Advertisement

تاج العروس 001


الكتاب: تاج العروس من جواهر القاموس
المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)
المحقق: مجموعة من المحققين
الناشر: دار الهداية
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

أَحْمَدُ مَنْ قَلَّدَنَا مِنْ عِقْد صِحاح جَوْهرِ آلائه، وأَوْلاَنا من سَيْب لُباب مُجْمَل إحسانه وإِعطائه، وأَفاض علينا من قَامُوس بِرِّه المُحيط فائقَ كَرَمِه وباهرَ إسدائه، وَأشْهد أَن لَا إِله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يُورِدنَا صدقُ قولِها المأْنوسِ مَوْرِدَ أَحبابِه ومَشَارِبَ أَصفيائه وأَشهد أَن سيّدنا ومولانا مُحَمَّدًا السيِّدَ المُرتضَى، والسَّنَد المُرتَجَى، والرسولَ المُنتَقَى، والحبِيبَ المجتَبَى، المصباحُ المضيءُ المزهِر بمِشكاة السرِّ اللامع المَعْلَمِ العُجاب، والصُّبحُ اللامع المُسفِرُ عَن خَبايا أَسرارِ ناموسِ الصِّدق والصَّواب، مُستقْصَى مَجمَعِ أَمثال الحِكَم بل سِرّ أَلِفْ بَا فِي كلِّ بابٍ وكتَاب، والأَساس المُحكم بتهذيب مَجدِه المتلاطِم العُباب، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آلِه وأَصحابه خير صحْبٍ وَآل، مَطالعِ العزّ الأَبديّ من موارٍ د الفخْر والكمال، ومشارِقِ المجدِ والجَلال، مَا أَعرَب المُعرِب عَن كلِّ مُغْرِب، وسَحَب ذيْلَ إِعجازِه على كُل مُسْهِب، ونطقَ لسانُ الفصيحِ فِي نِهَايَة جمهرةِ مَجدِهم الصرِيحِ المُرقِص المُطرِب، وسلّم تَسْلِيمًا كثيرا كثيرا.
(وَبعد) فَإِن التصنِيف مِضمارٌ تنَصبُّ إِليه خَيلُ السِّباق من كلّ أَوْب ثمَّ تَتجارى، فمِن شَاطٍ بَعيد الشأْوِ، وَسَاعِ الخَطْو، تَشخَص الخيلُ وراءَه إِلَى مُطهَّم سَبَّاقٍ فِي الحَلْبَة مِيفاءٍ على القَصَبة، وَمن لاحقٍ بالأُخريات، مُطَّرَح خلْف الأَعقاب، مَلطومٍ عَن شَقِّ الغُبارِ، مَوْسُوم بالسُّكَّيت المخلَّف، وَمن آخذٍ فِي القَصْدِ، مُتنزّل سِطَةَ مَا بَينهمَا، قد انحرف عَن الرَّجَوَيْنِ، وجَال بَين القُطرَيْن، فَلَيْسَ بالسَّبَّاق المُفرِط، وَلَا اللَّاحِق المُفرِّط.
وَقد تصدَّيتُ للانصباب فِي هَذَا المِضمار تَصَدِّىَ القاصِد بِذَرْعِه، الرّابِع على ظَلْعِه، فتدبَّرتُ فُنونَ العِلم الَّتِي أَنا كائنٌ بصَدَدِ تكمِيلِها، وقائمٌ بإِزاء خِدْمَتِها وتَحصيلها، فصادفتُ أَصْلَها
(1/1)

الأَعظم الَّذِي هُوَ اللغةُ العربيَّةُ خَلِيقَة بالمَيْلِ فِي صَغْو الاعتناءِ بهَا، والكدْح فِي تقويمِ عِنادِها، وإعطاءِ بَداهةِ الوَكْدِ وعُلالَته إِيَّاهَا.
وَكَانَ فِيهَا كتابُ الْقَامُوس الْمُحِيط، للْإِمَام مَجْدِ الدّين الشِّيرازي أجلَّ مَا أُلّف فِي الْفَنّ، لاشْتِمَاله على كلِّ مُستحسَن، من قُصارَى فصاحة العَرَبِ العَرْبَاء، وبيضةِ منطِقها وزُبدة حِوارِها، والرُّكْنَ البديع إِلَى ذَرابة اللِّسَان، وغَرابَةِ اللَّسَن، حَيْثُ أَوْجَزَ لفظَه وأشْبَعَ مَعْنَاهُ، وقَصَّرَ عِبارَته وَأطَال مَغْزاه، لَوَّح فأَغرَقَ فِي التَّصْرِيح، وكَنى فأغنى عَن الإفصاح، وقَيَّدَ مِن الأوابد مَا أَعرض، واقتنصَ من الشوارد مَا أكثب، إِذْ ارْتبط فِي قَرَنِ تَرتيب حُرُوف المعجم ارتباطاً جنحَ فِيهِ إِلَى وَطْءِ مِنهاجٍ أَبْيَنَ من عَمود الصُّبح، غيرَ مُتجانِفٍ للتطويل عَن الإيجاز، وَذَلِكَ أَنه بَوَّبَه فأَورَد فِي كلِّ بابٍ من الحروفِ مَا فِي أوّله الْهَمْز، ثمَّ قَفَّى على أثرِه بِمَا فِي أَوّله الْبَاء، وهَلُمّ جَرًّا، إِلَى مُنْتَهى أبوابِ الْكتاب، فَقدم فِي بَاب الْهمزَة إيّاها مَعَ الْألف عَلَيْهَا مَعَ الْبَاء، وَفِي كلّ بابٍ إِيَّاهَا مَعَ الألفِ على الباءين، وهلُمّ جرًّا، إِلَى مٌ نتَهَى فصولِ الْأَبْوَاب، وَكَذَلِكَ رَاعى النَّمط فِي أوساطِ الكَلِم وأواخرِها، وقدّم اللاحِقَ فاللاحق.
(ولعَمْرِي) هَذَا الكتابُ إِذا حُوضِر بِهِ فِي المحافل فَهُوَ بَهاءٌ، وللأفاضل مَتى ورَدُوه أُبَّهة، قد اخترق الْآفَاق مُشْرِّقاً ومُغَرِّبا، وتدارك سَيرُه فِي الْبِلَاد مُصَعِّداً ومُصَوِّبا، وانتظم فِي سلكِ التذاكِر، وإفاضَةِ أَزْلامِ التناظُر، ومَدّ بحرَه الكامِل البَسِيط، وفاض عُبابُه الزاخِر المُحيط، وَجَلَّت مِنَنُه عِند أهل الفنّ وبُسِطَتْ أَياديه، واشتهر فِي المدارِس اشتهارَ أَبى دُلَفَ بَين مُحتضَرِه وبادِيه، وخفّ على المدرِّسين أَمْرُه إِذْ تناولوه، وقَرُب عَلَيْهِم مأْخَذُه فتداوَلُوه، وتَنَاقَلُوه.
(وَلما) كَانَ إبرازُه فِي غَايَة الإيجاز، وإيجازه عَن حدِّ الإعجاز، تَصدَّى لكشف غوامضه ودقائقه رجالٌ من أهل الْعلم، شكر الله سَعْيَهم،
(1/2)

وأدامَ نَفْعَهم، فَمنهمْ من اقْتصر على شرح خُطبته الَّتِي ضُرِبت بهَا الْأَمْثَال، وتداولها بالقَبولِ أهلُ الكَمال، كالمُحِبِّ ابنِ الشِّحنة، وَالْقَاضِي أبي الرّوح عِيسَى ابْن عبد الرَّحِيم الكَجَراتي، والعَلاّمة مِيرزا عَليّ الشّيرازيّ، وَمِنْهُم من تَقيَّد بِسَائِر الْكتاب، وغرَّدَ على أفنانِه طائرُه المُستطاب، كالنُّور عليِّ بن غَانِم المقدسيّ، والعلاّمة سَعدي أَفَنْدِي، وَالشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الرءوف المَناويّ، وسمّاه " القوْلَ المأْنوس " وَصَل فِيهِ إِلَى حرف السِّين الْمُهْملَة، وَأَحْيَا رُفاتَ دارِس رُسومِه المُهملة، كَمَا أَخْبرنِي بعضُ شُيوخ الأوان، وَكم وجَّهْت إِلَيْهِ رائد الطّلب، وَلم أقِف عَلَيْهِ إِلَى الْآن، والسيّد الْعَلامَة فَخر الْإِسْلَام عبد الله، ابْن الإِمَام شرف الدّين الحَسني مَلك اليَمن، شَارِح " نظام الْغَرِيب " المتوفّى بحِصن ثُلا، سنة 973، وَسَماهُ " كَسْر الناموس ". والبدْر مُحَمَّد بن يحيى القَرافي، وَسَماهُ " بهجة النُّفُوس، فِي المُحاكمة بَين الصّحاح والقاموس " جمعهَا من خُطوط عبد الباسط البَلْقِينِيّ وسَعدي أَفَنْدِي، وَالْإِمَام اللّغَوِيّ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْعَزِيز الفَيْلالي، المتشرّف بخلْعة الْحَيَاة حِينَئِذٍ، شَرحه شرحاً حسنَا، رَقَى بِهِ بَين المحقّقين المقامَ الْأَسْنَى، وَقد حدَّثنا عَنهُ بعضُ شُيُوخنَا.
وَمن أَجمع مَا كُتِب عَلَيْهِ مِمَّا سمعتُ ورأيتُ شرحُ شَيخنَا الإِمَام اللغويّ أبي عبد الله مُحَمَّد بن الطّيِّب بن مُحَمَّد الفاسيّ، المتولّد بفاس سنة 1110، والمتوفَّى بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة سنة 1170، وَهُوَ عُمدتي فِي هَذَا الفنّ، والمقلِّد جِيدي العاطل بِحُلَى تقريرِه المستحسن، وشَرحُه هَذَا عِنْدِي فِي مجلّدين ضخمين.
وَمِنْهُم كالمستدرِك لما فَاتَ، والمُعترِض عَلَيْهِ بالتعرُّضِ لما لم يَأْتِ، كالسيد الْعَلامَة عليّ بن مُحَمَّد مَعصوم الحُسيني الفارسيّ، وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن رَسول البَرَزنجيّ، وَسَماهُ " رجل الطاووس "، وَالشَّيْخ المَناويّ فِي مجلّد لطيف، وَالْإِمَام اللّغَوِيّ عبد الله بن المَهديّ بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مَسْعُود
(1/3)

الحواليّ الحِميريّ، الملقب بالبحر، من عُلَمَاء الْيمن، الْمُتَوفَّى بالظهرين من بِلَاد حَجَّة سنة 1061، استدرك عَلَيْهِ وعَلى الجوهريّ فِي مُجَلد، وأَتهَم صِيتُه وأَنجد، وَقد أَدركه بعض شُيُوخ مَشَايِخنَا، واقتبس من ضوء مشكاته السنا، والعلامة ملاّ عَليّ بن سُلْطَان الْهَرَوِيّ وَسَماهُ " الناموس "، وَقد تكفل شيخُنا بالرّدّ عَلَيْهِ، فِي الْغَالِب، كَمَا سنوضحه فِي أثناءِ تَحْرِير المطالب، ولشيخ مَشَايِخنَا الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد المسناوِيّ عَلَيْهِ كتابةٌ حَسَنَة، وَكَذَا الشَّيْخ ابْن حجر المكّيّ لَهُ فِي التُّحْفَة مناقشات مَعَه وإيرادات مستحسنة، وللشهاب الخفاجي فِي العِناية محاورات مَعَه ومطارحات، ينْقل عَنْهَا شَيخنَا كثيرا فِي المناقشات، وَبَلغنِي أَن الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحلَبِي الْمُتَوفَّى سنة 900 قد لخّص الْقَامُوس فِي جزءٍ لطيف.
وآيم اللهِ إِنَّه لمَدْحضَه الأَرْجُل، ومخبرَة الرِّجال، بِهِ يتخلّص الخبيثُ من الإبريز، ويمتاز الناكِصون عَن ذَوي التبرِيز.
فَلَمَّا آنست من تَناهِي فاقَةِ الأفاضل إِلَى استكشافِ غوامِضه، والغوْص على مُشكِلاتِه، وَلَا سيّما من انتدب مِنْهُم لتدريس علم غَرِيب الحَدِيث، وإقراء الكُتب الْكِبَار من قوانين الْعَرَبيَّة فِي الْقَدِيم والْحَدِيث، فنَاط بِهِ الرغبةَ كلُّ طَالب، وعشا ضوءَ نارهِ كلُّ مُقتبِس، ووجّه إِلَيْهِ النُّجعةَ كلُّ رائد، وَكم يتلقّاك فِي هَذَا الْعَصْر الَّذِي قَرِعَ فِيهِ فِناءُ الْأَدَب، وصَفِر إناؤه، اللَّهُمَّ إِلَّا عَن صَرِمَة لَا يُسْئِر مِنْهَا القابِض، وصُبابة لَا تَفْضُل عَن المُتبرِّض من دَهْماءِ المنتحلين بِمَا لم يُحسنوه، المتشبِّعين بِمَا لم يَملِكُوه، من لَو رجعْتَ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ إِبْهَام مُعضِلةٍ لَفتَلَ أَصابِعه شَزْرا، ولاحمرَّت دِيباجتَاه تَشُّررا، أَو تَوقَّح فَأَساءَ جابةً، فَافتضح وَتكشف عَواره، قرَعْتُ ظُنبوب اجتهادي، واستسعَيْتُ يَعْبوب اعتنائي، فِي وضع شرحٍ عَلَيْهِ، ممزوجِ الْعبارَة، جامعٍ لموادّه بالتصريح فِي بعضٍ وَفِي الْبَعْض بِالْإِشَارَةِ، وافٍ بِبَيَان مَا اختلَف من نُسخه، والتصويب لما صحّ مِنْهَا مِن
(1/4)

صَحِيح الأُصول، حاوٍ لذِكْر نُكَتِه ونوادِره، والكشفِ عَن مَعَانِيه والإنباه عَن مَضارِبه ومآخذه بصرِيح النُّقول، والتقاطِ أبياتِ الشواهد لَهُ، مستمدًّا ذَلِك من الْكتب الَّتِي يَسّر الله تَعَالَى بفضلِه وُقُوفِي عَلَيْهَا، وحَصل الاستمدادُ عَلَيْهِ مِنْهَا، ونقلْتُ بِالْمُبَاشرَةِ لَا بالوسائط عَنْهَا، لَكِن على نُقصانٍ فِي بَعْضهَا نقصا متفاوتاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقلَّة وَالْكَثْرَة، وَأَرْجُو مِنْهُ سُبْحَانَهُ الزيادةَ عَلَيْهَا.
فأَوّل هَذِه المصنفات وأعلاها عِنْد ذَوِي البراعة وأَغلاها كتابُ الصِّحَاح للْإِمَام الْحجَّة أبي نصر الْجَوْهَرِي، وَهُوَ عِنْدِي فِي ثَمَانِي مجلدات، بِخَط ياقوت الرُّومِي، وعَلى هوامشه التقييدات النافعة لأبي مُحَمَّد بن بَرِّيّ، وَأبي زَكَرِيَّا التّبريزيّ، ظَفرت بِهِ فِي خِزانة الْأَمِير أزبك.
والتهذيب للْإِمَام أبي مَنْصُور الأزهريّ فِي سِتَّة عشر مجلداً.
والمُحكم لِابْنِ سَيّده فِي ثَمَان مجلّدات.
وتهذيب الْأَبْنِيَة وَالْأَفْعَال لأبي الْقَاسِم ابْن القطاع، فِي مجلدين
ولسان الْعَرَب للْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن مُكرّم بن عليٍّ الإفْرِيقِي، ثَمَان وَعِشْرُونَ مجلداً، وَهِي النُّسْخَة المنقولة من مُسَوَّدة المُصَنّف فِي حَيَاته، الْتزم فِيهِ الصِّحَاح، والتهذيب، والمحكم، وَالنِّهَايَة، وحواشي ابْن بَرّيّ، والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد. وَقد حَدّث عَنهُ الحافظانِ الذهبيُّ والسُّبكيُّ، ولد سنة 630 وَتُوفِّي سنة 711.
وتهذيب التَّهْذِيب لأبي الثَّنَاء مَحْمُود ابْن أبي بكر بن حَامِد التّنوخيِّ الأَرْمَوِيّ الدِّمشقيّ الشافعيّ، فِي خمس مجلدات، وَهِي مسوّدة المُصَنّف، من وقف السميساطية بِدِمَشْق، ظَفرت بهَا خِزانة الْأَشْرَف بالعنبرانيين، الْتزم فِيهِ: الصِّحَاح والتهذيب، والمحكم، مَعَ غَايَة التَّحْرِير والضبط المُحكم، وَقد حدّث عَنهُ الْحَافِظ الذهبيُّ، وترجمه فِي مُعجم شُيوخه، ولد سنة 647 وَتُوفِّي سنة 723.
(1/5)

وَكتاب الغَريبين لأبي عُبيد الهَرَوِيّ.
وَالنِّهَايَة فِي غَريب الحَدِيث لِابْنِ الْأَثِير الجَزريّ.
وكفاية المتحفّظ لِابْنِ الأَجدابيّ وشروحها.
وفصيح ثَعْلَب، وشروحه الثَّلَاثَة: لأبي جَعْفَر اللبليّ، وَابْن درسْتوَيْه، والتدميري.
وَفقه اللُّغَة، والمضاف والمنسوب، كِلَاهُمَا لأبي مَنْصُور الثعالبي.
والعباب والتكملة على الصِّحَاح، كِلَاهُمَا للرضِيّ الصاغانيّ، ظَفرت بهما فِي خِزانة الْأَمِير صرغتمش.
والمصباح الْمُنِير فِي غَرِيب الشَّرْح الْكَبِير.
والتقريب لوَلَده الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الدَّهْشة.
ومختار الصِّحَاح للرازيّ.
والأساس وَالْفَائِق والمستقصَى فِي الأمثالِ، الثَّلَاثَة للزمخشريّ.
والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد، فِي أَربع مجلدات، ظَفرت بهَا فِي خِزانة المؤيّد.
وَإِصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكّيت. .
والخصائص لِابْنِ جنيّ، وسر الصِّنَاعَة لَهُ أَيْضا.
والمُجمل لِابْنِ فَارس.
وَإِصْلَاح الْأَلْفَاظ للخطّابي.
ومشارق الْأَنْوَار للْقَاضِي عِيَاض.
والمطالع لتلميذه ابْن قرقول، الأَخير من خزانَة الديري.
وَكتاب أَنساب الْخَيل وأَنساب الْعَرَب واستدراك الْغَلَط، الثَّلَاثَة لأبي عُبيد الْقَاسِم بن سَلام.
وَكتاب السرج واللجام والبيضة والدرع، لمُحَمد بن قَاسم بن عزْرَة الْأَزْدِيّ.
وَكتاب الْحمام وَالْهدى لَهُ أَيْضا.
وَكتاب المعرّب للجواليقي، مُجَلد لطيف، ظَفرت بِهِ فِي خِزانة الْملك الأَشرف قايتباي، رَحمَه الله تَعَالَى
والمفردات للراغب الْأَصْبَهَانِيّ، فِي مُجَلد ضخم.
(1/6)

ومشكل الْقُرْآن لِابْنِ قُتَيْبَة.
وَكتاب الْمَقْصُور والممدود، وزوائد الأَمالي، كِلَاهُمَا لأبي عَليّ القالي.
وَكتاب الأَضداد لأبي الطيّب عبد الْوَاحِد اللغويّ.
وَالرَّوْض الأُنف، لأَبي الْقَاسِم السُّهيلي، فِي أَربع مجلدات.
وبغية الآمال فِي مستقبلات الْأَفْعَال، لأبي جَعْفَر اللبليّ.
وَالْحجّة فِي قراآت الْأَئِمَّة السَّبْعَة لِابْنِ خالويه.
وَالْوُجُوه والنظائر لأبي عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدامغانيّ.
وبصائر ذَوي التَّمْيِيز فِي لطائف كتاب الله الْعَزِيز، والبُلغة فِي أَئِمَّة اللُّغَة، وترقيق الأَسل فِي تصفيق العَسل، وَالرَّوْض المسلوف فِيمَا لَهُ اسمان إِلَى الأُلوف، والمثلثات، الأَربعة للْمُصَنف، والمزهر، ونظام اللسد فِي أَسمَاء الأَسد، وطبقات أَئِمَّة النَّحْو واللغة، الثَّلَاثَة لِلْحَافِظِ السيوطيّ.
وَمجمع الأَنساب لأَبي الْفِدَاء إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم البلبيسيّ الْحَنَفِيّ، جمع فِيهِ بَين كتابَيِ الرشاطيّ وَابْن الأَثير.
والجزء الثَّانِي وَالثَّالِث من لباب الأَنساب للسمْعاني.
والتوقيف على مهمات التَّعْرِيف، للمناوي.
وَألف بَا للأَلبّا، لأبي الْحجَّاج الْقُضَاعِي البَلويّ.
وَكتاب المعاليم للبلاذريّ، ثَلَاثُونَ مجلدا.
وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لِلْحَافِظِ ابْن حجر العَسقلانّي، بِخَط سبطه يُوسُف بن شاهين.
وَشرح ديوَان الهذليين لأبي سعيد السكريّ، وَعَلِيهِ خطّ ابْن فَارس صَاحب المُجمل.
وَالْأول وَالثَّانِي والعاشر من مُعْجم ياقوت، ظَفرت بِهِ فِي الخِزانة المحموديّة.
ومعجم الْبلدَانِ لأبي عُبيد البكريّ.
والتجريد فِي الصَّحَابَة، والمغنى، وديوان الضُّعَفَاء، الثَّلَاثَة لِلْحَافِظِ الذهبيّ.
(1/7)

ومعجم الصَّحَابَة، لِلْحَافِظِ تَقِيّ الدّين ابْن فَهد، بِخَطِّهِ.
والذيل على إِكْمَال الْإِكْمَال، لأبي حَامِد الصابونيّ.
وتاريخ دمشق، لِابْنِ عَسَاكِر، خمس وَخَمْسُونَ مجلداً.
وَبَعض أَجزَاء من تَارِيخ بَغْدَاد، لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب.
والذيل عَلَيْهِ للبنداريّ.
وَبَعض أَجزَاء من تَارِيخ ابْن النجّار.
وَكتاب الْفرق، للحكيم الترمذيّ.
وَأَسْمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ، لِلْحَافِظِ أبي الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي، وَلابْن رسْلَان أَيْضا.
وطبقات الْمُفَسّرين للداوُديّ.
وطبقات الشافعيّة، للتاج السبكيّ، وللقطب الخيضريّ.
والتكملة لوفيات النقَلة، لِلْحَافِظِ زكيّ الدّين المنذريّ.
وَكتاب الثِّقَات، لِابْنِ حبّان.
وَكتاب الْإِرْشَاد، للخليلي.
والجواهر المُضِيَّة، فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة، لِلْحَافِظِ عبد الْقَادِر الْقرشِي.
ولباب الأَنساب للسيوطي.
والذيل عَلَيْهِ للداوديّ.
وَمجمع الْأَقْوَال فِي مَعَاني الْأَمْثَال، لمُحَمد بن عبد الرَّحْمَن أبي الْبَقَاء العُكبريّ.
ونزهة الأَنفس فِي الأَمثال، لمُحَمد بن عَليّ العراقيّ.
وَشرح المقامات الحريريّة للشَّريشي.
والوافي بالوفيات، للصلاح الصَفدِيّ.
وَمن تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبيّ، عشرُون مجلداً.
وَشرح المعلقات السَّبْعَة لِابْنِ الأَنباريّ.
والحماسة لأبي تمّام حبيب بن أَوس الطائيّ، الْمُشْتَملَة على عشرَة أَبْوَاب.
وَبَعض أَجزَاء من الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة، لِلْحَافِظِ عماد الدّين بن كثير.
والراموز، لبَعض عَصْرِيِّي المصنّف.
والمثلّثات، لِابْنِ مَالك.
وَطرح التثريب، لِلْحَافِظِ وليّ الدّين العراقيّ.
والطالع السعيد، للأدفويّ.
والأنس الْجَلِيل، لِابْنِ الحنبليّ.
(1/8)

والكامل، لِابْنِ عديّ، فِي ثمانِ مجلدات، من خزانَة المؤيّد.
وحياة الْحَيَوَان، للكمال الدَّميريّ.
وذيل السيوطيّ عَلَيْهِ ومستدركاته.
والإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن، لَهُ أَيْضا.
وَالْإِحْسَان فِي عُلُوم الْقُرْآن، لشيخ مَشَايِخنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عقيلة.
وَشرح الشِّفَاء، لِلشِّهَابِ الخفاجي.
وشفاء الغليل، لَهُ أَيْضا.
وَشرح الْمَوَاهِب اللدُنّيّة، لشيخ مَشَايِخنَا سيّدي مُحَمَّد الزُّرقاني.
وقوانين الدَّوَاوِين، للأَسعد بن مَمّاتي.
ومختصره، لِابْنِ الجيعان.
والخطط، للمقريزيّ.
وَالْبَيَان وَالْإِعْرَاب عَمَّن بِمصْر من قبائل الْأَعْرَاب، لَهُ أَيْضا.
والمقدمة الفاضليّة، لِابْنِ الجوّانيّ نسابة مصر.
وجمهرة الأَنساب، لِابْنِ حزم.
وعمدة الطَّالِب، لِابْنِ عُتبة نسّابة الْعرَاق.
والتذكِرة فِي الطبّ، للحكيم دَاوُد الْأَنْطَاكِي.
والمنهاج والتبيان، كِلَاهُمَا فِي بَيَان العقاقير.
وَكتاب النَّبَات، لأبي حَنيفة الدينوريّ.
وتحفة الأَحباب، للْملك الغسانيّ.
وَغير ذَلِك من الْكتب والأجزاء، فِي الْفُنُون الْمُخْتَلفَة، مِمَّا يطول على النَّاظر استقصاؤها، ويصعب على العادّ إحصاؤها.
وَلم آلُ جهداً فِي تحرِّي الِاخْتِصَار، وسُلوك سَبِيل التنقية وَالِاخْتِيَار، وَتَجْرِيد الأَلفاظ عَن الفَضلات الَّتِي يُسْتغْنَى عَنْهَا فِي حَطِّ اللثام عَن وَجْه المَعنى عِنْد ذَوي الأفكار.
فجاءَ بِحَمْد الله تَعَالَى هَذَا الشرحُ واضحَ المَنهج، كثير الْفَائِدَة، سهْل السُّلوك، مَوصول العائدة، آمنا بِمِنَّة الله من أَن يصبح مثل غَيره وَهُوَ مطروح مَتْرُوك، عظم إِن شاءَ الله تَعَالَى
(1/9)

نفعُه بِمَا اشتملَ عَلَيْهِ، وغَنِي مَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ، وَجمع من الشواهد والأدلّة مَا لم يَجمَعْ مِثلُه مِثلَه، لِأَن كل واحِدٍ من الْعلمَاء انْفَرد بقول رَوَاهُ، أَو سَماعٍ أَدّاه، فَصَارَت الفوائدُ فِي كتبهمْ مُفرَّقة، وسارت أنجمُ الْفَضَائِل فِي أفلاكِها، هَذِه مُغرّبةٌ وَهَذِه مُشرِّقة، فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الشرحِ مَا تَفرَّق، وقرنت بَين مَا غرَّب مِنْهَا وَبَين مَا شرَّق، فانتظم شَمْلُ تِلْكَ الأُصول والموادّ كُلِّها فِي هَذَا الْمَجْمُوع، وَصَارَ هَذَا بمنزِلةِ الأَصْل وأُولئك بِمَنْزِلَة الْفُرُوع، فجاءَ بِحَمْد الله تَعَالَى وَفْقَ البُغْيَة، وَفَوق المُنْيَة، بديعَ الإتقان، صحيحَ الْأَركان، سليما من لفظةِ لَو كَانَ، حَللْتُ بِوَضْعِهِ ذِرْوَة الحُفّاظ، وحَللت بجمعه عُقدةَ الأَلفاظ، وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أَدّعي فِيهِ دَعْوَى فأَقول: شافَهْتُ، أَو سَمِعت، أَو شَددْتُ، أَو رحَلت، أَو أَخطأَ فلانٌ أَو أَصاب، أَو غَلِطَ القائلُ فِي الْخطاب، فكلُّ هَذِه الدَّعاوَى لم يَترك فِيهَا شيخُنا لقائلٍ مقَالا، وَلم يُخْلِ لأَحدٍ فِيهَا مَجالا، فَإِنَّهُ عُنِيَ فِي شرْحه عَمَّن رَوى، وبَرْهن عَمَّا حَوَى، ويَسَّر فِي خَطْبِه فادَّعى، ولعمري لقد جَمع فأَوْعَى، وأتى بالمقاصد ووَفى، وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الشَّرْح فضيلةٌ أَمُتُّ بهَا، وَلَا وَسِيلَة أَتمسّك بهَا، سوى أنني جمعتُ فِيهِ مَا تفرّق فِي تِلْكَ الكُتب من مَنْطُوق وَمَفْهُوم، وبسطتُ القولَ فِيهِ وَلم أَشبَعْ باليسير وطالبُ العِلم مَنهوم، فَمن وَقف فِيهِ على صَوابٍ أَو زلل، أَو صِحّة أَو خَلل، فعُهدتُه على المصنِّف الأول، وحَمْدُه وذمُّه لأَصلِه الَّذِي عَلَيْهِ المُعوَّل، لِأَنِّي عَن كلِّ كتابٍ نَقلتُ مَضمونه، فَلم أُبدِّل شَيْئا فَيُقَال {فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه} بل أَدَّيت الأَمانة فِي شرح الْعبارَة بالفَصّ، وأوردتُ مَا زِدت على المؤلِّف بالنَّص، وراعيت مناسَباتِ مَا ضَمَّنه من لُطف الْإِشَارَة، فَلْيُعَدِّ من يَنقُل عَن شَرحي هَذَا عَن تِلْكَ الأُصول وَالْفُرُوع، وليستغْن بالاستضواءِ بدُرِّيِّ بَيَانه الملموع، فالناقلُ عَنهُ يَمُدّ باعَه ويُطلق لسانَه،
(1/10)

ويتنوَّع فِي نَقله عَنهُ لِأَنَّهُ ينقُل عَن خِزانَة، وَالله تَعَالَى يشْكر مَنْ لَهُ بإلهام جمعه من منَّة، وَيجْعَل بَينه وَبَين مُحَرِّفي كَلِمِه عَن مَواضعه واقيةً وجُنَّة، وَهُوَ الْمَسْئُول أَن يُعاملني فِيهِ بفضله وإحسانه، ويُعينني على إِتْمَامه بكرمه وامتنانه، فإنني لم أقصد سوى حِفظِ هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة، إِذْ عَلَيْهَا مَدار أَحكامِ الْكتاب الْعَزِيز والسُّنّة النبويّة، وَلِأَن العالِم بغوامضها يعلم مَا يُوَافق فِيهِ النيةَ اللسانُ وَيُخَالف فِيهِ اللسانُ النيّة، وَقد جمعته فِي زمنٍ أَهله بِغَيْر لغته يفخرون، وصَنعته كَمَا صنع نوح عَلَيْهِ السَّلَام الْفلك وَقَومه مِنْهُ يسخرون.
وسميته.
(تَاج الْعَرُوس من جَوَاهِر الْقَامُوس) .
وَكَأَنِّي بالعالم المنصِف قد اطّلع عَلَيْهِ فارتضاه، وأَجال فِيهِ نظرة ذِي عَلَقٍ فاجتباه، وَلم يلْتَفت إِلَى حُدُوث عَهده وقربِ ميلاده، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُستجاد الشَّيْء ويسترذل لجودته ورداءَته فِي ذَاته، لَا لِقدَمِه وحُدوثه، وبالجاهل المُشِطّ قد سَمِع بِهِ فسارع إِلَى تَمزيق فروته، وتوجيه المَعاب إِلَيْهِ، ولمَّا يعْرفْ نَبْعَه من غَرَبِه وَلَا عَجم عُودَه، وَلَا نَفض تهائمَه ونُجودَه، وَالَّذِي غرَّه مِنْهُ أَنه عَملٌ محدثٌ وَلَا عمل قَديم، وحسبك أَن الأشياءَ تُنتقد أَو تُبهرَج لِأَنَّهَا تَلِيدَة أَو طارِفة، وَللَّه درُّ مَن يَقُول:
(إذَا رَضِيَتْ عَنّي كِرَامُ شِيرَتِي ... فَلاَ زَالَ غَضْبَاناً عَلَيَّ لِئامُها)

وأَرجو من الله تَعَالَى أَن يَرفع قدرَ هَذَا الشَّرْح بمنِّه وفَضْله، وَأَن ينفع بِهِ كَمَا نَفع بأصلِه، وَأَنا أَبرأ إِلَى الله عزّ وجلَّ من القُوَّة والحَوْل، وإياه أَستغفر من الزَّلل فِي العَملِ وَالْقَوْل، لَا إِلَه غَيره، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُه، وَصلى الله على سَيِّدنا محمدٍ وَآله وصحبِه وسَلَّم تَسْلِيمًا كثيرا.
(1/11)

(مُقَدّمَة)

وَهِي مُشْتَمِلَة على عشرَة مَقَاصِد:
(الْمَقْصد الأول فِي بَيَان أَن اللُّغَة هَل هِيَ توقيفية أَو اصطلاحية)

نقل السُّيُوطِيّ فِي المزهر عَن أبي الْفَتْح بن بُرهان فِي كتاب الْوُصُول إِلَى الأُصول: اخْتلف العلماءُ فِي اللُّغَة هَل تثبت توقيفاً أَو اصْطِلَاحا، فَذَهَبت المعتزِلة إِلَى أَن اللُّغَات بأَسرها تثبت اصْطِلَاحا، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا تثبت توقيفاً، وَزعم الأُستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني أَن القَدْر الَّذِي يَدْعُو بِهِ الإنسانُ غيرَه إِلَى التَّوَاضُع يثبت توقيفاً، وَمَا عدا ذَلِك يجوز أَن يثبت بِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر: لَا يجوز أَن يثبت توقيفاً، وَيجوز أَن يثبت اصْطِلَاحا وَيجوز أَن يثبت بعضه توقيفاً وَبَعضه اصْطِلَاحا، والكلّ ممكِنٌ.
وَنقل أَيْضا عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي فِي الْبُرْهَان، اخْتلف أَربابُ الأُصول فِي مأْخذ اللُّغَات، فَذهب ذاهبون إِلَى أَنَّهَا توقيفٌ من الله تَعَالَى، وَصَارَ صائرون إِلَى أَنَّهَا تثبت اصْطِلَاحا وتواطؤاً.
وَنقل عَن الزَّركشي فِي الْبَحْر الْمُحِيط: حكى الأُستاذ أَبُو مَنْصُور قولا أَن التَّوْقِيف وَقع فِي الِابْتِدَاء على لُغَة وَاحِدَة، وَمَا سِواها من اللُّغَات وَقع عَلَيْهَا التَّوْقِيف بعد الطُّوفان، من الله تَعَالَى، فِي أَوْلَاد نوح، حِين تفرَّقوا فِي الأَقطار. قَالَ: وَقد رُوِي عَن ابْن عباسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا أَن أوّل من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَة إِسْمَاعِيل، وَأَرَادَ بِهِ عربيَّة قُريش الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن، وَأما عربيّة قحطانَ وحِمير فَكَانَت قبل إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَالَ فِي شرح الْأَسْمَاء: قَالَ الْجُمْهُور الْأَعْظَم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
(1/12)

من المفسِّرين إِنَّهَا كلّها تَوْقِيف من الله تَعَالَى.
وَقَالَ أهلُ التَّحْقِيق من أَصحابنا: لَا بُد من التَّوْقِيف فِي أصل اللُّغَة الْوَاحِدَة، لِاسْتِحَالَة وُقُوع الِاصْطِلَاح على أوّل اللُّغَات، من غير معرفةٍ من المصطلحين بِعَيْن مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ، وَإِذا حصل التَّوْقِيف على لغةٍ وَاحِدَة، جَازَ أَن يكون مَا بعْدهَا من اللُّغَات اصْطِلَاحا، وَأَن يكون توقيفاً، وَلَا يُقْطَع بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدلَالَة.
ثمَّ قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي لُغَة الْعَرَب، فَمن زعم أَن اللغاتِ كلَّها اصطلاحٌ فَكَذَا قولُه فِي لغةِ الْعَرَب، وَمن قَالَ بالتوقيف على اللغةِ الأُخرى وَأَجَازَ الِاصْطِلَاح فِيمَا سواهَا من اللغاتِ، اخْتلفُوا فِي لُغَة الْعَرَب، فَمنهمْ من قَالَ: هِيَ أول اللُّغَات، وكلُّ لُغَة سواهَا حَدثَتْ فِيمَا بعد إِمَّا توقيفاً أَو اصْطِلَاحا، وَاسْتَدَلُّوا بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى، وَهُوَ عربيٌّ، وَهُوَ دَلِيل على أَن لُغَة الْعَرَب أسبقُ اللغاتِ وجودا، وَمِنْهُم من قَالَ: لُغَة الْعَرَب نَوْعَانِ: أَحدهمَا عَربيَّة حِمْير، وَهِي الَّتِي تكلّموا بهَا من عهد هُود ومَن قَبلَه، وَبَقِي بعضُها إِلَى وقتنا، وَالثَّانيَِة الْعَرَبيَّة الْمَحْضَة، الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن، وأوّل من أَطلق لِسانه بهَا إِسْمَاعِيل، فعلى هَذَا القولِ يكون تَوْقِيف إِسْمَاعِيل على الْعَرَبيَّة الْمَحْضَة يحْتَمل أَمريْن: إِمَّا أَن يكون اصْطِلَاحا بَينه وَبَين جُرْهُمٍ النازلين عَلَيْهِ بمكَّة، وَإِمَّا أَن يكون توقيفاً من الله تَعَالَى، وَهُوَ الصَّوَاب.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وأَخرج ابنُ عَسَاكِر فِي التَّارِيخ، عَن ابْن عَبَّاس، أَن آدم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لغته فِي الْجنَّة العربيَّة، فَلَمَّا عَصى سَلبَه اللهُ العربيةَ فَتكلم بالسرْيانية، فَلَمَّا تابَ لله، رد الله عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة.
وَأخرج عبدُ الْملك بن حَبيب: كَانَ اللِّسَان الأوّل الَّذِي نزل بِهِ آدم من الْجنَّة عربيًّا إِلَى أَن بَعُد العهدُ وطالَ حُرِّف وَصَارَ سريانيًّا، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى سُورية، وَهِي أرضُ الجزيرة، بهَا
(1/13)

كَانَ نوحٌ عَلَيْهِ السَّلَام وقومُه قبل الغَرَق، قَالَ: وَكَانَ يُشاكِل اللسانَ العربيَّ، إِلَّا أَنه محرَّف، وَهُوَ كَانَ لسانَ جميعِ مَن فِي السفينةِ إِلَّا رجلا وَاحِدًا يُقَال لَهُ جُرهُم، فَكَانَ لِسَانه لِسَان العربيّ الأوّل، فَلَمَّا خَرجُوا من السَّفِينَة تزوّج إرمُ بن سَامٍ بعضَ بَنَاته، فَمنهمْ صَار اللسانُ العربيُّ فِي وَلَده عُوص أبي عَاد، وعَبِيل، وجاثِر أبي جَدِيس وَثَمُود، وسمّيت عادٌ باسم جُرْهُم، لِأَنَّهُ كَانَ جَدَّهم من الأُمّ، وَبَقِي اللِّسَان السريانيُّ فِي وَلد أَرْفَخشذ بن سَام إِلَى أَن وصل إِلَى يَشجُب بن قحطانَ مِن ذُريَّته، وَكَانَ بِالْيمن، فَنزل هُنَاكَ بَنو إِسْمَاعِيل فتعلم مِنْهُم بَنو قحطان اللّسان العربيَّ.
وَقَالَ ابْن دحْيَة: الْعَرَب أَقسَام:
الأول عارِبة وعَرْباء، وهم الخُلّص، وهم تِسعُ قبائلَ من ولد إرَم بن سَام بن نوح، وَهِي: عَاد، وَثَمُود، وأَمِيم، وعَبِيل، وطَسْم، وجَدِيس، وعِمْلِيق، وجُرْهُم، ووَبَار، وَمِنْهُم تعلم إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام الْعَرَبيَّة.
وَالثَّانِي المتعربة: وهم الَّذين لَيْسُوا بخلَّص وهم بَنو قحطان.
وَالثَّالِث المستعربة: وهم بَنو إِسْمَاعِيل وهم ولد مَعدّ بن عدنان، انْتهى.
وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد فِي الجمهرة: الْعَرَب العاربة سبع قبائل: عَاد، وثَمود، وعِمليق، وطَسْم، وجَديس، وأَميم، وجاسم، وَقد انقرض أَكْثَرهم إِلَّا بقايا متفرّقين فِي الْقَبَائِل. قَالَ: وسمِّي يَعرُب بن قحطان لِأَنَّهُ أول من انعدل لِسَانه عَن السُّريانيَّة إِلَى الْعَرَبيَّة، وَهَذَا معنى قَول الجوهريّ فِي الصِّحَاح: أول من تكلم الْعَرَبيَّة يَعرُب بن قحطان.
وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَصَححهُ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي شُعَب الْإِيمَان: عَن بُرَيْدَة رَضِي الله عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى {بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين} قَالَ: بِلِسَان جُرهم.
(1/14)

وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام: وَأَخْبرنِي يُونُس، عَن أبي عَمْرو بن العَلاء، قَالَ: الْعَرَب كلّها ولد إِسْمَاعِيل، إِلَّا حِمْير وبقايا جُرْهم، وَلذَلِك يرْوى أَن إِسْمَاعِيل جاورَهُم وأَصْهَر إِلَيْهِم.
وَقَالَ الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير فِي تَارِيخه: قيل إِن جَمِيع الْعَرَب ينتسبون إِلَى إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَن الْعَرَب العاربة قبل إِسْمَاعِيل وهم: عَاد، وَثَمُود، وطسم، وجديس، وأَميم، وجرهم، والعماليق. وأُمم آخَرُونَ كَانُوا قبل الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِي زَمَانه أَيْضا، فَأَما الْعَرَب المستعربة وهم عرب الحِجاز فَمن ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَأما عَرب الْيمن، وهم حمير، فَالْمَشْهُور أَنهم من قَحطان، واسْمه مِهْزَم. قَالَ ابنُ ماكُولا، وَذكروا أَنهم كَانُوا أَرْبَعَة إخْوَة، وَقيل: من ذُريَّته، وَقيل: إِن قحطانَ ابنُ هودٍ، وَقيل: أَخُوهُ، وَقيل: من ذُريته، وَقيل: إِن قحطان من سُلالة إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، حَكَاهُ ابْن إِسْحَاق وَغَيره، وَالْجُمْهُور أَن الْعَرَب القحطانية من عرب الْيمن وَغَيرهم لَيْسُوا من سلالة إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَالَ الشِّيرازيّ فِي كتاب الأَلقاب، بِسَنَدِهِ إِلَى مِسْمع بن عبد الْملك، عَن مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسين، عَن آبَائِهِ، عَن النَّبِي
قَالَ: " أولُ من فُتِقَ لسانُه بالعربيّة المبينة إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة ".
وَفِي جُزْء الغطريف بِسَنَدِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، مَالك أَفصحنا، وَلم تخرج من بَين أَظهُرِنا؟ قَالَ: " كَانَت لُغَة إِسْمَاعِيل قد دَرَست، فجاءَ بهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السلامُ فحفَّظَنِيها فحفظْتها " أخرجه ابنُ عَسَاكِر فِي تَارِيخه.
وَأخرج الدَّيلمي فِي مُسند الفردَوس عَن أبي رافعٍ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
" مُثِّلَت لي أُمتي فِي المَاء
(1/15)

والطِّين وعُلِّمت الأسماءَ كلَّها كَمَا عُلِّم آدمُ الأَسماءَ كلَّها ".
(الْمَقْصد الثَّانِي فِي سَعَة لُغَة الْعَرَب)

فِي المزهر: قَالَ أَبُو الْحسن أَحْمد بن فَارس فِي فقه اللُّغَة: بَاب القَوْل على لُغَة الْعَرَب، وَهل يجوز أَن يُحاط بهَا، قَالَ بعض الْفُقَهَاء: كلامُ الْعَرَب لَا يُحيط بِهِ إِلَّا نبيّ. قَالَ ابْن فَارس: وَهَذَا كَلَام حَرِيٌّ أَن يكون صَحِيحا، وَمَا بلغنَا عَن أَحدٍ مِمَّن مَضى أَنه ادَّعى حِفظ اللُّغَة كلِّها، فَأَما الْكتاب الْمَنْسُوب إِلَى الْخَلِيل، وَمَا فِي خاتمته من قَوْله: هَذَا آخرُ كَلَام الْعَرَب فقد كَانَ الْخَلِيل أَوْرَع وأَتقى لله تَعَالَى من أَن يَقُول ذَلِك.
قَالَ السيوطيُّ: وَهَذَا الَّذِي نَقله عَن بعض الفقهاءِ نَص عَلَيْهِ الإمامُ الشافعيّ رَضِي الله عَنهُ، فَقَالَ فِي أوّل الرسَالَة: لِسَان الْعَرَب أَوسعُ الأَلسنةِ مذهبا، وأكثرُها أَلفاظاً، وَلَا نعلم أَنه يُحِيط بِجَمِيعِ علمه إنسانٌ غير نبيّ، وَلكنه لَا يذهب مِنْهُ شَيْء على عَامتها، حَتَّى لَا يكون مَوْجُودا فِيهَا من يعرفهُ، والعِلْم عِنْد الْعَرَب كالعِلْم بالسُّنَّة عِنْد أهلِ الفِقه، لَا يعلم رجلٌ جميعَ السُّنَن، فَلم يذهب مِنْهَا عَلَيْهِ شَيْء، فَإِذا جُمِع علمُ عامّة أَهلِ الْعلم بهَا أَتَى على السُّنن، وَإِذا فُرِّق علم كلِّ واحدٍ مِنْهُم ذهب عَلَيْهِ الشيءُ مِنْهَا ثمَّ كَانَ مَا ذهب عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْجُودا عِنْد غَيره، وهم فِي الْعلم طَبَقَات، مِنْهُم الْجَامِع لأكثره وَإِن ذهب عَلَيْهِ بعضه، وَمِنْهُم الْجَامِع لأقلَّ ممّا جمع غَيره، وَلَيْسَ قليلُ مَا ذهب مِن السُّنن على مَنْ جمع أكثَرها دَلِيلا على أَن يُطلب علمه عِنْد غير طَبَقته، من أَهل الْعلم، بل يُطلَب عِنْد نُظَرائه مَا ذَهب عَلَيْهِ حَتَّى يُؤتَى على جَمِيع سُنن رسولِ الله
، بأَبي هُوَ وأُمي، فتفرَّد
(1/16)

جُملةُ الْعلمَاء بجُملتِها، وهم درجاتٌ فِيمَا وَعَوْا مِنها، وَهَذَا لسانُ العربُ عِنْد خاصّتها وعامّتها لَا يذهب مِنْهُ شَيْء عَلَيْهَا، وَلَا يطْلب عِنْد غَيرهَا، وَلَا يُعلمهُ إِلَّا مَن قَبِلَه مِنْهَا، وَلَا يَشرَكها فِيهِ إِلَّا من اتبعها فِي تعَلُّمه مِنْهَا [ومَن قَبلَه مِنْهَا] فَهُوَ من أَهلِ لِسانها وعِلْم أكثرِ اللِّسَان فِي أَكثر الْعَرَب أَعمُّ من عِلمِ أكثرِ السُّنن فِي الْعلمَاء. هَذَا نصّ الإِمَام الشَّافِعِي بِحُرُوفِهِ، انْتهى.
وَقَالَ ابْن فَارس فِي مَوضِع آخر: اعْلَم أَن لُغَة الْعَرَب لم تَنْتَهِ إِلَيْنَا بكلّيتها، وَأَن الَّذِي جَاءَ عَن الْعَرَب قَلِيل من كثير، وَأَن كثيرا من الْكَلَام ذهب بذهاب أَهله، وَالله أعلم.
(الْمَقْصد الثَّالِث فِي عدَّة أبنية الْكَلَام)

فِي المزهر نقلا عَن مختصرِ كِتاب الْعين للزُّبَيْدِيّ مَا نَصُّه: عِدَّةُ مُستَعملِ الكلامِ كُلِّه ومُهمَلِه سِتَّة آلافِ أَلفِ وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ ألفا وَأَرْبَعمِائَة، الْمُسْتَعْمل مِنْهَا خَمْسَة آلافٍ وسِتمِائَة وَعِشْرُونَ، والمهمل سِتَّة آلَاف ألفٍ وسِتمِائَة ألف وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ ألفا وَسَبْعمائة وَثَمَانُونَ، عدَّة الصَّحِيح مِنْهُ سِتَّة آلَاف ألف وسِتمِائَة ألف وَثَلَاثَة وَخَمْسُونَ ألفا وَأَرْبَعمِائَة. والمعتلّ سِتَّة آلَاف، الْمُسْتَعْمل من الصَّحِيح ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ [والمهمل مِنْهُ سِتَّة آلَاف ألف وَتِسْعَة وَثَمَانُونَ ألفا وَأَرْبَعمِائَة] وَسِتَّة وَخَمْسُونَ، والمستعمل من المعتلّ
(1/17)

ألف وسِتمِائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ، والمهمل مِنْهُ أَرْبَعَة آلَاف وثلاثمائة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ.
عدَّة الثُّنائي سَبْعمِائة وَخَمْسُونَ، الْمُسْتَعْمل مِنْهُ أَرْبَعمِائَة وَتِسْعَة وَثَمَانُونَ، والمهمل مِائَتَان وَوَاحِد وَسِتُّونَ، الصَّحِيح مِنْهُ سِتّمائَة، والمعتل مائَة وَخَمْسُونَ، الْمُسْتَعْمل من الصَّحِيح أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة، والمهمل مائَة وَسَبْعَة وَتسْعُونَ، والمستعمل من المعتل سِتَّة وَثَمَانُونَ، والمهمل أَرْبَعَة وَسِتُّونَ.
وعدة الثلاثي تِسْعَة عشر ألفا وسِتمِائَة وَخَمْسُونَ، الْمُسْتَعْمل مِنْهُ أَرْبَعَة آلَاف ومائتان وَتِسْعَة وَسِتُّونَ، والمهمل خَمْسَة عشر ألفا وثلاثمائة وَوَاحِد وَثَمَانُونَ، الصَّحِيح مِنْهُ ثَلَاثَة عشر ألفا وَثَمَانمِائَة، والمعتلّ سِوى اللَّفيف خَمْسَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة، واللفيف أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ، الْمُسْتَعْمل من الصَّحِيح أَلفَانِ وسِتمِائَة وَتِسْعَة وَسَبْعُونَ، والمهمل أحد عشر ألفا وَمِائَة وَأحد وَعِشْرُونَ، والمستعمل من المعتلّ سوى اللَّفيف ألف وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ، والمهمل ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَسِتَّة وَسِتُّونَ، والمستعمل من اللفيف مائَة وَسِتَّة وَخَمْسُونَ، والمهمل مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَتسْعُونَ.
وعدة الرباعي ثَلَاثمِائَة ألف وَثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة، الْمُسْتَعْمل ثَمَانمِائَة وَعِشْرُونَ، والمهمل ثَلَاثمِائَة ألف وَأَلْفَانِ وَخَمْسمِائة وَثَمَانُونَ.
وعدة الخماسي سِتَّة آلَاف ألف وثلاثمائة ألف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ ألفا وسِتمِائَة، الْمُسْتَعْمل مِنْهُ اثْنَان وَأَرْبَعُونَ، والمهمل سِتَّة آلَاف ألف وثلاثمائة ألف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ ألفا، وَخَمْسمِائة وَثَمَانِية وَخَمْسُونَ.
قَالَ الزبيدِيّ. وَهَذَا الْعدَد من الرباعيّ والخماسيّ على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين حرفا من حُرُوف المُعجم خاصَّة، دون الْهمزَة وَغَيرهَا، وعَلى أَن لَا يتكرَّر فِي الرباعيّ والخماسيّ حرفٌ من نفس الْكَلِمَة، ثمَّ قَالَ: وعدّة الثنائيّ الْخَفِيف والضَرْبَيْنِ من المُضاعَف على نَحْوِ مَا أَلحقناه فِي الْكتاب أَلفَا حَرْفٍ وَمِائَتَا حَرْفٍ وخمسةٌ وَسَبْعُونَ حرفا، الْمُسْتَعْمل من ذَلِك مائَة
(1/18)

وَاثْنَانِ، والمهمل ألفا حرفٍ وَمِائَة حرف وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ حرفا، الصَّحِيح من ذَلِك ألفُ حرفٍ وَثَمَانمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ، والمعتلّ أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ، الْمُسْتَعْمل من الصَّحِيح تِسْعَة وَخَمْسُونَ، والمهمل ألف وَسَبْعمائة وَسِتَّة وَسِتُّونَ، والمستعمل من المعتلّ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ، والمهمل أَرْبَعمِائَة وَسَبْعَة، انْتهى.
(الْمَقْصد الرَّابِع فِي الْمُتَوَاتر من اللُّغَة والآحاد)

قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْفضل، نقلا عَن لُمَع الأدلّة لابنِ الأنباريّ، اعلمْ أَن النقْلَ على قِسمين: تَوَاتر وآحاد، فَأَما التَّوَاتُر فلغة الْقُرْآن، وَمَا تَوَاتر من السُّنَّة وكلامِ الْعَرَب، وَهَذَا القسمُ دليلٌ قَطْعِيٌّ من أدلّة النَّحْو، يُفِيد العِلْمَ أَي ضروريًّا، وَإِلَيْهِ ذهَبَ الْأَكْثَرُونَ، أَو نَظرِيًّا، وَمَال إِلَيْهِ آخَرُون، وَقيل: لَا يُفْضِي إِلَى عِلْم البتَّة، وَهُوَ ضَعِيف، وَمَا تفرَّد بنقلِه بعض أهلِ اللغةِ وَلم يُوجَد فِيهِ شرطُ التواترِ، وَهُوَ دليلٌ مأْخوذٌ بِهِ، فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه يُفيد الظنَّ، وَقيل: العِلمَ وَلَيْسَ بصحيحٍ، لتطرُّقِ الاحتمالِ فِيهِ، ثمَّ قَالَ: وَشرط التَّوَاتُر أَن يبلُغَ عَدَدُ النقَلَةِ إِلَى حَدٍّ لَا يَجوز على مِثلهم الاتفاقُ على الْكَذِب فِي لغةِ الْقُرْآن، وَمَا تَوَاتر من أَلسنة الْعَرَب، وَقيل: شَرطه أَن يَبلغوا خَمْسَة، وَالصَّحِيح هُوَ الأوّل.
(قَالَ) قومٌ من الأُصوليين: إِنَّهُم أَقَامُوا الدلائلَ على خبرِ الْوَاحِد أَنه حُجَّة فِي الشرْع، وَلم يُقيموا الدّلالةَ على ذَلِك فِي اللُّغَة، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى.
وَقَالَ الإِمَام فخرُ الدّين الرازيُّ، وَتَابعه الإِمَام تَاج الدّين الأَرمويُّ صَاحب الْحَاصِل: إِن اللغَة والنحوَ والتصريفَ يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ، قسم مِنْهُ متواترٌ، والعِلمُ الضروريُّ حاصلٌ بأَنه كَانَ فِي الأَزمنةِ الماضيةِ مَوْضُوعا لهَذِهِ الْمعَانِي، فَإنَّا نجد أَنفسنا جازمةً بِأَن السماءَ والأرضَ كَانَتَا مُستعملتين فِي زَمَانه
فِي مَعْنَاهُمَا الْمَعْرُوف، وَكَذَلِكَ المَاء وَالنَّار والهواء
(1/19)

وأَمثالها، وَكَذَلِكَ لم يزل الفاعلُ مَرْفُوعا، وَالْمَفْعُول مَنْصُوبًا، والمضاف إِلَيْهِ مجروراً، ثمَّ قَالَ: وَمِنْه مظنون، وَهُوَ الْأَلْفَاظ الغريبة، وَالطَّرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا الْآحَاد، وَأكْثر ألفاظِ القرآنِ ونحوُه وتصريفُه من الْقسم الأوّل، وَالثَّانِي مِنْهُ قَلِيل جدًّا، فَلَا يُتَمسَّكُ بِهِ فِي القَطْعِيَّات ويتمسَّك بِهِ فِي الظِّنَّيات، انْتهى.
(وَأما الْمُنْقَطع) فَفِي لمع الْأَدِلَّة: هُوَ الَّذِي انْقَطع سَنَدُه، نَحْو أَن يَرْوِىَ ابنُ دُرَيد عَن أبي زيْدٍ، وَهُوَ غير مَقْبُول، لِأَن العَدَالَة شَرْطٌ فِي قبُول النقْلِ، وانقطاعُ سَنَدِ النقلِ يُوجِب الجهلَ بالعدالةِ، فإنّ من لم يُذْكَر لم تُعرَف عدالتُه. وَذهب بَعضهم إِلَى قبُوله، وَهُوَ غيرُ مَرْضِيّ.
وَأما الْآحَاد فَهُوَ مَا انْفَرد بروايته واحدٌ من أهل اللُّغَة، وَلم يَنْقُلهُ أحدٌ غَيره، وَحكمه القَبول إِذا كَانَ المنفردُ بِهِ من أهل الضَّبْط والإتقان، كَأبي زيدٍ الأنصاريّ، والخليل، والأصمعي، وَأبي حَاتِم، وَأبي عُبيدة وأقرانِهم، وَشَرطه أَن لَا يُخَالف فِيهِ أكثرُ عددا مِنْهُ.
وَأما الضَّعِيف فَهُوَ مَا انحطَّ عَن دَرَجةِ الفصيح.
وَالْمُنكر أَضْعَف مِنْهُ وأقلّ اسْتِعْمَالا.
والمتروك مَا كَانَ قَدِيما من اللُّغَات ثمَّ تُرك واستُعمِل غيرُه.
(وَأما) الفصيح من اللُّغَة، فَفِي المزهر مَا نَصه: الْمَفْهُوم من كَلَام ثَعْلَب أَن مدارَ الفصاحةِ على كثرةِ اسْتِعْمَال الْعَرَب لَهَا، انْتهى. وَمثله قَالَ القزوينيُّ فِي الْإِيضَاح: وَقَالُوا أَيْضا: الفصاحةُ فِي المفرَد خُلوصُه من تَنافر الْحُرُوف، وَمن الغرابة، وَمن مُخَالفَة الْقيَاس اللغوِيّ، وَبَيَان ذَلِك مذكورٌ فِي محلّه.
(قَالَ) ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة وَاعْلَم أَن أَكثر الْحُرُوف اسْتِعْمَالا عِنْد الْعَرَب الْوَاو وَالْيَاء والهمزة، وأقلُ مَا يستعملون لِثقَلِها على ألسنتهم الظاءُ، ثمَّ الذَّال، ثمَّ الثَّاء، ثمَّ الشين، ثمَّ
(1/20)

الْقَاف، ثمَّ الْخَاء، ثمَّ الْعين، ثمَّ النُّون، ثمَّ اللَّام، ثمَّ الرَّاء، ثمَّ الْبَاء ثمَّ الْمِيم، فأَخفّ هَذِه الْحُرُوف كلِّها [مَا] استعملتْه العربُ فِي أُصول أَبنيتهم من الزَّوَائِد، لاخْتِلَاف الْمَعْنى، انْتهى.
وَفِي عروس الأَفراح: رُتَب الفصاحةِ مِنْهَا متقارِبة، فَإِن الْكَلِمَة تخِفّ وتَثقُل بِحَسب الِانْتِقَال مِن حَرْف إِلَى حرفٍ لَا يلائمه قُرْباً أَو بُعداً، فَإِن كَانَت الْكَلِمَة ثلاثيَّة فتراكيبها اثْنَا عشر فَذكرهَا، ثمَّ قَالَ: وأحسَنُ هَذِه التراكيبِ وأكثرُها اسْتِعْمَالا مَا انحدَرَ فِيهِ من الأعلَى إِلَى الأَوسط إِلَى الأَدْنَى، ثمَّ مَا انتقلَ فِيهِ من الأَوسط إِلَى الأَدنى إِلَى الأَعلى، ثمَّ من الأَعلى إِلَى الأَدنى، وأَقلّ الْجَمِيع اسْتِعْمَالا مَا انْتقل فِيهِ من الْأَدْنَى إِلَى الأَعلى إِلَى الأَوسط، هَذَا إِذا لم ترجع إِلَى مَا انْتَقَلت عَنهُ، فَإِن رجعت فَإِن كَانَ الِانْتِقَال من الْحَرْف إِلَى الحرفِ الثَّانِي فِي انحدارٍ من غير طفْرةٍ، والطفرةُ الانتقالُ من الأَعلى إِلَى الأَدنى أَو عَكسه، كَانَ التَّرْكِيب أخفَّ وأكثرَ، وَإِلَّا كَانَ أثقلَ وأقلَّ اسْتِعْمَالا. فِيهِ أَيْضا أَن الثلاثيَّ أفصحُ من الثنائيّ والأُحاديّ، وَمن الرباعي والخماسي، انْتهى. وَذكر حازمٌ القُرْطَاجنِّيُّ وغيرُه: من شُرُوط الفصاحةِ أَن تكون الكلمةُ متوسِّطةً من قلَّة الْحُرُوف وَكَثْرَتهَا. والمتوسطة ثَلَاثَة أحرف.
(الْمَقْصد الْخَامِس فِي بَيَان الْأَفْصَح)

قَالَ أَبُو الْفضل: أفصحُ الخلقِ على الْإِطْلَاق سيِّدُنا ومولانا رسولُ الله،
، قَالَ
" أَنا أَفصحُ العَرَب " رَوَاهُ أَصْحَاب الغَرِيب، ورَوَوْه أَيْضا بِلَفْظ " أَنا أَفصحُ منْ نطقَ بِالضّادِ بيْد أَنِّي مِنْ قُرَيشٍ " وَإِن تُكُلِّم فِي الحَدِيث.
ونُقِل عَن أبي الخطَّاب بن دِحْية: اعْلمْ أَن الله تَعَالَى لما وضَع رسولَه
مَوْضِعَ البلاغِ مِن
(1/21)

وَحْيِه، ونَصَبَه مَنْصِبَ البيانِ لدِينه، اخْتَار لَهُ من اللُّغَاتِ أَعرَبَها، وَمن الأَلسن أَفصحها وأَبيَنَها، ثمَّ أَمدَّه بَجوامِع الكَلِم، انْتهى.
ثمَّ قَالَ: وأَفصحُ العربِ قُرَيشٌ، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى اختارَهم من جَمِيع الْعَرَب، وَاخْتَارَ مِنْهُم محمَّدًا
، فَجعل قُريْشًا سُكَّانَ حرَمِه وَوُلاةَ بيتِه، فكانتْ وُفودُ العربِ مِن حُجَّاجِها وغيرِهم يَفِدُون إِلَى مكَّةَ للحَجِّ، ويتَحاكمون إِلَى قُرَيْش، وَكَانَت قريشٌ مَعَ فَصاحتها، وحُسْنِ لُغَاتها، ورِقَّةِ أَلسِنَتِها، إِذا أَتتْهم الوفودُ من العَرب تَخيَّروا من كلامِهم وأشعارِهم أَحسنَ لُغاتِهم، وأَصفى كلامِهم، فَاجْتمع مَا تَخيَّروا من تِلك اللغاتِ إِلَى سَلائِقهم الَّتِي طُبعوا عَلَيْهَا، فصاروا بذلك أَفصح الْعَرَب، أَلا تَرى أَنَّك لَا تَجد فِي كلامِهم عنعنَةَ تَميمٍ وَلَا عَجْرفة قيسٍ وَلَا كَشْكَشَة أَسد وَلَا كَسكَسةَ ربِيعة.
(قلت) : قَالَ الفراءُ.
العنعنة فِي قيس وَتَمِيم تَجعل الهمزةَ المبدوءَ بهَا عينا، فَيَقُولُونَ فِي إِنَّك عِنّكَ، وَفِي أَسلم عَسلم.
والكشكشة فِي ربيعَة وَمُضر يَجعلون بعد كافِ الخِطاب فِي الْمُؤَنَّث شيناً، فَيَقُولُونَ رأَيتُكِش ومررتُ بكِش.
والكسكسة فيهم أَيْضا يجْعَلُونَ بعد الْكَاف أَو مَكَانهَا سيناً فِي المذكّر.
والفحفحة فِي لُغَة هُذَيْل يجْعَلُونَ الحاءَ عينا.
والوَكَم والوَهَم كِلاهما فِي لُغة بني كَلْب، من الأوّل يَقُولُونَ علَيكِمْ وبِكِمْ، حَيْثُ كَانَ قَبل الْكَاف ياءٌ أَو كسرةٌ، وَمن الثَّانِي يَقُولُونَ مِنهِمْ وعنهِمْ وَإِن لم يكن قبل الْهَاء ياءٌ وَلَا كسرةٌ.
والعجعجة فِي قُضاعة، يجْعَلُونَ الياءَ المشدّدة جيماً، يَقُولُونَ فِي تميميٍّ تميمِجّ.
والاستِنطاء لُغَة سعْدِ بن بكرٍ وهُذيل والأَزْدِ وَقيس والأَنصار يجْعَلُونَ الْعين الساكنة نوناً إِذا جاورَت الطاءَ، كأَنْطى فِي أَعطى.
(1/22)

والوَتم فِي لُغَة الْيمن يَجْعَل الْكَاف شيناً مُطلقًا، كلبيشَ اللَّهُمَّ لبيشَ.
وَمن الْعَرَب مَن يَجْعَل الكافَ جيماً كَالجعْبة، يُرِيد الكَعبة.
وَفِي فقه اللغةِ للثعالبي اللخْلَخانِيَّة تَعْرِض فِي لغةِ أَعراب الشِّحْرِ وعُمَان، كَقَوْلِهِم مَشَا الله، أَي مَا شَاءَ الله.
والطُّمطُمانِيَّة تَعْرِض فِي لُغَة حِمْير، كَقَوْلِهِم طَابَ امْهَواءُ أَي طَابَ الهَواءُ.
(الْمَقْصد السَّادِس فِي بَيَان المطرد والشاذ والحقيقة وَالْمجَاز والمشترك والأضداد المترادف والمعرّب والمولَّد)

أما الكلامُ على الاطِّراد والشُّذوذ، فَقَالَ ابنُ جِنٍّ ي فِي الخصائص إِنَّه على أربعةِ أَضرُب.
مطرد فِي الْقيَاس والاستعمال جَمِيعًا، وَهَذَا هُوَ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة، نَحْو قَامَ زيدٌ وَضربت عمرا.
ومطرد فِي الْقيَاس شَاذ فِي الِاسْتِعْمَال، وَذَلِكَ نَحْو الْمَاضِي من يَذَر ويَدَع.
ومطرد فِي الِاسْتِعْمَال شَاذ فِي الْقيَاس كاستحْوَذ، واستنْوَق الجملُ، واستفَيْل الْجمل.
وشاذ فِي الِاسْتِعْمَال وَالْقِيَاس جَمِيعًا كَقَوْلِهِم ثوب مَصوُون، وَفرس مَقوُود، وَرجل مَعْوُود مِن مَرَضِه.
وَمن الشواذّ بابُ فَعِل يَفْعِل بِكَسْر الْعين فيهمَا كوَرِث ووَمِق ووَرِىَ ووَلِى، وَقد يأْتي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَحَله.
(أما الْحَقِيقَة وَالْمجَاز) .
فَفِي النَّوْع الرَّابِع وَالْعِشْرين من المزهر، قَالَ الْعَلامَة فَخر الدّين الرَّازِيّ: جِهات الْمجَاز يحضُرنا مِنْهَا اثْنَا عشرَ وجْهاً.
أَحدها التجوّز بلفْظِ السّبَب عَن المُسبَّب، ثمَّ الأَسباب أَرْبَعَة: القابِل، كَقَوْلِهِم سالَ الوادِي، والصُّورِيّ، كَقَوْلِهِم لليد إِنَّهَا قدرةٌ، وَالْفَاعِل، كَقَوْلِهِم نزل السحابُ أَي الْمَطَر، والغَائِيّ كتسميتهم العِنب الخمْرَ.
(1/23)

الثَّانِي بِلَفْظ المُسبّب عَن السَّبَب، كتسميتهم المرضَ الشديدَ بِالْمَوْتِ.
الثَّالِث المُشابهة، كالأَسد للشُّجاع.
وَالرَّابِع المضَادّة، كالسَّيئة للجزاء.
الْخَامِس وَالسَّادِس بِلَفْظ الكلّ للجزء، كالعامّ للخاصِّ، وَاسم الْجُزْء للكلّ، كالأَسود للزنجي.
وَالسَّابِع اسْم الفِعل على القُوّة، كَقَوْلِنَا للخمرة فِي الدّنّ إِنَّهَا مُسكرة.
وَالثَّامِن المشتقّ بعد زَوال الْمصدر.
وَالتَّاسِع الْمُجَاورَة، كالرّاوِية للقِرْبة.
والعاشر الْمجَاز العرْفي وَهُوَ إطلاقُ الحقيقةِ على مَا هُجِر عُرْفاً، كالدَّابة للحِمار.
وَالْحَادِي عشر الزيّادة وَالنُّقْصَان، كَقَوْلِه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء} ، {واسأل الْقرْيَة} .
وَالثَّانِي عشر اسْم المتعلِّق على المتعلَّق بِهِ، كالمخلوق بالخَلْق، انْتهى.
(وَقَالَ) القَاضِي تَاج الدّين السُّبكي فِي شرح الْمِنْهَاج بعد كَلَام طَوِيل: والفَرْضُ أَن الأَصلَ الحقيقةُ، والمجازَ خلافُ الأَصلِ، فَإِذا دارَ اللفظُ بَين احتمالِ المجازِ واحتمالِ الحقيقةِ فاحتمالُ الحقيقةِ أَرجحُ، انْتهى.
وَقَالَ الإمامُ وأَتباعُه: الْفرق بَين الحقيقةِ وَالْمجَاز إِمَّا أَن يقَع بالتَّنصيص أَو بالاستدلال، أما التنصيصُ فأَن يَقُول الواضعُ: هَذَا حقيقةٌ، وَهَذَا مجازٌ، وَتقول ذَلِك أئمةُ اللغةِ، وَأما الاستدلالُ فبالعلامات، فَمن علاماتِ الحقيقةِ تبادرُ الذِّهنِ إِلَى فهمِ الْمَعْنى، والعراءُ عَن القَرينة، وَمن علاماتِ الْمجَاز إطلاقُ اللفظِ على مَا يستحيلُ تَعلُّقُه بِهِ، واستعمالُ اللَّفْظ فِي المعنَى المنسِيِّ، كاستعمالِ لفظ الدابَّة فِي الحِمار، فَإِنَّهُ موضوعٌ فِي اللغةِ لكلِّ مَا يَدِبّ على الأَرض، انْتهى.
(قَالَ) ابْن برهَان: وَقَالَ الأُستاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ: لَا مجَاز فِي لغةِ الْعَرَب.
(1/24)

وَحكى التَّاج السُّبكيُّ عَن خَطِّ الشَّيْخ تقيّ الدّين بن الصَّلاح أَن أَبَا الْقَاسِم بن كج حكى عَن أبي عليٍّ الفارسِّي إنكارَ المجازِ، فَقَالَ إِمَام الحرميْنِ فِي التَّلْخِيص، والغزاليُّ فِي المنخول: لَا يصِحُّ عَن الأُستاذ هَذَا القولُ، وَأما عَن الفارِسيِّ فَإِن الإِمَام أَبَا الْفَتْح بن جِنّى تلميذ الفارسيّ، وَهُوَ أَعلمُ الناسِ بِمذهبه، وَلم يحْكِ عَنهُ ذَلِك، بل حكَى عَنهُ مَا يدُلُّ على إثْبَاته.
ثمَّ قَالَ ابنُ بُرهانٍ بعد كلامٍ أَورده: ومُنكِرُ المجازاتِ فِي اللُّغَة جاحِدٌ للضَّرُورَة، ومُعطِّلٌ محاسنَ لغةِ الْعَرَب، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فَقُلْتُ لَهُ لمَّا تَمطَّى بِصُلْبِهِ ... وأَرْدفَ أَعْجازًا ونَاءَ بِكَلْكَلِ)

وَلَيْسَ لِليْل صُلْب وَلَا أَرداف.
وَأما المشتركُ.
فَهُوَ اللفظُ الواحِد الدالُّ على معنَيَيْن مُختلِفَين فأَكثر دلَالَة على السَّواءِ عِنْد أَهلِ تِلْكَ اللُّغَة، وَاخْتلف الناسُ فِيهِ، فالأَكثرون على أَنه مُمكِنُ الوقوعِ، لجَوَاز أَن يَقع إمَّا من واضعين بأَن يضع أَحدهمَا لفظا لِمَعْنى، ثمَّ يَضَعهُ الآخر لِمَعْنى آخر، ويشتهر ذَلِك اللَّفْظ مَا بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي إِفَادَة الْمَعْنيين، وَهَذَا على أَن اللُّغَات غير تَوقيفية، وَإِمَّا من وَاضع وَاحِد لغَرَض الْإِبْهَام على السَّامع، حَيْثُ يكون التَّصْرِيح سَببا لمضرّة، كَمَا روى عَن أبي بكرٍ الصدّيقِ رَضِي الله عَنهُ وَقد سأَله رجل عَن النَّبِي
وَقت ذهابهما إِلَى الْغَار: من هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رجلُ يهْديني السَّبِيل.
والأَكثرون أَيْضا على أَنه وَاقع لنقل أهل اللُّغَة ذَلِك فِي كثير من الْأَلْفَاظ، وَمن النَّاس من أَوجب وقُوعه، قَالَ: لِأَن الْمعَانِي غير متناهية، والأَلفاظ متناهية، فَإِذا وزع لزم الِاشْتِرَاك، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الِاشْتِرَاك أَغلب، كَذَا فِي المزهر، وَمن أَمْثِلَة الْمُشْتَرك
(1/25)

الرُّؤْيَة وَالْعين والهلال وَالْخَال، وسيأْتي بَيَان ذَلِك كُله فِي موَاضعه.
(وَأما الأَضداد)
فَنقل السُّيُوطِيّ عَن الْمبرد فِي كتاب مَا اتّفق لَفظه وَاخْتلف مَعْنَاهُ: فِي كَلَام الْعَرَب اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلَاف الْمَعْنيين، وَاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد، واتفاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَاف الْمَعْنيين.
فالأوّل كَقَوْلِك: ذهب وجاءَ وَقَامَ وَقعد، وَرجل وَفرس وَيَد وَرجل.
وَأما الثَّانِي فكقولك: حسبت وظننت وَقَعَدت وَجَلَست، وذراع وساعد وأنف ومرسن.
وَأما الثَّالِث فكقولك وجدت شَيْئا، إِذا أردْت وجدان الضالَّة، وَوجدت على الرجل، من الموْجِدَة، وَوجدت زيدا كَرِيمًا أَي علمت، وَمِنْه مَا يَقع على شَيْئَيْنِ متضادَّين، كَقَوْلِهِم جلَلٌ للصَّغِير وللكبير، والجوْن للأَسود والأَبيض. قلت: وَمثله كَلَام ابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة، وَبسطه أَبُو الطّيب اللّغَوِيّ فِي كتاب الأضداد.
(وَأما المترادف)
فَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ: هُوَ الأَلفاظ المفردة الدالَّة على شَيْء وَاحِد باعتبارٍ وَاحِد، وَالْفرق بَينه وَبَين التوكيد، أَن أحد المترادفين يُفِيد مَا أَفَادَهُ الآخر، كالإنسان والبشر، وَفِي التوكيد يُفِيد الثَّانِي تقوِيةَ الأَوَّل، وَالْفرق بَينه وَبَين التَّابِع، أَن التَّابِع وَحده لَا يُفِيد شيْئاً، كَقَوْلِنَا عطْشان نطْشان.
قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي شرح الْمِنْهَاج: وَذهب بعضُ النَّاس إِلَى إِنْكَار المترادف فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وَزعم أَن كل مَا يُظَنُّ من المترادفات فَهُوَ من المتباينات الَّتِي تتباين بِالصِّفَاتِ، كَمَا فِي الْإِنْسَان والبشر، فَإِن الأول مَوْضُوع لَهُ بِاعْتِبَار النسْيَان أَو الْإِنْس، وَالثَّانِي بِاعْتِبَار أَنه بَادِي البَشَرة، وَكَذَا الخَنْدَريس والعُقَار، فَإِن الأول بِاعْتِبَار الْعتْق، وَالثَّانِي بِاعْتِبَار عقْرِ الدنّ، لشدّة مَا فِيهَا، قَالَ: وَاخْتَارَهُ
(1/26)

ابنُ فَارس كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي فقه اللُّغَة والعربية.
وَنقل الْجلَال عَن الكَيّا فِي تَعْلِيقه فِي الأُصول: الأَلفاظ الَّتِي لِمَعْنى وَاحِد تَنْقَسِم إِلَى أَلْفَاظ مترادفة، وألفاظ متواردة.
فالمترادفة كَمَا يُسمَّى الخمْر عُقارًا وصَهْبَاء وقهوة، والسبع لَيْثاً وأَسدًا وضِرْغاما.
والمتواردة هِيَ الَّتِي يُقَام لفظٌ مُقام لفظٍ، لمعان متقاربةٍ، يجمعها معنى وَاحِد، كَمَا يُقَال: أَصلَح الْفَاسِد، ولَمَّ الشَّعث، ورتَقَ الفَتْقَ، وشَعب الصَّدْعَ، انْتهى.
قَالَ: وَهَذَا تَقْسِيم غَرِيب، وَقد أَلَّف فِيهِ القَاضِي مجد الدّين الشِّيرَازِيّ كتابا وَسَماهُ " الرَّوْضُ المسلُوف فِيمَا لَهُ اسمان إِلَى الأُلوف ".
وَأما المعرّب
فَهُوَ مَا استعملته الْعَرَب من الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لمعانٍ فِي غير لغتها، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح: تعريب الِاسْم الأعجمي أَن تتفوّه بِهِ العربُ على مِنْهَاجِها، تَقول: عرّبته الْعَرَب وأَعْربته [وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام] وَأما لُغات الْعَجم فِي الْقُرْآن فرُوِي عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء ومُجاهدٍ وعِكْرمة أَنهم قَالُوا فِي أحرف كَثِيرَة إِنَّهَا بلغات الْعَجم، وَقَالَ أهل الْعَرَبيَّة: إِن الْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ من كَلام الْعَجم شَيْء، لقَوْله تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبيا} وقولِه {بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين} : قَالَ أَبُو عبيد وَالصَّوَاب عِنْدِي مذهبٌ فِيهِ تصديقُ القولينِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَن هَذِه الْحُرُوف أُصولُها أَعجمية، كَمَا قَالَ الفقهاءُ: إِلَّا أنَها سَقَطت إِلَى الْعَرَب فأَعربتها بأَلسنتها، وحوّلتها عَن أَلْفَاظ الْعَجم إِلَى ألفاظها، ثمَّ نزل الْقُرْآن وَقد اخْتلطت هَذِه الْحُرُوف بِكَلَام الْعَرَب، فَمن قَالَ إِنَّهَا عَرَبِيَّة فَهُوَ صَادِق، وَمن
(1/27)

قَالَ عَجَميّة فَهُوَ صَادِق، اه.
وَقد ألف فِيهِ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الجَواليقي وَغَيره.
ثمَّ ذكر الْجلَال فَائِدَة نَصهَا: سُئل بعض الْعلمَاء عَمَّا عرّبته الْعَرَب من اللُّغَات واستعملته فِي كَلَامهَا: هَل يُعطى حُكْمَ كلامِها فيشتق ويشتق مِنْهُ؟ فَأجَاب بِمَا نَصه: مَا عرَّبته الْعَرَب من اللُّغَات واستعملته فِي كَلَامهَا، من فارسيّ وروميّ وحبشيّ وَغَيره، وأدخلته فِي كَلَامهَا، على ضَرْبَيْنِ.
أَحدهمَا أَسمَاء الْأَجْنَاس كالفِرِند والإِبْرَيْسَم واللّجام والآجُر والباذَقِ والقِسْطاس والإستبرق.
وَالثَّانِي مَا كَانَ فِي تِلْكَ اللُّغَات علَماً فأَجروه على عَلمِيّته كَمَا كَانَ، لكِنهمْ غيَّرُوا لَفظه، وقرَّبوه من ألفاظهم، وَرُبمَا ألحقوه بأَبْنِيَتِهم، وَرُبمَا لم يُلْحِقُوه، ويشاركه الضَّرْبُ الأوّل فِي هَذَا الحكم لَا فِي العلمية، إِلَّا أَنه يُنْقَل كَمَا يُنْقَل العربيّ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ المعتَدّ بعجمته فِي منع الصّرْف، بِخِلَاف الأوّل، وَذَلِكَ كإبراهيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء إِلَّا مَا استُثْنِىَ مِنْهَا من العربيّ كهودٍ وصالحٍ وَمُحَمّد
، وَغير الْأَنْبِيَاء كبيرُوز وتكِين ورُسْتم وهُرْمز، وكأسماء الْبلدَانِ الَّتِي هِيَ غير عَرَبِيَّة، كإِصْطَخر ومرْوُ وبَلْخ وسَمَرْقَنْد وقنْدهار وخُراسان وكِرْمان وكوركان وَغير ذَلِك.
فَمَا كَانَ من الضَّرْب الأوّل فأَشرف أَحْوَاله أَن يُجْري عليهِ حُكْمُ العربيّ فَلَا يُتَجاوزُ بِهِ حُكمُه.
فَقَوْل السَّائِل: يشتقُّ.
جوابُه المنْعُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يُشتقّ من لفظٍ عربيٍ أَو عجميّ مثله، ومحال أَن يُشتَقَّ العجميّ من العربيّ أَو العربيّ مِنْهُ، لِأَن اللُّغَات لَا تُشتقّ الْوَاحِدَة مِنْهَا من الأُخرى، مُواضَعةً كَانَت فِي الأَصل أَو إِلهاما، وَإِنَّمَا يُشتقّ فِي اللُّغَة الْوَاحِدَة بعضِها من بعض، لِأَن الِاشْتِقَاق نِتاجٌ وتَوْلِيد، ومحال أَن تَلِد المرأَة
(1/28)

إِلَّا إنْسَانا، وَقد قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن السريّ فِي رسَالَته فِي الِاشْتِقَاق وَهِي أهم مَا وضع فِي هَذَا الفنّ من عُلُوم اللِّسَان: وَمن اشتق العجمي المعرّب من الْعَرَبِيّ كَانَ كمن ادّعى أَن الطير من الْحُوت.
وَقَول السَّائِل: ويشتق مِنْهُ.
فقد لعمري يُجْرَى على هَذَا الضَّرْب المُجْرَى مُجْرَى الْعَرَبِيّ كثيرٌ من الْأَحْكَام الْجَارِيَة على الْعَرَبِيّ، من تصرّف فِيهِ، واشتقاق مِنْهُ، ثمَّ أَورد أَمثلة كاللجام وأَنه مُعرب من لغام، وَقد جُمع على لُجُم ككُتب، وصُغِّر على لُجيْم، وأَتى للْفِعْل مِنْهُ بمصدر وَهُوَ الإلجام، وَقد أَلجمه فَهُوَ مُلْجَم وَغير ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَجُمْلَة الْجَواب أَن الأعجمية لَا تشتق، أَي لَا يحكم عَلَيْهَا أَنَّهَا مُشْتَقَّة، وَإِن اشتق من لَفظهَا، فَإِذا وَافق لفظٌ أَعجميٌّ لفظا عربيًّا فِي حُرُوفه، فَلَا تَرَيَنَّ أَحدَهما مأْخوذًا من الآخر كإسحاق وَيَعْقُوب، فليسا من لفظ أَسحقه الله إسحاقاً، أَي أَبعده، وَلَا من اليعْقُوب اسمِ الطَّائِر، وَكَذَا سَائِر مَا وَقع فِي الأَعجمي مُوَافقا لفظَ العربيّ، انْتهى.
(وَأما المولد)
فَهُوَ مَا أَحدثه المولدون الَّذين لَا يحتجّ بأَلفاظهم، وَالْفرق بَينه وَبَين المَصنوع أَن الْمَصْنُوع يُوردُه صَاحبه على أَنه عَرَبِيّ فصيح، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَفِي مُخْتَصر الْعين للزُّبيدي أَن المولد من الْكَلَام: المُحْدَث، وَفِي ديوَان الأَدب للفارابي: يُقَال: هَذِه عَرَبِيَّة، وَهَذِه مولدة، كَذَا فِي المزهر، وستأْتي أَمثلته إِن شاءَ الله تَعَالَى.
(الْمَقْصد السَّابِع فِي معرفَة آدَاب اللغويّ)

وَفِيه تَنْبِيه، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر: أول مَا يلْزمه الْإِخْلَاص وَتَصْحِيح النيّة، ثمَّ التَّحَرِّي فِي الأَخذ عَن الثِّقَات، مَعَ
(1/29)

الدأب والملازمة عَلَيْهِمَا، وليكتب كلّ مَا رَآهُ ويسمعه، فَذَلِك أَضبَطُ لَهُ، وليرحل فِي طلب الغرائب والفوائد كَمَا رَحل الْأَئِمَّة، وليعتنِ بِحفظ أَشعار الْعَرَب، مَعَ تفهّم مَا فِيهَا من الْمعَانِي واللطائف، فَإِن فِيهَا حكما ومواعظ وآداباً يستعان بهَا على تَفْسِير الْقُرْآن والْحَدِيث. وَإِذا سمع من أحد شَيْئا فَلَا بأْس أَن يتثبت فِيهِ، وليترفق بِمن يأْخذ عَنهُ وَلَا يكثر عَلَيْهِ وَلَا يطوّل بِحَيْثُ يضجر، ثمَّ إِنَّه إِذا بلغ الرُّتْبَة الْمَطْلُوبَة صَار يدعى الْحَافِظ، ووظائفه فِي هَذَا الْعلم أَرْبَعَة: أَحدهَا وَهِي الْعليا الإملاءُ، كَمَا أَن الْحفاظ من أهل الحَدِيث أعظم وظائفهم الإملاءُ، وَقد أَملَى حفَّاظ اللُّغَة من الْمُتَقَدِّمين الْكثير، فأَملى أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب مجَالِس عديدة فِي مُجَلد ضخم، وأملى ابنُ دُريد مجَالِس كَثِيرَة رَأَيْت مِنْهَا مجلَّداً، وأملى أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْأَنْبَارِي وَولده أَبُو بكر مَا لَا يُحصى، وأملى أَبُو عليّ القالي خمس مجلدات وَغَيرهم، وطريقتهم فِي الْإِمْلَاء كطريقة المحدّثين يكْتب الْمُسْتَمْلِي أول الْقَائِمَة: مجلسٌ أملاه شَيخنَا فلَان، بِجَامِع كَذَا، فِي يَوْم كَذَا، وَيذكر التَّارِيخ، ثمَّ يُورد المملي بِإِسْنَادِهِ كلَاما عَن الْعَرَب والفصحاء، فِيهِ غَرِيب يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير، ثمَّ يفسره، ويورد من أشعار الْعَرَب وَغَيرهَا بأسانيده، وَمن الْفَوَائِد اللُّغَوِيَّة بِإِسْنَاد وَغير إِسْنَاد، مِمَّا يختاره، وَقد كَانَ هَذَا فِي الصَّدْر الأوّل فاشياً كثيرا، ثمَّ مَاتَت الحُفّاظ، وَانْقطع إملاء اللُّغَة من دهر مديد، وَاسْتمرّ إملاء الحَدِيث.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَلما شرعت فِي إملاء الحَدِيث سنة 873 وجددته بعد انْقِطَاعه عشْرين سنة من سنة مَاتَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن حجر أَردت أَن أُجدد إملاءَ اللُّغَة وأحييه بعد دثوره فأَمليت مَجْلِسا وَاحِدًا، فَلم أَجد لَهُ حَمَلَةً وَلَا من يرغب فِيهِ فتركته، وَآخر من عَلمته أَملَى على طريقةِ اللغويين أَبو الْقَاسِم الزجّاجي، لَهُ أَمالي كَثِيرَة فِي مجلدٍ ضخم، وَكَانَت وَفَاته فِي سنة 339
(1/30)

وَلم أَقف على أَمالي لأَحد بعده.
وَمن آدابه: الْإِفْتَاء فِي اللُّغَة، وليقصد التحرّي والإبانة والإفادة وَالْوُقُوف عِنْد مَا يعلم، وَليقل فِيمَا لَا يعلم: لَا أعلم.
وَمن آدابه الرِّوَايَة والتعليم، وَمن آدابهما الْإِخْلَاص وَأَن يقْصد بذلك نشر الْعلم وإحياءه والصدق فِي الرِّوَايَة والتحري والنصح والاقتصار على الْقدر الَّذِي تحمله طَاقَة المتعلم.
وَمن آدَاب اللّغَوِيّ أَن يمسك عَن الرِّوَايَة إِذا كبر وَنسي وَخَافَ التَّخْلِيط، وَلَا بَأْس بامتحان من قدم ليعرف محلّه فِي الْعلم، وَينزل مَنْزِلَته، لَا لقصد تعجيزه وتنكيسه فَإِن ذَلِك حرَام.
(تَنْبِيه) قَالَ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس: تُؤْخَذ اللُّغَة اعتيادًا، كَالصَّبِيِّ العربيّ يَسمع أَبَوَيْهِ وَغَيرهَا، فَهُوَ يأْخذ اللُّغَة عَنْهُم على ممر الْأَوْقَات، وَتُؤْخَذ تلقُّنا من ملقّن، وَتُؤْخَذ سَمَاعا من الروَاة الثِّقَات، وللمتحمل بِهَذِهِ الطّرق عِنْد الْأَدَاء وَالرِّوَايَة صِيغ، أَعْلَاهَا أَن يَقُول: أَملَى عليَّ فُلانٌ، ويلي ذَلِك: سَمِعت، ويلي ذَلِك أَن يَقُول: حَدثنِي فلَان، وَحدثنَا إِذا حَدثهُ وَهُوَ مَعَ غَيره، ويلي ذَلِك ان يَقُول: قَالَ لي فلَان، وَقَالَ فلَان بِدُونِ لي، ويلي ذَلِك أَن يَقُول: عَن فلَان، وَمثله: إِن فلَانا قَالَ. وَيُقَال فِي الشّعْر: أنشدنا، وأنشدني، على مَا تقدم، وَقد يسْتَعْمل فِيهِ حدّثنا وَسمعت وَنَحْوهمَا.
وَفِي المزهر فِي بَاب معرفَة طرق الْأَخْذ والتحمل وَهِي سِتَّة: أَحدهَا السماع من لفظ الشَّيْخ أَو الْعَرَبِيّ. ثَانِيهَا الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَيَقُول عِنْد الرِّوَايَة قرأْت على فلَان. ثَالِثهَا السماع على الشَّيْخ بِقِرَاءَة غَيره وَيَقُول عِنْد الرِّوَايَة قرئَ على فلَان وَأَنا أَسمع، وَقد يسْتَعْمل فِي ذَلِك أَيْضا أخبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أَسمع وأَخبرني فِيمَا قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أَسمع، وَيسْتَعْمل فِي ذَلِك أَيْضا
(1/31)

حَدثنَا فِيمَا قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أَسمع. رَابِعهَا الْإِجَازَة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْكتب والأشعار الْمُدَوَّنَة، قَالَ ابْن الأَنباري: الصَّحِيح جَوَازهَا. خَامِسهَا الْكِتَابَة. سادسها الوِجادة وأَمثلتها فِي كتب اللُّغَة كَثِيرَة.
(الْمَقْصد الثَّامِن وَفِيه أَنْوَاع)

النَّوْع الأوّل فِي بَيَان مَرَاتِب اللغويين وَفِيه فرعان:
الأوّل فِي بَيَانه أَئِمَّة اللُّغَة من البصريِّين وَبَيَان أسانيدهم ووفياتهم وكُناهم. نقل السُّيُوطِيّ فِي المزهر عَن أبي الطيّب عبد الْوَاحِد بن عَليّ اللغويّ فِي كِتَابه مَراتب النَّحْوِيين مَا حَاصله:
إِن أوّل من رسم للنَّاس النَّحْو واللغة أَبُو الْأسود الدؤَلِي، وَكَانَ أَخذ ذَلِك عَن أَمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ من أَعلم النَّاس بِكَلَام الْعَرَب مَاتَ فِي سنة 69 قَالَ أَبُو حَاتِم: تعلم مِنْهُ ابْنه عَطاء بن أبي الأَسود، ثمَّ أَبُو سُلَيْمَان يحيى بن يَعْمر العَدْوَاني، ثمَّ أَبُو عبد الله مَيمون الأَقرن، ثمَّ عَنْبَسَة الْفِيل، قيل هُوَ لقب أَبِيه. ثمَّ أَخذ عَن يحيى عبدُ الله بن أبي إِسْحَاق الحضرميّ، وَكَانَ أَعلم أهل الْبَصْرَة بهَا، وَكَانَ فِي عصره أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء الْمَازِني، اخْتلف فِي اسْمه على أحد وَعشْرين قولا، أَصَحهَا زَبَّان بالزاي وَالْبَاء الْمُشَدّدَة مُوَحدَة، وَقيل: اسْمه كنيته، مَاتَ سنة 159 أَخذ عَن يحيى وَمَيْمُون وَغَيرهمَا، وَكَانَ أعلم النَّاس بِالْعَرَبِيَّةِ، أَخذ عَنهُ جماعةٌ، مِنْهُم أَبُو عُمَر عِيسَى بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، مَاتَ سنة 150 وَيُونُس بن حبيب الضبيّ، مَاتَ سنة 182 عَن 72 سنة وَأَبُو الْخطاب عبد الْمجِيد بن عبد الحميد الْأَخْفَش الْكَبِير، فَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أعلم النَّاس وأفصحهم. وَمِمَّنْ أَخذ عَن أبي عَمْرو أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْحسن الرُّؤَاسِي
(1/32)

عَالم الْكُوفَة، وَهُوَ أُستاذ الْكسَائي، فأَخذ عَن عِيسَى بن عمر أَبُو عبد الرَّحْمَن الْخَلِيل بن أَحْمد الفَراهيدي، مَاتَ فِي سنة 175 وَكَانَ أعلم النَّاس وأتقاهم، وَعنهُ وَعَن أبي الْخطاب وَيُونُس الإمامُ أَبُو زيد سعيدُ بن أَوْس الأَنصاري مَاتَ سنة 215 عَن 93 وَقيل غير ذَلِك، وَأَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى مَاتَ سنة 209 وَأَبُو سعيد عبد الْملك بن قُرَيْب الْأَصْمَعِي ولد سنة 123 وَمَات سنة 212 وَأخذ الثَّلَاثَة هَؤُلَاءِ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَولا، ثمَّ عَمَّن ذُكر من تلاميذه، وَأخذ الثَّلَاثَة أَيْضا عَن أبي مَالك عَمْرو بن كِرْكِرَة النُّميري صَاحب النَّوَادِر، وَابْن الدُّقَيْش الأعرابيّ، وَأخذ الْخَلِيل أَيْضا عَن هَؤُلَاءِ، وَكَانَ أَبُو زيد أحفظَ النَّاس للغة بعد مَالك، وَعنهُ أَخذ إِمَام النَّحْو واللغة أَبُو بشر عَمْرو بن عُثْمَان بن قَنْبَر الملقب بسِيبوَيه، مَاتَ بشيراز سنة 180 عَن 32 وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَاتَ بسَاوَة سنة 194 وَقيل غير ذَلِك، وَإِلَيْهِ انْتهى النَّحْو.
وَأما أَبُو عُبَيْدَة فَإِنَّهُ أول من صنّف الْغَرِيب، وَكَانَ أعلم النَّاس بأيام الْعَرَب وأخبارهم وعلومهم، كَانَ يَقُول: مَا التقى فرسانِ فِي جَاهِلِيَّة أَو إِسْلَام إِلَّا عرفتهما وَعرفت فارسَيهما.
وَأما الأَصمعي فَكَانَ أَتقن الْقَوْم باللغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حِفظاً، وَكَانَ تعلم نقد الشّعْر من خَلف بن حَيان الْأَحْمَر، وَكَانَ مولى أبي بُرْدة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، مَاتَ سنة 180 فِي حُدُودهَا، وَكَانَ أَخذ النَّحْو عَن عِيسَى بن عمر، واللغة عَن أبي عَمْرو. وَأخذ عَن الْخَلِيل أَيْضا حمّادُ بن سَلمة الراوية، وَأَبُو الْحسن النَّضْر بن شُميل، مَاتَ سنة 203 وَأَبُو مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك اليزيدي، مَاتَ بخراسان سنة 202 عَن 84 وَأَبُو فَيْد المؤرِّج بن عَمْرو السَّدوسي، مَاتَ
(1/33)

سنة 195 وَأَبُو الْحسن عَليّ بن النَّضر الجَهضَمِي، وَأخذ عَن يُونُس بن حبيب مِمَّن اخْتصَّ بِهِ دون غَيره أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن المستنير قطرب، مَاتَ سنة 202 وَأخذ عَنهُ أَيْضا وَعَن خلف الْأَحْمَر مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي صَاحب الطَّبَقَات، وَأخذ عَن سِيبَوَيْهٍ جمَاعَة، مِنْهُم أَبُو الْحسن سعيد بن مَسْعَدة المُجاشعيّ الملقب بالأَخفش، وَكَانَ غُلَام أَبى شِمْر، وَكَانَ أَسنَّ من سِيبَوَيْهٍ وَلَكِن لم يأْخذ عَن الْخَلِيل، مَاتَ سنة 210 وَكَانَ أَخذ عَن أبي مَالك النُّميري.
وَمِمَّنْ أَخذ عَن أبي عُبَيْدَة وَأبي زيد والأصمعي والأخفش: أَبُو عبد الله التَّوّزي وَيُقَال التَّوَجي، مَاتَ سنة 138 وَأَبُو عَليّ الحِرمازيّ وَأَبُو عمر صَالح بن إِسْحَاق الجَرْميّ، وَهَؤُلَاء أكبرُ أَصحابهم، وَمن دونهم فِي السن أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الزِّيادي، وَأَبُو عُثْمَان بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني مَاتَ سنة 245، وَأَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن الْفرج الرِّياشي، قَتله الزِّنج بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى فِي مَسْجده فِي سنة 257 وَأَبُو حَاتِم سَهْل بن مُحَمَّد السِّجستاني، مَاتَ سنة 250. وَدون هَذِه الطَّبَقَة جمَاعَة، مِنْهُم أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم الباهليّ وَعبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله بن قُرَيب الْأَصْمَعِي، وهما ابْنا أخي الْأَصْمَعِي وَقد رويا عَنهُ.
وَأخذ عَن الْمَازِني والجَرمي جماعةٌ، مِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد المبرّد، مَاتَ سنة 282 وَعنهُ أَخذ أَبُو إِسْحَاق الزّجاجي، وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن السرّاج، وَمُحَمّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الملقب بمَبْرَمان.
(1/34)

واختص بالتوّجي أَبُو عُثْمَان سعيد بن هَارُون الأُشنانذاني.
وبرع من أَصْحَاب أبي حاتمٍ أَبُو بكر محمدُ بن الْحسن بن دُريد الْأَزْدِيّ، ولد سنة 223 وَمَات بعمان سنة 311 وَإِلَيْهِ انْتهى علم لُغَة الْبَصرِيين، تصدر فِي الْعلم 60 سنة، وَفِي طبقته فِي السن وَالرِّوَايَة أَبُو عليّ عِيسَى بن ذَكوان. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة الدِّينوري أَخذ عَن أَبي حَاتِم والرياشي وَابْن أخي الأَصمعي وَمَات سنة 267 وَقد أَخذ ابْن دُرَيْد عَن هَؤُلَاءِ كلهم وَعَن الأُشنانذاني. فَهَذَا جُمْهُور مَا مضى عَلَيْهِ عُلَمَاء الْبَصْرَة. (الْفَرْع الثَّانِي) فِي بَيَان أَئِمَّة اللُّغَة من الْكُوفِيّين وَبَيَان أسانيدهم وألقابهم ووفياتهم.
كَانَ لَهُم بِإِزَاءِ من ذُكِرَ، المفضَّل الضّبيّ، ثمَّ خَالِد بن كُلْثُوم وحمّاد الراوية وَقد أَخذ عَن أهل المِصْرَيْنِ، وَخلف الْأَحْمَر، وروى عَنهُ الْأَصْمَعِي شعرًا كثيرا، وَهُوَ حمّاد بن هُرْمز الدّيلميّ، وَقد تُكُلِّم فِيهِ، ثمَّ أَبُو يحيى مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى بن كُناسة، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة 207.
وَكَانَ إمَامهمْ غير مدافع أَبُو الْحسن عليّ بن حَمْزَة الكِسائي، مَاتَ بالرّيّ سنة 189 جزم بِهِ أَبُو الطّيب، وَقيل غير ذَلِك.
ثمَّ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن زِياد الفرّاء، مَاتَ بطرِيق مَكَّة سنة 207 أَخذ عَن الْكسَائي وَعَمن وَثِق بهم من الْأَعْرَاب مثل ابْن الجَرَّاح وَابْن مَرْوان وَغَيرهمَا، وأَخذ عَن يُونس وَعَن أبي زيدٍ الكِلابي.
وَمِمَّنْ أَخذ عَن الْكسَائي أَبُو الْحسن عليّ الْأَحْمَر وَأَبُو الْحسن عليّ بن حَازِم اللِّحيانيّ صَاحب النَّوَادِر، وَقد أَخذ اللّحيانيّ عَن أبي زيد وَأبي عُبَيْدَة والأَصمعي، إِلَّا أَن عُمدته الْكسَائي.
وَمن عُلَمَائهمْ فِي عصر الفرَّاء أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سَعيد الأُموي، أَخذ عَن الْأَعْرَاب، وَعَن أبي زيد الْكلابِي،
(1/35)

وَأبي جَعْفَر الرُّؤاسيّ ونبذًا عَن الْكسَائي، وَله كتاب النَّوَادِر.
وَفِي طبقته أَبُو الْحسن عليّ بن الْمُبَارك الْأَخْفَش الْكُوفِي، مَاتَ سنة 210 وَأَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ صَاحب كتاب الْخَيل، وَأَبُو عدنان الراوية صَاحب كتاب القِسِيّ، وَقد روى عَن أبي زيد.
وَمن أعلمهم باللغة وَأَكْثَرهم أخذا عَن الْأَعْرَاب، أَبُو عَمْرو إِسْحَاق بن مُرَار الشيبانيّ صَاحب كتاب الْجِيم وَكتاب النَّوَادِر، مَاتَ سنة 213 عَن مائَة وَعشر سِنِين، روى عَنهُ أَبُو الْحسن الطُّوسي، وَأَبُو سعيد الْحسن بن الحُسين السُّكرِيّ، وَأَبُو سعيد الضَّرِير، وَأَبُو نصر الْبَاهِلِيّ، واللحيانيّ، وَابْن السكّيت.
وَأما أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن زِياد الأعرابيُّ فَإِنَّهُ أَخذ الْعلم عَن المفضّل الضَّبِّيّ، وَعَن الْبَصرِيين، وَعَن أبي زَيد، وَعَن أبي زِياد، وجماعةٍ من الْأَعْرَاب، مثل الفُضَيل وعِكرمة، وُلِدَ لَيْلةَ وُلدَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، وَمَات سنة 221.
وَأما أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فقد رَوَى عَن الأصمعيّ وَأبي عُبَيْدَة، وَلم يسمع من أبي زيد شَيْئا، مَاتَ سنة 223.
واختص بِعلم أبي زيدٍ من الرُّواة ابنُ نجدة، وبعلم أبي عُبَيْدَة أَبُو الْحسن الْأَثْرَم، وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد سَلَمة بن عَاصِم راوِية الْفراء. وانْتهى عِلم الْكُوفِيّين إِلَى أبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن السّكيت، مَاتَ سنة 244 وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب ولد سنة 200 وَمَات سنة 291 أَخذ الأوّل عَن أبي عَمْرو والفرّاء، وَكَانَ يَحكي عَن الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة وَأبي زيد من غير سَماع، وَقد أَخذ عَن ابْن الْأَعرَابِي شَيْئا كثيرا، وَالثَّانِي اعتمادُه على ابْن الأعرابيّ فِي اللُّغَة، وعَلى سَلمَة فِي النَّحْو، وَكَانَ يروي عَن ابْن نَجْدة كُتُبَ أبي زيد، وَعَن الأَثرم كُتب أبي عُبَيْدَة، وَعَن أبي نصر كُتب الْأَصْمَعِي، وَعَن عَمْرو بن أبي عمرٍ وكُتب أَبِيه. وَأما أَبُو طالبٍ الْمفضل فَأخذ عَن أَبِيه سَلمَة، وَعَن يَعْقُوب وَعَن ثَعْلَب.
(1/36)

فَهَذَا جُمْهُور مَا مضى عَلَيْهِ أهل الْكُوفَة.
النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أوّل من صنف فِي اللُّغَة وهُلَّم جرًّا
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر أول من صنف فِي جمع اللُّغَة الْخَلِيل بن أَحْمد، ألف كِتَابه الْعين الْمَشْهُور. وَالَّذِي حَقَّقَهُ أَبُو سعيد السيرافي أَنه لم يكمل، وَإِنَّمَا كمله اللَّيْث بن نصر. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تَحْرِير التَّنْبِيه: كتاب الْعين الْمَنْسُوب إِلَى الْخَلِيل إِنَّمَا هُوَ جمع اللَّيْث عَن الْخَلِيل. وَقد ألف أَبُو بكر الزُّبيدي كتابا سَمَّاهُ مُخْتَصر الْعين، استدرك فِيهِ الْغَلَط الْوَاقِع فِي كتاب الْعين، وَهُوَ مُجَلد لطيف، وَأَبُو طَالب الْمفضل بن سَلمَة بن عَاصِم الكوفى من تلامذة ثَعْلَب، ألف كِتَابه الِاسْتِدْرَاك على الْعين، وَهُوَ مُتَقَدم الْوَفَاة على الزبيدِيّ، ثمَّ ألف الإِمَام أَبُو غَالب تَمام بن غَالب الْمَعْرُوف بِابْن التياني كِتَابه الْعَظِيم الَّذِي سَمَّاهُ فتح الْعين، وأتى فِيهِ بِمَا فِي الْعين من صَحِيح اللُّغَة دون الْإِخْلَال بِشَيْء من الشواهد الْمُخْتَلفَة، ثمَّ زَاد فِيهِ زيادات حَسَنَة، وَيُقَال إِن أصح مَا أُلف فِي اللُّغَة على حُرُوف المعجم كتاب البارع لأبي عَليّ الْبَغْدَادِيّ، والموعب لأبي غَالب وَلَكِن لم يعرّج النَّاس على نسخهما، وَلذَا قلَّ وجودُهما، بل مالوا إِلَى الجمهرة الدُّريدية والمحكم وجامع ابْن الْقَزاز والصحاح والمجمل وأفعال ابْن الْقُوطِيَّة وأفعال ابْن طريف.
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يرفع قدر كتاب الْعين للخليل وَيَرْوِيه وَكَذَا ابْن درسْتوَيْه، وَقد ألف فِي الرَّد على الْمفضل بن سَلمَة فِيمَا نسبه من الْخلَل إِلَيْهِ، ويكاد لَا يُوجد لأبي إِسْحَاق الزّجاج حِكَايَة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة إِلَّا مِنْهُ. وروى أَبُو عَليّ الغسّاني كتاب الْعين عَن الْحَافِظ أبي عمر بن عبد البرّ، عَن عبد الْوَارِث بن سُفْيَان، عَن القَاضِي مُنْذر بن سعيد.
(1/37)

- قلت؛ وَهُوَ صَاحب النُّسْخَة الْمَشْهُورَة الَّتِي كتبهَا بالقَيْرَوَان وعُورِضت بنسخة شَيْخه بِمَكَّة - عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن ولاّد النَّحْوِيّ.
- قلت: وَله كتاب الْمَقْصُود والممدود، جليل الشأّن، بَدَأَ فِيهِ من حرف الْهمزَة - عَن أَبِيه، عَن أبي الْحسن عَليّ بن مهْدي، عَن ابْن معَاذ عبد الْجَبَّار بن يزِيد، عَن اللَّيْث بن المظفر بن نصر بن سيار، عَن الْخَلِيل.
ثمَّ قَالَ: وَمن مشاهير كتب اللُّغَة الَّتِي صُنِّفَت على مِنوال كتاب الْعين كتابُ الجمهرة لأبي بكر بن دُرَيْد، قَالَ بَعضهم: أملاها بِفَارِس ثمَّ بِالْبَصْرَةِ وبغداد من حفظه، وَلم يستعن عَلَيْهَا بِالنّظرِ فِي شَيْء من الْكتب إِلَّا فِي الْهمزَة واللفيف، وَلذَلِك تخْتَلف النّسخ وَالنُّسْخَة المعوّل عَلَيْهَا هِيَ الْأَخِيرَة، وَآخر مَا صَحَّ من النّسخ نُسْخَة عبيد الله بن أَحْمد، لِأَنَّهُ كتبهَا من عدَّة نسخ وَقرأَهَا عَلَيْهِ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وظفرت بنسخة مِنْهَا بِخَط أبي الْيمن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن قَابُوس الطرابلسي اللّغَوِيّ، وَقد قَرَأَهَا على ابْن خالَويه بروايته لَهَا عَن ابْن دُريد، وَكتب عَلَيْهَا حَوَاشِي من اسْتِدْرَاك ابْن خالويه على مَوَاضِع مِنْهَا، وَنبهَ على بعض أَوْهَام وتصحيفات، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ لأبي عليٍّ القالي نسخةٌ من الجمهرة بخطّ مؤلفها، وَكَانَ قد أُعطِي بهَا ثَلَاثمِائَة مِثْقَال، فَأبى فاشتدت الْحَاجة فَبَاعَهَا بِأَرْبَعِينَ مِثْقَالا، وَكتب عَلَيْهَا هَذِه الأبيات:
(أَنِسْتُ بهَا عِشْرِينَ عَاما وبِعْتُها ... وقَد طالَ وَجْدِي بَعْدهَا وحَنِيني)

(ومَا كَان ظنِّي أَنني سأَبيعُها ... وَلَو خَلَّدتْني فِي السُّجون دُيُوني)

(وَلَكِن لعجْز وافتقارٍ وصِبْيةٍ ... صِغارٍ عليْهمْ تَستهِلُّ شُؤُنِي)
(1/38)

(فقُلْتُ وَلم أَمْلِك سَوابِق عَبْرَتِي ... مقَالةَ مَكْوِىِّ الفؤادِ حَزِينِ)

(وقَد تُخْرِجُ الحاجَاتُ يَا أُمَّ مالِكٍ ... كَرائم مِنْ رَبٍّ بِهنَّ ضَنِينِ)

قَالَ: فأَرسلها الَّذِي اشْتَرَاهَا، وَأرْسل مَعهَا أَرْبَعِينَ دِينَارا أُخرى. قَالَ السُّيُوطِيّ: وجدت هَذِه الْحِكَايَة مَكْتُوبَة بِخَط القَاضِي مجد الدّين الفيروزابادي صَاحب الْقَامُوس على ظهر نُسْخَة من العُباب للصاغاني، ونقلها من خطه تلميذُه أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن الضياء الْحَنَفِيّ، ونقلها من خطّه، ثمَّ قَالَ: وَقد اختصر الجمهرةَ الصاحبُ إِسْمَاعِيل ابْن عبّاد فِي كتاب سَمَّاهُ الْجَوْهَرَة.
ثمَّ صنَّف أتباعُ الْخَلِيل وأَتباعُ أَتْبَاعه وهلمّ جرًّا كتبا شتَّى فِي اللُّغَة، مَا بَين مُطوَّل ومختصَر وعامٍّ فِي أَنْوَاع اللُّغَة، وخاصٍّ بِنَوْع مِنْهَا، كالأجناس للأصمعي، والنوادر واللغات للفرَّاء، والأجناس والنوادر واللغات لأبي زيد الْأنْصَارِيّ، والنوادر للكسائي وَأبي عُبَيْدَة، وَالْجِيم والنوادر والغريب لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، والغريب المصَنَّف لأبي عُبيد، والنوادر لِابْنِ الْأَعرَابِي، والبارع لأبي طَالب الْمفضل بن سَلمَة، واليواقيت لأبي عُمَرَ الزَّاهِد المطرّز غُلَام ثَعْلَب، والمجرّد لكراع، والمقصد لِابْنِهِ سُوَيد، والتذكرة لأبي عليّ الْفَارِسِي، والتهذيب للأزهري، والمجمل لِابْنِ فَارس، ودِيوان الْأَدَب للفارابي، والمُحيط للصَّاحب بن عباد والجامِع للقزّاز، وَغَيرهَا مِمَّا لَا يُحصى.
وَأول مَا الْتزم الصَّحِيح مُقْتَصرا عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو نصر إِسْمَاعِيل بن حَماد الجوهريّ، وَلِهَذَا سَمَّى كتابَه بالصحاح وسيأْتي مَا يتَعَلَّق بِهِ وبكتابه عِنْد ذكره.
وَقد ألف الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرّيٍّ الحواشيَ على الصِّحَاح، وصَل فِيهَا إِلَى أثناءِ حَرف الشين، فأَكملها الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد البسطي.
وَألف الإِمَام رَضِي الدّين الصغاني التكملة على الصِّحَاح، ذكر فِيهَا مَا فَاتَهُ
(1/39)

من اللُّغَة، وَهِي أكبر حجماً مِنْهُ.
وَكَانَ فِي عصر صَاحب الصِّحَاح أَبُو الْحسن أَحْمد بن فَارس، فالتزم أَيْضا فِي مجمله الصَّحِيح، قَالَ فِي أوّله: قد ذكرنَا الواضحَ من كَلَام الْعَرَب وَالصَّحِيح مِنْهُ دون الوحشي المستنكر، وَقَالَ فِي آخرِه قد توخيت فِيهِ الِاخْتِصَار وآثرت فِيهِ الإيجاز، واقتصرت على مَا صحَّ عِنْدِي سَمَاعا، وَلَوْلَا تَوخِّي مَا لم أشكك فِيهِ من كَلَام الْعَرَب لوجدت مقَالا.
وَأعظم كتاب ألف فِي اللُّغَة بعد عصر الصِّحَاح كتاب الْمُحكم وَالْمُحِيط الْأَعْظَم لأبي الْحسن عَليّ بن سَيّده الأندلسي الضَّرِير، توفّي سنة 458.
ثمَّ كتاب العُباب للْإِمَام رضيّ الدّين الصَّاغَانِي، وَقد وصل فِيهِ إِلَى (بكم) .
قلت: ولسان الْعَرَب للْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن جلال الدّين مكرّم بن نجيب الدّين أبي الْحسن الْأنْصَارِيّ الخزرجي الإفريقيّ نزيل مصر، ولد فِي الْمحرم سنة 630 وَسمع من ابْن المقير وَغَيره، وروى عَنهُ السُّبْكِيّ والذهبي وَتُوفِّي سنة 711 الْتزم فِيهِ جمع الصِّحَاح والتهذيب وَالنِّهَايَة، والمحكم، والجمهرة وأمالي ابْن بري، وَهُوَ ثَلَاثُونَ مجلدًا، وَهُوَ مَادَّة شَرحي هَذَا فِي غَالب الْمَوَاضِع، وَقد اطَّلَعت مِنْهَا على نُسْخَة قديمَة يُقَال إِنَّهَا بِخَط الْمُؤلف وعَلى أوّل الْجُزْء مِنْهَا بِخَط سيّدنا الإِمَام جلال الدّين أبي الْفضل السُّيُوطِيّ، نفعنا الله بِهِ، ذكر مولده ووفاته.
ثمَّ كتاب الْقَامُوس للْإِمَام مجد الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب الفيروزابادي، شيخ شُيُوخنَا، وَلم يصل واحدٌ من هَذِه الثَّلَاثَة فِي كَثْرَة التداول إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ صَاحب الصِّحَاح، وَلَا نقصت رُتبة الصِّحَاح وَلَا شهرته بِوُجُود هَذِه، وَذَلِكَ لالتزامه مَا صحَّ، فَهُوَ فِي كتب اللُّغَة نَظِير صَحِيح البُخَارِيّ فِي
(1/40)

الحَدِيث، وَلَيْسَ الْمدَار فِي الِاعْتِمَاد على كَثْرَة الْجمع، بل على شَرْط الصِّحَّة.
قلت: وَقَوله وَلم يصل وَاحِد من الثَّلَاثَة ... الخ، أَي هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَمَانه، فَأَما الْآن فَإِن الْقَامُوس بلغ فِي الاشتهار مبلغ اشتهار الشَّمْس فِي رَابِعَة النَّهَار، وَقصر عَلَيْهِ اعْتِمَاد المدرسين، وناط بِهِ قُصْوَى رَغبةِ المحدّثين، وَكَثُرت نسخه حَتَّى إِنِّي حِين أعدت دَرْسه فِي زَبيد حرسها الله تَعَالَى على سيّدنا الإِمَام الْفَقِيه اللّغَوِيّ رَضِي الدّين عبد الْخَالِق بن أبي بكر الزبيدِيّ الْحَنَفِيّ متع الله بحياته، وَحَضَرت الْعلمَاء والطلبة، فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم بِيَدِهِ نُسْخَة.
ثمَّ قَالَ: وَمَعَ كَثْرَة مَا فِي الْقَامُوس من الْجمع للنوادر والشوارد، فقد فَاتَهُ أَشْيَاء ظَفرت بهَا فِي أثْنَاء مطالعتي لكتب اللُّغَة حَتَّى هَمَمْت أَن أجمعها فِي جُزْء مُذيّلاً عَلَيْهِ.
قلت: وَقد يُسِّر هَذَا الْمَقْصد للْفَقِير، فَجمعت مَا ظفِرت من الزَّوَائِد عَلَيْهِ فِي مُسْوَدَّة لَطِيفَة، سهل الله عليّ إِتْمَامهَا وَمَا ذَلِك على الله بعزيز.
(الْمَقْصد التَّاسِع فِي تَرْجَمَة الْمُؤلف)

هُوَ الإِمَام الشهير أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن أبي بكر بن مَحْمُود ابْن إِدْرِيس بن فضل الله بن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف قَاضِي الْقُضَاة مجد الدّين الصِّدّيقي الفيروزابادي الشِّيرَازِيّ اللّغَوِيّ، قَالَ الْحَافِظ ابنُ حجر: وَكَانَ يرفع نسبه إِلَى أبي بكر الصدّيق رَضِي الله عَنهُ، وَلم يكن مدفوعاً فِيمَا قَالَه. ولد بكَارِزِين سنة 729 ونشأَ بهَا، وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع، وَكَانَ سريع الحِفظ بِحَيْثُ إِنَّه يَقُول: لَا أَنَام حَتَّى أحفظ مِائَتي سطر، وانتقل إِلَى شيراز وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَأخذ عَن وَالِده، وَعَن القوام عبد الله بن مَحْمُود وَغَيرهمَا من عُلَمَاء شيراز، وانتقل إِلَى الْعرَاق،
(1/41)

فَدخل وَاسِط وبغداد، وَأخذ عَن قاضيها ومدرس النظامية بهَا الشّرف عبد الله ابْن بكتاش، وجال فِي الْبِلَاد الشرقية والشاميّة، وَدخل بِلَاد الرّوم والهند، وَدخل مصر وَأخذ عَن علمائها، وَلَقي الجمَّاءَ الغَفير من أَعْيَان الْفُضَلَاء، وَأخذ عَنْهُم شَيْئا كثيرا بيّنه فِي فهرسته، وبرع فِي الْفُنُون العلمية وَلَا سِيمَا اللُّغَة، فقد برَّز فِيهَا وفَاق الأقران، وَجمع النَّظَائِر، واطلع على النَّوَادِر، وجوّد الخَط، وَتوسع فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير، وخدمه السُّلْطَان أَبُو يزِيد بن السُّلْطَان مُرَاد العثماني، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، وأكسبه مَالا عريضاً، وجاهاً عَظِيما، ثمَّ دخل زَبيد فِي رَمَضَان سنة 796 فَتَلقاهُ الْملك الْأَشْرَف إِسْمَاعِيل، وَبَالغ فِي إكرامه، وَصرف لَهُ ألف دِينَار، وَأمر صَاحب عدن أَن يجهزه بِأَلف دِينَار أُخرى، وَتَوَلَّى قضاءَ الْيمن كلّه، وَقَرَأَ عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه، واستمرّ بزبيد عشْرين سنة، وَقدم مكّة مرَارًا، وجاوَرَ بهَا، وَأقَام بِالْمَدِينَةِ المنورة، وبالطائف وَعمل بهَا مآثر حَسَنَة، وَمَا دخل بَلْدَة إِلَّا أكْرمه أَهلهَا ومتولّيها وَبَالغ فِي تَعْظِيمه، مثل شاه مَنْصُور بن شاه شُجَاع فِي تبريز، والأشرف صَاحب مصر، وَأبي يزِيد صَاحب الرّوم، وَابْن إِدْرِيس فِي بَغْدَاد، وتيمورلنك وَغَيرهم، وَقد كَانَ تيمور مَعَ عُتوّهِ يُبَالغ فِي تَعْظِيمه، وَأَعْطَاهُ عِنْد اجتماعه بِهِ مائَة ألف دِرْهَم، هَكَذَا نَقله شَيخنَا، وَالَّذِي رَأَيْته فِي مُعْجم الشَّيْخ ابْن حجر الْمَكِّيّ أَنه أعطَاهُ خَمْسَة آلَاف دينارٍ، ورام مَرّةً التَّوَجُّه إِلَى مَكَّة من الْيمن، فَكتب إِلَى السُّلْطَان يستأْذنه ويُرغّبه فِي الْإِذْن لَهُ بِكتاب من فصولِه - وكانَ مِنْ عادَة الخُلفاء سلفا وخلفاً أَنهم كَانُوا يُبْرِدُون البريدَ بقصْدِ تبليغِ سلامهم إِلَى حَضْرَة سيّد الْمُرْسلين -: فاجعَلْني - جَعلني الله فدَاك - ذَلِك الْبَرِيد، فَإِنِّي لَا أَشتهي شَيْئا سواهُ وَلَا أُريد.
فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان.
إِن هَذَا شيءٌ لَا ينْطق بِهِ لساني، وَلَا يجْرِي بِهِ قلبِي، فبالله عَلَيْك إِلَّا مَا وَهَبْتَ لنا هَذَا العُمر، واللهِ يَا مجدَ الدّين يَمِينا بارّة، إِنِّي أَرى فِراقَ الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا
(1/42)

وَلَا فراقَك أَنْت الْيمن وَأَهله.
وَكَانَ السُّلْطَان الْأَشْرَف قد تزوّج ابْنَته، وَكَانَت رائعة فِي الْجمال، فنال بذلك مِنْهُ زِيَادَة البِرّ والرِّفعة، بِحَيْثُ إِنَّه صنف لَهُ كتابا وأهداه لَهُ على طِبَاق، فملأها لَهُ دَرَاهِم.
كَانَ وَاسع الرِّواية، سمع من مُحَمَّد ابْن يُوسُف الزرندي الْمدنِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَمن ابْن الخبّاز، وَابْن الْقيم، وَابْن الْحَمَوِيّ، وَأحمد بن عبد الرَّحْمَن المرداوي، وَأحمد بن مظفّر النابلسي، والتقي السُّبْكِيّ، وَولده التَّاج، وَيحيى ابْن عَليّ الحدّاد وَغَيرهم بِدِمَشْق، وَفِي الْقُدس من العلائي، والبياني، وَابْن القلانسي، وغضنفر، وَابْن نباتة، والفارقي، والعزّ بن جمَاعَة، وَبكر بن خَلِيل الْمَالِكِي، والصفي الحراوي، وَابْن جهبل، وَغَيرهم، وَله التصانيف الْكَثِيرَة النافعة الفائقة، مِنْهَا هَذَا الْكتاب الْمُسَمّى بالقاموس الْمُحِيط، وبصائر ذَوي التَّمْيِيز فِي لطائف كتاب الله الْعَزِيز، فِي مجلدين، وتنوير المقياس فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس فِي أَربع مجلدات، وتيسير فائحة الإهاب فِي تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب، فِي مُجَلد كَبِير، والدر النظيم المرشد إِلَى مَقَاصِد الْقُرْآن الْعَظِيم، وَحَاصِل كورة الْخَلَاص فِي فَضَائِل سُورَة الْإِخْلَاص، وَشرح قُطْبَة الخشاف فِي شرح خطْبَة الكَشّاف، وشوارق الْأَسْرَار العليّة فِي شرح مَشَارِق الْأَنْوَار النَّبَوِيَّة، فِي أَربع مجلدات، ومنح الْبَارِي لسيل الفيح الْجَارِي فِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ، كمل مِنْهُ رُبع الْعِبَادَات فِي عشْرين مجلَّدًا، والإسعاد بالإصعاد إِلَى دَرَجَة الِاجْتِهَاد، فِي ثَلَاث مجلدات، وعدّة الْحُكَّام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام، فِي مجلدين، وافتضاض السهاد فِي افتراض الْجِهَاد، فِي مجلّدة، والنفحة العنبريّة فِي مولد خير البريّة، والصّلات والبُشَر فِي الصَّلاة على خير الْبشر، والوصْل والمُنَى فِي فضل مِنى، والمغانم المطابة فِي معالم طابة، وتهييج الغرام إِلَى الْبَلَد الْحَرَام، وروضة النَّاظر فِي دَرَجَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر، والمِرقاة الوفيّة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة، والمرقاة الأرفعية فِي طَبَقَات
(1/43)

الشَّافِعِيَّة، وَالْبُلغَة فِي تراجم أَئِمَّة النَّحْو واللغة، ونزهة الأذهان فِي تَارِيخ أَصْبَهَان، وَتَعْيِين الغرفات للمُعين على عَرفات، ومنية الْمَسْئُول فِي دعوات الرَّسُول، ومقصود ذَوي الْأَلْبَاب فِي علم الْإِعْرَاب، والمتفق وضعا الْمُخْتَلف صنعا، والدر الغالي فِي الْأَحَادِيث العوالي، والتجاريح فِي فَوَائِد مُتَعَلقَة بِأَحَادِيث المصابيح، وتحبير الموشّين فِيمَا يُقَال بِالسِّين والشين، تتبع فِيهِ أَوْهَام الْمجمع فِي نَحْو ألف مَوضِع، وَالرَّوْض المسلوف فِيمَا لَهُ اسمان إِلَى الأُلوف، وتحفة القماعيل فِيمَن تسمى من الْمَلَائِكَة إِسْمَاعِيل، والجليس الأنيس فِي أَسمَاء الخندريس، وأنواء الْغَيْث فِي أَسمَاء اللَّيْث، وترقيق الأسل فِي تصفيق الْعَسَل، وَزَاد الْمعَاد فِي وزن بَانَتْ سعاد، وَشَرحه فِي مجلدين، والتحف والظرائف فِي النكت الشرائف، وأحاسن اللطائف فِي محَاسِن الطَّائِف، وَالْفضل الوفي فِي الْعدْل الأشرفي، وَإِشَارَة الْحجُون إِلَى زِيَارَة الْحجُون، عمله فِي لَيْلَة وَاحِدَة على مَا قيل، وَفِي الدرة من الخرَزة فِي فضل السَّلامَة على الخبزه، وهما قَرْيَتَانِ بِالطَّائِف، وتسهيل طَرِيق الْوُصُول إِلَى الْأَحَادِيث الزَّائِدَة على جَامع الأُصول، فِي أَربع مجلدات، صنفه للناصر ولد الْأَشْرَف، وَأَسْمَاء الْعَادة فِي أَسمَاء الغادَه، واللامع الْمعلم العُجاب الْجَامِع بَين الْمُحكم والعباب، كمل مِنْهُ خمس مجلدات، وسِفر السَّعَادَة، وَغير ذَلِك من مُطَوَّل ومختصر.
وَتُوفِّي رَحمَه الله ممتعاً بحواسِّه قَاضِيا بزبيد، وَقد ناهز التسعين، فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء المُوفية عشْرين من شوّال سنة سبع أَو سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة. وَفِي ذيل ابْن فَهد: وَله بضعٌ وَثَمَانُونَ سنة، وَدفن بتربة القطب الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الجبرتي، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الرؤساء الَّذين انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُم بفن فاق فِيهِ الأقران، على رَأس الْقرن الثَّامِن، مِنْهُم السراج البُلْقِينِيّ فِي فقه الشَّافِعِي،
(1/44)

وَابْن عرفه فِي فقه مَالك، وَالْمجد اللّغَوِيّ فِي أسرار اللُّغَة ونوادرها، وَالَّذِي فِي مُعْجم ابْن حجر الْمَكِّيّ بعد البُلْقِينِيّ الزين العِراقي فِي الحَدِيث، وَابْن الملقّن فِي كَثْرَة التصانيف، والفَناري فِي الِاطِّلَاع على الْعُلُوم، تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنباء الْغمر، واقتفى أَثَره تِلْمِيذه الْحَافِظ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع، والسيوطي فِي البغية، وَابْن قَاضِي شُهْبَة فِي الطَّبَقَات، والصفدي فِي تَارِيخه، والمقري فِي أزهار الرياض.
وَمن مفاخره مَا قَالَه السّيوطي فِي البُغية أَنه سُئل بالروم عَن قَول سَيّدنا عليٍّ كرم الله وَجهه لكَاتبه " أَلْصِقْ رَوَانِفَكَ بِالجَبُوب، وخُذْ المِزْبَر بِشَنَاتِرِك واجعَل حُندورَتَيْك إِلَى قَيْهَلي حَتَّى لَا أَنغِي نَغْيَةً إِلَّا وَقد وَعَيْتَها فِي حَماطة جُلْجلانِك " مَا مَعناه فَقَالَ: " أَلزِق عِضْرِطَكَ بالصَّلَّة، وَخذ المسطر بأَباخسك، وَاجعَل جحمتَيك إِلَى أُثعباني، حَتَّى لَا أَنبِس نَبَسَة إِلَّا وعَيْتها فِي لمظَة رِبَاطِك " فعَجب الْحَاضِرُونَ من سرعَة الْجَواب، وَمِنْهَا فِي أزهار الرياض فِي أَخْبَار القَاضِي عِيَاض للمقري، وَنَقله عَنهُ شيخ مَشَايِخنَا سَيِّدي أَحْمد زَرُّوق بن مُحَمَّد بن قَاسم الْبونِي التَّمِيمِي فِي كراسة إجَازَة لَهُ مَا نَصه: وَمن أغرب مَا منح الله بِهِ الْمجد صَاحب الْقَامُوس أَنه قَرَأَ بِدِمَشْق بَين بَاب النَّصْر والفرج تجاه نَعْل النَّبِي
، على نَاصِر الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن جهبل صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام، وَصرح بذلك فِي ثَلَاثَة أَبْيَات فَقَالَ:
(قَرَأْتُ بِحَمْد اللهِ جَامِعَ مُسْلِمٍ ... بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفاً لإسْلامِ)

(عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الإِمَام ابنِ جَهْبَلٍ ... بِحَضْرَة حُفّاظ مَشاهِيرَ أَعْلاَمِ)

(وتَمَّ بِتَوْفِيق الْإِلَه وفَضْله ... قِرَاءَةَ ضَبْطٍ فِي ثَلاثَة أَيَّامِ)

قلت: وَفِي ذيل ابْن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن فِي بَيَان طَبَقَات
(1/45)

الحفّاظ مَا نَصه: وَقَرَأَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ صحيحَ مُسلم على مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الخَبَّاز بِدِمَشْق فِي سِتَّة مجَالِس مُتَوَالِيَة، قَرَأَ فِي آخر مجْلِس مِنْهَا أَكثر من ثلث الْكتاب، وَذَلِكَ بِحُضُور الْحَافِظ زين الدّين ابْن رَجَب وَهُوَ يُعَارض بنسخته، وقرأْت فِي تَارِيخ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي الضَّرِير مَا نَصه: وَقد سمع عَلَيْهِ الْخَطِيب البغداديّ بِمَكَّة صَحِيح البُخَارِيّ سَمَاعه من الْكشميهني فِي ثَلَاثَة مجَالِس، قَالَ: وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه، انْتهى.
(الْمَقْصد الْعَاشِر فِي أسانيدنا الْمُتَّصِلَة إِلَى الْمُؤلف)

حَدثنَا شَيخنَا الإِمَام الْفَقِيه اللّغَوِيّ رضيّ الدّين عبد الْخَالِق بن أبي بكر الزين ابْن النمري المزجاجي الزَّبِيدي الْحَنَفِيّ، وَذَلِكَ بِمَدِينَة زَبيد حرسها الله تَعَالَى بِحُضُور جَمْعٍ من الْعلمَاء، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قدر الثُّلُث، وسماعي لَهُ فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي بعضٍ مِنْهُ قَالَ: أَذن لنا شيخُنا الْفَقِيه عبد الفتاح بن إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الخاصّ السِّراج الْحَنَفِيّ، الزَّبيدي، والعلامة عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بَاقِي المزجاجي الْحَنَفِيّ الْأَشْعَرِيّ الزبيدِيّ قَالَا: أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الْخَاص، وَهُوَ وَالِد الأول قِرَاءَة من الثَّانِي عَلَيْهِ فِي الْبَعْض، وإجازة مِنْهُ فِي سائره، وإجازة للأوّل ومناولة للْكُلّ عَن وَالِده فَخر الدّين عبد الفتاح ابْن الصدّيق بن مُحَمَّد الْخَاص، وَعَمه العلاّمة عبد الرَّحِيم بن الصّديق قَالَا: أخبرنَا عمنَا الْعَلامَة إِمَام المدرسين شرف الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْخَاص، وصِنْوُنا العلاّمة وجيه الدّين أَبُو بكر، وَشَيخ الْإِسْلَام جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْنا الصّديق ابْن مُحَمَّد الْخَاص قَالُوا: أخبرنَا خَاتِمَة الْمُحدثين واللغويين رَضِي الدّين أَبُو مُحَمَّد الصّديق، والعلامة شُجَاع الدّين أَبُو حَفْص عمر، والعلامة نور الدّين أَبُو عمر، وَعُثْمَان أَبنَاء مُحَمَّد بن الصدّيق الْخَاص السراج قَالُوا: أخبرنَا والدنا الْحَافِظ المعمَّر شيخ الْإِسْلَام
(1/46)

خَاتِمَة الْمُحَقِّقين جمال الدّين مُحَمَّد بن الصدّيق بن إِبْرَاهِيم الْخَاص السراج الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: أخبرنَا الْعَلامَة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عبد الْعَلِيم ابْن إقبال القَرْيتي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ، عَن الإِمَام الْمُحدث الْأَصِيل زين الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الشرجي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: قرأْته على الْمُؤلف. وَهَذَا السَّنَد كَمَا ترى مُسلسل بالحنفية وبالزَّبيدِيين، وَأَجَازَ شيخَنا المذكورَ فِيهِ أَيْضا شيخُ الْجَمَاعَة الشريف عماد الدّين يحيى بن عمر ابْن عبد الْقَادِر الحُسيني الْحرار الزبيدِيّ، أَخبرنا الْمُحدث اللّغَوِيّ الْفَقِيه حسن ابْن عَليّ بن يحيى الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ، أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن الصدّيق الْخَاص عَالِيا.
ح وأجازني بِهِ أَيْضا شَيْخي الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن عبد الْبَاقِي المزجاجي، عَن وَالِده، عَن أَخِيه عفيف الدّين عبد الله، عَن الْعَلامَة عبد الْهَادِي بن عبد الْجَبَّار بن مُوسَى بن جُنَيْد الْقرشِي، عَن الْعَلامَة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جعمان، عَن الشريف الطَّاهِر ابْن حُسَيْن الأهدل، قَالَ: أخبرنَا شَيخنَا الْحجَّة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن عَليّ بن الديبع الشَّيْبَانِيّ الزبيدِيّ.
ح وَأخْبرنَا شَيخنَا الْمُحدث الأُصولي اللّغَوِيّ نادرة الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن مُوسَى الشرفي الفاسي نزيل طَيْبَة طَابَ ثراه فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع مِنْهُ وَأَنا أسمع ومناولة للْكُلّ سنة 1164 قَالَ: قرأته قراءةَ بحثٍ وإتقان على شَيخنَا الإِمَام الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَنَاوِيّ، والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الشاذلي، وَسمعت كثيرا من مباحثه وموادّه على شَيخنَا الْبركَة نحوِيِّ العصرِ ولُغوِيِّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الوجاري الأندلسي، الثَّلَاثَة عَن الشَّيْخ الْمسند أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّغِير، ابْن الشَّيْخ الْحَافِظ أبي زيد عبد الرَّحْمَن، ابْن الإِمَام سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي، عَن الإِمَام مُحَمَّد بن أَحْمد الفاسي،
(1/47)

عَن الإِمَام النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الغرناطي الْقَيْسِي الشهير بالقصّار، عَن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد اليسيتني، عَن عَلامَة الْمغرب أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي المِكناسي والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد الْحطاب، هما وابنُ الرّبيع عَن الْحَافِظ أبي الْخَيْر شمس الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن السخاوي.
ح وَزَاد حسن بن عَليّ الْمَكِّيّ عَن الْمُحدث المعمَّر أبي الْوَفَاء مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن الْعجل بن العجيل الشَّافِعِي الصُّوفِي اليمني، عَن إِمَام الْمقَام يحيى بن مكرم ابْن محب الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي، عَن الإِمَام الْحَافِظ جلال الدّين أبي الْفضل عبد الرَّحْمَن بن أبي المناقب أبي بكر السُّيُوطِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ التقي مُحَمَّد بن فَهد، وَأَخُوهُ ولي الدّين أَبُو الْفَتْح عَطِيَّة، وولداه فَخر الدّين أَبُو بكر، والحافظ نجم الدّين عمر، والشرف إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الزَّبيدي، وَالْفَخْر أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المرشدي، وَأمين الدّين سَالم بن الضياء مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَالم الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَعلم الدّين شَاكر ابْن عبد الْغَنِيّ بن الجيعان، والمحب مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الألواحي، وَرَضي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن ظهيرة الْمَكِّيّ، وَأَخُوهُ وليّ الدّين ومسند الدُّنْيَا على الْإِطْلَاق مُحَمَّد ابْن مقبل الْحلَبِي، كلهم مَا بَين سَماع وإجازة ومناولة عَن الْمُؤلف.
ح وَأخذ ابْن غَازِي أَيْضا عَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ هُوَ والسخاوي وَابْن فَهد، عَن الإِمَام الرحلة الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ: اجْتمعت بِهِ أَي بالمجد اللّغَوِيّ فِي زبيد، وَفِي وَادي الْحصيب، وناولني جُلَّ الْقَامُوس وأَذِن لي وقرأْت عَلَيْهِ من حَدِيثه، وَكتب لي تقريظاً على بعض تخاريجي، وأنشدني لنَفسِهِ فِي سنة ثَمَانمِائَة بزبيد، وكتبهما عَنهُ الصّلاح الصَّفَدِي فِي سنة 57 بِدِمَشْق:
(أَحِبَّتَنَا الأماجِدَ إنْ رحلْتُمْ ... ولَمْ تَرْعوْا لَنَا عهْداً وإلاّ)
(1/48)

(نُودِّعُكُمْ ونُودِعُكُمْ قُلُوباً ... لَعلَّ الله يجْمعُنَا وإلاَّ)

وَزَاد السخاوي والتقى بن فَهد عَن الْحَافِظ جمال الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن صَالح الْهَمدَانِي التفري الْجبلي، عُرِف بِابْن الخيّاط، عَن الْمُؤلف، وسماعه عَنهُ صَحِيح، رأَيته فِي الذَّيل على طَبقات الحفّاظ. وَهُنَاكَ أَسَانِيد أُخر غير هَذِه عالية ونازلة، أَعرضنا عَنْهَا خوف الإطالة، وَفِي هَذَا الْقدر الْكِفَايَة، وَقد طَال الْبَحْث، وَوَجَب أَن نكفّ العِنان، ونُوجِّه الوِجْهَة إِلَى مَا هُوَ الأهمّ من افتنان مَا حواه الْكتاب من الأَفنان، وَقد ابْتَدَأَ المُصَنّف كَغَيْرِهِ بقوله:
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز، وَعَملا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور على الْأَلْسِنَة " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَبتَرُ، أَو أقطعُ أَو أجذَمُ "، على الرِّوَايَات والمباحث المتعلِّقة بهَا، أَوردناها فِي رِسَالَة مَخْصُوصَة بتحقيق فرائدها، لَيْسَ هَذَا مَحل ذكرهَا (الْحَمد لله) ثنّى بِهِ اقتفاءً للأَثريْن، وإعمالاً للحديثين، وجمعاً بَين الرِّوايتين، وإيراد المباحث الْمُتَعَلّقَة بِهَذِهِ الْجُمْلَة يخرجنا عَن الْمَقْصُود، فليُنظر فِي الْكتب المطَوّلات (مُنْطِق البُلغاءِ) نَطَق نُطْقاً تكلَّم، وأَنطقه غَيرُه: جعله ناطقاً، والبلغاءُ جمع بليغ، وَهُوَ الفصيحُ الَّذِي يَبلُغ بعبارته إِلَى كُنْه ضَمِيره، وَالْمعْنَى: أَي جاعِل البلغاءِ نَاطِقينَ أَي مُتكلِّمين (باللُّغَى) جمع لُغةٍ كَبُرَةٍ وبُرًى، أَي بالأصوات والحروف الدالَّة على الْمعَانِي، مأْخوذٌ من لَغَوْتُ أَي تكلّمت، ودائرةُ الأَخذ أَوسعُ من دَائِرَة الِاشْتِقَاق، كَذَا حَقَّقَهُ النَّاصِر اللَّقانيُّ، وَأَصلهَا لُغْوَة أَو لُغْيَة، بِنَاء على أَن ماضيه لَغَى، إِمَّا أَن تكون ياؤه أصليّةً أَو منقلبةً عَن وَاو، كرضِى استُثقلت الحركةُ على الواوِ أَو الْيَاء، فنُقِلت للساكن قبلَها، فَبَقيت الْوَاو أَو الْيَاء سَاكِنة، فحذفت وعُوِّضَ عَنْهَا هاءُ التأْنيث، وَقد يُذكَر الأصلُ مَقْرُونا بهَا، أَو نِيَّة العِوَضيَّة تكون بعد الحذْفِ، ووزنها بعد الإعلال فُعةٌ، بِحَذْف اللَّام، وقولُنا كبُرَةٍ وبُرًى هُوَ
(1/49)

لفظ الجوهرِي، ومرادُه الْمُمَاثلَة فِي الْوَزْن لَا الأَصْل، لقَوْله فِي فصل الباءِ نقلا عَن أبي عليٍّ: إِن أصل بُرة بَرْوَةٍ بالفَتحِ، قَالَ: لِأَنَّهَا جُمعت على بُرًى مثل قَرْية وقُرًى، وَضبط فِي بعض النّسخ بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ غلطٌ، لفساد الْمَعْنى، لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ من لَغِى يَلْغَى لَغًا إذَا هَذَى، وَقِيَاس بَاب عَلِم إِذا كَانَ لَازِما أَن يجِئ على فَعَلٍ، كفِرح فَرحا، قَالَ شَيخنَا، وَفِي الفقرتينِ شِبْهُ الجِناس المحرَّف، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة المُلحق، ويأْتي جمعُ لُغةٍ على لُغاتٍ فَيجب كسرُ التاءِ فِي حَالَة النَّصْب، وَحكى الكسائيُّ، سمعتُ لُغاتَهم، بِالْفَتْح، تَشْبِيها لَهَا بِالتَّاءِ الَّتِي يُوقف عَلَيْهَا (فِي الْبَوَادِي) أَي حالةَ كونِهم فِيهَا، وسوَّغ مجيءَ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ كونُ الْمُضَاف عَاملا فِيهِ، وَهِي جمع بادِيةٍ سَمَاعا وَقِيَاسًا، واشتقاقها من البُدُوِّ، وَهُوَ الظُّهُور والبُرُوز، وَإِنَّمَا قُيِّد بذلك لِأَن الْمُعْتَبر فِي اللغاتِ مَا كَانَ مأْخوذًا عَن هَؤُلَاءِ الأعرابِ القاطنين بالبادِية، للحِكمة الَّتِي أَوْدَعها اللهُ سُبْحَانَهُ فِي لِسانهم، مَعَ مَظِنَّةِ البُعْدِ عَن أسرارها ولَطائِفِها وبدائِعها (ومُودِعِ) ، مِن أَوْدَعه الشَّيْء إِذا جعله عِنْده ودِيعةً يَحفَظُه لَهُ (اللسانِ) أَي لسانِ البلغاءِ (أَلْسَنَ) أفعلَ من لَسِنَ كفرِح لَسَنًا فَهُوَ لَسِنٌ ككتِف، وأَلْسن كأَحْمَر، فَهُوَ صِفة أَي أفْصح (اللُّسُن) بِضَمَّتَيْنِ جمع لِسان بِمَعْنى اللغةِ (الهَوادى) جمع هادية وهادِ، وَهُوَ المُتقدِّم من كلِّ شيءٍ وَمِنْه يُقَال لِلعُنق: الْهَادِي، وَالْمعْنَى مُودِع لِسانِ البلغاءِ أفصحَ اللُّغاتِ المُتقدِّمة فِي أَمرِ الفصاحةِ أَي الفائِقة فِيهِ، فَإِن الشَّيْء إِذا فاق فِي أَمرٍ وَبلغ النهايةَ فِيهِ يُقَال: إِنَّه تقدّم فِيهِ، وَفِي البُلغاء واللَغى وَاللِّسَان وَمَا بعده من الجناس مَا لَا يَخفَى (ومُخَصِّص) ، أَي مُؤْثِر ومُفْضّل (عُروقِ) جمع عِرْق من كُلِّ شَيْء أَصلُه (القَيْصُوم) نَبْتٌ طيِّبُ الريحِ خاصٌّ بِبِلَاد الْعَرَب (و) مُخصّص (غَضَا) مقصورٌ، وَهُوَ شجرٌ عربِيٌّ مَشْهُور (القَصِيم) جمع قَصيمةٍ، رملةٌ تُنْبِت الغَضا، وَفِي بعض النّسخ بالضاد
(1/50)

المعجة، وَهُوَ تَصْحِيف (بِمَا) أَي بالسِّرّ والتخصيصِ الَّذِي (لم ينَلْه) أَي لم يُعْطَه، من النَّوال، أَو لم يُصِبْه بِسرٍّ وخُصوص وَلم يظفرْ بِهِ (العبهَرُ) نبتٌ طيِّبٌ مشهورٌ (والجادِي) بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة، كَذَا فِي النُّسْخَة الرَّسولية والملكية، وحُكِي إعجام الدالِ لُغَة، وَالْيَاء مشدَّدة خُفِّفت لمراعاة القوافي، وَهِي نِسْبة إِلَى الجادِيَةِ قَرْبة بالبلقاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأساس: سَمِعت من يَقُول: أَرْض البلقاءِ أَرْضُ الزعفرانِ، وأَقرَّه المناوِيُّ، وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى خصَّص النباتات البدويّة كالغَضا والقَيْصوم والشّيح، مَعَ كوْنِها مُبتذَلةً، بأسرارٍ ودقائقَ لم تُوجَد فِي النباتَاتِ الحَضَريَّة المُعَظَّمة المُعدّة للشَّمِّ والنَظَرِ كَالنّرجِس والياسمين والزعفران، وَفِي ضمن هَذَا الْكَلَام تخصيصُ العربِ بالفصاحة والبلاغة، وَاقْتضى أَن فِي عُروق رعْيِ أرضِهم وخِصْب زمانهم من النَّفْع والخاصّيّة مَا لم يَكن فِي فاخِرِ مَشموماتِ غَيرهم، وَهُوَ ظَاهر، وَفِي نُسْخَة مِيرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ: الخادِي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ غلَطٌ، وَفَسرهُ قَاضِي الْأَقْضِيَة بكَجرات، بالمُسترْخِي، فأَخطأ فِي تَفْسِيره، وَإِنَّمَا هُوَ الخاذي، بمعجمتين، وَلَا يُناسب هُنَا، لمُخَالفَته سائِر الفِقَر وَكَذَا تَفْسِيره العبْهر بالممتلِئ الْجِسْم الناعم، لبُعْده عَن مغزى المُراد. وَبَين القَيْصومِ والقصِيمِ جِناسُ الاشتقاقِ ومُراعاة النّظير بَين كلٍّ من النَّباتين (ومُفيضِ) من أَفاضَ الماءَ فَفَاضَ، وأفاض أَيْضا إِذا جرى وكثُر حَتَّى مَلأ جوانبَ مَجراه (الأيادي) جمع أَيْدٍ جمْع يَدٍ فَهُوَ جَمْعُ الجمعِ، واليَد أَصلٌ فِي الجارِحة، وَتطلق بِمَعْنى القُوّة، لِأَنَّهَا بهَا، وَبِمَعْنى النِّعْمَة لِأَنَّهَا تُنَاوِلُها، والمُراد هُنَا النِّعم والآلاء (بالرَّوائِح) جمع رَائحةٍ، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون عَشِيَّةً (والغوادي) جمع غادِيَة، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون غدْوةً، وَالْبَاء إمَّا سَببيَّة أَو ظرفيَّة، وَالْمرَاد بالروائح والغوادِي إِمَّا الأمطارُ، أَي مُفيض النِّعَم بِسَبَبِهَا لمن يَطلبها، أَو مُفيضها فِيهَا، لِأَن الأمطار ظروفٌ للنِّعم، أَو أَن المُرَاد بهما عُمُومُ الْأَوْقَات، فالباء إِذا ظرفيّة،
(1/51)

وَإِنَّمَا خُصَّت تِلْكَ الأوقاتُ جَرْياً على الْغَالِب (للمُجتدِي) أَي طالبِ الجَدْوَى أَي السَّائِل، والجَدْوَى والجَدَا العَطِيّة (والجَادِي) المُعطِي، ويأْتي بِمَعْنى السَّائِل أَيْضا، فَهُوَ من الأَضداد، قَالَ شَيخنَا: وَلم يذكُره الْمُؤلف، وَقد ذكره الإِمَام أَبُو عَلِيٍّ القالي فِي كتاب الْمَقْصُور والممدود، وَبَين الجادى والجادى الجِناسُ التامُّ، وَبَينه وَبَين المُجتدى جناسُ الِاشْتِقَاق، وَفِي بعض النّسخ المُحتدِي، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ غلط (وناقِعِ) أَي مُرْوِي ومُزِيلِ (غُلَّةِ) بالضمِّ العطَشُ (الصَّوادي) جمع صَادِية، وَهِي العَطْشَى، وَالْمرَاد بالغُلَّة مُطلَقُ الحَرارة، من بَاب التَّجْرِيد، وفسَّرها الْأَكْثَرُونَ بالنَّخيل الطِّوال، لَكِن المقامَ مَقامُ العُموم، كَمَا لَا يخفى، قَالَه شَيخنَا (بالأهاضيب) الأمطار الغزيرة، أَو هِيَ مُطلَق الأمطارِ و (الثَّوَادى) صِفَتُها، أَي الْعَظِيمَة الكثيرةُ الماءِ، أَو من بَاب التَّجْرِيد، وَيُقَال مطرة ثَدْياء، أَي عَظِيمَة غَزيرةُ الماءِ، وَفسّر شارِحُ الْخطْبَة عِيسَى بنُ عبد الرَّحِيم الأهاضيبَ بالجبالِ المُنبسِطَةِ على وجْهِ الأَرْض، والثَّوادي بِمَا فسَّره الْمُؤلف فِي مَادَّة ث د ى أَنَّهَا جمع ثادِيَة، إِمَّا من ثَدِيَ بالكسرِ إِذا ابتلَّ، أَو من ثَداه إذَا بلَّه، وهما بعِيدان عَن معنى المُراد، وَقيل إِنَّه من المهموزِ الْعين، وَالدَّال الْمُهْملَة لامٌ لَهُ، كَأَنَّهُ جمع ثَأْداءَ كصحراءَ وصحارِى، وَفِي بعض النّسخ بالنُّون، وَهُوَ خطأٌ عَقْلاً ونَقْلاً (ودافعِ) أَي صارِف ومُزيل (مَعَرَّة) بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء أَي الْإِثْم، عَن الْجَوْهَرِي، وَهُوَ مُستَدْرك على المؤلّف، كَمَا يَأْتِي فِي محلِّه، ووُجِد فِي بعض النّسخ هُنَاكَ الِاسْم، بِالسِّين الْمُهْملَة بدل الثَّاء، وتُطلَق المعرَّة بِمَعْنى الْأَذَى، وَهُوَ الأشبهُ بالمراد هُنَا، وَتَأْتِي بِمَعْنى الغُرْم والخِيانة والعَيْب والدِّية، ذكرهَا الْمُؤلف، وَبِمَعْنى الصُّعُوبة والشِّدَّة، قَالَه العكبريُّ والشَريشي (العَوَادى) جمع عَادِيَة من العُدْوانِ، وَهُوَ الظُّلم، وَالْمرَاد بهَا هُنَا السِّنونَ المجدِبَةُ على التَّشْبِيه، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يُناسبه سِياق الكلامِ وسِبَاقه، وأمَّا جعلُهُ جمعَ عادِ أَو عادِيَة بِمَعْنى جماعةِ القَوْم يَعْدُون
(1/52)

لِلْقِتَالِ، أَو أوّل من يَحمِل من الرَّجَّالة، وجَعْلُه بِمَعْنى مَا يغْرَس من الكَرْم فِي أُصولِ الشجرِ العِظام، أَو بِمَعْنى جماعةٍ عادِيَة أَو ظالِمة فيأْباه الطبعُ السليمُ، مَعَ مَا يَرِد على الأوَّلِ من أَن فاعِلاً فِي صِفات المُذكَّر لَا يُجْمع على فَوَاعل، كَمَا هُوَ مُقرَّر فِي مَحَله (بالكَرَمِ) أَي بالفَضْلِ (المُمادى) الدَّائِم والمستمرّ البالِغ الْغَايَة، وَفِي بعض النّسخ المُتمادى، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ الظَّاهِر فِي الدِّرَايَة، لشُيُوعِ " تمادَى " على الْأَمر إِذا دَامَ واستمرَّ دون " مَادَى " وَإِن أثْبته الْأَكْثَرُونَ، والأُولَى هِيَ الْمَوْجُودَة فِي الرَّسوليَّة (ومُجْرى) من الجَرْيِ وَهُوَ المرُّ السَّرِيع أَي مُسِيل (الأَوْداء) جمع وادِ، وَالْمرَاد مَاؤُهُ مجَازًا، ثمَّ المُرَاد الإحسانات والتفضُّلات، فَهُوَ من الْمجَاز على الْمجَاز، ثمَّ ذَكَر العَيْنَ فِي قَوْله (مِنْ عَيْن العَطاءِ) تَرشيحاً للمجاز الأوَّل اسْتِقْلَالا وَللثَّانِي تَبعاً، وَمثل هَذَا الْمجَاز قَلَّمَا يُوجَد إِلَّا فِي كَلام البُلغاء، والعطاءُ بِالْمدِّ والقَصْر نَوْلُكَ السَّمْحُ وَمَا يُعْطَى، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (لكل صادى) أَي عَطْشان، وَالْمرَاد هُنَا مُطلَق المحتاجِ إِلَيْهَا والمشتاق لَهَا، قَالَ شَيخنَا: وَفِي الْفَقْرَة تَرْصِيع السَّجْع (باعِث) تَجوزُ فِيهِ الأوْجُه الثَّلَاثَة، والاستئناف أوْلَى فِي المَقام، لِعِظمِ هَذِه النِّعمة، وَالْمعْنَى مُرْسل (النبيِّ الْهَادِي) أَي المرشِد لعباد الله تَعَالَى، بدُعائهم إِلَيْهِ، وتعريفهم طرِيقَ نَجاتهم (مُفْحِماً) أَي حالةَ كَونه مُعجِزاً (بِاللِّسَانِ الضادِي) أَي العربيّ، لِأَن الضَّاد من الحُروف الخاصَّة بلغَة الْعَرَب (كُلَّ مُضَادِي) أَي مُخالِف ومُعانِد ومُعارِض، من ضَادَاه، لُغَة فِي ضَادَّه، وَضبط ابْن الشحْنة، والقَرافي، بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا، فالصَّادي من صَاداه إِذا دَاجَاه ودَارَاه وسَاتَرَه، والمُصادِي من صَدّه يَصُدُّه إِذا مَنعه، والمُصادِي: المُعارض، ويُخالفان النقْلَ الصحيحَ المأْخوذ عَن الثِّقاتِ، مَعَ أَن فِي الثَّانِي خَلْطاً بَين بابَي المُعتلِّ والمُضاعَف، كَمَا هُوَ ظاهرٌ، وَبَين الضادي والمضادي جِناسٌ كَمَا هُوَ بيِّنٌ مفحماً (ومُفَخَّماً) أَي وَحَالَة كَونه مُعظَّماً ومُبجَّلاً جَزْلَ المنطِقِ (لَا تَشِينه) أَي لَا تَعِيبه مَعَ فخامتِه وحُسْنِ كلامِه
(1/53)

(الهُجْنَة) قُبْحُ الْكَلَام (والعُجْمة) العجْز عَن إقامةِ الْعَرَبيَّة لعُجمة اللِّسَان (والضَّوادي) الكلامُ الْقَبِيح أَو مَا يُتَعلَّل بِهِ، وَالْمعْنَى أَي لَا يلْحقهُ
شيءٌ مِمَّا ذكر، وَلَا يتَّصِف بِهِ، وَقد تقدم فِي المقدِّمة " أَنا أفْصَحُ منْ نَطق بالضَّاد بَيْدَ أنِّي من قُرَيْش " الحَدِيث، وتقدَّم أَيْضا بيانُ أفصحيَّتِه،
، وتَعجُّب الصحابةِ رِضوانُ الله عَلَيْهِم مِنْهُ، وَفِيه مَعَ مَا قبله نوعٌ من الجِناس، قَالَ شَيخنَا: وَهَذِه اللَّفْظَة مِمَّا استدركها المؤلفُ على الجوهريِّ وَلم يُعرَف لَهُ مُفْرد (مُحَمَّد) قَالَ ابْن القيّم: هُوَ عَلَمٌ وصِفة، اجْتمعَا فِي حَقِّه
، وعلَم مَحْضٌ فِي حقّ من تَسمَّى بِهِ غَيره، وَهَذَا شأْنُ أسمائِه تَعَالَى وأسماءِ نَبيّه
، فَهِيَ أعلامٌ دالَّة على معانٍ، هِيَ أوصافُ مَدْحٍ، وَهُوَ أعظم أَسْمَائِهِ
وَأَشْرَفهَا وأشهرها، لإنبائه عَن كَمَال ذَاته، فَهُوَ المحمودُ مرَّةً بعد مرَّةٍ، عِنْد الله وَعند الملائِكة، وَعند الْجِنّ وَالْإِنْس، وَأهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وأُمتُه الحمَّادُون وبيدِه لواءُ الْحَمد، وَيقوم المقامَ المحمودَ يومَ الْقِيَامَة، فيحمَدُه فِيهِ الأوَّلون والآخِرُون، فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامُ الحائزُ لمعاني الحمدِ مُطلقًا. وَقد ألَّف فِي هَذَا الاسمِ المبارَك وبيانِ أسرارِه وأنوارِه شيخُ مشايِخنا الإِمَام شَرَفُ الدِّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الخليليّ الشافعيّ نزيلُ بيتِ الْقُدس كُرَّاسةً لَطيفةً، فراجِعْها (خَيْرِ) أَي أَفضَلِ وأَشرفِ (مَنْ حَضَر) أَي شهد (النَّوادِي) أَي الْمجَالِس مُطلقًا، أَو خَاص بمجالس النَّهارِ أَو الْمجْلس مَا داموا مُجْتَمعين فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وأفصحِ) أَي أَكثر فصاحةً من كُلِّ (من رَكِب) أَي علا واستوى (الخَوادي) هِيَ الْإِبِل المُسرِعة فِي السَّيْر، وَيسْتَعْمل فِي الْخَيل أَيْضا، مفردها خادٍ أَو خادِيَة، وَإِنَّمَا خصت الْإِبِل لِأَنَّهَا أَعظمُ مراكِب الْعَرَب وجُلُّ مَكَاسِبها (وأَبلَغِ) اسْم تَفْضِيل من البَلاغة، وَهِي المَلَكةُ، وتقدَّم تَعْرِيفهَا (مَنْ حَلَب) أَي استخرج لَبَن (العَوَادِي) هِيَ الْإِبِل الَّتِي تَرْعَى
(1/54)

الحَمْض، على خلاف بَين المصنّف والجوهريّ، رحمهمَا الله تَعَالَى، كَمَا سيأْتي مُبيَّناً فِي مادَّته. ورُكَّابُ الخوادي وحَلبَةُ العَوَادي هم العربُ، وَالْمعْنَى أَن النبِيَّ
أفصحُ العربِ وأبلَغُهم، وَلِأَنَّهُم هم المشهورون بالاعتناءِ بِالْإِبِلِ رُكوباً وحَلَباً، ونظراً فِي أحوالها، وَفِي مقابلةِ رَكِبَ بحَلَب، والعوادي بالخوادي، ترصيعٌ، وَهُوَ من الْحسن بمكانٍ، وَفِي نُسْخَة جَلب بِالْجِيم بدل حَلب بِمَعْنى سَاقهَا، والحوادي بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ تَحريفٌ وخلافٌ للمنصوصِ المسموع من أَفْوَاه الروَاة الثِّقَات (بَسَقَت) هَذِه الْجُمْلَة الفعلية فِي بَيَان عَظمته وقهْرِه
لجَمِيع مَن عَادَاهُ، وَلِهَذَا فَصَلها عمَّا قبْلها، أَي طَالَتْ (دَوْحَةُ) هِيَ الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي نوعٍ كَانَت (رِسالتِهِ) أَي بعْثَته العامَّة، وَالْإِضَافَة من إِضَافَة المشبّه بِهِ إِلَى المشبّه (فظهرَتْ) أَي غلبَتْ واستوْلَت (شَوْكةَ) هِيَ وَاحِدَة الشَّوْك، مَعْرُوف، أَو السِّلاح أَو الحدَّة أَو شدّة البأْس والنِّكاية على العَدُوِّ (الكَوَادي) جمع كادِيَة وَهِي الأَرْض الصُّلبة الغليظة البطيئةُ النباتِ، وَالْمعْنَى أَن رِسالته
الَّتِي هِيَ كالشجرةِ الْعَظِيمَة فِي كثْرةِ الفروعِ وسَعَة الظِّلّ وثباتِه نَسخَتْ سائرَ الشرائِع الَّتِي لَوْلَا بعثتُه
لما تَطرَّق إِلَيْهَا النسْخ، وَفِي تشبيهها بالأشجار الشائِكة النابِتة فِي الأَرْض الغَليظة الصُّلْبة الَّتِي لَا يَنقلِع مَا فِيهَا إِلَّا بِعُسْر ومَشقَّة، بعد تَشبيهِ رِسالته
بالدَّوْحَة فِي الِارْتفَاع وسَعَة الظِّلّ وَكَثْرَة الْفُرُوع، من اللطافة مَا لَا يَخفى، وَفِي نُسْخَة زِيَادَة شَوْك بعد شَوكة، فَيتَعَيَّن حِينَئِذٍ حملُ الْأَخير على أحَدِ مَعَانِيهَا الْمَذْكُورَة مَا عدا الأول، وَفِي أُخرى شَرَك، بالراء بدل الْوَاو، بِفتْحَتَيْنِ، وَضَبطه بَعضهم بِكَسْر الشين، بِمَعْنَاهُ الْمَشْهُور، والكوادي حِينَئِذٍ عبارَة عَن الكَفَرة، وَإِنَّمَا عبَّر عَنْهُم بِالشَّوْكَةِ، لِكَثْرَة مَا فِي الشوك من الْأَذَى والتأْليم وقِلَّة النَّفْع وعَدمِ الجَدْوَى، وبالكَوَادي لعدم الثَّمَرِ، وَلعدم النُّموِّ، وَالْمرَاد أَن النبيّ
(1/55)

غالِبٌ عَلَيْهِم بقُوَّته، وقاهِرُهم بحِلمه، ومُستوْل عَلَيْهِم (واستأْسَدَتْ) أَي طالَت وبَلغَتْ، يُقَال: رَوْضٌ مُستأْسِدٌ، وسيأْتي بيانُه (رِياض نُبُوَّتِه) بِالضَّمِّ، أَي نَباتُها، جمع رَوْضةٍ، هِيَ مستنقَعُ المَاء فِي الرَّمل والعُشْب، أَو الأَرْض ذَات الخُضرة والبُستان الحَسَن (فَعَيَّتْ) أَي أعجزَتْ (فِي المآسد) جمع مَأسَدة هِيَ الغَابة (اللُّيُوثَ) الْأسود (العوادِي) الَّتِي لاستيحاشها وجراءتها تَعْدُو على الخَلْق وتؤذيهم، وَمن قَوْله بَسقت إِلَى هُنَا هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة المكيّة، وَفِي نُسْخَة فغيَّبت بدل عَيَّت، أَي أَخْفَتْ وَفِي أُخرى فَطَهَّرت، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة، أَي أزالت أوسَاخ الشِّرْك، وَهَذِه النُّسْخَة الَّتِي نَوَّهْنا بشأْنِها هِيَ نُسْخَة الملكِ الناصِرِ صلاحِ الدّين بن رَسول سُلطانِ الْيمن، بِخَط المحدِّث اللغويّ أبي بكرِ بن يُوسف بن عُثمان الحُميدِيّ المغربيّ، وَعَلَيْهَا خطُّ الْمُؤلف، إِذا قُرِئَت بَين يديهِ فِي مدينةِ زَبِيد، حَماها الله تَعَالَى وسائرَ بِلَاد الْإِسْلَام، قبل وَفاته بِسنتَيْنِ، وَفِي نُسْخَة أُخرى يمنِيَّة " نَبينَا الَّذِي شُعَب دَوْحِ رِسالته طَهَّرت شَوْكَة شَوْكِ الكَوَادي، وَلَا استأْسدت رِياضُ نبوّتِه يحم الذوابل نُضْرَتها إلاّ رَعَتْ فِي المآسد اللَّبون ذَات التعادِي فضلا عَن الذئاب العَوادي فِي إرداء الضوادِي "، وَفِي نُسْخَة أُخرى قديمَة: " استأْسدت " من غير " لَا " النافية، وَنجم بدل يحمّ، وعثَت بدل إلاّ رعت. وَبَين شَوْكَة والشوك، واستأسدت، والمأسدة، جناسُ اشتقاقِ، والشُّعب هُوَ طَرفُ الغُصن، ويحم بالتحتانية مَحْذُوف الآخر، والذوابل جمع ذابل، الرمْح الرَّقِيق، ونُضرتها خُضرتها وحُسْن بهجتها، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الرياض، ورَعَت: تناولت الكلأَ، واللَّبون: الشَّاة ذَات اللَّبن، وَمِنْه الحديثَ " يَا أَبَا الهَيْثَمِ إيَّاكَ واللَّبُونَ، اذبَحْ عَنَاقًا " أَخرجه الْحَاكِم، والتَّعادي: التحامي أَو الْإِسْرَاع. والإرداء: الإهلاك. والضَّوادي: جمع ضادي بِمَعْنى الضدّ، بإبدال المضعَّف. والنجْمُ من النَّبَات مَا كَانَ على غير ساقٍ. وعَثَت، أَي أفسدت. قَالَ شَيخنَا: وَنبهَ ابْن
(1/56)

الشّحْنَة والقرافي وَغَيرهمَا أَن نُسْخَة المؤلّف الَّتِي بِخَطِّهِ لَيْسَ فِيهَا شَيْء من هَذِه، وَإِنَّمَا فِيهَا بعد قَوله حَلَب العوادي
وَمثله فِي نُسْخَة نقيب الْأَشْرَاف السَّيِّد مُحَمَّد ابْن كَمَال الدّين الحُسيني الدِّمشقي، الَّتِي صححها على أُصول المشرف، وَالْمرَاد من الصَّلَاة عَلَيْهِ
، زيادةُ التشريف والتعظيم، والتسليمُ والسلامُ: التَّحِيَّة والأمان (وعَلى آله) هم أقاربُه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم فَقَط، أَو والمطَّلب، أَو أَتْبَاعه وَعِيَاله، أوكُلّ تقيٍّ، كَمَا ورد فِي الحَدِيث، وَأما الْكَلَام على اشتقاقه وَأَن أصلَه أهلٌ كَمَا يَقُول سِيبويه، أَو أوّل كَمَا يَقُول الكسائيُّ، والاحتجاج لكل من الْقَوْلَيْنِ، وترجيح الرَّاجِح مِنْهُمَا، وَغير ذَلِك من الأبحاث الْمُتَعَلّقَة بذلك، فأَمرٌ كفَتْ شُهرته مُؤْنَة ذكره (وأصحابِه) جمع صَاحِب كناصِر وأنصار، وَهُوَ مَن اجْتمع بالنبيّ
مُؤْمِناً بِهِ وَمَات على ذَلِك (نُجومِ) جمع نجْم وَهُوَ الْكَوْكَب (الدَّآدِى) جمع دَأْدَاءٍ بِالدَّال والهمزة، وسُهِّل فِي كَلَام الْمُؤلف تَخْفِيفًا وَهِي اللَّيَالِي الْمظْلمَة جدًّا، وَمِنْهُم مَن عَيَّنها فِي آخر الشَّهْر، وسيأْتي الْخلاف فِي مادَّته (بُدُورِ) جمع بَدْرٍ هُوَ القمَر عِنْد الْكَمَال (القَوَادي) بِالْقَافِ فِي سَائِر النّسخ، جمع قادِية، من قَدِيَ بِهِ كَرَضِي إِذا استَنَّ واتَّبَع القُدْوَة، أَو مصدر بِمَعْنى الِاقْتِدَاء، كالعافية والعاقِبة، وَيجوز أَن يكون جمع قُدْوَة وَلَو شذوذاً بِمَعْنى المُقتدَى بِهِ، أَو الِاقْتِدَاء، قَالَه شَيخنَا، وَالْمعْنَى أَي النُّجُوم المضيئة الَّتِي بهَا يهتدِي الحائرُ فِي اللَّيْل البهيم، وَهِي صِفة للآلِ. وبُدور: الْجَمَاعَات الَّتِي يُقتدى بأنوارهم، وأضوائهم، وَهِي صِفةٌ للأصحاب، وَالْمرَاد أَن الضالَّ يهتدِي بهم فِي ظلمات الضلالات، كَمَا يَهْتَدِي المسافرُ بالنجوم فِي ظلمات البرِّ وَالْبَحْر، للطريقِ الموَصِّلة إِلَى القَصْد، وَمِنْه قَوْلُ كثيرٍ من العارفين فِي استعمالاتهم: وعَلى آلِهِ نُجومِ الاهتداءِ وبُدُورِ الِاقْتِدَاء. وَقَالَ شَيخنَا: وَبِهَذَا ظَهَر
(1/57)

سُقوط مَا قَالَه بعضُهم من التوجيهات الْبَعِيدَة عَن مُراد المُصَنّف، وَالظَّاهِر أَن النُّجُوم صفة للصَّحَابة، للتلميح بِحَدِيث " أَصْحابي كالنُّجُوم " فَيَرِدُ سُؤالٌ: لم وَصَف الصحابةَ دُون الْآل؟ فيُجابُ بِجَوَاز كونِه حَذف صِفة الآلِ لِدَلالة صفة الصَّحْب عَلَيْهَا، وَالسُّؤَال من أَصله فِي مَعرِض السُّقُوط، لِأَنَّهُ ورَد فِي صفة الْآل أَيْضا بأَنهم نجومٌ فِي غيرِ مَا حديثٍ، وَأَيْضًا فَفِي الْآل مِنْ هُوَ صحابيٌّ، فَالصَّحِيح على مَا قدّمنا أَن كُلاًّ مِنْهُمَا لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب فالاهتداء بالآل، والاقتداء بالصحابة، وَإِن كَانَتَا تصلحانِ لكلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي نُسْخَة التوادي، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الفوقيّة بدل الْقَاف، وَهُوَ غلط مخالفٌ للدِّراية والرِّواية، لِأَنَّهُ جمْعُ تأْديةٍ، وتأْديةُ الحقِّ: قَضَاؤُهُ، وتأْدية الصَّلَاة: قَضاؤها فِي أول وقْتِها، وَلَا معنى لبُدور الْأَقْضِيَة، وَفِي رِواية أشياخنا بِالْقَافِ لَا غير، كَمَا قدّمنا، قَالَ شَيخنَا: وأعجب من هَذَا من جعل القَوادي جمْع قائِدِ، وَفَسرهُ بكلامِ المُصَنّف: الْقَائِد الأّول مِن بَنَات نَعْش الصُّغرى الَّذِي هُوَ آخرهَا، وَالثَّانِي عَنَاق، وَإِلَى جَانِبه قائدٌ صَغِير، وثانيه عَناق، وَإِلَى جَانِبه الصَّيْدَق، وَهُوَ السُّها، وَالثَّالِث الحَوَر فَإِنَّهُ لَا معنى لبدُور الْأَوَائِل من بَنَات نعش، مَعَ كَون المُفرَد مُعتلَّ العينِ، وَالْجمع مُعْتَلّ اللَّام، وَهَذَا لَعمري وأمثالُه احتمالاتٌ بعيدةٌ يمجُّها الطبعُ السَّلِيم، وَلَا يقبلهَا الذِّهْن الْمُسْتَقيم (مَا نَاحَ) أَي سجع وهَدَر (الحمامُ) طيرٌ مَعْرُوف (الشّادِي) مِن شَدَا يَشدُو إِذا ترنَّم وغَنَّى، فالنَّوْح هُنَا لَيْسَ على حَقِيقته الْأَصْلِيَّة الَّتِي هِيَ: الْبكاء والحزن، كَمَا سَيَأْتِي، وَالصَّحِيح أَن إِطْلَاق كلّ مِنْهُمَا باختلافِ الْقَائِلين، فَمن صادفَته أَسجاعُ الحمامِ فِي سَاعَة أُنسه مَع حَبِيبه فِي زمن وصاله وغَيْبَةِ رقيبه سَمَّاهُ سَجْعاً وترنُّماً، وَمن بضِدِّه سَمَّاهُ نَوْحاً وبكاءً وتغريدًا (وساح) أَي ذهب وتردّد فِي الفَلَوات (النعام) طَائِر مَعْرُوف (القادِي) أَي المسرع، من قَدَى
(1/58)

كَرَمَى قَدَياناً، محرَّكة، إِذا أسْرع (وَصَاح) من الصِّياح، وَهُوَ رَفْعُ الصوتِ إِلَى الغَايَة (بالأنغام) جمع نَغَم محرّكة، وَهُوَ تَرجيع الغِناءِ وَتَرْدِيده (الْحَادِي) من حَدَا الْإِبِل، كدعا، يَحْدُوها، إِذا سَاقهَا وغَنَّى لَهَا ليحْصُل لَهَا نَشاطٌ وارتياح فِي السَّيْرِ، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الجُمل طُولُ الْأَبَد الَّذِي لَا نِهاية لَهُ، لأنَّ الكَوْنَ لَا يَخْلُو عَن تَسجيع الْحمام، وتردُّد النعامِ، وسَوْق الْحَادِي إبِله بالأَنغام، ثمَّ إِن فِي مُقَابلَة ناح بساح وَصَاح، وَالْحمام بالنعام والأنغام، تَرصيعٌ بَدِيع ومُجانسة، وَفِي القوافي الدَّالِيَّة تسميط (ورشَفَت) مَصَّت (الطُّفاوةُ) بِالضَّمِّ دَارَة الشمسِ أَو الشَّمْس نفسُها، وَهُوَ الْمُنَاسب فِي الْمقَام، وَمِنْهُم من زَاد بعد دَارة الشمسِ وَدارة القَمر، وَمِنْهُم من اقْتصر على الْأَخير، وَكِلَاهُمَا تكلُّف، وَقيل بل الطُّفاوة أيَّام بَرْدِ العَجوز، وَقد نُسِب للْمُصَنف، وَلَا أَصْل لَهُ، أَو أَيَّام الرَّبيع، كَمَا للجوهريّ، وَهُوَ خطأٌ فِي النَّقْل، فَحِينَئِذٍ يكون إِسْنَاد الرَّشف لأيام الْعَجُوز بمناسبة أَن بُدوَّ الأزهار فِي أَوَاخِر الشتَاء، وَهِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَهَذَا مَعَ صِحَة هَذِه الْمُنَاسبَة لَيْسَ خَالِيا عَن التَّكَلُّف، قَالَه شَيخنَا (رُضَاب) بالضمّ الرِّيق، المَرشوف، وَيُطلق على قِطَعِ الرِّيق فِي الفمٍ وفٌ تات المِسك وقِطَع الثَّلج والسُكَّر ولُعَاب العَسل ورغْوَتُه وَمَا تقطَّع من النَّدى على الشّجر، وَالْمرَاد هُنَا الْمَعْنى الأوّل، وزعمِ بَعضهم الْمَعْنى الْأَخير (الطَّلِّ) هُوَ الندَى أَو فَوْقه وَدون الْمَطَر، وَيُطلق على الْمَطَر الضَّعِيف، وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا، وَإِضَافَة الرُّضاب إِلَيْهِ من قَبِيل إِضَافَة المشبَّه بِهِ إِلَى المشبَّه، أَي الطل الَّذِي فِي الأزهار بَين الْأَشْجَار، كالرضاب فِي فَم الأحباب، كَقَوْلِه.
(والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وَقد جَرَى ... ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ الماءِ)

أَي مَاء كاللُّجَين، وَمن قَالَ إِن الْإِضَافَة بيانِيَّة فقد أَخطَأ، وَكَذَا من فسَّر الرضابَ بالسَّحِّ، والطلّ بأخفِّ المَطر، فَكَأَنَّهُ أجَاز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه مَعَ فَسَاد الْمَعْنى، على أَن السحَّ إِنَّمَا هُوَ من مَعَاني الرَّاضِبة دون الرُّضاب،
(1/59)

كَمَا سَيَأْتِي فِي محلّه (من كُظَام) متعلّق برشفت، وَهُوَ بِالضَّمِّ جمع كَظَمٍ مُحرَّكة وَهُوَ الحَلْق أَو الْفَم. وَفِي الْأَرْبَعين الودعانية: فبادِرُوا فِي مُهَل الأنفاس، وحْدَة الإخلاس، قبل أَن يُؤخَذ بالكَظَم. وَمِنْهُم من فسروه بأفواهِ الْوَادي والآبارِ المتقارب بعضُهَا بَعْضًا، وَقيل: الكِظامة: فَمُ الْوَادي الَّذِي يخرج مِنْهُ المَاء وَلَيْسَ فِي الكلامِ مَا يدلُّ على الأودية والآبار وَلَا بتقارب بَعْضهَا بَعْضًا، كَمَا فسّروه، لَا حَقِيقَة، وَلَا مجَازًا، وَلَا رمزًا، وَلَا كِنَايَة، وَفِي بعض الشُّرُوح كِظَام الشَّيْء: مبدؤُه، وَالصَّحِيح مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (الجُلِّ) بِالضَّمِّ، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخه شَيخنَا الإِمَام رضيّ الدّين المِزجاجي، قيل: مَعْنَاهُ مُعظَم الشَّيْء، وَقيل: هُوَ بالفتحِ، وفسّره بالياسمين والورد أبيضِه وأحمرِه وأصفره، والواحدة بهاء، أما الْمَعْنى الأوّل فَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا قطعا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُذكَر إِلَّا مُضَافا، لفظا أَو تَقْديرا، ككلّ وَبَعض، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك، وَأما رِوَايَة الْفَتْح فَهِيَ أَيْضا غير صَحِيحَة، وَقد باحَثَني فِي ذَلِك شيخُنا الإِمَام الْمَذْكُور، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، حِين وصلتُ إِلَى هَذَا المحلّ عِنْد الْقِرَاءَة بِحَضْرَة شَيخنَا السَّيد سُلَيْمَان الأهدل وَغَيره، فَقلت: الَّذِي يُعْطِيهِ مَقام اللفظِ أَن اللَّفْظَة مُعَرّبة عَن الفارسيّة، وَمَعْنَاهُ عِنْدهم الزّهر مُطلقًا، من أَي شجرٍ كَانَ، وَيصرف غَالِبا فِي الْإِطْلَاق عِنْدهم إِلَى هَذَا الورْد الْمَعْرُوف، بأنواعه الثَّلَاثَة: الْأَحْمَر والأبيض والأصفر، فأُعجِبا بِمَا قرَّرْت وأقَرّاه (والجَادِي) قالى قاضى كَجرات: هُوَ طَالب المَطَر، عطف على الطفاوة، أَي وَمَا أَخذ الجادى المَاء من السَّحَاب، وَقيل: هُوَ الْخمر، عطف على رُضاب، وَلَا يخفى أَن فِيمَا ذكر من الْمَعْنيين تكلُّفاً، وَالصَّحِيح أَنه نوع من الزَّهرِ كالنرجس والياسمين، وَهُوَ الْمُنَاسب، وَمن قَالَ: إِنَّه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أخطأَ، فَإِن الجلّ إِنَّمَا يُطلقُ على الياسمين والورد
(1/60)

فَقَط، كَمَا قدّمنا، ثمَّ إِن الَّذِي تقدم آنِفا مَقْرُونا بالعبْهر فَمَعْنَاه الزَّعْفَرَان لَا غير، فَلَا يكون إِعَادَته هُنَا لإيضاحٍ أَو غير ذَلِك، كَمَا وهِم فِيهِ بعضُ الشرَّاح، لاخْتِلَاف الْمَعْنيين، قَالَ شيخُنا: وَفِي رشفْتُ الِاسْتِعَارَة بالتبعيَّة، لوُجُود الْفِعْل وَهُوَ مُشْتَقّ، وَيجوز أَن يكون بِالْكِنَايَةِ، كأَنشَبت المنيَّةُ أظفارَها، وَأَن يكون اسْتِعَارَة تصريحيّة، فَإِذا اتَّضَح ذَلِك عرفت أَن الرُّضاب الَّذِي هُوَ الرِّيق شُبِّه بِهِ الطلّ، وَالشَّمْس الَّذِي هُوَ معنى الطفاوة شُبِّه بشخصٍ مرتشِف لذَلِك الرِّيق، وجَعَل لَهُ أَفواهاً وثغوراً هِيَ كِظام الجلِّ والجادي هما الْورْد والنرْجس والياسمين، وَإِن كَانَ تشبيهها بالأقاحِ أكثَر دوراناً، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(بَاكِرْ إلَى اللَّذَّاتِ وارْكَبْ لَهَا ... سَوَابِقَ الخَيْلِ ذَوَاتِ المِرَاحْ)

(مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْشفَ شَمْسُ الضُحَى ... رِيقَ الغَوَادي مِن ثُغورِ الأقَاحْ)

(وبَعْدُ) كلمة يُفصَل بهَا بَين الكلامَينِ عِنْد إِرَادَة الِانْتِقَال من كَلَام إِلَى غَيره، وَهِي من الظروف، قيل: زمانيّة، وَقيل: مكانِيَّة، وعامله محذوفٌ، قَالَه الدَّماميني، وَالتَّقْدِير، أَي وَأَقُول بعد مَا تقدَّم من الْحَمد لله تَعَالَى وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه مُحَمَّد
(فإنّ) بِالْفَاءِ، إِمَّا على تَوهُّم أمّا، أَو على تقديرِها فِي نظْمِ الْكَلَام، وَقيل: إِنَّهَا لإجراء الظّرْف مُجْرَى الشرْط، وَقيل: إِنَّهَا عاطفة، وَقيل زَائِدَة (للْعلم) أَي بأنواعِه وفُروعه (رِيَاضاً) جمع رَوْضة أَو رَيْضة، وَقد تقدم شَيْء من مَعْنَاهَا، وَيَأْتِي فِي مادته مَا هُوَ أَكثر (وحِيَاضا) جمع حَوْض، وَهُوَ مُجتَمع المَاء (وخَمائِلَ) جمع خَمِيلة وَهِي من الأَرْض المكرِمة للنَّبات، والرمْلة الَّتِي تُنبت الشّجر، وَقَالُوا هِيَ الشّجر الملتفّ، والموضع الكثيرُ الشجرِ (وغِيَاضا) جمع غَيْضة، وَهِي الغَابَة الجامعة للأشجار فِي حَضيض المَاء، وَفِي الفقرات الثَّلَاث لُزُوم مَا لَا يلْزم (وطَرائقَ) جمع طَرِيقة، والطَّرِيق يُجمع على طُرُقٍ (وشِعَابا) جمع
(1/61)

شِعْب بِكَسْر فَسُكُون، وَهُوَ الطَّرِيق الصَّيق بَين الجَبلينِ (وشَوَاهِق) جمع شاهِق وَهُوَ المرتفِع من الْجبَال (وهِضَابا) جمع هَضْبة بِفَتْح فَسُكُون، وَهِي الجَبل المنبَسط على وَجْهِ الأرضِ أَو المستطيل (يَتفرَّعُ) يَنْشأُ ويَخْرج ويتهيَّأُ (عَن كل أَصْلٍ) هُوَ مَبدَأُ الشيءِ من أسفَلِه (مِنْهُ) أَي مِن جِنس الْعلم (أفنانٌ) جمع فَنَنٍ محرّكة هُوَ الْغُصْن (وفُنون) جمع فَنٍّ بِالْفَتْح، وَهُوَ الْحَال والضرْب من الشَّيْء، وَفِيهِمَا جِناس الِاشْتِقَاق، وجعلُه عَطْفَ تفسيرٍ قصدا للْمُبَالَغَة سهوٌ عَن موارد اللُّغَة (وينشقُّ) انفعال من الشقِّ وَهُوَ الصَّدْع (عَن كلّ دَوْحةٍ مِنْهُ) مَرَّ أَنَّهَا الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي نوع كَانَت (خِيطَانٌ) جمع خُوط بِالضَّمِّ، وَهُوَ الْغُصْن الناعم (وغُصون) جمع غُصْنٍ بِضَم فَسُكُون، وَقد تضم اتبَاعا أَو لُغَة، هُو مَا يَنْشعب عَن ساقِ الشَّجَرَة من دِقاق القُضْبان وغِلاظها، فَهُوَ من عطف العامِّ على الخاصّ، وَفِي بعض الْحَوَاشِي حِيطان بِالْحَاء الْمُهْملَة، جمع حَائِط، وَهُوَ الْبُسْتَان، وَفِيه تكلُّفٌ ومُخالَفة للسَّماع (وَإِن عِلْمَ اللُّغةِ) هُوَ معرفَة أفرادِ الكَلِم وَكَيْفِيَّة أوضاعها (هُوَ الكافِلُ) القائِمُ لَا غيرُه لِشِدَّة توقُّفِ الْمعَانِي على بَيَان الْأَلْفَاظ (بإحرازِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة من أَحرَزَ الأمرَ إذَا حَازَه، وَهُوَ الإحراس، كَذَا فِي النُّسْخَة الرَّسُولية، وَفِي نُسْخَة بإبراز وَمَعْنَاهُ الْإِخْرَاج والإظهار (أسرار) جمع سِرّ، وَهُوَ الشَّيْء المكتوم الخفيّ (الْجَمِيع) أَنْوَاع الْعُلُوم المتفرعة (الحافِلَ) بِلَا وَاو، وَفِي نُسْخَة بهَا، أَي الْجَامِع الممتلئ، وضَرْع حافل: ممتلئ لَبَنًا، وشِعْبُ حافل: كثُر سَيْله حَتَّى امْتَلَأَ جوانبُه (بِمَا يتَضَلَّعُ) قَالَ ثَعْلَب: تضلَّعَ: امْتَلَأَ مَا بَين أضلاعه (مِنْهُ القاحِلُ) وَهُوَ الَّذِي يَبِس جِلْدُه على عَظْمِه، وَقد قَحلَ كمَنع وعَلِم وعُنِيَ، وَالْمرَاد هُنَا الضَّعيف، أَو الشَّيْخ المُسِنّ (والكاهِلُ) القوِيّ، وَقيل: هُوَ لُغَة فِي الكَهْلِ فيقابل المَعنى السِّياقِيَّ (والناقعُ) هُوَ الْغُلَام المترعْرِع، وَفِي نُسْخَة اليافع، بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة، وَهُوَ المُراهق الَّذِي قاربَ البُلوغ (والرَّضِيع)
(1/62)

هُوَ الصَّغِير الَّذِي يَرضع أُمَّه، وَالْمعْنَى أَن كلّ من يتعاطَى العلومَ من الشُّيُوخ والمتوسِّطين والمبتدِئِين، أَو كلُّ، من من الأقوياء والضعفاء والصِّغار والكبار، فَإِن علم اللُّغَة هُوَ المتكفِّل بِإِظْهَار الْأَسْرَار، وإبراز الخفايا، لافتقارِ الْعُلُوم كلِّها إِلَيْهِ، لتوقف المرَكّبَات على الْمُفْردَات لَا محَالة، وَفِي الْفقر صناعةٌ أدبيَّةٌ وحُسْن الْمُقَابلَة (وَإِن بَيان الشَّريعةِ) فَعِيلة بِمَعْنى مَفعولة هِيَ مَا شرع اللهُ لِعِبَادِهِ كالشَّرْع بِالْفَتْح، وحقيقتها وَضْع مَا يتعَرَّف مِنْهُ العبادُ أحكامَ عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ صَلاحُهم (لَمّا كَانَ مَصْدَرُه) الضَّمِير يرجع للْبَيَان، أَو إِلَى الشَّرِيعَة لتأويلها بالشرْع، والمصدر مَفْعَل من الصُّدور وَهُوَ الْإِتْيَان (عَن لِسان الْعَرَب) كَذَا فِي نُسْخَة الشّرف الْأَحْمَر، وَفِي أُخرى " على " بدل " عَن " عَلَى أَن الصُّدور بِمَعْنى الِانْصِرَاف عَن الوِرْد، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَقد يكون الصُّدور بِمَعْنى الرُّجوع عَن المَاء، وَحِينَئِذٍ يتعدَّى بإلى، وَاللِّسَان هُوَ اللُّغَة أَو الجارِحة، والعرَب - على مَا حقَّق النَّاصِر اللقائيُّ فِي حَوَاشِي التصريف - هم خِلاف الْعَجم، سَوَاء سكنوا البوادِيَ أَو القُرَى، والأعراب سُكان البَوادِيَ، سَوَاء تكلَّموا بالعربيَّة أَولا، فبينهما عمومٌ وخُصوص من وَجْهٍ، فَلَيْسَ الثَّانِي جمعا للْأولِ، انْتهى. وَفِي الْمُخْتَار: الْعَرَب جِيلٌ من النَّاس، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عربٌّ ي، وهم أَهُل الْأَمْصَار، والأعرابُ هم سُكَّان البَوادِي خاصَّةً، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم أعرابيٌّ فَهُوَ اسْم جنس، انْتهى، وَسَيَأْتِي لذَلِك مزيدُ إِيضَاح فِي مادته، وَهُنَاكَ كلامٌ لشَيْخِنَا وَغَيره، وَالْجَوَاب عَن إيراداته، قلت: وَمن هُنَا سَمَّى ابنُ منظورٍ كتابَه لِسانَ الْعَرَب، لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لبيانِ لُغاتِهم، لَا على سَبِيل الْحصْر بل بِمَا صحَّ عندَه (وَكَانَ العَملُ) هُوَ الفِعل الصَّادِر بالقصْد، وغالبُ اسْتِعْمَاله فِي أَفعَال الْجَوَارِح الظَّاهِرَة (بمُوجبه) الضَّمِير للْبَيَان أَو الشَّرِيعَة حَسْبَمَا تقدم، وَالْعَمَل بِالْمُوجبِ
(1/63)

هُوَ الْأَخْذ بِمَا أوجبه، وَله حُدُود وشروط، فَرَاجعه فِي كتاب الشُّرُوط (لَا يصِحُّ) أَي لَا يكون صَحِيحا (إِلَّا بإِحكام) أَي تَهْذِيب وإتقان (العِلْم بمقدِّمته) أَي مَعْرفَتهَا، وَالْمرَاد بالمقدمة هُنَا مَا يتقدَّم قبل الشُّرُوع فِي الْعلم أَو الْكتاب (وَجَبَ) أَي لزم وَهُوَ جَوَاب لمَّا (على رُوَّام العِلم) أَي طالبيه الباحثين عَنهُ (وطُلاَّب) كُروَّام وَزْنًا ومَعْنًى (الْأَثر) علم الحَدِيث فَهُوَ من عطف الخاصّ على العامّ، وَفِي بعض النّسخ وطلاَّب الْأَدَب، والأُولى هِيَ الثَّابِتَة فِي النّسخ الصَّحِيحَة، وَاخْتلف فِي معنى الْأَثر، فَقيل: هُوَ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف، وَقيل: الْأَثر. هُوَ الْمَوْقُوف، وَالْخَبَر: هُوَ الْمَرْفُوع، كَمَا حَقَّقَهُ أهلُ الأُصول، وَلَكِن المناسِب هُنَا هُوَ الْمَعْنى الشَّامِل لِلْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوف، كَمَا لَا يخفى، لِأَن المحلَّ محلُّ الْعُمُوم. وَالْمعْنَى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا بأُصولها وفروعها، لما كَانَت متوقِّفة على عِلم اللُّغَة توقُّفًا كُلِّيّا محتاجة إِلَيْهِ، وَجب على كلّ طَالب لأيّ عِلم كَانَ سَوَاء الشَّرِيعَة أَو غَيرهَا الاعتناءُ بِهِ، وَالْقِيَام بِشَأْنِهِ، والاهتمام فِيمَا يُوصل إِلَى ذَلِك، وَإِنَّمَا خصَّ علم الْأَثر دون غَيره مَعَ احْتِيَاج الْكل إِلَيْهِ لشرفه وَشرف طالبيه، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة: وَجب على كلِّ طَالب علمٍ سِيمَا طَالب علم الْآدَاب، الَّتِي مِنْهَا النَّحْو والتصريف وصنعة الشّعْر وأخبار الْعَرَب وأنسابهم، مزيدُ الاعتناء بِمَعْرِِفَة علْم اللُّغَة، لِأَن مُفاد الْعُلُوم الأدبية غَالِبا فِي تَرْصِيع الْأَلْفَاظ البديعة المستملَحة، وبعضُها الحُوشِيّة، وَتلك لَا تعرف إلاّ بهَا، كَمَا هُوَ ظَاهر (أَن يَجعلوا) أَي يصيروا (عُظْم) بِضَم الْعين الْمُهْملَة، كَذَا فِي نُسْخَة شَيخنَا سيّدي عبد الْخَالِق، وَفِي أُخرى مُعظم بِزِيَادَة الْمِيم وَفِي بَعْضهَا أعظم بِزِيَادَة الْألف (اجتهادهِم واعتمادِهم) أَي استنادهم (وَأَن يَصْرِفوا) أَي يُوجِّهوا (جُلَّ) كجُلال، لَا يُذْكران إِلَّا مُضَافا وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (عِنايتهم) أَي اهتمامهم (فِي ارْتيادهم) أَي فِي طَلَبهمْ، من ارتاد ارتيادًا، مجرَّدُه رَادَ الشيءَ يَروده رَوْدًا وَيسْتَعْمل بِمَعْنى الذّهاب والمجيءِ وَهُوَ الْأَنْسَب للمقام (إِلَى عِلم اللُّغَة) وَقد يُقَال إِن علم اللُّغَة من جملَة
(1/64)

عُلُوم الْأَدَب، كَمَا نَص عَلَيْهِ شَيخنَا طَابَ ثراه، نقلا عَن ابْن الأنصاريّ، فيَلزم حِينَئِذٍ احتياجُ الشَّيْء إِلَى نَفسه وتوقُّفه عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب ظاهرٌ بِأَدْنَى تأمُّل (والمعرِفة) هِيَ عبارَة عَمَّا يحصل بعد الجهلِ، بِخِلَاف الْعلم (بِوُجوهها) جمع وَجْه، وَهُوَ من الْكَلَام الطريقُ الْمَقْصُود مِنْهُ (والوُقوف) أَي الِاطِّلَاع (على مُثُلها) بِضَمَّتَيْنِ جمع مِثال، وَهُوَ صِفة الشَّيْء ومِقداره (ورُسُومها) جمع رَسْم بِالْفَتْح وَهُوَ الْأَثر والعلامة، ثمَّ إِن الضمائر كلهَا رَاجِعَة إِلَى اللُّغَة، مَا عدا الْأَخيرينِ، فَإِنَّهُ يحْتَمل عودُهما إِلَى الْوُجُوه، وَفِي التَّعْبِير بالمُثل والرُّسوم مَا لَا يخفى على الماهر من الْإِشَارَة إِلَى دُرُوسِ هَذَا العِلم وذَهابِ أَهله وأُصولِه، وَإِنَّمَا البارَع من يقف على الْمثل والرسوم (وَقد عُنِي) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فِي اللُّغَة الفصيحة، وَعَلَيْهَا اقْتصر ثعلبٌ فِي الفصيح، وَحكى صاحبُ اليواقيت الفَتحَ أَيْضا أَي اهتم (بِهِ) أَي بِهَذَا الْعلم (مِنَ السَّلَف) هم العلماءُ المتقدمون فِي الصدْر الأوّل من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم (والخَلف) المتأخِّرون عَنْهُم والقائمون مَقامهم فِي النّظر وَالِاجْتِهَاد (فِي كُلِّ عَصْرٍ) أَي دهرٍ وزَمانٍ (عِصَابَة) الْجَمَاعَة من الرّجال مَا بَين العَشرة إِلَى الْأَرْبَعين، كَذَا فِي لِسَان الْعَرَب، وَفِي شمس الْعُلُوم: الْجَمَاعَة من الناسِ والخيلِ والطيرِ، والأنسب مَا قَالَه الْأَخْفَش: العُصْبة والعصابة الْجَمَاعَة لَيْسَ لَهُم واحدٌ (هُمْ أهلُ الْإِصَابَة) أَي الصَّواب أَي هم مستحقُّون: لَهُ ومستوجبون لحيازته، وَفِي الفقرتين لُزومُ مَا لَا يلْزم، وَذَلِكَ لأَنهم (أحْرَزوا) أَي حازوا (دَقَائِقَه) أَي غوامِضه اللطيفة (وأَبْرَزُوا) أَي أظهرُوا وَاسْتَخْرَجُوا بأفكارهم (حَقائقه) أَي مَا هِيَّاته الْمَوْجُودَة، وَفِي القوافي الترصيع وَلُزُوم مَا لَا يلْزم (وعَمَرُوا) مخفَّفا، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخنا (دِمَنَه) جمع دِمْنة، وَهِي آثَار الدّيار وَالنَّاس (وفَرَعوا) بِالْفَاءِ كَذَا هُوَ مضبوطٌ، أَي صعدوا وعَلَوْا، وَفِي بعض النّسخ بِالْقَافِ وَهُوَ غلط (قُننه) جمع قُنَّة بِالضَّمِّ وَهِي أعلَى الْجَبَل (وقَنَصوا) أَي اصطادوا
(1/65)

(شَوَارِدَه) جمع شاردة أَو شارد، من الشرود: النفور، وَيسْتَعْمل فِيمَا يُقَابل الفصيح (ونَظَمُوا) أَي ضمُّوا وجمعوا (قَلائدَه) جمع قِلادة، وَهِي مَا يُجعَل فِي العُنق من الحلى والجواهر (وأَرْهَفُوا) أَي رَقَّقوا ولَطَّفوا (مَخَاذِم) جمع مِخْذم كمِنْبر: السيفُ القاطِع (البَرَاعة) مصدر بَرَع إِذا فاقَ أَصْحَابه فِي الْعلم وَغَيره، وتمّ فِي كل فَضِيلَة (وأَرْعَفوا) أَي أَسَالوا دم (مَخاطِمَ) جمع مخْطم كَمِنْبر وَكمَجْلس: الْأنف (اليَرَاعة) أَي قَصبة الكِتابة، أَي أَجْروْا دمَ أَنفِ القَلَم، وَيُقَال رَعَفت الأقلامُ إِذا تقاطر مِدادُها. وَفِي القوافي الترصيع، وَبَين أرهفوا وأرعفوا جناسٌ مُلْحق، وَفِي البراعة واليراعة الجناس المُصحَّف، وَفِي كلٍّ مَجازاتٌ بليغة واستعاراتٌ بديعة (فألّفوا) أَي جمعُوا الفنَّ مُؤتلِفاً بعْضُه إِلَى بعضٍ (وأفادُوا) أَي بَذَلوا الفائدَة (وصَنَّفُوا) أَي جَمعوا أَصْنَاف الفنِّ مميّزة مُوضّحة (وأجادُوا) أَي أَتَوا بالجَيِّد دون الرّديء، وَفِي الألفاظِ الْأَرْبَعَة الترصيعُ والجناس اللَّاحِق (وبَلَغوا) أَي انتَهوْا ووَصَلُوا (مِن المقاصِد) جمع مَقْصَد كمقْعَد أَي الْمُهِمَّات المَقصودة (قَاصِيَتها) هِيَ وقُصْواها بِمَعْنى أَبْعدِها ومُنتهاها (وملَكوا) أَي استوْلَوْا (مِن المحاسِن) جمع حُسْن وَهُوَ الْجمال، كالمَساوى جمع سُوء (نَاصِيَتَها) أَي رَأْسَهَا، وَهُوَ كِناية عَن المِلْكِ التامّ والاستيلاء الكُلِّيِّ، وَفِي الْفَقْرَة لُزُوم مَا لَا يلْزم، والجِناس اللَّاحِق (جَزاهُم الله) أَي كافأَهم (رِضْوانَه) أَي أعظم خيرِه وكثيرَ إنعامه، قَالَ شَيخنَا: وَأخرج الترمِذِيُّ والنَّسائيُّ وَابْن حبَان بأسانيدهم إِلَى النَّبِي
قَالَ " مَنْ صُنِعَ، إِلَيْهِ مَعرُوفٌ فَقَالَ لفَاعِله: جَزاك اللهُ خَيراً فقد أَبْلَغ فِي الثَّناء ". قلت: وَقع لنا هَذَا الحَدِيث عَالِيا فِي الجزءِ الثَّانِي من المشيخة الغَيلانِيَّة من طَرِيق أبي الجَوَّاب أَحْوَص بن جوَّاب، حَدثنَا سُعيْر بن الخِمْسِ، حَدثنَا سُليمان
(1/66)

التَّيمي، عَن أبي عُثمان النَّهْدِيّ، عَن أُسامة بن زيدٍ رَضِي الله عَنهُ، فَذكره. وَفِي أُخرى عَنهُ " إِذا قالَ الرجُلُ لِأَخِيهِ: جَزاكَ اللهُ خيرا فقد أبْلَغ " (وأَحَلّهم) أَي أنزلهم (مِن رِيَاض) جمع رَوْضة أَو رَيْضة وَقد تقدم (القُدْس) بِضَم فَسُكُون وَقيل بضمَّتين ورِياض الْقُدس هِيَ حَظيرَتُه، وَهِي الجَنّة، لكَونهَا مُقدَّسة أَي مُطهَّرَة مُنزَّهة عَن الأقذار (مِيطانه) المِيطان كمِيزان موضِعٌ يُهيَّأ لإرسال خَيْلِ السِّباق، فَيكون غَايَة فِي الْمُسَابقَة، أَي وأنزلهم، من محلاَّت الجِنان أَعْلَاهَا، وَمَا تَنتهِي إِلَيْهَا الغاياتُ، بِحَيْثُ لَا يكون وراءَها مَرْمَى أبصارٍ، وَالضَّمِير يعود إِلَى الْقُدس، وَلَو قَالَ رَوْض القُدس كَانَ أجلَّ، كَمَا لَا يَخفى، وَلَكِن الرِّواية مَا قَدَّمنا، وَمِنْهُم من قَالَ إِن مِيطان جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ، وتكلَّف لتصحيح مَعْنَاهُ فَاعْلَم أَنه من التأويلات الْبَعِيدَة الَّتِي لَا يُلتَفت إِلَيْهَا وَلَا يُعوَّل عَلَيْهَا. (هَذَا) هُوَ فِي الأَصْل أَدَاة إِشَارَة للقريب، قُرنت بأداة التَّنْبِيه، وأُتي بِهِ هُنَا للانتقال من أُسلوب إِلَى أُسلوب آخَر، وَيُسمى عِنْد البلغاء فصْل الخِطاب. وَالْمعْنَى خُذْ هَذَا أَو اعتمِدْ هَذَا (وَإِنِّي قد) أَي وَالْحَال أَنِّي قد (نَبَغْت) بالغين الْمُعْجَمَة، كَذَا قرأته على شَيخنَا أَي فقت غَيْرِي (فِي هَذَا الفنّ) أَي اللُّغَة، وَمِنْهُم من قَالَ: أَي ظَهرت، والتفوّق أَوْلى من الظُّهُور، وَفِي النُّسْخَة الرسولية فِي هَذَا الصِّغْو بِالْكَسْرِ، أَي النَّاحِيَة من الْعلم، واستغرَبها شيخُنا واستصوب النُّسْخَة الْمَشْهُورَة، وَهِي سماعُنا على الشُّيُوخ، وَاسْتعْمل الزمخشريُّ هَذِه اللَّفْظَة فِي بعض خطب مؤلّفاته، وَفِي بعض النّسخ نَبعْت بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَعَلَيْهَا شرح القَاضِي عِيسَى بن عبد الرَّحِيم الكجراتي وَغَيره، وتكلَّفوا لمعناه، أَي خرجت من ينبوعه، وَأَنت خبيرٌ بِأَنَّهُ تكلّف مَحّض، ومخالف للروايات، وَقيل: إِن نبَع بالمهملةِ لُغَة فِي نبغ بِالْمُعْجَمَةِ، فَزَالَ الْإِشْكَال (قَدِيما) أَي فِي الزَّمن الأوّل حَتَّى حَصلتْ لَهُ مِنه الثَّمَرَة (وَصَبَغَت) أَي لوَّنت (بِهِ) أَي بِهَذَا الْفَنّ (أَدِيما) أَي الجِلد المدبوغ،
(1/67)

أَي امتزج بِي هَذَا الْفَنّ امتزاجَ الصِّبغ بالمصبوغ (وَلم أَزَلْ) كَذَا الرِّوَايَة عَن الشُّيُوخ، أَي لم أبرَحْ، وَفِي بعض النّسخ لم أَزُلْ، بِضَم الزَّاي، مَعْنَاهُ لم أفارِق، من الزَّوال، وَفِيه تعسُّف ظَاهر (فِي خِدمته مُستدِيما) أَي دَائِما متأنياً فِيهَا. وَفِي الفقرات لُزُوم مَا لَا يلْزم (وكنتُ بُرْهَة) بِالضَّمِّ، وروى الْفَتْح، قَالَ العكبريّ عَن الجوهريّ، هِيَ الْقطعَة من الزَّمَان، وَقَوله (من الدَّهْر) أَي الزَّمن الطَّوِيل، وَيقرب مِنْهُ مَا فسّره الرَّاغِب فِي الْمُفْردَات: إِنَّه فِي الأَصْل اسْم لمُدَّة العالَم من ابْتِدَاء وجوده إِلَى انقضائه، وَمِنْهُم من فسَّر البُرهة بِمَا صدَّر بِهِ المُصَنّف فِي المادَّة، وَهُوَ الزَّمن الطَّوِيل، ثمَّ فسّر الدَّهْر بِهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه، وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ فِي مَعزِل عَن اللطافة وَإِن أورد بعضُهم صِحَّته بتكلّف، قَالَه شَيخنَا (ألتمِسُ) أَي أطلب طلبا أكيداً مرَّةً بعد مرَّةٍ (كِتاباً) أَي مُصنَّفاً مَوْضُوعا فِي هَذَا الْفَنّ، مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ (جَامعا) أَي مُستقصِياً لأكثرِ الفنِّ مملوءًا بغرائبه، وَيُوجد فِي بعض النّسخ قبل قَوْله جَامعا " باهراً "، وَلَيْسَ فِي الأُصول المصححة (بَسيطا) وَاسِعًا مُشْتَمِلًا على الْفَنّ كلّه أَو أَكْثَره مَبْسُوطا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن غَيره (ومُصنَّفا) هَكَذَا فِي النّسخ وَفِي بَعْضهَا تَصنيفاً (على الفُصح) بِضَمَّتَيْنِ، جمع فَصيح كقَضيب وقُضُب أَو بِضَم فَفتح ككُبْرى وكُبَر (والشوارِد) هِيَ اللُّغَات الحُوشية الغَريبة الشاذَّة (مُحِيطا) أَي مُشْتَمِلًا، وَلذَا عُدِّيَ بعَلى، أَو أَن عَلَى بِمَعْنى الْبَاء، فَتكون الْإِحَاطَة على حَقِيقَتهَا الْأَصْلِيَّة (ولمَّا أعياني) أَي أتعبني وأعجزني عَن الْوُصُول إِلَيْهِ (الطلاب) كَذَا فِي النّسخ والأُصول، وَهُوَ الطَّلَب، ويأْتي من الثلاثي فَيكون فِيهِ معنى الْمُبَالغَة، أَي الطّلب الْكثير، وَفِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن غَانِم المقدسيّ رَحمَه الله تَعَالَى التَّطلاب، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ من المصادر القياسيَّة تأْتي غَالِبا للْمُبَالَغَة (شَرَعْت فِي) تأليف (كتابي) أَي مُصَنَّفي (المَوْسُوم) أَي المجعول لَهُ سِمَة وعلامة (باللامِع المُعْلَم العُجاب) هُوَ عَلَم الكتابِ، واللامع: المضيء، والمعلم
(1/68)

كمُكْرَم: البُرْدُ المخطَّط، وَالثَّوْب المنقَّش، والعُجاب كغُراب بِمَعْنى عَجيب، كَذَا فِي تَقْرِير سيّدي عبد السَّلَام اللَّقاني على كنوز الْحَقَائِق، وَالصَّحِيح أَنه يَأْتِي للْمُبَالَغَة وَإِن أسْقطه النُّحَاة فِي ذكر أوزانها، فَالْمُرَاد بِهِ مَا جَاوز حَدَّ اللُّغَة، كَذَا فِي الكَشَّاف، وَقد نقل عَن خطِّ المُصَنّف نَفسه غيرُ واحدٍ أَنه كتب على ظهْرِ هَذَا الْكتاب أَنه لَو قُدِّر تمامُه لَكَانَ فِي مائَة مُجَلَّد، وَأَنه كمَّل مِنْهُ خَمْس مُجَلَّدَات (الجامِع بَين المُحْكم) هُوَ تأليف الإِمَام الْحَافِظ الْعَلامَة أبي الْحسن عليّ بن إِسْمَاعِيل الشهير بِابْن سِيدَه الضَّرِير ابْن الضَّرِير اللّغَوِيّ، وَهُوَ كتاب جامعٌ كبيرٌ، يشْتَمل على أَنْوَاع اللُّغَة، توفّي بِحَضْرَة دَانِية سنة 458 عَن ثَمَانِينَ سنة (والعُبَاب) كغُراب تأليف الإِمَام الْجَامِع أبي الْفَضَائِل رَضِيِّ الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن حَيدر العُمَرِيّ الصَّغاني الْحَنَفِيّ اللغويّ وَهَذَا الْكتاب فِي عشْرين مجلدًا، وَلم يكمل، لِأَنَّهُ وصل إِلَى مَادَّة بكم، كَذَا فِي المزهر، وَله شوارق الْأَنْوَار وَغَيره، توفّي 19 شعْبَان سنة 650 بِبَغْدَاد، عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَدفن بِالْحَرِيمِ الطاهريّ، وَهَذَا الْكتاب لم أطّلع عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَة بحثي عَنهُ، وَأما الْمُحكم المتقدّم ذِكره عِندي مِنْهُ أَربع مُجلدات، وَمِنْهَا مادّتي فِي هَذَا الشَّرْح. وَفِي مُقَابلَة الْجَامِع باللامع، والمعلم بالمحكم، والعجاب بالعباب، ترصيع حسن (وهُمَا) أَي الكِتابان، هَكَذَا فِي نسختنا، وَفِي أُخْرَى بِحَذْف الْوَاو، وَفِي بَعْضهَا بِالْفَاءِ بدل الْوَاو (غُرَّتَا) تَثْنِيَة غُرَّة، وَفِي بعض النّسخ بِالْإِفْرَادِ (الكُتُب المصَنّفَة فِي هَذَا الْبَاب) أَي فِي هَذَا الْفَنّ، وَالْمرَاد وصفهما بِكَمَال الشُّهرة، أَو بِكَمَال الحُسْن، على اخْتِلَاف إِطْلَاق الأغرّ، وَفِي اسْتِعَارَة أَو تَشْبِيه بليغ (ونَيِّرا) تثنيةُ نيّر كسَيِّد، وَهُوَ الْجَامِع للنُّور الممتلئ بِهِ، والنَّيِّران: الشَّمْس وَالْقَمَر، والتثنية وَالْوَصْف كِلَاهُمَا على الْحَقِيقَة (بَرَاقع) جمْع بِرْقِعَ السَّمَاء السَّابِعَة أَو الرَّابِعَة أَو الأولى، وَالْمعْنَى: هذانِ الكتابانِ هما النِّيرانِ المشرقانِ الطالعانِ
(1/69)

فِي سَمَاء (الفَضْل والآداب) وَمِنْهُم من فسَّر البُرْقُع بِمَا تَستتر بِهِ النِّسَاء، أَو نيّر البرقع هُوَ مَحل مَخْصُوص مِنْهُ، وتمحَّل لبَيَان ذَلِك بِمَا تمجُّه الأسماع، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْهَام وأفكار تخالِف النَّقْل وَالسَّمَاع. وعطْف الْآدَاب على الْفضل من عطف الخاصّ على العامّ (وضَمَمْت) أَي جمعت (إِلَيْهِمَا) أَي الْمُحكم والعباب (فَوَائِد) جمع فَائِدَة، وَهِي مَا استفدْته من عِلم أَو مَال (امتلاَ) بِغَيْر همز من مَلِئ كفرِحِ إِذا صَار مملوءًا (بهَا) أَي بِتِلْكَ الْفَوَائِد (الوِطاب) بِالْكَسْرِ جمع وَطْب بِالْفَتْح فالسكون، هُوَ الظّرْف، وَله معَان أُخَرُ غير مُرادةٍ هُنَا (واعتَلَى) أَي ارْتَفع (مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الْفَوَائِد (الخِطاب) هُوَ تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الغَيْر للإفهام، وَفِي بعض النّسخ " زيادات " بدل " فَوَائِد ". وَبَين امتلا واعتلَى ترصيع، وَبَين الوطاب وَالْخطاب جِناس لَاحق (ففاقَ) أَي علا وارتفع بِسَبَب مَا حواه (كلَّ مُؤلَّف فِي هَذَا الْفَنّ) أَي اللُّغَة، بَيَان للْوَاقِع (هَذَا الْكتاب) فَاعل فاق، وَالْمرَاد بِهِ الْكتاب المتقدِّم ذِكرُه (غير أَنِّي) كَذَا فِي النّسخ المقروءة، وَفِي بَعْضهَا " أَنه " على أَن الضَّمِير يعود إِلَى الْكتاب (خَمَّنْته) أَي قدَّرته وتوهَّمت مَجيئه (فِي ستِّين سِفْرًا) قَالَ الفرَّاء: الْأَسْفَار: الكُتب العِظام، لِأَنَّهَا تُسْفِر عمَّا فِيهَا من الْمعَانِي إِذا قُرِئَت، وَفِي نُسْخَة من الأُصول المكّية: ضَمَّنته، بالضاد الْمُعْجَمَة بدل الْخَاء، وَفِي شِفَاء الغليل لِلشِّهَابِ الخفاجيّ تبعا للسيوطيّ فِي المزهر أَن التخمين لَيْسَ بعرَبيّ فِي الأَصْل. وَفِي نُسْخَة أُخْرَى من الأُصول الزَّبيدية زِيَادَة " بِحَمْد الله " بعد " خمنته " (يُعجِز) أَي يعيى (تَحصيلُه) فَاعل يعجز (الطُّلاَّب) جمع طَالب، كرُكَّاب وراكب، أَي لكثرته، أَو لطوله. وَفِي نُسْخَة ميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ يَعجَز عَن تَحْصِيله الطلاّب (وسُئلت) أَي طَلَب مني جمَاعَة (فِي تَقْدِيم كتاب وَجِيزٍ) أَي أُقدّم لَهُم كتابا آخرَ
(1/70)

مَوْصُوفا بصِغَر الحجْمِ مَعَ سُرْعة الْوُصُول إِلَى فهم مَا فِيهِ، وَالَّذِي يظْهر عِنْد التأمُّل أَن السُّؤَال حَصل فِي الِانْصِرَاف عَن إتْمَام اللامع لِكثرة التَّعَب فِيهِ إِلَى جمع هَذَا الْكتاب (على ذَلِك النِّظام) أَي النهْج والأُسلوب، أَو الْوَضع وَالتَّرْتِيب السَّابِق (وعَمَلٍ) مَعْطُوف على كتاب أَي خَاص (مُفرَّغ) بِالتَّشْدِيدِ، أَي مَصبوب، من فَرِغَ إِذا انْصَبَّ، لَا من فَرَغ إِذا خلا كفرَغَ الْإِنَاء أَو فنِيَ كفرَغَ الزادُ، وتشبيهُ الْعَمَل بالشَّيْء الْمَائِع اسْتِعَارَة بالكِناية، وَإِثْبَات التفريغ لَهُ تَخييلية على رَأْي السَّكَّاكِي، وعَلى رَأْي غَيره تحقيقيّة تَبعيّة (فِي قَالَب) بِفَتْح اللَّام وتكسر آلَة كالمِثال يُفرَغ فِيهَا الجواهرُ الذائبة (الإيجاز) الِاخْتِصَار (والإحكام) أَي الإتقان (مَعَ الْتِزَام إتْمَام الْمعَانِي) أَي إنهائها إِلَى حدٍّ لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء خَارج عَنهُ، والمعاني جمع معْنًى، وَهُوَ إِظْهَار مَا تَضمَّنه اللَّفْظ، من عَنَتِ القِرْبة: أظَهَرت ماءَها، قَالَه الرَّاغِب (وإبرام) أَي إحكام (المباني) جمع مَبنى، اسْتعْمل فِي الْكَلِمَات والألفاظ والصِّيغِ الْعَرَبيَّة، وَفِي الفقرتين الترصيع. وَفِي بعض النّسخ إبراز بدل إبرام، أَي الْإِتْيَان بِها ظَاهِرَة من غير خفاءٍ (فصَرَفْت) أَي وَجَّهْت (صَوْب) أَي جِهة وناحية، وَهُوَ مِمَّا فَاتَ المؤلّف (هَذَا المقصِد عِناني) أَي زِمامي (وألّفت هَذَا الكتابَ) أَي الْقَامُوس، وللسيّد الشريف الْجِرْجَانِيّ قُدِّس سرّه فِي هَذَا كَلَام نَفِيس فَرَاجعه (مَحذُوف الشواهِد) أَي متروكها، والشواهد هِيَ الجزئيات الَّتِي يُؤْتى بهَا لإِثْبَات الْقَوَاعِد النحوية، والألفاظ اللُّغَوِيَّة، والأوزان العَروضية، من كَلَام الله تَعَالَى، وَحَدِيث رَسُول الله
، أَو من كَلَام الْعَرَب الموثوقِ بعرَبيَّتهم على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بِالثَّانِي
(1/71)

اخْتِلَافا وَالثَّالِث هم العرَب العَرْباءُ الجاهليّة والمخضرمون والإسلاميون لَا الموَلَّدون، وهم على ثلاثِ طبقاتٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّل فِي محلّه (مطرُوح الزوائدِ) قريب من مَحْذُوف الشواهد، وَبَينهمَا الموازنة (مُعْرِباً) أَي حَالَة كَونه موضِّحاً ومُبَيِّناً (عَن الفُصح والشَّوَارد) وَتقدم تفسيرهما (وجَعلْتُ بِتَوْفِيق الله) جلّ وَعلا، وَهُوَ الإلهام، لوُقُوع الْأَمر على الْمُطَابقَة بَين الشَّيْئَيْنِ (زُفَراً) كصُرَد: البَحر (فِي زِفْر) بِالْكَسْرِ القِرْبة أَي بَحرًا متلاطماً فِي قِرْبة صَغيرة، وَهُوَ كِنَايَة عَن شدّة الإيجاز وَنِهَايَة الِاخْتِصَار، وَجمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ القليلة، هَذَا الَّذِي قرَّرناه هُوَ المسموع من أَفْوَاه مَشَايِخنَا، وَمِنْهُم من تمحَّل فِي بَيَان هَذِه الْجُمْلَة بمعانٍ أُخَر لَا تَخْلُو عَن التكلُّفات الحَدْسِيَّة الْمُخَالفَة للنقول الصَّرِيحَة (ولخَّصْت) أَي بَيَّنْت وهَذَّبت (كلَّ ثلاثينَ سِفْراً) أَي جعلت مُفادَها ومَعناها (فِي سِفْر) وَاحِد (وضمَّنْته) أَي جَعلت فِي ضِمْنِه وأَدرجت فِيهِ (خُلاصَة) بِالضَّمِّ بِمَعْنى خالِص ولُباب (مَا فِي) كتابي (العُباب والمُحْكم) السَّابِق ذكرهمَا (وأَضفْتُ) أَي ضممت (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمُخْتَصر من الْكِتَابَيْنِ (زِياداتٍ) يحْتَاج إِلَيْهَا كلُّ لغويّ أَريب، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كل أديب، فَلَا يُقَال إِن كَلَام المُصَنّف فِيهِ الْمُخَالفَة لما تقدم من قَوْله مطروح الزَّوَائِد، (مَنَّ الله تَعَالَى بهَا) أَي بِتِلْكَ الزِّيادات أَي هِيَ مَواهِبُ إلهِيّة مِمَّا فتح الله تَعَالَى بهَا (عَلَىَّ وأَنعم) أَي أعْطى وَأحسن (ورَزقنيها) أَي أعطانيها (عِند غَوْصي عَلَيْهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَات، وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا استنبطَتْه أفكارُه السليمة (من بُطُون الكُتب) أَي أجوافها (الفاخِرة) أَي الجيّدة أَو الْكَثِيرَة الْفَوَائِد أَو المعتمَدَة المعوَّل عَلَيْهَا (الدَّأْمَاءِ) ممدودًا هُوَ الْبَحْر (الغَطَمْطَم) هُوَ الْعَظِيم الْوَاسِع المنبسِط،
(1/72)

وَهُوَ من أَسمَاء الْبَحْر أَيْضا إِلَّا أَنه أُريد هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ، لتقدم الدَّأْماء عَلَيْهِ، فالدأْماء مفعول أوّل لغوْصي وَهُوَ تَارَة يستغنِي بالمفعول الْوَاحِد، وَتارَة يحْتَاج إِلَى مفعول آخَر فيتعَدَّى إِلَيْهِ بعَلَى، ومِنْ بَيانِيَّة حالٌ من الدأْماء (وأَسَمَيْته) كسمَّيته بِمَعْنى وَاحِد، وهما من الْأَفْعَال الَّتِي تتعدّى للْمَفْعُول الأول بِنَفسِهَا وَللثَّانِي تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِحرف جر، فالمفعول الأول الضَّمِير الْعَائِد للْكتاب، وَالْمَفْعُول الثَّانِي (القَامُوسَ) هُوَ الْبَحْر (الْمُحِيط) وَيُوجد فِي بعض نسخ المقلّدين التَّعَرُّض لبَقيَّة التَّسْمِيَة الَّتِي يُورِدها المُصَنّف فِي آخر الْكتاب، وَهُوَ قَوْله والقابوس الْوَسِيط، فَفِي بعضٍ الِاقْتِصَار على هَذَا، وَفِي أُخرى زِيَادَة " فِيمَا ذهب من لُغة الْعَرَب شَمَاطيط " وكل ذَلِك لَيْسَ فِي النّسخ الصَّحِيحَة وَيرد على ذَلِك أَيْضا قَوْله (لِأَنَّهُ) أَي الْكتاب (البحرُ الْأَعْظَم) فَإِن هَذَا قَاطع لبَقيَّة التَّسْمِيَة، قَالَ شَيخنَا: وَإِنَّمَا سمي كِتَابه هَذَا بالقاموس الْمُحِيط على عَادَته فِي إبداع أسامي مُؤَلّفاته، لإحاطته بلغَة الْعَرَب، كإحاطة الْبَحْر للرُّبْع الْمَعْمُور. قلت: أَي فَإِنَّهُ جمع فِيهِ سِتين ألف مَادَّة، زَاد على الْجَوْهَرِي بِعشْرين ألف مَادَّة، كَمَا أَنه زَاد عَلَيْهِ ابْن مَنْظُور الإفْرِيقِي فِي لِسَان الْعَرَب بِعشْرين ألف مَادَّة، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يطّلع عَلَيْهِ، وَإِلَّا لزاد فِي كِتَابه مِنْهُ، وَفَوق كل ذِي علم عليم، وَمِمَّا أَحْمد الله تَعَالَى على نعْمَته أَن كَانَ من جملَة موادّ شرحي هَذَا كتابُه الْمَذْكُور.
قَالَ شَيخنَا رَحمَه الله: وَقد مَدح هَذَا الكتابَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن عاصره وغيرُهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وأَوْرَدوا فِيهِ أعارِيض مُخْتَلفَة، فَمن ذَلِك مَا قَالَه الأديب البارع نُور الدّين عليّ بن مُحَمَّد الْعَفِيف المكيّ الْمَعْرُوف بالعليفي. قلت: ووالده الأديب جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن بن عِيسَى، شُهر بِابْن العليف، توفّي بِمَكَّة سنة 815، كَذَا فِي ذيل الْحَافِظ تَقِيّ الدّين بن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن. ثمَّ قَالَ شَيخنَا:
(1/73)

وَقد سمعتهما من أشياخنا الْأَئِمَّة مرَّات، ورأيتهما بِخَط وَالِدي قدّس سرّه فِي مَوَاضِع من تقاييده، وسمعتهما مِنْهُ غير مرَّة، وَقَالَ لي إِنَّه قالهما لما قُرئ عَلَيْهِ كتاب الْقَامُوس:
(مُذْ مَدّ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَيَّامِهِ ... مِنْ بعْضِ أَبْحُرِ عِلْمِهِ القَامُوسَا)

(ذَهَبَتْ صَحَاحُ الجَوْهَرِيِّ كأَنَّها ... سِحْرُ المدائِن حِينَ أَلْقَى مُوسَى)

وَفِي بعض الرِّوَايَات " وَاحِد عصره " بدل " فِي أَيَّامه " و " فيض " بدل " بعض " و " أضحت " بدل " ذهبت ". قلت: وَمثله أنشدنا الأديب البارع عُثْمَان بن عليٍّ الجبيلي الزَّبيدي والفقيه المفنّن عبد الله بن سُليمان الجرهزِي الشَّافِعِي إِلَّا أَنَّهُمَا نسباهما إِلَى الإِمَام شهَاب الدّين الردّاد، أنشدهما لما قُرئ عَلَيْهِ الْقَامُوس، وَنَصّ إنشادهما.
(مُذْ مَدّ مجدُ الدّين فِي أرجَائنا ... )

وَفِي " القاموسا " و " ألْقى مُوسَى " جناس تَامّ، وَقد استظرَفَت أديبة عَصْرِها زَيْنَب بنت أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنية المتوفاة بشهارة سنة 1114 إِذْ كتبت إِلَى السَّيِّد مُوسَى بن المتَوَكل تطلب مِنْهُ الْقَامُوس فَقَالَت:
(مَوْلاَي مُوسَى بالذِي سَمَكَ السَّمَا ... وبِحَقِّ مَنْ فِي اليَمِّ أَلْقَى مُوسَى)

(أُمْنُنْ عليّ بِعَارَةٍ مَرْدُودَةٍ ... واسْمَح بفضْلِك وابْعَثِ القَامُوسَا)

قَالَ شَيخنَا: وَقد رَدّ على القَوْل الأوّل أديبُ الشأْم وصُوفِيّه شيخ مَشَايِخنَا العلاّمة عبدُ الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل الكِناني الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِابْن النابُلسي، قدس سره، كَمَا أسمعنا غيرُ واحدٍ من مَشَايِخنَا الْأَعْلَام عَنهُ:
(مَنْ قَال قَدْ بَطَلَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِي ... لَمَا أَتى القَامُوسُ فَهْوَ المُفْتَرِي)

(قُلْتُ اسْمُه القَامُوسُ وَهْوَ البَحْرُ إنْ ... يَفْخَرْ فَمُعْظَمُ فَخْرِه بالجَوْهَرِي)

(قلت) وأصل ذَلِك قَول أبي عبد الله رَحمَه الله:
(1/74)

(لله قاموسٌ يَطيبُ وُرُودُه ... أَغْنَى الوَرَى عَنْ كُلِّ مَعْنًى أَزْهَرِ)

(نَبَذ الصحاحَ بلَفظه والبَحْر مِن ... عَادَاته يُلْقِي صحَاحَ الجَوْهَرِي)

ونُقل من خطّ المجدِ صاحِبِ الْقَامُوس قَالَ: أنشدنا الفقيهُ جمالُ الدّين مُحَمَّد ابْن صباح الصباحيّ لنَفسِهِ فِي مدح هَذَا الْكتاب:
(مَنْ رَامَ فِي اللُّغَةِ العُلُوَّ عَلَى السُّهَا ... فَعَلَيْه مِنْهَا مَا حَوى قامُوسُهَا)

(مُغْنٍ عَنِ الكُتُبِ النَّفيسَةِ كُلِّها ... جَمَّاعُ شَمْلِ شَتِيتِهَا نامُوسُهَا)

(فَإذا دَوَاوِينُ العُلُومِ تَجَمَّعَتْ ... فِي مَحْفِلٍ للدَّرْسِ فَهْوَ عَرُوسُهَا)

(للهِ مَجْدُ الدِّينِ خَيْرُ مُؤَلِّفٍ ... مَلَك الأئمَّةَ وافتَدَتْه نُفُوسُها)

وَوجدت لبَعْضهِم مَا نصّه:
(ألاَ لَيْسَ مِنْ كُتْبِ اللُّغاتِ مُحَقَّقًا ... يُشَابِهُ هذَا فِي الإحاطَةِ والجَمْعِ)

(لَقَدْ ضَمَّ مَا يَحْوِي سِوَاهُ وفَاقَه ... بِما اختَصَّ مِنْ وَضْعٍ جَمِيلٍ وَمن صُنْعِ)

(وَلما رأيتُ إقبال الناسِ) أَي توجُّه خاطِرِ عُلَمَاء وقته وَغَيرهم بالاعتناء الزَّائِد والاهتمام الكثيرِ (على صِحاح) الإِمَام أبي نصر إِسْمَاعِيل بن نصر بن حَمّاد (الجوهريِّ) لِبيع الْجَوْهَر، أَو لحسن خَطِّهِ أَو غير ذَلِك، الفارابيّ نِسبةً إِلَى مَدِينَة بِبِلَاد التّرْك، وَسَيَأْتِي فِي ف ر ب من أذكياء الْعَالم، وَكَانَ بخطِّه يُضرَب الْمثل، توفّي فِي حُدُود الأربعمائة، على اخْتِلَاف فِي التَّعْيِين، اختُلِف فِي ضَبْط لفظ الصِّحَاح، فالجاري على ألسِنة النَّاس الْكسر، ويُنكرون الفَتح، ورَجّحه الْخَطِيب التبريزي على الْفَتْح، وأَقرَّه السُّيُوطِيّ فِي المزهر، وَمِنْهُم من رجَّح الْفَتْح، قَالَ شَيخنَا: وَالْحق صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ وثبوتُهما من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلم يرد عَن الْمُؤلف فِي تَخْصِيص أحدِهما بالسَّند الصَّحِيح مَا يُصار إِلَيْهِ وَلَا يُعْدل عَنهُ (وَهُوَ) أَي الْكتاب أَو مُؤَلفه (جَدِير) أَي حَقيق وحَرِيّ (بذلك) الإقبال، قَالَ شَيخنَا: وَقد مدحه غيرُ وَاحِد من الأفاضل، ووصفوا كِتابه بالإجادة، لالتزامه الصَّحِيح، وبَسْطه الْكَلَام، وإيراده
(1/75)

الشواهد على ذَلِك، وَنَقله كَلَام أهل الْفَنّ دون تصرف فِيهِ، وَغير ذَلِك من المحاسن الَّتِي لَا تُحْصَى، وَقد رزقه الله تَعَالَى شُهرة فاق بهَا كلَّ من تقدمه أَو تأخّر عَنهُ، وَلم يَصل شَيْء من المصنَّفات اللُّغَوِيَّة فِي كَثْرَة التداول والاعتماد على مَا فِيهِ مَا وصل إِلَيْهِ الصِّحَاح، وَقد أنْشد الإِمَام أَبُو مَنْصُور الثعالبي لأبي مُحَمَّد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عَبدُوس النَّيْسَابُورِي:
(هذَا كِتَابُ الصَّحَاح سَيِّدُ مَا ... صُنِّفَ قَبْلَ الصّحَاح فِي الأدبِ)

(تَشمَلُ أبوابُهُ وتَجْمَعُ مَا ... فُرِّقَ فِي غَيْرِه مِنَ الكُتُبِ)

(غير أَنه) أَي الصِّحَاح قد (فاتَه) أَي ذَهب عَنهُ (نِصف اللغةِ) كَذَا فِي نُسْخَة مكّية، وَفِي الناصِرِيّة على مَا قيل ثُلثا اللُّغَة (أَو أَكثر) من ذَلِك، أَي فَهُوَ غير تَامّ، لفَوَات اللُّغَة الْكَثِيرَة فِيهِ. قَالَ شَيخنَا: وصريح هَذَا النَّقْل يدلّ على أَنه جمع اللُّغَة كلهَا وأحاط بأَسرها، وَهَذَا أَمر متعذّر لَا يُمكن لأحد من الْآحَاد إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: وَقد تقدم فِي أوّل الْكتاب نصُّ الإِمَام الشافعيّ رَضِي الله عَنهُ فِيهِ، فَإِذا عرفت ذَلِك ظهر لَك أَن ادِّعاءَ المصنّف حَصْر الْفَوات بِالنِّصْفِ أَو الثُّلثَيْنِ فِي غير محلّه، لِأَن اللُّغَة لَيْسَ يُنال مُنتهاها، فَلَا يُعرَف لَهَا نِصف وَلَا ثُلث، ثمَّ إِن الجوهريّ مَا ادّعى الْإِحَاطَة، وَلَا سَمَّى كِتَابه الْبَحْر وَلَا الْقَامُوس، وَإِنَّمَا الْتزم أَن يُورد فِيهِ الصَّحِيح عِنْده، فَلَا يلْزمه كل الصَّحِيح، وَلَا الصَّحِيح عِنْد غَيره، وَلَا غير الصَّحِيح، وَهُوَ ظَاهر، انْتهى. ثمَّ بيّن وَجه الْفَوات فَقَالَ (إِمَّا بإهمال) أَي ترك (المادّة) وَهِي حُرُوف اللَّفْظ الدالّ على الْمَعْنى، وَالْمرَاد عدم ذكرهَا بالكلّيّة (أَو بترك الْمعَانِي الغَريبة) أَي عَن كثير من الأفهام، لعدم تداولها (النّادّة) أَي الشارِدة النافِرة (أَردْت أَن يَظهر) أَي ينْكَشف (للناظِر) المتأمّل (بَادِيَ) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة مُضَاف إِلَى (بَدَا) أَي أوّل كل شَيْء قبل الشُّرُوع فِي غَيره (فَضْلُ كِتابي هَذَا عَلَيْهِ) أَي الصِّحَاح
(1/76)

(فَكتبت بالحُمرة المادَّة) أَي اللَّفْظَة أَو الْكَلِمَة (المهمَلة) أَي المتروكة (لَدَيْه) أَي الصِّحَاح (وَفِي سَائِر التراكيب) أَي بَاقِيهَا أَو جَمِيعهَا (تتَّضِح) أَي تتبين وَتظهر ظهورًا وَاضحا (المَزِيَّة) الْفَضِيلَة والمأْثرة (بالتوَجُّه) أَي الإقبال وَصرف الهمّة (إِلَيْهِ) أَي إِلَى كِتَابه، وَفِي هَذَا الْكَلَام بَيَان أَن الموادّ الَّتِي تَركهَا الجوهريّ رَحمَه الله وزادها المُصَنّف ميزها بِمَا يعرّفها، وَهِي كتَابَتهَا بالحمرة، لإِظْهَار الْفضل السَّابِق، ولشيخنا رَحمَه الله هُنَا كَلَام، لم نعطف إِلَى بَيَانه زِمام، فَإِنَّهُ مورث للملام، وَالله سُبْحَانَهُ الْملك العلاّم (وَلم أَذْكُر ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا تقدم من مدح كِتَابه وَذكر مناقبه (إِشَاعَة) أَي إذاعة وإظهارا (للمَفَاخر) جمع مَفخَر ومَفَخُرة بِالْفَتْح فيهمَا، وبضم الثَّالِث فِي الثَّانِي لُغَة، مفعل من الفَخْر، وَيُقَال الفَخَار والافتخار، هُوَ الْمَدْح بالخصال المحمودة، قَالَ شَيخنَا: وجوّز الْبَدْر الْقَرَافِيّ ضبط المفاخر بِضَم الْمِيم اسْم فَاعل من فاخَرَه مُفاخرةً، وَجعله متعلِّقاً بأذكر، أَي لم أذكرهُ للشَّخْص المفاخِر. الَّذِي يفاخرني فأَفتخر عَلَيْهِ بِالْكتاب، وَهُوَ من الْبعد بمَكَان (بل إذاعةً) أَي نشًرا وإفشاء (لقوْل) أبي تَمام حَبيب بن أَوْس الطَّائِي (الشَّاعِر) الْمَعْرُوف وَهُوَ:
(لاَ زِلْتَ مِنْ شُكْرِيَ فِي حُلَّة ... لابِسُها ذُو سَلَبٍ فَاخِرِ)

(يَقُولُ مَنْ تَقْرَعُ أَسْمَاعَهُ
(كَمْ تَرَك الأوَّلُ لِلآخِرِ))

وَهَذَا الشّطْر الْأَخير جارٍ فِي الْأَمْثَال المتداولة الْمَشْهُورَة حَتَّى قَالَ الجاحظ:
(مَا عَلِم النَّاسُ سِوَى قَوْلِهِم ... كَمْ تَرَك الأوَّل لِلآخِرِ)

ثمَّ إِن قَوْله " وَلم أذكر ذَلِك " إِلَخ ثَبت فِي نُسخة الْمُؤلف، كَمَا صرح بِهِ المحبّ ابْن الشّحْنَة، وأثبته الْبَدْر
(1/77)

الْقَرَافِيّ أَيْضا، وَشرح عَلَيْهِ المنَاوي وَابْن عبد الرَّحِيم وَغير وَاحِد، وَسقط من كثير من النّسخ.
(وَأَنت أَيهَا اليَلْمع) كَأَنَّهُ مُضارع من لَمع الْبَرْق، زيدت عَلَيْهِ أل، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يلمع ويتوقّد ذَكاءً، ويتفطن الأُمور فَلَا يُخطئ فِيهَا، وَالْمَعْرُوف فِيهِ اليلمعيّ بِالْيَاءِ الْمُشَدّدَة الدَّالَّة على الْمُبَالغَة، كالألمعيّ بِالْهَمْزَةِ، وَأما اليلمع فَهُوَ البَرْق الخُلَّب، وَبِمَعْنى الكذَّاب، وَكِلَاهُمَا غير مُنَاسِب (العَرُوف) كصَبور، مُبَالغَة فِي الْعَارِف أَي ذُو الْمعرفَة التامّة (والمَعْمَع) هُوَ الصَّبر على الأُمور ومزاولتها، وَهُوَ على تَقْدِير مُضَاف أَي ذُو المعمع (اليَهْفُوف) كيَعْفُور، الحديدُ القلبِ وَيُطلق على الجَبَان أَيْضا، وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا (إِذا تأمّلت) أَي أمعنت فِيهِ الْفِكر وتدبرته حقَّ التدبُّر (صَنِيعي هَذَا) مصدر كالصُّنع بِالضَّمِّ بِمعنى الْمَصْنُوع، أَي الَّذِي صَنعته، وَهُوَ الْكتاب المسمّى بالقاموس (وجَدْته) أَي الصَّنِيع أَو الْكتاب (مشتمِلاً) أَي مُنْضَمًّا (على فَرائدَ) جمع فَرِيدة وَهِي الجوهرةُ النفيسة، والشَّذْرَة من الذَّهَب والقطعة الَّتِي تَفْصِل بَين الْجَوَاهِر فِي القلائد، كَمَا سَيَأْتِي (أثِيرة) أَي جليلة لَهَا أَثَرَة وخصوصية تمتاز بهَا، أَو أَن هَذِه الْفَوَائِد متلقَّاة من قَرْن بعد قَرْن (وفوائد) جمع فَائِدَة، وَهِي مَا استفدته من علم أَو مَال (كَثِيرَة) وَفِي الْفَقْرَة كأُختها السَّابِقَة حسْنُ ترصيع والالتزام (من حُسْن الِاخْتِصَار) وَهُوَ حذف الفُضُول وإزالتها، أَو الْإِتْيَان بالْكلَام مستَوْفِيَ الْمعَانِي والأغراض (وتَقرِيب العِبارة) أَي إدنائها وتوصيلها إِلَى الأَفهام بِحسن الْبَيَان (وتَهْذِيبِ الْكَلَام) أَي تنقيحه وإصلاحه وَإِزَالَة زوائده (وإيراد الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة) أَي القليلة.
(وَمن أحسن مَا اختصَّ بِهِ) وتميّز عَن غَيره وَانْفَرَدَ (هَذَا الكتابُ) أَي الْقَامُوس (تخلِيصُ الْوَاو من الْيَاء) الحرفان المعروفان أَي تمييزها مِنْهَا (وَذَلِكَ) أَي التخليص (قِسْمٌ) أَي نوع من التَّصَرُّفَات الصَّرفية واللغوية (يَسِمُ) مِن وَسَم إِذا جعل لَهُ سِمةً وَهِي الْعَلامَة (المصنِّفين) هم أَئِمَّة
(1/78)

الْفَنّ الْكِبَار (بالعيّ) وَهُوَ بِالْفَتْح الْعَجز والتعب وَعدم الإطاقة، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى عدم الاهتداء لوجه المُرَاد، وبالكسر الحَصَرُ والعَجز فِي النُّطْق خَاصَّة (والإعياء) مصدر أَعْيَا رُباعيًّا إِذا تَعب، قَالَ شَيخنَا: وَبَعْضهمْ يَقُول العيّ من الثلاثي العَجز الْمَعْنَوِيّ، والإعياء الرباعي الْعَجز الجسماني، وَالْمعْنَى أَن هَذَا النَّوْع فِي التَّصَرُّف اللغويّ والصرفيّ مِمَّا يُوجب للمهرة فِي الْفَنّ الْعَجز وَعدم الْقُدْرَة حسًّا وَمعنى لما فِيهِ من الصعوبة الْبَالِغَة والتوقف على الْإِحَاطَة التامَّةِ، والاستقراء التَّام، بل يتَوَقَّف إِدْرَاكهَا على اطِّلاع عَظِيم وَعلم صَحِيح.
(وَمِنْهَا) أَي من محَاسِن كتابِه الدَّالَّة على حسن اختصاره (أَنِّي لَا أذكُر مَا جاءَ من جمع فاعلٍ) الَّذِي هُوَ اسْم فَاعل (المعتَلّ الْعين) الَّذِي عينه حرف عِلّة يَاء أَو واوًا (على فَعَلة) محركة فِي حَال من الْأَحْوَال (إِلَّا أَن يَصح) أَي يُعَامل (مَوضِع العينِ مِنْهُ) أَي من الْجمع معاملةَ الصَّحِيح، بِحَيْثُ يَتَحَرَّك وَلَا يعلّ (كجَوَلَة) بِالْجِيم من جال جَوَلانَا (وخَوَلَة) بِالْمُعْجَمَةِ جمع خائل، وَهُوَ المتكبّر، فَإِنَّهُمَا لما حُرّكت الْعين مِنْهُمَا أُلحِقا بِالصَّحِيحِ، وَإِن كَانَت فِي الأَصْل معتلة، فَإِنَّهَا لم تُعَلّ أَي لم يدخلهَا فِي الْجمع إعلال، فَصَارَت كَالصَّحِيحِ نَحْو طَلَبة وكَتبَة، فَاسْتحقَّ أَن تُذكر لغرابتها وخروجها عَن الْقيَاس (وَأما مَا جاءَ مِنْهُ) أَي من الْجمع (معتلاًّ) أَي مغيِّراً بالإبدال الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإعلال (كبَاعة وسَادة) وَفِي نُسْخَة " وقادة " بدل " وسَادَة " جمع بَائِع وسيّد وقائد، وأَصلهما بَيَعَة وسَيَدَة، تحركت اليَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فَصَارَت ألفا (فَلَا أذكرهُ لاطِّراده) أَي لكَونه مطّردًا مَقيساً مَشْهُورا، وَفِي المزهر: قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: أصل مَوَاضِع طَرَد فِي كَلَامهم التَّتَابُع والاستمرار، من ذَلِك طَرَدْت الطَّرِيدة إِذا تبعتها واستمرَّت بَين يَديك، وَمِنْه مُطارَدَة الفرسان بَعضهم بَعْضًا، ثمَّ جعل أهل الْعَرَبيَّة مَا استمرَّ من كلامٍ وَغَيره من مَوَاضِع الصِّناعة مطَّرِدًا، وَجعلُوا مَا فَارق مَا عَلَيْهِ
(1/79)

بقيّة بَابه وَانْفَرَدَ عَن ذَلِك شاذًّا. قلت وَقد تقدم طَرف من ذَلِك فِي المقدِّمة، قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي العُدول عَنهُ، على أَن المُصَنّف أخلَّ بِهَذَا الشَّرْط، بل وَبِغَيْرِهِ من شُروطه، فَهِيَ أغلبيَّة، لَا لَازِمَة، فَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يذكر سادة وقادة، وَقد ذكر كلاًّ مِنْهُمَا فِي مادّته، نعم أهمل باعَة على الشَّرْط، وَذكر عَالَة وذَادة وَغَيرهمَا. وَقَالَ المحبّ بن الشّحْنَة والقرافي: إِن فِي الْكَلَام تقدِيماً وتأخيراً، حَدَاه عَلَيْهِ التقْفِية، أَي لم يذكر مَا جاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عَنهُ حرف عِلّة، كجَوَلة وخَوَلة وأشباههما لاطراده، أَي لمشابهة بعضِه بَعْضًا، قَالَ شَيخنَا: وَفِيه نظر، فَإِنَّهُ لَا قافية هَا هُنَا، بل جاءَ بِهذا الْكَلَام ترسيلاً، كَمَا هُوَ ظَاهر، وَقَالَ الشَّيْخ الْمَنَاوِيّ: قَوْله كجَولَة وخَولة فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْأَصْل: لَا أذكر مَا جَاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عينه حرف عِلّة، كجَوَلَة وخَوَلة وَنَحْوهمَا، وَإِنَّمَا أذكر مَا جَاءَ صَحِيح الْعين، كدَرَجَة، وخَرَجة، انْتهى. وَالصَّحِيح مَا قدَّمناه، وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَن المزهر يبطل كلامُ الْقَرَافِيّ فِي الاطِّراد.
ثمَّ شرع فِي بَيَان الْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه التحسين الَّذِي أودعها هَذَا الْكتاب بقوله:
(وَمن بَديع اختصاره) أَي الَّذِي ابتدعه وَلم يَسبقه بِهِ غَيره (وحُسْن ترصيع) أَي تحلية (تِقْصَاره) بِالْكَسْرِ هِيَ القلادةِ، وَفِي الْفَقْرَة مَعَ شبه الترصيع الِالْتِزَام (أَنِّي إِذا ذكرت صِيغة الْمُذكر) أَي بِنْيَته وهَيْأَته (أتبعتها) أَي ألحقتها بعد صِيغَة الْمُذكر (المؤنّث بِقَوْلِي وَهِي) أَي الأُنثى (بهاء) أَي هَاء التَّأْنِيث، كَمَا ستعلم أمثلته (وَلَا أُعيد) أَي لَا أُكرر (الصِّيغة) مرّةً ثَانِيَة، بل أَترك ذَلِك وأَحذفه اختصارًا إِلَّا فِي بعض الْمَوَاضِع لموانع تتَعَلَّق هُنَاكَ، وَفِي بَعْضهَا سَهوا من الْمُؤلف، كَمَا تَأتي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَحَله.
(و) الْوَجْه الرَّابِع من وُجُوه التحسين أَنِّي (إِذا ذكرت الْمصدر) وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي
(1/80)

يدل على الحَدَث خاصّةً (مُطلقًا) أَي ذِكْرًا مُطلقًا، وَهُوَ عِنْدهم مَا دلَّ على الماهِيَّة بِلَا قَيْدٍ أَو بِكَسْر اللَّام، أَي حَالَة كوني مُطْلِقاً لَهُ غير مقيِّدٍ بِشَيْء (أَو) ذكرت الْفِعْل (الْمَاضِي) وَهُوَ مَا دلّ على حدث مقترن بِزَمن مَاض (بِدُونِ) أَي بِغَيْر (الْآتِي) وَهُوَ الْمُسْتَقْبل وَهُوَ الْمُضَارع (وَلَا مانعَ) هُنَاكَ (فالفِعْل) الْمَاضِي أَو الْمُضَارع كَائِن (على مِثَال كَتَب) كنَصر، أَي على وَزنه، وَهَذَا الْبَاب أحد الدعائم الثَّلَاثَة، وَيُقَال لَهُ الْبَاب الأوّل من الثلاثي المجرَّد، وَالْمَانِع من الضَّم فِي مضارعه أَرْبَعَة:
أَحدهَا أَن يكون فِي عينه أَو لامه حرفٌ من حٌ روف الْحلق، فَإِن الْبَاب فِيهِ الْفَتْح، وَرُبمَا جاءَ على الأَصْل، إِمَّا على الضَّم فَقَط، كَقَوْلِك سَعَلَ يَسْعُل، ودَخَل يَدخُل، وصرَخ يصرُخ، ونفَخ ينفُخ، وطبخَ يطبُخُ، وَإِمَّا على الْكسر فَقَط نَحْو نَزع ينزِع، ورجَع يرجِع، ووأل يئل، وَهُوَ فِي الْهمزَة أقلّ، وَكَذَلِكَ فِي الْهَاء، لِأَنَّهَا مُسْتفِلة فِي الْحلق، وَكلما سَفل الْحَرْف كَانَ الْفَتْح لَهُ ألزم، لِأَن الْفَتْح من الْألف وَالْألف أقرب إِلَى حُرُوف الْحلق من أُختيها، وَرُبمَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ إِمَّا الضمُّ، وَالْفَتْح، وَإِمَّا الْكسر وَالْفَتْح، فَأَما مَا جاءَ فِيهِ الضَّم وَالْفَتْح فَقَوْلهم: شحَبَ يشحَب ويشحُب، وصلَح يصلَح ويصلُح، وفرَغ يفرَغ ويفرُغ، وجنَح يجنَحُ ويجنُح، ومضَغ يمضَغ ويمضُغ، ومخَض يمخَض ويمخُض، وسلَخ يسلَخ ويسلُخ، ورعَف يرعَف ويرعُف، ونَعس ينعَس ويَنْعُس ورعَدت السَّمَاء تَرْعَد وترعُد، وبَرأ من الْمَرَض يبرأ ويبرُؤ، قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: لم يَأْتِ مِمَّا لَام الْفِعْل فِيهِ همزَة على فعَل يفعُل بِالضَّمِّ إِلَّا هَذَا الْحَرْف، وَوجدت أَنا حرفين آخَرين وهما: هَنَأَ الْإِبِل يهنُؤُها بِالضَّمِّ ويهْنَأُها إِذا طلاها بالهناء وَهُوَ القطرَان، وقرأَ يقرَأ ويقرُؤ، حَكَاهُمَا ابنُ عُديس فِي كتاب الصَّوَاب، وَأما مَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْكسر وَالْفَتْح فَقَوْلهم زأَر الأَسد يزأَر ويزئِر، وهنأَ يهنِئ ويهنَأ، إِذا أعْطى، وشحَج الْبَغْل يشحَج ويشحج، وشهَق الرجل يشهَق
(1/81)

ويشهِق، ورضَع يرضَع ويرضِع، ونَطح الْكَبْش ينطَح وينطِح، ومنَح يمنَح ويمنِح، ونبَح ينبَح وينبِح، وَرُبمَا اسْتعْملت الْأَوْجه الثَّلَاثَة، قَالُوا نحَت ينحَت وينحِت وينحُت، ودَبَغَ الْجلد يدبَغه ويدبِغه ويدبُغه ونَبَغ الْغُلَام ينبَغ وينبِغ وينبُغ إِذا علا شبابُه وَظهر كَيْسُه، ونَهق الْحمار ينهَق وينهِق وينهُق، ورجَح الدِّرْهَم يرجَح ويرجِح ويرجحُ، ونحَل جِسْمه يَنحَل وينحِل وينحُل، ومَخَض اللَّبن يمخَضه ويمخِضه ويمخُضه، وهَنَأَ الْإِبِل، إِذا طلاها بالقَطِرَانِ فَهُوَ يهنُؤُها ويَهنِئها ويَهْنَأَها، ولغا الرجل فَهُوَ يَلْغِي ويَلْغُو ويَلْغَى، عَن الفرّاء فِي كتاب اللُّغَات، ومحى الله الذُّنُوب يمْحُوها ويمحِيها ويَمحاها، وسَحَوْت الطين عَن الأَرْض أسحَاه وأسحُوه وأسحِيه، والكَسر عَن القَزّاز، وشحَحَت أَشَحّ وأَشُحُّ وأَشِحُّ إِذا بخلت، وَالْفَتْح عَن ابْن السَّيِّد فِي مُثلّثه. هَذَا حكم حرف الْحلق إِن وَقع عينا، كَذَا فِي بُغية الآمال للْإِمَام اللّغَوِيّ شارِح الفصيح أبي جَعْفَر اللبْليّ رَحمَه الله تَعَالَى.
وَالْمَانِع الثَّانِي أَن يكون واويّ الْفَاء كوَعَد، فَالْقِيَاس فِي مضارعه الْكسر، كوعَد ووَزَن، تَقول فِي مضارعهما يَعِد ويَزِن، وَقِيَاس كلّ فعل على هَذَا الْوَزْن مَا عدا فعلا وَاحِدًا فَقَط، وَهُوَ وَجَدَ يَجُد بِضَم الْجِيم من يَجُد، وَالْمَشْهُور يَجِد بِالْكَسْرِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالَ نَاس من الْعَرَب وجَد يَجُد، بِالضَّمِّ، كأَنهم حَذفوها من يَوجد، وَهَذَا لَا يكَاد يُوجد فِي الْكَلَام، قَالَ أَبُو جَعْفَر اللبلي: وعَلى الضَّم أنشدوا هَذَا الْبَيْت لجرير:
(لَوْ شِئْتِ قد نَقع الفُؤَادَ بِشَرْبة ... تَدَع الصَّوَادِي لَا تَجُدْنَ غَلِيلاَ)

ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا قلَّ يجُد بِالضَّمِّ كراهَة الضمة بعد الْيَاء، كَمَا كرِهوا الْوَاو بعْدهَا، وَإِن كَانَ لامه حرفا من حُرُوف الْحلق نَحْو وضع ووقَع فَإِن مضارعه يَأْتِي بِالْفَتْح وَحذف الْوَاو إِلَّا فِي كلمة وَاحِدَة وَهِي وَلَغ يَلِغ، فَإِنَّهُ قد حكى بِفَتْح الْمَاضِي وَكسر الْمُسْتَقْبل، وَالْمَشْهُور يَلَغ بِالْفَتْح، وَهَذَا قد أَغفله شَيخنَا مَعَ تصرُّفه فِي علم التصريف.
(1/82)

وَالْمَانِع الثَّالِث أَن يكون الْفِعْل معتلاًّ بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حِينَئِذٍ يَجِيء بِالْكَسْرِ فَقَط، وَلَا يَجِيء بِالضَّمِّ، سَوَاء كَانَ متعدّياً، نَحْو قَوْلك كال زيدٌ الطعامَ يكِيله وذَامه يَذِيمه، أَو غير متعدٍّ، كَقَوْلِك عَال يَعِيل وصَار يَصير.
وَالْمَانِع الرَّابِع أَن يكون الفِعل معتل اللَّام بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حينَئذ أَيْضا عَلَى يفعِل مكسورًا، سَوَاء كَانَ متعدّيا، نَحْو قَوْلك رَمَى زيدٌ الأَسدَ يَرْمِيه، ونمَى زيد الشيءَ يَنميه، أَي رَفَعه، أَو غير متعدٍّ، نَحْو قَوْلك سَرَى يَسرِي وهَمَت عينُه تَهْمي.
فَهَذِهِ الأُمور الْأَرْبَعَة موجبةٌ لمنع الْمُضَارع من الضَّم.
(وَإِذا ذكرت) الْمَاضِي وَذكرت (آتيَه) مُتَّصِلا بِهِ (بِلَا تَقْيِيد) أَي بِلَا ضبط وَلَا وزن (فَهُوَ) أَي الْفِعْل (على مِثال ضَرَبَ) بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي من الثلاثي الْمُجَرّد المطّرد وَثَانِي الدعائم الثَّلَاثَة (على أَنِّي أذهب) وأختار وأعتقد وأميل (إِلَى مَا قَالَ) إِمَام الْفَنّ (أَبُو زيد) مَشْهُور بكنيته، واسْمه سعيد بن أَوْس بن ثَابت بن بشير بن أبي زيد وَقيل ثَابت بن زيد بن قيس ابْن النُّعمان بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ اللغويُّ النحويّ، أَخذ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَعنهُ أَبُو عُبَيْد القاسمُ بن سلاَّم، وَأَبُو حَاتِم السجسْتانِي، وَأَبُو العيناء، وَكَانَ ثِقَة من أهل الْبَصْرَة، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر: وَكَانَ أَبُو زيدٍ أحفظَ النَّاس للّغة بعد أبي مالِكٍ، وأوسعهم رِوَايَة، وَأَكْثَرهم أَخذاً عَن الْبَادِيَة، وَقَالَ ابنُ مِنادِر: وَأَبُو زيدٍ من الْأَنْصَار، وَهُوَ من رُوَاة الحَدِيث، ثِقةُ عِنْدهم مأْمونٌ. قَالَ أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد: كَانَ سِيبَوَيْهٍ يَأْتِي مجلسي وَله ذُؤابتان، قَالَ: فَإِذا سمعته يَقُول: وحَدَّثني من أَثِق بعربيته فَإِنَّمَا يُرِيدنِي، وَمن جَلالة أبي زيد فِي اللُّغَة مَا حدَّث بِهِ جَعْفَر بن مُحَمَّد، حدّثنا مُحَمَّد بن الْحسن الْأَزْدِيّ عَن أبي حَاتِم السجسْتانِي، عَن أبي زيد قَالَ: كتَب رجلٌ من أهل رَامَهُرْمز إِلَى الْخَلِيل يسْأَله كَيفَ يُقَال مَا أَوْقفك
(1/83)

هَا هُنَا وَمن أَوْقفك، فَكتب إِلَيْهِ: هما وَاحِد. قَالَ أَبُو زيد: لَقِيَنِي الْخَلِيل فَقَالَ لي فِي ذَلِك فَقلت لَهُ: إِنَّمَا يُقَال مَنْ وَقَفَك، ومَا أوقفك، قَالَ: فَرجع إِلَى قولي، وَأما وَفَاته وبقيّة أسانيده فقد تقدّم فِي المقدّمة. وَيُوجد هُنَا فِي بعض النّسخ بعد قَوْله أَبُو زيد " وَجَمَاعَة " أَي مِمَّن تبعه وَرَأى رأْيه (إِذا جَاوَزت) أَنت أَيهَا النَّاظر فِي لُغَة الْعَرَب (المَشَاهِير) جمع مَشْهُور، وَهُوَ الْمَعْرُوف المتداول (من الْأَفْعَال) وَهِي الاصطلاحية (الَّتِي يَأْتِي) فِي الْكَلَام (ماضيها) الاصطلاحي (على فَعَل) بِالْفَتْح وَلم تكن عينه أَو لامه حرفا من حُرُوف الْحلق، وَلَا تعرض مضارِعه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْث عَنهُ فِي مظَانّه فَلَا تَجدهُ (فَأَنت فِي الْمُسْتَقْبل) حِينَئِذٍ (بالخِيار) أَي مخيّر فِيهِ (إِن شِئْت قُلْت يَفْعَلُ بضمِّ الْعين، وَإِن شِئْت قلت يفعِل بِكَسْرِهَا) وَفِي نُسْخَة " بِكَسْر الْعين " فالوجهانِ جائزان: الضمُّ وَالْكَسْر. وهما مستعملان فِيمَا لَا يُعْرَف مستقبله ومُتساويان فِيهِ، فكيفما نطقت أصبت، وَلَيْسَ الضَّم أولى من الْكسر، وَلَا الْكسر أولى من الضَّم، إِذْ قد ثَبت ذَلِك كثيرا، قَالُوا حشَر يحشِر ويحشُر، وزمَر يزمِر ويزمُر، وقَمرَ يقمِر ويقمُر، وفَسَق يفسِق ويفسُق، وفسَد يفسِد ويفسُد، وحسَر يحسِر ويحسُر، وعرَج يعرِج ويعرُج، وعكَف يعكِف ويعكُف، ونفَر ينفِر وينفُر وغدَر يغدِر ويغدُر، وعثَر يعثِر ويعثُر، وقدَر يقدِر ويقدُر، وسفَك يسفِك ويسفُك إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول إِيرَاده، وَفِيه لغتانِ. وَفِي البغية: قَالَ أَبُو عمر إِسْحَاق بن صَالح الجَرمي، سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة مَعمَر ابْن المثنَّى يروي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: سَمِعت الضَّم والكَسْر فِي عامَّة هَذَا الْبَاب، لَكِن رُبمَا اقتُصر فِيهِ على وَجْهٍ واحِد لَا بدَّ فِيهِ من السماع، وَمِنْهُم من قَالَ جَوَاز الْوَجْهَيْنِ الضمّ وَالْكَسْر إِنَّمَا يكون عِنْد مجاوَزة الْمَشَاهِير من الْأَفْعَال، وَأما فِي مَشْهُور الْكَلَام فَلَا يتعدّى مَا أتَت الرِّوَايَات فِيهِ كَسْرًا، كضرَب يضرِب، أَو ضما نَحْو قتل يقتُل، ويريدون بمجاوزة الْمَشَاهِير أَن يَرِد عَلَيْك فِعل لَا تعرف مُضارعَه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْث
(1/84)

عَنهُ فِي مظانِّه فَلَا تَجدهُ، ومجاوزة الْمَشَاهِير لَيست لكل إِنْسَان، وَإِنَّمَا هِيَ بعد حفظ المشهورات، فَلَا يَتَأَتَّى لمن لم يدرس الكُتب وَلَا اعتنى بالمحفوظ أَن يَقُول قد عدمت السَّماع فيختار فِي اللَّفْظَة يفعِل أَو يفعُل، لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم إِذا عُرف أَن الْمَاضِي على وزن فعل بِفَتْح الْعين وَلم يعرف الْمُضَارع، فَالْوَجْه أَن يَجْعَل يفعِل بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ أَكثر، والكسرة أَخف من الضمة، وَكَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو الْمُطَرز حاكياً عَن الْفراء إِذا أشكل يفعُل أَو يفعِل فبتْ على يفعِل بِالْكَسْرِ، فَإِنَّهُ الْبَاب عِنْدهم، قلت: وَمثله فِي خَاتِمَة الْمِصْبَاح، وَقد عقد لَهُ ابنُ دريدٍ فِي كتاب الْأَبْنِيَة من الجمهرة بَابا، وَنَقله ابْن عُصفور وَغَيره، قَالَ شَيخنَا: ومقالة أبي زيد السَّابِق ذكرهَا قد ذكرهَا ابْن القُوطية فِي صدر كِتَابه، وَكَذَا ابنُ القطاع فِي صدر أَفعاله مَبْسُوطا، وَالشَّيْخ أَبُو حَيَّان فِي البحرِ، وَأَبُو جَعْفَر الرُّعيني فِي اقتطاف الأزاهر، ثمَّ إِنَّه قد وجد بعد هَذَا الْكَلَام زِيَادَة، وَهِي فِي نُسْخَة شَيخنَا وَشرح عَلَيْهَا كَمَا شرح الْمَنَاوِيّ وَغَيره.
(و) من المحاسن الدالّة على حسن اختصاره أَن (كلّ كلمة عرَّيْتها) أَي جرَّدتها (عَن الضَّبْط) فِيهِ بِأَن لم أتعرض لَهَا بِكَوْنِهَا بِالْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر (فَإِنَّهَا بِالْفَتْح) فِي أَوله، فإهمالها من الضَّبْط هُوَ ضَبطهَا (إلاّ مَا اشْتهر بِخِلَافِهِ اشتهاراً رَافعا للنزاع) أَي الْخُصُومَة (من البَيْن) فَإِنَّهُ على مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي ضَبطه، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام، وَهَذِه النُّسْخَة سَاقِطَة عندنَا من بعض الأُصول وَلذَا أهملَها المحبُّ بن الشّحْنَة والبدر الْقَرَافِيّ وَغَيرهمَا، كَمَا قَالَه شَيخنَا. قلت: وَلَو أهملها من أهمل فَلَا خلاف أَنَّهَا من اصْطِلَاح المُصَنّف وقاعدته، كَمَا هُوَ مَشْهُور (وَمَا سوى ذَلِك) مِمَّا ذكرنَا من التعرِية عَن الضَّبْط وَالتَّقْيِيد (فأُقيّده) من الْإِطْلَاق (بِصَرِيح الْكَلَام) أَي خالصه وَظَاهره، أَو أكتبه بالْكلَام الصَّرِيح الَّذِي لَا شُبهة فِيهِ وَلَا اختلال وَلَا كِنَايَة، حَال كوني (غير مُقْتَنع) أَي غير مكتف وَلَا مجتز (بتوشيح القِلام) بِالْكَسْرِ جمع قَلَم، وَهُوَ مقيس
(1/85)

كالأقلام، أَي لَا يقنع بمجرّد ضبط الْقَلَم، أَي وضع الحرَكة على الْحَرْف، لِأَن ذَلِك عُرْضة للترك والتحريف، وَهَذَا من كَمَال الاعتناء، ووشّحه توشيحاً: ألبسهُ الوِشاح على عَاتِقه، مُخَالفا بَين طَرَفيه، وَيَأْتِي تَمَامه، والفقرة فِيهَا الِالْتِزَام والجناس المحرّف اللَّاحِق (مكتفياً بِكِتَابَة) هَذِه الأحرف الَّتِي اخترعها واقتطعها من الْكَلِمَات الَّتِي جعلهَا أعلاماً لَهَا فِي اصْطِلَاحه، وَهِي (ع د ة ج م) وَهِي خَمْسَة (عَن قولي: مَوضِع، وبلد، وقرية، وَالْجمع، ومعروف) فالعين وَالدَّال وَالْهَاء من آخر الْكَلِمَات، وَالْجِيم وَالْمِيم من أوائلها، لِئَلَّا يحصل الِاخْتِلَاط، وَفِيه لفّ وَنشر مرتّب (فتلخَّص) أَي تبين الْكتاب واتضح (وكُلُّ غَثٍّ) وَهُوَ اللَّحْم المهزول، وَمن الحَدِيث: الْفَاسِد (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) جَاءَ بهَا تبركا (عَنهُ) أَي الْكتاب (مَصروف) أَي مَدْفُوع عَنهُ، وَقدمه اهتماماً ومناسبة للفقرة، وفيهَا الِالْتِزَام، قَالَ شَيخنَا، وَضَابِط هَذِه جُمُعَة المصنّف بِنَفسِهِ فِي بَيْتَيْنِ، نقلهما عَنهُ غير وَاحِد من أَصْحَابه وهما:
(وَمَا فِيه مِنْ رَمْزٍ فخمسَةُ أَحْرُفٍ ... فمِيمٌ لمعْرُوفٍ وعَيْنٌ لموضِعِ)

(وجِيمٌ لجَمْعٍ ثمَّ هَاءٌ لقَرْيَةٍ ... وللبَلَد الدَّالُ الَّتِي أُهْملَتْ فَعِي)

وَفِي أزهار الرياض للمقّرِيّ.
(وَمَا فيهِ مِنْ رَمْزٍ بحرْفٍ فخمْسَةٌ ... )

ونسبهما لعبد الرَّحْمَن بن معمر الوَاسِطِيّ: وَقد ذيَّل عَلَيْهِمَا أَحدُ الشُّعَرَاء فَقَالَ:
(وفِي آخرِ الأبْوَابِ وَاوٌ وياؤهَا ... إشارةُ وَاوِيٍّ ويَائِيّها اسْمَعِ)

واستدرك بَعضهم أَيْضا فَقَالَ:
(وَمَا جاءَ فِي القَاموس رَمْزًا فسِتَّةٌ ... لموضِعهم عَيْنٌ ومعْرُوفٍ الميمُ)

(وجَجٌّ لجمْع الجَمْع دَالٌ لبَلْدةٍ ... وقَرْيتُهُمْ هاءٌ وجمْعٌ لَهُ الجِيمُ)

وَنقل شَيخنَا عَن شُيُوخه مَا نَصه: وَوجد بِهَامِش نسخةِ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بخطّه لنَفسِهِ:
(إِذا رُمْت فِي الْقَامُوس كَشْفاً لِلَفْظَةٍ ... فَآخِرُها لِلْباب والبَدْءُ لِلْفَصْل)
(1/86)

(وَلَا تَعْتَبِرْ فِي بَدْئِها وأَخِيرِها ... مزِيدًا ولكِنَّ اعتِبَارَكَ للأصْلِ)

وَقد تقدّم مَا قيل فِي اصْطِلَاح الصِّحَاح، فَهَذِهِ أُمور سَبْعَة جعلهَا اصْطِلَاحا لكتابه، ومَيَّزه بهَا اختصاراً وإيجازًا، وَإِن كَانَ بعضُها قد سبقه فِيهِ كالجوهري وَابْن سَيّده.
الأول: تَمْيِيزه الْموَاد الزَّائِدَة بِكِتَابَة الْأَحْمَر.
الثَّانِي: تَخْلِيص الْوَاو من الْيَاء.
الثَّالِث: عدم ذِكر جمع فَاعل المعتل مَا أُعِلّ مِنْهُ.
الرَّابِع: إتباع الْمُذكر الْمُؤَنَّث بقوله وَهِي بهاء.
الْخَامِس: الْإِشَارَة إِلَى الْمُضَارع مضموم الْعين هُوَ أَو مكسورها عِنْد ذكر الْآتِي وَعدم ذكره.
وَالسَّادِس: حَمْل المُطلق على ضَبْط الْفَتْح فِي غير الْمَشْهُور.
وَالسَّابِع: الِاقْتِصَار على الْحُرُوف الْخَمْسَة.
وَيجوز أَن يَجْعَل قَوْله " وَمَا سوى ذَلِك فأُقيده " اصْطِلَاحا ثامِناً، ليطابق عدد أَبْوَاب الجِنان.
قَالَ شَيخنَا: وَله ضَوابط واصطلاحات أُخر تعلم بممارسته ومعاناته واستقرائه.
مِنْهَا: أَن وسط الْكَلِمَة عِنْده مُرتب أَيْضا على حُروف المعجم كالأوائل والأواخر. قلت، وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك فِي أوّل الْخطْبَة، وَمثله فِي الصِّحَاح ولسان الْعَرَب وَغَيرهمَا.
وَمِنْهَا: إتقان الرباعيات والخماسيات فِي الضَّبْط، وترتيب الْحُرُوف، وَتَقْدِيم الأوّل فالأوّل.
وَمِنْهَا إِذا ذكرت الموازين فِي كلمة سَوَاء كَانَت فِعلاً أَو اسْما يقدّم الْمَشْهُور الفصيح وِلاءً ثمَّ يتبعهُ باللغات الزَّائِدَة إِن كَانَ فِي الْكَلِمَة لُغَتَانِ فَأكْثر.
وَمِنْهَا أَنه عِنْد إِيرَاد المصادر يقدم الْمصدر الْمَقِيس أوّلا ثمَّ يذكر غَيره فِي الْغَالِب.
وَمِنْهَا أَنه قد يَأْتِي بوزنين متّحدين فِي اللَّفْظ فيظُنُّ من لَا معرفَة لَهُ بأسرار الْأَلْفَاظ وَلَا باصطلاح الْحفاظ أَن ذَلِك تكرارٌ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة، وَقد يكون لَهُ
(1/87)

فَوَائِد يَأْتِي ذكرهَا، وأقربها أَنه أَحْيَانًا يزن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة بزُفر وصُرَد، وَكِلَاهُمَا مَشْهُور بِضَم أوّله وَفتح ثَانِيه، فَيظْهر أَنه تكرارٌ، وَهُوَ يُشِير بِالْوَزْنِ الأول إِلَى أَنه علم فَيعْتَبر فِيهِ الْمَنْع من الصّرْف، وَبِالثَّانِي إِلَى أَنه جنس لم يُقْصد مِنْهُ تَعْرِيف، فَيكون نكرَة فيُصرف، وَكَذَلِكَ يزِن تَارَة بسحاب وقطام وثمان وَمَا أشبه ذَلِك.
وَمِنْهَا: أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة فِي الْكَلِمَات دون الزَّوَائِد، وَمن ثمَّ خَفِي على كثير من النَّاس مُرَاجعَة أَلْفَاظ مزيدة فِيهِ، نَحْو التَّوْرَاة وَالتَّقوى، وَكثير من النَّاس يحاجي وَيَقُول: إِن المُصَنّف لم يذكر التَّقْوَى فِي كِتَابه، أَي بِنَاء على الظَّاهِر.
وَمِنْهَا أَنه عِنْد تصدّيه لذكر الجموع أَيْضا يقدم الْمَقِيس مِنْهَا على غَيره فِي الْغَالِب، وَقد يهمل الْمَقِيس أَحْيَانًا اعْتِمَادًا على شهرته، كالبوادي، وَقد يتْرك غَيره سَهوا، كَمَا نبينه.
وَمِنْهَا: أَنه يقدم الصِّفات المقيسة أوّلاً ثمَّ يتبعهَا بغَيْرهَا من الْمُبَالغَة أَو غَيرهَا، ويعقبها بِذكر مؤنثها بِتِلْكَ الأوزان أَو غَيرهَا، وَقد يفصل بَينهمَا، فيذكر أوّلاً صِفَات الْمُذكر، ويتبعها بمجموعها، ثمَّ يذكر صِفَات الْمُؤَنَّث، ثمَّ يتبعهَا بمجموعها، على الْأَكْثَر.
وَمِنْهَا: أَنه اخْتَار اسْتِعْمَال التحريك ومحرَّكا فِيمَا يكون بِفتْحَتَيْنِ، كجبَلٍ وفَرَح، وَإِطْلَاق الْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر على المفتوح الأوّل فَقَط أَو المضموم الأوّل فَقَط، أَو المكسور الأوّل فَقَط، وَهُوَ اصطلاحٌ لكَثير من اللغويين.
فَهَذِهِ نَحْو عشرَة أُمور إِنَّمَا تُؤْخَذ من الاستقراء والمعاناة، كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ. انْتهى.
(ثمَّ إِنِّي نبّهت فِيهِ) أَي الْقَامُوس (على أشياءَ) وأُمورٍ (رَكِبَ) أَي ارْتكب إِمَام الْفَنّ أَبُو نصر (الجوهريّ رَحمَه الله تَعَالَى) وَهِي جملَة دعائية (فِيهَا خلافَ الصَّواب) وغالب مَا نبّه عَلَيْهِ فَهُوَ من تكمِلة الصَّاغَانِي وحاشية ابْن بَرِّي وَغَيرهمَا، وللبدر الْقَرَافِيّ بَهجة النُّفُوس
(1/88)

فِي المحاكمة بَين الصِّحَاح والقاموس جمعهَا من خطوط عبد الباسط البُلْقِينِيّ وسعدي أَفَنْدِي مفتي الديار الرومية، وَقد اطَّلعت عَلَيْهِ، وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نورد فِي كل مَوضِع مَا يُنَاسِبه من الْجَواب عَن الْجَوْهَرِي، حَالَة كوني (غير طاعِنٍ) أَي دَافع وواقع وقادح (فِيهِ) أَي الجوهريّ (وَلَا قاصدٍ بذلك) أَي بالتنبيه الْمَفْهُوم من قَوْله نبهت (تَنْديداً) أَي إشهاراً (لَهُ) وَتَصْرِيحًا بعيوبه وإسماعه الْقَبِيح (و) لَا (إزراءً) أَي عَيْبا (عَلَيْهِ و) لَا (غضًّا مِنْهُ) أَي وَضْعا من قدره (بل) فعلت ذَلِك (استيضاحاً للصَّوَاب) أَي طلبا لِأَن يَتَّضِح الصَّوَاب من الْخَطَأ (واستِرْباحاً للثَّواب) أَي طلبا للرِّبح الْعَظِيم الَّذِي هُوَ الثَّوَاب من الله تَعَالَى، وَفِي الْفَقْرَة الترصيع والتزام مَا لَا يلْزم، وَقدم الاستيضاح على الاسترباح لكَونه الأهم عِنْد أُولي الْأَلْبَاب (وتحرُّزاً) أَي تحفظاً (وحَذَراً) محركة، وَفِي نُسْخَة حِذاراً ككِتاب، وَكِلَاهُمَا مصدران أَي خوفًا (من أَن يُنْمَى) أَي يُنسب (إليَّ التَّصْحِيف) قَالَ الرَّاغِب: هُوَ رِوَايَة الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لاشتباه حُرُوفه. وَفِي المزهر: قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعريُّ: أصل التَّصْحِيف أَن يَأْخُذ الرجلُ اللفظَ من قراءتِهِ فِي صحيفةٍ وَلم يكن سَمِعه من الرّجال فيغيّره عَن الصَّوَاب (أَو يُعْزَى) أَي ينْسب (إليَّ الغَلَط) محرَّكة، هُوَ الإعياء بالشَّيْء بِحَيْثُ لَا يَعرف فِيهِ وجْهَ الصَّوَاب (والتحريف) وَهُوَ التَّغْيِير، وتحريف الْكَلَام: أَن تَجْعَلهُ على حَرْف من الِاحْتِمَال، والمحرَّف: الْكَلِمَة الَّتِي خَرَجَت عَن أَصْلهَا غَلطا، كَقَوْلِهِم للمشئوم مَيْشوم. ثمَّ إِن الَّذِي حذر مِنْهُ وَهُوَ نِسبة الْغَلَط والتصحيف أَو التحريف إِلَيْهِ فقد وَقع فِيهِ جماعةٌ من الأجلاء من أَئِمَّة اللُّغَة وأئمة الحَدِيث، حَتَّى قَالَ الإِمَام أَحْمد: وَمَنْ يَعْرَى عَن الخَطَإ والتصحيف؟ قَالَ ابْن دُرَيْد: صحّف الخليلُ بن أَحْمد فَقَالَ: يَوْم بغاث، بالغين الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ،
(1/89)

أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ، وَفِي صِحَاح الْجَوْهَرِي: قَالَ الْأَصْمَعِي: كنت فِي مَجلس شُعبه فروى الحَدِيث قَالَ: تَسْمَعُونَ جَرْش طير الْجنَّة. بالشين الْمُعْجَمَة، فَقلت: جَرْس، فَنظر إليّ وَقَالَ: خذوها مِنْهُ، فَإِنَّهُ أعلم بِهَذَا منا. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدِّمَشْقِي فِي رِسَالَة لَهُ: إِن ضبط القَلَم لَا يُؤْمَن التحريفُ عَلَيْهِ، بل يتطرَّق أَوْهَامَ الظانِّين إِلَيْهِ، لَا سيّما من عِلْمه من الصُّحف بالمطالعة، من غير تَلَقٍّ من الْمَشَايِخ، وَلَا سُؤال وَلَا مُرَاجعَة. وقرأت فِي كتاب الْإِيضَاح لما يُستدرك للإصلاح كتاب الْمُسْتَدْرك لِلْحَافِظِ زين الدّين الْعِرَاقِيّ بِخَطِّهِ نقلا عَن أبي عَمْرو ابْن الصَّلاح مَا نصُّه: وَأما التَّصْحِيف فسبيل السَّلامة مِنْهُ الْأَخْذ من أَفْوَاه أهلِ العِلم والضبط، فَإِن من حُرم ذَلِك وَكَانَ أخذُه وتعلُّمه من بطُون الْكتب كَانَ من شَأْنه التحريف، وَلم يُفلِتْ من التبديل والتصحيف، وَالله أعلم.
(على أَنِّي لَو رُمْتُ) أَي طَلبت (للنِّضال) مصدر ناضَلَه مُنَاضلَةً إِذا بَارَاه بالرَّمْيِ (إيتارَ القَوْس) يُقَال أَوْتَر القوْسَ إِذا جعل لَهُ وَتَراً (لأنشدت) أَي ذكرت وقرأت، وَقد تقدم فِي المقدّمة أَنه يُقَال فِي رِوَايَة الشّعْر أنشدنا وَأخْبرنَا (بيتَيْ) مُثَنَّى بَيْت (الطائيِّ) نِسبَة إِلَى طيّئ كسيّد، على خِلاف الْقيَاس، كَمَا سَيَأْتِي فِي مادته، وَهُوَ أَبُو تَمام (حَبيب ابْن أَوْس) الشَّاعِر الْمَشْهُور، صَاحب الحماسة العجيبة، الَّتِي شرحها المرزوقي والزمخشريّ وَغَيرهمَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو حَيّان، أَنا لَا أَسمع عَذلاً فِي حبيب، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ يحفظ عشرَة آلَاف أُرجوزة للْعَرَب غير القصائد والمقاطيع، وَله الدِّيوَان الْفَائِق الْمَشْهُور الجامعُ لحُرّ الْكَلَام ودُرِّ النظام، ولد بجَاسم، قريةٍ من دمشق سنة 190، وَتُوفِّي بالموصل سنة 232 وَقيل غير ذَلِك، والبيتان اللَّذَان أَشَارَ إِلَيْهِمَا المُصَنّف قد قدَّمنا إنشادهما آنِفا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور على أَلْسِنَة النَّاس، وَهَكَذَا قرَّر لنا مَشَايِخنَا، قَالَ شَيخنَا: وَيُقَال إِن المُرَاد بالبيتين قَول أبي تَمام:
(1/90)

(فَلَوْ كَانَ يَفْنَى الشِّعْرُ أَفْنَاهُ مَا قَرَتْ ... حِيَاضُك مِنْهُ فِي العُصُورِ الذَّوَاهِبِ)

(ولكِنَّه صَوْبُ العُقُول إِذا انْجَلَتْ ... سَحَائبُ مِنْهُ أُعْقِبَتْ بِسَحَائبِ)

ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي كَانَ يرجِّحه شيخُنا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشاذلي رَضِي الله عَنهُ، ويستبعد الأوّلَ وَيَقُول: يقبح أَن يتَمَثَّل بِهِ أوّلاً صَرِيحًا ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ ثَانِيًا تَقْديرا وتلويحاً، وَهُوَ فِي غَايَة الوضوح لِأَنَّهُ يُؤدّي إِلَى التَّنَاقُض الظَّاهِر، وارتضاه شَيخنَا الإِمَام ابْن المسناويّ، وَعَلِيهِ كَانَ يقْتَصر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ الوجاري، رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ. والفقرة فِيهَا الْتِزَام مَا لَا يلْزم (وَلَو لم أَخْشَ) قَالَ الرَّاغِب: الخشية: خوفٌ يشوبه تَعظيم، وَأكْثر مَا يكون ذَلِك عَن علمٍ مِمَّا يخْشَى مِنْهُ. وَسَيَأْتِي مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي مادّته (مَا يَلْحق المُزَكِّيَ نَفْسَه) تزكيةُ الشَّاهِد: تطهيرُه من عوارض القَدْح، أَو تَقْوِيتُه وتأْييده بِذكر أَوْصَافه الجميلة الدّالَّة على عَدَالَته، وَيُقَال: تزكيةُ النفسِ ضَرْبَان:
فِعْلِيَّة، وَهِي محمودة ممدوحة شرعا، كَقَوْلِه تَعَالَى {قد أَفْلح من زكاها} بِأَن يحملهَا على الاتصاف بكامل الْأَوْصَاف.
وقوْلِيَّةِ، وَهِي مذمومة، كَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَا تزكوا أَنفسكُم} أَي بثنائِكم عَلَيْهَا وافتخارِكم بأفعالكم، وَأنْشد ابْن التلمساني:
(دَعْ مَدْحَ نَفْسِكَ إنْ أَرَدْتَ زَكَاءَهَا ... فَبِمَدْحِ نَفْسِكَ عَنْ مَقَامِكَ تَسْقُطُ)

(مَا دُمْتَ تَخْفِضُهَا يَزِيدُ عَلاؤُهَا ... والعَكْسُ فَانْظُرْ أَيُّ ذَلِك أَحْوَطُ)

(من المَعَرّة) أَي الْإِثْم وَالْعَيْب أَو الْخِيَانَة، وَسَيَأْتِي فِي مادّته مُطوَّلاً، وسبقت إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي الْخطْبَة (والدَّمَان) هُوَ بِالْفَتْح، وَاخْتلف الشُّرَّاح والمحشُّون فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: بل هُوَ الذَّان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، بِمَعْنى
(1/91)

الذَّام، وَهُوَ العَيْب، وَقَالَ بعضُهم: الدَّمَان كسَحاب من مَعَانِيه السَّرقين ويُراد بِهِ لازِمُه، وَهُوَ الحَقارة، هَذَا هُوَ الْمُنَاسب هُنَا، على حسب سَماعنا من الْمَشَايِخ، وَفِي بعض الأُصول بِكَسْر الْمُهْملَة أَو ضمهَا وَتَشْديد الْمِيم، مَصدرٌ من الدمَّامة وَهِي الحَقارة (لتمثَّلْت) يُقَال تمثّل بالشعر إِذا أَنشده مرَّةً بعد مرَّةٍ (بقول) أبي الْعَلَاء (أَحْمد بن) عبد الله بن (سُليمان) بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان المعَرِّيّ التنوخيّ القُضاعيّ اللغويّ، الشَّاعِر الْمَشْهُور، الْمُنْفَرد بِالْإِمَامَةِ، ولد يَوْم الجُمعة لثلاثٍ بَقينَ من ربيع الأوّل سنة 363 بالمعرّة، وعمى بالجُدَرِيّ، وَكَانَ يَقُول إِنَّه لَا يعرف من الألوان غير الحُمرة، وَتُوفِّي فِي الثَّالِث من ربيع الأول سنة 449 (أديب) وَهُوَ أَعَمُّ من الشَّاعِر، إِذْ الشِّعر أَحدُ فُنون الأَدب، وَهُوَ أَبلغ فِي الْمَدْح، وأضافه إِلَى (مَعَرّة النّعمانِ) لِأَنَّهَا بلدته، وَبهَا وُلد، وَهِي بَين حَلب وحَماة، وأُضيفت إِلَى النُّعمان بن بَشيرٍ الأنصاريّ، رَضِي الله عَنهُ، فنُسِبت إِلَيْهِ وَقيل: دفن بهَا ولَدٌ لَهُ، وَالْقَوْل الَّذِي أَشار إِلَيْهِ هُوَ قَوْله من قصيدة:
ومطلعها:
(وَإِنِّي وَإِن كُنْتُ الأخِيرَ زمَانُهُ ... لآت بِمَا لم تَسْتَطِعْه الأوائِلُ)

(أَلاَ فِي سَبيل المَجْدِ مَا أَنَا فَاعِلُ ... عَفَافٌ وإقبَالٌ ومَجْدٌ ونَائِلُ)

وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والجِناس التامُّ بَين مَعرّة والمعرَّة (وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ) الإِمَام (أَبُو الْعَبَّاس) مُحَمَّد بن يزِيد ابْن عبد الْأَكْبَر الثُّماليّ الأَزديّ البصريّ الإِمَام فِي النَّحْو واللغة وفنون الْأَدَب ولقبه (المبرّد) بِفَتْح الرَّاء المشدّد عِنْد الْأَكْثَر، وَبَعْضهمْ يكسر، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول بَرّد الله من بَرّدني، أَخذ عَن أبي عُثمانَ المازنيّ وَأبي حاتِمٍ السجسْتانِي وطبقتهما، وَعنهُ نفطَوَيْه وأَصحابه، وَكَانَ هُوَ وثعلب خَاتِمَة تَارِيخ الأُدباء، ولد سنة 210 وَتُوفِّي سنة 286 بِبَغْدَاد (فِي) كِتَابه الْمَشْهُور الْجَامِع وَهُوَ (الْكَامِل) وَقد جعله ابنُ رَشِيق فِي العُمدة من أَركان الْأَدَب الَّتِي لَا يَسْتَغنِي عَنْهَا مَنْ يُعاني
(1/92)

الْأَدَب، وَله غَيره من التصانيف الفائقة، كالمقتَضَب والرَّوْضة وَغَيرهمَا (وَهُوَ القائِلُ المحقّ) وَهَذِه جملَة اعتراضية جِيءَ بهَا فِي مدح الْمبرد بَين القَوْل ومقوله وَهُوَ (لَيْسَ لِقِدَم العَهْد) أَي تقدُّمه، والعَهد: الزَّمَان (يَفْضُل) أَي يزِيد ويكْمُل (الفائل) بِالْفَاءِ، وَضَبطه الْقَرَافِيّ وَغَيره بِالْقَافِ كالأوّل، وَهُوَ غلطٌ، فَالَ رَأْيُه كباع فَهُوَ فائِلُه، أَي فاسِدُه وضَعيفه (وَلَا لِحدْثَانِه) هُوَ كحِرْمان أَي الْقرب، وَالضَّمِير إِلَى الْعَهْد (يُهتَضَم) مبنيًّا للْمَجْهُول، أَي يُظلَم ويُنتَقص من هَضَمَه حَقَّه إِذا نَقصه (المُصِيب) ضد الْمُخطئ (وَلَكِن) الْإِنْصَاف وَالْحق أَن (يُعطى كلٌّ) من فائِل الرَّأْي ومُصِيبه (مَا يسْتَحق) أَي مَا يستوجبه من الْقبُول والردّ، وَمثل هَذَا الْكَلَام فِي خُطبة التسهيل مَا نَصه، وَإِذا كَانَت العُلوم مِنحاً إلهية ومواهب اختصاصِيّة، فَغير مُستبعَدٍ أَن يُدَّخَر لبَعض المتأَخرين مَا عَسُر على كَثير من المتقدِّمين، وَالْمعْنَى أَن تَقدُّمَ الزَّمَان وتأَخُّرَه لَيست لَهُ فضيلةٌ فِي نَفسه، لِأَن الْأَزْمَان كلهَا مُتَسَاوِيَة، وَإِنَّمَا المعتبَر الرجالُ الموجودون فِي تِلْكَ الْأَزْمَان، فالمصيب فِي رَأْيه وَنَقله ونقده لَا يضرُّه تأَخُّرُ زمانِه الَّذِي أظهره الله فِيهِ، والمخطئ الفاسدُ الرأيِ الفاسِدُ الفهمِ لَا يَنْفَعهُ تقدُّم زَمَانه، وَإِنَّمَا المُعَاصرة كَمَا قيل حِجَابٌ، والتقليد المَحْضُ وَبَالٌ على صاحِبِهِ وَعَذَاب، أنشدنا شيخُنا الأديب عبد الله بن سَلامَة الْمُؤَذّن:
(قُلْ لمَن لَا يَرَى المعاصِرَ شَيْئاً ... ويَرى لِلأوائِل التَّقْدِيمَا)

(إِن ذَاك القديمَ كانَ حَدِيثاً ... وسَيُسْمَى هَذَا الحديثُ قَدِيمَا)

وأنشدني أَيْضا لِابْنِ رَشِيق:
(أُولِع الناسُ بامتداحِ القَدِيمِ ... وَبِذَمِّ الجَدِيدِ غَيرِ الذَّميمِ)

(لَيْسَ إلاَّ لأَنَّهُمْ حَسَدُوا الحَيَّ ... وَرَقُّوا عَلَى العِظامِ الرَّمِيمِ)
(1/93)

وأنشدني أَيْضا:
(تَرى الفَتَى يُنكِرُ فَضْلَ الفَتَى ... خُبْثاً ولُؤْماً فَإذَا مَا ذَهَبْ)

(لجَّ بِهِ الحِرْصُ على نُكْتَةٍ ... يَكْتُبُهَا عَنْهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ)

والمُراد من ذَلِك كلّه النظرُ بعَين الْإِنْصَاف من المعاصِرين وَغَيرهم، فَإِن الْإِخْلَاص والإنصاف هُوَ الْمَقْصُود من الْعلم، وَإِنَّمَا أَورد المُصَنّف هَذَا القولَ مَعْزُوًّا لأبي الْعَبَّاس لِأَن بركَة العِلْم عَزْوُه إِلَى قَائِله.
(واختصصت) أَي آثرت (كِتَاب) الإِمَام أبي نصر (الجوهريّ) الْمُسَمّى بالصحاح، وأفردته بالتوجُّه إِلَيْهِ بالبحث على جِهة الْخُصُوص (من بَين الكُتب اللُّغَوِيَّة) أَي المصنفات المنسوبة إِلَى علم اللُّغَة، كاللُّباب والمحكم والمجمل وَالنِّهَايَة وَالْعين وَغَيرهَا (مَع مَا فِي غالبها) أَي أَكْثَرهَا، يَقُولُونَ: هَذَا الِاسْتِعْمَال هُوَ الْغَالِب، أَي الْأَكْثَر دَوَراناً فِي الْكَلَام، لكنه قد يتخلّف، بِخِلَاف المطَّرِد فَإِنَّهُ الْمَقِيس الَّذِي لَا يختلّ (مِن الأوهامِ) جمع وَهَم محركة، كالغَلَط وزْناً وَمعنى (الْوَاضِحَة) أَي الظَّاهِرَة ظهوراً بيِّناً لَا خفاءَ فِيهِ كوَضَح الصُّبْح (والأغلاط) جمع غَلَط قد تقدم مَعْنَاهُ (الفاضحة) المنكشفة فِي نَفسهَا، أَو الكاشفة لصَاحِبهَا ومرتكِبها (لِتَدَاوُله) بَين النَّاس، أَي عُلَمَاء الْفَنّ، كَمَا فِي بعض النّسخ هَذِه الزِّيَادَة، وَهُوَ حُصول الشَّيْء فِي يَدِ هَذَا مرَّةً وَفِي يَد الآخر أُخْرَى، وتداولوه: تناولوه وأَجْرَوْه بَينهم، وَهُوَ يدلّ على شُهرته ودورانه. وَفِي نُسْخَة أُخرى " لتنَاوله " وَهُوَ أَخذ الشَّيْء مُنَاوَبةً أَيْضا (واشتهارِه) أَي انتشاره ووضوحه (بخُصُوصه) أَي خاصّته دون غَيره (و) لأجل (اعتمادِ المدرِّسين) كَذَا فِي نُسْخَة الْمَنَاوِيّ والقرافي وميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ، وقاضي كجرات أَي استنادهم ورُكُونهم (على نُقُوله) جمع نَقْل مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَي الْمَنْقُول الَّذِي يَنقله عَن الثِّقات وَالْعرب العَرْباء (ونُصُوصه) هِيَ مَسائله الَّتِي أُوردت فِيهِ. وَفِي نُسْخَة ابْن الشّحْنَة " المتدرسين " بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ خطأ،
(1/94)

لِأَن هَذِه الصيغةَ مُشِيرةٌ إِلَى التعاطي بِغَيْر اسْتِحْقَاق، وَهُوَ قد جعل االاعتماد علّةً لاختصاصه من دون الْكتب، وَلَو تكلّف بَعضهم فِي تَصْحِيحه كَمَا تكلّف آخَرُونَ فِي معنى هَذِه الْجُمْلَة، أَعني اختصصت إِلَى آخرهَا بِوَجْه يَمجُّه الطبعُ السَّلِيم، ويستبعِدُه الذِّهْن الْمُسْتَقيم، فليحذر المطالِع من الركون إِلَيْهِ أَو التعويل عَلَيْهِ (وَهَذِه اللُّغَة الشريفةُ) من هُنَا إِلَى قَوْله " وكتابي هَذَا " سَاقِط فِي بعض النّسخ، وَعَلِيهِ شرح الْبَدْر الْقَرَافِيّ وَجَمَاعَة، لعدم ثُبُوته فِي أُصولهم، وَهُوَ ثَابت عندنَا، وَمثله فِي نُسْخَة ميرزا عَليّ والشرف الْأَحْمَر وَغَيرهمَا، وَهَذِه الْعبارَة من هُنَا إِلَى قَوْله " مَالك رِقّ الْعُلُوم وربِقة الْكَلَام " مَأْخُوذَة من رِسَالَة شرف إيوَان الْبَيَان فِي شرف بَيت صَاحب الدِّيوان، وَهِي رِسَالَة أَنشأَها بعض أُدباء أَصْفهان، من رجال الستمائة وَالثَّلَاثِينَ، باسم بعض أُمراء أَصفهان ونصُّها: تَهُبُّ نَوَاسِمُ القَبُول، على رَيْحانَة الْأَشْعَار والفُصول، فيُناوِح سَحَرِيُّ شَمَالِهَا شَمائِل المَحبوب، ويُنْعِم نُعَامى أَرضِها بَالَ المكروب، تَرفَع العَقيرة غِرِّيدة بانِها أَحْيَانا، وتَصوغ ذاتَ طَوْقها بِقَدْرِ القُدْرَةِ أَلحاناً، يتمتَّع بشَمِيم عَرارِها، وَإِن انساق إِلَى طَفَلِ العَشيَّة مُتُونَ نَهارها، تَغْتَنِم خَيْلُ الطّباع انتهابَ نقْلِ رياضها، وَإِن توانَتْ خُطَا طالبيه وتدَانَت كَرُوَيْحَات الفَجر فِي انتهاضها. إِلَى آخر مَا قَالَ، غير أَن الْمُؤلف قد تَصرَّف فِيهَا كَمَا ننبه عَلَيْهِ (لم تَزل ترفع العَقيرة) أَي الصَّوْت مُطلقًا أَو خاصَّة بالغِناء (غِرّيدة) بِالْكَسْرِ، صفة من غَرّد الطَّائِر تغريداً إِذا رفع صَوته وطَرّب بِهِ (بَانِها) شجرٌ مَعْرُوف، أَي لم تزل حمامةُ أَشجارِها ترفع صَوتهَا بِالْغنَاءِ (وتصوغ) مِن صَاغه صَوْغا إِذا هَيَّأه على مثالٍ مُسْتقِيم، وَأَصْلحهُ على أَحْسَن تَقْوِيم (ذاتُ طَوْقها) أَنْوَاع من الطير لَهَا أَطواق كالحمام والفواخت والقمارى وَنَحْوهَا (بقَدْرِ) أَي بِمِقْدَار (القُدْرَة) بِالضَّمِّ أَي الطَّاقَة (فُنونَ) أَي أَنْوَاع وَفِي نُسْخَة صنُوف (ألحانِها) أَي أَصواتها المطرّبة، وعبّر بالصوغ إِشَارَة
(1/95)

إِلَى أَنَّهَا تخترع ذَلِك وتنشئه إنْشَاء بديعاً. ومُراد المُصَنّف أَنَّهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تنقطِع وَلَا بُدَّ لَهَا مَن يقوم بهَا، وَإِن حصل فِيهَا التَّقْصِير أَحْيَانًا، لعُمُوم الْجَهْل، وتعاطي الْعُلُوم من لَيْسَ لَهَا بأَهْل، قَالَ شيخُنا وَلَا يخفى مَا فِي حذف المشبَّه وَذكر بعض أَنْوَاع الْمُشبه بِهِ كالغِرِّيدة وَذَات الطوْق، من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والتخييلية والترشيح، وَقد يدّعي إِثْبَات المشبّه أوّلاً حَيْثُ صرَّح باللغة الشَّرِيفَة، فَتكون الِاسْتِعَارَة تصريحيّة، وَفِيه الجناس المحرَّف الناقصُ، وإيراد الْمثل، وَغير ذَلِك من اللطائف الْجَوَامِع (وَإِن دارت الدوائرُ) أَي أحاطت النوائبُ والحوادث والمصائب من كُلّ جِهة (على ذوِيها) أَي أَصحابها، أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة، وَفِي شرف إيوَان الْبَيَان: وَلَا أَشتكِي تَحامُل الدَّهرِ بإضاعة بِضاعَة الْأَدَب، وسَلْب خَطَر المُقامرين على ذَلِك النَّدَب، وتطّرق الخَلل إِلَى القشر دون اللُّبَاب، وموضوع اللَّفْظ دون الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَغْزَى الطلاب، بل أَقُول دارت الدَّوَائِر على الْعُلُوم وذويها (وأَخْنَت) أَي أهلكت واستولت، وَفِي نُسْخَة قَاضِي كجرات وَبَعض الأُصول الَّتِي بأَيدينا " أنحت " بالنُّون قبل الْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ أَقبلت، وَمثله فِي شرف إيوَان الْبَيَان (على نَضَارَة) بِالْفَتْح النِّعْمَة وحُسْن المنظر (رِيَاض) جمع رَوْض سقط من بعض النّسخ (عَيْشِهم) حياتهم أَو مَا يتعيَّش بِهِ (تُذْوِيها) أَي تُجفِّفها وتُبَسِّها (حَتَّى) غَايَة لدَوَرَان الدَّوَائِر الْعَارِضَة (لَا لَهَا) أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة (اليومَ) أَي فِي زَمَانه، وَنَصّ عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان بعد قَوْله " تذويها " فأهملوا الْفُرُوع والأُصول، واطَّرحوا الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَرَغبُوا عَن الصناعات دقيقِها وجلِيلِها، وَالْحكم جُمَلِهَا وتفاصيلِها، فغاضت الشَّرَائِع بمسائلها، وَتركت مَدْلُولات أَحْكَام الْفِقْه بدلائلها فَلَا (دارِس) أَي قَارِئ ومشتغل بِهِ (سِوَى الطَّلَل) محركة: مَا شَخَص من آثَار الدَّار (فِي المَدَارس) جمع مَدْرسة، هِيَ مَوضِع الدِّراسة والقراءَة، وَذَلِكَ عبارَة عَن قلَّة الاعتناء بِالْعلمِ وانقراض أَهله، وَهَذَا فِي زَمَانه، فَكيف
(1/96)

بزماننا، وَقد روينَا فِي الحَدِيث المسلسل بالترحم أَن السيدة عَائِشَة أُم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: رحم الله لَبِيدًا كَيفَ لَو أدْرك زَمَاننَا هَذَا حِين أنْشد بَين يَديهَا:
(ذَهَبَ الذّين يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجرَبِ)

وأنشدنا غير وَاحِد:
(أمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ ... وأَرى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا)

نسْأَل الله اللطفَ والستر، إِنَّه وليّ الْإِجَابَة وَالْأَمر (وَلَا) لَهَا (مُجَاوِب) يردُّ لَهَا جوابَهَا (إلاّ الصَّدَى) وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي يُسْمَع من أَركان السُّقوف وَالْبَاب إِذا وَقع صِيَاحٌ فِي جوانبها (مَا بَين أعلامِها) أَي علاماتها الكائنة فِيهَا (الدَّوَارِس) أَي الَّتِي عفَتْ آثارها، وَكَأن هَذَا مُبَالغَة فِي الْإِعْرَاض عَن الْعلم وَطَلَبه، بِحَيْثُ لَو قدِّر أَنه رجل طَالب يسأَل من يأْخذه لَا يُلْقَى لَهُ مجاوب وَلَا يُوجَد لَهُ دَاع وَلَا مُجيب، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام مَا لَا يلْزم، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذِه الْعبارَة إِن اخْتلف إِلَى الْفُقَهَاء مُحَصل بِيَدِهِ التَّعْلِيق فمسبّب الدِّيوَان وحامل البروات، أَو ألزم الْحجَّة بطرِيق التَّوْجِيه معاند فمستخرج مَال القسمات، يَقع الْخلاف وَلَا منع إِلَّا عَن الْحق الصَّرِيح، وَلَا مُطَالبَة إِلَّا بِالْمَالِ الجسيم، وَلَا مصادرة على الْمَطْلُوب إِلَّا بِضَرْب يضْطَر مَعَه إِلَى التَّسْلِيم. إِلَى آخر مَا قَالَ (لَكِن) اسْتِدْرَاك على الْكَلَام السَّابِق، وَعبارَة الأَصْل: وَلَو شِئْت لقلْت أَسْأَرَت شِفاه اللَّيَالِي من الْقَوْم بَقَايا، وأخلفت بواسقُ النّخل ودَايَا، بلَى (لم يَتَصَوَّحْ) أَي لم يتشقق وَلم يَجِفَّ، وَصَاح النبت وصَوّح وتَصَوّح: يَبِس وجَفَّ، وَظَهَرت فِيهِ الشقوق (فِي عَصْفِ) بِفَتْح فَسُكُون أَي هبّ (تِلْكَ البَوَارِح) وَهِي الرِّيَاح الشَّدِيدَة الحارّة الَّتِي تهبّ بِشدَّة فِي الصَّيف، وَالْمرَاد بهَا تِلْكَ الْحَوَادِث والمصائب (نَبْتُ تِلْكَ الأبَاطِح) عبارَة
(1/97)

عَن اللُّغَة وَأَهْلهَا على وَجه الِاسْتِعَارَة التخييلية والمكنية والترشيحية (أَصْلاً) انتصابه على الظَّرْفِيَّة، أَي لم يتصوّح وقتا من الْأَوْقَات (وَرَاسا) هُوَ فِي نسختنا بِإِثْبَات الْهَمْز، وَسَقَطت عَن غَالب الأُصول المصححة، وَهُوَ على لُغَة بني تَمِيم فَإِنَّهُم يتركون الْهَمْز لزُوماً، خلافًا لمن زعم أَن ترك الْهَمْز إِنَّمَا هُوَ تَخْفيف، قَالَه شَيخنَا، وَالْمرَاد أَن تِلْكَ الدَّوَائِر الَّتِي دارت على أهل اللُّغَة لم تستأصلهم بالكلّيّة، بل أبقت مِنْهُم بقيّة قَليلَة، تنجع إِذا سقتْها سحائبُ التدارُكِ مِمَّن يقيِّضه الله على عَادَته إحْيَاء للدّين وعلومه، وَفِي الْفَقْرَة ترصيع (وَلم تُستَلَبْ) أَي لم تختلس وَلم ينتزع ذَلِك النبت الَّذِي أُريد بِهِ اللُّغَة، وَهُوَ من الافتعال، وَفِي نُسْخَة: وَلم يتسلَّب، من بَاب التفعُّل، فَهُوَ نَظِير لم يتَصَوّح، وَمثله فِي شرف إيوَان الْبَيَان (الأَعْواد المُورِقةُ) أَي الأغصان الَّتِي نبت عَلَيْهَا وَرَقُها (عَن آخِرِها) أَي بِتَمَامِهَا وَكلهَا، وَهَذِه الْكَلِمَة استعملها الْعَرَب قَدِيما وأرادت بهَا الِاسْتِيعَاب والشمول (وَإِن أَذْوَت) أَي أَجَفَّت وأَيبَسَتْ (اللَّيَالِي) أَي حركاتها (غِرَاسا) جمع غَرْسٍ أَو مُفْرد بِمَعْنى المغروس، كاللِّباس بِمَعْنى الملبوس، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام مَا لَا يلْزم، وَهُوَ الرَّاء قبل الْألف الموالية للسين الَّتِي هِيَ القافية، وَفِي نُسْخَة: وَإِن أذوت الْأَلْسِنَة ثمار اللَّيَالِي غراسا (وَلَا تَتَساقَطُ عَن عَذَبات) جمع عَذَبة محركة فيهمَا، وَهِي الطَّرَف، وعَذَبة الشجرةِ غُصْنُها كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي مادته (أفنانِ) جمع فَنَن، هُوَ الغُصن (الْأَلْسِنَة) جمع لِسان هُوَ الْجَارِحَة (ثِمارُ اللِّسَان) أَي اللُّغَة، وَفِي الأَصْل الْبَيَان (العربِيّ) منسوبة للْعَرَب (مَا اتّقَتْ) أَي تحفَّظت (مُصادمَةَ) أَي مدافعة (هُوجِ) بِالضَّمِّ، جمع هَوْجاء، وَهِي الرِّيح الْعَظِيمَة الَّتِي تَقلع البيوتَ وَالْأَشْجَار (الزَّعازِع) جمع زَعْزَع، وَالْمرَاد بهَا الشدائد، وَجعل ابنُ عبد الرَّحِيم الهُوجَ جمع هَوَج محركة، وتمحَّل لبَيَان مَعْنَاهُ، وَهُوَ غلط (بمُناسَبَةِ) أَي مشاكلة ومقاربة (الكِتابِ) وَهُوَ الْقُرْآن الْعَظِيم كَلَام الله الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه،
(1/98)

تَنْزِيل من حَكِيم حميد (ودَوْلَة النَّبي)
، وَالْمرَاد اسْتِمْرَار الغَلَبة النبويّة، قَالَ: وَهَذِه الْفَقْرَة كَالَّتِي قبلهَا مُشعرة بِبَقَاء هَذِه الْعُلُوم اللسانية، وَأَنَّهَا لَا تذْهب وَلَا تَنْقَطِع وَلَو صادمتها الزعازع والشدائد، لِأَنَّهَا قريبَة ومشاكلة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم، وللدولة النَّبَوِيَّة، فَكَمَا أَن الْقُرْآن والدولة النَّبَوِيَّة ثابتان باقيان بِبَقَاء الدُّنْيَا، وَلَا تزَال كلمة الله هِيَ الْعليا، وَلَا تزَال الدولة المحمدية صائلة، فَكَذَلِك مَا يتوصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْكتاب الْعَزِيز وَكَلَام النَّبِي
لَا يزَال مستمرًّا على مُرُور الزَّمَان، وَإِن حصل فِيهِ فتورٌ أَحْيَانًا، كَمَا أَن الاتقاءَ والتحفظ دَائِم لَا يَزُول، فَكَذَلِك عدم التساقط، وَفِي الْكَلَام من الاستعارات الكنائية والتخييلية والترشيحية، وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق والتزام مَا لَا يلْزم (وَلَا يَشْنَأُ) أَي لَا يبغض (هَذِه اللغةَ الشريفةَ) وَعبارَة الأَصْل: فَهِيَ اللُّغَة لَا يَشنَؤُها (إلاَّ من اهْتافَ بِهِ) افتعل من الهَيْفِ أَي رَمَاه (رِيحُ الشقاءِ) أَي الشدَّة والعسر وَخلاف السَّعَادَة، واستعار للشقاء ريح الهَيْف، لما بَينهمَا من كَمَال الْمُنَاسبَة فِي الْفساد الظَّاهِر وَالْبَاطِن، لِأَن الهَيْفَ ريحٌ شَدِيدَة حارّة، من شَأْنهَا أَن تُجَفِّف النَّبَات وتُعطش الْحَيَوَان وتُنشف الْمِيَاه أَي مَنْ بَغَض اللسانَ العربيَّ أَدّاه بُغْضه إِلَى بُغْض الْقُرْآن وسُنّة الرَّسُول
، وَذَلِكَ كُفْرٌ صُرَاح، وَهُوَ الشقاءُ الْبَاقِي، نسْأَل الله الْعَفو (وَلَا يَختار عَلَيْهَا) غَيرهَا من الْعُلُوم قبل مَعْرفَتهَا (إلاّ من اعتاض) أَي استبدل الرّيح (السافِيَة) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء، وَهِي الَّتِي تحمل الترابَ وتُلقيه فِي وَجهه وتَذرّه على عَيْنَيْهِ (مِن) وَفِي نُسْخَة عَن (الشَّحْوَاء) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ممدودًا، هُوَ الْبِئْر الواسعة الْكَثِيرَة المَاء الَّذِي هُوَ مادّة الْحَيَاة، قَالَ شَيخنَا، وَسمعت من يَقُول: السافية: الأَرْض ذَات السَّفا، وَهُوَ التُّرَاب، والسَّجْواء بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة الْبِئْر الواسعة، وَكِلَاهُمَا عِنْدِي غير ثَابت وَلَا صَحِيح، انْتهى. قلت: وَهَذِه النُّسْخَة أَي الثَّانِيَة هِيَ نَص
(1/99)

عبارَة الأَصْل (أفادَتْها) أَي أعطتها (مَيَامِنُ) أَي بَرَكَات (أنفاسِ المُستَجِنّ) أَي الْمُسْتَتر وَالْمرَاد بِهِ المقبور (بَطَيْبَةَ) وَهِي الْمَدِينَة المشرَّفة (طِيباً) أَي لذاذةً وعِطْرًا، وَالْمرَاد بِهِ النَّبِي
(فشَدَتْ) أَي غَنَّت ورَنَّمت (بهَا) أَي اللُّغَة (أيْكيَّةُ النُّطْق) هِيَ الْحَمَامَة وَنَحْوهَا من الطُّيُور الَّتِي لَهَا شَدْوٌ، وغناء نَسَبهَا إِلَى الأيك، وَهِي الغَيْضَة، لِأَنَّهَا تأْوِي إِلَيْهَا كثيرا، وتتخذها مساكنَ (على فَننِ) محرّكةً: الغصنُ (اللسانِ) هَذِه الْجَارِحَة (رَطيبا) أَي رَخْصاً ليِّناً نَاعِمًا، وَهُوَ حَال من الفَنَن، أَي أَن هَذَا اللِّسَان ببركات أنفاسه
لم تجفّ أغصانُها وَلم تزل حمائمُ النطقِ تُغنِّي على أَغْصَان الْأَلْسِنَة وَهِي رطبَة ناعمة، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على المجازات والاستعارات الِالْتِزَام (يَتداولها القومُ) أَي يَتَنَاوَلهَا (مَا ثَنَتِ الشَّمَال) أَي عطفت وأمالت، والشَّمال: الرّيح الَّتِي تهبُّ من الشأْم (مَعاطِفَ) جمع مِعْطَف كمنبر: الرِّدَاء، وَالْمرَاد مَا يكون عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَامَة والجوانب (غُصْن و) مَا (مَرَت) أَي دَرّت (الجَنوبُ) بِالْفَتْح الريحُ اليمانِية لبن (لِقْحَة) بِالْكَسْرِ: النَّاقة ذَات اللَّبن (مُزْن) بِالضَّمِّ هُوَ السَّحَاب، وَالْإِضَافَة فِيهِ كلُجَيْنِ الماءِ: قَالَ شَيخنَا: شبَّه الأغصان بالقدود، والمُزْن باللّقاح من الْإِبِل، الْجنُوب بِصَاحِب إبل يمرِيها ليستخرج دَرَّها، وَأورد ذَلِك على أكمل وَجه من الْمجَاز والاستعارة الكنائية والتخييلية والترشيح والمقابلة وَغير ذَلِك مِمَّا يظْهر بِالتَّأَمُّلِ (استظلالاً بدَوْلَة) أَي دُخولا تَحت ظلّ دولة، وَفِي الأَصْل استظلالاً بدوحة (مَن رَفَع مَنارَها) وعَلَمَها (فَأَعْلَى) وأوضح منزلَتها بِحَيْثُ لَا تَخفى على أحدٍ، وَهُوَ النَّبِي
(ودلّ) ضَبطه بَعضهم مبنيًّا للْمَفْعُول، وَالصَّوَاب مَبْنِيا للْفَاعِل مَعْطُوف على الصِّلَة، أَي أرشد وهَدَى (عَلى) نَيْلِ (شَجرةِ الْخلد) أَي الْبَقَاء والدوام وَهِي أَشجَار الْجنَّة (ومُلْكٍ لَا يَبْلَى) أَي سلطنة لَا يَلحقها بَلاءٌ وَلَا فَناء والدّالّ على ذَلِك هُوَ النَّبِي
على جِهة النُصْحِ للعباد،
(1/100)

وإرشادهم، إِلَى مَا يَنْفَعهُمْ يَوْم الْمعَاد، عِنْد رب الأرباب نصحاً وشفقةً وَرَحْمَة لَهُم، كَمَا أمره ربُّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَفِي الْكَلَام اقتباسٌ أَو تلميح، وَقد أَخطَأ فِي تَفْسِيره كثيرٌ من المحشِّين والطلبة المدَّعِين (وَكَيف لَا) تكون هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة منسوبة إِلَى النَّبِي
بَاقِيَة بِبَقَاء شَرِيعَته وَكتابه وسنته (و) الْحَال أَنه
هُوَ المتكلّم بهَا، بل أفْصح من تكلم بهَا، وَلذَلِك قَالَ (الفصاحةُ) وَفِي الأَصْل: كَيفَ لَا والنبوة (أَرَجٌ) محرّكةً الطيبُ (بِغَيْر ثنائه) هَكَذَا فِي سَائِر النّسخ بالثاء وَالنُّون، وَفِي الأَصْل بِغَيْر ثِيَابه، جمع ثَوْب، وَهُوَ الصَّوَاب (لَا يَعْبَقُ) أَي لَا يَفُوح وَلَا ينتشِر، وَقد تقدم فِي الْمُقدمَة بَيَان أفصحيَّته
وَمَا وَرَدَ فِيهِ (والسَّعادة صَبٌّ) أَي عاشق مُتابِع (سِوَى تُراب بَابه لَا يَعْشَق) وَلَا عَنهُ يحيد، فاللغة حازت الفصاحة والسعادة، واكتسبت ببركته
، وَفِي الفقرتين أنواعٌ من الْمجَاز، وَفِي المزهر: أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَب الْإِيمَان، من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
فِي يَوْم دَجْنٍ " كَيْفَ تَروْنَ بَوَاسِقَهَا؟ " قَالُوا: مَا أحسنَها وأشدَّ تَراكُمها. قَالَ: " كَيفَ تَرَوْنَ قَوَاعِدَها؟ " قَالُوا: مَا أَحسَنها وأَشدَّ تَمكُّنَها، قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ جَوْنَهَا؟ " قَالُوا: مَا أحْسنه وأشدّ سوادَه: قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ رَحَاها استدَارَتْ " قَالُوا: مَا أحْسنهَا وأشدَّ استدارتها. قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ بَرْقها أَخفِيًّا أم وَميضاً أم يَشُّقُ شَقًّا " " قَالُوا: بل يشقُّ شقًّا، فَقَالَ " الْحيَاء. فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، مَا أفصَحَك، مَا رَأينَا الَّذِي هُوَ أَعْرَبُ مِنْك، قَالَ: " حقّ لي، فَإِنَّمَا أُنزِل القرآنُ عَلَيّ بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبين ". ثمَّ إِن المُصَنّف لما ذكر أَوْصَافه الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة اشتاق إِلَى رُؤْيَة الحضرة، وتذكر تِلْكَ
(1/101)

النضرة، فَأقبل بِقَلْبِه وقالَبه عَلَيْهَا، وَجعلهَا كَأَنَّهَا حَاضِرَة لَدَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مخاطِب لَهُ
وَهُوَ بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: وَفِي الأَصْل قبل الْبَيْت بعد قَوْله لَا يعشق مَا نَصه: وبواسطة من خُلِق أَجود من الرّيح المرسَلة نَجِد عَرْف الجِنان، وحُبًّا لمن ألّف الْبَوَادِي نَستروِح نَسِيم الرَّنْدِ والبان، ثمَّ أنْشد:
(إذَا تَنَفَّسَ من وَادِيكَ رَيْحَانُ ... تَأَرَّجَتْ مِنْ قَميِصِ الصُّبْحِ أَرْدَانُ)

(إِذا تنفَّس مِنْ وَادِيك) أَي مجلسك (رَيحانُ) أَي كل ذِي رَائِحَة طيبَة (تأَرّجَتْ) أَي توهجَت (مِنْ قَمِيص (الصُّبْح) هُوَ الْفجْر (أَرْدَان) أَي أَكمام، جعل الصُّبْح كَأَنَّهُ شخص وَمَا ينتشر عَنهُ من أضوائه وأنواره عِنْد صدوع الْفجْر كَأَنَّهُ ثِيَاب يلبسهَا، وَجعل الثِّيَاب قَمِيصًا لَهُ أكمام مُتَفَرِّقَة، وقيّد بالصبح لِأَن رَوَائِح الأزهار والرياض تفوح غَالِبا مَعَ الصَّباح. وَالْبَيْت من الْبَسِيط، وَفِيه الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح وَقُوَّة الانسجام (وَمَا أجدَر) أَي أَحَق (هَذَا اللسانَ) أَي اللُّغَة، وَفِي الأَصْل ذَلِك اللِّسَان (وَهُوَ) أَي اللِّسَان (حَبيبُ النَّفس) أَي محبوبها (وعَشِيق الطبْع) أَي معشوقه أَي حُبُّه طبيعةٌ للأذواق السليمة (وسَمِيرُ) أَي مسامِر ومحادِث (ضميرِ) أَي خاطر وقلب (الجَمْع) هم الْجَمَاعَات المجتمعة للمنادَمَة والمسامَرة والملاطفة بأنواع الْأَدَب والمُلح وَذَلِكَ لما فِيهِ من الغرائب والنوادر (وَقد وَقَفَ) أَي اللِّسَان (على ثَنِيَّة الوَدَاع) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّهَا قد أزمعت الترحال، وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يعدّ توديعاً بَين الرِّجال، وَفِي الْفَقْرَة الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح (وهَمّ) أَي اعتنى واهتم وَقصد (قِبْلِيُّ) بِالْكَسْرِ مَنْسُوب إِلَى القِبلة، وَهِي جِهَة الصَّلَاة وناحية الْكَعْبَة المشرَّفة (مُزْنِه) أَي غَيْثه (بالإقلاع) أَي بالكفِّ والارتفاع، وَخص القِبليَّ لما من شَأْنه الانصباب (بِأَن يُعْتَنَقَ) الظّرْف مُتَعَلق بأجدر، أَي مَا أَحَق هَذَا اللِّسَان لشرفه وَتوقف الْأَمر عَلَيْهِ وعزمه
(1/102)

على الرحيل أَن يعامَل مُعاملة المفارِق فيُعْتَنق (ضمًّا والتزاماً كالأحبّة) أَي كَمَا يَضمُّون الصُّدُور على الصُّدُور، ويلتزمون بالنحور (لدَى التوديع) أَي مُوَادعة بَعضهم بَعْضًا (ويُكْرَم بِنَقْل الخطوات) أَي بِالْمَشْيِ مُتبعاً (على آثاره) أَي بَقِيَّته كالأعِزَّة، كَمَا فِي نُسْخَة الأَصْل (حالةَ التشييع) قَالَ شَيخنَا: وَقد أورد هَذَا الْكَلَام على جِهَة التَّمْثِيل حضًّا وحثًّا على تعلُّم اللُّغَة والاعتناء بشأنها وتحصيلها بِالْوَجْهِ الْمُمكن، وَإِن لم يُمكن الْكل فَلَا بُد من الْبَعْض فَجَعلهَا كشخص تهيَّأَ للسَّفر، ووقف على ثَنِيَّة الوَداع، وَأوجب تَشييعه وتَوْدِيعه بالاعتناق الْمُشْتَمل على الضمّ والالتزام الَّذِي لَا يكون إلاَّ للخاصة من الأحبَّة فِي وَقت التوديع، وحث على نقل الخُطا فِي آثاره حَالَة التشييع، كَمَا يفعل بِالصديقِ المضنون بمفارقته، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الزَّمن السَّابِق، من تَعْظِيم أهل اللُّغَة، وإنالتهم جلائل المكاسب فَقَالَ (وَإِلَى الْيَوْم) أَي إِلَى هَذَا الزَّمَان الَّذِي كَانَ فِيهِ (نَالَ القومُ) أَي أخذُوا وأدركوا (بِهِ) أَي بِسَبَب هَذَا اللِّسَان (الْمَرَاتِب) الجليلة (والحُظوظ) الجسيمة (وَجعلُوا) أَي صيروا (حَماطَة) بِالْفَتْح والمهملتين صَميم (جُلْجُلاَنِهِم) بِالضَّمِّ أَي حَبَّة قلبهم، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلام سيدنَا عليٍّ رَضِي الله عَنهُ، كَمَا مرَّ، وَفِي الأَصْل: جعلُوا حَمَاطة قُلُوبهم (لَوْحَه) أَي صَحِيفَته (الْمَحْفُوظ) المحروس، أَي جعل قلبه لَوْحَ ذَلِك الشَّيْء، فَإِن الْإِنْسَان إِذا أَكثر من ذكر شَيْء لَازمه وسلَّط قلبه على حفظه ورعايته. وَفِي الْفَقْرَة تضمين (وفاح) أَي انْتَشَر (مِن زهر) أَي نَوْر (تِلْكَ الخمائِل) جمع خَمِيلة (وَإِن أَخطأَه) أَي تجاوزه فَلم يُصِبْه (صوْبُ) أَي قصد أَو نزُول (الغُيُوث) الأمطار (الهَواطل) الغزيرة المتتابعة الْعَظِيمَة الْقطر (مَا تتولّعُ بِهِ) أَي تستنشقه (الْأَرْوَاح) وتحِنُّ لَهُ النُّفُوس (لَا) من الأُمور الْعَارِضَة الَّتِي تَأْخُذهُ (الرِّياح) والأَهْوِية فتفرِّقه، فَفِيهِ الْمُبَالغَة وجناس الِاشْتِقَاق (وتُزْهَى) مَبْنِيا للْمَجْهُول على الفصيح
(1/103)

أَي تتبختر وتتكبَّر (بِهِ الألسنُ لَا الأغصن) جمع غُصن، على المشاكلة، فَإِن الْقيَاس على مَا سَيَأْتِي فِي جمع غُصْن غصون وغِصنَة كقِرطَة وأغصان (ويُطلِع) بِضَم حرف المضارعة أَي يُظهِر (طَلْعَهُ) أَي ثمره السادات وَالْعُلَمَاء من (البَشَر لَا الشّجر) فَإِنَّهُ جامد، والطَّلع بِالْفَتْح شَيْء يخرج كَأَنَّهُ نَعْلَانِ مُطبقان، وَالْحمل بَينهمَا منضود الطَّرَف، مَحْدُود، وأُريد بِالشَّجَرِ النّخل، وَقد ثَبت عَن الْعَرَب تَسْمِيَة النّخل شَجرا، قَالَه الزّجاج وَغَيره، وَمِنْه الحَدِيث المرويّ فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يَسقط وَرَقها، وَإِنَّهَا لمثلُ الْمُؤمن، أخبروني مَا هِيَ " فَوَقع النَّاس فِي أَشجَار الْبَوَادِي، فَقَالَ: " أَلا وَهِي النَّخْلَة " وَقَالَ شَيخنَا: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر فِي الْعُلُوم هُوَ حملهَا عَن الرِّجَال ومشافهتهم بضبطها وإتقانها، لَا الْأَخْذ من الأوراق والصحف، فَإِنَّهُ ضلال مَحْضٌ، وَلَا سِيمَا المنقولات الَّتِي لَا مَجال لِلْعَقْلِ فِيهَا، كَرِوَايَة اللُّغَة والْحَدِيث الشريف، فَإِنَّهُمَا يتسلط عَلَيْهِمَا التَّصْحِيف والتحريف، وخصوصاً فِي هَذَا الزَّمَان، فالحذر الحذر. قلت: وَقد عقد السُّيُوطِيّ لهَذَا بَابا مستقلاًّ فِي المزهر فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَخْذ والتحمُّل فراجعْه. وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق والتلميح لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم ذكره، وَزَاد فِي الأَصْل بعد قَوْله الشّجر: ويسمح بجَناه الجنَان لَا الجِنَّان (ويجلوه) أَي يظهره ويكشف عَن حَقِيقَته (المنطِق السَّحَّار) أَي الْكَلَام الَّذِي يسحر السامعين لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السحر الْحَلَال (لَا الأسحار) جمع سحر، وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يكون قبل طُلُوع الْفجْر، وَخص لتوجه القرائح السيالة فِيهِ للمنثور من غرائب الْعُلُوم والمنظوم، وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا وتحلّ عقدته يدُ الإفصاح، لَا ناسم الإصياح، ويكسوه شعاعه الذَّكاء لَا ذُكَاء، ويهيج الطَّبْع وَلَا يكَاد يهيج، ويرف نَضارَة إِن ذَوَى الزهرُ البهيج (تُصان) وَفِي الأَصْل يُصان (عَن الخَبْطِ) أَي تحفظ عَن السُّقُوط (أوراقٌ عَلَيْهَا اشتملَتْ) أَي التفَّت
(1/104)

تِلْكَ الخمائل فَإِنَّهَا أزهار وأنوار، فيناسبها القطف والجَنْي، لَا الْخبط، لِأَنَّهُ يُفْسِدهَا، وَفِيه إِشَارَة إِلَى حسن إجتناء الْعلم وَكَمَال الْأَدَب عِنْد أَخذه وتلقّيه، وَفِيه تلميح للأوراق المعدَّة للكتابة وصيانتها عَن الْخبط فِيهَا خبط عَشْواء، والخوض فِيهَا بِغَيْر نظرٍ تامّ، والأُستاذ إِمَام (ويتَرفَّعُ) أَي يتعلّى (عَن السُّقوط) والخبط (نَضِيجُ ثَمرٍ) وَهُوَ محرّكة حَمْل الشّجر مُطلقًا أشجارُه) أَي النضيج (احتملتْ) مِن حَمَلَه واحتمله إِذا رَفعه، أَي يحافظ على تِلْكَ الثِّمَار بِحَيْثُ لَا تَجف وَلَا تذبُل حَتَّى يحصل لَهُ سُقُوط، بل يجب الاعتناءُ بهَا والمحافظة لَهَا، بِحَيْثُ يتَبَادَر إِلَى قطفها وتناولها قبل السُّقُوط والوقوع، وَفِيه الِالْتِزَام والمقابلة (من لُطف بلاغتهم) وَفِي الأَصْل من لطف تفريعاتهم (مَا يَفضح فُروع الآس) أَي أغصانه (رَجَّلَ جَعْدها) ترجيلاً إِذا سرَّحه وَأَصْلحهُ، والجَعد الشّعْر (ماشِطَةُ) ريح (الصَّبَا) وَالْإِضَافَة كلُجَيْن المَاء، أَي ريح الصَّبا الَّتِي هِيَ لفروع شَجَرَة الآس عِنْد هبوبها عَلَيْهَا وتسريحها إِيَّاهَا بِمَنْزِلَة الماشطة الَّتِي تُرَجّل شعر النِّسَاء وتُصلِح من حالهن. وَفِي الْجُمْلَة مُبَالغَة فِي مدحهم (وَمن حُسْن بَيانهم) هُوَ الْمنطق الفصيح المعرب عَمَّا فِي الضَّمِير. نَقله شَيخنَا عَن السعد، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: وَمن شعب بيانهم (مَا استلَبَ) أَي اختلس (الغُصْنَ) الْمَفْعُول الأوّل (رَشاقَتَه) مفعول ثَان (فَقلِقَ) أَي الْغُصْن لما حصل لَهُ من السَّلب (اضطراباً) مفعول مُطلق (شاءَ) أَي أَرَادَ ذَلِك الِاضْطِرَاب والقلق (أَو أبَى) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: أَمْ أَبى، أَي امْتنع، فَلَا بُد من وُقُوعه، كَمَا هُوَ شَأْن الأغصان إِذا هبَّ عَلَيْهَا النسيم فَإِنَّهُ يُميلها ويُقْلِقها. وَفِي الفقرتين مُبَالغَة والتزام وترصيع ومقابلة، والاستعارة المكنية والتخييلية فِي الترجيل والجعد، وَالتَّعْبِير بالفروع فِيهِ لطف بديع، لِأَن من إطلاقاتها عقائص الشّعْر، كَمَا
(1/105)

فِي شعر امْرِئ الْقَيْس وَغَيره، قَالَه شَيخنَا، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا: لَم تَزْهُ أَيدي الأغصانِ فِي أكمامِ الزَّهر بالامتداد دونهَا، إِلَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الرياحُ فكادَت تَقصِفُ مُتونَها، وَلم يَدَعْ مِسْكيَّ نَوْرِ الخِلاف يَجْنُبها طِيبُ الشمائلِ، إِلَّا ومَزَّقت فَرْوَته على ذُرَى الأعواد ترمِيه باصفرار الأنامل، إِلَى آخر مَا قَالَ (وللهِ) يُؤْتِي بهَا عِنْد إِرَادَة التفخيم والتهويل، وَإِظْهَار الْعَجز عَن الْقيام بِوَاجِب من يذكر فيضيفه الْمُتَكَلّم إِلَى الله تَعَالَى، وَمن ثَمَّ قَالُوا لمن يَستغربون مِنْهُ نَادِرَة: لله دَرُّه، وَللَّه فلانٌ، وَمن ذَلِك أنشدنا الأديب الماهر الْمُحَقق حُسَيْن بن عبد الشكُور الطائفيُّ بهَا:
(لله قومٌ كِرَامٌ ... مَا فِيهِمُ مَنْ جَفَانِي)

(عَادوا وعَادُوا وعَادُوا ... عَلى اخْتِلاف المَعاني)

(صُبَابةٌ) بِالضَّمِّ الْبَقِيَّة من كل شَيْء، كَمَا يَأْتِي فِي مادّته، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَللَّه صُيَّابة، بِضَم وَتَشْديد مثناة تحتية وَبعد الْألف مُوَحدَة (من الخُلفاء) جمع خَليفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم (الحُنَفَاء) جمع حنيفَة وَالْمرَاد بِهِ الْكَامِل الإسلامِ، الناسك المائل إِلَى الدّين (و) عِصَابَة من (الْمُلُوك العُظماء) أَي ذَوِي العظمة والفخامة اللائقة بهم، وَفِيه الِالْتِزَام (الَّذين تَقلَّبوا فِي أعطاف الفَضْل) والكمال وتخوّلوا فِيهَا (وأَعْجَبوا بالمنطِق الفَصْل) الفصيح الَّذِي يَفْصل الْمعَانِي بَعْضهَا من بعض، أَو الْفَصْل بِمَعْنى الْحق، أَو هُوَ مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَفِيه جناس تصحيفي (وتَفكَّهوا) أَي تنعَّموا (بثِمار الْأَدَب الغضّ) أَي الناعم الطري (وأُولِعوا) أَي أغروا (بأبكار الْمعَانِي) أَي الْمعَانِي المبتكرة (وَلَع) أَي إغراءَ (المُفتَرع المفتَضّ) وَكِلَاهُمَا من افترع البِكر وافتضَّها أَي أَزَال بَكَارَتهَا بِالْجِمَاعِ، وَبَين تفكَّهوا وتقلّبوا، وأعجبوا وأولعوا مُقَابلَة، وَفِي التقلب والتفكه وَالثِّمَار والأبكار مجازات (شَمِل القومَ)
(1/106)

أَي أهل اللُّغَة، وشملهم: عمَّهم (اصطناعُهُم) أَي معروفهم وإحسانهم وصنيعهم (وطَرِبت) أَي فرحت ونشطت وارتاحت (لِكَلِمهم) أَي الْقَوْم جمع كَلَام (الغُرِّ) بِالضَّمِّ جمع غُرَّةٍ، أَي الْوَاضِحَة البيِّنة، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطربت للأناشيد (أسماعُهُم) أَي آذان الْخُلَفَاء (بل أَنْعشَ) أَي رفع وأقال (الجُدودَ) جمع جَدّ هُوَ الْحَظ وَالْبخْت (العَواثِرَ) جمع عاثر وعثر كضرب وَنصر وَعلم وكرم إِذا كبا وسَقط وعثر جَدُّه: تعس، كَمَا سَيَأْتِي (إلطافهم) بِالْكَسْرِ أَي ملاطفتهم ورفقهم، وقرأت فِي مُعجم ياقوت لعَمْرو ابْن الْحَارِث بن مُضاض الجرهمي قَوْله من قصيدة طَوِيلَة:
(بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَوَاثِرُ)

(واهتزَّت) أَي فرحت وسُرَّت (لاكتساء حُلَل) جمع حُلّة، ثَوبانِ يَحُلُّ أحدُهما فَوق الآخر (الحَمْدِ) أَي الثَّنَاء الْجَمِيل (أعطافُهم) جمع عِطْف بِالْكَسْرِ، هُوَ الْجَانِب، وَالْمرَاد بهَا ذاتهم، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والاستعارة المكنية (رَاموا تخليدَ الذِّكر) أَي إبقاءَه على وجْه الدَّوَام (بالإنعام) أَي الْإِحْسَان (على الْأَعْلَام) أَي عُلَمَاء الْأَدَب واللغة الْمشَار إِلَيْهِم، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: راموا تخليد الذّكر بِوَاسِطَة الْكَلَام (وَأَرَادُوا أَن يعيشوا بعُمُرٍ ثانٍ) والعمر مُدة بقاءِ الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات (بعد مُشَارَفة) أَي مقارَبة (الحِمام) بِالْكَسْرِ الْمَوْت، إِشَارَة إِلَى أَن من دَامَ ذِكْرُه لم ينتقص عمرُه، أنْشد أَبُو الْحجَّاج الْقُضَاعِي لِابْنِ السَّيِّد:
(أخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ... وأَوصالهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ)

(وَذُو الجَهْل مَيْتٌ وهْوَ يَمْشِي علَى الثَّرَى ... يُعدُّ مِنَ الأحْياءِ وَهْوَ عَدِيمُ)

وَأنْشد شَيخنَا لأبي نَصرٍ الميكاليّ، وَهُوَ فِي الْيَتِيمَة:
(وَإذَا الكَرِيمُ مَضَى وَولَّى عُمْرُهُ ... كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِعُمْرٍ ثَانِ)
(1/107)

(طواهم الدهرُ) أَي أفناهم وصيَّرهم كالثَّوْب الَّذِي يُطوَى بعد نَشْرِه (فَلم يبْق لأعلامِ العلومِ) ، الأوَّل جمع عَلَم بِالْفَتْح، وَالثَّانِي جمع عِلْم بِالْكَسْرِ (رافِع) أَي مُعْلِى (ولاعن حرِيمها) أَي أَعلام الْعُلُوم، والحريم فِي الأَصْل: مَا حَوْل الشَّيْء من الْحُقُوق وَالْمَنَافِع، وَمِنْه حَرِيمُ الدّارِ، وَبِه سُمِّيَ حَرِيم دارِ الخِلافة، كَمَا سَيَأْتِي (الَّذِي هَتَكَتْه) أَي شَقَّت سِتْرَه، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: انتهكته (اللَّيَالِي) أَي دوائرها ونوائبها (مُدافِع) أَي محامٍ وناصرٌ، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام وَالْمجَاز الْعقلِيّ، أَو الِاسْتِعَارَة المكنية وجناس الِاشْتِقَاق، والمكنية فِي تَشْبِيه الْحَرِيم بِشَيْء لَهُ سِتارة، والترشيح فِي إِثْبَات الهتك لَهُ (بل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: بلَى (زَعَم الشامِتون بِالْعلمِ) جمع شامت من شَمِت بِهِ إِذا فَرح بمصيبة نزلَتْ بِهِ، وَالْمرَاد بالزعْمِ القولُ المظنون أَو الْكَذِب، وَتَأْتِي مباحثه (و) الشامتون ب (طُلاَّبِه) أَي الْعلم، جمع طَالب (والقائلون) أَي الزاعمون (بِدَوْلَة الجهلِ و) كَذَا (أحزابِه) أَي أنصاره ومعاونيه أَو جماعته (أَن الزَّمَان بمثلهم) أَي أَعْلَام الْعُلُوم الْمَاضِي ذِكْرُهم أَي الْخُلَفَاء، وَلَفْظَة الْمثل زَائِدَة، أَي بهم (لَا يَجُود) أَي لَا يُعْطِي (وأنّ وقْتاً قد مضى [بهم] ) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَأَن زَمنا مضى أَي ذهب وانقضى (لَا يَعود) أَي لَا يرجع، لِأَنَّهُ محَال عقليّ، وَقيل: عاديّ، كرجوع الشَّبَاب عِنْد السُّبكي. وَفِي عكس هَذَا قَالَ الشَّاعِر:
(حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ ... إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ)

وَفِي الْكَلَام اسْتِعَارَة ومجاز عَقْلِي والتزام بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاو الرَّوِيّ فَإِنَّهَا غير وَاجِبَة كَمَا قرّر فِي مَحَله (فرَدَّ عَلَيْهِم) أَي على الشامتين والقائلين أَي رَجَعَ (الدهْر مُراغِماً) أَي ملاصقاً بالرُّغام أَي التُّرَاب، وَفِي نُسْخَة الأَصْل مُرْغِماً (أُنوفَهم) وَهُوَ كِنَايَة عَن كَمَال الإهانة (وتبيَّن) أَي ظهر (الْأَمر) أَي الشان (بالضّدّ) أَي بِخِلَاف مَا زعموه، أَو
(1/108)

أَن تبين متعدّ، وَالْأَمر مَنْصُوب على المفعولية، وفاعله ضمير الدَّهْر، بِدَلِيل قَوْله (جالباً حُتوفَهم) جمع حَتْف، هُوَ الْهَلَاك، وَفِي الْفَقْرَة الْمجَاز والترصيع والالتزام (فطلَع) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطلع (صُبْح النُّجْع) بِالضَّمِّ أَي الظَّفَر والفَوْز (مِن آفَاق) أَي جِهَات (حُسْنِ الِاتِّفَاق) وبديعه (وتباشرَت) أَي سُرَّت (أَرْبَاب) أَصْحَاب (تِلْكَ السِّلَع) بِالْكَسْرِ جمع سِلْعة وَهِي البضاعة (بِنَفَاق) بالفَتح رَوَجَان الْبيُوع (الْأَسْوَاق) أَي قِيَامهَا وعمارَتها، وَفِيه نوع من صناعَة الترصيع وَغَيره من مجازات واستعارات (وناهَضَ) أَي قاوم (مُلوكَ الْعدْل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل الْعَهْد (لتنفيذ) أَي إِمْضَاء وإجراء (الْأَحْكَام، مالكُ) بِالرَّفْع فَاعل ناهض (رِقّ الْعُلُوم) أَي المستولي عَلَيْهَا كاستيلاء الْمَالِك على الرقّ (ورِبْقَة الْكَلَام) ، وَفِي نُسْخَة الأَصْل " وربقة الْأَنَام " وَهِي حَبْل فِيهِ عِدَّة عُرًى تُتَّخذ لضبط البَهْمِ، وَهِي صغَار الغَنَمِ، وَفِيه اسْتِعَارَة وجناس اشتقاق وَحسن التَّخَلُّص لذكر الممدوح، وَهَذِه الْفقر من قَوْله " لم تَزل ترفع غِرِّيدة بانها " إِلَى هنَا، كلهَا عبَارَة شرف إيوَان الْبَيَان المسلُوف ذِكْرُها، وَإِيَّاهَا أَعنِي بنسخة الأَصْل فَاعْلَم ذَلِك (بُرْهان) أَي حجَّة (الأساطينِ الأعْلامِ) جمع علم (سُلطان سلاطين الْإِسْلَام) وَيجوز أَن يُرَاد بالأعلام السادات فَإِنَّهُم أساطين الدّين المتين، وَفِيهِمَا ترصيع بديع وجناس حسن والتزام (غُرَّة وجْهِ اللَّيَالِي، قمرً بَراقع) جمع برقع تقدّم ذكره (الترافُع والتعالي) تفَاعل من الرِّفعة وَمن العُلُوّ، وَفِيه جناس التَّصْحِيف والتحريف، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: فِي مدح ولدَيّ صَاحب الدِّيوَان غُرَّتَي وجْهِ اللَّيَالِي، وقَمرَيْ سماءِ الْمَعَالِي (عاقِد أَلْوِية) جمع لِوَاء (فُنون الْعلم كُلِّها) توكيد للفنون، وَفِيه مُبَالغَة واستعارة مكنيّة وتصريحية (شاهِر سُيوف العدلِ ردَّ الغِرارَ) بِالْكَسْرِ النّوم (إِلَى الأجفان) جمع جَفْن الْعين، وَيُطلق على غِمد السَّيْف (بِسَلِّها) أَي تِلْكَ السيوف، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الْأمان
(1/109)

والدَّعة والراحة الَّتِي ينشأُ عَنْهَا النّوم، يَعْنِي إشهار سيوف الْعدْل كَانَ سَببا فِي ذَلِك، وَفِيه التَّأْكِيد وَالْإِيهَام والمقابلة والاستعارة (مُقَلِّد أعناقِ البرايا) أَي الْخلق (بالتحقيق) أَي التثبيت (طَوْقَ امتنانِه) أَي إحسانه وإفضاله، وَفِيه الْمُبَالغَة والاستعارة (مُقَرِّط) أَي محلِّي (آذانِ اللَّيَالِي) أسماعها أَي جَاعل آذان اللَّيَالِي مُقَرَّطَةً مُشَنَّفةً مُحلاَّةً (على مَا بَلَغَ) أَي وصل إِلَى جَمِيع (المَسامِع) جمع مِسْمع كمنبر: الأُذن، أَي شاع وذاع حَتَّى وصل إِلَى جَمِيع الأسماع (شُنُوفَ) أَي حُلَى (بَيانِه) وَفِيه الِاسْتِعَارَة ومراعاة النظير (مُمهِّد الدّين) أَي مُسهِّله ومُوطِّئه (ومُؤَيِّده) ومُقوِّيه فِي قِيَامه بأُموره وَمَا يصلحه، وَفِيهِمَا تلميح إِلَى ألقاب جَدّ الممدوح الْملك المُؤَيَّد ممهِّد الدّين دَاوُد بن عليّ، كَمَا سَيَأْتِي (مُسَدِّد المُلْكِ) من السَّداد، بِالْفَتْح، هُوَ الصَّوَاب فِي القَوْل والفِعل، أَي مقوّمه ومُنَظِّم مَا اختلَّ مِنْهُ (ومُشَيِّده) أَي رافعه، وَسَيَأْتِي فِي مَادَّته مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَفِي الفقرتين الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة.
(1)
(مولى مُلوك الأَرْض من فِي وَجْهه ... مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّما مِقْبَاسِ)

(2)
(بَدْرٌ مُحَيَّا وَجْهِهِ الأَسنَى لنَا ... مُغْنٍ عَنِ القمَرَيْن والنِّبراسِ)

(3)
(مِن أُسْرَة شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فاعْتَلَتْ ... عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلاؤُها بِقياسِ)

(4)
(رَوَوُا الخِلافة كابِراً عَنْ كابِرٍ ... بِصَحِيح إسْنَادِ بِلا إلْبَاسِ)

(5)
(فَرَوى عَلِيٌّ عَنْ رَسُولٍ مِثلَ مَا ... يَرْوِيه يوسفُ عَنْ عُمَرْ ذِي البَاسِ)

(6)
(وَرَواه دَاوُودٌ صَحِيحاً عَنْ عُمَرْ ... وروى عَليٌّ عَنْهُ للجُلاَّسِ)

(7)
(ورَوَاه عَبَّاسٌ كَذَلِك عَنْ عَلِي ... ورَوَاهُ إسماعيلُ عَنْ عَبَّاسِ)

(مولَى) أَي سيّد (مُلوكِ الأَرْض) ومالكهم بسطوته ومآثره (مَنْ فِي وَجْهِه مِقبَاسُ نورٍ) أَي شُعْلَة من نور تلمع فِي وَجه الممدوح (أَيُّما مِقباسِ) أيْ مِقْباس وأيُّ مقباس، أَي مقباس
(1/110)

عَظِيم، وَفِي ذكره النُّور الاحتراس وَدفع الْإِيهَام، لِأَن المقباس هُوَ شعلة نَار (بَدْرٌ مُحيّا) كثُرَيَّا أَي حُرّ (وَجْهه الْأَسْنَى) أَي الأَضْوأ أَو الأَرفع (لنا مُغْنٍ) أَي كافٍ (عَن القمرَيْنِ) أَي الشَّمْس وَالْقَمَر تَغْلِيبًا كالنَّيِّرَيْنِ (و) عَن (النِّبْراسِ) بِالْكَسْرِ الْمِصْبَاح، وَفِيه الْمُبَالغَة (مِن أُسْرَةٍ) بِالضَّمِّ أَي رَهْطٍ (شَرُفَت) أَي علا مجدهم (وجَلَّت فاعْتَلَت) أَي ارْتَفَعت (عَنْ أَن يُقَاس) مَبْنِيّ للْمَجْهُول (عَلاؤُها) بِالْفَتْح مَمْدُود (بِقياس) وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق ومراعاة النظير (رَوَوُا الخِلافَةَ) أَي أسندوها مُعَنْعَنةً من غير انْقِطَاع، كَمَا يُنْقَلُ الحَدِيث ويُحْمَل عَن أَصْحَابه (كابِرًا) حَال من فَاعل رووا أَي عَظِيما (عَن كابرٍ) أَي عَن عظيمٍ (بِصحيح إسنادٍ) غير مُعَلّلٍ وَلَا شَاذٍّ (بِلَا إلْباسِ) أَي بِلَا إِشْكَال وتدليس، وَفِيه التورية بِالْإِشَارَةِ إِلَى اصْطِلَاح المحدِّثين بِذكر الرِّوَاية والإسناد وَالصَّحِيح والإلباس والإتيان بِعَنْ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول أبي سعيد الرُّسْتميّ فِي الصاحِب بن عَبَّاد، كَمَا أنشدنيه غيرُ وَاحِد:
(وَرِثَ الوِزَارةَ كابِرًا عَن كَابٍ ر ... مَوْصُولَةَ الإسنادِ بالإسنادِ)

(فروى عَن العبّاس عَبَّادٌ وِزارَته ... وإسماعيلُ عَن عَبَّادٌ)

وَمن هُنَا أَخذ المُصَنّف فَقَالَ (فَرَوى عَلِيٌّ) شرع فِي بَيَان رجال السَّنَد، وَأَرَادَ بِهِ الْأَمِير شمس الدّين علِيًّا أوّل من ملك من هَذَا الْبَيْت وَهُوَ قد أَخذ الْخلَافَة (عَن) وَالِده (رَسُولٍ) وَيُقَال إِن اسْمه مُحَمَّد بن هَارُون بن أبي الْفَتْح بن يُوحى بن أبي الْفَتْح الجفنيّ الغَسَّانيّ، من نَسْلِ جَبلةَ بن الأَيْهم بن جَبلة بن الْحَارِث بن أبي جَبَلة الغسَّانيّ، وَهُوَ أوّل من عَهِد إِلَيْهِ بالنيابة الخليفةُ المستعصم بِاللَّه العباسيّ أَبُو مُحَمَّد عبد الله، كَمَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف النسابة عُمر بن يُوسُف ابْن عمر بن عَليّ بن رَسُول عمّ وَالِد الممدوح، فِي رِسَالَة لَهُ سَمَّاها تُحفة الأحباب فِي علم الْأَنْسَاب. قَالَ وأعقب الْأَمِير شمس الدّين عليّ أَرْبَعَة: بدر الدّين الْحسن، وَالْملك الْمَنْصُور
(1/111)

أَبَا بكر، وَالْملك الْمَنْصُور عُمر، والأمير شرف الدّين مُحَمَّدًا. وأولد الْأَمِير بدر الدّين الْحسن من الرِّجَال اثنينِ. أَسد الدّين مُحَمَّدًا وفخر الدّين أَبَا بكر، وَأَوْلَاد أَسد الدّين الذُّكْرَانُ: جلال الدّين عليّ، وشمس الدّين أَحْمد، وفخر الدّين أَبُو بكر، وَشرف الدّين مُوسَى، وَبدر الدّين حسن، وجلال الدّين حُسَيْن، وَصَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن، ولفخر الدّين ولدٌ واحدٌ، وَهُوَ غياث الدّين مُحَمَّد (مِثلَ مَا يرويهِ) الْملك المظفر (يُوسفُ عَن) وَالِده الْملك الْمَنْصُور (عُمَرْ) بن عليّ بن رَسول، وسكَّنَ راءَه ضَرُورَة (ذِي الباسِ) أَي الهيبة والسطوة، وَفِيه مَعَ الإلباس فِي الْبَيْت الَّذِي قبله نوع من الجِناس. وأعقب الْملك المظفر ثَلَاثَة عشر: الْأَمِير مُغيث الدّين أَحْمد، وَالْملك الْأَشْرَف عمر مؤلف الْكتاب الَّذِي نقلنا هَذَا النّسَب مِنْهُ، وَعمر الْكَامِل، وَمُحَمّد وَأَبُو بكر، دَرجا، والظافر لَيْث الْإِسْلَام عليّ، وأساس الدّين عِيسَى هُوَ الْملك، والواثق إِبْرَاهِيم، والمسعود حسن، وَيُونُس، وَالْحُسَيْن، وَالْملك الْمُؤَيد دَاوُد، وَالْملك الْمَنْصُور أَيُّوب، وَأما إخْوَة الْملك المظفر فاثنان: الْملك المفضَّل أَبُو بكر، وَالْملك الفائز أَحْمد، وَأما أَوْلَاد الْملك الْأَشْرَف عمر فستة: مُحَمَّد، وَحسن، وَعِيسَى، وَأَبُو بكر، وَأحمد، وَدَاوُد. ولمحمد: حَسن وَأَيوب، وَإِسْمَاعِيل. وَلأبي بكر: مُحَمَّد وَهَارُون (ورَوَاه) الْملك الْمُؤَيد ممهد الدّين (دَاوُودٌ) بن يُوسُف كَذَا رَأَيْته فِي تُحفة الْأَنْسَاب، وَنقل شَيخنَا عَن الدُّرَر الكامنة أَن لقبه هزبر الدّين، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: كَانَ محبًّا للعلوم متفقّهاً فِيهَا، بحث فِي التَّنْبِيه، وَحفظ مُقَدّمَة ابْن بابشاذ فِي النَّحْو، وكفاية المتحفّظ فِي اللُّغَة، وَسمع الطبريَّ وَغَيره، واشتملت خِزانة كتبه على مائَة الف مجلّد، وَكَانَ من جملَة اعتنائه أَنه أُهديَ إِلَيْهِ كتاب الأغاني بخطّ ياقوت، فأَعطى فِيهَا مِائَتي دِينَار مصريّة، وأنشأَ بتَعزّ القصورَ الْعَظِيمَة، وَكَانَ استقرارُه فِي الْملك بعد مُعارَضات من أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَغَيره، أَقَامَ فِي المملكة خمْسا وَعشْرين سنة، وَتُوفِّي سنة 721 قَالَه اليافعي
(1/112)

(صَحيحاً عَن) جده الْملك الْمَنْصُور (عُمَرْ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يلِ الْخلَافَة بعد وَالِده، وَإِنَّمَا وَليهَا بعد أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَغَيره، وَقَوله صَحِيحا يُشِير إِلَى ذَلِك، وَفِيه تَلميحٌ لطيفٌ. وأعقب الْملك المؤيدُ داؤوُد، علَى مَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف خَمْسَة: عُمَر، وضرغام الدّين حسن، وقطب الدّين عِيسَى، وَأحمد، وَيُونُس. قلت: وَلم يذكر الْمُجَاهِد عليًّا، لتأَخُّر وِلَادَته عَن التَّأْلِيف، وَفِيه الْبَيْت والعَدَد والخلافة، وَقد تقدّم ذِكْرُ المسعود، وَله ولد اسْمه أَسد الْإِسْلَام مُحَمَّد، وَكَذَلِكَ الْمَنْصُور أَيُّوب لَهُ أَحْمد وَإِدْرِيس، وَكَذَلِكَ المفضّل، وَله عمر، وَكَذَلِكَ الفائز وَله يُوسُف وَعلي وَإِسْمَاعِيل وَرَسُول (ورَوَى) الْملك الْمُجَاهِد (عَليٌّ عَنهُ) أَي عَن وَالِده دَاوُد (للجُلاَّس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذِي الْحجَّة سنة 731 وثار عَلَيْهِ ابنُ عَمه الظَّاهِر بن مَنْصُور، فغلبه، وَاسْتولى أَبوهُ الْمَنْصُور وَقبض على الْمُجَاهِد، ثمَّ مَاتَ فَقَامَ الظَّاهِر، وَجَرت بَينه وَبَين الْمُجَاهِد حُروبٌ، وَاسْتقر الظَّاهِر بالبلاد، واستقرت تعزّ بيد الْمُجَاهِد، فَخرج من الْحصار، ثمَّ كَاتب المجاهدُ الناصرَ صاحبَ مصر. فَأرْسل لَهُ عسكراً، وَجَرت لَهُم قِصصٌ طَوِيلَة، إِلَى أَن آل الْأَمر للمجاهد، وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا، وَحج سنة 743 وَلما رَجَعَ وجد ولَدَه قد غلب على المملكة ولُقِّب بالمؤيد، فحاربه إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله، ثمَّ حجّ سنة 751 وقدّم محمله على محمل المصريّين، وَوَقع بَينهم الحروب، وأُسِر المجاهدُ وحُمل إِلَى الْقَاهِرَة، وأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وحلّ قَيده، وخلع عَلَيْهِ، وجهزه إِلَى بِلَاده، ثمَّ أُعيد إِلَى مصر أَسِيرًا وحُبس فِي الكَرك، ثمَّ أُطلِق وأُعيد إِلَى بِلَاده على طَرِيق عَيْذَاب، وَاسْتقر فِي مَمْلَكَته إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمادى الأُولى سنة 767 وَذكر اليافعي فِي تَارِيخه أَن للمجاهد نظماً ونثرًا وديوانَ شعرٍ وَمَعْرِفَة بِعلم الْفلك والنجوم والرّمْل وَبَعض الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة من فقه وَغَيره (ورَوَاه) الْملك الْأَفْضَل (عَبَّاسٌ) صَاحب زبيد وتعزّ، ولي سنة 764 وَأقَام فِي إِزَالَة المتغلِّبين
(1/113)

من بني ميكال، إِلَى أَن استبدّ بالمملكة، وَكَانَ يحب الْفضل والفُضلاء، وألَّف كِتاباً وسماهُ نزهة الْعُيُون، وَله مدرسة بتعزّ، وأُخرى بِمَكَّة، توفّي فِي شعْبَان سنة 77 {كَذَلِك عَن) وَالِده (عَلى) السَّابِق ذِكرُه (ورَوَاه) الممدوح الْملك الْأَشْرَف ممهد الدّين (إسماعيلُ عَن) وَالِده (عَبَّاس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فَأَقَامَ فِيهَا خمْسا وَعشْرين سنة، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره طائشاً، ثمَّ توقَّر وأَقبل على الْعلم وَالْعُلَمَاء وأحبّ جمعَ الكُتب، وَكَانَ يُكْرِم الغُرباء، ويبالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِم، امتدحتُه لما قدِمْت بلدَه، فأثابني، أحسنَ الله جزاءه. مَاتَ فِي ربيع الأول سنة 803 بِمَدِينَة تعز، وَدفن بمدرسته الَّتِي أنشأَها بهَا وَلم يكمل الْخمسين. هَذَا كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر، نَقله عَنهُ شَيخنَا. قلت: وَكَانَت رِحلة الْحَافِظ إِلَى زبيد سنة ثَمَانمِائَة. وألّف لَهُ المؤلّف عدَّة تآليف باسمه وَكَانَ قد تزوّج بابنته، وَهُوَ الَّذِي ولاّه قضاءَ الْأَقْضِيَة بِالْيمن، وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (تَهُبُّ) بِالضَّمِّ على غير قِيَاس كَمَا قَالَه الشَّيْخ ابْن مَالك (بِهِ) أَي الممدوح وَالْبَاء سَبَبِيَّة وَفِي نُسْخَة الأَصْل عِنْد مدح ولدَيْ صاحبِ الدِّيوَان السعيد مَا نَصه: يَهُبُّ بهما (علَى رِياض) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: روض (المُنَى) جمع مُنْيَة بِالضَّمِّ، وَهِي مَا يتمنّاه الْإِنْسَان وتتوجَّه إِلَيْهِ إِرَادَته (رِيحَا) تَثْنِيَة ريح مُضَاف إِلَى المتعاطفين وهما (جنُوب وشَمَال) إِضَافَة العامّ إِلَى الخاصّ، وَفِيه تَشْبِيه الْمَعْقُول بالمحسوس والاستعارة وَشبه التفويف (وتَقِيل) أَي تُقِيم، وَقد يُقَيَّدُ بِطول النَّهَار، كالبيْتُوتَة بطُول اللَّيْل (بمكانه) أَي الممدوح. وَفِي نُسْخَة الأَصْل: ويَقِيل بمكانهما (جنَّتان) تَثْنِيَة جَنَّة بِالْفَتْح (عَن يَمِين وشِمال) الجهتان المعروفتان، وَفِي الفقرتين الجِناس التَّام إِن قُرِئ الشمَال فيهمَا بِالْفَتْح فَقَط أَو الْكسر فَقَط، لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ فِي كلّ من الرّيح والجِهة، وَإِن ضبطت الْجِهَة بِالْكَسْرِ وَالرِّيح بِالْفَتْح على مَا هُوَ الْأَفْصَح فالجناس محرَّف، والاقتباس ظَاهر، قَالَه شَيخنَا (وتَشتمِل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: يشْتَمل، أَي يلتفّ
(1/114)

(على مَناكِبِ) جمع مَنكِب كمجلس، وَهُوَ رَأس العضُد والكَتِف، لِأَنَّهُ يعْتَمد عَلَيْهِ (الْآفَاق أَرْدِيَةُ) جمع رِدَاء، مَا يُرتَدَى بِهِ (عَواطِفِه) جمع عَاطِفة، وَهِي الخَصلَة الَّتِي تَحمل الْإِنْسَان على الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة كالرَّحِم وَنَحْوهَا (وتَسِيل طِلاَعَ) بِالْكَسْرِ أَي ملءَ (الأرضِ) وَفِي التوشيح: طِلاعُ كلِّ شيءٍ: مِلْؤُه (للإرْفَاق) بِالْكَسْرِ مصدر أرفَقَ بِهِ إِذا نَفعه وَأَعْطَاهُ وتلطَّف بِهِ، وَهَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من نُسْخَة الأَصْل، وَنَصهَا بعد الأَرْض (أَوْدِيةُ) جَمع وَادٍ (عَوارِفِه) جمع عارفة وَهِي الْمَعْرُوف والعِطيَّة، وَفِي الفقرتين اسْتِعَارَة مكنية، وتخييلية وترشيح والترصيع والجناس اللَّاحِق (وتَشمَلُ) أَي تعُمُّ (رأْفتُه البلادَ والعِباد، وتَضْرِبُ دُون المِحَنِ) بِالْكَسْرِ جمع مِحْنَة وَهِي البَليَّة والمُصِيبة أَي يُحَال دونهَا (والأضدادِ) جمع ضِدّ بِالْكَسْرِ، هُوَ الْمُخَالف والعَدُوُّ (الجُنَنَ) جمع جُنَّة بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد وَهِي الوِقاية (والأسْدَاد) وَنَصّ عبارَة الأَصْل: وَيضْرب دون المحن الأسْداد، جمع سُدّ بِالضَّمِّ وَهُوَ الحاجز، يَعْنِي أَن هَذَا الممدوح لعلّو هِمته وَكَمَال رأْفته يحول بَين متعلقاته وَبَين المحن والبلايا والأضداد والأعداء بأنواع الْمَوَانِع والحجب الَّتِي تحفظهم من الْآفَات، وَفِيه الترصيع والالتزام، وَمن قَوْله تهب إِلَى هُنَا كلهَا عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان الْمُتَقَدّم ذِكرُها (وَلم يَسَعِ البليغَ) مفعول مُقَدَّم وفاعله (سِوَى سُكُوتِ الحُوتِ بمُلتَطِمِ) صِيغَة اسْم فَاعل من التطمت الأمواج إِذا ضرب بَعْضهَا بَعْضًا (تَيَّار) كشدّادٍ مَوْج (بِحارِ فوائدِهِ) يَعْنِي أَن البليغ غرق فِي تيّار بَحر عطاياه المتلاطمة الأمواج، فَلَا يَسعهُ إِلَّا السُّكُوت، كالحوت الَّذِي امْتَلَأَ فوه بِالْمَاءِ فَلَا يَسْتَطِيع كلَاما لامتلاء فِيهِ (وَلم تَرْتَمِ) افتعال من الرمْي (جَوَاري الزُّهْرِ) أَرَادَ بهَا النُّجُوم الزاهرة من الجَوارِي الكُنَّس (فِي) مُتَعَلق بترتم (البحرِ الأخضرِ) الْعَظِيم (إلاّ لِتُضَاهِيَ) أَي تشابه وتشاكل (فرائدَ) أَي شذور (قَلائِدِهِ) وَالْمعْنَى أَن الْجَوَارِي الكنس الزاهرة لم
(1/115)

ترتم فِي الْبَحْر الْعَظِيم أَي فِي وَسطه مُقَابلَة للأُفق إِلَّا طلبا مِنْهَا أَن تكون مشابهة للفرائد الَّتِي ينظمها فِي قلائد عطاياه، وَفِيه الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة وَغَيرهَا (بَحْرٌ) أَي هُوَ بَحر أَي كالبحر، فَهُوَ تَشْبِيه بليغ عِنْد الْجُمْهُور، واستعارة عِنْد السكَّاكي، قَالَه شَيخنَا (عَلى عُذُوبةِ) أَي حلاوة (مائِه) وَفِيه احتراس، لأَنهم قرروا أَن الْجَوَاهِر إِنَّمَا تستخرج من الْبَحْر الْملح (تَملأُ السَّفائنَ) مفعول مقدم وَالْفَاعِل (جَواهِرُه) جمع جَوْهَرَة وَهِي كل حجر يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ، وَكثر اسْتِعْمَاله فِي اللُّؤْلُؤ خاصّةً، وَفِيه مُرَاعَاة النظير (وتُزْهَى) مَجْهُولا أَي تَفْخَر (بالجوَارِي المُنشَآتِ) أَرَادَ بهَا القصائد والأمداح تعبر عَنْهَا كَمَا تعبر عَن الْأَبْكَار يُؤَيّدهُ (مِن بَنَاتِ الخاطرِ) لِأَنَّهَا تتولد وتتكوّن من الخواطر (زَوَاخِرُه) أَي مواد عطاياه الَّتِي هِيَ كالبحر (بَرٌّ) أَي هُوَ برٌّ أوردهُ على جِهَة التورية وَالْإِيهَام بِمَا يُقَابل الْبَحْر لذكره فِي مُقَابلَته (سالَ) أَي جرى، وَفِيه إِيهَام لطيف (طِلاعَ الأرضِ) أَي مِلأها (أَوْدِيَةُ جُودِهِ) أَي جوده الْجَارِي كالأَوْدِيَة (وَلم يَرْضَ) أَي الْبر الَّذِي سَالَ جوده (للمُجْتَدِي) أَي السَّائِل (نَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي منعا وزجراً وطرداً، امتثالاً لقَوْله تَعَالَى {وَأما السَّائِل فَلَا تنهر} (وطَامِي) أَي ممتلئ (عُبَابِ) بِالضَّمِّ مُعظم السَّيْل، وَسَيَأْتِي (الكَرَم) أَي الْجُود (يُجَارِي) أَي يبارِي (نَدَاهُ) عطاؤُه (الرَّافِدَيْنِ) تَثْنِيَة رافِد، وهما دِجْلة والفُرات (وبَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي ويَبْهرهما بَهْرًا، أَي يغلبهما. وَجعل قَاضِي كجرات الرافدين جمع رافد، وَهُوَ غلط، وَيجوز أَن يُقَال إِن بهرًا مَعْنَاهُ تعساً وقُبحاً، يُقَال بَهْرًا لَهُ، ردًّا لما يُتَوَهَّمُ بِالسُّكُوتِ من أَنَّهُمَا يَقدِرانِ على المجاراة، لِأَنَّهَا تكون من الطَّرفَيْنِ، فتدارك ذَلِك الْإِيهَام، يَعْنِي أَن نداه يجارِي الرافدينِ أَي دجلة والفرات، وَيُقَال لَهما بَهْرًا لَكمَا، أَي تعساً، كَيفَ تقدران على المجاراة، قَالَه شَيخنَا، وَفِيه الجناس
(1/116)

الْمُصحف (خِضَمٌّ) بِكَسْر فَفتح فتشديد أَي هُوَ، خِضمّ، وَهُوَ السّيد الحَمول الكثيرُ العطاءِ، كَمَا سَيَأْتِي (لَا يبلُغ كُنْهَهُ) بِالضَّمِّ أَي حَقيقته (المتعَمِّق) أَي المتنطِّع والمتكلِّف (عَوْض) من الظروف المستعملة فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، خلاف قطّ، أَي لَا يصل البليغ إِلَى إِدْرَاك حَقِيقَته أبدا، وَفِيه مُبَالغَة (وَلَا يُعطَى) مبنيًّا للْمَجْهُول (الماهرُ) الحاذق بالسِّباحة (أَمَانَهُ) ثَانِي مفعولي يعْطى (مِن الغَرَقِ) محرّكة هُوَ الغيبوبة فِي المَاء (إِن اتَّفَقَ لَهُ) من غير قصد (فِي لُجَّتِه) أَي أعظم مَائه (خَوْض) هُوَ الدُّخُول فِيهِ، وَفِيه الِالْتِزَام والجناس اللَّاحِق (مُحِيطٌ) أَي هُوَ بَحر مُحِيط جَامع غير مُحْتَاج، وَمَعَ ذَلِك (تَنْصَبُّ) فيهِ وتنحدر (إِلَيْهِ الجَدَاوِلُ) الْأَنْهَار الصغار (فَلَا يَرُدُّ ثِمادَهَا) بِالْكَسْرِ جمع ثَمَدِ محركةً، أَي قليلها الَّذِي جاءَت بِهِ، وَلَا يَدْفَعهُ، بل يقبله قَبُولاً حسنا، كَمَا تقبلُ البحارُ مَا ينحدر إِلَيْهَا من السُّيول والأنهار، وَلَا تدفع شَيْئا (وتغتَرِفُ) أَي تَأْخُذ الغُرْفة بعد الغُرْفة (من جُمَّتِه) بِالضَّمِّ فالتشديد أَي معظمه (السُّحُبُ) بِالضَّمِّ جمع سَحابة (فَتَملأُ مَزَادَها) أَي قِرَبَهَا، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ وَالِاخْتِلَاف (فأَتحَفْتُ) أَي تلطَّفْت وأوصلت (مجلِسَه العالي) هُوَ ذَاتُه، كَقَوْلِهِم: الجنابُ العالي والمقامُ الرفيع (بِهَذَا الكِتابِ) يَعْنِي الْقَامُوس (الَّذِي سَمَا) أَي علا (إِلَى السما لمَّا تَسَامَى) يَعْنِي أَن كِتَابه تَسامَى بأوصافه البديعة إِلَى أَن وصل السماءَ، أَي بلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يجاوزها أحدٌ، فَهُوَ فِي غَايَة العُلوِّ. ثمَّ اعتذر للمدوح فَقَالَ (وأنَا فِي حَمْلِه) أَي الكِتاب [ (إِلَى حَضرَته) ] وَإِن دُعِيَ) وسمى ولقب (بالقاموس) وَهُوَ مُعظم الْبَحْر، كَمَا سبق (كحامل القَطْرِ إِلَى الدَّأْمَاء) من أَسمَاء الْبَحْر، أَي فَلَا صنيعةَ وَلَا مِنَّةَ لمن يحمل القَطْرَ إِلَى الْبَحْر، وَفِيه تلميح لطيف إِلَى مَا أنشدَناه الأديبُ عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح الدّين الْأنْصَارِيّ:
(كَالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحَابُ ومَالَهُ ... فَضْلٌ عَلَيْهِ لأنَّه مِنْ مَائِهِ)
(1/117)

(والمُهْدِي) أَي وكالمقدِّم (إِلَى خُضَارَةَ) بِالضَّمِّ اسْم عَلَمٍ على الْبَحْر، مُنع من الصرفَ للتأْنيث والعلمِيَّة (أقَلَّ مَا يكون من أنداءِ المَاء) جمع نَدًى، وَهُوَ الطَّلُّ يكون على أَطْرَاف أوراق الشّجر صباحاً، وَهُوَ مُبَالغَة فِي حَقارَة هَذِه الهديَّة وَإِن عظمت بِالنِّسْبَةِ إِلَى المهدَى لَهُ. وَفِي القوافي الِالْتِزَام وَالْمُبَالغَة (وَهَا أَنا أقولُ) قَالَ شَيخنَا الْمَعْرُوف بَين أهل الْعَرَبيَّة أَن هَا الْمَوْضُوعَة للتّنْبِيه لَا تدخل على ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل الْوَاقِع مُبْتَدأ إِلَّا إِذا أخبر عَنهُ باسم إِشَارَة، نَحْو {هَا أَنْتُم أولاء} {هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ} فَأَما إِذا كَانَ الْخَبَر غير إِشَارَة فَلَا، وَقد ارْتَكَبهُ المُصَنّف غافلاً عَن شَرطه، وَالْعجب أَنه اشْترط ذَلِك فِي آخر كِتَابه لما تكلّم على " هَا " وارتكبه هَا هُنَا، وَكَأَنَّهُ قلد فِي ذَلِك شَيْخه العلاَّمة جمال الدّين بن هِشام، فَإِنَّهُ فِي مُغني اللبيب ذكرهَا ومعانيها واستعمالها، على مَا حَقَّقَهُ النحويون، وعَدَل عَن ذَلِك فاستعملها فِي كَلَامه فِي الْخطْبَة مثل المُصَنّف فَقَالَ: وَهَا أَنا بائح بِمَا أَسرَرْته، انْتهى (إِن احتَملَه مني) أَي حمله وَقَبله (اعْتناءً) أَي اهتماماً بشأْنه أَو قَبِلَه حَالَة كَونه مُعتنياً بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، مَعَ حقارته بِالنِّسْبَةِ لما عِنْده من الذَّخَائِر العِظام، وَفِي التَّعْبِير بِالِاحْتِمَالِ إيماءٌ إِلَى كَمَال حلمه (فالزَّبَدُ) محرّكةً: مَا يَعْلُو الْبَحْر وَغَيره من الرغوة (وَإِن ذَهَب جُفاءً) بِالضَّمِّ، يُقَال جَفَأَ الْوَادي وأَجفَأَ إِذا أَلقى غُثاءَه (يَركَبُ) يعلى (غَاربَ) كَاهِل (البَحْر) أَي ثَبَجه (اعتلاءً) مفعول مُطلق أَو حَال من الْفَاعِل أَي حَالَة كَونه معتلياً (ومَا أَخَاف على الفُلْكِ) أَي السَّفِينَة (انكفاءً) انقلاباً (وَقد هَبَّتْ) تَحرَّكت ومَرَّت (رياحُ عِنايته) اهتمامه وتوجُّهه (كَمَا اشتَهت السُّفُنُ) أَي اشتاقت وتوجَّهت ريحًا (رُخَاء) بِالضَّمِّ، وَهِي الليِّنة الطيِّبة، عبَّر عَن كِتَابه بالفلك، لما فِيهِ من بضائع الْعُلُوم، وقدَّمه هديَّةً لهَذَا الممدوح، وعبرَّ بالانكفاء عَن الردّ وَعدم القَبُول، وَالْمرَاد أَنه لَا يخَاف على هَدِيَّته أَن تنْقَلب إِلَيْهِ، لكَمَال حلم المهدَى لَهُ، وَهُوَ الممدوح، فَهُوَ بحرٌ،
(1/118)

والسفنُ الَّتِي تجْرِي فِيهِ لَا يحصل لَهَا انكفاءٌ وَلَا انقلابٌ، لِأَن رِيحه طيِّبة رِخْوَة، لَا تهبُّ إلاّ على: وَفْق السفن، فَلَا تخالفها، لعدم وجدان الزعازع والرياح الْعَاصِفَة فِي هَذَا الْبَحْر، وَفِيه الجناس اللَّاحِق، فِي اعتناء واعتلاء، والالتزام فِي جفَاء وانكفاء. واستعارة الرّكُوب وَالْغَارِب للفلك، وهبوب الرِّيَاح للعناية، والتلميح للاقتباس فِي ذهب جُفاء إِلَى قَول المتَنَبِّي.
(تَجْري الرِّياحُ بمَا لَا تَشْتَهي السُّفُنُ ... )

ثمَّ احتار وَبَالغ فِي هَيْبَة الْمُخَاطب وجلالته، كَأَنَّهُ لم يَتَّضِح لَهُ الطَّرِيق، وَلم يهتد لوجه الْعذر، فاستفهَم عَنهُ فَقَالَ (وَبِمَ) أَي بِأَيّ شيءٍ (أعتَذِرُ) أَرشدوني (مِن حَمْلِ الدُّرِّ مِن أَرْضِ الْجبَال) وَهِي الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بعراق الْعَجم، وَهِي مَا بَين أصفهان إِلَى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وَمَا بَين ذَلِك من الْبِلَاد والكُوَر (إِلَى عُمَان) كغُراب كُورة على سَاحل الْيمن، تشْتَمل على بلدان، أَي إِن الدرَّ كثيرٌ فِي عُمَان المعبّر بِهِ عَن الممدوح، وَقَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجبَال المعبَّر بِهِ عَن المُهدِي، وَهُوَ نَظِير قَوْلهم: كجالِب التَّمْر إِلَى هَجَر، قَالَ شَيخنَا: يَعْنِي أَن الهديّة شأْنُها أَن تكون أَمرًا غَرِيبا لَدَى المُهدَى إِلَيْهِ، وَمن يُهِدي الدرَّ إِلَى عُمان، وَالتَّمْر إِلَى يَثْرِب وَنَحْو ذَلِك، يَأْتِي بِالْأَمر المبتَذَل الْكثير الَّذِي لَا عِبْرَة بِهِ فِي ذَلِك الْموضع (وَأَرَى البحرَ) الْجُمْلَة حَالية (يَذهَبُ ماءُ وَجْهِهِ) أَي يضمحلّ، وَهُوَ كِنَايَة عَن التجرُّد عَن الْحيَاء، وقِدمًا قيل.
(وَلَا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إذَا قَلَّ مَاؤُه ... )

(لَو حَملَ) هُوَ أَي الْبَحْر (بِرَسْمِ الخِدْمة) وَقصد الْعُبُودِيَّة (إِلَيْهِ) أَي الممدوح أشرف مَا يفتخر بِهِ وَهُوَ (الجُمَان) بِالضَّمِّ هُوَ اللُّؤْلُؤ الصافي، أَي كَانَ ذَلِك قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لقلَّة حيائه وَذَهَاب رونق مَاء وَجهه (وفُؤاد البحرِ يَضطَرِبُ) أَي يتحرَّك ويَتموَّج ويَتلاطم (كاسْمِه رَجَّافاً) أَي بِاعْتِبَار
(1/119)

وَصفه، وَقد أطلقت الْعَرَب هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ، فَصَارَ علَماً عَلَيْهِ، وَهُوَ حَال من فَاعل يضطرب (لَو أَتحَفَه) أَي الْبَحْر الممدوح (المرْجَان) هُوَ كبار اللُّؤْلُؤ أَو صغاره، على اخْتِلَاف فِيهِ (أَو أنفَذَ) أَي الْبَحْر أَي أمضى وأوصل (إِلَى البحرَيْن) مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعُمَان، مَشْهُور بوجدان الْجَوَاهِر فِيهِ، وَقد أبدع غَايَة الإبداع بقوله (أعنِي يَدَيْه) الفائقتين (الجواهِرَ الثِّمان) مَنْصُوب على المفعولية، أَي وَلَو أتحف الْجَوَاهِر المثمنة الغالية، وَفِي الْأَوليين مَعَ الْأَخِيرَة الِالْتِزَام، وَفِي الثَّانِيَة الِاسْتِعَارَة التصريحية أَو التخييلية، بِحَسب إِعْمَال الصَّنْعَة فِي تَشْبِيه الْبَحْر بِرَجُل يقوم برسم الْخدمَة، فَيذْهب مَاء وَجهه على أَي وَجه استعملته، وَفِي الثَّالِثَة التوْرِية فِي الرجَّاف، وَفِي الرَّابِعَة الِاسْتِخْدَام ولطافة التورية (لَا زالتْ حضرَتُه) أطلقوها على كل كَبِير يحضر عِنْده النَّاس فَقَالُوا: الحضرة الْعَالِيَة تَأمر بِكَذَا، كَمَا قَالُوا: الْمقَام السَّامِي، والجناب العالي (الَّتِي هِيَ جَزيرةُ بحرِ الجُودِ) والجزيرة بقْعَة ينحسر عَنْهَا المَاء وينجزر وَيرجع إِلَى خلف (منْ خالداتِ الجزائر) أَي من الْبَاقِيَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لما فِيهَا من النَّفْع بصاحبها وَفِيه التورية العجيبة بالجزائر الخالدات، وَهِي جزائر السعادات، يذكرهَا المنجمون فِي كتبهمْ، وَيَأْتِي ذكرهَا فِي مادّتها (و) لَا زلت (مَقرَّ أُناس يُقابِلون) أَي يواجهون أَو يعارضون (الخَرَزَ) محركةً هُوَ الْحجر الَّذِي ينظم كَاللُّؤْلُؤِ (المحمولَ إِلَيْهَا) أَي الحضرة (بأَنفَسِ الْجَوَاهِر) أَي الْبَالِغَة فِي النفاسة، وَهُوَ دُعَاء لَهُ بِالْبَقَاءِ على جِهةِ الخلود، وَأَنه يَخلُف من يقوم مَقامه فِي حَضرته، فَلَا تزَال مقرًّا للموصوفين بِمَا ذُكر، وَفِي الْكَلَام مُبَالغَة وتورية (وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا) ضمن الدُّعَاء كَلَامه، لكَمَال الاعتناء باستجابته، وَالرَّغْبَة فِي حُصُول ثَمَرَته، لِأَن كل من سمع هَذَا الدُّعَاء فَإِنَّهُ يَأْتِي بالتأمين رَغْبَة فِي الرَّحْمَة، فَيحصل الْمَطْلُوب، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ شطر من شعر رَوَاهُ صَاحب الحماسة
(1/120)

البصرية لمَجْنُون بني عَامر، واسْمه قيس ابْن مُعاذ الْمَعْرُوف بالملوّح، وأوّله:
(يَا رَبِّ لاَ تَسْلُبنّي حُبَّها أبدا ... ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمينَا)

وَله قصَّة رَأَيْتهَا فِي الدِّيوَان الْمَنْسُوب إِلَيْهِ.
قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا آخر الزِّيَادَة الَّتِي أهملها الْبَدْر الْقَرَافِيّ والمحب ابْن الشّحْنَة، لِأَنَّهَا لم تثبت فِي أصولهم من قَوْله: " وَهَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة " إِلَى هُنَا. قَالَ: وَكَأن المُصَنّف زَادهَا فِي الْقَامُوس بعد أَن استقرَّ بِالْيمن وأزمع إهداءه لسلطان الْيمن الْملك الْأَشْرَف، فقد قيل: إِنَّه صنَّفه بمكّة المشرَّفة، فَلَمَّا رأى إكرام الْأَشْرَف لَهُ زَاد ذِكْرَه فِي الدّيباجة، وَأثبت اسْمه فِيهِ، لمَسِيس الْحَاجة، وَقصد بذلك ترغيبَه فِي الْعلم وَأَهله، أَو مَا يقرب من ذَلِك من الْمَقَاصِد الْحَسَنَة إِن شاءَ الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد هَذَا الظَّاهِر أَن هَذَا الْكَلَام ساقِطٌ فِي كثير من النّسخ الْقَدِيمَة.
قلت: وَالَّذِي سمعناه من أَفْوَاه مَشَايِخنَا اليَمنيّين أَن الْمجد سوّد الْقَامُوس فِي زَبيد بالجامع الْمَنْسُوب لبني المِزجاجي، وهم قَبيلَة شيْخنا سيّدي عبد الْخَالِق، متع الله بحياته، وَفِيه خَلوَةٌ تواترَ عِنْدهم أَنه جلس فِيهَا لتسويد الْكتاب، وَهَذَا مَشْهُور عِنْدهم، وَأَن التبييض إِنَّمَا حصَل فِي مَكَّة المشرّفة، فَلِذَا ترى النّسخ الزَّبِيديّة غالبها محشُوّة بالزيادات الطبية وَغَيرهَا والمكية خَالِيَة عَنْهَا (وكتابي هَذَا) أَي الْقَامُوس (بِحَمْد الله [تَعَالَى] ) مصحوباً أَو ملتبساً، جاءَ بِهِ تبركاً وقياماً بِبَعْض الْوَاجِب على نعْمَة إِتْمَامه على هَذَا الْوَجْه الْجَامِع (صَريحُ) أَي خَالص ومحض (ألْفَىْ) تَثْنِيَة ألف (مُصَنَّف) على صِيغَة الْمَفْعُول أَي مؤلف
(1/121)

فِي اللُّغَة (من الْكتب الفاخِرَة) الجيّدة أَي زِيَادَة على مَا ذُكِر من العُباب والمحكم والصحاح من مؤلّفات سائرِ الْفُنُون، كالفقه والْحَدِيث والأُصول والمنطق وَالْبَيَان وَالْعرُوض والطب وَالشعر ومعاجم الروَاة والبلدان والأمصار والقرى والمياه وَالْجِبَال والأمكنة وَأَسْمَاء الرِّجَال والقصص وَالسير، وَمن لُغَة الْعَجم، وَمن الاصطلاحات وَغير ذَلِك، فَفِيهِ تفخيم لشأن هَذَا الْكتاب، وتعظيم لأَمره وسَعَته فِي الْجمع والإحاطة (ونَتيج) بِفَتْح النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة، هَكَذَا فِي النّسخ الَّتِي بِأَيْدِينَا، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ النتيجة أَي حَاصِل وثَمرَة (ألفَيْ) بالتثنية أَيْضا (قَلَمَّس) محركة مَعَ تَشْدِيد الْمِيم أَرَادَ بِهِ الْبَحْر (من العيَالم) جمع عَيْلَم كصَيْقَل، هُوَ الْبَحْر (الزاخِرة) الممتلئة الفائضة، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن تِلْكَ الْكتب الَّتِي مادّة كِتَابه مِنْهَا لَيست من المختصرات، بل كل وَاحِد مِنْهَا بَحر من الْبحار الزاخرة، وَفِي نُسْخَة: سَنِيح بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَفِي آخِره حاء، أَي جَوْهَر ألفى كتاب أَي مختارها وخالصها، وَقد أورد الْقَرَافِيّ هُنَا كلَاما، وتكلَّف فِي بَيَان بعض النّسخ تفقّهاً، لَا نقلا من كتاب، وَلَا سَمَاعا من ثِقة، وَقد كفانا شيخُنا رَحمَه الله تَعَالَى مُؤْنَة الردّ عَلَيْهِ، فراجع الشَّرْح إِن شِئْت، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على الْمجَاز الْتِزَام مَا لَا يلْزم (واللهَ) الْعَظِيم (أَسأَلُ) لَا غيرَه (أَن يُثِيبَني) أَي يعطيني (بِهِ) أَي الْكتاب أَي بِسَبَبِهِ (جَميلَ الذِّكر فِي الدُّنيا) وَهُوَ الثَّنَاء بالجميل، وَقد حصل، قَالَ الله تَعَالَى {وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين} فسَّره بَعضهم بالثناء الْحسن، قَالَ ابْن دُرَيْد:
(وإنَّما الْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ ... فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى)

وَإِنَّمَا رجا شكر الْعباد لِأَنَّهُ تقرَّر أَن ألسِنة الخلْق أَقْلَام الْحق، وَلقَوْله
" مَنْ أَثنَيْتُم عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ " وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ شكر الْعباد
(1/122)

لحظّ نَفسه، ولتكون لَهُ مَكانةٌ عندهَم إِذْ مثل هَذَا يطْلب الدُّعَاء للتنصُّل مِنْهُ والتجرّد عَنهُ (وجَزيلَ الأجْر فِي الآخِرة) هُوَ الْفَوْز بِالْجنَّةِ أَو التنعم بِالنّظرِ إِلَى الْوَجْه الْكَرِيم وَحُصُول الرضْوَان، وَقد حصل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا، كَمَا فَازَ بِطَلَبِهِ فِي الْآخِرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه الِالْتِزَام مَعَ الَّتِي قبلهَا والترصيع فِي أغلبها (ضارِعاً) متذلِّلاً (إِلَى مَن ينظر) أَي يتَأَمَّل (مِنْ عَالِمٍ فِي عَمَلي) هَذَا (أَن يَستُرَ عِثَارِي) أَرَادَ بِهِ الْوُقُوع فِي الْخَطَأ (وَزَللِي) محرّكة عطف تَفْسِير لما قبله (ويَسُدَّ) بِالضَّمِّ أَي يصلح (بِسَدادِ) بِالْفَتْح أَي استقامة (فَضْلِه خَلَلي) محرّكة، وَهُوَ الوهن فِي الْأَمر، والتفرّق فِي الرَّأْي، وأمرٌ مختلٌّ أَي ضَعِيف، وَإِنَّمَا خصَّ العالِم بذلك لِأَنَّهُ الَّذِي يميِّز الزلَل، وَيسْتر الخلَل، وَأما الْجَاهِل فَلَا عِبرة بِهِ وَلَا بنظرِه، بل وَلَا نَظر لِبَصرِه، وَلذَا قيل: إِن المُرَاد بِالنّظرِ هُوَ التفكُّر والتأمُّل، لَا مُطلق الإمرار، ولزيادته وكثرته عدَّاه بفي الظَّرْفِيَّة، وصيَّر الْعَمَل مظروفاً لَهُ، قَالَه شَيخنَا. ثمَّ إِن كَلَامه هَذَا خرج مَخرَج الِاعْتِذَار عَمَّا وَقع لَهُ فِي هَذَا الْمِضْمَار، فقد قيل: من صَنَّف فقد استهْدَف نَفْسَه. وَقل المؤتمن الساجِي: كَانَ الْخَطِيب يَقُول: من صَنَّف فقد جعل عَقْلَة على طَبَقٍ يَعرِضُه على النَّاس. وَفِيه الجناس المحرَّف بَين " مِنْ " الجارة البيانية و " مَنْ " الموصولة المبينة بهَا، والمقلوب فِي عَالم وَعمل، والاشتقاق فِي يسدّ وبسداد، والتزام مَا لَا يلْزم، وَفِي الفقرتين الْأَخِيرَتَيْنِ الجناس اللَّاحِق والمقابلة المعنوية للستر والعثار، والزلل والسداد والخلل (و) بعد أَن ينظر فِيهِ مَعَ التَّأَمُّل والمراجعة عَلَيْهِ أَن (يُصْلِحَ مَا طَغَى) أَي تجَاوز القدْرَ المُرَاد (بِهِ القلمُ) ونسبته إِلَيْهِ من الْمجَاز العقليّ، فَالْمُرَاد بالإصلاح إِزَالَة مَا فسد فِي الْكتاب، بالتنبيه عَلَيْهِ وإظهاره، مَعَ إِيضَاح الْعذر للْمُصَنف من غير إِظْهَار شناعةٍ وَلَا حطٍّ من منصبه، وَلَا إزراءٍ بمقامه وَكَون الأولى فِي ذَلِك
(1/123)

إصْلَاح عبارَة بغَيْرهَا أَو إبْقَاء كَلَام المُصَنّف والتنبيه على مَا وَقع فِيهِ فِي الْحَاشِيَة إِذْ لَعَلَّ الْخَطَأ فِي الْإِصْلَاح، وَفِي ذَلِك قيل:
(وكَمْ مِنْ عائبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُه مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ)

(وَزَاغَ عَنهُ) أَي مَال أَو كَلَّ (البَصَرُ وقَصَرَ) كقَعَدَ (عَنهُ الفَهْمُ) أَي عجز عَن إِدْرَاك الْمَطْلُوب فَلم ينله، والفَهْم: تصوُّر الْمَعْنى من اللَّفْظ أَو سرعَة انْتِقَال النَّفس من الأُمور الخارجية لغَيْرهَا (وغَفَلَ عَنهُ الخاطِر) أَي تَركه إهمالاً وسهوًا وإعراضاً عَنهُ، والغفلة: غيبوبةُ الشيءِ عَن بَال الْإِنْسَان وَعدم تذكُّره وَسَيَأْتِي، والخاطر: الهاجس وَمَا يخْطر فِي قلب الْإِنْسَان من خير وَشر (فالإنسانُ) وَفِي نُسْخَة الْبَدْر الْقَرَافِيّ: فَإِن الْإِنْسَان، أَي من حَيْثُ هُوَ (مَحلُّ النِّسْيَان) أَي مَظنَّة لوقوعِه وصُدور الْغَفْلَة مِنْهُ، وَلَو تحرَّى مَا عَسى، وَلذَلِك ورد عَنهُ
" رُفع عَنْ أُمَّتي الخطأُ والنِّسْيان " وَلذَا قيل:
(وَمَا سُمِّي الإنْسانُ إلاَّ لِنَسْيِهِ ... وَمَا القَلْبُ إِلَّا أنَّه يَتَقَلَّبُ)

وَلذَلِك اعتنى الْأَئِمَّة بالتقييد لِمَا حَفِظوا وسمعوا، ومثَّلوا الحِكمَة كالصَّيْد والضالَّة، وربْطُها: تَقْييدُها، ثمَّ أَقَامَ على كَلَامه حُجَّة فَقَالَ: (وَإِن أوَّل ناسٍ) أَي أوّل من اتّصف بِالنِّسْيَانِ والغفلة عَمَّا كَانَ هُوَ (أَوَّلُ النَّاس) خلقه الله تَعَالَى وَهُوَ سيّدنا آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَا يلام غَيره على النسْيَان (وعَلَى الله) لَا على غَيره جلّ شَأْنه (التُّكْلاَن) بِالضَّمِّ مصدر، وتاؤه عَن وَاو، لِأَنَّهُ منَ التَّوَكُّل، وَهُوَ إِظْهَار الْعَجز والاعتماد على الْغَيْر، وَالْمعْنَى لَا اعْتِمَاد وَلَا افتقار إلاّ إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الْغَنِيّ الْمُطلق، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَلَا ربَّ غيرُه، وَلَا خير إلاَّ خَيْرُه، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم
(1/124)

(بَاب الْهمزَة)
البَابُ لُغةً: الفُرْجَةُ الَّتِي يُدْخَل مِنْها إِلى الدَّارِ، ويُطْلَق على مَا يُسَدُّ بِهِ ويُغْلَقُ، من خَشَبٍ ونحوهِ.
وَاصْطِلَاحا: اسمٌ لطائفةٍ من المسائلِ مُشترِكَةِ فِي حُكْمٍ، وَقد يُعبَّرُ عَنْهَا بالكتابِ وبالفَصْلِ، وَقد يَجمعُ بَين هَذِه الثلاثةِ.

(فصل الْهمزَة)
ويُعبَّر عَنْهَا بالأَلف المَهموزةِ، لأَنها لَا تَقومُ بِنفْسِها وَلَا صُورَةَ لَهَا، فلِذَا تُكْتَبُ مَعَ الضَّمةِ واواً، وَمَعَ الكَسرةِ يَاء، وَمَعَ الفتحةِ أَلفِاً.

أبأ
: ( {الأَبَاءَةُ، كَعَبَاءَةٍ: القَصَبَةُ) ، أَو هُو أَجَمَةُ الحَلْفَاءِ والقَصَبِ خاصَّةً، كَذَا قَالَه ابنُ بَرِّيَ، (ج} أَبَاءٌ) بالفتْحِ والمَدِّ.
وقرأَتُ فِي مُشْكِل القرآنِ لابنِ قُتَيْبَةَ، فِي بابِ الاستعارةِ، قَولَ الهُذَلِيِّ، وَهُوَ أَبو المُثَلَّمِ:
وأَكحُلْكَ بِالصَّابِ أَوْ بِالجَلاَ
فَفَتِّحْ لِكُحْلِكَ أَوْ أَغْمِضِ
وَأَسْعُطْكَ فِي الأَنْفِ مَاءَ الأَبَا
ءِ مِمَّا يُتَمَّلُ بِالمِخْوَضِ
قَالَ:! الأَبَاءُ: القَصَبُ، وماؤُه شَرّ الْمِيَاه، وَيُقَال: الأَبَاءُ هُنَا: الماءُ الَّذِي يَبولُ فِيهِ الأَرْوَى فيشرَبُ مِنْهُ العَنْزُ فيَمْرَضُ، وسيأْتي فِي المعتل إِن شاءَ الله تَعَالَى، (هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِه) أَي فِي الْهمزَة، (كَمَا حَكَاهُ) الإِمامُ أَبو الفَتْحِ (ابنُ جِنِّى) وارتضاه فِي كِتَابه سِّر الصِّناعة، نقلا (عَن) إِمام اللغةِ (سيِبَوَيْهِ) . وَقَالَ ابنُ بَرِّيَ: وربّما ذُكِرَ هَذَا الحَرْفُ فِي المُعتَلِّ، وَلَيْسَ بمذْهَب سِيبويهِ، (لَا) فِي بَاب (المُعْتَلّ) يائِيًّا أَو واويًّ، على اختلافٍ فِيهِ (كَمَا تَوهَّمه الجَوهِريُّ) الإِمامُ أَبو نصرٍ (وغيرُه) ، يَعْنِي صاحِبَ العَيْنِ.
وقرأْتُ فِي كتابِ المُعْجَم لِعُبَيدِ اللَّه ياقُوتٍ
(1/125)

مَا نَصُّهُ: فأَمّا {أَباءَةٌ فذَهَبَ أَبو بكر مُحمَّدُ بنُ السَّرِيِّ، فِيمَا حدَّثني بِهِ أَبو عَلِيَ عَنهُ، إِلى أَنها مِن ذَواتِ الباءِ، من أَبَيْتُ، فأَصْلُها عندَه أَبَايَةٌ، ثمَّ عُمِلَ فِيهَا مَا عُمِل فِي عَبَايَةٍ وصَلاَية وعَظايَةٍ، حَتَّى صِرْنَ عَباءَةً وصَلاءَةً وعَظاءَةً، فِي قَوْلِ من هَمَز، ومَن لم يَهْمِز أَخرجهُنَّ على أُصولِهِنّ، وَهُوَ القياسُ القَوِيُّ، وإِنما حَمَل أَبا بكرٍ على هَذَا الاعتقادِ فِي أَباءَةٍ أَنَّها مِن أَبَيْتُ، وَذَلِكَ أَن} الأَبَاءَةَ هِيَ الأَجَمَةُ، وَهِي القَصَبَةُ، والجمْعُ بَينهَا وَبَين أَبَيْتُ أَنَّ الأَجمَةَ مُمتنِعةٌ، بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِن القَصَبِ وغيرِهِ، من السُّلوكِ والتَّطَرُّقِ، وخالفَتْ بذلك حُكْمَ البَرَاحِ والبَرَازِ، وَهُوَ النَّقِيُّ من الأَرضِ، فكأَنَّها أَبَتْ وامتنَعَتْ عَلَى سالِكِها، فمِن هُنَا حَمَلَها أَبو بكرٍ على أَبَيْتُ، وسيأْتي المَزِيدُ لذَلِك فِي أَشَى.
( {وأَبَأْتُه بِسَهْمٍ: رَمَيْتُه بِهِ) ، فالهمزةُ فِيهِ أَصلِيَّة، بخلافِ أَثأْتُه، كَمَا سيأْتي.

أتأ
: (} أَتْأَةُ) بالمُثنَّاةِ الفَوْقِيّة (كَحَمْزَةَ) ، أَوردهُ ابْن بَرِّيَ فِي الحَوَاشي: اسمُ (امرَأَة مِنْ) بني (بَكْرِ بنِ وَائِل) بن قاسِط بن هِنْب بن أَفْصَى بن عبدِ القَيْس، وَهِي (أُمُّ قَيْسِ بن ضِرارٍ) قَاتل المِقْدامِ، وحَكاهُ أَبو عَلِيَ فِي التَّذْكِرة، عَن مُحمَّدِ بن حبيب، وَأَنشَد يَاقُوتٌ فِي أَجَأَ لِجَرير:
أَتَبِيتُ لَيْلَكَ يَا ابْنَ أَتْأَةَ نَائِماً
وَبَنُو أُمَامَةَ عنْكَ غَيْرُ نِيامِ
وَتَرَى القِتَالَ مَعَ الكِرَامِ مُحَرَّماً
وَتَرَى الزِّنَاءَ عَلَيْكَ غَيْرَ حَرَامِ
(وَ) {أَتْأَةُ: (جَبَلٌ) .

أثأ
: (} الأُثْئِيَّةُ كَالأُثْفيَّةِ) بالضمّ، وَاحِد {الأَثَائِي (الجَماعةُ) ، يُقَال: جاءَ فلانٌ فِي أُثْئِيَّةٍ، أَي جَماعةٍ مِن قَوْمِه.
(} وأَثَأْتُه بِسَهْمٍ) إِثاءَةً، كَقِرَاءَةٍ:
(1/126)

(رَمَيْتُه بِهِ) ، وَهُوَ من بَاب مَنَعَ، صَرَّح بِهِ ابنُ القَطَّاعِ وابنُ القُوطِيَّةِ.
وَعَن الأَصمَعِيّ: {أَثَيْتُه بِسَهْمٍ: رميتُه بِهِ، وَهُوَ حرف غَرِيبٌ (هُنَا) ، أَي فِي مَهموزِ الفاءِ واللامِ (ذَكَره أَبو عُبَيْد) اللُّغوِيُّ، وروى عَنهُ الإِمامُ ابنُ حبِيبٍ، وَنَقله ابنُ بَرِّي فِي حواشِي الصّحاحِ، وتَبِعه المُؤَلّف، (و) ذَكَره الإِمام رضِيُّ الدِّين أَبو الفَضائِلِ حسنُ بنُ عليِّ بن حَيْدَر العُمَرِيُّ القُرَشِيّ (الصَّغَانِيُّ) ، وَيُقَال: الصَّاغَانِيُّ (فِي ث وأَ) أَي مَهموز اللامِ ومُعتلّ العَيْنِ، وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْهٌ، فعَلَى رَأْيِ أَبي عُبَيْدٍ فِعْلُه كَمَنع، وعَلى رَأْيِ الصاغانيِّ كَأَقَام، مَزِيدٌ (وَوَهِمَ الجَوْهَرِيُّ) حَيْثُ لم يَذكُرْه فِي إِحدى المادَّتينِ (فذَكره فِي ثأْثأْ) ، وَقد تَبِع الخليلَ فِي ذَلِك.
(و) جاءَ قولُهم: (أَصبَح) الرجلُ (} مُؤْتَثِئاً) من {ائْتَثَأَ، افْتَعَل مِن أَثَأَ، نَقله ابْن بَرِّيَ فِي الْحَوَاشِي، عَن الأَصمعيِّ، والأَكثرونَ على أَنه مُعتَلٌّ بالياءِ، (أَي لَا يَشْتهِي الطَّعَامَ) ، وَعَزاهُ ابنُ منظورٍ للشَّيبانِيِّ.

أجأ
: (} أَجَأٌ) مُحرَّكةً مَهموزٌ مقصورٌ: (جَبَلٌ لِطَيِّىءٍ) القبيلةِ المشهورةِ، والنسبةُ إِليه! أَجَئيٌّ، بِوَزْنِ أَجَعِيَ، وَهُوَ عَلَمٌ مُرتَجَلٌ، أَو اسمُ رَجلٍ سُمِّيَ بِهِ الجَبَلُ، وَيجوز أَن يكون مَنقولاً.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَجَأٌ وسَلْمَى: جَبَلانِ عَن يَسارِ سَمِيرَاءَ وَقد رأَيتُهما شَاهِقانِ.
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ السَّكُونِيُّ: أَجأٌ: أَحَدُ جَبَلَيْ طَيِّىءٍ، وَهُوَ غَرْبِيُّ فَيْدٍ إِلى أَقصَى أَجإٍ، وإِلى القَريتَيْنِ مِن ناحِيةِ الشامِ، وَبَين المدينةِ والجَبلْينِ على غَيْرِ الجَادَّة ثلاثُ مَرَاحِلَ، وَبَين الجَبَلَيْنِة وَتَيْمَاءِ جِبالٌ ذُكِرتْ فِي مَواضِعِها، وَبَين
(1/127)

كلِّ جَبلينِ يومٌ، وَبَين الجَبلينِ وَفَدَكَ ليلةٌ، وَبَينهمَا وَبَين خَيْبَرَ خَمْسُ ليالٍ. وَقَالَ أَبو العِرْماس: حَدّثني أَبو مُحَمَّد أَن أَجأَ سُمِّي برجلٍ كَانَ يُقال لَهُ أَجأُ بنُ عبدِ الحَيِّ، وسُمِّي سَلْمى بامرأَةٍ كَانَ يُقَال لَهَا سَلْمى، فسُمِّيت هَذِه الْجبَال بأَسمائهم، وَقيل فِيهِ غير ذَلِك.
(وبزِنَتِهِ) ، هَكَذَا فِي غَالب النّسخ الَّتِي رأَيناها وتداولَتْ عَلَيْهَا الأَيْدِي، أَي بوَزْن جَبَلٍ، وَلم يُفَسِّروه بأَكثرَ من ذَلِك، وَفِي أَخرى: ومُزَيْنَةَ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ شَيخنَا، واعتَرضَ على المُصنِّف بأَنَّه لم يذْكُرْ أَحدٌ من أَهلِ التاريخِ والأَخبارِ أَنَّ هَذَا الجبلَ لمُزينةَ قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وإِنما هُوَ لطيِّىءٍ وأَولادِهِ ومَن نزل عِنْدهم.
قلت: وَهَذَا الَّذِي اعتَرَضَ بِهِ مُسلَّمٌ غيرُ منازَعٍ فِيهِ، وَالَّذِي يَظهر من سِياقِ عبارةِ المصنِّفِ على مَا اصطلَحَ عَلَيْهِ هُوَ مَا قدمْنَاهُ، على مَا فِي النُّسخِ الْمَشْهُورَة، أَي وَهُوَ على وَزْنِه، وكأَنه أَشارَ بِهِ إِلى ضَبْطِه، وَهُوَ اصطلاحٌ لَهُ، ويدلُّ لذَلِك مَا سيأْتي لَهُ فِي ق ب ل مَا نَصُّه: وقَبَلٌ: جَبَلٌ، وبزِنَتِهِ، قُرْبَ دُومَةِ الجَنْدَلِ. وَكَذَا قولُه فِي كتن: والمُكْتَئِنُّ ضدُّ المُطمَئِنِّ، وَبِزِنَته. وَقَالَ المَناوِي فِي شَرحه: وَبَرِّيَّةٌ. وفسَّره بالصَّحْراءِ، وَهُوَ غَريبٌ، وَقد تَصحَّفَ عَلَيْهِ، فتأَمَّلْ.
(و) {أَجأُ: (ة بِمصْر) من إقليم الدَّقَهْلِيَّةِ، تُضاف إِلَيْهَا تَلْبَنْت، وأَخرى تُضاف إِلى بَيْلُوق. كَذَا فِي قوانين ابنِ الجَيعَان، (ويُؤَنَّث فيهمَا) ، أَي فِي الجَبَل والقَرْية أَما فِي القَرْية فمُسلَّم، وأَما فِي الجَبل فإِن التَّذْكِير والصَّرْفَ أَصوبُ، لأَنه جبلٌ مُذكّر، وسُمِّيَ باسم رجلٍ، وَهُوَ مُذَكّر.
وَقد وَرد ذِكرُه فِي أَشعارهم، فدمنها قَول عارِقٍ الطائيِّ:
وَمِنْ} أَجَإٍ حَوْلِي رِعَانٌ كَأَنَّهَا
قَبَائِلُ خَيْلٍ مِنْ كُمَيْتٍ ومنْ وَرْدِ
وَقَالَ العَيْزَارُ بنُ الأَخْنَس الطائيُّ، وَكَانَ خارِجِيًّا:
تَحَمَّلْنَ مِنْ سَلْمَى فَوَجَّهْنَ بِالضُّحَى
إِلَى أَجَإٍ يَقْطَعْنَ بِيداً مَهَاوِيَا
(1/128)

وَقَالَ زَيْدُ بنُ مُهَلْهِلٍ الطائيُّ:
جَلَبْنَ الخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَسَلْمَى
تَخُبُّ تَرَائِعاً خَبَبَ الرِّكَابِ
وَقَالَ لَبِيدٌ، يصف كَتِيبةَ النُّعانِ:
كَأَرْكَان سَلْمَى إِذْ بَدَتْ أَوْ كَأَنَّهَا
ذُرَى أَجَا إِذْ لاَحَ فِيهِ مُوَاسِلُ
ومُوَاسِلٌ: قُنَّةٌ فِي أَجإٍ، وَقد جاءَ مَقْصُورا غير مهموزٍ، أَنشد قاسِمُ بنُ ثابتٍ لبَعض الأَعرابِ:
إِلى نَضَدٍ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ كَأَنّهُمْ
هِضَابُ {أَجاً أَرْكَانُهُ لَمْ تُقَصَّفِ
وَقَالَ العَجَّاجُ:
فَإِنْ تَصِرْ لَيْلَى بِسَلْمَى وَأَجَا
وأَمّا قولُ امرىء القَيْسِ:
أَبَتْ أَجَأٌ أَنْ تُسْلِمَ العَامَ جَارَهَا
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ
فالمُراد: أَبَتْ قَبائلُ أَجَإٍ، أَو سُكَّانُ أَجإٍ، أَو مَا أَشبهه، فحذفَ المُضافَ وأَقام المضافَ إِليه مُقامَه، يَدلُّ على ذَلِك عَجُزُ البيتِ، وَهُوَ قولُه:
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ
والجَبلُ نفسُه لَا يُقاتِلُ.
قَالَ النَّسَّابةُ الأَخْبارِيُّ عُبيدُ اللَّهِ ياقُوتٌ رَحمَه الله: ووقَفْتُ على جَامِعِ شِعْرِ امرىءِ القيْسِ وَقد نَصَّ (الأَصْمعيُّ) على هَذَا أَنَّ أَجَأً مَوْضِعٌ، وَهُوَ أَحَدُ جَبلَيْ طَيِّىءٍ، والآخرُ سَلْمَى، وإِنما أَراد أَهْلَ أَجإٍ، كقولا لله عَزَّ وجَلّ: {وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ} (يُوسُف: 82) يُريد أَهْلَ القَريةِ، هَذَا لفظُه بِعَيْنِه، ثمَّ وَقَفتُ على نُسخةِ أُخرى من جَامع شِعْره قيل فِيهَا:
أَرى أَجأً لم يُسْلِمِ العَامَ جَارَهُ
ثمَّ قَالَ: المَعْنَى: أَصْحَابُ الجَبَل لَنْ يُسْلِموا جَارَهم.
(و) } أَجَأَ الرجُلُ (كَجَعَلَ) : فَرَّ و (هَرَبَ) ، حَكَاه ثَعلبٌ عَن ابنِ الأَعرابيِّ، يُقَال: إِن اسْم الجَبلِ مَنقولٌ مِنْهُ.
(و) ! الأَجاءَةُ (كَسَحابةٍ: ع لِبَدْرِ بنِ عِقالٍ، فِيهِ بُيُوتٌ) مِن مَتْنِ الجَبلِ (وَمَنازِلُ) فِي أَعلاه، عَن نَصْرٍ، كَذَا فِي المُعجمِ.
قلت: وَهُوَ أَبو الفَتْحِ نَصْرُ بن عبد الرحمان الإِسكندَرِيُّ النَّحْوِيُّ.
(1/129)

أزأ
: ( {أَزَأَ الغَنَمَ، كَمَنعَ) أَهمله الجوهريُّ: (أَشْبَعَها) فِي مَرْعاها.
(و) } أَزَأَ (عَن الحاجةِ: جَبُنَ. ونَكَص) أَي تَأَخَّرَ وقَهْقَر على عَقِبه، قَالَه الفَرَّاءُ.

أشأ
: ( {الأَشاءُ، كَسَحابٍ) ، كَذَا صَدَّر بِهِ القاضِي فِي المَشارِق، وأَبو عَلِيَ فِي المَمدود، والجوهريُّ والصاغانيُّ وغيرُهم، وضَبطه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وتَبِعَه الخَفَاجِي وَهُوَ مخالفٌ للرِّواية: (صِغارُ النَّخْلِ) ، كَذَا قَالَه القَزَّازُ فِي جَامع اللُّغَة، وَقيل: النَّخْلُ عامَّةً: نَقله ابْن سِيدَه فِي المُحكم، والواحدة بهاءٍ، (قَالَ) الإِمام أَبو القاسمِ عليُّ بنُ جعفرِ بن عليَ السعديُّ (ابنُ القَطَّاعِ) إِن (هَمزَتَه أَصْلِيَّةٌ) وَذَلِكَ (عِنْد سِيبَوَيْهِ) . وَقَالَ نصرُ بن حمَّاد: همزَة} الأَشاءَة منقلِبة عَن الياءِ، لأَن تصغيرها {أُشَيٌّ، وَلَو كَانَت مَهْمُوزَة لَكَانَ تَصغيرها أُشَيْئاً.
قلت: وقدْ رَدَّه ابْن جِنِّى وأَعظَمه وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْكَلَام كلمةٌ فاؤُها ولامها همزتانِ، وَلَا عَيْنُها ولامُها همزتان، بل قد جاءَت أَسماءُ محصورةٌ، فَوَقَعت الْهمزَة مِنْهَا فَاء ولاماً، وَهِي آءَةٌ وأَجاءَة (فَهَذَا) أَي المهموز (مَوضِعُه) أَي مَوضِع ذِكره (لَا كَمَا تَوهَّمه الجوهريّ) ، والقَزَّاز صَرَّح بأَنه واوِيٌّ ويائيٌّ، وَفِي الْمُحكم أَنه يائِيٌّ، والمصنِّف فِي ردِّه على الجوهريِّ تابعٌ لِابْنِ جِنِّي، كَمَا عرفت، وَفِي المعجم نقلا عَن أبي بكرٍ مُحَمَّد بن السَّرِيِّ: فأَما مَا ذهب إِليه سِيبويهِ من أَن أَلاءَة} وأَشاءَة مِمَّا لامه همزةٌ، فَالْقَوْل عِنْدِي أَنه عَدَل بهما (عَن) أَن يَكُونَا مِنَ الياءِ، كعَباءَة وصَلاَءَة وعَظاءَة، لأَنه وجدَهم يَقُولُونَ: عَبَاءَة وعَبَايَة، وصَلاَءَة وصَلاَيَة، وعَظاءَة وعَظَاية، فيهنّ، على أَنها بَدلٌ من الياءِ الَّتِي ظَهرت فيهنَّ لاماً، ولمَّا لم يَسمعهم يَقُولُونَ أَشايَة وَلَا أَلاَيَة، ورفضوا فيهمَا الياءَ البتَّةَ، دلَّه ذَلِك على
(1/130)

أَن الْهمزَة فيهمَا لامٌ أَصلِيَّة غير مُنْقلبة عَن وَاو وَلَا ياءٍ، وَلَو كَانَت الهمزةُ فيهمَا بدَلاً لكانوا خُلَقَاءَ ايْنَ يُظْهِروا مَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ ليستدِلُّوا بهَا عَلَيْهَا، كَمَا فعلوا ذَلِك فِي عَباءَة وأُخْتَيْهَا، وَلَيْسَ فِي أَلاءَةٍ وأَشاءَة من الاشتقاقِ من الياءِ مَا فِي أَباءَةٍ، من كَونهَا فِي معنى أَبَيْتُ، فَلهَذَا جَازَ لأَبي بكرٍ أَن يَزعم أَن هَمزتَها من الياءِ، وإِن لم يَنطِقوا فِيهَا بالياءِ، انْتهى.
وَمن سَجَعَاتِ الأَساس: لَيْسَ الإِبلُ كالشَّاءِ، وَلَا العِيدَانُ {كالأَشَاءِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} الأَشاءَة: مَوضِع، قَالَ ياقوت: أَظنه باليَمامةِ أَو ببطنِ الرُّمَّة، قَالَ زِياد بن مُنْقِذٍ العَدَوِيُّ:
عَنِ الأَشاءَة هَلْ زَالَتْ مَخَارِمُهَا
أَمْ هَلْ تَغَيَّرَ مِنْ أَرَامِهَا إِرَمُ
{وأُشَيْءٌ، بالضمّ مُصغَّراً مهموزاً، قَالَ أَبو عُبيدِ السَّكونيُّ: من أَراد اليمامةَ من النِّبَاجِ صَار إِلى القريتينِ، ثمَّ خرج مِنْهَا إِلى} أُشَيءٍ، وَهُوَ لعَدِيِّ بن الرِّباب، وَقيل (هُوَ) للأَحْمَالِ من بَلْعدَوِيَّة. وَقَالَ غَيره: أُشَىْءٌ: موضِع بالوَشْمِ، والوشمُ: وادٍ باليَمامة فِيهِ نَخلٌ، وَهُوَ تَصْغِير الأَشَاءِ، وَهُوَ صِغارُ النخلِ، الْوَاحِدَة {أَشاءَةٌ.
وَقد ذكرهَا المصَنِّفُ فِي المعتلِّ، وَالصَّوَاب ذِكرُه هُنَا، فإِن الإِمام ابْن جِنّي قَالَ: قد يجوز عِنْدِي فِي أُشَيْءٍ هَذَا أَن يكون من لفظ أَشاءَة، فاؤه وَلاَمُه همزتانِ، وعينُه شِينٌ، فَيكون بناؤُه من أشأ وإِذا كَانَ كَذَلِك احتملَ أَن يكون مُكبَّره فَعَالاً، كأَنه} أَشَاءٌ أَحد أَمثلةِ (الأَسماءِ) الثُّلاثِيّة العَشرةِ، غير أَنه حُقِّر فَصَارَ تَصغيره! أُشَيْئاً، كأُشَيْعٍ ثمَّ خُفّفت همزتُه بأَن أُبدلت يَاء وأُدغمت فِيهَا ياءُ التحقير، فَصَارَ
(1/131)

أُشَيّ، كَقَوْلِك فِي تَحقير كَمْءٍ معت خَفِيف الهَمزةِ كُمَيّ، وَقد يجوز أَيضاً أَن يكون أُشَيّ تَحقيرَ أَشْأَي، أَفْعَل من شَأَوْتُ، أَو شَأَيْتُ، حُقِّر فصارَ أُشَيْءٌ كأُعَيْم، ثمَّ خُفّفت همزته فأُبدِلَت يَاء وأُدغمت ياءُ التحقير فِيهَا كَقَوْلِك فيت خيف تَحقير أَرْؤُس أُرَيِّس فاجتمعت مَعَك ثلاثُ ياءَاتٍ، وياءُ التحقير، وَالَّتِي بعْدهَا بَدَلا من الْهمزَة، ولامُ الْفِعْل، فَصَارَت إِلى أُشَيَ ... وَقد يجوز أَن أُشَيَ أَيضاً أَن يكون تحقير {أَشْأَي (وَهُوَ فَعْلَى) كأَرْطى، من لفظ أَشاء، حُقِّر كأُرَيْط، فَصَارَ أُشَيْئاً، أُبدلت همزته للتَّخْفِيف يَاء، فَصَارَ} أُشَيًّا. واصرِفْه فِي هَذَا البتَّةَ كَمَا يُصرَف أُرَيْط معرفَة ونَكِرَةً، وَلَا تَحذِف هُنَا يَاء كَمَا لم تَحْذِفْها فِيمَا قَبْلُ، لأَن الطريقتين واحدةٌ، كَذَا فِي المعجم.

أكأ
: ( {أَكَأَ كمَنعع: استَوْثَقَ مِن غَرِبمِهِ بالشُّهودِ) . ثبتَتْ هَذِه الْمَادَّة فِي أَكثر النّسخ المصححة وَسَقَطت فِي الْبَعْض، وَقَوله:
(أَبو زَيْدٍ: أَكَأَ} إِكَاءَةً) إِلى آخرهَا، هَكَذَا وُجد فِي بعض النّسخ، وَالصَّوَاب أَن محلَّه فصلُ الكافِ من هَذَا الْبَاب، لأَن وزن أَكاء إِكاءَةً (كإِجابةٍ وإِكاءً) كَإِقَامٍ، فَعرف أَن الهمزةَ الأُولى زائدةٌ للتعدية والنقْلِ، كهمزة الأُولى وأَجابَ، وَقد ذكره المصنِّفُ هُنَاكَ على الأَصل، وَهُوَ الصحيحُ، وَيُقَال هُوَ كَكَتب كِتَابَةً وكِتاباً، فَحِينَئِذٍ محلُّه هُنَا (: إِذا أَرادَ أَمْراً ففاجَأْتَهُ) أَي جِئته مُفاجأَةً (على تَئِفَّةِ ذَلِك) أَي حِينه ووقتِه، وَفِي بعض النّسخ: على تَفِيئَةِ ذَلِك (فَهَابَكَ) ، أَي خافَك (ورَجع عَنهُ) ، أَي عَن الأَمر الَّذِي أَرادَه.

أَلأَ
: (! الأَلاَءُ، كالعَلاَءِ) يُمَدُّ (ويُقْصَرُ) ، وَقد سُمِع بِهما (: شَجَرٌ) ورَقُه وَحَمْلُه دِبَاغٌ، وَهُوَ حَسَنُ المَنظرِ (مُرُّ) الطّعمِ،
(1/132)

لَا يزَال أَخضرَ شتاءً وصيفاً، واحدته {أَلاءَةٌ، بِوَزْن أَلاَعَةٍ، قَالَ ابْن عَنَمةَ يرثِي بِسْطَامَ بنَ قَيْسٍ:
فَخَرَّ عَلَى} الأَلاَءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ
كَأَنَّ جَنِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ
وَمن سجعات الأَساس: طَعْمُ الآلاءَ أَحْلَى مِن المَنّ، وَهُوَ أَمَرُّ مِنَ الأَلاَءِ عِنْد المَنّ.
وَفِي (لِسَان الْعَرَب) : قَالَ أَبو زيد: هِيَ شجرةٌ تُشبِه الآسَ لَا تتغَيَّرُ فِي القَيْظِ، وَلها ثَمرةٌ تشبه سُنْبُلَ الذُّرَة، وَمَنْبِتها الرملُ والأَوْديةُ. قَالَ: والسَّلامَانُ نَحْو الأَلاءِ غير أَنها أَصغرُ مِنْهَا، تُتَّخذ مِنْهَا المَسَاوِيك، وثَمرتُها مثلُ ثَمرتِها، ومَنبتها الأَوْدِيةُ والصَّحَارى.
(وأَدِيمٌ {مَأْلُوءٌ) بالهمزِ من غير إِدغام (: دُبِغَ بِهِ. وذكَره الجوهريُّ فِي المعتلِّ وَهَماً) ، وَالْمُصَنّف بِنَفسِهِ أَعادَه المُعْتَلّ أَيضاً فَقَالَ: الأَلاءُ كَسَحابٍ ويُقْصَر: شجرٌ مُرٌّ دائمُ الخُضرةِ، واحدته أَلاَءَةٌ. وسِقَاءٌ مَأْلوءٌ} ومَأْلِيٌّ: دُبِغَ بِهِ. فَلْيُنْظَرْ ذَلِك، وَذكره ابنُ القُوطِيَّة وثعْلَبٌ فِي المعتلِّ أَيضاً، فَكيف يَنْسُب الوَهَم إِلى الجوهريِّ؟ وسيأْتي الكلامُ عَلَيْهِ فِي مَحلّه إِن شاءَ الله تَعَالَى.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
أَرضٌ {مَأْلاَةٌ: كَثِيرَة الأَلاَءِ.
} وأَلاَءَاتٌ بِوَزْن فَعَالات، كأَنه جمع أَلاَءَة، كسحَابةٍ: مَوْضِعٌ جاءَ ذِكْرُه فِي الشِّعرِ، عَن نَصْرٍ، كَذَا فِي المُعْجم. قلت: وَالشعر هُوَ:
الجَوْفُ خَيْرٌ لَك مِنْ أَغْوَاطِ
ومنْ! أَلاَءَاتِ ومِنْ أَراطِ
(1/133)

أوأ
: ( {آءٌ كَعَاعٍ) ، بعينين بَينهمَا أَلف منقلبةٌ عَن تحتيّة أَو وَاو مُهْملَة، لَا مَعنى لَهَا فِي الْكَلَام، وإِنما يُؤْتى بِمِثْلِهَا فِي الأَوزان، لأَن الشُّهْرَة مُعتبرةٌ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام اسمٌ وقعتْ فِيهِ أَلفٌ بَين هَمزتينِ إِلا هَذَا، قَالَه كُراع فِي اللِّسَان (. ثَمَرُ شَجَرٍ) ، وَهُوَ من مَرَاتع النَّعام. وتأْسيس بنائِها من تأْليفِ واوٍ بَيْنَ همزتينِ، قَالَ زُهير بن أَبي سُلْمَى:
كَأَنَّ الرَّحْلَ مِنْهَا فَوْقَ صَعْلٍ
مِنَ الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ
أَصَكَّ مُصَلَّمِ الأُذُنَيْنِ أَجْنَا
لَهُ بِالسِّيِّ تَنُّومٌ} وآءُ
(لَا شَجَرٌ) ، وَوَهِمَ الجوهريُّ وَقَالَ أَبو عَمْرو: وَمن الشَّجر الدِّفلَى {والآءُ، بِوَزْن العَاعِ. وَقَالَ اللَّيْثُ:} الآءُ شجرٌ لَهُ ثَمَرٌ تأْكُله النَّعَام، وَقَالَ ابنُ بَرِّيَ: الصحيحُ عِنْد أَهل اللُّغَة أَنَّ الآءَ ثَمَرُ السَّرْحِ. وَقَالَ أَبو زيد: هُوَ عِنَبٌ أَبيضُ يَأْكلُه الناسُ ويتَّخِذُون مِنْهُ رِيًّا. وعُذْر من سَمَّاه بالشجرِ أَنهم قد يُسَمُّون الشجرَ باسمِ ثَمرهِ، فَيَقُول أَحدُهم: فِي بُستاني السَّفرْجَلُ والتُّفَّاح. وَهُوَ يُرِيد الأَشجار، فيُعِّبر بالثَّمرة عَن الشَّجَرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً} وَزَيْتُوناً (عبس: 27 29) (واحدَتُه بهاءٍ) ، وَقد جاءَ فِي الحَدِيث: (جَرِيرٌ بَيْنَ نَخْلَة وضَالَة وَسِدْرَةٍ {وآءَة) . وتَصغيره} أُوَيْأَةٌ. (و) لَو بَنيْت مِنْهَا فِعْلاً لقُلْتَ: (أُوتُ الأَديِمَ) بالضَّم إِذا (دَبَغْته بِهِ) أَي {بالآءِ (والأَصلُ أُؤُتُ) بهمزتين، فأُبدلَت الثَّانِيَة واواً، لانضمامِ مَا قبلهَا (فَهُوَ} مُؤُوءٌ) كمَعُوع (والأَصلَ مَأْوُوءٌ) بِفَتْح الميمِ وسُكون الْهمزَة وضَمّ الْوَاو، وَبعد واوِ مَفعولٍ هَمزةٌ أُخرى هِيَ لامُ الكلمةِ، ثمَّ نُقِلت حَركةُ الْوَاو الَّتِي هِيَ عَينُ الكلمةِ إِلى الْهمزَة الَّتِي هِيَ فاؤُها، فَالتقى ساكنان: الواوُ الَّتِي هِيَ عَيْن الكلمةِ المنقولُ عَنْهَا الحركةُ، وواوُ مَفعولٍ، فحُذِف أَحدُهما، الأَوَّلُ أَو الثَّانِي، على الخلافِ الْمَشْهُور، فَقيل: مَؤُوءٌ، كَمَقُول، وَقَالَ ابْن بَرّيّ: والدليلُ على أَنّ أَصْلَ هَذِه الأَلِفِ الَّتِي بَين الهمزتين واوٌ قولُهم فِي تصغيرِ آءَة: أُوَيْأَةٌ.
(1/134)

(وحِكايةُ أَصواتٍ) وَفِي نسخةٍ: صَوْتٍ، بالإِفراد، أَي استعملته العربُ حِكَايةً لصوت، كَمَا استعْملتْه اسْما للشجر، قَالَ الشَّاعِر:
فِي جَحْفَلٍ لَجِبٍ جَمَ صَوَاهِلُهُ
بِاللَّيْلِ يُسْمَع فِي حَافَاتِه آءُ
(وزَجْرٌ للإِبل) ، فَهُوَ اسمُ صوتٍ أَيضاً، أَو اسمُ فِعْلٍ، ذكره ابنُ سِيدَه فِي المُحكم.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{الآءُ، بِوَزْن العَاعِ: صِيَاحُ الأَمِيرِ بالغُلاَمِ، عَن أَبي عمروٍ.
وأَرض} مَآءَةٌ: تُنْبِتُ الآءَ. وَلَيْسَ بِثَبتِ.

أيأ
: ( {الأَيْئَةُ) بهمزتين بَينهمَا تَحتِيَّة (كالهَيْئَةِ لَفْظاً ومَعْنى) ، حكاهُ الكِسائِيُّ عَن بعض الْعَرَب، كَذَا نَقله الصاغانيُّ.
قلت: وَالْمَشْهُور عِنْد أَهلِ التصريف أَنَّ هَذِه الهمزةَ الأُولى أُبدِلت من الهاءِ، لأَنه كثيرٌ فِي كَلَامهم، فعلى هَذَا لَا تكون أَصلاً، وَقيل: إِنها لُثْغَة، وَلِهَذَا أَهملها الجوهريُّ وابنُ منظورٍ، وهُمَا هُمَا.

(فصل الباءِ) الموَحَّدَة)
بأبأ
: قَالَ اللَّيثُ بن مُظَفَّر:} البَأْبَأَةُ: قولُ الإِنسان لصَاحبه: بِأَبِي أَنْتَ، وَمَعْنَاهُ: أَفْدِيك بِأَبِي، فيُشْتَقُّ من ذَلِك فعل فَيُقَال:
( {بَأْبَأَهُ) } بَأْبَأَةً (و) {بَأْبَأَ (بِهِ) إِذا (قَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنتَ) ، قَالَ ابنُ جِنِّي: إِذا قلتَ: بِأَبِي أَنت، فالباءُ فِي أَوَّل الاسمِ حَرْفُ جرَ، بِمَنْزِلَة اللَّام فِي قَوْلك: للَّهِ أَنتَ، فإِذا اشتققْت مِنْهُ فِعْلاً اشتقاقاً صَوْتيًّا اسْتَحَالَ ذَلِك التقديرُ، فَقلت:} بَأْبَأْتُ {بِئْباءً، وَقد أَكثرْتُ من البَأْبَأَةِ. فالباءُ الآنَ فِي لفظِ الأَصْلِ، وإِن كَانَ قد عُلِم أَنَّها فِيمَا اشتُقَّتْ مِنْهُ زائدةٌ للجَرِّ، وعَلى هَذَا مِنْهَا:} البِأَبُ، فَصَارَ فِعْلاً من بَابِ سَلِسَ وقَلِقَ، قَالَ:
(1/135)

(يَا) بِأَبِي أَنْتَ وَيَا فَوْقَ البِأَبْ.
{فالبِأَبُ الآنَ بزِنة الضِّلَع والعِنَبِ. انْتهى. وَقَالَ الراجِز:
وصَاحِبٍ ذِي غَمْرَةٍ دَاجَيْتُهُ
} بَأْبَأْتُهُ وَإِنْ أَبَي فَدَّيْتُهُ
حَتَّى أَتَي الحَيَّ وَمَا آذَيْتُه
قَالَ: ومنِ العَرَبِ من يَقُول: (وَا) بِأَبَا أَنتَ، جعلوها كلمة مبنيَّةً على هَذَا التأْسيسِ. قَالَ أَبو مَنصورٍ: هَذَا كَقَوْلِه: يَا وَيْلَتَا، مَعْنَاهُ: يَا وَيْلَتِي، فقُلِبت الياءُ أَلفاً، وَكَذَلِكَ يَا أَبَتَا، مَعْنَاهُ يَا أَبَتِي، وَمن قَالَ: يَا بِيَبَا، حَوَّلَ الهمزَة يَاء، والأَصل يَا بِأَبَا، مَعْنَاهُ يَا بِأَبِي.
{وَبَأْبَأْتُه، أَيضاً،} وَبَأْبَأْتُ بِهِ: قلت لَهُ: بَابَا. وَقَالُوا: بَأْبَأْ الصبيَّ أَبوه إِذا قَالَ لَهُ بَابَا. (و) بَأْبَأَه (الصَّبِيُّ) إِذا (قَالَ) لَهُ: (بَابَا) . وَقَالَ الفَرَّاءُ: بَأْبأْتُ الصبيَّ بِئْبَاءً إِذا قلْت لَهُ: بِأَبِي. وَقَالَ ابْن جَنِّي: سأَلْتُ عَلِيَ فَقلت لَهُ: بَأْبأْتُ الصبيَّ بَأْبَأَةً إِذا قلت لَهُ: بَابَا، فَمَا مِثال البَأْبَأَةِ عنْدك الآنَ؟ أَتَزِنُها على لَفْظِها فِي الأَصل فتقولِ: مِثالُها البَقْبَقَة، مثل الصَّلْصَلَة (والقَلْقَلة) فَقَالَ: بل أَزِنها على مَا صَارتْ إِليه، وأَترك مَا كانتْ قبلُ عَلَيْهِ، فأَقول: الفَعْلَلَة. قَالَ: وَهُوَ كَمَا ذَكَر، وَعَلِيهِ انعقادُ هَذَا الْبَاب.
( {والبُؤْبُؤُ كَهُدْهُدِ) ، وَفِي نُسْخَة، كالهُدهد، قَالُوا: لَا نَظِير لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب إِلاَّ جُؤْجُؤ ودُؤْدُؤ ولُؤْلُؤ، لَا خَامِس لَهَا، وَزَاد المصنّف: ضُؤْضُؤ، وَحكى ابْن دِحْيَة فِي التَّنْوِير سُؤْسُؤ (: الأَصْلُ) ، كَمَا فِي الصِّحَاح، وَقيل: الأَصلُ الكريمُ أَو الخَسِيس، وَقَالَ شَمِر:} بُؤْبُؤُ الرجلِ: أَصلُه. وأَنشد ابنُ خَالَوَيه لجرير:
فِي بُؤْبُؤِ المَجْدِ وبُحبُوحِ الكَرَمْ
وأَما أَبو عَليَ القالِي فأَنشده:
فِي ضِئْضِيِء الْمجد! وبُؤْبُوءِ الكَرَمْ
(1/136)

وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يَصحّ مَا ذكره من أَنه على مِثال سُرْسُور، بِمَعْنَاهُ، قَالَ: وكأَنهما لُغتان. (و) البُؤْبؤُ (: السَّيِّدُ الظَّرِيفُ) الخفيفُ. والأُثْنى بِهاءٍ، نَقله ابنُ خالوَيه. وأَنشد قَول الرَّاجز فِي صِفة امرأَةٍ.
قَدْ فَاقَتِ {البُؤْبُؤَ وَالبُؤَيْبِيَهْ
وَالجِلْدُ مِنْهَا غِرْقِيءُ القُوَيْقِيَهْ
(و) البُؤْبؤُ (: رَأْسُ المُكْحُلَةِ) ، وسيأْتي فِي يُؤْيُؤ أَنه مصحَّف مِنْهُ.
(و) البُؤْبؤُ (: بَدَنُ الجَرَادَةِ) بِلَا رَأْسٍ وَلَا قوائمَ.
(وإِنْسَانُ العَيْنِ) ، وَفِي (التَّهْذِيب) : عَيْنُ العَيْنِ. وَهُوَ أَعزُّ عليَّ من بُؤْبُؤِ عَيْني.
(و) البُؤْبُؤُ (: وَسَطُ الشيءِ) ، كالبُحْبُوحِ.
(وَكَسُرْسُورٍ ودَحْدَاح) الأَخير من المُحكم (: العَالِمُ) المُعَلِّم.
(} وَتَبَأْبَأَ) {تَبَأْبُؤاً (: عَدَا) ، نَقله أَبو عُبيد عَن الأُمويِّ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
بَأْبَأَ الرجلُ: أَسرَع، نَقله الصَّغانيُّ عَن الأَحمر.
} والبَأْبَاءُ: زَجْرُ السِّنَّوْرِ. قَالَه الصَّغانيُّ.

بتأ
وبثأ: ( {بَتَأَ بِالمكان كَمَنع) بَتْأً (: أَقامَ، كَبَثَأَ) بالمُثلثة. والفصيح: بَتَابَتْواً وسيأْتي فِي المعتلّ. والمثلّثة لُغةٌ أَو لُثْغة، وَفِي الجمهرة أَنه لَيْسَ بثبت.
بثأ

وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ فِي المثلَّثة:
} البَثَاءُ، مَمدوداً: موضعٌ فِي دِيَارِ بني سُلَيم، وأَنشد المُفَضَّل:
بِنَفْسِي مَاءُ عَبْشَمْسِ بنِ سَعْدِ
غَدَاةَ {بَثَاءَ إِذْ عَرَفُوا اليَقِينَا
وأَورده الجوهريّ فِي المعتلّ. قَالَ ابْن برّيّ: وَهَذَا مَوْضِعه.} بثأ

بَدَأَ
: ( {بَدَأَ بِهِ كَمَنَع) } يَبْدَأُ {بَدْءاً (:} ابتَدَأَ) هما بِمَعْنى وَاحِد. (و) بَدَأَ (الشَّيْءَ:
(1/137)

فَعَلَه {ابتِدَاءً) أَي قَدَّمه فِي الفِعل، (} كَأَبْدَأَهُ) رُباعيًّا، ( {وابتَدَأَهُ) كَذَلِك، (و) بَدَأَ (مِنْ أَرْضِهِ) لأُخْرَى (: خَرَجَ) .
(و) بَدَأَ (اللَّهُ الخَلْقَ: خَلَقَهُمْ) وأَوْجَدَهم، وَفِي التَّنزيل: {1. 010 10 الله يبدؤا الْخلق} (يُونُس: 34) (} كَأَبْدَأَ) هُمْ، {وأَبْدَأَ من أَرضٍ (فيهمَا) ، أَي فِي الْفِعْلَيْنِ، قَالَ أَبو زَيْدِ:} أَبْدَأْتُ من أَرضٍ إِلى أُخرى إِذا خَرَجْت مِنْهَا.
قلت: واسْمه تَعَالَى المُبْدِىءُ. فِي النِّهَايَة: هُوَ الَّذِي أَنشأَ الأَشياءَ واختَرعَها ابْتِدَاء مِن غيرِ سابقِ مِثالٍ.
(و) يُقَال: (لَك {البَدْءُ} والبَدْأَةُ {والبَدَاءَةُ) ، الأَخير بالمدِّ، والثَّلاثةُ بالفَتح، على الأَصل (ويُضَمَّانِ) ، أَي الثَّانِي وَالثَّالِث، وَحكي الأَصمعيُّ الضمَّ أَيضاً فِي الأَول، واستدرك المُطرزيّ:} البدَاءَة كَكِتابَةِ وكقُلامَةٍ، أَورده ابْن بَرّيَ، والبداهَةُ، على البَدَلِ، وَزَاد أَبو زيد: {بُدَّاءَة كتُفَّاحة، وَزَاد ابنُ مَنْظُور: البِدَاءَة بِالْكَسْرِ مهموزاً، وأَما} البِدَايَةُ، بِالْكَسْرِ والتحتيَّة بدلَ الْهمزَة. فَقَالَ المطرزيُّ: لُغةٌ عامِّيَّة، وعدَّها ابْن بَرّيَ من الأَغلاط، وَلَكِن قَالَ ابنُ القَطَّاع: هِيَ لغةٌ أَنصاريّة، {بَدَأْتُ بالشيءِ} وبَديِتُ بِهِ: قَدَّمته: وأَنشد قولَ ابنِ رَوَاحَة:
باسمِ الإِلاهِ وَبِهِ {بَدِينَا
وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا
ويأْتي للْمُصَنف} بديت فِي المعتل، (و) لَك ( {البَدِيئَةُ) كَسِفينة، (أَي لَك أَن} تَبْدَأَ) قبلَ غيرِك فِي الرَّمْيِ وغيرِه.
( {والبَدِيئَةُ: البَدِيهَةُ) على البدَلِ، (} كالبَدَاءَة) والبَدَاهة، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَفْجَؤُكَ، وَفُلَان ذُو {بَدأَة جَيّدة، أَي بديهة حَسنة، يُورِد الأَشياءَ بسابقِ ذهنه. وَجمع البَدِيئة} البَدَايَا، كبريئة وَبَرَايا، حَكَاهُ بعضُ اللغوِيِّين.
(1/138)

(و) البَدْءُ {والبَدِيءُ: الأَوَّلُ، وَمِنْه قَوْلهم (افْعَلْهُ} بَدْءًا وَأَوَّلَ {بَدْءٍ) عَن ثَعْلَب، (} - وَبَاديىَ {بدْءٍ) على فَعْل، (وَبَادِىَ) بِفَتْح الْيَاء فيهمَا (} - بَدِيٍّ) كغنى، الثَّلَاثَة من المُضافاتِ، ( {- وبادِي) بِسُكُون الياءِ، كياء مَعْدِيكَرِب، وَهُوَ اسْم فاعلٍ من بَدِيَ كَبَقيَ لُغةٌ أَنصاريّة، كَمَا تقدم (بَدْأَةَ) بِالْبِنَاءِ على الْفَتْح (وبدْأَةَ ذِي بَدْءٍ، وَبَدْأَةَ} وبَدَاءَ) (ذِي {- بَدي) على فعل (وَبادِيَ) بِفَتْح الْيَاء (} بَدِىءٍ ككتف {- وبَدِىءَ ذِي} - بَدِيءٍ) كأَمير فيهمَا، ( {وبادِىءَ) بِفَتْح الْهمزَة (بَدْءٍ) على فَعْلِ (وبَادِيءَ) بِفَتْح الْهمزَة، وَفِي بعض النّسخ بِسُكُون الياءِ (} بَدَاءٍ) كَسماءٍ، ( {وَبَدَا بَدْءٍ} وبَدْأَةَ بَدَأَةَ) بِالْبِنَاءِ على الْفَتْح، (وبَادِي) بِسُكُون الْيَاء فِي موضِع النصب، هَكَذَا يتكلَّمون بِهِ (! بَدٍ) كَشَجٍ، (وَبَادِي) بِسُكُون الْيَاء (بَدَاءٍ) كسَماءٍ، وجَمْعُ بَدٍ مَعَ بَادِي تأْكيدٌ، كجمعه مَعَ بَدَا، وَهَكَذَا بَاقِي المُركَّبات البِنائيّة، وَمَا عَداهَا من المُضافات، والنُّسخُ فِي هَذَا الْموضع فِي اختلافٍ شديدٍ ومُصادمَة بعضُها مَعَ بعضٍ، فَلْيَكُن الناظِرُ على حَذرٍ مِنْهَا، وعَلى مَا ذَكرناه من الضَّبْطِ الاعتمادُ إِن شاءَ الله تَعَالَى (أَي أَوَّلَ شيءٍ) ، كَذَا فِي نُسخةٍ صحيحةٍ، وَفِي (اللِّسَان) : أَي أَوَّلَ أَوّلَ، وَفِي نسخةٍ أُخرى:
(1/139)

أَي أَوَّلَ كلِّ شيءٍ، وَهَذَا صَرِيح فِي نَصبهِ على الظرفيَّة، ومُخالِفٌ لما قَالُوهُ: إِنه منصوبٌ على الْحَال من الْمَفْعُول، أَي {مَبْدُوءًا بِهِ قبلَ كُلِّ شيءٍ، قَالَ شَيخنَا: ويصحّ جعلُه حَالا من الْفَاعِل أَيضاً، أَي افعَلْه حالةَ كونِك} بادِئاً، أَي مُبتدِئاً.
(و) يُقَال (رَجَع) . يحْتَمل أَن يكون مُتعدِّياً فَيكون (عَوْدَه) مَنْصُوبًا (على {بَدْئِه، و) كَذَا عوداً على بَدْءٍ. وفَعلَه (فِي عَوْدِه} وبَدْئِه، وَفِي عَوْدَتِه {وبَدْأَتِه، وَعَوْداً وَبَدْءًا، أَي) رَجع (فِي الطَّريق الَّذِي جاءَ مِنْهُ) . وَفِي الحَدِيث (أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمنَفَل فِي} البَدْأَةِ الرُّبُع، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُث) ، أَراد {بالبَدْأَةِ ابتداءَ سَفَرِ الغَزْوِ، وبالرَّجْعَةِ القُفُولَ مِنْهُ. وَفِي حَدِيث عليَ رَضِي الله عَنهُ: لقد سَمِعْتُه يَقُول: (ليَضْرِبُنصكُمْ على الدِّينِ عَوْداً كَما ضَرَبْتُموهُم عَلَيْهِ بَدْءًا) أَي أَوَّلاً، يَعْنِي العَجَم والمَوَالِيَ.
(و) فلَان (مَا} يُبدِىء وَمَا يُعِيد) أَي (مَا يَتَكَلَّم ببادِئِهِ وَلَا عائِدَةٍ) . وَفِي الأَساس أَي لَا حِيلةَ لَهُ، {وبادِئَةُ الكلامِ: مَا يُورِدُه ابْتِدَاء، وعائِدتُه: مَا يَعُودُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ. وَقَالَ الزجَّاجُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يُبْدِىء الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} (سبأ: 49) مَا فِي موضِعِ نَصْب أَيْ أَيَّ شيءٍ يُبْدِىءُ الباطلُ وَأَيَّ شَيء يُعِيدُ:
(} والبِدْءُ: السَّيِّدُ) الأَوَّلُ فِي السِّيادة، والثُّنْيَانُ: الَّذِي يَلِيه فِي السُّودَدِ، قَالَ أَوْسُ بن مَغْرَاءَ السَّعْدِيُّ:
ثُنْيَانُنَا إِنْ أَتَاهُمْ كَانَ {بَدْأَهُمْ
} وَبَدْؤُهُمْ إِنْ أَتَانَا كَانَ ثُنْيَانَا
(و) {البَدْءُ (: الشابُّ العاقلُ) المُستجادُ الرأَيِ،} والبَدْءُ: المَفْضِلُ، والعَظْمُ بِمَا عَلَيْهِ من اللحْمِ، (و) قيل: هُوَ (النَّصِيبُ) أَو خَيْرُ نَصيبٍ (من الجَزُورِ، {كالبَدْأَةِ) ، هَكَذَا بِالْهَمْز على الصَّوَاب، يُقَال: أَهْدَى لَهُ} بَدْأَةَ الجَزورِ، أَي خَيْرَ الأَنصباءِ، وَقَالَ النَّمِرُ بنُ تَوْلَب:
(1/140)

فَمَنَحْتُ {بَدْأَتَهَا رَقِيباً حَانِحاً
والنَّارُ تَلْفَحُ وَجْهَهَا بِأُوَارِهَا
والبَدُّ، والبِدُّ، والبُدَّةُ، والبِدَّةُ، والبِدَادُ، كالبَدْءِ، ويأْتي هَؤُلَاءِ الخمسةُ فِي حرف الدَّال إِن شاءَ الله تَعَالَى، (ج} أَبْدَاءٌ) كجَفْنٍ وأَجْفانٍ، على غيرِ قِياسٍ ( {وبُدُوءٌ) كفُلُوسٍ وجُفُونٍ، على القِياس، وَلَكِن لمّا كَانَ استعمالُ الأَوَّلِ أَكثرَ قدَّمه. وَقَالَ طَرَفَةُ بنُ العَبْد:
وَهُمُ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا
أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الجُزُرْ
وَهِي عَشرة: وَرِكَاها، وفَخِذَاها، وسَاقاها، وَكَتِفَاها، وعَضُدَاها، وهما أَلأَمُ الجَزُورِ لكَثْرةِ العُروقِ.
(و) } - البَدِيءُ (كالبَديِع: المَخْلُوقُ) فعيلٌ بِمَعْنى مَفعول، {- والبَدِيءُ: العجيب (والأَمْرُ المُبْدَعُ) ، وَفِي نُسْخَة: البَدِيع، أَي الغَرِيب، لكَونه لم يكُنْ على مِثالٍ سابقٍ، قَالَ عَبِيدُ بنُ الأَبرص:
فَلا} بَديءٌ وَلاَ عَجِيبُ
وَقَالَ غَيره:
عَجِبَتْ جَارَتِي لِشَيْبٍ عَلاَنِي
عَمْرَكِ اللَّهَ هَلْ رَأَيْتِ {بَدِيئَا
وَقد} أَبْدَأَ الرجلُ، إِذا أَتى بِهِ.
(و) {- البَدِيءُ} والبَدْءُ: (البِئرُ الإِسلامِيَّةُ) ، هِيَ الَّتِي حُفِرَتْ فِي الإِسلام حَدِيثَة، لَيست بِعَادِيَّة، وتُرِك فِيهَا الهمزُ فِي أَكثرِ كلامِهم، وَذَلِكَ أَن يَحْفِرَ بِئراً فِي الأَرض المَواتِ الَّتِي لَا رَبَّ لَهَا. وَفِي حديثِ ابْن المُسَيِّب: (فِي حَرِيمِ البَدِىءِ خَمْسَةٌ وعِشرُون ذِراعاً) والقَلِيب: البِئرُ العَادِيَّةُ القَدِيمة الَّتِي لَا يُعْلَم لَهَا رَبٌّ وَلَا حافِرٌ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَة: يُقَال للرَّكِيَّةِ:! - بَدِيءٌ وَبَدِيعٌ إِذا حَفَرْتَها أَنت، فإِن أَصبْتَها قد حُفِرت قبلَكَ فَهِيَ خَفِيَّة، قَالَ: وزَمْزَمُ خَفِيَّةٌ، لأَنها لإِسماعيلَ عَلَيْهِ
(1/141)

السلامُ فاندفَنَتْ، وأَنشد:
فَصَبَّحَتْ قَبْلَ أَذَانِ الفُرْقَانْ
تَعْصِبُ أَعْقَارَ حِيَاضِ البُودَانْ
قَالَ: {البُودَانُ: القُلْبَانُ، وَهِي الرَّكَايَا، واحِدُها بَدِىءٌ، قَالَ: وَهَذَا مَقْلُوبٌ، والأَصلُ البُدْيَانُ.
(و) } - البَدِيءُ: السَّيِّدُ (الأَوَّلُ، كالبَدْء) بالفَتح، كَمَا تقدم، أَو الأَوَّلُ، كَمَا هُوَ ظاهرُ الْعبارَة، وَفِي بعض النّسخ: كالبَدْأَةِ، بِالْهَاءِ.
( {وبُدِىءَ) الرجلُ (بالضَّمِّ) ، أَي بِالْبِنَاءِ للمَجهول (} بَدْءًا: جُدِرَ) ، أَصابَه الجُدَرِيُّ، (أَو حُصِبَ بالحَصْبَة) ، وَهِي كالجُدَرِيِّ قَالَ الكُمَيْت:
فَكَأَنَّمَا {بُدِئَتْ ظَوَاهِرُ جِلْدِهِ
مِمَّا يُصَافِحُ مِنْ لَهِيبِ سُهَامِهَا
كَذَا أَنشده الجوهريُّ لَهُ، وَقَالَ الصاغانيُّ: وَلَيْسَ للكُميت على هَذَا الرّوِيِّ شَيءٌ. وَقَالَ اللِّحيانِيُّ: بُدِىءَ لرجلُ} يُبْدَأُ بَدْءًا: خَرَج بِهِ بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيِّ. ورَجُلُ {مَبْدُوءٌ: خَرَج بِهِ ذَلِك، وَفِي حديثِ عائشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا: (فِي اليومِ الَّذِي بُدِىءَ فِيه رَسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ابْن الأَثير: يُقَال: مَتَى} بُدِىءَ فُلانٌ؟ أَي مَتَى مَرِض، يُسْأَلُ بِهِ عَن الحَيِّ والمَيتِ.
( {وبَدَّاءٌ، كَكَتَّانٍ: اسْم جَمَاعةٍ) ، مِنْهُم} بَدَّاء بنُ الحارِث بن مُعاوية، من بني ثَوْرٍ قَبِيلة من كِنْدَة. وَفِي بَجِيلَةَ بَدَّاءُ بنُ فِتْيَانِ بن ثَعْلَبَة بنِ مُعاويَة بن زَيدِ بن الغَوْثِ، وَفِي مُرَادٍ بَدَّاءُ بنُ عامرِ بن عَوْثَبَانَ بنِ زَاهرِ بن مُرَادٍ، قَالَه ابنُ حبيب، وَقَالَ ابنُ السيرافيِّ: بَدَّاءٌ فَعَّالٌ من البَدْءِ مَصروفٌ.
(! والبُدْأَة بالضمِّ: نَبْتٌ) قَالَ أَبو حنيفَة: هِيَ هَنَةٌ سَوْداءُ كأَنَّها كَمْءٌ وَلَا يُنْتَفَع بِها.
(و) حُكيَ اللّحيانيُّ قولَهم فِي الحِكايةِ: (كَانَ ذلِكَ) الأَمْرُ (فِي بدْأَتِنَا، مُثلَّثَةُ الباءِ) فَتْحاً وضَمًّا
(1/142)

وكَسْراً، مَعَ القَصْرِ والمَدِّ (وَفِي {بَدَأَتِنَا مُحَرَّكَةً) ، قَالَ الأَزهريُّ: وَلَا أَدري كَيفَ ذَلِك، (وَفِي} مُبْدَئِنَا) بِالضَّمِّ ( {وَمَبْدَئِنَا) بِالْفَتْح (} وَمَبْدَاتِنَا) بِالْفَتْح من غير همزَة، كَذَا هُوَ فِي نُسختنا، وَفِي بعضٍ بِالْهَمْز، أَي فِي أَول حَالِنَا ونَشْأَتِنا، (كَذَا فِي) كتاب (الباهِرِ لابنِ عُدَيْسٍ) وَقد حَكَاهُ اللِّحيانيُّ فِي (النوادِر) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{بادِىءُ الرَأْيِ: أَوَّلُه} وابتداؤُه، وَعند أَهلِ التحقيقِ من الأَوائل: مَا أُدرِكَ قبلَ إِمعان النَّظَرِ، يُقَال فعلته فِي بادىءِ الرأْيِ. وَقَالَ اللحيانيُّ: أَنت بادِيءَ الرأْيِ {ومُبْتَدَأَهُ تُريد ظُلْمَنَا، أَي أَنتَ فِي أَوَّل الرأْي تُريد ظُلْمَنَا. وَرُوِيَ أَيضاً بغيرِ همزٍ، وَمَعْنَاهُ أَنت فِيمَا بَدَا من الرأْيِ وظَهَر، وسيأْتي فِي المعتلِّ. وقرأَ أَبو عمروٍ وحْدَه (} بَادِىءَ الرَّأْيِ) بِالْهَمْز، وسائرُ القُرَّاء بغَيْرهَا، وإِليه ذهب الفَرَّاءُ وابنُ الأَنبارِيّ يُريد قراءَةَ أَبي عمرٍ و، وسيأْتي بعضُ تَفْصِيله فِي المعتلّ إِن شاءَ الله تَعَالَى.
{وأَبْدَأَ الرجلُ كِنايَة عَن النَّجْوِ، وَالِاسْم} البَدَاءُ، ممدودٌ.
{وأَبدَأَ الصَبِيُّ: خَرجَتْ أَسنانُه بعدَ سُقوطِها.
} والابتداءُ فِي العَروض: اسمٌ لكلِّ جُزْءٍ يَعْتَلُّ فِي أَوَّل البيتِ بِعِلَّةٍ لَا يَكون فِي شيءٍ من حَشْوِ البيتِ، كالخَرْم فِي الطَّويلِ والوافرِ والهَزَجِ والمُتقارِب، فإِن هَذِه كلَّها يُسَمَّى كلُّ واحدٍ من أَجزائها إِذا اعتلَّ: {ابْتِدَاء، وَذَلِكَ لأَن فَعولن تُحذف مِنْهُ الفاءُ فِي} الابتداءِ، وَلَا تُحذف الْفَاء من فَعولن فِي حَشْوِ الْبَيْت البتَّةَ، وَكَذَلِكَ أَوَّل مُفاعلتن وأَول مَفاعيلن يُحذفان فِي أَوَّل البيتِ، وَلَا يُسمّى مُستفعِلن من البَسيط وَمَا أَشبهَه مِمَّا عِلَّتُه كَعِلَّةِ أَجزاءِ حَشْوه ابْتِدَاء، وَزعم الأَخفشُ أَن الخليلَ جعلَ فاعلاتُنْ فِي أَوَّل المَدِيد ابْتِدَاء. (قَالَ: وَلم يَدْرِ الأَخفَش لم جَعَل فاعلاتن ابْتِدَاء)
(1/143)

وَهِي تكون فَعِلاتن وفاعلاتن، كَمَا تكون أَجزاءُ الحَشْوِ، وذَهب على الأَخفشِ أَنَّ الخَلِيل جعَل فاعلاتنْ ليسَتْ كالحشْوِ، لأَن أَلفها تَسقط أَبداً بِلا معاقبةٍ، وكلُّ مَا جازَ فِي جُزئه الأَوَّلِ مَا لَا يَجوزُ فِي حَشْوه فاسمُه الابتداءُ، وإِنما سُمِّي مَا وقَع فِي الجُزءِ ابْتِدَاء لابتدائك الإِعلال، كَذَا فِي (اللِّسَان) .

بذأ
: ( {بَذَأَه، كمَنَعه: رَأَي مِنْهُ حَالا كَرِهَهَا) وَقد بَذَأَه} يَبْذَؤُهُ: ازداره (واحتَقَره) وَلم يَقْبلْه، وَلم تُعجِبه مَرْآتُه (و) سأَلْتُه عَنهُ {فَبَذَأَه، أَي (ذَمَّهُ) ، قَالَ أَبو زيدٍ: يُقَال} بَذَأَتْه عَيني {بَذْءًا إِذا طَرَأَ لَك وعندك الشيءُ ثمَّ لم تَرَه كَذَلِك، فإِذا رأَيتَه كَمَا وُصِفَ لَك قلت: مَا} تَبْذَؤُه العَيْنُ (و) {بَذَأَ (الأَرضَ: ذَمَّ مَرْعَاها) ، وَكَذَلِكَ المَوْضِعَ إِذا لم تَحْمَدْه.
(و) } - البَذِيءُ (كَبَدِيعٍ: الرجُلُ الفاحِشُ) اللسانِ، (وَقد) {- بُذِىَ كَعُنِي إِذا عِيبَ وازدُرِيَ و (بَذُؤَ) كَكَرُم أَو كَكَتَب كَمَا هُوَ مُقتضَى إِطلاقه، وَهِي لغةٌ مرجوحةٌ (ويُثَلَّثُ) ، أَي تُحرَّكُ عَينُ فِعله، لأَنها المقصودةُ بالضبْطِ بالحركاتِ الثلاثِ، بَذأَ كمَنَعَ وكَفَرِحَ مُضارِعهما بالفَتْح، وككَرُم مضارعه بالضمَ قِيَاسا وبالفَتْحِ، وَفِي المِصباح: إِنما يُقَال بَذَأَ كمنَع فِي المهموز، والكَسْرُ والضمُّ إِنما هما فِي المُعتَلِّ اللَّام (} بَذَاءً) كسحاب ( {وَبَذَاءَةً) ككَرامة، مَصدرٌ للمضموم على القِياسِ وسيأْتي فِي المُعتلِّ، وَفِي بعض النّسخ} بَذْأَةً على وَزْنِ رَحْمَةٍ، وَفِي أُخرى: بَذَاءً كَسَماءٍ.
(و) {بذَأَ (المكانُ) : صَار (لَا مَرْعَى فِيهِ) فَهُوَ مُجدِبٌ.
(} والمُباذَأَةُ) مفاعلةٌ من {بَذَأَ: (المُفاحَشَةُ) ، وَفِي بعض النّسخ بِغَيْر همز، (} كالبِذَاءِ) بالكسرِ. وَجوز بعضُهم الْفَتْح.
(1/144)

وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{باذَأْتُ الرجُلَ إِذا خاصَمْته،} وباذَأَهُ {فَبَذَأَهُ،} وأَبذأْت: جِئْت {بالبِذَاءِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذا عَظُمَت الخِلْقَة فإِنما بِهِ} بِذَاءٌ ونِجَاءٌ.
وَمن الْمجَاز: وُصِفَتْ لي أَرضُ كَذَا فأَبصَرْتُها {فبَذَأَتْها عَيْني، أَي ازدَرتْهَا فأَبصَرْتُها فبَذَأَتْها عَيْني، أَي ازدَرتْهَا.

برأَ
: (} برَأَ اللَّهُ الخَلقَ، كجَعَلَ) {يَبْرَأُ بِالْفَتْح فيهمَا، لمكانِ حرف الخلقِ فِي اللَّام، على الْقيَاس، وَلِهَذَا لَو قَالَ كمَنعَ بدَل جَعَل كَانَ أَوْلَى (} بَرْءًا) كمَنْعٍ، حكان ابْن الأَنباريِّ فِي الزَّاهِر ( {وبُروءًا) كقُعودٍ، حَكَاهُ اللّحيانيُّ فِي (نوادره) وأَبو زيدٍ فِي كتاب الْهَمْز: (خَلَقَهم) على غيرِ مثالٍ، وَمِنْه} البارِىءُ فِي أَسمائه تَعَالَى، قَالَ فِي (النِّهَايَة) هُوَ الَّذِي خلق الخَلْقَ لَا عَن مِثالٍ. وَقَالَ البيضاوِيُ: أَصلُ تَركيب {البَرْءِ لخُلوص الشيءِ من غيرِه، إِما على سَبِيل التفَصِّي، كَبَرَأَ المَرِيض من مَرَضه والمَدْيُون من دَيْنه، أَو الإِنشاء} كبَرأَ اللَّهُ آدمَ من الطين، انْتهى. {والبَرْءُ: أَخَصُّ من الْخلق، وللأَوَّل اختصاصٌ بِخَلْق الْحَيَوَان، وقلَّما يُستعمَل فِي غَيره، كبَرأَ اللَّهُ النَّسَمَة وخَلَق السَمواتِ والأَرض.
(و) } بَرأَ (المَرِيضُ) مُثَلَّثاً، والفتحُ أَفصحُ، قَالَه ابنُ القطَّاع فِي الأَفعال، وَتَبعهُ المُزَنِيُّ، وَعَلِيهِ مَشى المُصنِّف، وَهِي لُغة أَهلِ الحِجاز، والكَسْرُ لُغة بني تَميمٍ، قَالَه اليزيديُّ واللحيانيُّ فِي نوادِرِهما ( {يَبْرَأُ) بِالْفَتْح أَيضاً على الْقيَاس (و) } بَرَأَ كنَصَر ( {يَبْرُؤُ) كينْصُر، كَذَا هُوَ مَضبوطٌ فِي الأُصول الصحيحةِ، نقلَه غيرُ وَاحِد من الأَئمة، قَالَ الزجَّاج: وَقد ردُّوا ذَلِك، قَالَ: وَلم يجيءْ فِيمَا لامُه همزَة فَعَلْتُ أَفْعُل، وَقد استقصى العلماءُ باللغةِ هَذَا فَلم يَجدوا إِلَّا فِي هَذَا الحَرْفِ. قلت: وَكَذَلِكَ برَا يَبْرُو، كدَعَا يدْعُو، وصَرَّحوا أَنها لغةٌ قَبيحة (بُرْءًا بِالضَّمِّ) فِي لُغة الْحجاز وَتَمِيم، حَكَاهُ القَزّازُ وابنُ الأَنباريّ (وُبرُوءًا) القَزّازُ وابنُ الأَنباريّ (} وبرُوءًا) كقُعود، ( {وَبَرُؤ كَكَرُم) } يَبرُؤُ بالضمّ فيهمَا، حَكَاهَا القزَّاز فِي الْجَامِع وابنُ سَيّده فِي
(1/145)

المُحكم، وابنُ القطَّاع فِي الأَفعال، وابنُ خَالَوَيْه عَن المازنيِّ، وَابْن السَّيِّدِ فِي المُثَلَّث، وَهَذِه اللغةُ الثالثةُ غيرُ فصيحةٍ (و) {بَرِىءَ مثل (فَرِحَ) } يَبْرَأُ كيفْرَح، وهما أَي بَرَأَ كمنَعَ {وَبَرِىءَ كفرِح لُغتان فَصِيحتانِ (} بَرْءًا) بِفَتْح فَسُكُون ( {وبُرُؤًا) بِضَمَّتَيْنِ (} وبُرُوءًا) كقُعود (نَقِهَ) كفرِح، من النَّقاهة وَهِي الصِّحَّة الخفيفةُ الَّتِي تَكون عَقِيب مَرضٍ، وَفِي بعض النّسخ زِيَادَة: وَفِيه مَرَضٌ. وَهُوَ حاصِلُ مَعنى نَقِهَ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ شَيخنَا. ( {وأَبْرأَه اللَّهُ) تَعَالَى من مَرضِه (فَهُوَ) أَي الْمَرِيض (} بارِىءٌ {- وَبرِيءٌ) ، بِالْهَمْز فيهمَا، وَرُوِيَ بِغَيْر همز فِي الأَخير، حَكَاهَا القزَّاز، وَقَالَ ابنُ دَرَسْتَوَيْه: إِن الصِّفةَ من بَرأَ المريضُ بارِيءٌ على فاعلٍ، وَمن غيرِه بَرِيءٌ، وأَنكرِ الشَّلَوْبِينُ وَقَالَ: اسْم الفاعِل فِي ذَلِك كلِّه اللبْلِيُّ فِي شَرْح الفصيحِ وَقَالَ: قد سُمِع بَرِيءُ أَيضاً (ج كَكِرامٍ) فِي بَريءٍ قِيَاسا، لأَن فاعِلاً على فِعَالٍ لَيْسَ بمسموعٍ، فالضميرُ إِلى أَقربِ مَذكور، أَو أَنه من (النَّوَادِر) .
وَمن سجعات الأَساس: حَقٌّ على البارِيءِ مِن اعتلالِه، أَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ البارِيءِ على إِبْلالِه.
(} وَبرِىء) الرجل، بالكسرِ، لُغَة وَاحِدَة (مِن الأَمْرِ) والدَّيْنِ كفرِح ( {يَبْرَأُ) بِالْفَتْح على الْقيَاس (} وَيَبْرُؤُ) بِالضَّمِّ (نَادِرٌ) بل غريبٌ جِداً، لأَن ابْن القُوطِيَّةِ قَالَ فِي الأَفعال: ونَعِمَ يَنْعُم وفَضِلَ يَفْضُل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي والضمِّ فِي الْمُضَارع فيهمَا، لَا ثَالِث لَهما، فإِن صحَّ فإِنه يُستدْرَك عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكره المؤَلِّف هُوَ مَا قَالَه ابنُ القَطَّاعِ فِي الأَفعال، ونصُّه بَرأَ اللَّهُ الخَلْقَ وبَرأَ المريضُ مُثلَّثاً، والفتْحُ أَفصحُ وَبرِيءَ من الشيءِ والدَّيْنِ بَرَاءَةً كَفَرِحَ لَا غَيْرُ، ( {بَرَاءً) كَسَلامٍ، كَذَا فِي الرِّوْضِ (} وَبرَاءَةً) كَكَرامةٍ ( {وبُرْءًا) بِضَمَ فَسُكُون (:} تَبَرَّأَ) بِالْهَمْز، تفسيرٌ لما سَبق ( {وأَبرَأَك) اللَّهُ (مِنْهُ} وَبَرَّأَك) ، من بَاب التفعيل، أَي جعلك! بَرِيئاً،
(1/146)

(وأَنت {- بَرِيءٌ) مِنْهُ (ج} بَرِيؤون) جَمْعُ مذَكَّرٍ سَالم (و) {بُرَآءُ (كَفُقَهاءَ و) } بِرَاء مثل (كِرَامٍ) فِي كَرِيمٍ، وَقد تقدَّم، وَفِيه دِلالةٌ لما أَوردناه آنِفا (و) {أَبراءٌ مثل (أَشراف) فِي شَرِيفٍ، على الشذوذ (و) } أَبرِياء مثل (أَنْصِبَاءَ) فِي نَصِيبٍ، وَلَو مثّلَه بأَصْدِقاءَ كَانَ أَحسَنَ، لأَن الصَّدِيق صِفةٌ مِثلُه، بِخِلَاف النصيبِ فإِنه اسمٌ، وَكِلَاهُمَا شاذٌ مقصورٌ على السَّماعِ، كَمَا صرح بِهِ ابْن حبَّان (و) بُرَاء مثل (رُخَالٍ) ، وَهُوَ من الأَوزانِ النادرةِ فِي الْجمع، وأَنكره السُّهيليُّ فِي الرَّوْض فَقَالَ: أَمّا بُراءٌ كغُلاَمٍ فأَصلهُ {بُرَآءُ ككُرماءَ، فاستُثْقل جمْعُ الهمزتينِ فحذفوا الأُولى، فوزنُه أَوّلاً فُعَلاءُ، ثمَّ فُعَاءٌ، وَانْصَرف لأَنه أَشبَه فُعالاً، وَالنّسب إِليه إِذا سُمِّيَ بِهِ} بُرَاوِيٌّ، وإِلى الأَخيرينِ {بُرَايِيٌّ} وبِرَائيٌّ بِالْهَمْز، انْتهى، وَفِي بعض النّسخ هُنَا زِيادَةُ وبُرَايات، وعَلى شرْحُ شيخِنا، قَالَ: وَهُوَ مُستغرَب سَمَاعا وَقِيَاسًا. (وَهِي بِهَاءٍ) أَي الْأُنْثَى {بَرِيئة (ج} بَرِيئَاتٌ) مُؤنَّث سَالم ( {وَبرِيَّاتٌ) بقلب إِحدى الهمزتين يَاء (} وَبَرَايَا كخَطَايَا) ، يُقَال: هُنّ {بَرايَا. (وأَنا} بَرَاءٌ مِنه) ، وَعبارَة الرَّوْضِ: رجُلٌ بَرَاءٌ، ورجلانِ بَرَاءٌ كَسَلامٍ، (لَا يُثَنَّي وَلَا يُجْمَع) لأَنه مَصدر، وشأْنه كَذَلِك، (وَلَا يُؤَنَّث) ، وَلم يذكرهُ السُّهَيْليُّ، وَمعنى ذَلِك (أَي بَرِيءٌ) .
( {والبَرَاءُ: أَوَّلُ ليلةٍ) من الشهْرِ، سُمِّيت بذلك} - لِتَبرِّي القمرِ من الشمْس (أَو) أَوّل (يَوْمٍ من الشَّهْرِ) ، قَالَه أَبو عمرٍ و، كَمَا نَقله عَنهُ الصاغانيُّ فِي العُباب، وَلكنه ضَبطه بالكسحر وصحَّحَ عَلَيْهِ، وصَنيع المُصَنّف يَقْتَضِي أَنه بِالْفَتْح. قلت: وَعَلِيهِ مَشى الصاغانيُّ فِي التكملة، وَزَاد أَنه قولُ أَبي عمرٍ ووحْدَه (أَوْ آخِرُها، أَو آخِرُه) أَي اللَّيْلَة كَانَت أَو الْيَوْم، وَلَكِن الَّذِي عَلَيْهِ الأَكثرُ أَنَّ آخِرَ يَوْم من الشَّهْر هُوَ التَّحِيرَة، فليُحَرَّر. (كابْنِ {البَرَاءِ) ، وَهُوَ أَوَّلُ يومٍ من الشهْرِ، وَهَذَا يَنصُر القولَ الأَوَّلَ، كَمَا فِي العُباب. (و) قد (} أَبْرَأَ) إِذا
(1/147)

(دَخَل فِيه) أَي البَرَاء.
(و) {البراءُ (اسْم. و) البَرَاءُ (بنُ مَالِك) بن النَّضْرِ الأَنصاريُّ أَخو أَنَس رَضِي الله عَنْهُمَا، شَهِد أُحُداً وَمَا بعْدهَا، وَكَانَ شُجاعاً، استُشْهِد يَوْم تُسْتَر، وَقد قَتل مائَة مبارزةً (و) البَرَاء بنُ (عَازِبٍ) ، بالمُهملة ابْن الْحَارِث بن عَدِي الأَنصارِيُّ الأَوْسِيُّ أَبو عُمارة، شهِد أُحُداً وافتَتَح الرَّيَّ سنة 24، فِي قولِ أبي عمرٍ والشيبانيِّ، وشهِد مَعَ عليَ الجَمَلَ وصِفِّين، والنَّهْرَوانَ، ونَزل الكُوفَة، ورَوَى الكثيرَ، وَحكى فِيهِ أَبو عمرٍ والزاهدُ القَصْرَ أَيضاً. (و) البَرَاء بن (أَوْس) بن خالدٍ، أَسهمَ لَهُ رسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وسلمخَمْسَة أَسهُم (و) البَرَاءُ بن (مَعْرُورٍ) بِالْمُهْمَلَةِ، ابْن صَخْرِ بن خَنْسَاء ابْن سِنانٍ الخَزْرجِيُّ السَّلَمِيُّ أَبو بِشْرٍ نَقِيب بني سَلِمَةَ (الصَّحَابِيُّونَ) رَضِي الله عَنْهُم.
(و) البَرَاء (بن قَبِيصَةَ، مُختَلَفٌ فِيهِ) ، قَالَ الْحَافِظ تقيُّ الدِّينِ بن فَهْدٍ فِي المعجم: أَورده النَّسائيُّ وَلم يَصِحَّ. قلت: وَقد سقط هَذَا من أَكثر نُسخ الكتابِ.
(و) يُقَال (} بَارَأَهُ) أَي شَريكه إِذا (فَارَقَه) ، وَمثله فِي العُباب، (و) {بَارَأَ الرجلُ (المَرْأَةَ) إِذا (صَالَحَها على الفِرَاقِ) ، من ذَلِك، وسيأْتي لَهُ ذَلِك فِي المعتل أَيضاً.
(} واسْتَبْرَأَها) خَالعهَا و (لمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَحيِضَ) .
(و) {استبرَأَ (الذَّكَرَ: اسْتَنْقَاه) أَي استنظَفَه (مِنَ البَوْلِ) ، والفقهاءُ يُفرِّقون بَين} الاستبراءِ والاستنقاءِ، كَمَا هُوَ مذكورٌ فِي محلّه.
(و) {البُرْأَةُ (كالجُرْعَة: قُتْرَةُ الصَّائِدِ) ، وَالْجمع} بُرَأٌ، قَالَ الأَعشى يَصف الحَمير:
(1/148)

فَأَوْرَدَهَا عَيْناً مِنَ السِّيفِ رَيَّةً
بِهَا {بُرَأٌ مِثْلُ الفَسِيلِ المُكَمَّمِ
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} تَبَرَّأْنَا: تَفارَقنا. {وأَبْرأْته: جَعلته} بَرِيئاً من حَقِّي. {وَبَرَّأْته: صحَّحْتُ} بَراءَته، والمُتباريَان لَا يُجَابَان، ذكره بعضُ أَلِ الْغَرِيب فِي المَهموز، وَالصَّوَاب ذِكرُه فِي المُعتَلِّ، كَمَا فِي (النِّهَايَة) ، {وأَبرأْتُه مَالِي عَلَيْهِ} وَبَرَّأَته {تَبرِئَةً.} وتَبَرَّأْتُ من كَذَا.
{والبَرِيَّةُ: الخَلْق، وَقد تركت العربُ هَمزها، وقرأَ نافعٌ وَابْن ذَكْوان على الأَصلِ قولَه تَعَالَى: {1. 011 خير} البريئة} (الْبَيِّنَة: 7) و {1. 011 شَرّ البريئة} (الْبَيِّنَة: 6) . وَقَالَ الْفراء: إِن ايخذْتَ البَرِيَّة مِن البَرَى وَهُوَ التُّراب، فأَصلُها غيرُ الهمزِ، وَقد أَغفلها المُصنِّف هُنَا، وأَحال فِي المُعتَلِّ على مَا لم يَذْكُر، وَهُوَ عجيبٌ.
{واستبرأْتُ مَا عِندك،} واستبرَأَ أَرْضَ كَذَا فَمَا وجَدَ ضالَّته، واستبرَأْتُ الأَمْرَ، طلبْتُ آخِرَه لأَقطَعَ الشُّبْهة عني.
{والبَرَاءُ بن عبد عَمْرو الساعديُّ، شهِد أُحُداً، والبَرَاء بن الجَعْد بن عَوْف: ذَكره ابْن الجَوْزِي فِي التَّلْقيح. وَبَرَاء ابْن يَزيِدَ الغَنَوِيُّ، وبراءُ بن عبْدِ الله بنَ يزِيد، ذكرهمَا النسائيُّ.

بسأ
: (} بَسأَ بِه) أَي بِالرجلِ {وَبَسِىءَ (كَجَعَلَ وفَرِحَ) } تَبْسَأ ( {بَسْأً) بِفَتْح فَسُكُون (} وَبَسَأً) محرّكَة ( {وَبسَاءً) بالمدّ (} وبُسُوءًا) كقُعود إِذا (أَنِسَ) بِهِ، (و) يُقَال: ( {أَبْسَأْتُه) فَبَسِيءَ بِي.
وَمن سَجعات الأَساسِ قد} بَسِىءَ بِكَرمك، وأَنِس بحُسن خُلُقِك.
(وبَسَأَ بالأَمر بَسْأً وبُسُوءًا: مَرَنَ) عَلَيْهِ.
(و) {بَسَأَ (بِهِ: تَهَاوَنَ) .
(و) يُقَال (نَاقَةٌ} بَسُوءٌ) كصبور إِذا كَانَت (لَا تَمْنَع الحَالِبَ) لِحُسن خُلقها.
وَفِي العُباب: التَّرْكِيب يدُلُّ على الإِنْسِ بالشِّيءِ.
(1/149)

بشأ
: ( {بَشَاءَةُ بالمدِّ) وَالْفَتْح (ع) فِي جبال بني سُلَيم، قَالَه أَبو عُبَيد البكريُّ وَغَيره، قَالَ خالدُ بنُ زُهيرٍ الهذليّ:
رُوَيْداً رُوَيْداً وَاشْرَبُوا} بِبَشَاءَةِ
إِذَا الجُدْفُ رَاحَتْ لَيْلَةً بِعُذُوبِ

بطأ
: ( {بَطُؤَ كَكَرُمَ) } يَبْطُؤ ( {بُطْأً، بِالضَّمِّ) ، قَالَ المُتَنبِّي:
وَمِنَ البِرّ} بُطْءُ سَيْبِكَ عَنِّي
أَسْرَعُ السُّحْبِ فِي المَسِيرِ الجَهَامُ
( {وبِطَاءً ككِتابٍ و) كَذَلِك (} أَبْطَأَ ضدُّ أَسْرَعَ) تَقول مِنْهُ بَطُؤُ مَجيئُك {وأَبْطَأْتَ فإِنك} - بَطِيءٌ، وَلَا تَقُلْ: أَبْطَيْت.
( {- والبَطِيءُ كأَميرٍ لَقَبُ) أَبي الْعَبَّاس (أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ) ، كَذَا فِي لنُّسخ، وَصَوَابه أَحْمد بن الحَسن بن أبي البَقاء (العَاقُولِيِّ) نِسبة إِلَى دَيْرِ العاقول مَدينةِ النَّهْرَوانِ الأَوسطِ (المُحَدِّث) الْمَشْهُور، روى عَن ابْن مَنْصُور القَّزازِ وطَبقته.
(و) عَن أَبي زيد: (} أَبْطَئوا إِذا كانتْ دَوابُّهم {بِطَاءً) ، وَيُقَال فَرسٌ} - بَطِيءٌ من خيلٍ {بِطاءٍ.
(و) يُقَال: (لم أَفْعَلْه بُطءَ يَا هَذَا، و) } بُطْأَى (كَبُشْرَي، أَي الدَّهْرَ) ، فِي لغةِ بني يَربوع.
(و) يُقَال: ( {بُطآنَ ذَا خُرُوجاً) بِالضَّمِّ (ويُفْتَحُ) ، جَعَلُوهُ اسْما للفِعل كسرْعَانَ (أَي بَطُؤَ) ذَا خُرُوجًا، فجُعلِت الفتحةُ الَّتِي على بَطُؤَ فِي نُون بُطْآنَ حِين أَدَّتْ عَنهُ، ليَكُون علَماً لَهَا، ونُقِلت ضمَّةُ الطاءِ إِلَى الباءِ، وإِنما صحَّ فِيهِ النقْلُ لأَن معناهُ التعجُّبُ، أَي مَا} أَبطأَه.
( {وَبَطَّأَ عَلَيْهِ بالأَمْرِ} تَبطِيئاً وأَبْطَأَ بِهِ) أَي (أَخَّرَهُ) ، وَفِي الحَدِيث: (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُه) أَي من أَخَّره عَملُه السَّيءُ لم يَنفَعْه فِي الآخِرة شَرَفُ نَسبهِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ.
(1/150)

{تَبَطَّأَ الرجلُ فِي مَسيرِهِ، وَمَا أَبْطَأَ بك، وَمَا بَطَّأَك،} واستبطَأْتُه. وكَتب إِليَّ {يَسْتَبْطِينِي.
} وبِيطَاء: اسمُ سفينةٍ جاءَ ذِكرُها فِي شِعر عُثمانَ بن مَظعونٍ، قَالَه الزُّبير ابْن بَكَّار، وَنَقله عَنهُ السُّهيلِيُّ فِي الرَّوض.
{وباطِئَهُ: اسمٌ مجهولٌ أَصلُه، قَالَه اللَّيْث، وأَورده صَاحب (اللِّسَان) هُنَا، وسيأْتي فِي المعتلِّ إِن شاءَ الله تَعَالَى.

بكأ
: (} بَكأَتِ الناقَةُ) أَو الشَّاة (كجَعَلَ وكَرُمَ {بَكْأً) ، قَالَ أَبو مَنْصُور: سمعنَا فِي (غَرِيب الحديثِ) } بَكُؤَتْ {تَبْكُؤُ، وَرُوِيَ شمر عَن أَبي عُبَيدِ} وبَكَأَت الناقةُ {تَبْكَأُ، قَالَ أَبو زيدٍ، كلُّ ذَلِك مَهموز بِفَتْح فَسُكونٍ. قَالَ سَلاَمة بن جَنْدَلٍ:
وَقَالَ مَحْبِسُهَا أَدْنَى لِمَرْتَعِهَا
وَلَوْ نُفَادِي} بِبَكْءٍ كُلَّ مَحْلُوبِ
وَزَاد أَبو زَيْدٍ فِيهِ: {البُكْءُ بالضَّمِّ (} وَبَكَاءَةً) مُحَرَّكَةً، كَذَا هُوَ مضبوطٌ عندنَا فِي النُّسخ، وَفِي العُباب بِالْفَتْح والمدّ ( {وَبُكُوءًا) كقُعود، وَكِلَاهُمَا مَصدر} بَكُؤ بالضمّ (و) زَاد أَبو زيد ( {بُكَاءً) على وزن غُرابٍ، وَفِي بعض النّسخ بضمَ فسُكون (فهِيَ) أَي النَّاقة أَو الشَّاة (} - بَكِيءٌ {وَبَكِيئَةٌ) بِالْهَاءِ وبدونها، أَي (قَلَّ لَبَنُها) ، وَقيل: إِذا انْقَطع، وَفِي حَدِيث عليَ (فَقَام إِلَى شَاةٍ} - بَكِيءٍ فَحَلَبها) ، وَفِي حَدِيث عُمَر أَنه سأَل جَيْشاً: (هَلْ يَثْبُتُ لَكُم العَدُوُّ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ! بِكِيئَةٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ) .
(1/151)

وَقَالَ أَبُو مُكْعِبٍ الأَسَدِيُّ:
فَلَيَضْرِبَنَّ المَرْءُ مَفْرِقَ مَالِه
ضَرْبَ الفَقَارِ بِمِعْوَلِ الجَزَّارِ
وَلَيَأْزِلَنَّ {وتَبْكُؤَنَّ لِقَاحُهُ
وَيُعَلِّلَنَّ صَبِيَّهُ بِسَمَارِ
(ج) } بِكَاءٌ {وبَكَايَا (كَكِرَامٍ وخَطَايَا) الأَخير على ترك الْهَمْز.
(و) قَالَ اليث: (} البَكْءُ نَبَاتٌ) كالجِرْجِيرِ (كَالبَكَا) بِالْفَتْح (مَقْصُورَةً) معتلّة عِنْد بَعضهم (واحِدَتُهما بِهاءٍ) .
وَفِي الْعباب: التَّرْكِيب يَدلُّ على نُقْصَان الشَّيْء وقِلَّتهِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{بَكَأَتْ عَيني وعُيون} بِكَاءٌ: قلَّ دَمْعهُا، وأَيْدٍ بِكَاءٌ: قلَّ عَطاؤها. {وأَبْكَأَ زيدٌ: صَار ذَا بُكاءٍ وقِلَّةِ خَيْرٍ. وَقَالَ الشَّاعِر:
أَلاَ بَكَرَتْ أُمُّ الكِلاَبِ تَلُومُنِي
تَقُولُ أَلاَ قَدْ} أَبْكَأَ الدَّرَّ حَالِبُهْ
زعم أَبو رِياشٍ أَنّ مَعْنَاهُ وَجَدَ الحالبُ الدَّرَّ {بَكيِئاً، كَمَا نقُول: أَحْمَدَه: وجَدَه حَمِيداً، وَقَالَ ابْن سِيدَه: وَقد يَجوز عِنْدِي أَن تَكون الهمزةُ لِتعدِية الفِعْلِ، أَي جَعله بَكيِئاً، غير أَني لم أَسْمع ذَلِك من أَحدٍ. وبَكُؤَ الرجلُ بَكَاءَةً فهوَ بَكِيءٌ من قوم بِكاءٍ. وَفِي رِوَايَة (نَحن مَعاشِرَ الأَنبياءِ فِينَا} بَكْءٌ) أَي قلَّة الكَلام، أَي إِلا فِيمَا يُحْتاج إِليه، {وبَكِىءَ الرجلُ كفَرِح: لم يُصِبْ حاجَته، وَيُقَال: رَكِيَّةٌ} بَكِيَّة، إِذا نَضَب ماؤُها، قُلبت هَمزتُها للإِتباع.

بوأ
: ( {بَاءَ إِليه: رَجَعَ) وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {} وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ اللَّهِ} (الْبَقَرَة: 61) قَالَ الأَخفش: أَي رَجعوا، أَي صارَ عَلَيْهِم (أَو انْقَطَع و) فِي بعض النّسخ بِالْوَاو بدل أَو ( {بُؤْتُ بِهِ إِليه} وأَبَاتُه) وَهَذِه
(1/152)

عَن ثَعلبٍ ( {وبُؤْتُه) عَن الكِسائيِّي وَهِي قليلةٌ.
(} والبَاءَةُ) بالمدِّ ( {والبَاءُ) بِحَذْف الْهَاء، والباهَة، بإِبدال الْهمزَة هَاء، والبَاهُ بالأَلف وَالْهَاء، فَهَذِهِ أَربعُ لغاتٍ بِمَعْنى (النِّكَاح) لغةٌ فِي} الباءَةِ، وإِنما سُمِّيَ بِهِ لأَن الرجلَ {يَتَبَوَّأُ مِن أَهله، أَي يَستمكِنُ مِنْهَا كَمَا يَتبوَّأُ من دارِه، كَذَا فِي العُباب وجامعِ القَزَّازِ والصِّحاح، وَجعل ابنُ قتيبةَ اللغةَ الأَخيرَةَ تَصحيفاً، وَفِي الحَدِيث (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ} البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإِنَّه أَغَضُّ للبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، ومَنْ لم يَستَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّه لَهُ وِجَاءٌ) .
وَقَالَ يَصِف الحِمَار والأُتُنَ:
يُعَرِّسُ أَبْكَاراً بِهَا وَعُنَّسَا
أَكْرَمُ عِرْسٍ {بَاءَةً إِذْ أَعْرَسَا
وَقَالَ ابْن الأَنباريّ: يُقَال: فُلانٌ حَرِيصٌ على} البَاءِ والبَاءَةِ والبَاهِ، بِالْهَاءِ والقَصْرِ، أَي النِّكاح، والباءَةُ الواحدةُ، والبَاءُ الجَمْعُ، ويُجْمع البَاءُ على {البَاءَات قَالَ الشَّاعِر:
يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ ذُو الثَّبَاتِ
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي صَاحِبَ البَاءَات
فَاعْمِدَ إِلَى هَاتِيكُمُ الأَبْيَاتِ
(} وَبَوَّأَ) الرجلُ ( {تَبْوِيئاً) إِذا (نَكَحَ) وَهُوَ مجَاز.
(} وبَاءَ) الشيءُ (: وَافَقَ، و) بَاءَ (بِدَمِه) وبِحَقِّه إِذا (أَقَرَّ) ، وَذَا يَكونُ أَبداً بِمَا عَلَيْهِ لاَ لَهُ. قَالَ لَبِيدٌ:
أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا {وَبُؤْتُ بِحَقِّهَا
عِنْدِي ولَمْ يفْخَرْ عَليَّ كِرامُهَا
وَقَالَ الأَصمعي:} باءَ بإِثمه فَهُوَ {يبُوءُ} بَوْءًا إِذا أَقَرَّ بِهِ (وَ) قَالَ غَيره: باءَ (بِذَنْبِهِ {بَوْءًا) بفتْحٍ فَسُكونٍ، كَذَا فِي أَكثرِ الأُصولِ، وَفِي بَعْضهَا:} بَوْأَةً بِزِيَادَة الْهَاء ( {وَبَوَاءً) كسَحابٍ (: احْتَمَله) وصارَ المُذنِب مَأْوَى الذنبِ، وَبِه فَسَّر أَبو إِسْحَاق الزَّجاجُ {} فَبَاءوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} (الْبَقَرَة: 90) أَي احتملوا، (أَو اعْتَرفَ بِهِ) ، وَفِي
(1/153)

بعض النُّسخ بِالْوَاو، وَفِي الحَدِيث ( {أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) أَي أَلتَزِم وأَرْجِعُ وأُقِرُ، وأَصل} البَوَاءِ اللُّزومُ، كَمَا فِي (النِّهَايَة) ، ثمَّ استُعمِل فِي كلِّ مَقامٍ بِما يُناسِبُه، صرّح بِهِ الزمخشريُّ والرَّاغِب، وَفِي حَدِيث آخَرَ: (فقد بَاءَ بِهِ أَحدُهما) أَي التزَمَه ورجَع بِهِ.
(و) {باءَ (دمُهُ بِدَمِهِ) } بَوْءًا {وبَوَاءً (عَدَلَه، و) فُلانٌ (بِفُلانٍ) } بَوَاءً إِذا (قُتِلَ بِهِ) وَصَارَ دَمُه بِدَمه (فَقَاوَمَهُ) ، أَي عَادَلَه، كَذَا عَن أَبي زَيْدٍ. وَيُقَال: ( {بَاءَتْ عَرَارِ بِكَحْل) وهُما بَقرَتَانِ قُتِلتْ إِحداهما بالأُخرى. وَيُقَال:} بُؤْ بِه، أَي كنْ مِمَّن يُقْتَل بِهِ، وأَنشد الأَحمرُ لرجلٍ قَتل قَاتِلَ أَخِيه فَقَالَ:
فَقُلْتُ لَهُ بُؤْ بِامْرِىءٍ لَسْتَ مِثْلَهُ
وَإِنْ كُنْتَ قُنْعَاناً لِمَنْ يَطْلُبُ الدَّمَا
قَالَ أَبو عُبيدٍ: مَعْنَاهُ وإِنْ كُنْتَ فِي حَسَبِك مَقْنَعاً لكلِّ مَن طلبَك بِثَأْرِهِ، فلسْتَ مِثلَ أَخي. ( {كَأَبَاءَهُ} وَبَاوَأَهُ) بِالْهَمْز فيهمَا، يُقَال: {أَبأْتُ القاتِلَ بِالقتيل} واستبأْته أَيضاً، إِذا قَتَلْته بِهِ، وَفِي (اللِّسَان) : وإِذا أَقَصَّ السُّلطانُ رَجلاً برجلٍ قيل: {أَباءَ فُلاناً بِفُلانٍ. قَالَ الطُّفَيْلُ الغَنَوِيُّ:
أَبَاءَ بِقَتْلاَنَا مِنَ القَوْمِ ضِعْفَهُمْ
وَمَا لاَ يُعَدُّ مِنْ أَسِيرٍ مُكَلَّبِ
ومثلُه قَوْلُ أَبي عُبيْدٍ. وَقَالَ التغلبيُّ:
أَلاَ يَنْتَهي عنّا المُلُوكُ وتَتَّقِي
محارِمَنا لَا} يُبْأَؤُ الدَّمُ بِالدَّمِ
وَقَالَ عبْدُ الله بن الزبير:
قَضَى اللَّهُ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ بَيْنَنَا
وَلَمْ نَكُ نَرْضَى أَنْ {نُباوِئكُمْ قَبْلُ
(} وتَبَاوَءَا) القتيلان (تَعَادَلا) وَفِي الحَدِيث: أَنه كَانَ بيْن حَيَّيْن من الْعَرَب
(1/154)

قِتالٌ، وكَانَ لأَحدِ الحَيَّيْنِ طَوْلٌ عَلى الآخرِ فَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلاَّ أَنْ نَقتُلَ بالعبدِ مِنَّا الحُرَّ مِنْكُم، وبالمرأَةِ الرَّجُلَ، فأَمرهم النبيُّ أَن {يتباوَءُوا، ووزنه يتَقَاولُوا، على يَتَفَاعلُوا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وأَهل الحَدِيث يَقُولُونَ} يَتَباءَوْا، على مِثَال يَتَرَاءَوْا، كَذَا نَقل عَنْهُم أَبو عُبيد. [ ( {وبوَّأَهُ مَنْزِلاً) نزلَ بِهِ إِلى سَنَدِ جَبَلٍ، هَكَذَا متعدّياً إِلى اثْنَيْنِ فِي نسختنا وَفِي بَعْضهَا بإِسقاط الضَّمِير، فَيكون متعدِّياً إِلى واحدٍ، وَعَلَيْهَا كتبَ شيخُنَا، ومثَّلَ للمتعدِّي إِلى اثْنَيْنِ قَوْلهم:} تَبوَّأْتُ لزَيْد بيْتاً، وَقَالَ أَبو زيد: هُوَ متعدَ بِنَفسِهِ لَهما، وَاللَّام زَائِدَة، وفَعَّل وتَفعَّل قد يكونَانِ لِمَعْنى واحدِ (وَ) {بوَّأَ (فِيه) } وبوَّأَه لَهُ بِمَعْنى هَيَّأَه لَهُ (أَنْزَلَه) ومكَّن لَهُ فِيهِ ( {كَأَباءَهُ) إِيَّاه، قَالَ أَبو زيد:} أَبَأْتُ القومَ منزلا {وبَوَّأْتُهم منزلا إِذا نَزلْتُ بهم إِلى سَنَدِ جَبَلٍ أَو قِبَلِ نَهْرٍ (والاسْمُ} البِيئةُ، بالكَسْر) .
(و) {بوَّأَ (الرُّمْحَ نَحْوَهُ: قَابَلُه بِهِ) نَحْو هَيَّأْه، كَمَا ورد ذَلِك فِي الحَدِيث.
(و) } بوَّأَ (المَكانَ: حَلَّه وأَقامَ) بِهِ ( {كَأَبَاءَ بِهِ} وَتَبَوَّأَ) ، عَن الأَخفش، قَالَ الله عز وَجل: {أَن {تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} (يُونُس: 87) أَي اتَّخذا، وَقَالَ أَبو زيد:} التَّبَوُّؤُ: أَن يُعْلِمَ الرجُلُ الرجُلَ على الْمَكَان إِذا أَعجبه لِيَنْزلَه، وَقيل: {تَبَوَّأَه إِذا أَصلَحه وهَيَّأَه، وَيُقَال} تَبَوَّأَ فلانٌ منزلا إِذا نَظر إِلى أَحْسَن مَا يُرى وأَشَدِّه استِواءً وأَمكَنِهِ {لمَباءَتهِ فاتخذه. وتَبَوَّأَ: نَزلَ وأَقامَ، وَقَالَ الْفراء فِي قَوْله تَعَالَى: {} لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً} (العنكبوت: 58) يُقَال: {بَوَّأْتُه منزِلاً وأَثْوَيْتُه مَنزِلاً سواءٌ، أَي أَنزلته، وَفِي الحَدِيث: (مَنْ كَذَب عَلَيَّ مُتَعَمِّداً} فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ) . أَي لِيَنْزِلْ مَنْزِلَه من النَّار.
(و) من الْمجَاز فُلانٌ طَيِّب ( {المَبَاءَة) أَي (المَنْزِل) وَقيل: مَنْزِل القومِ فِي كُلِّ مَوْضعٍ، وَقيل: حَيْثُ} يَتَبَوَّءُون مِنْ قِبَلِ وَادِ وسَنَدِ جَبَلٍ، وَيُقَال: هُوَ رَحيب المَباءَةِ، أَي سَخِيٌّ واسعُ المعروفِ.
(1/155)

وقرأْت فِي مُشكِل القُرآنِ لابنِ قُتَيْبة وأَنشد:
{وَبوَّأْتَ بَيْتَكَ فِي مَعْلَمٍ
رَحِيبِ المَبَاءَةِ وَالمَسْرَحِ
كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلاَبَ القِرَى
وَنَبْحَ الكِلاَبِ لِمُسْتَنْبِحِ
(كالْبِيئةِ) بِالْكَسْرِ (} والبَاءَةِ) قَالَ طرفه:
طَيِّبُو البَاءَةِ سَهْلٌ وَلَهُمْ
سُبُلٌ إِنْ شِئتَ فِي وَعْثٍ وَعِرْ
(و) {المَباءَة (بَيْتُ النَّحْلِ فِي الجَبَلِ) . وَفِي (التَّهْذِيب) : هُوَ المُرَاحُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ.
(و) } المباءَة (مُتَبَوَّأُ الوَلَدِ مِنَ الرَّحِمِ) ، قَالَ الأَعلم:
وَلَعَمْرُ مَحْبِلِكِ الهَجِينِ عَلَى
رَحْبِ المَبَاءَةِ مُنْتِنِ الجِرْمِ
(و) يُسمَّى (كِنَاسُ الثَّوْرِ) الوحشيِّ {مَباءَةً (و) كَذَلِك (المَعْطِنُ) وَفِي (اللِّسَان) :} المباءَةُ مَعْطِنُ القَوْمِ للإِبلِ حَيْثُ تُنَاخ فِي المَوَارد. وَيسْتَعْمل للغنم أَيضاً كَمَا فِي الحَدِيث، وَهُوَ {المُتَبَوَّأُ أَيضاً (وأَبَاءَ بِالإِبِلِ) . هَكَذَا فِي النُّسخ، وَالَّذِي فِي (اللِّسَان) و (العُباب) :} وأَباءَ الإِبلَ (رَدَّهَا إِليه) أَي إِلى المَباءَةِ: {وأَبَأْتُ الإِبلَ مَباءَةً أَنخْتُ بعضَها إِلى بعضٍ قَالَ الشَّاعِر:
حَلِيفَانِ بَيْنَهُمَا مِيرَةٌ
} يُبيِئَانِ فِي عَطَنٍ ضَيِّقِ
(و) {أَباءَ (مِنْه: قَرَّ) كأَن الهمزةَ فِيهِ لِسلْبِ مَعنى الرُّجوعِ والانقطاع.
(و) } أَباءَ (الأَدِيمَ: جعله فِي الدِّبَاغِ) ، وَهُوَ مذكورٌ فِي هَامِش بعضِ نُسَخ الصّحاح، وَالَّذِي فِي (العُباب) ! وأَبْأَتِ المرأَةُ أَدِيمَها: جعلته فِي الدِّباغ
(1/156)

( {وَالبَوَاءُ) بِالْمدِّ (: السَّوَاءُ والكُفْءُ) يُقَال: القومُ} بَوَاءٌ فِي هَذَا الأَمرِ، أَي أَكْفاءٌ نُطرَاءُ، وَيُقَال دَمُ فُلانٍ بَوَاءٌ لدمِ فلانِ إِذا كَانَ كُفُؤاً لَهُ، قَالَت ليلى الأَخيليَّة فِي مَقَتل تَوْبَةَ بن الحُمَيِّر:
فَإِنْ تَكُنِ القَتْلَى بَوَاءٍ فَإِنَّكُمْ
فَتى مَا قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بنِ عَامِرِ
وَفِي الحَدِيث: (الجِرَاحَاتُ بَوَاءٌ) يَعْنِي أَنها مُتساوِيةٌ فِي القِصاص، وأَنه لَا يُقْتَص للمجروح إِلاَّ مِن جَارِحِهِ الْجَانِي وَلَا يُؤْخَذُ إِلاَّ مِثْلُ جِراحَته سَوَاء، وَفِي حديثِ جَعفرٍ الصادِقِ قيل لَهُ: مَا بَالُ العَقْرَبِ مُغْتَاظَةٌ على بَني آدَمَ: فَقَالَ: تُرِيد البَوَاءَ. أَي تُؤْذِي كَمَا تُؤْذَى.
(و) {بَواءٌ أَيضاً (وَادٍ بِتِهَامةَ) ، كَذَا فِي (العُباب) و (التكملة) .
(و) يُقَال: كَلَّمناهم فَ (أَجَابُوا عَنْ} بَواءٍ واحدٍ أَي بِجَوَابٍ وَاحِد) أَي لم يَختلِف جوابُهم، فعَنْ هُنا بِمَعْنى الباءِ وَفِي (العُباب) : أَي أَجَابوا جَواباً وَاحِدًا ( {والبِيئَةُ بِالْكَسْرِ الحالَةُ) يُقَال: إِنه لَحَسنُ البِيئةِ.
(و) قَالُوا: فِي أَرْضِ فَلاَة (فَلاَةٌ} - تَبِيءُ فِي فَلاةٍ) أَي لسعتها (: تذْهب) .
(و) يُقَال (حَاجَةٌ {مُبِيئَةٌ) بالضمّ، أَي (شَدِيدَةٌ) لَازِمَة.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} استَباءَ المنزِلَ: اتَّخذهُ {مَباءَةً.} وأَبأْتُ على فُلانٍ مالَهُ، إِذا أَرَحْتُ عَلَيْهِ إِبلَه وغَنمَه. {وأَباءَ الله عَلَيْهِم نَعَماً لَا يَسعُها المُرَاحُ. وَقَالَ ابْن السِّكّيت فِي قَول زُهَيْرِ بن أَبي سُلْمى:
فَلَمْ أَرَ مَعْشَراً أَسَرُوا هَدِيًّا
وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ} يُسْتَبَاءُ
الهَدِيُّ: ذُو الحُرْمَةِ، {ويُستَباءُ، أَي} يُتَبَوَّأُ أَي تُتَّخَذُ امْرَأَتُه أَهْلاً. وَقَالَ أَبو عَمْرو الشيبانيُّ: يُسْتَباءُ، من البَوَاءِ، وَهُوَ القَوَدُ، وَذَلِكَ أَنه أَتاهم يُريد أَن يَستجيرَ بهم فأَخذوه فَقتلُوه برجُلٍ مِنْهُم.
وللبئر! مَباءَتَان: إِحداهما مَرْجِع الماءِ
(1/157)

إِلى جَمِّها، والأُخرى مَوضِعُ وُقوفِ سائقِ السَّانِيَةِ.
الفَرَّاء: {بَاءَ، بوزنِ بَاعَ إِذا تَكَبَّر، كأَنَّه مَقلُوب بَأَي، كَمَا قَالُوا رَاءَ وَرَأَى، وسيُذكر فِي المعتلّ:

بهأ
: (} بَهأَ بِهِ، مُثلَّثَةُ الهاءِ) وَهِي عينُ الكلمةِ، وَقد تقدم أَن التثليثَ لَا يُعتبر إِلا فِي عَينِ الفعلِ، فذِكْرُ الهاءِ هُنَا كَاللَّغْوِ ( {بَهْأً) بِفَتْح فَسُكُون (} وبُهُوءاً) كقعود ( {وبهاء) بِالْمدِّ (أَنِسَ) بِهِ وأَلِفَ وأَحَبَّ قُرْبَه، وَقد} بَهَأْتُ بِهِ {وبَهِئتُ، قَالَه أَبو زيد. وَفِي حَدِيث عبد الرحمان ابْن عَوْفٍ أَنه رأَى رَجُلاً يحلفِ عِنْد المَقام فَقَالَ: أَرى النَّاسَ قَدْ} بَهَئُوا بِهذا الْمقَام. أَي أَنِسوا بِهِ حَتَّى قَلَّتْ هِيبتُه فِي قُلُوبهم. وَفِي حَدِيث مَيمونِ ابنِ مِهْرَانَ أَنَّه كَتب إِلى يُونُسَ بنِ عُبَيدِ: عَلَيْكَ بِكتاب اللَّهِ، فإِنّ الناسَ قد بَهَئُوا بِهِ. قَالَ أَبو عُبيدٍ: وَرُوِيَ: بَهَوْا بِهِ، غير مَهموزٍ، وَهُوَ فِي الكلامِ مَهموزٌ ( {كابتهَأَ) بِهِ إِذا أَنِس وأَحَبَّ قُرْبَه، عَن أَبي سعيدِ، قَالَ الأَعشى:
وَفِي الحَيِّ مَنْ يَهْوَى هَوَانَا} وَيَبْتَهِي
وَآخَرُ قَدْ أَبْدَى الكَآبَةَ مُغْضَبُ
فترَك الهمزةَ مِنْ {يَبْتَهِي، كَذَا فِي (العُباب) و (التَّكمِلة) و (اللسانِ) .
(و) } بَهَاءِ (كَقَطامِ) عَلَم (امرأَة) مِن بَهَأَ بِهِ إِذا أَنِس، كَذَا فِي جَامِع القَزَّاز.
(و) عَن ابْن السِّكّيت يُقَال: (مَا بَهَأْتُ لَهُ) وَمَا بَأْهْتُ لَهُ، أَي (مَا فَطِنْتُ) لَهُ.
(و) قَالَ الأَصمعيُّ فِي كِتاب الإِبل (ناقَةٌ {بَهَاءٌ) بِالْفَتْح ممدوداً (: بَسُوءٌ) قد أَنِسَتْ بالحالِب، وَهُوَ من} بَهَأْت بِهِ إِذا أَنِسْت بِهِ.
( {وبَهَأَ البَيْتَ كَمنَع) } يَبْهَؤُهُ (: أَخْلاَهُ مِن المَتَاعِ) وَهُوَ أَثاثُ البيتِ (أَو خَرَقَه،! كأَبْهَأَهُ) فأَما البَهَاءُ مِن الحُسْنِ فَهُوَ من بَهِيَ الرجُلُ، غير مَهموزٍ، والتركيبُ يدُلُّ على الإِنْس.
(1/158)

(فصل التَّاء) الفَوْقِيَّة مَعَ الْهمزَة)
تأتأ
: ( {التَّأْتأَةُ: حِكَايةُ الصَّوْتِ) تَقول:} تَأْتَأْتُ بِهِ.
(و) التّأْتَأَةُ (تَرَدُّدُ {التَّأْتَاءِ فِي التَّاءِ) إِذا تكلم.
(و) } التأْتأَة (دُعَاءُ التَّيْسِ) المِعْزَى (للسِّفَادِ) ، وَفِي (العُباب) : إِلى العَسْبِ ( {كالتَّأْتَاءِ) بِحَذْف الْهَاء.
(و) } التأْتأَةُ (هِيَ أَضاً مَشْيُ الطِّفْلِ) الصغيرِ، وَفِي (الْعباب) الصَّبِيّ، بدل الطفْل.
(و) {التأْتَأَةُ (التَّبَخْتُرُ فِي الحَرْب) شجاعةً.

تتأ
: (} التَّيْتَا) بِفَتْح فَسُكُون مَقْصُورا ( {والتِّيتَا) بِكَسْر فَسُكُون مَقْصُوراً (} والتِّئتَاءُ) بِكَسْر فَسُكُون همزَة ممدوداً، وَمِنْهُم من ضَبط الثانيةَ بالكَسر والمدّ الثَّالِثَة بالكَسرِ والقَصْر، وَبَعْضهمْ ضَبطهما بالمدِّ وَجعل الفَرْق بَينهمَا وَبَين الَّذِي قَبْلهما هَمْزَ وَسطِها وَهُوَ بَين الفَوْقِيَّتين، وَالصَّحِيح مَا ضبطناه، (: مَنْ يُحْدِث عِنْد الجِماع) وَهُوَ العِذْيَوْطُ (أَوْ) الَّذِي (يُنْزِل قبل الإِيلاجِ) قَالَه ابنُ الأَعرابي، وَنَحْو ذَلِك قَالَ الفراءُ، قَالَ شَيخنَا: واختُلف فِي تَاء التيتا، وَهِي أَوَّل الثَّلَاثَة، فَالَّذِي صرَّحَّ بِهِ أَبو حَيَّان وَابْن عُصفورٍ أَن تاءَها الأُولى زَائِدَة، وأَنها مِن وَتَأَ، واوِيُّ الفاءِ، إِذا ثَقُلَ كِبَراً أَو خَلْقاً، وَقد أَغفلها كثيرٌ من أَهلِ اللُّغَة.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ هُنَا.

تطَأ
:! تَطأَ. فِي (التَّهْذِيب) : أَهمله الليثُ، وَعَن ابنِ الأَعرابيّ: تَطَأَ الرجُلُ إِذا ظَلَم كَذَا فِي (اللِّسَان) .
(1/159)

تفأ
: ( {تَفِىءَ) الرجل (كَفَرِح) أَهمله الْجَوْهَرِي، قَالَ الصَّاغَانِي: مَعْنَاهُ (احتَدَّ وغَضِبَ) .
(و) يُقَال: أَتيته على} تفِيئَةِ ذَلِك (تَفِيئَهُ الشَّيءِ: حِينُه وزَمَانُه) وَفِي بعض النُّسخ إِبانه حكى اللحيانيُّ فِيهِ الهَمْزَ والبدَل، قَالَ: وَلَيْسَ على التخفيفِ القِياسِيّ، لأَنه قد اعتدَّ بِهِ لُغَة، وَفِي الحَدِيث: دخَل عُمَر فكلَّمَ رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دَخَل أَبو بكرٍ على تَفِيئَةِ ذَلِك، أَي على أَثَرِه، وَفِيه لُغة أُخرى، على تَئِفَةِ ذَلِك، بِتَقْدِيم الْيَاء على الفاءِ، وَقد تُشدَّدُ، والياءُ فِيهَا زائدةٌ على أَنها تَفْعلة، وَقَالَ الزمخرشيُّ: لَو كَانَت تَفعِله لكَانَتْ على وزن تَهْنِئَة فَهِيَ إِذاً لَوْلَا القَلْبُ فَعِيلَة. لأَجل الإِعلال، ولامُها هَمْزة.
{واستفاءَ فُلانٌ مَا فِي الوِعَاء: أَخَذه. وَسَيذكر فِي المعتل.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:

تكأ
:} تكأَ، ذكره الأَزهريّ هَاهُنَا وَتَبعهُ صاحبُ (اللِّسَان) ، وسيأْتي فِي وَكَأَ إِن شاءَ الله تَعَالَى.

تنأ
: ( {تَنَأَ) بالمكانِ (كجَعَل} تُنُوءًا) كقُعود: قعطَن، وَيُقَال: تَنَأَ الضيْفُ شَهْراً (أَقامَ) كَتَنخَ، فَهُوَ {تانِىءُ وتَانِخُ، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) . (والاسمُ) مِنْهُ} التِّنَاءَةُ (كالكِتَابَةِ و) قَالَ ثَعلبٌ: وَبِه سمي (! التَّانِىءُ) الَّذِي هُوَ المُقيم ببِلدهِ والملازِم (: الدِّهْقَان) قَالَ ابنُ سِيده: وَهَذَا من أَقبح الغَلَط إِن صَحَّ عَنهُ، وخَليق أَن يَصِحَّ، لأَنه قد ثَبت فِي أَماليه ونوادِره (ج كَسُكَّان) ،
(1/160)

يُقَال: هُوَ مِن {تُنَّاءِ تِلْكَ الكُورَةِ، أَي أَصلُه مِنْهَا.
(وإِبراهيمُ بن يَزِيدَ، ومُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّه) بن زيدة، كنيته أَبو بكر، من ثِقاتِ أَهل أَصبهان، ذكره الذهبيُّ، وَهُوَ مشهورٌ بِجَدِّه توفّي سنة 440 (وأَحْمَدُ ابنُ مُحَمَّد) بن الْحَارِث بن فادشاه صاحبُ الطَّبراني، وحَفيده أَبو الحُسين مُحَمَّد بن عليّ، سمع مُحَمَّد برن عمر ابْن زُنبور الوَرّاق، وأَبَا الفضلِ بن المأْمون، وأَبا زُرْعَة البَنَّاءَ وغيرَهم، صَدُوق، ولد سنة 388 وَتُوفِّي سنة 454 كَذَا فِي (تَارِيخ البنداري) الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ على تَارِيخ الخَطِيب، (و) أَبو نصر (مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ) بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن (بنِ تَانَةَ،} التَّانِئُونَ، مُحَدِّثُون) الأَخير إِنما قِيل لَهُ لكَونه يُعْرَف بابْنِ تَانَةَ، شيخٌ مُكثرٌ، روى عَنهُ الْحَافِظ إِسماعيل بن الْفضل الأَصبهاني وَغَيره، توفّي سنة 475 بأَصبهان.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ.
{تَنَأَ على كَذا: أَقَرَّ عَلَيْهِ لَازِما لَا يُفارقه، وَيُقَال: قَطَعوا} تَنُوءَةً ذاتَ أَهوالٍ. وَيُقَال هما سِنَّانِ وتِنَّانِ وَمَا هما تِنَّانِ وَلَكِن تِنِّينَانِ، كَذَا فِي الأَساس، وَهُوَ مجَاز.
وَفِي حَدِيث ابنِ سيرينَ: لَيسَ {للتَّانِئَةِ شيءٌ. يُرِيد أَنَّ المُقيمين فِي الْبِلَاد الَّذين لَا يَنفرون مَعَ الغُزاةِ لَيْسَ لَهُم فِي الفَيءِ نَصِيبٌ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ هُنَا:

تلأ
:} تلأَ وجاءَ مِنْهُ الأَتْلاَءُ، كأَنصارٍ، قَالَ ياقوتٌ فِي (مُعْجَمه) : قَرْيَةٌ من قُرَى ذمَارِ باليَمنِ.

(فصل الثَّاء) الْمُثَلَّثَة مَعَ الْهمزَة)
ثأثأ
: ( {ثَأْثَأَ الإِبِلَ: أَرْوَاهَا) بِالْمَاءِ، وَقيل: سَقَاها حَتى يَذهب عَطشُها وَلم يُرْوِها (و) } ثَأْثأَها (عَطَّشَها) فَهُوَ (ضِدٌّ) ، فَمن الإِرواء قَول الراجز:
(1/161)

إِنَّكَ لَنْ {تُثَأْثِىءَ النِّهَالاَ
بِمِثْلِ أَنْ تُدَارِكَ السِّجَالاَ
(و) قَالَ الأَصمعيُّ:} ثَأْثَأَ (عَنِ القَوْمِ: دَفَع) عَنْهُم (و) ثَأْثَأَ الرَّجُلَ عَن الأَمر: (حَبَسَ) وَيُقَال: {ثَأْثَيءْ عني الرجُلَ، أَي احْبِسْهُ. (و) } ثأْثأَ الغضبُ: (سَكَن و) قَالَ ابنُ دُريد: ثأْثَأَ الرجُل (أَزالَ عَن مَكانِه و) يُقَال: ثَأْثَأَ (النَّارَ أَطْفَأَهَا) قَالَ الصاغانيُّ: وَهَذَا نصُر الإِرواءَ، وَكَذَلِكَ ثَأْثَأَ غَضَبه إِذا سَكَّنَه، وَعَن أَبي عَمْرو: (و) ثَأْثَأَ (بِالتَّيْسِ: دَعَاه) للسِّفادِ ومثلُه فِي كِتابِا أبي زيدٍ (و) {ثأَثَأَت (الإِبِلُ: عَطِشَتْ، وَروِيتْ، ضِدٌّ) أَو شَربت فَلم تَرْوَ، كَمَا تقدَّم،} وثَأْثَأَ الرجُلُ عَن الشيءِ إِذا أَراده ثمَّ بَدَا لَهُ تَرْكُه.
(و) قَالَ أَبو زيد ( {تَثَأْثَأَ) الرجلُ} تثأْثُؤاً (: أَرادَ سَفَراً) إِلى أَرض (ثمَّ بَدَا لَهُ) التَّرْكُ و (المُقامُ) ، بضمّ الْمِيم (و) قَالَ الأَصمعيُّ: يُقَال لقِيَ فلَانا {فتَثأْثأَ (مِنْه: هَابَهُ) أَي خافَه (و) عَن أَبي عمروٍ: (} الثأْثَاءُ: دُعاءُ التَّيْسِ للسِّفَادِ) كالتَّأْتَاءِ وَقد كَرَّرَه المُصَنّف.
( {وَأَثَأْتُه) بِسَهْم: رميته بِهِ، وَيُقَال: أَثَوْتُه، وَعَن الأَصمعيّ: أَثَيْتُه، وَسَيذكر (فِي ث وأَ) قَرِيبا. (وَوَهِم الجوهريُّ فذَكَره هُنا) وَكَذَلِكَ الكسائيُّ ذكره هُنَا، قَالَ الصاغانيُّ: وَالصَّوَاب أَن يُفْرد لَهُ تَركيب بعد تركيبِ ثمأَ، لأَنه منم بَاب أَجأْتُه أُجِيئُه وأَفَأْته أُفيئه، وَذكره الأَزهريُّ فِي تركيب أَثأَ، وَهُوَ غير سديدِ أَيضاً.

ثدأ
: (} الثُّدَّاءُ كَزُنَّارٍ: نَبْتٌ) لَهُ وَرَقٌ كأَنه وَرَق الكُرَّاث، وقُضبان طِوالٌ يَدُقُّها
(1/162)

الناسُ، وَهِي رَطْبةٌ فيتَّخذون مِنْهَا أَرْشِيَةً يَسْقُون بهَا، قَالَه أَبنو حَنيفة، وَقَالَ مَرَّةً: هِيَ شجرةٌ طيِّبةٌ يُحِبُّها المَال ويأْكلُها، وأُصولُها بِيضٌ حُلْوة، وَلها نَوْرٌ مثل نَوْرِ الخِطْمِيّ الأَبيض. (واحدتُه بِهَاءٍ) قَالَ: (وبَنْبُت فِي أَصْلِها الطَّرَاثِيثُ) وَهُوَ أُشْتُرْغَازُ، وزَنْجَبيل العَجَم، وعِرْقُ الأَنْجُذَانِ الخُراسانيّ.
( {الثُّنْدُأَةُ لَكَ) بضمِّ الأَول وَالثَّالِث (كالثَّدْيِ لَهَا) ، أَي للمرأَة وَهُوَ قَول أَكثر، وَعَلِيهِ جَرَى فِي الفصيح، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث فِي صِفة النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عَاري} الثُّنْدُأَتَيْنِ) أَراد أَنه لم يكن على ذَلِك الْموضع لحمٌ (أَو هِيَ مَغْرِزُ الثَّدْيِ) ، وَهُوَ قولُ الأَصمعيِّ (أَو) هِيَ (اللَّحْمُ) الَّذِي (حَوْلَه) ، وَهُوَ قَول ابْن السّكّيت، وَقيل: هِيَ والثدي مُترادفان، قَالَ ابْن السّكيت (وإِذا فَتحْتَ الكَلِمَة فَلَا تَهْمِزْ، هِيَ ثَنحدُوَةٌ كَفَعْلُوَةٍ) مثل قَرْنُوَة وعَرْقُوَة، وإِذا ضَممْتَ أَوّلَها هَمزتَ، فَتكون فُعْلُلَة، وَقَوله كَفُعْلُوَة إِشارةٌ إِلى أَن النُّون أَصليّة وَالْوَاو زَائِدَة، وَقد صرح بِهَذَا الفَرْقِ قُطرُب أَيضاً، وأَشار لَهُ الجوهريُّ فِي (الصّحاح) . وَفِي (المِصباح) : الثُّنْدُوَة وَزنهَا فُنْعُلة، فَتكون النُّون زَائِدَة وَالْوَاو أَصلِيَّة، وَكَانَ رُؤْبَة يَهمزها، وَقَالَ أَبو عبيد: وعَامَّة العَرب لَا تَهمزُها.
وَحكى فِي البارِع ضَمّ الثاءِ مهموزاً وَفتحهَا مُعتَلاً، وجمْعُها على مَا قَالَ ابنُ السكّيتِ ثَنَادٍ، على النَّقْص، وأَهمله المُصنِّف، وَقَالَ صاحِبُ الواعي: الجَمْعُ على اللُّغتَيْنِ ثنَادَةٌ وثَنَادِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
فِي حَدِيث عبدِ اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ (فيا لأَنف إِذا جُدِع الدِّيَة، وإِن جُدِعت {ثُنْدُؤَتُه فنِصف العَقْلِ) قَالَ ابْن الأَثير: أَراد} بالثُّنْدُؤَةِ فِي هَذَا الْموضع رَوْثَة الأَنْفِ.
! والأُثيْدَاءُ مُصغَّراً مكانٌ بُعكاظَ، قَالَ
(1/163)

ياقوت فِي (المعجم) : يجوز أَن يكون تَصغير الثأد بِنَقْل الْهمزَة إِلى أَوله.

ثرطأ
: ( {الثِّرْطِئَةُ بِالْكَسْرِ) وَقد حُكِيت بِغَيْر همز وضعا، قَالَ الأَزهريُّ إِن كَانَت الْهمزَة أَصْلِيّة فالكلمة رُباعية، وإِن لم تكن أَصلية فَهِيَ ثُلاثية. والغِرْقِيء مثله (: الرجُلُ الثقيلُ والقصيرُ) وَسَقَطت الْوَاو فِي بعض النّسخ، وَفِي أُخرى زيادَةُ: مِنَ الرجالِ والنساءِ.

ثطأ
: (} ثَطَأَه كَجَعَله: وَطِئَه) وَقَالَ أَبو عَمْرو: {ثَطأْتُه بِيدِي ورِجلي حتّى مَا يَتَحرَّكُ، أَي وَطِئْتُه (} والثَّطْأَةُ بالضَّمِّ والفَتْحِ) مَعَ سُكُون الطَّاء (دُوَيْبَّة) لم يَحْكِها غيرُ صَاحب العَين، قَالَ: عَن أَبي عمرٍ و، وَهِي العَنكبوت (وَ) {ثَطِىءَ (كَفَرِح) } ثَطَأً (حَمُقَ) {كثطىءَ ثَطأً، كَذَا فِي (الْعباب) ، وَهَذِه التَّرْجَمَة بالحُمرة فِي غَالب النّسخ الَّتِي بأَيدينا، مَعَ أَنها مَذكورة فِي (الصِّحَاح) . قَالَ الْجَوْهَرِي:} ثَطِئه، بِالْكَسْرِ: رَمَى بِهِ الأَرض وسلحه، ولعلها سَقَطت من نُسخة المُصَنّف.

ثفأ
: ( {الثُّفَّاءُ، كقُرَّاء) وَمثله فِي (الصِّحَاح) و (العُباب) ، وَجزم الفَيُّوميُّ فِي (الْمِصْبَاح) أَنه بِالتَّخْفِيفِ، كغراب (: الخَرْدَلُ) المُعالَج بالصِّباغ (أَو الحُرْفُ) ، وَهِي لُغَة أَهل الغَوْرِ، وَهُوَ حَبُّ الرَّشادِ بلغَة أَهل العراقِ (وَاحِدَتُه بِهَاءٍ) ، وَمِنْه الحَدِيث (مَاذَا فِي الأَمَرَّيْنِ مِنَ الشِّفَاء: الصَّبِرُ} والثُّفَّاء) قَالَ ابْن سَيّده: وهَمزته يُحتَمل أَن تَكون وضعا واين تَكون مُبدَلةً من يَاء أَو وَاو، وَفِي (الْعباب) : ذكر بعض أَهل اللُّغَة الثفاء فِي بَاب الهمزِ، وَعِنْدِي أَنه معتلُّ اللامِ، وسُمِّيَ بِذلك لما يَتْبع مَذاقَه من لَذْعِ اللِّسان لِحِدَّته، من قَوْلهم ثَفَاه يَثفُوه ويَثْفِيه إِذا اتَّبعه، وتسميتهم إِياه
(1/164)

بالحُرْفِ لِحرَافته، وَمِنْه بَصَلٌ حِرِّيف، وهمزته مُنقلبة عَن واوٍ أَو ياءٍ، على مُقتَضَى اللغتين.
( {وَثَفَأَ القِدْرَ، كَمَنع: كَسَرَ غَليَانَهغا) أَي فَورَانها.

ثمأ
: (} ثَمَأَهُمْ كجَعَل: أَطْعَمَهم الدَّسَمَ و) {ثَمَأَ (رَأْسَه) بِالْحجرِ والعَصا ثَمْاً (: شَدَخُه} فَانْثَمَأَ) وَكَذَلِكَ الثمَر والشجَر.
(و) {ثَمَأَ (الخُبْزَ) ثَمْأً (: ثَرَدَه) .
(و) } ثمأَ (الكَمْأَةَ) ثَمْأً (: طَرَحَا فِي السَّمْنِ) .
(و) {ثَمَأَ لِحْيَتَه (بالحِنَّاءِ) ثَمْأً (: صَبَغَ) .
(و) } ثَمَأَ (مَا فِي بَطْنِه: رَمَاه) واستفرغه.
وَكَذَلِكَ {ثَمأَ أَنْفَه: كَسَره فسَال دَماً.

ثوأ
: (} ثَاءَة ع بِبلادِ هُذَيْلٍ) كَذَا فِي (العُباب) و (المَراصد) .
( {وَأَثأْتُه بِسَهْمٍ: رَمَيْتُه) وَيُقَال: أَثَيْتُه، ونُقِل ذَلِك عَن الأَصمعيِّ، وَهُوَ حَرْفٌ غَرِيب، (وذُكِر فِي أَث أَ) ، وتقدَّمت الإِشارةُ إِليه.

(فصل الْجِيم) مَعَ الْهمزَة)
جأجأ
: (} الجَأْجَاءُ، بالمدِّ: الهَزيمة) عَن أَبي عَمْرو.
(و) {جُؤْجُؤُ الإِنسانِ والطائرِ والسفينة (كَهُدْهُدٍ: الصَّدْرُ) . وَفِي حَديث الْحسن (خلِق جُؤْجُؤُ آدَم عَلَيْهِ السلامُ من كَثِيبِ ضَرِيَّة) ، وَهِي بِئُر بالحِجاز نُسِبَ إِليها الحِمَى. وَفِي حَدِيث عليَ كرَّم اللَّهُ وجْهه (فكأَني أَنظرُ إِلى مَسجِدها} كَجُؤْجُؤِ سَفينة أَو نعامةٍ جائمةٍ أَو كجُؤْجُؤِ طائرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ) وَقيل: هُوَ عَظْمُ الصَّدْرِ، وَقيل: وَسطُه، وَقيل: مُجْتَمَعُ رُؤُوسِ عِظام الصَّدرِ، كَمَا فِي (النّهاية) و (الْمُحكم) (ج {الجَآجِىءُ) ، قَالَ بعض الْعَرَب: مَا أَطْيَبَ جَوَذابَ الأَرُزّ} بِجَآجِىء الإِوَزّ. وَقَوْلهمْ: شَقَّت السَّفينةُ الماءَ {بِجُؤْجُئِهَا، من الْمجَاز.
(و) فِي (العُباب) :} جُؤْجُؤُ (ة بالبَحْرَيْنِ) .
(و) قَالَ الأُمويّ: ( {جَأْجَأَ بالإِبِلِ) إِذا (دَعَاهَا للشُّرْبِ} بِجِىءْجىءْ)
(1/165)

{وَجَأْجَأَها كَذَلِك،} وجَأْجأَ بالحمار، حَكاه ثَعلَبٌ، (والاسمُ) مِنْهُ ( {الجِىءٌ بالكَسر) مِثالُ الجيِعِ والأَصل} جِئِىءُ فَلُيِّنَت الهمزةُ الأُولى، وأَنشد الأُموي لمُعاذ الهَرَّاء:
وَمَا كَانَ عَلَى الهِيءِ
وَلَا الجِيءِ امْتِدَاحِيكَا
وَلكِنِّي عَلَى الحُبِّ
وَطِيبِ النَّفْسِ آتِيكَا
وَفِي (اللِّسَان) : جِيءْ جِيءْ: أَمْرٌ للإِبل بِوُرود الماءِ وَهِي على الحَوض. {وجُؤْجُؤْ: أَمرٌ لَهَا بورود المَاء وَهِي بعيدةٌ مِنْهُ، وَقيل:} جَأْ، بِالْفَتْح: زجرٌ، مثل شَأْ، ذكره أَبو مَنْصُور، وَقد يسْتَعْمل أَيضاً جِيءْ جِيءْ للدُّعاء إِلى الطَّعَام وَالشرَاب.
(و) قَالَ اللَّيْث: ( {تَجَأْجَأَ) الرجلُ (: كَفَّ) ، وأَنشد:
سَأَنْزِعُ مِنْكَ عِرْسَ أَبِيكَ إِنِّي
رَأَيْتُكَ لاَ تَجَأْجَأُ عَنْ حِمَاها
(و) } تَجأْجأَ: (نَكَصَ، و) تأَخر، و (انْتَهَى، و) تَجأْجأَ (عَنهُ: هَابَه) ، وَقَالَ أَبو عمرٍ و: فُلانٌ لَا يَتجأْجَأُ عَن فلانٍ، أَي هُوَ جَريءٌ عَلَيْهِ.

جبأ
: ( {جَبأَ) عَنهُ (كَمَنَعَ وفَرِحَ: ارتدَعَ) وهاب، وَقَالَ أَبو زيد:} جَبأْتُ عَن الرجُل جَبْأً {وجُبُوءًا: خَنَسْتُ عَنهُ، وأَنشد لنُصَيْب بن أَبي مِحْجَن:
فَهَلْ أَنَا إِلاَّ مِثْلُ سَيِّقَةِ العِدَا
إِن اسْتَقْدَمَتْ نَحْرٌ وَإِنْ جَبَأَتْ عَقْرُ
(و) جَبأَ الشيءَ (كَرِهَ، و) جَبَأَ عَلَيْهِ الأَسْوَدُ، أَي (خَرَجَ) عَلَيْهِ حَيَّةٌ من جُحْرها وَكَذَلِكَ الضبغُ والضَبُّ واليَرْبُوع، وَلَا يكون ذَلِك إِلا أَنْ يُفْزِعَك، وَمن ذَلِك: جَبَأَ على الْقَوْم: طَلَع عَلَيْهِم مُفاجَأَةً، وَفِي حَدِيث أُسامَة (فَلَمَّا رَأَوْنَا} جَبَئُوا مِنْ أَخِبِيَتهِمِ) أَي خَرجوا مِنْهَا (و) {جَبَأَ} وجَبِىءَ أَي (تَوَارَى) ، وَمِنْه جبأَ الضبُّ فِي جُحْرِه.
(و) ! جبَأَ وجَأَبَ: (بَاعَ الجَأْتَ) ، من بَاب الْقلب، (أَي المَغْرَةَ) عَن ابْن الأَعرابيّ.
(1/166)

(و) {جَبأ (عُنُقَه: أَمَالَها. و) } جَبَأَ (البَصَرُ) : نَبَا وكَرِه الشَّيْء، قَالَ الأَصمعيُّ: يُقَال للمرأَة إِذا كَانَت كَرِيهةَ المنظرِ لَا تُستَحْلَى: إِن العَينَ {لَتَجْبَأُ عَنْهَا، وَقَالَ حُميدُ بنُ ثَوْرٍ الهلاليُّ:
لَيْسَتْ إِذَا سَمِنَتْ} بِجَابِئةٍ
عَنْهَا العُيُونُ كَرِيهَةِ المَسِّ
(و) {جبأَ (السَّيفُ: نَبَا) وَلم يُؤَثِّر.
(} والجَبْءُ: الكَمْأَةُ) الحمراءُ، قَالَه أَبو زيدٍ، وَقَالَ ابنُ أَحمر: هِيَ الَّتِي تَضْرِب إِلى الحُمرة، كَذَا فِي (المُحكم) ، وَعَن أَبي حنيفَة: {الجَبْأَةُ هَنَةٌ بيضاءُ كأَنَّها كَمْءٌ، وَلَا يُنْتَفع بهَا، وَخَالفهُم ابنُ الأَعرابيِّ فَقَالَ: الجَبْأَةُ الكَمْأَةُ السَّوْدَاءُ، والسُّودُ خِيارُ الكمأَةِ.
(و) } الجَبْءُ (: الأَكَمَةُ، و) {الجبءُ أَيضاً (: نُقَيْرٌ) فِي الجَبَلِ (يَجْتَمِع فِيهِ الماءُ) من المطَر، عَن ابنِ العَمَيْثَلِ الأَعرابيِّ. وَفِي (التَّهْذِيب) : الجَبْءُ حُفرةٌ يَستَنْقِع فِيهَا الماءُ (ج} أَجْبُؤٌ) كَفَلْسٍ وأَفْلُسٍ ( {وَجِبَأَةٌ كَقِرَدَةِ) ، ومثَّلَه فِي (الْعباب) بقوله: مِثاله فَقْعٌ وفِقَعَة وغَرْدٌ وغِرَدَة، وَهَذَا غير مَقِيس، كَمَا فِي (الْمُحكم) ، وَعَن سِيبَوَيْهٍ: تَكسير فَعْلٍ على فِعَلَة لَيْسَ بِالْقِيَاسِ، وأَمَّا} الجَبْأَةُ فاسمٌ للجمعِ، لأَن فَعْلَة لَيست من أَبنية الجُموع، وَقَالَ ابنُ مَالك عَن أَبي الْحسن: إِنه مسموع لكنه قَليلٌ ( {وَجَبَأٌ كَنَبَإٍ) ، هَكَذَا بِتَقْدِيم النُّون على الموحَّدة، حَكَاهُ كرَاع، وَفِي (اللِّسَان) : إِن صَحَّ عَنهُ فإِنِّمَا هُوَ اسمٌ لجمع جَبْءٍ وَلَيْسَ بجَمْع لَهُ، لأَن فَعْلاً بِسُكُون العينِ لَيْسَ مِمَّا يُجْمَع على فَعَلٍ بِفَتْح الْعين وَفِي بعض النّسخ كبنأَ بِتَقْدِيم الْوحدَة على النُّون وَهُوَ تَصْحِيف.
(} وأَجْبَأَ المكانُ: كَثُرَ بِهِ الجَبْأَةُ) وَهِي أَرْضٌ مَجْبَأَةٌ.
(و) ! أَجْبأَ (الزرْعَ: باعَه قبل بُدُوِّ صَلاَحِه) أَو إِدراكه، وجاءَ فِي حديثِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا هَمْزٍ،
(1/167)

للمُزاوجَة، وَهُوَ (من محمدٍ رَسُول الله إِلى الأَقْبَالِ العَبَاهِلَة من أَهل حَضْرَمَوْتَ بإِقامِ الصَّلَاة وإِيتاء الزَّكاة، على التَّيْعَةِ شَاةٌ، والتِّيمَةُ لِصاحبها، وَفِي السُّيُوبِ الخُمس، لَا خِلاَطَ وَلَا ورَاطَ، وَلَا شَناقَ وَلَا شِغَار، وَمن أَجْبَى فقد أَرْبَى، وكُلُّ مْسْكرٍ حَرامٌ) .
(و) {أَجبأَ (الشيءَ: وارَاهُ) ، وَمن ذَلِك قَوْلهم: أَجبأَ الرجُلُ إِبلَه إِذا غيَّبَها عَن المُصدِّق، قَالَه ابنُ الأَعرابيّ.
(و) } أَجبأَ (على القَوْمِ: أَشرَف) عَلَيْهِم.
(والجُبَّأٌ كَسُكَّرٍ) ، وَعَلِيهِ اقتصَر الجوهريُّ والطرابلسيُّ (ويُمَدُّ) ، حَكَاهُ السيرافيُّ عَن سِيبَوَيْهٍ، (: الجَبَانُ) . قَالَ مَفروقُ بن عَمْرِو بن قيسِ بن مَسعودِ بن عامرٍ الشَّيْبَانِيّ يَرثي إِخوتَه قَيْساً والدَّعَّاءَ، وبِشْراً، القَتحلَى فِي غَزْوةِ بارِقٍ بِشَطِّ الفَيْضِ:
أُبَكِّي على الدَّعَّاءِ فِي كُلِّ شَتْوَةٍ
وَلَهْفِي عَلى قَيْسٍ زِمَامَ الفَوَارِسِ
فَمَا أَنَا مِنْ رَيْبِ المَنُونِ بِجُبَّإٍ
وَمَا أَنَا مِنْ سَيْبِ الإِلاه بِآيِسِ
وَهِي {جُبَّأَةٌ، وَغلب عَلَيْهِ الجمْعُ بِالْوَاو والنونِ، لأَن مُؤَنثه. مِمَّا تَدخله التاءُ، كَذَا عَن سِيبَوَيْهٍ.
(و) } الجُبَّأُ أَيضاً (: نَوْعٌ من السِّهامِ) ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَل فِي أَسفله مَكانَ النَّصْلِ كالجَوْزَةِ من غير أَن يُرَاش.
(و) {جُبَّاء (بالمَدِّ) كَجُيَّاعِ هِيَ (: المَرْأَةُ) الَّتِي (لَا يَرُوعُك مَنظَرُها) ، عَن أَبي عَمْرو (} كالجُبَّاءَةِ) بِالْهَاءِ، وَقَالَ الأَصمعي: هِيَ الَّتِي إِذا نَظرتْ إِلى الرجالِ انخَزلَتْ رَاجِعَة لِصِغَرها، قَالَ تَميمُ بن أُبَيّ بن مُقْبل:
وطَفْلَةٍ غَيْرِ جُبَّاءٍ ولاَ نَصَفٍ
مِنْ دَلِّ أَمْثَالِهَا بَادٍ وَمَكْتُومُ
عانَقْتُهَا فَنْثَنَتْ طَوْعَ العِنَاقِ كَما
مالَتْ بِشَارِبِهَا صَهْبَاءُ خُرْطُومُ
كأَنه قَالَ: ليستْ بصغيرةٍ وَلَا كَبِيرَة، ويروى: غَير جُبَّاع بِالْعينِ، وَهِي القَصيرةِ، وسيأْتي فِي مَحَله.
(و) ! الجُبَّاءُ، كرُمَّان (: كُورَةٌ بِخُوزِسْتَانَ) من نواحِي الأَهواز، بَين فارِسَ وواسِطَ والبَصْرةِ، مِنْهَا أَبو محمَّد
(1/168)

ابْن عبد الْوَهَّاب البصريّ صَاحب مَقالات المُعتزلة، توفّي سنة 303 وَابْنه أَبو هَاشم سنة 321 بِبَغْدَاد (و) {الجُبَّاء أَيضاً (ة بالنَّهْرَوَانِ) ، مِنْهَا أَبو محمدٍ دعْوَانُ بنُ عليِّ بن حمَّادٍ المُقرِىء الضَّرِير، (و) قَرْيَة أُخرى (بِهِيتَ و) أُخرى (بِيَعْقُوبا) .
(و) } الجَبَّاء (بِالْفَتْح) مَعَ التَّشْدِيد: (: طَرَفُ قَرْنِ الثَّوْرِ) عَن كرَاع، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَلَا أَدري مَا صِحَّتُها.
(و) {جَبأٌ (كَجَبَلٍ) : جَبَلٌ، وَقيل: (ة باليَمَنِ) قَريبٌ من الجَنَدِ، قَالَ الصَّغَانيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح.
(} والجابِىءُ: الجَرَادُ) يُهمَزَ وَلَا يُهمز، سُمِّيَ بِهِ لطلوعه، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) . {وجَبأَ الجرادُ: هَجَم على البَلدِ. قَالَ الهُذَلِيُّ:
صَابُوا بِسِتَّةِ أَبْيَاتِ وَأَرْبَعَةِ
حَتَّى كَأَنَّ عَلَيْهِمْ} جَابِئاً لُبَدَا
وكلُّ طالِعٍ فَجأَةً {جابِىءٌ، ويأْتي ذِكره فِي المعتل.
(} والجَبْأَةُ) بِفَتْح فَسُكُون: القُرْزُومُ وَهِي (خَشَبَةُ الحَذَّاءِ) الَّتِي يَحْذُو عَلَيْهَا، قَالَ النَّابِغَة الجَعْدِيُّ يَصف فَرساً:
وغَارةٍ تَسْعَرُ المَقانِبَ قَدْ
سَارَعْتُ فِيهَا بِصِلْدِمٍ صَمَمِ
فَعْمٍ أَسِيلٍ عَرِيضِ أَوْظِفَةِ الرِّ
جْلَيْنِ خَاظِى البَضِيعِ مُلْتَئِمِ
فِي مِرْفَقَيْهِ تَقَارُبٌ ولَهُ
بِرْكَةُ زَوْرٍ {كَجَبْأَةِ الخَزَمِ
(و) } الجَبْأَةُ (: مَقَطُّ شَراسِيفِ البَعِيرِ إِلى السُّرَّةِ والضَّرْعِ) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
مَا {جَبَأَ فُلانٌ عَن شَتْمِي، أَي مَا تأَخرَّ وَلَا كَذَبَ.
} وجَبْأَةُ البَطْنِ: مَأْنَتُه كجَأْبَتِه عَن ابنِ بُزُرْج.
{وجَبَأٌ على وزْن جَبَلٍ شُعْبة من وَادي الحَسَا عِنْد الرُّوَيْثة بَين الحَرمينِ الشريفينِ.
وامرأَةٌ} جَبْأَى على فَعْلَى: قَائمةُ الثَّدْيينِ.
(1/169)

{ومُجْبَأَةٌ: أَفْضَيْتُ إِليها فَخَبطَتْ، كَذَا فِي (اللِّسَان) .

جرأ
: (} الجُرْأَةُ كَالجُرْعَةِ و) {الجُرَةُ بتَخْفِيف الْهَمْز وتَلْيِينه مِثَال (الثُّبَةِ) والكُرَة، كَمَا يُقَال للمرأَة: المَرَةُ (و) } الجَرَاءَةُ {والجَرَائِيَة مثل (الكَرَاهَة والكَرَاهِيَة والجَرَايَةُ بِالياءِ) التحتِيّة المُبدَلة من الْهمزَة مَعَ بَقَاء الفَتحة وَهُوَ (نادِرٌ) صَرَّح بِهِ ابنُ سَيّده فِي (المُحكم) (: الشجاعَةُ) ، وَهِي الإِقدام على الشيءِ من غير رَوِيَّة وَلَا تَوقُّفٍ. وَفِي (النّهايةِ) و (الخُلاصة) : الجُرْأَةُ: الإِقدامُ على الشيءِ والهُجومُ عَلَيْهِ، وَقد (} جَرُؤَ كَكُرَم فَهُوَ {- جَرِيءٌ) كأَميرٍ: مقدامٌ. وَرجل} - جَرِيءُ المَقْدَمِ أَي جَرِيءٌ عِنْد الإِقدام (ج {أَجْرَاءٌ) كأَشْرافٍ، هَكَذَا فِي نُسختنا، وَالَّذِي فِي المُحكم: رجل جَريءٌ من قوم} أَجْرئاءَ، بهمزتين، عَن اللّحيانيّ، وَقد يُوجَد فِي بَعْضِ نُسخ الْقَامُوس كَذَلِك.
قلت: ويُجمَع أَيضاً على {جُرَآءَ كَحَليمٍ وحُلَماءَ، وَقد ورد ذَلِك فِي حديثٍ (وقَوْمُه جُرَآءُ عَلَيْهِ) أَي مُتَسلِّطِينَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْن الأَثير: هَكَذَا رَوَاهُ وشرَحه بعضُ المتأَخّرين وَالْمَعْرُوف (خُرَآءُ) بِالْحَاء الْمُهْملَة، وسيأْتي.
(و) تَقول (} جَرَّأْتُه عَلَيْهِ {تَجْرِيئاً} فاجْتَرَأَ) وَمن ذَلِك حديثُ أَبي هُريرةَ قَالَ فِيهِ ابْن عُمَر (لكنَّه {اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا) يُرِيد أَنه أَقدَمَ على الإِكثار من الحديثِ عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمفَكَثُر حَدِيثه، وَجَبُنَّا نَحن عَنهُ فَقَلَّ حَديثُنا.
(} والجَرِيءُ {والمُجْتَرِىءُ: الأَسَدُ) كَذَا فِي (الْعباب) .
(} والجَرِيئَةُ كالخَطِيئَةِ: بَيْتٌ) يُبْنَى مِن الْحِجَارَة ويُجعل على بَابه حَجرٌ يكون أَعلى الْبَاب (يُطْطَادُ فِيه السِّباعُ) ، لأَنهم يجْعَلُونَ لَحْمَةً للسَّبع فِي مُؤَخَّر البيتِ، فإِذا دخل السبعُ ليتناول اللحْمَةَ سَقط الحجرُ على الْبَاب فسَدَّه (ج! جَرَائِيءُ) ، رَوَاهُ أَبو زيدٍ، قَالَ:
(1/170)

وَهَذَا من الأَوزانِ المَرفوضة عِنْد أَهلِ الْعَرَبيَّة إِلاَّ فِي الشُّذوذ.
(و) قَالَ ابنُ هَانِيء: {الجِرِّيئَة بالمدّ والهَمْز (كالسِّكِّينَةِ) ، وَفِي بعض النّسخ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي أُخرى بغَيْرهَا (: القانِصةُ والحُلْقُوم،} كالجِرِّيَّةِ) وَهِي الحَوحصَلة. وَفِي (التَّهْذِيب) : قَالَ أَبو زيد: هِيَ القِرِّيَّة، {والجِرِّيَّة، والنَّوْطَةُ، لحَوْصلَةِ الطَّائِر، هَكَذَا رَوَاهُ ثعلبٌ عَن ابْن نَجْدةَ بِغَيْر هَمْزٍ.

جزأ
: (} الجُزْءُ) بِالضَّمِّ (: البَعْضُ، ويُفْتَح) ويُطلَق على القِسْم لُغَة وَاصْطِلَاحا (ج {أَجْزَاءٌ) ، لم يُكَسَّر على غير ذَلِك عِنْد سِيبَوَيْهٍ.
(و) } الجُزْءُ (بالضَّمِّ ع) قَالَ الرَّاعِي:
كَانَتْ {بِجُزْءٍ فَمَنَّتْهَا مَذَاهِبُهُ
وَأَخْلَفَتْهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ بِالغُبَرِ
(و) فِي (العُباب) : الجُزْءُ (: رَمْلٌ) لبني خُوَيلد.
(} وجزَأَه كجَعلَه) {جَزْءًا (: قَسَّمَه} أَجْزَاءً، {كَجزَّأَهُ) } تَجزِئةً، وَهُوَ فِي المالِ بِالتَّشْدِيدِ لَا غيرُ، فَفِي الحَدِيث (أَن رجلا أَعتقَ ستَّةَ مملُوكين عِنْد مَوته، لم يكن لَهُ مالٌ غَيرهم، فَدَعَاهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {فجزَّأَهم أَثلاثاً أَقْرع بَينهم فَأَرقَّ أَربعةً وأَعتقَ اثْنَيْنِ) .
(و) } جَزَأَ (بالشَّيْءِ) جَزْءًا، وَقَالَ ابْن الأَعرابيّ: {جَزِىءَ بِهِ لغةٌ، أَي (اكْتَفَى) ، وَقَالَ الشَّاعِر:
لَقَدْ آلَيْتُ أَغْدِرُ فِي جَدَاعِ
وإِنْ مُنِّيتُ أُمَّاتِ الرِّباعِ
بأَنَّ الغَدْرَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ
وأَنَّ المَرْءَ} يَجْزَأُ بِالكُرَاعِ
أَي يَكْتَفِي ( {كاجْتَزَأَ) بِهِ (} وتَجَزَّأَ) .
(و) جزأَ (الشَّيْءَ: شَدَّه) .
(و) {جزَأَتِ (الإِبلُ بالرُّطْبِ عَن المَاء) جُزْءًا بالضمّ،} وجُزُوءًا كقعود
(1/171)

(: قَنِعَتْ) واكتفت ( {كَجَزِئَتْ بالكَسْرِ) لُغَة عَن ابْن الأَعرابيّ (} وأَجزَأْتُها أَنا) {إِجزاءً (} وجزَّأْتُها) {تَجْزيئاً.
(} وأَجزَأْتُ عَنْك {مَجْزَأَ فُلانٍ} ومَجْزَأَتَهُ) مَصدران ميميّان مهنوزانِ (ويُضَمَّان) مَعَ الهَمز، وسُمع بِغَيْر همزٍ مَعَ الضّمِّ (: أَغْنَيْتُ عَنْك مَغْنَاه) بِضَم الْمِيم وَفتحهَا.
(و) {أَجزأْتُ (المِخْصَفَ) وَكَذَا الإِشْفَى (: جعلْت لَهُ} جُزْأَةً) بِالضَّمِّ (أَي نصَاباً) ، وَكَذَلِكَ أَنصَبْتُ. وَقَالَ أَبو زيد: {الجُزْأَة لَا تكون للسيف وَلَا للخَنْجر، وَلَكِن للمِئْثرة الَّتِي يُوسم بهَا أَخْفافُ الإِبل، وَهِي المَقْبِض.
(و) } أَجزأْتُ (الخاتَمَ فِي إِصْبعِي: أَدخلْتُه) فِيهَا.
(و) من الْمجَاز: {أَجزأَ (المَرْعَى: التَفَّ) وحَسُن (نَبْتُه) ،} وأَجزأَت الرَّوضَةُ التفَّتْ، لأَنها {تُجزِىءُ الراعِيةَ، وروضَةٌ} مُجْزِئة.
(و) {أَجزأَت (الأُمُّ) ، وَفِي بعض النّسخ: المرأَةُ (: ولَدت الإِنَاثَ) فَهِيَ} مُجزِئة {ومُجزِىءٌ، قَالَ ثَعْلَب: وأُنشِدْت لبعضِ أَهل اللُّغَة بَيْتا يدلُّ على أَن معنى الإِجزاء معنى الإِيناث، وَلَا أَدري الْبَيْت قديمٌ أَم مَصنوعٌ، أَنشدوني: إِنْ} أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَبٌ.
إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَبٌ
قَدْ {تُجْزِيء الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا
أَي آنثتْ، أَي ولَدى أُثْنى، وأَنشد غيرُه لبَعض الأَنصار.
نَكَحْتُها مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً
لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ فِي أَبْيَاتِها زَحَلُ
يَعْنِي امرأَةٍ غَزَّالَةً بِمعازِلَ سُوِّيَتْ من العَوْسَجِ. قَالَ الأَزهري: البيتِ الأَوّلُ مَصْنُوع.
(و) } أَجزأَتْ (شَاةٌ عنْكَ: قَضَتْ) فِي النُّسُك، (لُغَةٌ فِي جَزَتْ) بِغَيْر همزٍ، وَذَا {مُجْزِىءٌ، والبَدَنةُ} تُجزِىءُ عَن سَبْعَةِ، فَمن همز فَمَعْنَاه تُغْنى، وَمن لم يَهمز
(1/172)

فَهُوَ من الجَزَاءِ (و) {أَجزأَ (الشَّيْءُ إِيَّايَ) } كأَجزأَني الشيءُ (: كَفَانِي) ، وَمِنْه الحَدِيث: (وَلَنْ {تُجْزِىءَ عَنْ أَحَدِ بَعْدَك) .
(} والجَوَازِىءُ:) بقر (الوَحْش) لِتَجَزَّئِها بالرُّطْب عَن المَاء، وظبية {جازِئة قَالَ الشمَّاخُ:
إِذَا الأَرْطَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْه
خُدُودُ} جَوَازِىءٍ بِالرَّمْلِ عِينِ
قَالَ ابنُ قُتيبة: هِيَ الظباءُ، وَفِي التَّنْزِيل ( {1. 013 وَجعلُوا لَهُ من عباده {جُزْءا} (الزخرف: 15) أَيْ إِنَاثاً) يَعْنِي الَّذين جعلُوا الملائكةَ بناتِ الله، تَعَالَى الله عَمَّا افتَرَوْا، قَالَه ثَعْلَب، وَفِي الغَريِبَيْن للهروِي: وكأَنه أَراد الجِنْسَ. وَقَالَ أَبو إِسحاق: أَي جعلُوا نَصيبَ اللَّهِ من الوَلد الإِناثَ، قَالَ: وَلم أَجدْه فِي شِعْرٍ قَديمٍ، وَلَا رَواه عَن العربِ الثِّقاتُ، وَقد أَنكره الزمخشريُّ، وَجعله من الكَذِب على الْعَرَب، واقتفاه البيضاويُّ، واستنبطَ لَهُ الخَفاجي وَجها على طريقةِ الْمجَاز، أَشار فِيهِ إِلى أَنَّ حوَّاءَ لما خُلِقت من جُزْءِ آدمَ صحَّ إِصلاقُ الجُزْء على الأُنثى، قَالَه شَيخنَا.
(و) قَالَ الفرَّاءُ: (طَعامٌ} جزِىءُ) وشَبيع (: {مُجْزِىءٌ) ومُشْبِع.
(و) هَذَا رجلٌ (} جَازِئُك مِنْ رَجُلٍ) أَي (نَاهِيكَ) بِهِ وكافيك.
(وحَبِيبَةُ) وَيُقَال مُصغَّراً بِنْتُ أَبِي {تُجْزَأَة بِضَمِّ التَّاء (الفوقيّة) وسُكونِ الجيمِ مَعَ فتح الْهمزَة، وَفِي بعض النُّسخ بسكونها العَبْدَرِيَّة (صَحَابِيَّةٌ) ، روتْ عَنْهَا صَفِيَّةُ بنتُ شَيْبة.
(و) قد (سَمَّوْا) } مَجْزَأَةَ (جَزْءًا) بِالْفَتْح، مِنْهُم! جَزْء بن الحِدْرِجَان، وجَزْء بن أَنس وجَزْء بن عَيّاش، وجَزء بن عَامر، ومَحْمِيَة بن جَزْء، وَعبد الله ابْن الْحَارِث بن جَزْء، وَعَائِشَة بنت جَزْء، صحابيُّون رَضِيَ الله عَنْهُم.
وَفِي (العُباب) . قَالَ حَضْرَمِيُّ بن عامرٍ فِي جَزْءٍ بن سِنانِ بن مَوْأَلَة حِين
(1/173)

اتَّهمه بِفَرحِه بِمَوْت أَخيه
يَقُولُ جَزْءٌ وَلَمْ يَقُلْ جَلَلاَ
إِنّي تَرَوَّحْتُ نَاعِماً جَذِلاَ
إِنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَنِي بِهَا كَذِباً
جَزْءُ فَلاَقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلاَ
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِرَامَ وأَنْ
أُورثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلاَ
وجَزْءُ بن كَعب بن أَبي بكْر بن كِلاب ولَدُه قَيْسٌ أَبو قَبيلَة، وَهُوَ صَاحب دَارَة الأَسواط. ( {والجُزْأَةُ بالضَّمِّ: المِرْزَحُ) ، وَهِي خَشبةٌ يُرْفَع بهَا الكَرْم عَن الأَرض.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} الجُزْءُ: النَّصيب والقِطْعة من الشَّيْء. وَفِي البصائر: جُزْءُ الشيءِ مَا يَتَقوَّمُ بِهِ جُمْلَتُه، كأَجزاء السَّفِينَة، وأَجزاءِ الْبَيْت، وأَجزاءِ الجُمْلة من الحسابِ. وَقَوله تَعَالَى: {لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ} (الْحجر: 44) أَي نصيب، وَذَلِكَ من الشَّيْء.
{والمجزوءُ من الشِّعر مَا سَقط مِنْهُ جُزْآنِ، وبيتُه قَولُ ذِي الإِصْبَع العَدْوَانِيّ:
عَذِيرَ الحيِّ مِنْ عَدْوا
نَ كَانُوا حَيَّة الأَرْضِ
أَو كَانَ على} جُزْأَيْنِ فَقط، فالأَوَّلُ على السَّلب، وَالثَّانِي على الْوُجُوب، وجَزَأَ الشِّعْر {جزْأً} وجَزَّأَه، فيهمَا: حذف مِنْهُ جُزْأَيْنِ، أَو بَقَّاه على جُزْأَيْنِ.
وَشَيْء {مجْزُوٌّ: مُفَرَّق مُبَعَّض.
وطَعامٌ لَا جَزْءَ لَهُ، أَي لَا يُتَجَزَّأُ بِقَلِيله.
} وأَجْزَأَ القومُ: {جَزِئَتْ إِبلُهم.
وبَعِيرٌ مُجْزيءٌ: قوِيٌّ سَمِينٌ، لأَنه} مُجْزِىءُ الراكبِ والحامِل.
{والجوازىءُ: النخْلُ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بن عُبَيد:
جَوازِيءُ لَمْ تَنْرِعْ لِصَوْبِ غَمَامَةٍ
وَوُرَّادُها فِي الأَرْضِ دَائِمةُ الرَّكْضِ
يَعْنِي أَنها استغْنَت عَن السَّقْيِ فاستعْلَت.
} والجُزْأَة بلُغة بني شَيبانَ: الشُّقَّة المُؤَخَّرة من الْبَيْت.
{والجازِىءُ: فرس الْحَارِث بن كَعْب.
وأَبو الْورْد} مَجْزأَة بن الكَوْثَر ابْن زُفَر، من بني عَمْرو بن كِلاب،
(1/174)

من رِجال الدَّهْر، وجَدُّه زُفَرُ شاعرٌ فَارس، ومَجْزأَه بن زاهرٍ روى، وجَزِيء أَبو خُزَيْمَة السلميّ صحابيٌّ، وحيان بن جَزِيء وَعبد الله بن جَزِيء حَدثا، وجَزِيء بن مُعَاوِيَة السَّعْدِيّ اخْتُلِفَ فِيهِ.
{والجُزْءُ اسمٌ للرُّطَبِ عِنْد أَهل الْمَدِينَة، قَالَه الخَطَّابِيُّ، وَقد ورد ذَلِك فِي الحَدِيث، وَالْمَعْرُوف جِرْوٌ.

جسأ
: (} الجُسْأَةُ بالضَّمِّ) فِي الدوابّ: (يُبْسُ المَعحطف) فِي العُنُق، ( {وجَسَأَ) الشيءُ (كَجَعَلَ) وَفِي الْمُحكم كَكَتب (} جُسُوءًا) كقُعود ( {وجسْأَةً) كجُرْعة، كَذَا هُوَ فِي الأُصول المُصحَّحَة. وَفِي بعض النّسخ على وزن ثُمَامة (بِضَمِّها: صَلُبَ) وَقد} جَسَأَتْ يدُه ومفاصِلُه. ودابَّة {جاسئةُ القوائمِ. يابستُها، لَا تكَاد تَنْعَطِف (و) قَالَ الْكسَائي: (} جُسِئَت الأَرضُ، بِالضَّمِّ، فَهِيَ {مَجْسُوءَةٌ، من} الجَسْءِ) بِفَتْح فَسُكُون (وَهُوَ الجَلَدُ) محركةً (الخَشِنُ) الَّذِي يشبه الحَصَى الصغار، وأَرض جاسِئة، وَتقول: لَهُم قُلوبٌ قاسِية كأَنها صخور جاسِيَة (و) الجَسْءُ (: الماءُ الجَامِدُ. {والجاسِياءُ) بِالْمدِّ (: الصَّلابةُ) واليُبْس (والغِلَظُ و) قد} جَسَأَتْ يَده {تَجْسَأُ} جَسْأً و (يَدٌ {جَسْآءُ) إِذا كَانَت (مُكْنِبَة) من أَكْنَب (مِنَ العَمَلِ) أَي صُلْبة يابسة خَشِنة، وَفِي بعض النّسخ مَكِينَة من المكن وجَبل} جاسىء، ونَبْت جاسيءٌ يَابِس.

جشأ
: ( {جَشَأَتْ نَفْسُه كَجَعل} جُشُوءًا) كقعود إِذا ارْتَفَعت و (نَهَضَتْ) إِليك (وجَاشَتْ مِن حُزْنٍ أَو فَرحٍ) هَكَذَا فِي
(1/175)

نسختنا، وَفِي (العُباب) : أَو فزع، بالزاي وَالْعين الْمُهْملَة وَمثله فِي بعض النّسخ، قَالَ شمر: جَشَأَت نَفسِي وخَبُثَت ولَقِسَت وَاحِد، وَقَالَ ابْن شُميل: جَشأَت إِليَّ نَفسِي أَي خَبُثَتْ من الوَجع مِمَّا تَكْره، {وتَجْشَأُ قَالَ عَمرو بن الإطنابة:
وَقَوْلِي كُلَّما جَشَأَتْ وَجَاشَتْ
مَكَانَك تُحْمَدِي أَو تسْتَرِيحِي
يُرِيد: تَطلَّعَتْ ونَهضتْ جَزَعاً وكَرَاهةً.
وَمن سجعات الأَساس: إِذا رأَى طُرَّةً من الحَرْب نَشَأَتْ، جَاشَتْ نفْسُه وجَشَأَتْ. وَفِي حَدِيث الْحسن (} جَشَأَتِ الرُّومُ على عَهْدِ عُمرَ) أَي نَهضَتْ وأَقبلتْ من بلادها (و) جَشَأَتْ نفْسُه ثَارَتْ (للقيْءِ) وخبُثَت ولَقِسَتْ (و) من الْمجَاز: جَشَأَ (الليلُ والبَحْرُ) إِذا دَفَعَ و (أَظْلَمَ وأَشْرَف عَلَيْكَ) وَيُقَال جَشَأْتِ البِحارُ بأَمواجها، والرِّياضُ برُبَاها، والبِلادُ بأَهلها: لَفظَتْهَا (و) قَالَ اللَّيْث: جَشأَت (الغَنَمُ: أَخْرَجَتْ صَوْتاً من حُلُوقِها) قَالَ امرؤُ الْقَيْس:
إِذا جَشَأَتْ سَمِعْتُ لَهَا ثُغَاءً
كأَنَّ الحَيَّ صَبَّحَهُمْ نَعِيُّ
(و) {جَشَأَ (القَوْمُ: خَرَجُوا من بَلَدِ إِلى بَلَدٍ) قَالَ العجاج:
أَحْرَاس نَاسٍ} جَشَئوا وَمَلَّتِ
أَرْضاً وأَحْوَالُ الجَبانٍ اهْوَلَّتِ
يُقَال: جَشَئوا إِذا نَهَضوا من أَرضٍ إِلى أَرضٍ.
(و) روى شمر عَن ابْن الأَعرابيّ (! الجَشْءُ) بِفَتْح فَسُكُون (: الكَثيرُ و) الجَشءُ أَيضاً: (القَوْسُ الخَفيفةُ) وَقَالَ اللَّيْث: هِيَ ذَات الإِرنان فِي صَوْتها، قَالَ أَبو ذُؤَيب:
ونَمِيمَةٍ مِنْ قَانِصٍ مُتَلَبِّبٍ
فِي كَفِّه جَشْءٌ أَجَشُّ وَأَقْطُعُ
(1/176)

وَقَالَ الأَصمعي: هُوَ القَضِيب من النَّبْع الْخَفِيف (ج {أَجْشَاءٌ) كفَرْخ وأَفراخِ، على غير قِيَاس. وصرَّح ابنُ هشامٍ بقِلَّته (} وجَشَآتٌ) محركة ممدودة جمع سَلامَة الْمُؤَنَّث ( {والتَّجَشُّؤُ: تَنفُّسُ المَعِدَةِ) عِنْد امتلائها (} كالتَّجْشِئَةِ) قَالَ أَبو ممد الفَقْعَسي:
لم {يَتَجَشَّأْ عَنْ طَعَام يُبْشِمُهُ
وَلَمْ تَبِتْ حُمَّى بِهِ تُوَصِّمُهْ
} وجَشَأَت المَعِدَة {وتَجشَّأَت: تَنَفَّسَتْ (وَالِاسْم) } جُشَأَة {وجُشَاءٌ (كَهُمَزَةٍ وغُراب) الأَخير قَالَه الأَصمعي، وكأَنه من بَاب العُطاس والدُّوَار، وَقَالَ بعضٌ: إِن} الجُشَأَة كهُمَزَة من صِيغ المُبَالغة ومَعْناه: الكثيرُ {الجُشَاءِ والأَحزانِ، وَكَانَ عليُّ بن حَمْزَة يَذهب إِلى مَا ذَهب إِليه الأَصمعي (و) جُشْأَة مثل (عُمْدَة) وَهُوَ فِي (الْمُحكم) ، وَسقط من بعض النّسخ.
(} واجْتَشَأَ فُلانٌ البِلادَ و) كَذَلِك ( {اجْتَشَأَتْه) البلادُ إِذا (لم تُوافِقْه) كأَنه استوخَمَهَا، من} جَشَأَت نَفسِي.
( {وَجُشَاءُ الليلِ والبَحْرِ، بالضَّمِّ: دُفْعَتُهما) بالمرَّة، وَيُقَال: الأَعميان هما السَّيْلُ واللَّيحلُ، فإِنَّ دُفْعتَهما شديدةٌ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
سهم} جَشْءٌ: خفيفٌ، حَكَاهُ يعقوبُ فِي المُبدل، وأَنشد:
وَلَوْ دَعَا نَاصِرَه لَقِيطَا
لَذَاقَ {جَشْئاً لَزْ يَكُمْ مَلِيطَا
المَليط: الَّذِي لَا رِيشَ عَلَيْهِ.
} وجَشَأَت الأَرضُ: أَخرجَتْ جميعَ نَبْتِها، كَمَا يُقَال قارَت الأَرضُ أُكُلَها، وَهُوَ مجَاز.
وَقد يُستعار {الجُشْأَة للفَجْر، وَقد جاءَ فِي بعض الأَشعار. وَقَالَ عليُّ بن حَمْزَة:} الجُشْأَة: هُبوبُ الرِّيح عِنْد الْفجْر.
! وجَشَأَ فُلانٌ عَن الطعامِ إِذا اتَّخَم فَكِرَه الطعامَ.
(1/177)

{وَجَشَأَتِ الوَحْش: ثارَتْ ثورةً وَاحِدَة.

جفأ
: (} جَفَأَه كَمَنَعَه) : رَمَاه و (صَرَعه) على الأَرض، وَكَذَلِكَ {جَفَأَ بِهِ الأَرضَ (و) } جفَأَ (البُرْمَةَ فِي القَصْعَةِ) جَفْأً (: كَفَأَها) وأَمالها فَصَبٌ مَا فِيهَا قَالَ الراجز:
{جَفْؤُكَ ذَا قِدْرِكَ لِلضِّيفَانِ
جَفْأً عَلَى الرُّغْفَانِ فِي الجِفَانِ
خَيْرٌ مِنَ العَكِيسِ بالأَلْبَانِ
وَفِي حَدِيث خَيْبَرَ أَنه حَرَّمَ الحُمُرَ الأَهلَّيةَ} فجفَئُوا القُدورَ، أَي فَرَّغوها وقَلَبُوها. قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ ثُلاثيٌّ فِي الفصيح من الْكَلَام، وأُهمِل الرباعيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا تَقُلْ أَجفأْتُها، وَقد وَرد فِي بَعحض الرِّوَايَات ( {فأَجْفَئُوها) . قَالَ ابْن سِيده: المعرُوف بِغَيْر أَلف، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ لُغةٌ مَجهولة. وَقَالَ ابْن الأَثير: قَليلة، وأَوردها الزَّمَخْشَرِيّ من غير تَعَقُّبٍ فَقَالَ فِي الْفَائِق: جفأَ القِدرَ} وأَجفَأَها وكَفأَها وأَكْفَأَهَا: مَيَّلَهَا. قلت ويروى (فَأَمَر بالقُدُورِ فَكُفِئَتْ) ويروى (فَأُكْفِئَتْ) (و) {جَفَأَ (الوادِي والقِدْرُ) إِذا (رَمَيَا} بالجُفَاءِ أَي الزَّبَدِ) عِنْد الغَلَبانِ ( {كأَجْفَأَ) وَهِي لُغَة ضعيفةٌ كَمَا فِي (العُباب) ، وَقد تقدَّم (و) يُقَال:} جَفَأَ (القِدْرَ) إِذا (مَسَحَ زَبَدَها) الَّذِي عَلَيْهَا، فإِذا أَمرْت قلت {اجْفَأْها، (و) جَفَأَ (الوَادِيَ: مَسَح غُثَاءَهُ) وعِبارة (العُباب) :} وجَفَأْتُ الغُثاء عَن الْوَادي، أَي كَشَفْتُه (و) {جَفأَ (البَابَ) جَفْأً (: أَغْلَقَهُ،} كأَجْفَأَهُ) لُغَة عَن الزّجّاج (و) قَالَ الحِرْمازِي: جَفَأَ البابَ إِذا (فَتَحَه) ، فَهُوَ (ضِدٌّ) .
(و) {جفأَ (البَقْلَ) والشجَر} يَجفؤُهُ {جَفْأً: (قَلَعَهُ مِنْ أَصْلِه) ورمَى بِهِ (} كاجْتَفَأَهُ) وَفِي (النِّهَايَة) فِي الحَدِيث (مَا لَمْ {تَجْتَفِئُوا بَقْلاً) قيل: جَفَأَ النَّبْتَ} واجْتَفَأَه: جَزَّهُ عَن ابْن الأَعرابيّ.
( {والجُفَاءُ كَغُرَابٍ:) مَا نَفَاه الْوَادي إِذا رمى بِهِ، قَالَه ابنُ السِّكيت. وذَهب الزَّبَدُ} جُفاءً أَي مَدفوعاً عَن مائِهِ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآء} (الرَّعْد: 17) قَالَ الفرّاءُ: أَصله الْهَمْز،
(1/178)

وَهُوَ (الباطِلُ) تَشْبِيها لَهُ بزَبدِ القِدْر الَّذِي لَا يُنتَفَعُ بِهِ، وَبِه فسَّر ابنُ الأَثيرِ الحديثَ (انْطَلَق جُفَاءٌ مِنَ النَّاسِ) أَراد سَرَعَانَهم، قَالَ: وَهَكَذَا جاءَ فِي كتاب الهَرَوِي، قَالَ: وَالَّذِي قَرأْناه فِي البُخارِي ومُسلم (انْطلق أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ) جمع خَفِيفٍ، وَفِي كتاب التِّرْمِذِيّ (سَرَعانُ النَّاسِ) (و) {الجُفَاءُ (: السَّفِينَةُ الخَالِيةُ) ، وَبِه صَدَّر فِي (العَباب) (} وأَجْفَأَ) الرجلُ (مَاشِيَتَهُ: أَتْعَبَها بِالسَّيْرِ وَلم يَعْلِفْهَا) فَهُزِلَتْ لذَلِك (و) {أَجْفَأَ (بِهِ: طَرَحَهُ) ورَمَاه على الأَرضِ (و) } أَجْفَأَت (البِلاَدُ) إِذا (ذَهَبَ خَيْرُها، {كَتَجَفَّأَتْ) قَالَ:
ولَمَّا رَأْتْ أَنَّ البِلاَدَ} تَجَفَّأَتْ
تَشَكَّتْ إِلَيْنَا عَيْشَها أُمُّ حَنْبَلِ
(والعَامَ) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة أَي فِي هَذَا الْعَام ( {جُفْأَةُ إِبلنا) بِالضَّمِّ وَفِي بعض النّسخ بِالْفَتْح ضبطاً (وهُوَ أَن يُنْتَجَ أَكْثَرُهَا) .

جلأ
: (} جَلأَ الرجُلَ كَمَنَعَ) جَلأً بِفَتْح سُكُون كَذَا فِي الْمُحكم و ( {جَلاَءً) كسَلامٍ، وَضَبطه بَعضهم بِالتَّحْرِيكِ (} وجَلاَءَةً) ككَرامة، وَضَبطه بعضٌ بِالتَّحْرِيكِ أَيضاً (: صَرَعَه) وَضرب بِهِ الأَرض كحلأَ بالحاءِ عَن أَبي زيد (و) {جَلأَ (بثَوْبِهِ: رَمَاهُ) .

جلظأ
: وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} جَلْظَأَ، فِي (التَّهْذِيب) فِي الرباعي، وَفِي حَدِيث لُقمان بن عَاد: إِذَا اضجعْتُ فَلَا {أَجْلَنْظِي: قَالَ أَبو عبيد: وَمِنْهُم من يهمز فَيَقُول} اجْلَنْظَأْتُ.
{والمُجْلنظِي: المُسبَطِرُّ فِي اضطجاعه. وسيأْتي فِي المعتل.

جمأ
: (} جَمِىءَ عَليه كَفَرِح: غَضِبَ) كَذَا فِي (الْمُحكم) ( {وتَجَمَّأَ) فلانٌ (فِي ثيابِه: تَجَمَّعَ) الْهمزَة لُغَة فِي الْعين (و) تجمَّأَ (عَلَيْهِ: أَخَذَه فَوَارَاهُ) عَن أَبي عَمْرو:} التَّجَمُّؤُ: أَن يَنحَنِيَ على الشَّيْء تَحت ثَوْبه، والظَّلِيم! يَتَجمَّأُ على بَيْضه (و)
(1/179)

{تَجمَّأْ (القَوْمُ: تَجَمَّعُوا) كَذَا فِي (العُباب) (} والجَمَأُ {والجَمَاءُ: الشَّخْصُ) يُمَدُّ ويُقصر، وهمزة الممدودِ غيرُ مُنقلبة (وفَرَسٌ} أَجْمَأُ {ومُجْمَأٌ: أَسِيلَةُ الغُرَّةِ) داخِلَتُها (وَالِاسْم} الإِجْمَاءُ) قَالَ:
إِلَى {مُجْمَآتِ الهامِ صُعْرٍ خُدُودُها
مُعَرَّفَةِ الإِلْحَى سِبَاطِ المَشَافِرِ

جنأ
: (} جَنأَ) الرجلُ (عَلَيْهِ كجَعَلَ وفَرِحَ {جُنُوءًا} وجَنَأً) كقُعود وجَبَلِ، وَفِيه لفٌّ ونشْرٌ مُرتَّب (: أَكَبَّ، {كَأَجْنَأَ) قَالَ كُثَيّر:
أَغاضِرَ لَوْ شَهِدْتِ غَدَاةَ بِنْتُمْ
} جُنُوءَ العَائِدَاتِ عَلَى وِسَادِي
أَوَيْتِ لِعَاشِقٍ لَمْ تَشْكَمِيهِ
نَوَافِذُهُ تَلَذَّعُ بِالزِّنَادِ
وَفِي (اللِّسَان) يُقَال: أَرَادُوا ضَربهُ {فَجَنَأْتُ عَلَيْهِ أَقِيه بنفسي وإِذا أَكبَّ على الرجُلِ يَقيه شَيئاً قيل:} أَجْنَأَ. وَفِي (التَّهْذِيب) : جَنَأَ فِي عَدْوِهِ إِذا أَلَحَّ وأَكَبَّ وأَنشد:
وَكَأَنَّه فَوْتُ الحَوَالِبِ {جَانِئاً
رِيمٌ تُضَايِقُهُ كِلاَبٌ أَخْضَعُ
وَفِي الحَدِيث أَن يَهودِيًّا زَنَى بامرأَةٍ فأَمَر بِرَجْمِها، فجعَل الرجُل} يَجْنَأُ عَلَيْها، أَي يُكِبُّ ويَمِيلُ عَلَيْهَا لِيَقِيَهَا الحِجَارة. {وجَنَأَت المرأَة على الوَلَد أَكبَّت عَلَيْهِ قَالَ:
بَيْضَاء صَفْراء لم} تَجْنَأْ عَلَى وَلَد
إِلاَّ لأُخْرَى وَلَمْ تَعْقُدْ عَلَى نَارِ
وَقَالَ ثَعْلَب: جَنَأَ: أَكَبَّ يُكَلِّمه، وَعَن الأَصمعيّ: جَنَأَ {يَجنَأُ جُنُوءًا إِذا انكبَّ على فَرَسه يَتَّقى. قَالَ مالكُ ابْن نُويرة:
ونَجَّاكَ مِنَّا بَعْدَ مَا مِلْتَ} جَانِئاً
وَرُمْتَ حِيَاضَ المَوْتِ كُلَّ مَرَامِ
( {وجَانَأَ) عَلَيْهِ (} وتَجَانَأَ) ! كاجْتَنأَ إِذا أَكَبَّ عَلَيْهِ.
(1/180)

(و) {جَنِىء (كَفرِحَ: أَشْرَفَ كَاهِلُه على صَدْرِه، فَهُوَ} أَجْنَأُ) بَيِّن {الجَنَإِ، قَالَه اللَّيْث، وَقيل: هُوَ مَيْلٌ فِي الظَّهْر وَاحْدِيَدابٌ، وَهِي} جَنْوَاءٌ، قَالَ الأَصمعي: إِذا كَانَ مُستقيمَ الظهرِ ثمَّ أَصَابَه {جَنَأٌ فَهُوَ أجنأ، وَأنكر اللَّيْث أَن يكون} الجنأ الاحْدِيدَابَ وَعَن أَبي عَمْرو رجل أَجْنَأُ وأَدْنَأُ، مَهموزانِ بِمَعْنى الأَقعس، وَهُوَ الَّذِي فِي صَدْرِه انكبابٌ إِلى ظهْرِه، وظَلِيمٌ أَجْنَأُ ونَعامَة {جَنْآءُ، وَمن حذف الْهمزَة قَالَ} جَنْوَاءُ، وأَنشد:
أَصَكُّ مُصَلَّمُ الأُذُنَيْنِ أَجْنَا
( {والْمُجْنَأُ بِالضَّمِّ: التُّرْسُ) سُمِّي بِهِ (لاِحْدِيدَابِهِ) وَمَيْلِه، قَالَ أَبو قَيْس بن الأَسلت:
أَحْفِزُها عَنِّي بِذِي رَوْنَقٍ
مُهَنَّدِ كَالمِلْحِ قَطَّاعِ
صَدْقٍ حُسَامٍ وَادِقٍ حَدُّهُ
وَمُجْنَإٍ أَسْمَرَ قَرَّاعِ
(و) } المُجْنَأَة (بِهَاءٍ: حُفْرَةُ القَبْرِ) قَالَ ساعِدَةُ بن جُؤَيَّة الهُذلِيّ:
إِذَا مَا زَارَ {مُجْنَأَةً عَلَيْهَا
ثِقَالُ الصَّخْرِ والخَشَبُ القَطِيلُ
(} والجَنْآءُ) كَحَكْرَاءَ (: شَاةٌ ذَهَبَ قَرْنَاهَا أُخُراً) عَن الشَّيْبَانِيّ، وَفِي (العُباب) : التَّرْكِيب يَدلُّ على الْعَطف على الشَّيْء والحُنُوِّ عَلَيْهِ.

جوأ
: ( {يَجُوءُ) بِالْوَاو (لُغَةٌ فِي يَجِيءُ) بِالْيَاءِ.
(} وجَاءٌ) بِالتَّنْوِينِ (اسمُ رَجُل) ذَكرُوهُ والأَشبه أَن يكون مُصَحَّفاً عَن حاء، بِالْمُهْمَلَةِ، كَمَا سيأْتي.
( {والجُوءَةُ بالضَّمِّ قَرْيتَانِ باليَمنِ) فِي نَجْدِها (أَوْ هِيَ) } جُؤَة (كَثُبَةِ) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{الجَاءَةُ} والجُؤْوَة، وَهُوَ لَوْنُ! الأَجْأَى، وَهُوَ سَوادٌ فِي غُبْرةِ وحُمْرَةِ.
ويستدرك أَيضاً:
(1/181)

جهجأ
: {جَهْجَأَه الرجلُ: زَجره ودَفعه، وَقد جاءَ فِي الحَدِيث، هَكَذَا قَالَ ابنُ الأَثير، أَآاد جَهْجَههُ فأَبدَل الْهمزَة هَاء لِقُرحبِ المَخرج، نقلَه شيخُنَا.

جيأ
: (} جَاءَ) الرجل ( {- يَجِيءُ} جَيْئاً {وجَيْئَةً) بِالْفَتْح فيهمَا، والأَخير من بِنَاء المَرّة وُضِع مَوضِع أَصْلِ الْمصدر للدَّلالة على مُطْلق الحَدَث (} ومَجِيئاً) وَهُوَ شاذٌّ، لأَن الْمصدر من فَعَل يَفْعِل مَفْعَلٌ بِفَتْح الْعين، وَقد شَذَّت مِنْهُ حُروفٌ فجاءَ على مَفْعِل {كالمَجِيءِ والمَعيش والمَكِيل والمَصير والمَسِير والمَحِيد والمَمِيل والمَقِيل والمَزِيدِ والمَعِيل والمَحيص والمَحِيض (: أَتَي) قَالَ الرَّاغِب فِي (المُفردات) :} - المَجيء هُوَ الحُصول. قَالَ: وَيكون فِي الْمعَانِي والأَعيان ف {إِذَا جَآء نَصْرُ اللَّهِ} (النَّصْر: 1) حقيقةٌ كَمَا هُوَ ظاهرٌ. {وجاءَ كَذَا: فَعَله، وَمِنْه {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} (مَرْيَم: 27) وَيرد فِي كَلَامهم لَازِما ومُتعدّياً، نَقله شَيخنَا. وحَكى سِيبويهِ عَن بعض الْعَرَب: هُوَ} يَجيك، بِحَذْف الْهمزَة. (والاسْمُ) مِنْهُ {الجِيئَة (كالجِيعَةِ) بِالْكَسْرِ (و) يُقَال (إِنَّه} لَجَيَّاءٌ) بِخَيْرٍ، كَكَتَّان، وَهُوَ نادرٌ، كَمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ (و) يُقَال ( {جَآءٌّ) بقلب الْيَاء همزَة (} وجَائِيءٌ) حَكَاهُ ابْن جِنِّي على الشذوذ، وَالْمعْنَى: كَثيرُ الإِتْيان ( {وأَجَأْتُه) أَي (جِئْتُ بِهِ، و) } أَجأْتُه (إِليه) أَي (أَلْجَأْتُه) واضطررته إِليه قَالَ زُهير:
وجَارٍ سَارَ مُعْتمِداً إِليْكُمْ
أَجَارَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجاءُ
فَجَاوَرَ مُكْرَماً حَتَّى إِذَا مَا
دَعَاهُ الصَّيْفُ وانْقَطَعَ الشِّتَاءُ
ضَمِنْتُمْ مَالَه وَغَدَا جَمِيعاً
عَلَيْكُمْ نَقْصُهُ ولَهُ النَّمَاءُ
قَالَ الفرّاءُ: أَصلُه من! جِئْتُ وَقد
(1/182)

جَعَلته الْعَرَب إِلْجَاءً.
( {وجَاءَأنِي) بهمزتين (وَهِمَ فِيهِ الجَوْهَرِيُّ وصَوابُه} جَايَأَنِي) بِالْيَاءِ مبدلة بِالْهَمْزَةِ (لأَنّه مُعْتَلُّ العَيْنِ مَهمُوزُ اللاَّمِ لَا عَكْسُه) أَي مَهْمُوز الْعين معتلّ اللَّام ( {فَجِئْتُه} أَجِيئُه: غَالَبَنِي بِكَثْرَةِ المَجِيءِ فَغلَبْتُه) أَي كنتُ أَشدَّ مَجِيئاً مِنْهُ، وَالَّذِي ذكره المصنّف هُوَ الْقيَاس، وَمَا قَالَه الجوهريُّ هُوَ المسموع عَن الْعَرَب، كَذَا أَشار إِليه ابنُ سَيّده.
( {والجَيْئةُ) بِالْفَتْح (} والجَايِئةُ: القَيْحُ والدَّمُ) الأَوّل ذَكَره أَبو عَمْرو فِي كتاب الْحُرُوف، وأَنشد:
تَخَرَّقَ ثَغْرُهَا أَيَّامَ خُلَّتْ
عَلَى عَجَلٍ فَجِيبَ بِهَا أَدِيمُ
{فَجَيَّأَهَا النِّسَاءُ فَجَاءَ مِنْها
قَبَعْذَاةٌ وَرَادِعَةٌ رَذُومُ
أَو قَبَعْثَاةٌ، على الشكّ، شَكَّ أَبو عَمْرو، وأَنشد شَمر:
فَجَيَّأَها النِّسَاءُ فخَانَ مِنْهَا
كَبَعْثَاةٌ وَرَادِفَةٌ رَذُومُ
وَقَالَ أَبو سعيد: الرَّذُوم مُعْجَمة، لاين مَا رَقَّ من السَّلْح يَسيلُ، وَفِي أَشعار بني الطَمَّاح فِي تَرجمة الجُمَيع بن الطَّمَّاح:
تَخرَّم ثَغْرُهَا أَيَّامَ حَلَّتْ
عَلَى نَمَلَي فَجِيبَ لَها أَدِيمُ
فَجَيَّأَها النِّسَاءُ فَجَاءَ مِنْهَا
قَبَعْثَاةٌ وَرَادِفَةٌ رَذومُ
قَبَعْثَاة: عَفَلَةٌ، كَذَا فِي (العُباب) .
(} - والجَيْءُ {- والجِيءُ) بِالْفَتْح وَالْكَسْر (: الدُّعَاءُ إِلى الطَّعامِ والشَّرابِ) ، وَقَوْلهمْ: لَو كَانَ ذَلِك فِي الهيءِ والجيءِ مَا نَفعه، قَالَ أَبو عَمْرو: الهِيءُ بِالْكَسْرِ: الطعامُ، والجِيءُ: الشَّرَاب (و) قَالَ الأُموي: هما اسمان، من قَوْلك (} جَأْجَأَ بالإِبل) إِذا (دَعَاهَا للشُّرْبِ) وهَأْهَأَها إِذا دَعَاهَا للعَلَف، وأَنشد لمُعاذٍ الهَرَّاء:
ومَا كَان عَلَى الهِيءِ
وَلاَ الجِيءِ امْتدَاحِيكَا
(و) قَالَ شَمِرٌ: (! جَيَّأَ القِرْبَةَ) إِذا (خَاطَها) .
(1/183)

( {والمُجَيَّأُ كَمُعَظَّمٍ) هُوَ (العِذْيَوْطُ) الَّذِي يُحدث عِنْد الْجِمَاع، يُقَال: رَجُلٌ مُجَيَّأٌ إِذا جَامع سَلَح، قَالَه ابْن السّكيت.
(و) } المُجَيَّأَةُ (بِهَاءٍ) هِيَ (المُفْضَاةُ) الَّتِي (تُحْدِثُ إِذا جُومِعَتْ) عَن ابْن السّكيت أَيضاً.
(و) عَن ابْن الأَعرابيّ: ( {المُجَايَأَةُ: المُقَابَلَةُ) يُقَال:} جَايَأَني الرجلُ مِن قُرْب، أَي قابَلني، ومرَّ بِي {مُجَايَأَةً أَي مُقابلةً. (و) عَن أَبي زيدٍ:} المُجايَأَةُ: (المُوافَقَةُ، {كالجِيَاءِ) بِالْكَسْرِ، يُقَال:} جَايَأْتُ فُلاناً، أَي وافقْتُ {مَجيئَه. وَيُقَال: لَو جَاوَزْتَ هَذَا المكانَ} لَجايأْتَ الغَيثَ {مُجَايَأَةً} وَجِيَاءً إِذا وافَقْته.
( {والجَيْئَةُ) بِالْفَتْح (: مَوْضِعٌ كالنُّقْرَةِ) أَو هِيَ الحُفْرة الْعَظِيمَة (يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، كالجِئةِ) على وزن عِدَة، وَقَوله (كَجِعَةٍ وَجِيعَةٍ) جاءَ بهما للوزن، وَلَو لم يَكُونَا مُستعْمَلين، ثمَّ إِن قَوْله وَجِيعَة يدلُّ على أَنَّ الجِيئة بِالْكَسْرِ، كَذَا هُوَ مَضبوط عندنَا، وَالصَّوَاب أَنه بِالْفَتْح، وَالْكَسْر إِنما هُوَ فِي الْمَقْصُور فَقَط، كَمَا صرح بِهِ الصَّاغَانِي وَغَيره، وأَنشد للكُمَيْت:
ضَفَادِعُ} جَيْئَةٍ حَسِبَتح أَضَاةً
مُنَضِّبَةً سَتَمْنَعُهَا وَطِينَا
(والأَعْرَفُ {الجِيَّةُ (مُشَدَّدَةً)) بتَشْديد الْيَاء لَا بِالْهَمْزَةِ (و) } الجَيْئة (قِطْعَةٌ) من جِلْد (تُرْقَعُ بهَا النَّعْلُ، أَوْ سيْرٌ يُخاطُ بِهِ، وقدا {أَجَاءَها) أَي النعلَ إِذا رَقَعها أَو خَاطها، وأَما القِرْبَةِ فإِنه يُقَال فِيهَا جَيَّأَها كَمَا تقدَّم عَن شَمِرٍ.
(و) قَوْلهم (مَا} جَاءَتْ حَاجَتَكَ) هَكَذَا بِالنّصب مَضبوطٌ فِي سَائِر النّسخ، وفسّره ابنُ سَيّده فِي (الْمُحكم) فَقَالَ أَي (مَا صَارَتْ) وَقَالَ الرَّضيّ: أَي مَا كَانَت، وَمَا استفهاميَّة، وأَنث الضميرَ الرَاجعَ إِليه لكونِ الخَبَرِ عَن ذَلِك الضميرِ مُؤَنَّثاً، كَمَا فِي: مَا كانَتْ أُمَّكَ، ويروى بِرَفْع (حَاجَتك) على أَنها اسمُ جاءَت و (مَا) خَبرها، وأَول من قَالَ ذَلِك
(1/184)

الْخَوَارِج لِابْنِ عَبَّاس حِين جاءَ رَسُولا من عليَ، رَضِي الله عَنْهُمَا.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{جَيْئَةُ البطْنِ: أَسفلُ من السُّرَّة إِلى العَانَةِ.
} والجَيَّاءَةُ: الجصّ، قَالَ زِيادُ بن مُنفذ العَدوِيّ:
بلْ لَيْت شِعريَ عَن جَنحبَيْ مُكَشَّحَةٍ
وحَيْثُ تُبْنَى مِن الجَيَّاءَةِ الأُطُمُ
كَذَا فِي (المعجم) .
{والجَيْئَة بِالْفَتْح مَوضِع أَو مَنْهَل وأَنشد شَمِرٌ:
لَا عَيْشَ إِلاّ إِبلٌ جَماعَهْ
مَوْرِدُها} الجَيْئَةُ أَو نَعَاعَهْ
وإِنشاد ابنِ الأَعرابي الرجز (مَشْرَبُها الجُنَّة) ، هَكَذَا أنْشدهُ بِضَم الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَبعد المشطورين:
إِذَا رَآها الجُوعُ أَمْسَى ساعَهْ
وَتقول: الْحَمد لله الَّذِي {جاءَ بك، أَي الْحَمد لله إِذ} جِئْت، وَلَا تقلْ: الْحَمد لله الَّذِي جِئْت، وَفِي الْمثل (شَرٌّ مَا {يَجِيئُكَ إِلَى مُخَّةِ عُرْقُوب) قَالَ الأَصمعي: وَذَلِكَ أَن العُرقوبَ لَا مُخَّ فِيهِ، وإِنما يُحْوَجُ إِليه مَن لَا يقدر على شيءٍ، وَفِي (مجمع الأَمثال) (لَا} جَاءَ وَلَا سَاءَ) أَي لم يأْمر وَلم يَنْهَ، وَقَالَ أَبو عمر! جأْ جناتك أَي ارعها.
(1/185)

(فصل الْحَاء) الْمُهْملَة مَعَ الْهمزَة)
حأحأ
: ( {حَأْحَأَ بِالتَّيْسِ) إِذا (دَعاهٌ) إِما لسفادِ أَو لشرابٍ، ذكره أَبو حَيَّان وَغَيره. وَقيل: حَأْحَأَ بالتيس إِذا زَجَره بقوله حَأْحَأْ.
(} وحِىءْحِىءْ) بكسرهما (دُعاءُ الحِمَارِ إِلى الماءِ) أَورده ابْن الأَعرابي.

حبأ
: ( {الحَبَأُ، مُحَرَّكَةً: جَلِيسُ المَلِكِ) ونديمه (وخَاصَّتُه) والقريب بِهِ (ج} أَحْبَاءٌ) كسَبَبٍ وأَسباب، وَيُقَال: هُوَ من أَحِبَّاءِ الْملك وأَحْبَائِه أَي خواصه وجلسائه.
(و) عَن ابْن الأَعرابي: ( {الحَبْأَةُ: الطِّينَةُ السَّوْداءُ) لُغَة فِي الحَمْأَة.
وَنقل الأَزهريّ عَن اللَّيْث:} الحَبَأَة: لَوْحُ الإِسكاف المُستدير وَجَمعهَا {حَبَوَات، قَالَ الأَزهري: هَذَا تَصحيف فَاحش، وَالصَّوَاب الجَبْأَة بِالْجِيم، وَقد تقدّم.
وَعَن الْفراء} الحابِيَان الذِّئْب والجَراد، وَهُوَ مُسْتَدْرك على المُصَنّف.

حبطأ
: (رَجُلٌ {حَبَنْطَأٌ) بِهَمْزَة غير ممدودة (} وحَبَنْطَأَةٌ) بِالْهَاءِ ( {وحَبَنْطَى) بِلَا همز (} وَمحْبَنْطِىءٌ) قَالَ الْكسَائي: يُهْمز وَلَا يهمز أَي (قَصِيرٌ سَمِينٌ) ضخم (بَطِينٌ) قَالَه اللَّيْث.
( {واحْبَنْطَأَ) الرجل (: انتفخَ جَوْفُه أَو) احبنطأَ (امتَلأَ غَيْظاً) قَالَ أَبو مُحَمَّد بن بَرِّيّ: صَوَاب هَذَا أَن يذكر فِي تَرْجَمَة حَبط، لأَن الْهمزَة زَائِدَة، وَلِهَذَا قيل: حَبِطَ بَطْنُه إِذا انتفخ، وَكَذَلِكَ المُحْبَنْطِيءُ هُوَ المنتفخ جَوْفُه، قَالَ الْمَازِني: سَمِعت أَبا زيدٍ يَقُول:} احْبَنْطَأْتُ، بِالْهَمْز، أَي امتلأَ بَطْني، {واحْبَنْطَيْتُ، بِغَيْر همز: فَسَد بَطني، قَالَ المبرّد: وَالَّذِي نعرفه وَعَلِيهِ جُملَة الرُّواة: حَبِطَ بطنُ الرجلِ إِذا انتفخ لطعام أَو غيرهِ.
} واحبنْطَأَ الرجلُ إِذا امْتنع، وَكَانَ أَبو عبيدَةَ يُجيز فِيهِ تَرْكَ الهمزِ، وأَنشد:
إِني إِذا اسْتُنْشِدْتُ لاَ! - أَحْبَنْطِي
ولاَ أُحِبُّ كَثْرَةَ التَّمَطِّي
(1/186)

وَفِي حَدِيث السِّقْط (يَظَلُّ {مُحْبَنْطِئاً عَلَى بابِ الجَنَّة) قَالَ أَبو عُبَيْدَة: هُوَ المتغضب المُستبطِيءُ للشَّيْء، وَقيل فِي الطِّفْل} محبنطىء أَي ممتنعِ، كَذَا فِي (اللِّسَان) و (الْعباب) (وَوَهِمَ الجوهريُّ فِي إِيراده بعد تركيب ح ط أَ) زاعماً زِيَادَة النُّون، وَهُوَ رأَي البصريِّين، والمصنفُ يرى أَصالة حُروفها بأَجمعها فراعى ترتيبها.

حتأ
: ( {حَتَأَ كجَمَعَ) } يَحْتأُ حَتْأً إِذا (ضَرَبَ، و) {حَتَأَ الْمَرْأَة} يحتؤها حتأ إِذا (نكح، و) {حتأ إِذا (أَدامَ النَّظَرَ) إِلى الشَّيْء (و) } حَتَأَ (: حَطَّ المَتَاعَ عَن الإِبِلِ و) {حَتَأَ (الثَّوْبَ) يَحْتَؤُهُ حَتْأً (: خَاطَهُ) الخياطَةَ الثانِيَةَ، وَقيل: كَفَّه (و) حَتَأَ (الكِسَاءَ) حَتْأً إِذا فَتَلَ هُدْبَه وكَفَّهُ مُلْزَقاً بِهِ، يُهمز وَلَا يهمز، وَمن هُنَا يُؤْخذ لفظ الحَتْيَة، بِفَتْح فَسُكُون، وَهُوَ عِبارةٌ عَن أَهْدابٍ مَفْتولة فِي طَرَف العَذَبة، بلُغة اليَمن (و) } حَتَأَ (العَقْدَةَ: شَدَّهَا و) {حَتَأَ (الجدارَ وغيرَه: أَحْكَمَه،} كأَحْتَأَ) رُباعِيًّ (فِي الأَرْبَعةِ الأَخِيرةِ) وَهِي الثَّوْب والكساء والعُقْدة والجِدار قَالَ أَبو زيد فِي كتاب الْهَمْز: {أَحتَأْت الثوْبَ، بالأَلف، إِذا فَتَلْته فتلَا لأَكْسِيَة، وحتأْت الشيءَ} وأَحتأْته إِذا أَحْكَمْته، وَعَن أَبي عَمْرو: أَحتأْتُ الثوبَ إِذا خِطْته ( {- والحَتِيءُ كَأَمِيرٍ) لُغَة فِي الحَتِيّ، بِغَيْر همز، وَهُوَ (سَوِيقُ المُقْلِ) ، ويُنْشد بالوَجْهَينِ بيتُ المُتَنَخِّل الهُذليّ:
لاَ دَرَّ دَرِّيَا نْ أَطْعَمْتُ نَازِلَكُمْ
قِرْفَ الحَتِيءِ وَعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ
(} والحِنْتَأْوُ) بِالْكَسْرِ، مُلحق بِجِرْ دَحْلِ وَهُوَ (القَصِيرُ الصَّغيرُ) ، يُقَال: رَجلٌ {حِنْتَأْوٌ وامرأَة حِنْتأْوٌ، وَهُوَ الَّذِي يُعْجَب بِنَفسِهِ، وَهُوَ فِي عُيُون النَّاس صَغِيرٌ، أَورده الأَزهريّ فِي حَنَت وَفِي حنتأ. والتركيب يدُلُّ على شِدَّة.

حجأ
: (} حَجَأَ بالأَمْرِ كجَعَلَ: فَرِحَ) بِهِ (و) حَجَأَ (عَنْه كَذَا) إِذا (حَبَسَه) عَنهُ (! وحَجِىءَ بِهِ كَسَمِع) حَجْأَ (: ضَنَّ بِه
(1/187)

وأُولِعَ) يهمز وَلَا يهمز (أَو) حَجِيءَ بِهِ كسمع (: فَرِحَ) لَهُ، ول قَالَ فِي أَوّل الْمَادَّة حَجأَ بالأَمرِ كجَعَل وسَمِع: فَرِح كَانَ أَخْضَرَ (أَو) حَجِيءَ بالشَّيْء وَحَجَأَبه: (تَمَسَّكَ بِهِ ولَزِمَه، {كَتَحَجَّأَ) قَالَ الفراءُ:} حَجِئْت بِهِ {وتَحجَّيْتُ بِهِ، يهمز وَلَا يهمز: تَمسَّكْت ولَزِمت (و) عَن اللحيانيِّ: (} المَحْجَأُ: المَلْجَأُ) يُقَال مالَه {مَحْجَأٌ وَلَا مَلْجَأٌ: بِمَعْنى وَاحِد (وَهُوَ} حَجِىءٌ بِكَذَا) أَي (خَلِيق) لُغَة فِي حَجِيَ، عَن اللحيانيّ، وإِنهما {لَحَجِيَّان وإِنهن} لَحَجَايَا مثل قَوْلك خَطَايا، وأَنشد الفرّاءُ، وَهُوَ لرَجُلٍ مَجهولٍ، وَلَيْسَ للرَّاعي كَمَا وَقع فِي بَعْضِ كُتب اللغةِ.
فَإِنِّي بِالجَمُوح وَأُمِّ عَمْرو
وَدَوْلَحَ فاعْلَمُوا حَجِيءٌ ضَنِينُ
وأَنشد لِعَدِيّ بن زيدٍ:
أَطَفَّ لأَنْفِهِ المُوسَى قَصِيرٌ
وكَانَ بِأَنْفِهِ {حَجِئاً ضَنِينَا
وَهُوَ تأْكيدٌ لِضَنين (و) عَن أَبي زيد إِنه لحَجِيءٌ إِلى بني فلَان، أَي (لاجِيءٌ) إِليهم.
والتركيب يدلُّ على الْمُلَازمَة.

حدأ
: (} الحِدَأَةُ كَعِنَبَةٍ:) قَالَ الْجَوْهَرِي والصاغاني: وَلَا تقل الحَدأَة بِالْفَتْح (طائرٌ م) أَي مَعْرُوف، وكُنيته أَبو الخُطَّاف وأَبو الصَّلْت، يصيد الجِرْذَانَ، وكَان من أَصْيَد الجوارِح، فَانْقَطع عَنهُ الصَّيْدُ لِدَعوة سيِّدنا سُليمانَ، عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا السَّلَام، وَنقل أَبو حَيَّان فِيهِ الفَتْح عَن الْعَرَب، وَنقل شُرَّاح الفَصيح عَن ابْن الأَعرابي أَنه يُقَال {حَدَأَة} وحَدَأ بافتح فيهمَا، للفأْس وللطائر جَمِيعًا، وَحَكَاهُ ابنُ الأَنبارِيّ أَيضاً، وَقَالَ: الْكسر فِي الطَّائِر أَجود (ج! حِدَأٌ) مِثَال حِبَرَة وحِبَرٍ وعِنَبَةٍ وعِنَبٍ، وَهُوَ بناءٌ نادرٌ، لأَن الأَغلب على هَذَا الْبناء لِجَمْعِ نَحْوِ قِرْدِ وقِرَدَة، إِلا أَنه قد
(1/188)

جاءَ للْوَاحِد، وَهُوَ قَلِيل، حَقَّقَهُ الجوهريُّ، وأَنشد الصَّاغَانِي للعجَّاج يَصِف الأَثَافِي:
فخَفَّ والجَنَادِلُ الثُّوِيُّ
كَمَا تَدَانَي الحِدَأُ الأُوِيُّ
(و) يجمع على ( {حِدَاء) ككتابٍ، قَالَ ابْن سَيّده: وَهُوَ نَادِر، وأَنشد لِكُثَيِّر عَزَّةَ:
لَكَ الوَيْلُ مِنْ عَيْنَيْ خبَيْبٍ وثَابِتٍ
وحَمْزَةَ أَشْبَاهِ} الحِدَاءِ التَّوَائِمِ
(و) على ( {حِدْآن، بالكَسْرِ) أَورده ابنُ قُتَيْبَة،} والحُدَّى كالعُزَّي، وسيأْتي فِي حدد، {والحُدَيَّا كالثُّرَيَّا، وسيأْتي فِي المعتلّ، لُغَتَانِ فِي هَذَا الطَّائِر، قَالَ أَبو حَاتِم: أَهل الْحجاز يُخْطِئون فَيَقُولُونَ لهَذَا الطَّائِر الحُدَيَّا، وَهُوَ خطأٌ.
قلت: وَقد جاءَ فِي حَدِيث أَعرابِيَّة فِي قِصَّة الوِشاح، وَهَكَذَا قيَّده الأَصيلي. وجاءَ أَيضاً} الحُدَيَّاة، بِغَيْر همزٍ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: {الحُدَيِّئَة بِالْهَمْز، كأَنه تَصغيرٌ، ذكره الصَّاغَانِي فِي التكملة، قَالَ: وصواب تصغيره} حُدَيْئَة، وإِن أَلقيت حَركة الْهمزَة على الْيَاء وشدَّدْتها قلتَ حُدَيَّة على مِثَال عُلَيَّة.
قَالَ الدَّمِيري: وَفِي الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاسٍ (لاَ بَأْسَ بِقَتْلِ الحِدَوْ والإِفْعَوْ) وَنقل عَن الأَزهريّ أَنه قَالَ: هِيَ لغةٌ فيهمَا، وَقَالَ ابْن السرّاج. بل هِيَ على مَذْهَب الوَقْف على هَذِه اللُّغَة قَلْب الأَلف واواً، على لُغَة من قَالَ {حِدَا وأَفْعَى.
(و) } الحِدَأَة بِالْكَسْرِ (سَالِفَةُ عُنُقِ الفَرَسِ) وَهِي مَا تَقدَّم مِن عُنُقه، عَن الأَصمعي وأَنشد:
طَوِيلُ {الحِدَاءِ سَلِيمُ الشَّظَي
كَرِيمُ المِرَاحِ صَلِيبُ الخَرَبْ
الخَرَب: الشَّعر المُقشعِرُّ فِي الخاصرة.
(و) } الحَدَأَة (بالتَّحْرِيك: الفَأْسُ ذاتُ الرَّأْسَيْنِ) وَهُوَ الأَفصح، كَمَا أَن الْكسر فِي الطَّائِر أَفصح، وَهَذَا على قَول من قَالَ إِن الْكسر فِيهِ لُغَة أَيضاً (أَو) هِيَ (رَأْسُ الفَأْسِ) على التَّشْبِيه (و) هِيَ
(1/189)

أَيضاً (نَصْلُ السَّهْمِ) على التَّشْبِيه (ج {حَدَأٌ) مثل قَصَبة وقعصَب، عَن الْأَصْمَعِي، وأَنشد للشَّمَّاخ يَصف إِبلاً حِدَاد الأَسنانِ:
يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقْنَعَاتٍ
نَوَاجِذُهُنَّ} كَالحَدَإِ الوَقِيعِ
شبّه أَسنانها بِفُؤوس قد حُدِّدتْ، ( {وحِدَاءٌ) بِالْكَسْرِ ككتاب، وَرَوَاهُ أَبو عبيدٍ عَن الأَصمعيّ وأَبي عُبيدة، وأَنشد بَيت الشَّمّاخ بِالْكَسْرِ.
قلت: وَهَذَا على قَول من لم يُفَرِّق بَينهمَا، بل جَعلهمَا وَاحِدًا (و) زعم الشرقيُّ بنُ القُطاميّ أَن حِدَاء وبُنْدُقَة (قَبيلتَانِ) وهما (} حِدَاءُ بنُ نَمِرَةَ) بن سَعْدِ الْعَشِيرَة (وبُنْدُقَةُ بن مَظَّهَ) واسْمه سُفْيان بن سَلْهَم بن الحَكَم بن سَعْدِ العَشيرة، الأُولى بِالْكُوفَةِ وَالثَّانيَِة بِالْيمن، أَغارت حِدَاء على بُنْدقة فنالت مِنْهُم، ثمَّ أَغارتْ بُنحدقة عَلَيْهِم فأَبادَتْهم، فَكَانَت تُفَزّع بهَا (ومنْهُ) قَوْلهم ( {حِدَأَ حِدَأَ وَرَاءَكَ بُنْدُقَةُ) أَورده الميداني فِي مجمع الأَمثال والحَريري والزَّمخشري وَغَيرهم (أَو هِيَ تَرْخيمُ} حِدَأَةٍ) قَالَه ابْن السّكيت، والعامة تَقول: {حَدَا حَدَا، بِالْفَتْح غير مَهْمُوز، قَالَ ابْن الكلبيّ: يُضْرَب لمن يتباصر بالشيءِ فيقَع عَلَيْهِ مَن هُوَ أَبصرُ مِنْهُ. وَفِي الأَساس أَنه يضْرب لمن يُخَوَّف بشرَ قد أَظلَّه، وَقَالَ أَبو عُبَيْدَة: يُرَاد بذلك هَذَا (} الحِدَأَ) الَّذِي يطير، والبُنْدُقَة مَا يُرْمَى بِهِ، يضْرب فِي التحذير.
( {وحَدِىءَ إِليه وَعَلِيهِ كَفَرحَ) إِذا حَدِبَ عَلَيْهِ و (نَصَرَه ومَنَعه من الظُّلْمِ) .
(و) فِي (الْعباب) : وَمِمَّا شَذَّ من هَذَا التَّرْكِيب} حَدِىء (بالمَكانِ: لَزِقَ) بِهِ عَن أَبي زيد، فإِن هَذَا التَّرْكِيب يَدُلُّ على طائرٍ أَو مُشَبَّهِ بِهِ.
(و) عَن أَبي زيدِ أَيضاً {حَدِىءَ (إِلَيْهِ) } حَدَأً (: لَجَأَ) .
(و) يُقَال:! حَدِىءَ (عَلَيْهِ) إِذا (غَضِبَ) .
(1/190)

{وحَدِئَت المرأَةُ على وَلَدِها: عطَفَتْ عَلَيْهِ، فَهُوَ من الأَضداد.
مُستدرك على المُصَنّف.
(و) قَالَ الفراءُ فِي كتاب (الْمَقْصُور والممدود) :} حَدِئَت (الشَّاةُ) إِذا (انْقطَع سَلاَهَا فِي بَطْنِهَا فاشْتَكَتْ) عَنهُ.
وَرُوِيَ أَبو عبيد عَن أَبي زيد فِي كتاب (الْغنم) حَذِئت الشَّاة، بالذل الْمُعْجَمَة، إِذا انْقَطع سَلاَها فِي بَطنهَا. قَالَ الأَزهري: وَهَذَا تَصْحِيف، وَالصَّوَاب بِالدَّال والهمز، كَذَا فِي (اللِّسَان) .
(و) عَن أَبي عبيد: {حَدَأَ الشيءَ (كَجَعَل: صَرَفَ) .
(} والحِنْدَأْوُ) هُوَ (الحِنتَأْوُ) وزنا وَمعنى.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{الحُدَيئَة كحُطَيْئة: اسْم جبلٍ بِالْيمن، وَقد تُقلب الْهمزَة يَاء وتشدَّد.

حربأ
: (} احْرَنْبَأَ) الرجل إِذا (تَهَيَّأَ للغَضبِ والشَّرِّ) أَو أَضمر الداهية فِي نَفسه، قَالَه المَيْدَاني، يهمز وَلَا يهمز، وَقيل: همزته للإِلحاق باقْعَيْسَسَ، فوزنه حينئِذٍ افْعَنْلأَ.

حزأ
: ( {حَزَأَهُ) أَي الشخصَ (السَّرَابُ) } يَحْزَؤُه {حَزْأً (كَمَنَعَه: رَفَعه) لُغَة فِي حَزعاه يَجْزُوه، بِلَا همز، قَالَه ابْن السّكيت.
(و) عَن أَبي زيد} حَزَأَ (الإِبِلَ) {يَحْزَؤُها} حَزْأً إِذا (جَمَعَهَا وسَاقَها و) من ذَلِك {حَزَأَ (المَرْأَةَ: جَامَعَها) .
(} واحْزَوْزَأَ: اجتَمَع) يُقَال: {احْزَوْزأَت الإِبلُ إِذا اجْتمعت، قَالَه أَبو زيد (و) } احْزَوْزَأَ (الطائرُ: ضَمَّ جَنَاحَيْه وتَجَافَى عَن بَيْضِه) قَالَ:
{مُحْزَوْزِأَيْنِ الزِّفَّ عَنْ مَكْوَيْهِمَا
وَترك همزَةُ رُؤْبةُ فَقَالَ:
يركبني تيماً وَمَا تَيْمَاؤُهُ
يهماءُ يَدْعُو جِنَّها يَهْمَاؤهُ
والسَّيْرُ} مُحْزَوْزٍ بِنَا! احْزِيزَاؤُه
نَاجٍ وَقد زَوْزَى بِنَا زِيزَاؤُهُ
(1/191)

والتركيب يدل على الِارْتفَاع.

حشأ
: ( {حَشَأَه بِسَوْط) وعصاً (كجَمَعَه: ضَرَب بِهِ جَنْبَه) وَفِي بعض النّسخ جَنْبَيْه بالتثنية (وبَطْنَه) .
(و) } حَشَأَه (بِسَهْمٍ) : رَمَاه و (أَصَابَ بِهِ جَوْفَه) . وَنقل الأَزهري عَن الفرّاء: {حَشَأْتُه، إِذا أَدخلته جَوْفَه، وإِذا أَصَبْتَ حَشاه قلتَ: حَشَيْتُه، وَفِي (العُباب) ، قَالَ أَسماءُ بن خَارِجةَ يَصف ذئباً طَمِعَ فِي نَاقَته، وَكَانَت تُسَمَّى هَبَالَة:
لِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ ذُؤَالَهْ
ضِغْثٌ يَزيدُ عَلَى إِبَالَهْ
لِي كُلَّ يَوْمٍ صِيقَةٌ
فَوْقِي تَأَجَّلُ كَالظُّلاَلَهْ
} فَلأَحْشَأَنَّكَ مِشْقَصاً
أَوْساً أُوَيْسُ مِنَ الهَبَالَهْ
أَوْساً، أَي عَوْضاً، وَقيل: الهبالةُ فِي الْبَيْت: الْغَنِيمَة.
(و) {حَشَأَ (المَرأَةَ) يَحْشُؤُها حَشْأً (: نَكَحَها) وباضَعَها.
(و) } حَشَأَ (النَّارَ: أَوْقَدَها) وَفِي (الْعباب) : حَشَّها.
( {والمِحْشَأٌ كمنبر ومِحْرَاب) وعَلى الأَول اقْتصر أَبو زيد والزُّبَيْدِيّ، وَقَالُوا فِي الثَّانِي إِنه إِشْباع وقَع فِي بَعْضِ الأَشعار ضَرُورَة (: كِسَاءٌ غَلِيظٌ) قَالَه أَبو زيد (أَو أَبيضُ صغيرٌ يُتَّزَرُ بِهِ) كَذَا فِي النُّسخ، وَهِي لُغة قَليلَة، والفُصحى يُؤْتَزرُ بِهِ (أَو) هُوَ (إِزارٌ يُشَتَمَلُ بِهِ) والجَمع} المَحاشِئ. قَالَ عُمارة بن طارِق، وَقَالَ الزِّيادي: عُمارة بن أَرْطَاة:
يَنحفُضْنَ بِالمَشَافِرِ الهَدَالِقِ
نَفْضَك! بِالمَحاشِئ المَحَالِقِ
يَعنِي الَّتِي تَحْلقِ الشَّعر من خُشونتها.
والتركيب يدلُّ على إِبداع الشَّيْء باستقصاءٍ.
(1/192)

حصأ
: ( {حَصأَ الصَّبِيُّ) من اللَّبن (كجَعَل وسَمِع) إِذا (رَضِعَ حَتَّى امتلأَ بَطْنُه) وَكَذَلِكَ الجَدْيُ إِذا امتلأَت إِنْفَحَتُه، قَالَه أَبو زيد،} وحَصِئَ، بِالْكَسْرِ فيهمَا، عَن غير أَبي زيد (و) قَالَ الأَصمعي: حَصَأَ (مِن الماءِ) {وحَصِئ مِنْهُ (: رَوِيَ) .
(و) } حَصَأَت (النَّاقَةُ) وحَصِئَتْ (اشتَدَّ أَكْلُها أَو شُرْبها) أَو اشتدَّا جَمِيعًا.
(و) حَصَأَ (بِها: حَبَقَ) ، كَحَصم ومَحَصَ.
( {وأَحْصَأَه: أَرْوَاه) عَن الأَصمعي.
(} والحِنْصَأْوْ {والحِنْصَأْوَةُ) بِالْكَسْرِ فيهمَا، رَوَاهُ الأَزهري عَن شَمِر وَقَالَ: هُوَ من الرِّجَال (: الضَّعِيفُ) وأَنشد:
حَتَّى تَرَى الحِنْصَأْوَةَ الفَرُوقَا
مُتَّكِئاف يَقْتَمِحُ السَّوِيقَا
(و) يُقَال الحِنْصَأْوُ هُوَ الرجلُ (الصَّغيرُ) تُزْدَرَي مَرْآتُه، ثمَّ إِن صريحَ كَلَام أَبي حَيَّان أَن همزته لَيست بأَصليّة، وعَلى رأْي الأَكثرين للإِلحاق، وَقد أَعاده المُصَنّف فِي ح ن ص، وسيأْتي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شاءَ الله تَعَالَى.
والتركيب يدلُّ على تَجمُّع الشيءِ.

حضأ
: (} حَضَأَ النارَ، كمَنَع: أَوْقَدَها) وسَعَّرَها (أَو فَتَحها) أَي حَرَّكها (لِتَلْتَهِبَ) أَي تَشتعِل، قَالَ تأَبَّط شَرًّا.
ونَارٍ قد {حَضَأْتُ بُعَيْدَ هَدْءٍ
بِدَارٍ مَا أُرِيدُ بِهِ مُقَامَا
وأَنشد فِي (التَّهْذِيب) :
باتَتْ هُمُومُي فِي الصَّدْرِ} تَحْضَؤُهَا
طَمْحَاتُ دَهْرٍ مَا كُنْتُ أَدْرَؤُهَا
( {كاحْتَضَأَها} فَحضَأَتْ) هِيَ، قَالَ الفرّاءُ: يُهمَز وَلَا يُهمز ( {والمِحْضَأُ} والمِحْضَاءُ) كمِنْبَر ومِحْراب الثَّانِي على
(1/193)

لُغَة من لم يهمز (: عُودٌ {يُحْضَأُ) أَي يُحَرَّك (بِهِ) النَّار، كالمِحْضب، قَالَ أَبو ذُؤيب:
فَأَطْفِيءْ وَلاَ تُوقِدْ وَلاَ تَكُ} مِحْضأً
لِنَارِ الأَعَادِي أَنْ تَطِيرَ شَدَاتُهَا
قَالَ الأَزهريّ: إِنما أَراد مِثلَ مِحْضَإٍ، لأَن الإِنسان لَا يكون مِحْضَأً.
(و) يُقَال: (أَبيضُ {- حَضِيءٌ) كأَمير، كَذَا فِي (الأُصول الصِّحاح) ، وَفِي بعض النّسخ كَكتِف (يَقِقٌ) بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا.
والتركيب يدل على الهَيْج.

حطأ
: (} حَطَأَ بِهِ الأَرْضَ، كمَنَع) حَطْأً: (صَرَعَه) ، قَالَ أَبو زيد، وَقَالَ اللَّيْث: {الحَطْءُ، مَهْمُوز: شِدَّة الصَّرْعِ، يُقَال احْتملَه} فحطَأَ بِهِ الأَرضَ (و) حَطَأَ (فُلاناً: ضَرَب ظَهْرَه بِيَدِه مَبسوطةً) منشورةً، أَيَّ الجَسَدِ أَصَابت، وَهِي {الحَطْأَة، قَالَه قُطْرُب، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أَخذ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقَفَاي} فَحَطَأَني {حَطْأَة وَقَالَ: (اذْهَبْ فَادْعُ لي مُعَاوِيَةَ) وَقَالَ: وكانَ كاتِبَه. ويروي: حَطَانِي حَطْوَةً، بِغَيْر همز، وَقَالَ خالدُ بن جَنْبَةَ: لَا تكون الحَطْأَةُ إِلاَّ ضَرْبَةً بالكَفِّ بَين الكَتِفَيْنِ أَو على رَأْسِ الجَنْبِ أَو الصَّدْرِ أَو على الكَتَدِ، فإِن كَانَت بالرأَس فَهِيَ صَقْعَة وإِن كَانَت بِالْوَجْهِ فَهِيَ لَطْمَة، وَقَالَ أَبو زيد: حَطَأْتُ رأْسَه} حَطْأَةً شَدِيدَة، وَهِي شِدَّةُ القَفْدِ بالرَّاحَة، وأَنشد:
وَإِنْ {حَطَأْتُ كَتِفَيْهِ ذَرْمَلاَ
(و) حَطأَ (جَامَع، و) حَطَأ (ضَرِطَ و) حَبَق، وحَطَأَ يَحْطِيءُ (جَعَسَ) جَعْساً رَهْواً قَالَ:
} احْطِئْ فَإِنَّكَ أَنْتَ أَقْذَرُ مَنْ مَشَى
وَبِذَاك سُمِّيتَ الحُطَيْئَةَ فَاذْرُقِ
( {يَحْطَأُ} ويَحْطِئُ) كيَمنَع ويَضْرِب
(1/194)

(وَ) {حَطَأَه بِيَدِهِ حَطْأً (ضَرَبَ) قَالَه شَمِر، وَقيل: هُوَ القَفْدُ، وَقد تقدم.
(و) } حَطَأَ (بِهِ عَن رَأْيِهِ: دَفَعَه) عَنهُ، وَلما ولَّي مُعاويةُ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ قَالَ لَهُ المُغيرة بن شُعْبة: مَا لَبَّثَك السَّهْمِيُّ أَنْ حَطَأَ بك إِذ تَشَاوَرْتُما. أَي دَفعك عَن رأْيك، قالَه ابنُ الأَثير، ومثلُه فِي (العُباب) .
(و) حَطَأ بِسَلْحِه (رَمَى) بِهِ، {وحَطَأَتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: دَفعَتْه ورمَتح بِهِ عِنْد الغَلَيان.
(والحِطْءُ بالكَسْرِ) فالسكون (: بَقِيَّةُ المَاءِ) فِي الإِناء، وَفِي (النَّوادر) :} وحِطْءٌ من تَمْر، وحِتْءٌ من تَمْر، أَي قَدْرُ مَا يَحمِله الإِنسان فَوق ظَهره.
(و) قَالَ أَبو زيد: {- الحَطِيءُ (كأَمِيرٍ: الرُّذَالُ من الرِّجالِ) يُقَال: حَطِيءٌ بطيءٌ، إِتباعُ، وَهُوَ حرف غَرِيب، قَالَه شَمِر.
(والحُطَيْئَة: الرجلُ الدَّمِيم أَو القَصيرُ و) مِنه (لَقَبُ جَرْوَلِ الشاعِرِ) العَبسِيّ، لدَمامته، قَالَه الجَوْهَرِيُّ، وَقيل: كَانَ يَلْعب مَعَ الصّبيان، فسُمِعَ مِنْهُ صَوْتٌ فضحِكوا، فَقَالَ: مَا لكم: إِنما كَانَت حُطَيْئَةً فلزمَته نَبْزاً، وَقيل غير ذَلِك.
(} والحِنطَأْوُ) كجِرْدَحْلٍ (: العَظِيمُ البَطْنِ) من الرِّجَال ( {كالحِنطَأْوَةِ) بِالْهَاءِ (و) } الحِنْطَأْوُ (: القَصِيرُ، {كالحِنْطِئِ) كزِبْرِجٍ، قَالَ الأَعلم الْهُذلِيّ:
} والحِنْطِئُ {- الحِنطِيءُ يُمْ
ثَجُ بِالْعَظِيمَةِ والرَّغَائِبْ
وَهَكَذَا فسّره أَبو سعيدٍ السُّكَّرِيّ، والحِنْطيء بالمَدّ: الَّذِي غِذَاؤُه الْحِنْطَة وسيأْتي فِي مثج الْمَزِيد على ذَلِك.
(و) قَالَ الْكسَائي: (عَنْزٌ} حُنَطِئَةٌ كُعُلَبِطَةٍ) إِذا كَانَت (عَرِيضَةً ضَخْمَة) ونُونها ذاتُ وجْهينِ، قَالَه الصَّاغَانِي، وَصرح أَبو حَيَّان بزيادتها.
(والحَبَنْطَأُ ف يح ب ط أَ، ووهِمَ الجوهريُّ) فَذكره هُنَا، وَقد تقدّمت الإِشارة إِليه.
والتركيب يدلُّ على تَطَامُنِ الشيءِ وسُقوطِه.
(1/195)

حظأ
: ( {الحِنْظَأْوُ، كَجِرْدَحْلٍ: القَصيرُ) من الرِّجَال، عَن كرَاع، وَهُوَ لغةٌ فِي الطَّاء، وفسَّره أَبو حَيَّان بالعظيم الْبَطن.
وَمِمَّا يسْتَدرك على المُصَنّف:

حفتأ
:} الحَفَيْتَأُ كسَمَيدعٍ، هُوَ الرجل القصيرُ السمين، وَقد أَحال فِي بَاب التاءِ على الْهَمْز، وَلم يتعرّض لَهُ أَصلاً.

حفأ
: ( {حَفَأَه، كمنَعه: جَفَأَه) الْجِيم لُغَة (و) حفأَه إِذا (رَمَى بِهِ الأَرْضَ) وصرعه (} والحَفَأُ، مُحرَّكَةً: البَرْدِيُّ) بِنَفسِهِ (أَو أَخْضَرُه مَا دَامَ فِي مَنْبِتِه) أَو مَا كَانَ فِي منبته كثيرا دَائِما (أَو أَصلُه الأَبيضُ) الرّطْبُ (الَّذِي) يُقْتَلَع و (يُؤْكَلُ) قَالَ الشَّاعِر:
كَذَوَائِبِ الحفَإِ الرَّطِيبِ غَطَا بِهِ
غَيْلٌ وَمَدَّ بِجَانِبَيْهِ الطُّحْلُبُ
والواحدة {حَفَأَةٌ (} واحْتفَأَهُ: اقتلَعَه من مَنْبِتِه) وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمحين سُئل: مَتى تَحِلُّ لنا المَيْتَة؟ فَقَالَ: (مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَو تَغْتَبِقُوا أَو {تَحْتَفِئُوا بهَا بَقْلاً فشَأْنكم بهَا) قَالَ الصَّاغَانِي: هَذَا التَّفْسِير على رِواية من رَوى تَحْتَفِئُوا بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالهمز.
قلت: وَقد تقدم فِي جفأ مَا يقرب من ذَلِك.

حفسأ
: (} الحَفَيْسَأُ، كَسَمَيْدَعٍ: القَصيرُ اللئيمُ الخِلْقَة) من الرِّجَال، قَالَه ابْن السِّكِّيت (وَوَهِمَ) الإِمام (أَبو نَصْرٍ) هُوَ الفاربي خالا لجوهري. أَو هُوَ الجوهريّ نَفسه، وَقد تفنَّن فِي الْعبارَة، قَالَه شَيخنَا (فِي إِيراده فِي ح ف س) وَقد ذكره المصنّف هُنَاكَ من غير تَنْبِيه عَلَيْهِ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ.

حكأ
: ( {حَكَأَ العُقْدَةَ كمَنَع) } حَكْأً (شَدَّها) وأَحكمها ( {كأَحْكَأَها) } إِحكاءً (! واحْتَكَأَها) قَالَ عَدِيُّ بنُ زيدٍ العِباديُّ يصف جَارِيَة.
أَجَلِ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ
فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْباً بِإِزَارِ
(1/196)

وَقَالَ شَمِر: {أَحكأْت العُقْدةَ أَحْكَمتها،} واحْتكأَتْ هِيَ: اشتدَّت، {واحْتكأَ العَقْدُ فِي عُنقه: نَشِبَ.
(} والحُكْأَةُ بالضمِّ وكَتُؤَدَةٍ وبُرَادَةٍ: دُوَيْبَّةٌ، أَو هِيَ العَظَايَةُ الضَّخْمةُ) قَالَ الأَصمعي: أَهلُ مكةَ حَرَسها اللَّهُ تَعَالَى يُسمُّون العَظَاية الحُكَأَة مثل هُمَزَة، والجميع {الحُكَأُ مَقْصُورا، وَقَالَت أُمُّ الْهَيْثَم:} الحُكَاءَةُ ممدودة مَهْمُوزَة، وَهِي كَمَا قَالَت، كَذَا فِي (الْعباب) ، وَفِي حَدِيث ععطاء أَنه سُئِل عَن الحُكَأَة فَقَالَ: مَا أُحِبُّ قَتْلَهَا، وَهِي العَظاءَة، وَقيل. ذَكَرُ الخَنافِس، وَقد يُقال بِغَيْر همز، وإِنما لم يَجب قتلُها لأَنها لَا تُؤْذي، قَالَه أَبو مُوسَى.
(و) {احتكأَ الشيءُ فِي صَدْرِي: ثَبت فَلم أَشُكَّ فِيهِ، واحتكأَ الأَمرُ فِي نَفسِي: ثَبَت، وَيُقَال: سَمِعت أَحادِيثَ و (مَا احْتَكَأَ فِي صَدْرِي) مِنْهَا شَيْء، أَي (مَا تَخَالَج) . وَفِي (النَّوَادِر) : لَو احْتَكَأَ لي أَمْرِي لفعلْتُ كَذَا، أَي لَو بانَ لي أَمري فِي أَوَّله، كَذَا فِي (اللِّسَان) .

حلأ
: (} الحُلاَءَة كَبُرَادَةٍ و) {حَلُوءٌ مثل (صَبُور) : مَا يُحَكُّ بَين حَجَرَيْنِ لِيُكْتَحَلَ بِهِ (و) من ذَلِك (} حَلأَه كَمَنَعه) إِذا (كَحَلَه بِهِ، {كأَحْلأَه) قَالَ أَبو زيد:} أَحلأَت الرجل َ {إِحلاءً إِذا حَكَكْت لَهُ حُكَاكَةَ حَجرَيْنِ فدَاوَي بحُكاكتهما عَيْنَيْه إِذا رَمِدَتَا.
(و) } حَلأَه بالسَّوْط: جَلَده، و (بالسَّيْف: ضَرَبه) يُقَال {حَلأْتُه عشْرين سَوْطًا ومتَحْتُه ومَشَقْتُه وَمَشَنْتُه، بِمَعْنى واحدٍ.
(و) } حَلأَ (بِه الأَرحضَ: صَرَعه) وضَرَبها بِهِ، قَالَ الأَزهري: وَالْجِيم لغةٌ.
(و) {حَلأَ (المرأَةَ: نَكَحَهَا) مجَاز من حَلأَ الجِلْدَ.
(و) عَن أَبي زيدٍ:} حَلأَ (فُلاناً كَذَا دِرْهَماً: أَعطاه إِيَّاه) وَحكى أَبو جَعْفَر الرُّؤَاسي: مَا {حَلِئْتُ مِنْهُ بطائل، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) (و) } حَلأَ (الجِلْدَ) ! يَحْلَؤُه
(1/197)

{حَلأً} وحِلاَءَة (قَشَرَه وبَشَرَه) وَمِنْه الْمثل: ( {حَلأَتْ} حَالِئَةٌ عَن كُوعِها) لأَن المرأَة ربَّما استَعجلَتْ فقشَرَتْ كُوعَها، {والمِحْلأَةُ: آلتُها، وَقيل فِي معنى الْمثل غير ذَلِك (و) } حَلأَ (لَهُ حَلُوءًا: حَكَّه لَهُ) حَجَراً على حَجرٍ، ثمَّ جعل الحُكاكَة على كَفِّه وصَدَّأَ بِهِ المِرْآةَ ثمَّ كَحَله بِها، قَالَه ابنُ السِّكِّيت.
( {والحَلاَءَة، كَسَحابةٍ: الأَرضُ الكَثيرةُ الشجَرِ) وَقيل: اسمُ أَرْضٍ، حَكَاهُ ابنُ دُرَيد، وَلَيْسَ بِثَبتٍ، قَالَه الأَزهري، (و) قيل: اسمُ (ع) شَديد البَرْدِ، قَالَ صَخْرُ الغَيِّ:
كَأَنِّي أَراهُ} بِالحُلاَءَةِ شَاتِياً
يُقَفِّعُ أَعْلَى أَنْفِه أُمُّ مِرْزَمِ
(ويُكْسَر) وَالَّذِي قرأْتُ فِي أَشعارِ الهُذَلِيّين، قَالَ صَخْرُ بنُ عبدِ الله يهجو أَبا المُثَلَّمِ:
إِذَا هُوَ أَمْسَى {بِالحَلاَءَةِ شَاتِياً
تُقَشِّرُ أَعْلَى أَنْفِهِ أُمُّ مِرْزَمِ
الحلاءَة بِفَتْح الْحَاء وبالكسر رِوَايَة أَبي سعيدٍ السُّكَّرِيّ: مَوْضِعُ قُرَ وبَرْد وأُمُّ مِرْزم: الشَّمَال، عَيَّره أَنه نازِلٌ بمكانٍ بَارِدٍ سَوْءٍ. فأَجابه أَبو المُثَلَّم:
أَعَيَّرَتْنِي قُرّ} َ الحِلاَءَةِ شَاتِياً
وَأَنْتَ بِأَرْضٍ قُرُّهَا غَيْرُ مُنْجِمِ
أَي غير مُقْلِع (و) {الحَلاَءَةُ (بالضَّمِّ قِشْرَةُ الجِلْدِ) الَّتِي (يَقْشِرُها الدَّبَّاغُ) مِمَّا يَلِي اللحْمَ (و) } الحِلاءَة (بالكَسْرِ واحدةُ الحِلاءِ) بِالْكَسْرِ والمَدِّ، وَهِي اسْم (لجِبَالٍ قُرْبَ مِيطَانَ) لَا نَبات بهَا (تُنْحَتُ مِنْهَاغ الأَرْحِيَةُ وتُحْمَل إِلى المَدينة) على ساكنها السلامُ ( {والحَلُوءُ، كَصَبور: حَجَرٌ يَشْتَشْفِي بهِ) بِالْبِنَاءِ للمعلوم (الرَّمِدُ) ككتِفٍ فاعلُه، وَقَالَ ابْن السكِّيت:} الحَلُوء: حَجرٌ يُدْلَك عَلَيْهِ ثمَّ تُكْحَلُ بِهِ
(1/198)

العَيْنُ، قَالَ أَبو المُثَلَّم الهُذَلِيُّ يُخاطب عامِرَ بنَ عَجْلاَنَ الهُذليّ:
مَتَى مَا أَشَأْ غَيْرَ زَهْوِ المُلُو
كِ أَجْعَلْكَ رَهْطاً عَلَى حُيَّضِ
وَأَكْحُلْكَ بِالصَّابِ أَوْ بالحَلُوءِ
فَفَتِّحْ لِعَيْنِكَ أَوْ غَمِّضِ
ويروي: بِالجَلاَءِ.
( {وَحَلَّأَهُ) أَي الإِبلَ (عَن الماءِ} تَحْلِيئاً {وتَحْلِئَةً: طَرَدَه) عَنهُ (ومَنَعه) قَالَ إِسحاق بن إِبراهيم المَوْصلّي فِي مُعاتبة المأْمون:
يَا سَرْحَة الماءِ قَدْ سُدَّتْ مَوَارِدُهُ
أَمَا إِليكِ سَبِيلٌ غَيْرُ مَسْدُودِ
لِحَائِمٍ حَامَ حَتَّى لاَحَوَامَ بِهِ
} مُحَلإٍ عَنْ سَبِيلِ المَاءِ مَطْرُودِ
هَكَذَا رَوَاهُ ابْن بَرّيّ، وَقَالَ: كَذَا ذكره أَبو الْقَاسِم الزجّاجي فِي أَماليه، وَفِي (الْعباب) : وأَنشده الأَصمعيَّ فَقَالَ: أَحسَنْت فِي الشّعر، غير أَنَّ هَذِه الحاءَات لَو اجْتمعت فِي آيةِ الكُرْسِيّ لَعابَتْهَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ غَيْرَ الإِبلِ، قَالَ امرؤُ القَيس:
وَأَعْجَبَنِي مَشْيُ الحُزُقَّةِ خَالِدٍ
كَمَشْيِ أَتَانٍ {حُلِّئَتْ عَنْ مَنَاهلِ
وَفِي (اللِّسَان) : وَكَذَلِكَ} حَلأَ القَوْمَ، قَالَ ابنُ الأَعرابيّ: قَالَت قُرَيْبَةُ: كَانَ رجلٌ عاشِقاً لِمَرأَةٍ، فتَزَوَّجَها فجاءَها النساءُ، فَقَالَ بعضُهنّ لبعضٍ:
قَدْ طَالَمَا حَلأْتُمَاهَا لاَ تَرِدْ
فَخَلِّيَاهَا والسِّجَالَ تَبْتَرِدْ
وَفِي الحَدِيث: (يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيامَة رَهْطٌ! فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الحَوْشِ) ، أَي يُصَدُّونَ عَنهُ ويُمْنَعونَ من وُرُوده، وَفِي حَدِيث سَلَمَة بنِ الأَكْوَعِ: (فَأَتَيتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلموهو عَلَى الماءِ الَّذِي حَلَّيْتُهم عَنهُ بِذِي قَرَدِ) هَكَذَا جاءَ فِي الرِّوَايَة غيرَ مَهْمُوز، قُلِبَت الهمزةُ
(1/199)

يَاء، وَلَيْسَ بالقِياس، لأَنّ الياءَ لَا تُبدَل من الْهمزَة إِلاّ أَن يكون مَا قبلهَا مكسوراً، وَقد شَذَّ قَرَيْتُ فِي قرَأْت، وَلَيْسَ بالكثير والأَصل الْهَمْز.
(و) {حَلأَه كَذَا (دِرْهَماً: أَعطاه إِيَّاه) } كَحَلأَهُ {وأَحْلأَهُ.
(و) } حَلأَ (السَّوِيقَ) {تَحْلِئَةً: (} حَلاَّهُ) ، وَكَذَلِكَ {أَحْلأْتُ السَّوِيقَ، قَالَ الفَرَّاءُ: قد (هَمَزُوا غَيْرَ مَهموزٍ) ، لأَنه من الحَلْوَاءِ بالمَدّ، وَكَذَلِكَ رَثأْتُ المَيتَ، وسيأْتي فِي درأَ توضيح لذَلِك.
(} والتِّحْلِيءُ، بِالكسر: شَعَرُوَجْهِ الأَدِيمِ وَوَسَخُه وسَوَادُه {كالتِّحْلِئَةِ) بِالْهَاءِ، وَقد صرح أَبو حَيَّان بِزِيَادَة تاءَيهما.
(و) فِي (العُباب) : التِّحْلِيءُ (: مَا أَفْسَدَه السِّكِّين مِنَ الجِلْدِ إِذا قُشِرَ) تَقول مِنْهُ حَلِيءَ الأَدِيمُ، بِالْكَسْرِ، حَلأً، بِالتَّحْرِيكِ، إِذا صَار فِيهِ التِّحْلِيءُ.
(والحَلأُه محركَةً) أَيضاً (: العُقْبُولُ، و) تَقول من ذَلِك (} حَلِئَ) الرجلُ (كَفَرِح) إِذا (صَارَ فِيهِ التِّحْلِيءُ) هَكَذَا فِي سَائِر النّسخ، والأَوْلَى: إِذا صَار فِيهِ {الحَلأُ (و) يُقَال} حَلِئَت (الشَّفَةُ) إِذا (بَثُرَتْ بعد المَرَضِ) قَالَ الأَزهري: وَبَعْضهمْ لَا يَهمِز فَيَقُول حَلِيَتْ شَفَتُه حَلى، مَقْصُور، وَقَالَ ابْن السكّيت فِي بَاب الْمَقْصُور والمهموز: {الحَلأُ هُوَ الحَرُّ الَّذِي يَخْرُج على شَفةِ الرجُلِ غِبَّ الحُمَّى (} والمِحْلأَةُ) بِالْكَسْرِ اسْم (مَا {حُلِئَ، بِهِ) الأَديم أَي قُشِر (و) قَالَ شَمِرٌ: (} الحَالِئَةُ: حَيَّةٌ خَبيثةٌ) تَحْلأُ مَنْ تَلْسَعه السَّمَّ، كَمَا يَحْلأُ الكَحَّالُ الأَرْمَدَ حُكَاكَةً فيكْحُلُه بهَا، وَبِه فُسِّر المَثلُ المُتقدِّم.
(و) من الْمجَاز (رَجُلٌ {تِحْلِئةٌ) إِذا كَانَ ثقيلاً (يَلْزَقُ بالإِنسان فَيَغُمُّه) .
وَمن الأَمثال (} حَلُوءَةٌ تُحَكَّ بِالذَّرَارِيح) يُضْرَب لمن قولُه حسن وفِعله قَبِيح والتركيب يدلُّ على تنحية الشَّيْء.

حمأ
: ( {الحَمْأَةُ) بِفَتْح فَسُكُون (: الطِّين الأَسود المُنْتِن كالحَمَا مُحَرَّكَةً) قَالَ الله تَعَالَى: {1. 015 15 من} حمإ مسنون} (الْحجر: 26) وَفِي كتاب
(1/200)

(الْمَقْصُود والممدود) لأَبي عليَ القالي: الحَمَأُ: الطين المُتَغَيِّر، مَقصورٌ مهموزٌ، وَهُوَ جَمْعُ حَمَأَةٍ، كَمَا يُقَال قَصَبَةٌ وقَصَبٌ، وَمثله قَالَ أَبو عُبَيْدَة، وَقَالَ أَبو جَعْفَر: وَقد تُسَكَّن الميمُ للضَّرُورَة فِي الضَّرُورَة، وَهُوَ قولُ ابنِ الأَنبارِي.
( {وحَمِئَ الماءُ كَفَرِح} حَمْأً) بِفَتْح فَسُكُون (وحَمَأً) محركةً: (خالَطَتْه) الحَمْأَة (فكَدِرَ) تغيَّرتِ رائحتُه (و) حَمِيء (زَيْدٌ) عَلَيْهِ: (غَضِبَ) ، عَن الأُمويّ، وَنقل اللِّحيانيُّ فِيهِ عَدَم الهَمْزِ (و) يُقَال ( {أَحْمَأْتُ البِئْرَ) } إِحماءً إِذا (أَلْقَيْتُهَا) أَي الحَمْأَة (فِيهَا) .
(و) يُقَال ( {حَمَأْتُها كمنَعْتُ) إِذا (نَزَعْتُ} حَمْأَتَهَا) عَن ابْن السّكيت.
اعْلَم أَن الْمَشْهُور أَن الفِعل المُجَرَّد يَرِد لإِثباتِ شيءٍ، وتُزاد الهمزةُ لإِفادة سَلْبِ ذَلِك الْمَعْنى، نَحْو شَكَى إِليَّ زَيْدٌ فأَشْكَيْتُه، أَي أَزَلْت شَكْوَاه وَمَا هُنا جاءَ على الْعَكْس، قَالَ فِي الأَساس: ونَظِيره قَذَيْتَ العَيْنَ وَأَقْذَيْتَها. وَفِي (التَّهْذِيب) {أَحْمَأْتُها أَنَا إِحماءً إِذا نَقَّيْتُها من حَمْأَتِها،} وحَمَأْتُها إِذا أَلْقَيتُ فِيهَا الحَمْأَة، ذكر هَذَا الأَصمعيُّ فِي كتاب الأَجناس كَمَا أَوردَه الليثُ، قَالَ: وَمَا أرَاه مَحْفُوظًا. وَيُقَال: {حَمِئَت البئْرُ} حَمَأً فَهِيَ حَمِئَةٌ إِذا صَارَت فِيهَا الحَمْأَة وكَثُرَتْ، وَعَيْنٌ حَمِئَةٌ. وَفِي التَّنْزِيل: {تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ {حَمِئَةٍ} (الْكَهْف: 86) وقرأَ ابنُ مَسْعُود وَابْن الزُّبَيْر (فِي عَيْنٍ} حَامِئَةٍ) وَمن قَرأَ {حَامِيَةً} بِغَيْر هَمْزٍ أَراد حَارَّة، وَقد تكون حارّةً ذاتَ حَمْأَةٍ.
( {والحَمْءُ) بِالْهَمْز (ويُحَرَّك} والحَمَا) كَقَفاً، وَمن ضَبطه بالمدّ فقد أَخطأَ (والحَمُو) مثل أَبو، كَذَا هُوَ مَضبوطٌ فِي النُّسخ الصَّحِيحَة. وَضَبطه شيخُنا كدَلْوٍ (والحَمُ) محذوفٌ الأَخيرِ كَيَدِ ودَمٍ وهؤلاءِ الثلاثةُ الأَخيرة محلُّها بَاب المعتَلّ: (: أَبو زَوْجِ المرأَةِ) خاصَّةً، وَهِي الحَماةُ (أَو الواحدُ مِن أَقارِب الزَّوْجِ والزَّوْجة) ، وَنقل الخليلُ عَن بعضِ العربِ أَن الحَمُو يكون من الجانِبيْنِ، كالصِّهرِ، وَفِي (الصِّحَاح)
(1/201)

و (العُباب) : {الحَمْءُ: كلُّ مَن كَانَ مِنْ قبَلِ الزوْجِ، مثلُ الأَخِ والأَبِ والعَمِّ، وأَنشد أَبو عَمْرو فِي اللُّغَة الأُولى:
قُلْتُ لِبَوَّابٍ لَدَيْهِ دَارُهَا
تيِذَنْ فَإِنِّي} حَمْؤُهَا وجَارُهَا
(ج {أَحْمَاءٌ) كشَخْضٍ وأَشخاصٍ وأَمَّا الحَدِيث المتّفَق على صِحَّته، الَّذِي رَوَاهُ عُقبةُ بن عامرٍ الجُهَنِيُّ رَضِي الله عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمأَنه قَالَ (إِيَّاكُمْ والدُّخولَ عَلَى النِّساءِ) فَقَالَ رجلٌ من الأَنصار: يَا رسولَ الله أَفرَأَيْتَ الحَمْءِ؟ فَقَالَ: (الحَمْءُ المَوْتُ) فَمَعْنَاه أَن حَمَاهَا الغَايَةُ فِي الشَّرِّ والفَسَادِ، فشبَّهه بالموْتِ، لأَنه قُصَارَى كلِّ بلاءٍ وشِدَّةٍ، وَذَلِكَ أَنه شَرٌّ من الغَرِيبِ من حيثُ إِنه آمِنٌ مُدل والأَجنبيُّ مُتَخوِّفٌ مُتَرقِّبٌ، كَذَا فِي (العُباب) .
(} والحَمْأَةُ: نَبْتٌ) يَنْبُتُ بنجدٍ فِي الرَّمل وَفِي السَّهْلِ.
(و) يُقَال: (رَجُلٌ {حَمِئُ العَيْنِ، كَخَجِل: عَيُونٌ) مثل نَجِيء العَيْنِ، عَن الفَرَّاء، قَالَ وَلم نَسمَعْ لَهُ فِعلاً.

حنأ
: (} الحِنَّاءُ، بِالْكَسْرِ) وَالْمدّ وَالتَّشْدِيد (م) أَي معروفٌ، وَهُوَ الَّذِي أَعدَّه النَّاس للخِضاب، وَقَالَ السَّمعانيُّ: نبْتٌ يَخْضِبونَ بِهِ الأَطرافَ، وَفِي (شَرْح الكِفَاية) : اتَّفقُوا على أَصالَةِ همزته، فوزنه فِعَّال، وَهُوَ مُفردٌ بِلَا شُبْعَةٍ، وَقَالَ ابنُ دُريد وابنُ وَلاَّدٍ: هُوَ جَمعٌ {لِحنَّاءَة بِالْهَاءِ، وَنَقله عِياضٌ وسَلَّمَه، وَفِيه نَظَرٌ، فقد صَرَّح الجُمهورُ بأَن} الحِنَّاءَةَ أَخَصُّ من الحِنَّاءِ، لَا أَنَّه مُفْردٌ لَهَا، كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي والصاغاني (ج {حنْآنٌ، بالضّمّ) مِثَال عُثْمان، قَالَه أَبو الطّيّب اللغويّ، وأَنشد أَبو حَنِيفَةَ فِي كتاب النَّبَات:
فَلَقَدْ أَرُوحُ بِلِمَّةِ فَيْنَانَةٍ
سَوْدَاءَ لَمْ تُخْضَبْ مِنَ} الحُنْآنِ
وَقَالَ السُّهيليّ فِي الرَّوْض: هُوَ حُنَّانٌ، بِضَم فتشديد، جُمع على غير قياسٍ ثمَّ
(1/202)

قَالَ: وَهِي عِنْدِي لُغَةٌ فِي الحِنَّاء، لَا جَمْعٌ، وأَنشد البَيْتَ، وَنقل عَن الفرَّاءِ الحِنَّان، بِالْكَسْرِ مَعَ التَّشْدِيد.
(وإِلى بَيْعِهِ) أَي الحِنَّاءِ (يُنْسَبُ) وَفِي بعض النّسخ نُسِب جماعةٌ من المُحَدِّثين، مِنْهُم من القدماء (إِبراهيمُ ابْن عَلِيَ) حدَّث عَن أَبي مُسْلِم الكنجي وَغَيره، وَسمع مِنْهُ عبد الْغَنِيّ بن سعيد (وَيَحْيَى بنُ مُحمّد) بن البحتري، يرْوى عَن هُدْبة بن خَالِد وَعبيد الله بن معَاذ (و) أَبو الْحسن (هَارُون بن مُسْلِم) بن هُزمز الْبَصْرِيّ، قَالَ أَبو حَاتِم هُوَ صَاحب الحِنّاء، يرْوى عَن أَبَان بن يزِيد العَطَّار، وَعنهُ قُتَيبَة بن سَعيد وَغَيره، (و) أَبو بكر (عبدُ الله بن مُحمّد) بن عبد الله بن هِلال الضَّبِّي (القَاضِي) نَزِيل دِمشق، كَانَ ثِقَة، حدَّث عَن الحُسين بن يحيى بن عَيَّاش القَطَّان وَيَعْقُوب بن عبد الرحمان الدعّاء، وَغَيرهمَا، وعه أَبو عليّ المُقْرِي وأَبو الْقَاسِم! الحِنّائي (و) أَبو عبد الله (الحُسَيْن بن مُحَمَّد) بن إِبراهيم بن الْحُسَيْن من أَهل دمشق (صاحِبُ الجُزْءِ) الْمَشْهُور وَقد روينَاهُ عَن الشُّيُوخ، توفّي فِي حُدُود سنة 450 يرْوى عَن عبد الْوَهَّاب بن الْحسن الكلائي، وأَبي بكر بن أَبي الحَدِيد السُّلَمي، قَالَ ابْن مَاكُولَا: كتبت عَنهُ، وَكَانَ ثِقَة (وأَخوه عليّ) بن مُحَمَّد بن إِبراهيم بن الْحسن وَولده مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدَّثا بِدِمَشْق وَالْعراق (و) أَبو الْحسن (جابِر ابْن ياسين) بن الْحسن بن مَحْمُويَه العَطّار، من أَهل بَغْدَاد، كَانَ يَبِيع الحِنَّاءَ، وَكَانَ عطَّاراً، سمع أَبا طَاهِر المخلص، وَعنهُ أَبو بكر الْخَطِيب وأَبو حفْص الكِنَاني وأَبو الْفضل الأَرْمَوِي. قلت: وقَع لي حديثُه عَالِيا فِي قُرْط الكَواعب، فِي سُبَاعِيّات ابنِ مُلاعب (و) أَبو الْحسن (مُحَمَّد بن عبد الله) وَفِي بعض النّسخ عُبَيد الله، وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ، سمع أَبا عليّ الصفَّار وأَبا عَمْرو بن السَّمَّاك وجعفرا الخُلْدِي
(1/203)

وَغَيرهم، روى عَنهُ الْخَطِيب والنعالي وأَثنيا عَلَيْهِ، مَاتَ فِي سنة 413 ( {الحِنَّائِيُّونَ المُحَدِّثون) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ مِمَّن انتسب إِلى بَيْعه: أَبو مُوسَى هَارُون بن زِيَاد بن بَشير الحِنّائي من أَهل المَصِّيصَة، يرْوى عَن الْحَارِث بن عُمَيْر عَن حُميد، وَعنهُ مُحَمَّد بن الْقَاسِم الدقّاق بالمَصِّيصة وَغَيره، وأَبو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحمد ابْن الْحسن بن بَابويه الحنّائي، حدّث بِكِتَاب الرُّهبان عَن أَبي بكر بن أَبي الدُّنيا، وأَبو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن سُفيان ابْن عَقْوَيه الحِنّائي يعرف بِحَبْشُون، من أَهل بَغْدَاد، حدَّث عَن حسن بن عَرَفَة وأَبي يحيى بالبزَّاز، وَعنهُ عليّ بن مُحَمَّد بن لُؤلؤ الورَّاق وَغَيره.
وَمِمَّنْ تأَخر وَفَاته من المحدّثين أَبو الْعَبَّاس أَحمد بن مُحَمَّد بن إِبراهيم الْمَالِكِي الحِنّائي نزيل الحُسَينية، ولد سنة 763 وَمَات سنة 848.
(} وحَنَأَ المكَانُ، كَمَنَعَ: اخضَرَّ والتَفَّ نَبْتُه) عَن ابْن الأَعرابي.
(و) {حَنَأَ (المرأَةَ: جامَعَها) .
(وأَخْضَرُ) ناصِرٌ وباقلٌ و (} حانيء، تأْكيدٌ) أَي شَدِيد الخُضرة.
(و) قَالَ أَبو زيد ( {حَنَّأَه) أَي رأْسه (} تَحْنِيئاً {وتَحْنِئَةً: خَضَبُه بِالحِنَّاءِ،} فَتَحَنَّأَ) وَقَالَ أَبو حنيفَة الدينَوَرِي: {تَحَنَّأَ الرجل من الحِنَّاء، كَمَا يُقَال تَكَتَّم من الكَتَم، وأَنشد لرجل من بني عَامر:
تَردَّدَ فِي القُرَّاص حتَّى كأَنما
تَكَتَّمَ مِنْ أَلْوَانِهِ وتَحَنَّأَ
(والحِنَّاءَة) بِالْكَسْرِ والمدّ: اسْم (رَكِيَّة) فِي ديار بني تَميم، قَالَ الأَزهريّ: وَقد وردتها، وَفِي مَائِهَا صُفْرة.
(و) ابنُ} حِنَّاءَة (اسْم) رجل، ذكره جَرِير فِي شِعرِه يَفخر على الفرزدق، يأْتي فِي قعنب.
(! والحِنَّاءَتَانِ: رَمْلَتانِ) فِي ديار بني تَمِيم، وَقيل: نَقَوَانِ أَحمران من رمْلِ عَالِج، قَالَه الجوهريّ، وَفِي (المَراصد) : شُبِّهتا بالحِنَّاء لحمرتهما، وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هما رابيتانِ فِي دِيار طيّيء.
(ووادِي الحِنَّاءِ) وَاد (م) مَعْرُوف
(1/204)

ينْبت الحِنّاءَ الْكثير (بَين زَبِيدَ وتَعِزَّ) على مَرْحلتين من زَبيد، قَالَ الصَّاغَانِي: وَقد رأَيتُه عِنْد اجتيازي من تَعِزّ إِلى زبيد.

حوأ
: ( {حَاءٌ) بِالْمدِّ والتنوين (: اسمُ رجل) ، وإِليه نُسب بِئْر حاء بِالْمَدِينَةِ، على أَحد الأَقوال (وسُيعادُ فِي الأَلفِ الليِّنة) فِي (آخِر الكتابِ إِن شاءَ الله تَعَالَى) وَنَذْكُر هُنَاكَ مَا يتعلّق بِهِ.
(فصل الْخَاء) الْمُعْجَمَة مَعَ الْهمزَة:

خبأ
: (} خَبَأَهُ كمنَعَه) {يَخْبَؤُه} خَبْأً (: سَتَره، {كَخَبَّأَهُ) } تَخْبِئَةً ( {واخْتَبَأَهُ) قد جاءَ متعدِّياً كَمَا سيأْتي، وَيُقَال} اخْتبأْتُ مِنْهُ أَي استترت (وامرَأَةٌ {خُبَأَةٌ كهُمَزةٍ: لازِمَةٌ بَيْنَهَا) وَفِي (الصِّحَاح) و (الْعباب) : هِيَ الَّتِي تَطَّلِع ثمَّ تَختبِيء. قَالَ الزِّبرقانُ ابْن بَدْر: إِن أَبغض كَنائني إِليَّ} الخُبَأَهُ الطُّلَعة، ويروى الطُّلَعَة القُبأَة وَهِي الَّتِي تَقْبَعُ رأْسها أَي تُدخِله.
{والخَبْءُ: مَا} خُبِيءَ (وغَابَ) وَيكسر، سُمّي بِالْمَصْدَرِ ( {- كالخَبِيءِ) على فَعيل (} والخَبِيئَة) وَجمع الأَخير {خَبَايا، وَفِي الحَدِيث (الْتَمِسُوا الرِّزق فِي خَبايَا الأَرض) مَعْنَاهُ مَا} يخبؤه الزُّرَّاع من البَذْرِ، فَيكون حَثًّا على الزِّراعة، أَوْ مَا {خَبأَه اللَّهُ عز وَجل فِي معادن الأَرض، وَالْقِيَاس} خَبَائِئُ بهمزتين المنقلبة عَن ياءِ فَعِيلة وَلَام الْكَلِمَة، إِلا أَنه استثقل اجْتِمَاعهمَا فقلبت الأَخيرة يَاء، لانكسار مَا قبلهَا، فاستثقلت، وَالْجمع ثقيلٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك معتلٌّ، فقلبت الياءُ أَلفاً، ثمَّ قلبت الْهمزَة الأُولى يَاء لخفائها بَين الأَلفين.
(و) {الخَبْءُ (من الأَرض: النباتُ، و) } الخَبْءُ (من السماءِ: المَطَرُ) قَالَه ثَعْلَب، قَالَ الله تَعَالَى: {1. 015 الَّذِي يخرج الخبء من السَّمَاوَات وَالْأَرْض} (النَّمْل: 25) قَالَ الأَزهري: الصَّحِيح وَالله أَعلم أَن الخَبْءَ كُلُّ مَا غَاب، فَيكون المَعنى:
(1/205)

يَعلم الغَيْبَ فِي السَّمَوَات والأَرض وَقَالَ الفَرَّاء: الخبءُ مَهْمُوز هُوَ الغَيْب.
(و) {خَبْءٌ (ع بِمَدْيَنَ و) خَبْء (وَادٍ بالمَدِينة) جَنْب قُبَا، كَذَا فِي (المَراصد) .
(و) } الخبأَة (بِهَاءٍ: البِنْتُ) وَفِي الْمثل خبأَةٌ خيرٌ من يَفَعَة سَوْءٍ، وسمى أَبو زيدٍ سعيدُ بن أَوس الأَنصاريّ كتابا من كتبه كتاب الخبأَة، لافتتاحه إِياه بِذكر الخبأَة بِمَعْنى الْبِنْت، واستشهاده عَلَيْهَا بِهَذَا الْمثل.
(و) قَالَ اللَّيْث ( {الخِبَاءُ كَكِتَابٍ) مَدّته همزَة (سِمَةٌ) } تُخْبَأُ (فِي مَوْضِعٍ خَفِيَ من النَّاقة النَّجِيبةِ) وإِنما هِيَ لُذَيْعَةٌ بالنَّار (ج. {أَخْبِئَة) مَهْمُوز (و) } الخِباءُ (من الأَبْنِيَةِ م) أَي مَعْرُوف، وَالْجمع كالجمع. فِي (الْمِصْبَاح) : الخِباء: مَا يُعْمَل من صوفٍ أَو وَبر، وَقد يكون من شَعَرٍ، وَقد يكون على عَمودَيْنِ أَو ثَلَاثَة، وَمَا فَوق ذَلِك فَهُوَ بَيت (أَو هِيَ يَائِيَّة) وَعَلِيهِ أَكثرُ أَئمة اللُّغَة، وَقَالَ بعض: هِيَ واوية وَلَكِن أَكثر شذوذاً من الْهمزَة، وَلم يقل إِن الخباءَ أَصله الْهمزَة إِلا ابنُ دُرَيد، كَذَا فِي (اللِّسَان) .
( {وَخبِيئةُ بنتُ رِيَاح بن يَرْبُوع) بن ثَعلبه، قَالَه ابْن الأَعرابي (وأَبو خَبِيئَةَ الكُوفيُّ يُلَقَّبُ سُؤْرَ الأَسد) .
(} والمُخْبَأَةُ كمُكْرَمَة) هَكَذَا فِي سَائِر النّسخ، وَفِي بعض الأُصول الصَّحِيحَة من (الْقَامُوس) و (العُباب) بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي المتسترّة، وَقيل: هِيَ (الجارِيَةُ المُخَدَّرَةُ) الَّتِي لَا بُروزَ لَهَا، أَو هِيَ الَّتِي (لم تَتزَوَّجْ بَعْدُ) وَهِي المُعْصِر، قَالَه اللَّيْث ( {وخَبِيئَةُ بن كَنَّازٍ) ككتّان (وَلِيَ زَمَن) أَمير الْمُؤمنِينَ (عُمَرَ) رَضي الله عَنهُ (الأُبُلَّةَ، فَقَالَ عُمَرَ: لَا حَاجةَ لنا فِيهِ) أَي فِي ولَايَته (هُوَ يَخْبَأُ وأَبوه يَكْنِزُ) فَعَزله (و) خَبِيئة (بن رَاشِد) .
وأَبو} خُبَيْئَة كجُهَينةَ مُحمَّدُ بن
(1/206)

خالدِ وشُعَيْبُ بن أَبي خُبَيْئَةَ، مُحَدِّثون.
(و) يُقَال (كَيْدٌ {خَابِئٌ) أَي (خائِبُ) قَالَ أَبو حَيَّان هُوَ من بَاب الْقلب.
(و) يُقَال: (} خَابَأْتَه مَا كَذَا) إِذا (حَاجَيْتُهُ و) قَالَ ابْن دُرَيْد (اخْتَبَأَ لَهُ خَبِيئاً) إِذا (عَمَّي لَهُ شَيْئاً ثمَّ سأَلَه عَنهُ) جاءَ {بالاختباء متعدِّياً، وَهُوَ صَحِيح، وَمِنْه حَدِيث عُثْمَان بن عفّان رَضِي اا عَنهُ: قد} اخْتَبأْتُ عَنهُ اللَّهِ خِصالاً: إِني لرابعُ الإِسلام. . الحَدِيث.
( {والخَابِيَةُ: الحُبُّ) وَهِي الجَرَّة الْكَبِيرَة، وَالْجمع} خَوَابي (تَرَكُوا هَمْزَتها) كَمَا تركُوا همزَة البَرِيّة والذُّرِّية تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَرُبمَا همزت على الأَصل، فإِنهم كثيرا مَا يهمزون غير مَهْمُوز وَبِالْعَكْسِ، كَذَا فِي (الْمِصْبَاح) .

ختأ
: ( {خَتَأَه، كمنَعه: كَفَّه عَن الأَمرِ) .
(} واخْتَتَأَ لَهُ) {اخْتِتَاءً: (خَتَله) ، قَالَه أَبو عبيد، قَالَ أَعرابيٌّ: رأَيت نَمِراً فاختتأَ لي.
(و) } اختتأَ (مِنْهُ: استَتَر خَوْفاً ايو حَيَاءً) ، وأَنشد الأَخفشُ لعَامِر بن الطُّفَيل:
وَلاَ يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ مِنِّيَ صَوْلَتِي
وَلاَ {أَخْتَتِي مِنْ قَوْلِهِ المُتَهَدِّدِ
وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ
لَمُخْلِفُ إِيعادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
قَالَ: إِنما تَرك هَمْزَه ضَرورةً، (أَو) اختتأْ إِذا (خَافَ) أَنْ يَلحقه من المَسَبَّة شيءٌ.
وَقَالَ الأَصمعيُّ: اختتأَ: ذَلَّ. وَقَالَ غَيره: اختتأَ: انْقَمَع.
(و) } اختتأَ (الشيءَ: اختطَفَه) ، عَن ابْن الأَعرابيّ.
(أَو) {اختتأَ الرجُلُ إِذا (تَغيَّر لونُه من مخافةِ سُلطانِ ونَحْوِه) ، قَالَه اللَّيْث.
(وَمفازةٌ} مُختتِئَةٌ) : طويلةٌ واسعةٌ (لَا يُسمَعُ فِيهَا صوْتٌ وَلَا يُهْتَدَى) فِيهَا للسُّبُلِ.
(1/207)

خجأ
: ( {خَجَأَه) بالعصا (كمَنَعَه: ضَرَبه) بهَا.
(و) } خَجَأَ (اللَّيْلُ) ، إِذا (مَال) (و) عَن شمر: {خَجَأَ الرجُلُ} خُجُوءًا إِذا (انَقَمع) .
(و) {خَجَأَ المرأَة} خَجْأً (جامَعَ) .
( {والخُجَأَةُ، كهُمزة) : الرجل (الْكثير الجِماع) والفحلُ الكثيرُ الضِّراب. وَقَالَ اللِّحيانيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يزَال: قاعياً على كل نَاقَة. قَالَت ابْنة الخُسِّ: خيرُ الفُحول البازِلُ الخُجَأَةُ: قَالَ مُحمد ابْن حبيب:
وسَوْدَاءَ مِنْ نَبْهَانَ تَثْنى نِطَاقَهَا
بِأَخْجَى قَعُودٍ أَوْ جَوَاعِر ذِيب
وَالْعرب تَقول: مَا عَلِمْتُ مثلَ شارِفٍ خُجَأَةٍ، أَي مَا صادفتُ أَشدَّ مِنْهَا غُلْمةً، (و) الخُجَأَةُ أَيضاً: (المرأَةُ المُشتهِية لذَلِك) . أَي كُثْرَة الجِماع.
(و) } الخُجَأَة أَيضاً: (الرجُلُ اللَّحمُ) أَي الكثيرُ اللحْم (الثَّقيل) .
(و) {الخُجَأَة: (الأَحمَق) المضطرِبُ اللحْم.
(و) عَن شمر:} خَجئَ (كفرِح) إِذا (استحْيَا) .
(و) {خَجِيء} خَجَأً، بِالتَّحْرِيكِ: (تَكلَّم بالفُحْش) .
(و) عَن أَبي زيد: ( {أَخجأَه) السَّائِل} إِخْجَاءً إِذا (أَلحَّ عَلَيْهِ فِي السُّؤال) حَتّى أَبحرَمَه وأَبلَطَه.
(! والتخاجُؤُ) فِي المَشْيِ (: التباطُؤُ) . فِيهِ، وَقيل: هُوَ مِشْيَةٌ فِيهَا تَبختُرٌ، قَالَ حسانُ بن ثابتِ:
دَعُوا التَّخَاجُؤَ وَامْشُوا مِشْيَةً سُجُحاً
إِنَّ الرِّجَالَ أُولُو عَصْبٍ وَتَذْكيرِ
(وَوهِمَ الجوهريُّ فِي التخاجِيء) بِالْهَمْز، (وإِنما هُوَ التَّخَاجي، بِالْيَاءِ) مَعَ كسر الْجِيم، كالتَّنَاجي كَمَا رُوِيَ ذَلِك (إِذا ضُمَّ هُمِز وإِذا كُسِر ترِك الهمزُ) ، وموضِعُ ذِكر هَذِه الرِّوَايَة، بابُ الْحُرُوف الليِّنة، وستذكر ثَمَّ إِن شاءَ الله تَعَالَى، وَقد أَوردَه ابْن بَرِّيّ والأَزهريّ، قَالَ:
(1/208)

وَالصَّحِيح التخاجُؤُ، لأَن التفاعُلَ فِي مصدرِ تَفَاعَلَ حقُّه أَن يكون مَضمومَ العَيْنِ، نَحْو التَّقابُل والتَّضَارُب، وَلَا تكون العينُ مَكْسُورَة إِلاّ فِي المُعتلِّ اللامِ، نَحْو التَّعادِي والتَّرَامي.
(و) التخاجُؤْ (أَن تَوَرَّم اسْتُه ويَخْرُجَ مُؤَخَّرُه إِلى مَا وراءَهُ) ، وَمِنْه: رجُلٌ أَخْجَى.

خذأ
: ( {خَذأَله، كمَنع وفَرِح} خَذْأً) بِفَتْح فَسُكُون ( {وخُذُوءًا) كقُعود (} وخَذَأً مُحَرَّكة: انْخَضَعَ وانْقَاد، {كاستخْذَأَ) ، يُهمَز وَلَا يهمز وَقيل لأَعرابيَ: كَيفَ تَقول} استخْذَيْتُ؟ ليتُعَرَّفَ مِنْهُ الهمزُ، فَقَالَ: العَرَب لَا {تَستخْذِئُ، وهَمَزه. وسيأْتي فِي المعتلّ، كلُّ ذَلِك عَن الكسائيّ، (و) عَنهُ أَيضاً: (} أَخَذَأَهُ) فلانٌ، أَي (ذَلَّلَهُ) .
( {والخَذَأُ، مُحرَّكةً: ضَعْفُ النَّفْسِ) .

خرأ
: (} خَرِئَ، كسَمِع {خَرْأً) بِفَتْح فَسُكُون (} وخَرَاءَةً) ، ككره كَرْهاً وكَرَاهَةً (ويُكْسَر) كَكِلاَءَة، ( {وخُرُوءًا) كقُعود، فَهُوَ} خارِئٌ، قَالَ الأَعشى يهجو بني قِلابة:
يَا رَخَماً قاظَ عَلَى مَطْلُوبِ
يُعْجِلُ كَفَّ الخَارِيءِ المُطِيبِ
وَفِي (العُباب) : أَمَّا مَا رَوَى أَبو دَاوودَ سُلَيمانُ بن الأَشعثِ فِي (السّنَن) (أَنّ الكُفَّار قَالُوا لِسلمانَ الفارسيِّ رَضِي الله عَنهُ: لقد عَلّمَكُم نَبِيُّكم كُلَّ شيءٍ حَتَّى {الخِرَاءَةَ) فالرِّواية فِيهَا بِكَسْر الخاءَ، وَهِي اللُّغَة الفُصْحَى، انْتهى. وَتقول: هَذَا أَعرَفُ} بالخِراءَةِ مِنْهُ بالقِراءَة، وَقَالَ ابنُ الأَثير: الخِراءَةُ، بِالْكَسْرِ والمدِّ: التَّخَلِّي والقُعودُ للحاجةِ، قَالَ الخَطَّابِيُّ: وأَكثرُ الرواةِ يَفتحون الخاءَ، قَالَ: ويُحتَمَلُ أَن يكون بِالْفَتْح مصدرا، وبالكسر اسْما: (سَلْح، {والخُرْءُ، بِالضَّمِّ) ويُفتح (: العَذِرَةُ ج} خُروءٌ) ، كجُنْد وجُنود، وَهُوَ جَمعٌ للمفتوح أَيضاً، كفَلْس وفُلوس، قَالَه الفَيُّومِيُّ ( {وخُرْآنٌ) ، بِالضَّمِّ، على الشذوذ،} وخُرُءٌ، بِضَمَّتَيْنِ، تَقول: رَمَوْا {بِخُرُئِهم وسُلُوحِهم، ورَمَى} بِخُرْآنه، وَقد يُقَال ذَلِك للجُرَذِ والكَلب، قَالَ بعض العربِ: طُلِيتُ:
(1/209)

بشيءٍ كأَنه خُرْءُ الكلبِ، وَقد يكون ذَلِك للنَّمْل والذُّباب، وَقَالَ جَوَّاسُ بنُ نُعِيمٍ الضَّبِّيُّ، ويروى لِجوَّاسِ بن القَعْطَلِ، وَلم يَصِحَّ:
كَأَنَّ خُرُوءَ الطَّيْرِ فَوْقَ رُؤوسِهِمْ
إِذَا اجْتَمَعَتْ قَيْسٌ مَعاً وتَمِيمُ
مَتَى تَسَلِ الضَّبِّيَّ عَنْ شَرِّ قَومِهِ
يَقُلْ لَكَ إِنَّ العَائِذِيّ لَئِيمُ
وَقَوله: كأَنَّ خُرُوءَ الطيْرِ، أَي من ذُلِّهم، (والموضِعُ {مَخْرَأَة) بِالْهَمْز (} ومَخْرَاة) بإِسقاطها (و) زَاد غيرُ الليثِ ( {مَخْرُؤَة) ، هَكَذَا بِفَتْح الْمِيم وضمّ الرَّاء، وَفِي أُخرى بِكَسْر الْمِيم مَعَ فَتْح الرَّاء. وَفِي (التَّهْذِيب) :} والمَخْرُؤَةُ: المكانُ الَّذِي يَتَخَلَّى فِيهِ. وعبارةُ (الصّحاح) : وَيُقَال للمَخْرَجِ: مَخْرُؤَةٌ {ومَخْرَأَةٌ (و) قَالَ أَبو عُبَيْد أَحمدُ بنُ محمدِ بن عبد الرحمان الهَرَوِيُّ: (الِاسْم) من خَرِيءَ:} الخِراء، بِالْكَسْرِ، حَكاه عَن الليْثِ، قَالَ: وَقَالَ غيرُه: جمعُ الخِرَاء: خُرُوءٌ، كَذَا فِي (العُباب) ، وَقَالَ شيخُنا: وَقيل: هُوَ اسمٌ للمصادِر كالصِّيامِ اسْم للصَّوْمِ، كَمَا فِي (الْمِصْبَاح) ، وَقيل هُوَ مصدرٌ، وَقيل: هُوَ جَمْعٌ {لخَرْءٍ، بِالْفَتْح، كسَهْمٍ وسِهامٍ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} مَخْرَأٌ كمَفْعَل أَو كمُحْسِن جاءَ ذِكره فِي غَزْوة بَدْرٍ مَقروناً بمسْلح على وَزنه، يُقَال: إِنهما جَبَلانِ بَينهمَا القَرْيَة، الْمَعْرُوف بالصَّفراءِ قُرْب بَدْرٍ.

خسأ
: ( {خَسَأَ الكلْبَ، كمنع) إِذا (طَردَه) وأَبعده، وَقَالَ اللَّيْث: زَجَره (} خَسْأً) بِفَتْح فَسُكُون ( {وخُسُوءًا) كقُعودٍ (و) خَسَأَ (الكلْبُ) نفْسُه (: بَعُدَ) ، يتعدّى وَلَا يتَعَدَّى (} كانْخَسَأَ! وخَسِئَ) مثل جَبَرْتُه فجَبَر، ورجَعْته فرجَع، وَقَالَ:
(1/210)

كَالكَلْبِ إِنْ قِيلَ لَه {اخْسَإِ} انْخَسَأْ
وأَما قَوْلهم: اخْسَأْ إِلَيْكَ، أَي اخْسَأْ عَنِّي، فَهُوَ من الْمجَاز، وَقَالَ الزّجَّاجُ فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} (الْمُؤْمِنُونَ: 108) مَعْنَاهُ تَبَاعُدُ سَخَطٍ، وَقَالَ ابْن إِسحاق لِبَكْر بن حَبيب: مَا أَلْحَنُ فِي شيءٍ، فَقَالَ: لَا تَفْعَل، فَقَالَ: فخُذْ كَلمةً، فَقَالَ: هَذِه واحدةٌ، قل: كَلِمَهْ، ومرَّت بِهِ سِنَّوْرَةٌ، فَقَالَ لَهَا: اخْسَأْ، فَقَالَ: أَخطأْتَ، إِنما هُوَ} اخْسَئي.
(و) من المجازِ عَن أَبي زيدٍ {خَسَأَ (البَصَرُ) خَسْأً وخُسُوءًا أَي سَدِرَ و (كَلَّ) ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ} خَاسِئًا} (الْملك: 4) وَقَالَ الزّجاج: أَي صاغِراً وَقيل: مُبْعَداً، أَو هُوَ فاعِلٌ بِمَعْنى مَفعولٍ، كَقَوْلِه تَعَالَى.
{فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} (الحاقة: 21) أَءَ مَرْضِيَّة.
( {والخاسئُ من الكلابِ والخنازيرِ: المُبْعَد) المَطرودُ الَّذِي (لَا يُتْرَك أَن بَدْنُو من الناسِ) وَكَذَلِكَ من الشَّيَاطِين. والخاسيءُ: الصاغرُ القَمِيءٌ.
(و) } - الخَسِيءُ، (كأَميرٍ: الرديءُ من الصُّوف) ، وَبِه صَدَّر فِي (العُباب) .
(و) من الْمجَاز: ( {خَاسَئُوا} وتَخَاسَئُوا) إِذا (تَرَامَوْا بَينهم بالحِجارةِ) ، وَكَانَت بَينهم {مُخَاسَأَةٌ، والتركيبُ يَدُلُّ على الإِبعادِ.

خطأ
: (} الخَطْءُ) بِفَتْح فَسُكُون مثل وَطْء، وَبِه قرأَ عُبيد بن عُمَير ( {والخَطَأُ) محركة (} والخَطَاءُ) بالمدّ، وَبِه قرأَ الْحسن والسُّلَمِي وإِبراهيم والأَعمش فِي النِّساء (ضدّ الصَّوابِ وَقد {أَخطَأ} إِخْطَاءً) على الْقيَاس، وَفِي التَّنْزِيل {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ {أَخْطَأْتُمْ بِهِ} (الْأَحْزَاب: 5) عدّاه بِالْبَاء لأَنه فِي معنى عَثَرتم أَو غَلِطْتُم وَقَالَ رُؤْبَةُ:
يَا رَبِّ إِنْ} أخْطَأْتُ أَوْ نَسِيتُ
فَأَنْتَ لاَ تَنْسَى وَلاَ تَمُوتُ
(1/211)

(و) حكى أَبو عليَ الفارسيّ عَن أَبي زيدِ: أَخْطَأَ ( {خَاطِئَةً) جاءَ بِالْمَصْدَرِ على لفظ فاعِلَةٍ، كالعافِيَة والجَازِيَة، وَهُوَ مَثَلٌ من الثلاثّي نادِرٌ، وَمن الرباعي أَكثَرُ نِدْرَةً، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} بِالْخَاطِئَةِ} (الحاقة: 9) .
( {وَتَخَطَّأَ) } كأَخطأَ ( {وخَطِئَ) وَقَالَ أَبو عُبيد:} خَطِئَ {وأَخطأَ لُغَتَانِ بِمَعْنى واحدٍ، وأَنشد لامرىء الْقَيْس:
يَا لَهْفَ هِنْدِ إِذْ خَطِئْن كَاهِلاَ
القَاتِلِينَ المَلِكَ الحُلاَحِلاَ
هِنْد هِيَ بنت ربيعَة بن وَهْب، كَانَت تَحت حُجْر أَبي امرِىء القَيس، فخلف عَلَيْهَا امرؤُ القَيْس، أَي} أَخطأَت الخيلُ بني كاهلٍ وأَوقَعْن ببني كنَانَة، قَالَ الأَزهري: ووجْهُ الكلامِ فِيهِ أَخطأْنَ، بالأَلف، فردَّه إِلى الثلاثيّ، لأَنه الأَصل، فَجعل {خَطِئْن بِمَعْنى} أَخطَأْنَ (و) لَا تقل (أَخْطَيْتُ) بإِبدال الْهمزَة يَاء، وَمِنْهُم من يَقُول إِنها (لُغَيَّةٌ رَديئة أَو لُثْغة) قَالَ الصَّاغَانِي: وَبَعْضهمْ يَقُوله.
قلت: لأَن بعض الصرفيين يُجَوِّزون تسهيل الْهمزَة، وَقد أَوردها ابْن القُوطِيَّة وابنُ القطَّاع فِي المعتلّ اسْتِقْلَالا بعد ذكرهَا فِي المهموز، كَذَا فِي (شرح شَيخنَا) .
( {والخَطِيئَة: الذَّنْبُ) وَقد جُوِّز فِي همزتها الإِبدال، لأَن كلّ يَاء سَاكِنة قبلهَا كسرةٌ، أَو واوٍ سَاكِنة قبلهَا ضَمَّةٌ وهما زائدتان للمد لَا للإِلحاق وَلَا هما من نَفْس الْكَلِمَة، فإِنك تَقلِب الهمزَة بعد الْوَاو واواً، وَبعد الْيَاء يَاء، فتُدْغِم فَتَقول فِي مَقْروءٍ مَقْرُوٌّ وَفِي خَبِيءٍ خَبِيٌّ بتَشْديد الْوَاو وَالْيَاء (أَو مَا تُعُمِّد مِنْهُ،} كالخِطْءِ بالكَسْرِ) قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ {خِطأً كَبِيرًا} (الْإِسْرَاء: 31) أَي إِثماً، وَكَذَلِكَ} الخَطَأَ محركة، تَسْمِية بِالْمَصْدَرِ (و) قيل (الخَطَأُ) محركةً: (مَا لم يُتَعَمَّدْ) مِنْهُ، وَفِي (المُحكم) : {خَطِئْتُ أَخْطَأُ خَطَأً وَالِاسْم} الخَطَاءُ بِالْمدِّ، وأَخطَأْتُ {إِخطَاءً وَالِاسْم الخَطَأُ مَقْصُورا (ج} خَطَايَا) على الْقيَاس (و) حكى أَبو زيدٍ (! خَطَائِئ) على فعائل، وَمِنْهُم من ضَبطها كَغَوَاشِي، وَبَعض شَدَّدَ ياءَها،
(1/212)

قَالَ شَيخنَا وكلُّ ذَلِك لم يصحّ إِلا أَن أُريد من وزن الغَواشي الإِعلامُ بأَنها من المنقوص. وَفِي (اللِّسَان) روى ثعلبٌ أَن ابنَ الأَعرابيّ أَنشده:
وَلَا يَسْبِقُ المِضْمَارَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ
مِنَ الخَيْلِ عِنْدَ الجِدِّ إِلاَّ عِرَابُهَا
لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا قَدَّمَتْ نَفْسُه لَهُ
{خَطَاءَتُها إِنْ أَخْطَأَتْ وَصَوَابُهَا
وَقَالَ اللَّيْث: الْخَطِيئَة فَعِيلَة، وَجَمعهَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون خَطَائِيءُ بهمزتين فاستثقلوا التقاءَ همزتين، فخفّفوغا الآخِرة مِنْهُمَا، كَمَا يُخفَّف جائِيءٌ على هَذَا الْقيَاس، وكرهوا أَن تكون علَّتُه علَّة جائيء، لأَن تِلْكَ الهمزةَ زائدةٌ، وَهَذِه أَصليّة، ففَرُّوا} بِخطايا إِلى يَتامَى، ووجدوا لَهُ فِي الأَسماء الصَّحِيحَة نظيراً، مثل طاهرٍ وطاهرة وطَهَارَي، وَفِي (الْعباب) وجَمْعُ خَطِيئَة خَطَايَا وَكَانَ الأَصل خطائيء على فعائل، فَلَمَّا اجْتمعت الهمزتان قُلِبت الثَّانِيَة يَاء، لأَن قبلهَا كسرة، ثمَّ استثقلت والجمعُ ثقيلٌ، وَهُوَ معتلُّ مَعَ ذَلِك، فقُلبت الْيَاء أَلفاً قُلِبت الْهمزَة الأُولى يَاء، لخفائها بَين الأَلفين.
(و) تَقول ( {خَطَّأَه} تَخْطِئَةً {وتَخْطِيئاً) إِذا (قَالَ لَهُ: أَخَطأْتَ) وَيُقَال: إِن أَخطَأْتُ} فَخَطِّئْني، وإِن أَصَبْتُ فَصَوِّبْني و (خَطِيءَ) الرجل ( {يَخْطَأُ) كَفرِح يفرَح (خِطْأً} وخِطْأَةً بكسرهما) : أَذنب، وَفِي الْعِنَايَة: خَطِيء خَطَأً: تعَمَّد الذَّنب، وَمثله فِي الأَساس.
( {والخَطِيئَة) أَيضاً (: النَّبْذُ اليَسيرُ مِن كلِّ شيءٍ) يُقَال على النَّخْلَة} خَطِيئَةٌ من رُطَبٍ، وبأَرضِ بني فُلان خَطِيئَةٌ من وَحْشٍ، أَي نَبْذٌ مِنْهُ أَخْطَأَتْ أَمْكِنَتَها فظَلَّت فِي غير مواضِعها المُعتادة (و) قَالَ ابْن عَرَفَة (خَطِيءَ فِي دِينه وأَخطأَ) إِذا (سَلَك سَبِيل خَطَإٍ عَامِدًا أَو غَيْرَه) وَقَالَ الأُمويّ:! المُخطِئُ: من أَراد الصَّوَاب فَصَارَ إِلى غَيره (أَو الخاطيءُ مُتَعَمِّدُهُ) أَي لِمَا لَا يَنْبَغِي، وَفِي حَدِيث الكُسوف (فأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ) أَي غلط، قَالَ الأَزهريّ: يُقَال لمن أَراد شَيْئا وَفعل غَيره: أَخطأَ، كَمَا
(1/213)

يُقَال لمن قَصدَ ذَلِك، كأَنه فِي اسْتِعْمَاله غَلِط فأَخذَ دِرْعَ بعضِ نِسَائِهِ، وَفِي (الْمُحكم) : وَيُقَال: أَخطأَ فِي الحِساب وخَطِيءَ فِي الدِّين، وَهُوَ قولُ الأَصمعيّ، وَفِي (الْمِصْبَاح) : قَالَ أَبو عُبيد: خَطِيءَ خطْأً من بَاب عَلم، وأَخْطَأَ بِمَعْنى وَاحِد لمن يُذْنِب على غير عمدٍ، وَقَالَ المُنذِريُّ: سَمِعت أَبا الهَيْثَم يَقُول: خَطِئْتُ، لما صنَعْتَه عَمْداً، وَهُوَ الذَّنب، وأَخطأْت لما صَنَعْتَه خَطَأً غير عَمْدٍ، وَفِي (مُشكل الْقُرْآن) لِابْنِ قُتيبة فِي سُورَة الأَنبياء فِي الحَدِيث (إِنه لَيْسَ مِنْ نَبِيَ إِلاَّ وَقَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ غيرَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا، لأَنه كَانَ حَصُوراً لَا يأْتِي النساءَ وَلَا يُرِيدُهُنَّ) .
(و) فِي المَثل (مَع {الخَواطِئِ سهْمٌ صَائِبٌ. يُضْرَب لِمَنْ يُكْثِرُ الخَطَأَ ويُصِيبُ أَحياناً) وَقَالَ أَبو عبيد: يُضْرَب للبخيل يُعطِي أَحياناً على بُخْله.} والخَواطِئُ هِيَ الَّتِي {تُخْطِئُ القِرْطَاسَ، قَالَ الْهَيْثَم: وَمِنْه مَثلُ العَامَّة (رُبَّ رَمْيَةِ. مِنْ غَيْرِ رَامٍ) .
(و) من الْمجَاز (} خَطَأَتِ القِدْرُ بِزَبَدِها، كَمَنَع: رَمَتْ) بِهِ عِنْد الغَلَيانِ. (و) يُقَال ( {تَخَاطَأْه) حَكَاهُ الزجاجي (} وتَخَطَّأَهُ) وتَخَطَّأَ لَهُ، أَي (أَخْطَأَه) قَالَ أَوْفَى بنُ مَطَر المازِنيُّ.
أَلاَ أَبْلِغَا خُلَّتِي جَابِراً
بِأَنَّ خَلِيلَكِ لَمْ يُقْتَلِ
{تَخَطَّأَتِ النَّبْلُ أَحْشاءَهُ
وَأُخِّرَ يَوْمِي فَلَمْ يَعْجَلِ
(و) من الْمجَاز (} المُسْتَخْطِئَةُ) من الإِبل (: النَّاقَة الحائُل) يُقَال استخطَأَتِ الناقةُ، أَي لم تَحْمِل.
والتركيب يدُلُّ على تَعدّي الشيءِ وذَهابِه عَنهُ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
أَخطأَ الطريقَ: عدَلَ عَنهُ، وأَخطأَ الرَّامِي الغَرَضَ: لم يُصِبْه، وأَخطَأَ نَوْؤُهُ إِذا طَلب حاجَتَه فَلم يَنْجَح وَلم يُصِبْ شَيْئا، وخَطَّأَ اللَّهُ نَوْءَهَا أَي جَعَله! مُخْطِئاً لَهَا لَا يُصِيبها مَطَرُه، ويروى بِغَيْر همز، أَي يتخطَّاها
(1/214)

وَلَا يُمْطِرُها، وَيحْتَمل أَن يكون من الخَطِيطة، وَهِي الأَرض الَّتِي لم تُمْطَر، وأَصله خطّط، فقلبت الطَّاء الثَّالِثَة حرْفَ لِينٍ.
وَعَن الْفراء خَطِيءَ السهْمُ وخَطَأ، لغتانِ.
{والخِطْأَة: أَرضٌ يُخطئُها المَطَر ويُصِيب أُخرى قُرْبَها.
وَيُقَال} خُطِّئَ عَنْك السُّوء إِذا دَعَوْا لَهُ أَن يُدْفَع عَنهُ السُّوءُ، قَالَه ابنُ السّكيت.
قَالَ أَبو زيد: خَطَأَ عَنك السُّوء أَي أَخطأَك البلاءُ.
وَرجل {خَطَّاءٌ إِذا كَانَ ملازماً للخَطايا غيرَ تاركٍ لَهَا.
وَذكر الأَزهري فِي المعتل فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ} (الْبَقَرَة: 168) .
قَالَ: قرأَ بَعضهم} خُطُآتِ، من الخَطِيئة: المَأْثَمِ، ثمَّ قَالَ أَبو مَنْصُور: مَا عَلِمْتُ أَحداً من قُرَّاءِ الأَمصار قَرَأَه بِالْهَمْز، وَلَا معنى لَهُ.
وَيُقَال خَطِيئَةُ يَوْم يَمُرُّ بِي أَلاَّ أَرى فِيهِ فُلاناً، وخَطيئَةُ لَيْلَةٍ تَمُرُّ أَلاَّ أَرَى فُلاناً فِي النَّوْمِ، كَقَوْلِك طِيلُ لَيْلَةٍ وطِيلُ يومٍ.
وتَخَطَّأْت لَهُ فِي المسأَلة إِذا تَصدَّيْتَ لَهُ طَالبا {خَطَأَهُ، وناقَتْكَ من} المُتَخَطَّئَاتِ الجِيَف.

خفأ
: ( {خَفَأَه كمنَعَه) : صَرَعَه، كَذَا فِي (اللِّسَان) ، وَمثله لِابْنِ القِطّاع وَابْن القُوطِيّة، وَفِي (التَّهْذِيب) : خفأَه إِذا (اقْتَلَعَه فَضَرَب بِهِ الأَرضَ) مثل جَفَأَه، كَذَا عَن اللَّيْث، قَالَ الصَّاغَانِي: وإِليه وجَّه بعضُهم قولَه صلى الله عَلَيْهِ وسلمحين سُئِل: مَتى تَحِلُّ لنا المَيْتَةُ؟ فَقَالَ: (مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَو تَغْتَبِقُوا أَو} تَخْتَفِئُوا بهَا بَقْلاً فشأْنَكُم بهَا) وَفِي الحَدِيث عدَّة رِوَايَات.
(و) يُقَال:! خَفَأَ فلانٌ (بَيْتَه) أَي (قَوَّضَه فأَلقاه) على الأَرض (و) خَفَأَ (القِرْبَةَ) أَو المَزادة إِذا (شَقَّها فجَعَلَها على الحَوْضِ لِئَلاَّ تُنَشِّفَ الأَرْضُ مَاءَه)
(1/215)

وَعبارَة (العُباب) : إِذا كَانَ المَاء قَلِيلا تُنَشِّفُه الأَرضُ.

خلأ
: ( {خَلأَتِ الناقَةُ كمَنَعَ} خَلأً) بِفَتْح فَسُكُون، وَضبط فِي شَرْح المُعَلَّقات بِكَسْر فَسُكُون ( {وخِلاءً) كَكِتاب، كَذَا هُوَ مضبوط عندنَا، وَبِه صَرَّحَ الجوهريُّ وَابْن القُوطِيَّة وابنُ القطَّاع وعياض وَابْن الأَثير والزمخشري والهَروي، وَفِي بعض النّسخ بِالْفَتْح كَسَحَابِ، وَبِه جزم كَثِيرُونَ، وَفِي شرح المُعَلَّقَات قَالَ زُهير يَصِف ناقَتَه:
بِآرِزَةِ الفَقَارَةِ لَمْ يَخُنْهَا
قِطَاقٌ فِي الرِّكَابِ وَلاَ} خِلاَءُ
وَكَانَ يَعْقُوب وابنُ قادم وَغَيرهمَا لَا يعْرفُونَ إِلاّ فتح الْخَاء، وَكَانَ أَحمد ابنُ عُبيد يَرْويه بِالْكَسْرِ ويحكى ذَلِك عَن أَبي عَمْرو ( {وخُلوءًا) كقُعودٍ (فَهِيَ} خَالِئٌ) بغيرِ هَاءٍ، قَالَه اللِّحيانيُّ ( {وخَلُوءٌ) كَصَبُور (: بَرَكَتْ وحَرَنَتْ) من غير عِلَّةٍ، كَمَا يُقَال فِي الجَمَل: أَلَحَّ، وَفِي الْفرس: حَرَن، وَفِي (الصِّحَاح) و (الْعباب) حَرَنَتْ وبَرَكَتْ، وَرُوِيَ المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ ومروان بن الحَكم رَضِي الله عَنْهُمَا أَن عامَ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن خالدَ بنَ الوَليد بالغَمِيم فِي خَيْل لقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فخُذُوا ذاتَ الْيَمين، فوَاللَّه مَا شَعَرَ بهم خالِدٌ حَتَّى إِذَا هم بِقَتَرَةِ الجَيْشِ وَبَرَكَت القَصْوَاءُ عِنْد الثَّنِيَّةِ، فَقَالَ النَّاس حَلْ حَلْ فَقَالُوا} خَلأَتِ القَصْوَاءُ فَقَالَ: مَا خَلأَت القَصْوَاءُ وَمَا ذَاك لَهَا بِخُلقٍ وَلَكِن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ) وَقَالَ اللحيانيّ: خَلأَت الناقةُ إِذا بَرَكَت (فَلم تَبْرَح) مَكَانَها (وَكَذَلِكَ الجَمَلُ، أَو خَاصٌّ بالإِناث) من الإِبل، فَلَا يُقَال فِي الْجمل {خَلأَ، صرح بِهِ الجوهريُّ والزمخشريُّ والأَزهريّ والصاغاني، وَقَالَ أَبو مَنْصُور:} الخِلاء لَا يكون إِلاَّ للناقة، وأَكثر مَا يكون الخِلاءُ إِذا ضَبِعتْ تَبْرُك فَلَا تَثُور،
(1/216)

وَقَالَ ابنُ شُمَيْل: يُقَال للجَمل خَلأَ {يَخْلأُ إِذا بَرَك فَلم يَقُم، قَالَ: وَلَا يُقالُ خَلأَ إِلاَّ للجَمَل، قَالَ أَبو مَنْصُور: لم يَعرف ابنُ شُمَيْل الخِلاَءَ للناقة فَجعله للجمل خاصَّةً، وَهُوَ عِنْد الْعَرَب للناقة (و) من الْمجَاز خَلأَ (الرَّجُلُ خُلُوءًا) كقُعودٍ إِذا (لم يَبْرَحْ مكانَه) .
(} والتِّخْلِئُ كتِرْمذ ويُفتح) وَفِي بعض الأُصول ويُمَدُّ: (الدُّنْيَا) وأَنشد أَبو حَمْزَة:
لَوْ كَانَ فِي {التِّخْلِئِ زَيْدٌ مَا نَفَعْ
لأَنَّ زَيْداً عَاجزُ الرَّأْي لُكَعْ
إِذَا رَأَى الضَّيْفَ تَوَارَى وانْقَمَعْ
أَي لَو كَانَت لَهُ الدُّنْيَا (أَو) المُرَاد} بالتِّخْلِئ (الطَّعَامُ والشرابُ) .
(و) يُقَال ( {خَالأَ القَوْمُ: تَرَكُوا شَيْئاً وأَخَذُوا فِي غَيحرِه) حَكَاهُ ثَعْلَب وأَنشد:
فَلَمَّا فَنَا مَا فِي الكَنَائِنِ} خَالَئُوا
إِلَى القَرْعِ مِنْ جِلْدِ الهِجَانِ المُجَوَّبِ
يَقُول: فَزِعُوا إِلى السُّيوف والدَّرَق، وَفِي حَدِيث أَم زرعٍ (كُنْتُ لَكِ كَأَبي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ، فِي الأُلْفَةِ والرِّفاءِ لاَ فِي الفُرْقَةِ {والخِلاَءِ) وَهُوَ بِالْكَسْرِ والمَدِّ: المباعَدَة والمُجَانبة، وَقَالَ ابنُ الأَنباري: روى أَبو جَعْفَر أَن الخَلاءَ بِالْفَتْح: المُتَارَكَة، وَيُقَال قد خَالَى فُلانٌ فُلاناً يُخالِيه إِذا تَارَكَه، واحتجَّ بقول الشَّاعِر وَهُوَ النَّابِغَة:
قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ
يَا بُؤْسَ للْجَهْلِ ضَرَّاراً بِأَقْوَامِ
فَمَعْنَاه: تَارِكوا بني أَسدٍ، وأَخبرنا أَبو الْعَبَّاس عَن ابْن الأَعرابي قَالَ: المُخالِي: المُحارب، وأَنشد البيتَ، قلت: وسيأْتي فِي المعتلِّ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} أَخْلاَء، بِفَتْح فَسُكُون مَمدوداً: صُقْعٌ بالبَصْرة من أَصقاعٍ فُرَاتِها عامِرٌ آهِلٌ، كَذَا فِي (المُعجم) .

خمأ
: ( {الخَمَأُ كَجَبَل ع) وَضَبطه صَاحب المَراصد بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، وَمثله فِي مُعجم البَكْري.

خنأ
: (} خَنَأْتُ الجِذْعَ كمَنَعَ،! وخَنَيْتُه: قَطَعْتُه) وسيأْتي فِي المعتل أَيضاً وَهَكَذَا فِي (الْعباب) .
(1/217)

خوأ
: ( {خَاءِ بِكَ عَلَيْنَا) يَا رجل (أَي اعْجَلْ) وأَسْرِعْ.

(فصل الدَّال الْمُهْملَة) مَعَ الْهمزَة)
دأدأ
: (} دَأْدَأَ) البعيرُ ( {دَأْدَأَةً) مَقيس إِجماعاً (} ودِئْدَاءً) بِالْكَسْرِ، مسموع، وَقيل كالأَول (أَوْ أَسْرَع، وأَحْضَرَ) وَعَن أَبي عَمْرو: {الدِّئدَاءُ من السّير: السريعُ} والدَّأْدَأَةُ: الإِحْضارُ. وَفِي (النَّوادر) : دَوْدَأَ دَوْدَأَةً، وتَوْدَأَ تَوْدَأَةً، وكَوْدَأَ كَوْدَأَةً إِذا عَدَا. والدَّأْدَأَةُ {والدِّئْدَاءُ فِي سَيْرِ الإِبل: قَرْمَطَةٌ فَوق الحَفْدِ. وَفِي (الْكِفَايَة) :} الدَّأْدَأَةُ والدِّئْدَاءُ: سَيْرٌ فَوق الخَبَبِ، وفوقه الرَّبَعَة، قَالَ أَبو دُوَاد يزيدُ بن مُعاويةَ بن عَمْرو الرُّؤَاسِيُّ:
واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ تَرْكُضُهُ
أُمُّ الفَوَارِسِ {بالدِّئْدَاءِ والرَّبَعَهْ
يُضْرَب مَثلاً فِي شِدَّةِ الأَمرِ، أَي رَكبَتْ هَذِه المرأَةُ الَّتِي لَهَا بَنُونَ فوارِسُ بَعِيراً صَعْباً عُرْباً من شِدَّةِ الجَدْبِ وَكَانَ البعيرُ لَا خِطَام لَهُ، وإِذا كانتْ أُمُّ الفوارسِ قد بَلَغ بهَا هَذَا الجَهْدُ فَكيف غيرُها (و) دَأْدَأَ (فِي أَثَرِه) إِذا (تَبِعَهُ مُقْتَفِياً لَهُ) .
(و) دَأْدَأَ (الشيءَ: حَرَّكه وَسَكَّنَه) . (و) فِي حَاشِيَة بعضِ نُسخ (الصِّحَاح) : دَأْدَأَهُ: (غَطَّاه،} فتدَأْدَأَ) فِي الكُلِّ، أَي حَرَّكه فتحرَّك، وسَّكَنه فسَكن، وغَطَّاه فتَغَطَّى (و) فِي الحَدِيث أَنه نَهَى عَن صَوْمِ الدَّأْدَاءِ. قَالَ أَبوع عَمْرو: ( {الدَّأْدَاءُ} والدِّئْدَاءُو) زَاد غَيره (! الدُّؤْدُؤُ) بِالضَّمِّ (: آخِرُ الشَّهْرِ) وَقيل: يَوْم الشَّكِّ، وَفِي (التَّهْذِيب) عَن أَبي بكرٍ: الدَّأْدَاءُ: اللَّيْلَة الَّتِي يُشَكُّ فِيهَا أَمِنْ آخر الشَّهْر الْمَاضِي هِيَ ايم من أَوَّلِ الشَّهْر المُقْبِل، قَالَ الأَعشى:
تَدَارَكُه فِي مُنْصِلِ الآلِ بَعْدَمَا
مَضَى غَيْرَ دَأْدَاءٍ وَقد كَادَ يَعْطِبُ
قَالَ الأَزهريُّ: أَراد أَنه تَدَارَكَه فِي آخِرِ ليلةٍ من ليَالِي رَجَب (أَو ليلةُ خَمْسٍ) وَعشْرين (وسِتَ) وَعشْرين (وسَبْعٍ وَعشْرين أَو ثَمَانٍ) وَعشْرين
(1/218)

(وتِسْعٍ وعِشرين) قَالَه ثَعْلَب (أَو ثَلاثُ لَيَالٍ مِن آخِرِه) وَهِي ليَالِي المُحَاق (ج {الدَّآدِئُ) وَعَن أَبي الْهَيْثَم: هِيَ اللَّيَالِي الثَّلَاث الَّتِي بعد المِحاق وإِنما سُمِّينَ} دَآدِئَ لأَن القَمر فِيهَا يُدَأْدِيءُ إِلى الغُيُوبِ، أَي يُسرِع، من دَأَدْأَةِ البعيرِ، وَقَالَ الأَصمعي فِي ليَالِي الشَّهْرِ: وثَلاَثٌ مُحَاقٌ وثلاثٌ دَآدِيءُ، قَالَ: والدَّآدِيءُ الأَواخِرُ، وأَنشد:
أَبْدَى لَنَا غُرَّةَ وَجْهٍ بَادِي
كَزُهْرَةِ النُّجُومِ فِي {- الدَّآدِي
وَفِي الحَدِيث (لَيْسَ عُفْرُ اللَّيالي} كالدَّآدِئ) العُفْرُ: البِيض المُقْمِرة، {والدَّآدِئ: المُظْلِمَة (ولَيْلَةٌ} دَأْدَأٌ {ودَأْدَأَةٌ ويُمَدَّانِ) مُظلمة أَو (شَدِيدَةُ الظُّلْمَةِ) لاختفاءِ القَمَر فِيهَا.
(} وَتَدَأْدَأَ) الحَجَرُ (تَدَحْرَجَ) ، وكُلُّ مَا تَدحرج بَين يَدَيْكَ فَذهب فقد تَدَأْدَأَ، وَجَوَّز ابنُ الأَثير أَن يكون أَصلُه من تَدَهْدَهَ، بِالْهَاءِ فأُبْدِلَتْ هَمزةً. قلت: وَقد وردَ ذَلِك فِي حَدِيث أَبي هُريرةَ.
(و) {تدَأْدَأَتِ (الإِبلُ: رَجَّعَت الحَنِينَ فِي أَجْوافِها) كأَدَّتْ (و) } تَدَأْدَأَ (الخَبَرُ: أَبْطَأَ و) تدَأْدَأَ (حِمْلُه: مَالَ) لثقله (و) تدأْدأَ الرجل (فِي مَشْيِه: تَمَايَلَ) لِعُذْرٍ أَو عُجْبٍ (و) {دَأْدَأَ (القَوْمُ) } وتَدَأْدَءُوا (: تَزَاحَمُوا) ، وَفِي (الْعباب) وأَفعال ابْن القَطَّاع: ازدَحموا (و) {تَدأْدأَ (عَنهُ: مَالَ) فترجَّعَ بِهِ (} والدَّأْدَأَةُ: صَوتُ وَقْعِ الحَجَرِ على المَسِيلِ) وَفِي (الْعباب) : وقْعُ الحجارَةِ فِي المَسيل، وَمثله فِي أَفعال ابنِ القَطَّاع، ومثلُه فِي كتاب اللّيْث.
(و) {الدَّأَدَأَةُ: التّزاحُمُ} كالدَّوْدَأَةِ، وَقَالَ الفَرَّاءُ: سَمِعت لَهُ دَوْدَأَةً، أَي جَلَبَةً.
(و) الدَّأَدَأَةُ: (صَوْتُ تَحْرِيك الصَّبِيِّ فِي المَهْدِ) لينام.
(! والدَّأْدَاءُ) ممدوداً: (: الفَضَاءُ) الواسِعُ، عَن أَبي مَالك (و) قيل هُوَ
(1/219)

(مَا اتَّسَع من التِّلاَعِ والأَوْدِيةِ) والأَرض كَذَا فِي (العُباب) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
{الدَّأْدَأَةُ: عَجَلَةُ جَوَابِ الأَحمَقِ.} - والدَّأْدِيُّ: المُولَع باللَّهْو لَا يكَاد يتركُه، قَالَ الصَّاغَانِي: ذكره الأَزهريُّ فِي هَذَا التَّرْكِيب، فعلى هَذَا هُوَ عِنْده مهموزٌ، وَذكره أَبو عُمَر الزاهدُ عَن ثَعْلَب عَن عمْرو عَن أَبيه فِي ياقوتة الْهَادِي غيرَ مهموزٍ، وسيأْتي.

دبأ
: ( {دبَّأَهُ وعلَيْهِ} تَدْبِيئاً: غطَّاهُ) وغَطَّى عَلَيْهِ (وَوَارَاهُ) كذَا عَن أَبي زيد.
( {ودَبَأَ كَمنَع: سَكَنَ و) فِي حاشيةِ بعض نُسخ (الصِّحَاح) دبَأَه (بالعصا) } دَبْأً: (ضَرَبَه) بهَا، وَمثله فِي (الْعباب) .
(و) عَن ابْن الأَعرابيّ ( {الدَّبْأَةُ) بِفَتْح فَسُكُون (: الفِرارُ) وأَما} الدُّبَّاءُ، فسيأْتي فِي دبب، وَذكره الْمَنَاوِيّ فِي (إِحكام الأَساس) هَاهُنَا.

دثأ
: ( {- الدَّثَئِيُّ كَعَرَبِيّ: مَطَرٌ يَأْتِي بَعْدَ اشتِدادِ الحَرِّ) لُغَة فِي الدَّفَئِيّ بِالْفَاءِ، وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ الَّذِي يَجيء إِذا قَاءَت الأَرضُ الكَمْأَةُ (و) الدَّثَئِيُّ أَيضاً: (نِتَاجُ الغَنَمِ فِي الصَّيْفِ) صِيغ صِيغةَ النَّسَبِ وَلَيْسَ بنَسبٍ.

دَرأ
: (} دَرَأَه كجَعَلَه) {يَدْرَؤُهُ (} دَرْأً) بِفَتْح فَسُكُون ( {وَدَرْأَةً) ،} ودَرَأَه إِذا (دَفَعَهُ) وَمِنْه الحَدِيث ( {ادْرءُوا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ) (و) } دَرَأَ (السَّيْلُ) دَرْأً (: انْدَفَعَ، كانْدَرَأَ) وَهُوَ مجَاز، ودَرَأَ الوادِي بالسَّيْل: دَفَع، وَفِي حديثِ أَبي بَكرٍ:
صَادَفَ {دَرْءَ السَّيْلِ سَيْلٌ يَدْفَعُهْ
يَهْضِبُه طَوْراً وطَوْراً يَمْنَعُهْ
(و) } دَرَأَ (الرَّجُلُ) {دُرُوءًا: (طَرَأَ) وهم} الدُّرَّاءُ {والدُّرَآءُ، يُقَال: نَحن فُقَراءُ} ودُرَآءُ (و) دَرَأَ عَلَيْهِم دَرْأً ودُرُوءًا (: خَرَجَ فُجَاءَةً) {كاندَرَأَ} وتَدَرَّأَ، وأَنشد ابنُ الأَعرابيّ:
(1/220)

أَحِسُّ لِيَرْبُوعٍ وَأَحْمِى ذِمَارَهَا
وأَدْفَعُ عَنْهَا مِنْ {دُرُوءٍ القَبَائِلِ
أَي من خُرُوجِها وحَمْلِهَا، وَفِي (الْعباب) :} اندَرَأَ عَلَيْهِم إِذا طَلَع مُفاجَأَةً، وروى المُنذرِيُّ عَن خالدِ بن يزيدَ قَالَ: يُقَال: دَرَأَ علينا فُلانٌ وطَرَأَ إِذا طلع فُجَاءَةً، ودَرَأَ الكَوْكَبُ {دُرُوءًا من ذَلِك.
(و) من الْمجَاز قَالَ شَمِرٌ:} دَرَأَتِ (النارُ: أَضاءَتْ، و) {دَرَأَ (البعيرُ) دُروءًا (: أَغَدَّ) زَاد الأَصمعيُّ (و) كَانَ (مَعَ الغُدَّةِ وَرَمٌ فِي ظَهْرِه) وَفِي الإِناث فِي الضَّرْع، فَهُوَ} دَارِئٌ، وناقة دَارِيءٌ أَيضاً إِذا أَخذَتْها الغُدَّةُ فِي مَرَاقِها واستبانَ حَجْمُها، وَيُسمى الحَجْمُ {دَرْأً، بِالْفَتْح، قَالَه ابْن السكِّيت، وَعَن ابْن الأَعرابيّ: إِذا دَرَأَ البَعِيرُ مِن غُدَّتِه رَجَوْا أَنْ يَسْلَمَ، قَالَ: ودَرَأَ إِذَا وَرِم نَحْرُه، والمَرَاقُ مَجْرَى الماءِ فِي حَلْقِهَا، واستعاره رؤبةُ للمنتفِعُ المُتغَضِّب فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا} الدَّارِئُ كَالمَنْكُوفِ
والمُتَشَكِّي مَغْلَةَ المَحْجُوفِ
جعل حِقْدَه الذ نَفَخه بمنزلةِ الوَرَم الَّذِي فِي ظَهْرِ البعيرِ، والمنكوف: الَّذِي يشتكي نَكَفَتَه وَهِي أَصلُ اللِّهْزِمَة (و) {دَرَأَ (الشَّيْءَ: بَسَطَه) ودَرَأْتُ لَهُ وِسَادَةً، أَي بسطْتها، ودرأْتُ وَضِينَ البعيرِ إِذا بَسَطْتها، ودرأْتُ وَضِينَ البعيرِ إِذا بَسَطْتَه على الأَرض ثمَّ أَبْرَكْته عَلَيْهِ لتَشُّدَّه بِهِ، قَالَ المُثَقَّب العبدِيُّ يصف نَاقَته:
تَقُولُ إِذا} دَرَأْتُ لَهَا وَضِيِني
أَهذَا دِينُهُ أَبداً ودِينِي
وَفِي حَدِيث عُمر رَضِي الله عَنهُ أَنه صلّى المغرِبَ، فَلَمَّا انْصَرف دَرأَ جُمْعَةً مِن حصَى المسجدِ وأَلقى عَلَيْهَا رِدَاءَه واستلقى، أَي بَسَطها وسَوَّاها، والجُمْعَة: الْمَجْمُوعَة، يُقَال: أَعطِنِي جُمْعَةً من تَمْرٍ، كالقُبْصَةِ وَقَالَ شَمِر: دَرَأْتُ عَن الْبَعِير الحَقَبَ، أَي دَفعته، أَي أَخَّرْته عَنهُ، قَالَ أَبو مَنْصُور: وَالصَّوَاب
(1/221)

فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من بَسَطْتُه على الأَرض وأَنخْتُها عَلَيْهِ.
(و) يُقَال: القومُ ( {تَدَارَءُوا) إِذا (تَدَافَعُوا فِي الخُصُومَةِ) ونَحوِها وَاخْتلفُوا،} كَادَّرَءُوا.
(و) يُقَال: (جَاءَ السَّيْلُ دَرْأً) بِفَتْح فَسُكُون (ويُضَمُّ) إِذا (انْدَرَأَ مِنْ مكَانٍ) بعيدٍ (لَا يُعْلَمُ بِه) وَيُقَال: جاءَ الْوَادي دُرْأً، بِالضَّمِّ، إِذا سالَ بمطرِ وَاد آخَرَ، وَقيل جاءَ دَرْأً: من بلدٍ بعيدٍ فإِن سالَ بمطرِ نَفْسِه قيل: سَالَ ظَهْراً، حَكَاهُ ابنُ الأَعرابيّ. واستعار بعضُ الرُّجَّاز الدَّرْءَ لِسَيَلاَنِ الماءِ من أَفْوَاهِ الإِبل فِي أَجْوافِها، لأَن المَاء إِنما يَسيلُ هُنَاكَ غَرِبياً أَيضاً، إِذْ أَجواف الإِبل ليستْ مِن مَنابِع الماءِ وَلَا مِن مناقِعِه فَقَالَ:
جَابَ لَهَا لُقْمَانُ فِي قِلاَتِهَا
مَاء نُقُوعاً لصَدَى هَامَاتِهَا
تَلْهَمُه لَهْماً بِجَحْفَلاَتِهَا
يَسِيلُ دَرْأً بَيْنَ جَانِحَاتِهَا
واستعار للإِبل الجَحافِلَ، وَهِي لِذَوَاتِ الحوافرِ، كَذَا فِي (اللِّسَان) .
( {والدَّرْءُ: المَيْلُ والعَوَجُ) يُقَال: أَقَمْتُ} دَرْءَ فُلانٍ، أَي اعْوِجَاكَه وشَغْبَه قَالَ المُتَلمِّس:
وَكُنَّا إِذَا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ
أَقَمْنَا لَهُ مِنْ {دَرْئِهِ، فَتَقَوَّمَا
وَالرِّوَايَة الصحيحةُ (من مَيْلِه) وَمِنْه قَوْلهم بِئحرٌ ذاتُ دَرْءٍ وَهُوَ الحَيْدُ، وَكَذَا فِي (الْعباب) ، وَفِي (اللِّسَان) : وَمن النَّاس من يَظُنَّ هَذَا الْبَيْت للفرزدق وَلَيْسَ لَهُ، وَبَيت الفرزدق:
وَكُنَّا إِذَا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ
ضَرَبْنَاهُ تَحْتَ الأُثْثَيَيْنِ عَلَى الكَرْدِ
وَقيل: الدَّرْءُ هُوَ المَيْلُ والعَوَجُ (فِي القَنَاةِ ونَحْوِها) كالعصا مِمَّا تَصْلُب إِقامتُه وتَصعب، قَالَ:
إِنَّ قَنَاتِي مِنْ صَلِيبات القَنَا
عَلَى العُدَاةِ أَنْ يُقِيمُوا} دَرْأَنَا
(و) قَالَ ابْن دُرَيْد: دَرْءٌ بِفَتْح وَيكسر اسْم (رَجُل) مَهْمُوز مَقْصُور (و) الدَّرْءُ: (نَادِرٌ يَنحدُرُ من الْجَبَل) على غَفْلة
(1/222)

( {ودُرُوءُ الطريقِ) بِالضَّمِّ (: أَخَاقِيقُهُ) هِيَ كُسُورهُ وجَرْفُه وحَدَبُه.
(} وانْدَرَأَ الحرِيقُ: انْتَشَر) وأَضاءَ.
( {والدَّرِيئَةُ) كالخطيِئَة (: الحَلْقَةُ يَتَعَلَّمُ) الرَّامِي (الطَّعْنَ والرَّمْيَ عَلَيْها) ، قَالَ عَمرو بن مَعْدِ يكرب رَضِي الله عَنهُ:
ظِللْتُ كَأَنِّي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً
أُقَاتِلُ عَنْ أَبْنَاءِ جَرْمٍ وَفَرَّتِ
قَالَ الأَصمعي: هِيَ مَهْمُوز (و) قيل الدَّرِيئَة: (كلُّ مَا اسْتُتِرَ بِهِ من الصَّيْدِ) الْبَعِير أَو غَيره (لِيُخْتَلَ بِهِ) فإِذا أَمكَنه الرَّمْيُ رَمَى، قَالَ أَبو زيد: هِيَ مَهْمُوز، لأَنها} تُدْرَأَ نَحْو الصَّيْدِ، أَي تُدْفع، وَقَالَ ابنُ الأَثير: {الدَّرِيَّةُ: حَيَوانٌ يَستتِرُ بِهِ الصائدُ فيتْرُكُه يَرْعى مَعَ الوَحْشِ حَتَّى إِذا أَنِسَتْ بِهِ وأَمْكَنت من طالبِها رَمَاها، وَلم يَهمِزْها ابنُ الأَثيرُ. وَيُقَال:} ادْرَءُوا دَرِيئَةً.
( {وَتَدَرَّءُوا: استَتَرُوا عَن الشَّيْء لِيَخْتِلُوه) أَو جعلُوا} دَرِيئةً للصَّيْدِ والطَّعْنِ، وَالْجمع {الدَّرائِئُ بهمزتين،} والدَّرَايَا، كِلَاهُمَا نَاد (و) تَدَرَّءُوا (عَلَيْهِم: تَطَاوَلُوا) وتَعاوَنُوا، قَالَ عَوْفُ بن الأَحْوَصِ:
لَقِيتُمْ مِنْ {تَدَرُّئِكُمْ عَلَيْنَا
وَقَتْلِ سَرَاتِنَا ذَاتَ العَرَاقِي
(و) عَن ابْن السكِّيت (ناقَةٌ} دَارِىءٌ) بِغَيْر هَاء أَي (مُغِدَّةٌ) .
(و) {أَدْرَأَتِ الناقةُ لِضَرْعِهَا فَهِيَ (} مُدْرِئٌ) كمُكْرِمِ إِذا (أَنْزَلَت اللبَنَ وأَرْخَتْ ضَرْعَهَا عِنْد النَّتَاج) قَالَه أَبو زيد.
(و) من الْمجَاز (كَوْكَبٌ {- دِرِّيءُ كَسِكِّين) من دَرَأَ إِذا طلع مُفاجأَةً، وإِنما سُمِّيَ بِهِ لشِدَّةِ تَوَقُّدِهِ وتَلأْلُئِهِ. وَقَالَ أَبو عَمْرو: سأَلت رجلا من سعْدِ بن بَكْرٍ من أَهل ذَات عِرْقٍ فَقلت: هَذَا الكوكبُ الضخْمُ مَا تُسَمُّونه؟ قَالَ:} - الدِّرِّيءَ. وَكَانَ من أَفصح النَّاس (ويُضَمُّ) وَحكي الأَخفشُ عَن قَتادةَ وأَبي عَمْرو: {- دَرِّيءٌ، بِفَتْح الدّال، من} دَرَأْتُه، وهمزها وجَعلها على فَعِّيل، قَالَ: وَذَلِكَ من
(1/223)

تَلأْلُئهِ، قلت: فَهُوَ إِذاً مُثَلَّتٌ (و) قَالَ أَبو عُبيدٍ: إِن ضَممتَ الدَّالَ قُلت {- دُرِّيءٌ، وَيكون مَنسوباً إِلى الدُّرِّ، على فُعْلِيّ، وَلم تهمز، لأَنه (لَيْسَ) فِي كَلَام الْعَرَب (فُعِّيل) بِضَم فتشديد (سواهُ، ومُرِّيق) للعُصْفُرِ، وَمن همزه من القُرَّاءِ فإِنما أَراد أَن وزنَه فُعُّولٌ مثل سُبّوح، فاستثقل (الضمَّ) فردَّ بعضَه إِلى الْكسر، كَذَا فِي (العُباب) أَي (مُتَوَقِّدٌ مُتَلأْلِيءٌ، وقَدْ} دَرَأَ) الكَوْكَبُ ( {دُروءًا) : تَوَقَّد وانتشرَ ضَوْءُهُ، وَقَالَ الفَرَّاء: الْعَرَب تُسمِّي الكواكبَ العِظامَ الَّتِي لَا تَعرف أَسماءَها:} - الدَّرَارِيَّ، وَقَالَ ابْن الأَعرابيّ: {- والدِّرِّيءُ: الكَوكَبُ المُنْقَضُّ يُدْرَأُ على الشَّيْطَان، وأَنشدَ لأَوْسِ بن حَجَرٍ، وَهُوَ جاهليٌّ، يَصِفُ ثَوْراً وَحْشِيًّا.
فَانْقَضَّ} - كالدِّرِّيءِ يَتْبَعُهُ
نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالُه طُنُبَا
يُرِيد: تَخالُه فُسْطَاطاً مَضروباً، كذَا فِي مُشْكِل القُرآنِ لابنِ قُتَيْبَة.
(و) كَوْكَب (دُرِّيءٌ بالضَّمِّ وَالْيَاء) موضعُ ذِكره (فِي دُرَر) وسيأْتي إِن شاءَ الله تَعَالَى.
( {ودَارَأْتُه) مُدارءَةً وَكَذَا (} دَارَيْتُه) مُدارَاةً إِذا اتَّقَيْته (و) دارأْته أَيضاً (دَافَتُه ولاَيَنْتُه) وَهُوَ (ضِدٌّ) ، وأَصل {المُدَارَأَةِ المُخالفة والمُدافعة، وَيُقَال فلانٌ لَا} يُدارِي وَلَا يُمَارِي، أَي لَا يُشاغِب وَلَا يُخالف. وأَما قَول أَبي يزِيد السائِبِ بنِ يزِيد الكِندِيِّ رَضِي الله عَنهُ: كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمشَرِيكي، فَكَانَ خَيْرَ شريكٍ، لَا يُشارِي وَلَا يُمارِي وَلَا يُدَارِي. قَالَ الصَّاغَانِي: فَفِيهِ وجهانِ: أَحدهما أَنه خَفَّف الهمزةَ للقرينتين، أَي لَا يُدافِع ذَا الحَقِّ عَن حَقِّه، وَالثَّانِي أَنه على أَصْله فِي الاعتلال، من دَرَاهُ إِذا خَتَله وَقَالَ الأَحمر: المُدارأَةُ فِي حُسْن الْخلق والمعاشرة، تُهمز وَلَا تُهمز، يُقَال دَارَأْتُه
(1/224)

ودَارَيْتُه إِذا اتَّقَيْتَه ولاَيَنْتَهُ.
(وَرَجُلٌ) وَفِي الحَدِيث: السُّلطَانُ (ذُو {تُدْرَإٍ) بِالضَّمِّ، وذُو عُدْوَانٍ وذُو بَدَوَاتٍ (و) فِي بعض الرِّوايات ذُو (} تُدْرَأَةٍ) بِالْهَاءِ، وَالتَّاء زائدةٌ زِيادَتها فِي تُرْتُبٍ وتَنْضُبٍ وتَتْفَلٍ أَي (مُدَافِعٌ ذُو عِزَ) وَفِي بعض النّسخ: ذُو عُدَّة (ومَنَعَةٍ) وقُدْرَة وقُوَّة على دَفْع أَعدائه عَن نَفسه، وَقَالَ ابْن الأَثير: ذُو تُدْرَإٍ: ذُو هُجومٍ لَا يَتَوَقَّى وَلَا يَهاب، فَفِيهِ قُوَّةٌ على دَفْعِ أَعدائه، وَمِنْه قولُ العَبَّاسِ بن مِرْداسٍ:
وَقَدْ كُنْتُ فِي القَوْمِ ذَا تُدْرَإٍ
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً ولَمْ أُمْنَعِ
وقرأْت فِي ديوَان الحماسة للقُلاَخ ابْن حَزْنِ بن خَبَّابِ المَنقرِيُّ:
وَذُو تُدْرَإٍ مَا اللَّيْثُ فِي أَصْلِ غَابِهِ
بِأَشْجَعَ مِنْهُ عِنْدَ قِرْنٍ يُنَازِلُهْ
(و) قَالَ ابنُ دُريدٍ: ( {دَرَأٌ كَجَبَلٍ) مهموزٌ مقصورٌ (: اسْم) رجل (} وادَّارَأْتُمْ أَصْلُه تَدَارَأْتُمْ) أُدغِمت التَّاء فِي الدَّال لِاتِّحَاد الْمخْرج، واجتُلِبت الهمزةُ للابتداء بهَا (و) قَالَ أَبو عبيد ( {ادَّرَأْتُ الصَّيْدَ) على افْتَعَلَ إِذا (اتّخَذْتُ لَهُ دَرِيئَةً) .
والتركيب يدلُّ على دَفْع الشيءِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} الدَّرْءُ: النُّشوزُ وَالِاخْتِلَاف، وَمِنْه حَدِيث الشَّعبيّ فِي المُختلَعَة: إِذا كَانَ {الدَّرْءُ مِن قِبَلِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذ مِنْها. أَي النُّشوز والاختلافُ.
وَذَات} المُدَارأَةِ هِيَ الناقةُ الشَّدِيدَة النَّفْسِ، وَقد جاءَ فِي قَوْلِ الهُذليّ.
{والمِدْرَأُ، بِالْكَسْرِ: مَا يُدْفَع بِهِ.
} والتَّدارِي أَصلُه {التَّدارُؤُ، تُرِك الهمزُ ونُقِل إِلى التَّشْبِيه بالتّقَاضِي والتَّدَاعِي.
} وَدرَأَ الحائطَ ببنَاءٍ: أَلزقَه بِهِ،! ودَرَأَ الشَّيْءَ: جعَلَه لَهُ رِدْأً، ودَرَأَه بحَجر: رَماه، كَرَدَه.
(1/225)

{وانْدَرَأَ عَلَيْهِ} انْدِرَاءً: اندَفَع، والعامة تَقول: انْدَرَى، وانْدَرَأَ علينا بِشَرَ: طَلَع مُفاجأَةً.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:

دربأ
: {دَرْبَأَ يُقَال (} تَدَرْبَأَ الشَّيْءُ تَدَهْدَي) كَذَا فِي (الْعباب) .

دفأ
: ( {الدِّفْءُ بِالْكَسْرِ) ورُوِي الفتحُ أَيضاً عَن ابْن القطّاع (ويُحَرَّك) فَيكون مَصدر} دَفئَ {دَفَأً مثل ظَميءَ ظَمَأً، وَهُوَ السُّخونة (نَقِيضِ حِدَّهِ البَرْدِ} كالدَّفَاءَة) صرَّح الجوهريّ والصاغاني أَنه مصدرٌ للمكسور كالكَراهَةِ، من كَرِهَ، وصرَّح اليزيديُّ بأَنه مصدرُ المَضموم، كالوَضَاءَة، من وَضُؤَ، وَالِاسْم الدِّفْءُ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي {يُدْفِئُك (ج أَدْفَاءٌ) ، تَقول: مَا عَلَيْهِ} دِفْءٌ، لأَنه اسمٌ، وَلَا تقل: مَا عَلَيْك {دَفَاءَةٌ، لأَنها مصدر، قَالَ ثَعَلَبَةُ بن عُبَيدٍ العَدَوِيُّ:
فَلَمَّا انْقَضَى صِرُّ الشِّتَاءِ وَأَيْأَسَتْ
مِنَ الصَّيّفِ أَدْفَاءَ السُّخُونَةِ فِي الأَرْضِ
(دَفِيءَ) الرجلُ (كَفَرِح) دَفَأً، محركةً، ودَفَاءَةً كَكَراهَةٍ (و) } دَفُؤَ مثل (كَرُمَ) دَفَاءَةً، مثل وَضُؤَ وَضَاءَةً ( {وتَدَفَّأَ) الرجلُ بِالثَّوْبِ (} واستدْفَأَ) بِهِ ( {وادَّفَأَ) بِهِ، أَصله} اتْدَفَأَ، فأُبدل وأُدْغم (و) قد ( {أَدْفَأَه) أَي (أَلبَسه} الدِّفاءَ) بِالْكَسْرِ ممدوداً اسْم (لِمَا {يُدْفِئُه) من نحوِ صوفٍ وغيرِه، وَقد} ادَّفَيْتُ {واستَدْفَيْتُ، أَي لبست مَا} يُدْفِئُني، وَحكي اللِّحيانيُّ أَنه سمع أَبا الدِّينارِ يُحدِّث عَن أَعرابيَّةٍ أَنها قَالَت: الصِّلاَءَ {والدِّفَاءَ، نصبتْ على الإِغْرَاءِ أَو الأَمْرِ (} والدَّفْآنُ: {المُسْتَدْفِئُ} كالدَّفِئِ) على فَعِل (وَهِي {دَفْأَى) كسَكحرَي، وَالْجمع} دِفاءٌ، وَوجدت فِي بعض المجاميع مَا نصُّه: الدَّفْآنُ وأُنْثَاه خاصٌّ بالإِنسان، وككريم خاصٌّ بغيرِه من زمانٍ أَو مكانِ، وككَتِفٍ مُشتَركٌ
(1/226)

بَينهمَا، وَفِي (اللِّسَان) : مَا كَانَ الرَّجُلُ دَفْآنَ ولقَدْ دَفِيءَ، وأَنشد ابنُ الأَعرابيّ:
يَبِيتُ أَبُو لَيْلَى {دَفِيئاً وَضَيْفُهُ
مِنَ القُرِّ يُضْحِي مُسْتَخِفا خَصَائِلُهْ
(و) حكى ابنُ الأَعرابيّ: (أَرضٌ} دَفِئَةٌ) مَقْصُورا، (و) حكَى غيرُه ( {دَفِيئَة) كخطِيئَة، ودَفُؤَتْ ليلَتُنَا، ويومٌ} - دفِيءٌ، على فَعِيل، وليلةٌ {دَفِيئَة، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ والبيتُ، كَذَا فِي (العُباب) .
(و) يُقَال: أَرضٌ (} مَدْفأَة) أَي ذاتُ دِفْءٍ، وَالْجمع {مَدَافِئُ، قَالَ ساعدةُ يصف غزالاً:
يَقْرُوا أَبَارِقَهُ ويَدْنُو تَارَةً
} بِمَدافِئٍ مِنْهُ بِهِنَّ الحُلَّبُ
وَفِي (شُروح الفَصيح) : دَفُؤَ يومُنا {ودَفُؤَتْ ليلَتُنا، فَهُوَ} دَفْآنُ، وَهِي {دَفْأَى، بالقَصْر، وَرجل} دَفِئٌ ككتِف، وامرأَةٌ {دَفِئَةٌ، وَمثله فِي الأَساس.
(و) من الْمجَاز (إِبلٌ} مُدْفَأَةٌ {ومُدْفِئَةٌ} ومُدَفَّأَة {ومُدَفِّئَة) بالضمّ فِي الكُلّ (: كَثيرةُ الأَوْبارِ والشُّحوم) } يُدْفِئُها أَوْبَارُها، وَزَاد فِي (اللِّسَان) {مُدفاة بِالضَّمِّ غير مهموزٍ أَي كثيرةٌ} يُدْفِئُ بعضُها بَعْضًا بأَنفاسها، كَذَا فِي (الصِّحَاح) ، وَفِي (الْعباب) : {والمُدْفِئَة: الإِبل الكثيرةُ لأَنَّ بعضَها يُدْفِيءُ بعْضاً بأْنفاسها، وَقد تُشَدَّد،} والمُدْفَأَةُ: الإِبلُ الكثيرةُ الأَوبار والشُّحومِ، عَن الأَصمعيِّ، وأَشند للشمَّاخ:
أَعائِشَ مَا لأَهْلِكِ لاَ أَرَاهُمْ
يُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضِيعِ
وَكَيْفَ يَضِيعُ صَاحِبُ {مُدْفَآتٍ
عَلَى أَثْبَاجِهِنَّ مِنَ الصَّقيعِ
(} - والدَّفَئِيُّ) كعربِيّ هُوَ (الدَّثَئِيُّ) قَالَه الأَصمعي، وَهُوَ المطرُ يأْتي بعد اشتدادِ الحرِّ، وَقَالَ ثعلبٌ: وقتُه إِذا قاءَت الأَرض الكَمْأَةَ، وَفِي (الصّحاح) و (الْعباب) : الدَّفَئِيُّ: الْمَطَر الَّذِي يكون بعد الرَّبيع قبل الصَّيْف حِين تَذهب الكَمْأَةُ فَلَا يبْقى فِي الأَرض مِنْهَا شيءٌ (و) قَالَ أَبو زيدٍ:! الدَّفَئِيَّة (بهاءٍ) مِثال
(1/227)

العَجَمِيَّة (: المِيرَةُ) تَحْمَل (قُبُلَ الصَّيْفِ) وَهِي المِيرَةُ الثَّالِثَة، لأَن أَوَّلَ المِيرَةِ الرَّبَعِيَّة ثمَّ الصَّيْفِيّة، وَكَذَلِكَ النِّتَاج، قَالَ: وأَوَّل {- الدَّفَئِيِّ وقوعُ الجَبْهَةِ، وآخِرُه الصَّرْفَةُ.
(و) فِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِعُ} (النَّحْل: 5) قَالَ الفراءُ (الدِّفْءُ بِالْكَسْرِ) هَكَذَا كُتِب فِي الْمَصَاحِف بالدَّال وَالْفَاء وإِن كُتِب بِالْوَاو فِي الرّفْع، والياءِ فِي الخَفْضِ، والأَلف فِي النصب كَانَ صَوَاباً، وَذَلِكَ على ترك الْهَمْز وَنقل إِعراب الْهَمْز إِلى الْحَرْف الَّذِي قبلهَا، هُوَ (نِتَاجُ الإِبلِ وأَوْبَارُها) وأَلبانها (والانتفاعُ بهَا) وَعبارَة (الصِّحَاح) و (الْعباب) : وَمَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْهَا، وَرُوِيَ عَن ابْن عباسٍ فِي تَفْسِير الْآيَة قَالَ: نَسْلُ كلِّ دابَّةٍ، وَفِي حَدِيث وفْدِ هَمْدَان (وَلَنَا مِنْ} دِفْئِهِمْ وَصِرَامِهِمْ مَا سَلَّمُوا بالمِيثاقِ والأَمَانَةِ) أَي إِبلِهِم وغَنمِهم، سَمَّى نِتاجَ الإِبل وَمَا يُنتَفع بهَا دِفْأً لأَنه يُتَّخَذ من أَوبارِها وأَصوافها مَا يُستَدْفَأُ بِهِ.
(و) {الدِّفْءُ (: العطِيَّةُ، و) الدِّفءُ (من الْحَائِط: كِنُّه) يُقَال: اقْعُدْ فِي دِفْءِ هَذَا الحائطِ أَي كِنّه، (و) الدِّفْءُ (مَا أَدْفَأَ من الأَصواف والأَوْبارِ) من الإِبل وَالْغنم. (و) قَالَ المُؤَرِّجُ: (أَدْفَأَهُ) أَي الرجل إِدفاءً إِذا (أَعطاهُ) عَطاء (كثيرا) وَهُوَ مجَاز.
(و) أَدفأَ (القومُ: اجْتَمعُوا) .
(} والدَّفَأُ مُحركةً: الحَنَأُ) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون، يُقَال فُلانٌ فِيهِ {دَفَأٌ، أَي انْحِنَاءُ، وَفِي حَدِيث الدجّال: (فِيهِ دَفَأٌ) حَكَاهُ الهرويُّ مهموزاً مَقْصُورا. (وَهُوَ} أَدْفَأُ) بِغَيْر همزٍ، أَي فِيهِ انحناءٌ (وَهِي {دَفْأَى) بِالْقصرِ، وسيأْتي فِي المعتل إِن شاءَ الله تَعَالَى.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
} الإِدفاءُ: هُوَ القَتْلُ، فِي لُغَة بعضِ الْعَرَب، وَفِي الحَدِيث: أُتِيَ بأَسِيرٍ يُرْعَد، فَقَالَ لقومٍ: (اذْهَبُوا بهِ! فَادْفُوه)
(1/228)

فذهَبُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فوداه رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَراد {الإِدْفَاءَ، من الدِّفْءِ وأَنْ} يُدْفأَ بثوبٍ، فحَسبوه بِمَعْنى القَتحلِ فِي لُغَة أَهل الْيمن، وأَراد {أَدْفِئُوه بِالْهَمْز، فخفَّفه شُذوذاً، وتَخفيفه القياسيُّ أَن تُجعَل الهمزةُ بَيْنَ بَيْنَ، لَا أَنْ تُحْذَف، لأَن الْهَمْز لَيْسَ من لُغَة قُرَيْش، فأَمَّا الْقَتْل فَيُقَال فِيهِ} أَدْفَأْتُ الجريحَ {ودَافَأْتُه} ودَفَوْتُه {ودَافَيْتُه، إِذا أَجهزْتَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي (اللِّسَان) ، قلت: ويأْتي فِي المعتل إِن شاءَ الله تَعَالَى.
} وأَدفاءٌ، جمع دِفءٍ: مَوْضِعٌ، كَذَا فِي (المُعجم) .

دكأ
: ( {دَكَأَهُم كمَنَع: دافَعَهم وزاحَمَهُمْ) } كَدَاكَأَهم. {وداكَأَتْ عَلَيْهِ الدُّيونُ، قَالَه أَبو زيد. (} وتَدَاكَئُوا: ازدَحموا وتَدَافعوا) قَالَ ابْن مُقبل:
وقَرَّبُوا كُلَّ صِهْيِمٍ مَنَاكِبُهُ
إِذَا {تَدَاكَأَ مِنْهُ دَفْعُه شَنَفَا
الصِّهميم من الرِّجال والجِمَال إِذا كَانَ حَمِيِّ الأَنْفِ أَبِيًّا شديدَ النَّفْسِ بَطِيءَ الانكسارِ.} وَتَدَاكَأَ: تدافَع، ودَفْعُه: سَيْرُهُ، كَذَا فِي (اللِّسَان) .

دنأ
: ( {- الدَّنِيءُ: الخَسيِس) الدُّون من الرِّجَال (} كالدَّانِئ) {- والدّنِيءُ أَيضاً: (الخَبِيثُ البَطْنِ والفَرْجِ، الماجِنُ) السِّفْلِيّ، قَالَه أَبو زيد واللحياني، كَمَا سيأْتي نصُّ عبارتهما (و) } الدنيءُ أَيضاً: (الدَّقيقُ الحقير ج {أَدْنَاءٌ) كشريف وأَشرافٍ، وَفِي بعض الأُصول} أَدْنِيَاء كنصيب وأَنصِباءَ ( {ودُنَاء) كَرُخَال على الشذوذ (وَقد} دَنَأَ) الرجلُ {ودَنُؤَ (كَمَنع وكَرُم} دُنُوءَةً) بالضمّ ( {وَدَناءَةً) مثل كَرَاهَةٍ، إِذا صَار} دَنِيئًا لَا خَيْرَ فِيهِ، وسَفُلَ فِي فعله ومَجُنَ ( {والدَّنِيئةُ: النقيصة.} وأَدْنأَ) الرجل (: رَكِب) أَمراً ( {دنيئاً) حَقيراً، وَقَالَ ابْن السكّيت: لقد} دَنَأْتَ فِي فِعلك {تَدْنَأُ أَي سَفَلْتَ فِي فِعْلك ومَجُنْتَ، وَقَالَ الله تَعَالَى {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ} (الْبَقَرَة: 61) قَالَ الفراءُ: هُوَ من الدَّناءَةِ، وَالْعرب تَقول: إِنه لَدَنِيءٌ فِي الأُمور، غير مَهْمُوز، يَتَّبِعُ خَسِيسَها وأَصاغِرَها، وَكَانَ زُهَيْرٌ الفُرْقُبِيّ يهمز (هُوَ} أَدنَى بِالَّذِي
(1/229)

هُوَ خير) قَالَ الفَرَّاءُ: هُوَ من {الدناءة وَالْعرب تَقول: إِنَّه} - لدنيٌّ فِي الْأُمُور، غير مَهْمُوز يتبع خسيسها وأصاغرها وَكَانَ زُهَيْر الفرقبي يهمز " هُوَ {أدنأ بِالَّذِي هُوَ خير" قَالَ الْفراء: وَلم تزل العربُ تَهمز أَدْنَأَ إِذا كَانَ من الخِسَّة، وهم فِي ذَلِك يَقُولُونَ إِنه} لدَانىءٌ، أَي خَبيثٌ فيهمزون، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَدْنَى، غير مَهْمُوز، أَي أَقرب، وَمَعْنَاهُ أَقلُّ قِيمةً، فأَمّا الخسيسُ فاللغةُ فِيهِ {دَنُؤَ دَنَاءَةً، وَهُوَ} - دَنِيءٌ، بِالْهَمْز. وَفِي كتاب (المصادِر) : دَنُؤَ الرجلُ يَدْنُؤُ دُنُوءًا ودَنَاءَةً إِذا كَانَ مَاجناً. قَالَ أَبو مَنْصُور: أَهلُ اللغةِ لَا يَهْمِزون دَنُؤَ فِي بَاب الخِسَّة، وإِنما يهمزونه فِي بَال المجون والخُبْثِ، مِن قَوْمٍ {أَدْنِئَاء، وَقد دَنُؤَ دَنَاءَةً، وَهُوَ الخَبِيث البَطْنِ والفَرْجِ ورجلٌ دَنِيءٌ من قَوْمٍ أَدْنِيَاء، وَقد} دَنَأَ {يَدْنَأُ ودَنُوَ يَدْنُو دُنُوًّا، وَهُوَ الضعيفُ الخَسيس الَّذِي لَا غَنَاءَ عِندَه، المُقَصِّر فِي كلِّ مَا أَخَذَ فِيهِ، وأَنشد:
فَلاَ وَأَبِيكَ مَا خُلُقِي بِوَعْرٍ
وَلاَ أَنَا بِالدَّنِيءِ وَلاَ المُدَنَّا
وَقَالَ أَبو زيد فِي كتاب الْهَمْز: دَنَأَ الرجلُ يَدْنَأُ دَنَاءَةً ودَنُؤَ يَدْنُؤُ} دُنُوءًا إِذا كَانَ {دَنِيئاً لَا خير فِيهِ، وَقَالَ اللحيانيُّ: رجل} دَنِىءٌ {ودَانِيءٌ، وَهُوَ الخبيثُ البَطْن والفرجِ الماجِنُ، من قوم أَدْنِئَاء (اللَّام) ، مَهْمُوزَة، قَالَ: وَيُقَال للخسيس: إِنه} - لدنِىءٌ من أَدْنِيَاء، بغي رهمزٍ. قَالَ الأَزهريُّ: وَالَّذِي قَالَه أَبو زيد واللِّحيانيُّ وابنُ السكّيت هُوَ الصَّحِيح، وَالَّذِي قَالَه الزَّجَّاجُ غيرُ مَحْفُوظٍ، كَذَا فِي (اللِّسَان) .
( {وَدنِىءَ كَفَرِح: جَنِيءَ، والنَّعْت) فِي الْمُذكر والمؤنث (} أَدْنَأُ {ودَنْأَى) وَيُقَال للرجل: أَدْنَأُ وأَجْنَأُ وأَقْعَسُ، بِمَعْنى واحدٍ.
(} وتَدَنَّأَهُ: حَمَله على الدَّنَاءَةِ) يُقَال،
(1/230)

نفس فلَان {تَتَدَنَّؤُه، أَي تَحمِله على الدَّناءَةِ.
والتركيب يدلُّ على القُرْبِ، كالمعتلِّ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ هُنَا:

دهدأ
:} دَهْدَأَ، قَالَ أَبو زيد: مَا أَدْرِي أَيّ {الدَّهْدَإِ هُوَ؟ أَيْ أَيّ الطَّمْشِ هُوَ، مَهموز مقصورٌ، وضافَ رجلٌ رجلا فَلم يَقْرِه، وَبَات يُصَلِّي وتَركه جائعاً يَتَضَوَّرُ فَقَالَ:
تَنيِتُ} تُدَهْدِيءُ القُرْآنَ حَوْلِي
كَأَنَّكَ عِنْدَ رَأْسِي عُقْرُبَانُ
فهمز تُدَهْدِيء، وَهُوَ غير مهموزٍ، كَذَا فِي (اللِّسَان) .

دوأ
: ( {الدَّاءُ: المَرَضُ) وَالْعَيْب ظَاهرا أَو بَاطناً، حَتَّى يُقَال: داءُ الشُّحِّ أَشدُّ} الأَدواءِ، وَمِنْه قولُ المَرأَةِ: كُل {داءٍ لَهُ} داءٌ، أَرادت كُلُّ عَيْبٍ فِي الرِّجال فَهُوَ فِيهِ، وَفِي الحَدِيث (أَيُّ دَاءٍ {أَدْوَى مِنَ البُخْلِ) أَيْ أَيُّ عَيْبٍ أَقْبَحُ مِنْهُ) قَالَ ابنُ الأَثير: الصوابُ} أَدْوَأُ، بِالْهَمْز (ج {أَدْوَاءٌ) قَالَ ابنُ خَالَوَيْه، لَيْسَ فِي كَلَامهم مُفرَدٌ ممدودٌ وجَمعُه ممدودٌ إِلاَّ دَاءٌ وأَدَوَاءٌ، نَقله شَيخنَا.
(} دَاءَ) الرجلُ ( {يَدَاءُ) كخَاف يَخَاف (} دَوْأً، {ودَاءً،} وأَدْوَأَ) كأَكْرَم، وَهَذَا عَن أَبي زيدٍ، إِذا أَصابه فِي جَوْفِهِ الدَّاءُ (وَهُوَ {دَاءٍ) بكسرِ الهمزةِ المُنونة، كَمَا فِي سَائِر النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بضمِّها، كأَنّ أَصلَه} دائِىءٌ ثمَّ عومِل معاملةَ المعتلّ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: رجل دَاءٌ فَعِلٌ، أَي ذُو دَاءٍ، ورجلانِ {دَاآنِ، ورِجال أَدْوَاءٌ. وَنسبه الصغاني لِشَمِرٍ، وَزَاد فِي (التَّهْذِيب) : رجل} دَوَى مِثْل ضَنًى (و) رجل ( {- مُدِيءٌ) كمُطيع، (وَهِي بهاء) أَي امرأَة} دَاءَةٌ {ومُديِئَةٌ، وَفِي الأَساس: رجل دَاءٌ، وامرأَة دَاءٌ ودَاءَةٌ (وَقد} دِئْتَ يَا رجل) بِالْكَسْرِ ( {وأَدَأْتَ) وَكَذَا} أَداءَ جوفُك فأَنت {- مُديءٌ (} وأَدَأْتُه) أَيضاً إِذا (أَصَبْته {بداءٍ) يتعدَّى وَلَا يتعدَّى.
(} ودَاءُ الذِّئبِ: الجُوع) قَالَه ثَعْلَب (و) يُقَال (رَجُلٌ {دَيِّىءٌ كَخَيِّر: دَاءٍ، وَهِي بهاء) } دَيِّئَة، وَنَصّ عبارَة التَّهْذِيب ولي لُغَة أُخرى: رجل دَيِّيءٌ وامرأَة دَيِّئَة، على فَيْعِل وفَيْعِلة، ونصّ عبارَة (العُباب) :
(1/231)

رجلٌ دَيِّيءٌ، وامرأَة دَيِّئَة، على فَعِيْل وفَيْعلة.
( {ودَاءَةُ: جَبَلٌ) يَحْجُزُ بَين النَّخْلتينِ اليمانيةِ، والشاميةِ، (قُرْبَ مكّةَ) حرسها الله تَعَالَى، كَذَا فِي (الْعباب) و (المراصِد) ، وَفِي (مُعجم البكريّ) : بلدٌ قَرِيبٌ من مَكَّة. (و) } داءَة (ع لهُذَيلٍ) قَالَ حُذيفة بن أَنسٍ الهُذليُّ:
هَلُمَّ إِلى أَكْنَافِ دَاءَةَ دُونَكُمْ
وَمَا أَغْدَرَتْ مِنْ خَسْلِهِنَّ الحَنَاظِبُ
ويروى: أَكناف دَارَة، والخَسْلُ رَدِيء النَّبِق، كَذَا فِي (العُباب) ، وَلم أَجدْه فِي ديوَان شعْرِهم.
( {والأَدْوَاءُ) على صِيغَة الْجمع (ع) فِي ديار تَمِيم بِنَجْد، قَالَ نصر: هُوَ بِضَم الهَمْزِ وفَتح الدَّال.
(و) يُقَال: سَمِعت} دَوْدَأَةً ( {الدَّوْدَأَةُ: الجَلَبَةُ) والصياح.
(و) عَن أَبي زيد (إِذا اتَّهمَتَ الرجلَ قلت لَهُ:) قد (} أَدَأْتَ {إِدَاءَةً،} وأَدْوَأْتَ {إِدْواءً) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
يُقَال فلَان مَيِّتُ الدَّاء، إِذا كَانَ لَا يَحْقِد على مَنْ يُسيء إِليه.
وداءُ الأَسد: الحُمَّى، قَالَه أَبو مَنْصُور، وداءُ الظَّبْي: الصحَّةُ والنشاطُ، قَالَه أَبو عَمْرو، وَاسْتَحْسنهُ أَبو عبيدِ، وأَنشد الأُمويّ:
لَا تَجْهَمِينَا أُمَّ عَمْرو فَإِنَّمَا
بِنَا دَاءُ ظَبْيٍ لَمْ تَخُنْهُ عَوَامِلُهْ
وداءُ الْمُلُوك: التَّرَدُّهُ والتنعُّم. وداءُ الكرامِ: الدِّيْنُ والفَقْرُ. وداءُ الضَّرَائرِ: الشَّرُّ الدَّائِم. وداءُ البطْنِ: الفِتْنَةُ العَمْيَاءُ.

(فصل الذَّال) الْمُعْجَمَة مَعَ الْهمزَة)
ذأذأ
: (} الذَّأْذَاءُ {والذَّأْذَاءَةُ بمدِّها) أَي الْهمزَة (: الزَّجْرُ) ، عَن أَبي عَمْرو، وَيُقَال زَجْرُ الحَليم السفيهَ (و) } الذَّأْذَاءَةُ أَيضاً: (الاضطرابُ فِي المَشْيِ، {كالتَّذَأْذُؤِ} والذَّأْذَأَةِ) يُقَال:! تذأْذَأَ الرجلُ إِذا مَشى مُضطرِباً.
(1/232)

ذبأ
: ( {الذِّبَأَةُ، بِالْفَتْح) قَالَ ابْن الأَعرابي (: الجاريةُ) الرَّعُوم، وَهِي (المَهزُولة المَليحةُ) الهُزالِ (الخَفِيفةُ الرُّوحِ) وَلم يُورِدهُ صَاحب (اللِّسَان) .

ذَرأ
: (} ذَرَأَ) اللَّهُ لخَلْقَ (كَجَعل) {يَذْرَؤُهم} ذَرْأً (خَلَق: والشَّيْءَ: كَثَّرَه) قَالَ الله تَعَالَى: { {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} (الشورى: 11) أَي يُكَثِّرُكُم بِالتَّزْوِيجِ، كأَنه قَالَ} يَذْرَؤُكم بِهِ (وَمِنْه) اشتقاق لفظ ( {الذُّرِّيَّة، مُثلَّثة) وَلم تُسمَع فِي كَلَامهم إِلا غير مَهْمُوزَة (لِنَسْلِ الثَّقَلَيْنِ) من الجِنّ والإِنس، وَقد تُطلق على الآباءِ والأُصول أَيضاً، قَالَ الله تَعَالَى: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (يس: 41) وَالْجمع} ذَرارِيُّ كَسَراريّ قَالَ الصَّاغَانِي: وَفِي اشتقاقها وجهانِ، أَحدهما أَنها من {الذَّرْءِ، ووزنها فُعُّولَة أَو فُعِّيلة، وَالثَّانِي أَنها من الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيق، لأَن الله تَعَالَى ذَرَّهُم فِي الأَرض، ووزنها فُعْلِيَّة أَو فُعُّولة أَيضاً وأَصلُها ذُرُّورَة فقلبت الرَّاء الثَّالِثَة يَاء، كَمَا فِي تَقَضَّتِ العُقابُ. وَقد أُوقِعَتْ الذُّرِّيَّة على النِّساء، كَقَوْلِهِم للمطرِ سَمَاءٌ، وَمِنْهَا حَدِيث عُمر رَضِي الله عَنهُ. حُجُّوا بالذُّرِّيَّة لَا تَأْكُلُوا أَرْزَاقَها وَتَذرُوا أَرْباقَها فِي أَعناقِها. قيل المُرَاد بهَا النِّسَاء لَا الصِّبيان، وضَرب الأَرْبَاقَ مَثلاً لما قُلِّدَت أَعناقُها مِن وُجوب الحَجّ.
(و) } ذَرَأَ (فُوهُ) وذَرَا، بغي رهمز (: سَقَطَ) مَا فِيهِ من الأَسنان مثل ذرَا كدَعَا.
(و) {ذَرأَ (الأَرضَ: بَذَرهَا) قَالَ شَيخنَا: قيل: الأَفصح فِيهِ وَفِيمَا قبله الإِعلال، وأَما الْهمزَة فلغة ضَعِيفَة أَو لثغة (و) يُقَال (زَرْعٌ} - ذَرِيءٌ) على فَعِيل، قَالَ عُبيدُ الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مَسْعُود، ويُروى لِقيس بن ذَرِيح، وَهُوَ موجودٌ فِي دِيوانَيْ شعرهما:
صَدَعْتِ القَلْبَ ثُمّ! ذَرَأْتِ فِيهِ
هَوَاكِ فَلِيمَ فَالْتَأَمَ الفُطُورُ
(1/233)

تَبلَّغَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ
وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ
ويُروى ثمَّ ذَرَرْتِ وذَرَيْتِ غير مَهْمُوز، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. كَذَا فِي (الْعباب) .
( {والذُّرْأَةُ بالضمّ) الشَّمَطَ و (الشَّيْبُ) قَالَ أَبو نُخَيلة السَّعديُّ:
وَقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بَادِي بَدِى
وَرَثْيَةٌ تَنْهَضُ فِي تَشَدُّدِ
(أَو أَوَّل بَياضِه فِي مُقَدَّمِ الرأْسِ) ، وَفِي الأَساس: فِي الفَوْدَيْنِ،} كالذَّرَاءِ، مُحرّكةً، كَمَا فِي (الْعباب) و ( {ذَرِىءَ) شَعرُه} وذَرَأَ (كفِرِح ومَنَع) وَحكى صاحبُ المبرّز عَن قُطْرُب {ذَرُؤَ كَكَرُم أَيضاً، (والنعْتُ} أَذْرَأُ {وذَرْآءُ) قَالَ أَبو مُحمد الفقعسيُّ:
قَالَتْ سُلَيْمَى إِنَّنِي لاَ أَبْغِيهْ
أَرَاهُ شَيْخاً عَارِياً تَرَاقِيهْ
مُقَوَّساً قَدْ} ذَرِئَتْ مَجَالِيهْ
(وكبش أَذْرَأُ: فِي رَأْسه بيَاضٌ) وعَنَاقٌ {ذَرْآءُ (أَو) كَبْشٌ أَذْرَأُ بِمَعْنى (أَرْقَش الأُذُنَيْنِ وسائرُه أَسوَدُ) كَذَا فِي (الصّحاح) و (العُباب) ، وَزَاد فِي الأَخير: والذُّرْأَة هِيَ من شِيَات المَعزِ دون الضأْن.
(و) عَن الأَحمر يُقَال (} أَذْرَأَه) فلانٌ وأَشْكَعه أَي (أَغْضَبه وذَعَرَهُ، وأَوْلَعَهُ بالشْيءِ) .
{وأَذْرَأَهُ إِلى كَذَا (: أَلجَأَهُ) إِليه، رَوَاهُ أَبو عبيد أَذْرَاهُ بِغَيْر همز، ورَدّ ذَلِك عَلَيْهِ عليُّ بن حَمْزَة وَقَالَ: إِنما هُوَ أَذرَأَه، بِالْهَمْز (و) أَذرأَه: (أَسَالَهُ، و) يُقَال أَذرَأَت (الناقةُ) إِذا (أَنزلَتِ اللَّبَنَ) من الضَّرْعِ (فَهِيَ} مُذْرِىءٌ) لُغة فِي الدَّال الْمُهْملَة.
(و) يُقَال بَلَغَني ( {ذَرْءٌ مِن خَبَرٍ) ضَبطه ابْن الأَثير بفَتح فَسُكُون، وَفِي بعض النّسخ بالضَّمّ، أَي (شَيْءٌ مِنْهُ) وطرف مِنْهُ،} والذَّرْءُ: الشيءُ الْيَسِير من القَوْل، قَالَ الشَّاعِر:
أَتَانِي عَنْ مُغِيرَةَ ذَرْءُ قَوْلٍ
وَعَنْ عِيسَى فَقُلْتُ لَه كَذَاكَا
(و) يُقَال: (هم ذَرْءُ النارِ) ، جاءَ ذَلِك فِي حَدِيث عُمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(1/234)

أَنه كتب إِلى خَالِد بن الْوَلِيد: بَلَغَني أَنَّك دَخَلْتَ الحَمَّام بالشَّام وَأَنَّ مَن بهَا من الأَعاجم اتَّخَذُوا لَك دَلُوكاً عُجِن بِخَمْرٍ، وإِني أَظنكم آلَ الْمُغيرَة ذَرْءَ النارِ، أَراد أَنهم (خُلِقُوا لَهَا) وَمن روى: ذَرْوَ النارِ، بِلَا همز أَراد أَنهم يُذْرَوْنَ فِي النَّار.
(ومِلْحٌ {ذَرْآنِيٌّ) بتسكين الرَّاء (ويُحَرَّك) فَيُقَال} ذَرَآنِيٌّ أَي (شَدِيدُ البَيَاضِ) وَهُوَ مأْخوذ (من الذُّرْأَةِ) بالضمِّ (وَلَا تَقُلْ أَنْذَرَانِيٌّ) فإِنه من لحن الْعَوام، وَمِنْهُم من يهمل الذَّال.
(و) يُقَال (مَا بَيْننَا) وَبَينه (ذَرْءٌ) أَي (حائلٌ) .
( {وذِرْأَةُ بِالْكَسْرِ) العَنْز بِنَفسِهَا، كَذَا فِي (الْعباب) و (دُعَاءُ العَنْزِ للحَلَبِ، يُقَال} ذِرْءَ ذِءْءَ) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
قَالَ أَبو زيد أَذْرَأْتُ الرجَلَ بِصاحبه إِذا حَرَّشْته عَلَيْهِ وأَولَعْتُه بِهِ.
{وذَرَأْتُ الوَضِينَ: بَسَطْته، وَهَذَا ذكره الليثُ هُنَا، وردّ عَلَيْهِ أَبو مَنْصُور وَقَالَ: الصَّوَاب أَنها دَرَأْت الوَضِينَ، بِالدَّال الْمُهْملَة، وَقد تقدم.

ذمأ
: (} ذَمَأَ عَلَيْهِ كَمَنع) {ذَمْأً (: شَقَّ) عَلَيْهِ، هَكَذَا فِي (الْعباب) وَفِي بعض نسخ (الصِّحَاح) .

ذيأ
: (} ذَيَّأَهُ) أَي اللحمَ ( {تَذْيِيئاً: أَنضَجَه حَتَّى) } تَذَيَّأَ، أَي (تَهَرَّأَ) وَسقط من عَظْمِه. ( {وتَذَيَّأَ الجُرْحُ وغيرُه: تَقَطَّعَ وفَسَدَ) قَالَ الأَصمعيُّ: إِذا فَسدَت القُرحةُ وتقطَّعتْ قيل: قد} تَذَيَّأَتْ {تَذَيُّؤاً وتَهَذَّأَتْ، وأَنشد:
} تَذَيَّأَ مِنْهَا الرَّأْسُ حَتَّى كَأَنَّهُ
مِنَ الحَرِّ فِي نَارٍ يَبِضُّ مَلِيلُهَا
(و) تَذَيَّأَ (وَجْهُهُ) إِذا (وَرِمَ، أَو) ! التذيؤُ فِي اللُّغَة (هُوَ انفصالُ اللحْمِ عَن العظْمِ بِذَبْحٍ أَو فَسادٍ) كَذَا، ذكره بعضُ أَئمة اللُّغَة، وعَلى الأَول اقْتصر كَثِيرُونَ.
(1/235)

(فصل الرَّاء) مَعَ الْهمزَة)
رَأرَأ
: ( {رَأْرأَ) الرجلُ: (حَرَّك الحَدَقَة أَو قَلَّبَهَا) بِالْكَثْرَةِ (وَحَدَّدَ النَّظَر) وَهُوَ} يُرَأْرِىءُ بِعَيْنيهِ. وَقَالَ أَبو زيد: {رَأْرَأَتْ عَيناهُ، إِذا كَانَ يُدِيرُهما (و) رَأْرَأَت (المرأَةُ: بَرَقَتْ عَيْنَاهَا و) من ذَلِك (امرَأَةٌ} رَأْرَأَةٌ {ورَأْرَأٌ} ورَأْرَاءٌ) على (فَعْلَلَةِ) وفَعْلَلٍ وفَعْلاَلٍ، الأَخير عَن كُراع، وَكَذَلِكَ رجل رَأْرَأٌ وَرَأْرَاءٌ إِذا كَانَ يُكثر تَقليب حَدقتيه، وشاهدُ امرأَةٍ رَأْرَاءٍ بِغَيْر هَاء قَول الشَّاعِر:
شِنْظِيرَةُ الأَخْلاَقِ رَأْرَاءُ العَيْنُ
(و) رَأْرَأَ رَأْرَأَةً إِذا (دَعَا الغَنَم بِأَرْأَرْ) هَكَذَا بِسُكُون الرَّاء فيهمَا، وَفِي (اللِّسَان) قَالَ لَهَا: أَرّ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ الَّذِي فِي نُسْخَة شَيخنَا، ثمَّ قَالَ: وإِنما قِيَاس هَذَا أَن يُقَال فِيهِ أَرّأَرّ إِلاّ أَن يكون شاذًّا أَو مقلوباً، وَفِي (الْعباب) عَن أَبي زيد: {ورأْرأْتُ بالغَنم إِذا دَعَوْتها، وَهَذَا فِي الضأْن والمعز، قَالَ} والرَّأْرَأَةُ: إِشْلاَؤُهَا إِلى المَاء. زَاد الأَزهريُّ: والطَّرْطَبَةُ بالشفتين.
(و) رأْرَأَ (السَّحَابُ والسَّرابُ) إِذا (لَمَعا) وَاقْتصر الصغاني على السَّراب (و) رَأْرَأَت (الضِّباءُ: بَصْبَصَتْ بأَذْنَابِها) مثل لأْلأَتْ (و) رأْرَأَت (المرأَةُ: نظرَتْ) وجْهَهَا (فِي المِرْآةِ، و) من ذَلِك سميت ( {الرَّأْرَاءَةُ و) يُقَال (} الرَّأْرَاءُ) بالمدّ، وَهِي (بنتُ مُرِّ بن أُدّ) ابْن طَابِخة بن الْيَاسِ بن مُضَر، أُخت تَمِيم.
والتركيب يدل على اضْطِرَاب.

ربأ
: ( {رَبَأَهم و) } ربأَ (لَهُم، كمنَعَ: صَار رَبِيئَةً لَهُم) على شَرَف (أَي طَلِيعَةً) يُقَال: {رَبَأَ لنا فلانٌ} وارْتبأَ، إِذا اعْتَانَ، وإِنما أَنّثَوا الطَّليعةَ لأَنه يُقَال لَهُ العَيْنُ، إِذ بِعَيْنيهِ ينظر، وَالْعين مؤنث، وإِنما قيل لَهُ عَيْنٌ لأَنه يَرْعَى أُمورَهم ويحرُسهم، وَفِي (الْعباب) : {- الرّبِيءُ} والرَّبيئَةُ: الطليعة، وَالْجمع! الرَّبَايَا، وَلَا يكون إِلا على جَبَلٍ أَوْ شَرَفِ ينْظُر مِنْهُ.
قلت: وَمثله قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَمن أَنث
(1/236)

فَعلى الأَصل، وَمن ذَكُّر فعلى أَنه قد نَقَل من الْجُزْء إِلى الكُلِّ.
(و) من الْمجَاز: رَبأَ فلانٌ على شَرَفٍ إِذا (علاَ وارتفَعَ) لينْظر للْقَوْم كَيْلا يَدهَمَهم عَدُوٌّ. (و) ربأَ (رَفَعَ) ، يسْتَعْمل لَازِما، ومتعدِّياً، يُقَال: {رَبَأْتُ المَرْبَأَةَ} وأَرْبأْتُها أَي عَلَوْتها. {ورَبَأْتُ بك عَن كَذَا وَكَذَا: رفعتك، وربأَتُ بك أَرْفَعَ الأَمر: رفَعْتُك، وَهَذِه عَن ابْن جنّي، وَيُقَال: إِني} لأَرْبأُ بك عَن ذَلِك الأَمرِ، أَي أَرفعُك عَنهُ وَلَا أَرضاه لَك، {وَربَأَتِ الأَرضُ: رَبَتْ وَارْتَفَعت، وقُرِىء. {1. 017 22 فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربأت} (الْحَج: 5) أَي ارْتَفَعت. وَقَالَ الزّجاج: ذَلِك لأَن النبت إِذا همَّ أَن يَظهرَ ارْتَفَعت لَهُ الأَرضُ.
(و) } رَبَأَ المالَ: حَفِظَه و (أَصلَحَ) قَالَ الشَّاعِر:
وَلَا أَرْبَأُ المَالَ مِنْ حُبِّه
وَلاَ لِلْفَخَارِ وَلاَ لِلْبَخَلْ
ولكِنْ لِحَقَ إِذَا نَابَنِي
وإِكرامِ ضَيْفٍ إِذَا مَا نَزَلْ
(و) {رَبَأَ (: أَذْهَبَ) قَالَ شَيخنَا: وَقد يكون هَذَا من الأَضداد.
(و) } ربأَ لَهُ إِذا (جَمَعَ من كُلِّ طعامٍ) ولَبَنٍ وتَمْر وغيرِه.
(و) {رَبَأَ إِذا (تَثاقَلَ فِي مِشْيَتِهِ) ، يُقَال: جاءَ يَرْبَأُ فِي مِشْيَتِه أَءَ يتثاقل.
(و) } رَبَأَ على جَبَلٍ (: أَشرَفَ) لِينظُرَ، (كَارْتَبَأَ) وأَرْبَأَ، قَالَ غَيْلانُ الرَّبَعِيُّ:
قَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فَوْقَ الأَصْوَا
مُرْتَبِئَاتٍ فَوْقَ أَعْلَى العَلْيَا
وَيُقَال: مَا عَرَفْتُ فلَانا حَتَّى أَرْبَأَ لي، أَي أَشرفَ.
( {وَرابَأْتُه: حَذِرْتُه) أَي خفته (واتَّقَيْتُه) قَالَ البَعيث:
} فَرابَأْتُ واسْتَمْتَمْتُ حَبْلاً عَقَدْتُهُ
إِلى عَظَماتٍ مَنْعُهَا الجَارَ مُحْكَمُ
(و) رابأْته: (راقَبْتُه، و) {رابأْتُه: (حَارَسْتُه) } كأَرْبَأَهُ، {ورَبَأَهُ} وارْتَبأَهُ إِذا رَقَبَه.
(! والرَّبْأَةُ) بِالْفَتْح (: الإِدَاوة) تُعمَل
(1/237)

(من أَدَمٍ أَرْبَعَةٍ) .
( {والمِرْبَاءُ) كمِحراب (} والمَرْبأَة) على مَفْعَلٍ (والمَرْبَأَة) بِزِيَادَة الْهَاء ( {والمُرتَبَأُ: المَرْقَبَةُ) وَمِنْه قيل لمكانِ البازِي الَّذِي يَقِف فِيهِ} مَرْبَأَة، وَقد خفَّف الراجز همزَها فَقَالَ:
بَاتَ عَلَى {مَرْبَاتِهِ مُقَيَّدَا
وَقَالَ بَعضهم:} مَرْبَأَةُ البازِي: مَنَارَةٌ {يَرْبَأُ عَلَيْهَا.
(} والمِرْبَاءُ بِالْمدِّ) وَالْكَسْر (: المِرْقَاةُ) عَن ابْن الأَعرابي، وَقيل بِالْفَتْح، وأَنشد:
كأَنَّها صَقْعَاءُ فِي {مَرْبَائِهَا
وَقَالَ ثَعْلَب: كسرُ} مرْبَاء أَجْوَدُ من فَتحه (و) قَالَ الفرَّاءُ: رَبَأْتُ فِيهِ أَي عَلِمتُ عِلْمَه، وَقَالَ ابْن السكِّيت: (مَا {رَبَأْت} رَبْأَهُ) أَي (مَا عَلِمتُ بِهِ) وَلَا شَعَرْت وَلَا تَهَيَّأْتُ لَهُ وَلَا أَخذْتُ أُهْبَتَه (وَلم أَكْثَرِتْ لَهُ) وَفِي بعض نسخ (الصِّحَاح) : وَلم أَكترِثْ بِهِ، وَيُقَال: مَا رَبَأْتُ رَبْأَهُ، وَمَا مَأَنْتُ مَأْنَه، أَي لم أُبالِ بِهِ وَلم أَحتفِلْ لَهُ.
( {وَرَبَّأَةُ} تَرْبِئَةً: أَذْهَبَهُ) {كَرَبَأَه مخفَّفاً، كَمَا تقدم.
والتركيب يدل على الزِّيَادَة والنماء.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
يُقَال: أَرض لَا} رِبَاءَ فِيهَا وَلَا وِطَاءَ.
{ورَبَأَ فِي الأَمْرِ: نَظَر فِيهِ وفَكَّر.

رتأ
: (} رتَأَ العُقْدَةَ) بِالْهَمْز (كمَنَع) {يَرْتَؤُها} رَتْأً و ( {رُتُوءًا) كقُعود، إِذا (شَدَّها) ،} كَرَتَاهَا من غير همز، عَن ابنِ دُرَيد. (و) {رَتَأَ (فُلاناً: خَنَقَه) .
(و) } رَتَأَ زيدٌ: (أَقامَ) .
(و) قَالَ الفراءُ: خَرَج {يَرْتَأُ شَدِيداً أَي (انْطلَقَ) .
(} والرَّتَآنُ) محركةً ممدودةً مثل (الرَّتَكَانُ) وزْناً وَمعنى.
(! وأَرْتَأَ) الرجلُ: (ضَحِك فِي فُتورٍ) .
(و) قَالَ ابْن شُمَيْل: (مَا رَتَأَ كَبِدَهُ) اليومَ بِطعامِ أَي (مَا أَكلَ شَيْئا) يَهْجَأَ أَي (يُسَكِّنُ) بِهِ (جُوعَه) قَالَ: وَهُوَ (خَاصٌّ بالكَبِدِ) أَي لَا يُقَال رَتَأَ إِلاَّ فِي الكَبدِ، وكبده مَنْصُوب على
(1/238)

المفعولية.

رثأ
: ( {رَثَأَ اللبَنَ، كَمَنَع: حَلَبه على حامِضٍ فخَثُرَ، وَهُوَ} الرَّثيئَةُ) ، وَبلغ زياداً قولُ المُغيرَة بن شُعْبةَ: لَحَدِيثٌ مِنْ عَاقِل أَحَبُّ إِليَّ مِنَ الشُّهْدِ بماءِ رَصَفَةٍ. فَقَالَ: أَكذالك هُوَ؟ فلَهُوَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ {رَثِيئَةٍ فُثِئَتْ بِسُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ ثَغْبٍ فِي يَوْمٍ ذِي وَدِيقَةٍ تَرْمَضُ فِيهِ الآجالُ.
قَالَ أَبو مَنْصُور: هُوَ أَن تَحْلُب حَليباً على حامضٍ فَيرُوبَ ويَغلُظَ، أَوُ أَن تَصُبَّ حَليباً على لبنٍ حامضٍ فَتَجْدَحَه بِالمِجْدَحَةِ حَتَّى يَغلُظَ، وسمعتُ أَعرابيًّا من بني مُضَرِّسٍ يَقُول لخادِمٍ لَهُ:} ارْثَئِي لِي لُبَيْنَةً أَشرَبها. قَالَ الْجَوْهَرِي والصاغاني: وَمِنْه الرَّثيئَةُ تَفْثَأَ الغَضَبَ، أَي تَكْسِر وتُذْهِبُه. وَقَالَ الميدانيّ: هُوَ اللَّبن الحامِضُ يُخْلَطُ بالحُلْوِ، زَعَمُوا أَن رَجُلاً نزل بِقوم وَكَانَ ساخطاً عَلَيْهِم، وَكَانَ جائعاً، فسقَوْه الرَّثيئَة، فسكَن غضَبُه، فضُرِب مثلا.
(و) رَثَأَ مهموزٌ (لُغةٌ فِي رَثَى المَيتَ) المعتل، {رَثَأْتُ الرجلَ بعد مَوته} رَثْأً: مَدَحْته، وَكَذَلِكَ {رَثَأَت المرأَةُ زوجَها، فِي} رَثَت، وَهِي {المَرْثِئَةُ، وَقَالَت امرأَةٌ من الْعَرَب: رَثَأْتُ زَوْجي بأَبياتٍ، وهمزَتْ، أَرادت رَثَيْتُه. قَالَه الجوهريُّ والصاغانيّ، نقلا عَن ابْن السّكّيت، وأَصله غير مهموزٍ، قَالَ الفرّاءُ: وَهَذَا من المرأَة على التوهُّمِ، لأَنها رأَتهم يَقُولُونَ رَثَأْتُ اللبَنَ، فظنت أَن المَرْثِيَةَ مِنْهَا.
(و) رَثَأَ} يَرْثَأُ رَثْأً: (خَلَطَ) ، يُقَال: هم {يَرْثَؤُون رأْيَهم أَي يَخْلِطُون (و) رَثَأَ بالعصا رَثْأً شَدِيدا إِذا (ضَرَبَ) بهَا.
(و) رَثَأَ (اللَّبَنَ: صَيَّرَهُ} رَثِيئَةً و) رَثَأَ (القَوْمَ) وَرَثَأَ لَهُم (عَمِلَ لَهُم رَثِيئَةً) .
(و) رَثَأَ (غَضَبُه: سَكَنَ و) رَثَأَ (البَعيرُ: أَصابَتْهُ رَثْأَةٌ) كخَمْزَة، اسمٌ (لِداءٍ) يأْخُذُه (فِي مَنْكِبِه) فيظلَعُ مِنْهُ.
( {والرَّثْءُ) بِالْفَتْح} والرَّثْأَةُ، بِزِيَادَة الْهَاء، كَذَا فِي أُمَّهات اللُّغَة (: قِلَّةُ الفِطْنَةِ) وضَعْفُ الفُؤادِ. وَرجل {مَرْثُوءٌ: ضَعِيفُ الفؤادِ قليلُ الفِطنة، وَبِه} رَثْأَةٌ.
(1/239)

قلت: وَلَعَلَّ رَثْأَةَ البعيرِ مأْخوذٌ من هُنَا، قَالَ اللحياني: قيل لأَبي الجرَّاح: كَيفَ أَصبحتَ؟ قَالَ: أَصبحتُ مَرْثُوءًا، فَجعله اللحيانيُّ من الِاخْتِلَاط، وإِنما هُوَ من الضَّعْف. (والحُمْقُ، {كالرَّثِيئَةِ) عَن ثَعْلَب.
(و) } الرُّثْأَةُ، (بالضَّمِّ: الرُّقْطَةُ) يُقَال: (كَبْشٌ {أَرْثَأُ ونَعْجَةٌ} رَثْآءُ) أَي أَرقطُ ورقطاءُ.
( {وارْتَثَأَ) فلانٌ (فِي رَأْيِهِ) أَي (خَلَّطَ) بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَا ارْتَثأَ عَلَيْهِم أَمرُهُم، وهم} يَرْتَثِئُونَ أَمرَهم، أُخِد من الرَّثِيئَةِ، وَهُوَ اللبَنُ المُختلطُ. قلت: فعلى هَذَا يكون من بَاب الْمجَاز.
(و) ارتثأَ (الرَّثِيئَةَ: شَرِبَهَا) .
(و) ارتَثَأَ (اللبَنُ: خَثُرَ) فِي بعض اللُّغَات، ( {كأَرْثَأَ) كَذَا فِي نسختنا على وَزْنِ أَكْرَم، وَلم نجدِهْ فِي أُمَّهات اللُّغَة.
والتركيب يدلُّ على اختلاطٍ.

رجأ
: (} أَرْجَأَ الأَمْرَ: أَخَّرَهُ) ، فِي حديِثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بن مالِكٍ: {وأَرْجَأَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمأَمْرَنَا، أَي أَخَّرَه،} والإِرجاءُ: التأْخير (و) أَرجأَت (الناقةُ: دَنَا نَتَاجُها) ، يهمز وَلَا يهمز، وَكَذَا {أَرجأَت الْحَامِل إِذا دَنَتْ أَن يَخرُجَ ولدُها، فَهِيَ} مُرْجِىءٌ {ومُرْجِئَةٌ (و) أَرجأَ (الصائدُ: لم يُصِبْ شَيْئا) يُقَال: خرجْنا إِلى الصَّيْدِ} فأَرْجَأْنا، {كَأَرْجَيْنَا، أَي لم نُصِب شَيئاً (وتَرْكُ الهَمْزِ لغةٌ فِي الكُلِّ) قَالَ أَبو عَمْرو:} أَرجَأَت الناقةُ، مهموزٌ، وأَنشد لذِي الرُّمَّةِ يصف بيضَةً:
وبَيْضَاءَ لَا تَنْحَاشُ مِنَّا وَأُمُّهَا
إِذَا مَا رَأَتْنَا زَالَ مِنَّا زَوِيلُهَا
نَتُوج وَلَمْ تُقْرِفْ لِمَا يُمْتَنَى لَهُ
إِذَا أَرْجَأَتْ مَاتَتْ وَحَيَّ سَلِيلُهَا
ويروى إِذا نُتِجَتْ، وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، وَقَالَ ابْن السّكيت: {أَرجَأْتُ الأَمرَ} وأَرجَيْتُه إِذا أَخَّرْتَه وقُرِىءَ: {أَرْجِهْ} وأَرْجِئْه. وَقَوله تَعَالَى:
(1/240)

{ {تُرْجِىءُ مَن تَشَآء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَآء} (الْأَحْزَاب: 51) قَالَ الزّجاج: هَذَا مِمَّا خص اللَّهُ تَعَالَى نبيَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ لَهُ أَن يُؤَخِّر مَن يَشَاء من نِسائه، وَلَيْسَ ذَلِك لغيره من أُمَّتِه، وَله أَن يَرُدَّ مَن أَخَّر إِلى فِراشه، وقُرِىء:} - تُرْجِي، بِغَيْر هَمحز، والهمز أَجْوَد، قَالَ: وأُرَى تُرْجى مُخَفَّفاً من تُرْجِيءُ، لمَكَان تُؤْوِي. وقرَأَ غيرُ المَدَنِيِّينَ والكُوفِيِّينَ وعيَّاش قولَه تَعَالَى: {وَءاخَرُونَ {مُرْجَؤون لاْمْرِ اللَّهِ} (التَّوْبَة: 106) أَي (مُؤَخَّرُونَ) زَاد ابنُ قُتيبة: أَي على أَمرِه (حتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ فيهم مَا يُرِيد) وقُرِيء {وَءاخَرُونَ} مُرْجَوْنَ} بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو، (وَمِنْه) أَي من الإِرجاء بِمَعْنى التأْخير (سُمِّيَت {المُرْجِئةُ) الطائفةُ المعروفةُ، هَذَا إِذَا همزت، فرجُلٌ} - مُرْجِئيٌّ مِثَال مُرْجِعِيّ (وإِذا لم تَهْمِزْ) على لُغة مَن يَقُول مِن الْعَرَب {أَرْجَيْتُ وأَخْطَيْبُ وَتَوَّضَّيْت (فَرَجُلٌ} - مُرْجِىءٌ بِالتَّشْدِيدِ) وَهُوَ قَول بَعضهم، والأَوّل أَصحُّ، وَذهب إِليه أَكثرُ اللغوِيِّين وبَدَءُوا بِهِ، وإِنكارُ شَيخنَا التشديدَ لَيْسَ بوجهِ سَدِيد (وإِذا همَزْتَ فرَجُلٌ مُرْجِيء كمُرْجِعٍ، لَا مُرْج كمُعْطٍ) وَالنِّسْبَة إِليه {- المُرْجِئيُّ كمُرْجِعِي (وَوهم الجوهريُّ) أَي فِي قَوْله إِذا لم تهمز قلت رَجُلٌ مُرْجٍ كمُعْطٍ، وأَنت لَا يخفاك أَن الجوهريَّ لم يَقُلْ ذَلِك إِلا فِي لُغة عَدمِ الْهَمْز، فَلَا يكون وَهَماً، لأَنه قَول أَكثر اللغويين، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي الأُمَّهات، وَمَا ذهب إِليه المؤَلِّف هُوَ قولٌ مَرجوح، فإِما أَنه تَصحيفٌ فِي نُسْخَة (الصِّحَاح) الَّتِي كَانَت عِنْد الْمُؤلف أَو تَحْرِيف.
(وهُمْ) أَي الطائفةُ (المُرْجِئةُ، بِالْهَمْز،} والمُرْجِيَةُ، بِالْيَاءِ مُخفَّفة لَا مُشدَّدةً) وَقَالَ الجوهريُّ: وإِذا لم تهمز قلتَ رجلٌ مُرُجٍ كمُعْطٍ، وهم المُرْجِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ (وَوَهِمَ) فِي ذَلِك (الجوهريُّ) ، قَالَ ابْن بَرِّي فِي حَوَاشِي (الصِّحَاح) قَول الجوهريّ المُرْجِئَة بِالتَّشْدِيدِ، إِن أَراد بِهِ مَنْسوبون إِلى المُرْجِئَة بتَخْفِيف الْيَاء فَهُوَ صَحِيح،
(1/241)

وإِن أَراد بِهِ الطائفةَ نفْسَها فَلَا يَجوزُ فِيهِ تَشديدُ الْيَاء، إِنما يكون ذَلِك فِي الْمَنْسُوب إِلى هَذِه الطَّائِفَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يُقال رجلٌ مُرْجِئيٌّ ومُرْجِي فِي النّسَب إِلى المُرْجِئَة والمُرْجِيَةِ.
قلت: وَهَذَا الْكَلَام يحْتَاج إِلى تأَمُّل صادِقٍ يكْشِف قِناعَ الوَهَمِ عَن وَجْه أَبي نَصْرٍ الجوهريِّ. رَحمَه اللَّهُ تَعَالَى.
والمُرجئة طائفةٌ من الْمُسلمين يَقُولُونَ: الإِيمانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَل. كأَنهم قَدَّمُوا {وأَرْجَئُوا العَمَل، أَي أَخَّروه، لأَنهم يَروْنَ أَنهم لَو لم يُصَلُّوا وَلم يَصوموا لنجَّاهُم إِيمانهم. وَيَقُول ابْن عَبَّاس: أَلاَ تَرَى أَنَّهم يُبايِعُونَ الذَّهب بالذّهب والطعامَ} مُرْجاً أَي مُؤَجَّلاً مُؤَخَّراً، يُهمَز وَلَا يُهمز، وَفِي أَحكام الأَساس تَقول: عِشْ وَلَا تَغْتَرَّ بِالرَّجاء، وَلَا يُغَرِّرْ بكَ مَذْهَبُ الإِرْجاء.
والتركيب يدل على التأْخير.

ردأ
: ( {الرِّدْءُ، بِالْكَسْرِ) فِي وَصِيّة عُمرَ رَضِي الله عَنهُ عِنْد مَوته: وَأُوصِيه بأَهلِ الأَمصارِ خَيراً، فإِنهم} رِدْءُ الإِسلام وجُباةُ المَال (: العَوْنُ) والناصُر، قَالَ الله تَعَالَى: {1. 017 28 فَأرْسلهُ معي {ردْءًا يصدقني} (الْقَصَص: 34) وفلانٌ} رِدْءٌ لِفلانٍ، أَي يَنْصره ويَشُدُّ ظَهْره (و) الرِّدْءُ (: المَادَّةُ والعِدْلُ الثَّقِيلُ) واحدُ {الأَردَاءِ، وعَدَّلُوا} الرِّدْأَيْنِ: العِدْلَيْنِ، لأَن كُلاً مِنْهُمَا {يَرْدَأُ الآخر، وَهُوَ مَجازٌ. وَتقول: قد اعْتَكَمْنَا} أَرْداءً لنا ثِقَالاً، أَي أَعْدَالاً، كلُّ عِدْلٍ مِنْهَا رِدْءٌ.
( {وَرَدَأَهُ) أَي الشيءَ (بِهِ) أَي الشيءِ (كمَنَعَه: جَعَلَه لَهُ رِدْأً وقُوَّةً وعِمَاداً) قَالَ اللَّيْث: تَقول} رَدَأْتُ فلَانا بِكَذَا وَكَذَا، أَي جعلته قُوَّةً لَهُ وعِماداً (و) {ردَأَ (الحائطَ) إِذا (دَعَمَهُ) قَالَ ابْن شُمَيْلٍ: ردَأْتُ الحائِطَا} أرْدَؤُهُ، إِذا دَعَمْتَه بِخَشَبٍ أَو كَبْشٍ يَدْفَعُه أَن يَسْقُطَ ( {كَأَرْدَأَهُ) فِي الكُلّ،} وأَردأْتُه بنفسي إِذا كنتُ لَهُ رِدْأً، {وأَردَأْتُ فُلاناً:} رَدَأْته وصرت لَهُ! رِدْءًا أَي مُعِيناً.
(1/242)

{وَتَردَّأَ القَوْمُ} وَتَرَادُءوا: تَعاوَنُوا، قَالَه اللَّيْث، وَقَالَ يُونُس: وأَردَأْتُ الحائطَ بِهَذَا الْمَعْنى، أَي بمعن رَدَأَت.
(و) {ردَأَه (بِحَجَرٍ: رَماه بِهِ) كَدَرَأَه} والمِرْدَأَةُ: الحَجَرُ الَّذِي لَا يكَاد الرجُل الضابِط يَرْفعُه بيدَيْه، يأْتي فِي المعتل.
(و) {ردأَ (الإِبلَ: أَحْسَنَ القِيَامَ عَلَيْهَا) بِالْخدمَةِ، والراعي يَرْدَأُ الإِبلَ: يُحسِن رَعْيَها فيُقِيمُ حَالَها، وَهَذَا من الْمجَاز لأَنه من رَدَأْتُ الحائطَ وأَرْدَأْتُه: دَعَمْته كَذَا فِي أَحكام الأَساس.
(} وأَرْدَأَهُ: أَعانَه) بِنَفسِهِ {كَردَأْتُه (و) أَردَأَ هَذَا الأَمرُ على غيرِه: أَرْبَى، يُهمز وَلَا يُهمز،} وأَردَأَ (على مِائَةٍ: زادَ) عَلَيْهَا، مهموزاً عَن ابْن الأَعرابيّ، وَالَّذِي حَكَاهُ أَبو عُبيدٍ: أَرْدَى. وَقَوله:
فِي هَجْمَةٍ {يُرْدِئُهَا وَيُلْهِيهْ
يجوز أَن يكون أَراد يُعِينها، وأَن يكون أَرادَ يَزِيد فِيهَا، فحذفَ الحَرْفَ وأَوْصَلَ الفِعْلِ، وَيَقُولُونَ:} أَردَأَ على السِّتّين، وَقَالَ الليثُ: لُغة العَربِ أَرْدَأَ على الخَمسين، إِذا زَاد. قَالَ الأَزهريُّ: لم أَسمع الهَمْزَ فِي أَرْدَى لغيرِ اللْيثِ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَمن هُنا تعرف أَن الَّذِي ذَكره الْمُؤلف هُوَ قولُ اللَّيْث فَقَط، مُخَالفا لِلْجُمْهُورِ، وَلم يُشِرْ إِلى ذَلِك.
(و) {أَردَأَ (السِّتْرَ: أَرْخَاهُ و) } أَردَأَه (سَكَّنَه، وأَفْسَدَه) يُقَال: {أَردأْتُه أَفسَدْتُه (و) } أَردأَه (: أَقَرَّهُ) على مَا كَانَ عَلَيْهِ.
(و) {أَردأَ: (فَعلَ) فِعْلاً (} رَدِيئأً) يُقَال أَردَأَ الرجلُ فعل شَيْئا {رَدِيئاً، وأَردَأْتُ الشيءَ: جَعَلْتُه رَدِيئاً (أَو أَصابَهُ) يُقَال إِذا أَصابَ الإِنسانُ شَيْئا رَدِيئاً فَهُوَ} مُرْدِىءٌ، وَكَذَا إِذا فعل شَيْئا رديئاً.
(! وردُؤَ كَكَرُمَ) اقْتصر عَلَيْهِ الْجَوْهَرِي وَابْن القُوطِيّة وابنُ القطَّاع وابنُ سَيّده وَابْن فَارس، وَحكى ثعلبٌ فِيهِ التَّثْلِيث، وَهُوَ غريبٌ، وأَغرب مِنْهُ مَا حَكَاهُ الفَيُّوميُّ
(1/243)

فِي (الْمِصْبَاح) : وَرَدا يَرْدُو كَعَلا يَعْلُو لُغةٌ، فَهُوَ رَدِيءٌ بالتثقيل، وَزعم ابنُ دُرُستَويه فِي (شَرْح الفَصيح) أَنه أَخطَأَ، وأَنها لغةُ العامَّة، وَقد أَغفَلِا المُصنّف فِي المُعتلّ، كَمَا أَغفل لغتينِ هُنَا، قَالَه شَيخنَا، {يَرْدُؤُ (} رَدَاءَةً) ككَرامَةً: (فَسَدَ) وَقَالَ شُرَّاح الفصيحِ: ضَعُفَ وعَجَزَ فاحتاجَ (فَهُوَ {- رَدِيءٌ فَاسد) ، وَهَذَا شيءٌ رَدِيءٌ بَيِّنُ الرَّدَاءَةِ، ولاتقل} الرَّدَاوَة، أَي لأَنها خَطأٌ. كَمَا تقدَّم {- والرَّدِيءُ: المُنكَر المَكروه، وَرجل رَدِيءٌ كَذَلِك (من) قوم (} أَرْدِئَاءَ، بهمزتين) فَهُوَ جَمْعُ {رَدِيءٍ عَن اللحيانيِّ وحدَه. وإِذا تأْمَّلْتَ مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا ظهر لَك أَن لَا إِجحافَ فِي عِبارة الْمُؤلف وَلَا تقصيرَ، كَمَا زَعمه شيخُنا.

رزأ
: (} رَزأَهُ مالَه، كجَعَله وعَلِمه) {يَرْزَؤُه بِالْفَتْح فيهمَا (} رُزْأً بالضمِّ: أَصاب مِنْهُ) أَي مِن مَاله (شَيْئاً، {كارْتَزَأَهُ مالَه) أَي مثل} رِزِئَه، ( {وَرَزَأَهُ) يَرْزَؤُه (رُزْأ} ً وَمَرْزِئَةً: أَصَاب مِنْهُ خَيْراً) مَا كَانَ، {وَرَزَأَ فلانٌ فلَانا إِذا بَرَّه، مهموزٌ وَغير مَهْمُوز، قَالَ أَبو مَنْصُور: أَصله مَهْمُوز فَخُفِّف وكُتب بالأَلف. (و) رزأ (الشَّيْءَ: نَقَصَه.} والرَّزِيئَةُ: المُصيبة) بفَقْدِ الأَعِزَّة ( {كالرُّزْءِ} والمَرْزِئَةِ) قَالَ أَبو ذُؤيب:
أَعَاذِلَ إِنَّ {الرُّزْءَ مِثْلُ ابنِ مَالِكٍ
زُهَيْرٍ وَأَمْثَالِ ابنِ نَضْلَةَ وَاقِدِ
أَراد مِثل} زُرْءِ ابنِ مالكٍ. وَقد {رَزَأَتْهُ} رَزِيئةٌ أَي أَصابَتْه مُصِيبة، وَقد أَصابَه رُزْءٌ عَظِيم، وَفِي حَدِيث المرأَةِ الَّتِي جاءَت تَسأَلُ عَن ابنِها: إِن! أُرزإٍ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ أَحْبَابِي أَي إِن أُصِبت بِهِ وفَقدْتُه فَلم أُصَبْ بِحبيّ، وَفِي حَدِيث ابْن ذِي يزن: فنحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ المَرْزِئَةِ. وإِنه لَقليلِ الرُّزْءِ من الطعامِ أَي قَلِيل الإِصابة مِنْهُ، وَفِي حَدِيث ابْن الْعَاصِ: وأَجِد نَجْوِى أَكْثَرَ مِنْ رُزْئِي.
(1/244)

النَّجْوُ: الحَدَثُ، أَي أَجدُه أَكثرَ مِمَّا آخُذُ من الطَّعَام. والرُّزْءُ: المُصيبة، وَهُوَ من الانتقاصِ (ج {أَرْزَاءٌ) كقُفْل وأَقفال (} وَرَزَايَا) كَبَرِيَّة وبَرَايَا، فَهُوَ لفٌّ ونشرٌ غيرُ مرَتَّب.
(و) يُقَال: (مَا {رَزِئْتُه) مالَه (بِالْكَسْرِ) وبالفتح حَكَاهُ عِياضٌ، وأَثبتَه الجوهريُّ، أَي (مَا نَقَصْتُه) ، وَيُقَال مَا رَزأَ فلَانا شَيْئا أَي مَا أَصاب من مَاله شَيْئا وَلَا نَقصَ مِنْهُ، وَفِي حَدِيث سُراقَةَ بن جُعْشُمٍ: فَلَمْ} يَرْزَآنِي شَيْئا، أَي لم يأْخُذَا مني شَيْئا، وَمِنْه حَدِيث عِمرانَ والمرأَةِ صاحبةِ المَزادَتَيْنِ: أَتعلمينَ أَنَّا مَا {رَزَأْنَا مِنْ مَائِك شَيْئا؟ أَي مَا نَقَصنا وَلَا أَخذنا، ورد فِي الحَدِيث (لَوْلاَ أَنَّ الله لَا يُحِبُّ ضَلاَلَةَ العَمَلِ مَا} رَزَيْنَاكَ عِقَالاً) جاءَ فِي بعض الرَّواياتِ هَكَذَا غيرَ مَهْمُوز، قَالَ ابنُ الأَثير: والأَصل الهمزُ، وَهُوَ من التَّخْفِيف الشاذِّ، وضَلالةُ العَملِ: بُطْلانُه، قَالَ أَبو زيد: يُقَال: {رُزِئْتُه، إِذا أُخِذَ مِنك، قَالَ: وَلَا يُقَال: رُزِيتُه، وَقَالَ الفرزدقُ:
} رُزِينَا غَالِباً وَأَبَاهُ كَانَا
سِمَاكَيْ كُلِّ مُهْتَلِكٍ فَقِيرِ
(وارتَزَأَ) الشيءَ (انتقَصَ) {كَرَزِىءَ، قَالَ ابنُ مقبلٍ يصف قُروماً حَمَلَ عَلَيْهَا:
حَمَلْتُ عَلَيْهَا فَشَرَّدْتُها
بِسَامِي اللَّبَانِ يَبُذُّ الفِحَالاَ
كَرِيمِ النِّجَارِ حَمَي ظَهْرَهُ
فَلَمْ} يُرْتَزَأْ بِرُكُوبٍ زِبَالا
ويروى: بِرُكُوبٍ. والزِّبَالُ: مَا تَحمِله البعوضةُ، ويروى: وَلم {يَرْتَزِىءْ.
(} والمُرَزَّؤُونَ، بالتشديدِ) يُقَال رَجلٌ! مُرَزَّأٌ، أَي كريمٌ يُصابُ مِنْهُ كَثيراً، وَفِي (الصِّحَاح) : يُصيب الناسُ خَيْرَه، وأَنشد أَبو حنيفَة:
فَرَاحَ ثَقِيلَ الحِلْمِ رُزْأً مُرَزَّأً
وَبَاكَرَ مَمْلُوءًا مِنَ الرَّاحِ مُتْرَعَا
(وَوهِمَ الجوهريُّ فِي تخفيفه) لم يضْبط الْجَوْهَرِي فِيهِ شَيْئا اللهمَّ إِلاَّ أَن يكون (بِخَطِّه) كَذَا فِي نسختنا، وَسقط من بعض النّسخ، وأَنت خبيرٌ أَن يمثل هَذَا لَا يُنحسَب الوَهَم إِليه (: الكُرَمَاءُ) يُصيبُ الناسَ خيرُهم (و) هم أَيضاً
(1/245)

(: قَوْمٌ ماتَ خِيَارُهم) : وَفِي (اللِّسَان) يُصِيب الموتُ خِيارَهم.

رشأ
: ( {رَشَأَ كَمَنَعَ) } رَشْأً (: جامَعَ و) {رَشَأَت (الظبْيَةُ: ولَدَتْ،} والرَّشَأُ، مُحرَّكةً: الظَّبْيُ إِذا قَوِيَ) وتحَرَّك (ومَشَى مَعَ أُمِّه، ج {أَرْشَاءٌ، و) } الرَّشَأُ أَيضاً (: شَجَرَةٌ تَسْمُو فَوقَ القَامَةِ) ورَقُها كوَرق الخِرْوَعِ وَلَا ثَمَرَةَ لَهَا، وَلَا يأْكُلها شيءٌ. رَوَاهُ الدينوريُّ، (و) هُوَ أَيضاً (عُشْبةٌ كالقَرْنُوَةِ) أَي يُشْبِهها، يأْتي فِي قَرن، قَالَ أَبو حنيفَة: أَخبرني أَعرابيٌّ من رَبيعة قَالَ: الرَّشَأُ مثلُ الجُمَّةِ وَلها قُضبانٌ كثيرةُ العُقَدِ، وَهِي مُرَّةٌ جِدًّا شديدةُ الخُضرةِ لَزِجَةٌ تَنْبُت بالقِيعانِ مُنسطِحة على الأَرض وورقتها لَطِيفَة مُحَدَّدة، وَالنَّاس يَطْبُخونها، وَهِي من خيْرِ بَقْلةٍ تَنْبُتِ بِنَجْدٍ، واحدتها {رَشَأَةٌ، وَقيل:} الرَّشَأَةُ خَضْرَاءُ غَبراءُ تَسْلَنْطحُ، وَلها زَهرةٌ بيضاءُ، قَالَ ابْن سَيّده: وإِنما استدْلَلْتُ على أَن لَام {الرَّشإِ همزَة} بالرَّشَإِ الَّذِي هُوَ شَجَرٌ أَيضاً، وإِلا فقد يجوز أَن يكون يَاء أَوْ وَاواً، وَمن سَجعات الأَساس: عِنْدِي جاريةٌ مِن النَّشَأ أَشبَهُ شيءٍ {بالرَّشَأ، أَي الظبي.

رطأ
: (} رَطَأَ، كمنَعَ) {يَرْطَأُ} رَطْأً: (جامَعَ و) رَطأَ (بِسَلْحِه: رَمَى) بِهِ. ( {والرَّطَأُ مُحرّكةً: الحُمقُ وَهُوَ} - رَطِيءٌ) على فَعِيلٍ بَيِّنُ {الرَّطَإِ، كَذَا هُوَ فِي نسختنا وَفِي الأُمهات، وَفِي نُسخة شَيخنَا} رَطِىءٌ كَفَرِحٍ، وَهُوَ خطأ، (من) قوم ( {رِطَاءٍ) ككِرام (وَهِي) أَي الأُنثى (} رَطِئَةٌ {ورَطْآءُ) كحمراء.
(} وأَرْطَأَت) المرأَةُ (: بَلَغَتْ أَن تُجامَعَ) .
( {واسْتَرْطأَ: صَارَ} رَطِيئاً) وَفِي حَدِيث رَبيعة: أَدركتُ أَبناءَ أَصحابِ النبيِّ
(1/246)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَّهِنون {بالرَّطَإِ، وَفَسرهُ فَقَالَ: هُوَ التدهُّنُ الْكثير، أَو قَالَ الدَّهْنُ الْكثير، وَقيل: هُوَ الدَّهْنُ بِالْمَاءِ، من قَوْلهم:} رَطَأْتُ القَوْمَ إِذا رَكِبْتَهُمْ بِمَا لَا يُحِبُّون، لأَن الدُّهْنَ يَعلو الماءَ ويَرْكَبه.

رفأ
: ( {رَفَأَ السفينةَ) } يَرْفَؤُهَا {رَفْأً (كمَنَعَ: أَدْنَاهَا مِنَ الشَّطِّ) } وأَرفأْتُها إِذا قَرَّبْتَها إِلى الجَدِّ من الأَرْضِ، {وأَرفَأَتِ السفينةُ نَفْسُها إِذا مَا دَنَتْ للجَدِّ، عَن هشامٍ أَخي ذِي الرُّمَّة، والجَدُّ: مَا قَرُبَ من الأَرض، وَقيل: هُوَ شاطىءُ النَّهرِ، وسيأْتي، وَفِي حديثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ: أَنَّهم رَكِبُوا البَحْرَ ثُمَّ} أَرْفَئُوا إِلى جَزيرةٍ. قَالَ: {أَرفَأْت السفينةَ إِذا قَرَّبتَهَا من الشَّطِّ، وَبَعْضهمْ يَقُول:} أَرْفَيْتُ، بِالْيَاءِ، قَالَ: والأَصل الْهَمْز، وَفِي حَدِيث مُوسَى عَلَيْهِ السلامُ: حَتَّى {أَرْفَأَ بِهِ عِنْد فُرْضَةِ الماءِ. وَفِي حَدِيث أَبي هُرَيْرَة، فِي الْقِيَامَة: فَتكون الأَرضُ كالسَّفينة المُرْفَأَةِ فِي الْبَحْر تَضْرِبها الأَمواجُ، (والمَوْضِعُ} مَرْفَأُ) بِالْفَتْح (ويُضَمُّ) كمُكْرم، وَاخْتَارَهُ الصَّغانيُّ.
(و) {رفأَ (الثَّوْبَ) مهموزٌ} يَرفَؤُه {رَفْأً (: لأَمَ خَرْقَةُ وضَمَّ بَعْضَهُ إِلى بَعْضٍ) وأَصلح مَا وَهَى مِنْهُ، مُشتَقٌّ مِنْ} رَفْءِ السفينةِ، وَرُبمَا لم يُهْمَز، فَيكون مُعتَلاً بِالْوَاو، جَوَّزه بعضُهُم، وأَغرب فِي (الْمِصْبَاح) فَقَالَ إِنه يُقَال: رَفَيْتُ، بِالْيَاءِ أَيضاً من بَاب رَمَى، وَهُوَ لغةٌ بني كَعْبٍ، وَفِي بَاب تَحْويل الهمزةِ: رَفَوْتُ الثوْبَ رَفْواً تُحَوَّلُ الهمزةُ واواً كَمَا ترى (وَهُوَ {رَفَّاءٌ) صَنْعَتُه} الرَّفْءُ، قَالَ غَيْلانُ الرَّبَعِيُّ:
فَهُنَّ يَعْبِطْنَ جَدِيدَ البَيْدَاءْ
مَا لاَ يُسَوَّى عَبْطُه {بِالرَّفَّاء
أَراد} بِرَفْءٍ الرَّفَّاء، وَيُقَال: مَن اغْتابَ خَرَقَ، ومَن استغفرَ اللَّهَ رفَأَ، أَي خَرَق دِينَه بالاغْتياب،! ورَفَأَه بالاستغفار.
(و) رَفَأَ (الرَّجُلَ) يَرْفَؤُه رَفْأً.
(: سَكَّنَهُ) من الرُّعْبِ ورَفَقَ بِهِ، وَيُقَال: رَفَوْتُ، بِالْوَاو فِيهِ أَيضاً، وفلانٌ يَرْفُوه بأَحسنِ مَا يَجِدُ مِن القَوْلِ، أَي يُسَكِّنه ويَرْفُق بِهِ وَيَدْعُو لَهُ. وَفِي الحَدِيث أَن رجلا شكا إِليه التَّعَزُّبَ
(1/247)

فَقَالَ لَهُ (عَفِّ شَعْرَك) فَفعل {فَارْفَأَنَّ، أَي فَسَكَن مَا بِهِ،} والمُرْفَئِنُّ: الساكنُ.
(و) رَفَأَ (بَينهم: أَصْلَحَ) كَرَفَأُ وسيأْتي.
( {وأَرفَأَ) إِليه (: جَنَحَ) قَالَ الفراءُ:} أَرْفأْتُ إِليه {وأَرفَيْتُ، لُغتان بمعنَى جَنَحْت إِليه (و) أَرْفَأَ (امْتَشَطَ) شَعرَه، وَهُوَ راجعٌ إِلى الإِصلاح (و) أَرفا إِليه (: دَنَا وأَدْنَى) السَّفِينَة إِلى الشطّ، فَسقط بِهَذَا قَول شيخِنا، وَالْعجب كَيفَ تعرَّض للمكان وَلم يتعرَّض لأَصل فعله الرُّباعيّ؟ نعم لم يَذكره فِي مَحلِّه، (و: حَابَى) تَقول رَفَأَ الرَّجُلَ: حاباه، ورَافَأَني الرجلُ فِي البَيْعِ مُرَافأَةً إِذا حَابَاكَ فِيهِ، ورافأْتُه فِي البيع: حابَيْته (و) رْفأَه (دَارَأَهُ} كَرَافَأْهُ) عَن ابْن الأَعرابيّ (و) أَرفأَ (إِليه: لَجَأَ. {وتَرَافَؤُوا: تَوَافَقُوا) وتظاهروا،} وترافأْنَا على الأَمر {تَرَافُؤاً، نَحْو التَّمَالُؤِ إِذا كَانَ كَيْدُهم وأَمرُهم وَاحِدًا (} وَتَرَافَأْنَا) على الأَمرِ (: تَواطَأْنَا) وتوافَقْنَا.
( {وَرفَّأَه) أَي المُمْلِكَ (} تَرْفِئَةً {وتَرْفِيئاً) إِذا (قَالَ لَهُ:} بالرِّفَاءِ، والبَنِينَ، أَي بالالتأْمِ) والاتّفاق والبَرَكة والنَّماء (وجَمْعِ الشَّمْلِ) وحُسْنِ الِاجْتِمَاع، قَالَ ابنُ السكّيت: وإِن شِئْت كَانَ مَعْنَاهُ السُّكون والهُدُوّ والطُّمَأْنينة، فَيكون أَصْله غير الْهَمْز، من قَوْلهم رَفَوْت الرجلَ إِذا سَكَّنْته، وَعَلِيهِ قولُ أَبي خِراشٍ الهُذلي:
رَفَوْنُى وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لاَ تُرَعْ
فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يَقُول سَكَّنُوني، وَقَالَ ابنُ هانِيءٍ يُريد! رَفَئُوني، فأَلْقَى الهمزَ، قَالَ: والهمزةُ لَا تُلْقَى إِلا فِي الشِّعر، وَقد أَلقاها فِي هَذَا الْبَيْت، وَمَعْنَاهُ أَنّيّ فَزِعْتُ فطارَ قلْبي فَضَمُّوا بَعْضِي إِلى بعضٍ، وَمن بالرِّفاءِ والبَنينَ، انْتهى، وَقَالَ فِي مَوْضعٍ آخر: رفَأَ أَي تَزوَّج، وأَصلُ الرَّفْوِ الاجتماعُ والتلاؤُمُ، وَنقل شيخُنا عَن كتاب الياقوتة مَا نَصه: فِي رفَأَ لُغتانِ لمعنَيَيْنِ، فَمن همز كَانَ
(1/248)

مَعْنَاهُ الالتحام والاتّفاق، وَمن لم يهمز كَانَ مَعْنَاهُ الهُدُوُّ والسُّكون، انْتهى. قلت: وَاخْتَارَ هَذِه التفرقةَ ابنُ السكّيت، وَقد تقدّمت الإِشارةُ إِليه، وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمأَنه نَهى أَن يُقالَ: بالرِّفاءِ والبَنِينَ، وإِنما نَهَى عَنهُ كَراهِيَةَ إِحياءِ سُنَنِ الجَاهِلِيَّةِ. لأَنه كَانَ من عَادَتهم. وَلِهَذَا سُنَّ فِيهِ غيرُه، وَفِي حَدِيث شُرَيْحٍ، قَالَ لَهُ رجل: قد تَزوَّجْتُ هَذِه المرأَة، قَالَ: بالرِّفاءِ والبَنين. وَفِي حَدِيث بَعضهم أَنه كَانَ إِذا {رَفَّأَ رَجُلاً قَالَ: بَارَك الله عَلَيْك، وَبَارك فيكَ، وجَمعَ بينَكما فِي خَيْرٍ. ويُهْمَزُ الفِعلُ وَلَا يُهمز، وَفِي حَدِيث أُمِّ زَرْعٍ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ (لأُم زَرْعٍ) فِي الأُلْفَةِ} والرِّفَاءِ.
( {- واليَرْفَئيُّ، كاليَلْمَعِيِّ: المنْتَزَعُ القَلْبِ فَزَعاً) وخَوْفاً، (و) هُوَ أَيضاً (راعِي الغَنَمِ) وَهُوَ العَبْد الأَسوَدُ الْآتِي ذكره (و) } - اليَرْفَئِيُّ فِي قَوحلِ امرىءِ القَيْسِ (الظَّلِيمُ النَّافِرُ) الفَزِعُ، قَالَ:
كَأَنِّي وَرَحْلِي وَالقِرَابَ وَنُمْرُقِي
عَلَى يَرْفَئيَ ذِي زَوَائِدَ نِقْنِقِ
(و) اليَرْفَئِيُّ: (الصَّبْيُ) ، لنشاطِه وَتَدَارِكُ عَدْوِه، و (القَفُوز) أَي النفورُ (المُوَلِّي) هَرَباً (واسمُ عَبْدٍ أَسْوَدَ) سِنْدِيَ قَالَ الشَّاعِر:
كَأَنَّه يَرْفَئيٌّ بَاتَ فِي غَنَمٍ
مُسْتَوْهِلٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مَذْؤُوب
( {وَيَرْفَأُ كَيَمْتَعُ: مَوْلَى عُمَرَ بن الخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنهُ) يُقَال إِنه أَدرك الجاهليَّة وحجَّ من عُمرَ فِي خلَافَة أَبي بكرٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، وَله ذِكْرٌ فِي (الصَّحيحين) ، وَكَانَ حَاجِباً على بَابه.
والتركيب يَدُلُّ على مُوَافَقَةٍ وسُكُونِ وملاَءَمَةِ.

رقأ
: (} رَقَأَ الدَّمْعُ، كجَعَلَ) وَكَذَا العَرَقُ {يَرْقَأُ (} رَقْأً) بِالْفَتْح (! وَرُقُوءًا) بالضَّمِّ (: جَفَّ) أَي الدمْع، قَالَه ابنُ دُرُسْتَوَيْهِ وأَبو عليَ القالِي (وسَكَن) أَي العَرَقُ، فسَّره الجوهريُّ وابنُ القُوطِيّة، وانَقَطع
(1/249)

فيهمَا، كَذَا فِي (الفَصِيح) ( {وأَرْقَأَه اللَّهُ تَعَالى) سكَّنَه، وَفِي حَدِيث عائشةَ رَضِي الله عَنْهَا: فبِتُّ ليلَتي لَا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ.
(} والرَّقُوءُ، كَصبُورٍ: مَا يُوضَعُ على الدَّمِ {لِيُرْقِئَهُ) مبنيًّا للمعلوم من بَاب الإِفعال، كَذَا فِي نسختنا، وَفِي الصَّحِيح وَفِي نُسخةٍ} لِيَرْقَأَه، ثُلاثيًّا، وَهُوَ خَطَأٌ، أَي لِيقطَعه ويُسَكِّنَه (وَقَول أَكْثَمَ) بِالْمُثَلثَةِ، ابنُ صَيْفَيَ أَحدِ حُكماءِ العَرَب وحُكَّامِها اختُلف فِي صُحْبته، وَفِي (شُروح الفَصيح) أَنه قولُ قَيْسِ بنِ عاصمٍ المِنْقَرِيِّ فِي وصَيَّةِ كتب بهَا إِلى طَيِّيءٍ (: لَا تَسُبوا الإِبِلَ فإِنَّ فِيها رَقُوءَ الدَّمِ) ومَهْرَ الكَرِيمَةِ وبأَلْبَانِهَا يُتْحَف الكَبيرُ ويُغَذَّى الصغيرُ، وَلَو أَن الإِبلَ كُلِّفَت الطَّحْنَ لطَحَنَتْ (أَي) أَنها (تُعْطَى فِي الدِّيَاتِ) بَدَلاً من القَوَدِ (فتُحْقَنُ) بهَا الدِّمَاءُ أَي يَسْكُن بهَا الدَّمُ، وَقَالَ القَزَّاز فِي (جَامع اللُّغَة) : أَي تُؤْخَذُ فِي الدِّياتِ فَتَمْنَعُ من القَتْلِ وَقَالَ مفضل الضَّبِّيّ:
مِنَ اللاَّئِي يَزِدْنَ العَيْشَ طِيباً
{وَتَرْقَأُ فِي مَعَاقِلِهَا الدِّمَاءُ
وَقَالَ أَبو جعفرٍ اللَّبْلِيُّ: يُقَال: لَو لم يَجعل اللَّهُ فِي الإِبلِ إِلاَّ} رَقُوءَ الدَّمِ لكَانَتْ عَظيمةَ البَرَكَةِ. قَالَ أَبو زيد فِي (نوادره) : يَعني أَنَّ الدِّماءَ تُرْفأُ بهَا، أَي تُحْبَسُ وَلَا تُهَرَاقُ لأَنها تُعْطَى فِي الدِّيات مَكانَ الدَّمِ، وَقَالَ أَبو جعفرٍ: وَقَالَ بعض الْعَرَب: خَيْرُ أَموالِنا الإِبلُ، تُمْهَرُ بهَا النِّساءُ، وتُحْقَنُ بهَا الدِّماءُ، وَقَالَ غيرُه: إِنّ أَحَقَّ مالٍ بالإِيالَة لأَمْوالٌ! تُرْقَأُ بهَا الدِّماءُ، وتُمْهَر بهَا النّساءُ، أَلبانُها شِفَاء، وأَبْوَالُها دَوَاء، (وَوَهِمَ الجوهريُّ فقالَ: فِي الحَدِيثِ،) أَي بل هُوَ قَوْلُ أَكْثَمَ أَو قَيْسٍ.
ثمَّ إِن الْمَشْهُور من الخَبرِ والحَديث إِطلاقُهما على مَا يُضَاف إِليه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإِلى مَن دُونه من الصَّحابة وَالتَّابِعِينَ، وَقد عَرفْتَ أَن قيسا صَحابِيٌّ. وأَكْثَمُ إِن لم يكن صحابِيًّا فتابِعَيٌّ
(1/250)

بالِاتِّفَاقِ، فَلَا وَجْه لتوهيم الجوهريّ فِيهِ، على أَنه لَيْسَ بِبِدْع فِي قَوْله، بل هُوَ قولُ مَن سبقه من الأَئمَّة أَيضاً.
( {ورَقَأَ العِرْقُ رَقْأً وَرُقوءًا: ارتَفَع) ، وروى المُنْدِريُّ عَن أَبي طالبٍ فِي قَوْلهم: لَا أَرْقَأَ اللَّهُ دَمْعَته، قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا رَفَع اللَّهُ دَمْعَتَه (} وأَرْقَأْتُه أَنا) وأَرقأَه هُوَ.
(و) رَقَأَ يَرْقَأُ (بَينهم رَقْأً: أَفسَدَ، وأَصلحَ، ضِدٌّ) وَرَفأَ مَا بَينهم إِذا أَصلحَ، فأَمَّا رَفَأَ بِالْفَاءِ فأَصلَح، عَن ثعلبٍ، وَرَجُلٌ رَقُوءٌ بَين القومِ، أَي مُصلِحٌ قَالَ الشَّاعِر:
ولكنَّنِي {رَاقِىءٌ صَدْعَهُم
رَقُوءٌ لِمَا بَيْنَهُمْ مُسْمِلُ
(و) رَقَأَ (فِي الدَّرَجَةِ) كمنَعَ، صرَّح بِهِ الجوهريُّ وابنُ سيِده وابنُ القُوطيَّة} وَرَقِئْتُ، كفرِح، ذكره ابنُ مالكٍ فِي الكافية وذَكَر أَنه لُغَةٌ فِي رَقِيَ كَرَضِيَ مُعتلاً، وَنقل ابنُ القطَّاعِ عَن بعض الْعَرَب رَقَأْتُ وَرَقَيْتُ، كرثَأْتُ وَرَثَيْتُ (: صَعِدَ) عَن كِراع، نادِرٌ (وَهُوَ المَرْقَاةُ) بِالْفَتْح، اسْم مَكَان (وتُكْسَر) أَي الْمِيم على أَنه اسمُ آلةٍ، وَكِلَاهُمَا صحيحٌ، وهما لُغتان فِي المعتلِّ أَيضاً.
وَمِمَّا بَقِي على المُصَنّف:
{ارْقأْ على ظَلْعِكَ، أَي الْزَمْه وارْبَعْ عَلَيْهِ، لُغَةٌ فِي قَوْلك ارْقَ على ظَلْعِك، أَي ارْفُقْ بنفسِك وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْهَا أَكثَرَ مِمَّا تُطِيق، وَقَالَ ابنُ الأَعرابيّ: يُقَال: ارْقَ على ظَلْعِكَ، فَتَقول: رَقِيتُ رُقِيًّا، وَقَالَ غَيره: وَقد يُقال للرجل: ارْقَأْ على ظَلْعِك أَي أَصْلِحْ أَوَّلاً أَمْرَكَ.

رمأ
: (} رَمَأَ) بالمكانِ (كجَعَلَ رَمْأً {وَرُمُوءًا) كقُعود (: أَقامَ) بِهِ، عَن أَبي زَيْدٍ. ورَمَأَتِ الإِبلُ بالمكانِ} تَرْمَأُ رَمْأً ورُمُوءًا: أَقامَتْ فِيهِ، وخَصّ بعضهُم بِهِ إِقامتَها فِي العُشب (وعَلى مِائةٍ: زَاد، {كأَرْمأَ) (و) رمأَ (الخَبَرَ: ظَنَّه) بِلَا حقيقةٍ، وَيُقَال هَل رَمَأَ إِليك خَبَرٌ،} والرَّمْأُ مِن الأَخْبَارِ ظَنٌّ بِلَا حَقيقةٍ، (وحَقَّقَهُ) ،
(1/251)

هَكَذَا فِي غَالب النُّسخ، حَتَّى جعلَه شيخُنا من الأَضداد، وتَعَقَّب على المُؤلِّف فِي عدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ، وَالصَّحِيح: خَمَّنَه، بِدَلِيل مَا فِي أُمَّهات اللغةِ ك (المُحْكَم) و (النِّهاية) و (لِسَان الْعَرَب) ، {ورَمَّأَ الخَبَرَ: ظَنَّه وقَدَّرَه، قَالَ أَوس بن حَجَرٍ:
أجلت} مُرَمَّأَةُ الأَخْبَارِ إِذ وَلَدَتْ
عَنْ يَوْمِ سَوْءٍ لِعَبْدِ القَيْسِ مَذْكُور
قلت والتخمين: التقديرُ، وَهَذَا أَوْلَى مِن جعله من الأَضداد من غير سَنَد يُعْتَمد عَلَيْهِ كَمَا لَا يخفى. (( {وأَرْمَأَ إِليه: دنا) } وَمُرَمَّآتُ الأَخبارِ بتَشْديد الْمِيم وَفتحهَا) جمع {مُرَمَّأَةٍ، وَلَو قَالَ كمُعَظَّمات يَحصُل الاشتباهُ بِصِيغَة الفالع (: أَباطيِلُها) أَي أَكاذِيبُهَا، وَمن هُنَا تعلم أَن قَوْله وَحَقَّه تَحرِيفٌ من النَّاسِخ أَو سَهْوٌ من قَلم المُؤَلِّف.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
عَن ابْن الأَعرابيّ:} رَمَأْتُ على الْخمسين {وأَرْمَأْت، أَي: زِدت، مثل رَمَيْتُ وأَرمَيْت. وأَرَمأْت إِليه: دَنَأْتُ، كَذَا فِي (العُباب) .

رنأ
: (} رَنَأَ إِليه، كجَعَل) قَالُوا إِن أَصله الإِعلال، كدَعَا، ثُمَّ هَمزوه قِيَاسا على رَثَأَت المرأَةُ زَوْجَها، (: نَظَرَ) وَهُوَ {يَرْنَأُ} رَنْأً، قَالَ الكُميت يَصِف السهْمَ:
يُرِيد أَهْزَع حَنَّاناً يُعَلِّلُهُ
عِنْدَ الإِدَامَة حَتَّى! يَرْنَأَ الطَّرَبُ
الأَهزَع: السهْمُ. وحَنَّانٌ: مُصَوِّت. والطَّرَبُ: السهْمُ نفسُه، سمَّاهُ طرَباً لِتَصْوِيتِه إِذا دُوِّمَ، أَي فُتِلَ بالأَصابع وَقَالُوا: الطَّرِبُ: الرجُلُ، لأَن السهْم إِنما يُصَوِّت عِنْد الإِدامة إِذا كَانَ جَيِّداً، أَرْيَحِيَّةٌ، وَلذَلِك قَالَ الْكُمَيْت أَيضاً:
(1/252)

هَزِجَاتٍ إِذَ أُدِرْنَ عَلَى الكَفِّ
يُطَرِّبْنَ بِالغِنَاءِ المُدِيرَا
فَترك المُؤلّف هَذِه المادَّةَ المتَّفَقَ عَلَيْهَا وَذكر مَا اختُلِف فِي صِحَّتها وإِعلالها، وَهُوَ عَجبٌ مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى.
(و) عَن الأَصمعي (جاءَ يَرْنَأُ فِي مِشْيَتِه: يَتَثَاقَلُ) .
( {والْيَرُنَّأُ) بِفَتْح الْيَاء وَضم الرَّاء وَالنُّون مشدَّدة كَذَا هُوَ مضبوط عندنَا، وَكَذَا} اليَرْنَأُ كيَمنَع، واليُرْنَأُ بِضَم فَسُكُون وهمز الأَلف: اسْم للحِنَّاء، قَالَ ابْن جني: قَالُوا: يَرْنَأَ لِحْيَتَه: صَبَغَها {بِاليرنإِ وَقَالَ: هَذَا يَفْعَلَ فِي الْمَاضِي، وَمَا أَغربَه وأَظْرَفَه، كَذَا فِي (لِسَان الْعَرَب) ، سيأْتي (فِي فَصْلِ الْيَاء) إِشارة إِلى أَن ذِكرها فِي الرَّاء بِنَاء على أَن الياءَ زائدةٌ لَيست من الأَصالة وَلَكِن ذكر أَبو حَيَّان زِيادَتها، واستدلُّوا لَهُ بِحَذْف الْيَاء فِي اشتقاق الفِعل، قَالُوا رَنَأَ رَأْسَه، إِذا جعل فِيهِ} اليرنأَ، قَالَه شيخُنا. قلت: وَقد دلَلْنَاكَ على نَصّ الأُمّهات من قَول ابنِ جِنّي فِي اسْتِعْمَال الفعلِ الْمَاضِي، فاعتَمِدْ عَلَيْهِ وَكن من الشَّاكِرِينَ.

رهيأ
: ( {الرَّهْيَأَةُ) فِي الأَمر (: الضَّعْفُ) والعَجْز (والتَّوانِي) قَالَه ابنُ شُمَيْلٍ (و) قَالَ اللَّيْث (أَن تَجعلَ أَحَدَ العِدْلَيْن أَثقَلَ من الآخرِ) تَقول: رَهْيَأَ الحِمْلَ، وَهُوَ} الرَّهْيَأَةُ ورَهْيَأْتَ حِمْلَكَ {رَهْيَأَةً، (وأَنْ تَغْرَوْرِقَ العَيْنَانِ جَهْداً أَوْ كِبَراً) قَالَ اللَّيْث أَيضاً: وَعَيناهُ} تَرَهْيَآن لَا يَقَرُّ طَرْفَاهُمَا وأَنشد:
إِن كَانَ حَظُّكُمَا مِنْ مَالِ شَيْخِكُمَا
نَاباً تَرَهْبَأُ عَيْنَاهَا مِنَ الكِبَرِ
(و) عَن أَبي زيد: {الرَّهْيَأَةُ (: أَنْ يُفْسِدَ رَأْيَه وَلَا يُحْكِمَهُ) يُقَال:} رَهْيَأَ رأْيَه! رَهْيَأْت: أَفْسَدَه فَلم يُحْكِمُه، وَكَذَلِكَ رَهْيَأْتَ أَمْرَك إِذا لم تُقَوِّمْه، وَهُوَ أَيضاً التخليطُ فِي الأَمرِ وتَرْمُ الإِحكام، يُقَال:
(1/253)

جَاءَنَا بأَمْرٍ {مُرَهْيَإٍ، وَقَالَ أَبو عُبيْدٍ: رَهْيَأَ فِي أَمرِه رَهْيَأَةً إِذا اختلَطَ فَلم يَلْبَثْ على رَأْيٍ، وَيُقَال للرجل إِذا لم يُقِمْ على الأَمر وجَعل يَشُكُّ ويتردَّد: سيقد رَهْيَأَ (وأَنْ يَحْمِلَ) الرجلُ (حِمْلاً فَلاَ يَشُدَّه وَهُوَ يَمِيلُ) وَفِي بعض النّسخ: فَهُوَ يَمِيل. ورهْيَأَ الحِمْلَ: جعل أَحَد العدْلَيْن أَثقَلَ من الآخر، وَقَالَ أَبو زيد: رَهْيَأَ الرجلُ فَهُوَ} مُرَهْيِىءٌ، وَذَلِكَ أَن يَحْمِل حِمْلاً فَلَا يَشُدَّه بالحِبالِ فَهُوَ يَمِيل كُلَّما عَدَلَه.
( {وتَرَهْيَأَ) فِيهِ (: اضطرَبَ و) ترهْيَأَ الشيءُ (: تَحَرَّك، و) الرجلُ تَرَهْيَأَ (فِي مِشْيتِهِ: تَكَفَّأَ) وَالَّذِي فِي الأُمهات: والمرأَة تَرَهْيَأُ فِي مِشْيَتِها: تَكَفَّأُ تَكَفُّؤَ النَّخْلَةِ العَيْدَانَةِ (و) تَرَهْيَأَ (السَّحَابُ) إِذا تَحرَّكَ و (تَهَيَّأَ للمطَرِ،} كَرَهْيَأَ) يُقَال: رَهْيَأَت السحابةُ وتَرهْيَأَت: اضْطَرَبَتْ، وَيُقَال: رَهْيَأَةُ السَّحابةِ: تَمَخُّضُها وَتَهيُّؤُها للمطَرِ، وَفِي حَدِيث ابْن مسعودٍ أَن رجلا كَانَ فِي أَرضٍ لَهُ إِذ مَرَّتْ بِهِ عَنَانَةٌ تَرَهْيَأُ، فسَمع فِيهَا قَائِلا يَقُول: ائْتِي أَرْضَ فُلان فَاسْقِيها، قَالَ:
فَتِلْكَ عَنَانَةُ النِّقَمَاتِ أَضْحَتْ
تَرَهْيَأُ بِالعِقابِ لِمُجْرِمِيهَا
وَقَالَ الأَصمعيّ: تَرَهْيَأُ، يَعْنِي أَنَّها قد تَهَيَّأْتْ للمطر فَهِيَ تُرِيد ذَلِك (و) عَن أَبي عُبيدٍ: تَرهْيَأَ (فِي أَمْرِه) إِذا (هَمَّ بِهِ ثمَّ أَمسَكَ) عَنهُ (وَهُوَ يُرِيد فِعْلَه) ورَهْيأَ فِي أَمرِه: لم يَعْزِمْ عَلَيْهِ.

روأ
: (! رَوَّأَ) ، على الْهَمْز اقْتصر فِي الصَّحِيح. وَتَبعهُ أَكثر شُرَّاحه، قَالَ ابنُ دُرُستويه فِي (شَرْحه) : أَصل رَوَّأْتُ الْهَمْز، وَتَرْكُ الهمزِ فِيهِ جائزٌ، قَالَه شَيخنَا، وَفِي (لِسَان الْعَرَب) : قَالُوا رَوَّأَ، فَهمزوه على غثر قياسٍ، كَمَا قَالُوا حَلأْتُ السَّوِيقَ، وإِنما هُوَ من الحَلْوَاءِ، ورَوَّي لُغَةٌ. قلت: وَقد ذكره الْمُؤلف كَغَيْرِهِ فِي المعتلّ (فِي
(1/254)

الأَمرِ {تَرْوِئَةً) على إِلحاق فِعْل المهموز بفعْلِ المعتلّ كَزكَّي تَزْكِيةً، وَكَثِيرًا مَا عاملوا المَهموز معاملةَ المُعتَلِّ (} وتَرْوِيئاً) على الْقيَاس (: نَظَر فِيهِ وتَعَقَّبَه) كَذَا فِي سَائِر النّسخ الْمَوْجُودَة بأَيدينا، وَهَكَذَا فِي (لِسَان الْعَرَب) وَغَيره، وَمَعْنَاهُ أَي رَدَّد فِيهِ فِكْرَه ثَانِيًا، لَا مَا قَالَه شيخُنا: إِنه طَلَبَ العَوْرَةَ وتَتَبَّعَ العَثْرَةَ، بِقَرِينَة المَقامِ، وَحَيْثُ إِنها ثَبتتْ فِي الأُمهاتِ كَيفَ يُقال فِيهَا إِنها زيادةٌ غيرُ معروةٍ أَو إِنها مُضِرَّةٌ، كَمَا لَا يخفى، (وَلم يَعْجَلْ بِجَوَابٍ) بل تَأْنَّي فِيهِ (والاسمُ {الرَّوِيئَةُ) بِالْهَمْز، على الأَصل (و) قيل: هِيَ (} الرِّوِيَّةُ) كَذَا فِي (الصِّحَاح) ، جَرَتْ فِي كَلَامهم غير مهموزةٍ، كَذَا فِي (الفَصيح) .
( {والرَّاءُ) حَرْفٌ من حُرُوف التّهَجِّي،} وَريَّأْتُ رَاءً كَتَبْتها و (شَجَرٌ) سُهْلِيٌّ لَهُ ثَمرٌ أَبيضُ، وَقيل: هُوَ شجرٌ أَغبَرُ لَهُ ثَمرٌ أَحمرُ (واحدتُه) {رَاءَةٌ (بِهاءِ) وتَصغيرها} رُوَيْئَةٌ، وَقَالَ أَبو حنيفَة: {الرَّاءَةُ لَا تكون أَطْوَلَ وَلَا أَعرضَ من قَدْرِ الإِنسان جَالِسا، قَالَ: وَعَن بعض أَعراب عَمَّان أَنه قَالَ: الرّاءَةُ: شُجَيرة تَرتفعُ على ساقٍ، ثمَّ يَرتفع لَها وَرَقٌ مُدَوَّرٌ أَحْرَش، قَالَ: وَقَالَ غَيره: هِيَ شُجيرة جَبليّة كأَنها عِظْلِمَةٌ، وَلها زَهْرَةٌ بيضاءُ لينَة كأَنها قُطْنٌ. (} وَأَرْوَأَ المكانُ: كَثُرَ بِهِ) الرَّاءُ، عَن أَبي زيدٍ، حكى ذَلِك أَبو عَلِيَ الفارسيُّ، وَقَالَ شَيخنَا: قَالُوا: هِيَ نَوْعٌ من شجرِ الطَّلْعِ، وَهِي الشجرةُ الَّتِي نَبَتَتْ على الغَارِ الَّذِي كَانَ فِيهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأَبو بكر رَضِي الله عَنهُ، قَالَه السُّهَيْلي وغيرُه، قَالُوا: وَهِي لَهَا زَهْرٌ أَبْيَضُ شِبْهُ القُطْنِ يُحْشَى بِهِ المَخَادُّ كالرِّيش خِفَّةً ولِيناً، كَمَا فِي كتاب النَّبات، قَالَ الشَّاعِر:
تَرَى وَدَكَ السَّدِيفِ عَلَى لِحَاهُمْ
كَمِثْلِ الرَّاءِ لَبَّدَهُ الصَّقِيعُ
وَنَقله شُرَّاح الشِّفاءِ، وَفِي الْمَوَاهِب
(1/255)

أَنها أُمُّ غَيْلاَنَ، وَسَبقه إِليه ابنُ هِشَام وتَعَقّبوه، وَقَالَ فِي النُّور: هَذِه الشجرةُ الَّتِي وصفهَا أَبو حنيفَة غالبُ ظَنِّي أَنَّها العُشَر، كَذَا رأَيتُها بأَرْض البِركَةِ خارِجَ القاهِرَةِ، وَهِي تَنفتِقُ على مثل قُطْنِ يُشْبِه الرِّيشَ فِي الخِفَّة، ورأَيت مَن يَجعله فِي اللُّحُفِ فِي الْقَاهِرَة. قلت: لَيْسَ هُوَ العُشَر كَمَا زعم، بل شجرٌ يُشبهه، انْتهى، قلت: وَمَا ذكره شيخُنا هُوَ الصَّحِيح، فإِن الرَّاءَ غيرُ العُشَر، وَقد رَأَيْتُ كِلَيْهِما باليَمن، وَمن ثَمَرِ كُلَ مِنْهُمَا تُحْشَى المَخَادُّ والوسائدُ، إِلاّ أَن العُشَر ثَمرُه يَبدو صَغِيرا ثمَّ يَكْبَرُ حَتَّى يكون كالباذنْجَانة، ثمَّ ينفتق عَن شِبْه قُطنٍ، وثَمرُ الرَّاءِ لَيْسَ كَذَلِك، والعُشَر لَا يُوجَد بأَرْضِ مصرَ، كَمَا هُوَ معلومٌ عِنْدهم، وهما من خَواصِّ أَرض الحِجاز وَمَا يليِها، وَمن ثَمرِ الرَّاءِ تُحْشَى رِحَالُ الإِبل وغيرُها فِي الْحجاز (و) قَالَ أَبو الْهَيْثَم: الرَّاءُ: (زَبَدُ البَحْرِ) وأَنشد:
كَأَنَّ بِنَحْرِهَا وَبِمِشْفَرَيْهَا
وَمَخْلِجِ أَنْفِهَا رَاءً وَمَظَّا
والمَظُّ: دَمُ الأَخَوَيْنِ، وَهُوَ دَمُ الغَزال وعُصارَةُ عُرُوقِ الأَرْطَى، وَهِي حُمْرٌ، وَقيل هُوَ رُمَّان البَرِّ، وسيأْتِي.

ريأ
: ( {رَيَّأَه} تَرْيِئَةً) إِلحاقاً لَهُ بالمعتلِّ (فَسَحَ عَن خُنَاقِه) بِالضَّمِّ (و) {رَيَّأَ (فِي الأَمرِ رَوَّأَ) فِي (التَّهْذِيب) رَوَّأْتُ فِي الأَمر} وَرَيَّأْتُ وفَكَّرْتُ بِمَعْنى واحدٍ، وَقيل هِيَ لُثْغَةٌ فِي رَوَّأَ، قَالَه شَيخنَا: ( {وَرَايَأَهُ) مُرَايَأْةً (: اتَّقَاه) وخافَه، قَالَ الصرفيون: إِنها لَيست مُستقِلَّةً، بل هِيَ مَقلُوبة.
(} وَرَاءَ) كخاف (لُغةٌ فِي رَأَي، وَالِاسْم) مِنْهُ ( {- الرِّيءُ بِالْكَسْرِ) والهمز، كالرِّيح وزِيد:} الرَّاءُ، كالهاء، وأَنشد شَيخنَا:
أَمَرْتَنِي بِرُكُوبِ البَحْرِ أَركَبُهُ
غَيْرِي لَك الخَيْرُ فَاخْصُصْهُ بِذَا الرَّاءِ
مَا أَنْتَ نُوحٌ فَتُنْجِينيِ سَفِينَتُهُ
وَلاَ المَسِيحُ أَنَا أَمْشِي عَلَى المَاءِ
قلت: أَمَّا الشعْرُ فلأَبي الحَسنِ عَلِيِّ
(1/256)

ابْن عَبْدِ الغَنِيِّ الفِهْرِيّ المُقْرِيء الشَّاعِر الضَّرير، ابنِ خالَة أَبي إِسحاق الحُصْرِيِّ صاحبِ زَهْرِ الْآدَاب، وأَمّا الروايةُ فإِنها: فاخْصُصْهُ بِذَا الدَّاءِ، بالدَّالِ المُهملة، لَا بالراء، كَمَا زَعَمَه شيخُنا، فيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَهُ.

(فصل الزَّاي) (مَعَ الْهمزَة)
زأزأ
: ( {زَأْزَأَهُ: خَوَّفَه و) } زَأْزأَ (الظَّلِيمُ: مَشى مُسرِعاً رَافعا قُطْرَيْهِ) أَي طَرَفَيْه (رأْسَه وذَنَبَه) .
(و) زأْزَأَ (الشيءَ: حَرَّكَه، {وتَزأْزَأَ:) تَحرَّك و (تَزَعْزَع و) تَزأْزأَ (مِنْهُ: تَصاغَرَ) ذَلَّ (لَهُ فَرَقاً) محركةً أَي خَوْفاً، وَقَالَ أَبو زيد:} تَزَأْزأَتُ من الرجل {تَزَأْزُؤًا شَديداً إِذا تَصاغَرْتَ لَهُ وفَرِقْتَ مِنْهُ، وعِبارةُ المُحْكم: تَزَأْزَأَ لَهُ: هابَه وتَصاغرَ لهُ (وخَافَ) كعَطْفِ التفْسِير على تَصاغر (و) } تَزَأْزَأَ الرجل (: اختبأَ) قَالَ جَرير:
تَبْدُو فَتُبْدِي جَمَالاً زَانَهُ خَفَرٌ
إِذَا تَزَأْزَأَتِ السُّودُ العَنَاكِيبُ
(و) تَزأْزأَ الرجلُ إِذا (مَشَى مُحرِّكاً أَعطافَه كَهيْئَة القِصَارِ) أَي وَهِي مِشْيَة القِصار.
(و) يُقَال: (قِدْرٌ {زُؤَازِئَةٌ كَعُلاَبِطَة و) } زُؤَزِئَةٌ مثل (عُلَبِطَةٍ) بِالْهَمْز فيهمَا أَي (عَظيمةٌ) {تُزَأْزِىءُ، أَي (تَضُمُّ الجَزُورَ) ، هَذَا مَحلُّ ذِكْره، لأَنه مهموزٌ، قَالَ أَبو حِزامٍ غالبُ بن الْحَارِث العُكْلِيُّ:
وعِنْدِي} زُؤَازِئَةٌ وَأْبَةٌ
تُزَأْزِيءُ بِالدَّأْثِ مَا تَهْجَؤُهْ
(وَذِكْرُه فِي المعتل وَهَمٌ للجوهريِّ) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَه وَهَماً هُوَ الْمَنْقُول عَن الأَصمعيّ وشيوخِه، والمؤَلف تَبِعَ ابنَ سِيدَه فِي (المُحكم) حَيْثُ ذكره فِي المهوز.

زبأ:
( {الزَّبْأَةُ) نَقلَها من بعض حَوَاشِي (الصِّحَاح) ، وَقد خَلَتْ عَنْهَا الأُمَّهاتُ (بِالْفَتْح) ، وَقد تَقدَّم أَنه سَهْوٌ من قَلم النَّاسِخ (الغَضْبَةُ) رَوَاهُ ابنُ الأَعرابيّ.

زكأ
: (} زَكَأَه، كمنع) مائةَ سَوْطٍ! زَكْأً
(1/257)

(: ضرَبه، و) زَكَأَهُ (أَلْفاً) أَي أَلْفَ دِرْهمٍ (نَقَدَهُ أَو عَجَّلَ نَقْدَه) عَن ابْن السكّيت، وَعَلِيهِ اقْتصر الجوهريُّ والزُّبَيْدِيُّ.
(و) زَكَأَ (إِليه: لَجَأَ واستنَدَ) عَن أَبي زيد، {والمَزْكأُ: قَالَ الشَّاعِر:
وَكَيْفَ أَرْهَبُ أَمْراً أَوْ أُرَاعُ لَهُ
وقَدْ} زَكَأْتُ إِلى بِشْرِ بنِ مَرْوَانِ
وَنِعْمَ {مَزْكَأُ مَنح ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ
وَنِعْمَ مَنْ هُوَ فِي سِرَ وإِعْلاَنِ
(وجارِيتَه: جامَعَها، و) زَكَأْت (الناقةُ بِوَلَدِها) } تَزْكَأُ (: رَمَتْه) ، وَفِي بعض النّسخ: رَمَتْ بِهِ (عِند رِجْلِها) وَفِي بعض النّسخ: عِنْد رِجْلَيْها، بالتثنية، وَفِي (التَّهْذِيب) : رَمَتْ بِهِ عِنْد الطَّلْقِ، وَيُقَال: قَبحَ اللَّهُ أُمًّا زَكَأَتْ بِه ولَكَأَتْ بِهِ أَي وَلَدتْه. (وَرجُلٌ) لَو قَالَ بدله: مَلِيءٌ، كَمَا هُوَ فِي غير كتابٍ كَانَ أَوْلى ( {زُكَأٌ كَصُرَدٍ و) } زُكَأَة مثل (هُمَزَةٍ {وزُكَاءُ النَّقْدِ) (: مُوسِرٌ) كثيرُ الدَّرَاهِم (عاجلُ) أَي حاضرُ (النَّقْدِ) وَقَول شَيخنَا فِي الأَخير إِنه من زيادات الْمُؤلف لأَن الجُمهور كالجوهريّ اقتصروا على الأَوَّلَيْنِ لَيْسَ بسديدِ، فإِنه مَذكور فِي غَالب الأُمَّهاتِ، قَالَ ابنُ شُمَيْلٍ: يُقَال تَكَأْتُه حَقَّهُ تَكْأً} وزَكَأْتَه زَكْأً، أَي قَضَيْتُه، وَقد أَغفله الْمُؤلف.
( {وازْدَكَأَ مِنْهُ حَقَّه) وانْتَكَأَهُ، أَي (أَخَذَه) . ولَتَجِدَنَّهُ زُكَأَةً نُكَأَةً، كَهُمَزَة فيهمَا، أَي يقْضى مَا عَلَيْهِ.

زنأَ
: (} زَنَأَ إِليه) أَي الشيءِ (كَمَنَعَ) {يَزْنَأُ (} زَنْأً {وزُنُوءًا) كقُعود (: لَجَأَ، و) زَنَأَ (فِي الجَبَلِ) يَزْنأَ زَنْأً وزُنُوءًا (: صَعِدَ) فِيهِ، وَفِي الحَدِيث: لَا يُصَلِّي} زَانِىءٌ، يَعْنِي الَّذِي يُصَعِّد فِي الجَبَل حتَّى يَستَتِمَّ الصُّعودَ، إِمّا لأَنه لَا يتمَكَّنُ، أَو مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ مِن البُهْرِ والنَّهِيجِ، فيَضيقُ لذَلِك نَفَسُه، وَقَالَ قَيْسُ بنُ عاصمٍ المِنْقَرِيُّ رَضِي الله عَنهُ، وأَخَذَ صِبِيًّا لَهُ من أُمِّه يُرَقِّصه، وأُمُّه مَنْفُوسَةُ بنتُ زَيْدِ الفَوارِس، والصبيُّ هُوَ حكيمٌ ابنُه:
(1/258)

أَشْبِه أَبَا أُمِّكَ أَو أَشبِهْ حَمَلْ
وَلاَ تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وَكَلْ
يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلْ
وَارْقَ إِلَى الخَيْرَاتِ زَنْأً فِي الجَبَلْ
الهِلَّوْفُ: الثقيلُ الجافي العَظِيمُ اللِّحْيَة، والوَكَلُ: الَّذِي يَكِلُ أَمرَه إِلى غيرِه، وَزعم الجوهريُّ أَن هَذَا الرَّجَزَ للمَرْأَةِ أُمِّه قالتْه تُرَقِّص ابنَها، فردَّه عَلَيْهِ أَبو مُحَمَّد بنُ بَرِّيّ، وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيره على هَذِه الصُّورة، وَقَالَت أُمه تَرُدُّ على أَبِيه:
أَشْبِهْ أَخِي أَوْ أَشْبِهَنْ أَبَاكَا
أَمَّا أَبِي فَلَنْ تَنَالَ ذَاكَا
تَقْصُرُ أَنْ تَنَالَهُ يَدَاكَا
وعبارةُ (العُباب) : قَالَت مَنفوسة بنتُ زيدِ الفوارِس بن حُصَينِ بن ضِرار الضَّبِّيِّ وَهِي تُرقِّص ابنَها حَكِيماً وتَرُدُّ على زَوْجِها قيسِ بنِ عاصمٍ المِنْقَرِيّ رَضِي الله عَنهُ.
(و) زَنَأَ (الظِّلُّ) يَزْنَأُ (: قَلَصَ) وقَصُرَ (ودَنا بعضُه من بعضٍ) وظِلٌّ {زَنَاءٌ: قَالِصٌ، قَالَ ابنُ مُقْبِل يَصِف الإِبلَ:
وَتُولِجُ فِي الظِّلِّ} الزَّنَاءِ رُؤُوسَهَا
وتَحْسَبُهَا هِيماً وَهُمَّ صَحَائحُ
(و) زَنَأَ (إِليه) أَي الشيءِ يَزْنَأُ: (دَنَا مِنْهُ) وزَنَأَ: (طَرِبَ وأَسرع، و) زَنَأَ: (لَزِقَ بالأَرض وخَنَق) هَكَذَا فِي النّسخ، وَلم أَجد من ذكره من أَئمة اللُّغَة إِن لم يكن صُحّف على الْكَاتِب من حَقَن (و) قد زَنَأَ (بَوْلُه) يَزْنَأُ زَنْأً وزُنُوءًا (: احتَقَنَ) .
( {وأَزنأَه) هُوَ (إِلى الأَمر} إِزناءً أَلجأَه و) {أَزْنأَه فِي الجَبل (صَعَّدَه، و) أَزْنَأَه هُوَ إِزناءً إِذا (حَقَنَه) وأَصله الضِّيق.
(} والزَّنَاءُ، كسحاب) هُوَ (القَصيرُ المُجتمعُ) يُقَال: رَجلٌ زَنَاءٌ، وظِلٌّ
(1/259)

زَنَاءٌ، وَفِي الْفَائِق: الزَّناءُ فِي الصِّفات نَظِير جَوَادٍ وجَبَانٍ، وَهُوَ الضِّيقُ يُقَال: مَكانٌ زَنَاءٌ، وبئْرٌ زَنَاءٌ، (والحاقِنُ لِبَوْلِه) . وَنهى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمأَن يُصَلِّيَ الرجلُ وَهُوَ زَنَاءٌ أَي حاقنٌ. (و) الزَّنَاءُ (ع) .
(و) قَالَ ابنُ الأَعرابيّ: ( {- الزَّنِيءُ) على فَعِيل (: السِّقاءُ الصغيرُ) .
(} وَزَنَّأَ عَلَيْهِ {تَزْنِئَةً) أَي (ضَيَّق) قَالَ شِهَابُ بنُ العَيِّف، ويروى لِلْحَارِثِ ابْن العَيِّف، والأَوّل هُوَ الصَّحِيح، قَالَ الصَّغانيُّ: وَهَكَذَا وجدْتُه فِي شِعر شِهابٍ بخطّ أَبي القاسِم الآمِدّي فِي أَشْعارِ بني شَيْبعان.
لاَ هُمَّ إِنَّ الحارثَ بْنَ جَبَلَهْ
} زَنَّا عَلَى أَبِيهِ ثُمَّ قَتَلَهْ
وَرَكِبَ الشَّادِخَةَ المُحْجَّلَهْ
وَكَانَ فِي جَارَاتِه لاَ عَهْدَ لَهْ
فَأَيُّ أَمْرٍ سَيِّيءٍ لَا فَعلَهْ
أَي لم يَفْعَلْه، قَالَ وأَصله زَنَّأَ على أَبيه، بِالْهَمْز، قَالَ ابنُ السكّيت: إِنما ترك هَمزه ضَرورَةً. والْحَارث هَذَا هُوَ الْحَارِث بن أَبي شَمِرٍ الغَسَّانيُّ. وَقد بُنِي ثُلاثيًّا، وَمِنْه بُنِي اسمُ التفضيلِ فِي الحَدِيث أَنه كَانَ لَا يُحِبُّ من الدُّنْيا إِلاّ {أَزْنَأَها، أَي أَضيقَها، قَالَه شَيخنَا، قلت: وَمِنْه أَيضاً حَدِيث سعد بن ضَمْرَة:} فَزَنَئُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَة أَي ضَيَّقوا.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
الزَّنَاءُ، كسحابٍ: القَبْرُ، قَالَ الأَخطل:
وَإِذا قُذِفْتُ إِلى زَنَاءٍ قَعْرُها
غَبْراءَ مُظْلِمةٍ مِنَ الأَجْفارِ

زوأ
: ( {زَوْءٌ المَنِّية: مَا يَحْدُث مِنْهَا) قَالَ الأَصمعي:} الزَّوْءُ بِالْهَمْز.
(و) قَالَ أَبو عَمْرو (! زَاءَ الدهْرُ بِهِ) أَي (انقلَبَ (بِهِ)) ، وَهَذَا دليلٌ على أَنه مهموزٌ، قَالَ أَبو منصورٍ: زَاءَ فَعَلَ من الزَّوْءِ، كَمَا يُقَال من الزَّوْغ
(1/260)

زَاغَ (قَالَ أَبو عَمْرٍ و: فرِحْتُ بِهَذِهِ الكلمةِ) حَيْثُ وجدْتُها: قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
مَا كَانَ مِنْ سُوقَةٍ أَسْقَى عَلَى ظَمَإٍ
خَمْراً بِمَاءٍ إِذَا ناجُودُهَا بَرَدَا
مِن ابنِ مَامَةَ كَعْبٍ ثُمَّ عَيَّ بِهِ
زَوْءُ المَنِيَّةِ إِلاَّ حِرَّةً وَقَدَا
وجاءَ فِي الحَدِيث أَن النيب صلى الله عَلَيْهِ وسلمقال: إِنَّ الإِيمَانَ بَدَا غَرِيباً وسَيعُودُ كَما بَدَا، فَطُوبَى لِلْغُرَباءِ إِذا فَسَدَ الناسُ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي القاسِمِ بِيَدِهِ {لَيُزْوَأَنَّ الإِيمانُ بَيْنَ هذَيْنِ المَسجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِها) هَكَذَا رُوِي بِالْهَمْز، قَالَ شَمِرٌ: لم أَسمع} زَوَأْتُ، بِالْهَمْز، وَالصَّوَاب لَيُزْوَيَنَّ، أَي لَيُجْمَعَنَّ ولَيُضَمَّنَّ، من زَوَيْتُ الشيءَ إِذا جَمَعْتَه، وسيُذكر فِي المُعتلّ. قلت: وَفِي رِوايةٍ: لَيَأْرِزَنَّ بدل لَيُزْوَأَنَّ.

(فصل السِّين) الْمُهْملَة مَعَ المهمزة)
سأسأ
: ( {سَأْسَأَ بالحِمارِ} سَأْسَأَةً {وسَأْسَاءً) بِالْمدِّ (: زَجَرَه لِيَحْتَبِسَ) قَالَه أَبو عمروٍ، وَقد} سَأْسأْتُ بِهِ، (أَو) وقلتَ لَهُ سَأْسَأْ بالحِمار إِذا (دَعاهُ لِشرَبَ) وقلتَ لَهُ سَأْسَأْ، قَالَه الأَحمرُ، وَفِي المَثَل (قَرِّبِ الحِمارَ مِن الرَّدْهَةِ وَلَا تَقُلْ لَهُ {سَأْ) الرَّدْهَةُ: نُقْرَةٌ فِي صَخْرةٍ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الماءُ، (أَو يَمْضِيَ) أَي زَجْرتَه ليمْضِيَ قُلْتَ لَهُ سَأْسَأْ، قَالَه اللَّيْث، وَقد يُذْكَرُ سَأْ وَلَا يُكَرَّرُ، فَيكون ثُلاثِيًّا قَالَ:
لَمْ تَدْرِ مَاسَأْ لِلْحَميرِ وَلَم
تَضْرِبْ بِكَفِّ مُخَابِطِ السَّلَمِ
وَيُقَال: سأْ للحمار عِنْد الشُّرْبِ، فإِن رَوِيَ انْطلق وإِلاَّ لم يَبْرَحْ، قَالَ: وَمعنى سَأْ اشْرَبْ فإِني أُريد أَن أَذهبَ بك، قَالَ أَبو مَنْصُور: والأَصل فِي سَأْ زَجْرٌ وتَحرِيكٌ للمُضِيِّ، كأَن يُحَرِّكه لِيشْرَبَ إِن كانتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الماءِ مخافَةَ أَنْ يُصْدِرَه وَبِه بَقِيَّةُ الظَّمإِ.
قَالَ شَيخنَا: وَمِمَّا بَقِي على الْمُؤلف:
} السِّئْسِىءُ كالضِّئْضِيءِ وَزْناً ومعْنى، نقلَه عَن ابنِ دِحْيَةَ فِي التَّنْوِيهِ.
قلت (و) فِي (العُباب) : (! تَسأْسَأَتْ)
(1/261)

عَلَيَّ (أُمورُكم) وتَسَيَّأَتْ، أَي (اختلفَتْ) فَلَا أَدرِي أَيُّها أَتبعُ.

سبأ
: ( {سَبَأَ الخَمْرَ كجَعَل) } يَسْبؤُها ( {سَبْأً} وَسِبَاءً) ككتاب ( {ومَسْبأً: شَرَاهَا) ، الأَكثر استعمالُ شَرى فِي مَعنى البَيْعِ والإِخراج، نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} (يُوسُف: 20) أَي باعوه، وَلذَا فَسَّره فِي (الصِّحَاح) و (الْعباب) باشتراها، لأَنه الْمَعْرُوف فِي معنى الأَخذ والإِدخال، نَحْو {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} (التَّوْبَة: 111) ، وإِن كَانَ كلٌّ مِنْ شَرَى وباعَ يُستعمل فِي المعنيينِ، وَكَذَا فسره ابْن الأَثير أَيضاً، وَزَاد الجوهريُّ والصغانيُّ قَيْداً آخَرَ، وَهُوَ لِيحشربَها قَالَ إِبراهيمُ بنُ عليِّ بن مُحمّد بن سَلمة بن عَامر بن هَرْمَةَ:
خَوْدٌ تُعَاطِيكَ بَعْدَ رَقْدَتِها
إِذَا يُلاَقى العُيُونَ مَهْدَؤُهَا
كَأْساً بِفِيها صَهْبَاءَ مُعْرَفَةً
يَغْلُو بِأَيْدِي التِّجَارِ} مَسْبَؤُهَا
قَوْله مُعْرَفَةً أَي قَليلَة المِزاجِ، أَي أَنها مِن جَوْدَتِها يَغْلُو اشْتِراؤُهَا، قَالَ الكِسائيُّ: وإِذا اشْتَرَيْتَ الْخمر لَتَحْمِلها إِلى بَلَدٍ آخَر قُلت: سَبَيْتُهَا، بِلَا هَمْزٍ، وعَلى هَذِه التفرقةِ مَشاهيرُ اللُّغوِيِّين إِلاّ الفَيُّومِيَّ صاحبَ (الْمِصْبَاح) فإِنه قَالَ: ويُقال فِي الخمرِ خَاصَّةً {سَبَأْتُها، بِالْهَمْز إِذا جَلَبْتَها من أَرْضٍ إِلى أَرْضٍ، فَهِيَ سَبِئَةٌ، قَالَه شيخُنا (} كاسْتَبَأَهَا) ، وَلَا يُقَال ذَلِك إِلاّ فِي الخَمْرِ خَاصَّةً، قَالَ مالكُ بنُ أَبِي كَعْبٍ:
بَعَثْتُ إِلى حَانُوتِهَا {فَاسْتَبَأْتُها
بِغَيْرِ مِكَاسٍ فِي السِّوَامِ وَلاَ غَصْبِ
(وَبيَّاعُها} السَّبَّاءُ) كعَطَّارٍ، وَقَالَ خالدُ بنُ عبد الله لعُمَر بنِ يُوسُفَ الثقفيِّ: يَا ابْنَ السَّبَّاءِ، حكى ذَلِك أَبو حنيفَة.
وَمِمَّا أَغفله المؤَّلف:! سَبَأَ الشَّرابَ، إِذا جَمَعها وَخَبَأَها، قَالَه أَبو مُوسَى فِي معنى حَدِيثِ عُمرَ رَضِي الله عَنهُ، أَنه
(1/262)

دَعَا بِالجِفَانِ فَسَبأَ الشَّرابَ فِيهَا.
(و) سَبَأَ (الجِلْدَ) بالنارِ سَبْأً (: أَحْرَقَه) قَالَه أَبو زيد، (و) سَبَأَ الرجلُ سَبْأً (: جَلَدَ، و) سَبَأَ (سَلَخَ) . فِيهِ قَلَقٌ، لأَنه قَول فِي سَبَأَ الجِلْدِ: أَحرقه، وَقيل: سَلَخَه، فالمناسبُ ذِكْرُه تحتَ أَحرقه وانْسَبَأَ الجِلْدُ انْسَلَخ، {وانسبأْ جِلْدُه إِذا تَقَشَّر، قَالَ الشَّاعِر:
وَقَدْ نَصَلَ الأَظفارُ وانْسَبَأَ الجِلْدُ
(و) سبأَ (: صَافَحَ) قَالَ شَيخنَا: هُوَ معنى غَرِيبٌ خَلَت عَنهُ زُبُرُ الأَوَّلين. قلت: وَهُوَ فِي (العُباب) ، فَلَا معنى لإِنكاره (و) } سَبَأَتِ (النَّارُ) وَكَذَا لسِّيَاطُ، كَذَا فِي (الْمُحكم) (الجِلْدَ) سَبْأً (: لَذَعَتْه) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة (و) قيل (غَيَّرَتْه) ولَوَّحَتْه، وَكَذَلِكَ الشمسُ والسَّيْرُ والحُمَّى، كُلُّهنَّ يَسْبَأْنَ الإِنسانَ، أَي يُغَيِّرْنَه.
(! وسَبَأٌ كَجَبَلٍ) يُصرَف على إِرادة الْحَيّ قَالَ الشَّاعِر:
أَضْحَتْ يُنَفِّرُها الوِلْدَانُ مِنْ سَبَإٍ
كَأَنَّهُمْ تَحْتَ دَفَّيْهَا دَحَارِيجُ
(ويُمْنَعُ) من الصّرْف لأَنه اسْم (بَلْدَة بَلْقِيسَ) بِالْيمن، كَانَت تَسكُنها، كَذَا ورد فِي الحَدِيث قَالَ الشَّاعِر:
مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَأْرِبَ إِذ
يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهَا العَرِمَا
وَقَالَ تَعَالَى: {1. 019 وجئتك من سبإ بنبإ يَقِين} (النَّمْل: 22) قَالَ الزّجاج: سَبَأ هِيَ مَدِينَة تُعرَف بمَأْرِب، من صَنْعاءَ على مَسيرةِ ثلاثِ ليالٍ، وَنقل شَيخنَا عَن زَهر الأَكَمْ فِي الأَمثال والحِكم مَا نَصه: وكانَتْ أَخصَبَ بِلادِ الله، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} (سبأ: 15) قيل: كَانَت مَسَافَة شهرٍ للراكب المُجِدّ، يسير الْمَاشِي فِي الجِنانِ من أَوّلها إِلى آخرهَا لَا يُفارِقه الظِّلُّ مَعَ تدفُّقِ الماءِ وصفَاءِ الأَنهارِ واتِّساع الفَضاءِ، فَمَكَثُوا مُدَّة فِي أَمْنٍ، لَا يُعانِدُهم أَحدٌ إِلاّ قَصَموه، وَكَانَت فِي بَدْءِ الأَمرِ تَركَبُها السُّيول فجَمعَ لذَلِك حِمْيَرٌ أَهْلَ مملكتِه، وشاوَرَهم، فاتَّخذوا سَدًّا فِي بَدْءِ جَرَيَانِ الماءِ، وَرَصوه بِالْحِجَارَةِ والحَديد،
(1/263)

وَجعلُوا فِيهِ مَخَارِقَ للماءِ، فإِذا جاءَت السُّيولُ انقسمت على وَجْهٍ يَعُمُّهم نَفْعُه فِي الجَنَّاتِ والمُزْدَرَعَاتِ، فَلَمَّا كَفروا نعَمَ الله تَعَالَى ورأَوْا أَنَّ مُلْكَهم لَا يُبيدُه شيءٌ، وعَبدُوا الشَّمْسَ، سَلَّط الله على سَدِّهم فَأْرةً فخَرقَتْه، وأَرْسَلَ عَلَيْهِم السَّيْلَ فمزّقهم اللَّهُ كلَّ مُمَزَّقٍ، وأَباد خَضْرَاءَهم.
(و) قَالَ ابنُ دُريدٍ فِي كتاب (الِاشْتِقَاق) : سَبَأٌ (لَقَبُ ابْنِ يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ) بن قَحْطانَ، كَذَا فِي النّسخ، وَفِي بَعْضهَا: ولَقَبُ يَشْجُب، وَهُوَ خطأٌ (واسمُه عَبْدُ شَمْسٍ، يَجْمَعُ قبائلَ اليَمَنِ عَامَّة) يُمعدُّ وَلَا يُمَدُّ، وَقَول شَيخنَا: وَزَاد بعضٌ فِيهِ المَدِّ أَيضاً، وَهُوَ غريبٌ غريبٌ، لأَنه إِذا ثَبت فِي الأُمهات فَلَا غرابةَ، مَعَ أَنه مَوْجُود فِي (الصِّحَاح) ، وأَما الحَدِيث المُشار إِليه الَّذِي وَقَع فِيهِ ذِكْرُ سَبإٍ فأَخرجه التّرمذيُّ فِي (التَّفْسِير) ، عَن فَرْوَةَ بنِ مُسَيْكٍ المُرادِيُّ قَالَ: أَتيْنَا رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقلتُ: يَا رَسُول الله، أَلاَ أُقاتِلُ مَنْ أَدبَر مِن قَوْمِي بِمَنْ أَقْبلَ مِنْهُم؟ فأَذِنَ لي فِي قِتَالِهم، وأَمَّرني، فَلَمَّا خَرجْتُ من عِنْده سأَل عني: (مَا فَعَلَ الغُطَيْفِيّ؟) فأُخْبِر أَني قدْ سِرْتُ، قَالَ: فأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرَدَّني، فَأَتَيْتُه، وَهُوَ فِي نَفَرٍ من أَصحابِه، فَقَالَ: (ادْعُ القَوْمَ، فَمَنْ أَسلَم مِنْهُم فاقْبَلْ مِنْه، وَمن لَمْ يُسْلِمْ فَلَا تَعْجَل حَتَّى أُحْدِثَ إِليك، قَالَ: وأُنْزِل فِي سَبَإِ مَا أُنْزِل، فَقَالَ رَجلٌ: يَا رَسُول الله، وَمَا سَبَأٌ؟ أَرْضٌ أَو امرأَةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلاَ امْرَأَةٍ ولكنّه رَجُلٌ وَلدَ عَشْرَةً مِن الْيمن فَتَيَامَنَ مِنْهُم ستّةٌ، وتشاءَم مِنْهُم أَربعةٌ، فأَما الَّذين تشاءَموا فَلَخْمٌ وجُذَامٌ وغَسَّانُ وعَاملة،
(1/264)

وأَما الَّذين تَيَامَنُوا فالأَزْدُ والأَشْعَرِيُّونَ وحِمْيَر وكِنْدَة ومَذْحِج وأَنمار فَقَالَ رجل: يَا رسولَ الله، وَمَا أَنمار؟ قَالَ: (الَّذين مِنْهُم خَثْعَمُ وَبجيِلَةُ) قَالَ أَبو عِيسَى: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ (غَرِيب) .
(و) سَبَأٌ (والدُ عَبْدِ اللَّهِ المَنسوبِ إِليه) الطائفةُ ( {السَّبَائِيَّةُ) بِالْمدِّ، كَذَا فِي نسختنا، وصحَّح شيخُنا} السَّبَئيَّة بِالْقصرِ، كالعَرَبِيَّة، وَكِلَاهُمَا صَحِيح (مِنَ الغُلاةِ) جمع غَالِ وَهُوَ المُتعصِّبُ الْخَارِج عَن الحَدِّ فِي الغُلُوِّ من المبتدعة، وَهَذِه الطائفةُ من غُلاةِ الشِّيعة، وهم يتفرَّقون على ثَمانِي عَشْرَةَ فِرْقَةً.
( {والسِّبَاءُ كَكِتابٍ) والسَّبَأُ كجَبَلٍ، قَالَ ابنُ الأَنباريّ: حكى الكِسائيُّ: السَّبأُ: الخَمْرُ، واللَّطَأُ: الشَّرُّ الثقيلُ، حَكَاهُمَا مهموزَيْنِ مَقصوريْنِ، قَالَ: وَلم يَحْكِهما غيرُه، قَالَ وَالْمَعْرُوف فِي الخمرِ السِّبَاءُ بِكَسْر السِّين والمدّ. (} والسَّبِيئَة، كَكَرِيمَةِ: الخَمْرُ) أَي مُطلقًا، وَفِي (الصِّحَاح) و (الْمُحكم) وَغَيرهمَا: سَبَأَ الخَمْرَ واسْتَبأَها: اشْتَرَاهَا، وَقد تقدّم الاستشهادُ ببيتَيْ إِبراهيم بن هَرْمَة ومالكِ بن أَبي كَعْبٍ، والاسمُ السِّباءُ، على فِعَالٍ بِكَسْر الفاءِ، وَمِنْه سُمِّيَت الخمرُ {سَبِيئَةً، قَالَ حسان بن ثَابت:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ
يَكُون مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
عَلَى أَنْيَابِها أَوْ طَعْمُ غَضَ
مِنَ التُّفَّاحِ هَصَّرَه اجْتِنَاءُ
وَهَذَا الْبَيْت فِي (الصِّحَاح) :
كأَنَّ سَبِيئَةً فِي بَيْتِ رأْس
قَالَ ابْن بَرّيّ: وصوابُه (مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ، وَهُوَ موضعٌ بالشأْم.
(و) وَيُقَال: (} أَسْبَأَ لأَمْرِ اللَّهِ) وَذَلِكَ إِذا (أَخْبَتَ) لَهُ قَلْبُه. كَذَا فِي (لِسَان الْعَرَب) (و) أَسبا (على الشَّيءِ: خَبَتَ) أَي انْخَضَع (لَهُ قَلْبُهُ) .
(! والمَسَبْأُ كَمَقْعَدٍ: الطَّرِيقُ) فِي الجَبَل.
(1/265)

( {- وسَبِيءُ) كأَمير (الحَيَّةِ) وسَبِيُّها يُهمز وَلَا يهمز (: سِلْخُها) بِكَسْر السِّين المهلمة، كَذَا فِي نُسختنا، وَفِي بَعْضهَا على صِيغَة الفِعْلِ، سَبَأَ الحَيَّةَ كمنع: سَلَخَها، وصحَّحها شيخُنا، وَفِيه تأْمُّلٌ ومخالفةٌ للأُصول.
(و) قَالُوا فِي الْمثل: (تَفَرَّقُوا) ، كَذَا فِي (المكم) ، وَفِي (التَّهْذِيب) : ذَهَبُوا، وَبِهِمَا أَورده الميدانيُّ فِي (مَجمع الأَمثال) (أَيْدي} سَبَا وأَيادِي سَبَا) يُكتب بالأَلف لأَن أَصله الْهَمْز، قَالَه أَبو عليَ القالي فِي الْمَمْدُود والمقصور، وَقَالَ الأَزهريُّ: العربُ لَا تهمز سَبَا فِي هَذَا الْموضع، لأَنه كَثُر فِي كَلَامهم فاستثقلوا فِيهِ الهمْزَ، وإِن كَانَ أَصلُه مهموزاً، ومثلَه قَالَ أَبو بكر بن الأَنباريّ وغيرُه، وَفِي زهر الأَكم: الذَّهَابُ مَعلومٌ، والأَيادِي جَمْعُ أَيْدٍ، والأَيْدِي بِمَعْنى الجَارِحة وَبِمَعْنى النِّعْمة وَبِمَعْنى الطَّرِيق (: تَبَدَّدُوا) قَالَ ابنُ مَالك: إِنه مُركَّب تَركيب خَمْسَةَ عَشَرَ، (بَنَوْهُ على السُّكُونِ) أَي تكلَّموا بِهِ مبنيًّا على السّكُون كخمسةَ عشرَ، فَلم يجمعوا بَين ثِقَلِ البناءِ وثِقَلِ الهَمزة، وَكَانَ الظَّاهِر بَنَوْهُما أَو بنَوْهَا، أَي الأَلفاظ الأَربعة، قَالَه شيخُنا (وَلَيْسَ بتَخفيف سَبَإٍ) لأَن صورةَ تخفيفه لَيست على ذَلِك (وإِنما هُوَ بدلٌ) وَذَلِكَ لكثرته فِي كَلَامهم، قَالَ العجَّاج:
مِنْ صادِرٍ أَوح وارِدٍ أَيْدِي سبا
وَقَالَ كُثيِّر:
أَيَادِي سَبَا يَا عزُّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ
فَلَمْ يَحْلَ للْعيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْزِلُ
(ضُرِبَ المَثَلُ بهم لأَنه لمَّا غَرِقَ مَكَانُهم وذَهبَتْ جَنَّاتُهم) أَي لما أَشرف مَكَانُهم على الغَرق وقَرُبَ ذهابُ جَنَّاتِهم قَبْلَ أَن يَدْهَمهم السَّيْلُ، وأَنهم توجهوا إِلى مَكَّة ثمَّ إِلى كل جِهَةٍ برأْيِ الكاهِنةِ أَو الكاهِن، وإِنما بَقِيَ هُنَاكَ طائفةٌ مِنْهُم فَقَط (تَبَدَّدُوا فِي البلادِ) فلحق الأَزدُ بِعُمَان، وخُزَاعةُ بِبَطن مَرّ، والأَوْسُ والخَزرجُ بيثرِبَ،
(1/266)

وآلُ جَفْنَةَ بأَرض الشأْمِ، وآلُ جَذيِمَةَ الأَبَرشِ بالعراق:
وَفِي (التَّهْذِيب) : قولُهم ذَهَبُوا أَيادِي سَبَا، أَي مُتفرِّقِينَ، شُبِّهوا بأَهْل سَبَإٍ لمّا مَزَّقَهم الله فِي الأَرضِ كُلَّ مُمَزَّق فأَخذَ كُلُّ طائفةٍ مِنْهُم طَرِيقاً على حِدَة، واليَدُ: الطَّرِيقُ، يُقَال: أَخذ القَوْمُ يَدَ بَحْرٍ، فقيلَ للقومِ إِذا تفرَّقوا فِي جِهاتٍ مُختلِفةٍ: ذَهبوا أَيدي سَبَا، أَي فَرَّقَتْهم طُرقُهم الَّتِي سَلَكُوها كَمَا تَفرَّق أَهلُ سَبإٍ فِي مَذاهِبَ شَتَّى.
(و) قَالَ ابنُ الأَعرابيّ: يُقَال: إِنك (تُرِيدُ {سُبْأَةً، بالضَّمِّ) أَي إِنك تُرِيدُ (سَفَراً بَعيداً) يُغيِّرُك، وَفِي (التهديب) : السُّبْأَةُ: السَفر البَعِيد، سُمِّي سُبْأَةً، لأَن الإِنسان إِذا طالَ سفَرُه سَبَأَتْه الشمسُ ولَوَّحَتْه، وإِذا كَانَ السفرُ قَرِيباً قيل: تُرِيدُ سَرْبَةً.
وَمِمَّا بَقِي على الْمُؤلف من هَذِه الْمَادَّة:} سبَأَ عَلَى يَمينٍ كَاذبةٍ {يَسْبَأُ} سَبْأً: حَلَفَ، وَقيل: سَبَأَ عَلَى يمِين يَسْبَأُ سَبْأً: مَرَّ عَلَيْهَا كاذِباً غير مُكْتَرِثٍ بهَا، وَقد ذَكرهما صاحبُ (الْمُحكم) و (الصِّحَاح) و (العُباب) .
وَصَالح بن خَيْوَان {السَّبَائِي، الأَصحّ أَنه تَابِعِيّ، وأَحمد بن إِبراهيم ابْن مُحَمَّد بن سَبَا الفقيهُ اليمنيُّ من المتأْخرين.

سبتأ
: (} المُسْبَنْتَأُ مَهموزٌ مقصورٌ) وَفِي بعض النّسخ مهموزاً مَقْصُورا، قَالَ ابنُ الأَعرابيّ: هُوَ (مَ يكون رَأْسُهُ طَوِيلاً كالكُوخِ) بِالضَّمِّ، بيتٌ مُسَنَّم من القَصَب وسيأْتي.

سخأ
: ( {سَخَأَ النَّارَ كجَعَلَ) } يَسْخَؤُها {سَخْأً أَي (جَعَل لَهَا مَذْهَباً) مَوْضعاً تَذهب إِليه (تَحْتَ القِدْرِ كَسَخَاها) وسَخِيهَا، معتلاَّن، عَن الْفراء، وسيأْتي، وَزَاد الصغاني: والعُودُ من الأَوّل} مِسْخَأٌ على مِفْعَلٍ، وَمن الثَّانِي وَالثَّالِث مِسْخَاءٌ على مِفْعالٍ.
(1/267)

سدأ
: ( {السِّنْدَأْوُ كَجِرْدَحْلٍ وَ) } السِّنْدَأْوَةُ (بِهاءٍ) يُقَال: رجلٌ {سِنْدَأْوَةٌ} وسِنْدَأْوٌ، قَالَ الكسائيّ: هُوَ (الخَفيفُ، و) قيل: هُوَ (الجَرِيءُ) أَي الشَّديد (المُقْدِمُ) قَالَ الشَّاعِر:
سِنْدَأْوَةٌ مِثْلُ العَتِيقِ الجَافِرِ
كأَنَّ تَحْتَ الرَّحْلِ ذِي المَسَامِرِ
قَنْطَرَةٌ أَوْفَتح على القَنَاطِرِ
(و) قيل: هُوَ (القَصِير و) قيل: (الدَّقِيقُ الجِسْمِ) بِالدَّال الْمُهْملَة، وَفِي بعض النّسخ بالراء (مَع عِرَضِ رَأْسٍ) ، كلّ ذَلِك منقولٌ عَن السيرافي، (و) قيل: هُوَ (العَظِيمُ الرَّأْسِ، و) السِّنْدَأْوَةُ (: الذِّئْبَةُ) وناقة سِنْدَأْوَةٌ: جَرِيئَة (وَزْنُه فِنْعَلْوٌ) إِشارة إِلى أَن النُّون وَالْوَاو زائدتان، وَقيل: الزَّائِد الْهمزَة وَالْوَاو فوزنه فِعْلأْوٌ (ج {سِندَأْوُونَ) وَهُوَ جمع مذكّر على غير شَرْطه، لأَنه جارٍ على غير الْعَاقِل، وَلَيْسَ علَماً وَلَا صفة إِلا بضَرْبٍ من التأْويل، قَالَه شَيخنَا.

سرأ
: (} السَّرْءُ {والسَّرْأَةُ) بفتحهما، اقْتصر عَلَيْهِ فِي (الْمُحكم) (: بَيْضَةُ الجَرادِ) والضّبِّ (والسَّمكةِ) وَمَا أَشبهه (وتُكْسَرُ) سِينهما فِي قولٍ (أَو هِيَ) أَي الْكَلِمَة (بِالكَسْرِ) وَعَلِيهِ اقْتصر فِي (الصِّحَاح) ، وصحّحه الأَكثرون، قَالَ عليُّ بن حَمْزَة الأَصبهانيُّ:} السِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بيضُ الجرادِ وَيُقَال سِرْوَة، وأَصلها الْهَمْز، وَقيل لَا يُقَال ذَلِك حَتَّى تُلْقيَاهُ (وجَرَادَةٌ {سَرُوءٌ) على فَعُولٍ، قَالَ اللَّيْث: وَكَذَلِكَ سَرْءُ السمكَةِ وَمَا أَشبهه من الْبيض، فَهِيَ سَرُوءٌ، والواحدة} سِرَأَة، قَالَ الأَصمعي الْجَرَاد يكون سَرْأً وَهُوَ بَيْض فإِذا خرجت سَوداءً فَهِيَ دَباً. وضَبَّةٌ سَرُوءٌ على فَعُول وضِبَابٌ سُرُؤٌ على فُعُلٍ وَهِي الَّتِي بَيْضُها فِي جَوْفِهَا لم تُلْقِه، وَقيل لَا يُسمى الْبيض سَرْأً حَتَّى تُلْقِيَه، {وَسَرَأَت الضَّبَّةُ: باضَتْ (ج} سُرُءٌ كَكُتُب) قَالَ الأَصبهانيُّ: وسَرَأَت الجرادةُ {تَسْرأُ} سَرْأً فَهِيَ سَرُوءٌ: باضت، والجَمع
(1/268)

سُرُؤٌ ( {وسُرَّأٌ كَرُكَّعٍ نادِرَةٌ فَلَا يُكَسَّرُ فَعُولٌ على فُعَّلٍ) بتشدِيد العينِ، (} وَسَرَأَت (كمنَعَت)) الجرادةُ تَسْرَأُ سَرْأً (: بَاضَتْ) وَقَالَ أَبو عبيد عَن الأَحمر: أَي أَلْقَتْ بَيْضَهَا، قَالَ: وَيُقَال: رَزَّتِ الجرادَةُ، والرَّزُّ: أَن تُدْخِل ذَنَبها فِي الأَرض فتُلْقِيَ {سَرْأَهَا،} وسَرْؤُها: بَيْضُها. وَقَالَ القَنانيُّ: إِذا أَلقى الجرادُ بيضَهُ قيل: قَدْ سَرَأَ البَيْضَ يَسْرَأُ بِهِ (و) قَالَ ابنُ دريدٍ: سَرَأَت (المَرْأَةُ) سَرْأً (: كَثُرَ أَولادُها) وَفِي نُسْخَة: وَلَدُها ( {كَسَرَّأَت} تَسْرِئَةً، فيهِما) وَهَذَا عَن الفرّاء ( {وأَسْرَأَتْ) أَي الجرادةُ (حَانَ تَبِيضَ) وَقَالَ الأَحمر: أَسرأَتْ: حَان أَن تُلْقِيَ بَيْضَها (وأَرْض} مَسْرُوأَةٌ: كَثيرَتُها) أَي الجرادُ، وَقَالَ الأَصبهانيّ، أَي ذَات سِرْوَةِ وأَصله الْهَمْز.
وَمِمَّا أَغفله الْمُؤلف من هَذِه الْمَادَّة: {السَّراءُ كسَحابٍ: ضَرْبٌ من شَجر القِسِيّ، الْوَاحِدَة} سَرَاءَةٌ {والسِّرْوَةُ: السهْم لَا غَيْرُ، الأَخيرُ عَن عليّ بن حمزةَ، وأَصله الهمزُ.

سطأ
: (} سَطَأَها كَمَنَع: جَامَعَها) قَالَه أَبو سعيد، وَقَالَ ابْن الْفرج: سمعتُ الباهِليِّينَ يَقُولُونَ: سَطَأَ الرجلُ المرأَةَ وَمَطَأَها بِالْهَمْز أَي وَطِئَهَا، قَالَ أَبو مَنْصُور: وشَطَأَها بالشين بِهَذَا الْمَعْنى لُغَةٌ، كَمَا قَالَه أَبو سعيدِ أَيضاً.

سلأ
: ( {سَلأَ السَّمْنَ كَمنَع) } يَسْلَؤُهُ {سَلأً (: طَبخَه وعالَجَه) فأَذابَ زُبْدَه (} كاسْتَلأَه، والاسْمُ) ! السِّلاءُ بِالْكَسْرِ مَمْدُود (كَكِتَاب) قَالَ الفرزدق يمدح الحَكَمَ بن أَيُّوبَ الثقفيَّ عمَّ الْحجَّاج ابنِ يُوسفَ، وخَصَّ فِي القصيدةِ عبدَ الملكِ بنَ مَرْوَانَ بالمديح:
رَامُوا الخِلافَةَ فِي غَدْرٍ فَأَخْطَأَهُمْ
مِنْهَا صُدُورٌ وفاءُوا بِالعَراقِيبِ
(1/269)

كَانُوا {كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إِذْ حَقَنَتْ
} سَلاءَهَا فِي أَدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ
(ج {أَسْلِئَةٌ. و) سلأَ (السِمْسِمَ) سَلأً (: عصره) فاستخرج دُهْنَه (و) قَالَ الأَصمعيّ: يُقَال} سلأَه مائةَ سَوْط سَلأً (ضَرَبَ) بهَا (و) سَلأَه كَذَا دِرهماً: نَقَده أَو (عَجَّلَ نَقْدَه و) سَلأَ (الجِذْعَ) وَكَذَا العَسِيبَ سَلأً: (نَزَعَ {سُلاَّءَهُ أَي شَوْكَهُ) عَن أَبي حنيفَة.
(} والسُّلاَّءُ) بِالضَّمِّ مَمْدُود على وزن القُرَّاءُ: شَوْكُ النَّخْلِ، واحدتُه سُلاَّءَةٌ، قَالَ عَلْقمة بن عَبَدَة يصف فرسا لَهُ:
سُلاَّءَةٌ كَعَصَا النَّهْدِيِّ غُلَّ بِهَا
ذُو فَيْئَةٍ مِنْ نَوَى قُرَّانَ مَعْجُومُ
فِي نُسْخَة: زَفْيَاءة بدل ذُو فَيْئَة و (طائرٌ) أَغبرُ طَويلُ الرِّجلين، (ونَصْلٌ {كَسُلأَّءِ النَّخْلِ) وَفِي الحَدِيث فِي صِفَة الجَبَان (كأَنما يُضْرَب جِلْدُه} بِالسُّلاَّءَةِ) ، وَهِي شَوْكَةُ النخْل، وَالْجمع سُلاَّءُ على وزن جُمَّار فيفهم من هَذَا أَنه اسْتعْمل فِي النَّصل مُخَفَّفاً، وَكَذَا هُوَ مضبوط فِي نُسْخَة (لِسَان الْعَرَب) فليُعْرَفْ.

سلطأ
: ( {اسْلَنْطَّأَ) الرجل إِذا (ارتفَعَ إِلى الشَّيءِ يَنظُر إِليه) ، قَالَه ابْن بُزُرْج، كَذَا فِي (الْعباب) .

سوأ
: (} ساءَه) {يَسوءُه} سُوءًا بِالضَّمِّ و ( {سَوْءًا) بِالْفَتْح (} وَسَوَاءً) كسحاب ( {وسَوَاءَةً) كسَحَابةٍ وَهَذَا عَن أَبي زيد (} وَسَوَايَةً) كعَبَابَةِ ( {وَسَوَائِيَةً) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سأَلْتُ الخليلَ عَن} سُؤْتُه سَوَائِيَةً فَقَالَ: هِيَ فَعَالِيَة بمنزِلَة عَلاَنِيَةٍ ( {ومَسَاءَةً} ومَسَائِيَةً مَقْلُوباً) كَمَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ، نقلا عَن الْخَلِيل (وَأَصْلُه) وحْدَه ( {مَسَاوِئَة) كَرهوا الْوَاو مَعَ الْهمزَة، لأَنهما حرفانِ مُستَثْقَلانِ (و) سُؤْتُ الرجلَ سَوَايَةً و (} مَسَايَةً) يُخَفَّفان، أَي حذفوا الْهمزَة تَخْفِيفًا كَمَا حَذفوا همزَة هَارٍ وَلاَثٍ كَمَا أَجمع أَكثرُهم على تركِ الْهَمْز فِي مَلَكٍ وأَصلُه مَلأَكٌ (! ومَسَاءً
(1/270)

{وَمَسَائِيَّةً) هَكَذَا بِالْهَمْز فِي النّسخ الْمَوْجُودَة، وَفِي (لِسَان الْعَرَب) بالياءَين: (: فَعَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ) نقيض سَرَّه، (فاسْتَاءَ هُوَ) فِي الصَّنِيع مثل اسْتَاعَ، كَمَا تَقول من الغَمُّ اغْتَمَّ، وَيُقَال: ساءَ مَا فَعَل فلانٌ صَنِيعاً يَسُوءُ أَي قَبْحَ صَنيِعاً، وَفِي تَفسير الغَرِيب لِابْنِ قُتَيْبَة قَوْله تَعَالَى.
{} وَسَاء سَبِيلاً} (الْإِسْرَاء: 32) أَي قَبُحَ هَذَا الفعلُ فعْلاً وطَرِيقاً، كَمَا تَقول: ساءَ هَذَا مَذْهَباً، وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، كَمَا قَالَ {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النِّسَاء: 69) {واستاءَ هُوَ اسْتَهَمَّ وَفِي حَدِيث النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمأَن رجلا قصَّ عليهِ رُؤيا فاستاءَ لَهَا ثمَّ قَالَ: (خِلافَةُ نُبُؤّة ثمَّ يُوحتي اللَّهُ المُلكَ مَنْ يَشاء) : قَالَ أَبو عبيدٍ: أَراد أَن الرؤْيَا} ساءَتْه فاستاءَ لَهَا، افتعلَ من {المَسَاءَة، وَيُقَال: استاءَ فلانٌ بمكاني، أَي ساءَهُ ذَلِك، ويروى: (فاستآلَها) أَي طلب تَأْوِيلَها بالنَّظرِ والتأْمُّلِ، (والسُّوءُ، بِالضَّمِّ، الاسْمُ مِنْهُ) وَقَوله عز وَجل {1. 019 وَمَا مسنى السوء} (الْأَعْرَاف: 188) قيل: مَعْنَاهُ مَا بِي من جُنونٍ، لأَنهم نَسبوا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمإِلى الجُنون، والسُّوءُ أَيضاً بِمَعْنى الفُجور والمُنكر، وَقَوْلهمْ: لَا أُنْكِرُك من سُوءٍ، أَي لم يكن إِنكاري إِيَّاك من سُوءٍ رأَيتُه بك، إِنما هُوَ لِقِلَّة المَعرفة (و) يُقَال إِن السُّوءَ (البَرَصُ) وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {تَخْرُجْ بَيْضَآء مِنْ غَيْرِ سُوء} (طه: 2) أَي من غير بَرَصٍ، قَالَ اللَّيْث: أَما السُّوءُ فَمَا ذُكر} بِسَيِّىءٍ فَهُوَ السُّوءُ، قَالَ: ويُكْنَى بالسُّوءِ عَن اسْمِ البَرَصِ، قلت: فَيكون من بَاب الْمجَاز.
(و) ! السُّوءُ (كُلُّ آفَةٍ) ومَرضٍ، أَي اسمٌ جامِعٌ للآفات والأَمراض، وَقَوله تَعَالَى {كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَآء} قَالَ الزّجاج: السُّوءُ:
(1/271)

خيانَةُ صاحِبَةِ العَزِيز، والفحشاء: رُكُوب الْفَاحِشَة (وَ) يُقَال: (لَا خَيْرَ فِي قَوْلِ السُوِّءِ بِالْفَتْح وَالضَّم، إِذا فتحتَ) السِّين (فَمَعْنَاه) لَا خَيْرع (فِي قَوْلٍ قَبِيح، وإِذا ضممت) السّين (فَمَعْنَاه) لَا خَيْرَ (فِي أَن تَقولَ سُوءًا) أَي لَا تَقُلْ سُوءًا (وقُرِىء) قَوْله تَعَالَى ( {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْء} (التَّوْبَة: 98) بِالْوَجْهَيْنِ) الْفَتْح وَالضَّم، قَالَ الفراءُ: هُوَ مثل قَوْلك رَجُلُ السَّوْءِ، والسَّوْءُ بِالْفَتْح فِي القراءَة أَكثَرُ، وقَلَّما تقولُ الْعَرَب دَائِرَة السُّوءِ بالضمّ وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله تَعَالَى {الظَّآنّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْء} (الْفَتْح: 6) كَانُوا ظَنُّوا أَنْ لن يَعُودَ الرسولُ والمُؤمنونَ إِلى أَهْلِيهم، فجعلَ اللَّهُ دَائِرَة السَّوْءِ عَلَيْهِم، قَالَ: وَمن قَرأَ ظَنَّ السُّوءِ، فَهُوَ جائِزٌ، قَالَ: وَلَا أَعلم أَحداً قَرَأَ بهَا إِلاَّ أَنَّها قد رُوِيَتْ، قَالَ الأَزهريُّ: قولُه: لَا أَعلم أَحداً إِلى آخِره، وَهَمٌ، قرأَ ابنُ كَثيرٍ وأَبو عَمْرو: دائرةُ السُّوءِ، بضمّ السِّين ممدوداً فِي سُورة بَراءَة وسُورة الفَتْح، وقرأَ سائرُ القُرّاءِ (السَّوْءِ) بِفَتْح السِّين فِي السُّورتَيْن: قَالَ: وتعجَّبْت أَن يَذْهَب على مِثْلِ الزجَّاج قِراءَةُ القارِئَيْنِ الجليلين ابنِ كثيرٍ وأَبي عَمْرو، وَقَالَ أَبو منصورٍ: أَما قَوْله {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء} (الْفَتْح: 12) فَلم يُقْرأْ إِلا بِالْفَتْح، قَالَ: وَلَا يجوز فِيهِ ضَمُّ السِّين، وَقد قرأَ ابنُ كثير وأَبو عَمْرو {دَآئِرَةُ السَّوْء} بِضَم السِّين ممدوداً فِي السورتين، وقرأَ سَائِر القُرَّاء بِالْفَتْح فيهمَا، وَقَالَ الفرَّاء فِي سُورَة براءَة فِي قَوْله تَعَالَى {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْء} (التَّوْبَة: 98) قَالَ: قراءَة القُرَّاءِ بنصْبِ السَّوْءِ وأَراد بالسَّوْءِ المَصْدَرَ، وَمن رَفَع الين جَعلَه اسْما، قَالَ: وَلَا يَجوز ضَمُّ السِّين فِي قَوْله {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء} (مَرْيَم: 28) وَلَا فِي قَوْله {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء} (الْفَتْح: 12) لأَنه
(1/272)

ضِدٌّ لقَولهم: هَذَا رَجُلُ صِدْقٍ، وثَوحبُ صِدْقٍ، وَلَيْسَ للسَّوْءِ هُنَا معنى فِي بَلاءٍ وَلَا عَذابٍ فَيُضَمّ، وقُرِىءَ قولُه تَعَالَى {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْء} (أَي الهُزيمة والشَّرِّ) والبلاءِ وَالْعَذَاب (والرَّدَي والفَسَاد وكَذَا) فِي قَوْله تَعَالَى {أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْء} (الْفرْقَان: 40) بِالْوَجْهَيْنِ (أَو) أَن (المضموم) هُوَ (الضَّرَرُ) وسُوءُ الْحَال (و) السَّوْءُ (المفتوحُ) من المَسَاءَة مثل (الفَسَاد) والرَّدي (والنَّار، وَمِنْه) قَوْله تَعَالَى: ( {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءواْ السُّوءى} (الرّوم: 10)) قيل هِيَ جَهَنَّم أَعاذَنا اللَّهُ مِنْهَا (فِي قِراءَة) أَي عِنْد بعض القُرَّاءِ، وَالْمَشْهُور السُّوأَى كَمَا يأْتِي (ورَجُلُ سَوْءٍ) بِالْفَتْح، أَي يَعملُ عمَلَ سَوْءِ (و) إِذا عَرَّفْتَه وصَفْتَ (بِهِ) تَقول: هَذَا رَجُلُ سَوْءِ بالإِضافة وتُدْخِل عَلَيْهِ الأَلف وَاللَّام فَتَقول هَذَا (رَجُلُ السَّوْءِ) قَالَ الفرزدق:
وكُنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ لمَّا رَأَى دَماً
بِصَاحِبِهِ يَوْماً أَحَالَ عَلَى الدَّمِ
(بالفَتحِ والإِضافة) لَفٌّ ونَشْرٌ مُرتَّب، قَالَ الأَخفش: وَلَا يُقَال الرَّجُلُ السَّوْءُ، وَيُقَال الحَقُّ اليَقِينُ وحَقُّ اليَقِينِ، جَميعاً، لأَنّ السَّوْءَ لَيْسَ بِالرجلِ، واليَقينُ هُوَ الحَقُّ، قَالَ: وَلَا يُقَال هَذَا رَجُلُ السُّوءِ، بالضمّ، قَالَ ابنُ بَرِّيّ. وَقد أَجازَ الأَخفَشُ أَن يُقال رَجُلُ السَّوْءِ وَرَجَلُ سَوْءٍ، بِفَتْح الين فيهمَا، وَلم يُجِزْ رَجُل السُّوءِ بِضَم السِّين، لأَن السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ وسُوءِ الحالِ، وإِنما يُضاف إِلى الْمصدر الَّذِي هُوَ فِعْلُه، كَمَا يُقَال: رَجُلُ الضَّرْبِ والطَّعْنِ، فَيقومُ مَقَامَ قَوْلِك: رجلٌ ضَرَّابٌ وطَعَّانٌ، فَلهَذَا جَازَ أَن يُقال رَجُلُ السَّوْءِ بِالْفَتْح، وَلم يَجُزْ أَن يُقَال هَذَا رَجُلُ السُّوءِ، بالضمّ. وَتقول فِي النّكِرة رَجُلُ سَوْءٍ، وإِذا عرَّفتَ قلت: هَذَا الرَّجُلُ السَّوْءُ وَلم تُضِفْ، وَتقول هَذَا عَمَلُ سَوْءٍ، وَلَا تقل السَّوْءِ، لأَن السَّوْءَ يكون نَعْتاً للرجل، وَلَا يكون السَّوْءُ نَعْتاً للعَمل، لأَن الفِعل من الرجُل وَلَيْسَ الفِعل من السَّوْءِ، كَمَا تَقول: قوْلُ
(1/273)

صِدْق والقَوْلُ الصِّدْقُ ورجُلُ صدْق وَلَا تَقول رجُلُ الصِّدْق، لأَن الرجل لَيْسَ من الصدقِ.
(و) السَّوْءُ بِالْفَتْح أَيضاً: (الضَّعْف فِي العيْنِ) .
( {والسُّوأَى) بِوَزْن فُعْلَى اسمُ الفَعْلَةِ} السَّيِّئَةِ بمنزِلة الحُسْنَى للحَسنة محمولَةٌ على جِهةِ النعْتِ فِي حدِّ أَفْعل وفُعْلَى {كالأَسْوَإِ} والسُّوأَى، وَهِي (ضِد الحُسْنَى) قَالَ أَبو الغُول الطُّهَوِيُّ وَقيل: هُوَ النَّهشَلِيُّ، وَهُوَ الصَّوابُ:
وَلاَ يَجْزُونَ مِنْ حَسَنٍ بِسُوأَى
وَلاَ يَجْزُونَ مِنْ غِلَظ بِلِينِ
(و) قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ {أَسَاءوا} السُّوأى} (الرّوم: 10) أَي عَاقِبَة الَّذين أَشركوا (النَّارُ) أَي نَار جهنّم أَعاذَنا الله مِنْهَا.
( {وأَساءَه: أَفْسده) وَلم يُحْسن عَمله، وأَساءَ فُلانٌ الخِياطَةَ وَالْعَمَل، وَفِي الْمثل (أَساءَ كارهٌ مَا عمِل) وَذَلِكَ أَن رجُلاً أَكْرهَه آخرُ على عملٍ فأَساءَ عملَه، يُضرب هَذَا للرجُل يُطْلَبُ (إِليه) الحاجةُ فَلَا يُبالغُ فِيهَا.
(و) يُقَال أَساءَ بِهِ، وأَساءَ (إِليه) ، وأَساءَ عَلَيْهِ، وأَساءَ لَهُ (ضِدٌّ أَحْسنَ) ، معنى واستعمالاً، قَالَ كُثَيِّر:
} أَسِيئي بِنَا أَوْ أَحْسِنِى لاَ ملُولَةٌ
لَديْنَا ولاَ مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى} (يُوسُف: 100) وَقَالَ عزَّ مِن قائلٍ {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (الْإِسْرَاء: 7) وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ أَسَآء فَعَلَيْهَا} (فصلت: 46) وَقَالَ جلَّ وعزَّ {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (الْقَصَص: 77) .
( {والسَّوْأَةُ: الفَرْجُ) قَالَ اللَّيْث: يُطلق على فَرْجِ الرجُل والمرأَةِ، قَالَ الله تَعَالَى {بَدَتْ لَهُمَا} سَوْآتُهُمَا} (الْأَعْرَاف: 22) قَالَ:! فالسَّوْأَةُ: كلُّ عَمَلٍ وأَمْرٍ شائِنٍ، يُقَال:
(1/274)

سَوْأَةً لفلانٍ، نَصْبٌ لأَنه شَتْمٌ ودُعَاءٌ. (والفاحِشَةُ) والعَوْرَةُ، قَالَ ابنُ الأَثير: السَّوْأَةُ فِي الأَصل: الفَرْجُ، ثمَّ نُقِل إِلى كُلِّ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إِذا ظهَرَ من قولٍ وفِعْل، فَفِي حَديث الحُدَيْبِيَة والمُغِيرة: وهَلْ غَسَلْتَ {سَوْأَتَكَ إِلاَّ الأَمْسَ أَشار فِيهِ إِلى غَدْرٍ كَانَ المُغِيرةُ فَعلَه مَعَ قَوْمٍ صَحبوه فِي الجاهِلِيَّة فقتَلَهم وأَخَذ أَموالَهم، وَفِي حَدِيث ابْن عبّاس فِي قَوْله جلّ وعزّ {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} (الْأَعْرَاف: 22) قَالَ: يَجعلانِه على} سَوْآتِهما، أَي على فُروجهما.
(وَ) السَّوْأَةُ: (الخَلَّةُ القَبِيحَةُ) أَي الخَصلَة الرَّديئة ( {كالسَّوْآءِ) وكُلُّ خَصْلَة أَو فعلة قبيحةٍ سَوْآءُ،} والسَّوْآءُ السَّوْآءُ: المرأَةُ المُخالِفة، قَالَ أَبو زُبيْدٍ فِي رجُل من طيِّيءٍ نَزَل بِهِ رجلٌ من بني شَيْبانَ فَأَضافَه الطائِيُّ وأَحسن إِليه وسقاه، فَلَمَّا أَسرع الشرابُ فِي الطائِيِّ افتخر ومدَّ يَده، فوثَب الشيبانيُّ فقطَع يَده، فَقَالَ أَبو زُبيْدِ:
ظَلَّ ضَيْفاً أَخُوكُمُ لأَخِينَا
فِي شَرابٍ ونَعْمةٍ وشواءِ
لَمْ يهَبْ حُرْمةَ النَّدِيمِ وحُقَّتْ
يَا لَقَوْمٍ للسَّوْأَةِ السَّوْآءِ
( {والسَّيِّئَةُ: الخَطهيئَةُ) أَصلُها سَيْوِئَة، قُلِبت الْوَاو يَاء وأُدْغِمت. فِي حدِيث مُطَرِّف قَالَ لابنِه لما اجتهدَ فِي العِبادةِ: خَيْرُ الأُمورِ أَوْسَاطُها، والحَسَنةُ بَين} السَّيِّئَتيْنِ، أَي الغُلُوُّ سيِّئَةٌ والتَّقصير {سيِّئَةٌ، والاقتصادُ بَينهمَا حسنةٌ، وَيُقَال: كلمةٌ حسنةٌ، وَكلمَة سَيِّئَةٌ، وفَعْلةٌ حسنةٌ، وفَعْلة سَيِّئَة، وَهِي} والسَّيِّىءُ عَملانِ قَبِيحانِ، وقَوْلٌ {سيِّىءٌ:} يسُوءُ، وَهُوَ نَعْتٌ للذَّكر من الأَعمال، وَهِي للأُنثى، واللَّهُ يعفُو عَن {السَّيِّئاتِ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {1. 020 35 ومكر} السيِّىء} (فاطر: 43) فأَضافه، وَكَذَا قولُه تَعَالَى {1. 020 وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيىء إِلَّا بأَهْله} (فاطر: 43) وَالْمعْنَى مكْر
(1/275)

الشِّرْكِ. وقرأَ ابنُ مَسْعُود ومَكْراً {سَيِّئاً، على النْعتِ، وقولُه:
أَنَّي جَزَوْا عامِراً} سَيْئًا بِفِعْلِهِمُ
أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي {السُّوأَى من الحَسَنِ
فإِنه أَراد} سَيِّئًا فَخفَّفَ، كَهيْن وهَيِّنٍ، وأَراد: من الحُسْنَى، فوضَع الحَسَن مَكَانَهُ، لأَنه لم يُمْكِنه أَكثَرُ من ذَلِك، وَيُقَال: فُلانٌ {سَيِّىءُ الاخْتِيارِ، وَقد يُخَفَّف، قَالَ الطُّهَوِيُّ:
ولاَ يَجْزُونَ مِنْ حَسَنٍ بِسَيْءٍ
ولاَ يَجْزُونَ مِنْ غِلِظٍ بلِينِ
(و) قَالَ اللَّيْث: (} ساءَ) الشيءُ يسُوءُ ( {سَواءً كسَحَاب) (فعْلٌ) لازِمٌ ومُجاوِزٌ، كَذَا هُوَ مضبوط، لكنه فِي قوْلِ اللَّيْث:} سَوْأً بِالْفَتْح بدل سَوَاءٍ، فَهُوَ سَيِّىءٌ إِذا (قَبْحُ، والنَّعْتُ) مِنْهُ على وزن أَفْعَل، تَقول رجُلٌ ( {أَسْوَأُ) أَي أَقْبَحُ (و) هِيَ (} سَوْآءُ) : قَبِيحةٌ، وَقيل هِيَ فَعْلاَءُ لَا أَفْعَلَ لَهَا، وَفِي الحَدِيث عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (سَوْآءُ ولُودٌ خَيْرٌ مِنْ حسْنَاءَ عَقِيمٍ) قَالَ الأُمويُّ: السَّوْآءُ: القبيحة، يُقَال للرجل من ذَلِك أَسْوأُ، مهموزٌ مقصورٌ، والأُنثى سَوْآءُ، قَالَ ابنُ الأَثيرِ: أَخرجه الأَزهريُّ حدِيثاً عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأَخرجه غيرُه حَدِيثا عَن عُمر رَضِي الله عَنهُ، وَمِنْه حدِيثُ عبدِ الملكِ بن عُميْرٍ: السَّوْآءُ بنتُ السَّيِّدِ أَحبُّ إِليَّ مِن الحسْنَاء بِنْتِ الظَّنُونِ. وَيُقَال: ساءَ مَا فَعَلَ فُلانٌ صنيعاً يسُوءُ، أَي قَبْحَ صَنيِعُه صَنيعاً ( {وسَوَّأَ عَلَيْهِ صَنيِعهُ) أَي فِعْلَه (} تَسْوِئَةً {وتَسوِيئًا: عَابَهُ عَلَيْهِ) فِيمَا صَنعَه (وَقَالَ لَهُ} أَسأْتَ) يُقَال: إِنْ أَخْطَاستُ فَخَطِّئْنِي، وإِنْ أَسَأْتُ {فَسَوِّيءْ عَليَّ، كَذَا فِي الأَساس، أَي قَبِّحْ عَليّ} إِساءَتي، وَفِي الحَدِيث: فَما {سَوَّأَ عَلَيْهِ ذَلِك، أَي مَا قَالَ لَهُ أَسَأْتَ.
وَمِمَّا أَغفله المُصَنّف:
مَا فِي (الْمُحكم) : وَذَا مِمَّا} ساءَك وناءَك
(1/276)

وَيُقَال: عِنْدِي مَا {ساءَهُ وناءَه، وَمَا} يَسُوءُه ويَنُوءَهُ.
وَفِي (الأَمثال) للميداني: (تَركَ مَا يَسُوءُهُ ويَنُوءُهُ) يُضرب لمن تَرك مالَه للْوَرَثَة، قيل: كَانَ المحبوبي ذَا يسارٍ، فَلَمَّا حضرتْه الوفَاةُ أَراد أَن يُوصِيع، فَقيل لَهُ: مَا نَكْتُب؟ فَقَالَ: اكتبوا: تَركَ فُلاَنٌ يعْني نَفْسه مَا يَسُوءُه ويَنُوءُه. أَي مَالا تأْكُلُه وَرَثَتُه ويَبْقَى عَلَيْهِ وِزْرَه.
وَقَالَ ابْن السّكيت: {وسُؤْتُ بِهِ ظَنًّا وأَسأْتُ بِهِ الظَّنَّ، قَالَ: يُثيتون الأَلف إِذا جاءُوا بالأَلف وَاللَّام، قَالَ ابْن برِّيّ: إِنما نَكَّر ظنًّا فِي قَوْله سُؤْت بِهِ ظنًّا لأَن ظَنًّا مُنتصب على التَّمْيِيز، وأَما} أَسأْت بِهِ الظَّنَّ، فالظَّنُّ مفعولٌ بِهِ، وَلِهَذَا أَتى بِهِ معرفَة، لأَن أَسأْتُ متعَدَ، وَقد تقدّمت الإِشارة إِليه.
وسُؤْتُ لَهُ وجْهَ فلانٍ: قَبَّحْتُه، قَالَ اللَّيْث: ساءَ يسوءُ فِعْلٌ لازِمٌ ومُجاوِزٌ.
وَيُقَال سُؤْتُ وجْهَ فُلانِ وأَنا {أَسُوءُه مَساءَةً ومَسائِيَة،} والمَسايَةُ لغةٌ فِي المساءَةِ تَقول: أَردت مَساءَتك {ومَسايَتَك وَيُقَال أَسأْتُ إِليه فِي الصُّنْع، وخَزْيَانُ} سَوْآنُ من القُبْحِ.
وَقَالَ أَبو بكر فِي قَوْله: ضَربَ فلانٌ على فلانٍ سَايةً: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهما السَّايَةُ: الفَعْلَةُ من السَّوْءِ فتُرِك همزُها، وَالْمعْنَى فَعَل بِهِ مَا يُؤَدِّي إِلى مكروهه والإِساءَةِ بِهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: جَعَل لما يُرِيد أَن يَفعله بِهِ طَرِيقا، فالسَّايَةُ فَعْلَةٌ من سَوَيْتُ، كَانَ فِي الأَصل سَوْيَة، فَلَمَّا اجْتمعت الواوُ والياءُ والسابقُ ساكِنٌ، جعلوها يَاء مُشدَّدَةً، ثمَّ استثقلوا التَّشْدِيد فأَتْبَعُوهما مَا قبله، فَقَالُوا: سَايَةٌ، كَمَا قَالُوا دِينَار ودِيوَان وقِيراط، والأَصل دِوَّان فاستَثْقلوا التشديدَ فأَتبعوه الكسرةَ الَّتِي قبله.
وَيُقَال إِن الليلَ طَوِيلٌ وَلَا يَسُوءُ بالُه، أَي! يسوءُني بالُه، عَن اللِّحيانيِّ، قَالَ وَمَعْنَاهُ الدعاءُ. وَقَالَ تَعَالَى {أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الْحِسَابِ} (الرَّعْد: 18) قَالَ الزجّاج: سُوءُ الحِساب: لَا يُقبل مِنْهُم حسنةٌ
(1/277)

وَلَا يُتَجاوز عَن سَيِّئة لأَن كُفْرَهم أَحبط أَعمالَهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} (مُحَمَّد: 1) وَقيل: سُوءُ الْحساب أَن يُسْتَقْصَي عَلَيْهِ حِسابُه وَلَا يُتَجاوز لَهُ (عَن) شيءٍ من {سَيِّآتِه، وكِلاهما فِيهِ، أَلاَ تراهم قَالُوا: من نُوقِشَ الحِساب عُذِّب.
وَفِي الأَساس: تَقول: سَوِّ ولاَ} تُسوِّىءْ، أَي أَصْلِح وَلَا تُفْسِدْ.
(وبنُو {سُوأَةَ بِالضَّمِّ: حيٌّ) من قيس ابْن عليَ كَذَا لِابْنِ سَيّده.
(} وسُوَاءَةُ كَخُرافَة: اسمٌ) وَفِي (العُباب) : من الأَعلام، كَذَا فِي النّسخ الْمَوْجُودَة بتكرير سُوَاءَةَ فِي محلَّين، وَفِي نُسْخَة أُخرى بَنو أُسْوَة كَعُرْوَة، هَكَذَا مضبوط فَلَا أَدري هُوَ غلط أَم تحريفٌ، وَذكر القَلْقَشَنْدِيّ فِي (نِهاية الأَرب) بَنو سُوَاءَةَ ابنِ عامرِ بن صَعْصَة، بطْنٌ من هَوَازِن من العَدْنانية، كَانَ لَهُ ولدان حَبِيبٌ وحُرْثان قَالَ فِي (العِبَر) : وشعوبهم فِي بني حُجَير بن سُواءَة.
قلت: وَمِنْهُم أَبو جُحَيْفة وَهْب بن عبد الله المُلَقَّب بالخَيْر! السُّوائِيّ، رَضِي الله عَنهُ، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، قَالَ ابْن سعد: ذكرُوا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمتُوُفِّي وَلم يبلغ أَبو جُحيفَة الحُلُم، وَقَالَ: تُوفِّي فِي ولَايَة بِشْر بن مَرْوان، يَعْنِي بالكُوفة، وَقَالَ غَيره: مَاتَ سنة 74 فِي ولَايَة بِشْر، وعَوْنُ بنُ جُحَيْفَة سَمِع أَباه عِنْدهمَا، والمنذريّ حرر عِنْد مُسلم، كلّ ذَلِك فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) لأَبي طَاهِر المَقْدِسي.
وَفِي أَشجع بَنو سُوَاءَة بن سُلَيم، وَقَالَ الْوَزير أَبو الْقَاسِم المغربي: وَفِي
(1/278)

أَسد سُوَاءَة بن الْحَارِث بن سعد بن ثَعْلَبة بن دُودَان بن أَسَدَ، وسُوَاءَة بن سَعْد بن مَالك بن ثَعْلبة بن دُودَان بن أَسد، وَفِي خَثْعَم سُوَاءَة بن مَنَاة بن نَاهِس بن عِفْرِس بن خَلَف بن خَثْعم.
(و) قَوْلهم: (الخَيْلُ تَجرِي عَلَى مَسَاوِيها، أَي) أَنها (وإِن كَانَت بهَا عُيُوبٌ) وأَوْصابٌ (فإِنَّ كَرَمَها) مَعَ ذَلِك (يَحْمِلُهَا على) الإِقدام و (الجَرْيِ) . وَهَذَا الْمثل أَورده الميدانيّ والزمخشريّ، قَالَ الميدانيّ بعد هَذَا: فَكَذَلِك الحُرُّ الكريمُ يَحتمِل المُؤَنَ، ويحْمِي الذِّمار وإِن كَانَ ضَعِيفا، ويستعمِل الكَرَمَ على كلِّ حَال، وَقَالَ اليوسي فِي زهرا لأكم: إِنه يُضْرب فِي حِمَاية الحَرِيم والدَّفع عَنهُ مَعَ الضَّرَر وَالْخَوْف، وَقيل: إِن المُرَاد بِالْمثلِ، أَن الرجلَ يُستمتَع بِهِ وَفِيه الخِصالُ الْمَكْرُوهَة، قَالَه شيخُنا، {- والمَساوِي هِيَ العُيوبُ، وَقد اخْتلفُوا فِي مُفردِها، قَالَ بعضُ الصرفيين، هِيَ ضدّ المحاسِن، جمع سُوءٍ، على غير قِيَاس، وأَصله الْهَمْز، وَيُقَال: إِنه لَا وَاحِد لَهَا كالمحاسن.

سيأ
: (} - السَّيْءُ) بِالْفَتْح (ويُكْسر) هُوَ (اللَّبَنُ يَنْزِلُ قُبُلَ) بِضَمَّتَيْنِ (الدِّرَّةِ يكُون فِي طَرَف الأَخْلاِف) وَفِي نُسْخَة أَطراف الأَخلاف، وروى قَول زُهير يصف قَطاةً:
كَما اسْتَغَاثَ بِسِيْءٍ فَزُّغَيْطَلَةٍ
خَافَ العُيُونَ ولَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (و) قد {سَيَّأَتِ الناقةُ و (} سَيَّأَها: حَلَب) وَفِي نُسْخَة احتلب ( {سَيْأَهَا) بِالْوَجْهَيْنِ، وتَسَيَّأَها الرجلُ، مثلُ ذَلِك، عَن الهجريّ (و) قَالَ الفراءُ (} تَسَيَّأَت) الناقةُ إِذا (أَرسَلَتِ اللَّبَنَ
(1/279)

مِن غَيْرِ حَلْبٍ) قَالَ: وَهُوَ {- السَّيْءُ، وَقد} انْسَيَأَ اللبَنُ، وَيُقَال: إِن فلَانا {لَيتَسيَّأُ لي بشيءٍ قليلٍ، وأَصله مِن السَّيْءِ، وَهُوَ اللبنُ قُبُلَ نُزول الدِّرَّة، وَفِي الحَدِيث: لَا تُسَلِّم ابْنَكَ} سَيَّاءً قَالَ ابْن الأَثير: جاءَ تَفْسِيره فِي الحَدِيث أَنه الَّذِي يَبِيع الأَكْفانَ ويتمنَنَّى مَوْتَ النَّاسِ، وَلَعَلَّه من السُّوءِ والمَساءَةِ، أَو مِن السَّيْءِ بِالْفَتْح، وَهُوَ اللبنُ الَّذِي يكون فِي مُقَدَّم الضَّرْعِ، وَيحْتَمل أَن يكون فَعَّالاً مِن سَيَّأْتُها إِذا حَلَبْتها.
(و) تَسَيَّأَتْ عليَّ (الأُمورُ: اختلَفَتْ) فَلَا أَدري أَيّها أَتبع، وَقد تقدّم ذَلِك فِي ساءَ أَيضاً.
(و) تَسَيَّأَ (فُلانٌ بِحَقِّي: اأمرَّ) بِهِ (بعْدَ إِنكارِه) .
{- والسِّيءُ بِالْكَسْرِ مهموزٌ: اسمُ أَرض.

(فصل الشين) الْمُعْجَمَة مَعَ الْهمزَة)
شأشأ
: (} شَأْشَأْ {وشُؤْشُؤ) قَالَ ابْن الأَعرابي: هُوَ (دُعاءُ الحِمارِ إِلى الماءِ) وَقَالَ أَبو عَمْرو:} الشَّأْشَأُ: زَجْرُ الْحمار، وَكَذَلِكَ السَّأْسأُ. وَقَالَ أَبو زيد: شَأْشَأْتُ بالحمار إِذَ دَعَوْتَه، وقلتَ لَهُ {تَشَأْ تَشَأْ (وزَجْرُ الغَنَمِ والحِمارِ للمُضِيِّ) أَو اللُّحوق بقوله شَأْشَأْ} وتَشُؤْ تَشُؤْ، وَقَالَ رجلٌ من بني الحِرماز تَشَأْتَشَأْ وفتع الشِّينَ (أَو) أَنَّ ( {شُؤْشُؤْ) بِالضَّمِّ (دُعاءٌ للغَنَمِ لتَأْكُلَ أَو تشربَ، وشَأْشَأَ} شَأْشَأَةً) كدَحْرَجةٍ {وشِئْشَاءً بِالْقِيَاسِ (قَالَ ذَلِك) أَي شَأْشَأْ أَو شُؤْشُؤْ.
(و) } شَأْشَأَت (النَّخْلَةُ) شِئْشَاءً، قِيَاسا على صِئْصَاءٍ كَمَا سيأْتي (لم تَقْبَلِ اللِّقَاحَ) وَلم يكن لبُسْرِهَا نَوى (والشَّأْشاءُ: الشِّيصُ) وَهُوَ التمْرُ الرَّدِيءُ، ضدّ البَرْنِيّ، (والنَّخْلُ الطِّوَالُ) .
(! وتَشَأْشئوا: تَفَرَّقُوا، و) تَشَأْشَأَ (أَمْرُهم: اتَّضَعَ) نَقيضُ ارْتَفع (وشَأْ) إِشارة إِلى أَنه يُستعمل ثلاثيًّا ورُباعيًّا، فَلَا يكون تَكراراً لِما مَرَّ كَمَا زعم شيخُنا، وَفِي الحَدِيث أَن رَجُلاً قَالَ لبعِيرِه: شَأْ لَعنَك اللَّهُ. فَنَهَاهُ النبيُّ صلى
(1/280)

الله عَلَيْهِ وَسلم عَن لَعْنِه، قَالَ أَبو مَنْصُور هُوَ (زَجْرٌ) وبعضُ الْعَرَب يَقُول: جَأْ، بِالْجِيم، وهما لُغَتَانِ.

شبأ
: ( {الشَّبْأَةُ، بالفَتحِ) ذكر الْفَتْح مُسْتَدْرك (: فَرَاشَةُ القُفْلِ) عَن ابْن الأَعرابيّ، كَذَا فِي (الْعباب) .
وَمِمَّا بَقِي على الْمنصف:

شرأ
} شرأُ الجرادةِ، بالشين وَالرَّاء والهمز: بيْضُها، ذَكره الإِمام السُّهيليُّ وغيرُه، استدراكه شَيخنَا. قلت: أَخاف أَن يكون تَصحِيفاً من سَرِءْ بِفَتْح السِّين وَكسرهَا، على اخْتِلَاف فِيهِ سبَقَ، فراجِعْه.

شسأ
: ( {الشَّاسِىءُ) قَالَ شَيخنَا: فِي أَكثر النّسخ إِعجام الثَّانِيَة كالأُولى. وسكتَ عَلَيْهِ. قلت: وَهُوَ خطأٌ، قَالَ أَبو مَنْصُور: مَكَان شَئِسٌ، وَهُوَ الخَشِب من الحِجارة، قَالَ: وَقد تُخفّف فَيُقَال للمكان الغليظ شَأْسٌ وشَأْزٌ، أَي بقلب السِّين زاياً لقرب الْمخْرج، وَيُقَال مقلوباً مكانٌ شَاسِيءٌ أَي (الجاسِيءُ) أَي الْيَابِس (الغلِيظُ) : الجافي، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) .

شطأ
: (} الشَّطْءُ، يُحرَّكُ: فِرَاخُ النَّخْلِ والزَّرْعِ أَو) هُوَ (وَرَقُه) أَي الزَّرْع (ج {شُطُوءٌ) كقُعود (} وشَطَأَ) الزرعُ والنخلُ (كَمنَع) {يَشْطَأُ (} شَطْأً {وشُطُوءًا: أَخْرجَهَا) أَي فِراخَ الزَّرْع، قَالَ ابْن الأَعرابيّ:} شَطْؤُه: فِراخه، وَقَالَ الجوهريّ: شَطْءُ الزرعِ والنباتِ: فِراخُه، وَفِي التَّنْزِيل {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ {شَطْأَهُ} (الْفَتْح: 29) قيل أَي طَرَفه قَالَ الأَخفش، وَقَالَ الفَرَّاءُ: شَطْؤُه: السُّنبُل، تُنْبِتُ الحبَّةُ عَشْراً وثَمانِياً وسبْعاً، فيَقْوَي بعضُه ببعضٍ، فَذَلِك قَوْله {1. 020 فآزره} أَي فَأَعانَه، وَقَالَ الزّجّاج أَخرج شَطْأَه: نَباتَهُ وَفِي حَدِيث أَنَسٍ: شَطْؤُه: نَباتُه وفِراخُه.
(و) الشَّطْءُ (مِنَ الشَّجَرِ: مَا خَرَجَ حَوْلَ أَصْلهِ ج} أَشْطَاءُ) كَفَرْخٍ وأَفراخ.
( {وأَشْطَأَ) الشجرُ بغُصونه (: أَخْرَجَها) ،} وأَشطأَت الشجرةُ بغصونها
(1/281)

إِذا أَخرجت غُصونَها، وأَشطَأَ الزرعُ فَهُوَ مُشْطِيءُ إِذا فَرَّخَ، وأَشطَأَ الزرعُ: خَرَجَ شَطْؤُهُ.
وَفِي الأَساس: وَلها قَدٌّ {كالشَّطْأَةِ، وَهِي السَّعفة الخضراءُ، وأَعْطِني شَطْأَةً، وَهِي السَّعفة الخضراءُ، وأَعْطِني شَطْأَةً من سَنامٍ أَو أَديم، قِطْعَة مِنْهُ تُقطَع طُولا} وشطأَه قطعَه طُولاً.
(و) أَشطَأَ (الرَّجُلُ: بَلَغَ وَلَدُه) مَبلَغ الرِّجالِ (فصارَ مِثْلَهُ) ، عَن الدِّينورِيّ، مثل أَصْحَبَ.
(وشَطْءُ) الْوَادي و (النَّهْرِ: شَطُّه) وشقَّتُه، وَقيل: جانِبُه (ج {شُطُوءٌ) كفُلُوسٍ (} كشَاطِئه) وَيُقَال: شاطىءُ النَّهر: طَرَفُه، {وشاطىءُ الْبَحْر: ساحلُه، وَفِي (الصِّحَاح) : شاطِىءُ الْوَادي: شَطُّه وجانبُه، وَتقول:} شاطِىءُ الأَوْدِيَة، وَلَا يُجْمَع، كَذَا قَالَه بَعضهم، وَالصَّحِيح أَن (ج {شَوَاطِىءٌ) سَماعاً وقِياساً (} وشُطْآنٌ) باضم كَراكِبٍ ورُكْبَان، وَفِي (الْمُحكم) : على أَن شُطْآناً قد يكون جَمْعَ شَطْءٍ، قَالَ الشَّاعِر:
وَتَصَوَّحَ الوَسْمِيُّ مِنْ {شُطْآنِهِ
بَقْلٌ بِظَاهِرِهِ وبَقْلُ مِتَانِهِ
(} وَشَطَأَ: مَشَى عَلَيْهِ) أَي شاطىءِ النَّهر.
(و) شَطَأَ الرجلُ (النَّاقَةَ) ! يَشْطَؤُها شَطْأً (: شَدَّ عَلَيْهَا الرَّحْلَ) عَن أَبي عَمْرو.
(و) شَطَأَ (امرأَتَه) يَشْطَؤُها: (جَامَعَها) قَالَ:
يَشطَؤُهَا بِفَيْشَةٍ مِثْلِ أَجَا
لَوْ وُجِيءَ الفِيلُ بِهِ لَمَا وَجَا
(و) شَطَأَ (البَعِيرَ بِالحِمْل) شَطْأً (: أَثْقَلَه، و) قَالَ ابنُ السكّيت شَطَأَ (الرَّجُلُ) ، وَفِي (لِسَان الْعَرَب) شَطَأَت الناقةُ (بِالحِمْلِ: قَوِيَ عَليه) وبكلَيْهِما فُسِّر قولُ أَبي حِزامٍ غالبِ بن الْحَارِث العُكْلِيِّ:
لأَرْؤُدِهَا وَلِزُؤَّبِهَا
كَشَطْئِكَ بِالعِبْءِ مَا تَشْطَؤُهْ
(1/282)

(و) شَطَأَت (الأُمُّ بِهِ) ، وَقَالَ: لعن اللَّهُ أُمًّا شَطَأَتْ بِهِ، وفَطَأَت بِهِ أَي (طرَحَتْهُ) .
(و) شَطَأَ الرجلُ (فُلاناً: قَهَرَهُ) .
( {وشَطَّأَ الوَادِي) بِالتَّشْدِيدِ (} تَشْطِيئاً) على الْقيَاس، فَهُوَ {مُشَطِّىءٌ (: سَالَ) شاطِئَاه أَي (جَانِباه) عَن ابْن الأَعرابيّ، وَمِنْه قولُ بعضِ الْعَرَب مِلْنَا لِوَادِي كَذَا وَكَذَا فوجدْناه} مُشَطِّئاً.
( {وشَطْيَأَ) الرجلُ (فِي رَأْيِه) وأَمره (: رَهْيَأَ) أَي ضَعُف، وزنا وَمعنى.
(} وشَاطَأْتُه) أَي الرجلَ (: مَشى كُلٌّ مِنَّا على شاطِىءٍ) أَي مشيت على شاطِىءٍ وَمَشى هُوَ على الشاطىءِ الآخَرِ.

شقأ
: ( {شَقَأَ نَابُه) أَي البعيرِ (كَجَعَل) } يَشْقَأَ ( {شَقْأً} وشُقُوءًا) كقُعودٍ (: طَلَعَ) وظَهَر، ولَيَّنَ ذُو الرُّمَّةِ هَمْزَة فَقَالَ:
كَأَنِّي إِذَا انْجَابَتْ عَنِ الرَّكْبِ لَيْلَةً
عَلَى مُقْرِمٍ شَاقِي السَّدِيسَيْنِ ضَارِبِ
(و) شَقَأَ (رَأْسَه: شَقَّهُ أَو فَرَقَه) أَي الرأْسَ ( {بِالمِشْقَاءِ) كمِحراب، كَذَا هُوَ مضبوط عَن اللَّيْث، وَضَبطه شيخُنا كمِنْبرٍ (و) شَقَأَ (فُلاناً) بالعصا شَقْأً (: أَصابَ} مَشْقَأَهُ) ضَبطه الجوهريّ بِالْفَتْح، وضُبط فِي بعض النّسخ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ خطأٌ، يَعْنِي (لِمَفْرِقِهِ) ، وَقَالَ الفَرَّاءُ: {المَشْقِىء بِكَسْر الْقَاف المَفْرِق} كالمَشْقَإِ بِفَتْحِهَا، فَهَذَا يكون مُوَافقا للفظ المَفْرِق، فإِنه يُقَال المَفْرَق والمَفْرِق، كَذَا فِي (العُباب) (! والمِشْقَأَةُ: المِدْرَأَةُ) بِكَسْر الْمِيم، كَذَا هُوَ فِي غَالب كتب اللُّغَة، وَفِي نسختنا المُدْرَأَة، بِضَم الْمِيم، على وزن الْمصدر، وَكَذَا فِي نُسْخَة شَيخنَا وَعَلَيْهَا شرح، وَقَالَ: هِيَ المُشْط، كَمَا فِي قَول امرىءِ الْقَيْس:
تَضِلُّ المَدَارِيَ فِي مُثَنى وَمُرْسَلِ
وَقيل: هِيَ غير المُشط، بل هِيَ عودٌ تُدْخِله المرأَةُ فِي شَعرها، وفسَّره المُصَنّف
(1/283)


بالقَرْن المُعَدّ لذَلِك، كَمَا يأْتي (والمِشْقَأُ كَمِنْبَرٍ و) {المِشْقَاءُ مثل (مِحْرَابٍ و) } المِشْقَأَة، مثل (مِكْنَسَةِ: المُشْطُ) بِضَم الْمِيم ( {كالمِشْقَىءِ) بِكَسْر الْمِيم مَهْمُوز مَقْصُور قَالَه ابنُ الأَعرابيّ، فَيكون على تليين الْهمزَة، وروى أَبو تُرابٍ عَن الأَصمعيّ: إِبلٌ شُوَيْقِئَةٌ وشُوَيْكِئَة، حِين يَطْلُع نابُها، من شَقَأَ نابُه وشَكأَ، وشَاك أَيضاً، وأَنشد:
} شُوَيْقِئَةُ النَّابَيْنِ يَعْدِلُ دَفُّها
بأَعْدَلَ مِنْ سَعْدَانةِ الزّؤْربَائِن

شكأ
: ( {شَكَأَ نَابُ البَعِيرِ: كَشَقَأَ) قَالَ الأَصمعي: إِذا طلع فشَقَّ اللحْمَ (} وشَكِىءَ ظُفْرُه كَفَرِحَ: تَشقَّقَ) عَن ابْن السكّيت. وَفِي أَظفاره {شَكاءٌ، كسَحابٍ، إِذا تشقَّقَتْ، كَذَا فِي أَفعال ابْن الْقُوطِيَّة، وَفِي (التَّهْذِيب) عَن سَلَمة قَالَ: بِهِ شَكَأٌ شَدِيد: تَقَشُّرٌ، وَقد} شَكِئَتْ أَصابعُه، وَهُوَ التَقشُّر بَيْنَ اللحمِ والأَظفار شَبيه بالتشقُّق، مَهْمُوز مَقْصُور، أَي على وزن جَبَل.
(و) قَالَ أَبو حنيفَة: ( {أَشْكَأَتِ الشَّجَرَةُ بِغُصُونِها: أَخْرَجَتْها) وَعَن الأَصمعي: إِبل شُوَيْقِئَة} وشُوَيْكِئَة، حِين يطلع نَابُها، من شَقأَ نابُه وشَكأَ وشَاكَ أَيضاً وأَنشد:
عَلَى مُسْتَظِلاَّتِ العُيُونِ سَوَاهِمٍ
شُوَيْكِئَةٍ يَكْسُو بُرَاهَا لُغَامُهَا
وَقيل: أَراد بقوله شُوَيْكِئَة شُوعيْقِئَة، فَقُلبت الْقَاف كافاً. من شَقَأَ نابُه إِذا طَلَع، كَمَا قيل كُشِطَ عَن الفَرس الجُلُّ وقُشِط، وَقيل:! شُوَيْكِيَة بِغَيْر همزٍ: إِبلٌ مَنحسوبةٌ، وإِنما سقت هَذِه الْعبارَة بِتَمَامِهَا
(1/284)

لما فِيهَا من الْفَوَائِد الَّتِي خلا عَنْهَا الْقَامُوس، وأَغفلها شيخُنا مَعَ سَعة نَظرِهِ واطّلاعه، فسبحان من لاَ يَشغله شَأْنٌ عَن شَأْنٍ.

شنأ
: ( {شَنأَه كمنَعَه وسَمِعه) الأُولى عَن ثَعْلَب،} يَشْنَؤُه فِيهَا ( {شَنْأً، ويثلّث) قَالَ شَيخنَا: أَي يُضبط وسَطه أَي عينه بالحركات الثَّلَاث، قلت: وَهُوَ غيرُ ظاهرٍ، بل التَّثْلِيث فِي فائِه، وَهُوَ الصَّوَاب، فالفتح عَن أَبي عُبَيْدَة، وَالْكَسْر والضمّ عَن أَبي عَمْرو الشيبانيِّ (} وشَنْأَة) كحَمْزة ( {وَمَشْنَأة) بِالْفَتْح مَقِيس فِي الْبَابَيْنِ (} ومَشْنُؤَة) كمَقْبُرة مسموع فيهمَا ( {وشَنْآناً) بالتسكين (} وَشَنآناً) بِالتَّحْرِيكِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَة مصَادر، وَذكرهَا المُصَنّف، وَزيد: {شَنَاءَة كَكَراهة، قَالَ الجوهريّ: وَهُوَ كثيرٌ فِي المكسور،} وشَنَأَ محرّكة، {ومَشْنَأَ كمَقْعَد، ذكرهمَا أَبو إِسحاق إِبراهيم بن مُحَمَّد الصفاقسي فِي (إِعراب الْقُرْآن) ، وَنقل عَنهُ الشَّيْخ يس الحِمصيّ فِي (حَاشِيَة التَّصْرِيح) ،} ومَشْنِئَة بِكَسْر النُّون. {وشَنَان. بِحَذْف الْهمزَة، حَكَاهُ الجوهريُّ عَن أَبي عُبَيْدَة، وأَنشد للأَحْوَص
وَمَا العَيشُ إِلاَّ مَا تَلَذُّ وتَشْتَهِي
وَإِنْ لاَمَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا
فَهَذِهِ خمسةٌ، صَار الْمَجْمُوع ثلاثةَ عشرَ مصدرا، وَزَاد الجوهريُّ} شَنَاء كسحاب، فَصَارَ أَربعة عشرَ بذلك، قَالَ شَيخنَا: واستقصى ذَلِك أَبو الْقَاسِم ابْن القطَّاع فِي تصريفه، فإِنه قَالَ فِي آخِره: وأَكثر مَا وَقع من المصادر للْفِعْل الْوَاحِد أَربعة عشر مصدرا نَحْو {شَنِئْت شَنْأً، وأَوصل مصادِره إِلى أَربعة عَشر، وقَدَرَ، ولَقِيَ، ووَرَد، وهَلَكَ، وتَمَّ، ومَكَث، وغابَ، وَلَا تَاسِع لَهَا، وأَوصل الصفاقسي مصادرَ} شَنِىءَ إِلى خَمْسَة عشر، وَهَذَا أَكثر مَا حُفِظ، وقِرىءَ بهما، أَي! شَنْآن، بِالتَّحْرِيمِ والتسكين قَوْله تَعَالَى {1. 020 5 وَلَا يجرمنكم شنآن قوم} (الْمَائِدَة: 2) فَمن سكّن فقد يكون مصدرا وَيكون صفة كسكْران، أَي مُبْغِضُ قوم، قَالَ: وَهُوَ شاذٌّ فِي اللَّفْظ، لأَنه لم يَجِيءْ
(1/285)

(شَيْء) من المصادر عَلَيْهِ، وَمن حَرَّك فإِنما هُوَ شَاذ فِي الْمَعْنى، لأَن فَعَلان إِنما هُوَ من بِناء مَا كَانَ مَعناه الحَركةَ وَالِاضْطِرَاب، كالضَّربَان والخَفَقان. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الفَعَلان بِالتَّحْرِيكِ مصدرُ مَا يدُلُّ على الحَركة كَجَوَلاَن، وَلَا يكون لِفعل مُتعَدَ فيشِذّ فِيهِ من وَجْهَيْن، لأَنه مُتَعدَ، وَلعدم دلَالَته على الْحَرَكَة، قَالَ شَيخنَا: فإِن قيل إِنّ فِي الغضبِ غَليانَ القَلْبِ واضطرابه فلِذا ورد مصدرُه كَمَا نَقَله الخفاجِيُّ وسُلِّم. قُلْت: لَا مُلَازمَة بَين البُغْضِ والعَضَب، إِذ قد يُبْضِض الإِنسانُ شخصا وينْطَوِي على {شَنَآنِه من غير غَضب، كَمَا لَا يخفى، انْتهى، وَفِي (التَّهْذِيب) الشَّنَآنُ مصدرٌ على فَعَلان كالنَّزَوانِ والضَّرَبانِ. وقرأَ عاصِمٌ شَنحآن بإِسكان النُّون، وَهَذَا يكون اسْما، كأَنه قَالَ: وَلَا يَجْرِمَنَّكُم بَغِيضُ قَوْمٍ، قَالَ أَبو بكر: وَقد أَنكر هَذَا رَجلٌ من البصْرة يُعرف بأَبي حاتِم السِّسجتانيِّ، مَعَه تَعدَ شَدِيدٌ وإِقدامٌ على الطَّعْنِ فِي السّلَف، قَالَ فحكَيْتُ ذَلِك لأَحمدَ بنِ يحيى فَقَالَ: هَذَا مِن ضِيقِ عَطَنه وقِلَّة مَعرِفتِه، أَما سمِعَ قَول ذِي الرُّمَّة:
فَأُقْسِمُ لَا أَدْرِي أَجَوْلاَنُ عَبْرَةٍ
تَجُودُ بِهَا العيْنَانِ أَحْرَى أَمِ الصَّبْرُ
قَالَ: قلت لَهُ: هَذَا وإِن كَانَ مَصدراً فِيهِ الْوَاو، فَقَالَ: قد قَالَت الْعَرَب: وَشْكَانَ ذَا، فَهَذَا مصدر وَقد أَسْكَنه. وَحكى سَلَمة عَن الفَرَّاء: من قرأَ شَنَآنُ قَوْمٍ، فَمَعْنَاه بُغْضُ قَوْمٍ،} شَنِئْتُه {شَنَآناً} وشَنْآناً، وَقيل قولُه شَنَآنُ قَوْم، أَي بغْضَاؤُهُم، وَمن قرأَ شَنْآنُ قَوحمٍ، فَهُوَ الاسمُ، لَا يحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ وَقَالَ شيخُنا فِي (شرح نظم الفصيح) ، بعد نقلِه عبارَة الجوهريّ: والتسكين شاذٌّ فِي اللَّفْظ، لأَنه لم يجيءْ شيءٌ من المصادر عَلَيْهِ، قلت: وَلَا يَرِد لَوَاهُ بِدَيْنِهِ لَيَّاناً بِالْفَتْح فِي لُغَة، لأَنه بمفرده لَا تُنْتَقض بِهِ الكُلّيَّات المُطَّرِدة، وَقد قَالُوا لم يجيءْ من المصادر على فَعْلاَن بِالْفَتْح إِلاَّ لَيَّان وشَنْآن، لَا ثَالِث لَهما،
(1/286)

وإِن ذكر المُصَنّف فِي زَاد زَيْدَاناً فإِنه غير مَعْرُوف (: أَبغضه) وَبِه فسّره الْجَوْهَرِي والفيُّوميُّ وبن القُوطية وَابْن القَطَّاع وَابْن سِيده وابنُ فَارس وغيرُهم وَقَالَ بَعضهم: اشتدَّ بُغْضُه إِيَّاه (ورَجُلٌ {شَنَانيَةٌ) كَعلاَنِيَةٍ وَفِي نُسْخَة} شَنَائِيَة بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة بدل النُّون (وشَنْآن) كسكْران (وَهِي) أَي الأُنثى ( {شَنْآنة) بِالْهَاءِ (} وَشَنْأَى) كسَكْرى، ثمَّ وجدْت فِي عبارَة أُخرى عَن اللَّيْث: رجل {شَنَاءَةٌ} وشَنَائِيَة بِوَزْن فَعَالَة وفَعَالِيَة أَي مُبْغِض سَيِّيءُ الْخلق.
( {والمَشْنُوء) كمقروء (: المُبَغَّض) كَذَا هُوَ مُقيَّد عندنَا بِالتَّشْدِيدِ فِي غير مَا نُسح، وَضَبطه شَيخنَا كمُكْرَم من أَبْغَض الرباعيِّ، لاين الثلاثيّ لَا يُستعمل متعدِّياً (وَلَو كَانَ جَمِيلاً) كَذَا فِي نسختنا، وَفِي (الصِّحَاح) و (التَّهْذِيب) و (لِسَان الْعَرَب) : وإِن كَانَ جميلاً (وَقد} شُنِىءَ) الرجل (بالضمّ) فَهُوَ {مَشْنُوءٌ.
(} والمَشْنَأٌ كمَقْعَدٍ: القَبِيحُ) الْوَجْه وَقَالَ ابْن بَرِّي: ذكر أَبو عبيد أَن المَشْنَأَ، مثل المَشْنَع: القَبِيحُ المَنْظرِ (وإِن كَانَ مُحَبَّباً) ، قَالَ شَيخنَا: الْوَاقِع فِي (التَّهْذِيب) و (الصِّحَاح) : وإِن كَانَ جَميلاً، قلت: إِنما عبارتهما تِلْكَ فِي المشنوءِ لَا هُنَا (يَسْتَوِي) فِيهِ الواحدُ والجَمْع والذَّكر والأُنْثَى قَالَه اللَّيْث (أَو) المَشْنَأُ وَكَذَا المشْنَاءُ كمحراب على قولِ عليّ بن حَمْزَة الأَصبهانيّ (الَّذِي يُبْغِض الناسَ) .
(و) {المِشْنَاءُ (كَمِحْرَابٍ من يُبغِضُه الناسُ) عَن أَبي عُبيدٍ، قَالَ شيخُنا نقلا عَن الجوهريّ: هُوَ مثل} المَشْنَإِ السَّابِق، فَهُوَ مثله فِي الْمَعْنى، فإِفراده على هَذَا الْوَجْه تَطْوِيل بِغير فائدةٍ. قلت: وإِن تَأَمّلْت فِي عبارَة الْمُؤلف حقَّ التأْمُّلِ وجدتَ مَا قَالَه شيخُنا مِمَّا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، (وَلَو قِيل: مَنْ يُكْثِرُ مَا يُبْغَضُ لأَجْلِه لَحَسُنَ) قَالَ أَبو عبيد (لأَنّ مِشْنَاءً مِن صِيَغِ الْفَاعِل) وَقَوله، الَّذِي يُبْغِضه (النَّاس) فِي قُوَّة الْمَفْعُول، حَتَّى كأَنه قَالَ المِشْنَاءُ
(1/287)

المُبْغَض، وَصِيغَة الْمَفْعُول لَا يُعبَّرِ بهَا عَن صِيغَة الْفَاعِل، فَأَمَّا رَوْضَةٌ مِحْلاَلٌ فَمَعْنَاه أَنها تُحِلُّ الناسَ أَو تَحُلُّ بهم، أَي تَجعلهم يَحُلُّون، وَلَيْسَت فِي مَعنى مَحْلُولة، وَفِي حَدِيث أُمِّ مَعْبَدٍ: لَا تَشْنَؤُهُ مِن طُولٍ، قَالَ ابْن الأَثير كَذَا جاءَ فِي رِوَايَة، أَي لَا يُبْغَضُ لِفَرْطِ طُولِه. ورُوِي: لَا {يُتَشَنَّى، أُبدل من الْهمزَة ياءٌ يُقَال} شَنِئْته {أَشْنَؤُهُ شَنْأً وسَنَآناً، وَمِنْه حَدِيث عليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ومُبْغضٌ يحْمله} - شَنَآني على أَن يَبْهَتْنِي، وَفِي التَّنْزِيل {إِنَّ {شَانِئَكَ هُوَ الاْبْتَرُ} (الْكَوْثَر: 3) أَي مُبْغِضُك وعدُوُّك، قَالَه الفَرّاء، وَقَالَ أَبو عَمْرو:} الشانىء: المُبْغِض، {والشِّنْءُ} والشُّنء بِالْكَسْرِ وَالضَّم: البِغْضة، قَالَ أَبو عُبَيْدَة: {والشَّنْءُ، بإِسكان النُّون: البِغْضَة، وَقَالَ أَبو الْهَيْثَم: يُقَال شَنِئْتُ الرجلَ أَي أَبغَضْتُه، ولغة ردِيَّة شَنَأْتُ بِالْفَتْح، وَقَوْلهمْ: لَا أَبَا} لِشانِئِك، وَلَا أَبَ {لِشَانِيك، أَي لمُبْغِضك، قَالَ ابْن السّكيت: هِي كِنَاية عَن قَوْلك لَا أَبا لَكَ (} والشَّنُوءَةُ) ممدودٌ ومقصورٌ (المُتَقَزِّزُ) بِالْقَافِ والزايين، على صِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَفِي بعض النّسخ المُتَعزِّز، بِالْعينِ، وَهُوَ تَصحيفٌ (والتَّقَزُّزِ) من الشيءِ هُوَ التناطُس والتباعُدُ عَن الأَدْنَاس وإِدامَة التطَهُّرِ، وَرجل فِيهِ شَنُوءَةٌ! وشُنُوءَةٌ أَي تَقَزُّزٌ، فَهُوَ مرَّةً صفةٌ ومرَّةً اسمٌ، وغَفل المؤَلف هُنَا عَن تَوهيمه للجوهري حَيْثُ اقْتصر على مَعنى الصِّفة، كَمَا لم يُصرِّح الْمُؤلف بِالْقصرِ فِي الشَّنُوءَة، وَسكت شَيخنَا مَعَ سَعَة اطِّلَاعه (ويُضَمُّ) لَو قَالَ بدله: ويُقْصَر كَانَ أَحسن، لأَنهم لم يتعرَّضوا للضمّ فِي كتبهمْ (و) مِنْهُ سُمِّي (أَزْدُ شَنُوءَةَ) بِالْهَمْز، على فَعُولة ممدودة، (وَقد تُشَدَّد الواوُ) غير مَهْمُوز قَالَه ابْن السكّيت، (: قبيلَةٌ) من اليمنِ (سُمِّيتْ لِشَنَآنٍ) أَي تباغض وَقع (بيْنَهُمْ) ، أَو لتباعُدِهم عَن بلدهم، وَقَالَ الخفاجي لعُلُوِّ نَسبهم وحُسْنِ أَفعالهم، من قَوْلهم: رجلٌ شَنُوءَة، أَي طاهرُ النَّسب ذُو مُروءًة، نَقله شَيخنَا،
(1/288)

قلت: وَمثله قَوْلُ أَبي عُبيْدة، وَهَكَذَا رأَيتُه فِي أَدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة، وَفِي شرح النَّبتيتي على مِعراج الغَيْطِي. (والنِّسْبة) إِليها ( {- شَنَئِيٌّ) بِالْهَمْز على الأَصل أَجْرَوا فَعُولَة مُجْرَى فَعِيلة، لمشابهتها إِيَّاها من عِدَّة أَوْجُهٍ، مِنْهَا أَن كلّ واحدِ من فَعُولة وفَعِيلة ثلاثيُّ، ثمَّ إِن ثالثَ كلِّ واحدٍ مِنْهُمَا حَرْفُ لِينٍ يَجْرِي مَجْرى صَاحبه، وَمِنْهَا أَن فِي كلِّ واحدٍ من فَعولة وفَعيلة تاءَ التأْنيث، وَمِنْهَا اصْطِحاب فَعولة وفَعِيلة على الْموضع الْوَاحِد، نَحْو أَثُوم وأَثِيم ورَحُوم ورَحِيم، فَمَا استمرَّت حالُ فَعُولة وفَعِيلة هَذَا الِاسْتِمْرَار جَرَتْ واوُ شَنُوءَة مَجْرى يَاء حَنِيفة، فَكَمَا قَالُوا: حنَفِيٌّ قِيَاسا، قَالُوا: شَنَئِيٌّ، قَالَه أَبو الْحسن الأَخفش، وَمن قَالَ شَنُوَّة بِالْوَاو دون الْهَمْز جعل النِّسبة إِليها شَنَوِيّ، تبعا للأَصل، نَقله الأَزهريُّ عَن ابْن السكّيت وَقَالَ:
نَحْنُ قُريْشٌ وهُمُ شَنُوَّهْ
بَنَا قُرَيْشاً خُتِمَ النُّبُوَّهْ
وَاسم الأَزد عبد الله أَو الْحَارِث بن كَعب، وأَنشد اللَّيْث:
فَما أَنْتُمُ بِالأَزْدِ أَزْدِ شَنُوءَةٍ
وَلاَ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ
(وسُفْيان بن أَبي زُهَيْرٍ) واسْمه القِرْد، قَالَه خَليفَة، وَقيل نُمَير بن مَرارة ابْن عبد الله بن مَالك النَّمَرِيّ (} - الشَّنَائِيُّ) بِالْمدِّ والهمز كَذَلِك فِي (صَحِيح البخاريّ) ، فِي رِوَايَة الأَكثر، (ويُقال الشَّنَوِيُّ) كَذَا فِي رِواية السّمرْقَنْدِيّ وعبدوس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَصرح بِهِ ابنُ دُرَيْد وَعند الأَصيليّ: الشَّنُوِّيّ، بِضَم النُّون، قَالَ عِيَاض: وَلَا وجْه لَهُ إِلا اءَن يكون ممدوداً على الأَصل (وزُهيْرُ بن عبد الله الشَّنَوِيُّ) قَالَه الحَمّادان وَهِشَام، وشذّ شُعْبة
(1/289)

فَقَالَ: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن زُهير وَقَالَ أَبو عُمَر: زُهَيْر بن أَبي جَبَل هُوَ زُهَيْر بن عبد الله بن أَبي جَبَل (صحابِيّانِ) أَما الأَوّل فَحَدِيثه فِي البُخَارِيّ من رِوَايَة عبد الله بن الزُّبير عَنهُ، وَرُوِيَ أَيضاً من طَرِيق السَّائِب بن يَزيد عَنهُ، قَالَ: وَهُوَ رجلٌ من أَزْد شَنُوءَة، من أَصحاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من اقْتَنَى كَلْباً) الحَدِيث، وأَما الثَّانِي فقد ذكره البغَوِيُّ وجماعةٌ فِي الصَّحَابَة، وَهُوَ تابعيٌّ، قَالَ ابْن أَبي حَاتِم فِي (الْمَرَاسِيل) : حديثُه مُرْسَل، ثمَّ إِن ظَاهر كَلَام المُصَنّف أَنه إِنما يُقَال الشَّنَوِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ فِي هذَيْن النَّسبين، لأَنه ذكرهمَا فيهمَا، وَاقْتصر فِي الأَول على الشَّنَائي بِالْهَمْز فَقَط، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل كلُّ منسوبٍ إِلى هَذِه الْقَبِيلَة يُقَال فِيهِ الْوَجْهَانِ، على الأَصل وَبِمَا رَوَاهُ الأَصيلي توسُّعاً.
(و) قَالَ أَبو عبيد (شَنِيءَ لَهُ حَقَّهُ) كفرِح (: أَعطاه إِيَّاه) ، وَقَالَ ثَعْلَب شَنَأَ إِليه، أَي كمنع، وَهُوَ أَي الْفَتْح أَصح، فأَما قَول العجاج:
زَلَّ بنُو العوَّامِ عنْ آلِ الحَكَمْ
{وشنِئُوا المُلْك لِمُلْكٍ ذِي قَدَمْ
فإِنه لِمُلْكٍ ولِمَلْكٍ، فَمن رَوَاهُ لِمُلْك فوجهه} شَنِئُوا: أَخرجوا من عِنْدهم، كَمَا فِي (الْعباب) ، وَمن رَوَاهُ لِمَلْكٍ فالأَجْوَد {شَنَئُوا أَي تَبرَّؤُوا إِليه.
(و) شَنِيءَ (بِهِ: أَقَرَّ) قَالَ الفرزدق:
فَلَوْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ فِي جاهِلِيَّة
عَرَفْتَ مَنِ المَوْلَى القَلِيلُ حُلاَئِبُهْ
ولَوْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمْ
} شَنِئْت بهِ أَوْ غَصَّ بالماءِ شَارِبه
(أَو أَعطاه) حقَّه (وتَبرَّأَ مِنْهُ) ، لَا يخفى أَن الإِعطاءَ مَعَ التبرِّي من معانِي شَنَأَ بِالْفَتْح إِذا عُدِّي بإِلى، كَمَا قَالَه ثَعْلَب، فَلَو قَالَ: وإِليه: أَعطاه وتبرَّأَ مِنْهُ كَانَ أَجمع للأَقوال (! كَشَنَأَ)
(1/290)

أَي كمنع، وقضيّة اصْطِلاحه أَن يكون كَكَتَب وَلَا قَائِل بِهِ، قَالَه شَيخنَا، ثمَّ إِن ظَاهر قَوْله يدلّ على أَن شنأَ كمَنَع فِي كلِّ مَا اسْتعْمل شَنِيء بِالْكَسْرِ، وَلَا قَائِل بِهِ، كَمَا قد عرفتَ من قَول أَبي عُبيد وثعلب، وَلم يستعملوا كَمنَعَ إِلاَّ فِي المُعَدَّي بإِلى دون بِهِ وَله، وَقد أَغفلَه شيخُنا.
(و) شَنَأَ (الشيءَ: أَخْرَجَه) من عِنْده، وَقَالَ أَبو عُبيد: شَنِيءَ حقَّه، أَي كعلِم إِذا أَقرَّ بِهِ وأَخرجه من عِنْده.
(و) فِي (الْمُحكم) ( {شَوانِىءُ المالِ: الَّتِي لَا يُضَنُّ) أَي لَا يُبْخَل (بِها) عَن ابْن الأَعرابيّ نقلا من تَذْكِرة أَبي عليَ الفارسيّ، وَقَالَ: (كَأَنَّها} شُنئَتْ) أَي يُغضب (فَجيِدَ بهَا) أَي أُعْطِي بهَا لعدم عِزَّتها على صَاحبهَا، فَهُوَ يجودُ بهَا لبُغضه إِيَّاها، وَقَالَ: فأَخرجه مُخْرَجَ النَّسب فجاءَ بِهِ على فاعلٍ، قَالَ شَيخنَا: ثمَّ الظَّاهِر أَن فاعِلاً هُنَا بِمَعْنى مفعول، أَي {مَشْنُوء المَال ومُبْغَضُه، فَهُوَ كماءٍ دافِق وعِيشة راضية.
(والشَنَآن بن مالكٍ مُحرْكَةً) رجل (شاعِرٌ) من بني مُعاوِية بنِ حَزْنِ بن عُبادَةَ بنِ عَقيلِ بن كَعْبٍ.
وَمِمَّا بَقِي على الْمُؤلف:
} المَشْنِيئَة فَفِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عَلَيْكُم {بالمَشْنِيئَةِ النافعةِ التَّلْبِينَةِ، تَعْنِي الحَسَاءَ وَهِي مَفعولة من شَنِئْت إِذا أَبغضت، قَالَ الرياشي: سأَلْت الأَصمعي عَن المَشْنِيئَةِ فَقَالَ: البغِيضة، قَالَ ابنُ الأَثير: وَهِي مفْعُولَة من شَنِئْت إِذا أَبغضت، وَهَذَا الْبناء شاذٌّ بِالْوَاو وَلَا يُقَال فِي مَقْرُوَ ومَوْطُوَ مَقْرِيّ ومَوْطِيّ وَوَجهه اينه لما خَفَّف الهمزةَ صَارَت يَاء فَقَالَ} مَشْنِيٌّ كمرْضِيّ، فَلَمَّا أَعاد الْهمزَة استصْحَب الحالَ المُخَفَّفَةَ، وَقَوْلها: التَّلْبِينة، هِيَ تَفْسِير! للمشْنِيئَة وجعلتْها بغيضة لكراهتها.
وَفِي حَدِيث كَعْبٍ (يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ
(1/291)

عنكُم الطَّاعونُ ويَفِيضَ فِيكُم شَنَآنُ الشِّتَاءِ، قيل: مَا شَنَآنُ الشتاءِ؟ قَالَ: (بَرْدُه) اسْتعَار الشَّنَآنَ للبَرْدئِ لأَنه بَغيضٌ فِي الشِّتاءِ، وَقيل: أَراد بالبَرْدِ سهُولةَ الأَمْرِ والرَّاحةِ، لأَن الْعَرَب تَكْنِى بالبَرْد عَن الرَّاحَة، وَالْمعْنَى: يُرْفَع عَنْكُم الطاعونُ والشِّدَّة، ويكثُر فِيكُم التباغُض أَو الرَّاحَة والدَّعَة.
( {وتَشَانَئُوا) أَي (تَباغَضُوا) كَذَا فِي (الْعباب) .

شوأ
: (} - شاءَني: سَبَقَنِي. و) شَاءَني (فلانٌ: حَزَنَني، وأَعْجَبَني) ضدٌّ، وَتقول فِي مُضارعه ( {يَشُوءُ) على الأَصل (} - ويشِيءُ) كيَبيع، إِن كَانَ مضارِعاً {لِشَاءَ، وَزعم أَنه مقلوب أَيضاً لِشَأَي يَشْئِي كَرَمي يَرْمِي فَهُوَ غَلَظٌ، لأَن مادّة شَأَي مهموزُ العَيْنِ معتلّ اللَّام بالتحْتيّة مُهْملَة، وإِن أَراد أَنه اسْتعْمل كَبَاع يَبيع بمعنَى سَبَق فالمادَّة الْآتِيَة متّصلة بِهَذِهِ، وَلم يذكرْ هُوَ وَلَا غيرُه أَن الشَّيْءَ كالبيْعِ بِمَعْنى السَّبْقِ وَلَا لَهُم شَاءَ كباعَ، إِنما قَالُوا: شَاءَ يشَاءُ كخَافَ يَخافُ، قَالَه شيخُنا (قَلْبُ} - شَآنِي) كدَعَاني بِمَعْنى سَبَقَني فيهمَا وزنا وَمعنى.
( {والشَّيِّئَانُ كشَيِّعَانٍ) فِي وِزَان تَثنية السَّيِّد: (البَعيِدُ النظرِ) الكثيرُ الاستِشْرافِ إِمّا على حَقِيقَته أَو كِنَايَة عَن الرجل صَاحب التأَنِّي والتَفكُّرِ والناظرِ عواقِب الأُمورِ، وَقد ذكره الصاغانيُّ فِي المادّة الَّتِي تَلِيهَا.
(} وشُؤْتُ بِهِ) كقُلْت (: أُعْجِبْتُ) بِحُسْنِ سَمْتِه (وفَرِحْتُ) بِهِ، عَن اللَّيْثَ، كَذَا فِي (العُباب) .

شيأ
: ( {شِئْتُه) أَي الشيءَ (} أَشَاؤُه {شَيْأً} ومَشِيئَةً) كخَطِيئَة ( {وَمَشَاءَةً) كَكَراهة (} ومشَائِيَةً) كعَلانِية: (أَردْتُه) قَالَ الجوهريُّ: المَشِيئَة: الإِرادة، ومثلُه فِي (المُصباح) و (المُحكم) ، وايكثرُ المتكلّمين لم يُفرِّقوا بَينهمَا، وإِن كَانَتَا فِي الأَصل مُختلِفَتَيْنِ فإِن! المَشيئَة فِي اللُّغة: الإِيجاد، والإِرادةُ: طَلبٌ، أَوْمَأَ إِليه شيخُنا نَاقِلا عَن
(1/292)

القُطْب الرَّازِي، ولس هَذَا مَحَلَّ البسْطِ (والاسمُ) مِنْهُ ( {الشِّيئَة كَشِيعة) عَن اللِّحيانيّ، وَمثله فِي (الرَّوْض) للسُّهَيْلي (و) قَالُوا: (كلُّ شَيْء} بِشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى) بِكَسْر الشين، أَي بمَشيئَته، وَفِي الحَدِيث: أَنّ يَهودِيًّا أَتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمفقال: إِنكم تَنْذِرُون وتُشْرِكُون فتقولون: مَا {شاءَ اللَّهُ} وشِئْتُ، فايمرهم النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأَن يَقُولُوا: (مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ {شِئْتُ) وَفِي (لِسَان الْعَرَب) و (شرح المُعلَّقات) : المشيِئَةُ، مَهْمُوزَة: الإِرادة، وإِنما فَرَقَ بَين قولِه: مَا شَاءَ اللَّهُ وشِئْتُ، (وَمَا} شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ {شِئْتُ) لأَن الْوَاو تُفيد الجمْعَ دون الترتيبِ، وثُمَّ تَجْمِعُ وتُرتِّب، فَمَعَ الواوِ يكون قد جمعَ بينَ الله وبينَه فِي المشيئَة، وَمَعَ ثُمَّ يكون قد قدَّم مَشيئَةَ اللَّهِ على مشِيئَتِه.
(} - والشيْءُ م) بَين الناسِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ حِين أَراد أَن يَجْعَل المُذكَّر أَصلاً للمؤنث: أَلاَ تَرى أَن الشْيءَ مُذكَّرٌ، وَهُوَ يَقع على كُلِّ مَا أُخْبِرَ عَنهُ، قَالَ شَيخنَا: وَالظَّاهِر أَنه مصدرُ بِمَعْنى اسمِ الْمَفْعُول، أَي الأَمر {- المَشِيءُ أَي المُرادُ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ القَصْدُ، أَعمُّ مِن أَن يكون بِالفِعْلِ أَو بالإِمْكانِ، فيتناوَلُ الوَاجِبَ والمُمْكِنَ والمُمْتَنِعَ، كَمَا اخْتَارَهُ صاحبُ (الكشَّاف) ، وَقَالَ الراغبُ: الشيْءُ: عِبارة عَن كُلِّ موجودٍ إِمَّا حِسًّا كالأَجسام، أَو مَعْنَى كالأَقوال، وصرَّح البَيْضاوِيُّ وغيرُه بأَنه يَخْتَصُّ بالموجود، وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِنه أَعمُّ العَامِّ، وَبَعض المُتكلِّمينَ يُطلِقه على الْمَعْدُوم أَيضاً، كَمَا نُقِلَ عَن السَّعْدِ وضُعِّفَ، وَقَالُوا: من أَطلقَه مَحجوجٌ بِعَدَمِ استعمالِ الْعَرَب ذَلِك، كَمَا عُلِم باستقْراءِ كلامِهم وبنحْوِ {كُلُّ} شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (الْقَصَص: 88) إِذا المعدومُ لَا يَتَّصِفُ بالهَلاكِ، وينحْوِ {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} (الْإِسْرَاء: 44) إِذ الْمَعْدُوم لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التسبيحُ. انْتهى. (ج {أَشياءُ) غير مَصْرُوف (} وأَشْيَاوَاتٌ) جمعُ الجمعِ لشْيءٍ، قَالَه شَيخنَا (و) كَذَا ( {أَشَاوَاتٌ} وأَشَاوَى) بِفَتْح الْوَاو، وحُكِي كَسْرُها أَيضاً، وَحكى الأَصمعيُّ
(1/293)

أَنه سمع رجلا من أَفصح الْعَرَب يَقُول لِخَلَف الأَحمرِ: إِنَّ عِندك {- لأَشَاوِي (وأَصلُه أَشَايِيُّ بثلاثِ ياآتٍ) خُفِّفت الياءُ المشدّدة، كَمَا قَالُوا فِي صَحَارِيُّ صَحار فَصَارَ أشايٍ ثمَّ أُبدل من الكسرة فَتْحة وَمن الياءِ أَلف فَصَارَ أَشايا كَمَا قَالُوا فِي صَحَار صَحَارَي، ثمَّ أَبدلُوا من الياءِ واواً، كَمَا أَبدلوا فِي جَبَيْت الخَراجَ جبَايةً وجِبَاوَةً، كَمَا قَالَه ابْن بَرّيّ فِي (حَوَاشِي الصِّحاح) (وقولُ الجوهريِّ) إِنّ (أَصله أَشَائِيُّ) بياءَين (بِالْهَمْز) أَي همز الْيَاء الأُولى كالنُّون فِي أَعناقِ إِذا جمعته قلت أَعانِيق، والياءُ الثانِية هِيَ المُبدلة من أَلف المدّ فِي أَعناقٍ تُعْدل يَاء لكسر مَا قبلهَا، والهمزةُ هِيَ لامُ الْكَلِمَة، فَهِيَ كالقاف فِي أَعانِيق، ثمَّ قُلِبَت الهمزةُ لتطَرُّفِها، فاجتمعتْ ثلاثُ ياآتٍ، فتوالَتِ الأَمثالُ فاستُثْقِلت فحُذِفت الوُسْطَى وقُلِبت الأَخيرةُ أَلفاً، وأُبْدلَت من الأُولى واواً، كَمَا قَالُوا: أَتَيْتُه أَتْوَةً، هَذَا ملخص مَا فِي (الصِّحَاح) قَالَ ابْن بَرّيّ: وَهُوَ (غَلَطٌ) مِنْهُ (لأَنه لَا يصِحُّ همْزُ الياءِ الأُولى لكَوْنِها أَصلاً غيرَ زَائِدَة) وشرْطُ الإِبدال كَونهَا زَائِدَة (كَمَا تَقولُ فِي جمع أَبْياتٍ أَبايِيتُ) ثَبتت ياؤُها لعدم زِيادتها، وَكَذَا ياءُ مَعايِشَ (فَلَا تَهْمِزُ) أَنت (الياءَ الَّتِي بعد الأَلف) لأَصالتها، هَذَا نَص عِبارة ابْن بَرِّيّ. قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا كَلَام صَحِيح ظَاهر، لكنه لَيْسَ فِي كَلَام الجوهريّ الياءُ الأُولى حَتَّى يردّ عَلَيْهِ مَا ذكر، وإِنما قَالَ: أَصله أَشائيّ فقُلبت الْهمزَة يَاء فاجتمعت ثلاثُ ياآت. قَالَ: فَالْمُرَاد بِالْهَمْزَةِ لَام الْكَلِمَة لَا الْيَاء الَّتِي هِيَ عين الْكَلِمَة، إِلى آخر مَا قَالَ.
قلت: وَبِمَا سقناه من نصّ الْجَوْهَرِي آنِفا يرْتَفع إِيراد شَيخنَا الناشيء عَن عدم تَكْرِير النّظر فِي عِبَارَته، مَعَ مَا تَحامل بِهِ على المصنِّف عَفا اللَّهُ وسامح عَن جسارته (ويُجْمَع أَيضاً على أَشَايَا) بإِبقاء الْيَاء على حَالهَا دون إِبدالها واواً كالأُولى، ووزنه على مَا اخْتَارَهُ الجوهريّ أَفائِلُ، وَقيل أَفَايَا (وحُكي} أَشْيَايَا) أَبْدلوا همزتَه يَاء وَزَادُوا أَلفاً،
(1/294)

فوزنه أَفعَالاَ، نَقله ابنُ سَيّده عَن اللّحيانّي ( {وأَشَاوِهُ) بإِبدال الْهمزَة هَاء، وَهُوَ (غَرِيبٌ) أَي نَادِر، وحَكَى أَن شَيخا أَنشد فِي مجْلِس الكِسائيِّ عَن بعض الأَعراب:
وَذلِكَ مَا أُوصِيكِ يَا أُمَّ مَعْمَرٍ
وبَعْضُ الوَصَايَا فِي أَشَاوِهَ تَنْفَعُ
قَالَ اللحيانيُّ: وَزعم الشَّيْخ ايْنَ الأَعرابي قَالَ: أُرِيد أَشَايَا، وَهَذَا من أَشَذِّ الجَمْعِ (لأَنَّه لَيْسَ فِي الشيءِ هاءٌ) وَعبارَة اللحيانيِّ، لأَنه لَا هاءَ فِي الأَشياءِ (وتصغيره} - شُيَيْءٌ) مضبوط عندنَا فِي النُّسْخَة بِالْوَجْهَيْنِ مَعًا، أَي بالضمّ على الْقيَاس، كَفلْسٍ وفُليْسٍ، وأَشار الجوهريُّ إِلى الكَسر كَغَيْرِهِ، وكأَنّ الْمُؤلف أَحال على الْقيَاس الْمَشْهُور فِي كُلِّ ثُلاثِيِّ العَيْنِ، قَالَ الجوهريُّ و (لَا) تقل (شُوَيّ) بِالْوَاو وَتَشْديد الْيَاء (أَو لُغيَّةٌ) حكيت (عَن إِدريسَ بنِ مُوسى النَّحْوِيِّ) بل سَائِر الْكُوفِيّين، واستعمَلها المُولَّدُون فِي أَشعهارهم، قَالَه شَيخنَا، (وحِكايةُ) الإِمام أَبي نصر (الجوهريِّ) رَحمَه الله تَعَالَى (عَن) إِمام الْمَذْهَب (الخَليل) بن أَحمد الفراهِيدِيّ (أَن أَشياءَ فَعْلاءُ، وأَنها) مَعْطُوف على مَا قبله (جَمْعٌ على غيرِ واحدةٍ كشاعرٍ وشُعَراءَ) كَون الْوَاحِد على خلاف الْقيَاس فِي الجَمْع (إِلى آخِره) أَي آخر مَا قَالَ وسَرَد (حِكَايةٌ مُختَلَّة) وَفِي بعض النّسخ بِدُونِ لفظ (حِكَايَة) أَي ذَات اختلالٍ وانحلالٍ (ضَرَبَ فِيهَا) أَي فِي تِلْكَ الْحِكَايَة (مَذهَبَ الخليلِ على مذْهبِ) أَبي الْحسن (الأَخْفَشِ وَلم يُمَيِّزْ بينَهما) أَي بَين قولَي الإِمامين (وَذَلِكَ أَن) أَبا الْحسن (الأَخْفَشَ يَرَى) وَيذْهب إِلى (أَنها) أَي أَشياءَ وزْنُها (أَفْعِلاَء) كَمَا تَقول هَيْنٌ، وأَهْوِنَاء، إِلا أَنه كَانَ فِي الأَصل أَشْيِئَاء كَأَشْيِعَاع، فاجتمعت همزتان بَينهمَا أَلف فَحُذِف الهمزةُ الأُولة، وَفِي شحر حُسام زادَه على منصومة الشافيَة: حُذفت الهمزةُ الَّتِي هِيَ اللَّام تَخْفِيفًا كَرَاهَة همزتين بَينهمَا أَلف، فوزنها أَفْعَاء، انْتهى. قَالَ
(1/295)

الجوهريّ: وَقَالَ الفراءُ: أَصل شَيْءٍ شَيِّيءٌ على مِثَال شَيِّعٍ، فجُمع على أَفْعَلاءَ مثل هَيِّن وأَهْيِنَاءَ ولَيِّنٍ وأَلْيِنَاءَ ثمَّ خُفِّفَ فَقيل شَيْءٌ، كَمَا قَالُوا: هَيْنٌ ولَيْنٌ، فَقَالُوا أَشْيَاءَ، فحذفوا الهمزَةَ الأُولى، وَهَذَا قَول يَدْخُل عَلَيْهِ أَن لَا يُجْمَع على أَشَاوَي (وَهِي جَمْعٌ على غير واحِده المُستعْمَلِ) المَقِيس المُطَّرِد (كشَاعِرٍ وشُعَراءَ، فإِنّه جُمِعَ على غيرِ واحدهِ) قَالَ شَيخنَا: هَذَا التنظيرُ لَيْسَ من مَذْهَب الأَخفش كَمَا زعم المُصنّف، بل هُوَ من تَنْظير الخَليل، السَّخاوِيُّ، وَبِه صَرَّح ابنُ سَيّده فِي المُخَصّص وَعَزاهُ إِلى الخَليل.
قلت: وَهَذَا الإِيراد نصّ كَلَام ابْن بَرّيّ فِي حَوَاشِيه، كَمَا سيأْتي، وَلَيْسَ من كَلَامه، فَكَانَ يَنْبَغِي التنبيهُ عَلَيْهِ (لأَنَّ فاعِلاً لَا يُجْمَع على فُعَلاَءَ) لَكِن صرَّح ابنُ مالكٍ وابنُ هشامٍ وأَبو حيّانَ وغِيرُهم أَن فُعَلاَءَ يَطَّرِد فِي وَصْفٍ على فِعيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ غير مُضَاعَفٍ وَلَا معتَلَ كَكَرِيم وكُرماء وظَرِيف وظُرفاء، وَفِي فاعلِ دالَ على مَعْنى كالغَرِيزة كَشاعِرٍ وشُعراء وعاقِل وعُقَلاَء وصالِح وصُلَحاء وعالم وعُلَماء، وَهِي قاعِدَةٌ مُطَّرِدة، قَالَ شَيخنَا: فَلَا أَدْري مَا وَجْه إِقرار المصَنّف لذَلِك الجوهريّ وابنِ سَيّده (وأَمّا الخليلُ) ابْن أَحمد (فَيرى أَنها) أَي أَشياءَ اسمُ الْجمع وَزنهَا (فَعْلاَءُ) أَصْله شَيْئَاءُ، كحمْراء فاستُثقِل الهمزتانِ، فقلبوا الهمزةَ الأُولى إِلى أَوَّل الكلمةِ، فجُعِلت لَفْعَاء، كَمَا قَلبوا أَنْوُق فَقَالَ أَيْنُق، وقلبوا أَقْوُس إِلى قِسِيَ، قَالَ أَبو إِسحاق الزّجاج: وتصديقُ قولِ الْخَلِيل جمْعهم أَشياء على أَشَاوي وأَشَايا وقولُ الخليلِ هُوَ مذهبُ سِيبويهِ والمازِنيِّ وجميعِ البصريِّينَ إِلا الزِّيادِيَّ مِنْهُم، فإِنه كَانَ يمِيل إِلى قولِ الأَخفشِ، وذُكِر أَن المازنيَّ نَاظر الأَخفشَ فِي هَذَا فقطعَ المازِنيُّ الأَخفَشَ، قَالَ أَبو مَنْصُور:
(1/296)

وأَما اللَّيْث فإِنه حكى عَن الْخَلِيل غير مَا حُكيَ عَنهُ الثِّقاتُ، وخَلَّط فِيمَا حكَى وطَوَّل تَطْوِيلاً دلَّ على حَيْرَته، قَالَ: فَلذَلِك تركْتُه فَلم أَحْكِه بِعَيْنِه. (نائبةٌ عَن أَفْعَالِ وبَدَلٌ مِنْهُ) قَالَ ابنُ هشامٍ: لم يرِد مِنْهُ إِلاَّ ثلاثةُ أَلفاظٍ: فَرْخٌ وأَفْرَاخ، وزَنْد وأَزْناد وحَمْل وأَحْمال، لَا رَابِع لَهَا، وَقَالَ غَيره: إِنه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلى الصَّحِيح، وأَما فِي المعتل فكثير (وجَمْعٌ لِوَاحِدِها) وَقد تقدّم من مَذْهَب سِيبويهِ أَنَّها اسمُ جمعٍ لَا جَمْعٌ فليُتَأَمَّلْ، (المُستَعْمَل) المطَّرِد (وَهُوَ شْيءٌ) وَقد عرفت أَنه شاذٌّ قليلٌ (وأَمَّا الكِسائيُّ فَيرى أَنها) أَي أَشياءَ (أَفعالٌ كَفَرْخ وأَفْرَاخٍ) أَي من غير ادِّعاء كُلْفةٍ، وَمن ثمَّ اسْتَحْسَنَ كثيرُونَ مَذهبَه، وَفِي (شرح الشافية) ، لأَن فَعْلاً مُعْتَلَّ العينِ يُجمع على أَفعال.
قلت: وَقد تقدّمت الإِشارة إِليه، فإِن قلت: إِذا كَانَ الأَمر كَذَلِك فَكيف مُنِعَت من الصّرْف وأَفْعَال لَا مُوجِب لِمَنْعه.
قلت: إِنما (تُرِك صَرْفُها لكَثرةِ الاستعمالِ) فخَفَّتْ كثيرا، فقابلوا خِفَّتها بالتثقيل وَهُوَ الْمَنْع من الصّرْف (لأَنها) أَي أَشياءَ (شُبِّهَتْ بِفَعْلاءَ) مثل حمْراءَ فِي الْوَزْن، وَفِي الظَّاهِر، و (فِي كَوْنِها جُمِعَتْ على! أَشْيَاوَات فصَارَتْ كخَضْرَاءَ وخَضْراوَاتٍ) وصَحْرَاءَ وصَحْرَاوات، قَالَ شيخُنا: قَوْله: لأَنها شُبِّهت، إِليخ من كَلَام المُصَنِّف جَوَابا عَن الْكسَائي، لَا من كَلَام الكسائيِّ.
قلت: قَالَ أَبو إِسحاق الزجّاج فِي كِتَابه فِي قَوْله تَعَالَى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآء} (الْمَائِدَة: 101) فِي موضِع الْخَفْض إِلاّ أَنّها فُتِحت لأَنها لَا تنصرِف. قَالَ: وَقَالَ الكسائيُّ: أَشبَه آخِرُها آخِرَ حَمراءَ وكثُرَ استعمالُها فَلم تُصْرَف. انْتهى، فعُرِف من هَذَا بُطْلان مَا قَالَه شُيْخُنا، وأَن الجوهريّ إِنما نَقله من نَصِّ كَلَام الكسائيّ، وَلم يأْتِ من عِنْده بِشَيْء (فحِينئذٍ لَا يَلْزَمُه) أَي الكسائيَّ (أَن لَا يصْرِفَ أَبْنَاءَ وأَسْمَاء كَمَا زعم
(1/297)

الجوهريُّ) قَالَ أَبو إِسحاق الزجّاج: وَقد أَجمع البصريّونُ وأَكثرُ الكُوفِيِّين على أَن قَول الكسائيِّ خطأٌ فِي هَذَا، وأَلزموه أَن لَا يصرِف أَبناءً وأَسماءً. انْتهى. فقد عرفْتَ أَنَّ فِي مثل هَذَا لَا يُنْسب الغلطُ إِلى الجوهريّ كَمَا زعم المؤلّفُ (لأَنهم لم يَجْمَعُوا أَبناءً وأَسماءً بالأَلف والتَّاءِ) فَلم يَحْصُل الشَّبَهُ. وَقَالَ الفراءُ: أَصلُ شَيْءٍ شَيِّيءٌ على مِثال شَيِّعٍ، فجُمِع على أَفْعِلاء مثل هَيِّنْ وأَهْيِنَاء وليِّن وأَلْيِنَا، ثمَّ خُفِّف فَقيل شَيْءٌ كَمَا قَالُوا هَيْنٌ ولَيْنٌ، فَقَالُوا أَشياء، فحذفوا الْهمزَة الأُولى، كَذَا نصُّ الجوهريُّ، وَلما كَانَ هَذَا القولُ رَاجعا إِلى كَلَام أَبي الْحسن الأَخفش لم يَذْكُرْهُ الْمُؤلف مُسْتقِلّا، وَلذَا تَرى فِي عبارَة أَبي إِسحاق الزجّاج وغيرِهِ نِسبةَ القوْلِ إِليهما مَعًا، بل الجارَبَرْدِي عَزَا القَوحلَ إِلى الفَرَّاء وَلم يَذكر الأَخفش، فَلَا يُقَال: إِن المؤلّف بَقِيَ عَلَيْهِ مذْهبُ الفرَّاء كَمَا زعم شيخُنا، وَقَالَ الزجّاج عِنْد ذِكر قوْلِ الأَخفش والفرَّاءِ: وَهَذَا القولُ أَيضاً غلطٌ، لأَنَّ! شَيْئاً فَعْلٌ، وفَعْلٌ لَا يُجْمَع على أَفْعِلاءَ، فأَمَّا هَيْن فأَصلُه هَيِّن فجُمِع على أَفْعِلاَء كَمَا يُجْم فَعِيلٌ على أَفعِلاء مثل نَصِيب وأَنْصِباء انْتهى.
قلت، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الخامِس الَّذِي قَالَ شَيخنَا فِيهِ إِنه لم يَتَعَرَّض لَهُ اللُّغَوِيُّون، وَهُوَ راجعٌ إِلى مَذْهَب الأَخفش والفرَّاء، قَالَ شَيخنَا فِي تَتِمَّات هِيَ للمادَّة مُهِمَّات: فحاصلُ مَا ذُكِر يَرْجِع إِلى ثَلَاثَة أَبْنِيَة تُعْرَف بِالِاعْتِبَارِ والوَزْنِ بعد الحَذْف فَتَصِير خَمْسَة أَقْوال، وَذَلِكَ أَن أَشْياء هَل هِيَ اسمُ جمعٍ وَزْنُها فَعْلاةء أَو جَمْعِ على فَعْلاَء ووزنه بعد الحَذْفِ أَفْعاء أَو أَفْلاَء أَو أَفْياء أَو أَصلها أَفْعَال، وَبِه تعلَم مَا فِي (الْقَامُوس) و (الصِّحَاح) و (الْمُحكم) من القُصور، حَيْثُ اقْتصر الأَوّل على ثَلَاثَة أَقوال، مَعَ أَنه الْبَحْر، وَالثَّانِي وَالثَّالِث على أَربعة، انْتهى.
وَحَيْثُ انجرَّ بِنَا الْكَلَام إِلى هُنَا يَنْبَغِي أَن نعلم أَيّ الْمذَاهب مَنْصورٌ مِمَّا ذُكِر.
فَقَالَ الإِمام علم الدّين أَبو الْحسن عليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد السَّخاوِيّ الدِّمشقيّ فِي كِتَابه سِفْر السَّعادة وسفير
(1/298)

الإِفادة: وأَحسنُ هَذِه الأَقوالِ كلِّها وأَقربُها إِلى الصوابِ قولُ الكسائيّ، لأَنه فَعْلٌ جُمِع على أَفْعال، مثل سَيْفٍ وأَسْياف، وأَمّا منعُ الصَّرْف فِيهِ فعلى التَّشْبِيه بِفَعْلاَءِ، وَقد يشبَّه الشيءُ بالشيءِ فيُعْطَي حُكْمه، كَمَا أَنهم شَبَّهوا أَلف أَرْطَى بأَلف التأْنيث فمنعوه من الصّرْف فِي الْمعرفَة، ذكر هَذَا القَوْل شيخُنا وأَيَّدَه وارْتضاه.
قلت: وَتقدم النقلُ على الزجّاج فِي تخطِئَة البَصرِيّيّن وأَكثرِ الكُوفيّين هَذَا القَوْل، وَتقدم الجوابُ أَيضاً فِي سِيَاق عِبارة المؤلّف، وَقَالَ الجَارَبَرْدِي فِي (شرح الشَّافِية) : ويلْزم الكسائيَّ مخالفةُ الظاهِر من وجْهينِ: الأَول مَنْعِ الصرْفِ بِغَيْر عِلَّة، الثَّانِي أَنها جُمِعَت على أَشَاوَى. وأَفعال لَا يُجْمَع على أَفاعل.
قلت: الإِيراد الثَّانِي هُوَ نصُّ كَلَام الجوهريّ، وأَما الإِيراد الأَول فقد عرفتَ جوابَه.
وَذكر الشّهاب الخَفاجي فِي طِراز الْمجَالِس أَن شِبْهَ العُجْمَة وشِبْه العَلَمِيَّة وشِبْه الأَلِف مِمَّا نَصَّ النُّحاة على أَنه من العِلَل، نقلَه شيخُنا وَقَالَ: المُقرَّر فِي عُلوم الْعَرَبيَّة أَن من جُمْلة مَوَانِع الصرْف أَلِفَ الإِلحاق، لشَبَهِها بأَلف التأْنيثِ، وَلها شرطانِ: أَن تكون مَقصورةً، وأَما أَلِفُ الإِلحاق الممدودةُ فَلَا تَمحنَ وإِن أَلِفُ الإِلحاق المدودةُ فَلَا تَمْنَع وإِن ضُمَّت لِعِلَّة أُخْرى، الثَّانِي أَن تقع الكلمةُ الَّتِي فِيهَا الأَلف المقصورةُ علما، فَتكون فِيهَا العَلَمِيّةُ وشِبْهُ أَلفِ التأْنيث، فأَما الأَلف الَّتِي للتأْنيث فإِنها تَمنعُ مُطلقًا، ممدوداً أَو مَقْصُورَة، فِي معرفةِ أَو نكرةِ، على مَا عُرِف. انْتهى.
وَقَالَ أَبو إِسحاق الزجّاج فِي كِتَابه الَّذِي حَوَى أَقَاويلَهم واحتجَّ لأَصوبها عِنْده وَعَزاهُ للخيل فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآء} (الْمَائِدَة: 101) فِي موضعِ الخَفْضِ إِلاَّ أَنّها فُتِحت لأَنها لَا تَنْصرف.
وَنَصّ كَلَام الجوهريّ: قَالَ الْخَلِيل: إِنما تُرِك صَرْفُ أَشياءَ أَصلَه فَعْلاَء، جُمِعَ على غير واحدِه، كَمَا أَن الشُّعَراء
(1/299)

جُمع على غير واحدِهِ، لأَن الفاعِل لَا يُجْمع على فُعَلاَء، ثمَّ استثْقَلُوا الهمزتَيْنِ فِي آخِره نَقَلُوا الأُولى إِلى أَوّل الكلِمة فَقَالُوا أَشْياء، كَمَا قَالُوا أَيْنُق وقِسِيّ فَصَارَ تقديرُه لَفْعاء، يدُلُّ على صِحّة ذَلِك أَنه لَا يُصْرَف، وأَنه يُصَغَّرُ على {أُشَيَاء، وأَنه يُجْمَع على أَشَاوَي، انْتهى. وَقَالَ الجاربردي بعداءَن نقل الأَقوال: ومذهبُ سِيبويهِ أَوْلى، إِذ لَا يَلزمه مُخالَفةُ الظاهرِ إِلاَّ من وَجْهٍ واحدٍ، وَهُوَ القَلْبُ، مَعَ أَنه ثابِتٌ فِي لُغتهم فِي أَمثلِه كثيرةٍ.
وَقَالَ ابْن بَرِّيّ عِنْد حِكاية الجوهريّ عَن الْخَلِيل إِنّ أَشياءَ فَعْلاَءُ جُمِع على غير واحِدِه كَمَا أَنّ الشُّعَراءَ جُمِع على غير واحده: هَذَا وَهَمٌ مِنْهُ، بل واحدُها شَيْءٌ، قَالَ: وَلَيْسَت أَشياءُ عِنده بجمْعٍ مُكَسَّر، وإِنما هِيَ اسمٌ واحدٌ بمنزلةِ الطَّرْفَاءِ والقَصْباءِ والحلْفَاءِ، وَلكنه يَجعلُها بَدَلا من جَمعٍ مُكَسَّرٍ بِدلالةِ إِضافةِ العدَد الْقَلِيل إِليها، كَقَوْلِهِم: ثَلاَثةُ أَشْياءَ، فأَما جَمْعُها على غير واحِدِها فَذَلِك مَذهبُ الأَخفشِ، لأَنه يرى أَنَّ أَشياءَ وَزْنُها أَفْعِلاء، وأَصلها أَشْيِئَاء فحُذِفت الهمزةُ تَخْفِيفًا، قَالَ: وَكَانَ أَبو عَلِيَ يُجِيز قولَ أَبي الْحسن على أَن يكون واحِدُها شَيْئًا، وَيكون أَفْعِلاء جَمْعاً لِفَعْلٍ فِي هَذَا، كَمَا جُمِع فَعْلٌ على فُعَلاَءُ فِي نَحْو سَمْحٍ وسُمَحَاء، قَالَ: وَهُوَ وَهَمٌ من أَبي علِيَ، لأَن شَيْئًا اسمٌ، وسَمْحاً صفة بِمَعْنى سَمِيح، لأَن اسْم الْفَاعِل من سَمُحَ قِيَاسه سَمِيح، وسَمِيح يُجمَع على سُمَحاءَ، كَظرِيف وظُرفاء، وَمثله خَصْمٌ وخُصَمَاء، لأَن فِي معنى خَصِيم، والخَليلُ وسيبويهِ يَقُولَانِ أَصلها شيئاء، فقُدِّمت الْهمزَة الَّتِي هِيَ لامُ الكلمةِ إِلى أَوَّلها فَصَارَت أَشياءَ، فوزنها لَفْعَاء، قَالَ: ويدُلُّ على صِحَّة قَوْلهمَا أَن الْعَرَب قَالَت فِي تَصغيرها} أُشَيَّاء، قَالَ: وَلَو كَانَت جَمْعاً مُكسَّراً كَمَا ذهبَ إِليه الأَخفش
(1/300)

لَقِيل فِي تصِغيرها شُيَيْئَات كَمَا يُفْعل ذَلِك فِي الجُموع المُكَسَّرة، كجِمَال وكِعَاب وكلاب، تَقول فِي تصغيرها جُمَيْلاَت وكُعَيْبَات وكُلَيْبَات، فتَردّها إِلى الْوَاحِد ثُمَّ تَجمعها بالأَلف وَالتَّاء.
قَالَ فَخر الدّين أَبو الْحسن الجابربردي: وَيلْزم الفرَّاءَ مخالفةُ الظاهرِ مِن وُجوهٍ: الأَول أَنه لَو كَانَ أَصلُ شَيْءٍ شَيِّئاً كَبيِّن، لَكَانَ الأَصل شَائِعا كثيرا، أَلا تَرى أَن بَيِّناً أَكثَرُ مِن بَيْنٍ وَمِّيتاً أَكثرُ من مَيْت، وَالثَّانِي أَن حذف الْهمزَة فِي مِثلها غيرُ جائزٍ إِذ لَا قِياس يُؤَدِّي إِلى جَواز حذف الْهمزَة إِذا اجْتمع هَمزتان بَينهمَا أَلف. الثَّالِث تصغيرُها على أُشَيَّاءَ، فَلَو كَانَت أَفْعِلاءَ لَكَانَ جَمْعَ كَثرةٍ، وَلَو كَانَت جَمْعَ كَثْرَة لوجبَ رَدُّها إِلى المُفرد عِنْد التصغِير، إِذ لَيْسَ لَهَا جَمْعُ القِلَّة. الرَّابِع أَنها تُجمَع على أَشَاوَي. وأَفعِلاَء لَا يُجْمع على أَفاعلَ، وَلَا يلزمُ سِيبويِ من ذَلِك شَيْءٌ، لأَنّ مَنْعَ الصَّرْفِ لأَجلِ التأْنيثِ، وتصغيرُها على أُشَيَّاء لأَنها اسمُ جَمْعٍ لَا جَمْعٌ، وجَمْعُهَا على أَشَاوَي لأَنها اسمٌ على فَعْلاَءَ فيُجمع، على فَعَالَى كصحاءٍ أَو صَحَارَى. انْتهى.
قلت: قَوْله وَلَا يلْزم سيبويهِ شيءٌ من ذَلِك على إِطلاقه غير مُسَلّم، إِذ يَلزمه على التَّقْرِير الْمَذْكُور مثلُ مَا أورد على الفرّاء من الْوَجْه الثَّانِي، وَقد تقدم، فإِن اجْتِمَاع هَمزتين بَينهمَا أَلف واقعٌ فِي كلامِ الفُصحاء، قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ} (الممتحنة: 4) وَفِي الحَدِيث: (أَنا وأَتْقِياءُ أُمَّتي بُرَآءُ من التَكلُّفِ) قَالَ الْجَوْهَرِي: إِن أَبا عُثْمَانَ المازنيَّ قَالَ لأَبي الْحسن الأَخفشِ: كَيفَ تُصَغِّر العَربُ أَشياءَ؟ فَقَالَ: أُشَيَّاءَ، فَقَالَ لَهُ: تَركتَ قولَك، لأَن كلَّ جَمْع كُسِّر على غيرِ واحدِه وَهُوَ من أَبنِيَة الجمْعِ فإِنه يُرَدُّ بِالتَّصْغِيرِ إِلى واحده، قَالَ ابنُ برِّيّ: هَذِه الْحِكَايَة مُغَيَّرة، لأَن المازنيّ إِنما أَنكر على الأَخفش تَصغير أَشياء، وَهِي جَمْعٌ مُكَسَّرٌ للكثير من غيرِ أَن يُرَدَّ إِلى الْوَاحِد، وَلم يقل لَهُ ابْن جمع كُسِّر على غيرِ واحدِهِ،
(1/301)

لأَنه لَيْسَ السَّببُ المُوجِبُ لردِّ الْجمع إِلى واحده عِنْد التصغير هُوَ كَوْنه كُسِّر على غير واحده، وإِنما ذَلِك لكَونه جَمْعَ كثرةِ لَا قِلَّة.
وَفِي هَذَا القدْرِ مَقْنَع للطالبِ الراغبِ فتأَمَّلْ وكُنْ من الشَّاكِرِينَ، وَبعد ذَلِك نَعود إِلى حَلِّ أَلفاظ المَتْن، قَالَ الْمُؤلف:
( {والشَّيِّآنُ) أَي كَشَيِّعَان (تَقَدَّم) ضبطُه وَمَعْنَاهُ، أَي أَنه واوِيُّ الْعين ويائِيُّها، كَمَا يأْتي للمؤلف فِي المعتَلّ إِيمَاء إِلى أَنه غير مَهْمُوز، قَالَه شيخُنا، ويُنْعَت بِهِ الفَرسُ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بن صُعَيْرٍ:
ومُغِيرَة سَوْمَ الجَرادِ وَزَعْتُها
قَبْلَ الصَّبَاحِ بِشَيِّآن ضَامِرِ
(} وأَشاءَهُ إِليه) لُغة فِي أَجاءَه أَي (أَلْجَأَهُ) ، وَهُوَ لُغة تَميمٍ يقوولن: شَرٌّ مَا {يُشِيئُكَ إِلى مُخَّهِ عُرْقُوب، أَي يُجِيئُك ويُلْجِئُك، قَالَ زُهَيْر بن ذُؤَيْب العَدَوِيُّ:
فَيَالَ تَمِيمٍ صَابِرُوا قَدْ} أُشِئْتُم
إِلَيْهِ وَكُونُوا كالمُحَرِّبَةِ البُسْلِ
( {والمُشَيَّأُ كمُعَظَّم) هُوَ (المُخْتَلِف الخَلْقِ المُخْتَلُهُ) الْقَبِيح، قَالَ الشَّاعِر:
فَطَيِّيءٌ مَا طَيِّيءٌ مَا طَيِّيءُ
} شَيَّأَهُمْ إِذْ خَلَقَ المُشَيِّيءُ
وَمَا نَقله شَيخُنا عَن أُصول الْمُحكم بِالْبَاء الموحَّداة المُشدَدة وتَخفيف اللَّام فتصحِيفٌ ظاهرٌ، وَالصَّحِيح هُوَ مَا ضَبطناه على مَا فِي الأُصول الصَّحِيحَة وَجَدْنَاهُ، وَقَالَ أَبو سعيد: {المُشَيَّأُ مثلُ المُوَبَّنِ، قَالَ الجعديُّ:
زَفِيرَ المُتِمِّ} بِالمُشَيَّإِ طَرَّقَتْ
بِكَاهِلِهِ ممَّا يَرِيمُ المَلاَقِيَا
(ويَا شَيْيءَ كَلِمَةٌ يُتَعَجَّبُ بِهَا) قَالَ:
يَا! - شَيْءَ مَالِي مَنْ يُعَمَّرْ يُفْنِهِ
مَرُّ الزَّمانِ عَلَيْهِ والتَّقْليبُ
ومعناهُ التأَسُّفُ على الشيءِ يفوت
(1/302)

وَقَالَ اللِّحيانيُّ: مَعْنَاهُ: يَا عَجَبي، و (مَا) فِي مَوضِع رفعٍ (تَقولُ: يَا شَيْءَ مَا لِي كَياهَيْءَ مالِي، وسيأْتي) فِي بَال المعتلّ (إِن شاءَ اللَّهُ تَعَالَى) نظرا إِلى أَنَّهما لَا يهمزان، وَلَكِن الَّذِي قَالَ الْكسَائي يَا فَيَّ مَالِي ويَا هَيَّ مالِي، لَا يُهْمَزَانِ، وَيَا شيءَ مَالِي (وَيَا {- شَيَّ مَالِي) يُهْمَز وَلَا يُهمز، فَفِي كَلَام المؤلّف نظرٌ، وإِنما لم يذكر الْمُؤلف ياشَيَّ مَالِي فِي المُعتل لما فِيهِ من الِاخْتِلَاف فِي كَونه يُهمز وَلَا يُهمز، فَلَا يَرِد عَلَيْهِ مَا نَسبه شيخُنا إِلى الغَفْلَة، قَالَ الأَحمر: يافَيْءَ مَالِي، وَيَا شَيْءَ مَالِي، وَيَا هَيْءَ مَالِي مَعْنَاهُ كُلِّه الأَسف والحُزن والتَلُّهف، قَالَ الْكسَائي: و (مَا) فِي كلّها فِي مَوضِع رَفْعٍ، تأْويله يَا عجبا مَالِي، وَمَعْنَاهُ التلُّهف والأَسى، وَقَالَ: وَمن الْعَرَب من يَقُول شَيْءَ وَهِيْءَ وفَيْءَ وَمِنْهُم من يزِيد مَا فَيَقُول يَا شَيْءَ مَا، وَيَا هيءَ مَا وياء فيْءَ مَا، أَي مَا أَحسن هَذَا.
(} وشِئْتهُ) كجيئْته (على الأَمْرِ: حَمَلْتُه) عَلَيْهِ، هَكَذَا فِي النّسخ، وَالَّذِي فِي (لِسَان الْعَرَب) شَيَّأْتُه بِالتَّشْدِيدِ، عَن الأَصمعي (و) قد {شَيَّأَ (اللَّهُ تَعَالَى) خَلْقَه و (وَجْهَهُ) أَي (قَبَّحَه) وَقَالَت امرأَةٌ من الْعَرَب:
إِنِّي لأَهْوَى الأَطْوَلِينَ الغُلْبَا
وَأُبْغِضُ} المُشَيَّئِينَ الزُّغْبَا
( {وتَشَيَّأَ) الرجل إِذا (سَكَن غَضَبُه) ، وَحكى سيبويهِ عَن قولِ الْعَرَب: مَا أَغْفَلَه عَنْك شَيْئًا أَي دَعِ الشكَّ عَنْك، قَالَ ابنُ جِنّي: وَلَا يجوز أَن يكون} شيئَا هُنَا مَنْصُوبًا على الْمصدر حَتَّى كأَنه قَالَ ماءَغفلَهُ عَنْك غُفُولاً
(1/303)

وَنَحْو ذَلِك، لأَن لِعل التعجُّب قد استغنَى بِمَا حصلَ فِيهِ من معنى المُبالغةِ عَن أَن يُؤَكَّد بِالْمَصْدَرِ، قَالَ وأَما قولُهم: هُوَ أَحسنُ مِنْك شَيْئا فإِنه مَنْصُوب على تَقْدِير بِشْيْءٍ، فَلَمَّا حذف حرف الْجَرّ أُوصل إِليه مَا قبله، وَذَلِكَ أَن معنى: هُوَ أَفْعَلُ مِنْهُ، فِي الْمُبَالغَة، كمعنى مَا أَفعَلَه، فَكَمَا لم يَجُزْ مَا أَقْوَمه قِياماً، كَذَلِك لم يَجُزْ هُوَ أَقْوَمُ منهِ قِياماً، كَذَا فِي (لِسَان الْعَرَب) ، وَقد أَغفله المُصنِّف. وحُكِيَ عَن اللَّيْث: الشَّيْءُ: الماءُ، وأَنشد:
تَرَى رَكْبَةُ ِ {- بالشَّيْءِ فِي وَسْطِ قَفْرَةٍ
قَالَ أَبو مَنْصُور: لَا أَعرف الشَّيْءَ بِمَعْنى الماءِ وَلَا أَدري مَا هُوَ (وَلَا أَعرف البيتَ) وَقَالَ أَبو حَاتِم: قَالَ الأَصمعي: إِذا قَالَ لَك الرجُل مَا أَردْتَ؟ قلتَ لَا شَيْئا، وإِن قَالَ (لَك) لم فعَلْتَ ذَلِك؟ قلت: للاَشَيْءٍ، وإِن قَالَ: مَا أَمْرُكَ؟ قلت: لَا شَيْءٌ، يُنَوَّنُ فِيهِنَّ كُلِّهن. وَقد أَغفله شيخُنا كَمَا أَغفله المُؤَلف.

(فصل الصَّاد) الْمُهْملَة مَعَ الْهمزَة)
صأصأ
: (} صَأْصَأَ الجَرْوُ) إِذا (حَرَّكَ عَيْنَيْهِ قَبْلَ التَّفْتِيح) كَذَا فِي النّسخ. وَفِي (لِسَان الْعَرَب) وَغَيره من أُمّهات اللُّغَة قبل التَّفْقِيح، من فَقَّح بِالْفَاءِ وَالْقَاف إِذا فَتَّح عَينيه، قَالَه أَبو عُبيد (أَو) صَأْصَأَ (كَاد) أَن (يَفْتَحَهما) وَلم يَفْتَحْهما، وَفِي (الصِّحَاح) : إِذا التمَسَ النظَرَ قبل أَن تَنْفَتِح عينُه، وَذَلِكَ أَن يُرِيد فَتْحَها قبلَ أَوَانِها، وَكَانَ عُبَيْدُ الله ابْن جَحْشٍ أَسلم وهاجرَ إِلى الحَبشة ثمَّ ارتَدَّ وتنصَّرَ بِالْحَبَشَةِ. فَكَانَ يَمُرُّ بالمُهاجرين فَيَقُول: فَقَّحْنَا وَصَأْصَأْتُم، أَي أَبصَرْنا أَمْرَنا وَلم تُبصِروا أَمْرَكم، وَقيل: أَبصَرْنا وأَنتم تَلتمِسُون البَصرَ. وَقَالَ أَبو عَمْرو: {الصَّأَصَاءُ: تأْخيرُ الجَرْوِ فَتْحَ عَيْنيْهِ.
(و) صَأْصَأَ (مِن فلانِ:) فَرِقَ و (خافَ) واستَرْخَى (وذلَّ لَهُ) ، حَكَاهُ ابنُ الأَعرابيّ عَن العُقَيْلِيّ قَالَ: يُقَال: مَا كَانَ ذَلِك إِلاَّ} صَأْصَأَةً مِنّي، أَي خوفًا، وَذَلِكَ (! كَتَصَأْصَأَ) وتَزَأْزَأَ،
(1/304)

قَالَ أَبو حِزَامٍ غَالبُ بن الْحَارِث العُكْلِيُّ:
{يُصَأْصِىءُ مِنْ ثَأَرِهِ حَابِئاً
ويَلْفَأُ مَنْ كَانَ لَا يَلْفَؤُهْ
(و) صَأْصَأَ (بِهِ: صَوَّت) ، عَن العُقَيْلِيّ، (و) } صَأْصأَت (النَّخْلةُ) {صِئْصَاءً (: شَأْشَأَتْ) أَي لم تَقْبعل اللَّقَاح وَلم يكُنْ لِبُسْرِها نَوى، وَقيل: صَأْصَأَتْ إِذا صارَت شِيصاً (و) صَأْصَأَ الرجلُ (: جَبُنَ) ، كأَنه أَشار إِلى اسْتِعْمَاله بِغَيْر حرف جَرَ.
(} والصِّئْصِىءُ) كزِبْرِجٍ ( {- والصِّئْصِىءُ) كزِنْديق مَهموزاً فيهمَا، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نُسختنا، وَفِي أُخرى الأُولى مَهْمُوزَة وَالثَّانيَِة غير مَهْمُوزَة ووزنهما وَاحِد: مَا تَحَشَّف من التَّمْر فَلم يَعْقِدْ لَهُ نَوًى، وَمَا كَانَ من الحَبِّ لَا لُبَّ لَهُ، كحبِّ البِطِّيخِ والحَنْظَل وغيرِهِ، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى (: الأَصْل) وَقد حكى ابْن دِحْية فِيهِ الضّمّ، كَمَا حكى أَنه لن يُقَال بِالسِّين أَيضاً، قَالَه شيخُنا.
قلت: هَذَا الْمَعْنى مَعَ الِاخْتِلَاف سيأْتي فِي ضَأْضأَ قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ فِي} صِئْصِىءِ صِدْق وضِئْضِيءِ صِدْق بالصَّاد وَالضَّاد، قَالَه شَمِرٌ واللِّحيانيُّ، وَقد رُوِي فِي حَدِيث الْخَوَارِج الْآتِي ذكرُه بالصَّاد الْمُهْملَة ( {والصِّئْصَاءُ) كدَحْدَح، كَذَا هُوَ مضبوط، وَفِي (لِسَان الْعَرَب) : قَالَ الأُمويّ: فِي لُغَة بَلْحارِث بن كَعْبٍ: الصِّيصُ هُوَ (الشِّيصُ) عِنْد النَّاس، وأَنشد:
بِأَعْقَارِها القِرْدَانُ هَزْلَي كَأَنَّها
نَوادِرُ صِئْصَاءِ الهَبِيدِ المُحطَّمِ
قَالَ أَبو عبيد} الصِّئْصَاءُ: قِشْر حبِّ الحَنظلِ (وَاحِدهَا) ! صِئْصاءَة (بهاء)
(1/305)

وَقَالَ أَبو عَمْرو: {الصِّئْصِئَةُ من الرِّعاءِ الحَسنُ القِيَام على مَاله.

صَبأ
: (} صَبَأَ) {يَصْبَأُ} ويَصْبُؤُ (كمَنع وكَرُم {صَبْأً} وصُبُوءًا) بِالضَّمِّ وصبوأ بِالْفَتْح (: خَرَج من دِين إِلى دِينٍ آخَرَ) كمَا تَصْبَأُ النجومُ، أَي تخرج من مَطالعها، قَالَه أَبو عبيدَة، وَفِي (التَّهْذِيب) : صَبَأَ الرجلُ فِي دِينه يَصْبَأُ صُبُوءًا إِذا كَانَ {صابِئاً. وَكَانَت العربُ تُسمِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصابِيءَ لأَنه خرج من دِين قُرَيْش إِلا الإِسلام، ويسمون مَن يَدخُل فِي دين الإِسلام مَصْبُوًّا، لأَنهم كَانُوا (لَا) يهمزون، فأَبدلوا من الْهمزَة واواً، ويسمُّون المُسلمين} الصُّبَاةَ، بِغَيْر همز، كأَنه جمعُ الصَّابِي غير مَهْمُوز، كقاضٍ وقُضَاة وغازٍ وغُزَاة (و) نقل ابْن الأَعرابيّ عَن أَبي زيدٍ صَبَأَ (عَلَيْهِم العَدُوَّ) صَبْأً وصَبَع (دَلَّهم) أَي دلَّ عَلَيْهِم غيرَهم، {وصَبَأَ عَلَيْهِم يَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءًا وأَصْبَأَ كِلَاهُمَا طَلع عَلَيْهِم (و) صَبَأَ (الظِّلْفُ والنَّابُ) وَفِي (لِسَان الْعَرَب) : وَصَبَأَ نابُ الخُفِّ والظِّلْف} صُبُوءًا: طَلَعَ حَدُّه وخَرج، وصَبَأَتْ ثَنِيَّةُ الغلامِ: طَلَعتْ. كَذَا فِي (الصِّحَاح) (و) صَبَأَ (النَّجْمُ) والقَمرُ يَصْبأُ إِذا (طَلَعَ؛ كَأَصْبَأَ) رُباعيًّا، وَفِي (الصِّحَاح) أَي طَلَع الثُّرَيَّا، قَالَ أُثْيَلَةُ العَبْدِيُّ يصف قَحْطاً:
وأَصْبَأَ النَّجْمُ فِي غَبْرَاءَ كَاسِفَةٍ
كَأَنَّهُ يَائِسٌ مُجْتَابُ أَخْلاَقِ
وصَبَأَتِ النُّجُوم إِذا ظَهَرَتْ، وَالَّذِي يَظْهَر من كَلَام المُؤلِّف أَن أَصبأْ رُباعيًّا يسْتَعْمل فِي كلَ مِمَّا ذُكِر، وَلَيْسَ كَذَلِك، فإِنه لَا يُستعمل إِلاَّ فِي النَّجْم وَالْقَمَر، كَمَا عرفت، قَالَه شَيخنَا فِي جُملة الأُمور الَّتِي أَوردها على الْمُؤلف،
(1/306)

وَهُوَ مُسلّم. ثمَّ قَالَ: وَمِنْهَا أَنه أَغفل الْمصدر. قلت: وَبَيَان الْمصدر فِي كلِّ مَحلَ لَيْسَ من شَرْطه، خُصُوصا إِذا لم يكُن وزنا غَرِيباً، وَقد ذُكِر فِي أَوّل الْمَادَّة، فَكَذَلِك مَقِيسٌ عَلَيْهِ مَا بعده. وَقَالَ ابْن الأَعرابيّ: صَبَأَ عَلَيْهِ إِذا خرج عَلَيْهِ ومَالَ عَلَيْهِ بالعَدَاوَةِ، وجَعَلَ قولَه عَلَيْهِ السَّلَام (لَتَعُودُنَّ فِيها أَسَاوِدَ صُبَّا) بِوَزْن فُعْلَى من هَذَا خُفِّف هَمْزُه أَراد أَنهم كالحَيَّات الَّتِي يَمِيل بعضُهم إِلى بعض ( {والصَّابِئُونَ) فِي قَوْله تَعَالَى، الخارجون من دِينٍ إِلى دينٍ. يُقَال: صَبَأَ فُلانٌ يَصْبَأُ إِذا خرجَ من دِينه، وهم أَيضاً قومٌ (يَزْعُمون أَنهم على دِين نُوح عَلَيْهِ السلامُ) بِكَذبِهم، وَفِي (الصِّحَاح) : جِنْسٌ من أَهلِ الْكتاب. (وقَبْلَتُهم مِن مَهَبِّ الشَّمَالِ عِنْد مُنْتَصَفِ النَّهارِ) وَفِي (التَّهْذِيب) : عَن اللَّيْث: هم قومٌ يشبِه دِينُهم دِينَ النَّصارى، إِلا أَن قِبْلَتهم نَحْوَ مَهَبِّ الجَنوبِ، يَزْعمون أَنهم على دِينِ نُوحٍ، وهم كاذبون. قَالَ شَيخنَا: وَفِي (الرَّوْضِ) : أَنهم منْسُبون إِلى} صَابِىء بن لامَك أَخي نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ اسمُ عَلَمٍ أَعجميّ، قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: وَقيل هم عبَدَةُ الْمَلَائِكَة، وَقيل: عَبَدَة الكَوَاكبِ. وَقيل: عَرَبِيٌّ مِنْ صَبَأَ مَهموزاً إِذا خَرج من دِينٍ، أَو مِنْ صَبَا مُعْتَلاً إِذا مَالَ، لِمَيْلِهم من الحقِّ إِلى الْبَاطِل، وَقيل غير ذَلِك، انْتهى. (و) يُقَال (قُدِّمَ) إِليه (طَعَامُه فَما صَبَأَ وَلَا {أَصْبَأَ) أَي (مَا وَضَع أُصْبُعَه فِيهِ) ، عَن ابْن الأَعرابيّ (} وأَصْبَأَهُمْ: هَجَم عَلَيْهِم وَهُوَ لَا يَشْعُر بِمكَانِهم) عَن أَبي زيدِ وأَنشد:
هَوَى عَلَيْهِمْ! مُصْبِئاً مُنْقَضَّا
فَغَادَرَ الجَمْعَ بهِ مُرْفَضَّا
(1/307)

والتركيبُ يدلُّ على خُروجٍ وبُروز.

صتأ
: ( {صَتَأَه كجَمَعَه) مُتعَدِّياً بِنَفسِهِ، قَالَه ابنُ سَيّده (و) } صتَأَ (لَهُ) متعدّياً بِاللَّامِ، قَالَه الجوهريُّ أَي (صَمَدَ لَهُ) عَن ابْن دُرَيْد، قَالَ شَيخنَا: وَهَذِه النسخةُ مكتوبةٌ بالحُمْرة فِي (أُصول الْقَامُوس) ، بِنَاء على أَنها ساقطَةٌ فِي (الصِّحَاح) ، وَمَا رأَيْنَا نُسْخَة من نُسخه إِلاَّ وَهِي ثَابِتَة فِيهَا، وكأَنها سقَطَتْ من نُسخة المُؤلف انْتهى.

صدأ
: ( {الصُّدْأَةُ، بالضمّ) من شِياتِ المَعز وَالْخَيْل وَهِي (شُقْرَةٌ) تَضْرِب (إِلى السَّوادِ) الغالِبِ وَقد (} صَدِىءَ الفَرَسُ) والجَدْي {يصْدَأُ} ويصْدُؤُ (كفَرِح وكَرُمَ) الأَوّل هُوَ الْمَشْهُور وَالْمَعْرُوف، وَالْقِيَاس لَا يَقْتَضِي غيرَه، لأَن أَفعال الأَلوان لَا تكَاد تخرج عَن فَعِلَ كفرح، وَعَلِيهِ اقْتصر الجوهريُّ وابنُ سَيّده وَابْن القُوطِيَّة، وابنُ القطَّاع مَعَ كَثْرَة جمعه للغرائب، وابنُ طَرِيف، وأَما الثَّانِي فَلَيْسَ بِمَعْرُوف سَمَاعا، وَلَا يَقْتَضِيهِ قِياسٌ، قَالَه شَيخنَا.
قلت: وَالَّذِي فِي (لِسَان الْعَرَب) أَن الْفِعْل مِنْهُ على وجْهَينِ صَدِيءَ يَصْدَأُ {وأَصْدَأَ} يُصْدىءُ أَي كفرِح وأَفْعَلَ وَلم يتعّرض لَهُ أَحدٌ، بل غَفل عَنهُ شَيخنَا مَعَ سَعة اطِّلاعه (وَهُوَ) أَي الفرسُ أَو الجَدْيُ (أَصْدَأْ) كأَحمرَ (وَهِي) أَي الأُنثى ( {صَدْآءُ) كحَمراءَ، وصَدِئَة، كَذَا فِي (الْمُحكم) و (لِسَان الْعَرَب) (و) } الصَّدَأُ مَهْمُوز مقصورٌ: الطَّبَعُ والدَّنَس يرْكَبانِ الحديدَ، وَقد صَديءَ (الحَدِيدُ) وَنَحْوه يَصْدَأُ صَدَأً وَهُوَ أَصْدَأُ (: علاَهُ) أَي ركِبه (الطَّبَعُ) بِالتَّحْرِيكِ (و) هُوَ (الوَسَخُ) كالدَّنَس وصَدَأُ الحَديد: وسَخُه، وَفِي الحَدِيث (إِنّ هَذِه القُلُوبَ! تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ)
(1/308)

وَهُوَ أَن يَركَبها الرَّيْنُ بِمُباشرةِ المَعَاصي والآثام، فَيَذْهب بِجَلائههِ كَمَا يَعلُو الصَّدَأُ وَجْهَ المِرآة والسَّيْفِ ونَحْوهِما.
(و) صدِيءَ (الرِجلُ) كفرِحَ، إِذا (انْتَصَبَ فنَظَر) .
(و) يُقَال ( {صَدَأَ المِرْآةَ كَمَنَعَ} وصَدَّأَهَا) {تَصْدِئَةً إِذا (جَلاَها) أَي أَزال عَنْهَا} الصَّدَأَ (لِيَكْتَحِلَ بِهِ) .
(و) يُقَال: (كَتِيبَةٌ {صَدْأَى) وجَأْوَاءُ إِذا (عَلَيْها) وَفِي بعض النّسخ: عِلْيَتُهَا مثل (صَدَأَ الحَدِيدِ) وَفِي بَعْضًا لنسخ: عَلاَها (ورجُلٌ صَدَأُ مُحرَّكةً) إِذا كَانَ (لِطِيف الجِسْمِ) .
وأَما مَا ذُكِر عَن عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه سأَل الأُسْقُفَّ عَن الخُلَفاء، فحدَّثه، حَتَّى انْتهى إِلى نَعْتِ الرَّابع مِنْهُم، فَقَالَ: صَدَأٌ من حَدِيدٍ، ويروى صَدَعٌ مِن حَديد، أَرادَ دَوَامَ لُبْس الحديدِ لاتّصَال الحُروبِ فِي أَيَّام عليَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا مُنِيَ بِهِ من مُقاتَلةِ الخَوارِجِ والبُغاةِ، ومُلاَبَسة الأُمورِ المُشْكِلة والخُطوب المُعْضِلة، وَلذَلِك قَالَ عُمر رَضِي الله عَنهُ: وَاذَفْراهُ تَضَجُّراً من ذَلِك واستفحاشاً. وَرَوَاهُ أَبو عبيدِ غَير مَهْمُوز، كأَنَّ الصَّدأَ لغةٌ فِي الصَّدَع، وَهُوَ اللطيفُ الجِسمِ، أَراد أَن عليًّا خفيفُ الجِسم يَخِفُّ إِلى الحُروب وَلَا يَكْسَلِ لشدَّة بأْسِه وشَجاعته. قَالَ: والصَّدَأُ أَشبهُ بِالْمَعْنَى، لأَن الصدَأَ لَهُ ذَفَرٌ، وَلذَلِك قَالَ عُمَر: وَاذَفْراه، وَهُوَ حِدَّةُ رائحةِ الشيءِ خَبيثاً كَانَ أَوْ طَيِّباً. قَالَ الأَزهريّ: وَالَّذِي ذَهب إِليه شَمِرٌ مَعناه حَسَنٌ: أَراد أَنه يَعْنِي عَلِيًّا حَفِيفٌ يَخِفُّ إِلى الْحَرْب فَلَا يَكسل وَهُوَ حَدِيدٌ لِشِدَّةِ بَأْسِه وشَجَاعته، قَالَ الله عزّ وجَلَّ {وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} (الْحَدِيد: 25) .
(} والصَّدْآءُ كَسلْسَالِ وَيُقَال! الصَّدَّاءُ)
(1/309)

بِالتَّشْدِيدِ (كَكَتَّانٍ: رَكيَّةٌ) قَالَه المُفضَّللا (أَو عَيْنٌ، مَا عِندهم أَعْذَبُ مِنْهَا) أَي من مَائِهَا (وَمِنْه) المَثَل الَّذِي روَاه المُنْذِرِيُّ عَن أَبي الْهَيْثَم (مَاءٌ وَلَا! كَصَدَّاءَ) بِالتَّشْدِيدِ والمَدّ، وَذكر أَن المثَل لِقَذُورَ بنتِ قيسِ بن خالدٍ الشيبانيِّ، وَكَانَت زَوجةَ لقيطِ بنِ زُرارة، فتزوّجها بعدَهُ رجلٌ من قَومهَا، فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: أَنا أَجملُ أَم لقيطٌ؟ فَقَالَت: ماءٌ وَلَا كَصَدَّاء، أَي أَنت جميل وَلست مِثلَه، قَالَ المفضَّل: وفيهَا يَقُول ضِرارُ بنُ عَمْرو السعديُّ:
وَإِنّي وَتَهْيَامِي بِزَيْنَبَ كالَّذِي
يُحَاوِلُ مِنْ أَحْوَاضِ صَدَّاءَ مَشْرَبَا
قلت: ورَوَي المُبرّد فِي (الكامِل) هَذِه الحكايةَ بأَبسطَ من هَذَا.
وأَورد شيخُنا على المؤلّف فِي هَذِه المادةِ أُموراً.
مِنْهَا إِدخال أَل على صَدَّاءَ، وَهُوَ عَلَمٌ.
وَالثَّانِي وَزنه بسَلسال، فإِن وَزنه عِنْد أَهلِ الصرْف فنعال كَمَا قَالَه ابْن القَطَّاع وغيرُه وصَدَّاء وزنُها فَعْلاَء كحَمْراء، على رأْيِ مَن يَجعلُها من المهموز، انْتهى.
قلت: أَما الأَوَّل فظاهرٌ، وَقد تعقّب على الجوهريِّ بِمثلِهِ فِي س ل ع. ونصَّ المبرّدُ على مَنْعِه.
وأَما الثَّانِي فَفِي (لِسَان الْعَرَب) : قَالَ الأَزهريُّ: وَلَا أَدْرِي صَدَّاء فَعَّالاً أَو فَعْلاَء فإِن كَانَ فَعَّالاً فَهُوَ من صَدَأَ يَصدأُ أَو صَدِيءَ يَصْدَأُ، وَقَالَ شَمِر: صدأَ الْهَام يصدأُ إِذا صَاح وإِن كَانَ صَدَّاء فَعْلاَء فَهُوَ من المُضاعَف، كَقَوْلِهِم صَمَّاء من الصَّمم.
قلت: وسيأْتي فِي ص د د مَا يتَعَلَّق بِهَذَا إِن شاءَ الله تَعَالَى.
قَالَ شَيخنَا: وَحكى بعضُهم الضمَّ
(1/310)

فِيهِ أَيضاً، وَفِي شرح الْخمر طَاشِيّة. بعد ذكرِ الْقَوْلَيْنِ: ويُقْصَرُ، اسمُ عَيْنٍ وَقيل: بِئْر، وَرِوَايَة المُبرد كَحْمَرَاء، والأَكثر على التشدِيد.
قلت: وَالَّذِي فِي سِياق عِبارة الْكَامِل التَّخْفِيف عَن الأَصمعي وأَبي عُبَيْدَة، وَكَذَلِكَ سَمِعَا عَن الْعَرَب، وأَنّ مَن ثَقَّل فقد أَخطأَ، ثمَّ قَالَ: وَفِي (شرح أَمالي القالي) : سُمِّيت بِهِ لأَنها تَصُدُّ مَن شَرِب مِنْهَا عَن غَيرهَا، وَفِي (شَرْح نوادِر القالي) : وَمِنْهُم من يَضُمُّ الصادَ، وأَنشد ابْن الأَعرابيّ:
كصَاحِب {صَدَّاءَ الَّذِي لَيْسَ رَائِياً
كَصَدَّاءَ مَاءً ذَاقَهُ الدَّهْرَ شَارِبُ
ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن يزِيد: إِنه لَا يَصِل إِليها إِلا بالمُزاحمة، لفَرْطِ حُسْنِها، كَالَّذي يَردُ هَذَا الماءَ فإِنه يُزَاحم عَلَيْهِ لِفَرْطِ عُذُوبَته، انْتهى.
(و) يُقَال (هُوَ صَاغِرٌ صَدِيءٌ) إِذا (لَزِمه العارُ واللَّوْمُ) وَيُقَال: يدِي من الْحَدِيد صَدِئَة أَي سَهِكَة (و) } صُدَاء (كَغُرابٍ: حيٌّ باليَمنِ) هُوَ صُدَاءُ بن حَرْب بن عُلَة بن جَلْد ابْن مَالك بن جَسْر من مَذْج (مِنْهُم زِيَادُ بنُ الْحَارِث) وَيُقَال: حَارِثَة، قَالَ البُخاري: والأَوَّلُ أَصحُّ، لَهُ وفادة وصُحبة وحَديثٌ طَويل أَخرجه أَحمد وَهُوَ (من أَذَّنَ فَهُو يُقِيمُ) ( {- الصُّدَائِيُّ) هَكَذَا فِي النّسخ، وَفِي (لِسَان الْعَرَب) والنّسبة إِليه} - صُدَاوِيُّ بِمَنْزِلَة الرُّهَاوِيّ، قَالَ: وَهَذِه المَدَّاة وإِن كَانَت فِي الأَصل ياءًا أَو واواً فإِنما تُجْعَل فِي النِّسبة واواً، كراهِيَةَ التقاءِ الياءَات، أَلاَ تَرَى أَنك تَقول رَحى ورَحَيانِ، فقد علمت أَن أَلف رَحى ياءٌ، وَقَالُوا فِي النِّسْبَة إِليها رَحَويٌّ لتِلْك العِلّة.
(و) فِي (نوادِر أَبي مِسْحَل) يُقَال (: تَصدَّأَ لَهُ) وتَصَدَّع لَهُ و (تَصَدَّى) لَهُ مُعتَلاً بِمَعْنى تَعَرَّض لَهُ، وأَصله الأَعلال، وإِنما هَمزوه فَصاحةً كرَثَأَتِ المرأَةُ زَوْجَها وَغير ذَلِك على قَول الفرَّاء.
(وجَدْيٌ أَصْدَأُ) وفرَسٌ أَصْدَأُ بَيِّنُ
(1/311)

الصَّدَإِ إِذا كَانَ (أَسودَ) وَهُوَ (مُشْرَبٌ بِحُمْرَة) وَقد صَدِيءَ وعَنَاقٌ {صَدْآءُ، وَيُقَال: كُمَيْتٌ أَصْدَأُ إِذا عَلَتْه كُدْرَةٌ. وَعَن الأَصمعيّ فِي بَاب أَلوان الإِبل: إِذا خالطَ كُمْتَةَ البعيرِ مِثلُ} صَدَإٍ الحَدِيدِ فَهِيَ الحُوَّةُ، وَعَن شَمِرٍ: {الصَّدْآءُ على فَعْلاَءَ: الأَرضُ الَّتِي تَرى حَجَرَها أَصْدَأَ أَحْمَرَ تَضْرِب إِلى السَّواد، لَا تَكُون إِلا غَليظةً، وَلَا تكون مُستوِيةً بالأَرض، وَمَا تَحت حِجارةٍ الصَّدْآءِ أَرضٌ غليظةٌ، وربّما كَانَت طِيناً وحجارةً، كَذَا فِي (لِسَان الْعَرَب) .

صرأ
: (} صَرَأَ) كَمَنَع (أَهْمَلُوه) لكب لَا تَصريف لَهُ وَلَا معنى مستقلٌّ، فَلَا يحْتَاج إِلى إِفراده بمادّة (وَقَالَ الْأَخْفَش عَن الْخَلِيل: وَمن غَرِيب مَا أَبْدَلوه قَالُوا فِي صَرَحَ صَرَأَ) وَمنع بعضٌ أَن يكون كمَنَع، لكَونه لَا تَصريف لهَذِهِ المادَّة، وإِنما بعضُ الْعَرَب نَطق بالماضي مَفتوحاً، قَالَ شَيخنَا: وَقَالَ بعض أَئمة الصّرْف: إِن حُروف الحَلْقِ يَنُوب بعضُها بَعْضًا، وعدُّوا صرأَ فِي صَرَح انْتهى.

صمأ
: ( {صمأَ عَلَيْهِم كمنَعَ) إِذا (طَلَعَ، و) يُقَال: (مَا} صَمَأَكَ عَليَّ) وَمَا {صمَاكَ، يهمز وَلَا يهمز أَي (مَا حَمَلَكَ،} وَصَمَأْتُه {فَانْصَمَأَ) قَالُوا: وكأَنَّ الْمِيم بدلٌ من الْبَاء، كلازِب ولازِم.

صوأ
: (} الصَّاءَةُ {والصَّاءُ) } والصيأ (الماءُ) الَّذِي (يَكون فِي السَّلَي أَوْ) هُوَ الماءُ الَّذِي يكون (عَلَى رأْسِ الوَلَدِ) عَن الأَصمعي (كالصَّآةِ كَقَنَاةٍ، أَو هَذِه) أَي الأَخيرة (تَصْحِيفٌ) نشأَ (من أَبي عُبَيدَة) بن المُثَنَّى اللغويِّ، كَذَا فِي النّسخ، وَفِي (الْمُحكم) و (لِسَان الْعَرَب) : أَبي عبيد، من غير هَاء، فليُعْلَم، قَالَ صَآة، فصحَّف، ثمَّ (رُدَّ) ذَلِك
(1/312)

(عَلَيْهِ) وَقيل لَهُ إِنما صَاءَة (فَقَبِلَهُ) أَبو عُبَيْدَة وَقَالَ الصَّاءَة على مِثال السَّاعَة لِئَلَّا ينساه بعد ذَلِك، كَذَا فِي (الْمُحكم) وَغَيره وَذكر الجوهريُّ هَذِه التَّرْجَمَة فِي ص وأَ، وَقَالَ الصاءَة على مِثَال السَّاعَة: مَا يَخرج من رَحِم الشَّاة بعد الوِلادة من القَذَى. وَقَالَ فِي مَوضِع آخرَ: مَاء ثخين يخرج مَعَ الْوَلَد يُقَال: أَلقت الشاةُ صَاءَتَها ( {وَصَيَّأَ رَأْسَه) } تَصيِيئاً (: بَلَّه قَليلاً) فَثَوَّر وسَخَه (أَو غَسَلَه فَلم يُنْقِهِ) وَبَقِيَتْ آثارُ الوَسَخِ فِيهِ (والاسمُ {الصِّيئَةُ، بِالْكَسْرِ، و) صَيَّأَ (النخْلُ) إِذا (ظَهَرتْ أَلْوَانُ بُسْرِه) عَن أَبي حنيفَة الدينَوَرِي.

صيأ
: (} الصَّيْأَةُ {والصِّيَاءَةُ كَكِتَابةٍ) هُوَ (} الصَّاءَةُ) اسمٌ (لِلْقَذَى يَخْرُجُ عَقِبَ الوِلادَةِ) من رحم الشَّاة، أَفردها المُصَنِّف بالترجمة، وكتبها بالحُمرة، كأَنها من زِيَادَته على الجوهريِّ، وَهُوَ غيرُ صحيحٍ، قَالَ ابْن بَرِّيّ فِي (حَواشي الصِّحاح) إِن صوا مُهمَلٌ لَا وُجود لَهَا فِي كَلَام الْعَرَب، وَاعْترض على الجوهريّ لما جعل الصيأَة مادّة مستقلّة، وَقَالَ: المادّة وَاحِدَة، إِنما الصِّيأَة مَكْسُورَة، والصَّاءَة كالساعة، وَكَذَلِكَ فِي (التَّهْذِيب) و (الجمهرة) ، قَالَه شيخُنا.
{وصاءَت العقربُ قَصِيُ إِذا صاحَتْ. قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ مقلوبٌ من صَأَى يَصْئِي مثل رَمى يَرْمِي، وَمِنْه حديثُ عليَ رَضِي الله عَنهُ: أَنت مثلُ العَقْرب تَلْدَغ} - وَتَصِيءُ. الْوَاو للْحَال، أَي تَلدغ وَهِي صائحةٌ، وَسَيذكر فِي المعتلّ.

(فصل الضَّاد) الْمُعْجَمَة مَعَ الْهمزَة)
ضأضأ
: ( {الضِّئْضِىءُ كجِرْجِرٍ و) } - الضِّئضيءُ (كجِرْجِيرٍ {والضُّؤْضُؤُ كهُدْهُدٍ وسُرْسُورٍ) } وضِيضَأَ كضِفْدَع، قَالَه ابنُ سَيّده، وَهُوَ من الأَوزان النادرة: (الأَصْلُ والمَعْدِنُ) قَالَ الكُميت:
(1/313)

وَجَدْتُكِ فِي الضِّنْءِ مِنْ {ضِئْضِىءٍ
أَحَلَّ الأَولُ مِنْهُ الصِّغَارَا
وَفِي خطْبَة أَبي طالبٍ: الْحَمد لله الَّذِي جَعَلنا من ذُرِّيَّة إِبراهيم وزُرْعِ إِسماعيل،} وضِئْضِىءِ مَعَدّ، وعُنْصُر مُضَر، أَي من أَصْلِهم، وَفِي الحَدِيث أَن رجُلاً أَتى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلموهو يَقسِم الغنائمَ فَقَالَ لَهُ: اعْدِلْ فإِنك لم تَعْدِلْ، فَقَالَ: (يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءِ هَذَا قَوْمٌ يَقرؤون القُرْآنَ لَا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ من الدِّين كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ) الضِّئْضِيءُ: الأَصلُ. وَقَالَ الكُميت:
بِأَصلِ الضِّنْوِ ضِئضِئه الأَصِيل
وَقَالَ ابْن السّكّيت مثله، وأَنشد:
أَنَا مِنْ ضِئْضِيءِ صِدْقٍ
بَخْ وَفِي أَكْرَمِ جِذْلِ
وَمعنى قَوْله: يَخرج من ضِئْضِيءِ هَذَا، أَي أَصله ونَسْله، تَقول: ضِئْضِيءُ صِدْقٍ {وضُؤْضُؤُ صِدْق، يُرِيد أَنه يحرج من عَقبِه، وَرَوَاهُ بعضُهم بالصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقد تقدّمت الإِشارة إِليه، وَفِي حَدِيث عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَعْطَيْتُ نَاقَة فِي سَبِيل الله، فأَردْت أَن أَشتَرِيَ من نَسْلِهَا، أَو قَالَ: من} ضِئْضِئِهَا، فسأَلتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (دَعْهَا حَتَّى تَجِيءَ يوْمَ القِيَامَةِ هِي وأَولادُها فِي ميزَنِك (أَو) الضِّئْضِيءُ، بِالْكَسْرِ، هُوَ (كَثْرَةُ النَّسحلِ وَبَرَكَتُهُ) وضِئْضِيءُ الضَّأْنِ من هَذَا.
(و) {الضُّؤْضُؤُ (كهُدْهُدٍ) هَذَا الطائرُ الَّذِي يُسمَّى (الأَخْيَلُ (للطَّائر)) قَالَ ابنُ سِيده، وتوقَّف فِيهِ ابنُ دُرَيْد فَقَالَ: وَمَا أَدْرِي مَا صِحَّتُه، كَذَا فِي (حَيَاة الْحَيَوَان) .
(و) قَالَ أَبو عَمْرو: (} الضَّأَضَاءُ! والضَّوْضَاءُ: أَصْوَاتُ النَّاسِ) عَلَيْهِ اقْتصر أَبو عَمْرو، وخَصَّه بعضُهم (فِي الحَرْبِ) ، فَفِي الأَساس: الضَّأْضَاءُ:
(1/314)

ضَجَّةُ الحَرْب (ورَجُلٌ مُضَوْضٍ) كَانَ أَصلُه {مُضَوْضِىء بِالْهَمْز (: مُصَوِّتٌ) وَيضم فِي الثَّانِي وَيقصر فيهمَا أَيضاً.

ضبأ
: (} ضَبَأَ) فلَان (كجَمَعَ) {يَضْبَأُ (ضَبْأً) بِالْفَتْح (} وضُبُوءًا) كقُعود، وضَبَأَ فِي الأَرض وَهُوَ ( {- ضَبِيءٌ) لَطِيءٌ (كَكريمٍ) إِذا (لَصِقَ بالأَرْضِ) أَو بشجرة (و) ضَبَأَ بِهِ الأَرض إِذا (أَلْصَقَ) أَياه بهَا، فَهُوَ} مَضْبُوءٌ بِهِ، عَن الأَصمعيّ (و) عَن أَبي زيدٍ: ضَبَأَ: (اخْتَبَأَ) ، اختفى (واستَتَرَ) بالخَمَر (لِيَخْتِلَ) الصَّيْدَ، وَمِنْه سُمِّي الرجلُ {ضابِئاً، وسيأْتي.} والمَضْبَأُ: الْموضع الَّذِي يَكون فِيهِ، يُقَال للنَّاس: هَذَا {مَضْبَؤُكُمْ، وَجمعه} مضَابيءُ.
(و) ضَبَأَ: (طَرَأَ وأَشْرَفَ) لينظُرَ (و) ضَبَأَ إِليه (: لَجَأَ) وضَبَأَ: استخفى، (وَمِنْه: اسْتَحْيَا) {كاضْطَبَأَ.
(} وأَضْبأَ) مَا فِي نَفسه إِذا (كَتَمَ، و) {أَضْبَأَ (عَلَى الشَّيْء) } إِضباءً: (سَكَتَ) عَلَيْهِ وكَتَمه، فَهُوَ {مُضبىءٌ عَلَيْهِ (و) يُقَال أَضْبَأَ فُلانٌ (على الدَّاهِيَة) مثل (أَضَبَّ) .} وأَضْبَأَ على مَا فِي يَدَيْهِ: أَمْسَكَ، وَعَن اللحيانيّ: أَضْبَأَ مَا فِي يَدَيْهِ {وأَضْبَى وأَضَبَّ إِذا أَمسكَ.
(} وضابِىءٌ: وَاد يَدْفَعُ) من الحَرَّةِ (فِي دِيارِ بني ذُبْيَانَ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْر مَعًا، وَفِي (المعجم) : موضِعٌ تِلْقَاءَ ذِي ضالٍ من بِلَاد عُذْرَةَ، قَالَ كَثِيرُ بن مُزَرِّد بن ضِرار:
عَرَفْتُ مِنْ زَيْنَبَ رَسْمَ أَصْلاَلْ
بِغَيْقَةٍ! فَضَابِىءٍ فَذِي ضَالِ
(1/315)

(و) ضابيءُ (بن الْحَارِث البُرْجُمِيُّ) ثمَّ اليَرْبُوعِيّ (الشاعِرُ) من بني تَمِيمٍ، من شعره:
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَديِنَةِ رَحْلُهُ
فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
وَقَالَ الْحَرْبِيّ: الضَّابِيءُ: المُخْتَبِيءُ الصَّيَّادُ، قَالَ الشَّاعِر:
إِلاَّ كُمَيْتاً كَالقَنَاةِ وَضَابِئاً
بِالفَرْجِ بَيْنَ لَبَانِهِ وَيَدَيْهِ
يَصِف الصَّيَّادَ، أَي ضَبَأَ فِي فَرْجِ مَا بَيْنَ يَدَيْ فَرَسِه لِيَخْتِلَ بِهِ الوَحْشَ، وَكَذَلِكَ الناقةُ وَمِنْه شُمِّيَ الرجلُ، أَو هُوَ من ضَبَأَ إِذَا لَصِقَ بالأَرض، كَمَا أَشار إِليه الجوهريّ، (و) الضَّابِيءُ: (الرَّمَادُ) للُصُوقه بالأَرض.
( {واضْطَبَأَ: اخْتَفَى) وَعَلِيهِ فَسّر قولَ أَبي حِزامٍ العُكْلِيِّ:
تَزَاءُلَ} مُضْطَبِىءٍ آرِمٍ
إِذَا ائْتَبَّهُ الأَدُّ لَا تَفْطَؤُهْ
من رَوَاهُ بِالْبَاء. ( {وَضَبَّاءٌ كَكَتَّان ع) وَمثله فِي (الْعباب) . (و) قَالَ ابْن السّكيت: (} المُضَابِئَةُ) بِالضَّمِّ، وَفِي (الْعباب) : {المُضَابِىءُ (} والضَّابِئَةُ) أَيضاً (: الغِرَارَةُ) بِالْكَسْرِ (المُثْقَلَةُ) بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا مَعًا تُضْبِء، أَي (تُخْفى مَنْ يَحْمِلُهَا) تحتهَا، وروى الْمُنْذِرِيّ بإِسناده عَن ابْن السّكيت أَن أَبا حزامٍ العُكليَّ أَنشده:
فَهَاؤُوا {مُضابِئَةً لَمْ يَؤُلَّ
بَادِئُها البَدْءَ إِذْ يَبْدَؤُهْ
هَاؤُوا، أَي هاتُوا، وَلم يَؤُلَّ: لم يَضْعُف، بادِئُها: قَائِلُها، وعني} بِالمُضَابِئَة هَذِه القصيدةَ المبتورة. وَفِي (الْعباب) : المُغَيَّرَة.
{وضَبَأَتِ المرأَةُ إِذا كثُر ولَدُها، قَالَ أَبو مَنْصُور: هَذَا تصحيفٌ، والصوابُ ضَنَأَت، بالنُّون.
وَقَالَ اللَّيْث:} الأَضباءُ: وَعْوَعَةُ جَرْوِ الكَلْبِ
(1/316)

إِذا وَحْوَحَ. قَالَ أَبو مَنْصُور: هَذَا تصحيفٌ وخَطأُ، وَصَوَابه الأَصْيَاءُ، بالصَّاد، من صأَى يَصْأَي وَهُوَ الصَّئِيُّ.

ضدأ
: ( {ضَدِىءَ كَفرِحَ) } يَضْدَأُ {ضَدَأً إِذا (غَضِبَ) وزنا وَمعنى.

ضرأ
: (} ضَرَأَ كجَمَعَ) {يَضْرَأُ} ضَرْأً (: خَفِيَ) عَن أَبي عَمْرو.
( {وانْضَرَأَتِ الإِبلُ: مَوَّتَتْ) بِالتَّشْدِيدِ. أَي أَضناها المَوَتَانُ.
(: و) } انضرأَ (النخلُ) : مَاتَ (والشجرُ: يَبِسَتْ) كَذَا فِي (العُباب) .

ضنأ
: ( {ضَنَأَت المَرأَةُ كسَمِع وجَمَعَ} ضَنْأً {وضُنُوءًا) كقُعود: (كَثُرَ أَولادُها) : وَفِي نُسْخَة وَلَدُها. (} كَأَضْنَأَتْ) رُباعيًّا، وَقيل ضَنَأَتْ {تَضْنَأُ إِذا وَلَدَت، وَقَالَ شَيخنَا: قَوْله: كسمع، غيرُ معروفٍ.
قلت: وَالَّذِي فِي الأُمهات والأُصول أَن ضَنَأَت المرأَةُ تَضْنَأُ بِالْفَتْح فَقَط، وأَما} ضَنِىءَ المالُ إِذا كثُر، فإِنه رُوِي بِالْفَتْح وَالْكَسْر، (وَهِي) أَي الأُنثى ( {ضانِىءٌ} وضَانِئَةٌ) ، عَن الكسائيّ: امرأَةٌ {ضانِئَةٌ ومَاشِيةٌ، مَعْنَاهُمَا أَن يَكثُر ولَدُهما (و) } ضَنَأَ (المالُ: كَثُرَ) وَكَذَا الْمَاشِيَة من بَاب مَنَعَ وَسَمِع، كَذَا فِي (العُباب) .
( {والضَّنْءُ) بِالْفَتْح (: كَثْرَةُ النَّسْلِ) } وضَنْءُ كلِّ شَيْء: نَسْلُه، (و) قَالَ الأُمويُّ: {الضَّنءْ بِالْفَتْح (: الوَلَدُ، ويُكْسَر) قَالَ أَبو عَمْرو: تُفتح ضادُه وتكُسْر (لَا واحِدَ لَهُ) إِنما هُوَ (كَنَفَرٍ) ورَهْطٍ، كَذَا فِي (المُحكم) (ج} ضُنُوءٌ) بِالضَّمِّ.
(و) {الضِّنءُ بِالْكَسْرِ (: الأَصْلُ والمَعْدنُ) ، وَفِي حَدِيث قُتَيْلَةَ بنت النَّضْر بن الْحَارِث أَو أُخته:
أَمُحَمَّدٌ وَلأَنْتَ} ضِنْءُ نَجِيبَةٍ
مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
قَالَ ابْن مَنْظُور: الضِّنْءُ بِالْكَسْرِ: الأَصل، وَيُقَال: فُلانٌ فِي ضِنْءِ
(1/317)

صِدْقٍ وضِنْءِ سَوْءٍ، وأَنشد عِنْد استشهاده فِي الضِّيْءِ بِمَعْنى الْوَلَد. وَقَالَ الْكُمَيْت:
وجَدْتُك فِي الضِّنْءِ مِنْ ضِئْضِيءٍ
أَحَلَّ الأَكابِرُ مِنْهُ الصِّغارَا
( {وَضَنَأَ فِي الأَرضِ) ضَنْأً وضُنُوءًا: (ذَهب واخْتَبَأَ) كَضَبَأَ بِالْبَاء، كَمَا تقدم.
(و) يُقَال: فلَان (قَعَدَ مَقْعَدَ} ضُنَاءَةٍ) بالمدّ ( {وضُنْأَةٍ بِضَمِّهما) أَي مَقْعَد (ضَرُورَةٍ) وَمَعْنَاهُ الأَنَفَة، قَالَ أَبو مَنْصُور: أَظن ذَلِك من قَوْلهم} اضْطنأْت أَي استَحْييتُ (و) عَن أَبي الْهَيْثَم: يُقَال ( {اضْطَنَأَ لَهُ وَمِنْه) إِذا (اسْتَحْيَا وانْقَبَضَ) ، وروى الأُمويُّ عَن أَبي عُبيد البَاءَ، وَقد تقدّم، قَالَ الطّرمَّاح:
إِذَا ذُكِرَتْ مَسْعَاةُ وَالِدِهِ} اضْطَنَا
وَلاَ {يَضْطَنِي مِنْ شَتْمِ أَهْلِ الفَضَائِلِ
وَهَذَا الْبَيْت فِي (التَّهْذِيب) :
وَمَا} يُضْطَنَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الفَضَائِلِ
أَراد الشَّاعِر {اضطنأَ بِالْهَمْزَةِ، فأَبدل، وَقيل: هُوَ من الضَّنَى الَّذِي هُوَ الْمَرَض، كأَنه يَمْرَضُ مِن سَمَاعِه مَثالِبَ أَبيِه، وَفِي (الْعباب) : واضْطَنَأْتُ: استَحْيَيْتُ، وَعَلِيهِ فَسَّر البيتَ المذكورَ لأَبي حِزامٍ مَن رَوَاهُ} مُضْطَنِىءٌ بالنُّون ( {وأَضْنَئُوا: كَثُرَتْ ماشيتُهم) قَالَ الصَّاغَانِي: وَفِي بعض النّسخ مَوَاشِيهم.
والتركيب يدلّ إِمَّا على أَصلٍ وإِما على نَتاجٍ، وَقد شَذَّ مِنْهُ اضطنأَ، أَي استحْيَا.

ضوأ
: (} الضَّوْءُ) هُوَ (النُّورُ، ويُضَمُّ) وهما مُتَرَادِفَانِ عِنْد أَئمة اللُّغَة، وَقيل: الضَّوْء: أَقوى من النُّور، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، ولذَا شَبَّه اللَّهُ هُدَاه بِالنورِ دون الضَّوْءِ وإِلا لما ضَلَّ أَحدٌ، وَتَبعهُ الطّيبي، واستدلَّ بقوله تَعَالَى: {جَعَلَ الشَّمْسَ
(1/318)

ضِيَآء وَالْقَمَرَ نُوراً} (يُونُس: 5) وأَنكره صاحبُ الفَلَك الدائر، وسوَّى بَينهمَا ابنُ السّكيت، وحقَّق فِي الكَشف أَن الضوءَ فَرْعُ النُّور، وَهُوَ الشُّعاع المُنتشِر، وَجزم القَاضِي زكريّا بترادُفِهِما لُغَة بِحَسب الوَضْعِ، وأَن الضوءَ أَبلَغُ بِحَسب الِاسْتِعْمَال، وَقيل: الضوءُ لِمَا بِالذَّاتِ كَالشَّمْسِ وَالنَّار، والنور لما بالعَرَض والاكتساب من الغَيْر، هَذَا حاصلُ مَا قَالَه شيخُنا رَحمَه الله تَعَالَى، وَجمعه {أَضْواء (} كالضِّوَاءِ {والضِّياءِ بكَسرهما) لَكِن فِي نُسْخَة (لِسَان الْعَرَب) ضبط الأَول بِالْفَتْح وَالثَّانِي بِالْكَسْرِ وَفِي (التَّهْذِيب) عَن اللَّيْث: الضَّوْءُ والضِّياءُ مَا أَضاءَ لَك.
وَنقل شيخُنا عَن (الْمُحكم) أَن الضِّياءَ يكون جمعا أَيضاً. قلت: هُوَ قَول الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: {كُلَّمَآ أَضَآء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} (الْبَقَرَة: 20) وَقد (} ضَاءَ) الشيءُ {يَضُوءُ (} ضَوْأً) بِالْفَتْح ( {وضُوءًا) بالضَم،} وضَاءَت النارُ، ( {وأَضاءَ) } - يُضِيءُ، وَهَذِه اللُّغَة المختارة وَفِي شعر الْعَبَّاس:
وأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الأَ
رْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
يُقَال: ضاءَت {وأَضاءَت بِمَعْنى، أَي استنارَتْ وصارَتْ} مُضِيئَةً ( {وأَضَأْتُه) أَنا، لَازم، ومتعدَ، قَالَ النابغةُ الْجَعْدِي رَضِي الله عَنهُ:
أَضَاءَتْ لَنَا النَّارُ وجْهاً أَغَرَّ
مُلْتَبِساً بِالْفُؤَادِ الْتِبَاسَا
قَالَ أَبو عُبيد: أَضاءَتْ النارُ} وأَضاءَها غيرُها، وأَضاءَها لَهُ، وأَضاءَ بِهِ البيتُ، وَقَوله تَعَالَى: {يَكَادُ زَيْتُهَا {- يُضِيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} (النُّور: 35) قَالَ ابنُ عَرَفة: هَذَا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ تَعَالَى لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: يكَاد مَنْظَرُه يَدُلُّ على نُبُوَّته وإِن لَمح يَتْلُ قُرْآناً (} وضَوَّأْتُه) وضَوَّأْتُه بِه وضَوَّأَتُ عَنهُ (! واسْتَضَأْتُ بِهِ) وَفِي الأَساس: ضَاعَ لأَعرابيَ شاةٌ فَقَالَ اللهمّ
(1/319)

{ضَوِّىءْ عَنهُ.
(و) قَالَ اللَّيْث: (} ضَوَّأَ عَن الأَمْرِ {تَضْوِئَةً: حادَ) قَالَ أَبو مَنْصُور: لم أَسمعه لغيره.
(و) عَن أَبي زيد: (} تَضَوَّأَ) إِذا (قَامَ فِي ظُلْمَةٍ لِيَرَى) ، وَفِي غير (الْقَامُوس) : حَيْثُ يَرَى ( {بِضَوْءِ النارِ أَهْلَها) وَلَا يَرْوَنْه، قيل: علِقَ رجلٌ من الْعَرَب امرأَةً، فإِذا كَانَ اللَّيْل اجتنح إِلى حَيْثُ يَرى ضَوْءَ نارِهَا} فَتَضَوَّءَهَا، فَقيل لَهَا: إِن فلَانا {يَتَضَوَّؤُكِ، لكيما تَحْذَره فَلَا تُرِيه إِلاَّ حَسَناً، فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك حَسَرتْ عَن يَديها إِلى مَنْكِبَيْها، ثمَّ ضَرَبتْ بِكَفِّها الأُخرَى إِبْطَها وَقَالَت: يَا} مُئَضَوِّئَاهْ، هَذَا فِي اسْتِك إِلى الإِبْطَاهْ. فَلَمَّا رأَى ذَلِك رَفَضها. يُقَال ذَلِك عِنْد تَعيير مَن لَا يُبالِي مَا ظَهر مِنْهُ مِن قَبيح. (وأَضاءَ بِبَوْلِه: حَذَف) بِهِ، حَكَاهُ كُراع، وَفِي الأَساس: أَذْرَعَ بِهِ، وَهُوَ مجَاز.
(وضَوْءُ بنُ سَلَمَةَ) اليشكُرِيّ، ذكره سَيْفٌ فِي الفُتوح، لَهُ إِدراكٌ (و) ضَوءُ (بنُ اللَّجْلاَجِ) الشيبانيُّ (شاعران) وَمن شعر اليشكُرِيّ:
إِنَّ دِينِي دِينُ النَّبِيِّ وَفِي القَوْ
مِ رِجَالٌ عَلَى الهُدَى أَمْثَالِي
أَهْلَكَ القَوْمَ مُحْكَمُ بنُ طُفَيْلٍ
وَرِجَالٌ لَيْسُوا لَنَا بِرجَال
كَذَا فِي (الإِصابة) ، وأَبو عبد الله ضِياء بن أَحمد بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الخيّاط، هَرَوِيُّ الأَصلِ، سكن بَغْدَاد وحدَّث بهَا، مَاتَ سنة 457 كَذَا فِي (تَارِيخ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ) .
(و) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ) وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَواتِمِكُمْ عَرَبِيًّا (مَنْعٌ
(1/320)

مِن استشارَتِهِمْ فِي الأُمورِ) وَعدم الأَخذ من آرائهم، جعل الضَّوْءَ مَثَلاً للرأْيِ عِنْد الحَيْرَةِ، وَنقل شيخُنا عَن الْفَائِق: ضَرَب الاستضاءَةَ مَثلاً لاستشارتهم فِي الأُمورِ واستطلاعِ آرائهم. لأَن من التبسَ عَلَيْهِ أَمرُه كَانَ فِي ظُلْمة.
قلت: وَمثله فِي (العُباب) ، وجاءَ فِي حَدِيث عليَ رَضِي الله عَنهُ: لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ العِلْمِ وَلم يَرْجِعُوا إِلى رُكْنٍ وثيق.
(و) الإِمام (المُسْتَضِيءُ بِنُورِ اللَّهِ) وَفِي (الْعباب) : بأَمر الله أَبو مُحَمَّد (الحَسَنُ بنُ يُوسُفَ) بن مُحَمَّد بن (الحَسَنُ بنُ يُوسُفَ) بن مُحَمَّد بن أَحمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أَحمد بن إِسحاق بن جَعْفَر بن أَحمد ابْن طَلْحة بن مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد العباسي، الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ من الخُلفاء خِلَافَته تسع سِنِين، مَاتَ سنة 575 وَمن وَلَده الأَمير أَبو مَنْصُور هَاشم.

ضهأ
: ( {ضُهَاءٌ كغُرَابٍ ع) وَقيل بلد فِي أَرضِ هُذَيل (دُفِنَ بِهِ ابنٌ لِسَاعِدَةَ بنِ جُؤَيَّةَ) الهُذَلِيّ، ذكره الْحَافِظ ابْن حجرٍ فِي القِسم الثَّالِث من المُخضْرَمين (فَقِيلَ لَهُ) أَي للْوَلَد (ذُو ضُهَاءِ) وَفِيه يَقُول:
لَعَمْرُكَ مَا إِنْ ذُو ضُهَاءٍ بِهَيِّنٍ
عَلَيَّ وَمَا أَعْطَيْتُه سَيْبَ نَائِل
أَي لم أَتوجَّعْ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ أَهْلُه، وَلم أَفعَلْ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَيَّ.
(} والضَّهْيَأُ كَعَسْجَد) فَعْلَل وَقيل فَعْيْل، وَهُوَ مفقودٌ لَا وُجُودَ لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب، وضَهْيَد، مَصْنُوعٌ، ومَرْيَم أَعجميٌّ، وَقيل: لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعْيَل إِلا هَذَا، وَهُوَ اسْم (شَجَرَة كالسَّيَال) ذَات شَوْكِ ضَعِيف، ومَنْبِتُهَا الأَودِيَة والجِبالُ، قَالَه أَبو زيدٍ، وَقَالَ الدِّينَورِيّ: أَخبرني بعضُ أَعرابِ الأَزْدِ أَن! الضَّهْيَأَ شجرةٌ من الغَضَا عَظِيمَة، لَهَا بَرَمَةٌ وعُلَّفٌ، وَهِي كثيرةُ الشَّوْكِ وعُلَّفُها أَحمرُ شديدُ الحُمْرَةِ، وورقها مثلُ وَرَق
(1/321)

السَّمُرِ (والمَرْأَةُ) الَّتِي (لَا تَحِيضُ) ذكره الجوهريُّ فِي المعتلّ، قَالَ: وقلَّ فِيهِ الْهَمْز (وَالَّتِي لَا لَبَن لَها وَلَا) نَبَتَ لَهَا (ثَدْيءٌ، {كالضَّهْيَأَةِ) نقل شَيخنَا عَن شرح السيرافي على كتاب سِيبَوَيْهٍ: ضَهْيَا بِالْقصرِ والمدّ: المرأَة الَّتِي لم يَنحبُتْ ثَدْيُها، وَالَّتِي لم تَحِضْ، والأَرضُ الَّتِي لم تُنْبِت، اسمٌ وصِفة، انْتهى. قلت: لأَنها} ضَاهَأَت الرِّجَال (وَهِي) أَي الضهْيَأَةُ (: الفَلاَةُ) الَّتِي (لامَاءَ بهَا) أَو الَّتِي لَا تُنْبِت، وكأَنَّها لِعَدَم مَائِهَا.
(و) {الضَّهْيَأَتَانِ (: شِعْبَانِ يَجِيئَانِ من السَّرَاةِ) قُبالَة عُشَرَ وَهُوَ شِعْبٌ لهُذَيل (} وضَهْيَأَ أَمْرَه) كَرَهْيَأَ: (مَرَّضَه) بِالتَّشْدِيدِ (ولَمْ يُحْكِمْه) من الإِحكام وَهُوَ الإِتقان، وَفِي (الْعباب) : وَلم يَصْرِمْه، أَي لم يَقْطَعْه.
( {والمُضَاهَأَةُ) بِالْهَمْز هُوَ (} المُضَاهَاةُ) والمُشَاكَلَةُ (و) بِمَعْنى (الرِّفْق) يُقَال: {ضَاهأَ الرجلَ، إِذا رَفَقَ بِهِ. رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ. وَقَالَ صَاحب (العَيْنِ) :} ضَاهَأْتُ الرجُلَ وضاهَيْتُه أَي شَابَهْته، يُهمز وَلَا يُهمز، وقُرِىءَ بهما قولُه عزّ وجلّ { {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} (التَّوْبَة: 30) وَبِمَا تقدم سقط قَول ملاَّ عَلِيّ فِي الناموس عِنْد قَول المُؤلّف: (الرِّفْق) : الظاهرُ: المُوَافَقَةُ.

ضيأ
: (} ضَيَّأَت المَرأَةُ) بتَشْديد الْيَاء التَّحْتِيَّة: (كَثُر ولَدُها) قَالَه ابْن عَبَّاد فِي (المُحيط) ، وَهُوَ تَصحِيف (وَالْمَعْرُوف) ضَنَأَتْ (بالنُّون وَالتَّخْفِيف) وَقد نَبَّه عَلَيْهِ الصَّاغَانِي وابنُ مَنظور وَغَيرهمَا.

(فصل الطَّاء) الْمُهْملَة مَعَ الْهمزَة)
طأطأ
: ( {طَأْطَأَ رَأْسَه) } طَأْطَأَةً كدَحْرَجَةٍ (: طَامَنَهُ) {وتَطأْطَأَ: تَطامَنَ (و) طَأْطَأَ الشيءَ (: خَفَضَه) } وطَأْطَأَ عَن الشَّيْء خَفَضَ رأْسَه عَنهُ، وكلُّ مَا حُطَّ فقد طُؤْطِيءَ ( {فَتَطأْطَأَ) إِذا خَفَضَ رأْسَه، وَفِي حَدِيث عثْمانَ رَضِي الله عَنهُ:} تَطأْطَأْتُ لَهُم! تَطَأْطُؤَ الدُّلاَةِ أَي
(1/322)

خَفَضْت لَهُم نَفْسي كتَطامُنُ الدُّلاَة، وَهُوَ جَمْعُ دَالٍ: الَّذِي يَنْزِعُ بالدَّلْوِ كَقَاضٍ وقُضاةً. أَي كَمَا يَخْفِضُها المُسْتَقُونَ بالدِّلاءِ وتواضَعْتُ وانحنَيْتُ وراجِعْ بَقِيَّةَ الحَدِيث فِي (العُباب) .
(و) طأْطأَ (فَرَسَه: نَحَزَه) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي نَخَسه وَرَكَضَه ودَفَعه (بِفَخِذَيْه وحَرَّكَه للحُضْرِ) أَي الإِسراع قَالَ المَرَّارُ بنُ مُنْقِذٍ.
شُنْدُفٌ أَشْدَفُ مَا وَرَّعْتَهُ
وَإِذَا {طُؤْطِىءَ طَيَّارٌ طِمِر
الشُّنْدُف: المُشْرِف. والأَشْدَف. المائل فِي أَحدِ شِقَّيْهِ بَغْياً.
(و) طَأْطأَ (يَدَهُ بالعِنَانِ: أَرْسَلَهَا بِهِ للإِحْضارِ والرَّكْضِ) والإِسراع.
(و) طأْطأَ الرجلُ (فِي مَالِه) إِذا (أَسرَعَ إِنفاقَه وبالَغَ) فِيهِ، يُقَال ذَلِك للمُسْرِف، كَذَا فِي الأَساس، وطَأْطَأَ فلانٌ من فلَان، إِذا وَضَعَ من قَدْرِه، وطَأْطَأَ: أَسرع. وطَأْطَأَ فِي قَتْلِهم: أَسرعَ وبالَغَ، أَنشد ابنُ الأَعرابيّ:
فَلَئِنْ طَأْطَأْتُ فِي قَتْلِهِمُ
لَت