Advertisement

النهاية في غريب الحديث والأثر 003

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

حرف الصاد

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْهَمْزَةِ

(صَأْصَأَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّ عُبَيْد اللَّهِ بْنَ جَحْش كَانَ أسْلَم وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشة، ثُمَّ ارتَدَّ وتنصَّر، فكانَ يَمُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا وصَأْصَأْتُمْ» أَيْ أبْصَرْنا أمُرَنا وَلَمْ تُبْصِرُوا أمْرَكم. يُقَالُ صَأْصَأَ الجِرْوُ إِذَا حَرَّك أجْفَانه لينظُر قَبْلَ أَنْ يُفَقِّح، وَذَلِكَ أَنْ يُريد فَتْحها قَبْلَ أَوَانِهَا.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْبَاءِ

(صَبَأَ)
(س) فِي حَدِيثِ بَنِي جُذَيْمَةَ «كَانُوا يَقُولُونَ لمَّا أسْلَمُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا» قَدْ تكرَّرت هَذِهِ اللفظةُ فِي الْحَدِيثِ. يُقَالُ صَبَأَ فلانٌ إِذَا خَرج مِنْ دينٍ إِلَى دِينٍ غَيْرِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ صَبَأَ نابُ البعيرِ إِذَا طَلَعَ. وصَبَأَتِ النّجومُ إِذَا خرجَت مِنْ مَطَالِعها. وَكَانَتِ العرَبُ تُسمِّي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّابِئ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِين قُرَيش إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. ويُسمُّون مَنْ يَدْخُل فِي الْإِسْلَامِ مَصْبُوّاً، لِأَنَّهُمْ كانُوا لَا يَهْمِزُون، فأبْدَلُوا مِنَ الْهَمْزَةِ وَاواً. ويُسمُّون الْمُسْلِمِينَ الصُّبَاةَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، كَأَنَّهُ جَمعُ الصَّابِي غَيْرَ مَهْمُوزٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، وغازٍ وغُزَاةٍ.

(صَبَبَ)
(س) فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا مَشى كأنَّما يَنْحطُّ فِي صَبَبٍ» أَيْ فِي موضِعٍ مُنْحَدِرٍ. وَفِي رِوَايَةِ «كَأَنَّمَا يَهْوِي مِنْ صَبُوبٍ» يُروى بِالْفَتْحِ والضمِّ، فَالْفَتْحُ اسْمٌ لِمَا يُصَبُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ، كَالطَّهُورِ وَالْغَسُولِ، وَالضَّمُّ جَمْعُ صَبَبٍ. وَقِيلَ الصَّبَب والصَّبُوب:
تَصَوُّب نهرٍ أَوْ طريقٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الطَّوَافِ «حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَماه فِي بَطْنِ الوادِي» أَيِ انحدَرَت فِي المسْعَى.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلَاةِ «لَمْ يَصُبَّ رأسَهُ» أَيْ لَمْ يُمِلْه إِلَى أسْفَل.
(3/3)

وَمِنْهُ حَدِيثُ أُسَامَةَ «فَجَعَلَ يرفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَصُبُّهَا عَلَيَّ أعْرِف أَنَّهُ يدعُو لِي» .
(س) وَفِي حَدِيثِ مَسِيرِهِ إِلَى بَدْرٍ «أَنَّهُ صَبَّ فِي ذَفِرَانَ» أَيْ مَضَى فِيهِ مُنْحدرا ودَافِعا، وَهُوَ موضعٌ عِنْدَ بَدْر.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَسُئِلَ أيُّ الطَّهُور أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَقُوم وَأَنْتَ صَبَبٌ» أَيْ يَنْصَبُّ مِنْكَ الماءُ، يَعْنِي يتَحدَّر.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَقَامَ إِلَى شَجْبٍ فاصْطَبَّ مِنْهُ الماءَ» هُوَ افْتَعَلَ، مِنَ الصَّبِّ:
أَيْ أَخَذَهُ لنفْسه. وتاءُ الِافْتِعَالِ مَعَ الصَّاد تُقْلبُ طَاءً ليَسهل النُّطْقُ بِهِمَا، لأنَّهما مِنْ حُرُوفِ الإطْباق.
وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ «قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنْ أحَبَّ أهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً» أَيْ دَفْعة وَاحِدَةً، مِنْ صَبَّ الْمَاءَ يَصُبُّه صَبّاً إِذَا أفرغَه.
وَمِنْهُ صِفَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ مَاتَ «كُنتَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذابا صَبًّا» هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الأْسَقع فِي غَزْوَةِ تَبُوك «فخرجْت مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ، زَادِي فِي الصُّبَّة» الصُّبَّة: الجماعةُ مِنَ النَّاسِ. وَقِيلَ هِيَ شَيْءٌ يُشبه السُّفْرة. يُرِيدُ كُنْتُ آكُلُ مَعَ الرُّفْقَةِ الَّذِينَ صُحْبتُهم، وَفِي السُّفْرة الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهَا. وَقِيلَ إِنَّمَا هِيَ الصِّنَّة بِالنُّونِ، وَهِيَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ شِبْه السَّلَّة يُوضَعُ فِيهَا الطَّعَامُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ شَقِيق «أَنَّهُ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي: أَلَم أُنبَّأ أنَّكم صُبَّتَان صُبَّتَان» أَيْ جماعتَان جَمَاعَتَانِ.
وَفِيهِ «ألاَ هَلْ عَسَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يتَّخِذ الصُّبَّة مِنَ الْغَنَمِ» أَي جَمَاعَةٌ مِنْهَا، تَشْبِيهًا بِجَمَاعَةِ النَّاس، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي عَدَدِها، فَقِيلَ مَا بَيْنَ العشْرين إِلَى الأرْبَعين مِنَ الضأنِ والمَعَز. وَقِيلَ مِنَ الْمَعَزِ خَاصَّةً. وَقِيلَ نَحْوَ الْخَمْسِينَ. وَقِيلَ مَا بَيْنَ السِّتِين إِلَى السَّبْعِينَ. والصُّبَّة مِنَ الْإِبِلِ نَحْوُ خمسٍ أَوْ سِتٍّ.
(3/4)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «اشتريتُ صُبَّة مِنْ غَنَم» .
(س) وَفِي حَدِيثِ قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ «فَوضَعت صَبِيبَ السّيفِ فِي بَطْنه» أَيْ طَرَفه وآخِرَ مَا يَبْلُغُ سِيلَانَهُ حِينَ ضُرِب وَعُمِلَ. وَقِيلَ طرَفه مُطلقا.
(س) وَفِيهِ «لَتَسْمَعَ آيَةً خيرٌ لَكَ مِنْ صَبِيبٍ ذَهباً» قِيلَ هُوَ الْجَلِيدُ. وَقِيلَ هُوَ ذَهَب مَصْبُوب كَثِيرًا غَيْرُ معدُودٍ، وَهُوَ فعيلٌ بِمَعْنَى مفْعُول. وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ جَبَل كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «خيرٌ مِنْ صَبِيرٍ ذَهباً» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُقبة بْنِ عَامِرٍ «أَنَّهُ كَانَ يَخْتضبُ بالصَّبِيب» قِيلَ هُوَ ماءُ ورَق السِّمْسم «1» ، ولَونُ مَائِهِ أحمرُ يعلُوه سوادٌ. وَقِيلَ هُوَ عُصارة العُصْفر أَوِ الحنَّاء.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُتبة بْنِ غَزْوان «وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلاَّ صُبَابة كصُبَابَةِ الْإِنَاءِ» الصُّبَابة:
البَقِيَّةُ اليَسيرة مِنَ الشَّرَابِ تَبْقَى فِي أسْفل الإناءِ.
وَفِيهِ «لتَعُودُنَّ فِيهَا أسَاوِدَ صُبًّا» الأساودُ: الحياتُ. والصُّبّ: جَمع صَبُوب، عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ صُبُبٌ، كَرسُول ورُسُل، ثُمَّ خُفِّف كرُسْل فأدْغم، وَهُوَ غَريب مِنْ حَيْثُ الإدْغام. قَالَ النَّضر:
إنَّ الْأَسْوَدَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهش ارْتفع ثُمَّ انْصَبَّ عَلَى الملْدُوغ. ويُروى «صُبَّى» بِوَزْنِ حُبْلَى. وَسَيُذْكَرُ فِي آخِرِ الْبَابِ.

(صَبُحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ المَوْلد «2» «أَنَّهُ كَانَ يَتِيما فِي حِجْر أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ يُقرَّب إِلَى الصِّبْيان تَصْبِيحُهُم فيَخْتَلِسُون ويَكُفُّ» أَيْ يقرَّب إِلَيْهِمْ غَداؤهم، وَهُوَ اسْمٌ عَلَى تَفْعيل كالتَّرعيب «3» والتَّنوير.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ سُئل مَتى تَحِلُّ لنَا المَيْتَة؟ فَقَالَ: مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، أَوْ تغتبقوا،
__________
(1) زاد الهروي: أو غيره من نبات الأرض.
(2) في اللسان: المبعث.
(3) فى الأصل وا: «الترغيب» ، بالغين المعجمة. وأثبتناه بالمهملة كما فى الهروى واللسان. قال فى اللسان «التّرعيب للسّنام المقطّع. والتّنوير اسم لنور الشجر» .
(3/5)

أَوْ تَحْتَفُّوا بِهَا بَقْلًا» الاصْطِبَاحُ هَاهُنَا: أكْلُ الصَّبُوح، وَهُوَ الغَداء. والغَبُوق: الْعَشَاءُ. وأصلُهما فِي الشُّرب، ثُمَّ اسْتُعمِلا فِي الْأَكْلِ: أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْمَعُوهما «1» مِنَ المَيتَة.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَدْ أُنْكِر هَذَا عَلَى أَبِي عُبَيد، وفُسِّر أَنَّهُ أرَادَ إِذَا لَمْ تَجِدُوا لُبَيْنَة تَصْطَبِحُونَهَا، أَوْ شَرابا تَغْتَبِقُونه، وَلَمْ تَجِدُوا بَعْد عَدَمِكم «2» الصَّبُوح والغَبُوق بَقْلةً تأكلونَها حَلَّت لَكُمُ الميتَة.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ «وَمَا لَنَا صبيٌّ يَصْطَبِحُ» أَيْ لَيْسَ عِنْدَنَا لَبَن بقَدْر مَا يَشْرَبُهُ الصَّبي بُكْرَةً، مِنَ الْجَدْبِ والقَحْط، فَضْلًا عَنِ الْكَبِيرِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الشَّعْبِيّ «أَعَنْ صَبُوحٍ تُرَقِّقُ؟» قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي حَرْفِ الرَّاءِ.
(س) وَفِيهِ «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمْرَات عَجْوة» هُوَ تَفَعَّل، مِنْ صَبَحْتُ الْقَوْمَ إِذَا سَقَيتهم الصَّبُوح. وصَبَّحْت بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ فِيهِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَرِيرٍ «وَلَا يَحْسُر صَابِحُهَا» أَيْ لَا يَكِلُّ وَلَا يَعْيَا صَابِحُهَا، وَهُوَ الَّذِي يَسْقِيها صَبَاحا، لِأَنَّهُ يُوردها مَاءً ظَاهِرًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَفِيهِ «أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أعْظَمُ للأجْر» أَيْ صلُّوها عِنْدَ طُلُوع الصُّبْح. يُقَالُ أَصْبَحَ الرجلُ إِذَا دَخَلَ فِي الصُّبْح.
وَفِيهِ «أَنَّهُ صَبَّحَ خيبرَ» أَيْ أتَاها صَبَاحا.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أهْلِه ... والموتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِه
أَيْ مأتيٌّ بِالْمَوْتِ صَبَاحا لِكَوْنِهِ فِيهِمْ وقْتَئِذٍ.
وَفِيهِ لمَّا نَزَلَتْ «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» صَعَّد عَلَى الصَّفَا وَقَالَ: «يَا صَبَاحَاه» هَذِهِ كلمةٌ يَقُولُهَا المُسْتَغِيث، وأصلُها إِذَا صَاحُوا للغَارَة، لِأَنَّهُمْ أكْثَر مَا كَانُوا يُغِيرُون عندَ الصَّبَاح، ويُسمُّون يوم
__________
(1) في الأصل وا: «أن تجمعوا» . والمُثبت من اللسان والهروي والدر النثير.
(2) في الأصل وا: «بعد عدم الصّبوح» . واثبتنا ما في اللسان والهروي.
(3/6)

الغارَة يَوْمَ الصَّبَاح، فَكَأَنَّ القَائِل يَا صَبَاحاه يَقُولُ قَدْ غَشِينَا العَدُوُّ. وَقِيلَ إِنَّ المُتقَاتلين كَانُوا إِذَا جاءَ الليلُ يَرْجعُون عَنِ القتَال، فَإِذَا عادَ النَّهَارُ عاوَدُوه، فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ يَا صَبَاحاه: قَدْ جَاءَ وقتُ الصَّبَاح فتأهَّبوا لِلْقِتَالِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَلَمة بْنِ الْأَكْوَعِ «لمَّا أُخِذَت لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نادَى: يَا صَبَاحاه» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ «فَأَصْبِحِي سِراجَك» أَيْ أصْلحيها وَأَضِيئِيهَا. والمِصْبَاح: السِّراج.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي شُحُوم المَيتة «ويَسْتَصْبِحُ بِهَا الناسُ» أَيْ يُشْعِلُونَ بِهَا سُرُجَهُمْ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ «كَانَ يَخْدُمُ بَيْتَ المقْدس نَهَارًا، ويُصْبِحُ فِيهِ لَيْلًا» أَيْ يُسْرِج السِّرَاج.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصُّبْحَة» وَهِيَ النَّوْمُ أولَ النَّهار، لِأَنَّهُ وقتُ الذِّكر، ثُمَّ وَقْتُ طَلَبِ الكَسْب.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْع «أَرْقُدُ فأَتَصَبَّحُ» أرادَت أنَّها مكْفيَّة، فَهِيَ تَنَامُ الصُّبْحَة.
وَفِي حَدِيثِ المُلاَعنة «إنْ جاءَت بِهِ أَصْبَحَ أصْهَبَ» الأَصْبَح: الشَّدِيدُ حُمْرة الشَّعَرِ.
وَالْمَصْدَرُ الصَّبَح، بِالتَّحْرِيكِ.

(صَبَرَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الصَّبُور» هُوَ الَّذِي لَا يُعاجل العُصَاة بالانْتِقام، وَهُوَ مِنْ أبْنِية المُبالغة، ومعناهُ قريبٌ مِنْ مَعْنَى الحَلِيم، والفرقُ بَيْنَهُمَا أنَّ المُذْنب لَا يأمَنُ العُقُوبة فِي صِفَة الصَّبُور كَمَا يأمَنُها فِي صِفَة الحَلِيم.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا أحدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُه مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أَيْ أشدُّ حِلماً عَنْ فاعِل ذَلِكَ وتَرْكِ المُعاقبة عَلَيْهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ» هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَأَصْلُ الصَّبْر: الحَبْس، فسُمِّي الصومُ صَبْراً لِمَا فِيهِ مِنْ حَبْس النَّفس عَنِ الطَّعَامِ والشَّراب والنّكاح.
(3/7)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنْ قَتْل شَيْءٍ مِنَ الدَّواب صَبْراً» هُوَ أَنْ يُمسَك شيءٌ من ذوات الرُّوح حيَّا ثم يُرْمى بِشَيْءٍ حَتَّى يَمُوتَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَهَى عَنِ المَصْبُورة «1» ، وَنَهَى عَنْ صَبْرِ ذِي الرُّوح» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي الَّذِي أمْسَك رَجُلا وقَتَله آخَر [فَقَالَ «2» ] «اقْتُلُوا الْقَاتِلَ واصْبِرُوا الصَّابِر» أَيِ احْبِسُوا الَّذِي حَبَسَهُ لِلْمَوْتِ حَتَّى يَمُوتَ كفِعْله بِهِ. وَكُلُّ مَنْ قُتِل فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْب وَلَا خَطأ فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ صَبْراً.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَبْرِ الرُّوح» وَهُوَ الخِصاء. والخِصاء صَبْرٌ شَدِيدٌ.
(س) وَفِيهِ «مَنْ حَلف عَلَى يمينٍ مَصْبُورةٍ كاذِباً» .
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ حَلف عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ» أَيْ أُلزِم بِهَا وحُبِس عَلَيْهَا، وَكَانَتْ لَازِمَةً لصاحِبها مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ. وَقِيلَ لَهَا مَصْبُورة وَإِنْ كَانَ صاحِبُها فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ المَصْبُور، لِأَنَّهُ إِنَّمَا صُبِرَ مِنْ أجْلِها: أَيْ حُبِسَ، فوُصِفَت بالصَّبْر، وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ مَجَازًا.
(س) وَفِيهِ «أَنَّ الَّنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَن إِنْسَانًا بقَضِيبٍ مُدَاعَبَةً فَقَالَ لَهُ: أَصْبِرْنِي قَالَ: اصْطَبِرْ» أَيْ أَقِدني مِنْ نَفْسِك. قَالَ: استَقِدْ. يُقَالُ صَبَرَ فلانٌ مِنْ خَصْمه واصْطَبَرَ: أَيِ اقْتَصَّ مِنْهُ. وأَصْبَرَهُ الْحَاكِمُ: أَيْ أقَصَّه مِنْ خَصْمه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ حِينَ ضَرَبَ عمَّارا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فلمَّا عُوتِبَ قَالَ: «هَذِهِ يَدِي لعمَّار فليَصْطَبِرْ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قَالَ: كَانَ يَصَعَدُ بُخَارٌ مِنَ المَاءِ إِلَى السَّماءِ، فاسْتَصْبَرَ فعادَ صَبِيراً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ الصَّبِير: سحابٌ أبيضٌ مُتَراكبٌ مُتَكاثِف، يَعْني تكاثَف البُخَارُ وتَرَاكَم فَصارَ سَحاَباً.
__________
(1) قال في اللسان: المصْبورة التي نهى عنها هي المحبوسَةُ على الموت.
(2) الزيادة من اللسان والهروي.
(3/8)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ طَهْفة «ونسْتَحْلِب الصَّبِير» .
وَحَدِيثُ ظَبْيان «وسَقَوْهم بصَبِير النَّيطَلِ» أَيْ بسَحَاب المَوت والهَلاَك.
وَفِيهِ «مَنْ فَعَل كَذَا وَكَذَا كَانَ لَهُ خَيْراً مِنْ صَبِيرٍ ذَهَبا» هُوَ اسمُ جَبَل بالْيَمَن. وَقِيلَ:
إِنَّمَا هُوَ مِثْل جَبَل صِيرٍ، بِإِسْقَاطِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ جَبَلٌ لِطَيِّئٍ. وَهَذِهِ الكلمةُ جَاءَتْ فِي حدِيَثين لعَليّ وَمُعَاذٍ: أَمَّا حديثُ عَلِيٍّ فَهُوَ صِير، وأمَّا رِوَايةُ مُعاذ فصَبِير، كَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُهُمْ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يأخُذنَّ رهْنا وَلَا صَبِيرا» الصَّبِير: الكَفِيل.
يُقَالُ صَبَرْتُ بِهِ أَصْبُرُ بالضَّم.
وَفِيهِ «أَنَّهُ مرَّ فِي السُّوق عَلَى صُبْرَة طعامٍ فأدخَل يدَه فِيهَا» الصُّبْرة: الطَّعَامُ المجْتَمِع كَالكُومَةِ، وجمعُها صُبَر. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ مُفْرَدة ومَجْمُوَعة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «دَخَلَ عَلَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ عندَ رِجْلَيه قَرَظا مَصْبُوراً» أَيْ مَجْمُوَعا قَدْ جُعِل صُبْرَة كصُبْرَة الطعامِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «سِدْرَةُ المنْتَهى صُبْرُ الْجَنَّةِ» أَيْ أعْلى نَوَاحيها. وصُبْرُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاه.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قُلْتم هَذِهِ صَبَّارَةُ القُرِّ» هِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ: شِدّة البرْد وَقُوَّتُهُ، كحَماَرَّة القَيظِ.

(صَبَعَ)
فِيهِ «لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وقلْبه بَيْنَ أَصْبُعَين مِنْ أَصَابِعِ اللهِ تَعَالَى» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «قَلبُ المُؤمِن بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلّبُه كَيْفَ يَشَاءُ» الأَصَابِع:
جَمْعُ أَصْبُع، وَهِيَ الجَارحة. وَذَلِكَ مِنْ صِفات الأجْسام، تَعَالَى اللَّهُ عزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّسَ.
وإطلاقُها عَلَيْهِ مجازٌ كإطْلاق اليدِ، واليمينِ، والعَينِ، وَالسَّمْعِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى التَّمْثِيلِ والكِنَاية عَنْ سُرَعة تَقَلُّب القُلُوب، وَإِنَّ ذَلِكَ أمرٌ معقُود بمشيئةِ اللهِ تَعَالَى. وتخصيصُ ذِكر الْأَصَابِعِ كِنايةٌ عَنْ أَجْزَاءِ القُدْرة والبَطْشِ، لِأَنَّ ذَلِكَ باليَدِ، والأَصَابِع أجزاؤُها.

(صَبَغَ)
(هـ) فِيهِ «فيَنْبُتُون كَمَا تَنْبُت الحِبَّة فِي حَميل السَّيْل، هَلْ رَأَيتُم الصَّبْغَاءَ؟»
(3/9)

قَالَ الأزْهري: الصَّبْغَاء نبتٌ معروفٌ. وَقِيلَ هُوَ نَبْتٌ ضَعِيفٌ كالثُّمَامِ. قَالَ القُتَيبي: شَبَّهَ نَباَت لُحُومَهم بَعْدَ احْتِرَاقِها بنَبَات الطَّاقَة مِنَ النَّبْت حِينَ تَطْلُع تَكُونُ صَبْغَاءَ، فَمَا يَليِ الشمسَ مِنْ أعالِيها أخضَر، وَمَا يَليِ الظَّلَّ أبيضُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلاّ، لَا يُعْطِيه أُصَيْبِغ قريشٍ» يصفُه بالضعْف والعَجْز والهَوان، تَشْبِيهٌ بالأَصْبَغ وَهُوَ نوعٌ مِنَ الطُّيور ضَعيفٌ. وَقِيلَ شَبَّهَهُ بالصَّبْغَاء وَهُوَ النباتُ المذكورُ. ويُرْوى بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ ضَبُعٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، تَحْقِيرًا لَهُ.
وَفِيهِ «فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَة» أَيْ يُغْمَس كَمَا يُغْمَس الثوبُ فِي الصِّبْغ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «اصْبُغُوه فِي النَّارِ» .
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الْحَجِّ «فوجَدَ فَاطمةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَبِست ثِيَابًا صَبِيغاً» أَيْ مَصْبُوغة غيرَ بِيض، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
وَفِيهِ «أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّبَّاغُون والصَّوَّاغُون» هُمْ صَبَّاغو الثيابِ وصاغَةُ الحُلِيَ، لِأَنَّهُمْ يمْطُلُون بِالْمَوَاعِيدِ. رُوي عَنْ أَبِي رَافِعٍ الصَّائغ قَالَ: كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُمَازِحُني يَقُولُ: أكذبُ النَّاسِ الصَّوّاغِ. يَقُولُ الْيَوْمَ وَغَدًا. وَقِيلَ أرادَ الَّذِينَ يَصْبِغُون الكلامَ ويصُوغُونه: أَيْ يُغَيّرونه ويَخرُصُونه. وأصلُ الصَّبْغ التغيِيرُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «رَأَى قَوْمًا يتَعادَوْن، فَقَالَ: مَا لَهم؟ فَقَالُوا: خَرَجَ الدَّجال، فقال: كَذْبَة كَذَبَها الصَّبَّاغُون» وروي الصوَّاغُوان «1» .

(صَبَا)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ رَأَى حُسَينا يلعَب مَعَ صِبْوَةٍ فِي السِّكَّة» الصِّبْوَة والصِّبْيَة: جمعُ صَبِيٍّ، والواوُ القياسُ، وَإِنْ كَانَتِ الياءُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَبِّي رأسَهُ فِي الركُوع وَلَا يقْنِعُه» أَيْ لَا يَخْفِضه كَثِيرًا وَلَا يُميِله إِلَى الْأَرْضِ، منْ صَبَا إِلَى الشَّيْءِ يَصْبُو إِذَا ماَلَ. وصَبَّى رأسَهُ تَصْبِيَةً، شُدَدّ لِلتَّكْثِيرِ. وَقِيلَ هُوَ مَهْمُوزٌ مِنْ صَبَأَ إِذَا خَرج مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصَّواب لَا يُصَوِّبُ. ويرُوى لا يَصُبُّ. وقد تقدم.
__________
(1) والصَّيّاغون أيضا، كما في الفائق 2/ 11.
(3/10)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ «وَاللَّهِ مَا ترَك ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا شَيْئًا يُصْبَى إِلَيْهِ» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وشابٌّ ليْست لَهُ صَبْوَةٌ» أَيْ مَيْلٌ إِلَى الهَوَى، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّخَعِيِّ «كَانَ يُعْجِبُهم أَنْ يكونَ لِلْغُلَامِ إِذَا نَشَأ صَبْوَةٌ» إِنَّمَا كَانَ يُعجبهم ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَابَ وَارْعَوَى كَانَ أشَدَّ لإجْتهادهِ فِي الطّاعَة، وَأَكْثَرَ لنَدَمِه عَلَى مَا فرَطَ مِنْهُ، وأبْعَدَ لَهُ مِنْ أَنْ يُعْجب بعَمَله أَوْ يتَّكل عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ الفِتَن «لتَعُودُنَّ فِيهَا أساوِدَ صُبًّى» هِيَ جمعُ صَابٍ كغازٍ وغُزًّى، وَهُمُ الَّذِينَ يَصْبُونَ إِلَى الفِتْنة أَيْ يمِيلُون إِلَيْهَا. وَقِيلَ إِنَّمَا هُوَ صُبَّاء جَمْعُ صَابِئٍ بِالْهَمْزِ كشاهدِ وشُهَّاد، ويُروى:
صُبٌّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ هَوازِن «قَالَ دُرَيد بْنُ الصِّمة: ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَّى على متون الخيل» أي الذين بشتهون الحرب ويميلون إليها ويحبّون التقدّم فيها والبرار.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «لمَّا خطَبها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: إِنِّي امرأةٌ مُصْبِيَةٌ مُؤْتِمَة» أَيْ ذاتُ صِبْيَانٍ وأيْتامٍ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ التَّاءِ

(صَتَتَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «إنَّ بَني اسْرَائيل لمَّا أُمِروا أَنْ يَقْتل بَعْضهم بَعْضًا قَامُوا صَتَّيْنِ» وأخرَجَه الْهَرَوِيُّ عَنْ قَتادة: إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَامُوا صَتِيتَيْنِ:
الصَّتُّ والصَّتِيتُ: الفِرْقة مِنَ النَّاس. وَقِيلَ هُوَ الصَّف مِنْهُمْ.

(صَتَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ ابْنِ صيَّاد «أَنَّهُ وزَن تِسْعين فَقَالَ: صَتْماً، فَإِذَا هِيَ مِائَةٌ» الصَّتْمُ:
التّامُ. يُقَالُ أعْطيتُه ألْفا صَتْماً: أَيْ تَامًّا كَامِلًا. والصَّتَمُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِهَا: الصَّلْب الشَّدِيدُ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْحَاءِ

(صَحِبَ)
(هـ) فِيهِ «اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِصُحْبَة واقلِبنا بذِمَّة» أَيِ احفَظْنا بحفْظِك فِي سفرِنا، وارجِعْنا بأمَانِك وعَهْدك إِلَى بَلدنا.
(3/11)

(هـ س) وَفِي حَدِيثِ قَيْلة «خَرجتُ أبتَغي الصَّحَابَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» الصَّحَابَة بِالْفَتْحِ: جمعُ صَاحِب، وَلَمْ يُجْمع فَاعِلٌ عَلَى فَعالة إِلَّا هَذَا.
وَفِيهِ «فأَصْحَبَتِ الناقةُ» أَيِ انقَادت واسْتَرسلت وتَبعَت صَاحِبَها.

(صَحَحَ)
(هـ) فِيهِ «الصَّوم مَصَحَّةٌ» يُرْوَى بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا «1» وَهِيَ مَفْعَلة مِنَ الصِّحَّة: العَافِية، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «صُومُوا تَصِحُّوا» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ» .
وفي الحديث آخَرَ «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِض عَلَى مُصِحٍّ» المُصِحُّ: الَّذِي صَحَّتْ ماشيتُهُ مِنَ الأمْراض والعَاهاتِ: أَيْ لَا يُورِدَنَّ مَنْ إِبلُه مَرْضَى عَلَى مَنْ إِبلُه صِحَاحٌ ويَسْقِيها مَعَها، كأنَّه كَرِه ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يظهَر بمَالِ المُصِحّ مَا ظَهر بِمَالِ المُمْرض. فيظُنّ أَنَّهَا أعْدَتْها فيأثَم بِذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا عَدْوَى» .
(س) وَفِيهِ «يُقَاسِم ابنُ آدَمَ أَهْلَ النَّارِ قسْمَةً صَحَاحاً» يَعْنِي قَابِيل الَّذِي قَتَل أَخَاهُ هَابِيل:
أَيْ أَنَّهُ يُقَاسِمهم قِسْمة صَحِيحَة، فَلَهُ نِصفُها وَلَهُمْ نِصفُها. الصَّحَاح بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الصَّحِيح. يُقَالُ دِرْهَمٌ صَحِيح وصَحَاح. ويجوزُ أَنْ يَكُونَ بِالضَّمِّ كطُوال فِي طَوِيلٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْويه بِالْكَسْرِ وَلَا وَجْه لَهُ.

(صَحَرَ)
فِيهِ «كُفِّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَوبَين صُحَارِيَّيْنِ» صُحَار: قَريةٌ باليَمن نُسِبَ الثوبُ إِلَيْهَا. وَقِيلَ هُوَ مِنَ الصُّحْرَة، وَهِيَ حُمْرة خفِيَّةٌ كالغُبْرة. يُقَالُ ثَوْبٌ أَصْحَرُ وصُحَارِيُّ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فأَصْحِرْ لعَدُوّكِ وامْض عَلَى بَصِيرَتِك» أَيْ كُنْ مِنْ أمْرِه عَلَى أمْرِ وَاضِحٍ منكشِفٍ، مِنْ أَصْحَرَ الرجلُ إِذَا خَرج إِلَى الصَّحْرَاءِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ «فأَصْحِرْ بِي لغَضَبك فَرِيدا» .
(هـ) وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» سَكَّنَ اللهُ عُقَيراكِ فلا تُصْحِرِيهَا» أي
__________
(1) والفتح أعْلَى. قاله في اللسان.
(3/12)

لَا تُبْرِزِيهَا إِلَى الصَّحْرَاء. هَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُتَعدَيّا عَلَى حَذْفِ الْجَارِّ وإيصاَل الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ غيرُ متعدٍّ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ «أَنَّهُ رَأََى رجُلا يقطَعُ سَمُرة بِصُحَيْرَاتِ اليمامِ» هُوَ اسمُ موضعٍ.
واليَمامُ: شَجَر أَوْ طَيرٌ. والصُّحَيْرَاتُ: جمعٌ مُصغَرَّ، واحدُة صُحْرَة، وَهِيَ أرضٌ لَيّنةٌ تَكُونُ فِي وَسَط الحَرَّة. هَكَذَا قَالَ أَبُو مُوسَى، وفسَّر اليَمام بشَجَر أَوْ طيرٍ. أَمَّا الطَّير فَصَحِيحٌ، وَأَمَّا الشجَرُ فَلَا يُعْرف فِيهِ يَمَام بِالْيَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ ثُمَام بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَذَلِكَ ضَبطه الحازِمي، وَقَالَ: هُوَ صُحَيْرَاتُ الثُّمامةِ. وَيُقَالُ فِيهِ الثُّمام بِلَا هاءٍ، قَالَ: وَهِيَ إِحْدَى مَراحِل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْر.

(صَحْصَحَ)
(س) فِي حَدِيثِ جُهَيْش «وكأَيّنْ قَطَعْنَا إِلَيْكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا وتنوفةٍ صَحْصَحٍ» الصَّحْصَحُ والصَّحْصَحَةُ والصَّحْصَحَانُ: الأرضُ المستويةُ الواسعةُ. والتّنوفةُ: البَرِّيّةُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «لمَّا أَتَاهُ قَتْلُ الضَّحَّاك. قَالَ: إنَّ ثَعْلَب بْنَ ثَعْلَبٍ حَفَر بالصَّحْصَحَة فأخْطأت اسْتُه الحُفْرة» وَهَذَا مَثلٌ للعَرَب تَضْربُه فِيمَنْ لَمْ يُصِب موضِع حاجَته. يَعْنِي أَنَّ الضَّحَّاك طلبَ الإمَارَة والتقَدُّم فَلَمْ يَنلْها.

(صَحَفَ)
فِيهِ «أَنَّهُ كَتَبَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ كِتَابًا، فَلَمَّا أخَذَه قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أتُراني حَاملاً إِلَى قَوْمي كِتَابًا كصَحِيفَة المُتَلمِّس» الصَّحِيفَة: الكتابُ، والمتلمسُ شاعرٌ معروفٌ، واسمُه عبدُ المَسِيح بْنُ جَرير، كَانَ قَدِم هُوَ وطَرَفة الشَّاعِرُ عَلَى الملِك عَمْرِو بْنِ هِنْد، فنَقم عَلَيْهِمَا أَمْرًا، فَكَتَبَ لَهُمَا كِتَابَيْنِ إِلَى عَامِلِهِ بالبَحْرين يأمُره بِقَتْلِهِمَا، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ كَتبتُ لَكُمَا بجَائزةٍ. فاجْتازَا بالحِيرَة، فأعْطى المتلمسُ صَحِيفَتَهُ صَبيًّا فقرأَها فَإِذَا فِيهَا يأمُر عامِله بقَتْله، فألْقاها فِي الماءِ ومضَى إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ:
لطَرَفَة: افْعَل مثلَ فِعْلي فإِنَّ صَحِيفَتَكَ مثلُ صَحِيفَتِي، فَأَبَى عَلَيْهِ، ومضَى بِهَا إِلَى العَامِل، فأمضَى فِيهِ حُكْمه وقَتله، فضُرِبَ بِهِمَا المثَل.
(س) وَفِيهِ «وَلَا تَسْأل المرأةُ طلاقَ أُخْتها لتستَفْرغ صَحْفَتَهَا» الصَّحْفَة: إناءٌ كالقَصْعَة المبْسُوطة وَنَحْوِهَا، وجمعُها صِحَاف. وَهَذَا مثَلٌ يُرِيدُ بِهِ الإسْتِئْثَار عَلَيْهَا بحظِّها، فتكونُ كَمن اسْتَفرغ صَحْفَة غَيْرِهِ وقَلَب مَا فِي إنائِه إِلَى إِناء نَفْسِه. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ.

(صَحَلَ)
[هـ] فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَفِي صَوْته صَحَلٌ» هُوَ بِالتَّحْرِيكِ كالبُحَّة، وَأَلَّا يَكُونَ حَادَّ الصَّوْت.
(3/13)

وَمِنْهُ حَدِيثُ رُقَيقَة «فإِذا أَنَا بهَاتِف يَصرُخُ بصوتٍ صَحِلٍ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ كَانَ يَرْفع صَوتَه بالتَّلبية حَتَّى يَصْحَلُ» أَيْ يَبَحَّ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ نَبْذ العَهْد فِي الْحَجِّ «فكنتُ أُنادي حَتَّى صَحِلَ صَوتِي» .

(صَحِنَ)
فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الصَّحْنَاة فَقَالَ: وَهَلْ يَأْكُلُ الْمُسْلِمُونَ الصَّحْنَاة؟!» هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الصِّير، وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ غَيْرُ عَرَبِيٍّ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْخَاءِ

(صَخَبَ)
فِي حَدِيثِ كَعْبٍ «قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: محمَّدٌ عبْدِي، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَليظ وَلَا صَخُوبٍ فِي الأسْواق» وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَا صَخَّابٍ» الصَّخَب والسَّخَب: الضَّجَّة، واضطرابُ الأصواتِ للخِصَام. وفَعُول وفعَّال لِلْمُبَالَغَةِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ خَدِيجَةَ «لَا صَخَب فِيهِ وَلَا نَصَب» .
وَحَدِيثُ أُمِّ أَيْمَنَ «وَهِيَ تَصْخَبُ وتذمُر عَلَيْهِ» .
وَفِي حَدِيثِ الْمُنَافِقِينَ «صُخُبٌ بِالنَّهَارِ» أَيْ صَيَّاخُون فِيهِ ومُتجَادِلُون.

(صَخَخَ)
فِي حَدِيثِ ابْنِ الزبَيْر وَبِنَاء الكَعْبة «فخافَ الناسُ أَنْ تُصِيبهم صَاخَّةٌ مِنَ السَّمَاءِ» الصَّاخَّة: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَصُخُّ الأسْماع: أَيْ تَقْرَعُها وتُصِمُّها.

(صَخَدَ)
فِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ.
يَوْمًا يظلُّ بِهِ الحِرْباءُ مُصْطَخِداً ... كأنَّ ضَاحِيَة بالنَّار مَمْلُولُ
المُصْطَخِد: المُنْتَصِب. وَكَذَلِكَ المصْطَخِمُ. يصفُ انتصابَ الحرْباء إِلَى الشَّمْسِ فِي شِدَّة الحرِّ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «ذَوَات الشَّنَاخِيب الصُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا» جَمْعُ صَيْخُود.
وَهِيَ الصخرةُ الشديدةُ. وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ.
(3/14)

(صَخُرَ)
(س) فِيهِ «الصَّخْرَة مِنَ الجنَّة» يُرِيدُ صَخْرَةَ بيْت الْمَقْدِسِ «1» .

بَابُ الصَّادِ مَعَ الدَّالِ

(صَدَأَ)
(س) فِيهِ «إنَّ هَذِهِ القُلوب تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَديدُ» هُوَ أَنْ يَرْكَبَها الرَّيْن بمباشَرة الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ، فيذهبَ بِجلاَئِها، كَمَا يَعْلُو الصَّدَأ وجْه المِرْآة والسَّيف وَنَحْوِهِمَا.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه «أنه سَأَلَ الأسْقُفَّ عَنِ الخُلفَاء، فَحَدَّثَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَعْتِ الرَّابِعِ مِنْهُمْ، فَقَالَ صَدَأٌ مِنْ حَديد «ويُروى صدَعٌ. أَرَادَ دوامَ لُبْس الْحَدِيدِ لاتِّصال الحُرُوب فِي أيَّام عليٍّ وَمَا مُنِيَ بِهِ مِنْ مُقَاتلة الخَوارِج والبُغَاة، ومُلابَسة الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ والخُطوب المُعْضلة.
وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وادَفْراهُ، تَضَجُّرا مِنْ ذَلِكَ واستِفْحَاشاً. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيد غَيْرَ مَهْمُوزٍ، كأنَّ الصَّدَأ لُغَة فِي الصَّدَع، وَهُوَ اللطيفُ الجسْم. أرادَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خفيفٌ يَخِفُّ إِلَى الحُرُوب وَلَا يكْسَل لِشِدَّةِ بأسِه وشَجَاعته.

(صَدُدَ)
فِيهِ «يُسْقَى مِنْ صَدِيد أهلِ النَّارِ» الصَّدِيد: الدَّمُ وَالْقَيْحُ الَّذِي يَسِيل مِنَ الجَسَد.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الصدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الكَفَن «إنَّما هُوَ للمُهْل والصَّدِيد» «2» .
وَفِيهِ «فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ ذَلِكَ» الصَّدّ: الصَّرفُ والمنْعُ. يُقَالُ صَدَّهُ، وأَصَدَّهُ، وصَدَّ عَنْهُ.
والصَّدّ: الهجْران.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فيَصُدُّ هَذَا ويَصُدُّ هَذَا» أَيْ يُعْرِض بِوَجْهِهِ عَنْهُ. والصَّدّ: الجَانِب.

(صَدُرَ)
فِيهِ «يَهْلِكون مَهْلَكا وَاحِدًا، ويَصْدُرُون مَصَادِرَ شَتًّى» الصَّدَر بِالتَّحْرِيكِ:
رجوعُ المُسَافِر مِنْ مَقْصِده، والشَّاربةِ مِنَ الوِرْد. يُقَالُ صَدَرَ يَصْدُرُ صُدُوراً وصَدَراً، يَعْنِي أَنَّهُمْ يُخْسَف بِهِمْ جَمِيعهم فيهلِكُون بأسْرهم خِيارِهم وشِرارِهم، ثُمَّ يَصْدُرُون بَعْدَ الهَلَكَة مَصَادر مُتَفَرِّقة عَلَى قدْر أعمالِهم ونِيَّاتِهم، ففريقٌ فِي الْجَنَّةِ وفَريقٌ فِي السَّعِيرِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لِلْمُهَاجِرِ إقامةُ ثلاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ» يَعْنِي بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ نُسُكه.
__________
(1) في الدر النثير: قلت قال في الملخص: وقيل الحجر الأسود.
(2) رواية الهدوى: «إنما هما للمهل أو الصَّديد» . قال: يعني ثوبى الكفن.
(3/15)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَانَ لَهُ رَكْوةٌ تُسمى الصَّادِر» سُمِيّت بِهِ لِأَنَّهُ يُصْدَر عَنْهَا بالرِّيِّ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فأَصْدَرَتْنا ركابُنا» أَيْ صَرَفْتنا رِوَاءً، فَلَمْ نَحْتَجْ إِلَى المُقاَم بِهَا للماءِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «قَالَ لعُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبة: «حتَّى مَتَى تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ فَقَالَ:
لَا بُدَّ للمَصْدُور مِنْ أَنْ يَسْعُلاَ المَصْدُور: الَّذِي يَشْتَكي صَدْرَهُ، يُقَالُ صُدِرَ، فَهُوَ مَصْدُور، يُرِيد أنَّ مَنْ أُصِيب صَدْرُهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَسْعَل، يَعْنِي أَنَّهُ يحدُثُ لِلْإِنْسَانِ حَالٌ يَتَمثَّل فِيهِ بِالشِّعْرِ، ويُطَيَّبُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا يَكَادُ يمتَنِع مِنْهُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ «قِيلَ لَهُ إِنَّ عُبَيد اللَّهِ يَقُولُ الشعْرَ، قَالَ: ويَستَطِيع المَصْدُور أَلَّا يَنْفُثَ!» أَيْ لَا يَبْزُقُ. شَبَّهَ الشِّعْرَ بِالنَّفْثِ، لِأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْفَمِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ «قِيلَ لَهُ: رَجُلٌ مَصْدُور يَنْهَزُ قَيْحَاً أحَدَثٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا» يَعْنِي يَبْزُق قَيْحا.
(س) وَفِي حَدِيثِ الخَنْساء «أَنَّهَا دَخَلت عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا خِمَار مُمَزَّقٌ وصِدَارٌ شَعَر» الصِّدَار: القميصُ القصيرُ. وَقِيلَ ثوبٌ رأسُه كالمِقْنَعة وأسفَلُه يُغَشَّي الصَّدْر والمَنكبِين.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ «أَنَّهُ أتِىَ بأسِيرٍ مُصَدَّرٍ أزْبَر» المُصَدَّر: العظيمُ الصَّدْر.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «يضرِب أَصْدَرَيْهِ» أَيْ مَنكِبَيه. ويُرْوى بِالسِّينِ وَالزَّايِ.
وَقَدْ تقدَّما.

(صَدَعَ)
(س) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «فَتَصَدَّعَ السحابُ صِدْعاً» أَيْ تَقَطَّع وتفرَّق.
يُقَالُ صَدَعْتُ الرّداءَ صَدْعاً إِذَا شقَقَته. والاسمُ الصِّدْع بِالْكَسْرِ. والصَّدْع فِي الزُّجَاجَةِ بِالْفَتْحِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَأَعْطَانِي قُبْطِيَّةً وَقَالَ: اصْدَعْهَا صِدْعَيْنِ» أَيْ شُقْها بِنِصْفَيْنِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «فصَدَعَتْ مِنْهُ صِدْعَةً فاخْتَمَرت بِهَا» .
(3/16)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ المُصَدَّق يَجْعَلُ الغَنَم صِدْعَيْنِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُمَا الصَّدَقةَ» أَيْ فِرْقَين.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَقَالَ بَعْدَ مَا تَصَدَّعَ القومُ كذا وكذا» أي بعد ما تفرقوا.
وفي الحديث أوْفَى بْنِ دَلْهم «النّساءُ أربعٌ، مِنْهُنَّ صَدَعٌ تُفرَّق وَلَا تجْمَع» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ وَالأسقُفّ «كَأَنَّهُ صَدَعٌ مِنْ حَدِيدٍ» فِي إِحْدَى الرِّوايتين. الصَّدَع:
الوعْل الَّذِي لَيْسَ بالغليظِ وَلَا الدَّقيِق، وَإِنَّمَا يُوصف بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ القوُّة فِيهِ والخِفَّة. شبهَّه فِي نَهْضَته إِلَى صِعاب الْأُمُورِ وخِفَّته فِي الْحُرُوبِ حِينَ يُفْضي الأمرُ إِلَيْهِ بالوَعل لتَوقُّله في رُؤس الجبالِ، وَجَعْلُهُ مِنْ حَدِيدٍ مُبَالغة فِي وصْفِه بالشدَّة والبأسِ والصَّبرِ عَلَى الشَّدَائِدِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «فَإِذَا صَدَعٌ مِنَ الرِّجَالِ» أَيْ رجلٌ بَيْنَ الرجُلين «1» .

(صَدَغَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ «قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الصَّبِيَّ، يَقُولُونَ مَا شَأْنُ هَذَا الصَّدِيغِ الَّذِي لَا يَحْتَرِفُ وَلَا يَنْفَعُ نَجْعَلُ لَهُ نَصِيبًا فِي الْمِيرَاثِ» الصَّدِيغ: الضَّعِيفُ.
يُقَالُ مَا يَصْدَغُ نَمْلَةً مِنْ ضَعْفِهِ: أَيْ مَا يَقْتُلُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، مِنْ صَدَغَهُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا صَرَفَهُ. وَقِيلَ هُوَ مِنَ الصَّدِيغ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى لَهُ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَشْتَدُّ صُدْغُهُ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ.

(صَدِفَ)
(هـ) فِيهِ «كَانَ إِذَا مرَّ بِصَدَفٍ مَائِلٍ أسْرَع المشْيَ» الصَّدَف بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتين: كلُّ بناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِع، تَشْبِيهًا بِصَدَفِ الْجَبَلِ، وَهُوَ مَا قابَلك مِنْ جَانِبِهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُطَرّفٍ «مَنْ نامَ تحتَ صَدَفٍ مائلٍ يَنْوِي التوكُّلَ، فَلْيَرْمِ بنَفْسه مِنْ طَمَار وَهُوَ يَنْوي التوكُّلَ» يَعْنِي أنَّ الاحترَاسَ مِنَ المَهَاِلك واجبٌ، وإلقاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ إِلَيْهَا والتعرُّضُ لَهَا جهْلٌ وَخَطَأٌ.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إِذَا مَطَرتِ السماءُ فَتَحَتِ الأَصْدَاف أفواهَها» الأَصْدَاف:
جمعُ الصَّدَف، وَهُوَ غلافُ اللؤْلؤ، واحِدتُه صَدَفَة، وَهِيَ من حيوان البَحْر.
__________
(1) في الدر النثير: قلت: قال الفارسي: معناه جماعة في موضع من المسجد لأن الصَّديع رقعة جديدة في الثوب اَلْخَلق، فأولئك القوم في المسجد بمنزلة الرقعة في الثوب.
(3/17)

(صَدَقَ)
(س) فِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَة وَلَا تَيْس إلاَّ أَنْ يشاءَ المُصَدِّق» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِفَتْحِ الدَّالِّ والتَّشديد، يُرِيدُ صاحبَ الْمَاشِيَةِ: أَيِ الَّذِي أُخِذت صَدَقَةُ مالِهِ، وخالَفهَ عامَّةُ الرُّوَاة فَقَالُوا بِكَسْرِ الدّال، وهو عامل الزّكاة الذي يستو فيها مِنْ أرْبابها.
يُقَالُ صَدَّقَهُم يُصَدِّقُهُم فَهُوَ مُصَدِّق. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الرِّوَايَةُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالدَّالِ مَعَاً، وَكَسْرِ الدَّالِ، وَهُوَ صاحبُ المالِ. وأصلُه المُتَصَدِّق فأدْغمت التَّاءُ فِي الصَّادِ. والاسْتِثناءُ فِي التَيَّسْ خاصَّة، فَإِنَّ الهرِمة وَذَاتَ العُوار لَا يَجُوزُ أخذُهما فِي الصَّدَقَة إِلَّا أَنْ يكونَ المالُ كلُّه كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهم.
وَهَذَا إِنَّمَا يتَّجه إِذَا كَانَ الغَرضُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّهي عَنْ أخْذِ التَّيس لِأَنَّهُ فَحْلُ المَعَز، وَقَدْ نُهِى عَنْ أخذِ الْفَحْلِ فِي الصَّدَقَة لِأَنَّهُ مُضِرٌ بِرَبِّ المالِ، لِأَنَّهُ يَعزُّّ عَلَيْهِ، إلاَّ أَنْ يسْمَح بِهِ فيؤخَذ، وَالَّذِي شَرَحه الخطَّابي فِي «الْمَعَالِمِ» أَنَّ المُصَدِّق بِتَخْفِيفِ الصَّادِ الْعَامِلُ، وَأَنَّهُ وكيلُ الفُقَراء فِي القَبْض، فَلَهُ أَنْ يتصَرَّف لَهُمْ بِمَا يَراه مِمَّا يُؤدَّي إِلَيْهِ اجتهادُه.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَا تُغَاُلوا فِي الصَّدَقَات» هِيَ جَمْعُ صَدُقَة، وهو مهر المرأة.
ومنمه قوله تعالى: «وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً»
وَفِي رِوَايَةِ «لَا تُغَاُلوا فِي صُدُقِ النَّساء» جَمْعُ صَدَاق.
(س) وَفِيهِ «لَيْسَ عِنْدَ أبَوَيْنَا مَا يُصْدِقَانِ عنَّا» أَيْ يُؤَدّيان إِلَى أزْوَاجنا عنَّا الصَّدَاق. يُقَالُ أَصْدَقْتُ المرأةَ إِذَا سمّيتَ لَهَا صَدَاقاً، وَإِذَا أعْطيتَها صَدَاقَهَا، وَهُوَ الصَّدَاق والصِّدَاق والصَّدَقَة أَيْضًا «1» .
وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ ذِكْرُ «الصِّدِّيق» قَدْ جَاءَ فِي غَير مَوضِع. وَهُوَ ِفَعّيل لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْق. وَيَكُونُ الَّذِي يُصَدِّقُ قولُهُ بِالْعَمَلِ.
(هـ) وَفِيهِ أَنَّهُ لَمّا قَرَأَ «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ» قَالَ: تَصَدَّقُ رجلٌ مِنْ دِينارِه، وَمِنْ دِرْهَمِه، وَمِنْ ثَوْبِهِ» أَيْ لِيَتَصَدَّقْ، لفْظُه الخَبَر وَمَعْنَاهُ الأمْر، كَقَوْلِهِمْ فِي المثَل «أنْجَزَ حُرٌّ مَا وَعَدَ» : أي لِيُنْجِزْ.
__________
(1) وفيه أيضا: الصَّدُقة، والصُّدُقة والصُّدْقة. (القاموس- صدق) .
(3/18)

(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ» هَذَا مَثَلٌ يُضْرَبُ للصَّادِق فِي خَبَرِه. وَقَدْ تَقَدَّم فِي حَرْفِ السِّينِ.

(صَدَمَ)
(هـ) فِيهِ «الصبرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى» أَيْ عِنْدَ قُوّة الْمُصِيبَةِ وشِدّتها، والصَّدْم:
ضَرْبُ الشيءِ الصُّلْب بمثْله. والصَّدْمَة الْمَرَّةُ مِنْهُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَسِيرِهِ إِلَى بَدْرٍ «خَرَجَ حَتَّى أَفْتَقَ مِنَ الصَّدْمَتَيْنِ» «1» يَعْني مِنْ جَاِنَبِي الوادِي. سُمَيّا بِذَلِكَ كَأَنَّهُمَا لتَقَابُلهما يَتَصَادَمَانِ، أَوْ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُمَا تَصْدِمُ مَنْ يَمُرُّ بِهَا ويُقابلها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ «كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ: إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ الْعِرَاقَيْنِ صَدْمَةً فسِرْ إِلَيْهِمَا» أَيْ دَفْعَةً وَاحِدَةً.

(صَدَا)
فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ «فَجَعَلَ الرجُل يَتَصَدَّى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليَأْمُرَ بِقَتْلِهِ» التَّصَدِّي: التَعّرّض لِلشَّيْءِ. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يسْتَشْرف الشَّيْءَ نَاظِرًا إِلَيْهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ «كَانَ وَاللَّهِ بَرًّا تَقِيًّا لَا يُصَادَى غَرْبُه» أَيْ لَا تُدَارَي حِدّته ويسْكُن غَضَبه. والمُصَادَاة، والمُدَارَاة، والمُداجاة سَوَاءٌ. والغَرْب: الحدَةّ.
هَكَذَا رَوَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَفِي كِتَابِ الْهَرَوِيِّ «كَانَ يُصَادَى مِنْهُ غَرْب» «2» بِحَذْفِ حَرْفِ النَّفْي، وَهُوَ الأشبَه، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَتْ فِيهِ حِدَّةٌ يسيرةٌ.
وَفِيهِ «لترِدُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَوَادِيَ» أَيْ عِطاشاً. والصَّدَى: العَطَش.
وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «قَالَ لأنسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَصَمَّ اللَّهُ صَدَاك» أَيْ أَهْلكك. الصَّدَى:
الصَّوتُ الَّذِي يسمعُه المُصوَّت عَقيبَ صياحِه رَاجِعًا إِلَيْهِ مِنَ الجَبَل والبنَاء المرتَفع، ثُمَّ استُعِير للهَلاَك، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجِيب الحيَّ، فَإِذَا هَلَك الرجلُ صمَّ صَدَاه كَأَنَّهُ لَا يسْمعُ شَيْئًا فيُجِيَب عَنْهُ. وَقِيلَ الصَّدَى الدماغُ. وَقِيلَ موضعُ السمَّع مِنْهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذكره في الحديث.
__________
(1) بسكون الدال، وقد تكسر (القاموس- صدم)
(2) وهي رواية الزمخشري أيضا، لا كما ذكر ابن الأثير. انظر الفائق 2/ 15.
(3/19)

بَابُ الصَّادِ مَعَ الرَّاءِ

(صَرَبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الجُشَمِيّ «قَالَ لَهُ: هَلْ تُنْتَج إبلُك وَافِيَةً أَعْيُنُهَا وَآذَانُهَا، فَتَجْدَعَ «1» هَذِهِ فَتَقُولُ صَرْبَى» هُوَ بِوَزْنِ سَكْري، مِنْ صَرَبْتُ اللّبنَ فِي الضّرْع إِذَا جَمَعَتْه، وَلَمْ تَحْلُبْه. وَكَانُوا إِذَا جَدَعوها أَعْفَوْها مِنَ الحلْب إِلَّا للضَّيف. وَقِيلَ هِيَ المشقوقةُ الْأُذُنِ مِثْلُ البَحِيِرَةِ، أَوِ المقطُوعة. والباءُ بَدَلٌ مِنَ الْمِيمِ «2» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «فَيَأْتِي بالصَّرْبَة مِنَ اللَّبن» هِيَ اللَّبن الحامضُ. يُقَالُ جَاءَ بصَرْبَة تزوِي الوجْه مِنْ حُمُوضَتِها.

(صَرُحَ)
(س) فِي حَدِيثِ الوسْوَسة «ذَاكَ صَرِيح الْإِيمَانِ» أَيْ كراهَتُكم لَهُ وتَفَادِيكم مِنْهُ صَرِيح الْإِيمَانِ. والصَّرِيح: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ ضِدُّ الْكِنَايَةِ، يَعْنِي أَنَّ صَرِيح الْإِيمَانِ هُوَ الَّذِي يمنَعْكم مِنْ قَبول مَا يُلْقِيه الشيطانُ فِي أنفُسِكم حَتَّى يَصِير ذَلِكَ وسْوسَة لَا تَتَمَكَّنُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَطْمئن إِلَيْهِ نُفُوُسُكم، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الوسْوَسَةُ نَفْسَهَا صَرِيح الْإِيمَانِ، لأنَّها إنَّما تتولَّد مِنْ فِعل الشَّيْطَانِ وتَسْويلهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِيماناً صَرِيحا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد:
دعَاَهاَ بشاةٍ حائلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... لَهُ بصَرِيح ضُرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ»
أَيْ لَبنٍ خَالِصٍ لَمْ يُمذَق. والضَّرَّة: أصلُ الضرْعِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سُئل مَتَى يَحِل شِرَاءُ النَّخلْ؟ قَالَ: حِينَ يُصَرِّحُ، قيلَ وَمَا التَّصْرِيح؟ قَالَ: حَتَّى يَسْتَبِيَن الحُلْوُ مِنَ المُرَّ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَكَذَا يُروى ويُفَسَّر. وَقَالَ:
الصَّوَابُ يُصَوَّحُ بالواو. وسَيُذْكر في موضعه.
__________
(1) رواية الهروي واللسان «فتجْدَعها وتقول..» وهي رواية المصنف في «صرم» .
(2) كما يقال: ضربة لازِم ولازِب.
(3) رواية الهروي: عليهِ صريحاً ضرَّةُ الشاة مُزْبِدِ
(3/20)

(صَرَخَ)
(هـ) فِيهِ «كَانَ يقومُ مِنَ اللَّيل إِذَا سَمِع صَوت الصَّارِخ» يَعْنِي الدَّيك، لِأَنَّهُ كثيرُ الصَيّاح فِي اللَّيْلِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ اسْتَصْرَخَ عَلَى امْرَأته صَفِيَّة» اسْتَصْرَخَ الإنسانُ وَبِهِ إِذَا أتَاه الصَّارِخ، وَهُوَ المُصَوَّت يُعْلِمْهُ بأمْر حَادثٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ يَنْعَى لَهُ مَيّتَا.
والاسْتِصْرَاخ: الاستغاثَة. واسْتَصْرَخْتُهُ إِذَا حَمَلَته عَلَى الصُّرَاخ.

(صَرَدَ)
(س) فِيهِ «ذَاكرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الغَافِلين مِثْلُ الشَّجَرة الخَضْراء وسْط الشَّجر الَّذِي تَحاتَّ ورَُقَه مِنَ الصَّرِيد» الصَّرِيد: البرْد، ويُروى مِنَ الجَلِيِدِ «1» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «سُئل ابْنُ عُمر عمَّا يموتُ فِي البَحْر صَرْداً، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ» يَعْنِي السَّمك الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ مِنَ البرْد.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «سألَهُ رجلٌ فَقَالَ: إِنِّي رجلٌ مِصْرَادٌ» هُوَ الَّذِي يشتدُّ عَلَيْهِ البرْدُ وَلَا يُطيقُه ويَقِلُّ لَهُ احتمالُه. والمِصْرَاد أَيْضًا القَوِيُّ عَلَى البَرد، فَهُوَ مِنَ الأضْداد.
(س) وَفِيهِ «لَنْ يدخُل الْجَنَّةَ إَّلا تَصْرِيداً» أَيْ قَليلا. وَأَصْلُ التَّصْرِيد: السَّقْىُ دُونَ الَرّيَّ. وصَرَّدَ لَهُ العطاءَ قَلله.
وَمِنْهُ شِعْرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَرْثِي عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ:
يُسْقَونَ فِيهَا شَراباً غَيْرَ تَصْرِيد (س) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَي المُحْرِم عَنْ قتْل الصُّرَدِ» هُوَ طائرٌ ضخْمُ الرأسِ والمِنْقَار، لَهُ رِيشٌ عَظِيمٌ نِصْفُه أَبْيَضُ وَنِصْفُهُ أسْود.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ نَهَي عَنْ قَتْل أرْبع مِنَ الدَّواب:
النَّمْلةِ، والنَّحْلةِ، والهُدْهدِ، والصُّرَد» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنما جَاءَ فِي قَتْل الَّنمل عَنْ نوعٍ مِنْهُ خاصٍّ، وَهُوَ الكِبَار ذَوات الأرجُل الطَّوال، لِأَنَّهَا قَليلةُ الأذَى وَالضَّرَرِ. وَأَمَّا النَّحْلَةُ فلِمَا فِيهَا مِنَ المَنْفَعَة وَهُوَ العَسَلُ والشَّمع. وَأَمَّا الهُدهُد والصُّرَد فَلِتَحْرِيمِ لحْمهما، لأنَّ الحَيَوَانَ إِذَا نُهِيَ عَنْ قَتْله وَلَمْ يكن
__________
(1) ورواية الزمخشري «من الضَّرِيب» وهو الصقيع. (الفائق 1/ 236) . وهي رواية المصنف في «حت» وسبقت.
(3/21)

ذَلِكَ لاحْتِرَامِه أوْ لضَرر فِيهِ كَانَ لِتَحْرِيمِ لَحْمِه. ألاَ تَرَى أَنَّهُ نُهِي عَنْ قتْل الحَيوان لِغَير مأكَلِةٍ.
وَيُقَالُ إنَّ الهُدهُد مُنْتِن الرِّيحِ فَصَارَ فِي مَعْنى الجَلاَّلة، والصُّرَد تتشَاءمَ بِهِ العربُ وتَتطيُّر بصَوتِه وشخْصِه. وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهُوه مِنَ اسْمِهِ، مِنَ التَّصْرِيد وَهُوَ التَّقْلِيل.

(صَرْدَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «رَأَيْتُ الناسَ فِي إمَارةِ أَبِي بَكْرِ جُمِعُوا فِي صَرْدَحٍ يْنُفُذُهُم البَصَر، ويُسْمِعُهم الصَّوتُ» الصَّرْدَح: الأرضُ الملْساءُ، وَجَمْعُهَا صَرَادِح.

(صَرِرَ)
فِيهِ «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ» أَصَرَّ عَلَى الشَّيْءِ يُصِرُّ إِصْرَاراً إِذَا لَزِمَه ودَاوَمَه وثَبتَ عَلَيْهِ. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَرّ والذُّنوب، يَعْنِي مَنْ أَتْبَعَ الذَّنْبَ بِالِاسْتِغْفَارِ فَلَيْسَ بِمُصِرٍّ عَلَيْهِ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ويلٌ للمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّون عَلَى مَا فَعلوه وَهُمْ يَعْلَمُونَ» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ» قَالَ أَبُو عُبَيد: هُوَ فِي الْحَدِيثِ التَّبتَّل وتَركُ النِكَاحِ:
أَيْ لَيْسَ يَنْبَغي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَا أتزوّجُ، لِأَنَّهُ ليسَ مِنْ أخْلاقِ المُؤمنين. وَهُوَ فِعْلُ الرُّهبَان.
والصَّرُورَة أَيْضًا الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَط. وأصلُه مِنَ الصَّرِّ: الحبْسِ والمنْعِ. وَقِيلَ أَرَادَ مَنْ قَتل فِي الحرَم قُتِل، وَلَا يُقبل مِنْهُ أَنْ يَقول إِنِّي صَرُورَة، مَا حَجَجْتُ وَلَا عَرَفْتُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ. كَانَ الرجلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أحْدث حَدَثًا فَلَجَأَ إِلَى الكَعْبة لَمْ يُهَجْ، فَكَانَ إِذَا لَقَيه وليُّ الدَّم فِي الحَرم قِيلَ لَهُ هُوَ صَرُورَةٌ فَلَا تَهِجْه.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَأتِيِني وأنتَ صَارّ بيْن عَينَيك» أَيْ مُقْبَضٌ جامعٌ بينَهما كَمَا يَفْعل الحزِين. وأَصْلُ الصَّرِّ: الجمْع وَالشَّدُّ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِر أَنْ يَحُلّ صِرَارَ ناقةٍ بِغير إذْن صاحِبها، فَإِنَّهُ خَاتَمُ أهْلها» مِنْ عَادةِ العرَب أَنْ تَصُرَّ ضُرُوع الحَلوُبات إِذَا أرسَلُوها إِلَى المَرْعَى سَارِحَة. ويُسُّمون ذَلِكَ الرَّباطَ صِرَاراً، فَإِذَا راحَتْ عَشِيًا حُلَّت تِلك الأَصِرَّة وحُلِبَت، فَهِيَ مَصْرُورَة ومُصَرَّرَة.
(3/22)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ نُوَيرَة حِينَ جَمَع َبُنو يَرْبُوع صَدَقاتِهم لِيُوَجِّهُوا بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ:
وقُلت خُذُوها هَذه صَدَقَاُتُكْم ... مُصَرَّرَة أخْلافَها لَمْ تُجَرّدِ
سأجْعَلُ نَفْسي دُون مَا تَحْذَرُوَنه ... وأرْهَنُكَم يَوماً بِمَا قُلْتُهُ يَدَي
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تأوَّلُوا قولَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ المُصَرَّاة، وسيجيءُ مُبَيَّناً فِي موضِعِه.
(س) وَفِي حَدِيثِ عِمْرَان بْنِ حُصَيْن «تكادُ تَنْصَرُّ مِنَ المِلْءِ» كَأَنَّهُ مِنْ صَرَرْتُهُ إذَا شَدَدْتَه.
هَكَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُق. والمعروفُ تَتَضَرَّجُ: أَيْ تَنْشَقّ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: «أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِهِ» أَيْ مَا تَجَمَعَاِنه فِي صُدُورِكما.
(هـ) وَمِنْهُ «لمَّا بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِر إِلَى ابْنِ عُمَر بأسيرٍ قَدْ جُمِعَت يَدَاهُ إِلَى عُنُقِه ليَقْتُلَهُ، قَالَ: أمَّا وَهُوَ مَصْرُور فَلاَ» .
(س) وَفِيهِ «حَتَّى أَتَيْنَا صِرَاراً» هِيَ بِئرٌ قديمةٌ عَلَى ثلاثةِ أمْيال مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيق العِرَاق. وَقِيلَ مَوْضِع.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَمَّا قَتَلَهُ الصِّرُّ مِنَ الجَرَادِ» أَيِ البَرْد.
وَفِي حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ «اطَّلَعَ عَلَيَّ ابْنُ الْحُسَيْنِ وَأَنَا أنْتِفُ صِرّاً» هُوَ عُصْفُوْرٌ أَوْ طائرٌ فِي قَدّه أصْفَر اللَّوْنِ، سُمَيّ بصَوْته. يُقَالُ: صَرَّ العصفورُ يَصِرُّ صُرُوراً إِذَا صَاحَ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ يخطُبُ إِلَى جِذْع، ثُمَّ اتخَذ المِنْبَر فاصْطَرَّتِ السّاريةُ» أَيْ صَوَّتَتْ وحنَّتْ. وَهُوَ افتَعَلَتْ مِنَ الصَّرِير، فَقُلِبَت التاءُ طَاءً لأجْلِ الصَّاد.
وَفِي حَدِيثِ سَطيح:
أزرقُ مُهْمَى النّابِ صَرَّارُ اْلأُذُنْ صَرَّ أذنَهُ وصَرَّرَهَا: أَيْ نَصَبَها وسَوَّاهَا.

(صَرَعَ)
(هـ) فِيهِ «مَا تعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ:
هُوَ الَّذِي يملِكُ نَفْسُه عِنْدَ الْغَضَبِ» الصُّرَعَة بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاء: المُبَالِغُ في الصِّرَاع الذي
(3/23)

لَا يُغْلَبُ، فنقَلَهُ إِلَى الَّذِي يَغْلِبُ نفْسَه عِنْدَ الغَضَب ويَقْهَرُهَا، فَإِنّه إِذَا مَلَكَها كَانَ َقد قَهَرَ أَقْوَى أعْدَائِهِ وشَرَّ خُصُومه، وَلِذَلِكَ قَالَ: «أعْدَى عَدُوّ لكَ نَفْسُكَ الَّتِي بينَ جَنْبَيْك» .
وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَقَلها «1» عَنْ وضْعِها اللّغَوُيُّ لضَربٍ مِنَ التَّوسُّع وَالْمَجَازِ، وَهُوَ مِنْ فَصيح الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الغَضْبان بِحَالَةٍ شديدةٍ مِنَ الغَيْظِ، وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الغَضَبِ، فَقَهَرَها بحِلْمه، وصَرَعَهَا بثَبَاته، كَانَ كالصُّرَعَة الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ.
وَفِيهِ «مَثل المؤمنِ كالخَامة مِنَ الزَّرْع تَصْرَعُهَا الريحُ مَرَّةً وتعدلُها أخْرى» أَيْ تُميلُها وتَرْميها مِنْ جَانِبٍ إِلى جَانِبٍ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ صُرِعَ عَنْ دَابَّةٍ فجُحِش شِقّه» أَيْ سَقَط عَنْ ظَهْرها.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَنَّهُ أردفَ صَفية فعَثَرت ناقَتُه فصُرِعَا جَمِيعًا» .

(صَرَفَ)
(هـ) فِيهِ «لَا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عدلا» قد تَكَرَّرَتْ هَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ فِي الْحَدِيثِ، فالصَّرْف: التوبةُ. وَقِيلَ النافلةُ. والعَدْل: الفِدْية. وَقِيلَ الفَرِيضة.
(س) وَفِي حَدِيثِ الشفُّعْة «إِذَا صُرِّفَتِ الطُّرُق فَلَا شُفْعَة» أَيْ بُيِّنَت مَصَارِفُها وشَوَارِعُهَا. كَأَنَّهُ مِنَ التَّصَرُّف والتَّصْرِيف.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي إِدريس الخَوْلانِيّ «مَنْ طَلَب صَرْفَ الْحَدِيثِ يْبتغِي بِهِ إِقْبَالَ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ» أَرَادَ بِصَرْفِ الْحَدِيثِ مَا يتَكلَّفُه الإنسانُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى قَدْر الْحَاجَةِ.
وإِنما كَره ذَلِكَ لِمَا يدْخُله مِنَ الرَّياء والتَصَنُّع، وَلِمَا يُخَالطُه مِنَ الكَذب والتَّزيُّد. يُقَالُ:
فُلاَن لَا يُحْسِنُ صَرْفَ الكلامِ: أَيْ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْض. وَهُوَ مِنْ صَرْفِ الدّراهمِ وتَفَاضِلُها.
هَكَذَا جَاءَ فِي كِتَابِ «الغَريب» عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ. والحديثُ مَرْفُوعٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أتيتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ فِي ظلِّ الْكَعْبَةِ، فاستَيقظ مُحمارًّا وجْهُه كَأَنَّهُ الصِّرْف» هُوَ بِالْكَسْرِ شَجَرٌ أَحْمَرُ يُدْبغ بِهِ الأديمُ. ويُسْمَّى الدمُ والشرابُ إِذَا لَمْ يُمْزَجَا صِرْفاً. والصِّرْف: الْخَالِصُ مِنْ كل شيء.
__________
(1) أي النبي عليه السلام. والذي في اللسان: ... التي نقلها اللغويون عن وضعها ... الخ.
(3/24)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «تغيَّر وجْهُه حَتَّى صارَ كالصِّرْف» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لتَعْرُكَنَكُم عَرْك الأديمِ الصِّرْف» .
أَيِ الأحْمر.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ دَخَلَ حَائِطًا مِنْ حَوَائِط المَدِينةِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلاَنِ يَصْرِفَانِ ويُوعدان، فَدَنَا منهُما فوضَعا جُرُنَهُما» الصَّرِيف: صوتُ نَابِ البَعير. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: إِذَا كَانَ الصَّرِيف مِنَ الفُحُولة فَهُوَ مِنَ النَشَاطِ، وَإِذَا كَانَ مِنَ الْإِنَاثِ فَهُوَ مِنَ الْإِعْيَاءِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَا يَرُوعُه مِنها إِلَّا صَرِيف أنيابِ الحِدْثانِ» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أسمَعُ صَرِيف الْأَقْلَامِ» أَيْ صوتَ جَرَيَانِها بِمَا تَكْتُبُه مِنْ أقْضِيَة اللهِ تَعَالَى وَوَحْيِه، وَمَا يَنْتَسِخُوْنَه مِنَ اللَّوح الْمَحْفُوظِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَنَّهُ كَانَ يسمعُ صَرِيف الْقَلَمِ حِينَ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ التوراةَ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْغَارِ «ويَبِيتان فِي رِسْلِها وصَرِيفِها» الصَّرِيف: اللبنُ ساعةَ يَصْرِفُ عَنِ الّضرْع.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الأكْوع.
لَكِن غَذَاها اللبنُ الخَرِيفُ ... المَخْضُ والقَارِصُ والصَّرِيفُ
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ «أشربُ الَتّبَن مِنَ اللَّبَنِ رَثِيَئةً أَوْ صَرِيفا» .
(س هـ) وَفِي حَدِيثِ وَفْد عَبْدِ الْقَيْسِ «أَتُسَمْوُّنَ هَذَا الصَّرَفَانِ» هُوَ ضَرْب مِنْ أجْوَدِ التَّمْرِ وأَوْزَنِهِ.

(صَرَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ كَانَ يأكُلُ يَوْم الِفطر قَبْلَ أَنْ يخْرُج إِلَى المُصَلَّى مِنْ طَرَفِ الصَّرِيقَةِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ سُنَّة» الصَّرِيقَة: الرُّقاقَة، وجمعُها صُرُق وصَرَائِق. وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَا أغْدو حَتَّى آكُل مِنْ طَرَفِ الصَّرِيفَة» وَقَالَ: هَكَذَا رُوي بِالْفَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْقَافِ.
(3/25)

(صَرَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الجُشَمِيَّ «فَتَجْدَعُهَا وَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ» هِيَ جمعْ صَرِيم، وَهُوَ الَّذِي صُرِمَتْ أُذُنُهُ: أَيْ قُطِعَت. والصَّرْمُ: القَطْع.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَحِلُ لمُسْلِم أَنْ يُصَارِمَ مُسْلِمَا فوقَ ثلاثٍ» أَيْ يَهْجُرَه وَيَقْطَعَ مُكالمته.
وَمِنْهُ حَدِيثِ عُتبة بْنِ غَزْوان «إنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَت بِصَرْمٍ» أَيْ بانْقِطَاع وانقضاءِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا تَجوز المُصَرَّمَة الأَطْباء» يَعْنِي المقْطوعةَ الضُّروع. وَقَدْ يَكُونُ مِنَ انْقطاع اللَّبن، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ الضَّرع داءٌ فيُكْوَى بالنَارِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَبَنٌ أَبَدًا.
(س) وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ «لمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ بَعث رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبْد اللَّهِ بْنَ رَوَاحَة إِلَى خيبرَ» المشهورُ فِي الرِّوَايَةِ فتحُ الرَّاءِ: أَيْ حِينَ يُقْطع ثَمرُ النَّخْل ويُجَدُّ والصِّرَام: قَطعُ الثَّمرة واجْتِناؤُها مِنَ النَّخْلة. يُقَالُ هَذَا وقتُ الصِّرَام وَالْجِدَادِ. ويُروى: حِينَ يُصْرِمُ النخلُ. بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ أَصْرَمَ النخلُ إِذَا جاءَ وقتُ صِرَامِهِ. وَقَدْ يُطلق الصِّرَام عَلَى النَّخْلِ نَفُسه لِأَنَّهُ يُصْرَمُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لنَا ِمن دفئِهِمْ وصِرَامِهِمْ» أَيْ مِنْ نَخْلِهِمْ. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ «أَنَّهُ غَيَّر اسمَ أَصْرَمَ فَجَعَلَهُ زُرْعَة» كَرهه لِمَا فِيهِ مِنْ معنَى القَطْع. وسمَّاهُ زُرْعَة لِأَنَّهُ مِنَ الزَّرْع: النَّبَات.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «كَانَ فِي وصِيّتِه: إِنْ تُوُفِّيتُ وَفِي يَدِي صِرْمَةُ ابنِ الأكوعِ فسُنَّتُها سُنَّةُ ثمغٍ» . الصِّرْمَة هَاهُنَا القِطْعَةُ الخَفيفَةُ مِنَ النَّخْلِ. وَقِيلَ مِنَ الإبلِ. وثَمْغٌ: مالٌ كَانَ لعمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَفَه: أَيْ سَبِيلُها سبيلُ هَذَا الْمَالِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ «وَكَانَ يُغيرُ عَلَى الصِّرْمِ فِي عَمَاية الصُّبح» الصِّرْم: الْجَمَاعَةُ يَنزِلون بِإِبِلِهِمْ نَاحِيَة عَلَى ماءٍ.
(س) وَمِنْهُ حديث المرأة صاحبة الماء «أنهم كانو يُغيرُون عَلَى مَن حَولَهم وَلَا يُغَيِرونَ عَلَى الصِّرْمِ الَّذِي هِيَ فِيهِ» .
(3/26)

وَفِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ «فِي التَّيْعَة والصُّرَيْمَة شاتَانِ إِنِ اجْتَمعتا، وَإِنْ تفرّقَتَا فشاةٌ شاةٌ» الصُّرَيْمَة: تصْغيرُ الصِّرْمَة، وَهِيَ القَطيعُ مِنَ الْإِبِلِ والغنَم. قِيلَ هِيَ مِنَ العِشْرين إِلَى الثَلَاثِينَ والأْربَعين، كَأَنَّهَا إِذَا بَلغت هَذَا القَدَر تَسْتَقِلّ بنفْسِها فيقطَعُها صاحبُها عَنْ مُعْظم إِبِلِهِ وغنَمِه.
والمرادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً إِلَى الْمِائَتَيْنِ، إِذَا اجتَمَعت فَفِيهَا شاتَان، وَإِنْ كَانَتْ لرجُلين وفُرِّق بَيْنَهُمَا فعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شاةٌ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «قَالَ لموْلاه: أَدْخِل رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَة» يَعني فِي الحِمى والمَرْعَى. يُريد صاحبَ الْإِبِلِ القليلةِ والغَنم القَليلةِ.
(هـ) وَفِيهِ «فِي هَذِهِ الأمَّة خمسُ فتَن، قدْ مضَت أربَعٌ وبقِيت وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الصَّيْرَمُ» يَعْنِي الداهيةَ المستأصِلَةَ، كالصَّيلَم، وَهِيَ مِنَ الصَّرْم: القَطْع. وَالْيَاءُ زائدةٌ.

(صَرَا)
(هـ) فِي حَدِيثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ «مَا يَصْرِينِي مِنْكَ أَيْ عَبْدِي» وَفِي رِوَايَةٍ:
«مَا يَصْرِيك منَيّ» أَيْ مَا يَقْطَعُ مسْأَلَتَك ويمنَعُك مِنْ سُؤالي: يُقَالُ صَرَيْتُ الشيءَ إِذَا قَطعْته وصَرَيْتُ الماءَ وصَرَّيْتُهُ إِذَا جَمَعتَه وحَبَسته.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنِ اشتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بخَير النَّظَرين» المُصَرَّاة: النَاقَةُ أَوِ البقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ يُصَرَّى اللّبنُ فِي ضَرْعها: أَيْ يُجْمَع ويُحْبَس. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُصَرَّاة وَفَسَّرَهَا أنَّها الَّتِي تُصَرُّ أخلافُها وَلَا تُحلَبُ أَيَّامًا حَتَّى يجتمعَ اللبنُ فِي ضَرْعها، فَإِذَا حلَبها المُشْتري اسْتَغْزَرَها. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: جائزٌ أَنْ تكونَ سُمّيَت مُصَرَّاة مِنْ صَرِّ أخلافِها، كَمَا ذُكِرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا اجتمعَ لَهُمْ فِي الْكَلِمَةِ ثلاثُ رَاآتٍ قُلبت إحْدَاها يَاءً، كَمَا قَالُوا تَظنَّيتُ فِي تَظَنَّنْت. وَمِثْلُهُ تَقَضى الْبَازِي فِي تَقَضَّض، والتّصدِّي فِي تَصَدَّدَ. وكثيرٌ مِنْ أمْثَال ذلكَ أبدَلُوا مِنْ أَحَدِ الْأَحْرُفِ الْمُكَرَّرَةِ يَاءً كَرَاهِيَةً لِاجْتِمَاعِ الْأَمْثَالِ. قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ تكونَ سُمَيّت مُصَرَّاةً مِنَ الصَّرْيِ، وَهُوَ الجمعُ كَمَا سبقَ. وإِليه ذهبَ الأكثرُونَ.
وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللفظةُ فِي الْأَحَادِيثِ، مِنْهَا، قولهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ والغَنم» فَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّرَّ فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّرْي فيكونُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ.
وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ خِداعٌ وغِشٌّ.
(3/27)

وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «أنَّ رجُلاً استَفْتاهُ فَقَالَ: امْرَأتِي صَرِيَ لبنُهَا فِي ثَدْيِها، فَدَعَتْ جَارِيَةً لَهَا فمصَّته، فَقَالَ: حَرِمتُ عَلَيْكَ» أَيِ اجْتَمَعَ فِي ثَدْيِها حَتَّى فَسَد طَعْمُه. وتحريمُها عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ رَضَاع الْكَبِيرِ يُحرّم.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ مَسح بِيَدِهِ النَّصْل الَّذِي بَقي فِي لَبَّةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج وتَفَل عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِرْ» أَيْ لَمْ يَجْمع المِدَّة.
(س) وَفِي حَدِيثِ الإسْراء فِي فَرْضِ الصَّلاة «علمتُ أَنَّهَا أَمْرُ اللَّهِ صِرَّى» أَيْ حَتمٌ واجبٌ وعَزيمة وَجِدّ. وَقِيلَ هِيَ مُشْتَقَّة مِنْ صَرَى إِذَا قَطَع. وَقِيلَ هِيَ مُشْتقَّة مِنْ أَصْرَرْت عَلَى الشَّيْءِ إِذَا لَزِمْتَه، فَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا فَهُوَ مِنَ الصَّادِ وَالرَّاءِ المشدَّدة. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ صِرِّيٌّ بِوَزْنِ جِنْيٍ.
وصِرِّيُّ العَزْم: أَيْ ثَابِتُهُ ومسْتَقِرُّة.
وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أَبِي سَمّال الأسَدِي، وَقَدْ ضلَّت ناقتُه فَقَالَ «أَيْمُنُكَ لَئن لَمْ تردَّها علَيَّ لَا عَبَدْتُك، فأصابَها وَقَدْ تَعَلَق زِمَامُها بعَوسَجَة فَأَخَذَهَا وَقَالَ: عَلِمَ ربَيّ أَنَّهَا مِنّي صِرَّى» أي عَزِيمة قاطِعةٌ، ويمينٌ لازِمة.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَرْض نَفْسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبَائِلِ «وَإِنَّمَا نَزلْنَا الصَّرَيَيْنِ، اليَمَامةَ والسَّمَامَة» هُمَا تَثْنِيَةُ صَرَّى وَهُوَ الماءُ المجتمعُ. ويَرْوى الصِّيرَيْن.
وسيَجيءُ فِي موضِعِه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبير وَبِنَاءِ الْبَيْتِ «فأَمر بصَوَارٍ فنُصِبَت حولَ الْكَعْبَةِ» الصَّوَارِي جَمْعُ الصَّارِي، وَهُوَ دَقَل السَّفِينة الَّذِي يُنْصب فِي وَسَطِهَا قَائِمًا وَيَكُونُ عَلَيْهِ الشِّراع.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الطَّاءِ

(صَطَبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ سِيرين «حَتَّى أُخِذَ بلِحْيَتي فأقمتُ فِي مِصْطَبَّة البَصْرة» المِصْطَبَّة بِالتَّشْدِيدِ: مجتمعُ النَّاس، وَهِيَ أَيْضًا شِبْه الدُّكان، يُجلس عَلَيْهَا ويُتَّقى بِهَا الهوامُّ مِن اللَّيْلِ.
(3/28)

(صَطْفَلَ)
فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَلِك الرُّوم: «ولأنزِعنّك مِنَ المُلْك نزعَ الإِصْطَفْلِينَة» أَيِ الجزَرَة. ذَكَرَهَا الزمَخْشري فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ، وغَيرُه فِي حَرْفِ الصَّادِ، عَلَى أَصْلِيَّةِ الْهَمْزَةِ وَزِيَادَتِهَا.
(هـ) ومنه حديث القاسم بن مخيرة «إِنَّ الْوَالِيَ لتُنْحِتُ أقاربُه أمانَتَه كَمَا تَنْحِت القدومُ الإِصْطَفْلِينَة، حَتَّى تَخْلُص إِلَى قَلْبِهَا» وليْست اللفظةُ بعرَبيَّة مَحْضَة، لأنَّ الصَاد وَالطَّاءَ لَا يكادَان يَجْتمعانِ إلاَّ قَلِيلًا.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْعَيْنِ

(صَعُبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ خَيْبَرَ «1» «مَنْ كَانَ مُصْعِباً فلْيرْجِع» أَيْ مَنْ كَانَ بَعِيُره صَعْباً غَيْرَ مُنْقَاد وَلَا ذَلُول. يُقَالُ أَصْعَبَ الرجلُ فَهُوَ مُصْعِب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «فَلَمَّا رَكِب الناسُ الصَّعْبَةَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَأخذُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِف» أَيْ شَدَائِدَ الْأُمُورِ وَسُهُولَهَا. وَالْمُرَادُ تَرْكُ المُبَالاة بِالْأَشْيَاءِ وَالِاحْتِرَازُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ خَيْفان «صَعَابِيبُ، وَهُمْ أهلُ الْأَنَابِيبِ» الصَّعَابِيب: جَمْعُ صُعْبُوب، وَهُمُ الصِّعَاب: أَيِ الشَدّاد.

(صَعَدَ)
(هـ) فِيهِ «إِيَّاكُمْ والقُعُودَ بالصُّعُدَاتِ» هِيَ الطُّرُق، وَهِيَ جَمْعُ صُعُدٍ، وصُعُدٌ جمعُ صَعِيدٍ، كطَرِيق وطُرُق وطُرُقَات. وَقِيلَ هِيَ جَمْعُ صُعْدَة، كظُلمة، وَهِيَ فِناء بَابِ الدَّار ومَمَرُّ النَّاس بَيْنَ يدَيْه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ولخَرَجْتُم إِلَى الصُّعُدَات تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى صَعْدَة، يَتْبَعُها حُذاقِيٌّ، عَلَيْهَا قَوْصف «2» ، لَمْ يَبْقَ منها
__________
(1) أخرجه الهروي من حديث حنين.
(2) رواية الهروي «قَرْطَف» وهو القوصف والقرصف: القطيفة.
(3/29)

إِلَّا قَرْقَرُها» الصَّعْدَة: الْأَتَانُ الطَّويلةُ الظَّهر. والحذاقيُّ: الجَحْشُ. والقَوْصَفُ: القَطِيفة.
وقَرْقَرُهَا: ظَهْرُهَا.
وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
يُبَارِين الأَعِنَّة مُصْعِدَاتٍ أَيْ مُقْبِلَاتٍ مُتَوَجِّهَاتٍ نَحْوَكُم. يُقَالُ صَعِدَ إِلَى فَوْق صُعُوداً إِذَا طَلَعَ. وأَصْعَدَ فِي الْأَرْضِ إِذَا مَضَى وَسَارَ.
وَفِيهِ «لَا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بفاتِحَة الْكِتَابِ فَصَاعِداً» أَيْ فَمَا زَاد عَلَيها، كَقَوْلِهِمُ:
اشْتَرَيْتُهُ بدرْهم فصَاعِداً، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الحالِ، تَقْدِيرُهُ: فَزَادَ الثَّمَنُ صَاعِداً.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي رَجَزَ:
فَهُوَ يُنَّمى صُعُدَا أَيْ يَزِيدُ صُعُوداً وإرْتفاعا. يُقَالُ صَعِدَ إِلَيْهِ وَفِيهِ وعلَيه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَصَعَّدَ فيَّ النظرَ وصوَّبه» أَيْ نَظَرَ إِلَى أعْلاَيَ وأسْفَلي يَتَأَمَّلُني.
وَفِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كأنَّما يَنْحَطُّ فِي صُعُدٍ» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. يَعْنِي مَوْضِعَاً عَالِيَاً يَصْعَدُ فِيهِ ويَنْحَطُّ. والمشهورُ «كأنَّما يَنْحَطُّ فِي صَبَب» والصُّعُد- بضمَّتَين-: جَمْعُ صُعُود، وَهُوَ خِلَافُ الهَبُوط، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ خِلَافَ الصَّبَب.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَا تَصَعَّدَنِي شيءٌ مَا تَصَعَّدَتْنِي خِطبةُ النِّكَاحِ» يُقَالُ تَصَعَّدَهُ الأمرُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ وصَعُب، وَهُوَ مِنَ الصُّعُود: الْعَقَبة. قِيلَ «1» إِنَّمَا تصْعُب عَلَيْهِ لقُرْبِ الوُجوه مِنَ الوُجُوه ونَظَر بَعْضُهم إِلَى بَعْضٍ، ولأنَّهم إِذَا كانَ جَالِسَا مَعَهُم كَانوا نُظَرَاءَ وأََكْفَاءَ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى المِنْبَر كَانُوا سُوْقَةً ورَعيَّة.
وَفِي حَدِيثِ الْأَحْنَفِ:
إنَّ عَلَى كُلّ رَئيسٍ حَقَّا ... أَنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَة أَوْ تَنْدَقَّا
الصَّعْدَة: القَنَاةُ الَّتِي تَنْبُت مُسْتَقيمة.
__________
(1) القائل ابن المقفع. انظر الفائق 2/ 24.
(3/30)

(صَعَرَ)
(هـ) فِيهِ «يَأْتِي عَلَى النَّاس زمانٌ لَيْسَ فِيهِمْ إلاَّ أَصْعَرُ أَوْ أَبْتَرُ» الأَصْعَرُ:
المُعْرِض بِوَجْهِهِ كِبْرا «1» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ «لَا يَلِي الأْمَر بَعدَ فُلان إِلاَ كُلُّ أَصْعَرَ أبْتَر» أَيْ كُلُّ مُعْرِضٍ عَنِ الحَقِ نَاْقِصٍ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كُلُّ صَعَّار مَلعُونٌ» الصَّعَّار: المتكبَرّ لِأَنَّهُ يَميل بِخَّدْه ويُعْرِض عَنِ النَّاس بِوَجْهِه «2» . ويُروى بِالقَافِ بَدَل العَين، وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ والفَاءِ والزَّاي.
وَفِي حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ «فأنَا إِلَيْهِ أَصْعَرُ» أَيْ أَمْيَلُ.
وَحَدِيثِ الْحَجَّاجِ «أَنَّهُ كَانَ أَصْعَرَ كُهَاكِهاً» .

(صَعْصَعَ)
(س) فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «تَصَعْصَعَ بِهم الدّهرُ فاصبَحُوا كَلاَ شَيْءٍ» أَيْ بدَّدَهُم وفَرَقَهُم. ويُروى بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ أذَلَّهم وأخضَعهم.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَتَصَعْصَعَتِ الراياتُ» «3» أَيْ تَفَرْقَت. وَقِيلَ تَحَرَّكَتْ وإضْطَرَبت.

(صَعْفَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الشَّعْبِي «مَا جاءَك عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخُذه ودعْ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الصَّعَافِقَة» هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ السُّوقَ بِلَا رأْسِ مالٍ، فَإِذَا اشتَرى التَّاجرُ شَيْئًا دَخَلَ معَه فِيهِ، وَاحِدُهم صَعْفَق. وَقِيلَ صَعْفُوق، وصَعْفَقِيّ. أرادَ أنَّ هَؤُلَاءِ لَا عِلْم عِنْدَهُمْ، فَهُمْ بمنْزلةِ التُّجَّارِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ رأسُ مالٍ.
وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ «أَنَّهُ سُئِل عَنْ رجُل أفْطَر يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فقالَ: مَا يقولُ فِيهِ الصَّعَافِقَة» .

(صَعَقَ)
فِيهِ «فَإِذَا مُوسى بَاطِشٌ بالعَرْش، فَلَا أدْرِي أجُوزيَ بالصَّعْقَة أَمْ لَا» الصَّعْق:
__________
(1) قال الهروي: وأراد رُذالة الناس الذين لا دين لهم.
(2) في الدر النثير: قلت قال الفارسي: فسر مالك الصعّار بالنّمام اهـ. وانظر «صقر» فيما يأتي.
(3) في الهروي: «فتصعصعت الذئاب» .
(3/31)

أَنْ يُغشى عَلَى الإنسانِ مِنْ صَوتٍ شديدٍ يسمَعُه، وربَّما مَاتَ مِنْهُ، ثُمَّ استُعْمل فِي الْمَوْتِ كَثِيرًا.
والصَّعْقَة: المرّةُ الواحدةُ مِنْهُ. ويُريدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ تَعَالَى «وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ وَذِكْرِ السَّحاب «فَإِذَا زَجَر رَعَدت، وَإِذَا رَعَد صَعِقَتْ» أَيْ أصابَت بِصَاعِقَة. والصَّاعِقَة: النارُ الَّتِي يُرْسلها اللهُ تَعَالَى مَعَ الرَّعد الشَّدِيدِ. يُقَالُ صَعِقَ الرجلُ، وصُعِقَ، وَقَدْ صَعَقَتْهُ الصَّاعِقَة. وقد تكرر ذكرُ هذه الفظة فِي الْحَدِيثِ، وكُلّها رَاجِعٌ إِلَى الغَشْي والمَوْت والعَذَاب.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «يُنْتَظر بالمَصْعُوق ثلاثا مالم يَخَافُوا عَلَيْهِ نَتْناً» هُوَ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ، أَوِ الَّذي يموتُ فَجْأَةً لَا يُعجَّل دَفْنُه.

(صَعَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد «لَمْ تُزْرِ بِه صَعْلَة» هِيَ صِغَر الرأسِ. وَهِيَ أَيْضًا الدِّقَّة والنُّحول فِي البَدَن.
وَمِنْهُ حَدِيثُ هدْم الكَعْبة «كأنِّي بِهِ صَعْلٌ يَهْدِم الكعبةَ» وأصحابُ الْحَدِيثِ يرووُنه: أَصْعَلُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَأَنِّي برجُل مِنَ الحَبَشة أَصْعَلَ أصمعَ قاعدٍ عَلَيْهَا وَهِيَ تُهْدم» .
وَفِي صِفَةِ الْأَحْنَفِ «أَنَّهُ كانَ صَعْلَ الرَّأس» .

(صَعْنَبَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ سوَّى ثريدَةً فلَبَّقَها ثُمَّ صَعْنَبَها» أَيْ رَفَع رأسَها وجعلَ لَهَا ذِرْوَة وضمَّ جوانبها.

(صعا)
(س) فِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيم» قَالَ لَهَا: مَا لِي أرَى ابنكِ خاثِرَ النّفسِ؟ قَالَتْ:
ماتَت صَعْوَتُهُ» هِيَ طَائِرٌ أصغْرُ مِنَ العُصْفور.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْغَيْنِ

(صَغُرَ)
فِيهِ «إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مثلَ الذُّباب» يَعْنِي الشَّيطَان: أَيْ ذَلَّ وامحَّقَ. وَيَجُوزُ أَنْ يكونَ مِنَ الصُّغْر والصَّغَار، وَهُوَ الذُّل والهَوان.
(3/32)

وَمِنْهُ حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصفُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «برَغْم الْمُنَافِقِينَ وصَغَر الْحَاسِدِينَ» أَيْ ذُلَّهم وهَوانِهم.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «المُحرِمُ يقْتُل الحيَّة بِصَغَرٍ لَهَا» .
وَفِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ بضْعَ عشرةَ سَنَةً، قَالَ عُروة: فَصَغَّرَهُ» أَيِ اسْتَصْغَرَ سنَّهُ عَنْ ضَبْطِ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ «فغَفَّرَه» أَيْ قَالَ غَفَر اللَّهُ لَهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(صغصغ)
فى ي ديث ابْنِ عَبَّاسٍ «وسُئل عَنِ الطِّيب للمُحْرم فَقَالَ: أمَّا أَنَا فأُصَغْصِغُهُ فِي رَأْسِي» هَكَذَا رُوي. قَالَ الْحَرْبِيُّ: إِنَّمَا هُوَ «أُسَغْسِغُهُ» بِالسِّينِ: أَيْ أُروِّيه بِهِ. والسينُ والصادُ يَتعَاقَبَان مَعَ الْغَيْنِ وَالْخَاءِ وَالْقَافِ وَالطَّاءِ. وَقِيلَ صَغْصَغَ شَعْره إِذَا رجَّله.

(صَغَى)
(هـ) فِي حَدِيثِ الهِرَّة «أَنَّهُ كَانَ يُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ» أَيْ يُميله ليَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّربُ مِنْهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يُنْفَخ فِي الصُّور فَلَا يَسمعُه أحدٌ إلاَّ أَصْغَى لِيتاً» أَيْ أَمَالَ صَفْحة عُنُقه إِلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَوْفٍ «كاتَبْتُ أمَيَّة بْنَ خَلَف أَنْ يحفَظَني فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وأحْفَظَه فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ» هُمْ خاصَّة الْإِنْسَانِ والمائلُون إِلَيْهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ إِذَا خَلاَ مَعَ صَاغِيَتِهِ وزافِرَتِهِ انْبَسَط» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكر الإِصْغَاء والصَّاغِيَة فِي الْحَدِيثِ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْفَاءِ

(صَفَتَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «قَالَ المُفَضّل بْنُ رَالاَن: سألتُه عَنِ الَّذي يَسْتَيْقِظُ فَيَجِدُ بَلَّةً، فَقَالَ: أمَّا أنتَ فاغتسِلْ، ورَآنِي صِفْتَاتاً» الصِّفْتَات: الكثيرُ اللَّحْمِ المكتَنِزُهُ.

(صَفَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ «التسبيحُ لِلرِّجَالِ، والتَّصْفِيح للنساءِ» . التَّصْفِيح
(3/33)

والتَّصفيقُ واحدٌ. وَهُوَ مِنْ ضَرْب صَفْحَة الكَفِّ عَلَى صَفْحة الكّفِّ الْآخَرِ، يَعْنِي إِذَا سَهَا الْإِمَامُ نبَّهه الْمَأْمُومُ، إنْ كَانَ رجُلا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وإنْ كَانَ امرَأةً ضرَبَتْ كَفّها عَلَى كَفِّهَا عِوَضَ الْكَلَامِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ «المُصَافَحَة عِنْدَ اللِّقاء» وَهِيَ مُفُاعلَة مِنْ إلْصاقِ صَفْح الكَفِّ بالكَفِّ، وَإِقْبَالِ الوجْه عَلَى الوجْه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَلبُ الْمُؤْمِنِ مُصْفَحٌ عَلَى الحقِّ» أَيْ مُمَال عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَدْ جَعَل صَفْحَهُ:
أَيْ جَانِبَهُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ والخُدريَ «القلوبُ أربعةٌ: مِنْهَا قَلْبٌ مُصْفَح اجْتَمَعَ فِيهِ النِّفَاقُ والإيمانُ» المُصْفَح: الَّذِي لَهُ وجْهان يَلقَى أهلَ الكُفْر بوجْهٍ وأهلَ الْإِيمَانِ بوجْه. وصَفْحُ كلِّ شَيْءٍ: وجهُه وناحيتُه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «غَيرَ مُقْنع رَأسَه وَلَا صَافِحٍ بخدِّه» أَيْ غَيْرَ مُبْرز صَفْحةَ خدِّه، وَلَا مائلٍ فِي أحَدِ الشِّقَّين.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ فِي شِعْرِهِ:
تَزِلُّ عَنْ صَفْحَتِي المعَابلُ أي احد جانِبيْ وجْهِه.
ومنه حديث الاسْتنْجاء «حجرَيْن للصَّفْحَتَيْن وحَجَراً للمَسرُبة» أَيْ جَانِبَيِ المَخْرج.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبادة «لَوْ وَجَدت مَعَهَا رجُلاً لضربتُه بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَح» يُقَالُ أَصْفَحَهُ بِالسَّيْفِ إِذَا ضرَبَه بعُرْضه دُون حدِّه، فَهُوَ مُصْفِح. والسيفُ مُصْفَح.
ويُرْويان مَعاً.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: لَنَضْرِبنَّكم بِالسُّيُوفِ غَيْرَ مُصْفَحَات» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «أَنَّهُ ذَكَرَ رجُلا مُصْفَحَ الرأسِ» أَيْ عَرِيضه.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَصِفُ أَبَاهَا «صَفُوح عَنِ الجَاهلين» أَيْ كَثير الصَّفْح والعفْوِ والتَّجاوزِ عَنْهُمْ. وأصلُه مِنَ الإعْراضِ بِصَفْحَةِ الوجْه، كَأَنَّهُ أعرَضَ بوجْهه عَنْ ذَنْبه. والصَّفُوح مِنْ أبْنِيَة المُبَالغة.
(3/34)

(هـ) وَمِنْهُ «الصَّفُوح فِي صِفةِ اللَّهِ تَعَالَى» وَهُوَ العَفُوُّ عَنْ ذنُوب العبادِ، المُعْرِضُ عَنْ عُقُوبتهم تكرُّماً.
(هـ) وَفِيهِ «مَلَائِكَةُ الصَّفِيح الْأَعْلَى» الصَّفِيح مِنْ أسْماء السَّماء.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ وعُمارة «الصَّفِيح الأعْلَى مِنْ مَلكُوته» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أُهدِيت لِي فِدْرَةٌ مِنْ لَحْم، فقلتُ للخادِم ارْفَعيها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هِيَ قَدْ صارَت فِدرة حَجَر، فَقَصَّت القِصَّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: لعلَّه قَامَ عَلَى بَابكم سائلٌ فأَصْفَحْتُمُوه» أَيْ خَيَّبْتُموه. يُقَالُ صَفَحْتُهُ إِذَا أعطيتَه، وأَصْفَحْتُهُ إِذَا حَرَمْتَهُ.
وَفِيهِ ذِكْرُ «الصِّفَاح» هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ: موضعٌ بَيْنَ حُنَين وأنْصَابِ الحَرَم يَسْرة الدَّاخل إِلَى مَكَّةَ.

(صَفِدَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا دَخَل شهرُ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ» أَيْ شُدَّت وأُوثقَت بالأغْلاَل. يُقَالُ: صَفَدْتُهُ وصَفَّدْتُهُ «1» ، والصَّفْد والصِّفَاد: القَيْدُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عمَّار: لقَد أرَدْتُ أَنْ آتِيَ بِهِ مَصْفُوداً» أَيْ مُقَيَّداً.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَهى عَنْ صَلاة الصَّافِد» هُوَ أَنْ يَقْرِن بَيْنَ قَدَمَيْه مَعاً كأنَّهما فِي قَيْدٍ.

(صَفِرَ)
(هـ) فِيهِ «لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَر» كَانَتِ العَرَب تزعُم أَنَّ فِي البَطْن حيَّةً يُقَالُ لَهَا الصَّفَر، تُصِيب الْإِنْسَانَ إِذَا جَاع وتُؤْذِيه، وأنَّها تُعْدِي، فأبطَل الإسلامُ ذَلِكَ. وَقِيلَ أرادَ بِهِ النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعلُونه فِي الجاهليَّة، وهو تأخيرُ المُحرَّم إلى صَفَر، ويجعَلُون صَفَر هو الشهرَ الحرامَ، فأبطَله.
__________
(1) قال الهروي: وأما أصفدته بالألف فمعناه: أعطيته. قال الأعشى:
[تضيّفْتُه يوماً فقرَب مَقْعَدِي] ... وأصْفَدَني على الزَّمانة قائدا
وانظر اللسان (صفد)
(3/35)

(هـ) وَمِنَ الْأَوَّلِ الْحَدِيثُ «صَفْرَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خيرٌ مِنْ حُمْر النَّعَم» أَيْ جَوعَة. يُقَالُ:
صَفِرَ الوَطْب إِذَا خَلا مِنَ اللَّبن.
(هـ) وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ «أنَّ رجُلا أصابَه الصَّفَر فَنُعِتَ لَهُ السَّكَر» الصَّفَر: اجْتِمَاعُ الْماءِ فِي البَطْن، كَمَا يعْرِض للمُستَسْقي. يُقَالُ: صُفِرَ فَهُوَ مَصْفُور، وصَفِرَ صَفَراً فَهُوَ صَفِرٌ. والصَّفَر أَيْضًا: دُودٌ يقَع فِي الكبِد وشَراسِيف الأضلاعِ، فيَصْفَرُّ عَنْهُ الإنسانُ جِدًّا، ورُبَّما قَتله.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «صِفْرُ ردائِها ومِلءُ كِسَائِها» أَيْ أَنَّهَا ضَامِرة البَطْن، فكأنَّ رِداءها صِفْر: أَيْ خالٍ. والرِّداء يَنْتَهي إِلَى البَطْن فَيَقَعُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَصْفَرُ البُيوت مِنَ الخَيْر البَيْتُ الصِّفْر مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَهَى فِي الْأَضَاحِيِّ عَنْ المُصْفَرَة» وَفِي رِوَايَةٍ «المَصْفُورَة» قِيلَ: هِيَ المُسْتَأصَلَة الْأُذُنِ، سُمَيّت بِذَلِكَ لِأَنَّ صِمَاخَيْهَا صَفِرَا مِنَ الأذُن: أَيْ خَلَوَا. يُقَال صَفِرَ الإناءُ إِذَا خَلاَ، وأَصْفَرْتُهُ إِذَا أخْلَيته. وَإِنْ رُوْيَت «المُصَفَّرَة» بِالتَّشْدِيدِ فَلِلتَّكْثِيرِ. وَقِيلَ هِيَ المهزُولة لخلوَّها مِنَ السَمّن.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: رَوَاهُ شَمِرٌ بالغَين، وفسَّره عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا أعْرِفه. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. هُوَ مِنَ الصَّغار، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهم لِلذَّلِيلِ: مجَّدْع ومُصلّم.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «كَانَتْ إِذَا سُئلت عَنْ أكْل كُلِّ ذِي نَابِ مِنَ السِّباع قَرَأت «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» الْآيَةَ. وَتَقُولُ: إِنَّ البُرْمَة ليُرَى فِي مائِها صُفْرَة» تَعْنِي أَنَّ اللَّهَ حَرْمَ الدَمَ فِي كِتَابِه. وَقَدْ تَرَخَّصَ النَّاس فِي ماءِ اللحْم فِي القِدر، وَهُوَ دَمٌ، فكَيف يُقْضَي عَلَى مَا لَمْ يُحَرْمُه اللَّهُ بالتَحْرِيم. كأنَّها أرَادَت أَنْ لَا تَجْعل لحُوم الَسّبَاعِ حَرَامَاً كالدَمِ، وَتَكُونُ عِنْدَهَا مكْرُوهة، فإنَّها لَا تَخْلو أَنْ تكونَ قَدْ سَمِعْتُ نَهْي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ «قَالَ عُتْبَة بْنُ رَبِيعَةَ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ» رمَاه بالأُبْنَة، وأنَّه كَانَ يُزَعْفِر استَهُ. وَقِيلَ هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ للمُتَنَعّم المُتْرَفِ الَّذِي لَمْ تُحَنّكُه التَجَارُب والشَّدائد. وقِيْل
(3/36)

أرادَ يَا مُضَرِّط نَفْسُه، مِنَ الصَّفِير، وَهُوَ الصَّوتُ بالفَمِ والشَّفَتَيِنِ، كأنَّه قَالَ: يَا ضَرَّاط. نَسَبه إِلَى الجُبْن والخَوَر «1» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ سَمِعَ صَفِيره» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ صَاَلح أهَل خَيْبَر عَلَى الصَّفْرَاء والبيْضَاءِ والحَلْقَة» أَيْ عَلَى الذَهَبِ والفِضَةِ والدُّروع.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يَا صَفْرَاء اصْفَرِّي وَيَا بَيْضَاءُ إبْيَضِّي» يُريد الذَهَبَ والفِضَة.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «اغْزُوا تَغْنَمُوا بَنات الأَصْفَر» يَعْني الرومَ، لِأَنَّ أبَاهم الأُول كَانَ أَصْفَر اللَّون. وَهُوَ رُوم بْنُ عيصو بن إسحاق بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَفِيهِ ذِكْرُ «مَرْج الصُّفَّر» هُوَ بضَم الصَّاد وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ: موضعٌ بَغُوطَة دِمَشْقَ، كانَ بِهِ وقْعَة للمُسْلِمين مَعَ الرُّوم.
(س) وَفِي حَدِيثُ مَسيره إِلَى بَدْر «ثمَّ جَزَع الصُّفَيْرَاء» هِيَ تَصْغِير الصَّفْرَاء، وَهِيَ موضعٌ مُجَاورُ بدْر.

(صَفُفَ)
(س) فِيهِ «نَهْى عَنْ صُفَفِ النُّمُور» هِيَ جَمْعُ صُفَّة، وَهِيَ للسَّرج بمَنْزلة المَيْثَرَة مِنَ الرَّحْل. وَهَذَا كحديثِه الآخَر» نَهْى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أصْبَحْتُ لَا أمْلِك صُفَّةً وَلَا لُفَّة» الصُّفَّة:
مَا يُجعل عَلَى الرَّاحَة مِنَ الْحُبُوبِ. واللُّفَّة: اللُّقْمة.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ «كَانَ يَتَزَود صَفِيف الوَحْشِ وَهُوَ مُحَرمُ» أَيْ قَدِيدها. يُقَالُ:
صَفَفْتُ اللحمَ أَصِفُّهُ صَفّاً، إِذَا تركتَه فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ.
(هـ) وَفِيهِ ذِكْرُ «أهلِ الصُّفَّة» هُمْ فُقَرَاء المُهاجرين، وَمَنْ لَمْ يَكُن لَهُ مِنْهم مَنْزل يَسْكُنه فكَانُوا يَأوُون إِلَى مَوضِع مُظَلَّل فِي مَسْجد المَدِينة يسكُنُونه.
وَفِي حَدِيثِ صَلَاةِ الخَوف «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُصَافَّ العدوِّ بعُسْفان» أي
__________
(1) قال في الدر النثير: زاد ابن الجوزي: وقيل كان به برص فكان يردعه بالزعفران.
(3/37)

مُقَاِبَلُهم. يُقَالُ: صَفَّ الجيشَ يَصُفُّهُ صَفّاً، وصَافَّهُ فَهُوَ مُصَافّ، إِذَا رَتْبَ صُفُوفَه فِي مُقَابِل صُفُوفِ الْعَدُوِّ. والمَصَافّ- بِالْفَتْحِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ- جَمْعُ مَصَفّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الحَرْب الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الصُّفُوف. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ «كَأَنَّهُمَا حِزْقان مِنْ طَيْر صَوَافَّ» أَيْ بَاسِطَاتٍ أجْنِحَتَهَا فِي الطَّيَران. والصَّوَافُّ: جَمْعُ صَافَّة.

(صَفِقَ)
(هـ) فِيهِ «إِنَّ أكْبَر «1» الْكَبَائِرِ أَنْ تُقَاتِل أَهْلَ صَفْقَتِكَ» هُوَ أَنْ يُعْطَى الرجلُ الرجلَ عَهده وميثاقَه، ثُمَّ يقاتلَه، لِأَنَّ المُتَعَاهِدَين يَضَعُ أحدُهما يَدَه فِي يَدِ الْآخَرِ، كَمَا يَفْعَلُ المُتَبايعان، وَهِيَ المرَّة مِنَ التَّصْفِيق باليَدَينِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أعطاهُ صَفْقَةَ يَدِه وثمرةَ قَلْبِه» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَلْهاهُم الصَّفْقُ بالأسْواق» أَيِ التَّبايُع.
(هـ) وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَة ِرباً» هُوَ كَحَدِيثِ «بَيْعَتَين فِي بَيْعة» . وَقَدْ تقدَّم فِي حَرْفِ الْبَاءِ.
(س) وَفِيهِ «أنَه نَهَى عَنِ الصَّفْق والصَّفير» كَأَنَّهُ أرادَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً كَانُوا يُصَفِّقُون ويُصَفِرُونَ لِيَشْغَلوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمُسْلِمين فِي الْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أرادَ الصَّفْق عَلَى وجْه اللَّهو واللَّعب.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ لُقْمَانَ «صَفَّاق أَفَّاق» هُوَ الرجُل الكَثِيْرُ الأسْفَار والتَصَرُّف «2» عَلَى التِّجَارَاتِ. والصَّفْق والأفْقُ قَرِيبٌ «3» مِنَ السَّواء. وَقِيلَ الأفّاقُ مِنْ أُفقِ الأرْض:
أَيْ نَاحِيَتِها.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِذَا اصْطَفَقَ الآفاقُ بالبَياضِ» أَيِ اضْطَرب وَانْتَشَرَ الضَّوُء، وَهُوَ افتَعَل، مِنَ الصَّفْق، كَمَا تَقُولُ اضْطَرب المَجْلس بالقَوْم.
__________
(1) هكذا في كل المراجع- وفي الدر النثير فقط «إنَّ مِن أكْبَر الكَبَائِر..» .
(2) في اللسان والهروي:.. في التّجارات.
(3) في اللسان والهروي: قريبان.
(3/38)

[هـ] وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «فَأَصْفَقَتْ لَهُ نِسْوانُ مَكَّةَ» أَيِ اجْتَمَعَت إِلَيْهِ. وَرُوِيَ:
فانْصَفَقَتْ لَهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَنَزَعْنا فِي الْحَوْضِ حَتَّى أَصْفَقْنَاه» أَيْ جَمْعنا فِيهِ الْمَاءَ.
هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَحْفُوظُ «أفْهَقْناه» : أَيْ ملأنَاه.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ سُئل عَنِ امْرَأَةٍ أخَذَت بأنثيي زوجها فحرقت الجِلْد ولَم تَخْرق الصِّفَاق، فَقَضى بِنِصْفِ ثُلُثِ الدِّيَةِ» الصِّفَاق: جلدةٌ رقيقةٌ تَحْتَ الْجِلْدِ الْأَعْلَى وَفَوْقَ اللَّحْمِ.
(س) وَفِي كِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَى مَلك الرُّومِ «لأنْزَعَنَّك مِنَ المُلك نَزْعَ الأَصْفَقَانِيَّة» هُمُ الخَوَل بِلُغَةِ الْيَمَنِ. يُقَالُ: صَفَقَهُم مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ: أَخْرَجَهُمْ مِنْهُ قَهْرَاً وذُلاً، وصَفَقَهُم عَنْ كَذَا: أَيْ صَرَفهم.

(صَفِنَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا رَفع رَأْسَهُ مِنَ الركُوع قُمْنا خَلْفَه صُفُوناً» . كلُّ صافٍّ قَدَمَيْهِ قَائِمًا فَهُوَ صَافِن. والجمعُ صُفُون، كقاعِد وقُعُود.
(هـ) وَمِنْهُ الحديث «من سَرَّه أن يَقُوم له النَّاس صُفُوناً» أَيْ وَاقفين. والصُّفُون:
المَصْدرُ أَيْضًا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فلمَّا دَنَا القومُ صَافَنَّاهُم» أَيْ واقَفْناهُم وقُمْنَا حِذَاءهم.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «نَهْى عَنْ صَلاة الصَّافِن» أَيِ الَّذِي يَجْمع بَيْنَ قَدَمَيْه. وقِيْل هُوَ الَّذِي يَثني قَدَمَه إِلَى ورَائه كَمَا يَفْعَلُ الفَرَس إِذَا ثَنَى حافِرَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ «رأَيتُ عِكْرِمَةَ يُصَلي وَقَدْ صَفَنَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ عَوَّذَ عَليَّا حِينَ رَكِب وصَفَن ثِيَابَهُ فِي سَرْجه» أَيْ جَمَعَها فِيهِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَئِن بَقِيْتُ لأُسَوِّيَنَّ بَيْنَ النَّاس حَتَّى يَأتِيَ الرَّاعِي حَقُّه فِي صُفْنِهِ» الصُّفْن: خريطةٌ تكُون للرَّاعيَ، فِيهَا طَعَامُه وزَنَادُه وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ هِيَ السُّفرة الَّتِي تُجْمع بِالْخَيْطِ، وتَضُمُ صَادُها وتُفْتح.
(3/39)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «الْحَقني بالصُّفْن» أَيْ بالرَّكوة.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ «شَهدتُ صِفِّين، وبئسَتِ الصِّفُّون» فِيهَا وَفِي أمَثالها لُغَتان:
إحدَاهُما إجْرَاء الأعْراب عَلَى مَا قَبْلَ النُّونِ وَتَرْكُهَا مَفْتُوحَةً كجمْع السَّلامة، كَمَا قَالَ أَبُو وَائِلٍ. والثانيةُ أَنْ تجعَل النُّونُ حَرْفَ الْإِعْرَابِ وتُقَرّ الْيَاءُ بِحَالِهَا، فَتَقُولُ: هَذِهِ صِفِّينُ وَرَأَيْتُ صِفِّينَ ومررتُ بصِفِّينَ وَكَذَلِكَ تَقُولُ فِي قِنَّسْرِين، وَفِلَسْطِينَ، وَيَبْرِينَ.

(صَفَا)
(هـ) فِيهِ «إِنْ أعْطَيتُم الخُمُس وسَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصَّفِيَّ فأنتُم آمِنُون» الصَّفِيّ: مَا كَانَ يَأْخُذُهُ رَئِيسُ الْجَيْشِ وَيَخْتَارُهُ لنَفْسه مِنَ الغَنِيمة قَبْلَ القِسْمة. وَيُقَالُ لَهُ الصَّفِيَّة. والجمعُ الصَّفَايَا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «كَانَتْ صَفِيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنَ الصَّفِيّ» تَعْنِي صَفِيَّة بِنْتَ حُيَيّ، كَانَتْ ممَّن اصْطَفَاه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَنِيمَةِ خَيبَر. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ «تسبيحةٌ فِي طَلَبِ حاجةٍ خيرٌ مِنْ لَقُوحٍ صَفِيٍّ فِي عامِ لَزْبَة» الصَّفِيّ: الناقةُ الغزِيرةُ اللَّبن، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ. وَقَدْ تكررَتْ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى لعَبْده المُؤْمِن إِذَا ذَهَبَ بِصَفِّيِّهِ مِنْ أهْل الأرضِ فَصَبر واحتَسَب بثوابٍ دُون الجنَّة» صَفِيُّ الرجلِ: الَّذِي يُصَافِيهِ الوُّدَّ ويُخْلصُه لَهُ، فَعِيل بِمَعْنَى فاعِل أَوْ مَفْعُولٍ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَسَانِيهِ صَفِيِّي عُمَرُ» أَيْ صَدِيقي.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ «لَهُم صِفْوَةُ أمْرِهِم» الصِّفْوَة بِالْكَسْرِ: خِيارُ الشَّيْءِ وخُلاصَتُه وَمَا صَفَا مِنْهُ. وَإِذَا حَذَفْتَ الْهَاءَ فتَحت الصَّادَ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ «أنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُمَا يَخْتَصِمان فِي الصَّوَافِي الَّتِي أَفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أمْوالِ بَنِي النَّضِير» الصَّوَافِي: الأملاكُ وَالْأَرَاضِي الَّتِي جَلاَ عَنْهَا أهْلُها أَوْ ماتُوا وَلَا وَارِث لَهَا، واحدُها صَافِيَة. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ للضِّياع الَّتِي يَسْتَخلْصُها السلطانُ لخاصَّته: الصَّوَافي. وَبِهِ أَخَذَ مَن قرأَ «فاذكرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِي» أَيْ خَالِصَة لِلَّهِ تعالى.
(3/40)

وَفِيهِ ذكرُ «الصَّفَا والمَرْوة» فِي غَيْرِ مَوضِع. هو اسم أحد جَبَلَيِ المَسعى. والصَّفَا فِي الأصْل جَمْعُ صَفَاة، وَهِيَ الصَّخرةُ وَالْحَجَرُ الأمْلَسُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعاوية «يَضْرب صَفَاتَهَا بِمِعْوَلِهِ» هُوَ تمثيلٌ: أَيِ اجتَهَد عَلَيْهِ وبالَغَ فِي امْتحانِه واخْتِبارِه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تُقْرَع لَهُمْ صَفَاة» أَيْ لَا ينالُهم أحَدٌ بسُوء.
وَفِي حَدِيثِ الْوَحْيِ «كَأَنَّهَا سِلْسلَةٌ عَلَى صَفْوَان» الصَّفْوَان: الحجرُ الأملسُ. وجمعهُ صُفِيّ صِفِيّ. وَقِيلَ هُوَ جمعٌ، واحدُهُ صَفْوَانَة.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْقَافِ

(صَقَبَ)
(هـ) فِيهِ «الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ» الصَّقَب: القُربُ والمُلاصَقَة. ويُروى بِالسِّينِ.
وَقَدْ تقدَّم. والمرادُ بِهِ الشُّفْعةُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كان إذا أُتِيَ بالقَتيل قَدْ وُجِدَ بينَ القَرْيَتين حَملَه عَلَى أَصْقَبِ القَرْيَتين إِلَيْهِ» أَيْ أقْرَبهما.

(صَقَرَ)
(هـ) فِيهِ «كلُّ صَقَّار ملعونٌ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا الصَّقَّار؟ قَالَ: نَشْءٌ يَكُونُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، تَكُونُ تحِيَّتُهم بينَهم إِذَا تَلاقَوْا التَّلاعُنَ، ويُروى بِالسِّينِ.
وَقَدْ تقدَّم. وَرَوَاهُ مَالِكٌ بالصَّاد، وفسَّره بالنَّمَّام. ويجوزُ أَنْ يكونَ أرادَ بِهِ ذَا الكِبْر والأبُّهَة «1» ، لِأَنَّهُ يَمِيلُ بخدِّه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الصَّقُور يومَ الْقِيَامَةِ صَرفا ولاَ عَدْلاً» هُوَ بِمَعْنَى الصَّقَّار.
وَقِيلَ هُو الدَّيُّوث الْقَوَّادُ عَلَى حُرَمه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي خَيْثمة «ليسَ الصَّقْر فِي رُءُوسِ النَّخْلِ» الصَّقْر: عَسَلُ الرُّطَبِ هَاهُنَا، وَهُوَ الدِّبْسُ، وَهُوَ فِي غَير هَذَا اللّبَنُ الحامضُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الصَّقْر فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ هَذَا الْجَارِحُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الجَوارِح الصَّائدة.
__________
(1) قال الهروي: ورواه بعض أهل العلم بالعين، وقال: هو ذو الكبر. وأنكره الأزهرى.
(3/41)

(صَقَعَ)
(س) فِيهِ «وَمَنْ زَنَى مِمْ بِكر فاصْقَعُوهُ مِائَةً» أَيِ اضْرِبُوه. وَأَصْلُ الصَّقْع:
الضَّرْبُ عَلَى الرَّأْسِ. وَقِيلَ: الضربُ ببَطْن الكَفِّ. وَقَوْلُهُ «مِمْ بِكْر» لُغَةُ أَهْلِ اليَمن، يُبْدِلُون لامَ التَّعْرِيفِ مِيماً.
وَمِنْهُ الحديثُ «ليسَ مِنِ امْبِرِّ امْصيامُ فِي امْسَفَر» فَعلى هَذَا تكونُ رَاءُ بِكْر مَكْسُورَةً مِنْ غَيْرِ تَنْوين، لِأَنَّ أصْلُه مِنَ البِكْرِ، فلمَّا أبْدلَ اللاَّمِ مِيماً بَقيت الحَرَكةُ بِحَالِهَا، كَقَولهم بَلْحَارِثِ، فِي بَنِي الحَارث، ويكونُ قَدِ اسْتَعْمل البكْر موْضع الأبْكارِ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ بكْر نَكِرَةً مُنوَّنة، وَقَدْ أُبدلت نونُ مِن مِيما، لِأَنَّ النُّونَ السَّاكِنَةَ إِذَا كَانَ بعدَها باءٌ قُلِبَتْ فِي اللَّفظ مِيماً، نَحْوَ منْبَر، وعَنْبَر، فيكونُ التَّقْدير: مَنْ زَنَى مِنْ بِكْرٍ فاصْقَعُوهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أنَّ مُنْقِذاً صُقِعَ آمَّةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ» أَيْ شُجَّ شجَّة بلغَت أُمّ رأْسِه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفة بْنِ أسِيد «شَرُّ النَّاسِ فِي الفتْنَة الخطيبُ المِصْقَع» أَيِ البليغُ الماهرُ فِي خُطْبته الدَّاعِي إِلَى الفِتَنِ الَّذِي يُحرِّضُ الناسَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِفْعلٌ، مِنَ الصَّقع: رَفْع الصَّوْت ومُتَابَعَته. ومِفْعَل مِنْ أبنِية المبالَغة.

(صَقُلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ معبَد «وَلَمْ تزْرِ بِهِ صُقْلَةٌ» أَيْ دقَّة ونُحُول. يُقَالُ صَقَلْتُ الناقةَ إِذَا أضمَرْتها. وَقِيلَ: أرادَت أَنَّهُ لَمْ يكُن مُنْتَفخَ الخاصرَة جِدًّا، ولاَ نَاحِلًا جِدًّا. ويُروى بِالسِّينِ عَلَى الإبْدَالِ مِنَ الصَّاد. ويُروى صعْلة بِالْعَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْكَافِ

(صَكُكَ)
فِيهِ «أَنَّهُ مرَّ بجَدْيٍ أَصَكَّ ميِّتٍ» الصَّكَكُ: أَنْ تَضْرِب إحْدى الركْبتَين الأُخْرى عِنْدَ العَدْو فتُؤَثر فِيهِمَا أَثَرًا، كأنَّه لَمَّا رَآهُ مَيِّتًا قَدْ تَقلّصت رُكِبَتاه وصَفَه بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ شَعر رُكْبَتَيْهِ قَدْ ذَهَبَ مِنَ الاصْطِكَاكِ وانْجرَدَ فعرفَه بِهِ. ويُرْوى بِالسِّينِ وَقَدْ تقدَّم.
(س) وَمِنْهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ «قاتَلكَ اللَّهُ أُخَيْفِشَ العَيْنَين أَصَكَّ الرِّجلَين» .
(3/42)

وَفِيهِ «حَمل عَلَى جَمَل مِصَكٍّ» هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ، وَهُوَ القَويُّ الجِسْم الشديدُ الْخَلْقِ. وَقِيلَ هُوَ مِنَ الصَّكَكِ: احْتِكاكِ العُرْقُوبَين.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْأَكْوَعِ «فأَصُكُّ سهْماً فِي رِجْلِه» أَيْ أضْرِبُه بسَهْم.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فاصْطَكُّوا بالسُّيوفِ» . أَيْ تضَارَبوا بِهَا، وَهُوَ افْتَعَلوا مِنَ الصَّكِّ، قُلبت التاءُ طَاءً لِأَجْلِ الصَّادِ.
(هـ) وَفِيهِ ذِكر «الصَّكِيكِ» وَهُوَ الضعيفُ، فعيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، مِنَ الصَّكِّ: الضَّرْب.
أَيْ يُضْرب كَثِيرًا لاسْتضعافِه.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «قَالَ لِمَرْوَانَ: أحْلَلتَ بيعَ الصِّكَاكِ» هِيَ جَمْعُ صَكّ وَهُوَ الكتابُ. وَذَلِكَ أَنَّ الأمراءَ كَانُوا يَكْتُبون لِلنَّاسِ بأرْزَاقهم وأَعْطياتهم كُتُبا فيبِيعون مَا فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوها تَعجُّلاً، ويُعْطُون المُشْتَريَ الصَّكَّ ليمْضي ويَقْبِضه، فنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَض.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَظِل بظلِّ جَفْنة عَبد اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ صَكَّةَ «1» عُمَيّ» يريدُ فِي الْهَاجِرَةِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ عُمَيًّا مُصغَّر مُرَخَّم، كَأَنَّهُ تصغيرُ أعْمَى. وَقِيلَ إنَّ عُمَيًّا اسمُ رجُل مِنْ عَدْوَانَ كَانَ يُفِيضُ «2» بالْحَاجّ عِنْدَ الْهَاجِرَةِ وشدةِ الحَرِّ. وَقِيلَ إِنَّهُ أَغَارَ عَلَى قَوْمِهِ فِي حرِّ الظَّهيرة فضُرِب بِهِ الْمَثَلُ فِيمَنْ يَخْرُج فِي شدَّة الحرِّ، يُقَالُ لَقِيتُه صَكَّةَ عُمِيٍّ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْجَفْنة لِابْنِ جُدْعان فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطْعِم فِيهَا النَّاسَ، وَكَانَ يأكُل مِنْهَا الْقَائِمُ والرَّاكب لِعِظَمِها. وَكَانَ لَهُ مُنادٍ يُنَادى: هَلُمَّ إِلَى الفَالُوذِ، وَرُبَّما حَضَر طعامَه رسولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم.
__________
(1) في الأصل « ... في صَكّةَ عمي» وأسقطنا «في» حيث لم ترد فى كل مراجعنا.
(2) قال مصحح الأصل: في بعض النسخ «يقيظ» اهـ وفي المصباح: قَاظَ الرجل بالمكان قَيْظاً، من باب باعَ: أقام به أيام الحر.
(3/43)

بَابُ الصَّادِ مَعَ اللَّامِ

(صَلُبَ)
(هـ) فِيهِ «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوب المُصَلَّب» هُوَ الَّذِي فِيهِ نَقْشٌ أمْثال الصُّلْبَان.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَانَ إِذَا رَأى التَّصْلِيب فِي مَوضِعٍ قَضَبَه» .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «فنَاوَلْتُها عِطَافاً فَرَأَتْ فِيهِ تَصْلِيباً فَقَالَتْ: نَحيِّه عَنِّي» .
وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَه الثِّيَابَ المُصَلَّبَة» .
(س هـ) وَحَدِيثُ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «رأيتُ عَلَى الحَسن ثَوْبًا مُصَلَّباً» وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ:
يُقَالُ خِمَارٌ مُصَلَّب. وَقَدْ صَلَّبَتِ المرأةُ خِمَارها، وَهِيَ لِبْسَةٌ معروفةٌ عِنْدَ النِّسَاءِ. وَالْأَوَّلُ الوَجْه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَقْتَل عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «خرَجَ ابنُه عُبيد اللَّهِ فضَرَب جُفَيْنة الأَعجَميَّ فَصَلَّبَ بَيْنَ عَينَيه» أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى عُرْضِه حَتَّى صَارَتِ الضَّربة كالصَّلِيب.
(هـ) وَفِيهِ «قَالَ: صَلَّيتُ إِلَى جَنْب عُمَرَ فوضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خاصرَتي، فلمَّا صلَّى قَالَ:
هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ» أَيْ شِبْهُ الصَّلْبِ، لِأَنَّ المَصْلُوب يُمَدّ باعُه عَلَى الجذْع. وهيئَةُ الصَّلْب فِي الصَّلَاةِ أَنْ يضَع يَدَيْهِ عَلَى خاصِرَتَيْه ويُجَافي بَيْنَ عَضُدَيْه فِي الْقِيَامِ.
وَفِيهِ «إنَّ اللَّهَ خَلق للجنَّة أَهْلًا، خَلقها لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَاب آبائِهم» الأَصْلَاب: جمعُ صُلْب، وَهُوَ الظَّهر.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «فِي الصُّلْب الدِّيةُ» أَيْ إنْ كُسِرَ الظَّهْرُ فَحُدِبَ الرجُل فَفِيهِ الدِّيةُ. وَقِيلَ أَرَادَ إنْ أُصِيبَ صُلْبُهُ بشيءٍ حَتَّى أُذْهِبَ مِنْهُ الجماعُ، فسُمِّي الجماعُ صُلْباً، لأنَّ المَنِيَّ يخْرُج مِنْهُ.
[هـ] وَفِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
تُنقَل منْ صَالِبٍ «1» إِلَى رحمٍ ... إذَا مَضَى عالَمٌ بَدَا طَبَقُ
__________
(1) ضبطه في الأصل واللسان بفتح اللام. والضبط المثبت من اوالهروى والقاموس.
(3/44)

الصَّالِب: الصُّلْب، وَهُوَ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ لَّما قّدِم مَكْةَ أَتَاهُ أصْحابُ الصُّلُب» قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَجْمَعُون العِظَامَ إِذَا أُخِذَت عَنْهَا لحُومُها، فيَطْبُخُونَهَا بالْماءِ، فَإِذَا خرَج الدَّسَم مِنْهَا جَمَعوه وَائْتَدَمُوا بِهِ «1» . والصُّلُب جَمْع الصَّلِيب. والصَّلِيبُ: الوَدَكُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي اسْتِعْمَالِ صَلِيب المَوتَى فِي الدَلاءِ والسُّفُن فَأَبَى عَلَيْهِمْ» . وَبِهِ سُمَيّ المَصْلُوب، لِما يَسِيلُ مِنْ وَدَكه.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ «تَمْرُ ذَخِيرَة مُصَلَّبَة» أَيْ صُلْبَة. وتَمْرُ المدينةِ صُلْب. وقَد يُقَالُ رطبٌ مُصَلِّب، بِكَسْرِ اللَّامِ: أَيْ يابِسٌ شَدِيدٌ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أطيبُ مُضْغَة صَيْحَاِنَيّة مُصَلَّبَة» أَيْ بَلَغَت الصَّلَابَة فِي اليُبْس.
ويُروى بالياءِ. وَسَيُذْكَرُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ:
إنَّ المُغَالِبَ صُلْبَ اللهِ مَغْلُوبُ أَيْ قُوَةُ اللَّهِ.

(صَلِتَ)
(هـ) فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ صَلْتَ الجَبِين» أَيْ وَاسِعَه. وقِيْلَ الصَّلْت: الأمْلَسُ. وقِيْلَ البَارِزُ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «كانَ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ صَلْتَهما» .
(س) وَفِي حَدِيثِ غَوْرَثَ «فاخْتَرط السيفَ وَهُوَ فِي يَدِه صَلْتاً» أَيْ مُجَرَّداً. يُقَال:
أَصْلَتَ السّيفَ إِذَا جَرَّدَه مِنْ غِمْدِه. وضَرَبَهُ بالسَّيف صَلْتا وصُلْتا.
وَفِيهِ «مرَّت سَحَابة فقالَ: تَنْصَلِتُ» أَيْ تَقْصِد للمَطر. يُقَالُ انْصَلَتَ يَنْصَلِتُ إِذَا تَجرَّد.
وَإِذَا أسْرَع فِي السَّير. ويُروى «تَنَصَّلَتْ» بِمَعْنَى أقْبَلتْ.

(صَلَحَ)
[هـ] فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ:
__________
(1) في الأصل وا: «وتأدَّّموا» وأثبتنا ما في الهروي واللسان.
(3/45)

أَبَا مطرٍ هَلُمَ إِلَى صَلَاحٍ ... فَتَكْفِيكَ النّدامَى مِنْ قُرَيْشِ «1»
صَلَاح: اسْمُ عَلَم لِمَكَّةَ «2» .

(صَلْخَمَ)
(هـ) فِيهِ «عُرِضَت الأمَانَةُ عَلَى الجِبَالِ الصُّمَّ الصَّلَاخِم» أَيِ الصِلاِبِ المَانِعَة، الواحدُ صَلْخَم.

(صَلُدَ)
[هـ] فِي حَدِيثِ عُمَرَ «لمَّا طَعِن سَقَاه الطَّبِيبُ لبَنا فخَرج مِنَ الطَّعنة أبيضَ يَصْلِدُ» أَيْ يبرُق ويبِصّ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «قَالَ لَهُ بعضُ الْقَوْمِ: أقسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا تَقَيْأتَ، فَقاءَ لَبناً يَصْلِدُ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ «ثُمَّ لَحاَ قَضِيبُه فَإِذَا هو أبْيَضُ يَصْلِدُ» .

(صَلْصَلَ)
(س) فِي صِفَةِ الوَحْي «كأنَه صَلْصَلَةٌ عَلَى صَفوان» الصَّلْصَلَة: صَوتُ الحَديدِ إِذَا حُرَّكَ. يُقَالُ صَلَّ الحديدُ، وصَلْصَلَ. والصَّلْصَلَة أشِدُّ مِنَ الصَّليل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ حُنين «أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَلْصَلَة بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

(صَلَعَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ لُقمان «وإنْ لَا أَرَى مَطْمَعاً فَوَقَّاعٌ بِصُلَّعٍ» «3» هِيَ الأرضُ الَّتِي لَا نَبات فِيهَا. وأصَلُه مِنْ صَلَعِ الرأسِ، وَهُوَ انْحسارُ الشَّعَر عنه.
__________
(1) هو في اللسان لحرب بن أمية، يخاطب أبا مطر الحضرمي، وقيل هو للحارث بن أمية. وبعده:
وتأمن وسْطهم وتعيش فيهم ... أبا مَطَرٍ هُدَيتَ بخَير عيشٍ
وتسكن بلدةً عَزْت لِقَاحَا ... وتَأْمَن أن يَزُورُكَ رَبُّ جيشِ
قال ابن بري: الشاهد في هذا الشعر صرف «صلاح» والأصل فيها أن تكون مبنية كقطام.
(2) قال في اللسان: يجوز أن يكون من الصلح لقوله تعالى حَرَماً آمِناً ويجوز أن يكون من الصلاح.
(3) الذي في اللسان (صلع) والفائق 1/ 59، والهروي: إن أر مَطْمَعي فِحَدأٌ وُقَّع، وإّلا أرَ مَطْمَعِي فوقَّاعٌ بصُلَّع.
(3/46)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا جَرَى اليَعْفُورُ بِصُلَّع» ويُقَالَ لَهَا الصَّلْعَاء أَيْضًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي حَثْمَةَ «وتَحْتَرشُ بِهَا الَضّبابُ مِنَ الْأَرْضِ الصَّلْعَاء» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَكُونُ جَبَرُوّةٌ صَلْعَاء» أَيْ ظاهرةٌ بارزةٌ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أنَّ أَعْرَابِيَاً سَألَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصُّلَيْعَاء وَالْقُرَيْعَاءِ» هِيَ تَصْغِيرُ الصَّلْعَاء، للأْرض الَّتِي لَا تُنّبِت.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ لمُعاوية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ ادَّعَى زِيَادًا: رَكِبْتَ الصُّلَيْعَاء» أَيِ الدَاهِيَة والأمرَ الشديدَ، أَوِ السَّوأَةَ الشَّنِيَعة البَارِزَة المكْشُوفَةَ.
وَفِي حَدِيثِ الَّذِي يَهْدم الْكَعْبَةَ «كَأَنِّي بِهِ أُفَيْدِعَ أُصَيْلِعَ» هُوَ تَصغيرُ الأَصْلَع الَّذِي انْحَسَرَ الشَعْرُ عَنْ رَأسِه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْر «مَا قتلنْا إَّلا عجائِزَ صُلْعا» أَيْ مَشَايِخ عَجَزةً عَنِ الْحَرْبِ، ويُجمع الأَصْلَع عَلَى صُلْعَان أَيْضًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أيُّما أَشْرَفُ: الصُّلْعَان أَوِ الفُرعان؟» .

(صَلَغَ)
فِيهِ «عَلَيْهِمُ الصَّالِغُ والقارِحُ» هُوَ مِنَ البقَر والغَنم الَّذِي كَمُلَ وانْتَهى سنُّه.
وَذَلِكَ فِي السَّنة السَّادسة. وَيُقَالُ بِالسِّينِ.

(صَلِفَ)
(س) فِيهِ «آفةُ الظَّرفِ الصَّلَف» هُوَ الغُلوُّ فِي الظَّرف، والزيادةُ عَلَى المِقْدَار معَ تكبُّر.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ يَبغِ فِي الدَّين يَصْلَفْ» أَيْ مَن يطلُبْ فِي الدَّين أكْثَر ممَّا وقفَ عَلَيْهِ يقِلُّ حظُّه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَمْ مِنْ صَلَفٍ تَحْتَ الرَّاعِدَة» هُوَ مَثَلٌ لِمَنْ يُكْثِر قَولَ مَا لَا يَفْعَل:
أَيْ تَحتَ سَحَابٍ تَرْعُدُ وَلَا تُمْطِرُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَوْ أنَّ امْرَأَةً لَا تَتَصَّنع لِزَوْجِهَا صَلِفَتْ عِنْدَهُ» أَيْ ثَقُلَت عَلَيْهِ وَلَمْ تَحْظ عندَه، وَوَلَّاها صَلِيفَ عنقِهِ: أَيْ جانِبُه.
(3/47)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «تنطلق إحدا كنّ فتُصانُع بِمَالِهَا عَنِ ابْنَتِها الحَظيَّة، وَلَوْ صَانَعت عَنِ الصَّلِفَة كَانَتْ أحَقَّ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ضُمَيْرة «قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أحُالِف مَا دَامَ الصَّالِفَانِ مكانَه. قَالَ:
بَلْ مَا دام أحد مكانه» قيل: الصَّالِفَان جَبَلٌ كَانَ يتحالفُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عندَه، وإنَّّما كَرِه ذَلِكَ لِئَلَّا يُسَاوِي فِعْلَهم فِي الْجَاهِلِيَّةِ فعِلُهم فِي الْإِسْلَامِ.

(صَلَقَ)
(هـ) فِيهِ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ صَلَقَ أَوْ حَلَقَ» الصَّلْقُ: الصوتُ الشَّدِيدُ، يُريد رَفْعُه فِي الْمَصَائِبِ «1» وَعِنْدَ الفَجِيْعَة بالمَوُتِ، ويَدْخُل فِيهِ النَّوحُ. وَيُقَالُ بِالسِّينِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَا بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَة والحَالِقَة» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَمَا واللهِ مَا أجْهَلُ عَنْ كِرَاكِرَ وأسْنِمَةٍ، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ بِصِلَاءٍ وَصِنَابٍ وصَلَائِقَ» الصَّلَائِقُ: الرُّقَاقُ، واحِدَتُها صَلِيقَة. وَقِيلَ هِيَ الحُمْلان المَشْوِيّةُ، مِنْ صَلَقْتُ الشّاةَ إِذَا شَوَيْتَها. ويُروى بِالسِّينِ، وَهُوَ كُلُّ مَا سُلِقَ مِنَ البُقول وَغَيْرِهَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ تَصَلَّقَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى فِرَاشِه» أَيْ تَلَوَّى وتقلَّب، مِنْ تَصَلَّقَ الحوتُ فِي الْمَاءِ إِذَا ذَهب وَجَاءَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مُسلم الخَوْلانِيّ «ثُمَّ صَبَّ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ يَتَصَلَّقُ فِيهَا «2» » .

(صَلَلَ)
(هـ) فِيهِ «كُلْ مَا رَدَّ عَلَيْكَ قوسُك مَا لَمْ يَصِلَّ» أَيْ مَا لَمْ يُنْتِنْ. يُقَالُ صَلَّ اللّحمُ وأَصَلَّ. هَذَا عَلَى الاسْتحباب، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أكلُ اللَّحم المُتَغَيّر الرِّيحِ إِذَا كَانَ ذَكيّاً.
(س) وَفِيهِ «اتُحبون أَنْ تكُونوا كَالْحَمِيرِ الصَّالَّة» قَالَ أَبُو أحمد العسكري: هو بالصاد
__________
(1) أنشد الهروي للبيد:
فصَلَقَنْا في مُرَادٍ صَلْقةً ... وصُدَاءِ ألحقتْهُم بالثُّلَلْ
أي بالهلاك.
(2) في ا: «فيهما» ، وسقطت «فيها» من اللسان.
(3/48)

غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، فَروَوْه بالضَّاد الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ. يُقَالُ لِلْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ الحَاْدّ الصوَّت: صَالٌّ وصَلْصَال، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الصَّحيحة الأجْساد الشَّديدةَ الأصْوات لقُوّتِها ونَشَاطها.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ الصَّلْصَال «هُوَ الصَّالُّ، الْمَاءُ يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ فَتَنْشَقُّ فَيَجِفُّ وَيَصِيرُ لَهُ صَوْتٌ» .

(صَلِمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يَكُونُ النَّاسُ صُلَامَاتٍ يَضْرب بَعْضُهُمْ رقَاب بَعْضٍ» الصِّلَامَات: الفِرَق والطَّوائف، واحدتُها صِلَامَة «1» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا قُتل أَخُوهُ مُصْعَب «أَسْلَمَهُ النعامُ المُصَلَّمُ الآذَان أهلَ الْعِرَاقِ» يُقَالُ للنَّعام مُصَلَّم، لأَّنها لَا آذَانَ لَهَا ظَاهِرَةً. والصَّلْمُ: القطعُ المَسْتَأصِلُ، فَإِذَا أطْلق عَلَى النَّاسِ فَإِنَّمَا يُراد بِهِ الذليلُ المُهانُ.
ومنه قوله:
فإنْ أنْتُمُ لم تَثأَرُوا واتَّدَيتم ... فمَشُّوا بآذَان النَّعام المُصَلَّمِ
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الفِتَن «وتُصْطَلَمُون فِي الثالثةِ» الاصْطِلَام: افْتِعالٌ، مِنَ الصَّلْم: القَطْع.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الهدْي وَالضَّحَايَا «وَلَا المُصْطَلَمَةُ أَطباؤُها» .
وَحَدِيثُ عَاتِكَةَ «لَئِنْ عُدْتم لَيَصْطَلِمَنَّكُم» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَتَكُونُ الصَّيْلَم بَيْنِي وَبَيْنَهُ» أَيِ القَطِيِعَة المُنْكَرة. والصَّيْلَم:
الدَّاهِيَةُ. والياءُ زَائِدَةٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «اخرجُوُا يَا أهلَ مَكَّةَ قَبْلَ الصَّيْلَم، كأَنّي بِهِ أُفَيْحِجَ أُفَيْدِعَ يَهْدِم الكَعْبَة» .

(صَلْوَرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ «لَا تَأْكُلُوا الصِّلَّوْرَ والأَنْقَلَيس «2» » الصِّلَّوْر: الجرِّيّ، والإِنْقَلِيس: المارْمَاهِي، وَهُمَا نَوعَان من السَّمك كالحيَّات.
__________
(1) بتثليث الصاد، كما في القاموس.
(2) بفتح الهمزة واللام وبكسرهما، كما في القاموس.
(3/49)

(صَلَا)
قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ ذكْر «الصَّلَاة والصَّلَوَات» وَهِيَ العبادةُ المُخصوصةُ، وأصْلُها فِي اللَّغة الدعاءُ فسُمَيّت بِبَعْضِ أجْزَائِها. وَقِيلَ إنَّ أصلَها فِي اللُّغَةِ التعظيمُ. وسُمَيّت العبادةُ المخصُوصة صَلَاة لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظيم الرَبّ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِي التَّشَهُّدِ الصَّلَوَات لِلَّهِ: أَيِ الأدعِيةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى، هُوَ مُستَحِقُّها لَا تليقُ بأحدٍ سِواه. فأمَّا قَوْلُنَا: اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى محمَّد فَمَعْنَاهُ: عظّمْه فِي الدُّنْيَا بإعْلاء ذِكْرِه، وإظهارِ دَعْوته، وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بتَشْفِيِعه فِي أمَّته، وَتَضْعِيفِ أجْره ومَثُوبَتِه. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَه بالصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَمْ نَبْلُغ قدرَ الواجِب مِنْ ذَلِكَ أحَلْنَاهُ عَلَى اللهِ، وقُلْنا: اللَّهُمَّ صَلِّ أَنْتَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لِأَنَّكَ أعلمُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ.
وَهَذَا الدعاءُ قَدِ اختُلِف فِيهِ: هَلْ يجوزُ إطلاقهُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْ لَا؟ والصحيحُ أَنَّهُ خاصٌّ لَهُ فَلَا يُقَال لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الخطَّابي: الصَّلَاة الَّتِي بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ لَا تُقال لِغَيْرِهِ، وَالَّتِي بِمَعْنَى الدُّعاء وَالتَّبْرِيكِ تُقال لِغَيْرِهِ.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أوْفَى» أَيْ ترحَّم وبَرِّك. وَقِيلَ فِيهِ إنَّ هَذَا خاصٌّ لَهُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ. وَأَمَّا سِواه فَلَا يجوزُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ أَحَدًا.
(هـ) وَفِيهِ «مَنْ صَلَّى علَيَّ صَلَاةً صَلَّتْ عَلَيْهِ الملائكةُ عَشْراً» أَيْ دعَت لَهُ وبرَّكت.
(هـ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «الصائمُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ الطعامُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الملائكةُ» .
(هـ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «إِذَا دُعِيَ أحدُكم إِلَى طَعَام فليُجِبْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فليُصَلِّ» أَيْ فليَدْعُ لأهْل الطَّعام بالمَغْفِرَة والبَرَكة.
(هـ) وَحَدِيثُ سَوْدَةَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا متْنا صَلَّى لَنَا عثمانُ بنُ مظعُون» أَيْ يَسْتَغْفِر لَنَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «سَبقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وثَلَّثَ عمرُ» المُصَلِّى فِي خَيل الحَلْبة: هُوَ الثَّانِي، سُمِّيَ بِهِ لأنَّ رَأْسَهُ يَكُونُ عِنْدَ صَلَا الأوّلِ، وَهُوَ مَا عَنْ يَمِينِ الذَّنَب وشِمَاله.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أُتِيَ بشاَة مَصْلِيَّة» أَيْ مَشْوِيّة. يُقَالُ صَلَيْتُ اللحمَ- بِالتَّخْفِيفِ-: أَيْ شَوَيْته، فَهُوَ مَصْلِيٌّ. فَأَمَّا إِذَا أحْرقْته وألقيتَه فِي النَّار قُلْتُ صَلَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ، وأَصْلَيْتُهُ. وصَلَّيْتُ الْعَصَا بالنَّار أَيْضًا إِذَا ليَّنتها وقوَّمتها.
(3/50)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أطْيَبُ مُضْغة صَيحَانِيّةٌ مَصْلِيَّة» أَيْ مُشَمَّسة قَدْ صُلِيَتْ فِي الشَّمْسِ، ويُروى بِالْبَاءِ وَقَدْ تقدَّمت.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَوْ شئتُ لدعوتُ بِصِلَاءٍ وصِنَاب» الصِّلَاء بِالْمَدِّ وَالْكَسْرِ: الشَوّاءُ.
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «فرأيتُ أَبَا سُفيان يَصْلِي ظهرَهُ بالنَّار» أَيْ يُدْفِئه.
(س) وَفِي حَدِيثِ السَّقِيفة «أَنَا الَّذِي لَا يُصْطَلَى بِنَاره» الاصْطِلَاء: افْتِعَالٌ، مِنْ صَلَا النّارِ والتَّسخٌّن بِهَا: أَيْ أنَا الَّذِي لَا يُتَعَرّض لِحَرْبِي. يُقَالُ فلانٌ لَا يُصْطَلَى بنارِه إِذَا كَانَ شُجاعا لَا يُطَاق.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّ للشَّيطان مَصَالِيَ وفُخُوخا» المَصَالِي: شَبيهةٌ بالشَّرَك، واحِدتُها مِصْلَاة، أَرَادَ مَا يُسْتَفزُّ بِهِ النَّاسَ مِنْ زِينَة الدُّنيا وشهواتِها. يقِال صَلَيْتُ لفُلان إِذَا عَمِلتَ لَهُ فِي أمْرٍ تُريد أَنْ تَمْحَل بِهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ «إنَّ اللَّهَ بَارَكَ لدَوابّ الْمُجَاهِدِينَ فِي صِلِّيَانِ أرضِ الرُّوم، كَمَا بَارَك لَهَا فِي شَعِير سُوريَة» الصِّلِّيَان: نبتٌ معروفٌ لَهُ سَنَمَةٌ عظيمةٌ كَأَنَّهُ رأسُ القَصَب: أَيْ يَقُومُ لِخَيْلِهِمْ مَقَامَ الشَّعير. وسُورية هِيَ الشَّأْمُ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْمِيمِ

(صَمَتَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَمَّا ثَقَل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخلتُ عَلَيْهِ يَومَ أَصْمَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ» يُقَالُ: صَمَتَ العليلُ وأَصْمَتَ فَهُوَ صَامِتٌ ومُصْمِت، إِذَا اعْتُقِلَ لسانُه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أنَّ امْرأةً مِنْ أحْمَسَ حجَّت مُصْمِتَةً» أَيْ ساكتَةً لَا تَتَكَلَّمُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَصْمَتَتْ أمامةُ بنتُ أَبِي الْعَاصِ» أَيِ اعْتُقِلَ لِسانُها.
وَفِي حَدِيثِ صِفَةِ التَّمرة «أَنَّهَا صُمْتَةٌ للصَّغير» أَيْ أَنَّهُ إِذَا بَكى أُسْكِت بِهَا.
(3/51)

وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ «إِنَّمَا نَهى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الثَّوب المُصْمَت مِنْ خَزْ» هُوَ الَّذِي جميعُه إبْرَيْسَم لَا يُخالطُه فِيهِ قُطْنٌ وَلَا غَيْرُهُ.
وَفِيهِ «عَلَى رَقَبَتِه صَامِت» يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، خِلَافَ النَّاطِقِ، وَهُوَ الحيوانُ، وَقَدْ تكرَّر ذِكْرُ الصَّمْت فِي الْحَدِيثِ.

(صَمَخَ)
فِي حَدِيثِ الْوُضُوءِ «فَأَخَذَ مَاءً فَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي صِمَاخ أُذُنَيه» الصِّمَاخ: ثَقْبُ الْأُذُنِ: ويقالُ بِالسِّينِ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَصْمِخَتِهِم» هِيَ جمعُ قِلَّة للصِّمَاخ: أَيْ أَنَّ اللَّهَ أنَامَهُم.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أصْغَتْ لاسْتراقِه صَمَائِخ الأسْماع» هِيَ جمعُ صِمَاخ، كَشِمال وشَمَائل.

(صَمَدَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الصَّمَدُ» هُوَ السَيّد الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ السُّودَد. وَقِيلَ هُوَ الدائمُ الْبَاقِي. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْف لَهُ. وَقِيلَ الَّذِي يُصْمَدُ فِي الْحَوَائِجِ إِلَيْهِ: أَيْ يُقْصَدُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِيَّاكُمْ وتَعَلُّمَ الأنْساب والطَّعْن فِيهَا، فو الذي نفْسُ عُمَر بِيَدِهِ لَوْ قلْت لَا يخرُج مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَّا صَمَدٌ مَا خَرج إلاَّ أقلُّكُم» هُوَ الَّذِي انْتهى فِي سُودَده، أَوِ الَّذِي ُيْقصد فِي الْحَوَائِجِ.
وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ الجَمُوح فِي قتْل أَبِي جَهْل «فَصَمَدْتُ لَهُ حَتَّى أمكَنَتْني مِنْهُ غِرَّة» أَيْ ثَبَتُّ لَهُ وقَصَدْته وانتظرتُ غَفْلته.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «فصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُود الْحَقِّ» .

(صَمَرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ أعْطى أَبَا رَافِعٍ عُكَّة سَمْن وَقَالَ: ادْفَع هَذَا إِلَى أسْمَاء «1» لتَدْهُنَ بِهِ بَنِي أَخِيهِ مِنْ صَمَرِ البحرِ» يَعْنِي مِنْ نَتْنِ رِيحه.

(صَمْصَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «لَوْ وضعْتُمُ الصَّمْصَامَة عَلَى رَقَبَتِي» الصَّمْصَامَة:
السَّيْفُ الْقَاطِعُ، والجمع صَمَاصِم.
__________
(1) هي أسماء بنت عميس. وكانت زوجة جعفر بن أبي طالب أخي علي. اللسان (صمر)
(3/52)

وَمِنْهُ حَدِيثُ قُسّ «تردَّوْا بالصَّمَاصِم» أَيْ جَعَلوها لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الأرْدية، لحَمْلِهم لَهَا وَوَضْعِ حَمَائِلِهَا عَلَى عَوَاتِقهم.

(صَمَعَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَأَنِّي برجُل أصْعَلَ أَصْمَعَ يَهْدِم الكعْبة» الأَصْمَع: الصَّغيرُ الأذُن مِنَ النَّاس وَغَيْرِهِمْ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يضحِّي بالصَّمْعَاء» أَيِ الصَّغيرة الأذُنَين.
(س) وَفِيهِ «كإبِلٍ أكَلَت صَمْعَاء» قِيلَ هِيَ البُهْمَى إِذَا ارْتَفَعت قَبْلَ أَنْ تَتَفقْأَ. وَقِيلَ:
الصَّمْعَاء: البَقْلةُ الَّتِي ارْتَوت واكتَنَزت.

(صَمْعَدَ)
(س) فِيهِ «أَصْبَحَ وَقَدِ اصْمَعَدَّتْ قَدماه» أَيِ انتَفَخت ووَرِمَت.

(صَمَغَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «نَظَفّوا الصِّمَاغَيْنِ فَإِنَّهُمَا مَقْعَدا المَلَكَين» الصِّمَاغَان:
مُجْتمع الرَّيق فِي جانِبَي الشَّفَةِ. وَقِيلَ هُمَا مُلْتَقَى الشِّدْقَيْنِ. وَيُقَالُ لَهُمَا الصَّامِغَان، والصَّاغمان، والصَوّارَان.
وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِ القُرَشيَيّن «حَتَّى عَرِقْتَ وزبَّب صِمَاغَاك» أَيْ طلعَ زَبَدُهما.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي الْيَتِيمِ إذاَ كَانَ مَجْدُورا «كَأَنَّهُ صَمْغَة» يُريد حِينَ يَبيَضُّ الجُدَرِيُّ عَلَى بَدَنِه فَيَصِير كالصَّمْغ.
(س) ومنه حديث الحجاج «لأَقْلَعَنَّك قَلْعَ الصَّمْغَة» أي لأسْتَأصِلَنَّك. والصَّمْغ إِذَا قُلِعَ انْقلعَ كُله مِنَ الشَّجَرة وَلَمْ يَبْق لَهُ أثَرٌ، وربَّما أخذَ مَعَهُ بعضَ لِحَائِها.

(صَمُلَ)
(س) فِيهِ «أَنْتَ رجُل صُمُلٌّ» الصُّمُلّ- بالضَّم وَالتَّشْدِيدِ-: الشَدْيد الخَلْق.
وصَمَلَ الشيءُ يَصْمُلُ صُمُولًا: صَلُبَ واشتدَّ. وصَمَلَ الشّجرُ إِذَا عَطِشَ فَخشُن ويَبِس.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ «إِنَّهَا صَمِيلَة» أَيْ فِي سَاقها يُبْس وخُشُونَةٌ.

(صَمُمَ)
فِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ «وَأَنْ ترى الحُفَاة العُرَاة الصُّمَّ البُكْمَ رؤوسَ النَّاسِ» الصُّمّ:
جمعُ الأَصَمِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْمَع، وأرَادَ بِهِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي وَلَا يَقْبَلُ الحقَّ، مِنْ صَمَمِ العقلِ، لَا صَمَمِ الأذن.
(3/53)

وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «ثُمَّ تكلَّم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكَلِمَةٍ أَصَمَّنِيهَا الناسُ» أَيْ شَغَلوني عَنْ سَمَاعِها، فكَّأنَّهم جَعَلوني أَصَمَّ.
(س) وَفِيهِ «شهرُ اللَّهِ الأَصَمّ رجَبُ» سُمَيّ أَصَمّ لأَّنه كَانَ لَا يُسمَع فِيهِ صَوتُ السِّلَاحِ، لِكَوْنِهِ شَهْرًا حَرَامًا، ووُصِفَ بالأَصَمّ مَجازاً، والمرادُ بِهِ الإنسانُ الَّذِي يَدْخل فِيهِ، كَمَا قِيلَ ليلٌ نائمٌ، وَإِنَّمَا النَّائمُ مَنْ فِي اللَّيل، فكأنَّ الإنسانَ فِي شَهْرِ رَجب أَصَمّ عَنْ سَمْع صَوتِ الَسّلاح.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الفِتَنَة الصَّمَّاء العَمْياءُ» هِيَ الَّتِي لَا سَبيل إِلَى تَسْكِينها لتَنَاهيها فِي دَهَائِها، لِأَنَّ الأصمَّ لَا يَسْمع الاسْتِغَاثَة، فَلَا يُقْلِع عَمَّا يَفْعَله. وقِيْلَ هِيَ كالحَيَّة الصَّمَّاء الَّتِي لَا تَقْبَلُ الرُّقَى.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاء» هُوَ أَنْ يتجَّلل الرجلُ بثَوبه وَلَا يَرْفع مِنْهُ جَانِبًا.
وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا صَمَّاء، لِأَنَّهُ يَسْد عَلَى يَدَيه ورجْليه المنافذَ كُلَّها، كالصَّخرة الصَّمَّاء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْق وَلَا صَدْع. والفُقهاءُ يَقُولُونَ: هُوَ أَنْ يتغَطَّى بِثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيرُه، ثُمَّ يرفَعُه مِنْ أحَد جَانِبَيْه فيَضَعه عَلَى منْكبه، فتَنْكَشِف عَوْرَتُهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «والفَاجرُ كالأَرزة صَمَّاء» أَيْ مُكْتَنِزَة لَا تَخَلْخُلَ فِيهَا.
(س) وفي حديث الوطء «في صِمَامٍ وَاحِدٍ» أَيْ مَسْلك وَاحِدٌ. الصِّمَام: مَا تُسَدُ بِهِ الفُرْجَة، فسُمّي الفَرْجُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يكونَ فِي مَوْضِعِ صِمَام، عَلَى حَذْف المُضَاف. ويُرْوى بِالسِّينِ.
وَقَدْ تقدَّم.

(صَمَا)
(هـ) فِيهِ «كُلْ مَا أَصْمَيْت ودَعْ مَا أنْمَيْت» الإِصْمَاء: أَنْ يَقْتُل الصيدَ مكانَه.
وَمَعْنَاهُ سُرْعة إزْهَاق الرُّوحُ، مِنْ قَولِهم للمُسْرع: صَمَيَان. والإِنْمَاء: أَنْ تُصِيْبَ إِصَابَةً غيرَ قاتِلَةٍ فِي الْحَالِ. يقالُ أنْمَيْتُ الرَّمِيَّة، ونَمَت بِنَفْسِها. وَمَعْنَاهُ: إِذَا صِدْتَ بِكَلْب أَوْ سَهْم أَوْ غَيْرِهِمَا فماتَ وأنتَ تَرَاهُ غيرَ غائبٍ عَنْك فكُلْ مِنْهُ، وَمَا أصَبْتَه ثُمَّ غابَ عَنْك فماتَ بَعْدَ ذَلِكَ فدَعْه، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي أمَاتَ بصَيدِك أَمْ بِعَارِضٍ آخَرَ.
(3/54)

بَابُ الصَّادِ مَعَ النُّونِ

(صَنَبَ)
(هـ) فِيهِ «أتاهُ أعْرَابي بأرْنَب قَدْ شَوَاها، وجَاء مَعَهَا بصِنَابِها» الصِّنَاب:
الخَرْدَل المَعْمُول بالزَّيت، وَهُوَ صِبَاغٌ يُؤْتَدَم بِهِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَوْ شَئْتُ لدَعَوْتُ بصِلاء «1» وصِنَاب» .

(صَنْبَرَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّ قُرَيْشاً كَانُوا يَقُولون: إنَّ مُحَمَّدا صُنْبُور» أَيْ أبْتَرُ، لاَ عَقِبَ لَهُ «2» . وأصلُ الصُّنْبُور: سَعَفة تنبُت فِي جِذْعِ النَّخلةِ لاَ فِي الأرضِ. وقيل هي النَّخْلَة المُنْفَرِدة التي يدقّ أسفلها. وأرادوا أَنَّهُ إِذَا قُلِع انقَطع ذِكْرُه، كَمَا يَذْهَبُ أثَرُ الصُّنْبُور، لِأَنَّهُ لَا عَقِبَ لَهُ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّ رجُلا وقَفَ عَلَى ابْنِ الزُّبير حِينَ صُلِبَ فَقَالَ: قَدْ كُنْت تجمَعُ بَيْنَ قُطْرَى اللَّيْلَةِ الصِّنَّبْرَة قَائِمًا» أَيِ اللَّيْلَةِ الشَّديدَة البرْد.

(صَنِخَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ! يذهَبُ بالصَّنَخَة «3» ويُذكِّر النّارَ» يَعْني الدَّرَن والوَسَخ. يُقَالُ صَنَخَ بَدَنُه وسَنِخَ، والسينُ أشْهَر.

(صَنَدَ)
(س) فِيهِ ذِكْرُ «صَنَادِيد قُرَّيْشٍ» فِي غَير مَوْضِع، وَهُمْ أشْرَافُهم، وعُظَمَاؤهم ورُؤَسَاؤُهُم، الواحدُ صِنْدِيد، وكلُ عَظِيمٍ غَالبٍ صِنْدِيد.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «كَانَ يَتَعَوُّذُ مِنْ صَنَادِيد القَدَر» أَيْ نَوائِبه العِظام الغَوَالِب.

(صَنَعَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ» هَذَا أمْرٌ يُرَاد بِهِ الخَبَرُ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى الوَعِيْدِ والتّهْدِيد، كَقَوْلِهِ تَعَالَى اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وقد تقدَّم مشرُوحا في الحاءِ.
__________
(1) في الهروي: «بصَرائق» . والصرائق: جمع صَريقة، وهي الرقاقة من الخبز. القاموس (صرق) .
(2) فى الدر النثير: «وقيل الناشىء الحدث. حكاه ابن الجوزى» .
(3) في الهروي: «يذهب الصَّنَخَة» وهي رِوَاية المصنف فى «صنن» .
(3/55)

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «حِينَ جُرح قَالَ لِابْنِ عبَّاس: انْظُر مَنْ قَتَلني، فَقَالَ: غُلاُم المُغيْرة بْنِ شُعْبَة، فَقَالَ: الصَّنَع؟ قَالَ: نَعَمْ» يُقَالُ رجلٌ صَنَعٌ وإمْرَأة صَنَاعٌ، إِذَا كَانَ لَهُمَا صَنْعَة يَعْمَلَانِهَا بِأَيْدِيهِمَا وَيَكْسِبَانِ بِهَا.
وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «الأمَةُ غَيرَ الصَّنَاع» .
(هـ) وَفِيهِ «اصْطَنَعَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ» أَيْ أمرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ. كَمَا تَقُولُ اكْتَتَبَ: أَيْ أمْرَ أَنْ يُكْتَب لَهُ. والطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تاءِ الافْتِعَال لِأَجْلِ الصَّادِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الخُدَري «قَالَ قَالَ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لا تُوقِدوا بلَيْلٍ نَاراً» ثُمَّ قَالَ: «أوْقِدُوا واصْطَنِعُوا» أَيِ اتّخِذوا صَنِيعاً، يَعْنِي طَعَاماً تُنْفِقونه فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ آدَمَ «قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: أنتَ كليمُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَنَعَكَ لِنَفْسِهِ» هَذَا تمثيلٌ لِما أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ مَنْزلة التَّقْريب والتَّكْريم. والاصْطِنَاع: افتِعَالٌ مِنَ الصَّنِيعَة، وَهِيَ العَطَّية وَالْكَرَامَةُ والإِحْسان.
(س) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «كَانَ يُصَانِع قائدَه» أَيْ يُدَاريه. والمُصَانَعَة: أَنْ تَصْنَعَ لَهُ شَيْئًا لِيَصْنَعَ لَكَ شَيْئًا آخَر، وَهِيَ مُفَاعَلة مِنَ الصُّنْع.
(س) وَفِيهِ «مَنْ بَلَغ الصِّنْعَ بسَهْم» الصِّنْع بِالْكَسْرِ: الموضعُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْمَاءِ، وَجَمْعُهُ أَصْنَاع. وَيُقَالُ لَهَا مَصْنَعٌ ومَصَانِعُ. وَقِيلَ أَرَادَ بالصِّنْع هَاهُنَا الحِصْنَ. والمَصَانِع: المَباني مِنَ القُصور وَغَيْرِهَا.
(س) وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ «لَوْ أنَّ لأحَدكم واديَ مالٍ، ثُمَّ مرَّ عَلَى سَبْعَةِ أسهُم صُنُعٍ لكَلَّفَتْهُ نفسُهُ أَنْ ينْزِل فيَأْخُذَها» كَذَا قَالَ «صُنُع» قَالَ الحرْبي: وأظنُّه «صِيغةً» : أَيْ مُسْتَوِيَةً مِنْ عَمل رجُل واحِد.

(صَنَفَ)
(هـ) فِيهِ «فلْيَنْفُضْه بِصَنِفَةِ إزارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَه عَلَيْهِ» صَنِفَةُ الإزارِ- بِكَسْرِ النُّونِ-: طَرَفه مَّما يَلِي طُرَّته.

(صَنَمَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ ذكرُ «الصَّنَم والأَصْنَام» وَهُوَ مَا اتُّخِذ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ هُوَ مَا كَانَ لَهُ جسْمٌ أَوْ صورةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جسمٌ أَوْ صورةٌ فَهُوَ وثَنٌ.
(3/56)

(صَنِنَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرداء «نِعْم البيتُ الحمَّامُ يُذْهب الصِّنَّة ويذكِّر النَّارَ» الصِّنَّة: الصُّنَان ورائحةُ معَاطِف الجِسْمِ إِذَا تغيَّرت، وَهُوَ مِنْ أَصَنَّ اللحمُ إِذَا أنْتَن.
(س) وَفِيهِ «فأُتِيَ بَعَرْقِ يَعْنِي الصَّنَّ» هُوَ بِالْفَتْحِ: زَبِّيل كبير. وقيل هو شبه السّلّة المطبقة.

(صنا)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ «فَإِنَّ عمَّ الرجُل صِنْوُ أَبِيهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «الْعَبَّاسُ صِنْوِي» الصِّنْو: المِثْل. وأصلُه أَنْ تَطْلُع نَخْلَتان مِنْ عِرْق واحدٍ. يُريدُ أَنَّ أصلَ الْعَبَّاسِ وأصلَ أَبِي واحدٌ، وَهُوَ مثلُ أَبِي أَوْ مِثْلِي، وَجَمْعُهُ صِنْوَان. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي قِلابة «إِذَا طَالَ صِنَاء المِّيت نُقِّيَ بالأُشْنان» أَيْ دَرَنُه ووَسَخُه.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: ورُوي بِالضَّادِ، وَهُوَ وَسَخُ النارِ والرَّمادِ.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْوَاوِ

(صَوَبَ)
فِيهِ «مَنْ قَطَع سِدْرةً صَوَّبَ اللهُ رأسَه فِي النَّارِ» سُئِل أبُو دَاوُدَ السِّجِسْتاني عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حديثٌ مختصَرٌ، وَمَعْنَاهُ: مَنْ قَطعَ سِدرةً فِي فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابنُ السَّبِيلِ عبَثاً وظُلْما بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رأسَه فِي النَّارِ: أَيْ نكَّسَه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وصَوَّبَ يَده» أَيْ خَفَضَها.
(هـ) وَفِيهِ «مَنْ يُرِد اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» أَيِ ابْتَلاه بالمَصَايِب ليُثِيَبه عَلَيْهَا. يُقَالُ مُصِيبَة، ومَصُوبَة، ومُصَابَة، والجمعُ مَصَايِب، ومَصَاوِب. وَهُوَ الْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ ينْزِل بالإنسانِ.
وَيُقَالُ: أَصَابَ الإنسانُ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ: أَيْ أخَذَ وتَناول.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يُصِيبُون مَا أَصَابَ الناسُ» أَيْ ينالُون مَا نالُوا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ يُصِيبُ مِنْ رأسِ بعضِ نسائِه وَهُوَ صائمٌ» أَرَادَ التَّقبِيلَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ «كَانَ يُسْأل عَنِ التَّفْسِيرِ فيقولُ: أَصَابَ اللَّهُ الَّذِي أَرَادَ» يَعْنِي
(3/57)

أَرَادَ اللهُ الَّذِي أَرَادَ. وأصلُه مِنَ الصَّوَاب، وَهُوَ ضِد ُّالخطأ. يُقَالُ: أَصَابَ فلانٌ فِي قَوْلِهِ وفِعْلِه، وأَصَابَ السهمُ القِرْطاسَ، إِذَا لَمْ يُخْطِئ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(صَوُتَ)
(س) فِيهِ «فَصْلُ مَا بَيْن الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْت والدُّفّ» يريدُ إعلانَ النِّكَاحِ، وذَهابَ الصَّوْت، والذكْرَ بِهِ فِي النَّاسِ. يُقَالُ: لَهُ صَوْتٌ وصِيتٌ: أَيْ ذِكرٌ. والدُّفُّ الَّذِي يُطَبَّل بِهِ، ويُفتح ويُضم.
وَفِيهِ «أَنَّهُمْ كَانُوا يكرَهون الصَّوْت عِنْدَ القِتال» هُوَ مِثْل أَنْ يُنَادِيَ بعضُهم بَعْضًا، أَوْ يَفْعلَ بعضُهم فِعْلاً لَهُ أثَر فيَصيحُ وَيُعَرِّفُ نَفْسَهُ عَلَى طَرِيقِ الفَخْر والعُجْب.

(صَوِحَ)
(هـ) فِيهِ «نَهَى عَنْ بَيع النَّخْل قبلَ أَنْ يُصَوِّحَ» أَيْ قبلَ أَنْ يَسْتَبِين صلاحُه وجَيّدُه مِنْ ردِيِئه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ سُئِل: مَتَى يَحِلُّ شِراءُ النَّخْل؟ فَقَالَ: حِينَ يُصَوِّحُ» ويُرْوَى بِالرَّاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «اللَّهُمَّ انْصَاحَتْ جبالُنا» أَيْ تَشَقَّقَت وجَفَّت لِعدَم المطَر. يُقَالُ صَاحَهُ يَصُوحُهُ فَهُوَ مُنْصَاحٌ، إِذَا شقَّه. وصَوَّحَ النَّباتُ إِذَا يَبِسَ وتَشَقَّق.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فبادِرُوا العِلم مِنْ قَبْلِ تَصْوِيح نَبْتِه» .
(س) وَحَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «فَهُوَ يَنْصَاحُ عَلَيْكُمْ بوابلِ البَلايا» أَيْ ينْشَقَّ عَلَيْكُمْ.
قَالَ الزَّمخشري: ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ بِالضَّادِ وَالْخَاءِ، وَهُوَ تصحيفٌ «1» .
وَفِيهِ ذِكْرُ «الصَّاحَة» هِيَ بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ: هضابٌ حُمْر بقُرْب عَقِيق الْمَدِينَةِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ محلَّم اللَّيثي «فَلَمَّا دَفَنْوه لَفَظَته الْأَرْضُ، فألْقوُه بَيْنَ صَوْحَيْنِ» الصَّوْح:
جانبُ الوادِي وَمَا يُقْبِل مِنْ وَجْهِه الْقَائِمِ.

(صَوُرَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الْمُصَوِّرُ» وَهُوَ الَّذِي صَوَّرَ جميعَ المَوُجُوداتِ ورتَّبها، فأعْطَى كلَّ شَيْءٍ مِنْهَا صُورَة خاصَّةً، وهيْئةً مُنْفَرِدةً يتَميَّزُ بِهَا عَلَى اختلافِها وكْثرتِها.
وَفِيهِ «أتانِي الليلةَ ربِّي فِي أحسنِ صُورَة» الصُّورَة تَرِدُ فِي كلامِ الْعَرَبِ عَلَى ظاهرِها،
__________
(1) لم يتعرض الزمخشري لرواية الهروي. انظر الفائق 1/ 453.
(3/58)

وَعَلَى مَعْنَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَهَيْئَتِهِ، وَعَلَى مَعْنَى صفَته. يُقَالُ صُورَة الفعْل كَذَا وَكَذَا: أَيْ هيْئَتُه.
وصُورَة الأمرِ كَذَا وَكَذَا: أَيْ صِفتُه. فَيَكُونُ المرادُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَتَاهُ فِي أحسنِ صِفة.
ويجوزُ أَنْ يَعُود الْمَعْنَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْ أتانِي ربِّي وَأَنَا فِي أَحْسَنِ صُورَة. وتَجْرى مَعانِي الصُّورَة كُلُّهَا عَلَيْهِ، إنْ شِئْتَ ظَاهِرَهَا أَوْ هَيئَتها، أَوْ صِفتها. فَأَمَّا إطلاقُ ظَاهِرِ الصُّورَة عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا، تعالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ: يَطْلُعُ مِنْ تَحْتِ هَذَا الصَّوْر رجلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فطَلَع أَبُو بَكْرٍ» الصَّوْر:
الجماعةُ مِنَ النَّخْل، وَلَا واحدَ لَه مِنْ لَفظِة، ويُجمع عَلَى صِيرَان.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ خَرج إِلَى صَوْر بِالْمَدِينَةِ» .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَنَّهُ أَتَى امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَفَرَشَت لَهُ صَوْراً، وذَبَحت لَهُ شَاةً» .
وَحَدِيثُ بَدْرٍ «إنَّ أَبَا سُفيان بعثَ رجُلين مِنْ أَصْحَابِهِ، فأحْرَقا صَوْراً مِنْ صِيرَان العُرَيْض» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي صِفَةِ الْجَنَّةِ «وتُرابُها الصُّوَار» يَعْنِي المِسْك. وصُوَارُ المسكِ: نَيْفَجَتُه.
والجمعُ أَصْوِرَة.
(س) وَفِيهِ «تعَهَّدوا الصِّوَارَيْن فإنَّهما مَقْعَدُ الملَك» هُمَا مُلْتَقَى الشِّدْقين: أَيْ تَعَهَّدُوهُما بالنظَافَة.
(س) وَفِي صِفَةِ مَشْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ فِيهِ شيءٌ مِنْ صَوَرٍ» أَيْ ميْل. قَالَ الخطَّابي:
يُشْبه أَنْ يَكُونَ هَذَا الحالُ إِذَا جَدّ فِي السَّيْر لَا خِلْفةً.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «وذكَر العُلَمَاءَ فَقَالَ: تَنْعَطِف «1» عَلَيْهِمْ بالعلْم قلوبٌ لَا تَصُورُهَا الأرحامُ» أَيْ لَا تُمَيِلُها. هَكَذَا أخرجَه الْهَرَوِيُّ عَنْ عُمَرَ، وجعَله الزَّمخشري مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ.
(س) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «إِنِّي لأُدْنِي الحائضَ مِنِّي وَمَا بِي إِلَيْهَا صَوَرَةٌ» أَيْ مَيْل وشَهْوةٌ تَصُورُنِي إِلَيْهَا.
__________
(1) في الهروي والفائق 2/ 44: «تتعطَّف» .
(3/59)

وَمِنْهُ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ «كَرِه أَنْ يَصُورَ شَجَرةً مُثْمِرةً» أَيْ يُمَيِلَها، فإنَّ إمالَتَها رُبَمَّا أدَّتْها إِلَى الجُفوف. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ قَطْعَها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عِكْرِمة «حَمَلَة العرْش كُلُّهم صُورٌ» جَمْعُ أَصْوَر، وَهُوَ المائِل العُنُق لِثِقْلِ حِمْلِه.
وَفِيهِ ذِكْرُ «النَّفْخ فِي الصُّور» هُوَ القَرنْ الَّذِي يَنْفُخ فِيهِ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ بَعْثِ الموْتى، إِلَى المحشَر. وَقَالَ بعضُهم: إنَّ الصُّور جَمْعُ صُورَة، يُريد صُوَرَ الموْتَى يَنْفُخُ فِيهَا الأرواحَ.
والصحيحُ الأوَل، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تعاضَدَت عَلَيْهِ، تَارَةً بالصُّور، وَتَارَةً بالقَرْن.
(س) وَفِيهِ «يَتَصَوَّرُ المَلَك عَلَى الرَّحِم» أَيْ يَسْقُط. مِنْ قَولهم ضَرْبتُه ضَرْبةً تَصَوَّرَ منْها:
أَيْ سَقَط.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُقْرِن «أَمَا عَلمت أَنَّ الصُّورَة مُحرَّمةٌ» أرادَ بالصُّورَة الوَجْهَ. وتحْرِيمها المنْع مِنَ الضَّرب واللَّطْم عَلَى الوجْه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كُرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَة» أَيْ يُجْعلَ فِي الوجْه كَيّ أَوْ سِمَة.

(صَوُعَ)
فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يَغْتسل بالصَّاع ويتَوضَّأ بالمُدّ» قَدْ تَكَرَّرَ ذِكرُ الصَّاع فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِكْيال يَسَع أرْبَعة أمْدادٍ. والمدُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقِيلَ هُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ، وَبِهِ يقولُ الشَّافِعِيُّ وفُقهاء الْحِجَازِ. وَقِيلَ هُوَ رطْلان، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وفُقهاء العِرَاق، فيكونُ الصَّاع خمسةَ أرْطال وثلُثاً، أَوْ ثَمَانِيَةَ أرْطال.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ أعْطى عَطِيَّةَ بْنَ مَالِكٍ صَاعاً مِنْ حَرَّةٍ الْوَادِي» أَيْ موْضعاً يُبْذَر فِيهِ صَاع، كَمَا يُقَالُ أعْطاه جَرِيباً مِنَ الْأَرْضِ: أَيْ مَبْذَرَ جريبٍ. وَقِيلَ الصَّاع: المُطْمَئِن مِنَ الْأَرْضِ.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ سَلْمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ إِذَا أَصَابَ الشاةَ مِنَ المغنمَ فِي دَارِ الحَرْب عَمَد إِلَى جلْدها فَجَعَلَ مِنْهُ جِرَاباً، وَإِلَى شَعْرها فجعلَ مِنْهُ حَبْلا، فَيَنْظُرُ رجُلا صَوَّعَ بِهِ فرسَه فيُعْطيه» أَيْ جَمَحَ برَأسِه وامْتَنَعَ عَلَى صاحِبه.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «فانْصَاعَ مُدْبِرًا» أَيْ ذهَب مُسْرِعا.
(3/60)

(صَوُغَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «واعَدْتُ صَوَّاغاً مِنْ بَنِي قَيْنُقَاع» الصَّوَّاغ:
صَائِغ الحَلْي. يُقَالُ صَاغَ يَصُوغُ، فَهُوَ صَائِغ وصَوَّاغ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أكذَبُ النَّاسِ الصَّوَّاغُون» قِيلَ لِمَطالِهم ومَواعيدهم الكَاذبة.
وَقِيلَ أرادَ الَّذِينَ يُزَيِّنُون الحديثَ ويَصُوغُون الكَذِبَ. يُقَالُ صَاغَ شِعْراً، وصَاغَ كَلَامًا: أَيْ وضَعه ورتَّبه. ويُروى «الصَّيَّاغُون» بِالْيَاءِ، وَهِيَ لُغَة أَهْلِ الحجَاز، كَالدَّيّار والقيَّام. وَإِنْ كَانَا مِنَ الْوَاوِ (هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيلَ لَهُ خَرج الدجّالُ فَقَالَ: «كَذْبةٌ كَذِبَهَا الصَّوَّاغُون» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَكْرٍ المُزْني «فِي الطَّعَامِ يَدْخل صَوْغاً ويخرُجُ سُرُحا» أَيِ الأطْعمَة الْمَصْنُوعَةُ أَلْوَانَاً، المُهَيَّأةُ بعضُها إِلَى بَعْض.

(صَوُلَ)
(س) فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «اللَّهُمَّ بِكَ أحُول وَبِكَ أصُول» وَفِي رِوَايَةٍ «أُصَاوِلُ» أَيْ أسْطُو وأقْهَر. والصَّوْلَة: الحَمْلةُ والوَثْبَة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ مِنَ الأوْسِ والخزْرج كاناَ يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَاوُلَ الفَحْلَين» أَيْ لَا يَفْعل أحدُهما مَعَهُ شَيْئًا إلاَّ فَعَل الآَخر مَعَهُ شَيْئًا مثْلَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ «فصَامِتٌ صَمْتُهُ أَنْفذُ مِنْ صَوْلِ غيرِهِ» أَيْ إمْساكُه أشدُ علَيَّ مِنْ تَطَاوُل غَيْرِهِ.

(صَوُمَ)
فِيهِ «صَوْمُكُم يَوْمَ تَصُومُون» أَيْ أنَّ الخَطأَ مَوُضُوعٌ عَنِ النَّاس فِيمَا كَانَ سَبِيلُه الاجْتهادَ، فَلَوْ أنَّ قَوْمًا اجتَهدُوا فَلَمْ يَرَوا الهلالَ إلاَّ بعدَ الثَّلاثين وَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوفَوا العَددَ، ثُمَّ ثَبتَ أَنَّ الشَّهر كَانَ تِسْعًا وعِشرِين فَإِنَّ صَوْمَهُم وفِطْرَهم ماضٍ، وَلَا شَيء عَلَيْهِمْ مِنْ إِثْمٍ أَوْ قَضاءٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إِذَا أخطأَوا يومَ عَرفة وَالْعِيدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ سُئل عمَّن يَصُومُ الدَّهْرَ، فَقَالَ: لَا صَامَ وَلَا أفْطَر» أَيْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَهُوَ إحْباطٌ لأجْره عَلَى صَوْمِهِ حيثُ خالَف السُّنَّة. وَقِيلَ هُوَ دُعاءُ عَلَيْهِ كَرَاهيهً لصَنِيعه.
(3/61)

وَفِيهِ «فإنِ إمْرُؤٌ قاتَله أَوْ شَاتَمه فْليَقُلْ إنِّي صَائِمٌ» معناهُ أَنْ يَرُدّه بِذَلِكَ عَنْ نَفْسه لينْكَفَّ. وَقِيلَ هُوَ أنْ يَقُول ذَلِكَ فِي نَفْسه ويُذَكّرَها بِهِ فَلَا يَخُوض معَه ويُكَافئُه عَلَى شَتْمه فيُفْسد صَوْمُهُ ويُحْبطَ أجرَه.
وَفِيهِ «إِذَا دُعِي أحَدُكم إِلَى طَعام وَهُوَ صَائِم فلْيقُلْ إِنِّي صَائِم» يُعرِّفُهم ذَلِكَ لِئَلَّا يُكْرِهُوه عَلَى الأكْل، أَوْ لئلاَّ تَضيِق صُدورُهم بامْتِناعه مِنَ الأكْلِ.
وَفِيهِ «مَنْ مَاتَ وَهُوَ صَائِمٌ صَامَ عَنْهُ وليُّهُ» قَالَ بظاهِرِه قومٌ مِنْ أصْحاب الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الشافعيُّ فِي القَديم، وحَمله أكثرُ الفُقهاء عَلَى الكَفَّارة، وعبَّر عَنْهَا بالصَّوْمِ إِذْ كَانَتْ تُلازمه.

(صَوَى)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ للإسْلام صُوًى ومَنَارَاً كَمنار الطرِيق» الصُّوَى: الأعْلام المَنْصُوبة مِنَ الحِجَارة فِي المفَازَة المَجْهُولة»
، يُسْتَدلُّ بِهَا عَلَى الطَّرِيق، واحِدَتُها صُوَّةٌ كَقُوّةٌ: أَرَادَ أنَّ لِلْإِسْلَامِ طَرَائقَ وأعْلاماً يُهتَدَى بِهَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ لَقِيط «فيَخْرُجُون مِنَ الأَصْوَاء فينْظُرون إِلَيْهِ» الأَصْوَاء: القُبُور.
وأصلُها مِنَ الصُّوَى: الأعْلاَم، فشَبَّه القُبُور بِهَا.
[هـ] وَفِيهِ «التَّصْوِيَة خِلَابَة» التَّصْوِيَة مِثْلُ التَّصْرِيَة: وَهُوَ أَنْ تُتْرَك الشَّاةُ أيَّاماً لَا تُحْلَب. والخِلاَبة: الخدَاع. وَقِيلَ التَّصْوِيَة أَنْ يُيبِّس أصحابُ الشَّاةِ لبَنَها عمْداً لِيَكُونَ أسْمَنَ لَهَا.

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْهَاءِ

(صَهِبَ)
(س) فِي حَدِيثِ اللِّعَان «إِنْ جاَءت بِهِ أَصْهَبَ- وَفِي رواية أُصَيْهِبَ- فهو لفلان» الأَصْهَب: الذي يعلولونه صُهْبَة، وَهِيَ كالشُّقرة. والأُصَيْهِب تَصْغِيرُهُ، قَالَهُ الخطَّابي.
والمعروفُ أن الصُّهْبَة مختصَّة بالشَّعَر، وهي مرة يعلوها سَواد.
__________
(1) في الدر النثير: زاد الفارسي: وقال الأصمعي: هو ما غلظ وارتفع عن الأرض. ولم يبلغ أن يكون جبلا» . اه، وانظر الصحاح (صوى) .
(3/62)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَانَ يَرمي الجِمَار عَلَى نَاقةٍ لَهُ صَهْبَاءَ» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا.
«وَفِيهِ ذِكْرُ «الصَّهْبَاء» وَهِيَ مَوضع عَلَى رَوْحَة مِنْ خَيْبَر.

(صَهَرَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُؤسِّسُ مَسْجد قُبَاء فَيُصْهِرُ الْحَجَرُ العَظيِم إِلَى بَطْنه» أَيْ يُدْنِيه إِلَيْهِ. يُقَالُ صَهَرَهُ وأَصْهَرَهُ إِذَا قَرَّبَهُ وأدناهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عليٍّ «قَالَ لَهُ رَبيعةُ بْنُ الحرِث: نِلْتَ صِهْرَ رسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نَحْسُدك عَلَيْهِ» الصِّهْر: حُرْمة التَّزويج. والفَرْق بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّسب أَنَّ النّسبَ مَا رَجَع إِلَى ولادَة قريبةٍ مِنْ جهةِ الْآبَاءِ، والصِّهْر مَا كَانَ مِنْ خِلْطة تُشبه القرابةَ يُحْدثها التزْوِيجُ.
وَفِي حَدِيثِ أَهْلِ النَّارِ «فيَسْلُتُ مَا فِي جَوِفه حَتَّى يَمْرُق مِنْ قدَمَيه، وَهُوَ الصَّهْر» أَيِ الإذَابةُ. يُقَالُ صَهَرْتُ الشحمَ إِذَا أَذَبْتَهُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ الأسْودَ كَانَ يَصْهَرُ رِجْليه بِالشَّحْمِ وَهُوَ مُحْرِم» أَيْ يُذِيبهُ [عَلَيْهِمَا] «1» وَيَدْهُنُهُمَا بِهِ. يُقَالُ صَهَرَ بَدَنَه إِذَا دَهَنه بالصَّهِيرِ.

(صَهَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد «فِي صَوِته صَهَلٌ» أَيْ حِدّة وصَلابة، مِنْ صَهِيلِ الخيلِ وَهُوَ صَوْتُهَا، ويَرْوى بِالْحَاءِ. وَقَدْ تقدَّم.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْع «فجعلَني فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وأَطِيط» تريدُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَهْلِ قِلَّة فنَقَلها إِلَى أهلِ كَثْرٍة وثَرْوَةٍ، لأنَّ أهلَ الخَيل والإبِل أكثرُ [مَالًا] «2» مِنْ أهلِ الغَنَمِ.

(صَهٍ)
(س) قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «صَهْ» وَهِيَ كلمةُ زَجْر تُقَال عِنْدَ الإسْكَات، وَتَكُونُ للواحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، والمذكَّر والمُؤَنث، بِمَعْنَى إسْكُت. وَهِيَ مِنْ أسماءِ الأفْعال، وتُنَوَّن وَلَا تُنَوَّن، فَإِذَا نُوِّنَت فَهِيَ للتَّنْكير، كَأَنَّكَ قُلْت اسكُت سكوتا، وإذا لم تنوّن فلتّعريف:
أي اسْكُت السُّكُوت المَعْروف منك.
__________
(1) زيادة من الهروى.
(2) سقطت من اواللسان.
(3/63)

بَابُ الصَّادِ مَعَ الْيَاءِ

(صَيَأَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَالَ لامْرأةٍ: أنتِ مِثْلُ العَقْرب تلدَغ وتَصِيءُ» صَاءَتِ العَقْرب تَصِيءُ إِذَا صَاحت. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «هُوَ مقْلوبٌ من صَأَى «1» » يَصْئِي، مِثْلَ رَمَى يَرْمِي، والواوُ فِي قَوْلِهِ وتَصِيءُ لِلْحَالِ: أَيْ تَلْدَغُ وَهِيَ صَائِحَة.

(صَيَبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «اللَّهم اسْقِنا غَيثاً صَيِّباً» أَيْ مُنْهمراً مُتَدفقّا.
وأصلُه الواوُ، لِأَنَّهُ مِنْ صَابَ يَصُوبُ إِذَا نَزَل، وبِنَاُؤه صَيْوِب، فأُبْدلت الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ «2» .
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لِأَجْلِ لفْظه.
(س) وَفِيهِ «يُولد فِي صُيَّابَةِ قومِهِ» يُرِيد النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْ صَمِيمِهم وخالِصِهم وخِيارِهم. يُقَالُ صُيَّابَة القومِ وصُوَّابَتُهُم، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا.

(صَيُتَ)
فِيهِ «مَا مِن عبدٍ إلاَّ وَلَهُ صِيتٌ فِي السَّمَاءِ» أَيْ ذِكْر وشُهرةٌ وعِرْفان. وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ والشَّر.
(س) وَفِيهِ «كَانَ العبَّاس رَجُلًا صَيِّتاً» أَيْ شَدِيدَ الصَّوْتِ عَالِيَهُ. يُقَالُ هُوَ صَيِّتٌ وصَائِتٌ كميِّت ومائِت. وأصلُه الْوَاوُ، وبناؤُه فيعِل، فقُلب وأُدْغِم.

(صَيُخَ)
(س) فِي حَدِيثِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ «مَا مِن دابَّة إلاَّ وَهِيَ مُصِيخَة» أَيْ مُسْتَمِعة مُنْصِتة. ويُرْوى بِالسِّينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الغَار «فانْصَاخَت الصَّخرة» هَكَذَا رُوي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى انْشَقَّت. يُقَالُ انْصَاخَ الثوبُ إِذَا انْشَقَّ مِنْ قِبَل نَفْسه. وألِفُها مُنْقَلبة عَنِ الْوَاوِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هنا لِأَجْلِ رِوايتها بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. ويُرْوى بِالسِّينِ. وَقَدْ تقدمَت. ولو قيل
__________
(1) انظر الصحاح (صأي) .
(2) زاد الهروي: «وقال الفراء: هو صَوِيب، مثل فَعْيل. وقال شَمِر: قال بعضهم: الصَّيِّب: الغيم ذو المطر. وقال الأخفش: هو المطر» .
(3/64)

إِنَّ الصَّادَ فِيهَا مُبْدَلة مِنَ السِّينِ لَمْ تَكُنِ الخاءُ غَلَطًا. يُقَالُ ساَخَ فِي الْأَرْضِ يَسُوخ ويَسِيخ إِذَا دَخَل فِيهَا.

(صَيِدَ)
قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «الصَّيْد» فِي الْحَدِيثِ اسْمًا وفِعْلاً ومصْدراً. يُقَالُ صَادَ يَصِيدُ صَيْداً، فَهُوَ صَائِد، ومَصِيد. وَقَدْ يقِع الصَّيْد عَلَى المَصِيد نَفْسِهِ، تَسْميةً بالمَصْدر. كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
قِيلَ: لَا يُقال للشَّيء صَيْدٌ حَتَّى يَكُونَ مُمْتَنِعا حَلالاً لَا مَالِكَ لَهُ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتادة «قَالَ لَهُ: أشَرْتم أَوْ أَصَدْتُمْ» يُقَالُ: أَصَدْتُ غَيْري إِذَا حَملتَه عَلَى الصَّيْد وأغْرَيْتَه بِهِ.
وَفِيهِ «إنَّا اصَّدْنَا حِمارَ وحْش» هَكَذَا رُوي بصَادٍ مُشدّدةٍ. وأصلُه اصْطَدْنَا، فقُلبت الطاءُ صَادًا وأُدْغمت، مِثْلَ اصَّبر، فِي اصْطَبر. وَأَصْلُ الطَّاء مُبَدلَةٌ مِنْ تَاءِ افْتَعل.
وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «قَالَ لِامْرَأَةٍ: إِنَّكِ كَتُونٌ لَفُوتٌ لَقُوفٌ صَيُودٌ» «1» أَرَادَ أَنَّهَا تَصِيدُ شَيْئًا مِنْ زَوْجها. وفَعُول مِنْ أبْنية المبُاَلغة.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنْتَ الذَّائدُ عَنْ حَوضي يومَ الْقِيَامَةِ، تَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالُ كَمَا يُذَادُ البعيرُ الصَّاد» يَعني الَّذي بِهِ الصَّيْد، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيب الإبلَ فِي رُؤسِها فتَسِيل أُنُوفها وترفَعُ رؤَسها، ولا تَقْدر أَنْ تَلْوِيَ مَعَهُ أعْناقها. يُقَالُ بَعيرٌ صَادٌ. أَيْ ذُو صَادٍ، كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ مَالٌ، وَيَوْمٌ رَاحٌ: أَيْ ذُو مالٍ وريحٍ. وَقِيلَ أصلُ صَاد: صَيِدٌ بِالْكَسْرِ، ويجوزُ أَنْ يُرْوَى: صادٍ بِالْكَسْرِ، عَلَى أَنَّهُ اسمُ فَاعِلٍ مِنَ الصَّدَى: العَطَش.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الأكْوع «قُلتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنِّي رجُل أَصِيدُ أَفأُصَلِّي فِي القَميص الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَم، وازْرُرْه عَلَيْكَ وَلَوْ بشَوْكة» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي رَقَبتِه عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُه الالتِفاتُ مَعَهَا. والمشهورُ «إنَّي رجلٌ أَصِيدُ» ، من الاصْطِيَاد.
__________
(1) في ا: «إنك كَتُون لَفُوت صَيُود» وفي اللسان: «كَنُون كَفُوت صَيود» والمثبت من الأصل، وهو موافق لرواية المصنف في (كتن، لفت، لقف) .
(3/65)

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ يَحْلف أنَّ ابْنَ صَيَّاد الدَّجَالُ» قَدِ اخْتَلف الناسُ فِيهِ كَثِيرًا، وَهُوَ رجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ أَوْ دَخيل فِيهِمْ، واسمُه صافُ، فِيمَا قِيلَ، وَكَانَ عِندَه شيءٌ مِنَ الكَهانة والسِّحر. وجُمْلة أمْره أَنَّهُ كَانَ فتْنةً امتَحَن اللَّهُ بِهِ عبادَه الْمُؤْمِنِينَ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْأَكْثَرِ. وَقِيلَ إِنَّهُ فُقِد يومَ الحَرّة فَلَمْ يَجدُوه.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(صَيِرَ)
(هـ) فِيهِ «مَنِ اطَّلع مِن صِيرِ بابٍ فَقَدْ دَمَرَ» الصِّيرُ: شِقّ الْبَابِ. ودَمَر: دَخَلَ (هـ) وَفِي حَدِيثِ عَرْضِه عَلَى القَبَائل «قَالَ لَهُ المُثَنَّى بْنُ حارِثة: إِنَّا نَزَلْنا بَيْن صِيرَيْنِ، الْيَمَامَةِ والسَّمَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا هذَانِ الصِّيرَانِ؟ فَقَالَ: مِيَاهُ العَرَب وأنْهَارُ كِسْرى» الصِّيرُ: الْمَاءُ الَّذِي يحضُرُه الناسُ، وَقَدْ صَارَ الْقَوْمُ يَصِيرُونَ إِذَا حَضَروا الْمَاءَ. ويُروى:
«بينَ صِيرَتَيْنِ» ، وَهِيَ فِعْلة مِنْهُ. ويُروى «بين صَرَيَيْنِ» ، تَثْنِية صَرًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(هـ) وَفِيهِ «مَا مِنْ أمَّتِي أحدٌ إلاَّ وَأَنَا أعْرِفه يومَ الْقِيَامَةِ، قَالُوا: وكيفَ تَعْرِفهم مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَائِقِ؟ قَالَ: أرأيتَ لَوْ دخلْتَ صِيرَةً فِيهَا خَيلٌ دُهْم وَفِيهَا فَرَسٌ أغَرُّ مُحَجَّلٌ أَمَا كُنْتَ تَعْرفه مِنْهَا؟» الصِّيرَة: حظيرةٌ تُتَّخذُ لِلدَّوَابِّ مِنَ الْحِجَارَةِ وأغْصان الشَّجَر. وجمعُها صِيَر. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ أَبُو عبيدٍ: صَيْرَة بِالْفَتْحِ، وَهُوَ غَلَطٌ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: ألاَ أعَلّمك كلماتٍ لَوْ قُلْتَهن وعليكَ مِثلُ صِيرٍ غُفِرَ لَكَ» هُوَ اسْمُ جبَل. ويُروى «صُور» ، بِالْوَاوِ.
(س) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ «إِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثلُ صِيرٍ دَيناً لَأَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ» ويُروى «صَبِير» . وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ مرَّ بِهِ رَجُلٌ مَعَهُ صِيرٌ فذَاقَ مِنْهُ» جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ الصَّحْناء، وَهِيَ الصَّحنْاة «1» قَالَ ابن دُرَيد: أحْسبُه سُرْيانِيّاً.
__________
(1) في اوالهروى بكسر الصاد المشددة. قال في القاموس (صحن) : والصَّحْنا والصَّحنْاة، ويُمدان ويكسران.
(3/66)

وَمِنْهُ حَدِيثُ المَعَاِفريّ «لَعَلَّ الصِّيرَ أحبُّ إِلَيْكَ مِنْ هَذَا» .
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ... وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
» أَيِ المَرْجِع. يُقال صِرْتُ إِلَى فُلان أَصِيرُ مَصِيراً، وَهُوَ شاذٌّ. والقياسُ مَصَاراً مَثْلَ، مَعَاش.

(صَيِصَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ ذكَر فِتْنَةً تَكُونُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بقَر» أَيْ قُرُونُها، واحدتُها صِيصِيَة، بِالتَّخْفِيفِ. شَبَّه الْفِتْنَةَ بِهَا لشِدَّتها وصُعُوبة الأمرِ فِيهَا. وكلُّ شَيْءٍ امْتُنع بِهِ وتُحصِّنَ بِهِ فَهُوَ صِيصِيَةٌ.
وَمِنْهُ قِيلٌ للحُصُون «الصَّيَاصِي» وَقِيلَ: شبَّه الرِّماح الَّتِي تُشْرَع فِي الفِتنة وَمَا يُشْبهها مِنْ سائِر السِّلَاحِ بقرُون بَقَر مُجْتَمِعَةٍ.
(س هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أصحابُ الدَّجال شَواربُهم كالصَّيَاصِي» يَعْنِي أَنَّهُمْ أطالُوها وفَتَلُوها حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا قُرُون بَقَرٍ. والصِّيصِيَّة أَيْضًا: الوَتِدُ «1» الَّذِي يُقْلع بِهِ التَّمرُ، والصّنَّارة الَّتِي يُغُزل بِهَا ويُنْسَج.
وَمِنْهُ حَدِيثُ حُميد بْنِ هِلَالٍ «أنَّ امْرأةً خرَجَت: فِي سَرِيةّ وتَركَتْ ثِنْتَي عشْرة عَنزاً لَهَا وصِيصِيَتَهَا الَّتِي كَانَتْ تَنْسِج بِهَا» .

(صَيِغَ)
(س) فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «رَميت بِكَذَا وَكَذَا صِيغَةً مِنْ كَثَبٍ فِي عَدُوِّك» يُرِيدُ سِهَاماً رَمَى بِهَا فِيهِ. يقالُ هَذِهِ سِهَامٌ صِيغَةٌ، أَيْ مُسْتَوية مِنْ عَمل رجُل واحِد. وأصلُها الواوُ فانْقَلبت يَاءً لكَسْرة مَا قَبْلَها. يُقَالُ هَذَا صَوْغُ هَذَا، إِذَا كَانَ عَلَى قَدْره، وهُمَا صَوْغَانِ: أَيْ سِيَّان. وَيُقَالُ صِيغَةُ الأمرِ كَذَا وَكَذَا: أَيْ هيْأتُه الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا وصَاغَهَا قائلهُ أَوْ فاعِلهُ.

(صَيِفَ)
(س هـ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاوَرَ أَبَا بَكْر يَوْمَ بَدْر فِي الأسْرَى، فتَكلَّم أَبُو بَكْرٍ فصَافَ عَنْهُ» أَيْ عَدَل بوجْهه عَنْهُ ليُشاوِرَ غَيْرَهُ. يُقَالُ صَافَ السَّهمُ يَصِيفُ، إِذَا عَدَل عَنِ الهَدَف.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «صَافَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَة» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عُبادة «أَنَّهُ صَلَّى فِي جُبَّة صَيِّفَة» أَيْ كثيرة الصُّوف. يقال صَافَ الكبشُ
__________
(1) فى الهروى: «الودّ» وهو والوتد بمعنى.
(3/67)

يَصُوفُ صَوْفاً فَهُوَ صَائِف وصَيِّف، إِذَا كَثُرَ صُوفُهُ. وبناءُ اللَّفْظَةِ: صَيْوِفَة، فقلبَت يَاءً وأُدْغِمت.
وَذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا لِظَاهِرِ لَفْظِها.
(س) وَفِي حَدِيثِ الكَلاَلة «حِينَ سُئِلَ عَنْهَا عُمَرُ فَقَالَ لَهُ: تَكْفيك آيةُ الصَّيْف» أَيِ الَّتِي نزَلَت فِي الصَّيْف. وَهِيَ الآيةُ الَّتِي فِي آخرِ سُورَةِ النِّسَاءِ. والتَّي فِي أَوَّلِهَا نزلَت فِي الشِّتاء.
(س) وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّون ... أفْلَحَ مَنْ كَان لَهُ رِبْعِيُّون
أَيْ وُلدُوا عَلَى الكِبَر: يُقَالُ أَصَافَ الرجلُ يُصِيفُ إِصَافَةً إِذَا لَمْ يُولدْ لَهُ حَتَّى يُسِنَّ ويكْبَر.
وَأولاُده صَيْفِيُّون. والرّبيعيّون الَّذِينَ وُلدُوا فِي حَدَاثَتِه وأوّلِ شَبَابه. وإنَّما قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يّكُن لَهُ فِي أبْنَائه مَنْ يُقلّده العَهْد بَعْدَهُ.
(3/68)

حرف الضاد

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْهَمْزَةِ

(ضَأْضَأَ)
(هـ) فِي حديث الخوارج «يَخْرج من ضِئْضِئِ هذا قومٌ يَقرَأون القرآنَ لَا يُجَاوزَ تَراقِيَهُم، يَمْرُقُون مِنَ الدِّين كَمَا يَمرُقُ السَّهم مِنَ الرَّمَيَّة» الضِّئْضِئُ: الأصل. يقال ضِئْضِئُ صدقٍ، وضُوضُؤُ صِدْقٍ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ ضِئْضِىءٌ، بوزنِ قِنديل، يُريد أَنَّهُ يخرُج مِنْ نَسْلِه وعَقِبه. وَرَوَاهُ بعضُهم بالصَّاد المُهملة. وَهُوَ بمَعْنَاهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَعْطيتُ نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فأردتُ أْن أَشْتَريَ مِنْ نَسْلِها، أَوْ قَالَ مِنْ ضِئْضِئِهَا، فسألَت النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: دَعْها حَتَّى تَجيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هِيَ وأولاُدها فِي ميزانِكَ» .

(ضَأَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «وَإِنَّهُ لَيَتَضَاءَلُ مِنْ خشْيِة اللَّهِ» وَفِي رِوَاية «لعَظَمة اللَّهِ» أَيْ يَتَصَاغَر تَوَاضُعاً لَهُ. وتَضَاءَلَ الشّيءُ إِذَا انْقبضَ وانْضَمَّ بعْضُه إِلَى بَعْض، فَهُوَ ضَئِيلٌ. والضَّئِيلُ: النَّحِيفُ الدَّقيق.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ قَالَ لِلْجِنِّيِّ: إِنِّي أَرَاكَ ضَئِيلًا شَخِيتًا» .
(س) وَحَدِيثُ الْأَحْنَفِ «إِنَّكَ لَضَئِيلٌ» أَيْ نَحِيفٌ ضعيفٌ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَأَنَ)
فِي حَدِيثِ شَقيق «مَثَل قُرَّاءِ هَذَا الزَّمانِ كمَثَل غنمٍ ضَوَائِنَ ذاتِ صُوفٍ عِجَاف» الضَّوَائِن: جمعُ ضَائِنَة، وَهِيَ الشاةُ مِنَ الغَنَم، خِلَافُ المَعَز.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْبَاءِ

(ضَبَأَ)
(هـ) فِيهِ «فضَبَأَ إِلَى نَاقَته» أَيْ لَزِق بِالْأَرْضِ يَسْتترُ بِهَا. يُقَالُ أَضْبَأْتُ إِلَيْهِ أَضْبَأ إِذَا لَجَأْتَ إِلَيْهِ. ويُقَال فيه أَضْبَأ يُضْبِئُ فهو مُضْبِئٌ.
(3/69)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَإِذَا هُو مُضْبِئٌ» .

(ضَبُبَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّ أعْرابيا أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ، فَقَالَ: إِنّي فِي غَائِطٍ مُضِبَّة» هَكَذَا جَاءَ فِي الرِّواية بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الضَّادِ، والمعْرُوف بفتحِهما. يُقَالُ أَضَبَّتْ أرضُ فُلان إِذَا كَثُرَ ضِبَابُهَا. وَهِيَ أرضٌ مَضَبَّة: أَيْ ذَاتُ ضِبَابٍ، مثْل مَأْسَدَة، ومَذْأَبَة، ومَرْبَعة: أَيْ ذَاتُ أُسُود وذئَاب ويَرَابيع. وَجَمْعُ المَضَبَّةِ: مَضَابّ، فأمَّا مُضِبَّة فَهِيَ اسمُ فَاعِلٍ مِنْ أَضَبَّتْ كأغدَّت، فَهِيَ مُغِدَّة، فَإِنْ صحَّت الرِّوَايَةُ فَهِيَ بِمَعْنَاهَا. ونَحْوٌ مِنْ هَذَا البِنَاء:
(س) الْحَدِيثُ الآخرُ: «لَمْ أَزَلْ مُضِبّاً بعدُ» هُوَ مِنَ الضَّبِّ: الغَضَبِ والحِقْدِ: أَيْ لَمْ أَزَلْ ذَا ضَبٍّ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ «كلٌّ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصاحِبه» .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «فغَضِب القاسِمُ وأَضَبَّ عَلَيْهَا» .
(س) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «فَلَمَّا أَضَبُّوا عَلَيْهِ» أَيْ أَكْثَرُوا. يُقَال: أَضَبُّوا، إِذَا تكلَّموا مُتَتَابعا، وَإِذَا نَهَضُوا فِي الأمْر جَمِيعًا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُفْضِي بيَدَيه إِلَى الأرضِ إِذَا سَجَد وَهُما تَضِبَّانِ دَماً» الضَّبُّ: دُون السَّيَلان، يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ الدمَ القَاطر نَاقِضًا للوُضوء. يُقَالُ ضَبَّتْ لثاتُهُ دَماً:
أَيْ قَطَرت.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا زَالَ مُضِبّاً مُذ اليَوْم» أَيْ إِذَا تَكَلَّمَ ضَبَّتْ لثاتُهُ دَماً.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «إِنَّ الضَّبَّ لَيَمُوتُ هُزَالًا فِي جُحْرِهِ بذنْب ابْنِ آدَمَ» أَيْ يُحبَس المَطَرُ عَنْهُ بشُؤْم ذُنُوبهم. وَإِنَّمَا خصَّ الضَّبّ لِأَنَّهُ أَطْوَلُ الحَيَوان نَفْساً، وأصْبَرُها عَلَى الجُوع.
ورُوي «الحُبَارَى» بَدَل الضَّبّ، لِأَنَّهَا أَبْعَدُ الطَّيْرِ نُجْعَةً.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ مُوسَى وشُعيب عَلَيْهِمَا السَّلَامُ «لَيْسَ فِيهَا ضَبُوبٌ وَلَا ثَعُول» الضَّبُوب:
الضَّيِّقَة ثقبُ الإحْليِل.
وَفِيهِ «كنتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَريق مكةَ، فأصابَتْنا ضَبَابَةٌ فرَّقَت بَيْنَ النَّاسِ» هِيَ البُخار المُتَصاعِدُ مِنَ الْأَرْضِ فِي يَوْمِ الدَّجْن، يَصِيرُ كالظُّلّة تَحجُبُ الْأَبْصَارَ لِظُلْمَتِهَا.
(3/70)

(ضَبَثَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ سُمَيْط «1» «أوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قُلْ للْملأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا يَدْعُوني والخَطايا بَيْنَ أَضْبَاثِهِمْ» أَيْ فِي قَبْضاتِهم. والضَّبْثَة: القَبْضَة: يُقَالُ ضَبَثْتُ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ: أَيْ هُمْ مُحْتَقِبُون للأَوْزار، مُحْتَمِلوها غَيْرُ مُقْلِعِين عَنْهَا.
ويُروى بالنُّون. وسَيذكَرُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ المغيرِة «فُضُلٌ ضَبَاثٌ» أي مُخْتالة «2» معْتَلِقة بكُلِّ شيءٍ مُمْسِكةٌ لَهُ. هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. والمشهورُ «مِئْنَاثٌ» : أَيْ تَلدُ الإناثَ.

(ضَبَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَا يَخْرُجَنَّ أحدُكم إِلَى ضَبْحَة بِلَيْلٍ- أَيْ صَيْحةٍ يسمَعُها- فلَعلَّه يُصِيبه مكرُوه» وَهُوَ مِنَ الضَّبَاحِ: صَوْت الثَّعْلَبِ، والصَّوت الَّذِي يُسْمع مِنْ جَوف الفَرَس. ويُروى «صَيْحة» بالصَّاد وَالْيَاءِ «3» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا. ضَبَحَ ضَبْحَةَ الثَّعْلَبِ وقَبَع قَبْعَةَ القُنْفُذ» .
(س) وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «إِنْ أُعْطِيَ مَدَح وضَبَحَ» أَيْ صَاحَ وَخَاصَمَ عَنْ مُعْطِيه.
وَفِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
فإنّيَ والضَّوَابِحِ «4» كُلَّ يومٍ هِيَ جمعُ ضَابِح، يريدُ القَسَمَ بِمن يَرْفع صَوْته بالقِرَاءة، وَهُوَ جمعٌ شاذٌ فِي صِفَة الآدَمِي كفَوارِس.

(ضَبِرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَهْلِ النَّارِ «يَخرجُون مِنَ النَّار ضَبَائِرَ ضَبَائِر» هُمُ الجماعَات فِي تَفْرِقَة، واحِدتها ضِبَارَة، مِثْلُ عِمارة وَعَمَائِرَ. وَكُلُّ مُجْتَمَعٍ: ضِبَارَة.
__________
(1) فى الأصل وا: «شميط» بالشين المعجمة، وأثبتناه بالسين المهملة من الهروى واللسان. وانظر أسد الغابة 2/ 357، الإصابة 1333.
(2) فى الأصل: «محتالة» بالحاء المهملة. وكتبناه بالمعجمة من اواللسان.
(3) الذى فى الهروى: «ضيحة، بالضاد والياء» ضبط قلم.
(4) سبقت بفتح الحاء فى ص 373، 516 من الجزء الثانى. وكذلك ضبطت فى اللسان.
(3/71)

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «فيخرُجُون ضِبَارَاتٍ ضِبَارَات» هُوَ جَمْعُ صِحَّة للضِّبَارَة، والأوّلُ جمعُ تَكْسِيرٍ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أتَتْه الْمَلَائِكَةُ بحَريرة فِيهَا مِسْك وَمِنْ ضَبَائِر الرَّيْحان» .
وَفِي حَدِيثِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وقَّاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «الضَّبْرُ ضَبْرُ البَلْقاء، والطعْنُ طعنُ أَبِي مِحْجَن» الضَّبْر: أَنْ يجْمع الفَرسُ قوائمَه ويثبَ. والبَلْقاءُ: فرَس سَعْد.
وَكَانَ سَعْد حبسَ أبَا مِحْجَن الثَّقَفي فِي شُرْب الخَمْر وَهمُ فِي قِتَال الفُرْس، فلمَّا كَانَ يومُ القَادِسيَّة رَأى أَبُو مِحْجَن مِنَ الفُرْس قُوّة، فَقَالَ لامْرَأة سَعْد: أطْلقِيني ولَكِ اللهُ عليَّ إِنْ سَلَّمني اللَّهُ أَنْ أرْجِع حَتَّى أضَعَ رِجْلي فِي القَيْد، فحلَّته فرَكِب فرَساً لِسَعْد يُقَالُ لَهَا البَلْقَاء، فَجَعَلَ لَا يَحْمِل عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ العَدُوِّ إِلَّا هَزَمَهم، ثُمَّ رجَع حَتَّى وَضَع رِجْليه فِي الْقَيْدِ، ووَفَى لَهَا بذمَّته. فلمَّا رَجَعَ سَعْد أَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ مِنْ أمْرِه، فَخَلَّى سَبِيله.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِي، وذَكر بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: «جَعل اللَّهُ جَوْزَهم الضَّبْر» هُوَ جَوْز البَرِّ.
وَفِيهِ «إنَّا لَا نَأمن أنْ يَأْتُوا بِضَبُورٍ» هِيَ الدّبَّابَاتُ الَّتِي تُقَرَّب إِلَى الحُصُون ليُنْقب مِنْ تحتِها، الواحِدَةُ ضَبْرَة «1» .

(ضَبَسَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ طَهْفَةَ «وَالْفَلُوُّ الضَّبِيس» الْفَلُوُّ: الْمُهْرُ، والضَّبِيس: الصَّعْبُ الْعَسِرُ. يُقَالُ رجلٌ ضَبِسٌ وضَبِيسٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ وَذَكَرَ الزُّبَيْرَ فَقَالَ: «ضَبِسٌ ضَرِسٌ» .

(ضَبَطَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ سُئل عَنْ الأَضْبَط» هُوَ الَّذِي يَعْمَل بيَدَيه جَمِيعًا، يَعْمل بيَسَارِه كَمَا يَعْمل بيَمِينه.
وَفِي الْحَدِيثِ «يَأْتِي عَلَى النَّاس زمانٌ وإنَّ البَعيرَ الضَّابِط والمزَادَتَين أحبُّ إِلَى الرجُل ممَّا يَملِك» الضَّابِط: القَويُّ عَلَى عَمله.
__________
(1) فى الهروى: «الواحد ضَبْر» وكذا في الفائق 2/ 278. وانظر القاموس (ضبر) .
(3/72)

[هـ] وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «سافَرَ ناسٌ مِنَ الأْنصار فأرْمَلُوا، فمرُّوا بحيٍّ مِنَ العَرَب فسألُوهم القِرَى فَلَمْ يَقْرُوهُم، وسألُوهم الشِّراء فَلَمْ يَبِيُعوهُم، فَتَضَبَّطُوهُم وأصَابوا مِنْهُمْ «1» » يُقَالُ تَضَبَّطْتُ فُلَانًا إِذَا أخَذْتَه عَلَى حَبْسٍ مِنْكَ لَهُ وقَهْرٍ.

(ضَبَعَ)
[هـ] فِيهِ «أنَّ رجُلا أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ أكَلتْنا الضَّبُع يَا رَسُولَ اللَّهِ» يَعْني السَّنَة المُجْدِبَة، وَهِيَ فِي الأصْل الحيوانُ المعروفُ. والعَرب تَكْنِي بِهِ عَنْ سَنة الجَدْب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «خَشِيُت أَنْ تَأكُلَهم الضَّبُع» .
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ مرَّ فِي حَجّه عَلَى امْرأةٍ مَعَهَا ابنٌ لَهَا صغيرٌ، فأخذَت بِضَبْعَيْهِ وَقَالَتْ:
ألِهذَا حجٌّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ولَكِ أجْرٌ» الضَّبْع بِسُكُونِ الْبَاءِ: وسَطُ العَضُد. وَقِيلَ هُوَ مَا تَحْت الإبْط.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ طَافَ مُضْطَبِعاً وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أخْضَرُ» هُوَ أنْ يَأْخُذَ الإزَارَ أَوِ البُرْدَ فيجعَلَ وسَطَه تَحْتَ إبْطِه الأيمَن، ويُلْقي طَرَفَيه عَلَى كَتِفه الأيسَر مِنْ جِهَتَيْ صَدْره وظَهْره. وسُمِّيَ بِذَلِكَ لإبْداءِ الضَّبْعَيْن. وَيُقَالُ للإبْط الضَّبْع، للمُجَاورة.
(س) وَفِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَفَاعَتِهِ فِي أَبِيهِ «فَيَمْسَخُه اللهُ ضِبْعَاناً أَمْدَرَ» الضِّبْعَانُ: ذَكَرُ الضِّبَاعِ.

(ضَبَنَ)
(هـ) فِيهِ «اللَّهُمّ إِنِّي أعُوذ بِكَ مِنَ الضُّبْنَة فِي السَّفَر» الضُّبْنَة والضِّبْنَة «2» :
مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ مالٍ وعيالٍ وَمَنْ تلزمُك نفقتُه. سُمُّوا ضُبْنَةً ضِبْنَةً، لأنَّهم فِي ضِبْنِ مَن يَعُولُهم. والضِّبْن:
مَا بَيْنَ الكَشْح والإبْطِ «3» . تَعوَّذَ باللهِ مِنْ كَثْرةِ العِيال فِي مَظِنَّة الحاجةِ وَهُوَ السَّفر. وَقِيلَ تَعَوَّذَ مِنْ صُحْبَةِ مَنْ لَا غَنَاءَ فِيهِ وَلَا كِفَاية مِنَ الرِّفاق، إِنَّمَا هُوَ كُلٌّ وعِيالٌ عَلَى مَنْ يُرَافِقه.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فدَعَا بميِضَأةٍ فَجَعَلَهَا فِي ضِبْنِهِ» أَيْ حِضْنِه. واضْطَبَنْتُ الشّيءَ إِذَا جَعَلَته فِي ضِبْنِكَ.
__________
(1) في الهروي: «فضبطوهم وأصابوا فيهم» .
(2) الضبنة، مثلثة الضاد، وضَبِنَة، كفَرِحَة. القاموس (ضبن) .
(3) عبارة الهروي: «الضبن: فوق الكشح ودون الإبْط، والحِضْر ما بينهما» .
(3/73)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «إنَّ الْكَعْبَةَ تَفِيءُ عَلَى دَارِ فُلَانٍ بالغَداة، وتَفِيُء [هِيَ] «1» عَلَى الْكَعْبَةِ بالعَشِيِّ. وَكَانَ يُقَالُ لَهَا رَضِيعَة الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: إنَّ دَارَكُمْ قَد ضَبَنَتِ الكعبةَ، وَلَا بُدَّ لِي مِنْ هدْمِها» أَيْ أَنَّهَا لمَّا صَارَت الْكَعْبَةُ فِي فَيْئِها بالعَشِيِّ كَانَتْ كَأَنَّهَا قَدْ ضَبَنَتْهَا، كَمَا يَحْمِل الإنسانُ الشَّيْءَ فِي ضِبْنِهِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «يَقُولُ القبرُ: يَا ابْنَ آدَمَ قَدْ حُذِّرْت ضِيقي ونَتْني وضِبْنِي» أَيْ جَنْبي وناحِيَتي. وَجَمْعُ الضِّبْن أَضْبَان.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سُمَيط «2» «لَا يدْعُوني والخَطايا بَيْنَ أَضْبَانِهِم» أَيْ يَحْملون الأوْزارَ عَلَى جُنُوبهم. وَيُرْوَى بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْجِيمِ

(ضَجِجَ)
(س) فِي حَدِيثِ حُذيفة «لَا يأتِي عَلَى الناسِ زمانٌ يَضِجُّونَ مِنْهُ إَّلا أرْدَفَهم اللهُ أمْراً يشْغَلهم عَنْهُ» الضَّجِيج: الصِّياحُ عِنْدَ المكرُوه والمشَقَّة والجزَع.

(ضَجَعَ)
فِيهِ «كَانَتْ ضِجْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَما حَشْوُها لِيفٌ» الضِّجْعَة بِالْكَسْرِ: مِنَ الاضْطِجَاعِ، وَهُوَ النَّوم، كالجِلسة مِنَ الجُلُوس، وَبِفَتْحِهَا المرَّةُ الواحدةُ. والمُرادُ مَا كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ، فيكونُ فِي الْكَلَامِ مُضَاف محذوفٌ، والتقديرُ: كَانَتْ ذاتُ ضِجْعَتِهِ، أوْ ذاتُ اضْطِجَاعِهِ فراشَ أَدَمٍ حَشْوُها لِيف.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «جَمع كُومَة مِنْ رَمْل وانْضَجَعَ عَلَيْهَا» هُوَ مُطَاوع أَضْجَعَهُ، نَحْوَ أزعَجَتُه فانْزعَج، وأطْلَقْتُه فانْطَلق. وانْفَعَل بَابُهُ الثُّلَاثِيُّ، وَإِنَّمَا جاءَ فِي الرُّباعي قَلِيلًا عَلَى إِنَابَةِ أَفْعَلَ مَنَاب فَعَلَ.

(ضَجَنَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِضَجْنَان» هُوَ موضعٌ أَوْ جبلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
__________
(1) سقطت من اواللسان، وهي في الأصل والهروي.
(2) انظر تعليقنا ص 71.
(3/74)

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْحَاءِ

(ضَحَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي خَيثمة «يكونُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضِّحِّ والرِّيح، وَأَنَا فِي الظِّل!» أَيْ يكونُ بارِزاً لِحَرِّ الشمسِ وهُبُوب الرِّياح. والضِّحّ بِالْكَسْرِ: ضَوْءُ الشمسِ إِذَا اسْتَمْكَن مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ كالقَمْراء للقَمر. هَكَذَا هُوَ أصلُ الْحَدِيثِ. وَمَعْنَاهُ.
وَذَكَرَهُ الهَروي فَقَالَ: أرَادَ كثرةَ الخَيل والجَيشِ. يُقَالُ جَاءَ فُلَانٌ بالضِّحِّ والرِّيح: أَيْ بِمَا طَلعت عَلَيْهِ الشَّمْسُ وهبَّت عَلَيْهِ «1» الريحُ، يعنُون المالَ الكثيرَ. هَكَذَا فَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ. والأوّلُ أَشْبَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَمِنَ الْأَوَّلِ الْحَدِيثُ «لَا يقعُدَنَّ أحدكُم بَيْنَ الضِّحِّ والظِّل فَإِنَّهُ مَقْعَدُ الشَّيْطَانِ» أَيْ يَكُونُ نِصْفه فِي الشَّمْسِ ونِصْفُه فِي الظِّل.
وَحَدِيثُ عيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ «لمَّا هاجَر أقسَمَت أمُّه بالله لا يظلّها ظِلٌّ وَلَا تزَال فِي الضِّحِّ والرِّيح حَتَّى يرْجِعَ إِلَيْهَا» .
(س) وَمِنَ الثَّانِي الْحَدِيثُ الْآخَرُ «لَوْ مَاتَ كَعْبٌ عَنِ الضِّحِّ وَالرِّيحِ لوَرِثه الزُّبير» أرادَ أَنَّهُ لوْ ماتَ عمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشمسُ وجَرَت عَلَيْهِ الرِّيح، كَنَى بِهِمَا عَنْ كَثْرة المالِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَ الزُّبَير وَبَيْنَ كَعْب بْنِ مالِك. ويُروى «عَنِ الضِّيح والرِّيح» . وَسَيَجِيءُ.

(ضَحْضَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ «وجَدْتُه فِي غَمَرات مِنَ النَّارِ فأخْرَجْتُه إِلَى ضَحْضَاحٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نارٍ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغَه» الضَّحْضَاح فِي الأصْل:
مارقّ مِنَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَا يبلُغ الكَعْبين، فاستَعارَه لِلنَّارِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمرو بْنِ الْعَاصِ يَصف عَمْر، قَالَ: «جانَب غَمْرتها، ومَشى ضَحْضَاحها وَمَا ابتَّلت قَدَماه» أَيْ لَمْ يتعلَّق مِنَ الدُّنْيَا بشَيءٍ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَحِكَ)
(هـ) فِيهِ «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى السّحابَ فَيَضْحَكُ أحْسَنَ الضَّحِك» جعل انجِلاَءَه
__________
(1) في الهروي: «به» .
(3/75)

عَنِ البَرْق ضَحِكاً، اسْتِعارة ومَجازاً، كَمَا يَفْتَرّ الضَّاحِك عَنِ الثّغْر. وَكَقَوْلِهِمْ ضَحِكَتِ الأرضُ، إِذَا أَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا وَزَهْرَتَهَا.
(هـ) وَفِيهِ «مَا أوْضَحُوا بضَاحِكَة» أَيْ مَا تبَسْمّوا. والضَّوَاحِك: الأسْنانُ الَّتِي تظهَر عِنْدَ التَّبَسُّم.

(ضَحَلَ)
(س) فِي كِتَابِهِ لأُكَيدِر «ولنَا الضَّاحِيةُ مِنَ الضَّحْل» الضَّحْل بِالسُّكُونِ:
القَليلُ مِنَ الماءِ. وقيلَ هُوَ الماءُ القريبُ الْمَكَانِ، وَبِالتَّحْرِيكِ مكانُ الضَّحْل. ويُروى «الضَّاحِية مِنَ البَعْل» . وَقَدْ تقدَّم فِي الْبَاءِ.

(ضَحَا)
(س) فِيهِ «إنَّ عَلَى كُلِّ أهلِ بيتٍ أَضْحَاةً كُلَّ عامٍ» أَيْ أُضْحِيَّة. وَفِيهَا أربعُ لُغَات: أُضْحِيَّة، وإِضْحِيَّة، وَالْجَمْعُ أَضَاحِيّ. وضَحِيَّة، وَالْجَمْعُ ضَحَايَا. وأَضْحَاة، والجمعُ أَضْحًى. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ سَلَمة بْنِ الأكْوع «بَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ نتَغَدَّى. والأصلُ فِيهِ أَنَّ العَرَب كَانُوا يَسيرُون فِي ظَعْنهم، فَإِذَا مَرُّوا ببُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فِيهَا كَلأٌَ وعُشْب قَالَ قائِلُهمْ: أَلَا ضَحُّوا رُوَيدا، أَيِ ارفُقُوا بِالْإِبِلِ، حَتَّى تَتَضَحَّى، أَيْ تَنَالَ مِنْ هَذَا المَرْعى، ثُمَّ وُضِعَت التَّضْحِيَة مَكَانَ الرِّفق لتَصِلَ الإبلُ إِلَى المنزلِ وَقَدْ شَبِعت، ثُمَّ اتُّسع فِيهِ حَتَّى قِيلَ لكُلّ مَنْ أَكَلَ فِي وَقْتِ الضُّحَى: هُوَ يَتَضَحَّى، أَيْ يأكُلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. كَمَا يُقَالُ يتغَدَّى ويتعشَّى فِي الغداءِ والعَشَاءِ. والضَّحَاء بِالْمَدِّ وَالْفَتْحِ: هُوَ إِذَا عَلت الشمسُ إِلَى رُبع السَّمَاءِ فَمَا بَعْدَهُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بِلَالٍ «فَلَقَدْ رأيتُهم يَتَروّحُون فِي الضَّحَاء» : أَيْ قَرِيباً مِنْ نِصفْ النهارِ، فَأَمَّا الضَّحْوَة فَهُوَ ارتفاعُ أوّلِ النهارِ. والضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ فَوْقَه، وَبِهِ سُمِّيت صلاةُ الضُّحَى. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «اضْحُوا بصلاةِ الضُّحَى» أَيْ صَلُّوها لوَقْتها وَلَا تُؤخِّروها إِلَى ارْتفاع الضُّحَى.
(3/76)

(هـ) وَمِنَ الْأَوَّلِ كِتَابُ علّيٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ «أَلَا ضَحِّ رُوَيداً «1» قَدْ بلَغْتَ المَدَى» أَيِ اصْبِر قَلِيلًا.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «فَإِذَا نَضَب عُمْره وضَحَا ظلُّه» أَيْ مَاتَ. يُقَال ضَحَا الظِّلُّ إِذَا صَارَ شَمْسًا، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْإِنْسَانِ شَمْسًا فَقَدْ بَطُلَ صاحبُه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ «اللهمُّ ضَاحَتْ بلادُنا واغْبَرَّت أرضُنا» أَيْ برَزَت لِلشَّمْسِ وَظَهَرَتْ لِعَدَمِ النَّبات فِيهَا. وَهِيَ فاعَلَت، مِنْ ضَحَى، مِثْلَ رَامت مِنْ رَمَى، وأصلُها: ضَاحَيَتْ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «رَأَى مُحْرِماً قَدِ استَظَلّ، فَقَالَ: أَضْحِ لِمَن أحْرَمْتَ لَهُ» أَيِ اظْهَرْ واعْتَزِل الكِنَّ والظِّلَّ، يُقَالُ ضَحَيْتُ لِلشَّمْسِ، وضَحِيتُ أَضْحَى فِيهِمَا إِذَا بَرَزْتَ لَهَا وظَهَرْت.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَرْوِيهِ المحدِّثُون «أَضْحِ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْحَاءِ «2» . وَإِنَّمَا هُوَ بِالْعَكْسِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «فَلَمْ يَرُعْني إِلَّا ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ضَحَا» أَيْ ظَهَر.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَلَنَا الضَّاحِيَة مِنَ البَعْل» أَيِ الظاهِرَة البارِزَة الَّتِي لَا حائِلَ دُونَهَا.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرِّ: إِنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الضَّاحِيَة» أَيِ الناحِية الْبَارِزَةِ.
(س) وَحَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ رَأَى عَمْرَو بْنَ حُريثٍ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى الشَّامِ، قَالَ:
أمَا إِنَّهَا ضَاحِيَة قَومِك» أي ناحِيَتُهم.
__________
(1) رواية الهروي: «ألا ضحِّ رويدا فكأن قد بلغت المدى» . وهي رواية الزمخشري أيضاً في الفائق 2/ 428.
(2) بعد هذا في الصحاح (ضحا) : من أضحيتُ. وقال الأصمعي: إنما هو «اضْحَ لمن أحرمتَ له» ، بكسر الألف وفتح الحاء، من ضَحِيتُ أَضْحَى، لإنه إنما أمره بالبروز للشمس، ومنه قوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى. اهـ واللفظة في الهروي: «إضْحَ» ، ضبط قلم.
(3/77)

وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «وضَاحِيَة مُضَرَ مُخَالِفُون لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ أهلُ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ. وجمعُ الضَّاحِيَة: ضَوَاحٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنس «قَالَ لَهُ: البَصْرَة إحْدَى المُؤتَفِكَات فانْزَل فِي ضَوَاحِيها» .
وَمِنْهُ قِيلَ «قُرَيْشٌ الضَّوَاحِي» أَيِ النازِلون بِظَوَاهِرِ مَكَّةَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرّ «فِي ليلةٍ إِضْحِيَانٍ» [أَيْ مُضِيئةٍ «1» ] مُقْمِرة. يُقَالُ ليلةٌ إِضْحِيَانٌ وإِضْحِيَانَةٌ «2» وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الرَّاءِ

(ضَرَأَ)
(س) في حديث معديكرب «مَشَوْا فِي الضَّرَاءِ» هُوَ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الشَّجَر المُلْتفُّ فِي الْوَادِي. وفُلانٌ يَمْشِي الضَّرَاء، إِذَا مَشَى مُسْتَخْفياً فِيمَا يُوَارَى مِنَ الشَّجَر. وَيُقَالُ للرَّجُل إِذَا خَتَل صَاحَبَهُ ومكَرَ بِهِ: هُوَ يَدِبُّ لَهُ الضَّرَاء وَيَمْشِي لَهُ الخَمَر «3» .
وَهَذِهِ اللفظةُ ذَكَرَهَا الْجَوْهَرِيُّ فِي المُعْتل، وَهُوَ بابُها، لِأَنَّ همزَتها مُنْقلبه عَنْ ألفٍ وَلَيْسَتْ أصْلية، وَأَبُو مُوسَى ذَكَرَهَا فِي الْهَمْزَةِ حَمْلا عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِها فإتَّبَعْناه.

(ضَرَبَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ «ضَرْبُ الأمثالِ» وَهُوَ إعْتِبارُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وتَمْثِيلُه بِهِ. والضَّرْب: المِثَالُ.
وَفِي صِفَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجال» هُوَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ الممشُوق المُسْتَدِقّ.
وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ، رَجْلُ الرأسِ» هُوَ مُفْتَعِل مِنَ الضَّرْب، والطاءُ بدلٌ من تاءِ الافتعال.
__________
(1) سقطت من اواللسان.
(2) زاد الهروي: «وضَحْيانَةٌ وضَحْياءُ، ويومٌ ضَحْيانٌ. قال: وهكذا جاء فى الحديث» .
(3) عبارة الجوهرى. «هو يمشي له الضَّرَاء ويَدِبُّ له الخَمَر» . الصحاح (ضرا) .
(3/78)

(س) وَمِنْهُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ «طُوَال ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ» .
(س) وَفِيهِ «لَا تُضْرَبُ أكْبادُ الْإِبِلِ إِلَّا إِلَى ثلاثةِ مَسَاجِدَ» أَيْ لَا تُرْكَب وَلَا يُسَار عَلَيْهَا. يُقَالُ ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ، إِذَا سافَرْتَ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «إِذَا كَانَ كَذَا ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بذَنَبِه» أَيْ أَسْرَعَ الذَّهَابَ فِي الْأَرْضِ فِراراً مِنَ الفِتَن.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهري «لَا تَصلُح مُضَارَبَةُ مَنْ طُعْمَتُهُ حَرَامٌ» المُضَارَبَة: أَنْ تُعْطِي مَالًا لِغَيْرِكَ يَتَّجِر فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ سهمٌ معلومٌ مِنَ الرِّبح، وَهِيَ مُفَاعَلة مِنَ الضَّرْب فِي الْأَرْضِ والسَّير فِيهَا لِلتِّجَارَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انطَلَق حَتَّى تَوَارى عنِّي فضَرَبَ الخلاءَ ثُمَّ جاءَ» يُقَالُ ذَهَبَ يَضْرِبُ الغائطَ. والخَلاءَ، والأرضَ، إِذَا ذَهَبَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَذْهَبُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَان الْغَائِطَ يَتَحَدَّثَانِ» .
وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضِرَاب الْجَمَلِ» هُوَ نَزْوُه عَلَى الأُنثى. وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ مَا يُؤخَذُ عَلَيْهِ مِنَ الأجْرة، لَا عَنْ نَفْسِ الضِّرَاب. وتقديرهُ: نَهَى عَنْ ثَمَن ضِرَاب الْجَمَلِ، كنَهْيِهِ عَنْ عَسْب الْفَحْلِ: أَيْ عَنْ ثَمَنِهِ. يُقَالُ: ضَرَبَ الجملُ النَّاقَةَ يَضْرِبُها إِذَا نَزَا عَلَيْهَا. وأَضْرَبَ فلانٌ نَاقَتَهُ:
أَيْ أنْزَى الْفَحْلَ عَلَيْهَا.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «ضِرَاب الْفَحْلِ مِنَ السُّحْت» أَيْ أَنَّهُ حَرَامٌ. وَهَذَا عامٌّ فِي كُلِّ فَحْلٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الحجَّام «كَمْ ضَرِيبَتُكَ؟» الضَّرِيبَة: مَا يُؤدِّي الْعَبْدُ إِلَى سيِّده مِنَ الخَراج الْمُقَرَّرِ عَلَيْهِ، وَهِيَ فَعِيلة بِمَعْنَى مَفْعُوله، وتُجمع عَلَى ضَرَائِب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِمَاءِ «اللَّاتِي كَانَ عَلَيْهِنَّ لِمَوَالِيهِنَّ ضَرَائِب» .
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُها فِي الْحَدِيثِ مُفرداً وَمَجْمُوعًا.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضَرْبَة الغائِص» هُوَ أَنْ يَقُولَ الْغَائِصُ فِي الْبَحْرِ للتَّاجر: أغُوصُ غَوْصَةً، فَمَا أخْرَجْتُه فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
(3/79)

(هـ) وَفِيهِ «ذاكرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالشَّجَرَةِ الخَضْراء وَسَط الشَّجَرِ الَّذِي تَحات مِنَ الضَّرِيب» هُوَ الجَليدُ.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّ المُسلم المُسَدِّد ليُدركُ دَرَجَةَ الصُّوامِ بِحُسْن ضَرِيبَتِهِ» أَيْ طَبِيعَته وسَجِيته.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ اضْطَرَبَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ» أَيْ أمَرَ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ وَيُصَاغَ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ الضَّرْب: الصِّيَاغَةُ، وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يَضْطَرِبُ بِنَاءً فِي المسجِد» أَيْ يَنصِبُهُ ويُقِيمهُ عَلَى أَوْتَادٍ مَضْرُوبَة فِي الأرضِ.
وَفِيهِ «حَتَّى ضَرَبَ الناسُ بِعَطَنٍ» أَيْ رَوِيت إبلُهُم حَتَّى بَرَكت وَأَقَامَتْ مَكَانَهَا.
وَفِيهِ «فضُرِبَ عَلَى آذَانِهم» هُوَ كنايةٌ عَنِ النَّوْمِ، وَمَعْنَاهُ حُجِب الصوتُ والحِسُّ أَنْ يَلِجَا آذانَهم فينتبِهوا، فَكَأَنَّهَا قَدْ ضُرِبَ عَلَيْهَا حِجَابٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «ضُرِبَ عَلَى أصمِخَتهم فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أحدٌ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فأرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِه» أَيْ أَعْقِدَ مَعَهُ البَيْع، لأنَّ مِنْ عَادَةِ المُتبَايعَين أَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ عِنْدَ عَقد التَّبايُع.
(س) وَفِيهِ «الصُّداع ضَرَبَانٌ فِي الصُّدغين» ضَرَبَ العرقُ ضَرَبَاناً وضَرْباً إِذَا تَحَرَّكَ بِقُوَّةٍ.
(س) وَفِيهِ «فضَرَبَ الدّهرُ مِنْ ضَرَبَانِهِ» وَيُرْوَى «مِنْ ضَرْبِهِ» أَيْ مَرَّ مِنْ مُرُورِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «عَتَبُوا عَلَى عُثْمَانَ ضَرْبَةَ السّوطِ والعَصا» أَيْ كَانَ مَنْ قَبْله يَضْرِب فِي الْعُقُوبَاتِ بالدِّرّة والنَّعل، فَخَالفهم.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «إِذَا ذَهَبَ هَذَا وضُرَبَاؤُهُ» هُمُ الْأَمْثَالُ والنُّظَرَاء، واحدهم: ضَرِيب.
(3/80)

(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «لأجزُرَنّك جَزْرَ الضَّرَب» هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ: «الْعَسَلُ الْأَبْيَضُ الْغَلِيظُ. وَيُرْوَى بِالصَّادِ، وَهُوَ العسلُ الأحمرُ.

(ضَرَجَ)
(س) فِيهِ «قَالَ: مرَّ بِي جَعْفَرٌ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُضَرَّج الْجَنَاحَيْنِ بالدَّم» أَيْ مُلَطَّخاً بِهِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وعليَّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَة» أَيْ لَيْسَ صِبغها بالمُشبَع.
(س) وَفِي كِتَابِهِ لِوَائِلٍ «وضَرَّجُوهُ بالأضامِيم» أَيْ دَمَّوْهُ بالضَّرْب. والضَّرْج:
الشَّقّ أَيْضًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ المَزَادَتين «تَكَادُ تَتَضَرَّجُ مِنَ المَلْءِ» أَيْ تَنْشَقُّ.

(ضَرَحَ)
(هـ) فِيهِ «الضُّرَاح بيتٌ فِي السَّماء حِيالَ الْكَعْبَةِ» وَيُرْوَى: «الضَّرِيح» ، وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، مِنَ المُضَارَحَة، وَهِيَ الْمُقَابَلَةُ والمُضارَعه. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَمُجَاهِدٍ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالصَّادِ فَقَدْ صحَّف.
وَفِي حَدِيثِ دَفْنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نُرْسِلُ إِلَى اللَّاحِدِ والضَّارِح فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْناهُ» الضَّارِح: هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ الضَّرِيح، وَهُوَ الْقَبْرُ، فعِيل بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، مِنَ الضَّرْح:
الشَّقِّ فِي الْأَرْضِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَطِيحٍ «أَوْفَى عَلَى الضَّرِيح» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَرُرَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الضَّارّ» هُوَ الَّذِي يَضُرُّ مَنْ يَشَاءُ مِن خَلْقِه، حَيْثُ هُوَ خالِقُ الْأَشْيَاءِ كُلِّها خَيْرِهَا وشرِّها وَنَفْعِهَا وضَرِّها.
(هـ) وَفِيهِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» الضَّرُّ: ضِدُّ النَّفْعِ، ضَرَّهُ يَضُرُّه ضَرّاً وضِرَاراً وأَضَرَّ بِهِ يُضِرُّ إِضْرَاراً. فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا ضَرَر: أَيْ لَا يَضُرُّ الرجلُ أَخَاهُ فَيَنْقُصَه شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ.
والضِّرَار: فِعال، مِنَ الضَّرّ: أَيْ لَا يُجَازِيهِ عَلَى إِضْرَاره بِإِدْخَالِ الضَّرَر عَلَيْهِ. والضَّرَر: فِعْلُ الْوَاحِدِ والضِّرَار: فِعْلُ الِاثْنَيْنِ، والضَّرَر: ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ، والضِّرَار: الْجَزَاءُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ الضَّرَر: مَا تَضُرُّ بِهِ
(3/81)

صَاحِبَكَ وَتَنْتَفِعُ بِهِ أَنْتَ، والضِّرَار: أَنْ تَضُرَّه مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَفِعَ بِهِ. وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى، وتَكرَارُهُما لِلتَّأْكِيدِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةَ بطَاعة اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يحضرهما الموت فيُضَارِرَانِ في الوصيّة، فتجب لها النارُ» المُضَارَرَة فِي الوصيةِ: أَنْ لَا تُمضَى، أَوْ يُنْقَصَ «1» بَعْضُهَا، أَوْ يُوصى لِغَيْرِ أَهْلِهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ السُّنَّة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الرُّؤْيَةِ «لَا تُضَارُّون فِي رُؤْيَتِهِ» يُروى بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، فَالتَّشْدِيدُ بِمَعْنَى لَا تَتَخَالفُون وَلَا تتجادلُون فِي صِحَّةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، لوضُوحه وظُهُوره. يُقَالُ ضَارَّه يُضَارُّه، مِثْلَ ضَرَّه يَضُرُّه.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «يُقَالُ أَضَرَّنِي «2» فلانٌ، إِذَا دَنَا مِنِّي دُنوَّاً شَدِيدًا» .
فَأَرَادَ بالمُضَارَّة الِاجْتِمَاعَ وَالِازْدِحَامَ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وأمَّا التَّخْفِيفُ فَهُوَ مِنَ الضَّيْر، لُغَةٌ فِي الضُّرّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ كَالْأَوَّلِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَضُرُّه أَنْ يَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ لَهُ» هَذِهِ كَلِمَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَرَبُ، ظاهرُها الْإِبَاحَةُ، وَمَعْنَاهَا الْحَضُّ والتَّرغيبُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاذٍ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فأَضَرَّ بِهِ غُصْنٌ [فَمَدَّهُ] «3» فَكَسَرَهُ» أَيْ دَنَا مِنْهُ دُنُوًّا شَدِيدًا فَآذَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ «فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَشْكُو ضَرَارَتَهُ» الضَّرَارَة هَاهُنَا: العَمَى. وَالرَّجُلُ ضَرِيرٌ، وَهُوَ مِنَ الضَّرّ: سُوءُ الْحَالِ.
وَفِيهِ «ابْتُلِينا بالضَّرَّاء فَصَبَرْنَا، وابتُلِينا بالسَّرَّاء فَلَمْ نَصْبِرْ» الضَّرَّاء: الْحَالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، وَهِيَ نَقِيضُ السّرّاء، وهما بنا آن لِلْمُؤَنَّثِ، وَلَا مُذَكَّرَ لَهُمَا، يُرِيدُ إِنَّا اختُبِرنا بِالْفَقْرِ والشِّدة وَالْعَذَابِ فَصَبَرْنَا عَلَيْهِ، فلمَّا جَاءَتْنَا السَّرَّاءُ، وَهِيَ الدُّنْيَا والسِّعه وَالرَّاحَةُ بطِرنا وَلَمْ نَصْبِرْ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ المُضْطَرِّ» هذا يكون من
__________
(1) في ا «يُنقض» بالضاد المعجمه.
(2) الذي في الصحاح (ضرر) : «أضرَّ بي» .
(3) من الهروي.
(3/82)

وَجْهَيْنِ: أحدُهما أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْعَقْدِ مِنْ طَرِيقِ الإكرَاه عَلَيْهِ، وَهَذَا بَيْعٌ فاسدٌ لَا يَنْعَقِدُ، وَالثَّانِي أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْبَيْعِ لِدَين رَكِبَه أَوْ مَؤُونَةٍ تَرهَقُهُ فَيَبِيعَ مَا فِي يَدِهِ بِالْوَكْسِ للضَّرُورة، وَهَذَا سَبِيلُهُ فِي حقِّ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ لَا يُبايَع عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ يُعان ويُقرض إِلَى الْمَيْسَرَةِ، أَوْ تُشترى سِلْعَتُهُ بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ عُقِد الْبَيْعُ مَعَ الضَّرورة عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صحَّ وَلَمْ يُفسَخ، مَعَ كَرَاهَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ. وَمَعْنَى الْبَيْعِ هَاهُنَا الشِّرَاءُ أَوِ المُبايَعَه، أَوْ قَبُولُ الْبَيْعِ. والمُضْطَرّ: مُفْتَعَلٌ مِنَ الضُّرِّ، وأصلُه مُضْتَرِرٌ، فأُدْغِمَت الراءُ وقُلِبَت التَّاء طاءً لأجْل الضاَّد.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «لَا تَبْتَعْ مِنْ مُضْطَرّ شَيْئًا» حَمله أَبُو عُبيد عَلَى المُكْرَه عَلَى البَيع، وَأَنْكَرَ حَمْلَه عَلَى المُحتَاج.
وَفِي حَدِيثِ سَمُرة «يَجْزِي مِنَ الضَّارُورة صَبُوح أَوْ غَبُوق» الضَّارُورة: لُغة فِي الضَّرُورة.
أَيْ إِنَّمَا يَحِل للمُضْطَرّ مِنَ المَيتَة أنْ يأكُلَ مِنْهَا مَا يسُدُّ الرَّمَق غَدَاء أَوْ عَشاء، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَع بَيْنهما.
وَفِي حديث عمرو بن مُرَّة «عند اعْتِكارِ الضَّرَائِر» الضَّرَائِر: الأمورُ المُخْتَلفة، كضَرَائر النِّسَاءِ لَا يَتَّفِقْنَ، واحدتها ضَرَّة.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد.
لَهُ بصريحٍ ضَرَّة الشَّاةِ مُزْبِد الضَّرَّة: أصْل الضَّرْع.

(ضَرِسَ)
فِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرى مِنْ رَجُلٍ فَرَساً كَانَ اسمُه الضَّرِس، فَسَمَّاهُ السَّكْبَ، وَأَوَّلُ مَا غَزَا عَلَيْهِ أُحُدا» الضَّرِس: الصَّعْبُ السَّيِّئُ الخُلُق.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الزُّبير: «هُوَ ضَبِسٌ ضَرِسٌ» يُقَالُ رجلٌ ضَرِسٌ وضَرِيسٌ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ عليٍّ «فَإِذَا فُزِعَ فُزِعَ إِلَى ضَرِسٍ حَدِيد» أَيْ صَعْب العَرِيكة قَوِيٍّ. ومَن رَواه بكَسْر الضَّاد وسُكُون الرَّاءِ فَهُوَ أحَدُ الضُّرُوس، وَهِيَ الْآكَامُ الخَشِنَة: أَيْ إِلَى جَبَل مِنْ حَدِيدٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «إِذَا فُزِع» : أَيْ فُزِع إِلَيْهِ والتُجِئَ، فحذِف الجَارُّ واسْتَتَر الضَّمير.
(3/83)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الآخَر «كَانَ مَا نَشاء مِنْ ضِرْسٍ قَاطِعٍ» أَيْ مَاضٍ فِي الأمُور نَافِذِ العَزيمة. يُقَالُ فُلان ضِرْسٌ مِنَ الأَضْرَاس: أَيْ دَاهية، وَهُوَ فِي الأصْل أحَدُ الأسْنان، فَاسْتَعَارَهُ لِذَلِكَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «لَا يَعَضُّ فِي العِلْم بِضِرْسٍ قاطِع» أَيْ لَمْ يُتْقِنه وَلَمْ يُحْكم الأُمُور.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَرِه الضَّرْس» هُوَ صَمْتُ يومٍ إِلَى اللَّيل. وأصلُه العَضُّ [الشَّدِيدُ] «1» بالأَضْرَاس. أخرجَه الهرَوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ وَهْبٍ «أَنَّ ولَدَ زِنًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَرَّب قُرْبَاناً فَلَمْ يُقْبَل، فَقَالَ:
يَا رَبِّ يأكُل أبَوَاي الحَمْضَ وأَضْرَسُ أَنَا! أنتَ أكرمُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَبِلَ قُرْبَانَه» الحَمْضُ: من مَرَاعي الإبل إذا رعاته ضَرِسَتْ أسنانُها. والضَّرَس- بِالتَّحْرِيكِ-: مَا يَعْرِضُ للأسْنَان مِنْ أكْل الشَّيء الحامِض. المَعنى: يُذْنب أبَوايَ وأُؤاخَذُ أَنَا بذَنْبهما.

(ضَرَطَ)
(س) فِيهِ «إِذَا نَادَى المُنَادِي بالصَّلاة أدْبَر الشيطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَهُ ضَرِيطٌ» يُقَالُ ضُرَاط وضَرِيط، كَنُهَاقٍ ونَهيِق.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أَنَّهُ دَخَل بيتَ الْمَالِ فأَضْرَطَ بِهِ» أَيِ اسْتَخَفَّ بِهِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فأَضْرَطَ بِالسَّائِلِ» أَيِ اسْتخَفَ َّبه وأنكَر قولهَ. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تكلَّم فُلان فأَضْرَطَ بِهِ فلانٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَع شَفَتيه ويُخْرج مِنْ بَيْنِهِمَا صَوتاً يُشْبه الضَّرْطَة، عَلَى سَبِيل الاْسِتْخفاف والاسْتِهْزاء.

(ضَرَعَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لولدَيْ جَعْفَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا لِي أرَاهُما ضَارِعَيْنِ؟ فَقَالُوا:
إنَّ العينَ تُسْرِع إِلَيْهِمَا» الضَّارِع: النَّحيف الضَّاوي الجْسم. يُقَالُ ضَرِعَ يَضْرَعُ فَهُوَ ضَارِع وضَرَعٌ، بالتَّحريك.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثِ قَيْس بْنِ عَاصِمٍ «إِنِّي لأُفْقِرُ البَكْرَ الضَّرَع والنَّابَ المُدْبِرَ» أَيْ أُعِيرُهُما للركُوب، يَعْني الجملَ الضعيفَ والناقةَ الهَرِمةَ.
__________
(1) من الهروى، والقاموس (ضرس) .
(3/84)

وَمِنْهُ حَدِيثُ المِقْداد «وَإِذَا فِيهما فَرَس آدمُ «1» ومُهْرٌ ضَرَعٌ» .
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «لستُ بالضَّرَع» .
(هـ) وَمِنْهُ قَوْلُ الحجَّاج لمسْلم بْنِ قُتيَبة «مَا لِي أرَاك ضَارع الجِسْم» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عَدِيّ «قَالَ لَهُ: لَا يَخْتَلِجَنّ فِي صَدْرك شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النّصْرانيَّة» المُضَارَعَة: المُشَابهةُ والمُقَاربةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ طَعَام النَّصارى، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: لَا يَتَحرّكنّ فِي قَلْبك شَكٌّ أَنَّ مَا شابَهْتَ فِيهِ النَّصارى حَرَام أَوْ خبيثٌ أَوْ مكْروه.
وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ اللَّامِ «2» ، ثُمَّ قَالَ: يَعْني أنه نَظيف. وسياق الحديث لا ينساب هَذَا التَّفْسير.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مَعْمَر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «إِنِّي أخافُ أَنْ تُضَارِعَ» أَيْ أخافُ أَنْ يُشْبِه فِعلُك الرِّياء «3» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ «لسْتُ بنُكَحَة طُلَقَة، وَلَا بسُبَبَة ضُرَعَة» أَيْ لسْت بِشَتَّامٍ للرِّجالِ المُشَابه لَهُمْ والمُسَاوي.
وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «خَرَجَ مُتَبَذِّلًا مُتَضَرِّعاً» التَّضَرُّع: التذلُّلّ والمُبالَغة فِي السُّؤال والرَّغْبة. يُقَالُ ضَرِعَ يَضْرَعُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وتَضَرَّعَ إِذَا خَضَع وذَلَّ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فقَد ضَرَعَ الكبيرُ ورَقَّ الصَّغير» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَضْرَعَ اللهُ خدودَكُم» أَيْ أذَلَّها. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَدْ ضَرِعَ بِهِ» أَيْ غَلَبه، كَذَا فسَّره الْهَرَوِيُّ، وَقَالَ «4» يُقَالُ: لفُلان فَرَس قَدْ ضَرَعَ بِهِ: أَيْ غَلَبه.
وَفِي حَدِيثِ أَهْلِ النَّارِ «فَيُغَاثُون بطَعَام مِنْ ضَرِيع» هُوَ نَبت بِالْحِجَازِ لَه شَوكٌ كِبَار.
وَيُقَالُ لَهُ الشِّبْرَق. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
__________
(1) في ا: «أَذَمُّ» والمثبت في الأصل واللسان.
(2) وأخرجه من حديث عليّ.
(3) في ا: «الرِّبا» والمثبت من الأصل واللسان.
(4) حكاية عن ابن شمَيل.
(3/85)

(ضَرْغَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ قُسٍّ «والأسَدُ الضَّرْغَام» : هُوَ الضَّارِي الشديدُ المِقْدَام مِنَ الأسُود.

(ضَرَكَ)
(س) فِي قِصَّةِ ذِي الرُّمَّة ورُؤْبة «عالةٍ ضَرَائِك» الضَّرَائِك: جَمْعُ ضَرِيك، وَهُوَ الْفَقِيرُ السَّيِّئُ الحالِ. وَقِيلَ الهَزِيلُ.

(ضَرَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَالَ قيسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: كَانَ يخرُج إليْنا وكأنَّ لِحْيَتَه ضِرَامُ عَرْفَجٍ» الضِّرَام: لهبُ النَّار، شُبِّهت بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يخَضِبُها بالحِنَّاء.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «وَاللَّهِ لَوَدَّ مُعاوية أَنَّهُ مَا بَقِيَ مِنْ بَنِي هاشمٍ نافخُ ضَرَمَةٍ» الضَّرَمَة بالتَّحريك: النارُ. وَهَذَا يُقَالُ عندَ المُبَالغة فِي الهَلاَك، لِأَنَّ الكبيرَ والصغيرَ يَنْفُخَان النارَ. وأَضْرَمَ النارَ إِذَا أوقَدَها.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الأُخْدُود «فأمرَ بالأخَادِيد وأَضْرَمَ فيها النّيرانَ» .

(ضرو)
(هـ) فِيهِ «أنَّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللَّهِ» هُوَ بِالْكَسْرِ جَمْعُ ضِرْو، وَهُوَ مِنَ السِّباع مَا ضَرِيَ بالصَّيد ولَهجَ بِهِ: أَيْ أنَّهم شُجْعَان، تَشْبِيهًا بالسِّباع الضَّارِيَة فِي شَجَاعَتِها. يُقَالُ ضَرِيَ بِالشَّيْءِ يَضْرَى ضَرًى وضَرَاوَة»
فَهُوَ ضَارٍ، إِذَا اعْتَاده.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ ضَرَاوَة» أَيْ عَادةً ولَهجاً بِهِ لَا يُصْبَر عَنْهُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «إنَّ لِلَّحم ضَرَاوَة كضَرَاوَة الخَمْرِ» أَيْ أنَّ لَهُ عَادَةً يَنْزَعُ إِلَيْهَا كَعاَدة الخَمْرِ. وَقَالَ الأْزَهري: أرادَ أنَّ لَهُ عَادَةً طَلاَبةً لِأَكْلِهِ، كعادةِ الَخْمر مَعَ شَارِبها، ومَن اعْتَادَ الْخَمْرَ وشَرِبَها أسْرَف فِي النَّفَقة وَلَمْ يَتْركْهَا، وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَاد اللَّحم لَمْ يكَد يصْبر عَنْهُ، فدخَل فِي دَأْب المُسْرف فِي نَفَقته.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنِ اقْتَنى كَلْبا إلاَّ كَلْبَ ماشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ» أَيْ كَلْبا مُعوَّدا بالصَّيد. يُقَالُ ضَرِيَ الكَلْب وأَضْرَاه صَاحِبُه: أَيْ عَوّده وأغْراه بِهِ، ويُجْمع عَلَى ضَوَارٍ. والمواشي الضَّارِيَة:
المعادة لرَعْي زُرُوع الناس.
__________
(1) زاد الهروي: «وضَراءً» .
(3/86)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أَنَّهُ نهىَ عَنِ الشُّرب فِي الإَناِء الضَّارِي، هُوَ الَّذِي ضُرِّيَ بالخمرِ وعُوّد بِهَا «1» ، فَإِذَا جُعِل فِيهِ العَصِير صَارَ مُسْكِرًا. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْإِنَاءُ الضَّارِي هَاهُنَا هُوَ السَّائل:
أَيْ أَنَّهُ يُنَغِّص الشُّرْبَ عَلَى شَارِبِهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ «أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ رجُل بِهِ ضِرْو مِنْ جُذَامٍ» يُرْوى بِالْكَسْرِ والفَتْح، فالكسرُ يُرِيدُ أَنَّهُ دَاءٌ قَدْ ضَرِيَ بِهِ لَا يُفَارِقُه، والفتحُ مِنْ ضَرَا الجرحُ يَضْرُو ضَرْواً إِذَا لَمْ ينْقَطِع سَيَلانه: أَيْ بِهِ قُرْحة ذاتُ ضَرْوٍ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «يَمشون الخَفَاء ويَدِبُّونَ الضَّرَاء» هُوَ بِالْفَتْحِ وَتَخْفِيفِ الرَّاء والمدِّ: الشجرُ المُلْتَفُّ، يُريد بِهِ المكْرَ والخَديعة. وَقَدْ تقدَّم مِثْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا موضِعَه.
وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ الحِمَى- حِمَى ضَرِيَّةَ- عَلَى عَهْدِه ستّةَ أميالٍ» ضَرِيَّةُ:
امرأةٌ سُمِّي بِهَا الموضعُ، وَهُوَ بِأَرْضِ نَجْدٍ.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الزَّايِ

(ضَزَنَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «بَعَث بعامِلٍ ثُمَّ عَزَله فانْصَرف إِلَى مَنْزله بلاَ شَيءٍ، فَقاَلت لَهُ امْرَأتُه: أَيْنَ مَرَافِقُ العَمَل؟ فَقَالَ لَهَا: كَانَ مَعِي ضَيْزَنَانِ يحفظَانِ ويعْلَمان» يَعْنِي المَلَكَين الكَاتِبَين. الضَّيْزَنُ: الحافظُ الثِّقة، أرْضَى أهلَه بِهَذَا القَول، وعرَّض بالمَلكَين، وَهُوَ مِن مَعارِيضِ الْكَلَامِ وَمَحَاسِنِهِ، وَالْيَاءُ فِي الضَّيْزَن زَائِدَةٌ «2» .

بَابُ الضَّادِ مَعَ الطَّاءِ

(ضَطَرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الضَّيَاطِرَة» هُمُ الضِّخَام الَّذِينَ لَا غَنَاء عِنْدَهُمْ، الواحدُ ضَيْطَار. والياءُ زائدةٌ.

(ضَطْرَدَ)
فِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ «إِذَا كَانَ عِنْدَ اضْطِرَاد الْخَيْلِ وَعِنْدَ سَلِّ السُّيُوفِ أَجْزَأَ
__________
(1) في ا: «وعُوِّدها» . وأثبتنا ما في الأصل واللسان.
(2) قال الهروي: والضيزن في غيره: الذي يتزوج امرأة أبيه بعد موته.
(3/87)

الرجلَ أَنْ تَكُونَ صلاتُه تَكْبِيرًا» الاضْطِرَاد هُوَ الاطِّراد: وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ طِرَادِ الْخَيْلِ، وَهُوَ عَدْوُها وتتَابُعُها، فَقُلِبَتْ تَاءُ الافتِعَالِ طَاءً، ثُمَّ قُلِبَتِ الطاءُ الأصْليةُ ضَاداً. ومَوضعُه حرفُ الطَّاء، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لأْجِل لَفْظِه.

(ضَطَمَ)
فِيهِ «كَانَ نَبيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اضْطَمَّ عَلَيْهِ النَّاسُ أَعْنَقَ» أَيْ إِذَا ازْدَحَمُوا. وَهُوَ افتَعَل مِنَ الضَّمّ، فَقُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لِأَجْلِ الضَّادِ. ومَوضِعه فِي الضَّادِ وَالْمِيمِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لأجْل لَفْظِه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَدَنا الناسُ واضْطَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» .

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْعَيْنِ

(ضَعْضَعَ)
فِيهِ «مَا تَضَعْضَعَ امْرُؤ لآخَر يُريدُ بِهِ عَرَض الدُّنْيَا إِلَّا ذَهَب ثُلُثا دِينِه» أَيْ خَضَع وذَلّ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي إِحْدَى الرّوايَتَين «قَدْ تَضَعْضَع بِهِمُ الدَّهر فأصْبَحوا فِي ظُلُمات القُبُور» أَيْ أَذَلَّهُمْ.

(ضَعُفَ)
(هـ) فض حَدِيثِ خَيْبَرَ «1» «مَنْ كَانَ مُضْعِفاً فَلْيرْجِع» أَيْ مَنْ كَانَتْ دَابَّتُه ضَعِيفَة. يُقَالُ: أَضْعَفَ الرجُل فَهُوَ مُضْعِف، إِذَا ضَعُفَتْ دابَّته.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «المُضْعِف أميرٌ عَلَى أَصْحَابِهِ» يَعْنِي فِي السَّفَرِ: أَيْ أنَّهم يَسِيُرون بسَيره.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الضَّعِيفُ أميرُ الرَّكْب» .
(س) وَفِي حَدِيثِ أهْل الْجَنَّةِ «كُلُّ ضَعِيف مُتَضَعَّف» يُقَالُ تَضَعَّفْتُهُ واسْتَضْعَفْتُهُ بِمَعْنًى، كَمَا يُقَالُ تَيَقَّن واسْتَيْقَن. يُرِيدُ الَّذِي يَتَضَعَّفُهُ النَّاسُ ويَتَجَبَّرون عَلَيْهِ فِي الدُّنيا للفَقْر ورَثَاثةِ الحال.
__________
(1) جعله الهروي من حديث حنين.
(3/88)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجَنَّةِ «ماَ لِي لَا يدْخُلُني إِلَّا الضُّعَفَاء» قِيلَ هُمُ الَّذين يُبَرِّئُون أنفُسَهم مِنَ الحَوْل والقُوّة.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «اتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْن» يَعْنِي المرأةَ والممْلُوكَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «فتَضَعَّفْتُ رجُلا» أَيِ اسْتَضْعَفْتُهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «غَلَبَني أهلُ الكُوفة، أَسْتَعْمِل عَلَيْهِمُ المُؤْمنَ فَيُضَعَفَّ، وأسْتَعْمِل عَلَيْهِمُ القَوِيَّ فيُفَجَّرُ» .
[هـ] وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّحْدَاحِ:
إِلَّا رَجَاءَ الضِّعْف فِي المَعادِ أَيْ مِثْلَيِ الأجْرِ، يُقَالُ: إِنْ أعْطَيْتَني دِرْهماً فَلكَ ضِعْفُهُ: أَيْ دِرْهمان، ورُبما قَالُوا فَلكَ ضِعْفَاه.
وَقِيلَ ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُه، وضِعْفَاه مِثْلاَه. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الضِّعْف فِي كلامِ العَرَب: المِثْلُ فَمَا زادَ.
وَلَيْسَ بمقْصُور عَلَى مِثلين، فَأَقَلُّ الضِّعْف مَحْصورٌ فِي الواحِد، وأكثرُه غيرُ محْصُور.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَضْعُفُ صلاةُ الجماعةِ عَلَى صلاةِ الفَذِّ خَمْسًا وعِشْرين درَجة» أَيْ تَزِيدُ عَلَيْهَا. يُقَالُ ضَعُفَ الشيءُ يَضْعُفُ إِذَا زَادَ، وضَعَّفْتُهُ وأَضْعَفْتُهُ وضَاعَفْتُهُ بمعْنَى.

(ضَعَةَ)
فِيهِ ذِكْرُ «الضَّعَة» وَهِيَ الذُّل وَالْهَوَانُ والدَّناءةُ، وَقَدْ وَضُعَ ضَعَةً فَهُوَ وَضِيع، والهاءُ فِيهِ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ المحْذُوفة. وَقَدْ تُكْسر الضَّاد.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْغَيْنِ

(ضَغْبَسَ)
(هـ) فِيهِ «أنَّ صَفْواَن بْنَ أُمَيَّة أهْدى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَغَابِيس وجَدايَة» هِيَ صِغَار القِثَّاء «1» ، وَاحِدُهَا ضُغْبُوس. وَقِيلَ هِيَ نَبْتٌ يَنْبتُ فِي أصوُل الثُّمام يُشْبه الهِلْيَوْنَ يُسلَق بالخَلِّ والزيت ويؤكل.
__________
(1) عبارة الهروي: «هي شبه صغار القثّاء» .
(3/89)

(هـ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا بَأسَ باجْتِناء الضَّغَابِيس فِي الَحْرَم» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَغَثَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ زِمْل «فَمِنْهُمُ الآخِذُ الضِّغْث» الضِّغْث: مِلءُ اليَدِ مِنَ الحَشِيشِ المختاط. وَقِيلَ الحُزْمة مِنْهُ وَمِمَّا أشْبَهَه مِنَ البُقُول، أرادَ: وَمِنْهُمْ مَن نَالَ مِنَ الدُّنيا شَيْئًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الأكْوَع «فأخذْتُ سلاحَهُم فجعَلْته ضِغْثاً» أَيْ حُزْمة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي مَسْجِد الكُوفَة «فِيهِ ثلاثُ أعْيُن أنْبتَتْ بالضِّغْث» يُريد بِهِ الضِّغْثَ الَّذِي ضَرَب بِهِ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ زَوْجَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «لأَنْ يَمْشِيَ مَعِي ضِغْثَانِ مِنْ نارٍ أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ يَسْعى غُلامي خَلْفي» أَيْ حُزْمتان مِنْ حَطَب، فَاسْتَعَارَهُمَا للنَّار، يَعْنِي أنَّهما قَدِ اشْتَعَلَتَا وصارَتَا نَاراً.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «اللَّهُمَّ إنْ كتبتَ عليَّ إثْما أَوْ ضِغْثاً فامْحُه عَنِّي» أرادَ عَمَلا مُخْتَلِطاً غَيْرَ خالِصٍ. مِنْ ضَغَثَ الحديثَ إِذَا خَلَطَه، فَهُوَ فِعْل بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَمِنْهُ قِيلَ للأحْلام المُلْتبِسة أَضْغَاث.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَضْغَثُ رأسَها» الضِّغْث: مُعالَجة شعر الرس بِالْيَدِ عِندَ الغَسْلِ، كَأَنَّهَا تَخْلِط بعضَه بَبْعض، ليدخُلَ فِيهِ الغَسُول وَالْمَاءُ.

(ضَغَطَ)
(س) فِيهِ «لتُضْغَطُنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ» أَيْ تُزْحَمُون. يُقَالُ ضَغَطَهُ يَضْغَطُهُ ضَغْطاً: إِذَا عَصَرَه وضَيَّق عَلَيْهِ وقَهَرَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الحُدَيبية «لَا تَتَحدَّث الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنا ضُغْطَةً» أَيْ عَصْراً وقَهْراً. يُقَالُ أخَذْتُ فُلَانًا ضُغْطَة بالضَّم، إِذَا ضَيَّقْتَ عَلَيْهِ لتُكْرِهَه عَلَى الشَّيْء.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَشْتَرِيَنَّ أحدُكم مالَ امْرئٍ فِي ضُغْطَة مِنْ سُلْطَانٍ» أَيْ قَهْر.
(3/90)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَجوزُ الضُّغْطَة» قِيلَ هِيَ أَنْ تُصالح مَن لَكَ عَلَيْهِ مالٌ عَلَى بَعْضِه ثُمَّ تَجِد الْبَيِّنَةَ فتأخُذَه بِجَمِيعِ المالِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ شُرَيح «كَانَ لَا يُجِيزُ الاضْطِهادَ والضُّغْطَة» وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَمْطُل الغَريم بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّين حَتَّى يَضْجَر [بِهِ] «1» صاحِبُ الحقِّ، ثُمَّ يَقُولَ لَهُ: أتَدَعُ مِنْهُ كَذَا وَتَأْخُذُ الباقِي مُعجَّلا؟ فيرْضى بِذَلِكَ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يُعْتق الرجلُ مِنْ عَبْده مَا شَاءَ، إِنْ شاءَ ثُلُثاً، وَإِنْ شاءَ ُربعا، وَإِنْ شَاءَ خُمساً لَيْسَ بينَه وَبَيْنَ اللَّهِ ضُغْطَة» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاذٍ «لَّما رجَع عَنِ الْعَمَلِ قَالَتْ لَهُ امرأتُه: أَيْنَ مَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ:
كَانَ مَعِي ضَاغِط» أَيْ أمِين حافِظٌ، يَعْني اللَّهَ تَعَالَى المُطَّلعَ عَلَى سَراِئر العِبادِ، فأوْهَم امْرأتَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَه مَنْ يَحْفَظُه ويُضيِّق عَلَيْهِ ويَمْنعه عَنِ الأخْذ، ليُرْضِيَها بِذَلِكَ.

(ضَغِمَ)
[هـ] فِي حَدِيثِ عُتْبة بْنِ عَبْدِ العُزَّى «فعدَا عَلَيْهِ الْأَسَدُ فأخذَ برَأسه فضَغَمَهُ ضَغْمَة» الضَّغْم: العَضُّ الشديدُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْأَسَدُ ضَيْغَماً، بِزِيَادَةِ الياءِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمر والعَجوز «أعاذَكُم اللَّهُ مِنْ جَرْح الدَّهر وضَغْمِ الفَقْر» أَيْ عَضِّه.

(ضَغَنَ)
فِيهِ «فَتَكُونُ دِماء «2» فِي عَمْيَاء فِي غَير ضَغِينَة وحَمْلِ سِلَاحٍ» الضِّغْن: الحِقْد والعَدَاوة والبَغْضَاء، وَكَذَلِكَ الضَّغِينَة، وجَمْعُها الضَّغَائِن.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْعَبَّاسِ «إنَّا لنَعْرِف الضَّغَائِن فِي وُجُوه أَقْوَامٍ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أيُّما قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُل بِحَدٍّ وَلَمْ يَكُن بِحضْرة صاحِب
__________
(1) زيادة من ا.
(2) في الأصل: «فيكون دماء ... » وفي ا: «فيكون دما ... » وفي اللسان: «فتكون دماء ... » والحديث أخرجه ابن حنبل في مسنده، 2/ 217 من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص بلفظ: «فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح» . وأبو داود في سننه ... (باب ديات الأعضاء، من كتاب الديات) 2/ 165. ولفظه «فيكون دما في عميا في غير ضغينة ولا حمل سلاح» .
(3/91)

الحدِّ فإنَّما شَهِدوا عَنْ ضِغْنٍ» أَيْ حِقْد وعَدَاوة، يريدُ فِيمَا كَانَ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ العبادِ كالزِّنا والشرُّبْ وَنَحْوِهِمَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو «الرَّجُلُ يكونُ فِي دابَّته الضِّغْن فيُقَوِّمُها جُهدْهَُ، ويكونُ فِي نفْسه الضِّغْن فَلَا يُقَوِّمُها» الضِّغْن فِي الدَّابة: هُوَ أَنْ تَكُونَ عَسِرَة الاْنِقياد.

(ضَغَا)
فِيهِ «أنَّه قَالَ لعائِشَة عَنْ أوْلاد المُشْركين: إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسْمِعَك تَضَاغِيهِم فِي النَّارِ» أَيْ صِياحَهم وبُكاءهم. يُقَالُ ضَغَا يَضْغُو ضَغْواً وضُغَاءً إِذَا صَاح وضَجَّ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ولكِنِّي أُكْرِمُك أَنْ تَضْغُو هَؤُلَاءِ الصّبيةُ عِنْدَ رَأْسِكَ بُكْرةً وعَشِياً» .
(هـ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «وصِبْيتي يَتَضَاغَوْنَ حَولي» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيفة فِي قصَّة قَوْم لُوط «فألْوَى بِهَا حَتَّى سَمِع أهلُ السَّماء ضُغَاءَ كِلاَبِهم» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «حَتَّى سَمِعت الْمَلَائِكَةُ ضَوَاغِيَ كِلاَبها» جمعُ ضَاغِيَة وَهِيَ الصَّائحة.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْفَاءِ

(ضَفِرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «إنَّ طَلْحَةَ نَازَعه فِي ضَفِيرَة كَانَ عليٌّ ضَفَرَهَا فِي وادٍ» الضَّفِيرَة: مِثْلُ المُسَنَّأة المُسْتَطيلة المعْمُولة بِالْخَشَبِ والحجارَة، وضَفْرُهَا عَمَلُها، مِنَ الضَّفْر وَهُوَ النَّسْجُ.
وَمِنْهُ ضَفْرُ الشَّعَر وإدْخال بعْضه فِي بَعْضٍ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «فقامَ عَلَى ضَفِيرَة السُّدَّة» وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «وأشارَ بِيَدِهِ وَرَاء الضَّفِيرَة» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ «إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْر رَأسي» أَيْ تَعْملُ شَعرها ضَفَائِر، وَهِيَ الذوائبُ المَضْفُورَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «مَن عَقَصَ أَوْ ضَفَرَ فَعَليه الحلْقُ» يَعْنِي فِي الْحَجِّ.
(3/92)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّخَعِيّ «الضَّافِر والمُلَبِّد والمُجِّمر عَلَيْهِمُ الحَلْق» .
(س) وَحَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أنَّه غَرَز ضَفْرَهُ فِي قَفَاه» أَيْ غَرَزَ طَرَفَ ضَفِيرَتِهِ فِي أصْلها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» أَيْ حَبْل مَفتول مِنْ شَعَر، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «مَا جَزَر عَنْهُ الماءُ فِي ضَفِير «1» البحْر فكُله» أَيْ شَطِّه وَجَانِبِهِ.
وَهُوَ الضَّفِيرَة أَيْضًا.
(هـ) وَفِيهِ «مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَموتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجع إِلَيْكُمْ وَلَا تُضَافِرَ الدُّنيا، إلاَّ الْقَتِيلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُحِب أَنْ يرجِعَ فيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى» المُضَافَرَة:
المُعاودَة والمُلاَبسة: أَيْ لَا يُحِب مُعاودَة الدُّنيا ومُلاَبَسَتَها إلاَّ الشَّهيدُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «هُوَ عِنْدِي مُفَاعَلَةٌ، مِنَ الضَّفْزِ «2» ، وَهُوَ الطَّفْرُ «3» والوثوبُ فِي العَدْو. أَيْ لَا يَطْمَح إِلَى الدُّنْيَا وَلَا يَنْزُو إِلَى العَوْد إِلَيْهَا إِلَّا هُوَ» .
ذكَرَه الْهَرَوِيُّ بِالرَّاءِ، وَقَالَ: المُضَافَرَة بِالضَّادِ وَالرَّاءِ: التَّألُّبُ. وَقَدْ تَضَافَرَ القومُ وتظَافَرُوا، إِذَا تَأَلَّبُوا.
وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ، لَكِنَّهُ جَعَل اشتِقَاَقَه مِنَ الضَّفز «4» ، وَهُوَ الطَّفْر والقَفْز، وَذَلِكَ بِالزَّايِ، وَلَعَلَّهُ يُقَالُ بِالرَّاءِ وَالزَّايِ، فإنَّ الْجَوْهَرِيَّ قَالَ فِي حَرْفِ الراءِ: «والضَّفْر: السَّعْي. وَقَدْ ضَفَرَ يَضْفِرُ ضَفْراً» والأشْبَه بِمَا ذهب إليه الزمخشري أنه بالزاي.
__________
(1) فى ا: «وضفير البحر» وفي الهروي: «من ضَفِير البحر» وما أثبتناه من الأصل واللسان، والفائق 2/ 67.
(2) هكذا ينقل المصنف عن الزمخشرى أنه بالزّاي، ولم نجده في الفائق 2/ 66 إلا بالراء. ولم يضبطه الزمخشري بالعبارة.
(3) عبارة الزمخشري: «وهو الأفر» . والافر: العدو.
(4) هكذا ينقل المصنف عن الزمخشرى أنه بالزّاي، ولم نجده في الفائق 2/ 66 إلا بالراء. ولم يضبطه الزمخشرى بالعبارة.
(3/93)

(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مُضَافَرَة الْقَوْمِ» أَيْ مُعَاونَتُهم. وَهَذَا بِالرَّاءِ لَا شكَّ فِيهِ.

(ضَفَزَ)
[هـ] فِيهِ «مَلْعُونٌ كُلُّ ضَفَّاز» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ النَّمّام.
(هـ) وفي حديث الرؤيا «فيضفرونه فِي فِي أحَدِهم» أَيْ يَدْفَعُونه فِيهِ ويلِقمُونه إيَّاه.
يُقَالُ ضَفَزْتُ البعيرَ إِذَا عَلَفْتَه الضَّفَائِزَ، وَهِيَ اللُّقَمُ الْكِبَارُ، الْوَاحِدَةُ ضَفِيزَة. والضَّفِيز: شَعِير يُجْرَش وتُعْلَفُه الْإِبِلُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ مَرَّ بِوَادِي ثمُودَ، فَقَالَ: مَنِ اعْتجَن بِمَائِهِ فليَضْفِزْهُ بعيرَه» أَيْ يُلْقِمْه إيَّاه.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَالَ لِعَلِيٍّ: ألاَ إنَّ قَوْمًا يزعُمُون أَنَّهُمْ يُحِبونَك، يُضْفَزُون الإسلامَ ثُمَّ يَلْفِظُونه، قَالَهَا ثَلَاثًا» : أَيْ يُلَقَّنُونه ثُمَّ يترُكُونه وَلَا يَقْبَلونه.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَفَزَ بَيْنَ الصَّفا والمرْوة» أَيْ هَرْوَل، مِنَ الضَّفْز:
القفْز والوُثوب.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْخَوَارِجِ «لمَّا قتِل ذُو الثُّدَيّة ضَفَزَ أصحابُ عليٍّ ضَفْزاً «أَيْ قَفزُوا فَرَحًا بقَتْله.
[هـ] وَفِيهِ «أَنَّهُ أوتَرَ بسَبع أَوْ تِسْع ثُمَّ نَامَ حَتَّى سُمِع ضَغِيزُه أَوْ ضَفِيزَه» قَالَ الخطَّابيّ:
الضَّغِيز لَيْسَ بِشَيْءٍ، وأمَّا الضَّفِيز فَهُوَ كالغَطيط، وَهُوَ الصَّوتُ الَّذِي يُسْمع مِنَ النَّائِمِ عِنْدَ تَرْديد نَفَسه.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: إِنْ كَانَ محفُوظا فَهُوَ شِبْه الغطِيط. وَرُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ والصَّفير «1» .
يَكُونُ بالشَّفَتين.

(ضَفَطَ)
فِي حَدِيثِ قَتادة بْنِ النُّعمان «فَقَدِم ضَافِطَة من الدَّرْمَكِ» الضَّافِط والضَّفَّاط:
__________
(1) عبارة الهروى: «غير أن الصّفير يكون بالشّفتين» .
(3/94)

الَّذِي يَجْلبُ المِيرَة والمَتَاعَ إِلَى المُدُن، والمُكارِي الَّذِي يُكْرِي الأحْمَال «1» ، وَكَانُوا يومئِذ قَوْمًا مِنَ الْأَنْبَاطِ يَحْمِلُون إِلَى الْمَدِينَةِ الدَّقيق وَالزَّيْتَ وغيرَهما.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ ضَفَّاطِين قَدِموا الْمَدِينَةَ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذ بِكَ مِنَ الضَّفَاطَة» هِيَ ضَعْفُ الرَّأي والجهلُ. وَقَدْ ضَفُطَ يَضْفُطُ ضَفَاطَةً فَهُوَ ضَفِيط.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ سُئل عَنِ الوِتْر فَقَالَ: أَنَا أُوتِرُ حِينَ يَنَامُ الضَّفْطَى» أَيْ ضُعَفَاءُ الآراءِ وَالْعُقُولِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا سرَّكم أَنَّ تَنْظُروا إِلَى الرجُل الضَّفِيط المطَاع فِي قَومه فانْظُروا إِلَى هَذَا» يَعْنِي عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْن.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «وعُوتب فِي شَيْءٍ فَقَالَ: إنَّ فيَّ ضَفَطَاتٌ، وَهَذِهِ إِحْدَى ضَفَطَاتِي» أَيْ غَفَلاتي.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيرين «بلغَه عَنْ رجُل شَيْءٌ فَقَالَ: إِنِّي لأرَاه ضَفِيطاً» .
(س) وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ «أَنَّهُ شَهِدَ نِكَاحًا فَقَالَ: أَيْنَ ضَفَاطَتُكُم؟» أرادَ الدُّفّ، فَسَمَّاهُ ضَفَاطَة، لِأَنَّهُ لهوٌ ولَعبٌ، وَهُوَ راجعٌ إِلَى ضَعْف الرَّأي. وَقِيلَ الضَّفَاطَة لُعبة.

(ضَفِفَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ لَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْزٍ ولحْمٍ إلاَّ عَلَى ضَفَفٍ» الضَّفَف: الضِّيق والشِّدَّة: أَيْ لَمْ يَشْبَع مِنْهُمَا إلاَّ عَنْ ضِيق وقلَّة «2» وَقِيلَ إِنَّ الضَّفَف اجتماعُ النَّاسِ. يُقَالُ ضَفَّ القومُ عَلَى الْمَاءِ يَضُفُّون ضَفّاً وضَفَفاً: أَيْ لَمْ يَأْكُلْ خُبْزَاً وَلَحْمًا وَحْدَه، ولكنْ يَأْكُلُ مَعَ النَّاس.
وَقِيلَ الضَّفَف: أَنْ تكونَ الأَكَلَة أَكْثَرَ مِنْ مِقْدار الطَّعامِ، والحَفَف أَنْ تكونَ بمقدارِه.
__________
(1) في ا: «الأجمال» بالجيم. والمثبت في الأصل واللسان.
(2) قال الهروي: «وبعضهم يرويه «على شظف» وهما جميعا: الضيق والشدة» .
(3/95)

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «فيقِف ضِفَّتَيْ جفونِهِ» أَيْ جانِبَيْها. الضِّفَّة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: جانبُ النَّهر، فاسْتعارَه للجَفْن.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّاب مَعَ الخَوارج «فقدَّموه عَلَى ضَفَّة النَّهر فضَرَبوا عُنُقَه» .

(ضَفَنَ)
فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّهَا ضَفَنَتْ جَارِيَةً لَهَا» الضَّفْن:
ضربُك اسْتَ الإنسانِ بظَهْرِ قَدَمِك.

بَابُ الضَّادِ مَعَ اللَّامِ

(ضَلَعَ)
[هـ] فِيهِ «أعوذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وضَلَعِ الدَّين» أَيْ ثِقَلَه. والضَّلَع:
الاعْوجاجُ: أَيْ يُثْقِلُه حَتَّى يَميل صاحبُه عَنِ الاسْتِواءِ والاعْتِدَال. يُقَالُ ضَلِعَ بِالْكَسْرِ يَضْلَعُ ضَلَعاً بِالتَّحْرِيكِ. وضَلَعَ بِالْفَتْحِ يَضْلَعُ ضَلْعاً بِالتَّسْكِينِ: أَيْ مَالَ.
وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ عَلِيٍّ: «واردُدْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الخُطُوب» أَيْ يُثْقِلك.
(س) وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ الزُّبير «فَرَأَى ضَلْعَ مُعَاوِيَةَ مَعَ مَرْوانَ» أَيْ مَيْلَه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَنْقُش الشَّوكةَ بالشَّوكةِ فَإِنَّ ضَلْعَهَا معَها» أَيْ مَيْلَها.
وَقِيلَ هُوَ مَثَل.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ غَسْل دَم الْحَيْضِ «حُتِّيه بِضِلَعٍ» أَيْ بعُود، والأصلُ فِيهِ ضِلَعُ الحَيوان، فسُمِّي بِهِ العُود الَّذِي يُشْبهه. وَقَدْ تُسَكَّن اللامُ تَخْفيفا.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ «كَأَنِّي أرَاهم «1» مُقَتَّلين بِهَذِهِ الضِّلَعِ الْحَمْرَاءِ» الضِّلَع: جُبَيْل مُنْفَرِد صغيرٌ لَيْسَ بِمُنْقَاد، يُشَبَّه بالضِّلَع.
وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ ضَلْعَ قُرَيش عِنْدَ هَذِهِ الضِّلْع الحمراءِ» أَيْ مَيْلَهم.
[هـ] وَفِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ضَلِيعُ الْفَمِ» أي عظِيمه. وقيل واسِعه. والعَربُ
__________
(1) في الهروي: «كأنى أرادكم» . وفي اللسان: «كأني بكم» .
(3/96)

تَمْدَحُ عِظَمَ الفَمِ وتذمُّ صِغَره «1» . والضَّلِيع: العَظيمُ اَلخْلق الشَّدِيدُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ الجِنّي: إِنِّي مِنْهُمْ لضَلِيع» أَيْ عظيمُ الخَلْق وَقِيلَ هُوَ العَظيم الصَّدْر الوَاسِع الجَنْبَين.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ «فتمنَّيت أَنْ أكونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا» أَيْ بَيْنَ رَجُلين أقْوى مِنَ الرَّجلين اللَّذَيْنِ كُنْتُ بَيْنَهُمَا وأشَد.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَمَا «2» حُمّل فاضْطَلَعَ بأمْرك لطاعَتك» اضْطَلَعَ: افتَعَل، مِنَ الضَّلَاعَة، وَهِيَ القوّةُ. يُقَالُ اضْطَلَعَ بحِمله: أَيْ قَوِي عَلَيْهِ ونَهَض بِهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ زَمْزَمَ «فَأَخَذَ بِعَرَاقِيها فشَرِب حَتَّى تَضَلَّعَ» أَيْ أَكْثَرَ مِنَ الشُّرْبِ حَتَّى تمدَّدَ جَنْبُه وأَضْلَاعُهُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَه عَنْهُمَا «أَنَّهُ كَانَ يَتَضَلَّعُ مِنْ زَمْزَم» .
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ أَهْدى إِلَى النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثوبٌ سِيَراءٌ مُضَلَّع بِقَزٍّ» المُضَلَّع:
الَّذِي فِيهِ سُيُورٌ وخُطُوط مِنَ الإبرَيْسم أَوْ غَيْرِهِ، شبْه الأَضْلَاع.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «وَقِيلَ لَهُ: مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ مُضَلَّعَة فِيهَا حريرٌ» أَيْ فِيهَا خُطُوطٌ عَريضَة كالأَضْلَاع.
(س) وَفِيهِ «الحِمْل المُضْلِع والشَّرُّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ إظهار البدع» المُضْلِع: المثقل، كأنه يتّكي عَلَى الأَضْلَاع، وَلَوْ رُوي بالظاءِ، مِنَ الظَّلَع: الغَمْزِ والعَرَج لَكَانَ وجْهاً.

(ضَلَلَ)
(س) فِيهِ «لَوْلَا أنَّ اللَّهَ لَا يُحِب ضَلَالَة العَمل مَا رَزَأْنَاكُمْ عِقَالاً» أَيْ بُطْلاَنَ العمَل وضَياعه، مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّلَال: الضَّيَاعِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
__________
(1) في الأصل: «تمدح عظيم الفم وتذم صغيره» والمثبت من اواللسان والهروي.
(2) في الهروي: «لمِا» واللام مضبوطة بالكسر، ضبط قلم.
(3/97)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ضَالَّة المُؤمِن حَرَقُ النَّار» قَدْ تَكَرَّرَ ذِكر «الضَّالَّة» فِي الْحَدِيثِ.
وَهِيَ الضَّائِعَةُ مِنْ كُلِّ مَا يُقْتَنَى مِنَ الحَيَوان وَغَيْرِهِ. يُقَالُ: ضَلَّ الشيءُ إِذَا ضَاع، وضَلَّ عَنِ الطَّريق إِذَا حارَ، وَهِيَ فِي الأصْل فاعِلةٌ، ثُمَّ اتُّسِع فِيهَا فصَارَت مِنَ الصِّفات الغَالِبة، وتقَعُ عَلَى الذَّكَر والأنْثَى، وَالِاثْنَيْنِ والجَمْع، وتُجمَع عَلَى ضَوَالّ. والمرادُ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الضَّالَّة مِنَ الإبلِ والبقرِ مِمَّا يَحْمِي نَفْسَهُ وَيَقْدِرُ عَلَى الإبْعَاد فِي طلَب المَرْعَى والماءِ، بِخِلَافِ الغَنَم.
وَقَدْ تُطْلق الضَّالَّة عَلَى المعَاني.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الكَلِمَة الحَكِيمَة ضَالَّة المُؤمن» وَفِي رِوَايَةٍ «ضَالَّة كُلّ حَكِيمٍ» أَيْ لَا يزَال يتطَّلبها كَمَا يتَطلَّب الرجُل ضَالَّته.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ذَرُّوني فِي الرِّيح لَعلِّي أَضِلُّ اللهَ» أَيْ أَفُوتُه ويخْفَى عَلَيْهِ مَكَاني.
وَقِيلَ: لعَلِّي أغِيبُ عَنْ عَذابِ اللَّهِ تَعَالَى. يُقَالُ: ضَلَلْتُ الشيءَ وضَلِلْتُهُ إِذَا جَعَلتَه فِي مَكانٍ وَلَمْ تَدْرِ أينَ هُوَ، وأَضْلَلْتُهُ إِذَا ضَيَّعتَه. وضَلَّ النَّاسِي إِذَا غَاب عَنْهُ حِفظُ الشيءِ. وَيُقَالُ أَضْلَلْتُ الشيءَ إِذَا وجَدتَه ضَالّا، كَمَا تقولُ: أحْمَدْتُه وأبْخَلُته إِذَا وَجَدْتَه مَحْمودا وبَخِيلا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى قومَه فأَضَلَّهُم» أَيْ وجَدَهم ضُلَّالا غيرَ مُهْتَدِينَ إِلَى الحقِّ.
وَفِيهِ «سيكُونُ عَلَيْكُمْ أئمةٌ إنْ عصَيْتموهم ضَلَلْتُم» يُرِيدُ بمَعْصِيتهم الخرُوجَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ يَقع أَضَلَّهُم فِي غَيْرِ هَذَا عَلَى الحَمْل عَلَى الضَّلَال والدُّخول فِيهِ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَقَدْ سُئِل عَنْ أشْعر الشَّعّراء فَقَالَ: «إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فالمَلِك الضِّلِّيل» يَعْنِي امْرأ القَيسِ، كَانَ يُلَقَّب بِهِ. والضِّلِّيل بِوَزْنِ القِنْدِيل: المُبالِغ فِي الضَّلَال جِداً، وَالكثيرُ التَّتَبُّع للضَّلَال.
(3/98)

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْمِيمِ

(ضَمُخَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّخُ رأسَه بالطِّيب» التَّضَمُّخ: التَّلطُّخ بالطِّيب وَغَيْرِهِ، والإكثَار مِنْهُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ مُتَضَمِّخاً بالخَلُوقِ» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ كَثِيرًا.

(ضَمِدَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَقِيلَ لَهُ: أنتَ أمَرْت بقَتْل عُثْمان، فضَمِدَ» أَيِ اغْتاظَ.
يُقَالُ ضَمِدَ يَضْمَدُ ضَمَداً- بِالتَّحْرِيكِ- إِذَا اشتدَّ غَيْظُه وغَضَبه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ «أَنَّهُ ضَمَدَ عَيْنَيْه بالصَّبِر وَهُوَ مُحْرِم» أَيْ جَعَله عَلَيْهِمَا ودَاواهُما بِهِ.
وأصْلُ الضَّمْد: الشَّدُّ. يُقَالُ ضَمَدَ رأسَه وجُرْحه إِذَا شدَّه بالضِّمَاد، وَهِيَ خِرقةٌ يُشد ُّبها العُضْو المَؤُوف. ثُمَّ قِيلَ لوضعَ ْالدَّواء عَلَى الجُرْح وغَيره وَإِنْ لَم يُشَدَّ.
(س) وَفِي صِفَةٍ مَكَّةَ «مِنْ خُوص وضَمْدٍ» الضَّمْد بِالسُّكُونِ: رَطْبٌ الشَّجَر ويابسُه.
وَفِيهِ «أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ البَدَاوَة فَقَالَ: اتَّق اللهَ وَلَا يَضُرُّك أَنْ تكونَ بِجَانِبِ ضَمَدٍ» هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد وَالْمِيمِ: موضعٌ باليَمن.

(ضَمَرَ)
فِيهِ «مَنْ صامَ يَوْمًا فِي سَبيل اللَّهِ باعَده اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً للمُضَمِّرِ المُجِيد» المُضَمِّر: الَّذِي يُضَمِّرُ خَيْلَه لغَزْوٍ أَوْ سِباقٍ. وتَضْمِير الخَيل: هُوَ أَنْ يُظاهِر عَلَيْهَا بالعَلَف حَتَّى تسمَن، ثُمَّ لَا تُعْلف إَّلا قُوتاً لتَخفَّ. وَقِيلَ تُشُّد عَلَيْهَا سُرُوجُها وتُجَلَّل بالأجِلَّة حَتَّى تَعْرَق تَحْتَها فيَذهبَ رَهَلُها ويَشْتَدَّ لحُمها. والمُجيد: صاحبُ الجيِاد. والمعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُباعِدهُ مِنَ النَّارِ مَسَافةَ سَبْعِينَ سَنة تقطَعُها الخيلُ المُضَمَّرَة الجِيادُ رَكْضاً.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «التَّضْمِير» فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «اليومَ المِضْمَار وغَداً السِّباقُ» أَيِ الْيَوْمَ العَمَل فِي الدُّنيا للاسْتباق فِي الْجَنَّةِ. والمِضْمَار: المَوْضعُ الَّذِي تُضَمَّرُ فِيهِ الْخَيْلُ، وَيَكُونُ وَقْتاً لِلْأَيَّامِ الَّتِي تُضَمَّرُ فِيهَا. ويُروى هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا لعلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(3/99)

وَفِيهِ «إِذَا أبْصرَ أحدُكم امْرأةً فلْيأتِ أهْلَه، فَإِنَّ ذَلِكَ يُضْمِرُ مَا فِي نَفْسه» أَيْ يُضْعِفه ويُقَلِّله، مِنَ الضُّمُور، وَهُوَ الهُزَال والضعَّف.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «كتَب إِلَى مَيمُون بْنِ مِهْرانَ فِي مَظَالِمَ كَانَتْ فِي بَيتِ الْمال أَنْ يَرُدَّها عَلَى أرْبابها ويأخُذَ مِنْهَا زكاةَ عامِها، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَالًا ضِمَاراً» المالُ الضِّمَار: الغائبُ الَّذِي لَا يُرجَى، وَإِذَا رُجِيَ فَلَيْسَ بِضِمَارٍ، مِنْ أَضْمَرْتُ الشيءَ إِذَا غيَّبْتَه، فِعَال بِمَعْنَى فاعِل، أَوْ مُفْعَل، ومثلُه مِنَ الصِّفات: ناقةٌ كِنازٌ. وَإِنَّمَا أخَذَ مِنْهُ زَكَاةَ عامٍ واحدٍ، لأنَّ أربابَه مَا كَانُوا يَرْجُون رَدَّه عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُوجِب عَلَيْهِمْ زكاةَ السِّنين الماضِية وَهُوَ فِي بَيتِ المالِ.

(ضَمَزَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أفْواهُهم ضَامِزَة، وقلوبُهم قَرِحَة» الضَّامِز: المُمْسِك، وَقَدْ ضَمَزَ يَضْمِزُ.
وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبٍ:
مِنْهُ تَظَلُّ سِباعُ الجَوِّ ضَامِزَة «1» وَلاَ تُمَشِّي بِوَادِيه الأرَاجِيلُ أَيْ مُمْسِكَةً مِنْ خَوْفه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ «إِنَّ الْإِبِلَ ضُمُزٌ خُنُسٌ» أَيْ مُمْسِكة عَن الجِرَّة. وَيُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ، وَهُما جَمْع ضَامِزٍ.
وَفِي حَدِيثِ سُبَيعة «فضَمَزَ لِي بعضُ أصْحابه» قَدِ اخْتُلِف فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَةِ: فَقِيلَ هِيَ بالضَّاد والزَّاي، مِنْ ضَمَزَ إِذَا سَكَتَ، وضَمَزَ غيرَه إِذَا أسْكَته، ورُوي بدَل اللَّامِ نُوناً: أَيْ سَكَّتَني، وَهُوَ أشْبه. ورُويَت بالراءِ والنُّون. والأولُ أشْبَهُهماَ.

(ضَمَسَ)
فِي حَدِيثِ عُمَرَ «قَالَ عَنِ الزُّبير: ضَرِسٌ ضَمِسٌ» وَالرِّوَايَةُ: ضَبِسٌ. وَالْمِيمُ قَدْ تُبْدل مِنَ الْبَاءِ، وَهُمَا بمعْنى الصَّعْب العَسِر.

(ضَمْعَجَ)
(س) فِي حَدِيثِ الأََشْتَر يصفُ امْرَأَةً أرَادَها «ضَمْعَجاً طُرْطُبّاً» الضَّمْعَج:
الغَلِيظَة. وَقِيلَ القَصِيرة. وَقِيلَ التَّامَّة الخَلْق.
__________
(1) الرواية في شرح ديوانه ص 12: «منه تظل حَميرُ الوحش ... »
(3/100)

(ٌضمل)
(هـ) فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّهُ خَطب إِلَيْهِ رَجُلٌ بِنْتًا لَهُ عَرْجَاءَ، فَقَالَ:
إِنَّهَا ضَمِيلَة، فَقَالَ: إنِّي أُرِيد أَنْ أتشرَّف بمُصَاهَرَتك، وَلاَ أُريدُها للسِّباق فِي الحَلْبة» الضَّمِيلَة: الزَّمِنَة.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «إِنْ صحَّت الرِّوَايَةُ [بِالضَّادِ] «1» فَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ النُّونِ، مِنَ الضَّمَانَة، وإلاَّ فَهِي بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. قِيلَ لَهَا ذَلِكَ ليُبْسٍ وجُسُوٍّ فِي سَاقِها. وكُلُّ يَابِسٍ فَهُوَ صَاملٌ وصَميل» «2» .

(ضَمُمَ)
[هـ] فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ «لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيتَه» يُروى بالتَّشديد وَالتَّخْفِيفِ، فَالتَّشْدِيدُ مَعْنَاهُ: لَا يَنْضَمّ بَعضُكم إِلَى بَعْض وتَزْدَحِمون وقتَ النَّظَر إِلَيْهِ، ويجوزُ ضمُّ التاءِ وَفَتْحُهَا عَلَى تُفَاعِلون، وتَتَفاعلون. وَمَعْنَى التَّخْفِيفِ: لَا يَنَالُكم ضَيمٌ فِي رُؤْيتِه، فَيرَاه بعضُكم دُونَ بعضٍ.
والضَّيْمُ: الظُّلْم.
(هـ) وَفِي كِتَابِهِ لِوَائِلِ بْنِ حُجْر «ومَن زَنَى مِنْ ثَيِّبٍ فَضرِّجُوه بالأَضَامِيم» يُريد الرَّجْمَ.
والأَضَامِيم: الْحِجَارَةُ، وَاحِدَتُهَا: إِضْمَامَة. وَقَدْ يُشَبَّه بِهَا الجَماعات المخْتلفةُ مِنَ النَّاسِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ «لَنَا أَضَامِيم مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» أَيْ جماعاتٌ لَيْسَ أصْلُهم وَاحِدًا، كأنَّ بعضَهم ضُمَّ إِلَى بَعْضٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي اليَسَر «ضِمَامَة مِنْ صُحُف» أَيْ حُزْمة. وَهِيَ لُغة فِي الإِضْمَامَة.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «يَا هُنَيُّ ضُمَّ جَناحَك عَنِ النَّاس» أَيْ ألِنَ جَانِبَك لَهُم وارْفُقْ بِهِمْ.
وَفِي حَدِيثِ زُبَيْب العَنْبَريّ «أَعْدِنِي عَلَى رجُل مِنْ جُنْدَك ضَمَّ منِّي مَا حَرَّم اللهُ ورسولُه» أَيْ أخذَ مِنْ مَالِي وضَمَّهُ إِلَى مَالِهِ.

(ضَمَنَ)
(هـ) فِي كِتَابِهِ لأُكَيدِر «وَلَكُمْ الضَّامِنَة من النَّخل» هو ما كان دَاخلاً
__________
(1) من الفائق 2/ 71.
(2) في الأصل وا واللسان: «ضامل وضميل» بالضاد المعجمة، وكتبناه بالصاد المهملة من الفائق. وهو الصواب.
(3/101)

فِي الْعِمَارَةِ وتَضَمَّنَتْهُ أمصارُهُم وقُرَاهم. وَقِيلَ سُمِّيت ضَامِنَة، لِأَنَّ أربَابَها ضَمِنُوا عِمَارتَها وحِفْظَها، فَهِيَ ذاتُ ضَمَانٍ، كعِيشة راضِية، أَيْ ذاتِ رِضاً، أَوْ مَرْضِيَّة.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ مَاتَ فِي سَبيل اللَّهِ فَهُوَ ضَامِن عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِله الْجَنَّةَ» أَيْ ذُو ضَمَان، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ هَكَذَا أخرجَه الْهَرَوِيُّ والزَّمخشري مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ. وَالْحَدِيثُ مرفوعُ فِي الصِّحاحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ.
فَمِنْ طُرُقه «تَضَمَّنَ اللهُ لمَن خَرَج فِي سَبيله لَا يُخْرجُه إلاَّ جِهاداً فِي سَبِيلي وَإِيمَانًا بِي وتَصدِيقاً «1» برُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِن أَنْ أُدْخِلَه الجنَّة، أَوْ أَرْجِعَه إِلَى مَسْكَنه الَّذِي خرَج مِنْهُ نَائِلًا مَا نَاَل مِنْ أجْرٍ أَوْ غَنِيمة» .
[هـ] وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنْ بَيْعِ المَضَامِين والمَلاَقِيح» المَضَامِين: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ، وَهِيَ جمعُ مَضْمُون. يُقَالُ ضَمِنَ الشيءَ، بمعْنى تَضَمَّنَهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ «مَضْمُون الْكِتَابِ كَذَا وَكَذَا» والمَلاقِيح: جَمْعُ مَلقُوح، وَهُوَ مَا فِي بَطْن النَّاقَةِ.
وفسَّرهما ماَلِك فِي المُوطَّأ بالعكْسِ، وَحَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ماَلِك عَنِ ابْنِ شِهَاب عَنِ ابْن المسيَّب.
وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ ثَعْلب عَنِ ابْنِ الأعْرابي. قَالَ: إِذَا كَانَ فِي بَطْن النَّاقة حَمْل فَهُوَ ضَامِن ومِضْمَان، وهُنّ ضَوَامِنُ ومَضَامِينُ. والذَّي فِي بطْنها مَلْقُوح ومَلْقُوحة.
(هـ) وَفِيهِ «الْإِمَامُ ضَامِن وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» أَرَادَ بالضَّمَان هَاهُنَا الحِفظَ والرِّعاية، لَا ضَمَان الغَرَامة، لِأَنَّهُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَوْمِ صَلَاتَهُمْ. وقيل: إنّ صلاة المتقدين بِهِ فِي عُهْدته، وصِحَّتها مقرونةٌ بصِحَّة صَلَاتِهِ، فَهُوَ كالمُتكفِّل لَهُمْ صحَّة صَلَاتِهِمْ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمة «لَا تَشْتَر لبنَ البَقَر والغَنَم مُضَمَّناً، وَلَكِنِ اشتَره كيْلاً مُسَمَّى» أَيْ لَا تَشْتَره وَهُوَ فِي الضرْع، لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِهِ.
__________
(1) قال النووي في شرحه لمسلم (باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله) : «هكذا هو في جميع النسخ «جهاد» بالنصب. وكذا قال بعده «وإيمانا بي وتصديقا» وهو منصوب على أنه مفعول له. وتقديره: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا للجهاد والإيمان والتصديق» .
(3/102)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مَنِ اكْتَتب ضَمِناً بَعَثه اللَّهُ ضَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الضَّمِن: الَّذِي بِهِ ضَمَانَة فِي جَسَده، مِنْ زَمانة، أَوْ كَسر، أَوْ بَلاَء. والاسْم الضَّمَن، بِفَتْحِ الْمِيمِ. والضَّمَان والضَّمَانَة:
الزَّمانة. المعْنى: مَنْ كتَب نَفْسَه فِي دِيوَانِ الزَّمْنَي ليُعذَر عَنِ الجِهاد وَلا زَمانَة بِهِ، بَعَثه اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَمِناً. ومَعْنى اكتَتَب: أَيْ سَأل أَنْ يُكْتَب فِي جُمْلَةِ الْمَعْذُورِينَ. وَبَعْضُهُمْ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَير «مَعْبُوطة غَيْرُ ضَمِنَة» أَيْ أَنَّهَا ذُبحَت لغَير عِلَّة.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ لعامِر بْنِ رَبِيعة ابنٌ أصابَته رَمْيَةٌ يومَ الطَّائِف فضَمِنَ مِنْهَا» أَيْ زَمِن.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْفَعون المَفاتيحَ إِلَى ضَمْنَاهم، وَيَقُولُونَ إِنِ احْتجْتُم فكُلوا» الضَّمْنَى: الزَّمْنَي، جَمْعُ ضَمِنٍ.

بَابُ الضَّادِ مَعَ النُّونِ

(ضَنَأَ)
فِي حَدِيثِ قُتَيْلة بِنْتِ النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ، أَوْ أُخْتِهِ:
أََمحمدٌ ولأنتَ ضِنْءُ نَجِيبةٍ ... مِنْ قَوْمِها والفَحْلُ فَحلٌ مُعْرِقُ
الضِّنْء بِالْكَسْرِ: الأصلُ. يُقَالُ فلانٌ فِي ضِنْءِ صدقٍ، وضِنْءِ سوءٍ. وَقِيلَ الضِّنْء بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: الولَدُ.

(ضَنُكَ)
(هـ) فِي كِتَابِهِ لِوَائِلِ بن حُجْر «في التِّيعَة شاةٌ لا مُقْوَرَّةُ الألْياطِ، وَلَا ضِنَاكٌ» الضِّنَاك بِالْكَسْرِ: المكْتَنِزُ اللَّحْمِ. وَيُقَالُ للذَّكر والأْنَثى بِغَيْرِ هاءٍ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رجُل فَشَمَّتهُ رجلٌ، ثُمَّ عَطَسَ فشمّته، ثم عطس فأراد أنه يُشَمّته فَقَالَ: دَعْه فَإِنَّهُ مَضْنُوك» أَيْ مَزْكُوم. والضُّنَاك بِالضَّمِّ: الزُّكاَم. يُقَالُ أَضْنَكَهُ اللهُ وأزكَمَه.
والقِياس أَنْ يُقال: فَهُوَ مُضْنَك ومُزْكَم، وَلَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى أُضْنِكَ وأُزْكِمَ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «امْتَخِطْ فإنَّك مَضْنُوك» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(3/103)

(ضَنَنَ)
(هـ) فِيهِ «إِنَّ لِلَّهِ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقه، يُحْييهم فِي عَافِية ويُميتُهم فِي عَافِيَةٍ» الضَّنَائِن: الْخَصَائِصُ، وَاحِدُهُمْ: ضَنِينَة، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ، مِنَ الضِّنِّ، وَهُوَ مَا تَخْتَصُّهُ وتَضِنُّ بِهِ:
أَيْ تَبْخَل لِمَكَانِهِ مِنْك وموقِعِه عنْدَك. يُقَالُ فلانٌ ضِنِّي مِنْ بَيْنِ إخْوانِي، وضِنَّتِي: أَيْ أختَصُّ بِهِ وأَضِنُّ بمودَّته. ورَواه الْجَوْهَرِيُّ «إِنَّ لِلَّهِ ضِنّاً مِنْ خَلْقه» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْأَنْصَارِ «لَمْ نقُل إلاَّ ضِنّاً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ بُخْلاً بِهِ وشُحًّا أَنْ يُشَارِكنا فِيهِ غَيرنُا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ «فقلتُ: أخْبرني بِهَا وَلَا تَضْنَنْ بِهَا عَلَيَّ» أَيْ لَا تبخَل. يُقَالُ ضَنَنْتُ أَضِنُّ، وضَنِنْتُ أَضَنُّ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ زَمْزَمَ «قِيلَ لَهُ: احْفِرِ المَضْنُونَة» أَيِ التي يُضَنُّ بها لنَفَاسَتِها وعِزَّتها. وَقِيلَ للخَلُوق والطِّيب المَضْنُونَة، لِأَنَّهُ يُضَنُّ بهما.

(ضني)
(س) فِي حَدِيثِ الحدُود «إنَّ مَرِيضاً اشْتَكَى حَتَّى أَضْنَى» أَيْ أصابَه الضَّنَى وَهُوَ شدُة المَرَض حَتَّى نَحَل جسْمُه.
(س) وَفِيهِ «لَا تَضْطَنِي عَنِّي» أَيْ لَا تَبُخَلي بانبِساطِك إليَّ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الضَّنَى:
الَمَرض، والطاءُ بدلٌ مِنَ التَّاءِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ لَهُ أعْرَابي: إِنِّي أعطيتُ بعضَ بَنِيَّ نَاقَةً حيَاتَه، وإنَّها أَضْنَتْ واضْطَربت، فَقَالَ: هِيَ لَهُ حياتَه ومَوْتَه» .
قَالَ الْهَرَوِيُّ والخطَّابي: هَكَذَا رُوي. والصَّواب: ضَنَتْ، أَيْ كَثُر أولادُها. يُقَالُ امْرَأَةٌ ماشيةٌ وضَانِيَة، وَقَدْ مَشَت وضَنَتْ: أَيْ كَثُرَ أولادُها.
وَقَالَ غَيرُهما: يُقَالُ ضَنَتِ المرأةُ تَضْنِي ضَنًى، وأَضْنَتْ، وضَنَأَتْ، وأَضْنَأَتْ، إِذَا كَثُر أولادها.
(3/104)

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْوَاوِ

(ضَوُأَ)
[هـ] فِيهِ «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» أَيْ لَا تستَشِيُروهم وَلَا تأْخُذوا آرَاءَهُمْ.
جَعَلَ الضَّوْء مَثلا لِلرَّأْيِ عِنْدَ الْحَيْرَةِ.
وَفِي حَدِيثِ بَدْء الْوَحْيِ «يسْمَع الصَّوتَ ويَرَى الضَّوْء» أَيْ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْ صَوت المَلَك ويَرَاه مِنْ نُوِره وَأَنْوَارِ آياتِ رِّبه.
وَفِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ:
وَأَنْتَ لَّما وُلِدْتَ أشْرقت الْ ... أرضُ وضَاءَتْ بنُورِك الأفُقُ
يُقَالُ ضَاءَتْ وأَضَاءَتْ بِمَعْنًى: أَيِ اسْتنارت وَصَارَتْ مُضِيئَة.

(ضَوَجَ)
فِيهِ ذِكْرُ «أَضْوَاج الْوَادِي» أَيْ مَعاطِفه، الْوَاحِدُ ضَوْج. وَقِيلَ هُوَ إِذَا كُنْت بَيْنَ جَبَلين مُتضايقين ثُمَّ اتّسَع فَقَدِ انْضَاجَ لَكَ.

(ضَوَرَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى امرأةٍ وَهِيَ تَتَضَوَّرُ مِنْ شَدَّة الْحُمَّى» أَيْ تَتلوَّى وتضجُّ وتتقلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ. وَقِيلَ تَتَضَوَّرُ: تُظهِر الضَّوْرَ بِمَعْنَى الضُّرّ «1» . يُقَالُ ضَارَهُ يَضُورُهُ ويَضِيرُهُ.

(ضَوَعَ)
فِيهِ «جَاءَ الْعَبَّاسُ فَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ وَهُوَ يَتَضَوَّعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَائِحَةً لَمْ يَجدْ مِثلها» تَضَوُّعُ الرّيحِ: تفرقُّها وانْتِشَارها وسُطُوعها، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَوْضَو)
(هـ) فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا «فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا» أَيْ ضّجُّوا وَاسْتَغَاثُوا. والضَّوْضَاة: أصْوَات الناسِ وغَلَبتهم «2» ، وَهِيَ مَصْدر.

(ضَوَا)
(هـ) فِيهِ «فَلَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّة الأرَاكِ يَوْمَ حُنَيْن ضَوَى إِلَيْهِ المُسْلِمُون» أَيْ مالُوا يُقَالُ: ضَوَى إِلَيْهِ ضَيّاً وضُوِيّاً، وانْضَوَى إليه. ويقال: ضَوَاه إليه وأَضْوَاه.
__________
(1) وعليه اقتصر الهروي.
(2) في اللسان والصحاح (ضوى) : «وجلبتهم» .
(3/105)

(هـ) وَفِيهِ «اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا «1» » أَيْ تزوَّجوا الغَرَائب دُونَ القَرَائب، فَإِنَّ وَلَدَ الغريبةِ أنْجبُ وأقْوَى مِنْ ولدِ القَرِيبة. وَقَدْ أَضْوَت الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا ضَعِيفًا. فَمَعْنَى لَا تَضْوُوا:
لَا تأْتُوا بأولادٍ ضَاوِين: أَيْ ضُعفاء نُحفَاء، الْوَاحِدُ: ضَاوٍ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَنْكِحُوا القَرَابةَ القَريبَة، فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيّاً» .

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْهَاءِ

(ضَهَدَ)
(س) فِي حَدِيثِ شُرَيح «كَانَ لَا يُجيز الاضْطِهَاد وَلاَ الضُّغْطة» هُوَ الظلمُ والقَهْر. يُقَالُ ضَهَدَه، وأَضْهَدَه، واضْطَهَدَه. وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ. الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ البَيع وَالْيَمِينَ وَغَيْرَهُمَا فِي الإكْراه والقَهْر.

(ضَهَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر «أنْشَأْتَ تطُلُّها وتَضْهَلُهَا» أَيْ تُعْطِيها شَيْئًا قَلِيلًا، مِنَ الْمَاءِ الضَّهْل، وَهُوَ القَلِيل. يُقَالُ ضَهَلْتُه أَضْهَلُه. وَقِيلَ تَضْهَلُها: أَيْ تردُّها إِلَى أهْلِها. مِنْ ضَهَلْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا رَجَعت إِلَيْهِ.

(ضَهَا)
(هـ) فِيهِ «اشدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُون خَلْقَ اللَّهِ» أرادَ المُصَوِّرين. والمُضَاهَاة: المشابَهة. وَقَدْ تُهْمَزُ وَقُرِئَ بِهِمَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «قَالَ لِكَعْبٍ: ضَاهَيْتُ الْيَهُودِيَّةَ «2» » أَيْ شَابَهْتَهَا وَعَارَضْتَهَا.

بَابُ الضَّادِ مَعَ الْيَاءِ

(ضَيَحَ)
(س) فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «لَوْ مَاتَ يومَئِذ عَنِ الضِّيح والرِّيح لَوَرِثَه الزُّبير» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. والمشْهُور: الضِّحُّ، وَهُوَ ضَوْءُ الَّشمس، فَإِنْ صحَّت الرِّوَايَةُ فَهُوَ مَقْلوبٌ مِنْ ضُحَى الشَّمْسِ، وَهُوَ إشْرَاقها. وقيل الضِّيح: قريب من الرّيح.
__________
(1) في الأصل: «اغتربوا ولا تُضْووا» وقد أَسقطنا الواو حيث سقطت من اواللسان والهروى.
(2) كذا فى الأصل واللسان. والذى فى اوالهروى: «اليهود» .
(3/106)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَمّار «إِنَّ آخِرَ شُرْبةٍ تشربها ضَيَاحٌ» الضَّيَاح والضَّيْح بالفتح: اللبن الخاثر يُصَب فِيهِ الماءُ ثُمَّ يُخْلط. رَوَاه يَوْمَ قُتِل بصِفِّين وَقَدْ جِيءَ بلَبن ليَشْرَبه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَسَقَتْهُ ضَيْحَةً حامِضَة» أَيْ شَرْبة مِنَ الضَّيْح.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ لَمْ يَقْبَل العُذْرَ مِمَّنْ تَنَصَّل إِلَيْهِ، صَادِقًا كَانَ أَوْ كاذِباً، لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ إِلَّا مُتَضَيِّحاً» أَيْ مُتأخِّرا عن الواردِين، يجيء بعد ما شَرِبوا ماءَ الحَوض إلاَّ أقَلَّه فيَبْقَى كَدِراً مختلِطاً بِغَيْرِهِ، كاللَّبن الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ.

(ضَيَخَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «إِنَّ المَوْت قَدْ تَغَشَّاكُم سَحَابُه وَهُوَ مُنْضَاخ عَلَيْكُمْ بِوَابِلِ البَلاَيَا» يُقَالُ انْضَاخَ الماءُ، وانْضَخَّ إِذَا انْصَبَّ. ومِثْلُه فِي التَّقْدير انقَاضَ الحائطُ وانقَضَّ إِذَا سَقَط، شبَّه المنيَّة بالمَطرِ وانْسَيابه.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وشرَحه.
وَذَكَرَهُ الزَّمخشري فِي الصَّاد وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَأَنْكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ «1» .

(ضَيِرَ)
فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا «لَا تُضَارُون فِي رُؤْيَتِهِ» مِنْ ضَارَه يَضِيرُه ضَيْراً: أَيْ ضَرَّهُ، لُغَةً فِيهِ، ويُرْوى بِالتَّشْدِيدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «وَقَدْ حاضَت فِي الحجِّ فَقَالَ: لَا يَضِيرُكَ» أَيْ لَا يضُرُّك. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(ضَيِعَ)
(هـ) فِيهِ «مَنْ تَرَك ضَيَاعاً فإليَّ» الضَّيَاع: العِيالُ. وَأَصْلُهُ مصْدَر ضَاعَ يَضِيعُ ضَيَاعاً، فسُمِّي الْعِيَالُ بِالْمَصْدَرِ، كَمَا تَقُولُ: مَن مَاتَ وَتَرَكَ فَقْرا: أَيْ فُقَرَاء. وَإِنْ كسَرْت الضَّاد كَانَ جَمْع ضَائِع، كَجَائِعٍ وجِياع.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تُعِين ضَائِعاً» أَيْ ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فَقْر أَوْ عِيالٍ أَوْ حالٍ قَصَّر عَنِ الْقِيَامِ بِهَا.
__________
(1) انظر تعليقنا ص 58 من هذا الجزء.
(3/107)

وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ. وَقِيلَ إِنَّهُ هُوَ الصَّواب وَقِيلَ هُوَ فِي حَدِيثٍ بِالْمُهْمَلَةِ. وَفِي آخَرَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ فِي المَعْنى.
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ «إِنِّي أخافُ عَلَى الأعْناب الضَّيْعَة» أَيْ أَنَّهَا تَضِيعُ وتَتْلَف. والضَّيْعَة فِي الْأَصْلِ: المرَّة مِنَ الضَّيَاع. وضَيْعَة الرَّجُلِ فِي غَيْرِ هَذَا مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشه، كالصّنْعة والتِّجارَة والزِّراعة وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَفْشَى «1» اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَه» أَيْ أكثرَ عَلَيْهِ مَعاشه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَا تتَّخِذوا الضَّيْعَة فتَرْغَبوا فِي الدُّنْيَا» .
وَحَدِيثُ حَنْظَلَةَ «عافَسْنَا الأزْواج والضَّيْعَات» أَيِ المعايشَ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَاعَة الْمَالِ» يَعْنِي إنْفَاقَه فِي غَيْرِ طاعةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِسْرَافَ والتَّبذير.
وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «وَلَمْ يَجْعلك اللهُ بِدَار هَوان وَلَا مَضِيعَة» المَضِيعَة بِكَسْرِ الضَّادِ مَفْعَلة مِنَ الضَّيَاع: الاطِّراحِ وَالْهَوَانِ، كأنَّه فِيهِ ضَائِع، فَلَمَّا كَانَتْ عينُ الْكَلِمَةِ يَاءً وَهِيَ مَكْسُورَةٌ نُقلت حركَتُها إِلَى الْعَيْنِ فَسَكَنَتِ الْيَاءُ فَصَارَتْ بِوَزْنِ مَعِيَشة. وَالتَّقْدِيرُ فِيهِمَا سَوَاءٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «وَلَا تَدع الْكَثِيرَ بدارِ مَضِيعَة» .

(ضَيِفَ)
(هـ) فِيهِ «نَهى عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا تَضَيَّفَتِ الشمسُ للغُرُوب» أَيْ مَالَتْ.
يُقَالُ ضَافَ عَنْهُ يَضِيفُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهانا أنْ نُصَلّيَ فِيهَا:
إِذَا طَلَعت الشمسُ حَتَّى تَرْتَفع، وَإِذَا تَضَيَّفَتْ للغُرُوب، ونِصْف النَّهَارِ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: ضِفْتُ عَنْكَ يَوْمَ بَدْر» أَيْ مِلْتُ عَنْكَ وعَدَلْتُ.
وَفِيهِ «مُضِيفٌ ظهرَه إِلَى القُبَّة» أَيْ مُسْنِدُه. يُقَالُ أَضَفْتُه إِلَيْهِ أُضِيفُه.
__________
(1) في الهروي: «أفسد» .
(3/108)

(س) وَفِيهِ «إِنَّ العَدُوّ يَوْمَ حُنَين كمَنُوا فِي أحْنَاء الْوَادِي ومَضَايِفِه» والضَّيْف:
جانبُ الْوَادِي.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عليٍّ «أنَّ ابْنَ الكوَّاء وَقَيْسَ بْنَ عُبادٍ جَاآهُ فَقَالَا: أتَينَاك مُضَافَيْنِ مُثْقَلين «1» - أَيْ مُلجأين- مِنْ أَضَافَه إِلَى الشَّيْءِ إِذْ ضَمَّه إِلَيْهِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَتَيْنَاكَ خائفَين. يُقَالُ أَضَافَ مِنَ الْأَمْرِ وضَافَ إِذَا حاذَرَه وأشْفَق مِنْهُ. والمَضُوفَة:
الأمرُ الَّذِي يُحْذَر مِنْهُ ويُخاف. وَوَجْهُهُ أَنْ يَجْعَلَ المُضَاف مَصْدرا بِمَعْنَى الإِضَافَة، كالمُكرَم بِمَعْنَى الإكْرام، ثُمَّ يَصِف بِالْمَصْدَرِ، وإلاَّ فَالْخَائِفُ مُضِيفٌ لَا مُضَافٌ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «ضَافَهَا ضَيْفٌ فأمرَتْ لَهُ بمِلْحفة صَفْراء» ضِفْتُ الرجلَ إِذَا نَزَلت بِهِ فِي ضِيَافَة، وأَضَفْتُه إِذَا أنْزَلته، وتَضَيَّفْتُه إِذَا نَزَلت بِهِ، وتَضَيَّفَنِي إِذَا أنْزَلني.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّهدِي «تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعاً» .

(ضَيَلَ)
(س) فِيهِ «قَالَ لِجَرِيرٍ: أَيْنَ مَنْزِلُك؟ قَالَ: بأكْناف بيِشَةَ «2» بَيْنَ نَخْلَة وضَالَة» الضَّالَة بِتَخْفِيفِ اللَّامِ: واحِدُة الضَّال، وَهُوَ شَجَر السِّدْرِ مِنْ شَجَر الشَّوك، فَإِذَا نبَت عَلَى شَطّ الْأَنْهَارِ قِيلَ لَهُ العُبْرِيّ، وألِفُه مُنْقَلبة عَنِ الْيَاءِ. يُقَالُ أَضَالَتِ الْأَرْضُ وأَضْيَلَتْ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «قَالَ لَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: وَبْرٌ تدَلَّى مِنْ رَأس ضَالٍ» ضَالٌ بِالتَّخْفِيفِ:
مكانٌ أَوْ جَبَل بعَيْنه، يُريد بِهِ تَوْهينَ أمْرِه وتَحْقِيَر قَدْرِه. ويُروى بالنُّون، وَهُوَ أَيْضًا جَبَل فِي أرْضٍ دَوْسٍ. وَقِيلَ أرادَ بِهِ الضَّأْنَ مِنَ الغَنم فَتَكُونُ ألفه همزة.
__________
(1) في الهروي: «مضافِيَن مُثقلِينَ» ضبط قلم.
(2) بِيشَة: اسم لموضعين، أولهما: قرية غنّاء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن. وثانيهما: من عمل مكة مما يلي اليمن، من مكة على خمس مراحل، وبها من النخل والفسيل شيء كثير. معجم البلدان 1/ 791.
(3/109)

حرف الطاء

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ

(طَأْطَأَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ «تَطَأْطَأْتُ لَكُمْ «1» تَطَأْطُؤَ الدُّلاة» أَيْ خَفَضْتُ لَكُمْ «2» نَفْسي كَمَا يخْفضها المستَقُون بالدِّلاء، وتواضَعْت لَكُمْ وانْحَنْيت. والدُّلاة: جَمْعُ دَالٍ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِي الدَّلْوَ، كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْبَاءِ

(طَبَبَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ احْتَجَم حِينَ طُبَّ» أَيْ لمَّا سُحِر. وَرجل مَطْبُوب: أَيْ مَسْحُور، كَنَوْا بالطِّبّ عَنِ السِّحر، تَفَاؤُلاً بالبُرْء، كَمَا كَنَوْا بالسَّليم عَنِ اللَّدِيغ «3» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فلعَلَّ طِبّاً أصَابه» أَيْ سحْرا.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «إِنَّهُ مَطْبُوب» .
وَفِي حَدِيثِ سَلْمان وَأَبِي الدَّرداء «بَلَغني أَنَّكَ جُعِلت طَبِيباً» الطَّبِيب فِي الأصْل: الحاذقُ بالأمُور العارفُ بِهَا، وَبِهِ سُمِّي الطَّبِيب الَّذِي يُعِالج المَرْضى. وَكُنِّيَ بِهِ هَاهُنَا عَنِ القضَاءِ والحُكْم بَيْنَ الخُصُوم، لِأَنَّ مَنْزلةَ الْقَاضِي مِنَ الخُصُوم بمنْزلة الطَّبِيب مِنْ إصْلاح البَدن. والمُتَطَبِّب الَّذِي يُعاني الطِّبَّ وَلَا يَعْرفه مَعْرفة جَيِّدة.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبي «ووَصْفَ مُعاويةَ فَقَالَ: «كَانَ كَالْجَمَلِ الطَّبِّ» يَعْنِي الحاذِقَ بالضِّراب. وَقِيلَ الطَّبُّ مِنَ الْإِبِلِ: الذَّي لَا يَضَعُ خَفَّه إَلاَّ حَيْثُ يُبصر، فاسْتَعارَ أحَدَ هذين المعنيين لأفعاله وخلاله.
__________
(1) فى الهروى «لهم» .
(2) فى الهروى «لهم» .
(3) في الهروي: «وقال أبو بكر: الطِبُّ: حرف من الأضداد، يقال طبٌّ لعلاج الداء، وطبٌّ للسحر، وهو من أعظم الأدواء» . اهـ وانظر الأضداد لابن الأنباري ص 231.
(3/110)

(طَبَجَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ فِي الحيِّ رجُلٌ لَهُ زَوجَة وأمٌّ ضَعِيفة، فشكَت زَوجَتُه إِلَيْهِ أمَّه، فَقَامَ الأَطْبَج إِلَى أمِّه فألقَاهَا فِي الْوَادِي» الطَّبَج: اسْتِحكام الحمَاقَة. وَقَدْ طَبِجَ يَطْبَجُ [طَبَجاً] »
فَهُوَ أَطْبَج.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ بِالْجِيمِ. وَرَوَاهُ غيرُه بِالْخَاءِ. وَهُوَ الأحْمقَ الَّذِي لَا عَقْل لَهُ وكأنَّه الأشْبَه.

(طَبَخَ)
(هـ) فِي الْحَدِيثِ «إِذَا أرادَ اللهُ بعَبدٍ سُوءًا جَعَل مالَه فِي الطَّبِيخَيْنِ» قِيلَ هُما الجَصُّ والآجُرُّ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «فاطَّبَخْنَا» هُوَ افْتَعَلْنا مِنَ الطَّبْخ، فَقُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لأجْل الطَّاءِ قَبْلَهَا. والاطِّبَاخ مخصُوص بِمَنْ يَطْبَخُ لِنَفْسِهِ، والطَّبْخ عامٌّ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ «ووقَعَت الثالثةُ فَلَمْ تَرْتَفع وَفِي النَّاسِ طَبَاخٌ» أصْلُ الطَّبَاخ:
القُوَّة والسِّمَن، ثُمَّ استُعْمِل فِي غَيْرِهِ، فَقِيلَ فُلَانٌ لَا طَبَاخَ لَهُ: أَيْ لَا عقلَ لَهُ وَلَا خيرَ عِنْدَهُ.
أَرَادَ أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ فِي النَّاسِ مِنَ الصَّحابة أَحَدًا. وَعَلَيْهِ يُبْنى حديثُ الأَطْبَخ الَّذِي ضَربَ أمَّه، عِنْدَ مَنْ رَوَاهُ بِالْخَاءِ.

(طَبَسَ)
(س) فِي حَدِيثِ عُمَرَ «كيفَ لِي بالزُّبير وَهُوَ رَجُل طِبْسٌ» الطِّبْس:
الذِّئبُ، أرادَ أَنَّهُ رجُل يُشْبِه الذِّئْبَ فِي حِرْصِه وشَرَهِه. قَالَ الحرْبي. أظنُّه أَرَادَ لَقِسٌ:
أَيْ شَرِهٌ حريصٌ.

(طَبْطَبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَم «وَمَعَهُ دِرَّة كَدرَّة الكُتّابِ، فَسَمِعَتِ الْأَعْرَابَ يَقُولُونَ: الطَّبْطَبِيَّة الطَّبْطَبِيَّة» قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ حكايةُ وقْع السِّياط. وَقِيلَ: حكايةُ وقْع الأقْدَام عِنْدَ السَّعي. يريدُ أَقْبَلَ الناسُ إليه يَسْعَون ولأقْدَامِهم طَبْطَبَة: أي صوتٌ. ويحتمل
__________
(1) زيادة من الهروي، وقال: وقال ابن حمُّويه: سُئل شَمِر عن الطَّبْج، بالجيم وسكون الباء فقال: هو الضرب على الشىء الأجوف كالرأس وغيره.
(3/111)

أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا الدَّرَّة نَفْسَها، فَسَمَّاهَا طَبْطَبِيَّة، لِأَنَّهَا إِذَا ضُرِبَ بِهَا حكَت صَوت طَبْ طَبْ، وَهِيَ منصوبَةٌ عَلَى التَّحذير، كَقَوْلِكَ: الأسدَ الأسَدَ، أَيِ احذَرُوا الطَّبْطَبِيَّة.

(طَبَعَ)
(هـ) فِيهِ «مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَع مِنْ غَيْرِ عُذْر طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبه» أَيْ خَتَم عَلَيْهِ وغشَّاه ومنَعه ألطافَه. والطَّبْع بِالسُّكُونِ: الخَتْم، وبالتَّحريك: الدَّنَسُ. وأصلُه مِنَ الوَسَخ والدنَس يَغْشَيان السَّيف. يُقَالُ طَبِعَ السيفُ يَطْبَعُ طَبَعاً. ثُمَّ استُعمِل فِيمَا يُشْبِه ذَلِكَ مِنَ الأوزَارِ والآثامِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَقَابِحِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طَمَع يَهْدي إِلَى طَبَعٍ» أَيْ يُؤَدِّي إِلَى شَيْن وعَيْب. وَكَانُوا يَروْن أَنَّ الطَّبَع هُوَ الرَّينْ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّين أيسرُ مِنَ الطَّبَع، والطَّبَع أيسرُ مِنَ الإْقَفال، وَالْإِقْفَالُ أشدُّ ذَلِكَ كُلّه.
وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
وقوله:
«أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «لَا يتزوَّج مِنَ الَعَرب فِي المَوالِي إِلَّا الطَّمِعُ الطَّبِع» .
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «اخْتِمْه بآمينَ، فإنَّ آمينَ مثلُ الطَّابَع عَلَى الصَّحيفة» الطَّابَع بِالْفَتْحِ: الخاتَم. يريدُ أَنَّهُ يُخْتم عَلَيْهَا وتُرْفع كَمَا يَفعل الإنسانُ بِمَا يَعزُّ عَلَيْهِ.
(هـ) وَفِيهِ «كُلّ الخِلال يُطْبَعُ عَلَيْهَا المؤمنُ إلاَّ الخِيانَة والكذبَ» أَيْ يُخْلق عَلَيْهَا. والطِّبَاع: مَا رُكّب فِي الْإِنْسَانِ مِنْ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا يَكَادُ بزوالها «1» مِنَ الخَير والشَّرِّ. وَهُوَ اسمٌ مُؤَنَّثٌ عَلَى فِعَال، نَحْوَ مِهاد وَمِثَالٍ، والطَّبَع: الْمَصْدَرُ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «وسُئِل عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ فَقَالَ: هُوَ الطِّبِّيع فِي كُفُرَّاه» الطِّبِّيع بِوَزْنِ القِنْديل: لُبُّ الطَّلْع. وكُفُرَّاه وكافُوره: وعَاؤُه.
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَلْقَى الشَّبكةَ فطَبَّعَها سَمكا» أَيْ ملأَها. يُقَالُ تَطَبَّعَ النَّهْرُ:
أَيِ امتْلأ. وطَبَّعْتُ الإناء: إذا ملأته.
__________
(1) الذي في الهروي: التي لا يزايلها» .
(3/112)

(طَبَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيثاً طَبَقاً» أَيْ مالِئاً لِلْأَرْضِ مُغَطْيِّاً لَهَا. يُقَالُ غَيثٌ طَبَقٌ: أَيْ عامٌّ واسعٌ.
(هـ) ومنه الحديث «لله مائةُ رْحمةٍ، كُلُّ رْحمةٍ مِنْهَا كطِبَاق الْأَرْضِ» أَيْ كغِشَائها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَوْ أنَّ لِي طِبَاقَ «1» الْأَرْضِ ذَهباً» أَيْ ذَهباً يُعم الْأَرْضَ فيكونُ طَبَقاً لَهَا.
(هـ) وَفِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ:
إِذَا مَضَى عالَم بدَا طَبَقٌ يَقُولُ: إِذَا مَضَى قَرْنٌ بَدَا قَرْنٌ. وَقِيلَ للقَرْن طَبَق، لِأَنَّهُمْ طَبَق لِلْأَرْضِ ثُمَّ ينْقَرضُون وَيَأْتِي طَبَق آخَر.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قُرَيشٌ الكَتَبةُ الحَسَبةُ مِلْحُ هَذِهِ الأمَّة، عْلم عَالمِهم طِبَاقُ الْأَرْضِ» .
[هـ] وَفِي رِوَايَةٍ «علمُ عالِم قُرَيشٍ طَبَقُ الْأَرْضِ» (س) وَفِيهِ «حِجابُه النُّور لَوْ كُشِفَ طَبَقُه لأَحْرَق سُبحاتُ وجْهه كلَّ شَيْءٍ أدْرَكه بَصُره» الطَّبَق: كلُّ غِطاء لَازِمٍ عَلَى الشَّيْءِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي أشْراط السَّاعة «تُوصَل الأَطْبَاق وتُقْطَع الأرْحام» يَعْنِي بالأَطْبَاق البُعَداء والأجانِبَ، لِأَنَّ طَبَقَات النَّاسِ أصنافٌ مُخْتَلِفة.
(س) وَفِي حَدِيثُ أَبِي عَمْرٍو النَّخَعِيِّ «يَشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أَطْبَاق الرَّأْسِ» أَيْ عِظَامه فَإِنَّهَا مُتَطَابِقَة مُشْتبكة كَمَا تَشْتَبك «2» الأصابعُ. أرادَ الْتِحَام الحرْب والاخْتلاطَ فِي الْفِتْنَةِ.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ أُخْبِرَ بأمْرٍ فَقَالَ: إحْدى المُطْبِقَات» يُرِيدُ إحْدى الدَّواهي والشَّدائد الَّتِي تُطْبِقُ عَلَيْهِمْ. وَيُقَالُ للدَّواهي بَنَاتُ طَبَقٍ.
__________
(1) في الهروي: «أطباق الأرض» .
(2) في ا: «مشَّبكة كما تُشَّبك» . والمثبت من الأصل واللسان.
(3/113)

[هـ] وَفِي حَدِيثُ عِمران بْنِ حُصَين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ غُلاَما أَبَقَ لَهُ فَقَالَ: لأقطعَنَّ مِنْهُ طَابِقاً إنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ» أَيْ عُضْوا، وجَمعهُ طَوَابِق. قَالَ ثَعْلب: الطَّابِق والطَّابَق: العُضو مِنْ أعْضاءِ الْإِنْسَانِ كاليَدِ والرّجْلِ وَنَحْوَهُمَا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّمَا أُمِرْنْا فِي السَّارق بقَطْع طَابَقِهِ» أَيْ يَدِهِ.
وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ «فخبَزْت خُبْزا وشَويتُ طَابَقاً مِنْ شَاةٍ» أَيْ مِقْدَار مَا يَأْكُلُ مِنْهُ اثْنانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ كَان يُطَبِّقُ فِي صَلاته» هُوَ أَنْ يَجْمع بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيه ويَجْعَلَهما بَيْنَ ركْبتيه فِي الرُّكُوعِ والتشَهُّد.
(هـ) وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «وتَبَقى أصلابُ المُنَافقين طَبَقاً وَاحِدًا» الطَّبَق: فَقار الظَّهْرِ، واحدتُها طَبَقَة، يُرِيدُ أَنَّهُ صَار فَقارُهم كُلُّه كالفَقَارة الواحدَة، فَلَا يقْدِرُون عَلَى السُّجود.
(هـ س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «قَالَ لمُعَاوية: وايمُ اللَّهِ لَئِنْ مَلكَ مَرْوان عِنان خَيْلٍ تَنْقادُ لَهُ [فِي عُثْمان «1» ] ليَركَبَنَّ مِنْكَ طَبَقاً تخافُه» يُرِيدُ فَقَار الظَّهْرِ: أَيْ ليَرْكَبَن مِنْكَ مَرْكباً صَعْبَاً وَحَالًا لَا يُمكنك تَلاَفيها. وَقِيلَ أَرَادَ بالطَّبَق الْمَنَازِلَ وَالْمَرَاتِبَ: أَيْ ليرْكَبَنَّ مِنْكَ منزِلة فَوْقَ منْزِلة فِي العَدَاوة.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ مَسْأَلَةً فأفْتَاه، فَقَالَ: طَبَّقْتَ» أَيْ أصَبْت وَجْهَ الفُنْيَا. وأصلُ التَّطْبِيق إصابةُ المَفْصَل، وَهُوَ طَبَق الْعَظْمَيْنِ: أَيْ مُلْتَقَاهُمَا فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «زَوْجي عيَايَاءُ طَبَاقَاء» هُوَ المُطْبَق عَلَيْهِ حُمقا. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي أُمُورُهُ مُطْبَقَة عَلَيْهِ: أَيْ مُغَشَّاة. وَقِيلَ هُوَ الذَّي يَعْجِز عَنِ الْكَلَامِ فتَنْطَبِقُ شَفتاه.
(هـ) وَفِيهِ «أنَّ مَرْيم عَلَيْهَا السلامُ جاعَت فجاءَ طَبَقٌ مِنْ جَرَادٍ فصادَت مِنْهُ» أَيْ قَطِيعٌ مِنَ الْجَرَادِ.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاق ثلاثٍ» أَيْ أحْوالٍ، واحدُها طَبَق.
__________
(1) سقط من الهروي.
(3/114)

(س) وَفِي كِتَابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «كَمَا وافقَ شنٌّ طَبَقَهْ» هَذَا مثلٌ للعَرَب يُضْرَب لكلِّ اثْنَيْنِ أَوْ أمْرَين جمعتْهما حالةٌ واحدةٌ اتَّصف بِهَا كلٌّ مِنْهُمَا. وأصلُه فِيمَا قِيلَ:
إِنَّ شَنَّاً قبيلةٌ مِنْ عَبْد القَيْس، وطَبَقاً حيٌّ مِنْ إِيَادٍ، اتفَقُوا عَلَى أمْرٍ فَقِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ، لِأَنَّ كلَّ واحدٍ مِنْهُمَا وافَقَ شَكله ونَظيِره.
وَقِيلَ شَنٌّ: رجلٌ مِنْ دُهاة العربِ، وطَبَقَة: امرأةٌ مِنْ جِنْسه زُوَّجت مِنْهُ، وَلَهُمَا قصَّة.
وقيل الشَّنَ: وعاء من أَدَم تَشَنَّن: أَيْ أخْلَق فَجَعَلُوا لَهُ طَبَقاً مِنْ فَوْقِه فَوَافَقَهُ، فَتَكُونُ الْهَاءُ فِي الْأَوَّلِ لِلتَّأْنِيثِ، وَفِي الثَّانِي ضَمِيرُ الشَّنّ.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ وصَفَ مَنْ يَلي الأمرَ بَعْدَ السُّفْياني فَقَالَ:
يكونُ بَيْنَ شثٍّ وطُبَّاق» هُمَا شَجَرتانِ تكونانِ بالحجازِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الشِّينِ.
وَفِي حَدِيثِ الحجَّاج «فقال الرجل: قُمْ فاضْرِب عُنُق هَذَا الْأَسِيرِ، فَقَالَ: إِنَّ يَدِي طَبِقَة» هِيَ الَّتِي لَصِق عَضُدُها بجنْبِ صَاحِبِهِ فَلَا يَسْتطيع أَنْ يُحرِّكها.

(طَبَنَ)
(هـ) فِيهِ «فطَبِنَ لَهَا غُلامٌ رُوميٌّ» أصلُ الطَّبَن والطَّبَانَة: الفِطْنةُ. يُقَالُ: طَبِنَ لِكَذَا طَبَانَة فَهُوَ طَبِنٌ: أَيْ هَجَمَ عَلَى بَاطِنِهَا وخَبر أمْرَها وَأَنَّهَا مِمَّنْ تُوَاتِيه عَلَى المُراوَدَة. هَذَا إِذَا رُوي بِكَسْرِ الباءِ، وَإِنْ رُوي بِالْفَتْحِ كَانَ مَعْنَاهُ خَيَّبها وأفْسَدَها.

(طَبَا)
فِي حَدِيثِ الضَّحَايَا «وَلَا المُصْطَلَمَة أَطْبَاؤُها» أَيِ المَقْطوعة الضُّرُوع. والأَطْبَاء:
الأخْلاف، واحدُها: طُبْي بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ. وَقِيلَ «1» يُقال لِمَوْضِعِ الأخْلاف مِنَ الْخَيْلِ والسِّباع: أَطْبَاء.
كَمَا يُقَالُ فِي ذَوات الخُفِّ والظِّلْف: خِلْف وضَرْع.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ «قَدْ بَلَغَ السَّيلُ الزُّبَى وجاوزَ الحزامُ الطُّبْيَيْنِ» هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ المُبالغةِ فِي تَجاوُز حَدّ الشَّرِّ وَالْأَذَى، لِأَنَّ الْحِزَامَ إِذَا انْتَهى إِلَى الطُّبْيَيْنِ فَقَدِ انْتَهَى إلى أبْعَد غاياته، فكيف إذا جاوَزه!
__________
(1) في الأصل: «وقد يقال» والمثبت من او اللسان. وتقوِّيه عبارة الهروي في حديث عثمان: «ويقال» .
(3/115)

وَمِنْهُ حَدِيثُ ذِي الثُّدَيَّة «كَأَنَّ إِحْدَى يَدَيه طُبْيُ شاةٍ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «إِنَّ مُصْعَبا اطَّبَى القلوبَ حَتَّى مَا تَعْدِلُ بِهِ» أَيْ تَحبَّب إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ وقَرَّبَها مِنْهُ. يُقَالُ طَبَاه يَطْبُوه ويَطْبِيه إِذَا دَعاه وصَرَفه إِلَيْهِ واخْتارَه لنَفْسه. واطَّبَاه يَطَّبِيه، افْتَعَل مِنْهُ، فقُلِبَت التاءُ طَاءً وأُدْغمت.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْحَاءِ

(طَحَرَ)
(س) فِي حَدِيثِ النَّاقَةِ القَصْواء «فسَمِعْنا لَهَا طَحِيراً» الطَّحِير:
النَّفَس الْعَالِي.
وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بنِ يَعْمَر «فَإِنَّكَ تَطْحَرُها» أَيْ تُبْعِدها وتُقْصِيها. وَقِيلَ أَرَادَ تَدْحَرُها، فَقُلِبَ الدَّالُّ طَاءً، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والدحْرُ: الإبْعَادُ. والطَّحْر أيضا: الجماع والتمدّد.

(طحرب)
(هـ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمان وَذَكَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فقال: «تدْنُو الشمسُ من رُؤوس الناسِ وَلَيْسَ عَلَى أحدٍ مِنْهُمْ طُحْرُبَة» الطُّحْرُبَة بِضَمِّ الطَّاءِ وَالرَّاءِ، وَبِكَسْرِهِمَا «1» وَبِالْحَاءِ والخاءِ: اللباسُ. وَقِيلَ الخِرْقة. وأكثرُ مَا يستعملُ فِي النَّفْي.

(طَحَنَ)
فِي إِسْلَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فأخْرَجَنا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَفَّيْنِ، لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِين» . الْكَدِيدُ: التُّرَابُ النَّاعِمُ. والطَّحِين: المَطْحُون، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْخَاءِ

(طَخْرَبَ)
فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ «وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ طُخْرُبَة» وَقَدْ تقدَّم فِي الطَّاءِ مَعَ الْحَاءِ.

(طَخَا)
[هـ] فِيهِ «إِذَا وجَدَ أحدُكم طَخَاءً عَلَى قَلْبه فلْيأكل السَّفرجَلَ» الطَّخَاء: ثِقَلٌ وَغَشْي، وأصلُ الطَّخَاء والطَّخْيَة «2» : الظلمة والغيم.
__________
(1) في الدر النثير: «زاد الفارسي: وبالفتح» . اه ويوافقه ما فى القاموس (طحرب) .
(2) الطخية، مثلثة الطاء. القاموس (طخا) .
(3/116)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ للقلبِ طَخَاء كطَخَاء القَمر» أَيْ مَا يُغَشِّيه مِنْ غَيم يُغَطِّي نُوره.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الرَّاءِ

(طَرَأَ)
(س) فِيهِ «طَرَأَ عليَّ حِزْبي مِنَ القُرْآن» أَيْ ورَدَ وأقبَل. يُقَالُ طَرَأَ يَطْرَأُ مَهْمُوزًا إِذَا جَاءَ مُفَاجَأَةً، كَأَنَّهُ فَجِئَهُ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّي فِيهِ ورْدَه مِنَ القِراءةِ، أَوْ جَعَل ابتدَاءه فِيهِ طُرُوءاً مِنْهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ يُتْرَكُ الْهَمْزُ فِيهِ فَيُقَالُ طَرَا يَطْرُو طُرُوّاً. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(طَرِبَ)
(س) فِيهِ «لَعن اللَّهُ مَنْ غيَّر المَطْرَبَة والمقْرَبة» المَطْرَبَة: واحدةُ المَطَارِب، وَهِيَ طُرُق صغَار تَنْفُذ إِلَى الطُرق الكِبارِ. وَقِيلَ هِيَ الطُّرُق الضَّيِّقة المُتَفرِّقة. يُقَالُ طَرَّبْتُ عَنِ الطَّرِيقِ:
أَيْ عَدَلْتُ عَنْهُ.

(طَرْبَلَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا مرَّ أحدُكم بطِرْبَال مائِل فليُسْرع المَشْيَ» هُوَ البنَاء المُرْتفع كالصَّومَعة والمنْظَرة مِنْ مَناَظر العَجَم. وَقِيلَ: هُوَ عَلَمٌ يُبْنَى فوقَ الجبَل، أَوْ قطْعة مِنْ جبَل.

(طَرَثَ)
فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ «حَتَّى ينْبُت اللَّحم عَلَى أجْسادهم كَمَا تنْبُت الطَّرَاثِيث عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» هِيَ جمعُ طُرْثُوث، وَهُوَ نَبْت يَنْبَسِط عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كالفُطُر.

(طَرِدَ)
(هـ) فِيهِ «لَا بأسَ بِالسِّبَاقِ مَا لَمْ تُطْرِدْهُ ويُطْرِدْك» الإِطْرَاد: هُوَ أَنْ تَقُولَ:
إِنْ سَبَقْتَني فلَك علىّ كذا، وإن سبقك فَلِي عَلَيْكَ كَذَا.
وَفِي حَدِيثِ قِيَامِ اللَّيْلِ «هُو قُرْبة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ومَطْرَدَة الدَّاء عَنِ الْجَسَدِ» أَيْ أَنَّهَا حالةٌ مِنْ شَأنها إبعادُ الدَّاء، أَوْ مكانٌ يختصُّ بِهِ ويُعْرَف، وَهِيَ مَفْعَلة مِنَ الطَّرْد.
وَفِي حَدِيثِ الإسْراء «فَإِذَا نَهرَان يَطَّرِدَان» . أَيْ يَجْريان، وَهُمَا يَفْتعلان، مِنَ الطَّرْد.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كنتُ أُطَارِد حَيَّةً» أَيْ أُخَادِعُها لأصيدَها. وَمِنْهُ طِرَاد الصَّيْدِ.
(3/117)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَطْرَدْنَا المْعَترِفين» يُقَالُ أَطْرَده السُّلْطَانُ وطَرَّدَه إِذَا أخْرَجَه عَنْ بلَده. وحَقيقَتُه أَنَّهُ صيَّرَه طَرِيدا. وطَرَدْتُ الرجلَ طَرْداً إِذَا أبْعَدْته، فَهُوَ مَطْرُود وطَرِيد (هـ) وَفِي حَدِيثِ قَتادَة «فِي الرَّجُلِ يتوضَّأُ بالماءِ الرَّمِدِ وَبِالْمَاءِ الطَّرِد» هُوَ الَّذِي تَخُوضُه الدَّواب، سُمِّي بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَطَّرِدُ فِيهِ بخَوضه، وتَطْرُدُه أَيْ تَدفَعُه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّهُ صَعِد المنْبَر وَفِي يَدِهِ طَرِيدَة» . أَيْ شُقَّةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ حَرير.

(طَرُرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «فنشَأت طُرَيْرةٌ مِنَ السَّحاب» الطُّرَيْرَة: تَصْغِير الطُّرَّة، وَهِيَ قِطْعة مِنَ السَّحَاب تَبْدُو «1» مِنَ الْأُفُقِ مُسْتَطِيلَةً. وَمِنْهُ طُرَّة الشَّعَر والثَّوْب:
أَيْ طَرَفه.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ أعْطى عُمَر حُلَّة وَقَالَ: لَتُعْطينَّها بعضَ نسائِك يتَّخِذْنها طُرَّات بينَهُنَ» أَيْ يُقَطِّعَنها ويتَّخِذْنها مَقَانع «2» . وطُرَّات: جَمْعُ طُرَّة.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَتَخِذْنَها طُرَّات أَيْ قِطَعاً، مِنَ الطَّرِّ: وَهُوَ القَطْع.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّهُ كَانَ يَطُرُّ شاربَه» أَيْ يَقُصُّه.
(س) وَحَدِيثُ الشَّعْبِي «يُقْطع الطَّرَّار» هُوَ الَّذِي يشقّ كمّ الرّجل ويسلّ ما فيه، ومن الطَّرِّ: القَطْع والشَّق.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ قَامَ مِنْ جَوْز اللَّيل وَقَدْ طُرَّت النجومُ» أَيْ أضَاءَت.
وَمِنْهُ «سيفٌ مَطْرُور» أَيْ صَقِيل.
وَمَنْ رَوَاه بِفَتْحِ الطَّاء أَرَادَ: طَلَعت. يُقَالُ طَرَّ النباتُ يَطُرُّ إِذَا نَبَت، وَكَذَلِكَ الشَّارب.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ «إِذَا طَرَرْتَ مَسْجِدَك بمَدَرٍ فِيهِ رَوُثٌ فَلَا تُصَلّ فِيهِ حتى
__________
(1) في الهروي: «تبدأ» .
(2) في الهروي: «ستورا» . قال في القاموس (قنع) : والمِقْنَع والمقْنَعة- بكسر ميمهما- ما تُقَنِّع به المرأة رأسها.
(3/118)

تَغْسِلَه السَّمَاءُ» أَيْ إِذَا طَيَّنَتْه وزَيَّنْتَه. مِنْ قَوْلِهِمْ رجُل طَرِير: أَيْ جَميلُ الوَجْه.
وَفِي حَدِيثِ قُس.
ومَراداً لمَحشر الخلْق طُرّاً أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ منصوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ.

(طَرَزَ)
فِيهِ «قَالَتْ صَفِيَّة لزَوجَات النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ فيكُنَّ مِثْلي؟
أَبِي نبيٌّ، وَعَمِّي نبيٌّ، وَزَوْجِي نبيٌّ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمها لِتَقول ذَلِكَ لهُنَّ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: لَيْسَ هَذَا مِنْ طِرَازِك» أَيْ لَيْسَ هَذَا مِنْ نَفْسِك وقَرِيحَتِك. والطِّرَاز فِي الأصْل:
الموْضعُ الَّذِي تُنْسجُ فِيهِ الثَّيابُ الجِيَادُ. وَيقال للإنسانِ إِذَا تكلَّم بِشَيْءٍ جَيّد اسْتِنْباطاً وقَريحَةً: هَذَا مِنْ طِرَازِه.

(طَرَسَ)
(س) فِيهِ «كَانَ النَّخَعي يأتِي عبِيدَةَ فِي الْمَسَائِلِ، فَيَقُولُ عُبَيْدَةُ: طَرِّسْها يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ» طَرِّسْها: أَيِ اُمْحُها. يَعْنِي الصَّحِيفة. يُقَالُ طَرَّسْتُ الصَّحيفة إِذَا أنعمتَ مَحْوَها.

(طَرْطَبَ)
(س [هـ] ) فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ وَقَدْ خَرَج مِنْ عِنْدِ الحجَّاج فَقَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أُحَيْوِلَ يُطَرْطِبُ شُعَيرات لَهُ» يُريد يَنْفُخُ بشَفَتَيه فِي شَاربه غَيظاً أَوْ كبْراً «1» والطَّرْطَبَة:
الصَّفِير بالشَّفَتين للضَّأن.
أَخْرَجَهُ الْهَرَوِيُّ عَنِ الْحَسَنِ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ النَّخَعي «2» .
(س) وَفِي حَدِيثِ الأَشْتر «فِي صِفَة امْرأة أَرَادَهَا ضَمْعَجًا طُرْطُبّاً» الطُّرْطُبّ:
العَظيمةُ الثَدْيَيْنِ.

(طَرَفَ)
(هـ) فِيهِ «فَمَالَ طَرَفٌ مِنَ المُشركين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ قِطْعَةٌ مكنهم وَجَانِبٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ.
(هـ) وَفِيهِ «كَانَ إِذَا اشْتَكى أحدُهم لَمْ تنْزل البُرْمَةُ حَتَّى يَأتِيَ عَلَى أحَدِ طَرَفَيْهِ» أي حتى
__________
(1) في الأصل: «أي كِبْرا» . وفي اللسان: «وكِبرا» . واعتمدنا ما فى اوالفائق 2/ 82.
(2) إنما أخرجه الزمخشريّ عن الحسن. انظر الفائق 2/ 82.
(3/119)

يُفِيقَ مِنْ عِلَّته أَوْ يَمُوت، لِأَنَّهُمَا مُنْتهى أَمْرِ الْعَلِيلِ. فَهُمَا طَرَفَاه: أَيْ جَانِبَاه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ «قَالَتْ لابْنها عَبْدِ اللَّهِ: مَا بِي عَجَلةٌ إِلَى الْمَوْتِ حتَّى آخُذَ عَلَى أحَدِ طَرَفَيْك: إمَّا أَنْ تُسْتَخْلفَ فَتَقُرَّ عَيْني، وإمَّا أَنْ تُقْتَلَ فأحْتَسِبَك» .
وَفِيهِ «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُعِل فِي سَرَبٍ وَهُوَ طِفْل، وجُعِل رزْقُه فِي أَطْرَافه» أَيْ كَانَ يَمُصُّ أصابِعَه فيَجِدُ فِيهَا مَا يُغَذّيه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ قَبيصَة بْنِ جَابِرٍ «مَا رأيتُ أقْطَعَ طَرَفاً مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ» يُريد أمْضى لِساناً مِنْهُ. وطَرَفَا الْإِنْسَانِ لِسَانه وذَكَره.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: «لَا يُدْرَي أيُّ طَرَفَيْه أطْوَل» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ طاوُس «إنَّ رَجُلًا واقَعَ الشَّرَاب الشَّديدَ فَسُقِي فَضَرِي، فَلَقد رأيتُه فِي النِّطَع وَمَا أدْرِي أيُّ طَرَفَيْه أسْرَع» أَرَادَ حَلْقَه ودُبُرَه: أَيْ أصابَهُ القَيءُ والإسهالُ فَلَمْ أدْر أيّهُما أسْرَع خُرُوجا مِنْ كَثْرتِه.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «قَالَتْ لِعَائِشَةَ: حُمَادَياتُ النِّسَاءِ غَضُّ الأَطْرَاف» أرادَت قَبْضَ الْيَدِ والرِّجل عَنِ الحَرَكَة والَّسير. يَعْنِي تَسْكين الأَطْرَاف وَهِيَ الأعْضَاء.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هِيَ جَمْعُ طَرْف الْعَيْنِ، أَرَادَتْ غَضّ البَصَر.
قَالَ الزَّمخشري: «الطَّرْف لَا يُثَنّي وَلَا يُجمَع لِأَنَّهُ مَصْدر، وَلَوْ جُمِعَ فَلَمْ يُسْمع فِي جَمْعه أَطْرَاف، وَلَا أَكَادُ أشُكّ أَنَّهُ تَصْحيف، والصوابُ «غَضُّ الإطْرَاق» : أَيْ يَغْضُضْن مِنْ أبْصَارِهِنَّ مُطرِقاتٍ رَامِيَاتٍ بأبْصارهنَّ إِلَى الْأَرْضِ» «1» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ نَظَر الفُجْأة قَالَ: «أَطْرِفْ بَصَرك» أَيِ اصرِفْه عمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ وامْتَدَّ إِلَيْهِ. ويُرْوى بِالْقَافِ وسَيُذكر.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ زِيَادٍ «إنَّ الدُّنْيَا قَدْ طَرَفَتْ أعيُنَكم» أَيْ طَمحَتَ بأبْصَارِكم إِلَيْهَا، مِنْ قَولِهم امرأةٌ مَطْرُوفَة بالرِّجال، إِذَا كَانَتْ طَمَّاحة إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ طَرَفَتْ أعينُكم: أَيْ صَرَفَتها إِلَيْهَا.
__________
(1) انظر الفائق 1/ 586.
(3/120)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ «كَانَ لَا يَتَطَرَّفُ مِنَ البَوْل» : أَيْ لَا يَتَبَاعد، مِنَ الطَّرَف: النَّاحِيَةِ.
(س) وَفِيهِ «رأيتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مِطْرَفَ خَزٍّ» المِطْرَف بكَسر الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا:
الثوبُ الَّذِي فِي طَرَفَيْه عَلَمان. وَالْمِيمُ زائدةٌ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ «كَانَ عَمْرٌو لمُعَاوية كالطِّرَاف المَمْدُود» «1» الطِّرَاف: بيتٌ مِنْ أَدَم مَعْروف مِنْ بُيُوت الأعْرَاب.
(س) وَفِي حَدِيثِ فُضَيل «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصْلَعَ، فطُرِفَ لَهُ طَرْفَة» أصْلُ الطَّرْف: الضَّرب عَلَى طَرَفِ العَين، ثُمَّ نُقِل إِلَى الضرْب عَلَى الرَّأس.

(طَرَقَ)
(هـ س) فِيهِ «نَهي المُسافرَ أَنْ يأتيَ «2» أهْلَه طُرُوقاً» أَيْ ليْلا. وَكُلُّ آتٍ باللَّيل طَارِق. وَقِيلَ أصْلُ الطُّرُوق: مِنَ الطَّرْق وَهُوَ الدَّق. وسُمِّي الآتِي بِاللَّيْلِ طَارِقاً لحَاجته إِلَى دَقّ الْبَابِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّهَا خَارِقة طَارِقَة» أَيْ طَرَقَتْ بِخَير. وجمعُ الطَّارِقَة: طَوَارِق.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أعوذُ بِكَ مِنْ طَوَارِق اللَّيل إلاَّ طَارِقاً يَطْرُقُ بخَير» .
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الطُّرُوق فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «الطِّيَرَةُ والعِيافةُ والطَّرق مِنَ الجِبْت» الطَّرق: الضَّرب بِالْحَصَا الَّذِي يَفْعله النِّسَاءُ. وَقِيلَ هُوَ الخطُّ فِي الرَّمْل. وَقَدْ مرَّ تَفْسِيرُهُ فِي حَرْفِ الْخَاءِ.
(هـ) وَفِيهِ «فرَأى عَجُوزا تَطْرُقُ شَعَرا» هُو ضَرْب الصُّوف والشَّعَر بالقَضِيب لينْتَفِش.
__________
(1) فى ا «الممدّد» والمثبت من الأصل واللسان.
(2) في الأصل: «عن أن يأتي» وأسقطنا «عن» حيث لم ترد فى اواللسان والهروى.
(3/121)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «فِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَة الفَحْل» أَيْ يَعْلو الفَحلُ مِثْلها فِي سِنِّها. وَهِيَ فَعُولة بِمَعْنَى مَفْعُولة. أَيْ مَرْكُوبة للفَحْل. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَانَ يُصْبِح جُنُبا مِنْ غَير طَرُوقَة» أَيْ زَوجَةٍ. وَكُلُّ امْرأةٍ طَرُوقَة زَوْجها. وكلُّ نَاقَةٍ طَرُوقَة فحلِها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَمِنْ حقِّها إِطْرَاق فَحْلِها» أَيْ إِعَارَتُهُ للضِّراب. واسْتِطْرَاق الفَحل:
اسْتِعَارتُه لِذَلِكَ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ أَطْرَقَ مُسْلما فَعَقَّت لَهُ الفَرَس» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «مَا أُعْطي رجُل قَطُّ أفْضَل مِنَ الطَّرْق، يُطْرِقُ الرجلُ الفَحلَ فيُلْقِحُ مائةٍ، فيَذْهب حَيْرِيَّ دَهْرٍ» : أَيْ يَحْوِي أجْره أَبَدَ الآبِدين. والطَّرْق فِي الأصْل: ماءُ الفَحْل.
وَقِيلَ هُوَ الضِّراب ثُمَّ سُمِّى بِهِ الْمَاءُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «1» «والبَيْضَةُ منسُوبَة إِلَى طَرْقِها» أَيْ إِلَى فَحْلِهَا.
(هـ) وَفِيهِ «كأنَّ وجُوهَهم المجَانُّ المُطْرَقَة» أَيِ التِّراس التَّي أُلْبِسَت العَقَب شَيْئًا فوقَ شَيْءٍ.
وَمِنْهُ طَارَقَ النَّعل، إِذَا صَيَّرها طَاقاً فوقَ طاقٍ، وركَّب بعضَها فوقَ بَعْضٍ. ورَواه بعضُهم بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ للتَّكْثير. وَالْأَوَّلُ أشْهر.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَلبِسْتُ خُفَّين مُطَارَقَيْن» أَيْ مُطْبقين واحِدا فَوق الْآخَرِ. يُقَالُ أَطْرَقَ النَّعلَ وطَارَقَها. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ نَظَرِ الفُجْأة «أَطْرِقْ بصَرَك» الإِطْرَاق: أَنْ يُقْبل ببَصره إِلَى صَدْرِه ويَسْكُت سَاكِتا.
[هـ] وَفِيهِ «فأَطْرَقَ سَاعة» أَيْ سَكت.
وَفِي حَدِيثٍ آخر «فأَطْرَقَ رأسَه» أي أمَاله وأسْكَنه.
__________
(1) أخرجه الهروي من حديث عمرو. وضبط عمرو- بالقلم- بفتح العين وتسكين الميم. ولفظ الحديث فيه «البيضة منسوبة إلى طرقها» .
(3/122)

وَمِنْهُ حَدِيثُ زِيَادٍ «حَتَّى انْتَهكوا الحَرِيم، ثُمَّ أَطْرَقُوا ورَاءكم» : أَيِ اسْتَتَروا بِكُمْ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ النَّخَعي «الوُضوءُ بالطَّرْق أحَبُّ إليَّ مِنَ التيمُّم» الطَّرْق: الماءُ الَّذِي خَاضَته الإبلُ وبالَت فِيهِ وبَعَرت.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبير «وَلَيْسَ للشَّارب إلاَّ الرَّنْقُ والطَّرْق» .
وَفِيهِ «لَا أرَى أَحَدًا بِهِ طِرْق يَتخَلَّف» الطِّرْق بِالْكَسْرِ: القُوّة. وَقِيلَ الشَّحْم. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعمل فِي النَّفْي.
وَفِي حَدِيثِ سَبْرة «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَد لِابْنِ آدَمَ بأَطْرُقِهِ» هِيَ جَمْعُ طَرِيق عَلَى التَّأْنِيث، لِأَنَّ الطَّرِيق تُذَكر وتُؤَنْث، فجمعُه عَلَى التَّذكير: أَطْرِقَة، كرغِيفٍ وأرْغِفَة، وَعَلَى التَّأْنِيثِ:
أَطْرُق، كيَمين وأيُمن.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ هِنْدٍ:
نَحنُ بَنَات طَارِق نَمْشي علَىَ النَّمَارِقْ.
الطَّارِق: النَّجْم، أَيْ آبَاؤُنا فِي الشَّرَف والعُلُو كالنَّجْم.

(طَرَا)
(هـ) فِيهِ «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارى عِيسى بنَ مَرْيَمَ» الإِطْرَاء: مُجَاوَزةُ الحَدِّ فِي المَدْح، والكَذِبُ فِيهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَجْمِر بالأَلُوَّةِ غيرِ المُطَرَّاة» الأَلوَّة: الْعُودُ.
والمُطَرَّاة: الَّتِي يُعْمل عَلَيْهَا ألْوََانُ الطِّيب غَيْرَهَا كالعَنْبَرِ والمِسْك والكافُور.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ «عَسَل مُطَرَّى» أَيْ مُرَبّي بالأَفاوِيه.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أكَل قَدِيدا عَلَى طِرِّيَانٍ» قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الَّذِي تُسَميه العامَّة الطِّرْيَان.
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيت: هُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الزَّايِ

(طَزِجَ)
فِي حَدِيثِ الشِّعبي «قَالَ لِأَبِي الزّنادِ: تَأتِينا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ قسَيِةَّ، وتأخُذها مِنَّا طَازِجَة» القَسِيَّة: الرَّديئَة. والطَّازِجَة: الخَالِصَة المُنَّقاة، وكأنَّه تَعْريب تَازَه، بِالْفَارِسِيَّةِ.
(3/123)

بَابُ الطَّاءِ مَعَ السِّينِ

(طَسَأَ)
فِيهِ «إِنَّ الشَّيَطان قَالَ: مَا حَسَدْت ابْنَ آدَمَ إلاَّ عَلَى الطُّسْأَة «1» والحَقْوة» الطُّسْأَة: التُّخَمَة والهَيْضَةُ. يُقَالُ طَسِئَ إِذَا غَلَب الدَّسَم عَلَى قَلْبه. وطَسِئَتْ نفْسَه فهي طَاسِئَة منه.

(طسس)
في الحديث الْإِسْرَاءِ «واختَلَفَ إِلَيْهِ مِيكَائِيلُ بثلاثِ طِسَاس مِنْ زمزم» الطِّسَاس: جمع طَسّ طِسّ، وهو الطَّسْت الطِّسْت، والتاءُ فِيهِ بَدلٌ مِنَ السِّينِ، فجُمع عَلَى أصْله، ويُجْمع عَلَى طُسُوس أَيْضًا.

(طَسَقَ)
فِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيف فِي رَجُلين مِنْ أهْل الذِّمة أسْلَما:
ارْفَع الجِزْية عن رُؤُسِهما، وخُذِ الطَّسْق مِنْ أرْضَيْهما» الطَّسْق: الوَظِيَفة مِنْ خَرَاج الأرضِ المقرَّر عَلَيْهَا، وَهُوَ فَارِسي مُعَرَّب.

(طَسَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ مَكَّةَ «وسُكَّانها طَسْم وجَدِيسٌ» هُمَا قَومٌ مِنْ أهْل الزمَّان الأوَّل. وَقِيلَ طَسْم: حيٌّ مِنْ عَادٍ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الشِّينِ

(طَشَشَ)
(هـ) فِيهِ «اَلحَزَاءَة يَشْرَبُها أكَايسُ النِّساءِ للطَّشَّة» هِيَ دَاءٌ يُصِيبُ النَّاسَ كَالزُّكَامِ، سُمِّيَتْ طَشَّة لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَنْثَرَ صَاحِبُهَا طَشَّ كَمَا يَطِشُّ المَطَر، وَهُوَ الضعيفُ القليلُ مِنْهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الشَّعْبيّ وسَعيد فِي قَوْلِهِ تعالى وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً «2» قَالَ: طَشٌّ يَوْمَ بدرٍ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي طَشٍّ وَمَطَرٍ» .
__________
(1) ضبطت في الأصل بفتح الطاء. هنا وفي صفحة 417 من الجزء الأول. والصواب الضم.
(2) الآية 24 من سورة الروم. وانظر آية الأنفال 11.
(3/124)

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْعَيْنِ

(طَعِمَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ» يُقَالُ أَطْعَمَتِ الشَّجَرة إِذَا أَثْمَرَتْ، وأَطْعَمَتِ الثمرةُ إِذَا أدْركت. أَيْ صارَت ذَات طَعْم وَشَيْئًا يُؤْكل مِنْهَا. ورُوي «حَتَّى تُطْعَمَ» أَيْ تُؤْكل، وَلَا تُؤْكل إِلَّا إِذَا أدْركت.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الدَّجّال «أخْبرُوني عَنْ نَخْل بَيْسَانَ هَل أَطْعَمَ؟» أَيْ هَل أثْمَرَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «كرِجْرِجَة الماءِ لَا تُطْعِمُ» أَيْ لَا طَعْمَ لَهَا. يُقَالُ أَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا صار لها طَعْم. والطَّعْم بالفتح: ما يُؤَدِّيه ذَوقُ الشَّيْءِ مِنْ حَلاوةٍ وَمَرَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ حاصلٌ ومَنْفَعة. والطُّعْم بِالضَّمِّ: الأكلُ. ويُروى «لَا تَطَّعِم» بِالتَّشْدِيدِ. وَهُوَ تَفْتَعِلُ مِنَ الطَّعْم، كتَطَّرد مِنَ الطَّرْدِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «1» فِي زمْزَم «انَّها طَعَامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقم» أَيْ يَشبَعُ الإنسانُ إِذَا شَرِبَ ماءَها كَمَا يَشْبع مِنَ الطَّعَام.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكِلَابِ «إِذَا وَرَدْن الحَكَر الصَّغير فَلَا تَطْعَمْهُ» أَيْ لَا تَشْرَبه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ «مَا قَتلنا أَحَدًا بِهِ طَعْمٌ، مَا قَتَلْنا إِلَّا عَجَائز صُلعاً» هَذِهِ اسْتعارة:
أَيْ قَتَلْنَا مَنْ لَا اعْتِدَاَد بِهِ وَلَا مَعْرفة لَهُ وَلَا قَدْر. وَيَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الطَّاءِ وَضَمُّهَا، لِأَنَّ الشيءَ إِذَا لَمْ يكُن فِيهِ طُعْمٌ وَلَا لَهُ طَعْمٌ فَلَا جَدْوى فِيهِ لِلْآكِلِ وَلَا مَنْفَعة.
(هـ) وَفِيهِ «طَعَام الْوَاحِدِ يكْفِي الِاثْنَيْنِ، وطَعَام الِاثْنَيْنِ يكْفِي الأْرَبعة» يَعْنِي شِبَعُ الواحدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ، وشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ. ومثلُه قَوْلُ عُمَر عَامَ الرَّمادة: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُنْزِل عَلَى أَهْلِ كلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدهم، فإنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِك عَلَى نِصْفِ بَطْنه.
__________
(1) أخرجه الهروي من قول ابن عباس.
(3/125)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَة ثُمَّ قَبَضه جَعَلها لِلَّذي يقومُ بعدَه» الطُّعْمَة بِالضَّمِّ: شِبه الرِّزْق، يُريدُ بِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الفيءِ وَغَيْرِهِ. وجمعُها طُعَم.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ «إِنَّ السُّدُس الآخرَ طُعْمَة» أَيْ أَنَّهُ زيادَةٌ عَلَى حَقِّه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «وقِتَالٌ عَلَى كَسب هَذِهِ الطُّعْمَة» يَعْنِي الْفَيْءَ وَالْخَرَاجَ. والطِّعْمَة بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ: وَجْه المَكسب. يُقَالُ هُوَ طَيِّب الطُّعْمَة وخَبيث الطُّعْمَة، وَهِيَ بِالْكَسْرِ خاصَّةً حالةُ الْأَكْلِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلمة «فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بعدُ» أَيْ حَالَتِي فِي الْأَكْلِ.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ المُصَرَّاة «مَنِ ابْتاع مُصَرَّاةً فَهُوَ بخيْر النَّظَرين، إِنْ شَاءَ أمْسَكَها وَإِنْ شاءَ رَدَّها وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام لَا سَمْراء» الطَّعَام: عامٌّ فِي كُلِّ مَا يُقْتَات مِنَ الحنْطَة والشَّعير وَالتَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَحَيْثُ اسْتَثْنَى مِنْهُ السَّمْراء وَهِيَ الحنْطة فَقَدْ أَطْلَقَ الصَّاعَ فِيمَا عَدَاها مِنَ الأَطْعِمَة، إِلَّا أنَّ العُلماء خصُّوه بِالتَّمْرِ لأمْرَيْن: أحدُهما أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبَ عَلَى أَطْعِمَتِهِم، وَالثَّانِي أنَّ مُعْظَم رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا جاءَت صَاعًا مِنْ تَمر، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ «مِنْ طَعَام» ثُمَّ أعقَبه بالاستِثْناء فَقَالَ «لَا سَمْراء» ، حَتَّى إِنَّ الفُقَهاء قَدْ تَرَدَّدُوا فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ التَّمْرِ زَبِيبًا أَوْ قُوتاً آخَرَ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَبِع التَّوقيف، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآه فِي مَعْنَاهُ إِجْرَاءً لَهُ مُجْرى صَدَقَةِ الفِطْر. وَهَذَا الصاعُ الَّذِي أَمَرَ بردِّه مَعَ المُصَرَّاة هُوَ بَدَلٌ عَنِ اللَّبن الَّذِي كَانَ فِي الضَّرْع عِنْدَ العَقْد. وَإِنَّمَا لَمْ يجب ردّعين اللّبن أو مثله أو قيمت لأنَّ عَين اللَّبن لَا تَبْقى غَالِبًا، وَإِنْ بَقِيَتْ فَتَمْتزج بِآخَرَ اجْتمع فِي الضَّرْع بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى تَمَامِ الْحَلْبِ. وَأَمَّا المِثْلِيَّةُ فلأنَّ القَدْر إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بمِعيارِ الشَّرع كَانَتِ الْمُقَابَلَةُ مِنْ بَابِ الرِّبا، وَإِنَّمَا قُدّرَ مِنَ التَّمر دُون النَّقْد لفَقْدِه عندهُم غَالِبًا، وَلِأَنَّ التَّمْرَ يُشارك اللَّبن فِي المَالِيَّة والقُوتِيَّة. وَلِهَذَا المَعنى نصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ المُصَرَّّاة بِعَيب آخَرَ سِوَى التَّصْرِيَةِ رَد مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْر لأجْل اللَّبن.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «كُنَّا نخْرِج زَكَاةَ الْفِطْرِ «1» صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا
__________
(1) فى اواللسان «صدقة الفطر» . والمثبت من الأصل. وهو موافق لاصطلاح الشافعيين.
(3/126)

مِنْ شَعِيرٍ» قِيلَ أَرَادَ بِهِ البُرّ. وَقِيلَ التَّمر، وَهُوَ أشْبَه، لِأَنَّ البُرَّ كَانَ عِنْدهم قَلِيلًا لَا يَتَّسِع لإخْراج زَكَاةِ الفِطر. وَقَالَ الخليلُ: إنَّ الْعَالِيَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الطَّعَام هُوَ البُرُّ خاصَّة.
(س) وَفِيهِ «إِذَا اسْتَطْعَمَكُم الإمامُ فأَطْعِمُوه» أَيْ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءةِ الصَّلاةِ واسْتَفْتَحكم فافْتَحُوا عَلَيه ولَقِّنُوه، وَهُوَ مِنْ بَاب التَّمثِيل تَشْبيهاً بالطَّعَام، كأنَّهم يُدْخِلُون القِراءةَ فِي فِيهِ كَمَا يُدْخَل الطَّعَام.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «فاسْتَطْعَمْتُه الحديثَ» أَيْ طلبتُ مِنْهُ أَنْ يُحَدِّثني وَأَنْ يُذِيقَني طَعْمَ حَدِيثه.

(طَعَنَ)
(هـ) فِيهِ «فَنَاء أمَّتي بالطَّعْنِ والطَّاعُون» الطَّعْن: القتلُ بالرِّماح. والطَّاعُون:
المرضُ العامُّ والوَباء الَّذِي يَفْسد لَهُ الهَواءُ فتفسُدُ بِهِ الأمْزِجَة والأبْدَان. أرادَ أنَّ الغَالِب عَلَى فَنَاء الأَّمِة بالفِتَن الَّتِي تُسْفَك فِيهَا الدِّماءُ، وبالوَبَاء «1» .
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الطَّاعُون فِي الْحَدِيثِ. يُقَالُ طُعِنَ الرجُل فَهُوَ مَطْعُون، وطَعِين، إِذَا أصابَه الطَّاعُون.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَزلتُ عَلَى أَبِي هَاشِم بْنِ عُتْبة وَهُوَ طَعِين» .
وَفِيهِ «لَا يكونُ المُؤْمِن طَعَّاناً» أَيْ وقَّاعاً فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بالذَّم والغِيَبة وَنَحْوِهِمَا.
وَهُوَ فَعَّال، مِنْ طَعَنَ فِيهِ وعَليه بالقَول يَطْعَنُ- بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ- إِذَا عَابه. وَمِنْهُ الطَّعْن فِي النَّسَب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ رجَاء بْنِ حَيْوَة «لَا تُحَدِّثْنا عَنْ مُتَهَارِتٍ وَلَا طَعَّان» .
(س) وَفِيهِ «كَانَ إِذَا خُطِب إِلَيْهِ بعضُ بَنَاتِه أَتَى الخِدْر فَقَالَ: إنَّ فُلانا يَذْكُرُ فُلَانَةً، فَإِنْ طَعَنَتْ فِي الخِدْر لَمْ يُزَوّجْها» أَيْ طَعَنَتْ بأصْبُعها ويَدِها عَلَى السِّتر المُرْخى عَلَى الخِدْر. وَقِيلَ طَعَنَتْ فِيهِ: أَيْ دَخَلَته. وقد تقدم في الخاء.
__________
(1) الذي في الهروي في شرح هذا الحديث: «أراد- والله أعلم- بالطعن أن تصيب الإنسان نظرة من الجن فربما مات منه. وقيل الطعن أن يُقتل بالحديد، كأنه قال: فَناء أمَّتي بالفتن التي تسفَك فيها الدماء، وبالطاعون الذريع» .
(3/127)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ طَعَنَ بأَصْبُعِه فِي بَطْنِهِ» أَيْ ضَربه بِرَأْسِهَا.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَاللَّهِ لَوَدَّ مُعاوية أَنَّهُ مَا بَقِيَ من بني هاشم نافِخُ ضَرَمَة إلاَّ طَعَنَ فِي نَيْطه» يُقَالُ طَعَنَ فِي نَيْطه: أَيْ فِي جَنازته. وَمَنِ ابْتَدَأ بشيءٍ أَوْ دَخَله فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ. ويُروى «طُعِنَ» عَلَى مَا لَمْ يُسَم فاعِله. والنَّيْط: نِياطُ القَلْب وَهُوَ عِلاقَتُه.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْغَيْنِ

(طَغَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «يَا طَغَام الأحْلامِ» أَيْ يَا مَنْ لَا عَقْل لَهُ وَلَا مَعْرفة.
وقيل هم أوغاد الناس وأراذلهم.

(طغي)
(س) فِيهِ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بالطَّوَاغِي» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَلَا بالطَّوَاغِيت» فالطَّوَاغِي جَمْعُ طَاغِيَة، وَهِيَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونه مِنَ الأصْنام وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «هَذِهِ طَاغِيَة دَوْس وخَثْعَم» أَيْ صنَمْهم ومَعْبُوُدهم، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بالطَّوَاغِي مَن طَغَى فِي الكُفْر وجاوَزَ القَدْر فِي الشَّرِّ، وَهُمْ عُظَمَاؤُهُمْ ورُؤسَاؤهم. وَأَمَّا الطَّوَاغِيت فَجَمْعُ طَاغُوت وَهُوَ الشَّيْطَانُ أَوْ مَا يُزَيِّن لَهُمْ أَنْ يَعْبُدوه مِنَ الْأَصْنَامِ. وَيُقَالُ للصَّنم طَاغُوت. والطَّاغُوت يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا.
(س) وَفِي حَدِيثِ وَهْب «إنَّ للْعِلم طُغْيَاناً كطُغْيَان الْمَالِ» أَيْ يَحْمِل صاحبَه عَلَى التَّرَخُّصِ بِمَا اشْتَبه مِنْهُ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَيَتَرفَّع بِهِ عَلَى مَنْ دُونه، وَلَا يُعْطى حقَّه بِالْعَمَلِ بِهِ كَمَا يَفْعَل ربُّ الْمَالِ. يُقَالُ: طَغَوْتُ وطَغَيْتُ أَطْغَى طُغْيَاناً وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْفَاءِ

(طَفَحَ)
(هـ) فيه «مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا غُفِر لَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ طِفَاحُ الْأَرْضِ ذُنُوبا» أَيْ مِلْؤُها حَتَّى تَطْفَحُ: أَيْ تَفِيض.
(3/128)

(طَفَرَ)
(س) فِيهِ «فطَفَرَ عَنْ رَاحِلته» الطَّفْر: الوُثُوب، وقيل: هو وَثْبٌ في ارْتفَاع.
والطَّفْرَة: الوثبة.

(طفف)
(هـ) فيه «كلّكم بنو آدم طَفُّ الصّاعِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إلاَّ بالتَّقْوَى» أَيْ قَريبٌ بعضُكم مِنْ بَعْضٍ. يُقَالُ: هَذَا طَفُّ المِكْيال وطِفَافُهُ وطَفَافُهُ: أَيْ مَا قَرُب من ملئه. وقيل: هو ماعلا فَوْقَ رَأسِه. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: طُفَاف بِالضَّمِّ. وَالْمَعْنَى كُلُّكُم فِي الاْنِتساب إِلَى أبٍ واحدٍ بمنزلةٍ واحدةٍ فِي النْقصِ والتقَّاصُر عَنْ غَايَةِ التَّمام. وشبَّههُم فِي نُقْصانِهم بالمَكِيل الَّذِي لَمْ يَبْلُغ أَنْ يَمْلأ المِكْيال، ثُمَّ أعْلمهُم أَنَّ التَّفاضُل لَيْسَ بالنَّسَب ولكنْ بالتَّقْوَى.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ إِسْرَافِيلَ «حَتَّى كأنَّه طِفَافُ الْأَرْضِ» أَيْ قُرْبها.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «قَالَ لرجُل: مَا حبَسَكَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ؟ فَذَكَر لَهُ عُذْرا، فَقَالَ عُمَرُ:
طَفَّفْتُ» أَيْ نَقَصْتَ. والتَّطْفِيف يَكُونُ بِمَعْنَى الْوَفَاءِ والنَّقص.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «سَبَقْتُ الناسَ، وطَفَّفَ بِيَ الفَرس مَسْجدَ بَني زُرَيْق» أَيْ وَثَبَ بِي حَتَّى كادَ يُساوي المسْجدَ. يُقَالُ: طَفَّفْتُ بفُلاَنَ موضعَ كَذَا: أَيْ رَفَعْتُه إِلَيْهِ وحَاذَيْتْه بِهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفة «أَنَّهُ اسْتَسقَى دهِقْاناً فَأَتَاهُ بقَدَحٍ فضَّة فحذَفه بِهِ، فَنَكَّس الدِّهْقان وطَفَّفَه القدحُ» أَيْ عَلا رَأْسَه وتَعدَّاه.
وَفِي حَدِيثِ عرضِ نَفْسِه عَلَى الْقَبَائِلِ «أَمَّا أحدُهما فطُفُوفُ البَرِّ وأرْض العَرَب» الطُّفُوف:
جمعُ طَفّ، وَهُوَ سَاحِل البَحْر وَجَانِبُ البرِّ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ يُقْتَل بالطَّفِّ» سُمّي بِهِ لِأَنَّهُ طَرَف البرِّ ممَّا َيلي الفُرَات، وَكَانَتْ تَجْري يَوْمَئِذٍ قَرِيبًا مِنْهُ.

(طَفِقَ)
(هـ) فِيهِ «فطَفِقَ يُلْقي إِلَيْهِمُ الجَبوبَ» طَفِقَ: بِمَعْنَى أخَذَ فِي الفِعْل وجَعَل يَفْعَل، وَهِيَ مِنْ أَفْعَالِ المُقارَبةِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ، والجَبُوب: المَدَرُ.
(3/129)

(طَفُلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الاستسقَاء «وَقَدْ شُغَلت أمُّ الصَّبِيّ عَنِ الطِّفْل» أَيْ شُغِلَت بِنَفْسها عَنْ وَلَدها بِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الجَدْب.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
. وَقَوْلُهُمْ: وَقَع فُلان فِي أمْر لَا يُنَادَي وَلِيدُه، والطِّفْل: الصَّبِيُّ وَيَقَعُ عَلَى الذَّكر والأُنْثى والجماعة. ويقال طِفْلَة وأَطْفَال.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ «جَاءُوا بالعُوذ المَطَافِيل» أَيِ الْإِبِلِ مَع أوْلاَدِها. والمُطْفِل:
النَّاقةُ القريبَة العَهْد بِالنِّتَاجِ مَعَهَا طِفْلُهَا. يُقَالُ: أَطْفَلَتْ فَهِيَ مُطْفِل. ومُطْفِلَة. وَالْجَمْعُ مَطَافِل ومَطَافِيل بِالْإِشْبَاعِ. يريدُ أنَّهم جَاءُوا بأجمْعَهم كِبَارِهم وصغَارِهم.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فأقْبَلْتُمْ إليَّ إقبالَ العُوذ المَطَافِل» فجمَع بغيرِ إِشْبَاعٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَرِه الصلاةَ عَلَى الجَنَازة إِذَا طَفَلَتِ الشمسُ للغُرُوب» أَيْ دَنَتْ مِنْهُ. واسمُ تِلْكَ السَّاعة: الطَّفَل. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي شِعْرِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وطَفِيل قِيلَ: هُمَا جَبلاَن بنَواحِي مَكَّةَ. وَقِيلَ: عَيْنَان.

(طَفَا)
(هـ) فِيهِ «اقتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ والأبْتَرَ» الطُّفْيَة: خَوصَةُ الْمُقْلِ فِي الْأَصْلِ، وَجَمْعُهَا طُفًى. شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ اللَّذين عَلَى ظَهْر الحيَّة بخُوصَتَين مِنْ خُوص المُقْل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «اقْتُلوا الجَانَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ» .
(هـ) وَفِي صِفَةِ الدَّجّال «كَأَنَّ عَيْنَةُ عِنَبَةٌ طَافِيَة» هِيَ الحَبَّة الَّتِي قَدْ خَرجَت عَنْ حَدّ نَبتَةِ أخَوَاتها، فَظَهَرت مِنْ بَيْنِها وارْتَفعَت. وَقِيلَ: أرَادَ بِهِ الحَّبَة الطَّافِيَة عَلَى وجْه الماءِ، شَبَّه عينَة بِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/130)

بَابُ الطَّاءِ مَعَ اللَّامِ

(طَلَبَ)
فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ «قَالَ سُرَاقةُ: فاللهَ لَكُما أَنْ أُرّد عَنْكما الطَّلَبَ» هُوَ جمعُ طَالِب، أَوْ مَصْدَر أُقيم مُقَامه، أَوْ عَلَى حَذْف الْمُضَافِ: أَيْ أهْل الطَّلَب.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ «قَالَ لَهُ: أمْشي خَلْفَك أخْشَى الطَّلَب» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ نُقَادَة الأَسِدي «قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اطْلُبْ إليَّ طَلِبَةً فَإِنِّي أُحب أَنْ أُطْلِبَكَها» الطَّلِبَة: الحاجَةُ. والإِطْلَاب: إنجازُها وقَضاؤها. يُقَالُ: طَلَبَ إليَّ فأَطْلَبْتُه: أَيْ أسْعَفْته بِمَا طَلَبَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ «لَيْسَ لِي مُطْلِبٌ سِواك» .

(طَلَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَمَا بَرِح يُقاتِلهم حَتَّى طَلَحَ» أَيْ أعْيَا، يُقَالُ:
طَلَحَ يَطْلَحُ طُلُوحاً فَهُوَ طَلِيح، وَيُقَالُ: نَاقَةٌ طَلِيح، بِغَيْرِ هَاءٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَطيح «عَلَى جَمل طَلِيح» أَيْ مُعْيٍ.
وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
وَجِلْدُهَا مِنْ أَطومٍ لَا يُؤيّسُهُ ... طِلْحٌ بضَاحِيَة المَتْنَينِ مَهْزولُ
الطِّلْح بِالْكَسْرِ: القُرَاد، أَيْ لَا يُؤثِّر القُرادَ فِي جلْدها لِملاَسَتِه.
(س) وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ذكْر «طَلْحَة الطَّلَحَات» هُوَ رجُل مِنْ خُزَاعة اسمُه طَلْحَة بْنُ عُبَيد اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ:
رَحِم اللَّهُ أعْظُماً دَفَنُوها ... بِسجِسْتَانَ طَلْحَة الطَّلَحَات «1»
وَهُوَ غَيْرُ طَلْحَة بْنِ عُبَيد اللَّهِ التَّيميّ الصَّحابي. قِيلَ إنَّه جَمَعَ بَيْن مِائَةِ عَرَبِيٍّ وَعَرَبِيَّةٍ بِالْمَهْرِ وَالْعَطَاءِ الْوَاسِعَيْنِ، فَوُلد لكُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ ولَدٌ سُمِّي طَلْحَة فأضيفَ إِلَيْهِمْ. والطَّلْحَة فِي الأصْل:
واحِدَة الطَّلْح، وَهِيَ شَجَر عِظام مِنْ شَجَر العِضَاه.
__________
(1) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيّات. ديوانه ص 20 ط بيروت 1958 م والرواية فيه «نضَّر الله» .
(3/131)

(طَلَخَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازة فَقَالَ: أيُّكم يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَلَا يَدَع فِيهَا وثَنَاً إلا كَسره وَلا صُورة إلاَّ طَلَخَها» أَيْ لَطخَها بالطِّين حَتَّى يَطْمِسَها، مِنَ الطَّلْخ، وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى فِي أسْفل الحَوْض والغَدِير.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَوَّدَها، مِنَ اللَّيْلَةِ المُطْلَخِمَّة، عَلَى أَنَّ الميمَ زَائِدَةٌ.

(طَلِسَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ أمَرَ بِطَلْسِ الصُّوَر الَّتِي فِي الْكَعْبَةِ» أَيْ بِطَمْسها ومَحْوها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَطْلِسُ مَا قَبْله مِنَ الذُّنُوبِ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَا تدَعْ تِمْثَالاً إلاَّ طَلَسْتَه» أَيْ مَحْوته.
وَقِيلَ: الأصلُ فِيهِ الطُّلْسَة، وَهِيَ الْغُبْرَةُ إِلَى السَّوَادِ. والأَطْلَس: الْأَسْوَدُ والوسِخُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَأتي رِجَالًا طُلْساً» أَيْ مُغْبَرَّة «1» الألْوان، جمعُ أَطْلَس.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ قطعَ يَدَ مُوَلَّد أَطْلَسَ سَرَق» أرادَ أَسْوَدَ وسِخا. وَقِيلَ الأَطْلَس: اللِّص، شُبِّه بالذِّئب الَّذِي تَسَاقط شَعَره.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ عَامِلًا وفَدَ عَلَيْهِ أشْعَث مُغْبرًّا عَلَيْهِ أَطْلَاس» يَعْنِي ثِياباً وَسِخَة. يُقَالُ: رجُل أَطْلَس الثَّوب: بَيِّن الطُّلْسَة.

(طَلَعَ)
(هـ س) فِيهِ فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ «لكُل حَرْفٍ حَدٌّ، ولكلِّ حدٍّ مُطَّلَعٌ» أَيْ لِكلِّ حَدٍّ مَصْعَد يُصْعَد إِلَيْهِ مِنْ مَعْرفة عِلْمِه. والمُطَّلَع: مَكان الاطِّلَاع مِنْ موضِع عالِ. يُقَالُ:
مُطَّلَع هَذَا الجَبل مِنْ مَكَانِ كَذَا: أَيْ مَأْتَاه ومَصْعَدُه.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنَّ لِكلِّ حَدٍّ مُنْتَهكاً ينْتَهكه مُرْتَكِبُه: أَيْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ لَمْ يُحرّم حُرمةً إلاَّ عَلِم أَنْ سَيَطَّلِعُهَا مُسْتَطْلِعٌ.
ويجوزُ أَنْ يَكُونَ «لِكُلِّ حدٍّ مَطْلَع» بِوَزْنِ مَصْعَدٍ وَمَعْنَاهُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِي مَا فِي الأرضِ جَمِيعًا لافْتَدَيتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ المُطَّلَع»
__________
(1) في ا: «مغبَّروا» .
(3/132)

يُريدُ بِهِ الَموْقِف يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ مَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ أمْر الْآخِرَةِ عَقِيب الموتِ، فشبَّهه بالمُطَّلَع الَّذِي يُشَرَفُ عَلَيْهِ مِنْ موضعٍ عالٍ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلَائِع» هُمُ القومُ الَّذِينَ يُبْعَثُون لِيطلِعُوا طِلْعَ العَدُوِّ، كالجَوَاسِيس، واحدُهم طَلِيعَة، وَقَدْ تُطْلق عَلَى الجَمَاعة. والطَّلَائِع: الجَماعَات.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ ذِي يَزَن «قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَطْلَعْتُك طِلْعَهُ» أَيْ أعْلَمتُكه.
الطِّلْع بِالْكَسْرِ: اسمٌ، مِنَ اطَّلَعَ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا عَلِمه.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنَّ هَذِهِ الأنفُسَ طُلَعَة» الطُّلَعَة بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ: الكثيرةُ التَّطَلُّع إِلَى الشَّيْءِ: أَيْ أنها كثيرةالميل إِلَى هَواهَا وَمَا تَشْتَهيه حَتَّى تُهْلِك صاحبَها.
وَبَعْضُهُمْ يَرْويه بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الزِّبْرِقان «أبْغَضُ كنَائِني إليِّ الطُّلَعَة الخُبَأَةُ» أَيِ الَّتِي تَطْلُعُ كَثِيرًا ثُمَّ تَخْتَبئُ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ جَاءَهُ رجلٌ بِهِ بَذَاذَة تَعْلُو عَنْهُ العَيْن، فَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ ذَهباً» أَيْ مَا يَمْلؤُها حَتَّى يَطْلُعَ عَنْهَا ويَسِيل.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَوْ أنَّ لِي طِلَاع الأرضِ ذَهَبًا» (هـ) وَحَدِيثُ الْحَسَنِ «لَأَنْ أعْلَمَ أنِّي بَرِيءٌ مِنَ النِّفاقِ أحبُّ إليَّ مِنْ طِلَاع الأرضِ ذَهَبًا» .
وَفِي حَدِيثِ السُّحور «لَا يَهيدَنَّكُم الطَّالِع» يَعْنِي الفَجْرَ الكاذِبَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ كِسْرى «أَنَّهُ كَانَ يسجدُ للطَّالِع» هُوَ مِنَ السِّهَامِ الَّذِي «1» يُجاوزُ الهدَف ويعْلوه. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَرْفِ السِّينِ.

(طَلْفَحَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ «إِذَا ضَنُّوا عَلَيْكَ بالمُطَلْفَحَة فَكُلْ رَغِيَفَك» أي إذا
__________
(1) في الأصل: «التي» والمثبت من اواللسان، ومما سبق في مادة (سجد) :
(3/133)

بَخِل الأُمَراءُ عَلَيْكَ بالرُّقَاقة الَّتِي هِيَ مِنْ طَعَامِ المُتْرَفين والأغْنياء فاقنَع برَغِيفك. يُقَالُ: طَلْفَحَ الخبزَ وفَلْطَحَهُ إِذَا رَقَّقه وبَسَطه.
وَقَالَ بعضُ المُتَأخِّرين: أَرَادَ بالمُطَلْفَحَة الدَّرَاهمَ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالرَّغِيفِ.

(طَلَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثُ حُنين «ثُمَّ انتَزَع طَلَقاً مِنْ حَقَبه فَقَّيد بِهِ الْجَمَلَ» الطَّلَق بِالتَّحْرِيكِ: قَيْدَ مِنْ جُلُود.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الحيَاءُ والإيمانُ مَقْرُوَنان فِي طَلَقٍ» الطَّلَق هَاهُنَا: حَبْل مَفْتُول شَدِيدُ الفَتْل: أَيْ هُمَا مُجْتَمِعان لَا يَفْتَرِقَان، كَأَنَّهُمَا قَدْ شُدَّا فِي حَبْل أَوْ قَيدٍ.
وَفِيهِ «فرفَعْت فَرَسي طَلَقاً أَوْ طَلَقَيْنِ» هُوَ بِالتَّحْرِيكِ: الشَّوط وَالْغَايَةُ الَّتِي تَجْرِي إِلَيْهَا الفَرَس.
(س) وَفِيهِ «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُكَلِّم أَخَاكَ وَأَنْتَ طَلِيق» أَيْ مُسْتَبشِرٌ مُنْبَسط الوَجْه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنْ تَلْقَاهُ بوَجْه طَلِق» يُقَالُ: طَلُقَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ يَطْلُقُ طَلَاقَة، فَهُوَ طَلِق، وطَلِيق «1» : مُنْبَسط الوجْه مُتَهلِّلة.
(س) وَفِي حَدِيثِ الرَّحِم «تَتَكلَّم بلساَنٍ طَلْق» يُقَالُ رَجُل طَلْقُ اللِّسَانِ وطِلْقُهُ وطُلُقُهُ وطَلِيقُه «2» : أَيْ مَاضي القَول سَريع النُّطْق.
(س) وَفِي صِفَةِ لَيْلَةِ القدْر «لَيْلَةٌ سَمْحةٌ طَلْقَة» أَيْ سَهْلة طَيِّبة. يُقَالُ يَوْمٌ طَلْقٌ، وليلةٌ طَلْقٌ وطَلْقَة، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حرٌّ وَلَا بَرْد يُؤْذِيَان.
(هـ) وَفِيهِ «الْخَيْلُ طِلْقٌ» الطِّلْق بِالْكَسْرِ: الحَلال. يُقَالُ أعْطَيتُه مِنْ طِلْق مَالِي: أَيْ مِنْ صَفْوه وطَيِّبه، يَعْنِي أَنَّ الرِّهَانَ عَلَى الخيْل حَلالٌ.
(هـ) وَفِيهِ «خيرُ الْخَيْلِ الأقْرَحُ، طَلْقُ اليَد اليُمْنى» أَيْ مُطْلَقُها ليس فيها تحْجِيل.
__________
(1) قال في القاموس: طَلُق ككَرُم، وهو طلق الوجه، مثلّثة، وككتف وأمير.
(2) قال في القاموس: طِلَقْ اللسان، بالفتح والكسر، وكأمير، وبضمتين، وكصرد، وكتف.
(3/134)

وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «الطَّلَاق بالرِّجال والعِدَّة بالنِّساءِ» أَيْ هَذَا مُتَعَلَّق بِهَؤُلَاءِ، وَهَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَؤُلَاءِ. فالرجُل يُطَلِّقُ وَالْمَرْأَةُ تَعْتَدُّ. وَقِيلَ: أَرَادَ أنَّ الطَّلَاق يتعلَّق بالزَّوج فِي حُرِّيَّته وَرِقِّه. وَكَذَلِكَ العِدَّة بِالْمَرْأَةِ فِي الحالتين.
وفيه الفُقَهاء خلافٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْول: إِنَّ الحرَّة إِذَا كَانَتْ تَحْت العَبْد لَا تَبِين إلاَّ بِثَلَاثٍ، وتَبينُ الأمَةُ تَحْتَ الحِرّ باثنَتَين.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الحرَّة تَبين تَحت العَبد باثنتَين، وَلَا تَبين الأمَةُ تَحت الحرِّ بأقلَّ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الزوجُ عَبداً والمرأةُ حُرَّةً، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ كَانَا عَبدَين فإنَّها تَبين باثنتَين.
وَأَمَّا العدَّة فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إنْ كَانَتْ حُرَّة اعتدَّت بِالْوَفَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وبالطَّلَاق ثَلَاثَةَ أطْهارٍ أَوْ ثلاثَ حِيَضٍ، تَحْتَ حُرٍّ كَانَتْ أَوْ عَبْدٍ. وَإِنْ كَانَتْ أمَة اعتدَّت شَهْرَيْنِ وَخَمْسًا، أَوْ طُهْرَيْنِ أَوْ حَيْضَتَيْنِ، تَحْتَ عَبْدٍ كَانَتْ أَوْ حرٍّ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ وَالرَّجُلُ الَّذِي قَالَ لزَوجته: «أنتِ خَلِيَّة طَالِق» الطَّالِق مِنَ الْإِبِلِ:
الَّتِي طُلِقَتْ فِي المَرْعَى. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَا قَيْدَ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ الخَلِيَّة. وَقَدْ تقدَّمت فِي حَرْفِ الْخَاءِ.
وطَلَاق النساءِ لِمعنَيين: أحدهما حَلّ عَقْد النكاج، والآَخر بمعْنى التَّخلية والإرْسال.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «إِنَّكَ رَجُلٌ طِلِّيق» «1» أَيْ كَثِيرُ طَلَاق النِّساء. والأجودُ أَنْ يُقَالَ: مِطْلَاق ومِطْلِيق وطُلَقَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّ الحَسنَ مِطْلَاق فَلَا تُزَوِّجُوه» .
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ رجُلا حجَّ بأمِّه فحَمَلها على عَاتِقه،
__________
(1) في ا: «طلق» .
(3/135)

فَسَأَلَهُ، هَلْ قَضى حقَّها؟ قَالَ: لاَ، وَلَا طَلْقَةً وَاحِدَةً» الطَّلْق: وجَعُ الوِلاَدة. والطَّلْقَة:
المرَّة الْوَاحِدَةُ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّ رَجُلًا اسْتَطْلَقَ بطنُهُ» أَيْ كَثُرَ خُرُوج مَا فِيهِ، يُريدُ الإسْهالَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ حُنين «خرجَ إِلَيْهَا ومعَه الطُّلَقَاء» همُ الَّذين خَلَّى عَنْهُمْ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ وأَطْلَقَهُم فَلَمْ يَسْتَرِقَّهم، واحدُهم: طَلِيق، فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعول. وَهُوَ الْأَسِيرُ إِذَا أُطْلِقَ سَبيله.
(س) ومنه الحديث «الطُّلَقَاء من قُرَيش والعُنَقاَء مِنْ ثَقِيف» كَأَنَّهُ ميَّزَ قُريشاً بِهَذَا الِاسْمِ، حيث هو أحْسَنُ من العُنقَاء. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(طَلُلَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّ رجُلاً عضَّ يَدَ رَجُل فانتَزَعها مِنْ فِيهِ فسَقَطت ثَنَايا العاضِّ، فَطَلَّهَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ أهْدَرَها. هَكَذَا يُروى «طَلَّهَا» بِالْفَتْحِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ:
طُلَّ دمُهُ، وأُطِلَّ، وأَطَلَّهُ اللهُ. وأجازَ الأوَّلَ الكِسَائِيُّ «1» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَن لَا أكَل وَلَا شَرِب وَلَا اسْتَهلَّ، ومثلُ ذَلِكَ يُطَلُّ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْد المُطَّلِب «فَأَطَلَّ عَلَيْنَا يَهُودي» أَيْ أشْرَف.
وحَقِيَقُته: أوْفَى عَلَيْنَا بطَلَلِهِ، وَهُوَ شَخْصُه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلّي عَلَى أَطْلَال السَّفينة «هِيَ جَمْعُ طَلَل، ويُريد بِهِ شِرَاعَها.
وَفِي حَدِيثِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ «ثُمَّ يُرْسِل اللَّهُ مَطرا كأنَّه الطَّلّ» الطَّلّ: الَّذِي يَنْزِل مِنَ السَّماء فِي الصَّحْو. والطَّلّ أيضا: أضْعفُ المَطَر. «2»
__________
(1) عبارة الهروي: وقال الكسائي: يجوز طَلَّ الدمُ نفسُه.
(2) القائل هو المبرّد، كما ذكر الهروي.
(3/136)

(طَلَمَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ مَرَّ برجُلٍ يُعالج طُلْمَة لأصْحابه فِي سَفر» الطُّلْمَة: خُبْزَة تُجْعل فِي المَلَّة، وَهِيَ الرَّمادُ الحارُّ. وأصلُ الطَّلْم: الضَّربُ بِبَسْط الكفِّ.
وَقِيلَ الطُّلْمَة: صفِيحة مِنْ حجارةٍ كالطَّابَق يُخْبَز عَلَيْهَا.
وَفِي شِعْرِ حسَّان فِي رِوَايَةٍ:
تُطَلِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ والمشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ «تُلَطِّمُهُنّ» «1» وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.

(طَلَا)
(هـ) فِيهِ «مَا أَطْلَى نبيٌّ قطُّ» أَيْ مَا مَالَ إِلَى هَواهُ. وأصلُه مِنْ مَيل الطُّلَى، وَهِيَ الْأَعْنَاقُ، وَاحِدَتُهَا: طُلَاة. يُقَالُ: أَطْلَى الرَّجُلُ إِطْلَاءً إِذَا مالَت عُنُقه إِلَى أحَد الشِّقَّين.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ كَانَ يَرْزُقُهم الطِّلَاء» الطِّلَاء بِالْكَسْرِ والمدِّ:
الشَّرابُ المطبوخُ مِنْ عَصِير العِنَب، وَهُوَ الرُّبُّ. وأصلُه القَطِرانُ الخَاثرِ الَّذِي تُطْلَي بِهِ الإبِلُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ أوَّلَ مَا يُكْفَأُ الإسْلاَمُ كَمَا يُكفأُ الإناءُ فِي شَرَاب يُقال لَهُ الطِّلَاء» هَذَا نَحْوُ الْحَدِيثِ الآخَر «سَيَشْرب ناسٌ مِنْ أمَّتي الخَمْر يُسَمُّونها بغَير اسْمِها» يُريدُ أَنَّهُمْ يَشرَبون النَّبِيِذَ المُسْكِر المَطْبُوخ وَيُسَمُّونَهُ طِلَاءً، تَحرُّجاً مِنْ أَنْ يُسَمُّوه خَمْرا.
فَأَمَّا الَّذِي فِي حَدِيثِ عليٍّ فليسَ مِنَ الخَمْر فِي شيءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الرُّبُّ الحَلالُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الطِّلَاء فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي قصَّة الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ «إنَّ لَهُ لحَلاوةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطُلَاوَة» أَيْ رَونَقا وحُسْناً.
وَقَدْ تُفتح الطاء.
__________
(1) وهى رواية الديوان ص ا، ط ليدن. وصدر البيت: تظلُّ جيادُنا مُتَمَطِّراتٍ
(3/137)

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْمِيمِ

(طَمِثَ)
فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ» يُقَالُ طَمِثَتِ المرأةُ تَطْمَثُ طَمْثاً إِذَا حاضَت، فَهِيَ طَامِث، وطَمَثَتْ إِذَا دَمِيَتْ بالافْتِضاض والطَّمْث «1» : الدَّم والنِّكاح. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.

(طَمَحَ)
(س) فِي حَدِيثِ قَيْلة «كُنْت إِذَا رَأيتُ رجُلا ذَا قِشْر طَمَحَ بَصري إِلَيْهِ» أَيِ امتدَّ وعَلاَ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فخرَّ إِلَى الْأَرْضِ فطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ» .

(طَمِرَ)
(هـ) فِيهِ «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤبَه لَهُ» الطِّمْر:
الثوبُ الخَلَق.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «فيَقُول العَبْد: عِنْدي العظَائمُ المُطَمَّرَات» أَيِ المُخبَّأت مِنَ الذُّنوب. والأمُور المُطَمِّرَات بِالْكَسْرِ: المُهْلِكات، وَهُوَ مِنْ طَمَرْتُ الشيءَ إِذَا أخْفَيتَه. وَمِنْهُ المَطْمُورَة: الحَبْسُ.
وَفِي حَدِيثُ مُطَرِّف «مَنْ نامَ تحتَ صَدَفٍ مَائلٍ وَهُوَ يَنْوي التَّوكُّل فلْيَرْمِ نفسَه مِنْ طَمَارِ وَهُوَ يَنْوي التَّوَكُّلَ» طَمَار: بِوَزْنِ قَطَام: الْمَوْضِعُ المُرْتَفع العَالي. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ جَبَل: أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعرِّض نَفْسَهُ للمَهالِك وَيَقُولَ قَدْ توكَّلْت.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ نَافِعٍ «كُنْتُ أقولُ لِابْنِ دَأْب إِذَا حدَّث: أقِمِ المِطْمَر» هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ: الْخَيْطُ الَّذِي يُقَوَّم عَلَيْهِ البِناءُ، ويُسَمَّى التُّرَّ «2» أَيْ أَقُولُ: قَوِّم الْحَدِيثَ واصْدُق فيه.
__________
(1) قال في المصباح: «طَمَث الرجل امرأته طَمْثا، من بابي ضرب وقتل: افتَّضها وافترعها. وطَمَثت المرأةُ طَمْثاً، من باب ضرب: إذا حاضت. وطَمِثت تَطْمَث، من باب تعب، لغة» . وقال صاحب القاموس: «طَمَثت، كنَصَر وسَمِع: حاضت» .
(2) بالفارسية. كما ذكر الهروي.
(3/138)

(طَمُسَ)
(س) فِي صِفَةِ الدَّجال «أَنَّهُ مَطْمُوس العَيْن» أَيْ مَمْسُوحها مِنْ غَيْرِ بَخَص.
والطَّمْس: استِئْصال أثَرِ الشَّيْءِ.
وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ مَذْحِج «ويُمْسِي سَرَابُها طَامِساً» أَيْ أنَّه يذْهَب مرَّة ويعُود أخْرى.
قَالَ الخطَّابي: كَانَ الأشبَه أَنْ يَكُونَ «سَرَابُها طَامِيا» وَلَكِنْ كَذَا يُروى.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الطَّمْس فِي الْحَدِيثِ.

(طَمْطَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ «إِنَّهُ لَفي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّار، ولولاَيَ لكانَ فِي الطَّمْطَام» الطَّمْطَام فِي الْأَصْلِ: مُعْظَمُ مَاءِ الْبَحْرِ، فَاسْتَعَارَهُ هَاهُنَا لمُعْظم النَّار، حَيْثُ اسْتَعار ليَسيرها الضَّحْضَاح، وَهُوَ الماءُ القليلُ الَّذِي يَبْلُغ الكَعْبَيْن.
[هـ] وَفِي صِفَةِ قُرَيْشٍ «لَيْسَ فِيهِمْ طُمْطُمَانِيَّة حِمْيَر» شبَّه كَلَامَ حِمْيَر لِمَا فِيهِ مِنَ الأْلَفاظ المُنْكَرة بِكَلَامِ العَجَم. يُقَالُ: رجلٌ أعْجَمُ طِمْطِمِيٌّ. وَقَدْ طَمْطَمَ فِي كَلَامِهِ.

(طَمِمَ)
فِي حَدِيثِ حُذيفة «خَرَج وَقَدْ طَمَّ شَعَرَه» أَيْ جَزَّه واسْتَأصَله.
ومنه حديث سلمان «أنه ربي مَطْمُوم الرَّأْسِ» .
(س) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «وَعِنْدَهُ رجُل مَطْمُوم الشَّعَرِ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَا تُطَمّ امرأةٌ أَوْ صَبِيٌُ تَسمَعُ كلامَكم» أَيْ لَا تُزَاعُ»
وَلَا تُغْلب بكَلِمة تَسمَعُها مِنَ الرَّفَث. وأصلُه مِنْ طَمَّ الشيءُ إِذَا عظُم. وطَمَّ الماءُ إِذَا كثُر، وَهُوَ طَامّ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ والنَّسَّابة «مَا مِن طَاَّمّة إلاَّ وفوقَها طَامَّة» أَيْ مَا مِنْ أمْرٍ عَظِيم إِلَّا وفوقَه مَا هُوَ أعْظَمُ مِنْهُ. وَمَا مِنْ دَاهِيةٍ إلاَّ وفوقَها داهيةٌ.

(طَمَا)
(هـ) فِي حَدِيثِ طَهْفة «مَا طَمَا البحرُ «2» وَقَامَ تِعَارُ» أَيِ ارْتفعَ بأمْواجِه.
وتِعَار: اسمُ جَبَل.
__________
(1) في ا: «تُراع» بالراء.
(2) في الهروي: «بحر» .
(3/139)

بَابُ الطَّاءِ مَعَ النُّونِ

(طَنِبَ)
(هـ) فِيهِ «مَا بَين طُنُبَيِ المَدِينة أحوجُ منِّي إِلَيْهَا» أَيْ مَا بَين طَرَفيها.
والطُّنُب: أحدُ أَطْنَاب الخَيمة، فاسْتعارَه للطَّرَف والنَّاحِية.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ الأشعثَ بْنَ قَيس تزوّج امرأةً على حُكْمِها فردَّها عمر إِلَى أَطْنَاب بَيِتها» أَيْ إِلَى مَهْرِ مِثْلها. يُريد إِلَى مَا بُنِيَ عَلَيْهِ أمْرُ أَهْلِها وامتدَّت عَلَيْهِ أَطْنَاب بُيُوتِهم.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّب ببَيْت محمَّد، إِنِّي أحْتَسِب خُطايَ» مُطَنَّب: أَيْ مَشْدُودٌ بالأَطْنَاب، يَعْنِي مَا أُحبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْتي إِلَى جانِب بيْته، لِأَنِّي أحْتَسِب عندَ اللَّهِ كثرةَ خُطايَ مِنْ بَيْتِي إِلَى المَسْجِد.

(طَنَفَ)
فِي حَدِيثِ جُرَيج «كَانَ سُنَّتُهُم إِذَا تَرهَّب الرجُل مِنْهُمْ ثُمَّ طُنِّفَ بالفُجُور لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ إِلَّا القَتْل» أَيِ اتُّهم. يُقَالُ: طَنَّفْتُهُ فَهُوَ مُطَنَّف: أَيِ اتْهَمْتُه فَهُوَ مُتَّهَم.

(طَنْفَسَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ ذِكْرُ «الطُّنْفُسَة» وَهِيَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِضَمِّهِمَا، وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ: البساطُ الَّذِي لَهُ خَمْل رَقيق، وجمعُه طَنَافِس.

(طَنِنَ)
(س) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «ضَرَبه فأَطَنَّ قِحفه» أَيْ جَعَله يَطِنُّ مِنْ َصْوت القَطْع. وأصلُه مِنَ الطَّنِين وهوَ صَوْتُ الشَّيْءِ الصُّلْب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعاذ بْنِ الجَمُوح «قَالَ: صَمَدْتُ يَوْمَ بَدْر نَحْوَ أَبِي جَهْلٍ، فلمَّا أمْكَنَني حَمْلْتُ عَلَيْهِ وضربْتُه ضَرْبَةً أَطْنَنْتُ قدمَه بِنْصْفِ ساقه، فو الله مَا أُشَبِّهُهَا حِينَ طاحَت إِلَّا النَّوَاةَ تطيحُ مِنْ مِرْضَخَة النَّوى» أَطْنَنْتُها: أَيْ قَطعتُها. استعَاره مِنَ الطَّنِين: صَوْتِ القَطْع والمِرضَخة:
الآَلُة الَّتِي يُرَضَخ بِهَا النَّوى: أَيْ يُكْسَر.
(س) وَفِي الْحَدِيثِ «فَمَنْ تَطَّنَّ؟» أَيْ مَنْ تَتهمُ، وأصلُه تَظْتَنُّ، مِنَ الظِّنَّة: التُّهمَةَ، فَأُدْغِمَ الظَّاء فِي التَّاء، ثُمَّ أبْدل مِنْهُمَا طَاء مشَدَّدة، كَمَا يُقَالُ مُطَّلم فِي مُظْتَلم.
أوْرَده أَبُو مُوسَى فِي هَذَا الْبَابِ، وذكَر أَنَّ صَاحِب «التَّتَّمة» أوْرَده فيه الظاهر لفظه. قال:
(3/140)

وَلَوْ رُوي بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لجازَ. يُقَالُ: مُطْلِم ومظّلِمٌ، ومضطَلِم، كَمَا يُقَالُ: مُدَّكِرٌ ومُذَّكِر ومُذْدكر.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيرِين «لَمْ يَكُنْ عليٌّ يُطَّنُّ فِي قَتْل عُثْمان» أَيْ يُتَّهم. ويُرْوى بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ. وسَيَجيءُ فِي بَابِهِ.

(طَنَا)
فِي حَدِيثِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَّمت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَمَدَتْ إِلَى سُمٍّ لَا يُطْنِي» أَيْ لَا يَسْلَمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يُقَال: رَمَاه اللَّهُ بأفْعَى لَا تُطْنِي، أَيْ لَا يُفْلِت لَدِيُغها.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْوَاوِ

(طَوَبَ)
(هـ) فِيهِ «إِنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وسَيعود [غَرِيبًا] «1» كَمَا بَدَأ، فطُوبَى للغُرَباء» طُوبَى: اسمُ الجنَّة. وَقِيلَ هِيَ شَجَرةٌ فِيهَا، وأصلُها: فُعْلى، مِنَ الطِّيبِ، فَلَمَّا ضُمَّت الطاءُ انْقَلَبَتِ الْيَاءُ وَاواً. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ «طُوبَى للشَّام لأنَّ الملَائكةَ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْهَا» الْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا فُعْلَى مِنَ الطِّيب، لَا الْجَنَّةُ وَلَا الشَّجَرة.

(طَوُحَ)
(س [هـ] ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي يَوْمِ اليَرْمُوك «فَمَا رُئي مَوُطنٌ أكثَرُ قِحْفَا سَاقِطًا، وَكَفًّا طَائِحَة» أَيْ طَائرةً مِنْ مِعْصَمها سَاقطَة. يُقَالُ طَاحَ الشَّيْءُ يَطُوحُ ويَطِيحُ إِذَا سَقَط وهَلَك، فَهُوَ عَلَى يَطِيح مِنْ بَابِ فَعِل يَفْعِل، مِثْلَ حسِب يَحْسِب. وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ بَاعَ يَبِيع.

(طَوَدَ)
فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تصِفُ أَبَاهَا «ذَاك طَوْدٌ مُنِيف» أَيْ جَبَل عالٍ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(طَوِرَ)
فِي حَدِيثِ سَطيح فإنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَار دَهَارِيرُ
__________
(1) زيادة من اواللسان.
(3/141)

الأَطْوَار: الحالاَتُ المُخْتَلِفة والتَّارَات، والحدُودُ، وَاحدُها طَوْر: أَيْ مَرَّةً مُلْك ومَرَّةً هُلْك ومَرَّةً بُؤْس وَمَرَّةً نُعْم.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيذ «تَعدَّى طَوْرَه» أَيْ جاوزَ حَدَّه وَحَالَهُ الَّذِي يَخُصُّه ويَحلّ فِيهِ شُرْبُه.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «وَاللَّهِ لَا أَطُور بِهِ مَا سَمَر سَمِيرٌ» أَيْ لَا أقْرَبُه أَبَدًا.

(طَوُعَ)
(هـ) فِيهِ «هَوًى مُتَّبَعٌ وشُحٌ مُطَاعٌ» هُوَ أَنْ يُطِيعَه صاحِبَه فِي مَنْع الحُقُوق الَّتِي أوجَبها اللهُ عَلَيْهِ فِي مالِه. يُقَالُ: أَطَاعَه يُطِيعُه فَهُوَ مُطِيع. وطَاعَ لَهُ يَطُوع ويَطِيع فَهُوَ طَائِع، إِذَا أذْعَن وانقادَ، والاسمُ الطَّاعَة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فإنْ هُم طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ» وَقِيلَ: طَاعَ: إِذَا انْقَاد، وأَطَاعَ: اتَّبَع الأمْرَ وَلَمْ يُخَالفه. والاسْتِطَاعَة: القُدْرة عَلَى الشَّيء. وَقِيلَ: هِيَ اسْتِفْعال مِنَ الطَّاعَة.
(س) وَفِيهِ «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِية اللَّهِ» يُريد طَاعَة وُلاَةِ الْأَمْرِ إِذَا أمِرُوا بِمَا فِيهِ مَعْصِية كالقَتْل والقَطْع وَنَحْوَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الطَّاعَة لَا تَسْلم لصاحِبِها وَلَا تخْلُص إِذَا كَانَتْ مَشُوَبًة بِالْمَعْصِيَةِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ الطَّاعَة وَتَخْلُصُ مَعَ اجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، وَالْأَوَّلُ أشْبَه بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مُقَيَّدا فِي غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ «لَا طَاعَةَ لمَخْلُوق فِي مَعْصية اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَعْصية الخَالِق» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فِي ذِكْرِ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
» أصلُ المُطَّوِّع: المُتَطَوِّع، فأدْغِمَت التاءُ فِي الطَّاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّيْءَ تبرُّعا مِنْ نَفْسه. وَهُوَ تفُّعل مِنَ الطَّاعة.

(طَوُفَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الهِرّة «إنَّما هِيَ مِنَ الطَّوَّافين عَلَيكم والطَّوَّافات» الطَّائِف:
الخادمُ الَّذِي يَخْدُمُك برفْقٍ وعنَاية، والطوَّاف: فَعَّال مِنْهُ، شَبَّهها بالخَادمِ الَّذِي يَطُوف عَلَى مَولاهُ ويدورُ حَوله، أخْذاً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ.
وَلَمَّا كَانَ فِيهِنَّ ذكورٌ وإناثٌ قَالَ: الطَّوَّافُون والطَّوَّافَات.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَقَدْ طَوَّفْتُمَا بِي اللَّيلَة» يُقَالُ: طَوَّفَ تَطْوِيفا وتَطْوَافا.
(3/142)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بالبَيتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ فَتَقُول: مَنْ يُعِيرني تَطْوافا؟» تَجْعله عَلَى فَرْجِهَا. هَذَا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ ذَا تَطْوَاف. وَرَوَاهُ بعضُهم بِكَسْرِ التَّاء. وَقَالَ:
هُوَ الثَّوب الَّذِي يُطَاف بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَراً أَيْضًا.
وَفِيهِ ذِكْرُ «الطَّوَاف بِالْبَيْتِ» وَهُوَ الدَّوَرَانُ حَوْلَهُ. تَقُولُ: طُفْتُ أَطُوفُ طَوْفا وطَوَافا، والجمعُ الأَطْوَاف.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ لَقِيط «مَا يَبْسُط أحدُكم يَده إلاَّ وقَع عَلَيْهَا قَدَحٌ مُطَهَّرَة من الطَّوَاف والأذَى» الطَّوْف: الحَدَث مِنَ الطَّعام. المعنَى أنَّ مَن شَرِب تلْك الشَّربَة طَهُر مِنَ الحَدَث وَالْأَذَى «1» . وأَنَّثَ القَدَح لِأَنَّهُ ذَهَب بِهَا إِلَى الشَّرْبة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نُهى عَنْ مُتَحَدِّثَيْن عَلَى طَوْفِهما» أَيْ عِنْدَ الغَائِط.
[هـ] وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَا يُصَلِّ «2» أحدُكم وَهُوَ يُدَافع الطَّوْف» ورَواه أَبُو عُبيد عَنِ ابْنِ عبَّاس.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ، وذَكَر الطاعونَ فَقَالَ «لَا أرَاه إلاَّ رِجْزاً أَوْ طُوفَانا» أرادَ بالطُّوفَان البَلاءَ، وَقِيلَ الْمَوْتَ.

(طَوُقَ)
(هـ) فِيهِ مَنْ ظَلَم شِبْرا مِنْ أرضٍ طَوَّقَه اللهُ مِن سَبْع أرْضَيِن» أَيْ يَخْسِف اللهُ بِهِ الأرضَ فتَصير البُقْعَة المغْصُوبة مِنْهَا فِي عُنُقه كالطَّوْق.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَها يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ يُكلَّف، فَيَكُونُ مِنْ طَوْقِ التَّكْليف لاَ مِنْ طَوْقِ التَّقْليد.
(هـ) وَمِنَ الأَوّل حَدِيثُ الزَّكَاةِ «يُطَوَّقُ مالَه شُجَاعاً أقْرَعَ» أَيْ يُجْعل لَهُ كالطَّوْق فِي عُنقه.
__________
(1) بعده في الهروي: «وهو الحيض» .
(2) في الأصل وا: «لا يصلِّي» وفي اللسان: «لا يصلِّينَّ» والمثبت من الهروي.
(3/143)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «والنخلُ مُطَوَّقَة بثَمرها» أَيْ صَارَت أعذاقُها لهَا كالأَطْوَاق فِي الأعْنَاق.
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي قَتادة ومُرَاجَعة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّوم «فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ودِدْت أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» أَيْ ليتَه جُعِل ذَلِكَ دَاخِلًا فِي طَاقَتِي وقُدْرَتي، وَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ قَادرٍ عَلَيْهِ لضَعْف فِيهِ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ خافَ الْعَجْزَ عَنْهُ لِلْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُه لنسَائه، فَإِنَّ إدَامَة الصَّوم تُخِلُ بحظُوظهنّ مِنْهُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ.
كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٌ بطَوْقِه أَيْ أقْصى غَايَتِه، وَهُوَ اسمٌ لِمْقدار مَا يُمْكِن أَنْ يَفْعَله «1» بمشَقَّة مِنْهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(طَوُلَ)
(س) فِيهِ «أُوتيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ» الطُّوَل، بِالضَّمِّ: جمعُ الطُّولَى، مِثْلَ الكُبَر فِي الكُبْرى.
وَهَذَا البنَاءُ يلزمُه الْأَلِفُ واللامُ والإضافةُ. والسَّبع الطُّوَل هِيَ البَقَرة، وَآلُ عِمران، والنِّساء، والمَائِدة، والأنْعَام، والأعْراف، والتَّوبة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمة «أَنَّهُ كَانَ يقرأُ فِي المَغْرب بِطُولَى الطُّولَيَيْن» الطُّولَيَيْن: تَثْنِية الطُّولَى، ومُذكَّرُها الأَطْوَل: أَيْ أَنَّهُ كَانَ يقْرأ فِيهَا بأَطْوَل السُّوَرَتين الطَّوِيلَتَيْن. تَعْني الأنْعَام والأعْرَافَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ اسْتِسْقَاءِ عُمَرَ «فطَالَ العبَّاسُ عَمَر» أَيْ غَلَبه فِي طُول القَامة، وَكَانَ عُمَرُ طَوِيلا مِنَ الرِّجال، وَكَانَ العبَّاس أشدَّ طُولًا مِنْهُ.
ورُوَي أَنَّ امْرأًة قالَت: رأيتُ عبَّاساً يَطُوف بالبيتِ كأَنَّه فُسْطَاط أبْيَضُ، وكانَت رَأتْ علىّ ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ فَرَعَ الناسَ طُولا، كَأَنَّهُ رَاكبٌ مَعَ مُشَاة، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا فأُعْلِمْتَ، فَقَالَتْ: إنَّ النَّاسَ ليَرْذُلُونَ. وَكَانَ رَأْسُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَنْكِب أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، ورَأسُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَنْكِب العبَّاس، ورأسُ العبَّاس إِلَى مَنكب عَبْدِ المطلب.
__________
(1) فى ا «يفعل» .
(3/144)

(س) وَفِيهِ «اللَّهُمَّ بِكَ أُحاول وَبِكَ أُطَاوِل» أُطَاوِلُ: مُفاعَلة مِنَ الطَّوْل بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الفَضْل والعُلُوّ عَلَى الأعْداء.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الرَّبُّ بفَضْله» أَيْ تَطَوَّلَ «1» ، وَهُوَ مِنْ بَابِ: طارَقْتُ النَّعْل، فِي إطْلاقها عَلَى الوَاحد.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ قَالَ لأزْواجه: أوَّلُكُنَّ لُحوقاً بِي أَطْوَلُكُنَّ يَداً، فاجْتَمَعْن يَتَطَاوَلْنَ، فَطَالَتْهُنَّ سودةُ، فماتَت زينَبُ أوَّلَهُنّ» أرادَ أمَدَّكُنَّ يَدًا بالعَطاء، مِنَ الطَّوْل، فظَنَنَّه مِنَ الطَّوْل. وكانَت زينَبُ تَعْمَلُ بيدِها وتَتَصدقَّ بِهِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ كَانَا يَتَطَاوَلَانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَاوُلَ الفَحْلَين» أَيْ يَسْتَطِيلَان عَلَى عَدوّه ويتَبارَيان فِي ذَلِكَ ليكونَ كُلُّ واحدٍ منهُمَا أبْلَغ فِي نُصْرَته مِنْ صَاحِبه، فشُبّه ذَلِكَ التَّبَارِي والتَّغَالب بتَطَاوُلِ الفَحْلَين عَلَى الْإِبِلِ، يَذُبُّ كلُّ وَاحِدٍ منهُما الفُحُولَ عَنْ إِبِلِهِ ليَظْهر أيُّهما أكثرُ ذَبًّا.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ «فتَفرَّق الناسُ فِرَقاً ثَلَاثًا: فصامِتٌ صَمْتُهُ أنفذُ مِنْ طَوْلِ غَيره» ويُروى «مِنْ صَوْل غَيْرِهِ» أَيْ إمْسَاكه أشدُّ مِنْ تَطَاوُلِ غَيره. يُقَالُ: طَالَ عليه، واسْتَطَالَ، وتَطَاوَلَ، إذا علاوه وتَرْفَّعَ عَلَيْهِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أرْبَى الرِّبا الاسْتِطَالَة فِي عِرْضِ النَّاسِ» أَيِ اسْتِحْقَارُهُمْ، وَالتَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ، والوَقيعةُ فِيهِمْ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ «ورجلٌ طَوَّلَ لَهَا فِي مَرْج فقَطَعَتْ طِوَلَها» .
(هـ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «فأَطَالَ لَهَا فقَطعت طِيَلَها» الطِّوَل والطِّيَل بِالْكَسْرِ: الحبْل الطَّوِيل يُشَدُّ أَحَدُ طَرَفَيه فِي وتِد أَوْ غَيره والطَّرَف الْآخَرُ فِي يَد الفَرس ليَدُورَ فِيهِ ويَرْعَى وَلَا يَذْهَب لوجْهِه. وطَوَّلَ وأَطَالَ بِمَعْنًى: أَيْ شدّها في الحبل.
__________
(1) فى الهروى: «أى أشرف» .
(3/145)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لِطِوَلِ الفَرسِ حِمًى» أَيْ لصَاحِب الفَرَس أَنْ يَحْمِيَ الموضعَ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ فَرَسُه المشدُودُ فِي الطِّوَل إِذَا كانَ مبُاحا لاَ مالِكَ لَهُ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ ذَكَرَ رجُلا مِنْ أصْحابه قُبِض فكُفِّن فِي كَفَنٍ غيِر طَائِل» أَيْ غَيرِ رَفِيع وَلَا نَفِيس. وأصلُ الطَّائِل: النَّفْع والفائِدة.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَتْل أَبِي جَهْلٍ «ضَرْبْتُه بسَيفٍ غَيرِ طَائِل» أَيْ غَيْرِ ماضٍ وَلَا قَاطِع، كَأَنَّهُ كَانَ سَيفاً دُوناً بينَ السُّيوف.

(طَوَا)
(س) فِي حَدِيثِ بَدْرٍ «فَقَذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاء بدْرَ» أَيْ بِئْرٍ مَطْوِيَّة مِنْ آبارِها. والطَّوِيّ فِي الأْصل صِفةٌ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُول، فَلِذَلِكَ جَمعُوه عَلَى الأَطْوَاء، كَشرِيف وأشْراف، ويَتيِم وأيْتَام، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَقَل إِلَى بَابِ الاْسمَّية.
وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «قَالَ لَهَا: لَا أُخْدِمُكِ وأَتْرُكُ أَهْلَ الصُّفَّة تَطْوَى بُطوُنهم» يُقَالُ: طَوِيَ من الجُوع يَطْوَى طَوًى فَهُوَ طَاوٍ: أَيْ خالِي البَطْن جَائِعٌ لَمْ يَأْكُلْ.
وطَوَى يَطْوِي إِذَا تعمَّد ذَلِكَ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يَبِيتُ شْبعانَ وجارُه طَاوٍ» .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «يَطْوِى بَطْنَه عَنْ جَارِه» أَيْ يُجِيع نَفْسه ويُؤْثِر جارَه بطَعامِه.
(س) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَنَّهُ كَانَ يَطْوِي يوميْن» أَيْ لَا يَأْكُل فِيهِمَا وَلَا يَشْرَب. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وبِناء الْكَعْبَةِ «فتَطَوَّتْ موضِعَ الْبَيْتِ كالحَجَفَة» أَيِ استَدَارَت كالتُّرْس. وَهُوَ تَفَعَّلَت، مِنَ الطَّيّ.
وَفِي حَدِيثِ السَّفَر «اطْوِ لنَا الأرْض» أَيْ قَرِّبْها لَنَا وسَهِّل السَّيْر فِيهَا حَتَّى لَا تَطُولَ عَلَيْنَا، فكأنَّها قَدْ طُوِيَتْ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ الأرضَ تُطْوَى باللَّيل مَا لَا تُطْوَى بالنَّهار» أَيْ تُقْطَع مسافَتُها، لأنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ أنشطُ مِنْهُ فِي النَّهار، وأقدرُ عَلَى المَشْي والسَّير لعدَمِِ الحرِّ وَغَيْرِهِ.
(3/146)

وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكر «طُوًى» وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ: موضعٌ عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ يُستحبُّ لِمَنْ دَخَل مَكَّةَ أَنْ يَغْتسل بِهِ.

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْهَاءِ

(طَهُرَ)
(هـ) فِيهِ «لَا يَقْبلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُور» الطُّهُور بِالضَّمِّ: التَّطَهُّر، وبالفَتح الماءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، كالوَضُوء والوُضُوء، والسَّحُور والسُّحُور. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الطَّهُور بِالْفَتْحِ يقَع عَلَى الْمَاءِ والمصْدَر مَعاً، فَعَلى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يكونَ الْحَدِيثُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا، والمرادُ بِهِمَا التَّطَهُّر.
وَقَدْ تَكَرَّرَ لفظُ الطَّهَارَة فِي الْحَدِيثِ عَلَى اختلافِ تصرُّفِه. يُقَالُ: طَهَرَ يَطْهُرُ طُهْراً فَهُوَ طَاهِر.
وطَهُرَ يَطْهُرُ، وتَطَهَّرَ يَتَطَهَّرُ تَطَهُّراً فَهُوَ مُتَطَهِّر. وَالْمَاءُ الطَّهُور فِي الفِقْه: هُوَ الَّذِي يَرفَعُ الحدَث ويُزيل النَّجَسَ، لِأَنَّ فَعُولا مِنْ أبْنية المُبَالغة، فكأنَّه تنَاهى فِي الطَّهَارَة. والماءُ الطَّاهِر غَيْرُ الطَّهُور: هُوَ الَّذِي لَا يَرْفَع الحدَث وَلَا يُزِيل النَّجَسَ، كالمُسْتَعْمل فِي الوُضوء والغُسْل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُور ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتُه» أَيِ المُطَهِّر.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمة «إِنِّي أُطيلُ ذَيلِي وأمْشِي فِي الْمَكَانِ القَذِر، فَقَالَ لَهَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُطَهِّرُه مَا بَعْدَهُ» هُوَ خاصٌّ فِيمَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلَق بالثَّوب مِنْهُ شَيءٌ، فأمَّا إِذَا كَانَ رَطْباً فَلَا يَطْهُرُ إلاَّ بالغَسْل. وَقَالَ مَالِك: هُوَ أَنْ يَطأَ الأرضَ القَذِرة، ثُمَّ يَطَأَ الأرضَ اليابسَة النَّظِيفَة، فإنَّ بعضَها يُطَهِّر بَعْضًا. فَأَمَّا النَّجاسةُ مِثْل الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ تُصِيب الثَّوب أَوْ بَعْضَ الجَسد فإنَّ ذَلِكَ لَا يُطَهِّرُه إلاَّ الماءُ إجْماعا. وَفِي إسْنادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ.

(طَهَمَ)
(هـ) فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَمْ يَكُنْ بالمُطَهَّم» المُطَهَّم: المُنْتَفِخُ الوجْه. وَقِيلَ:
الفَاحِشُ السِّمَن. وَقِيلَ: النحيفُ الجْسمِ، وهو من الأضدَادِ «1» .
__________
(1) في الهروي: «قال أحمد بن يحيى: اختلف الناس في تفسير هذا الحرف، فقالت طائفة: هو الذي كلّ عضو منه حَسَنٌ على حِدَته. وقالت طائفة: المطهَّم: الفاحش السِّمَن. وقيل: هو المنتفخ الوجه، ومنه قول الشاعر: ووجْهٌ فيه تَطْهيمُ أي انتفاخ وجَهامة. وقالت طائفة: هو النحيف الجسم. قال أبو سعيد: الطُّهْمة والطُّخْمة في اللون: تجاوز السُّمرة إلى السواد، ووجهٌ مطهَّمُ، إذا كان كذلك» .
(3/147)

(طَهْمَلَ)
(س) فِيهِ «وقَفَت امرأةٌ عَلَى عُمَر فَقَالَتْ: إِنِّي امرأةٌ طَهْمَلَة» هِيَ الجَسِيمة القَبِيحة. وَقِيلَ الدَّقِيقة. والطَّهْمَل: الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ حَجْمٌ إِذَا مُسّ.

(طَهَا)
[هـ] فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «وَمَا طُهَاةُ أَبِي زَرْع» تَعْنِي الطَّبَّاخين، واحدُهُم: طَاهٍ.
وأصلُ الطَّهْو: الطَّبْخ الجَيدُ المُنضَجُ. يُقَالُ: طَهَوْتُ الطَّعام إِذَا أنْضَجْتَه وأتْقَنْتَ طَبْخَه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَقِيلَ لَهُ: أسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فَقَالَ: إلاَّ «1» مَا طَهْوِي؟» أَيْ ماَ عَمَلي إِنْ لَمْ أسْمَعْه؟ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُن لِي عَمَل غَيْرَ السَّمَاع، أَوْ أَنَّهُ إنْكار لِأَنْ يكونَ الأْمُر عَلَى خِلافِ مَا قالَ. وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى التَّعجُّب، كَأَنَّهُ قَالَ: وإلاَّ فأيُّ شَيْءٍ حِفْظِي وإحْكامي مَا سَمِعْتُ «2» !

بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْيَاءِ

(طَيِبَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «الطَّيِّب والطَّيِّبَات» وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ بِمَعْنَى الحَلال، كَمَا أنَّ الخبيثَ كنايةٌ عَنِ الحَرام. وَقَدْ يَرِدُ الطَّيِّب بِمَعْنَى الطَّاهِرِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ قَالَ لعمَّار «3» : مَرْحباً بالطَّيِّب المُطَيَّب» أَيِ الطَّاهِرِ المُطَهَّر.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «لمَّا ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بِأَبِي أنتَ وأمِّي طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتاً» أَيْ طَهُرْتَ.
(هـ) «والطَّيِّبَات فِي التَّحيّات» أَيِ الطَّيِّبات مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالْكَلَامِ مَصْرُوفَاتٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
__________
(1) في الهروي: «إذاً» .
(2) زاد الهروي على هذه التوجيهات، قال: «وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي: الطَّهْي: الذَّنْبُ في قول أبي هريرة. وطَهَى طَهْياً إذا أذنب. يقول: فما ذنبي؟ إنما هو شيء قاله رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَقَدْ حكى السيوطي في الدر النثير هذا التوجيه عن الفارسي، عن ابن الأعرابى أيضا.
(3) أخرجه الهروي من قول عمار نفسه.
(3/148)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أمَر أَنْ تُسَمَّى المدينةُ طَيْبَة وطَابَة» هُمَا مِنَ الطِّيب، لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَ اسمُها يَثْرِبَ، والثَّرب «1» الفَساد، فنَهى أَنْ تُسَمَّى بِهِ وسمَّاها طَيْبَة وطَابَة، وَهُمَا تأنيثُ طَيْب وطَاب، بِمَعْنَى الطِّيب. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الطَّيِّب بِمَعْنَى الطَّاهِرِ، لخُلُوصِها مِنَ الشِّرك وَتَطْهِيرِهَا مِنْهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «جُعِلت لِيَ الأرضُ طَيِّبَة طَهوراً» أَيْ نَظِيفة غَيْرَ خَبِيثة.
وَفِي حَدِيثِ هَوازِنَ «مَنْ أحبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ مِنْكُمْ» أَيْ يُحَلِّله ويُبيحَه. وطَابَت نفسُه بِالشَّيْءِ إِذَا سَمَحت بِهِ مِنْ غَيْرِ كَراهة وَلَا غَضَب «2» .
(هـ) وَفِيهِ «شهدتُ غُلاماً مَعَ عُمُومَتي حِلْفَ المُطَيَّبِين» اجتمعَ بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو زُهْرة وتَيْمٌ فِي دارِ ابْنِ جُدْعان فِي الجاهليَّة، وجَعلوا طِيباً فِي جَفْنةٍ وغَمَسوا أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، وتحالَفُوا عَلَى التَّناصُر والأخذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالم، فسُمُّوا المُطَيَّبِين. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ.
(هـ) وَفِيهِ «نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرجُلُ بِيَمِينِهِ» الاسْتِطَابَة والإِطَابَة: كِنايةٌ عَنِ الاسْتِنْجاء. سُمِّي بِهَا مِنَ الطِّيب، لِأَنَّهُ يُطَيِّب جَسَده بِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَبَث بالاسْتِنْجاء: أَيْ يُطَهِّره. يُقَالُ مِنْهُ: أَطَابَ واسْتَطَابَ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «ابْغِني حَديدةً أَسْتَطِيبُ «3» بِهَا» يريدُ حَلْقَ العانةِ، لِأَنَّهُ تنظيفٌ وإزالَةُ أَذًى.
(هـ) وَفِيهِ «وَهُمْ سَبْيٌ طِيَبَة» الطِّيَبَة- بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ- فِعَلة، مِنَ الطِّيب، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سَبْيٌ صحيحُ السِّباء لَمْ يَكُنْ عَنْ غَدْر وَلَا نَقْض عَهْد.
وَفِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا «رأيتُ كَأَنَّنَا فِي دارِ ابْن زَيدٍ وأُتِينا برُطَب ابنِ طَابٍ» هُوَ نوعٌ مِنْ أنْواع تَمْر الْمَدِينَةِ مَنْسوب إِلَى ابْنِ طَابٍ: رجلٍ مِنْ أهلِها. يُقَالُ: عِذقُ ابنِ طَابٍ، ورُطَب ابْنِ طَابٍ، وَتَمْرُ ابن طَابٍ.
__________
(1) في الهروي: «التثَرُّب» .
(2) في بعض النسخ بالصاد المهملة. قاله مصحح الأصل.
(3) في الهروي: «أستَطِبْ» .
(3/149)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «وَفِي يَدِهِ عُرْجُون ابنِ طَابٍ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمان وَهُوَ مَحْصُور، فَقَالَ: الآنَ طَابَ امْضَرْبُ» أَيْ حلَّ القِتال. أَرَادَ: طَابَ الضَّرْبُ، فأبدلَ لَامُ التَّعْريف مِيمًا، وَهِيَ لُغةٌ معروفةٌ.
وَفِي حَدِيثِ طَاوُسٍ «أَنَّهُ سُئل عَنِ الطَّابَة تُطبخُ عَلَى النِّصْف» الطَّابَة: العصِير، سُمّي بِهِ لطِيبِهِ وإصْلاحْه، عَلَى النِصف: هُوَ أَنْ يُغْلي حَتَّى يَذْهَب نِصفه.

(طَيِرَ)
(هـ س) فِيهِ «الرُّؤيا لأوّلِ عَابر، وَهِيَ عَلَى رِجْل طَائِرٍ» كلُّ حَركةٍ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ جارٍ يَجْري فَهُوَ طَائِر مَجَازًا، أَرَادَ: عَلَى رِجل قَدَر جارٍ، وقضَاء ماضٍ، مِنْ خيرٍ أَوْ شرٍ، وَهِيَ لِأَوَّلِ عابرٍ يَعْبُرها: أَيْ أَنَّهَا إِذَا احتَمَلت تأوِيلَين أَوْ أَكْثَرَ فَعَبَرها مَنْ يعْرف عِبارتها وقَعَت عَلَى مَا أوَّلَها، وانْتفى عَنْهَا غَيرُه مِنَ التأْويل.
وَفِي حَدِيثٍ آخر «الرّؤيا على رِجل طَائِرٍ مالم تُعبر» أَيْ لَا يَسْتقِرّ تأْويلُها حَتَّى تُعْبَر.
يريدُ أَنَّهَا سَرِيعَةُ السُّقُوط إِذَا عُبِرَت. كَمَا أنَّ الطَّيْر لَا يَسْتَقِرّ فِي أكْثَر أَحْوَالِهِ، فكيفَ يكونُ مَا عَلَى رِجله؟
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «تركَنا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا طَائِر يَطِير بجَنَاحيه إلاَّ عِنْدنا مِنْهُ عِلم» يعْني أَنَّهُ اسْتَوفى بيانَ الشَّرِيعة وَمَا يُحْتاج إِلَيْهِ فِي الدِّينِ، حَتَّى لَمْ يبْق مُشْكِل.
فضرَب ذَلِكَ مَثَلا. وَقِيلَ: أرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرك شَيْئًا إلاَّ بَيَّنه حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ أحْكام الطَّيْر وَمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُم، وكيفَ يُذْبَح، وَمَا الذَّي يُفْدِي مِنْهُ المُحْرِم إِذَا أصَابَه، وأشْباه ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِد أنَّ فِي الطَّيْر علْمَا سِوَى ذَلِكَ علَّمهم إيَّاه، أَوْ رَخَّص لَهُمْ أَنْ يَتَعَاطَوْا زَجْرَ الطَّيْر كَمَا كَانَ يَفْعَله أهُل الْجَاهِلِيَّةِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ والنَّسَّابة «فمِنْكم شَيَبةُ الحْمد مُطْعِمُ طَيْر السَّمَاءِ؟ قَالَ: لَا» شَيبةُ الْحَمْدِ: هُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، سُمِّي مُطْعِمَ طَيْر السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَحَرَ فِدَاء ابْنِه عبدِ اللَه أبِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائَة بَعِيرٍ، فَرّقها عَلَى رُؤُوسِ الجِبالِ فأكلتْها الطَّيْر.
(هـ) وَفِي صِفَةِ الصَّحَابَةِ «كأنَّما على رُؤُوسهم الطَّيْر» وصَفَهم بالسُّكون والوَقَار، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَيْشٌ وَلَا خِفَّةٌ، لِأَنَّ الطَّيْر لَا تَكَادُ تَقَعُ إِلَّا عَلَى شيءٍ سَاكِن.
(3/150)

وَفِيهِ «رجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِه فِي سَبيل اللَّه يَطِيرُ عَلَى مَتْنِه» أَيْ يُجْرِيه فِي الجهَاد.
فاستَعار لَهُ الطَّيَرَان.
وَمِنْهُ حَدِيثُ وابِصَة «فَلَمَّا قُتِل عُثْمانُ طَارَ قَلْبي مَطَارَه» أَيْ مالَ إِلَى جِهَةٍ يَهْواها وتعلَّق بِهَا. والمَطَار: موضعُ الطَّيَرَان.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «أَنَّهَا سَمعت مَنْ يَقُول: إنَّ الشُّؤْمَ فِي الدَّارِ والمرْأَة، فطَارَت شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّماء وشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ» أَيْ كَأَنَّهَا تفَرّقت وتقَطَّعت قَطَعاً، مِنْ شدَّة الغَضَب.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُرْوة «حَتَّى تَطَايَرَت شُؤون رَأْسِه» أَيْ تَفْرّقت فصَارَت قِطعاً.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «خُذْ مَا تَطَايَرَ مَنْ شَعَر رَأْسِك» أَيْ طَالَ وتَفَرّق.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ «اقْتَسَمْنا المُهَاجرين فطَارَ لَنَا عُثْماُن بنُ مَظْعُون» أَيْ حصَل نصِيبُنا مِنْهُمْ عُثْمان.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ رُوَيْفِع «إنْ كانَ أحدُنا فِي زَمَان رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ وللآخَر القِدْحُ» معناهُ أنَّ الرَّجُلين كانَا يَقْتَسِمَان السَّهْم فَيَقَعُ لِأَحَدِهِمَا نَصْلُه وَلِلْآخَرِ قِدْحُه. وطَائِر الْإِنْسَانِ: مَا حَصَل لَهُ فِي عِلْم اللَّهِ مِمَّا قُدِّر لَه.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «بالمَيْمون طَائِرُه» أَيْ بالمُبارَك حَظُّه. ويَجُوز أَنْ يَكُون أصلُه مِنَ الطَّيْر السَّانِح والبارِحِ.
وَفِي حَدِيثِ السَّحور والصَّلاة ذكْر «الفجْر المُسْتَطِير» هُوَ الَّذِي انتَشَر ضَوءُه واعْتَرض فِي الأُفُق، بِخِلَافِ المُسْتَطِيل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ بَنِي قُرَيظة:
وهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِير
أَيْ مُنْتَشِر متفرِّق، كَأَنَّهُ طَارَ فِي نَوَاحِيهَا.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَقَدنا رَسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة، فَقُلْنا: اغتِيل
(3/151)

أَوِ اسْتُطِيرَ» أَيْ ذُهِبَ بِهِ بِسُرْعَةٍ كَأَنَّ الطَّيْر حَمَلته، أَوِ اغْتَالَه أحدٌ. والاسْتِطَارَة والتَّطَايُر:
التَّفَرُّقُ والذَّهابُ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «فأَطَرْتُ الحُلَّةَ بينَ نِسَائِي» أَيْ فَرّقتُها بينَهُنّ وقسَّمْتها فيهنَّ.
وَقِيلَ الهمزةُ أصْلِيَّةٌ. وَقَدْ تقدَّم.
(س) وَفِيهِ «لَا عَدْوى وَلَا طِيَرَةَ» الطِّيَرَة بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَدْ تُسَكّن: هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ. وَهُوَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ. يُقَالُ: تَطَيَّرَ طِيَرَةً، وتَخَير خِيَرَةً، ولم يجيء مِنَ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُهُمَا. وأصلُه فِيمَا يُقال: التَّطَيُّر بالسَّوَانِح والبَوارِح مِنَ الطَّيْر وَالظِّبَاءِ وغَيرهما. وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدّهم عَنْ مَقَاصِدِهِمْ، فَنَفَاهُ الشَّرْعُ، وأبطله ونهى عنه، وأخبره أنَّه لَيْسَ لَهُ تأثِيرٌ فِي جَلْب نفْعٍ أَوْ دَفعٍ ضَرٍّ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ اسْماً وفِعْلاً.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ثَلاثٌ لَا يَسْلَم أحدٌ منهنَّ: الطِّيَرَة والحَسَدُ والظَّنُّ. قِيلَ: فَمَا نَصْنَع؟ قَالَ:
إِذَا تَطَيَّرْتَ فامْضِ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّق» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «الطِّيَرَة شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إلاَّ، ولكَنَّ اللَّهَ يُذهِبُه بالتَّوكُّل» هَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَقْطُوعاً. وَلَمْ يَذْكُرِ المُسْتَثْني: أَيْ إلاَّ وقَد يَعْتَرِيه التَّطَيُّر وتَسْبق إِلَى قَلْبه الكَراهَةُ.
فحُذف اخْتِصاراً واعْتِماداً عَلَى فَهْم السَّامع.
وَهَذَا كحديِثه الْآخَرِ «مَا فِينَا إِلَّا َّمنْ هَمَّ أوْ لَمَّ، إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا» فأظْهرَ المُسْتَثْنى.
وَقِيلَ إنَّ قَوله: «وَمَا مِنَّا إلاَّ» مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أدْرَجَه فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا جَعَل الطِّيَرَة مِنَ الشِّرْك، لأنَّهُم كَانُوا يَعْتَقِدُون أَنَّ التَّطَيُّر يَجْلب لَهُمْ نفْعاً أَوْ يَدْفَع عَنْهُمْ ضرٍّا إِذَا عَمِلوا بمُوجبه، فكأنَّهم أشْرَكُوه مَعَ اللهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهُبه بالتَّوكُّل» مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا خَطر لَهُ عارِضُ التَّطَيُّر فتَوكَّل عَلَى اللَّهِ وسلَّم إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْمَل بِذَلِكَ الخَاطر غَفره اللَّهُ لَهُ وَلَمْ يُؤاخِذْه بِهِ.
(هـ) وَفِيهِ «إِيَّاكَ وطِيَرَاتِ الشَّبَابِ» أَيْ زَلَّاتِهِمْ وَغِرَّاتِهِمْ «1» ، جَمْعُ طِيَرَة.
__________
(1) في الأصل واللسان: «وعَثَراتِهم» وأثبتنا ما في الهروى وا.
(3/152)

(طَيِشَ)
فِي حَدِيثِ الْحِسَابِ «فطَاشَتِ السِّجِلاَّت وثَقُلَت البِطَاقةُ» الطَّيْش: الخِفَّة.
وَقَدْ طَاشَ يَطِيشُ طَيْشاً، فَهُوَ طَائِش.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمة «كَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَة» أَيْ تخِفُّ وتَتَنَاول مِنْ كُل جَانِب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَرِيرٍ «وَمِنْهَا العَصِل الطَّائِش» أَيِ الزالُّ عَنِ الهَدَف كَذَا وَكَذَا.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ شُبْرُمة «وسُئِل عَنِ السُّكْر فَقَالَ: إِذَا طَاشَت رِجْلاه واخْتَلَط كلامُه» .

(طَيِفَ)
فِي حَدِيثِ المَبْعَث «فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قَدْ أصَاب َهذا الغُلامَ لَمَمٌ أَوْ طَيْف مِنَ الجنِّ» أَيْ عَرَض لَهُ عارِضٌ مِنْهُمْ. وأصْلُ الطَّيْف: الجُنْوُنُ. ثُمَّ اسُتْعمِل فِي الغَضب، ومَسِّ الشَّيْطَانِ ووسْوسَته. وَيُقَالُ لَهُ طَائِف، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ يُقَالُ طَافَ يَطِيفُ ويَطُوفُ طَيْفاً وطَوْفاً، فَهُوَ طَائِف، ثُمَّ سُمّي بالمَصْدر. وَمِنْهُ طَيْف الخيَال الَّذِي يَرَاه النائمُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فطَافَ بِي رجُلٌ وَأَنَا نائِمٌ» .
(س) وَفِيهِ «لَا تزَال طَائِفَة مِنْ أمَّتي عَلَى الْحَقِّ» الطَّائِفَة: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاس. وتقعُ عَلَى الوَاحد، كَأَنَّهُ أرادَ نَفْساً طَائِفَة. وسُئل إِسْحَاقُ بْنُ راهُويه عَنْهُ فَقَالَ: الطَّائِفَة دُون الألْف، وسيَبْلُغ هَذَا الأمرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ عَدَدُ المُتَمَسِّكِيَن بِمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصْحابه أَلْفًا، يُسَلّي بِذَلِكَ أَنْ لَا يُعْجبَهم كَثْرَةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ.
وَفِي حَدِيثِ عِمْران بْنِ حُصَين وغلامِه الْآبِقِ «لأقْطَعَنَّ مِنْهُ طَائِفاً» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ:
أَيْ بَعْضَ أطرافِه. والطَّائِفَة: القِطْعةُ مِنَ الشَّيْءِ. وَيُرْوَى بِالْبَاءِ وَالْقَافِ. وَقَدْ تقدَّم.

(طَيَنَ)
(هـ) فِيهِ «مَا مِن نَفْسٍ منفُوسةٍ تموتُ فِيهَا مِثْقَالُ نمْلَة مِنْ خَير إلاَّ طِينَ عَلَيْهِ يومَ الْقِيَامَةِ طَيْناً» أَيْ جُبل عَلَيْهِ. يُقَالُ طَانَه اللَّهُ عَلَى طِينَتِهِ: أَيْ خَلقه عَلَى جِبِلَّته. وطِينَةُ الرجُل: خَلْقُه وأصْلُه. وطَيْناً مصْدَر مِنْ طَانَ. ويُروى «طِيمَ عَلَيْهِ» بِالْمِيمِ. وَهُوَ بمَعْنَاهُ.

(طَيَا)
(هـ) فِيهِ «لمَّا عَرَض نَفْسَه عَلَى قَبَائِلِ العَرَب قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ اعْمِدْ لِطِيَّتِك» «1» أَيِ امْضِ لوجْهِك وقصْدِك. والطِّيَّة: فِعْلة، مِنْ طَوَى. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا لأجل لفظها.
__________
(1) الطَّية، بالتشديد والتخفيف. كما ذكر الهروي والسيوطي فى الدر.
(3/153)

حرف الظاء

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ

(ظَأَرَ)
فِيهِ «ذكرَ ابْنَه إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: إنَّ لَهُ ظِئْراً فِي الجنَّة» الظِّئْر: المُرْضِعَةُ غَيرَ ولَدها. ويقَعُ عَلَى الذَّكَر والأُنْثَى.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَيف القَيْن «ظِئْرُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» هُوَ زَوجُ مُرْضِعَته.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الشَّهِيدُ تَبْتَدِرُه زَوْجَتَاه كظِئْرَيْن أضَلتَّا فَصِيلَيهما» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أعْطى رُبَعَةً يَتْبعُها ظِئْرَاها» أَيْ أمُّها وَأَبُوهَا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَتَب إِلَى هُنَيٍّ وَهُوَ فِي نَعَم الصَّدَقة: أَنْ ظَاوِرْ. قَالَ:
«فكُنَّا نجمَعُ النَّاقَتَين والثلاثَ عَلَى الرُّبَع» . هَكَذَا رُوي بِالْوَاوِ. والمعروفُ فِي اللُّغة:
ظَائِرْ، بِالْهَمْزِ.
والظِّئَار: أَنْ تعْطَف الناقةُ عَلَى غَير وَلَدِها. يُقَالُ: ظَأَرَها يَظْأَرُها ظَأْراً، وأَظْأَرَها وظَاءَرَها.
وَالِاسْمُ الظِّئَار، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا ذَلِكَ شَدُّوا أنْفَ النَّاقة وعَينَيْها، وحَشَوْا فِي حَيائها خِرْقَة ثُمَّ خَلُّوه بِخِلاَلَين وتَركُوها كَذَلِكَ يَومَين فتَظُنُّ أنَّها قَدْ مُخِضَت للولادَةِ، فَإِذَا غمَّها ذَلِكَ وأكْرَبَها نَفَّسوا عَنْهَا واستَخْرجُوا الخِرْقة مِنْ حَيائِها، وَيَكُونُونَ قَدْ أعَدُّوا لَهَا حُواراً مِنْ غَيرها فيلطخُونه بِتِلْكَ الْخِرْقة ويُقدِّمُونه إِلَيْهَا، ثُمَّ يفتَحُون أنْفَها وعَينيها فَإِذَا رَأت الحُوار وشَمَّته ظَنَّت أَنَّهَا وَلدته فَتَرْأمُه وتَعطِف عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَطَن «ومَن ظَأَرَهُ الإسْلام» أَيْ عَطَفه عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ «أَظْأَرُكُم عَلَى الحقِّ وَأَنْتُمْ تَفِرُّون مِنْهُ» .
(3/154)

(هـ) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ اشْتَرى نَاقَةً فرَأى بِهَا تَشْريمَ الظِّئَار فَرَدَّهَا» .
وَحَدِيثُ صَعْصَعة بْنِ ناجِية جَدِّ الْفَرَزْدَقِ «قَدْ أصَبْنا ناقَتَيك، ونَتَجْناهُما، وظَأَرْنَاهُما عَلَى أوْلادِهِما» .

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْبَاءِ

(ظَبَبَ)
(س) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ «فَوَضَعْتُ ظَبِيبَ السَّيف فِي بَطْنِه» قَالَ الحَرْبي:
هَكَذَا رُوِيَ. وَإِنَّمَا هُوَ «ظُبَة السَّيْفِ» وَهُوَ طرَفه، ويُجْمع عَلَى الظُّبَاة والظُّبين. وَأَمَّا الضَّبِيب بالضَّاد فَسَيلانُ الدَّمِ مِنَ الفَمِ وغَيره. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تقدَّم فِي مَوْضعه.

(ظَبِيَ)
(هـ) فِيهِ أَنَّهُ بَعث الضَّحّاك بنَ سُفيان إِلَى قَوْمه وَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَهُم فاربِضْ فِي دارِهم ظَبْياً» كَانَ بَعَثه إِلَيْهِمْ يَتَجَسَّس أخْبارهم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ بحيثُ يرَاهُم، فَإِنْ أرادُوه بِسُوءٍ تَهَيأ لَهُ الهَرَب، فَيَكُونُ كالظَّبْي الَّذِي لَا يرْبِضُ إِلَّا وَهُوَ متَباعِد، فَإِذَا ارْتَابَ نَفَر. وظَبْياً منصوبٌ عَلَى التَّفسير «1» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أَهْدى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَبْيَةٌ فِيهَا خَرَز فأعْطَى الآهِلَ مِنْهَا والعَزَبَ» الظَّبْيَة: جرابٌ صغيرٌ عَلَيْهِ شَعَر. وَقِيلَ: هِيَ شِبْه الخَرِيطَة والكِيس.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أسَيد «قَالَ: الْتَقَطْتُ ظَبْيَةً فِيهَا ألْف ومائَتَا دِرْهم وقُلْبَان مِنْ ذَهب» أَيْ وَجَدْت.
وَمِنْهُ حَدِيثُ زَمْزَمَ «قِيلَ لَهُ: احْفِر ظَبْيَةَ، قَالَ: وَمَا ظَبْيَةُ؟ قَالَ: زَمْزَم» سُمِّيت بِهِ تَشْبيها بالظَّبْيَة: الخَريطَة، لجمْعها مَا فِيهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْم «مِنْ ذِي المَرْوَة إِلَى الظَّبْيَة» وَهُوَ موضِعٌ فِي دِياِر جُهَينة
__________
(1) زاد الهروي: «وقال القتيبي: قال ابن الأعرابي: أراد أقِمْ فِي دَارِهم آمِنًا لَا تَبْرحْ، كَأَنَّكَ ظبيٌ فِي كِنَاسِه قدْ أمِن حَيْثُ لَا يرى أنيسا» .
(3/155)

أقْطَعَه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَوسَجَةَ الجُهَنيّ. فأمَّا عِرْقُ الظُّبْيَة بِضَمِّ الظَّاءِ: فموضعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أميالِ مِنَ الرَّوحَاء، بِهِ مَسْجدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «نَافِحُوا بالظُّبَا» هِيَ جَمْعُ ظُبَة السَّيْفِ، وَهُوَ طَرَفه وحَدَّه. وأصْلُ الظُّبَة: ظُبَوٌ، بوَزْن صُرَد، فَحُذِفَتِ الواوُ وعُوِّض مِنْهَا الهاءُ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ قَيْلة «فأصَابَت ظُبَتُهُ طَائفةً مِنْ قُرُون رَأسِه» وَقَدْ تكرَّرت فِي الْحَدِيثِ مُفْرَدَة ومَجْموعة.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الرَّاءِ

(ظَرِبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «اللَّهم عَلَى الآكامِ والظِّرَاب وبُطونِ الْأَوْدِيَةِ» الظِّرَاب: الجِبَاَلُ الصِّغار، واحدُها: ظَرِب بوزْن كَتِف. وَقَدْ يُجْمَع فِي الِقَّلة عَلَى أَظْرُب «1» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَيْنَ أهْلُك يَا مسْعُود؟ فَقَالَ: بِهَذِهِ الأَظْرُب السَّواقِط» السَّواقطُ: الخاشِعَةُ المُنْخَفِضَةُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «رأيتُ كأنَّي عَلَى ظَرِب» ويُصَغَّر عَلَى ظُرَيْب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أُمامة فِي ذِكْرِ الدجَّال «حَتَّى ينزلَ عَلَى «2» الظَّرِيب الأْحَمر» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِذَا غَسَقَ الليلُ عَلَى الظِّرَاب» إنَّما خَصَّ الظِّرَاب لِقِصَرِها. أَرَادَ أَنَّ ظُلْمَة الَّليل تَقْرُب مِنَ الْأَرْضِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ «كَانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فرسٌ يُقَالُ لَهُ الظَّرِب» تَشْبيها بالجُبَيل لقُوّته. وَيُقَالُ ظُرِّبَتْ حَوافِرُ الدَّابة: أَيِ اشْتدّت وصَلبَت.

(ظَرَرَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ «إِنَّا نَصِيد الصَّيد فَلَا نَجِد مَا نْذَكِّي بِهِ إلاَّ الظِّرَار وشِقَّةَ العَصا» الظِّرَار: جَمْعُ ظُرَر، وَهُوَ حَجَر صُلْب مُحَدَّد، ويُجْمع أَيْضًا على أَظِرَّة.
__________
(1) قال الهروي: «ويجمع أيضا على ظُرُب، مثل: كتاب، وكُتُب» .
(2) في ا: «عند» .
(3/156)

وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «فأخذتُ ظِرَاراً مِنَ الأَظِرَّة فذَبَحْتُها بِهِ» وَيَجْمَعُ أَيْضًا عَلَى ظِرَّان، كصُرَد وصِرْدَان.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَديّ أَيْضًا «لَا سِكِّيَن إلاَّ الظِّرَّان» .

(ظَرُفَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِذَا كَانَ اللِّصُّ ظَرِيفاً لَمْ يُقْطَع» أَيْ إِذَا كَانَ بَلِيغًا جَيِّد الْكَلَامِ احتَجَّ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُسْقِط عَنْه الحَدّ. والظَّرْف فِي اللِّسَانِ: البَلاَغَةُ، وَفِي الوجْه: الحُسْنُ، وَفِي القَلْب: الذَّكاءُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ «قَالَ: كَيْفَ ابنُ زِيَاد؟ قَالُوا: ظَرِيف، عَلَى أَنَّهُ يَلْحَنُ، قَالَ:
أَوَلَيْسَ ذَلِكَ أَظْرَفَ لَهُ؟» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيرين «الكلامُ أكثرُ منْ أَنْ يكْذِب ظَرِيف» أَيْ أَنَّ الظَّرِيف لَا تضيقُ عَلَيْهِ مَعَاني الْكَلَامِ، فَهُوَ يكْنِى ويُعَرِّض وَلَا يكذِب.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْعَيْنِ

(ظَعَنَ)
(س) فِي حَدِيثِ حُنَين «فَإِذَا بِهَوازِنَ عَلَى بَكْرَة آبائِهم بظُعُنِهِم وشَائِهم ونعمِهم» الظُّعُن: النِّساء، واحِدَتها: ظَعِينَة. وأصلُ الظَّعِينَة: الرَّاحلَةُ الَّتِي يُرحَل ويُظْعَنُ عَلَيْهَا:
أَيْ يُسار. وَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ ظَعِينَة، لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوج حَيثُما ظَعَنَ، أَوْ لأنَّها تُحْمَل عَلَى الرَّاحِلَة إِذَا ظَعَنَتْ. وَقِيلَ الظَّعِينَة: المَرأةُ فِي الْهَوْدَجِ، ثُمَّ قِيلَ للهَودَج بِلَا امْرَأة، وللِمَرأة بِلَا هَودَج:
ظَعِينَة. وَجَمْعُ الظَّعِينَة: ظُعْن وظُعُن وظَعَائِن وأَظْعَان. وظَعَنَ يَظْعَنُ ظَعْناً وظَعَناً بِالتَّحْرِيكِ إِذَا سارَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ أَعْطَى حَلِيمة السَّعْديّة بَعيرا مُوَقَّعَاً للظَّعِينَة» أَيْ للهَودَج.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَير «لَيْسَ فِي جَمَل ظَعِينَة صَدقةٌ» إنْ رُوي بالإضافةِ فالظَّعِينَة المرأةُ، وَإِنْ رُوي بالتَّنوين، فَهُوَ الْجَمَلُ الَّذِي يُظْعَنُ عَلَيْهِ، وَالتَّاءُ فِيهِ للمُبَالغة. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ.
(3/157)

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْفَاءِ

(ظَفَرَ)
(هـ) فِي صِفَةِ الدجَّال «وَعَلَى عَينِه ظَفَرة غَليظَةٌ» هِيَ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ: لَحمةٌ تنْبُت عِنْدَ المَآقِي، وَقَدْ تَمْتدُّ إِلَى السَّواد فتُغَشِّيه.
(س) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «لَا تَمَسُّ الْمُحِدُّ إِلَّا نُبْذَةً مِنْ قُسْطِ أَظْفَار» وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ قُسْطٍ وأَظْفَار» الأَظْفَار: جِنْسٌ مِنَ الطِّيبِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَقِيلَ وَاحِدُهُ: ظُفْر. وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ مِنَ الْعِطْرِ أَسْوَدُ. وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ شَبِيهَةٌ بالظُّفْر.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ «عِقْد مِنْ جَزْع أَظْفَار» وَهَكَذَا رُوي، وأريدَ بِهِ العِطر المذكورُ أَوَّلًا، كأنَّه يؤخَذُ ويُثْقَب ويُجْعَل فِي العِقْد وَالْقِلَادَةِ. وَالصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ «مِنْ جَزْع ظَفَارِ» بِوَزْنِ قَطامِ، وَهِيَ اسمُ مَدِينةٍ لِحِمْير باليَمن. وَفِي المثَل: مَنْ دَخَل ظَفَارِ حَمَّر. وَقِيلَ: كلُّ أَرْضٍ ذَات مَغْرَةٍ «1» ظَفَارِ.
(س) وَفِيهِ «كَانَ لِبَاسُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَامُ الظُّفُرَ» أَيْ شيءٌ يُشْبِه الظُّفُرَ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ وَكَثَافَتِهِ.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ اللَّامِ

(ظَلَعَ)
(هـ) فِيهِ «فَإِنَّهُ لَا يَرْبَعُ عَلَى ظَلْعِكَ مَن لَيْسَ يَحْزَنُه أمْرُك» الظَّلْع بالسُّكُون:
العَرَج. وَقَدْ ظَلَعَ يَظْلَعُ ظَلْعاً فَهُوَ ظَالِع. الْمَعْنَى لَا يُقيم عَلَيك فِي حَالِ ضَعْفِك وعَرَجِك إلاَّ مَن يَهْتَمّ لأمْرِك وشَأنِك، ويَحْزُنُه أمْرُك وشَأنُك. ورَبَع فِي الْمَكَانِ: إِذَا أقَام بِهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْأَضَاحِي «وَلاَ العَرْجَاءُ البَيِّن ظَلْعُها» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصفُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما «عَلَوْتَ إذا ظَلَعُوا» أَيِ انْقَطَعُوا وتأخَّرُوا لتَقْصِيرهم، وَحَدِيثِهِ الْآخَرِ «ولْيَسْتَأْنِ بذاتِ النَّقْبِ والظَّالِع» أَيْ بِذَاتِ الْجَرَبِ والعرجاء.
__________
(1) المغرة، ويحرّك: طين أحمر. (القاموس، مغر) .
(3/158)

وَفِيهِ «أُعطِي قَوْمًا أخافُ ظَلَعَهُم» هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ مَيْلَهم عَنِ الحقِّ وضَعْفَ إيمَانِهم. وَقِيلَ ذَنْبَهم. وأصلُه دَاءٌ فِي قَوائِم الدَّابة تَغْمِزُ مِنْهُ. ورجُل ظَالِع: أَيْ مَائِل مُذْنِب.
وَقِيلَ: إنَّ المائِل بالضَّاد.

(ظَلَفَ)
فِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «فَتَطَؤُه بأَظْلَافِها» الظِّلْف للبَقَر والغَنَم كالحافِر للفَرس والبَغْل، والخُفِّ للبَعِير. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ يُطْلق الظِّلْف عَلَى ذاتِ الظِّلْف أنْفُسها مَجَازا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ رُقَيقَة «تتابَعَتْ عَلَى قُرَيش سِنُو جَدْب أقْحَلَت الظِّلْف» . أَيْ ذَات الظِّلْف.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَرَّ عَلَى راعٍ فَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ الظَّلَف مِنَ الأْرض لَا تُرَمِّضْها» الظَّلَف بِفَتْحِ الظَّاءِ وَاللَّامِ: الغَليظُ الصُّلْب مِنَ الْأَرْضِ ممَّا لاَ يَبين فِيهِ أثَرٌ. وَقيل اللَّيَّن مِنْهَا ممَّا لَا رَمْل فِيهِ وَلَا حِجَارة. أمَرَه أَنْ يَرْعَاها فِي الأرِض الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها لِئَلَّا تَرْمَضَ بحَرِّ الرَّمْل وخُشُونةُ الحِجَارة فتَتْلَفَ أَظْلَافها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ «كَانَ يُصيبُنا ظَلَفُ العَيْش بِمَكَّةَ» أَيْ بُؤْسُه وشدَّته وخُشُونَتُه، مِنْ ظَلَف الأْرِض.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُصْعَب بْنِ عُمَير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لمَّا هَاجَر أصابَه ظَلَفٌ شَديدٌ» .
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَواتِه» أَيْ كَفَّها ومَنَعها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى ظَلِفَات أَقْتَابٍ مُغَرَّزَةٍ فِي الجدارِ» هِيَ الخَشَبات الأرْبَعُ الَّتِي تكونُ عَلَى جَنْبَي البَعير، الواحدةُ: ظَلِفَة، بِكَسْرِ اللَّامِ.

(ظَلَلَ)
(س) فِيهِ «الجنَّة تحتَ ظِلَال السُّيُوف» هُوَ كِنايةٌ عَنِ الدُّنُوّ مِنَ الضِّرَاب فِي الجهادِ حَتَّى يَعْلُوَه السَّيفُ ويَصِيرَ ظِلُّه عَلَيْهِ. والظِّلّ: الفَيْءُ الحاصِلُ مِنَ الحاجِزِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّمْسِ أيَّ شَيْءٍ كانَ. وَقِيلَ: هُوَ مَخْصوصٌ بِمَا كَانَ مِنْهُ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ فَهُوَ الفَيْءُ.
(3/159)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ فِي ظِلِّه» .
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «سَبْعَة فِي ظِلِّ العَرْش» أَيْ فِي ظِلِّ رَحْمَتِه.
(هـ س) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «السُّلطانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّهُ يدفَعُ الأذَى عَنِ النَّاسِ كَمَا يَدْفَع الظِّلُّ أَذَى حَرِّ الشمسِ «1» . وَقَدْ يُكَنَّى بالظِّلِّ عَنِ الكَنَف والناحِية.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ فِي الجنَّة شَجَرةً يَسيِر الراكبُ فِي ظِلِّها مائةَ عامٍ» أَيْ فِي ذَرَاها وناحِيتِها.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الظِّل فِي الْحَدِيثِ. وَلَا يخرجُ عَنْ أحدِ هَذِهِ الْمَعَانِي.
[هـ] وَمِنْهُ شِعْرُ الْعَبَّاسِ، يمدَحُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
مِنْ قَبْلِها طِبْت فِي الظِّلَال وَفِي ... مُسْتَودَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ
أَرَادَ ظِلَال الجنَّة: أَيْ كُنْتَ طَيِّباً فِي صُلْبِ آدمَ، حيثُ كَانَ فِي الجنَّة. وَقَوْلُهُ «مِنْ قَبْلِها» . أَيْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِكَ إِلَى الأرضِ، فكَنَى عَنْهَا وَلَمْ يتَقدَّم لَهَا ذكرٌ، لبَيان الْمَعْنَى.
وَفِيهِ «أَنَّهُ خَطَب آخرَ يَوم مِنْ شَعْبان فَقَالَ: أيُّها الناسُ قَدْ أَظَلَّكُم شهرٌ عَظِيمٌ» يَعْنِي رَمضانَ: أَيْ أقبَل عَلَيكم ودَنَا مِنْكُمْ، كأنَّه ألقَى عَلَيْكُمْ ظِلَّه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «فلمَّا أَظَلَّ قادِماً حَضَرَني بَثِّي» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ ذَكَرَ فِتَناً كأنَّها الظُّلَل» هِيَ كلُّ مَا أَظَلَّك، واحِدَتُها: ظُّلَّة. أَرَادَ كأنَّها الجبالُ أَوِ السُّحُب.
[هـ] وَمِنْهُ «عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ»
وَهِيَ سَحَابة أَظَلَّتْهُم، فَلجأُوا إِلَى ظِلِّها مِنْ شِدَّة الحرِّ
__________
(1) قال الهروي في تفسير هذا الحديث: «قيل: سِتْرُ الله، وقيل: خاصّةُ الله، يقال: أظلَّ الشهرُ، أي قرب، وقيل: معناه العزّ والمنعة» . وقد حكى السيوطي في الدر هذا التفسير عن الفارسى.
(3/160)

فأطبَقَت عَلَيْهِمْ وأهْلَكَتْهم.
وَفِيهِ «رأيتُ كَأَنَّ ظُلَّة تَنْطِفُ السَّمْنَ والعَسَل» أَيْ شِبْهَ السَّحابة يَقْطُر مِنْهَا السَّمْن والعَسَل.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «البقرةُ وآلُ عِمْرَانَ كأنَّهما ظُلَّتَان أَوْ غَمَامَتَان» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْكَافِرُ يَسْجُد لِغَيرِ اللَّهِ، وظِلُّه يَسْجد لِلَّهِ» قَالُوا: مَعْنَاهُ:
يسجُد لَهُ جسْمُه الَّذِي عَنْهُ الظِّلُّ.

(ظَلَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ زِمْل «لَزِمُوا الطَّريق فَلَمْ يَظْلِمُوه» أَيْ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ. يُقَالُ:
أخَذَ فِي طَرِيقٍ فَمَا ظَلَمَ يَمِينًا وَلَا شِمَالا.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سّلَمة «إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ثَكَما الأمْرَ فَمَا ظَلَمَاه» أَيْ لَمْ يَعْدِلاَ عَنْه. وأصلُ الظُّلْم: الجَوْرُ ومُجاوزَةُ الحدِّ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْوُضُوءِ «فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَص فَقَدْ أسَاءَ وظَلَمَ» أَيْ أساءَ الأَدب بِتَرْكِه السُّنَّة والتَّأَدُّبَ بأدَب الشَّرْع، وظَلَمَ نَفْسه بِمَا نَقَصَها مِنَ الثَّواب بتَرْدَادِ المرّاتِ فِي الوُضُوء.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ دُعي إِلَى طَعَام وَإِذَا البَيتُ مُظَلَّم فانْصَرَف وَلَمْ يَدْخُل» المُظَلَّم: المُزَوّق.
وَقِيلَ: هُوَ المُمَوّه بِالذَّهَبِ والفضَّة.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: أَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «هُوَ مِنَ الظَّلْم، وَهُوَ مُوهَةُ الذَّهب [والفِضّة] «1» وَمِنْهُ قِيلَ للماءِ الجارِي عَلَى الثَّغْر: «ظَلْم» .
وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
تَجْلُو غَوارِبَ «2» ذِي ظَلْم إِذَا ابْتَسَمَت ... كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ
وَقِيلَ الظَّلْم: رقَّة الأسنانِ وشِدَّة بَياضِها.
__________
(1) من الفائق 2/ 101.
(2) الرواية في شرح ديوانه ص 7 «عَواِرَض» . وهي رواية المصنف في «عرض» وستجيء.
(3/161)

(هـ) وَفِيهِ «إِذَا سَافَرْتُم فأتَيتُم عَلَى مَظْلُوم فأغِذُّوا السَّير» المَظْلُوم: البَلَدُ الَّذِي لَمْ يُصِبْه الغَيثُ ولاَ رِعْيَ فِيهِ للدَّوابّ. والإغْذَاذ: الإْسَراُع.
(س) وَفِي حَدِيثِ قُسٍّ «ومَهْمَهٍ فِيهِ ظُلْمَان ظِلْمَان» هِيَ جَمْعُ ظَلِيم، وهُو ذَكَر النَّعام.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْمِيمِ

(ظَمَأَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «الظَّمَأ» وَهُوَ شِدَّةُ العَطَش. يقال: ظَمِئْتُ أَظْمَأ فأنا ظَامِئ، وَقَوْمٌ ظِمَاء، وَالِاسْمُ: الظِّمْء بِالْكَسْرِ. والظَّمْآن: العَطْشَان، والأُنثى ظَمْأَى. والظِّمْء بِالْكَسْرِ: مَا بَيْنَ الوِرْدَين، وَهُوَ حَبْس الْإِبِلِ عَنِ الْمَاءِ إِلَى غَايَةِ الوِرْد.
والجمعُ: الأَظْمَاء.
(س) وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ «حِينَ لَمْ يَبْق مِنْ عُمْرِي إلاَّ ظِمْء حِمَار» أَيْ شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّمَا خصَّ الحِمَار لِأَنَّهُ أقَلُّ الدَّواب صَبْرا عَنِ الماءِ. وظِمْء الْحَيَاةِ: مِنْ وَقْت الوِلاَدة إِلَى وَقْت الْمَوْتِ.
وَفِي حَدِيثِ مُعاذ «وَإِنْ كَانَ نَشْرِ أرضٍ يُسْلِم عَلَيْهَا صاحبُها فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا مَا أَعْطَى نَشْرُهَا: رُبْعَ الْمَسْقَوِيِّ وَعُشْرَ المَظْمَئِيِّ» المَظْمَئِيّ: الَّذِي تُسْقيه السَّمَاءُ، والمَسْقَوِيّ: الَّذِي يُسْقَى بالسَّيْح، وهُما مَنْسُوبَانِ إِلَى المَظْمَأ والمَسْقَى، مَصدَرَيْ أسْقَى وأَظْمَأ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: المَظْمِيّ، أصلُه: المَظْمَئِيّ، فتُرك هَمْزُهُ، يَعْني فِي الرِّواية. وأورَدَه الجَوْهَرِي فِي المُعْتَل، وَلَمْ يذكُره فِي الْهَمْزَةِ، وَلَا تَعَرَّضَ إِلَى ذِكر تَخْفِيفه.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ النُّونِ

(ظَنَبَ)
(س) فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «عَارِيَةُ الظُّنْبُوب» هُوَ حَرْف العَظْمِ اليَابِسُ مِنَ السَّاق: أَيْ عَرِىَ عَظْمُ سَاقها مِنَ اللَّحْمِ لهُزالها.

(ظَنُنَ)
(هـ) فِيهِ «إيَّاكم والظَّنّ، فإنَّ الظَّنّ أكذبُ الْحَدِيثِ» أَرَادَ الشكَّ يعْرِضُ
(3/162)

لَكَ فِي الشَّيء فتُحَقّقه وتَحْكم بِهِ، وَقِيلَ أرادَ إِيَّاكُمْ وسُوءَ الظَّنّ وتحقيقَه، دُون مَبادي الظُّنُون الَّتِي لَا تُمْلَك وخواطِر القُلُوب الَّتِي لَا تُدْفَع.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقّق» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «احْتَجِزوا مِنَ النَّاس بِسُوءِ الظَّنِّ» أَيْ لَا تَثِقُوا بكلِّ أحَدٍ فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكُم.
وَمِنْهُ المثَل: الحَزْمُ سُوءُ الظَّنّ.
(هـ) وَفِيهِ «لَا تَجُوز شهادَةُ ظَنِين» أَيْ مُتَّهم فِي دِيِنه، فَعِيل بِمَعْنَى مفْعُول، مِنَ الظِّنَّة: التُّهَمَة.
(س [هـ] ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «وَلَا ظَنِين فِي وَلاءٍ» هُوَ الذَّي يَنْتَمي إِلَى غَير مَوَاليه، لَا تُقْبل شَهادتُه للتُّهمة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيرِين «لَمْ يَكُنْ عليٌّ يُظَّنُّ فِي قّتْل عُثْمان» أَيْ يُتَّهم. وأصلُه يُظْتَنُّ، ثُمَّ قُلبت التَّاءُ طَاءً مُهْمَلَةً، ثُمَّ قُلبت ظَاءً مُعْجَمَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتْ. ويُرْوى بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ المُدْغَمة.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الطَّاءِ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكر الظَّنّ والظِّنَّة، بِمَعْنَى الشَّك وَالتُّهَمَةِ. وَقَدْ يَجِيء الظَّنّ بِمَعْنَى العِلْم.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُسَيد بْنِ حُضَير «فَظَنَنَّا أَنْ لَمْ يجد عليهما» أي علمنا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُسَيد بْنِ حُضَير «فظَنَنَّا أَنْ لَمْ يَجُد عَلَيْهِمَا» أَيْ عَلِمنا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُبَيدة «قَالَ أَنَسُ بْنُ سِيرين: سأَلْته عَنْ قوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» * فأشارَ بيَده، فظَنَنْت مَا قَالَ» أَيْ عَلِمْت.
(هـ) وَفِيهِ «فَنَزَلَ عَلَى ثَمَدٍ بوادِي الحُدَيبِيَة ظَنُونِ الْمَاءِ يَتَبرَّضه تَبرُّضاً» الماءُ الظَّنُون: الَّذِي تَتَوهمه وَلَسْتَ مِنْهُ عَلَى ثِقَة، فَعُول بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَقِيلَ: هِيَ الْبِئْرُ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّ فِيهَا مَاءً وليسَ فِيهَا ماءٌ. وَقِيلَ: البئرُ القليلةُ الْمَاءِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ شَهْرٍ «حجَّ رجُلٌ فمرَّ بماءٍ ظَنُون» وَهُوَ رَاجعٌ إِلَى الظَّنِّ: الشَّكِّ والتُّهْمَة.
(3/163)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «إنَّ المُؤْمن لَا يُمْسي وَلَا يُصْبح إلاَّ ونَفسُه ظَنُون عِنْدَهُ» أَيْ مُتَهَمَة لدَيه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «السَّوْآءُ بِنْتُ السَّيِّدِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الحَسْنَاء بنْتِ الظَّنُون» أَيِ المُتَّهَمَة.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَا زكاةَ فِي الدَّيْن الظَّنُون» هُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ أيَصِل إِلَيْهِ أَمْ لَا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ عُثْمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «فِي الدَّيْن الظَّنُون يُزَكِّيه إِذَا قبَضَه لِمَا مَضَى» .
(س) وَفِي حَدِيثِ صِلَة بْنِ أَشْيَم «طلَبْتُ الدُّنيا منْ مَظَانّ حَلالَها» المَظَانّ: جَمْعُ مَظِنَّة بِكَسْرِ الظَّاءِ، وَهِيَ موضعُ الشَّيْءِ ومَعْدِنُه، مَفْعِلة، مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنَى العِلم. وَكَانَ القياسُ فَتْحَ الظَّاءِ، وإنَّما كُسِرت لِأَجْلِ الهاءِ. الْمَعْنَى: طلَبتُها فِي المواضِع الَّتِي يُعلم فِيهَا الْحَلَالُ.

بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْهَاءِ

(ظَهَرَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الظَّاهِرُ» هُوَ الَّذِي ظَهَرَ فوقَ كلِّ شَيْءٍ وعَلاَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ:
هُوَ الَّذِي عُرِف بطُرُق الاسْتِدْلال العَقْلي بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ آثارِ أَفْعَالِهِ وأوصافهِ.
(س) وَفِيهِ ذِكْرُ «صَلَاةِ الظُّهْر» وهو اسمٌ لنصْفِ النهارِ، سُمِّي به مِنْ ظَهِيرَة الشَّمْسِ، وَهُوَ شدَّةُ حرِّها. وَقِيلَ: أُضِيَفت إِلَيْهِ لأَّنه أَظْهَرُ أوقاتِ الصَّلَاةِ للأَبْصَارِ. وَقِيلَ: أَظْهَرُها حَرَّاً.
وَقِيلَ: لأنَّها أَوَّلُ صلاةٍ أُظْهِرَتْ وصُلِّيَت.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكر «الظَّهِيرَة» فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ شدةُ الْحَرِّ نصْف النَّهار. وَلَا يقالُ فِي الشِّتاء ظَهِيرَة. وأَظْهَرْنا إِذَا دخَلْنا فِي وَقْتِ الظُّهْر، كأصْبَحْنا وأمْسَينا فِي الصَّباح والمَسَاء. وتُجمع الظَّهِيرَة عَلَى الظَّهَائِر.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَتَاهُ رجُل يشكُو النِّقْرِسَ فَقَالَ: كَذَبَتْك الظَّهَائِرُ» أَيْ عَلَيْكَ بِالْمَشْيِ فِي حَرِّ الهواجر.
(3/164)

وَفِيهِ ذِكْرُ «الظِّهَار» فِي غَيْرِ مَوْضِع. يُقَالُ: ظَاهَرَ الرجُلُ من امْرَأتِه ظِهَاراً. وتَظَهَّرَ، وتَظَاهَرَ إِذَا قَالَ لَهَا: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمي. وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا. وَقِيلَ: أنَّهم أرَادُوا: أنْتِ عليَّ كبَطْنِ أُمي: أَيْ كَجِمَاعهِا، فَكَنوْا بالظَّهْر عَنِ البَطْن للمُجَاورة. وَقِيلَ: إنَّ إتيانَ المرأةِ وظَهْرُها إِلَى السَّمَاءِ كَانَ حَرَامًا عِنْدَهُمْ. وَكَانَ أهلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إِذَا أُتِيَتِ المرأةُ وَوَجْهُهَا إِلَى الْأَرْضِ جَاءَ الولدُ أحْول، فلِقَصْد الرَّجُل المُطَلَّق مِنْهُمْ إِلَى التَّغْليظ فِي تحْرِيم امْرَأتِه عَلَيْهِ شبَّهها بالظَّهْر، ثُمَّ لَمْ يَقْنَع بِذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهَا كظَهْرِ أمِّه. وَإِنَّمَا عُدِّي الظِّهَار بِمِنْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَاهَرُوا الْمَرْأَةَ تَجنَّبُوها كَمَا يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقة ويحتَرِزُون مِنْهَا، فكأنَّ قَوْلَهُ: ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ: أَيْ بَعُدَ واحترزَ مِنْهَا، كَمَا قِيلَ: آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ، لمَّا ضُمِّن مَعْنَى التباعُد عُدّي بِمِنْ.
(هـ) وَفِيهِ ذكر «قرَيش الظَّوَاهِر» وهم الذين نَزَلوا بظُهُور جِبال مَكَّةَ. والظَّوَاهِر:
أشرَاف الْأَرْضِ. وقُرَيشُ البِطاحِ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلُوا بطَاح مَكَّةَ.
(هـ) وَمِنْهُ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي عُبيدة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا «فَاظْهَرْ بِمَنْ مَعَك مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا» يَعْنِي إِلَى أرضٍ ذكَرها: أَيِ اخرُج بِهِمْ إِلَى ظَاهِرِها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلِّي الْعَصْرَ وَلَمْ تَظْهَرِ الشَّمْسُ بعدُ مِنْ حُجْرتها» أَيْ لَمْ تَرْتَفِع وَلَمْ تَخْرُجْ إِلَى ظَهْرِها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «لَمَّا قِيلَ: يَا ابْنَ ذاتِ النِّطاقين تمثَّل بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيب.
وَتِلْكَ شَكاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُها «1» يُقَالُ: ظَهَرَ عَنِّي هَذَا العيبُ، إِذَا ارْتفعَ عَنْكَ، وَلَمْ يَنَلْك مِنْهُ شَيءٌ. أراد أن نِطاقَها لا يغضّ منه فيعيّربه، ولكنَّه يرفَع مِنْهُ ويزيدُه نُبْلا.
(هـ) وَفِيهِ «خَيرُ الصَّدقة مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ مَا كَانَ عَفْواً قَدْ فَضَل عَنْ غِنىً.
وَقِيلَ: أَرَادَ مَا فَضَلَ عَنِ العِيال. والظَّهْر قَدْ يُزادُ فِي مِثْل هَذَا إشْباعاً لِلْكَلَامِ وتَمْكِيناً، كأنَّ صدَقَته مُسْتَنِدَة إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ من المال.
__________
(1) انظر تعليقنا ص 497 من الجزء الثانى.
(3/165)

وَفِيهِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فاسْتَظْهَرَه» أَيْ حَفِظَه. تَقُولُ: قرأتُ القُرآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِي: أَيْ قَرَأتُه مِنْ حِفْظِي.
(س) وَفِيهِ «مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إلاَّ لَهَا ظَهْر وبطنٌ» قِيلَ ظَهْرُها: لفظَها، وبطْنها:
مَعْنَاهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ بالظَّهْر مَا ظَهَرَ تأويلُه وعُرِف مَعْنَاهُ، وبالبَطْن مَا بَطَن تفسيرُه. وَقِيلَ قَصَصُه فِي الظَّاهِر أخْبارٌ، وَفِي الْبَاطِنِ عِبَرٌ وَتَنبيهٌ وتحذيرٌ، وَغَيْرُ ذلك. وقيل: أَرَادَ بالظَّهْر التَّلاوةَ، وبالبَطْن التَّفهُّمَ والتَّعظيم.
وَفِي حَدِيثِ الخَيل «وَلَمْ يَنْس حقَّ اللَّهِ فِي رِقابها وَلَا ظُهُورِها» حقُّ الظُهُور: أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا مُنْقَطَعاً بِهِ أَوْ يُجاهد عَلَيْهَا.
وَمِنْهُ الحديث الآخر «ومن حَقِّها إفْقارُ ظَهْرِها» (س) وَفِي حَدِيثِ عَرْفجة «فتناولَ السَّيْفَ مِنَ الظَّهْر فحذَفَه بِهِ» الظَّهْر: الإبلُ الَّتِي يُحمِل عَلَيْهَا وتُرْكب. يُقَالُ: عِنْدَ فُلَانٍ ظَهْرٌ: أَيْ إبلٌ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أتأذَنُ لَنَا فِي نَحْر ظَهْرِنا؟» أَيْ إِبِلِنَا الَّتِي نركَبُها، وتُجمع عَلَى ظُهْرَان، بِالضَّمِّ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فجعَلَ رجالٌ يستأذنُونه فِي ظُهْرَانهم فِي عُلْو الْمَدِينَةِ» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ «فَأَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهم وَبَيْنَ أَظْهُرِهِم» قَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ، والمرادُ بِهَا أنَّهم أَقَامُوا بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِظْهَار والاستِناد إِلَيْهِمْ، وزِيدَت فِيهِ ألفٌ ونونٌ مفتوحةٌ تَأْكِيدًا، وَمَعْنَاهُ أنَّ ظَهْراً مِنْهُمْ قُدَّامَه وظَهْرا مِنْهُمْ وراءَه، فَهُوَ مكنُوفٌ مِنْ جانِبَيه، وَمِنْ جَوَانِبِهِ إِذَا قِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهم، ثُمَّ كَثُر حَتَّى استُعْمِل فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ القَوْم مُطْلَقًا.
وَفِي حَدِيثُ عَلِيٍّ «اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا
حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ» أَيْ جَعَلتمُوه وراءَ ظُهُورِكم، فَهُوَ مَنْسوب إِلَى الظَّهْر، وكسرُ الظَّاءِ مِنْ تَغْييرات النَّسب.
(هـ) وَفِيهِ «فعَمَدَ إِلَى بعيرٍ ظَهِير فَأَمَرَ بِهِ فرُحِل» يَعْنِي شَديد الظَّهر قَويّاً عَلَى الرِّحْلة.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَين يَوْمَ أُحُد» أَيْ جَمَعَ ولَبِسَ إِحْدَاهُمَا فوقَ الأخْرَى.
وكأنَّه مِنَ التَّظَاهُر: التَّعَاوُنِ والتَّساعُد.
(3/166)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أَنَّهُ بَارَزَ يَوْمَ بَدْر وظَاهَرَ» أَيْ نَصَر وأَعَان.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فظَهَرَ الّذين كان بَينَهُم وَبَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد، فَقَنَت شَهرا بَعْدَ الرُّكوع يَدْعو عَليهم» أَيْ غَلبوهم. هَكَذَا جَاءَ فِي رِواية. قالوا: والأشبه أن يكون مغيّر، كَمَا جَاءَ فِي الرِّواية الأُخْرَى «فَغَدرُوا بِهِمْ» .
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ أمرَ خُرَّاصَ النَّخل أَنْ يَسْتَظْهِرُوا» أي يَحْتَاطوا لأرْبابها ويَدَعُوا لَهُمْ قَدْر مَا يَنُوبُهم ويَنْزل بِهِمْ مِنَ الأضْيافِ وأبْناءِ السَّبيل.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «أَنَّهُ كَسَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثَوْبَيْنِ، ظَهْرَانِيّاً وَمُعَقَّدًا» الظَّهْرَانيّ: ثوبٌ يُجاءُ بِهِ مِنْ مَرّ الظَّهْرَان. وَقِيلَ: هُوَ منْسُوب إِلَى ظَهْرَان: قَريةٍ مِنْ قُرَى البَحْرَين.
والمعقَّد: بُرْد مِنْ بُرُود هَجَر.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «مَرّ الظَّهْرَان» فِي الْحَدِيثِ. وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وعُسْفَان. واسمُ القَرْية الْمُضَافَةِ إِلَيْهِ: مَرُّ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّابِغَةِ الجَعْدي «أَنْشَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
بلغَنْا السَّماءَ مَجْدُنا وسَنَاؤُنا ... وإنَّا لنَرْجُو فَوقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
فغَضِب وَقَالَ لِي: أَيْنَ المَظْهَر يَا أبَا لَيلى؟ قَالَ: إِلَى الجَّنة يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أجَلْ إِنْ شاءَ اللَّهُ» المَظْهَر: الَمْصَعد.

(ظَهَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «1» «فدَعَا بصُنْدُوق ظَهْم» الظَّهْم: الخَلَق.
كَذَا فُسّر فِي الْحَدِيثِ. قَالَ الأزهَرِي: لَمْ أسْمَعه إلاَّ فِيه.
__________
(1) في الهروي: «عبد الله بن عمر» .
(3/167)

حرف العين

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْبَاءِ

(عَبَأَ)
(س) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «قَالَ: عَبَأْنَا النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببَدْرٍ لَيْلاً» يُقَالُ: عَبَأْتُ الجَيْشَ عَبْأً، وعَبَّأْتُهُم تَعْبِئَة وتَعْبِيئاً، وَقَدْ يُتْرَك الْهَمْزُ فَيُقَالُ: عَبَّيْتُهُم تَعْبِيَة: أَيْ رَتَّبتُهم فِي مواضِعِهم وهيَّأْتُهم للحَرْب.

(عَبُبَ)
(س) فِيهِ «إنَّا حيٌّ مِن مَذْحِجٍ، عُبَاب سَلَفِها ولُبابُ شَرفَها» عُبَاب المْاء:
أوّلُه، وحَبَابه: مُعْظَمُه. وَيُقَالُ جَاءُوا بعُبَابِهم: أَيْ جاءُوا بأجْمَعِهم. وَأَرَادَ بسَلَفهم مَن سَلَف مِنْ آبائِهم، أَوْ مَا سَلَف مِنْ عِزِّهِمْ ومَجدِهم.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصفُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «طِرْت بِعُبَابِها وفُزْت بِحَبَابها» أَيْ سَبَقْت إِلَى جُمَّة الْإِسْلَامِ، وأدْرَكْت أوائِله، وشَرِبْت صَفْوَه، وحَوَيْت فَضائلَه.
هَكَذَا أخْرَج الْحَدِيثَ الهَرَويُّ والخطَّابيُّ، وغَيرُهما مِنْ أَصْحَابِ الغَرِيب.
وَقَالَ بعضُ فُضَلاء المُتأخِّرين: هَذَا تَفْسيرُ الكلمةِ عَلَى الصَّوَابِ لَوْ سَاعَد النقلُ. وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ أُسَيد بْنِ صَفْوانَ قَالَ: لمَّا ماتَ أَبُو بَكْرٍ جَاءَ عليٌّ فمَدَحه فَقَالَ فِي كَلَامِهِ: طِرتَ بغنَائها، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ- وفُزْت بِحِيَائِهَا، بِالْحَاءِ الْمَكْسُورَةِ وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا. هَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّارقُطني مِنْ طُرُق فِي كِتَابِ «مَا قالَت القَرابةُ فِي الصَّحَابَةِ» وَفِي كِتَابِ «الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ» وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّة فِي «الْإِبَانَةِ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(هـ) وَفِيهِ «مُصُّوا الماءَ مَصَّا وَلَا تَعُبُّوه عَبّاً» العَبّ: الشُّربُ بِلَا تنفُّس.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الكُبَاد مِنَ العَبّ» الكُبادُ: دَاءٌ يعْرِض للكَبِد.
وَفِي حَدِيثِ الْحَوْضِ «يَعُبُّ فِيهِ مِيزابان» أَيْ يَصُبَّان فِيهِ وَلَا يَنْقَطعُ انْصِبابُهما. هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. والمعْرُوف بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّاءِ فَوْقَهَا نقطتان.
(3/168)

[هـ] وَفِيهِ «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْكُمْ عُبِّيَّة الْجَاهِلِيَّةِ» يَعْنِي الكِبْر، وتُضَمّ عينُها وَتُكْسَرُ.
وَهِيَ فُعُّولَةٌ أَوْ فُعِّيلَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ فُعُّولة فَهِيَ مِنَ التَّعْبِيَة، لِأَنَّ المُتَكبر ذُو تكلُّف وتَعْبية، خِلَافَ مَنْ يَسْتَرسِل عَلَى سَجِيَّتِه. وَإِنْ كَانَتْ فُعِّيلة فَهِيَ مِنْ عُبَاب المَاء، وَهُوَ أولُه وارتفَاعُه. وَقِيلَ: إنَّ اللامَ قُلِبت يَاءً، كَمَا فَعلوا فِي: تقَضَّى الْبَازِي «1» .

(عَبَثَ)
فِيهِ «مَنْ قَتَل عُصْفورا عَبَثاً» العَبَث: اللَّعِب. والمرادُ أَنْ يَقْتُل الحَيوانَ لَعِبا لغَير قَصْد الْأَكْلِ، وَلَا عَلى جِهَة التَّصُّيد للانْتفَاعِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ عَبَث فِي مَنامه» أَيْ حرَّك يَدَيْهِ كالدَّافع أَوِ الْآخِذِ.

(عَبْثَرَ)
(س) فِي حَدِيثِ قُسٍ «ذَاتُ حَوْذَان وعَبَيْثَرَان» هُوَ نَبْتٌ طَّيب الرَّائحة مِنْ نَبْتِ البَادِية. وَيُقَالُ: عَبَوْثَرَان بِالْوَاوِ، وتُفتح الْعَيْنُ وتُضَمُّ.

(عَبَدَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «هَؤُلاء عِبِدَّاكَ بِفِناء حَرَمك» العِبِدَّا، بالْقصر وَالْمَدِّ:
جَمْع العَبْد، كالعِبَاد والعَبِيد.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيل «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ العِبِدَّا حَولَك يَا مُحَمَّدُ» أَرَادَ فُقَراء أهْلِ الصُّفَّة. وَكَانُوا يَقُولُونَ: اتَّبَعه الأرْذَلُون.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَت مَعَهُمْ عِبْدَانُكُم» هُوَ جَمْعُ عَبْد أَيْضًا.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ثَلاثةٌ أنَا خَصْمُهم: رَجُل اعْتَبَدَ مُحَرَّراً» وَفِي رِوَايَةٍ «أَعْبَدَ مُحرَّراً» أَيِ اتخذَه عَبْداً. وَهُوَ أَنْ يُعْتِقَه ثُمَّ يَكْتُمه إِيَّاهُ أَوْ يَعْتَقِلَه بَعْدَ العِتْق فيستَخْدِمَه كُرْها، أَوْ يَأْخُذَ حُرّاً فيَدَّعِيه عَبْدا ويَتَملَّكه. يُقَالُ: أَعْبَدْتُهُ واعْتَبَدْتُه: أَيِ اتَّخذتُه عَبْدا. والقِياسُ أَنْ يَكُونَ أَعْبَدْتُه جَعَلته عَبْدا. وَيُقَالُ: تَعَبَّدَه واسْتَعْبَدَه: أَيْ صَيَّره كالعَبْد.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي الفِداء «مكانَ عَبْد عَبدٌ» كَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ فيمَن سُبِيَ من العَرَب
__________
(1) قال الهروي: «قال بعض أصحابنا: هو من العَبِّ. وقال الأزهري: بل هو مأخوذ من العَبِ، وهو النور والضياء. ويقال: هذا عَبُ الشمس، وأصله: عَبْوُ الشمس» .
(3/169)

فِي الْجَاهِلِيَّةِ وأدركَه الإسلاُم وَهُوَ عِنْد مَنْ سَبَاه أنْ يُرَد حُرًّا إِلَى نَسَبه، وتكونُ قيمَتُه عَلَيْهِ يُؤَدِّيها إِلَى مَن سَبَاه، فجعلَ مَكَانَ كُلِّ رأسٍ مِنْهم رَأْسًا مِنَ الرَّقيق.
وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَفِي ابْن الْأَمَةِ عَبْدَان» فإنَّه يُريدُ الرجُل العَرَبي يتَزوّج أمَةً لِقوم فتَلِدُ مِنْهُ وَلداً، فَلَا يَجعلهُ رَقِيقًا، ولكنَّه يُفْدَى بعَبْدَيْن. وَإِلَى هَذَا ذَهبَ الثَّورِيّ وَابْنُ رَاهُويه، وَسَائِرُ الفُقَهاء عَلَى خِلَافِهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يَقُل أحدُكم لِمَمْلُوكِهِ: عَبْدِي وأَمَتَي، ولْيقُل: فَتَايَ وفَتَاتِي» هَذَا عَلَى نَفْي الاْسِتْكبارِ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يَنْسُب عُبُودِيَّتَهُم إِلَيْهِ، فإنَّ المُسْتَحِقَّ لِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ رَبُّ العِبَاد كُلِّهِمْ والعَبِيد.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَقِيلَ لَهُ: أنْتَ أمَرْتَ بقَتْل عُثْمان أَوْ أعَنْت عَلَى قَتْلَه فَعَبِدَ وضَمِدَ» .
أَيْ غَضِب غضَبَ أنَفَة. يُقَالُ: عَبِدَ بِالْكَسْرِ يَعْبَدُ بِالْفَتْحِ عَبَداً بِالتَّحْرِيكِ، فَهُوَ عَابِدٌ وعَبِدٌ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «عَبِدْتُ فصَمتُّ» أَيْ أنِفْتُ فسَكَتُّ.
(س) وَفِي قصَّة الْعَبَّاسِ بْنِ مِرداس وَشِعْرِهِ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي ونهب العَبِيد بَيْن عُيَيَنَة والأقْرَعِ العَبِيد مُصغَّراً: اسمُ فَرَسه.

(عَبَرَ)
فِيهِ «الرُّؤْيا لِأَوَّلِ عَابِر» يُقَالُ: عَبَرْتُ الرُّؤْيا أَعْبُرُها عَبْراً، وعَبَّرْتُها تَعْبِيراً إِذَا أوّلْتَها وفَسَّرتها، وخَبَّرت بآخِر مَا يؤَول إِلَيْهِ أمرُها، يُقَالُ: هُوَ عَابِر الرُّؤْيا، وعَابِر للرُّؤْيَا، وَهَذِهِ اللَّامُ تُسَمى لاَمَ التَّعْقِيب، لأنَّها عَقَّبَت الإضافَة، والعَابِر: الناظرُ فِي الشَّيء. والمُعْتَبِر: المُسْتَدِلّ بالشَّيء عَلَى الشَّيء.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «للرُّؤيا كُنًى وأسْماءٌ فكَنُّوها بكُنَاها واعْتَبِرُوها بأسمائِها» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيريِن «كَانَ يقولُ: إِنِّي أَعْتَبِرُ الْحَدِيثَ» الْمَعْنَى فِيهِ أنَّه يُعَبِّرُ الرُّؤْيا عَلَى الْحَدِيثِ، ويَعْتَبِرُ بِهِ كَمَا يَعْتَبِرُها بالقُرْآن فِي تأويِلها، مِثْلَ أَنْ يُعَبِّر الغُرَابَ بالرجُل الفاسِق،
(3/170)

والضِّلَع بالمرأةِ، لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمَّى الغُرابَ فاسِقا، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ كالضِّلَع، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكُنَى وَالْأَسْمَاءِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «فَمَا كَانَتْ صُحُف مُوسَى؟ قَالَ: كَانَتْ عِبَراً كلُّها» العِبَر: جَمْعُ عِبْرَة، وَهِيَ كالمَوعِظَة ممَّا يتَّعظ بِهِ الإنسانُ ويَعْمَلُ بِهِ ويَعْتَبِرُ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى غيرِه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «وعُبْرُ جارَتِها» أَيْ أنَّ ضَرَّتَها تُرَى مِنْ عِفَّتها مَا تَعْتَبِرُ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا تَرَى مِنْ جَمَالها مَا يُعَبّر عينَها: أَيْ يُبْكِيها. وَمِنْهُ العينُ العَبْرى: أَيِ البَاكية. يُقَالُ عَبِرَ بِالْكَسْرِ واسْتَعْبَرَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ ذَكَر النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اسْتَعْبَرَ فبكَى» هُوَ اسْتَفْعَل، مِنَ العِبْرَة، وَهِيَ تَحلُّب الدمْع.
(هـ) وَفِيهِ «أتَعْجَزُ إحدَاكُنَّ أَنْ تَتَّخذ تُوَمَتَيْن تلطخُهما بِعَبِيرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ» العَبِير:
نوعٌ مِنَ الطِّيب ذُو لَون يُجْمَع مِنْ أخْلاَط. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(عَبْرَبَ)
(س) فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «قَالَ لِطَبَّاخِه: اتَّخِذْ لنَا عَبْرَبِيَّة وأَكثِرْ فَيْجَنَها» العَبْرَب: السُّمّاق. والفَيْجَن: السَّذَاب.

(عَبَسَ)
فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّد» العَابِس: الكَرِيهُ المَلْقَى، الجَهْمُ المُحَيَّا. عَبَسَ يَعْبِسُ فَهُوَ عَابِس، وعَبَّسَ فَهُوَ مُعَبِّس وعَبَّاس.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قُسّ.
يَبْتَغِي دَفْعَ بأسِ يومٍ عَبُوس هُوَ صِفَةٌ لأصْحاب الْيَوْمِ: أَيْ يَوْمٍ يُعَبَّسُ فِيهِ، فأجْراه صِفةً عَلَى الْيَوْمِ، كَقَوْلِهِمْ: ليلٌ نَائِمٌ:
أَيْ يُنام فِيهِ.
[هـ] وَفِيهِ «أَنَّهُ نَظَر إِلَى نَعَمِ بَنِي فُلَانٍ وَقَدْ عَبِسَتْ فِي أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا منَ السِّمَن» هُوَ أَنْ تَجِفَّ عَلَى أفْخَاذِها، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكونُ مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْم والسِّمَن. وَإِنَّمَا عَدَّاه بفِي، لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مَعْنى انْغَمَسَت.
(3/171)

(هـ س) وَمِنْهُ حَدِيثُ شُرَيح «أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ «1» مِنَ العَبَس» يَعْنِي العَبْدَ البَوَّال فِي فِرَاشه إِذَا تعوَّدَه وَبَانَ أثَرُه عَلَى بَدَنه.

(عَبُطَ)
[هـ] فِيهِ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلا فَإِنَّهُ قَوَدٌ» أَيْ قَتَله بِلَا جنَاية كَانَتْ مِنْهُ وَلَا جَرِيرةٍ تُوجِب قَتْله، فإنَّ الْقَاتِلَ يُقَادُ بِهِ ويُقْتَل. وكُلُّ مَن ماتَ بِغَيْرِ عِلَّة فَقَدِ اعْتُبِطَ. وَمَاتَ فلانٌ عَبْطَةً: أَيْ شَابًّا صَحِيحًا. وعَبَطْتُ النّاقةَ واعْتَبَطْتُها إِذَا ذَبَحْتَها مِنْ غَيْرِ مَرَض.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ قَتَل مُؤْمنا فاعْتَبَطَ بقَتْله لَمْ يَقْبَل اللهُ مِنْهُ صَرْفا وَلَا عَدْلا» هَكَذَا جَاءَ الحديثُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ. ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «قَالَ خالدُ بْنُ دِهْقان- وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ- سألتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الغَسَّاني عَنْ قَوْلِهِ: «اعْتَبَطَ بقَتْله» قَالَ: الَّذين يُقَاتلُون فِي الْفِتْنَةِ [فَيُقْتَلُ أَحَدُهُمْ] «2» فيرَى أَنَّهُ عَلَى هُدًى لَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ» وَهَذَا التفسيرُ يدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الغِبْطةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ الفَرَح والسُّرورُ وَحُسْن الْحَالِ، لأنَّ الْقَاتِلَ يفرَحُ بِقَتْلِ خَصْمِه، فَإِذَا كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِنًا وفَرح بقَتْله دَخَل فِي هَذَا الوعِيد.
وَقَالَ الخطَّابي «فِي مَعَالم السُّنَنِ» ، وَشَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: اعْتَبَطَ قَتْله: أَيْ قَتَله ظلْما لاَ عَنْ قِصَاصِ. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تقدَّم فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَذَّكَّرْ قَوْلَ خَالِدٍ وَلَا تَفْسِيرَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عبْد الْمَلِكِ بْنِ عُمَير «مَعْبُوطَة نَفْسُها» أَيْ مَذْبُوحة، وَهِيَ شَابَّةٌ صحيحةٌ.
وَمِنْهُ شِعْرٌ أُمْيّة:
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَة يَمُتْ هَرَماً ... لِلْمَوْتِ كَأْسٌ والمرءُ ذَائِقُها
(هـ) وَفِيهِ «فقَاءَت لَحْمًا عَبِيطاً» العَبِيطُ: الطَّرِيُّ غَيْرُ النَّضِيج.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «فدَعَا بلَحْمٍ عَبِيط» أَيْ طَرِيٍّ غَيْرِ نَضِيج، هكذا رُوي وشُرح.
__________
(1) أي في الرقيق، كما ذكر الهروي.
(2) تكملة لازمة من سنن أبى داود (باب في تعظيم قتل المؤمن، من كتاب الفتن) 2/ 134 ط القاهرة، 1280 هـ.
(3/172)

والَّذي جَاءَ فِي غَرِيب الخطَّابي عَلَى اخْتلاف نُسَخه «فَدَعَا بلحمٍ غَليظ» بِالْغَيْنِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، يُرِيدُ لَحْمًا خَشِناً عاسِياً لَا يَنْقَاد فِي المضْغِ، وَكَأَنَّهُ أشْبَه.
(هـ) وَفِيهِ «مُرِي بَنِيكِ لَا يَعْبِطُوا ضُرُوعَ الغَنَم» أَيْ لَا يُشَدِّدُوا الحَلب فيَعْقِرُوها ويُدْمُوها بالعَصْر، مِنَ العَبِيط، وَهُوَ الدَّم الطَّرِيُّ، وَلَا يَسْتَقْصُون حَلَبها حَتَّى يَخْرُج الدَّم بَعْدَ اللَّبن.
والمرادُ: أَنْ لَا يَعْبِطُوها، فخذف أَنْ وأعْمَلها مُضْمَرة، وَهُوَ قليلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَا ناهِية بَعْدَ أمْرٍ، فَحَذَفَ النُّونَ للنَّهي.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «قَالَتْ: فَقَد رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا كَانَ يُجالِسُه فَقَالُوا: اعْتَبَطَ، فَقَالَ: قُومُوا بِنَا نَعُودُه» كَانُوا يُسَمُّون الوَعْك اعْتِبَاطاً. يُقَالُ: عَبَطَتْهُ الدَّواهِي إِذَا نَالتْه.

(عَبْقَرَ)
(هـ) فِيهِ «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيّاً يَفْرِي فَرِيّةً «1» » عَبْقَرِيّ الْقَوْمِ: سَيِّدُهُم وكَبِيرُهُم وقَوِيُّهم. والأصلُ فِي العَبْقَرِيّ، فِيمَا قِيلَ، أَنَّ عَبْقَر قَرية يَسْكُنها الجِنّ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فكُلما رَأَوْا شَيْئًا فَائِقًا غَرِيبًا ممَّا يصْعُب عَمَلُهُ ويَدِقُّ، أَوْ شَيْئًا عَظِيمًا فِي نَفْسِه نسبُوه إِلَيْهَا فَقَالُوا: عَبْقَرِيّ، ثُمَّ اتُّسع فِيهِ حَتَّى سُمِّي بِهِ السَّيد الكَبِيرُ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَسْجُد عَلَى عَبْقَرِيّ» قيلَ: هُوَ الدِّيَباج. وَقِيلَ: البُسُط المَوْشِيَّة. وَقِيلَ: الطَّنافِس الثِّخانُ.
(س هـ) وَفِي حَدِيثِ عِصام «عينُ الظَّبْيةِ العَبْقَرَة» يُقَالُ: جَارِيةٌ عَبْقَرَة: أَيْ نَاصِعَة اللَّون. ويَجُوز أَنْ تَكُونَ واحدةَ العَبْقَر، وَهُوَ النَّرْجِسُ تُشَبَّه بِهِ العينُ، حَكَاهُ أَبُو مُوسَى.

(عَبَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْخَنْدَقِ «فوجدُوا أَعْبِلَة» قَالَ الْهَرَوِيُّ: الأَعْبَل والعَبْلَاء:
حِجارةٌ بيضٌ. قال الشاعر:
__________
(1) أخرجه الهروي من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم يذكر عمر رضي الله عنه.
(3/173)

كأنَّما لأْمَتُها الأعْبَل «1» قَالَ: والأَعْبِلَة: جمعٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا الوَاحِدِ.
(س) وَفِي صِفَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كَانَ عَبْلًا مِنَ الرِّجال» أَيْ ضَخْمًا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فإنَّ هُنَاكَ سَرْحَةً لَمْ تُعْبَل» أَيْ لَمْ يَسْقُط ورَقُها. يُقَالُ عَبَلْتُ الشجرةَ عَبْلًا إِذَا أخَذْتَ وَرقَها، وأَعْبَلَتِ الشجرةُ إِذَا طَلَع ورَقُها، وَإِذَا رَمَت بِهِ أَيْضًا.
والعَبَل: الورَق.
وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ «وَجَاءَ عامرٌ برجُلٍ مِنَ العَبَلَات» العَبَلَات بِالتَّحْرِيكِ: اسْمُ أُميَّة الصُّغْرَى مِنْ قُرَيش. والنَّسَب إِلَيْهِمْ: عَبْلِيّ، بالسُّكون رَدًّا إِلَى الواحِد، لأنَّ أُمَّهم اسْمها عَبْلَة. َكذا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «تَكَنَّفَتْكُمْ غَوائلُه، وأقْصَدَتْكم مَعَابِلُه» المَعَابِل: نِصَالٌ عِراضٌ طِوَالٌ، الْوَاحِدَةُ: مَعْبَلَة.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ:
تَزِلُّ عَنْ صَفْحَتِي المَعَابِل وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(عَبْهَلَ)
(هـ) فِي كِتَابِهِ لِوَائِلِ بْنِ حُجْر «إِلَى الأَقْيالِ العَبَاهِلَة» هُمْ الَّذِينَ أُقِرُّوا عَلَى مُلْكِهم لَا يُزَالُون عَنْهُ. وكُلُّ شَيْءٍ تُرِك لَا يُمْنع مِمَّا يُريد وَلَا يُضْرَب عَلَى يدَيه فَقَدَ عَبْهَلْتَهُ.
وعَبْهَلْتُ الإبلَ إِذَا تركْتَها تَردُ متَى شاءَت. وواحدُ العَبَاهِلَة: عَبْهَل، وَالتَّاءُ لتأكيدِ الْجمع، كقَشْعَم وقَشاعِمَة. ويجوزُ أنْ يكونَ الأصلُ: عَبَاهِيل جَمْعُ عُبْهُول، أَوْ عِبْهَال، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ وعُوِّضَ مِنْهَا الهاءُ، كَمَا قِيلَ: فَرَازِنَةٌ، في فَرَازِين. والأَوَّل أشْبَه.
__________
(1) صدره كما في اللسان: والضّرب في أَقبالِ مَلْمومَةٍ
(3/174)

(عَبَا)
(س) فِيهِ «لِبَاسُهم العَبَاء» هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الأكْسِيةِ، الواحدةُ عَبَاءَة وعَبَايَة، وَقَدْ تقَع عَلَى الواحِدِ، لِأَنَّهُ جنسٌ. وَقَدْ تكرَّر فِي الْحَدِيثِ.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ التَّاءِ

(عَتُبَ)
فِيهِ «كان يقول لأحدنا عند المَعْتِبَة المَعْتَبَة: مَا لَه تَرِبَتْ يمينُه!» يُقَالُ: عَتَبَهُ يَعْتِبُه عَتْباً، وعَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتُبُ ويَعْتِبُ عَتْباً ومَعْتَباً. والاسمُ المَعْتِبَة، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، مِنَ المَوْجِدَة والغَضَب.
والعِتَاب: مُخاطَبَة الإْدلاَل ومُذَاكرة المَوْجِدَة. وأَعْتَبَنِي فلانٌ إِذَا عَادَ إِلَى مَسَرَّتي. واسْتَعْتَبَ:
طَلَبَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، كَمَا تَقُولُ: استَرْضَيتُه فأرْضاني. والمُعْتَب: المُرضى.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يَتَمنينَّ أحَدُكم الْمَوْتَ، إمَّا مُحْسِنا فلَعلَّه يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» أَيْ يَرْجِعُ عَنِ الْإِسَاءَةِ ويَطلُب الرِّضا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَلَا بَعْدَ الموتِ مِنْ مُسْتَعْتَب» أَيْ لَيْسَ بَعْدَ الموتِ مِنَ اسْتِرضاء، لأنَّ الأعمالَ بَطَلت وانْقَضَى زمانُها. وَمَا بعدَ الْمَوْتِ دَارُ جزاءٍ لَا دَارُ عَمَل.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يُعَاتَبُون فِي أنْفُسِهم» يَعْنِي لِعظَم ذُنُوبهم وإصْرارِهم عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا يُعَاتَبُ مَنْ تُرْجَى عِنْدَهُ العُتْبَى: أَيِ الرُّجُوع عَنِ الذَّنْب والإساءَة.
(س) وَفِيهِ «عَاتِبُوا الخْيلَ فَإِنَّهَا تُعْتِبُ» أَيْ أدِّبُوها ورَوِّضُوها للحَرْب والرُّكُوب، فإنَّها تَتَأَدَّب وتَقبل العِتَاب.
وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ عَتَّبَ سَرَاويله فتشمَّر» التَّعْتِيب: أَنْ تُجْمَع الحُجْزةُ وتُطْوَى مِنْ قُدَّام.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «إنَّ عَتَبَات الموتِ تأخُذُها» أَيْ شَدَائِدَهُ. يُقَالُ حَمَلَ فُلانٌ فُلاناً عَلَى عَتَبَة: أَيْ عَلَى أمْرٍ كَرِيه مِنَ الشِّدة والبَلاء.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ النَّحَّام «قَالَ لكَعْب بْنِ مُرَّةَ، وَهُوَ يُحَدِّث بدَرَجات الْمُجَاهِدِ:
مَا الدَّرَجة؟ فَقَالَ: أمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أمِّك» العَتَبَة فِي الأصْل: أسْكُفَّةُ الْبَابِ. وكلُّ مَرْقَاةٍ
(3/175)

مِنَ الدَّرَج: عَتَبَة: أَيْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بالدَّرَجة الَّتِي تَعْرِفُها فِي بَيْتِ أُمَّك. فَقَدْ رُوِي «أنَّ مَا بَيْنَ الدَّرَجتين كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .
وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيّ: «قَالَ فِي رَجُلٍ أنْعَل دَابَّةَ رجُل فعَتَبَتْ» أَيْ غَمَزت. يُقَالُ مِنْهُ عَتَبَتْ تَعْتِبُ وتَعْتُبُ عَتَبَاناً إِذَا رفَعت يَدًا أَوْ رِجْلا ومَشَت عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ. وَقَالُوا: هُوَ تَشْبيه، كَأَنَّهَا تمْشِي عَلَى عَتَبَاتِ الدَّرَج فتَنْزَو مِنْ عَتَبَة إِلَى عَتَبَة. ويُرْوى «عَنِتَتْ» بِالنُّونِ وَسَيَجِيءُ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ المُسيّب «كلُّ عظْمٍ كُسِرَ ثُمَّ جُبِر غَيْرَ منْقُوصٍ وَلَا مُعْتَب فَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ إعْطَاءُ المُدَاوِي، فإن جبر وبه عَتَبٌ فإنه يقدّر متبه بقيمةِ أهْل البَصَرِ» العَتَب بِالتَّحْرِيكِ:
النقصُ وَهُوَ إِذَا لَمْ يُحْسن جَبْرُه وَبقِي فِيهِ ورَمٌ لازِمٌ، أَوْ عَرَج. يُقَالُ فِي العَظْم المجبُور: أُعْتِبَ فَهُوَ مُعْتَب. وأصلُ العَتَب: الشِّدة.

(عَتُتَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «أنَّ رجُلاً حَلَف أَيْمَانًا فَجَعَلُوا يُعَاتُّونَه، فَقَالَ:
عَلَيْهِ كفَّارة» أَيْ يُرَادُّونه فِي الْقَوْلِ ويُلِحُّون عَلَيْهِ فيُكَرّر الحَلِف. يُقَالُ: عَتَّهُ يَعُتُّه عَتّاً، وعَاتَّهُ عِتَاتاً إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْقَوْلَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

(عَتُدَ)
(هـ) فِيهِ «أنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعلَ رَقِيقَه وأَعْتُدَهُ حُبُساً فِي سَبِيلِ اللهِ» الأَعْتُدُ: جمعُ قِلَّة للعَتَاد، وَهُوَ مَا أعَدَّه الرجلُ مِنَ السِّلاح والدَّوابّ وَآلَةِ الحَرْب. وتُجْمَع عَلَى أَعْتِدَة أَيْضًا.
وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ احْتَبَسَ أدْرَاعَه وأَعْتَاده» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَفص «وأَعْتَادَه» وأخْطَأ فِيهِ وصحَّف، وَإِنَّمَا هُوَ «وأَعْتُدَه» والأدْرَاع: جمعُ دِرْع، وَهِيَ الزَّرَدِيَّة.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ «أعْبُدَه» بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، جمعُ قِلَّة للعَبْد.
وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلاَن: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ طُولِب بالزَّكاة عَنْ أثمانِ الدُّرُوع والأَعْتُدِ، عَلَى مَعْنى أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ للتِّجَارة، فأخْبَرهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا زكاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، وأَنَّه قَدْ جَعَلها حُبُسا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اعْتذَر لِخَالِدٍ ودافَع عَنْهُ. يَقُولُ: إِذَا كانَ خَالِدٌ قد جعل
(3/176)

أدْراعه وأَعْتُدَه فِي سَبِيلِ اللَّهِ تبرُّعا وتَقرُّبا إِلَى اللَّهِ وَهُوَ غَير واجِب عَلَيْهِ، فكيفَ يَسْتَجِيُز منعَ الصَّدقة الوَاجِبَة عَلَيْهِ! (هـ) وَفِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لكُلِّ حالٍ عِنْدَهُ عَتَاد» أَيْ مَا يَصْلُحُ لكُلِّ مَا يقَع مِنَ الأُمُور.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ «فَفَتَحَت عَتِيدَتَها» هِيَ كَالصُّنْدُوقِ الصَّغِيرِ الَّذِي تَتْرُكُ فِيهِ المَرْأة مَا يَعِزُّ عَلَيْهَا مِنْ مَتاعِها.
(س) وَفِي حَدِيثِ الأضْحية «وَقَدْ بَقي عِنْدي عَتُود» هُوَ الصَّغير مِنْ أوْلادِ المَعَز إِذَا قَوي وَرَعَى وأتَى عَلَيْهِ حَولٌ. والجمعُ: أَعْتِدَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ، وَذَكَرَ سياسَتَهُ فَقَالَ: «وأضُمُّ العَتُود» أَيْ أرُدُّه إِذَا نَدَّ وشَرَد.

(عَتِرَ)
[هـ] فِيهِ «خَّلْفت فِيكُمُ الثَّقَلين، كتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي» عِتْرَة الرَّجُلِ: أخَصُّ أقَارِبه. وعِتْرَة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَنْو عَبْد المُطَّلب. وَقِيلَ: أهلُ بيتِه الأقْرَبُون، وَهُمْ أوْلادُه وعليٌّ وأوْلادُه. وَقِيلَ: عِتْرَتُه الأقْربُون والأبْعدُون مِنْهُمْ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «نَحْنُ عِتْرَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبَيْضَتُه الَّتِي تَفقَّأتْ عَنْهُمْ» لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَاوَر أصْحَابَه فِي أسَارَى بَدْر:
عِتْرَتُك وقَومُك» أرادَ بعِتْرَتِه العبَّاسَ ومنْ كانَ فِيهِمْ مِنْ بَني هَاشِمٍ، وبقَومِه قُرَيشاً. والمشهورُ المعروفُ أَنَّ عِتْرَتَهُ أهلُ بيْته الَّذِينَ حُرِّمت عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِ عِتْرٌ» العِتْر: نَبْت يَنْبُت مُتَفَرِّقاً، فَإِذَا طالَ وقُطِع أصْلُه خَرج مِنْهُ شِبْه اللَّبن. وَقِيلَ هُوَ المَرْزَجُوش «1» .
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يُفْلَغُ رَأْسِي كَمَا تُفْلَغُ العِتْرَة» هِيَ واحدةُ العِتْر. وقيل هي شجَرَة العَرْفَج.
__________
(1) في الأصل واللسان: «المرزنجوش» والمثبت من اوالمعرّب للجواليقى ص 80، 309، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المعرَّب: ويقال: المرزنجوش، بالنون أيضا.
(3/177)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطاء «لَا بَأْسَ أَنْ يتداوَى المُحْرِمُ بالسَّنَا والعِتْر» .
(هـ) وَفِيهِ ذِكْرُ «العِتْر» وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ مِنْ جِهَة القِبْلةِ.
(هـ) وَفِيهِ «عَلَى كُلِّ مسلمٍ أضْحاةٌ وعُتَيْرَة» كانَ الرجُل مِنَ العَرَب يَنْذِرُ النَّذْر، يَقُولُ:
إِذَا كانَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بَلَغ شَاؤُه كَذَا فَعَليه أَنْ يَذْبَح مِنْ كُلِّ عَشْرة مِنْهَا فِي رَجَب كَذَا. وَكَانُوا يُسمُّونها العَتَائِر. وَقَدْ عَتَرَ يَعْتِرُ عَتْراً إِذَا ذَبَح العَتِيرَة. وَهَكَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الإْسلام وأوَّله، ثُمَّ نُسِخ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: العَتِيرَة تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا شاةٌ تُذْبَحُ فِي رَجَب. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُشْبه مَعْنَى الْحَدِيثِ ويَليقُ بحُكْم الدَّين. وَأَمَّا العَتِيرَة الَّتِي كَانَتْ تَعْتِرُهَا الْجَاهِلِيَّةُ فَهِيَ الذَّبيحة الَّتِي كَانَتْ تُذْبحُ للأصْنَام، فيُصَبُّ دَمُها عَلَى رَأْسِها.

(عَتْرَسَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ: سُرِقَت عَيبَةٌ لِي ومعَنَا رجلٌ يُتَّهَم، فاسْتعديت عَلَيْهِ عُمر، وقُلتُ: لَقَدْ أرَدْتُ أَنْ أتِي بِهِ مَصْفُودًا، فَقَالَ: تأتِينِي بِهِ مَصْفُودا تُعَتْرِسُهُ» أَيْ تَقْهَرُه مِنْ غَير حُكْم أوجَبَ ذَلِكَ. والعَتْرَسَة: الأخْذُ بالجَفَاء والغلْظَة.
ويُرْوى «تَأْتِينِي بِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَة» وَقِيلَ: إنَّه تَصْحِيف «تُعَتْرِسُهُ» وَأَخْرَجَهُ الزَّمَخشري عن عبد الله ابن أَبِي عَمَّار أَنَّهُ قَالَ لعُمر «1» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ «إِذَا كَانَ الإمامُ تَخاف عَتْرَسَتَهُ فَقُلِ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبع ورَبَّ العرشِ العَظِيم كُنْ لِي جَارًا مِنْ فُلان» .

(عَتْرَفَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ ذَكَرَ الخُلفَاء بَعْدَهُ فَقَالَ: «أوْهِ لِفِراخِ مُحَمَّدٍ مِنْ خليفةٍ يُسْتَخْلَف، عِتْرِيفٍ مُتْرَفٍ، يَقْتُل خَلَفي وخَلَف الخَلَف» العِتْرِيف: الغَاشِمُ الظَّالم. وَقِيلَ: الدَّاهي الخَبِيِث. وَقِيلَ: هُوَ قَلْب العِفْرِيت، الشَّيطانِ الخَبيثِ.
قَالَ الخطَّابي: قَوْلُهُ «خَلَفي» يُتَأوَّل عَلَى مَا كَانَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوية إِلَى الحُسَين بْنِ عليٍّ وَأَوْلَادِهِ الَّذِينَ قُتِلوا مَعَه. وخَلَف الخَلَف مَا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ الحَرَّةِ عَلَى أولادِ الْمُهَاجِرِينَ والأنْصَار.

(عَتَقَ)
(هـ) فِيهِ «خرَجَت أُمّ كُلْثوم بِنْتُ عُقْبة وهي عَاتِق فَقَبِل هِجْرَتها» العَاتِق:
__________
(1) وأخرجه الهروي من حديث عمرو، وقد جاء عمرَ بخَصمه.
(3/178)

الشًّابَّة أَوَّلُ مَا تُدْرِكُ. وَقِيلَ: هِيَ التَّي لَمْ تّبِنْ مِنْ وَالِدَيها وَلَمْ تُزَوَّج، وَقَدْ أدْركَت وشَبَّت، وتُجْمَع عَلَى العُتَّق والعَوَاتِق.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ عَطيّة «أُمِرْنا أَنْ نَخْرج فِي الْعِيدَيْنِ الحُيَّض والعُتَّق» وَفِي رِوَايَةٍ «العَوَاتِق» يُقَالُ: عَتَقَتِ الجاريةُ فَهِيَ عَاتِق، مِثْلَ حاضَت فَهِيَ حَائِض. وكُلُّ شَيْءٍ بَلَغَ إنَاه فَقَدْ عَتُقَ: والعَتِيق: الْقَدِيمُ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «عَلَيْكُمْ بالأمْرِ العَتِيق» أَيِ الْقَدِيمِ الأَّول. ويُجْمع عَلَى عِتَاق، كشَرِيف وشِرَافٍ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنهنَّ مِنَ العِتَاق الأُوَل، وهُنَّ مِنْ تِلاَدِي» أرادَ بالعِتَاق الأوَل السُّوَرَ الَّتِي أُنْزِلت أوَلاً بِمَكَّةَ، وَأَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ مَا تَعلَّمه مِنَ الْقُرْآنِ.
وَفِيهِ «لَنْ يَجْزِى ولدٌ وَالِدَه إِلَّا أَنْ يَجدَه مَمْلُوكًا فيَشْتَريَه فيُعْتِقَه» يُقَالُ: أَعْتَقْتُ العبدَ أُعْتِقُه عِتْقاً وعَتَاقَة، فَهُوَ مُعْتَق. وَأَنَا مُعْتِق. وعَتَقَ هُوَ فَهُوَ عَتِيق: أَيْ حَرَّرْته فَصَارَ حُرًّا. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَوْلُهُ «فيُعْتِقَه» لَيْسَ مَعْنَاهُ استِئناف العِتْق فِيهِ بَعْدَ الشِّراء، لأَّن الإجْمَاع مُنَعِقد عَلَى أنَّ الأبَ يَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ إِذَا مَلَكه فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا اشْتراه فَدَخَلَ فِي مِلْكه عَتَقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الشِّراء سَبَبًا لعِتْقِهِ أُضِيف العِتْق إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا جَزَاءً لَهُ لأنَّ العِتْق أفضلُ مَا يُنْعِمُ بِهِ أحدٌ عَلَى أحدٍ إِذْ»
خَلَّصَه بِذَلِكَ مِنَ الرِّق، وجَبَر بِهِ النَّقْص الَّذِي فِيهِ، وتَكْمل لَهُ أَحْكَامُ الأحرارِ فِي جَمِيعِ التَّصرُّفات.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُ سُمِّي عَتِيقاً لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ النَّار» سمَّاه بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا أَسْلَمَ. وَقِيلَ: كَانَ اسمُه عَتِيقاً، والعَتِيق: الكريمُ الرَّائعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

(عَتَكَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابنُ العَوَاتِك مِنْ سُلَيم» العَوَاتِك: جمعُ عَاتِكَة.
وأصلُ العَاتِكَة المُتَضمِّخَة بالطِّيب. ونخلة عَاتِكَة: لا تَأْتَبِر.
__________
(1) فى الأصل وا: «إذا» والمثبت من اللسان.
(3/179)

والعَوَاتِك: ثلاثُ نِسْوة كُنَّ مِنْ أُمَّهات النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إحْدَاهُنَّ: عَاتِكَة بنتُ هِلَالِ بْنِ فالِج بْنِ ذَكْوان، وَهِيَ أُمّ عبدِ مَنَاف بْنِ قُصيّ. والثانيةُ: عَاتِكَة بنتُ مرّة بن هلال ابن فالِج بْنِ ذَكْوان، وَهِيَ أُمّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَاف، والثالثةُ: عَاتِكَة بِنْتُ الأوْقَص بْنِ مُرَّة بْنِ هِلال، وَهِيَ أُمُّ وهْب أَبِي آمِنةُ أُمّ النبيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فالأولَى مِنَ العَوَاتِك عَمَّة الثَّانِيَةِ، والثانيةُ عَمَّة الثَّالثة. وبنُو سُلَيم تَفْخَر بِهَذِهِ الوِلادة.
ولِبَنِي سُلَيم مَفَاخرُ أخْرى: مِنْهَا أنَّها ألَّفَتْ مَعَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَيْ شَهِدَه مِنْهُمْ ألفٌ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدّم لِوَاءَهم يومئذٍ عَلَى الألْوية، وكانَ أحْمَر. وَمِنْهَا أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَب إِلَى أهْل الكُوفَة والبَصْرة وَمِصْرَ والشَّام: أنِ ابْعَثُوا إليَّ مِنْ كُلِّ بَلدٍ أفْضَلَه رجُلا، فَبَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عُتْبَةَ بْنَ فَرقَد السُّلَمي، وبعثَ أهلُ البَصْرة مُجَاشِع بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمي، وبعثَ أَهْلُ مِصْرَ مَعْنَ بْنَ يَزيد السُّلَمي، وبعثَ أهلُ الشَّام أَبَا الأعْور السُّلَمي.

(عَتِلَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لعُتْبة بْنِ عَبْدٍ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: عَتَلَة، قَالَ: بَلْ أنْتَ عُتْبَة» كَأَنَّهُ كَرِه العَتَلَة لِمَا فِيهَا مِنَ الغِلْظَة والشِّدّة، وَهِيَ عَمودُ حَدِيدٍ يُهْدَم بِهِ الحِيطَان. وَقِيلَ:
حَدِيدَة كَبيرةٌ يُقْلع بِهَا الشَّجر والحجَر.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ هدْم الْكَعْبَةِ «فَأَخَذَ ابْنُ مُطِيع العَتَلَة» وَمِنْهُ اشْتُقَّ العُتُلُّ، وَهُوَ الشَّديدُ الجَافِي، والفَظّ الَغِليظ مِنَ النَّاس.

(عَتَمَ)
(هـ) فِيهِ «يَغْلِبَنَّكُم الأعْرَابُ عَلَى اسْم صَلاتِكم العِشاء، فإنَّ اسْمَها فِي كِتاب اللَّهِ العِشَاءُ، وَإِنَّمَا يُعْتَمُ بِحِلاَب الإبِل» قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أرْبابُ النَّعَم فِي البَادِية يُرِيحُون الإبلَ ثُمَّ يُنِيخُونَها فِي مُرَاحها حَتَّى يُعْتِمُوا: أَيْ يَدْخُلُوا فِي عَتَمَةِ اللّيل وهي ظلمة. وكانَت الأعْرَاب يُسَمُّون صَلاةَ الْعِشَاءِ صَلَاةَ العَتَمَة، تَسْمِيةً بالوَقْت، فنَهاهُم عَنِ الاقْتداءِ بِهِمْ، واستحَبَّ لَهُمُ التّمسُّكَ بالاسْم النَّاطق بِهِ لسانُ الشَّرِيعة.
وَقِيلَ: أرَادَ لَا يَغُرّنَّكم فعلُهم هَذَا فتُؤخِّروا صلاتَكم، وَلَكِنْ صَلُّوها إِذَا حَان وقْتُها.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «واللِّقاحُ قَدْ رُوِّحَت وحُلِبَت عَتَمَتُهَا» أَيْ حُلبَت
(3/180)

مَا كَانَتْ تُحْلَب وقتَ العَتَمَة، وَهُمْ يُسمُّون الحِلاَبَ عَتَمَة باسْم الوَقْت. وأَعْتَمَ: إِذَا دَخَل فِي العَتَمَة.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَتَمَة والإِعْتَام والتَّعْتِيم فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَرَس كَذَا وَكَذَا وَدِيةً وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُناولُه وَهُوَ يَغْرِسُ، فَمَا عَتَّمَتْ مِنْهَا وَدِيَّة» أَيْ مَا أبْطأَت أنْ عَلِقَت «1» ، يُقَالُ: أَعْتَمَ الشيءَ وعَتَّمَهُ إِذَا أخَّره. وعَتَمَتِ الحاجةُ وأَعْتَمَتْ إِذَا تأخَّرت.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «نَهى عَنِ الحَرير إلاَّ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَمَا عَتَّمَنَا [أَنَّهُ] «2» يَعْنِي الأعْلام» أَيْ مَا أبْطَأْنا عَنْ مَعْرفة مَا عَنَى وأرَادَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الغَافِقِيِّ «الأسْوِكَةُ ثلاثةٌ: أرَاكٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُن، فعَتَمٌ أَوْ بُطْم «3» » العَتَم بِالتَّحْرِيكِ: الزيْتُون، وَقِيلَ: شَيْءٌ يُشْبِهُهُ.

(عَتِهَ)
فِيهِ: «رُفِع القَلَم عَنْ ثلاثةٍ: عَنِ الصَّبِيّ والنائِم والمَعْتُوه» هُوَ المَجْنُونُ المُصَاب بعَقْله. وَقَدْ عُتِهَ فَهُوَ مَعْتُوه.

(عَتَا)
فِيهِ: «بِئْسَ العَبْد عبْدٌ عَتَا وطَغَى» العُتُوّ: التَّجبُّر والَّتكبُّر. وَقَدْ عَتَا يَعْتُو عُتُوّاً فَهُوَ عَاتٍ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «بَلَغه أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يُقْرئُ النَّاسَ «عَتَّى حينٍ» يُرِيدُ حَتَّى حِينٍ*، فَقَالَ: إنَّ القُرآنَ لَمْ يَنْزِل بلغَة هُذَيل، فأقْرِئ النَّاسَ بلغَة قُرَيش» كُلُّ العَرَب يقُولُون:
حَتَّى، إِلَّا هُذَيْلا وثَقيفاً فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: عَتَّى.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الثَّاءِ

(عَثُثَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْأَحْنَفِ «بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَغْتَابُهُ فَقَالَ:
عُثَيْثَة تَقْرِضُ جِلْداً أمْلسَا عُثَيْثَة: تصغيرُ عُثَّة، وَهِيَ دُوَيْبَّة تَلْحس الثِّياب والصُّوف، وَأَكْثَرُ ما تكون في الصّوف،
__________
(1) في الهروي: «ما أخطأت حتى عَلِقَتْ» .
(2) من اواللسان.
(3) البُطْم، بالضم وبضمتين: الحبة الخضراء، أو شجرها.
(3/181)

وَالْجَمْعُ: عُثّ، وَهُوَ مِثْلُ يُضْرب للرَّجل يَجْتَهِد أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الشَّيْءِ فَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
ويُرْوى «تَقْرِمُ» بِالْمِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَقْرِضُ.

(عَثُرَ)
(س) فِيهِ «لَا حَليمَ إلاَّ ذُو عَثْرَة» أَيْ لَا يَحصُل لَهُ الحِلْم وَيُوصَفُ بِهِ حَتَّى يَرْكب الْأُمُورَ وتنْخرق عَلَيْهِ ويَعْثُرُ فِيهَا، فَيَعْتَبِرَ بِهَا ويَستَبِين مَواضِع الخَطَأ فيتَجنَّبها. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قولُه بَعْده: «وَلَا حَكيم إِلَّا ذُو تَجْرِبَة» . والعَثْرَة: الْمَرَّةُ مِنَ العِثَار فِي المَشْي.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَبْدَأُهُم بالعَثْرَة» أَيْ بِالْجِهَادِ والحرْب، لِأَنَّ الحَرْبَ كثيرةُ العِثَار فَسَمَّاهَا بالعَثْرَة نفسِها، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ بِذِي العَثْرَة. يَعْنِي ادْعُهم إِلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلًا، أَوِ الجِزْية، فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا فبالجِهاد.
(هـ) وَفِيهِ «أنَّ قُرَيشا أهلُ أَمَانَةٍ، مَن بَغاها العَوَاثِيرَ كَبَّه اللَّهُ لمُنْخَرَيْه» ويُرْوى «العَوَاثِر» العَوَاثِير: جمعُ عَاثُور، وَهُوَ المكانُ الوَعْثُ الخَشِنُ، لِأَنَّهُ يُعْثَرُ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ حُفْرة تُحْفَر ليقَع فِيهَا الأَسد وَغَيْرُهُ فيُصاد. يُقَالُ: وقَعَ فُلان فِي عَاثُورِ شرٍّ، إِذَا وَقَعَ فِي مَهْلَكة، فاستُعِير للورْطة والخُطَّة المُهْلكة. وَأَمَّا العَوَاثِر فَهِيَ جمعُ عَاثِر، وَهِيَ حِبالة الصائِد، أَوْ جمعُ عَاثِرَة، وَهِيَ الْحَادِثَةُ الَّتِي تَعْثُر بِصَاحِبِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَثَرَ بِهِمُ الزمانُ، إِذَا أخْنَى عَلَيْهِمْ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «مَا كَانَ بَعْلاً أَوْ عَثَرِيّاً فَفِيهِ العُشْر» هُوَ مِنَ النَّخيل الَّذِي يَشْرب بعُروقه مِنْ مَاءِ المَطَر يجتمِع فِي حَفِيرة، وَقِيلَ: هُوَ العِذْي. وَقِيلَ: هُوَ مَا يُسْقى سَيحاً.
وَالْأَوَّلُ أشهرُ.
(هـ) وَفِيهِ «أبغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى العَثَرِيّ» قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِي أمْر الدُّنْيَا وَلَا أمْر الْآخِرَةِ، يُقَالُ: جَاءَ فلانٌ عَثَرِيّاً إِذَا جَاءَ فَارِغًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ عَثَرِيِّ النخْل، سُمّي بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحتاج فِي سَقْيه إِلَى تَعَب بدالِيَةٍ وَغَيْرِهَا، كَأَنَّهُ عَثَرَ عَلَى الْمَاءِ عَثْراً بِلَا عَمل مِنْ صَاحِبِهِ، فَكَأَنَّهُ نُسِب إِلَى العَثْر، وحَركةُ الثَّاءِ مِنْ تَغْييرات النَّسَب.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ مرَّ بِأَرْضٍ تُسَمَّى عَثِرَة، فسَمَّاها خَضِرة» العَثِرَة: مِنَ العَثِير وَهُوَ الغُبار والياءُ زائدةٌ. وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّعيد الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «هِيَ أرضٌ عِثْيرَة» .
(3/182)

وفي قَصِيدُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
مِنْ خادِرٍ مِنْ لُيُوث الأُسْدِ مَسْكنُهُ ... «1» بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَه غِيلُ
عَثَّرَ- بِوَزْنِ قَدَّم-: اسْمُ مَوْضِعٍ تُنْسَب إِلَيْهِ الأُسْد.

(عَثعثَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «ذَاكَ زَمانُ العَثَاعِث» أَيِ الشَّدائد، مِنَ العَثْعَثَة: الإفْساد. والعَثْعَث: ظَهْر الكَثيب لَا نَبات فِيهِ. وَبِالْمَدِينَةِ جَبل يُقَالُ لَهُ: عَثْعَث. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: سُلَيع، تَصْغير سَلْع.

(عَثْكَلَ)
(هـ) فِيهِ «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مائةُ شِمْراخ فاضْرِبوه بِهِ ضَرْبة» العِثْكَال: العِذْقُ مِنْ أعْذاق النَّخْل الَّذِي يكونُ فِيهِ الرُّطب. يُقَالُ: عِثْكَال وعُثْكُول.
وإثْكالٌ وأُثكُول.

(عَثَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ النَّخَعِيّ «فِي الأعْضاء إِذَا انْجبَرَت عَلَى غيْرِ عَثْم صُلْحٌ، وَإِذَا انْجبَرَت عَلَى عَثْم الدِيَةُ» يُقَالُ: عَثَمْتُ يدَه فَعَثَمَتْ إِذَا جَبَرتَها عَلَى غَيْرِ اسْتِواءٍ، وبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ ينْحكم. ومثلُه مِنَ البِناء: رَجَعْتُه فرَجَع، ووقَفْته فَوقَف. وَرَوَاهُ بعضُهم: «عَثَل» بِاللَّامِ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[هـ] وَفِي شِعْرِ النَّابِغَةِ الجَعْدى يَمْدَحُ ابْنَ الزُّبَيْرِ:
أتاكَ أبُو لَيْلَى يَجُوبُ بِهِ الدُّجَى ... دُجى الليلِ جَوّابُ الفَلاةِ عَثَمْثَم
هُوَ الجَمَل القَوي الشَّديدُ.

(عَثَنَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ وسُراقة «وخَرَجَتْ قَوائِمُ دابَّتِه وَلَهَا عُثَانٌ» أَيْ دُخَان، وَجَمْعُهُ: عَوَاثِن، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
(هـ) وَفِيهِ «أنَّ مُسَيلِمةَ لمَّا أرَادَ الإعْرَاسَ بسَجاح قَالَ: عَثِّنُوا لَهَا» أَيْ بَخِّرُوا لَهَا البَخُور.
(س) وَفِيهِ «وَفِّرُوا العَثَانِين» هِيَ جمعُ عُثْنُون، وَهِيَ اللِّحية.
__________
(1) الرواية في شرح ديوانه ص 21: من ضيغم من ضراء الأسد مخدره
(3/183)

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْجِيمِ

(عَجِبَ)
(هـ) فِيهِ «عَجِبَ ربُّك مِن قَوم يُسَاقُون إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلاسِل» أَيْ عَظُم ذَلِكَ عِنْدَهُ وكَبُر لَديْه. أعْلَم اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَجَّبُ الآدَمِيُّ مِنَ الشَّيء إِذَا عَظُم مَوقعُه عِنْدَهُ وخَفِيَ عَلَيْهِ سَبَبه، فأخبَرَهم بِمَا يَعْرِفُون لِيَعْلَمُوا مَوقِعَ هَذِهِ الأشْياءِ عنْدَه.
وَقِيلَ: مَعْنَى عَجِبَ ربُّك: أَيْ رَضِيَ وَأَثَابَ، فسمَّاه عَجَبا مَجازاً، وَلَيْسَ بِعَجَبٍ فِي الحَقيقة.
والأوّلُ الوَجْه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «عَجِبَ ربُّك مِنْ شابٍّ ليسَتْ لَهُ صَبْوة» .
[هـ] وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «عَجِبَ ربُّكم مِنْ إلِّكُم وقُنُوطِكم» وإطْلاقُ التَّعَجُّب عَلَى اللَّهِ مجازٌ، لِأَنَّهُ لَا تخفَى عَلَيْهِ أسْبَاب الأشْياء. والتَّعَجُّب مِمَّا خَفِيَ سَبَبُه وَلَمْ يُعْلم.
(هـ) وَفِيهِ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إلاَّ العَجْب» وَفِي رِوَايَةٍ «إلاَّ عَجْبَ الذّنبِ» العَجْب بِالسُّكُونِ: العَظْمُ الَّذِي فِي أسْفل الصُّلْب عِنْدَ العَجُز، وَهُوَ العَسيبُ مِنَ الدَّواب.

(عَجِجَ)
(هـ) فِيهِ «أفْضَلُ الْحَجِّ العَجِّ والثَّجُّ» العَجّ: رفعُ الصَّوت بالتّلْبِيةِ، وَقَدْ عَجَّ يَعِجُّ عَجّاً، فَهُوَ عَاجّ وعَجَّاج.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ جبريلَ أتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كُنْ عَجَّاجا ثَجَّاجاً» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَن وحَّدَ اللَّهَ فِي عَجَّتِهِ وجَبَت لَهُ الْجَنَّةُ» أَيْ مَنْ وحَّدّه عَلاَنيةً برفْع صَوتِه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَن قَتَل عُصْفُورا عَبَثاً عَجَّ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ «إنْ مَرَّت بِنَهْرٍ عَجَّاج فشَرِبَت مِنْهُ كُتِبَت لَهُ حسَنَات» أَيْ كَثِير الْمَاءِ، كَأَنَّهُ يَعِجُّ مِنْ كَثْرته وصَوْت تدفُّقه (هـ) وَفِيهِ «لَا تقومُ الساعةُ حَتَّى يأخذَ اللَّهُ شَرِيطَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَبْقَى عَجَاجٌ لَا يعْرِفُون مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُون مُنْكرا» العَجَاج: الغَوْغَاءُ والأرَاذِلُ وَمَنْ لاَ خَير فِيهِ.
واحدُهم: عَجَاجَة.
(3/184)

(عَجِرَ)
(هـ) فِي حَدِيثُ أُمِّ زَرْع «إنْ أذكرْه أذْكُرْ عُجَرَه وبُجَرَه» العُجَر: جَمْعُ عُجْرَة، وَهِيَ الشَّيْءُ يَجْتَمع فِي الجَسَد كالسِّلْعَة والعُقْدة.
وَقِيلَ: هِيَ خَرَز الظَّهْر أرادَت ظاهرَ أمرِه وباطنَه، وَمَا يُظْهره وَمَا يُخْفيه، وَقِيلَ:
أَرَادَتْ عُيُوبَه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «إِلَى اللَّهِ أَشْكُو عُجَرَى وبُجَرَى» أَيْ هُمُومِي وَأَحْزَانِي. وَقَدْ تقدَّم مَبْسُوطًا فِي حَرْفِ الْبَاءِ.
وَفِي حَدِيثِ عَيّاش ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ لمَّا بعثَه إِلَى اليمَن «وقَضيبٌ ذُو عُجَر كَأنه مِنْ خَيْزُرَان» أَيْ ذُو عُقَد.
وَفِي حَدِيثِ عُبيد اللَّهِ بْنِ عَدِيّ بْنِ الخِيار «جَاءَ وَهُوَ مُعْتَجِر بِعمَامَتِهِ مَا يَرَى وحْشِيٌّ مِنْهُ إلاَّ عَيْنَيْه ورِجْلَيْه» الاعْتِجَار بالعَمامة: هُوَ أَنْ يَلُفَّها عَلَى رَأسِه ويَرُدّ طَرَفها عَلَى وجْهِه، وَلَا يَعْمل مِنْهَا شَيْئًا تَحْتَ ذَقْنِه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ «أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بعمامَةٍ سَودَاء» .

(عَجَزَ)
(س) فِيهِ «لَا تَدَبَّروا أَعْجَاز أمُورٍ قدْ وَلَّت صدُورُها» الأَعْجَاز جَمْعُ عَجُزٍ وَهُوَ مُؤخّر الشَّيء يريدُ بِهَا أواخِرَ الْأُمُورِ، وصُدُورُها أوَائِلُها، يُحرِّض عَلَى تدَبُّر عَواقِب الْأُمُورِ قبلَ الدُّخُول فِيهَا، وَلَا تُتْبَع عِنْدَ تَوَلِّيها وفَواتِها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «لَنَا حقٌّ إنْ نُعْطَهُ نأخُذْه، وَإِنْ نُمْنَعْه نَرْكَبْ أَعْجَاز الْإِبِلِ وَإِنْ طَال السُّرَى» الرُّكُوب عَلَى أَعْجَاز الْإِبِلِ شَاقٌّ: أَيْ إِنْ مُنِعْنا حَقَّنا رَكبْنا مَرْكَب المشَقَّة صَابِرِينَ عَلَيْهَا وَإِنْ طَالَ الأمَدُ.
وَقِيلَ: ضَرَب أَعْجَاز الْإِبِلِ مَثلاً لتأخُّره عَنْ حَقِّه الَّذِي كَانَ يَرَاهُ لَهُ وتقدُّم غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَصْبِر عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ أمَدُه: أَيْ إِنْ قُدِّمْنا للإمامةَ تَقَدَّمْنا، وَإِنْ أُخِّرنا صَبَرنا عَلَى الأُثْرَة وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ.
وَقِيلَ: يجوزُ أَنْ يُريد: وَإِنْ نُمنَعْه نَبذُل الجهْد فِي طَلَبه، فِعْلَ مَنْ يَضْرِب فِي ابتغاء طلبته
(3/185)

أكْباد الإبلِ وَلَا يُبَالي بِاحْتِمَالِ طُول السُّرَى. والأوَّلاَن الوجْهُ لِأَنَّهُ سَلَّم وصَبَر عَلَى التأخُّر وَلَمْ يُقَاتل.
وَإِنَّمَا قَاتَل بَعْدَ انعقادِ الإمامةِ لَهُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ البَراء «أَنَّهُ رَفَع عَجِيزَتَه فِي السُّجُود» العَجِيزَة: العَجُز، وَهِيَ لِلْمَرْأَةِ خاصَّة فاستعارَها للرجُل.
(س) وَفِيهِ «إيَّاكم والعُجُزَ العُقُرَ» العُجُز: جَمْعُ عَجُوز وعَجُوزَة «1» وَهِيَ المرأةُ المُسنِّة، وتجمعُ عَلَى عَجَائِز. والعُقُر: جمعُ عاقِر، وَهِيَ الَّتِي لَا تَلِد.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «وَلَا تُلِثّوا بِدار مَعْجِزَة» أَيْ لَا تُقيموا فِي مَوضِع تَعْجِزُون فِيهِ عَنِ الكَسْب. وَقِيلَ بالثَّغْر مَعَ العِيال. والمَعْجَزَة- بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا- مَفْعَلة، مِنَ العَجْز:
عدمِ القُدْرَة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كلُّ شَيْءٍ بقَدَرٍ حَتَّى العَجْزُ والكَيْسُ» وَقِيلَ: أرادَ بالعَجْز تَرك مَا يَجِبُ فعْلُه بالتَّسويف، وَهُوَ عامٌّ فِي أُمُور الدُّنيا والدِّين.
وفي حَدِيثُ الْجَنَّةِ «مَا لِي لَا يَدْخُلُني إلاَّ سَقَط النَّاس وعَجَزُهُم» جمعُ عَاجِز، كخَادِم وخَدَم.
يُريد الأغْبِياء العَاجِزِين فِي أُمُور الدُّنيا.
(س) وَفِيهِ «أنَّه قَدِم عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاحِبُ كسْرى فوهَبَ لَهُ مِعْجَزَة، فَسُمِّيَ ذَا المِعْجَزَة» هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ: المِنْطَقة بلُغة اليَمنِ، سُمِّيت بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَلِي عَجُزَ المُتَنَطِّق.

(عجَس)
(س) فِي حَدِيثِ الْأَحْنَفِ: «فيَتَعَجَّسُكُم فِي قُرَيش» أَيْ يتَتَبَّعكم.

(عَجِفَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد «تَسُوق أعْنُزاً عِجَافا» جمعُ عَجْفَاء، وَهِيَ المَهْزُولة مِنَ الغَنَم وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «حَتَّى إِذَا أَعْجَفَها ردَّها فِيهِ» أَيْ أهْزَلها.

(عَجَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أُنيس «فأَسنَدُوا إِلَيْهِ فِي عَجَلَة مِنْ نخَلْ» هُوَ أَنْ يُنْقَر الْجِذْعُ وَيُجْعَلَ فِيهِ مثلُ الدَّرَج ليُصْعَد فِيهِ إِلَى الغُرَف وَغَيْرِهَا. وأصلُ العَجَلَة: خَشَبة مُعْتَرَضَةٌ عَلَى الْبِئْرِ، والغَرْبُ مُعَلَّقٌ بها.
__________
(1) قال في القاموس: «العجوز: الشيخ والشيخة. ولا تقل عجوزة، أو هي لغية رديئة» .
(3/186)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ خُزَيمة «ويَحْمل الرَّاعي العُجَالَة» هِيَ لبَنٌ يحملُه الرَّاعي مِنَ المَرْعى إِلَى أصْحاب الغَنَم قَبْلَ أَنْ تَرُوح عَلَيْهِمْ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «هِيَ الإِعْجَالَة «1» والعُجَالَة بِالضَّمِّ: مَا تَعَجَّلته مِنْ شَيْءٍ» .
وَفِيهِ ذِكْرُ «العَجُول» هِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْجِيمِ: رَكِيَّة بمكَّة حفَرَها قُصَيّ.

(عَجُمَ)
(هـ) فِيهِ «العَجْمَاء جُرْحُها جُبَار» العَجْمَاء: البَهِيمةُ، سُمِّيت بِهِ لأنَّها لَا تَتَكلم.
وكلُّ مَا لاَ يَقْدر عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ أَعْجَم ومُسْتَعْجم.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «بِعَدَد كُلِّ فَصِيح وأَعْجَم» قِيلَ: أرادَ بعَدَد كلِّ آدَمِيّ وبَهِيمة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا قَامَ أحدُكم مِنَ اللَّيل فاسْتُعْجِمَ القرآنُ عَلَى لِسانِه» أَيْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْدر أَنْ يَقْرأ، كَأَنَّهُ صارَ بِهِ عُجْمَة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَا كُنَّا نَتَعَاجَمُ أنَّ مَلَكا يَنْطِق عَلَى لِسانِ عُمَرَ» أَيْ مَا كُنَّا نَكْنى ونُورِّي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُفْصِح بِشَيْءٍ فَقَدْ أَعْجَمَه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «صلاةُ النَّهَارِ عَجْمَاء» لأنَّها لَا تُسْمع فِيهَا قِرَاءة.
وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ «وسُئِل عَنْ رَجُل ألهَزَ رَجُلا فقَطع بعضَ لِسانِه فَعَجُمَ كلامُه، فَقَالَ:
يُعرَضُ كلامُه عَلَى المُعْجَم، فَمَا نَقُصَ كلامُه مِنْهَا قُسمَت عَلَيْهِ الدِّيَةُ» المُعْجَم: حُرُوفُ اب ت ث، سُمِّيت بِذَلِكَ مِنَ التَّعْجِيم، وَهُوَ إزالَة العُجْمَة بالنَّقط.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمة «نَهانا أَنْ نَعْجُمَ النَّوى طَبْخاً» هُوَ أَنْ يُبَالَغ فِي نُضْجه حَتَّى يَتَفَتَّت وتَفْسد قُوّته الَّتِي يصلُح مَعَهَا للغنَم. والعَجَم- بالتَّحريك-: النَّوى.
وَقِيلَ: المَعْنى أَنَّ التَّمر إِذَا طُبخ لتُؤخَذ حَلاوتُه طُبخ عَفْواً حَتَّى لَا يَبْلُغَ الطبْخُ النَّوى وَلَا يُؤثِّر فِيهِ تَأْثِيرَ مَنْ يَعْجُمُه: أَيْ يَلُوكُه ويَعضُّه، لأنَّ ذَلِكَ يُفْسِد طَعْم الحَلاوة، أَوْ لِأَنَّهُ قُوت للدَّواجن فَلَا يُنْضَج لئَلا تَذْهَبَ طُعْمتُه.
__________
(1) وعبارته في الصحاح: «والإعجالة: ما يعجِّله الراعي من اللبن إلى أهله قبل الحلب» .
(3/187)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ «قَالَ لعُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَقَدْ جَرَّسَتْك الدُّهُورُ وعَجَمَتْك الأمُورُ» «1» أَيْ خَبَرتك، مِنَ العَجْم: العَضِّ. يُقَالُ: عَجَمْتُ العودَ إِذَا عَضَضَته لتنْظُر أصُلْبٌ هُوَ أَمْ رِخْوٍ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الحَجَّاج «إنَّ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ نَكَب كِنانَته فعَجَمَ عِيدَانها عُوداً عُوداً» .
[هـ] وَفِيهِ «حَتَّى صَعَدنا إحْدَى عُجْمَتَيْ بَدْرٍ» العُجْمَة بِالضَّمِّ مِنَ الرَّمْلِ: الْمُشْرِفُ عَلَى مَا حَوله.

(عَجَنَ)
(س) فِيهِ «إِنَّ الشيطانَ يَأْتِي أحَدكم فينْقُرُ عندَ عِجَانَه» العِجَان: الدُّبُر.
وَقِيلَ مَا بَيْنَ القُبُل والدُّبُر.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أنَّ أعْجَمِيًّا عارَضَه فَقَالَ: اسْكُت يَا ابنَ حَمَراء العِجَانَ» هُوَ سَبٌّ كَانَ يَجْرِي عَلَى ألْسِنَة العَرَب.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَعْجِنُ فِي الصَّلاة، فقيلَ لَهُ: مَا هَذا؟ فَقَالَ:
رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجِنُ فِي الصَّلاة» أَيْ يَعْتمِدُ عَلَى يَديه إِذَا قَامَ، كَمَا يَفْعلُ الَّذِي يَعْجِنُ العَجِينَ.

(عَجَا)
(هـ) فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ يَتِيماً وَلَمْ أكُنْ عَجِيّاً» هُوَ الَّذِي لَا لَبن لأمِّه، أَوْ ماتَتْ أُمّه فَعُلِّل بلبَنَ غَيْرِهَا، أَوْ بِشَيْءٍ آخَر فأورَثَه ذَلِكَ وَهْناً. يُقَالُ: عَجَا الصّبيَّ يَعْجُوه إِذَا علَّله بِشَيْءٍ، فَهُوَ عَجِيٌّ وَهُوَ يَعْجَى عَجًا. وَيُقَالُ لِلَّبن الَّذِي يُعَاجَى بِهِ الصّبيُّ: عُجَاوَة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ «أَنَّهُ قَالَ لبَعْضِ الأعْراب: أراكَ بَصيراً بالزَّرْع، فَقَالَ: إِنِّي طالمَا عَاجَيْتُه وعَاجَانِي» أَيْ عانَيتُه وعالَجْتُه.
وَفِيهِ «العَجْوَة مِنَ الْجَنَّةِ» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ. وَهُوَ نوعٌ مِنْ تَمْرِ المَدِينةِ أكبرُ مِنَ الصَّيْحَانِيّ يَضْرِبُ إِلَى السَّواد مِنْ غَرْس النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) في الهروي واللسان: «وعجمتك البلايا» .
(3/188)

وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
سُمْرُ العُجَايَات يتْرُكْن الحَصَى زِيَماً ... لم يَقِهِنَّ رُؤسَ الأُكْمِ تَنْعِيل
هِيَ أعْصَابُ قَوَائِم الإبِل والخَيْل، واحدتُها: عُجَايَة.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الدَّالِ

(عَدُدَ)
(هـ) فِيهِ «إنَّما أقْطَعْتُه الماءَ العِدّ» أَيِ الدَّائم الَّذِي لَا انْقطَاعَ لمادَّته، وجَمعُه: أَعْدَاد.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَزَلوا أَعْدَادَ ميَاه الحُدَيبيَةِ» أَيْ ذَوَات المادَّة، كالعُيُون والآبارِ.
[هـ] وَفِيهِ «مَا زَالَت أُكُلَةُ خَيبَر تُعَادُّنِي» أَيْ تُرَاجِعُني ويُعَاوِدُني أَلَمُ سُمِّها فِي أوْقاتٍ مَعْلُومة. وَيُقَالُ: بِهِ عِدَاد مِنْ أَلَمٍ يُعَاوِدُه فِي أوقاتٍ مَعْلُومة. والعِدَاد اهْتياجُ وَجَع اللَّدِيغ، وَذَلِكَ إِذَا تَمَّت لَهُ سَنَة مِنْ يَوْمِ لُدِغَ هاجَ بِهِ الألَم.
وَفِيهِ «فيَتَعَادّ بَنو الْأُمِّ كَانُوا مِائَةً، فَلَا يَجدُون بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرجُل الْوَاحِدُ» أَيْ يَعُدّ بعضُهم بَعْضًا.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّ وَلَدِي لَيَتَعَادُّون مِائَةً أَوْ يَزيدُون عَلَيْهَا» وَكَذَلِكَ يَتَعَدَّدُون.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ لُقْمَانَ «وَلَا نَعُدُّ فَضْله عَلَيْنَا» أَيْ لَا نُحْصيه لكَثْرته. وَقِيلَ: لَا نَعْتَدُّه عَلَيْنَا مِنَّةً لَهُ «1» .
(هـ) وَفِيهِ «أنَّ رجُلا سُئل عَنِ الْقِيَامَةِ مَتَى تكونُ، فَقَالَ: إذَا تكامَلَت العِدَّتَان» قِيلَ هُمَا عِدَّة أهْل الْجَنَّةِ وعِدَّة أهْل النَّار: أَيْ إِذَا تكامَلَت عِنْدَ اللَّهِ برُجُوعِهم إِلَيْهِ قَامَتِ الْقِيَامَةُ «2» يُقَالُ عَدَّ الشيءَ يَعُدُّه عَدّاً وعِدَّة.
__________
(1) الذى فى الهروى: «ولا يعدّ فضله علينا، أى لكثرته. ويقال: لا يعتدّ إفضاله علينا منّة له» .
(2) ذكر الهروى هذا الرأى عزوا إلى القتيبى، وزاد عليه فقال: «وقال غيره: قال الله تعالى إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا فكأنهم إذا استوفوا المعدود لهم قامت عليهم القيامة» .
(3/189)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَمْ يكُن للمُطَلّقة عِدَّة، فأنْزَل اللَّهُ عزَّ وَجَلَّ العِدَّة للطَّلاق» وعِدَّة المرْأة المُطَلَّقة والمُتَوفّى عَنْهَا زَوجُها هِيَ مَا تَعُدُّه مِنْ أيَّام أقْرائِها، أَوْ أَيَّامِ حَمْلِها، أَوْ أرْبَعة أشْهُر وعشْر لَيال، والمَرْأةُ مُعْتَدَّة. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذكْرُها فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّخَعيّ «إِذَا دَخَلت عِدَّة فِي عِدَّة أجْزأت إحْداهُما» يُريد إِذَا لَزِمَتْ المرأَةَ عِدَّتَان مِنْ رَجُل وَاحِدٍ فِي حالٍ واحدٍ كفَت إحْدَاهما عَن الْأُخْرَى، كَمنْ طلَّق إمْرأتَه ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِها فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ أَقْصَى العِدَّتَين، وَغَيْرُهُ يُخالفه فِي هَذَا، أَوْ كَمن مَات وزوجتُه حامِلٌ فوضَعَت قَبْلَ انْقِضاء عِدَّة الوَفاةِ، فإنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِي بالوضْع عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَفِيهِ ذِكْرُ «الْأَيَّامِ المَعْدُودَات» هِيَ أيامُ التَّشريق، ثَلاثة أَيَّامٍ بَعْد يَوْم النَّحر.
(س) وَفِيهِ «يخرُج جَيشٌ مِنَ المشْرِق آدَى «1» شيءٍ وأَعَدَّه» أَيْ أَكْثَرَهُ عِدَّةً وأتمَّه وأَشَدَّه اسْتِعْدَاداً.

(عَدَسَ)
فِي حَدِيثِ أَبي رَافِعٍ «أَنَّ أَبا لَهَبٍ رمَاه اللَّهُ بالعَدَسَة» هِيَ بَثْرة تُشْبِه العَدَسَة، تَخْرج فِي مَواضعَ مِنَ الْجَسَد، مِنْ جنْسِ الطَّاعُون، تقْتُل صاحِبَها غَالِبًا.

(عَدَفَ)
(س) فِيهِ «مَا ذُقْت عَدُوفاً» أَيْ ذَوَاقا. والعَدُوف: العلَف فِي لُغة مُضَر.
والعَدْف: الأكْلُ والمأكُول. وَقَدْ يُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.

(عَدَلَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «العَدْل» هُوَ الَّذي لَا يَمِيل بِهِ الهَوَى فيَجُور فِي الحُكْم، وَهُوَ فِي الأصْل مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ فوُضع موضعَ العَادِل، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ لِأَنَّهُ جُعِل المُسَمَّى نفسُه عَدْلًا.
(هـ) وَفِيهِ «لَمْ يَقْبل اللَّهُ مِنْهُ صَرْفا وَلَا عَدْلًا» قَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَدِيثِ. والعَدْل:
الفِدْية وَقِيلَ: الفَرِيضَة. والصَّرف: التَّوبَة. وَقِيلَ النَّافِلَة.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ قَارِئِ الْقُرْآنِ وصاحِب الصّدقة «فقال: ليست لهما بعَدْلٍ بعِدْلٍ» قد
__________
(1) فى الأصل وا: «أذى» بالذال المعجمة. وأثبتناه بالمهملة من اللسان. وقد سبق فى مادة «أدا» .
(3/190)

تَكَرَّرَ ذِكْرُ العِدْل والعَدْل بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ فِي الْحَدِيثِ. وَهُمَا بِمَعْنَى المِثْل. وَقِيلَ: هُوَ بِالْفَتْحِ مَا عَادَلَه مِنْ جنْسِه، وَبِالْكَسْرِ مَا لَيْسَ مِنْ جنْسِه. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «قَالُوا: مَا يُغْني عنَّا الإسْلامُ وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ» أَيْ أشْرَكنا بِهِ وجَعَلنا لَهُ مِثْلا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «كَذَبَ العَادِلُون بِكَ إِذْ «1» شَبَّهُوك بأصْنامهم» .
(س) وَفِيهِ «العِلْم ثلاثَةٌ مِنْهَا فريضَةٌ عَادِلَة» أرادَ العَدْل فِي القِسْمة: أَيْ مُعَدَّلَة عَلَى السِّهام المذكُورة فِي الكِتَاب والسُّنة مِنْ غَيْرِ جَوْر. ويَحتمل أَنْ يُريد أَنَّهَا مُسْتَنبَطَةٌ مِنَ الكِتاب والسُّنة، فتكونُ هَذِهِ الفريضَةُ تُعْدَلُ بِمَا أُخِذ عَنْهُمَا.
(س) وَفِي حَدِيثِ المِعْراج «فأتيتُ بإنَاءَيْن، فعَدَّلْتُ بَيْنَهُمَا» يُقَالُ هُوَ يُعَدِّل أمْرَه ويُعَادِلُه إِذَا تَوقَّف بَيْنَ أمْرين أَيُّهَمَا يَأْتِي، يُريد أنَّهما كَانَا عندَه مُسْتَوِيَيْن لَا يَقْدِر عَلَى اخْتيار أَحَدِهِمَا وَلَا يَتَرجَّح عندَه، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَدَلَ عَنْهُ يَعْدِلُ عُدُولًا إِذَا مالَ، كَأَنَّهُ يَميل مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْآخَرِ.
(س) وَفِيهِ «لَا تُعْدَل سَارِحَتُكم» أَيْ لَا تُصْرف ماشِيَتُكم وتُمال عَنِ المَرْعى وَلَا تُمْنَع.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «إِذْ «2» جَاءَتْ عَمّتي بِأَبِي وَخَالِي مَقْتُولين عَادَلْتُهُما عَلَى ناضِحٍ» أَيْ شَددْتهُما عَلَى جَنْبَيِ الْبَعِيرِ كالعِدْلَيْن.

(عَدَمَ)
(هـ س) فِي حَدِيثِ الْمَبْعَث «قالَت لَهُ خَدِيجة: كَلا إِنَّك تَكْسِبُ المَعْدُوم وتَحْمِل الكَلَّ» يُقَالُ: فُلَانٌ يَكْسِبُ المَعْدُوم إِذَا كَانَ مَجْدُودًا مَحْظُوظًا: أَيْ يَكْسِبُ مَا يُحْرَمُه غَيرُه.
وقيل: أرادَت تَكْسِبُ الناسَ الشيء المَعْدُوم الذيث لَا يَجِدُونَه مِمَّا يَحْتَاجُون إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: أَرَادَتْ بالمَعْدُوم الفَقِيرَ الَّذِي صَار مِنْ شِدَّة حاجَتِه كالمَعْدُوم نفسه.
__________
(1) فى ا: «إذا» .
(2) فى ا، واللسان: «إذا» .
(3/191)

فَيَكُونُ «تَكْسب» عَلَى التَّأْوِيلِ الأوَّل متعدَّيا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ هُوَ المَعْدُوم، كَقَوْلِكَ: كَسَبْت مَالًا، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي والثَّالث يَكُونُ متعدَّياً إِلَى مفعُولَين، تَقُولُ: كَسَبْتُ زَيْداً مَالاً أَيْ أعْطَيتُه. فمعنَى الثَّانِي: تُعْطي الناسَ الشيءَ المَعْدُوم عندَهُم، فحُذفَ المفعولُ الأوّلُ. وَمَعْنَى الثَّالث:
تُعْطي الفَقير المالَ، فيكونُ المحذُوفُ المفعولَ الثَّانِيَ. يُقَالُ: عَدِمْتُ الشيءَ أَعْدَمُه عَدَماً إذا فَقَدْته.
وأَعْدَمْتُه أَنَا. وأَعْدَمَ الرجلُ يُعْدِمُ فَهُوَ مُعْدِمٌ وعَدِيم: إِذَا افْتَقَر.
وَفِيهِ «مَنْ يُقْرِض غَير عَدِيم وَلَا ظَلُوم» العَدِيم الَّذِي لَا شَيءَ عِنْدَهُ، فَعِيل بِمَعْنَى فاعِل.

(عَدِنَ)
(س) فِي حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ «أَنَّهُ أقْطَعَه مَعَادِن القَبَلِيَّة» المَعَادِن:
المواضعُ الَّتِي تُستخَرْج مِنْهَا جواهرُ الأرْض كالذَّهب والفِضَّة والنُّحاس وَغَيْرِ ذَلِكَ، واحدُها مَعْدِن.
والعَدْن: الْإِقَامَةُ. والمَعْدِن: مَرْكز كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَعن مَعَادِن الْعَرَبِ تَسأَلُوني؟ قَالُوا. نَعَم» أَيْ أُصُولِهَا الَّتي يُنْسَبون إِلَيْهَا ويَتَفَاخرُون بِهَا.
(س) وَفِيهِ ذِكْرُ «عَدَنِ أَبْيَن» هِيَ مَدينةٌ مَعْرُوفَةٌ باليَمَن، أُضيِفَت إِلَى أبْيَن بوَزْن أبيْض، وَهُوَ رَجُل مِنْ حِمْير، عَدَنَ بِهَا: أَيْ أقامَ. وَمِنْهُ سُمّيت جَنَّةُ عَدْن: أَيْ جَنة إقامةٍ. يُقَالُ:
عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ عَدْناً إِذَا لَزِمه وَلَمْ يبْرَح مِنْهُ.

(عَدَا)
(هـ) فِيهِ «لاَ عَدْوَى وَلَا صَفَر» قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْوَى فِي الْحَدِيثِ. العَدْوَى:
اسمٌ مِنَ الإِعْدَاء، كالرَّعْوَى والبَقْوَى، مِنَ الإْرَعاء والإبْقَاء. يُقَالُ: أَعْدَاه الدَّاءُ يُعْدِيه إِعْدَاءً، وَهُوَ أَنْ يُصِيبُه مثْلُ مَا بصاحِب الدَّاءِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَب مَثَلًا فَتُتَّقَى مُخَالَطَتُه بإبلٍ أُخْرَى حِذَاراً أَنْ يَتَعَدَّى مَا بِهِ مِن الْجَرَب إِلَيْهَا فيُصِيبها مَا أصَابَه. وَقَدْ أبطَله الإسلامُ، لِأَنَّهُمْ كانُوا يَظُنون أَنَّ المَرَض بنَفْسه يَتَعَدَّى، فأعْلَمهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ليسَ الأمْر كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْرِض ويُنْزِل الدَّاء. وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: «فَمَنْ أَعْدَى البَعير الأوَّل؟» أَيْ مِن أَيْنَ صارَ فِيهِ الْجَرَب؟
(3/192)

(هـ) وفيه «ماذئبان عَادِيَان أصَابا فَرِيقَةَ غَنَم» العَادِي: الظَّالم. وَقَدْ عَدَا يَعْدُو عَلَيْهِ عُدْوَاناً. وأصلُه مِنْ تجاوُز الحدِّ فِي الشَّيْءِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا يَقْتُلُهُ المُحْرِم كَذَا وَكَذَا، والسَّبُعُ العَادِي» أَيِ الظَّالم الَّذِي يَفْتَرِسُ الناسَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعمان «أَنَّهُ عُدِيَ عَلَيْهِ» أَيْ سُرِق مالهُ وظُلم.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كتَبَ ليَهُود تَيْماء أنَّ لَهُمُ الذَّمَّة وعَليهم الجِزْيةَ بِلاَ عَدَاء» العَدَاء بِالْفَتْحِ والمَدِّ: الظُّلْمُ وتجَاوُزُ الْحَدِّ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ «فِي الزَّكاة» هُوَ أَنْ يُعْطِيَها غَيرَ مُسْتَحِقّها. وَقِيلَ: أَرَادَ أنَّ السَّاعي إذَا أخذَ خِيَارَ المالِ رُبَّمَا منعَه فِي السَّنةِ الأُخْرى فَيَكُونُ السَّاعي سبَبَ ذَلِكَ، فهُما فِي الإثْم سَوَاء.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «سَيكونُ قَومٌ يَعْتَدُون فِي الدُّعَاءِ» هُوَ الخُروج فِيهِ عَنِ الوَضْع الشَّرعي والسُّنّة المأثُورَةِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ أُتِيَ بِسَطِيحَتَيْنِ فِيهِمَا نَبِيذٌ، فشَرِبَ مِنْ إحْدَاهُما وعَدَّى عَنِ الأُخْرى» أَيْ تَرَكَها لِمَا رَابَه مِنْهَا. يُقال: عَدِّ عَنْ هَذَا الأمرِ: أَيْ تَجاوَزْه إِلَى غَيْرِهِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ أُهْدِي لَهُ لَبَن بِمَكَّةَ فعَدَّاه» أَيْ صَرَفه عَنْهُ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَا قَطْعَ عَلَى عَادِي ظَهْرٍ» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّهُ أُتِي برَجُل قد اخْتَلَس طوقا فلم يرقطعه وَقَالَ:
تِلْكَ عَادِيَة الظَّهْر» العَادِيَة: مِنْ عَدَا يَعْدُو عَلَى الشَّيء إِذَا اختلَسه. والظَّهْرُ: مَا ظهَر مِنَ الأشْياء.
لَمْ يرَ فِي الطوْق قَطْعاً لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَى المرأةِ والصَّبِيّ.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّ السلطانَ ذُو عَدَوَان وذُو بَدَوَانٍ» أَيْ سَريعُ الانْصرَاف والمَلالِ، مِنْ قَوْلِكَ: مَا عَدَاك: أَيْ مَا صَرَفك؟
(3/193)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «1» «قَالَ لطَلْحة يَوْمَ الْجَمَل: «عَرَفْتَني بِالْحِجَازِ وأنْكَرْتَني بالعِرَاق فَمَا عَدَا ممَّا بدَا؟» لِأَنَّهُ بايَعه بالمدِينة وجَاءَ يُقاتِله بالبَصْرة: أَيْ مَا الَّذِي صَرَفك ومَنَعك وحَمَلك على التَّخَلُّف بعْد ما ظَهَر مِنْكَ مِنَ الطاعَة والمُتابَعَة. وَقِيلَ: مَعْناه مَا بَدَا لَكَ مِنِّي فصرفَكَ عَنِّي؟
(هـ) وَفِي حَدِيثِ لُقمان «أَنَا لُقْمان بنُ عَاد لِعَادِيَةٍ لِعَاد» «2» العَادِيَة: الخيلُ تَعْدُو.
والعَادِي: الواحدُ، أَيْ أَنَا للجَمْع وَالْوَاحِدِ. وَقَدْ تَكُونُ العَادِيَة الرِّجال يَعْدُون.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْبَرَ «فَخَرَجَتْ عَادِيَتُهُم» أَيِ الَّذِينَ يَعْدُون عَلَى أرْجُلهم.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ حُذَيفة «أَنَّهُ خَرَج وَقَدْ طَمَّ رأسَه وَقَالَ: إنَّ تَحتَ كُلِّ شَعْرة [لَا يُصِيبُهَا الْمَاءُ] «3» جَنَابةً، فَمِن ثَمَّ عَادَيْتُ رأسِي كَمَا تَرَوْنَ» طَمَّه: أَيِ اسْتَأصَلَه ليَصِل الماءُ إِلَى أُصُول شَعَره «4» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ حَبيب بْنِ مَسْلَمة «لمَّا عَزَله عُمَر عَنْ حِمْصَ قَالَ: رَحِمَ اللَه عمرَ يَنْزِعُ قومَه ويَبْعَث القومَ العِدَى» العِدَى بِالْكَسْرِ: الغُرَباء والأجَانِبُ والأَعْدَاء. فَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُمُ الأَعْدَاء خاصَّة. أرادَ أَنَّهُ يَعْزِل قومَه مِنَ الولاَيَات ويُوَلّي الغُرَبَاء والأَجانبَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبير وَبِنَاءِ الكَعْبة «وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَراثِيمُ وتَعَادٍ» أَيْ أمْكِنة مُخْتلفَة غَيرُ مُسْتَوِية.
وَفِي حَدِيثِ الطَّاعُونِ «لَوْ كانَت لَكَ إبِلٌ فهبَطَتْ وَادِياً لَه عُدْوَتَان» العُدْوَة بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ:
جانبُ الْوَادِي.
(هـ) وَفِي حديث أبي ذَرٍّ «فَقَرَّبُوها إلى الغَابةِ تُصِيب مِنْ أثْلِها وتَعْدُو فِي الشَّجَر» يَعْنِي
__________
(1) أخرجه الهروي من قول علي رضي الله عنه لبعض الشيعة.
(2) في الأصل: «لعادية وعاد» والمثبت من اواللسان والهروي.
(3) من الهروي واللسان.
(4) زاد الهروي: «وحكى أبو عدنان عن أبي عبيدة: عاديتُ شعري، أي رفعته عند الغسل. وعاديت الوِسادة: ثنيتها. وعاديت الشيء باعدته.
(3/194)

الإبلَ: أَيْ تَرْعَى العُدْوَة، وَهِيَ الخُلّة، ضَرْبٌ مِنَ المَرْعى محبُوبٌ إِلَى الْإِبِلِ. وإبلٌ عَادِيَة وعَوَادٍ إِذَا رَعَته.
(س) وَفِي حَدِيثِ قُسّ «فَإِذَا شَجَرةٌ عَادِيَّة» أَيْ قَدِيمَة كَأَنَّهَا نُسِبَت إِلَى عَادٍ، وَهم قَوْمُ هُودٍ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكلُّ قَديم ينْسُبُونه إِلَى عَاد وَإن لَمْ يُدْرِكْهُم.
وَمِنْهُ كِتَابُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مُعَاوية «لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنا وعَادِيّ طَولنا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْناكم بأنْفُسنا» .

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الذَّالِ

(عَذُبَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْماءُ مِنْ بُيُوت السُّقْيا» أَيْ يُحْضَر لَه مِنْهَا الماءُ العَذْب، وَهُوَ الطَّيّب الَّذِي لَا مُلُوحةَ فِيهِ. يُقَالُ: أَعْذَبْنَا واسْتَعْذَبْنا: أَيْ شَرِبنا عَذْبا واستقينا عَذْبا.
ومنه حديث أبي التِّيهَانِ «أَنَّهُ خَرَج يَسْتَعْذِبُ الماءَ» أَيْ يَطْلُب الماءَ العَذْب.
وَفِي كَلَامِ عليٍّ يَذُمُّ الدُّنْيا «اعْذَوْذَبَ جانبٌ مِنْهَا واحْلَولَى» هُمَا افْعَوْعَل، مِنَ العُذُوبَة والحَلاوةِ، وَهُوَ مِنْ أبْنِيَةِ المُبَالغَة.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «ماءٌ عِذَاب» يُقَالُ: ماءَةٌ عَذْبَةٌ، وماءٌ عِذَاب، عَلَى الجَمع، لأنَّ الماءَ جنْسٌ للمَاءَةِ.
(س) وَفِيهِ ذِكْرُ «العُذَيْب» وَهُوَ اسمُ مَاءٍ لبَني تَميم عَلَى مَرْحلة مِنَ الْكُوفَةِ مُسَمَّى بتَصْغِير العَذْب. وَقِيلَ: سُمِّي بِهِ لأنَّه طرَف أرْضِ العَرَب، مِنَ العَذَبَة وَهِيَ طرَفُ الشَّيء.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ شَيَّع سَرِيَّة فَقَالَ: «أَعْذِبُوا عَنْ ذِكْرِ النِّساءِ أنْفُسِكم، فَإِنَّ ذَلِكُمْ يَكْسِرُكُم عَنِ الغَزْوِ» أَيِ امْنَعُوها. وكلُّ مَنْ مَنَعْتَه شَيْئًا فَقَدْ أَعْذَبْتَه. وأَعْذَبَ لازِمٌ ومتعدٍّ.
وَفِيهِ «الميِّتُ يُعَذَّبُ ببُكاءِ أهْلِه عَلَيْهِ» يُشْبه أَنْ يكونَ هَذَا مِنْ حَيثُ إنَّ العرَب كَانُوا
(3/195)

يُوصُون أهلَهُم بالبُكاءِ والنَّوح عَلَيْهِمْ وإشَاعَة النَّعْي فِي الأحْياءِ، وَكَانَ ذَلِكَ مشْهوراً مِنْ مَذَاهِبهم.
فالميِّتُ تلزمُه العُقُوبة فِي ذَلِكَ بِمَا تقدَّم مِنْ أمْرِه بِهِ.

(عَذِرَ)
(س) فِيهِ «الوليمةُ فِي الإِعْذَارِ حقٌّ» الإِعْذَار: الخِتَان. يُقَالُ: عَذَرْتُه وأَعْذَرْته فَهُوَ مَعْذُور ومُعْذَر، ثُمَّ قِيلَ للطَّعام الَّذِي يُطْعم فِي الخِتان: إِعْذَار.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كُنَّا إِعْذَارَ عامٍ واحدٍ» أَيْ خُتِنَّا فِي عامٍ وَاحِدٍ. وَكَانُوا يُخْتَنُون لِسِنّ مَعْلُومة فِيمَا بَيْن عَشْرِ سِنِينَ وخَمسَ عَشْرَةَ. والإِعْذَار بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ:
مَصْدَرُ أَعْذَرَه، فسمَّوا بِهِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْذُوراً مَسْروراً» أَيْ مَخْتُونا مَقْطوعَ السُّرَّة.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ صَيَّاد «أَنَّهُ وَلَدته أمُّه وَهُوَ مَعْذُور مَسْرُور» .
(س) وَفِي صِفَةِ الْجَنَّةِ «إنَّ الرَّجُلَ ليُفضي فِي الغَدَاة الوَاحِدَة إِلَى مِائَةِ عَذْرَاء» العَذْرَاء:
الجَارِيةُ الَّتِي لَمْ يمسَّها رَجُلٌ، وَهِيَ البِكْر، وَالَّذِي يَفْتَضُّها أَبُو عُذْرِها وَأَبُو عُذْرَتِها. والعُذْرَة:
مَا لِلبكْر مِنَ الالْتِحَام قَبْلَ الافْتِضاضِ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ:
أتَينَاكَ والعَذْرَاء يَدْمىَ لَبانُها أَيْ يَدْمَى صَدْرُها مِنْ شدَّة الجدْب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النّخَعِيّ «فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَجِد امْرَأتَه عَذْرَاء، قَالَ: لَا شيءَ عَلَيْهِ» لأنَّ العَذْرَة قَدْ تُذْهِبُها الحَيْضَةُ والوثْبَة وطُولُ التَّعْنِيس. وَجَمْعُ العَذْرَاء: عَذَارَى.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «مَا لَكَ وللعَذَارَى ولِعَابِهنَّ» أَيْ مُلاَعَبَتهنَّ، ويُجمع عَلَى عَذَارِى، كصحارَى وصحارِي.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
مُعِيداً يَبْتَغِي سَقَطَ العَذَارَى وَفِيهِ «لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ مَنْ بَلَغَ مِنَ العمْر سِتِّين سَنَة» أَيْ لَمْ يُبْق فيه موضعا للاعْتِذَار
(3/196)

حيث أمهله طول هذه المُدَّة وَلَمْ يَعْتَذِر. يُقَالُ: أَعْذَرَ الرَّجُل إِذَا بَلَغ أقْصَى الغَايَة مِنَ العُذْر. وَقَدْ يكونُ أَعْذَرَ بِمَعْنَى عَذَرَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ المِقْداد «لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكَ» أَيْ عَذَرَك وجَعَلك موضعَ العُذْر وأسْقَط عَنْكَ الجهَاد ورَخَّص لَكَ فِي تَرْكه، لِأَنَّهُ كانَ قَدْ تَناهى فِي السِّمَن وعَجزَ عَنِ القِتَالِ.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لن يهلك النّاس حتى يُعْذِوُرا مِنْ أنْفُسهم» يُقَالُ: أَعْذَرَ فلانٌ مِنْ نَفْسه إِذَا أمْكَن مِنْهَا، يَعْني أنَّهم لَا يَهْلِكُون حَتَّى تَكْثُرَ ذُنُوبهم وعُيُوبهم فيستَوجبُون العُقُوبة وَيَكُونُ لِمَنْ يُعَذِّبُهم عُذْر، كَأَنَّهُمْ قامُوا بعُذْرِه فِي ذَلِكَ. ويُروى بِفَتْحِ الْيَاءِ، مِنْ عَذَرْتُه وَهُوَ بمعنَاه.
وَحَقِيقَةُ عَذَرْتُ: مَحَوتُ الإساءَة وطمَسْتها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ استَعْذَرَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عَائِشَةَ كَانَ عَتَبَ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: كُنْ عَذِيرِي منْها إِن أدّبتُها» أَيْ قُمْ بعُذْرِى فِي ذَلِكَ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِفْكِ «فاستَعْذَرَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَيّ، فَقَالَ وهُو عَلَى المِنْبر: مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رجُل قَدْ بَلَغني عَنْهُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا أَعْذِرُك مِنْهُ» أَيْ مَن يَقوم بعُذْرِي إِنْ كَافَأْتُه عَلَى سُوءِ صَنِيعه فَلَا يَلُومُني؟
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَنْ يَعْذِرُني مِنْ مُعاوِية؟ أَنَا أُخْبره عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُخْبِرُنِي «1» عَنْ رَأْيِهِ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «مَنْ يَعْذِرُني مِنْ هَؤُلَاءِ الضَّياطِرَة» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «قَالَ وَهُوَ يَنْظر إِلَى ابْنِ مُلْجَم:
عَذِيرَك مِنْ خَلِيلِك مِنْ مُرَادِ» يُقَالُ: عَذِيرَك مِنْ فُلَانٍ بالنَّصْب: أَيْ هَاتِ مَنْ يَعْذِرُك فِيهِ، فَعيلٌ بِمَعْنَى فاعل.
(هـ) وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «قَالَ لِمَنِ اعْتَذَر إِلَيْهِ: عَذَرْتُك غَيرَ مُعْتَذِر» أَيْ مِنْ غَيْر أَنْ تَعْتَذِر، لِأَنَّ المُعْتَذِر يكونُ مُحِقًّا وغَيرَ محقّ.
__________
(1) فى ا: «أنا أخبر ... وهو يخبرني» .
(3/197)

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إِذَا وُضِعَت المائدَة فلْيأكُل الرجُل مِمَّا عنْدَه، وَلَا يَرْفَع يَدَه وَإِنْ شَبع، وليُعْذِرْ، فإنَّ ذَلِكَ يُخْجل جَليسَه» الإِعْذَار: المُبَالغةُ فِي الأمْرِ: أَيْ ليُبالِغ فِي الأكْل، مثْل الْحَدِيثِ الْآخَرِ «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَكل مَعَ قَوْم كَانَ آخرَهم أكْلاً» .
وَقِيلَ: إنَّما هُوَ «وليُعَذِّرْ» مِنَ التَّعْذِير: التَّقْصِير. أَيْ ليُقَصِّر فِي الأكْل ليَتَوفَّر عَلَى البَاقِين ولْيُرِ أَنَّهُ يُبَالِغُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «جَاءَنَا بطَعَامٍ جَشِبٍ فكُنَّا نُعَذِّر» أَيْ نُقَصِّر ونُرِي أنَّنا مُجْتَهِدُون.
(هـ س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ «كَانُوا إِذَا عُمِل فِيهِمْ بالمَعَاصِي نَهَوْهم تَعْذِيرا» أَيْ نَهْياً قَصَّرُوا فِيهِ وَلَمْ يُبَالِغُوا، وُضع المصْدر مَوْضِعَ اسْم الْفَاعِلِ حَالًا، كَقَوْلِهِمْ: جَاءَ مَشْياً.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ «وتَعاطى مَا نَهَيْتُ عَنْهُ تَعْذِيرا» .
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّر فِي مَرَضه» أَيْ يتمنَّع ويتعسَّر. وتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ إِذَا صَعُب.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عَاذِر» أَيْ أثرٌ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ رَأَى صَبيًّا أُعْلِق عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَة» العُذْرَة بِالضَّمِّ. وجَعٌ فِي الحَلْق يَهيجُ مِنَ الدَّم. وَقِيلَ: هِيَ قُرْحَة تخرُج فِي الخَرْم الَّذِي بَيْنَ الأنْف والحَلْق تَعْرِض للصَّبيانِ عِنْدَ طُلُوع العُذْرَة، فتَعْمِد المرأةُ إِلَى خِرْقة فتَفْتلها فَتْلاً شَدِيدًا وتُدْخِلُها فِي أنفِه فتَطْعُنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فيتفجَّر مِنْهُ دَمٌ أسودُ، ورُبَّما أقْرَحَه، وَذَلِكَ الطَّعنُ يُسَمَّى الدَّغْر. يُقَالُ: عَذَرَت المرأةُ الصّبيَّ إِذَا غَمزَتْ حَلْقه مِنَ العُذْرَة، أَوْ فعلت به ذلك، وكانو بَعْدَ ذَلك يُعَلِّقُون عَلَيْهِ عِلاقاً كالعُوذَةِ. وَقَوْلُهُ «عِنْدَ طُلُوع العُذْرَة» هِيَ خَمْسَةُ كَواكِب تَحْت الشِّعْرَى العَبُور وتسمَّى العَذَارَى، وَتَطْلُعُ فِي وسَط الْحَرِّ.
وَقَوْلُهُ: «مِنَ العُذْرَة» : أَيْ مِنْ أجْلِها.
(س) وَفِيهِ «لَلْفقْرُ أَزْينُ للمؤْمِن مِنْ عِذَار حَسَنٍ عَلَى خَدِّ فَرس» العِذَارَان مِنَ الفَرَس كالعارِضَين مِنْ وَجْهِ الإنْسان، ثُمَّ سُمِّي السَّير الَّذِي يكونُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّجامِ عِذَارا بَاسِمِ موضعه.
(3/198)

وَمِنْهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ «اسْتَعملتك عَلَى الْعِرَاقَيْنِ، فَاخْرُجْ إِلَيْهِمَا كميشَ الْإِزَارِ شَدِيدَ العِذَار» يُقَالُ للرجُل إذَا عَزَم عَلَى الْأَمْرِ: هُوَ شَديدُ العِذَار، كَمَا يُقَالُ فِي خلاِفه: فُلانٌ خَلِيعُ العِذَار، كَالْفَرَسِ الَّذِي لَا لِجَامَ عَلَيْهِ، فَهُوَ يَعير عَلَى وجْهه، لِأَنَّ اللِّجام يُمْسِكه.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ «خَلَع عِذَارَه» إِذَا خَرج عَنِ الطَّاعَة وانْهَمَك فِي الغَيِّ.
(س) وَفِيهِ «اليهودُ أنْتَنُ خَلْق اللَّهِ عَذِرَة» العَذِرَة: فِناء الدَّار وناحِيَتُها.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ اللَّهَ نظيفٌ يُحب النَّظافة، فنَظّفوا عَذِرَاتِكم وَلَا تَشَبَّهوا باليَهود» .
وَحَدِيثُ رُقَيقة «وَهَذِهِ عِبِدَّاؤك بعَذِرَاتِ حَرَمِك» (هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «عاتَبَ قَوْما فَقَالَ: مَا لَكم لَا تُنَظِّفون عَذِرَاتِكم» أَيْ أفْنِيتَكم.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَرِه السُّلْت الَّذِي يُزْرَع بالعَذِرَة» يُريد الغَائِطَ الَّذِي يُلْقيه الإنْسانُ. وسُمّيت بالعَذِرَة، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُلْقُونها فِي أفْنِيَةِ الدُّورِ.

(عَذْفَرَ)
فِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
ولَنْ يُبَلِّغَها إِلَّا عُذَافِرَةٌ العُذَافِرَة: النَّاقةُ الصُّلْبة القَوِيَّة.

(عَذِقَ)
(هـ) فِيهِ «كَمْ مِنْ عَذْق مُذَلَّلٍ فِي الْجَنَّةِ لِأَبِي الدَّحْدَاح» العَذْق بِالْفَتْحِ: النَّخْلة، وَبِالْكَسْرِ: العُرجُون بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمارِيخ، ويُجْمع عَلَى عِذَاق.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ «فرَدّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أمِّي عِذَاقَها» أَيْ نَخَلاتِها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَا قَطْعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق» لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُعَلَّقا فِي الشجَرَة فَلَيْسَ فِي حِرْز.
وَمِنْهُ «لَا والَّذي أخْرَجَ العَذْق مِنَ الْجَريمة» أَيِ النَّخْلة مِنَ النَّواةِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ السَّقيفة «أَنَا عُذَيْقُها المُرَجَّب» تَصغِير العَذْق: النَّخلة، وَهُوَ تصغيرُ تَعْظِيمٍ.
وبالمَدينة أُطُم لبَني أمّيَّة بْنِ زَيد يُقَالُ لَهُ: عَذْق.
(3/199)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَكَّةَ «وأَعْذَق إذْخِرُها» أَيْ صارَت لَهُ عُذُوق وشُعَب.
وَقِيلَ: أَعْذَق بِمَعْنَى أزْهَر. وَقَدْ تَكَرَّرَ العَذْق والعِذْق فِي الْحَدِيثِ ويُفْرق بَيْنَهُمَا بِمَفْهُومِ الْكَلَامِ الواردانِ فِيهِ.

(عَذُلَ)
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وسُئِل عَنْ الاسْتِحَاضة فَقَالَ: ذَلِكَ العَاذِل يَغْذُو» العَاذِل: اسْمُ العِرْق الَّذِي يَسِيل مِنْهُ دَمُ الاسْتِحَاضةِ، ويَغْذو: أَيْ يَسِيل.
وَذَكَرَ بعضُهم «العَاذِر» بِالرَّاءِ. وَقَالَ: العَاذِرَة: المرأةُ المستحاضَةُ، فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ، مِنْ إقامةِ العُذْر. وَلو قَالَ: إنَّ العَاذِر هُوَ العِرْق نفسُه لِأَنَّهُ يقُوم بعُذْرِ المرأةِ لكانَ وجْهاً.
وَالْمَحْفُوظُ «العَاذِل» بِاللَّامِ.

(عَذَمَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُرَائِي فَلَا يَمرُّ بقَومٍ إلاَّ عَذَمُوه» أَيْ أخَذُوه بألْسِنَتِهم. وَأَصْلُ العَذْم: العَضّ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «كالنَّاب الضَّرُوس تَعْذِمُ بِفِيهَا وتخْبِط بيَدِها» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «فأقْبَل عَلَيَّ أَبِي فعَذَمَنِي وعضَّني بلِسانه» .

(عَذَا)
(هـ) فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ نازِلاً بالبَصْرة فانْزِل عَلَى عَذَوَاتِها، وَلَا تَنْزِل سُرَّتها» جَمْعُ عَذَاة. وَهِيَ الأرْضُ الطَّيِّبة التُّرْبَة «1» الْبَعِيدَةُ مِنَ الْمِيَاهِ وَالسِّبَاخِ.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الرَّاءِ

(عَرب)
(هـ) فِيهِ «الثَّيبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لسانُها» هَكَذَا يُرْوى بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ أَعْرَبَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الصَّوَابُ «يُعَرِّبُ» يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ. يُقَالُ: عَرَّبْتُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا تكلَّمْتَ عَنْهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَعْرَبَ بِمَعْنَى عَرَّبَ. يُقَالُ: أَعْرَبَ عَنْهُ لسانُه وعَرَّبَ.
قَالَ ابْنُ قُتيبة: الصَّوَابُ «يُعْرِبُ عَنْهَا» بِالتَّخْفِيفِ. وَإِنَّمَا سُمِّي الإِعْرَاب إِعْرَابا لتَبْيِينِه وإيضاحِه. وَكِلَا القَوْلين لُغتان متساويتان، بمعنى الإبانة والإيضاح.
__________
(1) فى الهروى: «الثّريّة» .
(3/200)

[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَإِنَّمَا كَانَ يُعْرِبُ عمَّا فِي قَلْبه لسانُه» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ التَّيْمِي «كَانُوا يَسْتَحِبُّون أَنْ يُلَقِّنُوا الصَّبيَّ حِينَ يُعَرِّبُ أَنْ يَقُولَ:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سَبْعَ مرَّات» ، أَيْ حِينَ ينْطِقُ ويتكلَّم.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثِ عُمَرَ «مَا لَكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يُخَرِّقُ أَعْرَاضَ النَّاسِ أَنْ لَا تُعَرِّبُوا عَلَيْهِ» قِيلَ: مَعْنَاهُ التَّبْيين والإيْضَاح: أَيْ مَا يَمْنعُكم أَنْ تُصَرِّحوا لَهُ بالإِنكارِ وَلَا تُساتِرُوه.
وَقِيلَ: التَّعْرِيب: المنعُ والإنكارُ. وَقِيلَ: الفُحْشُ والتَّقْبيحُ «1» ، مِنْ عَرِبَ الجُرْح إِذَا فَسَد.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ رجُلاً أتَاه فَقَالَ: إنَّ ابْنَ أخِي عَرِبَ بطنُه» أَيْ فَسَد.
فَقَالَ: اسْقِه عَسَلًا» .
وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ «السَّقيفة أَعْرَبُهُم أحْسَاباً» أَيْ أبْينُهم وأوْضَحُهم.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ رَجُلا مِنَ المُشْركين كَانَ يَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وَاللَّهِ لتَكُفنَّ عَنْ شَتْمِه أَوْ لأُرَحِّلَنَّك بسَيْفي هَذَا، فَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا اسْتِعْرَاباً، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَضَربه، وتَعَاوَى عَلَيْهِ المُشْرِكُون فَقَتلُوه» الاسْتِعْرَاب: الإفحاشُ فِي القَوْل.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ «أَنَّهُ كَرِه الإِعْرَاب للمُحْرِم» هُوَ الإفْحاشُ فِي الْقَوْلِ والرَّفَثُ، كأنه اسم موضع مِنَ التَّعْرِيب والإِعْرَاب. يُقَالُ: عَرَّبَ وأَعْرَبَ إِذَا أفحشَ.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الإيضاحَ والتَّصْرِيحَ بالهُجْر مِنَ الْكَلَامِ. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: العَرَابَة، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وكَسْرِها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ هُوَ العِرَابَة فِي كَلَامِ العَرَب» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ «لَا تَحِلُّ العِرَابَة للمُحْرِم» .
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ «مَا أُوتِي أحَدٌ مِنْ مُعَارَبَة النِّساء مَا أُوتيتُه أَنَا» كأنَّه أرادَ أسباب الجماع ومُقدّماته.
__________
(1) بعد هذا في الهروي: «وإنما أراد: ما يمنعكم من أن تعرّبوا، ولا: صلة [زائدة] هاهنا» .
(3/201)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنْ بَيْع العُرْبَان» هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلعةَ ويَدْفَعَ إِلَى صاحبِها شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إنْ أمْضى البَيع حُسِب مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يُمْضِ البيعَ كَانَ لصاحِب السِّلْعةِ وَلَمْ يَرْتَجِعْه الْمُشْتَرِي. يُقَالُ: أَعْرَبَ فِي كَذَا، وعَرَّبَ، وعرْبَنَ، وَهُوَ عُرْبَانٌ، وعُرْبُونٌ، وعَرَبُون. قِيلَ:
سُمِّي بِذَلِكَ لأنَّ فِيهِ إِعْرَاباً لعَقْدِ البَيْع: أَيْ إصْلاحاً وإزَالة فَسادٍ، لِئَلَّا يَمْلِكه غَيْرُهُ بِاشْتِرَائِهِ.
وَهُوَ بيعٌ باطلٌ عِنْدَ الفُقَهاء، لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرط والغَرَر. وأجازَه أحْمَد. ورُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ إجازَتُه. وَحَدِيثُ النَّهي مُنْقَطع.
(س هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أنَّ عامِله بِمَكَّةَ اشْترى دَارًا للسِّجْن بأرْبعةِ آلافٍ، وأَعْرَبُوا فِيهَا أرْبَعَمَائة» أَيْ أسْلَفُوا، وَهُوَ مِنَ العُرْبَان.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطاء «أَنَّهُ كانَ يَنْهَى عَنِ الإِعْرَاب فِي البَيْع» .
[هـ] وَفِيهِ «لَا تَنْقُشوا فِي خَواتِيمكم عَرَبِيّاً» أَيْ لَا تَنقُشوا فِيهَا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لأنَّه كَانَ نَقْشَ خاتمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَا تَنْقُشوا فِي خَواتِيمكم العَرَبِيَّة» وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يكْرَه أَنْ يَنْقُش فِي الْخَاتَمِ القُرآن.
وَفِيهِ «ثلاثٌ مِنَ الكَبَائر، مِنْهَا التَّعَرُّب بعدَ الهِجْرة» هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى البَادية ويُقِيمَ مَعَ الأَعْرَاب بعدَ أَنْ كانَ مُهَاجراً. وَكَانَ مَنْ رَجَع بعدَ الهِجْرة إِلَى موضِعه مِنْ غَيْرِ عُذْر يَعدُّونه كالمُرْتَدّ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الأكْوع «لمَّا قُتل عُثْمَانُ خَرَج إِلَى الرَّبَذة وأقامَ بِهَا، ثُمَّ إنَّه دَخَلَ عَلَى الحجَّاج يَوْمًا فَقَالَ له: يا بن الأكْوع ارْتَدَدْت عَلَى عَقِبَيْك وتَعَرَّبْت» ويُرْوى بالزَّاي. وسيجيء.
ومنه حديث الْآخَرُ: تَمثَّل فِي خُطْبتِه مُهَاجرٌ لَيْسَ بأَعْرَابيّ جَعَلَ المُهاجِرَ ضِدَّ الأَعْرَابيّ. والأَعْرَاب: ساكنُو الْبَادِيَةِ مِنَ العَرَب الَّذِينَ لَا يُقِيمُون فِي الأمصارِ وَلَا يَدْخُلُونَها إِلَّا لحاجةٍ. والعَرَب: اسمٌ لِهَذَا الجِيل المَعْرُوف مِنَ النَّاسِ. وَلَا واحدَ لَهُ مِنْ لَفْظِه. وسَواءٌ أَقَامَ بالبَادِية أَوِ المُدُن. والنَّسب إِلَيْهِمَا: أَعْرَابيّ وعَرَبِيّ.
(3/202)

(س) وَفِي حَدِيثِ سَطيح «يَقُودُ خَيْلًا عِرَاباً» أَيْ عَرَبِيَّة مَنْسُوبة إِلَى العَرَب، فَرّقوا بَيْنَ الْخَيْلِ والنَّاس، فَقَالُوا فِي النَّاسِ: عَرَبٌ وأَعْرَابٌ، وَفِي الْخَيْلِ: عِرَاب.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ البَتِّيُّ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ رُعِفَ فِي الصَّلاة؟ فَقَالَ الحَسَن: إِنَّ هَذَا يُعَرِّبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ رُعِفَ!» أَيْ يُعَلِّمهم العَرَبِيَّة ويَلْحَن.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «فاقْدُرُوا قَدْرَ الجارِية العَرِبَة» هِيَ الحَرِيصَة عَلَى اللَّهو. فَأَمَّا العُرُب- بِضَمَّتَيْنِ- فجمعُ عَرُوبٍ، وَهِيَ المرأةُ الحَسْناء المُتَحبِّبة إِلَى زَوْجها.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْجُمُعَةِ «كَانَتْ تُسَمَّى عَرُوبَة» هُوَ اسمٌ قديمٌ لَهَا، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ بعَرَبِي. يُقَالُ: يَوْمٌ عَرُوبَة، ويومُ العَرُوبَة. والأفصَحُ أَنْ لَا يَدْخُلَها الألفُ واللامُ. وعَرُوباء:
اسْمُ السَّماء السَّابِعةِ.

(عَرُجَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «ذُو المَعَارِج» المَعَارِج: المَصَاعِد والدَّرَجُ، واحِدُها: مَعْرَج، يُريد مَعَارِج الْمَلَائِكَةِ إِلَى السَّماء. وَقِيلَ المَعَارِج: الفَواضِل العَاليةُ. والعُرُوج: الصُّعود، عَرَجَ يَعْرُجُ عُرُوجاً. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ المِعْرَاج. وَهُوَ بِالْكَسْرِ شِبْه السُّلّم، مِفْعَال، مِنَ العُرُوج: الصُّعود، كَأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ.
وَفِيهِ «مِنْ عَرَج أَوْ كُسر أَوْ حُبِس فلْيَجْزِ مثلهَا وَهُوَ حِلٌّ» أَيْ فلْيَقْضِ مِثلهَا، يَعْنِي الحجَّ.
يُقَالُ: عَرَج يَعْرُجُ عَرَجاناً «1» إِذَا غَمَز مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهُ. وعَرِجَ يَعْرَجُ عَرَجاً إِذَا صَارَ أَعْرَج، أَوْ كَانَ خِلْقةً فِيهِ. المَعْنَى أَنَّ مَن أحْصَرَه مَرَض، أَوْ عَدوٌّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَث بِهَدْيٍ ويُوَاعِدَ الحَامِل يَوْمًا بعَينِه يذْبَحها فِيهِ. فَإِذَا ذُبِحَت تَحَلَّل. والضميرُ فِي «مِثْلها» للنَّسِيكة.
(س) وَفِيهِ «فَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ» أَيْ لَمْ أُقِم وَلَمْ أحْتَبس.
وَفِيهِ ذِكْرُ «العُرْجُون» وَهُوَ العُود الأصْفر الَّذِي فِيهِ شَمَاريخ العِذْق، وَهُوَ فُعْلون، مِنَ الانْعِرَاج: الانعِطَافِ، وَالْوَاوُ وَالنُّونُ زائدتان، وجمعه: عَرَاجِين.
__________
(1) في الأصل: «عَرجاً» وأثبتنا ما في اواللسان، والفائق 2/ 129.
(3/203)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الخُدْريِّ «فَسَمِعْت تَحْرِيكاً فِي عَرَاجِين البَيتِ» أرادَ بِهَا الأعوادَ الَّتِي فِي سقْفِ الْبَيْتِ، شبَّهها بالعَرَاجِين.
وَفِيهِ ذِكْرُ «العَرْج» وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: قَرْيَةٌ جامعةٌ مِنْ عَمَل الفُرْع، عَلَى أَيَّامٍ مِنَ الْمَدِينَةِ.

(عَرِدَ)
فِي قَصِيدِ كَعْبٍ.
ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السّودُ التّنابيلُ أَيْ فَرُّوا وأعرَضُوا. ويُروى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، مِنَ التغْريد: التَّطْريب.
(س) وَفِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ:
والقوسُ فِيهَا وَتَرٌ عُرُدٌّ العُرُدُّ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: الشَّديدُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ. يُقَالُ: وترٌ عُرُدٌّ وعُرُنْدٌ.

(عَرَرَ)
[هـ] فِيهِ «1» «كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ كَذَا وَكَذَا» أَيْ إِذَا اسْتَيْقَظ، وَلَا يكونُ إلاَّ يَقَظةً مَعَ كَلَامٍ. وَقِيلَ: هُوَ تَمَطَّى وَأَنَّ «2» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ حاطِب «لمَّا كَتَب إِلَى أهْل مَكَّةَ يُنْذِرُهم مَسِير رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيهم، فلمَّا عُوتب فِيهِ قَالَ: كُنْت رَجُلًا عَرِيراً فِي أهْل مَكَّةَ» أَيْ دَخِيلاً غَرِيباً وَلَمْ أكُن مِنْ صَمِيمهِم. وَهُوَ فعيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، مِنْ عَرَرْتُه إِذَا أتيتَه تَطلُب معروفَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «مَنْ كَان حَلِيفا وعَرِيراً فِي قَوْمٍ قَدْ عقَلوا عَنْهُ ونَصَرُوه فَمِيراثُه لَهُمْ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَاهُ سَيْفًا مُحَلّىً، فَنَزَعَ عُمَرُ الحِلْية وَأَتَاهُ بِهَا، وَقَالَ:
أتيتُك بِهَذَا لِمَا يَعْرُرُك مِنْ أُمُورِ النَّاس» يُقَالُ: عَرَّه واعْتَرَّه، وعَرَاه واعْتَرَاه إِذَا أَتَاهُ مُتعرِّضا لمعْرُوفه،
__________
(1) أخرجه الهروي واللسان من حديث سَلمان الفارسي رضي الله عنه.
(2) زاد الهروى: «وقال قوم: علم» .
(3/204)

والوجهُ فِيهِ أنَّ الْأَصْلَ: يَعُرُّك، فَفكَّ الإْدغَامَ، وَلَا يَجيءُ مِثْلُ هَذَا الاتِّساع إلاَّ فِي الشِّعْر.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا أحْسِبُه مَحْفُوظاً، ولكنَّه عِنْدِي «لِمَا يَعْرُوك» بِالْوَاوِ: أَيْ لِمَا يَنُوبُك مِنْ أمْرِ الناسِ ويلزَمُك مِنْ حَوائجهم، فيكونُ مِنْ غَير هَذَا الْبَابِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فأكلَ وأطْعم القَانِعَ والمُعْتَرّ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «فإنَّ فِيهِمْ قَانِعًا ومُعْتَرّاً» هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّض للسُّؤال مِنْ غَيْرِ طَلَب.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى «قَالَ لَهُ عليٌّ، وَقَدْ جَاء يَعُودُ ابنَه الحَسَن: مَا عَرَّنا بِكَ أيُّها الشَّيْخُ؟» أَيْ مَا جاءَنَا بِكَ؟.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إلَيك مِنْ مَعَرَّة الجَيشِ» هُوَ أَنْ يَنْزِلوا بقَوم فَيَأْكُلُوا مِنْ زُرُوعهم بغَير عِلْمٍ. وَقِيلَ: هُوَ قِتَال الجَيشِ دُونَ إذْنِ الأمِير. والمَعَرَّة: الأمرُ الْقَبِيحُ المكروهُ والأذَى، وَهِيَ مَفْعَلة مِنَ العَرِّ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ طَاوُسٍ «إِذَا اسْتَعَرَّ عَلَيْكُمْ شيءٌ مِنَ النِّعَم» أَيْ نَدَّ واسْتَعْصَى، مِنَ العَرَارَة، وَهِيَ الشِّدَّة والكَثرة وسُوءُ الخُلُق.
(هـ) وَفِيهِ «أنَّ رَجُلًا سَأَلَ آخَر عَنْ مَنْزله، فأخبرَه أَنَّهُ يَنزل بَيْنَ حيَّين مِنَ العَرَب، فَقَالَ:
نَزَلْتَ بَين المَعَرَّة والمَجَرّة» المجرَّة الَّتِي فِي السَّماء: البياضُ المعروفُ، والمَعَرَّة: مَا وَرَاءها مِنْ نَاحِيَةِ الْقُطْبِ الشَّمالي، سُمِّيت مَعَرَّة لكَثْرة النُّجوم فِيهَا، أَرَادَ بَيْنَ حَيَّيْنِ عَظِيمَيْنِ كَكَثْرَةِ النُّجُوم. وأصلُ المَعَرَّة: مَوْضِعُ العَرِّ، وَهُوَ الجَرب، وَلِهَذَا سَمّوا السَّمَاءَ الْجَرْبَاءَ، لِكَثْرَةِ النُّجُوم فِيهَا، تَشْبيهاً بِالْجَرَبِ فِي بدَنِ الْإِنْسَانِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ مُشْتَرِي النَّخْل يشْتَرِط عَلَى البائِع لَيْسَ لَهُ مِعْرَارٌ» هِيَ الَّتِي يُصِيبها مثْلُ العَرّ، وَهُوَ الجَرَب.
(س) وَفِيهِ «إيَّاكم ومُشَارَّةَ الناسِ فَإِنَّهَا تُظْهرُ العُرَّة» هِيَ القَذَر وعَذِرَة النَّاسِ، فاستُعير للمَساوِي والمَثَالب.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ «أَنَّهُ كانَ يَدْمُل أرضَه بالعُرَّة» أَيْ يُصْلِحُها. وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يحْمِل مِكْيال عُرَّة إِلَى أرْضٍ له بمكة» .
(3/205)

وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ لَا يَعُرُّ أرْضَه» أَيْ لَا يُزَبِّلها بالعُرَّة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ «كُلْ سَبْعَ تَمْراتٍ مِنْ نَخْلةٍ غَيرِ مَعْرُورَة» أَيْ غَيْرِ مُزَبَّلة بالعُرَّة.

(عَرْزَمَ)
(س) فِي حَدِيثِ النَّخَعِيِّ «لَا تَجْعَلُوا فِي قَبْري لَبِناً عَرْزَمِيّاً» عَرْزَمُ:
جَبَّانةٌ بالكُوفة نَسبَ اللّبِنَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا كَرِهه لأنَّها موْضع أحْداث النَّاسِ ويَخْتَلط لبِنُه بالنَّجَاسَاتِ.

(عَرِسَ)
(س) فِيهِ «كَانَ إِذَا عَرَّسَ بليلٍ توَسَّدَ لبِنَةً، وَإِذَا عَرَّسَ عِنْد الصُّبْحِ نَصَب ساعدَه نَصْباً ووضَع رَأسَه عَلَى كَفِّه» التَّعْرِيس: نُزول المُسَافر آخِرَ اللَّيْلِ نَزْلَةً للنَّوم والاسْتراحَة، يُقَالُ مِنْهُ: عَرَّسَ يُعَرِّسُ تَعْرِيساً. وَيُقَالُ فِيهِ: أَعْرَسَ، والمُعَرِّس: موضعُ التَّعْرِيس، وَبِهِ سُمِّي مُعَرَّس ذِي الحُلَيفَةِ، عَرَّسَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى فِيهِ الصُّبْح ثُمَّ رَحلَ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَة وَأُمِّ سُلَيم «فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْرَسْتُم اللَّيلة؟ قَالَ:
نَعم» أَعْرَسَ الرجلُ فَهُوَ مُعْرِس إِذَا دَخَل بامْرَأتِهِ عِنْدَ بِنائِها، وأرادَ بِهِ هَاهُنَا الوَطْءَ، فسمَّاه إِعْرَاساً لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الإِعْرَاس، وَلَا يُقَالُ فِيهِ عَرَّسَ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «نَهَى عَنْ مُتْعة الْحَجِّ، وَقَالَ: قَدْ علمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَله، ولكِنِّي كَرِهْت أَنْ يَظَلُّوا بِهَا مُعْرِسِين» أَيْ مُلِمِّينَ بِنسَائهم.
(س) وفيه «فأصْبَح عَرُوساً» يقال للرجُل عَرُوس، كَمَا يُقَالُ للمَرْأة. وَهُوَ اسمٌ لَهُمَا عِنْدَ دُخُول أحَدهما بِالْآخَرِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهُ: إنَّ ابْنَتِي عُرَيِّسٌ، وَقَدْ تَمَعّط شعْرُها» هِيَ تَصْغِيرُ العَرُوس، وَلَمْ تَلْحَقْهُ تاءُ التَّأْنِيثِ وَإِنْ كَانَ مؤنَّثا، لِقيام الحَرْفِ الرَّابع مَقَامَهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الإِعْرَاس والعُرْس والعَرُوس.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ حَسَّان «كَانَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعامٍ قَالَ: أفِي عُرْس أَمْ خُرس؟» يُريدُ بِهِ طعامَ الْوَلِيمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْمَل عِنْدَ العُرْس، يُسَمَّى عُرْساً باسم سَبَبه.
(3/206)

(عَرِشَ)
(هـ) فِيهِ «اهْتزَّ العَرْش لِمَوْتِ سَعْد» العَرْش هَاهُنَا: الجَنازة، وَهُوَ سَرير الْمَيِّتِ، واهتزازُه فرَحُه لحمْل سَعْد عَلَيْهِ إِلَى مَدْفَنِه.
وَقِيلَ: هُوَ عَرْشُ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرى: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحمن لمَوْتِ سَعْد» وَهُوَ كِناية عَنِ ارْتِياحِه برُوحه حِين صُعِدَ بِهِ، لكرَامتِه عَلَى رَبِّه. وكلُّ مَنْ خَفَّ لأمْرٍ وارْتاح عَنْه فَقَدِ اهْتَزَّ لَهُ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْف مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: اهتزَّ أهلُ العَرْشِ بقدُومه عَلَى اللَّهِ، لِمَا رَأوْا مِنْ مَنْزلته وكَرَامته عِنْدَهُ.
وَفِي حَدِيثِ بَدْء الْوَحْيِ «فرَفَعْتُ رَأْسي فَإِذَا هُوَ قاعِدٌ عَلَى عَرْشٍ فِي الْهَوَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ «بينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» يَعْني جِبْرِيلَ عَلَى سَرِيرٍ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَوْ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بالعَرْش» العَرْش هَاهُنَا: السَّقْف، وهو والعَرِيش: كلُّ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قِيلَ لَهُ: أَلاَ نَبْني لَكَ عَرِيشاً» .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «كُنْت أسمعُ قِراءة رسولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى عَرِيش لِي» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمة «إنِّي وجَدْت ستِّين عَرِيشاً فألقَيْتُ لَهُمْ مِنْ خَرْصِها كَذَا وَكَذَا» أَرَادَ بالعَرِيش أهْل البَيت، لأنَّهُم كَانُوا يأْتُون النَّخِيل فيبْتَنُون فِيهِ مِنْ سَعَفِه مثْلَ الكُوخ فيُقِيمُون فِيهِ يأكُلُون مُدَّة حَمْل الرُّطَب إِلَى أَنْ يُصْرَمَ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ «قِيلَ لَهُ: إنَّ مُعاوية يَنْهَانَا عَنْ مُتْعة الْحَجِّ، فَقَالَ: تمَتَّعْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومُعاوية كافرٌ بالعُرُش» العُرُش: جَمْعُ عَرِيش، أرادَ عُرُش مَكَّةَ، وَهِيَ بُيُوتُهَا، يَعْنِي أنَّهم تمتَّعوا قَبْلَ إسْلام مُعاوية.
وَقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ «كافِر» الاخْتِفَاءَ والتَّغَطِّي، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُخْتَفِياً فِي بُيُوت مَكَّةَ.
والأوّل أشْهرَ.
(3/207)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَقْطَع التَّلْبِية إِذَا نَظَر إِلَى عُرُوش مَكَّةَ» أَيْ بُيُوتها.
وسُمِّيت عُرُوشاً، لِأَنَّهَا كَانَتْ عيدَاناً تُنْصَب ويُظَلَّل عَلَيْهَا، واحدُها: عَرْش.
(س) وَفِيهِ «فَجَاءَتْ حُمَّرَةٌ فجعَلَت تُعَرِّشُ» التَّعْرِيش: أَنْ تَرْتَفع وتُظَلِّل بجناحَيْها عَلَى مَن تَحْتَها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ مَقْتَل أَبِي جَهْلٍ «قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: سَيفُك كَهَامٌ، فخُذ سَيْفي فاحْتزَّ بِهِ رَأسي مِنْ عُرْشِي» العُرْش: عِرْق فِي أصْل العُنُق.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «العُرْش [بِالضَّمِّ «1» ] أحدُ عُرْشَيِ العُنُق، وَهُمَا لحمتَان مُسْتَطِيلتان فِي ناحِيَتَيِ العُنُق» .

(عَرَصَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «نَصَبْتُ عَلَى بَابِ حُجْرتي عَبَاءة مَقْدَمَه مِنْ غَزَاة خَيبر أَوْ تَبوك، فهَتَك العَرْص حَتَّى وَقَعَ بِالْأَرْضِ» قَالَ الْهَرَوِيُّ: المحدِّثون يَرْوُونَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ بِالصَّادِ وَالسِّينِ، وَهُوَ خَشَبة تُوضع عَلَى البَيت عَرْضا إِذَا أرادُوا تَسْقِيفَه، ثُمَّ تُلْقى عَلَيْهِ أطْرافُ الخَشَب القِصَار. يُقَالُ: عَرَّصْتُ الْبَيْتَ تَعْرِيصاً.
وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِالسِّينِ، وَقَالَ: والبيتُ المُعرَّس الَّذِي لَهُ عَرْس، وَهُوَ الحائطُ تُجْعل بَيْنَ حائِطَيِ الْبَيْتِ لَا يُبْلَغ بِهِ أقْصَاه.
والحديثُ جَاءَ فِي سُنن أَبِي دَاوُد بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وشرَحه الْخَطَّابِيُّ فِي «الْمَعَالِمِ» . وَفِي «غَرِيبِ الْحَدِيثِ» بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. وَقَالَ: قَالَ الرَّاوِي: العَرْض، وَهُوَ غَلط.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّهُ العَرْص، بِالْمُهْمَلَةِ، وَشَرَحَ نحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، لِأَنَّهُ يُوضَعُ عَلَى الْبَيْتِ عَرْضا.
(س) وَفِي حديث قسّ «في عَرَصات جثجاث» العَرَصَات: جَمْعُ عَرْصَة، وَهِيَ كلُّ موضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِناء فِيهِ.

(عَرِضَ)
(هـ) فِيهِ «كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَام، دَمُه ومَالُه وعِرْضُه» العِرْض.
__________
(1) من الصحاح.
(3/208)

موضعُ المدْح والذَّم مِنَ الإنْسان، سَوَاءً كَانَ فِي نَفْسه أَوْ فِي سَلَفه، أَوْ مَن يَلْزمه أمْرُه.
وَقِيلَ: هُوَ جَانبُه الَّذِي يَصُونُه مِنْ نَفْسه وحَسَبه، ويُحَامِي عَنْهُ أَنْ يُنْتَقَص ويُثْلَبَ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عِرْض الرَّجل: نَفْسُه وبدَنُه لَا غيرُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استَبْرأ لدِينِهِ وعِرْضِه» أَيِ احْتَاط لنَفْسِه، لَا يَجُوز فِيهِ مَعْنَى الآباءِ والأسْلافِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ضَمْضَم «اللَّهُمَّ إِنِّي تصدَّقْت بعِرْضِي عَلَى عِبادِك» أَيْ تصدَّقْت بعِرْضِي عَلَى مَن ذَكَرني بِمَا يَرْجِعُ إِلَيَّ عَيبُه.
وَمِنْهُ شِعْرُ حَسّان:
فإنَّ أبِي وَوَالِدَه وعِرْضِي ... لعِرْض محمد منكم وقاء
فهذ خاصٌّ للنَّفْسِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرداء «أقْرِضْ مِنْ عِرْضِك لِيَوْمِ فَقْرك» أَيْ مَنْ عابك وذمّك فلا تجازه، واجْعلْه قَرْضا فِي ذِمَّتِهِ لتَسْتوفيَه مِنْهُ يومَ حاجَتك فِي القِيامة.
(هـ) وَفِيهِ «لَيُّ الواجدِ يُحِلّ عُقُوبَتَه وعِرْضَه» أَيْ لِصاحِب الدَّيْن أَنْ يَذمّه ويَصِفَه بسُوءِ القَضَاء.
(هـ) وَفِيهِ «إِنَّ أَعْرَاضَكم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمة يومِكم هَذَا» هِيَ جمعُ العِرْض المذْكُور أَوَّلًا عَلَى اختِلاف القَولِ فِيهِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ صفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ «إِنَّمَا هُوَ عَرَقٌ يَجْرِي مِنْ أَعْرَاضِهم مِثْل المِسْكِ» أَيْ مِنْ مَعَاطِف أبْدَانهم، وَهِيَ المَوَاضِع الَّتِي تَعْرَق مِنَ الجَسَد.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سلَمة لِعَائِشَةَ «غَضُّ الأطْراف وخَفَرُ الأَعْرَاض» أَيْ إِنَّهُنَّ للخَفَر والصَّون يتَسَتَّرُن. ويُروى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ: أَيْ يُعْرِضْنَ عَمَّا كُرِه لهُنَّ أَنْ يَنْظُرن إِلَيْهِ وَلَا يَلْتَفِتْن نَحْوَه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ للحُطَيئة «فانْدَفَعْتَ تُغَنِّي بأَعْرَاض المُسلِمين» أَيْ تُغَنِّي بذمِّهم وذَمِّ أسْلافِهم فِي شِعْرِك.
(3/209)

وَفِيهِ «عُرِضَتْ عَليَّ الجنَّةُ والنَّارُ آنِفاً فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ» العُرْض بِالضَّمِّ: الجَانبُ والناحيَة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَإِذَا عُرْضُ وجْهِه مُنْسَحٍ» أَيْ جَانِبُه.
[هـ] وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «فقدَّمْتُ إِلَيْهِ الشَّرَابَ فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ فَقَالَ: اضْربْ بِهِ عُرْض الحَائط» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «اذهَبْ بِهَا فاخْلِطْها ثُمَّ ائْتِنا بِهَا مِنْ عُرْضِها» أَيْ مِن جَانِبها.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الحَنفيِّة «كُلِ الْجُبْنَ عُرْضاً» أَيِ اشْتَره ممَّن وجَدْته وَلَا تَسْأل عمَّن عَمِله مِنْ مُسْلم أَوْ غَيره» مأخُوذٌ مِنْ عُرْضِ الشَّيْءِ، وَهُوَ ناحِيتُه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجِّ «فَأَتَى جَمْرَةَ الْوَادِي فاسْتَعْرَضَها» أَيْ أَتَاهَا مِنْ جانِبها عَرْضاً.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «سَأَلَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِ يَكْرِبَ عَنْ عُلَةَ بْنِ جَلْدٍ فَقَالَ: أولئكَ فوارسُ أَعْرَاضِنا، وشِفَاء أمْرَاضِنا» الأَعْرَاض: جمعُ عُرْض، وَهُوَ النَّاحية: أَيْ يَحْمُون نواحِيَنَا وجِهَاتِنا عَنْ تَخَطُّفِ العَدُوّ، أَوْ جَمْعُ عَرْض، وَهُوَ الجيشُ، أَوْ جَمْعُ عِرْض: أَيْ يَصُونون ببَلائِهم «1» أَعْرَاضِنا أَنْ تُذَمَّ وتُعابَ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيّ بْنِ حَاتم. إنَّ وِسَادَك لَعَرِيصٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «إِنَّكَ لعَرِيض القَفَا» َكَنى بالوِسَاد عَنِ النَّوْم، لِأَنَّ النَّائِم يتوسَّدُ: أَيْ إنَّ نومَك لَطَوِيلٌ كثيرٌ.
وَقِيلَ: كَنَى بالوِسَاد عَنْ مَوضِع الوَسَاد مِنْ رَأْسِه وعُنُقه، ويشْهدُ لَهُ الرِّوَايَةُ الثَّانية، فإنَّ عِرَضَ القَفَا كِنايةٌ عَنِ السَّمَن.
وَقِيلَ: أَرَادَ مَن أكَل مَعَ الصُّبح فِي صَوْمه أصْبَح عَرِيض القَفَا، لأنَّ الصَّوم لَا يُؤَثر فِيهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُحد «قَالَ للمُنهَزِمين: لَقَدْ ذَهَبْتم فِيهَا عَرِيضَة» أَيْ واسِعَة.
__________
(1) في بعض النسخ «ببلادكم» أفاده مصحح الأصل.
(3/210)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَئِنْ أقْصَرْتَ الخُطْبة لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ» أَيْ جِئْتَ بِالْخُطْبَةِ قَصِيرَةً، وَبِالْمَسْأَلَةِ واسعة كثيرة.
(هـ) وفيه «لكم في الوَظِيفَة الفَرِيضَةُ، ولَكُم العَارِض» العَارِض: المَرِيضَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتي أَصَابها كَسْر، يُقَالُ: عَرَضَتِ النَّاقَةُ إِذَا أصَابَها آفَةٌ أَوْ كَسْر: أَيْ إِنَّا لا نأخذ ذات العيب فنصرّ بالصَّدَقة.
يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ أكَّالُون للعَوَارِض، إِذَا لَمْ يَنْحَروا إلاَّ مَا عَرَضَ لَهُ مَرَض أَوْ كَسْر، خَوْفاً أَنْ يَمُوت فَلَا يَنْتَفِعُون بِهِ، والعَرَب تُعَيِّر بأكْلِه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَتادة في ماشية اليتيم «تصيب مِنْ رِسْلِها وعَوَارِضِها» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ بَعَث بَدَنةً مَعَ رجُل، فَقَالَ: إِنْ عُرِضَ لَهَا فانْحَرها» أَيْ إِنْ أصَابَها مَرَض أَوْ كَسْر.
(س) وَحَدِيثُ خَدِيجَةَ «أَخَافَ أنْ يَكُونَ عُرِضَ لَهُ» أَيْ عَرَضَ لَهُ الجِنّ، أَوْ أصَابَه مِنْهُمْ مَسٌّ.
(س) وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبير وَزَوْجَتِهِ «فاعْتُرِضَ عَنْهَا» أَيْ أصَابَه عَارِض مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مَنَعه عَنْ إتْيانها.
(س) وَفِيهِ «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا اعْتِرَاض» هُوَ أَنْ يَعْتَرِضَ رجُلٌ بفرَسه فِي السِّباق فَيَدْخُلَ مَعَ الخَيل.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ سُرَاقة «أَنَّهُ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ الفَرَس» أَيِ اعْتَرَضَ به الطَّريقَ يمنَعُهُما مِنَ المَسِير.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «كُنْتُ مَعَ خَليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوة، إِذَا رَجُل يُقَرّبُ فَرَسا فِي عِرَاض القَوم» أَيْ يَسِيرُ حِذَاءهم مُعَارِضا لَهُمْ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ ذَكَر عُمر فأخَذَ الحُسينُ فِي عِرَاضِ كَلامِه» أَيْ فِي مثْل قَوْله ومُقَابِله.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارَضَ جَنَازة أبِي طَالِبٍ» أَيْ أَتَاهَا مُعْتَرِضاً مِنْ بَعْضِ الطَّريق وَلَمْ يَتْبَعه مِنْ مَنزِله.
(3/211)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُعَارِضُه القُرآن فِي كُلِّ سَنةٍ مَرَّة، وأَنه عَارَضَه الْعَامَ مَرَّتَين» أَيْ كَان يُدَارِسُه جميعَ مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ، مِن المُعَارَضَة: المُقابلة.
وَمِنْهُ «عَارَضْتُ الكِتَابَ بِالْكِتَابِ» أَيْ قَابَلْته بِهِ.
(هـ) وَفِيهِ «إِنَّ فِي المَعَارِيض لَمنْدُوحةً عَنِ الكَذِب» المَعَارِيض: جمعُ مِعْرَاض، مِنَ التَّعْرِيض، وَهُوَ خِلافُ التَّصْرِيح مِنَ القَولِ. يُقَالُ: عَرَفْت ذَلِكَ فِي مِعْرَاض كَلَامِهِ ومِعْرَض كلامِه، بحَذْفِ الْأَلِفِ، أَخرَجه أَبُو عُبَيْدٍ وغيرُه مِنْ حَدِيثِ عِمْرَان بْنِ حُصَين «1» وَهُوَ حَدِيثٌ مرفوعٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَمَا فِي المَعَارِيض مَا يُغْنِي المُسْلم عَنِ الكَذب؟» وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَا أحِبُّ بمَعَارِيض الْكَلَامِ حُمْرَ النَّعَم» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَن عَرَّضَ عَرَّضْنَا لَهُ- أَيْ مَنْ عَرَّضَ بالقَذْفِ عَرَّضْنَا لَهُ بتأدِيب لَا يَبلُغُ الحدَّ- ومَن صرَّح بالقذْف حَدَدْناه» .
(س) وَفِيهِ «مِنْ سَعادةِ المرءِ خِفَّةُ عَارِضَيْهِ» العَارِض مِنَ اللِّحْيَةِ: مَا يَنْبُت عَلَى عُرْض اللحْىِ فوقَ الذَّقَن.
وَقِيلَ: عَارِضَا الإنْسَانِ: صَفْحَتا خَدّيه. وخِفّتُهما كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى وحَرَكتِهما بِهِ.
كَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ [قَالَ] «2» ابْنُ السِّكِّيت: فلانٌ خَفيفُ الشَّفَة إِذَا كَانَ قَليلَ السُّؤالِ للنَّاس.
وَقِيلَ: أرادَ بخِفَّة العَارِضَيْن خِفَّةَ اللّحْية، وَمَا أَرَاهُ مُناسِباً.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ بَعث أمَّ سُلَيم لتنْظُر امْرَأةً، فَقَالَ: شَمِّي عَوَارِضَها» العَوَارِض:
الأسْنانُ الَّتِي فِي عُرْض الفَمِ، وَهِيَ مَا بَيْن الثَّنايا والأضْراس، واحدُها عَارِض، أمرَهَا بِذَلِكَ لِتَبُور بِهِ نَكْهَتَها.
وَفِي قَصِيدِ كعب:
__________
(1) وكذلك فعل الهروى.
(2) من اواللسان.
(3/212)

تَجْلُو عَوَارِض ذِي ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَت يَعْنِي تَكْشِفُ عَنْ أسْنَانِها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ وَذِكْرِ سِيَاسَته فَقَالَ: «وأضْرِبُ العَرُوض» وَهُوَ بِالْفَتْحِ من الإبِلِ الَّذِي يأخُذُ يَمِينًا وشِمَالاً وَلَا يَلْزَمُ المَحَجَّة. يَقُولُ: أضْرِبُه حَتَّى يَعُود إِلَى الطَّريق. جَعَلَهُ مَثلا لحُسْن سِيَاسَتِه للأُمَّة «1» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ذِي البِجَادَين يُخاطبُ ناقةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
تَعَرَّضِي مَدَارِجًا وسُومِي ... تَعَرُّض الجَوْزَاءِ للنُّجُومِ
أَيْ خُذِي يَمْنَة ويَسْرة، وتَنكَّبي الثَّنَايَا الغلاَظ. وشبَّهها بالجوزَاء لِأَنَّهَا تَمُرُّ مُعْتَرضةً فِي السَّماء، لأنَّها غَيْرُ مُسْتَقِيمة الْكَوَاكِبُ فِي الصُّورة.
وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبٍ:
مَدْخُوسَةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَن عُرُضٍ «2»
أَيْ أَنَّهَا تَعْتَرِض فِي مَرْتَعِها.
وَفِي حَدِيثِ قَوْمِ عَادٍ «قالُوا: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا»
العَارِض: السَّحاب الَّذِي يَعْتَرِض فِي أفُق السَّمَاءِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فأخَذَ فِي عَرُوض آخَرَ» أَيْ فِي طَريق آخَرَ مِنَ الْكَلَامِ.
والعَرُوض: طَرِيقٌ فِي عُرْض الجبَل، والمَكان الذي يُعَارِضك إذا سِرْت.
__________
(1) في الأصل: «سياسته الأمة» وفى ا: «سياسته الأمة» والمثبت من الهروي واللسان.
(2) الرواية في شرح ديوانه، ص 12: عَيْرانةٌ قُذِفَتْ في اللحم عن عرض ويلاحظ أن ابن الأثير لم يذكره في مادة «دخس» على عادته، بل ذكره في مادة «عير» . قال صاحب القاموس: الدَّخِيس: اللحم المكتنز الكثير. والدَّخْس، بالفتح: الإنسان التارُّ المكتنز.
(3/213)

(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ «فأمَرَ أنْ يُؤْذِنُوا أهْل العَرُوض» أرَادَ مَن بأكْنافِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. يُقَالُ لمكَّة وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ: العَرُوض، وَيُقَالُ للرَّساتيق بِأَرْضِ الْحِجَازِ: الأَعْرَاض، واحِدُها: عِرْض، بِالْكَسْرِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ «أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى بَلغ العُرَيض» هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ مصَغَّر:
وادٍ بِالْمَدِينَةِ بِهِ أمْوالٌ لأهْلِها.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «سَاقَ خَلِيجًا مِنَ العُرَيْض» .
(س) وَفِيهِ «ثَلاثٌ فيهنَّ البركةُ، منْهُن البَيعُ إِلَى أجَل، والمُعَارَضة» أَيْ بَيعُ العَرْض بالعَرْض، وَهُوَ بالسُّكون: المَتاعُ بِالْمَتَاعِ لَا نَقْد فِيهِ. يُقَالُ: أخَذْتُ هَذِهِ السِّلعة عَرْضا إِذَا أعْطيتَ فِي مُقابَلتِها سِلْعَة أُخْرَى.
(هـ) وَفِيهِ «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثرة العَرَض، إنَّما الغِنَى غِنَى النَّفس» العَرَض بِالتَّحْرِيكِ:
مَتاعُ الدُّنْيَا وحُطامُها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الدُّنيا عَرَضٌ حاضِرٌ يأكلُ مِنْهُ البَرُّ والفَاجرُ» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي كِتَابِهِ لِأَقْوَالِ شَبْوَةَ «1» «مَا كانَ لَهُمْ مِنْ مِلْكٍ وعرمان ومزاهر وعُرْضَان عِرْضَان» العُرْضَان العِرْضَان «2» : جمعُ العَرِيض، وَهُوَ الَّذِي أتَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَزِ سِنَةٌ، وَتَنَاوَلَ الشَّجَرَ وَالنَّبْتَ بعُرْض شِدْقه، وَهُوَ عندَ أَهْلِ الْحِجَازِ خاصَّةً الخِصِيّ مِنْهَا، ويجوزُ أَنْ يكونَ جمعَ العِرْض، وَهُوَ الوادِي الكَثير الشَّجَر وَالنَّخْلِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَنَّهُ حَكَمَ فِي صَاحِبِ الغَنَم أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ رِسْلِها وعِرْضَانِها» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فتَلَقَّتْه امرأةٌ مَعَهَا عَرِيضَان أهْدَتْهما لَه» وَيُقَالُ لِوَاحِدِهَا: عَرُوض أَيْضًا، وَلَا يَكُونُ إِلَّا ذَكرا.
__________
(1) في الهروي: «شَنُوءة» .
(2) العُرْضان، بالكسر والضم. كما في القاموس.
(3/214)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَديٍّ «إنِّي أرْمي بالمِعْرَاض فيَخْزِقُ» المِعْرَاض بِالْكَسْرِ: سَهمٌ بِلَا ريشٍ وَلَا نَصْل، وَإِنَّمَا يُصِيب بعَرْضه دُون حدِّه.
[هـ] وَفِيهِ «خَمِّرُوا آنيَتكم وَلَوْ بعودٍ تَعْرِضُونَه عَلَيْهِ» أَيْ تَضعونه عَلَيْهِ بالعَرْض.
(س) وَفِي حَدِيثِ حُذَيفة «تُعْرَض الفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ» أَيْ تُوضَع عَلَيْهَا وتُبْسَط كَمَا يُبْسَط الحَصِير. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ عَرْض الْجُنْد بَيْنَ يَدَيِ السُّلطان لإظْهارهِم واخْتِبارِ أحْوالهم.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ عَنْ أُسَيْفع جُهَينة «فَادَّانَ مُعْرِضا» يُرِيدُ بالمُعْرِض المُعْتَرِض: أَيِ اعْتَرَضَ لِكُلِّ مَنْ يُقْرِضُه. يُقَالُ: عَرَضَ لِيَ الشَّيْءُ، وأَعْرَضَ، وتَعَرَّضَ، واعْتَرَضَ بِمَعْنًى.
وَقِيلَ: أرَادَ أنَّه إِذَا قِيلَ لَهُ: لَا تَسْتَدِن، فَلَا يَقْبل، مِن أَعْرَضَ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا وَلاَّه ظَهْرَه.
وَقِيلَ: أرَادَ مُعْرِضا عَنِ الْأَدَاءِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ رَكْباً مِنْ تُجَّار الْمُسْلِمِينَ عَرَّضُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيابا بِيضًا» أَيْ أهْدَوْا لَهُما. يُقَالُ: عَرَضْتُ الرجُل إِذَا أهْديتَ لَهُ. وَمِنْهُ العُرَاضَة، وَهِيَ هَدِيّة القَادِم مِنْ سَفَره.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاذٍ «وَقَالَتْ لَهُ امْرَأته، وَقَدْ رَجَع مِنْ عَمَله: أَيْنَ مَا جِئت بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ العُمَّال مِنْ عُرَاضَة أهْلِهم؟» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَأَضْيَافِهِ «قَدْ عُرِضُوا فأبَوْا» هُوَ بتَخْفيف الرَّاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسمَّ فاعِله، ومعنَاه: أُطْعِمُوا وقُدِّم لَهُمُ الطَّعام.
(هـ) وَفِيهِ «فاسْتَعْرضهم الخَوارِجُ» أَيْ قَتَلُوهم مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أمكنَهم وَلَا يُبَالون مَنْ قَتَلوا.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَتأثَّم مِن قَتْل الحَرُورِيّ المُسْتَعْرِض» هُوَ الَّذِي يَعْتَرِض النَّاسَ يقتُلُهم.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «تَدعون أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُعْرَضٌ لَكُمْ» هَكَذَا رُوِيَ
(3/215)

بِالْفَتْحِ. قَالَ الْحَرْبِيُّ: الصَّوَابُ بِالْكَسْرِ. يُقَالُ: أَعْرَضَ الشيءُ يُعْرِضُ مِنْ بَعِيد إِذَا ظَهَرَ: أَيْ تدعُونه وَهُوَ ظاهرٌ لَكُمْ! (س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «أَنَّهُ رَأَى رجُلا فِيهِ اعْتِرَاض» هُوَ الظُّهُور والدُّخُول فِي الْبَاطِلِ والامْتِنَاع مِنَ الْحَقِّ. واعْتَرَضَ فلانٌ الشيءَ تكلَّفه.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ «قَالَ للزِّبْرِقان إِنَّهُ شَدِيدُ العَارِضَة» أَيْ شَدِيدُ النَّاحِيَةِ ذُو جَلَد وصرامةٍ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ رُفِع لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارِضُ الْيَمَامَةِ» هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ.
وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ.
عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مَجْهولُ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ عُرْضَة لِلسَّفَرِ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَيْهِ. وجَعلْتُه عُرْضَة لِكَذَا: أَيْ نَصَبته لَهُ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ الْحَجَّاجَ كانَ عَلَى العُرْضِ وَعِنْدَهُ ابنُ عُمَرَ» كَذَا رُوي بِالضَّمِ. قَالَ الحَرْبي:
أظنُّه أرادَ العُرُوض: جَمْع العُرْض، وَهُوَ الجيشُ.

(عَرْطَبَ)
(هـ) فِيهِ «إِنَّ اللَّهَ يغْفِر لكُلّ مُذْنب إِلَّا صَاحِبَ عَرْطَبَة أَوْ كُوبة» العَرْطَبَة بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: العُود. وَقِيلَ الطُّنْبُور.

(عَرْعَرَ)
فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر «والعَدُوّ بعُرْعُرَةِ الجبَل» عُرْعُرَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِالضَّمِّ:
رأسُه وأعْلاه.

(عَرَفَ)
قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «المَعْرُوف» فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ اسْمٌ جامعٌ لكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ والإحْسَان إِلَى النَّاس، وكُلّ مَا ندَب إِلَيْهِ الشَّرع ونَهى عَنْهُ مِنَ المُحَسِّنات والمُقَبِّحات، وَهُوَ مِنَ الصِّفات الغَالبة: أَيْ أمْرٌ مَعْرُوف بينَ النَّاس إذَا رَأوْه لَا يُنكرُونه.
والمَعْرُوف: النَّصَفَة وحُسْن الصُّحبة مَعَ الأهْل وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ. والمُنكَر: ضِدُّ ذَلِكَ جَمِيعه.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أهْل المَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» أَيْ مَنْ بَذَل مَعْرُوفَه لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا آتَاهُ اللَّهُ جَزَاء مَعْرُوفه فِي الْآخِرَةِ.
(3/216)

وَقِيلَ: أَرَادَ مَنْ بَذَل جَاهَه لِأَصْحَابِ الجَرَائم الَّتِي لَا تَبْلغ الحُدود فيَشْفَع فِيهِمْ شَفَّعه اللَّهُ فِي أهْل التَّوْحيد فِي الْآخِرَةِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَاهُ قَالَ: يَأْتِي أصحابُ المَعْرُوف فِي الدُّنْيَا يومَ الْقِيَامَةِ فيُغْفر لَهُمْ بمَعْرُوفِهِم، وتَبْقَى حَسَناتهُم جَامَّةً فيُعْطُونها لمَن زَادَت سيّآتُهُ عَلَى حَسَناته فيُغْفَر لَهُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فيجتَمع لَهُمُ الإحْسان إِلَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَفِيهِ أَنَّهُ قَرَأ فِي الصَّلَاةِ «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً»
يَعْنِي الملائكةَ أُرْسِلوا للمَعْرُوف والإحْسَان.
والعُرْف: ضدُّ النُّكْر. وَقِيلَ: أرَادَ أنَّها أرْسِلَتْ مُتَتَابعةً كعُرْفِ الفَرَس.
(س) وَفِيهِ «مَنْ فَعَل كَذَا وَكَذَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ» أَيْ رِيحَها الطَّيِّبة.
والعَرْف: الرِّيحُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «حَبَّذا أرضُ الكُوفةِ، أرْض سَوَاءٌ سَهْلةٌ مَعْرُوفَة» أَيْ طيِّبة العَرْف. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخاءِ يَعْرِفْك فِي الشِّدة» أَيِ اجْعَله يَعْرِفْك بطاعَتِه والعَمل فِيمَا أوْلاكَ مِنْ نِعْمَته، فَإِنَّهُ يُجَازِيك عِنْدَ الشِّدة والحاجةِ إِلَيْهِ فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُون ربَّكم؟ فَيَقُولُونَ: إِذَا اعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاه» أَيْ إِذَا وصَفَ نَفْسَه بِصَفَةٍ نُحَقِّقهُ بِهَا عَرَفْنَاه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي تَعْرِيف الضالَّة «فَإِنْ جاءَ مَن يَعْتَرِفُها» يُقَالُ: عَرَّفَ فلانٌ الضالَّة: أَيْ ذكَرَها وَطَلَبَ مَنْ يَعْرِفُها، فَجَاءَ رَجُل يَعْتَرِفُها: أَيْ يَصِفُها بصِفَة يُعْلِم أَنَّهُ صَاحِبها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: «أطْرَدْنا المُعْتَرِفِين» هُمُ الَّذِينَ يُقِرُّون عَلَى أنْفُسهم بِمَا يَجب عَلَيْهِمْ فِيهِ الحَدّ أَوِ التَّعزير. يُقَالُ: أطرَدَه السُّلطان وطّرَّده إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ بَلَدِهِ، وطَرَدَه إِذَا أَبْعَدَهُ.
(3/217)

ويُرْوى «اطرُدُوا المُعْتَرِفِين» كَأَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ ذَلِكَ وأحَبَّ أَنْ يَسْتُرُوه عَلَى أنفسِهم.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَوْف بْنِ مَالِكٍ «لتَرُدَّنه أوْ لأُعَرِّفَنَّكَها عِنْدَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ لأجَازِينَّك بِهَا حَتَّى تَعْرِفَ سُوءَ صَنِيعك. وَهِيَ كَلمةٌ تقالُ عِنْدَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ.
(س) وَفِيهِ «العِرَافَة حقٌّ، والعُرَفَاء فِي النَّارِ» العُرَفَاء: جَمْعُ عَرِيف، وَهُوَ القَيّم بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الجَمَاعَةِ مِنَ النَّاسِ يَلِي أُمُورَهُم ويَتَعَرَّف الأميرُ مِنْهُ أحوالَهم، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
والعِرَافَة: عملُه.
وَقَوْلُهُ «العِرَافَة حَقٌّ» أَيْ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ ورِفقٌ فِي أُمُورِهِمْ وأحوالِهم.
وَقَوْلُهُ «العُرَفَاء فِي النَّارِ» تَحْذِير مِنَ التَّعرُّض لِلرِّيَاسَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الفِتْنَة، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِحقّه أثِم واسْتحق العُقُوبة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ طَاوُسٍ «أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عبَّاس: مَا مَعْنَى قَوْل النَّاسِ: أَهْلُ الْقُرْآنِ عُرَفَاء أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: رُؤسَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مُفردا وَمَجْمُوعًا وَمَصْدَرًا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» وَذَلِكَ بَعْدَ المُعَرَّف» يُريد بِهِ بَعْدَ الوُقُوفِ بعَرَفَة، وَهُوَ التَّعْرِيف أَيْضًا. والمُعَرَّف فِي الأصْل: موضعُ التَّعْرِيف، ويكونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ.
(هـ) وَفِيهِ «مَن أتَى عَرَّافا أَوْ كَاهِناً» أَرَادَ بالعَرَّاف: المُنَجِّم أَوِ الحازِيَ الَّذِي يدَّعي عِلْمَ الغَيب، وَقَدِ اسْتأثر اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جُبَير «مَا أَكَلْتُ لَحْمًا أَطْيبَ مِنْ مَعْرِفَة البِرْذَونِ» أَيْ مَنْبِت عُرْفِه مِنْ رَقَبَته.
(س) وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجَرَةَ «جَاءُوا كَأَنَّهُمْ عُرْفٌ» أَيْ يَتْبَعُ بعضُهم بَعْضًا.

(عَرْفَجَ)
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ «خَرَجَ كأنَّ لِحْيَته ضِرَامُ عَرْفَج» العَرْفَج:
شجَرٌ معروفٌ صغيرٌ سريعُ الاشْتِعال بِالنَّارِ، وَهُوَ مِنْ نَبَات الصَّيف.

(عَرْفَطَ)
(هـ) فِيهِ «جَرسَتْ نَحلُه العُرْفُط» العُرْفُط بِالضَّمِّ: شجَرُ الطَّلْح، وَلَهُ صَمْغٌ كريهُ الرَّائحة، فَإِذَا أكَلتْه النَّحلُ حصَل فِي عَسَلِهَا مِنْ ريحه.
(3/218)

(عَرَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الْمَظَاهِرِ «أَنَّهُ أُتِي بعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ» هُوَ زَبِيلٌ مَنْسوج مِنْ نَسَائج الخُوص، وَكُلُّ شَيْءٍ مَضْفُور فَهُوَ عَرَقٌ وعَرَقَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِيهِمَا. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ إحْياء المَوَات «وَلَيْسَ لعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ» هُوَ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إِلَى أرْضٍ قَدْ أحْياهَا رجلٌ قَبْلَهُ فيَغْرِسَ فِيهَا غَرْسا غَصْباً لِيسْتَوجبَ بِهِ الأرضَ.
وَالرِّوَايَةُ «لعِرْقٍ» بالتنْوين، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ لِذِي عِرْقٍ ظالمٍ، فجَعَلَ العِرْقَ نفسَه ظَالِمًا والحقَّ لصاحبِه، أَوْ يَكُونُ الظَّالم مِنْ صِفَةِ صاحِب العِرْق، وَإِنْ رُوي «عِرْقِ» بِالْإِضَافَةِ فيكونُ الظالمُ صاحبَ العِرْق، والحقُّ للعِرْق، وَهُوَ أحدُ عُرُوق الشَّجَرَةِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عِكْرَاش «أَنَّهُ قَدم عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإِبلٍ مِنْ صَدَقات قَوْمِهِ كأنَّها عُرُوق الأَرْطَى» هُوَ شَجَرٌ معروفٌ واحدتُه: أَرْطَاة، وعُرُوقُه طِوَالٌ حُمْرٌ ذَاهِبة فِي ثَرى الرِّمَالِ الممطُورَة فِي الشِّتاء، تَراها إِذَا أُثِيرَت حُمْراً مكتَنِزة تَرِفُّ يقْطُر مِنْهَا المَاءُ، شبَّه بِهَا الإبلَ فِي اكْتِنازِها وحُمْرة ألْوَانها.
(س) وَفِيهِ «إنَّ ماءَ الرَّجُلِ يَجْرِي مِنَ المَرْأة إِذَا وَاقَعَها فِي كُلِّ عِرْقٍ وعَصَب» العِرْق مِنَ الحَيَوان: الأجْوفُ الَّذِي يكونُ فِيهِ الدَّمُ، والعَصَب: غَيْرُ الأجْوف.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ وقَّتَ لأهْل العِرَاق ذاتَ عِرْق» هُوَ منزلٌ مَعْرُوف مِنْ مَنَازِلِ الْحَاجِّ.
يُحْرِم أهْلُ العِرَاق بالحجِّ مِنْهُ، سُمِّي بِهِ لأنَّ فِيهِ عِرْقا، وَهُوَ الجَبَل الصَّغِيرُ. وَقِيلَ: العِرْق مِنَ الْأَرْضِ سَبَخَةٌ تُنْبتُ الطَّرْفاء.
والعِرَاق فِي اللُّغَةِ: شَاطِئُ النَّهر وَالْبَحْرِ، وَبِهِ سُمي الصُّقع، لِأَنَّهُ عَلَى شَاطِئِ الفُرَات ودِجْلَة.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «خَرجُوا يَقُودُون بِهِ حَتَّى لمَّا كَانَ عِنْد العِرْق مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي دُون الخَنْدَق نَكَّبَ» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُصلِّي إِلَى العِرْق الَّذِي فِي طَرِيق مَكَّةَ» .
(3/219)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أنَّ امْرَأَ لَيْسَ بينَه وبينَ آدمَ أبٌ حيٌّ لَمُعْرَقٌ لَهُ فِي الْمَوْتِ» أَيْ أنَّ لَهُ فِيهِ عِرْقا وأنَّه أصيلٌ فِي الْمَوْتِ.
ومنه حديث قُتَيلة أخت النضر بن الحارث.
والفَحْلُ فحلٌ مُعْرِق أَيْ عَرِيق النَّسَب أصيلٌ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ تَناول عَرْقاً ثُمَّ صلَّى وَلَمْ يَتَوضأ» العَرْق بِالسُّكُونِ: العَظْم إِذَا أُخذ عَنْهُ مُعْظَم اللَّحم، وجمعُه: عُرَاق، وَهُوَ جمعٌ نَادِرٌ، يُقَالُ: عَرَقْتُ العظْمَ، واعْتَرَقْتُه، وتَعَرَّقْتُه إِذَا أخَذْتَ عَنْهُ اللَّحْمَ بأسْنَانك.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَوْ وَجَد أحدُهم عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مَرْمَاتين» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ الْأَطْعِمَةِ «فَصَارَتْ عَرْقَة» يَعْنِي أنَّ أضْلاعَ السِّلْق قَامت فِي الطَّبخ مقَام قِطَع اللَّحم، هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. وَفِي أُخْرَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ، يريدُ المَرَق مِنَ الغَرْف.
(هـ) وَفِيهِ «قَالَ ابْنُ الْأَكْوَعِ: فخرَجَ رَجُلٌ عَلَى ناقَةٍ ورْقَاءَ وَأَنَا عَلَى رجْلي «1» فأعْتَرِقُها حَتَّى آخذَ بخِطَامها» يُقَالُ: عَرَقَ فِي الْأَرْضِ إِذَا ذَهَب فِيهَا، وجَرَت الخيلُ عَرَقاً: أَيْ طَلَقاً. وَيُرْوَى بِالْغَيْنِ وسيَجيء.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «جَشِمْت»
إِلَيْكَ عَرَق القِرْبة» أَيْ تَكَلَّفْتُ إِلَيْكَ وتَعِبْت حَتَّى عَرِقْتُ كعَرَقِ القِرْبَةِ، وعَرَقُها: سَيَلانُ مائِها.
وَقِيلَ: أَرَادَ بعَرَقِ القِرْبة عَرَق حَامِلِها مِنْ ثِقَلها.
وَقِيلَ: أَرَادَ إِنِّي قَصَدتك وسَافَرت إِلَيْكَ واحتَجْت إِلَى عَرَقِ القِرْبة وهو ماؤُها.
__________
(1) في الأصل واللسان: «وأنا على رَحْلِي فاعْتَرَقَها حتى أخَذَ بخطامها» . وهو خطأ صوابه من اوالهروى، ومما يأتي في مادة «غرق» . غير أن رواية الهروي: «وأنا على رِجْلَيَّ فاعْتَرقْتُها حتى آخذ بخطامها» .
(2) في الهروي: «تجشَّمْت» .
(3/220)

وَقِيلَ: أَرَادَ تكلَّفتُ لكَ مَا لَمْ يَبْلغه أحَدٌ وَمَا لَا يَكُونُ، لأنَّ القِرْبة لَا تَعْرَق.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: عَرَقَ الْقِرْبَةِ مَعْنَاهُ الشِّدَّة، وَلَا أدْرِي مَا أصْلُه.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدردَّاء «أَنَّهُ رَأى فِي الْمَسْجِدِ عَرَقَةً فَقَالَ: غَطُّوها عنَّا» قَالَ الْحَرْبِيُّ:
أظنُّها خَشَبة فِيهَا صُورَةٌ.
وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْر «أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ وَهُوَ يَمْشِي فِي رِكَابِهِ: تَعَرَّقْ فِي ظِلِّ ناقتِي» أَيِ امْشِ فِي ظلِّها وانْتفع بِهِ قَليلاً قَليلاً.
(س [هـ] ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «قَالَ لِسَلْمَان: أَيْنَ تَأْخُذُ إِذَا صَدَرْت، أَعْلَى المُعَرِّقَة، أَمْ عَلَى الْمَدِينَةِ؟» هَكَذَا رُوي مُشدَّداً. والصَّوابُ التَّخْفِيفُ «1» ، وَهِيَ طَريقٌ كَانَتْ قُرَيش تَسْلُكها إِذَا سَارَتْ إِلَى الشَّام تأخُذُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَفِيهَا سَلكت عِير قُرَيش حِينَ كَانَتْ وَقْعَة بَدْرٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ «أَنَّهُ كَرِهَ العُرُوق للمُحْرِم» العُرُوق: نَباتٌ أصْفَرُ طَيبُ الرِّيح والطَّعْم يُعْمَل فِي الطَّعَام. وَقِيلَ: هُوَ جمعٌ واحدُه عِرْق.
(س) وَفِيهِ «رأيتُ كأنَّ دَلْواً دُلِّيَ مِنَ السَّماءِ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بعَرَاقِيها فشَرِب» العَرَاقِي:
جمعُ عَرْقُوَة الدَّلو، وَهُوَ الْخَشَبَةُ المَعْرُوضَة عَلَى فَمِ الدَّلْو، وَهُما عَرْقُوَتَان كالصَّليب. وَقَدْ عَرْقَيْتُ الدَّلْو إِذَا ركَّبتَ العَرْقُوَة فِيهَا.

(عَرْقَبَ)
(س) فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ «كَانَ يَقُولُ للجزَّار: لَا تُعَرْقِبْها» أَيْ لَا تَقْطَعْ عُرْقُوبَها، وَهُوَ الوَتَرُ الَّذِي خَلْفَ الكَعْبَين بَيْنَ مَفْصِل القَدَم والسَّاق مِنْ ذَوات الأْرَبع، وَهُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ فُوَيْقَ العَقِب.
وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
كانَتْ مَوَاعيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلاَّ الأَباطيلُ
عُرْقُوب: هُوَ ابنُ مَعْبَدٍ، رجُلٌ مِنَ العَمَالقَة كَانَ وعَد رَجُلا ثمر نخْلَة، فجاءه حين أطْلَعَتْ
__________
(1) وهو رواية الهروي.
(3/221)

فَقَالَ: حَتَّى تَصِير بَلَحاً، فَلَمَّا أبْلَحت قَالَ: دَعها حَتَّى تَصير بُسْراً، فَلَمَّا أبْسَرَت قَالَ: دَعْها حَتَّى تَصير رُطَبا، فَلَمَّا أرْطَبَت قَالَ: دَعْها حَتَّى تَصير تَمْراً، فَلَمَّا أتْمَرت عَمَد إِلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ فجدَّها وَلَمْ يُعْطِه مِنْهَا شَيْئًا، فَصَارَتْ مَثَلًا فِي إخْلافِ الوعْدِ.

(عَرُكَ)
فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أصْدَقُ النَّاس لَهْجَةً وألْيَنُهُم عَرِيكةً» العَرِيكَة:
الطَّبيعَةُ. يُقَالُ: فُلان ليِّن العَرِيكَة، إِذَا كَانَ سَلِساً مُطَاوِعا مُنْقَاداً قَلِيلَ الخِلاف والنُّفُور.
وَفِي حَدِيثِ ذَمّ السُّوق «فَإِنَّهَا مَعْرَكَة الشَّيْطَانِ، وَبِهَا ينْصِبُ رايتَه» المَعْرَكَة والمُعْتَرَك:
مَوضِعُ الْقِتَالِ: أَيْ مَوْطِن الشَّيْطَانِ ومحلُّه الَّذِي يأوِي إِلَيْهِ وَيُكْثِرُ مِنْهُ، لِمَا يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحَرَام والكَذِب والرِّبا والغَصْب، وَلِذَلِكَ قَالَ: «وَبِهَا ينْصبُ رايَتَه» كِنَايَةً عَنْ قُوَّة طَمَعه فِي إغْوائِهم، لأنَّ الرَّايات فِي الحُرُوب لَا تُنْصَبُ إلاَّ مَعَ قُوَّةِ الطَّمَعِ فِي الغَلبة، وإلاَّ فَهِيَ مَعَ الْيَأْسِ تُحَطُّ وَلَا تُرْفَعُ.
(هـ) وَفِي كِتَابِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ «إنَّ عَلَيْكُمْ رُبْعَ مَا أخْرَجَت نخلُكم. ورُبْعَ مَا صادَت عُرُوكُكُم، وَرُبْعَ المِغْزَل» العُرُوك: جمعُ عَرَك بِالتَّحْرِيكِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَصِيدُونَ السَّمَكَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ العَرَكِيَّ سَأَلَهُ عَنِ الطُّهُور بِمَاءِ الْبَحْرِ» العَرَكِيُّ بِالتَّشْدِيدِ: واحدُ العَرَكِ، كعَرَبيٍّ وعَرَب.
وَفِيهِ «أَنَّهُ عاوَدَه كَذَا وَكَذَا عَرْكَة» أَيْ مرَّةً. يُقَالُ: لَقِيته عَرْكَة بَعْدَ عَرْكَة: أَيْ مرَّةً بَعْدَ أخْرَى.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تصِفُ أَبَاها «عُرَكَةٌ للأَذَاة بجَنْبه» أَيْ يَحْتَمِله. وَمِنْهُ عَرَكَ البعيرُ جَنْبه بمِرْفَقه إِذَا دَلَكَه فَأَثَّرَ فِيهِ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكْتُ» أَيْ حِضْتُ. عَرَكَتِ المرأةُ تَعْرُكُ عِرَاكاً فَهِيَ عَارِك.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ كَانَتْ مُحْرِمةً فذَكرَتِ العَرَاك قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الحديث.
(3/222)

(عَرُمَ)
(س) فِي حَدِيثِ عَاقِرِ النَّاقَةِ «فَانْبَعَثَ لَهَا رجُلٌ عَارِم» أَيْ خَبِيث شِرِّير. وَقَدْ عَرُمَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ. والعُرَام: الشِّدة والقُوّة والشَّرَاسَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «إنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: عَارَمْتُ غُلاماً بِمَكَّةَ فَعضَّ أُذُني فقَطَع مِنْهَا» أَيْ خاصمْتُ وفاتَنْتُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، واعْتِرَام مِنَ الفِتن» أَيِ اشْتِدَادٍ.
وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ «أَنَّهُ ضَحَّى بكبْشٍ أَعْرَم» هُوَ الأبْيَضُ الَّذِي فِيهِ نُقَطٌ سُودٌ.
والأُنْثَى عَرْمَاء.
(هـ) وَفِي كِتَابِ أقْوال شبْوَة «مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مِلْك وعُرْمَانٍ» العُرْمَان: المزَارِعُ، وَقِيلَ الأَكَرَةُ، الْوَاحِدُ: أَعْرَم. وَقِيلَ عَرِيم.

(عَرِنَ)
فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «أقْنَي العِرْنين» العِرْنين: الأنفُ. وَقِيلَ رَأسُه.
وجمعُه عَرَانِين.
وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبٍ:
شُمُّ العَرَانِين أبطالٌ لَبُوسهم وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «مِنْ عَرَانين أنُوفها» .
وَفِيهِ «اقْتُلوا مِنَ الكلاِب كلَّ أسْودَ بَهِيمٍ ذِي عُرْنَتَين» العُرْنَتَان: النُّكْتَتَان اللَّتَان يكونَان فوقَ عَين الكلْب.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ بعضَ الخلفَاءِ دُفِن بعَرِين مكَّة» أَيْ بِفِنَائها. وَكَانَ دُفن عِنْدَ بِئْر مَيْمُون.
والعَرِين فِي الأصْل: مأْوَى الأسَد، شُبِّهت بِهِ لعزِّها ومنعَتِها.
وَفِي حَدِيثِ الْحَجِّ: وارْتَفَعوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة» هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: موضعٌ عِنْدَ المَوْقِف بعرفات.

(عرجم)
فِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ قَضَى فِي الظُّفُر إِذَا اعْرَنْجَمَ بقَلُوصٍ» جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ إذا فسد.
(3/223)

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «وَلَا تُعْرف حَقيقته، وَلَمْ يثْبُت عِنْدَ «1» أهْل اللُّغَة سَمَاعا. وَالَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ الاجْتِهَادُ أَنْ يكونَ مَعْنَاهُ جَسَأ وغَلُظَ» وَذَكَرَ لَهُ أوجُهاً واشْتِقاقاتٍ بَعِيدَةً.
وَقِيلَ: إنَّه احْرَنْجَم بِالْحَاءِ: أَيْ تَقَبَّضَ، فَحَرَّفَهُ الرّوَاة.

(عَرَهَ)
(س) فِي حَدِيثِ عُروة بْنِ مَسْعُودٍ «قَالَ: وَاللَّهِ مَا كلَّمْت مَسْعُودَ بْنَ عَمْرو مُنْذ عَشْر سِنِينَ، والليلَةَ أُكَلِّمُهُ! فخَرج فنَادَاه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُرْوَةُ، فأقْبَلَ مسعودٌ وَهُوَ يقولُ: أطَرَقْتَ عَرَاهِيَه، أَمْ طَرَقْتَ بِدَاهيه؟» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا حرفٌ مُشْكل. وَقَدْ كَتَبْتُ فِيهِ إِلَى الْأَزْهَرِيِّ، وَكَانَ مِنْ جَوابه أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ فِي كَلَامِ العَرَب. وَالصَّوَابُ عِنْدَه «عَتَاهِيهْ» وَهِيَ الغَفْلَةُ والدّهَشُ: أَيْ أطرقْتَ غَفْلَةً بِلا رَوِيّةٍ، أَوْ دَهَشاً؟.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ لَاحَ لِي فِي هَذَا شَيءٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الكلِمةُ مُرَكَّبَةً مِنِ اسْمَين: ظاهرٍ ومَكْنِيٍّ وَأَبَدَلَ فِيهِمَا حرْفاً، وأصْلُها إمَّا مِنَ العَرَاء وَهُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَإِمَّا مِنَ العَرَا مقْصُوراً، وَهُوَ النَّاحِية، كَأَنَّهُ قَالَ: أطَرَقْتَ عَرَائي: أَيْ فِنائي زَائِرًا وَضيفاً، أَمْ أصَابَتْك دَاهِيةٌ فجئْتَ مسْتَغِيثاً، فالهاءُ الْأُولَى مِنْ عَرَاهِيَه مُبْدلةٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، وَالثَّانِيَةُ هاءُ السَّكْتِ زيدَت لبَيانِ الحَركةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «يَحتمل أَنْ تَكُونَ بِالزَّايِ، مَصْدَرُ عَزِه يعْزَه فَهُوَ عَزِهٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أرَبٌ فِي الطَّرْق. فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أطَرَقتَ بِلَا أربٍ وحاجَةٍ. أَمْ أصَابَتْك داهيةٌ أحوجَتْك إِلَى الاسْتغاثة» .

(عَرَا)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ رَخَصَّ فِي العَرِيَّة والعَرَايَا» قَدْ تَكَرَّرَ ذكْرُها فِي الْحَدِيثِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنِ المُزَابَنَة وهو بيع الثمر في رُؤُوس النَّخْل بِالتَّمْرِ رخَّص فِي جُمْلَةِ المُزَابنة فِي العَرَايَا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَا نَخْلَ لَهُ مِنْ ذَوي الحاجَة يدْرك الرُّطَبَ وَلَا نَقْدَ بِيَدِهِ يَشتري بِهِ الرُّطَب لِعياله، وَلَا نَخْلَ لَهُ يطعِمُهم مِنْهُ وَيَكُونُ قَدْ فَضَل لَهُ مِنْ قُوتِهِ تَمْرٌ، فيجيءُ إِلَى صاحِب النَّخْلِ فَيَقُولُ لَهُ: بِعْنِي ثَمَرَ نَخلةٍ أَوْ نَخلَتين بِخرْصِها مِنَ التَّمْرِ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الْفَاضِلَ مِنَ التَّمْرِ بِثَمَرِ تِلْكَ النَّخَلات ليُصِيب مِنْ رُطبها مَعَ النَّاسِ، فرَخَّصَ فِيهِ إِذَا كَانَ دُون خمسة أوْسُقٍ.
__________
(1) في الفائق 2/ 136: «عن» .
(3/224)

والعَرِيَّة: فَعيلة بِمَعْنَى مَفْعُولة، مِنْ عَرَاه يَعْرُوه إِذَا قصَده.
ويَحتَمِل أَنْ تَكُون فَعيلة بِمَعْنَى فَاعِلَة، مِنْ عَرِيَ يَعْرَى إِذَا خَلَع ثَوْبَهُ، كأنَّها عُرِّيَتْ مِنْ جُمْلة التَّحْريم فَعرِيَتْ: أَيْ خَرَجَتْ.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّما مَثَلي وَمَثَلُكم كمثلِ رجُلٍ أنْذَر قومَه جَيشاً فَقَالَ: أنَا النَّذِيرُ العُرْيَان» «1» خَصَّ العُرْيَان لِأَنَّهُ أبْيَنُ للعَينِ وأغْرَب وأشْنَع عِنْدَ المُبْصِر. وَذَلِكَ أنَّ ربيئَةَ الْقَوْمِ وعَيْنَهم يَكُونُ عَلَى مكانٍ عالٍ، فإذَا رَأَى العَدُوَّ قَدْ أَقْبَلَ نَزَع ثوبَهُ وأَلاَحَ بِهِ ليُنْذِر قومَه ويبقَى عُرْيَاناً.
(هـ) وَفِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَارِي الثَّديَيْن» وَيُرْوَى «الثُّنْدُوَتَين» أرادَ أَنَّهُ لَم يَكُن عَلَيْهِمَا شَعَرٌ. وَقِيلَ: أَرَادَ لَمْ يَكُن عَلَيهما لحمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ: أشْعَر الذِّرَاعَيْنِ والمَنْكِبَينِ وأعْلَى الصَّدْرِ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ أُتِيَ بفَرَس مُعْرَوْرٍ» أَيْ لَا سَرْجَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ. واعْرَوْرَى فَرسَه إِذَا ركِبَه عُرْياً، فَهُوَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، أَوْ يَكُونُ أُتِيَ بفَرَس مُعْرَوْرًى، عَلَى الْمَفْعُولِ. ويقالُ: فَرسٌ عُرْيٌ، وخيلٌ أَعْرَاء.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ رَكِب فَرَسًا عُرْياً لِأَبِي طَلْحَةَ» وَلَا يُقَالُ: رجُل عُرْيٌ، وَلَكِنْ عُرْيَان.
(س) وَفِيهِ «لَا يَنْظُر الرجُل إِلَى عِرْيَةِ الْمَرْأَةِ» هَكَذَا جَاءَ فِي بعضِ رِوايات مُسْلم «2» يُريدُ مَا يُعْرَى مِنْهَا ويَنْكَشِفُ. والمشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ «لَا يَنْظُر إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ» .
__________
(1) في الهروي: قال ابن السِّكِّيت: هو رجل من خَثْعَمَ حمل عليه يومّ ذي الخَلَصَة عوفُ بن عامر فقطع يده ويد امرأته.
(2) صحيحه في (باب تحريم النظر إلى العورات، من كتاب الحيض) وقال النووي في شرحه: «ضبطنا هذه اللفظة على ثلاثة أوجه: عِرْية، بكسر العين وإسكان الراء. وعُرْيَة، بضم العين وإسكان الراء. وعُرَيَّة، بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء. قال أهل اللغة: عرية الرجل، بضم العين وكسرها هي مُتجرِّده، والثالثة على التصغير» .
(3/225)

(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمة «كُنْتُ أرَى الرُّؤْيَا أَعْرَى مِنْهَا» أَيْ يُصِيبُنِي البَرْد والرِّعْدَة مِنَ الخَوف. يُقَالُ: عُرِيَ فَهُوَ مَعْرُوٌّ. والعُرَوَاء: الرِّعْدَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ كَانَ يُصِيبُه العُرَوَاء» وَهُوَ فِي الأصْلِ بَرْدُ الحُمَّى.
(س) وَفِيهِ «فكَره أَنْ يُعْرُوا الْمَدِينَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنْ تَعْرَى» أَيْ تَخْلُوَ وَتَصِيرَ عَرَاء وَهُوَ الفَضَاء مِنَ الأرضِ، وتَصير دُورُهم فِي العَرَاء.
(س) وَفِيهِ «كَانَتْ فَدَكُ لحِقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي تَعْرُوه» أَيْ تَغشاه وتَنْتَابُه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «مَا لَكَ لَا تَعْتَرِيهم وتُصِيبُ مِنْهُمْ» عَرَاه واعْتَرَاه إِذَا قَصَدَه يطلُب مِنْهُ رِفْدَه وصِلَته. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ «أنَّ امْرَأَةً مَخْزُوميَّة كَانَتْ تَسْتَعِير المَتَاع وتَجْحَده، فأمَرَ بِهَا فقُطِعَت يدُها» الاسْتِعَارَة: مِنَ العَارِيَّة وَهِيَ مَعْرُوفةٌ. وذَهَبَ عامَّةُ أَهْلِ العِلْم إِلَى أَنَّ المُسْتَعِير إِذَا جَحَد العَارِيَّة لَا يُقْطعُ لِأَنَّهُ جاحِدٌ خائنٌ، وَلَيْسَ بسَارِقٍ، والخائنُ والجاحدُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ نَصًّا وَإِجْمَاعًا.
وذَهَب إِسْحَاقُ إِلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يدْفعُه.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ حديثٌ مُخْتَصَر اللَّفظِ والسِّياق. وَإِنَّمَا قُطِعَت المَخْزُومية لِأَنَّهَا سَرقت، وَذَلِكَ بيِّن فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَرَوَاهُ مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَذَكَرَ أنَّها سَرقت قَطِيفَة مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا ذُكرت الاسْتِعَارَة وَالْجَحْدُ فِي هَذِهِ القِصَّة تَعْرِيفًا لَهَا بخاصِّ صِفَتِها، إِذْ كَانَتِ الاسْتِعَارَة والجحدُ مَعْرُوفَةً بِهَا، وَمِنْ عادتِها كَمَا عُرِفَت بأنَّها مَخْزُومية، إلاَّ أَنَّهَا لمَّا اسْتَمَرَّ بِهَا هَذَا الصَّنِيعُ ترقَّتْ إِلَى السَّرِقَة واجْتَرَأت عَلَيْهَا، فأمرَ بِهَا فقُطِعت.
(س) وَفِيهِ «لَا تُشَدُّ العُرَى إلاَّ إِلَى ثلاثةِ مَسَاجدَ» هِيَ جمعُ عُرْوَة، يُريدُ عُرَى الأحْمَالِ والرَّواحِل.
(3/226)

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الزَّايِ

(عَزُبَ)
[هـ] فِيهِ «مَنْ قَرأ القُرآن فِي أرْبعين لَيلةً فَقَدْ عَزَبَ» أَيْ بَعُد عَهْدُه بِمَا ابْتَدأَ مِنْهُ، وأبْطأَ فِي تِلَاوَتِهِ. وَقَدْ عَزَبَ يَعْزُبُ فَهُوَ عَازِب إِذَا أبْعَد.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أمَ مَعْبَد «والشَّاءُ عَازِب حِيَالٌ» أَيْ بَعيدَةُ المَرْعى لَا تأوِي إِلَى المَنْزِل فِي اللَّيل. والحِيَال: جمعُ حائِل وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ بَعَث بعْثاً فأصْبَحوا بأرضٍ عَزُوبَة بَجْرَاء» أَيْ بأرضٍ بَعِيدَةِ المَرْعَى قَليلتِه، والهاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ، مِثْلُهَا فِي فَرُوقَة ومَلُولَة.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسَمِع مُنَادياً فقال:
انطُرُوا تَجدُوه مُعْزِباً أَوْ مُكْلِئاً» المُعْزِب: طَالِبُ الكَلأ العَازِب، وَهُوَ البَعِيدُ الَّذِي لَمْ يُرْعَ.
وأَعْزَبَ القومُ: أصابُوا عَازِباً مِنَ الْكَلَأِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «كانَ لَهُ غَنَم فأمَر عامرَ بْنَ فُهَيرة أَنْ يَعْزُبَ بِهَا» أَيْ يُبْعِد فِي المرْعَى. وَرُوِيَ «يُعَزِّبَ» بِالتَّشْدِيدِ: أَيْ يَذْهَبَ بِهَا إِلَى عَازِب مِنَ الكَلأ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ «كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ المَاءِ» أَيْ أُبْعِد.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَاتِكَةَ:
فهُنّ هَواءٌ والحُلُومُ عَوَازِب جَمْعُ عَازِب: أَيْ أَنَّهَا خَالية بَعِيدَةُ العُقُول.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْأَكْوَعِ «لمَّا أَقَام بالرَّبَذَة قَالَ لَهُ الحجّاجُ: ارتدَدْتَ عَلَى عَقبَيك، تَعَزَّبْتَ؟ قَالَ: لاَ، ولَكن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي البَدْوِ» أرَاد: بَعُدْت عَنِ الجَماعاتِ والجُمُعات بسُكْنَى البَادِية. وَيُرْوَى بِالرَّاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَمَا يَتَراءَوْنَ الكَوْكَبَ العَازِب فِي الأُفُق» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَيِ البعيدَ. وَالْمَعْرُوفُ «الغَارِب» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَ «الْغَابِرُ» بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
(3/227)

وَقَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ ذِكْرُ العَزَب والعُزُوبَة، وَهُوَ البَعيد عَنِ النِّكَاحِ. وَرَجُلٌ عَزَبٌ وَامْرَأَةٌ عَزْبَاء، وَلَا يُقَالُ فِيهِ أَعْزَب.

(عَزَرَ)
فِي حَدِيثِ المبْعَثِ «قَالَ وَرَقةُ بْنُ نَوْفَل: إِنْ بُعِث وَأَنَا حَيٌّ فسأُعَزِّرُه وَأَنْصُرُهُ» التَّعْزِير هَاهُنَا: الإعانَةُ والتَّوقيُر والنَّصْر مَرَّةً بَعْدَ مرَّة. وأصلُ التَّعْزِير: المنعُ والرَّدُّ، فَكَأَنَّ مَنْ نَصَرته قَدْ ردَدت عَنْهُ أعدَاءَه ومنعتَهم مِنْ أذَاه، وَلِهَذَا قِيلَ للتأدِيب الَّذِي هُوَ دُون الحدِّ تَعْزِير، لِأَنَّهُ يمنَعُ الجانِي أَنْ يُعاودَ الذَّنْب. يُقَالُ: عَزَرْتُه، وعَزَّرْتُه، فَهُوَ مِنَ الأضْدَاد. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ «أصْبَحتْ بنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإسْلام» أَيْ تُوقِّفُني عَلَيْهِ. وَقِيلَ:
تُوبّخني عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ.

(عَزِزَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الْعَزِيزُ» *
هُوَ الغالِبُ القَويُّ الَّذِي لَا يُغْلَب. والعِزَّة فِي الأصلِ: القُوَّة والشِّدَّة والغَلَبة. تقولُ: عَزَّ يَعِزُّ بِالْكَسْرِ إِذَا صارَ عَزِيزاً، وعَزَّ يَعَزُّ بِالْفَتْحِ إِذَا اشتَدَّ.
وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «المُعِزُّ» وَهُوَ الَّذِي يَهَب العِزَّ لِمَنْ يَشاء مِنْ عِبَادِهِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَالَ لِعَائِشَةَ: هَلْ تدْرِين لِمَ كانَ قَوْمُكَ رَفعوا بابَ الكَعبةِ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: تَعَزُّزاً أَنْ لَا يَدْخُلَها إلاَّ مَن أرَادُوا» أَيْ تكبُّراً وتَشَدّداً عَلَى النَّاس.
وَقَدْ جَاء فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلم «تَعَزُّراً» بِرَاءٍ بَعْدَ زَايٍ، مِنَ التَّعزِير: التَّوقِير، فإمَّا أنْ يُريد تَوْقير البَيْت وتَعْظِيمه، أَوْ تَعظِيم أنْفُسهم وتكبُّرَهم عَلَى النَّاسِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ مرضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فاسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَيْ اشتَدّ بِهِ المرَض وأشْرَف عَلَى الْمَوْتِ.
يُقَالُ: عَزَّ يَعَزُّ بِالْفَتْحِ إِذَا اشتدَّ، واسْتَعَزَّ بِهِ المَرَضُ وَغَيْرُهُ، واسْتَعَزَّ عَلَيْهِ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وغَلَبه، ثُمَّ يُبْنَى الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هُوَ الجارُّ وَالْمَجْرُورُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لمَّا قَدم الْمَدِينَةَ نَزَل عَلَى كُلْثُوم بْنِ الهِدْم «1» وَهُوَ شاكٍ، ثُمَّ استُعِزَّ بكُلْثُوم، فانتَقل إِلَى سَعد بن خَيْثَمة» .
__________
(1) ضبط في الأصل واللسان بفتح الهاء، وضبطناه بكسرها وسكون الدال من الإصابة 5/ 311.
(3/228)

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «لمَّا رَأَى طَلْحة قَتِيلا قَالَ: أَعْزِزْ عليَّ أَبَا مُحمد أنْ أرَاك مُجَدَّلاً تحتَ نُجُوم السَّماءِ» يُقَالُ: عَزَّ علَيَّ يَعِزُّ أَنَّ أراكَ بحالٍ سَيئةٍ: أَيْ يَشتدُّ وَيَشُقّ عليَّ. وأَعْزَزْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعلْتَه عَزِيزاً.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ قَوماً مُحْرِمين اشتَركُوا فِي قَتْل صَيدٍ، فقالُوا: عَلَى كُلّ رجُلٍ منَّا جَزَاء، فَسَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُم: إنَّكم لمُعَزَّزٌ بِكُمْ» أَيْ مُشَدّد بِكُمْ ومُثَقَّل عَلَيْكُمُ الأمرُ، بَلْ عَلَيْكُمْ جَزَاءٌ واحدٌ.
وَفِي كِتَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ هَمْدَان «عَلَى أنَّ لهمْ عَزَازَها» العَزَاز: مَا صَلُب مِنَ الْأَرْضِ واشتدَّ وخَشُن، وَإِنَّمَا يكونُ فِي أطْرَافها.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ نَهى عَنِ البَوْلِ فِي العَزَاز لِئَلَّا يتَرشَّشَ عَلَيْهِ» .
وَحَدِيثُ الْحَجَّاجِ فِي صِفَةِ الْغَيْثِ «وَأَسَالَتِ العَزَاز» .
(هـ) وَحَدِيثُ الزُّهْرِيّ «قَالَ: كُنْتُ أخْتَلِف إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فكُنْت أخْدُمُه، وَذَكَرَ جُهْدَه فِي الخِدْمَة، فقدّرْت أَنِّي اسْتنظَفْتُ مَا عنْدَه واستَغْنَيت عَنْهُ، فَخَرَجَ يَوْمًا، فَلَمْ أقُم لَهُ وَلَمْ أُظْهر مِنْ تَكْرِمَتِه مَا كُنْت أُظْهِرُه مِنْ قَبْلُ، فنَظَر إِلَيَّ فَقَالَ: إِنَّكَ بَعْدُ فِي العَزَاز فقُمْ» أَيْ أنْتَ فِي الأطْرافِ مِنَ العِلْم لَمْ تتوسَّطْه بعدُ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فَجَاءَتْ بِهِ قَالِبَ لَوْنٍ ليسَ فِيهَا عَزُوزٌ وَلَا فَشُوشٌ» العَزُوز: الشَّاةُ البَكِيئَة القَلِيلةُ اللَّبن الضَّيقَة الإحْليل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «لَوْ أنَّ رجُلا أخَذَ شَاة عَزُوزاً فحَلَبها مَا فرغَ مِنْ حلَبْها حَتَّى أُصَلِّي الصَّلوات الخمسَ» يُرِيدُ التَّجوُّز فِي الصَّلاة وتخفيفَها.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «هَلْ يَثْبُتُ لَكُمُ الْعَدُوُّ حَلْبَ شَاةٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ وأرْبَعٍ عُزُزٍ» هُوَ جمعُ عَزُوز كَصبُور وصُبُر.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «اخْشَوشِنُوا وتَمَعْزَزُوا» أَيْ تَشَدّدُوا فِي الدِّينِ وَتَصَلَّبُوا، مِنَ العِزِّ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَالْمِيمُ زائدةٌ كتَمسْكَن مِنَ السُّكُون. وَقِيلَ هُوَ مِنَ المَعَز وَهُوَ الشِّدَّةُ أيضا، وسيَجيءُ.
(3/229)

(عَزِفَ)
(س) فِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ مرَّ بعَزْفٍ دُفٍّ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: خِتَان، فَسَكَتَ» العَزْف: اللَّعِب بالمَعَازِف، وَهِيَ الدُّفوف وغَيرها مِمَّا يُضْرَب. وَقِيلَ: إنَّ كُلَّ لَعِبٍ عَزْفٌ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كانَت الجنُّ تَعْزِفُ الليلَ كلَّه بينَ الصَّفا وَالمَرْوَة» عَزِيف الْجِنِّ: جَرسُ أصْواتِها. وَقِيلَ: هُوَ صَوت يُسْمَع كالطَّبْل باللَّيل. وَقِيلَ: إِنَّهُ صَوتُ الرِّياح فِي الْجَوِّ فتَوهَّمَه أهلُ الْبَادِيَةِ صَوتَ الجنِّ. وعَزِيف الرِّياح: مَا يُسْمَعُ مِنْ دَوِيّها.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ جَارِيَتين كانَتا تُغَنِّيان بِمَا تَعَازَفت الأنْصَار يَوْمَ بُعَاث» أَيْ بِمَا تَنَاشَدَت مِنَ الأرَاجيز فِيهِ، وَهُوَ مِنَ العَزِيف: الصَّوت، ورُوي بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ تفاخَرت.
ويُروى «تَقَاذَفت وتَقَارَفت» .
وَفِي حَدِيثِ حَارِثَةَ «عَزَفَتْ نفْسِي عَنِ الدُّنْيا» أَيْ عَافَتْها وكرهَتْها. ويُرْوَى «عَزَفْتُ نفْسِي عَنِ الدُّنيا» بِضَمِّ التَّاءِ: أَيْ مَنَعتها وصَرَفتها.

(عَزِقَ)
فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ «وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: تَكَارَيْتُ مِنْ فُلان أرْضاً فعَزَقْتُها» أَيْ أخْرَجْت الماءَ مِنْهَا. يُقَالُ: عَزَقْتُ الأرضَ أَعْزِقُها عَزْقاً إِذَا شَقَقْتَها. وَتِلْكَ الأدَاةُ الَّتِي يُشَقُّ بِهَا مِعْزَقَة ومِعْزَق. وَهِيَ كالقَدُوم وَالْفَأْسِ. قِيلَ: وَلَا يُقال ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَرْضِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَعْزِقُوا» أَيْ لَا تَقْطَعُوا.

(عَزِلَ)
(هـ) فِيهِ «سَأَلَهُ رجُل مِنَ الأنْصارِ عَنِ العَزْل» يَعْنِي عَزْل الْمَاءِ عَنِ النِّسَاءِ حَذَرَ الْحَمْلِ. يُقَالُ: عَزَلَ الشَّيْءَ يَعْزِلُه عَزْلًا إِذَا نَحَّاه وصَرَفه. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ يَكْره عَشْر خِلال، مِنْهَا عَزْلُ الْمَاءِ لِغَير مَحَلِّه أَوْ عَنْ مَحلِّه» أَيْ يَعْزِله عَنْ إقْرَارِه فِي فَرْج المرأةِ وَهُوَ محلُّه. وَفِي قَوْلِهِ «لِغَيْرِ محلِّه» تعريضٌ بِإِتْيَانِ الدُّبر.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ سَلمة «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحُدَيبيِة عُزُلًا» أَيْ لَيْسَ مَعِي سِلاح، والجمعُ أَعْزَال، كجُنُب وأجْناب. يُقَالُ: رَجُل عُزُل وأَعْزَل.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ رَأَى مَقْتَل حَمْزَةَ؟ فَقَالَ رجُل أَعْزَل: أَنَا رأيتُه» .
(3/230)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْزَل فَلَا بَأْسَ أَنْ يأخُذَ مِنْ سِلَاحِ الْغَنِيمَةِ» وَيُجْمَعُ عَلَى عُزْل بِالسُّكُونِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْفان «مَسَاعِيرُ غَيْرُ عُزْل» .
وَحَدِيثُ زَيْنَبَ «لمَّا أجَارَت أَبَا العاَصِ خَرَجَ الناسُ إِلَيْهِ عُزْلًا» .
وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
زَالُوا فَمَا زَال أَنْكاسٌ وَلَا كُشُفٌ ... عندَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٌ مَعَازِيل
أَيْ لَيْسَ مَعَهُمْ سِلاحٌ، واحِدُهُم: مِعْزَال.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ:
دُفَاقُ العَزَائِل جَمُّ البُعَاقُ «1» العَزَائِل أصلُه: العَزَالِي «2» مِثْلُ: الشَّائِك والشَّاكي. والعَزَالِي: جمعُ العَزْلَاء، وَهُوَ فمُ الْمَزَادَةِ الأسْفَل، فشبَّه اتّساعَ المطَرِ واندِفَاقَه بِالَّذِي يَخْرُج مِنْ فَمِ المَزادة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فأرسَلتِ السَّماءُ عَزَالِيَها» .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «كُنَّا ننْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاء لَهُ عَزْلَاء»

(عَزَمَ)
(هـ) فِيهِ «خيرُ الأمُور عَوَازِمها» أَيْ فَرَائِضُها الَّتِي عَزَمَ اللهُ عَلَيْكَ بفعْلها.
وَالْمَعْنَى ذَواتُ عَزْمِها الَّتِي فِيهَا عَزْم.
وَقِيلَ: هِيَ مَا وَكَّدْت رأيَكَ وعَزْمَك عَلَيْهِ، وَوَفَّيت بِعَهْدِ اللَّهِ فِيهِ. والعَزْم: الجِدُّ والصَّبْر.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ.
__________
(1) صدر بيت، وعَجُزه: أغاث به اللهُ عُليا مُضَرْ انظر حواشي اللسان (عزل) .
(2) في الهروي: «العَزالَى والعَزالِي ... وقُدِّمت الياء من العزالي على اللام، كما قالوا: عاقني يعوقني، وعقاني يعقوني» .
(3/231)

وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «ليَعْزِم الْمَسْأَلَةَ» أَيْ يَجِدّ فِيهَا وَيَقْطَعْهَا.
وَحَدِيثُ أُمِّ سَلمة «فعَزَمَ اللَّهُ لِي» أَيْ خَلَق لِي قُوَّة وصَبْرا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَتَى تُوتر؟ فَقَالَ: أَوَّلَ اللَّيْلِ. وَقَالَ لعُمَر: مَتَى تُوتُر؟ فَقَالَ: مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أخَذْتَ بالحزْم. وَقَالَ لعُمَر: أَخَذْتَ بالعَزْم» أَرَادَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَذِر فَوَات الوِتْر بالنَّوم فاحْتاط وقدَّمَه، وَأَنَّ عُمَر وثِقَ بِالْقُوَّةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فأخَّرَه.
وَلَا خَير فِي عَزْمٍ بِغَيْرِ حَزْمٍ، فإنَّ القُوَّة إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَها حَذَر أوْرَطَتْ صَاحِبَهَا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الزكاةُ عَزْمَة مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى» أَيْ حقٌّ مِنْ حُقُوقِه وواجبٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سُجُودِ الْقُرْآنِ «لَيْسَتْ سجْدَةُ صادٍ مِنْ عَزَائِم السُّجود» .
(س [هـ] ) وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُه كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُه» واحدتُها: عَزِيمَة.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «اشتَدَّت العَزَائِم» يُريدُ عَزَمَاتُ الأُمَراء عَلَى النَّاسِ فِي الغَزْو إِلَى الأقْطارِ الْبَعِيدَةِ وأخْذَهُم بِهَا.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ «فَلَمَّا أَصَابَنَا الْبَلَاءُ اعْتَزَمْنَا لِذَلِكَ» أَيِ احْتَمَلْنَاهُ وصَبرنا عَلَيْهِ.
وَهُوَ افتَعَلنا مِنَ العَزْم.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ الْأَشْعَثَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أما والله لئن دنوت لأضرّ طنّك، فَقَالَ عَمْرو: كَلاَّ واللهِ إنَّها لعَزُوم مُفْزَّعة» أَيْ صَبُورٌ صَحِيحَةُ الْعَقْدِ. وَالِاسْتُ يُقَالُ لَهَا أمُّ عِزْم «1» ، يُريدُ أَنَّ اسْتَه ذاتُ عَزْمٍ وقُوَّة، وليست بوَاهيةٍ فتَضْرِط «2» .
__________
(1) الذي في الهروي «أم عِزمة» وقال في القاموس: واُمُّ العِزْم، وعِزْمَةُ، واُمُّ عِزْمَةَ- مكسورات: الاسْتُ.
(2) بعده في الهروي واللسان: وأراد نفسه.
(3/232)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَنْجَشَة «قَالَ لَهُ: رُوَيْدَك سَوْقاً بالعَوَازِم» العَوَازِم: جمعُ عَوْزَمٍ «1» ، وَهِيَ النَّاقة المُسِنَّة وَفِيهَا بَقِيَّة، كَنَى بِهَا عَنِ النِّساء، كَمَا كَنَى عنْهُنَّ بالقَوارِير. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أراد النوق نفسها لضعفها.

(عزر)
فِيهِ ذِكْرُ «عَزْوَر» هِيَ بِفَتْحِ العَين وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْوَاوِ: ثَنيَّةُ الجُحفة عَلَيْهَا الطَّريقُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ. وَيُقَالُ فِيهَا: عَزْوَرا.

(عَزَا)
(هـ) فِيهِ «مَن تَعَزَّى بعَزَاء الجاهِليَّة فأعِضُّوه بِهَنِّ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» التَّعَزِّي:
الانْتِمَاء والانْتِسَاب إِلَى الْقَوْمِ. يُقَالُ: عَزَيْتُ الشيءَ وعَزَوْتُه أَعْزِيه وأَعْزُوه إِذَا أسْنَدتَه إِلَى أحَدٍ. والعَزَاء والعِزْوَة: اسمٌ لدَعْوى المُسْتَغيث، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: يَا لَفُلان، أَوْ يَا لَلأَنصار، وَيَا لَلمهاجرين.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «مَن لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاء اللَّهِ فَلَيْسَ منَّا» أَيْ لَمْ يَدْعُ بدَعْوَى الْإِسْلَامِ، فَيَقُولَ: يَا لَلإسلام، أَوْ يَا لَلْمُسلمين، أَوْ يَا لَلّهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ قَالَ: يَا لَلّهِ لِلْمُسلمين» .
وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ «ستكونُ لِلعَرَب دَعْوَى قَبَائِلَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فالسَّيفَ السيفَ حَتَّى يَقُولُوا: يَا لَلْمُسلمين» .
[هـ] وَقِيلَ: أَرَادَ بالتَعَّزِّي فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّأَسِّي والتصبُّرَ عندَ المُصِيبَة، وَأَنْ يَقُولَ:
إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليه رَاجعُون، كَمَا أمرَ اللَّهُ تَعَالَى، ومعْنَى قَوْلِهِ «بعَزَاء اللَّهِ» . أَيْ بتَعْزِيَة اللَّهِ إيَّاه، فَأَقَامَ الاسمَ مُقامَ المصدر.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ «قَالَ ابْنُ جُرَيج: إِنَّهُ حَدّث بحَديث فقلتُ لَهُ: أتَعْزِيه إِلَى أحدٍ؟» وَفِي رِوَاية «إِلَى مَنْ تَعْزِيه؟» أَيْ تُسْنِدُهُ.
وَفِيهِ «مَا لِي أرَاكم عِزِين» جمعُ عِزَة، وَهِيَ الحَلْقَة المُجْتَمعَة مِنَ النَّاسِ، وأصلُها عِزْوَة، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ وَجُمِعَت جَمعَ السَّلاَمة عَلَى غَيرِ قياسٍ، كثُبِين وبُرِين فِي جَمْعِ ثُبَة وبُرَة.
__________
(1) قال الهروي: وفيه لغة أخرى «عزوم» . وفى اللسان: العزوم، والعوزم، والعَوْزَمَةُ: الناقة المسنّة.
(3/233)


بَابُ الْعَيْنِ مَعَ السِّينِ

(عَسَبَ)
(هـ س) فِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَسْب الفَحْل» عَسْب الفَحل: ماؤُه فَرَساً كَانَ أَوْ بَعيراً أَوْ غَيْرَهُمَا. وعَسْبُه أَيْضًا: ضِرَابه. يُقَالُ: عَسَبَ الفحلُ الناقةَ يَعْسِبُها عَسْباً. وَلَمْ يَنْه عَنْ واحدٍ منهُما، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّهي عَنِ الكِراء الَّذِي يؤخذُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ إعارَةَ الفحْل مندُوبٌ إِلَيْهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَمِنْ حَقِّها إطْراقُ فَحْلِهَا» .
ووجْه الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِراء عَسْبِ الفحْل، فَحُذِفَ المُضاف، وَهُوَ كثيرٌ فِي الْكَلَامِ.
وَقِيلَ: يُقَالُ لِكِراء الفحْل: عَسْبٌ. وعَسَبَ فحلَه يَعْسِبُه: أَيْ أَكْراه. وعَسَبْتُ الرجلَ: إِذَا أعْطيته كِراءَ ضِرَاب فَحْلِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي فِيهِ، وَلَا بُدَّ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ تَعْيين العَمَل ومَعْرفة مِقْدَاره.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاذٍ «كُنْتُ تَيَّاسًا، فَقَالَ لِي البَرَاء بْنُ عازِب: لَا يحلُّ لَكَ عَسْبُ الفحْل» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ خَرج وَفِي يَدِه عَسِيبٌ» أَيْ جريدَة مِنَ النَّخْلِ. وَهِيَ السَّعَفة ممَّا لَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الخُوصُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَيْلة «وبيَده عُسَيِّبُ نخلةٍ مقشوٌّ» هَكَذَا يروى مصفّرا، وجمعُه:
عُسُب بِضَمَّتَيْنِ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «فجعَلْت أتَتَبَّع الْقُرْآنَ مِنَ العُسُب واللِّخافِ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيّ «قُبِض رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنُ فِي العُسُب والقُضُم» .
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصِفُ أَبَا بَكْرٍ «كُنْتَ لِلدِّينِ يَعْسُوباً أَوَّلًا حِينَ نَفَرَ النَّاسُ عَنْهُ» اليَعْسُوب:
السَّيدُ والرَّئيسُ والمُقدَّمُ. وأصلُه فَحْلُ النَّحْل.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً فَقَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّين بذَنَبِه»
(3/234)

أَيْ فَارَق أهلَ الفِتْنَة وضَرَب فِي الْأَرْضِ ذَاهِبًا فِي أَهْلِ دِينه وأتْبَاعِه الَّذِينَ يتْبعُونه عَلَى رَأيهِ وَهُمُ الأذْنابُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «الضَّرْبُ بِالذَّنَبِ هَاهُنَا مَثلٌ لِلْإِقَامَةِ والثباتِ» يَعْنِي أَنَّهُ يَثْبُت هُوَ وَمَنْ تَبعَه عَلَى الدِّين.
(هـ) وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ مرَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّاب قَتيلاً يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَالَ: لَهْفي عَلَيْكَ يَعْسُوب قُرَيش! جَدَعْت أنْفي وشَفَيْتَ نَفْسِي» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ الدَّجَّالِ «فتَتْبَعه كنُوزُها كيَعَاسِيب النَّحْل» جَمْعُ يَعْسُوب: أَيْ تَظْهر لَهُ وَتَجْتَمِعُ عِنْدَهُ كَمَا تَجْتَمع النَّحْلُ عَلَى يَعَاسِيبِها.
(س) وَفِي حَدِيثِ مِعْضَد «لَوْلَا ظَمَاُ الهواجِر مَا بَالَيتُ أَنْ أَكُونَ يَعْسُوباً» هُوَ هَاهُنَا فَرَاشَة مُخْضرَّة تَظْهَرُ فِي الرَّبيع. وَقِيلَ: هُوَ طَائِرٌ أعْظَم مِنَ الْجَرَادِ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ النحْلَة لجَازَ.

(عَسَرَ)
فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ «أَنَّهُ جَهَّز جَيْشَ العُسْرَة» هُوَ جَيشُ غَزْوة تَبُوك، سُمِّي بِهَا لِأَنَّهُ ندَب النَّاسَ إِلَى الغَزْو فِي شِدَّة القَيظِ، وَكَانَ وقْتُ إِينَاعِ الثمرَةِ وطِيب الظِّلال، فَعَسُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ. والعُسْر: ضدُّ اليُسر، وَهُوَ الضِّيقُ والشِّدة والصُّعُوبةُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبيدة وَهُوَ محْصور: مَهْما تَنْزِلْ بامْرِئٍ شَديدةٌ يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، فَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَين» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّه لمَّا قَرَأَ: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً»
قَالَ:
لنْ يَغْلب عُسْرٌ يُسْرَين» قَالَ الخطَّابي: قيل: معناه أن العُسْر بين يسيرين إِمَّا فرَجٌ عاجلٌ فِي الدُّنيا، وإمَّا ثوابٌ آجِلٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ العُسْر الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ ذكَره مُعَرَّفا بِاللَّامِ، وذكَر اليُسْرين نَكِرَتين، فَكَانَا اثْنَين، تقولُ: كسَبْتُ درْهما ثُمَّ أنْفَقت الدِّرهم، فَالثَّانِي هُوَ الأوَّلُ المكتسب.
(3/235)

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «يعتَسِرُ الوالدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ» أَيْ يأخُذه «1» مِنْهُ وَهُوَ كارهٌ، مِنَ الاعْتِسَار:
وَهُوَ الافْترَاس والقَهْرُ. ويُرْوى بِالصَّادِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ سَالِمٍ «إنَّا لنَرتَمي فِي الجبَّانَة وَفِينَا قَوْمٌ عُسْرَانٌ يَنْزِعُون نَزْعاً شَدِيداً» العُسْرَان: جمعُ الأَعْسَر، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَل بيَدِه اليُسْرَى، كأسْوَد وسُودَان.
يُقَالُ: لَيْسَ شيءٌ أشدَّ رَمْيا مِنَ الأَعْسَر.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِي «أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِم عَلَى عَسْرَائِه» العَسْرَاء: تأنيثُ الأَعْسَر:
أَيِ اليَد العَسْرَاء. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ أَعْسَر.
(س) وَفِيهِ ذِكْر «العَسِير» وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ: بئرٌ بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ لِأَبِي أمَيَّة المخْزُومي، سمَّاها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَسيرة.

(عَسُسَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ فِي عُسٍّ حَزْرَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ أَوْ تِسْعَةٍ» العُسّ:
القَدَح الْكَبِيرُ، وجمعُه: عِسَاس وأَعْسَاس.
وَمِنْهُ حَدِيثُ المِنْحة «تغْدُو بعُسٍّ وترُوح بعُسٍّ» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ» أَيْ يَطُوف بِاللَّيْلِ يحرسُ الناسَ ويكْشِفُ أهلَ الرَّيبَة. والعَسَس: اسمٌ مِنْهُ، كالطَّلَب. وَقَدْ يَكُونُ جَمْعًا لعَاسٍّ، كحارِسٍ وحَرَسٍ.

(عَسْعَسَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ قَامَ مِنْ جَوْز اللَّيْلِ ليُصَلِّي فَقَالَ: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ
» عَسْعَسَ الليلُ: إِذَا أقْبَل بظَلاَمِه، وَإِذَا أدْبَر فَهُوَ مِنَ الأضْدَادِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قُسّ «حَتَّى إِذَا اللَّيلُ عَسْعَسَ» .

(عَسِفَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ نهَى عَنْ قَتْل العُسَفَاء والوُصَفاء» العُسَفَاء: الأجَرَاء. واحِدُهم:
عَسِيف. ويُرْوى «الأُسَفَاء» جَمْعُ أَسِيف بمعْنَاه.
وَقِيلَ: هُوَ الشَّيخُ الفَانِي. وَقِيلَ: العبدُ. وعَسِيف: فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كأَسِير، أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كعَليم، مِنَ العَسْف: الجَورِ، أَوِ الكِفَاية. يُقَالُ: هُوَ يَعْسِفُهم: أَيْ يَكْفِيهم. وَكَمْ أَعْسِفُ عَلَيْكَ: أَيْ كَمْ أعْمَلُ لك.
__________
(1) فى الأصل: «يأخذ» والمثبت من اواللسان.
(3/236)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَقْتُلوا عَسِيفا وَلَا أسِيفا» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفا عَلَى هَذَا» أَيْ أجِيراً.
(س) وَفِيهِ «لَا تبْلُغُ شَفَاعتي إمَاماً عَسُوفا» أَيْ جَائِرًا ظلُوماً. والعَسْف فِي الْأَصْلِ: أَنْ يأخُذا المُسافر عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ وَلَا جَادَّةٍ وَلَا عَلَمٍ. وَقِيلَ: هُوَ رُكوب الأمْرِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّة، فنُقِل إِلَى الظُّلم والجَوْر.
وَفِيهِ ذِكْرُ «عُسْفَان» وَهِيَ قريةٌ جامعةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

(عَسْقَلَ)
فِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
كأنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْها وَقَدْ عَرِقَتْ ... وَقَدْ تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل
العَسَاقِيل: السَّرَاب. والقُورُ: الرُّبَى: أَيْ تَغَشَّاها السَّراب وغَطَّاها.

(عَسَلَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا أرَادَ اللَّهُ بعَبْدٍ خَيراً عَسَلَه، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا عَسْله؟
قَالَ: يَفْتح لَهُ عَمَلا صَالِحًا بينَ يَدَي مَوْتِه حَتَّى يَرْضَى عنْه مَن حَوْلَه» العَسْل: طِيبُ الثَّنَاء، مأخُوذٌ مِنَ العَسَل. يُقَالُ: عَسَلَ الطَّعَامَ يَعْسِلُه: إِذَا جَعَل فِيهِ العَسَل. شبَّه مَا رَزَقه اللَّهُ تَعَالَى مِنَ العَمَل الصَّالِحِ الَّذِي طَابَ بِهِ ذكْرُه بَيْنَ قَومه بالعَسَل الَّذِي يُجْعَل فِي الطَّعام فيَحْلَولي «1» بِهِ ويَطيب.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا أرادَ اللَّهُ بعبْد خَيْرًا عَسَّلَه فِي النَّاس» أَيْ طَيَّب ثَنَاءه فِيهِمْ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لإمْرأة رفاعةَ القُرَظِيِّ: حَتَّى تَذُوقي عَسِيلَتَه ويَذُوقَ عَسِيلَتَك» شبَّه لذَّة الْجِمَاعِ بذَوْقِ العَسَل فاسْتَعارَ لَهَا ذَوْقاً، وَإِنَّمَا أنَّث لِأَنَّهُ أَرَادَ قِطْعَةً مِنَ العَسَل. وَقِيلَ: عَلَى إعْطائِها معنَى النُّطْفة. وَقِيلَ: العَسَل فِي الأصْل يُذَكَّر ويُؤَنَّث، فَمَنْ صَغَّره مُؤَنَّثًا قَالَ: عُسَيْلَة، كقُوَيْسَة، وشُمَيسة، وَإِنَّمَا صغَّره إِشَارَةً إِلَى القَدْر القَليل الَّذِي يَحْصل بِهِ الحلُّ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بن معد بكرب: كَذَب، عليك العَسَلُ» «2» هو من
__________
(1) في الأصل: «فيحلو به» والمثبت من اواللسان.
(2) بنصب العسل ورفعه، كما في القامُوس. وسيأتي وجهه في (كذب) .
(3/237)

العَسْلَان: مشيِ الذِّئب واهْتزازِ الرُّمْح. يُقَالُ: عَسَلَ يَعْسِلُ عَسَلًا وعَسَلَاناً: أَيْ عليكَ بسُرْعة المَشْي.

(عَسْلَجَ)
(س [هـ] ) فِي حَدِيثِ طَهْفة «وَمَاتَ العُسْلُوج» هُوَ الغصْنُ إِذَا يَبِسَ وذَهَبت طَرَاوَته. وَقِيلَ: هُوَ القَضيب الْحَدِيثُ الطُّلُوع. يريدُ أَنَّ الأغْصَانَ يَبِسَت وهلَكت مِنَ الجَدْب، وَجَمْعُهُ: عَسَالِيج.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «تَعْلِيقُ اللُّؤْلؤُ الرَّطْب فِي عَسَالِيجها» أَيْ فِي أغْصَانِها.

(عَسَمَ)
(س) فِيهِ «فِي العَبْد الأَعْسَم إِذَا أُعْتِق» العَسَم: يُبْسٌ فِي المرْفَق تعْوَجُّ مِنْهُ اليدُ.

(عَسَا)
فِيهِ «أفضَلُ الصَّدَقة المَنِيحَةُ تَغْدُو بعَسَاء وتَرُوح بعَسَاء» قَالَ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الحُميدي: العَسَاء: العُسُّ، وَلَمْ أسْمَعْه إلاَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، والحُمَيْدِي مِنْ أَهْلِ اللِّسان.
ورَواه أَبُو خَيثَمة، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قَالَ «بِعسَاس» كَانَ أجْود. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جمعَ العُسِّ، أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ مِنَ السِّينِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العِسَاء والعِسَاس جَمْعُ عُسّ «1» .
وَفِي حَدِيثِ قَتادة بْنِ النُّعمان «لمَّا أَتَيتُ عمِّي بالسِّلاح وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا أَوْ عَشَا» .
عَسَا بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ كَبِرَ وأَسَنَّ، مَنْ عَسَا القَضِيبُ إِذَا يَبِسَ، وَبِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَلَّ بَصَرُهُ وَضَعُفَ.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الشِّينِ

(عَشَبَ)
فِي حَدِيثِ خُزَيمة «واعْشَوْشَبَ مَا حولَها» أَيْ نَبَت فِيهِ العُشْب الكَثير.
وافْعَوْعَل مِنْ أبْنية المبالَغة. والعُشْب: الكَلَأ مادامَ رطْباً. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(عَشِرَ)
فِيهِ «إنْ لَقِيتُم عَاشِراً فَاقْتُلُوهُ» أَيْ إِنْ وَجَدْتم من يَأخُذُ العُشْر على ما كان
__________
(1) الذي في الفائق 3/ 51. العِساء: العِساس: جمع عُسّ» .
(3/238)

يأخُذُه أهْلُ الجاهليَّة مُقيماً عَلَى دِينِه فاقْتُلُوه، لكُفْره أَوْ لاسْتِحْلالِه لِذَلِكَ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا وأخَذَه مُسْتَحِلاًّ وَتَارِكًا فَرْضَ اللَّهِ وَهُوَ رُبعُ العُشْر. فَأَمَّا مَن يَعْشُرُهم عَلَى مَا فَرَض اللَّهُ تَعَالَى فحَسَنٌ جميلٌ، قَدْ عَشَرَ جماعةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، فيجوزُ أَنْ يُسَمَّى آخِذُ ذَلِكَ عَاشِرا، لإضافةِ مَا يأخُذُه إِلَى العُشْر، كرُبْع العُشْر، وَنِصْفِ العُشْر، كَيْفَ وَهُوَ يأخُذُ العُشْر جميعَه، وَهُوَ زَكاةُ مَا سَقَتْه السَّماء. وعُشْر أموالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي التِّجَارَات. يُقَالُ: عَشَرْت مالَه أَعْشُرُه عُشْراً فَأَنَا عَاشِر، وعَشَّرْته فَأَنَا مُعَشِّر وعَشَّار إِذَا أخَذْتُ عُشْرَه. وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ عُقُوبة العَشَّار فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ليسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّما العُشُور عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» العُشُور: جَمْعُ عُشْر، يَعْنِي مَا كانَ مِنْ أمْوالهم للتجارَات دُونَ الصَّدَقَاتِ. وَالَّذِي يلَزْمَهُم مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وقتَ العَهْد، فَإِنْ لَمْ يُصَالَحُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا يلْزَمُهم إِلَّا الجِزْية.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أخَذُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلُوا بلادَهم للتِّجارة أخَذْنا مِنْهُمْ إِذَا دَخَلُوا بلادَنا للتِّجَارة.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «احْمَدوا اللَّهَ إذْ رَفَع عَنْكُمْ العُشُورَ» يَعْنِي مَا كانَت المُلوك تأخُذُه مِنْهُمْ.
(س) وَفِيهِ «إنَّ وفْدَ ثَقيف اشْتَرطُوا أَنْ لَا يحشروا ولا يُعْشَرُوا ولا يحبّوا» أَيْ لَا يُؤْخَذ عُشْرُ أمْوالهم. وَقِيلَ: أرَادُوا بِهِ الصَّدَقةَ الواجبةَ، وإنَّما فسَّح لَهُمْ فِي تَرْكها لإنَّها لَمْ تَكُن وَاجِبَةً يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا تَجِب بتَمَام الحَوْل.
وسُئل جابرٌ عَنِ اشْتِرَاطِ ثَقِيفٍ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا جِهَادَ، فَقَالَ: عَلِمَ أنَّهم سَيَتَصَدَّقون ويُجاهدُون إِذَا أَسْلَمُوا.
فَأَمَّا حَدِيثُ بَشير بْنِ الخَصاصِيَّة حِينَ ذَكَرَ لَهُ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: «أَمَّا اثْنَانِ مِنْهَا فَلَا أُطِيقُهما، أمَّا الصَّدقةُ فإنَّما لِي ذَوْدٌ، هُنَّ رِسْلُ أهْلي وحَمُولتُهم، وأمَّا الْجِهَادُ فأخافُ إِذَا حَضَرت خَشَعَتْ نَفْسي.
فكفَّ يدَه وَقَالَ: لَا صَدَقةَ وَلَا جِهَادَ فَبِمَ تَدخُل الجنَّة؟» فَلَمْ يَحْتَمِل لِبَشير مَا احْتَمل لثَقِيف.
(3/239)

ويُشْبه أَنْ يَكُونَ إنَّما لَمْ يَسْمَح لَهُ لِعْلمه أَنَّهُ يَقْبَل إِذَا قِيلَ لَهُ، وثَقِيفٌ كَانَتْ لَا تَقْبله فِي الْحَالِ، وَهُوَ واحدٌ وَهُم جَمَاعة فأرادَ أَنْ يَتألَّفهم ويُدَرِّجَهم عَلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «النساءُ لَا يُحْشَرْنَ وَلَا يُعْشَرْن» أَيْ لَا يُؤْخذ عُشْر أمْوالِهنّ.
وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذ العُشْر مِنْ حَلْيِهِنَّ، وإلاَّ فَلَا يُؤْخَذُ عُشْر أمْوالِهنَّ وَلَا أمْوال الرِّجال.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ «لَوْ بَلَغ ابنُ عَبَّاسٍ أسْنَانَنا مَا عَاشَرَه منَّا رجُل» أَيْ لَوْ كانَ فِي السِّن مِثْلَنا مَا بَلغ أحدٌ مِنَّا عُشْرَ عِلْمه.
وَفِيهِ «تسعةُ أَعْشِرَاءِ الرِّزق فِي التِّجَارة» هِيَ جمعُ عَشِير، وَهُوَ العُشْر، كنَصِيب وأنْصِبَاء.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ للنِّساء: تُكْثِرْن اللَّعْن، وتَكْفُرْن العَشِير» يُرِيدُ الزَّوج. والعَشِير:
المُعَاشِر، كالمُصَادِق فِي الصَّديق، لِأَنَّهَا تُعَاشِرُه ويُعَاشِرُها، وَهُوَ فَعِيلٌ، مِنَ العِشْرَة: الصُّحبة.
وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِيهِ ذِكْرُ «عَاشُورَاء» هُوَ اليومُ العَاشِر مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَهُوَ اسمٌ إسْلاميٌّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فَاعُولاَء بِالْمَدِّ غَيْرُهُ. وَقَدْ أُلْحق بِهِ تاسُوعاء، وَهُوَ تاسعُ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: إنَّ عَاشُورَاء هُوَ التَّاسِع، مأخوذٌ مِنَ العِشْر فِي أورَاد الْإِبِلِ. وَقَدْ تقدَّم مبسُوطا فِي حَرْفِ التَّاءِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا قَدِم الرجُل أَرْضًا وبِيئَة وَوَضَعَ يَدَهُ خَلْفَ أُذُنِهِ وَنَهَقَ مِثْلَ الْحِمَارِ عَشْراً لَمْ يُصِبْهُ وَبَاؤُهَا» يُقَالُ للحِمار الشَّديد الصَّوت المُتَتابع النَّهيق: مْعَشِّر، لِأَنَّهُ إِذَا نَهق لَا يَكُفّ حَتَّى يَبْلغ عَشْراً.
(هـ) وَفِيهِ «قَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ: اشْتَرَيْتُ مَوْءُودَةً بِنَاقَتَيْنِ عُشَرَاوَين» العُشَرَاء- بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ: الَّتِي أتَى عَلَى حَمْلها عَشْرَة أشُهُر، ثُمَّ اتُّسع فِيهِ فَقِيل لكلِّ حامِل:
عُشَرَاء. وأكثرُ مَا يُطْلَق عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ. وعُشَرَاوَيْن: تَثْنِيَتُهَا، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ وَاواً.
وَفِيهِ ذِكْرُ «غَزْوة العُشَيْرَة» وَيُقَالُ: العُشَيْر، وذَاتُ العُشَيْرَة، والعُشَيْر، وَهُوَ موضعٌ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ.
(3/240)

(س) وَفِي حَدِيثِ مَرْحَب «أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مسْلَمة بارَزَة فدَخَلت بَيْنَهُمَا شَجَرة مِنْ شَجَر العُشَر» هُوَ شجرٌ لَهُ صمغٌ يُقَالُ لَهُ: سُكَّر العُشَر. وَقِيلَ: لَهُ ثَمرٌ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَير «قُرْصٌ بُرِّيٌّ بلبَن عُشَرِيّ» أَيْ لَبَن إبلٍ ترْعَى العُشَرَ، وَهُوَ هَذَا الشَّجَرُ.

(عَشَشَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «وَلَا تَمْلأ بيتَنَا تَعْشِيشاً» أَيْ أَنَّهَا لَا تخُونُنَا فِي طَعَامنا فتَخْبَأ مِنْهُ فِي هَذِهِ الزَّاوية وَفِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، كالطُّيور إِذَا عَشَّشَت فِي مواضعَ شَتَّى. وَقِيلَ:
أرَادَت لاَ تَملأ بيتَنا بالمَزَابل كَأَنَّهُ عُشُّ طَائِرٍ. وَيُرْوَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
(هـ) وَفِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ «لَيْسَ هَذَا بعُشِّك فادْرُجي» أَرَادَ عُشَّ الطَّائِرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّالِ.

(عَشِمَ)
(هـ) فِيهِ «إنَّ بَلْدَتَنا بَاردَةٌ عَشَمَة» أَيْ يابِسَة، وَهُوَ مِنْ عَشِم الخبزُ إِذَا يبسَ وتَكرّج.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أنه وقفت عليه المرأة عَشَمَة بأهْدامٍ لَهَا» أَيْ عَجُوزٌ قَحْلَةٌ يابسةٌ.
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا: عَشَمة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ «أنَّ امْرَأَةً شكَت إِلَيْهِ بَعْلَها فَقَالَتْ: فَرِّق بيني وبينه، فو الله مَا هُو إلاَّ عَشَمة مِنَ العَشَم» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ صلَّى فِي مسجدٍ بِمنًى فِيهِ عَيْشُومة» هِيَ نَبْتٌ دقيقٌ طويلٌ مُحدّدُ الأطْراف كَأَنَّهُ الأسَلُ، يُتَّخذُ مِنْهُ الحُصُرُ الدُّقاقُ. وَيُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ المسجدَ يُقَالُ لَهُ مسجدُ العَيْشُومة، فِيهِ عَيْشُومة خَضْراء أَبَدًا فِي الجَدْب والخِصْب. وَالْيَاءُ زائدةٌ.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَوْ ضَرَبَك فُلانٌ بأُمْصُوخَةِ عَيْشُومة» الأُمصُوخة: الخُوصَة مِنْ خُوص الثُّمام وَغَيْرِهِ.

(عَشْنَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «زَوجي العَشَنَّق» هُوَ الطويلُ الممتدُّ الْقَامَةِ، أرادَت أَنَّ لَهُ مَنْظَراً بِلَا مَخْبَرٍ، لِأَنَّ الطُّولَ فِي الْغَالِبِ دليلُ السَّفَه. وَقِيلَ: هُوَ السَّيِّئ الخلق.
(3/241)

(عَشَا)
(هـ) فِيهِ «احمَدُوا اللَّهَ الَّذِي رَفَع عَنْكُمُ العَشْوَة» يريدُ ظُلمة الكُفْر. والعُشْوَة بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الأمرُ المُلْتَبس، وَأَنْ يَرْكَب أَمْرًا بِجَهْل لَا يَعْرف وجْهَه، مأخوذٌ مِنْ عَشْوَة اللَّيْلِ، وَهِيَ ظُلْمتُه. وَقِيلَ: هِيَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى رُبْعه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «حَتَّى ذَهب عَشْوَةٌ مِنَ اللَّيل» .
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الْأَكْوَعِ «فأخَذَ عَلَيْهِمْ بالعَشْوَة» أَيْ بالسَّواد مِنَ اللَّيْلِ، ويُجْمَع عَلَى عَشَوَات.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «خَبَّاط عَشَوَات» أَيْ يَخْبط فِي الظَّلام والأمْرِ المُلْتَبِس فيتحيَّر.
[هـ] وَفِيهِ «أنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي سَفَر فاعْتَشَى فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ» أَيْ سارَ وقْتَ العِشَاء، كَمَا يُقال: اسْتَحر وَابْتَكَرَ «1» .
وَفِيهِ «صلَّى بنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدى صلاتَيِ العَشِيِّ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتين» يُرِيدُ صَلَاةَ الظُّهْر أَوِ الْعَصْرِ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوال إِلَى المَغْرِب عَشِيّ. وَقِيلَ: العَشِيّ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى الصَّبَاحِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَقِيلَ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ والعَشَاء: العَشَاآن، ولِما بَيْنَ الْمَغْرِبِ والعَتَمة: عِشَاءٌ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا حضَر العَشَاء والعِشَاء فابْدَأوا بالعَشَاء» العَشَاء بِالْفَتْحِ: الطَّعام الَّذِي يُؤْكل عِنْدَ العِشَاء. وَأَرَادَ بالعِشَاء صَلَاةَ المغْرب. وَإِنَّمَا قدَّم العَشَاء لِئَلَّا يَشْتَغِل بِهِ قلْبُه فِي الصَّلَاةِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: إِنَّهَا المغْرِب لِأَنَّهَا وقتُ الإفْطار، ولضيقِ وقْتها.
وَفِي حَدِيثِ الجَمْع بِعَرَفَةَ «صلَّى الصَّلاتَين كُلَّ صَلَاةٍ وحدَها والعَشَاء بَيْنَهُمَا» أَيْ أَنَّهُ تَعَشَّى بَيْنَ الصَّلاتَين.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: كَمَا لَا يَنْفَع مَعَ الشِّرْك عَمَلٌ فَهَلْ يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ «2» ذَنْبٌ؟ فَقَالَ ابنُ عُمَر: عَشِّ وَلَا تَغْتَرّ، ثُمَّ سَأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ مثل ذلك» هذا
__________
(1) بعد هذا فى الهروى: وقال الأزهرى: صوابه «فأغفى أوّل الليل» .
(2) فى الهروى واللسان «الإيمان» .
(3/242)

مَثَلٌ للعَرَب تَضْرِبُهُ فِي التَّوصِية بالاحِتِياطِ والأخْذِ بالحزْم. وأصلُه أَنَّ رجُلا أَرَادَ أَنْ يَقْطَع بإبِله مَفَازَة وَلَمْ يُعَشِّها، ثِقَةً عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الكَلأ، فَقِيلَ لَهُ: عَشِّ إبِلَكَ قَبْلَ الدخُول فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا كَلأٌ لَمْ يضرُّك، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُنْتَ قَدْ أخذْت بالحَزْم. أرادَ ابنُ عُمر: اجْتَنَب الذُّنُوبَ وَلَا تَرْكَبْها، وخُذْ بالحزْم وَلَا تَتَّكل عَلَى إيمانِك.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَير «مَا مِنْ عَاشِيَة أشدَّ أنَقاً وَلَا أطْولَ شِبَعاً مِنْ عالمٍ مِنْ عِلْم» العَاشِيَة: الَّتِي تَرعَى بالعَشِيِّ مِنَ الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا. يُقَالُ: عَشِيَتِ الإبلُ وتَعَشَّت، الْمَعْنَى أَنَّ طَالِبَ العِلْم لَا يكادُ يَشْبَعُ مِنْهُ، كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ «منهُومان لَا يَشْبَعَان: طالبُ عِلْم وطالبُ دُنْيَا» .
وَفِي كِتَابِ أَبِي مُوسَى «مَا مِن عَاشِيَة أدْوَمَ أنَقاً وَلَا أبْعَدَ مَلالا مِن عَاشِيَة عِلْم» وفسَّره فَقَالَ: العَشْو: إتيانُك نَارًا تَرْجُو عِنْدَهَا خَيْرًا. يُقَالُ: عَشَوْتُه أَعْشُوه فَأَنَا عَاشٍ مِنْ قَوْمٍ عَاشِيَة، وَأَرَادَ بالعَاشِيَة هَاهُنَا: طالِبي العِلم الرَّاجِين خيرَه ونَفْعَه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ جُنْدَب الْجُهْنيّ «فأتيْنا بطْنَ الكَدِيد فنَزَلْنا عُشَيْشِيَة» هِيَ تصغيرُ عَشِيَّة عَلَى غَيْرِ قياسٍ، أبْدِل مِنَ الْيَاءِ الوُسْطَى شينٌ كَأَنَّ أصْلَها: عُشَيِّيَة. يُقَالُ: أتيتُه عُشَيْشِيَة، وعُشَيَّانا، وعُشَيَّانَة، وعُشَيْشِيَانا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّهُ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْه وَهُوَ يَعُشو بالأُخْرى» أَيْ يُبْصِرُ بِهَا بَصرا ضَعيفاً.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الصَّادِ

(عَصَبَ)
فِيهِ «أَنَّهُ ذَكر الفِتَن وَقَالَ: فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أتَتْه أَبْدَالُ الشَّام وعَصَائِب الْعِرَاقِ فَيَتْبَعُونَهُ» العَصَائِب: جمعُ عِصَابَة، وَهُمُ الجماعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ العَشَرَة إِلَى الأرْبَعين، وَلَا واحدَ لَهَا مِنْ لفظِها.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «الأبدالُّ بالشَّام، والنُّجَباء بمصْر، والعَصَائِب بالعِرَاق» أَرَادَ أَنَّ التجمُّع للحُرُوب يَكُونُ بِالْعِرَاقِ. وقيل: أراد جماعةً من الزُّهَّاد سمَّاهم بالعَصَائِب، لِأَنَّهُ قَرَنَهم بالأبْدَال وَالنُّجَبَاءِ.
(3/243)

(هـ) وَفِيهِ «ثُمَّ يَكُونُ فِي آخِر الزَّمان أميرُ العُصَب» هِيَ جمعُ عُصْبَة كالعِصَابَة، وَلَا واحدَ لَهَا مِنْ لفْظِها. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكُرُهما فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَكى إِلَى سَعْد بْنِ عُبَادة عبدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ فَقَالَ: اعْفُ عَنْهُ فَقَدْ كَانَ اصطَلَح أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرة عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوه بالعِصَابَة، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ شَرِقَ بِذَلِكَ» «1» » يُعَصِّبُوه: أَيْ يُسَوّدُوه ويُملِّكُوه. وَكَانُوا يُسمُّون السيدَ المُطاعَ: مُعَصَّباً، لِأَنَّهُ يُعَصَّب بِالتَّاجِ أَوْ تُعَصَّب بِهِ أمورُ النَّاسِ: أَيْ تُرَدّ إِلَيْهِ وتُدَارُ بِهِ. [وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: المُعَمَّمُ «2» ] والعَمَائم تَيِجَانُ العَرَب، وَتُسَمَّى العَصَائِب، وَاحِدَتُهَا: عِصَابَة.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ رَخَّص فِي المَسْح عَلَى العَصَائِب والتَّسَاخِين» وَهِيَ كلُّ مَا عَصَبْت بِهِ رأسَك مِنْ عِمَامةٍ أَوْ مِنْدِيل أَوْ خِرْقة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ «فَإِذَا أَنَا مَعْصُوب الصَّدْر» كَانَ مِنْ عَادَتِهم إِذَا جاعَ أحدُهم أَنْ يَشُد جَوْفَهُ بعِصَابَة، وربَّما جَعَل تحتَها حَجَرًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «فِرُّوا إِلَى اللَّهِ وقُوموا بِمَا عَصَبَه بِكُمْ» أَيْ بِمَا افترَضَه عَلَيْكُمْ وقَرَنه بِكُمْ مِنْ أوَامِره ونوَاهِيه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ «قَالَ عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ: ارْجعوا وَلَا تُقاتِلوا واعْصِبُوها برَأسي» يريدُ السُّبَّة الَّتِي تلْحَقُهم بتَركِ الحَرْب والجُنوح إِلَى السِّلم، فأضمَرَها اعْتماداً عَلَى مَعْرِفَة المُخاطَبين:
أَيِ اقُرنوا هَذِهِ الحالَ بِي وانْسُبُوها إليَّ وَإِنْ كَانَتْ ذَمِيمَةً.
(س) وَفِي حَدِيثِ بَدْر أَيْضًا «لمَّا فَرَغ مِنْهَا أَتَاهُ جبريلُ وَقَدْ عَصَبَ رأسَه الغُبَارُ» أَيْ رَكِبَه وعَلِق بِهِ، مِنْ عَصَبَ الرِّيقُ فَاهُ إِذَا لَصَق بِهِ. ويُروى «عَصَم» بِالْمِيمِ، وَسَيَجِيءُ.
(هـ) وَفِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ «لأَعْصِبَنَّكم عَصْبَ السَّلَمة» هِيَ شَجَرة ورقُها القَرَظ، ويَعْسُر خَرْط وَرَقها فتُعْصَبُ أغْصانُها، بِأَنْ تُجمع ويُشَدَّ بعضُها إِلَى بَعْضِ بحبْل، ثُمَّ تُخْبط بِعَصاً فيتَنَاثَر ورَقُها. وَقِيلَ: إِنَّمَا يُفْعل بِهَا ذَلِكَ إِذَا أراد واقطعها حتى يمكنهم الوصول إلى أصلها.
__________
(1) فى الأصل: «لذلك» . والمثبت من اوالهروى، واللسان (شرق) .
(2) تكملة من الهروى.
(3/244)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرٍو «1» وَمُعَاوِيَةَ «إِنَّ العَصُوب يَرْفُقُ بِهَا حالِبُها فَتَحْلُب العُلْبَة» العَصُوب مِنَ النُّوق: الَّتِي لَا تَدِرُّ حَتَّى يُعْصَب فخِذَاها: أَيْ يُشَّدَان بالعِصَابَة.
وَفِيهِ «المُعْتَدّة لَا تَلْبَسُ المُصَبَّغة إلاَّ ثَوبَ عَصْب» العَصْب: بُرودٌ يَمنيَّة يُعْصَب غَزْلها:
أَيْ يُجْمَع ويُشدّ ثُمَّ يُصْبَغُ ويُنْسجُ فَيَأْتِي مَوِشِياً لِبقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أبيضَ لَمْ يأخُذْه صِبغ. يُقَالُ:
بردٌ عَصْبٍ، وبُرُود عَصْبٍ بالتَّنوين والإضافةِ. وَقِيلَ: هِيَ بُرودٌ مخطَّطةٌ. والعَصْب: الفَتلُ، والعَصَّاب: الغَزَّال، فيكونُ النهيُ للمعتدَّة عَمَّا صُبِغ بعدَ النَّسْج.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ عَصْبِ الْيَمَنِ، وَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّهُ يُصبغُ بالبَول. ثُمَّ قَالَ: نُهينا عَنِ التَّعَمُّق.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لثَوْبَان: اشتَرِ لفَاطِمَة قِلادَةً مِنْ عَصْب، وسِوارَين مِنْ عَاجٍ» قَالَ الخطَّابيُّ فِي «المَعَالم» : إِنْ لَمْ تَكُنِ الثيابَ اليمانِيَّةَ فَلَا أدْرِي مَا هِي، وَمَا أَرَى أنَّ القِلاَدَة تَكُونُ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَحتمل عِندِي أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ «العَصَب» بِفَتْحِ الصَّادِ، وَهِيَ أطْناب مَفاصل الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ شيءٌ مُدَوَّر، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يأخذُون عَصَب بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهرَة فَيَقْطَعُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ شِبه الْخَرَزِ، فَإِذَا يَبِس يَتَّخذون مِنْهُ القَلائد، وَإِذَا جَازَ وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخذ مِنْ عِظام السُّلحفاة وَغَيْرِهَا الأسْورةُ جَازَ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخذ مِنْ عَصَب أشْباهها خَرَزٌ تُنْظم مِنْهُ القلائِد.
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لِي بعضُ أهْلِ اليَمن: أَنَّ العَصَب سِنُّ دابَّة بَحْرِيَّة تسَمَّى فرَس فِرعَون، يُتَّخذ مِنْهَا الخَرَز وغَيرُ الخَرَز مِنْ نِصابِ سِكِّين وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ أبيضَ.
وَفِيهِ «العَصَبِيّ مَنْ يُعينُ قومَه عَلَى الظُّلم» العَصَبِيّ: هُوَ الَّذِي يغْضَب لعَصَبَتِه ويُحَامي عَنْهُمْ. والعَصَبَة: الأقَارِب مِنْ جِهَةِ الأَبِ، لأنَّهم يُعَصِّبُونَه ويَعْتَصِبُ بِهِمْ: أَيْ يُحِيطُون بِهِ ويَشتدّ بِهِمْ.
__________
(1) أخرجه الهروي من حديث عمر.
(3/245)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَيْسَ منَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّة، أَوْ قاتَل عَصَبِيَّة» العَصَبِيَّة والتَّعَصُّب:
المُحامَاةُ والمُدَافَعَة. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ العَصَبة والعَصَبِيَّة.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الزُّبير «1» لمَّا أقْبَل نَحْوَ البَصْرة وسُئل عَنْ وجْهه فَقَالَ:
عَلِقْتُهم إِنِّي خُلقْتُ عُصْبَة ... قَتَادَةً تعَلَّقَتْ بنُشْبَهْ
العُصْبَة: اللِّبْلابُ، وَهُوَ نَباتٌ يَتَلَوَّى عَلَى الشجَر. والنُّشْبةُ مِنَ الرِّجَالِ: الَّذِي إِذَا عَلِقَ بشَيء لَمْ يكَدْ يُفارقُه. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ الشَّدِيدِ المِرَاس: قَتادَةٌ لُوِيَتْ بعُصْبَة. وَالْمَعْنَى خُلِقَتْ عُلْقةً لخُصُومي. فوضَع العُصْبَة مَوضع العُلْقة، ثُمَّ شَبَّهَ نفسَه فِي فَرْط تَعلُّقه وتشبُّثِهِ بِهِمْ بالقَتادة إِذَا اسْتظهرت فِي تعَلُّقِها واسْتمسكَت بنُشْبَة: أَيْ بِشَيْءٍ شَدِيدِ النُّشُوب. وَالْبَاءُ الَّتِي فِي «بنُشْبة» للاسْتعَانة، كَالَّتِي فِي:
كَتَبْت بالقَلم.
وَفِي حَدِيثِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ «فَنَزَلُوا العُصْبَة» وَهُوَ موضعٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ قُبَاء، وضَبَطه بعضُهم بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ فِي مَسير، [فرفَعَ صَوْتَهُ] «2» فَلَمَّا سَمِعُوا صوتَه اعْصَوْصَبُوا» أَيِ اجتمَعُوا وصارُوا عِصَابَة وَاحِدَةً وجَدّوا فِي السَّير، واعْصَوْصَبَ السَّير: اشْتدّ، كأنَّه مِنَ الأمْرِ العَصِيب وَهُوَ الشَّدِيدُ.

(عَصَدَ)
فِي حَدِيثِ خَوْلة «فقرَّبت لَهُ عَصِيدَة» هُوَ دَقيق يُلَتُّ بالسَّمن ويُطْبخ، يقالُ:
عَصَدْت العَصِيدَة وأَعْصَدْتها: أَيِ اتَّخَذتها.

(عَصَرَ)
(س) فِيهِ «حَافِظْ عَلَى العَصْرَيْن» يُرِيدُ صَلاَة الفجْر وصلاةَ العَصْر، سمَّاهُما العَصْرَيْن لِأَنَّهُمَا يقَعان فِي طَرَفَي العَصْرَيْن، وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. والأشْبَه أَنَّهُ غَلَّب أحَد الاسْمين عَلَى الْآخَرِ، كالعُمَرَيْن، لِأَبِي بَكْرٍ وعمر، والقمرين، للشّمس والقمر.
وقد جاء تفسير هما فِي الْحَدِيثِ، «قِيلَ: وَمَا العَصْرَان؟ قَالَ: صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وصلاةٌ قبل غُرُوبها» .
__________
(1) في الأصل «ابن الزبير» والمثبت من اواللسان والهروى.
(2) تكملة من اواللسان.
(3/246)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ صَلَّى العَصْرَيْن دَخل الْجَنَّةَ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ واجْلِسْ لَهُمُ العَصْرَيْن» أَيْ بُكْرَة وعَشِيًّا.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أمرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ قبلَ الفجْر ليَعْتَصِرَ مُعْتَصِرُهُم» هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الغَائِط ليَتأهَّب للصَّلاة قَبْلَ دُخول وقْتِها، وَهُوَ مِنَ العَصْر، أَوِ العَصَر، وَهُوَ الملْجأ والمُسْتَخْفَى.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «قضَى أنَّ الوالدَ يَعْتَصِرُ ولدَه فِيمَا أعْطَاه، وَلَيْسَ للوَلَد أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ وَالِدِهِ» يَعْتَصِره: أَيْ يحْبسُه عَنِ الإعْطَاء ويَمْنَعه مِنْهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ حَبَسْته ومنَعْته فَقَدِ اعْتَصَرْتَه.
وَقِيلَ: يَعْتَصِر: يَرْتجع. واعْتَصَرَ العطيَّة إِذَا ارتَجَعَهَا. والمعنَى أَنَّ الوالدَ إِذَا أعْطَى ولدَه شَيْئًا فلَه أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الشَّعْبِيّ «يَعْتَصِر الوالدُ عَلَى وَلَده فِي مالِه» وَإِنَّمَا عَدّاه بعَلَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنى:
يَرْجع عَلَيْهِ ويَعُود عَلَيْهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَة «أَنَّهُ سُئل عَنِ العُصْرَة لِلْمَرْأَةِ، فَقَالَ: لَا أعْلَم رُخِّصَ فِيهَا إِلَّا لِلشَّيْخِ الْمَعْقُوفِ الْمُنْحَنِي» العُصْرَة هَاهُنَا: منْع البنْتِ مِنَ التَّزويج، وَهُوَ مِنَ الاعْتِصَار:
المَنْعِ، أَرَادَ ليسَ لِأَحَدٍ مَنْعُ امرأةٍ مِنَ التَّزْوِيجِ إِلَّا شيخٌ كبيرٌ أعْقَفُ لَهُ بِنْتٌ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَى اسْتخْدامِها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عبَّاس «كَانَ إِذَا قِدم دِحْيةُ الكَلْبِيّ لَمْ تبْقَ مُعْصِرٌ إلاَّ خَرَجَتْ تنْظُر إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِه» المُعْصِر: الجاريةُ أوّلَ مَا تَحيض لِانْعِصَارِ رَحمها، وَإِنَّمَا خصَّ المُعْصِر بالذِّكر للمُبَالَغة فِي خُرُوج غَيْرِهَا مِنَ النِّساء.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ امرَأةً مرَّت بِهِ مُتَطيِّبةً ولذَيْلها إِعْصَار» وَفِي رِوَايَةٍ «عَصَرَة» أَيْ غُبَار. والإِعْصَار والعَصَرة: الغُبَار الصَّاعِدُ إِلَى السَّمَاءِ مُسْتِطيلا، وَهِيَ الزَّوْبَعة. قِيلَ:
وتكونُ العَصَرة مِنْ فَوْح الطِّيب، فشبَّهه بِمَا تُثير الريحُ مِنَ الأَعَاصِير.
وَفِي حَدِيثِ خَيْبَرَ «سلَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيره إِلَيْهَا عَلَى عَصَر» هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ: جَبَلٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَوَادِي الفُرْع، وعندَه مسجدٌ صَلَّى بِهِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.
(3/247)

(عَصْعَصَ)
(س) فِي حَدِيثِ جَبَلة بْنِ سُحَيم «مَا أكَلْتُ أطْيَبَ مِنْ قَلِيَّةِ العَصَاعِص» هِيَ جَمْعُ العُصْعُص: وَهُوَ لحمٌ فِي بَاطِنِ ألْيةِ الشَّاةِ. وَقِيلَ: هُوَ عَظْم عَجْب الذَّنَب.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ابْنَ الزُّبير «لَيْسَ مِثْلَ الحَصِر العُصْعُص» هَكَذَا جَاءَ فِي رِواية، والمشهورُ «الحَصِر العَقِص» . يُقَالُ: فُلَانٌ ضيِّقُ العُصْعُص: أَيْ نَكِدٌ قليلُ الخَير، وَهُوَ مِنْ إضَافَة الصِّفة المُشبَّهة إِلَى فَاعِلِهَا.

(عَصَفَ)
فِيهِ «كَانَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيح» أَيِ اشتدَّ هُبُوبها. وريحٌ عَاصِف: شديدةُ الهُبُوب. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

(عَصْفَرَ)
(هـ) فِيهِ «لَا يُعْضَد شَجَر الْمَدِينَةِ إلّا العُصْفُور قَتَبٍ» هُوَ أحدُ عِيدَانِه وجمعُه: عَصَافِير.

(عَصَلَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «لَا عَوجَ لانْتِصَابه، وَلَا عَصَلَ فِي عُودِه» العَصَل: الاعْوِجَاجُ، وَكُلُّ مُعْوَجّ فِيهِ صَلابةٌ: أَعْصَل.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ وَجَرِيرٍ «وَمِنْهَا العَصِل الطائِشُ» أَيِ السَّهم المُعْوَجُّ المَتْنِ.
والأَعْصَل أَيْضًا: السَّهْم الْقَلِيلُ الرِّيش.
وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ «يَامِنوا عَنْ هَذَا العَصَل» يَعْنِي الرَّملَ المُعْوجَّ الْمُلْتَوِيَ: أَيْ خُذُوا عَنْهُ يَمْنةً.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ لرجُل صَنَمٌ كَانَ يَأْتِي بالجُبْن والزُّبْد فيضَعُه عَلَى رَأْسِ صَنَمه وَيَقُولُ: اطْعَمْ، فَجَاءَ ثُعْلُبَان فَأَكَلَ الْجُبْن والزُّبْد ثُمَّ عَصَلَ عَلَى رَأْسِ الصَّنَمِ» أَيْ بالَ. الثُّعْلُبَانُ:
ذَكرُ الثَّعالب.
وَفِي كِتَابِ الْهَرَوِيِّ: «فَجَاءَ ثَعْلَبانِ فَأَكَلَا الجُبْنَ «1» والزُّبْد ثُمَّ عَصَّلَا» ، أَرَادَ:
تَثْنيَة ثَعْلب.

(عَصْلَبَ)
[هـ] فِي خُطْبَةِ الحَجَّاج:
قدْ لَفَّها الليلُ بعَصْلَبِيّ
__________
(1) في الهروي: «الخُبْز» .
(3/248)

هُوَ الشديدُ مِنَ الرِّجال، وَالضَّمِيرُ فِي «لَفَّهَا» لِلْإِبِلِ: أَيْ جَمَعها الليلُ بسَائِق شَديدٍ، فضرَبه مثَلاً لنَفْسه ورعيَّته.

(عَصَمَ)
فِيهِ «مَنْ كَانَتْ عِصْمَتُه شهادةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» أَيْ مَا يَعْصِمُه مِنَ المهالِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ. العِصْمَة: المَنَعة، والعَاصِم: المانعُ الْحَامِي، والاعْتِصَام: الامْتِساكُ بالشَّيء، افْتِعال مِنْهُ.
[هـ] وَمِنْهُ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ:
ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهم مِنَ الضَّياع وَالْحَاجَةِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهم» .
وَحَدِيثُ الإفْك «فعَصَمَها اللَّهُ بالوَرَع» .
[هـ] وَحَدِيثُ الحُدَيبية «وَلَا تُمَسِّكوا «1» بِعِصَمِ الكَوَافِرِ» جمعُ عِصْمَة، وَالْكَوَافِرُ:
النِّساء الكَفَرَة، وَأَرَادَ عَقْد نِكَاحِهنَّ.
(هـ) وَحَدِيثُ عُمَرَ «وعِصْمَة أبْنائنا إِذَا شَتَوْنا» أَيْ يَمتَنِعُون بِهِ مِنْ شدَّة السَّنَةِ والجَدْبِ.
[هـ] وَفِيهِ «أنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ يومَ بدْر وَقَدْ عَصَمَ ثَنِيَّتَه الغُبَارُ» أَيْ لَزِقَ بِهِ، وَالْمِيمُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْبَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(هـ) وَفِيهِ «لَا يدخُلُ مِنَ النِّسَاءِ الجنةَ إلاَّ مِثْلُ الغُرَاب الأَعْصَم» هُوَ الأبْيضُ الْجَنَاحَيْنِ، وَقِيلَ الْأَبْيَضُ الرِّجْلين. أَرَادَ: قِلَّة مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ، لأنَّ هَذَا الوصفَ فِي الغِرْبانِ عزيزٌ قَلِيلٌ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «قَالَ: المرأةُ الصَّالحةُ مِثْلُ الغُرَاب الأَعْصَم، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الغُرَاب الأَعْصَم؟ قَالَ: الَّذي إحدَى رِجْليه بَيضَاءُ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «عائشةُ فِي النِّساء كالغُرَاب الأَعْصَم فِي الغِرْبان» .
__________
(1) الآية 10 من سورة الممتحنة، «ولا تَمَسِّكُوا» هكذا بالتشديد في الأصل، وفي جميع مراجعنا، وهي قراءة الحسن، وأبي العالية، وأبي عمرو. انظر تفسير القرطبي 18/ 65.
(3/249)

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «بينَما نحنُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فدَخَلْنا شِعْباً فَإِذَا نَحْنُ بغِرْبَان، وَفِيهَا غُرَاب أحْمَر المِنْقَار وَالرِّجْلَين، فَقَالَ عَمْرو: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَدْخل الْجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا قَدْرُ هَذَا الغُرَاب فِي هَؤُلَاءِ الغِرْبان» وأصلُ العُصْمَة: البياضُ يكونُ فِي يَدَيِ الفَرَس والظَّبْي والوَعِل.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ «فَتَنَاوَلْتُ الْقَوْسَ والنَّبْلَ لأرْمِيَ ظبْيةً عَصْمَاء نَرُدُّ بِهَا قَرَمَنا» .
(هـ) وَفِيهِ «فَإِذَا جَدُّ بَنِي عامرٍ جَمَلٌ آدَمُ مُقَيَّدٌ بعُصُم» العُصُم: جَمْعُ عِصَام، وَهُوَ رِباطُ كُلِّ شَيْءٍ، أرادَ أَنَّ خِصْبَ بلادِه قَدْ حَبَسه بفِنائِه، فَهُوَ لَا يُبْعِد فِي طَلَب المرْعَى، فَصَارَ بمنْزلةِ المقيَّد الَّذِي لَا يبرَحُ مكانَه. ومثلُه قَوْلُ قَيْلَةَ فِي الدَّهْنَاء: إِنَّهَا مُقَيَّدُ الجَمل: أَيْ يكونُ فِيهَا كالمُقَيَّد لَا يَنْزِعُ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ البِلادِ.

(عَصَا)
(هـ س) فِيهِ «لَا تَرْفَعْ عَصَاك عَنْ أهْلِك» أَيْ لَا تَدَعْ تأدِيبَهم وجَمْعَهم عَلَى طاعةِ اللَّهِ تَعَالَى. يُقَالُ: شَقَّ العَصَا: أَيْ فارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَلم يُرِد الضَّرْب بالعَصَا، ولكنَّه جَعَله مَثَلًا.
وَقِيلَ: أرادَ لَا تَغْفُل عَنْ أَدَبهم ومَنْعِهم مِنَ الفَسَاد.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ الخَوارِجَ شقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ وفرّقُوا جَمَاعَتهم» .
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ صِلَة «إيَّاكَ وقَتِيلَ العَصَا» أَيْ إياكَ أَنْ تَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مَقْتُولا فِي شَقّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي جَهْمٍ «فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ عَصَاه عَنْ عَاتِقِهِ» أَرَادَ: أَنَّهُ يُؤَدِّبُ أهْلَه بالضَّرب. وَقِيلَ: أرادَ بِهِ كثْرةَ الأسْفارِ. يُقَالُ: رَفع عَصَاه إِذَا سَارَ، وألقَى عَصَاه إِذَا نَزَل وَأَقَامَ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ حرَّم شجَر المدينةِ إِلَّا عَصَا حَدِيدة» أَيْ عَصاً تصلحُ أَنْ تكونَ نِصَاباً لآلةٍ من الحَديد.
(3/250)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ألاَ إنَّ قَتيلَ الخَطإِ قَتِيلُ السَّوط والعَصَا» لأنَّهُما ليسَا مِنْ آلاتِ القَتْل، فَإِذَا ضُرِب بِهِمَا أَحَدٌ فماتَ كَانَ قَتْلُه خَطَأ.
(هـ) وَفِيهِ «لَوْلَا أنَّا نَعْصِي اللَّهَ مَا عَصَانَا» أَيْ لَمْ يَمْتَنِع عَنْ إجَابَتِنا إِذَا دَعَوناه، فجعَل الجوابَ بمَنْزلة الخِطَاب فسمَّاه عِصْيَاناً، كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ.
وَفِيهِ «أَنَّهُ غَيَّر اسمَ العَاصِي» إِنَّمَا غَيَّره لأنَّ شِعَارَ المُؤْمِن الطَّاعَة والعِصْيَان ضِدُّها.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ رجُلا قَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدَ رَشَد، وَمن يَعْصِهِما فَقَدْ غوَى.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ. قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» إِنَّمَا ذَمَّهُ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي الضَّمير بينَ اللَّهِ وبينَ رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَعْصِهما، فأمرَه أنْ يَأْتِيَ بالمُظْهر ليتَرَتَّب اسمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الذِّكر قبلَ اسْمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ دليلٌ عَلَى أنَّ الواوَ تُفيد التَّرتيبَ.
وَفِيهِ «لَمْ يكُنْ أسْلَمَ مِنْ عُصَاة قُرَيْشٍ أحدٌ غيرُ مُطيع بْنِ الأسْود» يريدُ مَنْ كَانَ اسمُه العَاصِي.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الضَّادِ

(عَضَبَ)
[هـ] فِيهِ «كانَ اسمُ ناقَتِه العَضْبَاء» هُوَ عَلَمٌ لَهَا منْقُول مِنْ قَوْلهم: ناقَةٌ عَضْبَاء: أَيْ مَشْقُوقة الأذُن، وَلَمْ تكُنْ مَشْقُوقةَ الأذُن. وَقَالَ بعضُهم: إِنَّهَا كانَت مشقُوقَة الأُذن، وَالْأَوَّلُ أكثرُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «هُوَ مَنْقول مِنْ قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ عَضْبَاء، وَهِيَ القَصِيرَةُ اليَدِ» .
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَهَى أَنْ يُضَحِّى بالأَعْضَب القَرْنِ» هُوَ المَكْسُور القَرْنِ، وَقَدْ يكونُ العَضْب فِي الأذُن أَيْضًا إِلَّا أنَّه فِي القَرْن أكْثرُ. والمَعْضُوب فِي غَيْرِ هَذَا: الزَّمِنُ الَّذِي لَا حَرَاكَ بِهِ.

(عَضَدَ)
(هـ) فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ «نهَى أَنْ يُعْضَدَ شَجَرُها» أَيْ يُقْطع. يُقَالُ: عَضَدْتُ الشجرَ أَعْضِدُه عَضْداً. والعَضَد بِالتَّحْرِيكِ: المَعْضُود.
(3/251)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لوَدِدْت أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَد» .
(هـ) وَحَدِيثُ طَهْفَةَ «ونَسْتَعْضِدُ البَريرَ» أَيْ نَقْطَعه ونَجْنِيه مِنْ شَجَرِهِ لِلْأَكْلِ.
(هـ) وَحَدِيثُ ظَبْيَان «وَكَانَ بَنُو عَمرو بْنِ خَالِدٍ مِنْ «1» جَذِيمة يَخْبِطُونَ عَضِيدَها، ويأكُلُون حَصِيدَها» العَضِيد والعَضَد: مَا قُطِع مِنَ الشَّجَرِ: أَيْ يضْربُونه ليسْقط وَرَقُهُ فيتخذُوه «2» عَلَفا لإبِلِهم.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «وملأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ» العَضُد: مَا بينَ الكَتِف والمِرْفَقِ، وَلَمْ تُرِدْه خاصَّة، وَلَكِنَّهَا أَرَادَتِ الجَسَد كلَّه، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِن العَضُد سَمِن سَائِرُ الجَسَد.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي قَتادة والحمَار الوَحْشي «فنَاولْته العَضُد فَأَكَلَهَا» يُرِيدُ كَتفه.
وَفِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كان أبيضَ مُعَضَّدا» هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهُوَ الْمُوَثَّقُ الْخَلْقِ، وَالْمَحْفُوظُ فِي الرِّوَايَةِ «مُقَصَّدا» .
[هـ] وَفِيهِ «أَنَّ سَمُرةَ كَانَ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْل فِي حَائِطِ رَجُل مِنَ الأنْصار» أَرَادَ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْل.
وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ «عَضِيدٌ مِنْ نَخْلٍ» ، وَإِذَا صَارَ للنَّخلة جِذْعٌ يُتَناوَلُ مِنْهُ فَهُوَ عَضِيد «3» .

(عَضَضَ)
فِي حَدِيثِ العِرْباض «وعَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ» هَذَا مَثَل فِي شدَّة الاسْتِمْساكِ بأمرِ الدِّين، لأنَّ العَضَّ بالنَّواجِذِ عَضٌّ بِجَمِيعِ الفَمِ وَالْأَسْنَانِ، وَهِيَ أواخُر الْأَسْنَانِ. وَقِيلَ:
الَّتِي بَعْدَ الْأَنْيَابِ.
(هـ) وَفِيهِ «مَن تَعزَّى بعَزَاء الجاهِليَّة فأَعِضُّوه بِهَنِ أَبِيهِ ولا تَكْنُوا» أَيْ قُولوا لَهُ:
اعْضَضْ بأيْرِ أبِيك، وَلَا تكْنُوا عَنِ الأيْر بالَهن، تَنْكيلاً لَهُ وتأدِيباً.
__________
(1) في الهروي «بن» .
(2) فى الأصل وا «فيتخذونه» وأثبتنا ما في اللسان.
(3) زاد الهروي «وجمعه: عضدان» .
(3/252)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنِ اتَّصلَ فأَعِضُّوه» أَيْ مَنِ انتسَبَ نِسْبَة الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ: يَا لَفُلان.
وَحَدِيثُ أُبيّ «إِنَّهُ أَعَضَّ إِنْسَانًا اتَّصل» .
وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٍ لعُتْبة يَوْمَ بَدْر «وَاللَّهِ لَوْ غيرُك يَقُولُ هَذَا لأَعْضَضْتُه» .
وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى «يَنْطَلِق أحدُكم إِلَى أَخِيهِ فيَعَضُّه كعَضِيض الفَحْل» أصلُ العَضِيض:
اللُّزوم. يُقَالُ: عَضَّ عَلَيْهِ يَعَضُّ عَضِيضاً إِذَا لَزِمَهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا العَضُّ نفْسُه، لِأَنَّهُ بِعَضِّه لَهُ يَلْزمه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ» .
(هـ) وَفِيهِ «ثُمَّ يكونُ مُلْك عَضُوضٌ» أَيْ يُصِيبُ الرَّعيَّة فِيهِ عسْفٌ وظُلْم، كأنَّهم يُعَضُّون فِيهِ عَضّاً. والعَضُوض: مِنْ أبْنية المُبالغة.
وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ يَكُونُ مُلوك عَضُوضٌ» ، وَهُوَ جَمْعُ: عِضٍّ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الخَبيثُ الشَّرِسُ.
وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «وسَتَرَون بَعْدي مُلْكا عَضُوضاً» .
(هـ) وَفِيهِ «أهْدَت لَنَا نَوْطا مِنَ التَّعْضُوض» هُوَ ضَرْب مِنَ التَّمر. وَقَدْ تقدَّم فِي حَرْفِ التَّاءِ.

(عَضَلَ)
(س) فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كَانَ مُعَضَّلا» بَدَل «مُقَصَّدا» أَيْ مُوثَّقَ الخَلْق شديدَه، والمُقَصَّد أثْبَت.
(س) وَفِي حَدِيثِ ماعِز «أَنَّهُ أَعْضَلُ قَصيرٌ» الأَعْضَل والعَضِل: المُكتَنِزُ اللَّحم.
والعَضَلَة فِي البَدَن كُلُّ لَحْمَةٍ صُلْبة مكتَنزة. وَمِنْهُ عَضَلَة السَّاقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ عَضَلَة ساقَيْة كبيرةٌ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيفة «أخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأسْفَلَ مِنْ عَضَلة ساقِي، وَقَالَ: هَذَا مَوْضعُ الإزَار» وجمعُ العَضَلة: عَضَلَات.
(س) وَفِي حَدِيثِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَنَّهُ مَرَّ بظَبْيَةٍ قَدْ عَضَّلَها وَلدُها» يُقَالُ: عَضَّلَت الحامِلُ وأَعْضَلَت إِذَا صَعُب خُرُوج وَلَدها. وَكَانَ الوجْه أَنْ يَقُولَ «بظَبْية قَدْ عَضَّلَت» فَقَالَ: «عَضَّلَها
(3/253)

ولدُها» ، ومعناهُ أَنَّ وَلَدَهَا جَعَلها مُعَضِّلَة حيثُ نَشِبَ فِي بَطْنِها وَلَمْ يخرُج. وأصلُ العَضْل: المنعُ والشِّدَّة. يُقَالُ: أَعْضَلَ بِيَ الأمرُ إِذَا ضَاقَت عَلَيْكَ فِيهِ الحِيَل.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «قَدْ أَعْضَلَ بِي أهلُ الْكُوفَةِ! مَا يَرْضَون بأمِير وَلَا يَرْضَى بِهِمْ أميرٌ» أَيْ ضَاقَت عَلَيَّ الحِيَل فِي أمْرِهم وصَعُبت عليَّ مُدَاراتُهم.
وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أعُوذ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ مُعْضِلَة لَيْسَ لَهَا أَبُو حسَنَ» ورُوي: «مُعَضِّلَة» ، أَرَادَ الْمَسْأَلَةَ الصَّعْبة، أَوِ الخُطَّة الضَّيِقة المَخَارج، مِنَ الإِعْضَال أَوِ التَّعْضِيل، وَيُرِيدُ بِأَبِي حَسَن:
عليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعاوية، وَقَدْ جَاءَتْه مَسألةٌ مُشْكِلَةٌ فَقَالَ «مُعْضِلَةٌ وَلَا أَبَا حَسَنٍ» .
أَبُو حَسَن: مَعْرفة وُضِعَت موضعَ النَّكِرَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا رَجُلَ لَهَا كَأَبِي حَسَن، لأنَّ لَا النَّافية إِنَّمَا تدْخل عَلَى النَّكِرَاتِ دُونَ الْمَعَارِفِ.
وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبيِّ «لو ألْقِيَتْ على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم لأَعْضَلَتْ بِهِمْ» .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «فأَعْضَلَتْ بالمَلَكَيْن فَقَالَا: يَا رَبِّ إنَّ عَبْدك قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْري كيفَ نكْتُبُها» .
وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ «لمَّا أَرَادَ عُمَرُ الْخُرُوجَ إِلَى العِرَاق قَالَ لَهُ: وَبِهَا الدَّاء العُضَال» هُوَ المرَضُ الَّذِي يُعْجِزُ الأطباءَ فَلَا دَواءَ لَهُ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ: «زوّجْتك امْرَأَةً فعَضَلْتَها» هُوَ مِنَ العَضْل: المَنْع، أَرَادَ أَنَّكَ لَمْ تُعَاملْها مُعامَلَة الْأَزْوَاجِ لِنسَائهم، وَلَمْ تترُكْها تتصرَّف فِي نَفْسها، فكأنَّك قَدْ مَنَعْتها.

(عَضَهَ)
فِي حَدِيثِ البَيْعة «وَلَا يَعْضَهُ بعضُنا بَعْضًا» أَيْ لَا يَرْميه بالعَضِيهَة، وَهِيَ البُهْتان والكَذِب، وَقَدْ عَضَهَهُ يَعْضَهُه عَضْهاً.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ألاَ أُنَبِّئُكْم مَا العَضْه؟ هِيَ النَّميمة القالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» هَكَذَا يُروى فِي كتُب الْحَدِيثِ. وَالَّذِي جَاءَ فِي كتُب الغَرِيب: «أَلَا أُنبئكم مَا العِضَةُ؟» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الضَّادِ.
(3/254)

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إيَّاكم والعِضَةَ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «أصلُها العِضْهَة، فِعْلة، مِنَ العَضْه، وَهُوَ الْبَهْتُ، فَحُذِفَتْ لامُه كَمَا حُذفت مِنَ السَّنة والشَّفَة، وتُجمع عَلَى عِضِينَ.
يُقَالُ: بَيْنَهُمْ عِضَةٌ قبيحةٌ مِنَ العَضِيهَة» .
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَن تَعزَّى بعَزَاء الجاهِليَّة فاعْضَهُوه» هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَيِ اشْتِمُوه صَرِيحًا، مِنَ العَضِيهَة: البَهْت.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ لعَنَ العَاضِهَة، والمُسْتَعْضِهَة» قِيلَ: هِيَ السَّاحرَة والمُسْتَسْحِرَة، وسُمّي السِّحْرُ عَضْهاً لِأَنَّهُ كَذِب وتَخْييلٌ لَا حقيقةَ لَهُ.
(س) وَفِيهِ «إِذَا جئتُم أُحُداً فكُلوا مِنْ شَجَره، وَلَوْ مِنْ عِضَاهِه» العِضَاه: شَجَرُ أُمِّ غَيْلان. وَكُلُّ شَجَر عَظيم لَهُ شَوْك، الواحدةُ: عِضَة بِالتَّاءِ، وأصلُها عِضَهَة. وَقِيلَ واحِدته: عِضَاهَة.
وعَضَهْتُ العِضَاه إِذَا قَطَعْتها.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا عُضِهَتْ عِضَاه إِلَّا بِتَرْكِهَا التَّسْبيح» .
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ «حَتَّى إنَّ شِدْقَ أحَدِهم بمَنْزلة مِشْفَر البَعِير العَضِه» هُوَ الَّذِي يأكُل العِضَاه. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يشتكِي مِنْ أكْل العِضَاه. فأمَّا الَّذِي يأكُل العِضَاه فَهُوَ العَاضِه.

(عَضَا)
[هـ] فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
أَيْ جَزَّأُوه أجْزاء» «1» ، عِضِين: جَمْعُ عِضَة، مِنْ عَضَّيْتُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقْته وجَعَلتَه أَعْضَاء.
وَقِيلَ: الأصلُ: عِضْوَة، فحُذِفَت الواوُ وجُمعَت بِالنُّونِ، كَمَا عمِل فِي عِزِين «2» جَمْعُ عِزْوَة.
وفسَّرها بعضُهم بالسِّحر، من العَضْه والعَضِيهة «3» .
__________
(1) الذي في الهروي: «قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض» .
(2) الذي في الهروي: « ... في جمع عِزْةَ، والأصل: عِزْوَة» .
(3) قال الهروي: «ومن ذهب به إلى هذا التأويل جعل نقصانه الهاء الأصلية وأبقيت هاء العلامة، وهي التأنيث، كما قالوا: شَفَةٌ، والأصل: شَفَهَةٌ، وكما قالوا: سَنَةٌ، والأصل: سَنَهَةٌ» .
(3/255)

وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ، فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ «مَا لَوْ أنَّ رَجُلًا نَحَر جَزُورا وعَضَّاها قَبْلَ غُروب الشَّمْسِ» أَيْ قَطَّعَها وفَصَّل أَعْضَاءها.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَعْضِيَةَ فِي مِيراثٍ إِلَّا فِيمَا حَمَل القَسْمَ» هُوَ أَنْ يموتَ الرجُلُ ويدَعَ شَيْئًا إِنْ قُسِمَ بَيْنَ ورَثَته استضَرُّوا أَوْ بَعْضهم، كالجَوهَرة والطَّيْلَسان والحمَّام وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنَ التَّعْضِيَة: التَّفْريق.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الطَّاءِ

(عَطَبَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ طاوُس «1» «لَيْسَ فِي العُطْب زكاةٌ» هُوَ القُطْن.
وَفِيهِ ذِكْرُ «عَطَب الهَدْي» وهو هلاكُه، وقد يُعَبَّر بِهِ عَنْ آفَة تَعْتَرِيه وتمنعُه عَنِ السَّيْر فيُنْحَرُ.

(عَطْبَلَ)
[هـ] فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمْ يَكُنْ بعُطْبُول وَلَا بقَصِير» العُطْبُول:
الممتدُّ الْقَامَةِ الطويلُ العُنُق. وَقِيلَ: هُوَ الطويلُ الصُّلْب الأمْلس، ويُوصفُ بِهِ الرجلُ والمرأةُ.

(عَطُرَ)
(هـ) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يَكْره تَعَطُّرَ النساءِ وَتَشَبُّهَهُنَّ بِالرِّجَالِ» أَرَادَ العِطْرَ الَّذِي يَظْهَرُ ريحُه كَمَا يظهرُ عِطْر الرِّجال. وَقِيلَ: أَرَادَ تعطُّل النساءِ، بِاللَّامِ، وَهِيَ الَّتِي لَا حَلْيَ عَلَيْهَا وَلَا خِضابَ. وَاللَّامُ والراءُ يَتعاقَبان «2» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى «المرأةُ إِذَا اسْتَعْطَرَت ومرَّت عَلَى الْقَوْمِ ليَجِدُوا رِيحَها» أَيِ اسْتَعْمَلَت العِطْر وَهُوَ الطِّيب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ «وَعِنْدِي أَعْطَرُ العَرب» أَيْ أطْيَبُها عِطْراً.

(عَطَسَ)
فِيهِ «كَانَ يُحِب العُطَاس وَيَكْرَهُ التَّثاؤُب» إِنَّمَا أحَبَّ العُطَاس لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ خِفَّة البدَن وَانْفِتَاحِ الْمَسَامِّ وَتَيْسِيرِ الْحَرَكَاتِ، وَالتَّثَاؤُبُ بِخِلَافِهِ. وسببُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ تخفيفُ الغِذاء والإقْلالُ مِنَ الطعام والشَّراب.
__________
(1) أخرجه الهروي من حديث عِكْرِمة.
(2) قال الهروي: «يقال: سَمَل عَيْنَه وسَمَرَها» .
(3/256)

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «لَا يُرْغِم اللهُ إلاَّ هَذِهِ المَعَاطِس» هِيَ الأنوفُ، واحِدُها: مَعْطَس، لِأَنَّ العُطَاس يخرُجُ مِنْهَا.

(عَطِشَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ رَخَّصَ لِصَاحِبِ العُطَاش واللَّهَث أَنْ يُفْطِرا ويُطْعِما» العُطَاش بِالضَّمِّ: شدةُ العَطَش، وَقَدْ يكونُ دَاءً يُشْرَب مَعَهُ وَلَا يَرْوَى صاحِبُه.

(عَطْعَطَ)
فِي حَدِيثِ ابْنِ أُنَيْسٍ «إِنَّهُ ليُعَطْعِط الكلامَ» العَطْعَطَة: حكايةُ صَوتٍ.
يُقَالُ: عَطْعَطَ القومُ إِذَا صاحُوا. وَقِيلَ: هُوَ أنْ يَقُولُوا: عِيط عِيط.

(عَطَفَ)
(هـ) فِيهِ «سُبْحان مَن تَعَطَّفَ بالعِزِّ وَقَالَ بِهِ» أَيْ تَرَدَّى بِالْعِزِّ. العِطَاف والمِعْطَف: الرّداءُ. وَقَدْ تَعَطَّفَ بِهِ واعْتَطَفَ، وتَعَطَّفَه واعْتَطَفَه. وسُمّي عِطَافاً لوُقوعِه عَلَى عِطْفَيِ الرجُل، وَهُمَا ناحِيَتا عُنُقه. والتَّعَطُّف فِي حقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَجازٌ يُرادُ بِهِ الاتِّصاف، كأنَّ العِزَّ شَمِله شُمُولَ الرِّداء.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ «حَوَّل رِداءه وجَعَل عِطَافَه الأيمنَ عَلَى عاتقِه الأيْسَر» إِنَّمَا أضافَ العِطَاف إِلَى الرِّداء لِأَنَّهُ أَرَادَ أَحَدَ شِقَيِّ العِطَاف، فالهاءُ ضميُر الرِّداء، ويجوزُ أَنْ يكونَ للرجُل وَيُرِيدُ بالعِطَاف: جانبَ رِدائِه الأيْمن.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «وخرَج مُتَلفِّعاً بعِطَاف» .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «فناوَلْتها عِطَافاً كَانَ عليَّ فرأَتْ فِيهِ تَصْلِيباً» .
وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «لَيْسَ فِيهَا عَطْفَاء» أَيْ مُلْتَوِية القَرْن، وَهِيَ نحوُ العَقْصَاء.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَد «وَفِي أشْفارِه عَطَفٌ» أَيْ طُولٌ، كَأَنَّهُ طالَ وانْعَطَفَ.
ويُروى بِالْغَيْنِ وسيجيءُ.

(عَطَلَ)
(س) فِيهِ «يَا عليُّ مُرْ نِسَاءَك لَا يُصَلِّين عُطُلًا» العُطُل: فِقْدان الحَلْي، وامرأةٌ عَاطِلٌ وعُطُل، وَقَدْ عَطِلَتْ عَطَلًا وعُطُولًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «كَرِهتْ أَنْ تُصَلِّي المرأةُ عُطُلًا، وَلَوْ أَنْ تُعَلِّق فِي عُنُقها خَيطاً» .
(س) وَحَدِيثُهَا الْآخَرُ «ذُكِرَ لَهَا امْرَأة ماتَت فَقَالَتْ: عَطِّلُوها» أَيِ انْزِعُوا حَلْيَهَا واجْعَلُوها عَاطِلًا. عَطَّلْتُ المرأةَ إِذَا نَزَعت حَلْيها.
(3/257)

(هـ) وَفِي حَدِيثِهَا الْآخَرِ ووَصَفَتْ أَبَاهَا «رَأََب الثَّأْيَ وأوْذَم العَطِلَة» هِيَ»
الدَّلو الَّتِي تَرِكَ العَمَلُ بِهَا حِيناً وعُطِّلَتْ وتَقَطَّعت أوْذَامُها وعُراها، تُرِيدُ أَنَّهُ أَعَادَ سُيُورَهَا وَعَمِلَ عُرَاهَا وأعادَها صَالِحَةً للعَمَل، وَهُوَ مَثَل لفِعْله فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي قصيد كعب:
شَدَّ النَّهارِ ذِراعا «2» عَيْطَلٍ نَصِفٍ العَيْطَل: النَّاقَة الطَّويلةُ، وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ.

(عَطَنَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا «3» «حَتَّى ضَرَب الناسُ بعَطَن» العَطَن: مَبْرَك الإبلِ حَولَ الْمَاءِ. يُقَالُ: عَطَنَتِ الْإِبِلُ فَهِيَ عَاطِنَة وعَوَاطِن إِذَا سُقِيت وبَركت عِنْدَ الحِياضِ لتُعَاد إِلَى الشُّرب مرَّة أخْرى. وأَعْطَنْتُ الإبلَ إِذَا فَعَلْتَ بِهَا ذَلِكَ، ضَرَب ذَلِكَ مثَلا لاتِّساع النَّاس فِي زَمَن عُمَرَ، وَمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْصَار.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ «فَمَا مَضَت سابعةٌ حَتَّى أَعْطَنَ الناسُ فِي العُشْب» أَرَادَ أَنَّ المَطَر طَبَّق وعمَّ البُطُون والظُّهُور حَتَّى أَعْطَنَ النَّاسُ إِبِلَهُمْ فِي الْمَرَاعِي.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُسَامَةَ «وَقَدْ عَطَّنُوا مواشِيَهم» أَيْ أرَاحُوها، سُمِّي المَراحُ وَهُوَ مأْوَاها عَطَنا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «اسْتَوصُوا بالمِعْزَى خَيْرًا وانْقُشُوا لَهُ عَطَنه» أَيْ مُرَاحه.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «صَلُّوا فِي مَرَابضِ الغَنَم وَلَا تُصَلُّوا في أَعْطَان الإبلِ» لم يَنْه عن
__________
(1) الذي في الهروي «يقال: العَطِلَة: الناقة الحسنة. ويقال: هي الدَّلْو ... » . وانظر القاموس (عطل) .
(2) ذُكرت هذه اللفظة «ذِرَاعَيْ» بالنصب في ثلاثة مواضع، في المواد (شدد، عطل، نصف) وأثبتناه رواية شرح الديوان ص 17. وهو مرفوع على أنه خبر لكأنَّ في البيت السابق:
كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا وَقَدْ عَرِقَتْ ... وَقَدْ تَلَفَّعَ بالقور العَساقِيلُ
(3) أخرجه الهروي من حديث الاستسقاء.
(3/258)

الصَّلَاةِ فِيهَا مِنْ جِهَةِ النَّجَاسة، فإنَّها مَوْجُودَةٌ فِي مَرابض الغَنَم. وَقَدْ أمَر بالصَّلاة فِيهَا، والصلاةُ مَعَ النجاسَة لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْإِبِلَ تَزْدَحم فِي المَنْهل فَإِذَا شَرِبت رَفَعت رُؤسَها وَلَا يُؤمَن مِنْ نِفارِها وتَفَرّقها فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فتُؤْذي المُصَلِّي عِنْدَهَا، أَوْ تُلْهيه عَنْ صلاتِه، أَوْ تُنَجِّسه برَشَاش أبْوالِهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «أخَذت إهَاباً مَعْطُوناً فَأَدْخَلْتُهُ عُنُقي» المَعْطُون: المُنْتِنُ المُنْمَرِقُ الشَّعْرِ. يُقَالُ عَطِنَ الجلدُ فَهُوَ عَطِن ومَعْطُون: إِذَا مرَّق شَعره وأنْتَن فِي الدِّباغ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «وَفِي الْبَيْتِ أهُبٌ عَطِنَة»

(عَطَا)
(هـ) فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَإِذَا تُعُوطِيَ الحَقُّ لَمْ يَعْرِفْه أَحَدٌ» أَيْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أحْسن النَّاسِ خُلُقا مَعَ أَصْحَابِهِ، مَا لَمْ يَرَ حَقًّا يُتعرَّض لَهُ بِإِهْمَالٍ أَوْ إبْطالٍ أَوْ إفْسادٍ، فَإِذَا رَأى ذَلِكَ تَنَمَّر «1» وتَغيَّر حَتَّى أنْكَرَه مَنْ عَرَفه، كلُّ ذَلِكَ لنُصْرة الحقِّ. والتَّعَاطِي: التَّناولُ والجَرَاءة عَلَى الشَّيء، مِنْ عَطَا الشيءَ يَعْطُوه إِذَا أخَذَه وتَنَاوله.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «إِنَّ أرْبَى الرِّبا عَطْوُ الرَّجُلِ عِرضَ أَخِيهِ بغَيرِ حَقٍّ» أَيْ تَنَاوُلُه بالذَّم وَنَحْوِهِ.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «2» «لَا تَعْطُوه الأيْدِي» أَيْ لَا تَبْلُغُه فَتَتَنَاوَلَهُ.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الظَّاءِ

(عَظَلَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ عمر «قال لا بن عَبَّاسٍ: أنْشِدْنا لِشاعِر الشُّعراء، قَالَ: ومَن هُوَ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يُعَاظِل بَيْنَ القَول، وَلَا يَتَتبَّعُ حُوشيَّ الْكَلَامِ. قَالَ: ومَن هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْر» أَيْ لَا يُعَقِّده وَلَا يُوَالي بعضَه فَوْقَ بَعْضٍ. وكلُّ شَيْءٍ رَكِب شَيْئًا فَقَدْ عَاظَلَه.
[هـ] وَمِنْهُ «تَعَاظَلَ الجَرادِ والكِلاَب» وَهُوَ تَرَاكُبها.

(عَظُمَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الْعَظِيمُ» * هُوَ الَّذِي جاوَزَ قدْرُه وجلَّ عَنْ حُدُود العقول،
__________
(1) في اللسان «شَمَّر» .
(2) تصف أباها، كما ذكر الهروى.
(3/259)

حَتَّى لَا تُتَصَوَّر الإحاطةُ بكُنْهه وحَقِيقته. والعِظَم فِي صِفاتِ الأجْسام: كِبَرُ الطُّول والعرضِ والعُمْق.
وَاللَّهُ تَعَالَى جلَّ قَدْرُه عَنْ ذَلِكَ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّث لَيْلَةً عَنْ بَنِي إسرائيلَ لَا يقُومُ فِيهَا إِلَّا إِلَى عُظْم صَلَاةٍ» عُظْمُ الشيءِ: أكْبَرُه، كَأَنَّهُ أرادَ لَا يقُوم إِلَّا إِلَى الْفَرِيضَةِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فأسْنَدُوا عُظْم ذَلِكَ إِلَى ابْنِ الدُّخْشُمِ» أَيْ مُعْظَمَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ سِيرين «جَلسْتُ إِلَى مَجْلِس فِيهِ عُظْم مِنَ الأنْصارِ» أَيْ جَمَاعةٌ كثيرةٌ.
يُقَالُ: دخَل فِي عُظْمِ النَّاسِ: أَيْ مُعْظَمهِم.
(س) وَفِي حَدِيثِ رُقَيقَة «انظُرُوا رَجُلًا طُوَالا عُظَاماً» أَيْ عَظِيما بالِغاً. والفُعَال مِنْ أَبْنِيَةِ المُبالغة. وأبلَغُ مِنْهُ فُعَّال بِالتَّشْدِيدِ.
(س) وَفِيهِ «مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِه لَقِي اللَّهَ تبارَك وَتَعَالَى غَضْبَانَ» التَّعَظُّم فِي النَّفس: هُوَ الكِبْر والنَّخْوة أَوِ الزَّهْوُ.
(س) وَفِيهِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَتَعَاظَمُنِي ذَنْبٌ أَنْ أغْفِرَه» أَيْ لَا يَعْظُمُ عليَّ وَعِنْدِي.
(س) وَفِيهِ «بَيْنَا هُوَ يَلْعب مَعَ الصِّبيان وَهُوَ صغيرٌ بعَظْمِ وضّاحٍ مرَّ عَلَيْهِ يَهُوديٌّ فَقَالَ لَهُ:
لتقْتُلنّ صَنَادِيدَ هَذِهِ القَرْيَةِ» هِيَ لُعْبَة لَهُمْ كَانُوا يَطْرَحُون عَظْماً بِاللَّيْلِ يرْمُونه، فَمَنْ أصَابَه غلبَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا إِذَا غَلب واحدٌ مِنَ الفَرِيقين ركِب أصحابُهُ الفَريقَ الآخَر مِنَ الموْضع الَّذِي يَجدُونه فِيهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَمَوْا بِهِ مِنْهُ.

(عَظَهَ)
فِيهِ «لأجْعَلَنَّك عِظَةً» أَيْ مَوْعِظَة وعبْرَة لغَيرِك، وبابُه الواوُ، مِنَ الوَعْظ، وَالْهَاءُ فِيهِ عِوَضٌ مِنَ الواوِ الْمَحْذُوفَةِ.

(عَظَا)
فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
كَفِعْل الهِرِّ يَفْتَرس العَظَايَا هِيَ جمعُ عَظَايَة، وَهِيَ دُوَيْبَّة معْرُوفةٌ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا سامَّ أبْرَصَ. وَيُقَالُ للواحِدَة أَيْضًا:
عَظَاءَة، وَجَمْعُهَا عَظَاء.
(3/260)

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْفَاءِ

(عَفَثَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الزُّبير «أَنَّهُ كَانَ أخضَع أشْعَر أَعْفَث» الأَعْفَث: الَّذِي ينْكَشِف فَرْجُه كَثِيرًا إِذَا جَلَس. وَقِيلَ: هُوَ بالتَّاء بنُقْطَتَين، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي صِفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: كَانَ بَخيلا أَعْفَث، وَفِيهِ يَقُولُ أَبُو وَجْزَةَ:
دَعِ الأَعْفَث المِهْذَارَ يَهْذِي بشَتْمِنا ... فَنَحْنُ بأنْواعِ الشَّتيمَةِ أعْلَمُ
ورُوي عَنِ ابْنِ الزُّبير أَنَّهُ كانَ كلَّما تَحَرَّكَ بدَتْ عَوْرَتُه، فَكَانَ يَلْبَس تَحْتَ إِزَارِهِ التُّبَّان.

(عَفَرَ)
(هـ) فِيهِ «إِذَا سجَدَ جَافَى عضُدَيه حَتَّى يَرَى مَن خَلفَهُ عُفْرَةَ إبْطيه» العُفْرَة:
بياضٌ لَيْسَ بالنَّاصع، ولكنْ كلَون عَفَر الْأَرْضِ، وَهُوَ وجْهُها.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَأَنِّي أنظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إبطَيْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يُحْشَر الناسُ يومَ الْقِيَامَةِ عَلَى أرْضٍ بَيْضاء عَفْرَاء» .
(هـ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إِلَيْهِ قلَّة نسْل غَنَمِها، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَتْ:
سُودٌ، فَقَالَ: عَفِّرِي، أَيِ اخْلِطِيهَا بغَنمٍ عُفْرٍ، واحدتُها: عَفْرَاء.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الضَّحِيَّةِ «لَدَمُ عَفْرَاء أحبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْداوَيْن» .
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَيْسَ عُفْرُ اللَّيَالِي كالدَّآدئ» أَيِ اللَّيالي المُقْمِرة كالسُّود.
وَقِيلَ: هُوَ مَثَل.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ مرَّ عَلَى أرْضٍ تُسمَّى عَفِرَة فسمَّاها خَضِرَة» كَذَا رَواه الخطَّابي فِي شَرح «السُّنن» . وَقَالَ: هُوَ مِنَ العُفْرَة: لَوْنِ الْأَرْضِ. ويُرْوَى بِالْقَافِ وَالثَّاءِ وَالذَّالِ.
وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
يَغْدُو فيَلْحَمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيشُهُما ... لَحْمٌ مِنَ القَوْم مَعْفُورٌ خَرَاديلُ
المَعْفُور: المُتَرَّب المُعَفَّرُ بالتُّراب.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «العَافِر الوَجْهِ فِي الصَّلَاةِ» أَيِ المُتَرَّب.
(3/261)

وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي جَهْلٍ «هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَه بَيْنَ أظْهُرِكم» يُريدُ بِهِ سُجودَه عَلَى التُّراب، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِهِ: «لأَطَأنَّ عَلَى رَقَبَته أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وجْهَه فِي التُّرَابِ» يُريدُ إذلالَه، لعنةَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
(هـ) وَفِيهِ «أوّلُ دِينِكُمْ نُبُوّة ورَحمةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ أَعْفَر» أَيْ مُلْكٌ يُساس بالنُّكْر والدَّهاء، مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْخَبِيثِ المُنْكَر: عِفْرٌ. والعَفَارَة: الخُبْثُ والشَّيْطَنة.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ العِفْرِيَّةَ النِّفْرِيَّة» هُوَ الدَّاهِي الخبيثُ الشِّرِّير.
وَمِنْهُ «العِفْرِيت» وَقِيلَ: هُوَ الجَمُوع المَنُوع. وَقِيلَ: الظلُوم.
وَقَالَ الجَوهري «1» فِي تَفْسِيرِ العِفْرِيَّة «المُصَحَّح، والنِّفْرية إِتْبَاعٌ لَهُ» وَكَأَنَّهُ أشْبَه، لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَمامه «الَّذِي لَا يُرْزَأُ فِي أَهْلٍ وَلَا مَالٍ» .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «العِفْر، والعِفْرِيَّة، والعِفْرِيت، والعَفَارِيَّة: القَوِيُّ المُتَشَيْطِنُ الَّذِي يَعْفِرُ قِرنه.
والياءُ فِي عِفْرِيَّة وعَفَارِيَّة لِلْإلْحاق بِشِرْذِمةٍ وعُذافِرةٍ، والهاءُ فِيهِمَا للمبالَغَة. والتاءُ فِي عِفْرِيت للإلْحاق بِقْنديل» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «غَشِيَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ لَيْثًا عَفَرْنَى» العَفَرْنَى: الأسَدُ الشديدُ، والألفُ والنونُ لِلْإِلْحَاقِ بسَفَرْجل.
وَفِي كِتَابِ أَبِي مُوسَى «غَشِيَهم يومَ بَدْر لَيْثاً عِفْرِيّاً» أَيْ قَوِيًّا داهِياً. يُقَالُ أسدٌ عِفْرٌ وعِفِرٌّ، بِوَزْنٍ طِمِرّ: أَيْ قَوِيٌّ عَظِيمٌ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ بَعَثَ مُعاذاً إِلَى اليمَن وَأَمَرَهُ أَنْ يأخُذَ مِنْ كُلِّ حالِمٍ دِيناراً أَوْ عِدْله مِنَ المَعَافِرِيِّ» هِيَ بُرودٌ باليَمن مَنْسوبة إِلَى مَعَافِر، وَهِيَ قَبِيلَةٌ باليمَن، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ.
(هـ) ومنه حديث ابن عمر «إنه دخَل الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِ بُرْدان مَعَافِرِيَّان» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكره في الحديث.
__________
(1) حكايةٌ عن أبي عبيدة.
(3/262)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: مَا لِي عَهْدٌ بأهْلي مُنْذ عَفَارِ النّخلِ» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ هِلَالٍ «مَا قَرَبْتُ أهْلي مُذْ عَفَّرْنَا النَّخل» ويُرْوَى بِالْقَافِ، وَهُوَ خطأٌ.
التَّعْفِير: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أبَّروا النَّخلَ تركُوها أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تُسْقَى لِئَلَّا يَنْتَفِضَ حَمْلُها ثُمَّ تُسْقَى، ثُمَّ تُتْرك إِلَى أَنْ تَعْطَش ثُمَّ تُسْقَى. وَقَدْ عَفَّرَ القومُ: إِذَا فَعَلوا ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ تَعْفِير الوَحْشِيَّة ولدَها، وَذَلِكَ أَنْ تَفْطمه عِنْدَ الرَّضاع أيَّاماً ثُمَّ تُرضعه، تَفْعل ذَلِكَ مِرَارًا لِيَعْتادَه.
(س) وَفِيهِ «أَنَّ اسْمَ حِمَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُفَيْر» هُوَ تَصْغير تَرْخيم لأَعْفَر، مِنَ العُفْرَة: وَهِيَ الغُبْرة ولَونُ التُّرَابِ، كَمَا قَالُوا فِي تَصْغير أسْود: سُوَيْد، وَتَصْغِيرُهُ غَيْرُ مُرَخَّم:
أُعَيْفِر، كأُسَيود.
(س) وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبادة «أَنَّهُ خَرَج عَلَى حمَاره يَعْفُور ليعودَه» قِيلَ: سُمِّي يَعْفُوراً لِلَونِه، مِنَ العُفْرَة، كَمَا قِيلَ فِي أخْضَر: يَخْضُور. وَقِيلَ: سُمِّي بِهِ تَشْبِيهاً فِي عَدْوِه باليَعْفُور، وَهُوَ الظَّبيُ. وَقِيلَ: الخِشْف «1» .

(عَفَسَ)
(هـ) في حديث حَنْظَلة الأَسَدي «فَإِذَا رَجَعْنا عَافَسْنَا الأزواجَ والضَّيْعة» المُعَافَسَة:
المُعَالجةُ والمُمَارسةُ والمُلاعَبة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «كُنْتُ أُعَافِسُ وأُمارس» .
[هـ] وحديثُه الْآخَرُ «يَمْنَع مِنَ العِفَاس خوفُ المَوتِ، وذكْرُ البَعْثِ وَالْحِسَابِ» .

(عَفَصَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ اللُّقَطَة «احْفَظْ «2» عِفَاصَها ووكاءَها» العِفَاص: الوِعاءُ الَّذِي تكونُ فِيهِ النَّفَقةُ مِنْ جِلْد أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنَ العَفْص: وَهُوَ الثَّنْيُ والعَطْف. وَبِهِ سُمِّي الْجِلْدُ الَّذِي يُجْعَل عَلَى رَأْسِ القَارُورَة: عِفَاصاً، وَكَذَلِكَ غِلافُها. وقد تكرر في الحديث.
__________
(1) الخِشْف: ولدُ الغزال، يطلق على الذكر والأنثى. (المصباح المنير) .
(2) رواية الهروي: «اعْرَفْ عِفاصَها» .
(3/263)

(عَفَطَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَلَكَانَتْ دُنْياكم هَذِهِ أهْوَنَ عليَّ مِنْ عَفْطَة عَنْز» أَيْ ضَرْطة عَنْزٍ.

(عَفَفَ)
فِيهِ «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه اللَّهُ» الاسْتِعْفَاف: طلبُ العِفَاف والتَّعَفُّف، وَهُوَ الكَفُّ عَنِ الحَرَام والسُّؤالِ مِنَ النَّاسِ: أَيْ مَن طَلَب العِفَّة وَتَكَلَّفَهَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاها. وَقِيلَ الاسْتِعْفَاف: الصَّبْر والنَّزَاهَةُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: عَفَّ يَعِفُّ عِفَّة فَهُوَ عَفِيف.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «اللَّهُمَّ إِنِّي أسأَلُكَ العِفَّة والغِنَى» .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «فإنَّهم- مَا عَلِمْتُ- أَعِفَّةٌ صُبُر» جَمْعُ عَفِيف. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ المُغيرة «لَا تُحَرِّمُ العُفَّة» هِيَ بَقِيَّة اللَّبن فِي الضَرْع بَعْدَ أَنْ يُحْلَب أكْثرُ مَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ العُفَافَة، فاستَعَارَها للمَرْأة، وهُم يَقُولُونَ: العَيْفَة.

(عَفَقَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ لُقمان «خُذِي مِنِّي أَخِي ذَا العِفَاق» يُقَالُ: عَفَقَ يَعْفِقُ عَفْقاً وعِفَاقاً إِذَا ذَهَب ذَهَاباً سَرِيعاً. والعَفْق أَيْضًا: العَطْف، وَكَثْرَةُ الضِّراب.

(عَفَلَ)
فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أرْبَع لَا يَجُزْنَ فِي البَيْع وَلَا النِّكاح: المجْنُونة، والمجذُومة، والبَرْصَاء، والعَفْلَاء» العَفَل- بِالتَّحْرِيكِ-: هَنَةٌ تَخْرُجُ فِي فَرْج الْمَرْأَةِ وحَيَاء النَّاقة شبيهةٌ بالأُدْرَة الَّتِي لِلرِّجَالِ فِي الخُصيَة. وَالْمَرْأَةُ عَفْلَاء. والتَّعْفِيل: إصلاح ذلك.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مَكحول «فِي امْرأةٍ بِهَا عَفَلٌ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَير بْنِ أفْصَى «كَبْشٌ حوليٌّ أَعْفَلُ» أَيْ كَثِيرُ شَحْم الخُصْية مِنَ السِّمَن، وَهُوَ العَفْل بِإِسْكَانِ الْفَاءِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «العَفْل: مَجَسُّ الشَّاةِ بَيْنَ رجليْها إِذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِف سِمَنها مِنْ هُزَالها» .

(عَفِنَ)
فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «عَفِنَ مِنَ القَيْح والدَّم جَوْفي» أَيْ فَسَد مِنَ احْتِبَاسِهما فِيهِ.
(3/264)

(عَفَا)
فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «العَفُوّ» هُوَ فَعُول، مِنَ العَفْو وَهُوَ التَّجاوزُ عَنِ الذَّنْب وتركُ العِقَاب عَلَيْهِ، وأصلُه المَحْوُ والطَّمْسُ، وَهُوَ مِنْ أبْنيةِ المُبَالغة. يُقَالُ: عَفَا يَعْفُو عَفْواً، فَهُوَ عَافٍ وعَفُوّ.
وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيلِ والرَّقيقِ فأدُّوا زكاةَ أمْوالِكم» أَيْ تَركْتُ لَكُمْ أخْذَ زكاتِها وتجاوزْتُ عَنْهُ، وَمِنْهُ قولُهم: عَفَتِ الريحُ الأثَر، إِذَا طَمَسَته وَمَحَتْه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمة «قَالَتْ لِعُثْمَانَ: لَا تُعَفِّ سَبيلاً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحَبَها» أَيْ لَا تَطْمِسْها.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «سَلُوا اللهَ العَفْو والعَافِيَة والمُعَافَاة» فالعَفْو: مَحْوُ الذُّنوب، والعَافِيَة: أَنْ تَسْلَم مِنَ الأسْقَام والبَلاَيا، وَهِيَ الصحةُ وضِدُّ المرَض، ونظيرُها الثَّاغِيةُ والرَّاغية، بِمَعْنَى الثُّغاء والرُّغاء. والمُعَافَاة: هِيَ أَنْ يُعَافِيَك اللهُ مِنَ النَّاسِ ويُعَافِيَهُم مِنْكَ: أَيْ يُغْنِيك عَنْهُمْ ويُغْنيهم عَنْكَ، ويَصْرف أذاهُم عَنْكَ وأذَاكَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: هِيَ مُفاعَلة مِنَ العَفْو، وَهُوَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ النَّاسِ ويَعْفُوَ هُم عَنْهُ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَعَافَوُا الحدودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ» أَيْ تَجاوَزُوا عَنْهَا وَلَا تَرْفَعُوها إليَّ، فإنَّي مَتَى عَلِمتُها أقَمْتُها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وسُئِل عمَّا فِي أموالِ أهلِ الذِّمة فَقَالَ: «العَفْو» أَيْ عُفِيَ لَهُمْ عمَّا فِيهَا مِنَ الصَّدَقة وعن العُشْر في غَلاَّتهم.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبير «أمرَ اللَّهُ نبيَّه أَنْ يَأخُذَ العَفْوَ مِنْ أخْلاق الناسِ» هُوَ السَّهْل المُتَيسِّر: أَيْ أمرَه أَنْ يَحْتَمِلَ أخْلاقَهم ويَقْبَل مِنْهَا مَا سَهُل وتَيَسَّر، وَلَا يَسْتَقصي عَلَيْهِمْ.
وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «أَنَّهُ قَالَ للنَّابغة: أمَّا صَفْو أمْوالنا فَلِآلِ الزُّبير، وَأَمَّا عَفْوُه فإنَّ تَيْماً وأسَداً تَشْغَله عَنْكَ» قَالَ الحرْبي: العَفْو: أجَلُّ المالِ وأطْيَبُه.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: «عَفْو المالِ: مَا يَفْضُل عَنِ النَّفَقة» وكلاهُما جائزٌ فِي اللُّغة، وَالثَّانِي أشْبَه بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(3/265)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أمَرَ بإِعْفَاء اللِّحَى» هُوَ أَنْ يُوفِّر شَعَرُها وَلَا يُقَصّ كالشَّوارب، مِنْ عَفَا الشيءُ إِذَا كَثُر وَزَادَ. يُقَالُ: أَعْفَيْتُه وعَفَّيْتُه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ القِصاص «لَا أَعْفَى مَن قَتَل بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ» هَذَا دُعاء عَلَيْهِ: أَيْ لَا كَثُر مالُه وَلَا اسْتَغْنَى.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا دخَل صَفَرُ وعَفَا الوَبَر» أَيْ كَثُر وَبَرُ الإِبل.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وعَفَا الأَثَرُ» هُوَ بِمَعْنَى دَرس وامَّحَى.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُصْعَب بْنِ عُمَير «إِنَّهُ غُلامٌ عَافٍ» أَيْ وَافِي اللَّحْم كثيرُه.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «إِنَّ عامِلَنا لَيْسَ بالشِعث وَلَا العَافِي» .
وفي «إنَّ المُنافق إِذَا مَرض ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كالبَعير عَقَلَه أهلُه ثُمَّ أرْسَلُوه، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوه ولِمَ أرْسَلُوه» أُعْفِيَ المريضُ بِمَعْنَى عُوفِيَ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أقْطَع مِنْ أرضِ الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَفَاءً «1» » أَيْ مَا لَيْسَ فِيهِ لِأَحَدٍ أثَرٌ، وَهُوَ مِنْ عَفَا الشيءُ إِذَا دَرس وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ. يُقَالُ: عَفَتِ الدارُ عَفَاءً، أَوْ مَا لَيْسَ لأحدٍ فِيهِ مِلْكٌ، مِنْ عَفَا الشَّيْءُ يَعْفُو إِذَا صَفَا وخَلُص.
[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ويَرْعَوْن عَفَاءَها «2» » .
وَمِنْهُ حَدِيثُ صَفْوان بْنِ مُحْرِزٍ «إِذَا دَخَلْتُ بَيْتي فأكَلْتُ رَغِيفًا وشَرِبتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ فعَلى الدُّنْيَا العَفَاء» أَيِ الدُّرُوس وذَهابُ الأثَر. وَقِيلَ: العَفَاء التُّراب.
(هـ) وَفِيهِ «مَا أكَلَتِ العَافِيَة مِنْهَا فهُو لَهُ صَدَقة» وَفِي رِوَايَةٍ «العَوَافِي» العَافِيَة والعَافِي:
كلُّ طَالِبِ رزْقٍ مِنْ إنسانٍ أَوْ بَهِيمةٍ أَوْ طائرٍ، وجمعُها: العَوَافِي، وَقَدْ تَقَع العَافِيَة عَلَى الْجَمَاعَةِ.
يُقَالُ: عَفَوْتُه واعْتَفَيْتُه: أَيْ أتَيْتُه أطلُب مَعْرُوفَهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذكر «العَوَافِي» في الحديث بهذا المعنى.
__________
(1) في الأصل، واللسان: «عَفاً» وأثبتنا ما في ا، والهروي، والفائق 2/ 166، 3/ 94.
(2) زاد الهروي: «والعَفِا، مقصور ... » .
(3/266)

وَمِنْهَا الْحَدِيثُ فِي ذِكْرِ الْمَدِينَةِ «ويَتْرُكُها أهلُها عَلَى أحْسَن مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً للعَوَافِي» .
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ «أَنَّهُ تَرَكَ أتانَيْن وعِفْواً» العِفْو بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ وَالْفَتْحِ:
الجَحْش، والأُنْثَى عَفْوَةً.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْقَافِ

(عَقَبَ)
(هـ) فِيهِ «مَن عَقَّبَ فِي صَلاةٍ «1» فَهُوَ فِي صلاةٍ» أَيْ أقامَ فِي مُصلاَّه بَعْدَ مَا يَفْرُغُ مِنَ الصَّلَاةِ. يُقَالُ: صَلَّى القومُ وعَقَّبَ فُلان.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «والتَّعْقِيب فِي الْمَسَاجِدِ بانْتِظار الصَّلاة بَعْدَ الصَّلَاةِ» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا كَانَتْ صلاةُ الخَوف إلاَّ سَجْدَتين، إلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ عُقَباً» أَيْ تُصَلِّي طائفةٌ بَعْدَ طائفةٍ، فَهُمْ يَتَعَاقَبُونَها تَعَاقُبَ الغُزَاة.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وأنَّ كلَّ غازِيةٍ غَزَتْ يَعْقِبُ بعضُها بَعْضًا» أَيْ يَكُونُ الغَزْوُ بينَهُم نُوَباً، فَإِذَا خَرَجت طائفةٌ ثُمَّ عادَت لَمْ تُكَلَّف أَنْ تَعُودَ ثَانِيَةً حَتَّى تَعْقُبَها أخْرى غيرُها.
(هـ س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُعَقِّبُ الْجُيوش فِي كلِّ عامٍ» .
(هـ) وَحَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيب فِي رَمَضان فأمرَهم أَنْ يُصَلُّوا فِي الْبُيُوتِ» التَّعْقِيب: هُوَ أَنْ تَعْمَل عَمَلا ثُمَّ تَعُودَ فِيهِ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا: صَلَاةَ النَّافلة بَعْدَ التَّراويح، فكَره أَنْ يُصَلّوا فِي الْمَسْجِدِ، وأحبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «مُعَقِّبَات لَا يَخيبُ قائِلُهن: ثَلاث وَثَلَاثُونَ تَسبيحةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» سُمِّيت مُعَقِّبَات لأنَّها عادَتْ مرَّة بَعْدَ مرَّة، أَوْ لأنَّها تُقَالُ عَقِيب الصَّلاة «2» . والمُعَقِّب مِنْ كلِّ شَيْءٍ: مَا جاءَ عَقِيب ما قبله.
__________
(1) في الأصل: «في الصلاة» وأثبتنا ما في ا، واللسان، والدر النثير، والهروي. والرواية في اللسان: «من عقّب في صلاةٍ فهو في الصلاة» .
(2) زاد الهروي: «وقال شَمِر: أراد تسبيحاتٍ تخلف بأعقاب الناس» .
(3/267)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَكَانَ الناضِحُ يَعْتَقِبُه مِنَّا الخمسةُ» أَيْ يَتَعَاقَبُونَه فِي الرُّكُوب وَاحِدًا بَعْدَ واحدٍ. يُقَالُ: دَارَت عُقْبَة فُلَانٍ: أَيْ جاءَت نَوبَتُه ووقتُ ركُوبه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ هُوَ وامْرَأته وخادمُه يَعْتَقِبُون اللَّيْلَ أثْلاثاً» أَيْ يتَنَاوبُونه فِي الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ شُرَيح «أَنَّهُ أبْطَل النَّفْح إلاَّ أَنْ تَضْرِبَ فتُعَاقِبَ» أَيْ أبْطَل نَفْحَ الدَّابة برجْلِها إِلَّا أَنْ تُتْبَع ذَلِكَ رَمْحاً.
وَفِي أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «العَاقِب» هُوَ آخرُ الأنْبِياء، والعَاقِب والعَقُوب:
الَّذِي يَخْلُف مَنْ كَانَ قبلَه فِي الخَير.
(س) وَفِي حَدِيثِ نَصارَى نَجْرانَ «جَاءَ السيِّدُ والعَاقِب» هُمَا مِنْ رُؤسَائِهم وَأَصْحَابِ مَرَاتبهم. والعَاقِب يَتْلو السَّيِّد.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ سَافَر فِي عَقِب رَمضان» أَيْ فِي آخِرِهِ وَقَدْ بَقِيت مِنْهُ بَقِيَّة.
يُقَالُ: جاءَ عَلَى عَقِب الشَّهْرِ وَفِي عَقِبِه إِذَا جَاءَ وَقَدْ بَقِيت مِنْهُ أَيَّامٌ إِلَى العَشْرة «1» . وَجَاءَ فِي عُقْبِ الشَّهر وَعَلَى عُقْبِه إِذَا جَاءَ بَعْدَ تَمامه.
وَفِيهِ «لَا تَرُدَّهُم «2» عَلَى أَعْقَابِهم» أَيْ إِلَى حَالَتِهِمُ الأُولَى مِنْ تَرْك الهِجْرة.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا زَالُوا مُرْتدِّين عَلَى أَعْقَابِهم» أَيْ رَاجِعِين إِلَى الكُفْر، كأنَّهم رَجعُوا إِلَى ورَائِهم.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنْ عَقِب الشَّيْطَانِ فِي الصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» هُوَ أَنْ يَضَع ألْيتيه عَلَى عَقِبَيْه بَيْنَ السَّجدَتين، وَهُوَ الَّذِي يجعَلُه بعضُ النَّاسِ الإقْعاءِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتْرك عَقِبَيْه غَيْرَ مَغْسُولَين فِي الْوُضُوءِ.
__________
(1) عبارة الهروي: «وقد بقيت منه بقية» .
(2) في الأصل: «لا تردّوهم» والمثبت من اواللسان.
(3/268)

(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ويلٌ للعَقِب مِنَ النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ «للأَعْقَاب» وخَصَّ العَقِب بِالْعَذَابِ لِأَنَّهُ العُضْوُ الَّذِي لَمْ يُغْسَل.
وَقِيلَ: أرادَ صَاحِبَ العَقِب، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَقْصُون غَسْلَ أرجُلِهم فِي الْوُضُوءِ. وَيُقَالُ فِيهِ: عَقِبٌ وعَقْب.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّ نَعْله كَانَتْ مُعَقَّبَة مُخَصَّرة» المُعَقَّبَة: الَّتِي لَهَا عَقِب.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ بَعث أُمَّ سُليم لتنْظُر لَهُ امْرَأَةً فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى عَقِبَيْها أَوْ عُرْقُوبَيْها» قِيلَ: لِأَنَّهُ إِذَا اسْودَّ عَقِبَاها اسْودَّ «1» سائرُ جَسَدها.
وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ اسمُ رَايتِه عَلَيْهِ السَّلَامُ العُقَاب» وَهِيَ العَلَم الضَّخْمُ.
وَفِي حَدِيثِ الضِّيافة «فَإِنْ لَمْ يَقْرُوه فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهم بمثْل قِرَاه» أَيْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضاً عمَّا حرَمُوه مِنَ القِرَى. وَهَذَا فِي المضْطَرّ الَّذِي لَا يَجدُ طَعَامًا وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ. يُقَالُ: عَقَّبَهُم مُشَدّدا ومخفَّفا، وأَعْقَبَهُم إِذَا أخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وعُقْبَةً، وَهُوَ أَنْ يأخُذَ مِنْهُمْ بدَلاً عمَّا فاتَه.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «سأُعْطيكَ منها عُقْبَى» أي بدلا من الإبْقَاء والإطْلاَق.
(س) وَفِيهِ «مَنْ مَشَى عَنْ دَابَّته عُقْبَةً فَلَهُ كَذَا» أَيْ شَوْطاً.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بَدْرٍ «كُنتُ مَرَّةً نُشْبَةً فَأَنَا الْيَوْمَ عُقْبَةٌ» أَيْ كنتُ إِذَا نَشِبْت بإنسانٍ وعلِقْت بِهِ لَقِيَ مِنِّي شَرًّا فَقَدْ أَعْقَبْتُ اليومَ مِنْهُ ضَعْفاً.
(س) وَفِيهِ «مَا مِن جَرْعَةٍ أحْمد عُقْبَاناً» أَيْ عَاقِبَة.
وَفِيهِ «أَنَّهُ مضَغَ عَقَبا وَهُوَ صائمٌ» هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ: العَصَب.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ النَّخَعِيّ «المُعْتَقِب ضامنٌ لِمَا اعْتَقَبَ» الاعْتِقَاب: الحبْسُ والمنعُ، مِثْلُ أَنْ يَبيعَ شَيْئًا ثُمَّ يمنَعه مِنَ المُشْتَري حَتَّى يَتْلف عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يضمَنُه.

(عَقْبَلَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «ثُمَّ قَرَن بِسَعَتها عَقَابِيل فاقَتها» العَقَابِيل: بَقايا المَرض وَغَيْرُهُ، وَاحِدُهَا عُقْبُول.
__________
(1) في ا «استوى» .
(3/269)

(عَقَدَ)
[هـ] فِيهِ «مَنْ عَقَدَ لِحْيَته فَإِنَّ مُحَمَّداً بَريءٌ مِنْهُ» قِيلَ: هُوَ مُعَالجتُها حَتَّى تَتَعَقَّد وتَتَجعَّد.
وَقِيلَ: كَانُوا يَعْقِدُونها فِي الحُرُوب، فأمَرهم بِإِرْسَالِهَا، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تكَبُّرا وعُجْباً.
وَفِيهِ «مَنْ عَقَدَ الجزْيةَ فِي عُنُقه فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» عَقْدُ الجزْية:
كِناية «1» عَنْ تَقْرِيرِهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا تُعْقَد الذمَّة للكِتابيِّ عَلَيْهَا.
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «لَكَ مِنْ قُلُوبنا عُقْدَة النَّدَم» يُرِيدُ عَقْدَ العَزْم عَلَى النَّدَامة، وَهُوَ تَحْقِيقُ التَّوْبَةِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لآمُرَنَّ برَاحِلَتي تُرْحَل، ثُمَّ لاَ أَحُلُّ لَهَا عُقْدَة حَتَّى أقْدَمَ الْمَدِينَةَ» أَيْ لَا أحلُّ عَزْمي حَتَّى أقْدَمَها. وَقِيلَ: أرادَ لَا أنزلُ فأعْقلها حَتَّى أحْتَاج إِلَى حَل عِقالها.
وَفِيهِ «أنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايع وَفِي عُقْدَته ضَعْف» أَيْ فِي رَأيه ونَظَره فِي مَصَالح نَفْسه.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «هَلك أهلُ العَقْد «2» ورَبِّ الْكَعْبَةِ» يَعْنِي أَصْحَابَ الْوِلَايَاتِ عَلَى الأمْصار، مِنْ عَقْد الأَلْوية للأمَراء.
(هـ) ومنه حَدِيثِ أُبِيٍّ: «هَلَكَ أهلُ العُقْدَة ورَبِّ الْكَعْبَةِ» يُرِيدُ البيعَة المَعْقُودَة للوُلاَة.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى «وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ «3» أيمانُكم» المُعَاقَدَة: المُعَاهَدَة والميثاقُ. والأيمانُ: جَمْعُ يَمين: الْقَسَمُ أَوِ الْيَدُ.
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «أَسْأَلُكَ بمَعَاقِد العِزِّ مِنْ عَرْشِك» أَيْ بالخِصَال الَّتِي استحقَّ بها
__________
(1) في الأصل: «عِبارةٌ» وأثبتنا ما في ا، واللسان.
(2) ضبطت في الأصل واللسان «العُقْد» بضم العين وفتح القاف. وأثبتنا ضبط اوالهروى.
(3) الآية 33 من سورة النساء. و «عاقَدَتْ» قراءة نافع، انظر تفسير القرطبي 5/ 165، 167.
(3/270)

العَرْشُ العزَّ، أَوْ بمواضِع انْعِقَادِها منْه. وَحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ: بعزِّ عَرْشِكَ. وَأَصْحَابُ أَبِي حَنيفة يكْرهُون هَذَا اللَّفظ مِنَ الدُّعاء «1» .
وَفِيهِ «فعَدلتُ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِذَا بعُقْدَة مِنْ شَجَرٍ» العُقْدَة مِنَ الْأَرْضِ: البُقْعة الكثيرةُ الشَّجَرِ.
وَفِيهِ «الخيلُ معقودٌ فِي نَواصِيها الْخَيْرُ» أَيْ مُلازٍمٌ لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو «أَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ السِّبَاعَ هَاهُنَا كَثِيرًا؟ قِيلَ: نَعم، ولكنَّها عُقِدَتْ، فَهِيَ تُخالِط البَهَائم وَلَا تَهِيجُها» أَيْ عُولِجَت بالأُخَذِ والطَّلْسَمات كَمَا تُعالجُ الرُّومُ الهَوامَّ ذواتِ السُّموم، يَعْنِي عُقِدَتْ ومُنعت أَنْ تضُرَّ الْبَهَائِمَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «أَنَّهُ كَسَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثَوبَين ظَهْرانيًّا ومُعَقَّدا» المُعَقَّد:
ضَرْبٌ مِنْ بُرُود هَجَر.

(عَقَرَ)
(هـ) فِيهِ «إنِّي لبعُقْرِ حَوضِي أذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ اليمَن» عُقْر الْحَوْضِ بِالضَّمِّ:
مَوْضِعُ الشَّارِبَةِ مِنْهُ: أَيْ أطرُدُهم لأجْل أَنْ يَرِدَ أهلُ اليمَن.
[هـ] وَفِيهِ «مَا غُزِيَ قومٌ فِي عُقْر دارِهم إِلَّا ذَلُّوا» عُقْر الدَّارِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ: أصلُها.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «عُقْر دَار الْإِسْلَامِ الشَّاُم» أَيْ أَصْلُهُ ومَوْضعه، كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى وَقْتِ الفتَن:
أَيْ يَكُونُ الشَّامُ يَوْمَئِذٍ آمِناً مِنْهَا، وأهلُ الْإِسْلَامِ بِهِ أسلمُ.
(هـ) وَفِيهِ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» كَانُوا يَعْقِرُون الإبلَ عَلَى قُبُور المَوتَى: أَيْ ينْحَرُونَها وَيَقُولُونَ: إنَّ صاحبَ القَبْر كَانَ يَعْقِرُ لِلْأَضْيَافِ أَيَّامَ حياته فتكافئه بِمِثْلِ صَنِيعه بَعْدَ وفاتِه.
وأصلُ العَقْر: ضَرْب قوائِم الْبَعِيرِ أَوِ الشاةِ بالسيفِ وَهُوَ قائمٌ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بعِيراً إِلَّا لمَأكلة» وَإِنَّمَا نَهى عَنْهُ لِأَنَّهُ مُثْلَة وتعذيبٌ لِلْحَيَوَانِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الْأَكْوَعِ «فَمَا زلتُ أَرْمِيهم وأَعْقِرُ بِهِمْ» أَيْ أقتُلُ مرْكُوبَهم. يُقَالُ:
عَقَرْتُ بِهِ: إِذَا قَتَلْتَ مَركوبَه وجعلتَه راجلاً.
__________
(1) قال السيوطي في الدر النثير: «وحديثه موضوع» .
(3/271)

[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فعَقَرَ حنظلةُ الراهِب بِأَبِي سُفْيان بْنِ حَرْب «1» » أَيْ عَرْقَبَ دابَّته، ثُمَّ اتُّسِع فِي العَقْر حَتَّى اسْتعمل فِي القَتْل وَالْهَلَاكِ.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ قَالَ لمُسَيْلِمة الْكَذَّابِ: وَلَئِنْ أدْبَرْت ليَعْقِرَنَّك اللَّهُ» أَيْ ليُهلِكنَّك. وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنْ عَقْرِ النَّخْل، وَهُوَ أَنْ تُقْطع رُؤُوسُهَا فتَيْبَسَ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْع «وعَقْرُ جارَتِها» أَيْ هَلاكُها مِنَ الحَسَد وَالْغَيْظِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا تأكُلُوا مِنْ تَعَاقِر الْأَعْرَابِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يكونَ ممَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» هُوَ عَقْرُهُم الإبلَ، كَانَ يَتَبَارَى الرجُلان فِي الجُود والسَّخَاءِ فيَعْقِرُ هَذَا إِبِلًا ويَعْقِرُ هَذَا إِبِلًا حَتَّى يُعَجِّزَ أحدُهما الْآخَرَ، وَكَانُوا يَفْعلُونه رِيَاءً وسُمْعة وتَفَاخُرا، وَلَا يَقْصِدُون بِهِ وجهَ اللَّهِ، فشبَّهه بِمَا ذُبح لِغَيْرِ اللَّهِ.
(س) وَفِيهِ «إنَّ خَدِيجة لمَّا تَزوّجَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسَتْ أَبَاها حُلة وخَلَّقَتْه، ونَحرَت جَزُورا، فَقَالَ: مَا هَذَا الحَبِيرُ، وَهَذَا العبيرُ، وَهَذَا العَقِير؟» أَيِ الجزُور المنْحُور. يُقَالُ: جَمَل عَقِيرٌ، وَنَاقَةٌ عَقِيرٌ.
قِيلَ: كَانُوا إِذَا أرَادُوا نَحْرَ البَعير عَقَرُوه: أَيْ قَطَعُوا إِحْدَى قوائِمه ثُمَّ نحَرُوه. وَقِيلَ:
يُفعل ذَلِكَ بِهِ كيلاَ يَشْرُدَ عِنْدَ النَّحْرِ.
وَفِيهِ «إِنَّهُ مرَّ بحمَارٍ عَقِير» أَيْ أَصَابَهُ عَقْر وَلَمْ يمُت بَعْدُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ صَفِيّة «لمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّها حائضٌ، فَقَالَ: عَقْرَى حَلْقَى» أَيْ عَقَرَها اللهُ وأصَابَها بعَقْر فِي جَسَدها. وَظَاهِرُهُ الدُّعاء عَلَيْهَا، وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ فِي مَذْهَبهم معروفٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الصَّواب «عَقْراً حَلْقاً» ، بِالتَّنْوِينِ، لِأَنَّهُمَا مصدَرَا: عَقَرَ وحَلَقَ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: عَقَّرْتُه إِذَا قلتَ لَهُ: عَقْراً، وَهُوَ مِنْ بَابِ سَقْياً، ورَعْياً، وجَدْعاً.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «هُمَا صفَتان لِلْمَرْأَةِ المَشْئومة: أَيْ أَنَّهَا تَعْقِرُ قومَها وتَحْلِقُهم: أي تَسْتَأصِلُهم
__________
(1) في الهروي: «بأبي سفيان بن الحارث» .
(3/272)

مِنْ شُؤْمها عَلَيْهِمْ. ومَحَلُّهما الرفعُ عَلَى الخَبَرية: أَيْ هِيَ عَقْرَى وحَلْقَى. ويَحْتمِل أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَين عَلَى فَعْلى بِمَعْنَى العَقْر والحَلْق، كالشَّكْوَى للشكْوِ» .
وَقِيلَ: الألفُ لِلتَّأْنِيثِ، مِثْلُهَا فِي غَضْبَى وسَكْرى.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «إنَّ رجُلا أثْنَى عِنْدَهُ عَلَى رَجُلٍ فِي وجْهه، فَقَالَ: عَقَرْتَ الرَّجُلَ عَقَرَك اللَّهُ» .
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ أقْطَع حُصَينَ بْنَ مُشَمِّت نَاحِيَةَ كَذَا، واشْتَرط عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْقِرَ مَرْعاها» أَيْ لَا يَقْطع شجَرَها.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «فَمَا هُوَ إلاَّ أَنْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ فعَقِرْتُ وَأَنَا قائمٌ حَتَّى وقَعْت إِلَى الْأَرْضِ» العَقَر بفَتْحتين: أَنْ تُسْلِمَ الرجُلَ قوائمُه مِنَ الخَوف. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يفْجَأه الرَّوعُ فَيدْهشَ وَلَا يستطيعَ أَنْ يتقدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْعَبَّاسِ «أَنَّهُ عَقِرَ فِي مَجْلِسِه حِينَ أُخْبِرُ أَنَّ مُحَمَّدًا قُتِلَ» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَقَطَت أذقَانُهم عَلَى صُدُورهم وعَقِرُوا فِي مَجَالِسِهم» .
وَفِيهِ «لَا تَزَوَّجُنّ عَاقِراً فَإِنِّي مكاثرٌ بِكُمْ» العَاقِر: المرأةُ الَّتِي لَا تَحمِل.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ مَرَّ بأرْضٍ تُسَمَّى عَقِرَة فَسَمَّاهَا خَضِرَة» كَأَنَّهُ كَرِه لَهَا اسْمَ العَقْر، لأنَّ العَاقِر المرأةُ الَّتِي لَا تَحْمل. [وشَجرَة عَاقِرَة لَا تَحْمل] «1» فسمَّاها خَضِرَة تَفاؤُلاً بِهَا. ويجوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نخلةٌ عَقِرَة إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا فَيَبِست.
[هـ] وَفِيهِ «فأعطَاهُم عُقْرَها» العُقْر- بِالضَّمِّ-: مَا تُعْطاه المرأةُ عَلَى وَطِء الشُّبْهة.
وأصلُه أنَّ واطِئَ البِكْر يَعْقِرُها إِذَا افْتضَّها، فسُمِّي مَا تُعْطَاه للعَقْر عُقْرا، ثُمَّ صار عامًّا لها وللثَّيِّب.
__________
(1) ساقط من ا. وفي اللسان: «وشجرةٌ عاقِر..» .
(3/273)

(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الشّعْبِي «ليسَ عَلَى زَانٍ عُقْر» أَيْ مهْرٌ، وَهُوَ للمُغْتَصَبَة مِنَ الْإِمَاءِ كالمَهْر للحُرّة.
(هـ) وَفِيهِ «لَا يَدْخل الجنةَ مُعَاقِر خمرٍ» هُوَ الَّذِي يُدْمِن شُرْبَها. قِيلَ: هُوَ مأخوذٌ مِنْ عُقْر الحَوض، لِأَنَّ الوَاردَةَ تُلازِمُه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تُعَاقِرُوا» أَيْ لَا تُدْمِنوا شُرْب الخَمْرِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ قُسٍّ، ذِكْرُ «العُقَار» هُوَ بِالضَّمِّ مِنْ أسْماء الخمرِ.
[هـ] وَفِيهِ «مَنْ بَاعَ دَاراً أَوْ عَقَاراً» العَقَار بِالْفَتْحِ: الضَّيعةُ والنَّخل وَالْأَرْضُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَرَاريَّهم وعَقَار بُيُوتهم» أَرَادَ أرضَهم.
وَقِيلَ: مَتَاعَ بُيُوتِهِمْ وَأَدَوَاتِهِ وَأَوَانِيَهُ. وَقِيلَ: مَتاعه الَّذِي لَا يُبْتَذل إلاَّ فِي الْأَعْيَادِ. وعَقَار كُلِّ شَيْءٍ: خِيَارُهُ.
(س) وَفِيهِ «خيرُ المالِ العُقْر» هُوَ بِالضَّمِّ: أصلُ كلِّ شَيْءٍ. وَقِيلَ: هُوَ بِالْفَتْحِ. وَقِيلَ:
أرادَ أصْل مالٍ لَهُ نَمَاء.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمة «أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سكَّن اللَّهُ عُقَيْرَاكِ فَلَا تُصْحِرِيها» أَيْ أسْكَنَك بيتَك وستَرَك فِيهِ فَلَا تُبْرِزيه «1» . وَهُوَ اسْمٌ مُصَغَّر مشتقٌّ مِنْ عُقْرِ الدَّار.
قَالَ القُتَيبي: لَمْ أسمَع بعُقَيْرَى إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «كَأَنَّهَا تَصْغِيرُ العَقْرَى عَلَى فَعْلَى، مَنْ عَقِرَ إِذَا بَقِي مكانَه لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يتأخَّر، فزَعا، أَوْ أسَفاً أَوْ خَجَلا. وأصلُه مِنْ عَقَرْتُ بِهِ إِذَا أطلتَ حَبْسَه، كَأَنَّكَ عَقَرْتَ رَاحِلَتَهُ فَبَقِيَ لَا يقْدِر عَلَى البَرَاح. وأرادَت بِهِ نفسَها: أَيْ سَكّنِي نفْسَك الَّتِي حقُّها أَنْ تَلْزَمَ مكانَها «2» ولا تَبرُزَ
__________
(1) في الهروي: «قالت ذلك عند خروجها إلى البصرة» .
(2) مكان هذا في الفائق 1/ 585: «ولا تبرح بيتَها واعملي بقوله تعالى: «وقَرْنَ..» الآية.
(3/274)

إِلَى الصَّحْراء مِنْ قولَه تَعَالَى «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» .
(هـ) وَفِيهِ «خَمْسٌ يُقْتَلن فِي الحلِّ والحَرَم، وَعَدَّ مِنْهَا الكَلْبَ العَقُور» وَهُوَ كُلُّ سَبُع يَعْقِرُ: أَيْ يجْرح ويَقْتُل ويفْتَرسُ، كالأسدِ، والنّمِر، والذِّئب. سمَّاها كَلْبًا لاشْتِرَاكِها فِي السَّبُعيَّة. والعَقُور: مِنْ أبْنِية الْمُبَالَغَةِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّهُ رَفَع عَقِيرَتَه يَتَغنّى» أَيْ صَوْته. قِيلَ: أصلُه أنَّ رَجُلًا قُطِعت رِجْله فَكَانَ يرفَع المقْطُوعة عَلَى الصَّحيحة ويَصِيحُ مِنْ شِدَّةِ وجَعِها بِأَعْلَى صَوْته، فَقِيلَ لكُلِّ رَافِعٍ صَوْته: رَفَع عَقِيرَتَه. والعَقِيرَة: فَعيلة بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ.
(س) وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ «إنَّ الشمسَ وَالْقَمَرَ نُورَان عَقِيرَان فِي النَّار» قِيلَ: لمَّا وصفَهما اللَّهُ تَعَالَى بالسِّباحةِ فِي قَوْلِهِ: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» * ثُمَّ أخْبَر أَنَّهُ يَجْعلهما فِي النَّارِ يُعَذِّبُ بهما أهلها بحيث لا يبرحانها صارا كَأَنَّهُمَا زمِنان عَقِيرَان، حكَى ذَلِكَ أَبُو مُوسَى وَهُوَ كَمَا ترَاه.

(عَقَصَ)
(هـ) فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيصَته فَرَق وَإِلَّا تَركها» العَقِيصَة: الشَّعْرُ المَعْقُوص، وَهُوَ نحوٌ مِنَ المضْفُور. وأصلُ العَقْص: اللَّيُّ. وإدْخال أطْرَاف الشَّعر فِي أُصُوله.
هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ. والمشهورُ «عَقِيقَته» لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْقِص شعْره. وَالْمَعْنَى إِنِ انْفَرَقَت مِنْ ذَاتِ نَفْسها وَإِلَّا ترَكها عَلَى حَالِهَا وَلَمْ يَفْرقْها.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ضِمَام «إِنْ صَدَقَ ذُو العَقِيصَتَيْن لَيَدْخُلنَّ الْجَنَّةَ» العَقِيصَتَين:
تثنيةُ العَقِيصَة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عمر «مَن لَبَّدَ أوْ عَقَّصَ فعَلَيه الحَلْق» يَعْنِي فِي الحجِّ. وإنِّما جَعَل عَلَيْهِ الْحَلْقَ لأنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَقِي الشَّعر مِنَ الشَّعَث، فلمَّا أَرَادَ حِفْظ شَعره وصَوْنَه ألزمَه حلْقه بالكُلِّية، مُبالَغة فِي عُقوبَته.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «الَّذِي يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوص كَالَّذِي يُصلّي وَهُوَ مكْتُوف» أرادَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ شعرُه مَنْشُورًا سَقط عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجود فيُعْطَى صَاحِبُهُ ثوابَ السُّجود بِهِ،
(3/275)

وَإِذَا كَانَ مَعْقُوصاً صَارَ فِي معْنَى مَا لَمْ يَسْجد، وشَبَّهه بالمكْتُوف، وَهُوَ المَشْدود اليَدَيْن، لأنَّهما لَا يقَعَان عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجود.
وَمِنْهُ حَدِيثُ حاطِب «فأخْرَجَت الكِتاب مِنْ عِقَاصِها» أَيْ ضَفَائِرِهَا، جَمْع عَقِيصَة أَوْ عِقْصَة. وَقِيلَ: هُوَ الخيْط الَّذِي تُعْقَصُ بِهِ أَطْرَافُ الذَّوائب، وَالْأَوَّلُ الوَجْه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّخَعي «الخُلْع تَطْلِيقه بائِنة، وَهُوَ مَا دُون عِقَاص الرَّأْسِ» يُريد أَنَّ المخْتَلعة إِذَا افْتَدَت نَفْسها مِنْ زوْجها بِجَمِيعِ مَا تَمْلِك كَانَ لَهُ أَنْ يأخذَ مَا دُون شَعرها مِنْ جَمِيعِ مِلْكِها.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ مَانِعِ الزَّكَاةِ «فَتَطؤُه بأظْلاَفها ليسَ فِيهَا عَقْصَاء وَلَا جَلْحَاءُ» العَقْصَاء:
المُلْتَوِيَة القرْنين.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَيْسَ [معاويةُ «1» ] مثْلَ الحَصِر العَقِص» يَعْنِي ابْنَ الزُّبير.
العَقِص: الألْوَى الصَّعب الأخْلاق، تَشْبيها بالقَرْن المُلْتَوي.

(عَقْعَقَ)
(س) فِي حَدِيثِ النَّخَعيّ «يَقْتلُ المحرم القَعْقَع» هُوَ طَائِرٌ معْروف ذُو لَوْنَيْن أبْيَض وأسْود، طَويل الذَّنَب. وَيُقَالُ لَهُ: القَعْقَع أَيْضًا، وَإِنَّمَا أَجَازَ قَتْلَه لِأَنَّهُ نَوْع مِنَ الغِرْبان.

(عَقَفَ)
فِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ «وَعَلَيْهِ حَسَكَةٌ مُفَلْطَحة لَهَا شَوكة عَقِيفَة» أَيْ مَلْوِيَّة كالصِّنَّارة.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُخَيْمرة «لَا أَعْلَمُ رُخِّص فِيهَا- يَعْني العُصْرة- إلاَّ لِلشَّيْخِ المَعْقُوف» أَيِ الَّذِي قَدِ انْعَقَفَ مِنْ شِدّة الكِبَر فانْحنَى واعْوَجَّ حَتَّى صَارَ كالعُقَّافَة، وَهِيَ الصَّوْلجان.

(عَقَقَ)
[هـ] فِيهِ «أَنَّهُ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ والحُسَين» العَقِيقَة: الذبيحةُ الَّتِي تُذْبح عَنِ الموْلود. وأصْل العَقِّ: الشَّقُّ والقَطْع. وَقِيلَ لِلذَّبِيحَةِ عَقِيقَة، لأنَّها يُشَق حَلْقُها.
__________
(1) من الهروي، وانظر ص 396 من الجزء الأول.
(3/276)

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «الغُلام مُرتَهَن بعَقِيقَتِه» قِيلَ: مَعْنَاهُ أنَّ أَبَاهُ يُحْرَم شَفَاعَةَ وَلَدِه إِذَا لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ. وَقَدْ تقدَّم فِي حَرْفِ الرَّاءِ مَبْسوطا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ سُئل عَنِ العَقِيقَة فَقَالَ: لَا أُحب العُقُوق» لَيْسَ فِيهِ تَوْهين لِأَمْرِ العَقِيقَة وَلَا إِسْقاطٌ لَهَا، وَإِنَّمَا كَرِه الاسْم، وأحَبَّ أَنْ تُسَمَّى بأحْسَن مِنْهُ، كالنَّسِيكَة وَالذَّبِيحَةِ، جَرْياً عَلَى عَادَته فِي تَغيير الِاسْمِ القَبيح.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «العَقِّ والعَقِيقَة» فِي الْحَدِيثِ. وَيُقَالُ للشَّعَر الَّذِي يخرُج عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ مِنْ بَطْن أمِّه: عَقِيقَة، لأنَّها تُحْلق.
وجعل الزمخشريّ الشعر أصلا، والشاة المذبوحة مشقّة مِنْهُ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صفَة شَعره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنِ انْفَرقَتْ عَقِيقَتُه فَرَق» أَيْ شَعره، سُمِي عَقِيقَة تَشْبيها بِشَعْرِ الموْلُود.
وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ عُقُوق الأمَّهات» يُقَالُ: عَقَّ وَالِدَه يَعُقُّه عُقُوقاً فَهُوَ عَاقٌّ إِذَا آذَاهُ وعَصَاه وَخَرَجَ عَلَيْهِ. وَهُوَ ضِدُّ البِرِّ بِه. وأصلُه مِنَ العَقِّ: الشَّقِّ والقَطْعِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الأمَّهات وَإِنْ كَانَ عُقُوق الْآبَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ عَظِيمًا «1» ، فلعُقُوق الأمَّهات مَزيَّة فِي القُبح.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْكَبَائِرِ «وعَدّ مِنْهَا عُقُوق الوَالِدَين» وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُحدٍ «إنَّ أَبَا سُفيان مرَّ بِحَمْزَة قَتِيلًا فَقَالَ لَهُ: ذُقْ عُقَقُ» أرادَ ذُق القَتْل يَا عَاقَّ قومِهِ، كَمَا قَتلْت يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قَوْمِك، يَعْني كُفَّار قُرَيش.
وعُقَق: مَعْدُول عَنْ عَاقّ، لِلْمُبَالَغَةِ، كَغُدَرَ، مِنْ غَادِرٍ، وَفُسَق، مِن فَاسِق.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ «مَثَلُكم ومَثَلُ عَائِشَةَ مَثَلُ العَيْن فِي الرَّأس تُؤْذِي صاحِبَها وَلَا يسْتَطِيع أَنْ يَعِقَّها إِلَّا بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ لها» هو مستعار مستعار عُقُوق الوالدين.
__________
(1) في الأصل «سواءً» وأثبتنا ما فى او اللسان. وفي اللسان: « ... لأن لعقوق الأمهات مزيَّة في القبح» .
(3/277)

(هـ) وَفِيهِ «مَنْ أطْرَق مُسْلِما فعَقَّتْ لَهُ فرَسُه كَانَ [لَهُ «1» ] كأجْرِ كَذَا» عَقَّتْ أَيْ حَمَلت، والأجْوَد: أَعَقَّتْ، بِالْأَلِفِ فَهِيَ عُقُوقٌ، وَلَا يُقال: مُعِقٌّ، كَذَا قَالَ الْهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيت.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «يُقَالُ: عَقَّتْ تَعَقُّ عَقَقاً وعَقَاقاً، فَهِيَ عُقُوقٌ، وأَعَقَّت فَهِيَ مُعِقٌّ» .
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي المَثل «أعَزُّ مِنَ الأبْلق العَقُوقُ» لأنَّ العَقُوق الحاملُ، والأبْلق مِنْ صِفاتِ الذَّكر.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُل مَعه فَرس عَقُوق» أَيْ حامِل. وَقِيلَ: حَائِلٌ، عَلَى أَنَّهُ مِن الأضْداد. وَقِيلَ: هُوَ مِن التَّفاؤل، كَأَنَّهُمْ أرادُوا أَنَّهَا سَتَحْمِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(س) وَفِيهِ «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ والعَقِيق» هُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ مَسِيلٌ لِلْمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَادٍ مُبارَك.
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إِنَّ العَقِيق ميقَاتُ أَهْلِ العرَاق» وَهُوَ مَوْضِع قَرِيبٌ مِنْ ذَات عِرْق، قَبْلَها بمَرْحلة أَوْ مرحَلتين. وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ مَواضِعُ كَثِيرَةٌ تُسَمَّى العَقِيق. وكلُّ مَوْضع شَقَقْتَه مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ عَقِيق، وَالْجَمْعُ: أَعِقَّة وعَقَائِق.

(عَقَلَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْر «العَقْل، والعُقُول، والعَاقِلَة» أَمَّا العَقْل: فَهُوَ الدِّية، وأصْلُه: أنَّ الْقَاتِلَ كَانَ إِذَا قَتَل قَتِيلًا جَمَعَ الدِّيَة مِنَ الْإِبِلِ فعَقَلَها بفِنَاء أوْلِياء المَقْتول:
أَيْ شَدَّها فِي عُقُلِها ليُسَلِمها إِلَيْهِمْ ويَقبِضُوها مِنْهُ، فسُمِّيت الدِّية عَقْلًا بِالْمَصْدَرِ. يُقَالُ: عَقَلَ البَعير يَعْقِلُه عَقْلًا، وجَمْعُها عُقُول. وكانَ أصلُ الدِّية الْإِبِلَ، ثُمَّ قُوّمتْ بَعْدَ ذَلِكَ بالذَّهَب والفِضَّة والبَقَر والغَنَم وَغَيْرِهَا.
والعَاقِلَة: هِيَ العَصَبة وَالْأَقَارِبُ مِن قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُعْطُون ديَةَ قَتِيلِ الْخَطَأِ، وَهِيَ صفَة جَمَاعَةٍ عَاقِلَة، وَأَصْلُهَا اسْمُ، فَاعِلَةٍ مِنَ العَقْل، وَهِيَ مِن الصِّفات الغَالِبة.
ومنه الحديث «الدِّية على العَاقِلَة» .
__________
(1) من الهروي.
(3/278)

وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «لَا تَعْقِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً، وَلاَ عَبْدا، وَلاَ صُلْحا، وَلَا اعْتِرَافاً» أَيْ أَنَّ كُلَّ جنَايَة عَمْد فَإِنَّهَا مِنْ مَال الْجَانِي خاصَّةً، وَلَا يلزمُ العَاقِلَة مِنْهَا شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَا اصْطَلحوا عَلَيْهِ مِنَ الجِنَايات فِي الخَطَأ. وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتَرف الْجَانِي بالجِناية مِنْ غيْر بيِّنة تَقُوم عَلَيْهِ، وَإِنِ ادَّعَى أنَّها خَطَأٌ لَا يُقْبل مِنْهُ وَلَا تُلْزم بِهَا العَاقِلَة. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ أَنْ يَجْنِي عَلَى حُرٍّ فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَة مَوْلَاهُ شَيْءٌ مِنْ جِنَاية عَبْده، وإنَّما جِنَايَتُه فِي رَقبَته، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْنِي حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَة الْجَانِي شَيْءٌ، إنَّما جِنَايَتُه فِي مَالِهِ خاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ مُوافق لِكَلَامِ الْعَرَبِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ لَكَانَ الْكَلَامُ «لَا تَعْقِلُ العَاقِلَة عَلَى عَبْدٍ» وَلَمْ يَكُنْ «لَا تَعْقِلُ عَبْدًا» وَاخْتَارَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «كَتب بَيْنَ قُرَيش وَالْأَنْصَارِ كِتابا فِيهِ: المُهاجِرُون مِنْ قُريش عَلَى رَبَاعَتهم يَتَعَاقَلُون بَيْنَهُمْ مَعَاقِلَهُم الأُولَى» أَيْ يَكُونُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أخْذِ الدِّيات وَإِعْطَائِهَا.
وَهُوَ تَفاعُل مِنَ العَقْل. والمَعَاقِل: الدِّيَات، جَمْعُ مَعْقُلَة. يُقَالُ: بَنُو فُلان عَلَى مَعَاقِلِهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا: أَيْ مَراتبِهم وَحَالَاتِهِمْ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «إنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ عَمّي شُجَّ مُوضِحَةً، فَقَالَ: أمِنْ أَهْلِ القُرَى أَمْ مِن أَهْلِ البَادِية؟ قَالَ: مِنْ أهْل البادِية، فَقَالَ عُمر: إنَّا لَا نَتَعَاقَلُ المُضَغَ بَيْننا» المُضَغُ:
جَمْع مُضْغَة وَهِيَ: القِطْعة مِنَ اللَّحْم قَدْرَ مَا يُمْضَغ فِي الأصْل، فَاسْتَعَارَهَا للْمُوضِحَة وأشْباهِها مِنَ الأطْراف كالسِّنِّ والإصْبع، مِمَّا لَمْ يَبْلغ ثُلُث الدِّيَةِ، فَسَمَّاهَا مُضغَةً «1» تَصْغيراً لَهَا وتَقْلِيلا. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أنَّ أهْلَ الْقُرَى لَا يَعْقِلُون عَنْ أهْل البَادية، وَلَا أهْل البَادية عَنْ أَهْلِ القُرى فِي مِثْل هَذِهِ الأشْياء.
والعَاقِلَة لَا تَحْمِل السِّنَّ والإصْبع والمُوضِحَة وأشْباه ذَلِكَ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ المُسَيِّب «المرأةُ تُعَاقِلُ الرَّجل إِلَى ثُلُث دِيتِها» يَعْنِي أنَّها تُسَاوِيه فِيمَا كَانَ مِنْ أطْرافِها إِلَى ثُلُث الدِّية، فَإِذَا تَجَاوَزَت الثُلث، وبَلَغ العَقْلُ نصْفَ الدِّية صَارَتْ دِيةُ المرْأة عَلَى النِّصْف مِنْ دِيَة الرَّجُلِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَرير «فاعْتَصم ناسٌ منْهم بالسُّجود، فأسْرع فِيهِمُ الْقَتْلُ، فبلغ ذلك النبيَّ
__________
(1) في ا: «مُضَغاً» .
(3/279)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمرَ لَهُمْ بِنصْف العَقْل» إِنَّمَا أَمَرَ لَهُمْ بِالنِّصْفِ بَعْد عِلْمه بإسْلامِهم، لِأَنَّهُمْ قَدْ أعانُوا عَلَى أنْفُسهم بمقامِهم بَيْن ظَهْرَاني الْكُفَّارِ، فَكَانُوا كَمَنْ هَلَك بِجنايَة نَفْسِه وجِناية غَيْره، فَتَسْقُطُ حِصَّة جِنايَتِه مِنَ الدِّية.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ «لَوْ مَنَعوني عِقَالًا ممَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقَاتَلْتُهم عَلَيْهِ» أرادَ بالعِقَال: الحَبْل الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ البَعير الَّذِي كَانَ يُؤخَذَ فِي الصَّدقة، لأنَّ عَلَى صَاحِبِهَا التَّسْليم. وإنََما يَقَع القَبْضُ بالرِّباط.
وَقِيلَ: أَرَادَ مَا يُسَاوي عِقَالًا مِنْ حُقوق الصَّدقة.
وَقِيلَ: إِذَا أخَذَ المُصَدِّق أعْيان الْإِبِلِ قِيلَ: أخَذَ عِقَالًا، وَإِذَا أَخَذَ أثمانَها قِيلَ: أَخَذ نَقْدًا.
وَقِيلَ: أَرَادَ بالعِقَال صَدَقةَ العَام. يُقَالُ: أَخَذَ المُصدِّق عِقَال هَذَا الْعَامِ: أَيْ أخَذ مِنْهُمْ صَدَقَته. وبُعِث فُلَانٌ عَلَى عِقَال بَنِي فُلَانٍ: إِذَا بُعث عَلَى صَدَقاتهم. واخْتاره أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ هُوَ أشْبه عِنْدِي بِالْمَعْنَى.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا يُضْرب المَثَل فِي مِثل هَذَا بالأقَلِّ لَا بالأكْثر، وَلَيْسَ بِسَائِرٍ فِي لسَانهم أنَّ العِقَال صَدَقة عَامٍ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ «لَوْ مَنَعوني عَنَاقاً» وَفِي أُخْرَى «جَدْياً» .
قُلْتُ: قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُل عَلَى القَوْلَين.
فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ عُمَرَ «أنَّه كَانَ يأخذُ مَعَ كلِّ فريضَةٍ عِقَالًا ورِواءً، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ باعَها ثُمَّ تصدَّق بِهَا» .
وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة «أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى الصَّدقة فِي عهْد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ يَأْمُرُ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ بِفَرِيضَتَين أَنْ يأتيَ بعِقَالَيْهِما وقِرَانَيْهِما» .
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ «أنَّه أخَّر الصَّدقة عامَ الرَّمادة، فلمَّا أَحْيَا الناسُ بَعَث عامِلَه فَقَالَ:
اعْقِلْ عَنْهُمْ عِقَالَيْن فاقْسم فِيهِمْ عِقَالًا وأْتِني بِالْآخَرِ» يُريد صَدقة عامَيْن.
وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّهُ اسْتَعْمَل ابْنَ أَخِيهِ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى صَدقات كلْب، فاعْتَدى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ العَدَّاء الكَلْبي:
(3/280)

سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُك لَنَا سَبَداً ... فكَيْف لَو قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
نَصَبَ عِقَالًا عَلَى الظَّرف، أرادَ مُدّة عِقَال.
وَفِيهِ «كالْإِبِل المُعَقَّلَة» أَيِ المَشْدُودَة بالعِقَال، والتَّشْديد فِيهِ للتَّكثير.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ وحَمْزة والشُّرْب.
وهُنّ مُعَقَّلَات بالْفِنَاء وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «كُتِب إِلَيْهِ أبْيَات فِي صَحِيفة، مِنْها:
فَمَا قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقَّلَات ... قَفَا سَلْعٍ بمُخْتَلَف التِّجَارِ «1»
يَعْني نِسَاء مُعَقَّلَات لأزْوَاجِهِنَّ كَمَا تُعَقَّلُ النُّوق عِنْدَ الضِّراب. ومِن الْأَبْيَاتِ أَيْضًا:
يُعَقِّلُهُنَّ جَعْدَةُ مِنْ سُلَيْمٍ أَرَادَ أنَّه يَتَعَرَّضُ لهُنَّ، فكَنَى بالعَقْل عَنِ الجِماع: أَيْ أنَّ أزْواجَهُنَّ يُعَقِّلُونَهُنَّ، وَهُوَ يُعَقِّلُهُنَّ أَيْضًا، كَأَنَّ البَدْء للأزْواج والإعَادَة لَهُ.
وَفِي حَدِيثِ ظَبْيَانَ «إِنَّ مُلُوكَ حِمْيَرَ مَلَكُوا مَعَاقِلَ الْأَرْضِ وقَرارَها» المَعَاقِل: الحُصُون، واحِدُها: مَعْقِل.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ليَعْقِلَنَّ الدينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرويّة مِنْ رأسِ الجبَل» أَيْ ليَتحَصَّن ويَعْتَصِم ويَلْتَجِئ إِلَيْهِ كَمَا يَلْتَجِئ الوَعِلُ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «واعتَقل خَطِّيّاً» اعْتِقَالَ الرُّمح: أَنْ يَجْعَلَه الراكِبُ تَحْتَ فخذِه ويَجُرّ آخرَه عَلَى الْأَرْضِ وَرَاءَه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «مَن اعْتَقَل الشَّاة وحَلَبها وأكَل مَعَ أَهْلِهِ فَقَدْ بَرئ مِنَ الكبْر» هُوَ أَنْ يَضَع رجْلَها بين سَاقِه وفَخذِه ثم يَحْلِبَها.
__________
(1) في الأصل، وا، واللسان (أزر) : «النجار» بالنون. وأثبتناه بالتاء من الفائق 2/ 266، واللسان (عقل) وتاج العروس (عقل) . وقال الزمخشري: مختَلَف التِّجار: موضع اختلافهم، وحيث يمرون جائين وذاهبين.
(3/281)

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «المُخْتَصّ بعَقَائِل كراماتِه» جمْع عَقِيلَة، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ: الْمَرْأَةُ الْكَرِيمَةُ النَّفِيسَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي الْكَرِيمِ النَّفِيس مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الذَّوات والمَعانِي.
وَفِي حَدِيثِ الزِّبْرِقَان «أحَبُّ صبْيانِنَا إِلَيْنَا الأبْلَهُ العَقُول» هُوَ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ الحمُقُ، فَإِذَا فُتِّشَ وُجِدَ عَاقِلًا. والعَقُول: فَعُول مِنه للمُبَالغة.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «تِلك عُقُول كادَهَا بَارِئُها» أَيْ أرادَها بِسُوء.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرس يُسَمَّى ذَا «1» العُقَّال» العُقَّال بالتَّشديد:
دَاءٌ فِي رِجْلَيِ الدَّوابِّ، وَقَدْ يُخَفَّف، سُمّي بِهِ لدَفْع عَيْنِ السُّوء عَنْهُ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وذُو عُقَّال اسْمُ فَرس.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ «ثُمَّ يَأْتِي الخِصْبُ فيُعَقِّلُ الكَرْمُ» أَيْ يُخْرِج العُقَّيْلَى وَهِيَ الْحِصْرِمُ.

(عَقُمَ)
(هـ) فِيهِ «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيم» العَقِيم: الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَلِدُ، وَقَدْ عَقُمَتْ تَعْقُمُ فَهِيَ عَقِيم، وعُقِمَتْ فَهِيَ مَعْقُومَة، والرَّجل عَقِيم ومَعْقُوم.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «اليَمينُ الْفَاجِرَةُ الَّتِي يُقْتَطَع بِهَا مَالُ المُسْلم تَعْقِمُ الرَّحِمَ» يُريد أَنَّهَا تَقْطَع الصِّلَة والمعروفَ بَيْنَ النَّاسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمل عَلَى ظَاهره.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ اللَّهَ يَظْهر لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيَخِرُّ الْمُسْلِمُونَ للسُّجود وتُعْقَمُ أصْلاب الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَسْجُدون» أَيْ تَيْبَس مَفاصِلُهم وتَصير مَشْدُودَة. والمَعَاقِم: المفاصل.

(عقل)
(س) فِي قِصَّةِ بَدْرٍ ذِكْرُ «العَقَنْقَل» هُوَ كَثِيبٌ مُتَداخِلٌ مِنَ الرَّمْل وَأَصْلُهُ ثُلاَثِيُّ.

(عَقَا)
(هـ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وسُئل عَنِ امْرَأَةٍ أرْضَعَت صَبيًّا رَضْعةً فَقَالَ «إِذَا عَقَى حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَما وَلَدَتْ» العِقْيُ: مَا يَخْرج مِنْ بَطْن الصَّبِي حِينَ يُولَد، أسْوَدَ لَزِجاً قبل أن يطعم.
__________
(1) فى الأصل وا: «ذو» والتصحيح من اللسان.
(3/282)

وإنَّما شَرَط العِقْي ليُعْلَم أنَّ اللَّبن قَدْ صَارَ فِي جَوْفه، وَلِأَنَّهُ لَا يَعْقِي مِنْ ذَلِكَ اللَّبن حَتَّى يَصِير فِي جَوْفه. يُقال: عَقَى الصَّبِيُّ يَعْقِي عَقْياً.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «المُؤمِن الَّذِي يَأمَن مَن أَمْسَى بعَقْوَتِه» عَقْوَةُ الدَّارِ:
حَوْلَها وقَريباً مِنْهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «لَوْ أرادَ اللهُ أَنْ يَفْتَح عَلَيْهِمْ مَعَادِنَ العِقْيَان» هُوَ الذَّهَب الخالِص.
وَقِيلَ: هُوَ مَا يَنْبُت مِنْهُ نَباتاً. والألفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ.

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْكَافِ

(عَكَدَ)
(س) فِيهِ «إِذَا قُطِع اللِّسانُ مِنْ عُكْدَتِه فَفيه كَذَا» العُكْدَة: عُقْدة أصْل اللِّسَان. وَقِيلَ: مُعْظَمُه، وَقِيلَ: وسَطه. وعُكْدُ كُلِّ شَيْءٍ: وسَطه.

(عَكِرَ)
(هـ) فِيهِ «أنْتُم العَكَّارُون، لاَ الفَرّارُون» أَيِ الكَرّارُون إِلَى الحَرْب والعَطَّافُون نَحْوَها، يُقال للرَّجُل يُوَلِّي عَنِ الحَرْب ثُمَّ يكُرُّ رَاجعاً إِلَيْهَا: عَكَرَ واعْتَكَرَ. وعَكَرْتُ عَلَيْهِ إِذَا حَملْتَ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أنَّ رجُلاً فَجر بامْرأةٍ عَكْوَرَةٍ» أَيْ عَكَرَ عَلَيْهَا فتَسَنَّمها وغَلبَها عَلَى نَفْسها.
(هـ) وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيدة يَوْمَ أُحدٍ «فعَكَرَ عَلَى إحْدَاهُما فنَزعَها فسَقَطَت ثَنِيَّتُه، ثُمَّ عَكَرَ عَلَى الأخْرى فنَزعها فَسَقطت ثَنِيَّتُه الأخْرى» يَعْنِي الزَّرَدَتَيْن اللَّتَين نَشِبَتَا فِي وَجه رَسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[هـ] وَفِيهِ «أَنَّهُ مَرَّ بِرَجل لَهُ عَكَرَةٌ فَلَمْ يَذْبح لَهُ شَيْئًا» العَكَرَة بِالتَّحْرِيكِ: مِنَ الإبِل مَا بَيْنَ الخَمْسين إِلَى السَّبْعِينَ. وَقِيلَ: إِلَى الْمِائَةِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّة «وَعَلَيْهِ عَكَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أَيْ جَمَاعَةٌ. وأصلُه مِنَ الاعْتِكَار، وَهُوَ الازْدِحام والكَثْرة.
(3/283)

وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ مُرَّة «عِنْد اعْتِكَار الضَّرائر» أَيِ اخْتِلاَطِها. والضَّرائر: الأمُور المُخْتلِفة، ويُروى بِاللَّامِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ قَتادة «ثُمَّ عَادُوا إِلَى عِكْرِهِم عِكْرِ السَّوء» أَيْ إِلَى أصْل مَذْهَبهم الرَّديء.
وَمِنْهُ الْمَثَلُ «عَادَت لعِكْرِها لَمِيسٌ» وَقِيلَ العِكْر: الْعَادَةُ والدَّيْدَن. وَرُوِيَ «عَكَرهم» بِفُتْحَتَيْنِ، ذَهاباً إِلَى الدَّنَس والدَّرَن، مِنْ عَكَر الزَّيتِ، والأوّل الوجه.

(عكرد)
في حديث العرنّين «فسَمِنُوا وعَكْرَدُوا» أَيْ غَلُظُوا واشْتَدّوا. يُقَالُ:
لِلْغُلَامِ الغَليظ المُشْتَدّ عَكْرَدٌ وعُكْرُودٌ.

(عَكْرَشَ)
(س) فِي حَدِيثِ عُمَرَ «قَالَ لهُ رَجُلٌ: عَنَّتْ لِي عِكْرِشَةٌ فَشَنَقْتُها بحَبُوبة، فَقَالَ: فِيهَا جَفْرَة» العِكْرِشَة: أنْثَى الأرَانِب، والجَفْرَة: العَنَاقُ مِنَ المَعز.

(عَكَسَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثم «اعْكِسُوا أنْفُسَكم عَكْسَ الخَيْلِ باللُّجُم» أَيْ كُفُّوها ورُدّوها وارْدَعُوها. والعَكْس: رَدُّك آخِرَ الشَّيْءِ إِلَى أَوَّلِهِ. وعَكَسَ الدَّابَّة إذا جَذَب رأسَها إليه لِتَرْجِعَ إِلَى وَرَائِها القَهْقَرى.

(عَكَظَ)
فِيهِ ذكْرُ «عُكَاظ» وَهُوَ مَوْضِعٌ بقُرب مَكَّةَ، كَانَتْ تُقام بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سُوق يُقِيمون فِيهِ أيَّاماً.

(عَكَفَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «الاعْتِكَاف والعُكُوف» وَهُوَ الإقَامة عَلَى الشَّيْءِ، وَبِالْمَكَانِ ولُزومُهُما. يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عُكُوفاً فَهُوَ عَاكِف، واعْتَكَفَ يَعْتَكِفُ اعْتِكَافاً فَهُوَ مُعْتَكِف. وَمِنْهُ قِيلَ لِمَن لازَم المسجدَ وَأَقَامَ عَلَى العِبَادة فِيهِ:
عَاكِف ومُعْتَكِف.

(عَكَكَ)
(س) فِيهِ «إنَّ رَجُلًا كان يُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم العُكَّة مِنَ السَّمن أَوِ العسَل» هِيَ وِعاء مِنْ جُلود مُسْتَدِير، يَخْتَصُّ بِهِمَا، وَهُوَ بالسَّمْن أخَصّ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(3/284)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَان وبنَاءِ البَصرة «ثُمَّ نَزَلُوا وَكَانَ يومَ عِكَاك» العِكَاك:
جَمْعُ عُكَّة، وَهِيَ شِدة الحَرِّ، ويومٌ عَكٌّ وعَكِيك: أَيْ شَديد الْحَرِّ.

(عَكَلَ)
فِي حَدِيثِ عَمْرو بْنِ مُرَّة «عِنْدَ اعْتِكَال الضَّرائر» أَيْ عِنْدِ اخْتِلاط الْأُمُورِ.
وَيُرْوَى بِالرَّاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

(عَكَمَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ أمِّ زَرْع «عُكُومُها رَدَاحٌ» العُكُوم: الأحْمال والغَرائر الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الأمْتِعَة وغيرُها، واحِدُها: عِكْم، بِالْكَسْرِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «نُفَاضَةٌ كنُفَاضةِ العِكْم» .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «سَيَجِد أحَدُكم امْرَأتَه قَدْ مَلأت عِكْمَها مِنْ وبَر الإبِل» .
(س) وَفِيهِ «مَا عَكَمَ عَنْهُ- يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ- حِينَ عُرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ» أَيْ مَا تحبَّس «1» وَمَا انْتظَر وَلَا عَدَل.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَيْحانة «أَنَّهُ نَهى عَنِ المُعَاكَمَة» كَذَا أوْرَدَه الطَّحَاوي، وفسَّره بِضَمِّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ. يُقَالُ: عَكَمْتُ الثّيابَ إِذَا شَدَدْتَ بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ. يُرِيدُ بِهَا أَنْ يَجْتَمع الرَّجُلان أَوِ الْمَرْأَتَانِ عُرَاةً لَا حَاجِزَ بَيْنَ بَدَنَيْهِما. مِثْلُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَا يُفْضِي الرجُلُ إِلَى الرَّجُل وَلَا المرأةُ إِلَى الْمَرْأَةِ» .

بَابُ الْعَيْنِ مَعَ اللَّامِ

(عَلَبَ)
(هـ) فِيهِ «إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمُ الْآنُكَ والعَلَابِيَّ» هِيَ جَمْعُ عِلْبَاء، وَهُوَ عَصَبٌ فِي العُنُق يأخُذ إِلَى الكَاهِل، وهُما عِلْبَاوَانِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مَنْبِت عُرف الفَرس، وَالْجَمْعُ ساكَن الْيَاءِ ومُشَدَّدُها. وَيُقَالُ فِي تَثْنِيتِهما أَيْضًا: عِلْبَاآنِ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَشُدّ عَلَى أَجْفَانِ سُيوفها العَلَابِيَّ الرَّطْبِة فتَجِفَّ عَلَيْهَا، وتَشُدّ الرِّماح بِهَا إِذَا تصدَّعَت فتَيْبس وتَقْوَى.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُتْبَة «كُنْتُ أعْمِد إِلَى البَضْعَة أحْسبُها سَنَاماً فَإِذَا هِيَ عِلْبَاء عنق» .
__________
(1) فى الأصل: «ما احتبس» والمثبت من ا، واللسان، والفائق 2/ 392.
(3/285)

(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ رَأَى رجُلا بأنْفِه أثَرُ السُّجود، فَقَالَ: لَا تَعْلُبْ صُورَتَك» يُقَالُ: عَلَبه إِذَا وسَمه وأثَّر فِيهِ. والعَلْب والعَلَب: الْأَثَرُ. الْمَعْنَى: لَا تُؤثِّر فِيهَا بشدَّة اتِّكَائِكَ عَلَى أنْفِك فِي السُّجود.
وَفِي حَدِيثِ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ» العُلْبَة:
قَدَح مِنْ خَشب. وَقِيلَ مِنْ جِلْد وخَشَب يُحْلب فِيهِ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أعطاهُم عُلْبَةَ الحَالِب» أَيِ الْقَدْحَ الَّذِي يُحْلب فِيهِ.

(عَلَثَ)
(س) فِيهِ «مَا شَبِع أهْلُه مِنَ الخَمِير العَلِيث» أَيِ الخُبْزِ المَخْبُوز مِنَ الشَّعير والسُّلْت. والعَلْث والعُلَاثَة: الخَلْط. ويُقال بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا.

(عَلَجَ)
[هـ] فِيهِ «إنَّ الدُّعاء ليَلْقَى البَلاَء فيَعْتَلِجَان» أَيْ يَتَصارَعان.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «أَنَّهُ بَعَث رَجُلَيْن فِي وجْهٍ وَقَالَ: إنَّكما عِلْجَان فعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا» العِلْج: الرَّجُل القَويّ الضَّخْم. وعَالِجَا: أَيْ مَارِسَا الْعَمَلَ الَّذِي نَدَبْتكما إِلَيْهِ واعْمَلا بِهِ «1» .
وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ «ونَفى مُعْتَلَجَ الرَّيب مِن النَّاسِ» هُوَ مِنَ اعْتَلَجَتِ الأمْواجُ إِذَا الْتَطَمَت، أَوْ مِنَ اعْتَلَجَتِ الأرضُ إِذَا طَالَ نَباتُها.
وَفِيهِ «فأتَى عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِأَرْبَعَةِ أَعْلَاج مِنَ العَدُوّ» يُريد بالعِلْج الرَّجُلَ مِنْ كُفار العَجم وَغَيْرِهِمْ، والأَعْلَاج: جَمْعه، ويُجْمَع عَلَى عُلُوج، أَيْضًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَتْل عُمَرَ «قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّان أَنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ الأسْلَمِيّ «إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُه» أَيْ أُمارِسُه وَأُكَارِي عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «عَالَجْتُ امرأة فأصبت منها» .
__________
(1) زاد الهروي: «ويحتمل أن يكون «إنكما عُلَّجان» بضم العين وتشديد اللام. والعُلَّج، مشدد اللام، والعُلَج، مخفّفه: الصّرّيع من الرجال» .
(3/286)

وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «مِن كَسْبه وعِلَاجِه» .
وَحَدِيثُ العَبْد «وَلِيَ حرَّه وعِلَاجَه» أَيْ عَمَله.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ «كلاَّ وَالَّذِي بَعَثك بِالْحَقِّ إنْ كُنْتُ لأُعَالِجُه بالسَّيف قَبْلَ ذَلِكَ» أَيْ أضْرِبُه.
(هـ) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «لمَّا مَاتَ أَخُوهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِطَريق مَكَّةَ فَجْأةً قَالَتْ: مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ أمْرِه إلاَّ خَصْلَتَين: أَنَّهُ لَمْ يُعَالِجْ، وَلَمْ يُدْفَن حَيْثُ مَاتَ» أَيْ لَمْ يُعَالِجْ سَكْرة الْمَوْتِ فَيَكُونَ كفَّارَة ًلذُنُوبه.
ويُروى «لَمْ يُعَالَجْ» بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ لَمْ يُمَرَّض، فَيَكُونَ قدْ نَاله مِنْ أَلَمِ الْمَرَضِ مَا يُكَفّر ذُنُوبه.
وَفِي حَدِيثِ الدُّعاء «وَمَا تَحْويه عَوَالِجُ الرِّمال» هِيَ جَمْع: عَالِج، وَهُوَ مَا تَراكم مِنَ الرَّمْل ودَخَل بعضُه فِي بَعْضٍ.

(عَلَزَ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «هَلْ يَنْتظر أهلُ بَضَاضة الشَّباب إِلَّا عَلَزَ القَلَق» العَلَز بِالتَّحْرِيكِ: خِفَّةٌ وهَلَعٌ يُصيب الإنْسان. عَلِزَ بِالْكَسْرِ يَعْلِزُ عَلَزاً. ويُروى بالنُّون، مِنَ الإعْلان: الإظْهار.

(عَلَصَ)
(س) فِيهِ «مَن سَبَق العاطِس إِلَى الحمْد أَمِنَ الشَّوْص، واللَّوْص، والعِلَّوْصَ» هُوَ وَجَع فِي البَطن، وَقِيلَ التُّخَمَة.

(عَلَفَ)
(هـ) فِيهِ «وَيَأْكُلُونَ «1» عِلَافَهَا» هِيَ جَمْع عَلَف، وَهُوَ مَا تأكلُه الماشيةُ، مِثْلَ جَمَل وجِمَال.
(س) وَفِي حَدِيثِ بَنِي نَاجِيَة «أَنَّهُمْ أهْدَوْا إِلَى ابْنِ عَوْف رِحالاً عِلَافِيَّة» العِلَافِيَّة:
أَعْظَمُ الرِّحال، أَوَّلُ مَن عَمِلَها عِلَافٌ، وَهُوَ زَبَّانُ»
أَبُو جَرْم.
__________
(1) في ا، واللسان «وتأكلون» وما أثبتناه من الأصل والفائق 3/ 94.
(2) في الأصل: «ريّان» ، وفي ا: «رَبّان» وأثبتنا ما في اللسان، والفائق 2/ 354، وانظر حواشي ديوان حُميد بن ثور ص 77.
(3/287)

وَمِنْهُ شِعر حُميَد بْنِ ثَوْر:
تَرَى العُلَيْفِيَّ علَيْها مُوكَدَا
العُلَيْفِيّ تصْغير تَرخيِم «1» للعِلَافِيِّ، وَهُوَ الرَّحْل المَنْسوب إِلَى عِلَاف.

(عَلَقَ)
(هـ) فِيهِ «جَاءَتْهُ امْرأةٌ بابْن لَهَا قَالَتْ: وقَدْ أَعْلَقْتُ عَنْهُ مِنَ العُذْرَة، فَقَالَ: عَلَامَ تَدْغَرْن أوْلاَدَكُنَّ بِهَذِهِ العُلُق؟» وَفِي رِوَايَةٍ «بِهَذَا العِلَاق» وَفِي أُخْرَى «أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ» .
الإِعْلَاق: مُعالجة عُذْرة الصَّبيِّ، وَهُوَ وَجَع فِي حَلْقه وَوَرَم تَدْفَعُه أمُّه بأصْبعها أَوْ غَيْرِهَا.
وَحَقِيقَةُ أَعْلَقْتُ عَنْهُ: أزلْتُ العَلُوق عَنْهُ، وَهِيَ الدَّاهيَة. وَقَدْ تقَدَّم مَبْسُوطاً فِي العُذْرة.
قَالَ الخطَّابي: المحدِّثون يَقُولُونَ: «أَعْلَقْتُ علَيه» وَإِنَّمَا هُوَ «أَعْلَقْتُ عَنْهُ «2» » : أَيْ دَفَعْت عَنْهُ. وَمَعْنَى أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ: أورَدْتُ عَلَيْهِ العَلُوق، أي ما عَذَّبَتْه به من دَغْرِها.
ومنه قَوْلُهُمْ «أَعْلَقْتُ عليَّ» إِذَا أدْخَلْتُ يَدي فِي حَلْقي أتَقَيَّأ.
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوايات «العِلَاق» وَإِنَّمَا المعْروف «الإِعْلَاق» وَهُوَ مَصْدَرُ أَعْلَقْتُ، فإنْ كَانَ العِلَاق الِاسْمَ فَيَجُوزُ، وأمَّا العُلُق فَجَمْعُ عَلُوق.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْع «إِنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ، وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ» أَيْ يَتْركُني كالمُعَلَّقَة، لَا مُمْسَكة وَلَا مُطَلَّقة.
(س) وَفِيهِ «فعَلِقَتِ الأعرابُ بِهِ» أَيْ نَشِبوا وتَعَلَّقُوا. وَقِيلَ: طَفِقُوا.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فعَلِقُوا وجْهَه ضَرباً» أَيْ طَفِقُوا وجَعَلوا يَضْرِبونه.
(س) وَفِي حَدِيثِ حَليمة «رَكِبْتُ أتَاناً لِي فخرجتُ أمامَ الرَّكْب حَتَّى مَا يَعْلَقُ بِهَا أحَدٌ مِنْهُمْ» أَيْ مَا يتَّصل بِهَا ويَلْحَقُها.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ أمِيراً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّم تَسْليمَتين، فَقَالَ: أَنَّى عَلِقَها؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهَا» أَيْ مِنْ أَيْنَ تَعلَّمها، وممن أخذها؟
__________
(1) في ا: «تصغير تعظيم» .
(2) قال الهروى: «وقد تجىء على بمعنى عن. قال الله عز وجل: «الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ» أي عنهم» .
(3/288)

(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ: أَدُّوا العَلَائِق، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا العَلَائِق؟» وَفِي رِوَايَةٍ في قوله تعالى: «وانْكحوا الأيَامى مِنْكم، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا العَلَائِق بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أهْلُوهم» العَلَائِق: المُهور، الواحِدة: عَلَاقَة «1» ، وعَلَاقَة المَهر: مَا يَتَعَلَّقُون بِهِ عَلَى المُتَزَوِّج.
(س) وَفِيهِ «فعَلِقت مِنْهُ كلَّ مَعْلَق» أَيْ أحَبَّها وشُغِف بِهَا. يُقَالُ: عَلِقَ بقَلْبِه عَلَاقَة، بِالْفَتْحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ وقَع مَوْقِعَه فَقَدْ عَلِقَ مَعَالِقَه.
وَفِيهِ «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» أَيْ مَنْ عَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ شيئاً من التعاويد والتَّمائم وأشْباهِها مُعْتقدا أَنَّهَا تَجْلِب إِلَيْهِ نَفْعاً، أَوْ تَدْفع عَنْهُ ضَرًّا.
(س) وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
عَيْنُ فابْكي سَامَةَ بنَ لُؤَيٍّ فَقَالَ رجَل:
عَلِقَتْ بِسَامَةَ العَلَاقَهْ «2»
هِيَ بِالتَّشْدِيدِ: المَنِيَّة، وَهِيَ العَلُوق أَيْضًا.
وَفِي حَدِيثِ المِقْدام «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ الرجُل مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمَا يَعْلَقُ عَلَى يَدَيْهَا الخَيْط، وَمَا يَرْغَب واحدٌ عَنْ صَاحِبِهِ حتَّى يَمُوتَا هَرَماً» قَالَ الحَرْبيّ:
يَقُولُ مِنْ صِغَرِها وقِلَّة رِفْقِها، فيَصْبر عَلَيْهَا حَتَّى يَمُوتا هَرَماً. والمُراد حَثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى الوصيَّة بالنِّساء والصَّبر عليهنَّ: أَيْ أنَّ أهلَ الْكِتَابِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائهم.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّ أَرْوَاحَ الشُّهداء فِي حَواصِل طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ» أَيْ تأكُل. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِبِلِ إِذَا أكَلَت العِضَاه. يُقَالُ عَلَقَتْ تَعْلُقُ عُلُوقاً، فنُقلَ إِلَى الطَّيْر.
(هـ) وَفِيهِ «ويجتزئُ بالعُلْقَة» «3» أَيْ يَكْتَفِي بالبُلْغة من الطَّعام.
__________
(1) بفتح العين، كما في القاموس.
(2) انظر اللسان (علق- فوق) .
(3) في الأصل: «فتجتزئ ... أي تكتفي» وفي اللسان والهروى: «وتجتزئ» وأثبتنا ما فى اوالفائق 1/ 675 وقد أخرجه الزمخشري من صفة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(3/289)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الإفْك «وإنَّما يأكُلْنَ العُلْقَة مِنَ الطَّعام» .
وَفِي حَدِيثِ سَرِيَّة بَنِي سُلَيم «فَإِذَا الطَّيْر تَرْمِيهِم بالعَلَق» أَيْ بِقِطَع الدَّمِ، الواحِدة: عَلَقَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أوْفَى «أَنَّهُ بَزَق عَلَقَةً ثُمَّ مَضَى فِي صِلَاتِهِ» أَيْ قِطْعَة دَمٍ مُنْعَقِد.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَامِرٍ «خَيْرُ الدَّوَاءٍ العَلَق والحِجَامة» العَلَق: دُوَيْبَّة حَمْراءُ تَكُونُ فِي الْمَاءِ تَعْلَق بالبَدن وتَمُصُّ الدَّم، وَهِيَ مِنْ أَدْوِيَةِ الحَلْق وَالْأَوْرَامِ الدَّمَويَّة، لامْتِصَاصِها الدَّمَ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ.
وَفِي حَدِيثِ حُذَيفة «فَمَا بالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْرِقُون أَعْلَاقَنا» أَيْ نَفائسَ أموالِنا، الْوَاحِدُ:
عِلْق، بِالْكَسْرِ. قِيلَ: سُمِّي بِهِ لتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «إنَّ الرجُل لَيُغالي بِصَداق امْرأته حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ لَهَا فِي قَلْبه عَدَاوةً، يَقُولُ: جَشِمْت «1» إلَيكِ عَلَق القِرْبة» أَيْ تَحَمَّلْتُ لأجْلِكِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى عَلَق القِرْبة.
وَهُوَ حَبْلُها الَّذِي تُعَلَّق بِهِ. وَيُرْوَى بِالرَّاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرة «رُئِيَ وَعَلَيْهِ إزارٌ فِيهِ عَلْق، وَقَدْ خَيَّطه بالأُصْطَبَّة» العَلْق:
الخَرْق، وَهُوَ أَنْ يَمُرّ بشَجَرة أَوْ شَوْكَةٍ فتَعْلَق بِثَوْبِهِ فتَخْرِقَه.

(عَلَكَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ مَرَّ برَجُل وبُرْمَتُه تَفُور عَلَى النَّار، فتَناولَ مِنْهَا بَضْعَةً فَلَمْ يَزَلْ يَعْلِكُها حَتَّى أحْرم فِي الصَّلَاةِ» أَيْ يَمْضَغُها ويلوكُها.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ سَأَلَ جَريراً عَنْ مَنْزله ببِيشَةَ فَقَالَ: سهل ود كداك، وحَمْضٌ وعَلَاك» العَلَاك بِالْفَتْحِ: شَجَر يَنْبُت بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، وَيُقَالُ لَهُ: العَلَك أَيْضًا. ويُرْوَى بِالنُّونِ وَسَيُذْكَرُ.

(عَلْكَمَ)
فِي قَصِيدِ كَعْبٍ:
غَلْبَاءُ وَجْناءُ عُلْكُوم مُذَكَّرَةٌ ... فِي دَفِّها سَعَةٌ قُدَّامَهَا مِيلُ
العُلْكُوم: القَويَّة الصُّلْبة، يَصِف النَّاقة.
__________
(1) رواية الهروي: «وقد كُلِّفتُ إليك ... » .
(3/290)

(عَلَلَ)
(هـ) فِيهِ «أُتِيَ بعُلَالَة الشَّاة فأكَلَ مِنْهَا» أَيْ بَقِيَّة لَحْمها، يُقَالُ لِبَقِيَّة اللَّبَن فِي الضَّرْع، وبقيَّة قُوَّةِ الشَّيْخِ، وبقيَّة جَرْي الفَرس: عُلَالَة، وَقِيلَ: عُلَالَة الشَّاة: مَا يَتَعَلَّلُ به شيئا بعد شيء، من العَلَل: الشّراب بَعْدَ الشُّرب.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَقيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ «قَالُوا فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ عُلَالَة» أَيْ بَقِيَّة مِنْ قُوّة الشَّيْخِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي حَثْمة يَصِفُ التَّمْرَ «تَعِلةُ الصَّبيِّ وقِرَى الضَّيف» أَيْ مَا يُعَلَّل بِهِ الصَّبِيُّ لِيَسْكُت.
(س) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «مِن جَزِيل عَطائك المَعْلُول» يُريد أنَّ عَطاءَ اللَّهِ مُضاعَفٌ، يَعُلُّ بِهِ عِباده مَرَّةً بَعْد أخْرى.
وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبٍ:
كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُول (س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ أَوِ النَّخَعَيّ فِي رَجُلٍ ضَرب بالعصَا رَجُلًا فقَتله قَالَ: «إِذَا عَلَّه ضَرْباً فَفيه القَوَد» أَيْ إِذَا تابَع عَلَيْهِ الضَّرْب، مِنْ عَلَلِ الشُّرب.
(هـ) وَفِيهِ «الأنبياءُ أوْلاَدُ عَلَّاتٍ» أوْلاَدُ العَلَّات: الَّذِينَ أمَّهاتُهم مُخْتَلفةٌ وَأَبُوهُمْ واحِدٌ.
أرادَ أنَّ إيمانَهم واحِدٌ وشرائِعَهُم مُخْتَلِفة.
[هـ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «يَتَوَارَثُ بَنُو الأعْيان مِن الإخْوَة دُون بَني العَلَّات» أَيْ يَتَوَارثُ الإخْوة للْأب وَالْأُمُّ، وهُم الأعْيان، دُون الإخْوة لِلْأَبِ إِذَا اجْتَمَعُوا مَعَهُمْ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «فكانَ عبدُ الرَّحْمَنِ يَضْرِبُ رجلي بعِلَّة الرّاحلة» أي بسبها، يُظْهِرُ أَنَّهُ يَضْرب جَنْبَ الْبَعِيرِ برجْلِه، وإنَّما يَضْرب رجْلي.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ.
مَا عِلَّتي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ أَيْ مَا عُذْرِي فِي تَرك الْجِهَادِ ومَعِي أُهْبَةُ القِتَال؟ فَوَضع العِلَّة مَوْضِعَ العُذْر.
(3/291)

(عَلِمَ)
فِي أَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى «الْعَلِيمُ» *
هُوَ الْعَالِمُ المُحيطُ عِلْمُه بِجَمِيعِ الأشْياء ظاهِرها وباطِنها، دَقِيقِها وجَلِيلِها، عَلَى أتَمِّ الإمْكان. وفَعِيل مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ.
(هـ) وَفِيهِ ذِكْرُ «الْأَيَّامَ المَعْلُومات» هِيَ عَشْرُ ذِي الحِجَّة، آخِرُهَا يَوْمُ النَّحْر.
(هـ) وَفِيهِ «تَكُونُ الأرضُ يومَ القيامةِ كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأحَد» المَعْلَم:
مَا جُعِل عَلَامَة للُّطُرق والحُدودِ، مِثْل أَعْلَام الحَرَم ومَعَالِمه المَضْروبة عَلَيْهِ. وَقِيلَ: المَعْلَم: الأثَر، والعَلَم: المنَارُ والجبَل.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَيَنْزلَنَّ إِلَى جَنْبِ عَلَم» .
(س) وَفِي حَدِيثِ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو «أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ الشَّفَةِ» الأَعْلَم: المَشْقُوق الشَّفَة العُلْيا، والشَّفَةُ عَلْمَاء.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إِنَّكَ غُلَيِّم مُعَلَّم» أَيْ مُلْهَم للصَّواب والخَير، كقوله تعالى «مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» أَيْ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُه.
وَفِي حَدِيثِ الدَّجّال «تَعَلَّمُوا أنَّ ربَّكم ليْس بأعْوَرَ» .
وَالْحَدِيثِ الْآخَرِ «تَعَلَّمُوا أنه ليس برى أحدٌ مِنْكُمْ ربَّه حَتَّى يَمُوتَ» قِيلَ «1» هَذَا وأمْثالُه بِمَعْنَى اعْلَمُوا.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَحْمِل أبَاه ليَجُوزَ بِهِ الصّراطَ، فيَنْظر إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَيْلاَمٌ أمْدَرُ» العَيْلَام: ذكَر الضِّبَاع، وَالْيَاءُ وَالْأَلِفُ زَائِدَتَانِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ «قَالَ لِحَافِر الْبِئْرِ: أخْسَفتَ أَمْ أَعْلَمْت؟» يُقَالُ: أَعْلَم الحافِرُ إِذَا وَجَد البِئر عَيْلَماً: أَيْ كَثِيرَةَ الْمَاءِ، وَهُوَ دُون الخَسْف.

(عَلَنَ)
فِي حَدِيثِ المُلاعَنَة «تِلْكَ امْرأةٌ أَعْلَنَتْ» الإِعْلَان فِي الأصْل: إظْهار الشَّيْءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أنَّها كَانَتْ قَدْ أظْهَرت الفاحِشَة. وَقَدْ تكرر ذكر الإِعْلَان والاسْتِعْلَان في الحديث.
__________
(1) في ا: «كلّ» .
(3/292)

وَمِنْهُ حَدِيثُ الْهِجْرَةِ «وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِهِ ولسْنا بِمُقِرِّين لَهُ» الاسْتِعْلَان: أَيِ الجَهْر بِدِينِهِ وَقِرَاءَتِهِ.

(عَلْنَدَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ سَطِيح.
تَجُوُب بِيَ الْأَرْضَ عَلَنْدَاةٌ شَجَنْ العَلَنْدَاة: القوِيَّة مِنَ النُّوق.

(عَلْهَزَ)
فِي دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مُضَرَ «اللَّهُمَّ اجْعلْها عَلَيْهِمْ سِنينَ كَسِني يُوسُفَ، فابتُلُوا بِالْجُوعِ حَتَّى أكَلُوا العِلْهِز» هُوَ شَيْءٌ يَتَّخِذونه فِي سِنِي «1» المجَاعَة، يَخْلِطون الدَّمَ بأوْبَارِ الإبِل ثُمَّ يَشْوُونه بالنَّار وَيَأْكُلُونَهُ. وَقِيلَ: كَانُوا يَخْلِطون فِيهِ القِرْدَان. وَيُقَالُ للقُرَاد الضَّخْم:
عِلْهِز. وَقِيلَ: العِلْهِز شَيْءٌ يَنْبُت بِبلاد بَنِي سُلَيم لَهُ أصْل كَأَصْلِ البَرْدِيِّ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ.
ولاَ شَيءَ مِمَّا يأكُلُ الناسُ عِندنَا ... سِوَى الحَنْظَلِ الْعامِيِّ والعِلْهِز الْفَسِلِ
وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا ... وأيْنَ فِرارُ النَّاس إلاَّ إِلَى الرُّسْلِ
وَمِنْهُ حَدِيثُ عِكْرِمة «كَانَ طعامُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ العِلْهِز» .

(عَلَا)
[هـ] فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تعالى «الْعَلِيُّ*
والْمُتَعالِ
» فالعَلِيّ: الَّذِي لَيْسَ فوقَه شيءٌ فِي المرْتَبة «2» والحُكْم، فَعِيل بِمَعْنَى فاعِل، مِنْ عَلَا يَعْلُو.
والمُتَعَالِي: الَّذِي جَلَّ عَنْ إفْك المفْتَرِين وعَلا شأنُه. وَقِيلَ: جَلَّ عَنْ كلِّ وَصْفٍ وثنَاء. وَهُوَ مُتَفاعِلٌ مِنَ العُلُوّ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى العَالِي.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى «3» عَنِّي» أَيْ يَتَرَفَّع عَليَّ.
(س) وَحَدِيثِ سُبَيْعة «فلمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسها» ويُروى «تَعَالَت» : أَيِ ارْتَفَعَتْ وطَهُرَت. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَعَلَّى الرجلُ مِنْ عِلَّته إِذَا برَأ: أي خَرَجَتْ من نِفاسِها وسَلِمت.
__________
(1) في الأصل: «سنين» وأثبتنا ما في ا، واللسان والهروي.
(2) في ا: «الرُّتْبة» .
(3) في ا: «يتعالَى» .
(3/293)

(س) وَفِيهِ «اليَدُ العُلْيَا خيرٌ مِن اليَد السُّفْلَى» العُلْيَا: المُتَعَفِّفَة، والسُّفْلى: السَّائلة، رُوي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمر، وَرُوي عَنْهُ أَنَّهَا المُنْفِقةُ. وَقِيلَ: العُلْيَا: المُعْطِية، والسُّفْلَى: الآخِذَة.
وَقِيلَ: السُّفْلى: المانِعَةُ.
(هـ) وَفِيهِ «إنَّ أهلَ الْجَنَّةِ ليَتَراءَوْن أهلَ عِلِّيِّين كَمَا تَرَوْن الكَوْكَبَ الدُّرّيَّ فِي أُفُق السَّمَاءِ» عِلِّيُّون: اسْمٌ لِلسَّمَاءِ السَّابِعَةِ. وَقِيلَ: هُوَ اسمٌ لدِيوَان الْمَلَائِكَةِ الحَفَظَة، تُرْفَع إِلَيْهِ أعمالُ الصَّالِحِينَ مِنَ الْعِبَادِ.
وَقِيلَ: أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفَ الْمَرَاتِبِ وَأَقْرَبَهَا مِنَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. ويُعْرَب بِالْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ كقِنَّسْرِين وأشْباهِها، عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ أوْ وَاحِد.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فلمَّا وضعتُ رِجْلي عَلَى مُذَمِّرِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: أَعْلِ عَنِّج» أَيْ تَنَحَّ عَنِّي. يُقَالُ: أَعْلِ عَنِ الْوِسَادَةِ وعَالِ عَنْهَا: أَيْ تَنَحَّ، فَإِذَا أردْت أَنْ يَعْلُوها قُلْتَ: اعْلُ عَلَى الوِسادة، وَأَرَادَ بِعَنَّجْ: عَنِّي، وَهِيَ لُغَةُ قَوْمٍ يقَلِبون الْيَاءَ فِي الوقْف جِيما.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ أحُد «قَالَ أَبُو سُفيان لمَّا انْهَزَم الْمُسْلِمُونَ وظَهَروا عَلَيْهِمْ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ عُمَر: اللَّهُ أَعْلَى وأجَلّ، فَقَالَ لِعُمَر: أنْعَمَتْ، فعَالِ عَنْهَا» كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قُرَيْشٍ إِذَا أرادَ ابْتِدَاء أمْرٍ عَمَد إِلَى سَهْمَين فكتَب عَلَى أحَدِهما: نَعَم، وَعَلَى الآخَر: لَا، ثُمَّ يتقَدّم إِلَى الصنَّمَ ويُجِيل سِهامَه، فإنْ خرَج سَهْم نَعَم أقْدَم، وَإِنْ خرَج سهْم لاَ امْتَنَع. وَكَانَ أَبُو