Advertisement

تهذيب اللغة 002


(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ الدَّال)
(ع ص د)
عصد، صدع، صعد، دعص: مستعملة
عصد: أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد: يُقَال: عَصَد فلَان يَعْصِد عُصُوداً إِذا مَاتَ. وَأنْشد شَمِر:
على الرحل ممَّا منَّه السَيْر عاصدُ
وَقَالَ اللَّيْث: العاصد هَهُنَا: الَّذِي يعصِد العَصِيدة أَي يُديرها ويقلبها بالمِعْصَدة، شبَّه الناعس بِهِ لِخَفَقان رَأسه. قَالَ: وَمن قَالَ: إِنَّه أَرَادَ الميّت بالعاصد فقد أَخطَأ. ابْن شُمَيل: تركتُهم فِي عِصْواد وَهُوَ الشَّرّ من قَتْل أَو سِبَاب أَو صَخَب. وَقد عَصْوَدوا مُنْذُ الْيَوْم عَصْوَدة أَي صاحوا واقتتلوا.
وَقَالَ اللَّيْث: العِصْواد: جَلَبة فِي بَلِيَّة، يُقَال: عَصَدتهم العَصَاوِيدُ، وهم فِي عِصْواد بَينهم، يَعْنِي البلايَا والخُصُومات. قَالَ: وَجَاءَت الإبِل عَصَاوِيد: ركِب بعضُها بَعْضًا. وَكَذَلِكَ عصاويد الْكَلَام. وَقَالَ ابْن شُمَيل: العَصَاويد: العِطَاش من الإبِل. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: رجُل عِصْواد: عَسِر شَدِيد، وَامْرَأَة عِصْواد: صَاحِبَة شَرّ. وَأنْشد:
يَا مَيَّ ذَات الطَوق والمِعضادِ
فدتْكِ كُلَّ رَعبَلٍ عِصْوادِ
ووِرْد عِصْواد: مُتْعِب وَأنْشد:
وَفِي القَرَب العِصواد للعِيس سائق
وَقوم عَصَاوِيد فِي الْحَرْب: يلازمون أقرانهم وَلَا يفارقونهم. وَأنْشد:
لمّا رأيتهمُ لَا دَرْءَ دونهمُ
يدعُون لِحْيان فِي شُعث عصاويد
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : يَوْم عَطَوَّد وعَطَرَّد وعَصَوَّد أَي طَوِيل. وركِب فلَان عِصْوَدَّة وعِرْبَدَّة إِذا ركِب رَأْيه. وَقَالَ أَبُو عُبَيدة: عَصَد الرجلُ الْمَرْأَة عَصْداً، وعَزَدها عَزْداً إِذا جَامعهَا. وَقَالَهُ اللَّيْث. قَالَ: وَيُقَال: أعصِدْني حِمَارك أَي أعِرْنيه لأُنْزِيه على أتَاني. قَالَ: وَرجل عَصِيد معصود: نَعْت سَوْء. وَيُقَال: عصدتُه على الْأَمر عَصْداً إِذا أكرهتَه عَلَيْهِ. والعَصْد: اللَيُّ، وَبِه سمِّيت العَصِيدة.
صدع: قَالَ الله جلّ وعزّ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الْحجر: 94) قَالَ بعض المفسّرين: اجهَر بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} : أظهِر مَا تؤمَر بِهِ، أُخِذ من الصَدِيع
(2/5)

وَهُوَ الصُّبْح. قَالَ: وَتَأْويل الصَدْع فِي الزُجاج: أَن يَبين بعضُه من بعض. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الحَرّانيّ عَن ابْن السِكيت قَالَ: الصَدْع: الفَصْل. وَأنْشد لجرير:
هُوَ الْخَلِيفَة فارضَوا مَا قَضَاهُ لكم
بالحقّ يصدع مَا فِي قَوْله جَنَفُ
قَالَ: يصدع: يفصل ويُنْفِذ. وَقَالَ ذُو الرُمَّة:
فَأَصْبَحت أرمي كلَّ شَبْح وَحَائِل
كَأَنِّي مُسَوَ قِسْمةَ الأَرْض صادع
يَقُول: أَصبَحت أرمي بعيني كل شَبْح وَهُوَ الشَّخْص وَحَائِل: كل شَيْء يتحرّك. يَقُول: لَا يأخذني فِي عَيْني كسر وَلَا انثناء كَأَنِّي مُسوّ، يَقُول: كَأَنِّي أُرِيد قِسْمة هَذِه الأَرْض بَين أَقوام، صادع: قَاض، يصدع: يَفْرُق بَين الحقّ وَالْبَاطِل. وَقَالَ الفَرّاء: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الْحجر: 94) أَي اصدع بِالْأَمر، أَقَامَ (مَا) مقَام الْمصدر. وَقَالَ ابْن عَرَفة: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر أَي فرّق بَين الحقّ وَالْبَاطِل، من قَوْله جلّ وعزّ: {مِنَ اللَّهِ} (الرّوم: 43) أَي يتفرقون. وَقَالَ مُجَاهِد: {بِمَا تُؤمر أَي بِالْقُرْآنِ. قلت: ويسمّى الصُّبْح صَدِيعاً، كَمَا يسمّى فَلَقاً؛ وَقد انصدع وانفطر وانفلق وانفجر إِذا انشقَّ. وَقَالَ اللَّيْث: الصَدْع: شَقّ فِي شَيْء لَهُ صلابة. قَالَ: وصدعْت الفلاة أَي قطعتها فِي وسط جَوْزها. وَكَذَلِكَ صَدَع النهرَ: شقَّه شَقّاً، وصدع بالحقّ: تكلّم بِهِ جِهاراً. وَقَالَ الله تَعَالَى: {الرَّجْعِ وَالاََرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} (الطارق: 12) قَالَ الفرّاء: ذَات الصدع: تتصدع بالنبات. وَقَالَ اللَّيْث: الصَدْع: نَبَات الأَرْض لِأَنَّهُ يصدع الأَرْض فتصدّع بِهِ. قَالَ: والصَدِيع: انصداع الصُّبْح، والصَدِيع: رُقعةٌ جَدِيدَة فِي ثوب خَلَق. وَقَالَ لَبِيد:
دعِي اللوم أَو بِيني كشَقّ صَدِيع
قَالَ بَعضهم: هُوَ الرِدَاء الَّذِي شُقَّ صِدْعتين، يضْرب مثلا لكل فُرْقة لَا اجْتِمَاع بعْدهَا. والصِدْعة والصَدِيع: قِطْعَة من الظباء والغَنَم. وجَبَل صادع: ذَاهِب فِي الأَرْض طُولاً. وَكَذَلِكَ سَبِيل صادع ووادٍ صادع. وَهَذَا الطَّرِيق يَصْدَع فِي أَرض كَذَا وَكَذَا. وَيُقَال: رَأَيْت بَين الْقَوْم صَدَعات أَي تفرّقاً فِي الرَّأْي والهَوَى، يُقَال: أصلِحوا مَا فِيكُم من الصَدَعات أَي اجتمِعوا وَلَا تتفرّقوا. وَقَالَ اللَّيْث: الصُدَاع: وَجَع الرَّأْس، وَقد صُدِّع الرجل تصديعاً. قَالَ: وَيجوز فِي الشّعْر صُدِع فَهُوَ مصدوع بِالتَّخْفِيفِ. وتصدّع القومُ: تفرّقوا. الحَرّاني عَن ابْن السّكيت: الصَّدْع فِي الزُجَاجة والحائط وَغَيرهمَا. والصَدَع: الوَعِل بَين الوَعِلين: لَيْسَ بالعظيم وَلَا بالشَّخْت. وَكَذَلِكَ هُوَ من الظِباء. وَأنْشد:
يَا رُبّ أبَّازٍ من العُفْر صَدَعْ
تقبَّض الذئبُ إِلَيْهِ فاجتَمَعْ
وَقَالَ اللَّيْث: الصَّدَع: الفَتِيّ من الأوعال. قَالَ: وَيُقَال: هُوَ الرجل الشابّ الْمُسْتَقيم القناةِ. عَمْرو عَن أَبِيه: الصَّدِيع: الثَّوْب المشقَّق. والصديع: الصُّبْح. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أَي شُقّ جماعاتهم بِالتَّوْحِيدِ.
(2/6)

وَقَالَ غَيره: أظهِر التَّوْحِيد وَلَا تَخَفْ أحدا. وَقَالَ غَيره: فرّق القَوْل فيهم مُجْتَمعين وفُرَادَى. قَالَ ثَعْلَب: وَسمعت أَعْرَابِيًا كَانَ يحضر مجْلِس ابْن الأعرابيّ يَقُول: معنى (اصدع بِمَا تُؤمر) أَي اقصد بِمَا تُؤمر. قَالَ: وَالْعرب تَقول: اصدَع فلَانا أَي اقصده لِأَنَّهُ كريم. أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد: الصِرْمة والقِصْلة والحُدْرة: مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين من الْإِبِل، فَإِذا بلغتْ سِتّين فَهِيَ الصِدْعة. وَقَالَ ابْن السِكّيت: رجل صَدَع وصَدْع وَهُوَ الضَرْب الْخَفِيف اللحِم، وَأما الوَعِل فَلَا يُقَال فِيهِ إِلَّا صَدَع: وَعِل بَين وَعِلين.
صعد: قَالَ الله جلّ وعزّ: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ} (آل عمرَان: 153) الْآيَة قَالَ الفرّاء: الإصعاد: فِي ابْتِدَاء الْأَسْفَار والمخارج؛ تَقول أصعدنا من مكَّة وأصعدنا من الْكُوفَة إِلَى خُرَاسَان، وَمن بَغْدَاد إِلَى خُرَاسَان وَأَشْبَاه ذَلِك، فَإِذا صعِدت فِي السُلَّم أَو الدرجَة وأشباهه قلت: صَعِدت وَلم تقل: أصعدت. وَقَرَأَ الْحسن: (إِذْ تَصْعَدون) جعل الصُعود فِي الْجَبَل كالصعود فِي السُّلّم. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الحَرّانيّ عَن ابْن السكيّت قَالَ: يُقَال: صعِد فِي الْجَبَل وأصعد فِي الْبِلَاد. وَيُقَال: مَا زلنا فِي صَعُود، وَهُوَ الْمَكَان فِيهِ ارْتِفَاع. قَالَ: وَقَالَ أَبُو صَخْر: يكون النَّاس فِي مباديهم، فَإِذا يبِس البقلُ وَدخل الحَرّ أخذُوا إِلَى مَحَاضرهم، فَمن أمَّ القِبلة فَهُوَ مُصْعِد، وَمن أمّ الْعرَاق فَهُوَ منحدر. قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو صَخْر كَلَام عربيّ فصيح، سَمِعت غير وَاحِد من الْعَرَب يَقُول: عَارَضنَا الحاجّ فِي مَصْعدهم أَي فِي قصدهم مكَّة، وعارضناهم فِي مُنْحَدرهم أَي فِي مَرْجِعهم إِلَى الْكُوفَة من مكّة. وَقَالَ ابْن السِكّيت: قَالَ لي عُمَارة: الإصعاد إِلَى نَجْد والحِجاز واليمن والانحدار إِلَى الْعرَاق وَالشَّام وعُمَان. قلت: وَهَذَا يشاكل كَلَام أبي صَخْر. وَقَالَ الْأَخْفَش: أصعد فِي الْبِلَاد: سَار وَمضى، وأصعد فِي الْوَادي: انحدر فِيهِ، وأمَّا صعِد فَهُوَ ارتقاء. أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد وَأبي عَمْرو يُقَال: أصعد الرجل فِي الْبِلَاد حَيْثُ توجّه. وَقَالَ غَيرهم: أصعدت السفينةُ إصعاداً: إِذا مدَّت شِرَاعها فَذَهَبت بهَا الرّيح صُعُداً. وَقَالَ اللَّيْث: صعِد إِذا ارْتقى، واصَّعَّد يَصَّعَّدُ إصّعّاداً فَهُوَ مصَّعِّد إِذا صَار مستقبِل حَدُور أَو نهر أَو وادٍ أَو أَرض أرفع من الْأُخْرَى. قَالَ: وصَعّد فِي الْوَادي إِذا انحدر. قلت: والاصَّعَّاد عِنْدِي مثل الصُعُود؛ قَالَ الله تَعَالَى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ} (الْأَنْعَام: 125) يُقَال: صعِد واصَّعّد واصَّاعَد بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} (النِّساء: 43) قَالَ الفرّاء فِي قَوْله تَعَالَى: {صَعِيداً جُرُزاً} (الْكَهْف: 8) : الصَّعِيد: التُّرَاب، وَقَالَ غَيره: هِيَ المستوية. وَقَالَ أَبُو عُبَيدة فِي قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إيّاكم والقُعود بالصُعُدات) : قَالَ: الصُعُدات: الطُرُق، مَأْخُوذَة من الصَعيد، وَهُوَ التُّرَاب. وَجمع الصَّعِيد صُعُد، ثمَّ صُعُدات جمع الْجمع. وَقَالَ الشَّافِعِي فِيمَا رُوِي لنا عَن الرّبيع لَهُ: لَا يَقع اسْم صَعِيد إلاّ على تُرَاب ذِي
(2/7)

غُبار. فأمّا الْبَطْحَاء الغليظة والرقيقة والكَثِيب الغليظ فَلَا يَقع عَلَيْهِ اسْم صَعِيد وَإِن خالطه تُرَاب أَو صَعِيد أَو مَدَر يكون لَهُ غُبَار كَأَن الَّذِي خالطه الصعيدَ. قَالَ: وَلَا يَتيَمم بنُورة وَلَا كُحل وَلَا زِرْنيخ، وكل هَذَا حِجَارَة. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق بن السرِيّ: الصَّعِيد: وَجه الأَرْض. قَالَ: وعَلى الْإِنْسَان أَن يضْرب بيدَيْهِ وَجه الأَرْض، وَلَا يُبَالِي أَكَانَ فِي الْموضع تُرَاب أَو لم يكن؛ لِأَن الصَّعِيد لَيْسَ هُوَ التُّرَاب، إِنَّمَا هُوَ وَجه الأَرْض، تُرَابا كَانَ أَو غَيره. قَالَ: وَلَو أَن أَرضًا كَانَت كلهَا صخراً لَا تُرَاب عَلَيْهِ ثمَّ ضرب المتيمِّمُ يَده على ذَلِك الصخر لَكَانَ ذَلِك طَهُوراً إِذا مَسَح بِهِ وَجهه. قَالَ الله جلّ وعزّ: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} (الْكَهْف: 40) فأعلمك أَن الصَّعِيد يكون زَلَقاً.
والصُعُدات: الطُرُق، وسمّي صَعيداً لِأَنَّهُ نِهَايَة مَا يُصْعَد إِلَيْهِ من بَاطِن الأَرْض لَا أعلم بَين أهل اللُّغَة اخْتِلَافا فِيهِ أَن الصَّعِيد وَجه الأَرْض. قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو إِسْحَاق أَحْسبهُ مَذْهَب مَالك وَمن قَالَ بقوله وَلَا أستيقنه. فأمَّا الشافعيّ والكوفيّون فالصعيد عِنْدهم التُّرَاب. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للحديقة إِذا خَرِبت وَذهب شَجْراؤها: قد صَارَت صَعِيدا أَي أَرضًا مستوية لَا شجر فِيهَا. شَمِر عَن ابْن الأعرابيّ: الصَّعِيد: الأرضُ بِعَينهَا، وَجَمعهَا صُعُدات وصِعْدان. وَقَالَ أَبُو عُبَيد: الصُعُدات: الطُرُق فِي قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالْقعُود بالصُعُدات) . قَالَ: وَهِي مَأْخُوذَة من الصَّعيد وَهُوَ التُّرَاب، وَجمعه صُعُد ثمَّ صُعُدات مثلُ طَرِيق وطُرُق وطُرُقات قَالَ: وَقَالَ غَيره: الصَّعِيد: وَجه الأَرْض البارزُ قلَّ أَو كثر. تَقول: عَلَيْك الصعيدَ أَي اجْلِسْ على وَجه الأَرْض.
وَقَالَ جرير:
إِذا تَيْم ثوتْ بصعيد أَرض
بَكت من خُبْث لؤمهم الصعيدُ
وَقَالَ فِي أُخْرَى:
والأطيبين من التُّرَاب صَعِيدا
سَلَمة عَن الفرّاء، قَالَ: الصَّعِيد: التُّرَاب، والصعيد: الأَرْض، والصعيد: الطَّرِيق يكون وَاسِعًا وضيّقاً، والصعيد: الْموضع العريض الْوَاسِع. والصعيد: الْقَبْر.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} (المدَّثِّر: 17) قَالَ اللَّيْث وَغَيره: الصَّعُود: ضِدّ الهَبُوط، وَهِي بِمَنْزِلَة العَقَبة الكَئُود، وَجَمعهَا الأصْعِدة. وَيُقَال: لأُرهِقَنَّك صَعُوداً أَي لأُجشِّمنَّك مشقة من الْأَمر. وَإِنَّمَا اشتقوا ذَلِك لِأَن الِارْتفَاع فِي صَعود أشقّ من الانحدار فِي هَبُوط. قَالَ فِي قَوْله: {عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} يَعْنِي مشقَّة من الْعَذَاب. وَيُقَال: بَل جبل فِي النَّار من جَمْرة وَاحِدَة يكلَّف الْكَافِر ارتقاءه ويُضرب بالمَقَامع، فكلّما وضَعَ عَلَيْهِ رجله ذَابَتْ إِلَى أَسْفَل وركه، ثمَّ تعود مَكَانهَا صَحِيحَة. قَالَ: وَمِنْه اشتُقّ تصعَّدني ذَلِك الأمرُ أَي شقَّ عليَّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيد فِي قَول عُمَر: مَا تصعَّدتني خُطْبة، مَا تصعَّدتني خُطْبة النِّكَاح: أَي مَا تكاءدتني وَمَا بَلَغت منّي وَمَا جَهَدتني. وَأَصله من الصَّعُود وَهِي العَقَبة
(2/8)

الشاقَّة. وَقَالَ اللَّيْث: الصُعُد شجر يذاب مِنْهُ القار. وَقَالَ غَيره: التصعيد: الإذابة، وَمِنْه قيل: خَلّ مُصَعَّد وشراب مصعَّد إِذا عولج بالنَّار حَتَّى يَحُول عمَّا هُوَ عَلَيْهِ، لوناً وطعماً. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: إِذا وَلَدت النَّاقة لغير تَمَام وَلكنهَا خَدَجت لسِتَّة أشهر أَو سَبْعَة فعُطفت على ولدِ عامِ أوَّلَ فَهِيَ صَعُود. وَقَالَ اللَّيْث: الصَّعُود: النَّاقة يَمُوت حُوارها فترجع إِلَى فَصِيلها فتدُرّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ أطيب لِلبنها. وَأنْشد:
لَهَا لبن الخليَّة والصَّعُود
قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَه الأصمعيّ، سَماع من الْعَرَب، وَلَا تكون صَعُوداً حَتَّى تكون خادِجاً. أَبُو عبيد: الصَّعْدة: الأَلَّة، وَهِي نَحْو مِن الْحَرْبة أَو أَصْغَر مِنْهَا. وَقَالَ النَّضر: الصَّعْدة: القَنَاة. وَقَالَ اللَّيْث: هِيَ الْقَنَاة المستوية تنْبت كَذَلِك لَا تحْتَاج إِلَى التثقيف، وَكَذَلِكَ من القَصَب، وَجَمعهَا الصِّعَاد. وَأنْشد:
صَعْدة نابتة فِي حائر
أَيْنَمَا الريحُ تُمَيِّلْها تمِلْ
وَقَالَ آخر:
خرير الرّيح فِي قَصَب الصِّعَاد
قَالَ: والصَعْدة من النِّسَاء: المستقيمة كَأَنَّهَا صَعْدة قَناةٍ، وجَوَارٍ صَعْدات، خَفِيفَة لِأَنَّهُ نعت. وَثَلَاث صَعَدات لِلقنا مثقَّلة لِأَنَّهُ اسْم. وَقَالَ ابْن شُمَيل: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه خرج على صَعْدة يتبعهَا حُذَاقِيّ. قَالَ: الصَعْدة: الأتَان الطَّوِيلَة، والْحُذَاقِيّ: الْجَحش. وَقَالَ الأصمعيّ: الصُّعَداء: هُوَ التنفّس إِلَى فَوق، مَمْدُود. وَقَوْلهمْ: صنع أَو بلغ كَذَا وَكَذَا فَصَاعِدا أَي فَمَا فَوق ذَلِك: وعُنُق صاعد أَي طَوِيل. وَيُقَال: فلَان يتبع صُعُداء مَعْنَاهُ أَنه يرفع رَأسه وَلَا يطأطئه. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: يُقَال للناقة: إِنَّهَا لفي صعيدة بازلَيها أَي قد دنت ولَمَّا تَبْزُل، وَأنْشد:
سَدِيس فِي صَعِيدة بازلَيها
عَبَنَّاة وَلم تَسِق الْجَنِينا
زِيَادَة من غير خطّ المصنِّف:
والصُّعْدُد: الصُّعُود وَهِي المشَقَّة، قَالَ:
أغشيتَهم عَوْصاء فِيهَا صُعْدُد
أُردِف فِي آخِره دَال، كَمَا أُردف فِي دُخلل الرجل أَي دخيله وبِطانته. والصَّعُوداء: الثنِيَّة الصعبة. وَقَالَ ابْن مقبل:
وحدَّثته أَن السَّبِيل ثنِيَّة
صعوداء يَدْعُو كل كهل وأمردا
وَفِي نَفسه وصدره صَعْداء أَي مَا يتصاعده ويتكاءده، قَالَ الهذليّ:
وَإِن سيادة الأقوام فَاعْلَم
لَهَا صَعْداء مَطْلَعُها طَوِيل
والصُّعَداء: الِارْتفَاع. ومثاله من المصادر المُضَواء من المضيّ، والمُطَواء من التمطّي، والثُّوبَاء من التثاؤب، والغُلَواء من الغلوّ، قَالَ ذُو الرمّة:
قطعت بنهَّاض إِلَى صُعَدائه
إِذا شمَّرت عَن سَاق خِمْس ذلاذلُه
والصَعْد: الْجَبَل الطَّوِيل، قَالَ:
وَلَقَد سموتُ إِلَيْك من جبل
دون السَّمَاء صَمَحْمَح صَعْدِ
(2/9)

والمَصْعَد: الْحَرّ الْمُرْتَفع.
دعص: الدِعْص: الكَثِيب من الرمل المجتمِع. وَجمعه دِعَصَة وأدعاص، وَهُوَ أقل من الحِقْف. أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد: أدعصه الحَرُّ إدعاصاً إِذا قَتله، وأهرأه البَرْد إِذا قَتله. اللَّيْث: المندعِص: الشَّيْء الميّت إِذا تفسَّخ، شُبّه بالدِعْص لِوَرَمه. قَالَ: وَوَاحِدَة الدِعْص دِعْصَة. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : دَعَص بِرجلِهِ ودَحَص ومحص وقَعَص إِذا ارتكض. وَيُقَال: أخَذْتُه مداعَصَة ومداغَصَة ومقاعصة ومرافصة ومحايصة ومتايَسة أَي أَخَذته مُعَازَّة.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ التَّاء)
(ع ص ت)
اسْتعْمل من وجوهه: صعت، صتع.
صعت: قَالَ ابْن شُمَيل: جَمَل صَعْت الرُّبَة إِذا كَانَ لطيف الجُفْرة. وَأنْشد ابْن الأعرابيّ فِيمَا روى أَبُو الْعَبَّاس عَنهُ:
هَل لكِ يَا خَدْلة فِي صَعْت الرُبَهْ
مُعْرَنزِم هامتُه كالْجُبْجُبَهْ
قَالَ: الرُّبَة: العُقْدة، وَهِي هَهُنَا الكَوْسَلة وَهِي الحَشَفَة.
صتع: أَبُو عَمْرو: الصَّتَع: حِمَار الْوَحْش. قَالَ: والصَّتَع: الشابّ القويّ. وَأنْشد:
يَا بنت عَمْرو قد مُنحتِ وُدّي
والْحَبْلَ مَا لم تقطعي فمُدّي
وَمَا وِصال الصَّتَع القُمُدّ
وَقَالَ غَيره: يُقَال للحمار الوحشيّ: صُنْتُع. وَقَالَ الطرمَّاح:
صُنْتع الحاجبين خَرَّطه البَقْ
لُ بَدِيئاً قبل استكاك الرياضي
وَهُوَ فُنْعُل من الصَّتَع. وَقَالَ اللَّيْث: جَاءَ فلَان يَتَصتَّع علينا بِلَا زَاد وَلَا نَفَقَة وَلَا حَقّ وَاجِب. وَقَالَ أَبُو زيد: جَاءَ فلَان يتصتَّع إِلَيْنَا، وَهُوَ الَّذِي يَجِيء وَحده لَا شَيْء مَعَه. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : هَذَا بعير يتمسّح ويتصتّع إِذا كَانَ طُلُقاً. وَيُقَال للْإنْسَان مثلُ ذَلِك إِذا رَأَيْته عُرْياناً. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الطوسيّ عَن الخرّاز عَن ابْن الأعرابيّ أَنه أنْشدهُ:
وأَكَل الْخَمْسَ عيالٌ جُوّع
وَتَلِيت وَاحِدَة تصَتَّعُ
قَالَ: تَلِي فلَان بعد قومه وغَدَر إِذا بَقِي. قَالَ: وتصتّعها: تردُّدها. وروى غَيره عنْه: تصتَّع فِي الْأَمر إِذا تلدَّد فِيهِ لَا يدْرِي أَيْن يتوجّه.
ع ص ظ، ع ص ذ، ع ص ث:
أهملت وجوهها.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ الرَّاء)
(ع ص ر)
عصر، عرص، صعر، صرع، رصع، رعص: مستعملات.
عصر: قَالَ الله جلّ وعَزّ: {ُءِ} (الْعَصْر: 1، 2) قَالَ الفرّاء: وَالْعصر: الدَّهْر، أقسم الله بِهِ. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عبّاس أَنه قَالَ: العَصْر: مَا يَلِي المغربَ من النَّهَار. وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ سَاعَة من سَاعَات النَّهَار. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الْعَصْر: الدَّهْر، وَالْعصر:
(2/10)

الْيَوْم، وَالْعصر: اللَّيْلَة. وَأنْشد:
وَلَا يلبث العصران يَوْم وَلَيْلَة
إذَا طَلَبَا أنْ يُدْرِكا مَا تيمَّما
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي بَاب مَا جَاءَ مثنَّى: اللَّيْل وَالنَّهَار يُقَال لَهما: العَصْران. قَالَ: وَيُقَال: العَصْران: الْغَدَاة والعَشِيّ. وَأنْشد:
وأمطُلُه العَصْرين حَتَّى يَمَلَّني
ويرضى بِنصْف الدَّين وَالْأنف راغِمٌ
وَقَالَ اللَّيْث: الْعَصْر: الدَّهْر، وَيُقَال لَهُ: العُصُر مثقَّل. قَالَ: والعَصْران: اللَّيْل وَالنَّهَار. والعَصْر العَشِيّ. وَأنْشد:
تَرَوَّحْ بِنَا يَا عَمْرو قد قَصُر الْعَصْر
قَالَ: وَبِه سمّيت صَلَاة الْعَصْر. قَالَ: والغداة والعَشِيّ يسمّيان العصرين. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس قَالَ: صَلَاة الْوُسْطَى: صَلَاة الْعَصْر. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا بَين صَلَاتي النَّهَار وصلاتي اللَّيْل. قَالَ: وَالْعصر: الحَبْس، وسُمِّيت عَصْراً لِأَنَّهَا تعصَر أَي تُحْبَس عَن الأولى. قَالَ: والعَصْر: العطِيَّة. وَأنْشد:
يعصر فِينَا كَالَّذي تعصر
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: جَاءَ فلَان عَصْراً أَي بطيئاً. وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (يُوسُف: 49) قَالَ أَكثر المفسّرين: أَي يَعْصِرون الأعناب وَالزَّيْت. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ من العَصَر وَهُوَ المَنجاة والعُصْرة والمُعْتَصَر والمُعَصَّر. وَقَالَ لبيد:
وَمَا كَانَ وقّافاً بدار مُعَصّر
وَقَالَ أَبُو زُبَيد:
وَلَقَد كَانَ عُصْرة المنجود
أَي كَانَ مَلْجأ المكروب. وَقَالَ اللَّيْث: قرىء: (وَفِيه تُعْصَرون) بضمّ التَّاء أَي تُمطَرون. قَالَ: وَمن قَرَأَ: (تَعْصِرون) فَهُوَ من عَصْر العِنب. قلت: مَا علمت أحدا من القرّاء المشهَّرين قَرَأَ: تُعصرون، وَلَا أَدْرِي من أَيْن جَاءَ بِهِ اللَّيْث. قَالَ: وَيُقَال: عصرت العِنَب وعصَّرته إِذا ولِيت عَصْره بِنَفْسِك، واعتصرت إِذا عُصِر لَك خاصَّة. والاعتصار: الالتجاء. وَقَالَ عَدِيّ بن زيد:
لَو بِغَيْر المَاء حَلْقي شَرِق
كنتُ كالغَصَّان بِالْمَاءِ اعتصاري
قَالَ: والعُصَارة: مَا تحلَّب من شَيْء تَعْصِره. وَأنْشد:
فَإِن العذَارى قد خلطن لِلِمَّتى
عُصَارة حِنّاء مَعًا وصَبِيب
وَقَالَ الراجز:
عُصَارة الجُزء الَّذِي تحلّبا
ويروى تجلّبا، من تجلّب الْمَاشِيَة بَقِيَّة العُشْب وَتلزّجته: أَي أَكلته، يَعْنِي: بقيَّة الرُطْب فِي أَجْوَاف حُمُر الْوَحْش. قَالَ: وكل شَيْء عُصر مَاؤُهُ فَهُوَ عَصِير. وَأنْشد قَول الراجز:
وَصَارَ بَاقِي الجُزْء من عصيره
إِلَى سَرَار الأَرْض أَو قُعوره
يَعْنِي بالعصير الْجُزْء وَمَا بَقِي من الرُّطْب فِي بطُون الأَرْض ويبس مَا سواهُ.
وَقَالَ الله جلَّ وعزَّ: {وَهَّاجاً وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ}
(2/11)

مَاء ثجاجاً) [النّبأ: 14] رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: المُعْصِرات: هِيَ الرِّيَاح. قَالَ الْأَزْهَرِي: سمّيت الرِّيَاح مُعْصِرات إِذا كَانَت ذواتِ أعاصِير، وَاحِدهَا إعصار، من قَول الله جلّ وعزَّ: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} (الْبَقَرَة: 266) . والإعصار: هِيَ الرّيح الَّتِي تَهُبُّ من الأَرْض كالعَمُود الساطع نَحْو السَّمَاء، وَهِي الَّتِي يسمّيها بعض النَّاس الزّوْبَعة، وَهِي ريح شَدِيدَة، لَا يُقَال لَهَا إعصار حَتَّى تَهُبّ كَذَلِك بِشدَّة. وَمِنْه قَول الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا:
إِن كنتَ ريحًا فقد لاقيتَ إعصارا
يضْرب مَثَلاً للرجل يَلْقَى قِرْنه فِي النَجْدة والبَسَالة. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ يُقَال: إعصار وعِصَار، وَهُوَ أَن تَهيج الريحُ الترابَ فترفعه. وَقَالَ أَبُو زيد: الإعصار: الرّيح الَّتِي تَسْطَع فِي السَّمَاء. وَجمع الإعصار الأعاصير، وَأنْشد الأصمعيّ:
وبينما المرءُ فِي الْأَحْيَاء مغتبِط
إِذا هُوَ الرَمْس تعفوه الأعاصير
وَرُوِيَ عَن أبي الْعَالِيَة أَنه قَالَ فِي قَوْله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ} : (النبأ: 17) إِنَّهَا السَّحَاب. قلت: وَهَذَا أشبه بِمَا أَرَادَ الله جلَّ وعزَّ؛ لِأَن الأعاصير من الرِّيَاح لَيست من ريَاح الْمَطَر، وَقد ذكر الله أَنه يُنزل مِنْهَا مَاء ثجاجاً.
الْعَصْر: الْمَطَر، قَالَ ذُو الرمة:
وتَبْسِم لَمْع الْبَرْق عَن متوضّح
كلون الأقاحي شاف ألوانَها العَصْرُ
وقولُ النَّابِغَة:
تَنَاذرها الراقُون من سُوء سمّها
تراسلهم عصراً وعصراً تراجع
عصراً أَي مرّة. والعُصَارة: الغَلَّة. وَمِنْه يقْرَأ. {وَفِيه تَعْصِرون (يُوسُف: 49) أَي تستغلون. وعَصَر الزَّرْع: صَار فِي أكمامه. والعَصْرة شَجَرَة. وَقَالَ الفرّاء. السحابة المُعْصِر: الَّتِي تتحلّب بالمطر وَلما تَجْتَمِع، مثل الْجَارِيَة المعصر قد كَادَت تحيض وَلما تحِضْ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: المعصِرات: السحائب، لِأَنَّهَا تُعْصِر المَاء. وَقيل مُعْصِرات كَمَا يُقَال: أجزَّ الزرعُ إِذا صَار إِلَى أَن يُجَزَّ، وَكَذَلِكَ صَار السَّحَاب إِلَى أَن يمطر فيعصر. وَقَالَ البَعِيث فِي المعصرات فَجَعلهَا سحائب ذَوَات الْمَطَر فَقَالَ:
وَذي أُشُر كالأُقحوان تشوفُه
ذِهابُ الصَّبَا والمُعْصِرات الدوالحُ
والدوالح من نعت السَّحَاب لَا من نعت الرِّيَاح، وَهِي الَّتِي أثقلها المَاء فَهِيَ تَدْلَحُ أَي تمشي مشي المُثْقَل، والذِهاب الأمطار. وَقَالَ بَعضهم: المعصِرات، الرِّيَاح. قَالَ: و (مِنَ) فِي قَوْله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ} (النبأ: 14) قَامَت مقَام الْبَاء الزَّائِدَة، كَأَنَّهُ قَالَ: وأنزلنا بالمعصرات مَاء ثَجَّاجاً. قلت: وَالْقَوْل هُوَ الأول. وأمَّا مَا قَالَه الفرّاء فِي المُعْصِر من الْجَوَارِي: إِنَّهَا الَّتِي دنت من الْحيض ولمَّا تحِض فَإِن أهل اللُّغَة خالفوه فِي تَفْسِير المعصر، فَقَالَ أَبُو عُبَيد عَن أَصْحَابه: إِذا أدْركْت الجاريةُ فَهِيَ مُعْصِر، وَأنْشد:
قد أعصرت أَو قد دنا إعصارها
(2/12)

قَالَ: وَقَالَ الْكسَائي: هِيَ الَّتِي قد راهقت الْعشْرين. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: المعصِر سَاعَة تَطْمُث أَي تحيض، لِأَنَّهَا تُحبس فِي الْبَيْت يَجْعَل لَهَا عَصَراً. قَالَ: وكل حِصن يتحصَّن بِهِ فَهُوَ عَصَر. وَقَالَ غَيره: قيل لَهَا معصر لانعصار دم حَيْضهَا ونزول مَاء تَريبتها للجماع، وروى أَبُو العبّاس عَن عَمْرو بن عَمْرو عَن أَبِيه يُقَال: أعصرت الجاريةُ وأشْهدت وتوضَّأت إِذا أدْركْت. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال لِلْجَارِيَةِ إِذا حرمت عَلَيْهَا الصَّلَاة وَرَأَتْ فِي نَفسهَا زِيَادَة الشَّبَاب: قد أعصَرت فَهِيَ مُعْصِر: بلغت عُصْرة شبابها وإدراكها. وَيُقَال:
بلغت عَصْرها وعُصُورها. وَأنْشد:
وفنَّقها المراضع والعُصُور
وَرُوِيَ عَن الشعبيّ أَنه قَالَ: يَعْتِصر الوالدُ على وَلَده فِي مَاله. وَرَوى أَبُو قِلاَبة عَن عمر بن الْخطاب أَنه قضى أَن الْوَالِد يعتصر وَلَده فِيمَا أعطَاهُ، وَلَيْسَ للْوَلَد أَن يعتصر من وَالِده، لفضل الْوَالِد على الْوَلَد. قَالَ أَبُو عُبَيد: قَوْله: يعتصر يَقُول: لَهُ أَن يحْبسهُ عَنهُ ويمنعه إيّاه. قَالَ: وكل شَيْء حَبَسته ومنعته فقد اعتصرته وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
وَإِنَّمَا العَيش بربّانه
وَأَنت من أفنانه معتصِر
قَالَ: وعصرت الشَّيْء أعصِره من هَذَا. وَقَالَ طَرَفة:
لَو كَانَ فِي أملاكنا أحَد
يعصر فِينَا كَالَّذي تعصِرْ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد فِي مَوضِع آخر: المعتصر الَّذِي يُصِيب من الشَّيْء: يَأْخُذ مِنْهُ ويحبسه. قَالَ: وَمِنْه قَول الله: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (يُوسُف: 49) . وَقَالَ أَبُو عُبَيدة فِي قَوْله:
يعصر فِينَا كَالَّذي تَعْصِرْ
أَي يتّخذ فِينَا الأيادي. وَقَالَ غَيره: أَي يُعْطِينَا كَالَّذي تُعْطِينَا. وَقَالَ شمر: قَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله: (يعتصر الرجل مَال وَلَده) قَالَ: يعتصر: يسترجع. وَحكى فِي كَلَام لَهُ: قوم يعتصرون الْعَطاء ويُعبِرون النِّسَاء، قَالَ: يعتصرونه: يسترجعونه بثوابه. تَقول: أخذت عصرته: أَي ثَوَابه أَو الشَّيْء نَفْسه. وَقَوله: يُعْبِرون النِّسَاء أَي يختِنونهنّ. قَالَ: والعاصر والعَصُور: هُوَ الَّذِي يَعتصر ويعصر من مَال وَلَده شَيْئا بِغَيْر إِذْنه. شمر عَن العِتريفيّ قَالَ: الاعتصار: أَن يَأْخُذ الرجل مَال وَلَده لنَفسِهِ، أَو يبقّيه على وَلَده. قَالَ: وَلَا يُقَال: اعتصر فلَان مَال فلَان إلاّ أَن يكون قَرِيبا لَهُ. قَالَ: وَيُقَال للغلام أَيْضا: اعتصر مَال أَبِيه إِذا أَخذه قَالَ: وَيُقَال: فلَان عاصر إِذا كَانَ ممسِكاً. يُقَال: هُوَ عاصرٌ قَلِيل الخَير قَالَ شمر وَقَالَ غَيره: الاعتصار على وَجْهَيْن. يُقَال: اعتصرت من فلَان شَيْئا إِذا أصبته مِنْهُ. وَالْآخر أَن تَقول: أَعْطَيْت فلَانا عطيَّة فاعتصرتها أَي رجعت فِيهَا. وَأنْشد:
ندِمت على شَيْء مضى فاعتصرته
ولِلنحْلة الأولى أعفُّ وَأكْرم
فَهَذَا ارتجاع. قَالَ: وَأما الَّذِي يمْنَع فَإِنَّمَا
(2/13)

يُقَال لَهُ: قد تعصّر أَي تعسّر، يَجْعَل مَكَان السِّين صاداً. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ يُقَال: مَا عَصَرك وثَبَرك وغَصنَك وشَجَرك أَي مَا مَنعك. والعصَّار: المَلِك المَلْجأ. وَيُقَال: مَا بَينهمَا عَصَر وَلَا يَصَر وَلَا أيصر وَلَا أعصر أَي مَا بَينهمَا مودَّة وَلَا قرَابَة. وَرُوِيَ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِلَالًا أَن يؤذِّن قبل الْفجْر ليعتصر معتصرُهم أَرَادَ الَّذِي يُرِيد أَن يضْرب الْغَائِط. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه أنْشدهُ:
أدْركْت معتصري وأدركني
حلمي ويَسّر قائدي نَعْلي
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: معتصري: عُمُري وهَرَمي. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال هَؤُلَاءِ موالينا عُصْرة أَي دِنْية دون مَن سواهُم. قلت: وَيُقَال: قُصْرة بِهَذَا الْمَعْنى. قَالَ: والمِعْصَرة: الَّتِي يُعصر فِيهَا الْعِنَب. والمِعْصار: الَّذِي يَجْعَل فِيهِ شَيْء ثمَّ يعصر حَتَّى يتحلَّب مَاؤُهُ.
وَكَانَ أَبُو سعيد يروي بَيت طَرَفة:
لَو كَانَ فِي أملاكنا أحد
يعصر فِينَا كَالَّذي يُعصرْ
أَي يصاب مِنْهُ وَأنكر تعصر. قَالَ: وَيُقَال: أَعْطَاهُم شَيْئا ثمَّ اعتصره إِذا رَجَعَ فِيهِ. والعِصَار الحِين، يُقَال: جَاءَ فلَان على عِصَار من الدَّهْر أَي حِين. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: نَام فلَان وَمَا نَام لعُصْر وَمَا نَام عُصْراً، أَي لم يكَدْ ينَام. وَجَاء وَلم يجىء لعُصْر أَي لم يجىء حِين الْمَجِيء. وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
يدعونَ جارهم وذِمَّته
عَلَها وَمَا يدعونَ من عُصْر
أَي يَقُولُونَ: واذِمَّة جارنا، وَلَا يَدْعون ذَلِك حِين يَنْفَعهُ. وَقَالَ الأصمعيّ: أَرَادَ: من عُصُر فخفَّف، وَهُوَ الملجأ. وَيُقَال: فلَان كريم العَصير أَي كريم النّسَب. وَقَالَ الفرزدق:
تجرّد مِنْهَا كلّ صهباء حُرَّة
لعَوْهجِ أَو للداعريّ عصيرها
والعِصَار: الفُسَاء.
وَقَالَ الفرزدق أَيْضا:
إِذا تعشّى عَتيق التَّمْر قَامَ لَهُ
تَحت الخَمِيل عِصار ذُو أضاميم
وأصل العِصَار مَا عصرتْ بِهِ الرّيح من التُّرَاب فِي الْهَوَاء. والمعصور: اللِّسَان الْيَابِس عطشاً. قَالَ الطِرِمَّاح:
يَبُلّ بمعصور جَنَاحَيْ ضئيلةٍ
أفاويق مِنْهَا هَلَّة ونُقُوع
فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن امْرَأَة مرَّت متطيّبة لذيلها عَسرَة، قَالَ أَبُو عبيد: أَرَادَ: الْغُبَار أَنه ثار من سَحْبها، وَهُوَ الإعصار. قَالَ: وَتَكون العَصَرة من فَوْح الطّيب وهَيْجه، فشبَّهه بِمَا تثير الرّيح من الأعاصير. أنْشدهُ الأصمعيّ:
(وبينما المرءُ فِي الْأَحْيَاء مغْتَبِط
إِذا هُوَ الرَّمسُ تعفوه الأعاصير)
(2/14)

قَالَ الدينوريّ: إِذا تبيَّنت أكمام السُنْبل قيل: قد عَصَّر الزَرْعُ، مَأْخُوذ من العَصَر وَهُوَ الحِرْز أَي تحرَّز فِي غُلْفه. وأوعية السُنْبل أخْبِيته ولفائفه وأغْشيته وأكمته وقنابعه. وَقد قنبعت السُنْبل. وَهِي مَا دَامَت كَذَلِك صمعاء ثمَّ ينفقىء) .
عرص: أَبُو عبيد عَن الفرّاء: عرِص الْبَيْت أَي خَبُثت رِيحته. قَالَ: وَقَالَ الأصمعيّ: كل جَوْبة منفتِقة لَيْسَ فِيهَا بِنَاء فَهِيَ عرْصة. قلت: وتُجمع عَرَصات وعِراصاً. وَأنْشد أَبُو عُبَيدةَ بَيت المخبّل:
سيكفيك صرب الْقَوْم لَحمٌ معرّصٌ
وماءُ قدور فِي القِصاع مشيبُ
فروى ثَعْلَب عَن سَلَمة عَن الفرّاء أَنه قَالَ: لحم معرَّص أَي مقطَّع. وَقَالَ اللَّيْث: اللَّحْم المعرّص: الَّذِي يُلْقى على الجَمْر فيختلِط بالرَّمَاد وَلَا يَجُود نُضْجُه. قَالَ: فَإِن غيَّبْته فِي الْجَمْر فَهُوَ مملول، فَإِن شَوَيته فَوق الْجَمْر فَهُوَ مُفْأد. قلت: وَقَول اللَّيْث فِي المعرَّص أعجب إِلَيّ من قَول الفرّاء. وَقد روينَا عَن ابْن السِكِّيت فِي المعرَّص نَحوا مِمَّا قَالَه اللَّيْث. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: العَرّاص من البُرُوق: الشَّديد الِاضْطِرَاب. وَقَالَ اللَّيْث: العَرّاص من السَّحَاب: مَا أظلّ من فوقُ، وَلَا يكون إلاَّ إِذا رَعَد وبَرَق. وَأنْشد لذِي الرمة:
يَرْقَدُّ فِي ظِلّ عَرّاص ويطرده
حفيفُ نافجة عُثْنُونها حَصِبُ
أَبُو عُبَيد عَن الفرّاء قَالَ: العَرَص والأرن: النشاط، وَقد عَرِصَ يعرَص. والترصّع مثله. أَبُو عُبَيْدَة: رمح عَرّاص: إِذا هُزّ اضْطربَ. وَقَالَ ابْن حبيب: بعير معرَّص للَّذي ذَلَّ ظهرُه وَلم يَذِلَّ رأسُه. قَالَ: ولَحْم معرَّص إِذا لم يُنْعَم طَبْخه وَلَا إنضاجه. وَقَالَ اللَّيْث: العَرْص: خَشَبة تُوضَع على الْبَيْت عَرْضاً إِذا أَرَادوا تسقيفه، ثمَّ يُلْقَى عَلَيْهِ أطرافُ الخُشُب الْقصار. وروى أَبُو عُبَيد عَن الأصمعيّ هَذَا الْحَرْف بِالسِّين المعرَّس: الَّذِي عُمِل لَهُ عَرْس، وَهُوَ الْحَائِط يَجْعَل بَين حائطي الْبَيْت لَا يَبلغ أقصاه، ثمَّ يوضع الْجَائِز من طَرَف العَرْس الدَّاخِل إِلَى أقْصَى الْبَيْت، ويُسَقّف الْبَيْت كُله: فَمَا كَانَ بَين الحائطين فَهُوَ السَهْوة، وَمَا كَانَ تَحت الْجَائِز فَهُوَ المُخْدَع قلت: رَوَاهُ أَبُو عُبيد بِالسِّين، وَرَوَاهُ اللَّيْث بالصَّاد، وهما لُغَتَانِ وَيُقَال: تركت الصّبيان يَلْعَبُونَ ويعترصون ويَمْرَحُون. وسُمّيت ساحة الدَّار عَرْصة لاعتراص الصّبيان فِيهَا. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَرُوص: النَّاقة الطيّبة الرَّائِحَة إِذا عَرِقتْ. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : تعرَّصْ يَا فلَان وتهجَّسْ وتَعرَّج أَي أقِم والمِعراص: الهِلاَل، لبُرُوقه. وَقَالَ:
وَصَاحب أَبْلَج كالمعراص
رعص: أَبُو عُبيد عَن الأصمعيّ يُقَال للحيَّة إِذا ضُربت فلوت ذَنَبها: قد ارتعصتْ، وَأنْشد للعجّاج:
إِلَّا ارتعاصاً كارتعاص الْحَيَّهْ
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: ارتعص الجَدْي إِذا طَفَر من نشاطه.
(2/15)

وَقَالَ اللَّيْث: الرَعْص بِمَنْزِلَة النَفْض، تَقول: ارتعصت الشَّجَرَة وَقد رعصتها الريحُ وأرعصتها، لُغَتَانِ. والثور يطعُن الْكَلْب فيحتمله ويَرْعُصُه رَعْصاً إِذا هزّه ونفضه. وروى البخاريّ فِي (كِتَابه) لأبي زيد: ارتعص السُوق إِذا غلا. وَالَّذِي رَوَاهُ شمر لأبي عبيد لأبي زيد: ارتفص، بِالْفَاءِ. قَالَ شمر: وَلَا أَدْرِي مَا ارتفص. قلت: ارتفص السُّوق بِالْفَاءِ إِذا غلا صَحِيح، كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الرُّفْصة وَهِي النّوبَة. وَالَّذِي رَوَاهُ مؤلف (الحصائل) تَصْحِيف وَخطأ. وَيُقَال: رَعَص عَلَيْهِ جلْدُه، يرعَص وارتعص واعترص إِذا اختلج، وروى ابْن مهديّ عَن أبي الزاهريَّة عَن ابْن شَجَرَة أَن أَبَا ذَرّ خرج بفرس لَهُ فتمعّك ثمَّ نَهَضَ ثمَّ رَعَص فسكَّنه وَقَالَ: اسكن فقد أجيبت دعوتك، قَالَ القتيبيّ: قَوْله: رعص يُرِيد أَنه لمَّا قَامَ من مراغه انتفض وأُرْعِد. يُقَال: رعص وارتعص.
رصع: أَبُو عبيد عَن الفرّاء: الترصُّع: النشاط مثل العَرَص. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الرَّصْعاء من النِّسَاء: الزَلاَّء. وَقَالَ اللَّيْث: الرَّصَع مثل الرسَح، وَهِي رَصْعاء إِذا لم تكن عجزاء. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: هِيَ الَّتِي لَا إسكتين لَهَا. قَالَ: وأمَّا الرَصْع بِسُكُون الصَّاد فشِدَّة الطعْن، يُقَال: رصعه بِالرُّمْحِ وأرصعه. وَقَالَ العجّاج:
وَخْضاً إِلَى النّصْف وطعناً أرصعا
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الرصائع: سيور مضفورة فِي أسافل حمائل السَّيْف، الْوَاحِدَة رِصَاعة. وَقَالَ اللَّيْث: الرَصيعة: العُقْدة الَّتِي فِي اللِّجَام عِنْد المعذَّر حَتَّى كَأَنَّهُ فَلْس. قَالَ: وَإِذا أخذت سَيْرًا فعقدت فِيهِ عُقَداً مثلَّثة فَذَلِك الترصيع. وَهُوَ عَقْد التَميمة وَمَا أشبه ذَلِك. وَقَالَ الفرزدق:
وجئن بأولاد النَّصَارَى إليكُم
حَبَالَى وَفِي أعناقهنَّ المراصع
أَي الخَتْم فِي أعناقهنّ. وَقَالَ اللَّيْث: الرَّصَع: فِراخ النَحْل. قلت: هَذَا خطأ؛ قَالَ ابْن الأعرابيّ: الرَضَع: فِراخ النَحْل بالضاد، رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس عَنهُ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَقد مرّ فِي بَاب الضَّاد وَالْعين. وَالَّذِي قَالَه اللَّيْث بالصَّاد فِي هَذَا الْبَاب تَصْحِيف. أَبُو عُبيدة فِي كتاب (الْخَيل) : الرصائع واحدتها رَصِيعة، وَهِي مَشَكّ محاني أطرافِ الضلوع من ظَهْر الْفرس. وَفرس مرصَّع الثُّنَن إِذا كَانَت ثُنَنُه بعضُها فِي بعض. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الرصيعة: البُرّ يُدَقّ بالفِهْر ويبَلّ ويُطبخ بِشَيْء من سَمْن. عَمْرو عَن أَبِيه: الرَصِيع: زِرّ عُرْوة الْمُصحف، ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ، الرَصَّاع: الْكثير الجِماع. قَالَ: والرِّصَاع: الْجِمَاع، وَأَصله فِي العصفور الْكثير السفاد: وَقد تراصعت العصافير.
قَالَ أَبُو عبيد فِي بَاب لزوق الشَّيْء: رصِع فَهُوَ رَصِع مثل عَسِق وعَبِق وعَتِق وعَتِك.
صرع: أَبُو عُبَيد: الصُّرُوع: الضروب فِي قَول لَبِيد:
وخَصْم كنادي الجنّ أسقطت شأوهم
بمستحوِذٍ ذِي مِرّة وصُروع
وَقَالَ غَيره: صروع الحبْل: قُواه.
(2/16)

وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: هما صِرْعان وضِرْعان وحَتْنان، وَهَذَا صِرْع هَذَا وضِرْعه أَي مِثله، وَأنْشد ابْن الأعرابيّ:
مثل البُرَام غَدا فِي أُصْدَة خَلَق
لم يَسْتَعِنْ وحوامي الموتِ تغشاه
فرَّجْت عَنهُ بصَرْعَينا لأرملة
أَو بائس جَاءَ مَعْنَاهُ كمعناه
قَالَ يصف سَائِلًا شبَّهه بالبُرَام وَهُوَ القُرَاد: لم يستعِن يَقُول: لم يحلق عانته، وحوامي الْمَوْت وحوائمه: أَسبَابه، وَقَول: بصرعينا أَرَادَ بهما إبِلا مختلِفة الْمَشْي تَجِيء هَذِه وَتذهب هَذِه لكثرتها، هَكَذَا رَوَاهُ بِفَتْح الصَّاد وَقَالَ: الْأَسْنَان مرتصِعة إِذا التصقت وتقاربت، والرصَع: قرب مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، رجل أرصع، والرصَع: التقارب والتضايق، ورَصِعت عَيناهُ: التزقتا. ورصِع فلَان بفلان فَهُوَ راصع بِهِ أَي لَازم، ورَصَع فلَان بمَكَان رصُوعاً ورصِع بإستْه الأَرْض رَصْعاً: ألْزقها بهَا ورصائع الْقوس: سُيورها الَّتِي تُحسَّن بهَا الْقوس، قَالَ:
صفراء كالقوس لَهَا رصائعُ
معطوفةٌ بالغَ فِيهَا الصَّانِع
والمراصيع: النَّحْل أَي صغَار الْوَلَد وَقَالَ الأصمعيّ: فلَان يأتينا الصِّرْعَين أَي غُدوة وَعَشِيَّة. وَقَالَ ابْن السّكيت: الصَّرْعان: الغَداة والعشيّ، وَأنْشد لذِي الرمّة:
كأنني نَازع يَثْنيه عَن وَطن
صَرْعان رَائِحَة عَقْل وتقييدُ
أَرَادَ عقلٌ عشيَّةً وَتَقْيِيد غُدوة، فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا. وَيُقَال لِلْأَمْرِ: صَرْعان أَي طرَفان. اللَّيْث وَغَيره: الصَّرْع: الطَّرْح بِالْأَرْضِ للْإنْسَان، تَقول: صرعه صَرْعاً، والمصارعة والصِّراع: معالجتهما أيّهما يصرع صَاحبه. وَرجل صِرِّيع إِذا كَانَ ذَلِك صَنعته وحاله الَّتِي يُعرف بهَا. وَرجل صَرَّاع إِذا كَانَ شَدِيد الصراع وَإِن لم يكن مَعْرُوفا. رجل صَرُوع للأقران: أَي كثير الصَّرْع لَهُم. والصَرَعة: هم الْقَوْم الَّذين يَصْرَعون من صارعوا. قلت: يُقَال: رجل صُرْعة وَقوم صُرَعة والمِصراعان من الشِّعْر: مَا كَانَ لَهُ قافيتان فِي بَيت وَاحِد، وَمن الْأَبْوَاب: مَاله بَابَانِ منصوبان ينضمَّان جَمِيعًا، مَدْخلهما بَينهمَا فِي وسط المصراعين. ومصارع القَتْلَى: حَيْثُ قُتِلوا. وأمّا قَول لَبيد:
مِنْهَا مصَارِع غابة وقيامها
فَإِن المصارع جمع مصروع من القَصَب. يَقُول: مِنْهَا مصروع، وَمِنْهَا قَائِم، وَالْقِيَاس مصاريع. وَبَيت من الشِّعر مُصَرّع: لَهُ مصراعان. وَكَذَلِكَ بَاب مصرَّع. وَفِي الحَدِيث: (الصُرَعة بتحريك الرَّاء الرجل الْحَلِيم عِنْد الْغَضَب) . وَقَالَ أَبُو مَالك: يُقَال: إِن فلَانا ليفعل ذَاك على كل صِرْعة أَي يفعل ذَاك على كلّ حَال. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الصَّرِيع: الْمَجْنُون، والصَّرِيع: الْقَضِيب يَسقط من شجر البَشَام، وَجمعه صِرْعان. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: هَذَا صِرْعه وصَرْعه وضِرعه وضَرعه وطِبْعه وطَلعه
(2/17)

وطِباعه وطبيعه وشَنّه وقِرْنه وقَرْنه وشِلوه وشُلَّته أَي مِثله. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: طلبت من فلَان حَاجَة فَانْصَرَفت وَمَا أَدْرِي على أَي صِرْعَيْ أمرِهِ أنصرِف أَي لم يبيّن لي أمره. وَأنْشد:
فرُحت وَمَا وَدَّعت ليلى وَمَا دَرَت
على أيّ صِرْعَيْ أمرِها أتروّح
والصريع من القِداح: مَا صُنع من الشّجر ينْبت على وَجه الأَرْض، وَقَالَ ابْن مقبل:
وأزجر فِيهَا قبل نمّ صحائها
صريع القِدَاح والمَنِيح المخيَّرا
وَإِنَّمَا خيَّره لِأَنَّهُ فائز مبارك. وَيُقَال: الصريع: العُود يجِفّ فِي شَجَره، يتَّخذ مِنْهُ قِدْح، وَهُوَ أَجود مَا يكون، قَالَ:
صريع دَرِير مسّه مس بيضه
إِذا سنحت أَيدي المفيضِين يبرح
أَي يُخرج فيدُرّ على صَاحبه بِاللَّحْمِ. والصَرْعانِ: حَلْبتا الغداةِ والعشيّ؛ قَالَ عنترة:
ومنجوبٍ لَهُ مِنْهُنَّ صَرْع
يمِيل إِذا عدلْتَ بِهِ الشِوارا
المنجوب: السِّقاء المدبوغ بالنَّجَب. ومنهن يَعْنِي: من الْإِبِل، أَي لهَذَا السِّقاء من هَذِه الْإِبِل صَرْع كلّ يَوْم، والصرع الآخر لأولادها، وَأخْبر أَن هَذَا الصرع يمْلَأ السِّقَاء حَتَّى يمِيل بِكُل مَا يُعدَل بِهِ إِذا حُمِل، والشِّوار: مَتَاع الرَّاعِي وَغَيره. وَقَوله:
أَلا لَيْت جَيْش العَيْر لَاقَى سَرِيَّة
ثَلَاثِينَ منّا صَرْع ذاتِ الحقائل
صرع ذَات الحقائل أَي حِذَاء ذَات الحقائل وناحيتها، وَهِي وادٍ.
صعر: قَالَ الله جلّ وعزّ: {عَزْمِ الاُْمُورِ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لُقْمَان: 18) وقرىء: (وَلَا تُصَاعر) . قَالَ الفرّاء: ومعناهما: الْإِعْرَاض من الكِبْر. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: مَعْنَاهُ: لَا تُعْرِض عَن النَّاس تكبّراً، ومجازه: لَا تُلزِم خَدّك الصَّعَر. وَقَالَ اللَّيْث: الصَّعَر: مَيل فِي العُنق وانقلاب فِي الْوَجْه إِلَى أحد الشِّقَّين، والتصعير: إمالة الخَدّ عَن النّظر إِلَى النَّاس تهاوُناً وكِبْراً، كَأَنَّهُ مُعْرض. قَالَ: وَرُبمَا كَانَ الظليم وَالْإِنْسَان أَصْعر خِلقَةً. قَالَ: وَفِي الحَدِيث: (يَأْتِي على النَّاس زمَان لَيْسَ فيهم إِلَّا أصعر وأبتر) ، يَعْنِي: رُزالة النَّاس الَّذين لَا دين لَهُم. قَالَ: والصعارير: دَحَاريج الجُعَل، وَقد صعْرَرْت صُعْرورة، وَأنْشد:
يَبْعَرن مثل الفُلْفُل المصعرَرِ
وَيُقَال: ضَربته فاصعَنْرر إِذا اسْتَدَارَ من الوَجَع مَكَانَهُ وتقبّض. وَرُبمَا قَالُوا: اصعَرَّر فأدغموا النُّون فِي الرَّاء. وكل حَمْل شَجَرَة يكون أَمْثَال الفُلفل نَحْو حَمل الأبْهل وأشباهه ممَّا فِيهِ صلابة فَإِنَّهَا تسمَّى الصعارير وَأنْشد:
إِذا أَوْرق العبسيّ جَاع بَناتُه
وَلم يَجدوا إِلَّا الصعارير مَطْعَما
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الصعارير: صَمْغ جامد يشبه الْأَصَابِع. قَالَ: والصعارير: الأباخس الطوَال، وَهِي الْأَصَابِع. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الصعارير: اللبَنُ المصمَّغ فِي
(2/18)

اللِبأ قبل الإفصاح. وَقَالَ غَيره: الاصعرار: السيْرُ الشَّديد، يُقَال اصعرَّت الْإِبِل اصعراراً، وقَرَب مُصْعَرّ. وَأنْشد أَبُو عَمْرو:
وَقد قَرَبن قَرَباً مُصْعَرّا
إِذا الهِدَان حَار واسبكرَّا
وَقَالَ أَبُو عُبَيد: الصَيْعرية: سِمَة فِي عُنُق الْبَعِير. والصَيْعريَّة أَيْضا: اعْتِرَاض فِي السَّيْر. وَيُقَال للصمغة المستديرة: صُعْرورة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الصَّعَر والصَّعَل: صِغر الرَّأْس، والصَّعَر: التكبّر، والصعَر: أكْل الصعارير وَهُوَ الصَّمْغ. وَقَالَ: اصعرَّت الْإِبِل واصعنفرت وتمشْمَشَتْ وامذقرَّت إِذا تفرَّقت.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الصعارير: صمغ جامد يشبه الْأَصَابِع. قَالَ: والصَّعارير: الأباخس الطوَال وَهِي الْأَصَابِع وَاحِدهَا أبخس. والأصعر: المعرض بِوَجْهِهِ كبْراً. وَفِي الحَدِيث: (كل صعَّار مَلْعُون) أَي كل ذِي كِبْر وأبَّهة. يُقَال: أصَاب البعيرَ صَعَر وصَيَد أَي أَصَابَهُ دَاء يلوي عُنُقه. وَيُقَال للمتكبّر: فِيهِ صَعَر وصَيَد.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ اللَّام)
ع ص ل
عصل، علص، صلع، صعل، لعص: مستعملات.
لعص: أهمل اللَّيْث لعص وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اللَّعَص: العَسَر، يُقَال تَلَعَّص فلَان علينا أَي تعسَّر. قَالَ: واللعِصُ: النهِمُ فِي الْأكل وَالشرب، وَقد لعِص لَعَصاً. وَلَا أحفظ مَا قَالَه أَبُو بكر لغيره.
عصل: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الأعصال: الأمعاء، وَاحِدهَا عَصَل، وَقَالَهُ اللَّيْث وَغَيره. والعَصَل فِي الناب: اعوجاجه. وَقَالَ:
على شناحٍ نابُهُ لم يَعْصَلِ
وَقَالَ صَخْر:
أَبَا المثلَّم أقصر قبل باهظة
تَأْتِيك مني ضروسٍ نابها عَصِل
وَقَالَ أَوْس:
رَأَيْت لَهَا ناباً من الشَّرّ أعصلا
وَقَالَ اللَّيْث: الأعصل من الرِّجَال: الَّذِي عُصِبَتْ سَاقه فاعوجَّت. وشجرة عَصِلة وَهِي العوجاء الَّتِي لَا يُقدر على إِقَامَتهَا لصلابتها. وَسَهْم أعصل: معوجّ المَتْن، وَجمعه عُصْل، وَقَالَ لبيد:
فرميت الْقَوْم رِشْقاً صائباً
لسن بالعُصْل وَلَا بالمفتعل
والعَصَلة: شَجَرَة إِذا أكل الْبَعِير مِنْهَا سَلَّحته. والجميع: العصل. وَقَالَ حسَّان:
تَخْرُج الأضْياحُ من أستاههم
كسُلاح النِيبِ يأكلن العَصَلْ
والأضياح: الألبان الممذوقة. أَبُو عَمْرو: عصَّل الرجلُ تعصيلاً، وَهُوَ البُطْء فِي الْأَمر. أَبُو عُبَيْدَة: فرس أعصل: ملتوي العَسِيب حَتَّى يبرز بعضُ بَاطِنه الَّذِي لَا شعرَ عَلَيْهِ. والعَصِل: الرمْل الملتوي المعوجّ. وَرجل أعصل: يَابِس الْبدن، وَجمعه عُصْل. وَقَالَ الراجز:
(2/19)

ورُبَّ خيرٍ فِي الرِّجَال العُصْلِ
وَيُقَال للسهم الَّذِي يلتوي إِذا رُمي بِهِ: مُعَصِّل. والعَصَل: الالتواء فِي كل شَيْء. عَمْرو عَن أَبِيه: يُقَال: هُوَ المِحْجَن والصَوْلجان والمِعْصِيل والمِعْصال، والصاع والميجار والصولجان. والمعْقف ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: المِعْصَل: المتشدّد على غَرِيمه، والعاصل: السهْم الصُّلْب والعَصْلاء: الْمَرْأَة الْيَابِسَة، قَالَ:
لَيست بعصلاء تَذْمِي الكلبَ نكهَتُها
وَلَا بِعَنْدلة يَصْطَكُّ ثَدْياها
والعَصْلَى: الْموضع الَّذِي ينْبت فِيهِ العَصَل أَي القُلاَّم. قَالَ العبَّاس بن مِرْداس:
عَفا مُنْهَل من أَهله فمُتالِع
فَعصلَى أرِيكٍ قد خلت فالمصانع
منهل: مَاء بِبِلَاد بني سُلَيم.
أَبُو عَمْرو: عصَّل الرجل تعصيلاً إِذا أَبْطَأَ. وَأنْشد:
يَألِبُها حُمْرانُ أيَّ ألْب
وعَصَّل العَمْريُّ عَصْلَ الكلْب
والألْب: السُّوق الشَّديد. يُقَال: ألَب الإبلَ يألِبُها إِذا طردها. والعاصل: السهْم الصُّلْب.
علص: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: العِلَّوْص والعِلَّوْز جَمِيعًا: الوَجَع الَّذِي يُقَال لَهُ: اللَّوَى وَنَحْو ذَلِك قَالَ اللَّيْث قَالَ: والعِلَّوص من التُخمة والبَشَم، وَهُوَ اللَّوَى الَّذِي يَيْبَس فِي الْمعدة. يُقَال: علَّصت التُخمَةُ فِي مَعِدته تعليصاً، وَإِن بِهِ لعِلَّوصاً، وَإنَّهُ لعِلَّوْص مُتَّخِم. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العِلَّوص: الوَجَع، والعِلَّوْز: الْمَوْت الوَحِيّ. والعِلّوض بالضاد: ابْن آوى. قَالَ: وَيكون العِلَّوز اللَّوَى. وَيُقَال: رجل عِلَّوص دأبه اللَّوَى.
صلع: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الصُلَّعة: الصَّخْرَة الملساء، حَكَاهُ عَن أبي المكارم. وَفِي حَدِيث لُقْمَان بن عَاد:
وإلاّ أر مطمعي فوَقّاع بصُلَّعِ
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ بَعضهم: سَأَلت ابْن مَنَاذر صَاحب الْعَرَبيَّة الشَّاعِر عَن الصُلَّع فَقَالَ: الحَجَر، قَالَ: وَسَأَلت الأصمعيّ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ الْموضع الَّذِي لَا يُنْبِت من الأَرْض، وَأَصله من مَصلَع الرَّأْس. وَيُقَال للْأَرْض الَّتِي لَا تُنبت: صَلْعاء. وَقَالَ شَمِر فِيمَا ألَّف بِخَطِّهِ: الصَّلعاء: الداهية الشَّدِيدَة، يُقَال: لقِي من الصَلْعاء. وَأنْشد للكميت:
فلمّا أحلّوني بصلْعَاء صَيْلَم
لإحدى زُبَى ذِي اللبدتين أبي الشِبْل
أَرَادَ: الْأسد.
وَفِي الحَدِيث: (يكون كَذَا وَكَذَا ثمَّ تكون جبَرُوَّةٌ صلْعاء) . قَالَ: والصلعاء هَهُنَا: البارزة كالجبَل الأصلع البارز الأملس البرَّاق. قَالَ: وانصلعت الشَّمْس وتصلَّعت إِذا خرجت من الغَيْم. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
فِيهِ سِنَان كالمنارة أصلع
أَي برّاق أملس. وَقَالَ آخر:
يلوح بهَا المذلَّق مِذْرَبَاه
خُرُوج النَّجْم من صَلَع الغِيام
وَقَالَ اللَّيْث: الصُلاَّع: الصُفَّاح وَهُوَ
(2/20)

العريض من الصخر، والواحدة صُلاَّعة. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: صَلَّع الرجل إِذا أعذر وَهُوَ التصليع. وَقَالَ اللَّيْث: التصليع: السُلاَح. قَالَ: واللأُصيلع من الحيّات: العريض العُنُق كَأَن رَأسه بُنْدقة مُدحرَجة. واللأُصيلع: الذّكر يكنى عَنهُ. والصلَع: ذهَاب شعر الرَّأْس من مقدَّمه إِلَى مؤخَّره، وَكَذَلِكَ إِن ذهب وَسطه. تَقول: صَلِع صَلَعاً. والصلَعة: مَوضِع الصلَع من الرَّأْس، وَكَذَلِكَ النزَعة والكَشَفة والجَلَحة، جَاءَت مثقَّلات كلهَا. والعُرْفُطة إِذا سَقَطت رؤوسُ أَغْصَانهَا وأكلتها الْإِبِل قيل: قد صَلعت صَلَعاً. وَقَالَ الشمَّاخ يصف الْإِبِل:
إِن تُمس فِي عُرْفُط صُلْعٍ جماجمُهُ
من الأسالق عاري الشوك مجرود
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: الصَّوْلَع: السِنَان المجلوّ. وَفِي الحَدِيث: أَن مُعَاوِيَة قدِم الْمَدِينَة فَدخل على عَائِشَة، فَذكرت لَهُ شَيْئا فَقَالَ: إِن ذَلِك لَا يصلح، قَالَت: الَّذِي لَا يصلح ادّعاؤك زياداً، قَالَ: فَقَالَ: شهِدت الشهودُ. فَقَالَت: شهِدت الشُّهُود وَلَكِن ركِبَتِ الصُلَيْعاءَ. معنى قَوْلهَا: ركبت الصليعاء أَي شهدُوا بزُور قَالَ الْمُعْتَمِر، قَالَ أبي: الصليعاء: الفخِر. والصلعاء فِي كَلَام الْعَرَب: الداهية وَالْأَمر الشَّديد. وَقَالَ مزرِّد أَخُو الشماخ:
تأوُّهَ شيخ قَاعد وعجوزِه
حريَّين بالصلعاء أَو بالأساود
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: تصلَّعت السماءُ تصلُّعاً إِذا انْقَطع غيمها وانجردت. وَالسَّمَاء جرداء إِذا لم يكن فِيهَا غَيْم. وصِلاَع الشَّمْس: حرّها. وَيَوْم أصلع: شَدِيد الحرّ، قَالَ:
يَا قِردة خشيت على أظفارها
حَرَّ الظَهِيرة تَحت يَوْم أصلع
والصلعاء: الأَرْض الخالية، قَالَ:
ترى الضَّيْف بالصلعاء تَغْسِق عينه
من الْجُوع حَتَّى يُحْسَب الضَّيْف أرمدا
والصَلِيع: الأملس. وَقَالَ عَمْرو بن معد يكرب:
وسَوْقُ كَتِيبَة دَلَفت لأخرى
كأنّ زُهاءها رَأس صَليع
يَعْنِي: رَأْسا أصلع أملس.
وَفِي حَدِيث عمر فِي صفة التَّمْر قَالَ: وتُحترش بِهِ الضِباب من الصلعاء، يُرِيد الصَّحرَاء الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا، مثل الرَّأْس الأصلع، وَهِي الحصَّاء مثل الرَّأْس الأحصّ.
صعل: فِي حَدِيث أم مَعْبَد فِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم تُزْرِ بِهِ صَعْلة) قَالَ أَبُو عبيد: الصَّعْلة: صِغَر الرَّأْس، يُقَال: رجل صَعْل الرَّأْس إِذا كَانَ صَغِير الرَّأْس. وَلذَلِك يُقَال للظَّلِيم: صَعْل لِأَنَّهُ صَغِير الرَّأْس. قَالَ اللَّيْث: رجل صَعْل إِذا صغُر رأسُه. وَقد يُقَال رجل أصعل وَامْرَأَة صعلاء. وَفِي حَدِيث عليّح: (استكثروا من الطّواف بِهَذَا الْبَيْت قبل أَن يحول بَيْنكُم وَبَينه من الْحَبَشَة أصعلُ أصمع) . قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ: قَوْله: أصعل هَكَذَا يُروى، فَأَما كَلَام الْعَرَب فَهُوَ صَعْل بِغَيْر
(2/21)

ألف وَهُوَ الصَّغِير الرَّأْس، وَلذَلِك يُقَال للظليم: صَعْل.
قَالَ اللَّيْث: وَأما قَول العَجّاج:
ودَقَلٌ أجرد شَوْذَبيُّ
صَعْل من الساج ورُبَّانيُّ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بالصَّعْل هَهُنَا الطَّوِيل. أَبُو عَمْرو: الصَّعْلة من النّخل: فِيهَا اعوجاج، وَأنْشد:
مَا لم تكن صعلة صعباً مراقيها
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الصاعل: النعام الْخَفِيف.
قَالَ شمر: الصَّعْل من الرِّجَال: الصَّغِير الرَّأْس الطَّوِيل العُنق الدقيقُهما. قَالَ: وَتَكون الصَّعْلة الخِفَّة فِي الْبدن والدقَّة والنحول. قَالَ الشَّاعِر يصف عَيْراً:
نفى عَنْهَا المصيف وَصَارَ صَعْلا
يَقُول: خفَّ جسمُه وضمُر.
وَقَالَ آخر:
جَارِيَة لاقت غُلَاما عَزَبا
أزلَّ صَعْلَ النَسَوين أرقبا
قَالَ أَبُو نصر: الأصعل: الصَّغِير الرَّأْس.
وَقَالَ غَيره: الصعَل: الدقّة فِي العُنق وَالْبدن كُله. وَيُقَال للنخلة إِذا دقَّت: صَعْلة.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ النُّون)
(ع ص ن)
عصن، عنص، صنع، صعن، نصع، نعص: مستعملات.
عصن: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: أعصن الرجل إِذا شدَّد على غَرِيمه وتمكَّكَه وروى عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: أعْصن الرمل إِذا اعوَجَّ وعسُر.
عنص: لم أجد فِيهِ غير عَنَاصِي الشَّعَر. والعُنْصُوة الخُصْلَة من الشَّعَر، وَقَالَ الشَّاعِر:
إِن يُمْس رَأْسِي أشمط العناصِي
كَأَنَّمَا فرَّقه مُنَاصي
قَالَ اللَّيْث: العُنْصُوة على تَقْدِير فُعْلُوة.
قَالَ: وَمَا لم يكن ثَانِيه نوناً فَإِن الْعَرَب لَا تضم صَدره مثل تُنْدُوة.
فَأَما عَرْقُوة وتَرْقُوة وقَرْنُوة فمفتوحات.
عَمْرو عَن أَبِيه: أعنص إِذا بقيتْ على رَأسه عَنَاصٍ من ضفائره، وَهِي بقايا، وَاحِدهَا عُنْصُوة. وَقَالَ أَبُو زيد: العَنَاصِي: الشَّعَر المنتصِب قَائِما فِي تفرُّق.
صعن: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: أصْعَن الرجل إِذا صغُر رأسُه. أَبُو عبيد: الصِعْوَنُّ: الظليم الدَّقِيق العُنُق الصَّغِير الرَّأْس، وَالْأُنْثَى: صِعْوَنَّة.
وَقَالَ غَيره: الاصعنان: الدِقَّة واللطافة، وَمِنْه يُقَال: أُذُنٌ مُصَعَنَّة: مؤلَّلة، قَالَ عديّ:
وأُذْنٌ مُصَعَّنَةٌ كالقَلَمْ
عَمْرو عَن أَبِيه: أصْعَن إِذا صغر رَأسه ونقَصَ عقلُه.
نعص: قَالَ ابْن المظفّر: أمَّا نعص فَلَيْسَ بعربيَّة إلاّ مَا جَاءَ أسَد بن ناعصة المشبِّب بخنساء فِي شعره، وَكَانَ صَعْب الشّعْر
(2/22)

جدّاً، وقلَّما يُرْوَى شِعره لصعوبته. قلت: وقرأت فِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : فلَان من نُصْرتي وناصرتي ونائصتي وناعِصتي وَهِي ناصرته. والنواعص: اسْم مَوضِع. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النَّعْص: التمايل، وَبِه سمِّي ناعِصة. قلت: وَلم يَصح لي من بَاب (نعص) شَيْء أعتمِده من جِهَة من يُرجَع إِلَى علمه وَرِوَايَته عَن الْعَرَب.
نصع: أَبُو عُبَيد عَن الفرّاء: أنْصَعتِ النَّاقة للفحل إنصاعاً إِذا قَرَّتْ لَهُ عِنْد الضِرَاب. وَقَالَ غَيره: أنصع لِلْحقّ إنصاعاً إِذا أقَرَّ بِه. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للرجل إِذا تصدَّى للشرّ: قد أنصع لَهُ إنصاعاً. وَقَالَ شمر: النِّصْعُ الثَّوْب الْأَبْيَض. وَأنْشد لرؤبة يصف ثوراً:
كَأَن تحتي ناشطاً مُوَلَّعا
بالشأم حَتَّى خلته مبرقَعا
بَنِيقة من مَرْحَلِيّ أسْفَعا
كَأَن نِصْعاً فَوْقه مقطَّعا
مخالط التقليص إِذْ تَدَرَّعا
قَالَ شمر: قَالَ ابْن الأعرابيّ: يَقُول: كَأَن عَلَيْهِ نِصْعاً مقلَّصاً عَنهُ، يَقُول: تخال أَنه أُلْبِس ثوبا أَبيض مقلَّصاً عَنهُ لم يبلغ كُروعَه الَّتِي لَيست على لَونه. ابْن السّكيت عَن ابْن الأعرابيّ: أَبيض ناصع. قَالَ: والناصع فِي كل لون خَلَص ووَضَح. قَالَ الأصمعيّ: وَأكْثر مَا يُقَال فِي الْبيَاض أَبُو عبيد: أَبيض ناصع ويَقَق. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أصفر ناصع اللَّيْث: النَّصِيع: الْبَحْر وَأنْشد:
أدْلَيت دَلْوِي فِي النَّصِيع الزاخر
قلت: قَوْله: النَّصِيع: الْبَحْر غير مَعْرُوف، وَأَرَادَ بالنصيع: مَاء بِئْر ناصع المَاء لَيْسَ بكَدِر؛ لِأَن مَاء الْبَحْر لَا يُدْلَى فِيهِ الدَلْو. يُقَال: مَاء ناصع وماصع ونصِيع إِذا كَانَ صافياً. وَالْمَعْرُوف فِي الْبَحْر البَضِيع، بِالْبَاء وَالضَّاد: وَقد مرّ فِي بَابه وروى أَبُو عُبَيد عَن أبي عَمْرو: الماصع: البَرّاق، بِالْمِيم، وَيُقَال: المتغيّر، قَالَ: وَمِنْه قَول ابْن مقبِل:
فأفرغت من ماصع لونُه
على قُلُص ينتهِبن السِّجَالا
وَقَالَ شمر: ماصع يُرِيد بِهِ: ناصع، فصيَّر النُّون ميماً. قَالَ: وَقد قَالَ ذُو الرمَّة: ماصع فَجعله مَاء قَلِيلا. أَخْبرنِي بذلك كُله الإيَاديّ عَن شمر، وَقَالَ أَبُو سعيد: المَنَاصِع: الْمَوَاضِع الَّتِي يُتَخلى فِيهَا لبول أَو حَاجَة، وَالْوَاحد مَنْصَع. قلت: قَرَأت فِي حَدِيث الإفْك: (وَكَانَ متبرّز النِّسَاء بِالْمَدِينَةِ قبل أَن سُوّيت الكُنُف فِي الدّور المناصع) . وأُرى أَن المناصع مَوضِع بِعَيْنِه خَارج الْمَدِينَة، وَكن النساءُ يتبرّزْن إِلَيْهِ بِاللَّيْلِ على مَذَاهِب الْعَرَب فِي الجاهليَّة. وَقَالَ المؤرّج فِيمَا روى لَهُ أَبُو تُرَاب: النِّصَع والنِّطَع لوَاحِد الأنطاع، وَهُوَ مَا يتَّخذ من الأدَم. وَأنْشد لحاجز ابْن الجعيد الأزديّ:
فننحرها ونخلطها بِأُخْرَى
كَأَن سَرَاتها نِصَع دَهين
قَالَ: وَيُقَال: نِصْع بِسُكُون الصَّاد. وَقَالَ شمر: قَالَ الأصمعيّ: كل ثوب خالط الْبيَاض والصفرة والحمرة فَهُوَ نِصْع. وَقَالَ
(2/23)

أَبُو عُبَيدة فِي الشيات: أصفر ناصع، قَالَ: هُوَ الْأَصْفَر السَرَاةِ تعلو متنَه جُدَّة غَبْساء. وَقَالَ أَبُو تُرَاب: قَالَ الأصمعيّ: يُقَال: شرِب حَتَّى نَصَع وَحَتَّى نَقَع، وَذَلِكَ إِذا شَفَى غليله. قَالَ أَبُو نصر: الْمَعْرُوف: بضع.
صنع: قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} (الشُّعَرَاء: 129) المصانع فِي قَول بعض المفسّرين: الْأَبْنِيَة.
وَقَالَ بَعضهم: هِيَ أحباس تُتَّخذ للْمَاء، وَاحِدهَا مَصْنَعة ومَصْنَع. قلت: وَسمعت الْعَرَب تسمّي أحباس المَاء: الأصناع والصُّنُوع، وَاحِدهَا صِنْع. وروى أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: الحِبْس مثل المَصْنَعة، قَالَ: والزَّلَف: المصانع. قلت: وَهِي مَسَّاكاتٌ لِماء السَّمَاء يحتفرها النَّاس فيملؤها ماءُ السَّمَاء يشربونها. وَيُقَال للقصور أَيْضا مصانع. وَقَالَ لبيد:
بَلِينا وَمَا تَبْلى النُّجُوم الطوالعُ
وتَبْلى الديارُ بَعدنَا والمَصَانِع
وَقَول الله جلّ وعزَّ: {مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَتْقَنَ} (النَّمل: 88) قَالَ أَبُو إِسْحَاق: الْقِرَاءَة بِالنّصب، وَيجوز الرّفْع. فَمن نصب فعلى الْمصدر، لِأَن قَوْله: {أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا} (النَّمل: 88) دَلِيل على الصَّنْعَة، كَأَنَّهُ قَالَ: صَنَع الله ذَلِك صُنْعاً. وَمن قَرَأَ: (صُنْعُ الله) فعلى معنى: ذَلِك صنع الله. وَقَول الله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 -} (طاه: 39) مَعْنَاهُ: ولتربَّى بمرأًى منّي. يُقَال: صَنَع فلَان جَارِيَته إِذا رباها، وصَنَع فرسه إِذا قَامَ بعلفه وتسمينه. وَقَالَ اللَّيْث: صنع فرسَه، بِالتَّخْفِيفِ، وصنَّع جَارِيَته بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَن تصنيع الْجَارِيَة لَا يكون إِلَّا بأَشْيَاء كَثِيرَة وعِلاَج. قلت: وَغير اللَّيْث يُجِيز صَنَع جَارِيَته بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْه قَوْله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 -} . وَفُلَان صَنِيع فلَان إِذا ربَّاه وأدَّبه وخرَّجه، وَيجوز: صنيعته. وَقَالَ الأصمعيّ: الْعَرَب تسمّي القُرَى مصانع، واحدتها مَصْنعة. وَقَالَ ابْن مُقْبل:
أصواتُ نسوان أنباطٍ بمَصْنَعة
بَجَّدْن للنَّوْح واجتَبْن التَبَا بَينا
والمَصْنعة: الدَّعْوة يتّخذها الرجل وَيَدْعُو إخوانه إِلَيْهَا. وَقَالَ الرَّاعِي:
ومصنعةٍ هُنَيدَ أعنْتُ فِيهَا
قَالَ الْأَصْمَعِي: يَعْنِي مَدْعاة. وَفرس مُصَانِع، وَهُوَ الَّذِي لَا يعطيك جَمِيع مَا عِنْده من السّير، لَهُ صون يصونه فَهُوَ يصانعك ببذله سَيْرَه. وَيُقَال: صانعت فلَانا أَي رافقته. وصانعت الْوَالِي إِذا راشيته، وصانعته إِذا داهنته. وَقَالَ اللَّيْث: التصنُّع: تكلّف حُسْن السَّمْت وإظهاره والتزيُّن بِهِ وَالْبَاطِن مَدْخُول. وَقَالَ: الصُنَّاع: الَّذين يعْملُونَ بِأَيْدِيهِم، والحِرْفة الصِّنَاعة، وَالْوَاحد صانع. وَقَالَ ابْن السّكيت: امْرَأَة صَنَاع إِذا كَانَت رقيقَة الْيَدَيْنِ تسوِّي الأساقي وتَخْرُز الدلاء وتَفْريها. وَرجل صَنَع. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
وَعَلَيْهِمَا مَسرودَتان قضاهما
دَاوُد أَو صَنَع السوابغ تُبَّعُ
وَقَالَ ابْن الأنباريّ فِي (الزَّاهِر) : امْرَأَة صَنَاع إِذا كَانَت حاذقة بِالْعَمَلِ، وَرجل
(2/24)

صَنَع. إِذا أُفردت فَهِيَ مَفْتُوحَة متحرّكة. قَالَ: وَيُقَال: رجل صِنْع الْيَدَيْنِ، مكسور الصَّاد إِذا أضيفت. وَأنْشد:
صِنْعُ الْيَدَيْنِ بحيثُ يكوى الأصْيَدُ
وَأنْشد غَيره:
أنبل عَدْوانَ كُلِّها صَنَعا
والصَّنِيعة: مَا أَعْطيته وأسديته من مَعْرُوف أَو يَد إِلَى إِنْسَان تَصنعهُ بِهِ، وَجَمعهَا صنائع، قَالَ الشَّاعِر:
إِن الصنيعة لَا تكون صَنِيعَة
حَتَّى يصابَ بهَا طريقُ المَصْنَع
وَقَول الله عزّ وجلّ {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} (طاه: 41) أَي ربَّيتك لخاصَّة أَمْرِي الَّذِي أردته فِي فِرْعَوْن وَجُنُوده. وحدّثنا الْحُسَيْن عَن أبي بكر بن أبي شَيْبة عَن يحيى بن سعيد القطَّان عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الخُدْريّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا توقدوا بلَيْل نَارا) ؛ ثمَّ قَالَ: (أوقدوا واصطنعوا فَإِنَّهُ لن يدْرك قوم بعدكم مُدَّكم وَلَا صاعَكم) . قَوْله: اصطنعوا أَي اتّخذوا طَعَاما تنفقونه فِي سَبِيل الله.
عَمْرو عَن أَبِيه: الصَنِيع: الثَّوْب الجيّد النقيّ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أصْنع الرجلُ إِذا أعَان آخر. قَالَ: وكل مَا صُنِع فِيهِ فَهُوَ صِنْع مثل السُّفْرة. وَيكون الصِنْع الشِّوَاء. وَقَالَ اللَّيْث: الصَّنَّاعة: خَشَبَة تُتّخذ فِي المَاء ليحبس بهَا المَاء وتُمسكه حينا. ورُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِذا لم تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْت) رَوَاهُ جَرِير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن رِبْعيّ بن حِرَاش عَن أبي مَسْعُود الأنصاريّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ جرير: مَعْنَاهُ: أَن يُرِيد الرجل أَن يعْمل الْخَيْر فيدعَه حَيَاء من النَّاس، كَأَنَّهُ يخَاف مَذْهَب الريَاء. يَقُول: فَلَا يمنعْك الحياءُ من المضيّ لِمَا أردْت. قَالَ أَبُو عبيد: وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ جرير معنى صَحِيح فِي مذْهبه، وَلَكِن الحَدِيث لَا يدلّ سِيَاقه وَلَا لَفظه على هَذَا التَّفْسِير. قَالَ أَبُو عبيد: وَوَجهه عِنْدِي أَنه أَرَادَ بقوله: (إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت) إِنَّمَا هُوَ: من لم يستح صَنَع مَا شَاءَ، على جِهَة الذمّ لترك الْحيَاء، وَلم يرد بقوله: فَاصْنَعْ مَا شِئْت أَن يَأْمُرهُ بذلك أمرا، ولكنّه أمْر مَعْنَاهُ الْخَبَر؛ كَقَوْلِه ج: (من كذب عليّ متعمِّداً فليتبوّأ مَقْعَده من النَّار) ، لَيْسَ وَجهه أَنه أمره بذلك، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: مَن كذب عليّ تبوَّأ مَقْعَده من النَّار. وَالَّذِي يُرَاد من الحَدِيث أَنه حَثَّ على الْحيَاء وأمرَ بِهِ وَعَابَ تَركه. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عَرَفة: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى يَقُول فِي قَوْله: إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت قَالَ: هَذَا على الْوَعيد، فَاصْنَعْ مَا شِئْت فَإِن الله يجازيك. وَأنْشد:
إِذا لم تخش عَاقِبَة اللَّيَالِي
وَلم تستَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تشَاء
وَهُوَ كَقَوْل الله تَعَالَى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} (الْكَهْف: 29) .
الأصناع: الْأَسْوَاق، جمع صِنْع. وَقَالَ ابْن مقبل يصف فرسا:
بتُرْس أعجم لم تُنْجَر مسامره
مِمَّا تَخَيَّرُ فِي أصناعها الرّوم
لم تُنجز مسامره أَي لم تشدّ فِيهِ المسامير.
(2/25)

والصِنْع: السَفُّود، قَالَ مَرّار يصف إبِلا:
وَجَاءَت وركبانها كالشُروب
وسائقها مثل صِنْع الشواء
أَي هَذِه الْإِبِل وركبانها يتمايلون من النُّعَاس، وسائقها يَعْنِي نَفسه اسودّ من السَّمُوم. وَيُقَال: فلَان صَنِيع فلَان وصنيعته إِذا ربّاه وأدّبه حَتَّى خرّجه.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ الْفَاء)
(ع ص ف)
عصف، عفص، صفع، صعف، فصع: مستعملات.
عصف: قَالَ الله جلّ وعزّ: {الاَْكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} (الرَّحمان: 12) وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} (الْفِيل: 5) قَالَ الفرّاء: العَصْف فِيمَا ذكرُوا: بَقْل الزَرْع؛ لِأَن الْعَرَب تَقول: خرجنَا نَعْصِف الزَّرْع إِذا قطعُوا مِنْهُ شَيْئا قبل إِدْرَاكه، فَذَلِك العَصْف. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: ذُو العَصْف يُرِيد الْمَأْكُول من الحَبّ، وَالريحَان: الصَّحِيح الَّذِي يُؤْكَل. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: العَصْف: وَرَق الزَّرْع. وَيُقَال للتبْن: عَصْف وعَصِيفة. وَقَالَ النضْر: العَصْف: القَصِيل. قَالَ: وعصفْنا الزرعَ نعصِفه أَي جززنا ورقه الَّذِي يمِيل فِي أَسْفَله ليَكُون أخفّ للزَّرْع، وَإِن لم يُفعل مَال بالزرع. وَذكر الله جلّ وعزّ فِي أوّل هَذِه السُّورَة مَا دلَّ على وحدانيَّته من خَلْقه الْإِنْسَان وتعليمه الْبَيَان، وَمن خَلْق الشَّمْس وَالْقَمَر وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا أَنبت فِيهَا من رِزقِ مَن خلق فِيهَا من إنسيّ وبهيمة، تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ. وأمَّا قَوْله تَعَالَى: {سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} (الْفِيل: 5) فَلهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَنه أَرَادَ: أَنه جعل أَصْحَاب الْفِيل كورق أُخِذ مَا كَانَ فِيهِ من الحَبّ وَبَقِي هُوَ لَا حبّ فِيهِ. وَالْآخر أَنه أَرَادَ: أَنه جعلهم كعصف قد أكله الْبَهَائِم. وَقَالَ اللَّيْث: العَصْف: مَا على حبّ الحِنْطة وَنَحْوهَا من قُشور التبْن. قَالَ: والعَصْف أَيْضا: مَا على سَاق الزَّرْع من الْوَرق الَّذِي يبِس فتفتَّت، كل ذَلِك من العصف. قَالَ: وَقَوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ} ذُكر عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: هُوَ الهَبُّور، وَهُوَ الشّعير النَّابِت بالنَبَطيَّة. وَعَن الْحسن: كزرع قد أُكل حَبّه وَبَقِي تِبْنُه. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ} : إِنَّه يُقَال: إِن فلَانا يعتصف إِذا طلب الرزق، والعصف: الرزق، والعَصْف والعَصِيفة: ورق السُنْبُل. وَقَول الله جلّ وعزّ: {عُرْفاً فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} (المُرسَلات: 2) قَالَ المفسّرون: هِيَ الرِّيَاح. وَقَالَ الفرّاء فِي قَوْله: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} (إِبْرَاهِيم: 18) قَالَ: فَجعل العُصُوف تَابعا لليوم فِي إعرابه وَإِنَّمَا العُصُوف للرياح. وَذَلِكَ جَائِز على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَن العُصُوف وَإِن كَانَ للريح فَإِن الْيَوْم قد يوصَف بِهِ؛ لِأَن الرّيح تكون فِيهِ، فَجَاز أَن تَقول: يَوْم عاصف؛ كَمَا يُقَال: يَوْم بَارِد وَيَوْم حارّ وَالْبرد والحرّ فيهمَا. وَالْوَجْه الآخر أَن تُرِيدُ: فِي يَوْم عاصِف الريحِ، فتحذف الرّيح لِأَنَّهَا قد ذُكِرت فِي أول الْكَلِمَة، كَمَا قَالَ:
(2/26)

إِذا جَاءَ يومٌ مظلم الشَّمْس كاسفُ
يُرِيد: كاسف الشَّمْس فَحَذفهُ لِأَنَّهُ قدَّم ذكره. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الحرَّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: يُقَال: عَصَفت الريحُ وأعصفت فَهِيَ ريح عاصف ومُعْصفة إِذا اشتدَّت. وَقَالَ اللَّيْث: وَجمع العاصف عواصف. قَالَ: والمُعْصِفات: الرِّيَاح الَّتِي تُثير التُّرَاب وَالْوَرق وعَصْفَ الزَّرْع. قَالَ: والعُصافة: مَا سقط من السُنْبل، مثل التِّبْن وَنَحْوه. أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: الإعصاف: الإهلاك، وَأنْشد للأعشى:
فِي فيلق شهباء ملمومة
تُعْصِف بالدارع والحاسر
أَي تُهلكهما. وَقَالَ اللَّيْث: تُعصف بهما أَي تَذهب بهما. قَالَ: والنعامة العَصُوف: السريعة: والعَصْف: السرعة، وَأنْشد:
وَمن كل مِسْحاج إِذا ابتلَّ لِيتُها
تحلَّب مِنْهَا ثائب متعصّف
يَعْنِي العَرَق. أَبُو عُبَيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: العَصُوف: السريعة من الْإِبِل. وَقَالَ اللحيانيّ: أعصفت الناقةُ إِذا أسرعت، فَهِيَ مُعْصِفة. وَقَالَ النَّضر: إعصاف الْإِبِل: استدارتها حول الْبِئْر حرصاً على المَاء وَهِي تطحن التُّرَاب حوله وتثيره. وَقَالَ المفضّل: إِذا رمى الرجل غَرَضاً فصاب نَبْلُه قيل لَهُ: إِن سهمك لعاصف. قَالَ: وكل مَاء عاصف. وَقَالَ كثيّر:
فمرّت بلَيْل وَهِي شدفاء عاصف
بمنخرَق الدوَداة مَرَّ الخَفَيْدَدِ
وَقَالَ اللحياني: هُوَ يَعْصِف ويعتصف وَيصرف ويصطرف، أَي يكسِب وَيطْلب ويحتال. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي، فِيمَا رَوَى عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس: العَصْفانِ: التِبْنانِ، قَالَ: والعُصُوف: الأتبان والعَصْف: السنْبُل، وَجمعه عُصوف. والعُصُوف: الرِّيَاح. والعُصُوف: الكَدّ. والعصوف الخُمُور.
عفص: قَالَ اللَّيْث: العَفْص: حَمْل شَجَرَة البَلُّوط، يحمل سَنَة بَلُّوطاً وَسنة عَفْصاً. وَجَاء حَدِيث اللُّقَطة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (احفظ عِفَاصَها ووِكاءها) قَالَ أَبُو عبيد: العِفَاص: هُوَ الوِعاء الَّذِي تكون فِيهِ النفَقة إِن كَانَ من جلد أَو خرقَة أَو غير ذَلِك، وَلِهَذَا سمّي الْجلد الَّذِي يُلْبَسَهُ رَأس القارورة العِفَاص، لِأَنَّهُ كالوعاء لَهَا. وَلَيْسَ هَذَا بالصِّمَام الَّذِي يُدخَل فِي فَم القارورة فَيكون سِدَاداً لَهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا أمره بحفظه ليَكُون عَلامَة لصدق مَن يعترفها. وَقَالَ اللَّيْث: العِفَاص: صمَام القارورة، ثمَّ قَالَ: وعِفَاص الرَّاعِي: وعاؤه الَّذِي تكون فِيهِ النَّفَقَة. قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَه أَبُو عبيد فِي العفاص: أَنه الْوِعَاء أَو الْجلْدَة الَّتِي تُلْبَس رأسَ القارورة حَتَّى تكون كالوعاء لَهَا. وَيُقَال: عَفَصْت القارورة عَفْصاً إِذا جعلت العِفَاص على رَأسهَا. فَإِن أردْت أَنَّك جعلت لَهَا عِفَاصاً قلتَ: أعفصتها. وثوب مُعَفَّص: مصبوغ بالعفْص، كَمَا قَالُوا: ثوب ممسّك بالمِسْك. وَيُقَال: هَذَا طَعَام عَفِص إِذا كَانَت فِيهِ بشاعة ومرارة. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المِعفاص من الْجَوَارِي: الزَّبَعْبَق النهايةُ فِي سُوء الخُلُق. قَالَ:
(2/27)

والمعقاص بِالْقَافِ شرّ مِنْهَا. العفْص: العَصْر والهَصْر. وعَفَصَت الدابّة: ثَنَت عُنقها. مَا زلت أطالِبه بحقّي حَتَّى عفص بِهِ واعتفصته مِنْهُ أَي أَخَذته مِنْهُ. وعَفَصها: جَامعهَا.
صعف: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن كثير أَن لأهل الْيمن شرابًا يُقَال لَهُ: الصعْف، وَهُوَ أَن يُشْدَخ العِنَب، ثمَّ يُلْقى فِي الأوعية حَتَّى يَغْلِي. قَالَ: وجُهَّالهم لَا يرونه خمرًا لمَكَان اسْمهَا. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: أَنه قَالَ: الصعْفَانُ: المولَع بشراب الصفع وَهُوَ العَصير.
فصع: أَبُو الْعَبَّاس عَن أبي الْأَعرَابِي: فصَّع الرجل يفصّع تفصيعاً إِذا خرج مِنْهُ ريح منتِن وفَسْوة. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنه نهى عَن فَصْع الرُطَبة) ، قَالَ أَبُو عبيد: فَصْعها: أَن يُخرجهَا من قشرها، يُقَال: فصعها فَصْعاً، وَأَنا أفْصَعُها. وَقَالَ اللَّيْث: فصْعها: أَن تأخذها بإصبعك فتَعْصِرها حَتَّى تتقشّر. قَالَ: والفَصْعاء: الْفَأْرَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الفَصْعَانُ: المكشوف الرَّأْس أبدا حرارة والتهاباً. وَقَالَ غَيره: الفُصْعة: غُلْفة الصبيّ إِذا كشفها عَن ثُومة ذكره قبل أَن يُختن، وَقد فصعها الصبيّ إِذا نحّاها عَن الحَشَفَة. وروى ابْن الْفرج عَن حَتْرَش الْأَعرَابِي قَالَ: فصَّع كَذَا من كَذَا وفصّله مِنْهُ بِمَعْنى وَاحِد إِذا أخرجه مِنْهُ. افتصعت حقّي مِنْهُ أَي أَخَذته بقهر فَلم أترك مِنْهُ شَيْئا.
صفع: الصَفْع: أَن يَبْسُط الرجل كفّه فَيضْرب بهَا قفا الإنسانِ أَو بدنَه، فَإِذا جمع كفّه وَقَبضهَا ثمَّ ضرب بهَا فَلَيْسَ بصَفْع، وَلَكِن يُقَال: ضربه بجُمْع كفّه. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الصَوْفَعة: هِيَ أَعلَى الكُمَّة والعِمامةِ. يُقَال: ضربه على صَوْفَعته إِذا ضربه هُنَالك. قَالَ: والصَفْع أَصله من الصَوْفَعة، والصوفعة مَعْرُوفَة.
قَالَ الْأَزْهَرِي: السَفْع: اللطح بِالْيَدِ، فَإِذا بسط الضَّارِب يَده فَضرب بهَا الْقَفَا، فَهُوَ الصفع بالصَّاد.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ الْبَاء)
(ع ص ب)
عصب، صبع، صَعب، بصع، بَعْص: مستعملة.
عصب: قَالَ الله جلّ وَعز: {هَاذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} (هُود: 77) أَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: يَوْم عَصِيب، وَيَوْم عَصَبصَب أَي شَدِيد. قَالَ: وعَصَب فوه يَعْصِب عَصْباً إِذا ذَبّ ويبِس رِيقه، وفوه عاصب.
وَأَخْبرنِي الحَرّانيّ عَن ابْن السكيتِ يُقَال: عصَب الريقُ بِفِيهِ يعصِب عَصْبَاً إِذا يبِس. وَقَالَ: عَصَب فَاه الرِّيق.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
... حَتَّى يعصِب الريقُ بالفم
وَقَالَ الراجز:
يعصب فَاه الرِيقُ أَي عَصْب
عَصْب الجُبَاب بشفاه الوطْب
الجُبَاب: شِبْه الزُبْد فِي ألبان الْإِبِل. وروى بعض المحدِّثين (أَن جِبْرِيل جَاءَ
(2/28)

يَوْم بدر على فرس أُنْثَى وَقد عصم بثنّيتيه الغبارُ) ، فَإِن لم يكن غَلطا من المحدِّث فَهِيَ لُغَة فِي عَصَب، وَالْبَاء وَالْمِيم يتعاقبان فِي حُرُوف كَثِيرَة، لقرب مخرجيهما، يُقَال ضَرْبَةُ لازبٍ ولازم، وسبّد رَأسه وسمَّده. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: رجل معصَّب أَي فَقير قد عصَّبه الْجهد، وَهُوَ من قَوْله جلّ وَعز: {يَوْمٌ عَصِيبٌ} (هُود: 77) .
وَقَالَ بَعضهم: يَوْم عصيب أَي شَدِيد مَأْخُوذ من قَوْلك: عَصَبَ القومَ أمرٌ يعصِبهم عَصْباً إِذا ضمَّهم وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم. وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
يَا قومِ مَا قومِي على نأيهم
إِذْ عَصَب النَّاس شَمَال وقرّ
وَقَوله: مَا قومِي على نأيهم تعجّب من كرمهم، وَقَالَ: نِعم الْقَوْم هم فِي المجاعة إِذْ عصب النَّاس شَمال أَي أطاف بهم وشملِهم بَرْدَها. وَيُقَال للرجل الجائع يشتدّ عَلَيْهِ سَخْفة الجُوع فيعصِّب بَطْنه بِحجر: مُعَصَّب. وَمِنْه قَوْله:
فَفِي هَذَا فَنحْن لُيُوث حَرْب
وَفِي هَذَا غيوث مُعَصَّبينَا
وَقَالَ الأصمعيّ: العَصْب: غَيْم أَحْمَر يكون فِي الأفُق الغربيّ يظْهر فِي سِنِي الجَدْب. وَقَالَ الفرزدق:
إِذا العَصْب أَمْسَى فِي السَّمَاء كَأَنَّهُ
سَدَى أُرْجوان واستقلَّت عَبُورها
أَبُو عُبيد عَن أبي عُبَيدة: المعصَّب: الَّذِي عصَّبته السِنُون أَي أكلت مَاله. وَقَالَ الله جلّ وَعز: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (يُوسُف: 8) . قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: العُصْبة من العَشَرة إِلَى الْأَرْبَعين. وَقَالَ الْأَخْفَش: العُصْبة والعِصابة: جمَاعَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد. وَذكر ابْن المظفّر فِي كِتَابه حَدِيثا: إِنَّه يكون فِي آخر الزَّمَان رجل يُقَال لَهُ: أَمِير العُصَب، فَوجدت تَصْدِيقه فِي حَدِيث حدّثنا بِهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الرماديّ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن عُقْبة بن أَوْس عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ: وجدت فِي بعض الْكتب يَوْم اليرموك: أَبُو بكر الصّديق أصبْتُم اسْمه. عمر الْفَارُوق قَرْن من حَدِيد أصبْتُم اسْمه. عُثْمَان ذُو النورين كِفيْلَن من الرَّحْمَة لِأَنَّهُ يُقتل مَظْلُوما، أصبْتُم اسْمه. قَالَ: ثمَّ يكون مَلِك الأَرْض المقدَّسة وَابْنه. قَالَ عُقبة: قلت لعبد الله سمّهما. قَالَ: مُعَاوِيَة وَابْنه. ثمَّ يكون سفَّاح، ثمَّ يكون مَنْصُور، ثمَّ يكون جَابر، ثمَّ مهديّ، ثمَّ يكون الْأمين، ثمَّ يكون سين وَسَلام يَعْنِي صلاحاً وعافية، ثمَّ يكون أَمِير العُصَب، سِتَّة مِنْهُم من ولد كَعْب بن لؤيّ وَرجل من قحطان كلهم صَالح لَا يُرَى مثله. قَالَ أَيُّوب: فَكَانَ ابْن سِيرِين إِذا حَدَّث بِهَذَا الحَدِيث قَالَ: يكون على النَّاس مُلُوك بأعمالهم. قلت: وَهَذَا حَدِيث عَجِيب وَإِسْنَاده صَحِيح وَالله أعلم بالغيوب.
والعَصْب من برود الْيمن، مَعْرُوف. وَقَالَ اللَّيْث: سمّي عَصْباً لِأَن غَزْله يُعصَب، ثمَّ يُصبغ ثمَّ يحاك، وَلَيْسَ من برود الرقْم.
(2/29)

وَلَا يجمع، يُقَال: بُرْد عَصْب وبرود عَصْب لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْفِعْل. وَرُبمَا اكتفَوا بِأَن يُقَال: عَلَيْهِ العَصْب لِأَن البُرْد عُرِف بذلك الِاسْم. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: العصَّاب: الغزّال. وَقَالَ رؤبة:
طيّ القَسَاميّ بُرودَ العَصَّاب
قَالَ: والقَسَاميّ: الَّذِي يَطْوي الثِّيَاب فِي أول طَيّها حَتَّى تُكسّر على طيّها. قلت: وَقَول أبي عَمْرو يحقّق مَا قَالَه اللَّيْث من عَصْب الغَزْل وصَبْغه. وَرُوِيَ عَن الحجّاج بن يُوسُف أَنه خطب النَّاس بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: لأَعْصِبَنَّكم عَصْب السَّلَمة. قلت: والسَّلَمة شَجَرَة من الغَضَى ذَات شوك، وورقها القَرَظ الَّذِي يُدبغ بِهِ الأَدَم، ويعسُر خَرْط وَرقهَا لِكَثْرَة شَوْكهَا. ويَعْصِب الخابط أَغْصَانهَا بحَبْل ثمَّ يَهْصِرها إِلَيْهِ ويخبِطها بعصاه فيتناثر وَرقهَا للماشية وَلمن أَرَادَ جمعه. وعَصْبُها: جمع أَغْصَانهَا بِحَبل تُمدّ بِهِ وتُشَدّ شدّاً شَدِيدا. وأصل العَصْب اللَيّ، وَمِنْه عَصْب التَيْس وَهُوَ أَن يُشدّ خُصْياه شدّاً شَدِيدا حَتَّى تَنْدُرَا من غير أَن تنتزعا نزعاً، أَو تُسَلاّ سلاًّ. يُقَال: عَصبْتُ التيس أعصِبه فَهُوَ معصوب. قَالَ ذَلِك أَبُو زيد فِيمَا رَوى عَنهُ أَبُو عبيد. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: فلَان لَا تُعْصَب سَلَماته يضْرب مثلا للرجل الْعَزِيز الشَّديد الَّذِي لَا يُقهر وَلَا يُستذَلّ. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
وَلَا سَلَماتي فِي بَجِيلة تُعْصَبُ
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: العَصُوب: الَّتِي لَا تَدِرّ حَتَّى يُعْصَب فخذاها بِحَبل، وَذَلِكَ الْحَبل يُقَال لَهُ: العِصَاب. وَقد عصبها الحالب عَصْباً وعِصَاباً. وَقَالَ الشَّاعِر:
فَإِن صَعُبَتْ عَلَيْكُم فاعصِبوها
عِصَاباً تَستدرّ بِهِ شَدِيدا
وَقَالَ أَبُو زيد: العَصُوب: النَّاقة الَّتِي لَا تَدِرّ حَتَّى يُعْصَب أداني مَنْخِرَيها بخَيط ثمَّ تُثَوَّر وَلَا تُحلّ حَتَّى تُحلب. وَأما عَصَبة الرجل فهم أولياؤه الذُكور من ورثته، سُمُّوا عَصَبة لأَنهم عَصَبوا بنسبه أَي استكَفُّوا بِهِ، فالأب طَرَف وَالِابْن طَرَف والعَمّ جَانب وَالْأَخ جَانب، وَالْعرب تسمّي قَرَابَات الرجل أَطْرَافه، ولمّا أحاطت بِهِ هَذِه الْقرَابَات وعَصَبتْ بنسبه سُمّوا عَصَبة. وكل شَيْء اسْتَدَارَ بِشَيْء فقد عَصَب بِهِ. والعمائم يُقَال لَهَا: العصائب، واحدتها عِصَابة، من هَذَا. وأمَّا العَصَبة فَلم أسمع لَهُم بِوَاحِد. وَالْقِيَاس أَن يكون عاصباً؛ مثل طَالب وطَلَبة وظالم وظلَمة. وَيُقَال أَيْضا: عَصَبت الإبلُ بِعَطَنها إِذا استكفَّت بِهِ؛ قَالَ أَبُو النَّجْم:
إِذْ عَصَبت بالعَطَن المغربَل
يَعْنِي المدقَّق ترابُه. وَيُقَال: عَصَب الرجلُ بيتَه أَي أَقَامَ فِي بَيته لَا يبرحه، لَازِما لَهُ. وَيُقَال: عَصَب القَيْن صَدْع الزجاجة بضبَّة من فضَّة إِذا لأمها بهَا مُحِيطَة بِهِ. والضبَّة عِصَابة للصَّدْع. والعَصَبيَّة: أَن يَدْعُو الرجل إِلَى نُصْرة عَصَبته والتألُّب مَعَهم على من يناوئهم، ظالمين كَانُوا أَو مظلومين. وَقد تعصَّبوا عَلَيْهِم إِذا تجمّعوا. واعصوصب القومُ إِذا اجْتَمعُوا. فَإِذا تجمّعوا على فريق آخَرين قيل: تعصَّبوا.
(2/30)

وقرأت بخطّ شمر أَن الزبير بن العوّام لمّا أقبل نَحْو الْبَصْرَة سُئِلَ عَن وَجهه فَقَالَ:
عَلِقتهم إِنِّي خلِقتُ عُصْبَهْ
قَتَادةً تعلَّقت بنُشبَهْ
قَالَ شمر: وَبَلغنِي أَن بعض الْعَرَب قَالَ:
غلبتهم إِنِّي خُلِقتُ نُشْبَهْ
قَتَادَة ملوِيَّة بعُصْبَهْ
قَالَ: والعُصْبة نَبَات يتلوّى على الشّجر، وَهُوَ اللَّبْلاب. والنُشْبة من الرِّجَال: الَّذِي إِذا عبِث بِشَيْء لم يكد يُفَارِقهُ. وَأنْشد لكثيّر:
باديَ الرّبع والمعارف مِنْهَا
غير رَبْع كعُصْبة الأغيال
وروى غَيره عَن ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي الجرّاح أَنه قَالَ: العُصْبة: هَنَة تُلَفّ على القَتَادة لَا تُنزع عَنْهَا إلاّ بعد جَهد، وَأنْشد:
تلبَّس حُبُّها بدمي ولحمي
تلبُّسَ عُصْبة بِفُرُوع ضَالِ
وَيُقَال للرجل إِذا كَانَ شَدِيد أسْرِ الخَلْق غير مسترخِي اللَّحْم: إِنَّه لمعصوب مَا حُفْضِج. وَقَالَ ابْن السّكيت: العَصَب عَصَب الْإِنْسَان والدابَّة، قَالَ: وَحكى لي الكلابيّ: ذَاك رجل من عَصَب الْقَوْم أَي من خيارهم، ونحوَ ذَلِك قَالَ ابْن الْأَعرَابِي. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس عَنهُ: العَصُوب الْمَرْأَة الرسحاء، وروى أَبُو نصر عَن الْأَصْمَعِي والأثرمُ عَن أبي عُبَيْدَة أَنَّهُمَا قَالَا: هِيَ العَصُوب والرسحاء والمَسْحاء والرصعاء والمصواء والمزلاق والمزلاج والمِنْداص. وَقَالَ اللَّيْث: العَصَب: أطناب المفاصل الَّتِي تلائم بَينهَا وتشدُّها وَلَيْسَ بالعَقَب. وَلحم عَصِب: صُلْب شَدِيد. وَيُقَال للرجل الَّذِي سوّده قومه: قد عصَّبوه فَهُوَ معصَّب؛ وَقد تعصّب. وَمِنْه قَول المخبَّل فِي الزبْرِقان:
رَأَيْتُك هربَّتِ العِمَامة بَعْدَمَا
أَرَاك زَمَانا حاسراً لما تُعَصَّبِ
وَهَذَا مَأْخُوذ من العِصَابة وَهِي العِمَامة وَكَانَت التيجان للملوك، والعمائم الْحمر للسادة من الْعَرَب. وَرجل معصَّب ومعمَّم: أَي مسوَّد. وَقَالَ عَمْرو بن كُلْثوم:
وَسيد معشر قد عصَّبوه
بتاج المُلْك يَحْمى المُحْجَرينا
فَجعل الملِك معصَّباً أَيْضا لِأَن التَّاج أحَاط بِرَأْسِهِ كالعِصابة الَّتِي عَصَبت بِرَأْس لَابسهَا. والعِصابة تقع على الْجَمَاعَة من النَّاس وَالطير وَالْخَيْل. وَمِنْه قَول النَّابِغَة:
عصائب طير تهتدي بعصائب
وَيُقَال: اعتصب التاجُ على رَأسه إِذا استكَفَّ بِهِ. وَمِنْه قَول قيس ذِي الرُّقيات:
يعتصب التاجُ فَوق مَفْرِقه
على جبين كَأَنَّهُ الذَّهَب
وكلّ مَا عُصِب بِهِ كَسْر أَو قرح من خرقَة أَو خَبِيبة فَهُوَ عِصاب لَهُ. وَيُقَال لأمعاء الشَّاء إِذا طُوِيت وجمعت ثمَّ جُعلت فِي حَوِيَّة من حوايا بَطنهَا: عُصُب واحِدُها عَصِيب.
والعصائب: الرِّيَاح الَّتِي تعصب الشّجر
(2/31)

فتدرج فِيهِ؛ قَالَ الأخطل:
مطاعيم تعذُو بالعَبِيط جِفانُهم
إِذا القُرّ ألوت بالعِصَاه عصائبُهُ
وعَصِبت الفِصالُ الإبلَ: تقدَّمتها. والمعصوب: الْكتاب المطويّ. وَقَالَ:
أَتَانِي عَن أبي هَرِم وَعِيد
ومعصوبٌ تخُبّ بِهِ الرِّكابُ
صَعب: يُقَال: عَقَبة صَعْبة إِذا كَانَت شاقَّة. وجَمَل مُصْعَب إِذا لم يكن منوَّقاً وَكَانَ محرَّم الظّهْر، وجمال مصاعب ومصاعيب. وَيُقَال: أصعَبْتُ الْأَمر إِذا ألفيته صَعْباً. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لَا يُصْعِب الْأَمر إِلَّا رَيْث يَرْكبه
وَلَا تَعَرّبُ إلاّ حوله العَرَبُ
وَيُقَال: صَعُب الْأَمر يَصْعُب صُعُوبة فَهُوَ صَعْب. وَيُقَال: أَخذ فلَان بَكْراً من الْإِبِل ليقتضبه فاستصعب عَلَيْهِ استصعاباً. وَقد استصعبته أَنا إِذا وجدته صَعْباً. وَقَالَ ابْن السّكيت: المصعَب: الفَحْل الَّذِي يودَّع من الرّكُوب وَالْعَمَل، للفِحْلة. قَالَ: والمصعَب: الَّذِي لم يمسسه حَبْل وَلم يُركب. قَالَ: والقَرْم: الْفَحْل الَّذِي يُقْرم أَي يودَّع ويُعفى من الرّكُوب، وَهُوَ المُقْرَم والقريع والفَنِيق. وصَعْب من أَسمَاء الرِّجَال. وَجمع الصَّعْب صِعَاب.
صبع: أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: صَبَعت بِالرجلِ وصبعت عَلَيْهِ أصْبَع صَبْعاً إِذا اغتبْتَه. وصبعت فلَانا على فلَان: دللته. وصبعت الْإِنَاء إِذا كَانَ فِيهِ شراب فقابلتَ بَين إصبعيك ثمَّ أرْسلت مَا فِيهِ فِي شَيْء آخر. قلت: وصَبْع الْإِنَاء أَن يُرسل الشَّرَاب الَّذِي فِيهِ من طَرَفي الإبهامين أَو السبَّابتين لِئَلَّا ينتشر فيندفق. قلت: وَهَذَا كُله مَأْخُوذ من الإصبع؛ لِأَن الْإِنْسَان إِذا اغتاب إنْسَانا أَشَارَ إِلَيْهِ بالإصبع. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: رجل مصبوع إِذا كَانَ متكبّراً. قَالَ: والصَبْع: الكِبْر التامّ. والإصبع: وَاحِدَة الْأَصَابِع. وفيهَا ثَلَاث لُغَات حَكَاهَا أَبُو عبيد عَن الكسائيّ قَالَ: هِيَ الإصْبَع وَالإصْبِع واللأُصْبُع. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه دمِيتْ إصبعُه فِي حفر الخَنْدَق فَقَالَ:
هَل أَنْت إِلَّا إصبِع دَمِيتِ
وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيتِ
وَإِن ذكَّر مذكِّر الإصبع جَازَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عَلامَة التَّأْنِيث. والإصبع: الْأَثر الحسَن. يُقَال: فلَان من الله عَلَيْهِ إِصْبَع حَسَنة. وَإِنَّمَا قيل للأثَر الْحسن: إِصْبَع لإشارة النَّاس إِلَيْهِ بالإصبع. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: إِنَّه لحسن الإصبع فِي مَاله، وحَسَن المَسّ فِي مالِه أَي حسن الْأَثر. وَأنْشد:
أوردهَا رَاع مَرِيء الإصبع
لم تَنْتَشِر عَنهُ وَلم تَصَدّعِ
وَفُلَان مُغِلّ الإصبع إِذا كَانَ خائناً. وَقَالَ الشَّاعِر:
حدّثتَ نَفسك بِالْوَفَاءِ وَلم تكن
للغدر خَائِنَة مُغِلّ الإصبع
وَقيل: إِصْبَع: اسْم جبل بِعَيْنِه.
بَعْص: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ:
(2/32)

البَعْص: نحافة الْبدن ودِقَّته. قَالَ: أَصله دُودة يُقَال لَهَا: البُعْصُوصة. قَالَ: وسَبٌّ للجواري: يَا بُعْصُوصة كُفّي، وَيَا وَجه الكُبَع: سمك بحري وَحِشُ المَرآة. وَقَالَ اللَّيْث: البُعصوصة: دوَيْبَّة صَغِيرَة لَهَا بريق من بياضها. وَيُقَال للصبيَّة يَا بُعصوصة لصِغَر جُثَّتها وضعفها. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ يُقَال للحيَّة إِذا ضُرِبت فلوَتْ ذَنَبها: هِيَ تَبعْصَصُ أَي تتلوَّى. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي أَيْضا: يُقَال للجُويرية الضاويَّة: البُعصوصة والعِنْفِص والبطيّطة الحطِّيطة.
بصع: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: البَصْع: الجَمْع. وَمِنْه قَوْلهم فِي التَّأْكِيد: جَاءَ الْقَوْم أَجْمَعُونَ أكتعون أبصعون إِنَّمَا هُوَ شَيْء يَجمع الْأَجْزَاء. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء: يَقُولُونَ: أَجْمَعُونَ أكتعون أبصعون، وَلَا يَقُولُونَ: أبصعون حَتَّى يتقدّمه أكتعون. وَسمعت المنذريّ يَقُول: سَمِعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول: الْكَلِمَة توَكَّد بِثَلَاثَة تواكيد. يَقُولُونَ: جَاءَ الْقَوْم أكتعون أبثعون أبصعون بالصَّاد؛ كَمَا قَالَ ابْن الْأَعرَابِي والفرّاء. وَقَالَ: أبثعون بالثاء وَالصَّوَاب: أبتعون بِالتَّاءِ، وظننت أَن المنذريّ لم يضبِطه عَن أبي الْهَيْثَم ضبطاً حسنا. وَقَالَ ابْن هانىء وَغَيره من النَّحْوِيين: أَخَذته أجمع أبتع وَأجْمع أبصع بِالتَّاءِ وَالصَّاد. وَقَالَ اللَّيْث: البَصْع: الخَرْق الضيِّق الَّذِي لَا يكَاد يَنفُذ فِيهِ المَاء. تَقول: بَصُع يبصُع بَصَاعة. قَالَ: وَيُقَال: تبصّع العَرَق من الجَسَد إِذا نبع من أصُول الشَّعَر قَلِيلا قَلِيلا. قلت: ورَوَى ابْن دُرَيْد بَيت أبي ذُؤَيْب:
إلاّ الحَمِيم فَإِنَّهُ يتبصّع
بالصَّاد أَي يسيل قَلِيلا قَلِيلا. قلت: ورَوَى الثِّقَات هَذَا الْحَرْف: يتبضّع الشَّيْء بالضاد إِذا سَالَ، هَكَذَا أَقْرَأَنِيهِ الإياديّ عَن شمر لأبي عُبيد، وَهَكَذَا رَوَاهُ الروَاة فِي شعر أبي ذُؤَيْب، وَابْن دُريد أَخذ هَذَا من (كتاب ابْن المظفّر) فمرّ على التَّصْحِيف الَّذِي صحَّفه.

(بَاب الْعين وَالصَّاد مَعَ الْمِيم)
(ع ص م)
عصم، عمص، معص، مصع، صمع: مستعملة.
عصم: قَالَ الله جلّ وَعز: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} (هود: 43) قَالَ الفرّاء: (مَنْ) فِي مَوضِع نصب، لِأَن الْمَعْصُوم خلاف العاصم والمرحوم مَعْصُوم، فَكَانَ نَصبه بِمَنْزِلَة قَوْله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} (النِّسَاء: 157) . قَالَ الفرَّاء: وَلَو جعلت عَاصِمًا فِي تَأْوِيل مَعْصُوم أَي لَا مَعْصُوم الْيَوْم من أَمر الله جَازَ رفع (مَن) . قَالَ: وَلَا تنكرنّ أَن يخرج الْمَفْعُول على الْفَاعِل، أَلا ترى إِلَى قَوْله جلّ وعزَّ: {خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} (الطارق: 6) مَعْنَاهُ وَالله أعلم: مدفوق. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ: قَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} (هود: 43) يجوز أَن يكون: لَا ذَا عاصمةٍ أَي لَا مَعْصُوم، وَيكون {إِلَّا من رحم
(2/33)

رفعا بَدَلا من لَا عَاصِم. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَهَذَا خَلْف من الْكَلَام، لَا يكون الْفَاعِل فِي تَأْوِيل الْمَفْعُول إِلَّا شاذّاً فِي كَلَامهم، والمرحوم مَعْصُوم وَالْأول عَاصِم. و (مَنْ) نَصْب باستثناء الْمُنْقَطع. وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْأَخْفَش يجوز فِي الشذوذ الَّذِي لَا ينقاس. وَقَالَ الزجَّاج فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ سَآوِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَآءِ} (هود: 43) أَي يَمْنعنِي من المَاء. وَالْمعْنَى: من تغريق المَاء. قَالَ: (لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم) هَذَا اسْتثِْنَاء لَيْسَ من الأول وَمَوْضِع (من) نَصْب، الْمَعْنى: لَكِن من رحم اللَّهُ فَإِنَّهُ مَعْصُوم. قَالَ: وَقَالُوا: يجوز أَن يكون عَاصِم فِي معنى مَعْصُوم، وَيكون معنى {لَا عَاصِم: لَا ذَا عصمَة، وَتَكون (مَنْ) فِي مَوضِع رفع، وَيكون الْمَعْنى: لَا مَعْصُوم إِلَّا المرحوم. قلت: والحُذَّاق من النَّحْوِيين اتّفقوا على أَن قَوْله: لَا عَاصِم بِمَعْنى لَا مَانع، وَأَنه فَاعل لَا مفعول، وَأَن (مَنْ) نصب على الِانْقِطَاع. والعِصْمة فِي كَلَام الْعَرَب: المَنْع. وعِصْمة الله عبدَه: أَن يعصمه ممَّا يُوبِقه. واعتصم فلَان بِاللَّه إِذا امْتنع بِهِ. واستعصم إِذا امْتنع وأبى، قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن امْرَأَة الْعَزِيز فِي أَمر يُوسُف حِين راودته عَن نَفسه::ُ: ِفَاسَتَعْصَمَ} (يُوسُف: 32) أَي تأبّى عَلَيْهَا وَلم يجبها إِلَى مَا طَلَبت. قلت: وَالْعرب تَقول: أعصمت بِمَعْنى اعتصمت.
وَمِنْه قَول أوْس بن حَجَر:
فأشرط فِيهَا نَفسه وَهُوَ مُعْصِم
وَألقى بأسبابٍ لَهُ وتوكّلا
أَي وَهُوَ معتصم بالحبل الَّذِي دَلاّه. وَيُقَال للراكب إِذا تقحَّم بِهِ بَعيرٌ صَعْب فامتسَك بواسط رَحْله أَو بقَرَبوس سَرْجه لِئَلَّا يُصرَع: قد أعْصَم فَهُوَ مُعْصِم. وَقَالَ الراجز:
أَقُول والناقةُ بِي تَقَحَّمُ
وَأَنا مِنْهَا مُكْلئزّ مُعْصِم
وروى أَبُو عُبيد عَن أبي عَمْرو: أعصم الرجل بِصَاحِبِهِ إعصاماً إِذا لزِمه، وَكَذَلِكَ أخلد بِهِ إخلاداً.
وَقَالَ ابْن المظفر: أعصم إِذا لَجأ إِلَى الشَّيْء وأعصم بِهِ. وَقَول الله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ} (آل عمرَان: 103) أَي تمسَّكوا بِعَهْد الله. وَكَذَلِكَ قَوْله: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ} (آل عمرَان: 101) أَي من يتمسَّك بحبله وَعَهده. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر النِّسَاء المختالات المتبرِّجات فَقَالَ: (لَا يدْخل الجنَّة مِنْهُنَّ إلاّ مِثْلُ الْغُرَاب الأعصم) . قَالَ أَبُو عبيد: الْغُرَاب الأعصم: هُوَ الْأَبْيَض الْيَدَيْنِ. وَمِنْه قيل للوُعُول: عُصْم، وَالْأُنْثَى منهنّ عَصْماء وَالذكر أعصم، لبياض فِي أيديها. قَالَ: وَهَذَا الْوَصْف فِي الْغرْبَان عَزِيز لَا يكَاد يُوجد، وَإِنَّمَا أرجلها حُمْر. قَالَ: وأمَّا هَذَا الْأَبْيَض الظهرِ والبطن فَهُوَ الأبقع، وَذَلِكَ كثير، قَالَ: فَيرى أَن معنى الحَدِيث: أَن من يدْخل الجنَّة من النِّسَاء قَلِيل كقِلَّة الغِربان العُصْم عِنْد الغِربان السُود والبُقْع. قلت: وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة
(2/34)

هَذَا الحَدِيث فِيمَا رَدَّ على أبي عُبَيد، وَقَالَ: اضْطربَ قولُ أبي عبيد، لِأَنَّهُ زعم أَن الأعصم هُوَ الْأَبْيَض الْيَدَيْنِ، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الْوَصْف فِي الغِربان عَزِيز لَا يكَاد يُوجد وَإِنَّمَا أرجلها حمر، فَذكر مرّة الْيَدَيْنِ ومرّة الأرجل. قلت: وَقد جَاءَ الْحَرْف مفسَّراً فِي خبر أظنّ إِسْنَاده صَالحا، حدّثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا الرماديّ حدَّثنا الْأسود ابْن عَامر حدّثنا حمَّاد بن سَلَمة عَن أبي جَعْفَر الخَطْمِيّ عَن عُمَارة بن خُزيمة قَالَ: بَينا نَحن مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ فَعدل وعدلنا مَعَه حَتَّى دَخَلنَا شِعْباً، فَإِذا نَحن بِغربان وفيهَا غراب أعصم أَحْمَر المنقار وَالرّجلَيْنِ، فَقَالَ عَمْرو: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يدْخل الجنَّة من النِّسَاء إلاَّ قَدْرُ هَذَا الْغُرَاب فِي هَؤُلَاءِ الْغرْبَان قلت فقد بَان فِي هَذَا الحَدِيث أَن معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إلاّ مثل الْغُرَاب الأعصم) أَنه أَرَادَ الْأَحْمَر الرجلَيْن لقلّته فِي الْغرْبَان، لِأَن أَكثر الْغرْبَان السُود والبُقْع. ورُوي عَن ابْن شُمَيْل أَنه قَالَ: الْغُرَاب الأعصم: الْأَبْيَض الجناحين. وَالصَّوَاب مَا جَاءَ فِي الحَدِيث المفسَّر. وَالْعرب تجْعَل الْبيَاض حمرَة فَيَقُولُونَ للْمَرْأَة الْبَيْضَاء اللَّوْن: حَمْرَاء، وَلذَلِك قيل للأعاجم: حُمْر لغَلَبَة الْبيَاض على ألوانهم. وأمَّا الأعصم من الظباء والوُعُول فَهُوَ الَّذِي فِي ذِرَاعَيْهِ بَيَاض، قَالَه الأصمعيّ وَغَيره. وأمَّا العُصْمة فِي الْخَيل فَإِن أَبَا عُبيدة قَالَ: إِذا كَانَ الْبيَاض بيدَيْهِ دون رجلَيْهِ فَهُوَ أعصم، فَإِذا كَانَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ دون الْأُخْرَى قيل: أعصم الْيُمْنَى أَو اليُسرى. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الأعصم: الَّذِي يُصِيب البياضُ إِحْدَى يَدَيْهِ فَوق الرُسْغ. وَقَالَ الأصمعيّ: إِذا ابيضَّت الْيَد فَهُوَ أعصم. وَقَالَ ابْن المظفَّر: العُصْمة: بَيَاض فِي الرُّسْغ. قَالَ: والأعصم: الوَعِل، وعُصْمته: بَيَاض شِبْه زَمَعة الشَّاة فِي رجل الوَعِل فِي مَوضِع الزَّمَعة من الشَّاء. قَالَ: وَيُقَال للغراب: إِذا كَانَ ذَلِك مِنْهُ أَبيض، وقلَّما وجد فِي الْغرْبَان كَذَلِك. قلت: وَهُوَ الَّذِي قَالَه اللَّيْث فِي نعت الوَعِل أَنه شِبْه الزَمَعة تكون فِي الشَّاء مُحال، إِنَّمَا عُصْمة الأوعال بَيَاض فِي أذرعها لَا فِي أوظفتها، والزَمَعة إِنَّمَا تكون فِي الأوظفة. وَالَّذِي يغيّره اللَّيْث من تَفْسِير الْحُرُوف أَكثر مِمَّا يغيّره من صُوَرها، فَكُن على حذَر من تَفْسِيره؛ كَمَا تكون على حَذَر من تصحيفه. وَقَالَ اللَّيْث: أعصام الْكلاب: عَذَباتها الَّتِي فِي أعناقها، الْوَاحِدَة عَصَمة، وَيُقَال: عِصَام، قَالَ لبيد:
خُضْعا دواجنَ قَافِلًا أعصامُها
وَقَالَ أَبُو عبيد: العِصَام: رِبَاط القِرْبة. قَالَ: وَقَالَ الْكسَائي: أعصمْتُ الْقرْبَة إِذا شددتها بالوِكَاء. قلت: وَالْمَحْفُوظ من الْعَرَب فِي عُصُم المَزَاد أَنَّهَا الحِبَال الَّتِي تُنْشَب فِي خُرَب الروايا وتُشدّ بهَا إِذا عُكِمت على ظهر الْبَعِير، ثمَّ يُرَوَّى عَلَيْهَا بالرِّوَاء، وَالْوَاحد عِصَام. فأمَّا الوِكاء فَهُوَ الشَرِيط الدَّقِيق أَو السَيْر الوثيق يُوكَى بِهِ فمُ القِرْبة والمَزَادة. وَهَذَا كلّه صَحِيح لَا ارتياب فِيهِ. وَقَالَ اللَّيْث: عِصام الدَلْو:
(2/35)

كلّ حَبْل يعصَم بِهِ شَيْء فَهُوَ عِصامه. قَالَ: والعُصُم: طرائق طَرَف المزادة عِنْد الكُلْية، وَالْوَاحد عِصام. قلت: وَهَذَا من أغاليط اللَّيْث وغُدَده. وَقَالَ اللَّيْث: العِصام: مُسْتدَقّ طرف الذَنَب والجميع الأَعْصِمة. وَوجدت لِابْنِ شُمَيل قَالَ: الذَنَب بهُلْبه وعَسِيبه يُسمى العِصَام بالصَّاد. قلت: وَقد قَالَ اللَّيْث فِيمَا تقدَّم من بَاب الْعين وَالضَّاد: العضام: عَسِيب الْبَعِير وَهُوَ ذَنَبه العَظْم لَا الهُلْب. قَالَ: وَالْعدَد الْقَلِيل أعضمة والجميع العُضُم. قلت: وَقَالَ غَيره: فِيهَا لُغَتَانِ بالضاد وَالصَّاد، وَالله أعلم. وَأما مِعْصما الْمَرْأَة فهما موضعا السوَارين من ساعديها. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى:
فأرتْك كفّاً فِي الخِضَا
ب ومِعْصَماً مِلْءَ الجِبارة
وَيُقَال: هَذَا طَعَام يَعْصِم أَي يمْنَع من الْجُوع. وروى أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: العَصِيم: بقيَّة كل شَيْء وأثره، من القِطران والخِضاب وَنَحْوه. وَأنْشد الأصمعيّ:
يصفرّ لليُبْس اصفرار الوَرْسِ
من عَرَق النَضْح عَصِيمُ الدَرْس
قَالَ: وسمعتُ امْرَأَة من الْعَرَب تَقول لأخرى: أعطيني عُصُم حِنّائك. تَعْنِي مَا بَقِي مِنْهُ بعد مَا اختضَبَت بِهِ. وَقَالَ ابْن المظفر: العَصيم: الصَدَأ من العَرَق والهِنَاء والدرَز والوسخ وَالْبَوْل إِذا يبس على فَخذ النَّاقة حَتَّى يبْقى كالطريق خُثُورة. وَأنْشد:
وأضحى عَن مواسمهم قَتِيلا
بلَبَّته سرائحُ كالعَصِيم
وَقَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: العُصْم: أثر كل شَيْء من وَرْس أَو زعفران وَنَحْوه. وَقَالَ اللَّيْث: عِصَاما المِحْمَل: شِكاله وقَيْده الَّذِي يُشَدّ فِي طَرَف العارضين فِي أعلاهما. قلت: عِصَاما الْمحمل كعِصَامي المزادتين. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَيْصُوم من النِّسَاء: الْكَثِيرَة الْأكل الطَّوِيلَة النّوم المُدَمدِمة إِذا انتبهَت. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: رجل عَيْصوم وعَيْصام إِذا كَانَ أكولاً. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
أُرجدَ رأسُ شَيْخَةٍ عيصوم
وروى بَعضهم عَن المؤرّج أَنه قَالَ: العِصَام: الكُحْل فِي بعض اللُّغَات، وَقد اعتصمت الجاريةُ إِذا اكتحلتْ. قلت: وَلَا أعرف رِوَايَته عَن المؤرّج. فَإِن صحَّت الرِّوَايَة عَنهُ فَهُوَ ثِقَة مَأْمُون. والعَصِيم: شعر أسود ينْبت تَحت الوَبَر. والمُعْصَم: الجِلْد الَّذِي يجِفُّ بِشعرِهِ وَلم يُعطن لِأَنَّهُ أُعصم أَي أُلزم شعره. يُقَال: أعصمْنا الإهابَ وإهاب عَصِيم وأُهُب عُصُم، وَذَلِكَ من أَجود الأساقي. ودفَعته إِلَيْهِ بعُصْمته أَي برُمَّته. والعَنْز تسمَّى مِعْصَماً لبياض فِي كُرَاع يَدهَا.
قَالَ أَحْمد بن يحيى: الْعَرَب تسمي الخُبْز عَاصِمًا وجابراً وَأنْشد:
فَلَا تلوميني ولومي جَابِرا
فجابر كلَّفني الهواجرا
ويسمّونه عَامِرًا. وَأنْشد:
(2/36)

أَبُو مَالك يعتادني فِي الظهائرِ
يَجِيء فيُلقِي رَحْله عِنْد عَامر
أَبُو مَالك: الْجُوع ... وَفِي الحَدِيث أَن جبريلج جَاءَ على فرس أُنْثَى يَوْم بَدْر وَقد عَصَم بثنِيَّته الغُبارُ. قَالَ القُتَيْبِي: صَوَابه: عَصَب أَي يبِس الْغُبَار عَلَيْهَا. وَقَالَ غَيره: يُقَال: عَصَب الرِّيق بِفِيهِ وعَصَم، وَالْبَاء وَالْمِيم يتعاقبان فِي كثير من الْحُرُوف.
عمص: قَالَ ابْن المظفر: عَمَصْت العامص والآمص وَهُوَ الخاميز. وَبَعْضهمْ يَقُول: عَاميص. قلت: العامص مُعرب. وَقد روى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: العَمِص: المولَع بِأَكْل العامص وَهُوَ الهُلاَم.
معص: أَخْبرنِي المنذريّ عَن أَحْمد بن يحيى عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: إِذا أَكثر الرجل من الْمَشْي مَعِص أَي اشْتَكَى رجلَيْهِ من كَثْرَة المَشْي، وَبِه مَعَص. وَقَالَ النَّضر: المَعَص: أَن يمتلىء العَصَب من بَاطِن فينتفخَ مَعَ وجع شَدِيد. قَالَ: والمَعَص والعَضَد والبَدَل وَاحِد. وَقَالَ اللَّيْث: المَعَص شِبْه الخَلَج، وَهُوَ دَاء فِي الرِجْل. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: المَعَص والمَأَص: بِيض الْإِبِل وكرائمها. قَالَ: والمعِص: الَّذِي يقتني المَعَص من الْإِبِل وَهِي البِيض. وَأنْشد:
أَنْت وهبت هَجْمة جُرجُورا
سُوداً وبِيضاً مَعَصاً خُبُورا
قلت: وَغير ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: هِيَ المَغَص بالغين للبيض من الْإِبِل. وهما لُغَتَانِ. وروى ابْن الْفرج عَن أبي سعيد: فِي بطن الرجل مَعَص ومَغَص وَقد مَعِص ومغِص قَالَ: وتمعَّص بَطْني وتمغَّص أَي أوجعني.
صمع: أَبُو عُبيد عَن الأصمعيّ: الْفُؤَاد الأصمع والرأي الأصمع: العازم الذكيّ. قَالَ: والبُهْمَى أوّلُ مَا يَبْدُو مِنْهَا البارض، فَإِذا تحرّك قَلِيلا فَهُوَ جَمِيم، فَإِذا ارْتَفع وتمّ قبل أَن يتفقّأ فَهُوَ الصَمْعاء. وَأنْشد:
رعت بارض البُهْمَى جَمِيماً وبُسْرة
وصَمْعاء حتّى آنفتها نِصالُها
والصَّمَع فِي الكعوب: لطافتها واستواؤها. وقناة صمعاء الكعوب إِذا لطُفت عُقَدها واكتنز جوفُها. وقوائم الثور الوحشيّ تكون صُمْع الكعوب لَيْسَ فِيهَا نُتُوء وَلَا جَفاء. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
وساقان كعباهما أصمعا
ن لحمُ حَمَاتَيهما مُنْبَتر
أَرَادَ بالأصمع: الضامر الَّذِي لَيْسَ بمنتفخ والحَمَاة: عَضَلة السَّاق. وَالْعرب تسْتَحب انبتارها وتزَيّمها وضمورها. وَقَوله:
صُمْعُ الكعوب بريئاتٍ من الْحَرَد
عَنى بهَا القوائم والمَفْصِل أَنَّهَا ضامرة لَيست بمنتفخة. وَرجل أصمع الْقلب إِذا كَانَ حادّ الفِطْنة. وَيُقَال لنبات البُهْمَى: صمعاء لضموره، يُقَال ذَلِك قبل أَن تتفقَّا. والريش الأصمع: اللَّطِيف العَسيبِ، ويُجمَع صُمْعاناً. وَيُقَال: تصمَّع رِيش السَهْم إِذا رُمي بِهِ رَمْية فتلطَّخ بِالدَّمِ وانضمّ. وَمِنْه قَول أبي ذُؤَيْب:
(2/37)

فرمَى فأنفذ من نَحُوصٍ عائط
سَهْما فخرّ وريشُه متصمّع
أَي مجتمِع من الدَّم. ورَوَى أَبُو حَمْزَة عَن ابْن عبّاس أَنه سُئِلَ عَن الصمعاء يجوز أَن يضحّى بهَا، فَقَالَ: لَا بَأْس. قلت: والصمعاء: الشَّاة اللطيفة الأُذُنِ الَّتِي لَصِق أذناها بِالرَّأْسِ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الصَّمع: الصَّغِير الأُذُن المليحها وَهُوَ الْحَديد الفؤادِ أَيْضا. والصَوْمعة من الْبناء سُمّيت صومعة لتلطيف أَعْلَاهَا. وصَمّع الثَرِيدة إِذا رفع رَأسهَا وحَدّده. وَكَذَلِكَ صَعْنبها. وتسمّى الثريدة إِذا سوِّيت كَذَلِك صَوْمعة. وأمَّا قَول أبي النَّجْم فِي صفة الظلِيم:
إِذا لوى الأحدعَ من صَمْعائه
صَاح بِهِ عشرُون من رِعائه
قَالُوا: أَرَادَ بصمعائه: سالِفته وموضعَ الأُذُن مِنْهُ. سمّيت صمعاء لِأَنَّهُ لَا أُذُن للظليم. وَإِذا لزِقت الأُذُن بِالرَّأْسِ فصاحبها أصمع.
وَيُقَال: عنْز صمعاء وتَيْس أصمع إِذا كَانَا صغيري الأذُن. وَفِي حَدِيث عليّج (كَأَنِّي بِرَجُل أصمع أصعل حَمِش السَّاقَيْن) . قَالَ أَبُو عُبيد: الأصمع: الصَّغِير الْأذن. رجل أصمع وَامْرَأَة صمعاء، وَكَذَلِكَ غير النَّاس. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يضحّى بالصمعاء يَعْنِي: الصَّغِيرَة الْأُذُنَيْنِ. قَالَ: وقلب أصمع إِذا كَانَ ذكِيًّا فطِناً. وَيُقَال: عَزمَة صمعاء: أَي مَاضِيَة. وصمَّع فلَان على رَأْيه إِذا صمم عَلَيْهِ. وظَبْي مُصمَّع: مؤلَّل القرنين. ورُوي عَن المؤرّج أَنه قَالَ: الأصمع: الَّذِي يترقَّى أشرف مَوضِع يكون. قَالَ: والأصمع: السَّيْف الْقَاطِع. قَالَ: وَيُقَال: صَمِع فلَان فِي كَلَامه إِذا أَخطَأ، وصَمِع إِذا ركب رَأسه فَمضى غير مكترِث لَهُ، والأصمع: السادر. قلت: وكلّ مَا جَاءَ عَن المؤرّج فَهُوَ ممَّا لَا يعرَّج عَلَيْهِ إلاّ أَن تصحّ الرِّوَايَة عَنهُ. ابْن السّكيت: الأصمعان: الْقلب الذكيّ والرأي العازم. صَمَعه بِالسَّيْفِ والعصا صَمْعاً: ضربه. وصَمَعْت الْقَوْم: حبسْتهم بالْكلَام. وَقَول ابْن الرّقاع:
وَلها مُنَاخ قلَّما بَركت بِهِ
ومصمَّعات من بِنات مِعَائها
عَنى بالمصمَّعات بَعَرات دقيقات ملتزِقات. والصوامع: البرانس جمع البُرْنُس. وَقَالَ بِشْر:
تمشَّى بِهِ الثِيران تَتْرَى كَأَنَّهَا
دهاقينُ أنباطٍ عَلَيْهَا الصوامعُ
ويروى: تَرْدِي. والصمعاء: الداهية؛ قَالَ الْبَاهِلِيّ:
وتعرف فِي عنوانها بعض لحنها
وَفِي جوفها صمعاء تُبْلى النواصيا
مصع: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: المَصِع: الْغُلَام الَّذِي يلْعَب بالمِخراق. والمصِع: الشَّيْخ الزحَّار. قلت: وَمن هَذَا قَوْلهم: قَبَحه الله. وأُمًّا مَصَعتْ بِهِ، وَهُوَ أَن تُلْقِي الْمَرْأَة وَلَدهَا بزَحْرة وَاحِدَة. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: أمصعت بِهِ بِالْألف وأزلخت وأخفدت بِهِ
(2/38)

وحَطَأت بِهِ وزَكَبَتْ بِهِ.
أَبُو عبيد عَن الفرّاء: يُقَال: مَصَع فِي الأَرْض وامتصع إِذا ذهب فِيهَا. وَمِنْه يُقَال: مَصَع لَبَنُ النَّاقة إِذا ذهب، وأمصع القومُ إِذا ذهبت ألبانُ إبلهم. وَقَالَ غَيره: مَصَع الحوضُ إِذا نشِف مَاؤُهُ، ومصع ماءُ الْحَوْض إِذا نَشِفه الحوضُ. وَقَالَ الراجز:
أصبح حوضاك لمن يراهما
مُسَمَّلين ماصعاً قِراهما
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الماصع: البَرّاق، وَيُقَال: المتغيّر. وَأنْشد لِابْنِ مقبل:
فأفرغن من ماصع لونُه
على قُلُص ينتهِبن السِّجَالا
وَقَالَ شمر: ماصع يُرِيد: ناصع، صيَّر النُّون ميماً. قلت: وَقد قَالَ ابْن مقبل فِي شعر لَهُ آخر فَجعل الماصع كدراً، فَقَالَ:
عَبَّتْ بمشفرها وَفضل زمامها
فِي فضلَة من ماصع متكدِّر
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ومَصَعَت الناقةُ هُزَالاً. قَالَ: وكلّ مُوَلَ ماصع. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: هُوَ أَحْمَر كالمُصْعَة وَهِي ثَمَرَة العَوْسَج، حَكَاهُ ابْن السّكيت عَنهُ، والجميع المُصع. وَقَالَ اللَّيْث: المُصَع: ثَمَر العوسج يكون أَحْمَر حُلْواً يُؤْكَل. وَمِنْه ضرب أسود لَا يُؤْكَل، وَهُوَ أردأ العوسج وأخبثُه شوكاً. قَالَ: والمَصْع: التحريك، وَالدَّابَّة تَمْصَع بذَنَبها، وَأنْشد لرؤبة:
يمصَعْن بالأذناب من لُوح وبَقّ
قَالَ: والمَصْع: الضَّرْب بِالسَّيْفِ، وَرجل مَصِع. وَأنْشد:
رُبَ هَيْضَل مَصِعٍ لَفَفْتُ بهيضل
قَالَ: والمماصعة: المجالدة بِالسُّيُوفِ. وَأنْشد للقطامي:
تراهم يغمزون من استركوا
ويجتنبون من صدق المِصَاعا
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) يُقَال: أنصعت لَهُ بالحقّ وأمصعت وعجَّرت وعنّقت إِذا أقرّ بِهِ وَأَعْطَاهُ عَفْواً.
وَفِي الحَدِيث: (البَرْق مَصْع مَلَك) . قَالَ أَبُو بكر: مَعْنَاهُ فِي الدّقَّة والتحريك وَالضَّرْب، فَكَأَن السَّوْط وَقْع بِهِ للسحاب وتحريك لَهُ.

(أَبْوَاب الْعين وَالسِّين)
ع س ز
أهملت وجوهها، وَالزَّاي وَالسِّين لَا يأتلفان.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الطَّاء)
(ع س ط)
عسط، عطس، سَطَعَ، سعط، طسع: مستعملات.
عسط: أمَّا عسط فَلم أجد فِيهِ شَيْئا غير عَسَطُوس، وَهِي شَجَرَة ليّنة الأغصان لَا أُبَن لَهَا وَلَا شوك يُقَال لَهَا الخيزران، وَهُوَ على بِنَاء قَرَبُوس وقَرَقوس وحَلَكوك للشديد السوَاد. وَقَالَ الشَّاعِر:
عَصا عَسَطُوسٍ لينُها واعتدالُها
عطس: وَأما عطس فَيُقَال: عَطَس فلَان
(2/39)

يَعْطِس عَطْساً وعَطْسة، وَالِاسْم العُطَاس، وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: يعطُس بضمّ الطَّاء أَيْضا، وَهِي لُغَة. ومَعْطِس الرجل أنْفه لِأَن العُطَاس مِنْهُ يخرج، وَهُوَ بِكَسْر الطَّاء لَا غير، وَهَذَا يدلّ على أَن اللُّغَة الجيّدة يعطِس. وَقَالَ اللَّيْث: الصُّبْح يسمّى عُطَاساً وَقد عَطَس الصبحُ إِذا انْفَلق. وأمَّا قَوْله:
وَقد أغتدي قبل العُطَاس بسابح
فَإِن الأصمعيّ زعم أَنه أَرَادَ: قبل أَن أسمع عُطَاس عاطس فأتطيّر مِنْهُ وَلَا أمضي لحاجتي، وَكَانَت الْعَرَب أهل طِيَرة، وَكَانُوا يتطيّرون من العُطَاس فَأبْطل النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طِيَرتهم. قلت: وَإِن صحّ مَا قَالَه اللَّيْث: أَن الصُّبْح يُقَال لَهُ: العُطَاس فَإِنَّهُ أَرَادَ: قبل انفجار الصُّبْح، وَلم أسمع الَّذِي قَالَه لثقة يُرجَع إِلَى قَوْله. وَقَالَ أَبُو زيد: تَقول الْعَرَب للرجل إِذا مَاتَ: عَطَستْ بِهِ اللُجَمُ. قَالَ: واللُّجَمة: كلّ مَا تطيَّرتَ مِنْهُ. وَأنْشد غَيره:
إِنَّا أُناس لَا تزَال جَزورُنا
لَهَا لُجَم من المنيّة عاطس
وَيُقَال للْمَوْت: لُجَم عَطُوسٌ، وَقَالَ رؤبة:
وَلَا يخَاف اللُجَم العَطُوسا
وَيُقَال: فلَان عَطْسة فلَان إِذا أشبهه فِي خَلْقه وخُلُقه. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العاطوس: دابَّة يُتشاءم بهَا. وَأنْشد غَيره لطَرَفة بن العَبْد:
لعمري لقد مرَّت عواطس جَمَّة
ومَرّ قُبيل الصُّبْح ظَبْي مصمَّعُ
سَطَعَ: يُقَال للصبح إِذا سَطَعَ ضوؤه فِي السَّمَاء: قد سَطَع يَسْطَع سُطُوعاً، وَكَذَلِكَ البَرْق يَسْطَع فِي السَّمَاء وَذَلِكَ إِذا كَانَ كذَنَب السرْحان مستطيلاً فِي السَّمَاء قبل أَن ينتشر فِي الأُفُق. وَمِنْه حَدِيث ابْن عبّاس حدّثناه ابْن هاجَك عَن عَليّ بن حُجْر عَن يزِيد بن هَارُون عَن هِشَام الدَّسْتَوائيّ عَن يحيى بن أبي كَثِير قَالَ: قَالَ ابْن عبّاس: (كلوا وَاشْرَبُوا مَا دَامَ الضَّوْء ساطعاً حَتَّى تعترض الْحمرَة فِي الأُفُق) ، ساطعاً أَي مستطيلاً. وسطع السهْم إِذا رُمِي بِهِ فشخص فِي السَّمَاء يلمع. وَقَالَ الشمَّاخ:
أرِقت لَهُ فِي الْقَوْم وَالصُّبْح سَاطِع
كَمَا سَطَع المِرِّيخ شَمَّره الغالي
ويروى: سمّره، ومعناهما: أرْسلهُ. وَيُقَال: سطعتني رائحةُ الْمسك إِذا طارت إِلَى أَنْفك. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: سطعت الرَّائِحَة إِذا فاحت. والسَّطْع: أَن تسطع شَيْئا براحتك أَو بإصبعك ضربا. وَقَالَ ابْن المظفر: يُقَال: سَمِعت لضربته سَطَعاً (مثقّلاً) يَعْنِي صَوت الضَّرْبَة. قَالَ: وَإِنَّمَا ثُقِّلت لِأَنَّهُ حِكَايَة وَلَيْسَ بنعت وَلَا مصدر. قَالَ: والحكايات يخالَف بَينهَا وَبَين النعوت أَحْيَانًا. قَالَ: وَيُقَال للظليم إِذا رفع رَأسه ومَدّ عُنُقه: قد سَطَع. وَقَالَ ذُو الرمَّة يصف الظليم:
يظلّ مختضِعاً يَبْدُو فتنكره
طوراً ويَسْطَع أَحْيَانًا فينتسِبُ
قَالَ: وظليم أسطع إِذا كَانَ عنقُه طَويلاً وَالْأُنْثَى سطعاء، فَيُقَال: سطِع سَطَعاً فِي
(2/40)

النَّعْت، وَيُقَال فِي رَفعه عُنُقه: سَطَع يَسْطَع. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: السِّطَاع: عَمُود من أعمدة الْبَيْت. وَقَالَ القُطَاميّ:
أَلَيْسُوا بالألى قَسَطوا جَمِيعًا
على النُّعْمَان وابتدروا السِّطَاعا
قلت: وَيُقَال للبعير الطَّوِيل: سِطَاع تَشْبِيها بسِطَاع الْبَيْت. وَقَالَ مُلَيح الهذَليّ:
وَحَتَّى دَعَا دَاعِي الْفِرَاق وأُدْنيتْ
إِلَى الحيّ نُوقْ والسِّطَاعُ المُحَمْلَجُ
وَقَالَ أَبُو زيد: السِّطَاع من سمات الْإِبِل فِي العُنق بالطول، فَإِذا كَانَ بالعَرْض فَهُوَ العِلاَط. وناقة مسطوعة وإبل مسطَّعة. وَقَالَ لَبيد:
مسطَّعَة الْأَعْنَاق بُلْقَ القوادم
والسِّطاع: اسْم جبل بِعَيْنِه. وَقَالَ صَخْر الغيّ:
فَذَاك السِّطاع خلافَ النِجَا
ء تحسبه ذَا طِلاء نتيفا
خلاف النِّجَاء أَي بعد السَّحَاب تحسبه جملا أجرب نُتِف وهُنِىء. اللحياني: خطيب مِسْطع ومِصْقع. وَأما قَوْلك: لَا أسطيع فالسين لَيست بأصلية وَقد خرّجته فِي بَاب أطَاع. وَفِي حَدِيث أم مَعْبد وصفتها الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: وَكَانَ فِي عُنُقه سَطَع أَي طول، يُقَال: عُنُق سَطْعاء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: العُنُق السطعاء: الَّتِي طَالَتْ وانتصبت علابِيُّها. ذكره فِي صِفَات الْخَيل.
وَفِي حَدِيث قيس بن طَلْق عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَهيدَنَّكم الساطع المصعد، وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتبيّن لكم الْأَحْمَر) ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فِي هَذَا الْموضع من نَحْو الْمشرق إِلَى الْمغرب عَرْضاً. قَالَ الشَّيْخ: وَهَذَا دَلِيل على أَن الصُّبْح الساطع هُوَ المستطيل. وَمِنْه عنق سطعاء إِذا طَالَتْ وانتصبت علابِيُّها. قَالَ ذَاك أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ الشَّيْخ: وَلذَلِك قيل للعمود من أعمدة الْخِباء: سِطَاع، وللبعير الطَّوِيل: سِطَاع. وظليم أسطع: طَوِيل الْعُنُق.
سعط: السَّعُوط والنَّشُوع والنَشُوق فِي الْأنف. وَيُقَال للآنية الَّتِي يُسعط بهَا العليل: مُسْعُط بضمّ الْمِيم وَجَاء نَادرا مثل المُكْحُل والمُدُقّ والمُدْهُن والمُنْصُل: للسيف. ابْن السّكيت عَن أبي عَمْرو: لخَيْتَه ولخوته وألخيته إِذا سَعَطته. وَيُقَال: أسعطته، وَكَذَلِكَ وَجَرْته وأوجرته، فِيهَا لُغَتَانِ. وَيُقَال: نُشِعَ وأُنشِع. وأمّا النَّشُوق فَيُقَال فِيهِ: أنشقته إنشاقاً. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: أسعطْته الرمحَ إِذا طعنه فِي أَنفه. وَقَالَ غَيره: يُقَال: أسعطته عِلْماً إِذا بالغت فِي إفهامه وتكرير مَا تُعلِّمه عَلَيْهِ. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: السَّعِيط: الرّيح من الْخمر وَغَيرهَا من كل شَيْء. وَقَالَ ابْن السّكيت: وَيكون من الخَرْدل. وَقَالَ ابْن بُزُرْج يُقَال: سعطته وأسعطته.
الإياديُّ عَن شمر: تَقول: هُوَ طيّب السَّعُوط والسُّعَاط والإسعاط. وَأنْشد يصف إبِلا وَأَلْبَانهَا:
حَمْضيَّة طيّبة السُّعَاط
حدَّثنا السَّعْديّ عَن الزعفرانيّ قَالَ: حدّثنا
(2/41)

سُفْيَان عَن الزهريّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مَسْعُود عَن أم قيس بنت مِحْصَن قَالَت: دخلت بِابْن لي على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد أعلقتُ من العُذْرة فَقَالَ: (علام تدغَرْنَ أَوْلَادكُنَّ عليكنّ بِهَذَا العُود الهنديّ فَإِن فِيهِ سبعةَ أشفية، يُسْعَط من العُذْرة، ويُلَدّ من ذَات الجَنْب) .
طسع: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: رجل طسِع وطزِع: لَا غَيْرة لَهُ. وَقَالَ ابْن المظفر مثله. وَقد طسِع طَسَعاً وطَزِع طَزَعاً. عَمْرو عَن أَبِيه: الطسِع والطزيع: الَّذِي يَرَى مَعَ أَهله رجلا فَلَا يغار لَهُ.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الدَّال)
(ع س د)
عسد، عدس، سعد، سدع، دسع، دعس: مستعملات.
عسد: قَالَ ابْن المظفّر: العَسْد لُغَة فِي العَزْد، كالأسْد والأزْد. قلت: يُقَال: عَسَد فلَان جَارِيَته وعَزَدها عَصَدها إِذا جَامعهَا. وَقَالَ اللَّيْث: العِسْوَدّة: دويبة بَيْضَاء كَأَنَّهَا شحمة يُقَال لَهَا: بِنْت النَقَا تكون فِي الرمل يشبَّه بهَا بَنَات العَذَارَى، وَتجمع عساود وعِسْوَدَّات وَقَالَ ابْن شُمَيْل: العِسْوَدّ بتَشْديد الدَّال: العَضْرَفُوط. قلت: بِنْت النقا غير العضرفوط، لِأَن بِنْت النَقَا تشبه السَّمَكَة، والعضرفوط من العَظَاء وَلها قَوَائِم. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العِسْوَدّ والعِرْبَدّ: الحَيَّة. قلت: وَقَالَ بَعضهم: العِسْوَدّ هُوَ البَبْر، وَأَنا لَا أعرفهُ.
عدس: أَبُو عبيد عَن الأمويّ: عَدَس يعدِس، وحَدَس يحدِس إِذا ذهب فِي الأَرْض. وَمن أَسمَاء الْعَرَب عُدَس وحُدَس. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَدَس من الحُبُوب يُقَال لَهُ: العَلَس والعَدَس والبُلُس. وَقَالَ اللَّيْث: الحَبَّة الْوَاحِدَة عَدَسة. قَالَ: والعَدَسة: بَثْرة تخرج، وَهِي جِنْس من الطَّاعُون، وقلَّما يُسْلَم مِنْهَا. قَالَ: وعَدَسْ: زَجْر البَغْل، وناس يَقُولُونَ: حَدَسْ. قَالَ: وَزعم ابْن الأرقم أَن حدَسْ كَانُوا على عهد سُلَيْمَان بغَّالِين يَعْنَفُون على البِغال، وَكَانَ الْبَغْل إِذا سمع باسم حَدَس طَار فَرَقاً مِمَّا يَلْقى مِنْهُم، فلهج النَّاس بذلك، وَالْمَعْرُوف عِنْد النَّاس عَدَسْ. وَقَالَ ابْن مفرِّغ فَجعل البغلة نَفسهَا عَدَساً:
عَدَسْ مَا لعبَّاد عليكِ إِمَارَة
نجوتِ وَهَذَا تحملين طليق
وَقَالَ غَيره: سمَّت الْعَرَب الْبَغْل عَدَساً بالزجر وَسَببه لَا أَنه اسْم لَهُ. العَدُوس: الجَرِيئة. وَقَالَ جرير:
لقد ولَدَت غسَّانَ ثالبةُ الشَوَى
عَدُوس السُرَى لَا يقبل الكَرْمَ جِيدُها
الثالبة: المَعيبة. والعَدْس: الرَعْي.
عَدَسْت المالَ. والعَدْس: ضرب من السّير خَفِيف. وَمِنْه قَول الرَّاعِي:
مجسَّمة العِرنين منقوبة العَصَا
عَدُوس السُرَى باقٍ على الخَسْف عودُها
والعَدَسانُ والعِداس أَيْضا: السَيْر وَالْمَشْي السَّرِيع، قَالَ:
(2/42)

مارِسْ فَهَذَا زمن المِرَاس
واعْدِس فَإِن الجَدّ بالعِدَاس
سعد: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول فِي افْتِتَاح الصَّلَاة: (لبَّيك وسَعْديك، وَالْخَيْر فِي يَديك، والشرّ لَيْسَ إِلَيْك) . قلت: وَهَذَا خبر صَحِيح، وحاجة أهل الْعلم إِلَى معرفَة تَفْسِيره ماسَّة. فَأَما لبَّيك فَهُوَ مَأْخُوذ من لَبَّ بِالْمَكَانِ وألَبَّ أَي أَقَامَ بِهِ، لَبّاً وإلباباً، كَأَنَّهُ يَقُول: أَنا مُقيم فِي طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة، ومجيب لَك إِجَابَة بعد إِجَابَة. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الحَرّانيّ عَن ابْن السّكيت فِي قَوْله: (لبَّيك وَسَعْديك) ، تَأْوِيله إلباباً بعد إلباب أَي لُزُوما لطاعتك بعد لُزُوم، وإسعاداً لأمرك بعد إسعاد.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أَحْمد بن يحيى أَنه قَالَ: سَعْدَيك أَي مساعدة لَك ثمَّ مساعدة وإسعاداً لأمرك بعد إسعاد.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: معنى سعديك أسعدك الله إسعاداً بعد إسعاد. قَالَ: وَقَالَ الفرَّاء: لَا وَاحِد للبَّيك وَسَعْديك على صِحَة. قَالَ: وحنانيك: رَحِمك الله رَحْمَة بعد رَحْمَة. قلت: وأصل الإسعاد والمساعدة مُتَابعَة العَبْد أَمر ربّه. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: كَلَام الْعَرَب على المساعدة والإسعاد، غير أَن هَذَا الْحَرْف جَاءَ مثنَّى على سَعْديك وَلَا فعل لَهُ على سَعَد. قلت: وَقد قرىء قَول الله جلّ وعزَّ: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ} (هود: 108) وَهَذَا لَا يكون إلاّ من سَعَده الله لَا من أسعده، وَبِه سُمّي الرجل مسعوداً. وَمعنى سَعَده الله وأسعده أَي أَعَانَهُ ووفَّقه. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي طَالب النحويّ أَنه قَالَ: معنى قَوْلك لبَّيك وَسَعْديك أَي أسعدني الله إسعاداً بعد إسعاد. قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَابْن السّكيت، لِأَن العَبْد يُخَاطب ربَّه وَيذكر طَاعَته لَهُ ولزومه أمره، فَيَقُول: سعديك كَمَا يَقُول: لبَّيك أَي مساعدة لأمرك بعد مساعدة. وَإِذا قيل: أسعد الله العبدَ وسَعَده فَمَعْنَاه: وفَّقه الله لما يرضيه عَنهُ فيَسْعد بذلك سَعَادَة. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا إسعاد فِي الْإِسْلَام) . وتأويله أَن نسَاء أهل الْجَاهِلِيَّة كنّ إِذا أُصيبت إِحْدَاهُنَّ بمصيبة فِيمَن يَعِزُّ عَلَيْهَا بكته حولا، ويُسعدها على ذَلِك جاراتُها وَذَوَات قراباتها، فيجتمعن مَعهَا فِي عِداد النِّيَاحَة وأوقاتها ويتابعنها ويساعدنها مَا دَامَت تنوح عَلَيْهِ وتبكيه، فَإِذا أُصِيب صواحباتها بعد ذَلِك بمصيبة أسعدتهنّ بعد ذَلِك، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن هَذَا الإسعاد. والساعد ساعد الذِّرَاع وَهُوَ مَا بَين الزَنْدين والمِرْفَق، سمّي ساعداً لمساعدته الْكَفّ إِذا بَطَشَت شَيْئا أَو تناولته. وَجمع الساعد سواعد. وساعد الدَّرّ فِيمَا أَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: عِرْق ينزل الدَّر مِنْهُ إِلَى الضرْع من النَّاقة. وَكَذَلِكَ العِرْق الَّذِي يؤدّي الدَرّ إِلَى ثَدْي امْرَأَة يسمَّى ساعداً. وَمِنْه قَوْله:
ألم تعلمي أَن الْأَحَادِيث فِي غَد
وَبعد غَد يَا لُبْنَ ألْبُ الطرائد
وكنتم كأُمَ لَبَّةٍ ظَعَن ابنُها
إِلَيْهَا فَمَا درّت عَلَيْهِ بساعد
قَالَ: رَوَاهُ الْمفضل: طعن ابْنهَا بِالطَّاءِ أَي
(2/43)

شخص بِرَأْسِهِ إِلَى ثَدْيها كَمَا يُقَال: طعن هَذَا الْحَائِط فِي دَار فلَان أَي شخص فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: السواعد مجاري الْبَحْر الَّتِي تَصُبّ إِلَيْهِ المَاء، وَاحِدهَا ساعد بِغَيْر هَاء، وَأنْشد شمر:
تأبّد لَأْيٌ منهمُ فعُتائدهْ
فذو سَلَم أنشاجُه فسواعدُهْ
والأنشاج أَيْضا: مجاري المَاء، وَاحِدهَا نَشَج. وساعدة من أَسمَاء الْأسد معرفَة لَا ينْصَرف، وَكَذَلِكَ أُسَامَة. وسَعِيد المزرعةِ نهرها الَّذِي يسقيها. وَقَالَ ابْن المظفَّر: السَعْد ضدّ النَحْس، يُقَال: يَوْم سَعْد ويومُ نَحْسٍ. قَالَ: وَأَرْبَعَة منَازِل من منَازِل الْقَمَر تسمَّى سُعُوداً، مِنْهَا سعد الذَّابِح وَسعد بُلَعَ وَسعد السُعُودِ وَسعد الأخبيةِ.
وَهَذِه كلهَا فِي بُرْجَيِ الدلْو والجَدْي. وَقَالَ ابْن كُناسة: سعد الذابِح: كوكبان متقاربان سمّي أَحدهمَا ذابحاً لِأَن مَعَه كوكباً صَغِيرا غامضاً يكَاد يلزَق بِهِ فَكَأَنَّهُ مكِبّ عَلَيْهِ يَذبحه والذابح أنور مِنْهُ قَلِيلا، قَالَ: وَسعد بُلَعَ: نجمان معترضان خفيّان. قَالَ أَبُو يحيى: وَزَعَمت الْعَرَب أَنه طلع حِين قَالَ الله عزّ وَجل: {ياَأَرْضُ ابْلَعِى مَآءَكِ وَياَسَمَآءُ أَقْلِعِى} (هود: 44) وَيُقَال: إِنَّمَا سمّي بُلَع لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ لقرب صَاحبه مِنْهُ يكَاد أَن يبلعه.
قَالَ: وَسعد السُّعُود: كوكبان، وَهُوَ أَحْمد السُّعُود وَلذَلِك أضيف إِلَيْهَا. وَهُوَ يُشْبه سعد الذَّابِح فِي مطلعه. وَسعد الأخبية: ثَلَاثَة كواكب على غير طَرِيق السُّعُود مائلة عَنْهَا، وفيهَا اخْتِلَاف وَلَيْسَت بخفيّة غامضة، وَلَا مضيئة منيرة. سميت سعد الأخْبِية لِأَنَّهَا إِذا طلعت خرجت حَشَرَاتُ الأَرْض وهَوَامُّها. من جِحَرتها، جُعِلت لَهَا كالأخبية. وفيهَا يَقُول الراجز:
قد جَاءَ سعد مُقبلا بحَرّه
راكدة جنودُه لشرّه
فَجعل هوامّ الأَرْض جنود السعد الأخبية وَهَذِه السُّعُود كلهَا يمانِيَة، وَهِي من نُجُوم الصَّيف وَهِي من منَازِل الْقَمَر تطلع فِي آخر الرّبيع وَقد سكنت ريَاح الشتَاء وَلم يَأْتِ سلطانُ ريَاح الصَّيف، فَأحْسن مَا تكون الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم فِي أَيَّامهَا، لِأَنَّك لَا ترى فِيهَا غَبَرة. وَقد ذكرهَا الذبياني فَقَالَ:
قَامَت تَرَاءَى بَين سِجْفَيْ كِلَّة
كَالشَّمْسِ يَوْم طُلُوعهَا بالأسعُد
والسُعُود مصدر كالسعادة؛ قَالَ:
إِن طول الْحَيَاة غير سُعود
وضلالاً تأميل نَيْل الخلود
وَفِي الْمثل:
أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل
يضْرب مثلا فِي إِدْرَاك الْحَاجة بِلَا مشقَّة، أَي أوردهَا الشرِيعة ويوردها بِئْرا يحْتَاج إِلَى أَن يَستقي مِنْهَا بالدُلِيّ. وَمثله: أَهْون السَقْي التشريع. وَقَالَ ابْن المظفّر: يُقَال سعِد يَسْعد سَعْد أَو سَعَادَة فَهُوَ سعيد، نقيض شقِي. وَجمعه السعَداء. وَيُقَال: أسعده الله وأسعد جَدَّه. قلت: وَجَائِز أَن يكون سعيد بِمَعْنى مَسْعُود من سَعَده الله؛
(2/44)

وَيجوز أَن يكون من سَعِد يَسْعَد فَهُوَ سعيد. والسَعْدانُ: نبت لَهُ شَوْك كَأَنَّهُ فَلْكة، يَسْلَنْقِي فتنظر إِلَى شوكه كالحاً إِذا يبِس، ومنبتِه سهولة الأَرْض. وَهُوَ من أطيب مرَاعِي الْإِبِل مَا دَامَ رَطْباً. وَالْعرب تَقول: أطيب الْإِبِل ألباناً مَا أكل السَعْدان والحُرْبُث. وخلَّط اللَّيْث فِي تَفْسِير السعدان، فَجعل الحَلَمة ثَمَر السعدان، وَجعل حَسَكاً كالْقُطب، وَهَذَا كُله غلط. القُطْب: شوك غير السعدان يشبه الحَسَك والسَعْدان مستدير شوكه فِي وَجهه. وأمَّا الحَلَمة فَهِيَ شَجَرَة أُخْرَى وَلَيْسَت من السَعْدان فِي شَيْء وَوَاحِدَة السَعْدان سَعْدانة. وسَعْدانة الثَدْي: مَا أطاف بِهِ كالفَلْكة. وَقَالَ أَبُو عبيد: العُقَد الَّتِي فِي أَسْفَل الموازين يُقَال لَهَا: السعدانات. قَالَ: والسَعْدانة: عُقْدة الشسْع ممَّا يَلِي الأَرْض والقِبالُ مثل الزِّمَام بَين الإصبع الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا؛ قَالَ ذَلِك كُله الأصمعيّ. وَقَالَ أَبُو زيد: السَعْدانة أَيْضا كِرْكِرة الْبَعِير، سمّيت سَعْدانة لاستدارتها. والسعدانة: الحَمَامة أَيْضا. وسعدانة الإست: حِتَارها، وأمَّا قَول الهذليّ يصف الظليم:
على حَتّ البُرَاية زَمْخَرِيّ الس
وَاعد ظَلَّ فِي شَرْي طِوال
فقد قيل: سواعد الظليم: أجنحته؛ لِأَن جناحيه لَهُ كاليدين. وَقَالَ الباهليّ: السواعد: مجاري المُخّ فِي الْعِظَام. قَالَ: والزمخريّ من كل شَيْء: الأجوف مثل القَصَب، وَعِظَام النَعَام جُوف لَا مُخَّ فِيهَا. والحتّ السَّرِيع، والبُرَاية، البقيَّة، يَقُول: هُوَ سريع عِنْد ذهَاب بُرَايته أَي عِنْد انحسار لَحْمه وشحمه. وَقَالَ غَيره: الساعدة: خَشَبَة تُنْصَب لتمسِك البَكْرة. وَجَمعهَا السواعد. وَقَالَ الأصمعيُّ: السواعد: قَصَب الضَرْع. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ الْعُرُوق الَّتِي يَجِيء مِنْهَا اللَّبن، شُبِّهت بسواعد الْبَحْر وَهِي مجاريها. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: السَعِيد: النَّهر وَجمعه سُعُد وَأنْشد:
وَكَأن ظُعْن الحيّ مُدْبِرة
نخل مَوَاقرُ بَينهَا السُعُد
قَالَ: السُعُد هَهُنَا: الْأَنْهَار وَاحِدهَا سعيد قَالَ: وَيُقَال لِلَبْنة الْقَمِيص سعيدة. والسُعْد: نبت لَهُ أصل تَحت الأَرْض أسود طيّب الرّيح. والسُعادَى: نبت آخر. وَقَالَ اللَّيْث: السُعادى: بنت السُعد. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: مَرْعًى وَلَا كالسَعدان يُرِيدُونَ أَن السعدان من أفضل مراعيهم. والسُعُود فِي قبائل الْعَرَب كثير، وأكثرها عددا سعدُ بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَمِنْهَا بَنو سعد بن بكر فِي قيس عَيْلان، وَمِنْهَا سعد هُذَيم فِي قُضاعة. وَمِنْهَا سعد العَشِيرة. وَبَنُو سَاعِدَة فِي الْأَنْصَار. وَمن أَسمَاء الرِّجَال سعد ومسعود وسَعِيد وأسعد وسُعَيد وسَعْدان. وَمن أَسمَاء النِّسَاء سُعَاد وسُعْدَى وسَعِيدة وسَعْدِيَّة وسُعَيْدة. وَمن أَسمَاء الرِّجَال مُسْعَدة. والسُعْد: ضرب من التَّمْر؛ قَالَ أَوْس:
وَكَأن ظُعْنَ الحيّ مُدْبرة
نخل بزارة حَمْلها السُعُد
(2/45)

والسَعَادة: رُقعة تزاد فِي الدَلْو ليتَّسع ساعد المزادة. وتسمَّى زِيَادَة الخفّ وبنائق الْقَمِيص سَعَادَة. وَخرج الْقَوْم يتسعَّدون أَي يطْلبُونَ مراعيَ السعدان. والسَعْدانة: اللّحَمات النابتات من الْحلق. قَالَ:
جَاءَ على سعدانة الشَّيْخ المُكِلّ
يَعْنِي الفالوذ.
دعس: أَبُو عبيد: المَدَاعِس: الصُمُّ من الرماح قَالَ: وَيُقَال: هِيَ الَّتِي يُدْعَس بهَا. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: المِدْعَس من الرماح: الغليظ الشَّديد الَّذِي لَا ينثني، وَقد دَعَسه بِالرُّمْحِ إِذا طعنه، ورُمْح مِدْعَس. وَقَالَ اللَّيْث: الدَّعْس شدّة الوَطْء. وَيُقَال: دَعَس فلَان جَارِيَته دَعْساً إِذا نَكَحَهَا. والمُدَّعَس: مُخْتَبَز المَلِيل وَمِنْه قَول الهذليّ:
ومُدَّعَسٍ فِيهِ الأنِيض اختفيته
بجرداء مثل الوَكْف يكبو غرابها
وَطَرِيق مِدْعاس ومدعوس، وَهُوَ الَّذِي دَعَسته القوائم ووطأته. وَقَالَ أَبُو عبيد: الدعْس: الأثَر. وَفِي (النَّوَادِر) : رجل دَعُوس وعَطوس وقَدُوس ودَقُوس، كل هَذَا فِي الاستقدام فِي الغَمَرات والحروب.
سدع: أهمله الثِّقَات. وَقَالَ اللَّيْث: رجل مِسْدَع: ماضٍ لوجهه، نحوُ الدَّلِيل المِسْدِع الْهَادِي. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: السَدْع: صَدْم الشَّيْء الشيءَ، سَدَعه سَدْعاً. قَالَ: وسُدِع الرجل إِذا نُكب، لُغَة يَمَانِية. قلت: وَلم أجد لما قَالَ اللَّيْث وَابْن دُرَيْد شَاهدا من كَلَام الْعَرَب.
دسع: يُقَال: دَسَعَ فلَان بقَيْئه إِذا رَمَى بِهِ، ودسع البعيرُ بجرّته إِذا دَفعهَا بمرَّة إِلَى فِيهِ. وَقَالَ ابْن المظفر: المَدْسع: مَضِيق مَوْلِج المَرِيء وَهُوَ مَجْرَى الطعامِ فِي الحَلْق، ويسمَّى ذَلِك الْعظم الدَسِيع، وَهُوَ الْعظم الَّذِي فِيهِ التَرْقُوتان. وَقَالَ سَلاَمة بن جندل:
يُرْقَى الدسيعُ إِلَى هادٍ لَهُ تَلِعٍ
فِي جؤجؤ كَمَدَاك الطِيب مخضوب
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الدَّسِيع: حَيْثُ يَدْسع الْبَعِير بجِرَّته، وَهُوَ مَوضِع المرِيء من حَلْقه، والمَرِيء: مدْخل الطَّعَام وَالشرَاب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الدَّسِيع: مَفْرِز العُنُق فِي الْكَاهِل وَأنْشد الْبَيْت. وَالْعرب تَقول: فلَان ضخم الدَّسيعة يُقَال ذَلِك للرجل الجَوَاد. وَقَالَ اللَّيْث: الدَّسِيعة: مائدة الرجل إِذا كَانَت كَرِيمَة. وَقيل معنى قَوْلهم: فلَان ضخم الدَّسِيعة أَي كثير العطيَّة. سُمِّيت دَسِيعة لدفع الْمُعْطِي إيّاها مرّة وَاحِدَة، كَمَا يَدْفَع البعيرُ جِرّته دَفْعة وَاحِدَة. والدَّسَائع: الرغائب الواسعة. وَفِي الحَدِيث: (إِن الله تبَارك وَتَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة: يَابْنَ آدم ألم أحْملك على الْخَيل، ألم أجعلك تَرْبَع وتَدْسع) تَرْبع: تَأْخُذ رُبُعَ الغَنيمة وَذَلِكَ من فعل الرئيس، وتَدْسَع: تُعْطى فتُجزل. وروى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ: الدَّسِيعة: الجَفْنة. وَقَالَ اللَّيْث: دَسَعْت الجُحْرَ إِذا أخذت دِسَاماً من خِرقة فسددته بِهِ. قَالَ اللَّيْث: دَسع البحرُ بالعنبر ودسر إِذا جمعه كالزَبَد ثمَّ يقذفه إِلَى نَاحيَة فَيُؤْخَذ
(2/46)

وَهُوَ أَجود الطّيب. وناقة دَيْسَع: ضخمة كَثِيرَة الاجترار فِي سَيرهَا. قَالَ ابْن ميّادة:
حملتُ الْهوى والرَّحْل فَوق شِمِلَّة
جُمَاليَّة هوجاءَ كالفحل دَيْسَعِ
أَي لم تظهر لِأَنَّهَا خفيت فِي اللَّحْم اكتنازاً. والدَّسيع والدسيعة: العُنُق والقوّة قَالَ الْأَعْوَر:
رَأَيْت دسيعة فِي الرحل ينبي
على دِعَم مخوِّية الفِجَاج
الدِّعَم: القوائم، والفِجاج: مَا بَين قوائمه.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ التَّاء)
(ع س ت)
اسْتعْمل من وجوهها: تعس، تسع.
تسع: قَالَ اللَّيْث: التِّسْع والتِّسْعة من العَدَد يَجري وجوهُه على التَّأْنِيث والتذكير: تِسْعَة رجال وتسع نسْوَة. وَيُقَال: تسعون فِي مَوضِع الرّفْع وَتِسْعين فِي الجرّ وَالنّصب، وَالْيَوْم التَّاسِع وَاللَّيْلَة التَّاسِعَة، وتسع عشرَة مفتوحتان على كل حَال؛ لِأَنَّهُمَا اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا فأُعطِيا إعراباً وَاحِدًا، غير أَنَّك تَقول: تسع عَشْرة امْرَأَة وَتِسْعَة عَشَر رجلا، قَالَ الله جلّ وَعز: {لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ} (المدثر: 30) يَعْنِي: تِسْعَة عشر مَلَكاً. وَأكْثر القرّاء على هَذِه الْقِرَاءَة. وَقد قرىء: (تِسْعَة عْشر) بِسُكُون الْعين، وَإِنَّمَا أسكنها من أسكنها لِكَثْرَة الحركات. وَالتَّفْسِير أنّ على سَقَر تِسْعَة عشر مَلكاً. وَالْعرب تَقول فِي ليَالِي الشَّهْر: ثلاثٌ غُرَر، ولثلاث بعْدهَا: ثلاثٌ نفَل، ولثلاث بعْدهَا: ثلاثٌ تُسَع. سُمِّين تُسَعاً لِأَن آخِرتها اللَّيْلَة التَّاسِعَة، كَمَا قيل لثلاث بعْدهَا: ثلاثٌ عُشَر؛ لِأَن بادئتها اللَّيْلَة الْعَاشِرَة. أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ العَشِير والتَسِيع بِمَعْنى العُشْر والتُسْع. قَالَ شمر: وَلم أسمع تِسيع إلاّ لأبي زيد. وَيُقَال: كَانَ الْقَوْم ثَمَانِيَة فتَسَعْتُهم أَي صَيَّرْتهم تِسْعَة بنفسي، أَو كنت تاسعهم. وَيُقَال: هُوَ تَاسِع تسعةٍ وتاسعٌ ثَمَانِيَة. وتاسعُ ثمانيةٍ. وَلَا يجوز أَن تَقول: هُوَ تاسعٌ تِسْعَة وَلَا رابعٌ أَرْبَعَة، إِنَّمَا يُقَال: رَابِع أربعةٍ على الْإِضَافَة، وَلَكِنَّك تَقول: رابعٌ ثَلَاثَة. وَهَذَا قَول الفرّاء وغيرِه من الحُذّاق. وَيُقَال: تَسَعْت الْقَوْم إِذا أخذت تُسْع أَمْوَالهم أَو كنت تاسعهم، أتْسَعَهم بِفَتْح السِّين لَا غير فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ اللَّيْث: رجل متَّسع وَهُوَ المنكمش الْمَاضِي فِي أمره، قلت لَا أعرف مَا قَالَ إِلَّا أَن يكون مفتعِلاً من السَعَة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب.
وَفِي نُسْخَة من (كتاب اللَّيْث) : مُسْتَعٌ، وَهُوَ المنكمش الْمَاضِي فِي أمره. قَالَ: وَيُقَال: مِسْدَعٌ، لُغَة. قَالَ: وَرجل مِسْتَع أَي سريع. وَقَوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} (الْإِسْرَاء: 101) هُوَ: أخْذ آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ، وَإِخْرَاج مُوسَى يَده بَيْضَاء، والعصا، وإرسال الله عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد والقُمَّل والضفادع وَالدَّم، وانفلاق الْبَحْر. وَفِي حَدِيث ابْن عبّاس: (لَئِن بقِيت إِلَى قَابل لأصومَنَّ التَّاسِع) يَعْنِي: عَاشُورَاء، كَأَنَّهُ تأوّل فِيهِ عِشر الوِرْد
(2/47)

أَنَّهَا تِسْعَة أيَّام. وَالْعرب تَقول: وَردت المَاء عِشْراً يعنون: يَوْم التَّاسِع. وَمن هَهُنَا قَالُوا: عِشرِين وَلم يَقُولُوا: عِشْرَيْنِ لِأَنَّهُمَا عِشْران وَبَعض الثَّالِث.
تعس: أَبُو عُبَيد عَن أبي عُبَيدة: تَعَسه الله وأتعسه فِي بَاب فَعَلت وأفعلت بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ شمر فِيمَا أَخْبرنِي عَنهُ أَبُو بكر الإياديّ: لَا أعرف تَعَسه الله، وَلَكِن يُقَال: تَعِس بِنَفسِهِ وأتعسَه الله. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء: يُقَال: تَعَستَ إِذا خاطبت الرجل، فَإِذا صرت إِلَى أَن تَقول: فَعَل قلت: تعِس بِكَسْر الْعين. قَالَ شمر: وَهَكَذَا سمعته فِي حَدِيث عَائِشَة حِين عَثَرت صاحبتها أمّ مِسْطح فَقَالَت: تعِس مِسْطَح. قَالَ: وَقَالَ ابْن شُمَيْل: تَعَسْت كَأَنَّهُ يَدْعُو على صَاحبه بِالْهَلَاكِ. قَالَ وَقَالَ بعض الكلابيّين: تعَس يتعَس تَعْساً وَهُوَ أَن يخطىء حُجَّته إِن خَاصم، وبُغْيَته إِن طَلَب وَقَالَ: تَعِس فَمَا انْتَعش، وشِيك فَمَا انتقش، أَبُو دواد عَن النَّضر قَالَ: تَعَس: هلك، والتَعْس: الْهَلَاك. ابْن الأنباريّ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَعْنَاهُ فِي كَلَامهم: الشرّ. وَقيل: التَعْس: الْبعد. وَقَالَ الرُسْتُمي: التَعْس: أَن يخِرّ على وَجهه، والنُكْس أَن يخِرّ على رَأسه. والتَعْس أَيْضا: الْهَلَاك. وَأنْشد:
وأرماحهم يَنْزَهْنَهُمْ نَهْزَ جُمَّة
يقلن لمن أدركن تَعْساً وَلَا لعا
وَقَالَ اللَّيْث: التَعْس: ألاَّ ينتعش من عَثْرته، وَأَن يُنكس فِي سَفَال. وَيَدْعُو الرجل على بعيره الجوادِ إِذا عثر فَيَقُول: تَعْساً، فَإِذا كَانَ غير جَوَاد وَلَا نجيب فعثَر قَالَ لَهُ: لَعاً. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى:
بِذَات لَوث عَفَرْنَاةٍ إِذا عَثَرتْ
فالتَعْس أدنى لَهَا من أَن أَقُول لَعا
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَول الله جلّ وَعز: {كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ} (مُحَمَّد: 8) : يجوز أَن يكون نَصْباً على معنى: أتعسهم الله قَالَ: والتَعْس فِي اللُّغَة: الانحطاط والعثور. قَالَ أَبُو مَنْصُور وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: تَقول الْعَرَب:
الوَقْس يُعدى فتعدّ الوَقْسا
من يَدْنُ للوَقْس يلاقِ تَعْسا
قَالَ: والوقْس: الجَرَب، والتَعْس الْهَلَاك. وتعدَّ أَي تجنَّب وتنكب. كُله سَوَاء) . ع س ظ ع س ذ ع س ث:
أهملت وجوهها.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الرَّاء)
(س ع ر)
عسر، عرس، سرع، سعر، رسع، رعس: مستعملات.
عسر: قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (الْبَقَرَة: 280) ، وَقَالَ الله جلّ وَعز: {ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ} (الطَّلَاق: 7) وَقَالَ: {ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ} (الشَّرْح: 5) . والعُسْر: نقيض الْيُسْر. والعُسْرة: قِلّة ذَات الْيَد. وَكَذَلِكَ الْإِعْسَار. والعُسْرى: الْأُمُور الَّتِي تعسُر وَلَا تتيسّر، واليسْرى: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْهَا. والعسرى: تَأْنِيث: الأعسر من الْأُمُور. ورُوي عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ قَوْله جلّ
(2/48)

وَعز: {ُذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ} {ِيُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} (الشَّرْح: 5، 6) . فَقَالَ: لَا يَغلب عُسْر يسرين. وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس عَن تَفْسِير قَول ابْن مَسْعُود ومرادِه من قَوْله فَقَالَ: قَالَ الفرّاء: الْعَرَب إِذا ذكَرت نكرَة ثمَّ أعادتها بنكرة مثلهَا صارتا ثِنْتَيْنِ، وَإِذا أعادتها بِمَعْرِِفَة فَهِيَ هِيَ. تَقول من ذَلِك: إِذا كسبت درهما فأنفِق درهما، فَالثَّانِي غير الأوّل، فَإِذا أعدته بِالْألف وَاللَّام فَهِيَ هِيَ. تَقول من ذَلِك: إِذا كسبت درهما فأنفِق الدِّرْهَم، فَالثَّانِي هُوَ الأول. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَهَذَا معنى قَول ابْن مَسْعُود، لِأَن الله تَعَالَى لمّا ذكر (العُسر) ثمَّ أَعَادَهُ بِالْألف وَاللَّام عُلِم أَنه هُوَ، ولمّا ذكر (يسرا) بِلَا ألف وَلَام ثمَّ أَعَادَهُ بِغَيْر ألف وَلَام عُلِم أَن الثَّانِي غير الأول، فَصَارَ العُسْر الثَّانِي الْعسر الأول، وَصَارَ يسر ثَان غير يسر بَدَأَ بِذكرِهِ. وَيُقَال إِن الله جلّ وعزّ أَرَادَ بالعسر فِي الدُّنْيَا على الْمُؤمن أَنه يُبْدِله يسرا فِي الدُّنْيَا ويسراً فِي الْآخِرَة وَالله أعلم. وَقيل: لَو دخل الْعسر جُحْراً لدخل الْيُسْر عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا فِي ضِيق شَدِيد، فأعلمهم الله أنْ سيفتح عَلَيْهِم، فَفتح الله عَلَيْهِم الفُتُوح، وأبدلهم بالعُسر الَّذِي كَانُوا فِيهِ اليسْر وَقيل فِي قَوْله: {بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (اللَّيْل: 7) أَي لِلْأَمْرِ السهل الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. وَقَوله: {بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (اللَّيْل: 10) قَالُوا: العسرى: الْعَذَاب وَالْأَمر العسير. قلت: وَالْعرب تضع المعسور مَوضِع العُسْر، والميسورَ مَوضِع اليُسْر، وجُعِل الْمَفْعُول فِي الحرفين كالمصدر. وَيُقَال: أعْسر الرجلُ فَهُوَ مُعْسِر إِذا صَار ذَا عُسْرة وقِلَّة ذَات يَد. قَالَ: وعَسَرت الْغَرِيم أعسِره عَسْراً إِذا أَخَذته على عُسْرة وَلم تَرْفُق بِهِ إِلَى مَيسَرته. وَيُقَال: عَسُر الْأَمر يعسُر عُسْراً فَهُوَ عَسِير، وعَسِر يَعْسَر عَسَراً فَهُوَ عسِر. وَيَوْم عسير: ذُو عُسْر. قَالَ الله تَعَالَى فِي صفة يَوْم الْقِيَامَة: {ُالنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} {ِعَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} (المدثر: 9، 10) . وَيُقَال: رجل أعْسر بيِّن العَسَر وَامْرَأَة عسراء إِذا كَانَت قوّتّهما فِي أشْمُلهما، وَيعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِشمَالِهِ مَا يعْمل غَيره بِيَمِينِهِ. وَيُقَال: رجل أعْسر يَسَر وَامْرَأَة عَسْراء يَسَرة إِذا كَانَا يعملان بأيديهما جَمِيعًا، وَلَا يُقَال: أعْسَر أيسر، وَلَا عسراء يَسراء للْأُنْثَى، وعَلى هَذَا كَلَام الْعَرَب. وَيُقَال من اليَسَر: فِي فلَان يَسَرة. وَيُقَال: بلغتُ معسور فلَان إِذا لم تَرْفُق بِهِ، وعسَّرت على فلَان الْأَمر تعسيراً. وَيُقَال: استعسرت فلَانا إِذا طلبت معسوره، واستعسر الأمرُ وتعسّر إِذا صَار عسيراً. وَقَالَ ابْن المظفّر: يُقَال للغَزْل إِذا الْتبس فَلم تقدر على تخليصه: قد تغسّر بالغين وَلَا يُقَال بِالْعينِ إلاَّ تجشُّماً. قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه ابْن المظفر صَحِيح، وَكَلَام الْعَرَب عَلَيْهِ، سمعته من غير وَاحِد مِنْهُم، وَيَوْم أعْسر أَي مشئوم قَالَ مَعْقِل الْهُذلِيّ:
ورُحْنا بِقوم من بُدَالة قُرِّنوا
وظلّ لَهُم يَوْم من الشَّرّ أعسرُ
فسّر أَنه أَرَادَ بِهِ أَنه مشئوم. قَالَ: وَيُقَال:
(2/49)

أعسرت المرأةُ إِذا عَسُر عَلَيْهَا وِلادها. وَإِذا دُعي عَلَيْهَا قيل: أعسرتْ وآنثتْ، وَإِذا دُعي لَهَا قيل: أَيسَرت وأذكرتْ أَي وضعت ذكرا وتيسّر عَلَيْهَا الوِلاد. وَقَالَ اللَّيْث: العَسِير: النَّاقة الَّتِي اعتاطت فَلم تَحمل سَنَتها، وَقد عَسُرت، وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
وعسير أدماء حادرة العي
ن خَنُوفٍ عَيْرانة شِملالِ
قلت: تَفْسِير اللَّيْث للعسير أَنَّهَا النَّاقة الَّتِي اعتاطت غير صَحِيح. والعَسِير من الْإِبِل عِنْد الْعَرَب: الَّتِي اعتُسِرت فرُكِبت وَلم تكن ذُلِّلت قبل ذَلِك وَلَا رِيضت. وَهَكَذَا فسّره الأصمعيّ فِيمَا رَوَى عَنهُ أَبُو عُبَيد. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السكِّيت فِي تَفْسِير قَوْله:
وروحة دنيا بَين حَيّين رحتها
أسِيرُ عَسِيراً أَو عَروضاً أروضها
قَالَ: العَسِير: النَّاقة الَّتِي رُكبت قبل تذليلها، وَأما العاسرة من النوق فَهِيَ الَّتِي إِذا عَدَت رفَعَت ذَنَبها، وَتفعل ذَلِك من نشاطها، وَالذِّئْب يفعل ذَلِك. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
إِلَّا عواسرُ كالقداح معيدةٌ
بِاللَّيْلِ مورد أيِّم متغضِّف
أَرَادَ بالعواسر: الذئاب الَّتِي تعسِل فِي عَدْوها وتكسّر أذنابها. وناقة عَوْسَرانية إِذا كَانَ من دأبها تكسير ذَنَبها ورفعُه إِذا عَدَت. وَمِنْه قَول الطِرِمَّاح:
عَوْسرانيّة إِذا انتفض الخِم
سُ نفاضَ الفَضِيض أيَّ انتفاضِ
الفضيض: المَاء السَّائِل، أَرَادَ أَنَّهَا ترفع ذَنَبها من النشاط وتعدو بعد عَطَشها وَآخر ظمئها فِي الخِمْس. وَزعم اللَّيْث أَن العَوْسَرانيّة والعَيْسَرانيّة من النوق: الَّتِي تُركَب من قبل أَن تُراض قَالَ: وَالذكر عَيْسُران وعَيْسَران، وَكَلَام الْعَرَب على غير مَا قَالَ اللَّيْث. وَقَالَ ابْن السّكيت: العَسْر: أَن تَعْسِر الناقةُ بذنبها أَي تشول بِهِ، يُقَال: عَسَرتْ بِهِ تعسِر عَسْراً. والعَسْر أَيْضا مصدر عَسَرته أَي أَخَذته على عُسْرة. قَالَ: والعُسْر بالضمّ من الْإِعْسَار وَهُوَ الضّيق. وَقَالَ الفرّاء: يَقُول الْقَائِل: كَيفَ قَالَ الله تَعَالَى: {بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (اللَّيْل: 10) وَهل فِي العُسْرى تيسير. قَالَ الْفراء: وَهَذَا فِي جَوَازه بِمَنْزِلَة قَول الله تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التَّوْبَة: 3) والبِشارة فِي الأَصْل تقع على المفرِّح السارّ. فَإِذا جمعت كلامين فِي خير وشرّ جَازَ التبشير فيهمَا جَمِيعًا. قلت: وتَقول قابِلْ غَرْب السانية لقائدها إِذا انْتهى الغَرب طالعاً من الْبِئْر إِلَى يَدي الْقَابِل وتمكّن من عَرَاقِيها: ألاَ ويَسّر السانية أَي اعطف رَأسهَا كَيْلا تجَاوز المَنْحاة فيرتفع الغَرْب إِلَى المَحَالة والمِحْور فيتخرَّق. ورأيتهم يسمّون عَطْف السانية تيسيراً، لِمَا فِي خِلَافه من التعسير، وَيُقَال: اعتسرت الكلامَ إِذا اقتضبته قبل أَن تزوّره وتهيئه. وَقَالَ الجعديّ:
فذَرْ ذَا وعَدِّ إِلَى غَيره
فشرّ الْمقَالة مَا يُعْتسَرْ
قلت: وَهَذَا من اعتسار الْبَعِير وركوبه قبل
(2/50)

تذليله. وَيُقَال: ذهبت الْإِبِل عُسَاريَات وعُشَاريَات إِذا انتشرت وتفرّقت. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: جَاءُوا عُسَاريَات وعُسَارَى تَقْدِير سكارى أَي بَعضهم فِي إثْر بعض. وَقَالَ النَّضر فِي الحَدِيث الَّذِي جَاءَ: يعتسر الرجلُ من مَال وَلَده رَوَاهُ بِالسِّين وَقَالَ: مَعْنَاهُ: يَأْخُذ من مَاله وَهُوَ كَارِه، وَأنْشد:
إِن أصحُ عَن دَاعِي الْهوى المضِلِّ
صُحُوّ ناسي الشوق مستبِلّ
معتسِر للصُّرْم أَو مُدِلِّ
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عَسَره وقَسَره وَاحِد. قَالَ: وعَسَرْت النَّاقة عَسْراً إِذا أَخَذتهَا من الْإِبِل. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العُسُر: أَصْحَاب التبرية فِي التقاضي وَالْعَمَل. والمِعْسَر: الَّذِي يُقعّط على غَرِيمه. قَالَ: والعِسْرة: قَبيلَة من قبائل الجِنّ. قلت: وَقَالَ بَعضهم فِي قَول أبي أَحْمَر:
وفتيان كجِلّة آل عِسْر
إِن عِسْر قَبيلَة من الجنّ. وَقيل: عِسْر: أَرض يسكنهَا الجنّ. وعِسْر فِي قَول زُهَيْر: مَوضِع:
كَأَن عليهمُ بجُنُوب عِسْر
والعُسْر لُعْبة لَهُم: ينصبون خَشَبَة ثمَّ ترمى بخشبة أُخْرَى وتقلَع. قَالَ الأغرّ بن عُبَيد اليَشْكُريّ:
فَوق الحزامى ترتمين بهَا
كتخاذف الوِلْدان بالعُسْر
أَي تفعل مَنَاسمُ هَذِه النَّاقة بالحَصَى كَمَا تفعل الْولدَان بِهَذِهِ الْخَشَبَة. وعُقَاب عسراء: ريشها من الْجَانِب الْأَيْسَر أَكثر من الْأَيْمن. قَالَ سَاعِدَة:
وعمّى عَلَيْهِ الْمَوْت أنّي طَرِيقه
سِنِين كعسراء العُقَاب ومِنْهَبُ
أَي فرس. وَيُقَال: حَمَام أعْسر وعُقَاب عسراء: بجناحه من يسَاره بَيَاض.
عرس: رَوَى أَبُو عُبَيد فِي حَدِيث حسّان بن ثَابت أَنه كَانَ إِذا دُعِي إِلَى طَعَام قَالَ: (أَفِي خُرْس أَو عُرْس أَو إعْذار) . قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: فِي عُرْس أَي طَعَام الْوَلِيمَة. قلت: العُرْس: اسْم من إعراس الرجل بأَهْله إِذا بنى عَلَيْهَا وَدخل بهَا، وكل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ عَرُوس، يُقَال للرجل عَرُوس وللمرأة عروس كَذَلِك بغَيْرهَا، ثمَّ تسمى الْوَلِيمَة عُرْساً. وَالْعرب تؤنّث العُرْس، قَالَ ابْن السّكيت: تَقول: هَذِه عُرْس، والجميع الأعراس. وَأنْشد قَول الراجز:
إِنَّا وجدنَا عُرُس الحَنَّاط
مذمومةً لئيمة الحُوَّاط
تُدْعى مَعَ النَّسَّاج والخَيَّاط
وعِرْس الرجل: امْرَأَته. يُقَال: هِيَ عِرْسه وطَلَّته وقَعِيدته. ولَبُؤة الأسَد عِرْسه. والزوجان لَا يسميان عروسين إِلَّا أَيَّام البِناء واتّخاذ العُرْس. وَالْمَرْأَة تسمَّى عِرْس الرجل كلَّ وَقت. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: لَا مَخْبَأ لعِطْر بعد عَرُوس. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ المفضّل: عروس هَهُنَا اسْم رجل تزوّج امْرَأَة، فلمَّا هُدِيت إِلَيْهِ وجدهَا تَفِلة فَقَالَ: أَيْن عِطركِ فَقَالَت: خبأته، فَقَالَ: لَا مخبأ لِعطر بعد عروس. وَقيل: إِنَّهَا قالته بعد مَوته. وَيُقَال للرجل: هُوَ عِرْس
(2/51)

امْرَأَته، وللمرأة: هِيَ عِرْسه. وَمِنْه قَول العجّاج:
أَزْهَر لم يُولد بِنَجْم نَحْس
أَنْجَب عِرْسٍ جُبلا وعِرْس
أَي أكْرم رجل وَامْرَأَة. ابْن الْأَعرَابِي: عَرُوس وعُرُوس، وَبَات عَذُوباً وعُذُوباً وسَدُوس وسُدُوس. وحدَّثنا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب بن أَيُّوب عَن نُمير بن عُبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا دعِي أحدكُم إِلَى وَلِيمَة عُرْس فليجِب) . قَالَ الْأَزْهَرِي: أَرَادَ طَعَام الرجل بأَهْله. وعِرّيسة الأسَد وعَرّيسه بِالْهَاءِ وَغير الْهَاء: مَأْوَاه فِي خِيسه. وَفِي حَدِيث عمر أَنه نَهَى عَن مُتْعة الحجّ وَقَالَ: قد علمت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعله، وَلَكِنِّي كرهت أَن يظلّوا مُعْرِسين بهنّ تَحت الْأَرَاك ثمَّ يروحوا بِالْحَجِّ تقطُر رؤوسهم. وَقَوله: مُعْرِسين أَي مُلمّين بنسائهم وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهَذَا يدلُّ على أَن إِلْمَام الرجل بأَهْله يسمّى إعراساً أَيَّام بنائِهِ عَلَيْهَا وَبعد ذَلِك؛ لِأَن تمتّع الحاجّ بامرأته يكون بعد بنائِهِ عَلَيْهَا. وأمَّا التَّعْرِيس فَنومة الْمُسَافِر بعد إدلاجه من اللَّيْل، فَإِذا كَانَ وَقت السَّحَر أَنَاخَ ونام نومَة خَفِيفَة ثمَّ يثور مَعَ انفجار الصُّبْح سائراً. وَمِنْه قَول لَبِيد:
قَلَّما عرَّس حَتَّى هِجتُه
بالتباشير من الصُّبْح الأُوَلْ
وأنشدتني أعرابيَّة من بني نُمَير:
قد طلعت حَمْرَاء فَنْطَلِيسُ
لَيْسَ لرَكْب بعْدهَا تعريس
أَبُو عُبيد عَن الأصمعيّ: عَرِس الرجل وعَرِش بِالسِّين والشين إِذا بَطِر أَي بهت ودُهِش. قَالَ: وَقَالَ الأصمعيّ: الْبَيْت المعرَّس: الَّذِي عُمِل لَهُ عَرْس وَهُوَ الْحَائِط يَجْعَل بَين حائطي الْبَيْت لَا يُبْلَغ بِهِ أقصاه، ثمَّ يوضع الْجَائِز على طَرَف العَرْس الدَّاخِل إِلَى أقْصَى الْبَيْت وسُقِّف الْبَيْت كُله، فَمَا كَانَ بَين الحائطين فَهُوَ سَهْوة، وَمَا كَانَ تَحت الْجَائِز فَهُوَ المُخْدَع. أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: عَرَسْت الْبَعِير عَرْساً وَهُوَ أَن تَشدَّ عُنُقه مَعَ يَدَيْهِ جَمِيعًا وَهُوَ بَارك، اسْم ذَلِك الحَبْل العِرَاس، فَإِذا شَدّ عُنقه إِلَى إِحْدَى يَدَيْهِ فَهُوَ العَكْس، وَاسم ذَلِك الحَبْل العِكَاس. وَيُقَال: عَرِس الرجلُ بِصَاحِبِهِ إِذا لزمَه، وعَرِس الصبيُّ بأمّه إِذا لَزِمَهَا، وعَرِس الشرُّ بَينهم إِذا لزِم ودام. قلت: وَرَأَيْت بالدَّهْنَى حِبَالاً من نُقْيان رمالها يُقَال لَهَا العرائس، وَلم أسمع لَهَا بِوَاحِد. وَابْن عِرْس: دُوَيْبة مَعْرُوفَة لَهَا نَاب. وَالْجمع: بَنَات عِرْس. والعِرْسِيّ: ضرب من الصِّبْغ كَأَنَّهُ شُبِّه لونُه بلون ابْن عِرْسٍ الدابّة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: ابْن عِرْس معرفَة ونكرة. يُقَال: هَذَا ابْن عِرْس مُقبلا، وَهَذَا ابْن عِرْس آخرُ مقبل. قَالَ: وَيجوز فِي الْمعرفَة الرّفْع وَيجوز فِي النكرَة النصب. قَالَ ذَلِك كُله المفضّل وَالْكسَائِيّ. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: اعترسوا عَنهُ أَي تفرّقوا. قلت: هَذَا حرف مُنكر لَا أَدْرِي مَا هُوَ. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العرّاس والمُعَرّس والمِعْرس: بَائِع الأعراس وَهِي الفُصْلان الصغار، وَاحِدهَا عُرْس وعَرْس. قَالَ:
(2/52)

وَقَالَ أَعْرَابِي: بكم البَلْهاء وأعراسها أَي أَوْلَادهَا. قَالَ: والمِعْرس: السَّائِق الحاذق بالسياق، فَإِذا نَشِط الْقَوْم سَار بهم، وَإِذا كَسِلوا عرّس بهم. قَالَ: والمِعْرَس: الْكثير التَّزْوِيج. قَالَ: والعَرْس: الْإِقَامَة فِي الفَرَح. قَالَ: والعَرّاس: بَائِع العُرُس وَهِي الحبال وَاحِدهَا عِرَاس. قَالَ: والعَرس. عَمُود فِي وسط الفُسْطاط. والعَرْس: الحَبْل.
سعر: قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى حِكَايَة عَن قوم صَالح: {فَقَالُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِى ضَلَالٍ} (الْقَمَر: 24) قَالَ الْفراء: أَرَادَ بالسُّعُر: العَنَاء للعذاب. وَقَالَ غَيره فِي قَوْله: {نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِى ضَلَالٍ} مَعْنَاهُ: إِنَّا إِذا لفي ضلال وجنون، يُقَال: نَاقَة مسعورة إِذا كَانَت كأنّ بهَا جنوناً. قلت: وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: إِنَّا إِن اتبعناه وأطعناه فَنحْن فِي ضلال وَفِي عَذَاب وعناء مِمَّا يُلزمنا، وَإِلَى هَذَا مَال الفرّاء وَالله أعلم. وَقَوله جلّ وَعز: {بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لاَِصْحَابِ} (الْملك: 11) أَي بُعْداً لأَصْحَاب النَّار، يُقَال: سَعَرت النَّار أسْعَرها سَعْراً إِذا أوقدتها، وَهِي مسعورة. وسَعَرت نَار الْحَرْب سَعْراً واستعرت النارُ إِذا استُوقِدت وَرجل مِسْعَر حربٍ إِذا كَانَ يؤرِّثها. والسَّعِير، النَّار نَفسهَا. وسُعَار النَّار: حَرّها. وَيُقَال للرجل إِذا ضربه السَّمُومُ فاستعرَ جوفُه: بِهِ سُعَار. وسُعَار الْعَطش: التهابه، وسُعَار الْجُوع: لهيبه، وَمِنْه قَول الشَّاعِر يهجو رجلا:
تُسمّنها بأخثر حَلْبتيها
ومولاك الأحم لَهُ سُعار
وَصَفه بتغريزه حلائبه وكَسْعه ضروعها بِالْمَاءِ الْبَارِد وليرتدّ لَبنهَا فَيبقى لَهَا طِرْقها، فِي حَال جوع ابْن عَمه الْأَقْرَب مِنْهُ. والأحمّ: الْأَدْنَى الْأَقْرَب، وَالْحَمِيم: الْقَرِيب القرابةِ. ومَساعر الْبَعِير: حَيْثُ يستعِر فِيهِ الجَرَب من الآباط والأرفاغ وأُمّ القُرَاد والمشافِر. وَمِنْه قَول ذِي الرمَّة:
قريع هجان دُسَّ مِنْهُ المساعر
وَالْوَاحد مَسْعَر. وَيُقَال: سُعِر الرجل فَهُوَ مسعور إِذا اشتدّ جوعُه أَو عطشه. وَقَالَ اللَّيْث: السُّعْرة فِي الْإِنْسَان: لون يضْرب إِلَى سَواد فويق الأُدْمة. وَقَالَ العجاج:
أَسعر ضَرْباً أَو طُوَالاً هِجْرَعا
وَيُقَال: سعِر فلَان يَسْعَر سَعَراً فَهُوَ أَسعر قَالَ: والسِّعْرارة: مَا تردّد فِي الضَّوْء السَّاقِط فِي الْبَيْت من الشَّمْس وَهُوَ الهَبَاء المنبثّ. وَيُقَال لما يحرّك بِهِ النَّار من حَدِيد أَو خشب: مِسْعَر ومِسعار. وَيُقَال: سعرْتُ الْيَوْم سَعْرة فِي حوائجي ثمَّ جِئْت أَي طُفت فِيهَا. وَقَالَ الأصمعيّ: المِسْعَر: الشَّديد فِي قَوْله:
وسامَى بهَا عُنُق مِسْعَرُ
وروى أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: المِسْعَر: الطَّوِيل. وَيُقَال: سَعَرتِ الناقةُ إِذا أسرعت فِي سَيرهَا، فَهِيَ سَعُور. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب (الْخَيل) : فرس مِسْعَر ومُساعر، وَهُوَ الَّذِي تَطيح قوائمه متفرّقة وَلَا ضَبْر لَهُ. وَقَالَ ابْن السّكيت تَقول الْعَرَب: ضَرْب هَبْر، وَطعن نَتْر، ورَمْي سَعْر، مَأْخُوذ من سَعَرْت النارَ وَالْحَرب إِذا هيَّجتهما. وَإنَّهُ لمِسْعَر حَرْب أَي تُحمى بِهِ
(2/53)

الْحَرْب. قَالَ: والسِّعْر من الأسعار وَهُوَ الَّذِي يقوم عَلَيْهِ الثّمن. وَفِي الحَدِيث أَنه قيل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَعِّر لنا فَقَالَ: (إِن الله هُوَ المسعّر) . وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال أَسعر وسعَّر بِمَعْنى وَاحِد. والساعورة كَهَيئَةِ التنّور يحفَر فِي الأَرْض يختبز فِيهِ، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَقَالَ أَبُو زيد: السَّعَران: شدّة العَدْو، والجَمَرانُ: من الْجَمْر. والفَلَتان: النشيط وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السُّعَيرة: تَصْغِير السَّعْرة وَهِي السُّعَال الحادّ. وَيُقَال: هَذَا سَعْرة الْأَمر وسَرْحته وفَوْعته أَي أوّله وحدَّته. أَبُو يُوسُف: استعر النَّاس فِي كل وَجه واستنْجوْا إِذا أكلُوا الرُطْب وأصابوه. قَالَ ابْن عَرَفَة: {الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ} (الْقَمَر: 47) أَي فِي أَمر نسعره أَي يُلْهبنا.
سرع: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: سَرِع الرجل إِذا أسْرع فِي كَلَامه وفعاله. وَقَالَ: سَرْعان ذَا خُرُوجًا وسُرْعان ذَا خُرُوجًا وسِرْعان ذَا خُرُوجًا. والضمّ أفصحها. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: سَرُع يَسْرُع سَرَعاً وسُرْعة فَهُوَ سريع. وَالْعرب تَقول: لسَرْعان ذَا خُرُوجًا بتسكين الرَّاء. وَيُقَال: لسَرُع ذَا خُرُوجًا بضمّ الرَّاء. وَرُبمَا أسكنوا الرَّاء فَقَالُوا: سَرْع ذَا خُرُوجًا، وَمِنْه قَول مَالك بن زُغْبة الْبَاهِلِيّ:
أنَوْراً سَرْع مَاذَا يَا فَرُوقُ
وحَبْلُ الْوَصْل منتكِث حَذِيقُ
أنوراً مَعْنَاهُ: أنِواراً يَا فَرُوق. وَقَوله: سَرُعْ مَاذَا أَرَادَ: سَرُع فخفَّف و (مَا) صلَة أَرَادَ: سَرُع ذَا نَوْراً. وسَرَعان النَّاس بِفَتْح الرَّاء: أوائلهم. وسَرَعان عَقَب المَتْنَين: شِبْه الخُضَل تخلَّص من اللَّحْم ثمَّ تُفتل أوتاراً للقِسيّ، يُقَال لَهَا السَّرَعان، سَمِعت ذَلِك من الْعَرَب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَرَعان النَّاس محرك لمن يُسرع من الْعَسْكَر. وَقَالَ أَبُو زيد: وَاحِدَة سَرَعان العَقَب: سَرَعانة، وَكَانَ ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: سَرْعان النَّاس: أوائلهم. وَقَالَ الْقطَامِي فِي لُغَة من يثقّل فَيَقُول: سَرَعان النَّاس:
وحسبُنا نَزَع الكتيبة غُدْوة
فيغيِّفون ونوجع السرَعانا
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الأساريع: الطُّرَق الَّتِي فِي الْقوس واحدتها طُرْقة. وأساريع الرمل وَاحِدهَا أُسروع ويَسروع بِفَتْح الْيَاء وضمّ الْهمزَة، وَهِي ديدان تظهر فِي الرّبيع مخطَّطة بسواد وَحُمرَة، ويشبَّه بهَا بَنَان العَذَارَى. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
وتعطو بِرَخْص غير شَثْن كَأَنَّهُ
أساريعُ ظَبْي أَو مساويك إسْحِل
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: أساريع العِنَب شُكُر تخرج فِي أصُول الحَبَلة. وَرُبمَا أُكلت حامضة رَطْبة. الْوَاحِدَة أُسروع.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أُسروع الظبي: عَصَبة تَسْتبطِن يَده ورِجله. والسَّرْوَعة: النَّبَكة الْعَظِيمَة من الرمل، وَتجمع سَرْوَعات وسَرَاوِع وَيُقَال: أسْرع فلَان المشيَ وَالْكِتَابَة وَغَيرهمَا وَهُوَ فعل مجاوز. وَيَقُولُونَ: أسْرع إِلَى كَذَا وَكَذَا يُرِيدُونَ: أسْرع المضيَّ إِلَيْهِ، وسارع بِمَعْنى أسْرع، يُقَال ذَلِك للْوَاحِد، وللجميع: سارعوا. قَالَ الله جلّ وعزَّ: {ُأَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} {ِنُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ}
(2/54)

(الْمُؤْمِنُونَ: 55، 56) مَعْنَاهُ: أيحسبون أَن إمدادنا لَهُم بِالْمَالِ والبنين مجازاةٌ لَهُم، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج من الله لَهُم. و (مَا) فِي معنى الَّذِي. أَرَادَ: أيحسبون أَن الَّذِي نَمدّهم بِهِ من مَال وبنين، وَالْخَبَر مَعَه مَحْذُوف، الْمَعْنى: نسارع لَهُم بِهِ. وَقَالَ الْفراء: خبر {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} قَوْله: {نُسَارِعُ لَهُمْ} وَاسم (أَن) : (مَا) بِمَعْنى الَّذِي. وَمن قَرَأَ: (يسارَع لَهُم فِي الْخيرَات) (فَمَعْنَاه: يسارَع بِهِ لَهُم فِي الْخيرَات فَيكون مثل {نسارِع. وَيجوز أَن يكون على معنى: أيحسبون إمدادنا يسارِع لَهُم فِي الْخيرَات، فَلَا يحْتَاج إِلَى ضمير، وَهَذَا قَول الزجّاج. وَقَالَ ابْن المظفّر: السَّرْع: قضيب سَنَةٍ من قضبان الكَرْم، وَالْجمع السُّرُوع. قَالَ: وَهِي تَسْرُع سُرُوعاً وهنّ سوارع والواحدة سارعة. قَالَ: والسَّرْع: اسْم الْقَضِيب من ذَلِك خاصّة. قَالَ: وَيُقَال لكل قضيب مَا دَامَ رَطْباً غضّاً: سَرَعْرَع، وَإِن أنَّثت قلت: سَرَعْرعة.
وَأنْشد:
أزمان إِذْ كنتُ كنعت الناعت
سَرَعْرعاً خُوطاً كغصن نابت
يصف عنفوان شبابه. قلت: والسَّرْغ بالغين: لُغَة فِي السَّرْع بِمَعْنى الْقَضِيب الرَطْب، وَهِي السُّرُوغ والسُّروع. الأصمعيّ: شبَّ فلَان شبَابًا سَرَعْرعاً. والسَرَعْرعة من النِّسَاء: الليّنة الناعمة.
وَفِي الحَدِيث أَن أحد ابْني رَسُول الله بَال فَرَأى بَوْله أساريع، والأساريع: الطرائق.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: أَبُو سَرِيع: هُوَ كُنْية النَّار فِي العَرْفَج. وَأنْشد:
لَا تعدِلنَّ بِأبي سريعِ
إِذا غَدَتْ نكباء بالصقيع
قَالَ: والصقيع: الثَّلج. والمِسْرع: السَّرِيع إِلَى خير أَو شرّ. فِي الحَدِيث: (فَأَخَذتهم من سَرْوَعَتين) ، السَّرْوعة: الرابية من الرمل. وَكَذَلِكَ الزَّرْوَحَةُ تكون من الرمل وَغَيره.
رعس: أهمله اللَّيْث، وَهُوَ مُسْتَعْمل. قَالَ أَبُو عَمْرو الشيبانيّ: الرَّعْس والرَّعَسان: رَجَفان الرَّأْس، وَقَالَ بعض الطائيين:
سَيعْلَمُ من يَنْوِي خِلابيَ أنني
أريب بِأَكْنَافِ البُضَيض حَبَلَّسُ
أَرَادوا خِلابي يَوْم فَيْدَ وقَرَّبوا
لِحى ورؤوساً للشَّهَادَة تَرْعَسُ
الحَبَلَّس والحَلَبَّس والحُلاَبس: الشجاع الَّذِي لَا يبرح مَكَانَهُ. وَأنْشد الباهليّ قَول العجاج يذكر سَيْفا يَهُذّ ضريبته هَذَّاً:
يُذْري بإرعاسِ يمينِ المؤتلي
خُضُمَّة الدارع هَذَّ المختلِي
قَالَ: يُذْري أَي يُطير، والإرعاس: الرجف، والمؤتلي: الَّذِي لَا يبلغ جهده. وخُضُمَّة كل شَيْء: معظمه. والدارع: الَّذِي عَلَيْهِ الدرْع. يَقُول: يقطع هَذَا السَّيْف مُعظم هَذَا الدارع، على أَن يَمِين الضَّارِب بِهِ تَرْجُف وعَلى أَنه غير مُجْتَهد فِي ضَرْبته. وَإِنَّمَا نعت السَّيْف بِسُرْعَة الْقطع. والمختلي: الَّذِي يحتشّ بِمِخلاه وَهُوَ مِحَشّه. وناقة راعوس: تحرّك رَأسهَا
(2/55)

إِذا عَدَت من نشاطها. ورمح رَعُوس ورَعَّاس إِذا كَانَ لَدْن المهَزّ عَرّاصاً شَدِيد الِاضْطِرَاب. وَقَالَ أَبُو سعيد: يُقَال: ارتعس رَأسه وارتعش إِذا اضْطربَ وارتعد. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: المِرْعَس الرجل الْخَفِيف القَشَّاش. والقشاش: الَّذِي يلتقط الطَّعَام الَّذِي لَا خير فِيهِ من الْمَزَابِل.
رسع: فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه بَكَى حَتَّى رسَعت عينه. قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي: فسَدت وتغيرت. وَفِيه لُغَتَانِ: رَسَع ورَسَّع. وَرجل مرسِّع ومرسِّعة. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
أيا هِنْد لَا تنكحي بُوهَة
عَلَيْهِ عقيقتُه أحسبا
مرسِّعة وسط أَرْبَاعه
بِهِ عَسَم يَبْتَغِي أرنبا
ليجعل فِي رِجله كعبها
حذار المنيَّة أَن يعطَبا
قَالَ: والمرسِّعة: الَّذِي فَسدتْ عينه، والبُوهة: الأحمق. وَقَوله:
حذار المنِيَّة أَن يعطبا
كَانَ حمقى الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة يعلِّقون كَعْب الأرنب فِي الرِّجْل وَيَقُولُونَ: إِن من فعل ذَلِك لم تصبه عين وَلَا آفَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: الترسيع: أَن تخرق سَيْراً ثمَّ تُدخل فِيهِ سَيْراً كَمَا يُسَوّي سُيُور الْمَصَاحِف. وَاسم السّير المفعولِ بِهِ ذَلِك: الرَّسِيع وَأنْشد:
وَعَاد الرسيع نُهْية للحمائل
يَقُول: انكبَّت سيوفهم فَصَارَت أسافلها أعاليها. قلت: وَمن الْعَرَب من يَجْعَل بدل السِّين فِي هَذَا الْحَرْف الصَّاد فَيَقُول: هُوَ الرَّصِيع وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الرصائع: سيور مضفورة فِي أسافل الحمائل، الْوَاحِدَة رِصَاعة. ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: المرسَّع: الَّذِي انسلقت عينه من السهر.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ اللَّام)
(ع س ل)
عسل، علس، سلع، سعل، لعس، لسع:} مستعملات.
عسل: قَالَ الله جلّ وَعز: {لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ} (مُحَمَّد: 15) فالعسل الَّذِي فِي الدُّنْيَا هُوَ لُعَاب النَّحْل. وَجعل الله بِلُطْفِهِ فِيهِ شِفَاء للنَّاس. وَالْعرب تسمّي صَمْغ العُرْفُط عَسَلاً لحلاوته وتسمِّي صَقْر الرُّطَب وَهُوَ مَا سَالَ من سُلاَفته عَسَلاً.
وَأَخْبرنِي عبد الْملك عَن الرّبيع عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: عَسَل النَّحْل هُوَ الْمُنْفَرد بِالِاسْمِ دون مَا سواهُ من الحُلْو المسمَّى بِهِ على التَّشْبِيه. قَالَ: وَالْعرب تَقول للْحَدِيث الحُلْو: معسول. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لامْرَأَة سَأَلته عَن زوج تزوَّجته لترجع بِهِ إِلَى زَوجهَا الأوّل الَّذِي طلَّقها فَلم ينتشر ذكره للإيلاج فَقَالَ لَهَا: (أَتُرِيدِينَ أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعة؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلته وَيَذُوق عُسَيلتك) ، يَعْنِي جِمَاعهَا، لِأَن الْجِمَاع هُوَ المستحلَى من الْمَرْأَة. وَقَالُوا لكل مَا استحلَوْا: عَسَلٌ ومعسول، على أَنه
(2/56)

يُسْتحلى استحلاء العَسَل. وَقَالَ غَيره فِي قَوْله: (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلته وَيَذُوق عُسَيْلتك) : إِن العُسَيلة: مَاء الرجل. قَالَ: والنطْفة تسمَّى العُسَيلة، رَوَى ذَلِك شمر عَن أبي عدنان عَن أبي زيد الأنصاريّ: قلت: وَالصَّوَاب مَا قَالَه الشَّافِعِي؛ لِأَن العُسَيلة فِي هَذَا الحَدِيث كِنَايَة عَن حلاوة الْجِمَاع الَّذِي يكون بتغييب الحَشَفة فِي فرج الْمَرْأَة، وَلَا يكون ذَوَاق العُسَيلتين مَعًا إِلَّا بالتغييب وَإِن لم يُنزِلا، وَلذَلِك اشْترط عُسَيلتهما. وأنَّث العُسَيلة لِأَنَّهُ شبَّهها بِقِطْعَة من العَسَل. وَهَذَا كَمَا تَقول: كنّا فِي لَحْمَة ونَبِيذة وعَسَلة أَي فِي قِطْعَة من كل شَيْء مِنْهَا. وَالْعرب تؤنّث العَسَل وتذكّره. قَالَ الشمَّاخ:
كَأَن عُيُون الناظرين تشوفها
بهَا عسل طابت يَدَاً من يشورُها
أَي تشوف العيونُ والأبصار بهَا هَذِه الْمَرْأَة. قَالَ ذَلِك ابْن السّكيت. والعَسَّالة: الخليَّة الَّتِي تسَوَّى للنحل من راقود وَغَيره فتعسِّل فِيهِ. يُقَال: عسّل النحلُ تعسيلاً. وَالَّذِي يَشتار الْعَسَل فَيَأْخذهُ من الخليَّة يسمَّى عاسلاً.
وَمِنْه قَول لبيد:
وأرْيِ دُبُورٍ شارَهُ النحلَ عاسلُ
وَمن الْعَرَب من يذكّر العَسَل، لُغَة مَعْرُوفَة. والتأنيث أَكثر. وعَسَل اللُبْنَى: صَمْغ يَسيل من شجر اللبنى لَا حلاوة لَهُ: يسمَّى عَسَل اللبنى. وحدّثنا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس حَدثنَا عُثْمَان ابْن أبي شَيبة عَن زيد بن الحُبَاب عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَيْر بن نُفَير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن الحَمِق يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عَسَله) : قيل: يَا رَسُول الله وَمَا عَسَله؟ قَالَ: (يَفتح لَهُ عملا صَالحا بَين يَدي مَوته حَتَّى يرضى عَنهُ مَن حوله) . ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: العَسَل: طِيب الثَّنَاء على الرجل. قَالَ: وَمعنى قَوْله: (إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عَسَله) أَي طيَّب ثناءه. وَقَالَ غَيره: معنى قَوْله: عَسَله أَي جعل لَهُ من الْعَمَل الصَّالح ثَنَاء طيّباً كالعَسَل؛ كَمَا يُعْسَل الطَّعَام إِذا جُعل فِيهِ العَسَل. يُقَال: عَسَلت الطعامَ والسَّوِيقَ أعْسِله وأعسُله إِذا جعلت فِيهِ عَسَلاً وطيَّبتْه وحلَّيته. وَيُقَال أَيْضا: عَسَلت الرجلَ إِذا جعلت أُدْمه العَسَل. وعسَّلت الْقَوْم بِالتَّشْدِيدِ إِذا زوّدتهم العَسَل. وَجَارِيَة معسولة الْكَلَام إِذا كَانَت حُلْوة الْمنطق مليحة اللَّفْظ طيّبة النَّغْمة. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَسَل: حَبَاب المَاء إِذا جرى من هبوب الرّيح. قَالَ: والعُسُل: الرِّجَال الصالحون. قَالَ: وَهُوَ جمع عاسل وعَسُول. قَالَ: وَهُوَ ممَّا جَاءَ على لفظ فَاعل وَهُوَ مفعول بِهِ. قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ: رجل عاسل: ذُو عَسَل أَي ذُو عمل صالحٍ، الثناءُ عَلَيْهِ بِهِ مستحلَى كالعسل. وَقَالَ الفرّاء: العَسِيل: مِكْنسة الطِّيب. والعَسِيل: الريشة الَّتِي تُقلع بهَا الغالية. والعَسِيل أَيْضا: قضيب الْفِيل وَجمعه كلّه عُسُل. وَأنْشد الفرّاء:
(2/57)

فرِشْني بِخَير لَا أكونَنْ ومِدْحتي
كناحتِ يَوْمًا صخرةٍ بعَسِيل
قَالَ: أَرَادَ: كناحتٍ صَخْرَة بعسيل يَوْمًا، هَكَذَا أنْشد فِيهِ المنذريّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الفرّاء. وَمثله قَول أبي الْأسود:
فألفيتُه غير مستعتِب
وَلَا ذاكِر اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا
قَالَ ابْن الأنباريّ: أَرَادَ: وَلَا ذاكرٍ الله، وَأنْشد الفرّاء أَيْضا:
ربّ ابْن عَم لسُلَيمى مشمعلّ
طبّاخ سَاعَات الْكرَى زادَ الكَسِل
أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: رُمْح عاسل وعَسَّال: مضطرِب لَدْن، وَهُوَ العاتر، وَقد عَتَر وعَسَل.
وَقَالَ اللَّيْث: العَسِل: الرجل الشَّديد الضَّرْب السَّرِيع رَجْعِ الْيَد بِالضَّرْبِ. وَأنْشد:
تمشي موائلة وَالنَّفس تنذِرها
مَعَ الوبيل بكف الأهوج العسِل
فلَان أَخبث من أبي عِسْلة وَمن أبي رِعْلة وَمن أبي سِلعامة وَمن أبي مُعْطة كلّه الذِّئْب. وَيُقَال: عَسَل الذِّئْب يعسِل عَسْلاً وعَسَلاناً وَهُوَ سرعَة هِزّته فِي عَدْوه. وَقَالَ الجعديّ:
عَسَلانَ الذِّئْب أَمْسَى قارباً
بَرَد الليلُ عَلَيْهِ فنسَلْ
وَيُقَال: رجل عِسْل مَال كَقَوْلِك: إزَاء مَال وخال مَال. ابْن السّكيت يُقَال: مَا لفُلَان مَضْرِب عَسَلة يَعْنِي: أعراقه. وَقَالَ غَيره: أصل ذَلِك فِي سُؤر الْعَسَل ثمَّ صَار مثلا للْأَصْل والنسَب. وَيُقَال: بَسْلاله وعَسْلاً وَهُوَ اللَّحْي فِي الملام. شمر عَن أبي عَمْرو: يُقَال: عَسَلْت من طَعَامه عَسْلاً أَي ذقت. وَيُقَال: هُوَ على أعسال من أَبِيه وأعْسان أَي على أثَر من أَثَره، الْوَاحِد عِسْل وعِسْن. وَهَذَا عِسْل هَذَا وعِسْنه أَي مِثله. والعَسْل: الحَلْب بستّين، والفَطْر: الحَلْب بِثَمَانِينَ. والعواسل: الريَاح.
علس: أَخْبرنِي عبد الْملك عَن الرّبيع عَن الشَّافِعِي قَالَ: العَلَس: ضَرْب من الْقَمْح، يكون فِي الكمام مِنْهُ حبَّتان، يكون بِنَاحِيَة الْيمن. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَدَس يُقَال لَهُ: العَلَس: أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: يُقَال للقُرَاد: العَلّ وَقَالَ شمر: والعَلُس مثلُه، وَجمعه أعلال وأعلاس. قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ الْأمَوِي: مَا ذقت عَلُوساً. وَقَالَ الْأَحْمَر: مَا ذقت عَلُوساً وَلَا ألُوساً أَي مَا ذقت طَعَاما. ابْن السّكيت عَن الكِلاَبيّ قَالَ: مَا عَلَسْنا عِنْدهم عَلُوساً. وَقَالَ ابْن هانىء، مَا أكلت الْيَوْم عَلاَساً، وَقد عَلَسَتِ الإبلُ تعلِس إِذا أَصَابَت شَيْئا تَأْكُله. وَقَالَ اللَّيْث: العَلْس: الشُّرْب، يُقَال: عَلَس يَعْلِس عَلْساً. والعَلِيس: شِوَاء مَسْمون. قلت: العَلْس: الْأكل، وقلَّما يُتَكلّمِ بِهِ بِغَيْر حرف النَّفْي. وَأَخْبرنِي الإياديّ عَن شمر قَالَ: العَلَسيُّ الحَمل الشَّديد. وَأنْشد قَول المَرّار:
إِذا رَآهَا العَلَسيّ أبلسا
وعَلَّق الْقَوْم أداوَى يُبَّسا
(2/58)

وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَلَسِيّ: شَجَرَة المَقْرِ.
وَقَالَ أَبُو وَجْزة السعديّ:
كَأَنَّ النُّقْدَ والعَلَسيَّ أجنى
ونعَّم نبته وَاد مطيرُ
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَلِيس: الشوَاء المنضَج.
وَقَالَ ابْن السّكيت عَن الكلابيّ: رجل مجرَّس ومُعَلَّس ومنقَّح ومقلَّح أَي مجرَّب.
لعس: فِي حَدِيث الزبير أَنه رأى فِتْية لُعْساً فَسَأَلَ عَنْهُم فَقيل: أمّهم مولاة للحُرَقة وأبوهم مَمْلُوك فَاشْترى أباهم وَأعْتقهُ فجرّ وَلاَءهم. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: اللُّعْس: الَّذين فِي شفاههم سَواد، وَهُوَ ممّا يُستحسن. يُقَال مِنْهُ: رجل ألعس وَامْرَأَة لعساء والجميع مِنْهُمَا لُعْس. وَقد لعِس لَعَساً. وَأنْشد لذِي الرمَّة:
لمياء فِي شفتيها حُوَّة لَعَسٌ
وَفِي اللِّثَات وَفِي أنيابها شَنَبُ
قلت: قَوْله: رأى فتية لُعْساً لم يُرَدْ بِهِ سَواد الشّفة خاصَّة، إِنَّمَا أَرَادَ لَعَس ألوانِهم. سَمِعت الْعَرَب تَقول: جَارِيَة لَعْساء إِذا كَانَ فِي لَوْنهَا أدنى سَواد فِيهِ شُرْبة حمرَة لَيست بالناصعة، وَإِذا قيل: لعساء الشَّفَة فَهُوَ على مَا قَالَ الأصمعيّ. وَقد قَالَ العجاج بَيْتا دلَّ على أَن اللعَس يكون فِي بَشَرة الْإِنْسَان كلّها فَقَالَ:
وبَشَرٍ مَعَ الْبيَاض ألعسا
فَجعل البَشَر ألْعس، وَجعله مَعَ الْبيَاض لما فِيهِ من شُرْبة الْحمرَة. وَقَالَ اللَّيْث: رجل متلعّس: شَدِيد الْأكل. قَالَ: واللَّعْوَس: الأكُول الْحَرِيص. قَالَ: وَيُقَال للذئب: لَعْوَس ولَغْوس وَأنْشد لذِي الرمَّة:
وماءٍ هتكتُ اللَّيْل عَنهُ وَلم يَرِد
روايا الْفِرَاخ والذئابُ اللغاوس
قَالَ: ويروى: اللعاوس. قلت: ورَوَى أَبُو عُبيد عَن الفرّاء: اللغْوَس بالغين: الذِّئْب الْحَرِيص الشرِه. قلت: وَلَا أنكر أَن يكون الْعين فِيهِ لُغَة. وَقَالَ النَّضر: مَا ذقت لَعُوساً أَي شَيْئا. قَالَ الْأَصْمَعِي: مَا ذقت لَعُوقاً مثله. وَقَالَ غَيره: اللَّعْس: العضّ، يُقَال: لَعَسني لَعْساً أَي عضَّني، وَبِه سمّي الذِّئْب لَعْوَسَاً.
لسع: قَالَ ابْن المظفر: اللَّسْع للعقرب. قَالَ: وَيُقَال للحيَّة: تَلْسَع. قَالَ: وَزعم أَعْرَابِي أَن من الحيَّات مَا يلسع بِلِسَانِهِ كلَسْع حُمَة الْعَقْرَب، وَلَيْسَت لَهُ أَسْنَان. قَالَ: وَيُقَال: لَسَع فلَان فلَانا بِلِسَانِهِ إِذا قرضه، وَإِن فلَانا للُسَعة أيْ قرَّاضة للنَّاس بِلِسَانِهِ. قلت: والمسموع من الْعَرَب أَن اللسع لذوات الإبَر من العقارب والزنابير. فأمَّا الحيَّات فَإِنَّهَا تنهش وتَعَضّ وتَخْدِب وتَنْشِطُ. وَيُقَال للعقرب: قد لَسَعَتْه وأَبَرَتْه وَوَكَعَتْه وكَوَتْه. لَسَع فِي الأَرْض ومَصَع: ذهب. واللَّسُوع: الْمَرْأَة الفارك. والمُلْسِع: المُغْرِي بَين الْقَوْم. والملسِّعة: الْمُقِيم الَّذِي لَا يبرح، كَأَنَّهُ يلسع أَصْحَابه لثقله.
سلع: أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: السَلَع: شجر مُرّ. وَقَالَ بِشْر:
يسومون الصِّلاح بِذَات كَهْف
وَمَا فِيهَا لَهُم سَلَع وقار
(2/59)

وَكَانَت الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا تَأْخُذ حَطَب السَّلَع والعُشَر فِي المجاعات وقُحُوط الْمَطَر فتوقِر ظُهُور الْبَقر مِنْهَا ثمَّ تُلْعِج النارَ فِيهَا، يستمطرون بلهَب النَّار المشبّه بسنا البَرْق. وَأَرَادَ الشَّاعِر هَذَا الْمَعْنى بقوله:
سَلَع مّا وَمثله عُشَر مّا
عائلاً مّا وعالت البَيْقورا
والسُّلُوع: شُقُوق فِي الْجبَال، وَاحِدهَا سَلْع وسِلْع. وَيُقَال: سَلَعْت رَأسه أَي شججته قَالَ ذَلِك أَبُو زيد. وَقَالَ شمر: السَّلْعة: الشَّجَّة فِي الرَّأْس كائنة مَا كَانَت. يُقَال: فِي رَأسه سَلْعتان وَثَلَاث سَلَعات، وَهِي السِّلاَع. وَرَأس مسلوع ومُنْسَلِع. وأمّا السِّلْعة بِكَسْر السِّين فَهِيَ الجَدَرة تخرج بِالرَّأْسِ وَسَائِر الْجَسَد، تمور بَين الجِلْد وَاللَّحم، ترَاهَا تَدِيص دَيَصاناً إِذا حرّكتها. والسِّلْعة وَجَمعهَا السِلَّع كل مَا كَانَ مَتْجوراً بِهِ. والمُسْلِع: صَاحب السِّلْعة. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للدليل الْهَادِي: مِسْلع. وَأنْشد بَيْتا للخنساء:
سبَّاق عَادِية وَرَأس سَرِيَّة
ومُقاتل بَطَل وهاد مِسْلع
ابْن شُمَيْل: قَالَ رجل من الْعَرَب: ذهبت إبلي فَقَالَ رجل: لَك عِنْدِي أسْلاعها أَي أَمْثَالهَا فِي أسنانها وهيئاتها. وَهَذَا سِلْع أَي مِثله. وَيُقَال: تزلّعت رِجْله وتَسَلَّعت إِذا تشقَّقت. وسَلْع: مَوضِع يقرب من الْمَدِينَة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لعمرك إِنَّنِي لأحبّ سَلْعاً
أَبُو عَمْرو: هَذَا سِلْع هَذَا أَي مِثلُه وشَرْواه. وَيُقَال: أَعْطِنِي سِلْع هَذَا أَي مثلَ هَذَا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأسلع: الأبرص. قَالَ: والسَّوْلع: الصَّبِر المُرّ. والصولع: السِّنان المجلوّ. أسلاع الْفرس: مَا تفلّق من اللَّحْم عَن نَسَبيها إِذا استخفَّت سِمَناً. وَقَوله:
أجاعل أَنْت بيقوراً مسلَّعة
ذَريعة لَك بَين الله والمطر
يَعْنِي الْبَقر الَّتِي كَانَ يُعْقَد فِي أذنابها السَّلَع عِنْد الجَدْب.
سعل: روى ابْن عُيَينة عَن عَمْرو عَن الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا صَفَر وَلَا هَامة وَلَا غُول وَلَكِن السعالَى) .
قَالَ شمر فِيمَا قَرَأت بِخَطِّهِ: قد فسّروا السعالى: الغِيلان وَذكرهَا الْعَرَب فِي أشعارها. قَالَ الْأَعْشَى:
ونساءٍ كأنهن السعالى
قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُرِيد: فِي سوء حالهن حِين أُسِرن. وَقَالَ لَبيد يصف الْخَيل:
عَلَيْهِنَّ وِلدان الرِّجَال كَأَنَّهَا
سعالَى وعِقبان عَلَيْهَا الرحائل
وَقَالَ جِرَان العَوْد:
هِيَ الغول والسِّعلاة حلْقِيَ مِنْهُمَا
مُخَدّشُ مَا بَين التراقِي مكَدّح
وَقَالَ بعض الْعَرَب: لم تصف العربُ بالسعلاة إلاّ الْعَجَائِز وَالْخَيْل. قَالَ شمر: وشبَّه ذُو الإصبع الفرسان بالسعالى فَقَالَ:
ثمَّ انبعثنا أُسُود عَادِية
مثل السعالى نقائبا نُزُعا
(2/60)

فَهِيَ هَهُنَا الفرسان. وَقَالَ بَعضهم: السعالِيَ من أَخبث الغِيلان. وَيُقَال للْمَرْأَة الصخَّابة: قد استسعلت. وَقَالَ أَبُو عدنان: إِذا كَانَت الْمَرْأَة قبيحة الْوَجْه سيِّئة الْخُلُق شُبِّهت بالسِّعْلاة. وَقيل: السِّعْلاة هِيَ الْأُنْثَى من الغيلان، وَتجمع سعالِيَ وسِعْلَيات، وَقَالَ أَبُو زيد: مثل قَوْلهم: استسعلت الْمَرْأَة قَوْلهم. عَنْزٌ نَزَت فِي جبل فاستَتْيَسَتْ، ثمَّ من بعد استتياسها استعْنَزت، وَمثله: إِن البغاث بأرضنا يستَنْسِر واستنوق الْجمل. وَقد استسعلت الْمَرْأَة إِذا صَارَت كَأَنَّهَا سِعْلاة خَبْثاً وسَلاَطة؛ كَمَا يُقَال: استأسد الرجل واستكلبت الْمَرْأَة. وَيُقَال: سَعَل الْإِنْسَان يَسْعل سُعَالاً وسَعَل سُعْلة. وَيُقَال: بِهِ سُعَال ساعل؛ كَقَوْلِهِم: شغل شاغل وَشعر شَاعِر. والساعل الْفَم فِي بَيت ابْن مقبل:
على إِثْر عجَّاج لطيفٍ مصيرُه
يمجُّ لُعَاعَ العَضْرَس الجَوْنِ ساعلُهْ
أَي فَمه لِأَن الساعل بِهِ يسعل. أَبُو عُبَيْدَة: فرس سَعِل زعِل أَي نشيط، وَقد أسعله الْكلأ وأزعله بِمَعْنى وَاحِد. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: السَعَل: الشيص الْيَابِس.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ النُّون)
(ع س ن)
عسن، عنس، سنع، سعن، نسع، نعس: مستعملات.
عسن: أَبُو عبيد عَن الْفراء قَالَ: إِذا بقيتْ من شَحم النَّاقة ولحمها بقيَّة فاسمها الأُسْن والعُسْن وجمعهما آسان وأعسان، وناقة عاسنة: سَمِينَة. ونوق مُعْسِنات: ذَوَات عُسْن. وَقَالَ الفرزدق:
فَخُضْتُ إِلَى الأنقا مِنْهَا وَقد يَرَى
ذَات النقايا المُعْسِناتُ مكانيا
أَبُو عَمْرو: أعسن إِذا سمن سِمَناً حسنا. وَقَالَ: العَسَن: الطول مَعَ حسن الشّعْر وَالْبَيَاض. وَيُقَال: هُوَ على أعسان من أَبِيه وآسان. وَقد تعسَّن أَبَاهُ وتأسَّنه وتأسَّله إِذا نزع إِلَيْهِ فِي الشَّبَه، قَالَ ذَلِك اللحياني وَغَيره.
وَقَالَ اللَّيْث: العَسَن: نجوع العَلَف والرعْي فِي الدوابّ. تَقول: عَسِنَت الْإِبِل عسنَاً إِذا نجع فِيهَا الْكلأ وسمِنت. والعَسِن مثل الشكُور. والعَسْن: مَوضِع مَعْرُوف. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العُسُن جمع أعسن وعَسُون وَهُوَ السمين. وَيُقَال للشحمة: عُسْنة وَجَمعهَا عُسَن. وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سَمِعت غير وَاحِد من الْأَعْرَاب يَقُول: فلَان عِسْل مَال وعسنُ مَال: إِذا كَانَ حسن الْقيام عَلَيْهِ. التعسين: خفّة الشَّحْم من الجَدْب وقلّة الْمَطَر وكلأ معسَّن قَالَ الراجز:
نِعْمَ قريعُ الشَّوْل فِي التعْسين
وَيُقَال: التعسين: الشتَاء. وأعسنت الناقةُ: حملت العُسْن وأعسنها الجَدْب: ذهب بعُسْنها وشحمها. وَهَذَا كَمَا يُقَال: قذّيت الْعين: أخرجت قذاها، وأقذيتها: ألقيت فِيهَا القَذَى.
عنس: العَنْس: النَّاقة الصُّلْبة، وَقَالَ اللَّيْث: تسمَّى عَنْساً إِذا تمَّت سِنّها واشتدَّت قُوَّتها ووَفَر عظامُها وأعضاؤها. قَالَ: واعنونس
(2/61)

ذَنَب النَّاقة، واعنيناسه: وفور هُلْبه وطولُه. وَقَالَ الطرمَّاح يصف ثوراً وحشياً:
يمسحُ الأَرْض بمعنونِس
مثل مِثلاة النِّيَاح الْقيام
أَي بذنَب سابغ. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: العانس: الْمَرْأَة الَّتِي تُعَجِّز فِي بَيت أَبَوَيْهَا لَا تتَزَوَّج، وَقد عَنَست تَعْنُس عُنُوساً.
وَقَالَ الأصمعيّ: لَا يُقَال: عَنَست وَلَا عَنَّست وَلَكِن يُقَال: عُنِّست فَهِيَ مُعَنَّسة. وَفِي الحَدِيث أَن الشّعبِيّ أَو غَيره من التَّابِعين سُئِلَ عَن الرجل يدْخل بِالْمَرْأَةِ على أَنَّهَا بِكر فَيَقُول: لم أَجدهَا عَذراء، فَقَالَ: إِن العُذْرة يُذهبها التعنيس والحَيضة. وتُجمع العانس عُنّساً وعوانس. وَيُقَال للرجل إِذا طعن فِي السنّ وَلم يتزوّج: عانس أَيْضا، والجميع العانسون وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
منا الَّذِي هُوَ مَا إِن طَرّ شارُبه
والعانسون وَمنا المُرْدُ والشيبُ
وَقَالَ اللَّيْث: عَنَست الْمَرْأَة عُنُوساً إِذا صَارَت نَصَفاً وَهِي بِكر لم تتزوّج. وعنّسها أَهلهَا إِذا حبسوها عَن الْأزْوَاج حَتَّى جَاوَزت فَتاء السنّ ولمَّا تُعَجِّز فَهِيَ معنَّسة. وَتجمع مَعَانس ومعنَّسات. وعَنْس: قَبيلَة من الْيمن.
وَقَالَ غَيره: أعنس الشيبُ رأسَه إِذا خالطه. وَقَالَ أَبُو ضَبّ الهذليّ:
فَتى قَبَلا لم يُعْنِس الشيبُ رَأسه
سوى خُيُط كالنَّور أشرقن فِي الدُجَى
روى المبرّد: لم تَعْنُس السنّ وَجهه، وَهُوَ أَجود. وناقة عانسة وجمل عانس: سمين تامّ الخَلْق. وَقَالَ أَبُو وَجْزة السعديّ:
بعانسات هُزِمات الأزْمَل
جُشّ كبحريّ السَّحَاب المُخْيِل
عَمْرو عَن أَبِيه: العُنُس: المَرَايا، وَاحِدهَا عِنَاس للمرآة. قَالَ: وعَنَست الْمَرْأَة وعَنِست وعَنّست وأعْنست وتأطَّرت إِذا لم تُزوَّج. وَقَالَ ابْن السكّيت: يُقَال: رجل عانس وَامْرَأَة عانس وَقد عَنَست تَعْنُس عِنَاساً.
سنع: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: السَّنِيع: الحَسَن. وَقَالَ شمر: أهْدى أعرابيّ نَاقَة لبَعض الْخُلَفَاء فَلم يقبلهَا فَقَالَ: لم لَا تقبلهَا وَهِي حَلْبانة رَكْيانة مِسناع مرباع. قَالَ المِسناع: الْحَسَنَة الخَلْق. والمرباع: الَّتِي تبكّر فِي الِلقاح. وَرَوَاهُ الأصمعيّ: إِنَّا مِسْياع مِرْياع. قَالَ: والمِسياع: الَّتِي تحمل الضَيْعة وسوءَ الْقيام عَلَيْهَا. والمِرْياع: الَّتِي يسافَر عَلَيْهَا ويعاد. وَهَذَا فِي رِوَايَة الأصمعيّ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: السَّنَع: الجَمَال. وَقَالَ: الْإِبِل ثَلَاثَة فَذكر السانعة. عَمْرو عَن أَبِيه: أسنع الرجل إِذا اشْتَكَى سِنْعه أَي سِنْطَه وَهُوَ الرُسْغ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السِّنْع: الحَزّ الَّذِي فِي مَفْصِل الكفّ والذراع. وَقَالَ اللَّيْث: السِّنْع: السُلاَمى الَّذِي يصل بَين الْأَصَابِع والرسغ فِي جَوف الكفّ، والجميع: الأسناع والسِّنَعة. والسَّنَائع: الطُرُق فِي الْجبَال، الْوَاحِدَة سَنِيعة. وَقَالَ:
إِذا صدرت عَنهُ تمشَّت مَخَاضُها
إِلَى السَّرْو تدعوها إِلَيْهِ السنائع
(2/62)

ومَهْر سَنيع مُسْنَع: كثير. أسنع مَهْر الْمَرْأَة، وأسناه: أَكثر، قَالَ:
مفرّكٌ مجتوىً لم ترض طَلّته
وَلَو أَتَاهَا بمَهر مُسْنَع رُغُب
وسُنُع الْإِبِل: خِيَارهَا.
سعن: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: أسعن الرجلُ إِذا اتخذ السُّعْنة وَهِي المِظَلَّة. وَقَالَ اللَّيْث: السُّعْنُ: ظُلّة يتّخذها أهل عُمَان فَوق سُطُوحهم من أجل نَدَى الوَمَد. والجميع السُّعُون. قَالَ: والسَّعْن: الوَدَك. وَقَالَ أَبُو سعيد: السَّعْن: قِرْبة أَو إداوة يُقطع أَسْفَلهَا ويشدّ عُنُقها وتعلَّق إِلَى خَشَبَة ثمَّ يُنبذ فِيهَا. وَقَالَ اللَّيْث: السُّعْن شَيْء يتَّخذ من الأدَم شبه دَلْو إِلَّا أَنه مستطيل مستدير، وَرُبمَا جعِلت لَهُ قَوَائِم يُنبذ فِيهِ، الْجَمِيع: السِّعَنة، والأسعان. والمُسَعَّن من الغُرُوب يتّخذ من أدِيمين يُقَابل بَينهمَا فيعرقان عراقين وَله خُصْمان من جانبين لَو وُضع قَامَ قائمه فِي اسْتِوَاء أَعْلَاهُ وأسفلِه. أَبُو عبيد عَن أَصْحَابه: يُقَال: مَا لفُلَان سَعْنة وَلَا مَعْنة أَي مَا لَهُ قَلِيل وَلَا كثير.
قَالَ: كَانَ الأصمعيّ لَا يعرف أَصْلهَا. وَقَالَ غَيره: السُّعْنة من المِعْزَى: صغَار الْأَجْسَام فِي خَلْقها، والمَعْن: الشَّيْء الهيّن وَأنْشد:
وَإِن هَلَاك مَالك غير مَعْن
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: السَعْنة: الْكَثْرَة من الطَّعَام وَغَيره، والمَعْنة: القِلَّة من الطَّعَام وَغَيره، حَكَاهُ عَن الْمفضل فِي قَوْلهم: مَاله سَعْنة وَلَا مَعْنة. قَالَ: والسُّعْنة: القِرْبة الصَّغِيرَة يُنبذ فِيهَا. والسُّعْنة: المِظلَّة.
نسع: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: النِّسْع والسِّنْع: المَفْصِل بَين الكفّ والساعد. وَقَالَ الأصمعيّ: يُقَال لريح الشّمال: نِسْع ومِسْع وَأنْشد:
نِسْع لَهَا بعضاه الأرْض تهزيز
قلت: سُمّيت الشَّمَالِ نِسْعاً لدقَّة مَهَبّها، فشبّهت بالنِّسْع المضفور من الأدَم، وَهُوَ سَيْر يُضفر على هَيْئَة أعِنَّة البِغال يُشدّ بِهِ الرّحال. وَيجمع نسوعاً وأنساعاً. الأصمعيّ: نسَّعَتْ أسنانُه تنسِيعاً، وَهُوَ أَن تطول وَتَسْتَرْخِي اللثَات حَتَّى تبدو أُصُولهَا وَقد انحسر عَنْهَا مَا كَانَ يواريها من اللثَات، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: انتسعت الْإِبِل وانتسغت بِالْعينِ والغين إِذا تفرَّقت فِي مراعيها. وَقَالَ الأخطل:
رَجَنّ بِحَيْثُ تنتسِع المطايا
فَلَا بقًّا تخَاف وَلَا ذبابا
وَقَالَ اللَّيْث: امْرَأَة ناسعة: طَوِيلَة البَظْر ونُسوعه: طولُه. قلت: ويَنْسُوعة القُفّ: مَنْهلة من مناهل طَرِيق مَكَّة على جادَّة الْبَصْرَة، بهَا ركايا عَذبة المَاء عِنْد منقطَع رمال الدهناء بَين ماوِيّة والنِبَاج، وَقد شربْتُ من مَائِهَا. عَمْرو عَن أَبِيه: أنسع الرجلُ إِذا كثر أَذَاهُ لجيرانه. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هَذَا سِنْعه وسَنْعه وشِنْعه وشَنْعُه وسِلْعه وسَلْعه ووَفْقه ووِفَاقه بِمَعْنى وَاحِد.
نعس: قَالَ الله جلّ وَعز: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} (الْأَنْفَال: 11) . يُقَال: نَعَس يَنْعُس نُعَاساً فَهُوَ ناعس، وَبَعْضهمْ
(2/63)

يَقُول: نَعْسان. قَالَ الفرّاء: وَلَا أشتهيها يَعْنِي نعسان. وَقَالَ اللَّيْث: قَالُوا: رجل نعسان وَامْرَأَة نَعْسَى، حملُوا ذَلِك على وَسْنان ووَسْنَى، وَرُبمَا حملُوا الشَّيْء على نَظَائِره، وَأحسن مَا يكون ذَلِك فِي الشّعْر. قلت: وَحَقِيقَة النعاس: السِّنَة من غير نوم، كَمَا قَالَ ابْن الرِّقَاع:
وَسْنان أقصده النعاسُ فرنَّقت
فِي عينه سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائم
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: النَّعْس: لِين الرَّأْي والجسم وَضعفهمَا. قَالَ: ورَوَى عَمْرو عَن أَبِيه: أنعس الرجل إِذا جَاءَ ببنين كُسالى. وناقة نَعُوس: تُغمض عينيها عِنْد الْحَلب. ونَعَست السوقُ إِذا كَسَدت. وَالْكَلب يُوصف بِكَثْرَة النعاس. وَمن أمثالهم:
يَمْطُل مَطْلاً كنُعاس الْكَلْب

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الْفَاء)
(ع س ف)
عسف، عفس، سعف، سفع، فعس: مستعملات.
عسف: رُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه بعث سَرِيَّة فَنَهى عَن قتل العُسَفاء والوُصَفاء. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِن ابْني كَانَ عَسيفاً على رجل كَانَ مَعَه، وَإنَّهُ زنى بامرأته. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو وَغَيره: العُسَفاء: الأُجراء، وَالْوَاحد عَسِيف. وَقَوله: إِن ابْني كَانَ عَسِيفاً على هَذَا أَي كَانَ أَجِيرا. وَقَالَ ابْن السّكيت فِي العَسِيف مثلَه. وَقَالَ غَيرهم: العَسْف: ركُوب الْأَمر بِغَيْر رَوِيَّة وركوبُ الفلاة وقطعها على غير توخّي صَوْب وَلَا طَرِيق مسلوك. يُقَال: اعتسف الطَّرِيق اعتسافاً إِذا قطعه دون صَوْب توخّاه فَأَصَابَهُ. وَقَالَ شمر: العَسْف: السَّيْر على غير عَلَم وَلَا أثَر. وَمِنْه قيل: رجل عَسُوف إِذا لم يَقْصِد قَصْد الحقّ. وعَسَف الْمَفَازَة: قطعهَا بِلَا هِدَايَة وَلَا قصد. وتعسَّف فلَان فلَانا إِذا رَكبه بالظلم وَلم يُنْصِفه. وَرجل عَسُوف إِذا كَانَ ظلوماً. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: إِذا أشرف الْبَعِير على الْمَوْت من الغُدّة قيل: عَسَف يَعسِف، هُوَ بعير عاسف وناقة عاسف بِغَيْر هَاء. والعَسْف: أَن يتنفّس حَتَّى تَقْمُصَ حَنْجرته أَي تنتفخ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أعسَف الرجل إِذا أَخذ بعيرَه العَسْفُ وَهُوَ نَفَس الْمَوْت. قَالَ: وأعسف الرجل إِذا لزِم الشّرْب فِي العَسْف وَهُوَ القَدَح الْكَبِير. وأعسف إِذا أَخذ غُلَامه بِعَمَل شَدِيد، وأعسف إِذا سَار بِاللَّيْلِ خبط عشواء. وَأما قَول أبي وَجْزة السعديّ:
واستيقَنَت أَن الصليفَ منعَسفْ
هُوَ من عسف الحنجرة إِذا قمصت للْمَوْت. وعُسفان: مَنْهَلَة من مناهل الطَّرِيق بَين الجُحْفة ومَكّة.
عفس: أَبُو عبيد: عفست الرجل عَفْساً: إِذا سجنته. وَقَالَ الرياشي فِيمَا أفادني الْمُنْذِرِيّ لَهُ: العَفْس: الكَدّ والإتعاب. وَقَالَ شمر: العَفْس الإذالة والاستعمال. وَقَالَ العجّاج:
(2/64)

كَأَنَّهُ من طول جَذْع العَفْس
يُنحَت من أقطاره بفأس
وَقَالَ اللَّيْث: العَفْس: شدّة سَوْق الْإِبِل. وَأنْشد:
يَعفِسها السوَّاقُ كل مَعْفَس
قَالَ: الْإِنْسَان يَعفِسُ المرأةَ بِرجلِهِ إِذا ضربهَا على عَجِيزتها يعافسها وتعافسه. وَقَالَ غَيره: المعافسة: الممارسة: فلَان يعافس الْأُمُور أَي يمارسها ويعالجها. والعِفَاس: العِلاج. والعِفَاس: اسْم نَاقَة ذكرهَا الرَّاعِي فِي شعره فَقَالَ:
بمَحْنِية أشلى العِفَاس وبَرْوعا
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العِفَاس والمعافسة: المعالجة. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: عَفَسته وعكسته وعَتْرسته إِذا جذبته إِلَى الأَرْض فضغطته إِلَى الأَرْض ضغطاً شَدِيدا. قَالَ: وَقيل لأعرابيّ: إِنَّك لَا تحسن أكل الرَّأْس، فَقَالَ: أما وَالله إِنِّي لأعفس أُذُنَيْهِ، وأفكّ لَحْييه وأسْحَى خدَّيه وأرمي بالمخّ إِلَى من هُوَ أحْوج مني إِلَيْهِ. قلت: أجَاز ابْن الْأَعرَابِي الصَّاد وَالسِّين فِي هَذَا الْحَرْف. العِيَفْس: الغليظ. قَالَ حُمَيد الأرقط:
وَصَارَ ترجيم الظنون الحَدْس
وتَيَهان التائه العِيَفْس
وثوب معفَّس: صبور على البِذْلة، ومعفوس: خَلَق. وَقَالَ رؤبة:
بَدَّل ثوبَ الجِدَّة الملبوسا
والحُسْن مِنْهُ خَلَقاً معفوسا
والمَعْفِس: المفصِل. وَقَالَ الحميريّ:
فَلم يبْق إِلَّا مَعْفِس وعِجَانها
وشُنْتُرَة مِنْهَا وَإِحْدَى الذوائب
سفع: قَالَ الله جلّ وَعز: {ء (ِيَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} (العلق: 15، 16) قَالَ الْفراء: ناصيته: مقدّم رَأسه أَي لَنَهصِرنَّها ولنأخذنَّ بهَا أَي لنُقْمِئنَّه ولَنذِلَّنه. وَيُقَال: لنأخذَنَّ بالناصية إِلَى النَّار كَمَا قَالَ: {بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِى} (الرحمان: 41) قَالَ: وَيُقَال: معنى {لنسفعا: لنسوّدنْ وَجهه، فكفت الناصية لِأَنَّهَا فِي مقدَّم الْوَجْه قلت: أما من قَالَ: لنسفعاً بالناصية أَي لنأخذنه بهَا إِلَى النَّار فحجَّته قَوْله:
قوم إِذا فَزِعُوا الصَّرِيخ رَأَيْتهمْ
من بَين ملجم مُهره أَو سافع
أَرَادَ: وآخذٍ بناصيته. وَمن قَالَ: لنسفعاً أَي لنسوّدَنْ وَجهه فَمَعْنَاه: لنسِمَنّ مَوضِع الناصية بِالسَّوَادِ، اكتفَى بهَا من سَائِر الْوَجْه لِأَنَّهَا فِي مقدم الْوَجْه. والحُجَّة لَهُ قَوْله:
وكنتُ إِذا نَفْسُ الغَوِيّ نزتَ بِهِ
سفعت على العِرنين مِنْهُ بمِيسم
أَرَادَ: وسمته على عِرْنينه، وَهُوَ مثل قَوْله: {الاَْوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} (الْقَلَم: 16) . وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتي بصبيّ فَرَأى بِهِ سَفْعة من الشَّيْطَان فَقَالَ: (اسْتَرْقُوا لَهُ) . قَوْله: سَفْعة أَي ضَرْبَة مِنْهُ، يُقَال: سفعته أَي لطمته، والمسافعة: الْمُضَاربَة. وَمِنْه قَوْله الْأَعْشَى:
يسافع وَرْقاء جُونّية
ليدركها فِي حمام تُكَنْ
(2/65)

أَي يضارب. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: السُّفْعة والشُّفعة بِالسِّين والشين: الْجُنُون، وَرجل مسفوع ومشفوع أَي مَجْنُون. ورَوَى أَبُو عبيد عَن الأمويّ أَنه قَالَ: المسفوعة من النِّسَاء: الَّتِي أصابتها سَفْعة وَهِي الْعين. فَفِي الحَدِيث على هَذَا التَّفْسِير أَنه رأى بالصبيّ عَيْناً أَصَابَته من الشَّيْطَان فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالاسترقاء لَهُ. وَأَحْسبهُ أَرَادَ أَن يُقرأ عَلَيْهِ المعوِّذتان ويُنفَث فِيهِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه فِي قَوْله: رأى بِهِ سَفْعة. وأحسنها مَا قَالَه الأمويّ، وَالله أعلم. وَفِي حَدِيث آخر: (أَنا وسفعاء الخدَّين الحانيةُ على وَلَدهَا يَوْم الْقِيَامَة كهاتين) وضمّ إصبعيه، أَرَادَ بسفعاء الخدّين امْرَأَة سَوْدَاء عاطفة على وَلَدهَا. وَأَرَادَ بِالسَّوَادِ أَنَّهَا لَيست بكريمة وَلَا شريفة. وَإِذا قَالَت الْعَرَب: امْرَأَة بَيْضَاء فَهِيَ الشَّرِيفَة الْكَرِيمَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَ الأصمعيّ: الأسفع: الثور الوحشيّ الَّذِي فِي خدّيه سَواد يقرب إِلَى الْحمرَة قَلِيلا. قَالَ: وَيُقَال للأسفع: مُسَفَّع. وَقَالَ غَيره: يُقَال للحمامة المطوَّقة: سفعاء لسواد عِلاَطها فِي عُنُقهَا. وَمِنْه قَوْله:
من الوُرق سفعاء العِلاَطين باكرت
فروعَ أشَاءٍ مطلع الشَّمْس أسحما
وَقَالَ الآخر يصف ثوراً وحشياً شبَّه نَاقَته فِي السرعة بِهِ:
كَأَنَّهَا أسفع ذُو حِدَّة
يمسُده البقلُ وليل سَدِي
كَأَنَّمَا ينظر من برقع
من تَحت رَوْق سَلِب مِذْوَد
شبَّه السُّفْعة فِي وَجه الثور ببرقع أسود وَلَا تكون السفعة إِلَّا سواداً مشرباً وُرْقة. وَمِنْه قَول ذِي الرمَّة:
أَو دِمْنة نسفت عَنْهَا الصَّبَا سُفَعا
كَمَا تُنَشَّر بعد الطِيَّة الكُتُب
أَرَادَ: سَواد الدِمَن أَن الرّيح هبَّت بِهِ فنسفته وألبسته بياضَ الرمل، وَهُوَ قَوْله:
بِجَانِب الرزق أغشته معارفها
وَيُقَال للأثافي الَّتِي أوقد بَينهَا النَّار: سُفْع؛ لِأَن النَّار سوَّدت صفاحها الَّتِي تلِي النَّار. وَقَالَ زُهَيْر:
أثافيَّ سُفْعاً فِي معرَّس مِرْجل
وأمَّا قَول الطرمَّاح:
كَمَا بَلَّ مَتْنَيْ طُفْية نَضْحُ عائط
يُزيِّنها كِنٌّ لَهَا وسُفُوعُ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بالعائط: جَارِيَة لم تحمل، وسُفُوعها: ثِيَابهَا؛ يُقَال: استفعت الْمَرْأَة ثِيَابهَا إِذا لبِستها. وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الثِّيَاب المصبوغة. وَيُقَال: سفعته النَّار تسفَعه سَفْعاً إِذا لَفَحته لَفْحاً يَسِيرا فسوَّدت بَشَرته، وسفعته السَّمُوم إِذا لوَّحت بَشَرة الْوَجْه. والسوافع: لوافح السَّموم.
سعف: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: السُّعُوف: جِهاز العَروس، والعُسُوف: الأقداح الْكِبَار وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الخرَّاز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: كل شَيْء جاد وبَلَغ من عِلْق أَو مَمْلُوك أَو دَار ملكْتها فَهُوَ سَعَف. يُقَال للغلام: هَذَا سَعَف سَوْءٍ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: والسُّعُوف: طبائع النَّاس من الكَرَم وَغَيره
(2/66)

يُقَال: هُوَ طيّب السُّعُوف أَي الطبائع، لَا وَاحِد لَهَا. وَفُلَان مسعوف بحاجته أَي مُسْعَف. قَالَ الغنويِّ:
فَلَا أَنا مسعوف بِمَا أَنا طَالب
والسُّعَاف: شُقَاق فِي أَسْفَل الظُّفُر. وتسعف أَطْرَاف أَصَابِعه أَي تشقّقت وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يُقَال للضرائب: سُعُوف. قَالَ: وَلم أسمع لَهَا بِوَاحِد من لَفظهَا. قَالَ: والسَّعَف محرّك: جِهاز الْعَرُوس. الحرَّاني عَن ابْن السّكيت: السَّعَف: دَاء فِي أَفْوَاه الْإِبِل كالجَرَب، بعير أسعف، والسَّعَف: وَرَق جَرِيد النّخل الَّذِي يسَفَّ مِنْهُ الزُبْلان والجِلال والمراوح وَمَا أشبههَا. وَيجوز السعف. والواحدة سَعَفة. وَقَالَ اللَّيْث: أَكثر مَا يُقَال لَهُ السَّعَف إِذا يبس، وَإِذا كَانَت رَطْبة فَهِيَ الشَّطْبة. قلت: وَيُقَال للجَرِيد نَفسه سَعَف أَيْضا، وَوَاحِدَة الجريد جَرِيدة. وَتجمع السَّعَفة سَعَفاً وسَعَفات. الحرَّاني عَن ابْن السّكيت: يُقَال: فِي رَأسه سَعْفة سَاكِنة الْعين وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الرَّأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: السَعْفة يُقَال لَهَا: دَاء الثَّعْلَب، تورِث القَرَع، والثعالب يُصِيبهَا هَذَا الدَّاء، فَلذَلِك نُسب إِلَيْهَا. أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: سَعُفت يدُه وسَعِفت وَهُوَ التشعّث حول الْأَظْفَار والشُّقَاق. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد: نَاقَة سَعْفاء وَقد سَعِفت سَعَفاً، وَهُوَ داءٌ يتمعَّط مِنْهُ خُرطومها وَيسْقط مِنْهُ شعر الْعين قَالَ: وَهُوَ فِي النوق خاصَّة دون الذُّكُور. قَالَ: وَمثله فِي الْغنم الغَرَب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب (الْخَيل) : من شيات نواصي الْخَيل نَاصِيَة سعفاء وَفرس أسعف إِذا شابت ناصيته. قَالَ: وَذَلِكَ مَا دَامَ فِيهَا لون مُخَالف الْبيَاض. فَإِذا خلصت بَيَاضًا كلهَا فَهِيَ صبغاء.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: التسعيف فِي المِسْك: أَن يروِّح بأفاويه الطّيب ويُخلط بالأدهان الطيّبة. يُقَال: سعِّف لي دُهْني. وَيُقَال: أسعفتْ دَاره إسعافاً إِذا دَنَت: وكل شَيْء دنا فقد أسعف. وَمِنْه قَول الرَّاعِي:
وكائنْ ترى من مُسْعِف بمنيَّة
وَمَكَان مساعِف ومنزل مساعف أَي قريب. وَقَالَ اللَّيْث: الْإِسْعَاف قَضَاء الْحَاجة. والمساعفة: المواتاة على الْأَمر فِي حسن مصافاة ومعاونة. وَأنْشد:
إِذْ النَّاس نَاس والزمانُ بِغِرَّة
وَإِذ أُمُّ عمَّار صديق مساعِفُ
فعس: أهمل اللَّيْث هَذَا الْحَرْف. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْعَبَّاس أَن ابْن الْأَعرَابِي أنْشدهُ:
بِالْمَوْتِ مَا عَيَّرتِ يَا لَمِيس
قد يَهْلِك الأرقم والفاعوس
والأسد المذرَّع النَّهوسُ
والبَطَل المستلئم الجَئُوس
واللَّعْلع المهتَبِل العَسوس
والفِيل لَا يبْقى وَلَا الهِرميس
قَالَ: الجئوس: القتَّال. والفاعوس الأفعى. والمذرَّع: على ذراعه دم فرائسه.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للداهية من الرِّجَال: فاعوس، قَالَ: والهِرْمس: الكَرْكَدَنّ واللعلع: الذِّئْب. والفاعوسة:
(2/67)

فرج الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تتفاعس أَي تنفرج. قَالَ حُمَيد الأرقط يصف الكمرة:
كَأَنَّمَا ذُرَّ عَلَيْهَا الخَرْدَل
تبيت فاعوستها تَأكَّلُ
والفاعوس: الكمرة، والفُعُس: الحيَّات. والفاعوس: الوَعِل والكَرَّاز والفَدْم والمُلاعِب.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الْبَاء)
(ع س ب)
عسب، عبس، سبع، سعب: مستعملة.
عسب: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نَهَى عَن عَسْب الفَحْل. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأمَوِي: العَسْب: الكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ فِي ضِراب الْفَحْل، يُقَال مِنْهُ: عسبت الرجلَ أعسِبه عَسْباً إِذا أَعْطيته الكِرَاء على ذَلِك. قَالَ: وَقَالَ غَيره: العَسْب: هُوَ الضِرَاب نَفسه. وَقَالَ زُهَيْر:
وَلَوْلَا عَسْبه لتركتموه
وشرّ مَنِيحة أيْر مُعَارُ
قَالَ أَبُو عبيد: معنى العَسْب فِي الحَدِيث: الكِراء، وَالْأَصْل فِيهِ الضراب؛ وَالْعرب تسمّي الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه أَو من سبَبه، كَمَا قَالُوا للمزادة: راوية وَإِنَّمَا الراوية: الْبَعِير الَّذِي يُستقَى عَلَيْهِ. والعسيب: عسيب الذَّنَب وَهُوَ مستدَقُّه. والعَسِيب: جريد النّخل إِذا نحِّي عَنهُ خُوصه. وَيجمع عُسُباً وعُسْبَاناً. وعَسِيب: جبل بعالية نَجْد مَعْرُوف، يُقَال: لَا أفعل كَذَا مَا أَقَامَ عسيب. وَفِي حَدِيث عليّ أَنه ذكر فتْنَة فَقَالَ: (فَإِذا كَانَ ذَلِك ضَرَب يَعْسُوبُ الدِين بِذَنبِهِ فيجتمعون إِلَيْهِ كَمَا يجْتَمع قَزَع الخَرِيف) . قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ بقوله: يعسوب الدّين أَنه سيّد النَّاس فِي الدّين يَوْمئِذٍ. وَفِي حَدِيث آخر لعليّ أَنه مرّ بِعَبْد الرَّحْمَن بن عتَّاب بن أسِيد مقتولاً يَوْم الجَمَل، فَقَالَ: هَذَا يعسوب قُرَيْش، يُرِيد: سيّدها. قَالَ الْأَصْمَعِي: وأصل اليعسُوب: فَحْل النَّحْل وسيّدها، فشبَّهه فِي قُرَيْش بالفحل فِي النَّحْل. قَالَ أَبُو سعيد: معنى قَوْله: ضرب يعسوب الدّين بذَنَبه أَرَادَ بيعسوب الدّين ضعيفه ومحتقَره، وذليله، فَيَوْمئِذٍ يعظم شَأْنه حتّى يصير غير اليعسوب. قَالَ: وضَرْبه بِذَنبِهِ: أَن يغرِزه فِي الأَرْض إِذا باض كَمَا تَسْرأ الْجَرَاد. فَمَعْنَاه: أَن الْقَائِم يَوْمئِذٍ يثبت حَتَّى يثوب النَّاس إِلَيْهِ وَحَتَّى يظْهر الدّين ويفشو. قَالَ: وَقَول عليّ فِي عبد الرَّحْمَن بن أسِيد على التحقير لَهُ والوضع من قدره، لَا على التفخيم لأَمره. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَالْقَوْل مَا قَالَه الأصمعيّ لَا مَا قَالَه أَبُو سعيد فِي اليعسوب. قلت: وروى شمر الحَدِيث الأول: ضرب يعسوب الدّين بذَنبه فَمَا زَاد فِي تَفْسِيره على مَا قَالَ أَبُو عبيد شَيْئا. قلت: وَمعنى قَوْله: ضرب يعسوبُ الدّين بذنبَه أَي فَارق الْفِتْنَة وَأَهْلهَا فِي أهل دينه. وذَنَبه: أَتْبَاعه الَّذين يتّبعونه على رَأْيه ويَجْتَبُون مَا اجتباه من اعتزال الفِتن. وَمعنى قَوْله: ضَرَب أَي ذهب فِي الأَرْض مُسَافِرًا ومجاهداً، يُقَال: ضرب فِي الأَرْض مُسَافِرًا وَضرب فلَان الْغَائِط إِذا أبعد فِيهَا للتغوّط. وَقَوله: بذَنَبه أَي
(2/68)

فِي ذَنَبه وَأَتْبَاعه، وَأقَام الْبَاء مُقَام فِي أَو مقَام مَعَ، وكلُّ ذَلِك من كَلَام الْعَرَب. ورَوَى ابْن الْأَعرَابِي عَن المفضّل أَنه أنْشدهُ:
وَمَا خير عَيْش لَا يزَال كَأَنَّهُ
مَحَلَّة يعسوبٍ بِرَأْس سِنان
قَالَ: وَمَعْنَاهُ: أَن الرئيس إِذا قُتل جُعل رأسُه على سِنَان، فَمَعْنَاه أَن الْعَيْش إِذا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ الْمَوْت. وَقَالَ شمر: قَالَ ابْن شُميل: عَسْب الْفَحْل: ضِرَابه. يُقَال: إِنَّه لشديد العَسْب. وَيُقَال للْوَلَد: عَسْب. وَقَالَ كثيّر يصف خيلاً أسقطت أَوْلَادهَا:
يغادرن عَسْب الوالقيّ وناصح
تخُصّ بِهِ أُمُّ الطَّرِيق عيالَها
فالعَسْب: الْوَلَد وَيُقَال: مَاء الْفَحْل. وَالْعرب تَقول: استعسب فلَان استعساب الْكَلْب وَذَلِكَ إِذا مَا هاج واغتلم. وكلب مُسْتَعْسِب. وَقَالَ اللَّيْث: اليعسوب: دَائِرَة عِنْد مَرْكَض الْفَارِس حَيْثُ يركُض بِرجلِهِ من جَنب الْفرس. قلت: وَهَذَا غلط، اليعسوب عِنْد أبي عُبَيْدَة وَغَيره: خطّ من بَيَاض الغُرَّة ينحدر حَتَّى يمسّ خَطْم الدابَّة ثمَّ يَنْقَطِع. وَقد قَالَه ابْن شُمَيْل. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: اليعسوب أَيْضا: طَائِر أَصْغَر من الجرادة طَوِيل الذَنَب. وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ طَائِر أعظم من الجرادة. وَالْقَوْل مَا قَالَ الأصمعيّ.
عبس: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نظر إِلَى نَعَم بني المُصْطَلِق وَقد عَبِست فِي أبوالها وأبعارها فتقنَّع بِثَوْبِهِ وَقَرَأَ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} (طاه: 131) قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: قد عَبِست فِي أبوالها يَعْنِي: أَن تجفَّ أبوالُها وأبعارها على أفخاذها، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون من كَثْرَة الشَّحْم، وَذَلِكَ العَبَسُ. وَأنْشد لجرير يصف راعية:
ترى العَبَس الحَوْليّ جَوْناً بكُوعها
لَهَا مَسَكاً من غير عاج وَلَا ذَبْل
وَنَحْو ذَلِك قَالَ اللَّيْث فِي العَبَس. قَالَ: وَهُوَ الوَذَح أَيْضا. وَيُقَال للرجل إِذا قطَّب مَا بَين عَيْنَيْهِ: عَبَس يَعْبِس عبُوساً فَهُوَ عَابس، وعبّس تعبيساً إِذا كرَّه وجهَهُ. فَإِن كَشَر عَن أَسْنَانه مَعَ عبوسِه فَهُوَ كالح. وعَبْس: قَبيلَة من قَيس عَيْلان، وَهِي إِحْدَى الجَمَرات. وعُبَيس: اسْم. وعبّاس: اسْم. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: العبّاس: الأسَد الَّذِي تَهْرُبُ مِنْهُ الأُسْد، وَبِه سمّي الرجل عبّاساً. وَقَالَ أَبُو تُرَاب: يُقَال: هُوَ جِبْس عِبْس لِبْس إتباع، وَيَوْم عَبُوس: شَدِيد.
سبع: السَبْع من الْعدَد مَعْرُوف. تَقول: سبع نسْوَة وَسَبْعَة رجال. وَالسَّبْعُونَ مَعْرُوف، وَهُوَ العِقْد الَّذِي بَين الستّين والثمانين. وَفِي الحَدِيث: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (للبِكر سَبْع وللثيِّب ثَلَاث) . وَمَعْنَاهُ: أَن الرجل يكون لَهُ امْرَأَة فيتزوّج أُخْرَى، فَإِن كَانَت بِكراً أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعاً لَا يحسبها فِي القَسْم بَينهمَا؛ وَإِن كَانَت ثيّباً أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا غير محسوبة فِي القَسْم. وَقد سبَّع الرجلُ عِنْد امْرَأَته إِذا أَقَامَ عِنْدهَا سبع لَيَال. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمّ سَلَمة حِين تزوّجها وَكَانَت ثيّباً: (إِن شئتِ سبَّعت
(2/69)

عنْدك ثمَّ سبَّعت عِنْد سَائِر نسَائِي، وَإِن شِئْت ثلثت ثمَّ دُرْت) ، أَي لَا أحتسِب الثَّلَاث عَلَيْك. وَيُقَال: سبَّع فلَان الْقُرْآن إِذا وظَّف عَلَيْهِ قِرَاءَته فِي سبع لَيَال. وَفِي الحَدِيث: سبَّعت سُلَيم يَوْم الْفَتْح أَي تمَّت سَبْعمِائة رجل. وَقَالَ اللَّيْث: الأُسبوع من الطّواف سَبْعَة أطواف، وَيجمع على أسبوعات. قَالَ: والأيّام الَّتِي يَدُور عَلَيْهَا الزَّمَان فِي كل سَبْعَة مِنْهَا جُمُعَة تسمَّى الأُسبوع وَتجمع أسابيع، وَمن الْعَرَب من يَقُول سُبُوع فِي الْأَيَّام وَالطّواف بِلَا ألف، مَأْخُوذَة من عدد السَّبع. وَالْكَلَام الفصيح: الأُسْبوع، أَبُو عبيد عَن أبي زيد: السَبِيع بِمَعْنى السُبُع كالثَمين بِمَعْنى الثُمن، وَقَالَ شمر: لم أسمع سَبيعاً لغيره. وَفِي الحَدِيث: (أَن ذئباً اخْتَطَف شَاة من غنم فانتزعها الرَّاعِي مِنْهُ فَقَالَ الذِّئْب: مَن لَهَا يَوْم السَبْع) ؟ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السَّبع: الْموضع الَّذِي إِلَيْهِ يكون المحشَر يَوْم الْقِيَامَة، أَرَادَ: من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ: إِحْدَى من سَبْع. قَالَ شمر: يَقُول إِذا اشتدّ فِيهَا الفُتْيا قَالَ: يجوز أَن يكون اللَّيَالِي السَّبع الَّتِي أرسل الله الْعَذَاب فِيهَا على عَاد، ضربهَا مثلا للمسألة إِذا أشكلت. قَالَ: وَخلق الله السَّمَوَات سبعا وَالْأَرضين سبعا وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن السِبَاع قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السِباع: الفِخار كَأَنَّهُ نهَى عَن الْمُفَاخَرَة بِكَثْرَة الْجِمَاع.
وَحكى أَبُو عَمْرو عَن أَعْرَابِي أعطَاهُ رجل درهما فَقَالَ: سبَّع الله لَهُ الْأجر، قَالَ: أَرَادَ: التَّضْعِيف، وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : سبّع الله لفُلَان تسبيعاً وتبَّع لَهُ تَتْبيعاً أَي تَابع لَهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، وَهِي دَعْوَة تكون فِي الْخَيْر وَالشَّر، وَالْعرب تصنع التسبيع مَوضِع التَّضْعِيف وَإِن جَاوز السَّبع، وَالْأَصْل فِيهِ قَول الله جلّ وَعز: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ} (الْبَقَرَة: 261) ثمَّ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة) . قلت: وأُرَى قَول الله جَلّ ثَنَاؤُهُ لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (التَّوْبَة: 80) من بَاب التكثير والتضعيف لَا من بَاب حَصْر العَدَد، وَلم يُرد الله جلّ ثَنَاؤُهُ أنهج إِن زَاد على السّبْعين غَفَر لَهُم، وَلَكِن الْمَعْنى: إِن استكثرتَ من الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار لِلْمُنَافِقين لم يغْفر الله لَهُم. وأمَّا قَول الفرزدق:
وَكَيف أَخَاف النَّاس وَالله قَابض
على النَّاس والسَبْعَين فِي رَاحَة الْيَد
فَإِنَّهُ أَرَادَ بالسبعَين: سبع سموات وَسبع أَرضين. وَيُقَال: أَقمت عِنْده سَبْعين أَي جمعتين وأسبوعين.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: المُسْبَع: المهمَل. وَهُوَ فِي قَول أبي ذُؤَيْب:
صخِب الشواربَ لَا يزَال كَأَنَّهُ
عبد لآل أبي ربيعَة مُسْبَعُ
ورَوَى شمر عَن النَّضر بن شُمَيْل أَنه قَالَ: المُسْبَع: الَّذِي يُنْسَب إِلَى أَربع أمَّهات كلُّهن أمَة. وَقَالَ بَعضهم: إِلَى سبع أمَّهات. قَالَ: وَيُقَال أَيْضا: المُسْبع:
(2/70)

التابعة. يُقَال: الَّذِي يُولد لسبعة أشهر فَلم تُنْضجه الرحِم وَلم تتمَّ شهوره.
وَقَالَ العجّاج:
إِن تميماً لم يراضع مُسْبَعا
قَالَ النَّضر: ربّ غُلَام قد رَأَيْته يراضِع. قَالَ: والمراضعة: أَن يرضع أمّه وَفِي بَطنهَا ولد.
وروى أَبُو سعيد الضَّرِير قَول أبي ذُؤَيْب:
عبد لآل أبي ربيعَة مسبع
بِكَسْر الْبَاء وَزعم أَن مَعْنَاهُ: أَنه قد وَقع السبَاع فِي مَاشِيَته فَهُوَ يَصِيح ويصرخ، وَيُقَال: سبَّعت الشَّيْء إِذا صيَّرته سَبْعَة، فَإِذا أردْت أَنَّك صيَّرته سبعين قلت: كمَّلته سبعين، وَلَا يجوز مَا قَالَ بعض المولَّدين: سبعنته وَلَا قَوْلهم: سبعنَتْ دراهمي أَي كَمُلتْ سبعين. وَقَوْلهمْ: أخذت مِنْهُ مئة دِرْهَم وزنا وزنَ سَبْعَة الْمَعْنى فِيهِ: أَن كل عشرَة مِنْهَا تزن سَبْعَة مَثَاقِيل وَلذَلِك نصب وزنا.
والسُبُع يَقع على مَاله نَاب من السِباع ويَعْدُو على النَّاس والدوابّ فيفترسها؛ مثل الأسَد وَالذِّئْب والنَّمِر والفَهْد وَمَا أشبههَا.
والثعلب وَإِن كَانَ لَهُ نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ بسَبُع لِأَنَّهُ لَا يعدو على صغَار الْمَوَاشِي وَلَا ينيّب فِي شَيْء من الْحَيَوَان.
وَكَذَلِكَ الضَبُع لَا يعدّ من السبَاع العادِية، وَلذَلِك وَردت السنَّة بِإِبَاحَة لَحمهَا وبأنها تُجزَى إِذا أُصِيبَت فِي الحَرَم أَو أَصَابَهَا الْمحرم.
وَأما الوَعْوع وَهُوَ ابْن آوى فَهُوَ سَبُع خَبِيث ولحمه حرَام لِأَنَّهُ من جنس الذئاب إِلَّا أَنه أَصْغَر جِرْماً وأضعف بَدَناً. وَيُقَال: سبَع فلَان فلَانا إِذا قَصَبه واقترضه أَي عابه واغتابه. وَسبع فلَانا إِذا عضَّه بسنّه.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب السائرة قَوْلهم: أَخذه أَخذ سَبْعة. قَالَ ابْن السّكيت: إِنَّمَا أَصْلهَا سَبُعَة فخُفّفتْ. قَالَ: واللَبُؤة زَعَمُوا أنزقُ من الأسَد، قَالَ وَقَالَ ابْن الكلبيّ هُوَ سَبْعة بن عَوْف بن ثَعْلَبَة بن سَلامَان من طيّىء، وَكَانَ رجلا شَدِيدا.
وَقَالَ ابْن المظفّر: أَرَادوا بقَوْلهمْ: لأعملنّ بفلان عمل سَبْعة: الْمُبَالغَة وبلوغَ الْغَايَة. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: أَرَادوا: عمل سَبْعَة رجال. وأرضٌ مَسْبَعَة: كَثِيرَة السِباع: وَيُقَال: سَبَعْتُ الْقَوْم أسْبَعُهم إِذا أخذت سُبُعَ أَمْوَالهم. وَكَذَلِكَ سَبَعْتُهُم أسْبَعُهم إِذا كنت سَابِعَهُم. وَفِي أظمَاء الْإِبِل السِّبْعُ، وَذَلِكَ إِذا أَقَامَت فِي مراعيها خَمْسَة أَيَّام كواملَ، ووردت الْيَوْم السَّادِس، وَلَا يُحسب يومُ الصَدَر. وسَبُعَتْ الوحشيّةُ فَهِيَ مسبوعة إِذا أكل السَبُع وَلَدهَا.
قَالَ أَبُو بكر فِي قَوْلهم: فلَان يَسْبَع فلَانا قَولَانِ. أَحدهمَا: يرميه بالْقَوْل الْقَبِيح من قَوْلهم: سبعت الذِّئْب إِذا رميته. قَالَ: ويدلّك على ذَلِك حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى عَن السّبَاع وَهُوَ أَن يتسابّ الرّجلَانِ فَيَرْمِي كلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه بِمَا يسوءه من القَذْع. وَقيل: هُوَ إِظْهَار الرَفَث والمفاخرة بِالْجِمَاعِ، وَالْإِعْرَاب بِمَا يُكنَى عَنهُ من أَمر النِّسَاء.
(2/71)

قَالَ والسَبُعَان: موضعٌ معروفٌ فِي ديار قَيس. وَلَا يعرف من كَلَامهم اسْم على فَعُلاَن غَيره.
وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: السُبَاعِيُّ من الجِمال: الْعَظِيم الطَّوِيل. قَالَ والرُباعيّ من الْجمال، مثل السُبَاعِي على طوله. قَالَ: وناقة سُبَاعِيَّة ورباعيّة. وَقَالَ غَيره: ثوبٌ سُبَاعِي إِذا كَانَ طوله سَبْع أَذْرع أَو سَبْعَة أشبار؛ لِأَن الشِبْر مذكّر، والذراع مُؤَنّثَة. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: سَبَعْتُه إِذا وَقعت فِيهِ، وأسْبَعْتُه إِذا أطعمته السِباع.
وَقَالَ ابْن السّكيت: أسْبَعَ الرَّاعِي إِذا وَقع فِي مَاشِيَته السِبَاع. وسَبَعَ الذئبُ الشاةَ إِذا فرسها. وسَبَعَ فلَان فلَانا إِذا وَقع فِيهِ، وأسْبَعَ عَبْدُه إِذا أهمله.
سعب: أهمل اللَّيْث هَذَا الْحَرْف، وَهُوَ مُسْتَعْمل. يُقَال: انسعب الماءُ، وانْثَعَبَ إِذا سَالَ، وفُوه يَجْرِي سَعَابِيبَ وثعابيبَ إِذا سَالَ مَرْغُه أَي لُعَابه. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: السَعَابيب الَّتِي تمتد شِبه الخيوط من العَسَل والخِطْمِيّ وَنَحْوه. وَقَالَ ابْن مقبل:
يَعْلُون بالمردقوش الوَرد ضاحيةً
على سعابيب مَاء الضَّالة اللجِنِ
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: السعابيب مَا اتَّبع يدَك من اللَّبن عِنْد الحَلَب مثل النخاعة يتمطط والواحدة سُعْبوبة. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : فلَان مُسَعَّبٌ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ومُسَغَّبٌ، ومُسَوَّعٌ لَهُ كَذَا، ومُسَوَّغٌ ومُزَغَّبٌ، كل ذَلِك بِمَعْنى واحدٍ.

(بَاب الْعين وَالسِّين مَعَ الْمِيم)
(ع س م)
عسم، عمس، سمع، سعم، معس، مسع: (مستعملات) .
عسم: قَالَ النَضْر: يُقَال: مَا عَسَمْتُ بِمثلِهِ أَي مَا بَلِلْت بِمثلِهِ.
وَيُقَال: مَا عَسَمت هَذَا الثَّوْب أَي لم أجْهده وَلم أنهكه. قَالَ: وَذكر أَعْرَابِي أمَة فَقَالَ: هِيَ لَنَا وكلُّ ضَرْبَة لَهَا من عَسَمة قَالَ: العَسَمة: النَسْل. أَبُو عبيد عَن الفرّاء: عَسَمْتُ أعْسِمُ أَي كَسَبْتُ، وأعْسَمْتُ أَي أَعْطَيْت.
وَقَالَ شمر فِي قَول الراجز:
بِئْر عَضُوض لَيْسَ فِيهَا مَعْسَمُ
أَي لَيْسَ فِيهَا مَطْمَع. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَسَمُ: انتشار رُسْغ الْيَد من الْإِنْسَان. وَقَالَ أَيْضا: العَسَمُ: يُبْسُ الرُسْغ.
وَقَالَ اللَّيْث: العَسَمُ: يُبْسٌ فِي المِرْفَق تعوجّ مِنْهُ الْيَد. يُقَال: عَسِمَ الرجل عَسَماً فَهُوَ أعْسَم، وَالْمَرْأَة عَسْمَاء. قَالَ والعُسُومُ: كِسَر الْخبز الْيَابِس.
وَأنْشد قَول أُميَّة بن أبي الصَلْت فِي نعت أهل الْجنَّة:
وَلَا يتنازعون عِنَان شِرْك
وَلَا أقواتُ أهلهم العُسُومُ
وَقَالَ يُونُس أَيْضا فِي العُسُوم: إِنَّهَا كِسر الْخبز الْيَابِس. وَقَوله:
كالبحر لَا يَعْسِمُ فِيهِ عَاسِمُ
(2/72)

أَي لَا يطْمع فِيهِ طامع أَن يغالبه. وَالرجل يَعْسِمُ فِي جمَاعَة النَّاس فِي الْحَرْب، أَي يركب رَأسه وَيَرْمِي بِنَفسِهِ وَسطهمْ غير مكترِث. يُقَال عَسَمَ بِنَفسِهِ إِذا اقتحم. وَقَالَ غَيره: عَسَمَت العَيْنُ تَعْسِمُ فَهِيَ عَاسِمة إِذا غمَّضت، وَقَالَ غَيره: عَسَمَتْ إِذا ذَرَفَت، رَوَاهُ الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة.
وَقَالَ ذُو الرُمّة:
ونِقْضٍ كرِئْمِ الرملِ نَاجٍ زَجَرته
إِذا الْعين كَادَت من كَرَى اللَّيْل تعْسِمُ
قيل: تَعْسِمُ تغمّض، وَقيل: تَذْرِف.
وَقَالَ الآخر:
كِلنا عَلَيْهَا بالقَفِيز الْأَعْظَم
تِسْعِين كُرًّا كلُّه لم يُعْسَم
أَي لم يُطَفَّفْ وَلم يُنقصْ.
وَقَالَ المفضّل: يُقَال لِلْإِبِلِ وَالْغنم وَالنَّاس إِذا جُهِدُوا: عَسَمَهُمْ شِدّة الزَّمَان. قَالَ والعَسْمُ الانتقاص. وحمارٌ أعْسَمُ: دَقِيق القوائم. وَمَا فِي قِدْحِه مَعْسَم أَي مَغْمز. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: العَسْمِيُّ: الكَسُوبُ على عِيَاله. والعَسْمِيُّ المُخَاتِل. والعَسْمِيُّ المصلح لأموره، وَهُوَ المعوجّ أَيْضا. قَالَ والعُسُمُ: الكادّون على العِيال، واحدهم عَسُومٌ وعَاسِمٌ. قَالَ والعَسُومُ: النَّاقة الْكَثِيرَة الْأَوْلَاد.
عمس: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: العَمُوسُ: الَّذِي يَتَعَسَّفُ الْأَشْيَاء كالجاهل. وَمِنْه قيل: فلَان يَتَعَامس أَي يتغافل. قلت: وَمن قَالَ: يتغامس بالغين فَهُوَ مخطىء.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يومٌ عَمَاسٌ مثل قَتَامٍ شَدِيد.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يومٌ عَمَاسٌ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَى من أَيْن يُؤْتى لَهُ. قَالَ: وَمِنْه قيل: أَتَانَا بِأُمُور مُعَمِّسَاتٍ ومُعَمَّسَاتٍ بِنصب الْمِيم وجرها أَي مُلَوَّيَاتٍ.
وَقَالَ اللَّيْث: جمع عَمَاسٍ عُمْسٌ؛ وَأنْشد للعجّاج:
ونزلوا بالسهل بعد الشأس
ومَرَّ أيامٍ مَضَين عُمْسِ
وَأسد عَمَاس: شَدِيد. وَقَالَ:
قبيِّلتان كالحذف المندّى
أطافٍ بَين ذوليد عَمَاسُ
وَقد عَمُسَ يومُنا عَمَاسَةً وعُمُوسةً. وَيُقَال: عَمَّسْت عليَّ الأمرَ أَي لبَّسته. وعَامَسْتُ فلَانا مُعَامَسَةً إِذا ساترته وَلم تجاهره بالعداوة. وَامْرَأَة مُعَامِسَةٌ: تتستَّر فِي شَبِيبتها وَلَا تتهتّك وَقَالَ الرَّاعِي:
إِن الْحَلَال وخَنْزَراً وَلَدَتْهُمَا
أُمٌّ مُعَامِسَةٌ على الأطهارِ
أَي تَأتي مَا لَا خير فِيهِ غير معالِنة بِهِ. وَقَالَ أَبُو ترابٍ: قَالَ خَليفَة الْحُصَينيّ: يُقَال تَعَامَسْتُ عَن الْأَمر وتَعَامَشْتُ وتَعَامَيْتُ بِمَعْنى واحدٍ. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: العَمِيسُ الْأَمر المغطَّى. وَقَالَ الفرّاء: المُعَامَسَةُ السِّرَار. وَفِي (النَّوَادِر) حَلفَ فلَان على العُمَيْسِيَّة، وعَلى الغُمَيْسِيَّة، أَي على يَمِين غير حقّ.
سعم: أَبُو عبيد: السَعْمُ من سير الْإِبِل. وَقد سَعَمَ البعيرُ يَسْعَمُ سَعْماً. وناقةٌ سَعُومٌ
(2/73)

وجَمَلٌ سَعُوم. وَقَالَ اللَّيْث: السَعْمُ: سرعَة السّير والتمادي فِيهِ. وَأنْشد:
سَعْمُ المَهَارَى والسُرَى دواؤُهُ
سمع: أَبُو زيد: يُقَال لسمع الْأذن: المِسْمَع وَهُوَ الخَرْق الَّذِي يُسمَع بِهِ. وَقد يُقَال لجَمِيع خُرُوق الْإِنْسَان. عَيْنَيْهِ ومَنْخِريه وإسته: مَسَامع، لَا يفرد وَاحِدهَا. الحرّاني عَن ابْن السّكيت: السَمْع سِمْع الْإِنْسَان وَغَيره. وَيُقَال: قد ذهب سِمْعُ فلَان فِي النَّاس وصِيتُه أَي ذِكْره. قَالَ: والسِمْعُ أَيْضا: ولد الذِّئْب من الضَبُع. وَيُقَال: سِمْع أزَلّ. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء: يُقَال: اللَّهُمَّ سِمْعٌ لَا بِلْغٌ وسَمْعٌ لَا بَلْغٌ وسَمْعاً لَا بَلْغاً وسِمْعاً لَا بِلْغاً مَعْنَاهُ: يُسْمَعُ وَلَا يَبْلغُ. قَالَ وَقَالَ الْكسَائي: إِذا سمع الرجل الْخَبَر لَا يُعجبهُ قَالَ: سِمْعٌ لَا بِلْغٌ وسَمْعٌ لَا بَلْغٌ أَي أسْمَعُ بالدواهي وَلَا تَبْلغني. اللَّيْث: السَمْع: الأُذُن وَهِي المِسْمَعَةُ. قَالَ: والمِسْمَعُ: خَرْقها. والسِمْعُ: مَا وَقَر فِيهَا من شَيْء تسمعه. وَيُقَال أَسَاءَ سَمْعاً فأساء جَابَة أَي لم يسمع حَسَناً. قَالَ وَتقول الْعَرَب: سَمِعَتْ أُذُنِي زيدا يفعل كَذَا أَي أبصرْتُه بعيني يفعل ذَاك. قلت: لَا أَدْرِي من أَيْن جَاءَ اللَّيْث بِهَذَا الْحَرْف، وَلَيْسَ من مَذَاهِب الْعَرَب أَن يَقُول الرجل: سَمِعَتْ أُذُنِي بِمَعْنى أبصرتْ عَيْني وَهُوَ عِنْدِي كَلَام فَاسد، وَلَا آمن أَن يكون ممّا ولّده أهل البِدَع والأهواء وَكَأَنَّهُ من كَلَام الجَهْميَّة وَقَالَ اللَّيْث: السّمَاعُ: اسْم مَا استلذَّت الأذنُ من صوتٍ حسنٍ. والسَمَاعُ أَيْضا مَا سَمِعْتَ بِهِ فشاع وتُكُلِّمَ بِهِ. والسَامِعَتَان: الأذنان من كل ذِي سَمْعٍ، وَمِنْه قَوْله:
وَسَامِعَتَانِ تعرف العِتْق فيهمَا
كَسَامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَلِ مُفْرَدِ
والسَمِيعُ من صِفَات الله وأسمائه. وَهُوَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ كلّ شَيْء؛ كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {} (المجادلة: 1) وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ} (الزخرف: 80) قلت: والعَجَب من قوم فسَّروا السَمِيع بِمَعْنى المُسْمِع، فِرَارًا من وصف الله بِأَن لَهُ سَمْعاً. وَقد ذكر الله الْفِعْل فِي غير مَوضِع من كِتَابه. فَهُوَ سَمِيعٌ: ذُو سَمْعٍ بِلَا تكييف وَلَا تَشْبِيه بالسميع من خَلْقه، وَلَا سَمْعُه كسمع خَلْقه، وَنحن نَصِفُهُ بِمَا وصف بِهِ نَفسه بِلَا تَحْدِيد وَلَا تكييف. وَلست أنكر فِي كَلَام الْعَرَب أَن يكون السَّمِيعُ سَامِعاً، وَيكون مُسمِعاً. وَقد قَالَ عَمْرو بن مَعْدِي كَرِبَ:
أمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيعُ
يؤرِّقني وأصحابي هجوعُ
وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت بِمَعْنى المُسْمِع، وَهُوَ شاذّ؛ وَالظَّاهِر الْأَكْثَر من كَلَام الْعَرَب أَن يكون السَّمِيع بِمَعْنى السَّامع، مثل عليم وعالم وقدير وقادر. ورجلٌ سَمَّاعٌ إِذا كَانَ كثير الِاسْتِمَاع لما يُقَال ويُنْطَق بِهِ. قَالَ الله جلّ وعزّ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} (الْمَائِدَة: 42) وفُسِّرَ قَوْله: سَمَّاعُونَ للكذب على وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَنهم يسمعُونَ لكَي يكذبوا فِيمَا سمعُوا.
(2/74)

وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنهم يسمعُونَ الْكَذِب ليُشيعوه فِي النَّاس وَالله أعلم بِمَا أَرَادَهُ. عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: من أَسمَاء الْقَيْد المُسْمِعُ. وَأنْشد:
وَلِي مُسْمِعَانِ وَزَمَّارَةٌ
وظلٌّ ظليلٌ وحصْنٌ أَمَقْ
أَرَادَ بالزمّارة: السّاجور. وَكتب الحجّاج إِلَى عَامل لَهُ: أَن ابعثْ إليّ فلَانا مُسَمَّعاً مُزَمَّراً أَي مَقيَّداً مُسَوْجَراً. وَقَالَ الزجّاج: المِسْمَعَانِ جَانِبا الغَرْب. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المِسْمَعُ العُرْوة الَّتِي تكون فِي وسط المزادة. ووسط الغَرْب ليعتدل. أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر قَالَ: المِسْمَعَانِ: الخشبتان اللَّتَان تُدْخَلان فِي عُرْوتي الزَبِيل إِذا أخْرج بِهِ التُّرَاب من الْبِئْر، يُقَال مِنْهُ: أسمَعتُ الزَبِيل. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن أبي نصر عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: المِسْمَعُ عُرْوة فِي دَاخل الدَّلْو بإزائها عُرْوَة أُخْرَى، فَإِذا استَثقل الصبيُّ أَو الشَّيْخ أَن يَسْتَقِي بهَا جمعُوا بَين العُرْوتين وشدّوهما لتخفّ. وَأنْشد:
سألتُ زيدا بعد بَكْرٍ خُفَّا
والدَلْوُ قد تُسْمَعُ كَيْ تَخِفَّا
قَالَ: سَأَلَهُ بَكْراً من الْإِبِل فَلم يُعْطه، فَسَأَلَهُ خُفًّا أَي جَمَلاً مُسِنًّا. وَقَالَ آخر:
ونَعْدِلُ ذَا المَيْلِ إنْ رَامَنَا
كَمَا عُدِلَ الغَرْبُ بالمِسْمَعِ
وَسمعت بعض الْعَرَب يَقُول للرجلين اللَّذين ينزِعان المِشْئاة من الْبِئْر بترابها عِنْد احتفارها، أسْمِعَا المِشْئاة أَي أبيناها عَن جُول الرَكِيَّة وفمها. وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (الْبَقَرَة: 7) فَمَعْنَى خَتَمَ: طَبَعَ على قُلُوبهم بكفرهم، وهم كَانُوا يسمعُونَ ويبصرون، وَلَكنهُمْ لم يستعملوا هَذِه الحواسّ اسْتِعْمَالا يُجدي عَلَيْهِم؛ فصاروا كمن لم يسمع وَلم يبصر وَلم يعقل؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ
وَأما قَوْله: على سمعهم فَالْمُرَاد مِنْهُ على أسماعهم. وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا: أَن السّمع بِمَعْنى الْمصدر، والمصدر يوحّد يُرَاد بِهِ الْجَمِيع. وَالثَّانِي أَن يكون الْمَعْنى على مَوَاضِع سمعهم، فحذفت الْمَوَاضِع كَمَا تَقول: هم عَدْلٌ أَي ذَوُو عَدْلٍ. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن يكون إِضَافَته السّمع إِلَيْهِم دَالا على أسماعهم؛ كَمَا قَالَ:
فِي حَلْقكم عَظْم وَقد شَجِينا
مَعْنَاهُ: فِي حلوقكم. وَمثله كثير فِي كَلَام الْعَرَب. ورُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من سَمَّعَ النَّاس بِعَمَلِهِ سَمَّعَ الله بِهِ سَامِعُ خَلْقِه وحقّره وصغّره) . وَرَوَاهُ بَعضهم: أسَامِعَ خَلْقِه. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: يُقَال سَمَّعْتَ بِالرجلِ تسميعاً إِذا ندَّدت بِهِ وشهَّرته وفضحته. قَالَ: ومَن روى سامعُ خَلْقِه فَهُوَ مَرْفُوع أَرَادَ: سَمَّعَ الله سامعُ خلقه بِهِ أَي فضحه. وَمن رَوَاهُ أسَامِع خلقه فَهُوَ مَنْصُوب، وأسَامِع جمع أسْمُع وَهُوَ جمع السَمْع، ثمَّ أسَامِعُ جمع الأَسْمُع. يُرِيد إِن الله ليسمع أسماع خلقه بِهَذَا الرجل يَوْم الْقِيَامَة. والسُمْعَةُ: مَا
(2/75)

سَمَّعْتَ بِهِ من طَعَام أَو غَيره رِيَاء. وسَمَّعْت بفلان فِي النَّاس إِذا نوَّهتَ بِذكرِهِ. وحدّثنا أَبُو الْقَاسِم بن مَنيع قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن مَيْمُون قَالَ: حدّثنا سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن حَرْب عَن سَلمة بن كُهَيل عَن جُنْدُب البَجَليّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من سمَّع يسمّع الله بِهِ، وَمن يُراء يراءِ الله بِهِ) . زَاد هَذَا الْجُنَيْد عَن سُفْيَان بِإِسْنَادِهِ. أَبُو عبيد عَن أبي زيد فِي الْمُؤلف: شتَّرت بِهِ تشتيراً بِالتَّاءِ وندَّدت بِهِ وسمَّعت بِهِ وهجَّلت بِهِ إِذا أسمعته الْقَبِيح وشتمته. قَالَ الْأَزْهَرِي: من التسميع بِمَعْنى الشتم وإسماع الْقَبِيح قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من سمَّع يُسمِّع الله بِهِ) أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي أَو الْأمَوِي: السّمَعْمَعُ: الصغيرُ الرَّأْس. ورَوَى شمر عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَن عَوَانَة حَدَّثه أَن الْمُغيرَة سَأَلَ ابْن لِسَان الحُمَّرة عَن النِّسَاء، فَقَالَ: النِّسَاء أَربع: فربيع مُرْبِع. وجَميعٌ تَجمع. وشيطانٌ سَمَعْمَع. ويروى سُمَّعَ، وغُلٌّ لَا يُخْلَع. قَالَ: فَسِّرْ. قَالَ: الرّبيع المُرْبِعُ: الشابَّة الجميلة، الَّتِي إِذا نظرْت إِلَيْهَا سرّتك، وَإِذا أَقْسَمت عَلَيْهَا أبَرّتك. وأمَّا الْجَمِيع الَّتِي تَجمع فالمرأة تَزَوَّجُها وَلَك نَشَبٌ وَلها نَشَبٌ فتجمع ذَلِك. وأمَّا الشَّيْطَان السَمَعْمَع فَهِيَ الكالحة فِي وَجهك إِذا دَخَلْتَ، المولولِة فِي أثرك إِذا خرجتَ. قَالَ شمر: وَقَالَ بَعضهم امْرَأَة سَمَعْمَعَة كَأَنَّهَا غُول. قَالَ: والشيطان الْخَبيث يُقَال لَهُ سَمَعْمَع. قَالَ: وَأما الغُلّ الَّذِي لَا يُخْلع فبنت عمك القصيرة الفوهاء، الدَمِيمة السَّوْدَاء، الَّتِي قد نَثَرتْ لَك ذَا بطنِها. فَإِن طلّقتها ضَاعَ ولدك، وَإِن أمسكْتها أمسكْتها على مثل جَدْع أَنْفك. وَقَالَ اللَّيْث: السَمَعْمَع من الرِّجَال: المنكمش الْمَاضِي. قَالَ: وغُولٌ سَمَعْمَعٌ وَامْرَأَة سَمَعْمَعةٌ كَأَنَّهَا غولٌ أَو ذئبةٌ. والمِسْمَعان الأذنان، يُقَال: إِنَّه لطويل المِسْمَعَين. وَقَالَ اللَّيْث: السميعان من أدوات الحرّاثين: عودان طويلان فِي المِقْرَن الَّذِي يُقْرن بِهِ الثَوْران لحراثة الأَرْض. وَقَالَ أَبُو عبيد عَن أبي زيد: امرأةٌ سُمْعُنَّة نُظْرُنَّة، وَهِي الَّتِي إِذا سَمِعتْ أَو تبصّرتْ فَلم تَرَ شَيْئا تظنَّتْ تَظَنِّياً أَي عمِلتْ بظنّ. قَالَ وَقَالَ الْأَحْمَر أَو غَيره: سِمْعَنَّةٌ نِظْرَنَّةٌ. وَأنْشد:
إنَّ لنا لكَنَّهْ مِعَنَّة
مِفَنَّهْ سِمْعَنَّةً نِظْرَنَّهْ
إلاَّ ترهْ تَظُنَّهْ
كالذئب وَسْطَ العُنَّهْ
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال فعلتُ ذَلِك تَسْمِعَتَكَ وتَسْمِعَةً لَك أَي لِتَسْمَعَهُ. وَفِي حَدِيث قَيْلَة أَن أُخْتهَا قَالَت: الويلُ لأختي، لَا تخبرها بِكَذَا فتخرجَ بَين سمع الأَرْض وبصرها. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال خرج فلَان بَين سَمْعِ الأَرْض وبصرها إِذا لم يَدْرِ أَيْن يتوجَّه. وَقَالَ أَبُو عبيد: معنى قَوْلهَا: تخرج أُخْتِي مَعَه بَين سمع الأَرْض وبصرها: أَن الرجل يَخْلُو بهَا لَيْسَ مَعهَا أحد يسمع كَلَامهَا أَو يبصرها إلاّ الأَرْض القَفْر، لَيْسَ أَن الأَرْض لَهَا سَمْع وَلكنهَا وَكّدت الشناعة فِي خلوتها بِالرجلِ الَّذِي صحبها. وَقيل مَعْنَاهُ: أَن تخرج بَين سَمْع أهل الأَرْض
(2/76)

وأبصارهم، فحذفت الْأَهْل كَقَوْل الله جلّ وعزّ: {وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ} (يُوسُف: 82) أَي أَهلهَا.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال لقِيته يمشي بَين سَمْع الأَرْض وبصرها أَي بأرضٍ خلاءٍ مَا بهَا أحد. قلت: وَهَذَا يقرب من قَول أبي عبيد، وَهُوَ صَحِيح. وَقَالَ بَعضهم: غولٌ سُمَّعٌ: خَفِيف الرَّأْس. وَأنْشد شمر الْبَيْت:
فَلَيْسَتْ بِإِنْسَان فينفعَ عقلُه
وَلكنهَا غولٌ من الجنّ سُمَّعُ
والسَمَعْمَع والسَمْسَام من الرِّجَال: الدَّقِيق الطَّوِيل. وامرأةٌ سَمَعْمَعة سَمْسامة. وَأنْشد غَيره:
وَيْلٌ لأجمال الْعَجُوز مِنِّي
إِذا دنوتُ ودَنَوْنَ مِنِّي
كأنني سَمَعْمَع من جِنّ
وأمّ السَمْعِ وأمّ السَّمِيعِ: الدِّمَاغ. قَالَ:
نَقَبْنَ الحَرّة السَّوْدَاء عَنْهُم
كنقب الرَّأْس عَن أُمّ السَمِيعِ
ويُقال فِي التَّشْبِيه: هُوَ أَسْمَعُ من الْفرس والقُرَاد وفرخ العُقاب والقُنْفُذ.
معس: أهمله اللَّيْث. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّ على أَسمَاء بنت عُمَيس وَهِي تَمعَسُ إهاباً لَهَا. تَمْعَسُ أَي تَدْبُغ. وأصل المَعسْ: الدَّلْك للجِلْد بعد إِدْخَاله فِي الدِبَاغ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: قَالَ الْأَصْمَعِي: بعثت امْرَأَة من الْعَرَب بِنْتا لَهَا إِلَى جارتها: أَن ابعثي إِلَيّ بنَفْسٍ أَو نَفْسَيْنِ من الدّباغ أمعَسُ بِهِ مَنِيئتي فَإِنِّي أفِدَةٌ. والمَنِيئَة المَدْبغة. والنَفْسُ: قَدْر مَا يُدْبَغ بِهِ من ورق القَرَظ أَو الأرْطَى. وأنشدني الْمُنْذِرِيّ وَذكر أَن الْعَبَّاس أخبرهُ عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه أنْشدهُ:
يُخْرِجُ بَين الناب والضُرُوس
حمراءَ كالمنيئة المَعُوسِ
أَرَادَ: شِقْشِقة حَمْرَاء، شبّهها بالمنيئة المحرّكة فِي الدّباغ.
وَقَالَ آخر:
وصاحبٍ يَمْتَعِسُ امْتِعَاساً
والمَعْسُ: النِّكَاح، وَأَصله الدَّلْك: قَالَ الراجز:
فشِمْتُ فِيهَا كعمود الحِبْسِ
أمْعَسُهَا يَا صاحِ أيّ مَعْسِ
وَالرجل يَمْتَعِسُ أَي يمكّن استه من الأَرْض ويُحرّكها عَلَيْهِ.
مسع: أهمله اللَّيْث. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المَسْعِيُّ من الرِّجَال: الْكثير السيرِ القويّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيد قَالَ الأصمعيّ: يُقَال للشمَال: نِسْع ومِسْعٌ.

(أَبْوَاب الْعين وَالزَّاي)
ع ز ط
اسْتعْمل من وجوهها: (طزع) .
طزع: يُقَال: رجلٌ طَزِعٌ وطَزِيعٌ وطَسِعٌ وطَسِيعٌ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا غَيْرة لَهُ وَقد طَزِع طَزَعَاً.
ع ز د
أهملت وجوهه.
(2/77)

دعز عزد: وَذكر ابْن دُرَيْد حرفين: دعز، عزد. قَالَ: الدَعْز: الدّفع يُقَال دَعَزَ الْمَرْأَة إِذا جَامعهَا.
وَقَالَ غَيره مَعَه: العَزْد والعَصْد الْجِمَاع. وَقد عَزَدَهَا عَزْداً إِذا جَامعهَا.
ع ز ت ع ز ظ، ع ز ذ، ع ز ث.
أهملت (وجوهها) .

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ الرَّاء)
(ع ز ر)
عزّر، عرز، زرع، زعر: مستعملة.
ر عز، ر ز ع: مهملان.
عزّر: قَالَ الله جلّ وَعز: {وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ} (الْفَتْح: 9) وَقَالَ: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} (الْمَائِدَة: 12) جَاءَ فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى: (لتعزروه) : أَي لتنصروه بِالسَّيْفِ. ومَن نصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد نصر الله تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} (الْمَائِدَة: 12) قَالَ: عظَّمتموهم. وَقَالَ غَيره: {عزرتموهم: نصرتموهم.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن السّرِيّ: وَهَذَا هُوَ الْحق وَالله أعلم. وَذَلِكَ أَن العَزْر فِي اللُّغَة: الردّ وَتَأْويل عزَّرْت فلَانا أَي أدَّبته إِنَّمَا تَأْوِيله: فعَلتُ بِهِ مَا يَرْدَعه عَن الْقَبِيح؛ كَمَا أَن نكَّلت بِهِ تَأْوِيله: فعَلت بِهِ مَا يجب أَن يَنْكُل مَعَه عَن المعاودة. فَتَأْوِيل عزَّرتموهم نصرتموهم، بِأَن تردّوا عَنْهُم أعداءهم. وَلَو كَانَ التَّعْزِير هُوَ التوقير لَكَانَ الأجود فِي اللُّغَة الِاسْتِغْنَاء بِهِ. والنُصْرة إِذا وَجَبت فالتعظيم دَاخل فِيهَا؛ لِأَن نُصْرة الْأَنْبِيَاء هِيَ المدافعة عَنْهُم، والذبّ عَن دينهم وتعظيمهم وتوقيرهم.
قَالَ: وَيجوز: تَعْزُرُوه من عَزَرته عَزْراً بِمَعْنى عَزَّرْته تعزيراً. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَزْرُ: النصرُ بِالسَّيْفِ. والعَزْرُ: التَّأْدِيب دون الحَدّ. والعَزْرُ: المنعُ والعَزْرُ: التَّوْقِيف على بَاب الدّين. قلت: وَحَدِيث سَعْدٍ يدلُ على أَن التَّعْزِير هُوَ التَّوْقِيف على الدّين؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لقد رَأَيْتنِي مَعَ رَسُول الله وَمَا لنا طَعَام إِلَّا الحُبْلَة وورق السَمُر، ثمَّ أصبحتْ بَنو أَسد تعزّرني على الْإِسْلَام، لقد ضللتُ إِذا وخاب عَمَلي. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي أَيْضا: التَّعْزِير فِي كَلَام الْعَرَب: التوقير. وَالتَّعْزِير: النَّصْر بِاللِّسَانِ وَالسيف. وَالتَّعْزِير: التَّوْقِيف على الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام. وَقَالَ أَبُو عبيد: أصل التَّعْزِير التَّأْدِيب. وَلِهَذَا يُسمى الضَّرْب دون الحَدّ تعزيراً، إِنَّمَا هُوَ أدبٌ. قَالَ: وَيكون التَّعْزِير فِي مَوضِع آخر: تعظيمَك الرجل وتبجيلَه: وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: معنى قَول سعدٍ: أصبحتْ بَنو أسدٍ تعزرني على الْإِسْلَام أَي توقِّفني عَلَيْهِ. قلت وأصل العَزْر الردّ وَالْمَنْع. وَقَالَ اللَّيْث: العَزِيرُ بلغَة أهل السوَاد هُوَ ثمن الكَلأ والجميع العزائر. يَقُولُونَ: هَل أخذت عَزِير هَذَا الحَصِيد؟ أَي هَل أخذت ثمن مراعيها؛ لأَنهم إِذا حصدوا باعوا مراعيها. وعُزَير: اسْم نبيّ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ العَزْوَرَة والحَزْوَرَةُ والسَرْوَعَة والقائدة:
(2/78)

الأكمة. أَبُو عَمْرو: مَحَالة عَيْزَارَة: شَدِيدَة الْأسر. وَقد عَيْزَرَهَا صَاحبهَا. وَأنْشد:
فابْتَغِ ذَات عَجَل عَيَازِرَا
صَرَّافَةَ الصَّوْت دَمُوكا عَاقِرَا
والعَزَوَّرُ: السّيء الخُلُق عَن أبي عَمْرو. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَيْزَارُ الغُلاَم الْخَفِيف الرّوح النشيط. وَهُوَ اللَقْنُ الثَقْفُ وَهُوَ الريشة، والمماحل والمماني. عَزْوَرُ: مَوضِع قريب من مكَّة. قَالَ ابْن هَرْمَة:
وَلم ننس أظعاناً عَرَضْن عَشِيَّة
طوالع من هَرْشَى قواصد عَزْوَرَا
والعَيَازِرُ: بقايا الشّجر الَّذِي أُخذت أعاليه بِالْقطعِ وَالْأكل.
عرز: أَبُو عبيد عَن أبي زيد: المُعارَزة: المعاندة والمجانبة وَأنْشد للشمّاخ:
وكلُّ خَلِيل غيرِها ضم نفسِه
لوصل خَلِيل صارِمٌ أَو مُعَارِزُ
شمر: المُعَازِرُ: المُعَاتِبُ وَقَالَ اللَّيْث: العَارزُ: العاتبُ. قَالَ: والعَرَز والواحدة عَرَزة وَهِي شَجَرَة من أصاغر الثُمَام وأدقّ شَجَره، لَهُ ورق صغَار متفرِّقة. وَمَا كَانَ من شجر الثُمَام من ضَرْبه فَهُوَ ذُو أمَاصِيخ، يمصوخةٌ فِي جَوف أمصوخة، تنقلع الْعليا من السُّفْلى انقلاع العِفَاص من رَأس المُكْحُلة. وَقَالَ غَيره: العَرْز: الانقباض، وَقد اسْتَعْرزَ الشيءُ أَي انقبض وَاجْتمعَ. وَيُقَال: عَرَزت لفُلَان عرزاً، وَهُوَ أَن تقبِض على شَيْء فِي كفّك وتضم عَلَيْهِ أصابعك وتُرِي مِنْهُ شَيْئا صاحبَك لينْظر إِلَيْهِ وَلَا تريه كُله. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) أعرزتني من كَذَا أَي أعوزْتني مِنْهُ. وروى أَبُو تُرَاب للخليل قَالَ: التعريز كالتعريض فِي الْخُصُومَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العُرَّازُ المغتابون للنَّاس. قَالَ: والعَرَز: شجر الثُمام.
زرع: اللَّيْث: الزَرْع: نَبَات كل شَيْء يُحْرَث. وَالله يَزْرعه أَي يُنَمِّيه حَتَّى يبلغ غَايَته. وَيُقَال للصبيّ: زرعه الله أَي أَنْبَتَهُ. والمُزْدَرِع: الَّذِي يزدرِع زَرْعاً يتخصَّص بِهِ لنَفسِهِ والمُزْدَرَعُ مَوضِع الزِّرَاعَة. وَقَالَ الشَّاعِر:
واطلبْ لنا مِنْهُمُ نخلا ومُزْدَرَعاً
كَمَا لجيراننا نَخْلٌ ومُزْدَرَعٌ
مُفْتَعَلٌ من الزَّرْع. ومَنِيُّ الرجل: زَرْعُهُ.
وَقَالَ النَّضر: الزِرِّيعُ: مَا ينْبت فِي الأَرْض المستحيلة، مِمَّا يَتَنَاثَر فِيهَا أَيَّام الْحَصاد من الحَبِّ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الزَرَّاعُ: النمّام الَّذِي يَزْرع الأحقادَ فِي قُلُوب الأحِبَّاء. أزْرعَ الزرعُ: أحصد. وَلَا ينزرع أَي لَا ينْبت. وكل بَذْر أردْت زرعه فَهُوَ زُرْعَة. والزَرّاعات: مَوَاضِع الزَّرْع كالمَلاّحات مَوَاضِع المِلْح. قَالَ جرير:
فقَلَّ غَنَاءٌ عَنْك فِي حَرْب جعفرٍ
تُغَنِّيك زَرَّاعَاتُهَا وقصُورهَا
والمَزْرَعَةُ المَزْرَعَة. وزُرِعَ لفُلَان بعد
(2/79)

شقاوة أَي أصَاب مَالا بعد حَاجَة. وتَزَرَّعَ إِلَى الشَّيْء: تسرع. وَيُقَال للكلاب: أَوْلَاد زارِع. قَالَ:
وَأخرج مِنْهُ الله أَوْلَاد زارع
مُوَلَّعة أكنافها وجُنُوبها
والمَزْروعان من بني كَعْب بن سعد لَقَبان لَا إسمان.
زعر: اللَّيْث: الزَعَر فِي شَعر الرَّأْس وَفِي ريش الطَّائِر: قلّةٌ ورِقَّة وتفرّق. وَذَلِكَ إِذا ذهبت أصولُ الشَعر وَبَقِي شكيره. وَقَالَ: ذُو الرمة يصف الظليم:
كَأَنَّهُ خَاضِبٌ زُعْرٌ قوادمه
أجْنَى لَهُ باللِوَى آءٌ وتَنَوُّمُ
وَقد زَعِرَ رَأسه يَزْعَرُ زَعَراً. أَبُو عبيد: فِي خُلُقه زَعَارَّةٌ بتَشْديد الرَّاء مثل حَمارة الصَّيف أَي شَرَاسة وَسُوء خُلُق وَرُبمَا قَالُوا: هُوَ زَعِرَ الْخُلُق. وَمِنْهُم من يخفِّف فَيَقُول فِي خُلُقه زَعَارَة، وَهِي لُغَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الزَعَر: قِلَّة الشَعَر. وَمِنْه قيل للأحداث: زُعْرَان. وَقَالَ ابْن شُمَيل: الزُعْرُورُ: شَجَرَة الدُبّ. وَقَالَ غَيره الزعرور ثَمَر شجر، مِنْهُ أحمرُ وأصفر، لَهُ نوى صُلْبٌ مستدير. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الفُلْك: الزُعْرور. رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه.

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ اللَّام)
(ع ز ل)
عزل، علز، زلع، زعل، لعز:} مستعملة.
عزل: العَزْل: عَزْل الرجل الماءَ عَن جَارِيَته إِذا جَامعهَا لئلاَّ تحمل. وَفِي حَدِيث أبي سعيد الخُدْرِيّ أَنه قَالَ: بَينا أَنا جَالس عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّا نصيب سَبْياً فَنحب الْأَثْمَان، فَكيف ترى فِي العَزْل؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا عَلَيْكُم ألاّ تَفعلُوا ذَلِك فَإِنَّهَا مَا من نَسَمة كتب الله أَن تخرج إِلَّا وَهِي خَارِجَة) وَفِي حَدِيث آخر: (مَا عَلَيْكُم ألاَّ تَفعلُوا) . قلت من رَوَاهُ (لَا عَلَيْكُم أَلا تَفعلُوا) فَمَعْنَاه عِنْد النَّحْوِيين: لَا بَأْس عَلَيْكُم أَلا تَفعلُوا، حذف مِنْهُ (بَأْس) لمعْرِفَة الْمُخَاطب بِهِ. وَمن رَوَاهُ (مَا عَلَيْكُم أَلا تَفعلُوا) فَمَعْنَاه أَي شَيْء عَلَيْكُم أَلا تَفعلُوا، كَأَنَّهُ كرِه لَهُم العَزْل وَلم يحرِّمه. قلت وَفِي قَوْله: (نُصِيبُ سَبْياً فنحبّ الْأَثْمَان فَكيف ترى فِي الْعَزْل) كالدلالة على أَن أمّ الوَلَد لَا تبَاع. وَيُقَال: اعزِلْ عَنْك مَا يَشِينك أَي نَحِّه عَنْك. وكنتُ بمَعْزِلٍ من كَذَا وَكَذَا أَي كنت بِموضع عُزْلةٍ مِنْهُ وكنتُ فِي نَاحيَة مِنْهُ. واعتزلت الْقَوْم أَي فَارَقْتهمْ وتنحَّيت عَنْهُم. وقومٌ من القَدَريَّة يلقَّبون المعتزِلة، زَعَمُوا أَنهم اعتزلوا فئتي الضَّلَالَة عِنْدهم، يعنون أهلَ السّنة والجماعةِ والخوارجَ الَّذين يستعرِضون النَّاس قتلا. والعَزَلُ فِي ذنَب الدابّة: أَن يَعزِل ذَنَبَه فِي أحد الْجَانِبَيْنِ، وَذَلِكَ عادةٌ لَا خِلْقة. وفرسٌ أعزلُ الذَنَب إِذا كَانَ كَذَلِك. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْض لَيْسَ بأَعْزَلِ
وَقَالَ النَّضر: الكشَفُ أَن ترى ذَنَبَه زائلاً عَن دُبُره. وَهُوَ العَزَل.
(2/80)

وَقَالَ اللَّيْث: الأعزل من الدَّوَابّ: الَّذِي يمِيل بذَنَبه عَن دُبُره. والأعزل من الرِّجَال: الَّذِي لَا سلَاح مَعَه. وَأنْشد أَبُو عبيد:
وَأرى الْمَدِينَة حِين كنت أميرها
أمِنَ البريء بهَا ونام الأعْزَلُ
وَفِي نُجُوم السَّمَاء سِمَاكَانِ: أَحدهمَا السِمَاك الأعزل، وَالْآخر السماك الرامح. فأمَّا الأعزل فَهُوَ من منَازِل القَمَر، ينزل الْقَمَر وَهُوَ شآمٍ وسُمّي أعزل لِأَنَّهُ لَا شَيْء بَين يَدَيْهِ من الْكَوَاكِب؛ كالأعزل الَّذِي لَا سلَاح مَعَه. وَيُقَال: سُمِّي أعزل لِأَنَّهُ إِذا طلع لَا يكون فِي أَيَّامه ريحٌ وَلَا بَرْدٌ. وَقَالَ أوْس بن حَجَر:
كأنّ قُرُون الشَّمْس عِنْد ارتفاعها
وَقد صادفتْ قَرْناً من النَّجْم أعْزَلاَ
تردَّد فِيهِ ضوؤها وشعاعها
فاحْصِنْ وأزْيِنْ لامرىءٍ إِن تَسَرْبَلاَ
أَرَادَ إِن تسربل بهَا، يصف الدرْع أَنَّك إِذا نظرت إِلَيْهَا وَجدتهَا صَافِيَة برّاقةً، كأنّ شُعَاع الشَّمْس وَقع عَلَيْهَا فِي أَيَّام طُلُوع الأعزل والهواءُ صافٍ. وَقَوله: تردَّد فِيهِ يَعْنِي فِي الدرْع فذكّره للَّفظ، وَالْغَالِب عَلَيْهَا التَّأْنِيث. وَقَالَ الطرِمَّاح:
محاهُنّ صَيّبُ نَوْء الرّبيع
من الأنجم العُزْلِ والرامحهْ
وعَزْلاء المزادة: مَصَبّ الماءِ مِنْهَا فِي أَسْفَلهَا حَيْثُ يُستفرغ مَا فِيهَا من المَاء، وَجَمعهَا العَزَالِي؛ سمّيت عزلاء لِأَنَّهَا فِي أحد خُصْمَيِ المزادة لَا فِي وَسطهَا، وَلَا هِيَ كفمها الَّذِي مِنْهُ يُسْقَى فِيهَا، وَيُقَال للسحابة إِذا انهمرت بالمطر الْجَوْد: قد حَلَّتْ عَزَالِيهَا، وَأرْسلت عَزَالِيهَا. والمِعْزَالُ من النَّاس: الَّذِي لَا ينزل مَعَ الْقَوْم فِي السَفَر، وَلَكِن ينزل وَحده. وَهُوَ ذمّ عِنْد الْعَرَب بِهَذَا الْمَعْنى. وَيكون المِعْزَال: الَّذِي يستبِدّ بِرَأْيهِ فِي رَعْي أُنُف الكَلأ، ويتّبع مساقط الْغَيْث، ويَعْزُبُ فِيهَا، فَيُقَال لَهُ: مِعْزَابه ومِعْزال. وَمِنْه قَوْله:
وتلوى بلَبُون المِعْزَابَة المِعْزَالِ
وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بذمّ عِنْدهم لِأَن هَذَا من فعل الشجعان وَذَوي الْبَأْس والنَجْدة من الرِّجَال. وَيجمع الأعزل من الرِّجَال الَّذِي لَا سلَاح مَعَه: عزلاً وأعْزَالاً. وَمِنْه قَول الفِنْد الزِمّاني واسْمه شَهْل:
رَأَيْت الْفتية الأعْزَا
ل مثل الأيْنُق الرُعْلِ
فَجمع الأعزل على أعزال، وَكَأَنَّهُ جَمْع العُزُلِ. وَقد جَاءَ فِي الشِعر: عُزَّلاً. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى:
غير مِيل وَلَا عواوير فِي الهي
جا وَلَا عُزَّلٍ وَلَا أكْفَالِ
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: الأعزال جمع العُزُل على فُعُل كَمَا يُقَال: جُنُب وأجناب ومياه أسدام جمع سُدُم.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الأعزل من اللَّحْم يكون نصيبَ الرجل الْغَائِب. وَالْجمع عُزْلٌ. قَالَ: والأعزل من الرمال: مَا انْعَزل عَنْهَا أَي انْقَطع.
(2/81)

وَيُقَال لسائق الْحمار: اقْرع عَزَلَ حِمَارك أَي مؤخِّره. والعَزَلَة: الحَرْقَفة. والأعزل: النَّاقِص إِحْدَى الحَرْقَفتين. وَأنْشد:
قد أعجلت ساقتها قرع العَزَلْ
أَبُو دَاوُد عَن ابْن شُمَيْل: مرّ قَتَادَة بِعَمْرو ابْن عبيد فَقَالَ: مَا هَذِه المُعْتَزِلَةُ: فسُمُّوا الْمُعْتَزلَة. وَهُوَ عَمْرو بن عبيد بن بَاب. وَفِيه يَقُول الْقَائِل:
بَرِئتُ من الْخَوَارِج لستُ منْهم
من العُزَّالِ مِنْهُم وَابْن بَاب
وعازلة: اسْم ضَيْعة كَانَت لأبي نُخَيلة الْحِمَّاني. وَهُوَ الْقَائِل فِيهَا:
عازلة عَن كل خير تُعْزَل
يابسة بطحاؤها تُفَلْفِلُ
للجنّ بَين قارَتَيْها أفكل
أقبل بِالْخَيرِ عَلَيْهَا مقبلُ
ومقبل: اسْم جبل بِأَعْلَى عازلة.
علز: قَالَ اللَّيْث: العَلَزُ: شِبه رِعْدة تَأْخُذ الْمَرِيض والحريص على الشَّيْء. تَقول: مَالِي أَرَاك عَلِزاً. وَأنْشد:
عَلَزَان الأسِير شُدَّ صِفَادا
قلت: وَالَّذِي ينزل بِهِ الْمَوْت يُوصف بالعَلَز، وَهُوَ سِيَاقه نفسَه. يُقَال: هُوَ فِي عَلَز الْمَوْت.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عَلِزَ الرجل يَعْلَزُ عَلَزاً إِذا غَرِضَ. قلت: معنى قَوْله: غَرِضَ هَهُنَا أَي قَلِق.
أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: العِلَّوص والعِلَّوز جَمِيعًا: الوجع الَّذِي يُقَال لَهُ اللَوَى. وعَالِز: اسْم مَوضِع وَيُقَال للبظْر إِذا غَلُظَ: عِلْوَذّ وعِلْوَدّ. والعِلْوَز: الْجُنُون. وأعلزني أَي أعوزني.
زلع: فِي الحَدِيث أَن المُحْرِم إِذا تزلّعَتْ رجلُه فَلهُ أَن يَدْهُنها. تزلّعَتْ أَي تشقّقت. قَالَ ذَلِك أَبُو عبيد وَغَيره.
وَقَالَ اللَّيْث: الزُّلُوع: شُقُوق تكون فِي ظهر الْقدَم وباطنِه، يُقَال زَلَعَتْ رِجْلُهُ وقدمُهُ. قَالَ: والزَلْعُ استلابٌ فِي خَتْل؛ تَقول زَلَعْتُهُ وازدلعته. وَقَالَ الْمفضل: ازدلع فلَان حَقِّي إِذا اقتطعته. وَقَالَ: ازْدَلَعْتُ الشَّجَرَة إِذا قطعتها. وَهُوَ افتعال من الزَلْع. وَالدَّال فِي ازدلعت كَانَت فِي الأَصْل تَاء.
وَقَالَ اللَّيْث: أزْلَعْتُ فلَانا فِي كَذَا أَي أطْعَمْتُهُ.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الزَيْلَعُ خَرَز مَعْرُوف. قَالَ: وزَيْلَعُ: مَوضِع. وَقَالَ زَلِعَتْ جراحته إِذا فسدتْ.
وَقَالَ النَّضر: الزُلُوع والسُلوع: صُدوع فِي الْجَبَل فِي عُرْضه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: زَلَعْتُ رِجْله بالنَّار أزْلَعُهَا.
المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: زلعته وسلقته ودثثته وعصوته وهروته وفأوته بِمَعْنى وَاحِد رجل أزلع: قصير الشفتين فِي اسْتِحَالَة عَن وضَح الْفَم. وَامْرَأَة زَلْعاء وَلْعاء: وَاسِعَة الْفرج) .
زعل: أَبُو عبيد: الزَعَل: النشاط. وَقَالَ اللَّيْث الزَعِلُ النشيط الأشِر. وحِمَار زَعِل. وَقد أزْعَلَهُ الرِعْيُ. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
(2/82)

أكل الْجمِيم وطاوعَتْهُ سَمْحَجٌ
مثلُ الْقَنَاة وأزْعَلَتْهَا الأَمْرُعُ
وَقَالَ أَبُو زيد: الزَعَلُ والعَلَزُ: التضوُّر. وَقَالَ اللَّيْث: الزَعْلة من الْحَوَامِل: الَّتِي تَلد سنة وَلَا تَلد سنة، كَذَلِك تكون مَا عاشت.
لعز: اللَّيْث: لَعَز فلَان جَارِيَته يَلْعَزُهَا إِذا جَامعهَا. قَالَ: وَهُوَ من كَلَام أهل الْعرَاق. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اللعْز: كِنَايَة عَن النِّكَاح، بَات يَلْعَزها. قَالَ: وَفِي لُغَة قوم من الْعَرَب لَعَزَت الناقةُ فصيلها إِذا لَطِعته بلسانها.

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ النُّون)
(ع ز ن)
عنز، نزع، عزن. (مستعملة) .
عزن: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: أعزن الرجل إِذا قَاسم نصِيبه فَأخذ هَذَا نصِيبه وَهَذَا نصِيبه. قلت: وَكَأن النُّون مبدلة من اللَّام فِي هَذَا الْحَرْف.
عنز: أَبُو عبيد: العَنَزَة: قَدْرُ نصف الرُمْح أَو أكبر شَيْئا وفيهَا زُجٌ كزُجّ الرمْح. وَقَالَ اللَّيْث: العَنَزَة والجميع العَنَزُ يكون بالبادية، دقيقُ الخَطْم. وَهُوَ من السِبَاع يَأْخُذ الْبَعِير من قِبَل دُبُره، وقلّما يُرَى. ويزعمون أَنه شَيْطَان. قلت: العَنَزة عِنْد الْعَرَب من جنس الذئاب، وَهِي مَعْرُوفَة، وَرَأَيْت بالصَمَّان نَاقَة مُخِرَتْ من قِبَل ذَنبها لَيْلًا: فَأَصْبَحت وَهِي ممخورة قد أكلت العَنَزَة من عجزها طَائِفَة والناقة حَيّة، فَقَالَ راعي الْإِبِل وَكَانَ نُمَيريًّا فصيحاً طرقها العَنَزَةُ فمخرهَا والمَخْرُ: الشق وقلَّما تظهر العَنَزَة لخُبْثها. وَمن أَمْثَال الْعَرَب الْمَعْرُوفَة: ركبتْ عَنْز بِحِدْج جملا. وفيهَا يَقُول الشَّاعِر:
شَرَّ يوميها وأغواه لَهَا
ركِبتْ عنزٌ بحِدْج جَمَلاَ
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله أَن امْرَأَة من طَسْم يُقَال لَهَا عَنْزٌ، أُخِذَتْ سَبِيّة فحملوها فِي هودج وألطفوها بالْقَوْل وَالْفِعْل. فَعِنْدَ ذَلِك قَالَت: شرَّ يَوْمَيْهَا وأغواه لَهَا. تَقول شرُّ أيامي حِين صرت أُكرَم للسِبَاء، يضْرب مثلا فِي إِظْهَار البِرّ بِاللِّسَانِ والفعلِ لمن يُرَاد بِهِ الغوائل. وعُنَيْزَة من أَسمَاء النِّسَاء تَصْغِير عَنَزَة أَو عَنْزَةٍ. وقبيلةٌ من الْعَرَب ينْسب إِلَيْهَا فَيُقَال: فلَان العَنَزِي. والقبيلة اسْمهَا عَنَزَة، والعَنْزُ الْأُنْثَى من المِعْزَى. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
أَبُهَيُّ إنّ العَنْز تمنع رَبهَا
مِن أَن يُبَيِّتَ جَاره بالحَائِلِ
أَرَادَ يَا بُهَيَّة فرخّم. وَالْمعْنَى: أَن العَنْز يتبّلغ أَهلهَا بلبنها فتكفيهم الغارةَ على مَال الْجَار المستجير بأصحابها. وحَائل: أَرض بِعَينهَا أَدخل عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام للضَّرُورَة. وَقَالَ اللَّيْث: وَكَذَلِكَ العَنْز من الأوعال والظباء. قَالَ: والعنْزُ: ضربٌ من السّمك يُقَال لَهُ: عَنْز المَاء. قلت: وسألني أعرابيّ عَن قَول رؤبة:
وأرَمٍ أعيسُ فَوق عَنْزِ
فَلم أعرفهُ. فَقَالَ: العَنْز القارة السَّوْدَاء. والأرَم: عَلَم يبْنى فَوْقهَا. وَجعله أعيس لِأَنَّهُ بُني من حِجَارَة بيض ليَكُون أظهر لمن
(2/83)

يُرِيد الاهتداء بِهِ على الطَّرِيق فِي الفلاة. وعُنَيْزَة: مَوضِع فِي الْبَادِيَة معروفٌ، وَقَالَ اللَّيْث: العَنْز فِي قَول رؤبة، صَخْرَة تكون فِي المَاء، وَالَّذِي قَالَه الأعرابيّ أصحّ. وَقَالَ اللَّيْث: العَنْز من الأَرْض: مَا فِيهِ حُزُونة من أكمة أَو تَلّ أَو حِجَارَة. وَقَالَ غَيره: يُقَال نَزَل فلَان معتنِزاً إِذا نزل حَرِيداً فِي نَاحيَة من النَّاس. ورأيته مُعْتَنِزاً ومنتبِذاً إِذا رَأَيْته متنحِّياً عَن النَّاس. وَقَالَ النَّضر: رجلٌ مَعَنَّزُ الْوَجْه إِذا كَانَ قَلِيل لحم الْوَجْه. وَأنْشد:
مُعَنَّز الْوَجْه فِي عِرْنينه شَمَمُ
وَقَالَ أَبُو دواد: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول لرجل: هُوَ معنَّز اللِّحْيَة، وفسّره أَبُو دواد: بَزْرِيش كَأَنَّهُ شبّه لحيته بلحية التيْس. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: حَتْفَها تحمل ضأنٌ بأظلافها. وَقَالَ أَبُو عبيد: من أمثالهم فِي هَذَا لَا تَكُ كالعَنْز تبحث عَن المُدْية، يضْرب مثلا للجاني على نَفسه جِنَايَة يكون فِيهَا هَلَاكه، وَأَصله أَن رجلا كَانَ جائعاً بالفلاة فَوجدَ عَنْزاً وَلم يجد مَا يذبحها بِهِ، فبحثت بِيَدَيْهَا وأثارت عَن مُدْيةٍ، فذبحها بهَا. وَمن أمثالهم فِي الرجُلين يتساويان فِي الشّرف: قَوْلهم: هما كَرُكْبَتَي العَنْز، وَذَلِكَ أَن ركبتيها إِذا أَرَادَت أَن تَرْبض وقعتا مَعًا. ونحوُ ذَلِك قَوْلهم: هما كعِكْمَي العَيْر. ويروى هَذَا الْمثل عَن هَرِم بن سِنَان أَنه قَالَه لعلقمة وعامر حِين سافرا إِلَيْهِ فَلم ينفِّر وَاحِدًا مِنْهُمَا على صَاحبه، وَمن أمثالهم لقِي فلَان يَوْم العَنْز، يضْرب مثلا للرجل يَلْقى مَا يُهلكه.
نزع: أَبُو عبيد: الأنزع: الَّذِي انحسر الشَعَرُ عَن جانبَيْ جَبهته. والنَزَعتان: ناحيتا منحسِر الشَعَرِ عَن الجبينين. وَقد نَزِعَ الرجل يَنْزَع نَزَعاً. وَالْعرب تحبّ النزَع وتتيّمن بالأنزع، وتذمّ الغَمَم وتتشاءم بالأغَمّ، وتزعم أَن الأغمّ الْقَفَا والجبينِ لَا يكون إلاَّ لئيماً. وَمِنْه قَول هُدْبَة بن خَشْرمَ:
لَا تنكحي إنْ فرّق الدَّهْر بَيْننَا
أغمَّ الْقَفَا والوجهِ لَيْسَ بأنزَعا
قَالَ أَبُو عبيد. والنزائع من الْخَيل: الَّتِي نَزَعت إِلَى أعراق. وَيُقَال: الَّتِي انتُزِعت من أَيدي قوم آخَرين. قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: بئرٌ نزوع إِذا نُزِعَ مِنْهَا المَاء بِالْيَدِ نَزْعاً. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عمر: هِيَ النَزَيع والنَزُوع.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ رأيتُني أنْزِع على قَلِيب. مَعْنَاهُ: رَأَيْتنِي فِي الْمَنَام أسقِي بيَدي من قَلِيب يُقَال: نزع بِيَدِهِ إِذا استقى بدَلْوٍ عُلّق فِيهَا الرشَاءُ. وَفِي حَدِيث آخر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَّى يَوْمًا بِقوم فلمّا سلَّم من صلَاته قَالَ: (مَالِي أنازَع القرآنَ) . وَذَلِكَ أَن بعض الْمُؤمنِينَ جهر خَلفه فنازعه قِرَاءَته، فَنَهَاهُ عَن الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة خَلْفه. والمُنَازعة فِي الْخُصُومَة: مجاذبة الحُجَج فِيمَا يَتنازع فِيهِ الخَصْمان. ومنازعة الكأس: معاطاتها. قَالَ الله تَعَالَى: {يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ} (الطّور: 23) وَيُقَال نَازَعَنِي فلَان بنانه أَي صَافَحَنِي، والمنازعة المصافحة. وَقَالَ الرَّاعِي:
(2/84)

ينازعننا رخص البنان كَأَنَّمَا
ينازعننا هُدَّاب رَيْط معضَّد
سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: المَنْزَعة: الصَّخْرَة الَّتِي يقوم عَلَيْهَا الساقي قَالَ والمَنْزَعة: الْقوس الفَجْواء. والمَنْزَعة. قوّة عزم الرَّأْي والهمّة. وَيُقَال للرجل الجيّد الرَّأْي: إِنَّه لجيّد المَنْزَعة. وَأما المِنْزَعة بِكَسْر الْمِيم فخشبة عريضة نَحْو المِلْعَقة، تكون مَعَ مُشتار الْعَسَل ينزِع بهَا النحلَ اللاصق بالشَهْد وتسمّى المِحْبَضَة. وَيُقَال للْإنْسَان إِذا هوى شَيْئا ونازعته نَفسه إِلَيْهِ: هُوَ يَنْزِع إِلَيْهِ نِزَاعاً. ونَزَع فِي الْقوس يَنْزِع نَزْعاً إِذا مَدّ وتَرها. قَالَ الله جلّ وعزّ: {} (النازعات: 1) قَالَ الفرّاء: تَنْزع الأنفسَ من صُدُور الكفّار، كَمَا يُغْرِق النازع فِي الْقوس إِذا جَذَب الوَتر. وَقَالَ ابْن السّكيت: قَالَ الْكسَائي: يَقُولُونَ لتعلمنّ أَيّنَا أَضْعَف مِنْزعة. والمِنزعة: مَا يرجع إِلَيْهِ الرجل من رَأْيه وتدبيره، جَاءَ بِهِ ابْن السّكيت فِي بَاب مِفْعَلة ومَفعلة قَالَ: وَقَوله {يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ} أَي يتعاطون، وَالْأَصْل فِيهِ يتجاذبون. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي قَوْله: {} . هِيَ الْمَلَائِكَة. وَيُقَال: فلَان يَنْزِع نَزْعاً إِذا كَانَ فِي السِّيَاق عِنْد الْمَوْت. وَكَذَلِكَ هُوَ يَسُوق سَوقاً. وَيُقَال نَزَعَ الرجل عَن الصِبَا، ينزِع نزوعاً إِذا كفّ عَنهُ. وَرُبمَا قَالُوا: نَزْعاً. وَيُقَال نَزَع فلَان إِلَى أَبِيه يَنْزِع إِذا أشبهه، ونَزَعَ إِلَى عِرْق، يَنْزِع، وَقد نَزَعَ شَبَهَهُ عِرْق. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ عِرْق نَزَعَه. ونُزَّاعُ الْقَبَائِل: غرباؤهم الَّذين يجاورون قبائل لَيْسُوا مِنْهُم الْوَاحِد نَرِيع. وَيُقَال للرجل إِذا استنبط معنى آيَة من كتاب الله: قد انتزع معنى جيّداً، ونَزَعَهُ مثله إِذا استخرجه. والمِنْزَعُ: السهْم الَّذِي يُرْمَى بِهِ. وَمِنْه قَول أبي ذُؤَيْب:
فأنفذ طُرَّتَيه المِنْزَعُ
وَقَالَ ابْن السّكيت: انتزاع النيَّة: بُعْدها، أَخْبرنِي بذلك الْمُنْذِرِيّ عَن الْحَرَّانِي عَنهُ. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَمِنْه نزع فلَان إِلَى وَطنه. النزائع الغرباء وَكَذَلِكَ النُزّاع الْوَاحِد نزيع وَنَازع. وشرابٌ طيّب المِنْزَعة إِذا كَانَ طيّب الخِتام، وَهُوَ سَاعَة يَنْزعهُ عَن فِيهِ. وَقيل فِي قَوْله: {مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ} (المطففين: 26) إِنَّهُم إِذا شرِبوا الرحِيق ففنِي مَا فِي الكأس وَانْقطع الشُّرب انختم ذَلِك برِيح الْمسك وطيبِه وَالله أعلم. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للخيل إِذا جَرَت: لقد نَزَعت سنَناً. وَأنْشد:
وَالْخَيْل تنزِع قُبًّا فِي أعنّتها
كالطير تنجو من الشُؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ
والنَزَعَة: الرُمَاة، واحدهم نَازع. وَمِنْه الْمثل عَاد الرميُ على النَزَعة يضْرب مثلا للَّذي يَحيق بِهِ مَكْرُه. أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: أنْزَعَ الْقَوْم فهم مُنْزِعون إِذا نزعَتْ إبلُهم إِلَى أوطانها. وَأنْشد:
فقد أهافوا زَعَمُوا وأنْزَعُوا
وَيُقَال هَذِه أَرض تنازِع أَرْضنَا إِذا كَانَت تتاخمها. وَقَالَ ذُو الرمّة:
لَقًى بَين أجمادٍ وجَرْعاء نَازَعَتْ
حِبالا بهنّ الجازئات الأوابد
(2/85)

والنزائع من الرِّيَاح: هِيَ النُكْب، سمّيتْ نزائع لاخْتِلَاف مَهَابِّها. وَقَالَ اللَّيْث: غَنَمٌ نُزُعٌ إِذا حَنّت فاشتهت الفَحْل. وَبهَا نزاع وشاةٌ نَازِع. ابْن السّكيت: النَزَعة نبتٌ مَعْرُوف. ابْن الْأَعرَابِي: أنزع الرجل إِذا ظَهرت نزعاته.

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ الْفَاء)
(ع ز ف)
عزف، عفز، زعف، فزع: مستعملة.
عزف: يُقَال عَزَفَتْ نَفْسُه عَن الشَّيْء إِذا انصرفت عَنهُ عُزُوفاً. ورجلٌ عَزُوف عَن اللَّهْو إِذا لم يشتههِ، وعَزُوفٌ عَن النِّسَاء إِذا لم يَصْبُ إليهنّ. وَقَالَ الفرزدق:
عَزَفْتَ بأعشاشٍ وَمَا كِدت تَعْزِفُ
والعَزِيفُ: صَوت الرِمَال إِذا هبّت بهَا الرِّيَاح. وَالْعرب تجْعَل العَزِيف أصوات الجِنّ. وَفِي ذَلِك يَقُول قَائِلهمْ:
وإنّي لأجتاب الفلاة وَبَينهَا
عوازفُ جِنّانٍ وهام صَوَاخِدُ
وَهُوَ العَزْف أَيْضا والعُزْف: الحَمَام الطُورانية فِي قَول الشمَّاخ:
حَتَّى اسْتَغَاثَ بأحوى فَوْقه حُبُك
يَدْعُو هديلاً بِهِ العُزْف العزاهيل
وَهِي الْمُهْملَة. والعُزْف: الَّتِي لَهَا صَوت وهَدِير. وعَزَف الدُفّ: صَوته. وَقَالَ الراجز:
للخَوْتع الأزرقِ فِيهَا صاهلْ
عَزْف كعزف الدُفّ ذِي الجَلاَجلْ
والمَعَازِف: قَالَ اللَّيْث: هِيَ الملاعب الَّتِي يُضرب بهَا، يَقُولُونَ للْوَاحِد: عَزْفٌ وللجميع مَعَازف رِوَايَة عَن الْعَرَب، فَإِذا أُفرد المِعْزَف فَهُوَ ضَرْبٌ من الطنابير يتَّخذه أهل الْيمن وَغَيره يَجْعَل العُود مِعْزَفاً.
وَفِي حَدِيث أمّ زَرْع: (إِذا سمعن صَوت المَعَازف أيقَنّ أَنَّهُنَّ هوالك) . قلت: والعَزّاف: جبل من جبال الدهناء قد نزلتُ بِهِ. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: عَزَفَتْ نفسُه أَي سَلَتْ. وعَزَفَ الرجل يَعْزِف إِذا أَقَامَ فِي الْأكل وَالشرب. وأعْزَفَ سمع عَزِيف الرمال.
عفز: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَفْز: الجَوْز الَّذِي يُؤْكَل. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: مثله فِي العَفْز. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للجوز عَفْزٌ وعَفَازٌ. والواحدة عَفْزة وعَفَازَة. قَالَ والعَفَازَة: الأكمَة، يُقَال: لَقيته فَوق عَفَازَة أَي فَوق أكمَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العَفْز: الملاعبة، يُقَال: باتَ يُعافز امْرَأَته أَي يغازلها. قلت هُوَ من قَوْلهم: بَات يعافسها. فأبدل السِّين زاياً.
زعف: أهمله اللَّيْث. وَهُوَ مُسْتَعْمل صَحِيح. رَوَى أَبُو عبيد عَن الْكسَائي موت زُعَاف وذُعَاف وذُؤَاف بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْمَوْت الزعَاف: الوَحِيُّ. وَقد أزعفته إِذا أقْعَصْته. وَكَذَلِكَ ازدعفته. أَبُو عبيد عَن أبي عمر: المُزْعِفُ: السمّ الْقَاتِل. وَقَالَ غَيره: سيفٌ مُزْعِفٌ: لَا يُطْنِي. وَكَانَ عبد الله بن سَبْرة أحد الفتّاك فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ لَهُ سيف سمّاه المزعِفَ. وَفِيه يَقُول:
(2/86)

عَلَوْت بالمُزْعِف المأثورِ هامتَه
فَمَا اسْتَجَابَ لداعيه وَقد سَمِعَا
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الزُعُوف: المَهَالك. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: من أَسمَاء الحيّة المِزعافة والمِزعامة.
فزع: قَالَ الله تَعَالَى: {: ُ: ِأَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ} (سبإ: 23) اتّفق أهل التَّفْسِير وأهلُ اللُّغَة أَن معنى قَوْله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ} : كُشِف الْفَزع عَن قُلُوبهم، وَتَأْويل الْآيَة أنّ مَلَائِكَة سَمَاء الدُّنْيَا كَانَ عهدُهم قد طَال بنزول الوَحْي من السَّمَوَات العُلا، فلمَّا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوّلَ مَا بُعث نبيًّا ظنّت الْمَلَائِكَة الَّذين فِي السَّمَاء الدُّنْيَا أَن جِبْرِيل نزل لقِيَام السَّاعَة، ففزِعوا لَهُ، فلمَّا تقرَّر عِنْدهم أَنه نزل لغير ذَلِك كُشِف الفَزَع عَن قُلُوبهم فَأَقْبَلُوا على جِبْرِيل وَمن مَعَه من الْمَلَائِكَة، وَقَالُوا لَهُم مَاذَا قَالَ ربكُم؟ . قَالُوا قَالَ الله الْحق وَهُوَ العليّ الْكَبِير. وَالَّذين فُزِّع عَن قُلُوبهم هَهُنَا مَلَائِكَة السَّمَاء الدُّنْيَا. وَقيل: إِن مَلَائِكَة كلّ سَمَاء فَزِعوا لنزول جبريلج وَمن مَعَه من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ كل فريق مِنْهُم لَهُم: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ وَقَالَ الفرّاء: المُفَزَّعُ يكون جَبَاناً، وَيكون شُجَاعاً، فَمن جعله مَفْعُولا بِهِ قَالَ: بِمثلِهِ تَنْزِل الأفزاع. وَمن جعله جَبَاناً جعله يَفْزَع من كل شَيْء. قَالَ: وَهَذَا مثل قَوْلهم للرجل: إِنَّه لمُغَلَّبٌ، وَهُوَ غالبٌ، ومُغَلَّبٌ وَهُوَ مغلوب. قلت: وَيُقَال: فَزَّعْتُ الرجل وأفزعته إِذا رَوَّعته. وَقَالَ اللَّيْث: الفَزَع: الغَرَق. وَقد فَزعَ يَفْزَع فَزَعاً فَهُوَ فَزِعٌ. وَفُلَان لنا مَفْزَعٌ. وامرأةٌ لنا مَفْزَع. مَعْنَاهُ: إِذا دَهِمنا أَمر فَزِعنا إِلَيْهِ أَي لجأنا إِلَيْهِ واستغثنا بِهِ. وَقد يُقَال: فلَان مَفْزَعة بِالْهَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث إِذا كَانَ يُفْزَع مِنْهُ. ورجلٌ فَزَّاعة: يُفَزِّع الناسَ كثيرا. قلت: وَالْعرب تجْعَل الفَزع فَرَقاً، وتجعله إغاثةً للفَزِع المروَّع، وتجعله استغاثة. فأمّا الفَزع بِمَعْنى الاستغاثة فَإِنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيث يرويهِ ثَابت عَن أنسٍ: أَنه فَزِع أهل الْمَدِينَة لَيْلًا، فَركب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَساً لأبي طَلْحَة عُرْياً، فلمَّا رَجَعَ قَالَ: (لن تُراعوا، لن تُراعوا، إِنِّي وجدته بَحْراً) . معنى قَوْله فزِع أهل الْمَدِينَة أَي استَصْرخوا، وظنّوا أَن عدوًّا أحَاط بهم، فلمَّا قَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لن تُرَاعوا) سَكَن مَا بهم من الفَزَع. وَأما الحُجّة فِي الْفَزع أَنه بِمَعْنى الإصراخ والإغاثة فَقَوْل كَلْحَبة الْيَرْبُوعي حَيْثُ يَقُول:
فَقلت لكأسٍ ألجميها فَإِنَّمَا
حَلَلْنا الكَثِيب من زَرُودَ لنفزَعَا
مَعْنَاهُ: لنغيث ونُصْرِخ مَن اسْتَغَاثَ بِنَا. وَقَالَ بَعضهم: أفزعت الرجل إِذا رَوّعته، وأفزعته أَي أغَثْته. وَهَذِه الْأَلْفَاظ كلّها صَحِيحَة، ومعانيها عَن الْعَرَب مَحْفُوظَة. وَيُقَال: فَزِعْتُ إِلَى فلَان إِذا لجأت إِلَيْهِ، وَهُوَ مَفْزَع لمن فزِع إِلَيْهِ أَي مَلْجأ لمن التجأ إِلَيْهِ.

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ الْبَاء)
(ع ز ب)
عزب، زعب، زبع، بزع: مستعملة.
عزب: قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ
(2/87)

يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ} (سبإ: 3) مَعْنَاهُ لَا يغيب عَن علمه شَيْء. وَفِيه لُغَتَانِ: عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ إِذا غَابَ. ورجلٌ عَزَبٌ لَا أهل لَهُ. أَبُو عبيد عَن الفرّاء: امْرَأَة عَزَبَة: لَا زوج لَهَا. وَقَالَ الْكسَائي مثله. وَقَالَ ابْن بُزُرْج فِيمَا قَرَأت لَهُ بخطّ أبي الْهَيْثَم: رجلٌ عَزَبٌ، ورجلان عَزَبان، وقومٌ أعزابٌ، وامرأةٌ عَزَبة ونسوةٌ عَزَبَاتٌ ونساءٌ عُزَّابٌ: لَا أَزوَاج لهنّ، وَإِن كَانَ معهنّ أولادهنّ. وَقَالَ النَّضر: قَالَ المنتجِع: يُقَال امْرَأَة عَزَبٌ بِغَيْر هَاء. قَالَ وَلَا تقل: امْرَأَة عَزَبَة. وَأنْشد فِي صفة امْرَأَة جعلهَا عَزَباً بِغَيْر هَاء:
إِذا العَزَبُ الهوجاء بالعطر نَافَحَتْ
بَدَتْ شمس دَجْنٍ طلَّةً لم تَعَطّر
أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: رجلٌ عَزَبٌ، وَلم يَدْرِ كَيفَ يُقَال للْمَرْأَة. قَالَ أَبُو حَاتِم: وَيُقَال للْمَرْأَة أَيْضا عَزَبُ. وَأنْشد:
يَا من يَدُلُّ عَزَباً على عَزَبْ
على ابْنة الحُمَارِس الشَّيْخ الأزَبْ
قَالَ: وَلَا يُقَال رجل أعزب. وَأَجَازَ غَيره: رجل أعزب. وَيُقَال: إِنَّه لعَزَب لَزَب وَإِنَّهَا لعَزَبة لَزَبة. وَيُقَال عَزَبَ يَعْزُبُ وتعزَّب بعد التأهّل. وَقَالُوا: رجلٌ عَزَبٌ للَّذي يَعْزُب فِي الأَرْض. وَقَالَ اللَّيْث: المِعْزَابة: الَّذِي طَالَتْ عُزُوبته، حَتَّى مَا لَهُ فِي الْأَهْل من حَاجَة. قَالَ وَلَيْسَ فِي الصِّفَات مِفعالة غير هَذِه الْكَلِمَة. قلت: قَالَ الفرّاء: مَا كَانَ من مفعال كَانَ مؤنَّثه بِغَيْر هَاء، لِأَنَّهُ انعدل عَن النعوت انعدالاً أشدّ من انعدال صَبُور وشَكُور وَمَا أشبههما ممّا لَا يؤنَّث، وَلِأَنَّهُ شُبِّه بالمصادر، لدُخُول الْهَاء فِيهِ. يُقَال امْرَأَة مِحْماق ومِذْكار ومِعْطار. قَالَ: وَقد قيل رجل مجذامة إِذا كَانَ قَاطعا للأمور جَاءَ على غير قِيَاس. وَإِنَّمَا زادوا فِيهِ الْهَاء لِأَن الْعَرَب تُدخل الْهَاء فِي المذكَّر على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا الْمَدْح وَالْأُخْرَى الذمّ إِذا بولغ فِي الْوَصْف. قلت والمِعزبة دَخَلتهَا الْهَاء للْمُبَالَغَة أَيْضا. وَهُوَ عِنْدِي: الرجل الَّذِي يُكْثِر النهوض فِي مَاله العزِيبِ يتتبَّعُ مساقط الْغَيْث وأُنُف الْكلأ. وَهُوَ مدح بالغٌ على هَذَا الْمَعْنى. قَالَ اللَّيْث: وَيُقَال أعْزَبَ عَن فلَان حِلْمُه يَعْزُب عُزُوباً، وأعزب الله حِلْمه أَي أذهبه الله وَأنْشد:
وأعزبتَ حلمي بعد مَا كَانَ أعْزَبَا
قلت: جعل أعزب لَازِما وواقعاً. وَمثله أملق الرجل إِذا أعدم، وأملق مالَه الحوادثُ. وَقَالَ اللَّيْث: العَازِبُ من الْكلأ: البعيدُ المُطْلِب. وَأنْشد:
وعَازِبٍ نَوّر فِي خلائه
قَالَ: وأعزب الْقَوْم: أَصَابُوا عازِباً من الْكلأ. قلت: وعَزَبَ الرجل بإبله إِذا رعاها بَعيدا من الدَّار الَّتِي حلّ بهَا الحيُّ لَا يأوي إِلَيْهِم. وَهُوَ مِعْزَابٌ ومِعْزابَةٌ وكلّ مُنْفَرد عَزَبٌ. ومُعَزِّبَةُ الرجل: امْرَأَة يأوي إِلَيْهَا فتقوم بإصلاح طَعَامه وحِفظ أداته. وَيُقَال مَا لفلانٍ مُعَزِّبَة تُقَعّدُه. وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرِير: لَيْسَ لفُلَان امْرَأَة تُعَزِّبه أَي تُذْهِبُ عُزْبته بِالنِّكَاحِ، مثل قَوْلك: هِيَ تمرِّضه أَي تقوم عَلَيْهِ فِي مَرَضه. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : فلَان يعزّب فلَانا ويُرَبِّض فلَانا ويَرْبِضه: يكون لَهُ مثل الخازن. والعَزِيبُ:
(2/88)

المَال العَازِبُ عَن الحيّ، سمعته من الْعَرَب. وَمن أمثالهم: إِنَّمَا اشتريتُ الْغنم حِذارَ العازبة، والعازبة: الْإِبِل. قَالَه رجل كَانَت لَهُ إبل فَبَاعَهَا وَاشْترى غنما لِئَلَّا تَعْزُبَ، فعَزَبتْ غَنَمُه فعاتب على عزوبها. يُقَال ذَلِك لمن ترفّق أَهْون الْأُمُور مئونةً، فَلَزِمَهُ فِيهِ مشقَّةٌ لم يحتسبها. وهِراوة الأعْزاب: فرسٌ كَانَت مَشْهُورَة فِي الجاهليّة، ذكرهَا لَبِيد وَغَيره من قدماء الشُّعَرَاء. عَمْرو عَن أَبِيه: يُقَال لامْرَأَة الرجل: هِيَ محصّنته ومُعَزّبته وحاصِنته وحاضِنته وقابِلته ولحافه وَقَالَ ابْن شُمَيْل فِي قَوْله: ستجدونه معزّباً قَالَ: هُوَ الَّذِي عَزَب عَن أَهله فِي إبِله أَي غَابَ. والعَزِيب: المَال العازب عَن الحيّ.
زعب: قَالَ شمر: جَاءَ فلَان بقِرْبة يَزْعَبُهَا أَي يحملهَا مَمْلُوءَة، ويَزْأبها: كَذَلِك. وَقَالَ الفرّاء: قِربة مزعوبة ومَمْزورة: مَمْلُوءَة. وَأنْشد:
من الفُرْنِيّ يَزْعَبُهَا الجميلُ
أَي يملؤها. ومطرٌ زاعِبٌ: يزعَبُ كل شَيْء أَي يملؤه وَأنْشد يصف سيلاً:
مَا حازت العُفْر من ثُعَالة
فالرَوْحَاءُ مِنْهُ مزعوبة المُسُلِ
أَي مَمْلُوءَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مرّ السَّيْل يَزْعَبُ إِذا جَرَى. ومرَّ يَزْعَبُ بِحِمْله إِذا مَرّ سَرِيعا. ورُوِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ: (إِنِّي أرْسلت إِلَيْك لأبعثك فِي وجهٍ يسلّمك الله ويغنّمك، وأزْعَبُ لَك زَعْبَة من المَال) . قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: قَوْله: أزعبُ لَك زَعبة من المَال أَي أُعْطِيك دُفْعة من المَال. قَالَ والزَعْبُ: هُوَ الدّفع. وجاءنا سيل يَزْعَبُ زعْباً أَي يتدافع. وَقَالَ اللَّيْث: زَعَبْتُ الْإِنَاء إِذا ملأته. وَالرجل يَزْعَبُ الْمَرْأَة إِذا جَامعهَا فَمَلَأ فرجهَا بفرجه. وَقَالَ غَيره: الزَعِيبُ والنعيبُ: صَوت الْغُرَاب، وَقد زَعَبَ ونَعَبَ بِمَعْنى وَاحِد. وزَعَبَ الرجل فِي قَيْئه إِذا أَكثر حَتَّى يدْفع بعضُه بَعْضًا. وزَعَبَتِ القِرْبةُ إِذا دفعتْ ماءها. وَقَالَ المبرّد: الزَاعِبِيُّ من الرماح: مَنْسُوب إِلَى رجل من الخَزْرَج يُقَال لَهُ: زاعِب كَانَ يَعْمل الأسنّة. قَالَ: وَقَالَ الأصمعيّ: الزَاعِبيُّ الَّذِي إِذا هُزَّ كأنّ كعوبه يجْرِي بعضُها فِي بعض لِلِينه. وَهُوَ من قَوْلك مرّ يَزْعَبُ بِحملِه إِذا مرّ مرًّا سهلاً وَأنْشد:
ونَصْلٌ كنَصْلِ الزَاعِبيِّ فَتِيق
قَالَ أَرَادَ: كنصل الرمْح الزاعبيّ. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الزاعبية: الرِمَاح كلّها. وَقَالَ شمر فِي قَوْله:
زَعَبَ الغرابُ وليته لم يَزْعَب
يكون زَعَبَ بِمَعْنى زعم أبدل الْمِيم بَاء، مثل عَجْب الذنَب وعَجْمه. وَقَالَ ابْن السّكيت: الزُعْب: اللئام الْقصار. واحدهم زُعْبُوبٌ على غير قِيَاس. وَأنْشد الفرَّاء فِي الزُعب:
من الزُعبِ لم يضْرب عدوًّا بِسَيْفِهِ
وبالفأس ضَرَّابٌ رؤوسَ الكرانِفِ
وروى أَبُو تُرَاب عَن أَعْرَابِي من قيس أَنه قَالَ هَذَا الْبَيْت:
مجتزىء بزِعْبه وزِهْبِهِ
(2/89)

أَي بِنَفسِهِ. وزعَبَ لي زُعْبَةً من مَاله وزَهَبَ لي زُهْبَةً إِذا أعطَاهُ قِطْعَة وافرة. وَأَعْطَاهُ زِهْباً من مَاله فازدهبه وزِعباً فازدعبه أَي قِطْعَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: ازْدَعَبَ الشَّيْء إِذا حمله، ومرّ بِهِ فازدعبه أَي حَمَله.
زبع: الزَبْع أصل بِنَاء التزبُّع. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: المُتَزَبِّعُ: الَّذِي يُؤْذِي النَّاس ويشارّهم وَقَالَ متمِّم:
وإنْ تلقه فِي الشَرْب لَا تلق فَاحِشا
لَدَى الكأس ذَا قاذورة مُتَزَبِّعا
وَفِي الحَدِيث أَن مُعَاوِيَة عزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر، فَضرب فُسْطَاطه قَرِيبا من فسطاط مُعَاوِيَة، وَجعل يتزبّع لمعاوية.
قَالَ أَبُو عبيد: التزبّع هُوَ التَّغَيُّظ وكل فَاحش سيّىء الْخلق مُتَزَبِّعٌ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الزَبِيع: الرجل المدَمْدِم فِي غضب. وَهُوَ المتزبّع.
وَقَالَ اللَّيْث: الزَوْبَعة: اسْم شَيْطَان. وَيكون الإعصار أَبَا زَوْبَعَةَ، يَقُولُونَ فِيهِ شَيْطَان مارد.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: زَوْبَعَةُ: ريح تَدور وَلَا تقصد وَجها وَاحِدًا، وَتحمل الْغُبَار، أُخِذَت من التزبع.
وَرُوِيَ عَن الْمفضل: الزوبعة مشْيَة الأحرد. قلت: وَلَا أَدْرِي من رَوَاهُ عَن المفضّل، وَلَا أعْتَمد هَذَا الْحَرْف وَلَا أحُقّه.
بزع: عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: البَزِيع: الظريف.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: غلامٌ بَزِيعٌ، وجاريةٌ بَزِيعَةٌ إِذا وُصِفا بالظَرْف والمَلاَحة وذَكَاء الْقلب. وَلَا يُقَال إِلَّا للأحداث. قَالَ: وبَوْزَع: اسْم رَمْلة من رمال بني سعدٍ. قلت: وبَوْزَع: اسْم امْرَأَة، وَكَأَنَّهُ فَوعل من البَزِيع.

(بَاب الْعين وَالزَّاي مَعَ الْمِيم)
(ع ز م)
عزم، زمع، زعم، مزع، معز: مستعملة.
عزم: قَالَ الله جلّ وعزّ: {مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ} (مُحَمَّد: 21) سَمِعت الْمُنْذِرِيّ يَقُول: سَمِعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى: {مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ} هُوَ فَاعل مَعْنَاهُ الْمَفْعُول، وَإِنَّمَا يُعْزَم الْأَمر وَلَا يَعزِم، والعزم للْإنْسَان لَا لِلْأَمْرِ. قَالَ: وَهَكَذَا كَقَوْلِهِم: هَلَك الرجلُ وَإِنَّمَا أُهْلِكَ.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله: {مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ} : فَإِذا جدّ الأمرُ وَلزِمَ فرضُ الْقِتَال. قَالَ: هَذَا مَعْنَاهُ. وَالْعرب تَقول: عَزَمتُ الْأَمر وعزمتُ عَلَيْهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الْبَقَرَة: 227) .
وَقَالَ اللَّيْث: العَزْمُ مَا عَقَد عَلَيْهِ قلبُك من أمرٍ أَنَّك فَاعله. وَتقول: مَا لفُلَان عَزِيمَة، أَي لَا يثبت على أمرٍ يعزِم عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (خير الْأُمُور عوازمها) . وَله مَعْنيانِ: أَحدهمَا: خير الْأُمُور مَا وكّدت عَزْمَك ورأيك ونِيّتك عَلَيْهِ، ووَفَيت بِعَهْد الله فِيهِ.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: إِن الله عز وَجل يحبّ أَن تُؤْتى رُخَصه، كَمَا يحبّ أَن تُؤْتى عَزَائِمه. قَالَ أَبُو مَنْصُور:
(2/90)

عَزَائِمه: فَرَائِضه الَّتِي أوجبهَا وأمرنا بهَا.
ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَزْمِيُّ من الرِّجَال: المُوفِي بالعهد. وَالْمعْنَى الثَّانِي فِي قَوْله (خير الْأُمُور عوازمها) أَي فرائضها الَّتِي عَزَم الله عَلَيْك بِفِعْلِهَا. وَأما قَول الله جلّ وعزَّ فِي قصَّة آدم: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طاه: 115) فَإِن الفرّاء قَالَ: لم نجد لَهُ صَرِيمة وَلَا حَزْماً فِيمَا فَعَل.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: الصَرِيمة والعَزِيمة وَاحِدَة، وَهِي الْحَاجة الَّتِي قد عزمْتَ على فعلهَا. يُقَال: طَوَى فلَان فُؤَاده على عَزِيمة أمرٍ إِذا أسَرّها فِي فُؤَاده.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الْعَرَب تَقول: مَاله مَعْزِمٌ وَلَا مَعْزَم وَلَا عَزِيمة وَلَا عَزْمٌ وَلَا عُزْمَانٌ.
وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أَي رَأيا معزوماً عَلَيْهِ. والعَزِيمُ والعَزِيمة وَاحِد، يُقَال: إِن رَأْيه لذُو عَزِيم.
وَقَالَ اللَّيْث: العَزِيمة من الرُقَى: الَّتِي يُعْزَمُ بهَا على الجنّ والأرواح.
وَقَالَ غَيره: عَزَمْتُ عَلَيْك لتفعلنَّ أَي أقسمتُ. وعَزْمُ الراقِي والحَوّاء كَأَنَّهُ إقسام على الدَّاء والحَيّة.
وَقَالَ اللَّيْث: الاعتزام: لُزُوم القَصْد فِي الحُضْر. وَأنْشد لرؤبة:
إِذا اعتزمن الرَهْو فِي انتهاضِ
والرحل يَعْتزِم الطريقَ: يمْضِي فِيهِ وَلَا ينثني، وَقَالَ الأُرَيْقِط:
معتزماً للطُرُق النواشط
وعزائم السُّجُود: مَا عُزِمَ على قارىء آيَات السُّجُود أَن يسْجد لله فِيهَا. والفَرَس إِذا وُصِف بالاعتزام فَمَعْنَاه تجليحُه فِي حُضْره غير مُجيب لراكبه إِذا كَبَحه. وَمِنْه قَول رؤبة:
مُعْتَزِم التجليح ملاّخ المَلَقْ
حَدثنَا مُحَمَّد بن مُعَاذ عَن عبد الْجَبَّار عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد قَالَ: سَمِعت قيسا يَقُول: سَمِعت الْأَشْعَث يَقُول لعَمْرو بن معد يكرب: أما وَالله لَئِن دنوتُ لأضرطنّك، قَالَ: كلاّ وَالله إِنَّهَا لعَزُوم مُفزعة. أَرَادَ بالعزوم اسْته.
أَرَادَ أَن لَهَا عَزْماً وَلَيْسَت بواهية فتضرِط وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفسه. وَقَوله: مفزَّعة: بهَا تنزل الأفزاع فتجليها. عزوم: ذَات صرامة وحَزْم.
قَالَ شمر: العزوم الصَبور المجدّة الصَّحِيحَة العَقْد. قَالَ: والدُبُر يُقَال لَهَا: أمّ عَزْم، يُقَال: كَذبته أمُّ عزمِهِ. شمر: عزمت عَلَيْك أَي أَمرتك أمرا جِداً، وَهِي العَزْمة. وعزائم السُّجُود: مَا أمِر السُّجُود فِيهَا. قَالَ الْأَصْمَعِي: العَزُوم من الْإِبِل الَّتِي قد أسنَّت وفيهَا بَقِيَّة من الشَّبَاب.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العَزْمِيُّ: بيَّاع الشجِير. قَالَ والعُزُمُ: عَجَم الزَّبِيب وَاحِدهَا عَزْمٌ. قَالَ والعَزُومُ والعَرْزَمُ: النَّاقة الهَرِمَة الدِلْقِم. قَالَ والعَزْم: الصَبْرُ فِي لُغَة هُذَيل. يَقُولُونَ: مَالِي عَنْك عَزْمٌ أَي صبرٌ.
وَقَالَ جلّ وعزّ: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طاه: 115) .
(2/91)

وَأَخْبرنِي ابْن مَنيع عَن عليّ بن الجَعْد عَن شُعْبة عَن قَتَادة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قَالَ: صبرا.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العُزُمُ: الْعَجَائِز واحدتهنّ عَزُوم. قَالَ والعَزْمُ: شَجِير الزَبِيب.
وَقَالَ أَبُو زيد: عُزْمَةُ الرجل: أُسْرته وقبيلته، وجماعها العُزَمُ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَزَمَةُ: المصحّحون للمودّة.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل فِي قَوْله: عَزْمَة من عَزَمَات الله قَالَ: حقٌّ من حُقُوق الله أَي وَاجِب مِمَّا أوجبه الله. وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {كُونُواْ قِرَدَةً} (الْبَقَرَة: 65) هَذَا أَمر عَزْم. وَقَوله: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} (آل عمرَان: 79) هَذَا فَرْضٌ وحُكْمٌ.
زمع: الْأَصْمَعِي: الزَمَعُ: رِعْدة تعتري الْإِنْسَان إِذا همّ بِأَمْر ورجلٌ زَمِيعٌ، وَهُوَ الشجاع الَّذِي إِذا أزْمَعَ الأمرَ لم يَنْثَنِ عَنهُ. والمصدر: الزَمَاعُ.
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: أزْمَعتُ الْأَمر، وَأنكر أزْمَعْتُ عَلَيْهِ. قَالَ شمر: وَغَيره يُجِيز أزمعت عَلَيْهِ. أَبُو عبيد: الزَمَعُ: الزِّيَادَة الناتئة فَوق ظِلْف الشَّاة.
الْأَصْمَعِي: الزَمُوع من الأرانب: الَّتِي تقارِب عَدْوَهَا وَكَأَنَّهَا الَّتِي تَعْدُو على زَمعتها. وَهِي الشَعَرات المُدَلاّة فِي مؤخِّر رِجْلها. أَبُو عمر: يُقَال مِنْهُ: قد أزْمَعَتْ أَي عَدَتْ.
وَقَالَ أَبُو زيد: الزَمَعَةُ: الزَّائِدَة من وَرَاء الظِلْف، وَجَمعهَا زَمَع.
وَقَالَ اللَّيْث: الزَمَعُ: هَنَات شِبْهُ أظفار الْغنم فِي الرُسْغ، فِي كل قَائِمَة زَمَعَتَانَ كَأَنَّمَا خُلِقتا من قِطَع القُرُون. قَالَ: وَذكروا أَن للأرنب زَمَعات خَلْف قَوَائِمهَا. وَلذَلِك تنْعَت فَيُقَال لَهَا: زَمُوع. قَالَ: وَيُقَال: بل الزَمُوع من الأرانب النشيطةُ السريعة، تَزْمَعُ زَمَعَاناً أَي تخف وتسرع. قَالَ: وَيُقَال لرُذالة النَّاس: إِنَّمَا هم زَمَعٌ، شُبِّهُوا بزَمَع الأظلاف.
وَقَالَ اللَّيْث: الزَمَّاعة بالزاي: الَّتِي تتحرك من رَأس الصبيِّ فِي يَافُوخه. قَالَ: وَهِي الرمّاعة واللَمَّاعة. قلت: الْمَعْرُوف فِيهَا الرَمَّاعَة بالراء، وَمَا علمت أحدا روى الزَمَّاعة غير اللَّيْث وَالله أعلم.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الزَمَعُ: الأُبَنُ تخرج فِي مخارج العناقيد. وَقد أزْمَعَت الحَبَلَةُ إِذا أعظمت زَمَعَتها ودنا خُرُوج الحِجنة مِنْهَا والحِجنة والنامية شُعَب. إِذا عظمت الزَمَعة فَهِيَ البَنِيقة. وأكمحت الزَمَعة إِذا ابيَضَّت وَخرج عَلَيْهَا مثل القُطْن، وَذَلِكَ الإكماح، والزَمَعة أول شَيْء يخرج مِنْهُ فَإِذا عظم فَهُوَ بَنِيقة.
وَقَالَ اللَّيْث: أزمَع النَبْتُ إزماعاً إِذا لم يَسْتَوِ العُشْب كُله وَكَانَ قِطَعاً متفرّقة وَبَعضه أفضل من بعض.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الزَمْعِيُّ: الخسيس. والزَمْعِيُّ: السَّرِيع الْغَضَب. وَهُوَ الداهية من الرِّجَال.
سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: قَزَعَ قَزَعَاناً وزَمَعَ
(2/92)

زَمَعَاناً وَهُوَ مَشيٌ متقارِبٌ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: جَاءَ فلَان بالأزامع أَي بالأمور المُنكَرات. قَالَ: والزَمَعُ من النَّبَات: شَيْء هَهُنَا وَشَيْء هَهُنَا مثل القَزَع فِي السَّمَاء. قَالَ: والرَشَم من النَّبَات مثل الزمَع: رَشَمَةٌ هَهُنَا وَرَشَمَةٌ هَهُنَا.
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : زُمْعَةٌ من نَبْت ورُمْعَةَ من نبت وزُوعَة من نبت ولُمْعَة من نبت ورُقْعة من نبت بِمَعْنى وَاحِد.
زعم: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الزَعْمُ يكون حقًّا وَيكون بَاطِلا. وَأنْشد فِي الزَعْم الَّذِي هُوَ حَقّ:
وإنّي أذينُ لكم أَنه
سيُنجزكم ربّكم مَا زَعَمْ
قَالَ: وَالْبَيْت لأُمَيَّة. وَقَالَ اللَّيْث: سَمِعت أهل الْعَرَبيَّة يَقُولُونَ: إِذا قيل: ذَكَر فلَان كَذَا وَكَذَا فَإِنَّمَا يُقَال ذَلِك لأمر يُسْتَيقَنُ أَنه حَقّ، فَإِذا شُكّ فِيهِ فَلم يُدْرَ لعلّه كذِب أَو بَاطِل قيل: زعم فلَان. قَالَ: وَكَذَلِكَ تفسّرُ هَذِه الْآيَة: {فَقَالُواْ هَاذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} (الْأَنْعَام: 136) أَي بقَوْلهمْ الكذبَ.
وَسمعت المنذريّ يَقُول: سَمِعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول: تَقول الْعَرَب قَالَ إِنَّه، وزَعَم أَنه، فكسروا الْألف مَعَ قَالَ، وفتحوها مَعَ زَعم؛ لِأَن زعم فِعْل وَاقع بهَا أَي بِالْألف متعدّ إِلَيْهَا؛ أَلا ترى أَنَّك تَقول: زعمتُ عبد الله قَائِما، وَلَا تَقول: قلتُ زيدا خَارِجا، إِلَّا أَن تُدخِل حرفا من حُرُوف الِاسْتِفْهَام فَتَقول: هَل تقولُه فعل كَذَا، وَمَتى تقولني خَارِجا؟ وَأنْشد:
قَالَ الخليط غَدا تَصَدُّعُنَا
فَمَتَى تَقول الدارَ تَجْمعُنَا
فَمَعْنَاه فَمَتَى تظنّ وَمَتى تزْعم.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي قَوْله:
عُلِّقْتُهَا عَرَضاً وأقتُلُ قَومهَا
زَعْماً لَعَمْرُ أَبِيك لَيْسَ بمزعَمِ
قَالَ يَقُول: كَانَ حُبّها عَرَضاً من الْأَعْرَاض اعترضني من غير أَن أطلبه. فَيَقُول: عُلِّقْتُهَا وَأَنا أقتل قَومهَا، فَكيف أحبّها وَأَنا أقتلهم أم كَيفَ أقتلهم وَأَنا أحبّها ثمَّ رَجَعَ على نَفسه مخاطِباً لَهَا فَقَالَ: هَذَا فِعل لَيْسَ بِفعل مثلي. قَالَ: والزَعْمُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْكَلَام. يُقَال: أمرٌ فِيهِ مُزَاعَم أَي أمرٌ غير مُسْتَقِيم، فِيهِ مُنَازعَة بعدُ. قلت: وَالرجل من الْعَرَب إِذا حدّث عمّن لَا يُحَقّق قولَه يَقُول: وَلَا زَعَمَاتِه وَمِنْه قَوْله:
لقد خَطَّ رُومِيٌّ وَلَا زعماتِهِ
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الزَعُوم من الْغنم الَّتِي لَا يُدْرَى أَبِهَا شَحم أم لَا. وَمِنْه قيل: فلانٌ مُزَاعِم وَهُوَ الَّذِي لَا يوثَق بِهِ. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الزَعُوم: القليلة الشَّحْم، وَهِي الْكَثِيرَة الشَّحْم. وَهِي المُزْعِمة. قَالَ فَمن جعلهَا القليلة الشَّحْم فَهِيَ المزعومة، وَهِي الَّتِي إِذا أكلهَا النَّاس قَالُوا لصَاحِبهَا توبيخاً لَهُ: أزَعَمْت أَنَّهَا سَمِينَة. وَقَالَ أَبُو سعيد: أمرٌ مُزْعِم أَي مُطمِع وتزاعم الْقَوْم على كَذَا تزاعُماً إِذا تظافروا عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَصله أَنه صَار بَعضهم لبَعض زعيماً. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ والزعيمُ غارِم) . وَقَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {وَأَنَاْ بِهِ
(2/93)

زَعِيمٌ} (يُوسُف: 72) قلت: وَمَا علمت المفسّرين اخْتلفُوا فِي قَوْله {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} . قَالُوا جَمِيعًا: مَعْنَاهُ: وَأَنا بِهِ كَفِيل، مِنْهُم سَعِيد بن جُبَير وَغَيره. أَبُو عبيد عَن الكِسائيّ قَالَ: زَعَمتُ بِهِ أزعمُ بِهِ زَعْماً وزَعَامَةً أَي كفَلتُ بِهِ. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: زَعَمَ يَزْعُمُ زَعَامَةً إِذا كفَلَ. وزَعِمَ يَزْعَم زَعَماً إِذا طمِع وَقَالَ لَبِيد:
تَطير عدائدُ الأشراك شَفْعاً
ووِتْراً والزَعَامة للغلامِ
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: الزَعَامة يُقَال: الشّرف والزعامة يُقَال الشّرف والرياسة. قَالَ وَقَالَ غير ابْن الْأَعرَابِي: الزَعَامة: الدِرْع. وزعيم الْقَوْم سيّدهم والمتكلِّم عَنْهُم.
وَقَالَ الفرّاء: زعيم الْقَوْم سيّدهم ومِدْرَهُهم وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال زُعْم وزَعْمٌ. قَالَ: والزُعْمُ تميميّة. والزَعْمُ حجازية. قَالَ: وَتقول: زعمتْ أَنِّي لَا أحبّها، وزعمتْني لَا أحبّها، يَجِيء فِي الشِعر. فأمَّا فِي الْكَلَام فَأحْسن ذَلِك أَن تُوقِع الزَعْم على (أَن) دُون الِاسْم. وَأنْشد:
فَإِن تزعُميني كنت أَجْهَل فيكمُ
فَإِنِّي شَرَيت الحِلْم بعدكِ بِالْجَهْلِ
قَالَ: وَيُقَال: زعِم فلَان فِي غير مَزْعَم أَي طَمِعَ فِي غير مطمَع. قَالَ والتزعّم: التكذب وَأنْشد:
فأيّها الزاعِم مَا تَزَعّمَا
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الزَعْمِيُّ الكذَّاب والزَعْمِي الصَّادِق.
وَقَالَ شمر: رُوِيَ عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الزَعْم الْكَذِب. قَالَ الْكُمَيْت:
إِذا الإكام اكتست مآليها
وَكَانَ زَعْمَ اللوامع الكَذِبُ
يُرِيد السراب. قَالَ شمر: وَالْعرب تَقول أكذب من يَلْمَع. وَقَالَ شُرَيح: زَعَمُوا كنيةُ الْكَذِب. وَقَالَ شمر: الزَّعْم والتزاعم أَكثر مَا يُقَال فِيمَا يُشَكُّ فِيهِ وَلَا يُحَقَّق. وَقد يكون الزَّعْم بِمَعْنى القَوْل. ويروى للجعديّ يصف نوحًا:
نُودِيَ قُمْ واركبنْ بأهلك إنَّ
الله موْفٍ للنَّاس مَا زَعَمَا
فَهَذَا مَعْنَاهُ التَّحْقِيق. والمِزْعَامَة الحيّة.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ الكسائيّ: إِذا قَالُوا: عُزمَةٌ صَادِقَة لأتينَّك رفعوا، وحَلْفَةٌ صَادِقَة لأقومنَّ قَالَ: وينصبون يَمِينا صَادِقَة لأفعلنَّ. قَالَ: والزَعْم والزُعم والزِعم ثَلَاث لُغَات.
معز: المَعْزُ والمعَزُ: ذَوَات الشعرِ من الغَنَم. وَيُقَال للْوَاحِد مَاعِز. وَيجمع مِعْزىً ومَعيزاً وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: مِعْزى تُصْرَفُ إِذا شُبِّهَتْ بمِفْعَل. قَالَ وَأَصله فِعْلَى فَلَا تصرف. قَالَ: وَهُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ دُنْيَا لَا تصرف: لِأَنَّهَا فُعْلَى. قلت الْمِيم فِي المِعْزَى أصليّة. قَالَ: وَمن صرف دُنْيا شبَّهها بفُعْلَل، وَالْأَصْل ألاَّ تصرف. وَيُقَال: رجل ماعِز إِذا كَانَ حازماً مَانِعا مَا وَرَاءه شَهْماً، ورجلٌ ضائن إِذا كَانَ ضَعِيفا أَحمَق. قَالَ ذَلِك ابْن حبيب. ثَعْلَب عَن
(2/94)

ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المعْزِيّ: الْبَخِيل الَّذِي يجمع ويَمْنَع. وَقَالَ اللَّيْث: الرجل الماعِز: الشَّديد عَصْبِ الخَلْق: يُقَال مَا أمعزه من رجل، أَي مَا أشدَّه وأصلبه. والأمْعُوز: جمَاعَة الثياثل من الأوعال. وَقَالَ غَيره: رجل مَعَّاز: صَاحب مِعْزى. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عِظَام الرمل ضوائنه، ولِطَافه: مواعزه. وَقَالَ: رجل ضائن: كثير اللَّحْم. وَرجل ماعِز إِذا كَانَ معصوباً. وَمَا أمعز رَأْيه إِذا كَانَ صُلْب الرَّأْي. الرياشي عَن الأصمعيّ قَالَ الأمْعَز: الْمَكَان الْكثير الحَصى والمَعْزاء مثله. وَتجمع أمَاعِز ومَعْزاوات. وَرُبمَا جُمعت على مُعْزٍ وَأنْشد اللَّيْث:
جَمادٌ بهَا البَسْبَاسُ يُرْهِصُ مُعْزهَا
بناتِ اللَّبُون والصلاقمةَ الحمُرَا
وَقَالَ مثمر قَالَ ابْن شُمَيْل: المَعْزَاء: الصَّحرَاء فِيهَا إشرافٌ وغلِظٌ، وَهِي طينٌ وحَصًى مختلطانِ غير أَنَّهَا أَرض صُلْبة غَلِيظَة الموطىء، وإشرافها قَلِيل لئيم تقود أدنى من الدعْوَة وَهِي مَعِرَة من النَّبَات. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الأُمْعُوز: الثَّلَاثُونَ من الظِباء إِلَى مَا زَادَت. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: المِعْزِى للذكور وَالْإِنَاث، والمَعْزُ مثلهَا والمعيز مثلهَا وَكَذَلِكَ الضِئين.
مزع: فِي الحَدِيث: (مَا عَلَيْهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) مَعْنَاهُ: مَا عَلَيْهِ حُزّة لحم وَكَذَلِكَ مَا فِي وَجهه لحادة لحْم روى ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن عبد الله بن مُسلم عَن حَمْزَة بن عبيد الله عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تزَال الْمَسْأَلَة تأخذكم حَتَّى يلقى الله مَا فِي وَجهه مُزْعةُ لحم وَيُقَال: مَزَّعَ فلَان أمره تمزيعاً إِذا فرّقه. وَقَالَ الْكسَائي فِيمَا رَوَى عَنهُ أَبُو عبيد مَا عَلَيْهِ مُزعَة لحمٍ فِي بَاب النَّفْي. وَقَالَ اللَّيْث المِزْعَة من الريش والقطن كالمِزقة والبِتْكة وَجَمعهَا مِزَعٌ ومزَاعَة الشَّيْء: سُقَاطتهُ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: المَزْعِيُّ النمّام وَيكون السيّار بِاللَّيْلِ والقنافذ تَمْزَع بِاللَّيْلِ مَزْعاً إِذا سعت فأسرعتْ. وَأنْشد الرياشي لعَبْدة بن الطَبِيب:
قومٌ إِذا دَمَسَ الظلام عَلَيْهِم
حَدَجوا قنافذ بالنميمة تمزعُ
تضرب مثلا للنمّام. ومزّع اللَّحْم تمزيعاً إِذا قطَّعه وَقَالَ خُبَيب:
وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ
يُبَارك على أوصال شِلْو ممزَّع
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال مَزَعَ الظبْيُ يمزَعُ إِذا أسْرع فِي عَدْوه. وَالْمَرْأَة تمزّع الْقطن بِيَدِهَا إِذا زَبَّدَتهُ تقَطّعه ثمَّ تؤلفه فتجوّده بذلك. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: القُنْفُذ يُقَال لَهُ: المزَّاع. وَيُقَال للظبي إِذا عَدَا: مَزَعَ وقَزعَ. عَمْرو عَن أَبِيه: مَا ذقتُ مُزعَةَ لحم وَلَا حِذْفَةً وَلَا حِذبة وَلَا لحبَةً وَلَا حِرْباءة وَلَا يَرْبوعةً وَلَا مَلاكاً وَلَا مَلوكاً بِمَعْنى وَاحِد.

(أَبْوَاب الْعين والطاء)
ع ط د
اسْتعْمل من وجوهه: (عطد) .
عطد: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: سَفَر عَطَوَّدٌ: شاقٌ شَدِيد. وَفِي (نَوَادِر
(2/95)

الْأَعْرَاب) : جَبَلٌ عَطَوَّدٌ وعَطَرَّدٌ وعَصَوَّدٌ أَي طَوِيل. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: هَذَا طَرِيق عَطَوَّدٌ أَي بيِّن يذهب فِيهِ حَيْثُمَا شَاءَ. وَقَالَ اللَّيْث: العَطَوَّد السّفر الشاقّ الشَّديد. وَأنْشد:
فقد لَقينَا سَفَراً عَطَوَّدَا
يتْرك ذَا اللَّوْن البصيصِ أسْوَدَا
قَالَ: وبعضٌ يَقُول: عَطَوَّط. وَقَالَ الفرّاء: العَطَوَّدُ: الطَّوِيل.
وَقَالَ أَبُو عبيد: العَطَوَّدُ الانطلاق السَّرِيع. وَيُقَال ذهب يَوْمًا عَطَوَّداً أَي يَوْمًا أجمع وَأنْشد:
أقِم أَدِيم يَوْمهَا عَطَوَّدَا
مثل سُرَى لَيْلَتهَا أَو أبْعَدَا)
ع ط ت، ع ط ظ: مهملات.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الذَّال)
ع ط ذ
عذ ط، ذعط. (مستعملات) .
عذط: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العِذْيوْطُ هُوَ: الزُمَّلق والزَلق وَهُوَ الثَمُوت والثَّتّ. وَقَالَ: العِذيَوطَة من النِّسَاء: الَّتِي تحدث إِذا أُتِيَتْ وَهِي التيتاءة وَيُقَال: رجل تيتاء إِذا كَانَ كَذَلِك وَقَالَ شمر: العِذيَوط الَّذِي إِذا غشي الْمَرْأَة أكسل أَو أحدث. وَقَالَ اللَّيْث: العِذْيَوْط: الَّذِي إِذا أَتَى أَهله أبدَى. والجميع العذاويط والعذاييط.
وَقد عَذْيطَ الرجلُ يُعَذيطُ عَذْيطَةً. وَيجمع أَيْضا على عِذْيَوْطِين. وَمِنْهُم من يَقُول عِظْيَوْط بالظاء.
ذعط: الأصمعيّ: الذاعط: الذَّابِح، ذَعَطَه إِذا ذبحه. وَقَالَ الهُذَليّ:
إِذا وردوا مصرهم عوجلوا
من الْمَوْت بالهِمْيَغ الذاعِطِ
وَقَالَ اللَّيْث: الذَعْط: الذّبْح نَفسه. وَقد ذعطْته بالسكين، وذَعَطَته المنيةُ وسَحَطته.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الثَّاء)
ع ط ث
اسْتعْمل من وجوهه: ثطع ثعط.
ثطع: أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: الثُطَاعِي مَأْخُوذ من الثُطاع وَهُوَ الزُكام. وَقَالَ اللَّيْث: ثُطِعَ فَهُوَ مثطوع. وَهُوَ مثل الزُّكَام والسعال.
ثعط: عَمْرو عَن أَبِيه: ثَعِط اللحمُ ثَعَطاً إِذا أنتن. وأنشدني أَبُو بكر الْإِيَادِي:
يَأْكُل لَحْمًا بائتاً قد ثَعِطَا
أَكثر مِنْهُ الْأكل حَتَّى خَرِطَا
قَالَ وخَرِط بِهِ أَي غَصّ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: إِذا مَذِرت البَيْضة فَهِيَ الثَعِطَة. وَقَالَ بعض شعراء هُذيل يهجو نسَاء:
يُثَعّطْنَ العَراب وَهن سُودٌ
إِذا خَالسْنَهُ فُلُحٌ فِدَامُ
العَرَاب: فثم الخَزَم، واحدته عَرَابة. يُثَعّطْنَه: يرضَحْنَه ويَدْقُقْنه. فُلح: جمع الفَلْحَاء: الشفةِ. فدَام: هَرِمَات.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الرَّاء)
(ع ط ر)
عطر، عرط، طعر: مستعملة.
رعط، رطع، طرع: مُهْملَة.
(2/96)

عطر: قَالَ اللَّيْث: العِطْر: اسْم جَامع لهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي تعالج للطيب. وبَيَاعه: العَطّار، وحِرْفته: العِطارة. ورجلٌ عَطِر وامرأةٌ عَطرَة إِذا تعاهدا أَنفسهمَا بالطيب. وَقَالَ غَيره: رجلٌ عَطِر وامرأةٌ عَطِرَة إِذا كَانَا طيّبَيْ ريح الجِرْمِ وَإِن لم يتعطّرا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رجلٌ عاطِرٌ، وَجمعه عُطُر، وَهُوَ المحِبّ للطِيبِ. وَقَالَ: رجلٌ عاطِر وعَطِر ومِعطار ومِعطِير. وَالْمَرْأَة مثله. وَزَاد غَيره: يُقَال امْرَأَة عَطِرة مَطِرة بَضّة مَضَّة. قَالَ: والمَطِرة: الْكَثِيرَة السِوَاك، وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: نَاقَة مِعْطَرة ومِعطار وعِرْمِسٌ أَي كَرِيمَة. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه: تأطَّرت المرأةُ وتعطّرت إِذا أَقَامَت فِي بَيت أَبَوَيْهَا وَلم تتزوَّج. وقرأت فِي كتاب (الْمعَانِي) للباهليّ فِي قَول الراجز:
لهْفي على عَنْزين لَا أنساهُما
كأنَّ ظِل حَجَرٍ صُغْرَاهُمَا
وصَالِغٌ مُعْطَرة كبراهما
قَالَ مُعطَرة: حَمْرَاء. وَجعل الْأُخْرَى ظلّ حجر لِأَنَّهَا سَوْدَاء. قَالَ شمر: نَاقَة عَطَّارة وعطِرة وتاجرة إِذا كَانَت نافقة فِي السُّوق. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: بَطْني أعْطِري وسائري فذري يُقَال ذَلِك لمن أَتَاك بِمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ ويمنعك مَا تحْتَاج إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ فِي التَّمْثِيل رجل جَائِع أَتَى قوما فطيَّبوه.
عرط: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ أَبُو الْحسن اللِحْياني: العَقْرب يُقَال لَهَا أُمّ العِرْيَط. وَيُقَال عَرَط فلَان عِرض فلَان واعترطه إِذا اقترضه بالغِيبة وأصل العَرْطُ: الشقّ حَتَّى يَدْمَى.
طعر: روى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الطَعْرُ إِجْبَار القَاضِي الرجلَ على الحكم. قلت: وَهَذَا مِمَّا أهمله اللَّيْث. وَهُوَ حرف غَرِيب لم يروِه غير أبي عُمَر صَاحب كتاب (الْيَاقُوت) .
وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي (كِتَابه) : طَعَرَ فلَان جَارِيَته طَعْراً ورَطَعَها رَطْعاً، يكنَى بِهِ عَن الْجِمَاع. وَلم أسمعها لغيره وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّتهَا. قَالَ: وَقَالَ: اعترط الرجلُ إِذا أبعَدَ فِي الأَرْض.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ اللَّام)
(ع ط ل)
عطل، علط، لعط، لطع، طعل، طلع: مستعملات.
طعل: أهمل اللَّيْث طعل. وروى أَبُو عُمَر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الطاعِل: السهْم المقوَّم. والطَعْل: القَدْح فِي الْأَنْسَاب. قلت: وهما حرفان غَرِيبَانِ لم أسمعهما لغيره.
لعط: أهمله اللَّيْث أَيْضا، وَهُوَ مَعْرُوف. قَالَ النَّضر بن شُمَيْل فِيمَا قَرَأت بخطّ شَمِر لَهُ: اللُعْطُ: مَا لَزِق بنجَفة الجَبَل. يُقَال: خُذ اللُعْطَ يَا فلَان. ومرّ بفلان لاَعِطاً أَي مَرّ مُعَارِضاً إِلَى جَنْب حَائِط أَو جَبَل. وَذَلِكَ الْموضع من الْحَائِط والجبل يُقَال لَهُ: اللُّعْطُ. والمَلاَعِطُ: المراعِي حول الْبيُوت. يُقَال: إبل فلَان تَلْعَط المَلاَعِط أَي ترعى قَرِيبا من الْبيُوت وَأنْشد شمر:
(2/97)

مَا راعني إِلَّا جَنَاحٌ هابطا
على الْبيُوت قَوطَه العُلابطَا
ذَات فُضُول تَلْعَطُ المَلاَعِطَا
قَالَ: وجَنَاح: اسْم راعي غَنَم. وَجعل هابطاً هَهُنَا وَاقعا وَقَالَ غَيره: لَعَطني فلَان بحقّي لَعْطاً أَي لوانِي بِهِ ومَطَلَنِي. وروى أَبُو عُمَر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: ألْعَطَ الرجلُ إِذا مَشى فِي لُعْط الْجَبَل وَهُوَ أَصله.
وَيُقَال لَعْط الْجَبَل أَيْضا. ورأيته لاعِطاً أَي مَاشِيا فِي جَنْب الجَبَل. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: نَعْجة لَعْطَاء وَهِي الَّتِي بِعُرْض عُنُقها لُعْطَة سَوْدَاء وسائرها أَبيض. قلت: وَهَذِه الْحُرُوف كلهَا صَحِيحَة وَقد أهملها اللَّيْث.
عطل: أَبُو عبيد عَن الفرّاء: امْرَأَة عاطِل بِغَيْر هَاء: لَا حُلِيّ عَلَيْهَا. قَالَ: وَامْرَأَة عُطُلٌ مثلهَا. وأنشدنا القَنانيّ:
وَلَو أشرَفَت من كُفَّة السِتْر عاطلاً
لقلتَ غزالٌ مَا عيه خَضَاضُ
وَقَالَ الشمّاخ:
يَا ظَبْيَة عُطُلاً حُسَانَةَ الجِيد
وقوسٌ عُطُل: لَا وَتَر عَلَيْهَا. والأعطال من الْخَيل: الَّتِي لَا أرسان عَلَيْهَا. وَقَالَ اللَّيْث: عَطِلَتِ الْمَرْأَة تَعْطَلُ عَطَلاً وعُطُولاً وتَعَطَّلَت إِذا لم تَلْبَس الزِينة وَإِذا تُرِك الثَغْرُ بِلَا حامٍ يحميه فقد عُطِّلَ. والمواشي إِذا أهمِلَتْ بِلَا رَاع فقد عُطِّلَت وَكَذَلِكَ الرعيّة إِذا لم يكن لَهَا والٍ يسوسها فهم مُعَطَّلون، وَقد عُطِّلُوا أَي أهمِلوا. وبئر معطّلة لَا يُسْتقى مِنْهَا وَلَا ينْتَفع بِمَائِهَا. وتعطيل الْحُدُود: ألاَّ تُقَام على مَن وَجَبت عَلَيْهِ. وعُطِّلَت الغَلاّت والمزارع إِذا لم تُعْمَرْ وَلم تُحْرَث. وسمعتُ الْعَرَب تَقول: فلَان ذُو عُطْلة إِذا لم تكن لَهُ صَنْعَة يمارسها. ودَلْوٌ عَطِلَة: إِذا تَقَطع وذَمُها فتعطَّلت من الاستقاء بهَا وَفِي حَدِيث عَائِشَة فِي صفة أَبِيهَا: فرأب الثَأْي وأوذم العطِلة، أَرَادَت أنَّه ردّ الْأُمُور إِلَى نظامها وقوَّى أَمر الْإِسْلَام بعد ارتداد النَّاس، وأوهى أَمر الردَّة حَتَّى استقامت لَهُ النَّاس. والعَطِيل: شِمْراخ من شماريخ فُحّال النّخل يؤبَر بِهِ. سمعته من أهل الأحساء. والعَطَل: تَمام الْجِسْم وطولُه. وَامْرَأَة حَسَنة العَطَل إِذا كَانَت حَسَنَة الجُرْدَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: نَاقَة حَسَنَة العَطَل وَهِي نَاقَة عَطِلة إِذا كَانَت تامَّة الْجِسْم والطول. ونوق عَطِلاَت. وَقَالَ لبيد:
فَلَا نتجاوز العَطِلات مِنْهَا
إِلَى البَكْر المقارب والكَزُومِ
وَقَالَ اللَّيْث: شَاة عَطِلَة: يعرف فِي عُنُقها أَنَّهَا غزيرة. والعَيْطَل: النَّاقة الطَّوِيلَة فِي حُسْن مَنْظَر وسِمَن. وَقَالَ ابْن كُلْثوم:
ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدماء بِكْر
هِجان اللَّوْن لم تقْرَأ جَنِيناً
وَقَالَ اللَّيْث: امْرَأَة عَيْطَلٌ: طَوِيلَة من النِّسَاء فِي حُسْن جسم. وَامْرَأَة عَطِلة ذَات عَطَلٍ أَي حُسن جسمٍ. وَأنْشد أَبُو عَمْرو:
وَرْهَاءُ ذاتُ عَطَلٍ وَسِيمُ
وَرَأَيْت بالسَّوْدَة من ديارات بني سعد جبلا منيفاً يُقَال لَهُ: عَطَالَة وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ الْقَائِل:
(2/98)

خليليّ قُومَا فِي عَطَالَة فانْظُرَا
أناراً تَرَى من ذِي أبانين أم برْقَا
وَقَالَ شمر: التعطّل: ترك الحُليّ: والمِعْطال من النِّسَاء: الَّتِي تُكثر التعطّل. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: المعطال من النِّسَاء: الْحَسْنَاء الَّتِي لَا تبالي ألاّ تتقلّد قِلاَدة لجمالها وتمامها. قَالَ ومَعَاطِل الْمَرْأَة: مواقع حُليّها. وَقَالَ الأخطل:
زَانَتْ مَعَاطِلها بالدُرّ والذهبِ
قَالَ وَيُقَال: امْرَأَة عَطْلاَء: لَا حليّ عَلَيْهَا.
علط: أَبُو عبيد: سَمِعت الأصمعيّ يَقُول نَاقَة عُلُط: بِلَا خِطام. قَالَ أَبُو عبيد: وَقيل نَاقَة عُلُطٌ لَا سِمَةَ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْأَحْمَر: العِلاَط سِمَة فِي العُنُق بالعَرْض وَقد عَلَطْتها أعْلُطُها عَلْطاً. وَقَالَ غَيره: عِلاَطا الْحَمَامَة طوقها فِي صَفْحَتَيْ عُنُقهَا بسوادٍ. وَأنْشد:
من العُلْط سفعاء العِلاطين بادرتْ
فُرُوعَ أشَاءٍ مَطلِع الشَّمْس أسحَما
وَقَالَ ابْن السّكيت: العُلْطَة: القِلادة. وَأنْشد:
جاريةٌ من شِعْب ذِي رُعَينِ
حَيَّاكة تمشي بعُلطَتَين
وَقَالَ أَبُو زيد: عَلطتُ الْبَعِير عَلْطاً إِذا وَسَمْتَه فِي عُنُقه. قَالَ: وعلَّطته تعليطاً إِذا نزعتَ حَبْله من عُنُقه. وَهُوَ بعير عُلُطٌ من خِطَامه. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العُلْطَةُ سَواد تخطّه الْمَرْأَة فِي وَجههَا تتزيَّن بِهِ. وَكَذَلِكَ اللُعْطة. قَالَ: ولُعْطة الصَّقْر: سُفْعَةٌ فِي وَجهه. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العُلُطُ: الطوَال من النوق. والعُلُط أَيْضا: القِصَار من الحَمِير. قلت: وَهَذَا من (نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي) . وَقَالَ: الإعلِيط: وعَاء ثَمَر المَرْخ. وَأنْشد:
كإعليط مَرْخٍ إِذا مَا صَفِرْ
شبّه بِهِ أُذُن الْفرس. وَقَالَ اللَّيْث: عِلاَط الإبْرة: خيطها. وعِلاط الشَّمْس: الَّذِي كأنّه خيط إِذا نظرْت إِلَيْهَا. وَكَذَلِكَ النُّجُوم. وَأنْشد:
وأعلاط النُّجُوم مُعَلَّقَاتٌ
كحبل الفَرْق لَيْسَ لَهُ انتصابُ
قَالَ: الفَرْق: الكتَّان. قلت: وَلَا أعرف الْفرق بِمَعْنى الكتّان. وَقَالَ غَيره: أعلاط الْكَوَاكِب هِيَ النُّجُوم المسمّاة الْمَعْرُوفَة كَأَنَّهَا معلوطة بالسِمَاتِ. وَقَالَ بَعضهم: أعلاط الْكَوَاكِب هِيَ الدَرَاريّ الَّتِي لَا أَسمَاء لَهَا من قَوْلهم: نَاقَة عُلُط: لَا سِمَة عَلَيْهَا وَلَا خِطام. ونوق أعلاط. والأعلوَّاط: ركُوب الرَّأْس والتقحم على الْأُمُور بِغَيْر رَوِيَّة. يُقَال: اعلوَّطَ فلَان رأسَه، واعلوَّط الجملُ العنَّاقةَ يَعلوِّطها إِذا تسدَّاها ليضربها. وَهُوَ من بَاب الأفعوّال مثل الأخروّاط والاجلوَّاذ.
طلع: يُقَال: طلعَت الشمسُ تطلُع طُلُوعاً ومَطْلعاً فَهِيَ طالِعَة. وَكَذَلِكَ طلع الْفجْر والنجم وَالْقَمَر. والمطلِع: الْموضع الَّذِي تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ} (الْكَهْف: 90) . وأمَّا قَول الله جلّ وعزّ: {أَمْرٍ سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (الْقدر: 5) فَإِن الْكسَائي قَرَأَهَا (هِيَ حَتَّى مَطْلِعِ الْفجْر)
(2/99)

بِكَسْر اللَّام. وَكَذَلِكَ روى عبيد عَن أبي عَمْرو بِكَسْر اللَّام. وَقَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر واليزيديّ عَن أبي عَمْرو وَعَاصِم وَحَمْزَة {سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ} بِفَتْح اللَّام. وَقَالَ الفرّاء: أَكثر القرّاء على (مَطْلَع) . قَالَ: وَهُوَ أقوى فِي قِيَاس الْعَرَبيَّة؛ لِأَن المطلَع بِالْفَتْح هُوَ الطُّلُوع، والمطلِع بِالْكَسْرِ هُوَ الْموضع الَّذِي يُطْلَع مِنْهُ، إِلَّا أَن الْعَرَب تَقول: طلعت الشَّمْس مطلِعاً فيكسرون وهم يُرِيدُونَ الْمصدر. وَقَالَ: إِذا كَانَ الْحَرْف من بَاب فَعَلَ يَفْعُل مثل دَخَلَ يدخُل وخَرَجَ وَمَا أشبههما آثرت الْعَرَب فِي الِاسْم مِنْهُ والمصدر فتح الْعين إِلَّا أحرفاً من الْأَسْمَاء ألزموها كسر الْعين فِي مفعِل. من ذَلِك المسجِد والمطلِع والمغرِب والمشرِق والمَسْقِط والمفرِق والمَجْزِرُ والمسكِنُ والمرفِقُ والمنسِك والمنبِتُ فَجعلُوا الْكسر عَلامَة للاسم، وَالْفَتْح عَلامَة للمصدر. قلت أَنا: وَالْعرب تضع الْأَسْمَاء مَوَاضِع المصادر، وَلذَلِك قَرَأَ من قَرَأَ (هِيَ حَتَّى مَطْلِعِ الْفجْر) لِأَنَّهُ ذهب بالمطلِع وَإِن كَانَ اسْما إِلَى الطُّلُوع مثل المطلَع. وَهَذَا قَول الْكسَائي والفرّاء. وَقَالَ بعض الْبَصرِيين: من قَرَأَ (مَطْلِعِ الْفجْر) بِكَسْر اللَّام فَهُوَ اسْم لوقت الطُّلُوع. قَالَ ذَلِك الزجّاج. وَأَحْسبهُ قَول الْخَلِيل أَو قَول سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال طلع فلَان علينا من بعيد. قَالَ: وطَلْعته: رُؤْيَته. يُقَال حيّا الله طَلْعَتَك. قَالَ: واطَّلَعَ فلَان إِذا أشرف على شَيْء، وأطلع غَيره. وَقَول الله جلّ وعزّ: {ُ أَءِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ} ِ (الصافات: 54، 55) القرّاء كلهم على هَذِه الْقِرَاءَة، إِلَّا مَا رَوَاهُ حُسَيْن الجُعْفِيّ عَن أبي عَمْرو أَنه قَرَأَ (هَل أَنْتُم مُطْلِعونِ) سَاكِنة الطَّاء مَكْسُورَة النُّون فأُطلِعَ بِضَم الْألف وَكسر اللَّام على فأُفْعِلْ قلت: وَكسر النُّون فِي (مُطْلِعُونِ) شَاذ عِنْد النحويّين أَجْمَعِينَ، وَوَجهه ضَعِيف. وَوجه الْكَلَام على هَذَا الْمَعْنى: هَل أَنْتُم مُطْلِعيَّ وَهل أَنْتُم مُطْلِعُوه بِلَا نون؛ كَقَوْلِك: هَل أَنْتُم آمِروه وآمِريّ. وَأما قَول الشَّاعِر:
هم الْقَائِلُونَ الْخَيْر والآمِرُونَهُ
إِذا مَا خَشُوا من محدَث الْأَمر مُعظَمَا
فَوجه الْكَلَام: والآمرون بِهِ. وَهَذَا من شواذّ اللُّغَات. وَالْقِرَاءَة الجيّدة الفصيحة {ُأَنتُمْ} {ِأَنتُمْ} (الصافات: 54، 55) . وَمَعْنَاهَا: هَل تحبون أَن تتطلَّعوا فتَعْلموا أَيْن منزلتكم من منزلَة أهل النَّار فاطَّلع الْمُسلم فَرَأى قَرِينَه فِي سَوَاء الْجَحِيم أَي فِي وسط الْجَحِيم. وَإِن قَرَأَ قارىء: (هَل أَنْتُم مُطْلِعونَ) بِفَتْح النُّون فأطْلَع فَهِيَ جَائِزَة فِي العربيّة، وَهِي بِمَعْنى هَل أَنْتُم طَالِعُون ومطّلعُون. يُقَال: طَلَعْتُ عَلَيْهِم واطّلعت عَلَيْهِم بِمَعْنى واحدٍ. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: نَخْلَة مُطْلِعَة إِذا طَالَتْ النخلةَ الَّتِي بحذائها فَكَانَت أطول مِنْهَا. وَقد أطْلَعْتُ من فَوق الْجَبَل واطّلَعْتُ بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال أطْلَعَ النخلُ الطَلْع إطْلاَعاً، وطَلَعَ الطَلْع يَطْلُع طلوعاً، وطَلَعْتُ على أَمرهم أطلُع طُلُوعاً، واطّلعتُ عَلَيْهِم اطّلاعاً وطَلَعْتُ فِي الْجَبَل أطلُعُ طلوعاً إِذا أَدْبَرت فِيهِ حَتَّى لَا يراك
(2/100)

صَاحبك وطلَعتُ على صَاحِبي طلوعاً إِذا أَقبلت عَلَيْهِ. أَبُو عبيد فِي بَاب الْحُرُوف الَّتِي فِيهَا اخْتِلَاف اللُّغَات والمعاني: طلِعْت الْجَبَل أطلَعُه، وطَلَعت على الْقَوْم أطْلُع. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فيهمَا جَمِيعًا: طَلَعت أطْلُع وأقرأني الإيَاديّ عَن شمر لأبي عبيد عَن أبي زيد فِي بَاب الأضداد: طَلَعت على الْقَوْم أطْلُع طُلُوعاً إِذا غِبت عَنْهُم حَتَّى لَا يَرَوك، وطَلَعت عَلَيْهِم إِذا أَقبلت إِلَيْهِم حَتَّى يروك. قلت: وَهَكَذَا رَوَى الحرّاني عَن ابْن السّكيت: طَلَعت عَلَيْهِم إِذا غِبْت عَنْهُم، وَهُوَ صَحِيح جُعِل عَلَى فِيهِ بِمَعْنى عَن كَمَا قَالَ الله جلَّ وعزّ: {ُ} ِ (المطففين: 1، 2) مَعْنَاهُ إِذا اكتالوا عَن النَّاس وَمن النَّاس، كَذَلِك قَالَ أهل اللُّغَة أَجْمَعُونَ. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْحسن الصَيْدَاوِيّ عَن الرياشيّ عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: الطِلْعُ: كل مطمئن من الأَرْض ذاتِ الربْوة إِذا أطْلَعْتَه رَأَيْت مَا فِيهِ. وَمن ثمّ يُقَال أطْلِعْنِي طِلْعَ أَمرك. وَيُقَال: أطلَع الرجل إطلاعاً إِذا قاء.
وَقَالَ اللَّيْث: طَلِيعَة الْقَوْم: الَّذين يبعثون ليطّلعوا طِلْع العدوّ. ويسمّى الرجل الْوَاحِد طَلِيعَة والجميع طَلِيعَة والطلائع الْجَمَاعَات. قلت: وَكَذَلِكَ الرَبِيئة والشِّيفة والبَغِيَّة بِمَعْنى الطليعة، كل لَفْظَة مِنْهَا تصلح للْوَاحِد وَالْجَمَاعَة.
ورُوي عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ عِنْد مَوته: لَو أنَّ لي مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا لافتديت بِهِ من هَوْل المُطّلَع.
قَالَ أَبُو عبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: المُطَّلَع هُوَ مَوضِع الاطّلاع من إشرافٍ إِلَى الانحدار، فشبّه مَا أشرف عَلَيْهِ من أَمر الْآخِرَة بذلك. قَالَ: وَقد يكون المُطَّلَع المَصْعَد من أَسْفَل إِلَى الْمَكَان المُشْرِف. قَالَ: وَهَذَا من الأضداد.
وَمِنْه حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فِي ذكر الْقُرْآن: (لكل حرف حَدّ وَلكُل حَدّ مُطَّلَع) مَعْنَاهُ: لكل حَد مَصْعَدٌ يُصْعد إِلَيْهِ، يَعْنِي: من معرفَة علمه. وَمِنْه قَول جرير:
إِنِّي إِذا مُضَرٌ عَلَي تحدَّبتْ
لاقيتُ مُطَّلَعَ الْجبَال وُعُورا
وَيُقَال: مُطَّلَعُ هَذَا الْجَبَل من كَذَا وَكَذَا أَي مَصْعَده ومأتاه.
وَقد رُوي فِي حَدِيث عمر هَذَا أَنه قَالَ: لَو أَن لي طِلاَعَ الأَرْض ذَهَبا لافتديت بِهِ من هول المُطَّلَع.
قَالَ أَبُو عبيد: وطِلاَع الأَرْض: مِلْؤها حَتَّى يطالع أَعلَى الأَرْض فيساويه، وَمِنْه قَول أَوْس بن حَجَر يصف قوساً وَأَن مَعْجِسها يمْلَأ الكفّ فَقَالَ:
كَتُومٌ طِلاَع الكفّ لَا دون مِلئها
وَلَا عَجْسُهَا عَن مَوضِع الكفّ أفْضَلاَ
وَقَالَ اللَّيْث: طِلاَع الأَرْض فِي قَول عمر: مَا طلعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس من الأَرْض. وَالْقَوْل مَا قَالَه أَبُو عبيد. وَقَالَ اللَّيْث: والطلاع هُوَ الاطّلاع نَفسه فِي قَول حُمَيد بن ثَوْر:
وَكَانَ طِلاَعاً من خَصاصٍ ورِقْبَةً
بأعين أَعدَاء وطَرْفاً مُقَسَّمَا
(2/101)

قلت: قَوْله: وَكَانَ طِلاَعاً أَي مُطالعة يُقَال طالعته مطالعة وطِلاَعاً. وَهُوَ أحسن من أَن تَجْعَلهُ اطِّلاَعاً؛ لِأَنَّهُ الْقيَاس فِي الْعَرَبيَّة.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: إِن نَفسك لطُلَعَةٌ إِلَى هَذَا الْأَمر، وَإِنَّهَا لَتَطَّلِعُ إِلَيْهِ أَي لِتُنَازِع إِلَيْهِ. وَامْرَأَة طُلَعَةٌ قُبَعَةٌ: تنظر سَاعَة ثمَّ تختبىء سَاعَة. وَقَول الله جلّ وعزّ: {ُلِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَائِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ} ِ (الْهمزَة: 6، 7) قَالَ الفرّاء: يَقُول يبلغ ألَمُها الأفئدة. قَالَ والاطِّلاَع وَالْبُلُوغ قد يكونَانِ بِمَعْنى وَاحِد. وَالْعرب تَقول مَتى طَلَعْتَ أَرْضنَا أَي مَتى بلغْتَ أَرْضنَا. وَقَالَ غَيره: {تَطَّلِعُ على الأفئدة توفِي عَلَيْهَا فتحرقها، من اطّلعت إِذا أشرفت. قلت: وَقَول الفرّاء أحَبّ إليّ وَإِلَيْهِ ذهب الزجّاج. وَيُقَال: طَلَعْتُ الْجَبَل إِذا عَلَوته أطْلُعُهُ طُلُوعاً وَفُلَان طَلاَّع الثَنَايا وطَلاَّع أنْجُد إِذا كَانَ يَعْلُو الْأُمُور فيقهرها بمعرفته وتجاربه وجَوْدة رَأْيه والأنجد جمع النَجْد وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَكَذَلِكَ الثَنِيَّة. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: هَذِه يَمِين قد طَلَعَتْ فِي المخارم وَهِي الْيَمين الَّتِي تجْعَل لصَاحِبهَا مَخْرَجاً. وَمن هَذَا قَول جرير:
وَلَا خير فِي مَال عَلَيْهِ ألِيَّة
وَلَا فِي يَمِين غيرِ ذَات مخارِمِ
والمخارِم: الطّرق فِي الْجبَال أَيْضا، وَاحِدهَا مَخْرِمٌ. والطالِعُ من السِّهَام: الَّذِي يَقع وَرَاء الهَدَف، ويُعْدَلُ بالمُقَرْطِس.
وَقَالَ المرّار:
لَهَا أسهمٌ لَا قاصراتٌ عَن الحَشَى
وَلَا شاخصاتٌ عَن فُؤَادِي طوالِعُ
أخبَر أَن سهامها تصيب فُؤَاده وَلَيْسَت بِالَّتِي تَقْصُر دونه أَو تجاوزه فتخطئه.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رُوي عَن بعض الْمُلُوك أَنه كَانَ يسْجد للطالع مَعْنَاهُ: أَنه كَانَ يخْفض رَأسه إِذا شخص سَهْمُه فارتفع عَن الرَمِيَّة، فَكَانَ يطأطىء رَأسه ليتقوّم السهمُ فَيُصِيب الدارة. وَيُقَال اطَّلَعْتُ الفجرَ اطّلاعاً أَي نظرت إِلَيْهِ حِين طلع. وَقَالَ:
نسيمُ الصَبَا من حَيْثُ يُطّلَعُ الفجرُ
وَحكى أَبُو زيد: عافى الله رَجُلاً لم يتطّلع فِي فِيك، أَي لم يتعقب كلامك. وَيُقَال: فلَان بِطِلْعِ الْوَادي، وَفُلَان طِلْعَ الْوَادي، بِغَيْر الْبَاء. قَالَ: واستطلَعْتُ رَأْي فلَان إِذا نظرت مَا رَأْيه. وطَلَعَ الزَّرْع إِذا بدا يَطلع إِذا ظهر نَبَاته. وأطْلَعَتِ النخلةُ إِذا أخرجت طَلْعَهَا. وطَلْعُهَا: كُفُرَّاها قبل أَن تنشقّ عَن الغَرِيض. والغَريض يسمّى طَلْعاً أَيْضا. وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن المفضّل الضّبيّ أَنه قَالَ: ثَلَاثَة تُؤْكَل وَلَا تُسَمِّن، فَذكر الجُمَّار والطَلْع والكَمْأة، أَرَادَ بالطَلْع: الغَرِيض الَّذِي ينشَقّ عَنهُ كافوره، وَهُوَ أول مَا يُرَى من عِذْق النَّخْلَة. الْوَاحِدَة: طَلْعَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الطَوْلَعُ الطُلَعَاء وَهُوَ الْقَيْء. عَمْرو عَن أَبِيه: من أَسمَاء الحيّة الطِلْع والطِلّ. وَأَخْبرنِي بعض مَشَايِخ أهل الْأَدَب عَن بَعضهم أَنه قَالَ: يُقَال أطْلَعْت إِلَيْهِ مَعْرُوفا مثل أزْلَلْتُ.
وَقَالَ شمر: يُقَال مَا لهَذَا الْأَمر مُطَّلَعٌ وَلَا
(2/102)

مَطْلَع أَي مَاله وَجه وَلَا مَأْتًى يُؤْتَى مِنْهُ. وَيُقَال مَطْلَع هَذَا الْجَبَل من مَكَان كَذَا أَي مَصْعَدة ومأتاه. وَأنْشد أَبُو زيد:
مَا سُدَّ من مَطْلَع ضَاقَتْ ثنِيّته
إلاّ وَجَدتُ سَوَاء الضِّيق مُطَّلَعا
وَيُقَال أطلعَني فلَان وأرهقني وأذْلقني وأقحمني أَي أعجلني. وطُوَيْلع: رَكِيّة عادِيّة بِنَاحِيَة الشواجن عَذْبة المَاء قريبَة الرِشاء وطَلَّعْتُ كَيْله أَي ملأته جِدّاً حَتَّى تَطَلَّع أَي فاض قَالَ:
كنت أَرَاهَا وَهِي توقى محلباً
حَتَّى إِذا مَا كيلها تَطَلَّعَا
وقَدَح طِلاع: ممتلىء. وَعين طِلاَعة: ممتلئة. قَالَ:
أمَرُّوا أَمرهم لِنَوًى شَطُونٍ
فنفسي من ورائهم شَعَاعُ
وعيني يَوْم بانوا واستمرُّوا
لنِيَّتهم وَمَا رَبَعُوا طِلاَعُ
وطَلَعْتُ الجَبَل: علوته. وأطْلَعْتُ مِنْهُ: انحدرت نَحْو فَرَعتُ الْجَبَل عَلوته وأفرعتُ انحدرتُ ومَرَّ مُطَّلِعاً لذَلِك الْأَمر أَي غَالِبا لَهُ ومالكاً. وَهُوَ على مَطْلع الأكمة أَي ظَاهر بَيِّنٌ. وَهَذَا مَثَل يضْرب للشَّيْء فِي التَّقْرِيب. يُقَال: الشرّ يُلقَى مَطَالِع الأكم، أَي ظَاهر بارز. قَالَ ابْن هَرْمة:
صادتك يَوْم المَلاَ من مَصْغَرٍ عَرَضاً
وَقد تُلاَقِي المنايا مَطلِعَ الأكمِ
وطَلْعُ الشَّمْس: طُلُوعُهَا. قَالَ:
باكر عَوفاً قبل طَلْعِ الشَّمْس
لطع: اللَّيْث: لَطِعَ الْإِنْسَان الشَّيْء يَلْطَعُهُ لَطْعاً إِذا لحسَه بِلِسَانِهِ. قَالَ: والألطع: الرجل الَّذِي قد ذهبت أَسْنَانه، وَبقيت أسناخها فِي الدُرْدُر. قَالَ وَيُقَال بل اللَّطَعُ: رِقّة فِي شَفَة الرجل الألطع وَامْرَأَة لَطْعَاء. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرّاء: امْرَأَة لَطْعَاء بيّنة اللَطَع إِذا انسحقت أسنانها فلصِقت باللِثَة، وَقد لَطَعت الشَّيْء ألْطَعُهُ لَطْعاً إِذا لعِقته. قَالَ: وَقَالَ غَيره لَطِعْتُهُ بِكَسْر الطَّاء. وَقيل: امْرَأَة لطعاء: قَليلَة لحم الرَكَب.
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) . لَطَعتُه بالعصا. قَالَ والطِعْ اسْمه أَي أثبِتْهُ، الطَعْهُ أَي امحُه. وَكَذَلِكَ اطلِسْهُ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اللطْع بَيَاض الشّفة واللطَع قلَّة لحم الْفرج واللطَعُ أَن تتحاتّ الْأَسْنَان. واللطْعُ لَطْعُكَ الشَّيْء بلسانك ولَطَعْتُه بالعصا: ضَربته ولَطَعت عينَه: ضربتها ولطمتها. ولطَعتُ الغَرَض: رَمَيته فَأَصَبْته ولَطَعت البئرُ: ذهب مَاؤُهَا. والناقة اللطعَاء: الَّتِي ذهب فمها من الهَرَم. ولَطِعَ إصبعه ولعِق إِذا مَاتَ. ولَطَعَ الشرابَ والتطعه: شرِبه. قَالَ: ولَطْعَةُ الذِّئْب على صَوته وصنعَة السُرفة والدَّبرَ. واللطَع: الحَنَك والجميع: ألطاع.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ النُّون)
(ع ط ن)
عطن، عنط، نعط، نطع، طعن: الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى} مستعملات.
عطن: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى عَن الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل. أَخْبرنِي المنذريّ عَن الحرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: العَطَن:
(2/103)

مَبْرَك الْإِبِل حول المَاء. وَقد عَطَنَت الإبلُ على المَاء وعَطَّنَت، وأعْطَنْتُها أَنا إِذا سقيتها ثمَّ أنحتها فِي عَطَنِهَا لتعود فَتَشرب. وَأَخْبرنِي عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: قومٌ عُطَّانٌ وعَطَنَةٌ وعُطُونٌ وعَاطِنُون إِذا نزلُوا فِي أعطان الْإِبِل. وَلَا يُقَال: إبل عُطَّان. وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (رأيتُني أنزِعُ على قَلِيب، فجَاء أَبُو بكر فاستقى وَفِي نَزْعه ضَعْفٌ وَالله يغْفر لَهُ، فجَاء عمر فنَزَعَ فاستحالت الدَلْو فِي يَده غَرْباً فأروى الظَمِئة حَتَّى ضَرَبت بعَطَن) قَالَ ابْن السّكيت: قَوْله: (ضَرَبت بعَطَنٍ) يُقَال ضَرَبَت الإبلُ بعَطَنٍ إِذا رَوِيَتْ ثمَّ بَرَكَتْ على المَاء. وَأَخْبرنِي عبد الْملك عَن الرّبيع عَن الشافعيّ فِي تَفْسِير قَوْله: (ثمَّ ضَرَبَتْ بعَطَنٍ) بنحوٍ ممّا قَالَه ابْن السّكيت. وَقَالَ اللَّيْث: كل مَبْرَك يكون مَألفاً لِلْإِبِلِ فَهُوَ عَطَنٌ لَهَا بِمَنْزِلَة الوطن للغنم وَالْبَقر قَالَ: وَمعنى مَعَاطِن الْإِبِل فِي الحَدِيث: موَاضعهَا. وَأنْشد:
وَلَا تكَلِّفُنِي نَفسِي وَلَا هَلَعِي
حِرْصاً أُقيم بِهِ فِي مَعْطِن الهُونِ
قلت لَيْسَ كل مُنَاخ لِلْإِبِلِ يسمّى عَطَناً وَلَا مَعْطِناً. وأعطان الْإِبِل ومَعَاطنها لَا تكون إلاّ مَبَارِكَها على المَاء. وَإِنَّمَا تُعْطِن العربُ الإبلَ على المَاء حِين تَطْلُع الثريّا، وَيرجع النَّاس من النُجَع إِلَى المحاضِر، وتُعْطَنُ يَوْم وِرْدها فَلَا يزالون كَذَلِك إِلَى وَقت طُلُوع سُهَيْل فِي الخريف، ثمَّ لَا يُعْطِنُونهَا بعد ذَلِك، وَلكنهَا تَرِد المَاء فَتَشرب شَرْبتها وتَصْدُر من فَوْرها.
وَفِي حَدِيث عمر أَنه دخل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بَيته أُهُبٌ عَطِنَةٌ. قَالَ أَبُو عبيد: العَطِنَة: المُنْتِنة الرّيح. قلت: وَيُقَال عَطَنْتُ الجِلْد أعْطِنُهُ عَطْناً إِذا جعلتَه فِي الدبَاغ وَتركته فِيهِ حَتَّى يتمرّط شَعَرُه ويُنْتِن، فَهُوَ معطونٌ وعَطِينٌ. وَقد عَطِن الجِلد عَطَناً إِذا أنْتَنَ وأمْرَق عَنهُ وَبَرُه أَو صُوفه. وَيُقَال للَّذي يُسْتَقْذَر: مَا هُوَ إلاّ عطِينة، من نَتْنه. وَقَالَ أَبُو زيد: عَطِن الْأَدِيم إِذا أنْتَنَ وَسقط صوفه فِي العَطْن. والعَطْنُ أَن يُجْعَل فِي الدِبَاغ.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ أَبُو زيد: مَوضِع العَطِن العَطَنة قَالَ: والعَطْنُ فِي الجِلد: أَن يُؤْخَذ الغَلْقة وَهو ضربٌ من النَّبَات يدبغ بِهِ أَو فَرْثٌ يُلْقى فِيهِ الجِلْد حَتَّى يُنْتِن ثمَّ يلقى بعد ذَلِك فِي الدِبَاغ. وَفُلَان وَاسع العَطَن والبَلَد، وَهُوَ الرَحْب الذراعِ.
عنط: أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: العَنَطْنَطُ: الطَّوِيل من الرِّجَال. وَقَالَ اللَّيْث: واشتقاقه من عنَط وَلكنه أُرْدِف بحرفين فِي عَجُزه. وَأنْشد:
يَمْطو السُرَى بعُنُقٍ عَنَطْنَطِ
قَالَ: وَامْرَأَة عَنَطْنَطَةٌ: طَوِيلَة العُنُق مَعَ حُسْن قَوَام.
قَالَ: وعَنَطُها: طول قَوَامها وعنقها لَا يَجْعَل مصدر ذَلِك إِلَّا العَنَط. قَالَ: وَلَو جَاءَ فِي الشّعْر عَنَطْنَطَتُهَا فِي طول عُنُقهَا جَازَ ذَلِك فِي الشِعر. قَالَ وَكَذَلِكَ أسدٌ غَشَمْشمٌ بَين الغَشْم، ويومٌ عَصَبْصَبٌ بَين العَصَابة. ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي: أعْنَط: جَاءَ بولدٍ عَنَطْنَطٍ.
(2/104)

طعن: اللَّيْث: طعنه بِالرُّمْحِ يَطْعُنُهُ طَعْناً. وطَعَنَ بالْقَوْل السَيّء يَطْعَن طَعَنَاناً. واحتجّ بقوله:
وأبى الكاشحون يَا هندُ إِلَّا
طَعَنَاناً وَقَول مَالا يُقَال
ففرّق بَين المصدرين، وَغَيره لم يفرّق بَينهمَا. وَأَجَازَ لِلشاعر طعناناً فِي الْبَيْت؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ: أَنهم طعَنُوا فِيهِ بِالْعَيْبِ فَأَكْثرُوا، وتطاول ذَلِك مِنْهُم، وفَعَلاَن يَجِيء فِي مصَادر مَا يَتَطَاول ويتمادَى وَيكون مناسباً للميل والجَور. قَالَ اللَّيْث: والعَين مِن يَطْعُنُ مَضْمُومَة. قَالَ: وَبَعْضهمْ يَقُول: يَطْعُنُ بِالرُّمْحِ ويَطْعَنُ بالْقَوْل فيفرّق بَينهمَا. ثمَّ قَالَ اللَّيْث: وَكِلَاهُمَا يَطْعُنُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قَالَ الْكسَائي: لم أسمع أحدا من الْعَرَب يَقُول يَطْعَنُ بِالرُّمْحِ وَلَا فِي الْحسب، إِنَّمَا سَمِعت يَطْعُنُ. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء: سمعتُ أَنا يطعَنُ بِالرُّمْحِ. وَقَالَ اللَّيْث: الْإِنْسَان يَطْعُنُ فِي المغازة وَنَحْوهَا إِذا مضى فِيهَا قلت: وَيُقَال: طَعَنَ فلَان فِي السِنّ إِذا شخص فِيهَا وطَعَنَ غُصْنٌ من أَغْصَان الشَّجَرَة فِي دَار فلَان إِذا مَال فِيهَا شاخصاً. وأنشدني الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْعَبَّاس لمُدْرِك بن حُصَين يُعَاتب قومه:
وكنتم كأُمَ لَبَّة طَعَنَ ابْنهَا
إِلَيْهَا فَمَا دَرَّتْ عَلَيْهِ بسَاعِدِ
قَالَ: طَعَنَ ابْنهَا إِلَيْهَا أَي نَهَضَ إِلَيْهَا وشخص بِرَأْسِهِ إِلَى ثَدْيها، كَمَا يَطْعُن الْحَائِط فِي دَار فلَان إِذا شخص فِيهَا.
وَيُقَال: طَعَنَت المرأةُ فِي الحَيْضة الثَّالِثَة أَي دخلتْ.
وَقَالَ بَعضهم: الطَعْنُ: الدُّخُول فِي الشَّيْء.
وَيُقَال طُعِنَ فلَان فَهُوَ مطعون وطَعِين إِذا أَصَابَهُ الدَّاء الَّذِي يُقَال لَهُ: الطَّاعُون.
وَيُقَال: تَطَاعَن الْقَوْم فِي الْحَرْب واطَّعَنُوا إِذا طَعَنَ بَعضهم بَعْضًا: والتفاعل والافتعال لَا يكَاد يكون إِلَّا باشتراك الفاعلين فِيهِ؛ مثل التخاصم والاختصام، والتعاور والاعتِوار. ورجلٌ طِعِّين: حاذق بالطِعَان فِي الْحَرْب.
نطع: أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: هُوَ النَطْع والنَطَعُ والنِطْعُ والنِطَعُ. وَجمعه أنطاع.
وَقَالَ اللَّيْث: النِطَعُ: مَا ظهر من الْغَار الْأَعْلَى، وَهِي الجِلدة المُلْزَقة بِعظم الخُلَيْقَاء فِيهَا آثَار كالتحْزيز، والجميع النُطوع. والتَنَطُّع فِي الْكَلَام: التعمُّق فِيهِ، مَأْخُوذ مِنْهُ قلت: وَفِي الحَدِيث: (هلك المتنطِّعون) وهم المتعمّقون الغالُون. وَيكون: الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بأقصى حُلُوقهمْ تكبّراً؛ كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إنّ أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهِقون) . وسأفسّره فِي مَوْضِعه.
وَقَالَ أَبُو سعيد: يُقَال وَطئنا نِطَاعَ بني فلَان أَي دَخَلنَا أَرضهم.
قَالَ وجَنَاب الْقَوْم نِطاعهم. قلت: ونَطَاعِ بِوَزْن قَطَامِ: ماءة فِي بِلَاد بني تَمِيم قد وَرَدتُهَا يُقَال شَرِبَتْ إبلُنا من مَاء نَطَاعِ، وَهِي رَكيّة عَذْبة المَاء غزيرته. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: النُطُعُ: المتشدّقون فِي
(2/105)

كَلَامهم وَقَالَ ابْن الْفرج: سَمِعت أَبَا السَمَيْدَع يَقُول: تَنَطَّعَ فِي الْكَلَام وتَنَطَّسَ إِذا تأنّق فِيهِ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النُطَاعَةُ والقُطَاعَةُ والعُضَاضَة: اللُقْمة يُؤْكَل نصفهَا ثمَّ تردّ إِلَى الخِوَان وَهُوَ عيبٌ. يُقَال: فلَان لاطِع ناطِع قاطِع.
نعط: ناعِطٌ: حِصْن فِي رَأس جبلٍ بِنَاحِيَة الْيمن قديمٌ كَانَ لبَعض الأَذْواء.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: النُعْطُ: المسافرون سفرا بَعيدا، بالعَين.
قَالَ والنُعْطُ: القاطعو اللُقَم بنصفين فَيَأْكُلُونَ نِصفاً ويُلقون النّصْف الآخر فِي الغَضَار. وهم النُعُط والنُطُعُ واحدهم ناعِط وناطِع وَهُوَ السيّىء الأدبِ فِي أكله ومروءته وعَطائه. قَالَ: وَيُقَال: نعَط وأنطع إِذا قطع لُقْمة قَالَ: والنُغُط بالغين: الطِوال من النَّاس.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الْفَاء)
(ع ط ف)
اسْتعْمل من وجوهه: عطف، وعفط، وأهمل بَاقِي الْوُجُوه.
عطف: قَالَ الله جلّ وعزّ: {ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (الْحَج: 9) جَاءَ فِي التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: لاوياً عُنُقه. وَهَذَا يُوصف بِهِ المتكبِّر. فَالْمَعْنى: وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم ثَانِيًا عطفه. وَنصب {ثَانِىَ عِطْفِهِ} (الْحَج: 9) على الْحَال وَمَعْنَاهُ التَّنْوِين؛ كَقَوْلِه جلّ وعزّ: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (الْمَائِدَة: 95) مَعْنَاهُ: بَالغا الكعبةَ. وعِطْفا الرجل: ناحيتاه عَن يَمِين وشِمَال. ومَنْكِب الرجل: عِطْفه وإبطه عطفه ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (سُبْحَانَ من تعطَّف العِزَّ وَقَالَ بِهِ) ، مَعْنَاهُ وَالله أعلم: سُبْحَانَ منْ تَرَدَّى بالعِزّ، والعطاف: الرِدَاء. وَالْمرَاد مِنْهُ بهاء الله وجلاله وجماله. وَالْعرب تضع الرِّدَاء مَوضِع الْبَهْجَة وَالْحسن، وتضعه مَوضِع النعْمة والبهاء. وسمّي الرِّدَاء عِطافاً لوُقُوعه على عِطْفَيِ الرجُل وهما ناحيتا عُنُقه. فَهَذَا معنى تعطّفِه العِزَّ. وَيجمع العِطَاف عُطُفاً وأعْطِفَةً. والمِعْطَف: الرِّدَاء وَجمعه المعاطف. وَهُوَ مثل مئزر وَإِزَار وَمِلْحَف ولِحَاف ومِسْرَد وسِراد. وَقَالَ أَبُو زيد: امْرَأَة عَطِيف وَهِي الَّتِي لَا كِبْر لَهَا اللينة الذليلة المِطواع فَإِذا قلت: امْرَأَة عَطوف فَهِيَ الحانية على وَلَدهَا. وَكَذَلِكَ رجلٌ عَطُوفٌ. وَيُقَال: عَطَفَ فلَان إِلَى نَاحيَة كَذَا يَعْطِفُ عَطْفاً إِذا مَال إِلَيْهِ، وانعطف نَحوه. وعَطَفَ رأسَ بعيره إِلَيْهِ إِذا عَاجَهُ عَطْفاً. وعَطَفَ الله بقلب السُّلْطَان على رعيّته إِذا جعله عَاطِفاً رحِيما. وَيُقَال عَطَف الرجل وِساده إِذا ثَنَاه ليرتفق عَلَيْهِ ويتّكىء. وَقال لَبيد:
وَمَجُودٍ من صُبَابات الكَرَى
عَاطِف النمرق صَدْق المُبْتَذَلْ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العُطُوف: الأردية. والعُطوف الآباط. وعِطْفا كل إنسانٍ ودابّةٍ: شِقَّاه من لدن رَأسه إِلَى وركيه شمر عَن ابْن شُمَيْل: العِطَاف
(2/106)

تَردّيك بِالثَّوْبِ على منكبيك كَالَّذي يفعل النَّاس فِي الحرّ وَقد تعطف بردائه. قَالَ: والعطاف الرِّدَاء والطيلسان وكل ثوب تَعَطَفُهُ أَي تَردَّى بِهِ فَهُوَ عطاف.
وَقَالَ اللَّيْث: العَطاف: الرجل الحَسن الْخُلُق العَطُوف على النَّاس بفضله. وظبية عَاطِف إِذا رَبضتْ فعَطفتْ عُنقها. وَكَذَلِكَ الحاقِف من الظباء. وناقةٌ عطوفٌ إِذا عَطِفَتْ على بَوّ فرئمته. والجميع العُطُف. وَيُقَال فلَان يتعاطف فِي مِشيته بِمَنْزِلَة يتهادى ويتمايل من الخُيَلاء والتبختُر. وَيقال: عَطَفْتُ رَأس الخَشَبة فانعطف إِذا حَنَيته فَانْحنى. والعَطُوف وبعضٌ يَقُول: العاطوف مِصْيدة، سمّيتْ بِهِ لانعطاف خشبتها.
وَقَالَ غَيره: العطائف: القِسيّ، الْوَاحِدَة عطِيفَة، كَمَا سمّوها حنِيَّةً وَجَمعهَا حَنيُّ. قَالَ والعطف: عطف أَطْرَاف الذَيل من الظهارة على البِطانة. وَقَالَ ذُو الرمة فِي العطائف القسِيّ:
وأصفر بلَّى وشيَه خفقانُه
عَلَى البِيض فِي أغمادها والعطائف
أصفر يَعْنِي بردا يظلّل بِهِ. وَالْبيض السيوف والعطَّاف فِي صفة قِداح الميسر. وَيُقَال: العَطُوف: وَهُوَ الَّذِي يَعطف على القداح فَيخرج فائزاً.
وَقَالَ الْهُذلِيّ يصف مَاء وَرده:
فخضخضتُ صُفْنِيَ فِي جَمَّهِ
خِيَاض الْمدَابر قِدحاً عطُوفاً
وَقَالَ القتيبي فِي كتاب (الميسر) : العَطوف: القِدْح الَّذِي لَا غُرْم فِيهِ وَلَا غُنْم لَهُ، وَهُوَ أحد الأغفال الثَّلَاثَة فِي قِداح الميسر، سُمّي عطُوفاً لِأَنَّهُ يُكَرُّ فِي كل رَبَابه يضْرب بهَا. قَالَ وَقَوله: قِدحاً عطوفاً وَاحِد فِي معنى جَمِيع، وَمِنْه قَوْله:
حَتَّى يخضخض بالصُفْن السبيخ كَمَا
خَاضَ القِدَاح قَمِيرٌ طامِعٌ خَصِلُ
السبيخ: مَا نَسَل من ريش الطير الَّتِي ترد المَاء. والقمير: المقمور. والطامِع: الَّذِي يطْمع أَن يعود إِلَيْهِ مَا قُمِرَ. وَيُقَال: إِنَّه لَيْسَ يكون أحد أطمع من مقمور، خَصِل: كثير خِصَال قَمْرِهِ.
وَأما قَول ابْن مقبل:
وأصفرَ عطَّاف إِذا رَاح رَبُّهُ
غَدا ابْنا عِيانٍ بالشِوَاء المُضَهَّبِ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بالعَطَّاف قِدْحاً يعطِف عَن مآخذ القِداح وَينفرد.
وَقال ابْن شُمَيْل: العَطَفة هِيَ الَّتِي تَعَلَّقُ الْحَبَلَةُ بهَا من الشّجر. وَأنْشد:
تَلَبَّسَ حُبُّها بدمِي ولحمِي
تَلَبُّسَ عطْفةٍ بِفُرُوع ضَالِ
قَالَ النَّضر: إِنَّمَا هِيَ عطَفَة فخفّفها ليستقيم لَهُ الشِعْر. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: مِن غَرِيب شجر البَرّ العَطْفُ واحده عطَفَة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال تَنَحَّ عَن عطْف الطَّرِيق وعطْفِه وعلَبِهِ ودَعسِهِ وقَرِيّه وَقَرِقِه وقَارِعته.
وروى بَعضهم عَن المؤرِّج أَنه قَالَ فِي حَلْبة الْخَيل إِذا سوبق بَينهَا وَفِي أساميها: هُوَ السَّابق، والمصَلّى، والمسَلّى، والمجلِّي، وَالتالي والعاطف، والحظيّ، وَالمؤمَّل، وَاللَطِيم، وَالسُكَيْت.
(2/107)

وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا يعرف مِنْهَا إِلَّا السَّابِق وَالمصَلّى ثمَّ الثَّالِث وَالرابع إِلَى الْعَاشِر وَآخرها السُكَيت وَالفِسْكِل. قلت: وَقد رَأَيْت لبَعض الْعِرَاقِيّين هَذَا الَّذِي رُوي عَن المؤرج، وَلم أجد الروَاية ثَابِتَة عَن المؤرج من جِهَة مَن يوثق بِهِ فَإِن صحَّت الروَاية عَنهُ فَهُوَ ثِقَة، وَقد جَاءَ بِهِ ابْن الْأَنْبَارِي. وَالعطَفة من خرَز النِّسَاء تتعلّقها طلب محبَّة أزوَاجها. وَسميت بذلك تفاؤلاً بهَا. وقوسٌ عَطُفٌ: ليّنة الانعطاف. قَالَ:
فظل يمطو عُطُفاً رُجُوماً
وَقيل للقوس: عُطفٌ لِأَنَّهَا معطوفة، فُعُل بِمَعْنى مفعولة، كَمَا قيل: قَوس عُطُلٌ أَي مُعَطَّلَة لَا وَتَر عَلَيْهَا، وقلبٌ فُرُغٌ أَي مفرَّغ من الْحزن، وَنَحْو ذَلِك كثير. والعَطَفُ: وجع فِي الْعُنُق من تعادى الوسادة عِطف الرجل. وَقَوله فِي وصف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي أَشْفَاره عَطَفٌ أَي انعطافٌ. وعطَّفتُه ثوبي أَي جعلته عِطافاً لَهُ. وَقَالَ ابْن كُرَاع:
وَإِذا الرِكَابُ تكلفتها عُطِّفَتْ
ثمرَ السِّيَاط قطوفها وسِيَاعَهَا
أَي جُعِلَتِ السياطُ عُطفاً لَهَا جُنُوبها، وَإِنَّمَا تُضْرَبُ بالثمر لِأَنَّهَا لَا تدرَك فتضربَ بِالسياط. وثمر السِّيَاط: أطرافها. وعِطاف من أَسمَاء الْكَلْب. قَالَ:
فصَبَّحَهُ عِنْد السروق عُدَيَّة
أَخُو قَنَصٍ يُشْلى عِطَافاً وأجذلاَ
عفط: قَالَ اللَّيْث: العَفْطُ والعَفِيط نَثْر الشَّاة بأنوفها كَمَا يَنْثِر الْحمار، وَالْعرب تَقول: مَا لفُلَان عَافِطَة وَلَا نافِطة فَقَالَ الْأَصْمَعِي: العَافِطَة: الضائنة، والنافِطة: الماعزة. وَقَالَ ابْن السّكيت: قَالَ غير الْأَصْمَعِي من الْأَعْرَاب: العافطَة: الماعزة إِذا عَطَست. وَقَالَ اللَّيْث: قَالَ أَبُو الدُقَيش العافِطة: النعجة، والنافِطة: العَنْز، وَقَالَ غَيره: العافِطة: الأَمَة، والنافِطة: الشَّاة، لِأَن الأمَة تَعْفِط فِي كَلَامهَا، كَمَا يَعْفِط الرجلُ العِفْطِيّ وَهُوَ الألكن الَّذِي لَا يُفْصح وَهُوَ العَفَّاط، وَقد عَفَطَ فِي كَلَامه عَفْطاً وعَفَتَ عَفْتاً، وَهُوَ عَفَّاتٌ عَفَّاط. وَلَا يُقَال على جِهَة النِّسْبَة إلاّ عِفْطِي. قلت: الأعْفَتُ والألْفَتُ: الأعسر الأخرق. وعَفَتَ الكلامَ إِذا لواه عَن وَجهه. وَكَذَلِكَ لَفَته. وَالتَّاء تبدل طاءً لقرب مخرجيهما. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَافِط الَّذِي يَصِيح بالضأن لتأتِيَه. وَقَالَ بعض الرجّاز يصف غنما:
يحار فِيهَا سَالِىءٌ وآقِطُ
وحالبان ومَحَاحٌ عَافِطُ
وَيُقَال حاحيت بالمِعْزَى حِيحاء ودعدعت بهَا دعدعة إِذا دعوتها.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سَمِعت عَرّاماً يَقُول: عَفَق بهَا وعَفَط بهَا إِذا ضَرَط.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَفْطُ الحُصَاص للشاة، والنَفْطُ: عُطَاسُها.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الْبَاء)
(ع ط ب)
عطب، عبط، طبع، طعب، بعط: مستعملة.
عطب: قَالَ اللَّيْث: العَطَبُ: هَلَاك الشَّيْء
(2/108)

وَالْمَال وعَطِبَ البعيرُ إِذا انْكَسَرَ أَو قَامَ على صَاحبه، وأعْطَبتُهُ أَنا: أهلكته. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَوْطَبُ أعمقُ مَوضِع فِي الْبَحْر. وَقَالَ فِي موضعٍ: العَوْطَبُ: المطمئنّ بَين الموجتين. قَالَ: والعَطْبُ: لِين الْقطن وَالصُّوف يُقَال: عَطَبَ يَعطُبُ عَطْباً وعُطُوباً. وَهَذَا الْكَبْش أعطَبُ من هَذَا أَي أَلين. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: هُوَ العُطْبُ والعُطُبُ للقُطُن.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال إِنِّي لأجد ريح عُطْبَة أَي أجد ريح قطنة محترِقة.
وَقَالَ أَبُو سعيد: التعطيبُ، علاج الشَّرَاب ليطيب ريحُه. يُقَال: عَطْبَ الشرابَ تعطيباً. وَأنْشد بَيت لَبيد:
يَمُجُّ سُلاَفاً من رحيق مُعَطَّبِ
وَرَوَاهُ غَيره: من رحيق مُقَطَّبِ، وَهُوَ الممزوج، وَلَا أَدْرِي مَا مُعَطَّب. والمعَاطِبُ: المهالك وَاحِدهَا معطب.
عبط: قَالَ اللَّيْث: العَبْطُ: أَن تَعْبِط نَاقَة فتنحرها من غير دَاء وَلَا كَسْر. يُقَال: عَبَطَها يَعبِطُها عَبْطاً، واعْتَبَطَها اعتِباطاً.
وَقَالَ ابْن بُزُرْجَ فِيمَا وجدت لَهُ بِخَط أبي الْهَيْثَم: العِبِيط من كلّ اللَّحْم وَذَلِكَ مَا كَانَ سليما من الْآفَات إِلَّا الْكسر. قَالَ: وَلَا يُقال للّحم الدَوِي الْمَدْخُول من آفةٍ: عَبِيط، وَيُقَال للدابة عبيطة ومعتبَطة، وَاللَّحم نَفسه عبيط أَي سليم إِلَّا من كسر. وَيُقَال مَاتَ فلَان عَبْطَة، أَي شابًّا صَحِيحا. واعتبطه الموتُ. وَقَالَ أمَيَّة بن أبي الصَلْت:
من لم يمت عَبْطَة يَمُتْ هَرَماً
للْمَوْت كأسٌ فالمرء ذائقها
وَيُقَال لحمٌ عَبيط ومعبوط إِذا كَانَ طريًّا لم يُنَيِّبْ فِيهِ سَبُعٌ وَلم تُصبه عِلة. وَقَالَ لَبيد:
وَلَا أَضَنُّ بمعبوطِ السَنَام إِذا
كَانَ القُتارُ كَمَا يُسْتَرْوَحُ القُطُرُ
وَقَالَ اللَّيْث: زعفران عبيط: يشبّه بِالدَّمِ العبيط. قَالَ: وَيُقَال: عَبَطَتْه الدَّوَاهِي أَي نالته من غير اسْتِحْقَاق. وَقَالَ الأُريقط:
بمنزلِ عَفَ وَلم يخالِط
مُدَنّسَاتِ الرِيَبَ العَوَابِطِ
وَيُقَال: عَبَط فلَان الأَرْض عَبْطاً واعتبطها إِذا حفر موضعا لم يكن حُفِر قبل ذَلِك. وَقَالَ المرَّار العَدَوي:
ظَلَّ فِي أَعلَى يَفَاعٍ جازلا
يعبط الأَرْض اعتباط المحتَفِر
أَبُو عبيد: العَبْط: الشقُ. وَمِنْه قَول الْقطَامِي:
وظلّت تعبُط الْأَيْدِي كلُوماً
وثوبٌ عبيط أَي مشقوق وَجمعه عُبُط.
وَمِنْه قَول أبي ذُؤَيْب:
فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ
كنوافذ العُبُطِ الَّتِي لَا تُرْقَعُ
وَأَخْبرنِي المنذريّ أَن أَبَا طَالب النَّحْوِيّ أنْشدهُ فِي كتاب (الْمعَانِي) للفرّاء: كنوافذ العُطُب.
ثمَّ قَالَ ويروى كنوافذ العُبُط. قَالَ والعُطُب: الْقطن، والنوافذ: الْجُيُوب يَعْنِي جُيُوب الأقمصة. وَأخْبر أَنَّهَا لَا تُرقَع،
(2/109)

شبّه سَعَة الْجِرَاحَات بهَا. قَالَ: وَمن رَوَاهَا: العُبُط أَرَادَ بهَا: جمع عبيط، وَهُوَ الَّذِي يُنحر لغير علّة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ خُرُوج الدَّم أشدّ. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: اعتبط فلَان عليّ الكذبَ، وعَبَطَ يَعْبِط إِذا كذب. ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العابط الكذّاب. والعَبْطُ: الْكَذِب. والعَبْطُ: الغِيبة. والعَبْط الشَقُّ وَيُقَال عَبَط الحمارُ الترابَ بحوافره إِذا أثاره، والترابُ عبيطٌ. وعَبَطَتِ الرّيح وجهَ الأَرْض إِذا قَشَرتْهُ. وعَبَطْنَا عَرَق الْفرس أَي أجريناه حَتَّى عَرِقَ. وَقَالَ الْجَعْدِي:
وَقد عَبَطَ الماءَ الحميمَ فأسْهَلاَ
طبع: الحرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: الطَبْع مصدر طَبَعْتُ الدِّرْهَم طَبْعاً. والطِبْعُ النَّهر وَجمعه أطباع، عَن الْأَصْمَعِي. وَأنْشد للبيد:
فَتَولَّوْا فاتراً مَشْيُهمُ
كروايا الطِبْع همَّت بالوحَلْ
وَيجمع الطِبعُ بِمَعْنى النَّهر على الطُبوع، سمعته من الْعَرَب. والطَبْع: ابتداءُ صَنْعَة الشَّيْء. تَقول: طَبَعْتُ اللَبِن طَبْعاً وطَبَعْتُ السَّيْف طَبْعاً والطَبَّاع: الَّذِي يَأْخُذ الحديدة فيطَبَعُها ويُسَوِّيها إمّا سِكّيناً وإمّا سَيْفا وَإِمَّا سِناناً. وحِرْفَتُه الطِبَاعَة. وطَبَعَ الله الخَلْق على الطبائع الَّتِي خلقهَا فأنشأهم عَلَيْهَا، وَهِي خلائقهم. وَيجمع طَبْع الْإِنْسَان طِبَاعاً، وَهُوَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ من طِبَاع الْإِنْسَان فِي مأكله ومشربه وسهولة أخلاقه وحُزُونتها وعُسرها ويُسرها وشدّته ورخاوته وبُخْله وسخائه. وَيُقَال طَبَعَ الله على قلب الْكَافِر نعود بِاللَّه مِنْهُ أَي ختم عَلَيْهِ فَلَا يعي وَعْظاً وَلَا يوفَّق لخير. والطَابَع: الخاتَم. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق النَّحْوِيّ: معنى طَبَعَ فِي اللُّغَة وخَتَم واحدٌ وَهُوَ التغطية على الشَّيْء والاستيثاق من أَن يدْخلهُ شَيْء؛ كَمَا قَالَ {الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ} (مُحَمَّد: 24) {ُِالاَْوَّلِينَ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ} (المطفيين: 14) مَعْنَاهُ: غَطّى على قُلُوبهم، وَكَذَلِكَ {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} (النَّحْل: 108) . قلت: فَهَذَا تَفْسِير الطَّبْع بتسكين الْبَاء على الْقلب. وَأما طَبَع الْقلب بِحركة الْبَاء فَهُوَ تلطُّخه بالأدناس. وأصل الطَبَع: الصدأ يكثر على السَّيْف وَغَيره. قَالَ ابْن السّكيت: وَذكر أَن الْأَصْمَعِي وَغَيره أنْشدهُ هَذِه الأرجوزة:
إِنَّا إِذا قلّتْ طخارير القَزَعْ
وَصدر الشَّارِب مِنْهَا عَن جُرَعْ
نَفْحَلها البِيضَ القليلاتِ الطَبَعْ
من كل عَرَّاصٍ إِذا هُزَّ اهْتَزَعْ
وَفِي الحَدِيث: (نَعُوذ بِاللَّه من طَمَع يَهْدي إِلَى طبَع) .
قَالَ أَبُو عبيد: الطبَع الدنس وَالْعَيْب، وَكلُّ شَيْن فِي دِين أَو دُنيا فَهُوَ طَبَع. وَيُقَال مِنْهُ: رجلٌ طَبِعٌ. وَمِنْه قَول عمر بن عبد الْعَزِيز: لَا يتزوجُ من الموَالِي فِي الْعَرَب إلاّ الأشِر البَطِر. وَلَا يتَزَوَّج من الْعَرَب فِي الموَالِي إلاّ الطمِعُ الطَبَعُ.
وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المُطَبَّعُ: المَلآن وَأنْشد غَيره:
وَأَيْنَ وَسْق النَّاقة المُطَبَّعَهْ
(2/110)

قَالَ: المُطَبَّعَةُ: المثقّلة. قلت: وَتَكون المطبَّعَة النَّاقة الَّتِي مُلئتْ شَحْماً وَلَحْمًا فتَوثَّق خَلْقُها.
وَقَالَ اللَّيْث: طَبَّعْتُ الْإِنَاء تطبيعاً، وَقد تطبَّع النهرُ حَتَّى إنّه ليتدفّق. قَالَ: والطَبْع مَلؤك السِقَاء حَتَّى لَا مَزِيد فِيهِ من شدّة مَلْئه. وَقَالَ فِي قَول لبيد:
كرَوَايَا الطِبْع هَمَّت بالوَحَلْ
إِن الطِّبْع كالمِلْء. قَالَ: وَلَا يُقَال للمصدر: طَبْع؛ لِأَن فِعله لَا يخفّف كَمَا يُخَفف فعل مَلَأت. قَالَ وَيُقَال: الطِبْع فِي بَيت لبيد: المَاء الَّذِي يُمْلأ بِهِ الراوية. قلت: وَلم يعرف اللَّيْث الطِبْع فِي بَيت لبيد، فتحيّر فِيهِ، فمرّةً جعله المِلء وَهُوَ مَا أَخذ الإناءُ من المَاء، ومرّةً جعله المَاء، وَهُوَ فِي الْمَعْنيين غير مُصِيب. والطِبْع فِي بَيت لبيد مَا قَالَه الْأَصْمَعِي أَنه النَّهر. وسُمِيّ النَّهر طِبْعاً لِأَن النَّاس ابتدءوا حفره، وَهُوَ بِمَعْنى الْمَفْعُول كالقِطْف بِمَعْنى المقطوف والنِكث بِمَعْنى المنكوث من الصُّوف، وأمَّا الْأَنْهَار الْكِبَار الَّتِي شَقّها الله تَعَالَى فِي الأَرْض شَقًّا مثل دِجْلة والفُرَات والنّيل وَمَا أشبههَا فَإِنَّهَا لَا تسمَّى طُبُوعاً، إِنَّمَا الطُبُوع: الْأَنْهَار الَّتِي أحدثها بَنو آدم واحتفروها لمرافقهم. وَقَول لَبيد: هَمَّتْ بالوحَل يدلّ على مَا قَالَ الْأَصْمَعِي؛ لِأَن الروايا إِذا أوقرت بالمزايد مَمْلُوءَة مَاء ثمَّ خاضت أَنهَارًا فِيهَا وَحَل عَسُر عَلَيْهَا الْمَشْي فِيهَا وَالْخُرُوج مِنْهَا. وَرُبمَا ارتطمت فِيهَا ارتطاماً إِذا كثر الوحَل. فشَبّه لبيد الْقَوْم الَّذين حاجّوه عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر فأدحض حججهم حَتَّى ذلّوا فَلم يتكلّموا بروايا مثقلة خاضت أَنهَارًا ذَات وَحَل فتساقطتْ فِيهَا وَالله أعلم. وَقَالَ شمر: يُقَال طَبِع إِذا دَنِس وعِيبَ وطُبِع وطُبِّعَ إِذا دُنِّس وعِيبَ. قَالَ وأنشدتنا أم سَالم الكلابيّة:
ويحمدها الجيرانُ والأهلُ كلُّهم
وتبغِض أَيْضا عَن تُسَبَّ فتُطْبَعَا
قَالَ: ضمّت التَّاء وَفتحت الْبَاء. وَقَالَت: الطَبْع: الشَين فَهِيَ تبغِض أَن تُطْبَع أَي تُشان. وَقَالَ ابْن الطَثْريّة:
وعَنْ تخلطي فِي طيّب الشِرب بَيْننَا
من الكَدِر المأبيّ شِرباً مُطَبَّعا
أَرَادَ: وَأَن تخلطي وَهِي لُغَة تَمِيم. قَالَ: والمطَبَّع: الَّذِي قد نُجِّسَ. والمأبيّ المَاء الَّذِي يَأْبَى شُرْبه الْإِبِل. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الطَبْعُ الْمِثَال، يُقَال اضربه على طَبْع هَذَا وعَلى غِراره وصِيغته وهِدْيته أَي على قدره. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : يُقَال قد قَذَذت قفا الْغُلَام إِذا ضَربته بأطراف الْأَصَابِع، فَإِذا مكَّنت الْيَد من الْقَفَا قلت طَبَعْتُ قَفاهُ. والطَّبُّوع: دابّة من الحشرات شَدِيدَة الْأَذَى بالشأم. وَلفُلَان طابِعٌ حَسَنٌ أَي طبيعةٌ حسنةٌ. قَالَ الرُؤَاسِيّ:
لَهُ طابِعٌ يجْرِي عَلَيْهِ وَإِنَّمَا
تَفَاضَلُ مَا بَين الرِّجَال الطَبَائِعُ
أَي تتفاضل.
وطُبْعَان الْأَمِير: طينُه الَّذِي يُختم بِهِ الْكتب.
(2/111)

بعط: قَالَ اللَّيْث: يُقَال أبعَط الرجلُ فِي كَلَامه إِذا لم يُرْسِلهُ على وَجهه. وَقَالَ رؤبة:
وقلتُ أقوالَ امرىءٍ لم يُبْعِطِ
أعْرِضْ عَن النَّاس وَلَا تَسَخَّطِ
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد: يُقَال أبعط فلَان فِي السَّوم إِذا جَاوز فِيهِ القَدْر. وَكَذَلِكَ طمح فِي السّوم وأشطّ فِيهِ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: هُوَ المُعْتَنِز والمُبْعِطُ والصُنْتُوت والفَرِدُ والفَرَدُ والفَرْدُ والفَرُود. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلمَة عَن الفرّاء أَنه قَالَ: يبدلون الدَّال طاء، فَيَقُولُونَ: مَا أبعط طَارَك يُرِيدُونَ مَا أبْعَدَ دَارَك. وَيُقَال بَعَطَ الشَّاة وسَحَطَهَا وذَمَطَها وبَرخَها وذَعَطَها إِذا ذَبحهَا.
طعب: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: مَا بِهِ من الطَعْبِ أَي مَا بِهِ من اللَّذَّة والطِّيب.

(بَاب الْعين والطاء مَعَ الْمِيم)
(ع ط م)
عطم، عمط، طعم، طمع، مطع، معط: مستعملات.
عطم: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العُطْمُ: الصُّوف المنفوش. قَالَ والعُطُم: الهَلْكَى واحدهم عَطِيم وعاطِم.
عمط: أهمله اللَّيْث وَقَالَ غَيره: اعتبط فلَان عِرْض فلَان واعتمطه إِذا وَقع فِيهِ وقَصَبه بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
طعم: قَالَ الله جلّ وعزّ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 -} (الْبَقَرَة: 249) قَالَ أَبُو إِسْحَاق: مَعْنَاهُ: من لم يتطعَّم بِهِ. وَقَالَ اللَّيْث: طَعْمُ كل شَيْء ذَوقه قَالَ: والطَعْمُ الْأكل بالثنايا. وَتقول إِن فلَانا لحسن الطَّعْم وَإنَّهُ ليَطعَمُ طَعْماً حَسَناً. قَالَ: والطُعْمُ: الحَبُّ الَّذِي يُلْقَى للطير.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِيمَا روى عَنهُ الْبَاهِلِيّ: الطعْمُ: الطَّعَام، والطَعم: الشَّهْوَة. وَهو الذَّوْق. وَأنشد لأبي خِرَاش الهذليّ:
أردُّ شُجاع الْبَطن لَو تعلمينه
وَأوثر غَيْرِي من عِيَالك بالطُعْم
أَي بِالطَّعَامِ. ثمَّ أنْشد قَول أبي خرَاش فِي الطَعْمِ:
وأغتبِقُ المَاء القَرَاح فأنتهي
إِذا الزَّاد أَمْسَى للمزَلَّج ذَا طَعْم
قَالَ: ذَا طَعم أَي ذَا شَهْوَة. قَالَ وَرجل ذُو طَعمٍ أَي ذُو عقلٍ وَحزمٍ. وَأنشد:
فَلَا تأمري يَا أم أَسمَاء بِالَّتِي
تُجِرُّ الْفَتى ذَا الطَعْم أَن يتكلَّما
وَيقال: مَا بفلان طَعْمٌ وَلا نَوِيصٌ أَي لَيْسَ لَهُ عقلٌ وَلا بِهِ حَراك. وَقيل فِي قَول الله تَعَالَى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 -} أَي من لم يَذُقه. يُقَال طعم فلَان الطَعَام يطعَمُه طَعْماً إِذا أكله بِمقدم فِيهِ وَلم يُسرِف فِيهِ. وطَعِمَ مِنْهُ إِذا ذاق مِنْهُ. وَإِذا جعلته بِمَعْنى الذَّوْق جَازَ فِيمَا يُؤْكَل وَيشْرب. والطَعَام: اسمٌ لما يُؤْكَل، وَالشرَاب: اسمٌ لما يُشرب. وَيجمع الطَّعَام أطْعِمة ثمَّ أطعماتٍ
(2/112)

جمع الْجمع. وأهلَ الحِجَاز إِذا أطْلقُوا اللَّفْظ بِالطَّعَامِ عَنَوا بِهِ البُرَّ خَاصَّة. قَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال لَبَنٌ مُطَعِّمٌ وَهُوَ الَّذِي أخَذ فِي السِقَاء طعماً وطِيباً. وَهُوَ مَا دَامَ فِي العُلْبة مَحْضٌ وَإِن تغيّر. وَلَا يَأْخُذ اللبنُ طعماً وَلَا يُطَعِّمُ فِي العُلْبة والإناء أبدا. وَلَكِن يتغيّر طعمه من الإنقاع. وَيُقَال فلَان طَيّبُ الطِعمة وَفُلَان خَبِيث الطِعمة إِذا كَانَ من عَادَته ألاّ يَأْكُل إلاّ حَلَالا أَو حَرَامًا. وَيُقَال: جعل السلطانُ نَاحيَة كَذَا طُعْمة لفُلَان أَي مَأكَلةً لَهُ. وَيُقَال: فِي بُسْتَان فلَان من الشّجر المُطْعِم كَذَا أَي من الشّجر المثمِر الَّذِي يُؤْكَل ثمره. وَيُقَال: اطَّعَمَت الثمرةُ على افتعَلَت أَي أخَذَت الطَعْم. وَيُقَال: فلَان مُطْعَمُ للصَّيْد ومُطْعَمُ الصَّيْد إِذا كَانَ مرزوقاً مِنْهُ. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
مُطعَم للصَّيْد لَيْسَ لَهُ
غيرَها كسْبٌ على كِبَره
وَقَالَ ذُو الرمة:
(وَمُطْعَمُ الصَّيْد هَبَّال لبغيته)
وَقَالَ اللَّيْث: رجل مِطعام: يكثر إطْعَام النَّاس، وَامْرَأَة مطعام بِغَيْر هَاء وَرجل مطعم: شَدِيد الْأكل وَامْرَأَة مِطْعَمَة. قَالَ والمُطْعِمَتَان من رِجْل كل طَائِر: هما المتقدّمان المتقابلتان. والمُطْعِمة من الْجَوَارِح هِيَ الإصبعُ الغليظة الْمُتَقَدّمَة فاطَّرد هَذَا الِاسْم فِي الطير كلهَا. قَالَ وقوسٌ مُطْعَمة: يصاد بهَا الصَّيْد، وَيكثر الصَّوَاب عَنْهَا. وَأنْشد:
وَفِي الشِمَال من الشِرْيان مُطْعَمة
كبدَاء فِي عَجْسها عَطْفٌ وتقويمُ
سمِّيتْ كَذَلِك لِأَنَّهَا تُطْعَم الصَّيْد. قَالَ: والمطعِمُ من الْإِبِل: الَّذِي تَجِد فِي مخِّه طعم الشَّحْم من سمنه. وكل شَيْء وُجِد طعمهُ فقد أطعِم. قَالَ وَقَول الله تَعَالَى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 -} (لبقرة: 249) جَعَل ذواق المَاء طَعْماً: نَهَاهُم أَن يَأْخُذُوا مِنْهُ إلاّ غَرْفَةً وَكَانَ فِيهَا رِيّهم ورِيّ دوابّهم. وَقَالَ غَيره: يُقَال إِنَّك مُطْعَمٌ مَوَدّتي أَي مَرْزُوق مَوَدّتي. وَقَالَ الْكُمَيْت:
بلَى إنَّ الغواني مُطْعَمات
مَوَدّتَنا وَإِن وَخَطَ القَتيرُ
أَي يُحِبّهنّ وَإِن شِبْنَا. أَبُو زيد: إِنَّه لمتطاعِم الخَلْق أَي متتابِع الخَلْق. وَيُقَال هَذَا رجل لَا يَطَّعِمُ بتثقيل الطَّاء أَي لَا يتأدّب وَلَا يَنْجَع فِيهِ مَا يُصلحه، وَلَا يَعْقِل.
وَيُقَال: فلَان تُجْبَى لَهُ الطُعَمُ أَي الْخراج والإتاوات. وَقَالَ زُهَيْر:
مِمَّا تُيَسَّرُ أَحْيَانًا لَهُ الطُعَمُ
وَقَالَ الحسَن: القِتال ثَلَاثَة: قتال على كَذَا، وقتال لكذا، وقتال على هَذِه الطُعْمَة يَعْنِي الفَيْء والخَرَاج. وَقَالَ أَبُو سعيد: يُقَال لَك غَثُّ هَذَا وطَعُومُه أَي غَثُه وسَمِينه. وناقةٌ طَعُوم: بهَا طِرْق، وجَزُورٌ طَعُومٌ: سَمِينَة. وَقَالَ ابْن السّكيت عَن الْفراء: جزور طَعُوم وطَعِيم إِذا كَانَت بَين الغَثّة والسمينة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مُسْتَطْعم الْفرس: مَا تَحت مَرْسِنِه إِلَى أَطْرَاف جحافله. قَالَ ويستحبُّ للْفرس لُطْفُ مُسْتَطعَمه. وَيُقَال استطعمْت الفرسَ إِذا طلبت جَرْيه. وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة:
(2/113)

تدارَكه سعيٌ وركضُ طِمِرَّة
سَبُوحٍ إِذا استطعمتها الجري تَسْبَحُ
وَقَالَ النَّضر: أطعمتُ الغُصْن إطعاماً إِذا وصلت بِهِ غصناً من غير شَجَره. وَقد أطعمته فطَعِمَ أَي وصلته بِهِ فَقبل الْوَصْل. وأطعَمتُ عينه قذًى فَطَعَمْتُه. وَيُقَال: طَعِمَ يَطْعَمُ مَطْعَماً وَإنَّهُ لطيبُ المَطْعَم كَقَوْلِك طيّبُ المأكل. ورُوي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي زَمْزَم: إِنَّه طعَامُ طُعْمٍ وشفاء سُقْمٍ، قَالَ ابْن شُمَيْل: طعامُ طُعْمٍ أَي يَشبع مِنْهُ الْإِنْسَان. وَيُقَال: إِنِّي طاعِم عَن طَعَامكُمْ أَي مستغنٍ عَن طَعَامكُمْ. وَيُقَال: هَذَا الطَّعَام طَعَام طُعْمٍ أَي يَطْعَم مَن أكله أَي يشْبع، وَله جُزْء من الطَّعَام مَا لَا جُزء لَهُ. وَمَا يَطْعَمُ آكل هَذَا الطَّعَام أَي مَا يشْبع. قَالَ: والطُعْمُ أَيْضا: القُدْرَة. يُقَال: طَعِمْتُ عَلَيْهِ أَي قَدَرت عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال أخَذ فلَان بمَطْعَمة فلَان إِذا أَخذ بحَلْقِه يَعْصُره. وَلَا يَقُولُونَهَا إلاّ عِنْد الخَنْق والقتال. والمُطْعَمة: المأدُبة والتطاعم: إِدْخَال الْفَم فِي الْفَم، كَمَا يَفعل الحمامُ عِنْد التَّقْبِيل. وَقَالَ:
كَمَا تَطَاعم فِي خضراء ناعمةٍ
مُطَوّقان صباحاً بعد تغريدِ
ونُهِيَ عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى تُطْعِم أَي تُدْرِك وَتَأْخُذ الطَعْم.
طمع: الحَرّاني عَن ابْن السّكيت: رجلٌ طمِعٌ وطَمُعٌ بِمَعْنى واحدٍ. والطَمَع: ضدّ الْيَأْس. وَقَالَ عمر بن الْخطاب: تعلَّمُنَّ أَن الطمع فقر، وَأَن الْيَأْس غنى. وَيُقَال: مَا أطمع فلَانا، على التَّعَجُّب من طَمَعه. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: إِنَّه لَطمُع الرجلُ بضمّ الْمِيم فِي التعجّب؛ كَقَوْلِك: إِنَّه لحسن الرجُلُ. وَرُبمَا قَالُوا: إِنَّه لطَمْعَ الرجُلُ، وَكَذَلِكَ التعجّب فِي كل شَيْء مضمومٌ؛ كَقَوْلِك: لخرُجَت الْمَرْأَة فُلَانَة إِذا كثر خُرُوجهَا، ولقَضُوَا القَاضِي فلَان، وَنَحْو ذَلِك أجمع، إلاّ مَا قَالُوا فِي نِعم وَبئسَ فَإِن الرِّوَايَة جَاءَت فيهمَا بِالْكَسْرِ. وَامْرَأَة مِطماع وَهِي الَّتِي تُطمِعُ وَلَا تمكِّن. والمَطْمَعُ: مَا طَمِعْتَ فِيهِ. وَيُقَال: إِن قَول المخاضعة من الْمَرْأَة المَطْمَعة فِي الْفساد أَي ممَّا يُطمِع ذَا الرِيبة فِيهَا. وَقَالَ اللحياني: أَخذ القومُ أطماعَهُم أَي أَرْزَاقهم، الْوَاحِد طمَعٌ. وفعلتُ ذَاك طَمَاعِيَةً فِي كَذَا مِثال عَلَانيَة أَي طَمَعا فِيهِ. قَالَ الْهُذلِيّ:
أما وَالَّذِي مسّحتُ أَرْكَان بَيته
طماعِيَةً أَن يغْفر الذنبَ غَافِرُهْ
والمُطْمِعُ: الطَّائِر الَّذِي يوضع فِي وسط الشَبَك ليصاد بدلالته الطيورُ.
معط: المَعْطُ: الجَذْب. يُقَال ضرب فلَان يَده إِلَى سَيْفه فامتعطه من غِمده، وامتعده إِذا استلّه. ومَعَطَ شعره إِذا نتفه. وَرجل أمْعَط أمْرَط: لَا شَعر على جسده. وذئبٌ أمعط قد امَّرَطَ شَعرُه عَنهُ. وَالْأُنْثَى مَعْطَاء. ولصٌّ أمعَط: يشبّه بالذئب الأمعط لخُبْثه. ولُصُوص مُعْط. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال مَعِطَ الذِّئْب وَلَا يُقَال مَعِطَ شَعره وَقد امَّعَطَ شعره إِذا مَعَطَه الدَّاء. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّه لطويل مُمَّعِطُ كَأَنَّهُ قد مُدَّ. قلت: الْمَعْرُوف فِي الطول المُمَّغِط بالغين
(2/114)

مُعْجمَة، كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي وَلم أسمع مُمَّعطِ بِهَذَا الْمَعْنى لغير اللَّيْث، إِلَّا مَا قرأته فِي كتاب (الاعتقاب) لأبي ترابٍ، قَالَ: سَمِعت أَبَا زيد وَفُلَان بن عبد الله التَّمِيمِي يَقُولَانِ: رجلٌ مُمَّغِط ومُمَّعِط أَي طَوِيل. قلت: وَلَا أبعد أَن يَكُونَا لغتين، كَمَا قَالُوا: لَعَنَّكَ ولَغَنَّك بِمَعْنى لعلّك، والمعَصُ والمَغَصُ: البِيض من الْإِبِل، وسُرُوعٌ وسُرُوغٌ للقُضْبان الرَخْصة. وَقَالَ اللَّيْث: المَعْطُ ضربٌ من النِّكَاح يُقَال: مَعَطها إِذا نَكَحَهَا. وَآل أبي مُعيط فِي قُرَيْش معروفون. وأمعَط: اسْم موضعٍ ذكره الرَّاعِي فِي شعره فَقَالَ:
بقاعِ أمْعَطَ بَين السهل والصبرِ
ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي: من أَسمَاء السَوْءة المَعْطَاء والشَعْراء والدَفْراء. ومَعَطت النَّاقة بِوَلَدِهَا: رَمَتْ بِهِ عِنْد الْولادَة. وَالذِّئْب يكنى أَبَا مُعْطَةَ. ومَعَطَ بهَا ومَرَطَ إِذا خرجت مِنْهُ ريح. وأرضٌ مَعْطَاء: لَا نبت فِيهَا.
مطع: قَالَ اللَّيْث: المَطْعُ: ضربٌ من الْأكل بِأَدْنَى الْفَم. يُقَال: هُوَ مَاطِع إِذا كَانَ يَأْكُل بالثنايا وَمَا يَليهَا من مقاديم الْأَسْنَان: وَهُوَ القَضْم أَيْضا. وَقَالَ غَيره: فلَان مَاطِع ناطِع بِمَعْنى واحدٍ. والممطِعَة: الضَرْع الَّتِي تشخُب أطباؤها لَبَناً.

(أَبْوَاب الْعين وَالدَّال)
ع د ت
اسْتعْمل من وجوهها: (عتد) .
عتد: قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا} (يُوسُف: 31) أَي هيّأت وأعدّت. وَقَالَ اللَّيْث: العَتَاد: الشَّيْء الَّذِي تُعِدّه لأمرٍ مَا وتهيئُه لَهُ. قَالَ: وَيُقَال: إنّ العُدَّة إِنَّمَا هِيَ العُتْدَةُ، وأعَدّ يُعِدّ إِنَّمَا هُوَ أعتَد يُعْتِد، وَلَكِن أدغمت التَّاء فِي الدَّال.
قَالَ: وَأنكر آخَرُونَ فَقَالُوا: اشتقاق أعَدّ من عين ودالين؛ لأَنهم يَقُولُونَ: أعدَدْناه فيُظهرون الدالين. وَأنْشد:
أَعدَدْت للحرب صارِماً ذكرا
مجرَّب الوقع غير ذِي عَتَبِ
وَلم يقل: أعتدت. قلت: وَجَائِز أَن يكون الأَصْل أَعدَدْت ثمَّ قلبت إِحْدَى الدالين تَاء، وَجَائِز أَن يكون عتد بِنَاء على حِدةٍ، وعَدَّ بِنَاء مضاعفاً. وَهَذَا هُوَ الأصوب عِنْدِي.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {قَرِينُهُ هَاذَا مَا لَدَىَّ} (ق: 23) قَالَ بعض المفسّرين: عتِيد أَي حَاضر. وَقَالَ بَعضهم: قريبٌ. وَيُقَال: أعتَدت الشَّيْء فَهُوَ مُعْتَدُ، وعتِيد. وَقد عَتُدَ الشيءُ عَتَادَةً فَهُوَ عتِيد: حَاضر. قَالَه اللَّيْث. قَالَ: وَمن هُنَالك سُمِّيت العَتِيدة الَّتِي فِيهَا طِيب الرجُل وأدهانه. وَقَوله: {قَرِينُهُ هَاذَا مَا لَدَىَّ} فِي رَفعه ثَلَاثَة أوجه عِنْد النَّحْوِيين. أَحدهَا أَنه على إِضْمَار التكرير، كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا مَا لديّ هَذَا عتِيد وَيجوز أَن ترفعه على أَنه خبر بعد خبر، كَمَا تَقول: هَذَا حُلْو حامض. فَيكون الْمَعْنى: هَذَا شَيْء لديّ عتيد.
وَيجوز أَن يكون بإضمار هُوَ، كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا مَا لدي هُوَ عتيد والعَتِيدة طَبْل العرائس أُعتِدت تحْتَاج إِلَيْهِ العَرُوس من
(2/115)


طيب وأداة وبَخُور ومُشْط وَغَيره، أَدخل فِيهَا الْهَاء على مَذْهَب الْأَسْمَاء.
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَدَب الناسَ إِلَى الصَّدَقَة. فَقيل لَهُ: قد مَنَع خَالِد بن الْوَلِيد والعبّاس عمّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أمّا خَالِد فَإِنَّهُم يظْلمُونَ خَالِدا، إنّ خَالِدا جعل رَقيقه وأعْتُدَه حُبُساً فِي سَبِيل الله. وأمّا الْعَبَّاس فَإِنَّهَا عَلَيْهِ ومثلُها مَعَه. والأعتُدُ يجمع العَتَاد: وَهُوَ مَا أعدّه الرجل من السِّلَاح والدوابّ والآلة للْجِهَاد. وَيجمع أعتِدَةً أَيْضا. وَيُقَال: فرسٌ عَتِدٌ وعَتَدٌ وَهُوَ المُعَدّ للرُّكُوب. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
راحوا بصائرُهُم على أكتافهم
وبصيرتي يعدو بهَا عَتِدٌ وَأي
وَسمعت أَبَا بكر الْإِيَادِي يَقُول: سَمِعت شمراً يَقُول: فرسٌ عَتِدٌ وعَتَدٌ: مُعَدٌّ مُعْتَدٌ؛ وهما لُغَتَانِ. وَقَالَ ابْن السّكيت: فرسٌ عتِد وعَتَد وَهُوَ الشَّديد التامّ الخَلْق المُعَدّ للجري. قَالَ وَمثله رجل سبِطٌ وسَبَطٌ وشَعَر رَجِل ورَجَلٌ وثغْر رَتِل ورَتَل أَي مفلّج. أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ: العَتُود من أَوْلَاد الْمعز: مَا رَعَى وقَوي وَجمعه أعتِدَة وعِدَّان، وَأَصله عِتْدَان، إلاّ أَنه أدغم قَالَ: وَهُوَ العَرِيض أَيْضا. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: إِذا أجذع الجَدْيُ أَو العَنَاق سمِّي عَرِيضاً وعَتُوداً. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: ولد المِعْزَى إِذا أجذع فَهُوَ عَرِيض، فَإِذا أثْنَى فَهُوَ عَتُود. وَقَالَ اللَّيْث: العَتُود: الجَدْي إِذا استَكْرَش. وَيُقَال: بل هُوَ إِذا بلغ السِفَاد والجميع العِدان. وَثَلَاثَة أعتِدَة. وأصل عِدّان عِتْدَان. وَأنْشد أَبُو زيد:
وَاذْكُر غُدَانَة عِدّاناً مُزَنَّمَةً
من الحَبَلَّقِ تُبْنَى حولهَا الصِّيَرُ
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَتَاد: القَدَح وَهُوَ العَسْف والصَحْن. وَقَالَ شمر: أَنْشدني أَبُو عدنان وَذكر أنّ أَعْرَابِيًا من بني العنبر أنْشدهُ هَذِه الأرجوزة:
يَا حَمْزَ هَل شَبِعْتَ من هَذَا الخَبَطْ
أم أَنْت فِي شكَ فَهَذَا مُنْتَقَدْ
صَقْبٌ جسيمٌ وشديدُ المعتَمَدْ
يَعْلُو بِهِ كل عَتُودٍ ذاتَ وَدْ
عروقها فِي الْبَحْر يعمى بالزَبَدْ
قَالَ العَتود السِدْرة أَو الطَلْحة قَالَ: عَتْوَد على بِنَاء جَهْور: مأسدة. قَالَ ابْن مقبل:
جُلُوسًا بِهِ الشمّ العجافُ كَأَنَّهُمْ
أسود تَبْرجٍ أَو أسودٌ بعتودا

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ التَّاء)
ع د ت
دعت: سقط من النُّسْخَة. وَقد ذكره ابْن دُرَيْد فَقَالَ: الدَعْت: الدّفع العنيف. دَعَته يدعَته دَعْتاً، بِالدَّال والذال. ع د ظ
اسْتعْمل من وجوهها: (دعظ) .
دعظ: قَالَ اللَّيْث: الدَعْظُ: إِيعَاب الذّكر كُله فِي فرج الْمَرْأَة يُقَال دَعَظَها بِهِ، ودعظه فِيهَا إِذا أدخلهُ كلّه فِيهَا. وَقَالَ ابْن السّكيت فِي (الْأَلْفَاظ) إِن صحّ لَهُ
(2/116)

الدِعْظاية الْقصير. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب: وَمن الرِّجَال الدِعْظَاية، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الدِعْكَاية وهما الْكثير اللَّحْم، طالا أَو قصُرا. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الجعْظَاية بِهَذَا الْمَعْنى. ع د ذ
أهملت وجوهه.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ الثَّاء)
ع د ث
دعث، عدث، ثعد، دثع. (مستعملات) .
دعث: أَبُو عبيد عَن الأُمويّ: أول المَرَض الدَعْثُ، وَقد دُعِثَ الرجل. وَقَالَ شمر: قَالَ محاربٌ: الدَعْثُ تدقيقك التُّرَاب على وَجه الأَرْض بالقَدَم أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك، تَدْعَثُهُ دَعْثاً. قَالَ وكل شَيْء وَطِيء عَلَيْهِ فقد اندَعث ومَدَرٌ مَدْعُوثٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الدَعْث: بقيّة المَاء. وَأنْشد:
ومنهَلٍ ناءٍ صُوَاه دَارِسِ
وَرَرْتُهُ بِذُبَّل خوامِسِ
فاسْتَفْنَ دِعْثاً بَالِدَ المَكَارِسِ
دَلَّيْتُ دلوي فِي صَرًى مُشَاوِسِ
المَكَارِسِ مَوَاضِع الكِرْس والدِمْن. قَالَ: المُشاوِس، الَّذِي لَا يكَاد يُرى من قِلَّتِه، بَالِد المكارِس قديم الدِمْن. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الدِعْثُ والدِئْثُ: الذَحْل.
عدث: عُدْثان: اسمٌ. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي كتاب (الِاشْتِقَاق) لَهُ: العَدْث سهولة الخُلُق، وَبِه سُمِّي الرجل عُدْثَان.
دثع: قَالَ ابْن دُرَيْد: الدَثْع الوَطْء الشَّديد، لُغَة يمانيَة. قَالَ: والدَّعْثُ: الأَرْض السهلة. وَيُقَال: الدَّعْث والدَثْع وَاحِد. قلت: أَرْجُو أَن يكون مَا قَالَ أَبُو بكر مَحْفُوظًا، وَلَا أحُقّه يَقِيناً.
ثعد: أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: إِذا دخل البُسْرَة الإرطابُ وَهِي صُلبة لم تنهضم بعد فَهِيَ جُمْسَة، فَإِذا لانت فَهِيَ ثَعْدَة وَجَمعهَا ثَعْدٌ.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ الرَّاء)
(ع د ر)
عدر، عرد، ردع، رعد، درع، دعر: مستعملات.
عدر: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَدَّار: المَلاَّح. قَالَ: والعَدَر: القِيلَة الْكَبِيرَة. قلت: أَرَادَ بالقِيلة الأدَر، وكأنّ الْهمزَة قُلبت عينا فَقيل: عَدِرَ عَدَراً، وَالْأَصْل: أدِرَ أدَراً. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العُدْرَة الجُرْأة والإقدام وَقد سَمّت الْعَرَب عُدَاراً. وَقَالَ اللَّيْث: العَدْرُ: المَطَر الْكثير. وأرضٌ معدورة ممطورة ونحوَ ذَلِك.
قَالَ شمر: قَالَ: وعَنْدَرَ الْمَطَر فَهُوَ مُعندِرٌ. وَأنْشد:
مُهْدَودراً مُعَنْدراً جُفَالا
عَمْرو عَن أَبِيه: العادِر الكذّاب. قَالَ: وَهُوَ العاثِر أَيْضا.
عرد: اللَّيْث: العَرْدُ: الشَّديد من كل شَيْء الصُلْب المنتصب. يُقَال: إِنَّه لعَرْد مَغْرِزِ العُنق. وَقَالَ العجّاج:
عَرْدَ التراقي حَشْوَراً مُعَقْرَباً
(2/117)

وَيُقَال: قد عَرَدَ النابُ يَعْرِدُ عُرُوداً إِذا خرج كُله واشتدّ وانتصب، قَالَه أَبُو عَمْرو. وعَرَدَ الشّجر عُرُوداً ونَجَم نُجُوماً أوّلَ مَا يَطْلُع. وَقَالَ العجّاج:
وعُنقاً عَرْداً ورَأْساً مِرْأَسَا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عَرْداً: غليظاً، مِرْأَساً: مِصَكًّا للرؤوس. قَالَ: وَعَرَدَتْ أنيابُ الْجمل إِذا غَلُظت واشتدّت. قَالَ ذُو الرمة:
يُصَعِّدْنَ رُقشاً بَين عُوج كَأَنَّهَا
زِجَاجُ القَنَا مِنْهَا نَجِيمٌ وعَارِدُ
وَقَالَ فِي (النَّوَادِر) : عَرَدَ الشَجَرُ وَأَعْرَدَ إِذا غَلُظ وكَبُر.
الفرّاء: رمحٌ متَلٌّ ورمحٌ عُرُدٌّ وَوَتَرٌ عُرُدٌّ. وَأنْشد:
والقوس فِيهَا وَتَر عُرُدٌّ
مِثْلُ ذِرَاع البَكْر أَو أشَدُّ
ويروى: مثل ذِرَاع البَكْر.
شبّه الْوتر بِذِرَاع الْبَعِير فِي توتّره. وَقَالَ ابْن بُزُرْجَ: إِنَّه لقويٌّ عُرُدٌّ شَدِيد. قَالَ: والعَارِد: المُنْتَبِذُ. وَأنْشد:
ترى شؤون رَأسه العَوَارِدَا
أَي منتبِذة بعضُها من بعض. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العَرَادَة: شَجَرَة صُلْبة العُود. وَجَمعهَا عَرَاد. وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق السعديّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: تَقول الْعَرَب: قيل للضَبِّ: وِرْداً وِرْداً، فَقَالَ:
أصبح قلبِي صَرِداً
لَا يَشْتَهِي أَن يَردا
إلاَّ عِرَاداً عَرِدَا
وَعَنْكَثاً مُلتبِدَا
وصلِّياناً بَرِدَا
قَالَ: وعَرَادَ: نَبْت عَرِد صُلبٌ منتصبٌ. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: العَرَاد: نبت، واحدته عَرَادة. وَبِه سُمّي الرجل.
وَقَالَ اللَّيْث: العَرَادَة: نَبْت طيّب الرّيح. قلت: قد رَأَيْت العَرادَة فِي الْبَادِيَة، وَهِي صُلْبة العُود منتشرة الأغصان وَلَا رَائِحَة لَهَا. وَالَّذِي أَرَادَ اللَّيْث العَرادة فِيمَا أَحسب، فَإِنَّهَا بَهَار البَرّ.
أَبُو عبيد: عَرَّدَ الرجل عَن قِرْنه إِذا أحجم ونَكَل. قَالَ: والتعريد: الفِرار. وَقَالَ اللَّيْث: التعريد: سرعَة الذّهاب فِي الْهَزِيمَة. وَأنْشد لبَعْضهِم:
لما استباحُوا عَبدَ رَبَّ وَعرَّدَت
بِأبي نَعَامة أمُّ رَأْلٍ خَيْفَق
يذكر هزيمَة أبي نعَامَة الْحَرُوريّ قطري. وَقَالَ أَبُو نصر: عَرّدَ السهْمُ تعريداً إِذا نَفَذ من الرَمِيَّة. وَقَالَ سَاعِدَة الهُذَليّ:
فجالت وخالت أَنه لم يَقع بهَا
وَقد خَلّهَا قِدِحٌ صَويبٌ مُعَرِّدُ
مُعَرِّدٌ أَي نَافِذ، خَلَّها أَي دخل فِيهَا، صَويبٌ: صائبٌ قاصِد. وعَرَّدَ النَّجْم إِذا مَال للغروب بعد مَا يُكبّد السَّمَاء؛ قَالَ ذُو الرمّة:
وهَمَّت الجوزاء بالتعريد
وَقَالَ اللَّيْث: العَرَادَة: الجَرَادة الْأُنْثَى. والعَرَّادَة: شِبْه مَنْجَنيق صَغِير. والجميع العَرَّدَات. ونِيقٌ مُعَرِّدٌ: مُرْتَفع طَوِيل. وَقَالَ الفرزدق:
فَإِنِّي وإيّاكم ومَن فِي حبالكم
كمن حَبْله فِي رَأس نِيق مُعَرِّدِ
(2/118)

وَقَالَ شمر فِي قَول الرَّاعِي:
بأطيَبَ من ثَوْبَيْنِ تأوي إِلَيْهِمَا
سُعَادُ إِذا نجم السماكين عَرَّدَا
أَي ارْتَفع. وَقَالَ أَيْضا:
فجَاء بأشوال إِلَى أهل خُبَّةٍ
طُرُوقاً وَقد أقعى سُهَيْل فَعَرَّدا
قَالَ: أقعى: ارْتَفع ثمَّ لم يبرح. وَيُقَال: قد عَرَّد فلَان بحاجتنا إِذا لم يقضها.
وَقَالَ اللَّيْث وَغَيره: العَرْد الذَكَر إِذا انْتَشَر واتمهَلَّ وصَلُبَ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي عَرِد الرجل إِذا هرب. وعَرِد إِذا قوِي جِسْمه بعد الْمَرَض.
درع: الدِرْع دِرْعُ الْمَرْأَة مذكّر. ودِرْع الْحَدِيد تؤنّث. وتصغيرهما مَعًا دُرَيْع بِغَيْر هَاء. ابْن السّكيت: هِيَ دِرْع الْحَدِيد وَالْجمع الْقَلِيل أدْرُع وأدراع. فَإِذا كثرتْ فَهِيَ الدروع، وَهُوَ دِرع الْمَرْأَة لقميصها وَجمعه أَدْرَاع. ورجلٌ دَارِع عَلَيْهِ دِرْع.
وَقَالَ اللَّيْث: ادَّرَع الرجل وتَدَرَّعَ إِذا لبِس الدِرْع. والدُرَّاعَة: ضربٌ من الثِّيَاب الَّتِي تُلبس. والمِدْرَعة ضربٌ آخر، وَلَا تكون إلاّ من صوفٍ. فرّقوا بَين أَسمَاء الدِرع والدُرَّاعة والمِدْرَعة لاختلافها فِي الصَّنْعَة؛ إِرَادَة الإيجاز فِي الْمنطق. قَالَ وَيُقَال: لصُفَّة الرَحْل إِذا بدا مِنْهَا رَأْسا الواسِط والآخِرة: مُدَرَّعَة. أَبُو عبيد عَن أبي زيد فِي شِيات الْغنم من الضَّأْن: إِذا اسودّت العُنُق من النعجة فَهِيَ دَرْعَاء. وَقَالَ اللَّيْث: الدَرَع فِي الشَّاة: بَيَاض فِي صدرها ونحرها وَسَوَاد فِي الْفَخْذ. قَالَ: والليالي الدُرَعُ هِيَ الَّتِي يَطْلُع الْقَمَر فِيهَا عِنْد وَجه الصُّبْح وسائرها أسود مظلم. وَقَالَ أَبُو سعيد: شَاة دَرْعاء: مُخْتَلفَة اللَّوْن. وَقَالَ ابْن شُمَيْل الدَرْعاء: السَّوْدَاء غير أَن عُنُقهَا أَبيض، والحمراء وعنقها أَبيض فَتلك الدرعاء. قَالَ: وَإِن ابيضّ رَأسهَا مَعَ عُنقها فَهِيَ دَرْعاء أَيْضا. قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَ أَبُو زيد. سُمِّيت دَرْعَاء إِذا اسودّ مُقَدّمها تَشْبِيها بالليالي الدُرع، وَهِي لَيْلَة سِتّ عشرَة وَسبع عشرَة وثمانيَ عشرَة اسودّتْ أوائلها وابيضّ سائرها فسُمِّينَ دُرَعاً لم يخْتَلف فِيهَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي زيد وَابْن شُمَيْل. وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن المبرّد عَن الرياشي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ فِي ليَالِي الشَّهْر بعد اللَّيَالِي الْبيض: وَثَلَاث دُرَع. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد غير أَنه قَالَ: الْقيَاس: دُرْعٌ جمع دَرْعَاء. فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم فِيمَا أفادني عَنهُ الْمُنْذِرِيّ: ثَلَاث دُرَعٌ، وَثَلَاث ظُلَم جمع دُرْعَة وظُلْمَة لَا جمع دَرْعَاء وظلماء. قلت: هَذَا صَحِيح وَهُوَ الْقيَاس.
وروى أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: اللَّيَالِي الدُرْع هِيَ السود الصُّدُور الْبيض الأعجاز من آخر الشَّهْر، والبِيض الصُّدُور السود الأعجاز من أول الشَّهْر. وَكَذَلِكَ غَنَم دُرْعٌ للبيض المآخير السُّود المقاديم، أَو السود المآخير الْبيض المقاديم. قَالَ: وَالْوَاحد من الْغنم والليالي دَرْعَاء، وَالذكر أدرع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ولغة أُخْرَى: ليالٍ دُرَع بِفَتْح الرَّاء الْوَاحِدَة دُرْعَة. قَالَ أَبُو حَاتِم: وَلم أسمع ذَلِك من غير أبي
(2/119)

عُبَيْدَة.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: مَاء مُتَدرّع إِذا أُكل مَا حوله من المرعى فتباعد قَلِيلا وَهُوَ دون المُطْلِب. وَقَالَ الهُجَيْمِي: أدرَعَ القومُ إدرَاعاً، وهم فِي دُرْعَةٍ إِذا حَسَر كلؤهم عَن حوالَيْ مِيَاههمْ. ونحوَ ذَلِك قَالَ ابْن شُمَيْل. قَالَ وَإِذا جاوزْت النّصْف من الشَّهْر فقد أدْرَع، وإدراعُه: سَواد أوّله.
وَقَالَ ابْن بُزُرْجَ: يُقَال للهجين إِنَّه لمعَلهَجٌ وَإنَّهُ لأدْرع. قَالَ شمر وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَابْن الْأَعرَابِي: يُقَال دَرَعَ فِي عُنُقه حبلاً ثمَّ اختنق. قلت: وأقرأني الْإِيَادِي لأبي عبيد عَن الْأمَوِي: التذريع بِالذَّالِ الخنقُ، وَقد ذَرَّعَه إِذا خنقه. قلت: وَأما شمر فَإِنَّهُ روى لأبي عُبَيْدَة وَابْن الْأَعرَابِي: ذَرَع فِي عُنُقه حبلاً ثمَّ اختنق، بِالذَّالِ. أَبُو عبيد: الاندرَاع التَّقَدُّم. وَأنْشد للقطامي:
أمامَ الْخَيل تندرع اندراعَا
قَالَ أَبُو زيد: ذرَّعته تذريعاً إِذا جعلت عُنقه ثِنْيَ ذراعك وعضدك فخنقته، وَهُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ غَيره: اندرأ يفعل كَذَا وَكَذَا واندرع أَي انْدفع. وَأنْشد:
واندرعت كلُّ علاَة عَنْس
تَدَرُّعَ اللَّيْل إِذا مَا يُمسِي
وَحكى شَمِر عَن القزمُليّ قَالَ: الدِرع: ثوبٌ تجوب الْمَرْأَة وَسَطه، وَتجْعَل لَهُ يدين وتخيط فرجيه، فَذَلِك الدِرْع. ودُرِّعَت الصبيّةُ إِذا أُلبست الدِرع. ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي: دُرِعَ الزرعُ إِذا أُكل بعضه. وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب: عُشْبٌ دَرِعٌ نَزَع ونَمِغٌ وذَمِطٌ ووَلخٌ إِذا كَانَ غَضًّا. وادَّرَعَ فلَان الليلَ إِذا دخل فِي ظلمته ليسري وَالْأَصْل فِيهِ ادترع كَأَنَّهُ لَيْسَ ظلمَة اللَّيْل فاستتر بِهِ.
دعر: قَالَ شمر: العُود النَخِر الَّذِي إِذا وضع على النَّار لم يَسْتوقد ودَخِن فَهُوَ دُعَرٌ وَأنْشد لِابْنِ مقبل:
باتت حَوَاطِبُ ليلى يلتمسن لَهَا
جَزْل الجِذَى غير خَوَّارٍ وَلَا دُعَرِ
قَالَ: وحَكى أَبُو عدنان عَن أبي مَالك: هَذَا زَنْد دُعَر، وَهُوَ الَّذِي لَا يورِي وَأنْشد:
مُؤْتَشِبٌ يكبو بِهِ زَنْد دُعَرْ
وَقَالَ ابْن كَثْوَةَ: الدُعَر من الْحَطب الْبَالِي وَهُوَ الدَعِر أَيْضا. وَقَالَ اللَّيْث: الدُعَر: مَا احْتَرَقَ من الْحَطب فطَفِىء قبل أَن يشتدّ احتراقه. والواحدة دُعَرَة. وَهُوَ من الزِّنَاد: مَا قد قُدِحَ بِهِ مرَارًا حَتَّى احْتَرَقَ طَرَفه فَصَارَ دُعَراً لَا يُورِي. قَالَ والدَعَارَة: مصدر الداعر، وَهُوَ الْخَبيث الْفَاجِر. قلت: وَسمعت الْعَرَب تَقول لكل حطبٍ يُعَثِّنُ إِذا استُوقِد بِهِ دُعَرٌ. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: دَعِرَ الرجلُ دَعَراً إِذا كَانَ يسرق ويزني ويؤذي النَّاس وَهُوَ الدَاعِر. وَقَالَ أَبُو المِنْهال: سَأَلت أَبَا زيد عَن شَيْء فَقَالَ: مَالك وَلِهَذَا هَذَا كَلَام المَدَاعِير. وَيُقَال للنخلة إِذا لم تقبل اللِقَاح: نَخْلَة داعِرة ونخيل مَدَاعِير، فتزاد تلقيحاً وتبخّق. قَالَ: وتبخيقها، أَن تُوطأ عُسُفُهَا حَتَّى تسترخي، فَذَلِك دواؤها. ثَعْلَب عَن
(2/120)

ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للون الْفِيل: المُدَعَّر. قَالَ ثَعْلَب والمُدعّر: اللَّوْن الْقَبِيح من جَمِيع الْحَيَوَان. والدّعَّار المُفْسِد.
ردع: أَبُو عبيد عَن الأصْمَعي الرُدَاع الوجع: فِي الْجَسَد وأنشدنا:
فواحزَنَا وعاودني رُدَاعِي
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: المرتدِع من السِّهَام: الَّذِي إِذا أصَاب الهَدَف انفضح عودُه. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رُدِعَ إِذا نُكِس فِي مَرضه. وَقَالَ كُثَير:
وَإِنِّي على ذَاك التجلّد إِنَّنِي
مُسِرّ هُيَامٍ يَسْتَبِلّ وَيُرْدَعُ
وَقَالَ أَبُو الْعِيَال الهذليّ:
ذكرت أخي فعاودني
رُدَاع السُقْم والوصبُ
الرُدَاع: النُكْس، قد ارتدع فِي مَرضه.
وَفِي حَدِيث عمر بن الْخطاب أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رميت ظَبْيًا محرما فَأَصَبْت خُشَشَاءَهُ فَركب رَدْعَه فأسِنَ فَمَاتَ.
قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله ركب رَدْعَه يَعْنِي أَنه سقط على رَأسه.
قَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بالرَدْع: الذَّم، شبّهه برَدْع الزَّعْفَرَان. وركوبُه إِيَّاه: أَن الدَّم سَالَ فخَرّ الظبيُ عَلَيْهِ صَرِيعًا، فَهَذَا معنى قَوْله: ركب رَدْعَه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: لَيْسَ يُعرف مَا ذكر أَبُو عبيد، ولكنّ الرَدْع العُنُق، رُدِعَ بِالدَّمِ أَو لم يُرْدَع. يُقَال: اضْرِب رَدْعَهُ كَمَا يُقَال اضْرِب كَرْدَهُ. قَالَ وسُمِّي العُنُق رَدْعاً لِأَنَّهُ بهَا يَرتدع كلُّ ذِي عُنُقٍ من الْخَيل وَغَيرهَا.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: ركب رَدْعَهُ إِذا وَقع على وَجهه، وَركب كُسْأَه إِذا وَقع على قَفاهُ.
قَالَ شمر: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْلهم: ركب رَدْعَه أَي خرّ صَرِيعًا لوجهه، غير أَنه كلّما همّ بالنهوض ركب مقاديمه. وَقَالَ أَبُو دُوَادٍ:
فعلّ وأنهل مِنْها السنا
نَ يركبُ مِنْهَا الرَدِيعُ الظِلاَلاَ
قَالَ: والرَدِيع: الصريع يركب ظِلّه.
وَقَالَ شمر: الرَدْعُ على أَرْبَعَة أوجه: الرَدْعُ: الكَفّ. رَدَعته: كففته. والرَدْع: اللَطْخ بالزعفران. وَركب رَدْعَه: مقاديمه وعَلى مَا سَالَ من دَمه والرَدْع: رَدع النَصْل فِي السهْم، وَهُوَ تركيبه وضربك إيَّاه بِحجر أَو غَيره حَتَّى يدْخل. وَقيل: ركب رَدْعَه إِن الرَدْع كلّ مَا أصَاب الأَرْض من الصريع حِين يَهْوي إِلَيْهَا، فَمَا مَسّ الأَرْض مِنْهُ أَولا فَهُوَ الرَّدْع، أيّ أقطاره كَانَ. قَالَ: وَيُقَال رُدِعَ بفلان أَي صُرِع، وَأخذ فلَانا فَرَدَعَ بِهِ الأَرْض إِذا ضَرَبَ بِهِ الأَرْض. وَيُقَال: رَدَع الرجل الْمَرْأَة إِذا وَطئهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَدْعُ: أَن تردَعَ ثوبا بِطيب أَو زعفران، كَمَا تردَع الجاريةُ صَدْرَ جَيْبها بالزعفران بملء كفّها.
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
حُوراً يُعَلّلْنَ العَبِيرَ رَوَادِعاً
كَمَهَا الشقائق أَو ظِبَاء سَلاَمِ
(2/121)

السلاَم: الشّجر.
وَأما قَول ابْن مقبل:
يجْرِي بديبَاجَتَيْه الرشح مُرْتَدِعُ
فَفِيهِ قَولَانِ. قَالَ بَعضهم: منصبغ بالعَرَق الْأسود، كَمَا يُرْدَع الثوبُ بالزعفران.
وَقَالَ خَالِد: مُرْتدِع قد انْتَهَت سِنّه. يُقَال قد ارتدع الْجمل إِذا انْتَهَت سِنّه. وأقرأني الْمُنْذِرِيّ لأبي عبيد فِيمَا قَرَأَ على أبي الْهَيْثَم الرديع الأحمق بِالْعينِ غير مُعْجمَة. وَأما الْإِيَادِي فَإِنَّهُ أَقْرَأَنِيهِ عَن شمر: الردِيغ بالغين مُعْجمَة. قلت: وَكِلَاهُمَا عِنْدِي من نعت الأحمق.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال خَرّ فِي بِئْر فَركب رَدْعه إِذا هَوَى فِيهَا. وَركب فلَان رَدْع المَنِيَّة. قَالَ والرَدْع: مقاديم الْإِنْسَان إِذا كَانَت فِي ذَلِك منيّته.
وَأنْشد قَول الْأَعْشَى فِي رَدْع الزَّعْفَرَان وَهُوَ لَطْخه:
ورَادعَة بالطيب صفراء عِنْدهَا
لجسّ الندامى فِي يَد الدرْع مُفْتَقُ
وَقيل ركب رَدْعَه إِذا رُدِع فَلم يرتدع، كَمَا يُقَال: ركب النَّهْيَ. عَمْرو عَن أَبِيه: المِردَع: الرجل الَّذِي يمْضِي فِي حَاجته فَيرجع خائباً، والمِرْدَع: السهْم الَّذِي يكون فِي فُوقه ضِيق، فيُدقّ فُوقُه حَتَّى يتفتَّح. قَالَ: وَيُقَال فِيهِ كُله بالغين، قَالَ والرَّدْع: الدقّ بِالْحجرِ. والمِرْدَع الكَسْلان من الملاحين.
رعد: قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} (الرّعد: 13) .
قَالَ ابْن عَبَّاس: الرَعْد: مَلَك يَسُوق السَّحَاب، كَمَا يَسُوق الْحَادِي الْإِبِل بحُدَائه. وَسُئِلَ وهب بن منبِّه عَن الرَّعْد فَقَالَ: الله أعلم.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ اللغويون: الرَّعْد: صَوت السَّحَاب والبَرْق ضوء وَنور يكونَانِ مَعَ السَّحَاب. قَالُوا: وَقَول الله عز وَجل: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} (الرّعد: 13) ذِكْره الْمَلَائِكَة بعد الرَّعْد يدل على أَن الرَّعْد لَيْسَ بمَلَك. وَقَالَ: الَّذين قَالُوا: الرَّعْد ملك: ذكر الْمَلَائِكَة بعد الرَّعْد وَهُوَ من الْمَلَائِكَة كَمَا يذكر الْجِنْس بعد النَّوْع.
وَقَالَ عِكْرِمة وَطَاوُس وَمُجاهد وَأَبُو صَالح وَأَصْحَاب ابْن عَبَّاس: الرَعْد: مَلَكٌ يَسُوق السَّحَاب، وَسُئِلَ عليّ عَن الرَّعْد فَقَالَ: مَلك، وَعَن الْبَرْق فَقَالَ: مَخَاريق بأيدي الْمَلَائِكَة من حَدِيد.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَعْد: مَلَك اسْمه الرَعْد يَسُوق السَّحَاب بالتسبيح، قَالَ ومِن صَوته اشتُقّ فِعل رَعَدَ يَرعُدُ، وَمِنْه الرِعْدَة والارتعاد. قَالَ: ورجلٌ رِعْدِيد: جَبَان. قَالَ وكل شَيْء يترجرج من نَحْو القَرِيس فَهُوَ يَتَرعدَد كَمَا تترعدَد الأَلْية.
وَأنْشد للعجَّاج:
فَهِيَ كرعديد الكَثِيب الأَهْيَم
وَقَالَ الْأَخْفَش: أهل الْبَادِيَة يَزْعمُونَ أَن الرَعد هُوَ صَوت السَّحَاب. وَالْفُقَهَاء يَزْعمُونَ أَنه مَلَك.
(2/122)

أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال: رَعدَت السَّمَاء وبرقَتْ، وَرعد لَهُ وبَرَق لَهُ إِذا أوعده. وَلَا يُجِيز أَرْعَد وَلَا أبرق فِي الْوَعيد وَلَا فِي السَّمَاء. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول: رَعَد وأَرْعدَ وبَرَقَ وأَبْرَقَ بِمَعْنى واحدٍ، ويحتجّ بقول الكُمَيت:
أَبْرِق وأرعد يَا يزي
د فَمَا وعِيدُك لي بضائرْ
وَلم يكن الْأَصْمَعِي يحْتَج بِشعر الكُمَيت.
وَقَالَ الفرَّاء: رَعَدت السَّمَاء وبرَقَت، رَعداً ورُعوداً وبَرْقاً وبُرُوقاً، بِغَيْر ألف. قَالَ: وَيُقَال للْمَرْأَة إِذا تزيَّنتْ وتهيّأتْ: أبرَقَتْ. قَالَ: وَيُقَال للسماء المنتظَرة إِذا كثر الرَّعْد والبرق قبل الْمَطَر: قد أرعدت وأبرقت، وَيُقَال فِي كُله: رَعدَتْ وبَرَقَتْ. قَالَ: وَإذا أوعدَ الرَجل قيل: قد أرْعدَ وَأَبْرَقَ، وَرَعَدَ وَبَرقَ.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
فابْرُقْ بأرضِك مَا بدا لَك وارْعُدِ
وَقَالَ النَّضر: جَارِيَة رِعْدِيدة: تارّة ناعمة، وجَوَارٍ رَعَادِيد.
أَبُو عبيد عَن الْفراء: فِي الطَّعَام رُعَيْدَاء مَمْدُود وَهُوَ مَا يُرْمَى بِهِ إِذا نُقِّيَ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كثيب مُرْعَد أَي مُنْهَال وَقد أُرعِد إرعَاداً وَأنْشد:
وكفل يرتجّ تَحت المِجْسَدِ
كالدِعْصِ بَين المُهُدَات المُرْعَدِ
أَي مَا تمهّد من الرمل. ورجلٌ رِعديد إِذا كَانَ جَبَاناً. ورعشِيش مثله. وجمعهما الرعاديد والرعاشيش. وَهُوَ يرتعد ويرتعش.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ اللَّام)
(ع د ل)
عدل، علد، دلع، دعل: مستعملة.
عدل: قَالَ الله جلّ وعزّ: {أَو عَدْلُ ذالِكَ صِيَاماً} (المَائدة: 95) .
قَالَ الْفراء: العَدْل: مَا عَادلَ الشَّيْء من غير جنسِه. والعِدْل: المِثل، مثل المِحْمَل وَذَلِكَ أَن تَقول: عِنْدِي عِدْلُ غلامك وعِدْل شَاتك إِذا كَانَت شاةٌ تعدِل شَاة أَو غُلَام يَعدل غُلَاما. فَإِذا أردْت قِيمَته من غير جنسه نصبت الْعين فَقلت: عَدْل. وَرُبمَا قَالَ بعض الْعَرَب: عِدلُه، وَكَأَنَّهُ مِنْهُم غلط؛ لتقارب معنى العَدْل من العِدْل. وَقد اجْتَمعُوا على أنّ وَاحِد الأعدال عِدْلٌ. قَالَ ونُصب قَوْله (صياما) على التَّفْسِير، كَأَنَّهُ: عَدلُ ذَلِك من الصّيام، وَكَذَلِكَ قَوْله: {مِّلْءُ الاَْرْضِ ذَهَبًا} (آل عِمرَان: 91) أَخْبرنِي بِجَمِيعِ ذَلِك الْمُنْذِرِيّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الْفراء.
وَقَالَ الزجّاج: العَدلُ والعِدْل وَاحِد فِي معنى المِثْل. قَالَ: وَالْمعْنَى وَاحِد، كَانَ المِثلُ من الْجِنْس أَو من غير الْجِنْس.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَلم يَقُولُوا: إِن الْعَرَب غلِطت. وَلَيْسَ إِذا أَخطَأ مخطىء وَجب أَن يَقُول: إِن بعض الْعَرَب غلِط.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَدْلُ: الاسْتقَامَة. وَقَالَ
(2/123)

عَدْلُ الشَّيْء وعِدْلُه سَوَاء أَي مثله.
قَالَ وَأَخْبرنِي ابْن فهم عَن مُحَمَّد بن سلاّم عَن يُونُس قَالَ: العَدْلُ: الفِدء فِي قَوْله جلّ وعزّ: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} (الْأَنْعَام: 70) .
قَالَ وَسمعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول: العِدْلُ: المِثل: هَذَا عدله: والعَدْلُ: القِيمة يُقَال: خُذ عَدْله مِنْهُ كَذَا وَكَذَا أَي قِيمَته. قَالَ: وَيُقَال لكلّ من لم يكن مُسْتَقِيمًا: حَدْلٌ وضدّه عَدْلٌ. يُقَال: هَذَا قَضَاء عَدْلٌ غير حَدْلٍ. قَالَ والعِدْلُ: اسْم حِمْل مَعدُولٍ بِحمْل أَي مُسَوًّى بِهِ. والعَدْل: تقويمك الشَّيْء بالشَّيْء من غير جنسه حَتَّى تَجْعَلهُ لَهُ مِثلاً. وَقَول الله جلّ وعزّ: {بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ} (الطَّلَاق: 2) . قَالَ سعيد بن المسيّب: ذَوَيْ عقل.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم: العَدْل الَّذِي لم تظهر مِنْهُ رِيبَة.
وَكتب عبد الْملك إِلَى سَعيد بن جُبَير يسْأَله عَن العَدْل، فَأَجَابَهُ: إِن العَدْل على أَرْبَعَة أنحاء: العَدْل فِي الحكم: قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (النِّسَاء: 58) والعَدل فِي القَوْل؛ قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ} (الْأَنْعَام: 152) . والعَدل: الفِدْية؛ قَالَ الله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} (البَقَرَة: 123) . والعَدْل فِي الْإِشْرَاك قَالَ الله جلّ وعزّ: {ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعَام: 1) . وأمّا قَوْله جلّ وعزّ: {وَلَن تَسْتَطِيعُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} (النِّساء: 129) . قَالَ عَبِيدة السَلْماني والضحَّاك: فِي الحُبّ وَالْجِمَاع. وَقَوله سُبْحَانَهُ: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} (الأنعَام: 70) كَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول مَعْنَاهُ وَإِن تُقسط كل أقساطٍ لَا يُقبل مِنْهَا. قلت: وَهَذَا خطأ فَاحش وإقدام من أبي عُبِيدة على كتاب الله. وَالْمعْنَى فِيهِ: لَو تَفْتَدِي بِكُل فِداء لَا يقبل مِنْهَا الْفِدَاء يَوْمئِذٍ. وَمثله قَوْله: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} (المعَارج: 11) الْآيَة أَي لَا يقبل ذَلِك مِنْهُ وَلَا يُنْجيه. وَقَوْلهمْ: رجلٌ عَدْل مَعْنَاهُ ذُو عدل أَلا ترَاهُ. قَالَ فِي موضِعين: {بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ} (الطَّلَاق: 2) ، فنُعِتَ بِالْمَصْدَرِ. وَقيل: رجل عَدْلٌ، ورجلان عَدْلٌ وَرِجَال عَدلٌ، وَامْرَأَة عَدْلٌ، ونِسْوة عَدلٌ، كل ذَلِك على معنى: رجال ذوِي عَدلٍ ونسوة ذَوَات عَدل. والعَدْل: الاسْتقَامَة. يُقَال: فلَان يَعدِل فلَانا أَي يُسَاوِيه. وَيُقَال مَا يعدِلك عندنَا شَيْء أَي مَا يَقع عندنَا شَيْء مَوْقعك. وَإِذا مَال شَيْء قلت: عَدلتُه أَي أقمتُه فاعَتَدَلَ أَي استقام وَمن قَرَأَ قَول الله جلّ وعزّ: {الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} بِالتَّخْفِيفِ {فَعَدَلَكَ فِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَىِّ صُورَةٍ مَّا} (الانفِطار: 7، 8) .
قَالَ الْفراء: من خفّف فوجهه وَالله أعلم فصرفك إِلَى أيّ صُورَة شَاءَ إِمَّا حَسَن وَإِمَّا قَبِيح وَإِمَّا طَوِيل وَإِمَّا قصير. وَمن قَرَأَ: (فَعَدَّلك) فَشدد وَهُوَ أعجب الْوَجْهَيْنِ إِلَى
(2/124)

الْفراء وأجودهما فِي الْعَرَبيَّة وَمَعْنَاهُ: جعلك مُعْتَدِلاً مُعْدَّلَ الخَلْق. قَالَ: واخترتُ (عَدّلك) ؛ لِأَن (فِي) للتركيب أقوى فِي العربيِّة من أَن تكون (فِي) للعَدْلِ؛ لِأَنَّك تَقول: عَدَلْتُكَ إِلَى كَذَا وصَرفتُك إِلَى كَذَا. وَهَذَا أَجود فِي الْعَرَبيَّة من أَن تَقول: عَدلتك فِيهِ وصرفتك فِيهِ.
قلت: وَقد قَالَ غير الفرّاء فِي قِرَاءَة مَن قَرَأَ: {فَسَوَّاكَ} بِالتَّخْفِيفِ: إِنَّه بِمَعْنى: فسوّاك وقوّمك، من قَوْلك: عَدلتُ الشَّيْء فاعتدل أَي سوّيتهُ فَاسْتَوَى.
وَمِنْه قَوْله:
وعَدَلْنَا مَيْل بَدْرٍ فاعْتَدَل
أَي قوّمناه فاستقام. وَقَرَأَ عَاصِم وَالْأَعْمَش بِالتَّخْفِيفِ {فَسَوَّاكَ} ، وَقَرَأَ نافِع وَأهل الْحجاز. {} (فَعَدَّلَكَ) بِالتَّشْدِيدِ. وَقَوله: {أَو عَدْلُ ذالِكَ صِيَاماً} (الْمَائِدَة: 95) قَرَأَهَا الْكسَائي وَأهل الْمَدِينَة بِالْفَتْح، وَقرأَهَا ابْن عَامر بِالْكَسْرِ: (أَو عِدْلُ ذَلِك صياما) وَقَالَ اللَّيْث: العَدْل من النَّاس: المرضِيّ قولُه وحُكمه. قَالَ: وَتقول إِنَّه لعَدْلٌ بيّن العَدْل والعَدَالة. قَالَ: والعَدْلُ: الحُكم بالحقّ. يُقَال هُوَ يقْضِي بالحقّ ويعدل وَهُوَ حَكَم عَادلٌ: ذُو مَعْدَلةٍ فِي حكمه وَقَالَ شمر: قَالَ القُزْملي: سَأَلت عَن فلانٍ العُدَلَة أَي الَّذين يُعَدُّلُونَه. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال رجل عُدَلَة وَقوم عُدَلَة أَيْضا وهم الَّذين يزكّون الشُّهُود. وَقَالَ يُونُس: جَائِز أَن يُقَال: هما عَدْلَان وهم عُدُول، وَامْرَأَة عَدْلة. وَقَالَ الكلابيون: امْرَأَة عَدْلٌ وقومٌ عُدُل. وَقَالَ يُونُس عَن أبي عَمْرو: الجيّد امرأةٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ، ورجلٌ عَدْلٌ. وَقَالَ الباهليّ: رجلٌ عَدْل وعَادِل: جَائِز الشَّهَادَة. وَامْرَأَة عَادِلة: جَائِزَة الشَّهَادَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال عَدَلت الجُوَالق على الْبَعِير أعدِله عَدْلاً يُحمل على جَنْب الْبَعِير ويُعْدَل بآخر. وَفِي الحَدِيث: (مَن شرب الْخمر لم يقبل الله مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً أَرْبَعِينَ لَيْلَة) . قَالَ بَعضهم: الصَرْف الْحِيلَة. والعَدل: الفِدْية. قَالَ يُونُس بن عُبَيد: الصّرْف الْحِيلَة، وَيُقَال مِنْهُ فلَان يتصرّف أَي يحتال. قَالَ الله عز وَجل: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} (الْفرْقَان: 19) وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الصَرْف: الدِية، والعَدْلُ: السَّوِيَّة، وَقَالَ شمر: أَخْبرنِي ابْن الحَرِيش عَن النَّضر بن شُمَيْل قَالَ: العَدْلُ: الْفَرِيضَة. وَالصرْف: التطوّع. وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الْأَنْعَام: 1) أَي يُشركون. وَقَالَ الْأَحْمَر: عَدَل الْكَافِر بربه عَدْلاً وعُدُولاً إِذا سَوَّى بِهِ غَيره فعَبَدَهُ. وَقَالَ الْكسَائي: عَدَلت الشَّيْء بالشَّيْء أعدِله عُدُولاً إِذا ساويته بِهِ. وعَدل الحاكِم فِي الحكم عَدْلاً. وَقَالَ شمر: أما قَول الشَّاعِر:
أفذَاكَ أم هِيَ فِي النَجَا
ء لمن يُقَاربُ أَو يُعَادِلْ
يَعْنِي: يُعَادِل بَين نَاقَته والثَوْر، قَالَ: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي المعادلة: الشكّ فِي الْأَمريْنِ وَأنْشد:
وَذُو الهمّ تُعْديه صَرَامَةُ هَمِّهِ
إِذا لم تُمَيّثْهُ الرُّقَى ويُعَادِل
(2/125)

يَقُول يعَادِل بَين الْأَمريْنِ أيُّهما يَركبُ، تُمَيِّثه: تُذَلِّله المَشُورَات، وَقَول النَّاس: أَيْن تذْهب، وَقَالَ المرَّار:
فَلَمَّا أَن صَرَمَتْ وَكَانَ أمْرِي
قويماً لَا يمِيل بِهِ العُدُولُ
قَالَ عَدَل عنِّي يَعْدِلُ عُدولاً لَا يمِيل بِهِ عَن طَرِيقه الميْلُ.
وَقَالَ الآخر:
إِذا الهَمُّ أمْسَ وَهْو دَاء فأَمضِهِ
وَلست بمُمْضيه وَأَنت تُعَادِله
قَالَ: مَعْنَاهُ: وَأَنت تشكّ فِيهِ. رَوى أَبُو عبيد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين ذكر الْمَدِينَة فَقَالَ: (من أحدث فِيهَا حَدَثاً أَو آوى مُحْدِثاً لم يقبل الله مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً) ، قَالَ أَبُو عبيد رُوي عَن مَكْحُول أَنه قَالَ الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل: الْفِدْيَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَوْله (من أحدث فِيهَا حَدَثاً) فَإِن الْحَدث كل حَدّ يجب لله تَعَالَى على صَاحبه أَن يُقَام عَلَيْهِ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي العَدَلُ مُحرّك: تَسْوِيَة الأوْنَين، وهما العِدْلان.
وَقَالَ اللَّيْث: العَدْل أَن تعدِل الشَّيْء عَن وَجهه، تَقول، عَدَلْتُ فلَانا عَن طَرِيقه، وعَدَلْتُ الدَّابَّة إِلَى مَوضِع كَذَا فَإِذا أَرَادَ الاعوجاج نَفسه قَالَ: هُوَ يَنْعَدِل أَي يعوجّ. وَقَالَ فِي قَوْله:
وَإِنِّي لأنْحِي الطَرْف من نَحْو أرْضهَا
حَيَاء وَلَو طاوعتُهُ لم يُعَادِل
قَالَ: مَعْنَاهُ، لم ينعَدِل قلت معنى قَوْله لم يعادل أَي لم يَعْدِل بِنَحْوِ أرْضهَا أَي بقصدها نَحوا وَلَا يكون يُعَادِل بِمَعْنى ينعدل.
وَقَالَ اللَّيْث: المعتدِلة من النوق: الحسَنَة المتّفقة الْأَعْضَاء بعضُها بِبَعْض. وروى شمر عَن محَارب:
قَالَ: المُعْنَدِلة من النوق وَجعله رباعيًّا من بَاب عَندَل. قلت وَالصَّوَاب المعتدلة بِالتَّاءِ.
وروى شمر عَن أبي عدنان أنّ الْكِنَانِي أنْشدهُ:
وعَدَل الفَحل وَإِن لم يُعْدلِ
واعْتَدَلَتْ ذاتُ السَنَام الأَمْيَل
قَالَ: اعْتِدَال ذَات السَّنَام الأميَل استقامة سَنامها من السِمَن بَعْدَمَا كَانَ مائلاً. قلت: وَهَذَا يدلّ على أَن قَول محَارب: المُعْنَدِلة غير صَحِيح، وَأَن الصَّوَاب: المُعْتَدِلة، لِأَن النَّاقة إِذا سمِنتْ اعتدلت أعضاؤها كلُّها من السنام وَغَيره. ومُعَنْدِلة من العَنْدَل وَهُوَ الصُلب الرَّأْس وَلَيْسَ هَذَا الْبَاب لَهُ بموضعٍ، لِأَن العَنْدل رباعي خَالص. شمر العَدِيل: الَّذِي يُعَادِلك فِي المحمِل والعَدْل: نقيض الجَوْر.
وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي جعلني فِي قومٍ إِذا مِلْتُ عَدَلُوني كَمَا يُعْدَل السهْم فِي الثِقاف، أَي قَوَّموني.
شمر عَن أبي عدنان: شرب حَتَّى عَدَّل أَي امْتَلَأَ. قلت وَكَذَلِكَ عَدَّنَ وأوَّن بِمَعْنَاهُ. وَيُقَال أَخذ الرجل من مَعْدَل الْبَاطِل أَي فِي طَرِيق الْبَاطِل ومذهبه، وَيُقَال انْظُرُوا
(2/126)

إِلَى سُوء مَعَادِلِهِ، ومذموم مداخله، أَي إِلَى سوء مذاهبه ومسالكه، وَقَالَ زُهَيْر:
وسُدِّدَتْ ... عَلَيْهِ سِوَى
قَصْد الطَّرِيق مَعَادِلُهْ
وَيُقَال عَدَّلْتُ أَمْتعَة الْبَيْت إِذا جَعلتهَا أعدالاً مستوِية للاعتكام يَوْم الظعْن. وعَدَّل القسَّام الْأَنْصِبَاء للقَسْم بَين الشُّرَكَاء إِذا سوّاها على القِيم. وأمّا قَول ذِي الرمّة:
إِلَى ابْن العامريّ إِلَى بلالٍ
قطعتُ بنَعْفِ مَعقُلة العِدَالا
فالعرب تَقول: قطعْتُ العِدَال فِي أَمْرِي، ومضيت على عزمي، وَذَلِكَ إِذا مَيَّلَ بَين أَمريْن أيُّهما يَأْتِي، ثمَّ استقام بِهِ الرَّأْي فعزم على أوْلاَهُما عِنْده، وَيُقَال أنَا فِي عِدَال من هَذَا الْأَمر أَي فِي شكّ مِنْهُ: أأمضي عَلَيْهِ أم أتركه، وَقد عَادَلت بَين أَمريْن أيَّهما آتِي أَي ميِّلت وفرسٌ معتدل الغُرّة إِذا توسّطَت غُرَّتُه جَبهته، فَلم نصب وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ وَلم تَمل على وَاحِد من الخدّين، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.
أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي:
العَدَوليّ من السفن مَنْسُوب إِلَى قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ يُقَال لَهَا: عَدوْلَى.
قَالَ وَالخُلْجُ سفنٌ دونَ العَدوْلِيَّة.
وَقال شمر: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي قَول طرَفة:
عَدَوْليَّة أَو من سفين ابْن نَبْتَل
قَالَ نَسَبهَا إِلَى ضِخَم وقِدَم، يَقُول: هِيَ قديمَة أَو ضخمة.
وَقَالَ اللَّيْث: العَدْوَلِيَّة نُسِبَتْ إِلَى مَوضِع كَانَ يُسمى عَدَوْلاَة وَهُوَ بِوَزْن فَعَوْلاَة.
وَذكر عَن الْكَلْبِيّ أَنه قَالَ: عَدَوْلَى لَيْسُوا من ربيعَة وَلَا مُضر وَلَا ممّن يعرف من الْيمن، إِنَّمَا هم أمّة على حِدَة، قلت: وَالْقَوْل فِي العَدَوْليّ مَا قَالَه الْأَصْمَعِي.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال لزوايا الْبَيْت: المعَدَّلات والدراقيع والمُزَوَّيات والأخصام والثَفنات. وَقَالَ فِي قَول الله: {فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - أَىِّ صُورَةٍ} (الانفطار: 7، 8) أَي فقوّمك. وَمن خفّف أَرَادَ: عَدَلَك من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان، وهما نعمتان. وَهَذَا قَول ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَالَ ابْن السّكيت عَن ابْن الْكَلْبِيّ فِي قَول النَّاس للشَّيْء الَّذِي يُئِسَ مِنْهُ: وُضِعَ على يَدَيْ عَدْلٍ قَالَ: هُوَ العَدْل بن جَزْء بن سعد العَشِيرة، وَكَانَ وَلي شُرَط تُبَّع، فَكَانَ تُبَّع إِذا أَرَادَ قتل رجل دَفعه إِلَيْهِ فَقَالَ النَّاس وُضِعَ على يَدَي عَدْلٍ.
علد: قَالَ أَبُو عَمْرو والأصمعي: الأعلاد: مضائغ فِي العُنُق من عَصَب، وَاحِدهَا عَلْد. وَقَالَ رؤبة يصف فحلاً:
قَسْبَ العَلاَبيّ جُرَازَ الأعلاد
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُرِيد عَصَب عُنُقه. والقَسْبُ: الشَّديد الْيَابِس.
وَقَالَ اللَّيْث: العَلْدُ الصُلْب الشَّديد، كأنَّ فِيهِ يُبْساً من صلابته.
أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: العِلْوَدُّ: الْكَبِير. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ مُجَاشع بن دارم عِلْوَدّ الْعُنُق.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العِلْوَدّ من الرِّجَال:
(2/127)

الغليظ الرَّقَبَة.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: العِلْوَدّة من الْخَيل: الَّتِي تنقاد بقوائمها وتجذِب بعنقها القائدَ جَذْباً شَدِيدا، وقلَّما يَقُودهَا حَتَّى يَسُوقهَا سائق من وَرَائِهَا، وَهِي غير طَيِّعة القِيَاد وَلَا سَلِسة. وَأما قَول الْأسود بن يَعْفَرُ:
وغُودِرَ عِلْوَدٌّ لهَا مُتَطَاوِل
نبيل كجُثمان الجُرَادة نَاشِرُ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بعلْوَدّها: عُنُقهَا، أَرَادَ: النَّاقة والجُرَادة: اسْم رَملَة بِعَينهَا.
وَقَالَ الراجز:
أيُّ غلامٍ لَشِ عِلْوَدّ العُنُق
لَيْسَ بكيَّاسٍ وَلَا جَدَ حَمِقْ
قَوْله: لشِ أَرَادَ: لَك لُغَة لبَعض الْعَرَب وأنشدني الْمُنْذِرِيّ فِي صفة الضبّ لبَعْضهِم:
كَأَنَّهُمْ ضَبَّان ضَبّا عَرَادَةٍ
كبيران عِلْوَدَّانِ صُفْر كُشَاهُمَا
عِلودّان: ضخمان.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اعْلَوَّدَ الرجل بعدِي إِذا غَلُظ.
وَقَالَ أَبُو زيد: رجل عِلْوَدّ وَامْرَأَة عِلْوَدَّة، وَهُوَ الشَّديد ذُو القَسْوة. وبعير عِلْوَدّ وناقة عِلْوَدَّةٌ، وَهِي الهَرِمة.
وَقَالَ اللَّيْث: سَيِّدٌ عِلْوَدٌّ: رَزِين ثخين. وفِعْلُهُ عَلْوَدَ يُعَلْوِدُ إِذا لزم الشَّيْء مَكَانَهُ فَلم يُقدر على تحريكه.
دعل: أهمله اللَّيْث وَلم يذكرهُ شمر فِي (كِتَابه) وروى أَبُو عُمَر عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الدَعَل: المخاتلة بِالْعينِ. وَهُوَ يُدَاعِلُهُ أَي يخاتله. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الداعِل الهارِب.
دلع: أَبُو عبيد عَن أبي زيد: دَلَع لِساني، ودَلَعْتُه أَنا. قَالَ: وَبَعْضهمْ يَقُول أدلَعتُهُ.
وَقَالَ ابْن بُزُرْج: دَلَعْت اللِّسَان وأدلعته. وَقَالَهُ ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَالَ اللَّيْث: دَلَع اللِّسَان يَدْلَعُ دُلُوعاً إِذا خرج من الْفَم واسترخى. وأدلع الرجلُ لسانَه. وَقد يُقَال اندلَعَ لِسَانه قَالَ: وَجَاء فِي الْأَثر عَن بَلْعَمَ أَن الله لَعنه فأدلع لِسَانه فَسَقَطت أسَلَتُه على صَدره، فَبَقيت كَذَلِك. وَيُقَال للرجل المندَلِث البطنِ أَمَامه: مُنْدَلِع البَطْن.
وَقَالَ نُصَير فِيمَا روى لَهُ أَبُو تُرَاب: اندَلَعَ بطن الْمَرْأَة واندلق إِذا عظُم واسترخى وَقَالَ غَيره: اندلَع السَّيْف من غِمْده واندلق. وناقة دَلُوع: تتقدَّم الْإِبِل.
وَقَالَ الرّبيع: الدَلِيع: الطَّرِيق السهل فِي مَكَان حَزْن لَا صَعُود فِيهِ وَلَا هَبُوط.
وروى أَبُو عُمر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الدَّوْلَع: الطَّرِيق البَيّن.
وروى شمر عَن محَارب: طَرِيق دَلَنَّع وَجمعه دَلاَنِع إِذا كَانَ سهلاً.
وَقَالَ شمر قَالَ الهُجَيمي: أحمقٌ دالِعٌ، وَهُوَ الَّذِي لَا يزَال دالِع اللِّسَان، وَهُوَ غَايَة الحُمْق. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الدَوْلَعة: صَدَفة متَحوّيَة إِذا أَصَابَهَا ضَبْح النَّار خرج مِنْهَا كَهَيئَةِ الظفر فيُسْتَلُّ قدر إِصْبَع، وَهُوَ هَذَا الأظْفار الَّذِي فِي القُسْط. وَأنْشد للشَمَرْدَل:
(2/128)

دَوْلَعَة تستلُّها بظفرها
علد (علند) : وَقَالَ اللَّيْث فِي بَاب العَلْد: العَلَنْدَى: البَعِير الضخم الطَّوِيل. والجميع العَلاَنِد والعَلاَدِي والعَلَنْدَيَاتُ وَأحسنه العَلاَنِد على تَقْدِير قلانس.
وَقَالَ النَّضر: العَلَنْدَاة من الْإِبِل: الْعَظِيمَة الطَّوِيلَة. وَلَا يُقَال: جمل عَلَنْدَى. قَالَ والعَفَرْنَاة مثلهَا، وَلَا يُقَال: جمل عَفَرْنَى.
وَقَالَ اللَّيْث: العَلَنْدَاة: شَجَرَة طَوِيلَة لَا شوك، لَهَا من العضاهِ قلت: لم يُصِبْ اللَّيْث فِي صفة العَلَنْدَاة؛ لِأَن العلنداة شَجَرَة صُلْبة العيدان جاسية لَا يَجْهَدها المالُ وَلَيْسَت من العضاه وَكَيف تكون من العِضَاهِ وَلَا شوك لَهَا والعِضَاهُ من الشّجر مَا كَانَ لَهُ شوك، صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا، والعَلَنْدَاة لَيست بطويلة. وأطولها على قدر قَعْدَة الرجُل. وَهِي مَعَ قِصَرها كثيفة الأغصان مجتمعة.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ النُّون)
(ع د ن)
عِنْد، عدن، دعن، دنع (نَدع) : مستعملة.
عدن: قَالَ الله جلّ وعزّ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} (التّوبَة: 72) رُوى عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: جنَّات عدن: بُطْنَان الجنّة. قلت وبُطْنَانها: وَسطهَا. وبُطْنان الأودية: الْمَوَاضِع الَّتِي يسترِيض فِيهَا مَاء السَّيْل. فيَكْرُم نباتُها، وَاحِدهَا بَطْنٌ. قلت: والعَدْنُ مَأْخُوذ من قَوْلك: عَدَنَ فلَان بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ، يَعْدِن عُدُوناً، قَالَه أَبُو زيد وَابْن الأعرابيّ. قَالَ شمر: وَقَالَ القُزْمُلِيّ: اسْم عَدْنَان مُشْتَقّ من العَدْن، وَهُوَ أَن تلْزم الإبلُ المكانَ فتألفَه وَلَا تبرحه. تَقول تركتُ إبل بني فلَان عَوَادِن بمَكَان كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَمِنْه المَعْدِن، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يثبت فِيهِ النَّاس وَلَا يتحوّلون عَنهُ شتاءً وَلَا صيفاً. قلت: ومَعْدِن الذَّهَب والفضّة سُمِّي مَعْدِناً لإنبات الله جلّ وعزّ فِيهِ جوهرهما وإثباته إيّاه فِي الأَرْض حَتَّى عَدَنَ أَي ثَبت فِيهَا. قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ} (الحِجر: 19) ، وفُسِّرَ الْمَوْزُون على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن هَذِه الْجَوَاهِر كلّها ممّا يوزَن، مثل الرَصَاص والنُحاس وَالْحَدِيد والثمنين أَعنِي الذَّهَب وَالْفِضَّة، كَأَنَّهُ قَصَدَ قصْد كل شَيْء يُوزَن وَلَا يُكَال. وَقيل: معنى قَوْله: {مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ} أَنه المقَدّر الْمَعْلُوم وزنُه وقدرُه عِنْد الله تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو مَالك: يُقَال: عَدَنَتْ إبلُ فلَان بمَكَان كَذَا وَكَذَا أَي صَلحَتْ بذلك الْمَكَان. وعَدَنَتْ مَعِدَته على كَذَا وَكَذَا أَي صَلحَتْ. وَقَالَ اللَّيْث: المَعْدِن مَكَان كل شَيْء يكون فِيهِ أَصله ومُبتدؤه؛ نَحْو مَعْدن الذَّهَب وَالْفِضَّة والأشياء. وَيُقَال: فلَان مَعدِن للخير وَالْكَرم إِذا جُبِل عَلَيْهِمَا. قَالَ: والعَدْن: إِقَامَة الْإِبِل فِي الحَمْض خاصَّةً. وَقَالَ أَبُو زيد: عَدَنَت الإبِلُ فِي الحَمْض تَعْدِن عُدُوناً إِذا استمرأت المكانَ ونَمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا تَعْدِن إِلَّا فِي الحَمْض.
وَقَالَ أَبُو مَالك: يكون فِي كل شَيْء. أَبُو عبيد: العَدَّان: الزَّمَان، وَأنْشد بَيت الفرزدق:
(2/129)

أَتَبْكِي على عِلْجٍ بمَيْسَان كافِرٍ
ككِسْرَى على عِدَّانِهِ أَو كقَيْصَرَا
يُخَاطب مِسْكينا الدارميّ لمّا رثى زياداً، وفيهَا يَقُول الْبَيْت:
أَقُول لَهُ لمّا أَتَانِي نَعِيُّهُ
بِهِ لَا بِظَبْيٍ فِي الصرائم أعْفَرَا
وَقَالَ أَبُو عَمْرو فِي قَوْله:
وَلَا على عَدَّان مُلك محتَضَر
أَي على زَمَانه وإبّانه. قلت: وَسمعت أعرابيًّا من بني سعدٍ بالأحساء يَقُول: كَانَ أَمر كَذَا وَكَذَا على عِدّان ابْن بورٍ، وَابْن بور كَانَ والياً بِالْبَحْرَيْنِ قبل اسْتِيلَاء القرامطة أبادهم الله عَلَيْهَا. يُرِيد: كَانَ ذَلِك أَيَّام ولَايَته عَلَيْهَا. وَقَالَ الفرّاء: كَانَ ذَلِك على عِدَّان فِرْعون. قلت: من جعل عِدَّان فِعلاَناً فَهُوَ من العَدّ والعِدَاد. وَمن جعله فِعلالاً فَهُوَ من عَدَن. وَالْأَقْرَب عِنْدِي أَنه من العَدّ؛ لِأَنَّهُ جُعِل بِمَعْنى الْوَقْت. والعَيْدان من النّخل مَا طَال وأمَّا العَدَان بِفَتْح الْعين فَإِن الفرّاء حكى عَن المفضّل أَنه قَالَ: العَدَان: سبع سِنِين. يُقَال: مكثنا فِي غلاء السّعر عَدَانَيْنِ، وهما أَربع عشرَة سنة، الْوَاحِد عَدَانٌ. وَهُوَ سبع سِنِين. وأمَّا قَول لبيد:
وَلَقَد يعلم صحبي كلهم
بعَدَان السِيف صَبري وَنَقَلْ
فَإِن شمراً رَوَاهُ بِعَدَان السِيف. وَقَالَ: عَدَان: مَوضِع على سِيف الْبَحْر. وَرَوَاهُ أَبُو الْهَيْثَم بِعِدان السَّيْف بِكَسْر الْعين. قَالَ: ويروى بَعَدَانِي السَّيْف. وَقَالَ: أرادُوا: جمع العَدِينة فقلبوا وَالْأَصْل بعَدَائن السَّيْف فأخّر الْيَاء، وَقَالَ عَدَانِي. وروى أَبُو عُمَر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: عَدان النَّهر بِفَتْح الْعين: ضَفّته، وَكَذَلِكَ عِبْره ومِعبَره وبِرْغيله. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَدَانة: الْجَمَاعَة من النَّاس، وَجمعه عَدَانات. وَأنْشد:
بَني مَالكٍ لدَّ الحُضَينُ وراءكم
رجَالًا عَدَاناتٍ وخَيْلاً أكاسِما
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رجال عَدانَات: مقيمون. وَقَالَ: رَوْضَة أُكْسُوم إِذا كَانَت ملتفّةً بِكَثْرَة النَّبَات. أَبُو عبيد عَن الفرّاء: عَدّنتُ بِهِ الأرضَ ووَجَنْتُ بِهِ الأَرْض ومَرّنتُ بِهِ الأَرْض إِذا ضربْتَ بِهِ الأَرْض. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: العَدِين: عُرًى مُنَقَّشة تكون فِي أَطْرَاف عُرَى المزادة، واحدتها عَدِينة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العَدِينة: رقْعَة منقَّشَة تكون فِي عُرْوَة المَزَادة. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الغَرْبُ يُعَدَّن إِذا صغُر الأدِيم وَأَرَادُوا توفيره زادوا لَهُ عَدِينَة أَي زادوا فِي نَاحيَة مِنْهُ رُقعة، والخُفُّ يُعَدَّن: يُزَاد فِي مؤخّر السَّاق مِنْهُ زِيَادَة حَتَّى يتّسع. قَالَ: وكل رقْعَة تزاد فِي الغَرْب فَهِيَ عَدِينَة، وَهِي كالبَنِيقة فِي الْقَمِيص. وَأنْشد:
والغَرْبَ ذَا العَدِينة الموَعَّبَا
والموعّب: الموسَّعُ الموَفّر. وَقَالَ أَبُو سعيد فِي قَول المخبَّل:
خَوَامِس تنشقّ الْعَصَا عَن رؤوسها
كَمَا صَدَع الصخر الثِقالَ المُعَدِّنُ
قَالَ: المُعَدِّن: الَّذِي يُخرِج من المعدِن
(2/130)

الصخر ثمَّ يكسِّرها يَبْتَغِي فِيهَا الذَّهَب. وعَدَّنَ الشاربُ إِذا امْتَلَأَ، مثل أَوَّنَ وعَدَّلَ. وعَدَنُ أبْيَن: بلد على سِيف الْبَحْر فِي أقْصَى بِلَاد الْيمن.
عِنْد: قَالَ الله جلّ وعزّ: {عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} (ق: 24) قَالَ قَتَادَة: العنيد: المُعرِض عَن طَاعَة الله تَعَالَى. وَقَالَ الزّجاج: عَنَدَ أَي عَنَدَ عَن الحقّ. ورُوِي عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن الْمُسْتَحَاضَة فَقَالَ: إِنَّه عِرْقٌ عانِد أَو رَكْضة من الشَّيْطَان. قَالَ أَبُو عبيد: العِرْق العانِد: الَّذِي عَنَدَ وبَغَى؛ كالإنسان يُعَانِد، فَهَذَا العِرْق فِي كَثْرَة مَا يخرج مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ، وَأنْشد لِلرَّاعِي:
وَنحن تركنَا بالفُعَالِيِّ طَعنَة
لَهَا عَانِد فَوق الذراعين مُسْبِلُ
وَقَالَ شمر: العَانِد: الَّذِي لَا يَرْقأَ. قَالَ: وَأَصله من عُنود الْإِنْسَان إِذا بَغَى وعَنَدَ عَن الْقَصْد. وَأنْشد:
ومَجَّ كل عانِدٍ نَعُورِ
أَبُو عبيد: عَنَدَ العِرْق وأَعْنَدَ إِذا سَالَ. وَقَالَ الكِسائي: عَنَدَت الطعنةُ تَعْنُدُ وتَعْنِد إِذا سَالَ دَمهَا بَعيدا من صَاحبهَا، وَهِي طعنة عانِدة. قَالَ: وعَنَدَ الدمُ يَعْنِدُ إِذا سَالَ فِي جَانب. رَوَاهُ ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرّاء أَن الْكسَائي قَالَه. أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: عَنَدَ فلَان عَن الطَّرِيق يَعْنِدُ عُنُوداً إِذا تبَاعد. وَيُقَال: فلَان يعانِد فلَانا أَي يفعل مثل فعله، وَهُوَ يُعَارضهُ ويباريه. قَالَ: والعامّة يفسّرُونه: يعانِدُه: يفعل خلاف فعله. قَالَ: وَلَا أعرف ذَلِك وَلَا أُثبته، وَأنْشد:
وَقد يحبّ كلُّ شَيْء وَلَدَهْ
حَتَّى الحُبَارَى وتَدِفُّ عَنَدَهْ
أَي مُعَارضَة للْوَلَد. قلت: تعارِضه شَفَقَة عَلَيْهِ. شمر عَن أبي عدنان عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال عَانَدَ فلَان فلَانا إِذا جانَبَه. ودمٌ عَانِد: يسيل جَانِباً. قلت أَنا: المُعَانِد هُوَ المعارِض بِالْخِلَافِ لَا بالوفاق. وَهَذَا الَّذِي يعرفهُ العوامّ. وَقد يكون العِنَاد مُعَارضَة بِغَيْر الْخلاف؛ كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِي. واستخرجه من عَنَدِ الحُبَارَى جعله اسْما من عانَد الحُبَارَى فَرخَهُ إِذا عَارضه فِي الطيران أوَّلَ مَا ينْهض كَأَنَّهُ يعلّمه الطيران شفَقة عَلَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْث: عَنَدَ الرجل يَعْنِد عُنُوداً وعَاندَ مُعَانَدَةً، وَهُوَ أَن يعرف الشيءَ ويأبى أَن يقبله؛ ككفر أبي طَالب، كَانَ كفره مُعَانَدَة؛ لِأَنَّهُ عرَف وأقرّ وأنِف أَن يُقَال: تبع ابْن أَخِيه، فَصَارَ بذلك كَافِرًا.
وأمَّا العَنِيد فَهُوَ من التجبّر، يُقَال: جبّار عَنِيد. قَالَ: والعَنُود من الْإِبِل الَّذِي لَا يخالطها، إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحيَة أبدا. وروى شمر بإسنادٍ لَهُ رَفَع الحَدِيث فِيهِ إِلَى عمر أَنه وصف نَفسه بالسياسة فَقَالَ: إِنِّي أَنْهز اللَفُوت وأضُمّ العَنُود وأُلْحِق القَطُوف وأزجُر العرُوض. قَالَ: العَنُود: الَّتِي تُعَانِد عَن الْإِبِل تطلب خِيَار المَرْتَع تتأنَّف، وَبَعض الْإِبِل يرتع مَا وجَد. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَأَبُو نصر: هِيَ الَّتِي تكون فِي طَائِفَة الْإِبِل أَي فِي ناحيتها. وَقَالَ القيسيُّ: العَنُود من الْإِبِل: الَّتِي تعانِد
(2/131)

الْإِبِل فتعارضها. قَالَ: فَإِذا قادتهن قُدُماً أمامهنّ فَتلك السلوف. أَبُو عُمَر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: أعنَدَ الرجل إِذا عَارض إنْسَانا بالخِلاف، وأَعْنَدَ إِذا عَارض بالاتّفاق. قَالَ: وَمِنْه قَوْله: حَتَّى الحُبَارَى ويُحبّ عَندَه أَي اعتراضه. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: عَنَدَ الرجل عَن أَصْحَابه يعنِد عُنوداً إِذا مَا تَركهم واجتاز عَلَيْهِم، وعَنَدَ عَنْهُم إِذا مَا تَركهم فِي سَفَرٍ وَأخذ فِي غير طريقهم أَو تخلَّف عَنْهُم. والعُنُود كَأَنَّهُ الْخلاف والتباعد والتَرك لَو رَأَيْت رجلا بِالْبَصْرَةِ من أهل الْحجاز لَقلت: شَدَّ مَا عَنَدْت من قَوْمك أَي تَبَاعَدت عَنْهُم. وسحابةٌ عَنُود: كَثِيرَة الْمَطَر. وَجمعه عُنُدٌ وَقَالَ الرَّاعِي:
دِعْصاً أرذَّ عَلَيْهِ فُرَّقٌ عُنُدٌ
وقدح عَنُود وَهُوَ الَّذِي يخرج فائزاً على غير وجهة سَائِر القِدَاح. وَيُقَال: استعنَدني فلَان من بَين الْقَوْم أَي قَصَدَني. وعَانَد، البعيرُ خِطامه أَي عَارَضَه. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: مَالِي عَن ذَلِك الْأَمر عُنْدَدٌ وَلَا مُعْلَنْدَدٌ، أَي مَالِي مِنْهُ بُدّ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَنْدُدُ: الحِيلة. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: أعنَدَ الرجل فِي قَيْئه إعناداً إِذا أتبع بعضَه بَعْضًا. وَقَالَ اللَّيْث: عِنْدَ: حرفُ صفةٍ يكون موضعا لغيره، وَلَفظه نصبٌ؛ لِأَنَّهُ ظَرْف لغيره وَهُوَ فِي التَّقْرِيب شِبه اللِزْق. وَلَا يكَاد يَجِيء فِي الْكَلَام إِلَّا مَنْصُوبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا صفة مَعْمُولا فِيهَا أَو مضمراً فِيهَا فِعلٌ، إلاّ فِي حرف وَاحِد. وَذَلِكَ أَن يَقُول الْقَائِل لشَيْء بِلَا عِلم: هَذَا عِندي كَذَا وَكَذَا، فَيُقَال: أوَلك عِندٌ فيُرفع.
وَزَعَمُوا أَنه فِي هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ الْقلب وَمَا فِيهِ من مَعْقُول اللبّ. قلت: وَأَرْجُو أَن يكون مَا قَالَه اللَّيْث فِي تَفْسِير (عِنْد) قَرِيبا مِمَّا قَالَه النحويون. الفرّاء: الْعَرَب تَأمر من الصِّفَات بعليك وعندك ودونك وَإِلَيْك. يَقُولُونَ: إِلَيْك إِلَيْك عَنّي يُرِيدُونَ: تأخّر، كَمَا يَقُولُونَ: وَرَاءَك وَرَاءَك. فَهَذِهِ الْحُرُوف كَثِيرَة. وَزعم الكسائيّ أَنه سمع: البعيرَ بَيْنكُمَا فخذاه، فنصب الْبَعِير. وَأَجَازَ ذَلِك فِي كل الصِّفَات الَّتِي تفرد. وَلم يجزه فِي اللَّام وَلَا الْبَاء وَلَا الْكَاف. وَسمع الْكسَائي الْعَرَب تَقول: كَمَا أنْتِني يُرِيد: انتظرني فِي مَكَانك. أَبُو زيد يُقَال: إنّ تَحت طِرِّيقتك لعِنْدَاوَة. والطِّرِّيقة: اللين والسكون. والعِنْدَاوَة: الجفْوة وَالْمَكْر. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَعْنَاهُ: إِن تَحت سكونك لنَزْوةً وطِماحاً. وَقَالَ غَيره: العِنداوة الالتواء والعَسَرُ. وَقَالَ: هُوَ من العَدَاء. وهمزه بَعضهم فَجعل النُّون والهمزة زائدتين، على بِنَاء فِنْعَلْوَة. وَقَالَ غَيره: عِنْدَأْوة فِعْلَلْوَة.
دنع: اللَّيْث: رجلٌ دَنيعة من قوم دَنَائع. وَهُوَ الفَسْل الَّذِي لَا لُبّ لَهُ وَلَا عقل: وَأنْشد شمر لبَعْضهِم:
فَلهُ هُنَالك لَا عَلَيْهِ إِذا
دَنِعَتْ أنوفُ الْقَوْم للتّعْسِ
يَقُول لَهُ الْفضل فِي هَذَا الزَّمَان لَا عَلَيْهِ إِذا دُعِي على الْقَوْم. ودَنِعَتْ أَي دَقّت
(2/132)

ْ ولَؤُمَتْ. وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي وَإِن رَغِمَتْ. ابْن شُمَيْل: دَنِعَ الصَّبِي إِذا جُهِدَ وجاع واشتهى. وَقَالَ ابْن بزرج: دَنِع وَرَثِع إِذا طمِعَ.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: الدنيع: الخسيس.
نَدع: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: أندَعَ الرجل إِذا تبع أَخْلَاق اللئام والأنذال. قَالَ: وأدنع إِذا تبع طَريقَة الصَّالِحين.
دعن: قَرَأت بِخَط أبي الْهَيْثَم فِي تَفْسِير شعر ابْن مقبل لأبي عَمْرو: يُقَال: أُدعِنت الناقةُ وأُدعِن الْجمل إِذا أطيل ركُوبه حَتَّى يهْلك، رَوَاهُ بِالدَّال وَالنُّون. وَقد أهمل اللّيث وشمر دعن.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ الْفَاء)
(ع د ف)
عدف، عفد، فدع، دفع: مستعملة.
عدف: أَبُو عبيد: العَدْف: الْأكل. قَالَ: وَقَالَ الْأَحْمَر: مَا ذقت عَدُوفاً وَلَا عَلُوساً وَلَا أَلُوساً. وَقَالَ أَبُو حسّان: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: مَا ذقت عَدوفاً وَلَا عَدُوفَة. قَالَ: وَكنت عِنْد يزِيد بن مَزْيَدْ الشَّيْبَانِيّ فَأَنْشَدته بَيت قيس بن زُهَيْر:
ومُجَنَّبات مَا يَذُقْن عَدُوفة
يَقْذفن المُهُرات والأمهارِ
بِالدَّال، فَقَالَ لي يزِيد من مَزْيَد: صحَّفتَ يَا أَبَا عَمْرو. وَإِنَّمَا هِيَ عَذوفة بِالذَّالِ. قَالَ: فَقلت لَهُ: لم أصحِّف أَنا وَلَا أَنْت. تَقول رَبيعة هَذَا الْحَرْف بِالذَّالِ، وَسَائِر الْعَرَب بِالدَّال. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: العِدْفَة: مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الْخمسين وَجَمعهَا عِدَفٌ. قَالَ شمر: وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي مثله، قَالَ: والعَدَف: القَذَى.
وَقَالَ اللَّيْث: العَدُوف: الذَوَاق الْيَسِير من العَلَف. قَالَ: والعِدْفة كالصَّنِفَة من قِطْعَة ثوبٍ. وعِذْفَة كل شَجَرَة: أَصْلهَا الذَّاهِب فِي الأَرْض، وَجَمعهَا عِدَفٌ.
وَأنْشد:
حَمَّال أثقالِ دِيَاتِ الثَأَى
عَن عِدَف الأصْل وكُرَّامِهَا
قَالَ: وَيُقَال: بل هُوَ عَن عَدَف الأَصْل جمع عَدَفَة أَي يلمّ مَا تفرّق مِنْهُ.
وَيُقَال: عَدَفَ لَهُ عِدْفَةً من مَاله إِذا قطع لَهُ قِطعة من مَاله. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَدَف والعائر والغُضَابُ: أَذَى الْعين. وَقَالَ ابْن السّكيت: العَدْفُ الأَكْل يُقَال مَا ذَاق عَدْفاً. والعَدَفُ القَذَى.
عفد: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الاعتفاد: أَن يُغلق الرجل الْبَاب على نَفسه، فَلَا يَسأل أحدا حَتَّى يَمُوت جوعا.
وَأنْشد:
وقائلةٍ ذَا زمَان اعتفادْ
ومَن ذَاك يَبْقى على الاعتفَادْ
وَقد اعْتَفَدَ يَعْتَفِدُ اعتِفاداً.
وَقَالَ شمر: قَالَ مُحَمَّد بن أنس: كَانُوا إِذا اشتدّ بهم الْجُوع وخافوا أَن يموتوا أغلقوا عَلَيْهِم بَابا، وَجعلُوا حَظِيرة من شَجَرَة يدْخلُونَ فِيهَا ليموتوا جوعا. قَالَ: وَلَقي رجل جَارِيَة تبْكي فَقَالَ لَهَا: مَالك؟ قلت: نُرِيد أَن نَعْتَفِد. قَالَ: وَقَالَ النظّار بن هَاشم الأسَديّ:
(2/133)

صاحَ بهم على اعتِفَادٍ زمانْ
مُعْتَفِدٌ قَطّاع بينِ الأقرانْ
قَالَ شمر: وَوَجَدته فِي (كتاب ابْن بزرج) : اعْتقد الرجل بِالْقَافِ وآطم وَذَلِكَ أَن يغلق عَلَيْهِ بَابا إِذا احْتَاجَ حَتَّى يَمُوت. قَالَ: وَوَجَدته فِي (كتاب أبي خَيرة) : عَفَدَ الرجل وَهُوَ يَعْفِد. وَذَلِكَ إِذا صفّ رجلَيْهِ فَوَثَبَ من غير عَدْوٍ.
دفع: قَالَ اللَّيْث: الدَفْع مَعْرُوف. يَقُول: دفع الله عَنْك الْمَكْرُوه دَفْعاً، ودافع عَنْك دِفاعاً. قَالَ والدَفْعَة: انْتِهَاء جمَاعَة قوم إِلَى مَوضِع بمرّة. والدُّفْعَة مَا دَفَعْتَ من سِقَاء أَو إِنَاء فانصبَّ بمرَّةٍ. وَقَالَ الْأَعْشَى:
وسَافَتْ من دَمٍ دُفَعَا
وَكَذَلِكَ دُفَع الْمَطَر ونحوِه. قَالَ: والدُفَّاع: طَحْمة الموج والسيل. وَأنْشد قَوْله:
جَوَاد يَفيض على المعتَفِين
كَمَا فاضَ يَمٌّ بُدُفَّاعِهِ
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الدوافع: أسافل المِيث حَيْثُ تَدْفَعُ فِي الأودية، أسفلُ كل مَيْثاء دافِعَة.
وَقَالَ اللَّيْث: الدَافِعَة: التَلْعَة تَدفَع فِي تلعَة أُخْرَى من مسايل المَاء إِذا جرى فِي صَبب وحدور من حَدَبٍ، فترى لَهُ فِي مَوَاضِع قد انبسط شَيْئا أَو اسْتَدَارَ ثمَّ دفع فِي أُخْرَى أَسْفَل مِنْهُ، فكلّ وَاحِد من ذَلِك دَافِعَة. والجميع الدَوَافِع. قَالَ: ومَجْرَى مَا بَين الدافعتين مِذْنَبٌ. وَقَالَ غَيره: المَدَافِع: المجاري والمسايل. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
شِيبِ الْمُبَارك مدروسٌ مَدَافِعُهُ
هَابي المراغِ قليلِ الوَدْق مَوْظُوبِ
قَالَ شمر قَالَ أَبُو عدنان: المدروس: الَّذِي لَيْسَ فِي مَدْفِعِه آثَار السَّيْل من جدوبته. والموظوب: الَّذِي قد وُظِبَ على أكله أَي ديم عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو سعيد: مدروس مَدَافِعُهُ: مَأْكُول مافي أوديته من النَّبَات. هابي المراغِ: ثائرٌ غُبَاره. شِيبٌ: بيضٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الاندفاع: المضيّ فِي الأَرْض كَائِنا مَا كَانَ. وَقَالَ فِي قَول الشَّاعِر:
أَيهَا الصُلصُل المُغِذُّ إِلَى المَدْ
فَعِ من نهر مَعقلٍ فالمذَارِ
أَرَادَ بالمَدْفَع اسْم موضعٍ. قَالَ: والمُدَفَّع: الرجل المحقور الَّذِي لَا يُقْرَى إِن ضاف، وَلَا يُجْدَى إِن اجتدى. وَيُقَال: فلَان سيّد قومه غير مُدَافَعٍ أَي غير مزاحَمٍ فِي ذَلِك وَلَا مَدْفُوع عَنهُ. وَيُقَال: هَذَا طَرِيق يدْفع إِلَى مَكَان كَذَا أَي يَنْتَهِي إِلَيْهِ. ودُفِعَ فلَان إِلَى فُلان أَي انْتهى إِلَيْهِ.
وَيُقَال غشيتْنا سَحَابَة فدفَعْناها إِلَى بني فلَان أَي انصرفت عَنَّا إِلَيْهِم. والدافع: النَّاقة الَّتِي تَدْفع اللبَنَ على رَأس وَلَدهَا، إِنَّمَا يكثر اللَّبن فِي ضَرْعها حِين تُرِيدُ أَن تصنع. وَكَذَا الشَّاة المِدفاع. والمصدر الدَفْعة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قوم يجْعَلُونَ المفْكِه والدافع سَوَاء. يَقُولُونَ: هِيَ دَافِع بِولد،
(2/134)

وَإِن شِئْت قلت: هِيَ دافِع بِلَبن، وَإِن شِئْت قلت: هِيَ دافِع بضَرْعها، وَإِن شِئْت قلت: هِيَ دافِع وتسكت. وَأنْشد:
ودافِع قد دَفَعَتْ للنَّتْجِ
قد مَخضَتْ مَخَاض خَيْل نُتْجِ
وَقَالَ النَّضر: يُقَال دفعت بلبنها وباللبن إِذا كَانَ وَلَدهَا فِي بَطنهَا، فَإِذا نُتِجت فَلَا يُقَال: دَفَعَتْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الدُفَّاع: الْكثير من النَّاس وَمن السّير وَمن جَرْي الْفرس إِذا تدافع جَرْيُه. وفرسٌ دَفَّاعٌ.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
إِذا صَلِيتُ بَدفَّاع لَهُ زَجَلٌ
يُوَاضِخُ الشَدَّ والتقريب والخَبَبَا
ويروى بدُفَّاعٍ يُرِيد الْفرس المتدافِع فِي جريه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: بعيرٌ مُدَفَّعٌ: كالمُقْرم الَّذِي يودَّع للفِحْلة فَلَا يُرْكَبُ وَلَا يُحْمَل عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي إِذا أُتِي بِهِ ليحمل عَلَيْهِ. قيل: ادْفَعْ هَذَا أَي دَعْه إبْقَاء عَلَيْهِ.
وَأنْشد غَيره لذِي الرمّة:
وَقَرَّبْنَ للأظعان كل مُدَفَّعِ
قَالَ: وَيُقَال: جَاءَ دُفَّاع من الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذا ازدحموا فَركب بعضهُم بَعْضًا. أَبُو زيد: يُقَال دَافَع الرجلُ أمرَ كَذَا وَكَذَا إِذا أولع بِهِ وانهمك فِيهِ. وَيُقَال دَافَع فلَان فلَانا فِي حَاجته إِذا ماطله فِيهَا فَلم يقضها.
وَفِي (كتاب شمر) قَالَ أَبُو عَمْرو: المَدَافِع: مجاري المَاء.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: مَدْفَع الْوَادي: حَيْثُ يدْفع السَّيْل وَهُوَ أَسْفَله حَيْثُ يتفرّق مَاؤُهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الدوَافِع: مَدَافِع المَاء إِلَى المِيث، والميث تدفع إِلَى الْوَادي الْأَعْظَم.
فدع: ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الأفدع: الَّذِي يمشي على ظهر قَدَمَيْهِ.
أَبُو نصر عَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي ارْتَفع أَخْمَص رجله ارتفاعاً لَو وطىء صاحبُها على عصفورٍ مَا آذاه قَالَ: وَفِي رجله قَسَطٌ وَهُوَ أَن تكون الرِجل ملساء الْأَسْفَل كَأَنَّهَا مَالَجٌ.
وَقَالَ اللَّيْث: الفَدَعُ: مَيْل فِي المفاصل كلّها، كَأَن المفاصل قد زَالَت عَن موَاضعهَا، وَأكْثر مَا يكون فِي الأرساغ. قَالَ: وكلّ ظلِيم أفدَع؛ لِأَن فِي أَصَابِعه اعوجاجاً.
وَقَالَ رؤبة:
عَن ضَعفِ أطنابٍ وسمْكٍ أَفْدَعَا
فَجعل السّمْك المائل أَفْدَع. وَأنْشد شمر لأبي زُبَيد:
مُقَابَل الخَطْوِ فِي أَرْسَاغِهِ فَدَعُ
قَالَ: وأنشدني أَبُو عدنان:
يومٌ من النَثْرة أَو فَدْعَائِهَا
يُخْرِج نَفْسَ العَنْزِ من وَجْعَائِهَا
قَالَ: يَعْنِي بفدعائها: الذِّرَاع تُخرج نَفْس العَنْز من شدّة القُرِّ.
قَالَ ابْن شُمَيْل: الفَدَعُ فِي الْيَد: أنْ ترَاهُ يطَأ على أم قِردَانِهِ فيشخص صدر خُفه،
(2/135)

جملٌ أفَدع وناقةٌ فَدْعاء. وَلَا يكون الفدع إِلَّا فِي الرُسْغ جُسْأة فِيهِ.
وَقَالَ غَيره: الفَدَع: أَن يصطك كعباه ويتباعد قدماه يَمِينا وشِمالاً.
قلت: أصل الفَدَع الْميل والعَوَج، فكيفما مَالَتْ الرِجْل فقد فَدِعَتْ.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ الْبَاء)
(ع د ب)
عبد، عدب، دعب، بعد، بدع: مستعملة.
عبد: أَبُو عبيد عَن الفرّاء: مَا عَبَّد أَن فعل ذَاك وَمَا عَتَّم وَمَا كذّب مَعْنَاهُ كُله: مالبَّث. قَالَ: وَيُقَال امتَلّ يعدو، وانكدر يعدُو، وعَبّدَ يَعدُو إِذا أسْرع بعض الْإِسْرَاع.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {يَكْتُبُونَ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} (الزّخرُف: 81) .
قَالَ اللَّيْث: العَبَد: الأنفُ والحمِيَّة من قَول ليُستحيا مِنْهُ ويُستنكف. قَالَ: وَقَوله: {وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} أَي الآنفين من هَذَا القَوْل. قَالَ: ويُقرأ: (فَأَنا أول العَبدِين) مَقْصُور من عَبِدَ يَعْبَدُ فَهُوَ عَبِد. قَالَ: وَبَعض الْمُفَسّرين يَقُول: {وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} أَي كَمَا أَنه لَيْسَ للرحمان ولد أَنا لست بِأول من عبد الله.
قلت: وَهَذِه آيَة مشكلة. وَأَنا ذَاكر أقاويل السّلف فِيهَا، ثمَّ مُتبعها بِالَّذِي قَالَ أهل اللُّغَة وأُخبِر بأصَحِّها عِنْدِي وَالله الْمُوفق.
فَأَما القَوْل الَّذِي ذكره اللَّيْث أوّلاً فَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، على أَنِّي مَا عَلِمتُ أحدا قَرَأَ: (فَأَنا أول العَبِدِين) وَلَو قرىء مَقْصُورا كَانَ مَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة مُحْتملا. وإذْ لم يقْرَأ بِهِ قارىء مشهورٌ لم يُعبَأ بِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ: مَعْنَاهُ: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} (الزّخرُف: 81) ، يَقُول: فَكَمَا أَنِّي لستُ أوّل من عَبَدَ الله فَكَذَلِك لَيْسَ لله ولد. وَهَذَا القَوْل يُقَارب مَا قَالَه اللَّيْث آخِراً، وأضافه إِلَى بعض الْمُفَسّرين.
وَقَالَ السُّدي: قَالَ الله تَعَالَى لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قل لَهُم: إِن كَانَ على الشَّرْط للرحمان ولد كَمَا تَقولُونَ لَكُنْت أوّل من يطيعه ويعبده.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِن كَانَ مَا كَانَ.
وَقَالَ الحسَنُ وَقَتَادَة: إِن كَانَ للرحمان ولد على معنى مَا كَانَ فَأَنا أول العابدين: أوّلُ من عَبَدَ الله من هَذِه الأمّة.
وَقَالَ الْكسَائي: قَالَ بَعضهم: إِن كَانَ أَي مَا كَانَ للرحمان ولد فَأَنا أول العابدين: الآنفين، رجلٌ عَابِد وعَبِدٌ وآنِف وأنِفٌ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله: {وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} (الزّخرُف: 81) أَي الغِضاب الآنفين وَيُقَال: فَأَنا أول الجاحدين لِمَا تَقولُونَ. وَيُقَال: أَنا أول من يعبده على الوحدانية مخالَفةً لكم.
وَرُوِيَ عَن عليّ أَنه قَالَ: عَبِدتُ فصَمَتُّ أَي أنِفْتُ فسَكَتُّ.
وَقَالَ ابْن الأنباريّ: مَعْنَاهُ: مَا كَانَ للرحمان ولد وَالْوَقْف على الْوَلَد، ثمَّ
(2/136)

يبتدىء: فَأَنا أول العابدين لَهُ، على أَنه لَا ولد لَهُ. وَالْوَقْف على (العابدين) تامّ.
قلت: قد ذكرتُ أقاويل مَن قدّمنا ذكرهم، وَفِيه قَول أحسن من جَمِيع مَا قَالُوا وأَسْوغ فِي اللُّغَة، وَأبْعد من الاستكراه وأسرع إِلَى الْفَهم.
رَوَى عبد الرازق عَن مَعْمَر عَن ابْن أبي نَجِيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يَكْتُبُونَ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} (الزّخرُف: 81) يَقُول: إِن كَانَ لله ولد فِي قَوْلكُم فَأَنا أول من عَبَدَ الله وَحده وكذّبكم بِمَا تَقولُونَ.
قلت: وَهَذَا وَاضح. وممّا يزِيدهُ وضوحاً أَن الله جلّ وعزّ قَالَ لنبيّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قل يَا مُحَمَّد للْكفَّار إِن كَانَ للرحمان ولد فِي زعمكم فَأَنا أول العابدين إلهَ الْخلق أَجْمَعِينَ الَّذِي لم يلد وَلم يُولد، وأولّ الموحِّدين للرب الخاضعين المطيعين لَهُ وَحده؛ لِأَن من عَبَدَ الله واعترف بِأَنَّهُ معبوده وَحده لَا شريك لَهُ فقد دَفَعَ أَن يكون لَهُ ولد. وَالْمعْنَى: إِن كَانَ للرحمان ولد فِي دعواكم فَالله جلّ وعزّ وَاحِد لَا شريك لَهُ، وَهُوَ معبودي الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد.
قلت: وَإِلَى هَذَا ذهب إِبْرَاهِيم بن السَرِيّ وَجَمَاعَة من ذَوي الْمعرفَة، وَهُوَ القَوْل الَّذِي لَا يجوز عِنْدِي غَيره.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} (الشُّعراء: 22) الْآيَة. قلت: وَهَذِه الْآيَة تقارِب الَّتِي فسّرنا آنِفا فِي الْإِشْكَال، وَنَذْكُر مَا قيل فِيهَا ونخبر بالأصحّ الأوضح ممَّا قيل.
أَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ: قَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} قَالَ: يُقَال: إِن هَذَا استفهامٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: أوَ تِلْكَ نعْمَة تمنُّها عليّ ثمَّ فَسَّر فَقَالَ: أَن عَبّدت بني إِسْرَائِيل فَجعله بَدَلا من النِّعْمَة.
قَالَ أَبُو العبّاس: وَهَذَا غلط؛ لَا يجوز أَن يكون الِاسْتِفْهَام يُلْقى وَهُوَ يُطْلَبُ، فَيكون الِاسْتِفْهَام كالخبر. وَقد استُقبح وَمَعَهُ (أم) وَهِي دَلِيل على الِاسْتِفْهَام. استقبحوا قَول امرىء الْقَيْس:
تروح من الحَيّ أم تَبْتَكِرْ
قَالَ بَعضهم: هُوَ أتروح من الحيّ أم تبتكر فَحذف الِاسْتِفْهَام أوّلاً وَاكْتفى بِأم. وَقَالَ أَكْثَرهم: بل الأول خبر وَالثَّانِي اسْتِفْهَام. فأمَّا وَلَيْسَ مَعَه (أم) لم يقلهُ إِنْسَان.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَقَالَ الفرّاء: وَتلك نعْمَة تمنها عليّ، لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَنت من الْكَافرين لنعمتي أَي لنعمة تربيتي لَك، فَأَجَابَهُ فَقَالَ: نعم هِيَ نعْمَة عليّ أَن عَبَّدت بني إِسْرَائِيل وَلم تستعبدني. يُقَال: عَبَّدَتُ العَبِيد وأعبدتهم أَي صيّرتُهم عبيدا، فَيكون مَوضِع (أَن) رفعا وَيكون نصبا وخفضاً. من رَفَع ردّها على النِّعْمَة، كَأَنَّهُ قَالَ: وَتلك نعْمَة تعبيدك بني إِسْرَائِيل ولَمْ تُعَبِّدْني. وَمن خفض أَو نصب أضمر اللَّام. قلت: وَالنّصب أحسن الْوُجُوه، الْمَعْنى: أَن فِرْعَوْن لمّا قَالَ لمُوسَى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (الشُّعَرَاء: 18) فاعتَدّ فرعونُ على
(2/137)

مُوسَى بِأَن ربّاه وليداً مُنْذُ وُلِد إِلَى أَن كَبِر، فَكَانَ من جَوَاب مُوسَى لَهُ: تِلْكَ نعْمَة تَعتدّ بهَا عليّ لِأَنَّك عَبّدتَ بني إِسْرَائِيل وَلَو لم تُعبْدهم لكفَلني أَهلِي وَلم يُلْقوني فِي اليمّ، فَإِنَّمَا صَارَت نعْمَة لِمَا أقدمت عَلَيْهِ ممَّا حظره الله عَلَيْك.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجّاج: المفسّرون أخرجُوا هَذِه على جِهَة الْإِنْكَار أَن تكون تِلْكَ نعْمَة، كَأَنَّهُ قَالَ: وأيّ نعْمَة لَك عليّ فِي أَن عَبَّدت بني إِسْرَائِيل وَاللَّفْظ لفظ خبر. قَالَ: وَالْمعْنَى يخرج على مَا قَالُوا على أَن لَفظه لفظ الْخَبَر. وَفِيه تبكيتٌ للمخاطَب كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ هَذِه نعْمَة أَن اتخذتَ بني إِسْرَائِيل عَبيداً، على جِهَة التهكّم بفرعون. وَاللَّفْظ يُوجب أَن مُوسَى قَالَ لَهُ: هَذِه نعْمَة لِأَنَّك اتَّخذت بني إِسْرَائِيل عبيدا وَلم تتخذني عَبداً، وَقَالَ الشَّاعِر فِي أعبَدت الرجل بِمَعْنى عَبَّدته:
علام يُعْبِدُني قومِي وَقد كثرت
فيهم أباعِر مَا شَاءُوا وعُبْدانُ
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: المُعَبَّد: المُذَلَّل. والمُعَبّد: الْبَعِير الجَرِبُ. وَأنْشد لَطَرفة:
وأفردت إِفْرَاد الْبَعِير المعُبَّدِ
قَالَ والمُعَبَّد: المكرَّم فِي بَيت حَاتِم حَيْثُ يَقُول:
تَقول أَلا تُبقي عَلَيْك فإنني
أرى المَال عِنْد الممسكين مُعَبَّدَا
أَي مُعَظَّماً مخدُوماً. قَالَ: وَأَخْبرنِي الحرّاني عَن ابْن السّكيت: يُقَال اسْتَعْبَده وعَبَّدَه أَي أَخذه عَبْداً وَأنْشد قَول رؤبة:
يَرْضَوْنَ بالتعبيد والتأمِيّ
قَالَ: وَيُقَال: تَعَبَّدت فلَانا أَي اتّخذته عَبداً، مثل عَبَّدته سَوَاء. وَتَأَمَّيْتُ فلانةَ أَي اتخذتها أَمَةً.
وَقَالَ الفرّاء: يُقَال: فلَان عَبْدٌ بَيِّنُ العُبُودة والعُبُودِيَّة والعَبْدِيّة. وتَعَبَّد الله العَبْد بِالطَّاعَةِ أَي استعبده.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} (الْمَائِدَة: 60) قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وشَيْبَة ونافِع وعاصِم وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: و {وُوِوَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} .
قَالَ الفرّاء: هُوَ مَعْطُوف على قَوْله وَجعل مِنْهُم القِردَة والخنازير وَمن عَبَدَ الطاغوت.
وَقَالَ الزّجاج: قَوْله {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} نَسَقٌ على {مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ} الْمَعْنى: من لَعنه الله وَمن عبد الطاغوت. قَالَ وَتَأْويل {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} أَي أطاعه يَعْنِي الشَّيْطَان فِيمَا سوّل لَهُ وأغواه. قَالَ: والطاغوت هُوَ الشَّيْطَان.
قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (الفَاتِحَة: 5) : إياك نطيع الطَّاعَة الَّتِي نخضع مَعهَا.
قَالَ: وَمعنى الْعِبَادَة فِي اللُّغَة: الطَّاعَة مَعَ الخضوع. وَيُقَال طريقٌ مُعَبَّدٌ إِذا كَانَ مذلَّلاً بِكَثْرَة الْوَطْء، وبعيرٌ مُعَبَّد إِذا كَانَ مَطْليًّا بالقَطِران. وَقَرَأَ: (وعَبُدَ الطاغوتِ)
(2/138)

يحيى بن وَثّابٍ وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة.
قَالَ الفرّاء: وَلَا أعلم لَهُ وَجها إِلَّا أَن يكون عَبُدَ بِمَنْزِلَة حذُر وعَجُل.
وَقَالَ نُصَير الرازيّ: (عَبُدٌ) وَهمٌ ممَّن قَرَأَهُ، ولسنا نَعْرِف ذَلِك فِي العربيَّة.
ورُوي عَن النَّخعِيّ أَنه قَرَأَ: (وعُبُدَ الطاغوتِ) وَذكر الفرّاء أَن أُبَيَّاً وَعبد الله قرءا (وعبدوا الطاغوت) .
ورُوي عَن بَعضهم أَنه قَرَأَ: (وعُبَّاد الطاغوت) وَبَعْضهمْ (وعَابِدَ الطاغوت) .
ورُوي عَن ابْن عَبَّاس: (وعُبِّدَ الطاغوت) .
ورُوي عَنهُ أَيْضا: (وعُبَّدَ الطاغوت) .
قلت: وَالْقِرَاءَة الجيّدة الَّتِي لَا يجوز عندنَا غَيرهَا هِيَ قِرَاءَة العامّة الَّتِي بهَا قَرَأَ القُرّاء المشهّرون. {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} (الْمَائِدَة: 60) على التَّفْسِير الَّذِي بيّنته من قَول حُذَّاق النَّحْوِيين.
قلت: وَأما قَول أَوْس بن حجر:
أبَنِي لبيني أَن أُمَّكُمُ
أَمَةٌ وَإِن أَبَاكُم عَبُدُ
فَإِنَّهُ أَرَادَ: وَإِن أَبَاكُم عَبْد فثقَّله للضَّرُورَة، فَقَالَ: عَبُدُ.
وَقَالَ اللَّيْث: العَبد: الْمَمْلُوك. وجماعتهم: العَبِيد، وهم العِبَاد أَيْضا؛ إلاَّ أنّ العامّة اجْتَمعُوا على تَفْرِقَة مَا بَين عباد الله والمَماليك، فَقَالُوا: هَذَا عَبْد من عباد الله، وَهَؤُلَاء عبيد مماليك.
قَالَ: وَلَا يُقَال: عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً إلاّ لمن يَعْبُدُ الله. وَمن عَبَدَ مِن دونه إِلَهًا فَهُوَ من الخاسرين.
قَالَ: وَأما عَبْدٌ خَدَمَ مَوْلَاهُ فَلَا يُقَال: عَبَدَه.
قَالَ اللَّيْث: وَمن قَرَأَ: (وَعَبُدَ الطاغوتُ) فَمَعْنَاه صَار الطاغوتُ يُعْبَد، كَمَا يُقَال: فَقُهَ الرجل وظَرُفَ. قلت: غَلِط اللَّيْث فِي الْقِرَاءَة وَالتَّفْسِير. مَا قَرَأَ أحد من قُرَّاء الْأَمْصَار وَغَيرهم (وَعَبُدَ الطاغوتُ) بِرَفْع الطاغوت، إِنَّمَا قَرَأَ حَمْزَة: (وَعَبُدَ الطاغوتِ) وَهِي مهجورة أَيْضا.
قَالَ اللَّيْث: وَيُقَال للْمُشْرِكين: هم عَبَدَة الطاغوتِ. وَيُقَال للْمُسلمين: عِبَاد الله يَعْبُدُون الله. وَذكر اللَّيْث أَيْضا قِرَاءَة أُخْرَى مَا قَرَأَ بهَا أحد وَهِي (وعابدو الطاغوت) جمَاعَة.
وَكَانَ ح قَلِيل الْمعرفَة بالقراءات. وَكَانَ نَوْلُه ألاّ يَحْكِي الْقرَاءَات الشاذَّة، وَهُوَ لَا يحفظها القارىء قَرَأَ بهَا وَهَذَا دَلِيل على أَن إِضَافَته كِتَابه إِلَى الْخَلِيل بن أَحْمد غير صَحِيح، لِأَن الْخَلِيل كَانَ أَعقل وَأَوْرَع من أَن يسمِّى مثل هَذِه الْحُرُوف قراءات فِي الْقُرْآن، وَلَا تكون مَحْفُوظَة لقارىء مَشْهُور من قُرّاء الْأَمْصَار وَدَلِيل على أَن اللَّيْث كَانَ مغفَّلاً ونسأل الله التَّوْفِيق للصَّوَاب.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال أعبَدني فلَان فلَانا أَي ملّكني إيّاه.
قلت: وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة: أعبَدت فلَانا أَي استعبدته. وَلست أنكر جَوَاز مَا ذكره اللَّيْث إِن صحَّ لثقة من الْأَئِمَّة، فَإِن السماع فِي اللُّغَات أولى بِنَا من القَوْل بالحَدْس والظنّ وابتداع قياسات لَا تستمرّ
(2/139)

وَلَا تطّرد.
وَقَالَ اللَّيْث: العِبِدَّى: جمَاعَة العَبيد الَّذين وُلِدُوا فِي العُبُودَة، تعبيدةً ابنَ تعبيدة، أَي فِي العُبُودة إِلَى آبَائِهِ.
قلت: هَذَا غَلَط. يُقَال: هَؤُلَاءِ عِبِدَّى الله أَي عِبَادُه.
وَفِي الحَدِيث الَّذِي جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاء: (وَهَذِه عِبِدّاك بِفناء حَرَمك) .
قَالَ اللَّيْث: والعبادِيد: الْخَيل إِذا تفرّقتْ فِي ذهابها ومجيئها، وَلَا تقع إِلَّا على جمَاعَة: لَا يُقَال للْوَاحِد عِبْدِيد.
قَالَ وَيُقَال فِي بعض اللُّغَات: عبابيد، وَأنْشد:
وَالْقَوْم آتوك بَهزٌ دون إِخْوَتهم
كالسيل يركب أَطْرَاف العبَابِيد
قَالَ: وَهِي الْأَطْرَاف الْبَعِيدَة، والأشياء المتفرقة. وهم عَباديد أَيْضا.
قلت: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: العبابيد: الطُرُق الْمُخْتَلفَة.
ورَوَى أَبُو طَالب عَن أَبِيه عَن الفرّاء أَنه قَالَ: العَبَاديد والشماطِيط لَا يُفْرد لَهُ وَاحِد.
قَالَ: وَقَالَ غَيره: وَلَا يُتكلم بهما فِي الإقبال، إِنَّمَا يتَكَلَّم بهما فِي التَّفَرُّق والذهاب.
قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال صَارُوا عَبابِيد وعَبَادِيد أَي متفرّقين.
وَقَول الله جلّ وعزّ: {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 47) أَي دائنون، وكل من دَان لملكٍ فَهُوَ عَابد لَهُ.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فلَان عَابِد وَهُوَ الخاضع لربّه المستسلم لقضائه المنقاد لأَمره. وَقَوله {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} (الْبَقَرَة: 21) أَي أطِيعُوا ربّكم. وَقيل فِي قَوْله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (الْفَاتِحَة: 5) : إيّاك نوحِّد، وَالْعَابِد الموحِّد. وَالدَّرَاهِم العَبْديَّة كَانَت دَرَاهِم أفضل من هَذِه الدَّرَاهِم وَأكْثر وزنا. وَأما بَيت بشر:
مُعَبَّدةُ السقائف ذَات دُسْرٍ
مُضَبَّرةٌ جوانبها رَداحُ
فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: المعَبَّدة: المطليَّة بالشحم أَو الدُهْن أَو القار. وَقيل مُعَبَّدة: مُقَيرة. وَقَالَ شمر: يُقَال للعبيد مَعْبَدَة. وَأنْشد للفرزدق:
وَمَا كَانَت فُقَيم حَيْثُ كَانَت
بِيَثْرِب غيرَ مَعْبَدَة قُعُودِ
قلت: وَمثل معبَدة جمع العبْد مشيْخة جمع الشَّيْخ، ومسْيفة جمع السَّيْف. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: أعبَدَ الْقَوْم بالرجُل إِذا ضربوه، وَقد أُعْبِدَ بِهِ إِذا ذهبتْ رَاحِلَته، وَكَذَلِكَ أُبْدِعَ بِهِ. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: نَاقَة ذَات عَبَدَة أَي لَهَا قوّة شَدِيدَة. وَقَالَ شمر: العَبَدَة الْبَقَاء يُقَال مَا لثوبك عَبَدَة أَي بَقَاء سُمِّي عَلْقمة بن عَبَدَة وَقَالَ أَبُو دوادٍ الإياديُ:
إنْ تُبتذل تُبتذل من جندلٍ خِرسٍ
صَلاَبةٍ ذَات أَسدارٍ لَهَا عَبَدَه
وَقيل أَرَادَ بالعَبَدَة: الشدّة. وَقَالَ شمر: يُجمع العَبْدُ عَبيداً ومَعْبُودَاء وعِبِدَّى ومَعْبَدَة وعُبْدَاناً وعِبْدَاناً وَأنْشد:
(2/140)

تركت العِبدّى يَنْقُرون عجانَهَا
وَقَالَ اللحياني: عَبَدت الله عِبَادَةً ومَعْبَداً والمُعَبَّدُ: الطَّرِيق الموطوء فِي قَوْله:
وَظيفاً وظيفاً فَوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ
وَأنْشد شمر:
وَبَلد نائي الصُوَى مُعَبَّد
قطعتُه بذاتِ لَوْثٍ جَلْعَدِ
قَالَ: أنشدنيه أَبُو عدنان وَذكر أَن الكلابيّة أنشدته وَقَالَت: المُعَبَّد: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أثَر وَلَا عَلم وَلَا مَاء. وَقَالَ شمر: المُعَبَّدُ من الْإِبِل: الَّذِي قد عُمَّ جِلدُه كلّه بالقَطران من الجَرَب. وَيُقَال: المُعَبَّدُ: الأجرب الَّذِي قد تساقط وَبَره فأُفرد عَن الْإِبِل ليُهْنَأَ. وَيُقَال: هُوَ الَّذِي عَبَّده الجَرَب أَي ذَلّلَهُ. وَقَالَ ابْن مقبل:
وضَمَّنتُ أرسانَ الْجِيَاد مُعَبَّداً
إِذا مَا ضربنا رَأسه لَا يُرَنَّحُ
قَالَ: والمعَبَّد هَهُنَا الوتِد وَيُقَال أنوم من عَبّود. قَالَ الْمفضل بن سَلمَة: كَانَ عبود عبدا أسود حطاباً فَغَبَر فِي محتطبه أسبوعاً لم ينم ثمَّ انْصَرف وَبَقِي أسبوعاً نَائِما فَضرب بِهِ الْمثل وَقيل: نَام نوم عبّود وَقَالَ أَبُو عدنان: سَمِعت الكلابيّين يَقُولُونَ: بعيرٌ مُتَعَبِّدٌ ومُتَأَبِّد إِذا امْتنع على النَّاس صعوبةً فَصَارَ كآبِدة الوَحْش. قَالَ وَيُقَال: عَبِدَ فلَان: إِذا ندِم على شَيْء يفوتهُ وَيَلُوم نَفسه على تَقْصِير كَانَ مِنْهُ. وَقَالَ النَّضر: العَبَدُ طول الْغَضَب. وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ الفرّاء: عَبِدَ عَلَيْهِ وأحِن عَلَيْهِ وأمِد وأبِد أَي غضِب. وَقَالَ الغَنَوِيّ: العَبَدُ: الحزَنُ والوَجْد. وَقيل فِي قَول الفرزدق:
أُولَئِكَ قوم إِن هجوني هجوتهم
وأعْبَدُ أَن أهجو كُلَيباً بدَارِمِ
أعْبَدُ: أَي آنف. وَقَالَ ابْن أَحْمَر يصف الغَوّاص:
فأرسَل نَفسه عَبَداً عَلَيْهَا
وَكَانَ بِنَفسِهِ أرِباً ضَنِينَا
قيل: معنى قَوْله: عَبَداً أَي أنَفَاً. يَقُول: أنِفَ أَن تفوته الدُرَّة. وَقَالَ شمر: قيل للبعير إِذا هُنِىءَ بالقَطِران: مُعَبَّدٌ لِأَنَّهُ يتذلَّل لشهوته للقطران وَغَيره، فَلَا يمْتَنع. والتعبُّد: التذلّل. قَالَ: والمعَبَّد: المذلَّل. يُقَال: هُوَ الَّذِي يُتركُ وَلَا يُركبُ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: ذهب الْقَوْم عَبَادِيد وعَبَابِيد إِذا ذَهَبُوا متفرّقين، وَلَا يُقَال: أَقبلُوا عَبَادِيد. قَالَ: والعَبَادِيد: الآكام. وَقَالَ الزّجاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ} (الذّاريَات: 56) الْآيَة، الْمَعْنى: مَا خلقتهمْ إلاّ لأدعوهم إِلَى عبادتي وَأَنا مُرِيد العِبَادَة مِنْهُم، وَقد علم الله قبل أَن يخلقهم من يَعْبُدُه ممّن يكفر بِهِ، وَلَو كَانَ خلقهمْ ليُجبرهم على عِبَادَته لكانوا كلهم عُبَّاداً مُؤمنين. قلت: وَهَذَا قَول أهل السنّة وَالْجَمَاعَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: المعَابد: المسَاحِي والمُرُور، وَاحِدهَا مِعْبَدٌ. قَالَ عَدِيّ بن زيد العِبَاديّ:
إِذْ يَحْرُثْنَه بالمَعَابِدِ
وَقَالَ أَبُو نصر: المعَابد: العَبيد. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَبْدُ: نَبَات طيّب الرَّائِحَة. وَأنْشد:
(2/141)

حَرَّقها العَبد بعنظوانِ
فاليومُ مِنْهَا يومُ أَرْوَنانِ
قَالَ: والعَبْد تَكْلَف بِهِ الإبلُ؛ لِأَنَّهُ مَلْبَنَة مَسْمَنة، وَهُوَ حادٌّ المِزَاج، إِذا رعته الْإِبِل عطشت فطلبت المَاء، وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن سَلَمة عَن الفرّاء: يُقَال صُكّ بِهِ فِي أم عُبَيد، وَهِي الفَلاَة وَهِي الرّقّاصَة. قَالَ: وَقلت للقَنَاني: مَا عُبَيد؟ فَقَالَ: ابْن الفلاة. وَأنْشد قَول النَّابِغَة:
مُنَدَّى عُبَيدان المحلِّىء باقِرَهْ
قَالَ: يَعْنِي بِهِ الفَلاَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: عُبَيْدان: اسْم وَادي الحَيّة، وَذكر قصَّتها وَاسْتشْهدَ عَلَيْهَا بِشعر النَّابِغَة. والعِبَاد: قوم من أفناء الْعَرَب، نزلُوا بالحِيرة وَكَانُوا نَصَارَى، مِنْهُم عَدِيّ بن زيد العِبَاديّ. وَقد سَمَّت الْعَرَب عَبَّاداً وعُبَادة وعُبَاداً وعَبِيداً وعَبيدة وعَبَدَة ومَعْبَداً وعُبَيْداً وعابداً وعَبْدان وعُبَيْدان تَصْغِير عَبدان.
عدب: أهمله اللَّيْث وَهُوَ مَعْرُوف. روى أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة والأصمعي أَنَّهُمَا قَالَا: العَداب: مُسْتَرق الرمل حَيْثُ يذهب مُعْظمها وَيبقى شَيْء مِنْهَا. وَأنْشد:
وأقفر المُودِس من عَدَابها
يَعْنِي الأَرْض الَّتِي قد أنبتت أول نبت ثمَّ أَيسَرت.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
كثَور العَداب الفَرد يضْربهُ الندَى
تعَلّى الندى فِي مَتْنه وتحدّرا
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَدُوبُ: الرمل الْكثير. والعَدابُ: مَا استَرَقّ من الرمل. شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العُدَبيّ من الرِّجَال: الْكَرِيم الأخلاقِ. وَقَالَ كَثير:
سَرَت مَا سَرَت من لَيْلهَا ثمَّ عَرَّسَتْ
إِلَى عُدَبيَ ذِي غَناء وَذي فَضْلِ
وَقَالَ الرياشي فِي العُدبيّ مثله. وَهُوَ حرف صَحِيح غَرِيب.
بدع: قَالَ الله جلّ وعزّ: {الرَّحِيمُ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (الْأَحْقَاف: 9) الْآيَة. أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن الحَرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: البِدْعة: كلّ مُحْدَثة. وَيُقَال: سِقَاء بَدِيع أَي جَدِيد. وَكَذَلِكَ زِمام بديع. وأفادني المنذريّ لأبي عُمَر الدُوريّ عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: البِدْع فِي الشرّ وَالْخَيْر. وَقد بَدُعَ بَدَاعَةً وبُدُوعاً. ورجلٌ بِدْع وَامْرَأَة بِدْعَةٌ إِذا كَانَ غَايَة فِي كل شَيْء، كَانَ عَالما أَو شريفاً أَو شجاعاً. وَقد بُدِعَ الْأَمر بَدْعاً وبَدَعُوهُ وابتَدَعُوه. وَرجل بِدْع ورجالٌ أَبْدَاع ونساءٌ بدعٌ وأبْداع شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي: البِدْع من الرِّجَال الغُمْر قَالَ أَبُو عدنان: المبتدع الَّذِي يَأْتِي أمرا على شِبْه لم يكن ابتدأه إيّاه قلت: وَمعنى قَول الله تَعَالَى: {الرَّحِيمُ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أَي مَا كنتُ أول مَنْ أرسِل، قد أرسِل قبلي رُسُلٌ كثير.
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن تِهامة كبَديع العسَل: حلُوٌ أوّله، حُلوٌ آخِره) . البَديع: السِقَاء الْجَدِيد والزِقّ الْجَدِيد. وشبّه تهَامَة بزِقّ العَسَل لِأَنَّهُ لَا يتغيّر هواؤها، فأوله وَآخره طيب، وَكَذَلِكَ العَسَل لَا يتَغَيَّر. وأمّا اللَّبن فَإِنَّهُ يتغيّر. وتهامة فِي فُصُول السّنة كلِّها طيِّبة عَذاةٌ،
(2/142)

ولياليها أطيب اللَّيَالِي، لَا تؤذِي بحَرَ مُفرِط وَلَا قُرَ مؤذٍ. وَمِنْه قَول امْرَأَة من الْعَرَب وصفتْ زَوجهَا فَقَالَ: زَوجي كليلِ تهَامَة، لَا حَرّ وَلَا قُرّ وَلَا مَخَافَة وَلَا سآمة. وَقَول الله جلّ وعزّ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ} (البَقَرة: 117) أَي خالقهما. وبَديعٌ من أَسمَاء الله وَهُوَ البَديع الأوَّل قبل كل شَيْء. وَيجوز أَن يكون من بَدَعَ الخَلْقَ أَي بدأه. وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى مُبْدع.
وَقَالَ الزّجاج: بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض منشئهما على غير حِذَاء وَلَا مِثَال. وكلّ مَن أنشأ مَا لم يسبَق إِلَيْهِ قيل لَهُ: أَبْدَعْتَ. وَلِهَذَا قيل لمن خَالف السّنة: مُبْتَدِع. لِأَنَّهُ أحدث فِي الْإِسْلَام مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ السَّلَف.
ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإسنادٍ صَحِيح أَنه قَالَ: (إيَّاكم ومُحْدَثَات الْأُمُور، فَإِن كل مُحْدَثة بِدْعة، وكل بِدعَة ضَلَالَة) .
قلت: وَقَول الله تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ} بِمَعْنى مُبْدعهما؛ إِلَّا أَن (بديع) مِن بَدَع لَا مِن أَبْدَعَ. وَأَبْدَعَ أَكثر فِي الْكَلَام من بَدَعَ وَلَو استُعمل بَدَعَ لم يكن خطأ، فبَدِيع فَعِيل بِمَعْنى فَاعِل مثل قدير بِمَعْنى قَادر. وَهُوَ صفة من صِفَات الله؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ الْخلق على مَا أَرَادَ على غير مثالٍ تَقَدّمه.
والبَديع من الحِبال: الَّذِي ابتدىء فَتْله، وَلم يكن حبْلاً فنكِث ثمَّ غُزِلَ وأعيد فتله. وَمِنْه قَول الشماخ:
وأُدْمج دَمْج ذِي شَطَنٍ بَدِيعِ
وَأنْشد الأعرابيّ فِي السّقاء:
نَضْحَ البَدِيعِ الصَفَق المُصَفَّرا
يَعْنِي المزاد الْجَدِيد الَّذِي يسرّب أول مَا يسقَى فِيهِ فَيخرج مَاؤُهُ أصفر، وَهُوَ الصَّفَق.
قلت: والبَديع بِمَعْنى السِّقاء أَو الحبْل فعِيل بِمَعْنى مفعول.
ورَوَى عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إنّي قد أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي.
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُقَال للرجل إِذا كَلَّتْ رِكَابه أَو عَطِبتْ وَبَقِي مُنْقَطِعًا بِهِ: قد أُبدِع بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ الْكسَائي مثله، وَزَاد فِيهِ: أبدَعَتِ الركابُ إِذا كَلَّتْ وعَطِبَتْ.
وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب: لَا يكون الإبداع إلاّ بظَلْعٍ، يُقَال أبدَعَتْ بِهِ رَاحِلَته إِذا ظَلَعتْ.
قَالَ أَبُو عبيد: وَلَيْسَ هَذَا باخْتلَاف، وَبَعضه شَبيه ببعضٍ.
وَقَالَ اللحياني: يُقَال أَبْدَعَ فلَان بفلان إِذا قَطَعَ بِهِ وخَذَله وَلم يقم بحاجته وَلم يكن عِنْد ظنّه بِهِ.
وَقَالَ أَبُو سعيد: أُبْدِعَتْ حُجَّة فلَان أَي أُبْطِلَتْ، وَأَبْدَعَتْ حجّته أَي بَطَلَتْ.
وَقَالَ غَيره: أَبْدَعَ بِرُّ فلَان بشكري وأبدَع فَضله وإيجابه بوصفي إِذا شكره على إحسانه إِلَيْهِ، واعترف بِأَن شكره لَا يَفِي بإحسانه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: بَدِعَ يَبْدَعُ فَهُوَ بَدِيعٌ إِذا سَمِنَ.
(2/143)

وَأنْشد لبَشِير بن النِكْث أحد الرُجَّاز:
فبَدِعَتْ أَرْنَبُهُ وخِرْنُقُهْ
أَي سمِنتْ
وَقال اللَّيْث: قرىء: (بديعَ السَّمَوَات وَالْأَرْض) (الْبَقَرَة: 117) بِالنّصب على وَجه التَّعَجُّب لِمَا قَالَ الْمُشْركُونَ، على معنى بدْعاً مَا قُلْتُمْ وبديعاً اخترقتم، فنصبه على التعجّب وَالله أعلم أهوَ كَذَلِك أم لَا. فأمّا قِرَاءَة الْعَامَّة فالرفع، وَيَقُولُونَ: هُوَ اسْم من أَسمَاء الله.
قلت مَا علمت أحدا من القرّاء قَرَأَ: (بديعَ) بِالنّصب، والتعجُّبُ فِيهِ غير جَائِز. وَإِن جَاءَ مثله فِي الْكَلَام فنصبه على الْمَدْح كَأَنَّهُ قَالَ اذكر بديع السَّمَاوَات شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي: البِدْع من الرِّجَال الغُمْرُ.
بعد: قَالَ اللَّيْث: بَعْدُ كلمة دالّة على الشَّيْء الْأَخير. تَقول: بعدَ هَذَا، منصوبٌ. فَإِذا قلت: أمَّا بعدُ فَإنَّك لَا تضيفه إِلَى شَيْء، وَلَكِنَّك تَجْعَلهُ غَايَة نقيضاً لقَبْل.
قَالَ الله تَعَالَى: {بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الاَْمْرُ مِن قَبْلُ} (الرُّوم: 4) فرفعهما لِأَنَّهُمَا غايةٌ مقصودٌ إِلَيْهَا، فَإِذا لم يَكُونَا غَايَة فهما نَصْبٌ لِأَنَّهُمَا صفة.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالُوا: قَبل وَبَعد من الأضداد.
وَقَالَ فِي قَول الله تَعَالَى: {ضُحَاهَا وَالاَْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (النَّازعات: 30) أَي قبل ذَلِك. قلت وَالَّذِي حَكَاهُ أَبُو حَاتِم عمَّن قَالَه خطأ، قبل وبعدُ كلّ وَاحِد مِنْهُمَا نقيض صَاحبه، فَلَا يكون أَحدهمَا بِمَعْنى الآخر، وَهُوَ كَلَام فَاسد.
وأمَّا قَول الله جلّ وعزّ: {ضُحَاهَا وَالاَْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (النَّازعات: 30) فَإِن السَّائِل يَسأل عَنهُ فَيَقُول: كَيفَ قَالَ: {وَالاَْرْضَ بَعْدَ} وَالْأَرْض أُنشىء خَلْقها قبل السَّمَاء، وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول الله تَعَالَى: {مَمْنُونٍ قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الاَْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ} (فُصّلَت: 9) فلمَّا فرغ من ذكر الأَرْض وَمَا خَلَق فِيهَا قَالَ الله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ} (فصلت: 11) وثُمَّ لَا يكون إِلَّا بَعد الأول الَّذِي ذُكِر قبله. وَلم يخْتَلف المفسّرون أَن خَلْق الأَرْض سَبَق خَلق السَّمَاء.
وَالْجَوَاب فِيمَا سَأَلَ عَنهُ السَّائِل أَن الدَحْوَ غيرُ الْخلق، وإنَّما هُوَ البَسْط، والخَلق هُوَ الْإِنْشَاء الأوَّل. فَالله جلّ وعزّ خلق الأَرْض أوَلاً غير مَدْحُوَّة. ثمَّ خلق السَّمَاء، ثمَّ دَحا الأَرْض أَي بَسَطها.
والآيات فِيهَا مؤتلِفة وَلَا تنَاقض بِحَمْد الله فِيهَا عِنْد من يفهمها. وَإِنَّمَا أُتِيَ الملحِد الطاعن فِيمَا شاكلها من الْآيَات من جِهَة غباوته وغِلظ فهمه، وقلَّة علمه بِكَلَام الْعَرَب.
وَقَالَ الفرّاء فِي قَوْله جلّ وعزّ: {بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الاَْمْرُ مِن قَبْلُ} (الرُّوم: 4) الْقِرَاءَة بِالرَّفْع بِلَا نونٍ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنى يُرَاد بهما الْإِضَافَة إِلَى شَيْء لَا محَالة، فَلَمَّا أدّتا عَن معنى مَا أضيفتا إِلَيْهِ وسُميتَا بِالرَّفْع، وهما فِي مَوضِع جرّ ليَكُون الرّفْع دَلِيلا على مَا سقط. وَكَذَلِكَ مَا أشبههما؛
(2/144)

كَقَوْلِه:
إِن تأت من تَحت أجئها من علو
وَقَالَ الآخر:
إِذا أَنا لم أومن عَلَيْك وَلم يكن
لقاؤك إلاّ مِن وراءُ وراءُ
فَرفع إِذْ جعله غَايَة وَلم يذكر بَعدَه الَّذِي أضيف إِلَيْهِ.
قَالَ الفرّاء: وَإِن نَوَيْت أَن تُظهر مَا أضيف إِلَيْهِ وأظهرته فَقلت: لله الْأَمر من قبلِ وَمن بَعدِ جَازَ، كَأَنَّك أظهرت المخفوض الَّذِي أضفت إِلَيْهِ قَبْلَ وبَعد.
وَقَالَ اللَّيْث: البُعد على مَعْنيين: أَحدهمَا ضِدّ القُرب. تَقول مِنْهُ: بَعُدَ يَبْعُد بُعْداً فَهُوَ بَعيد. وَتقول: هَذِه الْقرْيَة بَعِيدٌ، وَهَذِه الْقرْيَة قريبٌ وَلَا يُرَاد بِهِ النعتُ، وَلَكِن يُرَاد بهما الِاسْم. وَالدَّلِيل على أَنَّهُمَا اسمان قَوْلك: قريبُه قريبٌ وبَعيده بَعيدٌ. قَالَ والبُعْدُ أَيْضا من اللعْن كَقَوْلِك: أَبْعَدَه الله أَي لَا يُرثَى لَهُ فِيمَا نَزَل بِهِ. وَكَذَلِكَ بُعْداً لَهُ وسُحْقاً. ونَصَب بُعْداً على الْمصدر وَلم يَجعله اسْما، وَتَمِيم ترفع فَتَقول: بُعْدٌ لَهُ وسُحْقٌ؛ كَقَوْلِك: غلامٌ لَهُ وفرسٌ.
وَقَالَ الفرّاء: الْعَرَب إِذا قَالَت: دَارك منّا بَعِيدٌ أَو قريبٌ، أَو قَالُوا: فُلَانَة منا قريبٌ أَو بَعِيدٌ ذكَّروا الْقَرِيب والبَعيد؛ لِأَن الْمَعْنى هِيَ فِي مَكَان قريب أَو بَعيد، فجُعل الْقَرِيب والبَعِيد خَلَفاً من الْمَكَان.
قَالَ الله جلّ وعزّ: {وَمَا هِى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (هُود: 83) وَقَالَ {عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ} (الأحزَاب: 63) وَقَالَ {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الْأَعْرَاف: 56) قَالَ: وَلَو أُنِّثَتا وبُنِيتَا على بَعُدَت مِنْك فَهِيَ بعيدَة، وقرُبَت فَهِيَ قريبَة كَانَ صَوَابا. قَالَ: وَمن قَالَ قريبٌ وبعيدٌ وذكّرهما لم يُثَنِّ قَرِيبا وبعيداً، فَقَالَ: هما مِنْك قريبٌ وهما مِنْك بعيدٌ. قَالَ: ومَن أنثهما فَقَالَ: هِيَ مِنْك قريبَة وبعيدة ثنَّى وَجمع فَقَالَ: قريبات وبعيدات. وَأنْشد:
عَشِيَّةَ لَا عفراء مِنْك قريبَة
فتدنو وَلَا عفراء مِنْك بعيد
قَالَ: وَإِذا أردْت بالقريب والبعيد قَرَابة النّسَب أنّثت لَا غير، لم يخْتَلف الْعَرَب فِيهَا.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَول الله جلّ وعزّ: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} : إِنَّمَا قيل: قريبٌ لِأَن الرَّحْمَة والغفران وَالْعَفو فِي معنى واحدٍ. وَكَذَلِكَ كلّ تَأْنِيث لَيْسَ بحقيقيّ.
قَالَ: وَقَالَ الْأَخْفَش: جَائِز أَن تكون الرَّحْمَة هَهُنَا بِمَعْنى المَطَر.
قَالَ: وَقَالَ بَعضهم يَعْنِي الفرّاء: هَذَا ذُكِّر ليفصل بَين الْقَرِيب من القُرْب والقريب من الْقَرَابَة. وَهَذَا غلط، كل مَا قَرُبَ فِي مَكَان أَو نسَبٍ فَهُوَ جارٍ على مَا يُصِيبهُ من التَّأْنِيث والتذكير.
وَقَوله جلّ وعزّ: {أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} (هُود: 95) قَرَأَ الكسائيّ وَالنَّاس: {كَمَا بَعِدَتْ} قَالَ وَكَانَ أَبُو عبد الرحمان السُلَمِيّ يقْرؤهَا: (بَعُدَتْ) ، يَجْعَل الْهَلَاك والبُعد سَوَاء، وهما قريبٌ من السوَاء؛ إلاّ
(2/145)

أَن الْعَرَب بَعضهم يَقُول: بَعُدَ، وَبَعْضهمْ: بَعِدَ مثل سَحِقَ وسَحُق. وَمن النَّاس من يَقُول بَعُدَ فِي الْمَكَان وبَعِدَ فِي الْهَلَاك.
وَقَالَ يُونُس: الْعَرَب تَقول: بَعِدَ الرجل وبَعُدَ إِذا تَبَاعَدَ فِي غير سَبّ. وَيُقَال فِي السبّ: بَعِدَ وسَحِق لَا غير.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {عَمًى أُوْلَائِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ} (فُصّلَت: 44) بعيد قَالَ: سَأَلُوا الردّ حِين لَا رَدّ. وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ: من مَكَان بعيد من قُلُوبهم. وَقَالَ بَعضهم: من مَكَان بعيد من الْآخِرَة إِلَى الدُّنْيَا. وَقَوله جلّ وعزّ: {مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن} (سبأ: 53) قَالَ: قَوْلهم: ساحِر، كاهِن، شاعِر. وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله جلّ وعزّ فِي سُورَة السَّجْدَة: {عَمًى أُوْلَائِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ} أَي بعيد من قُلُوبهم يَبعد عِنْدهم مَا يُتْلَى عَلَيْهِم. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: هُوَ أبْعَدُ وأَبْعَدُون وَأقرب وأقربون وأباعد وأقارب. وَأنْشد:
من النَّاس من يغشى الأباعِدَ نفعُه
ويشقى بِهِ حَتَّى الْمَمَات أقارِبُهْ
فإنْ يَكُ خيرا فالبعيد يَنَالهُ
وإِنْ يَكُ شَرّاً فَابْن عمّك صَاحِبُهْ
وَقَالَ حُذّاق النَّحْوِيين: مَا كَانَ من أفعَل وفُعلَى فَإِنَّهُ تدخل فِيهِ الْألف وَاللَّام كَقَوْلِك: هُوَ الأَبْعَدُ والبُعْدَى وَالْأَقْرَب والقُرْبَى وَقَالَ ابْن شُمَيْل: قَالَ رجل لِابْنِهِ إنْ غَدوتَ على المِرْبَد ربِحْتَ عَناءً ورجعْتَ بِغَيْر أَبْعدَ أَي بِغَيْر مَنْفَعَة.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: مَا عنْدك أَبْعَد. وَإنَّك لَغَير أَبْعَدَ أَي مَا عِنْده طائل إِذا ذمّه. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي إِنَّه لذُو بُعْدَة أَي ذُو رأيٍ وحَزْمٍ، وَإنَّك لغير أبعَد أَي لَا خير فِيك لَيْسَ لَك بُعْدُ مَذهبٍ وَقَالَ صَخْر الغيّ:
الموْعِد يُنَافِي أَن تُقَتِّلهم
أفناء فَهْم وبيننا بُعَدُ
أَي أفناء فهم ضروب مِنْهُم بُعَد جمع بُعْدة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَتَانَا فلَان من بُعْدَة أَي من أَرض بعيدَة. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
يَكْفِيك عِنْد الشّدة البئيسَا
ويعتلي ذَا البُعْدة النُحُوسا
ذَا البُعدَة: الَّذِي يُبعِد فِي المعاداة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رجل ذُو بُعْدة إِذا كَانَ نَافِذ الرَّأْي ذَا غَوْرٍ وَذَا بُعْدِ رَأْي. وَقَالَ النَّضر فِي قَوْلهم: هلك الْأَبْعَد قَالَ: يَعْنِي صاحبَه. وَهَكَذَا يُقَال إِذا كُنِيَ عَن اسْمه وَيُقَال للْمَرْأَة هَلَكت البُعْدَى. قلت: هَذَا مِثل قَوْلهم: فَلَا مرْحَبًا بالآخَر إِذا كنَى عَن صَاحبه وَهُوَ يذمّه. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: لقِيته بُعَيْدات بَيْن إِذا لَقيته بعد حِين ثمَّ أَمْسَكت عَنهُ ثمَّ أَتَيْته. وَأنْشد شمر:
وَأَشعَث مُنَقَّد الْقَمِيص دَعوته
بُعَيْداتِ بَيْنٍ لَا هِدانٍ وَلَا نِكْسِ
وَقَالَ غَيره: إِنَّهَا لتضحك بُعَيْدات بينٍ أَي بَين المرّة ثمَّ المرّة فِي الحِين. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هم مني غيرُ بَعَدٍ أَي لَيْسُوا بِبَعِيد. وانطلِقْ يَا فلَان غير بَاعِدٍ أَي لَا ذهبتَ
(2/146)

أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: تنحّ غير باعِدٍ أَي غير صاغرٍ، وتنحّ غير بعيد أَي كن قَرِيبا. وَقَول الذبياني:
فضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي البَعَدِ
قَالَ أَبُو نصر: فِي الْقَرِيب والبعيد. قَالَ: وَالْعرب تَقول: هُوَ غير بَعَد أَي غير بعيد. وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي: فِي الْأَدْنَى وَفِي البُعد قَالَ: بَعيدٌ وبُعُدٌ. وَقَالَ اللَّيْث: البِعاد يكون من المباعدة. وَيكون من اللعْن؛ كَقَوْلِك: أَبْعَدَه الله.
وَقَول الله جلّ وعزّ مخبرا عَن قوم سبأ: {ءَامِنِينَ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَاتٍ لِّكُلِّ} (سَبَإ: 19) . قَالَ الْفراء: قِرَاءَة العوامّ: (باعِدْ) . وَيقْرَأ على الْخَبَر: (ربُّنا باعَدَ) و (بَعَّدَ) . و (بَعِّدْ) جَزْمٌ. وقرىء (رَبَّنَا بَعُدَ بَيْنُ أسفارنا) و (بَيْنَ أسفارنا) قَالَ الزجّاج: من قَرَأَ (بَاعِدْ) و (بَعِّدْ) فمعناهما وَاحِد. وَهُوَ على جِهَة الْمَسْأَلَة. وَيكون الْمَعْنى: أَنهم سئموا الرَّاحَة وبطِروا النِّعْمَة، كَمَا قَالَ قوم مُوسَى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ} (الْبَقَرَة: 61) الْآيَة. وَمن قَرَأَ؛ (بَعُدَ بَيْنُ أسفارنا) بِالرَّفْع فَالْمَعْنى بَعُدَ مَا يتَّصل بسفرنا. وَمن قَرَأَ: (بَعُدَ بَيْنَ أسفارنا) فَالْمَعْنى بَعُدَ مَا بَين أسفارنا وبَعُدَ سَيْرنا بَين أسفارنا قلت: قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير: (بَعِّد) بِغَيْر ألفٍ. وروى هِشَام بن عمّار بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن عَامر: (بَعِّدْ) مثل أبي عَمْرو.
وَقَرَأَ يَعْقُوب الحضرميّ: (رَبُّنَا باعَدَ) بِالنّصب على الْخَبَر. وَقَرَأَ نَافِع وَعَاصِم وَالْكسَائِيّ وَحَمْزَة: (باعِد) بِالْألف على الدُعَاء.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يُبعِد فِي المَذْهب مَعْنَاهُ: إمعانه فِي ذَهَابه إِلَى الْخَلَاء، وأبعَدَ فلَان فِي الأَرْض إِذا أمْعن فِيهَا. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال للرجل: إِذا لم تكن من قُربان الْأَمِير فَكُن من بُعْدانِه، يَقُول: إِذا لم تكن مِمَّن يقترب مِنْهُ فتَبَاعَدْ عَنهُ لَا يُصِبْك شَرُّه. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: رَاوَدَ رجل من الْعَرَب أعرابيّة عَن نَفسهَا فَأَبت إلاّ أَن يَجْعَل لَهَا شَيْئا، فَجعل لَهَا دِرْهَمَيْنِ، فلمَّا خالطها جعلت تَقول: غمزاً ودرهماك لَك، فَإِن لم تغمز فبُعْدٌ لَك، رَفَعت البُعْدَ، يضْرب مثلا للرجل ترَاهُ يعْمل الْعَمَل الشَّديد.
دعب: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لجَابِر بن عبد الله وَقد تزوج: (أبِكراً تزوجتَ أم ثَيِّبًا؟) فَقَالَ: بل ثَيِّبًا. فَقَالَ: (فهَلاَّ بكرا تداعِبها وتداعبك) . قَالَ أَبُو عبيد: الدعَابة: المُزاح. قَالَ وَقَالَ: اليزيديّ: رجل دَعَّابة. وَبَعْضهمْ يَقُول رَجُلٌ دَعِبٌ. وَحكى شمر عَن ابْن شُمَيْل: يُقَال: تدعّبت عَلَيْهِ أَي تدلّلت، وَإنَّهُ لدَعِبٌ وَهُوَ الَّذِي يتمايل على النَّاس ويَرْكبهم بثَنِيَّته أَي بناحيته. وَإنَّهُ ليَتَدَاعَب على النَّاس أَي يركبهم بمُزَاحٍ وخُيَلاء ويغمّهم وَلَا يَسُبُّهم. وَإِنَّمَا الدَعِب: اللعَّابة.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال هُوَ يَدْعَبُ دَعْباً إِذا قَالَ قولا يُستملَح؛ كَمَا يُقَال: مزح يمزح. وَقَالَ الطرمَّاح:
واستطربَت ظُعْنُهُمْ لمّا احزألّ بهم
مَعَ الضُّحَى ناشِطٌ من داعِبَاتِ دِدِ
(2/147)

يَعْنِي اللواتي يمزَحن ويلعبن ويُدَأَدِدْن بأصابعهنّ. والدَدُ هُوَ الضَّرْب بالأصابع فِي اللّعب. قَالَ: وَمِنْهُم مَن يروي هَذَا الْبَيْت: مِنْ دَاعِبٍ دَدِدِ، يَجعله نعتاً للداعب ويَكْسَعه بدالٍ أُخْرَى ليتمّ النَّعْت؛ لِأَن النَّعْت لَا يتمكّن حَتَّى يصير ثَلَاثَة أحرف، فَإِذا اشتقّوا مِنْهُ فعلا أدخلُوا بَين الدالين الأُوليين همزَة لِئَلَّا تتوالى الدالات فيثقل، فَيَقُولُونَ: دَأْدَدَ يُدَأْدِدُ دَأْدَدَةً. قَالَ: وعَلى قِيَاسه قَول الراجز وَهُوَ رؤبة:
يُعِدُّ ذَأْداً وهَديراً زَعْدَبَا
بَعْبَعَةً مَرّاً وَمَرّاً بأْبَبَا
وَإِنَّمَا حكى جَرْساً شِبْه بَبَبْ، فَلم يستقم فِي التصريف إلاّ كَذَلِك.
وَقَالَ آخر يصف فحلاً:
يَسُوقهَا أَعْيَسُ هَدَّار بَبِبْ
إِذا دَعَاهَا أقبلتْ لَا تَتَّئِبْ
قَالَ اللَّيْث: فأمَّا المداعبة فعلى الِاشْتِرَاك كالممازحة، اشْترك فِيهَا اثْنَان أَو أَكثر. قَالَ والدُعْبُوبُ: النشيط.
وَأنْشد قَول الراجز:
يَا رُبَّ مُهْر حَسَنٍ دُعْبُوبِ
رَحْب اللبَانِ حَسَنِ التَّقْرِيب
قَالَ: والدُعبُوب: الطَّرِيق المذلَّل الَّذِي يسلكه النَّاس. قَالَ: والدُعْبُوبة: حَبّة سَوْدَاء تُؤْكَل، وَهِي مثل الدُعَاعة. وَقَالَ بَعضهم: بل هِيَ أصلُ بقلةٍ يقشَرُ فيؤكل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْفراء وَابْن شُمَيْل: الدُعْبُوب: الطَّرِيق المسلوك الموطوء. قَالَ الْفراء: وَكَذَلِكَ الذَّلِيل الَّذِي يطؤه كلّ وَاحِد. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الدُعبُوبُ: والدُعْبُوث والدُعثوت من الرِّجَال المأبون المخنَّث. وَأنْشد:
يَا فَتى مَا قتلتُمُ غير دُعْبُو
ب وَلَا مِن قُوَارة الهِنَّبْرِ
قَالَ: وَلَيْلَة دعبوبٌ: ليلةُ سَوْءٍ شَدِيدَة وَأنْشد:
وَلَيْلَة من مُحاق الشَّهْر دعبوبِ
وَقَالَ أَبُو صَخْر:
ولكنْ تقرّ الْعين وَالنَّفس أَن ترى
بعقدته فَضْلات زُرْق دَوَاعِبِ
قَالُوا: دَوَاعِب: جَوَارٍ، ماءٌ دَاعِبٌ يَسْتَنَّ سَيلُه. قلت: لَا أَدْرِي دواعب أَو ذواعب ويُنْظَر فِي شِعر أبي صَخْر. عَمْرو عَن أَبِيه: الدُعَابُ والطَّثْرَج والحَرام والحَذَال من أَسمَاء النَّمْل. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي الدُعْبُبُ المَزّاح وَهُوَ المغنّي الْمجِيد والدُغْبُبْ الْغُلَام الشَّابُّ البَضّ.
دبع: دبع مهمل وَالله أعلم.

(بَاب الْعين وَالدَّال مَعَ الْمِيم)
(ع د م)
عدم، عمد، دمع، معد، (دعم مُدع) : مستعملات.
عدم: قَالَ اللَّيْث: العَدَم: فِقدان الشَّيْء وذهابه. يُقَال: عَدِمته أعدَمه عدماً. والعُدْم لُغَة فِيهِ. قَالَ: ورأيناهم إِذا ثَقَّلوا قَالُوا: العَدَم وَإِذا خففوا قَالُوا: العُدْم، ورجلٌ عَدِيم: لَا مَال لَهُ. وأعْدَمَ الرجل: صَار ذَا عَدَم قَالَ: وَيَقُول الرجل لحبيبه:
(2/148)

عَدِمْتُ فقدك وَلَا عدمت فضلك وَلَا أعدَمَني الله فضلك أَي لَا أذهَبَ عنّي فضلك. وَقَالَ لَبِيد أنْشدهُ شمر:
وَلَقَد أغْدُو وَمَا يُعْدِمني
صَاحب غير طَوِيل المُحْتَبَلْ
قَالَ أَبُو عَمْرو: أَي مَا يَفْقِدْني فرسي. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَمَا يُعْدِمُني أَي لَا أعْدَمُهُ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يُقَال إِنَّه لعديم الْمَعْرُوف وَإِنَّهَا لعديمة الْمَعْرُوف وَأنْشد:
إنّي وجدت سُبَيْعَة ابْنة خالِدٍ
عِنْد الجَزُور عديمةَ الْمَعْرُوف
وَقَالَ: عَدِمتُ فلَانا وأَعْدَمَنِيه الله. وَرجل عَدِيم لَا مَال لَهُ. وأعدم الرجُل فَهُوَ معدِم وعَدِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رجُل عَدِيم: لَا عقل لَهُ، ورجُل مُعْدِم: لَا مَال لَهُ، وَقَالَ غَيره: فلَان يَكْسب المعدومَ إِذا كَانَ مجدوداً ينَال مَا يُحْرَمه غيرُه. وَيُقَال: هُوَ آكلكم للمأدوم، وأكسبكم للمعدوم، وأعطاكم للمحروم. وَقَالَ الشَّاعِر يصف ذئباً:
كَسُوبٌ لَهُ المعدومَ مِنْ كسَب واحدٍ
مُحَالِفُهُ الإقتار مَا يتموّل
أَي يكْسب الْمَعْدُوم وَحده وَلَا يتموّل. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال عَدِمَ يَعْدَمُ عَدَماً وعُدْماً فَهُوَ عَدِمٌ، وأعدم إِذا افْتقر، وعَدُمَ يَعْدُم عَدَامَةً إِذا حَمُقَ فَهُوَ عَدِيم أَحمَق وَأنْشد أَبُو الْهَيْثَم قَول زُهَيْر:
وَلَيْسَ مَانع ذِي قربى وَلَا رحم
يَوْمًا وَلَا مُعْدِماً من خابط وَرقا
قَالَ: مَعْنَاهُ أَنه لَا يفْتَقر من سَائل يسْأَله مَاله فَيكون كخابط وَرقا. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ وَلَا مَانِعا من خابط وَرقا أعدمْته أَي منعته طَلَبَته.
عمد: قَالَ الله جلّ وعزّ: {بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} (الفَجر: 7) سَمِعت المنذريّ يَقُول: سَمِعت المبرّد يَقُول: رجل طَوِيل العِمَاد إِذا كَانَ مُعَمَّداً أَي طَويلا. قَالَ: وَقَوله {بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} أَي ذَات الطُول ونحوَ ذَلِك قَالَ الزجّاج. قَالَ: وَقيل: ذَات الْعِمَاد: ذَات البِنَاء الرفيع. وَقَالَ الفرّاء: ذَات الْعِمَاد أَي أَنهم كَانُوا أهل عَمَد ينتقِلون إِلَى الكَلأ حَيْثُ كَانَ؛ ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال لأَصْحَاب الأْخْبِيَة الَّذين لَا ينزلون غَيرهَا: هم أهل عَمُود وَأهل عماد. والجميع مِنْهُمَا العُمُدُ. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: كلّ خِبَاء كَانَ طَويلا فِي الأَرْض يُضرب على أعمدة كَثِيرَة فَيُقَال لأَهله: عَلَيْكُم بِأَهْل ذَلِك العَمُود، وَلَا يُقَال: أهل العَمَد. وَأنْشد:
وَمَا أهل العَمُودِ لنا بأهلٍ
وَلَا النَعَمُ المُسام لنا بِمَال
وَقَالَ فِي قَول النَّابِغَة:
يبنون تَدْمُرَ بالصُفّاح والعَمَد
قَالَ: العَمَد: أساطين الرُخَام. وأمَّا قَول الله جلّ وعزّ: {ء الاَْفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} (الْهمزَة: 8، 9) قُرِئت (فِي عُمُد) وَهُوَ جمع عِمَاد وعَمَدٌ وعُمُدٌ، كَمَا قَالُوا: إهابٌ وأَهَبٌ وأُهُبٌ. وَمَعْنَاهُ: أَنها فِي عُمُدٍ من النَّار. قَالَ ذَلِك أَبُو إِسْحَاق الزجّاج. وَقَالَ الْفراء: العُمُد والعَمَد جَمِيعًا جمعان للعمود مثل أَدِيم وأَدَمٍ
(2/149)

وأُدُم، وقَضِيم وقَضَم وقُضُم. وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى} (لقمَان: 10) قَالَ الْفراء: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه خلقهَا مَرْفُوعَة بِلَا عَمَد، وَلَا تحتاجون مَعَ الرُّؤْيَة إِلَى خَبَر. وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه خلقهَا بعمَد، لَا ترَوْنَ تِلْكَ الْعمد. وَقيل: العمَد الَّتِي لَا ترى لَهَا قدرته. وَقَالَ اللَّيْث: مَعْنَاهُ: أَنكُمْ لَا ترَوْنَ الْعمد، وَلها عَمَد. واحتجّ بِأَن عَمدها جبل قَاف الْمُحِيط بالدنيا، وَالسَّمَاء مثل القبّة أطرافها عَلَى قَاف. وَهُوَ من زَبَرْجَدة خضراء. وَيُقَال إنّ خضرَة السَّمَاء من ذَلِك الْجَبَل، فَيصير يَوْم الْقِيَامَة نَارا تَحْشر النَّاس إِلَى المحْشَر.
وَفِي حَدِيث عمر بن الْخطاب فِي الجالب: يَأْتِي أحدهم بِهِ عَلَى عَمُود بَطْنه. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: عَمُود بَطْنه هُوَ ظَهْره. يُقَال: إِنَّه الَّذِي يُمْسِك الْبَطن ويقوّيه، فَصَارَ كالعمود لَهُ الجالب الَّذِي يجلب الْمَتَاع إِلَى الْبِلَاد. يَقُول: يُترك وبيعَه وَلَا يتَعَرَّض لَهُ حَتَّى يَبِيع سِلْعته كَمَا شَاءَ، فَإِنَّهُ قد احْتمل المشقّة والتعب فِي اجتلابه وقاسى السّفر وَالنّصب.
قَالَ أَبُو عبيد: وَالَّذِي عِنْدِي فِي عَمُود بَطْنه أَنه أَرَادَ: أَنه يَأْتِي بِهِ على مشقّة وتَعب وَإِن لم يكن ذَلِك على ظَهره إِنَّمَا هُوَ مَثل لَهُ. وَقَالَ اللَّيْث: عَمُود الْبَطن شِبه عِرْق مَمْدُود من لدن الرَهابة إِلَى دُوَين السُرّة فِي وَسطه يشق من بطن الشَّاة. قَالَ: وعمود الكبد: عِرْق يسقيها. وَيُقَال للوتين: عَمُود السَحْر. قَالَ: وعمود السنان: مَا توسَّط شَفْرتيه من عَيْره الناتىء فِي وَسطه.
وَقَالَ النَّضر: عَمُود السَّيْف: الشَطِيبة الَّتِي فِي وسط مَتْنه إِلَى أَسْفَله. وَرُبمَا كَانَ للسيف ثَلَاثَة أعمدة فِي ظَهره، وَهِي الشُطَبُ والشطائب. وعمود الأُذُنُ: مُعظمها وقِوامها. وعمود الإعصار: مَا يَسْطع مِنْهُ فِي السَّمَاء أَو يستطيل على وَجه الأَرْض.
وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه أَتَى أَبَا جهل يَوْم بدر وَهُوَ صَرِيع، فَوضع رجله عَلَى مُذَمَّرِه ليجهِز عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل: أعْمَدُ من سيّد قَتله قومه قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ: هَل زَاد عَلَى سيّد قَتله قومه هَل كَانَ إِلَّا هَذَا؟ أَي أَن هَذَا لَيْسَ بعاد. قَالَ: وَكَانَ أَبُو عبييدة يَحْكِي عَن الْعَرَب: أعمد من كيلِ مُحِقّ أَي هَل زَاد عَلَى هَذَا وَقَالَ ابْن مَيَّادة:
تُقَدَّم قيسٌ كلَّ يَوْم كريهة
ويُثنى عَلَيْهَا فِي الرخَاء ذنوبها
وأعمدُ من قومٍ كفاهم أخوهم
صِدَام الأعادي حِين فُلَّت نيوبها
يَقُول: هَل زِدْنَا عَلَى أَن كَفَينا إخوتنا. وَقَالَ شمر فِي قَوْله (أعمَدُ من سَيّد قَتله قومه) : هَذَا اسْتِفْهَام، أَي أعجب من رجل قَتله قومه. قلت: كَانَ فِي الأَصْل أأعمد من سَيّد فخففت إِحْدَى الهمزتين. وَأما قَوْلهم: أعمد من كيل محقّ فَإِنِّي سمعته فِي رِوَايَة ابْن جَبَلة وَرِوَايَة عليّ عَن أبي عبيد (محقّ) بِالتَّشْدِيدِ، ورأيته فِي كتاب قديم مسموع: أعمد من كيلٍ مُحِقَ
(2/150)

بِالتَّخْفِيفِ من المَحق، وفُسِّر: هَل زَاد على مكيال نُقِصَ كَيْلُه أَي طُفِّفَ. وحسبت أَن الصَّوَاب هَذَا. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: عَمُود الكَبِد: عرقان ضَخْمان جَنَابتي السُّرة يَمِينا وشِمالاً، يُقَال: إِن فلَانا لخارجٌ عموده من كَبِدِه من الْجُوع.
أَبُو عبيد: عَمدتُ الشَّيْء: أقمته، وأعمدته: جعلت تَحْتَهُ عَمَداً.
الحرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: العَمْد مصدر عمَدت للشَّيْء أعمِد لَهُ عمْداً إِذا قصدت لَهُ. وعَمدت الْحَائِط أعمِده عمْداً إِذا دَعمته. قَالَ والعَمَد مُثَقّل فِي السنَامِ وَهُوَ أَن ينشدخ انشداخاً. وَذَلِكَ إِذا رُكِب وَعَلِيهِ شحْم كثير. يُقَال بعير عَمِدٌ. وَقَالَ لَبيد:
فَبَاتَ السَّيْل يركب جانبيه
من البَقَّار كالعَمِد الثَقَالِ
قَالَ: العَمِد: الْبَعِير الَّذِي قد فسد سَنَامه. قَالَ: وَمِنْه قيل: رجل عميد ومعمود أَي بلغ الحُبُّ مِنْهُ. قَالَ وَيُقَال: عَمِد الثرى يَعمَد عَمداً إِذا كَانَ تراكب بعضُه على بعض ونَدِيَ، فَإِذا قبضت مِنْهُ على شَيْء تعقَّد وَاجْتمعَ من نُدُوَّته. قَالَ الرَّاعِي يصف بقرة وحشيّة:
حَتَّى غَدَت فِي بَيَاض الصُّبْح طيّبة
ريح المباءة تخْدِي وَالثَّرَى عَمِدُ
أَرَادَ: طيبةَ ريح المباءة، فلمَّا نوّن (طيّبة) نصب (ريح المباءة) .
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: عَمِدت الأرضُ عمدا إِذا رسخ فِيهَا المَطَر إِلَى الثَرَى حَتَّى إِذا قبضْت عَلَيْهِ فِي كفّك تعقّد وجَعُدَ. وَقَالَ اللَّيْث: العَميد: الرجل المعمود الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس من مَرضه، حَتَّى يُعمَدَ من جوانبه بالوسائد. وَمِنْه اشتُقّ القَلْب العميد. قَالَ: والجُرح العَمِدُ: الَّذِي يُعْصَر قبل أَن ينضج بَيضُه فيَرِم. وَالْقَوْل مَا قَالَه ابْن السّكيت فِي العميد من الْهوى: أَنه شُبِّه بالسَنَام الَّذِي انشدخ انشداخاً.
وَقَالَ اللَّيْث: العَمْدُ: نقيض الْخَطَأ. قلت: وَالْقَتْل على ثَلَاثَة أوجه: قتل الْخَطَأ المحْض، وَقتل الْعمد الْمَحْض وَقتل شِبْه العَمْد فالخطأ الْمَحْض: أَن يَرْمِي الرجلُ بِحجر يُرِيد تنحيته عَن مَوْضِعه. وَلَا يقْصد بِهِ أحدا، فَيُصِيب إنْسَانا فيقتله. فَفِيهِ الدِيَة على عَاقِلَة الرَّامِي، أَخْمَاسًا من الْإِبِل، وَهِي عشرُون ابْنة مَخَاض وَعِشْرُونَ ابْنة لَبُون وَعِشْرُونَ ابْن لبون، وَعِشْرُونَ حِقّة، وَعِشْرُونَ جَذَعة. وَأما شِبه العَمْد فَأن يضْرب الإنسانَ بعمود لَا يقتل مِثْلُه، أَو بِحجر لَا يكَاد يَمُوت مَن أَصَابَهُ، فَيَمُوت مِنْهُ فَفِيهِ الدِيَة مغلَّظة. وَكَذَلِكَ العَمْد الْمَحْض: فيهمَا ثَلَاثُونَ حِقّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعة، وَأَرْبَعُونَ مَا بَين ثَنِيَّة إِلَى بازلِ عامِها، كلُّها خَلِفَة. فأمَّا شِبْه الْعمد فالدِيَة فِيهِ على عَاقِلَة الْقَاتِل. وَأما العَمْد الْمَحْض فَهُوَ فِي مَال الْقَاتِل. شمر عَن ابْن شُمَيْل: المعمود: الحزين الشَّديد الحُزن. يُقَال: مَا عَمَدَك أَي مَا أحزنك. قَالَ وَيُقَال للْمَرِيض أَيْضا: معمود. وَيُقَال لَهُ: مَا يَعْمِدك؟ أَي مَا يوجعك. وعمدني
(2/151)

المرضُ أَي أضناني. وَقَالَ شمر: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: سَأَلَ أعرابيّ أعرابيًّا وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ لَهُ: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ: أمَّا الَّذِي يَعْمِدني فحُصْرٌ وأُسْرٌ. قَالَ: يعمده: يُسْقطه ويفْدحه ويشتدّ عَلَيْهِ وَأنْشد:
أَلا مَن لهمَ آخِرَ اللَّيْل عَامِد
مَعْنَاهُ: مُوجع.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه أنْشدهُ لسِماك العامليّ:
أَلا من شجتْ لَيْلَة عامدهْ
كَمَا أبدأ لَيْلَة واحدهْ
وَقَالَ مَا معرفَة فنصب أبدا على خُرُوجه من الْمعرفَة كَانَ جَائِزا.
قَالَ الْأَزْهَرِي وَقَوله: لَيْلَة عامدة أَي مُمِضّة موجعة.
وَقَالَ النَّضر: عَمِدتْ أَلْيتاه من الرّكُوب وَهُوَ أَن تَرِما وتَخْلَجا.
وَقَالَ شمر: يُقَال إِن فلَانا لعَمِدُ الثَرَى أَي كثير الْمَعْرُوف.
وَقَالَ غَيره: عَمَدت الرجل أعمِده عَمْداً إِذا ضَربته بالعمود، وعَمَدته إِذا ضربت عَمُود بَطنه.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال فلَان عُمدة قومه إِذا كَانُوا يعتمدونه فِيمَا يَحْزُبهم. وَكَذَلِكَ هم عُمْدتنا. والعَمِيد: سيّد الْقَوْم. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى:
حَتَّى يصير عميدُ الْقَوْم متَّكئاً
يدْفع بِالرَّاحِ عَنهُ نِسوة عُجُلُ
وَيُقَال: استقام الْقَوْم على عَمُود رَأْيهمْ أَي على الْوَجْه الَّذِي يعتمدون عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن بزرْج: يُقَال: حَلَس بِهِ وعَرِسَ بِهِ وعَمِد بِهِ ولَزِبَ بِهِ إِذا لَزِمه.
وَقَالَ اللَّيْث: العُمُدُّ: الشابّ الممتلىء شبَابًا، وَهُوَ العُمُدَّانيّ وَالْجمع العُمُدَّنِيُّون. وامرأةٌ عُمُدَّانِيَّة: ذَات جسم وعَبَالة. وَيُقَال عَمّدت السَّيْل تعميداً إِذا سدَدت وَجه جِرْيته حَتَّى يجْتَمع فِي مَوضِع بِتُرَاب أَو حِجَارَة. شمر: يُقَال للْقَوْم: أَنْتُم عُمدّتنا أَي الَّذين نعتمد عَلَيْهِم. وَكَذَلِكَ الِاثْنَان، وَالْمَرْأَة وَالْوَاحد والمرأتان. وعمود الصُّبْح هُوَ المستطير مِنْهُ. وَاعْتمد فلَان ليلته إِذا ركبهَا يسري فِيهَا. وَاعْتمد فلَان فلَانا فِي حَاجته وَاعْتمد عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سمعتُ الغَنَوي يَقُول: العَمَدُ والضَمَدُ: الْغَضَب.
قلت: وَهُوَ العَبَدُ والأبَدُ أَيْضا.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ العَمود والعِمَاد وَالعُمْدَةُ والعُمْدَان: رَئِيس الْعَسْكَر وَهُوَ الزُوَير. وَيُقَال لرِجْلي الظليم: عَمُودان.
وَقَالَ ابْن المظفر: عُمْدان: اسْم جبل أَو مَوضِع. قلتُ: أُراه أَرَادَ: غُمَدان بالغين فصحّفه. وَهُوَ حِصْن فِي رَأس جبل بِالْيمن مَعْرُوف. وَكَانَ لآل ذِي يَزَن. قلت: وَهَذَا كتصحيفه يَوْم بُعَاث وَهو من مشاهير أَيَّام الْعَرَب، فَأخْرجهُ فِي كتاب الْغَيْن وصَحَّفه.
دمع: أَبُو عُبَيد عَن الأصمعيّ: دمِعَتْ عينُه، بِكَسْر الْمِيم.
وَقَالَ الكسائيّ وَأَبُو زيد: دَمَعت عينه بِفَتْح الْمِيم لَا غير.
(2/152)

أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: مِن سِمَات الْإِبِل الدُمُع، وَهِي فِي مجْرى الدمْع. وبعير مَدْموع، وجَفْنة دامعة: ممتلئة، وَقد دَمَعَت. ورَزِمت وَقَالَ لَبيد:
إِذا جَاءَ وِرْدٌ أُسْبلت بدُمُوع
يَعْنِي الْجَفْنَة.
أَبُو عبيد: من الشِجَاج الدامعة. وَهُوَ أَن يسيل مِنْهَا دَمٌ. وثَرى دَامِع وَمَكَان دامع ودَمَّاع إِذا كانَ نَدِيّاً. وَقَدَحٌ دَمْعَان إِذا امْتَلَأَ فَجعل يسيل من جوانبه.
وَقَالَ اللَّيْث: الدَمْع: مَاء الْعين. والمَدمَع: مُجْتَمع الدَمْع فِي نواحي الْعين وَجمعه مدامع. يُقَال: فاضت مدامعُه. قَالَ والماقِيَان من المدامع، والمُؤْخِران كَذَلِك. وَامْرَأَة دَمِعة: سريعة الدَمْعة والبكاء وَمَا أكثَر دَمْعَتها، التَّأْنِيث للدَّمْعَة.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الدِمَاع مِيسَم فِي المناظِر سَائل إِلَى المَنْحِرْ، وَرُبمَا كَانَ عَلَيْهِ دِمَاعَانِ. والدُمَّاعُ دُمّاع الكَرْم، وَهُوَ مَا سَالَ مِنْهُ أيَّام الرّبيع.
وَقَالَ أَبُو عدنان: من الْمِيَاه المدامع، وَهِي مَا قَطَر من عُرْض جَبَل. قَالَ: وَسَأَلت العُقَيْليّ عَن هَذَا الْبَيْت:
والشمسُ تدمَع عَيناهَا ومَنخِرُها
وهنّ يخْرجن من بِيدٍ إِلَى بِيدِ
فَقَامَ أزعم أَنَّهَا الظَّهِيرة إِذا سَالَ لُعَاب الشَّمْس.
وَقَالَ الغَنَويّ: إِذا عطِشت الدوابّ ذَرَفت عيونُها وسالت مناخرها. قَالَ والدمْع: السيلان من الراوُوق وَهو مِصْفاة الصَّبَّاغ. قَالَ والإدْماع: مَلْء الْإِنَاء. يُقَال أَدْمِع مُشَقَّرك أَي قَدَحك، قَالَه ابْن الْأَعرَابِي.
دعم: ابْن شُمَيْل: يُقَال دَعَم الرجلُ الْمَرْأَة بأيْره يَدْعَمُها ودَحَمَها. والدعْم والدحْمُ: الطعْن وإيلاجه أجمع.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الدُعْمِيُّ: الْفرس الَّذِي فِي لَبَّته بَيَاض. والدُعْمِيُّ: النجَّار.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: إِذا كَانَت زَرَانيق الْبِئْر من خشب فَهِيَ دِعَم. اللَّيْث: الدعْمُ: أَن يمِيل الشَّيْء فتَدْعمه بِدِعامٍ، كَمَا تُدعَمُ عُرُوش الكَرْم ونحوِه. والدِّعَامة: اسْم الْخَشَبَة الَّتِي تُدعم بهَا. والمَدْعوم: الَّذِي يمِيل فيريد أَن يَقع، فتدعَمَهُ ليستقيم. وَأما المعمود فَالَّذِي تحامل الثقلُ عَلَيْهِ من فَوق، كالسقف فعُمد بالأساطين المنصوبة. والدِعامتان: خشبتا البكَرة. وَدُعْمِيّ: اسْم أبي حَيَ من ربيعَة. وَفِي ثَقِيف دُعْمِي آخر. وَيُقَال للشَّيْء الشَّديد الدَعام: إِنَّه لدُعميُّ: وَأنْشد:
اكْتَدَ دُعميّ الحوامِي جَسْرَبا
وَيُقَال: لفُلَان دعْمٌ أَي مَال كثير. وَجارية ذَات دعْمٍ إِذا كَانَت ذَات شَحم وَلحم. وَقَالَ الراجز:
لَا دَعْمَ لي لَكِن بلَيْلي دَعْمُ
جَارِيَة فِي وركيها شحمُ
قَوْله: لَا دَعْمَ لي أَي لَا سَمِن بِي يَدْعمني أَي يقوّيني: ودُعْميّ الطَّرِيق: مُعظمه.
وَقَالَ الراجز يصف الْإِبِل:
وصَدَرَتْ تَبْتَدِر الثنيَّا
تركب من دُعْمِيها دُعْمِيّا
(2/153)

ودُعمّيها: وَسطهَا، دُعمِيّاً أَي طَرِيقا موطوءاً.
عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: إِذا كَانَ فِي صدر الْفرس بَيَاض فَهُوَ أدْعَم، وَإِذا كَانَ فِي خواصره فَهُوَ مُشَكَّل.
معد: قَالَ اللَّيْث: المَعِدَة: الَّتِي تستوعب الطَّعَام من الْإِنْسَان. والمِعْدَةُ لُغَة، وَقد مُعِدَ الرجل فَهُوَ ممعود إِذا دَوِيَت مِعدتُه فَلم يستمرىء مَا يَأْكُلهُ. والمَعْدُ كالجَذْب، تَقول: مَعَدْتُه مَعْداً.
وَقَالَ الراحز:
هَل يُرْوِيَنْ ذَوْدَكَ نَزْعٌ مَعْدُ
وساقيان سَبِطٌ وجَعْدُ
قَالَ ابْن بزرج: نزْعٌ مَعْدٌ: سريع. وبعضٌ يَقُول: شَدِيد، وَكَأَنَّهُ ينْزع من أَسْفَل قَعْر الركيَّة. وَيُقَال امتعد فلَان سَيْفه منْ غِمده إِذا استلّه واخترطه، وَجَاء إِلَى رمحه وَهُوَ مركوز فامتَعَدَه. وَجعل أحد السّاقيين جَعْداً وَالْآخر سَبِطاً لِأَن الجَعْد مِنْهُمَا أسود زنجيّ، والسَّبْط روميّ وَإِذا كَانَا هَكَذَا لم يشتغلا بِالْحَدِيثِ عَن صنعتهما، وَيُقَال: مَعَد فِي الأَرْض يَمْعَد إِذا ذهب. وذنبٌ مِمْعَدٌ وماعِد إِذا كَانَ يَجْذِب العَدْوَ جَذْباً.
وَقَالَ ذُو الرمّة يذكر صائداً شبّهه فِي سرعته بالذئب:
كَأَنَّمَا أطماره إِذا عَدَا
جَلَّلْن سِرْحان فلاةٍ مِمْعَدَا
أَبُو عبيد: المُتَمَعْدِدُ: الْبعيد. وَقَالَ مَعْن بن أَوْس:
قِفَا إِنَّهَا أمست قِفَاراً ومَن بهَا
وَإِن كَانَ مِن ذِي وُدِّنَا قد تَمَعْدَدا
أَي تبَاعد.
وَقَالَ شمر: قَوْله: المتمعدد الْبعيد لَا أعلمهُ إِلَّا من مَعَدَ فِي الأَرْض أَي ذهب فِيهَا، ثمَّ صيّره تَفَعْلُلاً مِنْهُ، وَأنشد:
وَخارِبان خَرَباً فمعَدَا
لَا يَحْسِبَان الله إِلَّا رَقَدَا
وَفِي حَدِيث عمر: اخشوشِنوا وتَمَعْددوا
وَقَالَ أَبُو عبيد: فِيهِ قَولَانِ: يُقَال هُوَ من الغِلَظ أَيْضا. وَمِنْه يُقَال للغلام إِذا شبّ وغلُظ: قد تَمَعْدَد.
وَقَالَ الراجز:
رَبَّيْتُه حَتَّى إِذا تَمَعْدَدا
وَيُقَال تَمَعْدَدُوا: تشبّهوا بعيش مَعَدّ، وَكَانُوا أهل قَشَف وغِلَظ فِي المعاش. يَقُول: فكونوا مثلهم ودَعُوا التنَعُّم وزيّ العَجَم. وَهَكَذَا هُوَ حَدِيث لَهُ آخر: عَلَيْكُم باللِبسة المَعدِّية.
وَقَالَ اللَّيْث: التَمَعْدُد: الصَّبْر على عَيْش مَعَدّ فِي الحضَر والسَّفَر. يُقَال: قد تَمَعْدَد فلَان.
قَالَ وَإِذا ذكرت أَن قوما مِمَّن تحوّلوا عَن مَعَدّ إِلَى الْيمن ثمَّ رجعُوا قلت: تَمَعْدَدوا.
قَالَ والمعَدّ الدَّال شَدِيدَة: اللَّحْم الَّذِي تَحت الكتِف أَو أسفلَ مِنْهَا قَلِيلا وَهُوَ من أطيب لحم الجَنْب. وَتقول الْعَرَب فِي مَثَل يضربونه: قد يَأْكُل المَعَدَّين أكْلَ السَوْء.
قَالَ وَهُوَ فِي الِاشْتِقَاق يخرج على مَفْعل، وَيخرج على فَعَلّ على مِثَال (عَبَنّ) وعَلَدّ،
(2/154)

وَلم يُشتقّ مِنْهُ فِعل. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: المَعَدَّان: مَوضِع رجْلي الرَّاكِب من الْفرس. أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: من أمثالهم: أَن تسمع بالمُعَيْديّ خير من أَن ترَاهُ.
وَسمعت المنذريّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْهَيْثَم يَقُول: تسمع بالمعيديّ خير من أَن ترَاهُ.
قَالَ: وَسمعت أَبَا طَالب يَقُول: الْكَلَام الْمُخْتَار: أَن تسمع بالمعيديّ خير من أَن ترَاهُ.
قَالَ وَبَعْضهمْ يَقُول: تسمع بالميعدي لَا أَن ترَاهُ. وَإِن شِئْت قلت: لِأَن تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ.
قَالَ أَبُو عبيد: كَانَ الكسائيّ يرى التَّشْدِيد فِي الدَّال فَيَقُول المعَيْديّ.
وَيَقُول: إِنَّمَا هُوَ تَصْغِير رجُل مَنْسُوب إِلَى مَعدّ، يضْرب مثلا لمن خَبَره خير من مَرآته.
وَكَانَ غير الْكسَائي يرى تَخْفيف الدَّال ويشدّد يَاء النِّسْبَة مَعَ يَاء التصغير.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال فِي مثل: تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ. وَهُوَ تَصْغِير مَعَدّيّ، إلاّ أَنه إِذا احتمعَتْ تشديدة الْحَرْف وتشديدة يَاء النِّسْبَة مَعَ يَاء التصغير خَفَّفت تشديدة الْحَرْف.
وَقَالَ الشَّاعِر:
ضلَّت حُلُومُهُمُ عَنْهُم وغرّهُمُ
سَنُّ المعيدِيّ فِي رَعْي وتعْزيب
يضْرب لرجل الَّذِي لَهُ صِيت وذِكر، فَإِذا رَأَيْته ازدريت مَرْآته. وكأنّ تَأْوِيله تَأْوِيل أَمر. كَأَنَّهُ قَالَ: اسْمَع بِهِ وَلَا تَره.
وَقَالَ شمر: المعَدّ: مَوضِع رجل الْفَارِس من الدَّابَّة، وَمن الرجُل مثله.
وَأنْشد بَيت ابْن أَحْمَر:
فإمّا زلّ سَرجٌ عَن مَعَدِّ
وأجدر بالحوادث أَن تَكُونَا
قَالَ الْأَصْمَعِي يُخَاطب امْرَأَته فَيَقُول إِن زَلّ عَنْك سَرْجي فبِنْتِ بطلاقٍ أَو بموتٍ فَلَا تتزوجي هَذَا المطروق وَهُوَ قَوْله:
فَلَا تَصِلي بمطروقٍ إِذا مَا
سَرَى فِي الْقَوْم أصبح مُستكينا
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي مَعْنَاهُ: إِن عُرِّي فرسي من سَرْجه ومُتّ.
فَبلِّي يَا غَنِيَّ بأَرْيَحِيىِّ
من الفتيان لَا يُمْسِي بطينا
وَأنْشد شمر فِي المَعَدِّ من الْإِنْسَان:
وكأنما تَحت المعَدّ ضئيلة
يَنْفِي رقادك سمُّها وسِمَامها
يَعْنِي الحيّة. والمعْد والمغْد: النَتْف، بِالْعينِ والغين.
مُدع: روى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: المَدْعيِّ: المتّهم فِي نسبه قلت: كَأَنَّهُ جعله من الدعْوَة فِي النّسَب. وَلَيْسَت الْمِيم أَصْلِيَّة.

(أَبْوَاب الْعين وَالتَّاء)
ع ت ظ
مهمل.
ع ت ذ
اسْتعْمل من وجوهه: (ذعت) .
(2/155)

ذعت: قَالَ اللَّيْث: ذَعَتَ فلَان فلَانا فِي التُّرَاب ذَعْتاً إِذا مَعَكه فِيهِ مَعْكاً.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: قَالَ أَبُو زيد: ذَأَتَه ذَأْتاً، وذَعَتَه ذَعْتاً، وَهُوَ أشدّ الخَنْقِ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: ذَعَتَه يَذْعَتُه ذَعْتاً إِذا خَنَقه. وَكَذَلِكَ زَمَتَه زَمْتاً إِذا خنقه.
ع ت ث
مهمل.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ الرَّاء)
(ع ت ر)
عتر، عرت، ترع، تعر، رتع: مستعملات.
عتر (عرت) : أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيدة: الرُمح العاتر: المضطرب، مثل العاسِل. وَقد عَتَر وعَسَل.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ: وَمن الرماح العَرّات والعَرَّاص، وَهُوَ الشَّديد الِاضْطِرَاب. وَقد عَرِت يَعْرَت وعَرِص يَعْرَص. قلت: قد صَحَّ عَتَر وعَرَت ودلّ اخْتِلَاف بنائهما على أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا غير الآخر.
وَقَالَ اللَّيْث فِي عَتر الرمْح يَعْتِر مثله.
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: لَا فَرَعة وَلَا عَتِيرة.
قَالَ أَبُو عبيد: العَتِيرة هِيَ الرَجَبيّة، وَهِي ذَبيحة كَانَت تُذبح فِي رَجَب يتَقرَّب بهَا أهل الجاهليّة، ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام فَكَانَ على ذَلِك حَتَّى نُسِخَ بعدُ.
قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك حَدِيث مِخْنَف بن سُلَيْم قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن على كل مُسلم فِي كلّ عَام أَضْحاةً وعَتِيرة) .
وَقَالَ أَبُو عبيد: الحَدِيث الأوّل نَاسخ لهَذَا يُقَال مِنْهُ: عَتَرتُ أعتِر عَتْراً.
وَقَالَ الْحَارِث بن حِلِّزة يذكر قوما أخذوهم بذَنْب غَيرهم فَقَالَ:
عَنَنَاً بَاطِلا وظُلماً كَمَا
تُعْتَرُ عَن حَجْرة الربيض الظِباءُ
قَالَ: وَقَوله: كَمَا تُعْتَر يَعْنِي العَتِيرَة فِي رَجَب، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت إِذا طلب أحدهم أمرا نَذر: لَئِن ظفِر بِهِ ليذبحنّ من غَنَمه فِي رَجَب كَذَا وَكَذَا، وَهِي العتائر، فَإِذا ظفِر بِهِ فربّما ضنّ بغنمه وَهِي الربِيض فَيَأْخُذ عدَدها ظباءً فيذبحها فِي رَجَب مكانَ تِلْكَ الْغنم، فَكَانَت تِلْكَ عتائره فَضرب هَذَا مثلا. يَقُول: أخذتمونا بذنب غَيرنَا، كَمَا أُخِذت الظباء مَكَان الْغنم.
وَقَالَ اللَّيْث فِي العتائر نَحوا ممّا فسَّر أَبُو عبيد، وَأنْشد:
فخرّ صَرِيعًا مثل عاتِرة النُّسْكِ
قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ معتورة، وَهِي مثل {فِى عِيشَةٍ} (الحَاقَّة: 21) وَإِنَّمَا هِيَ مَرْضيّة.
وَقَالَ زُهَيْر فِي العِتْر:
كمَنْصِب العِتْر دمَّى رأسَه النُسُكُ
أَرَادَ بِمنْصب العِتْر صنماً كَانَ يقرَّبُ لَهُ عِتْرٌ أَي ذِبْح فيُذبَح لَهُ ويصيب رأسُه من دم العِتْر.
الحرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: العَتْر
(2/156)

مصدر عَتَر الرمْح يَعْتِر عَتْراً إِذا اضْطربَ. قَالَ: والعَتَّر مصدر عَتَر يَعْتِر عَتْراً إِذا ذَبَح العَتِيرة. وَهِي ذَبِيحَة كَانَت تُذْبح فِي رجبٍ للأصنام والعتْر: الْمَذْبُوح. قَالَ والعِتْر أَيْضا: ضرْبٌ من النبت. والعتْر: الأَصْل، وَمِنْه قَوْلهم: عَادَتْ لِعِتْرها لمِيسُ.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العِتْرة: الرِيقة العَذْبة. والعِتْر: الْقطعَة من المِسْك. والعِتْرة: شَجَرَة تنْبت عِنْد وِجَار الضبّ، فَهُوَ يُمَرِّسها فَلَا تَنْمي. وَيُقَال: هُوَ أذلّ من عِتْرة الضبّ.
وَرَوى شَرِيك عَن الركين عَن الْقَاسِم بن حسّان عَن زيد بن ثَابت قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِنِّي تَارِك فِيكُم الثَقَلين خَلْفي: كتابَ الله وعِترتي، فَإِنَّهُمَا لن يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردَا عليّ الْحَوْض) .
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: وَهَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَفعه نَحوه زيد بن أَرقم وَأَبُو سعيد الخُدْرِيّ. وَفِي بَعْضهَا: (إِنِّي تَارِك فِيكُم الثَقَلين: كتاب الله وعِتْرتي أهل بَيْتِي. فَجعل العِترة أهل الْبَيْت.
وَقَالَ أَبُو عبيد: عِتْرة الرجل وأُسْرته وفَصِيلته: رَهْطُه الأدنَوْن.
وَقَالَ ابْن السّكيت: العِتْرة مثل الرَهْط.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: العِتْرة ولد الرجل وذُرّيته وعَقِبهُ من صُلْبه. قَالَ فعِتْرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد فَاطِمَة البَتُولِ ث.
وروى ابْن الْفرج عَن أبي سعيد قَالَ: العِتْرة: سَاق الشَّجَرَة. قَالَ: وعِترة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الْمطلب ووَلده. قَالَ: ومِن أمثالهم: عَادَتْ لعِتْرها لَميس ولعِكْرها أَي أَصْلهَا.
وَقَالَ ابْن المظفر: عِتْرة الرجل: أقرباؤه من وَلد عَمّه دِنْيا. وَقيل: عِتْرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل بَيته، وهم آله الَّذين حُرّمَت عَلَيْهِم الصَّدَقة الْمَفْرُوضَة وهم ذَوُو الْقُرْبَى الَّذين لَهُم خمس الْخمس الْمَذْكُور فِي سُورَة الْأَنْفَال قَالَ الْأَزْهَرِي وَهَذَا القَوْل عِنْدِي أقربها وَالله أعلم. وعِترة الثغر إِذا رَقّت غُرُوب الْأَسْنَان ونقِيَت وَجرى عَلَيْهَا المَاء يُقَال: إِن ثغرها لذُو أُشرة وعِتْرة قَالَ وعِتْرة المِسْحاة: خشبتها الَّتِي تسمَّى يَد المِسحاة.
واحتجّ القتيبيّ فِي أَن عترة الرجل أهل بَيته الأقربون والأبعدون بِحَدِيث رُوي عَن أبي بكر أَنه قَالَ: نَحن عِترة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي تفقَّأَت عَنهُ.
قَالَ الْأَزْهَرِي: ورَوَى عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدرٍ وَأخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأُسَارى قَالَ: مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ عمر: كذَّبوك وَأَخْرَجُوك، ضَرِّبْ أرقابهم. فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله: عِترتُك وقومك، تجاوزْ عَنْهُم يستنقذْهم الله بك من النَّار، فِي حَدِيث طَوِيل.
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي غير هَذَا: العِتْر وَاحِدهَا عِتْرة: شجر صغَار.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْحسن الأسَدي عَن الرياشي قَالَ: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن العِتْر فَقَالَ: هُوَ نبتٌ ينْبت، مثل
(2/157)

ُ المَرْزَنْجوش متفرَّقاً. قَالَ: وأنشدنا بَيت الهذليّ:
وَمَا كنتُ أخْشَى أَن أعيش خلافَهم
لستّة أَبْيَات كَمَا ينْبت العِتْر
يَقُول: هَذِه الأبيات مُتَفَرِّقَة مَعَ قلَّتها كتفرّق العِتْر فِي منبته.
وَقَالَ ابْن المظفر: العِتْر: بقلة إِذا طَالَتْ قُطِعَ أَصْلهَا فَيخرج مِنْهُ لَبَن. ثمَّ ذكر بَيت الهذليّ لِأَنَّهُ إِذا قُطِع نَبتَت من حواليه شُعَبٌ ستّ أَو ثَلَاث.
قلت: وَالْقَوْل مَا قَالَه الْأَصْمَعِي.
وَقَالَ اللَّيْث: عِتْوَارَة اسْم حيّ من كَنَانَة وَأنْشد:
من حَيّ عِتْوَار وَمن تَعَتْوَرا
وَقَالَ المبرّد: العَتْوَرَة: الشِدّة فِي الْحَرْب. وَبَنُو عِتْوَارة سُمِّيَتْ بِهَذَا لقوّتها. قَالَ وعِتْوَر: اسْم وادٍ خشِن المَسْلَك.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَتَر: الشِّدة والقوّة فِي جَمِيع الْحَيَوَان. قَالَ: والعُتُر: الفُرُوج المُنْعِظة وَاحِدهَا عَاتِر وعَتُور. والعَتّار: الرجل الشجاع، والفَرس القويّ على السَّير، وَمن الْمَوَاضِع: الوحشُ الخشِن.
وَقَالَ المبرّد: جَاءَ على فِعْوَل من الْأَسْمَاء خِرْوَع وعِتْوَر وَهُوَ الْوَادي الخشِن التُرْبةِ. وَبَنُو عِتْوَارة كَانُوا أُولِي صَبْرٍ وخشونة فِي الحروب.
ترع: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن منبري هَذَا على تُرْعَة من تُرعِ الجنّة) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التُرْعة: الرَّوْضَة تكون على الْمَكَان المرتفِع خاصّة، فَإِذا كَانَت فِي الْمَكَان المطمئنّ فَهِيَ رَوْضة.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ أَبُو زِيَاد الْكلابِي: أحسنُ مَا تكون الرَّوْضَة على الْمَكَان الَّذِي فِيهِ غِلظٌ وارتفاع. وَأنْشد قَول الْأَعْشَى:
مَا رَوْضة من رياض الحَزْن مُعْشبة
خضراء جاد عَلَيْهَا مُسْبلٌ هَطِل
روى أَبُو يعلى عَن الْأَصْمَعِي عَن حمّاد بن سَلَمَة أَنه قَالَ: قَرَأت فِي مصحف أبيّ بن كَعْب: (وتَرَّعَتْ الْأَبْوَاب) . قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ فِي مَوضِع {وَغَلَّقَتِ الاَْبْوَابَ} (يُوسُف: 23) .
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: التُرعَة: الدَرَجة. قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ غَيرهم: التُرعَة: الْبَاب، كَأَنَّهُ قَالَ: منبري على بَاب من أَبْوَاب الجنّة. قَالَ ذَلِك سَهْل بن سعد الساعديّ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الحَدِيث. قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ الْوَجْه عندنَا.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه التُرْعَة: مَقَام الشاربة من الْحَوْض، والتُرعَة: الْبَاب، والتُرعَة: المِرْقاة من الْمِنْبَر.
وَفِي حَدِيث آخر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن قَدَمَيَّ على تُرْعَة من تُرْعِ الْحَوْض) .
قلت: ترعة الْحَوْض: مَفتَح المَاء إِلَيْهِ. وَمِنْه يُقَال أَتْرَعْتُ الْحَوْض إتراعاً إِذا ملأتَهُ وأترعْتُ الْإِنَاء مثله، فَهُوَ مُتْرعٌ وسحابٌ تَرِع كثير الْمَطَر.
(2/158)

قَالَ أَبُو وَجْزَة:
كَأَنَّمَا طرَقَتْ ليلى مُعَهَّدَةً
من الرياض ولاها عَارِض تَرعُ
وَقَالَ اللَّيْث: التَرَع: امتلاء الشَّيْء، وَقد أترعت الْإِنَاء، وَلم أسمع تَرِعَ الْإِنَاء، وَلَكِن يُقَال: تَرِعَ الرجل ترعاً إِذا اقتحم الْأَمر مَرَحاً، وَإنَّهُ لمُتَتَرِّع إِلَى الشرّ، وَأنْشد:
الْبَاغِي الْحَرْب يسْعَى نَحْوهَا ترِعاً
حَتَّى إِذا ذاق مِنْهَا جاحِماً بَردَا
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: هُوَ تَرِعٌ عَتِل وَقد تَرِعَ تَرَعاً وعَتِل عَتَلاً إِذا كَانَ سَرِيعا إِلَى الشرّ.
قَالَ أَبُو عبيد: والمتترِّع الشرّير، يُقَال تَتَرَّع فلَان إِلَيْنَا بالشرّ إِذا تسرّع. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: حوضٌ تَرِعٌ ومُتْرِعٌ أَي مملوءٌ. قَالَ والتَرِع: السَّفِيه السَّرِيع إِلَى الشرّ، وَنَحْو ذَلِك رَوَى الحَرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: رجل تَرِعٌ إِذا كَانَت فِيهِ عَجَلة، وَقد تَرِع تَرَعاً، وَهَذَا حوضٌ تَرِعٌ أَي مَمْلُوء.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: التَرَّاع: البوّاب، والتُرْعَة: الْبَاب.
وروى أَبُو زيد عَن الكلابيين: فلَان ذُو مَتْرَعة إِذا كَانَ لَا يغْضب وَلَا يَعْجَل. قلت: وَهَذَا ضدّ الترِع.
رتع: قَالَ الله جلّ وعزّ مخبِراً عَن إخْوَة يُوسُف وَقَوْلهمْ لأبيهم يَعْقُوب ج {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} (يُوسُف: 12) .
قَالَ الفرّاء: يَرتعْ، الْعين مجزومة لَا غير؛ لِأَن الْهَاء فِي قَوْله {أَرْسِلْهُ معرفَة ووُوِغَداً} معرفَة فَلَيْسَ فِي جَوَاب الْأَمر وَهُوَ {يَرْتَعْ} إلاّ الْجَزْم. قَالَ: وَلَو كَانَ بدل الْمعرفَة نكرَة كَقَوْلِك: أرسِل رجلا يرتع جَازَ فِيهِ الرّفْع والجزم، كَقَوْل الله جلّ وعزّ (ابْعَثْ لنا ملكا يقاتلْ فِي سَبِيل الله) (الْبَقَرَة: 246) ويقاتلُ، الْجَزْم لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط، وَالرَّفْع على أَنه صلَة للملِك كَأَنَّهُ قَالَ: ابْعَثْ لنا الَّذِي يُقَاتل.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي طَالب أَنه قَالَ: الرَتْعُ: الرَعيُ فِي الخِصْب. قَالَ: وَمِنْه قَوْلهم: القَيْدُ والرَتَعَة، وَيُقَال: الرَتَعة. قَالَ: وَمعنى الرَتْعَة: الخِصْب. وَمن ذَلِك قَوْلهم هُوَ يَرتَع أَي إِنَّه فِي شَيْء كثير لَا يُمْنَع مِنْهُ فَهُوَ مخصبٌ.
قلت: وَالْعرب تَقول: رَتَع المالُ إِذا رَعَى مَا شَاءَ، وأرْتَعْتُها أَنا. والرَتْع لَا يكون إِلَّا فِي الخِصْب والسِعَة. وإبل رِتَاع وَقوم مرتِعون وراتعون إِذا كَانُوا مخاصيب.
وَقَالَ أَبُو طَالب: سَمَاعي من أبي عَن الفرّاء: القَيْد والرَتَعة، مُثقّل. قَالَ: وهما لُغَتَانِ: الرَّتْعَة والرَتَعَة.
قَالَ أَبُو طَالب: وأوّل من قَالَ الْقَيْد والرتْعة عَمْرو بن الصَّعِق بن خويلد بن نُفَيل بن عَمْرو بن كلاب، وَكَانَت شاكرُ من هَمْدَان أسروه فَأحْسنُوا إِلَيْهِ وروّحوا عَنهُ، وَقد كَانَ يَوْم فَارق قومه نحيفاً فهَرَب من شاكِرَ فَلَمَّا وصل إِلَى قومه قَالُوا: أَيْ عَمْرو خرجْتَ من عندنَا نحيفاً وَأَنت الْيَوْم بادِنٌ، فَقَالَ: الْقَيْد والرتْعَة فأرسلها مثلا. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: الرَتْع: الْأكل
(2/159)

بشَرَهِ، يُقَال: رَتَعَ يَرْتَع رَتْعاً ورِتَاعاً، والرَّتَّاع: الَّذِي يتتبّع بإبله المراتع المخصِبَة.
وَقَالَ شمر: يُقَال أتيت على أَرض مُرْتِعَة وَهِي الَّتِي قد طمِع مَا لَهَا من الشِبَع، وَقد أرتع المالُ وأرتَعَت الأرضُ وغيثٌ مُرْتِع: ذُو خِصْبٍ. وَقَوْلهمْ فلَان يرتع قَالَ أَبُو بكر مَعْنَاهُ: هُوَ مُخصب لَا يَعْدَم شَيْئا يُريدهُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: معنى {يَرْتَعْ} : يلهو. وَقَالَ فِي معنى قَوْله: أَي يلهو ويَنعَم. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: يسْعَى وينبسط. وَقيل معنى قَوْله {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} : يَأْكُل. واحتجّ بقوله:
وحبِيب لي إِذا لاقيته
وَإِذا يَخْلُو لَهُ لحمي رَتَعْ
مَعْنَاهُ: أكله. وَمن قَرَأَ (نرتع) بالنُّون أَرَادَ: ترتع إبلنا:
تعر: أهمله اللَّيْث وروى أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: جُرْح تغار بالغين إِذا كَانَ يسيل مِنْهُ الدَّم.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ غَيره: جُرْحٌ نَعَّار بالنُّون وَالْعين.
قلت: وَسمعت غير وَاحِد من أهل الْعَرَبيَّة بهراة يزْعم أَن (تغار) بالغين تَصْحِيف، فَقَرَأت فِي (كتاب أبي عُمَر الزَّاهِد) رِوَايَة عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: جُرْحٌ تَعّار بِالتَّاءِ وَالْعين وتَغّار بِالتَّاءِ والغين ونَعّار بالنُّون وَالْعين بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الَّذِي لَا يرقأ فَجَعلهَا كلّها لغاتٍ وصحّحها. وَالْعين والغين فِي تعّار وتغّار تعاقبا، كَمَا قَالُوا: العَبِيثة والغبِيثة بِمَعْنى وَاحِد.
قلت: وتِعَار: اسْم جبل فِي بِلَاد قيس. وَقد ذكره لبيد:
إلاّ يرمرم أَو تِعَار
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: التعَر: اشتعال الْحَرْب.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ اللَّام)
(ع ت ل)
عتل، تلع، تعل: مستعملة.
علت، لتع، لعت: مُهْملَة.
عتل: قَالَ الله جلّ وعزّ: {الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} (الدّخَان: 47) وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (الْقَلَم: 13) قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ: {خُذُوهُ} بِكَسْر التَّاء، وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو عَمْرو. وَقَرَأَ ابْن كَثِير وَنَافِع وَابْن عَامر وَيَعْقُوب: (فاعتلوه) بضمّ التَّاء. قلت: هما لُغَتَانِ فصيحتان، يُقَال: عَتَلَهُ يَعَتِله ويَعتُله.
ورَوَى الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} أَي خذوه فاقصِفوه كَمَا يُقصَف الحَطَب.
وَقَالَ أَبُو مُعَاذ النحويّ: العَتْل: الدَفْع والإرهاق بالسَّوْق العنيف. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الحرّاني عَن ابْن السّكّيت: عَتَلْتُهُ إِلَى السجْن وعَتَنْتُه فَأَنا أعْتِلُه وأعْتُلُه وأعْتِنُه وأعْتُنُه إِذا دفعتَه دَفْعاً عنيفاً.
وَقَالَ اللَّيْث: العَتْلُ: أَن تَأْخُذ بتَلْبيب الرجل فتعتِلَه، أَي تجرّه إِلَيْك وَتذهب بِهِ
(2/160)

إِلَى حَبْس أَو بَلِيَّة. وأَخَذ فلَان بِزِمام النَّاقة فعتَلها إِذا قادها قَوْداً عنيفاً.
وَيُقَال: لاأَتَعَتَّل مَعَك شِبْراً أَي لَا أَبْرَح مَكَاني وَلَا أجيء مَعَك.
وأمّا قَوْله تَعَالَى: { (الْقَلَم: 13) أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} جَاءَ فِي التَّفْسِير أَن العُتُلّ هَهُنَا: الشَّديد الْخُصُومَة، وَجَاء فِي التَّفْسِير أَيْضا أَنه: الجافي الخُلُقِ اللئيمُ الضَرِيبةِ، وَهُوَ فِي اللُّغَة: الغليظ الجافي. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: العَتَلَة: بَيْرَم النَجّار.
وَقَالَ اللَّيْث: هِيَ حَدِيدَة كَأَنَّهَا حَدّ فأسٍ عريضة فِي أَصْلهَا خَشَبَة، تُحفر بهَا الأَرْض والحيطان، لَيست بمُعَقَّفَةٍ كالفأس، وَلكنهَا مُسْتَقِيمَة مَعَ الْخَشَبَة. قَالَ: وَرجل عُتُلٌّ: أكول مَنُوع.
وَقَالَ أَبُو عبيد: العَتَلُ: القسِيّ الفارسية.
وَقَالَ أُمية:
يَرمُونَ عَن عَتَل كَأَنَّهَا غُبُطٌ
بزَمْخَرٍ يُعجل المَرمِيّ إعجالاً
قَالَ: واحدتها عَتَلة.
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: إِنَّك لعَتِلٌ إِلَى الشرّ أَي سريع، وَقد عَتِل عتَلاً.
الحرّاني عَن ابْن السّكّيت: العَتِيل: الْأَجِير بلغَة طَيء، وَجمعه العُتَلاَء.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: العَتَلَة: المدَرَة الْكَبِيرَة تتقلّع من الأَرْض إِذا أثيرت.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العَاتِل الجِلْوَاز، وَجمعه عُتُلٌ. قَالَ: والعَتِيل: الْأَجِير وَجمعه عُتُلٌ أَيْضا. وَفِي (النَّوَادِر) : داءٌ عَتِيل شَدِيد والعتيل: الْخَادِم.
تلع: من أَمْثَال الْعَرَب: فلَان لَا يمنَع ذنَبَ تَلْعه يضْرب للرجل الذَّلِيل الحقير. والتَلْعَة: وَاحِدَة التِلاَع.
قَالَ أَبُو عبيد: وَهِي مجارِي المَاء من أعالي الْوَادي. قَالَ: والتلاع أَيْضا: مَا انهبط من الأَرْض. قَالَ وَهِي من الأضداد.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال فِي مَثل: مَا أَخَاف إِلَّا من سَيْلِ تَلْعَتِي أَي من بني عمّي وَذَوي قَرَابَتي. قَالَ: والتَلْعَة: مَسِيل المَاء؛ لِأَن من نزل التَلْعَة فَهُوَ على خَطَر: إِن جَاءَ السَّيْل جَرف بِهِ. قَالَ: وَقَالَ هَذَا وَهُوَ نَازل بالتَلْعة فَقَالَ: لَا أَخَاف إِلَّا من مَأَمَنِي. وَقَالَ شمر: التِلاع: مسايل المَاء تسيل من الأسناد والنِجَاف وَالْجِبَال حَتَّى تنصبّ فِي الْوَادي. قَالَ وتَلْعة الْجَبَل: أَن المَاء يَجِيء فيخُدّ فِيهِ ويحفره حَتَّى يخلُص مِنْهُ. قَالَ: وَلَا تكون التِلاَع فِي الصحارى. قَالَ والتَلْعة رُبمَا جَاءَت من أبعد من خَمْسَة فراسخ إِلَى الْوَادي. قَالَ: وَإِذا جَرَت من الْجبَال فَوَقَعت فِي الصحارى حَفَرت فِيهَا كَهَيئَةِ الْخَنَادِق. قَالَ وَإِذا عظمت التَلْعَة حَتَّى تكون مثل نصف الْوَادي أَو ثُلثَيْهِ فَهِيَ مَيْثاء. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: من أمثالهم فِي الَّذِي لَا يوثق بِهِ: إِنِّي لَا أَثِق بسَيل تَلْعتك أَي لَا أَثِق بِمَا تَقول وَمَا تَجِيء بِهِ. قلت: فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَمْثَال جَاءَت فِي التَلْعة. وَقَالَ اللَّيْث: التَلْعة: أَرض ارْتَفَعت وَهِي غَلِيظَة يتردّد فِيهَا السَّيْل، ثمَّ يَدْفع مِنْهَا إِلَى تَلْعَة أَسْفَل
(2/161)

مِنْهَا. وَهِي مَكَرَمة من المنابت.
أَبُو عبيد: التَتَلُّع: التقدّم. وَأنْشد لأبي ذُؤَيْب:
فَوَردْنَ والعَيُّوقُ مقعدَ رابىءُ الض
رباء فَوق النَّجْم لَا يتَتَلَّعُ
الْأَصْمَعِي: الأتلع: الطَّوِيل. قَالَ أَبُو عبيد: وَأكْثر مَا يُرَاد بالأتلع: طول عُنُقه. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: هُوَ أتلع وتَلِع للطويل العُنُق. قَالَ: وَرجل تَلِعٌ: كثير التلفّت. قَالَ: وَرجل تَلِعُ بِمَعْنى التَرِع. قَالَ: وَيُقَال: لزم فلَان مَكَانَهُ فَمَا يَتَتَلَّعُ ومايَتَتَالَع أَي لَا يرفع رَأسه للنهوض، وَإنَّهُ ليَتَتَالع فِي مَشْيه إِذا مَدّ عُنُقه وَرفع رَأسه. قَالَ: وَيُقَال: تَلَع فلَان رَأسه إِذا أخرجه من شَيْء كَانَ فِيهِ، وَهُوَ شبه طَلَع، إلاّ أنّ طلع أعمّ. وتَلَع الثورُ إِذا أخرج رَأسه من الكِنَاس. قلت: الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب أتلع رَأسه إِذا أطلعه فَنظر؛ وتلع الرأسُ نفسُه. وَقَالَ الشَّاعِر:
كَمَا أتلعَت من تَحت أَرْطى صريمةٍ
إِلَى نَبْأة الصَّوْت الظباءُ الكوانِس
وَيُقَال: تَلَع النَّهَار إِذا ارْتَفع يَتْلَع تلُوعاً. وجِيدٌ تَلِيع: طَوِيل. ومُتَالِع: جبل بِنَاحِيَة الْبَحْرين بَين السَوْدة والأحساء. وَفِي سفح هَذَا الْجَبَل عَين يسيح مَاؤُهَا، يُقَال لَهَا: عين مُتَالِع.
تعل: أهمله اللَّيْث وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: التعَل: حرارة الْحلق الهائجة.
وَأما عَلَتَ فمهمل.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ النُّون)
(ع ت ن)
عتن، عنت، نتع، نعت: مستعملة.
عتن: أهمل اللَّيْث عتن وَهُوَ مُسْتَعْمل، أَخْبرنِي المنذريّ عَن الحَرّانيّ عَن ابْن السكّيت قَالَ: يُقَال: عَتَله إِلَى السِجْن وعَتَنه يَعْتِنه ويَعْتُنه عَتْناً إِذا دَفعه دَفْعاً عَنيفاً. أَبُو العبّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العُتُن: الأشِدَّاء، جمع عَتُونٍ، وعاتِنٍ إِذا تشدّد على غَرِيمه وآذاه.
عنت: قَالَ الله عزّ وجلّ: {لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} (النِّساء: 25) نزلت الْآيَة فِيمَن لم يسْتَطع طَوْلاً أَي فَضْل مالٍ ينْكح بِهِ حُرّة، فَلهُ أَن ينْكح أمَة، ثمَّ قَالَ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} . وَهَذَا يُوجب أَن من لم يخْش العَنَت وَوجد طَوْلاً لحُرَّة أَنه لَا يحلّ لَهُ أَن ينْكح أَمَة. وَاخْتلف النَّاس فِي تَفْسِير العَنَت. فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: ذَلِك لمن خَافَ أَن يحملهُ شدّة الشَّبَق والغُلْمة على الزِّنَى فَيلقى الْعَذَاب الْعَظِيم فِي الْآخِرَة، والحَدَّ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: أَن يعشق أَمَة، وَلَيْسَ فِي الْآيَة ذكر عشق، وَلَكِن ذَا العِشقِ يلقى عَنَتاً. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَزيد الثُمَاليّ: العَنَت هَهُنَا: الْهَلَاك. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الهَيْثَم أَنه قَالَ: العَنَت فِي كَلَام الْعَرَب: الجَوْر والإِثْم والأَذَى. قَالَ: فَقلت لَهُ: آلتعنُّت من هَذَا؟ قَالَ: نعم، يُقَال: تعنت فلَان فلَانا إِذا أَدخل عَلَيْهِ الأَذَى. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجَّاج: العَنَت فِي اللُّغَة: المَشَقَّة الشَّدِيدَة؛ يُقَال: أكمَة عَنُوت إِذا كَانَت شاقَّة
(2/162)

المَصْعَد. قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو إِسْحَاق صَحِيح، فَإِذا شَقَّ على الرجل العُزْبة وغلبته الغلْمة وَلم يجد مَا يتزوّج بِهِ حُرّة فَلهُ أَن ينْكح أَمَة؛ لِأَن غَلَبَة الشَّهْوَة واجتماعَ المَاء فِي صُلْب الرجل رُبمَا أدّى إِلَى العِلَّة الصعبة، وَالله أعلم.
وَقَول الله عزّ وجلّ: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} (الْبَقَرَة: 220) مَعْنَاهُ: وَلَو شَاءَ الله لشدَّد عَلَيْكُم وتعبَّدكم بِمَا يَصعب عَلَيْكُم أَدَاؤُهُ؛ كَمَا فَعل بِمن كَانَ قبلكُمْ. وَقد يوضع العَنَت مَوضِع الْهَلَاك، فَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَو شَاءَ اللَّه لأعنتكم أَي أهلككم بِحكم يكون فِيهِ غير ظَالِم. وَقَول الله عزّ وجلّ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} (التّوبَة: 128) مَعْنَاهُ: عَزِيز عَلَيْهِ عَنَتكم، وَهُوَ لِقَاء الشدّة والمشقّة. وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: عَزِيز عَلَيْهِ أَي شَدِيد مَا أعنتكم أَي مَا أوردكم العَنَت والمَشَقَّة. وَقَوله عزّ وجلَّ: {نَادِمِينَ وَاعْلَمُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الاَْمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِْيمَانَ} (الحُجرَات: 7) أَي لَو أطَاع مثل المُخْبِر الَّذِي أخبرهُ بِمَا لَا أصل لَهُ كَانَ سعى بِقوم من الْعَرَب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنهم ارتدّوا لوقعتم فِي عَنَت أَي فَسَاد وهلاك. وَهُوَ قَوْله عزّ وجلّ: {رَّحِيمٌ ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} (الحُجرَات: 6) الْآيَة.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: أعنت فلَان فلَانا إعناتاً إِذا أَدخل عَلَيْهِ عَنَتاً أَي مَشَقَّة.
قَالَ: وتعنَّته تعنُّتاً إِذا سَأَلَهُ عَن شَيْء أَرَادَ بِهِ اللَبْس عَلَيْهِ والمشَقَّة.
قَالَ: والعَظْم المجبور يُصِيبهُ شَيْء فَيُعْنِته. قلت: مَعْنَاهُ: أَنه يَهيضه، وَهُوَ كسر بعد انجبار، وَذَاكَ أشدّ من الْكسر الأوّل.
وَقَالَ ابْن شُمَيل: العَنَت: الْكسر، وَقد عنِتَت يَده أَو رجله أَي انْكَسَرت. وَكَذَلِكَ كل عظم. وَأنْشد:
فداوِ بهَا أضلاع جنبيك بَعْدَمَا
عَنِتن وأعيتك الجبائر من عَلُ
وَقَالَ النَضْر: الوَثْءُ لَيْسَ بعَنَت، لَا يكون العَنَت إِلَّا الْكسر. والوَثْء: الضَّرْب حَتَّى يَرْهَص الجلدَ وَاللَّحم ويصل الضَّرْب إِلَى الْعظم من غير أَن ينكسر.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الإعنات: تَكْلِيف غير الطَّاقَة.
وَيُقَال: أعْنت الجابر الكسيرَ إِذا لم يَرفُق بِهِ، فَزَاد الكسرَ فَسَادًا. وَكَذَلِكَ رَاكب الدابَّة إِذا حمله على مَا لَا يحْتَملهُ من العُنْف حَتَّى يَظْلعَ فقد أعْنته. وَقد عنِتَت الدابَّة. وجُملة العَنَت الضَّرَر الشاقّ المؤذي. والعُنْتُوت: العَقَبة الكَئُود الشاقَّة، وَهِي العَنُوت أَيْضا، قَالَه ابْن الأعرابيّ وَغَيره.
قَالَ: وعُنْتُوت الْقوس: هُوَ الحَزّ الَّذِي تدخل فِيهِ الغانة، والغانة: حَلْقة رَأس الوَتَر.
وَقَالَ ابْن الأنباريّ: أصل العَنَت التَّشْدِيد وتعنَّته إِذا ألزمهُ مَا يصعُب عَلَيْهِ.
نعت: قَالَ اللَّيْث: النَعْت: وصفك الشَّيْء تَنْعته بِمَا فِيهِ وتبالغ فِي وَصفه.
قَالَ: وكلّ شَيْء كَانَ بَالغا تَقول لَهُ: هَذَا
(2/163)

نَعْت أَي جيّد بَالغ.
قَالَ: وَالْفرس النَعْت: الَّذِي هُوَ غَايَة فِي العِتْق. وَمَا كَانَ نعتاً وَلَقَد نَعُتَ ينعُت نَعَاتة. فَإِذا أردْت أَنه تكلَّف فعله قلت: نعِت.
قَالَ: واستنعتُّه أَي استوصفتُه. وَجمع النَّعْت نُعُوت.
وَقَالَ غَيره: فرس نَعْت ومُنْتَعِت إِذا كَانَ مَوْصُوفا بالعِتْق والجَودة والسَبْق.
وَقَالَ الأخطل:
إِذا غرّق الآلُ الإكامَ علونه
بمنتعِتات لَا بغالٍ وَلَا حُمُرْ
والمنتعِت من الدوابّ وَالنَّاس: الْمَوْصُوف بِمَا يفضّله على غَيره من جنسه. وَهُوَ مفتعل من النَّعْت. يُقَال: نعتّه فانتعت؛ كَمَا يُقَال: وَصفته فاتّصف. وَمِنْه قَول أبي دُواد الإياديّ:
جَار كجار الحُذَاقيّ الَّذِي اتّصفا
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: أنْعَتَ إِذا حَسُن وجههُ حَتَّى يُنْعَت.
نتع: قَالَ ابْن المظفّر: نَتَع العَرَق نُتُوعاً. وَهُوَ شِبه نَبَع نُبوعاً، إِلَّا أَن نَتَع فِي العَرَق أحسن.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ أنتع الرجلُ إِذا عرق عَرَقاً كثيرا.
وَقَالَ شمر: قَالَ خَالِد بن جَنْبة فِي المتلاحِمة من الشِجَاج: وَهِي الَّتِي تشقّ الجِلد فتزِلّه فينتِعُ اللَّحْم وَلَا يكون للمسْبار فِيهِ طَرِيق.
قَالَ: والنَتْع: ألاَّ يكون دونه شَيْء من الجِلد يواريه، وَلَا وَرَاءه عَظْم يخرج قد حَال دون ذَاك الْعظم، فَتلك المتلاحمة.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ الْفَاء)
ع ت ف
اسْتعْمل من وجوهه: عتف، عفت.
عتف: أهمل اللَّيْث وَغَيره عتف.
روى أَبُو العبّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العُتُوف: النَتْف.
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن دُرَيد: مضى عِتْف من اللَّيْل وعِدْف من اللَّيْل أَي هَوِيّ.
عفت: قَالَ اللَّيْث بن المظفّر: عَفَت فلَان الكلامَ عَفْتاً، وَهُوَ أَن يَلْفِته ويكسره. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: امْرَأَة عفتاء وعفكاء ولَفْتاء، وَرجل أعفت أعفك ألْفت، وَهُوَ الأخرق.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الألْفت: الأعسر، وَكَذَلِكَ الأَعْفت. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمّي ألْفت لِأَنَّهُ يعْمل بجانبه الأميل. قَالَ: وكلّ مَا رميته إِلَى جَانِبك فقد لَفَتَّه. أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد: عَفَت فلَان عظم فلَان، يَعْفِته عَفْتاً: إِذا كَسره. قلت: العَفْت واللفت: اللَيّ الشَّديد وكل شَيْء ثَنَيتَه فقد عَفَتَّه تعفِته عَفْتاً. وَإنَّك لتَعْفِتني عَن حَاجَتي أَي تثَنيني عَنْهَا.
وَيُقَال للعصِيدة: عَفِيتة ولَفيتة.
وَقَالَ الأصمعيّ: العِفَّتانيّ: الرجل الجَلْد القويّ، رَوَاهُ عَنهُ أَبُو نصر؛ وَأنْشد:
بعد أزابي العفِتَّانّي الغَلِث
(2/164)

قلت: وَمَال عفتان فِي كَلَام الْعَرَب سِلِّجان يُقَال أَلْقَاهُ فِي سلجانه أَي حَلْقه.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ الْبَاء)
ع ت ب
عتب، تبع، تَعب، بتع: مستعملة.
عتب: قَالَ الله عزّ وجلّ: {لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ} (فُصْلَت: 24) .
وَقَالَ أَبُو مُعَاذ النحويّ: قرىء: (وَإِن يُسْتَعْتَبوا) .
قَالَ: وَمَعْنَاهُ: إنْ أقالهم الله وردّهم إِلَى الدُّنْيَا لم يُعتِبوا، يَقُول: لم يعملوا بِطَاعَة الله؛ لِمَا سبق لَهُم فِي علم الله من الشَّقَاء، وَهُوَ قَول الله جلّ وعزّ: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (الأنعَام: 28) .
قَالَ: ومَن قَرَأَ: {: ُ: ِلَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ} فَمَعْنَاه: إِن يستقيلوا رَبهم لم يُقِلْهُم؛ تَقول استعتبت فلَانا فَمَا أعتبني؛ كَقَوْلِك: استقلته فَمَا أقالني. قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو معَاذ فِي الْقِرَاءَتَيْن حسن إِن شَاءَ الله.
وَقَالَ ابْن شُمَيل وَابْن المظفّر: العَتْب: المَوْجِدة؛ تَقول: عَتَب فلَان على فلَان عَتْباً ومَعْتِبة إِذا وَجَد عَلَيْهِ. وَقد أعتبني فلَان أَي ترك مَا كنت أجِد عَلَيْهِ من أَجله، وَرجع إِلَى مَا أرضاني عَنهُ بعد إسخاطه إيّاي عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبيد: رُوي عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ: معاتبة الْأَخ خير من فَقْده.
قَالَ فَإِن استُعتِب الْأَخ فَلم يُعْتِب فَإِن مثلهم فِيهِ قَوْلهم: لَك العُتْبى بِأَن لَا رضِيت، وَهَذَا فعل محوّل عَن مَوْضِعه؛ لِأَن أصل العُتْبى رُجُوع المستعتَب إِلَى محبّة صَاحبه، وَهَذَا على ضدّه. يَقُول: أُعتِبك بِخِلَاف رضاك.
وَأنْشد لبِشْر:
غَضِبت تَمِيم أَن تَقَتّل عَامر
يَوْم النِسَار فأُعْتِبوا بالصَيْلم
أُعتِبوا أَي أُرضوا بالاصطلام.
وَقَالَ آخر:
فدع العتاب فربّ شرْ
رٍ هاج أولَه العتابُ
والعُتْبى: اسْم على فُعْلى يوضع مَوضِع لإعتاب، وَهُوَ الرُّجُوع عَن الْإِسَاءَة إِلَى مَا يُرْضي العاتب.
وَقَالَ اللَّيْث: استعتَب فلَان إِذا طلب أَن يُعْتَب أَي يُرضَى.
قَالَ: واستَعتَب أَيْضا بِمَعْنى أَعتب.
وَأنْشد:
فَأَلْفَيْته غير مستعتِب
وَلَا ذاكرِ الله إِلَّا قَلِيلا
قَالَ الْأَزْهَرِي: قَوْله: غير مستعتِب أَي غير مستقيل أَي طَالب أَن يُقَال وَقَوله: وَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا أَي وَلَا ذاكرٍ الله، فَحذف التَّنْوِين.
قَالَ: والتعتب والمعاتبة والعِتاب كل ذَلِك مُخَاطبَة المدلّين أخلاّءهم طَالِبين حُسْن مراجعتهم ومذاكرة بَعضهم بَعْضًا مَا كرهوه ممّا كَسَبهم الموجِدةَ.
(2/165)

قَالَ: وَيُقَال: مَا وجدت فِي قَوْله عُتْباناً وَذَلِكَ إِذا ذكر أَنه أعتبك وَلم تَرَ لذَلِك بَيَانا. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: مَا وجدت عَنهُ عَتْباً وَلَا عِتَاباً بِهَذَا الْمَعْنى. قلت: لم أسمع العتب والعتبان والعتاب بِمَعْنى الإعتاب، إِنَّمَا العتب والعتبان: لومك الرجلَ على إساءة كَانَت لَهُ إِلَيْك فاستعتبته مِنْهَا. وكلّ وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ يخلص للعتاب، فَإِذا اشْتَركَا فِي ذَلِك وذكَّر كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا صاحبَه مَا فَرَطَ مِنْهُ إِلَيْهِ من الْإِسَاءَة فَهُوَ العِتاب والمعاتبة. وأمّا الإعتاب والعُتْبى فَهُوَ رُجُوع المعتوب عَلَيْهِ إِلَى مَا يُرضِي العاتب. والاستعتاب: طَلَبك إِلَى الْمُسِيء أَن يرجع عَن إساءته. وَيكون الاستعتاب الاستقالة.
أَبُو عُبيد عَن الأصمعيّ: العَتَبة أُسْكُفّة الْبَاب الَّتِي تُوطأ.
وَقَالَ اللَّيْث: كل مَرْقاة من الدَرَج عَتَبة. وَكَذَلِكَ العَتَب فِي الثنايا الشاقَّة، واحدتها عَتَبة.
وَقَالَ ابْن شُمَيل: العَتَبة فِي الْبَاب هِيَ الْأَعْلَى. قَالَ: والخشبة الَّتِي فَوق الْأَعْلَى: الْحَاجِب قَالَ: والأُسْكُفّة هِيَ السُّفْلى. والعارضتان: العِضَادتان. وَيُقَال: مَا فِي طَاعَة فلَان عَتَبٌ أَي الْتواء وَلَا نَبْوة، ومافي مودّته عتَب إِذا كَانَت خَالِصَة لَا يشوبها فَسَاد. وَيُقَال: حُمِل فلَان على عَتَبة كريهة، وعَلى عَتَب كَريه من الْبلَاء والشرّ.
وَقَالَ الشَّاعِر:
يُعْلَى على العَتَب الكريه ويوبَس
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي قَول عَلْقَمَة:
لَا فِي شظاها وَلَا أرساغها عَتَب
أَي عيب. وَهُوَ من قَوْلك: لَا يُتَعتّب عَلَيْهِ فِي شَيْء. والفحل الْمَعْقُول أَو الظالع إِذا مَشى على ثَلَاث قَوَائِم كَأَنَّهُ يَقْفِز يُقَال: يَعْتِب عَتَباناً.
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: عَتَب عَلَيْهِ من العِتابِ، يَعتِب يعتُب، وَكَذَلِكَ من الْمَشْي على ثَلَاث قَوَائِم. وَتقول: عتِّب لي عَتَبة فِي هَذَا الْموضع إِذا أردْت أَن تَرقى بِهِ إِلَى مَوضِع تصعد فِيهِ.
وَقَالَ اللَّيْث: إِذا أُعنت الْعظم المجبور قيل: قد أُعتِب وأُتعب.
وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: اعتَتَب فلَان عَن الشَّيْء إِذا انْصَرف عَنهُ.
وَمِنْه قَول الكُمَيت:
فاعتتب الشوقُ عَن فُؤَادِي والش
عر إِلَى من إِلَيْهِ مُعْتَتَب
وَأنْشد المازنيّ قَول الحُطَيئة:
إِذا مخارم أَحناء عَرَضْن لَهُ
لم يَنْبُ عَنْهَا وَخَافَ الْجور فاعتَتَبا
يَقُول: لم ينبُ عَنْهَا وَلم يخف الجَوْر. واعتتب أَي رَجَعَ من قَوْلهم: لَك العُتْبى أَي لَك الرُّجُوع ممّا تكره إِلَى مَا تُحِبّ. وعَتَبة الْوَادي: جَانِبه الْأَقْصَى الَّذِي يَلِي الجَبَل. وَيُقَال للرجل إِذا مَضَى سَاعَة ثمَّ رَجَعَ: قد اعتَتَب فِي طَرِيقه اعتِتاباً، كَأَنَّهُ عَرَض عَتَبٌ فتراجع.
وَقَالَ أَبُو سعيد فِي قَول الْأَعْشَى:
وثَنَى الكفّ على ذِي عَتَب
يصل الصَّوْت بِذِي زِير أبَحَّ
(2/166)

قَالَ: العَتَب: الدَسْتَانات. وَقيل: العَتَب: العيدان المعروضة على وَجه الْعود، مِنْهَا تُمد الأوتار إِلَى طَرَف العُود. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: أَوْدَى كَمَا أَوْدَى عَتِيب.
قَالَ ابْن الكلبيّ: هُوَ عَتِيب بن أسلم بن مَالك، وهم حَيّ كَانُوا فِي دِين مَلِك أَسَرهم واستعبدهم، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِذا كبِر صبيانُنا افتكونا، فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى هَلَكُوا، فصاروا مَثَلاً لمن هلك وَهُوَ مغلوب. وَمِنْه قَول عَدِيّ بن زيد:
يُرَجِّيها وَقد وَقعت بقُرّ
كَمَا ترجو أصاغرَها عَتِيبُ
وَقَالَ اللَّيْث: عَتِيب: قَبيلَة. قَالَ: وعُتْبة وعَتَّاب وعِتْبان ومعتِّب من أَسمَاء الرِّجَال. وعَتَّابة من أَسمَاء النِّسَاء.
أَبُو العبّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الْعَرَب تكنِي عَن الْمَرْأَة بالعَتَبة والنَعْل والقارُورة. والبَيْت والدُمْية والغُلّ والقَيْد. قَالَ: والعِتْب: الرجل الَّذِي يعاتِب صَاحبه أَو صديقه فِي كل شَيْء إشفاقاً عَلَيْهِ ونصيحة لَهُ. والعَتوب: الَّذِي لَا يعْمل فِيهِ العتاب. وَيُقَال: فلَان يَستعتِب من نَفسه، وَيسْتَقْبل من نَفسه، ويَستدرك من نَفسه إِذا أدْرك بِنَفسِهِ تغييراً عَلَيْهَا بِحسن تَقْدِير وتدبير.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: الثُبْنَة: مَا عتَّبته من قُدّام السَّرَاوِيل. وَفِي حَدِيث سلمَان أَنه كَانَ عَتَّب سراويله فتشمّر.
تَعب: قَالَ اللَّيْث: التَعَب: شدّة العَنَاء، وَقد تعِب يَتْعَب تَعَباً. وأتعب الرجلُ رِكابَه إِذا أعجلها فِي السَوْق أَو السَيْر الحَثِيثِ. قَالَ: وَإِذا أُعِنت الْعظم المجبور فقد أُتعِب.
وَقَالَ ذُو الرمة:
إِذا مَا رَآهَا رأية هِيض قلبُه
بهَا كانتياض المتعَب المُتَتَمم
وَيُقَال: أتعب فلَان نفسَه فِي عمل يمارسه إِذا أنصبها فِيمَا حمَّلها وأعملها فِيهِ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: أتعب فلَان القَدَح إِذا ملأَهُ مَلأ يفِيض، فَهُوَ مُتْعَب.
تبع: يُقَال: تبع فلَان فلَانا واتَّبعه؛ قَالَ الله تَعَالَى فِي قصّة ذِي القَرْنين: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} (الْكَهْف: 89) ، وقرىء: (اتَّبَعَ سَببا) .
قَالَ أَبُو عُبَيد: وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يقْرَأ: (اتَّبَعَ سَببا) بتَشْديد التَّاء، وَمَعْنَاهَا: تَبِع. قَالَ: وَهِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة، وَكَانَ الكسائيّ يقْرؤهَا: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} مَقْطُوعَة الألِف، وَمَعْنَاهَا: لحِق وَأدْركَ.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَيُقَال: أتبعت الْقَوْم مِثَال أفعلت إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحِقتهم. قَالَ: واتَّبعتهم مثل افتعلت إِذا مرّوا بك فمضيت مَعَهم، وتبِعتهم تَبَعاً مثله. وَيُقَال: مَا زلت أتّبعهم حَتَّى أَتْبعتهم، أَي حَتَّى أدركتهم.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَقِرَاءَة أبي عَمْرو أحبّ إليّ من قِرَاءَة الكسائيّ.
وَقَالَ الفرّاء: أتْبع أحسن من اتّبع؛ لِأَن الاتّباع: أَن يسير الرجل وَأَنت تسير وَرَاءه، فَإِذا قلت: أتْبعته فكأنك قَفَوته.
وَقَالَ اللَّيْث: تبِعت فلَانا واتّبعته سَوَاء.
(2/167)

وأتبع فلَان فلَانا إِذا تبعه يُرِيد بِهِ شرّاً، كَمَا أتبع الشيطانُ الَّذِي انْسَلَخَ من آيَات الله فَكَانَ من الغاوين، وكما أتبع فِرْعَوْن مُوسَى. قَالَ: وَأما التَّتبُّع فَأن يتتبَّع فِي مُهْلة شَيْئا بعد شَيْء. وَفُلَان يتتبَّع مساوىء فلَان وأثَره، ويتتبَّع مَدَاقّ الْأُمُور، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ: والتَبَع: مَا تبِع أثر شَيْء فَهُوَ تَبَعه.
وَأنْشد قَول أبي دُوَاد الإياديّ فِي صفة ظَبْية:
وقوائم تَبَع لَهَا
من خَلْفها زَمَع معلَّقْ
وَقَالَ غَيره: يُقَال لجمع التَّابِع: تَبَع، كَمَا يُقَال لجمع الحارس: حَرَس ولجمع الْخَادِم: خَدَم. قَالَ: وَالتَّابِع: التَّالِي.
وَقَالَ الفرّاء فِي قَول الله جلّ وعزّ: {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} (الْإِسْرَاء: 69) .
قَالَ: التبيع فِي مَوضِع تَابع أَي تَابع بالثأر لإغراقنا إيّاهم. وَقيل: معنى قَوْله: {تَبِيعًا} أَي مطالباً. وَمِنْه قَول الله جلّ وعزّ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (البَقَرة: 178) يَقُول: على صَاحب الدَّم اتّباع بِالْمَعْرُوفِ أَي الْمُطَالبَة بالدِية، وعَلى الْقَاتِل أَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان. وَرفع قَوْله: (فاتباع) على معنى: فَعَلَيهِ اتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ. وَالْآيَة مستقصى تَفْسِيرهَا فِي المعتلاّت من الْعين فِي بَاب عَفا يعْفُو عِنْد ذكر قَوْله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} (البَقَرَة: 178) .
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الظُّلم لَيُّ الواجِد، وَإِذا أُتبِع أَحَدُكم على مَليء فليَتَّبِع) مَعْنَاهُ: وَإِذا أُحِيل أحدكُم على مَلِيء فليحتَلْ، من الْحِوَالَة.
وَفِي حَدِيث مَسْرُوق عَن مُعاذ بن جَبَل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعثه إِلَى الْيمن، فَأمره فِي صَدَقة البَقَر أَن يَأْخُذ من كل ثَلَاثِينَ من الْبَقر تَبِيعاً، وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنّة.
أَبُو عُبيد عَن أبي فَقْعَس الأسَديّ قَالَ: ولد الْبَقَرَة أوَّلَ سنة تَبِيع ثمَّ جَذَع ثمَّ ثنِيّ ثمَّ رَباعٍ ثمَّ سَدَس ثمَّ صالغ.
وَقَالَ اللَّيْث: التَبِيع: العِجْل المُدْرِك، إِلَّا أَنه يتبع أُمَّه بَعْدُ. والعَدَد ثَلَاثَة أَتبِعة، والجميع الأتابيع جمع الْجمع. وبقرة مُتْبِع: خَلْفها تَبِيع. وخادم مُتْبِع: يتبعهَا وَلَدهَا حَيْثُمَا أَقبلت وأدبرت.
قلت: قَول اللَّيْث: التبيع: الْمدْرك وَهَم، لِأَنَّهُ يدْرك إِذا أثْنى أَي صَار ثنِيّاً، والتبيع من الْبَقر يسمّى تَبِيعاً حِين يستكمل الْحول، وَلَا يسمّى تَبِيعاً قبل ذَلِك، فَإِذا اسْتكْمل عَاميْنِ فَهُوَ جَذَع، فَإِذا استوفى ثَلَاثَة أَعْوَام فَهُوَ ثَنِيّ، وحينئذٍ يُسِنّ، وَالْأُنْثَى مُسِنّة، وَهِي الَّتِي تُؤْخَذ فِي أَرْبَعِينَ من الْبَقر. وَيُقَال للْأُنْثَى: تَبِيعة وللذكر تَبيع.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال للَّذي لَهُ عَلَيْك مَال يتابعك بِهِ أَي يطالبك بِهِ: تَبِيع. قَالَ: وتابع فلَان بَين الصَّلَاة وَبَين الْقِرَاءَة إِذا وَالَى بَينهمَا، فَفعل هَذَا على أثر هَذَا بِلَا مُهْلة بَينهمَا. وَكَذَلِكَ رَمَيته فأصبتُه بِثَلَاثَة أسم تِباعاً أَي وِلاءً. قَالَ: والتَبِعة والتِبَاعة: اسْم للشَّيْء الَّذِي لَك فِيهِ بغية
(2/168)

شِبْهُ ظلامة وَنَحْو ذَلِك.
قلت: وَيُقَال: فلَان تِبْع نسَاء أَي يتبعهنّ، وحِدْث نسَاء يحادثهنّ، وَزِير نسَاء: يزورهنّ، وخِلْبُ نسَاء إِذا كَانَ يخالبهنّ. والخِلْب أَيْضا: حِجاب الْقلب.
وأمّا قَول الجُهَنِيَّة:
يرِد الْمِيَاه حَضِيرة ونفيضَة
وِرْد القَطَاة إِذا اسمألّ التُبَّعُ
فَإِن أَبَا عُبَيد وَابْن السّكيت قَالَا: التُبَّع: الطلّ، واسمئلاله: قُلُوصه نِصْفَ النَّهَار وضمورُه.
وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرِير: التُبَّع: هُوَ الدَبَران فِي هَذَا الْبَيْت، سمّي تُبّعاً لاتّباعه الثريّا.
قلت: وَقد سَمِعت بعض الْعَرَب يسمّي الدَبَران التَّابِع والتُوَيْبع. وَمَا أشبه مَا قَالَ الضَّرِير بِالصَّوَابِ، لِأَن القَطَا تَرِد الْمِيَاه لَيْلًا، وقلَّما ترِدها نَهَارا، لذَلِك يُقَال: أدَلّ من قطاة، وَقَول لَبيد يدلّ على ذَلِك:
فوردنا قبل فُرّاط القَطا
إِن من وِرْدِيَ تغليسَ النَهَلْ
وَقَالَ اللَّيْث: التُبَّع: ضرب من اليعاسيب من أعظمها وأحسنها، وَجمعه التبابع. قلت: وأمَّا تُبَّعٌ الْملك الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه فَقَالَ: {الاَْيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ} (ق: 14) فقد روينَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (مَا أَدْرِي أتبّع كَانَ لعِيناً أم لَا) .
وَقَالَ اللَّيْث: كَانَ تُبَّع ملِكاً من الْمُلُوك وَكَانَ مُؤمنا، وَكَانَ فيهم تبابعة. قَالَ: وَيُقَال: إِن ثَبت اشْتُقّ لَهُم هَذَا الاسمُ من تُبَّع وَلَكِن فِيهِ عجمة ولُكْنة، وَيُقَال: هم الْيَوْم من وضائع تُبَّع بِتِلْكَ الْبِلَاد.
وَفِي حَدِيث أبي وَاقد الليثيّ: تابعْنا الْأَعْمَال فَلم نجد شَيْئا أبلغ فِي طلب الْآخِرَة من الزّهْد فِي الدُّنْيَا. قَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو زيد وَغَيره: قَوْله: تابعنا الْأَعْمَال يَقُول: أحكمناها وعرفناها وَيُقَال للرجل إِذا أتقن الشَّيْء وأحكمه: قد تَابع عمله.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلَمة عَن الفرّاء أَنه قَالَ: يُقَال تَابع فلَان كَلَامه وَهُوَ تبيع الْكَلَام إِذا أحكمه. وَفرس متتابع الخَلْق أَي مُسْتَوٍ.
وَقَالَ حُمَيد بن ثَوْر:
ترى طَرَفيه يعسِلان كِلَاهُمَا
كَمَا اهتزّ عُود الساسَم المتتابع
قَالَ النَّابِغَة الذبيانيّ:
من لُؤْلُؤ متتابع متَسَرّد
وَقَالَ غَيره: فلَان متتابع العِلْم إِذا كَانَ علمه يشاكل بعضُه بَعْضًا لَا تفَاوت فِيهِ. وغُصن متتابع إِذا كَانَ مستوِياً لَا أُبَن فِيهِ. وَيُقَال: تَابع المرتعُ المالَ فتتابعت أَي سمَّن خَلْقها فسمِنت وحَسُنت.
وَقَالَ أَبُو وَجْزة السعديّ:
حرْفٌ مُليكية كالفحل تابعها
فِي خِصْب عَاميْنِ إفراق وتهميل
وناقة مُفرِق أَي تمكث سنتَيْن أَو ثَلَاثًا لَا تَلْقَح. وَيُقَال: هُوَ يُتَابع الحَدِيث إِذا كَانَ يَسْرده.
وأمَّا قَول سلامان الطائيّ:
أخِفن اطّناني إِن سَكتن وإنني
لفي شغل عَن ذَحلي اليُتَتَبَّعُ
(2/169)

فَإِنَّهُ أَرَادَ: ذحليَ الَّذِي يُتَتبَّع، فَطرح الَّذِي وَأقَام الْألف وَاللَّام مقَامه، وَهِي لُغَة لبَعض الْعَرَب.
وَقَالَ ابْن الأنباريّ: إِنَّمَا أقحم الْألف وَاللَّام على الْفِعْل الْمُضَارع لمضارعته الْأَسْمَاء.
وَفِي حَدِيث زيد بن ثَابت حِين أمره أَبُو بكر الصدّيق بِجمع الْقُرْآن قَالَ: فعلِقت أتتبّعُه من اللخاف والعُسُب أَرَادَ أَنه كَانَ يتتبّع مَا كُتب مِنْهُ فِي اللخاف والعُسُب، وَذَلِكَ أَنه استقصى جَمع جَمِيع الْقُرْآن من الْمَوَاضِع الَّتِي كُتب فِيهَا، حَتَّى مَا كُتب فِي اللِخاف وَهِي الْحِجَارَة وَفِي العُسُب، وَهِي جريد النّخل، وَذَلِكَ أَن الرَقّ أعوزهم حِين نزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمر كُتَّاب الْوَحْي بإثباته فِيمَا تيسَّر من كتِف ولَوْح وجِلْد وعَسِيب ولَخفَة. وَإِنَّمَا تتبَّع زيد بن ثَابت الْقُرْآن وَجمعه من الْمَوَاضِع الَّتِي كُتب فِيهَا وَلم يقتصِر على مَا حفِظ هُوَ وَغَيره وَكَانَ من أحفظ النَّاس لِلْقُرْآنِ استظهاراً واحتياطاً، لِئَلَّا يسْقط مِنْهُ حرف لسُوء حفظ حافظه، أَو يتبدّل حرف بِغَيْرِهِ. وَهَذَا يدلّك أَن الْكِتَابَة أضبط من صُدُور الرِّجَال وَأَحْرَى ألاّ يسْقط مَعَه شَيْء، فَكَانَ زيد يتتبَّع فِي مُهْلة مَا كتب مِنْهُ فِي موَاضعه ويضمّه إِلَى الصُّحُف، وَلَا يثبت فِي تِلْكَ الصُّحُف إِلَّا مَا وجده مَكْتُوبًا كَمَا أُنزِل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأملاه على مَن كتبه، وَالله أعلم.
وَفِي حَدِيث أبي مُوسَى الأشعريّ أَنه قَالَ: اتّبعوا الْقُرْآن وَلَا يتبعنَّكم الْقُرْآن فَإِنَّهُ من يتبع الْقُرْآن يهْبط بِهِ على رياض الجنَّة وَمن يتّبعه الْقُرْآن يزُخّ فِي قَفاهُ حَتَّى يقذف بِهِ فِي نَار جَهَنَّم.
قَالَ أَبُو عُبيد قَوْله: اتبعُوا الْقُرْآن يَقُول: اجعلوه إمامكم ثمَّ اُتْلُوهُ؛ كَمَا قَالَ الله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} (البَقَرَةَ: 121) أَي يتّبعونه حق اتِّبَاعه.
وَأما قَوْله: وَلَا يتبعنَّكم الْقُرْآن فَإِن بعض النَّاس يحملهُ على معنى: لَا يطلبنكم الْقُرْآن بتضييعكم إيّاه، كَمَا يطْلب الرجل صَاحبه بالتبعة.
قَالَ أَبُو عبيد: وَهَذَا معنى حسن يصدّقه الحَدِيث الآخر: (إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مشفَّع، وَمَاحِل مصدَّق) ، فَجعله يمحل بِصَاحِبِهِ إِذا لم يتّبع مَا فِيهِ.
قَالَ أَبُو عبيد: وَفِيه قَول آخر أحسن من هَذَا، قَوْله: لَا يتبعنكم الْقُرْآن: لَا تَدَعوا الْعَمَل بِهِ فتكونوا قد جعلتموه وَرَاء ظهوركم؛ كَمَا فعل الْيَهُود حِين نبذوا مَا أُمِروا بِهِ وَرَاء ظُهُورهمْ. وَهَذَا قريب من الْمَعْنى الأول؛ لِأَنَّهُ إِذا اتّبعه كَانَ بَين يَدَيْهِ، وَإِذا خَالفه كَانَ خَلْفه.
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ، قَالَ: التُبَّع: سيد النَّحْل، والتُبَّع: الظِلّ.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب السائرة: أتْبِع الفرسَ لجامَها، يضْرب مَثَلاً للرجل يُؤمر برَب الصَنيعة وإتمام الْحَاجة.
بتع: فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سُئِلَ عَن البِتْع فَقَالَ: (كلّ شراب مسكِر فَهُوَ حرَام) .
(2/170)

قَالَ أَبُو عُبيد: البِتْع: نَبِيذُ العَسَل، وَهُوَ خَمْر أهل الْيمن.
وَقَالَ اللَّيْث: البِتَع: الشَّديد المفاصِل والمَوَاصِل من الْجَسَد.
قلت: وَغَيره يَجْعَل البَتَع طول العُنُق، يُقَال: عُنُق بَتِع وبَتِعه.
وَقَالَ الراجز:
كل علاة بِتع دليلها
وَقَالَ الآخر:
يرقى الدَسِيعُ إِلَى هادٍ لَهُ بَتِعٍ
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: البَتِع: الطَّوِيل العُنق، والتلِع: الطَّوِيل الظّهْر.
قَالَ ابْن شُمَيْل: من الْأَعْنَاق البَتَع وَهُوَ الغليظ الْكثير اللَّحْم الشَّديد. قَالَ: وَمِنْهَا المرهَف وَهُوَ الدَّقِيق، وَلَا يكون إلاّ لعتيق.
وَيُقَال: البَتَع فِي العُنق: شدّته، والتَلَع: طوله. وَيُقَال: بَتِع فلَان عليّ بِأَمْر لم يؤامرني فِيهِ إِذا قطعه دُونك.
وَقَالَ أَبُو وَجْزَة السَعْديّ:
بَان الخليط وَكَانَ البينُ بائجةً
وَلم نخفْهم على الْأَمر الَّذِي بَتِعوا
بتعوا أَي قطعُوا دُوننَا. وَيُقَال: عُنُق أبتع وبَتِع.
وروى أَبُو تُرَاب عَن أبي مِحْجَن قَالَ: الانبتاع والانبتال: الِانْقِطَاع.
وَقَالَ أَبُو زيد: جَاءَ الْقَوْم أَجْمَعُونَ أبصعون أبتعون بِالتَّاءِ، وَهَذَا من بَاب التَّأْكِيد.

(بَاب الْعين وَالتَّاء مَعَ الْمِيم)
(ع ت م)
عتم، عَمت، متع: مستعملة.
عتم: أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ عَتَم اللَّيْل وأعتم إِذا مَرَّ مِنْهُ قِطعة. وَقَالَ: إِذا ذهب النَّهَار وَجَاء اللَّيْل فقد جَنَح الليلُ.
ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لايغلبنَّكُمُ الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ العِشاء، فَإِن اسْمهَا فِي كتاب الله الْعشَاء، وَإِنَّمَا يُعْتَم بِحِلاب الْإِبِل) . قَوْله: (إِنَّمَا يُعْتَم بحلاب الْإِبِل) مَعْنَاهُ: لاتسمّوها صَلَاة العَتَمة؛ فَإِن الْأَعْرَاب الَّذين يَحْلبون إبلهم إِذا أعْتِمُوا أَي دخلُوا فِي وَقت العَتَمة، سَمَّوها صَلَاة الْعَتَمَة، وسمَّاها الله فِي كِتَابه صَلَاة العِشاء، فسَمُّوها كَمَا سمّاها الله، لَا كَمَا سمّاها الْأَعْرَاب. وعَتَمة اللَّيْل: ظَلاَم أوّله عِنْد سُقُوط نُور الشَفَق. يُقَال: عَتَم اللَّيْل يَعْتِم. وَقد أعتم الناسُ إِذا دخلُوا فِي وَقت العَتَمة. وَأهل الْبَادِيَة يريحُون نَعَمَهم بُعَيد الْمغرب، ويُنيخونها فِي مُرَاحها سَاعَة يستفيقونها، فَإِذا أفاقت وَذَلِكَ بعد مَر قِطعة من اللَّيْل أَثَارُوهَا وحلبوها. وَتلك السَّاعَة تُسمى عَتَمة. وسمعتهم يَقُولُونَ: استعتِموا نَعَمكم حَتَّى تُفيق ثمَّ احتلِبوها. وَيُقَال: قعد فلَان عندنَا قدرَ عَتَمة الحلائب أَي احْتبسَ قدر احتباسها للإفاقة. وأصل العَتْم فِي كَلَام الْعَرَب المُكث والاحتباس؛ يُقَال: ضرب فلَان فلَانا فَمَا عَتَّم وَلَا عَتَّب وَلَا كَذَّب أَي لم يتمكّث وَلم يتباطأ فِي ضربه إيّاه. وقِرًى
(2/171)

عاتم أَي بطيء. وَقد عَتَم قِراه، وأعتمه صَاحبه أَي أخّره.
وَقَالَ الشَّاعِر:
فلمّا رَأينَا أَنه عاتِم القِرَى
بخيل ذكرنَا لَيْلَة الهَضْب كَرْدما
وروى سَلَمة عَن الفرّاء أَنه قَالَ: يُقَال: قد أعتمتَ حاجتَك أَي أخّرتها، وعتمت حاجتُك. ولغة أُخْرَى: أعتمت حَاجَتك أَي أبطأتْ.
وَأنْشد قَوْله:
معاتِيمُ القِرَى سُرُف إِذا مَا
أجَنَّت طَخْيةُ اللَّيْل البهيم
وَقَالَ الطِرِمّاح يمدح رَجلاً:
مَتى يَعِد يُنْجز وَلَا يكتبل
مِنْهُ العطايا طولُ إعتامها
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: العُتُم يكون فعالهم مدحاً، وَيكون ذمّاً جمع عاتِم وعَتُوم، فَإِذا كَانَ مدحاً فَهُوَ الَّذِي يَقْرِي ضِيفانه اللَّيْل وَالنَّهَار، وَإِذا كَانَ ذمّاً فَهُوَ الَّذِي لَا يَحْلُب لبن إبل مُمْسياً حَتَّى ييأس من الضَّيْف.
وَقَالَ اللَّيْث بن المظفّر: يُقَال: عَتَم الرجلُ يعتِم إِذا كَفّ عَن الشَّيْء بعد المضيّ فِيهِ، وَأكْثر مَا يُقَال: عَتَّم تعتيماً.
وَفِي الحَدِيث أَن سَلْمان غرس كَذَا وَكَذَا وَدِيّاً والنبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يناوله وَهُوَ يَغْرِس، فَمَا عَتَّمت مِنْهَا ودِيَّة أَي مَا أَبْطَأت حَتَّى علِقَت.
وَقَالَ اللَّيْث: العَتَمة هُوَ الثُلُث الأول من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَفَق؛ يُقَال أعتم الرجل إِذا صَار فِي ذَلِك الْوَقْت. وعتَّموا تعتيماً إِذا سَارُوا فَوَرَدُوا فِي ذَلِك الْوَقْت، وَكَذَلِكَ إِذا صدرُوا فِي تِلْكَ السَّاعَة.
وَقَالَ غَيره: نَاقَة عَتُوم، وَهِي الَّتِي لَا تزَال تُعَشَّى حَتَّى تذْهب سَاعَة من اللَّيْل، وَلَا تُحلب إلاَّ بعد ذَلِك الْوَقْت.
وَقَالَ الرَّاعِي:
أُدِرُّ النَسَا إِذْ لَا تدُرّ عَتُومها
وروى ابْن هانىء عَن أبي زيد الأنصاريّ أَنه قَالَ: الْعَرَب تَقول للقمر إِذا كَانَ ابْن ليلته: عَتَمَةُ سُخَيله، حلَّ أَهلهَا برُمَيلهْ، أَي قدر احتباس الْقَمَر إِذا كَانَ ابْن لَيْلَة ثمَّ غروبه قدر عَتَمة سَخْلة يرضع أمّه ثمَّ يَحتبس قَلِيلا ثمَّ يعود لرضاع أمّه، وَذَلِكَ أنَّ تفوُّق السَخْل أمَّه فُواقاً بعد فُواق يقرب وَلَا يطول. وَإِذا كَانَ الْقَمَر ابْن لَيْلَتَيْنِ قيل لَهُ: حَدِيث أَمَتين، بكذب وَمَيْن. وَذَلِكَ أَن جديثهما لَا يطول لشُغلما بمهْنة أهلهما وَإِذا كَانَ ابْن ثَلَاث قيل: حَدِيث فتيات، غير مؤتلفات. وَإِذا كَانَ ابْن أَربع قيل: عَتَمة رُبَع، غير جَائِع وَلَا مرضَع. أَرَادوا أَن قدر احتباس الْقَمَر طالعاً ثمَّ غروبَه قدرُ فوَاق هَذَا الرُبَع أَو فوَاق أُمّه. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: عَتَمة أمّ الرُبَع. وَإِذا كَانَ ابْن خمس قيل: حَدِيث وأُنْس، وَيُقَال: عَشَاء خِلفات قُعْس وَإِذا كَانَ ابْن سِتّ قيل: سِرْ وبِتْ. وَإِذا كَانَ ابْن سبع قيل: دَلْجة الضَبُع. وَإِذا كَانَ ابْن ثَمَان قيل: قمر إضْحِيان. وَإِذا كَانَ ابْن تسع قيل يُلتقط فِيهِ الجَزْع. وَإِذا كَانَ ابْن عشر قيل لَهُ: مخنِّق الْفجْر. والعُتُم من الزَّيْتُون: مَا ينْبت فِي الْجبَال.
(2/172)

وَقَالَ الهذليّ:
من فَوْقه شُعَب قُرّ وأسفله
جَيْء تنطَّق بالظَيَّان والعَتَم
وثمره الزَغْبَج.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العُتُم: الزَّيْتُون البَرّي لَا يحمل شَيْئا. وَقَالَ ذَلِك اللَّيْث.
عَمت: قَالَ اللَّيْث: العَمْت: أَن يَعْمت الصُّوف، فتُلفّ بعضه على بعض مستطيلاً أَو متّخذاً حَلْقة، كَمَا يَفْعَله الغَزَّال الَّذِي يغزِل الصُّوف فيلقيه فِي يَده. وَالِاسْم العَمِيت، وَثَلَاثَة أعمِتة ثمّ عُمُت. وَأنْشد:
يظَلّ فِي الشَّاء يرعاها ويحلبُها
ويَعْمِت الدهرَ إلاَّ رَيْثَ يَهْتَبِدُ
وَيُقَال: عَمَّت العَمِيت يُعَمته تَعميتاً. أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن أَبِيه أَنه أنْشدهُ:
فظلّ يَعْمِت فِي قَوْط وراجلة
يَكْفِتُ الدهرَ إلاّ رَيْثَ يَهْتَبِد
قَالَ: يعمت: يغزل، من العَمِيتة وَهِي القِطعة من الصُّوف، وَقَالَ: يَكْفِت: يجمع ويحرص، إلاّ سَاعَة يقْعد يطْبخ الهَبِيد. والراجلة: كَبْش الرَّاعِي يحمل عَلَيْهِ مَتَاعه. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَمِيت: الْحَافِظ العالِم الفطِن. وَأنْشد:
وَلَا تَبَغَّ الدهرَ مَا كُفِيتا
وَلَا تُمَارِ الفَطِن العَمِيتا
وَيُقَال: فلَان يَعْمِت أقرانه إِذا كَانَ يقهرهم ويلفُّهم، يُقَال ذَلِك فِي الحَرْب وجَودة الرَّأْي وَالْعلم بِأَمْر العدوّ وإثخانه. وَمن ذَلِك قيل للَفائف الصُّوف عُمُت، وَاحِدهَا عَمِيت: لِأَنَّهَا تُعْمَت أَي تُلَفّ. وَقَالَ الهذليّ يؤبّن رجلا:
يلُفّ طوائف الفُرسا
ن وهْو بلَفِّهم أَرِبُ
متع: ذكر الله عزّ وجلّ الْمَتَاع والتمتّع والاستمتاع والتمتيع فِي مَوَاضِع من كِتَابه، ومعانيها وَإِن اخْتلفت رَاجِعَة إِلَى أصل وَاحِد. وَأَنا مفسّر كل لَفْظَة مِنْهَا على مَا يصحّ لأهل التَّفْسِير وَلأَهل اللُّغَة؛ لِئَلَّا تشتبه على مَن أَرَادَ علمهَا، ولأقرِّبها على من قَرَأَهَا، والموفّق للصَّوَاب ربّنا جلّ وعزّ.
فأمّا الْمَتَاع فِي الأَصْل فكلّ شَيْء ينتفَع بِهِ ويُتبلَّغ بِهِ ويتزوَّد؛ والفناء يَأْتِي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَقَول الله جلّ وعزّ: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} (البَقَرة: 196) وَصُورَة المتمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج: أَن يُحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج، فَإِذا أحرم بِالْعُمْرَةِ بعد إهلاله شوّالا فقد صَار متمتّعاً بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحجّ. وسُمّي متمتّعاً بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج لِأَنَّهُ إِذا قدِم مكّة وَطَاف بِالْبَيْتِ وسعى بَين الصَّفَا والمَرْوة حَلّ من عمرته وَحلق رَأسه وَذبح نُسكه الْوَاجِب عَلَيْهِ لتمتّعه، وحلّ لَهُ كلُّ شَيْء كَانَ حرم عَلَيْهِ فِي إِحْرَامه: من النِّسَاء والطِيب، ثمَّ يُنشىء بعد ذَلِك إحراماً جَدِيدا للحجّ وَقت نهوضه إِلَى مِنًى أَو قبل ذَلِك، من غير أَن يجب عَلَيْهِ الرجوعُ إِلَى الْمِيقَات الَّذِي أنشأ مِنْهُ عُمْرته، فَذَلِك تمتّعه بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحجّ أَي انتفاعه وتبلّغه بِمَا انْتفع بِهِ: من حِلاَق وطِيب وتنظُّف وَقَضَاء تَفَث وإلمام بأَهْله
(2/173)

إِن كَانَت مَعَه؛ وكلّ هَذِه الْأَشْيَاء كَانَت محرَّمة عَلَيْهِ، فأبيح لَهُ أَن يُحِلّ وَينْتَفع بإحلال هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا، مَعَ مَا سقط عَنهُ من الرُّجُوع إِلَى الْمِيقَات وَالْإِحْرَام مِنْهُ بالحجّ، وَالله أعلم، وَمن هَهُنَا قَالَ الشافعيّ: إِن المتمتّع أخفّ حَالا من الْقَارِن، فافهمه.
وأمَّا قَول الله جلّ وعزّ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البَقَرَة: 241) ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (البَقَرَة: 236) . قلت: وَهَذَا التمتيع الَّذِي ذكره الله للمطلقات على وَجْهَيْن، أَحدهمَا وَاجِب لَا يَسعهُ تَركه، وَالْآخر غير وَاجِب يستحبّ لَهُ فعله. فَالْوَاجِب للمطلَّقة الَّتِي لم يكن زَوجهَا حِين تزوّجها سَمَّى لَهَا صَداقاً، وَلم يكن دخل بهَا حَتَّى يطلّقها، فَعَلَيهِ أَن يمتّعها بِمَا عزّ وَهَان من مَتَاع ينفعها بِهِ: من ثوب يُلبِسها إيّاه، أَو خادِم يَخدمها أَو دَرَاهِم أَو طَعَام. وَهُوَ غير موقّت؛ لِأَن الله عزّ وجلّ لم يحصره بِوَقْت، وَإِنَّمَا أَمر بتمتيعها فَقَط؛ وَقد قَالَ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ} . وَأما الْمُتْعَة الَّتِي لَيست بواجبة وَهِي مستحبَّة من جِهَة الْإِحْسَان والمحافظة على الْعَهْد فَأن يتزوّج الرجل امْرَأَة ويسمّي لَهَا صَدَاقا، ثمَّ يطلّقها قبل دُخُوله بهَا وَبعده، فَيُسْتَحَب أَن يمتّعها بمُتْعة سوى نصف الْمهْر الَّذِي وَجب عَلَيْهِ لَهَا إِن لم يكن دخل بهَا، أَو الْمهْر الْوَاجِب كُله إِن كَانَ دخل بهَا، فيمتّعها بمُتْعة ينفعها بهَا، وَهِي غير وَاجِبَة عَلَيْهِ، وَلكنه اسْتِحْبَاب ليدْخل فِي جملَة الْمُحْسِنِينَ أَو المتّقين، وَالله أعلم. وَالْعرب تسمي ذَلِك كلُّه مُتْعة ومَتَاعاً وتَحْميماً وحَمّاً.
وأمَّا قَول الله جلّ وعزّ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لاَِّزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} (الْبَقَرَة: 240) فَإِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقول الله جلّ وعزّ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (الْبَقَرَة: 234) فمُقام الْحول مَنْسُوخ باعتداد أربعةِ أشهر وعَشْرِ، والوصيَّة لهنّ مَنْسُوخَة بِمَا بيَّن الله من مِيرَاثهَا فِي آيَة الْمَوَارِيث. وقرىء {وَصِيَّةً لاَِّزْوَاجِهِم} و { (وصيةٌ) بِالرَّفْع وَالنّصب. فَمن نصب فعلى الْمصدر الَّذِي أُرِيد بِهِ الْفِعْل، كَأَنَّهُ قَالَ: ليوصوا لهنَّ وصيّةً. ومَن رفع فعلى إِضْمَار: فَعَلَيهم وصيّةٌ لأزواجهم. وَنصب قَوْله: (مَتَاعا) على الْمصدر أَيْضا، أَرَادَ متّعوهن مَتَاعا. وَالْمَتَاع والمُتْعة اسمان يقومان مقَام الْمصدر الحقيقيّ، وَهُوَ التمتيع، أَي انفعوهنّ بِمَا توصون بِهِ لهنّ من صلَة تَقُوتهنّ إِلَى تَمام الحَوْل.
وَأما قَول الله جلَّ وعزَّ فِي سُورَة النِّسَاء بعقب مَا حَرَّم من النِّسَاء فَقَالَ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} (النِّساء: 24) أَي عاقدين النِّكَاح الْحَلَال غير زناة {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} (النِّساء: 24) فَإِن
(2/174)

أَبَا إِسْحَاق الزجّاج ذكر أَن هَذِه آيَة قد غلِط فِيهَا قوم غَلَطاً عَظِيما لجهلهم باللغة، وَذَلِكَ أَنهم ذَهَبُوا إِلَى أَن قَوْله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} من المُتْعة الَّتِي قد أجمع أهل الْعلم أَنَّهَا حرَام؛ وَإِنَّمَا معنى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} : فَمَا نكحتموهُ مِنْهُنَّ على الشريطة الَّتِي جَرَت فِي الْآيَة أَنه الْإِحْصَان، أَن تَبْتَغُوا بأموالكم محصنين أَي عاقدين التَّزْوِيج، أَي فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ على عقد التَّزْوِيج الَّذِي جرى ذكره {فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أَي مُهُورهنّ. فَإِن استمتع بِالدُّخُولِ بهَا آتى الْمهْر تَاما، وَإِن استمتع بِعقد النِّكَاح آتى نصف الْمهْر. قَالَ: وَالْمَتَاع فِي اللُّغَة: كل مَا انتُفِع بِهِ، فَهُوَ مَتَاع. قَالَ: وَقَوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} (الْبَقَرَة: 236) لَيْسَ بِمَعْنى: زوّدوهن المُتَع؛ إِنَّمَا مَعْنَاهُ: أعطوهن مَا يستمتعن بِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} (البَقَرة: 241) . قَالَ: وَمن زعم أَن قَوْله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} (النِّساء: 24) الْمُتْعَة الَّتِي هِيَ الشَّرْط فِي التمتّع الَّذِي يَفْعَله الرافضة فقد أَخطَأ خطأ عَظِيما؛ لِأَن الْآيَة وَاضِحَة بيّنة.
قلت: فَإِن احتجّ محتجّ من الروافض بِمَا يرْوى عَن ابْن عبَّاس أَنه كَانَ يَرَاهَا حَلَالا، وَأَنه كَانَ يقْرؤهَا: (فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أجل مسمَّى) فالثابت عندنَا أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يَرَاهَا حَلَالا؛ ثمَّ لمَّا وقف على نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْهَا رَجَعَ عَن إحلالها؛ حدَّثناه مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا الْحسن ابْن أبي الرّبيع، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جُرَيج عَن عَطاء، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: مَا كَانَت المُتْعة إلاَّ رَحْمَة رحم الله بهَا أمَّة مُحَمَّد، فلولا نَهْيه عَنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَى الزِّنَى أحد إلاّ شَفى، وَالله لكَأَنِّي أسمع قَوْله: (إِلَّا شَفًى) عَطاء الْقَائِل. قَالَ عَطاء: فَهِيَ الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} إِلَى كَذَا وَكَذَا من الأجَل، على كَذَا وَكَذَا شَيْئا مسمَّى. فَإِن بدا لَهما أَن يتراضيا بعد الْأَجَل فنعَمْ، وَأَن تفَرقا فنعَمْ، وَلَيْسَ بِنِكَاح.
قلت: وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، وَهُوَ يبيِّن أَن ابْن عَبَّاس صحّ لَهُ نهي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمُتْعَة الشرطيَّة، وَأَنه رَجَعَ عَن إحلالها إِلَى تَحْرِيمهَا. وَقَوله: (إلاّ شَفى) أَي إِلَّا أَن يُشْفي أَي يُشرف أَي على الزِّنَى وَلَا يواقِعه، أَقَامَ الِاسْم وَهُوَ الشَفَى مُقام الْمصدر الحقيقيّ، وَهُوَ الإشفاء على الشَّيْء، وحَرْف كلّ شَيْء شفَاه، وَمِنْه قَول الله عزّ وجلّ: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} (التَّوْبَة: 109) : وأشفى على الْهَلَاك إِذا أشرف عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا بيَّنت هَذَا الْبَيَان لِئَلَّا يغُرّ بعضُ الرافضة غِرّ من الْمُسلمين فيُحِلّ لَهُ مَا حرّمه الله جلّ وعزّ على لِسَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن النَّهْي عَن المُتعة الشّرطِيَّة صحّ من جِهَات لَو لم يكن فِيهِ غير مَا رُوِي عَن عَليّ بن أبي طَالب وَنَهْيه ابْن عَبَّاس عَنْهَا لَكَانَ كَافِيا. وَالله المسدّد والموفّق، لَا شريك لَهُ وَلَا نَدِيد.
وأمّا قَول الله جلَّ وعزَّ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ
(2/175)

مُّسَمًّى} (هُود: 3) فَمَعْنَاه: أَي يبقيكم بَقَاء فِي عَافِيَة إِلَى وَقت وفاتكم، وَلَا يستأصلكم بِالْعَذَابِ، كَمَا استأصل أهل القُرَى الَّذين كفرُوا. ومَتَّع الله فلَانا وأمتعه إِذا أبقاه وأنسأه إِلَى أَن يَنْتَهِي شَبَابه. وَمِنْه قَول لَبِيد يصف نخلا نابتاً على المَاء حَتَّى طَال طِواله فِي السَّمَاء، فَقَالَ:
سُحُق يمتّعها الصَفَا وسَريُّه
عُمّ نواعم بَينهُنَّ كُرُوم
والصَفا والسرِيّ: نهران يتخلَّجان من نهر محلِّم الَّذِي بِالْبَحْرَيْنِ يَسْقِي قرى هَجَر كلهَا.
وَقَول الله عزَّ وجلَّ: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} (النُّور: 29) جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنه عَنى ببيوت غير مسكونة الْخَانَات والفنادق الَّتِي ينزلها السابلةُ وَلَا يُقِيمُونَ فِيهَا إِلَّا مُقامك ظاعن. وَقيل: عَنى بهَا الخرابات الَّتِي يدخلهَا أَبنَاء السَّبِيل للانتفاض من بَوْل أَو خَلاَء. وَمعنى قَوْله: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} (النُّور: 29) أَي مَنْفَعَة لكم تقضون فِيهَا حَوَائِجكُمْ مستترين عَن أبصار النَّاس، فَذَلِك الْمَتَاع. وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ. وَقَالَ ابْن المظفر: الْمَتَاع من أَمْتعَة الْبَيْت: مَا يَستمتِع بِهِ الْإِنْسَان فِي حَوَائِجه، وَكَذَلِكَ كلّ شَيْء. قَالَ: وَالدُّنْيَا مَتَاع الْغرُور يَقُول: إِنَّمَا الْعَيْش مَتَاع أَيَّام ثمَّ يَزُول، أَي بَقَاء أَيَّام. وَيُقَال: أمتع الله فلَانا بفلان إمتاعاً أَي أبقاه الله ليستمتع بِهِ فِيمَا يحبّ من الِانْتِفَاع بِهِ وَالسُّرُور بمكانه. وَيَقُول الرجل لصَاحبه: ابغني مُتْعة أعيش بهَا أَي ابغ لي شَيْئا آكله، أَو زاداً أتزوّده، أَو قوتاً أقتاته. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى يصف صائداً:
من آل نَبهان يَبْغِي صَحبه مُتَعا
أَي يَبْغِي لأَصْحَابه صيدا يعيشون بِهِ. والمُتَع جمع مُتْعَة. قَالَ اللَّيْث: وَمِنْهُم من يَقُول: مِتْعة، وَجَمعهَا مِتَع. ورَوَى عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: المُتْعة، الزَّاد الْقَلِيل، وَجَمعهَا مُتَع. قلت: وَكَذَلِكَ قَول الله عزَّ وجلَّ: {الرَّشَادِ ياقَوْمِ إِنَّمَا هَاذِهِ الْحَيَواةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الاَْخِرَةَ} (غَافِر: 39) أَي بُلْغة يُتبلَّغ بِهِ لابقاء لَهُ. وَيُقَال: لَا يُمتعِني هَذَا الثَّوْب أَي لَا يَبْقَى لي، وَمِنْه أمتع الله بك. وَيُقَال: مَتَع النَّهَار متُوعاً إِذا ارْتَفع حَتَّى بلغ غَايَة ارتفاعه قبل أَن يَزُول. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
وأدركْنا بهَا حَكَم بن عَمْرو
وَقد متع النهارُ بِنَا فزالا
وَيُقَال للحبل الطَّوِيل ماتع. ونبيذ ماتع إِذا اشتدَّت حمرته. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الماتع من كل شَيْء: الْبَالِغ فِي الْجَوْدَة الْغَايَة فِي بَابه؛ وَأنْشد:
خُذْهُ فقد أُعطيتَه جيّداً
قد أُحكمت صيغتُه ماتِعا
أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر مَتَعت بالشَّيْء: ذهبت بِهِ. قَالَ: وَمِنْه قيل: لَئِن اشتريتَ هَذَا الْغُلَام لتَمْتَعَنَّ مِنْهُ بِغُلَام صَالح أَي لتذهبنَّ. وَقَالَ أَبُو زيد: أمتعت بأهلي وَمَالِي أَي تمتعت بِهِ. قَالَ: وَمِنْه قَول الرَّاعِي:
خليطين من شَعبين شتَّى تجاورا
زَمَانا وَكَانَا بالتفرق أمتعا
وَقَالَ الْكسَائي: طالما أُمْتِع بالعافية، فِي
(2/176)

معنى: مُتِّع وتمتَّع. الحَرّانيّ عَن ابْن السّكيت: قَالَ أَبُو عَمْرو: أمتعت عَن فلَان أَي اسْتَغْنَيْت عَنهُ. وَقَالَ الأصمعيّ فِي قَول الرَّاعِي:
. . وَكَانَا بالتفرق أمتعا
قَالَ: لَيْسَ من أحد يُفَارق صَاحبه إِلَّا أمتعه بِشَيْء يَذكره بِهِ. وَكَانَ مَا أمتع بِهِ كلّ وَاحِد من هذَيْن صَاحبه أَن فَارقه. وَقَول الله جلّ وعزّ: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ} (التّوبَة: 69) قَالَ الفَرّاء: اسْتَمْتعُوا يَقُول: رَضُوا بنصيبهم فِي الدُّنْيَا من أنصابهم فِي الْآخِرَة، وفعلتم أَنْتُم كَمَا فعلوا. ونحوَ ذَلِك قَالَ الزّجاج. وَقَالَ غَيرهمَا: مَعْنَاهُ: اسْتَمْتعُوا بنصيبهم من الْآخِرَة فِي الدُّنْيَا. وَأنْشد المازنيّ هَذَا الْبَيْت:
ومنّا غداةَ الروعْ فِتْيان نَجْدةٍ
إِذا امتَعَت بعد الأكفّ الأشاجع
قَالَ: زعم عُمَارة بن جرير أَنهم يَقُولُونَ: نَبيذ ماتع إِذا كَانَ أَحْمَر، وَقَوله: إِذا امتَعَت أَي إِذا احْمَرَّتْ الأكفّ والأشاجع من الدَّم.

(أَبْوَاب الْعين والظاء)
ع ظ ذ ع ظ ث
مهملان.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ الرَّاء)
ع ظ ر
اسْتعْمل مِنْهُ: عظر، رعظ.
عظر: أَبُو عبيد عَن أبي الجرّاح قَالَ: إِذا كَظَّ الرجلَ شُرْبُ المَاء وثقُل فِي جَوفه فَذَلِك الإعظار، وَقد أعظرني الشرابُ. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العِظَار: الامتلاء من الشَّرَاب. وَقَالَ شمر: العَظَارِيّ: ذُكُور الْجَرَاد. وَأنْشد:
غَدا كالعَمَلَّس فِي حُذْله
رُؤُوس العَظَاري كالعُنْجُد
والعملَّس: الذِّئْب، وحُذْله: حُجْزة إزَاره، والعُنْجُد: الزَّبِيب. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العُظرُ جمع عَظُور، وَهُوَ الممتلىء من أيّ الشَّرَاب كَانَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العِظْير: الْقصير من الرِّجَال. وَقَالَ الأصمعيّ: العِظْير: القويّ الغليظ، وَأنْشد:
تُطَلِّح العظير ذَا اللَوْتِ الضَبِث
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العِظْير: الكَزَ الغليظ.
رعظ: أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: الرُعْظ: مَدْخَل النَصْل فِي السهْم، وَجمعه أرعاظ. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: إِن فلَانا ليكسِر عَلَيْك أرعاظ النَبْل، يضْرب للرجل الَّذِي يشتدّ غَضَبه. وَقد فسّر على وَجْهَيْن. أَحدهمَا أَنه أَخذ سَهْما وَهُوَ غَضْبَان شَدِيد الْغَضَب فَكَانَ يَنْكُت بنصله الأَرْض وَهُوَ واجم نَكْتاً شَدِيدا حَتَّى انْكَسَرَ رُعْظ السهْم. وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه مثل قَوْلهم: إِنَّه ليَحْرِق عَلَيْك الأُرَّم أَي الْأَسْنَان، أَرَادوا أَنه كانَ يَصْرِف بأنيابه من شدَّة غَضَبه حَتَّى عَنِتَت أسناخُها من شدَّة الصَرِيف، شبّه مدَاخِل الأنياب ومنابتها مدَاخِل النِصال من النبال. وَقَالَ أَبُو خَيرة: سهم مرعوظ، وَصفه بالضعف وَقَالَ اللَّيْث: الرُعْظ: الَّذِي يُدخل فِيهِ سِنْخ النصل. وَأنْشد:
(2/177)

يَرْمي إِذا مَا سَدَّد الأرعاظا
على قسيّ حُرْبظت حِرباظا
وَسَهْم مرعوظ إِذا انْكَسَرَ رُعْظُه فشُدّ بالعَقَب فَوْقه، وَذَلِكَ العَقَب يسمَّى الرِصَاف.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ اللَّام)
ع ظ ل
اسْتعْمل من وجوههن: عظل، ظلع، لعظ.
عظل: رُوِيَ عَن عمر بن الخطّاب أَنه قَالَ لقوم من الْعَرَب: أشعر شعرائكم مَن لم يعاظل الْكَلَام وَلم يتّبع حُوشِيّه. قَوْله: لم يعاظل الْكَلَام أَي لم يَحمل بعضه على بعض، وَلم يتكلّم بالرَجِيع من القَوْل وَلم يكرّر اللَّفْظ وَالْمعْنَى. وحُوشيِّ الْكَلَام: وَحْشِيّه وغريبه. وَمن أيّام الْعَرَب الْمَعْرُوفَة يَوْم العَظَالَى وَهُوَ يَوْم مَعْرُوف.
وَيُقَال أَيْضا: يَوْم العَظَالَى، سمي الْيَوْم بِهِ لركوب النَّاس فِيهِ بعضهِم بَعْضًا.
وَقَالَ الأصمعيّ: ركب فِيهِ الثَّلَاثَة والاثنان الدابَّة الْوَاحِدَة. وتعظّل الْقَوْم على فلَان إِذا تركَّبوا عَلَيْهِ يضربونه.
وَقَالَ اللَّيْث: عَظَل الْجَرَاد وَالْكلاب كل مَا يلازم فِي السِفاد، وَالِاسْم العِظَال؛ وَأنْشد:
كلاب تَعَاظَلُ سودُ الفِقَا
حِ لم تحم شَيْئا وَلم تصطد
قَالَ: وجَرَاد عَظْلَى: متعاظلات؛ وَأنْشد:
يَا أمَ عَمْرو أَبْشِرِي بالبُشْرَى
موتٌ ذَرِيعٌ وجَرَاد عَظْلَى
قلت: أَرَادَ أَن يَقُول: يَا أم عَامر فَلم يستقم الْبَيْت فَقَالَ: يَا أمّ عَمْرو. وَأم عَامر: كُنْية الضبَعُ، وَالْعرب تضرب بهَا المَثَل فِي الحُمْق. وَيَجِيء الرِّجَال إِلَى وِجارها فيسُدّ فَمه بعد مَا يدْخلهُ لِئَلَّا ترى الضَّوْء، فتَحمل الضبْع عَلَيْهِ، فَيَقُول لَهَا: خامري أم عَامر، أَبْشِرِي بِرِجَال قَتْلَى، وجَرَاد عَظْلَى، فتذِلّ لَهُ، حَتَّى يَكْعَمها، ثمَّ يجرّها ويستخرجها. وتعاظلت الجرادُ إِذا تسافدت. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: سَفَد السَبُع وعاظل. قَالَ: والسِباع كلّها تُعاظل. وَالْجَرَاد والعظاء تعاظل وَيُقَال: تعاظلت السبَاع وتشابكت. قَالَ: والعُظُل: هُوَ المجبوسون، مَأْخُوذ من المعاظلة. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: يُقَال: رَأَيْت الْجَرَاد رُدَافَى ورُكَابَى وعُظَالَى إِذا اعتظلت. وَذَلِكَ أَن ترى أَرْبَعَة وَخَمْسَة قد ارتدفت.
ظلع: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: الظالع: المتَّهَم. قَالَ: وَمِنْه قَوْله:
ظَالِم الرب ظلع
قلت: هَذَا بالظاء لَا غير. وَأما الضالع بالضاد فَهُوَ المائل، وَقد ضَلَع يَضْلَع. وَيُقَال: ضَلْعك مَعَ فلَان أَي مَيْلك مَعَه. وَأَخْبرنِي أَبُو الْفضل المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: يُقَال: ارْقَ على ظَلْعك، فَيَقُول: رقِيت رُقِيّاً. وَيُقَال: ارقأ على ظَلْعك بِالْهَمْزَةِ فَيَقُول: رقأت، وَمَعْنَاهُ: أَصلِحْ أَمرك أوّلاً. وَيُقَال: قِ على ظَلْعك، فَيُجِيبهُ: وَقَيت، أقِي، وقيّاً. وروى ابْن هانىء عَن
(2/178)

أبي زيد: تَقول الْعَرَب: اقْأ على ظَلْعك، أَي كُفّ فَإِنِّي عَالم بمساويك. وَفِي (النَّوَادِر) : فلَان يرقأ على ظَلْعه أَي يسكت على دائه وعيبه. وَقَالَ ابْن المظفر: الظَلْع كالغَمْز، وَقد ظَلَع فِي مَشْيه، يظْلَع، ظَلْعاً وَقَالَ كثير:
وكنتُ كذات الظَلْع لمّا تحاملت
على ظَلْعها يَوْم العِثَار استقلَّت
وَيُقَال: هَذِه دابَّة ظالع وبِرْذون ظالع، بِغَيْر هَاء فيهمَا. ورَوَى أَبُو عُبيد عَن الأصمعيّ فِي بَاب تَأْخِير الْحَاجة ثمَّ قَضَائهَا فِي آخر وَقتهَا: من أمثالهم فِي هَذَا: إِذا نَام ظالع الْكلاب، قَالَ: وَذَلِكَ أَن الظالع مِنْهَا لَا يقدر أَن يعاظِل مَعَ صِحاحها لضَعْفه، فَهُوَ يؤخّر ذَلِك وينتظر فرَاغ آخرهَا فَلَا ينَام، حَتَّى إِذا لم يبْق مِنْهَا شَيْء سَفَد حينئذٍ ثمَّ ينَام. وَنَحْو ذَلِك قَالَ ابْن شُمَيْل فِي كتاب (الْحُرُوف) . وَقَالَ ثَابت بن أبي ثَابت فِي كتاب (الفروق) : من أَمْثَال الْعَرَب: إِذا نَام ظالع الْكلاب، وَلَا أفعل ذَلِك حَتَّى ينَام ظالع الْكلاب. قَالَ: والظالع من الْكلاب: الصَّارِف. يُقَال صَرَفَت الكلبة وظلعت وأجعلت واستطارت إِذا اشتهت الْفَحْل. قَالَ: والظالع من الْكلاب لَا تنام، فَتضْرب مَثَلاً للمهتم بأَمْره الَّذِي لَا ينَام عَنهُ وَلَا يهمله.
وَأنْشد خَالِد بن يزِيد قَول الحطيئة يُخَاطب خيال امْرَأَة طَرَقَه:
تسدّيتِنا من بعد مَا نَام ظالع ال
كلاب وأخبى نارَه كلُّ موقِد
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: قَالَ بَعضهم: ظالع الْكلاب: الكلبة الصَّارِف، يُقَال: ظَلَعت الكلبة وصَرَفت، لِأَن الذُّكُور يتبعْنها وَلَا يدعْنها تنام، حَكَاهُ عَن ابْن الأعرابيّ. قَالَ: وَقَالَ غَيره: ظالع الْكلاب: الَّذِي ينتظرها أَن تسفِد ثمَّ يسفد بعْدهَا. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَالْقَوْل مَا قَالَه الأصمعيّ فِي ظالع الْكلاب، وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ ظَلْع أَي غَمْز فِي قوائمه فضعف عَن السِفَاد مَعَ الْكلاب. قَالَ: وَقَوله: ارقَأ على ظلعك أَي تصعّد فِي الْجَبَل وَأَنت تعلم أَنَّك ظالع، لَا تجهدْ نَفسك.
لعظ: قَالَ ابْن المظفر: يُقَال: هَذِه جَارِيَة ملعّظة إِذا كَانَت سَمِينَة طَوِيلَة. قلت: وَلم أسمع هَذَا الْحَرْف مُسْتَعْملا فِي كَلَام الْعَرَب لغيره، وَأَرْجُو أَن يكون ضَبطه.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ النُّون)
ع ظ ن)
عظن، عنظ، ظعن، نعظ: مستعملة.
عظن: أهمله اللَّيْث: وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: أعظن الرجل إِذا غَلُظ جِسمه. قَالَ وأنعظ إِذا اشْتهى الْجِمَاع. وَلَا أحفظ أعظن لغير ابْن الأعرابيّ. وَهُوَ ثِقَة مَأْمُون.
عنظ: قَالَ ابْن المظفّر: العُنْظُوان: نَبْت. قَالَ: ونونه زَائِدَة، إِذا استكثر مِنْهُ الْبَعِير وَجِع بَطْنُه. قَالَ: وأصل الْكَلِمَة عين وظاء وواو. قَالَ: والعُنْظُوانة: الجرادة الْأُنْثَى. والعُنْظُب: الذّكر. وروى أَبُو عُبَيد عَن الفرّاء أَنه قَالَ: العُنْظُوان: الْفَاحِش من الرِّجَال، وَالْمَرْأَة عُنْظُوانة.
(2/179)

قلت: وَيُقَال للرجل البَذِيء والفاحش: إِنَّه لعِنْظِيان، وَالْمَرْأَة: عِنْظِيانة. وَمثله رجل خِنْظِيان وَامْرَأَة خِنْظِيانة، وَهُوَ يُعَنْظِي ويُخَنْذِي ويُخَنظى. وَقَالَ الراجز يصف امْرَأَة:
باتت تعنظي بِكَ سَمْع الْحَاضِر
أَي تُسمِّع بكِ وتفضحك بشنيع الْكَلَام بمَسْمع من الْحَاضِر. والعُنْظُوان: ضرب من الحَمْض مَعْرُوف يشبه الرِمْث غير أَن الرمث أسبط مِنْهُ وَرقا وأمرأ، وأنجع للنَعَم. وعُنْظُوان: مَاء لبني تَمِيم مَعْرُوف.
ظعن: الحرّانيّ عَن ابْن السّكيت: يُقَال: هَذَا جمل تَظَّعِنه المرأةُ أَي تركبه فِي سفرها وَفِي يَوْم ظَعْنها. وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} (النّحل: 80) وقرىء: (ظَعَنِكم) . والظَعْنُ: سير الْبَادِيَة لنُجْعة أَو حُضُور مَاء أَو طلب مَرْتَع أَو تحوّل من مَاء إِلَى مَاء أَو من بلد إِلَى بلد. وَقد ظَعَنوا يَظْعَنون. وَقد يُقَال لكل شاخص لسفر فِي حجّ أَو غَزْو أَو مسير من مَدِينَة إِلَى أُخْرَى: ظاعِن، وَهُوَ ضدّ الْخَافِض، يُقَال: أظاعن أَنْت أم مُقيم؟ وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الظعنة: السَفْرة القصيرة. أَبُو عُبيد عَن الكسائيّ: الظَعُون: الْبَعِير الَّذِي يُعتمل فيُحمل عَلَيْهِ. قَالَ: والظِعَان: الْحَبل الَّذِي يشدّ بِهِ الحِمْل. أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ: الظعائن: هِيَ الهوادج، كَانَ فِيهَا نسَاء أَو لم يكن، الْوَاحِدَة ظَعِينة، قَالَ: وَإِنَّمَا سمّيت النِّسَاء ظعائن لأنهنّ يكنّ فِي الهوادج. وَقَالَ ابْن السّكيت: قَالَ أَبُو عَمْرو يُقَال للبعير الَّذِي تركبه الظعينةُ الظَعُون. قَالَ: والظِعَان: النِسْعة الَّتِي يُشدّ بهَا الهوادج. قَالَ: والظعائن: النِّسَاء فِي الهوادج. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: ظعينته وزوجه وقعيدته وعِرْسه. وَقَالَ اللَّيْث: الظعينة: الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تَظْعن إِذا ظعن زَوجهَا وتقيم بإقامته. قَالَ: وَيُقَال هُوَ الْجمل الَّذِي يُركب، وَتسَمى الْمَرْأَة ظَعِينَة لِأَنَّهَا تركبه. قَالَ: وَأكْثر مَا يُقَال الظعينة للْمَرْأَة الراكبة. وَأنْشد قَوْله:
تبصر خليلي هَل ترى من ظعائن
لمية أَمْثَال النخيل المخارف
قَالَ: شبَّه الْجمال عَلَيْهَا هوادج النِّسَاء بالنخيل. قَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: هَذَا جَمَل تظَّعِنه الْمَرْأَة أَي تركبه يَوْم ظعنها مَعَ حَيّها.
نعظ: قَالَ اللَّيْث: يُقَال: نعَظ ذَكَر الرجل يَنْعَظ نَعْظاً ونُعُوظاً؛ وأنعظ الرجل إنعاظاً، وأنعظت الْمَرْأَة إنعاظاً إِذا اهتاجت. قَالَ: وإنعاظ الرجل: انتشار ذَكرِه. وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة:
إِذا عَرِق المهقوع بِالْمَرْءِ أنعظت
حليلتُه وازداد رَشْحاً عجانُها
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أنعظ الرجل إِذا اشْتهى الْجِمَاع، وأنعظت الْمَرْأَة إِذا اشتهت أَن تُجامَع وَقَالَ أَبُو عُبيدة: إِذا فتحت الْفرس ظَبْيَتها وقبضَتْها واشتهت أَن يضْربهَا الحِصان قيل: انتعظت انتعاظاً.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ الْفَاء)
(2/180)

ع ظ ف
اسْتعْمل من وجوهه: فظع.
فظع: قَالَ ابْن المظفر: فَظُع الأَمرُ يفظُع فَظَاعة فَهُوَ فَظِيع. وَقد أفظعني هَذَا الأمرُ وفَظِعت بِهِ. واستفظعته إِذا رأيتَه فظيعاً، وأفظعته كَذَلِك. قَالَ: وأَفْظع الأمرُ فَهُوَ مُفْظِع.
وَقَالَ أَبُو زيد: فظِعت بِالْأَمر أفظَع بِهِ فَظَاعة إِذا هَالَك وغلبك فَلم تثِق بِأَن تُطِيعهُ. وَقَالَ أَبُو وَجْزة:
ترى العِلاَفيّ مِنْهَا موفِداً فظِعاً
إِذا احزألَّ بِهِ من ظهرهَا فِقَر
قَالَ: فظِعاً أَي ملآن، وَقد فَظِع يَفْظَع فَظَعاً إِذا امْتَلَأَ.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: المَاء الفَظِيع: هُوَ المَاء الصافي الزُلاَل، وضده المُضَاض وَهُوَ الشَّديد الملوحة.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ الْبَاء)
ع ظ ب
اسْتعْمل من وجوهه: عظب.
عظب: قَالَ اللَّيْث: عَظَب الطائرُ، وَهُوَ يَعْظِب عَظْباً، وَهُوَ سرعَة تَحْرِيك الزِمِكيّ. وَرَوَاهُ أَبُو تُرَاب للأصمعي: حَظَب على الْعَمَل وعَظَب إِذا مَرَن عَلَيْهِ. وَقَالَ: وَقَالَ أَبُو نصر: عَظَبت يدُه إِذا غلظت على الْعَمَل. قَالَ: وعَظَب جِلدُه إِذا يبِس.
وَقَالَ عُثْمَان الْجَعْفَرِي: إِن فلَانا لحسن العُظُوب على الْمُصِيبَة إِذا نزلت بِهِ يَعْنِي أَنه حسن التبصّر جميل العَزَاء.
وَقَالَ مبتكر الْأَعرَابِي: عَظَب فلَان على مالِه وَهُوَ عاظب إِذا كَانَ قَائِما عَلَيْهِ؛ وَقد حَسُن عُظُوبه عَلَيْهِ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَظُوب: السمين. يُقَال: عَظِب يَعْظَب عَظْباً إِذا سمِن.
وَفِي (النَّوَادِر) : كنت الْعَام عَظِباً وعاظباً وعذياً وشظفاً وصاملاً وشذياً وشذباً، وَهُوَ كُله نُزُوله الفلاةَ ومواضعَ اليبس.

(بَاب الْعين والظاء مَعَ الْمِيم)
ع ظ م
اسْتعْمل من وجوهه: عظم، مظع.
عظم: قَالَ الله عزَّ وجلَّ: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً} (الْمُؤْمِنُونَ: 14) وَيقْرَأ: (فكسونا الْعظم لَحْمًا) والتوحيد وَالْجمع هَهُنَا جائزان؛ لِأَنَّهُ يعلم أَن الْإِنْسَان ذُو عِظَام، فَإِذا وحّد فَلِأَنَّهُ يدلّ على الْجمع، وَلِأَن مَعَه اللَّحْم لَفظه لفظ الْوَاحِد. وَقد يجوز من التَّوْحِيد إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل على الْجمع مَا هُوَ أشدَّ من هَذَا قَالَ الراجز:
فِي حَلْقكم عَظْم وَقد شَجِينا
يُرِيد: فِي حلوقكم عِظَام.
وَقَالَ عزَّ وجلَّ: {وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ الْعِظَامَ} (يس: 78) قَالَ: (الْعِظَام) وَهِي جمع ثمَّ قَالَ: (رَمِيم) فَوحد. وَفِيه قَولَانِ؛ أَحدهمَا: أَن الْعِظَام وَإِن كَانَت جمعا فبناؤها بِنَاء الْوَاحِد لِأَنَّهَا على بِنَاء جِدار وَكتاب وجِراب وَمَا أشبههَا، فَوحد النَّعْت للفظ؛ وَقَالَ الشَّاعِر:
يَا عَمْرو جِيرَانكُمْ باكرُ
فالقلب لَا لاه وَلَا صابرُ
(2/181)

وَالْجِيرَان جمع جَار، والباكر نعت للْوَاحِد وَجَاز ذَلِك لِأَن الجِيران لم يُبن بناءُ الْجمع، وَهُوَ على بِنَاء عِرفان وسِرْحان وَمَا أشبهه. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الرميم فعيل بِمَعْنى مرموم، وَذَلِكَ أَن الْإِبِل تَرُمّ الْعِظَام أَي تَقْضُمها وتأكلها، فَهِيَ رِمَّة ومرمومة ورَميم. وَيجوز أَن يكون رَمِيم من رمَّ العظمُ إِذا بَلِيَ يرِمَّ فَهُوَ رامّ ورميم أَي بَال. وَمن صِفَات الله عزّ وجلّ العليّ الْعَظِيم، ويسبّح العَبْد رَبَّه فَيَقُول: سُبْحَانَ ربّي الْعَظِيم.
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أمّا الرُّكُوع فَعَظمُوا فِيهِ الربّ) أَي اجعلوه فِي أَنفسكُم ذَا عَظمَة وعَظَمة الله لَا تكيف وَلَا تُحَدّ وَلَا تمثَّل بِشَيْء. وَيجب على الْعباد أَن يعلمُوا أَنه عَظِيم كَمَا وصف نفسَه وَفَوق ذَلِك بِلَا كيفيَّة وَلَا تَحْدِيد. وعَظَمة الذِّرَاع: مَستغلَظها.
وَقَالَ أَبُو عُبَيد: عَظَمة اللِّسَان: مستغلَظه فَوق العَكَدة، قَالَ: وعَكَدته: أَصله. وَإِن لفُلَان عَظَمة عِنْد النَّاس أَي حُرْمة يعَّظم لَهَا. وَله معاظم مثله. وَقَالَ مرقّش:
وَالْخَال لَهُ معاظم وحُرَمْ
وَإنَّهُ لعَظيم المَعَاظِم أَي عَظِيم الحُرْمة. وَيُقَال: عظُم يعظُم عِظَماً فَهُوَ عَظِيم. وَأما عَظْم اللَّحْم فبتسكين الظَّاء، يجمع عِظاماً وعِظَامة. وَقَالَ الراجز:
وَيْلٌ لبُعْران أبي نعامَهْ
مِنْك وَمن شَفْرتك الهُذَامَهْ
إِذا ابتركت فحفرت قامَهْ
ثمَّ نثرت الفَرْث والعِظَامَهْ
وَمثله الفِحالة والذِكارة وَالْحِجَارَة والنِقَادة جمع النَقَد والجِمَالة جمع الجَمَل؛ قَالَ الله: {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ} (المُرسَلات: 33) هِيَ جمع جمالة وجمال.
وَقَالَ اللَّيْث: العَظَمة: التعظّم والنّخْوة والزَهْو.
قلت: أمَّا عَظمَة الله فَلَا تُوصَف بِمَا وصفهَا بِهِ اللَّيْث. وَإِذا وُصف العَبْد بالعَظَمة فَهُوَ ذَمّ؛ لِأَن العظمة فِي الْحَقِيقَة لله عزَّ وجلَّ، وأمَّا عَظمَة العَبْد فَهُوَ كِبْره المذموم وتجبُّره. وعُظْم الشَّيْء ومُعظمه: جُلّه وأكبره.
قَالَ ابْن السّكيت: الْعَرَب تَقول: عَظُم الْبَطن بطنُك، وعَظْم الْبَطن بَطْنك بتَخْفِيف الظَّاء، وعُظْم الْبَطن بَطْنك، يسكّنون الظَّاء وينقلون ضمّتها إِلَى الْعين، وَإِنَّمَا يكون النَّقْل فِيمَا كَانَ مدحاً أَو ذمّاً.
وَقَالَ اللَّيْث: استعظمت الْأَمر إِذا أنكرته يُقَال والعَظِمية: المُلِمَّة إِذا أعضلت. قَالَ: وَيُقَال: لَا يتعاظمني مَا أتيت إِلَيْك من عَظِيم العظِيمة. وَسمعت خَبرا فأعظمته.
قَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: أَصَابَنَا مَطَر لَا يتعاظمه شَيْء أَي لَا يعظم عِنْده شَيْء.
وَقَالَ اللحيانيّ: يُقَال: أعظمني مَا قلتَ لي أَي هالني وعَظُم عليّ. وَيُقَال: مايُعْظِمني أَن أفعل ذَاك أَي مَا يَهُولني، ورماه بمُعْظِم أَي بعَظيم، وَقد أعظم الأمرُ فَهُوَ مُعْظِم وَالْعَظَمَة: مَا يَلِي الْمرْفق من مستغلظ الذِّرَاع وَفِيه العضلة. والعَضَلة، وَالنّصف الآخر الَّذِي يَلِي الكفّ يُقَال لَهُ الأسَلة وَدخل فِي عُظْم النَّاس وعَظْمهم
(2/182)

أَي فِي مُعْظَمهم.
قلت: وَيُقَال: تعاظمني الْأَمر وتعاظمته إِذا استعظمته. وَهَذَا كَمَا يُقَال: تهيَّبني الشَّيْء وتهيَّبته.
أَبُو عبيد عَن الفرّاء قَالَ العُظْمة، شَيْء تعظَّم بِهِ الْمَرْأَة رِدْفها من مِرْفقة وَغَيرهَا. وَهَذَا فِي كَلَام بني أسَد، وَغَيرهم يَقُول: العِظَامة بِكَسْر الْعين.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: عَظْم الرجْل: خَشَبة بِلَا أَنساع وَلَا أَدَاة. وَذُو عظم: عِرْض من أَعْرَاض خَيْبَر، فِيهِ عُيُون جَارِيَة ونخيل عامرة وعَظَمات الْقَوْم. سادتهم وذوو شرفهم. وَوصف الله عَذَاب النَّار فَقَالَ: {عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البَقَرَة: 114) وَكَذَلِكَ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا، وَوصف كيد النِّسَاء، فَقَالَ: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} (يُوسُف: 28) . وَهَذَا على الاستفظاع لَهُ. وَالله أعلم.
مظع: اللَّيْث: المُظْعة: بقيَّة من الْكلأ.
قَالَ: وَالرِّيح تُمظّع الْخَشَبَة حَتَّى تستخرج نُدُوَّته.
وَقَالَ غَيره: مَظَعْت الْخَشَبَة إِذا قطعتها رَطْبة ثمَّ وَضَعتهَا بلِحَائها فِي الشَّمْس حَتَّى تتشرب ماءها، ويُترك لِحَاؤها عَلَيْهَا لِئَلَّا يتصدَّع ويتشقَق. وَقَالَ أَوْس بن حَجَر يصف رجلا قطع شَجَرَة يتَّخِذ مِنْهَا قوساً:
فمظَّعها حَوْلَيْنِ ماءَ لحائها
تُعالَى على ظهر العَرِيش وتُنزَلُ
أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه: يُقَال للرجل إِذا روَّى دسَمَ الثَّرِيد: قد روّغه ومرَّغه ومظّعه ومَرْطله وسَغْبله.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: مظَّع فلَان وَتَره تمظيعاً إِذا ملَّسه ويَبّسه. وَكَذَلِكَ الْخَشَبَة. وَلَقَد تمظَّع فلَان مَا عنْدك أَي تلحَّسه كُله. الْأَصْمَعِي: فلَان يتمظَّع الظِلّ أَي يتتبَّعه من مَوضِع إِلَى مَوضِع.

(أَبْوَاب الْعين والذال)
ع ذ ث
مهمل.

(بَاب الْعين والذال مَعَ الرَّاء)
ع ذ ر)
عذر، ذرع، ذعر: مستعملة.
عذر: قَالَ الله عزَّ وجلَّ: {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} (الْأَعْرَاف: 164) نزلت فِي قوم من بني إِسْرَائِيل وَعظوا الَّذين اعتدَوا فِي السبت من الْيَهُود، فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} (الْأَعْرَاف: 164) ، فَقَالُوا يَعْنِي الواعظين: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} . الْمَعْنى: قَالُوا: موعظتنا إيَّاهم معذِرة إِلَى ربكُم. فَالْمَعْنى: أَنهم قَالُوا: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَاجِب علينا، فعلينا موعظة هَؤُلَاءِ ولعلّهم يتّقون. وَيجوز النصب فِي {مَعْذِرَةً} فَيكون الْمَعْنى: نعتذر معذرة بوعظنا إيّاهم إِلَى ربّنا. والمَعْذِرة: اسْم على مفعِلة من عَذَر، يعذِر، وأقيم مُقَام الِاعْتِذَار؛ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: موعظتنا اعتذار إِلَى ربّنا، فأقيم الِاسْم مُقام الِاعْتِذَار.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الاَْعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} (التّوبَة: 90) رَوَى الضحّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: (وَجَاء المُعْذِرون من الْأَعْرَاب) . وَقَالَ: لعن الله
(2/183)

المعذِّرين قلت: يذهب ابْن عبّاس إِلَى أَن المُعْذِرين هم الَّذين لَهُم عُذْر والمعذّرون بِالتَّشْدِيدِ الَّذين يَعْتَذِرُونَ بِلَا عذر، وَكَأَنَّهُم المقصرون الَّذين لَا عُذْر لَهُم وَالْعرب تَقول: أعذر فلَان أَي كَانَ مِنْهُ مَا يُعذَر بِهِ.
وَمِنْه قَوْلهم: قد أعذر من أنذر. وَيكون أعذر بِمَعْنى اعتذر اعتذاراً يُعذَر بِهِ.
وَمِنْه قَول لَبيد يُخَاطب ابْنَتَيْهِ:
فقوما فقولا بِالَّذِي قد علمتما
وَلَا تخمِشا وَجها وَلَا تحلقا الشَعَرْ
إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا
وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذرْ
فَجعل الِاعْتِذَار بِمَعْنى الْإِعْذَار، والمعتذِر يكون مُحِقاً وَيكون غير مُحِقّ؛ والمعاذير يشوبها الْكَذِب.
وَاعْتذر رجل إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز، فَقَالَ لَهُ: عَذَرتك غير معتذِر.
وَيَقُول: عذرتك دون أَن تعتذر
وَقَرَأَ يَعْقُوب الحضرميّ وَحده: (وَجَاء المُعْذِرون) سَاكِنة الْعين، وَسَائِر قرّاء الْأَمْصَار قرءوا: {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ} (التَّوْبَة: 90) بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الذَّال، مِمَّن قَرَأَ {الْمُعَذِّرُونَ} فَهُوَ فِي الأَصْل: المعتذرون، فأدغمت التَّاء فِي الذَّال لقرب المخرجين، وَمعنى المعتذرين: الَّذين يَعْتَذِرُونَ، كَانَ لَهُم عذر أَو لم يكن، وَهُوَ هَهُنَا شَبيه بِأَن يكون لَهُم عذر. وَيجوز فِي كَلَام الْعَرَب: المعِذّرون بِكَسْر الْعين؛ لِأَن الأَصْل: المعتذرون فأسكنت التَّاء وأدغمت فِي الذَّال ونُقِلت حركتها إِلَى الْعين، فَصَارَ الْفَتْح فِي الْعين أولى الْأَشْيَاء، وَمن كسر الْعين جرّه لالتقاء الساكنين، وَلم يُقرأ بِهَذَا.
وَيجوز أَن يكون {الْمُعَذِّرُونَ} : الَّذين يعذّرون يوهمون أَن لَهُم عذرا وَلَا عذر لَهُم.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ابْن فهم عَن مُحَمَّد بن سَلاَّم الجُمَحيّ عَن يُونُس النحويّ أَنه سَأَلَهُ عَن قَوْله تَعَالَى: {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الاَْعْرَابِ} (التَّوْبَة: 90) فَقَالَ: قلت ليونس: (المُعْذرون) مخفّفة كَأَنَّهَا أَقيس؛ لِأَن المُعْذِر: الَّذِي لَهُ عُذْر، والمعذّر: الَّذِي يعْتَذر ولاعذر لَهُ. فَقَالَ يُونُس: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مسيئاً، جَاءَ قوم فعذَّروا، وجَلَّح آخَرُونَ فقعدوا.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ فِي قَوْله: {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ} . قَالَ: مَعْنَاهُ: المعتذرون.
وَيُقَال: عذَّر الرجل يَعِذّر عِذّاراً فِي معنى اعتذر.
وَيجوز عِذِّر يَعِذّر فَهُوَ مُعِذِّر، واللغة الأولى أجودهما.
قَالَ: وَمثله هَدّى يَهدّى هِدّاءً إِذا اهْتَدَى. وهِدَّى يهِدِّي.
قَالَ الله جلّ وعزّ: {أَمَّن لاَّ يَهِدِّى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - إِلاَّ أَن يُهْدَى} (يُونس: 35) .
قلت: وَيكون {الْمُعَذِّرُونَ} بِمَعْنى المقصّرين على مفعِّلين من التعذير وَهُوَ التَّقْصِير. يُقَال: قَامَ فلَان قيام تعذير فِيمَا استكفيتُه إِذا لم
(2/184)

يُبَالغ وقصّر فِيمَا اعتُمد عَلَيْهِ. وَفِي الحَدِيث أَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا عُمِل فيهم بِالْمَعَاصِي نَهَاهُم أَحْبَارهم تعذيراً، فعمَّهم الله بالعقاب، وَذَلِكَ إِذا لم يبالغوا فِي نهيهم عَن الْمعاصِي وداهنوهم وَلم ينكروا أعمالَهم بِالْمَعَاصِي حقّ الْإِنْكَار.
ورُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لن يهْلك النَّاس حَتَّى يُعْذِروا من أنفسهم) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عُبيدة: يَقُول حَتَّى تكْثر ذنوبهم وعيوبهم.
قَالَ: وَفِيه لُغَتَانِ، يُقَال أعذر الرجل إعذاراً إِذا صَار ذَا عيب وَفَسَاد.
وَكَانَ بَعضهم يَقُول: عَذَر يَعْذِر بِمَعْنَاهُ، وَلم يعرفهُ الأصمعيَّ.
قَالَ أَبُو عبيد: وَلَا أرى أَخذ هَذَا إلاَّ من العُذْر، يَعْنِي: يعذِروا من أنفسهم باستيجابهم الْعقُوبَة فَيكون لمن يعذّبهم العذرُ فِي ذَلِك.
قَالَ: وَهُوَ كالحديث الآخر: (لن يهلِك على الله إِلَّا هَالك) ، وَمِنْه قَول الأخطل:
فَإِن تَكُ حَرْبُ ابنَيْ نِزَارٍ تواضعت
فقد عَذَرْتنا فِي كلاب وَفِي كَعْب
ويروى: أعذرتْنا أَي جعلَتْ لنا عذرا فِيمَا صنَعْنا. وَمِنْه قَول النَّاس: من يَعْذِرني من فلَان. وَقَالَ ذُو الإصبع العَدْوانيّ:
عذَيرَ الحيّ من عَدْوا
ن كَانُوا حَيَّة الأَرْض
أَي هاتِ عَذِير الحيّ من عَدْوان أَي من يَعْذِرني، كَأَنَّهُ قَالَ: هَات من يَعْذِرني. وَمِنْه قَوْله:
عَذِيرَك مِن خَلِيلك من مُرَاد
وَهَذَا يرْوى عَن عليّ ح. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: مَن عَذِيري من فلَان أَي مَن يَعْذِرني مِنْهُ، كَأَنَّهُ يخبر بإساءته إِلَيْهِ واستيجابه المجازاة، فَيَقُول: من يَعْذِرني مِنْهُ إِذا جازيتُه بِسوء فعله. قَالَ: وعذير الرجل: مَا يروم وَمَا يحاول ممَّا يُعْذَر عَلَيْهِ إِذا فعله. قَالَ العجَّاج يُخَاطب امْرَأَته:
جاريَ لَا تستنكري عذيري
سَعْيي وإشفاقي على بَعِيري
وَذَلِكَ أَنه عزم على السّفر فَكَانَ يرُمّ رَحْل راحلتِه لسفره، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: مَا هَذَا الَّذِي تَرُمّ؟ فخاطبها بِهَذَا الشّعْر، أَي لَا تنكري مَا أحاول. وَقَالَ شمر: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَعْذَر فلَان من نَفسه أَي أُتِي من قِبَل نَفْسه. قَالَ: وعَذّر يُعَذّر من نَفسه أَي أُتِي من نَفسه. قَالَ يُونُس: هِيَ لُغَة للْعَرَب. قَالَ: وَقَالَ خَالِد بن جَنْبة. يُقَال: أَما تُعْذِرني من هَذَا بِمَعْنى: أما تُنْصفني مِنْهُ، يُقَال: أعذِرني من هَذَا أَي أنصِفني مِنْهُ. وَيُقَال: لايُعْذِرك من هَذَا الرجل أحد، مَعْنَاهُ: لَا يُلزِمه الذنبَ فِيمَا تضيف إِلَيْهِ وتشكوه بِهِ. وَمِنْه قَوْلهم: من يَعذرني من فلَان أَي من يقوم بعُذْري إِن أَنا جازيته بسُوء صَنِيعه فَلَا يُلزمني لوماً على مَا يكون منّي إِلَيْهِ. وَيُقَال: اعتذر فلَان اعتذاراً وعِذْرة ومَعْذِرة من ذَنبه فعذَرته. قَالَ: وتعذَّر عليَّ هَذَا الأمرُ إِذا لم يستقم. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: عذيري من فلَان أَي من يَعْذِرني. ونصبه على إِضْمَار هلمّ معذرتَك إيَّاي. قَالَ: والعذير أَيْضا:
(2/185)

الْحَال، وَجمعه عُذُر، وَرُبمَا خُفِّفَ فَقيل: عُذْر. وَقَالَ حَاتِم:
وَقد عذرتْني فِي طِلابكم العُذْرُ
قَالَ: والعُذْرة: الناصية، وَجَمعهَا عُذَر. وَقَالَ طَرَفة:
وهِضَبَّاتٍ إِذا ابتل العُذْر
والعُذْرة: وَجَع فِي الْحلق، يُقَال مِنْهُ: رجل مَعْذُور. وَقَالَ جرير:
غَمْز الطَّبِيب نغانغ الْمَعْذُور
وَيُقَال: فلَان أَبُو عُذْر فُلَانَة إِذا كَانَ افْترعها وَقَالَ الأصمعيّ: أعذرْت الْغُلَام وَالْجَارِيَة وعَذَرتهما، لُغَتَانِ إِذا خُتِنا. وَقَالَ الراجز:
تلوية الخاتن زُبّ المُعْذَر
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العُذْرة: خاتَم البِكر، والعُذْرة: وَجَع الحَلْق، والعُذْرة: العَلاَمة. وَقَالَ أَبُو الْحسن اللِحياني: لِلْجَارِيَةِ عُذْرتان، إِحْدَاهمَا تخفِضها، وَهُوَ مَوضِع الْخَفْض من الْجَارِيَة، والعُذْرة الثَّانِيَة قِضَّتها، سمّيتا عُذْرة بالعَذْر وَهُوَ الْقطع؛ لِأَنَّهَا إِذا خُفِضت قطعت نَوَاتها، وَإِذا افْتُرِعَتْ انْقَطع خَاتم عُذْرتها. وَيُقَال لقُلْفة الصبيّ أَيْضا عُذْرة. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استعذر أَبَا بكر من عَائِشَة، كَأَنَّهُ عَتَب عَلَيْهَا بعض الْأَمر فَقَالَ لأبي بكر: (اعذِرني مِنْهَا إِن أدّبتُها) . وَقَالَ أَبُو زيد: سَمِعت أعرابيَّيْن تميميَّاً وقيسيّاً يَقُولَانِ: تعذّرت إِلَى الرجل تعذُّراً فِي معنى اعتذرت اعتذاراً. وَقَالَ الْأَحْوَص بن محمَّد الأنصاريّ:
طريد تلافاه يزِيد برَحْمَةٍ
فَلم يُلْفَ من نَعمائه يتعذَّر
أَي يعْتَذر، يَقُول: أنعم عَلَيْهِ نعْمَة لم يحْتَج إِلَى أَن يعْتَذر مِنْهَا. وَيجوز أَن يكون معنى قَوْله يتَعَذَّر أَي يذهب عَنْهَا. وَقَالَ ابْن بُزُرْج: يُقَال: تعذّروا عَلَيْهِ أَي فرّوا عَنهُ وخَذَلوه. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: قَوْلهم: اعتذرت إِلَيْهِ هُوَ قَطْع مَا فِي قلبه، يُقَال: اعتذرتِ المياهُ إِذا تقطَّعت، واعتذرت المنازلُ إِذا دَرَسَتْ، ومررت بمنزل معتذر: بالٍ. وَقَالَ لَبِيد:
شهورَ الصَّيف واعتذرت إِلَيْهِ
نِطافُ الشيطين من الشِمال
وَقَالَ ابْن أَحْمَر فِي الِاعْتِذَار بِمَعْنى الدُرُوس:
قد كنتَ تعرف آيَات فقد جَعَلت
أطلالُ إلْفِك بالوَدْكاء تعتذر
وأُخِذ الِاعْتِذَار من الذَّنب من هَذَا؛ لأنّ من اعتذر شابَ اعتذارَه بكذب يعفي على ذَنْبه. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيت البِكْر عَذْراء من ضِيقها، وَمِنْه يُقَال: تعذَّر عليَّ هَذَا الأمرُ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَقَالَ أَبُو طَالب المفضَّل بن سلَمَة: الِاعْتِذَار قَطْع الرجل عَن حَاجته، وقَطْعه عمَّا أمْسك فِي قلبه. قَالَ: والاعتذار: مَحْو أثر الموجِدة من قَوْلهم: اعتذرتِ المنازلُ إِذا دَرَسَت. أَبُو عُبَيد عَن الأصمعيّ يُقَال لأثر الجُرْح: عاذر. وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
وبالظهر مني من قَرَا الْبَاب عاذر
(2/186)

أَبُو عبيد عَن أبي زيد: الْإِعْذَار: مَا صُنع من الطَّعَام عِنْد الخِتان، وَقد أعذرت. وَأنْشد:
كلَّ الطَّعَام تشْتَهي ربيعَهْ
الخُرْسَ والإعذارَ والنقيعَهْ
سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: العَذِيرة: طَعَام الخِتان. قَالَ: وعَذَرْت الغلامَ وأعذرته. وَفِي حَدِيث عليّ ح أَنه عَاتب قوما فَقَالَ: مَا لكم لَا تنظفون عَذِرَاتكم قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ: العَذِرة أَصْلهَا فِنَاء الدَّار، وإيّاها أَرَادَ عليّ. قَالَ أَبُو عبيد: وَإِنَّمَا سُمِّيت عَذِرة النَّاس بِهَذَا لِأَنَّهَا كَانَت تُلْقَى بالأفنية، فكُني عَنْهَا باسم الفِناء؛ كَمَا كني بالغائط وَهِي الأَرْض المطمئنَّة عَنْهَا. وَقَالَ الحطيئة يذكر الأفنية:
لعمري لقد جرّبتكم فوجدتكم
قِباح الْوُجُوه سَيّئي العَذِرات
والمعاذر جمع مَعْذِرة، وَمن أمثالهم: المعاذر مكاذب. وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ: {بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القِيَامَة: 15) قَالَ بَعضهم: وَلَو أدلى بكلّ حُجَّة يَعتذِر بهَا. وَجَاء فِي التَّفْسِير أَيْضا: وَلَو ألْقى ستوره، المعاذير: الستور بلغَة أهل الْيمن، وَاحِدهَا مِعْذار. وَيُقَال: أعذر فلَان فِي ظهر فلَان بالسياط إعذاراً إِذا ضربه فأثَّر فِيهِ شَتَمه فَبَالغ فِي شَتمه حَتَّى أثر بِهِ فِيهِ، وَقَالَ الأخطل:
وَقد أعذرن فِي وَضَح العِجَانِ
وَترك المَطَرُ بِهِ عاذراً أَي أثرا، والعِذَار: سِمَة. وَقَالَ الْأَحْمَر: من السِمَات العُذُر، وَهِي سِمَة فِي مَوضِع العِذَار، وَقد عُذِر الْبَعِير فَهُوَ مَعْذُور. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَول الشَّاعِر:
ومخاصمٍ قاومتُ فِي كَبَد
مثل الدِهَان فَكَانَ لي العُذْرُ
قَالَ: العُذْر: النُجْحُ. ولي فِي هَذَا الْأَمر عُذْر وعُذْرَى ومَعْذِرة أَي خُرُوج من الذَّنب. وَيُقَال فِي الْحَرْب: لمن العُذْر أَي النُجْح والغَلَبة. وَقَالَ الأصمعيّ: خلع فلَان مُعَذَّره إِذا لم يُطع مُرْشداً، وَأَرَادَ بالمعذَّر: الرَسَن ذَا العِذارين. والعَذْراء: الرَمْلة الَّتِي لم تُوطأ. ودُرَّة عَذْراء: لم تُثْقب. وَيُقَال: مَا عِنْدهم عَذِيرة أَي لَا يَعْذرون، وَمَا عِنْدهم غَفِيرة أَي لَا يَغفرون. وعذراء: قَرْيَة بِالشَّام مَعْرُوفَة. والعَذَارَى: هِيَ الْجَوَامِع كالأغلال تجمع بهَا الْأَيْدِي إِلَى الْأَعْنَاق، واحدتها عذراء. وَقَالَ اللحيانيّ: هِيَ العَذِرة والعَذِبة لِمَا سقط من الطَّعَام إِذا نُقِّي. وَيُقَال: اتخذ فلَان فِي كَرْمه عِذَاراً من الشّجر أَي سِكَّة مصطفَّة. وعذارا الْحَائِط والوادي: جانباه. وَقَالَ أَبُو سعيد: يُقَال للرجل إِذا عاتبك على أَمر قبل التقدّم إِلَيْك فِيهِ: وَالله مَا استعذرت إليّ وَمَا استنذرت، أَي لم تقدِّم إليَّ المعذرة والإنذار. والاستعذار: أَن تَقول لَهُ: اعذِرني مِنْك. وعذار اللجام: مَا وَقع مِنْهُ على خدّي الدَّابة. وَقَالَ النَّضر: عذارُ اللجام: السَّيْران اللَّذَان يُجمعان عِنْد الْقَفَا. وَقَالَ الْكسَائي: أعذرْت الْفرس: جعلت لَهُ عِذَاراً. وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: عَذَرت الفَرَس: جعلت لَهُ
(2/187)

عِذَاراً. وَقَالَ ابْن المظفَّر: عَذَرت الْفرس فَأَنا أَعْذِره بالعِذَار وأعذرته إِذا جعلت لَهُ عِذَاراً، وعذَّرته تعذيراً بالعِذار. قَالَ: والعِذَار: طَعَام البِنَاء وَأَن يَسْتَفِيد الرجل شَيْئا جَدِيدا يتَّخذ طَعَاما يَدْعُو عَلَيْهِ إخوانه. وعذَّر فلَان تعذيراً للخِتان وَنَحْوه. وحِمَار عذَوَّر، وَهُوَ الْوَاسِع الجَوْف. ومُلْك عذَوَّر: وَاسع عريض. والعُذْرة: نجم إِذا طلع اشتدَّ غَمّ الحَرّ، وَهِي تطلع بعد الشعْرى وَلها وَقْدَة وَلَا ريح لَهَا وَتَأْخُذ بالنَفْس ثمَّ يطلع سُهَيْل بعْدهَا. وَقَالَ المازنيّ: العواذير: جمع العاذر وَهُوَ الأَثَر. وَقَالَ أَبُو وَجْزة السعديّ:
إِذا الحَيّ والحَوْم المُيَسِّر وَسْطنا
وَإِذ نَحن فِي حَال من الْعَيْش صَالح
وَذُو حَلَق نُقْضَى العواذيرُ بَينه
يلوح بأخطار عِظَام اللقائح
وَقَالَ الأصمعيّ: الحَوْم: الْإِبِل الْكَثِيرَة، المُيَسِّر: الَّذِي قد جَاءَ لَبَنه. وَذُو حَلَق يَعْنِي إبِلا مِيسَمُها الْحَلَق. والعواذير: جمع عاذور، وَهُوَ أَن يكون بَنو الْأَب ميسَمُهم وَاحِدًا فَإِذا اقتسموا مَا لَهُم قَالَ بَعضهم لبَعض: أَعْذِر عنّي، فيخطّ فِي المِيسم خَطاً أَو غَيره ليعرف بذلك سِمَة بَعضهم من بعض. والعاذُور أَيْضا: مَا يُقطع من مَخْفِض الْجَارِيَة. وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ: {فَرْقاً فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ} (المرسلات: 5، 6) فِيهِ قَولَانِ. أَحدهمَا: فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُمَا نصبا على الْبَدَل من قَوْله: {ذِكْرًا} . وَفِيه وَجه ثَالِث وَهُوَ أَن تنصبهما بقوله: {ذِكْرًا} الْمَعْنى: الملقيات إِن ذكرت عذرا أَو نذرا. وهما اسمان أُقيما مُقام الْإِعْذَار والإنذار، وَيجوز تخفيفهما مَعًا وتثقيلهما مَعًا.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العُذُر جمع العاذر وَهُوَ الأبداء يُقَال: قد ظهر عاذِره، وَهُوَ دَبُوقاؤه. والعُذُر جمع عِذَار وَهُوَ المستطِيل من الأَرْض. والعِذَار: اسْتِوَاء شَعَر الْغُلَام، يُقَال: مَا أحسن عِذاره أَي خَطَّ لِحيتِه. والعَذَر: الْعَلامَة، يُقَال: أَعْذِر على نصيبك أَي أعلِم عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو مَالك عَمْرو بن كِرْكِرة: يُقَال: ضربوه فأعذروه أَي ضربوه فأثقلوه.
ذعر: اللَّيْث: ذُعِر فلَان ذُعْراً فَهُوَ مَذْعوراً أَي أُخيف. والذُعْر: الفَزَع، وَهُوَ الِاسْم. وَرجل متذعّر. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الذَعَر: الدَهَش من الْحيَاء. قَالَ: والذَعْراء والذُعْرة: الفُنْدُورة. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الذُعرة: أم سُؤيد. والذَعْرة: الفَزْعة. وَقَالَ ابْن بزرج: ذَعَرته وأذعرته بِمَعْنى وَاحِد وَأنْشد:
غَيران شَمَّصَه الوُشاةُ فأذعروا
وَحْشاً عَلَيْك وجدتَهنَّ سُكُونا
وَالْعرب تَقول للناقة الْمَجْنُونَة: مَذْعُورَة، ونُوق مذعَّرة: بهَا جُنون.
ذرع: فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَذْرع ذِراعيه من أَسْفَل الجُبَّة إذراعاً، قَالَ النَّضر: أَذْرع ذِرَاعَيْهِ أَي أخرجهُمَا. وَرجل ذَرِيع الْيَد بِالْكِتَابَةِ أَي سريع الْيَد. الحرّانيّ عَن ابْن السّكيت: هَذَا ثوب سَبْع فِي
(2/188)

ثَمَانِيَة فَقَالُوا: سبع لِأَن الأذرع مؤنَّثة، تَقول: هَذِه ذِرَاع، وَقلت: ثَمَانِيَة لِأَن الأشبار مذكّرة. وَقَالَ اللَّيْث: الذِّرَاع من طَرَف الْمرْفق إِلَى طرف الإصبع الْوُسْطَى. وَقد ذَرَعت الثَّوْب وَغَيره أَذْرَعه فَأَنا ذارع وَهُوَ مذروع. وَالرجل يذرِّع فِي سِبَاحته تذريعاً. قَالَ: والذِرَاع: اسْم جَامع فِي كل مَا يسمَّى يدا من الروحانيين ذَوي الْأَبدَان. قَالَ: ومذاريع الدابَّة: قَوَائِمهَا، وَاحِدهَا مذراع، وَيُقَال: مذراع، وثَوْر مَوْشِيّ المذَارع. ومذارع الأَرْض: نَوَاحِيهَا. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: المذارع: هِيَ الْبِلَاد الَّتِي بَين الرِّيف والبَر؛ مثل القادسيَّة والأنبار، وَهِي المَزَالِف أَيْضا. وَقَالَ اللَّيْث: موت ذَريع: سريع فاشٍ، لَا يكَاد النَّاس يتدافنون. والذِرَاع: سِمَة بني ثَعْلَبَة من اليمَن. قَالَ: وذِراع الْعَامِل صَدْر الْقَنَاة. قَالَ: والذَرِيعة: حَلْقة يعلَّم عَلَيْهَا الرَّمْي. والذريعة: جَمَل يَستتِر بِهِ الرَّامِي من الصَّيْد فيرميه. ويسيَّب الجَمَل مَعَ الصَّيْد حَتَّى يأتلفا، وَيَمْشي الصيَّاد إِلَى جَنْبه فَيَرْمِي الصيدَ إِذا أكثبه. أَبُو عبيد: الذَرَع: ولد الْبَقَرَة الوحشيَّة، وأُمّه مُذْرِع.
وَقَالَ اللَّيْث: هنّ المُذْرِعات أَي ذَوَات ذِرْعان. قَالَ: وَأَذْرعَات: بلد تنْسب إِلَيْهِ الْخمر.
وَأنْشد بَعضهم:
تنوّرتُها من أذرعاتٍ وَأَهْلهَا
بيثربَ أدنى دارِها نظر عَال
قَالَ: وَهَذَا أَكثر الرِّوَايَة. وَقد أنْشد بِالْكَسْرِ بِغَيْر تَنْوِين من أَذْرُعَات، فأمّا الْفَتْح فخطأ، لِأَن نصب تَاء الْجَمِيع وفتحه وحفضها كسر. قَالَ وَالَّذِي أجَاز الْكسر بِلَا صَرْف فَلِأَنَّهُ اسْم لَفظه لفظ جمَاعَة لوَاحِد. وَالْقَوْل الْجيد عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين الصّرْف، وَهُوَ مثل عَرَفات، والقُرّاء كلهم فِي قَوْله: {مِّنْ عَرَفَاتٍ} (الْبَقَرَة: 198) على الْكسر والتنوين، وَهُوَ اسْم لمَكَان وَاحِد، وَلَفظه لفظ جمع. أَبُو الْهَيْثَم: المذرَّع من النَّاس: الَّذِي أُمّه أشرف من أَبِيه. قَالَ: والهَجِين: الَّذِي أَبوهُ عَرَبِيّ وأمّه أَمَة. وَأنْشد هُوَ أَو غَيره:
إِذا باهليّ تَحْتَهُ حنظليَّة
لَهُ ولد مِنْهَا فَذَاك المذرَّعُ
وَإِنَّمَا سمّي مذرَّعاً تَشْبِيها بالبَغْل، لِأَن فِي ذِرَاعَيْهِ رَقْمين كرَقْمَتَيْ ذِرَاع الحِمَار نَزَع بهما إِلَى الْحمار فِي الشّبَه، وأُمّ الْبَغْل أكْرم من أَبِيه. الذوارع الزِقاق، وَاحِدهَا ذارع. وَقَالَ الْأَعْشَى:
والشاربون إِذا الذوارع أُغْليت
صَفْو الفِضَال بطارف وتِلاد
أَبُو عبيد: امْرَأَة ذِرَاع إِذا كَانَت خَفِيفَة الْيَدَيْنِ بالغَزْل. وَيُقَال: ذرَّع فلَان لبعيره إِذا قَيَّده بِفضل خِطامه فِي ذِرَاعَيْهِ، وَالْعرب تسمّيه تذريعاً. وَيُقَال: ضقت بِالْأَمر ذَرْعاً وذِرَاعاً، نصبت ذرْعاً لِأَنَّهُ خرج مُفَسرًا محوَّلاً؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل ضَاقَ ذرعي بِهِ، فلمَّا حُوّل الْفِعْل خرج قَوْله ذَرْعاً مُفَسرًا. وَمثله قَرِرْت بِهِ عَيناً وطِبت بِهِ نَفْساً.
والذَرْع يوضع مَوضِع الطَّاقَة. وَالْأَصْل فِيهِ
(2/189)

أَن يَذْرَع البَعِيرُ بيدَيْهِ فِي سَيره ذَرْعاً على قَدْر سَعَة خَطْوه، فَإِذا حَملته على أَكثر من طَوْقه قلت: قد أبطرت بعيرك ذَرْعَه، أَي حَملته من السّير على أَكثر من طاقته حَتَّى يَبْطَر ويَمُدَّ عُنُقه ضَعْفاً عمَّا حُمِل عَلَيْهِ.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب السائرة: هُوَ لَك على حَبْل الذِّرَاع، أَي أُعَجِّله لَك نَقْداً. والحَبْل عِرْق فِي الذِّرَاع، وَيُقَال: مَالِي بِهِ ذَرْع وَلَا ذِرَاع أَي مَا لي بِهِ طَاقَة. وفَرَس ذَريع: شريع وَاسع الخَطْو. وَفرس مذرّع إِذا كَانَ سَابِقًا، وَأَصله الْفرس يلْحق الوحشيّ وفارسُه عَلَيْهِ، فيطعُنه طعَنْة تَفُور بِالدَّمِ فتلطِّخ ذراعي الْفرس بذلك الدَّم فَيكون عَلامَة لسبْقه. وَمِنْه قَول تَمِيم بن أُبَيْ بن مقبل يصف الْخَيل فَقَالَ:
خلال بيُوت الحيّ مِنْهَا مذرَّع
والضَبُع مُذَرَّعة لسواد فِي أذرعها وَمِنْه قَول الْهُذلِيّ:
مذرَّعة أُمَيْمَ لَهَا فَلِيل
وذرعات الدابَّة: قوائمه. وَمِنْه قَول ابْن خذَّاق العبديّ يصف فرسا:
فأمْست كتيس الرَبْل تعدو إِذا عدت
على ذَرِعات يعتلينَ خُنُوسا
أَي على قَوَائِم يعتلين مَن جاراهن وهنّ يخْنِسْن بعض جريهنّ أَي يُبْقين مِنْهُ، يَقُول: لم يَبْذلن جَمِيع مَا عِنْدهن من السَير. وَيُقَال: فلَان ذَريعتي اللَّيْلَة أَي سبَبي ووُصلتي الَّذِي بِهِ أتسبَّب إِلَيْك، أُخِذ من الذَرِيعة. وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي يستتِر بِهِ الرَّامِي من الصَّيْد ويخاتله حَتَّى يُكْثِبُه فيرميه.
وَقَالَ أَبُو وَجْزَة يصف امْرَأَة:
طافت بِهِ ذَات ألوان مشبّهة
ذَريعة الجِنّ لَا تُعْطِي وَلَا تدعُ
أَرَادَ كَأَنَّهَا جِنّية لَا يُطمَع فِيهَا وَلَا يُعلَم مافي نَفسهَا. أَبُو عُبيد عَن الأمويّ: التذريع: الخَنِق، وَقد ذرَّعته إِذا خَنَقته. وَقَالَ أَبُو زيد: ذرّعته تذريعاً إِذا جعلت عُنُقه بَين ذراعك وعضدِك فخَنَقْته. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تذرَّع فلَان الجريدَ إِذا وَضعه على ذراعه فشَطَّبه. وَمِنْه قَول قيس بن الخَطيم:
ترى قَصَد المُرّان تُلْقَى كَأَنَّهَا
تَذَرُّعُ خِرصانٍ بأيدي الشواطب
قَالَ: والخِرْصان أَصْلهَا القضبان من الجريد، والشواطب جمع الشاطبة. وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي تقشُر العَسِيب ثمَّ تلقيه إِلَى المنقّية فتأخذ كلّ مَا عَلَيْهِ بسكّينها حَتَّى تتركه رَقِيقا، ثمَّ تلقيه المنقّية إِلَى الشاطبة ثَانِيَة فتشطُبه على ذراعها وتتذرّعه. وكل قضيب من شَجَرَة خُرْص. وَهَذَا كُله قَول الأصمعيّ حَكَاهُ عَنهُ ابْن السّكيت. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التذرّع، قدر ذِرَاع ينكسر فَيسْقط. قَالَ: والتذرّع والقِصَد عِنْده وَاحِد. قَالَ: والخِرْصان: أَطْرَاف الرماح الَّتِي تلِي الأسِنَّة، الْوَاحِد خِرْص وخُرْص وخَرْص. قلت: وَقَول الأصمعيّ أشبههما بِالصَّوَابِ. وَيُقَال: ذرع الْبَعِير يَده إِذا مدَّها فِي السّير. وَيُقَال اقصِد بذرعك أَي لَا تَعْدُ بك قدرَك.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: مذارع الْوَادي: أضواجه ونواحيه. وَيُقَال: هَذِه نَاقَة تذارع بُعْدَ
(2/190)

الطَّرِيق أَي تمدّ بَاعهَا وذراعها لتقطعه. وَهِي تذارع الفلاة وتَذْرعها إِذا أسرعت فِيهَا كَأَنَّهَا تقيسها. وَقَالَ الراجز يصف الْإِبِل:
وَهن يَذْرَعن الرَقَاق السَمْلَقا
ذَرْع النواطي السُحُل المرقَّقا
والنواطي: النواسج، الْوَاحِدَة ناطية. وَيُقَال: ذَرَّع فلَان بِكَذَا إِذا أقرَّ بِهِ، وَبِه سمّي المذرِّع أحد بني خَفَاجة بن عُقَيل وَكَانَ قتل رجلا من بني عَجْلان ثمَّ أقرَّ بقتْله فأقيد بِهِ فسمّي المذرِّع. وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : أَنْت ذرَّعت بَيْننَا هَذَا وَأَنت سحلته، يُرِيد: سبَّبْته، وَرجل ذَرِع: حَسَن العِشرة والمخالطة. وَمِنْه قَول خَنْساء:
جَلْد جميل مُخِيل بارع ذَرِع
وَفِي الحروب إِذا لاقيت مسعار
وَيُقَال: ذراعته مذارعة إِذا خالطته. أَبُو زيد: الإذراع: كَثْرَة الْكَلَام والإفراطُ فِيهِ، وَقد أَذْرع إِذا أفرط فِي الْكَلَام. وَيُقَال ذَرَعه الْقَيْء إِذا سَبَق إِلَى فِيهِ، وَقد أذرعه الرجل إِذا أخرجه. أَبُو عبيد عَن أبي زيد: ذَرَّع فلَان تذريعاً إِذا حرَّك ذِرَاعه فِي السَّعْي واستعان بهَا. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: اندرع وانذرع واندر أَو رَعَف واسترعف إِذا تقدّم. قَالَ: والذَرِع: الطَّوِيل اللِّسَان بالشرّ. وَهُوَ السَيَّار الليلَ وَالنَّهَار.

(بَاب الْعين والذال مَعَ اللَّام)
ع ذ ل
عذل، لذع، ذعل (ذلع) : مستعملة.
عذل: قَالَ اللَّيْث: العَذْل: اللَوْم. وَقَالَ غَيره: العَذَل مثله. وَهُوَ مصدر عَذَل يَعْذِلُ عَذْلاً وعَذَلاً. والعُذَّال جمع العاذل. والعواذل من النِّسَاء جمع العاذلة، وَيجوز العاذلات.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَذْل: الإحْراق، فَكَأَن اللائم يُحْرِق بعَذْله قلب المعذول. قَالَ: وَقَول الْعَرَب: هَذِه أيّامٌ مُعْتَذِلات إِذا كَانَت نِهَايَة فِي الْحر من هَذَا.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: هَذِه أَيَّام معتذلات بذال مُعْجمَة إِذا كَانَت شَدِيدَة الحَرّ.
وَأنْشد أَبُو نصر عَن الأصمعيّ:
لوَّامة لامت بلومٍ شِهَبِ
قَالَ: الشِهَب أَرَادَ: الشهَاب، كَأَن لومها يحرقه.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ أَيْضا: العُذُل: الأيَّام الحارَّة. قَالَ: وَجمع العاذل العِرْقِ عُذُل أَيْضا. وَفِي حَدِيث ابْن عبّاس أَنه سُئِلَ عَن الْمُسْتَحَاضَة، فَقَالَ: ذَاك العاذل يغذو.
قَالَ أَبُو عُبَيد: العاذل: هُوَ اسْم العِرْق الَّذِي يسيل مِنْهُ دم الِاسْتِحَاضَة.
أَبُو عُبَيد عَن الْأَحْمَر: عَذَلْنا فلَانا فاعتذل أَي لَام نَفْسَه وأعْتب.
وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت الكِلابيّ يَقُول: رَمَى فلَان فَأَخْطَأَ ثمَّ اعتذَل أَي رمى ثَانِيَة.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلَمة عَن الفرّاء أَنه قَالَ: سَمِعت المفضّل الضّبيّ يَقُول: كَانَت
(2/191)

الْعَرَب تَقول فِي الْجَاهِلِيَّة لشعبان: عاذل، ولشهر رَمَضَان: ناتق، ولشوال: وَعِل، وَلِذِي القَعْدة: وَرْنة، وَلِذِي الحِجَّة: بُرَك، ولمحرّم: مؤتمر، ولصَفَر: ناجر، ولربيع الأول: خَوّان، ولربيع الآخِرِ: وَبْصان. ولجمادي الأولى: رُنَى، وللآخرة: حُنَين، ولرجب: الأصمّ.
لذع: قَالَ اللَّيْث: لَذَع يَلْذَع لَذْعاً. وَهِي حُرْقة كحُرْقة النَّار. قَالَ: ولذعتُ فلَانا بلساني. قَالَ: والقَرْحة إِذا قيَّحت تلتذع، والقَيْح يلذعها. قَالَ: والطائر يَلْذَع الجناحَ إِذا رَفْرَف ثمَّ حَرّك شَيْئا قَلِيلا جناحيه.
أَبُو عبيد: اللَوْذَعِيّ: الحَدِيد الفؤادِ. وَقَالَ الهذليّ:
فَمَا بالُ أهل الدَّار لم يتفرّقوا
وَقد خَفَّ عَنْهَا اللوذعيُّ الحُلاحِلُ
وَقيل: هُوَ الحَديد النفْس. وَيُقَال: لَذَع فلَان بعيره فِي فَخذه لَذْعة أَو لَذْعتين بطَرَف المِيسَم. وَجَمعهَا اللَذَعات.
ذعل: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الذَعَل: الْإِقْرَار بعد الْجُحُود. قلت: وَهَذَا حرف غَرِيب مَا رَأَيْت لَهُ ذكرا فِي الْكتب.
ذلع: قَالَ بعض المصحِّفين: الأذلعيّ بِالْعينِ الضخم من الأيور الطويلُ. قلت: وَالصَّوَاب: الأذْلغِيّ، بالغين لَا غير.

(بَاب الْعين والذال مَعَ النُّون)
ع ذ ن
أهملت وجوهها مَا خلا: الإذعان (عذن) .
ذعن: قَالَ الله جلّ وعزَّ: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} (النُّور: 49) .
قَالَ ابْن الأعرابيّ: (مذعنين) مقرّين خاضعين.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: جَاءَ فِي التَّفْسِير: مُسْرِعين. قَالَ: والإذعان فِي اللُّغَة: الْإِسْرَاع مَعَ الطَّاعَة، تَقول: قد أذعن لي بحقّي مَعْنَاهُ: قد طاوعني لِما كنت ألتمِسه مِنْهُ، وَصَارَ يُسرع إِلَيْهِ.
وَقَالَ اللَّيْث: الإذعان: الانقياد، أذعن إِذا انْقَادَ وسَلِس بِنَاؤُه: ذَعِن يذْعن ذَعَناً. وناقة مذعان: سَلِسة الرَّأْس منقادة لقائدها. قَالَ: وَقَوله: مذعنين: منقادين.
عذن: أهمله اللَّيْث. وروى إِسْحَاق بن الْفرج عَن عَرّام أَنه قَالَ: العذَانة: الإست. وَالْعرب تَقول: كَذَبت عَذّانته وكذّانته بِمَعْنى وَاحِد.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: أعذن الرجل إِذا آذَى إنْسَانا بالمخالفة.

(بَاب الْعين والذال مَعَ الْفَاء)
ع ذ ف
عذف، ذعف: مستعملان.
ذعف: قَالَ اللَّيْث: الذُعَاف: سمّ سَاعَة. وَطَعَام مذعوف: جُعل فِيهِ الذعاف.
أَبُو عُبَيد عَن الكسائيّ: موت ذُؤاف وذُعاف. وَأنْشد:
سقتهنّ كأساً من ذُعَاف وجَوْزلا
وحيَّة ذَعْف اللعَاب: سريعة الْقَتْل.
عذف: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ:
(2/192)

العُذُوف: السُّكُوت. قَالَ: والذُعُوف: المرارات.
أَبُو عَمْرو: مَا ذقت عَذُوفاً وَلَا عَدُوفاً أَي مَا ذقت شَيْئا. وَقد مرَّ تَفْسِيره فِيمَا تقدم.

(بَاب الْعين والذال مَعَ الْبَاء)
ع ذ ب
عذب، بذع، ذعب: مستعملة.
عذب: قَالَ اللَّيْث: عَذُب المَاء يَعْذُب عُذُوبة فَهُوَ عَذْب: طيب. وأعذب الْقَوْم إِذا عَذُب ماؤهم. قَالَ: واستعذَبوا إِذا استقوا مَاء عَذْباً. وعذب الْحمار يَعذُب عُذوباً فَهُوَ عاذب وعَذُوب إِذا لم يَأْكُل العَلَف من شدّة الْعَطش. قَالَ: ويَعْذُب الرجل عَن الْأكل فَهُوَ عاذب: لَا صَائِم وَلَا مفطر. وأعذبته إعذاباً، وعذَّبته تعذيباً. كَقَوْلِك فَطَمته عَن هَذَا الْأَمر. وكل من مَنعته شَيْئا فقد أعذبته وعذّبته. قَالَ: وعذَّبته تعذيباً وَعَذَابًا من الْعَذَاب. وعَذَبة السَّوْط: طَرَفه، وأطراف السيور عَذَبها وعَذَباتها. وعَذَبة قضيب الجَمَل: أسَلَته المستدِقّ فِي مقدَّمه. والجميع العَذَب. وعَذَبة شِرَاك النَّعْل: المرسلةُ من الشرَاك. والعُذَيب: مَاء مَعْرُوف بَين الْقَادِسِيَّة ومُغِيثة. وَفِي حَدِيث عليّ أَنه شَيَّع سريَّة فَقَالَ: أَعذِبوا عَن النِّسَاء.
قَالَ أَبُو عبيد: يَقُول: امنعوا أَنفسكُم عَن ذكر النِّسَاء وشَغْل الْقُلُوب بهنّ؛ فَإِن ذَلِك يكسركم عَن الغَزْو. وكلّ مَن منعته شَيْئا فقد أعذبته.
وَقَالَ عَبِيد بن الأبرص:
وتبدّلوا اليَعْبُوب بعد إلاههم
صنما فقِرّوا يَا جَدِيل وأَعْذِبوا
قَالَ والعاذب والعَذُوب سَوَاء.
وَيُقَال للْفرس وَغَيره: بَات عَذُوباً إِذا لم يَأْكُل شَيْئا وَلم يشرب لِأَنَّهُ مُمْتَنع من ذَلِك. وَأنْشد:
فَبَاتَ عَذُوباً للسماء كَأَنَّهُ
سُهَيل إِذا مَا أفردته الْكَوَاكِب
يصف ثوراً وَحْشياً بَات فَرِداً لَا يَذُوق شَيْئا.
قَالَ: والعَذُوب: الَّذِي لَيْسَ بَينه وَبَين السَّمَاء سُترة. وَكَذَلِكَ العاذب. قلت: وَقَول أبي عبيد فِي العَذُوب والعاذب: أَنه الَّذِي لَا يَأْكُل وَلَا يشرب أصوب من قَول اللَّيْث: إِن العَذُوب: الَّذِي يمْتَنع عَن الْأكل لعطشه.
وَيُقَال: أعذب عَن الشَّيْء إِذا امْتنع، وأعذب غَيره إِذا مَنعه فَيكون لَازِما وواقعاً، مثل أملق إِذا افْتقر، وأملق غَيره. أَبُو عبيد: العَذَبة: الخَيط الَّذِي يُرفع بِهِ الْمِيزَان، وعَذَبة اللِّسَان: طَرَفه.
وَقَالَ غَيره: العَذَب: مَا يخرج على أثَر الْوَلَد من الرَحِم. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: العَذَابة: الرَحِم.
وَأنْشد:
وَكنت كذاتِ الْحيض لم تُبقِ ماءها
وَلَا هِيَ من مَاء العَذَابة طَاهِر
قَالَ: والعذابة: رَحِم الْمَرْأَة.
وَقَالَ اللحياني: استعذبت عَنْك: أَي انْتَهَيْت.
(2/193)

وَيُقَال: مَرَرْت بِمَاء مَا بِهِ عَذَبة أَي لارِعْيَ فِيهِ وَلَا كلأ.
وَيُقَال: اضْرِب عَذَبة، الْحَوْض حَتَّى يظْهر المَاء أَي اضْرِب عَرْمَضه.
وَقَالَ الكسائيّ: العَذَبة: الغُصْن وَجَمعهَا عَذَب. وعَذَب النوائح هِيَ المآلي: وَهِي المعاذب أَيْضا وَاحِدهَا معذبة. وعَذُوبات النَّاقة: قَوَائِمهَا.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: عذَّبت السَّوْط فَهُوَ معذَّب إِذا جعلت لَهُ عِلاَقة.
قَالَ: وعَذَبة السَّوْط: عِلاَقته.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال للجِلدة المعلَّقة خَلْف مُؤْخِرة الرحل من أَعْلَاهُ عَذَبة وذوَابة. وَأنْشد:
قَالُوا صدقت ورفَّعو لمطيّهم
سَيْراً يُطير ذوائبَ الأكوار
عَمْرو عَن أَبِيه: يُقَال لخِرْقة النائحة عَذَبة ومِعْوَز. وَجمع العذبة معاذب على غير قِيَاس.
بذع: قَالَ ابْن المظفّر: البَذَع: شبه الفَزَع. والمبذوع كالمذعور.
وَيُقَال: بُذِعوا فابذعَرُّوا أَي فزعوا فتفرّقوا. قلت: وَمَا سَمِعت هَذَا لغير اللَّيْث.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: البَذْع: قَطرْ حُبْ المَاء.
قَالَ وَهُوَ المَذْع أَيْضا. يُقَال: مَذَع وبَذَع إِذا قَطَر.
ذعب: أهمله اللَّيْث.
وروى أَبُو تُرَاب للأصمعيّ أَنه قَالَ: رَأَيْت الْقَوْم مذعاً بيِّن كَأَنَّهُمْ عُرْف ضِبْعان، ومثعابِّين بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ أَن يَتْلُو بعضُهم بَعْضًا قلت: وَهَذَا عِنْدِي مَأْخُوذ من انثعب المَاء وانذعب إِذا سَالَ واتصل جَرَيَانه فِي النَّهر.

(بَاب الْعين والذال مَعَ الْمِيم)
ع ذ م
اسْتعْمل من وجوهه: عذم، مذع.
عذم: قَالَ ابْن المظفّر: العَذْم: الْأَخْذ بِاللِّسَانِ واللومُ، وَقد عَذَم يَعْذِم عَذْما إِذا عَنَف فِي لومه. والعَذِيمة: الْمَلَامَة.
وَقَالَ الراجز:
يظلّ من جاراه فِي عذائم
من عُنْفُوان جَرْيه العُفاهِم
وَفرس عَذُوم أَي عَضُوض. قَالَ: والعُذّام: شجر من الْحَمْض يَنْتمىء، وانتماؤه: انشداخ ورقه إِذا مسِسَتْه، وَله ورق كورق القاقلّ، والواحدة عُذَّامة. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الصَيْداويّ عَن الرياشيّ أَنه قَالَ: العَذْم: العَضُ. وَذكر عَن عُمَارة بِإِسْنَاد لَهُ أَنه قَالَ: العَذْم: المَنْع، يُقَال: لأعْذِمنَّك عَن ذَلِك. قَالَ: وَالْمَرْأَة تَعْذِم الرجل إِذا أَربع لَهَا بالْكلَام أَي تشتمه إِذا سَأَلَهَا الْمَكْرُوه، وَهُوَ الإرباع. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العُذُم: البراغيث، وَاحِدهَا عَذُوم. والعُذُم: اللوّامون والمعاتِبون. وَفِي (النَّوَادِر) : عَذَمته عَن كَذَا وَكَذَا وأعذمته أَي منعته.
مذع: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْكسَائي: إِذا أخبر الرجل بِبَعْض الْخَبَر وكتم بَعْضًا قلت: مَذَع يَمْذَع مَذْعاً وماش
(2/194)

يميش مَيْشاً. وَقَالَ غَيره: يُقَال للكذّاب: المَذَّاع، وَقد مَذَع إِذا كَذَب. وَقَالَ الْمفضل مَذَع فلَان يَمِينا إِذا حَلَف. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: المَذْع: سيلان المزادة. المَذْع: السيلان من العيونِ الَّتِي تكون فِي شَغَفَات الْجبَال. وَقَالَ أَبُو زيد: المَذّاع، الكذوب الَّذِي لَا وَفَاء لَهُ وَلَا يَحفظ أحدا بِظهْر الغَيْب.

(أَبْوَاب الْعين والثاء

(بَاب الْعين والثاء مَعَ الرَّاء)
ع ث ر
عثر، ثعر، رعث، رثع، ثرع: مستعملة.
عثر: قَالَ الله جلّ وعزّ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّآ إِثْماً} (المَائدة: 107) مَعْنَاهُ: فَإِن اطُّلع على أَنَّهُمَا قد خَانا. وَقَالَ الله جلَّ وعَزَّ {وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} (الْكَهْف: 21) مَعْنَاهُ: وَكَذَلِكَ أَطْلعنا. وَقَالَ اللَّيْث: عَثَر الرجل يَعْثُر عُثُوراً إِذا هجم على أَمر لم يهجُم عَلَيْهِ غَيره وأعثرت فلَانا على أَمر أَي أطلعته. وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، وعَثَر الْفرس عِثَاراً. وعيوب الدوابّ تَجِيء على فِعَال؛ مثل العِثار والعِضَاض والخِراط والضِرَاح والرِمَاح وَمَا شاكلها. أَبُو عُبيد عَن أبي عَمْرو: العَثَرِيّ: العِذْي، وَهُوَ مَا سقته السماءُ. قلت: العَثَرِيّ من الزروع: مَا سُقِي بِمَاء السَّيْل والمطر وأُجرِي إِلَيْهِ الماءُ فِي المسايلِ وحُفر لَهُ عاثور أَي أتيّ يُجْرى فِيهِ المَاء إِلَيْهِ. وَجمع العاثور عواثير. وَمن هَذَا يُقَال: وَقع فلَان فِي عاثور شرّ وعافور شرّ إِذا وَقع فِي وَرْطة لم يحتسبها وَلَا شَعَر بهَا. وَأَصله الرجلُ يمشي فِي ظُلْمة اللَّيْل فيتعثّر بعاثور المَسِيل أَو فِي خدّ خَدَّه سيلُ الْمَطَر فَرُبمَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَثْء أَو عَنَت أَو كسر.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن قُريْشًا أهل أَمَانَة، مَن بغاها العواثر كبَّه الله لمنخره) . وَقَوله: (من بغاها العواثر) أَي بغى لَهَا المكايد الَّتِي تَعْثُر بهَا كالعاثور الَّذِي يُخَدّ فِي الأَرْض فتعثّر بِهِ الْإِنْسَان إِذا مَرَّ بِهِ لَيْلًا وَهُوَ لَا يشْعر بِهِ فَرُبمَا أَعْنته. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: يُقَال: جَاءَ فلَان رائقاً عَثَّرِيّاً بتَشْديد الثَّاء إِذا جَاءَ فَارغًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَهُوَ غير العَثَريّ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث، لِأَن الَّذِي فِي الحَدِيث مخفّف الثَّاء، وَهَذَا مشدّد الثَّاء، وَنَحْو ذَلِك قَالَ أَبُو الْهَيْثَم فِي العِذْي: إِنَّه العَثَريّ بتَخْفِيف الثَّاء، وَكَانَ شمر يشدّد الثَّاء فِيهِ، وَالصَّوَاب تخفيفها؛ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَأَبُو الْهَيْثَم. وروى شمر عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: رجل عَثَريّ: لَيْسَ فِي أَمر الدُّنْيَا وَلَا فِي أَمر الْآخِرَة. وَقَالَ اللَّيْثِيّ فِي قَول الراجز: (وبلدة كَثِيرَة العاثور) قَالَ: يَعْنِي المتالِف. أَبُو عبيد: العِثْيَر: الغُبَار. قَالَ: وأنشده الأمويّ:
ترى لَهُم حول الصِقَعْل عِثْيره
يَعْنِي الْغُبَار. وَقَالَ اللَّيْث: العِثْيَر: الْغُبَار الساطع. وَأما قَوْلهم: مَا يرى لفُلَان أَثَرٌ وَلَا عَيْثَرٌ فَإِنَّهُ مبنيّ على مِثَال فَيْعَل. وروى الأصمعيّ عَن أبي عَمْرو بن العَلاَء أَنه قَالَ: بُنيَتْ سَيْلَحُون: مَدِينَة بِالْيمن فِي
(2/195)

ثَمَانِينَ أَو سبعين سنة، وبنيت بَرَاقِش وَمعين بِغُسالة أَيْديهم، فَلَا يرى لسَيْلحين أَثَرٌ وَلَا عَيْثَرٌ، وَهَاتَانِ قائمتان. وَأنْشد قَول عَمْرو بن معد يكرب:
دَعَانَا من بَرَاقِش أَو مَعِين
فأَسمع واتلأَب بِنَا مليع
ومَلِيع: اسْم طَرِيق. وَقَالَ الأصمعيّ: العَيْثَر تبع لأثر. قَالَ: وَأما العِثْيَر فَهُوَ الْغُبَار. وَقَالَ الرياشي: العَيْثَر: أخْفى من الأَثَر، يُقَال: إِن العَيْثَر: عَين الشَّيْء وشخصه فِي قَوْله: مَاله أثر وَلَا عَيْثر وَأنْشد:
لعمر أَبِيك يَا صَخْر بن عَمْرو
لقد عيثرت طيرك لَو تعيفُ
يُرِيد: لقد أَبْصرت وعاينت. وَقَالَ اللَّيْث: العَيْثَر: مَا قَلَبْت من تُرَاب أَو مَدَر أَو طين بأطراف أَصَابِع رجليك إِذا مشيتَ وَلَا يرى من القَدَم أثر غَيره، فَيُقَال: مَا رَأَيْت لَهُ أثرا وَلَا عَيْثراً. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: العثْر: الكذِب، يُقَال فلَان فِي العَثْر والبائن، يُرِيد: فِي الْحق وَالْبَاطِل.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي يُقَال: كَانَت بَين الْقَوْم عَيْثَرة وغَيْثَرة شَدِيدَة، وَكَأن العَيْثرة دون الغَيْثرَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي:
تركت الْقَوْم فِي غَيْثرة وعَيْثرة أَي فِي قتال دون الْقِتَال. قَالَ وَيُقَال: مَا رَأَيْت لَهُ أثرا وَلَا عَيْثراً. قَالَ: والعَيْثَر: الشَّخْص العَثَر الِاطِّلَاع على سِرِّ الرجل. وعَثَّر: مَوضِع وَهُوَ مأسَدة، جَاءَ على فَعَّل مثل بَقَّمَ. وَقَالَ أَبُو سعيد فِي قَول الْأَعْشَى:
فَبَانَت وَقد أورثت فِي الفؤا
د صَدْعاً يخالط عَثَّارها
قَالَ: عثَّارها هُوَ الْأَعْشَى عَثَر بهَا فابتُليَ بهواها وتزوّد مِنْهَا صَدْعاً فِي فُؤَاده.
وعُثَارى: اسْم وَاد.
ثعر: رَوَى أَبُو الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِذا مُيّز أهل الجنَّة من أهل النَّار أُخرِجوا قد امْتُحِشوا فيُلْقَون فِي نهر الْحَيَاة فَيخْرجُونَ بيضًا مثل الثعارير) . والثعارير فِي هَذَا الحَدِيث: رُؤُوس الطراثيث، ترَاهَا إِذا خرجت من الأَرْض بيضًا شُبّهوا فِي الْبيَاض بهَا. ورَوَى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الثعارير: الثآليل وَاحِدهَا ثُعرور. قَالَ: والثَعَر: كَثْرَة الثآليل. قَالَ: والثُعْرور أَيْضا: ثَمَر الذُؤْنُون وَهِي شَجَرَة مُرَّة. وَيُقَال لرأس الطُرْثُوث: ثُعْرور، وَكَأَنَّهُ كَمَرة ذَكَر الرجل فِي أَعْلَاهُ. وَقَالَ اللَّيْث: الثُعْرورة: الرجل الْقصير.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ فِي مَوضِع آخر: الثُعْرور: قِثّاء صغَار. قَالَ: وَهُوَ الثُؤلول، وَهُوَ قُرَاد الثَدْي وَهُوَ حَلَمته. قَالَ: والثعارير: نَبَات يشبه الهِلْيَوْن. وَقَالَ اللَّيْث: الثَّعْر: لُغَة فِي الثُعْر، وَهِي شَجَرَة السمّ إِذا قُطِر مِنْهُ فِي الْعين مَاتَ صَاحبه وَجَعاً.
رعث: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يحلِّي بَنَات فلَان وكنّ فِي حجْره رِعَاثاً من ذهب.
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: وَاحِد الرَعَاث رعَثَة ورَعْثة، وَهُوَ القُرْط. قَالَ: والرَعْث فِي غير هَذَا: العِهْن من الصُّوف. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن
(2/196)

الأعرابيّ قَالَ: الرَعَثة فِي أَسْفَل الأُذُن الشَنْف فِي أَعلَى الْأذن. وَقَالَ اللَّيْث: الرَعْثة: رَعْثة الديك وَهِي لِحْيته قَالَ: وَرَعثتَا المِعْزَى: زَنَمتاها. ورَعَثَتِ العَنْزُ رَعْثاً إِذا ابيضَّت أَطْرَاف زَنَميتيْها. قَالَ: وكلّ مِعْلاق كالقُرْط وَنَحْوه يعلَّق من أذن أَو قلادة فَهُوَ رِعَاث. قَالَ: والرُعُث: ذَبَاذب من العِهْن تعلَّق من الهوادج زِينَة لَهَا، وَاحِدهَا رَعْثة. قَالَ: والرَعْثة التَلْتَلة تتخَّذ من جُف الطَلْعة يُشرب بهَا. وحُكِي عَن بَعضهم أَنه قَالَ: يُقَال لراعوفة الْبِئْر: راعوثة. قَالَ: وَهِي الأُرْعُوفة والأُرْعُوثة. وَتَفْسِيره فِي الْعين وَالرَّاء. وبَشَّار المُرَعَّث سمّي مُرَعثاً لِرَعَاث كَانَت فِي أُذُنه.
ثرع: أهمله اللَّيْث. وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: ثَرِع الرجل إِذا طَفَّل على قوم.
رثع: أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: رجل راثع وَهُوَ الَّذِي يرضى من العطيّة بالطفيف، ويخادن أخدان السَوْء.
وَقد رَثِع رَثَعاً. وَقَالَ اللَّيْث: رجل رَثِع وراثع: حَرِيص ذُو طَمَع.

(بَاب الْعين والثاء مَعَ اللَّام)
ع ث ل
علث، عثل، ثعل، لعث: مستعملة.
علث: أَبُو عبيد عَن الفرّاء قَالَ: المعلوث: بِالْعينِ: الْمَخْلُوط. قَالَ: وَقد سمعناه بالغين: مغلوث، وَهُوَ مَعْرُوف. الحَرّانيّ عَن ابْن السّكيت قَالَ: العَلْث: أَن يُخلط البُرّ بِالشَّعِيرِ، يُقَال: عَلَث الطعامَ يَعْلِثه عَلْثاً. وَمِنْه اشتقّ عُلاثة. قَالَ: والعَلَث: شدّة الْقِتَال. يُقَال: قد عَلِث بعضُ الْقَوْم بِبَعْض قلت: وَالَّذِي ذكره ابْن السّكيت بِالْعينِ يجوز فِي جَمِيع مَا ذكر فِي الْغَيْن. يُقَال: طَعَام مغلوث وغَلِيث وعَلِيث وَرجل غَلِث: ملازم لمن طَالب قتال أَو غَيره، وَهُوَ صَحِيح كُله. وعُلاَثة: اسْم رجل، وَهُوَ الَّذِي يَجمع من هَهُنَا وَهَهُنَا. وَقد عَلَث. قَالَ: وَيُقَال: اعتلث الزَنْدُ إِذا لم يورِ، واعتاص عِلاَثة. وَأنْشد:
فَإِنِّي غير معتِلث الزِّنَاد
أَي غير صَلْد الزِّنَاد. وَيُقَال: اعتلث فلَان زَنْداً إِذا أَخذه من شجر لَا يُدرى أيُورى أم لَا. والمعتلث من السِهَام: الَّذِي لَا خبر فِيهِ، قَالَه ابْن شُمَيْل. أَبُو زيد: إِذا خُلط البُرّ بِالشَّعِيرِ فَهُوَ عَليث. وَحكى النَّضر عَن الجعديّ: غَلَثوا البُرّ بِالشَّعِيرِ أَي خلطوه، وَهُوَ الغَلِيث. وَقَالَ أَبُو الجرّاح: الغَليث: أَن يخلط الشّعير بالبرّ للزِّرَاعَة ثمَّ يحصدان ويجمعان مَعًا. والجِرْبة: المزرعة، وَأنْشد:
جفاه ذَوَات الدَرّ واجتزّ جِرْبَةً
عليثاً وأعْيا دَرُّ كل عَتُوم
عثل: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ الفرّاء: يُقَال: عَثَمَتْ يَدُه وعثَلَت تَعْثُل إِذا جَبَرت على غير اسْتِوَاء. وَأنْشد غَيره:
ترى مُهجَ الرِّجَال على يَدَيْهِ
كَأَن عِظَامه عَثَلت بجَبْر
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَثَل: ثَرْب الشَّاة، وَهُوَ الخِلْم والسِمْحاق. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: رجل عِثْوَلّ قِثْوَلّ إِذا كَانَ عَيِيّاً
(2/197)

فَدْماً ثقيلاً. قَالَ: وَقَالَ لي أعرابيّ وَلِصَاحِب لي كَانَ يستثقله، وَكُنَّا مَعًا نَخْتَلِف إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: أَنْت قُلْقُل بُلْبُل، وَصَاحِبك هَذَا عِثْوَلٌّ قِثْوَلٌّ. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: العَثُول: الأحمق، وَجمعه عُثُل.
ثعل: أَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْهَيْثَم قَالَ: الثُعْل: زِيَادَة طُبْي على سَائِر الْأَطِبَّاء، وَزِيَادَة سِنّ على سِنّ. وَأنْشد:
ذمّوا لنا الدُّنْيَا وهم يرضعونها
أفاويق حَتَّى مَا يدرُّ لَهَا ثُعْلُ
وَقَالَ الأصمعيّ: رجل أثعل إِذا كَانَ زَائِد السنّ. وَتلك السن الزَّائِدَة يُقَال لَهَا الراءول. اللَّيْث: رجل أثعل وَامْرَأَة ثعلاء وَقد ثَعِل ثَعَلاً وَهُوَ زِيَادَة سنّ أَو دُخُول سنّ تَحت سنّ فِي اخْتِلَاف من المَنْبت. قَالَ: والأثعل: السّيد الضخم إِذا كَانَ لَهُ فضول. قَالَ: والثَعُول: الشَّاة الَّتِي تُحلب من ثَلَاثَة أمكنة أَو أَرْبَعَة للزِّيَادَة الَّتِي فِي الطُبْي. الْأَصْمَعِي: وِرد مُثْعِل إِذا ازْدحم بعضه على بعض من كثرته. اللَّيْث الْأُنْثَى من الثعالب يُقَال لَهَا ثُعَالة. قلت: وَيُقَال لجمع الثَّعْلَب ثعالب وثعالى بِالْبَاء وَالْيَاء. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لَهَا أشارير من لحم تُتَمرُه
من الثعالى ووَخْز من أرانيها
أَرَادَ: من الثعالب وَمن أرانبها. وَقَالَ اللَّيْث: الثُعْلُول: الرجل الغضبان وَأنْشد:
وَلَيْسَ بِثُعْلُول إِذا سِيل واجتُدِي
وَلَا برماً يَوْمًا إِذا الضَّيْف أوهما
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: فِي أَسْنَانه ثَعَل وَهُوَ تراكب بَعْضهَا على بعض. وَقيل: أَخبث الذئاب الأَثْعل وَفِي أَسْنَانه شَخَس وَهُوَ اخْتِلَاف النِبتة. ابْن شُمَيْل: الثَّعْلَب: الذّكر، وَالْأُنْثَى ثَعْلَبَة. وَيُقَال لكل ثَعْلَب إِذا كَانَ ذكرا: هَذَا ثُعَالة، كَا ترى بِغَيْر صرف، وَلَا يُقَال للْأُنْثَى: ثُعَالة، وَيُقَال للأَسَد: أُسامة بِغَيْر صرف، وَلَا يُقَال للْأُنْثَى: أُسامة. وَبَنُو ثُعَل: حَيّ من أَحيَاء طيّء. وبَلَد مَثْعَلة: كثير الثعالب.
لعث: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ غَيره: الألعث: الثقيل البطيء من الرِّجَال، وَقد لعِث لَعَثاً وَقَالَ أَبُو وَجْزة السعديّ:
ونفضتُ عني نومَها فسرْيتها
بالقوم من تَهِمٍ وألعثَ وانِ
والتهِم والتهِن: الَّذِي قد أثقله النُعَاس.

(بَاب الْعين والثاء مَعَ النُّون)
ع ث ن
عثن، عنث، نثع: مستعملة.
عثن: فِي حَدِيث سُرَاقة بن مَالك أَنه طلب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر حِين خرجا مهاجِرَين، فلمَّا بَصُر بهما دَعَا عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فساخت قَوَائِم فرسه فِي الأَرْض، فَسَأَلَهُمَا أَن يخلّيا عَنهُ، فَخرجت قَوَائِمهَا، وَلها عُثَان. قَالَ أَبُو عبيد: العُثان أَصله الدُخَان. وَجمع العُثَان عَوَاثن، وَكَذَلِكَ جمع الدُّخان دواخن على غير قِيَاس. وَأَرَادَ بالعثان هَهُنَا الغُبَار شبَّهه بالدخان، كَذَلِك قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء. وَيُقَال: عَثَنَت الْمَرْأَة بدخنتها إِذا استجمرت، وعَثَنْت الثَّوْب
(2/198)

بالطِيب إِذا دخنته عَلَيْهِ حَتَّى عَبِق بِهِ. وَطَعَام مَعْثون وعَثِن ومَدْخون ودَخِن إِذا فسد لدخان خالطه وَيُقَال للرجل إِذا استوقد بحطب رَطْب ذِي دُخَان: لَا تُعَثِّن علينا. وَقَالَ اللَّيْث: عُثْنون اللِّحْيَة: طَرَفها. وعثانين الرِّيَاح: أوائلها. وعثانين السَّحَاب: مَا تدلَّى من هَيْدبها. وعُثْنون الْبَعِير: شُعَيرات عِنْد مذبحه. وعُثْنون التَيْس: مَا تدلَّى من الشّعْر تَحت مَذْبحه. وَقَالَ أَبُو زيد: العُثْنُون: مَا فَضَل من اللِّحْيَة بعد العارضين من باطنهما. وَيُقَال لما ظهر مِنْهَا: السَبَلة. وَقد يجمع بَين السَبَلة والعَثْنُون فَيُقَال لَهما: عُثْنُون وسَبَلة. أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: عَثْنت فِي الْجَبَل وعَفَنت إِذا صَعِدت فِيهِ. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: العَثَن: الصَنَم الصَّغِير، والوثن: الْكَبِير، وَالْجَمَاعَة: الأَعثان والأوثان. وَيُقَال: عَثَن فلَان بَيْننَا تعثيناً أَي خلَّط وأثار الْفساد. وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سَمِعت زَائِدَة البكريّ يَقُول: الْعَرَب تَدْعُو ألوان الصُّوف العهن، غير بني جَعْفَر فَإِنَّهُم يَدعُونَهُ العِثْن بالثاء. قَالَ: وَسمعت مدرك بن غَزْوان الجعفريّ وأخاه يَقُولَانِ: العِثْن: ضرب من الخُوصة يرعاه المَال إِذا كَانَ رَطْباً، فَإِذا يبِس لم ينفع. وَقَالَ مبتكِر: هِيَ العِهْنة، وَهِي شَجَرَة غبراء ذَات زهر أَحْمَر
عنث: اللَّيْث العُنْثُوة: يَبيس الحَلِيّ خاصّة إِذا اسودَّ وبَلِيَ وَيُقَال لَهُ: عُنْثة أَيْضا. وشَبَّه الشَّاعِر شَعرَات اللِمَّة بِهِ بعد الشيب فَقَالَ:
عَلَيْهِ من لِمَّته عَنَاثِى
قلت: عَنَاثي الحليّ: ثَمَرَتهَا إِذا ابيضّت ويَبِست قبل أَن تسودَّ وتَبْلَى، هَكَذَا سَمِعت من الْعَرَب. وشبَّه الراجز بَيَاض لِمَّته ببياضها.
نثع: ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أنثع الرجلُ إِذا قاء. وأنثع إِذا خرج الدَّم من أَنفه غَالِبا لَهُ. أَبُو عُبَيد عَن أبي زيد: أنثع القَيْء مِن فِيهِ إنثاعاً، وَكَذَلِكَ الدَّم من الْأنف.

(بَاب الْعين والثاء مَعَ الْفَاء)
ع ث ف
اسْتعْمل من وجوهه: عفث.
عفث: وَقد أهمله اللَّيْث. وَفِي الحَدِيث أَن الزُبَير بن العوّام كَانَ أعفث. أَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: رجل أعفث: لَا يواري شَوَاره أَي فرجه. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْكثير التكشّف إِذا جلس.

(بَاب الْعين والثاء مَعَ الْبَاء)
ع ث ب
عَبث، ثعب، بثع، بعث: مستعملة.
عَبث: قَالَ الله جلّ وعزّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} (الْمُؤْمِنُونَ: 115) أَي لَعِباً. وَقد عبِث يَعْبَث عَبَثاً فَهُوَ عابث: لاعب بِمَا لَا يعنيه وَلَيْسَ من باله. قلت: نَصَب {عَبَثاً} لِأَنَّهُ مفعول لَهُ، الْمَعْنى: خَلَقْنَاكُمْ للعبث.
أَبُو عُبيد عَن الفرّاء: عَبَثْتُ الأقِط أَعْبَثُه عَبَثَاً وَمِثْته، ودُفته. قَالَ أَبُو عبيد: وَفِيه لُغَة أُخْرَى: غَبثته بالغَين. قَالَ: وَقَالَ الْأمَوِي: الغَبِيثة بالغين: طَعَام يُطْبخ
(2/199)

وَيجْعَل فِيهِ جَرَاد وَهُوَ الغَثِيمة أَيْضا.
الحرّانيّ عَن ابْن السّكيت قَالَ: العَبْث: مصدر عَبَث الأَقِط يَعْبَثه عَبْثاً إِذا خلط رَطْبه بيابسه. وَهِي العَبِيثة. قَالَ: والعَبَث أَن يَعبَث بالشَّيْء. قَالَ: وعَبَثَت الْمَرْأَة أقِطها إِذا فرَّغَتْه على المُشَرّ الْيَابِس ليحمِل يابسه رَطْبُه. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيدة: فِي نسب بني فلَان عَبِيثة: أَي مؤتشِب، كَمَا يُقَال: جَاءَ بعَبِيثة فِي وِعَائه أَي بُرّ وشعير قد خُلِطا.
وَقَالَ اللَّيْث: العَبِيث فِي لغةٍ: المَصْل. والعَبْث: الخَلْط، وَهُوَ بالفارسيَّة: ترفْ تَرِين. قَالَ وَتقول: إِن فلَانا لفي عَبِيثة من النَّاس ولَوِيثة من النَّاس، وهم الَّذين لَيْسُوا من أَب وَاحِد، تهبَّشُوا من أَمَاكِن شَتى. وَأنْشد:
عَبِيثَة من جُشَم وجَرْم
وَيُقَال مَرَرْنَا على غَنَم بني فلَان عَبِيثة وَاحِدَة أَي اخْتَلَط بَعْضهَا بِبَعْض.
ثعب: أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: الثَعَب: مَسِيل الْوَادي، وَجمعه ثُعْبان.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الفرّاء قَالَ: الثَعْب والوَقِيعة والغَدِير كلّ ذَا من مجامع المَاء.
وَقَالَ اللَّيْث: الثَعْب: الَّذِي يجْتَمع فِي مَسِيل المَطَر من الغُثاء.
قلت: لم يجوّد اللَّيْث فِي تَفْسِير الثَعْب، وَهُوَ عِنْدِي: المسيل نَفسه، لَا مَا يجْتَمع فِي المَسِيل من الغُثَاء.
وَقَالَ اللَّيْث: ثَعَبت المَاء ثَعَباً إِذا فَجَرْته فانثعَب كانثعاب الدَّم من الْأنف. قَالَ وَمِنْه اشتُقّ مَثْعَب المَطَر. قَالَ والثُعْبان: الحيَّة الضخم الطَّوِيل الذّكر قَالَ: الأَثْعَبيّ: الْوَجْه الضخم فِي حُسْن وَبَيَاض.
قلت: وَمِنْهُم من يَقُول: وَجه أُثْعبانيّ. قَالَ: والثُعْبة: ضَرْب من الوَزَغ يسمَّى سامَّ أبرص، غير أَنَّهَا خضراء الرَّأْس والحَلْق جاحظة الْعَينَيْنِ، لَا تلقاها أبدا إلاَّ فَاتِحَة فاها. وَهِي من شرّ الدوابّ. وَجَمعهَا ثُعَب.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: من أَسمَاء الفأر البِرّ والثُعْبة والعَرِم.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الثُعْبة: دابَّة أغْلظ من الوَزَغة تلسع، وَرُبمَا قَتَلت. قَالَ: ومَثَل من أمثالهم: مَا لخَوافي كالقِلَبة، وَلَا الخُنّاز كالثُعْبة. قَالَ والخُنّاز: الوَزَغة.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الحيَّات كلهَا ثعبان، الصَّغِير وَالْكَبِير وَالْإِنَاث والذُكران.
وَقَالَ أَبُو خيرة: الثعبان الحيَّة الذّكر، وَنَحْو ذَلِك قَالَ الضَّحَّاك فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} (الأعرَاف: 107) .
وَقَالَ قُطْرب: الثعبان: الحيَّة الذّكر الْأَصْفَر الْأَشْقَر، وَهُوَ من أعظم الحيَّات.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: قَالَ الْخَلِيل: الثُعْبان: مَاء الْوَاحِد ثَعب. قَالَ: وَقَالَ غَيره: هُوَ الثغب بالغين.
وَقَالَ شمر: قَالَ بَعضهم: الثعبان من
(2/200)

الحيَّات ضخم عَظِيم أَحْمَر يصيد الفأر. وَقَالَ: وَهِي بِبَعْض الْمَوَاضِع تستعار للفأر، وَهِي أَنْفَع فِي الْبَيْت من السنانير.
وَقَالَ حُمَيد بن ثَور:
شَدِيدا توقّيه الإمامَ كَأَنَّمَا
يَرى بتوقّيه الخِشاشة أرقما
فَلَمَّا أنته أنشبت فِي خِشاشه
زِماماً كثعبان الحَمَاطة محكما
قَالَ الْأَزْهَرِي: ومَثْعب الْحَوْض: صُنْبُوره وَهُوَ ثَقْبه الَّذِي يخرج مِنْهُ المَاء. قَالَ: وَرُوِيَ عَن ثَعْلَب فِي قَوْله تَعَالَى وتشبيهه عَصا مُوسَى بثعبان مُبين فِي مَوضِع، وَقد شبَّهها فِي مَوضِع آخر بالجان فَقيل الثعبان: أضخم الحَيَّات جُثّة، والجانّ: أخفُ الحيَّات وألطفها غَلْقاً فَكيف شبّهت الْعَصَا مرّة بالثعبان ومرَّة بالجانّ؟ فَقَالَ شبَّهها فِي ضخمها بالثعبان، وَفِي خفَّتها بالجان وَنَحْو ذَلِك قَالَ الزّجاج.
بثع: أَبُو زيد: بَثِعت لِثَةُ الرجل تَبْثَع بُثُوعاً إِذا خرجت وَارْتَفَعت حَتَّى كأنَّ بهَا وَرَماً، وَذَلِكَ عيب وَإِذا ضحك الرجل فَانْقَلَبت شفته فَهِيَ باثعة أَيْضا.
وَقَالَ اللَّيْث: البَثَغ ظُهُور الدَّم فِي الشفتين وَغَيرهمَا من الجَسَد. قَالَ: وَهُوَ البَثَغ بالغين فِي الْجَسَد.
قلت: لم أسمع البَثَغ بالغين لغيره.
بعث: قَالَ اللَّيْث: بَعَثت الْبَعِير فانبعث إِذا حللت عِقَاله وأرسلته لَو كَانَ باركاً فأثرته. قَالَ: بعثته من نَومه فانبعث. قَالَ والبَعْث: بَعْث الجُنْد إِلَى العَدُوّ. قَالَ والبَعْث يكون نَعْتاً للْقَوْم يُبْعثون إِلَى وَجه من الْوُجُوه؛ مثل السفَر والرَكْب. بَعيث: اسْم رجل. قلت: هُوَ شَاعِر مَعْرُوف من بني تَمِيم؛ وبَعيث لقب لَهُ، وَإِنَّمَا بعَّثَه قولُه:
تبعَّث مني مَا تبعَّث بَعْدَمَا استمرْ
قلت: وبُعاث بِالْعينِ: يَوْم من أَيَّام الْأَوْس والخزرج مَعْرُوف ذكره الْوَاقِدِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق فِي (كِتَابَيْهِمَا) . وَذكر ابْن المظفّر هَذَا فِي كتاب (الْغَيْن) فَجعله يَوْم بُغَاث فصحّفه. وَمَا كَانَ الْخَلِيل ح يخفي عَلَيْهِ يومُ بُعَاث؛ لِأَنَّهُ من مشاهير أيَّام الْعَرَب، وَإِنَّمَا صحَّفه اللَّيْث وَعَزاهُ إِلَى خَلِيل نفسِه، وَهُوَ لِسَانه. وَالله أعلم.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُواْ ياوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ} (يس: 52) هَذَا وقف التَمَام وَهُوَ قَول الْمُشْركين يَوْم النُشُور وَقَوله جلّ وعزّ: {مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمانُ} (يس: 52) قَول الْمُؤمنِينَ و {وُوِهَاذَا} رفع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر {مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا} وقرىء (يَا ويلنا مِن بَعْثِنا من مرقدنا) أَي مِن بَعْث الله إيانا من مرقدنا. والبعث فِي كَلَام الْعَرَب على وَجْهَيْن أَحدهمَا الْإِرْسَال؛ كَقَوْل الله تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى} (الْأَعْرَاف: 103) مَعْنَاهُ: أرسلنَا. والبَعْث: إثارة بارِكٍ أَو قَاعد. تَقول بعثت الْبَعِير فانبعث أَي أثرته فثار. والبَعْث أَيْضا: الْإِحْيَاء من الله للموتى. وَمِنْه قَوْله جلّ وعزّ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} (البَقَرَة: 56) أَي
(2/201)

أحييناكم.
وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة: (إِن للفتنة بَعْثات ووَقَفات فَمن اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت فِي وَقفاتها فَلْيفْعَل) .
وَقَالَ شمر فِي قَوْله: (بعثات) أَي إثارات وهَيْجات. قَالَ: وكلّ شَيْء أثرتَه فقد بعثتَه. وَبعثت النَّائِم إِذا أهْبَبتَه. قَالَ: والبَعْث: الْقَوْم المبعوثون المُشْخصون. ويُقَال: هم البَعْث بِسُكُون الْعين.
وَفِي (النَّوَادِر) : يُقَال: ابْتَعَثْنا الشَّام عَيْراً إِذا أرْسلُوا إِلَيْهَا رِكَاباً لِلْمِيرَةِ. وباعِيثاء: مَوضِع مَعْرُوف. الأصمعيّ: رجل بَعِث: لَا يكَاد ينَام، وناقة بَعِثة: لَا تكَاد تَبْرُك.

(بَاب الْعين والثاء مَعَ الْمِيم)
ع ث م
عثم، مثع، ثعم: مستعملة.
عثم: أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: عَثَمت يَدُه تعثِم، وعثَمتها أَنا إِذا جَبَرتها على غير اسْتِوَاء. وَقَالَ أَبُو زيد فِي العثم مثله.
وَقَالَ الفرّاء: تَعْثُم بِضَم الثَّاء وتعْثُل مثله.
وَقَالَ اللَّيْث: العَثْم: إساءة الجَبْر حَتَّى يبْقى فِيهِ أَوَد كَهَيئَةِ المَشَش. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَيْثُوم: الْأُنْثَى من الفِيلة.
وَقَالَ أَبُو عبيد: العَيْثُوم: الضَبُع وَالذكر ضِبْعان.
وَقَالَ اللَّيْث: العَيْثوم: الضخم الشَّديد من كل شَيْء. وَيُقَال للفيلَة الْأُنْثَى عَيْثوم. قَالَ: وَيُقَال للفيل الذّكر: عَيْثُوم وجمعُه عَيَاثيم.
وَقَالَ الشَّاعِر:
وَقد أَسِير أَمَام الحيّ تحملنِي
والفضلتين كِنَازُ اللَّحْم عَيثوم
وصف نَاقَته فَجَعلهَا عَيْثُوماً. قَالَ: والعَيْثام: شجر يُقَال لَهُ الْبَيْضَاء، الْوَاحِد عَيْثامة. أَبُو عبيد عَن عَمْرو: العَثْمْثَم: الشَّديد الْعَظِيم من الْإِبِل. وَقَالَ اللَّيْث: العَثمْثَم من الْإِبِل: الطَّوِيل فِي غِلَظ، وَالْجمع عَثَمْثَات. قَالَ: والأسد عَثَمْثَم، يُقَال ذَلِك من ثِقَل وَطْئه. بَغْل عَثَمْثَم: قويّ. وَقَالَ الجعديّ يصف جملا:
أَتَاك أَبُو ليلى يجوب بِهِ الدُجَى
دُجَى اللَّيْل جَوّابُ الفلاة عَثَمْثَم
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: إِنِّي لأعْثِم لَهُ شَيْئا من الرَجَز أَي أنتف. وَقَالَ ابْن الْفرج: سَمِعت جمَاعَة من قيس يَقُولُونَ: فلَان يَعْثِم ويَعْثِن أَي يجْتَهد فِي الْأَمر ويُعْمِل نَفْسه فِيهِ. وَقَالَ ابْن شُمَيْل: العَثْم فِي الْكسر وَالْجرْح: تداني الْعظم حَتَّى هَمّ أَن يَجْبُر وَلم يَجْبُر بعد كَمَا يَنْبَغِي. يُقَال: أجبَر عظمُ الْبَعِير؟ فَيُقَال: لَا وَلكنه عَثَم وَلم يَجْبُر. وَقد عَثَمَ الْجرْح وَهُوَ أَن يُكْنب ويَجْلُب وَلم يبرأ بعد. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العُثْمُ جمع عاثم وهم المُجبَّرون، عَثَمه إِذا جَبَره. عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: العُثْمان: الجانّ، جَاءَ بِهِ فِي بَاب الحيَّات: أَبُو عبيد ابْن عَمْرو: العَثْمْثَم: الشَّديد الْعَظِيم من الْإِبِل. قَالَ الْأَزْهَرِي: عُثمان: فُعْلان من العَثْم.
ثعم: اللَّيْث: الثَعْم: النَزْعُ والجرُّ. وَيُقَال: تثعَّمتْ فلَانا أرضُ بني فلَان إِذا أعجبَتْه
(2/202)

وجرَّته إِلَيْهَا، ونحوُ ذلكَ كَذَلِك. قلت وَلَا أبعده من الصَّوَاب وَمَا سَمِعت الثعْم فِي شَيْء من كَلَامهم غير مَا ذكره اللَّيْث.
مثع: أهمله اللَّيْث وَهُوَ مَعْرُوف. روى أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو قَالَ: المَثَع: مشْيَة قبيحة للنِّسَاء وَقد مَثَعث تَمْثَع. وَقَالَ شمر: تَمْثَع وتَمْثُع: وَأنْشد:
كالضبع المثعاء عنَّاها السُدُم
قَالَ: المَثْعاء: الضبع المُنْتِنة.

(أَبْوَاب الْعين وَالرَّاء

(بَاب الْعين وَالرَّاء مَعَ اللَّام)
ع ر ل
اسْتعْمل من وجوهه: رعل.
رعل: أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ: الأَرْعل: الأحمق، وَأنكر الأرعن. قَالَ: ومَثَل للْعَرَب: زَاده الله رَعَالة، كلَّما ازْدَادَ مَثَالة: أَي كلَّما ازْدَادَ غِنى زَاده الله حُمْقاً. وَقد رَعِل يَرْعل فَهُوَ أرعل. وعُشْب أرعل إِذا انثنى وَطَالَ، وَأنْشد:
أرعل مجَّاج الندى مَثّاثا
وناقة رعلاء، وَهُوَ أَن يُشَقّ أُذُنُها ثمَّ يُتْرَك نائساً. وَقَالَ الفِنْد الزِمَّاني:
رَأَيْت الفِتية الأعزا
ل مثل الأيْنُق الرُعْل
وَفِي (النَّوَادِر) : شَجَرَة مُرْعِلة ومُقْصِدة أَي رَطْبَة. فَإِذا عَسَتْ رَعْلتها فَهِيَ مُمْشِرة إِذا غَلظت. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ يُقَال لفحل الدَقَل: الراعل. قَالَ: والرِعَال: الدَقَل من النخيل واحدتها رَعْلة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو شَنْبَل الأعرابيّ: استرعلت الغَنَمُ إِذا تَتَابَعَت فِي السّير. وَرُوِيَ عَن الْأَحْمَر: من السمات فِي قَطْع الجِلْد الرَعْلة، وَهُوَ من يُشقَّ من الْأذن شَيْء ثمَّ يتْرك معلَّقاً. قَالَ أَبُو عبيد: ويسمّى ذَلِك المعلّق الرَعْل. قلت: وكلّ شَيْء متدلّ مسترخٍ فَهُوَ أَرْعَل. وَيُقَال للقلفاء من النِّسَاء إِذا طَال مَوضِع خَفْضها حَتَّى يسترخي: أرعل. وَمِنْه قَول جرير:
رَعَثاتِ عُنْبُلها الغِدَفْل الأرعل
أَرَادَ بعُنْبُلها بَظْرها. والغِدَفل: العريض الْوَاسِع. وَقَالَ اللَّيْث الرَعْل: شدَّة الطعْن، يُقَال: رَعَله بِالرُّمْحِ، وأرعل الطعنَ. قَالَ: والرَعْلة: القَطِيع من الْخَيل تكون فِي أوائلها، وَهُوَ الرَعِيل. وَتجمع الرَعَلة رِعَالاً. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
وغارةٍ ذَات قيروان
كَأَن أسرابها الرِعَالُ
وَقَالَ بَعضهم: يُقَال للقطعة من الفرسان: رَعْلة، ولجماعة الْخَيل: رَعيل. والمُسْتَرعِل: الَّذِي ينْهض فِي الرعيل الأول. وَأنْشد أَبُو عبيد وَابْن الْأَعرَابِي قَول تأبَّط شَرّاً:
مَتى تبغني مَا دمتُ حيّاً مسلَّماً
تجدني مَعَ المسترعل المُتَعَبْهِل
وَقَالَ اللَّيْث: الرَعْلة النعامة، سميت بذلك لِأَنَّهَا لَا تكَاد تُرَى إِلَّا سَابِقَة للظليم. قَالَ: وَتجمع الرَعْلة من الْخَيل أرعالاً ثمَّ أراعيل. قَالَ: والرَعْلة: هِيَ القُلْفة. وَهِي أَيْضا: الجِلدة من أذن الشَّاة تُشَقّ فَتتْرك نائسة معلَّقة فِي مُؤخر الأُذُن. وَقَالَ
(2/203)

قُطْرُب: الرِعْل: ذكر النَحْل، وَبِه سمّي رِعْل بن ذَكْوان. وَقَالَ أَبُو زيد: رَعَله بِالسَّيْفِ رَعْلاً إِذا نفحه بِهِ، وَهُوَ سيف مِرْعَل ومِخْذَم. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ عَن الْمفضل: هُوَ أَخبث من أبي رِعْلة وَهُوَ الذِّئْب، وَكَذَلِكَ أَبُو عِسْلَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقول للأحمق: كلما ازددت مَثَالة، زادك الله رعالة. قَالَ: والرعالة: الرعونة، والمَثَالة: الغِنى.

(بَاب الْعين وَالرَّاء مَعَ النُّون)
ع رن
رعن، رنع، عرن، نعر: مستعملة.
عرن: أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: العَرَن: قَرْح يخرج بقوائم الفُصْلان وأعناقها. قلت: وَأما عَرَن الدوابّ فَهُوَ غير عَرَن الفِصْلان، وَهُوَ جُسُوء فِي رُسْغ رجل الدابَّة وَمَوْضِع ثُنَنها من أُخُر لشَيْء يُصِيبهُ من الشُقَاق أَو المَشَقّة من أَن يرمح جَبلاً أَو حجرا. وَقَالَ اللَّيْث: العَرَن مثل السَحَج يكون فِي الجِلد فيُذهِب الشّعْر فَهُوَ عَرِن وَبِه عَرَن وعُرْنة وعِرَان، على لفظ العِضَاض والخِرَاط. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ قَالَ: الخِشاش: مَا كَانَ من عود أَو غَيره يَجْعَل فِي عَظْم أنف الْبَعِير. قَالَ: والعِرَان: مَا كَانَ فِي اللَّحْم فَوق الْأنف. وَقد عرنت الْبَعِير، فَهُوَ معرون. قلت: وأصل هَذَا من العَرَن والعِرَين وَهُوَ اللَّحْم. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأمويّ والعَرِين: اللَّحْم وَأنْشد لغادية الدُبَيريَّة:
موشَّمة الْأَطْرَاف رَخْص عَرِينها
وَقَالَ الأصمعيّ العِرَان: عُود يَجْعَل فِي وَتَرَة الْأنف، وَهُوَ مَا بَين المنخرين، وَهُوَ الَّذِي يكون للبَخَاتيّ. وَقَالَ اللَّيْث: العِرْنين: الأنْف، وَجمعه عَرَانين. قلت: وعرانين النَّاس: وُجُوههم وأشرافهم. وعرانين السَّحَاب: أَوَائِل مَطَره. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس يصف غيثاً:
كَأَن ثبيراً فِي عرانين وَبْله
من السَّيْل والغُثَّاء فلكَةُ مِغْزَل
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي وَعَن عَمْرو وَعَن أَبِيه قَالَا: الظِمْخ واحدتها ظِمْخة، وَهُوَ العِرْن واحدته عِرْنة: شَجَرَة على صُورَة الدُلْب تُقطع مِنْهُ خُشُب القصَّارين الَّتِي تدفن، وَيُقَال لبائعها: عَرّان. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: سِقَاء معرون: مدبوغ بالعِرْنة وَهُوَ خَشَب الظِمْخ. قَالَ: وَهُوَ شجر خشِن يشبه العَوْسجَ إلاّ أَنه أضخم مِنْهُ، وَهُوَ أثِيث الفَرْع وَلَيْسَ لَهُ سوق طوال، يُدَقّ ثمَّ يطْبخ فَيَجِيء أديمه أَحْمَر. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العِرْنة: عروق العَرَتُن. وَقَالَ شمر: العَرتُن بِضَم التَّاء: شجر واحدتها عَرَتُنة. وَقَالَ غَيره: يُقَال مِنْهُ أدِيم مُعَرْتَن. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: العَرِين: صِياح الفاختة. والعَرِين: اللَّحْم الْمَطْبُوخ. والعرين: الفِناء. والعَرِين: الشَوْك وَفِي الحَدِيث: دُفِن بعض الْخُلَفَاء بعرين مكَّة أَي فِي فنائها. والعران: الْقِتَال. والعران: الدَّار الْبَعِيدَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: العران: الْبعد، يُقَال: دَارهم عارنة أَي بعيدَة. وَأنْشد قَول ذِي الرُمَّة:
(2/204)

أَلا أَيهَا الْقلب الَّذِي برَّحت بِهِ
منَازِل مَيّ والعِرَان الشواسِعُ
ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أعرن الرجل إِذا تشقَّقت سيقان فِصْلانه. وأعرن إِذا وَقعت الحِكَّة فِي إبِله. وأعرن إِذا دَامَ على أكل العَرَن وَهُوَ اللَّحْم الْمَطْبُوخ.
وَقَالَ اللَّيْث: العَرَين: مأوى الْأسد.
وَقَالَ الطِرِمّاح يصف رَحْلاً:
أحمّ سراةِ أَعلَى اللَّوْن مِنْهُ
كلون سراة ثعبان العَرِين
وَقيل: العرين: الأجمة هَهُنَا.
وَقيل اللَّيْث: عُرَينة: حيّ من اليَمَن. وعَرِين: حيّ من تَمِيم وَلَهُم يَقُول جرير:
عَرِين من عُرَينة لَيْسَ مِنّا
بَرِئت إِلَى عُرَينة من عَرِين
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العَرَن: رَائِحَة لحم لَهُ غمَر؛ يُقَال: إِنِّي لأجد رَائِحَة عَرَنِ يدك.
قَالَ: وَهُوَ العَرَم أَيْضا.
أَبُو عبيد عَن الْفراء قَالَ: إِذا كَانَ الرجل صِرّيعاً خبيثاً قيل: هُوَ عِرْنة لَا يُطاق.
وَقَالَ ابْن أَحْمَر يصف ضعفه:
وَلست بعِرْنة عَرِك سلاحي
عَصا مثقوفَة تقص الحمارا
يَقُول: لست بقويّ. ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: سلاحي عَصا أسوق بهَا حماري وَلست بِمُقرِن لقِرني.
وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: هَذَا مَاء ذُو عُرانية إِذا كَثُرُوا وارتفع عُبَابه.
قَالَ: وَمِنْه قَول عديّ بن زيد العِبَاديّ:
كَانَت ريَاح وَمَاء ذُو عُرانية
وظُلمة لم تدع فَتْقاً وَلَا خَلَلا
وعِرْنان: اسْم وَاد مَعْرُوف. وبطن عُرَنة: وادٍ بِحذَاء عَرَفَات.
رعن: الرَعْن: الأنْف الْعَظِيم من الجَبَل ترَاهُ متقدّماً. وَمِنْه قيل للجيش الْعَظِيم: أرْعن، شبّه بالرَعْن من الْجَبَل. قلت: وَقد جعل الطِرِمّاح ظلمَة اللَّيْل رَعُونا. شبّهها بجبل من الظلام فِي قَوْله يصف نَاقَة تشقّ بِهِ ظُلَم اللَّيْل:
تشُقّ مُغَمِّضات اللَّيْل عَنْهَا
إِذا طرقت بمِرْداس رَعُون
ومغمِّضات اللَّيْل: دياجيرُ ظُلَمِها. بمرداس رعون: بجَبَل من الظلام عَظِيم.
وَيُقَال: الرَعُون: الْكثير الْحَرَكَة.
وَقَالَ اللَّيْث: الرَعْن من الْجبَال لَيْسَ بطويل، وَجمعه رُعُون.
وَيُقَال: بل هُوَ الطَّوِيل.
وَقَالَ رؤبة:
يعدلُ عَنهُ رَعْنُ كل صُدّ
قَالَ: ورَعُن الرجلُ يرْعُن رَعَناً ورُعُونة فَهُوَ أرعن: أهوج. وَالْمَرْأَة: رَعْناء.
قَالَ: ورُعِن الرجل فَهُوَ مَرعون إِذا غُشي عَلَيْهِ.
وَأنْشد:
كَأَنَّهُ من أوار الشَّمْس مرعون
أَي مَغْشِيّ عَلَيْهِ. ورُعَيْن: اسْم جبل بِالْيمن فِيهِ حِصْن ينْسب إِلَيْهِ. وَذُو رُعَين: ملك من الأذواء مَعْرُوف. وَكَانَ يُقَال لِلْبَصْرَةِ:
(2/205)

الرَعْناء لِما يكثر بهَا من وَمَد الْبَحْر وعكِيكه.
وَقَالَ الله جلّ وعزّ: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا} (البَقَرَة: 104) كَانَ الْحسن يقْرؤهَا: (لَا تَقولُوا رَاعنا) بِالتَّنْوِينِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَة القُرَّاء: {رَاعِنَا} غير منوّن.
وَقيل فِي {رَاعِنَا} غير منوّن ثَلَاثَة أَقْوَال قد فسّرناها فِي معتلّ الْعين عِنْد ذكرنَا المراعاة وَمَا يُشتقّ مِنْهَا.
وَقيل: إِن (رَاعنا) كلمة كَانَت تجْرِي مجْرى الهُزْء فنُهِي الْمُسلمُونَ أَن يَلْفِظوا بهَا بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ أَن الْيَهُود لعنهم الله كَانُوا اغتنموها فَكَانُوا يَسُبّون بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نُفُوسهم، ويتستّرون من ذَلِك بِظَاهِر المراعاة مِنْهَا، فأمِروا أَن يخاطبوه بالتعزير والتوقير.
وَقيل لَهُم: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} كَمَا يَقُول بَعْضكُم لبَعض {وَقُولُواْ انظُرْنَا} أَي انتظرنا. وَأما قِرَاءَة الْحسن (رَاعنا) بِالتَّنْوِينِ فَالْمَعْنى: لَا تَقولُوا: حُمْقاً، من الرعونة.
نعر: الحرّانيّ عَن ابْن السّكيت: نَعَر الرجل يَنْعَر نَعِيراً، من الصَّوْت. قَالَ: وَقَالَ الأصمعيّ فِي حَدِيث ذكره: مَا كَانَت فتْنَة إِلَّا نَعَر فِيهَا فلَان أَي نَعَق فِيهَا. وَإِن فلَانا لنعَّار فِي الفِتَن. وَقد نَعَر العِرْق بالدَم يَنْعَرُ، وَهُوَ عِرْق نعَّار بِالدَّمِ إِذا ارْتَفع دَمُه. ونَعِر الْفرس وَالْحمار يَنْعَرُ نَعراً إِذا دخلت فِي أَنفه النُعَرة. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: من أَيْن نَعَرت إِلَيْنَا؟ أَي من أَي أَقبلت. وَقَالَ شمر: الناعر: على وَجْهَيْن: الناعر: المصوّت، والناعر: العِرْق الَّذِي يسيل دَمًا. وَقَالَ المخبَّل السعديّ:
إِذا مَا هُم أصلحوا أَمرهم
نَعَرت كَمَا يَنْعَر الأخدع
يَعْنِي: أَنه يُفسِد على قومه أَمرهم. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: إِن فِي رَأسه لنُعَرة أَي كبْراً. قَالَ: والنَعرة أَيْضا: ذُبَابَة. قَالَ وَقَالَ الأُموي: إِن فِي رَأسه لنَعَرة بِفَتْح النُّون أمرا يهُمّ بِهِ. قَالَ: وَيُقَال للْمَرْأَة وَلكُل أُنْثَى: مَا حملت نَعَرة قطّ بِالْفَتْح: أَي مَا حملت مَلقوحاً أَي ولدا. وَيُقَال: نَعَر الْجرْح بِالدَّمِ إِذا فار، يَنْعَر. وجرح نَعَّار: لَا يكَاد يَرْقأ. ونَعَر الرجل وَغَيره يَنْعِر إِذا صوَّت. أَبُو عَمْرو: النَعِر: الَّذِي لَا يستقرّ فِي مَكَان. الْأَحْمَر: النُعَرة: ذُبَابَة تسْقط على الدَّوَابّ فتؤذيها. وَمِنْهَا يُقَال: حمَار نَعِر.
وَقَالَ ابْن مقبل:
ترى النُعَرات الخُضْر حول لَبَانه
أُحَاد ومثنَى أصعقتها صواهلُهْ
أَي قَتلهَا صهيله. وَقَالَ اللَّيْث: نَعَر يَنْعِر نَعِيراً، وَهُوَ صَوت الخيشوم. قَالَ: والنُعَرة: هِيَ الخيشوم، وَمِنْهَا يَنْعِر الناعر. قَالَ: وجرح نَعُور بِصَوْتِهِ من شدَّة خُرُوج دَمه مِنْهُ. قَالَ: والنُعَرة: ذُبَابَة الْحمير الْأَزْرَق. والنُعَرة: مَا أجنَّت الْحمرُ فِي أرحامها، شبه بالذباب، وَأنْشد:
والشَدَنيات يساقطن النُعَر
قَالَ: وَامْرَأَة نعَّارة: صَخَّابة. وَيُقَال غَيْرى
(2/206)

نَعْرى للْمَرْأَة. قلت: نَعْرى لَا يجوز أَن يكون تَأْنِيث نَعْران وَهُوَ الصخَّاب؛ لِأَن فعلان وفَعْلى يجيئان فِي بَاب فَعِل يَفْعَل وَلَا يَجِيء فِي بَاب فَعَل يَفعِل. وأمَّا قَول اللَّيْث فِي النعير: إِنَّه صَوت فِي الخيشوم، وَقَوله: النُّعَرة: الخَيشوم فَمَا سمعته لأحد من الأئمّة، وَمَا أُرى اللَّيْث حفِظه. وَيُقَال: سَفَر نَعُور إِذا كَانَ بَعيدا. وَمِنْه قَول طرفَة:
ومثلي فاعلمي يَا أم عَمْرو
إِذا مَا اعتاده سفر نَعُور
وهِمَّة نَعُور: بعيدَة والنعُور من الْحَاجَات: الْبَعِيدَة. ونَعَرت الرِيح إِذا هبَّت مَعَ صَوت، ورياح نواعر، وَقد نَعَرت نُعَاراً. والنَعْرة: مثل البَغرة من النَوْء إِذا اشتدّ بِهِ هبوب الرّيح وَمِنْه قَوْله:
عمِل الأنامل ساقطٍ أوراقهُ
متزحّر نَعَرَت بِهِ الجوزاء
وَيُقَال: لأُطيرنّ نُعَرتك أَي كِبْرك وجهلك من رَأسك. وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْحمار إِذا نَعِر ركب رَأسه. فَيُقَال لكل من ركب رَأسه: فِيهِ نُعَرة.
رنع: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ شمر: قَالَ الفرّاء: كَانَ لنا البارحة مَرْنَعة وَهِي الْأَصْوَات واللعب. وَقَالَ غَيره: يُقَال للدّابة إِذا طَرَدت الذُّبَاب برأسها: رَنَعت. وَأنْشد شمر لمصاد بن زُهَيْر:
سما بالرانعات من المطايا
قويّ لَا يضلّ وَلَا يجورُ
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: أصبْنَا عِنْده مَرْنعة من طَعَام أَو شراب، كَمَا تَقول: أصبْنَا مَرْنعة من الصَّيْد أَي قِطْعَة. سَلَمة عَن الفرّاء: قَالَ: المَرْنَعَة: الرَّوْضَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ المرنعة والمرغدة للروضة. وَفِي (النَّوَادِر) : يُقَال: فلَان رانع اللَّوْن، وَقد رَنَع لونهُ يَرْنَع رُنُوعاً إِذا تغيَّر وذَبَل.

(بَاب الْعين وَالرَّاء مَعَ الْفَاء)
ع رف
عرف، عفر، رفع، رعف، فرع، فعر: مستعملات.
عرف: اللَّيْث: عَرَف يَعْرف عِرْفاناً ومَعْرِفة. وَأمر عَارِف: مَعْرُوف عَرِيف. قلت: لم أسمع أَمر عَارِف أَي مَعْرُوف لغير اللَّيْث. وَالَّذِي حصَّلناه للأئِمَّة: رجل عَارِف أَي صَبُور. قَالَ أَبُو عبيد وَغَيره: يُقَال: نزلت بِهِ مُصِيبَة فوُجِد صَبُوراً عَارِفًا. قلت: وَنَفس عارفة بِالْهَاءِ مثله. وَقَالَ غَيره:
فصبرتُ عارفة لذَلِك حُرَّة
ترسو إِذا نفسُ الجَبَان تَطَلَّعُ
وَنَفس عَرُوف: صبور. إِذا حُمِلت على أَمر احتملَتْه. وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
فآبُوا بِالنسَاء مردَّفاتٍ
عوارفَ بعد كِنَ وائتحاح
أَرَادَ: أَنَّهُنَّ أقررن بالذلّ بعد النِعمة. ويروى: (وابتحاح) . فَمن رَوَى: (وائتجاح) فَهُوَ من الوِجَاح وَهُوَ السِتْر. وَمن رَوَى: (وابتحاح) فَهُوَ من البحوحة، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي. وَيُقَال: اعْترف فلَان إِذا ذَلَّ وانقاد. وانشد الفرّاء:
أتضجرين والمطِيّ معترفْ
(2/207)

أَيْن تعترف وتصبر. وذكّر (معترف) لِأَن لفظ المطيّ مذكَّر. وأمَّا قَول الله جلّ ذكره {} (المُرسَلات: 1) فَقَالَ بعض المفسّرين فِيهَا: إِنَّهَا أُرسلت بِالْمَعْرُوفِ، وَالْعرْف والعارفة وَالْمَعْرُوف وَاحِد، وَهُوَ كلّ مَا تعرفه النفْس من الْخَيْر وتَبْسَأ بِهِ وتطمئنّ إِلَيْهِ. قَالَ الله جلّ وعزّ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعرَاف: 199) . وَقيل فِي قَوْله: {} (المرسلات: 1) : إِنَّهَا الْمَلَائِكَة أُرسلت متتابعة كعُرف الْفرس. وقرئت (عُرْفاً) و (عُرُفاً) وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقيل المُرْسَلات: هِيَ الرُسُل. أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: عَرَف الرجل إِذا أَكثر من الطِيب، وعرِف إِذا ترك الطّيب. وَقَول الله جلّ وعزّ: {الْحَكِيمُ وَإِذَ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ} (التَّحْريم: 3) وقرىء (عَرَف بعضه) بِالتَّخْفِيفِ.
قَالَ الْفراء: من قَرَأَ: (عرَّف) بِالتَّشْدِيدِ فَمَعْنَاه: أَنه عرَّف حَفْصة بعضَ الحَدِيث وَترك بَعْضًا. قَالَ: وكأنّ من قَرَأَ (عَرَف) بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: غَضِب من ذَلِك وجازى عَلَيْهِ؛ كَمَا تَقول للرجل يسيء إِلَيْك: وَالله لأعرفنَّ لَك ذَلِك. قَالَ: وَقد لعمري جازى حفصةَ بِطَلَاقِهَا. قَالَ الفرّاء: وَهُوَ وَجه حسن، قَرَأَ بذلك أَبُو عبد الرحمان السُلَميّ. قلت: وَذهب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن السريّ فِي معنى (عرَّف) و (عَرَف) إِلَى نَحْو ممَّا قَالَه الفرّاء. قلت: وَقَرَأَ الْكسَائي والأعشى عَن أبي بكر عَن عَاصِم: (عَرَفَ بعضه) خَفِيفَة. وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر اليحصبيّ {عَلَيْهِ عَرَّفَ} بِالتَّشْدِيدِ.
وَأما قَول الله جلّ وعزّ: {بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا} (محَمَّد: 6) فَإِن الفرّاء قَالَ: يعرَّفون مَنَازِلهمْ إِذا دخلوها، حَتَّى يكون أحدهم أعرف بمنزله فِي الْجنَّة مِنْهُ بمنزله إِذا رَجَعَ من الْجُمُعَة إِلَى أَهله. وَقلت: وَهَذَا قَول جمَاعَة من المفسّرين، وَقد قَالَ بعض اللغويين: إِن معنى {الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا} أَي طيَّبها، يُقَال: طَعَام معرَّف أَي مطيَّب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول الْأسود بن يعفر يهجو عِقَال بن مُحَمَّد بن شفين:
فتُدخَل أيد فِي حناجر أُقْنِعت
لعادتها من الخَزِير المعرَّف
أُقنعت أَي مُدَّت ورُفِعت للَّقْم. وَالله أعلم بِمَا أَرَادَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: قَالَ بَعضهم فِي قَول الله عزّ وجلّ: {بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا} : وَهُوَ وضعك الطَّعَام بعضَه على بعض من كثرته. وخَزِير معرَّف: بعضه على بعض.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العَرْف: الرَّائِحَة، تكون طيّبة وَغير طيّبة. وَأما قَول الله جلّ وعزّ: {وَنَادَى أَصْحَابُ الاَْعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} (الْأَعْرَاف: 48) فالأعراف فِي اللُّغَة: جمع عُرْف، وَهُوَ كل عَال مُرْتَفع. وَقَالَ بعض المفسّرين: الْأَعْرَاف: أعالي سُور بَين أهل الجَنَّة وَأهل النَّار. وأصحابها قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيّئاتهم، فَلم يستحقُّوا الجنَّة بِالْحَسَنَاتِ،
(2/208)

وَلَا النارَ بالسّيئات، فَكَانُوا على الحِجَاب الَّذِي بَين الجَنَّة وَالنَّار. قلت: رَوَى ذَلِك جرير بن حَازِم عَن قَتَادة عَن ابْن عَبَّاس، حدَّثني بذلك أَبُو الْحسن الخُلْديّ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن ابْن وهب عَن جرير. وَقَالَ قوم: هم مَلَائِكَة، ومعرفتهم كلا بِسِيمَاهُمْ أَنهم يعْرفُونَ أهل الْجنَّة بإسفار وُجُوههم، وأهلَ النَّار باسوداد وُجُوههم. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَيجوز أَن يكون جمعه على الْأَعْرَاف على معرفَة أهل الْجنَّة وَأهل النَّار. وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ. وَيُقَال: عَرَف الرجل ذَنبه إِذا أقرَّ بِهِ. وَقَالَ أَعْرَابِي: مَا أعرف لأحد يصرعني، أَي لَا أقِرّ بِهِ. وَيُقَال: أتيت فلَانا متنكّراً ثمَّ استعرفت أَي عرَّفته مَن أَنا. وَقَالَ مُزَاحم العُقَيليّ:
فاستعرِفا ثمَّ قولا إِن ذَا رحمٍ
هَيْمانَ كلَّفَنا من شَأْنكُمْ عَسِرا
فَإِن بغَتْ آيَة تستعرفان بهَا
يَوْمًا فقولا لَهَا العُودُ الَّذِي اختُضرا
أَبُو عُبَيْدَة: اعْترفت الْقَوْم: سَأَلتهمْ.
وَأنْشد قَول بشْر:
أسائلةٌ عُمَيرةُ عَن أَبِيهَا
خلال الركب تعترف الركابا
وأمّا الحَدِيث الَّذِي جَاءَ فِي اللّقطَة: (فَإِن جَاءَ من يعترفها) فَمَعْنَاه: مَعْرفَته إيَّاها بصفتها وَإِن لم يرهَا فِي يدك.
وَقَالَ الفرّاء: رجل عَرُوفة بِالْأَمر أَي عَارِف. أَو نَاقَة عَرْفاء إِذا كَانَت مذكَّرة يُشْبه الجِمال. وَقيل لَهَا: عَرْفاء لطول عُرْفها والضَبُع يُقَال لَهَا: عَرْفاء لطول عُرْفها. والمعارف: الْوُجُوه. وَقَالَ الهذليّ:
متكورين على المعارف بَينهم
ضرب كتعطيط المزاد الأثجل
والمَعْرَف وَاحِد. وَقيل: نَاقَة عرفاء: مشرِفة السَنَام. ومعارف الأَرْض: مَا عُرِف مِنْهَا. وسَنَام أعرف: طَوِيل. وَيُقَال للرجل إِذا ولّى عَنْك بودّه: قد هَاجَتْ معارف فلَان، ومعارفه: مَا كنت تعرفه من ضنّه بك. وَمعنى هَاجَتْ: أَي يَبِست كَمَا يهيج النَّبَات إِذا يبس. وأعراف الرِّيَاح والسحاب: أوائلها وأعاليها. الحرَّانيّ عَن ابْن السّكيت: أَصَابَت فلَانا عَرْفة، وَهِي قُرْحة تخرج فِي بَيَاض الكفّ. وَهُوَ رجل مَعْروف إِذا أَصَابَته العَرْفة. قَالَ: وَهُوَ يَوْم عَرَفة غير منوَّن، وَلَا يُقَال: العرفة. وَقد عرَّف الناسُ إِذا شهدُوا عَرَفَة. وَهُوَ المعرَّف للموقف بِعَرَفَات. والأعراف: ضرب من النّخل. وَأنْشد بَعضهم:
يغْرس فِيهَا الزَّاد والأعرافا
والنابجيَّ مُسْدِفاً إسدافاً
وَيُقَال للحازي عرَّاف. وللقُناقِن: عَراف. وللطبيب عرَّاف لمعْرِفَة كل مِنْهُم بِعِلْمِهِ. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من أَتَى عَرَّافاً أَو كَاهِنًا فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد) ، أَرَادَ بالعَرَّاف: الحازي أَو المنجّم الَّذِي يدَّعي علم الْغَيْب الَّذِي اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ. وعريف الْقَوْم: سيِّدهم، وَقد عَرَف عَلَيْهِم يَعْرُف عَرافة. وَقَالَ عَلْقَمَة بن عَبَدة:
(2/209)

بل كلّ حيّ وَإِن عزُّوا وَإِن كرُموا
عريفهم بأثافي الشرّ مرجوم
والعُرُفَّان: دويْبَّة صَغِيرَة تكون فِي رمال عالج ورمال الدَهْنى. وَيُقَال: اعرورف الدَّم إِذا صَار لَهُ من الزَبد شِبْه العُرْف.
وَقَالَ الهذليّ:
مستنَّة سنَنَ الفَلو مِرشَّة
تَنْفِي التُّرَاب بقاحِز معرورف
يصف طعنة فارت بِدَم غَالب. وَيُقَال: اعرورف فلَان للشرّ كَقَوْلِك: اجْثَألّ وتشزّن.
وَقَالَ اللَّيْث: العُرْف: عُرْف الْفرس: ومَعْرَفة الْفرس: أصل عُرْفه. وَقَالَ غَيره: هُوَ اللَّحْم الَّذِي ينْبت عَلَيْهِ العُرْف.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: العُرْف: الْمَعْرُوف، بالضمّ. والعِرْف بِالْكَسْرِ: الصَّبْر، وَأنْشد:
قل لِابْنِ قيس أخي الرقيَّات
مَا أحسن العِرْف فِي المصيبات
وَقَالَ: أعرف فلَان فلَانا وَعرَّفه إِذا وقَفَه على ذَنبه ثمَّ عَفا عَنهُ.
رعف: أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: رَعَف يَرْعَف، ورَعَفَ يَرْعُف، هَكَذَا رَوَاهُ عَنهُ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الرَعْف: السَبْق رَعَفت أَرْعُف.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
بِهِ تَرعُف الألفُ إِذا أرْسلت
غداةَ الصَّباح إِذا النَقْعُ ثارا
قلت: وَقيل للدم الَّذِي يخرج من الْأنف: رُعاف لسَبْقه علْمِ الراعف.
وَقَالَ عُمَر بن لَجَأ:
حَتَّى ترى العُلْبة من إذرائها
يَرعُف أَعْلَاهَا من امتلائها
وَقَالَ اللَّيْث: الراعف: أنف الْجَبَل، وَجمعه الرواعف. والراعف: طَرَف الأرْنَبة. وَفِي حَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُحِر وَجعل سِحْره فِي جُفّ طَلْعة ودُفِن تَحت راعوفة الْبِئْر.
قَالَ أَبُو عبيد: راعوفة الْبِئْر: صَخْرَة تُترك فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذا احتُفرت، تكون نابتة هُنَاكَ، فَإِذا أَرَادوا تَنْقية الْبِئْر جلس المنقي عَلَيْهَا.
قَالَ: وَيُقَال: بل هُوَ حَجَر ناتىء فِي بعض الْبِئْر يكون صُلْباً لَا يُمكنهُم حفره فيتركُ على حَاله. وَيُقَال: هُوَ حجر يكون على رَأس الْبِئْر يقوم عَلَيْهِ المستقي.
قَالَ اللَّيْث: وَيُقَال لَهُ: أرْعُوفة.
شمر عَن خَالِد بن جَنْبة قَالَ: راعوفة الْبِئْر: النَطَّافة. قَالَ: وَهِي مثل عين على قدر جُحْر الْعَقْرَب نيط فِي أَعلَى الركيَّة فيجاوزونها فِي الحَفْر خمس قِيَم وَأكْثر، فَرُبمَا وجدوا مَاء كثيرا تَبَجُّسه. قَالَ: وبالروبنج عين نَطَّافة عَذْبة وأسفلها عين زُعَاق، فَتسمع قطران النَطاقة فِيهَا: طرَقْ طرَقْ.
قَالَ شمر: من ذهب بالراعوفة إِلَى النطَّافة فَكَأَنَّهُ أَخذه من رُعَاف الْأنف وَهُوَ سيلان دَمه وقَطَرانُه. وَيُقَال ذَلِك لسيلان الذَنِين. وَأنْشد قَوْله:
(2/210)

على مَنْخرَيْهِ سائفاً أَو معشّراً
بِمَا انفضّ من مَاء الخياشيم راعف
وَقَالَ شمر: من ذهب بالراعوفة إِلَى الْحجر الَّذِي يتقدّم طيّ الْبِئْر على مَا ذكر عَن الْأَصْمَعِي فَهُوَ من رَعَف الرجل أَو الْفرس إِذا تقدّم وسَبَق. وَكَذَلِكَ استرعف.
سَلَمة عَن الفرّاء قَالَ: الرُعَافِيّ: الرجل الْكثير الْعَطاء مَأْخُوذ من الرعاف وَهُوَ الْمَطَر الْكثير.
وَقَالَ غَيره: يُقَال للْمَرْأَة لُوثي على مراعفك أَي تلثَّمي ومراعفها: الْأنف وَمَا حوله.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بَينا نَحن نذْكر فلَانا رَعَف بِهِ الْبَاب أَي دخل علينا من الْبَاب. أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ يُقَال: رَعَف يَرعَف ويَرعُف. وَلم يعرف رُعِف وَلَا رَعُف فِي فعل الرعاف.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الرعوف: الأمطار الخِفاف. قَالَ: وَيُقَال للرجل إِذا استقطر الشَحْمةَ وَأخذ صُهَارتها: قد أودف واستودف، واسترعف واستوكف واستدام واستدمى كُله وَاحِد.
عفر: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ إِذا سجد جافي عَضُديه حَتَّى يَرى مَنْ خَلْفه عُفرة إبطَيْهِ. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد والأصمعيّ: العُفْرة: الْبيَاض، وَلَكِن لَيْسَ بالبياض الناصع الشَّديد، وَلكنه لون الأَرْض. وَمِنْه قيل للظباء: عُفْر إِذا كَانَت ألوانها كَذَلِك، وَإِنَّمَا سميت بعَفَر الأَرْض وَهُوَ وَجههَا وَيُقَال: مَا على عَفَر الأَرْض مِثله أَي مَا على وَجههَا. وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: لدَمُ عفراء أحبّ إليّ فِي الْأُضْحِية من دم سوداوين. قَالَ: وَيُقَال: عفَّرت فلَانا فِي التُّرَاب إِذا مرّغته فِيهِ، تعفيراً. قَالَ أَبُو عبيد: والتعفير فِي غير هَذَا يُقَال للوحشيَّة: هِيَ تعفّر وَلَدهَا. وَذَلِكَ إِذا أَرَادَت فطامه قطعت عَنهُ الرَّضَاع يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ. فَإِن خَافت أَن يضرّه ذَلِك ردَّته إِلَى الرَّضَاع أَيَّامًا ثمَّ أعادته إِلَى الفِطَام، تفعل ذَلِك مَرَّات حَتَّى يستمرّ عَلَيْهِ، فَذَلِك التعْفير، وَالْولد معفَّر.
قَالَ أَبُو عبيد: والأمّ تفعل مثل ذَلِك بِوَلَدِهَا الإنْسِيّ. وَأنْشد بَيت لَبِيد يذكر بقرة وَحْشية وَوَلدهَا:
لمعفَّر قَهْد تنَازع شِلْوه
غُبْس كواسب مَا يُمَنّ طعامُها
قلت: وَقيل فِي تَفْسِير المعفَّر فِي بَيت لَبيد: إِنَّه وَلَدهَا الَّذِي افترسه الذئاب الغُبْس فعفَّرته فِي التُّرَاب أَي مرَّغته. وَهَذَا عِنْدِي أشبه بِمَعْنى الْبَيْت. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: عَفَرته فِي التُّرَاب عفراً وَأَنا أعفره وَهُوَ منعفر الْوَجْه فِي التُّرَاب ومعفَّر الْوَجْه وَقد عفَّرته تعفيراً. وَقَالَ: اعتفرته اعتفاراً إِذا ضربت بِهِ الأَرْض فمغَثْته. وَقَالَ الشَّاعِر يصف شَعَر امْرَأَة طَال حَتَّى مَسَّ الأَرْض:
تهلِك المِدْراة فِي أكنافه
وَإِذا مَا أَرْسلتهُ يعتفِرْ
أَي يسْقط شعرهَا على الأَرْض، جعله من عَفَرته فاعتفر. وَرُوِيَ أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مَا قرِبت أَهلِي مذ
(2/211)

عَفَار النّخل وَقد حَمَلت، فلاعن بَينهمَا. أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: عَفَار النّخل: تلقيحها وإصلاحها، يُقَال: قد عَفَروا نَخْلهمْ يعفِرون. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العَفَار: أَن تتْرك النخيل بعد التلقيح أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تسقى. قَالَ: والعفَّار: لقّاح النخيل. أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: العَفر: سُقي الزَّرْع بعد إِلْقَاء الحَبّ. قلت: عفر الزَّرْع: أَن يسقى سَقْية ينْبت عَنهُ، ثمَّ يتْرك أَيَّامًا لَا يسقى فِيهَا حَتَّى يعطش، ثمَّ يسُقى فيصلح على ذَلِك. وَأكْثر مَا يفعل ذَلِك بخِلْف الصَّيف وخضراواته. وَقيل فِي قَول الله جَل وَعز ذكره: {ء تَشْكُرُونَ أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ أَءَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} (الْوَاقِعَة: 71، 72) : إِنَّهَا المَرْخ والعَفَار، وهما شجرتان فيهمَا نَار لَيْسَ فِي غَيرهمَا من الشّجر، ويسوَّى من أغصانهما الزِنَاد فيُقْتدح بهَا. وَقد رأيتهما فِي الْبَادِيَة. وَالْعرب تضرب المَثَل بهما فِي الشّرف العالي فَتَقول: فِي كل الشّجر نَار، واستَمجَد المَرْخ والعَفَار. استَمْجَد: استكثر. وَذَلِكَ أَن هَاتين الشجرتين من أَكثر الشّجر نَارا، وزنادهما أسْرع الزِّنَاد وَرْياً، والعُنَّاب من أقلّ الشّجر نَارا، وَقَالَ الْمبرد: يُقَال: رجل مَعَافرِيّ. ومَعَافر بن مُرّ أَخُو تَمِيم بن مرّ. قَالَ: وَنسب على الْجمع لِأَن مَعَافر اسْم لشَيْء وَاحِد؛ كَمَا تَقول لرجل من بني كلاب أَو من الضباب: كلابيّ وضِبابيّ. فأَمَّا النّسَب إِلَى الْجَمَاعَة فَإِنَّمَا توقع النّسَب على وَاحِد؛ كالنسب إِلَى الْمَسَاجِد تَقول: مسجديّ، وَكَذَلِكَ مَا أشبه. وَتقول: بُرْد مَعافريّ؛ لِأَنَّهُ نسب إِلَى رجل اسْمه معافر. وَقَالَ أَبُو زيد: من الظباء العُفْر وَهِي الَّتِي تسكن القِفاف وصَلاَبة الأَرْض وَهِي حُمْر. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو زِيَاد الكلابيّ. أَبُو عبيد: اليَعْفور: ولد الْبَقَرَة الوحشيَّة. وَقَالَ اللَّيْث: اليعفور: الخِشْف سمّي يعفوراً لِكَثْرَة لزوقه بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: يُقَال للسَوِيق الَّذِي لَا يُلَتّ بالأُدْم عَفِير. وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال: أكل فلَان خبْزًا قَفَاراً وعَفَاراً وعفيراً أَي بِلَا شَيْء مَعَه. وَقَالَ: عَلَيْهِ العَفَار والدبَار وَسُوء الدَّار. أَبُو عبيد عَن الفرّاء قَالَ: العفير من النِّسَاء: الَّتِي لَا تُهدي شَيْئا؛ قَالَ الْكُمَيْت:
وَإِذا الخُرَّد اغْبررْن من المحْ
ل وَصَارَت مِهداؤهن عفيرا
أَبُو عُبَيد: العِفْرية خَفِيفَة على مِثَال فِعللة، وَهُوَ من الْإِنْسَان: شَعَر الناصية، وَمن الدابّة: شَعَر القَفَا. قَالَ وَقَالَ: الأصمعيُ: العِفْرية النِفْرية؛ الرجل الْخَبيث المنكَر. وَمثله العَفِر. وَامْرَأَة عَفِرة. قلت: وَيُقَال: لعِفْرية الرَّأْس: عِفْراةٌ. وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ: {مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنِّ أَنَاْءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ} (النَّمل: 39) قَالُوا: العفريت: النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ مَعَ خُبْث ودهاء يُقَال: رجل عِفْر وعفريت وعِفْرية وعُفَارية بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الفرّاء: من قَالَ: عِفْرية فَجَمعه عفارٍ، وَمن قَالَ: عفريت جمعه عفاريت.
(2/212)

وَجَاز أَن يَقُول: عفارٍ؛ كَقَوْلِهِم فِي جمع الطاغوت: طواغيت وطواغٍ. وَقَالَ شمر: امْرَأَة عِفِرَّة وَرجل عِفِرّ بتَشْديد الرَّاء. وَأنْشد فِي صفة امْرَأَة غير محمودة الصّفة:
وضِبَّرة مثل الأتان عِفِرَّة
ثجلاء ذَات خواصر مَا تشبع
قَالَ اللَّيْث: وَيُقَال للخبيث: عِفِرِّيّ أَي عِفِرّ، وهم العِفِرِّيُّون. قَالَ: وَأسد عَفَرْنى ولَبُؤة عَفَرْناة إِذا كَانَا جريئين. قَالَ: وأمّا لَيْثُ عِفِرِّين فَإن الْعَرَب تسمِّي بِهِ دوَيْبة يكون مأواها التُّرَاب والسهل فِي أصُول الْحِيطَان تدوِّر دُوّارة، ثمَّ تندس فِي جوفها: فَإِذا هجت رَمَت بِالتُّرَابِ صُعُداً. قَالَ وَيُقَال للرجل ابْن الْخمسين: ليثُ عِفِرين إِذا كَانَ كَامِلا.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ وَأبي عَمْرو: يُقَال: إِنَّه لأشجع من لَيْث عفرّين هَكَذَا قَالَا فِي حِكَايَة المَثَل وَاخْتلفَا فِي التَّفْسِير.
فَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ الْأسد.
وَقَالَ الأصمعيّ: هُوَ دابَّة من الحرباء يتعرّض للراكب.
قَالَ: وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى عِفِرّين: اسْم بلد ونحوَ ذَلِك.
رَوَى أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ يُقَال: إِنَّه دابّة مثل الحرباء يتحدّى الرَّاكِب وَيضْرب بذَنَبه.
وَقَالَ اللَّيْث: العِفْر: الذّكر الْفَحْل من الْخَنَازِير.
أَبُو عبيد عَن الْأَحْمَر: لَقيته عَن عُفْر أَي بعد حِين.
وَعَن أبي زيد: لَقيته عَن عُفْر: بعد شهر وَنَحْوه.
وَأما قَول المرّار:
على عُفُر من عَن تناء وَإِنَّمَا
تَدانى الْهوى من عَن تناء وَعَن عفر
وَكَانَ هجر أَخَاهُ فِي الْحَبْس بِالْمَدِينَةِ فَيَقُول: هجرت أخي على عُفْر أَي على بعد من الحيّ والقرابات أَي وَنحن غُرَباء وَلم يكن يَنْبَغِي لي أَن أهجره وَنحن على هَذِه الْحَالة. قَالُوا: والعُفْر: الْبعد. وَيُقَال: العُفْر: قلَّة الزِّيَارَة، يُقَال: إِلَّا عَن عُفْر أَي بعد قلَّة زِيَارَة، وَيُقَال: دخلْت المَاء فَمَا انعفرتْ قَدَمَايَ أَي لم تبلغا الأَرْض. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
وتر الضبّ حفيفاً ماهراً
ثَانِيًا بُرْثُنه مَا ينْعفرْ
وبُرْد معافري: مَنْسُوب إِلَى مَعَافر الْيمن. ثمَّ صَار اسْما لَهَا بِغَيْر نِسْبَة فَيُقَال: مَعافر. أَبُو سعيد: تعفّر الوحشيّ تعفُّراً إِذا سمن. وَأنْشد:
ومجرُّ منتحر الطليْ تعفّرت
فِيهِ الفِرَاء بجِزع وَاد مُمكِن
قَالَ: هَذَا سَحَاب يمرّ مرّاً بطيئاً لِكَثْرَة مَائه. كَأَنَّهُ قد انتحر لِكَثْرَة مَائه وطليّه: مناتح مَائه بِمَنْزِلَة أطلاء الْوَحْش وتعفّرت: سمنت. والفِراء: حُمُر الْوَحْش. والممكن: الَّذِي أمكن مرعاه. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَرَادَ بالطليّ نَوْء الحَمَل ونَوْء الطَلِيّ والحَمَل وَاحِد عِنْده. قَالَ: ومنتحِر أَرَادَ أَنه نَحره فَكَانَ النَوْء بذلك الْمَكَان من
(2/213)

الحَمَل. قَالَ: وَقَوله: وَاد مُمكن يُنْبت المَكْنان وَهُوَ نَبْت من أَحْرَار الْبُقُول. وَيُقَال: رماني عَن قَرْن أعفر أَي رماني بداهية. وَمِنْه قَول ابْن أَحْمَر:
وَأصْبح يَرْمِي النَّاس عَن قرن أعفرا
وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يتّخذون الْقُرُون مَكَان الأسِنَّة، فَصَارَ مثلا عِنْدهم فِي الشدَّة؛ تنزل بهم. وَيُقَال للرجل إِذا بَات ليلته فِي شِدّة تُقْلقه: كنت على قَرْن أعفر. وَمِنْه قَول امرىء الْقَيْس:
كَأَنِّي وأصحابي على قرن أعفرا
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للحمار الْخَفِيف: فلْو ويَعْفور وهِنْبِر وزِهْلِق. وعَفَارة: اسْم امْرَأَة. وَمِنْه قَوْله:
بَانَتْ لتحزننا عَفَارة
سميت عَفَارة بالعَفَار من الشّجر الْوَاحِدَة عَفَارة. وعُفَير من أَسمَاء الرِّجَال.
فرع: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا فَرَعة وَلَا عَتِيرة) . قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ الفَرَعة والفَرَع، بِنصب الرَّاء. قَالَ: وَهُوَ أوَّل مَا تلِده النَّاقة. وَكَانُوا يذبحون ذَلِك لآلهتهم فِي الْجَاهِلِيَّة فنهُوا عَنهُ. وَقَالَ أَوْس بن حَجَر يذكر أَزْمَة فِي شدَّة البَرد:
وشُبّه الهَيْدَب العَبَام من الأق
وام سَقْباً مجَللاً فَرَعا
أَرَادَ: مجلَّلاً جِلد فَرَع فاختصر الْكَلَام؛ كَقَوْلِه: {وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ} (يُوسُف: 82) : أهل الْقرْيَة. وَيُقَال: قد أفرع الْقَوْم إِذا فعلت إبلهم ذَلِك. أَبُو عبيد عَن أبي عَمْرو: فرَّع الرجل فِي الْجَبَل إِذا صَعِد فِيهِ وفرّع إِذا انحدر. قَالَ: وَقَالَ مَعْن بن أَوْس فِي التَّفْرِيع:
فَسَارُوا فَأَما جلّ حَيّي ففرّعوا
جَمِيعًا وَأما حَيّ دَعْد فصعَّدا
قَالَ شمر: وأفرع أَيْضا بالمعنيين. وَرَوَاهُ شمر: (فأفرعوا) أَي انحدروا. وَقَالَ الشمّاخ:
لَا يدركنَّكَ إفراعي وتصعيدي
قَالَ: إفراعي: انحداري. شمر: استفرع الْقَوْم الحَدِيث وافترعوه إِذا ابتدءوه. وَقَالَ الشَّاعِر يرثي عبيد بن أيُّوب:
ودلَّهتني بالحزن حَتَّى تَرَكتنِي
إِذا استفرع القومُ الأحاديثَ سَاهِيا
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (فرّعوا إِن شِئْتُم وَلَكِن لَا تذبحوه غَرَاة حَتَّى يَكْبَر) . قَالَ شمر: وَقَالَ أَبُو مَالك: كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا تمّت إبِله مائَة بعير قدَّم بَكْراً فنحره لصنمه. وَذَلِكَ الْفَرْع وَأنْشد:
إِذْ لَا يزَال قَتِيل تَحت رايتنا
كَمَا تشحَّط سَقْبُ الناسك الفَرَعُ
قَالَ شمر: وَقَالَ يزِيد بن مُرَّة: من أمثالهم: أول الصَّيْد فَرَع. قَالَ: وَهُوَ مشبَّه بِأول النِّتَاج. أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي:
من القِسِيّ القَضيب والفَرَع. فالقضيب: الَّتِي عُملت من غُصْن وَاحِد غير مشقوق. والفَرَع: الَّتِي عملت من طَرَف الْقَضِيب. وَيُقَال: افترعت الْجَارِيَة إِذا ابتكرتها.
(2/214)

وَيُقَال لَهُ افتراع لِأَنَّهُ أول جِمَاعهَا. ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: أفرع: هَبَط، وفرّع: صَعِد. وَقَالَ كثيِّر:
إِذا أفرعت فِي تَلْعة أصعدت بهَا
وَمن يطْلب الْحَاجَات يُفرِع ويصعد
قَالَ: وفَرَع إِذا علا. وَأنْشد:
أَقُول وَقد جاوزن من صحن رابغ
صحاصح غُبْراً يَفْرَع الْآل آلُها
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: الفَرَعة: القَمْلة الْعَظِيمَة. والفَرَعة أَيْضا: أَعلَى الْجَبَل، وَجَمعهَا فِراع. وَمِنْه قيل: جبل فارع إِذا كَانَ أطول ممّا يَلِيهِ. وَبِه سمّيت الْمَرْأَة فارِعة.
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَع بَين جاريتين من بني عبد الْمطلب أَي حَجَز وَفرق بَينهمَا، يُقَال: فَرَعت بَين المتخاصمين أَفْرَعُ إِذا حجزت بَينهمَا.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: فرَّع بَين الْقَوْم وفرّق بِمَعْنى وَاحِد. ورَوَى فِي ذَلِك حَدِيثا بِإِسْنَاد لَهُ عَن أبي الطُفَيل قَالَ: كنت عِنْد ابْن عَبَّاس فجَاء بَنو أبي لَهَب يختصمون فِي شَيْء بَينهم، فَاقْتَتلُوا عِنْده فِي الْبَيْت، فَقَامَ يفرّع بَينهم أَي يحجِز بَينهم.
ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الفارع: عَوْن السُّلْطَان، وَجمعه فَرَعة.
قلت: هُوَ مثل الْوَازِع، وَجمعه وَزَعة أَيْضا.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: فَرَعت فرسي أَفْرَعه أَي قَدَعته. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الْفَرْع أَيْضا: القِسْم.
وَقَالَ أَبُو زيد: تفرّع فلَان القومَ إِذا ركبهمْ وشتَمهم.
وَقَالَ غَيره: تفرَّع فلَان الْقَوْم إِذا علاهم. وَقَالَ الشَّاعِر:
وتفرّعنا من ابْني وَائِل
هَامة العِزّ وجُرْثوم الْكَرم
وَيُقَال: رجل فارع، وَنقاً فارع: مُرْتَفع طَوِيل.
وَقَالَ أَبُو سعيد: الفَرَعة: جِلْدة تزاد فِي القِرْبة إِذا لم تكن وفراء تامَّة. أَبُو عبيد: أفرعت الْمَرْأَة: حَاضَت. وأفرعت إِذا رَأَتْ دَماً قبل الْولادَة.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
صددت عَن الْأَعْدَاء يَوْم عُبَاعب
صدودَ المذاكي أفرعتها المساحِلُ
أَي أدْمتها اللُجُم كَمَا تدمى الْحَائِض أَبُو عُبَيْدَة: الفوارع: تلاع مشرفات المسايل. وَرجل فَرْع قومه أَي شرِيف قومه.
وَقَالَ أَبُو سعيد فِي قَول الهذليّ:
وذكّرها فَيْحُ نجم الفرو
ع من صَيْهَد الحَرّ برد الشَمَال
قَالَ: هِيَ فروع الجوزاء، بِالْعينِ. قَالَ: وَهُوَ أشدّ مَا يكون الحرّ. فَإِذا جَاءَت الفروغ بالغين وَهِي من نُجُوم الدَلْو كَانَ الزَّمَان حينئذٍ بَارِدًا، وَلَا فَيْح يومئذٍ.
اللَّيْث: أَعلَى كل شَيْء: فَرْعه. وفَرَع فلَان فلَانا إِذا علاهُ. وفرعت رَأس الجَبَل: علوته. قَالَ: والفَرَع: المَال الطائل المُعَدّ. وَقَالَ الشَّاعِر:
(2/215)

فمنَّ واستبقى وَلم يعتصرْ
من فَرعه مَالا وَلَا المكسِر
قَالَ: المكسر: مَا تكسَّر من أصل مَاله. قَالَ: وفَرِعَ الرجل يفرع فَرَعاً: كثر شعره، وَهُوَ أفرع. وَرجل مُفْرع الْكَتف إِذا كَانَ مُرْتَفع الْكَتف. وَيَقُول: أفرعت بفلان فَمَا أحمدته أَي نزلت بِهِ وفرعت أَرض بني فلَان أَي جَوَّلت فِيهَا فَعلمت عِلْمها. وفارعة الطَّرِيق: حَوَاشِيه. وتفرعت بني فلَان: تزوّجت فِي الذُروة مِنْهُم والسَنام. وَكَذَلِكَ تذرَّيتهم وتنصَّيتهم. والمُفْرَع: الطَّوِيل من كل شَيْء.
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: كَانَ شُرَيح يَجْعَل المدبَّر من الثُّلُث، وَكَانَ مَسْرُوق يَجعله فارعاً من المَال.
قَالَ شمر: قَالَ أَبُو عدنان: قَالَ بعض بني كلاب: الفارع: الْمُرْتَفع العالي الهيء الْحسن. وَكَذَلِكَ الفاع من كل شَيْء.
عَمْرو عَن أَبِيه يُقَال: أفرع العروسَ إِذا قضى حَاجته من غشيانه إِيَّاهَا. وأفرعت الْفرس إِذا كبحتَه باللجام فَسَالَ الدَّم.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الفارع: العالي. والفارع: المتسَفل. قَالَ: وفرعت إِذا صعدت، وفرعت إِذا نزلت.
فعر: أهمله اللَّيْث. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الفَعْر لُغَة يَمَانِية، وَهُوَ ضرب النَبْت، زَعَمُوا أَنه الهَيْشَر، وَلَا أَحُق ذَاك.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ أَنه قَالَ: الفعر: أكل الفَعَارير، وَهُوَ صغَار الذآنين.
قلت: وَهَذَا يقوّي قَول ابْن دُرَيْد.
رفع: قَالَ الله جلّ وعزّ فِي صفة الْقِيَامَة: {كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} (الْوَاقِعَة: 3) قَالَ الزجّاج: الْمَعْنى: أَنَّهَا تخْفض أهل الْمعاصِي وترفع أهل الطَّاعَة. وَالرَّفْع: ضد الْخَفْض.
وَفِي الحَدِيث: (إِن الله يرفع القِسْط ويخفض) .
قلت: وتأويله: وَالله أعلم أَنه يرفع القِسْط وَهُوَ العَدْل فيُعليه على الجَوْر وَأَهله، وَمرَّة يخفضه فيُظهر أهل الجَوْر على أهل الْعدْل ابتلاء لخَلْقه. وَهَذَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين. وَيُقَال: ارْتَفع الشَّيْء ارتفاعاً بِنَفسِهِ إِذا علا.
وَقَالَ ابْن المظفَّر: بَرْق رَافع: سَاطِع. وَأنْشد:
صَاح ألم تَحزُنك ريح مَرِيضَة
وبَرْق تلألأ بالعقيقين رَافع
قَالَ: وَالْمَرْفُوع من سَيْر الْفرس والبِرذَوْن دون الحُضْر وَفَوق الْمَوْضُوع يُقَال: ارْفَعْ من دابَّتك، هَكَذَا كَلَام الْعَرَب. ورَفُع الرجل يرفُع رَفَاعة فَهُوَ رفيع إِذا شَرُف، وَامْرَأَة رفيعة. وَالْحمار يُرفِّع وَفِي عَدوه ترفيعاً، أَي عدا عَدْواً بعضه أرفع من بعض. وَكَذَلِكَ لَو أخذت شَيْئا فَرفعت الأول فَالْأول قلت رفعته ترفيعاً.
والرِفعة: نقيض الذِلَّة.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: رَفَعَ الْقَوْم فهم رافعون إِذا أصعدوا فِي الْبِلَاد.
وَقَالَ الرَّاعِي:
(2/216)

دعاهن دَاع للخريف وَلم تَكُن
لهنّ بلاداً فانتجعن روافعا
أَي مصعِدات، يُرِيد: لم يَكن الْبِلَاد الَّتِي دعتهنّ لهنّ بلاداً. والرُفَاعة: شَيْء تعظم بِهِ الْمَرْأَة عَجِيزتها. والجميع رفائع.
وَقَالَ الرَّاعِي:
عِرَاض القطا لَا يتّخذن الرفائعا
القطا: الأعجاز وَالْأَصْل فِيهِ قطاة الدابَّة.
والرِفاع: حَبْل الْقَيْد يَأْخُذهُ المقيَّد بِيَدِهِ يرفعهُ إِلَيْهِ، حُكِي ذَلِك عَن يُونُس النحويّ؛ وَرفعت فلَانا إِلَى الْحَاكِم أَي قدَّمته إِلَيْهِ. وَرفعت قِصَّتي: قدَّمتها.
وَقَالَ الشَّاعِر:
وهم رفعوا فِي الطعْن أَبنَاء مَذْحج
أَي قدَّموهم للحرب. وَيُقَال للَّتِي رفعت لَبنهَا فَلم تدُرّ: رَافع، بالراء. وَأما الدَّافِع فَهِيَ الَّتي دفعت اللِبَأ فِي ضَرْعها.
وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ: رَفع الْبَعِير ورفعته أَنا وَهُوَ السّير الْمَرْفُوع.
الحرّاني عَن ابْن السّكيت قَالَ: يُقَال: جَاءَ زمنُ الرِفاع والرَّفاع إِذا رُفع الزَّرْع، حَكَاهُ عَن أبي عَمْرو.
قَالَ: وَقَالَ الكسائيّ: لم أسمع الرِفاع، بِالْكَسْرِ. قَالَ: والرَفَاع: أَن يُحصِد الزَّرْع ويُرفع.
وَقَالَ الفرّاء: فِي صَوته رُفاعة ورَفَاعة إِذا كَانَ رفيع الصَّوْت.
وَيُقَال: رافعت فلَانا إِلَى الْحَاكِم إِذا قدَّمته إِلَيْهِ لتحاكمه.
وَقَالَ النَّابِغَة الذبيانيّ:
ورفَّعته إِلَى السِّجْفَين فالنضد
أَي بلغت بالحَفْر وقدَّمته إِلَى مَوضِع السجْفَين، وهما سِتْرا رُوَاق الْبَيْت.
قَالَ: وَهُوَ من قَوْلك: ارتفَع إليّ أَي تقدم، قَالَ: وارفعه إِلَى الْحَاكِم أَي قدِّمه، وَلَيْسَ من الِارْتفَاع الَّذِي هُوَ بِمَعْنى العُلُوّ.
قَالَ ذَلِك كلَّه يَعْقُوب بن السّكيت، وَأنْشد قَوْله:
وهم رفعوا بالطعن أَبنَاء مَذْحِج
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (كل رَافِعَة رفعت علينا من الْبَلَاغ فقد حرّمتها أَن تُعْضَد أَو تُخْبط إِلَّا لعصفور قَتَب أَو مَسَد مَحالَة) .
قَالَ عبد الله بن مُسلم: معنى قَوْله: (كل رَافِعَة رفعت علينا من الْبَلَاغ) يُرِيد: كلّ جمَاعَة مبلّغة تبلّغ عَنَّا وتذيع مَا تَقوله. وَهَذَا كَمَا تَقول: رفع فلَان على الْعَامِل إِذا أذاع خَبره. وحُكي عَنهُ أَن كل حاكية حكت عنَّا وبلَّغت فلْتحكِ أَنِّي قد حرّمتها يَعْنِي الْمَدِينَة أَن يُعضد شَجَرهَا. وَفِي (النَّوَادِر) : يُقَال: ارْتَفع الشَّيْء بِيَدِهِ وَرَفعه.
قلت: الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب: رفعت الشَّيْء فارتفع، وَلم أسمع ارْتَفع وَاقعا بِمَعْنى رفع، إِلَّا مَا قرأته فِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) .
ابْن السّكيت: إِذا ارْتَفع الْبَعِير عَن الهَمْلجة فَذَلِك السّير الْمَرْفُوع، يُقَال: رفع البعيرُ يَرْفَع فَهُوَ رَافع. والروافع إِذا رفعوا فِي
(2/217)

سيرهم، وَرفعت الدابَّة فِي سَيرهَا. ودابة مَرْفُوع.

(بَاب الْعين وَالرَّاء مَعَ الْبَاء)
ع ر ب
عرب، عبر، ربع، رعب، برع، بعر: مستعملات.
عرب: قَالَ ابْن المظفّر: العَرَب العاربة: الصَّرِيح مِنْهُم.
قَالَ: والأعاريب: جمَاعَة الْأَعْرَاب.
وَقَالَ غَيره: رجل عربيّ إِذا كَانَ نسبه فِي الْعَرَب ثَابتا وَإِن لم يكن فصيحاً. وَجمعه العَرَب؛ كَمَا يُقَال: رجل مجوسيّ ويهوديّ، وَالْجمع بِحَذْف يَاء النِّسْبَة: الْمَجُوس وَالْيَهُود. وَرجل مُعْرِب إِذا كَانَ فصيحاً وَإِن كَانَ عجميّ النّسَب. وَرجل أعرابيّ بِالْألف إِذا كَانَ بدويّاً صَاحب نُجْعة وانتواء وارتياد للكلأ وتتبّع لمساقط الْغَيْث، وَسَوَاء كَانَ من الْعَرَب أَو من مواليهم. وَيجمع الأعرابيّ على الْأَعْرَاب والأعاريب. والأعرابيّ إِذا قيل لَهُ يَا عربيّ فَرِح بِذَاكَ وهَشّ لَهُ. والعربيّ إِذا قيل لَهُ: يَا أعرابيّ غضِب لَهُ. فَمن نزل الْبَادِيَة أَو جاور البادين وظَعَنَ بظَعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أَعْرَاب، وَمن نزل بِلَاد الرِّيف واستوطن المدن والقُرَى الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا مِمَّا ينتمي إِلَى الْعَرَب فهم عرب وَإِن لم يَكُونُوا فصحاء.
وَقَول الله جلّ وعزّ: {خَبِيرٌ قَالَتِ الاَْعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَاكِن قُولُو صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
1764 - اْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ} (الحُجرَات: 14) هَؤُلَاءِ قوم من بوادي الْعَرَب قدِموا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة طَمَعا فِي الصَّدقَات لَا رَغْبَة فِي الْإِسْلَام، فسمَّاهم الله الأعرابَ، وَمثلهمْ الَّذين ذكرهم الله فِي سُورَة البَحُوث: {الاَْعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} (التَّوْبَة: 97) الْآيَة.
قلت: وَالَّذِي لَا يفرق بَين الْعَرَب والأعراب والعربيّ والأعرابيّ رُبمَا تحامل على الْعَرَب بِمَا يتأوّله فِي هَذِه الْآيَة، وَهُوَ لَا يُمَيّز بَين الْعَرَب والأعراب. وَلَا يجوز أَن يُقَال للمهاجرين وَالْأَنْصَار: أَعْرَاب، إِنَّمَا هم عرب؛ لأَنهم استوطنوا القُرَى الْعَرَبيَّة وَسَكنُوا المُدُن، سَوَاء مِنْهُم الناشىء بالبَدْو ثمَّ استوطن الْقرى والناشىء بِمَكَّة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة. فَإِن لحقت طائفةٌ مِنْهُم بِأَهْل البَدْو بعد هجرتهم واقتَنوا نَعَماً ورعَوا مساقط الْغَيْث بَعْدَمَا كَانُوا حَاضِرَة أَو مهاجرة قيل: قد تعرّبوا أَي صَارُوا أعراباً بَعْدَمَا كَانُوا عَرَباً.
وَقَالَ أَبُو زيد الأنصاريّ يُقَال: أعرب الأعجمي إعراباً، وتعرّب تعرُّباً واستعرب استعراباً كلّ هَذَا للأغْتَم دون الصبيّ.
قَالَ: وأفصح الصبِيّ فِي مَنْطِقه إِذا فهمت مَا يَقُول أوّلَ مَا يتَكَلَّم. وأفصح الأغتم إفصاحاً مثله. وَيُقَال للعربي: أفصِحْ لي إِن كنت صَادِقا أَي أَبِنْ لي كلامك.
قَالَ: وَيُقَال: عرَّبت لَهُ الْكَلَام تعريباً وأعربته لَهُ إعراباً إِذا بيَّنته لَهُ حَتَّى لَا يكون فِيهِ حَضْرمة. قَالَ: وفَصُح الرجل فَصَاحة وأفصح كلامُه إفصاحاً. قلت: وَجعل الله جلّ وعزّ الْقُرْآن المنزَّل على النَّبِي الْمُرْسل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَرَبيا لِأَنَّهُ نَسَبه إِلَى الْعَرَب
(2/218)

الَّذين أنزلهُ بلسانهم، وهم النَّبِي والمهاجرون وَالْأَنْصَار الَّذين صِيغَة لسانهم لُغَة الْعَرَب فِي باديتها وقراها العربيّة. وَجعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عربيّاً لِأَنَّهُ من صَرِيح الْعَرَب. وَلَو أَن قوما من الْأَعْرَاب الَّذين يسكنون الْبَادِيَة حَضَرُوا القُرَى الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وتَناءوْا مَعَهم فِيهَا سُمُّوا عربا وَلم يسمُّوا أعراباً. وَيُقَال: رجل عربيّ اللِّسَان إِذا كَانَ فصيحاً.
وَقَالَ اللَّيْث: يجوز أَن يُقَال: رجل عَرَبانيّ اللسانيّ. قَالَ: وَالْعرب المستعربة هم الَّذين دخلُوا فيهم بعد فاستعربوا. وَقلت أَنا: المستعربة عِنْدِي: قوم من الْعَجم دخلُوا فِي الْعَرَب فتكلموا بلسانهم وحَكَوا هَيئاتهم وَلَيْسوا بُصَرحاء فيهم.
وَقَالَ اللَّيْث: تعرّبوا مثل استعربوا.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ. قلت: وَيكون التعرّب أَن يرجع إِلَى الْبَادِيَة بَعْدَمَا كَانَ مُقيما بالحَضَر فيلحَق بالأعراب. وَيكون التعرّب المُقام فِي الْبَادِيَة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
تعرَّب آبَائِي فهلاَّ وقاهم
من الْمَوْت رَمْلاَ عالجٍ زَرُودِ
يَقُول: أَقَامَ آبَائِي بالبادية وَلم يحضروا القُرَى.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (الثّيّب يُعْرب عَنْهَا لسانُها وَالْبكْر تُستأمَر فِي نَفسهَا) .
وَقَالَ أَبُو عبيد: هَذَا الْحَرْف جَاءَ فِي الحَدِيث: يُعْرِب، بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَالَ الفرّاء: إِنَّمَا هُوَ يُعرِّب، بِالتَّشْدِيدِ يُقَال: عرَّبت عَن الْقَوْم إِذا تَكَلَّمت عَنْهُم واحتججت لَهُم. قلت: الْإِعْرَاب والتعريب مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَهُوَ الْإِبَانَة. يُقَال: أعرب عَنهُ لسانُه وعَرَّب أَي أبان وأفصح. وَيُقَال: أعرِبْ عَمَّا فِي ضميرك أَي أبِنْ. وَمن هَذَا يُقَال للرجل إِذا أفْصح فِي الْكَلَام: قد أَعْرب.
وَمِنْه قَول الْكُمَيْت:
وجدنَا لكم فِي آل حاميمَ آيَة
تأوّلها مِنّا تَقِي ومُعْرِبُ
تقِيّ: يتوقّى إِظْهَاره حِذارَ أَن يَنَالهُ مَكْرُوه من أعدائكم. ومعرب أَي مفصح بِالْحَقِّ لَا يتوقّاهم. وَالْخطاب فِي هَذَا لبني هَاشم حِين ظَهَرُوا على بني أميَّة، وَالْآيَة قَوْله جلّ وعزّ: {الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى} (الشّورى: 23) .
وأمَّا حَدِيث عمر بن الْخطاب: (مَا لكم إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يخرق أَعْرَاض النَّاس ألاَّ تعرِّبوا عَلَيْهِ) فَلَيْسَ هَذَا من التعريب الَّذِي جَاءَ فِي خبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلك: عرَّبت على الرجل قولَه إِذا قبَّحته عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد الأنصاريّ فِي قَوْله: (ألاَّ تعربوا عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ: ألاَّ تفسدوا عَلَيْهِ وَلَا تقبّحوه.
وَمِنْه قَول أَوْس بن حَجَر:
وَمثل ابْن عَثْم إِن ذُحول تُذُكّرت
وقتلى تِيَاسٍ عَن صِلاح تعرِّب
ويروى: يعرّب. يَعْنِي أَن هَؤُلَاءِ الَّذين
(2/219)

قُتِلوا منا وَلم نتَّئر بهم وَلم نقْتل الثأر إِذا ذكر دِمَاؤُهُمْ أفسدت الْمُصَالحَة ومنعتْنا عَنْهَا. والصِلاَح: الْمُصَالحَة.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: التعريب التَّبْيِين فِي قَوْله: (الثّيّب تُعرِب عَن نَفسهَا) . قَالَ: والتعريب: المَنْع فِي قَول عمر: (أَلا تعربوا) أَي لَا تمنعوا. وَكَذَلِكَ قَوْله: (عَن صِلاَح تعرب) أَي تمنع. قَالَ: والتعريب: الْإِكْثَار من شرب العَرَب، وَهُوَ المَاء الْكثير الصافي. قَالَ: والتعريب: أَن يتَّخذ فرسا عربيّاً. قَالَ: والتعريب: تمريض العَرِب، وَهُوَ الذرِب الَمعِدة.
وَقَالَ أَبُو عبيد: وَقد يكون التعريب من الفُحْش، وَهُوَ قريب من هَذَا الْمَعْنى.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَول الله جلّ وعزّ {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} (البَقَرَة: 197) : وَهُوَ العرَابة فِي كَلَام الْعَرَب. قَالَ: والعِرَابة كَأَنَّهُ اسْم مَوْضُوع من التعريب، وَهُوَ مَا قبح من الْكَلَام يُقَال مِنْهُ: عرّبت وأعربت. وَمِنْه حَدِيث عَطاء: أَنه كره الْإِعْرَاب للمُحْرِم. وَقَالَ رؤبة يصف نسَاء يجمعن العَفَاف عِنْد الغرباء وَالْإِعْرَاب عِنْد الْأزْوَاج، وَهُوَ مَا يستفحش من أَلْفَاظ النِّكَاح وَالْجِمَاع فَقَالَ:
والعُرْبُ فِي عفافة وإعراب
وَهَذَا كَقَوْلِهِم: خير النِّسَاء المتبذِلة لزَوجهَا، الخِفرة فِي قَومهَا، والعُرُب: جمع العَرُوب من قَول الله جلّ وعزّ: {أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} (الْوَاقِعَة: 37) وَهن المتحبّبات إِلَى أزواجهنّ. وَقيل: العُرُب الغَنِجات. وَقيل: العُرُب المغتَلمات، وكلّ ذَلِك رَاجع إِلَى معنى وَاحِد.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: العَرُوب من النِّسَاء: المطيعة لزَوجهَا المتحبّبة إِلَيْهِ. قَالَ: والعَرُوب أَيْضا: العاصية لزَوجهَا، الخائنة بفرجها، الْفَاسِدَة فِي نَفسهَا. وَأنْشد:
فَمَا خلفٌ من أم عمرَان سَلْفَعٌ
من السود ورهاءُ الْعَنَان عَروبُ
وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَول الله جلّ وعزّ: {أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} قَالَ: عواشق، وَقَالَ غَيره: هِيَ الشكلات بلغَة أهل مكَّة، والمَغْنوجات بلغَة أهل الْمَدِينَة.
وَقَالَ أَبُو عبيد: العَرِبة مثل العَرُوب فِي صِفَات النِّسَاء.
وَقَالَ أَبُو زيد الأنصاريّ: فعلت كَذَا وَكَذَا فَمَا عرَّب عليَّ أحد أَي مَا غيَّر عليَّ أحد.
وَقَالَ شمر: التعريب: أَن يتَكَلَّم الرجل بِالْكَلِمَةِ فيُفحش فِيهَا أَو يخطىء فَيَقُول لَهُ الآخر: لَيْسَ كَذَا وَلكنه كَذَا للَّذي هُوَ أصوب، أَرَادَ معنى حَدِيث عمر: (ألاَّ تعربوا عَلَيْهِ) .
قَالَ شمر: والعِرْب مثل الْإِعْرَاب من الْفُحْش فِي الْكَلَام.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: عرِبتْ مَعِدته عَرَباً وذرِبت ذَرباً فَهِيَ عَرِبة وذَرِبة إِذا فَسدتْ. قلت: وَيحْتَمل أَن يكون التعريب على من يَقُول بِلِسَانِهِ الْمُنكر من هَذَا لِأَنَّهُ يفْسد عَلَيْهِ كَلَامه كَمَا فَسدتْ مَعِدته.
وَقَالَ اللَّيْث: العَرَب: النشاط والأَرَن.
(2/220)

وَأنْشد:
كل طِمِرَ غَذَوانٍ عَرَبُهْ
ويروى: عَدَوان. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: العِرْب: يبيس البُهْمَى والواحدة عِرْبة والتعريب: تعريب الْفرس، وَهُوَ أَن يُكْوَى على أشاعر حَافره فِي مَوَاضِع ثمَّ يُبْزغ بمبزَغ بَزْغاً رَقِيقا لَا يؤثّر فِي عَصَبه ليشتدّ أَشْعره. قلت: وأشاعر الْفرس: مَا بَين حَافره ومنتهى شعر أرساغه. وَرجل مُعْرِب: مَعَه فرس عربيّ. وَفرس مُعْرِب: إِذا خلصت عربيَّته. وَقَالَ الجعديّ:
ويصهل فِي مثل جَوف الطوِيّ
صهيلاً تبيَّنَ للمُعْرِب
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: المعرب من الْخَيل: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عِرْق هجين، وَالْأُنْثَى مُعْرِبة.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ: قَالَ: العَبْرَب: السُمَّاق. قَالَ: وقِدْر عَرَبْرَبِيَّة وَهِي السُمَّاقيَّة. والعَرُوبة: يَوْم الْجُمُعَة. وَكَانَ يُقَال لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة: يَوْم العَرُوبة، والعَرَاب: حَمْل الخَزَم، وَهُوَ شجر يُفتل من لِحَائه الحِبَال، والواحدة عَرَابة، تَأْكُله القرود وَرُبمَا أكله النَّاس فِي المجاعة. وعرِب السَنَامُ عَرَباً إِذا ورم وتفتَّح. وَيُقَال: مَا فِي الدَّار عرِيب أَي مَا بهَا أحد. والعُرَيب: تَصْغِير الْعَرَب. وَيُقَال: ألْقى فلَان عَرَبُونه إِذا أحدث. وعرِيب: حيّ من الْيمن.
وَقَالَ الفرّاء: أعربت إعراباً وعرَّبت تعريباً إِذا أَعْطَيْت العُربان. قلت: وَيُقَال لَهُ: العَرْبون.
ورُوي عَن عَطاء أَنه كَانَ ينْهَى عَن الْإِعْرَاب فِي البيع.
وَقَالَ شمر: الْإِعْرَاب فِي البيع: أَن يَقُول الرجل للرجل: إِن لم آخذ هَذَا البيع بِكَذَا فلك كَذَا وَكَذَا من مَالِي.
وَقَالَ أَبُو زيد: عرِب الْجرْح عَرَباً وحبِط حَبَطاً إِذا بقيت لَهُ آثَار بعد البُرْء. والعَرَبات: طَرِيق فِي جبل بطرِيق مصر. وَاخْتلف النَّاس فِي الْعَرَب أَنهم لِمَ سُمُّوا عربا.
فَقَالَ بَعضهم: أول من أنطق الله لِسَانه بلغَة الْعَرَب يَعْرُب بن قَحْطان وَهُوَ أَبُو اليَمَن، وهم الْعَرَب العاربة. وَنَشَأ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِمَا مَعَهم فَتكلم بلسانهم، فَهُوَ وَأَوْلَاده الْعَرَب المستعرِبة.
وَقَالَ آخَرُونَ: نَشأ أَوْلَاد إِسْمَاعِيل بَعَرَبة وَهِي من تِهامة فنُسِبوا إِلَى بلدهم.
روينَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (خَمْسَة أَنْبيَاء من الْعَرَب. وهم: إِسْمَاعِيل، مُحَمَّد، شُعَيْب، صَالح، هود صلى الله عَلَيْهِم) . وَهَذَا يدلّ على أَن لِسَان الْعَرَب قديم.
وَهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء كلهم كَانُوا يسكنون بِلَاد الْعَرَب. فَكَانَ شُعيب وَقَومه بِأَرْض مَدْيَن.
وَكَانَ صَالح وَقَومه ثَمُود ينزلون بِنَاحِيَة الحِجْر.
وَكَانَ هود وَقَومه وهم عَاد ينزلون الْأَحْقَاف من رمال الْيمن. وَكَانُوا أهل عَمَد.
وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَالنَّبِيّ
(2/221)

الْمُصْطَفى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِمَا من سُكّان الحَرَم. وكلّ من سكن بِلَاد الْعَرَب وجزيرتها ونطق بِلِسَان أَهلهَا فهم عَرَب: يَمَنُهم ومَعَدّهم. وَالْأَقْرَب عِنْدِي أَنهم سُمّوا عربا باسم بلدهم: العَرَبات.
وَقَالَ إِسْحَاق بن الْفرج: عَرَبة: باحة الْعَرَب، وباحة دَار أبي الفصاحة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ث. قَالَ: وَفِيهِمَا يَقُول قَائِلهمْ:
وعَرْبة أَرض مَا يُحِلّ حرامَها
من النَّاس إلاّ اللوذعيُّ الحُلاحل
يَعْنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحِلت لَهُ مكَّةُ سَاعَة من نَهَار، ثمَّ هِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ: واضطُرّ الشَّاعِر إِلَى تسكين الرَّاء من عَرَبة فسكَّنها.
وَأنْشد قَول الآخر:
ورُجّت باحة العَرَبات رَجاً
ترقرقُ فِي مناكبها الدِّمَاء
كَمَا قَالَ: وأقامت قُرَيْش بعرَبة فتَنَّخَتْ بهَا وانتشر سَائِر الْعَرَب فِي جزيرتها، فنُسبوا كلهم إِلَى عَرَبة؛ لِأَن أباهم إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهَا نَشأ (وربل أَي كثر أَوْلَاده) فِيهَا فكثروا. فلمَّا لم تحتملهم الْبِلَاد انتشروا وأقامت قُرَيْش بهَا.
وروينا عَن أبي بكر الصّديق أَنه قَالَ: قُرَيْش هم أَوسط الْعَرَب فِي الْعَرَب دَارا، وَأحسنه جِواراً وأعربه ألْسنة.
وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت قُرَيْش تجتبي أَي تخْتَار أفضل لُغَات الْعَرَب، حَتَّى صَار أفضل لغاتها لُغَة لَهَا فَنزل الْقُرْآن بهَا.
أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العرَّاب: الَّذِي يعْمل العرابات، واحدتها عرابة، وَهِي شُمُل ضُرُوعِ الْغنم.
قَالَ: والعَرِيبة: الغريبة من الْإِبِل وَغَيرهَا.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: العَرَبة: النفْس.
قَالَ: وعَرِب الرجل إِذا غرِق فِي الدُّنْيَا. وعَرِب إِذا فصُح بعد لُكْنة فِي لِسَانه.
رعب: قَالَ ابْن المظفر: الرُعْب: الْخَوْف. وَتقول رَعَبت فلَانا رَعْبَاً ورُعْبَاً لُغَتَانِ فَهُوَ مرعوب ورَعِيب. ورعَّبته فَهُوَ مُرَعَّب، وَهُوَ مُرْتَعِب أَي فزِع.
قَالَ: والحَمَام الراعِبيّ يُرعّب فِي صَوته ترعيباً، وَهُوَ شدّة الصَّوْت تَقول: إِنَّه لشديد الرعْب.
وَقَالَ رؤبة:
وَلَا أُجِيب الرَعْب إِن دعيتُ
ويروى: إِن رُقيت. أَرَادَ بالرَعْب الوَعِيد، إِن رُقِيتُ: أَي خُدعت بالوعيد لم أنَقَدْ وَلم أخَف. أَبُو عبيد: الترْعيب: السَنَام المقطَّع.
وَقَالَ شمر: ترعيبه: ارتجاجه وسِمَنه وغِلظه، كَأَنَّهُ يرتجّ من سمنه.
وَيُقَال: أطعَمنا رُعبُوبة من سَنَام عِنْده. وَهُوَ الرُعَيْب. وَكَأن الْجَارِيَة قيل لَهَا: رُعْبُوبة من هَذَا.
وَقَالَ اللَّيْث: جَارِيَة رُعْبوبة: تارّة شَطْبة.
وَيُقَال: رُعْبوب. والجميع الرعابيب. وَقَالَ الأصمعيّ: الرُعْبُوبة: الْبَيْضَاء.
وَأنْشد اللَّيْث:
(2/222)

ثمَّ ظلِلنا فِي شواء رُعْبَبه
مُلَهْوَج مثل الكشى نُكَشِّبُه
وَقَالَ غَيره: يُقَال لأصل الطلعة: رُعْبُوبة أَيْضا.
أَبُو عبيد عَن الأصمعيّ: جَاءَنَا سيل راعب وَقد رعب الواديَ إِذا ملأَهُ بالراء وأمَّا الزاعب فَهُوَ الَّذِي يَدْفع بعضُه بَعْضًا.
وَقَالَ اللَّيْث: التِرْعابة: الفَرُوقة.
أَبُو الْعَبَّاس عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ: المَرْعَبة: القَفْرة المُخيفة.
برع: أَبُو عبيد: البارع: الَّذِي قد فاق أَصْحَابه فِي السُودَد. وَقد بَرَع يَبْرُع وَبَرُع يَبْرُع براعة فَهُوَ بارع.
وَقَالَ غَيره: فلَان يتبرَّع بالعطاء أَي يتفضّل بِمَا لَا يجب عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البَرِيعة: الْمَرْأَة الفائقة الْجمال وَالْعقل.
وَقَالَ غَيره: يُقَال: بَرَعه وفَرَعه إِذا علاهُ وفاقه وكلّ مُشْرِف بارعٌ فارع.
ربع: فِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّ بِقوم يَرْبَعُون حجرا فَقَالَ: (عُمّال الله أقوى من هَؤُلَاءِ) .
وَفِي بعض الحَدِيث: (يَرْتَبِعون حجرا) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الرَبْع: أَن يشال الحَجَرُ بِالْيَدِ، يُفعل ذَلِك لِتعرف بِهِ شدَّة الرجل. يُقَال ذَلِك فِي الْحجر خاصَّة. قَالَ: وَقَالَ الأمويّ مثلَه فِي الرَبْع.
وَقَالَ: المِربَعة: عَصاً يحمل بهَا الأثقال حَتَّى تُوضَع على ظُهُور الدوابّ.
وأنشدنا:
أَيْن الشِظاظان وَأَيْنَ المِرْبَعَهْ
وَأَيْنَ وَسْقُ النَّاقة الجَلَنْفَعَهْ
ابْن السّكيت: رابعت الرجل إِذا رفعت مَعَه العِدْل بالعصا على ظهر الْبَعِير.
وَقَالَ الراجز:
يَا لَيْت أم العَمْر كَانَت صَاحِبي
مكانَ من أنشا على الركائب
ورابعتني تَحت ليل ضَارب
بساعد فَعْم وكفّ خاضِب
وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعديّ بن حَاتِم قبل إِسْلَامه: (إِنَّك تَأْكُل المِرْباع وَهُوَ لَا يَحِلّ فِي دينك) .
قَالَ أَبُو عبيد: المِرْباع: شَيْء كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، يَغْزُو بَعضهم بَعْضًا، فَإِذا غنموا أَخذ الرئيس ربع الْغَنِيمَة فَكَانَ خَالِصا لَهُ دون أَصْحَابه.
وَقَالَ عبد الله بن عَنَمة:
لَك المرباع فِيهَا والصفايا
وحكمك والنَشِيطة والفُضُول
وَقَالَ غَيره: رَبَعت الْقَوْم أَرْبَعهم رَبْعاً إِذا أخذت ربع أَمْوَالهم أَو كنت لَهُم رَابِعا. والرَبْع أَيْضا: مصدر رَبَعت الوَتَر إِذا فتلته على أَربع قُوًى.
وَيُقَال: وَتَر مَرْبُوع. عَمْرو عَن أَبِيه: الرُوميّ: شِرَاع السَّفِينَة الفارغة، والمُرْبِع: شراع المَلأَى. قَالَ: والمتلمِّظة: مقْعد الاستيام وَهُوَ رَئِيس الركّاب.
أَبُو عُبَيْدَة عَن الأصمعيّ: الرَبْع: هُوَ الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت. والمَرْبَع: الْمنزل فِي الرّبيع خاصَّة.
(2/223)

وَقَالَ شمر: الرُبُوع: أهل الْمنَازل أَيْضا.
وَقَالَ الشماخ:
تصيبُهمُ وتخطئني المنايا
وأَخْلُف فِي رُبُوع عَن ربوع
أَي فِي قوم بعد قوم.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد: فِي ربع من أَهلِي أَي فِي مسكنهم بعد ربع.
وَقَالَ أَبُو مَالك: الرّبع مثل السَكْن وهما أهل الْبَيْت. وَأنْشد:
فَإِن يَك رَبْع من رجالي أَصَابَهُم
من الله والحَتْم المُطل شَعُوب
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الرَبَّاع: الرجل الْكثير شِرَى الرُبُوع، وَهِي الْمنَازل.
وَقَالَ شمر: الرّبع يكون الْمنزل، وأهلَ الْمنزل.
قَالَ: وأمَّا قَول الرَّاعِي:
فعُجنا على رَبْع بِربع تعوده
من الصَّيف حَشَّاء الحنين نَئُوج
فَإِن الرّبع الثَّانِي طَرَف الْجَبَل. والرِبْع من أظماء الْإِبِل: أَن ترد الماءَ يَوْمًا وتدعه يَوْمَيْنِ ثمَّ ترد الْيَوْم الرَّابِع. وإبل روابع، وَقد وَردت رِبْعاً. وَأَرْبع الرجلُ إِذا وَردت إبِله رِبْعاً. والرِبْع: الحُمَّى الَّتِي تَأْخُذ كل أَرْبَعَة أيّام، كَأَنَّهُ يُحَمّ فيهمَا ثمَّ يحمّ اليومَ الرَّابِع. يُقَال: رُبع الرجل وأُرْبع.
وَقَالَ الهذليّ:
من المُرْبِعِين وَمن آزل
إِذا جَنَّه اللَّيْل كالناحط
أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ: أربعت الْحُمَّى زيدا إِذا أَخَذته رِبْعاً، وأغَبَّته إِذا أخذتْه غِبَّاً. وَرجل مُغِبّ ومُرْبِع بِكَسْر الْبَاء وَأنْشد:
من المربِعين وَمن آزل
بِكَسْر الْبَاء، فَقيل لَهُ: لِمَ قلت: أربعت الحُمَّى زيدا. ثمَّ قلت: من المُرْبِعين؟ فَجَعَلته مرَّة مَفْعُولا ومرَّة فَاعِلا، فَقَالَ: يُقَال: أَرْبَع الرجلُ أَيْضا.
أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: يُقَال: أربعت عَلَيْهِ الحُمَّى وَمن الغِبّ: غَبّت. قلت: كَلَام الْعَرَب: أربعت عَلَيْهِ الحُمَّى، والرجُل مُرْبَع، بِفَتْح الْبَاء.
وَقَالَ الأصمعيّ أَيْضا: يُقَال: أَرْبع الرجلُ فَهُوَ مُرْبِع إِذا وُلِد لَهُ فِي فَتَاء سِنه. وَولده رِبْعيّون.
وَقَالَ الراجز:
إِن بنِيَّ غِلْمة صِيْفِيّونْ
أَفْلح مَن كَانَ لَهُ رِبعيّون
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: قد رَبَع الرجل يَرْبَع إِذا وقف وَتحبَّس.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: اربَعْ على ظَلْعك، وَاربَعْ على نَفْسك وَاربع عَلَيْك، كل ذَلِك وَاحد مَعْنَاهُ: انْتظر. وَقال الْأَحْوَص:
مَا ضرّ جيراننا إِذا انتجعوا
لَو أَنهم قبل بَينهم رَبَعوا
وَقال آخر:
أَرْبَع عِنْد الْوُرُود فِي سُدُم
أنقع من غُلَّتي وَأجزاؤها
قَالَ: مَعْنَاهُ: أُلقي فِي مَاء سُدُم وَألهج
(2/224)

فِيهِ.