةُ يُقَال لَهَا: المِحْوَرَةُ.
وَقَالَ الزّجاج: قيل لَهُ محورٌ للدَّوَرانِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يرجع إِلَى المكانِ الَّذِي زَالَ مِنْه. وَقيل إِنَّه إِنَّمَا قيل لَهُ مِحْوَرٌ لِأَنَّهُ بدورَانِه ينصَقِلُ حَتَّى يَبْيَضّ. قَالَ وَقَوْلهمْ: نَعُوذ بِاللَّه من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ مَعْنَاهُ نَعُوذ بِاللَّه من الرُّجُوع والخُرُوج على الْجَمَاعَة بعد الكُوْرِ مَعْنَاهُ بعد أَن كُنَّا فِي الكَوْر أَي فِي الجماعةِ. يُقَال كَارَ عمامتَه على رَأسه إِذا لفّها، وحار عِمامَتَه إِذا نقضهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: المِحْوَرُ الْخَشَبَة الَّتِي يُبْسَط بهَا العجينُ يُحَوَّر بهَا الْخبز تحويراً. قلت سمّي محوراً لدورانه على العجينِ تَشْبِيها بمِحْوَرِ البكرة واستدَارته.
الأصمعيّ: المَحَارَةُ الصَدَفة، والمحار من الْإِنْسَان الحَنَكُ وَهُوَ حَيْثُ يُحَنك البيطار الدابّةَ. وَقَالَ ابنُ الأعرابيّ مَحَارةُ الفَرَسِ أَعلى فَمِه من بَاطِن، وَقَالَ غَيره: المحارة جَوْف الأُذُنِ، وَهُوَ مَا حَوْلَ الصمَاخ المتَّسِع. قَالَ: والمَحَارَةُ النُّقْصَان، والمَحَارَةُ الرُّجوع، والمَحَارَةُ الصَّدَفَةُ، والمحارَةُ المُحَاوَرَةُ. قَالَ: والْحُورةُ النُّقْصَان، والحورَةُ: الرَّجْعَة.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال حارَ بَصَرهُ يَحَارُ حَيْرَةً وحَيْراً، وَذَلِكَ إِذا نظرتَ إِلَى الشَّيْء فَغَشِيَ بصرُك، وَهُوَ حَيْران تائهٌ، والجميع حَيَارَى، وَامْرَأَة حَيْرَى، وَأنْشد:
حيرانَ لَا يُبْرِئه مِنَ الحيَر
قَالَ: وَالطَّرِيق المُسْتَحِير الَّذِي يَأْخُذ فِي عُرْض مفازة لَا يُدرى أيْنَ منفذه، وَأنْشد:
ضَاحِي الأَخَادِيدِ ومُسْتَحِيْرِهِ
فِي لاحِبٍ يَرْكَبْنَ ضَيْفَيْ نِيْرِهِ
وَيُقَال: استحار الرجلُ بمَكَان كَذَا وَكَذَا إِذا نَزَلَهُ أيّاماً. قَالَ: والحائر حَوْض يسيّبُ إِلَيْهِ مَسِيلُ المَاء من الْأَمْصَار يُسمى هَذَا الاسمُ بالماءِ وبالبصرة حائر الحجَّاج، معروفٌ يابسٌ لَا ماءَ فِيهِ، وَأكْثر النَّاس يسمونه الحَيْر، كَمَا يَقُول لعَائِشَة: عَيْشة يستحسنون التَّخْفِيف وَطرح الْألف. قَالَ العجّاج:
سَقَاهُ رِيّاً حَائِرٌ رَوِيُّ
وَإِنَّمَا سُمّي حائراً لِأَن المَاء يتحيّر فِيهِ يرجع أَقصاهُ إِلَى أدناه. وَقَالَ الأصمعيّ: يُقَال للمكان المطمئن الوسطِ الْمُرْتَفع الحرُوف حائرٌ وَجمعه حُوَرانٌ. وَقَالَ أَبُو عبيد: الحائر: مجتمعُ المَاء وَأنْشد:
مِمَّا تَرَبَّبَ حَائِرَ البَحْرِ
قَالَ والحاجر نحوٌ مِنْهُ وَجمعه حُجْرانٌ. وَقَالَ الأصمعيّ: حَار يَحَارُ حيْرَةً وحَيْراً. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال المَاء يتحيّر فِي الغَيْم وتحيَّرت الرَّوْضَة بِالْمَاءِ إِذا امْتَلَأت. وتحيَّر الرجلُ: إِذا ضَلّ فَلم يَهْتَدِ لسبيله وتحيّر فِي أَمْرِه. وَقَالَ شمر: العربُ تَقول لكلّ شيءٍ ثابتٍ دَائِم لَا يكَاد يَنْقَطِع مستحيرٌ ومتحَير وَقَالَ جرير:
يَا رُبَّمَا قُذِفَ العَدُوُّ بِعَارِضٍ
فَخْمِ الكَتائِبِ مُسْتَحِيْرِ الكوْكَبِ
(5/149)

قَالَ ابْن الأعرابيّ: المستحير الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع. قَالَ: وكوكبُ الْحَدِيد بَرِيقُه. والمتحيّر من السَّحَاب الدَّائِم لَا يبرح مكانَه، يصبُّ الماءَ صبّاً وَلَا تسوقه الرّيح وَأنْشد:
كأنّهُمُ غَيْثٌ تَحَيَّرَ وَابِلُهْ
وَقَالَ الطِرماح:
فِي مُسْتَحِيْر رَدَى المَنُو
نِ ومُلْتَقَى الأَسَلِ النَّوَاهِلْ
وَقَالَ شمر: قَالَ أَبُو عَمْرو يُرِيد يتحيّر الردَى فَلَا يَبْرَح، وَمِنْه قَول لبيد:
حتّى تَحيَّرَتِ الدبارُ كأنَّها
زَلَفٌ وأُلْقِيَ قِتْبُها المَحْزُومُ
يَقُول: امْتَلَأت مَاء. وروى شمر بِإِسْنَاد لَهُ عَن سُفْيَان عَن الرّبيع بن قريع قَالَ سَمِعت ابْن عمر يَقُول: أَسْلِفُوا ذاكم الَّذِي يوجِبُ اللَّهُ أجْرَهُ، ويردُّ إِلَيْهِ مالَه، لم يُعْطَ الرجلُ شَيْئا أفضلَ من الطَرْقِ، الرجلُ يطرُق على الْفَحْل أَو على الْفرس فيذهَبُ حَيْرِيَّ الدَّهرِ، فَقَالَ لَهُ رجلٌ: مَا حَيْرِيُّ الدهرِ؟ قَالَ: لَا يُحْسَبُ، فَقَالَ لَهُ حسل بن قابصة: وَلَا فِي سَبِيل الله، فَقَالَ: أَو لَيْسَ فِي سَبِيل الله؟ قَالَ شمر: هَكَذَا رَوَاهُ حَيْرِيَّ الدَّهْرِ بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء الثَّانِيَة وَفتحهَا. قَالَ وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: العربُ تَقول: لَا أفعل ذَلِك حِيْريَ دَهْرٍ. وَقد زَعَمُوا أنَّ بَعْضهم ينصب الْيَاء فِي حِيريَ دهْرِ. وَقَالَ أَبُو الْحسن: سَمِعت مَنْ يَقُول: لَا أفعل ذَلِك حيريَّ دهر مثقَّلة، قَالَ والحيريّ الدَّهْر كُله. قَالَ شمر: قَوْله حيريَّ الدَّهْر يُرِيد أبدا. وَقَالَ ابْن شُمَيْلٍ: يُقَال ذهب ذَاك حَارِيَ الدَّهْر وحيْرِيَ الدَّهْر أَي أبدا، وَيبقى حارِيَ الدَّهْر وحيْرِيَ الدَّهْر أَي أبدا. قَالَ شمر: وَسمعت ابْن الأعرابيّ يَقُول: حِيرِيَ الدَّهْر بِكَسْر الْحَاء مثل قَول سِيبَوَيْهٍ والأخفشِ. قَالَ شمر: وَالَّذِي فسره ابْن عُمَر لَيْسَ بمخالف لهَذَا، أَرَادَ أَنه لَا يُحْسَبُ أَي لَا يُمكن أَن يُعرف قدرُه وحسابُه لكثرته ودوامِه على وَجه الدَّهْر. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال لَا آتيه حَيْرِيَّ دهر وَلَا حِيرِيَّ دهر وحِيرَ الدَّهْر، يُرِيد مَا تحيَّرَ الدهرُ. وَقَالَ: حِيرُ الدَّهْر جمَاعَة حِيرِي.
وَقَالَ الليثُ: الحِيرَة بجنْبِ الكُوفة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا حَارِيُّ كَمَا نَسَبُوا إِلَى التّمر تمري فَأَرَادَ أَن يَقُول حِيرىْ فسكّن الْيَاء، فَصَارَت ألفا سَاكِنة. قَالَ والحارَةُ كل مَحَلَّة دنت منازلُهم، فهم أهلُ حارةٍ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: سَمِعت امْرَأَة من حِمْيَر تُرقصُ وَلَدهَا وَتقول:
يَا رَبَّنا مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْبَرَا
فَهَبْ لهُ أَهْلاً ومالاً حِيرا
قَالَ: والْحِيَرُ: الْكثير من أهلٍ ومالٍ، وَقَالَ آخر:
أَعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْ مالٍ حِيَرْ
يُصْلِينِيَ اللَّهُ بِهِ حَرَّ سَقَرْ
أَبُو زيد: يُقَال هَذِه أنعامٌ حِيرَاتٌ أَي متحيرةٌ كثيرةٌ، وَكَذَلِكَ النّاسُ إِذا كَثرُوا وَقَالَ ابْن شُمَيْل: يَقُول الرجلُ لصَاحبه وَالله مَا تحورُ وَلَا تحولُ أَي مَا تزدادُ خَيْراً. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ يُقَال لجِلْدِ الفيلِ الحَوْزَانُ، ولباطن جلده
(5/150)

الحِرْصِيَانُ. وَقَالَ أَبُو زيد: الحَيْرُ الغَيْمُ ينشأ مَعَ المَطَر فيتحيّر فِي السَّمَاء عمر عَن أَبِيه: الأَحْوَرُ: العقْل يُقَال مَا يعِيش بِأَحْوَرَ.

(بَاب الْحَاء وَاللَّام)
(ح ل (وايء))
حلا (حلى) ، حَال، لحي، لَاحَ وَحل ولح، حلاء: (مستعملة) .
حلا:: قَالَ اللَّيْث: الحُلْوُ كل مَا فِي طَعْمِه حلاَوَةٌ، والحُلْوُ والحُلْوَةُ من الرِّجَال وَالنِّسَاء من تستحْليه الْعين. وَقوم حُلْوُون. والحَلْوَاءُ: اسْم لما يُؤْكلُ من الطَّعام إِذا كَانَ معالَجاً بحلاوَةٍ. وَقَالَ بَعضهم: يُقَال للفاكهة: حَلْوَاءُ. وَتقول: حَلاَ يَحْلَ حَلْواً وحُلْوَاناً. وَقد احلَوْلى وَهُوَ يَحْلَوْلى. قلت الْمَعْرُوف: حلا الشيءُ يحلُو حلاوَةً. واحلَوْلَيتُه أحلَوْلِيه احلِيلاَءً إِذا استحليْتَه. اللحيانيّ: احلَوْلت الجاريةُ تحلَوْلى إِذا استُحْلِيت واحلَوْلاها الرجل وَأنْشد:
لكَ النَّفْسُ وَاحْلَوْلاَكَ كلُّ خَلِيلِ
أَحْلَيْتُ المكانَ واستَحْلَيْتُه وحَلِيت بِهِ بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ اللَّيْث: تَقول حلَّيْتُ السَّوِيقَ، وَمن الْعَرَب من همزه فَقَالَ حَلأتُ السويق، وَهَذَا فهم غلط. قلت: قَالَ الفرّاء: توهمت العربُ فِيهِ الهمْزَ لمّا رَأَوْا قولَهم: حَلَّأتُهُ عَن المَاء أَي: منعتهُ مهموزاً.
وروَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: احلَوْلَى الرجلُ إِذا حَسُن خُلُقُه، واحْلَوْلَى إِذا خَرَج من بَلَدٍ إِلَى بلد. وَقَالَ الليثُ: قَالَ بَعضهم: حَلاَ فِي عيْنِي وَهُوَ يَحْلُو حَلْواً. وحَلِيَ بِصَدْرِي، وَهُوَ يَحلَى حُلْوَاناً. قلت: حُلْوَانٌ فِي مصدر حَلِيَ بصدري، خطأٌ عِنْدِي، وَقَالَ الأصمعيُّ: حَلِيَ فِي صَدْرِي يحْلَى، وحَلاَ فِي فمي يَحلُو. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِير حَدِيث النّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهُ نهى عَن حُلْوان الكاهن. قَالَ الأصمعيّ: الحُلْوَانُ مَا يُعْطَاه الكاهنُ ويُجْعَلُ لَهُ على كهانته. يُقَال مِنْهُ حَلَوْته أَحْلُوه حُلْوَاناً، إِذا حَبَوْتَه، وَأنْشد لأوسِ بن حَجَر يذمّ رجلا:
كأنّي حَلَوْتُ الشعْرَ يومَ مَدَحْتُه
صفَا صَخْرَةٍ صَمَّاءَ يُبْساً بِلاَلُها
قَالَ فَجعل الشّعْر حُلْوَاناً مثلَ الْعَطاء.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحُلْوَانُ الرشْوَة، يُقَال حَلَوْتُ أَي: رشوت.
وَأنْشد:
فَمَنْ رَاكِبٌ أحْلُوهُ رَحْلاً ونَاقَةً
يُبَلغ عنّي الشعْرَ إذْ ماتَ قائِلُهْ
قَالَ وَقَالَ غَيره: الحُلْوَانُ أَيْضا أَن يأخذَ الرَّجُلُ من مَهْرِ ابْنَتِه لنفْسه.
قَالَ: وَهَذَا عارٌ عِنْد الْعَرَب.
قَالَت امْرَأَة فِي زَوْجها:
لَا يَأْخُذُ الحُلْوَانَ من بَنَاتِنَا
وَقَالَ اللَّيْث: حُلْوَانُ المرأةِ مَهْرُهَا.
وَيُقَال بل مَا كَانَت تُعْطَى على مُتعتها بمكَّة. قَالَ: احْتَلَى فلانٌ لنفقة امْرَأَته ومَهْرها، وَهُوَ أَن يتمحّل لَهَا ويحتالَ، أُخذ من الْحُلْوَانِ. يُقَال: احْتَلِ فتزوّجْ بِكَسْر اللَّام وابْتَسِلْ من البُسْلَة.
(5/151)

قَالَ: والحلاوَى: ضرب من النَّبَات يكون بالبادية، الْوَاحِدَة حَلاوِيَةٌ على تَقْدِير رَبَاعية. قلت لَا أعرف الحَلاَوَى وَلَا الحَلاَوية، وَالَّذِي عَرفته الحُلاَوَى بِضَم الحاءِ على فُعالى.
وروى أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ فِي بَاب فُعالى: خُزَامَى وَرُخَامى وحُلاوَى، كلّهُنَّ نبت. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح.
وَقَالَ اللَّيْث حَلاوَةُ القَفَا حَاقُّ وسَطِ القَفَا، تَقول ضَربته على حَلاَوَةِ القفَا، أَي على وسطِ القَفا. شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: حلاوَةُ القَفَا، وحَلْوَاءُ الْقَفَا وحُلْواءُ الْقَفَا. وَهُوَ وسط الْقَفَا.
قَالَ وَقَالَ الهوازني: حَلاوَةُ الْقَفَا فأسه. أَبو عُبَيْدٍ عَن الكسائيّ: سقط على حَلاَوَةِ القَفا، وحَلْوَاءِ الْقَفَا.
قَالَ: وحَلاوَةُ الْقَفَا تجوّز، وَلَيْسَت بمعروفة. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أَحْمد بن يحيى:
قَالَ: الْحَلوَاءُ يُمَدُّ ويُقْصَرُ ويُؤنّث لَا غيرُ. وَيُقَال للشَّجَرَةِ إِذا أَوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ: حَالِيَةٌ فَإِذا تناثر وَرقهَا تعطّلت.
وَقَالَ ذُو الرُّمَّة:
وَهَاجَتْ بَقَايا القُلْقُلاَنِ وعَطَّلَت
حَوَالِيَّهُ هُوجُ الرِيّاحِ الحوَاصِد
أَي أيبستها فتناثرت.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِنْوُ حَفٌّ صَغِير يُنْسَجُ بِهِ، وَقَالَهُ ابْن الأعرابيّ، وَقَالَ: هِيَ الْخَشَبَة الَّتِي يديرها الحائك وَأنْشد قَول الشماخ:
قُوَيْرِحُ أَعْوَامٍ كأنَّ لسانَه
إِذَا صَاح حِلْوٌ زَلَّ عَن ظَهْرِ مِنْسَجِ
وَقَالَ اللَّيْث: حُلوان كورة. قلت هما فريقان إِحْدَاهمَا حُلْوَانُ العراقِ والأُخْرى حُلْوَانُ الشأم.
وَقَالَ ابْن السّكيت: حَلِيَت المرأةُ، وأَنا أَحْلِيها، إِذا جَعَلْتَ لَهَا حَلْياً، وَبَعْضهمْ يَقُول: حَلَوْتُها بِهَذَا المَعْنَى.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَلْيُ كلّ حِلْيَةٍ حلَّيْتَ بِهِ امْرَأَة أَو سَيْفاً أَو نحوَه. والجميع حُلِيّ قَالَ الله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً} (الْأَعْرَاف: 148) .
وَيُقَال تحلّت الْمَرْأَة إِذا اتَّخذت حُلِيّاً أَو لبِسَتْه. وحلّيْتُها، أَي ألْبَسْتُهَا، واتخذْتُه لَهَا.
قَالَ ولغة حَلِيَتْ الْمَرْأَة إِذْ لَبِسَتْهُ وَأنْشد:
وحَلْي الشَّوَى مِنْهَا إِذا حَلِيَتْ بِهِ
على قَصَباتٍ لإشِنحات وَلَا عُصْل
الشخَات الدقاق والعُصْل المعْوَجَّة. قَالَ وَإِنَّمَا يُقَال الْحَليُ للْمَرْأَة، وَمَا سواهَا فَلَا يُقَال إِلَّا حِلْيَةٌ للسيف وَنَحْوه. قَالَ: والحِلْيَةُ تحلِيَتُكَ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذا وَصفته. وَيُقَال: حَلِيَ مِنْهُ بِخَيْرٍ، وَهُوَ يَحْلَى حَلىً مقصورٌ إِذا أصَاب خَيْراً.
والحَلِيُّ نبت بِعَيْنِه وَهُوَ مِنْ مَرْتَعٍ للنَّعَم والخيلِ، إِذا ظَهرت ثمرَتُه أشبه الزَّرْعَ إِذا أَسْبَل. وَقَالَ اللَّيْث: الحَلِيُّ يبس النَّصِيّ. قَالَ: وَهُوَ كلُّ نبْتٍ يشبه نباتَ الزَّرْع. قلت: قَوْله هُوَ كل نبت يشبه نَبَات الزَّرْع
(5/152)

خطأٌ إِنَّمَا الحَلِيُّ اسْم نَبْتٍ واحِدٍ بعيْنه وَلَا يُشبههُ شيءٌ من الْكلأ.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال امرأَةٌ حَالِيَةٌ ومُتَحَليَةٌ. وَيُقَال: مَا أَحْلَى فُلاَنٌ وَلَا أَمَرَّ أَي مَا تكلّم بحُلْوٍ وَلَا مُرَ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ يُقَال للبعير إِذا زجرته حَوْبُ وحوبَ وحَبْ، وللناقة حَلْ جزمٌ، وحَلِي جزم لَا حَلِيت.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: يُقَال فِي زجْر النَّاقة حَلْ حَلْ. قَالَ: فَإِذا أدْخَلْتَ فِي الزَّجْرِ ألفا ولاماً جرى بِمَا يُصِيبهُ من الإعْرَابِ كَقَوْلِك:
والحَوْبُ لَمّا يُقَلْ والحل
فرفعه بِالْفِعْلِ الَّذِي لم يسمَّ فَاعله.
وَقَالَ اللحيانيّ: حَلِيَتْ الجاريةُ بعيني وَفِي عَيْني وبقلبي وَفِي قلبِي، وَهِي تحلَى حَلاوَةً وَيُقَال أَيْضا: حَلَتْ الجاريةُ بعيني وَفِي عَيْني، تَحْلُو حَلاَوَةً. قَالَ: واحلَوْلَيْتُ الْجَارِيَة واحْلَوْلَتْ هِيَ، وَأنْشد:
فَلَو كنتَ تُعْطِي حِين تُسْأَلُ سامحت
لكَ النفسُ واحْلَوْلاَكَ كلُّ خَليلِ
وَيُقَال: حلا الشيءُ فِي فَمِي يَحْلُو حلاوَةً وَيُقَال حَلُوَت الفاكهةُ تَحْلُو حَلاَوَةً. قَالَ: وحَلِيتُ العيشَ أَحْلاَه أَي استحليْتُه. وَيُقَال: أَحْلَيْتُ هَذَا المكانَ واستحْلَيْتُه وحَلِيتُ بِهَذَا المكانِ. وَيُقَال: مَا حَلِيتُ مِنْهُ شَيْئا حَلْياً أَي مَا أصبت. وَحكى أَبُو جَعْفَر الرؤاسيُّ حَلِئتُ مِنْهُ بطائلٍ فهمزَ أَي مَا أصبتُ. قَالَ: وَجمع الْحَلي حُلِيّ وحِلِيّ، وَجمع حِلْيَةِ الْإِنْسَان حِلىً وحُلىً.
وَمن مَهْمُوز هَذَا الْبَاب:
حلاء: قَالَ شمر: الحالِئَةُ ضربٌ من الحيّات تَحْلأُ لمن تلسعه السُّمَّ كَمَا يَحْلأُ الكحَّالُ الأرْمَد حُكَاكَةً فيكحَلُه بهَا.
وَقَالَ الْفراء: أحلِىءُ حَلُوءاً.
وَقَالَ ابنُ الأَعرابيّ: حلأْتُ لَهُ حَلاَءً.
وَقَالَ اللَّيْثُ الحُلاءَةُ بِمَنْزِلَة فُعالة حكاكة حَجَرين تَكْحَلُ بهَا الْعين. يُقَال حَلأْتُ فُلاَناً حَلْأً، إِذا كَحَلْتَه بهَا.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال أحْلأْتُ للرجل إحلاءً إِذا حكَكْتَ لَهُ حُكَاكةَ حجرين فداوَى بحُكَاكتهما عَيْنَيْهِ من الرَّمد.
وَقَالَ ابنُ السّكيت: الحَلُوء حَجَرٌ يُدْلَك عَلَيْهِ دواءٌ ثمَّ يكحل بِهِ العينُ. يُقَال حَلأْتُ لَهُ حُلُوءاً.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وغيرُه: حلأْتُ الإبلَ عَن المَاء إِذا حبستها عَن الورُود وَأنْشد:
لطالما حَلَّأْتُماهَا لَا تَرِدْ
فَخَليَاهَا والسجَالَ تَبْتَرِدْ
وحلّأْتُ الْأَدِيم إِذا قشرتَ عَنهُ التحلِىءَ، والتحْلِىءُ القِشر على وجْهِ الْأَدِيم ممّا يَلِي الشَّعَر.
وَقَالَ أَبُو زيد: حَلَّأْتُ الأديمَ إِذا أخرجت تِحْلِئَه، والتحْلىءُ القِشْر الَّذِي فِيهِ الشَّعر فَوق الجِلْدِ. والحِلاَءَةُ اسْم مَوضِع.
قَالَ صَخْر الغيّ:
إِذا هُوَ أَمْسَى بالحِلاَءَةِ شَاتِياً
تُقَشرُ أعْلَى أَنْفِهِ أُمُّ مِرْزَمِ
فأجابَهُ أَبُو المثَلَّم:
(5/153)

أعَيَّرْتَني قُرَّ الحلاَءَةِ شَاتِياً
وَأَنت بِأَرضٍ قُرُّهَا غيرُ مُنْجِمِ
أَي غير مُقْلِع.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: من أمثالهم فِي حذر الْإِنْسَان على نَفسه ومدافعته عَنْهَا قَوْلهم: حَلأَتْ حالئةٌ عَن كُوعِهَا. قَالَ: وَأَصله أَن الْمَرْأَة تحلأُ الأديمَ وَهُوَ نَزْع تِحْلِئه، فَإِن هِيَ رفَقَتْ سَلِمَتْ، وَإِن هِيَ خَرُقَتْ أخطأَتْ فَقطعت بالشفرة كُوعها.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرَّاء: يُقَال: حلأَتْ حالئَةٌ عَن كُوعها أَي لِتَغْسِلْ غاسلةٌ عَن كوعها أَي ليعملْ كل عَامل لِنَفْسِه.
قَالَ وَيُقَال: اغسل عَن وجْهِك ويَدِك وَلَا يُقَال اغْسِلْ عَن ثَوْبِك.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي قَوْلهم حَلأَتْ حالئةٌ عَن كوعها وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا حَلأَت مَا على الإهاب أخذت مِمْلأَةً من حَدِيد فَوْهَاءَ فتحلأَت مَا على الإهاب من تحلِئة وَهُوَ سوادُه، فَإِن لم تبالغ المِحْلَأَةُ، وتقَلع ذَلِك عَن الإهاب أخذت الحالِئةُ نَشْفَةً من حجر خشن ثمَّ لفت جانباً مِنَ الإهابِ على يَدهَا ثمَّ اعتمدت بالنُّشْفَةِ عَلَيْهِ لتقلع مَا لم تخرجْه المِحْلأة فَيُقَال للَّذي يدْفع عَن نَفسه ويَحُضّ على إصْلَاح شَأْنه يضربُ مثلا لَهُ أَي عَن كُوعها عملت مَا عملت وبحيلَتها وعَمَلِها نالَتْ.
وَقَالَ أَبُو زيد حَلأَته بِالسَّوْطِ حَلأً إِذا جلدْتَه وحَلأَته بِالسَّيْفِ حَلأً إِذا ضربتَه وحلَّأْتُ الْإِبِل عَن الماءِ تَحلِيئاً.
أَبُو عبيد عَن الأمويّ: حَلَأْتُ بِهِ الأرضَ ضربْتُ بِهِ الأَرْض. قلت: وجَلأْت بِهِ الأَرْض بِالْجِيم مثلُه. اللحياني حَلِئَتْ شَفَةُ الرجل تَحْلأ حَلأً، إِذا شَرِبَتْ أَي خرج بهَا غِبَّ الحُمّى بَثْرٌ. قَالَ وَبَعْضهمْ لَا يهمز فَيَقُول حليَتْ شفتُه حَلاً مَقْصُور.
لحى: قَالَ اللَّيْث: اللَّحْيَانِ العظمان اللَّذَان فيهمَا الْأَسْنَان من كل ذِي لَحْيٍ. والجميع الأَلْحِي. قَالَ: واللحا مَقْصُور واللحاء مَمْدُود مَا على العَصَا من قِشْرِها. قلت: الْمَعْرُوف فِيهِ المَدُّ.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن الحرانيّ عَن ابْن السّكيت أَنه قَالَ: يُقَال للتمرة إِنَّهَا لكثيرة اللحَاء وَهُوَ مَا كَسَا النواة. واللحَاءُ قشر كل شيءٍ. وَقد لَحَوْتُ الْعود ألْحُوه وأَلْحَاهُ إِذا قَشرْتَه. وَيُقَال لحاه الله أَي قشره وَمن أمثالِهم: لَا تَدْخُلْ بَين الْعَصَا ولِحَائِها.
قَالَ أَبُو بكر بن الأنباريّ قَوْلهم لَحَا الله فلَانا مَعْنَاهُ قَشَرَهُ الله وأهْلَكَه. وَمِنْه لَحَوْتُ العودَ لَحْواً إذَا قشرته وَيُقَال لاَحَى فلانٌ فلَانا مُلاَحَاةً ولِحَاءً إِذا استقْصى عليهِمْ، ويُحْكَى عَن الأصْمَعِيّ أَنه قَالَ: المُلاَحاة: الملاومة والمُبَاغَضَةُ، ثمَّ كثُر ذَلِك حَتَّى جُعِلتْ كُلُّ مُمَانعة ومدافَعة ملاحاةً، وَأنْشد:
ولاحَتِ الرَّاعِيَ من دُورِهَا
مخاضُها إلاّ صَفَايَا خُورِها
قَالَ: واللحَاءُ فِي غير هَذَا القِشْرُ وَمِنْه الْمثل لَا تدخُلْ بَين العَصَا ولِحَائِها أَي قِشرها وَأنْشد:
(5/154)

لَحَوْتُ شَمّاساً كَمَا تُلْحَى العَصا
سَبّاً لَو آنَ السَّب يُدْمِي لدَمِي
قَالَ أَبُو عبيد: إِذَا أَرَادوا أَن صَاحِبَ الرجل موافقٌ لَهُ لَا يُخَالِفُه فِي شَيْء قَالُوا: هما بَيْنَ الْعَصَا ولِحَائِها.
وَقَالَ الليثُ: يُقَال التحيت اللحاء ولَحَيتْهُ الْتِحَاءً ولحْيَاً إِذا أخذتَ قشره. واللحاءُ مَمْدُودٌ المُلاَحَاة كالسباب.
وَفِي حَدِيث النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّه نهى عَن مُلاَحَاةِ الرجَال، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
نُوَليهَا المَلاَمَةَ إِن أَلَمْنَا
إِذا مَا كَانَ مَغْثٌ أَو لِحَاءُ
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: لَحَوْتُ الْعَصَا ولَحَيْتُها، فأمَّا لحيت الرَّجُلَ من اللّوم فبالياء لَا غير.
وَقَالَ اللَّيْث: اللحَاءُ اللعْنُ، واللحَاءُ العذْل، واللَّوَاحِي العواذِلُ. قَالَ: واللُّحى مَقْصُور وَفِي لُغَة اللحى جمع اللِّحْيَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: لِحْيَةٌ وَجَمعهَا لِحى ولُحىً قَالَ ولُحِيٌّ ولِحِيٌّ.
اللَّيْث رجل لِحْيَانِيُّ طَوِيل اللِّحْيَة وَبَنُو لِحْيان حَيّ من هُذَيْل.
وَقَالَ ابْن بُزُرْج: اللحْيَانُ الخدود فِي الأَرْض ممّا خَدَّها السَّيْلُ، الْوَاحِدَة لِحْيَانَةٌ: قَالَ: واللحْيَانُ الوشَلُ والصُّدَيْعُ فِي الأَرْض يخِرّ فِيهِ المَاء، وَبِه سُميَتْ بَنُو لِحْيَانَ، وَلَيْسَ بتثنية لِلّحى.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال رجل لَحْيَان إِذا كَانَ طويلَ اللِّحْيَة، يُجْرَى فِي النكرةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَال للأُنثى لَحْيَا.
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: النِّسْبَة إِلَى لَحْي الْأَسْنَان لَحَوِيّ والتَّلَحي بالعمامة إدارة كُور مِنْهَا تَحت الحَنَكِ.
ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر بالتَّلَحي وَنهى عَن الاقتعاط. وَيُقَال: أَلْحى يُلْحِي إِذا أَتَى مَا يُلْحَى عَلَيْهِ. وألْحَتِ المرأةُ.
قَالَ رؤبة:
وابْتَكَرَتْ عَاذِلَةً لَا تُلْحِي
قَالَتْ وَلم تُلْحِ، وَكَانَت تُلْحِي
عليكَ سَيْبَ الخُلَفَاءِ البُجْحِ
لَا تُلْحِي أَي لَا تَأتي مَا تُلْحَى عَلَيْهِ حِين قَالَت عَلَيْك سيْب الْخُلَفَاء، وَكَانَت تُلْحَى قبل ذَلِك حِين تَأْمُرنِي بِأَن آتِي غير الْخُلَفَاء. وأَلْحَى العودُ إِذا آن لَهُ أَن يُلْحَى قشره عَنهُ. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم بلَحْي جَمَلٍ، وَهُوَ مَكَان بَين مكّة وَالْمَدينَة.
حول، حيل: قَالَ اللَّيْث: الْحوْل: سنةٌ بأَسْرِها، تَقول حَال الحَوْلُ، وَهُوَ يحول حَوْلاً وحُؤُولاً، وأحالَ الشيءُ إِذا أَتَى عَلَيْهِ حول كَامِل، ودَارٌ مُحِيلَةٌ إِذا أَتَت عَلَيْهَا أَحْوَالٌ ولغة أُخْرَى أَحْوَلَتْ الدَّار، وأَحْوَلَ الصبيُّ إِذا تمّ لَهُ حول، فَهُوَ مُحْوِلٌ، وَمِنْه قَوْله:
فَأَلْهَيْتُها عَن ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
قَالَ: والحَوْلُ هُوَ الحيلَةُ، تَقول: مَا أَحول فلَانا، وَإنَّهُ لذُو حِيلة، قَالَ والمحَالةُ الْحِيلَة نَفسهَا، وَيَقُولُونَ فِي مَوضِع لَا بُد لَا محالةَ وَقَالَ النَّابِغَة:
وأنتَ بأمرٍ لَا مَحَالةَ واقِعُ
(5/155)

والاحتيال والمُحَاوَلَةُ مطالبتُك الشيءَ بالحِيَل، وكل من رامَ أمرا بالحِيَلِ فقد حاوله، وَقَالَ لبيد:
أَلاَ تسأَلان المَرْء مَاذَا يُحَاوِلُ
وَرجل حُوَّلٌ ذُو حِيَلٍ، وَامْرَأَة حُوَّلةٌ. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرّاء قَالَ: سَمِعت أَعْرَابياً من بني سُلَيم ينشد:
فإنَّها حِيَلُ الشّيطانِ يَحْتَئِل
قَالَ وَغَيره من بني سُلَيم يَقُول: يحتال بِغَيْرِ هَمْزٍ قَالَ وأنشدني بَعضهم:
يَا دَارَ مَيَّ بِدَكَادِيكِ البُرَقْ
سَقْياً وإِنْ هَيَّجت شَوْقَ المُشْتَئِقْ
وَغَيره يَقُول المشتاق وَرجل مِحْوالٌ كثيرُ مُحالِ الْكَلَام والمحال من الْكَلَام مَا حُول عَن وجْهِه، وَكَلَام مسْتَحِيلٌ مُحَالٌ. وَأَرْض مستَحَالَةٌ تُرِكت حَوْلاً وأَحْوالاً عَن الزِّرَاعَة. والقوس المُسْتَحَالَةُ الَّتِي فِي سِيَتِهَا اعوجاج ورِجْلٌ مستحَالَةٌ إِذا كَانَ طرفَا الساقيْنِ مِنْهَا مُعْوَجَّين، وكل شَيْء اسْتَحَالَ عَن الاستواءِ إِلَى العِوَجِ يُقَال لَهُ مستحيلٌ.
قَالَ والحَوْل اسْم يجمع الحَوَالَيْ. تَقول حوالي الدَّار كَأَنَّهَا فِي الأَصْل حوالَيْنِ، كَقَوْلِك جانِبَيْنِ فَأسْقطت النُّون وأضيفت كَقَوْلِك: ذُو مالٍ وأولو مالٍ. قلت: الْعَرَب تَقول رَأَيْت النَّاس حَوْلَه وحَوَالَيْه وحَوَاله وحَوْلَيْه. فَحَوالَه وُحْدَانُ حَواليْه، وأمّا حَوْليه فَهُوَ تَثْنِيَة حَوْلَةُ وَقَالَ الرّاجز:
ماءٌ رَوَاءٌ ونَصِيٌّ حَوْلَيْهْ
هَذَا مَقَامٌ لَكَ حَتَّى تِئْبَيْهْ
الْمَعْنى تأْبَاهُ. وَمثل قَوْلهم حَوَالَيْكَ دَوَالَيْك وحَجَازَيْكَ وحنَانَيْك.
وَقَالَ اللَّيْث الحِوَالُ المُحَاوَلَةُ. حَاوَلْته حِوَالاً ومُحاوَلَةً، أَي طالبْتُ بالحيلة.
قَالَ: والحِوَالُ كُلُّ شيءٍ حالَ بَين اثْنَيْنِ. يُقَال هَذَا حِوَال بَيْنِهِمَا أَي حائِلٌ بَيْنِهِما. فالحاجِز والحِجاز والحِوَلُ يجْرِي مَجْرى التَّحْويل. تَقول: حُولُوا عَنْهَا تحويلاً وحِوَلاً. قلت: فالتَّحْوِيلُ مصدر حقيقيّ من حوّلْتُ. والحِوَل اسْم يقوم مَقَامَ الْمصدر.
قَالَ الله جلّ وعزّ: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} (الْكَهْف: 108) أَي تحويلاً.
وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أَي لَا يُرِيدُونَ عَنْهَا تَحوُّلاً. يُقَال: قد حَال من مَكَانَهُ حِوَلاً كَمَا قَالُوا فِي المصادر صَفُر صِفَراً وعادني حُبُّها عِوَاداً.
قَالَ وَقد قيل إِن الحِوَل الحِيلَةُ فَيكون على هَذَا الْمَعْنى: لَا يَحْتَالُون مَنْزِلاً غَيْرَهَا.
قَالَ: وقرىء قولُه جلّ وعزّ: {دِينًا قِيَمًا} (الأنعَام: 161) وَلم يقل قِوَماً، مثل قَوْله {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} لِأَن قِيمَاً من قَوْلك قَامَ قيمًا كَأَنَّهُ بني على قَوُم أَو قَوَم فَلَمَّا اعتلّ فَصَارَ قَام اعتَل (قِيمَ) وَأما حِوَل فَهُوَ على أَنه جارٍ على غير فعل. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} قَالَ تحويلاً وَقَالَ أَبُو زيد:
(5/156)

حُلْتُ بَينه وَبَين الشَّرّ أَحُول أشدّ الحَوْلِ والمَحَالَةِ.
وَقَالَ اللَّيْث: حالَ الشَّيْء بَين الشَّيْئَيْنِ يحول حَوْلاً وتحويلاً. وَحَال الشيءُ نفسهُ يَحُول حُؤُولاً بمعنيين: يكون تغيُّراً وَيكون تَحْوِيلاً، وَقَالَ النَّابِغَة:
وَلَا يحولُ عطاءُ اليَوْمِ دُونَ غَدِ
أَي لَا يحول عَطاؤه الْيَوْم دون عَطاء غَد. قَالَ: والحائل الْمُتَغَيّر اللَّوْنِ، ورمادٌ حائلٌ، ونبات حَائِل. وَقَالَ اللحيانيّ: يُقَال: حُلت بَينه وَبَين مَا يُرِيد حَوْلا وحُؤُولا. وَيُقَال: بيني وَبَيْنك حَائِل وحُؤُولة أَي: شيْءٌ حَائِل. وَحَال عَلَيْهِ الحوْلُ يحول حَوْلاً وحُؤُولاً. وأحال اللَّهُ عَلَيْهِ الحَوْلَ إِحَالَة. وأحالَت الدّارُ أَي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ. وَيُقَال: إِن هَذَا لَمِنْ حُولَةِ الدَّهْر وحُولاَءِ الدَّهْر وحَوَلان الدَّهْر وحِوَل الدَّهْر، وَأنْشد:
ومِنْ حِوَلِ الأيَّامِ والدهر أَنه
حَصِيْنٌ يُحيَّا بِالسَّلَامِ ويُحْجَبُ
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: حُلْتُ فِي متن الْفرس أَحُول حُؤُولاً إِذا ركبْتَه. وَقد حَال الشخْصُ يحول إِذا تحرّك. وَكَذَلِكَ كلّ متحولٍ عَن حالِه، وَمِنْه قيل: استَحَلْتُ الشخصَ نظرتُ هَل يتحرَّكُ. وَأَخْبرنِي المنذريُّ أَنه سَأَلَ أَبَا الْهَيْثَم عَن تَفْسِير قَوْله: لَا حولَ وَلَا قوةَ إِلَّا بِاللَّه، فَقَالَ: الحَوْلُ الحَرَكَةُ، يُقَال حالَ الشَّخْص إِذا تَحرَّك فكأنّ الْقَائِل إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة، يَقُول: لَا حركَةَ وَلَا استِطَاعَةَ إِلَّا بمشيئةِ الله.
الأصمعيّ: حَالَت النَّاقَةُ فَهِي تَحُولُ حِيَالاً إِذا لم تحْمِل، وناقَةٌ حَائِل، ونوق حِيَالٌ وحُولٌ وَقد حَالَتْ حُوَالاً وحُولاً، وَأنْشد بيتَ أَوْسٍ:
لَقِحْنَ على حُولٍ وصَادَفْنَ سَلْوَةً
مِنَ العَيْشِ حَتَّى كُلُّهنَّ يُمَنَّع
وأحال فلانٌ إِبِلَه الْعَامَ إِذا لم يَضْرِبْهَا الفَحْلُ. وَالنَّاس مُحيلون إِذا حَالَتْ إِبِلُهم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لكل ذِي إبل كَفْأَتَانِ، أَي قِطْعَتَانِ، يقطعُها قِطْعَتَيْنِ فتُنْتَجُ قِطْعَةٌ عَاماً وتحولُ القِطعَةُ الْأُخْرَى، فَيُرَاوِح بَينهمَا فِي النّتاج؛ فَإِذا كَانَ العامُ المُقْبل نَتَجَ القطعةَ الَّتِي حالَتْ، فَكل قطعةٍ نَتَجَها فَهِيَ كَفْأَةٌ؛ لِأَنَّهَا تهْلك إِن نتجها كُلُّ عَام. ورجلٌ حَائِل اللَّوْن إِذا كَانَ أسودَ متغيراً.
اللحيانيّ: يُقَال للرجل إِذا تحوّل من مكانٍ إِلَى مَكَان، أَو تحوَّل على رَجُلٍ بدَرَاهِمَ حَالَ وَهُوَ يَحُول حَوْلا. وَيُقَال: أَحلْتُ فلَانا على فلَان بِدَرَاهِم أُحيله إِحالةً وإحالاً، فَإِذا ذكرت فِعْلَ الرجلِ قلتَ حَال يَحُول حَوْلا، واحْتَال احتِيَالاً إِذا تحوَّل هُوَ من نَفسه.
قَالَ: وحالت الناقةُ والفرسُ والنخلةُ والمرأةُ والشاةُ وغيرُها: إِذا لم تحملْ. وناقة حائلٌ ونُوق حوائِل وحُولٌ وحُولَلٌ.
وَقَالَ بعضُهم: هِيَ حائِل حُولٍ وأَحْوالٍ وحُولَلٍ أَي حائِل أعوامٍ.
وَيُقَال إِذا وضعت النَّاقة: إِن كَانَ ذكرا سمّي سَقْباً وَإِن كَانَت أُنْثَى فَهِيَ حائِلٌ.
(5/157)

قَالَ وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال لَا حولَ وَلَا قوةَ إلاّ بِاللَّه، وَلَا حَيْلَ وَلَا قوّة إِلَّا بِاللَّه، وَحكى مَا أَحْيَلَه وأَحْوَلَه من الحِيلَة.
وَيُقَال تحوّل الرجلُ واحْتَال إِذا طلب الحِيلَة. وَمن أمثالهم: مَنْ كانَ ذَا حيلةٍ تَحَوّل.
وَيُقَال: هَذَا أَحْوُل من ذئْبٍ، من الحِيلة، وَهُوَ أَحول من أَبِي بَرَاقِن، وَهُوَ طائرٌ يتلوَّنُ ألواناً. وأحْوَلُ من أَبِي قَلَمُون وَهُوَ ثوب يتلَوَّن ألواناً. وَفِي دعاءٍ يرويهِ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اللَّهُمّ ذَا الحَيْلِ الشَّديد) ، والمحدثون يَرْوُونَه (ذَا الحَبْلِ) بِالْبَاء، وَالصَّوَاب ذَا الحَيْلِ بِالْيَاءِ أَي ذَا القوَّة.
قَالَ اللحيانيُّ: يُقَال إِنَّه لشديدُ الحَيْلٍ أَي القُوَّة.
قَالَ: وَيُقَال: لَا حِيلَة وَلَا احتيالَ وَلَا مَحَالَةَ وَلَا مَحِلّة.
وَيُقَال: حالَ فلَان عَن الْعَهْد يحول حَوْلاً وحُؤُولاً، أَي زَالَ وحالَ عَن ظهر دابَّته يحول حَوْلاً وحُؤُولاً أَي زَالَ وَمَال.
وَيُقَال أَيْضاً: حَال فِي ظهرِ دابَّتِه وأحال، لُغَتَانِ إِذا اسْتَوَى فِي ظهر دَابَّته، وَكَلَام الْعَرَب حالَ على ظَهره وأحالَ فِي ظَهره، وَقَول ذِي الرمة:
أَمِنْ أَجْلِ دارٍ صَيَّرَ البينُ أهْلَها
أَيَادِي سَبَا بَعْدِي وطالَ احْتِيَالُها
يَقُول احتالتْ من أَهلِها لم ينزل بهَا حَوْلاً. أَبُو عبيد حَالَ الرجل يَحُول مثل تَحَوَّل من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
اللَّيْثُ لغةُ تَمِيمٍ حَالَتْ عَلَيْهِ تَحَال حَوَلاً، وغيرهُم يَقُول حَوِلت عينهُ تَحْوَل حَوَلاً، وَهُوَ إقبالُ الحَدَقة على الأنْفِ، قَالَ وَإِذا كَانَ الحَوَلُ يحدُث وَيذْهب قيل: احولَّتْ عينه احْولالاً واحْوالَّتْ احوِيلالاً.
أَبُو عبيد عَن الأَصمعيّ: مَا أَحْسَنَ حَالَ مَتْنِ الفَرس وَهُوَ مَوضِع اللبد.
أَبُو عَمْرو: الْحَال الكارة الَّتِي يحملهَا الرجل على ظَهره يُقَال مِنْهُ تحولت حَالا قَالَ أَبُو عبيد الْحَال أَيْضا العجلة الَّتِي يدِبّ عَلَيْهَا الصبيّ وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن حسّان الأنصاريّ:
مَا زَالَ يَنْمِي جَدّه صَاعِداً
مُنْذُ لَدُنْ فَارَقَهُ الحَالُ
قَالَ وَالْحَال الطينُ الأسودُ. وَفِي الحَدِيث أَن جِبْرِيل لما قَالَ فِرْعَوْن {ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - إِلِاهَ إِلاَّ الَّذِىءَامَنَتْ بِهِ بَنو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ إِسْرَاءِيلَ} (يُونس: 90) أَخذ من حَال الْبَحْر وَطِينِه فألقمه فَاه. اللحياني: حَالُ فلانٍ حسنَةٌ وحَسَنٌ والواحدة حالَةٌ.
يُقَال: هُوَ بحالةِ سوءٍ، فَمن ذكّر الْحَال جمعه أَحْوَالاً، وَمن أنّثهَا جمعهَا حالاَتٍ.
قَالَ: وَيُقَال حالُ مَتْنِه وحَاذُ مَتْنِه، وَهُوَ الظَّهْر بِعَيْنِه.
قَالَ اللَّيْث: وَالْحَال الْوَقْت الَّذِي أَنْتَ فِيهِ. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ حالُ الرجل امرأتهُ. قَالَ: والحالُ الرماد والحارّ، والحالُ لحم المَتْن، وَالْحَال الحَمْأَةُ، وَالْحَال الكارَةُ، يُقَال تحوّلْتُ حَالا على
(5/158)

ظَهْري إِذا حملتَ كارةً من ثِيَاب وَغَيرهَا. وَجمع الْأَحول حُولاَنٌ. والحَوِيلُ الحِيلَةُ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: أحَال عَلَيْهِ بِالسَّوْطِ يضْرِبُه. وأحالَتْ الدَّارُ وأحْوَلَتْ: أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ. وأحْوَلْتُ أَنا بِالْمَكَانِ وأَحَلْتُ أَقمت حولا. الأصمعيّ: أحلّت عَلَيْهِ بالْكلَام أَي أَقبلت عَلَيْهِ، وأَحَال الذئْبُ على الدَّم أَي أقبل عَلَيْهِ. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: حَالَ صَبوحُهم على غَبوقِهم، معنَاه أَنَّ الْقَوْم افْتَقَرُوا فَقَلَّ لَبَنُهم فَصَارَ صَبوحُهم وغَبوقهم وَاحِدًا.
وَحَال مَعْنَاهُ انصبّ، حَال الماءُ على الأَرْض يَحُول عَلَيْهَا حَوْلاً وأَحَلْتُه أنَا عَلَيْهَا إِحَالَة أَي صببتُه، كتبتُه عَن الْمُنْذِرِيّ عَن أَصْحَابه، وأحلْتُ الماءَ فِي الجَدْولِ أَي صببتُه، قَالَ لبيد:
كأَنَّ دموعَهُ غَرْبَا سُنَاةٍ
يُحِيلُونَ السجَالَ على السجَالِ
أَي يَصُبّون. وَقَالَ الفرزدق:
فَكَانَ كذِئْبِ السُّوءِ لَمَّا رأى دَماً
بصاحِبهِ يَوْمًا أَحالَ على الدَّمِ
اللّحيانيّ: امرأةٌ مُحِيلٌ ومُحْوِلٌ ومُحَولٌ إِذا ولدَت غُلاماً على إثْرِ جاريةٍ أَو جَارِيَة على إِثْر غلامٍ. قَالَ وَيُقَال لَهَا العَكُوم أَيْضا إِذا حملت عامَاً ذكرا وعاماً أُنثى.
أَبُو الْهَيْثَم فِيمَا أكْتَبَ ابْنَه؛ يُقَال للْقَوْم إِذا أَمْحَلُوا فقلّ لبنُهم: حَال صَبُوحُهم على غَبُوقهم، أَي صَار صَبُوحُهم وغَبُوقهم وَاحِدًا. وَحَال بِمَعْنى انصبّ. حَال المَاء على الأَرْض يحول عَلَيْهَا حَوَلاً وأحلّته إِحَالَة أَي صببتُه. وَيُقَال أحلْتُ الْكَلَام أُحيله إِحَالَة إِذا أفسدتَه.
وروى ابنُ شُمَيْل عَن الْخَلِيل بن أَحْمد أَنه قَالَ: المُحَال كلامٌ لغير شيءٍ، والمستقيمُ كلامٌ لشَيْء، والغلط كَلَام لشَيْء لم تُرِدْه واللغْوُ كلامٌ لشيءٍ لَيْسَ من شأنِك، وَالْكذب: كَلَام لشَيْء تَغُرُّ بِهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد المصَاحفّي: قرأته على النَّضر للخليل.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَوّالَةُ إحالتك غريماً وتحوُّلُ مَاء من نهر إِلَى نهر. قلت: وَيُقَال: أحَلْتُ فلَانا بِالْمَالِ الّذي لَهُ عليّ وَهُوَ مائَةُ درْهَم على رجل آخر لي عَلَيْهِ مائَةُ دِرْهَم، أُحيلُه إحَالَةً فاحْتَال بهَا عَلَيْهِ وضَمِنهَا لَهُ، وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَإِذا أُحِيلَ أَحَدُكم على مَلِيءٍ فليحْتَلْ) قَالَ أَبُو سعيد: يُقَال: للَّذي يُحال عَلَيْه بِالْحَقِّ حَيل، وللذي يقبل الحَوَالة حَيلٌ، وهما الحيلان، كَمَا يُقَال البيعان. وَيُقَال إِنَّه لَيتحوَّل أَي يجيءُ ويذهبُ، وَهُوَ الحَوَلاَنُ، ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: قَالَ الحُول والحُوّل الدَّوَاهِي وَهِي جمع حُولة ابْن السّكيت عَن الأصمعيّ: جَاءَ بِأَمْر حُولَةٍ. من الحُوَل أَي بأمرٍ مُنكر عجب.
وَقَالَ اللحيانيّ: يُقَال للرجل الدّاهية إِنه لحُولَةٌ من الحُوَل، تسمى الداهيةُ نفسُها حُولةً.
وَقَالَ الشَّاعِر:
وَمِنْ حُوْلَةِ الأيَّامِ يَا أُمَّ خَالدٍ
لَنَا غَنَمٌ مَرْعِيَّةٌ وَلنَا بَقَر
(5/159)

وَيُقَال لِلمُحتَالِ من الرِّجَال إِنه لحُولَةٌ وحُوَّلة وحُوَلٌ وحُوَّلٌ قُلّب. وأَرْضٌ محتَالَةٌ، إِذا لم يُصِبْها المطرُ. وَمَا أَحْسَنَ حَوِيلَه. قَالَ الأصمعيّ: أَي مَا أَحْسَنَ مَذْهَبَه الَّذِي يُرِيد وَيُقَال: مَا أَضْعَفَ حَوَلَه، وحويله وحيلته، وَيُقَال مَا أقبح حولته، وَقد حَوِل حَوَلاً صَحِيحا. شَمِرٌ: حَوّلت المَجَرَّةُ: صَارَت فِي شدَّة الحرّ وسط السَّمَاء، قَالَ ذُو الرُّمَّة:
وَشُعْثٍ يَشَجُّونَ الفَلاَ فِي رؤوسه
إِذا حوَّلَتْ أُمُّ النّجومِ الشَّواَبِكُ
قلت: وحوَّلَتْ بِمَعْنى تحوّلت، وَمثله ولّى بِمَعْنى تولّى.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِيْلانُ هِيَ: الحدائد بِخُشبِها يُدَاسُ بهَا الكُدْس. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ عَن أبي المكارم قَالَ الْحَيْلَةُ وَعْلةٌ تَخُرُّ من رَأس الجَبَلِ، رَوَاهُ بِضَم الخاءِ، إِلَى أَسْفَله، ثمَّ تخُرُّ أُخْرَى ثمَّ أُخْرَى، فَإِذا اجْتمعت الوَعَلاتُ فَهِيَ الْحَيْلةُ. قَالَ: والوَعَلاتُ صخراتٌ ينْحَدِرْن من رأْس الجبلِ إِلَى أسفَلِه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْحَيْلةُ الْجَمَاعَة من المِعْزى أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الحُوَلاَءُ المَاء الَّذِي فِي السلى، وَقَالَ ابْن شُمَيْل الْحُولاء مضمنةٌ لما يخرُج من جَوف الولَدِ وَهِي فِيهَا، وَهِي أَعْقَاؤُه الْوَاحِدَة عِقْيٌ وَهُوَ شَيْء يَخْرُج من دبره وَهُوَ فِي بطن أمه، بعضه أسود وَبَعضه أصفر وَبَعضه أَحْمَر. وَقَالَ الكسائيُّ: سمعتهم يَقُولُونَ هُوَ رجل لَا حُولَةَ لَهُ يُريدون لَا حِيلَة لَهُ وَأنْشد:
لَهُ حُولَةٌ فِي مَحل أَمْرٍ أَرَاغَهُ
يُقَضي بِها الأَمْرَ الَّذِي كادَ صاحِبُه
وَقَالَ الفرّاء: سَمِعت أَنا إِنَّه لشديد الحيْل. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَا لَهُ لَا شَدَّ اللَّهُ حيْلَه يُرِيدُونَ حِيلَتَه وقوّته. أَبُو زيد: فلَان على حَوَلِ فلَان إِذا كَانَ مثلَه فِي السن أَو وُلِدَ على إثره. قَالَ: وَسمعت أَعْرَابِيًا يَقُول جمل حَوْلِيٌّ إِذا أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ وجمال حَوَالِيُّ بِغَيْر تَنْوِين وحواليَّة ومُهْرٌ حَوْلِيٌّ ومِهارة حَوْليَّات أَتَى عَلَيْهَا حول.
المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: بَنو مُحوّلة هم بَنو عبد الله بن غطفانَ، وَكَانَ اسمهُ عبدَ العُزَّى، فسمّاه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبدَ الله فسمُّوا بني مُحَوَّلة. قَالَ وَالْعرب تَقول: مِنَ الْحِيلَة تَركُ الحِيلة، وَمن الحذر تَرك الحذر. وَقَالَ: مَا لَهُ حيلةٌ وَلَا حَوَلٌ وَلَا مَحَالةَ وَلَا حَويل وَلَا حِيلْ وَلَا حَيْلٌ وَقَالَ: الحيْل الْقُوَّة.
لوح ليح: قَالَ اللَّيْث: اللَّوْحُ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظ، صفِيحَة من صَفَائِح الْخشب والكتِف إِذا كُتِبَ عَلَيْهِ سُمّي لَوْحاً، وألواحُ الْجَسَد عِظَامه مَا خَلا قصبَ الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن، وَيُقَال بل الألواح من الْجَسَد كلُّ عَظْمٍ فِيهِ عِرَضٌ واللَّوحُ العطشُ وَقَالَهُ أَبُو زيدٍ، وَقد لاَحَ يَلُوحُ إِذا عطِش.
وَقَالَ الليثُ: لاحَهُ العطَشُ ولوَّحه إِذا غيَّره، والْتَاحَ الرجلُ إِذا عطِش. ولاحه البَرْدُ ولاحَه السُّقْمُ والحُزْن، وَأنْشد غَيره:
وَلم يَلُحْها حَزَنٌ على ابنِمٍ
وَلَا أَبٍ وَلَا أخٍ فَتَسْهُمِ
(5/160)

واللَّوح: النظْرَةُ كاللمحة، تَقول: لُحْتُهُ بِبَصرِي إِذا رأيتَه لَوْحَةً ثمَّ خَفِي عَلَيْك.
وَأنْشد:
وَهل تَنْفَعني لَوْحَةٌ لَوْ أَلُوحُها
وَيُقَال للشَّيْء إِذا تلأْلأَ: لاحَ يَلُوح لَوْحاً ولُوحاً، والشيب يَلُوح، وَأنْشد للأعشى:
فَلَئِنْ لاَحَ فِي الذُّؤَابَةِ شَيْبٌ
بالبَكْرِ وأَنْكَرَتْنِي الغَوَانِي
قَالَ واللُّوحُ الْهَوَاء، وَأنْشد:
يَنْصَبُّ فِي اللُّوحِ فَمَا يَفُوتُ
قَالَ وَيُقَال أَلاَحَ البرقُ فَهُوَ مُلِحٌ وَأنْشد:
رأيتُ وأَهْلِي بِوَادِي الرَّجِيع
مِنْ نحوِ قَيْلَةَ بَرْقاً مُلِيحاً
قَالَ: وكلُّ من لَمعَ بِشَيْء فقد أَلاَح ولَوّح بِهِ. الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت: يُقَال أَلاَحَ من ذلكَ الأمْرِ إِذا أشْفَق مِنْهُ يُليحُ إلاحة، قَالَ وأنشدنا أَبُو عَمْرو:
إِنَّ دُلَيْماً قد أَلاحَ بِعَشِي
وَقَالَ أَنْزِلْنِي فَلَا إِيضَاعَ بِي
وَأنْشد:
يُلِحْنَ من ذِي زَجَلٍ شِرْواط
مُحْتَجِز بخَلَق شِمْطَاط
قَالَ وَيُقَال: أَلاَحَ بحقّي إِذا ذهب بِهِ. وَيُقَال: لاَحَ السيفُ والبَرْقُ يلوح لَوْحاً.
أَبُو عبيد لاَح الرجلُ وأَلاحَ فَهُوَ لاَئِح ومُلِيحٌ أَي بَرَزَ وظَهَرَ. وَقَالَ الزّجّاجُ فِي قَول اللَّهِ جلّ وعزّ: {ُِتَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} (المدَّثر: 29) أَي تُحْرِقُ الجلْدَ حَتَّى تسوده، يُقَال لاَحه ولَوَّحَه.
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت قَالَ سَمِعت ابْن الأَعرابي يَقُول: أَبيض لِيَاحٌ ولَيَاحٌ وأبيض يَقَقٌ ويَلَقٌ. قَالَ: ولُحْتُ إِلَى كَذَا أَلُوحُ إِذا نظرتَ إِلَى نَارٍ بعيدَة، قَالَ الْأَعْشَى:
لَعَمْرِي لقد لاحَتْ عُيونٌ كثيرةٌ
إِلَى ضَوْءِ نارٍ فِي يَفَاعٍ تَحَرَّقُ
أَي نَظَرَتْ. وَكَانَ لِحَمْزَة بن عبد الْمطلب سيف يُقَال لَهُ لِيَاحٌ. وَمِنْه قَول:
قد ذاقَ عُثمانُ يومَ الجَر من أحدٍ
وَقْعَ الَّلياحِ فَأَوْدَى وَهُوَ مَذْمُومُ
وَقَالَ اللَّيْث: اللَّياح الثور الوحْشِيُّ. والصبحُ يُقَال لَهُ لِيَاحٌ. ابْن السّكيت يُقَال لَاحَ سُهَيْل إِذا بدا وألاح إِذا تلألأ.
وَقَالَ الليثُ المِلْوَاحُ الضامِرُ وَأنْشد:
من كل شَقَاءِ النَّسا مِلْوَاحِ
قَالَ: والمِلْوَاحُ العَطْشانُ، والمِلوَاحُ أَن تَعْمِد إِلَى بُومة فتخيطَ عينَها وتشدَّ فِي رِجْلها صوفَةً سوداءَ وتجعلَ لَهُ مَرْبأة ويَرْتَبِىءُ الصَّائِد فِي القُتْرَة ويطيّرها سَاعَة بعد سَاعَة، فَإِذا رَآهَا الصقرُ أَو البازِي سَقَط عَلَيْهَا فأخَذَهُ الصيَّادُ. فالبومَةُ وَمَا يَليهَا يُسمى مِلْوَاحاً. غَيره: بَعِيرٌ مِلْوَاحٌ عَظِيم الألْوَاحِ، وَرجل مِلْوَاحٌ كَذَلِك، وامرأةٌ مِلْوَاحٌ ودابَّةٌ مِلْوَاحٌ إِذا كَانَ سريعَ الضُّمْرِ. أَبُو عُبَيْدٍ: لاحَ البَرْقُ أَولاَحَ إِذا أَوْمَضَ. قَالَ والمِلوَاحُ من الدوابّ السَّرِيع العطَش.
وَقَالَ شَمِر وَأَبُو الْهَيْثَم: هُوَ الجيّدُ الألْواح الْعظِيمُها، وَقيل: ألْواحُه ذِرَاعَاه وساقَاهُ وعَضُدَاه.
(5/161)

وَحل: اللَّيْث: الوَحَلُ طينٌ يرتطم فِيهِ الدَّوَابّ يُقَال: وحِلَ فِيهِ يَوحَل وحَلاً فَهُوَ وحِلٌ إِذا وَقع فِي الوحَل والجميع الأوْحَالُ والوُحُول، قد استَوْحَلَ الْمَكَان.
ولح: اللَّيْث: الوَلِيحَةُ الضَّخْمُ من الجُوَالِق الوَاسِع، والجميع الوَلِيحُ. وَقَالَ أَبُو عبيد: الولِيح الجُوالق وَهُوَ واحدٌ، والولائح الجَوالق، وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
يُضِيءُ رَبَاباً كَدُهْمِ المخا
ضِ جُللْنَ فوقَ الوَلايا الوَلِيحَا

(بَاب الحَاء وَالنُّون)
(ح ن (وايء))
حنا، حنأ، حَان، نحا، ناح، أنح، أحن، وحن، نيح: مستعملات.
حنا: قَالَ اللَّيْث: الحِنْوُ كل شيءٍ فِيهِ اعْوِجَاجٌ، والجميع الأَحْنَاءُ. تَقول: حِنْو الحِجَاجِ، وحنْوُ الأضْلاعِ، وَكَذَلِكَ فِي الإكاف والقَتَب والسَّرْجِ والجبالِ والأوْدِيةِ كلُّ منعرَجٍ، واعْوِجاجٍ فَهُوَ حِنْوٌ. وحَنْوتُ الشيءَ حَنْواً وحَنْياً، إِذا عطفْتَه. والانحِنَاء الْفِعْل اللازمُ، وَكَذَلِكَ التحنّي والمحْنِيَةُ مُنْحَنَى الْوَادي حَيْثُ ينْعَرِج منخفضاً عَن السَّنَد. وَقَالَ فِي رجل فِي ظَهره انحناء: إِن فِيهِ لَحِنَايَةً يهوديَّةً.
وَقَالَ شمر: الحِنْوُ والحِجَاجُ العظْمُ الَّذِي تَحت الْحَاجِب من الْإِنْسَان وَأنْشد لجرير:
وجُوهُ مُجاشِعٍ تَرَكُوا لَقِيطاً
وَقَالُوا حِنْوَ عَيْنِكَ والغُرَابا
يُرِيد قَالُوا لَهُ: احذرْ حِنْو عَيْنِك لَا ينقرهُ الغُرَابُ وَهَذَا تهكُّمٌ. والمَحْنِية العُلْبَةُ، وَقيل: أحناءُ الأمورِ أطرافُها وَنَواحيها، وحِنْو الْعين طَرَفُها، وَقَالَ الْكُمَيْت:
وآلُوا الأُمورَ وأَحْنَاءَها
فَلم يُبْهِلُوها وَلم يُهْمِلوا
أَي ساسوها وَلم يضيعوها. والحَنِيَّة الْقوس، وَجَمعهَا حَنَايَا والحُنِيُّ جمع الحِنْو، وأحنَاءُ الْأُمُور مُشْتَبهاتُها، وَقَالَ النَّابِغَة:
يُقَسمُ أَحْناءَ الأُمورِ فَهارِبٌ
شَاصٍ عَن الحرْب العَوَانِ وَدَائِنُ
والأُمُّ البَرَّة حانِيَةٌ، وَقد حنت على وَلَدِهَا تَحْنُو.
أَبُو عُبَيْدٍ عَن أبي زيد: يُقَال للْمَرْأَة الَّتِي تُقِيمُ على وَلَدِها وَلَا تتزوَّج: قد حنَتْ عَلَيْهِم تحنُو فَهِيَ حانِيَةٌ وَإِن تزوَّجَت بعده فَلَيْسَتْ بِحَانية. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: إِنِّي وسفعَاءَ الخدَّين الحانيةَ على وَلَدهَا يومَ الْقِيَامَة كهاتين، وَأَشَارَ بالوسطى والمسبحة.
وَقَالَ اللَّيْث: إِذا أمكنت الشاةُ الكبشَ يُقَال حَنَتْ فَهِيَ حانِيَةٌ، وَذَلِكَ من شدّة صِرَافها. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: إِذا أَرادت الشاةُ الفحلَ، فَهِيَ حَانٍ بِغَيْر هَاء، وَقد حنَتْ تحنو. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: تحنَّنْتُ عَلَيْهِ أَي رقَقْتُ لَهُ وَرَحمته. وتحنّيْتُ أَي عطفت وَفِي الحَدِيث: (خيرُ نساءٍ ركبن الإبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْش، أَحْنَاهُ على وَلدٍ فِي صغره، وأرعَاه على زَوْج فِي ذاتِ يَده) .
(5/162)

وَقَالَ اللَّيْث: الحَانِي صاحبُ الْحَانُوت. قلت: وَالتَّاء فِي الْحَانُوت زائِدَةٌ، وَيُقَال حانَةٌ وحانُوتٌ، وصاحبها حَانٍ.
قَالَ الدينَوَرِي: ينْسب إِلَى الْحَانُوت حَانِيّ وحانَوِيّ وَلَا يُقَال حانُوتِي. وَأنْشد الْفراء:
وكيفَ لنا بالشُّرْبِ إِنْ لم يكن لنا
دَوَانِيقُ عِنْد الحَانَوِي وَلَا نَقْدُ
وحِنْوُ الْعين طرفها، وَقَالَ جرير:
وَقَالُوا حِنْوَ عَيْنِكَ والغُرَابا
قلت: حِنو الْعين حجاجُها لَا طرفها، سمّي حِنْواً لانحنائه.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أَحْنَى على قرَابَته، وحنَى وحنَّى ورَئم.
وَمن مَهْمُوز هَذَا الْبَاب:
حنأ: قَالَ اللَّيْث: حنَّأتُه إِذا خضبتُه بالحِنَّاء. وَقَالَ أَبُو زيد: حنَأْتُه بالحِنَّاء تَحْنِئَةً وتحنيئاً. وَقَالَ اللحيانيُّ: أخضرُ ناضرٌ وباقلٌ وحانِىءٌ والحِنَّاءَتَانِ رملتانِ فِي ديار تمِيمٍ. قلت: وَرَأَيْت فِي دِيَارهمْ ركِيّة تُدعى الحِنَّأَة، وَقد وردتها وَفِي مَائِهَا صُفْرَةٌ.
نحا: قَالَ اللَّيْث: النَّحْوُ القَصْدُ نَحْوَ الشَّيْء، نحوْتُ نَحْوَ فلَان أَي قصدْتُ قصْدَه. قَالَ: وبَلَغَنَا أَنّ أَبَا الْأسود وضع وُجُوهَ العربيَّةِ وَقَالَ للنَّاس: انْحُوا نَحْوَه فَسُمي نَحْواً، وَيجمع النَّحْوُ أَنْحَاءً.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن الحرانيّ عَن ابْن السّكيت قَالَ: نحَا نَحْوَه يَنْحُوه إِذا قصَدَه، ونحا الشيءَ يَنْحَاهُ ويَنْحُوه إِذا حرَّفه، وَمِنْه سمّي النحويّ لِأَنَّهُ يحرفُ الْكَلَام إِلَى وُجُوه الْإِعْرَاب. قَالَ: وأَنْحَى عَلَيْهِ وانْتَحى عَلَيْهِ إِذا اعْتمد عَلَيْهِ. وَقَالَ شمر: انْتَحَى لي ذَلِك الشيءُ إِذا اعْترض لَهُ وَاعْتَمدهُ، وَأنْشد للأخطل:
وأَهْجُرُك هِجْرَاناً جميلاً ويَنْتَحِي
لَنَا من لَيالِينا العَوَارِمِ أَوَّلُ
قَالَ ابنُ الأعرابيّ: يَنْتَحِي لنا أَي يعودُ لنا، والعوارِم القِبَاحُ.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال نحَّيْتُ فلَانا فتنَحَّى، وَفِي لُغَة نَحَيْتُه، وَأَنا أَنْحَاهُ نَحْياً، بِمَعْنَاهُ، وَأنْشد:
أَلاَ أَيُّهذَا الباخِعُ الوَجْدِ نَفْسَه
لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقَادِرُ
نحَتْهُ أَي باعدته، والنَّاحِيَةُ من كل شَيْء جَانِبه.
وَثَبت عَن أهل يُونَان فِيمَا يذكر المُتَرْجِمُون العارِفُون بلسانهم ولغتِهم أَنَّهُم يسمون عِلْم الألفاظِ والعناية بالبحث عَنهُ؛ فَيَقُولُونَ كانَ فُلانٌ من النحويّين، وَلذَلِك سميّ يوحنا الإسكندرانيُّ يحيى النحويَّ للَّذي كَانَ حَصَلَ لَهُ من الْمعرفَة بلغَة اليُونَانِ.
ابْن بُزُرْج: نَحَوْتُ الشَّيْء أَنْحُوه وأَنْحَاه قصدْتُه ونَحَيْتُ عنّي الشَّيْء ونَحَوْتَه إِذا نحَّيْته وَأنْشد:
فَلم يبقَ إِلَّا أَنْ تَرَى فِي مَحَلةٍ
رَماداً نَحَتْ عَنهُ السُّيولَ جَنَادِلُهْ
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: النُّحوَاءُ التمطّي. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأَعرابي أَنه أنْشدهُ:
(5/163)

وَفِي أَيْمَانِهِم بِيْضٌ رِقَاقٌ
كَبَاقِي السَّيْلِ أَصْبَحَ فِي المَنَاحِي
قَالَ المَنْحَاةُ: مسيل الماءِ إِذا كَانَ مُلْتَوِياً. وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عَمْرو: المَنْحَاةُ مَا بَين البِئْرِ إِلَى مُنْتَهى السانِيَةِ.
قَالَ الأزهريّ: المَنْحَاةُ مُنْتَهى مَذْهَبِ السَّانِيَة، وَرُبَّمَا وُضِعَ عِنْده حَجَرٌ ليعلم قَائِد السانية أَنه الْمُنْتَهى فيتيسَّر مُنْعَطفاً لِأَنَّهُ إِن جاوزَه تَقَطّع الغَرْبُ وأَدَاته.
وَقَالَ اللَّيْث: النحْيُ جَرَّةٌ يُجعل فِيهَا اللَّبَنُ ليُمْخَضَ، وَالْفِعْل مِنْهُ نَحَى اللَّبَنَ يَنْحَاهُ وتَنَحَّاه أَي تمَخَّضه وَأنْشد:
فِي قَعْرِ نحْيٍ أستَثيرُ حُمّهْ
قَالَ: وَجمع النَّحْيِ أنحاءٌ.
قلت: والنحْيُ عِنْد الْعَرَب الزقُّ الَّذِي يُجْعَل فِيهِ السَّمْن خاصّة. وَهَكَذَا قَالَ الأصمعيّ وَغَيره، وَمِنْه قِصَّةُ ذاتِ النحْيَين، وَالْعرب تضرب بهَا المثَلَ، فتقولُ: أَشْغَلُ مِنْ ذَات النَحْيَيْنِ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: هِيَ امْرَأَةٌ من تَيْمِ الله بن ثَعْلَبة، وَكَانَت تبيع السَّمْنَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَتَاهَا خَوَّات بن جُبَير يبْتَاع مِنْهَا سَمْناً فساومَها فحلّت نِحْياً ثمَّ آخر فلَم يَرْضَ وأَعْجَلَهَا عَن شدّها نِحْيَيْها وساوَرَها فَقضى حَاجته مِنْهَا، ثمَّ هرب، وَقَالَ:
وَذَاتِ عِيَالٍ واثِقِينَ بِعَقْلِها
خَلَجْتُ لَهَا جارَ اسْتِها خَلَجاتِ
وشَدَّتْ يَدَيْهَا إِذْ أَرَدْت خِلاَطَها
بِنِحْيَيْنِ من سَمْنٍ ذَوَيْ عُجُرَاتِ
قلت: وَالْعرب لَا تعرف النحْيَ غيرَ الزق، وَالَّذِي قَالَه اللَّيْث أَنه الجَرَّةُ يُمخض اللَّبَنُ فِيهَا بَاطِلٌ.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ أَنْحَى ونَحَا وانْتَحَى اعْتمد على الشّيْءِ. وَيُقَال: انْتَحَى لَهُ بِسَهْمٍ وأنْحَى عَلَيْهِ بشَفْرَتِه ونَحَا لَهُ بِسَهْمٍ، ويقالُ فلَان نَحِيَّةُ القَوَارِع إِذا كَانَت الشدائدُ تَنْتَحِيه وَأنْشد:
نَحِيَّةُ أَحْزَانٍ جَرَتْ مِنْ جُفُونِهِ
نضَاضَةُ دَمْعٍ مِثْلِ مَا دَمَع الوَشَلْ
نُضَاضَةُ دَمْع بقيّة الدُّمُوع، وبقيّةُ كل شَيْء نُضَاضَتُه. وَيُقَال: استَخَذَ فُلانٌ فلَانا أُنْحِيَّةً أَي انْتَحى عَلَيْهِ حَتَّى أَهْلَكَ مالَه أَو ضَرَّه، أَو جعل بِهِ شَرّاً. وَأنْشد:
إنّي إِذا مَا القومُ كَانُوا أُنْحِيَةً
أَي انتحوْا على عملٍ يَعْمَلُونَهُ. قَالَ ذَلِك شَمِرٌ فِيمَا قرأْتُ بخطّه.
وَقَالَ اللَّيْث: كل من جَدّ فِي أَمْرٍ فقد انْتَحَى فِيهِ كالفرس يَنْتَحِي فِي عِدْوِه.
وَقَالَ اللحْيَانِيُّ: يُقَال للرجل إِذا مَال على أحَدِ شِقّيه أَو انحنى فِي قوسه قد نَحَى وانتحى واجْتَنَح وجَنَح، وُضِعَا بِمَعْنى وَاحِد وَيُقَال تنحى لَهُ بِمَعْنى نَحا لَه، وانْتَحى لَهُ، وَأنْشد:
تَنَحَّى لَهُ عَمْروٌ فَشَكَّ ضُلُوعَه
بِمُدْرَنْفقِ الخَلْجَاءِ والنَّقْعُ سَاطِعُ
وَفِي حَدِيث ابْن عمر: أَنَّه رأى رَجُلاً ينْتَحِي فِي سُجُوده فَقَالَ لَا تَشِينَنّ صُورَتك.
(5/164)

قَالَ شَمِرٌ: الانْتِحاءُ فِي السُّجُود الاعتمادُ على الْجَبْهَة والأنفِ حَتَّى يُؤثر فيهمَا.
وَقَالَ الأصمعيّ: الانْتِحَاء فِي السّير الِاعْتِمَاد على الْجَانِب الْأَيْسَر ثمَّ صَار الِاعْتِمَاد فِي كل وَجه. قَالَ رؤبة:
مُنْتَحِياً مِنْ نَحْوِهِ على وَفَقْ
حَان: قَالَ اللَّيْث: الحَيْنُ الْهَلَاك، يُقَال: حَان يَحِينُ حَيْناً، وكل شيءٍ لم يُوَفَّقْ للرشاد فقد حَان حيْناً. وَيُقَال: حَيَّنَه الله فتحيّن، قَالَ: والحَائِنَةُ النَّازِلَةُ ذَات الحَيْن، والجميع الحوائن وَقَالَ النَّابِغَة:
بِتَبْلٍ غَيْرِ مُطَّلَبٍ لَدَيْها
ولكنَّ الحَوَائِنَ قَدْ تَحِينُ
والحينُ وقْتٌ من الزَّمَان، يُقَال: حانَ أَن يكونَ ذَاك، وَهُوَ يَحينُ، وَيجمع الأحْيَانَ ثمَّ تجمع الأَحيانُ أحايِينَ. قَالَ: وحيَّنْتُ الشيءَ جعلتُ لَهُ حِيناً، قَالَ فَإِذا باعدوا بَين الْوَقْت باعدُوا بإذٍ فَقَالُوا حِينَئذٍ، خفَّفوا هَمْزَةَ إِذٍ فأبدلوها يَاء فكتبوه بِالْيَاءِ. قَالَ: والحين يَومُ الْقِيَامَة. وَقَول الله جلّ وعزّ: {تُؤْتِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} (إِبْرَاهِيم: 25) .
قَالَ الزّجاج: اختلفَ العلماءُ فِي تفسيرِ الحِين، فَقَالَ بَعضهم: كُلَّ سنة، وَقَالَ قوم: سِتَّة أشْهُرٍ، وَقَالَ قوم: غدْوَة وَعَشِيَّة، وَقَالَ آخَرُونَ: الحِينُ شهْرانِ، قَالَ: وجميعُ من شَاهَدْنَاهُ من أَهْلِ اللُّغة يذهبُ إِلَى أَنَّ الْحِين اسمٌ كالوقت يصلح لجَمِيع الأَزْمانِ كُلها، طالَتْ أَو قَصُرَت. قَالَ: وَالْمعْنَى فِي قَوْله: {تُؤْتِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} أَنه يُنتفعُ بهَا فِي كُل وقْتٍ لَا يَنْقَطِع نَفَعُها الْبَتَّةَ، قَالَ: وَالدَّلِيل على أَن الْحِين بِمَنْزِلَة الْوَقْتِ قولُ النَّابِغَة وأنشده الْأَصْمَعِي:
تَنَاذَرَها الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سُمها
تُطَلقُه حِيناً وحِيناً تُراجِعُ
الْمَعْنى أَن السُّمَّ يَخِفُّ ألمه وقتا وَيعود وقتا، وَقَول الله جلّ وعزَّ: {ُِلِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} (ص: 88) أَي بعد قيام الْقِيَامَة.
أَبُو عُبيدٍ عَن الأصمعيّ: التَّحْيِينُ أَن تُحْلَبَ الناقةُ فِي اليَوْمِ والليلةِ مرّةً وَاحِدَة قَالَ: والتوجيبُ مِثْلُه، وَقَالَ المخبَّل يصف إبِلا:
إِذا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَكَ أَفْنُها
وإِنْ حُينَتْ أَرْبَى على الوَطْبِ حَيْنُها
ونحوَ ذَلِك قَالَ اللَّيْث: وَهُوَ كلامُ الْعَرَب. وإبل مُحَيَّنة إذَا كَانَت لَا تُحْلَبُ فِي الْيَوْم واللَّيلة إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بعد مَا تَشُولُ، ويقلُّ أَلْبَانُها.
ابْن السكّيت عَن الفَرَّاء: هُوَ يَأْكُل الحِينَةَ، والحَيْنَة: أَي وَجْبَةٌ فِي الْيَوْم لأهل الْحجاز يَعْنِي الفتَح. وَيُقَال: حَان حِينهُ، وللنَّفْس قد حَان حِينُها إِذا هَلَكت، وَيُقَال تحيَّنْتُ رُؤيَةَ فلانٍ أَي تنظَّرْتُه.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْيَنَت الْإِبِل إِذا حَان لهَا أَن تُحْلَبَ أَو يُعكم عَلَيْهَا. وأَحْيَنَ القومُ، وَأنْشد:
كيفَ تنامُ بعدَ مَا أَحْيَنَّا
نوح: قَالَ اللَّيْث: النّوْحُ مصدر ناح يَنُوح نَوْحاً، وَيُقَال نائحةٌ ذَات نِيَاحَةٍ ونَوَّاحةٌ ذَات مناحة، والمَنَاحَةُ أَيْضا الاسمُ،
(5/165)

وَتجمع على المناحات والمناوح والنوائح اسْم يَقع على النّساء يجتمِعْن فِي مناحة وتجتمع على الأنواح قَالَ لبيد:
قُوما تجوبانِ مَعَ الأَنْوَاحِ
والنَّوَح: نَوْحُ الْحَمَامَة قَالَ: والرّياح إِذا اشْتَدَّ هُبُوبها يُقَال قد تناوحت، وَمِنْه قَول لبيد يمدح قومه:
وَيُكَللُونَ إِذا الرياحُ تَنَاوَحَتْ
خُلُجاً تُمَدُّ شَوَارِعاً أَيْتَامُها
قلت: والرياحُ النُّكْبُ فِي الشتَاء هِيَ المُتنَاوحة، وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تهُبّ من جِهَةٍ واحدةٍ وَلكنهَا تَهُبُّ من جِهَات مُخْتَلِفة وَسميت متناوحة لمقابلة بَعْضهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ فِي السَّنة الجدبة وقلّة الأَنْدية، ويُبْس الْهَوَاء وَشدَّة البرْد. والنوائح من النِّسَاء سمين نوائِحَ لمقابلة بَعضهنَّ بَعْضًا إِذا نُحْنَ، وَقَالَ الكسائيّ فِي قَول الشَّاعِر:
لقد صَبَرَتْ حَنِيفَةُ صَبْرَ قَوْمٍ
كِرَامٍ تحتَ أَظْلاَلِ النَّوَاحِي
أَراد النَّوائح فَقلب وَعنى بهَا الراياتِ المتقابلات فِي الحَرْبِ. قَالَ:
وَيُقَال هما جَبَلاَنِ يَتَنَاوَحان، وشجرتان تتَنَاوحان إِذا كَانَتَا متقابِلَتين، وَأنْشد غَيره:
كأنكَ سكرانٌ يَمِيلُ برأسِهِ
مُجَاجَةُ زِقَ، شَرْبُها مُتَنَاوِحُ
أَي يُقَابِلُ بعضُهم بَعْضاً عِنْد شرْبِها، وَقيل أَرَادَ بقوله تَحت أظلال النواحي السيوفَ.
أنح: قَالَ اللَّيْث: أَنَحَ يَأْنِحُ أَنِيحاً إِذا تأذّى من مَرَضٍ أَوْ بُهْرٍ يتَنَحْنَحُ فَلَا يَئِنُّ. وَفرس أَنُوحٌ إِذا جرى فزفر وَقَالَ العجَّاج:
جِرْيَةَ لاَ كَابٍ وَلَا أَنُوحِ
والأَنُوح مثل النَّحيطِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ صَوت مَعَ تَنَحْنُح. ورجلٌ أَنُوحٌ كثير التنحنح. وَقد أَنَحَ يَأنِحُ. قَالَه أَبُو عبيد. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الأنِحُ الَّذِي إِذا سُئِل الشيءَ يُنَحْنِحُ، وَذَلِكَ من البُخْلِ، يُقَال مِنْهُ: أَنَح يَأْنِحُ.
نيح: قَالَ اللَّيْث: النَّيْحُ اشتداد العظْمِ بعد رطُوبته من الْكَبِير وَالصَّغِير. نَاحَ يَنِيحُ نَيْحاً وَإنَّهُ لعظم نيّحٌ شديدٌ، ونَيَّح اللَّهُ عَظْمَهُ يدْعُو لَهُ.
أحن: أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الإحْنَةُ الحقدُ فِي الصَّدْرِ، وَقد أحِنْتُ عَلَيْهِ آحَنُ أَحَناً وآحَنْتُه مُؤاحَنَةً من الإحْنَةِ.
وَقَالَ اللَّيْث نحوَه. قَالَ: وَرُبمَا قَالُوا: حِنَةٌ. قلتُ حِنَةٌ لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب وَأنكر الأصمعيُّ والفرّاءُ وَغَيرهمَا حِنَةٌ وَقَالا الصَّوَاب إِحْنَةٌ وَجَمعهَا إِحَنٌ.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب أَحِنَ عَلَيْهِ وَوَحِن من الإحْنَة.
وحن: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الاعرابيّ أَنه قَالَ التوحُّن عِظَمُ البَطْنِ قَالُوا والوَحْنَةُ الطين المزلّق قَالَ والتوحّن الذُّلّ والهلاك. والنوْحَةُ الْقُوَّة، قلت وَهِي النيْحَةُ أَيْضا.

(بَاب الْحَاء وَالْفَاء)
(ح ف (وايء))
حفا، حاف، فحا، فاح، وحف.
حفا: قَالَ ابْن المظفر: الحِفْوَةُ والحَفَا مصدرُ الحَافي، يُقَال حَفِيَ يَحْفي إِذا كَانَ بِغَيْر
(5/166)

خُفَ وَلَا نعلٍ، وَإِذا انسحجت الْقدَم أَو فِرْسَنُ البعيرِ أَو الحافرُ من الْمَشْي حَتَّى رقَّت قيل حَفِيَ يَحْفَى فَهُوَ حفٍ وَأنْشد:
وَهْوَ مِنَ الأَيْنِ حَفٍ نَحِيتُ
وأَحْفَى الرجلُ إِذا حَفِيَتْ دابَّتهُ. وَقَالَ الزّجّاج الحَفَا مقصورٌ أَن يكثُر عَلَيْهِ الْمَشْي حَتَّى يُؤلِمَه المشيُ. قَالَ: والحَفَاء ممدودٌ أَن يمشي الرجل بِغَيْر نعلٍ، حافٍ بيّن الحفاءِ ممدودٌ وحفٍ بيّن الْحَفَا مقصورٌ إِذا رقّ حافِرُه.
ورُوِيَ عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر بإحفاء الشَّوارب وإِعْفَاءِ اللحَى.
قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الأصمعيُّ: أَحْفَى شَاربَه ورَأْسَه إِذا ألزق جَزّه. قَالَ. وَيُقَال: فِي قَول فلَان إحْفَاءٌ وَذَلِكَ إِذا أَلْزَق بك مَا تَكْرَهُ وأَلَحّ فِي مساءَتِك كَمَا يُحَفَّى الشيءُ أَي ينتقص.
وَقَالَ الْحَارِث بن حِلّزة:
إنَّ إِخْوَاننَا الأَرَاقِمَ يَعْلُونَ
علينا، فِي قِيْلِهِمْ إحفَاءُ
أَي يقعون فِينَا.
وَقَالَ اللَّيْث: أحفى فلانٌ فلَانا إِذا برَّح بِهِ فِي الإلحاف عَلَيْهِ أَو مُسَاءلة فَأكْثر عَلَيْهِ فِي الطّلب. قلت: الإحفاءُ فِي المسألَةِ مثلُ الإلحاف سَوَاء وَهُوَ الإلحاح. وَقَالَ الْفراء: {أَمْوَالَكُمْ ؤإِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} (محَمَّد: 37) أَي يُجهدْكم، وأَحَفَيْتُ الرجلَ إِذا أجهدْته وَكَذَلِكَ قَالَ الزّجاج. وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} (الأعرَاف: 187) فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير مَعْنَاهُ يَسْأَلُونَك عَنْهَا كأنّك حَفِيٌّ بهَا. قَالَ وَيُقَال فِي التَّفْسِير كَأَنَّك حفِيّ كأنَّكَ عَالمٌ بهَا، مَعْنَاهُ حافٍ عالِمٌ.
وَيُقَال تحافَيْنَا إِلَى السُّلْطَان فرفَعَنا إِلَى القَاضِي، قَالَ: وَالْقَاضِي يُسمى الحَافِيَ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الْمَعْنى يَسْأَلُونَك عَن أَمْرِ الْقِيَامَة كَأَنَّك فَرِحٌ بِسُؤالهم، يُقَال قد تحفّيْتُ بفلان فِي المسألَةِ إِذا سَأَلت بِهِ سؤالاً أظْهَرْت فِيهِ المحبَّة والبِرَّ، قَالَ: وَقيل {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} كَأَنَّك أكثرْتَ الْمَسْأَلَة عَنْهَا. وأمَّا قَوْله جلّ وعزّ: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} (مريَم: 47) فَإِن الفرّاء قَالَ مَعْنَاهُ كَانَ بِي عَالِما لَطيفاً يُجيب دُعَائي إِذا دعوْتُه. قَالَ أَبُو بكر: يُقَال تحفى فلانٌ بفلانٍ مَعْنَاهُ أنَّه أظهر الْعِنَايَة فِي سُؤاله إيّاه، يُقَال: فلانٌ بِهِ حَفِيٌّ إِذا كَانَ معنِيَّاً، وَأنْشد:
فَإنْ تَسْأَلِي عَنّي فَيَارُبَّ سائِلٍ
حَفِيَ عَن الأعْشى بهِ حيثُ أَصْعَدَا
مَعْنَاهُ مَعْنِيٌّ بالأعْشى وبالسؤال عَنهُ، وَقَالَ فِي قَوْله: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} مَعْنَاهُ كأَنَّك مَعْنِيٌّ بهَا، وَيُقَال: الْمَعْنى يَسْأَلُونَك كأنَّك سائِلٌ عَنْهَا، قَالَ وَقَوله: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} مَعْنَاهُ كَانَ بِي مَعْنِيّاً.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: يُقَال لقِيت فُلاناً فَحَفِيَ بِي حَفَاوَةً. وتحفّى بِي تحفياً، وَيُقَال حَفِيَ اللَّهُ بك فِي معنى أكْرَمك اللَّهُ. والتَّحَفي الكلامُ واللقاءُ الْحسن. وحَفِيَ من نَعْله وخُفه حُفْوَةً وحِفْيَةً وحَفَاوَةً، وَمَشى حَتَّى
(5/167)

حَفِي حَفاً شَدِيدا، وأحفاه الله وتَوَجّى من الحَفَا وَوَجِي وَجىً شَدِيدا.
وَقَالَ الزجَّاج فِي قَوْله: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} مَعْنَاهُ لطيفاً يُقَال: حَفِيَ فُلانٌ بفلانٍ حُفْوَة إِذا برّه وأَلْطَفَه.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَفِيُّ هُوَ اللَّطِيف بك يَبَرُّك ويُلطفك ويَحتفي بِكَ.
وَقَالَ الأصمعيّ: حَفِيَ فُلانٌ بفلان يَحْفَى بِهِ حَفَاوَة إِذَا قَامَ فِي حاجَتِه وأَحْسَنَ مَثْوَاهُ. وَيُقَال: حَفَا فُلانٌ فُلاناً من كل خَيْر يَحْفوه إِذا مَنَعَه من كلّ خير.
ثعلبٌ عَن ابْن الأعرابيّ: قَالَ الحَفْوُ: المَنْعُ، يُقَال أَتاني فَحَفَوْتُه أَي حرمتُه. وعطس رجل عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق ثَلَاث فَقَالَ لَهُ النَّبِي: حَفَوْتَ، يَقُول: منَعْتَنَا أَن نشمتَكَ بعد الثلاثِ. قَالَ: وَمن رَوَاهُ: حَقَوْت، فَمَعْنَاه شدّدت علينا الأمْرَ حَتَّى قطعْتنا مَأْخُوذ من الحِقْو لِأَنَّهُ يقطع الْبَطن ويشدّ الظّهْر.
وَفِي حَدِيث الْمُضْطَر الَّذِي سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَتى تحل لنا المَيْتة؟ فَقَالَ: مَا لم تَحْتَفِئُوا بهَا بَقْلاً فشأنَكم بهَا.
قَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ من الحَفَأ مَهْمُوز مقصورٌ وَهُوَ أصل البَرْدِيّ الرطْب الأبيضِ مِنْهُ، وَهُوَ يُؤْكَل، فتأوَّله فِي قَوْله تحْتَفِئوا يَقُول: مَا لم تَقْتَلِعُوا هَذَا بعيْنه فتأكلوه.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَفَأُ: البرديّ الأخْضَرُ، مَا كَانَ فِي منبته كثيرا دائِماً، والواحدة حَفأَةٌ، وَأنْشد:
أَو ناشِىء البَرْدِيّ تَحت الحَفا
ترك فِيهِ الْهَمْز قَالَ واحتَفَأْتُ أَي قلعت قلت: وَهَذَا يقرب من قَول أبي عُبَيْدَة ويقوّيه قَالَ أَبُو سعيد فِي قَوْله أَو احْتَفِنُوا بَقْلاً فشأْنَكُم بهَا، صوابُه تَحْتَفُوا بتَخْفِيف الْفَاء، وكل شَيْء استُؤصل فقد احتُفِيَ، وَمِنْه إحفاءُ الشّعْر. قَالَ: واحتفى البقْلَ إِذا أَخَذَهُ من وجْه الأَرْض بأطراف أَصَابِعه من قِصَرِه وقِلَّته، قَالَ: وَمن قَالَ احْتَفِئُوا بِالْهَمْز من الحَفَأ البَرْدِيّ فَهُوَ بَاطِل لأنّ البَرْدِيّ لَيْسَ من البَقْل، والبُقُولُ مَا نَبَت من العُشْبِ على وَجه الأَرْضِ مِمَّا لَا عِرْق لَهُ قَالَ: وَلَا بَرْدِيّ فِي بِلَاد العَرَبِ، قَالَ والاجْتِفَاءُ أَيْضا فِي هَذَا الحَدِيث بَاطِل لِأَن الاجتفاء كبُّك الْآنِية إِذا جفأَته وَقَالَ خَالِد بن كُلْثوم: احتفى الْقَوْم المرعى إِذا رعَوه فَلم يتْركُوا مِنْهُ شَيْئا قَالَ وَفِي قَول الْكُمَيْت:
وشُبه بالحفْوَةِ المُنْقَلُ
أَن ينتقلَ القومُ من مَرْعىً احْتَفَوْه إِلَى مرعىً آخرَ.
أَبو عبيد عَن الْأَصْمَعِي حَفَّيْتُ إِلَيْهِ فِي الْوَصِيَّة بَالَغْتُ قَالَ: تحفّيْتُ بِهِ تَحَفياً، وَهُوَ المُبَالَغَةُ فِي إكْرَامه.
أَبُو زيد: حافَيْتُ الرجل محافاة إِذا نازعته الْكَلَام وماريتَه. والحفْوَةُ الحَفَا وَتَكون الحِفْوَة من الحافي الَّذِي لَا نعل لَهُ وَلَا خُفّ. وَمِنْه قَول الْكُمَيْت:
وشُبه بالحِفْوَةِ المُنْقَلُ
فحا: أَبُو العبّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الفَحِيّةُ الحَسَاءُ، عَمْرو عَن أَبِيه هِيَ
(5/168)

الفَحْيَةُ، والفَأْرَةُ والفَئِيرَة والحرِيرَةُ لِلْحَسْوِ الرَّقِيق.
وَقَالَ اللَّيْث: الفَحْوَى معنى مَا يُعْرَفُ من مذْهَبِ الْكَلَام، تَقول أعرف ذَلِك فِي فَحْوَى كلامِه وَإنَّهُ لَيُفَحي بِكَلَامِهِ إِلى كَذَا وَكَذَا.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب أنّه قَالَ: يُقَال فِي فَحْوَى كلامِه أَي مَعْنَاهُ وفَحْواءِ كَلَامه وفُحَوَاءِ كلامِه. قَالَ: وَكَأَنَّهُ من فَحَّيْتُ القِدْر إِذا ألقَيْتَ فِيهَا الأَفْحَاءَ وَهِي الأبْزَارَ.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ وَاحِد الأفحاء فِحىً وفَحىً.
وَقَالَ ابْن السّكيت: الفَحَى الأبزَارُ، وَجمعه الأفْحَاءُ وَالْبَاب كُله بِفَتْح أَوله مثل الحَشَا: الطرَف من الأطْراف والقفا والرَّحَى والوغَى والشَّوَى.
فوح فيح: قَالَ اللَّيْث: الفَوْحُ وِجْدَانُكَ الريحَ الطيبَة، تَقول: فَاحَ المِسْكُ، وَهُوَ يَفُوح فَوْحاً وفُؤُوحاً.
وَقَالَ الأصمعيّ: فاحَتْ ريحٌ طيبَة وفاخَت بِالْحَاء وَالْخَاء بِمَعْنى واحدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللحياني.
وَقَالَ الفرَّاء فاحت رِيحه وفاخت فأَمَّا فاخت فَمَعْنَاه أَخَذَتْ بِنَفْسه، وفاحتْ دُونَ ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو زيد: الفَوْحُ من الرّيح والفَوْحُ إِذا كَانَ لَهَا صوتٌ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فاح الطيبُ يفوح فَوْحاً إِذا تضوّع وانتشرتْ رِيحُه، وفاحت الشَّجَّةُ فَهِيَ تَفِيح فَيْحاً إِذا نَفَحَتْ بِالدَّمِ.
وَقَالَ أَبُو زيد: فاحت القِدْرُ تَفيح فَيْحاً وفَيَحَاناً، وَلَا يُقَال فَاحَتْ رِيحٌ خبيثةٌ. إِنَّمَا يُقَال للطيبَةِ فَهِيَ تَفِيحُ. قَالَ: وفاحت القِدْرُ إِذا غَلَتْ وفاحَتْ ريحُ الْمسك فيحاً وفيحاناً وَقَالَ اللَّيْث الفيح سطوع الحَرّ وَفِي الحَدِيث: (شدَّة الحرّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ) .
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: أَرِقْ عَنْك من الظَّهِيرَة، وأهْرِقْ وأهرىء وأَبِخْ وبخبخ وأَفِح إِذا أمرْتَه بالإبرَاد، وَكَانَ يُقَال للغارة فِي الْجَاهِلِيَّة فِيحِي فَيَاحِ وَذَلِكَ إِذا دُفِعت الْخَيل المغيرةُ فاتّسعت.
وَقَالَ شمر: فِيحِي: اتّسعي وَأنْشد قَول الشَّاعِر:
شَدَدْنَا شدَّةً لَا عَيْبَ فِيها
وقُلْنا بالضُّحى فِيحِي فَيَاحِ
وَقَالَ اللَّيْث: الفيحُ والفيوحُ خِصْب الرّبيع فِي سَعَة الْبِلَاد وأَنشد:
يَرْعى السحابَ العهدَ والفُيُوحَا
قلت وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي والفَتُوحا بِالتَّاءِ قَالَ والفَتْحُ والفَتُوح من الأمْطارِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَقد مرّ فِي الثلاثي الصَّحِيح.
وَقَالَ اللَّيْث: الفيحُ مصدر الأفيح وَهُوَ كل مَوضِع وَاسع، تَقول رَوْضَة فَيْحَاءُ ومكَان
(5/169)

أَفْيَح وَقد فَاحَ يَفَاحُ فَيَحاً، وَقِيَاسه فَيحَ يَفْيَحُ.
قلت: وَقَوْلهمْ للغارة: فِيحِي فَيَاحِ، الغارَةُ هِيَ الخيلُ المُغيرةُ تَصْبَحُ حيّاً نَازِلِينَ، فَإِذا أَغَارَتْ على ناحيةٍ من الحيّ تَحَرَّزَ عُظْمُ الْحَيّ ولجئوا إِلَى وَزَرٍ يعوذُون بِهِ، وَإِذا اتسعوا وانتشروا أحرَزُوا الحيّ أَجْمَع، وَمعنى فِيحِي أَي انتشري أَيَّتُها الخيلُ المُغِيرَةُ، وسمّاها فَيَاحِ لِأَنَّهَا جماعةٌ مُؤَنّثَة خرجت مَخْرَج قطامِ وحَذَامِ وكَسَابِ وَمَا أشبههَا.
وناقةٌ فيَّاحةٌ إِذا كَانَت ضخمةَ الضّرع.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَو ملكت الدُّنْيَا لفيَّحْتُها فِي يومٍ وَاحِد أَي أنفقتها وفرّقتها. وَرجل فَيَّاحٌ نَفَّاحٌ: كثير العطايا.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: أفاح الدماءَ أَي سَفَكَها، وفَاح الدمُ نفسُه، ونَحْوَ ذَلِك.
قَالَ أَبُو زيد، وَأنْشد:
إلاَّ دِيَاراً أَوْ دَماً مُفَاحاً
شمر: كُلُّ شَيْء واسعٍ فَهُوَ أَفْيَحُ وفَيَاحٌ وفيَّاح. وَيُقَال فِي جمع الأَفْيَحِ فِيحٌ، وناقة فَيَّاحَةٌ ضخمةُ الضَّرْعِ غزيرة اللَّبن وَقَالَ:
قد يمنح الفياحة الرفودا
يحسبها حالبها صعُودًا
حوف حيف: قَالَ اللَّيْث: الحَوْفُ الْقرْيَة فِي بعض اللُّغَات، وَجمعه الأحواف، قَالَ: والحَوْفُ بلغَة أَهْلِ الجَوْفِ وأَهْلِ الشحْر كالْهَوْدَجِ وَلَيْسَ بِهِ، تركَبُ بهِ المرأةُ البعيرَ.
شمر: الحَوْفُ إزَارٌ من أَدَمٍ يلبَسُه الصّبيان، وَجمعه أَحْوَافٌ.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: هُوَ الحَوْف فِي لُغَة أهْلِ الْحجاز، وَهُوَ الوَثْر وَهِي نُقْبَةٌ من أَدَمٍ تُقَدُّ سيوراً عَرْضُ السيْر أربعُ أَصَابِع تلْبَسُه الجاريةُ الصغيرةُ قبل إِدْرَاكهَا وَأنْشد:
جَارِيَة ذَات هنٍ كالنَّوْفِ
مُلَمْلَمٍ تَسْتُرُه بِحَوْفٍ
يَا لَيْتَني أَشِيمُ فِيهِ عَوْفِي
وَقَالَ اللَّيْث: الحافان عِرْقان أَخْضَرَان من تَحت اللِّسَان، وَالْوَاحد حَافٌ، خفيفٌ. قَالَ: وناحيةُ كل شَيْء حَافَتُه وَمِنْه حافَتَا الْوَادي، وتصغيره حُوَيْفَةٌ.
وَقَالَ الْفراء: تحَوَّفْتُ الشيءَ أخذتُه من حَافَتِه قَالَ وتخوَّفْتُه بِالْخَاءِ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ غَيره: حِيفَةُ الشيءِ ناحِيتُه، وَقد تحيّفْتُ الشيءَ أخذتُه من نَواحيه.
والحَيْفُ المَيْلُ فِي الحكم، يُقَال: حَاف يحِيف حَيْفاً.
وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: يُرَدُّ من حَيْفِ النّاحل مَا يُرَدُّ من جَنَفِ المُوصِي، وحَيْفُ النَّاحل أَن يكون للرجل أولادٌ فَيُعطِي بَعْضًا دونَ بعض، وَقد أُمِرَ بِأَن يُسَوي بينَهُم، فَإِذا فضَّل بعضَهم فقد حَاف. وَجَاء بَشِيرٌ الأنصاريُّ بابْنِه النُّعْمانِ بْنِ بشير إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد نَحَلَه نَحْلاً وأرَادَ أَن يُشهِدَه عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: أَكُلَّ وَلدكَ قد نَحَلْتَ مثله؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ إِنِّي لَا أشْهَدُ على حَيْفٍ وتُحِبُّ أَن يكون أولادُك فِي بِرك سَوَاء فسو بينَهُم فِي العطاءِ، هَذَا حَيْفٌ.
(5/170)

وَقَالَ اللَّهُ جلّ وعزّ: {أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} (النُّور: 50) أَي يجور.
وحف: قَالَ اللَّيْث: الوَحْفُ: الشعَر الكثيرُ الأسودُ، وَمن النَّبَات الرَّيَّان. يُقَال وَحُف يَوْحُف وَحَافَةً ووُحوفَةً.
شمر: قَالَ ابنُ شُمَيْل: قَالَ أَبُو خَيرة: الوحْفَةُ القَارَةُ مثل القُنَّة غبراءُ وحَمْرَاءُ تضرِبُ إِلَى السوَاد. قَالَ: والوِحَافُ جماعةٌ.
وَقَالَ رؤبة:
وعَهْدِ أطْلاَلٍ بِوادِي الرَّضْمِ
غَيَّرَها بَيْنَ الوِحَافِ السُّحْمِ
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الوِحَافُ مَا بَين الأرْضَيْنِ مَا وصل بعضُه بَعْضًا وَأنْشد للبيد:
مِنْهَا وِحَافُ القَهْرِ أَو طِلْحَامُها
قَالَ: والوَحْفَاءُ الحمراءُ من الأرضِ والمَسْحَاءُ السوداءُ.
وَقَالَ بَعضهم: المَسْحَاءُ الحمْراءُ، والوحْفَاءُ السودَاءُ.
وَقَالَ الْفراء: الوحْفَاءُ الأرْضُ فِيهَا حِجَارَةٌ سودٌ وَلَيْسَت بِحَرَّةٍ، وَجَمعهَا وَحَافَى.
أَبُو عبيدٍ عَن أبي زيد: الوحْفَةُ الصَّوْت، وَيُقَال وَحَفَ الرجل ووحَّف إِذا ضرب بِنَفْسه الأرضَ، وَكَذَلِكَ البعيرُ. والمَوْحِفُ الْمَكَان الَّذِي تبْرُك فِيهِ الْإِبِل، وناقة مِيحَافٌ إِذا كَانَت لَا تفارِقُ مَبْرَكَها، وإبل مَوَاحِيفُ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَحَفَ فلانٌ إِلَى فلانٍ إِذا قصدَه وَنزل بِهِ، وَأنْشد فِي ذَلِك:
لَا يَتَّقِي اللَّهَ فِي ضَيْفٍ إِذا وَحَفَا
قَالَ: وأَوْحَفَ وأَوْجَفَ ووَحَفَ ووَحّف، كُله إِذا أَسْرَع.

(بَاب الْحَاء وَالْبَاء)
(ح ب (وايء))
حبا حبأ، حاب، باح (بوح) ، حوأب، بيح (بياح) .
حبا: قَالَ اللَّيْث: الصَّبِي يَحْبُو قبل أَنْ يَقُومَ، وَالْبَعِير إِذا عُقِلَ يَحْبُو فَيَزْحَفُ حَبْواً. وَيُقَال: مَا نجا فلانٌ إِلَّا حَبْواً، وَيُقَال: حَبَت الأضْلاَعُ إِلَى الصُّلْبِ وَهُوَ اتصالُها، وَيُقَال للمسايل إِذا اتّصل بعضُها ببعضٍ حَبَا بعضُها إِلَى بعضٍ وَأنْشد:
تَحْبُو إِلى أَصْلابِهِ أمعاؤُه
وَقَالَ أَبُو الدُّقَيْش: تَحْبُو: هَاهُنا: تتَّصِل، قَالَ والمِعَى كُلُّ مِذْنَبٍ بقرار الحضِيض وَأنْشد:
كأنَّ بينَ المِرْطِ والشُّفُوفِ
رَمْلاً حَبَا مِنْ عَقَد العَزِيفِ
والعزيف من رِمال بني سعد.
وَقَالَ العجّاج فِي الضلوع:
حَابِي الحُيُودِ فَارِضُ الحُنْجُورِ
يَعْنِي اتصَالَ رؤوسِ الأضْلاَعِ بعضِها بِبَعْضٍ. وَقَالَ أَيْضا:
حَابِي حُيُودِ الزَّوْرِ دَوْسَرِي
الدوسريُّ الجريء الشَّديد
وبَنُو سعدٍ يُقَال لَهُم دَوْسَرُ. قَالَ: والحُبْوَة الثَّوْب الَّذِي يُحتبى بِهِ وَجَمعهَا حُبىً.
(5/171)

أَبُو عبيد عَن الفرّاء يُقَال حُبْيَةٌ وحَبْوَةٌ. وَقد احتبى بثوبِه احتباءً.
وَالْعرب تَقول: الحُبَى حيطانُ الْعَرَب. وَقد يَحْتَبي الرجل بيدَيْهِ أَيْضا.
أَبُو بكر: الحِبَاءُ مَا يَحْبُو بِهِ الرجل صَاحبه ويُكرمه بِهِ. قَالَ: والحِبَاءُ من الاحْتباءِ، وَيُقَال فِيهِ الحُباءُ بِضَم الْحَاء، حَكَاهُمَا الكسائيّ، جَاءَ بهَا فِي بَاب الْمَمْدُود.
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فلَان يَحْبُو قَصَاهُم ويحوط قَصَاهُم بِمَعْنى، وَأنْشد:
أَفْرِغْ لِجُوفٍ وِرْدُها أَفْرَادُ
عَبَاهِلٍ عَبْهَلَهَا الوُرَّادُ
يحبُو قَصَاهَا مُخْدِرٌ سِنَادُ
أَحْمَرُ مِنْ ضِئْضِئِها مَيَّادُ
سنادٌ مشرِفُ وميَّادٌ يذْهَبُ ويجِيءُ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الحابِي من السهامِ الَّذِي يَزْحَفُ إِلَى الهدَفِ إِذا رُمِيَ بِهِ. قَالَ والحَبِيُّ من السحابِ الَّذِي يعْتَرِض اعتراضَ الجَبَل قبل أَن يُطبق السماءَ.
وَقَالَ اللَّيْث الحَبِيُّ سحابٌ فَوق سحابٍ.
قَالَ: وَيُقَال للسفينة إِذا جرت حَبَتْ، وَأنْشد:
فَهْوَ إِذا حَبَا لَهُ حَبِيُّ
وَيُقَال: حَبَا لَهُ الشيءُ إِذا اعترضَ، فَمَعْنَى إِذا حَبا لَهُ أَي اعْترض لَهُ مَوْجٌ. قَالَ والحِبَاءُ عَطاءٌ بِلَا مَنّ وَلَا جزاءٍ، تَقول حَبَوْتُه أَحْبُوه حِبَاءً، وَمِنْه اشْتَقَّت المُحَابَاةُ، وَأنْشد:
أصْبِرْ يَزِيدُ فقدْ فَارَقْتَ ذَامِقَةٍ
واشكُرْ حِبَاءَ الّذي بالمُلْكِ حَابَاكا
وَجعل المهلْهِلُ مهرَ المرْأَةِ حِبَاءً، فَقَالَ:
أَنْكَحَها فَقْدُها الأَراقِمَ فِي
جَنْبٍ وَكَانَ الحِبَاءُ من أَدَمِ
أَرَادَ أَنهم لم يَكُونُوا أَرْبَاب نَعَمِ فَيُمْهِرُوها الْإِبِل، وجعلهم دَبَّاغِين للأَدَمِ.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد هُوَ يَحْبُو مَا حَوْلَه أَي يَحْمِيه ويَمْنَعُه.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
وراحَتِ الشَّوْلُ وَلَمْ يَحْبُها
فَحْلٌ وَلم يَعْتَسَّ فِيهَا مُدِرّ
أَي لم يطف فِيهَا حَالِبٌ يَحْلِبها.
قَالَ أَبُو عبيد، وَقَالَ الكسائيُّ حبا فلانٌ للخمسين إِذا دَنَا لَها.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: حَبَاهَا وحَبَا لَها أَي دنَا لَها.
وَقَالَ غَيره: حبا الرمْلُ يحبو إِذَا أَشْرَف مُعْتَرضاً فَهُوَ حابٍ.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الحَبْوُ اتساعُ الرمْلِ، والحبو امتلاءُ السَّحَابِ بالماءِ، وَيُقَال رَمَى فَأَحْبَى أَي وقَع سَهْمهُ دونَ الغَرَضِ، ثمَّ تَقَافَزَ حَتَّى يُصيبَ الغرضَ.
وَمن المهموز:
حبأ: أَبُو عبيد عَن الْكسَائي أحْبَاءُ المَلِك الْوَاحِد حَبَأٌ على مِثَال نَبَإِ مَهْمُوز مَقْصُور، وهم جُلَساءُ الْملك وخاصَّته.
وَقَالَ اللَّيْث الحَبَأَةُ لوحُ الإسكاف المستدير وَجَمعهَا حَبَوَات قلت هَذَا تَصْحِيف فَاحش
(5/172)

وَالصَّوَاب الجَبْأَةُ بِالْجِيم وَمِنْه قَول الْجَعْدِي:
كجبْأَة الخَزَمِ
سَلمَة عَن الْفراء الحابِيَانِ الذئبُ والجرادُ. قَالَ وحبا الْفَارِس إِذا خَفق وَأنْشد:
نحبو إِلَى الموْت كَمَا يَحْبُو الْجمل
حوب: اللَّيْث: الحَوْبُ زَجْرُ البَعِيرِ لِيَمْضِي وللناقة حَلٍ. وَالْعرب تجرّ ذَلِك وَلَو رُفِع أَو نُصِبَ لَكَانَ جَائِزا لِأَن الزَّجْرَ والحكاياتِ تُحرَّك أواخرُها على غير إعرابٍ لازمٍ، وَكَذَلِكَ الأدواتُ الَّتِي لَا تتمَكَّنُ فِي التَّصْرِيف، فَإِذا حُول من ذَلِك شَيْء إِلَى الأسماءِ حُمِلَ عَلَيْهِ الألفُ واللاَّمُ، وأُجْرِي مُجْرَى الأسماءِ كَقَوْلِه:
والحَوْبُ لمّا لم يَقُلْ والحَلُ
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ يُقَال للبعيرِ إِذا زجرته: حوْبَ وحوبِ وحَوْبُ، وللناقة حَلْ جزمٌ وحلٍ وحَلِي.
وَقَالَ غَيره: حَوَّبْتُ بِالْإِبِلِ من الحَوْب. وَحكى بعضُهم حَبْ لاَ مَشَيْتَ وحَبٍ لَا مشيتَ وحَابِ لَا مَشيتَ وحَابٍ لَا مشيتَ.
وَقَالَ اللَّيْث الحَوْب الضخم من الْجمال وأنشدنا:
وَلَا شَرِبَتْ فِي جِلْدِ حَوْبٍ مُعَلَّبِ
المعلَّبُ الَّذِي شُدَّ بالعلباء وَيُقَال: أَرَادَ الَّذِي اتُّخِذ عُلْبةً يُشْرَبُ فِيهَا، وَهَذَا أَجود.
وَقَالَ غَيره: سُميَ الجَمَلُ حَوْباً بزجره كَمَا سمّي الْبَغْل عَدَساً بِزَجْرِه.
قَالَ الراجز:
إِذا حَمَلْتُ بِزَّتِي على عَدَسْ
على الَّتِي بَين الحِمَارِ والفَرَسْ
فَمَا أُبالي من غَزَا ومَنْ جَلَسْ
وسَمَّوا الْغُرَاب غاقاً بِصوته.
اللَّيْث: الحَوْبةُ والحَوْبُ الإيوانُ. والحَوْبَةُ أَيْضاً رِقَّةُ الأُم وَمِنْه:
لحوبة أُمَ مَا يَسُوغُ شَرَابُها
قَالَ والحَوْبَةُ الْحَاجة. والمُحَوَّبُ الَّذِي يَذْهَبُ مَاله ثمَّ يعود. والحُوب الْإِثْم. وحاب حَوْبةً. والحَوْباء رُوع القلْب. شمر: عَن سَلمَة عَن الفرّاء قَالَ هما لُغَتَان فالحُوب لأهلِ الْحجاز والحَوْب لتميم، ومعناهما الْإِثْم. قَالَ وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: الحُوبُ الغَمُّ والهَمُّ والبلاءُ.
وَقَالَ خَالِد بن جَنْبة: الحُوبُ الوَحْشَةُ. وَقَالَ فِي قَوْله إنّ ظلم أُم أيوبُ لحُوبٌ أَي وَحْشَة وَأنْشد:
إنَّ طَرِيقَ مِثْقَبٍ لَحُوْبُ
أَي وعثٌ صعْبٌ وَقَالَ فِي قَول أبي دواد الإياديّ:
يَوْمًا ستُدْرِكُهُ النَّكْبَاءُ والحُوب
أَي الوحْشَة. وَقَالَ أَبُو زيد الحُوب النَّفس. أَخْبرنِي المنذريّ عَن ثعلبٍ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال عيالُ ابْنِ حَوْبٍ، قَالَ: وَالْحوب الجهدُ والشدة، ودعا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (رَب تقبَّلْ تَوْبَتِي واغسل حَوْبتي) .
قَالَ أَبُو عُبيد: حَوْبَتي يَعْنِي المأثَمَ، وَهُوَ من قَوْله جلَّ وعزَّ: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النِّسَاء: 2) قَالَ وكُلُّ مأثَمٍ حُوبٌ وحَوْبٌ،
(5/173)

والواحدة حَوْبَةٌ، وَمِنْه الحديثُ الآخَرُ. إِن رجُلاً أَتَى النَّبيَّ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكَ لأُجَاهِدَ مَعَك، قَالَ أَلَك حَوْبةٌ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَفِيها فَجَاهِدْ.
قَالَ أَبُو عبيد يُرِيد بالحُوْبة مَا يأثَمُ بِهِ إِن ضيَّعَهُ من حُرمَةٍ.
قَالَ وَبَعض أهل الْعلم يتأوّله على الْأُم خَاصَّة، وَهِي كل حُرْمَةٍ تَضِيعُ إِن تَرَكَها مِنْ أُمَ أَوْ أُخْتٍ أَو بِنْتٍ أَو غيرِها.
وَقَالَ أَبُو زيد لي فيهم حَوْبَةٌ إِذا كَانَت قَرابةً من قبَلِ الأُم، وَكَذَلِكَ كل رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَقَالَ الأصمعيّ يُقَال: بَات فلَان بِحِيبَةِ سَوءٍ إِذا باتَ بِشدّة وَحَال سيّئة.
وَيُقَال فلَان يتحوَّبُ من كَذَا وَكَذَا أَي يتغيَّظ مِنْهُ ويتوجَّع، وَقَالَ طفيلٌ الغَنَوي:
فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاةَ مُحَجَّرٍ
مِنَ الغَيْظِ فِي أكْبَادِنَا والتَّحَوُّبِ
قَالَ أَبُو عبيد: التحوُّب فِي غير هَذَا التأَثُّمُ أَيْضا من الشَّيْء وَهُوَ من الأوَّلِ، وَبَعضه قريب من بعْضٍ.
قَالَ أَبُو عبيد: والحَوْبَاءُ النفْس ممدودةٌ ساكنةُ الْوَاو. والحابُ والحُوب الْإِثْم مثل الجَال والجُول. ويقَال تحوّب فلَان إِذا تعبّد كأَنَّه يُلقي الحُوبَ عَن نَفْسِه، كَمَا يُقَال تأَثَّمَ وتحنَّث إِذا ألْقَى الحنْثَ عَن نَفسه بِالْعبَادَة.
وَقَالَ الْكُمَيْت وَذكر ذئباً سقَاهُ وأطعمه:
وصُبَّ لَهُ شَوْلٌ من المَاء غائر
بِهِ كَفَّ عَنْهُ الحِيبَةَ المُتَحَوبُ
والحيبة مَا تتأَثَّمُ مِنْه. والحُوب الهلاكُ وَقَالَ الهذليّ أَو المهذلية أَظُنهُ لامْرَأَة مِنْهُم:
وكُلُّ حِصْنٍ وَإِنْ طالَتْ سَلاَمَتُه
يَوْمًا سيدْخُلُه النَّكْرَاءُ والْحُوبُ
أَي كُلُّ امْرِىءٍ هَالِكٍ وَإِن طَالَتْ سلامَتُه.
أَبُو عبيد يُقَال أَلْحَقَ الله بك الحَوْبَةَ، وَهِي الحاجةُ والمسكنة والفَقْر.
وَقَالَ ابْن شُمَيْلٍ: إليكَ أَرْفَعُ حَوْبَتِي أَي حاجَتِي. والحَوْبَةُ الحاجةُ، وحَوْبَةُ الأُم على الوَلد تَحَوُّبها ورقَّتُها وتوجُّعُها.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحَوْبَةُ الهَمُّ وَالْحَاجة وَكَذَلِكَ الحِيْبَةُ، وَقَالَ الهذليّ:
ثُمَّ انْصَرَفْتَ وَلَا أَبُثُّكَ حِيْبَتِي
رَعِشَ العِظَامِ أَطِيشُ مَشْيَ الأصْوَرِ
قَالَ: وَيُقَال: نرفع حَوْبَتَنَا إِلْيكَ أَي حاجتَنَا.
ابْن السّكيت عَن أبي عُبَيْدَة، يُقَال لي فِي فلَان حَوْبَةٌ وبعضُهم يَقُول حِيبَةٌ، وَهِي: الأُمُّ أَو الأُخْتُ أَو البِنْتُ، وَهِي فِي مَوضِع آخر الهَمُّ والحاجَةُ وَأنْشد بيتَ الهذليّ.
وروى شمر بإسنادٍ لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (الرِّبَا سَبْعُونَ حَوْباً أيسرها مثل وُقُوع الرجل على أمه وأربى الرِّبَا عِرْض الْمُسلم) . قَالَ شمر: قَوْله (سَبْعُونَ حوباً) كأَنه سَبْعُونَ ضَرْباً من الْإِثْم. يُقَال سَمِعت من هَذَا حَوْبَيْن، ورأيْتُ مِنْه حَوْبَيْنِ. أَي فنَّيْنِ وضَرْبَيْنِ.
وَقَالَ ذُو الرُّمَّة:
(5/174)

تَسْمَعُ فِي تَيْهاية الأفْلاَلِ
حَوْبَيْنِ من هَماهِمِ الأغْوَالِ
أَي فَنَّيْنِ وضَرْبَيْنِ، وَرُوِيَ بَيت ذِي الرُّمَّةِ بِفَتْح الْحَاء.
قَالَ الفرّاء: وَرَأَيْت بني أَسَدٍ يَقُولُونَ الحائبُ القاتلُ، وَقد حابَ يَحوبُ.
وَقَالَ الفرَّاء: قَرَأَ الحَسَنُ {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النِّسَاء: 2) وَقَرَأَ قَتَادَة (حُوباً) وهما لُغَتَانِ، الضَّمُّ لأهل الحجازِ وَالْفَتْح لتَميمٍ.
حوأب: قَالَ الليثُ حافِرُ حَوْأَبٌ وَأْبٌ مُقَعّبٌ. قَالَ: والحوْأَبُ موضِعُ بِئْرٍ نَبَحَتْ كلابُه أم الْمُؤمنِينَ مُقْبَلَها إِلَى البَصْرة وَأنْشد:
مَا هِيَ إِلَّا شَرْبَةٌ بالحَوأَبِ
فصَعدي من بعدِها أَو صَوبي
أَبُو العبّاس عَن ابْن الأعرابيّ: الحَوْأَبَةُ العُلبةُ الضخمة وَأنْشد:
حَوْأَبةٌ تُنْقِضُ بالضُّلُوعِ
والحَوْأَبُ وادٍ فِي وهْدَةٍ من الأَرْض واسعٌ.
بوح: قَالَ اللَّيْث: البَوْحُ ظهورُ الشَّيْء، يُقَال باح مَا كتمت وباح بِهِ صاحبُه بَوْحاً وبُؤُوحاً قَالَ وَيُقَال للرجل البَؤُوح بَيحَانُ بِمَا فِي صدْرِه قَالَ والبَاحَةُ عَرْصَةُ الدّار.
ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرّاء قَالَ نَحن فِي باحة الدَّار وَهُوَ أوسطها، وَكَذَلِكَ قيل تَبَحْبَحَ فلانٌ فِي الْمجد أَي أَنه فِي مَجْدٍ.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ أَن أَعْرَابِيًا من بني بَهْدَلة أنْشدهُ:
أعْطى فأَعْطَانِي يدا ودَاراً
وباحَةً خَوَّلها عَقَارَا
قَالَ: يدا: جمَاعَة قوْمِه وأنْصَارِه. والبَاحَةُ النخلُ الْكثير حَكَاهُ عَن هَذَا البهدليّ. قَالَ والباحَةُ باحَةُ الدّارِ وقاعَتُها ونالَتُها قلت وبَحبوحَة الدَّار مِنْهَا.
الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: بَاحَ النومُ وتركْتُهم بُوحاً صَرْعى.
قَالَ اللَّيْث: والإباحَةُ شِبْهُ النُّهبَى، وَكَذَلِكَ استباحوه أَي انتهبوه. وَمن أَمْثَال الْعَرَب ابْنُك ابْن بُوحِك أَي ابْنُ نَفسك لَا من تبنّين.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي البُوحُ النفْس، قَالَ وَمَعْنَاهُ ابنُكِ من وَلَدْتِهِ لَا من تبنَّيْتِهِ.
وَقَالَ غَيره بُوحٌ فِي هَذَا الْمثل جَمْعُ بَاحَةِ الدَّارِ، الْمَعْنى ابنُك من وَلَدْتِهِ فِي بَاحَةِ دَارِكِ، لَا من وُلِدَ فِي دَارِ غَيْرِك فتبنَّيْتِه.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: وَقَعُوا فِي دَوْكَةٍ وبُوح أَي فِي اخْتِلَاط.
بيح (بياح) : قَالَ ابْن المظفر: البَيَاحُ: ضربٌ من السّمك صغارٌ أَمْثَال شِبْرٍ وَهُوَ من أطْيَبِ السّمك وَأنْشد:
يَا رُبَّ شيْخٍ مِنْ بَني رَبَاحِ
إِذا متلأ البَطْنُ من البِيَاحِ
صاحَ بلَيْلٍ أَنْكَرَ الصيَاحِ

(بَاب الْحَاء وَالْمِيم)
(ح م (وايء))
حمى، حام، محا، ماح، وحم، ومح، أمح، حمأ، (احمومى) .
(5/175)

حمى: قَالَ الليثُ: الحَمْوُ أَبُو الزّوج وأخُو الزّوج، وكلُّ مَن وَلِيَ الزَّوْجَ من ذِي قرَابَته فهم أَحْمَاءُ الْمَرْأَة، فَأُمُّ زَوجهَا حَمَاتُها. وَفِي الحَمْو ثَلَاث لُغَات: هُوَ حَمَاهَا مثل عَصَاها، وحَمُوها مثل أَبوهَا، وحَمْؤُها مَهْمُوز ومقصور.
ابْن السّكيت عَن الأصمعيّ قَالَ: حماةُ الْمَرْأَة أُمُّ زَوْجِهَا وَلَا لُغَةَ فِيهَا غيرُ هَذِه. قَالَ وأمّا أَبُو الزَّوْج فَيُقَال: هَذَا حَمُوها، ومررت بِحَمِيها، وَرَأَيْت حَمَاهَا، وَهَذَا حَمٌ فِي الِانْفِرَاد. وَيُقَال: هَذَا حَمَاها وَرَأَيْت حَمَاهَا ومررت بِحمَاهَا، وَهَذَا حَماً فِي الِانْفِرَاد. وَزَاد الْفراء حَمْؤُهَا ساكنةُ الْمِيم مهموزةٌ، وحَمُها بترك الْهمزَة، وَأنْشد:
هِيَ مَا كَنَّتِي وتَزْ
عُمُ أَنّي لَهَا حَمُ
وَقَالَ: وكل شَيْء من قِبَل الزوجِ أَبُوه أَو أَخُوه أَو عَمُّه فهم الأَحْمَاءُ.
وَقَالَ رجل كَانَت لَهُ امرأةٌ فطلّقها وتزوّجها أَخُوه فَأَنْشَأَ يَقُول:
لقد أَصْبَحَتْ أسماءُ حِجْراً مُحَرَّماً
وأصبحْتُ من أَدْنَى حُمُوَّتِها حَمَا
أَي أصبحتُ أَخا زَوْجِها بَعْدَمَا كنتُ زَوْجَها.
وَفِي حَدِيث عمر أَنَّهُ قَالَ: مَا بَالُ رجَالٍ لَا يزَالُ أَحَدُهم كاسراً وِسَادَهُ عِنْد مُغْزِيَةٍ يتحدّث إِلَيْهَا؟ عَلَيْكُم بالجَنْبَةِ.
وَفِي حَدِيث آخَرَ: (لَا يدخُلَنّ رجلٌ على امْرأةٍ وَإِن قيل حَمُوها، أَلاَ حَمُوها المَوْتُ) .
قَالَ أَبُو عُبيد فِي تَفْسِير الحَمْو ولغاتِه عَن الأصمعيّ نَحوا مِمَّا ذكره ابنُ السكّيت.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَوله (أَلاَ حَمُوها الموتُ) يَقُول فَلْتَمُتْ وَلَا تَفْعَلْ ذَلِك، فَإِذا كَانَ هَذَا رَأْيَه فِي أبي الزَّوْجِ وَهُوَ مَحْرَمٌ فَكيف بالغريب؟
قلت: وَقد تدبّرت هَذَا التفسيرَ فَلم أَرَهُ مُشَاكِلاً للفظ الحَدِيث.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ فِي قَوْله: (الْحَمْو الموتُ) . هَذِه كلمةٌ تَقُولهَا العربُ كَمَا تَقول: الأسَدُ المَوْتُ، أَي لِقَاؤُه مثل الموْتِ، وكما تَقول السلطانُ نَارٌ، فَمَعْنَى قَوْله: (الحَمْو المَوْتُ) أَي أَن خَلْوة الحَمْو مَعهَا أَشد من خَلْوةِ غَيره.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ ذهبَ إِلَى أنّ الفسادَ الَّذِي يَجْرِي بَين المَرْأةِ وأحْمَائِها أشَدُّ من فسادٍ يكون بَيْنَها وَبَين الغريبِ، وَلذَلِك جعله كالمَوْتِ.
ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن أبي نصر عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الأَحْمَاءُ من قِبَلِ الزَّوْجِ والأَخْتَانُ من قِبَلِ الْمَرْأَة.
وَهَكَذَا قالَ ابْنُ الأعرابيّ، وَزَاد فَقَالَ: الحَمَاةُ أُمُّ الزوْج والخَتَنَةُ أُمُّ الْمَرْأَة. قَالَ وعَلى هَذَا الترتيبِ العباسُ وعليٌّ وحمزةُ وجعفرٌ أحْمَاءُ عَائِشَة.
(5/176)

وَقَالَ اللَّيْث: الحماة لَحْمة مُنْتَبِرَة فِي بَاطِن السَّاق.
وَقَالَ الأصمعيّ: الحَمَاتَان: اللَّحْمَتانِ اللَّتان فِي عُرْض السَّاق تُرَيَان كالعصَبَتيْن من ظاهرٍ وباطنٍ.
وَقَالَ ابنُ شُمَيْل: هما المُضْغَتَانِ المنْتَبِرَتان فِي نِصْفِ السَّاقين من ظاهرٍ.
وَقَالَ الأصمعيُّ فِي الحوافر: الحَوَامِي وَهِي حُرُوفُها من عَن يمينٍ وشِمَالٍ.
وَقَالَ أَبُو دواد:
لَهُ بَيْنَ حَوَامِيِه
نُسُورٌ كَنَوَى القَسْبِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحاميتان مَا عَن يمينِ السُّنْبُك وشِمَاله.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِمَى مَوضِع فِيهِ كَلأٌ يُحْمَى من النَّاس أَن يُرْعَى.
وَقَالَ الشافعيّ فِي تَفْسِير قَول النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا حِمَى إِلَّا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ) . كَانَ الشريفُ من الْعَرَب فِي الجاهليَّة إِذا نزل بَلَدا فِي عشيرته استعوى كَلْبا فَحَمَى لخاصّتَهِ مَدَى عُوَاء ذَلِك الكلْبِ، فَلم يَرْعَهُ مَعَه أحَدٌ وَكَانَ شريكَ الْقَوْم فِي سَائِر المراتع حوله. قَالَ: فَنهى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُحْمَى على النَّاس حِمىً كَمَا كَانُوا فِي الجاهليَّة يَحْمُون. قَالَ وَقَوله: (إلاّ لله وَلِرَسُولِهِ) يقولُ إلاّ مَا يُحْمَى لخيل الْمُسلمين وركابهم المُرْصَدَةِ لجهادِ الْمُشْركين والحملِ عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، كَمَا حَمَى عُمَرُ النَّقِيعَ لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ والخَيْلِ المعَدَّةِ فِي سَبِيل الله.
وَقَالَ الأصمعيّ: يُقَالُ حَمَى فلانٌ الأَرْض يَحْمِيها حِمىً إِذا مَنَعها من أَن تُقْرَبَ. وَيُقَال أحْمَاها إحْمَاءً إِذا جعلهَا حمى لَا تُقْرَب. قَالَ: وأحْمَيْتُ الحديدةَ فَأَنا أُحْمِيها إحْمَاءً حَتَّى حَمِيَتْ تَحْمَى، وَكَذَلِكَ حَمِيَتِ الشَّمْس تَحْمَى حَمْياً.
وَقَالَ ابْن السكّيت: أحْمَيْتُ المسمار إحْماء فَأَنا أحْمِيه، وَهَذَا ذَهَبٌ جيدٌ يخرج على الإحماء وَلَا يُقَال على الحَمَى لِأَنَّهُ من أَحْمَيت. وَيُقَال حَمَيْت الْمَرِيض وَأَنا أحْمِيه من الطّعام، وحَمَيْتُ القومَ حِمايةً، وحَمَى فلانٌ أنْفَهُ يحمِيه حَمِيَّةً ومَحْمِيَةً، وفلانٌ ذُو حَمِيَّةٍ مُنْكَرَةٍ إِذا كَانَ ذَا غَضَبٍ وأنَفَةٍ، وحَمَى أهْلَهُ فِي القِتال حِمايةً.
وَقَالَ الليثُ: حَمِيتُ من هَذَا الشَّيْء أحْمَى مِنْهُ حَمِيّةً أَي: أنفًا وغيظاً، وَإنَّهُ لرجل حَمِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْم، وحَمِيُّ الأنْف، وَيُقَال: احْتَمَى المريضُ احْتِماءً من الأطْعِمة. والرجلُ يَحْتَمِي فِي الحرْب إِذا حَمَى نفْسه، وحَمِيَ الفرسُ إِذا عَرِق يَحْمَى حَمْياً وحَمَى الشَّدُّ مثلَه.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
كأَنَّ احْتِدامَ الجَوْفِ من حَمْيِ شَدهِ
وَمَا بَعْدَهُ من شَدهِ غَلْيُ قُمْقُمِ
وَيجمع حَمْيُ الشَّد أحْماءً.
وَقَالَ طرفَة:
فَهِيَ تَرْدِي وَإِذا مَا فَزِعَتْ
طَارَ من أحْمَائِها شَدُّ الأُزُرْ
(5/177)

وَيُقَال إِن هَذَا الذَّهَب وَالْفِضَّة وَنَحْوهَا لحسن الحَمَاءِ، مَمْدُود أَي خرج من الحَماء حسنا.
قَالَ والحامِيَةُ الرجلُ يحمي أصْحابَه فِي الحَرْب. يُقَال: كَانَ فلانٌ على حامِيَةِ القوْم أَي آخِر من يَحْمِيهم فِي انْهِزَامِهم، والحامية أَيْضا جَمَاعَةٌ يَحْمُون أنْفُسَهم.
وَقَالَ لبيد:
ومَعي حَامِيةٌ من جَعْفَرٍ
كلَّ يَوْمٍ نَبْتَلي مَا فِي الخِلَلْ
قَالَ: والحامية الحِجَارةُ يُطْوَى بهَا البِئْرُ.
شمر عَن ابْن شُمَيْل: الحوامِي عِظَامُ الحِجَارَةِ وثِقَالُها. والواحدة حامِيَةٌ، والحَوَامِي: صَخْرٌ عِظَامٌ تُجعل فِي مآخيرِ الطَّي أَن ينْقَلِع قُدُماً، يحفِرون لَهُ نِقَارَا فيغمِزُونه فِيهَا، فَلَا يَدَعُ تُرَابا وَلَا شَيْئاً يدْنُو من الطّيّ فيدفعه.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الحَوَامِي مَا يحميه من الصخْر، واحِدُها حامِيَةٌ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل أَيْضا حِجَارَة الركِيَّة كلّها حوامِ، وكلُّها على حِذَاءٍ واحدٍ لَيْسَ بعضُها بأعظَم من بعض.
قَالَ: والأثافِي الحوَامِي الْوَاحِدَة حامية وَأنْشد:
كأنَّ دَلْوَيَّ تَقَلَّبَانِ
بينَ حَوَامِي الطَّي أَرْنَبَانِ
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال مَعْنى فلَان فِي حَمِيَّته أَي فِي حَمْلته.
الأصمعيّ: يُقَال سَارَتْ فِيهِ حُمَيَّا الكأْسِ يَعْنِي سَوْرَتَها، وَمعنى سَارَتْ ارْتَفَعَتْ إِلَى رَأْسِه.
وَقَالَ الليثُ: الْحُمَيَّا بلوغُ الْخمر من شارِبها.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الحُمَيَّا دَبِيبُ الشَّرَاب.
وَقَالَ شمر: حُمَيَّا الْخَمْرِ سَوْرَتُها. وحُمَيَّا الشَّيْء حِدَّتُه وشِدَّتُه. وَيُقَال: إِنَّه لشديد الحُمَيَّا أَي شَدِيد النفْس.
وَقَالَ الأصمعيّ: إِنَّه لحامي الحميَّا أَي يَحْمِي حوزته وَمَا وَلِيَه، وَأنْشد:
حَامِي الحُمَيَّا مَرِسُ الضَّرِيرِ
وَقَالَ اللَّيْث: الحُمَّةُ فِي أَفْوَاه الْعَامَّة إبْرَةُ الْعَقْرَب والزُنْبور وَنَحْوه، وَإِنَّمَا الحُمَةُ سُمُّ كل شَيْء يَلْدَغُ أَو يَلْسَعُ.
وَقَالَ شمر: الحُمَة السم قَالَ وناب الْحَيَّة جَوْفاء وَكَذَلِكَ إبرة العَقْرَب والزنبور ومِنْ وَسَطِها يخرج السُّمُّ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: يُقَال بِسُم الْعَقْرَب الحُمَةُ والحُمّة.
قلت: وَلم أسمع التَّشْدِيد فِي الحُمَة لغير ابْن الأعرابيّ وَلَا أَحْسبهُ رَوَاه إِلَّا وَقد حفِظه عَن الْعَرَب. اللَّيْث احْمَوْمَى الشيءُ فَهُوَ مُحْمَوْمٍ، يُوصف بِهِ الأسوَدُ من نحوِ اللَّيْلِ والسحاب.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: المُحْمَوْمِي من السَّحَاب الْأسود المتراكم.
حمأ: الْأَصْمَعِي: يُقَال حَمِئَتِ الركيَّةُ فَهِيَ تَحْمأُ حَمَأً إِذا صَارَت ذَات حَمَأٍ وأحْمَأْتُها أَنَا إحْمَاءً إِذا نقيتها من حَمَأَتِها.
(5/178)

قَالَ: وحَمَأْتُها إِذا ألقيت فِيهَا الحمْأةَ.
قلت: ذكر هذَا الأصمعيُّ فِي كتاب (الأجنَاس) كَمَا رَوَاهُ اللَّيْث. وَلَيْسَ بمحفوظٍ، وَالصَّوَاب مَا أخبرنَا المنذريُّ عَن الحرَّاني عَن ابْن السكّيت.
قَالَ: أحْمَأْتُ الركيَّة بِالْألف إِذا ألقيت فِيهَا الحَمْأَة وحَمَأْتُها إِذا نزعت حَمْأَتَها، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَن اليزيديّ: حَمَأْت البِئْر إِذا أخرجْتَ حَمْأَتَها.
قَالَ: وأَحْمَأْتُها جعلتُ فِيهَا حَمَأَةً، وَافق قولُ ابْن السكيتِ قولَ أبي عبيد عَن اليزيديّ. وقرأتُ لأبي زيد: حمأت الركيَّة جعلتُها حَمِئَةً. وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: {تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} (الْكَهْف: 86) بِالْهَمْز.
وَرَوَاهُ الفرَّاء عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس نحوَه.
قَالَ الْفراء: قرأَ ابْن مَسْعُود وَابْن الزبير (حَامِيَةٍ) .
وَقَالَ الزجّاج: {فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أَي فِي عين ذَات حَمْأة.
يُقَال: حَمِئَتْ فَهِيَ حَمِئَة إِذا صَارَت فِيهَا الحَمْأَةُ. وَمن قَرَأَ (حَامِيَةٍ) ، بِغَيْر همزٍ أَرَادَ حارَّةً، وَقد تكون حارَّةً ذاتَ حمأةٍ.
أَبُو عبيد عَن الْفراء: حَمِئْتُ عَلَيْهِ حَمَأً، مهموزٌ وغيرُ مَهْمُوزٍ، أَي غَضِبْتُ.
وَقَالَ اللحيانيُّ: حَمِيتُ فِي الْغَضَب أَحْمَى حُمِيّاً، وَبَعْضهمْ حَمِئْتُ فِي الْغَضَب بالهمْز.
أمح: فِي (النَّوَادِر) : أَمَحَ الجُرْحُ يأْمِحُ أَمَحَاناً ونَبَذَ وأَزَّ وذَرِبَ إِذا ضَرَبَ بِوَجَعٍ، وَكَذَلِكَ نَبَغَ ونَتَع.
محا: قَالَ اللَّيْث: المَحْوُ لِكُلّ شَيْء يذهبُ أثَرُه، يَقُول: أنَا أمْحُوه وأمْحَاهُ وطيّىء تَقول: مَحَيْتُه مَحْياً ومَحْواً. وامَّحَى الشيءُ يَمَّحِي امحَاءً. وَكَذَلِكَ امْتَحَى إِذا ذهب أَثَره، الأجود امَّحَى، وَالْأَصْل فِيهِ انْمحى. وأمَّا امْتَحى فَلُغَةٌ رَديئة الخ.
أَبُو عبيد عَن الْفراء: أَصبَحت الأَرْض مَحْوَةً واحِدَةً إِذا تغطَّى وَجههَا بِالْمَاءِ.
قَالَ أَبُو عبيدٍ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: من أَسمَاء الشَّمال مَحْوَة غيرُ مصروفة.
وَقَالَ ابْن السكّيت: هبَّت مَحْوَةُ اسْم للشَّمال معرفَة وَأنْشد:
قد بَكَرَتْ مَحْوَةُ بالعَجَاجِ
فَدَمَّرَتْ بَقِيَّةَ الرَّجَاجِ
وَقَالَ غَيره: سميت الشّمال مَحْوةَ لِأَنَّهَا تمحو السَّحَاب وتَقَشَعُهَا.
وَقَالَ أَبُو زيد: تركبُ السماءُ الأَرْض محوةً وَاحِدَة إِذا طبَّقها المَطَر. والمَحِي من أَسمَاء النّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محا الله بِهِ الكُفْرَ وأثره. وَهَكَذَا رُوِي فِي حديثِ مَرْفُوع.
حوم: قَالَ اللَّيْث: الحَوْمُ القَطِيع الضَّخْمُ من الْإِبِل. قَالَ: والحَوْمَةُ أكثرُ موضِعٍ فِي البَحْرِ مَاء، وأغْمَرُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَوْض.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: حَوْمَةُ الْقِتَال: مُعْظَمُه، وَكَذَلِكَ من الرَّمْلِ وَغَيره قَالَ:
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحَوْمُ الْكثير من الْإِبِل.
(5/179)

وَقَالَ اللَّيْث: الحَوَمَانُ دومان الطير يَدُومُ ويَحُومُ حَوْلَ المَاءِ. غَيره: هُوَ يَحُوم حول المَاء ويَلوبُ إِذا كَانَ يَدُور حولَه من الْعَطش.
وَقَالَ اللَّيْث: الحوائم الْإِبِل العِطَاشُ جِدّاً وَيُقَال: لكل عطشان حائمٌ، وهامَةٌ حائِمةٌ قد عَطِش دِمَاغُها.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الحُوَّمُ من الْإِبِل العطاشُ الَّتِي تَحُوم حولَ الماءِ.
قَالَ أَبُو بكر: قَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول عَلْقَمَة بن عَبَدة:
كأسُ عزيزٍ من الأعنابِ عَتَّقَها
لِبَعْضِ أَربَابِها حَانِيَّةٌ حُومُ
قَالَ الحُومُ الْكَثِيرَة.
وَقَالَ خَالِد بن كُلْثُوم: الحُومُ الَّتِي تحوم فِي الرَّأس أَي تَدور.
وَقَالَ الليثُ: الحَوْمَانُ نباتٌ يكون بالبادية.
قلت: لم أسمع الحَوْمانَ فِي أَسمَاء النَّبَات لغير اللَّيْث، وَأَظنهُ وهْماً مِنْهُ. وقرأت بِخَط شمر لأبي خيرة قَالَ: الحَوْمَان وَاحِدهَا حَوْمَانَةٌ شَقائِقُ بَين الْجبَال، وَهِي أطيب الحُزُونة وَلكنهَا جَلَد لَيْسَ فِيهَا إِكام وَلَا أبارِق.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: مَا كَانَ فَوق الرَّمْلِ ودونه حِين تصعده أَو تهبِطه.
وَقَالَ الأصمعيّ: الحَوْمَانَةُ وَجَمعهَا حَوَامِينُ، أماكِنُ غِلاظٌ مُنْقَادَةٌ.
قلت: وَرَدْتُ رِكيَّة وَاسِعَة فِي جَوَ وَاسع يَلِي طرَفاً من أطْرَاف الدق يُقَال لَهَا الحَوْمانة وَلَا أَدْرِي الحومانة فوعال من فعل حَمَنُ أَو فَعَلان من حَام.
وَقَالَ زُهَيْر:
بحَوْمَانَةِ الدَّرَّاج فالمُتَثَلَّم
ميح: قَالَ اللَّيْث: المَيْحُ فِي الاستِقَاءِ أَن ينزِلَ الرجُل فِي قَرَار البِئْرِ إِذا قلَّ ماؤُها فَيمْلَأ الدَّلْوَ، يَمِيحُ فِيهَا بِيَدِهِ ويَمِيحُ أصحابَه، والجميع مَاحَةٌ.
وَفِي الحَدِيث أَنهم وردوا بئْراً ذَمَةً أَي قَلِيلا ماؤُها. قَالَ ونزلنا فِيهَا ستّةً مَاحَةً. وَأنْشد أَبُو عبيد:
يَا أَيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُوْنَكَا
إِنِّي رأيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكا
وَقَالَ اللَّيْث: المَيْحُ يجْرِي مَجْرَى الْمَنْفَعَة، وكل من أعطَى مَعْرُوفا فقد مَاحَ. والمُيُوحَةُ ضرْبٌ من الْمَشْي فِي رَهْوجة حَسَنة.
وَأنْشد:
ميَّاحة تميح مَشْياً رَهْوَجَا
قَالَ: والبطّة مَشْيُها المَيْحُ، وَأنْشد لرؤبة:
من كُل مَيَّاحٍ تَرَاهُ هَيْكَلا
أرْجَلَ خِنْذِيذٍ وغَيْرِ أرْجَلاَ
قَالَ: وَقد ماحَ فَاه بالسوَاكِ يَمِيحُه إِذا شَاصَه وماصَه.
أَبُو العبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: ماح إِذا استَاك، وماح إِذا تبخْتَر، وماح إِذا أفْضَل، وَيُقَال امْتَاحَ فلانٌ فلَانا إِذا أَتَاهُ يطْلب فَضْلَه فَهُوَ مُمْتَاحٌ وامْتَاحت الشَّمْس ذِفْرَي الْبَعِير إِذا استَدَّرت عَرَقَه.
وَقَالَ ابْن فَسْوَة يذكر مُعَذّر نَاقَته:
(5/180)

إِذا امتاحَ حَرُّ الشَّمسِ ذِفْرَاهُ أَسْهَلَتْ
بِأَصْفَرَ مِنْهَا قَاطِر كُلَّ مَقْطَرِ
الْهَاء فِي ذِفْراه للمُعَذر.
أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: يُقَال لصُفْرة البَيْض المَاحُ ولبياضه الآح.
وَقَالَ ابنُ شُمَيْل مُحُّ الْبيض بِالتَّشْدِيدِ مَا فِي جَوْفهِ من أصْفَرَ وأبْيَضَ كلُّه مُحٌّ. قَالَ وَمِنْهُم من يَقُول المُحَّةُ الصّفْرَاءُ.
وحم: قَالَ اللَّيْث: يُقَال للْمَرْأَة الحُبْلَى إِذا اشتهت شَيْئا: قد وَحِمَتْ وَهِي تَحِمُ فَهِيَ وَحْمَى بينَة الوِحَام، قَالَ والوَحَمُ والوِحَام فِي الدَّوَابّ إِذا حملت استعْصَت فَيُقَال وَحِمَتْ. وَأنْشد:
قد رَابَهُ عِصْيَانُهُا وَوِحَامُها
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: من أمثالهم فِي الشهوان: وَحْمَى وَلَا حَبَلٌ: أَي أَنه لَا يذكر لَهُ شَيْء إلاَّ تَشَهَّاه كَتَشَهي الحُبْلَى قَالَ: وَلَيْسَ يكون الوِحامُ إِلَّا فِي شَهْوَةِ الحَبَل خاصَّةً.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَمن أمثالهم: وَحْمَى وأمّا حَبَلٌ فَلاَ، يُقَال ذَلِك لمن يطْلُب مَا لَا حاجَةَ لَهُ فِيه من حِرْصِه، لأنّ الوَحْمَى الَّتِي تَرْحَمُ فتشتهي كُلَّ شَيْء على حَبَلها، فَقَالَ هَذَا يَشْتَهِي كَمَا تشْتَهي الحُبلى وَلَيْسَ بِهِ حَبَلُ.
قَالَ: وَقيل لحُبْلَى: مَا تشتهين؟ فَقَالَت التَمْرَةَ وبِيَهْ دَوَاهاً، وأَنَا وَحَمَى للدّكَة أَي للوَدَك. قلت: الوحَمُ شدَّة شَهْوَة الحُبْلَى لشَيْء تأْكُلُه، ثمَّ يُقَال لكل مَن أفرط شَهْوَته فِي شَيْء قد وَحِمَ يَوْحَمُ وَحَماً وَمِنْه قَول الراجز:
أَزْمانَ ليلى عامَ ليلى وَحْمَى
فَجعل شَهْوَته للقاء لَيْلَى وَحَماً وأصل الوَحَمَ للحَبَالى.
وَأما قَول اللَّيْث: الوِحَام فِي الدّوابّ استعصاؤها إِذا حَمَلت، فَهُوَ تَفْسِير بَاطِل فَأرَاهُ غلْطَةً إِنَّمَا غَرَّهُ قَول لبيد يصف عَيْراً وأُتنَه فَقَالَ:
قد رَابَهُ عِصْيَانُها وَوِحَامُها
فَظن أَنه لما عطف قَوْله ووِحَامُها على قَوْله عِصْيانُها أَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد، وَالْمعْنَى فِي قَوْله وِحَامُها شَهْوَة الأُتُنِ للعَيْرِ أَرَادَ أَنَّهَا تَرْيحُه سَرَّةً وتستعصي عَلَيْهِ مَعَ شَهْوتِها لَهُ فقد رابه ذَلِك مِنْهَا حِين ظهر لَهُ مِنْهَا شَيْئَانِ متضادّان.
ومح: أهمل الليثُ هَذَا البابَ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الومْحَةُ الأثَرُ من الشَّمْس. وقرأت بِخَط شَمِر أنّ أَبَا عمروٍ أنْشد هَذِه الأرجوزة:
لما تَمشَّيْتُ بُعَيْدَ العَتَمَهْ
سَمِعْتُ من فوقِ البُيوتِ كَدَمَهْ
إِذا الخَرِيعُ العَنْقَفِيرُ الحَزَمَهْ
يَؤُرُّها فَحْلٌ شديدُ الضَّمْضَمَه
أَي الضَّم للْأُنْثَى إِلَى نَفسه.
أَرّاً بِعَتَّارٍ إِذا مَا قَدَّمَهْ
فِيهَا انْفَرَى وَمَّاحُها وخَزَمَه
سدَّه بِذكرِهِ.
قَالَ: ومَّاحُها صَدْعُ فَرْجها. انْفَرَى أَي انْفَتح وانفتَقَ لإيلاجه أَلا يريقه قلت وَلم أسمع هَذَا الْحَرْف إِلَّا فِي هَذَا الرَّجَز وَهُوَ من نَوَادِر أبي عَمْرو.
(5/181)

بَاب اللفيف من حرف الْحَاء
حاء، وحوح، حيّ، حَيا، حوى، وَيْح، وَحي، محّ، حوي.
حاء: قَالَ اللَّيْث الحَاءُ حَرْفُ هِجَاءٍ مَقْصُور مَوْقُوف فَإِذا جعلته اسْما مددته كَقَوْلِك: هَذِه حَاءٌ مَكْتُوبَة ومدتها ياءان قَالَ كل حرف على خِلقتها من حُرُوف المعجم فألِفُها إِذا مُدَّت صَارَت فِي التصريف ياءين.
قَالَ: والحَاءُ وَمَا أشبههَا تؤنَّث مَا لم تسمّ حَرْفاً وَإِذا صغّرتها قلت حُيَيَّة، وَإِنَّمَا يجوز تصغيرها إِذا كَانَت صَغِيرَة فِي الخطّ أَو خفِيّة وإلاَّ فَلَا.
قَالَ ابْن المظفر: وحاء ممدودة قَبيلَة. قلت: وَهِي فِي الْيمن حاء وَحَكَمُ.
قَالَ اللَّيْث: وَيَقُولُونَ لِابْنِ مائةٍ: لَا حَاءَ وَلَا سَاءَ أَي لَا محسنٌ وَلَا مُسِيءٌ، وَيُقَال: لَا رجُلٌ وَلَا امرأةٌ. وَقَالَ بَعضهم تَفْسِيره أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول حا، وَهُوَ زَجْرٌ للكبش عِنْد السفاد، وَهُوَ زَجْرٌ للغنم أَيْضا عِنْد السَّقْي، يُقَال حَأْحَأْتُ بِهِ وحاحَيْتُ، وَقَالَ أَبُو خيرة: حَأْحَأْ، وَقَالَ أَبُو الدُقَيش أُحُو أُحُوَ وَلَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول سَأْ وَهُوَ للحمار، وَيَقُول: سأْسأتُ بالحمار إِذا قلت سَأْسَأْ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
قَوْمٌ يُحَاحُونَ بِالبهَامِ ونِسْ
وَانٌ قِصَارٌ كهَيْئَةِ الحَجَلِ
أَبُو عبيد عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ: حَاحَيْتُ بالمِعْزَى حَيْحاءً ومحاحاة. قَالَ وَقَالَ الأحْمَرُ سَأْسَأْتُ بالحمار وَقَالَ أَبُو عمر حَاحِ بِغَنَمك أَي أدَعُهَا عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الْحَوَّة الْكَلِمَة من الْحق من قَوْلهم لَا يُعْرَفُ الحَوُّ من اللَّوِ أَي لَا يُعرف الْحق من الْبَاطِل. وَقَالَ ابْن المظفر الأُحَاحُ الغيظ وَأنْشد:
طَعنا شَفَى سرائر الأُحَاحِ
وَقَالَ غَيره: أخّ كَأَنَّهُ توجّع مَعَ تَنَحْنحْ، وأحَّ الرجل إِذا ردَّدَ التنحْنح، وَرَأَيْت لفُلَان أحِيحاً وأُحَاحاً وَهُوَ توجُّعٌ من غيظ أَو حزْن وَقَالَ أَبُو عبيد: الأُحاحُ الْعَطش قَالَ: وَقَالَ الْفراء فِي صَدره أُحَاحٌ، وأحَيْحَة من الضّيق وَفِي صدْرِه أُحَيْحَةٌ وأُحَاحٌ من الغيظ والْحقد وَبِه سمي أُحَيْحَة بن الجُلاح، وَأنْشد غَيره:
يطوى الْحيازيم على أُحَاح
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الأُحاح من الْحر أَو الْعَطش أَو من الْحزن.
وحوح: قَالَ اللَّيْث: الوَحْوَحَةُ الصَّوْت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد وحْوَحَ الرجل من البَرْد إِذا ردّد
(5/182)

نَفَسه فِي حَلْقه حَتَّى تسمع لَهُ صَوْتاً. قَالَ: وضَرْبٌ من الطَّيْرِ يُسمى الوَحْوَحَ. وَقَالَ الْكُمَيْت:
ووَحْوَحَ فِي حِضْنِ الفَتَاةِ ضَجِيعُها
وَلم يَكُ فِي النُّكْدِ المَقاليتِ مَشْخَبُ
قَالَ اللحياني: وحْ زجر الْبَقَرَة، وَقد وَحْوَحَ بهَا. وَرجل وَحْوَحٌ شَدِيد يَنْحِمُ عِنْد عمله لنشاطه وشدَّته وَرِجَال دَحادِحُ، وَقَالَ الراجز:
يَا رُبَّ شيْخٍ من لُكَيْزٍ وَحْوَحٍ
عَبْلٍ شديدٍ أَسْرُهُ صَمَحْمَح
قَالَ والصمَحْمحُ: الشَّديد. وتوحْوحَ الظليمُ فَوق البَيْضِ إِذا رَئمهَا وَأظْهر وَلُوعَه بهَا. وَقَالَ تميمُ بن مقبل:
كَبَيْضَةِ أُدْحِيَ تَوَحْوَحَ فَوْقَها
هِجَفَّانِ مِرْيَاعا الضُّحَى وَحَدَانِ
حَيّ مثقلة: يُندَبُ بهَا ويدعى بهَا، يُقَال: حيَّ على الْفِدَاء حيَّ على الْخَيْر. قَالَ وَلم يشتقَّ مِنْهُ فِعْلٌ قَالَ ذَلِك اللَّيْث وَقَالَ غَيره: حَيَّ حَثٌّ ودُعَاءٌ وَمِنْه قَول الْمُؤَذّن: حيَّ على الصَّلَاة، حيَّ على الْفَلاح مَعْنَاهُ عجّل إِلَى الصَّلَاة وَإِلَى الْفَلاح، وَقَالَ ابْن أحْمر الجاهلي:
أنشأْتُ أسأَلُه مَا بالُ رُفْقَتِه
حَيَّ الحُمُولَ فإنّ الرَكْبَ قد ذهبَا
أَي عَلَيْك بالْحُمولِ فقد مَرُّوا. وَأَخْبرنِي أَبُو الْفضل عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَرَبُ تَقول حَيَّ هَلْ بفلان وحَيَّ هَلَ بفلان وحَيّ هَلاً بفلان أَي أعْجِل.
أَبُو عبيد عَن الأسمر مثلُه فِي اللُّغَات الثَّلَاث. قَالَ شمر: أنْشد مُحاربٌ لأعرابيّ وَنحن فِي مسجدٍ يَدْعُو مؤذنُه:
حَيَّ تعالَوْا وَمَا نَامُوا وَمَا غَفَلُوا
قَالَ: ذهب إِلَى الصَّوْت نَحْو طاقٍ طاقٍ وغاقٍ غاقٍ. وَزعم عمر بن الْخطاب أَن الْعَرَب تَقول حيَّ هَلَ الصَّلَاة ائْتِ الصَّلَاة، جعلَهُما اسْمَيْنِ فنصبَهما وَقَالَ:
بِحَيَّ هلا يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةٍ
أَمَامَ المَطَايَا سيرُهُنّ تَقَاذُفُ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سمع أَبُو مَهْدية رجلا يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ زُدذْ زُدذْ فَقَالَ: مَا يَقُول؟ فَقيل يَقُول عجلْ عجلْ فَقَالَ: أَو لَا يَقُول حَيَّ هَلَكْ وَرُوِيَ عَن ابْن مسعودٍ أَنَّه قَالَ إِذا ذُكر الصالحون فحيّ هَلْ بِذِكْر عمر مَعْنَاهُ عجلْ بِذكْرِ عُمَر وَقَالَ لبيد:
وَلَقَد يَسْمَعُ قَوْلي حَيَّ هَلْ
وَقَالَ النَّضر الْحَيْهَلُ شجر، رَأَيْت حَيْهَلاً وَهَذَا حَيْهَلٌ كثيرٌ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الهَرْمُ من الحَمْض يُقَال لَهُ حَيْهَلٌ، الْوَاحِدَة حيهَلَةٌ: قَالَ: وسُميَ بِهِ لأنّه إِذا أَصَابَهُ الْمَطَر نَبَتَ سَرِيعا وَإِذا أكلَتْهُ الْإِبِل فَلم تَبْعَر وَلم تَسْلَحْ مُسْرِعةً ماتَتْ.
حَيا: قَالَ اللَّيْث: يُقَال حَيِي يحيا فَهُوَ حَيٌّ وَيُقَال للْجَمِيع حَيُّوا بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ ولغة أُخْرَى يُقَال حَيَّ يَحَييُّ، والجميع حَيُوا خَفِيفَة.
(5/183)

وَقَالَ الله جلَّ وعزَّ: {وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ} (الْأَنْفَال: 42) قَالَ الفرّاء: كِتَابُها على الْإِدْغَام بياءٍ واحدةٍ وَهِي أكثرُ الْقِرَاءَة.
وَقَالَ بَعضهم حَيِيَ عَن بيّنَةٍ بإظهارهما. قَالَ: وَإِنَّمَا أدْغَمُوا الياءَ مَعَ اليَاءِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَفْعَلُوا لِأَن الْيَاء الآخِرَةَ لَزِمَهَا النصبُ فِي فعلٍ فأدغموا لَمّا الْتَقَى حَرْفَانِ متحركَانِ من جنسٍ واحِد. قَالَ وَيجوز الْإِدْغَام فِي الِاثْنَيْنِ للحركة اللاّزمة للياء الآخِرة. فَتَقول حَيَّا وحَيِيَا، وَيَنْبَغِي للْجَمِيع أَن لَا يُدْغَم إِلَّا بِيَاءٍ لِأَن ياءَها يصيبُها الرفعُ وَمَا قبلهَا مكسورٌ فَيَنْبَغِي لَهَا أَن تسْكُنَ فَتسقط بِواوِ الجَمْعِ، وربّما أظهرت العربُ الإدغَامَ فِي الْجمع إرَادَة تأليفِ الأفْعَال وَأَن تكون كلُّها مشدّدة فقالو فِي حَيِيتُ حَيُّوا وَفِي عَيِيتُ عَيُّوا قَالَ: وأنشدني بَعضهم:
يَحْدِنَ بِنَا عَنْ كُل حَيَ كأنَّنَا
أَخَارِيْسُ عَيُّوا بالسَّلاَمِ وبالنَّسَبْ
قَالَ: وَقد أَجمعت العرَبُ على إدغام التحيّة لحركة الْيَاء الآخِرة كَمَا استحبوا إدغام حَيّ وعَيّ للحركة اللاّزمة فِيهَا. فأمّا إِذا سكنت الْيَاء الْأَخِيرَة فَلَا يجوز الإدغامُ مثل يُحْيِي ويُعْيِي. وَقد جَاءَ فِي بعض الشّعْر الإدْغَامُ وَلَيْسَ بالوجْه. قلت: وَأنكر البصريون الْإِدْغَام فِي مثل هَذَا الْموضع وَلم يَعْبأ الزجّاج بِالْبَيْتِ الَّذِي احتجّ بِهِ الفرّاء وَقَالَ: لَا يعرف قَائِله.
وكأَنّها بينَ النسَاءِ سَبِيكَةٌ
تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتُحَيَّ
حَدثنَا الْحُسَيْن عَن عُثْمَان بن أبي شَيْبَة عَن أبي مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل بن سُمَيعْ عَن أبي مَالك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَول الله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَواةً طَيِّبَةً} (النّحل: 97) قَالَ هُوَ الرزْقُ الحلالُ فِي الدُّنْيَا {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النّحل: 97) إِذا صارُوا إِلَى الله جَزَاهم أجرهم فِي الْآخِرَة بأحسنِ مَا عمِلُوا.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الحَيُّ: الحقُّ واللَّيُّ الباطِلُ وَمِنْه قَوْلهم: هُوَ لَا يَعرِف الحَيَّ من اللَّي وَكَذَلِكَ الحوُّ من اللَّوِ فِي الْمَعْنيين. قَالَ: وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ابْن حَمُّويَةَ، قَالَ سَمِعت شمراً يَقُول فِي قَول الْعَرَب فلَان لَا يعرف الحَوَّ من اللَّو الحَوُّ نَعَمْ واللَّوُّ: لَو قَالَ، والحَيُّ الحَوِيّةُ واللَّيُّ لَيُّ الحَبْلِ أَي فَتْلُه يُضرب هَذَا لِلأَحمق الَّذِي لَا يعرف شَيْئا.
قَالَ والحيُّ فَرْج الْمَرْأَة، وَرَأى أعرابيٌ جهازَ عَروسٍ فَقَالَ: هَذَا سَعَفُ الحَيّ أَي جهازُ فَرْجِ امرأةٍ. قَالَ: والحيُّ كلُّ مُتَكَلم نَاطِق. قَالَ والحَيّ من النَّبَات مَا كَانَ طرِيّاً يهتزُّ، والحيُّ الواحِدُ من أَحْيَاءِ الْعَرَب. قَالَ والحِيّ بِكَسْر الْحَاء جمع الْحَيَاة وَأنْشد:
وَلَو ترى إِذا الحياةُ حِيّ
قَالَ الفرّاء كسروا أَوّلها لِئَلَّا يتبدل الياءُ واواً كَمَا قَالُوا بِيضٌ وعِينٌ. قَالَ الْأَزْهَرِي: الحيُّ من أَحْياءِ الْعَرَب يَقع على بني أبٍ كَثُروا أم قلّوا، وعَلى شَعْبٍ يجمع الْقَبَائِل من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(5/184)

قَاتَلَ اللَّهُ قَيْسَ عَيْلاَنَ حَيّاً
مَا لَهُمْ دُونَ غَدْرَةٍ مِنْ حِجَابِ
أنْشدهُ أَبُو عُبَيْدَة.
وَقَالَ اللَّيْث: الْحَيَاة كتبت بِالْوَاو فِي الْمُصحف ليُعلم أَن الْوَاو بعد الْيَاء، وَقَالَ بَعضهم بل كتبت واواً على لُغَة من يفخم الْألف الَّتِي مرجعها إِلَى الْوَاو، نَحْو الصلوة، والزكوة، وحَيْوَة اسْم رجل بِسُكُون الْيَاء، وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الغساني عَن سَلَمة عَن أبي عُبَيْدَة فِي قَوْله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَواةٌ} (البَقَرَة: 179) أَي منفعةٌ، وَمِنْه قَوْلهم لَيْسَ بفلان حَيَاة أَي لَيْسَ عِنْده نَفْعٌ، وَلَا خيرٌ.
وَيُقَال حايَيْتُ النَّار بالنفْخ كَقَوْلِك أحْيَيْتُها.
وَقَالَ الأصمعيّ: أنْشد بعض الْعَرَب بَيت ذِي الرمة:
فقلتُ لَهُ ارْفَعْهَا إليكَ وَحَايِها
بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرا
وَغَيره يرويهِ وأحْيها، وسمعتُ العربَ تَقول إِذا ذَكَرَتْ مَيتاً: كُنَّا سَنَة كَذَا وكَذَا بمَكَان كَذَا وكَذَا، وَحَيُّ عمروٍ مَعنا، يُرِيدُونَ: عَمْرُو مَعَنَا حَيٌّ بذلك الْمَكَان، وَكَانُوا يَقُولُونَ: أَتَيْنَا فلَانا زَمَانَ كَذَا وحيُّ فلَان شاهدٌ وحيُّ فلانَةَ شاهدَةٌ، الْمَعْنى وفلانٌ إِذْ ذَاك حَيٌّ وَأنْشد الفرّاء فِي هَذَا:
أَلا قَبَحَ الإِلهُ بَنِي زِيَادٍ
وحَيَّ أبِيهِمُ قَبْحَ الحِمَارِ
أَي قبّح الله بني زِيَاد وأباهم. وَقَالَ ابْن شميلٍ: يقالُ أَتَانَا حَيُّ فلانٍ أَي أَتانا فِي حَيَاتِه وسمعتُ حَيَّ فلَان يَقُولُونَ كَذَا أَي: سمعته يَقُول فِي حياتِه. أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنَّهُ أنْشدهُ:
أَلا حَيَّ لي مِنْ ليلةِ القَبْرِ أَنَّهُ
مَآبٌ وَلَو كُلفْتُه أَنا آئِبُهْ
قَالَ: أَرَادَ أَلا يُنْجِيَنِي من لَيْلَة القَبْرِ. وَقَالَ الكسائيّ: يُقَال لَا حَيّ عَنهُ أَي لَا مَنْعَ مِنْهُ وَأنْشد:
ومَنْ يَكُ يَعْيَا بالبيَان فإنَّه
أَبُو مَعْقِلٍ لَا حَيَّ عَنهُ وَلَا حَدَدْ
قَالَ الفرّاء مَعْنَاهُ: لَا يَحُدُّ عَنْه شيءٌ، وَرَوَاهُ:
فإِنْ تَسْأَلُوني بالبيَانِ فإناه
أَبُو مَعْقِلٍ الخ
وَالْعرب تذكّر الحيَّةَ وتؤنّثها فَإِذا قَالَت: الحيُّوتُ عَنَوْا الْحَيَّة الذَّكَر.
وَقَالَ اللَّيْث: جَاءَ فِي الحَدِيث أَنّ الرجل الميّتَ يُسأل عَن كلّ شَيْء حَتَّى عَن حيَّة أَهْلِه قَالَ مَعْنَاهُ عَن كل شَيْء حيَ فِي منزله مثل الهِرّة وَغَيره، فأنَّث الحيّ وَقَالَ حيَّة، ونحوَ ذَلِك.
قَالَ أَبُو عبيد فِي تَفْسِير هَذَا الْحَرْف: قَالَ وإنَّما قَالَ حيَّةٌ لأنَّه ذهب إِلَى كلّ نفس أَو دَابَّةٍ فأنّث لذَلِك.
عَمْرو عَن أَبِيه: الْعَرَب تَقول: كَيفَ أَنْت وَكَيف حَيَّةُ أهْلِك، أَي كَيفَ مَنْ بَقِي مِنْهُم حَيّاً. قلت: وللعرب أَمْثَالٌ كَثِيرَة فِي الحَيّة نَذْكُرُ مَا حضرَنا مِنْهَا، سمعتُهم يَقُولُونَ فِي بَاب التَّشْبِيه: هُوَ أَبْصَرُ من حيَّةٍ؛ لِحدَّة بَصَره وَيَقُولُونَ: هُوَ أظْلمُ من حيّة، لِأَنَّهَا تَأتي جُحْرَ الضبّ فتأكل حِسْلها وتسكن
(5/185)

جُحْرُهُ. وَيَقُولُونَ: فلانٌ حَيَّةُ الْوادِي إِذا كَانَ شديدَ الشكيمة حاميَ الْحَقِيقَة. وهم حَيَّةُ الأرْضِ إِذا كانُوا أَشِدَّاء ذَوي بَسالة، وَمِنْه قَول ذِي الإصبع العَدْوانيّ:
عَذِيرَ الحَي من عَدْوَا
نَ كَانُوا حَيَّةَ الأرْضِ
أَرَادَ أَنَّهم كَانُوا ذَوي إِرْبٍ وشِدَّة لَا يضيعون ثأراً. وَيُقَال: فلَان رأسُه رأْسُ حيَّةٍ إِذا كَانَ متوقداً ذَكيّاً شَهْماً. وفلانٌ حَيَّةٌ ذَكَرٌ أَي شُجَاع شديدٌ. ويُدْعَى على الرجُلِ فيقالُ: سقَاهُ الله دم الحيَّاتِ أَي أهْلَكَه اللَّهُ. وَيُقَال: رَأَيْت فِي كتابٍ كتَبَه فلانٌ فِي أمرِ فلَان حيَّاتٍ وعَقَارِبَ إِذا مَحَلَ كاتبهُ برجُلٍ إِلَى سلطانٍ ليُوقِعَه فِي وَرْطة. وَيُقَال للرجُلِ إِذا طَال عُمْره وللمرأَة المعمَّرة: مَا هُوَ إِلَّا حيَّةٌ وَمَا هِيَ إِلَّا حَيَّةٌ، وَذَلِكَ أَن عمر الحيَّة يطول وَكَأَنَّهُ سمّي حيَّةً لطول حَيَاته وَأَنه قَلَّمَا يُوجد مَيتا إِلَّا أَن يُقْتل. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: فلَان حيَّةُ الْوَادي، وحيَّةُ الأرْضِ وَشَيْطَان الحَمَاطِ إِذا بلغ النِّهَايَة فِي الإرْب والخُبْثِ وَأنْشد الفرّاء:
كَمِثْلِ شَيْطَانِ الحَمَاطِ أَعْرَفُ
وَقَول مَالك بن الْحَارِث الْكَاهِلِي:
فَلَا يَنْجُو نَجَائي ثَمَّ حَيٌّ
من الحَيَواتِ لَيْسَ لَهُ جَنَاحُ
كل مَا هُوَ حَيٌّ، فَجَمعه حَيَوات، وَتجمع الحيَّة حَيَوَات، وَفِي الحَدِيث: (لَا بَأْس بقتل الحيَوَات) جمع الحيَّة.
والحيَوَانُ اسمٌ يَقع على كل شيءٍ حَيَ. وسمَّى الله جلَّ وعزَّ الْآخِرَة حَيَوَانا فَقَالَ: {لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاَْخِرَةَ} (العَنكبوت: 64) فحدثنا ابْن هَاجَك عَن حَمْزَة عَن عبد الرازق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاَْخِرَةَ} قَالَ: هِيَ الحَيَاةُ. قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ أَنَّ من صَار إِلَى الْآخِرَة لم يَمُتْ ودام حَيّاً فِيهَا لَا يَمُوت، فَمن أُدْخِلَ الجنَّةَ حَيِيَ فِيهَا حَيَاة طيبَة، وَمن دَخَلَ النارَ فإنّه لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يَحْيَا، كَمَا قَالَ الله جلَّ وعزَّ. وكُلُّ ذِي رُوح حيوانٌ. وَالْحَيَوَان عَيْنٌ فِي الْجنَّة. ابْن هانىء عَن زيد بن كَثوة: من أمثالهم: حَيَّهِنْ حِماري وحمارَ صَاحِبي. حَيهِنْ حِماري وَحْدي. يُقَال ذَلِك عِنْد المَزْرِئَة على الَّذِي يستحقّ مَا لَا يملِكُ مكابرَةً وظُلْماً، وأَصْلُه أنَّ امرأَةً كَانَت رافقت رَجُلاً فِي سفَرٍ وَهِي راجلة وهُو على حِمَار، قَالَ فَأَوَى لَها وأَفْقَرها ظَهرَ حِمَارِه، وَمَشى عَنْهَا، فَبَيْنَمَا هما فِي مسيرهما إِذْ قَالَت وَهِي راكبة عَلَيْهِ حَيَّهِن حِمارِي وحِمار صَاحِبي، فَسمع الرجل مقالَتهَا فَقَالَ: حَيَّهِنْ حِماري وَحْدي، وَلم يَحْفِل لقولها وَلم يُنْغِضْها، فَلم يَزَالَا كَذَلِك حَتَّى بلغت النَّاسَ فلمَّا وثقت قَالَت: حَيَّهِنْ حِمَاري وحْدِي وَهِي عليْه فنازَعَها الرجلُ إيّاه، فاستغاثت عَلَيْهِ، فَاجْتمع لَهما الناسُ والمرأةُ راكبةٌ على الْحمار وَالرجل راجل، فَقُضِي لهَا عَلَيْهِ بالحمارِ لِمَا رَأَوْا فَذَهَبت مثلا.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال أَرض مَحْيَاةٌ ومَحْوَاةٌ من الحَيَّات.
(5/186)

وَقَالَ ابْن المظفّر: الحَيَوانُ كلٌّ ذِي رُوحٍ، والجميع وَالْوَاحد فِيهِ سواءٌ. قَالَ: والحَيَوان مَاءٌ فِي الْجنَّة لَا يُصِيب شَيْئا إِلَّا حَيِيَ بِإِذن الله. قَالَ: واشتقاق الحيَّةِ من الحيَاةِ، وَيُقَال هِيَ فِي أصل الْبناء حَيْوَة فأُدْغِمت الْيَاء فِي الْوَاو، وجُعلتا يَاء شَدِيدَة. قَالَ وَمن قَالَ لصَاحب الحيَّاتِ حَايٍ فَهُوَ فاعلٌ من هَذَا البِنَاءِ وَصَارَت الْوَاو كسْرةً كواو الغازِي والعالي.
وَمن قَالَ حَوّاء على فَعَّال فَإِنَّهُ يَقُول: اشتقاق الحيَّةِ من حَوَيْتُ لِأَنَّهَا تَتَحَوَّى فِي الْتوائها، وكُل ذَلِك تَقول العربُ. قلت: وَإِن قيل حَاوٍ على فَاعل فَهُوَ جَائِز، والفرْقُ بَينه وَبَين غازِي أَنَّ عين الْفِعْل من حاوٍ وَاوٌ وعينَ الْفِعْل من الغازِي الزَّاي فبينهما فرق. وَهَذَا يَجُوزُ على قولِ من جعل الحيَّة فِي أصل الْبناء حَوْيَةً.
وَقَالَ الليثُ الحياءُ من الاستحياء ممدودٌ وَرجل حَيِيٌّ بِوَزْن فَعِيلٍ وَامْرَأَة حَيِيَّةٌ وَيُقَال: استحيا الرجل واستحْيَتْ المرأةُ. قلت: وللعرب فِي هَذَا الْحَرْف لُغَتَانِ يُقَال اسْتَحى فلَان يستَحِي بياءٍ واحدةٍ، واستحْيَا فلَان يَسْتَحْيي بياءين. والقرآنُ نَزَلَ باللُّغة التامَّة.
قَالَ الله جلَّ وعزَّ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} (البَقَرَ: 26) .
وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اقْتُلوا شُيُوخَ المُشْركين واستَحْيُوا شَرْخَهُمْ فَهُوَ بِمَعْنى استفْعِلُوا من الْحَيَاة أَي استبْقوهم وَلَا تَقْتُلُوهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَول الله {طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ} (القَصَص: 4) أَي يستبْقِيهِنّ فَلَا يقتلُهن. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَّا لُغَةٌ وَاحِدَة. وَيُقَال فلانٌ أَحْيَا من الهَدِي وَأَحْيَا من كَعَابٍ وَأَحْيَا من مُخَدَّرةٍ وَمن مخبَّأَةٍ، وَهَذَا كُله من الْحيَاء ممدودٌ، وَأما قولُهم أَحْيَا من الضَّب فَهِيَ الحياةُ.
وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال حَيِيتُ من فعل كَذَا أَحْيَا حَيَاءً أَي استَحْيَيتُ وَأنْشد:
أَلا تَحْيَوْنَ من تَكْثِيرِ قَوْمٍ
لِعَلاَّتٍ وأمُّكُمُ رَقُوبُ
مَعْنَاهُ أَلا تَسْتَحْيُونَ.
ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (الحَيَاءُ شعبةٌ من الْإِيمَان) . وَاعْترض هَذَا الحديثَ بعضُ النَّاس، فَقَالَ كيفَ جعل الحيَاءَ وَهُوَ غرِيزةٌ شُعْبَة من الْإِيمَان وَهُوَ اكتسابٌ؟ وَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن المستحِي يَنْقَطِع بالحياءِ عَن المعَاصِي وَإِن لم تكن لَهُ تقِيَّةٌ، فَصَارَ كالإيمان الَّذِي يُقْطعُ عَنْها ويحول بَين الْمُؤمنِينَ وبيْنهَا، وَكَذَلِكَ قِيلَ إِذا لم تَسْتَحِ فاصنعْ مَا شِئْتَ، يُرَادُ أَنَّ من لم يَسْتَحِ صَنَع مَا شَاءَ لأنّه لَا يكون لَهُ حياءٌ يَحْجِزُه عَن الفواحِش فيتهافَتُ فِيهَا وَلَا يتوقّاها، وَالله أعلم.
وَأما قَول الله جلَّ وعزَّ مُخْبِراً عَن طائفةٍ من الكفّار لم يُؤمنُوا بِالْبَعْثِ والنشور بعد الْمَوْت {تَذَكَّرُونَ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (الجَاثِيَة: 24) فإنّ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن
(5/187)

يحيى سُئِل عَن تفسيرِها فَقَالَ: اختُلِفَ فِيهِ، فَقَالَت طائِفَةٌ: هُوَ مقدم ومؤخر وَمَعْنَاهُ نحيا وَنَمُوت وَلَا نحيا بعد ذَلِك.
وَقَالَت طائِفَةٌ: مَعْنَاهُ نَحْيَا ونَمُوتُ وَلَا نَحْيَا أبدا، ويحيا أولادُنا بَعْدَنا فَجعلُوا حياةَ أَوْلاَدِهم بَعْدَهُم كحياتهم، ثمَّ قَالُوا: وَيَمُوت أَوْلاَدُنا فَلَا نحيا وَلاَ هُمْ.
وَقَالَ ابْنُ المظَفَّر فِي قَول المصلّي فِي التَّشَهُّد: التحيَّاتُ للَّهِ، قَالَ: مَعْنَاهُ: الْبَقَاء للَّهِ، وَيُقَال: المُلْكُ للَّهِ.
وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن سلَمَةَ عَن الفرّاء أَنّه قَالَ فِي قَول الْعَرَب حَيَّاكَ اللَّهُ، مَعْنَاهُ: أبقاك اللَّهُ، قَالَ: وحَيّاكَ أَيْضاً أَي ملّكك اللَّهُ، قَالَ: وحيّاك أَي سلّم عَلَيْك. قَالَ وَقَوْلنَا فِي التَّشَهُّد: التَّحِيَّاتُ للَّهِ يُنْوَى بهَا البقاءُ للَّهِ وَالسَّلَام من الآفاتِ لله والمُلْكُ للَّهِ. وَنَحْوَ ذَلِك قَالَ أَبُو طَالب النحويُّ فِيمَا أفادني عَنهُ الْمُنْذِرِيّ.
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عَمْرو: التحيَّةُ: المُلْكُ وَأنْشد قَول عَمْرو بن معدي كرب:
أسيرُها إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى
أُنِيْخَ على تَحِيَّتِه بِجُنْدي
يَعْنِي على مُلْكِه، وَأنْشد قَول زُهَيْر بن جَنَابٍ الكَلْبي:
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى
قَدْ نِلْتُه إلاَّ التَّحِيَّة
قَالَ يَعْنِي المُلْكَ.
قَالَ أَبُو عبيد: والتحيَّةُ فِي غير هَذَا: السلامُ.
قَالَ خَالِد بن يزِيد: لَو كَانَت التحيَّةُ المُلْكَ لما قيل التحيَّاتُ لِلَّهِ، وَالْمعْنَى السلاَمَاتُ من الْآفَات كلهَا لِلَّهِ، وجَمَعَها لِأَنَّهُ أَرَادَ السَّلَام من كل آفَةٍ.
وَقَالَ القتبي: إِنَّمَا قيل التحيّات لِلَّهِ على الْجمع لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَرْض مُلُوك يُحَيَّوْن بتحيّاتٍ مُخْتَلفَة يُقَال لبَعْضهِم: أبيتَ اللَّعْن، ولبعضهم اسْلَمْ وانْعَمْ، وَعِشْ ألفَ سنَةٍ، فَقيل لنا قُولُوا: التحيَّاتُ لِلَّهِ، أَي الْأَلْفَاظ الَّتِي تَدُل على المُلْكِ ويُكَنَّى بهَا عَن المُلْكِ هِيَ للَّهِ تَعَالَى.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه كَانَ يُنكر فِي تَفْسِير التَّحِيَّة مَا روينَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة، وَيَقُول: التحيَّةُ فِي كَلَام الْعَرَب مَا يُحيي بِهِ بعضُهم بَعْضًا إِذا تلاقَوْا. قَالَ: وتحيّةُ اللَّهِ الَّتِي جعلهَا فِي الدُّنْيَا والآخرةِ لِمُؤْمِنِي عبادِه إِذا تلاقَوْا ودعا بعضُهم لبَعض بأَجْمَعِ الدُّعَاءِ أَن يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم ورَحْمَةُ اللَّهِ.
قَالَ اللَّهُ فِي أهل الْجنَّة: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} (الْأَحْزَاب: 44) وَقَالَ فِي تحيَّة الدُّنْيَا {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} (النِّسَاء: 86) وَقَالَ فِي قَول زُهَيْر بن جناب:
ولَكُلُّ مَا نَال الْفَتَى
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التّحِيَّة
يُرِيد إلاّ السَّلامَة من المنيّة والآفات فَإِن أحدا لَا يسلم من الموتِ على طول البقَاءِ. فَجعل أَبُو الْهَيْثَم معنى (التحياتُ لِلَّهِ) أَي السَّلَام لَهُ من الْآفَات الَّتِي تلْحق الْعباد من العَناء وَأَسْبَاب الفناء
(5/188)

قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو الْهَيْثَم حسَنٌ ودلائله وَاضِحَة غير أَن التحيّة وَإِن كَانَت فِي الأَصْلِ سَلاما فَجَائِز أَن يُسَمَّى المُلْكُ فِي الدُّنْيَا تحيّةً كَمَا قَالَ الفرّاء وَأَبُو عَمْرو، لِأَن المَلِكَ يُحيَّا بِتَحِيّة المُلْكِ الْمَعْرُوفَة للملوك الَّتِي يباينون فِيهَا غيرَهم، وَكَانَت تَحِيَّة مُلُوك الْعَجم قريبَة فِي الْمَعْنى من تَحِيَّة مُلوكِ الْعَرَب، كَانَ يُقَال لِمَلِكِهم زِهْ هَزَارْ سَالْ، الْمَعْنى عِشْ سالما ألفَ سنة. وَجَائِز أَن يُقَال للبقاء تحيَّةً لِأَن من سَلِمَ من الْآفَات فَهُوَ باقٍ، وَالْبَاقِي فِي صفة اللَّهِ من هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَمُوت أبدا، فَمَعْنَى حيَّاك اللَّهُ: أَي أَبقاك صحيحٌ، من الْحَيَاة، وَهُوَ الْبَقَاء. يُقَال: أَحْيَاهُ اللَّهُ وحيَّاه بِمَعْنى وَاحِد، وَالْعرب تسمي الشيءَ باسم غيرِه إِذا كَانَ مَعَه أَو من سَببه.
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُعاذ عَن حَاتِم بن المظفّر أَنه سَأَلَ سَلَمة بن عَاصِم عَن قَوْله: حيّاك اللَّهُ، فَقَالَ: بِمَنْزِلَة أَحْيَاكَ اللَّهُ أَي أبقاك اللَّهُ مثل كرّم اللَّهُ وَأكْرم اللَّهُ، قَالَ: وَسَأَلت أَبَا عُثْمَان الْمَازِني عَن حيّاك اللَّهُ فَقَالَ عَمَّرك اللَّهُ.
وَقَالَ الليثُ: المحاياةُ الغِذاء للصبيّ بِمَا بِهِ حَيَاتُه، وَقَالَ: حَيَا الرّبيع مَا تحيا بِهِ الأَرْض من الْغَيْث.
وروى أَبُو عبيد عَن أبي زيد يُقَال أَحْيَا القومُ إِذا مُطِروا فأصابت دوابُّهم العشب وسمنت. وَإِن أرادُوا أنفسَهم قَالُوا: حَيُوا بعد الهزال. والحَيَا الغيثُ مقصورٌ لَا يمدّ. وحَيَاءُ الشَّاةِ والناقةِ والمرأةِ ممدودٌ وَلَا يجوز قصْره إِلَّا لشاعرٍ يُضطرّ فِي شعره إِلَى قَصْره. وَمَا جَاءَ عَن الْعَرَب إِلَّا ممدوداً، وَإِنَّمَا قيل لَهُ حَيَاءٌ باسم الحياءِ من الاستحياء لِأَنَّهُ يُسْتَرُ من الآدميّ، ويكنّى عَنهُ من الْحَيَوَان ويستفحش التَّصْرِيح بِذكرِهِ واسْمه الْمَوْضُوع لَهُ، ويستحى من ذَلِك، سمّي حَيَاء لهَذَا الْمَعْنى. وَقد قَالَ اللَّيْث: يجوز قصر الْحيَاء ومدُّه وَهُوَ غلطٌ لَا يجوز قصره لغير الشَّاعِر لِأَن أصْلَه الْحيَاء من الاستحياء.
حوى: قَالَ اللَّيْث: حَوى فلانٌ مالَه حَيَّاً وحَوَايةً: إِذا جمعه وأَحْرزه. واحْتَوَى عَلَيْهِ. قَالَ: والْحوِيُّ استدارةُ كل شيءٍ كَحوِيّ الحيّة، وكحويّ بعضِ النُّجُوم إِذا رأيتَها على نَسَق واحدٍ مستديرةً. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الحَوِيُّ المَالِكُ بعد اسْتِحْقَاق. والحَوِيُّ العليل والدويُّ الأحْمَقُ مشدَّدَات كلهَا. قلت: والحَوِيُّ الحُوَيْضُ الصَّغِير يسويه الرجلُ لبعيره يسْقِيه فِيهِ وَهُوَ المرْكُوّ يُقَال قد احتويت حَوِيّاً. وأمّا الحَوَايَا الَّتِي تكون فِي القِيعانِ والرِياض، فَهِيَ حفائرُ ملتوِيةٌ يملؤُها ماءُ السيلِ فَيبقى فِيهَا دهْراً لأنّ طين أَسْفَلهَا عَلِكٌ صُلْبٌ يُمْسِكُ الماءَ، واحدتها حَوِيّةٌ. وَقد تسميها الْعَرَب الأَمْعاء تَشْبِيهاً بحوايا البطْن.
أَبُو عُمَرَ: الحَوايَا المساطِح، وَهُوَ أَن يَعْمِدوا إِلَى الصَّفا فيَحْوون لَهُ تُرَابا يحبس عَلَيْهِم الماءَ، واحدتها حَوِيّة حَكَاهَا عَن ابْن الْأَعرَابِي وَأَخْبرنِي المنذريُّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الفرّاء فِي قَول اللَّهِ جلَّ وعزَّ {أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}
(5/189)

(الأنعَام: 146) ، قَالَ: وَهِي المباعِرُ وَبَنَات اللَّبن، وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: هِيَ الحِوَايَّةُ والحاوِية وَهِي الدَّوَّارة الَّتِي فِي بطن الشَّاة، وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الحرّاني عَن ابْن السّكيت أَنّه قَالَ: الحاوِياتُ بَنَات اللّبن، يُقَال حاوِيةٌ وحاوِيَات وحاوِياءُ مَمْدُود. قَالَ: وحَوِيّة وحوايا وحَوِيّات. قَالَ: والحَاوِياءُ وَاحِدَةُ الحَوَايَا. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: يُقَال حَاوِيَةٌ وحَوايا مثل زَاوِيةٌ وزَوَايا، وراوية وروايا قَالَ: وَمِنْهُم من يَقُول حَوِيَّةٌ وحوَايَا، مثل الحَوِيّة الَّتِي تُوضَع على ظهر الْبَعِير ويُركب فَوْقهَا. قَالَ: وَمِنْهُم من يَقُول لوحداتها حَاوِياءُ، وَجَمعهَا الحَوَايَا. وَأنْشد قَول جرير:
تَضْفُو الخَتانِيصُ والغُولُ الَّتِي أكلتْ
فِي حَاوِياء دَرُومِ اللّيلِ مِجْعار
وَقَالَ اللَّيْث: الحَوِيّة مَرْكَبٌ يُهَيَّأُ للْمَرْأَة لتركبَه، وَهِي الحَوايَا. قَالَ وَقَالَ عُمير بن وهب يَوْم بدرٍ حِين رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه وحَزَرَهُم، فَرجع إِلَى أَصْحَابه فقالُوا لَهُ: وراءَك؟ فأجابهم وَقَالَ: رَأَيْت الحَوَايَا عَلَيْهَا المنايَا.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: الْعَرَب تَقول: المنَايا على الحَوايَا أَي قد تَأتي المنيَّةُ الشجاعَ وَهُوَ على سَرْجه. وَقَالَ الأصمعيّ: الحويَّةُ كسَاء يحوي سَنَامِ الْبَعِير ثمَّ يُركب.
وَقَالَ اللَّيْث الحِواءُ أَخْبِيَةٌ تَدَانى بعضُها من بَعْضٍ، تَقول: هم أهْل حِوَاءٍ واحدٍ، وَجمع الحِواء أحْوِيةٌ. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الحِوَاءُ جماعاتُ بيوتِ النَّاس.
والحُوّاءُ نبت مَعْرُوف الْوَاحِدَة حُوَّءَةٌ. وَقَالَ ابْن شُمَيْل هما حُوَّاءَانِ أَحدهمَا حُوّاء الذَّعاليق وَهُوَ حُوَّاءُ الْبَقر وَهُوَ من أَحْرَار الْبُقُول، وَالْآخر حُوَّاءُ الكِلاب، وَهُوَ من الذُّكُور ينْبت فِي الرَّمْث خَشِناً وَقَالَ الشَّاعِر:
كَمَا تَبَسَّمَ للحُوَّاءَةِ الجَمَلُ
وَذَلِكَ أَنّه لَا يقْدر على قلعهَا حَتَّى يكْشِرَ عَن أنيابه للزوقها بِالْأَرْضِ. وَقَالَ النَّضر: الأَحْوَى من الْخَيل هُوَ الْأَحْمَر السراة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأَحْرَى هُوَ أصفى من الأحَمّ، وهما يتدانَيَان حَتَّى يكون الأحْرَى مُحْلفِاً يُحْلَفُ عَلَيْهِ أَنه أحمُّ. قَالَ وَيُقَال: احْوَاوَى يَحْوَاوِي احْوِيوَاءً.
والحُوَّةُ فِي الشفاه شَبيه باللَّمَى واللَّمَس قَالَ ذُو الرُّمَّة:
لَمْياءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَمَسٌ
وَفِي اللثاتِ وَفِي أَنْيَابِها شَنَبُ
وَقَالَ الْفراء فِي قَول اللَّهِ تَعَالَى {فَهَدَى وَالَّذِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَخْرَجَ الْمَرْعَى} (الْأَعْلَى: 4، 5) قَالَ: إِذا صَار النبَتُ يَبِيسًا فَهُوَ غُثَاءٌ، والأحْوَى الَّذِي قد اسودّ من القِدَم والعتْقِ قَالَ: وَيكون مَعْنَاهُ أَيْضا: أخرج المَرْعَى أَحْوَى، أَي أخضرَ فَجعله غُثَاءً بعد خُضْرَتِه، فَيكون مُؤَخرا، مَعْنَاهُ التقديمُ. والأحْوَى الأسودُ من الخُضْرَة كَمَا قَالَ: {ُ)) ِالْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى} (الرَّحمان: 64) . وَقَالَ شمر: حُوَيُّ خَبْتٍ طائِرٌ، وَأنْشد:
(5/190)

حُوَيَّ خَبْتٍ أينَ بِتَّ اللّيلَه
بِتُّ قَرِيبا أحْتَذِي نُعَيْلَهْ
وَقَالَ الآخر:
كَأَنَّكَ فِي الرّجالِ حُوَيُّ خَبْتٍ
يُزَقي فِي حُوَيَّاتٍ بِقَاعِ
وَقَالَ أَبُو خيرة الحُوُّ من النَّمْل نمل حُمْرٌ يُقَال لَهَا: نمل سُلَيْمَان.
وَالْعرب تَقول لمجتمع بيُوت الْحَيّ: مَحَوَّى وَحِواءٌ ومُحْتَوىً والجميع أحْويةٌ ومَحَاء.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي وَعَن أبي نجدة عَن أبي زيد وَعَن الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة وَعَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالُوا كلهم: يُوحُ اسْم للشمس مَعْرِفَةٌ لَا يدْخلهُ الصّرْف وَلَا الْألف وَاللَّام. قلت: وَقد جَاءَ يُوحُ اسْما للشمس فِي كتاب (الْأَلْفَاظ) المَعْزِيّ إِلَى ابْن السّكيت وَهُوَ صَحِيح. وَلم يَأْتِ بِهِ أَبُو عبيد وَلَا ابْن شُمَيْل وَلَا الأصمعيّ.
وَيْح: وَقَالَ اللَّيْث: وَيْحَ يُقَال إِنَّه رَحْمَة لمن تنزل بِهِ بَلِيّة، وَرُبمَا جعل مَعَ (مَا) كلمة وَاحِدَة فَقيل: وَيْحَمَا.
وَقَالَ إِسْحَاق بن الفَرَج: الوَيْحُ والوَيْلُ والوَيسُ بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ وَقَالَ الْخَلِيل: وَلَيْسَ كلمةٌ فِي مَوضِع رَأْفة واستملاح كَقَوْلِك للصَّبِي ويْحَهُ مَا أمْلَحَهُ، ووَيْسَه مَا أَمْلحه. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّميذع يَقُول: ويْحَك ووَيْسَك ووَيلك بِمَعْنى واحِدٍ.
قَالَ وَقَالَ اليزيديُّ: الوَيْح والويْلُ بِمَعْنى واحدٍ.
وَقَالَ الْحسن: وَيْح كلمةُ رَحْمةٍ.
وَقَالَ نصير النحويّ: سَمِعت بعض المتنطعين يَقُولُونَ: الوَيْحُ رَحْمةٌ، قَالَ وَلَيْسَ بَيْنَه وَبَين الوَيْل فُرْقَانٌ إِلَّا كَأَنَّهُ أَلْيَنُ قَلِيلا.
قَالَ وَمن قَالَ: هُوَ رَحْمَةٌ فَعَسَى أَن تكون العربُ تَقول لمنْ ترحَمُه: وَيْحَهُ رثايةً لَهُ.
وَقَالَ ابْن كَيْسَانَ: سَمِعت ثعلباً قَالَ: قَالَ المازنيّ: قَالَ الأصمعيّ: الويل قَبُوح والوَيْحُ ترحُّم ووَيْسَ تصغيرُها أَي هِيَ دُونها.
وَقَالَ أَبُو زيد: الويل هُلْكَةٌ والويْحُ قبوحٌ والويس ترحُمٌ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الويل يُقَال لمن وَقَع فِي هُلْكَةٍ، والوَيْحُ زَجْرٌ لمن أَشْرَف على الهُلْكَةِ. وَلم يذكر فِي الويْسِ شَيْئا.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: جَاءَ عَن رَسُول اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعمَّارٍ: (ويْحَكَ يَا ابْن سُمَيَّة بُؤْساً لَك تَقْتُلك الفِئةُ الباغِيَةُ) .
قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَائِشَة ليلةَ تبِعت النبيَّ وَقد خرج من حُجرَتِها، فَنظر إِلَى سوادِها فلحقها وَهِي فِي جَوف حُجرتها، فَوجدَ لَهَا نَفَساً عَالِيا، فَقَالَ: وَيْسَهَا، مَاذَا لقِيَت الليلةَ؟
وَقَالَ أَبُو سعيد، وَيْحَ كلمةُ رَحْمَةٍ. قلت: وَقد قَالَ أَكْثَر أهل اللُّغَةِ: إِن الويلَ كلمةٌ تقال لمن وَقع فِي هُلْكَةٍ أَو بَلِيَّة لَا يُتَرحَّمُ عَلَيْهِ مَعهَا ووَيْحَ تقال لمن وَقع فِي بَلِيّة يرثى لَهُ ويُدْعَى لَهُ بالتخلُّص مِنْهَا، أَلا ترى أَن الويل فِي القُرآن مَا جَاءَ إِلَّا لمن
(5/191)

استحقّ الْعَذَاب بجرمه من ذَلِك قَول اللَّهِ جلّ وعزّ {ُِ} (الهُمَزة: 1) وَقَالَ: {وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ} (فصلت: 6، 7) وَقَالَ: {ُِ} (المطفّفِين: 1) فَمَا جَاءَ ويلٌ إِلَّا لأهل الجرائم نَعُوذ باللَّهِ من سخط اللَّهِ، وَأما وَيْحَ فقد صحّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَهَا لعمَّار الفاضلِ كَأَنَّهُ أُعْلِمَ مَا أَصَابَهُ من القتْل فتوجّع لَهُ وترحّمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم الأَصْل فِي وَيْح ووَيْس وويل وَيْ، وُصِلَتْ بحاء مرّة وَمرَّة بسين وَمرَّة بلام.
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ سَأَلت الْخَلِيل عَنْهَا، فَزعم أَن كل مَن نَدم فأظهر ندامته قَالَ وَيْ مَعْنَاهَا التنديمُ والتنبيهُ.
وَقَالَ ابْن كيسَان إِذا قَالُوا: ويلٌ لَهُ وويح لَهُ وويس لَهُ فَالْكَلَام فِيهِنَّ الرفعُ على الِابْتِدَاء، وَاللَّام فِي مَوضِع الْخَبَر، فَإِن حذفت اللَّام لم يكن إِلَّا النصبُ، كَقَوْلِك ويحَهُ وويسَهُ.
وَحي: قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: يُقَال وحيْتُ إِلَى فلَان أَحِي إِلَيْهِ وَحْياً وأَوْحَيْتُ إِلَيْهِ أُوحِي إيحاءً: إِذا أشرتَ إِلَيْهِ وأومأْتَ، قَالَ فأمّا اللُّغَةُ الفاشية فِي الْقُرْآن فبالألف، وَأما فِي غيرِ الْقُرْآن فوحيْتُ إِلَى فلَان مشهورةٌ قَالَ العجّاج:
وَحَى لَهَا القرارَ فاستقرَّتِ
أَي وَحَى اللَّهُ الأرضَ بِأَن تَقِرّ قراراً فَلَا تميدُ بِأَهْلِهَا، أَي أَشَارَ إِلَيْهَا بذلك. قَالَ: وَيكون وَحَى لَهَا القرارَ أَي كتب لَهَا القَرار، وَيُقَال: وَحَيْتُ الْكتاب أَحِيه وَحْياً أَي كتبته فَهُوَ مَوْحِيّ وَقَالَ لبيد بن ربيعَة:
فَمَدَافِعُ الرَّيَانِ عُريَ رَسْمُها
خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِي سلاَمُها
قَالَ والوُحِيُّ جمع وَحَى وَقَالَ رؤبة:
إِنْجِيلُ تَوراة وَحَى مُنَمْنِمُه
أَي كتبَه كاتِبُه. أَبُو عبيد عَن الْكسَائي وَحَى إِلَيْهِ بالْكلَام يَحِي بِهِ وَحْياً، وأَوْحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ أَن يكلمهُ بِكَلَام يُخفِيه من غَيره.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجّاج فِي قَوْله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْءَامِنُواْ بِى} (المَائدة: 111) .
قَالَ بعضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَلْهَمْتُهم كَمَا قَالَ {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} (النّحل: 68) .
وَقَالَ بَعضهم: أوحيتُ إِلَى الحواريّين أمرْتُهم. وَمثله:
وَحَى لَهَا القَرار فاستقرّت
أَي أَمَرها. وَقَالَ بَعضهم: معنى قَوْله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} أتيتُهم فِي الوحْي إِلَيْك بالبراهين الَّتِي استدلُّوا بهَا على الْإِيمَان فآمنوا بِي وَبِك.
وَقَالَ الفرّاء فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} (مَرْيَم: 11) أَشَارَ إِلَيْهِم. قَالَ: والعربُ تَقول: أَوْحى وَوَحى، وأَوْمى ووَمَى بِمَعْنى وَاحِد، وَوَحى يحِي وَوَمى يمِي. وَقَالَ جلّ وعزّ {كَانُواْ يَحْذَرونَ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى} (القَصَص: 7) قيل إِن الْوَحْي هَهُنَا إِلْقَاءُ اللَّهِ فِي قَلبهَا وَمَا بعد هَذَا يدلُّ واللَّهُ أعلم على أَنه وَحْيٌ من اللَّهِ على
(5/192)

جِهَة الْإِعْلَام للضَّمَان لَهَا {وَلاَ تَحْزَنِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ} (القَصَس: 7) وَقد قيل إِن معنى الوحْي هَهُنَا الإلْهَامُ، وَجَائِز أَن يُلْقي اللَّهُ فِي قَلبهَا أَنه مردودٌ إِلَيْهَا وَأَنه يكون مرسَلاً وَلَكِن الْإِعْلَام أبْينَ فِي معنى الوَحْي هَهُنَا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: وأصل الوَحْي فِي اللُّغَة كلّها إعلامٌ فِي خفاءٍ، وَلذَلِك صَار الإلمامُ يُسمَّى وحْياً. قلت: وَكَذَلِكَ الإشارَةُ والإيماءُ يُسمى وَحْياً، وَالْكِتَابَة تسمى وَحْياً.
وَقَالَ اللَّهُ جلّ وعزّ: {قَدِيرٌ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ} (الشورى: 51) مَعْنَاهُ إِلَّا أنْ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ وَحيا فيُعلمه بِمَا يعلم الْبشر أَنه أَعْلَمَه إمّا إِلْهَاماً وَإِمَّا رُؤْيَا، وَإِمَّا أَن يُنْزِل عَلَيْهِ كِتَاباً، كَمَا أَنْزَل على مُوسَى أَو قُرآناً يُتْلَى عَلَيْهِ كَمَا أَنْزَل على محمدٍ، وكل هَذَا إِعْلَام وَإِن اخْتلفت أسبابُ الْإِعْلَام فِيهَا.
وأفادني المنذريّ عَن ابْن اليزيدي عَن أبي زيد فِي قَوْله: {} (الجنّ: 1) من أَوْحَيْتُ. قَالَ: وناسٌ من الْعَرَب يَقُولُونَ: وَحَيْتُ إِليه، ووحيْتُ لَهُ، وأَوْحَيْتُ إِلَيْهِ وَله. قَالَ وَقَرَأَ جُؤَيّةُ الأسديّ: {} (الْجِنّ: 1) من وَحَيْتُ، همزَ الواوَ. وَذكر الفراءُ عَن جؤية نَحوا مِمَّا ذكَرَ أَبُو زيد.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: أَوْحَى الرجلُ إِذا بعثَ برسولٍ ثقةٍ إِلَى عبد من عبيده ثِقَةٍ، وَأوحى أَيْضا إِذا كلّم عَبده بِلَا رَسُولٍ. وأَوْحَى الإنسانُ إِذا صَار مَلِكاً بعد فقر. وأَوْحَى الْإِنْسَان وَوَحى وأَحَى إِذا ظلم فِي سُلْطَانه. واستَوْحَيْتَهُ أَي استفهمته. قَالَ: واستوحيْتُ الكلبَ واستوشيْتُه وآسَدْتُه: إِذا دَعْوتَه لتُرْسِله. قَالَ: والوَحَى النَّار، وَيُقَال للْملك وَحى من هَذَا.
وَقَالَ بعضُهم: الإيحاءُ الْبكاء، يُقَال فلَان يُوحِي أبَاه أَي يَبْكِيه، والنائحة تُوحِي الميتَ تَنُوح عَلَيْهِ، وَقَالَ:
تُوحِي بحالٍ أبَاهَا وَهُوَ مُتَّكِىءٌ
على سِنَانٍ كأنْفِ النَّسْرِ مَفْتُوقِ
أَي مُحدَّد. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الوَحَاةُ الصوتُ وَيُقَال: سَمِعت وَحَاه ووَعَاه. والوَحَاءُ مَمْدُود: السرعة. يُقال: تَوَحَّ فِي شأْنِك أَي أَسْرِع فِيهِ. وَوَحَّى فلانٌ ذَبِيحَته إِذا ذبحه ذبحا وَحِيّاً. وَقَالَ الجَعْدِيُّ:
أسِيرَانِ مَكْبُولانِ عِنْدَ ابنِ جَعْفَرٍ
وآخَرُ قد وحَّيْتُمُوه مُشَاغِبُ
وَالْعرب تَقول الوَحَاءَ الوحاءَ، والوحَا والوحَا، ممدوداً ومقصوراً، وَرُبمَا أدخلُوا الْكَاف مَعَ الْألف فَقَالُوا: الوحَاكَ الوحَاكَ، ورَوى سلمةُ عَن الفرَّاء قَالَ: الْعَرَب تَقول النَّجَاءَ النَّجَاءَ والنَّجَا النَّجَا، والنجاءَك النجاءَك، والنَّجَاك النّجَاك. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: قلت لِابْنِ الْأَعرَابِي: مَا الوَحَى؟ فَقَالَ: المُلْكُ، فقلْت: وَلم سُمي المُلْكُ وحىً؟ فَقَالَ. الوَحَى النّارُ فكأنّه مثلُ النَّار، ينفَعُ ويضرُّ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ من أمثالِهم وَحْيٌ فِي حَجَرٍ، يُضْرَبُ مثَلاً لمن يكتم سِرَّه، يَقُول الحَجَرُ لَا يُخْبِرُ أحدا بشيءٍ فَأَنا مثْلُه لَا أُخبر أحدا بِشَيْء أكتُمُه. قلت: وَقد يُضْرَبُ مَثَلاً للشَّيْء
(5/193)

الظَّاهِر البيّن، يُقَال هُوَ كالوحْي فِي الْحجر إِذا نُقِرَ فِيهِ نَقْراً، وَمِنْه قَول زُهَيْر:
كالوَحْي فِي حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
وَقَالَ لبيد:
فَمَدَافِعُ الرَّيَّان عُري رَسْمُها
خَلَقاً كَمَا ضَمِن الوَحِيُّ سِلامُها
وحّ: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: الوحُّ الوَتد يُقَال هُوَ أفقر من وحَ وَهُوَ الوتد وَهَذَا قَول الْمفضل. وَقَالَ غَيره وحٌّ كَانَ رجلا فَقِيرا فَضُرِب بِهِ المثلُ فِي الحاحة.
قَالَ اللحياني: وحْ زجرٌ للبقر يُقَال: وحوحْتُ بهَا، وَرجل وَحْوَحٌ شَدِيد القوّة يَنْحِمُ بنشاطه إِذا عمل عملا وَرِجَال وَحَاوِحُ، وَالْأَصْل فِي الوَحْوَحَةِ الصوتُ من الْحلق وكلب وَحْوَاحٌ ووَحْوَحٌ وَقَالَ:
يَا رُبَّ شيْخٍ من لُكَيْزٍ وَحْوَحِ
عَبْلٍ شديدٍ أسرهُ صَمَحْمَحِ
حوي: أَبُو عَمْرو: الحوايا المَساطح وَهُوَ أَن يعمدوا إِلَى الصَّفَا فيحوون لَهُ تُرَابا وحجارَةً ليحبس عَلَيْهِم الماءَ وَاحِدهَا حَوِيَّةٌ. وَقَالَ اللَّيْث أَرض مَحْوَاةٌ كَثِيرَة الحيّات. واجتمعوا على ذَلِك. وَقَالَ اليزيديُّ: أَرض محياةٌ ومَحْوَاةٌ كَثِيرَة الحيّات.
عَمْرو عَن أَبِيه: أوْحَى الرجلُ إِذا ملك بعد مُنَازَعَةٍ.
الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت، تَقول استوحِ لنا بَنِي فلَان مَا خبرُهُم؟ أَي استخبِرْهُم. عَمْرو عَن أَبِيه: يُقَال لبياض الْبَيْضَة الَّذِي يُؤْكَل: الآحُ ولصفرتها: الماح.
ابْن هانىء عَن ابْن كَثْوة من أَمْثَالِهم: إنّ من لَا يعرف الوَحَا أَحمَق يَقُولهَا الَّذِي يُتَوَاحى دُونَه بالشَّيْء، أَو يُقَال عِنْد تعيير الَّذِي لَا يعرف الوَحَا.
وَفِي الحَدِيث (إِذا أردْتَ أمرا فتدبّر عاقبته فَإِن كَانَت شرا فانْتَهِ وَإِن كَانَت خيرا فَتَوَحَّهْ) أَي أسْرع إِلَيْهِ.
(5/194)

أَبْوَاب الرباعي من حرف الْحَاء

(أَبْوَاب الْحَاء وَالْقَاف)
ح ق
(سخن) : أَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه كتب عَن أعرابيَ قَالَ:
السخينة (1) دَقِيق يُلْقى على ماءٍ أَو على لبن فيطبخ ثمَّ يُؤْكَل بِتَمْر أَو يُحسى وَهُوَ الحَسَاءُ قَالَ: وَهِي السُّخُونة أَيْضا وَهِي النفية.
(حدرق) : وَالحُدُرّقَّةُ والخَزِيرَةُ. قَالَ: والحَرِيرَةُ أرَقُّ مِنْهَا وَقَالَت جويريةٌ لأمها: يَا أُمَّتَاه أنَفِيتَةً فتّخذ أم حُدْرُقَّة؟ قَالَ: وَالحُدْرُقَّة مثل ذَرْق الطَّائِر فِي الرقَّة.
(حرقد) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحِرْقِد أصل اللِّسَان. والحِلْقِد هُوَ السّيء الخُلُق الثقيلُ الرُّوع.
وَقَالَ اللَّيْث الحَرْقَة هُوَ عُقْدة الحُنْجُور، والجميع الحراقِدُ.
(قردح) : قَالَ: والقُرْدُح: الضخم من القِرْدان. والقَرْدَحُ: ضرب من البُرُود: وَيُقَال: قد قَرْدَحَ الرجلُ إِذا أقَرَّ بِمَا يُطْلَبُ إِلَيْهِ أَو بِمَا طُلب مِنْهُ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ القَرْدَحَةُ الإقرارُ على الضَّيْمِ. قَالَ وَأوصى عبد لله بن حَازِم بَنِيه عِنْد مَوته فَقَالَ: إِذا أَصَابَتْكُم خُطَّة ضَيْم لَا تَقْدِرُون على دَفْعِهِ فَقَرْدِحُوا لَهُ فإنّ اضطرابكم أَشد لِرُسُوخكم فِيهِ. أَخْبرنِي بِهِ الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَبُو زيد القَمَحْدُوَةُ لَا أشرف على القَفا من عَظْمِ الرَّأْس والهامةُ فَوْقَها والقَذَال دُونها مِمَّا يَلِي المَقَذّ.
(حرقف) : قَالَ اللَّيْث: الحُرْقُفة عظم الحَجَبَةِ والدابَّةُ الشديدةُ الهُزال يُقَال لَهَا حُرْقُوفٌ وَقد بَدَت حَرَاقِيفُه. شَمِر الحُرْقُفَةُ رأسُ الوَرِك والجميع الحَرَاقِفُ. وَقَالَ غَيره هِيَ الحَرْكَكَة أَيْضا وَجَمعهَا الحَرَاكِكُ.
(حلقم) : وَقَالَ اللَّيْث الحَلْقَمَةُ قطْع الحُلقوم، وَجمعه حَلاَقِمُ وحَلاَقِيمُ. وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الأصمعيّ يُقَال رُطَبٌ مُحَلْقِنٌ ومُحَلْقِمٌ وَهِي الحُلْقانَةُ والحُلْقامَة وَهِي الَّتِي بَدَأَ
(5/195)

فِيهَا النُّضْج من قِبَل قِمَعِها، فَإِذا أَرْطَبَتْ من قبل ذَنبِهَا فَهِيَ التَّذْنُوبة.
والحُلْقُوم وَهِي الحُنْجُور، وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفْس، لَا يَجْرِي فِيهِ الطعامُ والشرابُ، وَالَّذِي يجْرِي فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب يُقَال لَهُ المَرِيء وَتَمام الذَّكاة بِقطع الحُلْقُوم والمريء والوَدَجَيْن.
(حلقن) : ورُوِي عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: لما نزل تَحْرِيم الْخمر كُنَّا نعْمِدُ إِلى الحُلْقَانةِ وَهِي التَّذْنُوبَةُ فنقطعُ مَا ذَنَّبَ مِنْهَا حَتَّى نَخْلُصَ إِلَى البُسْرِ ثمَّ نفتَضِخُه.
أَبُو عبيد يُقَال للمبسر إِذا بَدَأَ فِيهِ الإِرْطاب من قِبَل ذَنَبه: مُذنَّب، فَإِذا بلغ الإرطاب نصفه فَهُوَ مُجَزَّعٌ، فَإِذا بلغ ثُلثَيْهِ، فَهُوَ حُلْقَانٌ ومُحَلْقِنٌ.
(حملق) : وَقَالَ اللَّيْث: الحِمْلاقُ مَا غَطَّت الجنونَ من بَيَاض المُقْلة. وَقَالَ غَيره حمالِيقُ فرج الْمَرْأَة مَا انضمَّ عَلَيْهِ شَفْرَا أحيَائها. وَقَالَ الراجز:
ويْحَكِ يَا عرَابُ لَا تُبَرْبِري
هَلْ لكِ فِي ذَا العَزَب المُخَصَّر
يَمشي بِعَرْدٍ كالوَظِيفِ الأعْجَرِ
وفَيْشَةٍ مَتى تَرَيْها تَشْفرِي
تَقْلِبُ أَحْيَانًا حَمَالِيقَ الحِرِ
أَبُو زيد: الحماليق بَيَاض الْعين أجمع مَا خلا السوادَ، واحدُها حِمْلاقٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عين مُحَمْلِقَةٌ وَهِي الَّتِي حوْل مقلتها بياضٌ لم يخالط السوادَ. قَالَ والحِمْلاَقُ مَا وَلِيَ المقلة من جلد الجَفْن. وحَمْلَقَ الرجل: إِذا انْقَلَبَ حِمْلاقُ عينه من الْفَزع وَأنْشد:
رَأَتْ رَجُلاً أَهْوَى إِلَيْهَا فَحَمْلَقَتْ
إِلَيْهِ بِمَأْقَي عَيْنِها المُتَقَلبِ
وَقَالَ أَبُو مَالك رجل إنْقَحْرٌ وإنْقَحْلٌ وقَحْرٌ وقَحْلٌ إِذا كَانَ كَبِيرا. وَقَالَ غَيره: رجل إنْقَحْلٌ وَامْرَأَة إنْقَحْلَةٌ إِذا أسنَّا وَأنْشد:
لما رَأَيْتنِي خَلَقاً إنْقَحْلا
(قلحم) : وَقَالَ أَبُو خيرة: شيخٌ قِلْحَمٌّ وقِلْعَمٌّ مُسِنٌّ وَأنْشد:
لَا ضَرَعَ السن وَلَا قِلْحَمّا
(حرقص) : وَقَالَ اللَّيْث: الحُرْقُوص: دُوَيْبَة مُجزّعة لَهَا حُمَةٌ كحمة الزُّنبور وتلدغ، يشبَّه بِهِ أَطْرَاف السيَاطِ، فَيُقَال: أَخَذته الحراقِيصُ، يُقَال ذَلِك لمن يُضْرَب بالسياط. قلت: الحَرَاقِيصُ دوابٌّ صِغَارٌ تثقُب الأساقِيَ وتَقْرِضُها. وَسمعت الأعرابَ يَزْعمُونَ أنّها تدخل فِي فُروج الْجَوَارِي، وَهِي من جنس الجعْلان إِلَّا أنّها أَصْغَر مِنْهَا، وَهِي سُوْدٌ مُنَقَّطة ببياض، وأنشدتني أعرابية من بني نُمَير:
مَا لَقِي البِيضُ من الحُرْقُوصِ
يَدْخُلُ تحتَ الغَلَقِ المَرْصُوصِ
بِمَهْرٍ لَا غَالٍ وَلَا رَخِيصِ
قلت: وَلَا حُمَةَ لَهَا إِذا عضّتْ وَلَكِن عضَّتها تُؤْلم، وَلَا سمّ فِيهِ.
(سمحق) : وَقَالَ اللَّيْث: السمْحَاقُ: جلدَة رقيقَة فَوق قَحْفِ الرأْس إِذا انْتَهَت الشجّة إِلَيْهَا سميت سِمْحَاقاً. وكل جلدَة رقيقةٍ تشبهها تسمى سِمْحَاقاً، نَحْو سماحيقِ
(5/196)

السّلا على الْجَنِين، وَمِنْه قيل: فِي السَّمَاء سماحِيقُ من غيمٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي السمْحَاقُ من الشجَاجِ هِيَ الَّتِي بيْنهَا وَبَين العَظْمِ قُشَيْرَةٌ رقيقَة. قَالَ: وعَلى ثُرْب الشَّاة سماحيقُ من شحْم. وَقَالَ شمر يُقَال: شجّة سمحاقٌ.
(حرزق) : وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال حَرْزَقَ الرجلُ، وَفِي لُغَة حُرْزِق: فُعل بِهِ، إِذا انضمّ وخضع. قلت: لم يَجُدْ فِي تَفْسِير حرزق.
وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال حرزقْتُه حَبسته فِي السجْن، وَأنْشد:
فذَاكَ وَمَا أَنْجَى من الموتِ رَبَّهُ
بِسَابَاطٍ حَتَّى ماتَ وَهُو مُحَرْزَقُ
الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي محرزَق وَرَوَاهُ المؤرج مُحَزْرَق. وَقَالَ هُوَ المضيَّق عَلَيْهِ الْمَحْبُوس قَالَ المؤرج والنَبَط تسمي الْمَحْبُوس المُهَزْرَق بِالْهَاءِ. قَالَ: وَالْحَبْس يُقَال لَهُ هُزْرُوقى وَأنْشد شمر:
أَرِيْنِي فَتى ذَا لَوْثَةٍ وَهُوَ حازِمٌ
ذَرِيني فإنّي لَا أخافُ المُحَزْرَقَا
وَقَالَ اللَّيْث: القُرْزُح: اسْم فرس. وَقَالَ أَبُو عُمَر القُرزُوح شجر، الْوَاحِدَة قرزُوحة. وَقَالَ اللَّيْث شَيْء كُنَّ نساءُ الْعَرَب يَلْبَسْنَه.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: امْرَأَة قُرْزُحَةٌ قَصِيرَة، ابْن السّكيت عَن أبي عَمْرو: القُرْزُحة من النِّسَاء الدميمة القصيرة، والجميع قَرَازِحُ.
(قحطب) : وَقَالَ اللَّيْث يُقَال قَحْطَبهُ بِالسَّيْفِ إِذا عَلاه فَضَربهُ، وقَحْطَبَهُ إِذا صرعه.
(حقطب) : وَقَالَ أَبُو عمر الحَقْطبَة صِياحُ الحَيْقُطَان وَهُوَ ذكر الدُّرَّاج.
(قدحس) : وَقَالَ القُدَاحِسُ من الرِّجَال الجريء الشجاع.
(قمحد) : قَالَ: والقَمَحْدُوَة مُؤخر القَذال وَهِي صفحة مَا بَين الذؤابة وفأسِ الْقَفَا وَيجمع قماحيد وقَمَحْدُوَات.
(حثرق) : قَالَ ابْن دُرَيْد الحُثْرُقَة: خشونة وحُمْرة تكون فِي الْعين.
(قحثر) : وَقَالَ: قَحْثَرْتُ الشيءَ من يَدي إِذا رَدَدْتَه.
(حزقل) : وَقَالَ اللَّيْث: حِزْقَل اسْم رجل. قلت: وَلَا أَدْرِي مَا أصْلُه فِي كَلَام الْعَرَب.
(قلحس) : وَقل اللَّيْث: القِلْحَاسُ من الرِّجَال السمج الْقَبِيح.
(حبلق) : قَالَ: والحَبَلَّقُ أَغْنَام تكون بِجُرَش.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الحبلَّقُ غنم صغَار وَأنْشد:
واذْكُرْ غُدَانةَ عِدَّاناً مُزَنَّمةً
من الحَبَلَّقِ تُبنى حَوْلَها الصيَرُ
(حندق) : وَقَالَ اللَّيْث: الحَنْدَقُوق حشيشة كالقَتّ الرَّطْب.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: هِيَ الذُّرَق.
وَقَالَ شمر يُقَال: حَيْدقوقى وحَنْدَقُوقى وحَنْدَقُوقى. وَقَالَ ابنُ هانىء عَن أبي عُبَيْدَة: الحَنْدَقُوق: الرأراء الْعين، وَأنْشد:
وهَبْتَهُ لَيْسَ بِشَمْشَلِيقِ
وَلَا دَحُوقِ العينِ حَنْدَقُوقِ
والشَّمشَلِيقُ الْخَفِيف، والدَّحُوق الرّأرَاء.
(5/197)

(قحذم) : وَقَالَ اللَّيْث: القَحْذَمَة والتَّقَحذُم الهُوِيُّ على الرَّأْس وَأنْشد:
كَمْ مِنْ عَدُوَ زالَ أَو تَذَحْلَما
كأنَّه فِي هُوَّةٍ تَقَحْذَما
وتذحلمَ إِذا تدهْور فِي بئرٍ أَو من جبلٍ، وستراه فِي مَوْضِعه.
(حذلق) : وَقَالَ اللَّيْث: الحِذْلاَقُ الشَّيْء المُحَدَّد، يُقَال: قد حَذْلَق، قَالَ: والحذْلقة التَّظَرّف. وَقَالَ أَبُو عبيد: إِنَّه ليتحذلَقُ فِي كَلَامه ويتَلَتَّعُ، أَي يتظرف ويتكيَّس، وَقد قَالَه غَيره.
(سمحق) : وَقَالَ اللَّيْث: السُّمْحُوق هُوَ الطَّوِيل الدَّقِيق وَلم أسمع هَذَا الْحَرْف فِي بَاب الطَّوِيل لغيره.
(حيقط) : وَقَالَ اللَّيْث: الحَيْقَطان هِيَ التَّذْرُجَّة، وَقَالَ غَيره هِيَ الدُّرّاجة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الدُّرَّاج يُقَال لَهُ حَنْقط، وَجمعه حَنَاقِطُ. وَقَالَ: حَنْقِطان وحَيقُطان وحُنْقُطٌ.
(زحلق) : أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الزَّحاليف أثَر تزلج الصّبيان من فَوق إِلَى أَسْفَل، واحدتها زُحْلوفة فِي لُغَة أهل العاليَة، وَأما تَمِيم فَتَقول: زُحْلُوقَة بِالْقَافِ.
(قحزن) : أَبُو عبيد عَن أبي زيد: ضربه فَقَحْزَنَهُ أَي صرعه. شمر عَن ابْن الأعرابيّ: قَحْزَنه وقَحْزَلَه وضربه حَتَّى تَقَحْزَن وتقحزَل، أَي وَقع. قَالَ: والقُحْزَنَة الْعَصَا.
ثَعْلَب عَن ابْن نجدة عَن أبي زيد قَالَ القَحْزَنَةُ: الْعَصَا. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: هِيَ الِهرَاوة وَأنْشد:
ضَرَبَتْ جَعَارِ عِنْد بَيْتٍ وجارُها
يِقَحْزَنَتي عَن جَنْبِها جَلَدَاتِ
(قحذم) : وَقَالَ غَيره: تقحْذمَ الرجلُ فِي أمره إِذا تشدّد وقَحْذَمٌ اسْم رجل مِنْهُ.
(حقلد) : أَبُو عبيد: الحَقَلَّدُ الرجل الضيّق الخلُق، وَيُقَال: الضّعيف وَهُوَ الْإِثْم عِنْد بَعضهم فِي قَول زُهَيْر:
بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلَا بِحَقَلَّدِ
وَقَالَ شمر قَالَ الْأَصْمَعِي: الحقلَّد: الحِقْدُ والعداوة فِي قَول زُهَيْر. قَالَ شمر: والقولُ مَا قالَ أَبُو عبيد إِنَّه الْإِثْم. وَقَول الأصمعيّ ضَعِيف. قَالَ شمر وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي: وَلَا بحفلَّد، بِالْفَاءِ وفَسَّره أَنه الْبَخِيل.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: الحفلّد بِالْفَاءِ بَاطِل، والرواة مجمعون على الْقَاف.
(قذحر) : وَقَالَ شمر: المُقْذَحِرُّ الغضبان وَهُوَ الَّذِي لَا ترَاهُ إلاّ وَهُوَ يشارّ النَّاس ويُفحش عَلَيْهِم، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: والاقْذِحْرَارُ سوء الخُلُق وَأنْشد:
فِي غَيْرِ تَعْتَعةٍ وَلَا اقْذِحْرَارِ
وَقَالَ آخر:
مالَكَ لَا جُزِيْتَ غَيْرَ شَر
مِنْ قَاعِدٍ فِي البيتِ مُقْذَحِر
أَبُو عبيد عَن الْفراء قَالَ: المُقْذَحِرُّ: المتهيّىء للسباب. قَالَ: واقذحرّ واقدحَرّ بِمَعْنى وَاحِد.
(5/198)

أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره ذَهَبُوا قِذَّحْرةً بِالذَّالِ وَذَلِكَ إِذا تفَرقُوا فِي كل وَجه.
(حدلق) : أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: أكل الذِّئْب من الشَّاة الحُدَلِقَة، وَهُوَ شَيْء من جَسدهَا. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا هُوَ قَالَ، وَقَالَ غَيره: الحُدَلِقة، الْعين الْكَبِيرَة. وَقَالَ اللحياني قَالَ أَبُو صَفْوَان: عَيْنٌ حُدَلِقَة جاحظة.
(فقحل) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: فَقْحَلَ الرجلُ إِذا أسْرع الغَضَب فِي غير مَوْضِعه، سَلمَة عَن الْفراء رجلٌ فُقْحُلٌ: سريع الْغَضَب.
(قلفح) : ابْن دُرَيْد قَلْفَحَ مَا فِي الإناءِ إِذا شَرِبه أجمع.
(حفلق) : قَالَ وَرجل حَفَلَّقٌ، وَهُوَ الضَّعِيف الأحمق.
(حلفق) : عَمْرو عَن أَبِيه الحُلْفُق الدرابزين وَكَذَلِكَ التَّفَارِيجُ.
حرقم: قُرىء على شمر فِي شعر الحطيئة:
فقلتُ لَهُ أَمْسِكْ فَحَسْبُكَ إِنَّما
سَأَلْتُكَ صِرْفاً مِنْ جِيَادِ الحَرَاقِمِ
قَالَ: الحراقم الأَدَمُ الصرْف الْأَحْمَر.

(أَبْوَاب الْحَاء وَالْكَاف)
(حبرك) : قَالَ اللَّيْث: الحَبرْكَى الضعيفُ الرجْلين الَّذِي قد كَاد يكون مُقْعَداً من ضعفهما.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الحَبَرْكَى هُوَ الطَّوِيل الظّهْر القصيرُ الرجْل.
(زحمك) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: الزُّحْمُوك الكَشُوثَاء، وَجمعه زَحَامِيك.
(كرمح) : وَقَالَ اللَّيْث: الكَرْمَحَةُ فِي العَدْوِ دون الكَرْدَمة، وَلَا يُكَرْدِمُ إلاّ الحمارُ والبغلُ.
(كردح) : قَالَ والكرْدَحَة من عَدْوِ الْقصير المتقارب الخَطْوِ الْمُجْتَهد فِي عَدْوِه. ونحوَ ذَلِك روى أَبُو عبيد وَأنْشد الْأَصْمَعِي:
يَمُرُّ مَرَّ الريحِ لَا يُكَرْدِحُ
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ سَعْيٌ فِي بطءٍ.
(كلحب) : وَقَالَ اللَّيْث: كَلْحَبَةُ من أَسمَاء الرِّجَال. قلت: لم يُدْرَ مَا هُوَ. وَقد روى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: الكَلْحَبَةُ صوتُ النَّار ولهيِبُها، يُقَال: سَمِعت حَدَمةَ النَّار وكَلْحَبَتها.
(كنسح) : كِنْسِيحٌ، قَالَ اللَّيْث: هُوَ أصلُ الشيءِ ومَعْدِنُه.
(حسكل) : ثَعْلَب عَن ابْن الأَعرابي: إِذا جَاءَ الرجلُ وَمَعَهُ صبيانه قُلْنَا جَاءَ بحِسْكِلِه وبِحِسْفِلِه وحَمَكِهِ ودهْدَائِه. وَقَالَ ابْن الْفرج: الحَساكِلُ والحَسَافِلُ: صغَار الصّبيان، يُقَال: مَاتَ فلَان وخلّف يتامى حَسَاكِلَ، وَاحِدهَا حِسْكِلُ وَكَذَلِكَ صغَار كل شَيْء حَساكِل.
(زحلك) : قَالَ: والزَّحَالِيكُ والزَّحَالِيقُ وَاحِد. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: التزحْلُك التزحْلُق، وَهِي الزّحالِيكُ والزّحَالِيقُ.
(حنكل) : أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: الحَنْكَلُ هُوَ الْقصير. وَقَالَ غَيره: امْرَأَة حَنْكَلَةٌ دَمِيمَة وَأنْشد:
حَنْكَلة فِيهَا قِبَال أَوْفَجَا
(5/199)

وَقَالَ اللَّيْث: الحَنْكَلُ: اللَّئِيم.
(حبكر) : أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: جَاءَ فلَان بِأم حَبَوْكَرى، أَي بالداهية وَأنْشد:
فَلَمَّا غَسَا لَيْلِي وأَيْقَنْتُ أَنَّها
هِيَ الأُرَبَى جاءتْ بأُم حَبَوْكَرَى
وَقَالَ شمر قَالَ الفرّاء: وَقع فلانٌ فِي أُم حَبَوْكَرَى وأُم حَبَوْكَرٍ وحَبَوْكَرَانَ وتُلقى مِنْهَا أُمٌّ، فَيُقَال: وَقَعُوا فِي حَبَوْكَرٍ، وَأَصله الرمل الَّذِي يُضَلُّ فِيهِ. قَالَ وَيُقَال: مَرَرْت على حَبَوْكَرَى من النَّاس أَي جماعاتٍ من أَمْكُنٍ شَتَّى لَا يجوز فيهم شيءٌ وَلَا يستَبْرِئهم شَيْء.
وَقَالَ اللَّيْث: حَبَوْكَرٌ: دَاهِيةٌ، وَكَذَلِكَ حَبَوْكَرَى. وَفِي (النَّوَادِر) يُقَال: تَحَبْكَرُوا فِي الْأَمر إِذا تَحَيَّروا، وتَحَبْكَرَ الرّجُلُ فِي طَرِيقه مثلُه إِذا تحيَّر.
(فركح) : قَالَ الفرّاء: الفِرْكَاحُ الرجل الَّذِي ارْتَفع مِذْرَوَا اسْتِه وَخرج دُبُره وَهُوَ المُفَركَحُ وَأنْشد الفرّاء:
جاءتْ بِهِ مُفَرْكَحاً فِرْكَاحَا
(حلكم) : قَالَ الأصمعيّ: الحُلْكُم: الرجلُ الأَسْوَد وَفِيه حَلْكمَةٌ. سَلمَة عَن الفرّاء: الحُلْكُم الْأسود من كل شَيْء فِي بَاب فُعْلُل.
(كلحم) : وَقَالَ اللحياني: الكِلْحِم والكِلْمِحُ: هُوَ التُّرَاب.
(حسكل) : ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: حَسْكَلَ الرجلُ إِذا نحر صغَار إبِله.
(سحكك حلكك) : قَالَ: وَيُقَال: أسودُ سُحْكُوكٌ ومسحَنْكِكٌ وحَلْكوك وحُلَكُوك ومُحلنحِككٌ إِذا كَانَ شَدِيد السوَاد. قلت: وَهَذَا كُله ثلاثيُّ الأَصْل أُلحق بالرباعي.
(كثحم) : أَبُو زيد: رجل كُثْحُمُ اللحيةِ ولحية كُثْحُمَةٌ، وَهِي الَّتِي كَثُفَتْ وقَصُرَتْ وجَعُدَتْ وَمثلهَا الكَثَّة.
(حفنك) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد رجل حَفَبْكى وحَفَنْكى، إِذا كَانَ ضَعِيفا قَالَ: وحَطَنْطَى: يُعَيَّر بهَا الرجل إِذا نسب إِلَى الْحمق.
قَالَ وَرجل كَنْتَح وكَنْثَح بِالتَّاءِ والثاء وَهُوَ الأحمق.

(بَاب الْحَاء وَالْجِيم)
(حرجل) : قَالَ اللَّيْث: الحَرْجَل: قطيع من الْخَيل والحرُجْلُ والحراجل الطَّوِيل الرجلَيْن.
وَقَالَ غَيره: جَاءَ الْقَوْم حَرَاجِلَةً على خيلهم وَجَاءُوا عَرَاجِلَةً أَي مُشاةً. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحَرْجَلَةُ العَرَج. قَالَ وَيُقَال: حَرْجَل الرجل إِذا تمَّم صفّاً فِي صَلَاة وَغَيرهَا. وَيُقَال: حَرْجِلْ: أَي تَممْ. وحَرْجَل إِذا طَال.
وروى أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الحُرْجُل الطَّوِيل.
(جحدر) : وَقَالَ اللَّيْث: الجَحْدَرُ: الرجل الجَعْدُ الْقصير، وَيُقَال جَحْدَرَ صَاحِبَهُ وَجَحْدَلَه إِذا صَرَعه.
(دحرج) : والدَّحَارِيجُ مَا يُدَحْرِجُ الجُعَلُ من العَذِرَة. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال للجُعَلِ المُدَحْرِجُ، وَهِي الدُّحْرُوجَة العَذِرَة الَّتِي يُدَحْرِجُها. وَقَالَ العُجَيْر السَّلُولي:
(5/200)

قِمَطْرٌ كحوَّاز الدَّحَارِيجِ أَبْتَرُ
(حدرج) : وَوَتَرٌ محدرَج أملسُ، شُدَّ فَتْلُه
وَقَالَ ابْن شُمَيْل هُوَ الجيّد الْغَارة المُسْتوِي.
وسَوْطٌ مُحَدْرَجٌ صَغِير.
(جحدل) : وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال جَحْدَلْتُه أَي صرعته وَمِنْه قَوْله:
نحنُ جَحْدَلْنَا عِيَاذاً وابْنَه
بِبَلاَطٍ، بَيْنَ قَتْلَى لم تُجَنْ
وَقَالَ ابْن حبيب تَجَحْدَلَت الأتان إِذا تقبّض حياؤها للوِدَاق، وَأنْشد بَيت جرير:
وكَشَفْتُ عَنْ أَيْري لَهَا فَتَجَحْدَلتْ
وكذاكَ صَاحِبَةُ الوِدَاقِ تَجَحْدَلُ
قَالَ: تَجَحْدُلُها تقبُّضُها واجتماعُها. قَالَ وَقَالَ الْوَالِبِي:
تَعالَوْا نَجْمَعِ الأحوالَ حَتَّى
نُجَحْدِلَ مِنْ عَشِيرَتِنَا المِئِينا
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: المجحْدِل: الَّذِي يَكْرِي من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة أُخْرَى وَهُوَ الضَّفَّاط أَيْضا. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: جحدلَ إِذا اسْتَغْنى بعد فقرٍ. وجَحْدَلَ إِذا صَار جَحَّالاً، وجحدَلَ إناءَه إِذا مَلأَهُ.
(حرجف) : وَقَالَ اللَّيْث الحَرْجَفُ الرّيح الْبَارِدَة وَقَالَ الفرزدق:
إِذا اغْبَرَّ آفاقُ السَّماءِ وهَتَّكَتْ
سُتُورَ بُيُوتِ الحَي حِمراءُ حَرْجَفُ
(حرجم) : أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: المُحْرَنْجِمُ المجتَمِعُ وقَال اللَّيْث: حرجمْتُ الْإِبِل إِذا رددتَ بعضَها على بعض وَقَالَ العجاج:
يكونُ أَقْصَى شَلهِ مُحْرَنْجِمُهْ
قَالَ الْبَاهِلِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْقَوْم إِذا فاجأتْهُم الْغَارة طردوا نَعَمهم ثمَّ أَقَامُوا يُقَاتلُون، فَيَقُول: هَؤُلَاءِ من عِزهم وكثرتهم إِذا أَتَتْهُم الْغَارة لم يطرُدُوا نَعَمهم، وَكَانَ أقْصَى طردهم لَهَا أَن يُنيخُوها فِي مباركها ثمَّ يقاتلوا عَنْهَا. ومَبْركها مُحْرَنْجَمها أَي تَحْرَنْجِمُ فِيهِ وتجتمع وَيَدْنُو بَعْضهَا من بعض.
(حنجر) : أَبُو عبيد عَن أبي زيد الحُنْجُور هُوَ الحُلْقوم.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَنْجَرَةُ جَوف الحُلْقُوم وَهُوَ الحُنْجُور.
وَقَالَ الله عز وَجل {الاَْزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} (غَافر: 18) أَرَادَ أَنَّ الْفَزع يُشْخِص قُلُوبهم حَتَّى تَقْلص إِلَى حَنَاجِرهمْ وَقَالَ النَّابِغَة:
بِأَذْنَابِها قبل اسْتِقَاءِ الحَنَاجِرِ
وَقَالَ غَيره المُحَنْجِرُ دَاء البشيذق.
(رجحن) : وَقَالَ اللَّيْث ارْجَحَنّ الشيءُ إِذا وَقع بِمَرّة، وارجحنّ أَيْضا إِذا اهتزّ وَأنْشد:
وشَرَاب خُسْرُوَانيُّ إِذا
ذاقَهُ الشيخُ تَغَنَّى وارْجَحَنّ
(5/201)

ورَحىً مُرْجَحِنَّة ثَقيلَة. قَالَ النَّابِغَة:
إِذا رجَفَتْ فِيهَا رحى مُرْجَحِنَّةٌ
تَبَعَّجَ ثَجَّاجاً غَزِيرَ الحَوَافِلِ
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: المُرْجَحِنُّ المائِل قلت: وأنشدتني أعرابية بِفَيْدَ:
أَيَا أُخْتَ عَدّايَا شبيهةَ كَرْمَةٍ
جرَى السّيلُ فِي قُربانِها فارْجَحَنَّتِ
أَرَادَ أَنَّهَا أُوقِرَتْ حَتَّى مَالَتْ من كَثْرَة مَا حَمَلت. وَيُقَال: أَنا فِي هَذَا الْأَمر مُرْجَحِنٌّ لَا أَدْرِي أَيَّ فَنَّيْهِ أركب أَي صَرْعَيْه وصَرْفيه وَرَوْتَيْه أركب. وَيُقَال: فلَان فِي دنيا مرجحنَّة أَي وَاسِعَة كَثِيرَة. وامرأةٌ مرجَحِنّة إِذا كَانَت سمينَةً فَإِذا مشت تَفَيَّأَت فِي مِشيتها.
(حنجد) : عَمْرو عَن أَبِيه الحُنْجُد: الحَبْل من الرمل الطَّوِيل.
(حندج) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الحَنَادِيجُ حِبَالُ الرَّمْل الطوَال.
وَقَالَ اللَّيْث: هِيَ رَملَة طيبَةٌ تُنبت ألواناً من النَّبَات. وَقيل: الحَنَادِيجُ رَمَلاَتٌ قصار، وَاحِدهَا حُنْدُج وحُنْدُوجة.
(وَأنْشد أَبُو زيد لجندل الطهوي فِي حنادج الرمال:
يَثُور من مشاقر الحنادِج
وَمن ثنايا القُفّ ذِي الفَوَائج
من ثَائِر وناقزِ ودارج
ومستقل فَوق ذَاك مائج
يَفْرُك حبَّ السنبُل الكُنَافِجِ
بالقاع فرك القطْن بالمَحَالِجِ
قَالَ والكُنَافِجُ السمين الممتلىء، يصف الْجَرَاد وكثرته) .
(حملج) : وَقَالَ اللَّيْث: حَمْلَجْتُ الحبْلَ إِذا فتلْتَه.
قَالَ والحِمْلاج منفاخ الصَّائِغ. والحِمْلاَجُ قَرْنُ الثور يشبه بِهِ المنفاخ وَقَالَ الْأَعْشَى:
تنفُضُ المَرْدَ والكَبَاثَ بِحِمْلاَ
جٍ لَطِيفٍ فِي جَانِبَيْهِ انْفِراقُ
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الحماليج قُرُون الْبَقر وَهِي مَنَافِخُ الصَّاغة أَيْضا. وَيُقَال للعَيْر الَّذِي دُوخِل خَلْقُهُ اكتنازاً وكثرةَ لَحْمٍ مُحَمْلَج قَالَ رؤبة:
مُحَمْلَجٌ أُدْرِجَ إِدْراجَ الطَّلَقْ
(حشرج) : وَقَالَ اللَّيْث: الحَشْرَجَةُ: تردُّد صَوت النفَس وَهُوَ الغرغرة فِي الصَّدْر. قَالَ: والحَشْرَجُ المَاء العذب من مَاء الحِسْي. قلت: الحشرَجُ المَاء الَّذِي تَحت الأَرْض لَا يُفطن لَهُ فِي أَبَاطح الأَرْض، فَإِذا حُفِر عَنْه وَجْهُ الأَرْض قَدْر ذِراعين جَاشَ المَاء الرَّواء، تسميها الْعَرَب الأَحْسَاء والكِرَارَ والحَشَارِج، وَمِنْه قَوْله:
فَلَثَمْتُ فاهاً قابِضاً لِقُرُونِها
شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَج
(5/202)

وَقَالَ أَبُو زيد: الحشْرَجُ كَذَّانُ الأَرْض الْوَاحِدَة حشرجةٌ، وَقيل: وَهُوَ الحِسْيُ الحَصِبُ.
وروى أَبُو عَمْرو عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ: الحشرج النُقَّرَة فِي الْجَبَل، يجْتَمع فِيهَا المَاء فيصفو. قَالَ وَقَالَ الْمبرد: الحَشْرَجُ فِي هَذَا الْبَيْت الكوزُ الرَّقِيق الحارِيّ، والنزيف السكرانُ، وَيكون المحمومَ.
(جحشر) : ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء قَالَ الجُحَاشرِ، الضخم وَأنْشد فِي صفة إبل لبَعض الرجاز:
تَسْتَلُّ مَا تحتَ الإزارِ الحاجِرِ
بِمُقْنِعٍ من رأسِها جُحَاشِر
قَالَ المُقْنِعُ من الْإِبِل الَّذِي يرفع رَأسه وَهُوَ كالخِلْفة والرأسُ مُقْنعٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الجَحْشَر: من صِفَات الْخَيل وَالْأُنْثَى جحشَرةٌ. قَالَ وَإِن شِئْت قلت جُحَاشِر وَالْأُنْثَى جحاشرة وَهُوَ الَّذِي فِي ضلوعه قِصَرٌّ، وَهُوَ فِي ذَلِك مُجْفرٌ كإِجْفَارِ الجُرْشُعِ وَأنْشد:
جُحاشِرَة صَتْمٌ طِمِرُّ كَأَنَّهَا
عُقَابٌ زَفَتْها الريحُ فَتَخَاءُ كَاسِرُ
قَالَ والصَّتْم الَّذِي شنحت محاني ضلوعه حَتَّى سادت بمتْنه وَعرضَتْ صَهْوَتُه، وَهُوَ أصَمُّ الْعِظَام، وَالْأُنْثَى صَنْمَةٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الجُحاشِرُ الحادرُ الخَلْقِ العظيمُ الْجِسْم العَبْلُ المفاصِل.
(جحشل) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الجَحْشَلُ والجُحَاشِلُ السَّرِيع الْخَفِيف وَقَالَ الراجز:
لاقَيْتُ مِنْهُ مُشْمَعِلاًّ جَحْشَلاَ
إِذا خَبَبْتُ لِلقاءِ هَرْوَلاَ
(جحمش) : قَالَ: والجَحْمَشُ العجوزُ الْكَبِيرَة.
(جحشم) : وبعير جَحْشَمٌ إِذا كَانَ منتفخ الجنبين.
وَقَالَ الفقعسي:
نِيط بجَوْز جَحْشَمٍ كُمَاتِر
(سمحج) : وَقَالَ اللَّيْث: السَّمْحَجُ الأَتَان الطَّوِيلَة الظّهْر وَكَذَلِكَ السَّمْحَاجُ والجميع السماحِيجُ.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي فِي السمحج مثله وَلم يذكر السمحاج. قَالَ: وَجَمعهَا سماحيج.
وَقَالَ غَيره السمحجة الطولُ فِي كل شَيْء. وقوسٌ سمحجٌ طَوِيلَة.
وَقَالَ الطِرماح يصف صائداً:
يَلْحَسُ الرَّصْفَ لَهُ قَضبَةٌ
سَمْحَجُ المَتْنِ هَتُوفُ الخِطَامْ
(جردح) : وَفِي (النَّوَادِر) يُقَال جِرْدَاحٌ من الأَرْض وجرْدَاحَةٌ وَهِي آكام الأَرْض. وَغُلَام مُجَرْدَحُ الرَّأْس.
(بحزج) : أَبُو عبيد البَحْزَجُ الجُؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية.
وَقَالَ غَيره: المُبَحْزَجُ المَاء المُغْلَى النِّهَايَة فِي الحرَارة، والسخيمُ المَاء الَّذِي لَا حارٌّ هُوَ وَلَا باردٌ.
(جلدح) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد الجُلادِحُ الطَّوِيل وَجمعه جَلادِحُ.
(5/203)

وَقَالَ الراجز:
مثل الفنيقِ العُلْكَمِ الجُلادِحِ
(حندج) : قَالَ: والحَنَادِجُ الْإِبِل الضخام شبهت بالرمال وَأنْشد:
من دَر جُوْفٍ جِلَّةٍ حَنَادِج
(حفضج) : الْأَصْمَعِي رجل حِفْضَاجٌ إِذا كثُر لَحْمه واسترخى بَطْنه وَرجل حُفَاضِجٌ مثله وعُفاضج.
وَقَالَ أَبُو مَهْدية: إِن فلَانا معصوبٌ مَا حُفْضِج، وَكَذَلِكَ العِفْضَاجُ وَقد مرَّ تَفْسِيره.
(ضجحر) : وَقَالَ الْأَصْمَعِي: ضَجْحَرْتُ القِرْبَةَ ضَجْحَرَةً إِذا ملأتها وَقد اضْجَحَرّ السقاءُ اضْجِحْراراً إِذا امْتَلَأَ.
وَقَالَ الشَّاعِر:
تَتْرُكُ الوَطْبَ شَاصِياً مُضْجَحِرّاً
بعدَما أَدَّتِ الحُقُوقَ الحُضُورا
شمر: الحِضَجْرُ: السّقَاء الضّخم.
(حضجر) : أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه من أَسمَاء الضباع حَضَاجر بِفَتْح الْحَاء اسمُ واحدٍ على لفظ الْجمع قَالَ وَمِنْه قَول الحطيئة:
هَلاَّ غَضِبْتَ لجارِ بيْتِك
إِذْ تهتَّكُه حَضَاجِر
قَالَ شمر: إِنَّمَا سميت حَضَاجِرَ لعظم بطْنها.
قَالَ وَقَالُوا حَضَاجِرَ فجعلوها جَمِيعًا كَمَا قَالُوا مُغَيْرِباتُ الشَّمْس ومُشَيْرِقَاتُ الشَّمْس، وَمثله جَاءَ الْبَعِير يَجُرُّ عَثَانِينَهُ وإبلٌ حَضَاجِرُ قد شربت وأكلت الحَمْضَ فانتفخت خواصرها. وَقَالَ:
إِنّي سَتَرْوِي عَيْمَتِي يَا سالما
حَضَاجِرُ لَا تَقْرَبُ المَوَاسِمَا
(حضجم) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد رجل حِضْجَمٌ وحُضَاجِم وَهُوَ الجافي الغليظ اللَّحْم وَأنْشد:
لَيْسَ بِمبْطان وَلَا حُضَاجِمِ
(حنضج) : قَالَ: والحِنْضِجُ: الرجل الرخو الَّذِي لَا خيرَ عِنْده، وَأَصله من الحِضْبحِ وَهُوَ المَاء الخاثر الَّذِي فِيهِ طُمْلَةٌ وطين.
(جحظم) : قَالَ والجَحْظَمُ هُوَ الْعَظِيم الْعَينَيْنِ، من الجحظ، وَالْمِيم زَائِدَة.
(جلحظ) : قَالَ: والجِلْحِظٌ والجِلحاظ الْكثير الشّعْر على الجسدِ، الضخمُ.
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : جِلظاء من الأَرْض وجِلذَاء وجلذَان وجِلْحاظٌ.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سَمِعت عبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي يَقُول أَرض جِلْحِظَاء بالظاء والحاء غيرُ مُعْجمَة وَهِي الصُّلْبَة. قَالَ: وَخَالفهُ أصحابُنا فَقَالُوا جِلْخِظاء فَسَأَلته فَقَالَ هَكَذَا رَأَيْته قلت أَنا وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن جلحظاء، لَا أَشك فِيهِ.
(جحمظ) : وَقَالَ اللَّيْث الجَحْمَظَة القِماطُ وَأنْشد:
لَزَّ إِليه جَحْظَواناً مِدْلَظا
فظلَّ فِي نِسْعَتِه مُجَحْمَظَا
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: جحمظْتُ الغلامَ جَحْمظة إِذا شددتَ يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ ثمَّ ضربتَه.
وَقَالَ شمر سَأَلت ابْن الأعرابيّ عَن قَوْله جحمظْت فَقَالَ أَخْبرنِي بِهِ الدبيريّ الْأَسدي
(5/204)

هَهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى دكان. جَحْمَظَهُ بالحبل أوثقه كَيفَ مَا كَانَ.
(حفلج) : أَبُو عبيد: الحَفَلَّجُ من الرِّجَال الأفْحَجُ، وَهُوَ الَّذِي فِي رجله اعوجاج.
(جحفل) : وَقَالَ اللَّيْث جَيش جَحْفَلٌ كثير، وَهَكَذَا.
قَالَ أَبُو عبيد: وَأنْشد اللَّيْث:
وَأَرْعَن مُجْرٍ عَلَيْهِ الأَدَا
ةُ ذِي تُدْرَإٍ لَجِبٍ جَحْفَلِ
وجحافل الْخَيل أفْوَاهُها وَرجل جَحْفَلٌ سيّد عَظِيم الْقدر. وَقَالَ أَوْس:
وَإِن كَانَ قَرْماً سَيدَ الأمرِ جَحْفَلا
أَبُو مَالك: تجحفل القومُ إِذا اجْتَمعُوا.
(حنجف) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحَنَاجِفُ رُؤوس الْأَوْرَاك وَاحِدهَا حُنْجُفٌ. وَيُقَال حَنْجَفٌ، قَالَ: والحُنْجُوف رَأس الضلع ممّا يَلِي الصُّلْبَ.
وروى الخزازُّ عَنهُ: الحناجف رُؤُوس الأضلاع وَلم يسمع لَهَا بِوَاحِد، وَالْقِيَاس حنجفة.
قَالَ ذُو الرمة:
جُمَالِيَّةٌ لم يَبْقَ إِلَّا سَرَاتُها
وألواحُ شم مُشْرِفَاتُ الحَنَاجِفِ
(جحلم) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جَحْلَمه: صرعه وَأنْشد:
هُمْ شَهِدُوا يَوْم النسارِ المَلْحَمَهْ
وغَادَرُوا سَراتَكُمْ مُجَحْلَمَهْ
(جمحل) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الجُمَّحْلُ لحم دَابَّة الصدف وَقد ذكره الْأَغْلَب فِي أرجوزة لَهُ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر الجُمَّحْلُ اللَّحْم الَّذِي يكون فِي الصدفة إِذا شُقّت.
(حنجل) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد الحُنْجُل ضرب من السبَاع زَعَمُوا.
(حبرج) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الحَبَارِيْجُ طيور المَاء الملمَّعة.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد الحُبَارِجُ ذكر الحُبَارى.
(وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحُبَارِجُ من طير المَاء) .
(حبجر) : أَبُو عبيد الحِبَجْرُ الْوتر الغليظ وَهُوَ الحُبَاجِرُ وَأنْشد:
والقوسُ فِيهَا وَتَرٌ حِبَجْرُ
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
تُخْرِجُ مِنْهَا ذَنَباً حُنَاجِرَا
(جلبح) : ابْن السّكيت عَن أبي عَمْرو الْجِلْبِحُ الْعَجُوز الدميمة وَأنْشد:
إِنِّي لأَقْلِي الجِلْبَحَ العجوزا
وأَمِقُ الفَتِيَّةَ العُكْمُوزَا
(بحزج) : والمبَحْزَجُ المَاء الْحَار قَالَه ابْن السّكيت.
(جلحب) : وَقَالَ ابْن السّكيت رجل جِلْحَابُ وجِلْحَابَةٌ وَهُوَ الضخم الأجْلَحُ.
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الجِلْحَبُّ: الرجل الطَّوِيل الْقَامَة وَأنْشد:
(5/205)

وَهِي تُرِيدُ العَزَبَ الْجِلْحَبَّا
يَسْكُبُ ماءَ الظَّهرِ فِيهَا سَكْبَا
وَقَالَ اللَّيْث: شيخ جِلْحَابٌ وجِلْحَابَةٌ هُوَ القديمُ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الجِلْحَابُ: فُحَّالُ النَخْلِ.
والجِنْحَابُ: الْقصير الملزّز.
(جحنب) : عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الْجَحْنَبَةُ: الْمَرْأَة القصيرة وَهِي القعْنَبَةُ.
وَقَالَ اللَّيْث: الْجحْنَبُ الرجل الشَّديد، وَأنْشد:
وصاحِبٍ لي صَمْعَرِيَ جَحْنَبِ
كاللّيثِ خِنَّابٍ أَشَمَّ صَقْعَبِ
وَقَالَ النَّضر: الْجَحْنَبُ القِدْرُ الْعَظِيمَة، وَأنْشد:
مَا زالَ بالهِيَاطِ والمِيَاطْ
حَتَّى أَتَوْا بِجَحْنَبٍ تُسَاطْ
(حنبج) : شمر عَن الرياشيّ عَن أبي زيد: الحِنْبَجُ بجرّ الْحَاء الْقمل.
قَالَ وَقَالَ الأصمعيّ الْخُنْبُج بِالْخَاءِ وَالْجِيم الْقمل.
وَقَالَ الرياشيّ وَالصَّوَاب عندنَا مَا قَالَه الأصمعيّ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُنْبُجُ الضخم الممتلىء من كل شَيْء. وَرجل حُنْبُج وحُنَابج. وَقَالُوا سنبلة حُنبجة ضخمة، وَأنْشد:
يَفْرُكُ حَبَّ السُّنبُلِ الحُنَابِجِ
بالقاعِ فرْكَ القُطْنِ بالمَحَالِج
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الحُنابِجُ صغَار النَّحْل ورجلٌ حُنْبُجٌ منتفخ عَظِيم.
وَقَالَ هِمْيانُ بن قُحَافَة:
كأَنَّها إذْ سَاقَتِ العَرَافِجَا
من داسم وَالجَرَع الحَنَابِجَا
(حنجر) : وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: أَنه أنْشدهُ:
لَو كَانَ خَزُّ واسِطٍ وسَقَطُه
حُنْجُورُه وحُبُّه وسَقَطُه
يَأْوي إِلَيْهَا أَصبَحت تُقَسَّطُه
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله: حُنجوره: قَالَ: هُوَ شبه البُرْمة من زجاج يَجْعَل فِيهِ الطّيب.
وَقَالَ غَيره: هِيَ قَارُورَة طَوِيلَة تجْعَل فِيهَا الذَّرِيرة.
(حربج) : إِبلٌ حَرَابِجُ (ضخام) وبعير حُرْبُجٌ.
(جلحم) : والمَجْلَحِمَّة: الْإِبِل المجتمعة.

(بَاب الْحَاء وَالضَّاد)
(حنضل) : قَالَ اللَّيْث: الحَنْضَلُ هُوَ قَلْتٌ فِي صَخْرَة.
قلت: هَذَا حرف غَرِيب.
وروى أَبُو عمر عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الحنْضَل غَدِير المَاء.
(حضرم) : أَبُو عبيد:
(5/206)

حَضْرَم الرجل إِذا لحن فِي كَلَامه بِالْحَاء. وحَضْرَمَوتُ مَوضِع بِالْيمن مَعْرُوف. ونعل حضْرَميّ إِذا كَانَ مُلَسَّناً.
وَيُقَال للْعَرَب الَّذين يسكنون حَضْرموتَ من أهل الْيمن: الحضَارِمةُ، هَكَذَا يُنْسَبون كَمَا يُقَال المهالِبة والسَّقَالبة.
(حرفض) : قَالَ اللَّيْث: نَاقَة حِرْفَضَةٌ: كَرِيمَة، وَأنْشد:
وقُلُصٍ مُهْرِيَّةٍ حَرَافِضِ
وَقَالَ شمر: إبل حَرَافِضُ إِذا كَانَت مهازِيلُ ضوامرٌ.

(بَاب الْحَاء والشين)
(حشبل) : شمر عَن ابْن شُمَيْل: إِن فلَانا لذُو حَشْبَلَةٍ أَي ذُو عِيال كثير.
وَقَالَ اللَّيْث نَحوه: حشبلة الرجل عِيَاله.
(بحشل) : وَقَالَ ابْن الأعرابيّ بَحْشَلَ الرجل إِذا رقص رقص الزَّنْج.
(حرشف) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال لطين الْبَحْر الحَرْمَدُ.
قَالَ وَيُقَال للحجارة الَّتِي تنْبت على شطّ الْبَحْر الْجَشَرُ والحُرْشُفُ.
وَقَالَ اللَّيْث: الحُرْشَفُ فلوس السَّمَكَة.
قَالَ: وحَرْشَفُ السِّلَاح مَا زُيّن بِهِ.
قلت أَنا: حَرْشَفُ الدرْع حُبُكها شُبّه بِحَرْشَفِ السّمك، وَهِي شبه الْفُلُوس على ظهرهَا والحَرْشَفُ نبت عريض الْوَرق رَأَيْته فِي الْبَادِيَة.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الحَرْشَف الكُدْس بلغَة أهل الْيمن يُقَال دُسْنا الحَرْشَفَ. والحرشَفُ الْجَرَاد. والحَرْجف الرّجَّالة.
قَالَ ذَلِك أَبُو عَمْرو، وَأنْشد:
كأَنَّهم حَرْشَفٌ مَبْثُوثٌ
بالجَو إذْ تَبْرُقُ النعالُ
يُرِيد الْجَرَاد وَقيل هم الرجَّالة فِي هَذَا الْبَيْت.
(شرمح) : وَقَالَ اللَّيْث: الشَّرْمَحُ والشرمحيّ: الْقوي.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الشَّرْمَحُ الطَّوِيل من الرِّجَال.
قلت وَيُقَال: شَرَمَّحٌ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
أشَمُّ طويلُ السَّاعِدَيْن شَرَمَّحُ
وهم الشرامحُ. وَيُقَال شَرَامِحَة.
(حترش) : حِتْرِشٌ من أَسمَاء الرِّجَال وَبَنُو حِتْرِش بطن من بني مُضَرس وهم من بني عُقَيْل.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الفرّاء حَشَد الْقَوْم وحَشَكوا وتَحَتْرَشُوا بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ أَبُو سعيد: سَمِعت للجراد حَتْرَشَةً وخَتْرشة إِذا سمعتَ صوتَ أكله.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: يُقَال للغلام الْخَفِيف النشيط: حُتْرُوش.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الحُتْروش الْقَلِيل الْجِسْم.
وَقَالَ يُقَال: سعى فلَان بَين يَدي القَوْمِ فَتَحَتْرشُوا عَلَيْهِ، فَلم يدركوه، أَي سعوا عَلَيْهِ وعَدَوْا ليأخذوه.
(5/207)

(حربش) : شمر قَالَ الفرّاء: الحِرْبَشُ والحِرْبِشَةُ: الأفعى.
قَالَ: وَرُبمَا شدّدوا الْبَاء فَقَالُوا حِرِبّش وحِرِبّشة.
وَقَالَ غَيره: حِرْبِيشٌ، وَمِنْه قَول رؤبة:
غَضْبَى كَأَفْعَى الرمْثَة الحِرْبِيْش
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ هِيَ الْخَشْنَاء فِي صَوت مشيها.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ الْكَثِيرَة السُّم.
وَقَالَ أَبُو خَيْرة: من الأفاعي الحِرْفِشُ والحَرَافش.
قَالَ: وَقد يَقُول بعض الْعَرَب: الحِربِش قَالَ وَمن ثمّ قَالُوا:
هَلْ يَلِدُ الحِرْبِشُ إِلَّا حِرْبِشَا
(حنبش) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: يُقَال للرجل إِذا نَزَا ورقص حَنْبَش وزَفَر. وَقيل الحَنْبَشَة: الرقص والتصفيق وَالْمَشْي.
وَفِي (النَّوَادِر) : الحَنْبشَةُ لَعِبُ الْجَوَارِي بالبادية.
(حنفش) : وَقَالَ شمر الحِنفِش حَيَّة عَظِيمَة ضخمة الرَّأْس رقشاء حَمْرَاء كدراء إِذا حَرَّبتَها انتفخ وريدُها.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: هُوَ الحُفَّاثُ نفسُه.
وَقَالَ أَبُو خيرة: الحِنْفِيشُ هِيَ الأفعى، وَجَمعهَا حَنَافِيش.
(فرشح) : وَقَالَ اللَّيْث: فرشحت النَّاقة إِذا تفحّجَت للحلب، وفَرْطَشَتْ للبول.
قلت: هَكَذَا قرأتُه فِي نسخ من كتاب اللَّيْث. وَالَّذِي سمعناه من الثِّقَات فَرْشَطَت إِلَّا أَن يكون مقلوباً.
وَقَالَ اللَّيْث: الفِرْشَاحُ من النِّسَاء وَمن الْإِبِل: الكبيرَة السَّمِجَة.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الفِرْشاحُ: الأَرْض العريضة الواسعة.
قلت: هَكَذَا أَقْرَأَنِيهِ الإياديّ.
وَقَالَ: رَوَاهُ شمر بِالسِّين ثمَّ قَالَ لنا هُوَ تَصْحِيف.
قَالَ: وَالصَّوَاب الفِرشَاحُ بالشين من فرشح فِي جِلْسَته، وَأنْشد: قَول أبي النَّجْم فِي صفة الْحَافِر:
لَيْسَ بِمُصْطَرَ وَلَا فِرْشَاحِ
يَعْنِي حافر الْفرس أَنه لَيْسَ بمصرور مُجْتَمع ضيق وَلَا بعريض جدا وَلكنه وأْب مقتدر.
(شمحط) : أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ الشُّمْحُوط الطَّوِيل وَنَحْو ذَلِك، قَالَ اللَّيْث.
(شفلح) : أَبُو عبيد عَن أبي زيد الشَّفَلَّحُ من الرِّجَال الْوَاسِع المنخرين الْعَظِيم الشفتين، وَمن النِّسَاء الْعَظِيمَة الإسْكَتَيْنِ الواسعة المتَاع. وَأنْشد أَبُو الْهَيْثَم:
لَعَمْرُ الَّتِي جاءتْ بكم من شَفَلَّحٍ
لَدَى نَسَبَيْها ساقِطَ الإِسْبِ أَهْلَبَا
والإسب: شعر الاست. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الشَّفَلَّحُ القِثَّاء يكون على الكَبَر قلت هُوَ تمر الكَبَر إِذا تفتح وَفِيه حمرَة.
(شرحف) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ الشُّرْحُوف المُستعِدّ للحملة على العَدُوّ.
(5/208)

وَقَالَ أَبُو عَمْرو: اشرحَفَّ الرجل للرجل إِذا تهَيَّأ لَهُ مُحَاربًا وَأنْشد:
لمّا رأيتُ العبْدَ مُشْرَحِفَّا
للشّر لَا يُعْطِي الرّجالَ النصْفا
أَعْذَمَته عُضَاضَهُ والكَفَّا
وَقَالَ أَبُو دواد:
وَلَقَد عدوت بمُشْرَحِفّ
الشّد فِي فِيهِ اللجام
قلت وَبِه سُميَّ الرجلُ شِرحافاً.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: رجل شِرْداحُ القَدَمِ إِذا كَانَ عريضَها غليظَها.

(بَاب الْحَاء وَالصَّاد)
(حصرم) : قَالَ اللَّيْث: الحِصْرِم: العَوْدَقُ. قلت: هُوَ الكحْب. وَهُوَ حبُّ العِنَب إِذا صَلُب، وَهُوَ حامضٌ. وَقَالَ أَبُو زيد: الحِصْرِم حشَفُ كلّ شَيْء. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: عَطاء مُحصرَم: قَلِيل.
وَقَالَ اللَّيْث رجل مُحصْرَمٌ قَلِيل الْخَيْر.
وَقد حصرم قوسَهُ: إِذا شدّ توتيرها.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال للرجل الضّيق الْبَخِيل حِصِرمٌ.
قَالَ وَيُقَال حصرم قوسَه وحَظْرَبَهَا إِذا شدّ توتيرها وَرجل محظرب شَدِيد الشكيمة وَأنْشد:
وكائِنْ تَرَى مِنْ يلمعِيَ مُحَظْرَبٍ
وَلَيْسَ لهُ عندَ العزائمِ جُولُ
وَقَالَ الْأَصْمَعِي حصرَمْتُ القِرْبةَ إِذا ملأتها حَتَّى تضيق وكل مضيّق محصرَمٌ.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: زُبْدٌ مُحَصْرَم، وَهُوَ الَّذِي يتفرق فَلَا يجْتَمع من شدَّة الْبرد.
(صردح) وَقَالَ اللَّيْث: الصَّردَحُ: الْمَكَان الصُّلْب.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ والأصمعيّ فِي الصَّردَح مثله.
وَقَالَ غير هَؤُلَاءِ: الصَّرْدَحُ الْمَكَان الْوَاسِع الأملس المستوي. قلت: وَأما السِرْداح والسَّرادح فتفسيرها فِي بَاب السِّين الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب.
(صلدح) : وَقَالَ اللَّيْث: الصَّلْدَحُ هُوَ الْحجر العريض لمَال وَجَارِيَة صَلْدَحةٌ: عريضة.
(صمدح) : وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : ضَرْبٌ صَوادِحِيٌّ وصُمَادحِيُّ شديدٌ بيّن.
(صردح) : وَقَالَ شمر قَالَ ابْن شُمَيْل: الصَّرَادِحُ: واحدتها صَرْدَحةٌ، وَهِي الصَّحرَاء الَّتِي لَا شجر بهَا وَلَا نبت، وَهِي غَلْظٌ من الأَرْض وَهِي مستوية.
قَالَ شمر: وَقَالَ أَبُو عَمْرو الصَّرْدَحُ الأَرْض الْيَابِسَة الَّتِي لَا شَيْء بهَا.
(صمدح) : أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الصُّمَادِح الْخَالِص من كل شَيْء وَسمعت أَعْرَابِيًا يَقُول لنُقْبَة جَرَبٍ رَآهَا رِيئَتْ حَدِيثَة فِي العير فشكّوا فِيهَا أَجَربٌ أم بَثْرٌ، فَلَمَّا لمسها قَالَ هَذَا حَاقُّ صُمادِحِ الجَرَبِ.
وَرجل صَمَيْدَحٌ: صُلْبٌ شَدِيد.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الصُّمادح أَيْضا: الشَّديد من كل شَيْء وَأنْشد:
فَشَامَ فِيهَا مِذْلَغاً صُمَادِحَا
أَي ذكرا صُلْباً.
(5/209)

(حنبص) : سَلمَة عَن الفرّاء: الحَنْبَصَةُ: الرَّوَغان فِي الْحَرْب.
أَبو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: أَبُو الحِنْبِص: كنية الثَّعْلَب واسْمه السَّمْسَم.
(حصلب) : قَالَ: والحِصْلِبُ التُّرَاب.
(حربص) : أَبُو عبيد عَن اليزيدي فِي الْأَمْثَال: مَا عَلَيْهِ حَرْبَصِيصَةٌ وَلَا خَرْبَصِيصَة: بِالْحَاء وَالْخَاء.
قَالَ أَبُو عبيد: وَالَّذِي سمعناه خَرْبَصِيصَة بِالْخَاءِ.
قَالَه أَبُو زيد والأصمعي بِالْخَاءِ وَلم يعرف أَبُو الْهَيْثَم حربصيصة، بِالْحَاء.

(بَاب الْحَاء وَالسِّين)
(حرمس) : شمر: سقون حَرَامِسُ أَي شِدَادٌ مُجْدِبَةٌ.
وَحكى ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ فِي الحَرامِس نحوَه.
وَقَالَ اللَّيْث: الحِرْمَاسُ الأملس.
(حمرس) : قَالَ والْحُمارس والرُّحامس والقُدَاحس كل ذَلِك من نعت الشجاع الجريء. قلت: وَهِي كلهَا صَحِيحَة مَعْرُوفَة.
(فلحس) : وَقَالَ اللَّيْث: الفَلْحَسُ: الكلبُ، وَالرجل الْحَرِيص أَيْضا يُقَال لَهُ فَلْحَسٌ، وَالْمَرْأَة الرسحاء يُقَال لَهَا فلحس.
قلت وَقد قَالَ ذَلِك كلُّه الفرّاءُ.
وروى أَبُو عبيد عَن الفرّاء: الفلحس الرجل الْحَرِيص والفلحسة الْمَرْأَة الرسْحَاءُ الصَّغِيرَة العجُزِ.
وَمن أمثالهم: أَسْأَلُ من فلحس، اسْم رجل كَانَ كثيرَ السُّؤَال.
(حَلبس) : قَالَ اللَّيْث: الحَلْبَسُ والحُلابسُ: الشجاع.
وروى أَبُو عبيد عَن الفرّاء عَن أَصْحَابه، يُقَال: الحَلْبَسُ اللَّازِم للشَّيْء لَا يُفارقه.
قَالَ والحُلابس مثله. وَقَالَ الْكُمَيْت:
فَلَمَّا دنَتْ للكاذتين وأَخْرَجَتْ
بِهِ حَلْبَساً عِنْد اللِّقَاء حُلاَبِسا
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال: حَلْبَس فلانٌ فَلَا حَسَاسَ مِنْهُ: أَي ذهب.
(بحلس) : قَالَ وَيُقَال: جَاءَ فلَان يَتَبَحْلَسُ إِذا جَاءَ فَارغًا.
قَالَ وَجَاء فلَان سَبَهْلَلاً إِذا جَاءَ ضالاًّ لَا يدْرِي أَيْن يتَوَجَّه.
(حرسن) عَمْرو عَن أَبِيه: الحَرَاسِينَ: السنون المقحطات. قلت: وَهِي الحَراسِيمُ أَيْضا.
(سلحت) : قَالَ ابْن السّكيت: السُّلْحُوت من النِّسَاء الماجنة قَالَ ذَلِك أَبُو عَمْرو.
(سردح) : وَأَبُو عُبَيْدَة عَن الأصمعيّ: السرْدَاحُ: النَّاقة الْكَثِيرَة اللَّحْم. وَقَالَ اللَّيْث: السرداح جمَاعَة الطَّلْحِ وَاحِدهَا سِرْدَاحَةٌ.
شمر عَن الأصمعيّ قَالَ: السراديحُ أَمَاكِن تنْبت النجمة والنصيَّ، وَأنْشد:
عَلَيْك سِرْدَاحاً من السَّرَادِحِ
ذَا عجلة وَذَا نَصِيَ واضِحِ
وَقَالَ أَبُو خيرة: هِيَ أَمَاكِن مستوية تُنْبِتُ العِضَاهَ وَهِي لَينة قَالَ: وَأما الصَّرْدَحُ
(5/210)

فالصحراء الَّتِي لَا شجر بهَا وَلَا نبت، وَهِي غلظ من الأَرْض. وَقَالَ اللَّيْث السرْدَاحُ النَّاقة الطَّوِيلَة وَجَمعهَا السرادح.
(سنطح) : والسّنْطَاح من النوق الرحيبة الْفرج وَقَالَ:
يَتْبَعْنَ تسحيماً من السَّرَادِحِ
عَيْهَلَةً حَرْفاً مِنَ السَّنَاطِحِ
(سلحب) : قَالَ والمُسْلَحِبُّ الطَّرِيق البيّن قد اسلحبّ أَي امتدّ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: المسلحبّ الْمُسْتَقيم، وَمثله المُتْلَئِبّ. قَالَ وَيُقَال إِنَّه الممتدّ وَقَالَ خَليفَة الحُصيني: المسلحبُّ والمُطْلحِبّ الممتدّ. قلت: وَسمعت غير وَاحِد من الْعَرَب يَقُول سرنا من مَوضِع كَذَا غُدْوَةً فظلّ يومُنا مُسْلَحِبّاً أَي ممتدّاً سَيْرُه.
(سرحب) : وَقَالَ اللَّيْث: السُّرْحُوب الطَّوِيل قلت وَأكْثر مَا يُنْعَتُ بِهِ الخيلُ، يُقَال: فرس سُرْحُوب.
(دحسم حندس) : وَقَالَ اللَّيْث الدُّحْسُمُ والدُّمَاحِسُ الغليظان.
وَقَالَ أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: رجل دُحسمان ودُحْمُسان وَهُوَ: الْعَظِيم الْأسود. وَقَالَ غَيره لَيَالٍ دَحَامِسُ مظْلمَة. وليلٌ دَحْمَسٌ. وأنشدني أعرابيّ:
وادَّرِعِي جِلْبَابَ ليلٍ دَحْمَسِ
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: يُقَال لثلاثِ ليالٍ بعد ثلاثٍ ظُلَمٍ من الشَّهْر: ثلاثٌ حَنَادسُ. وَيُقَال: دَحَامِس.
وَوَاحِد الحَنَادِسِ حِندِس، وَلَيْلَة حِنْدِسة، وليل حِنْدِس.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الدَّحْسَمُ الْأسود.
وَقَالَ اللَّيْث يُقَال للأسود من الرِّجَال: دمْحَسِيُّ.
(سحتن) : ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: السَّحْتَنَةُ الأُبْنة الغليظة فِي الغُصْنِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو يُقَال: سَحْتَنَهُ وطَحْلَبَهُ إِذا ذَبَحهُ.
(سلطح) وَقَالَ ابْن المظفر السُّلاَطِحُ: العريض. وَأنْشد:
سُلاَطِحٌ يُنَاطِحُ الأَبَاطِحَا
(سحبل) : وَقَالَ أَبُو عُبيد السحْبَل والسبَحْلُ والهِبِلُّ الفَحْل الْعَظِيم. وَقَالَ اللَّيْث: السَّحْبَلُ العريض الْبَطن وَأنْشد:
ولكنّني أحببتُ ضَبّاً سَحْبَلاَ
وَقَالَ غَيره: وعَاء سَحْبَلٌ وَاسع وجِرَاب سَحْبَلٌ وعُلبة سحبَلةٌ جوفاء وَقَالَ الجُمَيْحُ:
فِي سَحْبَلٍ من مُسُوكِ الضَّأْنِ مَنْجُوب
يَعْنِي سقاءً وَاسِعًا مدبوغاً بالنحب وَهُوَ قِشر السدر.
المنذريّ عَن سَلمَة عَن الفرّاء: ضرع سَحْبَلٌ عَظِيم ودَلْوٌ سحبلٌ عظيمةٌ وجمل سِبَحْلٌ رِبَحْلٌ عَظِيم.
(حلسم) : وَقَالَ ابْن السّكيت رجل حِلَّسْمٌ وَهُوَ الْحَرِيص الَّذِي يَأْكُل مَا قدر عَلَيْهِ وَهُوَ الحَلِسُ وَأنْشد:
ليسَ بِقِصْلٍ حَلِسٍ حِلْسَمِ
عِنْد الْبيُوت، راشِنٍ مِقَم
(5/211)

(حرسم) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ الحُرسُم الزوابة. وَقَالَ اللحيانيّ يُقَال: سقَاهُ اللَّهُ الحُرسُم وَهُوَ السّمّ يُقَال: مَا لَهُ؟ سقَاهُ اللَّهُ الحرسم وكأسَ الذيفان لم أسمعهُ لغيره ورأيته مُقَيّدا بخطي فِي كتاب اللحياني: الجِرسِم بِالْجِيم وَهُوَ الصَّوَاب وَلَيْسَ الجرسم من هَذَا الْبَاب. هُوَ فِي كتاب الْجِيم.
(سبحل) : وَقَالَ اللَّيْث يُقَال هُوَ رِبَحْل سِبَحْل إِذا وصف بالتَّرَارَةِ والنَّعمة. وجارِيَةٌ رِبَحْلَة سِبَحْلَةٌ. وَقيل لابنَة الخُس أيُّ الْإِبِل خيرٌ؟ فَقَالَت السبَحْلُ الربَحْلُ الراحِلَةُ الفَحْلُ.
قَالَ الليثُ: السَّبَحْلَلُ هُوَ الشِبْل إِذا أدْرك الصَّيْد.
(سلحف) : أَبُو عبيد عَن الفرّاء قَالَ الذّكر من السَّلاَحِف الغَيْلم، وَالْأُنْثَى فِي لُغَة بني أَسد سُلَحْفَاةٌ. قَالَ وَحكى الرُّؤَاسِي سُلَحْفِيَةٌ.
(حنفس) : وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال لِلْجَارِيَةِ البذيئة القليلة الْحيَاء حِنْفِس وحِفْنِس. قلت: وَالْمَعْرُوف عندنَا بِهَذَا الْمَعْنى عِنْفِص.
(فلحس) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الفَلْحَس الْكَلْب والفلحس السَّائِل الملحّ. قَالَ والفَلْحَسُ الدُّب المسن، والفلحس الْمَرْأَة الرسحاء.
(حسفل) : وَقَالَ النَّضر: أنشدنا أَبُو الذؤيب:
حِسَفْلُ البَطْنِ مَا يملاهُ شي
وَلَو أَوْرَدْتَهُ حَفَرَ الربابِ
قَالَ حِسْفِلٌ وَاسع الْبَطن لَا يشْبع.

(بَاب الْحَاء وَالزَّاي)
(زحلف) : الزحَالِيفُ والزحاليق آثارُ تزلّج الصّبيان، واحدتها زُحلوفة وزُحلوقة. وَرُوِيَ عَن بعض التَّابِعين أَنه قَالَ مَا ازْلَحفَّ ناكِحُ الأَمَةِ عَن الزِّنَا إِلَّا قَلِيلا. قَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ: مَا تنحّى وَمَا تبَاعد. يُقَال: ازْلحفَّ وازحَلَفّ وتَزَحْلَفَ وتزَلْحَفَ إِذا تنحَّى وتزلق. وَيُقَال للشمس إِذا مَالَتْ للمغِيب، أَو زَالَت عَن كَبِد السَّمَاء نصفَ النَّهَار قد تَزَحْلَفَت، وَقَالَ العجَّاج:
والشَّمسُ قد كادتْ تكونُ دَنَفا
أَدْفَعُها بالرَّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا
وَقَالَ غَيره: يُقَال زحْلَف اللَّهُ عَنَّا شَرَّك، أَي نحَّى اللَّهُ عَنَّا شرَّك. وَقَالَ أَبُو مَالك: الزلحوفة المكانُ الزَّلِق من حَبْلِ الرمل، يلْعَب عَلَيْهِ الصّبيان، وَكَذَلِكَ فِي الصَّفَا وَقَالَ أَوْس بن حجر:
صفا مُدْهِنٍ قد زَلَّقَتْهُ الزَّحَالِفُ
وَهِي الزحاليف بِالْيَاءِ أَيْضا، وكأنّ الأَصْل فِيهِ ثلاثيٌ من زحل فزيدت فِيهِ فَاء.
(زحزب) : وَقَالَ اللَّيْث الزُّحْزُبُّ الَّذِي قد غلُظ وقوِي واشتدّ. قلت: روى أَبُو عبيد هَذَا الحرفَ فِي كتاب (غَرِيب الحَدِيث) بِالْخَاءِ وَجَاء بِهِ فِي حَدِيث مَرْفُوع وَهُوَ الزُّخْزُبّ للحُوار الَّذِي قد عَبُل واشتدّ لَحْمه، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، والحاء عندنَا تَصْحِيف.
(حنزب) : وَقَالَ اللَّيْث الحِنْزَابُ هُوَ الْحمار المُقْتَدِرُ الخَلْق. قَالَ: والحُنْزُوب ضرب من النَّبَات وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: الحِنزابُ الديك
(5/212)

والحِنزاب جَزَر البرّ والحِنزاب الرجل الْقصير وَأنْشد ابْن السّكيت:
تَاحَ لَهَا بَعْدَك حِنْزَابٌ وَأَى
قَالَ إِلَى القِصَرِ مَا هُوَ ويُرْوَى وَزَى.
(حيزب) : أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه: الحَيْزَبُون الْعَجُوز من النِّسَاء وَقَالَهُ اللَّيْث.
(حرمز حزمر) : ورُوِيَ عَن ابْن المستنير أَنه قَالَ: يُقَال: حَرْمَزَهُ اللَّهُ أَي لَعنه اللَّهُ. قَالَ وَبَنُو الحِرْمَاز مُشْتَقّ مِنْهُ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أخذت الشَّيْء بِحُزْمُورِه وحَزَاميره وحُذْقُوره وحَذَاقيره أَي بِجَمِيعِهِ وجوانبه. وَفِي (النَّوَادِر) يُقَال حَزْمَرْتُ العِدْل والعَيْبَةَ وَالثيَاب والقِرْبة وحَذْفَرْتُ بِمَعْنى وَاحِد أَي ملأْتُ. وَمن أَسمَاء الْعَرَب حِرْمَازٌ وَهُوَ من الحَرْمَزَةِ وَهِي الذكاء وَقد احْرَمَزَّ الرجل وتحرْمَزَ إِذا صَار ذكِيّاً قَالَه ابْن دُرَيْد.

(بَاب الْحَاء والطاء)
(طحلب) : قَالَ اللَّيْث: الطُّحْلُب، والقطعة طُحْلُبَة، وَهِي الخضرة الَّتِي على رَأس المَاء المُزْمِن.
أَبُو عبيد: طَحْلَبَتِ الأرضُ أولَ مَا تخضرُّ بالنبات.
قلت: وَيُقَال: طَحْلَبَ الغديرُ، وعينٌ مُطَحْلَبَةُ الأرجاء طاميةٌ.
عَمْرو عَن أَبِيه: طَحْلَبَهُ إِذا قَتله، والطَّحْلَبَة الْقَتْل.
(طحرب) : وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال مَا فِي السَّمَاء طُحْرَبَةٌ أَي قطعةٌ من سَحَاب، قَالَ والطُّحْربة الفساء. قَالَ وَقَالَ ابْن السّكيت: مَا عَلَيْهِ طُحْرَبَةٌ أَي قِطْعَة خِرْقَة. وَمَا فِي السَّمَاء طُحْرُبَةٌ أَي شَيْء من غيم، وَمَا عَلَيْهَا طُحْرَبَةٌ.
(طمحر) : أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: مَا عَلَيْهَا طَمْحَرةٌ يَعْنِي من اللبَاس. قَالَ وَقَالَ أَبُو الجرَّاح: طَحْرِبة. وَقَالَ الأصمعيّ: طَحْرَبَة.
(طحرم طحرب) : قَالَ شمر: وَسمعت طَحْرمة وطِحْمِرة. قَالَ وَسمعت ابْن الفقعسيّ: مَا على رَأسه طِحْمِرة وَلَا طِحْطِحة أَي مَا عَلَيْهِ شَعَرة. قَالَ: طِحْمِرة مقلوب طِحْرِمة، وطِحْرِمة أَصْلهَا طِحْرِبة.
وَقَالَ نُصَيْبٌ:
سَرَى فِي سَوَادِ اللّيلِ يتركُ خَلْفَهُ
مَوَاكِفَ لم يَعْكُفْ عليهِنَّ طِحْرِبُ
قَالَ: والطحرب هَهُنَا الغُثَاء من الجفيف وَوَأْلَةِ الأَرْض، والمواكِفُ مَوَاكِفُ الشّجر.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: طَحْرَبَ القِرْبَةَ مَلأَها.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: طَحْرَبَ إِذا فصَّع وطَحْرَبَ إِذا عَدَا فارّاً.
(فطحل) : وَقَالَ اللَّيْث: الفِطَحْلُ هُوَ دَهْرٌ لم يُخلق الناسُ فِيهِ بعد. وَأنْشد:
زمنَ الفِطحْل إِذْ السَّلامُ رِطَاب
وَقَالَ شمر: الفِطَحْلُ السَّيْل، قَالَ: وجملٌ فِطَحْلٌ ضَخْمٌ مثل السَّبَحْلُ. قَالَه الفرّاء وفُطْحُل اسْم رجل.
(فلطح) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد: رَأس فِلْطاح عريض. قلت: وَمثله فِرْطاح بالراء وكل شَيْء عَرَّضته فقد فَرْطَحْتَه.
(5/213)

(طلحف) : وَقَالَ اللَّيْث: ضربه ضرْباً طِلْحِيفاً وطِلْحفاً وطِلَّحْفاً أَي شَدِيدا.
وَقَالَ شمر: جوع طِلَّحْفٌ وطِلَحْفٌ شَدِيد وَأنْشد:
إِذا اجتمعَ الجوعُ الطلَحْفُ وحُبُّهَا
على الرجلِ المَضْعُوفِ كادَ يَمُوتُ
(حبطأ) : وَقَالَ اللَّيْث: الحَبَنْطأُ بِالْهَمْز العظيمُ البطنِ المنتفخُ. وَقد احبنْطَأْتُ واحبنْطَيْتُ.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: يُقَال للرجل إِذا كَانَ فِيهِ قِصَرٌ وضِخَم بَطْن رجل حَبَنْطأٌ. بِهَمْزَة غير مَمْدُود.
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يظل السقط مُحْبَنْطِئاً على بَاب الْجنَّة) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ المتغضب المستبطىء للشَّيْء وَقَالَ المُحْبَنْطِىءُ الْعَظِيم البطنِ المنتفخ.
وَقَالَ الكسائيّ: يهمز وَلَا يهمز.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن المبرّد قَالَ: سَمِعت المازنيّ يَقُول: سَمِعت أَبَا زيد يَقُول: احبنطأْتُ بِالْهَمْز أَي امْتَلَأَ بَطْني. قَالَ: واحبنطَيْتُ بِغَيْر همز أَي فسد بَطْني.
قَالَ المبرّد: وَالَّذِي نعرفه وَعَلِيهِ جملَة الروَاة حَبِط بطن الرجل وحَبِجَ واحبنطأ إِذا انتفخ بطْنُه من الطَّعَام وَغَيره. وَيُقَال: احْبَنْطَأَ الرجل إِذا امْتنع. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُجِيز فِيهِ ترك الْهمزَة وَأنْشد:
إِنّي إِذا استُنْشِدْتُ لَا أحْبَنطِي
وَلَا أُحِبُّ كَثْرَةَ التَّمَطي
وَقَالَ فِي قَوْله: إِن الطِّفْل يظل محبنطئاً أَي مُمْتَنعا.
(حنْطَب) : عَمْرو عَن أَبِيه: الحَنْطَبَةُ الشَّجَاعة وحَنْطَبٌ من أَسمَاء الرِّجَال مِنْهُ.
(طمحر) : اللحيانيّ: اطمَحَرَّ واطْمخرّ إِذا شرب حَتَّى امْتَلَأَ.
ابْن السّكيت: مَا على السَّمَاء طَمْحَرِيرةٌ. وَمَا عَلَيْهَا طِهْلِئَةٌ وَمَا عَلَيْهَا طَحْرَةٌ أَي مَا عَلَيْهَا غيم.
(طرمح) : وَيُقَال طَرْمَحَ الرجلُ بناءَه إِذا رَفعه، وَبِه وَسمي الطرِمَّاح وَإنَّهُ لَطِرمَّاحٌ فِي بني فلَان إِذا كانَ عاليَ الذكْرِ وَالنّسب.
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال إِنَّك لَطِرِمَّاحَ وإنكما لطِرِمَّاحان، وَذَاكَ إِذا طَمَحَ فِي الْأَمر.
(حطمط) : أَبُو عمر: الحِطْمِطُ الصَّغِير من كل شَيْء، صبيّ حِطْمِطٌ وَأنْشد:
إِذا هُنَيٌّ حِطْمِطٌ مِثْلُ الوَزَغْ
يَضْرِبُ مِنْهُ رَأْسه حَتَّى انْثَلَغْ
(حمطط) : والحِمْطَيطُ دويْبَّة، وَجمعه الحَمَاطِيطُ.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد هِيَ الحُمْطُوط.
(حنطأ) : والحِنْطِىءُ الْقصير من الرِّجَال.
وَقَالَ الأعلم الهذليّ:
وَالحِنْطِىءُ الحِنْطِيُّ يُمْثَجُ بالغَظِيمةِ والرَّغَائِبِ
والحِنْطيُّ الَّذِي غذاؤه الحِنْطَةُ، وَقَالَ: يُمْثج أَي يُطْعَمُ ويكرَّم ويُرَبَّبُ، ويروى يُمْشَجُ أَي يُخْلَط. وعنز حُنَطِئَةٌ عريضة ضخمة رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة عَن أَصْحَابه وَقَالَهُ شمر.
(طحرر) : وَقَالَ اللَّيْث: الطَّحَارِيرُ قطع السَّحَاب، وَيُقَال: الطخَارِيرُ بِالْخَاءِ. وقالهما الأصمعيّ واللحيانيّ وَأكْثر مَا
(5/214)

يتَكَلَّم بهما فِي النَّفْي، يُقَال مَا عَلَيْهَا طُحْرُورة، وَلَا طُخْرورة.
(فرطح فلطح) : وَقَالَ ابْن الْفرج: يُقَال: فَرْطَح القُرصَ وفلْطَحه إِذا بَسطه وَأنْشد لرجل من بلحارث بن كَعْب يصف حَيَّة:
جُعِلت لَهازِمُه عِزِينَ ورأسُه
كالقُرْصِ فُرْطِحَ من طَحِينِ شَعِيرِ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: رغيفٌ مُفَلْطَح وَاسع.

(بَاب الْحَاء وَالدَّال)
(بلدح) : قَالَ اللَّيْث: يُقَال بَلْدَحَ الرجلُ إِذا بلَّد وأعْيا. قلت وبَلْدَحٌ بلد بِعَيْنِه وَمِنْه الْمثل الَّذِي يُروى لِنَعَامَة: لَكِن على بَلْدَحَ قَوْمٌ عَجْفَى.
(بَحْدَل) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: بَلْدَحَ وتَبَلْدَحَ إِذا وَعدك وَلم يُنْجِزْ العِدَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: بَحْدَل الرجل إِذا مَالَتْ كتفه.
قلت: والبَحْدَلَةُ الخِفَّة فِي السَّعْي. سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول لصَاحب لَهُ: بَحْدِلْ بحْدِل، أَمَرَه بالإسراع فِي سَعْيه.
(حدبر) : وَقَالَ اللَّيْث: نَاقَة حِدْبِيرٌ إِذا بَدَت حراقيفُها.
قلت: وَيُقَال: نَاقَة حِدْبارُ وَجَمعهَا حَدَابِيرُ إِذا انحنى ظهرهَا من الهُزال ودَبِرَ.
(حندر) : أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: الحَنْدِيرَةُ والحِنْدُورَةُ الحَدَقة. قَالَ: والحِنْدِيرَةُ أَجود. سَلمَة عَن الفرّاء حِنْدِيرةُ وحُندورة وحُندُر. وَيُقَال: جعل فلَان فلَانا على حِنْدِيرةِ عيْنه إِذا أبغضه.
(دربح دلبح) : اللحيانيّ دَرْبَحَ وَدَلْبَحَ إِذا حَنَى ظَهره. قلت: وَقَالَ لي صبيٌّ من بني أَسد: دَلْبِحْ أَي طأطىء ظهرك، ودربخْ مثلُه.
(بلدح) : وابلندح الحوضُ إِذا اسْتَوَى بِالْأَرْضِ من دقّ الْإِبِل إِيَّاه. وَقَالَ:
ودقت المركو حَتَّى ابلندحا
(دحمل) : ابْن بُزُرْج: أَصَابَتْهُم سنةٌ فَكَانَت الدّحْمَلة.
(دردح) : يَقُول الدمارُ: الدرْدِحَة من النِّسَاء الَّتِي طولهَا وعرضها سَوَاء، وَجَمعهَا الدَّرَادِحُ، وَقَالَ أَبُو وَجْزَة:
وإذْ هيَ كالبَكْرِ الهِجَانِ إِذا مَشَتْ
أَبَى لاَ يُماشِيهَا القِصارُ الدَّرَادِحُ
وَقيل للعجوز دِرْدَحٌ.
(حرمد) : وَقَالَ أَبُو عبيد وَغَيره: الحَرْمَدُ الحمأة وَقَالَ تُبَّع:
فِي عين ذِي خُلُب وثَأْطٍ حَرْمَدِ
(قَالَ: والحِرْمِدُ بِالْكَسْرِ الحَمْأَةُ) .

(بَاب الْحَاء وَالتَّاء)
(حترف) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: الْحُتْرُوف: الكادُّ على عِيَاله.
(حنتف) : الحُنْتُوف: الَّذِي يُنْتِفُ لحيته من المِرَارِ بِهِ. قَالَ: والحَنْتَفُ الْجَرَاد المُنَتَّفُ المُنَقَّى للطَّبْخ وَبِه سُمي الرجل حَنْتَفَا.
(5/215)

(حبتر) وَقَالَ اللَّيْث: الْحَبْتَرُ هُوَ الْقصير.
وَكَذَلِكَ البُحْتُر، ونحوَ ذَلِك. روى أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ فيهمَا قَالَ: وَامْرَأَة بُحْتُرَةٌ.
سَلمَة عَن الفرّاء قَالَ: الحَبْتَرُ الْقصير.
والحَنْبَرُ مثله.
(حبرت) : ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: كَذِب حِبْرِيتٌ وحَنْبَرِيتٌ أَي خالصٌ مجرَّد لَا يستره شَيْء.
حنتر: وَقَالَ اللَّيْث: الحِنْتَارُ الْقصير الصَّغِير.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الحَنْتَرةُ الضّيق.
(حنتم) : وَقَالَ اللَّيْث: الحَنْتَمُ من الجِرارِ الخُضْر وَمَا تضرِب لَونه إِلَى الْحمرَة. قَالَ: والحَنْتَمُ: سَحَاب. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الدُّبَّاء والحَنْتَم. قَالَ أَبُو عبيد هِيَ جِرار حُمْرٌ كَانَت تُحمَلُ إِلَى الْمَدِينَة فِيهَا الْخمر. قلت: وَقيل للسحاب حَنْتُمٌ وحَنَاتِمُ لامتلائها من المَاء، شُبهت بحَنَاتِم الجِرارِ المملوءة.
(دحمل) وَقَالَ اللَّيْث: الدَّحْمَلةُ: الْمَرْأَة الضخمة الثَّارَّةُ. سَلمَة عَن الْفراء قَالَ: الدمْحَال: الرجل البَتَرِيُّ، والبتريُّ الشرير وَهُوَ فارسية معرَّبة.
(حنتل) : قَالَ الفرّاء: مَا أجد مِنْهُ حُنْتَالاً أَي بُدّاً وَمَا لَهُ حُنْتَالٌ وَلَا حِنْتَالَةٌ عَن هَذَا، أَي مَحِيصٌ إِذا كسرت الْحَاء أدخَلْتَ الْهَاء.
(حبتر) : وحَبتَرٌ اسْم رجل.
(حتأ) : وَقَالَ أَبُو زيد: رجل حِنْتَأْوٌ وَهُوَ الَّذِي يُعجبهُ حسنه، وَهُوَ فِي عُيُون النَّاس صغِيرٌ، وَالْوَاو أَصْلِيَّة.

(بَاب الْحَاء والظاء)
(حظرب) : ابْن السّكيت حَظْرَبَ قَوْسه إِذا شدّ توتيرها وَقَالَ المحظرب الضيّق الخُلق وَقَالَ طرفَة:
وكائِنْ ترى مِنْ يَلْمَعِيَ مُحَظْرَبٍ
وَلَيْسَ لَهُ عِنْد العزائِم جُولُ
وضَرْعٌ مُحَظْرَب أَي ضيّقُ الأخلاف.
(حظنب) : ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي الحُظَبَّى الظّهْر وَأنْشد:
وَلَوْلَا نَبْلُ عَوْضٍ فِي
حُظُبَّايَ وأوصالي
وروى ابْن هانىء عَن أبي زيد: الحُظُنْبَى بالنُّون: الظَّهْرُ. وروى بَيت فِنْدٍ هَذَا فِي حُظُنْبَاي وأوصالِي.
(حنظل) : والحنظل مَعْرُوف.
(حنظب) : أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الحَنْظُبْ الذّكر من الْجَرَاد وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَهُوَ الذّكر من الْخنافس؛ وَأنْشد أَبُو عبيد:
وأُمُّكَ سَوْدَاءُ مَوْدُونَةٌ
كَأَنَّ أَنَامِلَهَا الحُنْظُبُ
(بحظل) : أَبُو عبيد عَن الفرّاء قَالَ البَحْظَلةُ أَن يقفِز الرجل قَفَزان اليَرْبُوع والفأرة، يُقَال بَحْظَلَ يُبَحْظِلُ بَحْظَلةً.
(حظلب) : وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الحَظْلَبَةُ: العَدْو.
(حمظل) : أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: حمظل الرجل إِذا جَنَى الحَنْظَل وَهُوَ الحَمْطل، قلت هَذَا من بَاب تعاقب النُّون وَالْمِيم فِي الْحَرْف الْوَاحِد.
(5/216)

(بَاب الْحَاء وَالتَّاء)
(حنتل) : أَبُو عبيد عَن أبي زيد يُقَالُ مَالِي عَنهُ حُنْتَأْلٌ بِهَمْزَة مسكنة أَي مَالِي مِنْهُ بُدّ وَقَالَ الْفراء مَالِي عَنهُ حنتأل وَلَا حُنْتَأْلَةٌ مثله أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الحِنتأْلة البُدَّة وَهِي المفارَقَة وَقَالَ أَبُو مَالك: مَالك عَن هَذَا الْأَمر عُنْدَدٌ وَلَا حُنْتَأْنٌ أَي مَالك عَن هَذَا الْأَمر بدُّ وَقَالَ غَيره الحُنْتُل شبه المخلب المعقَّف الضخم وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته.

(أَبْوَاب الْحَاء والطاء)
(حنطأ) : أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: عَنْزٌ حُنَطِئَةٌ عريضة ضخمة.
(حلبط) : وَقَالَ شمر: يُقَال هَذِه الحُلَبِطَةُ وَهِي الْمِائَة من الْإِبِل إِلَى مَا بلغت.
وَقَالَ شمر: الحِنْطَأوَةُ من الرِّجَال الضعيفُ. وَأنْشد:
حَتَّى ترى الحِنْطَأْوَةَ الفَرُوقا
مُتكئا يقتمح السَّوِيقا 1)

(بَاب الْحَاء والذال)
(حذلم) : الأصمعيّ حَذْلَمَ سِقَاءَه إِذا ملأَهُ وَأنْشد:
تثج رواياه إِذا الرَّعْدُ رَجَّهُ
بِشَابَةَ فالقهْب المزَادَ المُحَذْلَمَا
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: تحَذْلَمَ الرجل إِذا تأدّب وَذهب فُضُول حُمْقِه.
قَالَ: وحَذْلَمْتُ العودَ إِذا برْيتَه وأحدَدْتَه.
وحذلَمْتُ فرسي إِذا أَصْلَحته. عَمْرو عَن أَبِيه ذَحْلَمهُ وسحْتَنَهُ إِذا ذبحه.
(ذحلم) : وَقَالَ اللَّيْث: ذَحْلَمَه فتذَحْلَمَ إِذا دهوره فتدهور وَأنْشد:
كأَنَّه فِي هُوَّةٍ تَذَحْلَمَا
(حذفر) : ثَعْلَب: سَلمَة عَن الفرَّاء: حُذفور وحِذفار وَهُوَ جَانب الشيءِ: وَقد يلغ الماءُ حِذْفَارَها أَي جَانبهَا. وَأخذت الشَّيْء بِحُذْفُورِه وحَذَافِيرِه.
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: أخذت الشيءَ بحذافيرِه وحَرَامِيزه وحزَاميره إِذا لم يدَع مِنْهُ شَيْئا.

(بَاب الْحَاء والثاء)
(حثرم) : أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: الْحِثرِمَةُ الدائرةُ الَّتِي عِنْد الْأنف وسطَ الشَّفَةِ الْعليا.
قَالَ: شَمِرٌ سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول: الخِثْرِمَةُ بِالْخَاءِ لهَذِهِ الدَّائِرة.
قلت: وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: الحِثْرِمَةُ بِالْحَاء كَمَا رَوَاهُ أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر قلت: وهما لُغَتَانِ بِالْخَاءِ والحاء.
(حثرب) : وَقَالَ ابنُ السّكيت: حَثْرَبَ الماءُ وحثربَتِ البِئْرُ إِذا كدُر مَاؤُهَا واختلطت بهَا الحَمْأَةُ. وَأنْشد:
لم تَرْوَ حتَّى حَثْرَبَتْ قَلِيبُها
نَزْحاً وخافَ ظَمَأً شَرِيْبُها
(حثفل) : وَقَالَ اللَّيْث الحُثْفُل ثُرتُمُ المرقة.
(5/217)

أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ يُقَال لِثُفْلِ الدّهْنِ وغيرِه فِي القارورة حُثْفُلٌ وَهُوَ المثفر أَيْضا.
قَالَ ورَدِيءُ المَال: حُثْفُله.
(حربث) : قَالَ: والحُرْبُث من أطيب المراتع. وَيُقَال: أَطْيَبُ الْغنم لَبَنًا مَا رعى الحُرْبُثَ والسّعدان.
(بحثر) : يُقَال: بَحْثَرَ مَتَاعه وبعثره إِذا أثاره وقَلَبه.
وَيُقَال لِلَّبن إِذا تقطّع وتحبّب بحثَرَ فَهُوَ مُبَحْثرٌ.
قَالَ ذَلِك أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ. قَالَ فَإِن خَثُرَ أَعْلَاهُ وأسفَلُه رقيقٌ فَهُوَ هادر.

(بَاب الْحَاء وَالرَّاء، وَبَاب الْحَاء وَاللَّام)
ح ر ح ل
(حبرم) : من الرباعيّ المؤلَّف قَوْلهم لمرقَةِ حَب الرُّمَّان المُحْبرَم وَمِنْه قَول الرّاجز:
لم يعرفِ السكْبَاجَ والمُحَبْرَمَا
(حَنْبَل) : أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الحَنْبَلُ: الرجل الْقصير. قَالَ: والعَزْوُ أَيْضا حَنْبَلٌ.
وَقَالَ أَيْضا: الحَنْبَلُ: الضخْم الْبَطن فِي قِصَرٍ.
وَقَالَ اللَّيْث: الْحِنْبَالُ والحِنْبَالَةُ: الكثيرُ الكلامِ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: حَنْبَلَ الرَّجُلُ: إِذا أَكثر من أكل الحَنْبَلِ، وَهُوَ اللوبِيَاءُ.
(حرنب) : أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: المُحْرَنْبىء، مثل الْمُزْبَئِر فِي الْمَعْنى. وَقَالَ غَيره احْرَبْنَى المكانُ: إِذا اتَّسع. وشيخٌ مُحْرَنْبٍ: قد اتَّسع جلده.
ورُوي عَن الكسائيّ أَنه قَالَ: مرَّ أعرابيّ بآخر، وَقد خالط كلبَةً صارِفاً فعقدت على قضيبه، وتعذَّر عَلَيْهِ نَزعه من عُقْدَتها، فَقَالَ لَهُ المارّ: جَأْ جَنْبَيْها تَحْرَنْبِ لَك؛ أَي: تَتَجَافَى لَك بعُقْدَتِها عَن قضيبك، فَفعل وأَطلَقته.
وَقَالَ اللَّيْث: المُحْرَنْبي: الَّذِي ينَام على ظَهره وَيرْفَع رجلَيْهِ إِلى السَّمَاء.
وَهَذِه حُرُوف وَجدتهَا فِي (كتاب ابْن دُرَيْد) وَلم أَجِدْها لغيره:
(ذحمل) : قَالَ: عَجُوز ذحْملَةٌ وشيخٌ ذَحْملٌ: وَهُوَ الناحل المسترخي الْجلد.
قَالَ ودحمَلْتُ الشَّيْء إِذا دحرجته على وَجه الأَرْض. وَكَذَلِكَ ذَمْحَلتْهُ.
(حردم) : قَالَ: والحَرْدَمَة، فِي الْأَمر: اللجاج والمحْكُ فِيهِ.
(حدقل) : قَالَ: والحَدْقَلَةُ: إدارةُ الْعين فِي النّظر.
(دحقل) : والدَّحْقَلة: انتفاخ الْبَطن.
(حندك) : والحَنْدَكُ: الْقصير.
(ذحلط) : ذَحْلَطَ الرجلُ ذحلطةً: إِذا خلط فِي كَلَامه.
(حذلم) : والحَذْلَمَةُ: السرعة.
(فرسح) : قَالَ: وفَرْسَح الرجل إِذا وثَب وثْباً متقارباً.
(طرشم) : والطرْشَمَة الاسترخاء، ضربه حَتَّى طَرْشَمه.
(5/218)

(حرقف) : والحُرْقوف ذويبة من أحناش الأَرْض.
(حركل) : والحَرْكلة: ضرب من الْمَشْي.
(جحدم) : قَالَ: الجَحْدَمَةُ: السرعة فِي الْعَدو.
(جحرم) : والجَحْرَمَةُ: الضّيق وَسُوء الْخلق.
(جلحز) : وَرجل جِلْحِزٌ وجِلْحَازٌ: وَهُوَ الضيّق الْبَخِيل.
(حنثر) : وَرجل حَنْثَرٌ وحَنْثَريٌّ: إِذا حَمُق. قلت: هَذِه حُرُوف لَا أَثِقُ بهَا لِأَنِّي لم أَحفظها لغيره، وَهُوَ غير ثِقَة، وجمعتُها فِي مَوضِع واحدٍ لأفتش عَنْهَا فَمَا صحّ مِنْهَا لإِمَام ثِقَة أَو فِي شعر يُحتج بِهِ فَهُوَ صَحِيح وَمَا لم يَصح تُوُقفَ عَنهُ إِن شَاءَ الله.
(5/219)

بَاب الخماسي من حرف الْحَاء
قَالَ اللَّيْث: (الحَزَنْبَلُ) : الْقصير من الرِّجَال. وَقَالَ غَيره: الحَزَنْبَلُ: المشْرِف من كل شَيْء، وَقيل هُوَ المجْتَمعِ. وَيُقَال: هَنٌ حَزَنْبَلٌ: إِذا كَانَ مُشْرِفَ الرَّكَب؛ وَقَالَت بعض المجِعّات من بَغَايَا الْأَعْرَاب:
إنَّ هَنِي حَزَنْبَلٌ حَزَابِيَة
إذَا قَعَدْتُ فوقَه نَبَا بِيَهْ
و (الحزابيةُ) : الْغَرِيب السُّمْكِ الضّيق المَلاَقِي.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: (الطَّلَنْفَحُ) : الرجل الْخَالِي الجَوْف؛ وَأنْشد:
ونُصْبِحُ بالغَداةِ أَتَرّ شَيْءٍ
ونُمْسِي بالعَشِي طَلَنْفَحِينَا
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: (الحِنْزَقْرَة) : الْقصير من الرِّجَال: وَأنْشد شمر:
وَلَو كُنْتَ أجملَ مِنْ مَالك
رأوكَ أُقَيْدِر حِنْزَقْرَهْ
وَقَالَ شمر: سَمِعت ابْن الأعرابيّ يَقُول: (الصَّرَنقَحُ) ، من الرِّجَال: الشديدُ الشكيمة الَّذِي لَهُ عَزِيمَة لَا يُطمع فِيمَا عِنْده وَلَا يُخدع. قَالَ، وَقَالَ غَيره: الصَّرَنْقَح: الظريف؛ وَأنْشد لجِرَانِ الْعود يصفُ نِسَاءَهُ وَسُوء أخلاقهن فَقَالَ:
ومِنهُنَّ غُلٌّ مُقْمِلٌ لاَ يَفُكُّهُ
من القومِ إِلَّا الشَّحْشَحَانُ الصَّرَنْقَحُ
(الشَّحْشَحَانُ) : الغيور المواظب على الشَّيْء. قَالَ شمر: يُقَال صَرَنْقَحْ وصَلَنْقَح، بالرّاء واللاّم.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ:
(البَلَنْدَح) : السمين قلت: والأصْلُ بَلْدَحٌ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (الحَجَنْبَرَةُ) من النِّسَاء: القصيرة.
قَالَ: و (الحَبَرْبَرَةُ) القِمِئَةُ المناقرة.
و (الحَوَرْوَرَةُ) البيضاءُ و (الحوْلوَلة) الكبَسّة قلت وَهَذِه الأحرف الثَّلَاثَة ثلاثية الأَصْل مُلْحقَة بالخماسي لتكرر بعض حروفها.
أَبُو عبيد عَن الفرّاء: ذهب الْقَوْم شَعاليلَ (بِقَرْدَحْمَةَ) ، لَا ينوَّنُ: إِذا تفرّقوا.
وَحكى اللحيانيّ فِي (نوادره) : ذهب الْقَوْم (قِنْدَحْرَة) وقِنْذَحْرَة وقِذَّحْرَة وقِدّحرة: كل ذَلِك إِذا تفَرقُوا.
قَالَ اللَّيْث: كَبْش (شَقَحْطَبٌ) : ذُو قرنين مُنْكَرَيَنِ. وروى أَبُو العبّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: الشَّقَحْطَبُ: الكَبْشُ الَّذِي لَهُ أَربعةُ قُرُون.
قَالَ اللَّيْث: فِي هَذَا الْبَاب (دِحِنْدِحٌ) : دُوَيْبّة. وروى أَبو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: يُقَال: هُوَ أَهْوَنُ عليَّ من
(5/220)

دِحِنْدِحٍ، قَالَ فَإِذا قيل لَهُ: مَا دِحِنْدِح قَالَ: كَلاَ شَيْءَ. وَرُوِيَ عَن يُونُس أَنه قَالَ: تَقول الْعَرَب للرجل يقرّ بِمَا عليَه: دِحْ دِحْ، ودَحٍ دَحٍ؛ يُرِيدُونَ قد أَقررت فاسكت.
وأَخبرني المنذريّ عَن أَبي الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: (احْرَنْقَزَ) الرجلُ: إِذا كَاد أَن يَمُوت من الْبرد.
أَبو عبيد عَن الأصمعيّ: ناقةٌ (حَنْدَلِسٌ) : ثَقيلَة الْمَشْي.
وَقَالَ اللَّيْث: الحَنْدَلِسُ: النَّاقة النجيبة الْكَرِيمَة.
أَبو عبيد عَن الأصمعيّ: أَفعى (جَحْمَرِشٌ) ؛ وَهِي: الخشناء الغليظة. قَالَ: وَقَالَ الأمويّ: الجحْمَرِش: الْعَجُوز الْكَبِيرَة.
أَبو عبيد عَن أَبي عَمْرو والأصمعيّ: (الجَحَنْفَلُ) : الرجل الغليظ الشّفة.
من الخماسيّ الملحق قَوْلهم: (الصَّمَحْمَحُ) : للرجل الشَّديد.
وَقَالَ شمر: رجل (جِرْدِحْلُ) وَهُوَ: الغليظ الضخم، وَامْرَأَة (جِرْدَحْلَة) كَذَلِك؛ وَأنْشد:
تَقْتَسِرُ الهَامَ وَمَرّاً تُخْلِي
أطباقَ صَنْبرِ الْعُنُقِ الْجِرْدَحْلِ
ابْن السّكيت عَن الْفراء: (الجِحِنْبَارُ) الرجل الضخم. وَأنْشد:
فَهُوَ جحنبارٌ مُبِين الدَّعْرَمَةْ
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ عَن الْمفضل: رجل (جَلَنْدَحْ) و (جَلَحْمَدُ) : إِذا كَانَ غليظاً ضخماً.
أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: (الحَبَرْقَصُ) : الْجمل الصَّغِير؛ قَالَ وَهُوَ الحَبَرْبُرُ أَيْضا. وَقَالَ ابْن المظفر: (الحَبَرْقَسُ) ، بِالسِّين: الضئيل من الْبكارَة والحُمْلاَنِ.
قَالَ أَبُو سعيد فِي الخماسي الملحق يُقَال: مَا لَهُ (حَبَرْبَرٌ) وَلَا (حَوَرْوَرٌ) ؛ أَي: مَا لَهُ شَيْء. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: مَا يُغْنِي فلَان حَبَنْبَرَا؛ أَي: مَا يُغني شَيْئا، وَيُقَال: مَا يُغني حَبَرْبَراً بِمَعْنَاهُ؛ وَأنْشد لِابْنِ أَحْمَر:
أمانِيُّ لَا يغنين عَنْهَا حَبَرْبَرا
وَقَالَ إِسْحَاق بن الْفرج قَالَ الأصمعيّ: يُقَال: مَا أصبت مِنْهُ حَبَرْبَراً وَلَا حَبَنْبَراً؛ أَي: مَا أصبت مِنْهُ شَيْئا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو يُقَال: مَا فِيهِ حَبَرْبَرٌ وَلَا حَبنْبَرٌ، وَهُوَ أَن يُخْبِرك بالشَّيْء، فَتَقول: مَا فِيهِ حَبَنْبَرٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: (الحَنْدَقُونُ) : الرَّأْرَاءُ الْعين وَأنْشد:
وهبته لَيْسَ بشمشلين
وَلَا دحوق الْعين حندقوق
وَقَالَ اللَّيْث: (الحَبَطقْطِقْ) : حِكَايَة قَوَائِم الْخَيل إِذا جرت؛ وَأنْشد:
جرتِ الخيلُ فَقَالَت: حَبَطَقْطَقْ
ابْن السّكيت عَن أبي زيد، يُقَال: جَاءَ بكذب سُمَاقٍ، وَجَاء بكذب حَنْبَرِيتٍ: إِذا جَاءَ بكذب خَالص، لَا يخالطه صدق.
(5/221)

اللَّيْث: (اسْحنْكَكَ) الليلُ: إِذا اشتدّت ظلمته. وَقَالَ غَيره: (احلنكك) مثله، وشَعَرٌ مسْحَنْكِكْ ومُحْلَنْكِكْ: وَهُوَ الْأسود الفاحم. قلت: وأصل هذَيْن الحرفين ثلاثي صَار خماسياً بِزِيَادَة نون وكاف، وَكَذَلِكَ مَا أشبههما من الْأَفْعَال. وَأما (اسحَنْفَرَ) و (احرنقز) فهما رباعيان وَالنُّون زَائِدَة وَبهَا ألْحِقَتْ بالخماسي. وَجُمْلَة قَول النَّحْوِيين أَن الخماسي الصَّحِيح الْحُرُوف لَا يكون إِلَّا فِي الْأَسْمَاء مثل (الْجَحْمَرِشْ) و (الْجِرْدَحْل) . وأمَّا الْأَفْعَال فَلَيْسَ فِيهَا خماسي إِلَّا بِزِيَادَة حرف أَو حرفين؛ فافهمه.
قَالَ اللَّيْث: (الاسْلِنُّطَاح) : الطول وَالْعرض؛ يُقَال: قد اسلنطح؛ وَقَالَ ابْن قيس الرقيات:
أنتَ ابنُ مُسْلَنْطِحِ البِطَاحِ وَلم
تَعْطِفْ عَلَيْك الْحُنِيُّ والوُلُجُ
قلت: وَالْأَصْل السُّلاطِح، وَالنُّون زَائِدَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: رجل مسلْنطِح: إِذا انبسط.
وَقَالَ اللَّيْث: (الجحمرش) من النِّسَاء الثَّقِيلَة السمجة. والجحمرش الأرنب المُرْضِع، قلت وَالصَّوَاب فِي تَفْسِير الجحمرش مَا أَثْبَتْنَاهُ لأبي عبيد عَن أَصْحَابه. وَالَّذِي قَالَه الليثُ لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي كَلَامهم.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: (اسحنفر) الرجل فِي كَلَامه: إِذا مضى فِيهِ وَلم يتمكّث. واسحنفرت الْخَيل فِي جريها: إِذا أسرعت.
أَبُو عبيد عَنهُ أَيْضا: (المُحْرَنْفِشُ) : الغضبان المتقبض. قَالَ: وَيُقَال: احرنفش واحْرَنبَى وازبأرّ: إِذا تهَيَّأ للغضب وَالشَّر.
وَقَالَ اللَّيْث: اسحنْطَر: إِذا امتدَّ وَمَال.
وَمن الْأَسْمَاء الخماسية الَّتِي جَاءَ بهَا ابْن دُرَيْد فتفرَّد بهَا قَوْله: (جُلَنْدَحَةٌ) صلبة شَدِيدَة و (صَلَنْدَحَةٌ) صلبة وَلَا يُوصف بهَا إِلَّا الْإِنَاث.
وَامْرَأَة (حُرِنْقَفَةٌ) قَصِيرَة.
قَالَ: وجمل (حَبَرْقِيص) قمِيءٌ زري. و (حُبَقْبِيقٌ) سيّء الْخلق قَالَ: و (الزلَنْقَحُ) السيء الخُلُق و (القَلَحْدَمُ) الْخَفِيف السَّرِيع.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن نجدة عَن أبي زيد قَالَ: (الغِرْذَحْلَةُ) : بالغين: الْعَصَا. قَالَ وَهِي القَحْزَنَةُ.
وَأما (القِزْذَحْلة) بِالْقَافِ فَإِن ابْن السّكّيت قَالَ: قَالَت العامرية: هِيَ من حرز الصّبيان تلبسها الْمَرْأَة فيرضى بهَا قيمها، وَلَا يَبْتَغِي غَيرهَا، وَلَا يَلِيق مَعهَا أحدا.
وَقَالَ (الزَّحَنْقَفُ) : الَّذِي يزحف على اسْتِه؛ وَأنْشد أَبُو سعيد قَول الْأَغْلَب:
طَلَّةٌ شَيْخٍ أرْسَحَ زَحنْقَفُ
لَهُ ثَنَايا مِثْلُ حَب العُلِفَّ
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال: فلَان مَا يملك (حَذْرَفُوتَا) أَي: فسيطاً، كَمَا يُقَال: فلَان مَا يملك قُلامة ظفر.
(5/222)

وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: رجل (حِنْتَأْوٌ) ، وَامْرَأَة (حِنْتَأْوَة) : وَهُوَ الَّذِي يعجَب بِنَفسِهِ، وَهُوَ فِي أعين النَّاس صَغِير. قلت: وَالْأَصْل فيهمَا الثلاثي، أُلحقا بالخماسيّ، بِهَمْزَة وواو زيدتا فيهمَا، أَو بنُون وواو مزيدتين.
قَالَ ابْن السّكيت عَن الْأَصْمَعِي (الْحَبرْقَصَة) الْمَرْأَة الصَّغِيرَة الْخَلْق وَرجل حَبَرْقص.
آخر حرف الْحَاء وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهُوَ آخر المجلد السَّابِع من خطّ أبي مَنْصُور الْأَزْهَرِي ح الَّذِي مِنْهُ نقلت هَذَا الْكتاب وفرغت مِنْهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر محرم سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة
(5/223)

هَذَا أول كتاب الْهَاء من (تَهْذِيب اللُّغَة)
أَبْوَاب المضاعف مِنْهُ
قَالَ ابْن المظفر: الْهَاء وَالْخَاء لم يأتلفا فِي المضاعف وَكَذَلِكَ الْهَاء مَعَ الْغَيْن لَا يأتلفان فِي المضاعف.

(بَاب الهَاء وَالْقَاف)
(هـ ق)
قه، هق: مستعملان.
قه: قَالَ ابْن المظفر: قَهْ: يُحْكَى بأنَّه ضَرْب من الضحك. ثمَّ يُكَرر بتصريف الْحِكَايَة، فَيُقَال: قَهْقَهَ يقهقه قَهْقَهَةً: إِذا مدّ ورجّع، وَإِذا خُفف قيل قَهْ للضاحك؛ وَقَالَ الرّاجز يذكر نسَاء:
نَشَأْنَ فِي ظِل النَّعيمِ الأَرْفَهِ
فَهُنَّ فِي تَهانُفٍ وَفِي قَهٍ
قَالَ: وإِنما خفّف للحكاية؛ وَإِن اضْطر الشَّاعِر إِلَى تثقيله جَازَ لَهُ كَقَوْلِه:
ظَلِلْنَ فِي هَزْرَقةٍ وقَه
يَهْزَأْنَ مِنْ كُل عَبَامٍ فَه
قَالَ: والقهقهة فِي قَرَبِ الوِرْدِ، مُشْتَقّ من اصطدَامِ الْأَحْمَال لعجَلَةِ السّير كَأَنَّهُمْ توهّموا لحِس ذَلِك جَرْسُ نَغْمةٍ فضاعفوه. قَالَ رؤبة:
يَطْلُقْنَ قبلَ القَرَبِ المُقَهْقِهِ
وَقَالَ غَيره: الأَصْل فِي قَرَب الوِرْدِ أَنه يُقَال قَرَبٌ حَقْحاق، بِالْحَاء، ثمَّ أبدلوا الْحَاء هَاء فَقَالُوا: لِلْحَقْحَقَة هَقْهَقَة وهَقَهَاق، ثمَّ قلبوا الهقهقة، فَقَالُوا: القهقهة. كَمَا قَالُوا: خَجْخَجَ وجخجخ: إِذا لم يُبْدِ مَا فِي نَفسه. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ فِي قَول رؤبة: (القَرَب المُقَهْقِه) ؛ أَرَادَ المُحَقْحِق فَقَلَبَ، وَأَصله من الْحَقْحَقَة، وَهُوَ السّير المُتْعِبِ الشَّديد. وَقد مرّ تَفْسِيره مشبعاً فِي أول كتاب الْحَاء. وَإِذا انْتَاطَت المراعي عَن الْمِيَاه وَاحْتَاجَ البدويُّ إِلَى تعْزيب النَّعم حُمِلَتْ وَقت وِردها خِمْساً كَانَ أَو سِدْساً على
(5/224)

السيْر الحثيث، فَيُقَال: خِمْسٌ حَقْحَاقٌ وقَسْقَاسٌ وحَصْحَاصٌ، وكل هَذَا السيرُ الحثيث الَّذِي لَا وتيرة فِيهِ وَلَا فتور، وَإِنَّمَا قَلَبَ رؤبة حَقْحَقَة فَجَعلهَا هَقْهَقَة ثمَّ قلب هقهقة، فَقَالَ المُقَهْقِه؛ لاضطراره إِلَى القافية.
هق: أهمله اللَّيْث، وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الهُقُقُ: الكثيرُ الْجِمَاع، يُقَال: هَكَّ جَارِيَته وهقَّها: إِذا جهدها بِشدَّة الْجِمَاع.

(بَاب الْهَاء وَالْكَاف)
(هـ ك)
هَكَّ ووكَهَّ: مستعملان. وَقد أهمل اللَّيْث: (هكّ) وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي معَان كَثِيرَة، مِنْهَا:
هكّ: قَالَ أَبُو عَمْرو الشيبانيّ فِي كتاب (النَّوَادِر) : هَكَّ بِسَلْحِه وسَكَّ بِهِ: إِذا رمى بِهِ. وَنَحْو ذَلِك. قَالَ ابْن الأَعرابيّ قَالَ: هَكّ وسَجّ وتَرَّ: إِذا حَذَفَ بِسَلْحه. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هَكَّ الرجُلُ جاريتَه، يَهُكُّها: إِذا نَكَحَهَا؛ وَأنْشد:
يَا ضَبُعاً ألْفَتْ أَبَاهَا قد رَقَدْ
فَنقَرتْ فِي رأْسهِ تبْغي الوَلَدْ
فقامَ وَسْنَانَ بِعَرْدٍ ذِي عُقَدْ
فَهَكَّهَا سُخْناً بِهِ حَتى بَرَدْ
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأَعرابيّ: يُقَال: هكّ: إِذا أُسْقِطَ. والهكُّ: تَهَوُّر الْبِئْر. والهَكُّ: المطَر الشَّديد. والهكّ: مُدَاركةُ الطَّعْن بِالرِّمَاحِ. والهكُّ: الجِمَاعُ الْكثير؛ يُقَال: هَكَّها: إِذا أَكثر جِمَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهَكِيك: المُخنث. وروى أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي، يُقَال: انهكّ صَلاَ الْمَرْأَة انْهكَاكاً: إِذا انفرج فِي الْولادَة. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: تَهككَت الناقةُ: وَهُوَ تَرَخي صَلَويْها ودُبُرِها، وَهُوَ أَن يُرَى كَأَنَّهُ سِقاء يُمْخَضُ. قلت: وتفكَّكتِ الْأُنْثَى: إِذا أَقْرَبَتْ فاسترخى صَلَوَاها وعَظُمَ ضَرْعُها ودنا نِتاجُها، شُبّهت بالشَّيْء الَّذِي يتزايلُ ويتفتّح بعد انْعِقَاده وارتِتاقه؛ وَأنْشد ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ:
إِذا بَركْنَ مَبْرَكاً هَكَوَّكا
كأَنمَا يَطْحَنَّ فِيهِ الدَّرْمَكا
قَالَ: هَكَوَّكٌ على بِنَاء عَكَوَّكٌ: وَهُوَ السمين.
كه: قَالَ اللَّيْث: نَاقَة كَهَّةٌ وكهاةٌ، لُغَتَانِ؛ وَهِي: الضخمة المسنَّة الثَّقِيلَة. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الكَهَّة: الْعَجُوز أَو النابُ مَهْزُولَة كَانَت أَو سَمِينَة. وَقد كَهَّت النَّاقة تكه كُهوهاً؛ أَي: هرمت. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: جَارِيَة كهكاهَةٌ وهَكْهَاكةٌ: إِذا كَانَت سَمِينَة. وَقَالَ اللَّيْث: الكَهْكَهةُ: حِكَايَة صَوت الزَّمْر، وَهِي فِي الزَّمر أعرفُ مِنْهَا فِي الضَّحِك؛ وَأنْشد:
يَا حَبَّذَا كَهْكَهةُ الغَوَاني
وحَبَّذَا تَهَانُفُ الرَّوَاني
إليَّ يومَ رِحْلَةِ الأَظْعَانِ
وَقَالَ اللَّيْث: كَهْ: حِكايةُ المُكَهْكِه، والأَسد يُكَهْكِهُ فِي زئيره؛ وَأنْشد:
سَامٍ على الزَّآرَةِ المُكَهْكِه
(5/225)

أَبُو عبيد: الكَهْكاهة: المتهيب؛ وَقَالَ أَبُو الْعِيَال الهذليّ:
وَلَا كَهَكهاة بَرَم
إِذا مَا اشتدتِ الحِقَبُ
وَقَالَ شمر: وكَهْكامَةٌ، بِالْمِيم، مثل كهكاهة للمتهيّب، وَكَذَلِكَ كَهْكَم، قَالَ وَأَصله: كَهَامٌ فزيدت الْكَاف، وَأنْشد:
يَا رُبَّ شَيْخٍ مِنْ عَدِيَ كَهْكَمِ
قَالَ شمر: وَرُوِيَ أَن الحجّاج كَانَ قَصِيرا أصفرَ كُهَاكِهةً، وَهُوَ الَّذِي إِذا نظرت إِلَيْهِ كأنّه يضْحك وَلَيْسَ بضاحك. وكَهْكَهَ المَقْرُورُ فِي يَده من الْبرد؛ قَالَ الْكُمَيْت:
وكَهْكَهَ المُدْلَجُ المَقْرُورُ فِي يدِه
واستدَفأَ الكلبُ فِي المأسورِ ذِي الذَّنب
وَهُوَ أَن يتنفس فِي يَده إِذا خَصِرَت. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يُقَال: كهّ فِي وَجْهي؛ أَي: تنفّس. وَالْأَمر مِنْهُ كَهَّ وكِهَّ، وَقد كَهَهْتُ أكِهُّ، وكَهَهْتُ أَكَهُّ.

(بَاب الْهَاء وَالْجِيم)
(هـ ج)
هج، جه: مستعملان.
هجّ: قَالَ اللَّيْث: هجَّجَ البعيرُ يُهَججُ: إِذا غارت عينه فِي رَأسه من جوع أَو عَطش أَو إعياء غير خِلْقةٍ؛ وَأنْشد:
إِذا حِجَاجَا مُقْلَتَيهَا هَجَّجَا
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: هجَّجَتْ عينُه: غارت؛ وَقَالَ الْكُمَيْت:
كأنَّ عُيونَهُنَّ مُهَجَّجاتٌ
إِذا راحَتْ من الأُصُلِ الحَرُور
اللَّيْث: الْهَجَاجَةُ: الهَبْوَةُ الَّتِي تَدْفِن كلَّ شَيْء. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: وَرجل هَجَاجَةٌ: أَحمَق.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهجَاجَةُ: الَهبْوَةُ الَّتِي تدفِن كلّ شَيْء بِالتُّرَابِ. وَقَالَ غَيره: العَجَاجَةُ، مثلهَا. ابْن السّكيت: رجل هَجْهَاجَةٌ: وَهُوَ الَّذِي لَا عقل لَهُ وَلَا رَأْي. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ قَالَ: الهجْهَاجُ: النَّفُور. قَالَ: وَقَالَ الأمويّ يُقَال: ركب فلَان هَجَاجِ وهَجَاجَ: إِذا ركِبَ رأسَه؛ وَأنْشد:
وهم رَكِبُوا على لَوْمِي هَجَاجِ
وَأَخْبرنِي الْإِيَادِي عَن شَمِر: رجل هَجَاجَةٌ؛ أَي: أَحمَق وَهُوَ الَّذِي يستهجَّ على الرَّأْي ثمَّ يركبه، غَوَى أم رشد. واستهجاجهُ أَن لَا يؤامرَ أحدا ويركب رأْيَهُ؛ وَأنْشد:
مَا كانَ روَّى فِي الأمورِ صَنِيعَة
أزمانَ يَرْكَبُ فيكَ أمْرَ هَجَاجِ
قَالَ شمر: وَالنَّاس هجاجَيْك ودَوَالَيْك: أَي: حَوَالَيْك. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: قَول شمِر: النَّاس هَجاجيك فِي معنى دَوَاليْك بَاطِل، وقولُه معنى دواليْك؛ أَي: حواليك كَذَلِك، بل دواليك فِي معنى المتَّدَاول، وحواليك تَثْنِيَة حَوَالِك، يُقَال: النَّاس حولَك وحَوْلَيْك وحَوَالِيكَ وحوالَيْكَ. قَالَ: وَأما ركبُوا فِي أَمرهم هَجَاجَهُم؛ أَي: رأْيَهم الَّذِي لم يُرَوُّوا فِيهِ، وهَجَاجَيْهِم تثنيته. قلت: أرى أَن أَبَا الْهَيْثَم نظر فِي خطّ بعض من كتب عَن شمر مَا لم يضْبطه وَالَّذِي يتَوَجَّه عِنْدِي أَن
(5/226)

شمراً قَالَ: هجاجَيْكَ مثل دوالَيْك وحوالَيْك؛ أَرَادَ أَنه مثله فِي التَّثْنِيَة، لَا فِي الْمَعْنى. وَقَالَ اللَّيْث: الهَجْهَجَةُ: حكايةُ صَوت الرجل إِذا صَاح بالأسد؛ وَأنْشد للبيد:
أَو ذِي زَوَائِدَ لَا يُطَافُ بِأَرْضِه
يَغْشَى المُهَجْهِجَ كالذَّنُوبِ المُرْسَلِ
يَعْنِي: الْأسد يغشى مُهَجْهِجاً بِهِ فينصبُّ عَلَيْهِ مسرعاً ويفترسه. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: هَجْهَجْتُ بالسبْع وهوَّجت بِهِ؛ كِلَاهُمَا: إِذا صِحْتَ بِهِ. وَيُقَال للزّاجِرِ للأسد: مهجْهِجٌ وَمُجَهْجِهٌ. وَقَالَ اللَّيْث: فحلٌ هَجْهَاج: فِي حِكَايَة شدّة هديره، وَقَالَ: وهَجْهجْتُ بالجمل: إِذا زجرتَه، فَقلت: هِيجْ؛ وَقَالَ ذُو الرُّمَّة:
أَمْرَقْتُ من جَوْزِه أَعْنَاقَ ناجِيَةٍ
تَنْجُو إِذا قَالَ حادِيهَا لهَا: هِيجِي
قَالَ: إِذا حَكَوْا ضاعفوا هَجْهج، كَمَا يضاعفون الوَلْوَلَةَ من الوَيْل، فَيَقُولُونَ: ولْولَت الْمَرْأَة إِذا أكثرت من قَوْلهَا الوَيْل. وَقَالَ غَيره: هَجْ: زجرُ النَّاقة؛ قَالَ جندل:
فَرّجَ عَنْهَا حَلَقَ الرَّتَائِجِ
تَكَفُّحُ السَّمَائِم الأوَاجِجِ
وقِيلُ: عاجٍ، وأيا أَيَاهَجِ
فَكسر للقافية. وَإِذا حكيت، قلت: هَجْهَجْتُ بالناقة. وَقَالَ اللّحيانيّ: يُقَال للأسد وَالذِّئْب وَغَيرهمَا فِي التسكين: هجاجَيْك وهَجْهَجٌ وهَجْ هَجْ وهَجْهَج وهَجاً هجاً، وَإِن شِئْت قلتهَا مرّة وَاحِدَة؛ وَأنْشد:
سَفَرَتْ فقلتُ لَهَا: هَجٍ فَتَبَرْقَعَتْ
فذَكَرتُ حينَ تبَرْقَعَتْ ضَبَّارا
قَالَ: وَيُقَال فِي معنى هَجْ هَجْ: جَهْ جَهْ، على الْقلب. وَيُقَال: سَيْرٌ هَجَاجٌ: شَدِيد؛ وَقَالَ مُزاحم العُقيلي:
وتَحْتِي من بنَاتِ العِيدِ نِضْوٌ
أَضَرَّ بِنَيه سَيْرٌ هَجَاجُ
وَقَالَ اللحيانيّ يُقَال: مَاء هُجَهِجٌ: لَا عذْبٌ وَلَا مِلْحٌ، وَيُقَال: ماءٌ زُمَزِمٌ هُجَهِجٌ. وَأَرْض هَجْهَجٌ: جَدْبَةٌ، لَا نبت فِيهَا، والجميع هَجَاهِجُ؛ وَأنْشد:
فِي أَرض سَوْءٍ جَدْبَة هُجَاهج
جهّ: قَالَ اللَّيْث: جَهْ: حكايته المُجَهْجِه. والجَهْجَهَةُ: من صياح الْأَبْطَال فِي الْحَرْب، يُقَال: جَهْجَهُوا فحمَلُوا. وَقَالَ شمر: جهْجَهْتُ بالسبع وهَجْهَجْتُ، بِمَعْنى وَاحِد. عَمْرو عَن أَبِيه: جَهَّ فلَان فلَانا: إِذا ردّه. يُقَال: أَتَاهُ فجَهَّهُ وَأَوْأَبَهُ وأصْفَحَه؛ كلُّه: إِذا ردّهُ ردّاً قبيحاً. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الهُجُجُ: الغُدْرَانُ. وَيَوْم جُهْجُوهٍ: يَوْم لتميم؛ قَالَ مَالك بن نُوَيْرَة:
وَفِي يومِ جُهْجُوهٍ حمينا ذِمارَنا
بِعَقْرِ الصَّفَايا والجوادِ المُرَبَّبِ
وَذَلِكَ أَن عَوْف بن حَارِثَة بن سليط الْأَصَم ضرب خَطْم فرس مالكٍ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مربوط بِفنَاء القُبَّة، فنشب فِي خَطْمه، فَقطع الرَّسَنَ، وجال فِي النَّاس، فَجعلُوا يَقُولُونَ: جُوه جُوه، فسمّي يَوْم جُهجُوهٍ.
(5/227)

قلت: والفُرْس إِذا استصْوبوا فعل إِنْسَان، قَالَ: جُوهْ جُوْه.

(بَاب الْهَاء والشين)
(هـ ش)
هشّ: قَالَ اللَّيْث: الهَشُّ من كل شَيْء فِيهِ رخاوة، يَقُول: هَشَّ الشَّيْء يَهَش هَشَاشَةً، فَهُوَ هَشٌّ هَشِيشٌ. وَفِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ: هَشِشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وَأَنا صَائِم، فسألتُ عَنهُ النّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ شمر: هَشِشْتُ؛ أَي: فَرِحْتُ واشتهيتُ؛ وَقَالَ الْأَعْشَى:
أضحى ابنُ ذِي فائشٍ سَلاَمَةُ ذُو ال
تَفْضَالِ هَشّاً فُؤَادُه جَذِلاَ
قَالَ الْأَصْمَعِي: هَشّاً فؤادُه، أَي: خَفِيفا إِلَى الْخَيْر. قَالَ: وَرجل هَشٌّ إِلَى إخوانه.
والهُشاشُ والأشاش، وَاحِد. قَالَ: والهَشُّ: جَذْبُك الغُصْنَ من الشّجر إِلَيْك. أَبُو عَمْرو عَن الْأَصْمَعِي: هَشِشْتُ للمعروف أَهَشُّ هَشّاً وهَشَاشَةً: إِذا اشتهاه. وهَشَشْتُ أَهِشُّ هُشُوشةً: إِذا صرت خَوَّاراً ضَعِيفا، وَإنَّهُ لهش المكْسَرِ والمكْسِرِ: إِذا كَانَ سهلَ الشَّأْن فِي طلب الْحَاجة. وَقد هشَشْتُ أَهُشَّ هَشّاً: إِذا خبط الشَّجَرَ فَأَلْقَاهُ لِغَنَمِه. وَقَالَ الفرَّاء فِي قَوْله جلَّ وعزَّ: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى} (طاه: 18) أَي: أَضْرِبُ بهَا الشّجر اليابِس ليسقُطَ ورقُها فترعاه غنمه. قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَه الْأَصْمَعِي والفرّاء فِي هشّ الشّجر بالعصا، لَا مَا قَالَه اللَّيْث أَنه جذبُ الغصْن من الشّجر إِلَيْك. وَقَالَ ابْن الأعرابّي: هَشّ العُودُ هُشُوشاً: إِذا تكسّر، وهشّ للشَّيءِ يَهَشُّ: إِذا سُرَّ بِهِ وفرِح. وفَرَسٌ هَشُّ العِنان: خفيفُ العِنان. وَقَالَ شمر: هَاشَ بِمَعْنى هَشَّ؛ وَقَالَ الرَّاعِي:
فَكَبَّر للرُّؤيا وهاشَ فُؤادُه
وبَشَّرَ نَفْساً كَانَ قَبْلُ يَلُومُها
قَالَ: هاشَ: طرب؛ أنْشد أَبُو الْهَيْثَم فِي صفة قِدْر:
وحَاطِبَانِ يَهُشَّانِ الهَشِيمَ لَهَا
وحَاطِبُ اللَّيلِ يَلْقَى دُونهَا عَنَنَا
يَهُشّان الهشيم: يكسرانه للقدر. وقِرْبَة هشّاشة: يسيل مَاؤُهَا لرقّتها، وَهِي ضد الوكيعة؛ وَأنْشد أَبُو عَمْرو لطلْق بن عدي:
كأَنَّ ماءَ عِطْفِه الجَيَّاشِ
ضَهْلُ شِنَانِ الحَوَرِ الهَشَّاشِ
الضهل: المَاء الْقَلِيل، والحور: الْأَدِيم. وفَرَسٌ هشٌّ: كثير العَرق، واستهشَّني أمرُ كَذَا فهشِشْتُ لَهُ؛ أَي: استخفّني فخففت لَهُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهشيش: الرجل الَّذِي