Advertisement

كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 001


الكتاب: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
المؤلف: محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي (المتوفى: بعد 1158هـ)
تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم
تحقيق: د. علي دحروج
نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي
الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني
الناشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت
الطبعة: الأولى - 1996م.
عدد الأجزاء: 2.

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ومذيل بالحواشي]
[الجزء الاول]
المحتويات
شكر وتقديم
التّقديم
كشاف اصطلاحات الفنون:
البسملة 1

المقدّمة 3
موسوعة المصطلحات 71
حرف الألف 71
حرف الباء 305
حرف التاء 360
حرف الثاء 536
حرف الجيم 544
حرف الجيم الفارسية 607
حرف الحاء 608
حرف الخاء 729
حرف الدال 773
حرف الذال 816
حرف الراء 838
حرف الزاي 902
حرف السين 920
حرف الشين 1000
حرف الصاد 1053
(المقدمة/7)

حرف الضاد 1108
حرف الطاء 1123
حرف الظاء 1144
حرف العين 1256
حرف الغين 1245
حرف الفاء 1260
حرف القاف 1295
حرف الكاف 1375
حرف الكاف الفارسيّة 1398
حرف اللام 1399
حرف الميم 1419
حرف النون 1679
حرف الهاء 1736
حرف الواو 1750
حرف الياء 1811
فهرس الفرق والاعلام والقبائل 1819
فهرس الكتب 1845
فهرس المصطلحات 1867
1957 Index Francais
2045 English INDEX
(المقدمة/8)

شكر وتقدير
إنّ هذا العمل الذي تركه التهانوي عزّ نظيره وقلّ مثيله. وقد جاء دسما غنيا وشرحا وفيا، فغزرت مادة نصوصه وتداخلت، وتوشّت بأعلام وكتب وغيرها مما ذكرنا. وترتبت جميعها على نظم قديم معقّد. فآلينا على أنفسنا تحويل كل ذلك إلى سهل مبسط، والتعريف بكل معقد ووارد تعريفا مقتضبا مع إجزال في ذكر المراجع والمصادر ليعود إليها القارئ ما شاء استزادة وتفصيلا.
ولعلّ كل هذا يحتاج إلى فرق من الباحثين وليس إلى فريق واحد: فقضي الأمر على هذا الشكل بعون الله، وأنجز العمل بعامين.
وإنّ الفضل يعود إلى الكثيرين ممن ساعد مباشرة أو غير مباشرة، لهم مني ومن فريق العمل الرئيسي كل شكر وتقدير، وأخص بالذكر:
- الأستاذ خليل حبيب الصائغ، الذي تبنّى المشروع بروحه العلمية النافذة، وخبرته العملية الصائبة، ومقداميّته الوثّابة، في وقت قلّت فيه رعاية العلم وتبنّي مشروعاته، وفي فترة كان الوطن يقوم فيها من بين الأنقاض.
- المعهد العالي للدراسات الاسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، ففي رحابه رعينا هذا الرهط من تلامذتنا الباحثين الذي يعدّون رسائل ماجستير فاخترنا منهم جمعا من المساعدين الباحثين باتفاقات خاصة. ومن مكتبته استقينا العلم واغترفنا، هذه المكتبة المتخصّصة في العلوم العربية والاسلامية.
- مكتبة يافث في الجامعة الأميركية التي تختزن زادا علميا وفيرا. ومكتبة كلية الامام الأوزاعي التي تقتني نوادر فهارس مخطوطات الهند.
- جماعة المساعدين الباحثين المدقّقين وهم: الدكتور بسام عبد الحميد، الشيخ علي البقاعي. والباحثات: عاصمة رمضان وسلمى زيني وعناية عبد الله وأمينة الحلبي وإلى ولديّ محمد وماهر، وبهم جميعا تمثّلت الجدية والأمانة والدقة.
وأخيرا أنوّه بزملائي وأشكرهم: د. علي دحروج والشيخ د. عبد الله الخالدي ود.
جورج زيناتي، فقد كنا جميعا كلا واحدا وآلية واحدة متعاضدة متناغمة في أثناء العمل، ولولا ذلك وعون الله لما تحقّق كل ذلك.
رفيق العجم
(المقدمة/9)

التّقديم
نستصبح ما عزمنا عليه من عناية في المصطلح بتحقيق كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي. ونستهل بهذا العمل الموسوعي، وهذه المعلمة المعرفية، باكورة التوجه في إعادة بلورة المصطلح كما جمعه علماء العرب والمسلمين، أو كما حزمنا الأمر بعون الله تعالى على جمعه تبعا لأبسط الطرق والأساليب واستعانة بأحدث الآلات، وما توصّل إليه التوثيق والتقميش.
وإننا إذ نتصدى لعمل شاق صعب وغني في حقول المعرفية العربية والاسلامية، وضعه عالم جليل ذو باع طويل ودأب مليل، وأكمله تلامذة أفاضل، حيث وجدنا العمل مغمورا وترتيبه على النهج القديم في أبواب وفصول للجذر، وبالتسلسل الالفبائي، إضافة إلى امتلائه بالمئات من أسماء الأعلام والكتب، ومعظمها مجهول من غير تعريف ولا تحقيق.
فنهجنا منهجا تبسيطيا اعتمد إيراد المصطلح واللفظ كما هو، حيث تمّ إدراج كلّ هذه المصطلحات بالترتيب الألفبائي بحسب ورود الاسم، من غير التفات إلى الجذر أو أي اعتبار آخر. وعلى هذه الوتيرة مثلا: الآحاد/ الآخر/ الآخرة/ الآدم/ الآراء ... الاسراف/ الأسطرلاب الخ. الصاحب/ الصاعقة/ الصالح/ الصالحية/ الصامت/ الصّبا/ الصبائي الخ. والملاحظ هنا أن الاعتماد على الكلمة كما هي مرسومة وتبعا لتسلسل أحرفها: الأول والثاني والثالث وأحيانا الرابع والخامس، تمشيا مع النمط العام والسائد في تبسيط العلوم وتسهيلها، لتصبح في متناول اليد من غير التباس ولا تعقيد، وهو ما درجت عليه بعض المعاجم الحديثة.
وكان الفضل هنا للحاسوب (الكمبيوتر).
وسلكنا مسلكا توثيقيا في التعريف بالأعلام والكتب والأماكن والفرق والمصطلحات، إضافة إلى تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، مع ذكر المرجع أو المراجع، حيث بلغ العمل مبلغ المعلمة الموسوعية. وسيتابع العمل إن شاء الله بعمل موسوعي آخر.
(المقدمة/11)

أما ما حزمنا الأمر عليه فهو بعض المصطلحات من العلوم العربية والاسلامية في موسوعات عدة تبعا لما وردت عند العلماء، صافية، بحسب المراجع من غير تدخل دخيل على أقوال قائليها. ويعتبر هذا العمل صنيعا بكرا لم يتحقّق في الحقبتين القديمة والحديثة. ويشكل- إن تمّ- قاعدة منطلق لضبط المصطلح وإحداث المستجد بالنحت والاستقبال.
والبيّن في الأفق حتى الآن تناول مصطلحات: المنطق، أصول الفقه، الفلسفة، علم الكلام، التصوف.
والكشّاف الذي نقدّم له ناهزت الشروح بالفارسية فيه على ربع موضوعاته، وورد الباقي باللغة العربية: فنقلنا الربع إلى العربية. زيادة في اغناء المصطلحات ووضعنا ما يقابلها بالانكليزية والفرنسية وأحيانا باللاتينية، ممّا يسهّل على الباحث المقارنة بين المفاهيم والأذهان والبنى المعرفية، إذ إن ذلك يخفي ضمنا تحاورا داخليا بين معارف العرب والمسلمين ومعارف الأوروبيين، ولا سيما إبان حقبتهم في العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة.
ولا ضير إن وجد الباحث أو الطالب أن هناك الكثير من العلوم والمفاهيم التي عفى عنها الزمان وتخطّتها سنن التطور والترقي. ولا سيما ما حدث على مستوى العلوم البحتة والتفنين في العقود الأخيرة، إلا أنّ هناك الكثير من الشروح والمعاني، في المجالات النظرية خصوصا، باقية ثروة معرفية، ودالّات على بنية من المعارف الغنية، وموروث قابع في أذهاننا ولا وعينا الثقافي؛ لا بدّ من إحيائه واستلهام عناصره وقراءة الحاضر بضوئه، في سيرورة اتصال تمليها البنينة المعرفية السليمة والتحديث الفاعل المؤثر.
والبنينة من فعلنة على وزن فعلن، وهذا الوزن يستفاد منه في أعمال الانصهار الكيميائي والتركيب العناصري والذري. وقد واءمته هنا ليفيد عملية صهر عناصر مع البنية المعرفية «1»، تلك العناصر من المعاني الوافدة التي لا بدّ أن تتراكب مع العناصر القائمة وتنطبع بخصائصها في عملية إرادية فاعلة، نقوم نحن بجزء منها عبر إحياء المصطلحات المعبّرة عن العلوم العربية والاسلامية، فتفد المعاني الحادثة العصرية بعد ذلك بالنقل والترجمة مستفيدة من هذه المصطلحات، لتأتي المرحلة الثالثة وهي شيوع
__________
(1) استفدنا هنا من دراسات بياجيه البنيوية وخصائص البنية عنده وتركيبها منهجا، مطبّقين ذلك إن صح على البنية المعرفية.
(المقدمة/12)

المصطلحات العصرية بالعربية مواكبة للعلم والمعارف الراهنة.
ولنا شاهد حي على ذلك، ما حدث من نقلة في دلالات وألفاظ العربية إبّان ظهور الاسلام، حيث استعمل اللفظ قريبا من موضوعه الأصلي. وعلى الرغم من أنّه نقل عن دلالته السابقة إلا أن خيط اتصال بقي بين الأصل والحادث، مثل الواجب:
السقطة مع الهدة من أعلى، كسقوط الحجر من الجبل. وذلك في الدلالات عند عرب الجاهلية. ثم غدا الواجب: الأمر الإلهي المجرد المنزّل من أعلى في الاسلام.
وأمثال ذلك الكثير مما كان من خطاب الله عز وجل للعرب، وما دار من علوم على جنبات كتاب الله. إذ الصلاة عبارة عن الدعاء والحج عن القصد والصوم عن الامساك والزكاة عن النمو وهكذا ...
ومن ثمّ بقيت هذه الألفاظ في معانيها الحادثة قريبة من موضوعها الأصلي.
ولربّ قائل: إنّ المعاني العصرية في شتى العلوم حادثة ومغايرة تماما لمعاني العلوم القديمة التي درج عليها العرب واصطلحوا عليها تعبيرا عمّا توصّلوا إليه. فإن الجواب سهل بيّن ظهر في أوروبا حيث انطلقت النهضة العلمية من ألفاظ اللاتينية والفرنسية وعليها استندت فتشعبت.
والدليل على ذلك أن معظم مصطلحات الطب والطبيعة والكيمياء والمعارف النظرية نجد أصلها باليونانية واللاتينية ثم تتشعب وتتحوّل وينقطع بعضها عن دلالته الأولى. ومن شواهد ذلك: لفظ Paradigme ورد باليونانية بصوت Paradeigma بمعنى المثال أو النموذج المحتذى، ولا سيما عند أفلاطون اشارة إلى المثال القائم في عالم المثل. ثم أصبح اللفظ نفسه في الثورة العلمية عند توماس كون Kuhn النموذج على ما يتفق عليه جماعة العلماء، في عصر معيّن، من قوانين مرتبطة بنظرية محددة، مع ما يعقب ذلك من تطبيق على الملاحظات كمعادلات نيوتن في الحركة: القوة الكتلة التسارع. ق ل* ع. «1» إذ تحكّم هذا النموذج في الميكانيكا، وكصيغة ومعادلة انشتاين في ترابط السرعة بأبعاد المكان الثلاثة والزمان الخ ...
ونخلص من ذلك بتوليفة مفادها: أن إحياء المصطلح وجمعه يصبّ في عملية بناء هادفة تشكّل ركيزة أساسية في التحديث العربي، نأمل أن تطال البنية الثقافية واللغوية على أصول البنية السليمة، رغبة في تشكيل بنية دلالية معرفية للعلوم بالعربية وذلك عبر
__________
(1) Kuhn .T .the Structure of Scientific Revolutions .Chicago . 0791 .. 832.
(المقدمة/13)

محطات ثلاث:
1 - إبراز وإحياء مصطلحات العلوم العربية والاسلامية بألفاظها العربية.
2 - نقل علوم الآخر الحادثة بالارتكان والارتكاز على المحطة الأولى، وما يؤدّيه ذلك من توحيد المصطلح وغرس المعنى عند العرب قاطبة.
3 - شيوع وتثبيت لغة علمية عربية حادثة.
ولعلّ هذه المحطات الثلاث تتجاوز الأفراد والمجامع العلمية وتتطلب جهود أجيال، لكن لا بأس في الانطلاق بخطوة أولى، والله ولي التوفيق.
هذا وقد تمّ جمع التقديم على ركنين اثنين:
أولا: تمهيد نظري يتناول إشكالية المصطلح بين اللفظ والمعنى، المبنى والفكر أو «الاذتهان».
ثانيا: دراسة وصفية لعملية التحقيق والتعريف بالمؤلف إلى جانب عرض الصعوبات وتمييز الأساليب الفنية المتّبعة في عملية التحقيق.
(المقدمة/14)

إشكاليّة المصطلح بين اللّفظ والمعنى
تمهيد:
إنّ التصورات الذهنية ومحصّلات الأفكار الكشفية الصادرة عن العقل والفهم، والوجدانيات المعنوية المنبعثة من النفس، لا يمكنها جميعا أن تتحقق عند صاحبها ومنه إلى غيره ببيان فراغي، كمثل القابض على الماء، بل لا بدّ لها من أن تتحقّق وتتعيّن وتتشيّأ إشارات ورموزا بنزولها وانسكابها في أنواع من الألفاظ وأنماط من الصيغ تشكل في جملتها بنيانا لغويا له خصائصه وطبعه وجبلته وسيرورة تكونه وتحوّله في بعدي التاريخ والنسق الداخلي لبنيته، علما أنّ هذه البنية قد اكتسبت وحدتها وضبطها وتعقّدها بضوء التجربة المعرفية التي خاضها الناطقون بهذه اللغة والمعبّرون بتلك الألفاظ والأسماء.
ولعلّ العربية، لغة الضاد، من أشد اللغات جمعا لهذين البعدين: السيرورة التاريخية، ونسق البنية الخاص، إذ إنّ لغات العالم بمعظمها مهما غزرت تجربتها أو تحدّدت تتمتع كل منها ببنية لها ميزاتها بحسب معطيات منهج اللغويات العصري والدراسات الأنسية الحادثة. فالعربية أسوة بغيرها لها بنيتها وميزاتها، إلا أنّ للعربية خاصيّة بارزة على سواها تختص في أثر البعد التاريخي في تكوّن الأسماء والألفاظ واستمرار تأثيره على المفردات والأسماء باتصال من غير انقطاع وقطع. ولهذا كله كانت دراسة الحقل الدلالي لألفاظ العربية وأسمائها ترتدي أهمية وأهدافا معرفية عدة.
إن هذه المفردات والأسماء قد استعملت قوالب للفكر والفهم والاذتهان والعرفان على امتداد عشرات القرون في مسار الناطقين بالعربية التاريخي، لهذا فهي محصّلة ونتاج جهود أجيال وحضارات عدة.
(المقدمة/15)

إنّ المفردات والأسماء في محطات دلالتها والتعبير، وإبّان النقلات الحضارية واجتياز اللفظة من مدلول إلى آخر، بقيت على اتصال في الدلالة مع ما سبقها وبخيط مشترك من المعنى بين الاثنين. بينما سارت بعض اللغات مسارا آخر تمثّل في قطع دلالي مع مراحل سبقته. وأصبحت اللفظة رمزا وشكلا يطابق معنى حدث من غير رابط مع المعنى الذي كان قائما في تجربة سبقت.
ولعلّ آلية بنية الساميات، والعربية منها، في استحداث الألفاظ والمصطلحات على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الثلاثي، منه تنطلق وإليه تعود، قد فعلت فعلها وتركت طبعها في الحقل الدلالي للألفاظ، ورسّخت أثر السيرورة التاريخية للأسماء في انبنائها واصطلاحها على معان مستجدة. ولم يعن ذلك أن لغات أخرى تفقد هذا الاتصال، إنّما المقصود هنا ضعف السيرورة التاريخية في الحقل الدلالي للألفاظ عند لغات واشتداد ذلك في العربية.
إنّ الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها وانبثاق الكشوف العلمية لديها، وتشعّب تجربتها الفكرية والوجدانية، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ والأسماء والمصطلحات، فعبّرت اللغة تلك عن المعاني، وتحدّدت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم.
ولا مندوحة عن القول إن هذه المعاني حلقة ضرورية أدّت إلى ما بلغه العقل البشري من تطور وكشف. فسيرورة العلم حلقات متصلة بدأت بحاضرات ضفاف الأنهار لتمرّ باليونان والرومان ومن ثمّ العرب والمسلمين، ولتنتقل بعد حين إلى أوروبا الحديثة بحضارتها، وبالتالي، امتدادها إلى أميركا والعالم، في بوتقة عصرية مذهلة بلغ فيها العلم وأنماط المعرفة ووسائلها مبلغا مدهشا يرسّخ ذاك التطور والترقي للانسان واستخدامه الطبيعة لصالحه أفضل استخدام، في عمل دءوب لراحته وسعادته وطول بقائه.
وعند العودة إلى ما بدأناه كيف يمكن لهذه العلوم ومعانيها الحادثة عند الآخر أن تتحقّق عند العرب من غير أن تنسكب في وسائط ترسّخها في الفهم والأذهان؟. ومن غير اللغة القومية وسائط تطال الجمهور والمثقفين وتشمل العامة والخاصة، فتحدث نقلة معرفية في الشعب، بمثل ما تغتني هي كلغة قائمة وفاعلة، إذ إن بقاء العلم منسكبا بلغة من صنع ذاك العلم يؤدّي إلى استقطاب النخب من أهل العربية، لتتحوّل لغة
(المقدمة/16)

العلوم والفكر لديهم إلى الانكليزية أو الفرنسية والألمانية واليابانية. وقد يوصل ذلك إلى تعميق الثغرة بين الشعوب فتحدّ عن المشاركة في العلم، وعن وسائله وحسن استخدامها، ممّا يجعل الانسانية في مأزق حضاري لاحق يماثل ردّات الأعراب والبرابرة على الحضارات؛ وقد يفقد الترقي الحضاري الراهن تميّزه الحر المبدع السلمي عما سبقه من تجارب انسانية عريقة.
ولا غرابة أن تتمثل عظمة العرب والمسلمين فيما رافق عنفوان الحضارة عندهم ودرايتهم في شتى أشكال العلم. وقد أغنى كل ذلك مفردات العربية والأسماء والمصطلحات. فعبّرت عن ذلك الغنى في تراث بقي منه بعض المدوّنات والأعمال الموسوعية كتلك التي نبرزها ونحقّقها.
كما وأنّ كسوف العلم وانتقاله إلى غيرهم ترابط مع تحوّله عنهم واضمحلال العمران وجمود المعاني التي عكست نفسها على جمود الألفاظ والمصطلحات، حيث ذكر ابن خلدون في مقدمته: «اعتبر ما قرّرناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لمّا كثر عمرانها صدر الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفنّنوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين، ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من الأمصار» «1».
ومما لا بدّ من الوقوف عليه في طبيعة العربية وطبعها السامي، ذاك النسق الذي هو عليه حقل دلالة الفاظها، في ذاك التواصل والاتصال فيما بين الدلالات على تشعّب العلوم واختلافها واجتياز اللفظ من معنى إلى آخر ومن مصطلح إلى سواه. ولا سيما أنّ نقل المفاهيم والمعاني المستجدّة الحادثة من لدن معطيات الشعوب وتجاربها، ومن نبعات الآخر، لا ينقطع عن تجربة اللغة بألفاظها والمصطلح، إبّان سيرورتها وتجربتها العلمية واللغوية، وإلا كان تفلّتا لا يتوافق مع سنة التطور وطبع العربية وانغراس الفهم في الأذهان على قدر اللغة المعاشة المعبّرة، وعلى معطى اللاوعي المعرفي المنبث في الضمير والتجربة والعادات والمخيّلة، والتعليم والتربية «2».
إنّ الاقرار بفاعلية العودة إلى دراسة المفردات والمصطلحات المعبّرة عن علوم
__________
(1) ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار احياء التراث العربي، د. ت.، ص 434.
(2) العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994، الفصل الأول.
(المقدمة/17)

بادت أو تمّ تخطيها، وعن تجارب معرفية ووجدانية فقدت تأثيرها، حلقة وصل ضرورية في حياة اللغة، ومرحلة تواصل ذهني مع ما هو قابع وأداة فهم استقطابا للجديد بخيط دلالي يصل الماضي بالحاضر، لا تنفك العربية عنه.

حقول دلالة العربية:
إنّ العربية بمفرداتها والأسماء عبّرت عن جملة معطيات ومعان، فقد كانت أداة للتعبير عن العرفان في كل معطاه الوجداني والعاطفي واللاواعي، بمثل ما كانت أداة فهم للاحساس الفطري الأول في حياة الناطقين بها. ومن ثمّ انتقلت لتشكّل اشارات وحروفا للفكر والتجريد، فاستعدّت لاستقبال معاني الغير. وهنا في خضم إعمال العقل والفهم وتلقّي المجردات من الخارج انسكبت كل تلك المعاني في قوالب اللغة بعد تلقيها في الأذهان وانطباعها بها، وبالتالي تمّ اتسامها- تصورات الغير- بطبع العربية أيضا وبنيتها، هذه العربية في مبناها لا تنفك عن ذهنية صانعيها وناطقيها.
وهكذا تنجدل الأمور برباط معقّد متفاعل بين ما في الأذهان وما في اللسان انطلاقا مما في الأصوات والأعيان.
ولا بدّ من تمييز الذهن عن العقل، فالذهن في اللسن: «الفهم والعقل ... وحفظ القلب» «1». إذا هو يجمع عملية الفهم والتفكير والقلب، أي الوجدان وما هو قابع في النفس بحسب المعطيات النفسية الحديثة، لذا كان العقل تبعا لدلالة العربية: الجمع للأمر والرأي، والربط والتثبّت من الأمور. وكان الذهن أوسع نطاقا من هذا، وهنا نتلاقى مع التمييز الفرنسي التقليدي بين العقل المكوّن الفاعل la raison constituante وبين العقل المكوّن المنفعل المشيّد السائد la raison constituee . الأول يمثّل النشاط المخي الذي يقوم به الفكر بالربط والجمع، حيث يستخرج الانسان تصورات من ادراك العلاقات بين الأشياء. أما الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد المعتمدة في التفكير أو الاستدلال «2». هذه القواعد تتأتّى من خارج فعل الفرد وفردية نشاط مخه.
لهذا هي أقرب لمعنى الذهن أي العقل المكوّن المشيّد الذي يمارس دوره كاستعداد للادراك، أي إنّه محل المدركات. وهنا يتلاقى مع معنى Mentalite بوجهته النفسية في بعض المناحي.
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة ذهن.
(2)
Lalande. A. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris. P. U. F.
1968.P . 388
(المقدمة/18)

ولا ضير إن مررنا لماما على بعض هذه التوضيحات والتعريفات لتبيان علاقة المفاهيم والمعاني باللسان، وكيفية بناء الصياغة اللفظية والحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان، أنّى كان زمانه أو مكانه، ولا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها والابداع. ومن ثمّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك.
حتى أن الاسميين بدءا بالرواقية وانتقالا إلى أهل البيان المسلمين وخاصة ابن تيمية (661 - 726 هـ) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين، جعلوا الحقيقة العلمية ومحصلة التجارب والتصورات تقوم في الأسماء وتعرف من خلالها وبالألفاظ، وان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابا واسعا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة وعلاقة المفردات والكلام.
ولعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى والمبنى، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة.
علما أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة وبناء العربية وبنيتها الشكلية. إلا أن دراسة عقل المعنى وعلم الدلالة متعلّق تعلقا مباشرا بموضوع تحقيقنا للكشاف.
ولقد أدرك العرب والمسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه والمنطق احتفالا ظاهرا، وذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات. فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات. فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم، وبمعرفة الموضوع تمييزا للذات.
والملفت للنظر أنّ للفظ الواحد والمصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها. وهذا الأمر يسري في معظم اللغات وبحسب اختصاص كل علم وفن وتباين حقله عن الآخر. إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات، فتفتح الأفق أمام المحلّل والأناسي واللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية وذهن ناطقيها وطبيعة تاريخ العلم وكيفية صدوره.
ولهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية، فهو حلقة وصل واتصال لنحت المصطلح المستحدث. كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم والموروث
(المقدمة/19)

الثقافي برمته، وفي الوقت عينه معلمة مرجعية لعلماء ومراجع وكتب وآراء متعددة منتشرة على امتداد قرون الحضارة العربية والاسلامية.

بنية العربية وقابليتها للتحديث:
لقد طلع علينا زكي الأرسوزي في تصويره عبقرية العربية برأي مفاده أن تأسيس الدلالة ارتكز على عمليتين: تقليد الطبيعة وتصويرها، والتعبير عن المشاعر النفسية الداخلية للفرد. فالأصوات ثم الأسماء بالعربية حدثت من الثنائي إلى الثلاثي ونشأت من خلال هذين البعدين.
ومع بداية القرن العشرين ميّزت الوضعية المنطقية «1» بين وظيفتين رئيسيتين للغة:
احداهما هي الوظيفة المعرفية التي تستخدم اللغة فيها كأداة تشير إلى وقائع وأشياء موجودة في العالم الخارجي، ولا يتعدى دور اللغة غير هذا التصوير لتلك الوقائع والأشياء. أما الوظيفة الثانية للغة فهي الوظيفة الانفعالية ومؤدّاها أنّ الانسان يستعمل اللغة أحيانا للتعبير عن مشاعر وانفعالات تجول في نفسه. ويدخل في اطار هذه المشاعر العبارات التي تعالج مسائل الأخلاق والجمال والماورائيات. فلا عجب إن صنّفنا العدد الكبير من المصطلحات في الكشاف الذي بين أيدينا ضمن دائرة مسائل الأخلاق والماورائيات والمشاعر النفسية التي تبدّت عند الصوفي أو غيره.
__________
(1) شكّلت جماعة فيينا حلقة ذات توجه فلسفي علمي لغوي. من أشهر أعلامها شليك Schlick وفايزمن Waismann وفتغنشتين Wittgenstein وغيرهم مثل كارناب Carnap وفايجل Feigl وكرافت Kraft وآير Ayer . اضافة إلى هؤلاء سارت مدرسة آكسفورد بهذا المنحى، ومن أشهر ممثليها أوستن Austin ورايل Ryle وستراوسون Strawson وهيرت Hart وهامبشير Hampshir وهير Hare . ونويل سميث N .Smith واشعيا برلين I .Berlin وسواهم ك رسل Russell . وشكّل هؤلاء الأفراد من الوضعيين واللغويين توجها معرفيا، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي والمنتصف الأول من القرن العشرين، غرضه التأكيد على الآراء التالية: الفلسفة تحليلية. الفلسفة علمية، أي هي روابط منطقية لغوية لوقائع جزئية مجرّبة في العلوم. القضايا تحليلية أو تركيبية. كل الماورائيات والأفكار القبلية الداخلة على التجربة لغو.
ثم ان الاتجاه اللغوي شدّد على أن اللغة العادية هي الصحيحة ومعاييرها تساعد بصورها واشاراتها على تحقيق الوظيفتين المعرفية والانفعالية للغة فقط.
إن التفريق بين المعنى الدلالي والاشاري يتم خلال التجربة والعلاقة المنطقية الخاصة باللغة.
إن هذه الواقعية التي اتسم بها هذا التوجه تساعد في منهجها والنتائج على فهم عمليات وضع المصطلح في اللغة العربية، وتؤازر على ادراك ذاك التحول بين الدلالة العادية للفظ ودلالته الاصطلاحية وكيف استخدم العرب والمسلمون اللغة العادية والمعايير البنائية للسانهم في صياغة التصورات العلمية، بمثل ما يؤيّد ذلك التعرف على موقع الاصطلاح والمصطلحات في اطار أي وظيفة للغة، ولا سيما أنّ الألفاظ والاصطلاحات المعتقدية والصوفية تغزر في العمل الذي بين أيدينا.
(المقدمة/20)

والمتبحّر في فضاء العربية يجد بوضوح كيف استفاد المجتهد والفقيه والعالم والعارف من اللغة العادية ومن الأسماء العربية. فغدا الاسم مثقلا بدلالات عدة سبق للمنطق التقليدي أن أطلق عليها الأسماء المتفقة Homonymes ، وقصد بها ما كان اسما مشتركا لمعان مختلفة.
أما معنى كلمة عادي فهي ما يقابل ضمنا غير المألوف والسوي والاصطلاحي والشعري والرمزي. وتعني كلمة عادي المشترك والمألوف عند العامة والمتداول على كل لسان، لكن هل كل ذلك يتعارض مع الأساليب والأسماء المعتمدة لدى قلة من الناس اصطلحوا عليها في مضمار الفنون والرموز والعلوم؟ «1» وشكلوا الخاصة وأهل النظر. فلقد حرث المصطلح ولغة العلم في العربية حرثا عميقا ومديدا. إذ تمثّل عمقه في تحويل الأسماء بدلالتها الحسية ثمّ الدينية إلى دلالة اصطلاحية عبّرت عن كل علوم من سبق على الحضارة العربية والاسلامية تقريبا مضيفة ما كان من عنديات عقول تلك الحضارة والابداعات والاضافات والتبديّات «2» والمشاعر. وتحصّل مديد المصطلح من طول عمر تلك اللغة العربية وانتشارها الزماني، بحيث يشكل اللسن العربي تاريخيا بين اللغات لسنا معرقا قديما امتد عشرات القرون ولم يزل حيا قادرا على الاستقطاب.
كل هذا يمكن أن نخلص من خلاله إلى عدم التعارض بين اللغة العادية والاصطلاحية.
بيد أنّ الأقدمين تنبهوا إلى مثل هذه العملية داخل اللغة واستخرجوا منها تلك التفعيلات والأوزان الضابطة؛ التي اعتبر ابن جني في خصائصه أنّها قوالب لصياغة التصورات، ودالات لتمييز الأفكار والمعاني، ومنحوتات تقولب خلالها ابداعات المفاهيم ومستحدثاتها.
ثم أبرزها العلائلي عصريا في مقدمته وخرّج بها الكثير من التفنينات والعلوم العصرية.
كما أنّ ابن رشد الفيلسوف وعاها كنحت اصطلاحي وتفسير وتأويل تصوري، فقال بصحتها: على أن لا تخل بعادة لسان العرب. جاعلا من العادة الضابط التقعيدي، منعا من التفلت. ولعلّ هذا الضابط هو ذاك الجسر بين اللغة العادية واللغة الاصطلاحية.
__________
(1) Ryle ,G .,Ordinary Language ,The Philosophical Review ,V ,LXII , 3591،. 167.
(2) نطلق كلمة تبديات على ما بدا للنفس فيوافق ذلك الوظيفة الانفعالية للغة ويماثل الفلسفة الظواهرية والظاهراتية Phenomenologie .
(المقدمة/21)

وذهب حديثا مور إلى الدفاع عن اللغة العادية معتبرا إياها الأساس لكل اصطلاح جاعلا اللغة العادية ترتبط بالحس المشترك والحكم الصائب، قائلا إنّ تناقض مذاهب الفلاسفة يعود إلى عبثهم باللغة العادية، وإنّ كل ذلك يحصل عند انتقالهم من استعمال إلى آخر باللفظ ومن غير علم فيقعون بذلك في المحال «1».
بينما انتقد رسل اللغة العادية لأنّها بنظره عاجزة عن التعبير الدقيق عن المفاهيم العلمية، كما أن نظمها syntax كثير ما يضلّل «2».
في حين أكّد فتغنشتين على أنّ اللغة العادية هي المعيار الذي نحكم به على صحة أو بطلان ما يقال من عبارات. يضاف إلى ذلك ميله إلى وضع لغة مثالية منطقية.
وخلاصة ما ذهب إليه أنّ اللغات المثالية بالنهاية ما هي إلا مواضعات لا تعدو كونها توضيحات للغة العادية «3».
كما ذهب شليك إلى أنّ وضع العبارات الجديدة في اللغة يكون عند التعبير عن وقائع في الوجود الخارجي، وهذا يتم على مستوى اللفظ أو الجملة أي الحدّ المتصوّر- المصطلح- أو القضية. وبكلمة أبسط، أي ضرورة وجود (علامات، اشارات، أسماء) بقدر وجود وقائع وأفكار عن وقائع «4».
فهل ما ذهب إليه، إذا أخذنا به لدراسة العربية، يسائلنا: أتكمن المشكلة في الأسماء الجديدة أم في الوقائع؟ وممّا لا شك فيه أنّ تيار شليك يؤكد على فعل الوقائع، بمثل ما أكد انبناء العربية على الوقائع المجرّبة المحسوسة. وهذا أمر يجعلنا نذهب مع القائلين إلى أنّ تلبية العربية للمعرفة المعاصرة وللكشف يكمن في سر المساهمة في وقائع جديدة، أي الانخراط في علوم العصر والمشاركة في التفنين والكشف والابداع. وإن صح القول إحداث المعاني وفهمها، بهضم الجديد وتمثله وليس بالترجمة الحرفية.
حينئذ تلعب اللغة العادية دورها في صياغة المصطلح والاسم الجديد مستأنسة
__________
(1) Moore ,G .E .,Principia Ethica ,Cambridge ,the university press , 8491.

White, A. R., G. E. Moore, A Critical Exposition, Oxford, Basil Black well,
1958,p 43 - 23.
(2)
Russell, B., Reply to Criticism in shlipp, P. A. ed.; The Philosophy of Bertrand Russell, p
694.
(3) لودفيغ فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي اسلام، مراجعة زكي نجيب محمود، القاهرة، الانغلو مصرية، 1968.
(4)
Quoted in Waismann, F, The Principles of Linguistic philosophy, Edited by Hare, R Macmilan, London, Melbourne, Toronto, New York, St. Martin's Press,
1968,pp . 603 - 403.
(المقدمة/22)

بالمصطلح السابق كمحطة في سيرورة لا تنقطع.
عندها وبها يكون الكشاف ولغته أداة للتجديد، ويصبّ التهانوي في مصبه التاريخي من عمر العلم واللغة معا عند اللاسنين العرب.
وفي الوقت عينه ذهبت جماعة آكسفورد اللغوية مذهبا بنيويا في عملية الارتباط بين الواقع واللفظة أو الجملة. إذ ترتكز النظرة على محور أساس مؤداه أن هناك تناظرا بين بنية الواقعة وبنية القضية التي تعبر عنها أو الحد المتصوّر المفرد «1». وهذا التناظر بين الواقع واللغة لعب دورا عند رسل وفتغنشتين وشليك. وجلّ النظرة أنّ التعبير يتوقف على امكانية ترتيب العلامات بطرق مختلفة. فالترتيب Order هذا يمكن جعله كشفا لعملية مهمة في بناء اللغات ومنها العربية. مع الاشارة إلى أنّه تم وضع شيء من هذا القبيل قبل ذلك بقرون طويلة على يد ابن جني وآخرين في دور التفعيلات ودلالتها كترتيب ونظم لتحولات الفعل الثلاثي، وكأدوات اجرائية لاختلاف المعاني التي تحصل في الواقع وتستجد، والأمر عينه عند بقية النحويين والبلاغيين في ترتيب وصياغة الجملة العربية. مع اعتبار للفارق الزماني واختصاص العرب بلغتهم وتعميم المعاصرين النظرة على كل اللغات الخ ...
ولعلّ اتجاه أهل البيان في التجربة العربية والاسلامية الذي توجّه ابن تيمية في توجهه الاسمي، وتشييده منطقا يتأسّس على الاسم في بناء التصورات، قد يلتقي في كثير من الأبعاد مع ما آلت إليه أعمال جماعة الذرية المنطقية وجماعة آكسفورد حديثا، حيث قارن فتغنشتين بين: واقعة ذرية تتشكل في مجموعات موضوعات، موجودات Entities أو أشياء. وعلامات بسيطة مستخدمة في قضايا تدعى أسماء «2».
أي أن فتغنشتين حلّل العالم أو علم العالم من وقائع مركبة إلى وقائع بسيطة من غير الممكن تجزئتها إلى ما هو أبسط منها- الواقعة الذرية-، وقوامها مجموعة من صغائر الأشياء. ومماثلة مع ذلك يمضي فتغنشتين في تحليل اللغة من قضايا تنحل إلى قضايا أولية تجزّأ هي بدورها إلى أبسط منها فتغدو مجموعة من الأسماء، فالعالم ينتهي إلى صغائر الأشياء واللغة تنتهي إلى أسماء. وهنا خيط مشترك بين الاسمية القديمة وهذا التيار، يتمثل هذا الخيط في أنّ اللغة ترسم الوجود الخارجي والاسم خير معبّر عن الواقعة. والعلاقة علاقة واحد بواحد.
__________
(1) Ibid ,p . 603.
(2) فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ص 63 وص 73.
(المقدمة/23)

ولهذا كله ينصب الاهتمام على دراسة الأسماء أي دلالة المصطلحات لتعبيرها عن الوقائع أو فهم الوقائع- المعنى، التصور الذهني-.
ولم يعن العرب والمسلمون كثيرا بدلالة القضية الجملة بل بمعناها، ووضعوا معايير مختلفة للحكم على معناها من حيث السند والصدق والكذب، النظر والتجربة الخ ... لكن غايتهم انصبت على دلالة الأسماء انصبابا هاما وانقسموا فريقين: فريق أعطى الأولوية للدلالة، علاقة الشكل بالمضمون. وفريق قدّم أولوية المعنى على الدلالة.
بينما رأى فتغنشتين حديثا بأنّ الأسماء ذات دلالة فحسب وليس لها معنى، وأنّ القضايا ذات معنى فحسب وليس لها دلالة «1». وهذا الاتجاه يقارب مفهوم أهل الاصطلاح عند العرب والمسلمين.
بل اعتبر الغزالي أن الواقعة والمعنى والدلالة مترابطة ترابطا تاما، إذ قال إنّ للأشياء وجودا في الأعيان والأذهان واللسان «2».
لكن تطور العلوم العصري جعل معنى الاسم يؤخذ على السياقات التي تستعمل فيها الأسماء. وهذا التوجه يخدم تشعب المصطلحات وغزارتها.
بيد أنّ المصطلح العربي والاسلامي ارتكز على وظيفتين مثله مثل وظيفة اللغة عامة: وظيفة معرفية ووظيفة انفعالية. في حين ضؤل دور الوظيفة الانفعالية في المصطلح العصري الغربي لضمور الآداب والفلسفة أمام العلوم والتفنين. ولم تعد المعرفة العصرية تعنى بتبديات النفس وتخيلات الشعور عنايتها بالوقائع المجربة المصغرة والافتتان بها.
ولم يحدث الأمر في اللغة العربية لعدم انسلاك المجتمعات العربية في سلك العلوم والتفنين وانخراطهم كليا في التكنولوجيا وهضم علومها.
ولا عجب إن جاء الكشاف يلبّي الوظيفة المعرفية للغة، ولكن مصطلحاته الملبّية للوظيفة الانفعالية تطفو وتغزر. ولا سيما أن الدلالات الفلسفية والصوفية الدّالة على التّبديات والتمظهرات الفكرية والنفسية تكثر، وتغني القارئ بحقل واسع من
__________
(1)
Picher. G. The Philosophy of Wittgenstein, Inc., Englewood, Cliffs, N. J., Prentice- Hall,
1964,p . 54.
(2) ولا سيما في كتابيه: معيار العلم والمستصفى من علم أصول الفقه.
(المقدمة/24)

الموروث الثقافي العربي والاسلامي. وفي الوقت عينه تصور له تجربة انفعالية نفسية غنية في عمر الشعوب.
لقد جعلت مصطلحات الكشاف القارئ أمام ألفاظ وأسماء لم تقتصر على الوصف، إنّما اصطنعت ألفاظا جديدة بألعاب في اللغة عن طريق التفعيلات تارة وعن طريق الخروج عن العادة طورا.

علاقة المعنى باللفظ
وثمة مسألة تتعلق في المصطلح وباتجاه خاص عند كل من أهل المعنى والمبنى، وقد أثيرت في التراث العربي والاسلامي، وكانت مجالا رحبا للنقاش العصري.
وهذه المسألة ترتبط فيما سبق ذكره عن كنه العلاقة بين المعنى واللفظ أو ما سمّي قديما المفهوم والبيان، الأذهان واللسان، الماهية والاسم، وإذ باتجاه مدرسة آكسفورد يجعل تعريف المعنى في حدود الاستعمال اللغوي، أي إن معنى أية كلمة يرتبط دائما بالسياق الذي تستعمل فيه الكلمة. فإذا، المعنى يتجلّى من خلال الاستعمال «1». وكان سبب موقفهم هذا أنّه تتمة طبيعية لفلسفة الوضعية المنطقية الرافضة لأي قبليات عقلية أو معان ذهنية متباينة من خارج التجربة العينية. وقد تابعت مدرسة آكسفورد هذا فرفضت أيضا إمكانية التحقق للمعنى. أي أنّه لا يوجد منهج للتحقق من أن العشب أخضر وأنّ السماء صافية زرقاء اليوم، إذ لا يوجد من يتعلم كيفية الرؤية والشعور، بينما يوجد من تعلم معنى اسم العشب والأخضر، وارتباط ذلك في جملة إخبارية «2».
وما خلصت هذه المدرسة إليه هو أنّ المعنى لا يتحد بالكلمة اتحاد الروح بالجسد أو المعنى روح في جسد كلمة، إنّما يكشف المعنى عن ذاته في استعمال الكلمة. إذا، إذا قصد كل منا معرفة ما تعنيه الكلمة فعليه النظر وتدبر أمر وكيفية استعمالها، حيث ذهب فايزمن إلى أنّ معنى الكلمة يتغيّر تبعا لتغيّر استعمالها «3».
__________
(1)
CharlesWorth, M. J., Philosophy and Linguistic Analysis, Duquense Studies, Philosophical series 9, Pittsburgh, Duquense University,
1959,p . 071.
(2)Quoted by :Weitz ,M .,Oxford philosophy ,Philosophical Review , 3591,p . 691.
(3)
Waismann, F., The Principles of Linguistic Philosophy, London, R. Macmilan,
1968,pp . 751 - 651.
(المقدمة/25)

وقد عثرنا على شيء من هذا التوجه في التراث العربي والاسلامي، مع اختلاف الأغراض والوضوح في المسألة والفضاء المعرفي.
وتمثل هذا التوجه بانتصار أهل البيان لمنطق اللغة على منطق المعنى أي توخّي أوجه النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله «1». فاعتبر السكاكي في مفتاح العلوم «2»: «أنّ من أتقن أصلا واحدا من علم البيان، ... ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل».
وخير شاهد ومثال على هذه المسألة المحاورة التي تمت في مجلس الوزير ابن الفرات في بغداد عام 366 هـ بين السيرافي وأبي بشر متى بن يونس. إذ قال السيرافي لمتى: «ما تقول في قول القائل: زيد أفضل الأخوة؟ قال متى: صحيح. قال السيرافي: فما تقول إن قال: زيد أفضل أخوته؟ قال متى: صحيح ... فقال السيرافي:
أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة. المسألة الأولى جوابك عنها صحيح «والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح ... إن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم. والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وعمرو وبكر وخالد، وإنما تقول عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم. فإذا كان زيد خارجا عن اخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل اخوته، كما لم يجز أن تقول: إنّ حمارك أفضل البغال، لأنّ الحمير غير البغال، كما أن زيدا غير اخوته. فإذا قلت: زيد خير الأخوة، جاز، لأنّه أحد الأخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره فهو بعض الأخوة ... » «3».
إن متّى انتصر لأرسطو في جعله الأخوة جوهرا له ماهيته، أي هو معنى قبلي متصوّر في الذهن. بينما نظر السيرافي من خلال سياق ترتيب الألفاظ والحروف، فهاء الضمير المتّصل في الأخوة تحدّد المعنى وليس للمعنى أسبقية وقبلية. لهذا اختلفت الجملتين فاختلف المعنيان.
ورب سائل يقول: ما علاقة كل هذا من المصطلح كلفظ وتصور، كاسم ومعنى؟
__________
(1) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، تحقيق بن تاويت، تطوان المغرب، د. ت.، ص. 27 و 139.
(2) المرجع نفسه، ص. 182.
(3) التوحيدي، أبو حيان، الامتاع والمؤانسة، القاهرة، التأليف والترجمة، 1939 - 1944، ج 1، ص 121.
(المقدمة/26)

والجواب أنّ هذا الحجاج يمدّنا بمعطيات معرفية وتوجهات فلسفية، تجعلنا ندرك تماما فعل المصطلح وأثره في تحريك المعاني في الذهن ودور اللغة في كل ذلك وأثرها. إذ إن المصطلح، على الرغم من كونه في معظم الأحيان، يأتي مفردا، ولفظا واحدا من غير سياق في الجملة؛ إلا أنه كاسم، اتفق على أن له دلالات متعدّدة ومعاني منتشرة يضع أسبقية اللفظ على المعنى من وجهة نظر المنتصرين لفعل اللغة؛ ويحرك في الذهن المعاني الوافدة والمحصّلة بالابداع في اطار بنية وسلطة اللغة. هذه اللغة المعاشة القابعة في اللاوعي المعرفي واللامفكر به. ولعلّ كل ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية التحديث لأغلبية الجمهور. فالإنسان يفكر من خلال مداخل لغته ويستسيغ ويهضم ويتعلم بلغته المعاشة وبشكل أسهل وأسرع؛ من غير أن يعني ذلك عدم مشاركته في لغات العلم والابداع عند الآخر. إلا أن هذه المشاركة تبقى خارج البنية المعرفية والذهنية للجمهور، مما يضعنا أمام المأزق الحضاري الذي أثرناه سابقا.

دلالة المصطلح عربيا:
ولا ضير من بعض السبر والحفر في دلالة المصطلح عربيا، لعلّ ذلك يمدّ القارئ بأبعاد وآفاق ويكشف الستر عن سيرورة في عمر اللفظ وبنائه.
إن جذر اللفظ (مصطلح) من: صلح: والصلاح ضد الفساد. وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة. فيقال: مغرت في الأرض مغرة من مطر. وهي مطرة صالحة.
إن جذر اللفظة له دلالة حسية عند العربي تشير إلى المواجه للفساد والانحلال، أي التنبّت، ومن التنبّت تتشعب معاني الخصب والحياة والاستمرار والبقاء.
ثم استخدم اللفظ على معنى مجرد عند ما انبرى اللغويون إلى تقعيد اللغة، لكن هذا المعنى الذي أشار إلى البقاء والاستمرار عندهم ظل له علاقة ما مع الدلالة الحسية. مثال ذلك: يقول بعض النحويين، كأنّه ابن جني، أبدلت الياء من الواو ابدالا صالحا: أي أبقى وأكثر قابلية للحياة في الاستعمال اللغوي.
ومن ثمّ أخذت اللفظة مجراها في الاشتقاق فأضحت «الاصطلاح» من افتعال وزنا. ووزن افتعال يحمل في دلالته معنى تدخل الإنسان ومهارته العقلية في الفعل، إذ يقال: اصطناع، اقتسام. والاصطلاح حديثا: العرف الخاص، أي اتفاق طائفة
(المقدمة/27)

مخصوصة من القوم على وضع الشيء أو الكلمة «1».
ولعلّ الجرجاني (المتوفى 816 هـ)، والذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، ومن معنى بياني لغوي في سيرورتها والمآل. قال الجرجاني «2»:
الاصطلاح «عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول».
وهذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ وكيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معان في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم.
ويتابع الجرجاني فيقول: «إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما».
أما المناسبة بينهما بعد معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى والدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب.
أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. وهذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية والكلامية. واللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة.
ووجب وجبة أي سقط إلى الأرض «3».
إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، وكان المعنى الديني السقوط والتنزيل الآمر. وما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول: «اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى».
وهذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانا آليا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضا واتفاقا.
والأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، واضفاء دلالات على هذه المعاني، وشاهدنا على ذلك قول الفارابي (257 - 339 هـ/ 873 - 950 م) «إذا حدثت ملة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيها
__________
(1) المنجد، بيروت، دار المشرق، 1986، حرف أ.
(2) الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983، ص 28.
(3) ابن منظور، لسان العرب، مادة وجب.
(المقدمة/28)

بالشرائع التي وضعها ... وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك» «1».
ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني. وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد «2». إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره، فعلا أو مصدرا، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة. فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية.
وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات: «والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد». وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية. وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية، بيد أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها.
ففي المجال البياني قيل: «لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القرآن، إلى معنى غير ما وضعت له، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل ... » «3».
وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجة (475 - 533 هـ) أن شرح بعد العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية، فيذكر في (تدبير المتوحد)، أنّ التوحّد مميّز من التصوف. فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه. إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث
__________
(1) الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1970، ص 157.
(2) جهامي، جيرار، الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، بيروت، دار المشرق، 1994، الفصل الأول.
(3) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة مصر، مجهول، ج 3، ص 50.
(المقدمة/29)

الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بواسطة المجاهدات. وذلك كله ظن وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع «1».
ويتابع ابن رشد (520 - 595 هـ) الدرب عينه ليلخص لنا موقفا مهما، جاعلا الخطاب الديني متوافقا مع ما يقرره العقل إما بالبيان الظاهر وإما بتأويل الدلالة من غير «أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء، التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي» «2». فالتشديد هنا يركّز على سلطتي العقل وبناء اللغة أو ما سمّي عادة لسان العرب.
ولا مندوحة عن القول بأن المصطلح العربي رافق التجربة اللغوية العربية والمعرفية الاسلامية بتعدّدها، فشكّل سيرورة بنائية دلالية معرفية، إذ تضمن في مراحله والمسار محطات رئيسة بارزة:
- اصطلاح على أسماء وألفاظ بين القوم لها موضع أول، أي دلالة حسية.
- دلالة بيانية دينية نقلت الألفاظ إلى مضامين مجردة وحادثة.
- دلالة اختصت بمعان عقلية مجرّدة حادثة ووافدة.
- دلالة على معان ليس لها اتصال لغوي أو معرفي في حياة العرب.
- دلالة على معاني علوم واختصاصات تطبيقية.
ولا بأس، فإنّ هذه المحطات تعبّر عن مجالات الدلالة في اللسن العربي وكيفية حدوث المعاني بسبر جامع لأكثر الحالات المتعلّقة بمفاصل حدوث المصطلح.
ولعلّنا نعثر في الكشاف على كل ذلك.
المصطلح بين الوقف والوضع:
وينقلنا ما تقدّم من تعرّف على دلالة المصطلح لغة إلى التعرّف على أصل المسألة الاصطلاحية ومنبتها. ويتمثّل ذلك في التساؤل: هل المصطلحات والألفاظ موضوعة وضعا مسبقا؟ أهي توقيف؟ وصيغ التساؤل قديما: هل وردتنا عن الله أم صنعها الانسان بعد أن خلقه الله؟ «3»
__________
(1) ابن باجة، رسائل ابن باجة الالهية، تحقيق ماجد فخري، بيروت، دار النهار، 1968، ص ص 53 - 55 وص ص 121 - 141.
(2) ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، المكتبة المحمودية، 1968، ص 16.
(3) الكفوي، أبو البقاء، الكليات، دمشق، الثقافة والارشاد القومي، 1981، ج 1، ص ص 201 - 202.
(المقدمة/30)

إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، وعربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال: (ع) تدلّ على صوت الزئير و (ا) الصوت المتكرر. ومثال الثنائي (عو) والثلاثي (عوى) «1». وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات. ويماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ، والموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد، والأمر يحصل عند الطفل تباعا.
ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه.
أما القدماء فوقفوا عند قوله عزّ وجل القائل وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة/ 31. فعلّق الجاحظ (160 - 255 هـ) قائلا: «لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي ...
ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسن فيه ... ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمّن بمعنى» «وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى» «2». وقيل أيضا: «إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له» «3» فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي.
فاللغة وضع في أساسها، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص «4».
وأعاد زكي الأرسوزي- القرن العشرين- هذا الاتجاه وتوسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) وصوت (س) المعبّر عن الحركة.
وذهب هذا المذهب في أوروبا ( Whitney)، ومن أشهر مؤلفاته: (حياة اللغة 1875) و (اللغة ودراستها 1876). واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى ( Semantique)، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى،
__________
(1) العلائلي، عبد الله، تهذيب المقدمة اللغوية، بيروت، دار النعمان، 1968،
(2) الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الخانجي، 1965، ج 1، ص 262.
(3) عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة، وزارة الثقافة، 1961، ج 8، ص 36.
(4) الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار صادر، ج 1، ص 326.
(المقدمة/31)

واللغة والفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، ولا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ ويرى هردر (1803 - 1744 Herder ) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما «أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي ... إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم» «1». وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا ودلالات، مبنى ومعنى، وبين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم، ويفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني. علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة، فعملوا على الصهر بينهما» لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة» «2». ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، «فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» «3»
وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية، وعيا أو لا وعيا. وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا وقوالبا، نشوءا وتقعيدا، إنشاء وعلاقات، نحوا وتفنينا- جناس بديع كناية تورية- أصواتا ودلالية ما.
وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، وللذهنية التي ولّدته. ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها، فحملت
__________
(1) Shaft ,Adam ,Langage et connaissance ,Paris ,Anthropos , 7691.p . 6.
(2) التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، دمشق، مطبعة الارشاد، 1964، ج 3، ص 49.
(3) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، ج 2، ص 47.
(المقدمة/32)

معارفهم، انها بعد تركيبي، لكنها معرفي تاريخي أيضا لم يضعه الفرد، فهي خارجة عنه فاعلة فيه.
بيد أنّ التجربة السلالية التاريخية لانتماء هذا الفرد المكاني عملت على ايجادها.
ولما كانت اللغة صنيعا بشريا فهي وضع، وبما أنّها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتى لها خصوصياتها، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي، أي العمل والاتصال، فهي عملية وتجريبية، إنها من العقل وفي العقل وللعقل، لأنّها بيانه.
«فليس الطريق بالنهاية في إنشاء ال ( Axiome، البديهة)، بل في العمل على معرفة الوقائع اللسانية واستدراك سوء المفهومية» «1».
ولا عجب أن نرى بأنّ مسألة اللفظ عند الألسنيين لها بعدان: بعد تعبيري له شكل ومادة، وبعد مضموني له شكل ومادة أيضا «2».
أما مادة التعبير فالحقل الصوتي، وشكله الاشارات الصوتية، بينما مادة المضمون الحقل الدلالي، وشكله المفهوم «3» - المعنى-
ولنبيّن الرأي المتعلّق بموضوعنا ومفاده:
- إن المصطلح ينحبس في عالم اللغة بنية مبنى وبنية معنى- حقل دلالي-.
- إن المصطلح يغني اللغة في حقل دلالاتها، فيحدث تأثيرا في البناء المعرفي للناطقين بها، أي ينقلهم من حال إلى حال، ويغني فكرهم، وربما أدّى تراكم هذا الاغناء إلى التأثير في مبنى اللغة، نحو مطواعيتها في التحديث المستمر.
والمصطلح ينطبق عليه القول المأثور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، حيث يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي، ومن ثمّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث. وقد استعملت التفعيل عوضا عن التركيب، تبعا لخصوصية العربية في الاشتقاق وليس في التركيب المقطعي.
__________
(1) يستشهد لالاند في معجمه بقول لا يبنتز هذا. Lalande ,OP .CIT .P .XIII
(2)Groupe M .,Rhetorique generale ,Paris ,Larousse , 0791.pp . 171 - 271.
(3)
Hjemslev. L., Prolegomenes a une theorie du langage, Paris, Minuit. p.
65.
(المقدمة/33)

المصطلح ودراسة المبنى:
ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي. ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة. إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف، والأصوات تتركب على نظم معين، وفي أنساق محددة، لتتميّز بنمط ما.
والمبنى متعلّق بالبيان، حيث يردّ اللفظ إلى بين ويدلّ على «1»:
- الظهور والوضوح. وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه، ولا سيما إذا علمنا أن (بين) على وزن (عين) يفيد الفصل، والبعد، والفرقة، ومنها المباينة.
- القدرة على التبليغ والفصاحة، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن، والافصاح مع الذكاء، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ.
- تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة، فقد ورد في القرآن الكريم: خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرحمن/ 3 - 4، فبعد الخلق، فصل الإنسان عن سواه بالبيان «2».
فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال. وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلا:
«المعاني القائمة في صدور الناس ... مستورة خفية ... وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها ... وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى» «3». ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى. إن النحو منطق العربية، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني «4». إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه. فالتعقيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقا للحياة في اللغة، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة. إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان.
وهذا ما حدث عند ما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو. كما إن «تتّبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم
__________
(1) Schaft ,Langage et connaissance ,p . 992.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة بين. والزمخشري، أبو القاسم، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت، دار الكتاب العربي، ج 4، ص 443.
(3) الجاحظ، البيان والتبيين، بيروت، احياء التراث، ج 1، ص 56.
(4) المرجع ذاته، ص 56.
(المقدمة/34)

المعاني والبيان» «1».
ونحن عند ما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربا بين المعارف واستعدادا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. ولنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويا، وأخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية. ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية.
والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان والحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها. وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والابدال والاشتقاق. علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز ( Diachronie) في اللفظ.
حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن synchronie ، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة «2».
وتختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له. وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري.
إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى
__________
(1) السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 3.
(2) Saussure .F .,Cours de Linguistique generale ,Paris , 0691.pp . 56 - 02.
(المقدمة/35)

تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان، ومن الأوزان إلى التفعيلات الأساسية ومن التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا.
وهذا يشابه تماما حركة (الاكسيوم) البديهيات في الرياضيات الحديثة، وعملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن. ولا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة ومنطق العلوم.
والمصطلح يرافق اللغة وبنيانها النحوي، ويلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها وتلاقحها كمحاولة الغزالي «1». ولنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية وروادا أوائل، تابع الآخرون خطاهم، مثل الكندي والفارابي قديما، والطهطاوي والبستاني حديثا. وقد شق هؤلاء وغيرهم دربا تعزّز، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات. وفي الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ، وأنّه يجنّ الكثير من الفعالية وعناصر التأثير في الفكر والعمل. لكن العودة إلى الأصل الثلاثي، البعد العمقي للبنيان، لم يلق انتباها عند البعض، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد. وهذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة والنقل الحالية.
علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان وتطال المعنى، وهي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها، وهي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن. وكأن الفارابي وعى صعوبة ذلك والإشكالية فقال: علم اللسان ضربان: «حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدلّ على شيء شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ. والقوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة ... » «2».
وكما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا، تنبّه له علماء أفاضل، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا
__________
(1) تميزت محاولة الغزالي بطبع المعاني المنطقية اليونانية بطبع العربية، حتى كادت المعاني تغترب أحيانا عن بعدها اليوناني آخذة الطبع العربي بخصوصيته والأبعاد للتوسع:
العجم، رفيق، المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية وخصوصياته الاسلامية، بيروت، دار المشرق، 1989.
(2) الفارابي، احصاء العلوم، القاهرة، ط 1949، ص 3 - 4.
(المقدمة/36)

محسوسا ثم مجردا فاصطلاحا. واقتصر الاصطلاح على عدة مجالات سابرا عدة قرون من العطاء الفكري والعلمي. والملفت أنّ جمع هذا الاصطلاح تم على يد غير العرب بجلّه، ولكن هؤلاء بالرغم من كونهم ليسوا عربا إلا أنّهم ممن ضمّتهم الثقافة العربية بالاسلام. فبذلوا جهدا متميّزا جمّاعا ابتداء من القرن التاسع الهجري. وأخص بالذكر الجرجاني، والكفوي التركي، والتهانوي والنكري الهنديين وغيرهم.
ولما استفاق العقل على مشارف القرن الثالث عشر الهجري لم يعط أهمية لعمل هؤلاء كحلقة وصل لنحت المصطلح الحادث، فحدث التفلت في تخيّر المصطلحات، وتمثّل ذلك بسقطتين:
أولاهما: عدم العناية التامة في تخيّر المصطلح بالوزن ودلالته وأبعاده.
ثانيتهما: غياب الاستئناس والانطلاق ممّا جمعه الموسوعيون من المصطلحات.
ضمن هذه الخلفية تحفّزت أعمالنا في إعادة نظم وتحقيق كشاف اصطلاحات العلوم والفنون وغيره من الأعمال المماثلة المقبلة التي ستلي بعون الله تعالى.
(المقدمة/37)

التّعريف بالمؤلّف والكتاب وعمليّة التّحقيق
ضمّ هذا القسم الموضوعات التالية:

1 - سيرة التهانوي
2 - أهمية الكشاف وطبيعته
3 - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق
4 - شكر وتقدير

1 - سيرة التهانوي
حياته:
يعتبر محمد أعلى بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي «1» (الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي) واحدا من العلماء المسلمين الذين لم يجزوا حظا وافرا من الدراسة والبحث والشهرة على الرغم من أنّ عطاءه الكبير المتمثّل في الكشاف ينمّ عن سعة أفق وغزارة معلومات عزّ نظيرهما، وقد أمليا عليه لقب الموسوعي الكبير الذي بزّ أقرانه في عالم الفكر الموسوعي. في حين سكتت المصادر العربية والاسلامية عنه أو أشارت إليه لماما وباقتضاب. لذا جمعنا أخباره ونشأته بجهد جهيد، وذلك من خلال العبارات المتناثرة والجمل الشاردة، التي كوّنت مجتمعة صورة عن هذا العالم الجليل. والأرجح أنّ هناك الكثير من حلقات حياته ما زالت مجهولة لم يستطع الوقوف على معرفتها، ولم يعثر على ما يهدي إليها سبيلا. من ذلك: ولادة الشيخ ووفاته تحديدا، رحلته في الحياة، شيوخه وتلاميذه والتعرّف عليهم. علما أنّ المصادر
__________
(1) الحسيني، عبد الحي، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، حيدرآباد، د. ت.
(المقدمة/38)

التي ذكرته كثيرة العدد «1» ضئيلة التفصيل في حياته، وربما استقت معلوماتها من مصدر واحد.
ومن ثمّ تباينت المصادر والمراجع في تفصيل اسمه، حيث ورد في دائرة المعارف اسمه محمد علي «2». كما ذكر جرجي زيدان في ترجمته أنه محمد صابر الفاروقي السنّي الحنفي التهانوي «3»، من غير أن يذكر شيئا عن أبيه أو جده مثلما فعل الحسيني. وجاء في فهرس الكتبخانة الخديوية المصرية: محمد بن محمد بن جابر «4».
وفي اكتفاء القنوع: محمد علي بن أعلى «5». بينما ذكر الزركلي وكحالة أنّه محمد بن علي «6».
والفاروقي نسبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإليه كانت تنسب دولة الفاروقيين في خنديش بالهند، حيث استقلت هذه الدولة عن دلهي عقب وفاة (فيروز تغلق) في أواخر القرن الثامن الهجري، واستمرت حتى أوائل القرن الحادي عشر الهجري. والسنّي نسبة إلى أهل السنة. والحنفي نسبة إلى مذهب أبي حنيفة الذي
__________
(1) يمكن سبر هذه المصادر والمراجع بالآتي:
مقدمة كشاف اصطلاحات الفنون. البستاني، دائرة المعارف بيروت، دار العلم للملايين، ط 8، 1989، 6/ 246 - 247. بروكلمان، الملحق، 2/ 628. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، مصر، 1913 - 1914.- دار الهلال بالقاهرة، 1957، 3/ 329. جميل، د. أحمد، حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي في القرنين 18 - 19، ص 21، وص ص 168 - 170. فنديك، ادوارد، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، مصر، 1313 هـ/ 1896 م، ص 328. صالحية، محمد عيسى، المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، ط 1، 1992، 1/ 266. الجزار، فكري، مداخل المؤلفين والاعلام العرب حتى عام 1215 هـ/ 1800 م، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1411 هـ/ 1991 م، 1/ 247 - 248. الدليل الببليوغرافي للقيم الثقافية العربية (مراجع الدراسات العربية)، اليونسكو، مصر، القاهرة، 1965، ص ص 262 - 263. عطية، عبد الرحمن، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث، بيروت، دار الأوزاعي، ط 2، 1404 هـ/ 1984 م، ص ص 69 - 70. ساجقلي زاده، الشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي، ترتيب العلوم، تحقيق محمد بن اسماعيل السيد أحمد، بيروت، دار البشائر الاسلامية، ط 1، 1408 هـ/ 1988 م، ص ص 47 - 50. الزركلي، خير الدين، الاعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط 8، 1989، 6/ 295. سركيس، اليان، معجم المطبوعات العربية والمعربة، مصر، 1346 هـ/ 1928 م، ص 645.
البغدادي، اسماعيل باشا، هدية العارفين، استنبول، 1951 - 1955، 2/ 326، وإيضاح المكنون، استنبول، 1945 - 1947، 2/ 353. نويهض، عادل، معجم المفسرين، بيروت، ط 3، 1409 هـ/ 1988 م، 2/ 592.
كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، دمشق، 1957 - 1961، 11/ 47 فهرس الكتبخانه الخديوية المصرية (اللغة)، مصر، 1308 - 1310 هـ، 4/ 179. فهرس المكتبة الأزهرية، القاهرة، 1950، 6/ 226.
(2) دائرة المعارف، 6/ 246.
(3) تاريخ آداب العربية، 3/ 329.
(4) الكتبخانة، 4/ 179.
(5) ص 328.
(6) الاعلام، 6/ 295، معجم المؤلفين، 11/ 47.
(المقدمة/39)

كان سائدا ولم يزل في بلاد الهند وما جاورها. أما التهانوي فنسبة لبلدة صغيرة تدعى (تهانه بهون) من أعمال مظفر نكر بالهند ومن ضواحي دلهي. وإلى هذه البلدة ينسب عدد من العلماء منهم:
الشيخ عبد الرحيم التهانوي (- 1223 هـ)، الشيخ محمد بن حمد الله التهانوي (- 1296 هـ)، وسبطه أحمد الله التهانوي وقطب الزمان إمداد الله التهانوي الفاروقي الصابري المهاجر المكي وغيرهم.
هذا ولم تمدنا المصادر والمراجع التي ذكرت التهانوي صاحب الكشاف، في شيء ولو يسير عن مولده. ولكن المرجّح لدينا أنّه ولد في أواخر القرن الحادي عشر الهجري. وذلك أنّ معظم المؤرخين اتفقوا على أنّه من علماء القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وأنّ تأليف الكشاف وقع في حدود عام 1158 هـ/ 1745 م. إضافة إلى دليل آخر مفاده ادراك التهانوي لعصر عالمكير. وعالمكير هذا هو العالم الامبراطور (أورنك ذيب) الملقّب بعالم گير (1069 - 1119 هـ/ 1658 - 1707 م) علما أنّ مؤرخي الحركة العلمية والثقافية في عصر المغول ذكروا هذا العالم القائد، وتحدثوا عن اهتمامه الشديد بالعلوم النقلية والعقلية، وعمله الدءوب في نشر الاسلام وعقيدة أهل السنة، فضلا عن اهتمامه بالفتاوى الفقهية، حتى أنّه طلب من بعض الفقهاء وضع كتاب في ذلك سمّي بالفتاوى العالمكيرية.
ومثلما ساد الغموض والتحديد مولد التهانوي فكذلك الأمر بالنسبة لوفاته. إذ غيّبت المصادر والمراجع تاريخ الوفاة. بل كل ما يستفاد منها ومن الكشاف أنّه كان حيا عام 1158 هـ، عند انتهائه من وضع معظم نصوص الكشاف.
وهذا التاريخ أيضا ترافق مع أفول دولة المغول، لذا لا نستطيع الجزم ما إذا كان قد عاش بعد هذا التاريخ لسنوات طويلة أم قليلة. ولم يذكر عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر شيئا عن ذلك، وهو أقدم من أرّخ للتهانوي وعنه أخذ الباقون.
أمّا ما ورد في الكشاف من الارتكان إلى بعض المراجع التي ظهرت في بداية القرن الثالث عشر الهجري، فهذا من عمل واضافات تلاميذه من الذين تابعوا ضبط الكشاف ونصوصه.
ثقافته ومؤلفاته:
تنوعت ثقافة التهانوي وتعدّدت مشارب علومه لغة وفقها وحديثا وتاريخا وفلكا
(المقدمة/40)

وفلسفة وتصوفا وغير ذلك. وهو الذي نشأ في بيت علم حيث كان والده من كبار العلماء، لقّب بقطب الزمان. ولاقت الأسرة والابن ضمنها تبجيل وتقدير المجتمع لنسبها إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، ممّا عكس نفسه على تنشئة الولد النابه، فزاده ذلك دافعا وزخما.
والمتتبّع للحركة العلمية التي سادت الهند آنذاك، يجد أنّ هذه الحركة عميقة الجذور متأصلة في التربة منذ أيام الغزنويين قبل عدة قرون، حيث انتشرت المعاهد العلمية وتأسّست المدارس، ولا سيما ما أنشأه السلطان محمود في غزنة. أضف إلى ذلك اهتمام السلاطين المتتابع في المكتبات وإعلاء دورها وتأثيرها، ممّا وفّر المصادر والمراجع الكثيرة بين أيدي طلاب العلم والعلماء.
في هذا الجو المفعم بالزاد والنشاط العلميين عاش التهانوي، فنهل من ينابيع المعرفة وبحار العلم. وجال على الحواضر يلتقي العلماء ويستمع إليهم يأخذ عنهم وينكب على بحثه. فلا عجب إن أورد في تقديمه الكشاف فيما أورد: «لما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي، شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبيعية والالهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والأسطرلاب ونحوها. فلم يتيسر لي تحصيلا من الأساتذة فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أو ان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها ... ».
وما ان نشر كتاب الكشاف واطلع عليه الباحثون والمؤرخون حتى انبروا إلى تقريظ التهانوي والثناء عليه بعبارات المدح وصيغ التبجيل. ومما قالوا عنه: باحث هندي «1»، لغوي «2»، كان إماما بارعا عالما في العلوم «3» ومصطلحاتها «4». والتهانوي مصنّف الكشاف حسنة من حسنات الاسلام الهندي «5».
وبعد الاطلاع على موسوعة الكشاف لا يسعنا القول أمام هذا الانجاز العظيم
__________
(1) الاعلام، 6/ 295.
(2) معجم المؤلفين، 11/ 47.
(3) دائرة المعارف 6/ 246.
(4) حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي، ص 168.
(5) مقدمة الكشاف، ط الهند، ص و.
(المقدمة/41)

سوى الاقرار بأعلمية وموسوعية التهانوي التي فاقت كل عمل معجمي وموسوعي في العلوم حتى عصره.
ويبدو أن التهانوي قد ترك مؤلفات عدة وصلنا منها ثلاثة. ولم نعلم إن كتب سواها فضاعت أم اكتفى بها. وهي:
أولا: «أحكام الأراضي». يوجد في المكتبة الهندية تحت رقم 1730، ومكتبة بانكى پور تحت رقم 1599. ويقع الكتاب في 19 ورقة، يشتمل على الأبواب التالية:
أ- في بيان معنى دار الاسلام ودار الحرب.
ب- في بيان أحكام أراضي دار الاسلام.
ج- في بيان أنواع الأراضي وأحكامها.
والكتاب لم يزل مخطوطا لم يطبع بعد.
ثانيا: «سبق الغايات في نسق الآيات». وهو كتاب في تفسير القرآن الكريم، ذكر بعض المترجمين أنّه للتهانوى «1»، وطبع بالهند عام 1316 هـ.
ثالثا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، وهو الكتاب الذي نحققه بحلّة جديدة. وهو أشهر كتبه بل أشهر الأعمال الموسوعية. فقد نال حظا وفيرا لدى أهل العلم والاختصاص. طبع الكتاب مرات عدة، هي:
أ- طبع بالهند لأول مرة عام 1862 م على يد جمعية البنغال الآسيوية من سلسلة المكتبة الهندية، كلكتا، وصحّحه المولوي محمد وجيه والمولوي عبد الحق والمولوي غلام قادر. واهتم به المستشرق النمساوي لويس سبرنغر التيرولي (- 1310 هـ/ 1893 م). والمستشرق الايرلندي وليم ناسوليس. وصدرت هذه الطبعة في مجلدين كبيرين عدد صفحاتهما 1564 صفحة.
ب- الطبعة الثانية كانت بالآستانة عام 1317 هـ، وهذه الطبعة ليست كاملة حيث انتهى الكتاب بفصل الياء من باب الصاد، في مجلد واحد كبير، عدد صفحاته 955 صفحة كبيرة، يليها خمس صفحات تتضمن استدراكات على الأخطاء الواردة في الطباعة.
ج- الطبعة الثالثة كانت بتحقيق لطفي عبد البديع وعبد المنعم محمد حسنين، وراجعه
__________
(1) معجم المفسرين 2/ 592، الاعلام 6/ 295، نزهة الخواطر 6/ 278، معجم المطبوعات العربية، ص 65، معجم المؤلفين 11/ 47، حركة التأليف باللغة العربية ص 171.
(المقدمة/42)

أمين الخولي، وصدرت عن مطبعة السعادة بمصر عام 1382 هـ/ 1963 م، تحت اشراف وعناية وزارة الثقافة والارشاد القومي. وكانت هذه الطبعة في أربعة أجزاء، وهي غير كاملة حيث توقفت عند حرف الصاد، كما هي حال طبعة الآستانة.
د- ثم صوّر في مكتبة صادر ولدى شركة خياط في بيروت. والصورتان تحصّلتا عن طبعة كلكتا.
والجدير بالذكر أنّ جميع هذه الطبعات، على تعدادها اكتفت بنشر النص فقط، باستثناء الطبعة المصرية التي حاول فيها المحققون أن يعزوا الأقوال إلى مكانها في المصادر والمراجع ويعودوا إليها أحيانا، هذه الأقوال التي اعتمد عليها التهانوي في كشافه. ولم يتبعوا هذا المنهج في كل أمكنة النص، كما أنّهم نقلوا النص الفارسي إلى العربية.

2 - أهمية الكشاف وطبيعته.
ما إن ظهرت طبعة الكشاف بكلكتا عام 1278 هـ/ 1862 م، حتى انبرى العلماء ينكبون على الكتاب ينهلون من معينه، يمتدحونه ويثنون على مؤلفه بخير العبارات وأفضلها. إذ وجدوا فيه برد اليقين والمرجع الرصين والعلم الواسع والزاد اللغوي الوافر. وبه جمع التهانوي اصطلاحات العلوم والفنون وعرّف بها مع شرح لموضوعاتها واطناب في تشعباتها، وايراد لأعلام المتخصصين فيها، وثبت لأمهات مصادرها. حتى كاد المصطلح أو الفن أحيانا يضج بشواهده ويسبر غوائر دلالاته، فأضحى كل ذلك تأريخا شاملا لعلوم العرب والمسلمين على امتداد حقبتهم الحضارية المزدهرة، وإبان انبلاج قرائحهم وانفتاحها، وتمثّلها علوم السابقين المتقدمين مع ملاحقة أعمال المتأخرين.
فلا غرو إن مثّل الكشاف مختصرا لسبر وفير للمفردات والمعاني والمصطلحات العربية والاسلامية في تعدّد دلالاتها، التي تنمّ عن تجربة كبيرة في ميادين المعرفة وتفرّعات اللغة والعلوم النظرية والكسبية والعملية والسلوكية. هذا في طبيعته والبناء، أما في غايته والهدف فإنّه معلمة جمع لما كان ومحطة وصل لما سيكون.
إذ به ومنه يستعان في وضع الاصطلاح الجديد عبر تجوّز اللفظ والتجويز، كما هي عادة لسان العرب. فعبره يمكن توظيف الكثير من الاصطلاحات لمدلولات حادثة بواسطة خيط رفيع يربط بين المعنيين القديم والجديد أو مناسبة أو قياس.
(المقدمة/43)

ولا سيما أنّه بحقله والمعاني مغروس في وعي الذهنية العربية والاسلامية، قابع في اللامفكر به داخلها، وكل نشاط مستجد لن يخرج عن أرضيتها وبنائها. ففي هذه الذهنية وبها يتمثّل المعنى وينطلق اللفظ معبّرا عمّا في الافهام بعد هضمها في الأذهان، عندها يتم الاذتهان ونتمثّل العلوم العصرية خير تمثّل وبأفضل استقلاب مماثلة لما يحدث في العضويات.
قيل في الكشاف: «هو معجم عظيم النفع للمصطلحات العلمية والفنية، يغني عن مراجعه آلاف من الصفحات وعشرات من الكتب. كفى تقديرا له أنّ علماء العرب تلقوه بالقبول، وعلماء الغرب عملوا على نشره» «1».
وذكر أيضا: «والكتاب لا يستغني عنه دارس لجوانب المعرفة التراثية، وبخاصة في ميادين العلوم المختلفة كالطب والفلسفة والرياضيات والتصوف والفقه ... » «2».
كما وصف أيضا بأنه: «ابتكار جديد في الكتب والأدوات المساعدة في التصنيف أكثر منه في التصنيف نفسه، إذ إنّ في تصنيف العلوم قد كتب من كتب ... ولكن كثيرا من مشكلات التصنيف نجد حلا لها في هذا الكشاف. فالصياغات اللفظية لها مدلولاتها في الذهن والواقع» «3».
ولقد وضع العلماء المسلمون عددا من الموسوعات العلمية والمعاجم الشاملة التي تعين الباحث على مبتغاه؛ مثل جامع العلوم الملقّب بدستور العلماء لأحمدنكري، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، والتعريفات للجرجاني وغيرها، ولعلّ أوسع هذه الكتب وأشملها كتاب الكشاف.
الباعث على تأليف الكشاف:
يقول التهانوي عن باعثه إلى انتهاض الجد وتشمير العزم وتوكيد الحزم وتنفيذه فيما حفزه إلى هذا العمل الشاق الواسع:
«إنّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فان لكل علم اصطلاحا خاصا به، إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، ولا إلى انقسامه دليلا. فطريق علمه إما الرجوع إليهم
__________
(1) أحمد، د. جميل، حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي، ص 21 و 169.
(2) عطية، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث ص 70.
(3) ساجقلي زاده، ترتيب العلوم، ص 47.
(المقدمة/44)

أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة ... ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها، كي لا يبقى حينئذ للمتعلم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوعا. فلما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية ... شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم من الحكمة ... فصرفت شطرا من الزمان في مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها على ترتيب حروف التهجي كي يسهل استخراجها لكل أحد.
فحصّلت في بضع سنين كتابا جامعا لها. ولما حصل الفراغ من تسويده سنة 1158 هـ، جعلته موسوما وملقّبا بكشاف اصطلاحات الفنون ... » «1».
إذا، كان الغرض الأساسي الذي سعى إليه التهانوي التوفير على طالب العلم الجهد والوقت اللذين يبذلهما في أثناء التعرف على معنى متشعب الدلالات متنوع الموضوعات حيث يضيع بين طيات عشرات الكتب اللغوية والعلمية وربما لا يهتدي إلى مقصوده ولا يجد إليه سبيلا.
منهج الكشاف:
جاء الكشاف استجابة لملء الفراغ في المكتبة العربية والاسلامية. وقد استقصى فيه التهانوي بحث المعاني وايرادها على مختلف دلالاتها متدرجا من الدلالة اللغوية إلى الدلالة النقلية فالعقلية ثم العلمية. وتوسّع أحيانا في ايراد المسائل التي اقتضاها البحث في مجال من المجالات وأسهب. وسار على المنوال نفسه في بعض الألفاظ الفارسية التي طعّمها في الكتاب ولا سيما في آخره، والتي وضعناها تبعا لرسمها ولفظها وبالتسلسل الألفبائي مع العربية.
وكان يعتمد في كل شرح على الكتب المعتبرة في العلوم المختلفة فيذكرها ويذكر أحيانا أصحابها، بمثل ما يورد الثقات من العلماء والمؤلفين، ويعمد أحيانا إلى ايراد المظان التي نقل عنها بارسالها في ثنايا المادة أو في آخرها.
__________
(1) مقدمة الكشاف، ط الهند، ص ص 1 - 2.
(المقدمة/45)

وكما ذكرنا فالكشاف موسوعة كبيرة جمعت المصطلحات والمفردات الخاصة بالعلوم المعروفة حتى زمان التهانوي، وربما قيل انه استطاع جمعها أو جمع معظمها، لكن لم يسبرها كلها. فهذا فوق طاقته، إذ الوسائل في عصره لم تكن متوفرة كما هي حال استخدام الآلات الآن، إضافة إلى المراجع.
رتّب التهانوي كشافة ترتيبا هجائيا الفبائيا في أبواب بحسب أوائل الحروف، ثم رتّب مادة كل باب في فصول تتسلسل الفبائيا، ولكن تبعا لأواخر الحروف. فمثلا نجد (أدب) و (أوبة) في باب واحد هو باب الهمزة، وفي فصل واحد ضمن هذا الباب وهو فصل الباء، لأنّ كليهما ينتهي بحرف الباء.
ومن ثمّ افتتح التهانوي كتابه بمقدمة بسطها خطته المنهجية في التأليف. فتصدّرت المقدمة شروح في تبيان العلوم المدوّنة وما يتعلق بها، وعرضت وجوه تقسيم العلوم إلى نظرية وعملية على عادة تصنيف الحكمة لذلك. ثم جاء استعمال كل علم وغايته.
كما فرّعت العلوم إلى عربية وغير عربية، وشرعية وغير شرعية، وحقيقية وغير حقيقية، ونقلية وعقلية، وإلى علوم جزئية وغير جزئية.
انتقل التهانوي عقبها إلى ذكر مباحث في فلسفة التصنيف تنمّ عن عقلية متبحّرة في هذا المضمار، وتعمّق في التعريفات من حيث الذات والعرض وأحوالهما، ومن تحديد لحيثية الموضوع.
والملفت البارز في المقدمة ما سمّاه التهانوي بالرءوس الثمانية، وهي معايير ومواصفات تضبط المادة وتقيّدها وتضمن سلامتها من الزيف، وهي:
1 - الغرض من تدوين العلم أو تحصيله.
2 - المنفعة، أو الفائدة المجتناة من العلم.
3 - السّمة، أي التسمية، عنوان الكتاب.
4 - المؤلف، وهو مصنف الكتاب.
5 - من أي علم هو.
6 - في أي مرتبة هو، أي بيان مرتبة العلم بين العلوم.
7 - القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها.
8 - الانحاء التعليمية، وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، كالتقسيم والتحليل والتحديد والبرهان.
ولعلّ التهانوي يوزع العلوم ببعد خاص، فيجعلها على ثلاث تصنيفات عامة:
(المقدمة/46)

أولا: العلوم العربية، التي يقسمها إلى أصول وفروع، ويجمعها على عشرة علوم: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي والنحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة.
ثانيا: العلوم الشرعية الدينية، ويفصّلها على النحو التالي:
علم الكلام أو الفقه الأكبر أو التوحيد والصفات، علم التفسير، علم القراءة- قراءة القرآن الكريم-، علم الاسناد، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الفقه، علم الفرائض، علم السلوك.
ثالثا: العلوم العقلية، وهي التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، وهي:
المنطق وأصوله التسعة، والحكمة وأقسامها: الإلهي والرياضي والطبيعي.
وفروع ستة. والطبيعي له أصول ثمانية وفروع سبعة.
وتجدر الاشارة إلى أنّ مواد الكشاف التي وردت بعد المقدمة انشطرت شطرين ضمن فنين:
الفن الأول: تضمن الألفاظ المصطلحة العربية، وهو الأعظم حجما ومادة، وورد فيه بعض الألفاظ غير المصطلحة، واشتمل على أبواب والأبواب على فصول.
الفن الثاني: ووردت فيه الألفاظ الأعجمية بالترتيب الهجائي، وهي ضئيلة العدد.
وقد بلغ عدد المصطلحات الواردة في الكشاف من الفنين ثلاثة آلاف وخمسة وأربعون مصطلحا، تفاوتت في توزيعها بحسب نظمنا لها، فكان نصيب حرف الميم من أكثرها ثم الألف فالتاء فالحاء فالعين وهكذا.
رحم الله التهانوي العالم الموسوعي والشارح المدقّق رحمة واسعة. ويكفيه فضل أنّه أدرك حاجة طلاب العلم والمكتبة العربية والاسلامية إلى هكذا عمل، فسدّ ثغرة، وتخطّى مرحلة، واختزل جهد مجموعة، حتى قورن عمله، فظنّ به صدى لما قام في أوروبا من أعمال معجمية موسوعية، دأبت عليها لتحقيقها جماعات ووحدانا، وانفرد هو بصبره وإيمانه في إنجاز مشابه، خصّ العربية وأتحف الاسلام. ندعو الله أن يجزيه جزيل الثواب والمغفرة لقاء صنيعه، ونحمده عز وجل، نعم المولى ونعم النصير.
(المقدمة/47)

3 - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق.
توزّعت أعمال الفريق على ثلاث شعب رئيسية هي:
تحقيق النص ونظمه، نقل النصوص الفارسية إلى العربية، اختيار الألفاظ الأوروبية المقابلة للمصطلحات.
قام بتحقيق النص وضبطه الدكتور علي دحروج يساعده فريق كبير من الباحثين سنأتي على ذكرهم لاحقا، وتولّيت توزيع العمل بينهم مع المشاركة والمراجعة خطوة خطوة.
أنجز الشيخ د. عبد الله الخالدي نقل النصوص والعبارات الفارسية جميعها إلى العربية. وأشرفت على المادة توزيعا وضبطا فقط.
وضع الدكتور جورج زيناتي الألفاظ المقابلة لمصطلحات الكشاف في الانكليزية والفرنسية وأحيانا في اللاتينية. أما في الالمانية فهي لغة حديثة نسبيا وبعيدة عن مقابلة علوم المسلمين التي ظهرت في فترة سابقة عليها. وشاركت في توزيع العمل والمراجعة.
تدرّج التحقيق وترتّب على مراحل عدة نوجزها بما يلي:
- إعادة تبويب المادة على أساس المصطلح المستقل.
- ايراد المصطلحات وموادها متتالية تبعا للتسلسل الألفبائي وبحسب رسم كل مصطلح وتتابع حروفه كما أشرنا، وذلك من غير اعتبار لأل التعريف وللجذر اللغوي. وقد قام بذلك «الكمبيوتر» الحاسوب، بعد أن أعددنا له لوائح المصطلحات منظّمة على أحرف الألفباء للحرف الأول فيها.
- بقي مضمون مادة المصطلح أو ما سنتعارف عليه بالنص والمتن كما هو من غير مسّ. وضبطت بعض حركاته بالتنوين عند الاقتضاء، تحاشيا للإشكال فقط، من غير قاعدة واحدة، والغرض التيسير على القارئ.
- ولقد اعتمد نص الطبعة الهندية في المتن، وإن وجد فيه نقص أضيفت كلمة أو عبارة من طبعتي: العثمانية والمصرية، وذلك بعد مقارنة كل طبعة على المتن الأصلي.
وإن عثر على فارق أشير في الهامش إلى ذلك الفارق. وفي جميع الأحوال عند وجود النقص أو الفارق أشير في الهامش إلى كل ذلك، مع تثبيت الكلام المختلف ووضع أمامه رمز الطبعة وعلامة زائد عند الزيادة وناقص عند النقص. كما رمز
(المقدمة/48)

للطبعة العثمانية (ع) وللمصرية (م). لكن من المعلوم أن الطبعتين وقفتا عند نهاية حرف الصاد وداخلهما بعض من حرف الميم.
- نقل النص الفارسي المنبث في ثنايا المادة إلى الهامش كما هو، ووضع مكانه معناه في العربية حسبما آلت إليه الترجمة. وتم الاكتفاء بتعريبه من دون التعريف بالأعلام وبأسماء الكتب الواردة في متنه لتعذّر ذلك مرجعيا. كما ميّز الكلام العربي المترجم في المتن لفصله عن كلام التهانوي بخط أشد سوادا.
- سبرت وحصرت في النص العربي العناصر التالية: آيات القرآن، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الاعلام، أسماء الكتب، المصطلحات الغريبة، الفرق، القبائل، الأمكنة.
- ولقد تم بعد حصر هذه العناصر الآتي:
* تخريج آيات القرآن بايراد السورة ورقم الآية في الهامش. ووضعت الآية بين هلالين متوجين في المتن.
* اسناد الأحاديث وتصويبها عند الاقتضاء في الهامش انطلاقا من الصحاح والمسانيد وكتب الحديث المعهودة. ووضع الحديث في المتن بين «».
* التعريف بالاعلام في الهامش بالاعتماد على أكثر من مرجع مع ذكر المراجع مختصرة.
* التعريف بأسماء الكتب وأصحابها مع ذكر تاريخ وفاتهم بوضع علامة (-) قبل السنة، والارتكاز في ذلك على مرجع أو أكثر مختصر. كل ذلك في الهامش.
* شرح بعض المصطلحات والتعليق عليها، ولا سيما تلك التي تحمل أبعادا فلسفية. كذلك الأمر في الهامش.
* التعريف بالفرق والقبائل والأمكنة.
اعتمدنا في جل شروحنا بالهامش، معظم الأحيان، على التاريخين الهجري والميلادي. وممّا يلفت إليه كثرة الأخطاء الواردة في النص وفي كل النسخ على اختلاف طبعتها. وربما كان مرد الأمر النسخ أو الطباعة. وتجلّى ذلك في ورود عدد من أسماء الأعلام والكتب مصحّفة، فصوبنا ما استطعنا إليه سبيلا عن قاعدة ومرجع. وقد زاد كل ذلك في الصعوبات.
كما ورد عدد من الأحاديث النبوية بالمعنى دون اللفظ، فاقتضانا ذلك الاشارة وايراد الحديث أحيانا.
وإن قصرنا عن التعريف ببعض الاعلام وأسماء الكتب التي لا تتجاوز العشرة فمرد الأمر التصحيف أو عدم وجودها في المراجع المتوفرة.
(المقدمة/49)

وتبيّن أنّ التهانوي كثيرا ما ينتقل في شرحه من العربية إلى الفارسية، لكن الجلي في شروحه الفارسية أنّه قد تعلم هذه اللغة وليس هو ابنها، ويستدل ذلك من بعض الأخطاء أحيانا أو المبالغة أو البساطة تارة والتعقيد طورا. بل حوّرت أحيانا بعض الألفاظ، والمعروف أنّ أصلها هندي، ولا سيما أن الكاتب هندي. فيستفاد من ذلك أن التهانوي غريب عن الفارسية وأتقنها كما حاله مع العربية، ومع الفارق بين اللغتين لجهة تملكه نواصي العربية.
لكن النقل من الفارسية إلى العربية تحصّل يسيرا من غير صعوبات لتشارك اللغتين في المعنى ومساهمتهما معا في الحضارة الاسلامية.
أما الصعوبات المتعددة فقد تأتّت عند نقل المصطلح من العربية إلى الأوروبية.
فعلى الرغم من أنّ جزءا من ذاكرة الحضارة الغربية جاء من الحضارة العربية، حين كانت هذه تحتضن شتى العلوم، إلا أنّ هوة شاسعة زادت من الفصل بينهما تباعا.
حيث تغيرت كثيرا المعطيات العلمية، وطريقة فهم الأشياء. ففي الطب مثلا بقي عدد من أسماء الأمراض على حاله وتغيّر العديد، أما في الأدوية وتصنيفها، وإن احتفظت بشيء من قدمها، فقد تغيرت كثيرا. وفي علم الهيئة والفلك أخذ التنجيم حيّزا هاما في الموسوعة، بينما لم يعد مهما في أوروبا، حيث ظهرت مصطلحاته. وتبدّلت النظريات الفلكية وقياس أبعاد الكواكب كليا. وممّا تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد مثلا أنّ علمي الرمل والجفر قد اختفيا تماما من المصطلح العلمي المعاصر، بينما كان لهما اعتبار مرموق في الكشاف.
ولم يخل الأمر من مفاجآت إبّان الترجمة، إذ يوجد مرض ما أو انحراف حسابي لا وجود لمقابل له في الأوروبية، ممّا يدفع إلى جهد جهيد للتفتيش والاستنباط أحيانا. وربما وجد مصطلح متعارف عليه كلفظ محمولات الذي درج في المنطق عند العرب، لكن اصطلح عليه آنذاك على غير ما تعارفنا عليه. حيث دلّ على دواء خاص وطريقة استعمال، وربما قابل ما ندعوه اليوم «تحميلة».
وأخيرا فمن صعوبات الترجمة ما أدخله المتصوفة بقوة على المصطلحات الشرعية والعلمية من دلالات لا تخصّ معناها الأصلي. حيث استخدموا المصطلحات عينها بعد تحويرها جزئيا أو كليا عن حقلها الدلالي واعطائها معنى من عندياتهم ومن لدن تبدّياتهم. وليس أمام الناقل إلا التمعّن في ذلك وعدم تجاهله وتخيّر المقابل السليم المعبّر.
(المقدمة/50)

وقد خلصنا بعد اتمام العمل هذا إلى جملة فهارس زادت العمل اغناء، وستيسر على طالب العلم والقارئ تيسيرا، وتساعده في الوصول إلى مبتغاه ومطلوبه سريعا.
وقد جمعت هذه الفهارس على:
- فهرس أسماء الاعلام تبعا لتسلسلها الألفبائي وبحسب ورودها في صفحاتها.
- فهرس أسماء الكتب ألفبائيا أيضا، مع ذكر ورودها في صفحاتها.
- فهرس للمصطلحات الأوروبية اعتمادا على ذكر المصطلح الأول الانكليزي الفبائيا ومقابله الفرنسي والعربي، تبعا لورودها في صفحاتها.
- فهرس مصطلحات الكشاف كما وردت ألفبائيا مع ذكر صفحاتها. وهذا الفهرس هو بمثابة فهرس المحتويات.
كما لا بدّ من ذكر مختصر للرموز المعتمدة في عملنا:
الهلالان المتوجان: خاص بالآيات القرآنية.
«» المحصوران: خاص بالأحاديث النبوية الشريفة.
ع رمز النسخة العثمانية.
م رمز النسخة المصرية.
(+) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة زائدة.
(-) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة ناقصة.
- ... هـ يشير إلى وفاة علم أو صاحب كتاب.
[] المعقوفان خاص بكلام ورد ضمنهما زيادة على نسخة الهند.
بيروت
الأول من محرم 1416 هـ - 30 أيار 1995 م
رفيق العجم
(المقدمة/51)

[الجزء الأول]

[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان، وخصّصه بروائع الإحسان، وميّزه بالعقل الغريزي وأتم العرفان. والصلاة على من وجوده رحمة للعالمين، محمد رسول الملائكة والثّقلين أجمعين، أفضل مجموع الملائكة والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الذين بهم طلع شمس الحقّ وأشرق وجه الدين، واضمحلّ ظلام الباطل، ولمع نور اليقين.
وبعد، يقول العبد الضعيف محمد على «1» بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي انّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فإنّ لكل [علم] «2» اصطلاحا خاصا به إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، وإلى انغمامه «3» دليلا.
فطريق علمه إمّا الرجوع إليهم أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة كبحر الجواهر «4» وحدود الأمراض «5» في علم الطب واللطائف الأشرفية «6» ونحوه في علم التصوّف، ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلّف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها كي لا يبقى حينئذ للمتعلّم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلّا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوّعا.
فلمّا فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي شمّرت عن ساق الجدّ إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبعية «7» والإلهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والاسطرلاب ونحوها، فلم يتيسّر تحصيلها من الأساتذة، فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة، في كل باب باب يليق بها على ترتيب حروف التهجّي كي يسهل استخراجها لكل أحد، وهكذا اقتبست من سائر العلوم فحصّلت في بضع سنين
__________
(1) أعلى (م).
(2) علم (+ م).
(3) انفهامه (م).
(4) بحر الجواهر في تحقيق المصطلحات الطبية من العربية واللاتينية واليونانية لمحمد بن يوسف الهروي الطبيب الذي كان يعيش بعد سنة 924 هـ/ 1518 م. طبع الكتاب في كلكوتا باعتناء حكيم أبو المجاد سنة 1830 م. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، 3/ 164.، GALS ,II ، 592.
(5) حدود الأمراض لمحمد أكبر الأرزاني. GALS ,II ، 1030.
(6) اللطائف الأشرفية أو لطائف أشرفي للسيد الأمير أشرف جهانگير ابن السلطان ابراهيم السمناني (- 808 هـ) إيضاح المكنون، 3/ 403
(7) الطبيعية (م).
(1/1)

كتابا جامعا لها.
ولمّا حصل الفراغ من تسويدها سنة ألف ومائة وثمانية وخمسين جعلته موسوما وملقبا بكشّاف اصطلاحات الفنون، ورتّبته على فنّين: فن في الألفاظ العربية، وفنّ في الألفاظ العجمية.
ولمّا كان للعلوم المدوّنة نوع تقدّم على غيرها من حيث إنّا إذا قلنا هذا اللفظ في اصطلاح النحو موضوع لكذا مثلا وجب لنا أن نعلم النحو أولا، وكان ذكرها مجموعة موجبا للإيجاز والاختصار والتسهيل على النّظار ذكرتها في المقدمة، فنقول مستعينا بالوهّاب العلّام.
(1/2)

المقدّمة في بيان العلوم المدوّنة وما يتعلّق بها
العلوم المدوّنة: وهي العلوم التي دوّنت في الكتب كعلم الصرف والنحو المنطق والحكمة ونحوها.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا؛ فقيل: لا يشترط في كون الشخص عالما بعلم أن يعلمه بالدليل؛ وقيل:
يشترط ذلك حتى لو علمه [أحد] «1» بلا أخذ «2» دليل يسمّى حاكيا لا عالما، وإليه يشير كلام المحقق عبد الحكيم «3» في حاشية فوائد الضيائية «4» حيث قال: من قال العلم عبارة عن العلم بالمسائل المدلّلة جعل العلم بالمسائل المجرّدة حكاية لمسائل العلوم، ومن قال إنه عبارة عن المسائل جعله علما انتهى.
وبالنظر إلى المذهب الأول ذكر المحقّق المذكور في حواشي الخيالي «5» من «6» أنّ العلم قد يطلق على التصديق بالمسائل، وقد يطلق على نفس المسائل، وقد يطلق على الملكة الحاصلة منها.
وأيضا مما يقال كتبت علم فلان أو سمعته، أو يحصر في ثمانية أبواب مثلا هو المعنى الثاني، ويمكن حمله على المعنى الأول أيضا بلا بعد، لأن تدوين المعلوم بعد تدوين العلم عرفا، وأمّا تدوين الملكة فممّا يأباه الذوق السليم انتهى. وما يقال فلان يعلم النحو مثلا لا يراد به أن جميع مسائله حاضرة في ذهنه، بل يراد به أنّ له حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ لتفاصيل مسائله، بها يتمكّن من استحضارها، فالمراد بالعلم المتعلّق بالنحو هاهنا هو الملكة وإن كان النحو عبارة عن المسائل، هكذا يستفاد من المطوّل وحواشيه «7».
__________
(1) أحد (+ م).
(2) أخذ (- م).
(3) عبد الحكيم، هو عبد الحكيم بن شمس الدين محمد الهندي السيالكوتي الپنجابي. توفي حوالي العام 1067 هـ/ 1656 م. من أهل سيالكوت التابعة للاهور بالهند. فقيه حنفي، عالم بالتفسير، والعقائد، وكان من كبار العلماء وخيارهم. وله الكثير من التصانيف، الأعلام 3/ 283، معجم المفسرين 1/ 258، خلاصة الأثر 2/ 318، معجم المطبوعات 1068، أبجد العلوم 902، هدية العارفين 1/ 504، إيضاح المكنون 1/ 140، معجم المؤلفين 5/ 95.
(4) حاشية الفوائد الضيائية لعبد الحكيم بن شمس الدين محمد السيالكوتي الپنجابي الهندي الفقيه الحنفي (- 1067 هـ) طبعت في القاهرة سنة 1256 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1069.
(5) حاشية الخيالي لعبد الحكيم بن شمس الدين محمد السيالكوتي (- 1067 هـ) وتعرف بزبدة الافكار. آستانة 1235 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1069.
(6) من (- م، ع).
(7) المطول للعلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) شرح فيه كتاب تلخيص المفتاح في المعاني والبيان لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي المعروف بخطيب دمشق (- 739 هـ).-
(1/3)

وبالنظر إلى المذهب الثاني قال صاحب الأطول «1» في تعريف علم المعاني: أسماء العلوم المدوّنة نحو علم المعاني تطلق على إدراك القواعد عن دليل، حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم بل حاك، ذكره السيّد السند «2» في شرح المفتاح «3».
وقد تطلق على معلوماتها التي هي القواعد، لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد، لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل وإن أطلقوا كما يقتضيه تخصيص الاسم بالإدراك عن دليل كما لا يخفى.
وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، وفي الملكة التي هي تابعة للإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء، وفي متعلّق الإدراك الذي هو المسائل إمّا حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. وفي كونه حقيقة الإدراك نظر، لأنّ المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا حتى يكون حقيقة انتهى. وقال أبو القاسم «4» في حاشية المطول:
إن جعل أسماء العلوم المدوّنة مطلقة على الأصول والقواعد وإدراكها والملكة الحاصلة على سواء، وكذا لفظ العلم صحّ.
ثم إنهم ذكروا أن المناسب أن يراد بالملكة هاهنا كيفية للنفس بها يتمكن من معرفة جميع المسائل، يستحضر بها ما كان معلوما مخزونا منها، ويستحصل ما كان مجهولا، لا ملكة الاستحضار فقط المسمّاة بالعقل بالفعل إذ الظاهر أنّ من تمكّن من معرفة جميع مسائل علم بأن يكون عنده ما يكفيه في تحصيلها يعدّ عالما بذلك العلم من غير اشتراط العلم بجميعها فضلا عن صيرورتها «5» مخزونة، ولا ملكة الاستحصال فقط المسمّاة بالعقل بالملكة، لأنه يلزم حينئذ أن يعدّ عالما من له تلك الملكة مع عدم حصول شيء من المسائل، فالمراد بالملكة أعم من ملكة الاستحضار والاستحصال؛ قال في
__________
وعلى المطول عدة هوامش أهمها حاشية السيد الشريف. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 1/ 474؛ معجم المطبوعات العربية، 637 - 638.
(1) الأطول لعصام الدين ابراهيم بن محمد عرب شاه الأسفراييني (- 951 هـ) شرح فيه تلخيص المفتاح للقزويني، القسطنطنية، 1284 هـ[1 - 2]. اكتفاء القنوع 357.
(2) السيد السند، هو علي بن محمد علي، المعروف بالشريف الجرجاني. ولد بضواحي شيراز عام 740 هـ/ 1340 م، وتوفي فيها عام 816 هـ/ 1413 م. فيلسوف، من كبار علماء العربية. له تصانيف كثيرة وهامة. الاعلام 5/ 7، الفوائد البهية 125، مفتاح السعادة 1/ 167، دائرة المعارف الاسلامية 6/ 333، الضوء اللامع 5/ 328، معجم المطبوعات 678، آداب اللغة 3/ 235.
(3) شرح المفتاح للسيد الشريف الجرجاني (- 816 هـ)، فرغ السيد من تأليفه سنة 803 هـ في ما وراء النهر. كشف الظنون 2/ 1763.
(4) أبو القاسم، هو أبو القاسم بن أبي بكر الليثي السمرقندي. توفي بعد 888 هـ/ بعد 1483 م. عالم بفقه الحنفية، أديب، له عدة مصنفات. الاعلام 5/ 173، كشف الظنون 475، 875، معجم المطبوعات 1044، معجم المؤلفين 8/ 103، إيضاح المكنون 1/ 140.
(5) الصيرورة: صار الأمر الى كذا يصير صيرا ومصيرا وصيرورة ... والصيرورة مصدر يصير. وصيّرته أنا كذا أي جعلته ... وصيّور الشيء: آخره ومنتهاه وما يؤول إليه ... وماله صيور أي عقل ورأي ... صار على ضربين: بلوغ في الحال وبلوغ في المكان. (لسان العرب، مادة صير). يتبيّن مما تقدم أن الدلالة اللغوية تفيد حراكية معينة لأمر ما أو شيء ما، يبلغ فيها الواحد منهما أمرا أو حالا أو موضعا. وهذا المصطلح يعبّر أصدق تعبير عن الحال الثالث في جدل هيغل المتصاعد. ويفيد معنى Devenir في الاوروبية، وهو يتباين عن Processus الذي يقابله لفظ سيرورة على الأرجح.
(1/4)

الأطول: المراد الاستحضار لا الملكة المطلقة، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد وهو يتزايد يوما فيوما ليس بممتنع ولا بمستبعد، فإنّ استحالة معرفة الجميع لا ينافي كون العلم سببا لها، وتسمية البعض فقيها أو نحويا أو حكيما كناية عن علوّ شأنه في العلم بحيث كأنه حصل له الكلّ، وبالجملة فملكة الاستحصال ليست علما وإنما الكلام في أن ملكة استحضار أكثر المسائل مع ملكة استحصال الباقي هل هو العلم أم لا؟ فمن أراد أن يكون إطلاق الفقيه على الأئمة حقيقة مع عجزهم عن جواب بعض الفتاوى التزم ذلك، وأمّا على ما سلكنا من أنّ الإطلاق مجازي فلا يلزمه.

التقسيم
اعلم أن هاهنا، أي في مقام تقسيم العلوم المدوّنة التي هي إمّا المسائل أو التصديق بها، تقسيمات على ما في بعض حواشي شرح المطالع «1». وقال السيّد السّند إن [العلم] «2» بمعنى ملكة الإدراك يتناول العلوم النظرية.
الأول: العلوم إمّا نظرية أي غير متعلّقة بكيفية عمل، وإمّا عمليّة أي متعلّقة بها. فالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الخياطة كلّها داخلة في العملي لأنها بأسرها متعلّقة بكيفية عمل: إمّا ذهني كالمنطق أو خارجي كالطّب مثلا؛ توضيحه أن العملي والنظري يستعملان لمعان: أحدها في تقسيم العلوم مطلقا كما عرفت. وثانيها في تقسيم الحكمة، فإن العملي هناك علم بما يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا، والنظري علم بما لا يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا. وثالثها ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها [إمّا] «3» عملية أي يتوقّف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية [أي] «4» لا يتوقف حصولها عليها، وعلى هذا فعلم الفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطبّ العملي خارجة عن العملي إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال، بخلاف علوم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة. والعملي بالمعنى الأول أعم من العملي المذكور في تقسيم الحكمة، لأنه يتناول ما يتعلّق بكيفية عمل ذهني كالمنطق ولا يتناوله العملي المذكور في تقسيم الحكمة لأنه هو الباحث عن أحوال ما لاختيارنا مدخل في وجوده مطلقا، أو الخارجي.
وموضوع المنطق معقولات ثانية لا يحاذى بها أمر في الخارج، ووجودها الذهني لا يكون مقدورا لنا فلا يكون داخلا في العملي بهذا المعنى.
وأما العملي المذكور في تقسيم الصناعات فهو أخصّ من العملي بكلا المعنيين لأنه قسم من الصناعة المفسرة بعلم متعلّق بكيفية العمل سواء حصل بمزاولة العمل أولا، فالعملي بالمعنى الأول نفس الصناعة، وبالمعنى الثاني أخصّ من الأول لكنه أعمّ من هذا المعنى الثالث لعدم المزاولة ثمة بخلافها هاهنا.
__________
(1) شرح المطالع أو لوامع الأسرار شرح مطالع الأنوار لقطب الدين محمد بن محمد الرازي (- 766 هـ)، طهران 1314. معجم المطبوعات العربية، 919 - 920.
(2) العلم (+ م، ع).
(3) إمّا (+ م، ع).
(4) أي (+ م، ع).
(1/5)

الثاني: العلوم إمّا آلية أو غير آلية، لأنها إمّا أن لا تكون في أنفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها، أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها، الثانية تسمّى آلية والأولى تسمّى غير آلية.
ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلية أنّ الآليّة ذاتية لأنّ الآليّة للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره، وما هو كذلك ليس ذاتيا بل المراد أنه في حدّ ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة يعرض له الآلية ولا يحتاج في عروضها له إلى غيره، كما أنّ الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلّا بالقياس إلى وجوده؛ والتسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة فإنّ العلم الآلي مسائل كلّ منها ممّا يتوسّل به إلى ما هو آلة له، وهو الأظهر إذ لا يتوسل بجميع علم إلى علم.
ثمّ اعلم أنّ مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان؛ فإنّ ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بدّ أن يكون متعلّقا بكيفية تحصيله فهو متعلّق بكيفية عمل، وما يتعلّق بكيفية عمل لا بدّ أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره، فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي، وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلّقا بكيفية عمل، وما لم يتعلّق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره، فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد.
ثم اعلم أنّ غاية العلوم الآلية أي العلّة الغائية لها حصول غيرها، وذلك لأنها متعلّقة بكيفية العمل ومبيّنة لها، فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم، وغاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها وذلك لأنها في حدّ أنفسها مقصودة بذواتها وإن أمكن أن يترتّب عليها منافع أخرى، فإنّ إمكان الترتّب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتّب عليه مقصودا بالذات إنّما المنافي له قصد الترتّب. والحاصل أنّ المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع، فإنّ الباعث للشارع في الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها، وفي العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها.
فإن قيل: غاية الشيء علّة له ولا يتصوّر كون الشيء علّة لنفسه، فكيف يتصوّر كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها؟ قيل: الغاية تستعمل على وجهين: أحدهما أن تكون مضافة إلى الفعل وهو الأكثر، يقال غاية هذا الفعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على نفس ذي الغاية وتكون علّة لها. الثاني أن تكون مضافة إلى المفعول، يقال غاية ما فعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على فعله وعلّة له لا لذي الغاية، أعني ما أضيف إليه الغاية؛ والغاية فيما نحن فيه من القسم الثاني لأن المضاف إليه للغاية هاهنا المفعول وهو المحصل، أعني العلوم دون الفعل الذي هو التحصيل، فالمراد بغايتها ما يترتّب على تحصيلها ويكون علّة له لا لها، هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع وحواشيه. الثالث إلى عربية وغير عربية. الرابع إلى شرعية وغير شرعية. الخامس إلى حقيقية وغير حقيقية. السادس إلى عقلية ونقلية، فالعقلية ما لا يحتاج فيه إلى النقل والنقلية بخلاف ذلك. السابع إلى العلوم الجزئية وغير الجزئية، فالعلوم التي موضوعاتها أخصّ من موضوع علم آخر تسمّى علوما جزئية كعلم الطب فإن موضوعه وهو الإنسان أخصّ من موضوع الطّبعي، والتي موضوعاتها أعمّ يسمّى بالعلم الأقدم لأن الأعمّ أقدم للعقل من الأخصّ، فإن إدراك الأعم قبل إدراك الأخصّ كذا في بحر الجواهر.
(1/6)

اجزاء العلوم
قالوا: كل علم من العلوم المدوّنة لا بدّ فيه من أمور ثلاثة: الموضوع والمسائل والمبادئ، وهذا القول مبني على المسامحة، فإنّ حقيقة كل علم مسائله، وعدّ الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنّما هو لشدّة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم.
أمّا الموضوع فقالوا: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؛ وتوضيحه أن كمال الإنسان بمعرفته أعيان الموجودات من تصوّراتها والتصديق بأحوالها على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، ولمّا كانت معرفتها بخصوصها متعذّرة مع عدم إفادتها كمالا معتدّا بها لتغيّرها وتبدّلها أخذوا المفهومات الكليّة الصادقة عليها، ذاتية كانت أو عرضية، وبحثوا عن أحوالها من حيث انطباقها عليها، ليفيد علمها بوجه كلّي علما باقيا أبد الدهر. ولمّا كانت أحوالها متكثّرة وضبطها منتشرة مختلفة متعسّرا، اعتبروا الأحوال الذاتية لمفهوم مفهوم، وجعلوها علما منفردا بالتدوين وسمّوا ذلك المفهوم موضوعا لذلك العلم، لأن موضوعات مسائله راجعة إليه، فصارت كلّ طائفة من الأحوال المتشاركة في موضوع علما منفردا ممتازا في نفسه عن طائفة أخرى متشاركة في موضوع آخر، فجاءت علومهم متمايزة في أنفسها بموضوعاتها؛ وهذا أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن يعد كل مسئلة علما برأسه ويفرد بالتعليم، ولا بدّ من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علما واحدا ويفرد بالتدوين، فالامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنّما هو للمعلومات بالأصالة، وللعلوم بالتبع.
والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم، وإن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع.
ثم إنهم عمّموا الأحوال الذاتية وفسّروها بما يكون محمولا على ذلك المفهوم، إمّا لذاته أو لجزئه الأعم أو المساوي؛ فإنّ له اختصاصا بالشيء من حيث كونه من أحوال مقوّمه أو للخارج المساوي له، سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم على الإطلاق، أو مع مقابله مقابلة التّضاد، أو العدم، والملكة دون مقابلة السلب والإيجاب، إذ المتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم، ضبطا للانتشار بقدر الإمكان، فأثبتوا الأحوال الشاملة على الإطلاق لنفس الموضوع والشاملة مع مقابلتها لأنواعه، واللاحقة للخارج المساوي لعرضه الذاتي، ثم إنّ تلك الأعراض الذاتية لها عوارض ذاتية شاملة لها على الإطلاق، أو على التقابل، فأثبتوا العوارض الشاملة على الإطلاق لنفس الأعراض الذاتية، والشاملة على التقابل لأنواع تلك الأعراض، وكذلك عوارض تلك العوارض، وهذه العوارض في الحقيقة قيود للأعراض المثبتة للموضوع ولأنواعه إلّا أنّها لكثرة مباحثها جعلت محمولات على الأعراض، وهذا تفصيل ما قالوا: معنى البحث عن الأعراض الذاتية أن تثبت تلك الأعراض لنفس الموضوع أو لأنواعه أو لأعراضه الذاتية أو لأنواعها، أو لأعراض أنواعها، وبهذا يندفع ما قيل إنه ما من علم إلّا ويبحث فيه عن الأحوال المختصّة بأنواعه فيكون بحثا عن الأعراض الغريبة، للحوقها بواسطة أمر أخصّ كما يبحث في الطبعي «1» عن الأحوال
__________
(1) الطبيعي (م).
(1/7)

المختصة بالمعادن والنباتات والحيوانات، وذلك لأن المبحوث عنه في العلم الطبعي «1» أن الجسم إمّا ذو طبيعة أو ذو نفس، آلي أو غير آلي، وهي من عوارضه الذاتية، والبحث عن الأحوال المختصّة بالعناصر وبالمركّبات التامة وغير التامة، كلّها تفصيل لهذه العوارض وقيود لها.
ولاستصعاب هذا الإشكال قيل: المراد بالبحث عن الأعراض الذاتية حملها على موضوع العلم، كقول صاحب علم أصول الفقه: الكتاب يثبت الحكم قطعا، أو على أنواعه كقوله: الأمر يفيد الوجوب، أو على أعراضه الذاتية كقوله: يفيد القطع، أو على أنواع أعراضه الذاتية كقوله: العام الذي خصّ منه يفيد الظنّ. وقيل معنى قولهم: يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أنه يرجع البحث فيه إليها، بأن يثبت أعراضه الذاتية له أو يثبت لنوعه ما هو عرض ذاتي لذلك النوع أو لعرضه الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك العرض او يثبت لنوع العرضي الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك النوع. ولا يخفى عليك أنه يلزم دخول العلم الجزئي في العلم الكلّي كعلم الكرة المتحرّكة في علم الكرة وعلم الكرة في العلم الطبعي «2»، لأنه يبحث فيها عن العوارض الذاتية لنوع الكرة أو الجسم الطبعي «3»، أو لعرضه الذاتي، أو لنوع عرضه الذاتي.
ثم اعلم أنّ هذا الذي ذكر من تفسير الأحوال الذاتية إنّما هو على رأي المتأخرين الذاهبين إلى أنّ اللاحق للشيء بواسطة جزئه الأعم من أعراضه الذاتية المبحوث عنها في العلم، فإنّهم ذكروا أنّ العرض هو المحمول على الشيء الخارج عنه، وان العرض الذاتي هو الخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته، بأن يكون منتهاه الذات كلحوق إدراك الأمور الغريبة للإنسان بالقوة، أو يلحقه بواسطة جزئه الأعم كلحوق التحيّز له لكونه جسما، أو المساوي كلحوق التكلّم له لكونه ناطقا، أو يلحقه بواسطة أمر خارج مساو كلحوق التعجّب له لإدراكه الأمور المستغربة؛ وأما ما يلحق الشيء بواسطة أمر خارج أخصّ أو أعم مطلقا أو من وجه أو بواسطة أمر مباين فلا يسمّى عرضا ذاتيا بل عرضا غريبا.
والتفصيل أنّ العوارض ستة: لأن ما يعرض للشيء إمّا أن يكون عروضه لذاته أو لجزئه أو لأمر خارج عنه سواء كان مساويا له أو أعمّ منه أو أخصّ أو مباينا، فالثلاثة الأول تسمّى أعراضا ذاتية لاستنادها إلى ذات المعروض أي لنسبتها إلى الذات نسبة قوية وهي كونها لا حقة بلا واسطة أو بواسطة لها خصوصية بالتقديم أو بالمساواة، والبواقي تسمّى أعراضا غريبة لعدم انتسابها إلى الذات نسبة قوية. أمّا المتقدمون فقد ذهبوا إلى أن اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة التي لا يبحث عنها في ذلك العلم، وعرّفوا العرض الذاتي بالخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته أو لما يساويه، سواء كان جزءا لها أو خارجا عنها.
قيل هذا هو الأولى إذ الأعراض اللاحقة بواسطة الجزء الأعم تعمّ الموضوع وغيره، فلا تكون آثارا مطلوبة له لأنها هي الأعراض المعيّنة المخصوصة التي تعرضه بسبب استعداده المختص، ثم في عدّ العارض بواسطة المباين مطلقا من الأعراض الغريبة نظر، إذ قد يبحث في العلم الذي موضوعه
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) الطبيعي (م).
(3) الطبيعي (م).
(1/8)

الجسم الطبعي «1» عن الألوان مع كونها عارضة له بواسطة مباينة، وهو السطح.
وتحقيقه أن المقصود في كل علم مدوّن بيان أحوال موضوعه: أعني أحواله التي توجد فيه ولا توجد في غيره ولا يكون وجودها فيه بتوسّط نوع مندرج تحته، فإن ما يوجد في غيره لا يكون من أحواله حقيقة بل هو من أحوال ما هو أعم منه؛ والذي يوجد فيه فقط لكنه لا يستعد لعروضه ما لم يصر نوعا مخصوصا من أنواعه، كان من أحوال ذلك النوع حقيقة، فحقّ هاتين الحالين أن يبحث عنهما في علمين موضوعهما ذلك الأعم والأخص، وهذا أمر استحساني كما لا يخفى.
ثم الأحوال الثابتة للموضوع على الوجه المذكور على قسمين: أحدهما ما هو عارض له، وليس عارضا لغيره إلّا بتوسّطه، وهو العرض الأولى. وثانيهما ما هو عارض لشيء آخر وله تعلّق بذلك الموضوع بحيث يقتضي عروضه له بتوسّط ذلك الآخر، الذي يجب أن لا يوجد في غير الموضوع، سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه، إمّا مساويا له في الصدق، أو مباينا له فيه ومساويا في الوجود، فالصواب أن يكتفى في الخارج بمطلق المساواة، سواء كانت في الصدق أو في الوجود، فإن المباين إذا قام بالموضوع مساويا له في الوجود ووجد له عارض قد عرض له حقيقة لكنه يوصف به الموضوع كان ذلك العارض من الأحوال المطلوبة في ذلك العلم، لكونها ثابتة للموضوع على الوجه المذكور.
واعلم أيضا أنّ المطلوب في العلم بيان إنّية «2» تلك الأحوال، أي ثبوتها للموضوع، سواء علم لمّيتها «3» أي علّة ثبوتها له أو لا.
واعلم أيضا أنّ المعتبر في العرض الأولي هو انتفاء الواسطة في العروض دون الواسطة في الثبوت التي هي أعم، يشهد بذلك أنهم صرّحوا بأنّ السطح من الأعراض الأولية للجسم التعليمي مع أن
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) الأنّية: أنّى كلمة معناها كيف وأين. لسان العرب، مادة أنن. فالنسبة إليها الأنيّة بالهمزة المفتوحة. وفي لغة تميم بمعنى كيف وأين وللتوكيد. أما إنّي فتثنية إنّا، وكان في الأصل إنّنا فكثرت النونات فحذفت إحداها، وقيل إنّا، وقوله عز وجل إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ، المعنى إنّنا أو إنّكم ... كما تقول إنّي وإيّاكم، معناه إنّي وإنك. والنسبة إلى ذلك الإنّية بالهمزة المكسورة. وقد استعمل هذه الكلمة الكندي (المتوفي 256 هـ) دلالة على الذات وعين الأنا المفردة.
ثم عبّر الحلاج (المتوفي 309 هـ) عن هذا الفهم في طاسين الالتباس والأزل ص 28 في تفسيره للفظ عزازيل- إبليس- بالقول: «عين عزازيل لعلو همته والزاء لازدياد الزيادة في زيادته والألف آراؤه في إنّيته ... » وهناك تفريق بين الإنّية والأيّية في الفلسفة ومنذ الكندي القائل: «الفصل هو المقول على كثير مختلفين بالنوع منبئ عن أيّية الشيء» رسالة الكندي في الفلسفة الأولى، تحقيق أبي ريدة القاهرة، ص 129. وبهذا تتميز الإنّية من الأيّية بمثل تميّز الجوهر عن الفصل. الفارابي، المنطق، تحقيق العجم، ج 3، ص 132. ثم إن الأمر التبس على اللاحقين.
فذكر طاش كبرى زادة (المتوفي 968 هـ) في مفتاح السعادة، تحقيق بكري وابو النور، القاهرة ج 1، ص 93، تحت علم إملاء العربية: «هو علم يبحث بحسب الأنّية واللميّة عن الأحوال العارضة لنقوش الألفاظ العربية» بينما ورد عند حاجي خليفة (المتوفي 1067 هـ) في كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، مط. المثنى، ص 169، تحت علم املاء الخط: «هو علم يبحث فيه حسب الأنّية والكمية عن الأحوال العارضيّة لنقوش الخط العربي.» ونرجح أن خطأ مطبعيا وقع بين اللميّة والكميّة أدّى لاختلاف الشرح بين حاجي خليفة وطاش كبرى زادة. والأرجح أن معنى الاصطلاح للإنّية واللميّة هو أين توضع الحروف والتنوين وما شابه وكيف يكون الشكل لمواضع الحروف ومواقع التنوين، ولا سيما أن الأصل والفصل لهما مصطلحاتهما الفلسفية كالماهيّة والأيّية والإنّية.
(3) اللميّة: من لمى: اللمّة: الجماعة من الناس أو المثل يكون من الرجال والنساء. واللمّة: الشكل: لسان العرب، مادة لما. وبهذا التعريف تلتقي اللفظة مع ما سبق أن شرحناه من معنى الأنّية.
(1/9)

ثبوته [له] «1» بواسطة انتهائه وانقطاعه، وكذلك الخط للسطح والنقطة للخط، وصرّحوا بأنّ الألوان ثابتة للسطوح أولا وبالذات، مع أنّ هذه الأعراض قد فاضت على محالها من المبدأ الفيّاض «2»، وعلى هذا فالمعتبر فيما يقابل العرض الأولي، أعني سائر الأقسام، ثبوت الواسطة في العروض.
وإن شئت الزيادة على ما ذكرنا فارجع إلى شرح المطالع وحواشيه وغيرها من كتب المنطق.

فائدة
قالوا يجوز أن تكون الأشياء الكثيرة موضوعا لعلم واحد، لكن لا مطلقا بل بشرط تناسبها، بأن تكون مشتركة في ذاتي كالخط والسطح والجسم التعليمي للهندسة، فإنها تتشارك في جنسها وهو المقدار، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه والأغذية والأدوية والأركان والأمزجة، وغير ذلك إذا جعلت موضوعات للطب، فإنها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية القصوى في ذلك العلم.
فائدة
قالوا الشيء الواحد لا يكون موضوعا للعلمين، وقال صدر الشريعة «3» هذا غير ممتنع، فإنّ الشيء الواحد له أعراض متنوعة، ففي كل علم يبحث عن بعض منها، ألا ترى أنهم جعلوا أجسام العالم وهي البسائط موضوع علم الهيئة، من حيث الشكل، وموضوع علم السماء والعالم، من حيث الطبيعة، وفيه نظر. أمّا أولا فلأنهم لمّا حاولوا معرفة أحوال أعيان الموجودات وضعوا الحقائق أنواعا وأجناسا، وبحثوا عمّا أحاطوا به من أعراضها الذاتية، فحصلت لهم مسائل كثيرة متّحدة في كونها بحثا عن أحوال ذلك الموضوع، وإن اختلفت محمولاتها فجعلوها بهذا الاعتبار علما واحدا، يفرد بالتدوين والتسمية، وجوّزوا لكل أحد أن يضيف إليه ما يطّلع عليه من أحوال ذلك الموضوع؛ فإنّ المعتبر في العلم هو البحث عن جميع ما تحيط به الطاقة الإنسانية من الأعراض الذاتية للموضوع، فلا معنى للعلم الواحد إلّا أن يوضع شيء أو أشياء متناسبة فيبحث عن جميع عوارضه، ولا معنى لتمايز العلوم إلّا أنّ هذا ينظر في أحوال شيء، وذلك في أحوال شيء آخر مغاير له بالذات أو بالاعتبار، بأن يؤخذ في أحد العلمين مطلقا وفي الآخر مقيّدا أو يؤخذ في كل منهما مقيّدا بقيد آخر، وتلك الأحوال مجهولة مطلوبة، والموضوع معلوم بيّن الوجود وهو الصالح سببا للتمايز. وأمّا ثانيا فلأنه ما من علم إلّا ويشتمل موضوعه على أعراض ذاتية متنوّعة، فلكل أحد أن يجعله علوما متعددة بهذا الاعتبار، مثلا يجعل البحث عن فعل المكلّف من حيث الوجوب علما، ومن حيث الحرمة علما آخر، إلى غير ذلك فيكون الفقه علوما متعددة موضوعها فعل المكلّف، فلا ينضبط الاتحاد والاختلاف.
__________
(1) له (+ م، ع).
(2) المبدأ الفياض: أطلقه المسلمون على الله عز وجل والفلاسفة على العقل الأول أو العقل الفعّال، وله مصطلح في الكشاف.
(3) صدر الشريعة هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري الحنفي، صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الأكبر. توفي في بخاري حوالي عام 747 هـ/ 1346 م. من علماء الحكمة والأصول والفقه والطبيعيات. له الكثير من المؤلفات. الأعلام 4/ 197، الفوائد البهية 109، مفتاح السعادة 2/ 60، المكتبة الأزهرية 2/ 24، سركيس 1119.
(1/10)

فائدة
قال صدر الشريعة: قد يذكر الحيثية في الموضوع وله معنيان: أحدهما أنّ الشيء مع تلك الحيثية موضوع، كما يقال: الموجود من حيث إنه موجود، أي من هذه الجهة وبهذا الاعتبار موضوع العلم الالهي، فيبحث فيه عن الأحوال التي تلحقه من حيث إنّه موجود كالوحدة، والكثرة، ونحوهما، ولا يبحث فيه عن تلك الحيثية أي حيثية الوجود لأن الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية لا ما يبحث عنه وعن أجزائه. وثانيهما أن الحيثية تكون بيانا للأعراض الذاتية المبحوث عنها فإنه يمكن أن يكون للشيء عوارض ذاتية متنوعة، وإنّما يبحث في علم من «1» نوع منها، فالحيثية بيان لذلك النوع، فيجوز أن يبحث عنها، فقولهم: موضوع الطبّ بدن الإنسان من حيث إنّه يصحّ ويمرض، وموضوع الهيئة أجسام العالم من حيث إنّ لها شكلا يراد به المعنى الثاني لا الأول، إذ في الطب يبحث عن الصحة والمرض، وفي الهيئة من «2» الشكل، فلو كان المراد الأول لم يبحث عنها.
قيل: ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنها في الأول جزء من الموضوع، بل قيد لموضوعيته، بمعنى أن البحث يكون عن الأعراض التي تلحقه من تلك الحيثية؛ وبذلك الاعتبار وعلى هذا لو جعلنا في القسم الثاني أيضا قيدا للموضوع لا بيانا للأعراض الذاتية على ما هو ظاهر كلام القوم لم يكن البحث عنها في العلم بحثا عن أجزاء الموضوع ولم يلزم للقوم ما لزم لصدر الشريعة من تشارك العلمين في موضوع واحد بالذات والاعتبار.
وأمّا الإشكال بلزوم عدم كون الحيثية من الأعراض المبحوث عنها في العلم ضرورة أنها ليست ممّا يعرض للموضوع من جهة نفسها، وإلّا لزم تقدّم الشيء على نفسه، مثلا ليست الصحّة والمرض مما يعرض لبدن الإنسان من حيث يصحّ ويمرض، فالمشهور في جوابه أن المراد من حيث إمكان الصحة والمرض وهذا ليس من الأعراض المبحوث عنها.
والتحقيق أن الموضوع لمّا كان عبارة عن المبحوث عنها في العلم عن أعراضه الذاتية قيّد بالحيثية، على معنى أن البحث عن العوارض إنّما يكون باعتبار الحيثية وبالنظر إليها أي يلاحظ في جميع المباحث هذا المعنى الكلّي لا على معنى أن جميع العوارض المبحوث عنها يكون لحوقها للموضوع بواسطة هذه الحيثية البتة. وتحقيق هذه المباحث يطلب من التوضيح «3» والتلويح «4».
وأمّا المسائل فهي القضايا التي يطلب بيانها في العلوم وهي في الأغلب نظريات، وقد تكون ضرورية فتورد في العلم إمّا لاحتياجها إلى تنبيه يزيل عنها خفاءها، أو لبيان لمّيتها، لأن القضية قد تكون بديهية دون لمّيتها ككون النار محرقة فإنه معلوم الإنيّة أي الوجود مجهول اللمّية، كذا في شرح
__________
(1) عن (م).
(2) عن (م).
(3) التوضيح في حل غوامض التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي (- 747 هـ/ 1346 م)، دهلي، 1267 هـ. والكتاب شرح لتنقيح الأصول للمؤلف نفسه. اكتفاء القنوع، 140، ومعجم المطبوعات العربية، 1199 - 1200.
(4) التلويح في كشف حقائق التنقيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) شرح فيه تنقيح الأصول لصدر الشريعة، دهلي، 1267 هـ. معجم المطبوعات العربية 1200 واكتفاء القنوع 140.
(1/11)

المواقف «1» وبعض حواشي تهذيب المنطق «2»؛ وقال المحقق التفتازاني «3»: المسألة لا تكون إلّا.
نظرية، وهذا ممّا لا اختلاف فيه لأحد، وما قيل من احتمال كونها غير كسبية فسهو ظاهر.
ثم للمسائل موضوعات ومحمولات، أمّا موضوعها فقد يكون موضوع العلم، كقولنا كلّ مقدار إمّا مشارك للآخر أو مباين، والمقدار موضوع علم الهيئة، وقد يكون موضوع العلم مع عرض ذاتي كقولنا: كل مقدار وسط في النسبة فهو ضلع ما يحيط به الطرفان. فقد أخذ في المسألة المقدار مع كونه وسطا في النسبة وهو عرض ذاتي، وقد يكون نوع موضوع العلم كقولنا: كل خط يمكن تنصيفه، فإن الخط نوع من المقدار، وقد يكون نوعا مع عرض ذاتي كقولنا: كل خط قام على خط فإنّ زاويتي جنبتيه قائمتان أو مساويتان لهما، فالخط نوع من المقدار، وقد أخذ في المسألة مع قيامه على خط وهو عرض ذاتي، وقد يكون عرضا ذاتيا كقولنا: كل مثلّث فإن زواياه مثل القائمتين، فالمثلث عرض ذاتي للمقدار؛ وقد يكون نوع عرض ذاتي كقولنا: كل مثلّث متساوي الساقين فإن زاويتي قاعدته متساويتان. وبالجملة فموضوعات المسائل هي موضوعات العلم أو أجزاؤها أو أعراضها الذاتية أو جزئياتها، وأمّا محمولاتها فالأعراض الذاتية لموضوع العلم فلا بدّ أن تكون خارجة عن موضوعاتها، لامتناع أن يكون جزء الشيء مطلوبا بالبرهان، لأن الأجزاء بيّنة الثبوت للشيء، كذا في شرح الشمسية «4».
اعلم أنّ من عادة المصنّفين أن يذكروا عقيب الأبواب ما شذّ منها من المسائل فتصير مسائل من أبواب متفرّقة، فتترجم تارة بمسائل منشورة وتارة بمسائل شتّى، كذا في فتح القدير «5»، وأكثر ما يوجد ذلك في كتب الفقه.
وأمّا المبادئ فهي التي تتوقّف عليها مسائل العلم، أي تتوقف على نوعها مسائل العلم، أي التصديق بها إذ لا توقّف للمسألة على دليل مخصوص؛ وهي إمّا تصوّرات أو تصديقات. أمّا التصورات فهي حدود الموضوعات، أي ما يصدق عليه موضوع العلم لا مفهوم الموضوع كالجسم الطبعي «6»، وحدود أجزائها كالهيولى والصورة وحدود جزئياتها كالجسم البسيط، وحدود أعراضها
__________
(1) شرح المواقف [في أصول الدين] لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م) طبع في Leipzig باعتناء سورتس 1848 م وفي بولاق مع المواقف 1841 م، القسطنطينية 1239 و1242 هـ. اكتفاء القنوع، 200.
(2) تهذيب المنطق والكلام لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) ألّفه سنة 789 هـ طبع في لكنا و1869 م. وله شروح كثيرة. معجم المطبوعات العربية، 636 - 637.
(3) التفتازاني هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين. ولد بتفتازان عام 712 هـ/ 1312 م وتوفي بسمرقند عام 792 هـ/ 1389 م. من أئمّة البيان واللغة والمنطق. له العديد من المصنفات. الاعلام 7/ 219، بغية الوعاة 391، مفتاح السعادة 1/ 165، الدرر الكامنة 4/ 350.
(4) شرح الشمسية لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) وتعرف بسعد الدين على الشمسية، شرح فيها التفتازاني متن الشمسية لنجم الدين لعلي بن عمر بن علي القزويني الكاتبي (- 675 هـ/ 1277 م). وعلى الشمسية شروح كثيرة. استانة 1312 هـ. معجم المطبوعات العربية، 637.
(5) فتح القدير للعاجز الفقير لكمال الدين محمد السيواسي المعروف بابن الهمام (- 861 هـ/ 1456 م)، شرح فيه متن الهداية لابي الحسن برهان الدين علي المرغيناني (- 593 هـ/ 1197 م). طبع في لكناو. 1292 هـ.
(6) الطبيعي (م).
(1/12)

الذاتية كالحركة للجسم الطبعي «1»، وخلاصته تصوّر الأطراف على وجه هو مناط للحكم.
وأمّا التصديقات فهي مقدمات إمّا بيّنة بنفسها وتسمّى علوما متعارفة كقولنا: في علم الهندسة المقادير المساوية لشيء واحد متساوية، وإمّا غير بيّنة بنفسها سواء كانت مبيّنة هناك أو في محل آخر أو في علم آخر يتوقف عليها الأدلة المستعملة في ذلك العلم سواء كانت قياسات أو غيرها من الاستقراء والتمثيل، وحصرها في المبيّنة فيه والمبيّنة في علم آخر وفي أجزاء القياسات كما توهم محلّ نظر.
ثم الغير البيّنة بنفسها إمّا مسلّمة فيه أي في ذلك العلم على سبيل حسن الظن، وتسمّى أصولا موضوعة، كقولنا في علم الهندسة: لنا أن نصل بين كل نقطتين بخط مستقيم، أو مسلّمة في الوقت أي وقت الاستدلال مع استنكار وتشكّك إلى أن تستبين «2» في موضعها، وتسمّى مصادرات، لأنه تصدّر بها المسائل التي تتوقف عليها كقولنا فيه: لنا أن نرسم على كل نقطة وبكلّ بعد دائرة؛ ونوقش في المثال بأنه لا فرق بينه وبين قولنا لنا أن نصل الخ في قبول المتعلّم بهما بحسن الظن. وأورد مثال المصادرة قول اقليدس «3» إذا وقع خط على خطّين وكانت الزاويتان الداخلتان أقلّ من قائمتين فإنّ الخطين إذا أخرجا بتلك الجهة التقيا، لكن لا استبعاد في ذلك، إذ المقدمة الواحدة قد تكون أصلا موضوعا عند شخص، مصادرة عند شخص آخر. ثم الحدود والأصول الموضوعة والمصادرات يجب أن يصدّر بها العلم. وأما العلوم المتعارفة فعن تصدير العلم بها غنية لظهورها، وربما تخصص العلوم المتعارفة بالصناعة إن كانت عامة، وتصدّر بها في جملة المقدمات كما فعل اقليدس في كتابه.
واعلم أنّ التصدير قد يكون بالنسبة إلى العلم نفسه بأن يقدّم عليه جميع ما يحتاج إليه، وقد يكون بالنسبة إلى جزئه المحتاج، لكن الأول أولى.
هذا وقد تطلق المبادئ عندهم على المعنى الأعم وهو ما يبدأ به قبل الشروع في مقاصد العلم كما يذكر في أوائل الكتب قبل الشروع في العلم، لارتباطه به في الجملة، سواء كان خارجا من العلم، بأن يكون من المقدمات، وهي ما يكون خارجا يتوقف عليه الشروع فيه ولو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة ووفور الرغبة في تحصيله بحيث لا يكون عبثا عرفا، أو في نظره، كمعرفة العلم برسمه المفيد لزيادة البصيرة، ومعرفة غايته، أو لم يكن خارجا عنه، بل داخلا فيه، بأن يكون
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) تستبين (م).
(3) أقليدس: المهندس النجار الصوري المتوفي (285 ق. م.) لم يذكر الكثير عن مجرى حياته، لكن قيل إنه تنشّأ على مدرسة افلاطون. مارس التعليم في الاسكندرية، عهد بطليموس الأول، حيث افتتح مدرسة. ترك كتبا باليونانية في الرياضيات ولا سيما في الهندسة، وقد فقد معظمها. ولعلّ أهم معالجاته الهندسية مسائل السطح والأمكنة عليه، إذ بنى نظرية هندسية بقيت تعرف باسمه حتى القرن العشرين، ومن أشهر مسلماته أنه من نقطة خارج خط لا يمكننا أن نمد إلا خطا موازيا واحدا. عرفه العرب وذكروه كما عرفوا كتابه «الأصول» الذي انقسم إلى ثلاثة عشر كراسا.
Larousse du xxes siec ,Paris، 1930،T . 3،P . 233.
Webster's, New International Dictionary, sec. Ed., U. S. A., Meriam Company publishers
1945،P . 978.
والسجستاني، ابو سليمان المنطقي، صوان الحكمة، تحقيق بدوي، طهران، 1974 م، ص 206. القفطي، جمال الدين ابو الحسن، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، القاهرة، السعادة، 1326 هـ، ص 45.
(1/13)

من المبادئ المصطلحة السابقة من التصوّرات والتصديقات؛ وعلى هذا تكون المبادئ أعم من المقدمات أيضا، فإنّ المقدمات خارجة عن العلم لا محالة بخلاف المبادئ. والمبادئ بهذا المعنى قد تعدّ أيضا من أجزاء العلم تغليبا، وإن شئت تحقيق هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه «1». ومنهم من فسّر المقدمة بما يعين في تحصيل الفنّ فتكون المقدمات أعم، كذا قيل، يعني تكون المقدمات بهذا المعنى أعمّ من المبادئ بالمعنى الأول لا من المبادئ بالمعنى الثاني وإن اقتضاه ظاهر العبارة إذ بينها وبين المبادئ بالمعنى الثاني هو المساواة، إذ ما يستعان به في تحصيل الفنّ يصدق عليه أنه مما يتوقف عليه الفنّ إمّا مطلقا، أو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة، وبالجملة فالمعتبر في المبادئ التوقّف مطلقا. قال السيد السند: مبادئ العلم ما يتوقف عليه ذات المقصود فيه «2»، أعني التصوّرات التي يبتنى عليها إثبات مسائله، وهي قد تعدّ جزءا منه، وأمّا إذا أطلقت على ما يتوقف عليه المقصود ذاتا أو تصوّرا أو شروعا فليست بتمامها من أجزائه؛ فإنّ تصوّر الشيء ومعرفة غايته خارجان عنه، ولا من جزئيات ما يتضمنه حقيقة لدخوله في العلم قطعا، انتهى.

الرءوس الثمانية
قالوا الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرّض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود، يسمّيها قدماء الحكماء الرءوس الثمانية.
أحدها الغرض من تدوين العلم أو تحصيله، أي الفائدة المترتبة عليه لئلّا يكون تحصيله عبثا في نظره.
وثانيها المنفعة وهي ما يتشوّقه الكلّ طبعا وهي الفائدة المعتدّ بها ليتحمل المشقّة في تحصيله، ولا يعرض له فتور في طلبه، فيكون عبثا عرفا؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية «3». وفي شرح التهذيب «4» وشرح إشراق الحكمة «5» أنّ المراد بالغرض هو العلّة الغائية، فإنّ ما يترتب على فعل يسمّى فائدة ومنفعة وغاية فإن كان باعثا للفاعل على صدور ذلك الفعل منه يسمّى غرضا وعلّة غائية، وذكر المنفعة إنّما يجب إن وجدت لهذا العلم منفعة ومصلحة سوى الغرض الباعث، وإلّا فلا.
وبالجملة فالمنفعة قد تكون بعينها الغرض الباعث.
__________
(1) شرح مختصر الأصول لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م) شرح فيه مختصر منتهى السئول والأمل في علمي الأصول والجدل لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- 646 هـ/ 1249 م).
استانه، د. ت. كشف الظنون، 2/ 1853 - 1854. معجم المطبوعات العربية، 679.
(2) منه (م).
(3) تكملة الحاشية الجلاليّة (حاشية جلال الدين الدواني على شرح القوشجي لتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي).
معجم المطبوعات العربية 892، اكتفاء القنوع 197.
(4) شرح التهذيب لجلال الدين محمد بن أسعد الدواني الصديقي الشافعي (- 907 هـ)، طبع في لكناو 1293 هـ.
معجم المطبوعات العربية، 892.
(5) شرح اشراق الحكمة. الأرجح أنه شرح حكمة الإشراق لقطب الدين محمد بن مسعود بن مصلح الدين الفارسي (- 710 هـ)، اسماء الكتب 87.
(1/14)

وثالثها السّمة وهي عنوان الكتاب، ليكون عند الناظر إجمال ما يفصّله الغرض، كذا في شرح اشراق الحكمة. وفي تكملة الحاشية الجلالية السّمة هي عنوان العلم؛ وكأنّ المراد منه تعريف العلم برسمه أو بيان خاصّة من خواصه ليحصل للطالب علم إجمالي بمسائله ويكون له بصيرة في طلبه؛ وفي شرح التهذيب السّمة العلامة، وكأنّ المقصود الإشارة إلى وجه تسمية العلم؛ وفي ذكر وجه التسمية إشارة إجمالية إلى ما يفصل العلم من المقاصد.
ورابعها المؤلّف وهو مصنّف الكتاب ليركن قلب المتعلّم إليه في قبول كلامه، والاعتماد عليه لاختلاف ذلك باختلاف المصنّفين؛ وأما المحقّقون فيعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ولنعم ما قيل: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. ومن شرط المصنفين أن يحترزوا عن الزيادة على ما يجب والنقصان عمّا يجب وعن استعمال الألفاظ الغريبة المشتركة وعن رداءة الوضع، وهي تقديم ما يجب تأخيره وتأخير ما يجب تقديمه.
وخامسها أنه من أيّ علم هو، أي من اليقينيات أو الظنّيات، من النظريات أو العمليات، من الشرعيات أو غيرها، ليطلب المتعلّم ما تليق به المسائل المطلوبة.
وسادسها أنه أيّة مرتبة هو، أي بيان مرتبته فيما بين العلوم، إمّا باعتبار عموم موضوعه أو خصوصه، أو باعتبار توقّفه على علم آخر، أو عدم توقّفه عليه، أو باعتبار الأهمية أو الشرف، لتقدّم تحصيله على ما يجب، أو يستحسن تقديمه عليه، ويؤخّر تحصيله عما يجب أو يستحسن تأخيره عنه.
وسابعها القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها ليطلب المتعلّم في كل باب منها ما يتعلّق به، ولا يضيّع وقته في تحصيل مطالب لا تتعلّق به، كما يقال: أبواب المنطق تسعة، كذا وكذا؛ وهذا قسمة العلم، وقسمة الكتاب كما يقال: كتابنا هذا مرتّب على مقدمة، وبابين وخاتمة، وهذا الثاني كثير شائع لا يخلو عنه كتاب.
وثامنها الأنحاء التعليمية وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، أحدها التقسيم، وهو التكثير من فوق إلى أسفل، أي من أعم إلى ما هو أخصّ، كتقسيم الجنس إلى الأنواع، والنوع إلى الأصناف، والصنف إلى الأشخاص. وثانيها التحليل، وهو عكسه أي التكثير من أسفل إلى فوق، أي من أخصّ إلى ما هو أعم، كتحليل زيد إلى الإنسان والحيوان، وتحليل الإنسان إلى الحيوان والجسم؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية، وشرح إشراق الحكمة. وفي شرح التهذيب كأنّ المراد من التقسيم ما يسمّى بتركيب القياس، وذلك بأن يقال: إذا أردت تحصيل مطلب من المطالب التصديقية ضع طرفي المطلوب واطلب جميع موضوعات كل واحد منهما، وجميع محمولات كل واحد منهما سواء كان حمل الطرفين عليها، أو حملها على الطرفين، بواسطة، أو بغير واسطة، وكذلك اطلب جميع ما سلب عنه الطرفان أو سلب هو عن الطرفين، ثم انظر إلى نسبة الطرفين إلى الموضوعات والمحمولات، فإن وجدت من محمولات موضوع المطلوب ما هو موضوع المحمول فقد حصل المطلوب عن «1» الشكل الأول، أو ما هو محمول على محموله فمن الشكل الثاني، أو من موضوعات موضوعه «2» ما هو موضوع لمحموله فمن الشكل الثالث، أو محمول لمحموله فمن
__________
(1) حصلت المطلوب من (م).
(2) موضوعه (- م).
(1/15)

الرابع، كلّ ذلك بحسب تعدّد اعتبار الشرائط بحسب الكيفية والكمية والجهة، كذا في شرح المطالع. فمعنى قولهم: وهو التكثير من فوق أي من النتيجة لأنها المقصود الأقصى بالنسبة إلى الدّليل، وأما التحليل فقد قيل في شرح المطالع: كثيرا ما تورد في العلوم قياسات منتجة للمطالب لا على الهيئات المنطقية، اعتمادا على الفطن العارف بالقواعد، فإن أردت أن تعرف أنه على أيّ شكل من الأشكال فعليك بالتحليل وهو عكس التركيب فحصّل المطلوب فانظر إلى القياس المنتج له، فإن كان فيه مقدمة يشاركها المطلوب بكلا جزئيه فالقياس استثنائي، وإن كانت مشاركة للمطلوب بأحد جزئيه فالقياس اقتراني، ثم انظر إلى طرفي المطلوب فتتميّز عندك الصغرى عن الكبرى لأن ذلك الجزء إن كان محكوما عليه في النتيجة فهي الصغرى، أو محكوما به فهي الكبرى، ثم ضم الجزء الآخر من المطلوب إلى الجزء الآخر من تلك المقدمة، فإن تألّفا على أحد التأليفات الأربع، فما انضمّ إلى جزئي المطلوب هو الحدّ الأوسط، وتتميّز لك المقدمات والأشكال، وإن لم يتألّفا كان القياس مركبا، فاعمل بكلّ واحد منهما العمل المذكور، أي ضع الجزء الآخر من المطلوب والجزء الآخر من المقدمة كما وضعت طرفي المطلوب أولا، أي في التقسيم، فلا بد أن يكون لكل منهما نسبة إلى شيء «1» ما في القياس وإلّا لم يكن القياس منتجا للمطلوب، فإن وجدت حدّا مشتركا بينهما فقد تمّ القياس، وإلّا فكذا تفعل مرّة بعد أخرى إلى أن تنتهي إلى القياس المنتج للمطلوب بالذات، وتتبيّن لك المقدمات والشكل والنتيجة. فقولهم التكثير من أسفل إلى فوق، أي إلى النتيجة انتهى.
وثالثها التحديد أي فعل الحدّ، أي إيراد حدّ الشيء، وهو ما يدلّ على الشيء دلالة مفصّلة بما به قوامه بخلاف الرسم فإنه يدلّ عليه دلالة مجملة، كذا في شرح إشراق الحكمة، وفي شرح التهذيب:
كأنّ المراد بالحدّ المعرّف مطلقا، وذلك بأن يقال إذا أردت تعريف شيء فلا بدّ أن تضع ذلك الشيء وتطلب جميع ما هو أعمّ منه وتحمل عليه بواسطة أو بغيرها، وتميّز الذاتيات عن العرضيات، بأن تعدّ ما هو بين الثبوت أو ما يلزم من مجرّد ارتفاعه ارتفاع نفس الماهية ذاتيا، وما ليس كذلك عرضيا، وتطلب جميع ما هو مساو له، فيتميّز عندك الجنس من العرض العام، والفصل من الخاصّة، ثم تركّب أي قسم شئت من أقسام المعرّف بعد اعتبار الشرائط المذكورة في باب المعرّف. ورابعها البرهان، أي الطريق إلى الوقوف على الحق، أي اليقين إن كان المطلوب نظريا، وإلى الوقوف عليه والعمل به إن كان عمليا، كأن يقال إذا أردت الوصول إلى اليقين فلا بدّ أن تستعمل في الدليل بعد محافظة شرائط صحّة الصورة، إمّا الضروريات الستّ، أو ما يحصل منها بصورة صحيحة، وهيئة منتجة، وتبالغ في التفحّص عن ذلك، حتى لا يشتبه بالمشهورات والمسلّمات والمشبّهات وغيرها، بعضها ببعض، وعدّ الأنحاء التعليمية بالمقاصد أشبه، فينبغي أن تذكر في المقاصد، ولذا ترى المتأخّرين كصاحب المطالع «2» يعدّون ما سوى التحديد من مباحث الحجة ولواحق القياس، وأمّا التحديد فشأنه أن يذكر في مباحث المعرّف، كذا في شرح التهذيب.
واعلم أنهم إنّما اقتصروا على هذه الثمانية لعدم وجدانهم شيئا آخر يعين في تحصيل الفن، ومن وجد ذلك فليضمه إليها، وهذا أمر استحساني لا يلزم من تركه فساد على ما لا يخفى، هكذا في
__________
(1) مما (م).
(2) المطالع أو مطالع الأنوار لسراج الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي (- 682 هـ). معجم المطبوعات العربية، 428.
(1/16)

تكملة الحاشية الجلالية.
واعلم أنهم قد يذكرون وجه الحاجة إلى العلم، ولا شكّ أنه هاهنا بعينه بيان الغرض منه، وقد يذكرون وجه شرف العلم، ويقولون شرف الصناعة إما بشرف موضوعها، مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة التي هي الجلد «1»، وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما بشدّة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطبّ، إذ ما من واقعة في الكون إلّا وهي مفتقرة إلى الفقه، إذ به انتظام صلاح الدنيا والدين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. والمراد بذلك بيان مرتبة العلم على ما يفهم مما سبق، ويؤيده ما قال السيّد السّند في شرح المواقف، وأما مرتبة علم الكلام أي شرفه فقد عرفت أن موضوعه أعمّ الأمور وأعلاها الخ.

العلوم العربية
في شرح المفتاح: اعلم أنّ علم العربية المسمّى بعلم الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة، وينقسم على ما صرّحوا به إلى اثني عشر قسما، منها أصول هي العمدة في ذلك الاحتراز، ومنها فروع.
أما الأصول فالبحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادّها فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئاتها فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصلية والفرعية فعلم الاشتقاق، وإمّا عن المركّبات على الإطلاق، فإمّا باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية فعلم النحو، وإمّا باعتبار إفادتها لمعان زائدة على أصل المعنى فعلم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الفائدة في مراتب الوضوح فعلم البيان، وإمّا عن المركّبات الموزونة، فإمّا من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر أبياتها فعلم القافية.
وأمّا الفروع فالبحث فيها إمّا أن يتعلّق بنقوش الكتابة فعلم الخط، أو يختصّ بالمنظوم فعلم عروض الشعراء، أو بالمنثور فعلم إنشاء النثر من الرسائل، أو من الخطب، أو لا يختص بشيء منهما فعلم المحاضرات ومنه التواريخ؛ وأمّا البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه.
وفي إرشاد القاصد «2» للشيخ شمس الدين الاكفاني السنجاري «3»: الأدب وهو علم يتعرّف منه التفاهم عمّا في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة، وموضوعه اللفظ والخط من جهة دلالتهما على
__________
(1) الذي هو (ع)، الذي هو جلد الميتة (م).
(2) ارشاد القاصد إلى اسنى المقاصد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني السنجاري المعروف بابن الأكفاني (- 749 هـ/ 1348 م). طبع في كلكوتا، د. ت مع كتاب حدود النحو لعبد الله بن احمد الفاكهي. معجم المطبوعات العربية، 464.
(3) شمس الدين الأكفاني السنجاري: هو محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري السنجاري، المعروف بابن الأكفاني، ابو عبد الله. ولد في سنجار وتوفي بالقاهرة بعد العام 749 هـ/ 1348 م. طبيب، باحث، عالم بالحكمة والرياضيات. له الكثير من التصانيف. الأعلام 5/ 299، الدرر الكامنة 3/ 279، البدر الطالع 2/ 79.
(1/17)

المعاني، ومنفعته إظهار ما في نفس الإنسان من المقاصد وإيصاله إلى شخص آخر من النوع الإنساني، حاضرا كان أو غائبا، وهو حلية اللسان والبنان، وبه تميّز ظاهر الإنسان على سائر أنواع الحيوان. وإنما ابتدأت به لأنه أوّل أدوات الكمال. ولذلك من عري عنه لم يتم بغيره من الكمالات الإنسانية.
وتنحصر مقاصده في عشرة علوم وهي: علم اللغة وعلم التصريف وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم النحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة، وذلك لأن نظره إمّا في اللفظ أو الخط، والأول فإمّا في اللفظ المفرد أو المركب، أو ما يعمهما.
وأمّا نظره في المفرد فاعتماده إمّا على السماع وهو اللغة أو على الحجة وهو التصريف، وأمّا نظره في المركّب فإما مطلقا أن مختصّا بوزن، والأول إن تعلّق بخواص تراكيب الكلام وأحكامه الإسنادية فعلم المعاني، وإلّا فعلم البيان، والمختص بالوزن فنظره إمّا في الصورة أو في المادة، الثاني علم البديع، والأول إن كان بمجرد الوزن فهو علم العروض، وإلّا فعلم القوافي؛ وما يعمّ المفرد والمركب فهو علم النحو، والثاني فإن تعلّق بصور الحروف فهو علم قوانين الكتابة، وإن تعلّق بالعلامات فعلم قوانين القراءة. وهذه العلوم لا تختصّ بالعربية بل توجد في سائر لغات الأمم الفاضلة من اليونان وغيرهم.
واعلم أنّ هذه العلوم في العربية لم تؤخذ عن العرب قاطبة بل عن الفصحاء البلغاء منهم، وهم الذين لم يخالطوا غيرهم، كهذيل «1» وكنانة «2» وبعض تميم «3» وقيس عيلان «4» ومن يضاهيهم من عرب الحجاز «5» وأوساط نجد «6»؛ فأما الذين صابوا «7» العجم في الأطراف فلم تعتبر لغاتهم
__________
(1) هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن عدنان. جد جاهلي، بنوه قبيلة كبيرة، وكان أكثر سكان وادي نخلة المجاور لمكة منهم، ولهم منازل بين مكة والمدينة ومنهم في جبال السراة، وكانوا أهل عدد وعدة ومنعة واشتهر منهم كثيرون في الجاهلية والإسلام. وفيهم شعراء ومشاهير. وقد نشر ديوان للعديد من شعرائهم. الأعلام 8/ 80، معجم البلدان 8/ 167 - 168، جمهرة الانساب 185 - 187، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، معجم قبائل العرب 1213، قلب جزيرة العرب 1202.
(2) كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة، من كلب، من قضاعة، جد جاهلي، يرتقي نسبه للقبائل العربية القحطانية. وبنوه قبيلة ضخمة يقال لها كنانة عذرة، وسكنوا أعالي الحجاز بالقرب من تبوك وجوارها. وانحدرت منها قبائل كثيرة منها: بنو عدي، بنو جناب، وغيرها كثير. كما كانت لهم صلات قوية بقريش وبالأوس والخزرج. خفاجة محمد عبد المنعم، قصة الأدب في الحجاز 90، جمهرة الانساب 425 - 427، معجم قبائل العرب 996.
(3) تميم بن قرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. جد جاهلي قديم بنوه بطون كثيرة جدا. قال عنهم ابن حزم: وهم قاعدة من أكبر قواعد العرب كانت منازلهم بأرض نجد والبصرة واليمامة وامتدت إلى قرب الكوفة. وقد تفرقوا في الحواضر والبوادي. واخبارهم كثيرة، وفيهم شعراء ومشاهير، وقد أدركوا الاسلام، ولهم مواقف مشهودة.
الاعلام 2/ 87 - 88، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 196 - 221، معجم قبائل العرب 126 - 133، دائرة المعارف الاسلامية 5/ 473 - 478.
(4) قيس عيلان بن مضر بن نزار، من عدنان، جد جاهلي ينتسب للعرب الإسماعيلية. انحدرت منه قبائل كثيرة منها:
هوازن، سليم، غطفان، عدوان، باهلة وغيرهم. وتروي كتب السير والتاريخ أن الجد الأعلى كان على دين اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام وقد امتدحهم النبي (ص) في بعض أحاديثه، وكانت سكناهم بالطائف وجوارها من بلاد الحجاز، البكري، معجم ما استعجم 1/ 64 - 66، 76 - 77، ابن خلدون، العبر 2/ 300، 305، 315، اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 232، 437، معجم قبائل العرب 972، تاريخ الاسلام 1/ 13.
(5) الحجاز بلاد واسعة تقع شمالي اليمن وشرقي تهامة. وتتكون من عدة أودية، وتتخللها سلسلة جبال السراة الممتدة من الشام إلى نجران في اليمن. وقد وصفه جوستاف لوبون بأنه اقليم جبلي رملي في الصقع الأوسط من المنطقة المعتدلة الشمالية تجاه البحر الأحمر وفيه المدينتان المقدستان: مكة والمدينة. وقد سمّي حجازا لأنه يحتجز بين تهامه ونجد. تاريخ معجم البلدان 3/ 219، تاريخ الإسلام السياسي والديني والاجتماعي 1/ 4، معجم ما استعجم 1/ 1 - 90، حضارة العرب 1/ 11، المسالك والممالك 12، قصة الأدب في الحجاز 24.
(6) نجد وهو اقليم يمتد بين اليمن جنوبا وبادية السماوة شمالا والعروض وأطراف العراق، وسمي نجدا لارتفاع أرضه. تاريخ الإسلام 1/ 4.
(7) صاقبوا (م).
(1/18)

وأحوالها في أصول هذه العلوم، وهؤلاء كحمير «1» وهمدان «2» وخولان «3» والازد «4» لمقاربتهم الحبشة «5» والزنج «6»، وطيّ «7» وغسان «8» لمخالطتهم الروم بالشام، وعبد القيس «9» لمجاورتهم
__________
(1) حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. جد جاهلي قديم كان ملك اليمن، وإليه ينسب الحميريون (ملوك اليمن). وهو من سلالة العرب العاربة، أي العرب الخلص أو الأصليون. ولد. له أبناء كثيرون انحدرت منهم قبائل كثيرة منها: السكاسك، الشعبيون، بنو الريان، قضاعة، عبد شمس. وكان لبني حمير في الجاهلية صنم يقال له:
نسر نصب بنجران وآخر بصنعاء اسمه رئام. وقد قامت مملكة حمير على اثر مملكة سبأ وبلغت شأوا بعيدا، وقامت فيها حضارة عامرة، كما اشتهر فيها ملوك عظام. الأعلام 2/ 284، القلقشندي، صبح الأعشى 1/ 313 - 315، قصة الأدب 81، جمهرة الانساب 406 و459، طرفة الأصحاب 12 و43، تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 1/ 17، العرب قبل الإسلام لزيدان 1/ 121، تاريخ الإسلام 1/ 8.
(2) همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة، من بني كهلان، من قحطان. جد جاهلي قديم. كان بنوه يسكنون في شرقي اليمن، ونزل كثير منهم بعد الإسلام في بلاد الحجاز وغيرها، وقد تشيع قسم كبير منهم وانحاز للامام علي بن أبي طالب، وانحدر منهم بطون كثيرة، أما صنمهم في الجاهلية فهو يعوق وكان منصوبا في أرحب. الاعلام 8/ 94، جمهرة الانساب 369، 445، 459، ابن خلدون 2/ 252، معجم قبائل العرب 1225.
(3) خولان بن عمرو بن الحاق بن قضاعة، من بني كهلان، يرتقي نسبه إلى القبائل القحطانية. جد عربي قديم كان يسكن وبنوه بلاد اليمن. وإلى بنيه تنسب بلاد خولان في شرقي اليمن. واسم صنمهم في الجاهلية: عم أنس. كما اشتركوا مع همدان في الصنم يعوق. وقد عبدوا النار أيام انتشار المجوسية في اليمن. ومنهم انحدرت قبائل كثيرة، منها: الربيعة، بنو بحر، بنو مالك، بنو غالب، بنو حرب، الزبيديون، بنو منبه وغيرهم ادركوا الإسلام، وكانت لهم وقائع مشهورة، الاعلام 2/ 325، طرفة الأصحاب 56، ابن خلدون العبر 2/ 256، تاريخ العرب لجواد علي 2/ 203 - 211، جمهرة الانساب 392، معجم قبائل العرب 365.
(4) الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. يرتقي نسبه للقبائل القحطانية. جد جاهلي قديم من اليمن.
ويقال له: الأسد وقد انقسم بنوه إلى ثلاثة أقسام: أزد شنوءة، أزد السراة وازد عمان. وانحدر منهم بطون كثيرة منها: قبائل غسان، خزاعة، أسلم، بني جفنه، الأوس، الخزرج وغيرهم. من أصنامهم في الجاهلية رئام، كما اشتركوا في صنم مناة. ادركوا الاسلام. وفيهم مشاهير. الاعلام 1/ 290، صبح الأعشى 1/ 313 - 315، ابن خلدون 2/ 252، تاريخ اليعقوبي 1/ 212، جمهرة الانساب 458، طرفة الأصحاب 6 و19، دائرة المعارف الاسلامية 2/ 37 واللباب 1/ 36.
(5) الحبشة هي بلاد واسعة جدا، تتصل بالبحر من الجهة الشرقية، وساحلها مقابل لبلاد اليمن، ويقال: ان أول بلادهم من الجهة الغربية بلاد التكرور. ومملكة الحبشة قسمان: بلاد النصرانية وبلاد المسلمين. والقسم الثاني يقع على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) وما يتصل به من بحر الهند (المحيط الهندي) ويقال له بلاد الزيلع، مع أن الزيلع إحدى مدنه الكبيرة. تقويم البلدان 153، صبح الأعشى 5/ 302 و324، الأمصار ذوات الآثار 229.
(6) الزنج بلادهم مثل بلاد السودان وتقع شرقي الخليج البربري، وهي تقابل بلاد الحبشة من البر الآخر. صبح الأعشى 5/ 337، البيان المعرب 1/ 6، الأمصار ذوات الآثار 229.
(7) طيّئ بن أد، من بني يشجب، من كهلان. يرتقي نسبه لقبائل العرب القحطانية. جد جاهلي. كانت منازل بنيه في اليمن، ثم انتقلوا إلى الشمال وسكنوا بين جبلي أجأ وسلمى من بلاد نجد، إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة.
واسم صنمهم في الجاهلية الفلس. وقد انحدرت من طي قبائل كثيرة منها: نبهان، جديلة، زبيد، ثعلبة، بنو شمّر وغيرها ونبغ فيهم شعراء كثيرون ومشاهير. تاريخ الاسلام 1/ 8 - 9، نهاية الأرب 266، ابن خلدون، العبر 2/ 254، جمهرة الانساب 380 و459، معجم قبائل العرب 689، عشائر العراق 1/ 130، الاعلام 3/ 234.
(8) غسان في الأصل كلمة غسان هي اسم لبئر يقع في نواحي الشام، نزلت حوله قبيلة جفنه بن عمر الأزدية التي تنحدر من قبائل كهلان القحطانية، وبسبب ذلك عرفوا باسم قبائل غسان، ومنها انحدر ملوك الغساسنة الذين حكموا بادية الشام. وكان الحارث بن جبلة من أشهر أمرائهم، وهو الذي حارب المنذر أمير الحيرة، وقد كان الحارث مع بنيه والبطون التي تفرعت منه يعملون مع الروم ضد الفرس. كما كانت لهم وقائع مشهورة. الأعلام 2/ 153 - 154، نولدكه، أمراء غسان 192، تاريخ الاسلام 1/ 9، قصة الأدب في الحجاز 81،
(9) عبد القيس بن أفصى بن دعمي، من أسد ربيعة، من عدنان. جد جاهلي. النسبة إليه عبدي وقيسي. كانت ديار بنيه بتهامة ثم خرجوا إلى البحرين واستقروا بها وهم بطون كثيرة، وفيهم مشاهير. الأعلام 4/ 49، جمهرة الانساب 278 - 282، نهاية الأرب 275، اللباب 2/ 113، معجم البلدان 8/ 65، معجم قبائل العرب 726.
(1/19)

أهل الجزيرة «1» وفارس «2»، ثم أتى ذوو العقول السليمة والأذهان المستقيمة ورتّبوا أصولها وهذّبوا فصولها حتى تقررت على غاية لا يمكن المزيد عليها، انتهى.

علم الصرف:
ويسمّى بعلم التصريف أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب ولا بناء، هكذا قال ابن الحاجب «3». فقوله علم بمنزلة الجنس، لأنه شامل للعلوم كلها، وقوله تعرف بها أحوال أبنية الكلم يخرج الجميع سوى النحو، وقوله ليست بإعراب ولا بناء يخرج النحو.
وفائدة اختيار «تعرف» على «تعلم» تذكر في تعريف علم المعاني. ثم المراد من بناء الكلمة وكذا من صيغتها ووزنها هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتّبة، وحركاتها المعيّنة، وسكونها مع اعتبار حروفها الزائدة والأصلية، كلّ في موضعه؛ فرجل مثلا على هيئة وصفة يشاركه فيها عضد، وهي كونه على ثلاثة أحرف، أولها مفتوح، وثانيها مضموم، وأما الحرف الأخير فلا تعتبر حركاته وسكونه في البناء، فرجل ورجلا ورجل على بناء واحد، وكذا جمل على بناء ضرب، لأن الحرف الأخير متحرّك بحركة الإعراب وسكونه وحركة البناء وسكونه. وإنما قلنا يمكن أن يشاركها لأنه قد لا يشاركها في الوجود كالحبك بكسر الحاء وضم الباء، فإنه لم يأت له نظير، وإنما قلنا حروفها المرتبة لأنه إذا تغيّر النظم والترتيب تغيّر الوزن، كما تقول يئس على وزن فعل وأيس على وزن عفل، وإنما قلنا مع اعتبار الحروف الزائدة والاصلية لانه يقال ان كرّم مثلا على وزن فعّل لا على وزن فعلل [أو أفعل] «4» أو فاعل، مع توافق الجميع في الحركات المعيّنة والسكون،
__________
(1) الجزيرة هي جزيرة أقور الواقعة بين دجلة والفرات، وتشمل على ديار ربيعة ومضر وبكر. وهي بلاد واسعة فيها مدن هامة وكبيرة منها: حرّان، الرها، الرّقة، الموصل، سنجار وآمد وغيرها. وخرج منها علماء ومحدثون وغير ذلك.
الانساب 3/ 248، معجم البلدان 2/ 134، تقويم البلدان 273 - 298، صبح الأعشى 4/ 314، تذكرة الحفاظ 3/ 924، الاعلان بالتواريخ 627، الأمصار ذوات الآثار 193.
(2) فارس هي بلاد واسعة يحدّها من الغرب بلاد خوزستان والجبال، ومن الشرق بلاد كرمان، ومن الجنوب بحر فارس (الخليج العربي)، ومن الشمال المفازة التي بينها وبين خراسان والجبال، وهي تشمل اليوم ايران وما جاورها إلى الشرق والشمال الشرقي. معجم البلدان 4/ 226، تقويم البلدان 321، الأمصار ذوات الآثار 230.
(3) ابن الحاجب هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس جمال الدين بن الحاجب. ولد في أسنا من صعيد مصر عام 570 هـ/ 1174 م، وتوفي بالاسكندرية عام 646 هـ/ 1249 م. من فقهاء المالكية ومن كبار علماء العربية. تنقل بين القاهرة ودمشق، وله العديد من التصانيف الاعلام 4/ 211، وفيات الأعيان 1/ 314، غاية النهاية 1/ 508.
(4) أو أفعل (+ م، ع).
(1/20)

وقولنا كل في موضعه لأنّ نحو درهم ليس على وزن قمطر لتخالف مواضع الفتحتين والسكونين، وكذا نحو بيطر مخالف لشريف في الوزن لتخالف موضعي الياءين، وقد يخالف ذلك في أوزان التصغير فيقال: أوزان التصغير فعيل وفعيعل وفعيعيل، ويدخل في فعيل رجيل وحمير وغير ذلك، وفي فعيعل اكيلب وحميّر ونحوها، وفي فعيعيل مفيتيح وتميثيل، ونحو ذلك، ويعرف وجهه في لفظ الوزن. فعلى هذا لا حاجة إلى تقييد الأحوال بكونها لا تكون إعرابا ولا بناء إذ هما طارئان على آخر حروف الكلمة، فلم يدخلا في أحوال الأبنية. لكن بقي هاهنا شيء وهو أنه يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف، أعني الاصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والأمر والصفة وأفعل التفضيل والآلة والموضع والمصغّر والمصدر لكونها أصولا تعرف بها أبنية الكلم لا أحوال أبنيتها، فإن أريد أن الماضي والمضارع مثلا حالان طارئان على بناء المصادر ففيه بعد، لأنهما بناءان مستأنفان بنيا بعد هدم بناء المصدر، ولو سلّم فلم عدّ المصادر في أحوال الأبنية ثم الماضي والمضارع والأمر وغير ذلك مما مرّ، كما أنها ليست بأحوال الأبنية على الحقيقة، بل هي أشياء ذوات أبنية على ما مرّ، من تفسير البناء. بلى قد يقال: لضرب مثلا هذا بناء حاله كذا مجازا، ولا يقال أبدا إنّ ضرب حال بناء، وإنّما يدخل في أحوال الأبنية الابتداء، والوقف، والإمالة، وتخفيف الهمزة، والإعلال [والإبدال، والحذف] «1» وبعض الإدغام، وهو إدغام بعض حروف الكلمة في بعض، وكذا بعض التقاء الساكنين، وهو ما إذا كان «2» الساكنان في كلمة [كما في قل وأصله قول] «3»، فهذه المذكورات أحوال الأبنية، ثم الوقف والتقاء الساكنين في كلمتين، والإدغام فيهما ليست بأبنية ولا أحوال أبنية لعدم اعتبار حركة الحرف الأخير وسكونها، اللهم إلّا أن يقال: أريد بالبناء الحروف المرتّبة بلا اعتبار الحركات والسكنات، كذا ذكر المحقّق الرّضي «4» في شرح الشافية «5».
والجواب عن ذلك بأنه أريد بأبنية الكلم ما يطرأ عليها، أي على الكلم من الهيئات والأحوال كما عرفت، فهي نفس أحوال الكلم، فالإضافة بيانية كما في قولهم شجر أراك، فمعنى أحوال أبنية الكلم على هذا أحوال هي أبنية الكلم، فلا يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف من أبنية الماضي والمضارع ونحوهما. وبالجملة فعلم الصرف علم بأصول تعرف بها أبنية الكلم، ثم إنه كما يبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوعه كذلك يبحث فيه عن أعراض تلك الأعراض، فدخل في أبنية الكلم الابتداء والإمالة ونحوهما ممّا هو من أحوال الأبنية، ويؤيّده ما وقع في الأصول من أنّ الصرف علم تعرف به أحوال الكلمة بناء وتصرّفا فيه، أي في ذلك البناء، لا إعرابا وبناء، وكذا يدخل في الحدّ الوقف لأنه من أحوال الأبنية يعرضها باعتبار قطعها عمّا بعدها، لا باعتبار حركة
__________
(1) والإبدال، والحذف (+ م، ع).
(2) وهو إذا كان (م، ع).
(3) كما في قل وأصله قول (+ م، ع).
(4) المحقق الرضي هو محمد بن الحسن الأسترآباذي. توفي نحو 686 هـ/ 1287 م في استراباذ. عالم بالعربية، وله بعض التصانيف في النحو والصرف. الاعلام 6/ 86، مفتاح السعادة 1/ 147، خزانة الادب 1/ 12، بغية الوعاة 248.
(5) شرح الشافية لرضي الدين محمد بن الحسن الأسترآباذي (حوالي 686 هـ/ 1287 م) وهو شرح مطول، طبع في لكناو، 1280 هـ. اكتفاء القنوع، 306.
(1/21)

الحرف الأخير أو سكونه، وإلّا لخرج بعض أقسام الوقف من الوقف، كالحذف والإبدال والزيادة فتدبر. وذكر التقاء الساكنين في الكلمتين والإدغام فيهما استطرادي كذكر الجزئي في علم المنطق، وهذا الجواب مما استخرجته مما ذكروه في هذا المقام. فعلى هذا موضوع الصّرف هو الكلمة من حيث أنّ لها بناء وقد عرفت أنه لا محذور في البحث عن قيد الحيثية إذا كانت بيانا للموضوع، فلا محذور في البحث عن الأبنية في هذا العلم. ويؤيّد هذا ما مرّ في تقسيم العلوم العربية من أنّ الصرف يبحث فيه عن المفردات من حيث صورها وهيئاتها، وكذا ما ذكر المحقق عبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية من أنّ التصريف والمعاني والبيان والبديع والنحو، بل جميع العلوم الأدبية، تشترك في أنّ موضوعها الكلمة والكلام، إنّما الفرق بينها بالحيثيات، انتهى. وفي شرح الشافية «1» للجار بردي «2» أنّ موضوعه الأبنية من حيث تعرض الأحوال لها، والأبنية عبارة عن الحروف والحركات والسكنات الواقعة في الكلمة، فيبحث عن الحروف من حيث أنها ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ومن حيث أنها زائدة أو أصلية، وكيف يعرف الزائد من الأصلي، وعن الحركات والسكنات من حيث أنها خفيفة أو ثقيلة، فيخرج عن هذا العلم معرفة الأبنية، ويدخل فيه معرفة أحوالها، لأن الصرف علم بقواعد تعرف بها أحوال الأبنية، أي تعرف بها الماضي والمضارع والأمر الحاضر إلى غير ذلك؛ فإنّ جميع ذلك أحوال راجعة إلى أحوال الأبنية، لا إلى نفس الأبنية، انتهى. فعلى هذا إضافة أحوال الأبنية ليست بيانية، ويرد عليه أنّ الماضي ونحوه ليس بناء ولا حال بناء، بل هو شيء ذو بناء كما مرّ، وأضعف منه ما وقع في بعض كتب الصرف من أن موضوعه الأصول والقواعد، حيث قال:
موضوع علم الصّرف هو تلك الأصول المتعدّدة التي بحثوا فيها في هذا العلم، وأثبتوا له أحوالا.
والمراد بالأصول هي تلك المسائل الكلّية التي تتفرّع عنها مسائل جزئية. فمثلا إليك إحدى هذه القواعد الكلية «3»: إذا اجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية. وأمّا جزئيّات هذا الأصل فمثل كلمتي مرميّ ومرويّ، فإن أصلهما مرموي، ومرووي، وهذه المسألة الكلية المذكورة جعلت مسألة مستقلة: وهذان المثالان فرعان عن تلك المسألة الكلية التي تحقّقت بالمثالين، حيث لاحظ المتكلم في هذه المسألة الآلة، وإن ذكره الموضوع المشار إليه هو لإثبات الأحوال لذلك الأصل، أي أنه بعبارة أخرى: حيث أنّ الأصل قد تحقّق من خلال الفرع الذي هو مرمي ومروي فهو يصدق عليه «4». ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله، كحدّ الكلمة والاسم والفعل والحرف ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم: إنما يوقع الإعلال في الكلمة لإزالة الثقل منها، ومسائله الأحكام المتعلّقة بالموضوع، كقولهم: الكلمة إمّا مجرّد أو مزيد،
__________
(1) شرح الشافية لفخر الدين أحمد بن الحسن الجاربردي الشافعي (- 746 هـ/ 1346 م) وصفه الخوانساري بأنه من أحسن الشروح على الرسالة المذكورة. معجم المطبوعات العربية، 670.
(2) هو أحمد بن الحسن بن يوسف، فخر الدين الجاربردي، توفي سنة 746 هـ/ 1346 م. فقيه شافعي له العديد من كتب الفقه والأصول، الاعلام 1/ 111، البدر الطالع 1/ 47، الدرر الكامنة 1/ 123، طبقات الشافعية 5/ 169، شذرات الذهب 6/ 148.
(3) صرف أن أصول چنديست كه أز وى درين علم بحث كرده اند واثبات احوالات بر وى كرده اند ومراد باصول آن مسائل كليه است كه متفرع شود بر آن مسائل جزئيات أن مسائل مثلا يكى از اصول اين فن اين قاعده كليه است.
(4) جزئيات وى مثل مرمي ومروي كه در اصل مرموي ومرووي بود كه اين مسأله كليه مذكوره را موضوع عنواني كرده شد كه اين دو مثال فرع آن مسأله كليه است كه آن در ضمن اين دو مثال متحقق شده كه متكلم آن مسأله را آلة
(1/22)

أو جزئه كقولهم: ابتداء الكلمة لا يكون ساكنا، أو جزئية كقولهم: الاسم إمّا ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو عرضه كقولهم: الإعلال إمّا بالقلب أو الحذف أو الإسكان.
وغايته غاية الجدوى حيث يحتاج إليه جميع العلوم العربية والشرعية، كعلم التفسير والحديث والفقه والكلام؛ ولذا قيل: إنّ الصرف أمّ العلوم والنحو أبوها. قال الرضي: اعلم أنّ التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصنعة، والتصريف على ما حكى سيبويه «1» عنهم هو أن تبني من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما بنيته، ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما يقتضيه قياس كلامهم، كما يتبيّن في مسائل التمرين. والمتأخّرون على أنّ التصريف علم بأبنية الكلمة وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحّة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك، انتهى. فالصرف والتصريف عند المتأخّرين مترادفان، والتصريف على ما حكى سيبويه عنهم جزء من الصرف الذي هو جزء من أجزاء النحو [لأنه من مبادئ النحو، والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] «2».

علم النحو:
ويسمّى علم الإعراب أيضا، على ما في شرح اللبّ «3»، وهو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقاما، وكيفية ما يتعلّق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه، من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه؛ كذا في الإرشاد. فقوله: علم، جنس، وقوله كيفية التركيب العربي فصل، يخرج علم أصول الفقه والفقه وغيرهما، فإنه لا يعرف بها كيفية التركيب العربي وهو أي التركيب العربي لا يستلزم كون جميع أجزائه عربيا، فيشتمل أحوال المركّبات وأحوال الأسماء الأعجمية، ولو قيل كيفية الكلم العربية، كما قال البعض لخرج العجمية، إلّا أن يقال إنها ملحقة بالعربية بعد النقل إلى العرب. وقوله صحة وسقاما تمييز لقوله كيفية التركيب، أي تعرف به صحة التركيب العربي وسقمه، إذ يعرف منه أنّ نحو ضرب غلامه زيد صحيح، وضرب غلامه زيدا فاسد، وخرج به علم المعاني والبيان والبديع والعروض، فإنها تعرف بها كيفية التركيب من حيث الفصاحة والبلاغة ونحوها، لا من حيث الصحة والسقم؛ ويتناول أحكام ضرورة الشعر لأنها أيضا تبحث من حيث الصحة والسقام؛ وما في قوله ما يتعلّق عبارة عن الأحوال، أي تعرف به أحوال الألفاظ لكن لا مطلقا، بل من حيث وقوعها في التركيب العربي من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه، كتقديم المبتدأ وتأخيره، وتذكير الفعل وتأنيثه، لا مثل الأحوال التي هي الحركات والسكنات ونحوها، فخرج علم الصرف.
فالحاصل أنّ تلك الأحوال من حيث هي هي تتعلّق بالألفاظ فقط، ومن حيث أنها باستعمالها يصحّ التركيب، مثل ابن زيد، وبتركها يفسد التركيب، مثل زيد ابن تتعلّق بالتركيب، هذا خلاصة ما
__________
ملاحظه نموده است وذكر موضوع عنواني كرده اثبات احوال بر آن اصل كرده شد از آن حيثيت كه آن اصل متحقق ميشود در ضمن آن فرع كه مرمي ومروي است يعني صادق مىيد بر وى.
(1) هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي. ولد بشيراز عام 148 هـ/ 765 م وتوفي بالأهواز عام 180 هـ/ 796 م. إمام النحاة واللغة. وضع كثيرا من كتب النحو وناظر العلماء. ولفظ سيبويه فارسي يعني رائحة التفاح. الأعلام 5/ 81، وفيات الأعيان 1/ 385، البداية والنهاية 10/ 176، تاريخ بغداد 12/ 195، طبقات النحويين 66 - 74، وغيرها.
(2) [لأنه من مبادئ النحو والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] (+ م).
(3) شرح اللب سيرد ذكره.
(1/23)

في حواشي الإرشاد. فعدّهم الصرف من أجزاء النحو بناء على كونه من مبادئ النحو لأنه يتوقّف عليه مسائل النحو، أي التصديق بها، وهذا كما عدّ صاحب مختصر الأصول «1» علم الكلام والعلوم العربية من مبادئ أصول الفقه لتوقف مسائله عليهما تصورا أو تصديقا، وإن شئت توضيح هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه.
وموضوع النحو اللفظ الموضوع مفردا كان أو مركّبا، وهو الصواب، كذا قيل؛ يعني موضوع النحو اللفظ الموضوع باعتبار هيئته التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية لا مطلقا، فإنه موضوع العلوم العربية على ما مرّ قبل هذا. وقيل الكلمة والكلام، وفيه أنه لا يشتمل المركّبات الغير الإسنادية مع أنها أيضا موضوع النحو. وقيل هو المركب بإسناد أصلي، وفيه أنه لا يشتمل الكلمة والمركّبات الغير الإسنادية؛ ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله كحدّ المبتدأ والخبر ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم في حجة رفع الفاعل إنه أقوى الأركان، والرفع أقوى الحركات؛ ومسائله الأحكام المتعلقة بالموضوع، كقولهم الكلمة إما معرب أو مبني، أو جزئه كقولهم آخر الكلمة محلّ الإعراب، أو جزئيه كقولهم الاسم بالسببين يمتنع عن الصرف، أو عرضه كقولهم الخبر إما مفرد أو جملة، أو خاصته كقولهم الإضافة تعاقب التنوين ولو بواسطة، أو وسائط، أي ولو كان تعلّق الأحكام بأحد هذه الأمور ثابتا بواسطة أو وسائط كقولهم الأمر يجاب بالفاء، فالأمر جزئي من الإنشاء والإنشاء جزئي من الكلام، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به، هكذا في الإرشاد وحواشيه وغيرها.

علم المعاني:
وهو علم تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال، هكذا ذكر الخطيب «2» في التلخيص «3». فالعلم جنس يشتمل جميع العلوم المدوّنة. ثم إنه إن حمل العلم على الأصول والقواعد والإدراك المتعلّق بها فعدم شموله لعلم أرباب السليقة ظاهر، لأنهم لا يعلمون القواعد مفصّلة، وإن كانوا يعتبرون مقتضياتها في المواد بسليقتهم، وإن حمل على الملكة فعدم شموله لعلمهم بناء على أن الملكة إنّما تحصل من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، وعدم شموله على التقدير الأول لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل غير ظاهر. وأمّا على التقدير الثاني، أي على تقدير حمله
__________
(1) مختصر الأصول لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- 646 هـ/ 1249 م). أختصر فيه كتابه المسمّى منتهى السئول والأمل في علمي الأصول والجدل وعلى هذا المختصر شروح كثيرة.
(2) الخطيب: هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر، ابو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق. ولد بالموصل عام 666 هـ/ 1268 م، وتوفي بدمشق عام 739 هـ/ 1338 م. قاض، من أدباء الفقهاء له عدة مؤلفات. الاعلام 6/ 192، مفتاح السعادة 1/ 168، بغية الوعاة 66، ابن الوردي 2/ 324، البدر الطالع 2/ 183، البداية والنهاية 14/ 185، النجوم الزاهرة 9/ 318، مرآة الجنان 4/ 301، طبقات الشافعية 5/ 238، الدرر الكامنة 4/ 3.
(3) تلخيص المفتاح لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني المعروف بخطيب دمشق (- 739 هـ/ 1338 م) لخصّه من القسم الثالث من مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي،. طبع في كلكوتا، 1815 م. معجم المطبوعات العربية 1508.
(1/24)

على الملكة فظاهر فتدبّر، كذا ذكر الفاضل الچلپي «1». هذا، وأمّا على ما اختاره صاحب الأطول من أنّ المعتبر في جميع العلوم المدوّنة حصول العلم عن دليل على ما سبق في تعريف العلوم المدوّنة، فعدم شموله لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل على جميع التقادير واضح، لأنّ علم الله تعالى وكذا علم جبرائيل ليس استدلاليا، وكذا الحال في علم الصرف والنحو والبيان والبديع ونحو ذلك.
واختار «تعرف» دون «تعلم» لأن المعرفة إدراك الجزئي، فكأنّه قال: هو علم تستنبط منه إدراكات جزئية، هي معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورات في هذا العلم، بمعنى أنّ أي فرد يوجد منها أمكننا أن نعرفه بذلك، لا أنّها تحصل جملة بالفعل، لأن وجود ما لا نهاية له محال، فلا يرد ما قيل إن أريد الكلّ فلا يكون هذا العلم حاصلا لأحد، أو الجنس، أو البعض، فيكون حاصلا لكل من عرف مسئلة منه. وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يجاب بأنّ المراد معرفة الكل واستحالة معرفة الكل لا ينافي كون العلم سببا لها، كما أنّ استحالة عدم صفات الواجب لا ينافي سببية عدم الواجب، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد ليس بمستبعد ولا بممتنع، وتسمية البعض فقيها مجاز، وقد سبق إلى هذا إشارة في تعريف العلوم المدوّنة.
والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة المتغيّرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك، وأحوال الإسناد أيضا من أحوال اللفظ باعتبار أنّ كون الجملة مؤكّدة أو غير مؤكّدة اعتبار راجع إليها؛ ويجيء تحقيق قوله: التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال في لفظ الحال، واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة كالإعلال والإدغام والرّفع والنصب وما أشبه ذلك من المحسّنات البديعية، فإنّ بعضها ممّا يتقدم على المطابقة وبعضها مما يتأخر منها «2»، فإن الإعلال والإدغام ونحوهما مما لا بدّ منه في تأدية أصل المعنى مقدّم على المطابقة، والمحسّنات البديعية من التجنيس والترصيع ونحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة متأخّر عن المطابقة، ولا بدّ من اعتبار قيد الحيثية المستفادة من تعليق الحكم [بالمشتق ثمّ] «3» بالموصول الذي صلته مشتقّة، أي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال من حيث هو كذلك، ليتم أمر الاحتراز، وإلّا ادخل فيه بعض المحسّنات والأحوال النحوية والبيانية التي ربما يقتضيها الحال، فإن الحال ربما يقتضي تقديما أو تأخيرا يبحث عنه النحوي، وربما يقتضي السجع وغيره، وربما يقتضي إيراد المجاز والتشبيه. فلولا قيد الحيثية لدخلت هذه الأمور التي تعلّقت بعلوم أخر في المعاني.
ثم موضوع العلم ليس مطلق اللفظ العربي كما توهمه العبارة، بل الكلام من حيث أنه يفيد زوائد المعاني. فلو قال أحوال الكلام العربي لكان أوفق، إلّا أنه راعى أن أكثر تلك الأحوال من عوارض أجزاء الكلام بالذات، وإنّ صاحب المعاني يرجعه إلى الكلام، فاختار اللفظ ليكون صحيحا في
__________
(1) الفاضل الچلبي هو الحسن بن محمد شاه بن محمد شمس الدين بن حمزة الفناري، الملقّب بملّا حسن شلبي. ولد بتركيا عام 840 هـ/ 1436 م وتوفي فيها عام 886 هـ/ 1481 م. من علماء الدولة العثمانية. عارف بالأصول والحديث والمعقول. له الكثير من المؤلفات. الاعلام 2/ 216، الضوء اللامع 3/ 127، شذرات الذهب 7/ 324، هدية العارفين 1/ 288، المكتبة الأزهرية 2/ 673، البدر الطالع 1/ 208، معجم المؤلفين 3/ 213، الفوائد البهية 64، إيضاح المكنون 2/ 193.
(2) عنها (م).
(3) [بالمشتق ثم] (+ م).
(1/25)

بادئ الرأي. وقد نبّه بتقييد اللفظ بالعربي وإطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أنّ تخصيص البحث باللفظ العربي مجرّد اصطلاح، وإلّا فيطابق بها مطلق اللفظ لمقتضى الحال، وبها يرتفع شأن كلّ مقال؛ ولهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أنّ الأحوال الشاملة بغير اللفظ العربي، كيف تكون من الأحوال التي تبحث في العلم، ولا تبحث فيه إلّا عن الأعراض الذاتية، ولا يندفع إلّا بما ذكره المحقق التفتازاني في بعض تصانيفه من أنّ اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنّما هو عند الفلسفي. وأما أرباب تدوين العربية فربّما لا يتم في علومهم هذا إلّا بمزيد تكلّف، كذا في الأطول؛ ولا يخفى أنّ هذا الإيراد إنما هو على مذهب المتقدّمين الذاهبين إلى أنّ اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة، وأمّا على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنه من الاعراض الذاتية فلا إيراد.
وقد عرّف صاحب المفتاح «1» [علم] «2» المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره، والتعريف الأول أخصر وأوضح كما لا يخفى. وأيضا التعريف بالتتبّع تعريف بالمباين إذ التتبّع ليس بعلم ولا صادق عليه، وإن شئت التوضيح فارجع إلى المطول والاطول.

علم البيان:
وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، كذا ذكر الخطيب في التلخيص. فالعلم جنس، وقوله يعرف به إيراد المعنى الواحد، أي علم يعرف به إيراد كلّ معنى واحد يدخل في قصد المتكلّم، على أن اللام في المعنى للاستغراق العرفي، وهذا هو العرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها، فلو عرف من ليس له هذه الملكة أو الأصول أو الإدراك على اختلاف معاني العلم كالعربي المتكلّم بالسليقة إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن عالما بعلم البيان، وفسّر القوم المعنى الواحد بما يدلّ عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، واعترض عليه بأنه مما لا يفهم من العبارة، ويخرج البحث عن المجاز المفرد مع أنه من البيان، ويمكن دفعه بأنّ تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أنّ موضوع الفن اللفظ البليغ، على أنّ وصف المعنى بالواحد يحتمل أن يكون باعتبار وحدة تحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصحّ تقديم جزء على جزء، فهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ. وأمّا المجاز المفرد وأمثاله، فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ، وقد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان. وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيّد السّند من أنّ فيما ذكره القوم تنبيه على أن علم البيان ينبغي أن يتأخّر عن علم المعاني في الاستعمال، وذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضا، فإن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح والخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإنّ هذه كالأصل في المقصودية وتلك فرع وتتمة لها؛ وكذا خرج به ملكة الاقتدار على معنى الشّجاع بألفاظ مختلفة [في الوضوح] «3» كالأسد والغضنفر والليث
__________
(1) مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي السكاكي.
(2) [علم] (+ م).
(3) [في الوضوح] (+ م).
(1/26)

والحارث؛ وقوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ والمراد بالطرق التراكيب، ويستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند ومسند إليه، ونسبة لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. ولا يشكل عليك أنه وإن تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، وأزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح وهو خفي جدّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها فلا محالة تتحقق «1» المعاني المختلفة وضوحا وخفاء ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه.
بقي هاهنا شيء وهو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من «2» مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلّا أن يقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف ولا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب والمختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلّا في الدلالات العقلية، وإمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، وترك في التعريف ذكر الخفاء، وإن ذكر في المفتاح للاختصار ولاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. وقوله عليه، أي على المعنى الواحد، وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى.

علم البديع:
وهو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه
__________
(1) تحقق (م).
(2) بين (م).
(1/27)

على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلّا لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنا عرضيا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة «1» ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع.
بيان الغرض من تلك العلوم:
اعلم أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع، فما يحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع.

علم العروض:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع، والقيد الأخير احتراز عن علم القافية. وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له وزنا.
علم القافية:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث التقفية، والقيد الأخير احتراز عن علم العروض.
وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له قافية.

العلوم الشرعية
وتسمّى العلوم الدينية، وهي العلوم المدوّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلّق بها تعلّقا معتدا به، ويجيء تحقيقه في الشرع، وهي أنواع فمنها.
__________
(1) خلاصة (- م).
(1/28)

علم الكلام:
ويسمّى بأصول الدين، أيضا، وسماه أبو حنيفة «1» رحمه الله تعالى بالفقه الاكبر. وفي مجمع السلوك «2»: ويسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضا، ويسمّى أيضا، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد «3» للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمّى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، وبإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، وإن سلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلا إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلا.
وفي اختيار يقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غير لازم، وفي اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادرة من الباء، إذ المراد الترتّب العادي، وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات هاهنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه.
والمتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، ولئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. وليس المراد بالحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناء على تناول المخطئ، ولا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معيّنا حتى يرد أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائما عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد
__________
(1) ابو حنيفة: هو الإمام النعمان بن ثابت، التيمي الكوفي، أبو حنيفة. ولد بالكوفة عام 80 هـ/ 699 م وتوفي ببغداد عام 150 هـ/ 767 م. فقيه مجتهد أصولي ومتكلم، من أئمة الفقه الأربعة الكبار. له الكثير من المؤلفات الفقهية الهامة. الأعلام 8/ 36، تاريخ بغداد 13/ 323، وفيات الأعيان 2/ 163، النجوم الزاهرة 2/ 12، البداية والنهاية 10/ 107، الجواهر المضية 1/ 26، نزهة الجليس 2/ 176، تاريخ الخميس 2/ 326، مفتاح السعادة 2/ 63، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 330، مرآة الجنان 1/ 309 وغيرها.
(2) مجمع السلوك في التصوف للشيخ سعد الدين الخيرآبادي (- 882 هـ). إيضاح المكنون، 4، 434.
(3) شرح العقائد النسفية لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) طبع في كلكوتا، 1260 هـ. معجم المطبوعات العربية، 637.
(1/29)

دوّن للعمليات الفقه.
والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام سواء كانت صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها «1»، فلا يتعذّر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام.
وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا.
وللبعد مراتب متفاوتة؛ وقد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الارموي «2»: موضوعه ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، وإمّا في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، وفيه بحث، وهو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّنا بذاته وهو باطل، أو كونه مبيّنا في علم آخر سواء كان شرعيا أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر جدا. وقال طائفة ومنهم حجّة الإسلام «3»: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي، وفيه أيضا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام.
__________
(1) لا يزاد فيها (م).
(2) الأرموي: هو محمود بن أبي بكر بن أحمد، أبو الثناء، سراج الدين الأرموي. ولد بنواحي أذربيجان عام 594 هـ/ 1198 م وتوفي بمدينة قونية عام 682 هـ/ 1283 م. عالم بالأصول والمنطق، فقيه شافعي. تنقل في البلاد وله كثير من المصنفات. الأعلام 7/ 166، طبقات السبكي 5/ 155، معجم المطبوعات 1/ 427، هدية العارفين 2/ 406.
(3) حجة الإسلام: الغزالي هو الإمام محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجّة الإسلام. ولد بطوس بنواحي خراسان عام 450 هـ/ 1058 م وفيها توفي عام 505 هـ/ 1111 م. فيلسوف، فقيه وصوفي، له العديد من المصنفات الهامة. الأعلام 7/ 22، وفيات الأعيان 1/ 463، طبقات الشافعية 4/ 101، شذرات الذهب 4/ 10، الوافي بالوفيات 1/ 277، مفتاح السعادة 2/ 191، تبيين كذب المفتري 291، تاريخ آداب اللغة 3/ 97، اللباب 2/ 170 وغيرها.
(1/30)

وفائدة علم الكلام وغايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، والزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس، وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين.
ومن هذا تبيّن «1» مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضا دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل وقد تأيّدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلّها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعيا أو غيره، بل مباديه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلّا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلا ولا دفع الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلا، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة والمعاد، علما يتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علما مستغنيا في نفسه عمّا عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر.
وأمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، ومنها:
علم التفسير:
وهو علم يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها وغيرها. وقال أبو حيان «2»: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية
__________
(1) يتبين (م).
(2) أبو حيان: هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي الجيّاني، اثير الدين أبو حيان. ولد بجهة غرناطة عام 654 هـ/ 1256 م وتوفي بالقاهرة عام 745 هـ/ 1344 م. من كبار العلماء بالعربية والتفسير
(1/31)

والتركيبية، ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. قال: فقولنا علم جنس، وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة، وقولنا ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية يشتمل «1» علم الصرف والنحو والبيان والبديع، وقولنا ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب يشتمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، فإنّ التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا ويصدّ عن الحمل عليه صادّ، فيحمل على غيره وهو المجاز، وقولنا وتتمّات ذلك هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول «2» وتوضيح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك. وقال الزركشي «3»: التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النّزول والناسخ والمنسوخ، كذا في الاتقان «4»، فموضوعه القرآن.

وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم اعلم أنّ من المعلوم أن الله تعالى إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وانزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة، وهي أنّ كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة: أحدها كمال فضيلة المصنف، فإنه بقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده فقصد بالشروح ظهور تلك المعاني الدقيقة؛ ومن هاهنا كان شرح بعض الأئمة لتصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له. وثانيها إغفاله بعض متمّمات المسألة أو شروطها اعتمادا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر، فيحتاج الشارح لبيان المتروك ومراتبه. وثالثها احتمال اللفظ لمعان مختلفة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السّهو والغلط، أو تكرار الشيء، أو حذف المهمّ، وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
وإذا تقرر هذا، فنقول: إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن فصحاء العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر، كسؤالهم لما نزل [قوله] «5» وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «6» فقالوا وأيّنا لم يظلم نفسه، ففسّره
__________
والحديث والتراجم واللغات. له الكثير من المصنفات. الأعلام 7/ 152، الدرر الكامنة 4/ 302، بغية الوعاة 121، فوات الوفيات 2/ 282، نكت الهميان 280، غاية النهاية 2/ 285، نفح الطيب 1/ 598، شذرات الذهب 6/ 145، النجوم الزاهرة 10/ 111، طبقات السبكي 6/ 31، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 332.
(1) هذا يشمل (م).
(2) المنزل (م).
(3) الزركشي: هو محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين. ولد بمصر عام 745 هـ/ 1344 م وفيها مات عام 794 هـ/ 1392 م. فقيه أصولي، عالم بالقرآن وعلومه. له تصانيف عديدة. الأعلام 6/ 60، الدرر الكامنة 3/ 397، شذرات الذهب 6/ 335.
(4) الإتقان في علوم القرآن لأبي الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر جلال الدين السيوطي (- 911 هـ)، طبع في كلكوتا، 1271 هـ. معجم المطبوعات العربية، 1074.
(5) [قوله] (+ م).
(6) الأنعام/ 82.
(1/32)

النبي صلى الله عليه وسلم بالشّرك، واستدل عليه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «1»، وغير ذلك مما سألوا عنه عليه الصلاة والسلام. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه مع أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد احتياجا إلى التفسير.

وأما شرفه فلا يخفى، قال الله تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «2». وقال الأصبهاني «3»: شرفه من وجوه: أحدها من جهة الموضوع، فإن موضوعه كلام الله تعالى الذي [هو] «4» ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة. وثانيها من جهة الغرض، فإنّ الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى. وثالثها من جهة شدّة الحاجة، فإنّ كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى.
فائدة
اختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما أديبا متّسعا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلّا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسّر إليها وهي خمسة عشر علما: اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع وعلم القراءات، لأنه يعرف به كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، وأصول الدين أي الكلام وأصول الفقه وأسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه، والناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره والفقه والأحاديث المبيّنة لتفسير المبهم والمجمل، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث «من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم» «5». وقال البغوي «6» والكواشي «7» وغيرهما: التأويل، وهو صرف الآية إلى معنى موافق لما
__________
(1) لقمان/ 13.
(2) البقرة/ 269.
(3) الأصبهاني: هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب. توفي حوالي العام 502 هـ/ 1108 م. أديب، من الحكماء العلماء واشتهر أمره حتى قرن بالإمام الغزالي. له الكثير من المؤلفات. الأعلام 2/ 255، روضات الجنان 249، كشف الظنون 1/ 36، تاريخ حكماء الإسلام 112، تاريخ آداب اللغة 3/ 44، بغية الوعاة 396، الذريعة 5/ 45، سفينة البحار 1/ 528 وغيرها.
(4) هو (+ م، ع).
(5) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء، 2/ 347، الحديث رقم 2542، وقال عقبه: رواه أبو نعيم عن أنس. ورجعت إلى الحلية فلم أجده بهذا اللفظ، ووجدته بلفظ: «من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق». عن أبي بكر بن أبي قعدان. ج 10/ 377، ترجمة أحمد بن أبي سعدان رقم 650، وعنه: من عمل بما علم هدى واهتدى.
(6) البغوي: هو الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء. ولد عام 436 هـ/ 1044 م وتوفي عام 510 هـ/ 1117 م في مروالروذ. لقب بمحيي السنة، فقيه، محدث ومفسر، وله العديد من المصنفات. الأعلام 2/ 259 وفيات الأعيان 1/ 145، تهذيب ابن عساكر 4/ 345، دائرة المعارف الإسلامية 4/ 27.
(7) الكواشي: هو أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، موفق الدين ابو
(1/33)

قبلها وما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنّة، غير محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «1» قيل شبابا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل نشّاطا وغير نشّاط، وقيل أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ، والآية تحتمله. وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ «2» انهما علي وفاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «3» يعني الحسن والحسين.

فائدة:
وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. وقال النسفي «4» في عقائده «5»: النصوص محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان «6». فإن قلت: قال رسول
__________
العباس الكواشي ولد بالموصل عام 590 هـ/ 1194 م. وفيها توفي عام 680 هـ/ 1281 م. مفسر، فقيه شافعي.
له الكثير من المؤلفات. الاعلام 1/ 274، النجوم الزاهرة 7/ 348، نكت الهميان 116.
(1) التوبة/ 41.
(2) الرحمن/ 19.
(3) الرحمن/ 22.
(4) النسفي: هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي. ولد عام 461 هـ/ 1068 م، وتوفي 537 هـ/ 1142 م. عالم بالتفسير والأدب والتاريخ، فقيه حنفي، له العديد من المصنفات. الأعلام 5/ 60، لسان الميزان 4/ 327، إرشاد الأريب 6/ 53.
(5) العقائد النسفية لأبي حفص، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي (- 537 هـ/ 1142 م). وكتابه في العقيدة وأصول الدين. طبع في كلكوتا سنة 1260 هـ، وألّفت عليه شروحات وحواشي كثيرة أهمها: شرح العقائد النسفية للتفتازاني وقد سبقت الإشارة إليها. معجم المطبوعات العربية 637.
(6) العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي والاسلامي تعبيرا عن طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف؛ على أن الإلهام والكشف يحصلان بعدة مسالك، منها الإشراق المعرفي، ومنها الكرامة الصوفية، وأخرى بالخيال والتنبؤ. وعرف لغة: العلم، وعرفه عرفة وعرفانا وعرفانا ومعرفة ...
ورجل عروف وعرفة: عارف يعرف الأمور. وفي حديث ابن مسعود: فيقال لهم هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا ... ويقال للحاذي- يدّعي علم الغيب- عرّاف ...
وللطبيب (لسان العرب، مادة عرف). وقيل: العلم يقال لادراك الكلي أو المركب، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، ولهذا يقال عرفت الله دون علمه ... ويستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته. (الكفوي، الكليات، ج 3، ص 204) فعرف والعرفان تشيران إلى الادراك المباشر وإلى ادراك الآثار. ثم إن عرفان على وزن فعلان: خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفا أو ثقيلا ... وفعلان: خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف. (العلائلي، المقدمة اللغوية، ص 66 وص 75). وبهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف. وفي الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافا إلى دلالة لفظ عرف والاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان ومفهومه. إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان والعلم الكلي يداخله الظن وحشد الاوصاف والاضطراب مثلما يباطنه الكشف والحدس. ومن ثمّ أطلق اللفظ على ثلاثة معان:
- قابل لفظة الغنوص Gnose ، ودلّ احيانا على من اتبع المعرفة الغنوصية.
(1/34)

الله صلى الله عليه وسلم «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع» «1». قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلّا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود «2» فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع وهو أقرب إلى الصواب أنّ القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله ولكل حرف حدّ أي منتهى فيما أراد من معناه، وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله ولكل حدّ مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصّل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدلّ على أنّ في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع [بل] «3»، لا بدّ منه في ظاهر التفسير لتتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بدّ منه أوّلا، إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. هذا كله نبذ مما وقع في الاتقان، وإن شئت الزيادة فارجع إليه.

علم القراءة:
وهو علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، وموضوعه القرآن من حيث إنه كيف يقرأ.
__________
- رافق المفهوم الاشراقي الشرقي، ودلّ على المعرفة بالنور، أصل من أصلين عند الفرس.
- عبّر عن التيار الصوفي الاسلامي وطريقته في المعرفة والتيار الباطني وطريقته في التأويل. وقد ميّز الفكر الحديث، بمؤتمر مدينة Missine بايطاليا عام 1966 م بين العرفان والعرفانية، معتبرا أن العرفان هو المعرفة الإلهية يخصّ صفوة من الناس. أما العرفانية فهي مذاهب دينية متعدّدة ومختلفة، كثرت في القرن الثاني الميلادي، تتفق على جامع واحد مفاده: أنها ترقى إلى معرفة تفوق المعرفة العقلية وتسمو عليها، إنها المعرفة الباطنية. Jambet ,Ch .,la Logique des Orienteaux ,Paris ، 1983،P . 171.
ولعلّ هذه المذاهب ترجع إلى مذهب هرمس الهرامس- أو ادريس، أخنوخ الفرعوني- وهرمس لغة سريانية تعني العالم، لمزيد من التفصيل عن كل هذا التيار. (العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الاسلامية، بيروت، 1992، ج 1، فصل العرفان).
(1) لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع. أخرجه البيهقي في الشعب، 2/ 485، عن معقل بن يسار، باب في تعظيم القرآن (16)، فصل في فضائل السور، الحديث رقم 2478، بلفظ: « ... لكل آية نور يوم القيامة ... ».
(2) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، ابو عبد الرحمن. توفي بالمدينة المنورة عام 32 هـ/ 653 م.
صحابي جليل. من اهل مكة. من السابقين للاسلام. خدم الرسول وصاحبه. من أكابر الصحابة علما وورعا.
الاعلام 4/ 137، غاية النهاية 1/ 458، صفة الصفوة 1/ 154، حلية الأولياء 1/ 124، تاريخ الخميس 2/ 257، سير أعلام النبلاء 1/ 461، الاصابة 2/ 360 وغيرها.
(3) بل (+ م).
(1/35)

علم الإسناد:
ويسمّى بأصول الحديث أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث صحة النقل وضعفه والتحمّل والأداء، كذا في الجواهر «1»؛ وفي شرح النخبة «2» هو علم يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء انتهى.
فموضوعه الحديث بالحيثية المذكورة.

علم الحديث:
ويسمّى بعلم الرواية والأخبار والآثار أيضا على ما في مجمع السلوك، حيث قال ويسمّى جملة علم الرواية والأخبار والآثار علم الأحاديث، انتهى. فعلى هذا علم الحديث يشتمل علم الآثار أيضا، بخلاف ما قيل، فإنه لا يشتمله، والظاهر أن هذا مبني على عدم إطلاق الحديث على أقوال الصحابة وأفعالهم على ما عرف. وعلم الحديث علم تعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله.
أما أقواله عليه الصلاة والسلام فهي الكلام العربي، فمن لم يعرف حال الكلام العربي فهو بمعزل عن هذا العلم، وهو كونه حقيقة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيّدا ومنطوقا ومعنويا ونحو ذلك، مع كونه على قانون العربية الذي بيّنه النحاة بتفاصيله، وعلى قواعد استعمال العرب، وهو المعبر بعلم اللغة.
وأما أفعاله عليه الصلاة والسلام فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها أولا كالأفعال الصادرة عنه طبعا أو خاصة، كذا في العيني «3» شرح صحيح البخاري «4»، وزاد الكرماني «5» وأحواله.
ثم في العيني: وموضوعه ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث أنه رسول الله، ومباديه هي ما تتوقف عليه المباحث، وهي أحوال الحديث وصفاته، ومسائله هي الأشياء المقصودة منه، وغايته الفوز بسعادة الدارين.
__________
(1) الجواهر المكلّلة في الأخبار المسلسلة لأبي الحسن علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (- 643 هـ/ 1245 م). الرسالة المستطرفة، 83.
(2) شرح النخبة ويعرف بنزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ شهاب الدين احمد بن علي بن حجر العسقلاني (- 852 هـ/ 1448 م) وقد شرح فيه كتابه نخبة الفكر.
(3) العيني هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، ابو محمد، بدر الدين العيني الحنفي. ولد بضواحي حلب عام 762 هـ/ 1361 م وتوفي بالقاهرة عام 855 هـ/ 1451 م. مؤرخ، علامه، من كبار المحدثين، له الكثير من المصنفات الهامة. الاعلام 7/ 163، الضوء اللامع 10/ 131، خطط مبارك 6/ 10، شذرات الذهب 7/ 286، الجواهر المضية 2/ 165، إعلام النبلاء 5/ 255، آداب اللغة 3/ 196، معجم المطبوعات 1402.
(4) عمدة القاري شرح صحيح البخاري لمحمود بن أحمد بن موسى، أبو محمد بدر الدين العيني (- 855 هـ/ 1451 م). طبع في القسطنطينية، 1310 هـ، اكتفاء القنوع، 126.
(5) الكرماني هو محمود بن حمزة بن نصر برهان الدين الكرماني. توفي حوالي العام 505 هـ/ 1110 م. عالم بالقراءات. الاعلام 7/ 168، غاية النهاية 2/ 290، إرشاد الأريب 7/ 146، الاتقان في علوم القرآن 2/ 221، مفتاح السعادة 1/ 421، هدية العارفين 2/ 402.
(1/36)

فائدة
لأهل الحديث مراتب: أولها الطالب، وهو المبتدئ الراغب فيه، ثم المحدّث وهو الأستاذ الكامل، وكذا الشيخ والإمام بمعناه، ثم الحائط «1» وهو الذي أحاط علمه بمائة ألف حديث متنا وإسنادا، وأحوال رواة «2» جرحا وتعديلا وتاريخا، ثم الحجّة وهو الذي أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث كذلك قاله ابن المطري «3». وقال الجزري «4» رحمه الله: الراوي ناقل الحديث بالإسناد والمحدّث من تحمّل بروايته واعتنى بدرايته، والحافظ من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج إليه.
وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الاكفاني السنجاري: دراية الحديث علم تتعرف منه أنواع الرواية وأحكامها وشروط الرواية وأصناف المرويات، واستخراج معانيها، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه علم التفسير من اللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع والأصول، ويحتاج إلى تاريخ النقلة، انتهى.

علم أصول الفقه:
ويسمّى هو وعلم الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك، وله تعريفان: أحدهما باعتبار الإضافة، وثانيهما باعتبار اللّقب، أي باعتبار أنه لقب لعلم مخصوص. وأما تعريفها باعتبار الإضافة فيحتاج إلى تعريف المضاف وهو الأصول والمضاف إليه وهو الفقه، والإضافة التي هي بمنزلة الجزء الصّوري للمركّب الإضافي. فالأصول هي الأدلة، إذ الأصل في الاصطلاح يطلق على الدّليل أيضا، وإذا أضيف إلى العلم يتبادر منه هذا المعنى، وقيّد المراد المعنى اللغوي، وهو ما يبتنى عليه الشيء فإنّ الابتناء يشتمل الحسّي، وهو كون الشيئين حسّيين كابتناء السقف على الجدران، والعقلي كابتناء الحكم على دليله. فلمّا أضيف الأصول إلى الفقه الذي هو معنى عقلي، يعلم أن الابتناء هاهنا عقلي، فيكون أصول الفقه ما يبتنى هو عليه ويستند إليه، ولا معنى لمستند العلم ومبتناه إلّا دليله. وأما الفقه فستعرف معناه.
وأما الإضافة فهي تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم المضاف إذا كان المضاف مشتقّا أو ما في معناه، مثلا دليل المسألة ما يختصّ بها باعتبار كونه دليلا عليها، فأصول الفقه ما يختصّ به من حيث إنه مبنى له ومسند إليه، ثم نقل إلى المعنى العرفي اللّقبي الآتي ليتناول الترجيح والاجتهاد أيضا. وقيل لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى المعنى اللّقبي أي العلم بالقواعد المخصوصة، بل يحمل على معناه اللّغوي أي ما يبتنى الفقه عليه ويستند إليه ويكون شاملا لجميع معلوماته من الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها في ابتناء الفقه عليها، فيعبّر عن
__________
(1) الحافظ (م).
(2) رواته (م).
(3) ابن المطري هو محمد بن أحمد بن محمد بن خلف الخزرجي الأنصاري السعدني المدني، أبو عبد الله، جمال الدين المطري. ولد عام 671 هـ/ 1272 م وتوفي بالمدينة المنورة عام 741 هـ/ 1340 م. فاضل، عالم بالحديث والفقه والتاريخ. تولى نيابة القضاء بالمدينة وله عدة تصانيف. الاعلام 5/ 325، الدرر الكامنة 3/ 315.
(4) الجزري، هو محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود، ابو عبد الله شمس الدين الجزري. ولد بالجزيرة عام 637 هـ/ 1239 م وتوفي بالقاهرة عام 711 هـ/ 1312 م خطيب من فقهاء الشافعية. له بعض المؤلفات في اللغة والأصول.
الأعلام 7/ 151، الدرر الكامنة 4/ 299، بغية الوعاة 120، شذرات الذهب 6/ 42.
(1/37)

معلوماته بلفظه وهو أصول الفقه، وعنه بإضافة العلم إليه، فيقال علم أصول الفقه، أو يكون إطلاقها على العلم المخصوص على حذف المضاف أي علم الأصول الفقه. لكن يحتاج إلى اعتبار قيد الإجمال، ومن ثمّة قيل في المحصول «1»: أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدلّ بها. وفي الإحكام: هي أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدلّ من جهة الجملة، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح مختصر الأصول.

وأما تعريفه باعتبار اللقب، فهو العلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق، والمراد بالقواعد القضايا الكليّة التي تكون إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، والمراد بالتوصّل التوصّل القريب الذي له مزيد اختصاص بالفقه إذ هو المتبادر من الباء السببية، ومن توصيف القواعد بالتوصّل فخرج المبادئ كقواعد العربية والكلام، إذ يتوصّل بقواعد العربية إلى معرفة الألفاظ وكيفية دلالتها على المعاني الوضعية وبواسطة ذلك يقتدر على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والاجماع، وكذا يتوصّل بقواعد الكلام إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما، ويتوصل بذلك إلى الفقه، وكذا خرج علم الحساب، إذ التوصّل بقواعده في مثل: له عليّ خمسة في خمسة، إلى تعيّن مقدار المقرّ به لا إلى وجوبه الذي هو حكم شرعي كما لا يخفى، وكذا خرج المنطق إذ لا يتوصّل بقواعده إلى الفقه توصلا قريبا مختصا به، إذ نسبته إلى الفقه وغيره على السوية.
والتحقيق في هذا المقام أنّ الإنسان لم يخلق عبثا ولم يترك سدى، بل تعلّق بكل من أعماله حكم من قبل الشارع منوط بدليل يختصه ليستنبط منه عند الحاجة، ويقاس على ذلك الحكم ما يناسبه لتعذّر الإحاطة بجميع الجزئيات، فحصلت قضايا موضوعاتها أفعال المكلّفين، ومحمولاتها أحكام الشارع على التفصيل، فسمّوا العلم بها الحاصل من تلك الأدلة فقها. ثم نظروا في تفاصيل الأدلة والأحكام فوجدوا الأدلّة راجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأحكام راجعة إلى الوجوب والنّدب والحرمة والكراهة والإباحة. وتأمّلوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالا من غير نظر إلى تفاصيلها، إلّا على طريق ضرب المثل، فحصل لهم قضايا كليّة متعلّقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالا، وبيان طرقه وشرائطه، يتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من تلك الأحكام الجزئية عن أدلّتها، فضبطوها ودوّنوها وأضافوا إليها من اللواحق والمتمّمات وبيان الاختلافات وما يليق بها، وسمّوا العلم بها أصول الفقه، فصار عبارة عن العلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى الفقه. ولفظ القواعد مشعر بقيد الإجمال. وقيد التحقيق للاحتراز عن علم الخلاف والجدل، فإنه وإن شمل «2» على القواعد الموصلة إلى الفقه، لكن لا على وجه التحقيق، بل الغرض منه إلزام الخصم. ولقائل أن يمنع كون قواعده مما يتوصّل به إلى الفقه توصلا قريبا، بل إنما يتوصّل بها إلى محافظة الحكم المستنبط أو مدافعته، ونسبته إلى الفقه وغيره على السوية، فإن الجدلي إمّا مجيب يحفظ وضعا أو معترض يهدم وضعا، إلّا أنّ الفقهاء أكثروا فيه من مسائل الفقه وبنوا نكاته عليها، حتى يتوهّم أن له اختصاصا بالفقه.
__________
(1) المحصول في أصول الفقه لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (- 606 هـ/ 1209 م)، طبعته جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض باعتناء وتحقيق طه جابر العلواني، 1979.
(2) اشتمل (م).
(1/38)

ثم اعلم أنّ المتوصّل بها إلى الفقه إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلة، وليس دليل المقلد منها، فلذا لم يذكر مباحث التقليد والاستفتاء في كتب الحنفية. وأما من ذكرهما فقد صرّح بأن البحث عنهما إنما وقع من جهة كونه مقابلا للاجتهاد.

تنبيه
بعد ما تقرر أنّ أصول الفقه لقب للعلم المخصوص لا حاجة إلى إضافة العلم إليه إلّا أن يقصد زيادة بيان وتوضيح كشجر الأراك. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: أصول الفقه علم يتعرّف منه تقرير مطلب الأحكام الشرعية العملية وطرق استنباطها وموادّ حججها واستخراجها بالنظر، انتهى.
وموضوعه الأدلة الشرعية والأحكام؛ توضيحه أنّ كل دليل من الأدلة الشرعية إنما يثبت به الحكم إذا كان مشتملا على شرائط وقيود مخصوصة، فالقضية الكليّة المذكورة إنما تصدق كلية إذا اشتملت على هذه الشرائط والقيود، فالعلم بالمباحث المتعلّقة بهذه الشرائط والقيود يكون علما بتلك القضية الكلية، فتكون تلك المباحث من مسائل أصول الفقه. هذا بالنظر إلى الدليل، وأمّا بالنظر إلى المدلول وهو الحكم، فإن القضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلية إذا عرف أنواع الحكم، وأنّ أي نوع من الأحكام يثبت بأيّ نوع من الأدلة بخصوصية ثابتة من الحكم، ككون هذا الشيء علّة لذلك الشيء، فإنّ هذا الحكم لا يمكن إثباته بالقياس.
ثم المباحث المتعلّقة بالمحكوم به، وهو فعل المكلف ككونه عبادة أو عقوبة ونحو ذلك مما يندرج في كليّة تلك القضية، فإن الأحكام مختلفة باختلاف أفعال المكلّفين، فإن العقوبات لا يمكن إيجابها بالقياس.
ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه وهو المكلّف كمعرفة الأهلية ونحوها مندرجة تحت تلك القضية الكلية أيضا، لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه، وبالنظر إلى وجود العوارض وعدمها. فيكون تركيب الدليل على إثبات مسائل الفقه بالشكل الأول هكذا: هذا الحكم ثابت لأنه حكم هذا شأنه، متعلق بفعل هذا شأنه، وهذا الفعل صادر من مكلّف هذا شأنه، ولم توجد العوارض المانعة من ثبوت هذا الحكم، ويدل على ثبوت هذا الحكم قياس هذا شأنه. هذا هو الصغرى، ثم الكبرى وهو قولنا: وكل حكم موصوف بالصفات المذكورة ويدلّ على ثبوته القياس الموصوف فهو ثابت، فهذه القضية الأخيرة من مسائل أصول الفقه؛ وبطريق الملازمة هكذا كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دالّ على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد القياس الموصوف الخ، فعلم أن جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلية «1» المذكورة، فهذا معنى التوصّل القريب المذكور.
وإذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا كل حكم كذا يدلّ على ثبوته دليل كذا فهو ثابت، أو كلما وجد دليل كذا دالّ على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، علم أنه يبحث في هذا العلم عن الأدلة الشرعية والأحكام الكليتين من حيث إنّ الأولى مثبتة للثانية، والثانية ثابتة بالأولى، والمباحث
__________
(1) الكلية (- م، ع).
(1/39)

التي ترجع إلى أنّ الأولى مثبتة للثانية بعضها ناشئة عن الأدلة وبعضها عن الأحكام؛ فموضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية والأحكام إذ يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية، وهي إثباتها للحكم، وعن العوارض الذاتية للأحكام، وهي ثبوتها بتلك الأدلة. وان شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح والتلويح.

علم الفقه:
ويسمى هو وعلم أصول الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك. وهو معرفة النفس ما لها وما عليها، هكذا نقل عن أبي حنيفة. والمراد بالمعرفة إدراك الجزئيات عن دليل، فخرج التقليد، قال المحقق التفتازاني: القيد الأخير في تفسير المعرفة مما لا دلالة عليه أصلا لا لغة ولا اصطلاحا، وقوله: ما لها وما عليها يمكن أن يراد به ما ينتفع به «1» النفس وما يتضرر به «2» في الآخرة، على أن اللام للانتفاع، وعلى للضرر. وفي التقييد بالأخروي احتراز عما ينتفع به أو يتضرر به في الدنيا من اللذات والآلام؛ والمشعر بهذا التقييد شهرة أن علم الفقه من العلوم الدينية. فإن أريد بهما الثواب والعقاب، فاعلم أنّ ما يأتي به المكلّف إما واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه كراهة تنزيه أو تحريم أو حرام، فهذه ستة، ولكل واحد طرفان: طرف الفعل وطرف الترك، فصارت اثنتي عشرة؛ ففعل الواجب مما يثاب عليه، وفعل الحرام والمكروه تحريما مما يعاقب عليه، والباقي لا يثاب ولا يعاقب عليه، فلا يدخل في شيء من القسمين. وإن أريد بالنفع الثواب وبالضرر عدمه، ففعل الواجب والمندوب من الأول، والبواقي من الثاني. ويمكن أن يراد بما لها وما عليها ما يجوز لها وما يجب عليها، ففعل ما سوى الحرام والمكروه تحريما وترك ما سوى الواجب يجوز، وفعل الواجب وترك الحرام والمكروه تحريما مما يجب عليها، فبقي فعل الحرام وترك الواجب وفعل المكروه تحريما خارجا عن القسمين. ويمكن أن يراد بهما ما يجوز لها وما يحرم عليها، فيشتملان جميع الأقسام. إذا عرفت هذا فالحمل على وجه لا تكون بين القسمين واسطة أولى.
ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقاديات كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية والعمليات كالصوم والصلاة والبيع ونحوها. فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوّف، كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك. ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أريد بالفقه هذا المصطلح زيد عملا على قوله ما لها وما عليها. وإن أريد ما يشتمل الأقسام الثلاثة فلا يزاد قيد عملا. وأبو حنيفة إنما لم يزد قيد عملا لأنه أراد الشمول أي أطلق الفقه على العلم بما لها وما عليها، سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات، ولذا سمّى الكلام فقها أكبر.
وذكر الإمام الغزالي أن الناس تصرّفوا في اسم الفقه، فخصّوه بعلم الفتاوى والوقوف على دلائلها وعللها. واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا، ولذا قيل: الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة،
__________
(1) تنتفع (م).
(2) تتضرر (م).
(1/40)

البصير بذنبه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين. قال أصحاب الشافعي «1»: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والمراد بالحكم النسبة التامة الخبرية التي العلم بها تصديق وبغيرها تصوّر، فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلّقة بكيفية العمل تصديقا حاصلا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا، وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
اعلم أنّ متعلّق العلم إمّا حكم أو غير حكم، والحكم إمّا مأخوذ من الشرع أو لا، والمأخوذ من الشرع إمّا أن يتعلق بكيفية عمل أو لا، والعملي إمّا أن يكون العلم حاصلا من دليله التفصيلي الذي ينوط به الحكم أو لا. فالعلم المتعلّق بجميع الأحكام الشرعية العملية الحاصلة من الأدلة هو الفقه.
فخرج العلم بغير الأحكام من الذوات والصفات، وبالأحكام الغير المأخوذة من الشرع بل من العقل كالعلم بأن العالم حادث، أو من الحسّ كالعلم بأن النار محرقة، أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع. وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية المسماة بالاعتقادية والأصلية، ككون الإجماع حجة والإيمان به واجبا. وخرج علم الله تعالى وعلم جبرائيل وعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذا علم المقلّد لأنه لم يحصل من الأدلة التفصيلية. والتقييد بالتفصيلية لإخراج الإجمالية كالمقتضي والنافي، فإن العلم بوجوب الشيء لوجود المقتضي أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه. والمراد بالعلم المتعلق بجميع الأحكام المذكورة تهيؤه للعلم بالجميع بأن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه، بأن يرجع إليه فيحكم، وعدم العلم في الحال لا ينافيه «2» لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمانا، وقد سبق مثل هذا في بيان العلوم المدوّنة وعلم المعاني.
ثم إنّ إطلاق العلم على الفقه وإن كان ظنيا باعتبار أنّ العلم قد يطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات كالطب ونحوه. ثم إن أصحاب الشافعي جعلوا للفقه أربعة أركان: فقالوا الأحكام الشرعية إمّا أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، أو بأمر الدنيا، وهي إمّا أن تتعلّق ببقاء الشخص وهي المعاملات، أو ببقاء النوع باعتبار المنزّل وهي المناكحات، أو باعتبار المدينة وهي العقوبات.
وهاهنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى التوضيح والتلويح.

وموضوعه فعل المكلف من حيث الوجوب والندب والحلّ والحرمة وغير ذلك كالصحة والفساد.
وقيل موضوعه أعمّ من الفعل، لأن قولنا: الوقت سبب لوجوب الصلاة من مسائله وليس موضوعه الفعل. وفيه أن ذلك راجع إلى بيان حال الفعل بتأويل أنّ الصلاة تجب بسبب الوقت، كما أن قولهم النية في الوضوء مندوبة، في قوة أنّ الوضوء يندب فيه النية. وبالجملة تعميم موضوع الفقه مما لم يقل به أحد، ففي كل مسألة ليس موضوعها راجعا إلى فعل المكلّف يجب تأويله حتى يرجع
__________
(1) الشافعي هو الامام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله. ولد في غزة بفلسطين عام 150 هـ/ 767 م ثم رحل إلى بغداد فمصر حيث توفي فيها عام 204 هـ/ 820 م. أحد الأئمة الأربعة الكبار في الفقه، أصولي ولغوي ومفسر. له كتب هامة في الفقه والأصول والاحكام. الاعلام 6/ 26، تذكرة الحفاظ 1/ 329، تهذيب التهذيب 9/ 25، وفيات الاعيان 1/ 447، إرشاد الأريب 6/ 367، غاية النهاية 2/ 95، صفة الصفوة 2/ 140، تاريخ بغداد 2/ 56، حلية الأولياء 9/ 63، طبقات الشافعية 1/ 185 وغيرها.
(2) ينفيه (م).
(1/41)

موضوعها إليه، كمسألة المجنون والصبي فإنه راجع إلى فعل الولي، هكذا في الخيالي «1» وحواشيه.

ومسائله الأحكام الشرعية العملية كقولنا الصلاة فرض، وغرضه النجاة من عذاب النار ونيل الثواب في الجنة. وشرفه مما لا يخفى لكونه من العلوم الدينية.
علم الفرائض:
وهو علم يبحث فيه عن كيفية قسمة تركة الميّت بين الورثة، وموضوعه قسمة التركة بين المستحقين. وقيل موضوعه التركة ومستحقّوها، والأول هو الصحيح، لأنهم عدوّا الفرائض بابا من الفقه، وموضوع الفقه هو عمل المكلّف، والتركة ومستحقوها ليس من قبيل العمل، كذا في الخيالي.

علم السلوك:
وهو معرفة النفس ما لها وما عليها من الوجدانيات على ما عرفت قبيل هذا، ويسمّى بعلم الأخلاق وبعلم التصوّف أيضا. وفي مجمع السلوك: وأشرف العلوم علم الحقائق والمنازل والأحوال، وعلم المعاملة والإخلاص في الطاعات والتوجّه إلى الله تعالى من جميع الجهات، ويسمّى هذا العلم بعلم السلوك. فمن غلط في علم الحقائق والمنازل والأحوال المسمّى بعلم التصوّف فلا يسأل عن غلطه إلّا عالما منهم كامل العرفان، ولا يطلب ذلك من البزدوي «2» والبخاري «3» والهداية «4» وغير ذلك. وعلم الحقائق ثمرة العلوم كلها وغايتها، فإذا انتهى السالك إلى علم الحقائق وقع في بحر لا ساحل له، وهو أي علم الحقائق علم القلوب وعلم المعارف وعلم الأسرار، ويقال له علم الإشارة. وفي موضع آخر منه. ويقول كبار مشايخ أهل الباطن: إنه يجب بعد تحصيل علم المعرفة والتوحيد والفقه والشرائع أن يتعلّم (السّالك) علم آفات النّفس ومعرفتها وعلم الرياضة، ومكايد الشيطان للنفس وسبل الاحتراز منها. ويقال لهذا العلم علم الحكمة، ذلك أن نفس السالك متى استقامت على الواجبات. وصلح طبع السّالك. وتأدّب بآداب الله. أمكنه حينئذ أن يراقب خواطره وأن يطهّر سريرته؛ وهذا العلم يقال له علم المعرفة. وأمّا مراقبة الخواطر فهي أن يتفكّر في الحق ولا يمكنه أن يشغل كل خواطره بذات الحق، بل بالأعراض، أي فيما سوى الله تعالى.
__________
(1) حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي (- 1067 هـ/ 1656 م) على حاشية شرح العقائد النسفية لأحمد بن موسى الشهير بخيالي (- 862 هـ/ 1457 م) كشف الظنون 2/ 1145 و1148.
(2) البزدوي هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن، فخر الاسلام البزدوي. ولد عام 400 هـ/ 1010 م توفي عام 482 هـ/ 1089 م. فقيه أصولي من أكابر الحنفية، له تصانيف هامة. الاعلام 4/ 328، الفوائد البهية 124، مفتاح السعادة 2/ 54، الجواهر المضية 1/ 372.
(3) البخاري هو محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة البخاري، ابو عبد الله. ولد في بخاري عام 194 هـ/ 810 م ومات بسمرقند عام 256 هـ/ 870 م حبر الاسلام، والحافظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، له عدة تصانيف. الاعلام 6/ 34، تذكرة الحفاظ 2/ 122، تهذيب التهذيب 9/ 47، وفيات الاعيان 1/ 455، تاريخ بغداد 2/ 4. طبقات السبكي 2/ 2، طبقات الحنابلة 1/ 271، آداب اللغة 2/ 210 وغيرها.
(4) الهداية شرح البداية لبرهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني (- 593 هـ/ 1197 م)، طبع في لندن باعتناء Ch .Hamilton ، 1791 م. معجم المطبوعات العربية 1739.
(1/42)

وأما تطهير السّرائر فهو أن يتطهر من كل ما يلوّثه، حتى إذا وصل إلى علم المعرفة أصبح بمقدوره أن يصل إلى علم المكاشفة والمشاهدة، وهذا ما يطلق عليه الإشارة. انتهى «1».
وموضوعه أخلاق النفس إذ يبحث فيه عن عوارضها الذاتية، مثلا حبّ الدنيا في قولهم: حبّ الدنيا رأس كل خطيئة، خلق من أخلاق النفس حكم عليه بكونه رأس الخطايا ورأس الأخلاق الرذيلة التي تتضرر بسببها النفس، وكذا الحال في قولهم: بغض الدنيا رأس الحسنات؛ وغرضه التقرّب والوصول إلى الله تعالى.

فائدة
ورد في مجمع السلوك، أيّها الاخ العزيز: بما أنّ مقامات الناس وأفهامها مختلفة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» «2». لذا اتفق الصوفية على اصطلاحات وألفاظ فيما بينهم، وأشاروا إلى تلك الألفاظ بالمصالح، لكي يدرك عنهم كلّ من كان له حظّ من الفهم؛ وأمّا من كان غير أهل لذلك فإنه يبقى بعيدا «3».

العلوم الحقيقية
هي العلوم التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح المطالع، وذلك كعلم الكلام إذ جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا متّفقين في الاعتقاديات، وكعلم المنطق وبعض أنواع الحكمة. وعلم الفقه ليس منها لوقوع التغير فيه بالنسخ.
__________
(1) مشايخ كبار اهل باطن مى فرمايند بعد تحصيل علم معرفت وتوحيد وفقه وشرائع لازم است كه علم آفات نفس ومعرفت آن وعلم رياضت ومكايد شيطان ونفس وسبيل احتراز آن بياموزد واين را علم حكمت گويند تا چون نفس سالك بر واجبات استقامت يافت وطبع وى صالح گشت وبآداب خداى مؤدب گشت ممكن گردد مر وى را مراقبه خواطر وتطهير سرائر واين را علم معرفت گويند. ومراقبه خواطر آنست كه همه از حق انديشد ونتواند همه خواطر بحق مشغول داشتن مگر باعراض از ما سوى الله تعالى وتطهير سرائر آن باشد كه مر او را بشويد از هر چيزى كه مر او را بيالايد تا چون علم معرفت دست دهد ممكن بود كه بعلم مكاشفه ومشاهده رسد واين را علم اشارت گويند، انتهى.
(2) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس. ج 1/ 398، عن ابن عباس، الحديث رقم 1611، بلفظ: آمرت أن نكلم الناس على قدر عقولهم. واخرجه الهندي في كنز العمال، 10/ 242، رقم 29282، بلفظ «امرنا ... » وعزاه للديلمي. واخرجه السخاوي في المقاصد الحسنة، 93 رقم 180، وقال عقبه: ... ورواه ابو الحسن التميمي من الحنابلة في العقل له بسنده عن ابن عباس بلفظ: «بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس قدر عقولهم»، وله شاهد من حديث مالك عن سعيد بن المسيب رفعه مرسلا: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا ... ».
(3) در مجمع السلوك مىرد اى عزيز چون مقامات وفهم مردم مختلف شد وحضرت رسالت پناه عليه الصلاة والسلام فرموده اند «نحن معاشر الأنبياء امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم» لا جرم صوفية تدبير كرده اند وميان خويش اندر علم خود ألفاظي بنهادند واصطلاح كردند وبدان الفاظ بمصالح اشارت كردند تا هركه خداوند مقام وفهم بود دريافت وهركس كه نااهل بود نيافت.
(1/43)

علم المنطق:
ويسمّى علم الميزان إذ به توزن الحجج والبراهين. وكان أبو علي «1» يسمّيه خادم العلوم إذ ليس مقصودا بنفسه، بل هو وسيلة إلى العلوم، فهو كخادم لها. وأبو نصر «2» يسمّيه رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها، فيكون رئيسا حاكما عليها. وإنّما سمّي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ وعلى إدراك الكليّات وعلى النفس الناطقة. ولما كان هذا الفن يقوّي الأول ويسلك بالثاني مسلك السّداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه وهو المنطق. وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. فالقانون يجيء بيانه في محله. والمعلومات تتناول الضرورية والنظرية. والمجهولات تتناول التصوّرية والتصديقية. وهذا أولى مما ذكره صاحب الكشف «3»: تفيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات إلى النظريات، لأنه يوهم بالانتقال الذاتي على ما يتبادر من العبارة، والمراد الأعمّ من أن يكون بالذات أو بالواسطة. والمراد بقولنا بحيث لا يعرض الغلط في الفكر عدم عروضه عند مراعاة القوانين كما لا يخفى، فإنّ المنطقي ربما يخطئ في الفكر بسبب الإهمال، هذا مفهوم التعريف.
واما احترازاته فالعلم كالجنس، وباقي القيود كالفصل احتراز عن العلوم التي لا تفيد معرفة طرق الانتقال، كالنحو والهندسة، فإن النحو إنما يبيّن قواعد كلية متعلقة بكيفية التلفّظ بلفظ العرب على وجه كلي، فإذا أريد أن يتلفظ بكلام عربي مخصوص على وجه صحيح احتيج إلى أحكام جزئية تستخرج من تلك القواعد كسائر الفروع من أصولها. فتقع هناك انتقالات فكرية من المعلوم إلى المجهول لا يفيد النحو معرفتها أصلا. وكذلك الهندسة يتوصل بمسائلها القانونية إلى مباحث الهيئة بأن تجعل تلك المسائل مبادئ الحجج التي تستدلّ «4» بها على تلك المباحث، وأما الأفكار الجزئية الواقعة في تلك الحجج فليست الهندسة مفيدة لمعرفتها قطعا. قيل التعريف دوري لأن معرفة طرق الاكتساب جزء من المنطق، فيتوقف تحققه على معرفة طرق الاكتساب؛ فلو كانت معرفتها مستفادة من المنطق توقفت عليه فلزم الدور.
وأجيب بأنّ جزء المنطق هو العلم بالطرق الكلية وشرائطها، لا العلم بجزئياتها المتعلّقة بالمواد
__________
(1) ابن سينا الشيخ الرئيس هو الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، ولد في ضواحي بخارى عام 370 هـ/ 980 م ومات بهمذان عام 428 هـ/ 1037 م. من دعاة الباطنية. فيلسوف إلهي، ناظر العلماء واشتهر، وله العديد من المؤلفات المعروفة. الاعلام 2/ 241، وفيات الأعيان 1/ 152، تاريخ حكماء الاسلام 27 - 72، خزانة الأدب 4/ 466، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 203، لسان الميزان 2/ 291، تاريخ آداب اللغة 2/ 336 وغيرها.
(2) ابو نصر الفارابي هو محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو نصر الفارابي، ولد بفاراب عام 260 هـ/ 874 م. وتوفي بدمشق عام 339 هـ/ 950 م أكبر فلاسفة المسلمين، ويعرف بالمعلم الثاني. تركي الأصل، مستعرب، أول من وضع آلة القانون. له العديد من المصنفات الهامة. الاعلام 7/ 20، وفيات الاعيان 2/ 76، طبقات الاطباء 2/ 134، تاريخ حكماء الاسلام 230، آداب اللغة 2/ 213، البداية والنهاية 11/ 224، الوافي بالوفيات 1/ 106، مفتاح السعادة 1/ 259، دائرة المعارف الاسلامية 1/ 407 وغيرها.
(3) الكشف الأرجح أنه جامع الدقائق في الكشف عن الحقائق لعلي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني، (- 675 هـ/ 1277 م). كشف الظنون 1/ 540 ومعجم المؤلفين 7/ 159.
(4) يستدل (م، ع).
(1/44)

المخصوصة، وهذا هو الذي جعل مستفادا من المنطق والمشعر على ذلك استعمال المعرفة في إدراك الجزئيات. ثم هذا التعريف مشتمل على العلل الأربع، فإنّ مادته هي القوانين، تحتمل هذا الفن وغيره، كما أن المادة أمر مبهم في نفسها تحتمل أمورا ولا تصير شيئا معيّنا منها، إلّا بأن ينضم إليها ما يحصله وما يعينه. وقولنا تفيد معرفة طرق الانتقال إشارة إلى الصورة لأنه المخصّص لها، أي للقوانين بالمنطق، وقد أشير أيضا إلى العلّة الفاعلية بالالتزام، وهو العارف بتلك الطرق الجزئية المفادة العالم بتلك القوانين المفيدة إياها. وقولنا بحيث لا يعرض الغلط إشارة إلى العلّة الغائية.

اعلم أنّ المنطق من العلوم الآليّة لأنّ المقصود منه تحصيل المجهول من المعلوم، ولذا قيل الغرض من تدوينه العلوم الحكمية، فهو في نفسه غير مقصود؛ ولذا قيل المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فالآلة بمنزلة الجنس والقانونية بمنزلة الفصل تخرج الآلات الجزئية لأرباب الصنائع، وقوله تعصم مراعاتها الخ يخرج العلوم القانونية التي لا تعصم مراعاتها عن الضلال في الفكر بل في المقال «1» كالعلوم العربية.
والموضوع، قيل موضوعه التصوّرات والتصديقات، أي المعلومات التصوّرية والتصديقية لأن بحث المنطقي عن أعراضها الذاتية، فإنه يبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى تصوّر مجهول إيصالا قريبا أي بلا واسطة كالحدّ والرسم أو إيصالا بعيدا ككونها كلية وجزئية وذاتية وعرضية ونحوها، فإن مجرد أمر من هذه الأمور لا يوصل إلى التصوّر ما لم ينضم إليه آخر يحصل منهما حدّ أو رسم، ويبحث عن التصديقات من حيث أنها توصل إلى تصديق مجهول إيصالا قريبا كالقياس والاستقراء والتمثيل، أو بعيدا ككونها قضية وعكس قضية ونقيضها، فإنها ما لم تنضم إليها ضميمة لا توصل إلى التصديق، ويبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى التصديق إيصالا أبعد ككونها موضوعات ومحمولات. ولا خفاء في أن إيصال التصوّرات والتصديقات إلى المطالب، قريبا أو بعيدا، من العوارض الذاتية لها، فتكون هي موضوع المنطق. وذهب أهل التحقيق إلى أن موضوعه المعقولات الثانية لا من حيث أنها ما هي في أنفسها ولا من حيث أنها موجودة في الذهن، فإن ذلك وظيفة فلسفية بل من حيث أنها توصل إلى المجهول، أو يكون لها نفع في الإيصال، فإن المفهوم الكلّي إذا وجد في الذهن وقيس إلى ما تحته من الجزئيات فباعتبار دخوله في ماهياتها يعرض له الذاتية، وباعتبار خروجه عنها العرضية، وباعتبار كونه نفس ماهياتها النوعية.
وما عرض له الذاتية جنس باعتبار اختلاف أفراده وفصل باعتبار آخر. وكذلك ما عرض له العرضية إمّا خاصة أو عرض عام باعتبارين مختلفين. وإذا ركبت الذاتيات والعرضيات إمّا منفردة أو مختلطة على وجوه مختلفة عرض لذلك المركّب الحدّية والرّسمية. ولا شك أن هذه المعاني، أعني كون المفهوم الكلي ذاتيا أو عرضيا أو نوعا ونحو ذلك، ليست من الموجودات الخارجية بل هي مما يعرض للطبائع الكلية، إذا وجدت في الأذهان، وكذا الحال في كون القضية حملية أو شرطية، وكون الحجة قياسا او استقراء أو تمثيلا، فإنها بأسرها عوارض تعرض لطبائع النسب الجزئية في الأذهان إما وحدها أو مأخوذة مع غيرها، فهي أي المعقولات الثانية موضوع المنطق.
ويبحث المنطقي عن المعقولات الثالثة وما بعدها من المراتب، فإنها عوارض ذاتية للمعقولات
__________
(1) المثال (م).
(1/45)

الثانية، فالقضية مثلا معقول ثان يبحث عن انقسامها وتناقضها وانعكاسها وإنتاجها إذا ركّبت بعضها مع بعض، فالانعكاس والإنتاج والانقسام والتناقض معقولات واقعة «1» في الدرجة الثالثة من التعقّل، وإذا حكم على أحد الأقسام أو أحد المتناقضين مثلا في المباحث المنطقية بشيء كان ذلك الشيء في الدرجة الرابعة من التعقّل، وعلى هذا القياس. وقيل موضوعه الألفاظ من حيث أنها تدل على المعاني، وهو ليس بصحيح لأن نظر المنطقي ليس إلّا في المعاني، ورعاية جانب اللفظ إنما هي بالعرض.

اعلم أن الغرض من المنطق التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال والخير، والشرّ في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات. ومنفعته القدرة على تحصيل العلوم النظرية والعملية. وأما شرفه فهو أن بعضه فرض وهو البرهان، لأنه لتكميل الذات، وبعضه نفل «2» وهو ما سوى البرهان «3» من أقسام القياس، لأنه للخطاب مع الغير، ومن اتقن المنطق فهو على درجة من سائر العلوم، ومن طلب العلوم الغير المتّسقة وهي ما لا يؤمن فيها من الغلط ولا يعلم المنطق فهو كحاطب الليل وكرامد العين، لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد بل لنقصان في الاستعداد. والصواب الذي يصدر من غير المنطقي كرمي من غير رام. وقد يندر للمنطقي خطأ في النوافل دون المهمّات، لكنه يمكنه استدراكه بعرضه على القوانين المنطقية.
ومرتبته في القراءة أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. أما الأول فلما قال ابقراط «4»: البدن الذي ليس ينقّى كلّما غذوته إنما يزيده شرّا ووبالا، ألا ترى أنّ الذين لم يهذّبوا أخلاقهم إذا شرعوا في المنطق سلكوا منهج الضلال، وانخرطوا في سلك الجهّال، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة، ويتقلّدوا ذلّ الطاعة، فجعلوا الأعمال الطاهرة والأقوال الظاهرة من البدائع التي وردت بها الشرائع وقر «5» آذانهم، والحق تحت أقدامهم وأما الثاني فلتستأنس طبائعهم إلى البرهان، كذا في شرح إشراق الحكمة. ومؤلّف المنطق ومدوّنه أرسطو «6».
__________
(1) واضحة (م).
(2) نقل (م).
(3) البراهين (م).
(4) ابقراط (460 - 377 ق. م.) أقام في حمص وكان عالما موسوعيا في الطب جمع علوم عصره ومن سبقه. مارس الطب تاركا آثارا كثيرة جمعها خلال ملاحظاته ومعالجاته. اعتقد أن الجسم يتكون من عناصر أربعة رئيسية، وأن المرض يقع عند ما يحدث اختلال في توازن هذه العناصر في الجسم الإنساني. نقلت أعماله إلى اللغات الأوروبية الحديثة. واستفاد منه أطباء العرب والمسلمين وعرفوه. أشهر مؤلفاته كتاب الفصول المتضمن لمقالات عدة باليونانية.
Larousse du xxeme siec .t. 3،P . 6301.
Webster's ,New International Dictionary،P . 1811.
صوان الحكمة، ص 207 - 214، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، 1326 هـ، ص 64.
(5) دبر (م).
(6) أرسطو طاليس (384 - 322 ق. م.) ولد في اسطاغيرا Stageria وهي مدينة يونانية من أعمال آسيا الصغرى- تركيا- وتقع على بحر ايجه هو ابن نيقوماخوس طبيب البلاط عند الملك امنتاس Amyntas الثاني المقدوني. والد فيليب وجد الاسكندر الأكبر. فلا عجب إن أصبح أرسطو معلما للإسكندر. تلقى ارسطو المبادئ العلمية فتشبّع في النظرة الواقعية، بمثل ما تشبّع بفكر أفلاطون معلمه بعد التحاقه بمدرسته في أثينا، حيث بقي يتتلمذ على يديه زهاء عشرين عاما. فلا مندوحة إن جمع ارسطو نظرة واقعية وفكرا مثاليا من معلمه افلاطون ذهب إلى اسوس Assus من أعمال
(1/46)

وأما القسمة فاعلم أنّ المنطقي إما ناظر في الموصل إلى التصوّر ويسمّى قولا شارحا ومعرّفا، وإمّا ناظر في الموصل إلى التصديق ويسمّى حجة. والنظر في المعرّف إمّا في مقدماته وهو باب إيساغوجي وإمّا في نفسه وهو باب التعريفات. وكذلك النظر في الحجة، إمّا فيما يتوقف عليه وهو باب «1» ارمينياس وهو باب القضايا وأحكامها، وإمّا في نفسها باعتبار الصورة وهو باب القياس، أو باعتبار المادّة وهو باب من أبواب الصناعات الخمس، لأنه إن أوقع ظنا فهو الخطابة، أو يقينا فهو البرهان، وإلّا فإن اعتبر فيه عموم الاعتراف والتسليم فهو الجدل وإلّا فهو المغالطة. وأمّا الشعر فلا يوقع تصديقا ولكن لإفادته التخييل الجاري مجرى التصديق من حيث إنه يؤثر في النفس قبضا أو بسطا، عدّ في الموصل إلى التصديق. وربما يضم إليها باب الألفاظ فتحصل الأبواب عشرة، تسعة منها مقصودة بالذات وواحد بالعرض.
له تعريفات، فقيل: هو علم باحث عن أحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية. ولفظ على متعلّق بقوله باحث. والبحث عن أحوال أعيان الموجودات، أي أحوال الموجودات العينية الخارجية، حمل تلك الأحوال عليها، يعني علم تحمل فيه أحوال أعيان الموجودات عليها على وجه هي أي أعيان الموجودات عليه، أي على ذلك الوجه من الإيجاب والسلب والكلية والجزئية في نفس الأمر. وقوله بقدر الطاقة البشرية متعلّق أيضا بقوله باحث، لكن بعد اعتبار تقييده بقوله على ما هي عليه، يعني بذل جهده الإنساني بتمامه في أن يكون بحثه مطابقا لنفس الأمر، فدخلت في التعريف المسائل المخالفة لنفس الأمر المبذولة الجهد بتمامه في تطبيقها على نفس الأمر، ولما كان في توصيف العلم بالباحث مسامحة قيل: هو علم بأعيان الموجودات الخ.
وإن قيل التعريف لا يشتمل العلوم التصوّرية، قلت: هذا على رأي الأكثرين القائلين بأنها ليست داخلة في الحكمة. وقيل المراد بالأحوال المبادئ فقط وهي التي تتوقف عليها المسائل تصورات كانت أو تصديقات أو هي والمحمولات.
وإن قيل يخرج عن الحكمة العلم بأحوال الأعراض النسبية إذ النسبة ليست موجودة في الخارج، قلت: هي موجودة عند الحكماء. ولو سلّم عدم وجودها فالبحث عنها استطرادي، أو نقول: البحث عنها في الحقيقة بحث عن أحوال العرض الذي هو موجود خارجي، وإن لم يكن بعض أنواعه أو أفراده موجودا، كما يبحث في الحكمة عن الحيوان وبعض أنواعه كالعنقاء، وبعض أفراده غير موجود ولا يخرج الحيوان عن الموجودات الخارجية فتأمل. ولا يرد أنّ قيد ما هي عليه يغني عن قيد
__________
طروادة في آسيا الصغرى ليؤسس فرعا لاكاديمية أفلاطون الأتينية. ثم طلبه فيليب المقدوني ليقيم في بلاطه ويعلم ابنه. عاد أرسطو إلى أثينا ليؤسّس مدرسة عرفت باللوقيوم Lyceum ، إذ سمّيت فيما بعد بالمدرسة المشائية، لأن افرادها كانوا يتناقشون في المسائل الفكرية اثناء مشيهم جيئة وذهابا. ترك ارسطو جمعا كبيرا من المؤلفات أوردها على هيئة محاورات توزعت على مراحل: فترة الشباب ثم الرجولة فالدور الأخير، وكان لكل منها طابعه، ففي البداية تأثر بأفلاطون، ثم نقد نظرية المثل عنده، ثم قدم آراءه العلمية. وترك ارسطو مجموعة منطقية مهمّة سمّيت لاحقا بالاورغانون. كما ترك آراء في الطبيعة والحياة والماورائيات والاخلاق والسياسة ونسب إليه كتب منحولة.
(1) بارى (م) باب (ك ع).
(1/47)

نفس الأمر لأن العلوم العربية علم بأحوال الموجود كالألفاظ على وجه يكون الموجود على ذلك الوجه، ككون اللفظ مفردا أو مركبا ونحو ذلك، لكنها ليست بنفس أمرية بل باعتبار المعتبر وضع الواضع فلا بدّ من تقييده. ولا يلزم من عدم كونها نفس أمرية كذبها، إذ لزوم الكذب إنما يلزم لو حكم على مسائلها كذلك في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوضع، وليس كذلك، فإنهم يحكمون بأن بعض الألفاظ مفرد وبعضها مركّب بحسب وضع الواضع، وهذا الحكم مطابق لنفس الأمر فلا يكون كاذبا. ولا يتوهّم دخولها على هذا في الحكمة لأن معنى نفس الأمر هاهنا هو الواقع مع غير ملاحظة الوضع.
إن قيل: قوله بقدر الطاقة البشرية يخرج علمه تعالى من الحكمة، إذ علمه فوق طوق البشر فلا يكون هو حكيما، قلت: علمه تعالى حاصل مع الزيادة، والتقييد يفيد أن هذا القدر ضروري لأن الزائد على هذا القيد مضرّ. أو يقال: هذا تعريف حكمة المخلوق لا حكمة الخالق. ثم إنه لا ضير في كون الحكمة أعلى العلوم الدينية، وكونه صادقا على الكلام والفقه، إذ التحقيق أنّ الكلام والفقه من الحكمة. قال المحقق التفتازاني: إن الحكمة هي الشرائع، وهذا لا ينافي ما ذكروا من أنّ السالكين بطريق أهل النظر والاستدلالات وطريقة أهل الرياضة والمجاهدات، إن اتبعوا ملة فهم المتكلمون والصوفيون، وإلّا فهم الحكماء المشّائيون والإشراقيون، إذ لا يلزم منه أن لا يكون المتكلّم والصوفي حكيما، بل غاية ما لزم منه أن لا يكون حكيما مشّائيا وإشراقيا.
إن قلت: فعلى هذا ينبغي أن تذكر العلوم الشرعية في أنواع الحكمة. قلت: لا امتناع في ذلك، لكونها شاملة للعلوم الشرعية بحسب المفهوم، إلّا أنّ الحكمة لما دوّنها الحكماء الذين لا يبالون بمخالفة الشرائع، فالأليق أن لا تعدّ العلوم الشرعية منها. وأيضا العلوم الشرعية أشرف العلوم، فذكرها على حدة إشارة إلى أنها بشرفها بالغة إلى حدّ الكمال، كأنها منفردة من الحكمة، وأنواعها غير داخلة فيها.
إن قيل: الحدّ لا يصدق على علم الحساب الباحث عن العدد الذي ليس بموجود، ولا على الهيئة الباحثة عن الدوائر الموهومة، قلت: العدد عندهم قسم من الكمّ الذي هو موجود عندهم. نعم عند المتكلمين ليس من الموجودات، والتعريف للحكماء، والبحث عن الدوائر الهيئية من حيث إنها من المبادئ، وليست موضوعاتها، بل موضوعها الأجرام العلويّة والسفليّة، من حيث مقاديرها وحركاتها وأوضاعها اللازمة لها.
إن قيل: يصدق التعريف على علم العقول مع أنهم لا يطلقون أن العقل حكيم، وعلى علم الأفلاك والكواكب على رأي من يثبت النفوس الناطقة لها، فيكون الفلك والكوكب حكيما، ولا قائل به. قلت: هذا التعريف لحكمة البشر كما عرفت. أو نقول بتخصيص العلم بالحصولي الحادث. ويجاب أيضا عن الأخير بأن هذا التعريف على رأي من لا يثبت النفوس الناطقة لها.
إن قيل: يصدق التعريف على العلم بالأحوال الجزئية المتعلقة بالأعيان كالعلم بقيام زيد، قلت:
إنّ المراد بالأحوال ما له دخل في استكمال النفس وهذه الأحوال ليست كذلك، أو المراد ما يعتدّ به من الأحوال. ثم المراد من الأحوال جميع ما يمكن لأوساط الناس العلم به أو البعض المعيّن المعتدّ به مع القدرة على العلم بالباقي بقدر الطاقة على ما هو شأن جميع العلوم المدوّنة. فحاصل
(1/48)

التعريف على تقدير شموله للعلوم التصورية أنّ الحكمة علم متعلّق بجميع أحوال الموجودات العينية المكمّلة للنفس بحسب ما يمكن، أو بعضها المعتدّ به تصوريا أو تصديقيّا محتاجا إلى التنبيه، أو نظريا على وجه تكون الموجودات وأحوالها على ذلك الوجه في الواقع لا بالوضع، والاعتبار بقدر الطاقة البشرية من أوساط الناس، فيصير مآل هذا التعريف، وما قيل إنّ الحكمة علم بأعيان الموجودات وأحوالها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية واحدا. وإذا قلنا بعدم شموله للتصورات حذفنا عن هذا الحاصل القيد الذي به يلزم الشّمول. ومنهم من ترك قيد الأحوال لشمول العلم التصوّر والتصديق، وترك قيد نفس الأمر لأن التقييد به مستدرك، فقال: الحكمة علم بأعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية.
اعلم أنهم اختلفوا في أنّ المنطق من العلم أم لا. فمن قال إنه ليس بعلم فليس بحكمة عنده إذ الحكمة علم. ومن قال بأنه علم اختلفوا في أنه من الحكمة أم لا. والقائلون بأنه من الحكمة يمكن الاختلاف بينهم بأنه من الحكمة النظرية جميعا أم لا، بل بعضه منها وبعضه من العملية، إذ الموجود الذهني قد يكون بقدرتنا واختيارنا وقد لا يكون كذلك. والقائلون بأنه من الحكمة النظرية يمكن الاختلاف بينهم بأنه من أقسامها الثلاثة أم قسم آخر، فمن أخذ في تعريفها قيد الأعيان، كما في التعريفات المذكورة، لم يعدّه من الحكمة، لأن موضوعه المعقولات الثانية التي هي من الموجودات الذهنية. وإنما أخذ قيد الأعيان لأن كمال الإنسان هو إدراك الواجب تعالى، والأمور المستندة إليه في سلسلته العليّة بحسب الوجود الأصلي، أي الخارجي، ولا كمال معتدّا به في إدراك أحوال المعدومات، وإذا بحث عنها في الحكمة كان على سبيل التبعية. والبحث عن الوجود الذهني بحث عن أحوال الأعيان أيضا من حيث إنها هل لها نوع آخر من الوجود أو لا. ومن حذف قيد الأعيان فقال: هي علم بأحوال الموجودات الخ، عدّه من الحكمة النظرية إذ لا يبحث في المنطق إلّا عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا.
ومنهم من فسّر الحكمة بالكمال الحاصل للنفس الخارج من القوة إلى الفعل بحسب القوانين «1»، اي النظرية والعملية، ولا حاجة إلى التقييد بالخارج من القوة إلى الفعل لأنه معتبر في الكمال.
ومنهم من فسّرها بما يكون تكمّلا للنفس الناطقة كمالا معتدّا به. وقيل هي خروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل، أما في جانب العلم فبأن تكون متصوّرة للموجودات كما هي ومصدّقة بالقضايا كما هي، وأما في جانب العمل فبأن تحصل لها الملكة التّامة على الأفعال المتوسّطة بين الإفراط والتفريط. والمراد بالخروج ما يخرج به النفس، إذ الخروج ليس بحكمة. قيل الحكمة ليست ما تخرج به النفس إلى كمالها بل هي الكمال الحاصل الخ فمؤدّى التعريفات الثلاثة واحد. والمنطق على هذه التعاريف من الحكمة أيضا.
ويقرب من التعريف الأخير من هذه التعاريف الثلاثة ما وقع في شرح حكمة العين من أن الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الوجود في نفسه، وما عليه الواجب مما ينبغي أن يعمل من الأعمال، وما لا «2» ينبغي، لتصير كاملة مضاهية للعالم العلوي، وتستعد بذلك للسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية.
__________
(1) القوين (ع).
(2) لا (- م).
(1/49)

الموضوع: موضوع الحكمة على القولين أي القول بأن المنطق منها والقول بأنه ليس منها، فليس شيئا واحدا هو الموجود مطلقا أو الموجود الخارجي، بل موضوعها أشياء متعدّدة متشاركة في أمر عرضي هو الوجود المطلق أو الخارجي، وإلّا لم يجز أن يبحث في الحكمة عن الأحوال المختصة بأنواع الموجود إذ البحث عن العارض لأمر أخصّ الذي هو من الأعراض الغريبة غير جائز. فإذا لم يكن موضوعها شيئا واحدا فالأحسن أن تقيّد الأحوال المشتركة فيها بقيود مخصّصة لها بواحد واحد من تلك الأشياء لئلّا تكون تلك الأحوال من الأعراض العامة الغريبة، كتقييد الوجود الذي يحمل على الواجب بكونه مبدأ لغيره ليكون مختصّا بالواجب وهكذا. والغرض من الفلسفة الوقوف على حقائق الأشياء كلّها على قدر ما يمكن للإنسان أن يقف عليه ويعمل بمقتضاه ليفوز بسعادة الدارين.
الأعيان الموجودة إما الأفعال والأعمال ووجودها بقدرتنا واختيارنا، أو لا. فالعلم بأحوال الأول من حيث إنه يؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد يسمّى حكمة عمليّة لأن غايتها ابتداء الأعمال التي لقدرتنا مدخل فيها، فنسبت إلى الغاية الابتدائية. والعلم بأحوال الثاني يسمّى حكمة نظرية.

وذكر الحركة والسكون والمكان في الحكمة الطبعية «1» بناء على كونها من أحوال الجسم الطبعي «2» الذي ليس وجوده بقدرتنا، وإن كانت تلك مقدورة لنا. وإنّما سمّيت حكمة نظرية لأن غايتها الابتدائية ما حصل بالنظر وهو الإدراكات التصوّرية والتصديقية المتعلّقة بالأمور التي لا مدخل لقدرتنا واختيارنا فيه. ولا يرد أنّ الحكمة العملية أيضا منسوبة إلى النظر لأن النظر ليس غايتها، ولأن وجه التسمية لا يلزم اطراده. وإنما قيدت الأحوال بالحيثية المذكورة لأنهم كما لا يعدّون من الكمال المعتدّ به النظر في الجزئيات المتغيّرة من حيث خصوصها، كذلك لا يعدّون من الكمال النظر في الأعمال لا من هذه الحيثية.
قيل إن أريد بالأحوال ما لا يوجد إلّا بقدرتنا واختيارنا، فيخرج عن الحكمة العملية بعض الأخلاق كالشجاعة والسخاوة الذاتيتين، وإن أريد بها ما يوجد بقدرتنا واختيارنا في الجملة فيدخل فيها بعض مباحث الحكمة النظرية كالأصوات والنغمات.
ويجاب باختيار الشقّ الأول: ولا بأس بخروج الأخلاق الذاتية لأنها ليست من تهذيب الأخلاق.
وعدم دخولها في السياسة المدنية وتدبير المنزل ظاهر، وباختيار الشقّ الثاني وارتكاب كون الأصوات من الحكمة العملية. لا يقال الأعيان قد تكون ذواتا وهي خارجة من التقسيم، لأنّا نقول هي داخلة في القسم الثاني أي قولنا أو لا.
ثم الحكمة العملية ثلاثة أقسام، لأنها إمّا علم بمصالح شخص بانفراده ويسمّى تهذيب الأخلاق، وعلم الأخلاق والحكمة الخلقية. وفائدتها تهذيب الأخلاق، أي تنقيح الطبائع بأن تعلم الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكى بها النفس، وأن تعلم الرذائل وكيفية توقّيها لتطهّر عنها النفس. وإمّا علم بمصالح جماعة متشاركة في المنزل كالولد والوالد والمالك والمملوك ونحو ذلك ويسمّى تدبير
__________
(1) الطبيعية (م).
(2) الطبيعي (م).
(1/50)

المنزل. وفي بعض الكتب ويسمّى علم تدبير المنزل والحكمة المنزلية. وفائدتها أن تعلم المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد لتنتظم بها المصلحة المنزلية التي تهمّ بين زوج وزوجة، ومالك ومملوك، ووالد ومولود. وإمّا علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة «1» ويسمّى السياسة المدنية، بفتح الميم والدّال المهملة لا بضمهما، سمّيت بها لحصول السياسة المدنية أي مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببها. وفي بعض الكتب ويسمّى علم السياسة والحكمة السياسية والحكمة المدنية وسياسة الملك. وفائدتها أن تعلم كيفية المشاركة التي بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ومصالح بقاء نوع الإنسان.

واعلم أنّ فائدة الحكمة الخلقية عامة شاملة الجميع أقسام الحكمة العملية. ثم مبادئ هذه الثلاثة من جهة الشريعة وبها تتبيّن كمالات حدودها، أي بعض هذه الأمور معلومة من صاحب الشرع على ما يدلّ عليه تقسيمهم الحكمة المدنية إلى ما يتعلّق بالملك والسلطنة إذ ليس العلم بهما من عند صاحب الشرع، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح حكمة العين «2».
ومنهم من قسّم المدنية إلى علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة تتعلّق بالملك والسلطنة ويسمّى علم السياسة، وإلى علم بمصالح مذكورة تتعلّق بالنبوّة والشريعة ويسمّى علم النواميس.
وتربيع القسمة لا يناقض التثليث لدخول قسمين منها في قسم واحد عند من يثلّث القسمة. قيل في تربيع القسمة نظر، لأن التعلّق بالشريعة كما يجري في المدينة «3» كذلك يجري في الآخرين. فالوجه في التقسيم على هذا أن يقال كلّ واحد من الأقسام الثلاثة إمّا أن يعتبر تعلّقه بالشريعة أو لا، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين.
ثم اعلم أنّ موضوع الحكمة العملية الأفعال الاختيارية؛ فالمراد بقولهم علم بمصالح شخص أو جماعة أنه علم بأحوال أفعال اختيارية صالحة تتعلّق بكل شخص أو جماعة. وفي الصدري «4» موضوع الحكمة العملية النفس الإنسانية من حيث اتصافها بالأخلاق والملكات انتهى.
ثم توضيح الحصر في الأقسام الثلاثة أنّ الأفعال الاختيارية لا بدّ لها من غاية وفائدة، وتلك الفائدة عائدة إلى كمال القوّة العملية للشخص، إما بالقياس إلى نفسه أو إلى الاجتماع مع جماعة خاصة أو عامة. فالعلم بأحوال الأفعال بالقياس إلى الأول تهذيب الأخلاق وبالقياس إلى الثاني تدبير المنزل وبالقياس إلى الثالث السياسة المدنية. فلا يرد أنه يتداخل الأقسام إذا كان لفعل واحد فائدة راجعة إلى الكلّ. ولا يرد أيضا أن أكثر مباحث الحكمة الخلقية غير مخصوص بشخص بانفراده، بل يصلح لمصالح الجماعة. ولا يرد أيضا أنه يخرج عن الحكمة العملية العلم بمصالح جماعة متشاركة في غير المنزل والمدينة كالقرية وأمثالها.
__________
(1) المدينة (م، ع).
(2) حاشية على شرح حكمة العين لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م) علّق فيها على شرح قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي (- 710 هـ/ 1310 م) لحكمة العين. وحكمة العين متن مختصر في الإلهي والطبيعي نجم الدين أبي الحسن علي بن محمد الكاتبي القزويني (- 675 هـ/ 1277 م). كشف الظنون، 1/ 685
(3) المدينة (ع).
(4) الصدري، أو شرح وقاية الرواية في مسائل الهداية لصدر الشريعة الثاني عبيد الله بن مسعود المحبوبي (- 750 هـ/ 1349 م) وقد فرغ من وضعه سنة 743 هـ/ 1342 م، وسمي الصدري لغلبة نعته على شرحه حتى صار اسما للشرح.
كشف الظنون، 1/ 2021.
(1/51)

والحكمة النظرية أيضا ثلاثة أقسام لأنها إما علم بأحوال ما لا يفتقر في الوجود الخارجي والتعقّل، أي الإدراك والوجود الذهني إلى المادّة كالإله، ويسمّى بالإلهي، إذ مسائلها منسوبة إلى.
الإله، وبالعلم الأعلى إذ لا يبحث فيه إلّا عن الربّ الأعلى وعن العقول وهي الملأ الأعلى، وأيضا لتنزّهه عن المادة وعوارضها التي هي مبدأ للنقصان، أليق بهذا الاسم وبالفلسفة الأولى تسمية للشيء باسم سببه، إذ هذا العلم سبب للفلسفة؛ وهي في اللغة اليونانية التشبّه بحضرة واجب الوجود.

وتوصيفها بالأولى لحصولها من العلّة الأولى وهي الإله، وبالعلم الكليّ للعلم بالأمور العامة التي هي الكليات الشاملة لجميع الموجودات أو أكثرها. وبما بعد الطبيعة وقد يطلق عليه على سبيل الندرة ما قبل الطبيعة أيضا، وذلك لأن لمعلوماته قبلية وتقدّما على معلومات الحكمة الطبيعة «1» باعتبار الذات والعليّة والشرف، وبعدية وتأخّرا باعتبار الوضع لكون المحسوسات أقرب إلينا، فسمّي بهما بالاعتبارين. وإمّا علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي دون التعقّل كالكرة، ويسمّى بالعلم الأوسط لتنزّهه عن المادة بوجه، وهو التعقّل، وبالرياضي لرياضة النفوس بهذا العلم أوّلا، إذ الحكماء كانوا يفتتحون به في التعلّم، وبالتعليمي لتعليمهم به أولا، ولأنه يبحث فيه عن الجسم التعليمي. وإمّا علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي والتعقل كالإنسان، ويسمّى بالعلم الأدنى لدناءته وخساسته من حيث الاحتياج إلى المادة في الوجودين، وبالعلم الأسفل وهو ظاهر، وبالطبعي «2» لأنه يبحث فيه عن الجسم من حيث اشتماله على الطبيعة. والحصر في الأقسام الثلاثة استقرائي، إذ لم يجدوا موجودا في الأعيان يكون مفتقرا إلى المادّة في التعقّل دون الوجود الخارجي، فلا يكون العلم بأحواله من الحكمة. ومنهم من ربّع القسمة فجعل ما لا يفتقر إلى المادّة قسمين: ما لا يقارنها مطلقا كالإله والعقول، وما يقارنها لا على وجه الافتقار، فسمّي العلم بأحوال الأول إليها، وبأحوال الثاني علما كليّا والفلسفة الأولى، ولا منافاة بين هذين التقسيمين، كما أنه لا منافاة بين تقسيمي الحكمة العملية. ويمكن أن يجعل ما يقارن المادة لا على وجه الافتقار قسمين أحدهما ما يقارنها، وقد يفارقها كمباحث الأمور العامة، وثانيهما ما يقارنها ولا يفارقها كمباحث الصورة. ولعلهم لم يعتبروا أفراد هذا القسم لقلة مباحثه. ومبادئ هذه الأقسام مستفادة من أرباب الشريعة على سبيل التنبيه، ومتصرفة على تحصيلها بالكمال بالقوّة العقلية على سبيل الحجة.
اعلم أنّ أقسام الحكمة النظرية أصولا وفروعا مع أقسام المنطق على ما يفهم من رسالة تقسيم الحكمة «3» للشيخ الرئيس أربعة وأربعون، وبدون أقسام المنطق خمسة وثلاثون. فأصول الإلهي خمسة: الأول الأمور العامة. الثاني إثبات الواجب وما يليق به. الثالث إثبات الجواهر الروحانية.
الرابع بيان ارتباط الأمور الأرضية بالقوى السماوية. الخامس بيان نظام الممكنات، وفروعه قسمان: الأول البحث عن كيفية الوحي وصيرورة المعقول محسوسا، ومنه تعريف الإلهيات، ومنه الروح الأمين. الثاني العلم بالمعاد الروحاني. وأصول الرياضي أربعة: الأول علم العدد. الثاني
__________
(1) الطبيعية (م)، الطبعية (ع).
(2) بالطبيعي (م).
(3) رسالة تقسيم الحكمة أو الرسالة في اقسام العلوم العقلية للشيخ الرئيس أبي علي الحسين ... بن علي بن سينا (- 428 هـ). نشر ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات في مطبعة الجوائب الآستانة 1298 هـ. معجم المطبوعات العربية 128 - 129.
(1/52)

علم الهندسة. الثالث علم الهيئة. الرابع علم التأليف الباحث عن أحوال النغمات. ويسمّى بالموسيقى. وفروعه ستة الأول علم الجمع والتفريق. الثاني علم الجبر والمقابلة. الثالث علم المساحة. الرابع علم جرّ الأثقال. الخامس علم الزيجات والتقاويم. السادس علم الأرغنوة، وهو اتخاذ الآلات الغريبة. وأصول الطبعي «1» ثمانية: الأول العلم بأحوال الأمور العامة للأجسام.
الثاني العلم بأركان العالم وحركاتها وأماكنها المسمّى بعلم السماء والعالم. الثالث العلم بكون الأركان وفسادها. الرابع العلم بالمركبات الغير التامة ككائنات الجوّ. الخامس العلم بأحوال المعادن. السادس العلم بالنفس النباتية. السابع العلم بالنفس الحيوانية. الثامن العلم بالنفس الناطقة. وفروعه سبعة الأول الطب. الثاني النجوم. الثالث علم الفراسة [وهو ما يستدلّ فيه من خلق رجل على خلقه، يعني من الشكل] «2». الرابع علم التعبير. الخامس علم الطلسمات وهو مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية بعضها ببعض.
السابع علم الكيميات وهو تبديل قوى الأجرام المعدنية بعضها ببعض. وأصول المنطق تسعة على المشهور: الأول باب الكليّات الخمس. الثاني باب التعريفات. الثالث باب التصديقات. الرابع باب القياس. الخامس البرهان. السادس الخطابة. السابع الجدل. الثامن المغالطة. التاسع الشعر.
هذا خلاصة ما في العلمي حاشية شرح هداية الحكمة الميبدية «3» وشرح حكمة العين وغيرهما.

اعلم أنّ موضوع الحكمة النظرية هو الموجود الذي ليس وجوده بقدرتنا واختيارنا على ما لا يخفى.
العلم الإلهي:
هو علم بأحوال ما لا يفتقر في الوجودين، أي الخارجي والذهني، إلى المادة، ويسمّى أيضا بالعلم الأعلى وبالفلسفة الأولى وبالعلم الكلّي وبما بعد الطبيعة وبما قبل الطبيعة. والبحث فيه عن الكميّات المتّصلة والكيفيات المحسوسة والمختصّة بالكميات وأمثالها، مما يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي، استطرادي. وكذا البحث عن الصورة مع أن الصورة تحتاج إلى المادة في التشكّل، كذا في العلمي، وفي الصدري من الحكمة النظرية ما يتعلّق بأمور غير مادية مستغنية القوام في نحوي الوجود العيني والذهني عن اشتراط المادة كالإله الحق، والعقول الفعّالة، والأقسام الأوّلية للموجود كالواجب والممكن والواحد والكثير، والعلّة والمعلول والكلّي والجزئي، وغير ذلك، فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون على سبيل الافتقار والوجوب، وسمّوا هذا القسم العلم الأعلى، فمنه العلم الكلّي المشتمل على تقاسيم الوجود المسمّى بالفلسفة الأولى، ومنه الإلهي الذي هو فنّ من المفارقات. وموضوع هذين الفنين أعمّ الأشياء وهو الموجود المطلق من حيث هو هو، انتهى. وأصول الإلهي وفروعه قد سبقت.
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) ما بين المعقوفين (+ م).
(3) على شرح هداية الحكمة للقاضي مير حسين بن معين الدين الميبذي الحسيني (- 910 هـ/ 1504 م) عدة حواش، أبرزها: حاشية مصلح الدين محمد بن صلاح الدين اللاري (- 979 هـ/ 1571 م) وحاشية نصر الله بن محمد العمري المعروف بالخلخالي (- 946 هـ/ 1539 م). وهداية الحكمة متن في المنطق لأثير الدين مفضل بن عمر الأبهري (- 663 هـ/ 1238 م) وعليه شروح كثيرة. كشف الظنون، 2/ 2028 - 2029
(1/53)

العلم الرياضي:
هو علم بأحوال ما يفتقر في الوجود الخارجي دون التعقّل إلى المادة كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه، فإنها أمور تفتقر إلى المادة في وجودها لا في حدودها، ويسمّى أيضا بالعلم التعليمي وبالعلم الأوسط وبالحكمة الوسطى كما مرّ. وأصوله أربعة على ما مرّ أيضا، وذلك لأن موضوعه الكمّ وهو إما متّصل أو منفصل. والمتّصل إمّا متحرّك أو ساكن، فالمتحرك هو الهيئة والساكن هو الهندسة. والمنفصل إمّا أن يكون له نسبة تأليفية أو لا، فالأول هو الموسيقي والثاني هو الحساب. ثم إنه يرد على التعريف أنّ العدد الذي هو موضوع علم الحساب لا يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي أيضا، فإن المفارقات ذوات أعداد؛ ولذا عدّ صاحب الإشراق «1» الحساب من الإلهي فإن موضوعه وهو العدد من الأقسام الأولية للموجود، لأن الموجود بما هو موجود صالح لأن يوصف بوحدة وكثرة من غير أن يصير رياضيا أو طبعيا «2». وأيضا أنه يبحث في الهيئة عن الأفلاك مع أنها محتاجة إلى المادة في كلا الوجودين. وأجيب عن الأول بأنه إذا [كان] «3» يبحث عن العدد من حيث هو في أذهان الناس وفي الموجودات المادية فهو علم العدد وإلّا فلا. وفيه أنّ العدد المأخوذ بهذه الحيثية لا ينفكّ في كلا الوجودين من المادة. ودفعه بأن يراد بالمادّة المادّة المخصوصة كالذهب والخشب ونحوهما على ما تدلّ عليه عبارة الصدري من أنّ الرياضي علم بأمور ماديّة بحيث لا تحتاج في فرضها موجودة إلى خصوص مادة واستعداد لا ينفع، وإلّا لزم دخول الطبعي «4» في الرياضي، إذ موضوعه الجسم الطبعي وهو لا يفتقر «5» إلى مادة مخصوصة. وأجيب عن الثاني بأنّ البحث عن الأفلاك في الحقيقة بحث عن الكرة التي لا تحتاج في التعقّل إلى مادة مخصوصة وفيه ما مرّ. ولهذا قال صاحب الصدري: الأجود أن تقسم العلوم إلى ما موضوعه نفس الوجود وإلى ما ليس موضوعه نفس الوجود، فالأول العلم الإلهي، والذي ليس موضوعه نفس الوجود إمّا أن يشترط في فرض وقوعه صلوح مادة متخصصة الاستعداد أم لا. الاول الطبعي «6» والثاني الرياضي. وهذه طريقة حسنة لا يلزم منها دخول الحساب في الإلهي.

فائدة
قد اختلف قدماء الفلاسفة في ترجيح أحد من الرياضي والطبعي «7» على الآخر في الشرف والفضل، وكلّ قد مال إلى طرف بحجج مذكورة فيما بينهم. والحق أنّ الحكم بجزم فضيلة أحدهما على الآخر غير سديد، بل كلّ واحد أفضل من الآخر من وجه. فالطبعي «8» أفضل من الرياضي من
__________
(1) الإشراق لشهاب الدين أبي الفتح يحي بن حبش السهروردي المقتول (- 587 هـ) وهي فلسفة كاملة تقوم على الجمع بين الهللينية والاشراق الزرادشتي النوراني. من كتبه حكمة الاشراق والالواح العمادية وهياكل النور ... وفي جمع السهروردي بين فكرة النور الفارسية والفيض من الافلاطونية المحدثة اخرج مذهبا خاصا.
(2) طبيعيا (م).
(3) [كان] (- ك، ع) (+ م).
(4) الطبيعي (م).
(5) والالزام ... وهو لا يفتقر (- م).
(6) الطبيعي (م، ع)
(7) الطبيعي (م، ع).
(8) الطبيعي (م، ع).
(1/54)

جهة أنّ موضوعه جسم طبعي «1» وهو جوهر، والرياضي موضوعه كمّ وهو عرض، والجوهر أشرف من العرض. وأيضا الطبعي «2» في الأغلب معطي اللّمّ والرياضي الإنّ، ومعطي اللّم أفضل، وأيضا هو يشتمل على علم النفس وهو أمّ الحكمة وأصل الفضائل. والرياضي أفضل من الطبعي «3» من جهة أنّ الأحوال الوهمية والخيالية غير متناهية القسمة، فهناك لا تقف عند حدّ، فهو أفضل مما هو محصور بين الحواصر؛ وأيضا الأمور الرياضية أصفى وألطف وألذّ وأتمّ عن «4» الأمور المكدرة الجسمانية، وأيضا يقلّ التشويش والغلط في براهينه العددية والهندسية بخلاف الطبعي «5»، بل الإلهي؛ ومن أجل ذلك قيل إدراك الإلهي والطبعي «6» من جهة ما هو أشبه وأحرى لا باليقين، كذا في الصدري.

العلم الطبعي: «7»
ويسمّى أيضا بالعلم الأدنى وبالعلم الأسفل، وهو علم بأحوال ما يفتقر إلى المادة في الوجودين وتحقيقه قد سبق. وموضوعه الجسم الطبعي «8» من حيث أن «9» يستعد للحركة والسكون. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الأكفاني العلم الطبعي «10» وهو علم يبحث فيه عن أحوال الجسم المحسوس من حيث هو معرّض للتغيّر في الأحوال والثبات فيها، فالجسم من هذه الحيثية موضوعه.
وأما العلوم التي تتفرّع عليه وتنشأ منه فهي عشرة: علم الطب وعلم البيطرة وعلم البيزرة «11» وعلم الفراسة وعلم تعبير الرؤيا وعلم أحكام النجوم وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيميا وعلم الكيمياء وعلم الفلاحة، وذلك لأن نظره إمّا يكون فيما يتفرّع على الجسم البسيط أو الجسم المركّب أو ما يعمهما. والأجسام البسيطة إمّا الفلكية فأحكام النجوم وإمّا العنصرية فالطلسمات. والأجسام المركّبة إمّا ما لا يلزمه مزاج وهو علم السيميا وما يلزمه مزاج، فإمّا بغير ذي نفس فالكيميا أو بذي نفس، فإمّا غير مدركة فالفلاحة وإمّا مدركة، فإمّا لها مع ذلك أن يعقل أو لا، الثاني البيطرة والبيزرة وما يجري مجراهما، والذي بذي النفس العاقلة هو الإنسان، وذلك إمّا في حفظ صحته واسترجاعها وهو الطبّ أو أحواله الظاهرة الدالة على أحواله الباطنة وهو الفراسة، أو أحوال نفسه حال غيبته عن حسّه وهو تعبير الرؤيا. والعام للبسيط والمركّب السحر، فلنذكر هذه العلوم على النهج المتقدم.
__________
(1) الطبيعي (م، ع).
(2) الطبيعي (م، ع).
(3) الطبيعي (م، ع).
(4) من (م، ع).
(5) الطبيعي (م، ع).
(6) الطبيعي (م، ع).
(7) الطبيعي (م، ع).
(8) الطبيعي (م، ع).
(9) أن (- م).
(10) الطبيعي (م، ع).
(11) علم البيزرة، علم يبحث عن أحوال الجوارح من الحيوان من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالة على قوتها من الصيد وضعفها فيه.
كشف الظنون 1/ 265 ومفتاح السعادة لطاش كبرى زاده 1/ 331.
(1/55)

علم الطب:
وهو علم يبحث فيه عن بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض لالتماس حفظ الصحة وإزالة المرض. وموضوعه بدن الإنسان وما يشتمل عليه من الأركان والأمزجة والأخلاط والأعضاء والأرواح والقوى والأفعال، وأحواله من الصحة والمرض، وأسبابها من المأكل والمشرب، والأهوية المحيطة بالأبدان والحركات والسكنات والاستفراغات والاحتقانات والصناعات والعادات والواردات الغريبة، والعلامات الدالة على أحواله من ضرر أفعاله، وحالات بدنه وما يبرز منه والتدبير بالمطاعم والمشارب واختيار الهواء وتقدير الحركة والسكون والأدوية البسيطة والمركّبة وأعمال اليد لغرض حفظ الصحة وعلاج الأمراض بحسب الإمكان وسيجيء تفصيله.

علم البيطرة والبيزرة:
الحال فيه بالنسبة إلى هذه الحيوانات كالحال في الطبّ بالنسبة إلى الإنسان، وعني بالخيل «1» دون غيرها من الأنعام لمنفعتها للإنسان في الطلب والهرب ومحاربة الأعداء وجمال صورها وحسن أدوانها، وعني بالجوارح «2» أيضا لمنفعتها وأدبها في الصيد وإمساكه.

علم الفراسة:
وهو علم تتعرّف منه أخلاق الإنسان من هيئته ومزاجه وتوابعه، وحاصله الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن، ويجيء في الفراسة.

علم تعبير الرؤيا:
وهو علم يتعرّف منه الاستدلال من المتخيّلات الحلميّة على ما شاهدته النفس حالة النوم من عالم الغيب، فخيّلته القوة المتخيّلة مثالا يدلّ عليه في عالم الشهادة، وقد جاء أن الرؤيا الصالحة [جزء] «3» من ستة وأربعين جزءا من النبوّة، وهذه النسبة تعرفها من مدة الرسالة ومدة الوحي قبلها مناما، وربما طابقت الرؤيا مدلولها دون تأويل، وربما اتصل الخيال بالحسّ كالاحتلام، ويختلف مأخذ التأويل بحسب الأشخاص وأحوالهم. ومنفعته البشرى بما يرد على الإنسان من خير والإنذار بما يتوقّعه من شرّ، والاطلاع على الحوادث في العالم قبل وقوعها، ويجيء تفصيله في لفظ الرؤيا.

علم أحكام النجوم:
وهو علم يتعرّف منه الاستدلال بالتشكّلات الفلكية على الحوادث السفلية، ويجيء في لفظ النجوم أيضا.
__________
(1) به الخيل (ع).
(2) به الجوارح (ع).
(3) جزء (+ م).
(1/56)

علم السحر:
وهو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأشياء خفية. ومنفعته أن يعلم ليحذر لا ليعمل، ولا نزاع في تحريم عمله. أمّا مجرّد علمه فظاهر الإباحة، بل قد ذهب بعضهم إلى أنه فرض كفاية لجواز ظهور ساحر يدّعي النبوّة فيكون في الأمة من يكشفه ويقطعه، ويجيء في لفظ السحر «1».

علم الطلسمات:
وهو علم يتعرّف منه كيفية تمزج «2» القوى العالية الفعّالة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل غريب في عالم الكون والفساد، ويجيء في لفظ الطلسم.

علم السيميا:
وهو قد يطلق على غير الحقيقي من السحر وهو الأشهر، وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحسّ، وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحسّ وتكون صورا في جوهر الهواء، وسبب سرعة زوالها «3» سرعة تغيّر جوهر الهواء؛ ولفظة سيميا عبراني معرّب أصله سيم يه، ومعناه اسم الله، ويجيء في الفن الثاني «4».

علم الكيمياء:
وهو علم يراد به سلب الجواهر المعدنية خواصّها وإفادتها خواصّا لم تكن لها، والاعتماد فيه على الفلزّات كلّها، مشتركة في النوعية، والاختلاف الظاهر بينها إنما هو باعتبار أمور عرضية يجوز انتقالها، ويجيء في الفن الثاني.

علم الفلاحة:
وهو علم تتعرف منه كيفية تدبير النبات من بدء كونه إلى تمام نشوئه، وهذا التدبير إنما هو بإصلاح الأرض بالماء وبما يخلخلها ويحميها كالسّماد والرّماد ونحوه، مع مراعاة الأهوية، فيختلف باختلاف الأماكن، انتهى.

علم العدد
هو من أصول الرياضي ويسمّى بعلم الحساب أيضا وهو نوعان: نظري وهو علم يبحث فيه عن «5»
__________
(1) الساحر (م).
(2) تمازج (م).
(3) زوالها (- م).
(4) أي أن المؤلف قد عرض لهذا الأمر في القسم المتعلق بالألفاظ الأعجمية (الفارسية) والذي عبّر عنه بالفن الثاني وستأتي ترجمته عقب الانتهاء من القسم الأول الذي نحن بصدده.
أما نحن في التحقيق فقد أدخلناه ضمن الترتيب الالفبائي كل لفظ بحسب تسلسل حروفه مع مصطلحات الفن الاول كلا واحدا مجموعا ومنتظما.
(5) عند (م).
(1/57)

ثبوت الأعراض الذاتية للعدد وسلبها عنه، وهو المسمّى بأرتماطيقى، وتشتمل عليه المقالات الثلاث: السابعة والثامنة والتاسعة من كتاب الأصول «1»، وموضوعه العدد مطلقا. وعملي وهو علم تعرف به طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية. والمراد بالمجهولات العددية مجهولات لها نسبة إلى العدد، نسبة الجزئي إلى الكلّي، أي مجهولات هي من أفراد العدد، وكذا الحال في المعلومات العددية، مثلا في الضرب المضروب والمضروب فيه معلومان، ومنهما يستخرج الحاصل الذي هو عدد مجهول بالطريق المعيّن، وكذا في سائر الأعمال. فهو علم تعرف به الطرق التي يستخرج بها عدد مجهول من عدد معلوم. وقيد من المعلومات العددية احتراز عمّا إذا استخرج المجهول العددي بغير علم الحساب، كاستخراج عدد الدراهم من علم الرّمل، ولا يخرج عنه علم المساحة لأنها علم بطرق استخراج المجهولات المقدارية من حيث عروض العدد لها، فيئول إلى المجهولات العددية عند التأمّل.

ثم اعلم أن الحساب العملي نوعان: أحدهما هوائي تستخرج منه المجهولات العددية بلا استعمال الجوارح، كالقواعد المذكورة في كتاب البهائية «2»، وثانيهما غير هوائي وهو المسمّى بالتّخت والتراب يحتاج إلى استعمال الجوارح كالشّبكة وضرب المحاذاة. ثم النظري والعملي هاهنا بمعنى ما لا يتعلق بكيفية العمل وما يتعلق بها. فتسمية النوع الأول بالنظري ظاهرة، وكذا تسمية القسم الثاني من النوع الثاني بالعملي. وأما تسمية القسم الأول منه بالعملي فعلى تشبيه الحركات الفكرية بالحركات الصّادرة عن الجوارح، أو يقال المراد بالعمل في تعريفي النظري والعملي أعمّ من العمل الذهني والخارجي كما مرّ. واعلم أيضا أنّ لاستخراج المجهولات العددية من معلوماتها طرقا مختلفة وهي إمّا محتاجة إلى فرض المجهول شيئا وهو الجبر والمقابلة، وإمّا غير محتاجة إليه وهو علم المفتوحات وهي كمقدمات الحساب التي سوى المساحة، أو مما يحصل ببعض من تلك المقدمات واستعانة بعض القوانين من النسبة وهو شامل لمسألة الخطائين أيضا. وموضوعه العدد مطلقا كما هو المشهور. والتحقيق أنّ موضوعه العدد المعلوم تتعقل عوارضه من حيث إنه كيف يمكن التأدّي منه إلى بعض عوارضه المجهولة. وأما العدد المطلق فإنما هو موضوع علم الحساب النظري، هذا كله خلاصة ما في شرح خلاصة الحساب «3».
علم الهندسة:
هو من أصول الرياضي، وهو علم يبحث فيه عن أحوال المقادير من حيث التقدير على ما في شرح أشكال التأسيس. فقوله من حيث التقدير أي لا من حيث كون المقدار موجودا أو معدوما،
__________
(1) الأصول (لأقليدس). ثم تحرير أصول الهندسة لاقليدس، لنصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (- 672 هـ)، روما، 1594 م وكلكوتا 1824 م في 180 صفحة. كشف الظنون 357، معجم المطبوعات العربية 1251، اكتفاء القنوع 238.
(2) البهائية أو خلاصة الحساب والهندسة، لبهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي البهائي (- 1030 هـ).
معجم المطبوعات العربية 1263، GALS ,II ، 595.
(3) شرح خلاصة الحساب والهندسة لبهاء الدين محمد بن حسن بن عبد الصمد الحارثي البهائي (- 1030 هـ)، كلكوتا 1812. معجم المطبوعات العربية 1263.
(1/58)

عرضا أو جوهرا، ونحو ذلك. والهندسة معرّب [اندازه] «1»، فأبدلت الألف الأولى بالهاء والزاء بالسين وحذفت الألف الثانية فصار هندسة. ووجه التسمية ظاهر. وموضوعه المقدار الذي هو الكمّ المتصل من حيث التقدير. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: الهندسة وهو علم تعرف به أحوال المقادير ولواحقها وأوضاع بعضها عند بعض، ونسبها وخواصّ أشكالها، والطرق إلى عمل ما سبيله أن يعمل بها، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينية. وموضوعه المقادير المطلقة أعني الجسم التعليمي والسطح والخطّ ولواحقها من الزاوية والنقطة والشكل. وأما العلوم المتفرعة عليه فهي عشرة: علم عقود الأبنية، وعلم المناظر، وعلم المرايا المحرفة، وعلم مراكز الأثقال، وعلم المساحة، وعلم إنباط «2» المياه، وعلم جرّ الأثقال، وعلم البنكامات، وعلم الآلات الحربية، وعلم الآلات الروحانية، وذلك لأنه إما يبحث عن إيجاد ما يتبرهن عليه في الأصول الكلية بالفعل، أو لا، والثاني إمّا يبحث عما ينظر إليه، أو لا، الثاني علم عقود الأبنية، والباحث عن المنظور إليه إن اختص بانعكاس الأشعّة فهو علم المرايا المحرفة، وإلّا فهو علم المناظر، وأمّا الأول وهو ما يبحث عن إيجاد المطلوب من الأصول الكلية بالفعل فإمّا من جهة تقديرها أو لا، والأول منهما إن اختص بالثقل فهو علم مراكز الأثقال وإلّا فهو علم المساحة، والثاني منهما فإمّا إيجاد الآلات، أو لا، الثاني علم إنباط «3» المياه، والآلات، إمّا تقديرية، أو لا، والتقديرية إمّا ثقيلة وهو جرّ الأثقال، أو زمانية وهو علم البنكامات، والتي ليست تقديرية فإمّا حربية، أو لا، الثاني علم الآلات الروحانية، والأول علم الآلات الحربية، فلنرسم هذه العلوم على الرسم المتقدم.
علم عقود الأبنية:
وهو علم تتعرّف منه أحوال أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتنقية القني وسدّ البثوق «4» وتنضيد المساكن، ومنفعته عظيمة في عمارة المدن والقلاع والمنازل وفي الفلاحة.
علم المناظر:
وهو علم تتعرّف منه أحوال المبصرات في كميتها وكيفيتها باعتبار قربها وبعدها عن المناظر، واختلاف أشكالها وأوضاعها، وما يتوسّط بين المناظر والمبصرات وعلل ذلك. ومنفعته معرفة ما يغلط فيه البصر عن أحوال المبصرات، ويستعان به على مساحة الأجرام البعيدة والمرايا المحرفة أيضا.

علم المرايا المحرّفة:
وهو علم تتعرّف منه أحوال الخطوط الشعاعيّة المنعطفة والمنعكسة والمنكسرة، ومواقعها
__________
(1) كلمة فارسية تعني الهندسة حوّرت عربيا إلى هندسة.
(2) استنباط (م، ع).
(3) استنباط (م، ع).
(4) البثوق: البثق: كسرك شط النهر لينشق الماء ...
وبثق شقّ النهر يبثقه بثقا كسره لينبعث ماؤه. (لسان العرب مادة بثق) إذا هو حفر الاقنية لتفجير الماء فيها وتسييله من النهر إلى السهول المحيطة.
(1/59)

وزواياها ومراجعها، وكيفية عمل المرايا المحرّفة بانعكاس أشعّة الشمس عنها ونصبها ومحاذاتها، ومنفعته بليغة في محاصرات المدن والقلاع.

علم مراكز الأثقال:
وهو علم تتعرّف منه كيفية استخراج مركز ثقل الجسم المحمول، والمراد بمركز الثقل حدّ في الجسم عنده يتعادل بالنسبة إلى الحامل، ومنفعته كيفية معادلة الأجسام العظيمة بما هو دونها لتوسّط المسافة.

علم المساحة:
وهو علم تتعرّف منه مقادير الخطوط والسطوح والأجسام، وما يقدرها من الخطّ والمربع والمكعّب، ومنفعته جليلة في أمر الخراج وقسمة الأرضين وتقدير المساكن وغيرها.

علم إنباط المياه: «1»
وهو علم تتعرّف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين الميتة وإفلاحها.

علم جر الأثقال:
وهو علم تتبيّن منه كيفية إيجاد الآلات الثقيلة، ومنفعته نقل الثّقل العظيم بالقوّة اليسيرة.

علم البنكامات:
وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المقدّرة للزمان، ومنفعته معرفة أوقات العبادات واستخراج الطوالع من الكواكب وأجزاء فلك البروج.

علم الآلات الحربية:
وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات الحربية كالمجانيق وغيرها، ومنفعته شديدة العنا «2» في دفع الأعداء وحماية المدن.

علم الآلات الروحانية:
وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المرتّبة على ضرورة عدم الخلاء ونحوها من آلات الشراب وغيرها، ومنفعته ارتياض النفس بغرائب هذه الآلات، انتهى.
__________
(1) استنباط (م، ع).
(2) الغناء (م).
(1/60)

علم الهيئة:
هو من أصول الرياضي وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلويّة والسفليّة من حيث الكميّة والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها. فالكمية إمّا منفصلة كأعداد الأفلاك، وبعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات «1»، وإمّا متّصلة كمقادير الأجرام والأبعاد واليوم وأجزائه، وما يتركّب منها. وأمّا الكيفية فكالشّكل إذ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام، وكلون الكواكب وضوئها. وأمّا الوضع فكقرب الكواكب وبعدها عن دائرة معينة وانتصاب دائرة وميلانها بالنسبة إلى سمت رءوس سكان الأقاليم وحيلولة الأرض بين النيرين، والقمر بين الشمس والإبصار ونحو ذلك. وأما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها وجهتها. وأمّا البحث عن أصل الحركة وإثباتها للأفلاك فمن الطبعيات «2». والمراد باللازمة الدائمة على زعمهم وهي حركات الأفلاك والكواكب، واحترز بها عن حركات العناصر كالرياح والأمواج والزلازل، فإن البحث عنها من الطبعيات «3». وأما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق وحركة الهواء بمشايعتها وحركة النار بمشايعة الفلك، فممّا لم يثبت، ولو ثبت فلا يبعد أن يجعل البحث عنها من حيث القدر والجهة من مسائل الهيئة. والمراد بما يلزم من الحركة الرجوع والاستقامة والوقوف والتعديلات، ويندرج فيه بعض الأوضاع. ولم يذكر صاحب التذكرة «4» هذا القيد، أعني قيد ما يلزم منها، والظاهر أنّه لا حاجة إليه. والغرض من قيد الحيثية الاحتراز عن علم السماء والعالم، فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضا، لكن يبحث فيه عنها لا عن «5» الحيثية المذكورة، بل من حيث طبائعها ومواضعها والحكمة في ترتيبها ونضدها وحركاتها لا باعتبار القدر والجهة.
وبالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات المخصوصة ونحوها، وموضوع علم السماء والعالم الذي هو من أقسام الطبعي «6» الجسم البسيط أيضا، لكن من حيث إمكان عروض التغيّر والثبات. وإنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أنّ ما هو من جزء الموضوع إمكان العروض، لا العروض بالفعل الذي هو المحمول، فإن ما يكون جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلّم الثبوت، وهو إمكان العروض لا العروض بالفعل.

وقيل موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات والتمايز بينهما، إنما هو بالبرهان، فإن أثبت المطلوب بالبرهان الإنّي يكون من الهيئة، وإن أثبت بالبرهان اللّمّي يكون من علم السماء والعالم؛ فإنّ تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات. والقول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل، بل هو مجرد رعاية مناسبة.
اعلم أنّ الناظر في حركات الكواكب وضبطها وإقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على
__________
(1) الطبيعيات (م، ع).
(2) الطبيعيات (م، ع).
(3) الطبيعيات (م، ع).
(4) التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- 672 هـ/ 1273 م). كشف الظنون 1/ 391
(5) من (م).
(6) الطبيعي (م، ع).
(1/61)

اعتبار الدوائر، ويسمّى ذلك هيئة غير مجسّمة. ومن أراد تصوّر مبادئ تلك الحركات على الوجه المطابق لقواعد الحكمة فعليه تصوّر الكرّات على وجه تظهر حركات مراكز الكواكب وما يجزي مجراها في مناطقها، ويسمّى ذلك هيئة مجسّمة؛ وإطلاق العلم على المجسّمة مجاز. ولهذا قال صاحب التذكرة: إنها ليست بعلم تام لأنّ العلم هو التصديق بالمسائل على وجه البرهان، فإذا لم يورد بالبرهان يكون حكاية للمسائل المثبتة بالبرهان في موضع آخر. هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في حواشي شرح الملخص «1».

فائدة
المذكور في علم الهيئة ليس مبنيا على المقدمات الطبيعية والإلهية وما جرت به العادة من تصدير المصنفين كتبهم بها، إنما هو بطريق المتابعة للفلاسفة وليس ذلك أمرا واجبا، بل يمكن إثباته من غير ملاحظة الابتناء عليها، فإنّ المذكور فيه بعضه مقدمات «2» هندسية لا يتطرّق إليها شبهة، مثلا مشاهدة التشكّلات البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وبعضه مقدمات يحكم بها العقل بحسب الأخذ لما هو الأليق والأحرى كما يقولون إن محدّب الحامل يماس محدّب الممثل على نقطة مشتركة، وكذا مقعّره بمقعّره، ولا مستند لهم، غير أن الأولى أن لا يكون في الفلكيات فصل لا يحتاج إليه، وكذا الحال في أعداد الأفلاك من أنها تسعة، وبعضه مقدمات يذكرونها على سبيل التردّد دون الجزم، كما يقولون إنّ اختلاف حركة الشمس بالسرعة والبطوء إمّا بناء على أصل الخارج أو على أصل التدوير من غير جزم بأحدهما، فظهر أنّ ما قيل من أنّ إثبات مسائل هذا الفن مبني على أصول فاسدة مأخوذة من الفلاسفة من نفي القادر المختار وعدم تجويز الخرق والالتئام على الأفلاك وغير ذلك ليس بشيء، ومنشئوه عدم الاطلاع على مسائل هذا الفن ودلائله، وذلك لأن مشاهدة التشكّلات البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأنّ نور القمر حاصل من نور الشمس، وأنّ الخسوف إنما هو بسبب حيلولة الأرض بين النيرين، والكسوف إنما هو بسبب حيلولة القمر بين الشمس والبصر، مع القول بثبوت القادر المختار ونفي تلك الأصول المذكورة؛ فإن ثبوت «3» القادر المختار وانتفاء تلك الأصول لا ينفيان أن يكون الحال ما ذكر. غاية الأمر أنهما يجوّزان الاحتمالات الأخر، مثلا على تقدير ثبوت القادر المختار يجوز أن يسوّد القادر بحسب إرادته وينوّر وجه القمر على ما يشاهد من التشكّلات البدرية والهلالية.
وأيضا يجوز على تقدير الاختلاف في حركات الفلكيات وسائر أحوالها أن يكون أحد نصفي كلّ من النيرين مضيئا والآخر مظلما، ويتحرك النّيران على مركزيهما بحيث يصير وجهاهما المظلمان مواجهين لنا في حالتي الخسوف والكسوف، إمّا بالعام إذا كانا تامين أو بالبعض إن كانا ناقصين.
وعلى هذا القياس حال التشكّلات البدرية والهلالية، لكنّا نجزم مع قيام الاحتمالات المذكورة أنّ
__________
(1) حاشية شرح الملخص لعبد العلي بن محمد بن حسين البرجندي (- 932 هـ/ 1525 م) علق فيها على شرح الملخص لموسى بن محمد بن محمود المعروف بقاضي زاده (- 815 هـ/ 1412 م). والملخص كتاب في الهيئة لمحمود بن محمد الجغميني الخوارزمي فرغ من تأليفه سنة 808 هـ/ 1405 م. طبع في لكنا وسنة 1290 هـ/ 1873 م. كشف الظنون، 2/ 1819 - 1820؛ معجم المطبوعات العربية، 1489.
(2) مقامات (ع).
(3) ثبوت (- م).
(1/62)

الحال على ما ذكر من استفادة القمر النور من الشمس، وأن الخسوف والكسوف بسبب الحيلولة، ومثل هذا الاحتمال قائم في العلوم العادية والتجربية «1» أيضا، بل في جميع الضروريات، مع أن القادر المختار يجوز أن يجعلها كذلك بحسب إرادته؛ بل على تقدير أن يكون المبدأ موجبا يجوز أن يتحقق وضع غريب من «2» الأوضاع الفلكية، فيقتضي ظهور ذلك الأمر الغريب على مذهب القائلين بالإيجاب من استناد الحوادث إلى الأوضاع الفلكية، وغير ذلك مما هو مذكور في شبه القادحين في الضروريات. ولو سلم أنّ إثبات مسائل هذا الفن يتوقّف على تلك الأصول الفاسدة فلا شك أنه إنما يكون ذلك إذا ادّعى أصحاب هذا الفن أنه لا يمكن إلّا على الوجه الذي ذكرنا. أمّا إذا كان دعواهم أنه يمكن أن يكون على ذلك الوجه ويمكن أن يكون على الوجوه الأخر، فلا يتصوّر التوقف حينئذ، وكفى بهم فضلا أنهم تخيّلوا من الوجوه الممكنة ما تنضبط به أحوال تلك الكواكب مع كثرة اختلافاتها على وجه تيسّر لهم أن يعيّنوا مواضع تلك الكواكب واتصالات بعضها ببعض في كل وقت أرادوا، بحيث يطابق الحسّ والعيان مطابقة تتحيّر فيها العقول والأذهان، كذا في شرح التجريد.
وهكذا يستفاد من شرح المواقف في موقف الجواهر في آخر بيان محدد الجهات. وفي إرشاد القاصد [علم] «3» الهيئة وهو علم تعرف به أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها وأبعاد ما بينها، وحركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها. وموضوعه الأجسام المذكورة من حيث كميتها وأوضاعها وحركاتها اللازمة لها.

وأما العلوم المتفرعة عليه فهي خمسة: علم الزيجات، وعلم المواقيت، وعلم كيفية الأرصاد، وعلم تسطيح الكرات والآلات الحادثة عنه، وعلم الآلات الظليّة؛ وذلك لأنه إمّا أن يبحث عن إيجاد ما تبرهن بالفعل، أو لا، الثاني كيفية الأرصاد، والأول إمّا حساب الأعمال أو التوصّل إلى معرفتها بالآلات، فالأول منهما إن اختصّ بالكواكب المجرّدة فهو علم الزيجات والتقاويم، وإلّا فهو علم المواقيت، والآلات إمّا شعاعية أو ظلّية، فإن كانت شعاعية فهو علم تسطيح الكرة، وإن كانت ظليّة فعلم الآلات الظليّة، فلنرسم هذه العلوم كما تقدم.
علم الزيجات والتقاويم:
علم تتعرّف منه مقادير حركات الكواكب السيّارة منتزعا من الأصول الكلية. ومنفعته معرفة موضع كلّ واحد من الكواكب السبعة بالنسبة إلى فلكه وإلى فلك البروج، وانتقالاتها ورجوعها واستقامتها وتشريقها وتغريبها وظهورها واختفائها في كل زمان ومكان، وما أشبه ذلك من اتصال بعضها ببعض، وكسوف الشمس وخسوف القمر وما يجري هذا المجرى.
علم المواقيت:
وهو علم تتعرّف منه أزمنة الأيام والليالي وأحوالها وكيفية التوصّل إليها. ومنفعته معرفة أوقات العبادات وتوخّي جهتها، والطوالع والمطالع من أجزاء البروج، والكواكب الثابتة التي منها منازل القمر، ومقادير الظلال والارتفاعات، وانحراف البلدان بعضها عن بعض وسموتها.
__________
(1) التجريبية (م).
(2) مع (ع).
(3) علم (+ م).
(1/63)

علم كيفية الأرصاد:
وهو علم تتعرّف منه كيفية تحصيل مقادير الحركات الفلكية والتوصل إليها بالآلات الرصدية.
ومنفعته علم الهيئة وحصول عمله بالفعل.

علم تسطيح الكرة:
وهو علم تتعرّف منه كيفية إيجاد الآلات الشّعاعية. ومنفعته الارتياض بعلم هذه الآلات وعملها، وكيفية انتزاعها من أمور ذهنية مطابقة للأوضاع الخارجية والتوصل بها إلى استخراج المطالب الفلكية.

علم الآلات الظلية:
وهو علم تتعرّف منه مقادير ظلال المقايس وأحوالها والخطوط التي سمتها أطرافها. ومنفعته معرفة ساعات النهار بهذه الآلات. وهذه الآلات كالبسائط والقائمات والمائلات من الرخامات ونحوها، انتهى.

علم السماء والعالم:
هو من أصول الطبعي «1»، وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجسام التي هي أركان العالم وهي السموات وما فيها، والعناصر الأربعة من حيث طبائعها وحركاتها ومواضعها، وتعرف «2» الحكمة في صنعها وترتيبها. وموضوعه الجسم المحسوس من حيث هو معرّض للتغيّر في الأحوال والثبات فيها، ويبحث فيه عما يعرض له من حيث هو كذلك، كذا في التلويح. وقيد الحيثية احتراز عن علم الهيئة. وموضوعها كما مرّ.

علم الطبّ:
هو من فروع الطبعي «3» وهو علم بقوانين تتعرف منها أحوال أبدان الإنسان من جهة الصحة وعدمها، لتحفظ حاصلة وتحصّل غير حاصلة ما أمكن. وفوائد القيود ظاهرة، فإنّ العلم جنس، وقولنا تتعرّف الخ فصل يخرج ما لا تتعرّف منه أحوال بدنه كالهيئة وغيرها. وقولنا من جهة الصحة وعدمها يخرج العلم الذي تعرف منه أحوال بدنه لا من الجهتين كعلم الأخلاق والكلام. وقولنا لتحفظ الخ بيان لغاية الطبّ لا للاحتراز. ثم إن هذا أولى ممّن قال من جهة ما يصح ويزول عنه الصحة فإنه يرد عليه أنّ الجنين الغير الصحيح من أول الفطرة لا يصلح عليه أنه زال عن الصحة أو صحته زائلة، كذا في السديدي شرح الموجز «4». فالمراد بالعلم هاهنا التصديق بالمسائل ويمكن أن
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) وتعريف (م).
(3) الطبيعي (ع، م).
(4) السديدي في شرح الموجز أو الشرح المغني لسديد الدين الكازروني من علماء القرن الثامن الهجري شرح فيه كتاب موجز القانون في الطب لعلاء الدين بن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النفيس، (- 687 هـ/ 1288 م) طبع في كلكوتا، 1249 هـ/ 1833 م. معجم المطبوعات العربية 1539، كشف الظنون، 2/ 1899 - 1900.
(1/64)

يراد به الملكة، أي ملكة حاصلة بقوانين الخ. وفي شرح القانونچهـ هو علم بأحوال بدن الإنسان من جهة الصحة والمرض لتحفظ الصحة أو تعاد ما أمكن، ومآل التعريفين واحد. وموضوعه بدن الإنسان وما يتركّب منه من حيث الصحة والمرض، وقد سبق الإشارة إليه في بحث الموضوع.

علم النجوم:
هو من فروع الطبعي «1» وهو علم بأصول تعرف بها أحوال الشمس والقمر وغيرهما من بعض النجوم، كذا في بعض حواشي الشافية «2». والمراد بالأحوال الآثار الصادرة منها في العالم السفلي، فلا يكون من أجزاء الهيئة وعلم السماء والعالم. وخرج منه علم الرّمل والجفر ونحوهما مما يدلّ على صدور أثر في العالم إذ لا يبحث فيها عن أحوال النجوم. وموضوعه النجوم من حيث يمكن أن تعرف بها أحوال العالم. ومسائله كقولهم: كلّما كانت الشمس على هذا الوضع المخصوص فهي تدلّ على حدوث أمر كذا في هذا العالم.

فصل في بيان العلوم المحمودة والمذمومة
أما المحمودة فبعضها من فرض العين وبعضها من فرض الكفاية. أمّا الأول فقال عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» «3»، واختلف العلماء في أنّ أيّ علم طلبه فرض. فقال المتكلمون علم الكلام. وقال الفقهاء علم الفقه. وقال المفسّرون والمحدّثون هو علم الكتاب والسنّة إذ بهما يتوصّل إلى سائر العلوم. وقال بعضهم هو علم العبد بحاله ومقامه من الله تعالى. وقيل بل هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس. وقيل بل هو علم الباطن. وقال المتصوفة هو علم التصوّف. وقيل هو العلم بما شمل «4» عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس» «5» الحديث؛ والذي ينبغي أن يقطع ما هو مراد به هو علم بما كلّف الله تعالى عباده من الأحكام الاعتقادية والعملية. وقال في السراجية طلب العلم فريضة بقدر ما يحتاج إليه لأمر لا بدّ منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع، ولأمور معاشه، وما وراء ذلك ليس بفرض، فإن تعلّمها فهو الأفضل وإن تركها فلا إثم عليه.
__________
(1) الطبيعي (م) البيعي (ع).
(2) الشافية في التصريف لأبي عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب. عليها عدة شروح وحواشي.
طبعت في الهند سنة 1278 مع شروح لها، وقد سبقت الاشارة إلى بعض شروحها. اكتفاء القنوع 306.
(3) اخرجه ابن ماجه في سننه، ج 1/ 81، عن انس، المقدمة، باب فضل العلماء (17) الحديث رقم (224) بلفظ:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وواضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب. [وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف حفص بن سليمان]. أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم، ج 1/ 7، عن أنس باب قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة.
(4) اشتمل (م).
(5) متفق عليه: اخرجه البخاري في صحيحه، ج 1/ 12، كتاب الإيمان، باب الإيمان، معلّقا بلفظ «بني الاسلام على خمس وهو قول وفعل ويزيد وينقص». وص 14، عن ابن عمر بلفظ: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان. وأخرجه مسلم في صحيحه، ج 1/ 45، عن ابن عمر، كتاب الإيمان (1) باب بيان أركان الإسلام (5)، الحديث رقم 19/ 16، 20، 21، 22.
(1/65)

وأما الثاني فقد ذكره في منتخب الإحياء «1»: اعلم أنّ علم الطب في تصحيح الأبدان من فروض الكفاية، لكن في السراجية «2». يستحب أن يتعلم الرجل من الطبّ قدر ما يمتنع به عما يضرّ بدنه.
وكذا من فروض الكفاية علم الحساب في الوصايا والمواريث. وكذا الفلاحة والحياكة والحجامة والسياسة. أما التعمّق في الطبّ فليس بواجب وان كان فيه زيادة قوة على قدر الكفاية.
فهذه العلوم كالفروع فإن الأصل هو العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة وآثار الصحابة، والتعلّم بعلم اللغة التي هي آلة لتحصيل العلم بالشرعيات. وكذا العلم بالناسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ، مما في علم الفقه، وعلم القراءة ومخارج الحروف، والعلم بالأخبار وتفاصيلها، والآثار وأسامي رجالها ورواتها، ومعرفة المسند والمرسل والقوي والضعيف منها، كلها من فروض الكفاية. وكذا معرفة الأحكام لقطع الخصومات وسياسة الولاة. وهذه العلوم إنما تتعلّق بالآخرة لأنها سبب استقامة الدنيا، وفي استقامتها استقامتها، فكان هذا علم الدنيا بواسطة صلاح الدنيا، بخلاف علم الأصول من التوحيد وصفات الباري. وهكذا علم الفتوى من فروض الكفاية. أما العلم بالعبادات والطاعات ومعرفة الحلال والحرام فإنه أصل فوق العلم بالغرامات والحدود والحيل.
وأما علم المعاملة فهو على المؤمن المتقي كالزهد والتقوى والرّضاء والشكر والخوف والمنّة لله في جميع أحواله، والإحسان وحسن النظم وحسن الخلق والإخلاص، فهذه علوم نافعة أيضا. وأما علم المكاشفة فلا يحصل بالتعليم والتعلّم، وإنّما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله تعالى مقدّمة للهداية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا «3». وأما علم الكلام فالسّلف لم يشتغلوا به حتى إنّ من اشتغل به نسب إلى البدعة والاشتغال بما لا يغنيه «4»، هذا كله خلاصة ما في التاتارخانية «5».
وقال في خزانة الرواية في السراجية: تعلّم الكلام والمناظرة فيه قدر ما يحتاج إليه غير منهيّ [عنه] «6». قال شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي «7» في أعلام الهدى «8» بأنّ عدم الاشتغال بعلم
__________
(1) منتخب الإحياء، الراجح أنه منتخب الاطباء لعبد الكريم الله، الفهرس التوضيحي لمخطوطات مكتبة حيدرآباد، الطب وعلومه، ترتيب فضل الله فاروفي الندوي، كراتشي، 1981.
(2) الفتاوى السراجية لسراج الدين الأوشي الحنفي، فرغ من تأليفها سنة 569 هـ/ 1173 م. كشف الظنون 2/ 1224.
(3) العنكبوت/ 69.
(4) يعنيه (م، ع).
(5) التاتارخانية في الفتاوى لعالم بن علاء الحنفي وتعرف بزاد المسافر وقد أشار بجمعه الخان الأعظم تاتارخان.
كشف الظنون 1/ 268.
(6) [عنه] (+ م).
(7) السهروردي هو عمر بن محمد بن عبد الله بن عموية، أبو حفص، شهاب الدين القرشي التيمي البكري السهروردي.
ولد في سهرورد عام 539 هـ/ 1145 م وتوفي ببغداد عام 632 هـ/ 1234 م فقيه شافعي، مفسّر، واعظ من كبار الصوفية، لقب بشيخ الشيوخ ببغداد. له الكثير من التصانيف. الاعلام 5/ 62، وفيات الاعيان 1/ 380، شذرات الذهب 5/ 153، البداية والنهاية 13/ 138، طبقات الشافعية 5/ 143، النجوم الزاهرة 6/ 283، تذكرة الحفاظ 1458، مفتاح السعادة 2/ 355، طبقات المفسرين 2/ 10، معجم المؤلفين 7/ 313، معجم المفسرين 1/ 400.
(8) اعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى لشهاب الدين ابي حفص عمر بن محمد السهروردي (- 632 هـ). كشف الظنون 1/ 126، GAL ,I ، 789.
(1/66)

الكلام إنّما هو في زمان قرب العهد بالرسول وأصحابه، الذين كانوا مستغنين عن ذلك بسبب بركة صحبة النبي عليه الصلاة والسلام، ونزول الوحي، وقلة الوقائع والفتن بين المسلمين. وصرّح به السيد الشريف والعلّامة التفتازاني وغيره من المحققين المشهورين بالعدالة أنّ الاشتغال بالكلام في زماننا من فرائض الكفاية. وقال العلّامة التفتازاني: إنّما المنع لقاصر النّظر والمتعصّب في الدين.
وأما المذمومة ففي التاتارخانية: وأمّا علم السّحر والنيرنجات والطّلسمات وعلم النجوم ونحوها فهي علوم غير محمودة؛ وأمّا علم الفلسفة والهندسة فبعيد عن علم الآخرة، استخرج ذلك الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. وفي فتح المبين شرح الاربعين «1»: الحليمي «2» وغيره صرّحوا بجواز تعلّم الفلسفة وفروعها من الإلهي والطبعي «3» والرياضي ليردّ على أهلها ويدفع شرّهم عن الشريعة، فيكون من باب إعداد العدة.
وفي السراجية: تعلّم النجوم قدر ما تعرف به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به. وفي الخانية «4»:
وما سواه حرام. وفي الخلاصة «5»: والزيادة حرام. وفي المدارك «6» في تفسير قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ «7» قالوا علم النجوم كان حقا، ثم نسخ الاشتغال بمعرفته انتهى.
وفي البيضاوي «8»: فنظر نظرة في النجوم، أي فرأى مواقعها واتصالاتها، أو في علمها، أو في كتابها، ولا منع منه، انتهى.
وفي التفسير الكبير «9»: في هذا المقام إن «10» قيل النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه ابراهيم عليه السلام؟ قلنا: لا نسلّم أنّ النظر في علم النجوم والاستدلال بمعانيها حرام، وذلك لأنّ من اعتقد أنّ الله تعالى خصّ كلّ واحد من هذه الكواكب بقوة وخاصية، لأجلها يظهر منه أثر
__________
(1) فتح المبين في شرح الأربعين (أي الاربعين النووية) لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي (- 974 هـ)، القاهرة، المطبعة الميمنية، 1307 هـ. معجم المطبوعات 84، اكتفاء القنوع 132، Gals ,II 825.
(2) الحليمي هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الجرجاني، ولد بجرجان عام 338 هـ/ 950 م وتوفي ببخارى عام 403 هـ/ 1012 م. فقيه شافعي، قاض ومحدث له بعض التصانيف الاعلام 2/ 235، الرسالة المستطرفة 44.
(3) الطبيعي (م).
(4) الفتاوى الخانية أو التاتارخانية.
(5) خلاصة الفتاوى لطاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري (- 542 هـ)، كشف الظنون 1/ 717.
(6) مدارك التنزيل وحقائق التأويل ويعرف بتفسير النسفي لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (- 710 هـ). بومباي، 1279 هـ، معجم المطبوعات 1853، اكتفاء القنوع 117.
(7) الصافات/ 88 - 89.
(8) أنوار التنزيل وأسرار التأويل أو تفسير البيضاوي لعبد الله بن عمر بن محمد بن علي ناصر الدين البيضاوي (- 685 هـ) اعتمد فيه على الكشاف، وعلى التفسير الكبير للرازي. نشره H .P .Fleisher في سبعة أجزاء بمجلدين في Leipzig سنة 1844 م كما وضع W .Fell فهرسا وافيا طبع في المدينة نفسها سنة 1878 م. معجم المطبوعات 617، اكتفاء القنوع 114.
(9) التفسير الكبير مفاتيح الغيب المشهور بالتفسير الكبير لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي (- 606 هـ/ 1209 م)، بولاق 1279 - 1289، معجم المطبوعات العربية 917، اكتفاء القنوع 115.
(10) إنه إن (م).
(1/67)

مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل، انتهى. فعلم من هذا أنّ حرمة تعلّم [علم] «1» النجوم مختلف فيها.
وأما أخبار المنجمين فقد ذكر في المدارك في تفسير: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ «2» الآية: وأمّا المنجّم الذي يخبر بوقت الغيث أو الموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطّالع، وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا، على أنّه مجرّد الظنّ، والظن غير العلم.
وفي الكشف: مقالات المنجّمة على طريقين: من النّاس من يكذّبهم، واستدلّ عليه بقوله تعالى:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ «3» وبقوله عليه السلام: «من أتى كاهنا أو عرافا «4» فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمّد» «5». ومنهم من قال بالتفصيل، فإنّ المنجّم لا يخلو من «6» أن يقول: إنّ هذه الكواكب مخلوقات أو غير مخلوقات، الثاني كفر صريح. وأمّا الأول فإمّا أن يقول إنها فاعلات مختارات بنفسها فذلك أيضا كفر صريح. وإن قال إنّها مخلوقات مسخّرات أدلة على بعض الأشياء، ولها أثر بخلق الله تعالى فيها، كالنّور والنار ونحوهما، وأنهم استخرجوا ذلك بالحساب، فذلك لا يكون غيبا لأنّ الغيب ما لا يدلّ عليه بالحساب. وأما الآية والحديث فهما محمولان على علم الغيب، وهذا ليس بغيب.
وأمّا المنطق فقد ذكر ابن الحجر «7» في شرح الأربعين «8» للنووي «9»: اعلم أنّ من آلات العلم الشرعي من فقه وحديث وتفسير، المنطق الذي بأيدي الناس اليوم فإنّه علم مفيد «10» لا محذور فيه بوجه؛ انّما المحذور فيما كان يخلط به شيء من الفلسفيات المنابذة للشرائع، ولأنّه كالعلوم العربية في أنّه من مواد أصول الفقه، ولأن الحكم الشرعي لا بدّ من تصوّره والتصديق بأحواله إثباتا ونفيا، والمنطق هو المرصد لبيان أحكام التصوّر والتصديق، فوجب كونه علما شرعيا، إذ هو ما صدر عن
__________
(1) [علم] (+ م).
(2) لقمان/ 34.
(3) آل عمران/ 179.
(4) عرّافا (م).
(5) رواه احمد في المسند من طريق أبي هريرة 2/ 429. وورد عند مسلم في باب تحريم الكهانة 4/ 1752 كما يلي:
من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاته اربعين ليلة. وورد الحديث بصيغ متعددة، انظر كنز العمال 6/ 748 - 749.
(6) من (- م).
(7) ابن الحجر هو أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الاسلام. ولد بمصر عام 909 هـ/ 1504 م وتوفي بمكة عام 974 هـ/ 1567 م. فقيه باحث، له تصانيف كثيرة. الاعلام 1/ 234، آداب اللغة 3/ 334، خلاصة الأثر 2/ 166، دائرة المعارف الاسلامية 1/ 133.
(8) شرح الاربعين حديث النووية لشهاب الدين احمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي، وهو شرح ممزوج اسمه الفتح المبين.
كشف الظنون 1/ 60.
(9) النووي هو يحي بن شرف بن مري بن حسن الشافعي، أبو زكريا، محي الدين. ولد بنوى في حوران بالشام عام 631 هـ/ 1233 م، وفيها توفي عام 676 هـ/ 1277 م. من علماء الفقه والحديث. وله الكثير من المصنفات.
الاعلام 8/ 149، طبقات الشافعية 5/ 165، النجوم الزاهرة 7/ 278، تاريخ آداب اللغة 3/ 242 وغيرها.
(10) مقيّد (م).
(1/68)

الشرع، أو توقّف عليه العلم الصادر عن الشرع توقّف وجود، كعلم الكلام، أو توقّف كمال، كعلم العربية والمنطق. ولذا قال الغزالي: لا ثقة بفقه من لا يتمنطق، أي من لا قواعد المنطق مركوزة بالطبع فيه، كالمجتهدين في العصر الأول، أو بالتعلم. وممّن أثنى على المنطق الفخر الرازي «1» والآمدي «2» وابن الحاجب وشرّاح كتابه وغيرهم من الأئمة. والقول بتحريمه محمول على ما كان مخلوطا بالفلسفة.
__________
(1) الفخر الرازي هو الامام الكبير محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين الرازي. ولد في الري عام 544 هـ/ 1050 م وتوفي بهراة عام 606 هـ/ 1210 م. من كبار العلماء في المعقول والمنقول، وضع العديد من الكتب وذاع صيته حتى رحل إليه الناس. الاعلام 6/ 313، طبقات الاطباء 2/ 23، وفيات الاعيان 1/ 474، مفتاح السعادة 1/ 445، آداب اللغة 3/ 94، البداية والنهاية 13/ 55 وغيرها.
(2) الآمدي هو علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي. ولد في آمد عام 551 هـ/ 1156 م، وتوفي بدمشق عام 631 هـ/ 1233 م. أصولي وباحث، تعصّب ضده الفقهاء واتهموه بفساد العقيدة. له العديد من المصنفات. الاعلام 4/ 332، وفيات الاعيان 1/ 329، طبقات السبكي 5/ 129، ميزان الاعتدال 1/ 439، لسان الميزان 3/ 134 وغيرها.
(1/69)

موسوعة المصطلحات
(1/70)

حرف الألف (آ)
الآحاد:
[في الانكليزية] Unities
[ في الفرنسية] Les unites
جمع أحد، وهي عند المحاسبين هو الواحد إلى التسعة. قالوا الواحد إلى التسعة آحاد وهو من أحد قسمي العدد المفرد. وعند أهل الشرع هو كل خبر لم يبلغ درجة المتواتر، ويسمّى خبر الواحد أيضا. والآحاد من القراءة هو ما صحّ سنده وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر عند القراء كما في الإتقان.
الآخر:
[في الانكليزية] Others ،the other
[ في الفرنسية] Autrui ،l'autre
بالمدّ وفتح الخاء المعجمة اسم خاص للمغاير بالشخص، وبعبارة أخرى اسم للمغاير بالعدد. وقد يطلق على المغاير في الماهية أيضا، كذا في شرح حكمة العين وحواشيه «1» في بحث الوحدة والكثرة.
الآخرة:
[في الانكليزية] Future life
[ في الفرنسية] La vie Future
بالمدّ وكسر الخاء عبارة عن أحوال النفس الناطقة في السعادة والشقاوة ويسمّى بالمعاد الروحاني أيضا، كذا في بعض حواشي شرح هداية الحكمة. والظاهر أنّ هذا اصطلاح الحكماء النافين للمعاد الجسماني، وإلّا فالمتعارف في كتب الشرع واللغة إطلاقها على المعاد مطلقا أي جسمانيا أو روحانيا كما يدلّ عليه ما يجيء في لفظ البرزخ.
الآدم:
[في الانكليزية] Adam ،swarthy
[ في الفرنسية] Adam ،basane
بالمدّ والدال المفتوحة المهملة رجل أسمر حنطيّ اللّون، واسم نبيّ هو أبّ لجميع البشر.
وفي اصطلاح أهل السلوك: آدم خليفة الله وروح العالم الإنساني، وكلّ ما يطلق على الله جائز أن يطلق على خليفته «2». كذا في كشف اللغات «3».
الآراء المحمودة:
[في الانكليزية] Famous judgements
[ في الفرنسية] Les opinions celebres ،les jugements
هي المشهورات المطلقة.
الآل:
[في الانكليزية] Family ،ancestors
[ في الفرنسية] Famille ،ancetres
بالمدّ أهل وعيال وأتباع يعني پس روان- بعد النفس- كما في الصراح. وفي جامع الرموز في كتاب الوصية آل الشخص أهل بيته أي بيت النّسب، وهو كلّ من يتصل به من قبل آبائه من أقصى أب له في الإسلام مسلما كان أو كافرا قريبا أو بعيدا محرما أو غيره، لأنّ الآل والأهل يستعملان استعمالا واحدا فيدخل فيه جدّه وأبوه لا الأب الأقصى لأنّه مضاف، كذا في الكرماني. ولا أولاد البنات وأولاد
__________
(1) سبقت الإشارة إليه.
(2) مرد گندم گون ونام پيغمبرى كه پدر همه آدميان است ودر اصطلاح سالكان آدم خليفه خداست وروح عالم آدم است وآنچهـ بر خدا اطلاق كرده ميشود رواست اطلاق أو بر خليفه أو كذا.
(3) كشف اللغات (فارسي) لعبد الرحيم الهندي. إيضاح المكنون 4/ 366.
(1/71)

الأخوات ولا أحد من قرابة أم ذلك الشخص إذ النسب إنما يعتبر من الآباء. ولهذا لو أوصت لأهل بيتها لم يدخل فيه ولدها إلّا أن يكون أبوه من قومها، كما في الكافي «1» انتهى.
وأصل آل أهل بدليل تصغيره على أهيل.
وقيل أصله أول فإنه نقل عن الأصمعي «2» أنه سمع من أعرابي يقول آل واويل وأهل واهيل.
وردّ بأنه لا عبرة بقول الأعرابي. وهذا مذهب الكوفيين كما أن الأول مذهب البصريين. وفي جامع الرموز «3»: الآل في الأصل اسم جمع لذوي القربى ألفه مبدلة عن الهمزة المبدلة عن الهاء عند البصريين، وعن الواو عند الكوفيين.
والأوّل هو الحق، انتهى.
ثم لفظ الآل مختص بأولي الخطر كالأنبياء والملوك ونحوهم. يقال آل محمد عليه السلام وآل علي رضي الله عنه وآل فرعون، ولا يضاف إلى الأرذال ولا المكان والزمان ولا إلى الحق سبحانه وتعالى. فلا يقال آل الحائك وآل مصر وآل زمان وآل الله تعالى بخلاف الأهل في جميع ما ذكر.
واختلف في آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل إنه ذرية النبي عليه الصلاة والسلام.
وقيل ذريته وأزواجه. وقيل كل مؤمن تقيّ لحديث (كلّ تقيّ آلي) «4». وقيل أتباعه. وقيل بنو هاشم وبنو المطلب قائله الشافعي. قال ابن الحجر في شرح الأربعين «5» للنووي: وآل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عند الشافعي مؤمنو بني هاشم والمطلب كما دلّ عليه مجموع أحاديث صحيحة، لكن بالنسبة إلى الزكاة والفيء دون مقام الدّعاء، ومن ثمّ اختار الأزهري «6» وغيره من المحققين في مقام الدعاء أنهم كل مؤمن تقيّ مثل أن يقال اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد. وقيل بنو هاشم فقط. وقيل من يجمع بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم غالب بن فهر «7». وقيل آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس. وقيل عترته وهم أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنهم. وقيل أهل بيته المعصومون وهو الحق. وقيل الفقهاء العاملون على ما في جامع الرموز. وقال العلامة الدواني «8» آله صلى الله وآله عليه وسلم
__________
(1) الكافي في فروع الحنفية للحاكم الشهيد محمد بن محمد الحنفي (- 334 هـ) جمع فيه كتب محمد بن الحسن، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب وعليه أقام السرخسي كتابه المبسوط. كشف الظنون 2/ 1378.
(2) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي. ولد بالبصرة عام 122 هـ/ 740 م وتوفي فيها عام 216 هـ/ 831 م. من رواة العرب، وأحد أئمة اللغة والأدب والبلدان. مدحه العلماء لمعرفته الواسعة، وله الكثير من المؤلفات. الأعلام 4/ 162، جمهرة الأنساب 234، وفيات الأعيان 1/ 288، تاريخ بغداد 10/ 410، إنباه الرواة 2/ 197.
(3) جامع الرموز وغواشي البحرين للقوهستاني (نسبة إلى جبال قوهستان في جنوب خراسان) (- 962 هـ). طبع مع شروح له في قازان، 1308 هـ، اكتفاء القنوع، 147.
(4) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء 1/ 17، رقم 17، وأخرجه الهندي في كنز العمال 3/ 89، الحديث رقم 5624، باب التقوى، وأخرجه ابن عدي في الكامل 7/ 41، باب من اسمه نوح، رقم 22/ 1975، بلفظ: «آل محمد كل تقي».
(5) شرح الأربعين حديث النووية لأحمد بن حجر الهيثمي (- 974 هـ) وهو شرح ممزوج يعرف بالفتح المبين، كشف الظنون 1/ 60. وهناك شرح لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (- 852 هـ) وقد خرجه بالأسانيد العالية. كشف الظنون 1/ 60.
(6) الأزهري هو محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور. ولد بهراة من أعمال خراسان عام 282 هـ/ 895 م وتوفي فيها عام 370 هـ/ 981 م. أحد أئمة اللغة والأدب، كما عني بالفقه. له عدة مؤلفات هامة. الأعلام 5/ 311، وفيات الأعيان 1/ 501، إرشاد الأريب 6/ 297، آداب اللغة 2/ 308، طبقات السبكي 2/ 106، مفتاح السعادة 1/ 97.
(7) هو غالب بن فهر بن مالك من عدنان لا يعرف له تاريخ. جدّ جاهلي، يتصل به نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وكنيته ابو تيم. ومن نسله بنو تيم الأدرم، من بطون قريش الاعلام 5/ 114، ابن الأثير 2/ 9، الطبري 2/ 186، المحبّر 51.
(8) هو محمد بن أسعد الصديقي الدّواني، جلال الدين. ولد بدوّان بالقرب من شيراز عام 830 هـ/ 1427 م ومات بفارس عام
(1/72)

من يؤول إليه بحسب النّسب أو النسبة. وكما حرّم الله تعالى على الأوّل الصدقة الصورية حرّم على الثاني الصدقة المعنوية، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف. فآله عليه السلام من يئول إليه إمّا بحسب نسبته عليه السلام بحياته الجسمانية، كأولاده النسبية، أو بحسب نسبته عليه السلام بحياته العقلية، كأولاده الروحانية من العلماء الراسخين والأولياء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين من مشكاة أنواره. وإذا اجتمع النسبتان كان نورا على نور، كما في الائمة المعصومين. وهذا الذي ذكرنا أكثره منقول من العلمي «1» حاشية شرح هداية الحكمة وبعضه من البرجندي شرح مختصر الوقاية «2».
الآلة:
[في الانكليزية] Organ
[ في الفرنسية] Organe
في عرف العلماء هي الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول أثره إليه على ما قال الإمام في شرح الإشارات «3». فالواسطة كالجنس تشتمل كلّ ما يتوسّط بين الشيئين كواسطة القلادة والنسبة المتوسّطة بين الطرفين. وبقوله بين الفاعل ومنفعله خرجت الوسائط المذكورة مما لا يكون طرفاه فاعلا ومنفعلا. والقيد الأخير لإخراج العلّة المتوسّطة فإنها ليست واسطة بينهما في وصول أثر العلّة البعيدة إلى المعلول، لأنّ أثر العلّة البعيدة لا يصل إلى المعلول فضلا أن يكون شيء واسطة بينهما، بل إنما الواصل إليه أثر العلّة المتوسّطة لأنه الصادر منها.
قيل عليه «4» الانفعال يستلزم وصول الأثر فإذا انتفى الوصول انتفى الانفعال، فلا حاجة إلى القيد الأخير. وأجيب عنه بمنع الاستلزام المذكور إذ العلّة البعيدة لها مدخل في وجود المعلول لتوقّفه عليه، وليس ذلك التوقّف إلّا بالفاعلية، إلّا أنه فاعل بعيد تخلّل بينه وبين منفعله فاعل آخر بسببه لم يصل أثره إليه، إذ الشيء الواحد لا يتّصف بالصدورين، ولا يقوم صدور واحد بصادرين، فلا يستلزم الانفعال وصول الأثر، فثبت أنّ الواصل إليه أثر المتوسّطة دون البعيدة.
وما قيل إنّ التعريف يصدق على الشرائط وارتفاع الموانع والمعدّات لأنها وسائط بين الفاعل والمنفعل في وصول الأثر إذ الإيجاد لا يحصل بدونها فتوهّم لأنها متمّمات الفاعلية، فإنّ الفاعل إنما يصير فاعلا بالفعل بسببها لا أنها وسائط في الفاعلية.
قيل المتبادر من منفعله المنفعل القريب فلا حاجة إلى القيد الأخير. وفيه أنّ المتبادر هو المطلق، ولهذا قيّد المحقق الطوسي «5»
__________
- 918 هـ/ 1512 م. قاض، متكلم، مفسّر، منطقي، يعد من الفلاسفة. له الكثير من الكتب. الأعلام 6/ 32، معجم المفسرين 2/ 492، البدر الطالع 2/ 130، شذرات الذهب 8/ 160، آداب اللغة 3/ 238، الضوء اللامع 7/ 133، معجم المؤلفين 9/ 47، الذريعة 2/ 260.
(1) هو يحي بن أحمد بن عبد السلام بن رحمون، أبو زكريا العلمي. مات بمكة عام 888 هـ/ 1483 م. فقيه مالكي. له عدة مصنفات. الاعلام 8/ 136، نيل الابتهاج 358، الضوء اللامع 10/ 216، شجرة النور 265.
(2) شرح الوقاية لصدر الشريعة الأصغر عبيد الله بن مسعود البخاري الحنفي (- 747 هـ) وهو شرح وقاية الرواية في مسائل الهداية، فرغ من وضعه سنة 743 هـ. قازان، مطبعة الإمبراطورية، 1318 هـ. معجم المطبوعات العربية 1200.
(3) شرح الاشارات والتنبيهات أو حل مشكلات الاشارات والتنبيهات ويعرف أيضا بشرح الاشارات في الطبيعيات لنصير الدين أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (- 672 هـ) أشار فيه إلى أجوبة بعض ما اعترض به فخر الدين الرازي في شرحه على الإشارات لابن سينا، وقد فرغ من تأليفه سنة 644 هـ لكنا و1293 هـ. كشف الظنون 95؛ معجم المطبوعات العربية 1251.
(4) عليّة (م).
(5) هو محمد بن محمد بن الحسن، أبو جعفر، نصير الدين الطوسي. ولد بطوس عام 597 هـ/ 1201 م وتوفي ببغداد عام
(1/73)

التعريف بالقريب فقال: هي. ما يتوسّط بين الفاعل ومنفعله القريب في وصول أثره إليه، ولو سلّم فالمتبادر من المنفعل القريب ما لا يكون بينه وبين فاعله واسطة أصلا، لا أن لا يكون بينهما فاعل آخر، وحينئذ يخرج عن التعريف آلة الضرب الذي يكون بين الضارب والمضروب حائلا.
فائدة:
إطلاق الآلة على العلوم الآليّة كالمنطق مثلا مع أنها من أوصاف النفس إطلاق مجازيّ، وإلّا فالنفس ليست فاعلة للعلوم الغير الآليّة لتكون تلك العلوم واسطة في وصول أثرها إليها. وقد تطلق الآلة مرادفة للشرط كما سيجيء. ثم الآلة عند الصرفيين تطلق على اسم مشتق من فعل لما يستعان به في ذلك الفعل كالمفتاح فإنه اسم لما يفتح به ويسمى اسم آلة أيضا. وهذا معنى قولهم اسم الآلة ما صنع من فعل لآليّته أي لآليّة ذلك الفعل. وقد تطلق عندهم على ما يفعل فيه إذا كان مما يستعان به كالمحلب، هكذا في الأصول الأكبري «1» وشروح الشافية. والفرق بين اسم الآلة والوصف المشتق يجيء في لفظ الوصف.
الأئمّة:
[في الانكليزية] Imams
[ في الفرنسية] Imams
جمع الإمام. وأئمة الأسماء هي الأسماء السبعة: كما في: الحي والعالم والمريد والقادر والسميع والبصير والمتكلم. وهذه الأسماء السبعة هي أصول لمجموع الأسماء الإلهية. كذا في كشف اللغات «2».
الآمّة:
[في الانكليزية] Membrane of cranium ،pia mater
-
[ في الفرنسية] Membrane du cerveau ،pia mater
بالألف الممدودة والميم المشدّدة عند الأطباء تفرّق اتصال يحدث في الرأس ويصل إلى الدّماغ، كذا في حدود الأمراض.
آن:
[في الانكليزية] Time ،now ،present
[ في الفرنسية] Temps ،maintenant ،present
بالمدّ في اللغة الوقت. والآن بالألف واللّام الوقت الحاضر كما في كنز اللغات «3».
قيل أصل آن أوان حذفت الألف الأولى وقلبت الواو بالألف فصار آن، ولم يجيء استعماله بدون الألف واللّام بمعنى الوقت الحاضر، كذا في بعض اللغات. وعند الحكماء هو نهاية الماضي وبداية المستقبل، به ينفصل أحدهما عن الآخر، فهو فاصل بينهما بهذا الاعتبار وواصل باعتبار أنه حدّ مشترك بين الماضي والمستقبل، به يتصل أحدهما بالآخر. فنسبة الآن إلى الزمان كنسبة النقطة إلى الخطّ الغير المتناهي من الجانبين. فكما أنه لا نقطة فيه عندهم إلّا بالفرض فكذلك لا آن في الزمان إلّا بالفرض، وإلّا يلزم الجزء الذي لا يتجزّأ ولا وجود له في الخارج، وإلّا لكان في الحركة جزء لا يتجزّأ.
قال في شرح الملخص «4» قد تقرّر عندهم أنّ الموجود في الخارج من الحركة هو الحصول
__________
- 672 هـ/ 1274 م. فيلسوف، عالم بالأرصاد والرياضيات. له الكثير من المؤلفات الهامة، الاعلام 7/ 30، فوات الوفيات 2/ 149، الوافي بالوفيات 1/ 179، شذرات الذهب 5/ 339، مفتاح السعادة 1/ 261، آداب اللغة 3/ 234، معجم المطبوعات 1250.
(1) الأصول الأكبرية أو شرح الأصول الأكبرية للشيخ علي أكبر، الهند 1315 هـ، معجم المطبوعات 1359.
(2) وائمة الاسماء اسماى سبعه را گويند چنانكه الحي والعالم والمريد والقادر والسميع والبصير والمتكلم واين اسماى سبعه اصول مجموع اسماى الهيه اند كذا في كشف اللغات.
(3) كنز اللغات (فارسي) لمحمد رءوف بن عبد الخالق الهندي فرغ من تأليفه سنة 1106 هـ، إيضاح المكنون 2/ 387.
(4) شرح الملخص في الهيئة لموسى بن محمود المعروف بقاضي زاده، كان يعيش في القرن التاسع الهجري، وقد فرغ من تأليف كتابه سنة 813 هـ. طبع في لكناو، 1290 هـ. والملخص كتاب في الهيئة وضعه محمود بن محمد بن عمر الجغميني الخوارزمي. معجم المطبوعات العربية 1489؛ اكتفاء القنوع 247.
(1/74)

في الوسط، وأنّ ذلك الحصول يفعل بسيلانه الحركة، بمعنى القطع التي هي عبارة عن الأمر الممتدّ من أول المسافة إلى آخرها، وأيضا يفعل سيلانها خطّا. وإذا كان كذلك فاعلم أنّ الموجود من الزمان أمر لا ينقسم، وأنّ ذلك الأمر الغير المنقسم يفعل بسيلانه الزمان. فعلى هذا الموجود في الخارج من الزمان ليس إلّا الآن المسمّى بالآن السيّال أيضا، هكذا في المباحث المشرقية «1».
قيل وقد يقال الآن على الزمان الحاضر.
وفيه نظر إذ ليس عندهم زمان حاضر حتى يطلق عليه الآن، بل الزمان منحصر في الماضي والمستقبل عندهم. فالصواب أن يقال: وقد يقال الآن على الزمان القليل الذي عن جنبتي الآن وهو زمان متوسّط بين الماضي والمستقبل، كذا في شرح حكمة العين وحواشيه. وبالجملة فالآن قد يطلق على طرف الزمان وقد يطلق على الزمان القليل. وسيجيء ما يتعلق بهذا في لفظ الزمان.
وعند السالكين هو العشق. وفي مجمع السلوك في بيان معنى الوصول والسلوك ومعناه:
هو صاحب روح. وفي اصطلاح الصوفية يقولون للعشق آن «2».
الآن الدّائم:
[في الانكليزية] The eternal present
[ في الفرنسية] Le present etemel
هو امتداد الحضرة الإلهية الذي يندرج به الأزل في الأبد، وكلاهما في الوقت الحاضر لظهور ما في الأزل على أحيان الأبد، وكون كلّ حين منها مجمع الأزل والأبد، فيتّحد به الأزل والأبد والوقت الحاضر. فلذلك يقال له:
باطن الزمان وأصل الزمان وسرمد «3» لأنّ الآنات الزمانية نقوش عليه وتغيّرات يظهر بها أحكامه وصوره وهو ثابت على حاله دائما سرمدا. وقد يضاف إلى الحضرة العنديّة لقوله عليه السلام: (ليس عند ربّك صباح ولا مساء) «4»، كذا في اصطلاحات الصوفية «5» لكمال الدين أبي الغنائم.
الآية:
[في الانكليزية] Verse ،signe
[ في الفرنسية] Verset ،signe
في اللغة العلامة، وجملة تامّة من القرآن، وعدة حروف منه «6». أصله أوية بالتحريك آي وآياء وآيات جمع، كذا في الصراح. وفي جامع الرموز الآية العلامة لغة «7» وشرعا ما تبيّن أوله وآخره توقيفا من طائفة من كلامه تعالى بلا اسم، انتهى. وقوله بلا اسم احتراز عن السورة وهذا التعريف أصح. وقال صاحب «8» الإتقان
__________
(1) المباحث المشرقية لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الخطيب الرازي (- 606 هـ/ 1209 م). وهو كتاب في العلم الإلهي والطبيعي، جمع فيه آراء الحكماء السالفين ونتائج أقوالهم وأجاب عنهم. كشف الظنون 1577 - 1578؛ Gals ,I ، 923
(2) فلان آن دارد يعني عشق دارد ودر اصطلاح صوفيان عشق را آن گويند.
(3) وسرمد (- م).
(4) راجع اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق بن أحمد بن أبي الغنائم محمد الكاشاني، الباب الاول: الآن الدائم، ص 32. مع النظر إلى هامش المحقق وصعوبة العثور على سند يقيني لهذا الحديث.
(5) اصطلاحات أو مصطلحات الصوفية لكمال الدين عبد الرزاق بن أبي الغنائم الكاشاني (- 730 هـ/ 1329 م). نشر القسم الأول منه Sprenger في كلكوتا سنة 1845 م تحت عنوان « Dictionary of the technical terms of the Sufies».
كما قدم Hammer -purgstatall
Hammer -purgstall دراسة حول القسم الثاني منه في 68، LxxxII ,jahrbucher der Literatur
كشف الظنون 107. Gals ,II ، 280،EI (2)،I ، 91.
(6) نشان ويك سخن تمام از قرآن وجماعتي حروف از وى.
(7) لغة (- م).
(8) السيوطي هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين. ولد بالقاهرة عام 849 هـ/-
(1/75)

الآية قرآن مركّب من جمل ذو مبدأ ومقطع ومندرج في سورة، وأصلها العلامة ومنه أنّه آية ملكه لأنها علامة للفصل والصدق، أو الجماعة لأنها جماعة كلمات، كذا قال الجعبري «1».
وقال غيره الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها. وقيل هي الواحدة من المعدودات في السور سمّيت بها لأنها علامة على صدق من أتى بها وعلى عجز المتحدّى بها. وقيل لأنها علامة على انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعها مما بعدها. قال الواحدي «2» وبعض أصحابنا: يجوز على هذا القول تسمية أقلّ من الآية آية لولا التوقيف وارد بما هي عليه الآن. وقال أبو عمر الدواني «3»: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلّا قوله تعالى: مُدْهامَّتانِ «4».
وقال غيره بل فيه غيرها مثل: والفجر والضحى والعصر، وكذا فواتح السور عند من عدّها آيات. وقال بعضهم: الصحيح أنّ الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السّور. قال:
فالآية طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أوّل القرآن وعن الكلام الذي في آخر القرآن، وعمّا قبلها وما بعدها في غيرها، غير مشتمل على مثل ذلك. وقال: بهذا القيد خرجت السورة لأن السورة تشتمل الآيات بخلاف الآية فإنها لا تشتمل آية أصلا. وقال الزمخشري «5»: الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه. ولذلك عدّوا آلم آية حيث وقعت ولم يعدوا المر والر. وعدّوا حم آية في سورها وطه ويس ولم يعدّوا طس.
وقال ابن العربي «6»: تعديد الآي من معضلات القرآن. ومن آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع
__________
- 1445 م وفيها مات عام 911 هـ/ 1505 م. إمام، حافظ، مؤرخ، أديب وعالم. لم يترك فنا إلا وكتب فيه. وله نحو ستّمائة مصنّف، طبع منها الكثير. الأعلام 3/ 301، معجم المفسرين 1/ 264، الكواكب السائرة 1/ 226، شذرات الذهب 8/ 51، آداب اللغة 3/ 228، الضوء اللامع 4/ 65، حسن المحاضرة 1/ 188 وغيرها.
(1) هو ابراهيم بن عمر بن ابراهيم بن خليل الجعبري، ابو إسحاق. ولد في الرقة عام 640 هـ/ 1242 م. ومات بفلسطين عام 732 هـ/ 1332 م. فقيه شافعي، عالم بالقراءات، وله نظم ونثر. له أكثر من مائة كتاب. الاعلام 1/ 55، البداية والنهاية 14/ 160، الدرر الكامنة 1/ 50، غاية النهاية 1/ 21، طبقات الشافعية 6/ 82، علماء بغداد 12.
(2) الواحدي هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متّويه، أبو الحسن الواحدي. ولد بنيسابور وفيها توفي عام 468 هـ/ 1076 م. مفسّر، عالم بالأدب، له عدة مؤلفات هامة. الاعلام 4/ 255، معجم المفسرين 1/ 352، النجوم الزاهرة 5/ 104، وفيات الأعيان 1/ 333، مفتاح السعادة 1/ 402، طبقات السبكي 3/ 289، إنباه الرواة 2/ 223، شذرات الذهب 3/ 330، مرآة الجنان 2/ 96، البداية والنهاية 12/ 114.
(3) هو عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني. ويقال له ابن الصيرفي، ولد بدانية في الاندلس عام 371 هـ/ 981 م، وتوفي فيها عام 444 هـ/ 1053 م. أحد حفاظ الحديث، عالم بقراءة القرآن ورواياته وتفسيره. له أكثر من مائة مصنف.
الاعلام 4/ 206، النجوم الزاهرة 5/ 54، نفح الطيب 1/ 392، الصلة 398، بغية الملتمس 399، غاية النهاية 1/ 503، مفتاح السعادة 1/ 386.
(4) الرحمن/ 64.
(5) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم. ولد في زمخشر بخوارزم عام 467 هـ/ 1075 م وتوفي بالجرجانية بخوارزم عام 538 هـ/ 1144 م. إمام عصره في اللغة والنحو والبيان والتفسير، وكان معتزليا، وله التصانيف الهامة. الاعلام 7/ 178، معجم المفسرين، 2/ 666، طبقات المفسرين للداودي 2/ 314، وفيات الاعيان 2/ 81، إرشاد الأريب 7/ 147، لسان الميزان 6/ 4، معجم الأدباء 19/ 126، ميزان الاعتدال 4/ 78، الجواهر المضيئة 2/ 160، إنباه الرواة 3/ 265، العبر 4/ 106، شذرات الذهب 4/ 118، وغيرها.
(6) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الاندلسي الإشبيلي، أبو بكر. ولد في أشبيلية عام 468 هـ/ 1076 م وتوفي بالقرب من فاس بالمغرب عام 543 هـ/ 1148 م. قاض، حافظ للحديث، فقيه مالكي، مجتهد، مفسّر.
تجوّل في البلاد وأخذ عنه العلماء. له الكثير من الكتب. الاعلام 7/ 106، معجم المفسرين 2/ 558، طبقات المفسرين للسيوطي 34، طبقات المفسرين للداودي 2/ 162، نفح الطيب 2/ 25، الديباج المذهب 281، شذرات الذهب 4/ 141، مرآة الجنان 3/ 279، تذكرة الحفاظ 1494، البداية والنهاية 12/ 228.
(1/76)

ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه. وقال غيره سبب إختلاف السلف في عدد الآي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقف على رءوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلّها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنّها فاصلة. وقد أخرج ابن الضريس «1» من طريق عثمان بن عطاء «2» عن أبيه عن ابن عباس «3»:
قال جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وستّ عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وسبعون حرفا. وقال الدواني أجمعوا على أنّ عدد الآي ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائة آية وأربع آيات. وقيل وأربع عشرة. وقيل وتسع عشرة. وقيل وخمس وعشرون. وقيل وست وثلثون.
ثم اعلم أنه قال ابن السّكّيت «4»: المنزّل من القرآن على أربعة أقسام: مكّي ومدني وما بعضه مكّي وبعضه مدني وما ليس بمكّي ولا مدني. وللناس في المكّي والمدني ثلاثة اصطلاحات: أولها أشهر وهو أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة، سواء نزل بالمدينة أو بمكّة، عام الفتح أو عام حجّة الوداع أو بسفر من الأسفار، فما نزل في سفر الهجرة مكّي. وثانيها أنّ المكّي ما نزل بمكّة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة، فما نزل في الأسفار ليس بمكّي ولا مدني فثبت الواسطة. وثالثها أنّ المكّي ما وقع خطابا لأهل مكّة والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة، انتهى ما في الإتقان.
والآية عند الصوفية عبارة عن الجمع، والجمع شهود الأشياء المتفرّقة بعين الواحديّة الإلهية الحقيقيّة. وفي الإنسان الكامل «5» الآيات عبارة عن حقائق الجمع، كلّ آية تدلّ على جمع إلهي من حيث معنى مخصوص، يعلم ذلك الجمع الإلهي من مفهوم الآية المتلوّة. ولا بدّ لكلّ جمع من اسم جمالي وجلالي يكون التجلّي الإلهي في ذلك الجمع من حيث ذلك الاسم، فكانت الآية عبارة عن الجمع لأنها عبارة واحدة عن كلمات شتى، وليس الجمع إلّا شهود الأشياء المتفرّقة بعين الواحديّة الإلهية الحقيقيّة.
__________
(1) هو محمد بن أيوب بن يحي بن الضريس البجلي الرازي، أبو عبد الله. ولد حوالي العام 200 هـ/ 815 م ومات بالري عام 294 هـ/ 906 م. من حفاظ الحديث. له بعض المؤلفات. الاعلام 6/ 46، تذكرة الحفاظ 2/ 195، معجم المفسرين 2/ 496، طبقات المفسرين للداودي 2/ 105، العبر 2/ 98، هدية العارفين 2/ 21، كشف الظنون 458، شذرات الذهب 2/ 216، النجوم الزاهرة 3/ 162، الوافي 2/ 234.
(2) هو عثمان بن عطاء بن أبي مسلم، عبيد الله، الخراساني، أبو مسعود المقدسي. ولد في بلخ عام 88 هـ وتوفي عام 155 هـ.
محدث، ضعّفه العلماء. تهذيب التهذيب 7/ 138.
(3) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس. ولد بمكة عام 3 قبل الهجرة/ 619 م، وتوفي بالطائف عام 68 هـ/ 687 م. ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، من كبار الصحابة وأعلمهم، لقب بحبر الأمة، وروى الكثير من الأحاديث، وسمّي بترجمان القرآن. الاعلام 4/ 95، صفة الصفوة 1/ 314، حلية الأولياء 1/ 314، تاريخ الخميس 1/ 167، معجم المفسرين 1/ 311، العبر 1/ 76، تاريخ بغداد 1/ 173، طبقات القراء 1/ 41، شذرات الذهب 1/ 57، طبقات السبكي 11/ 365، تهذيب التهذيب 5/ 276.
(4) هو يعقوب بن إسحاق بن السكيت، أبو يوسف. ولد بالقرب من البصرة عام 186 هـ/ 802 م وتوفي ببغداد عام 244 هـ/ 858 م. إمام في اللغة والأدب، وكان متشيّعا. ترك الكثير من المؤلفات. الأعلام 8/ 195، وفيات الاعيان 2/ 309، الفهرست 72، هدية العارفين 2/ 536، دائرة المعارف الاسلامية 1/ 200.
(5) الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل لعبد الكريم بن ابراهيم الجيلي (- 805 هـ) وهو كتاب في اصطلاحات الصوفية، القاهرة، 1293 هـ في جزءين. كشف الظنون 1/ 181. معجم المطبوعات العربية 728.
(1/77)

الآيسة:
[في الانكليزية] Woman arrived to the period of menopause
[ في الفرنسية] Femme qui a atteint la menopause
هي البالغة خمسين سنة. وقيل خمسا وخمسين. والمختار الأوّل، كذا في جامع الرموز في بيان الحيض.
الأب:
[في الانكليزية] Full moon .stars
[ في الفرنسية] Pleine lune ،astres
بالفارسية: پدر، الآباء الجمع، والآباء عند الحكماء تطلق على الأفلاك. وسيجيء في لفظ الأمّهات.
آب:
[في الانكليزية] August
[ في الفرنسية] Aout
اسم شهر تكون الشمس فيه في برج الأسد، وسيأتي في لفظ التاريخ «1».
آب حيات:
[في الانكليزية] Life water
[ في الفرنسية] Eau de la vie
معناها ماء الحياة، وهي لفظة فارسية، يقصد بها عين ماء في الظلمات، وكل من يشرب منها يموت بعد طول حياة. والسلطان إسكندر ذهب في الظلمات طلبا لها، والخضر والياس كانا في مقدمته، فوصلا إليها وشربا منها، ثم أخفاهما الله تعالى عنه، وعاد الإسكندر من هناك بدون نصيب.
وفي اصطلاح السالكين: كناية عن نبع العشق والمحبة التي كل من يذوقها لا يصبح معدوما وفانيا أبدا. ويشير الاصطلاح أيضا إلى فم المعشوق. كذا في كشف اللغات «2».
الإباحة:
[في الانكليزية] Declaration ،licence
[ في الفرنسية] Declaration ،licence
في اللغة الإظهار والإعلان من قولهم باح بالسّرّ وأباحه، وباحة الدار ساحتها لظهورها.
وقد يرد بمعنى الإذن والإطلاق. يقال أبحته كذا أي أطلقته. وفي الشرع حكم لا يكون طلبا ويكون تخييرا بين الفعل وتركه. والفعل الذي هو غير مطلوب وخيّر بين إتيانه وتركه يسمّى مباحا وجائزا أيضا. فالقيد الأول احتراز عن الواجب مخيّرا كان أو معيّنا موسّعا كان أو مضيّقا عينا كان أو كفاية. وعن الحرام والكراهة والمندوب لكونها أفعالا مطلوبة من الحكم.
والقيد الأخير احتراز عن الحكم الوضعي.
والحلال أعمّ من المباح على ما في جامع الرموز في كتاب الكراهية حيث قال: كل مباح حلال بلا عكس كالبيع عند النّداء فإنه حلال غير مباح لأنه مكروه، انتهى. وقيل المباح ما خيّر بين فعله وتركه شرعا ونقض بالواجب المخيّر والأداء في أول الوقت مع العزم في الواجب، مع أنّ الفعل في كل منهما واجب.
وقيل ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب ونقض بأفعال الله تعالى، فإنها لا توصف بالإباحة مع صدق الحدّ عليه، ونقض أيضا بفعل غير المكلّف كالصّبي والمجنون لصدق الحدّ عليه مع عدم وضعه بالإباحة. وقيل: ولو قيل ما استوى جانباه من أفعال المكلّفين لاندفع النقصان. لكن يرد المباح المنوي لقصد التوسّل إلى العبادة فإنه يثاب على فعله بالنيّة ويعاقب عليه عند قصد المعصية. ويندفع هذا بزيادة قولنا لذاته. قيل والأقرب أن يقال ما دلّ الدليل السمعي على خطاب الشارع فيه بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. والأول فصل من فعل الله. والثاني أي قولنا من غير بدل فصل
__________
(1) اسم ماهى است كه آفتاب در آن ماه در برج اسد مى باشد سيأتي في لفظ التاريخ.
(2) آب حيات لفظ فارسي است وآن چشمه ايست در ظلمات هركه آب از ان خورد بطول حيات بميرد وسلطان سكندر بطلب ان در ظلمات رفته وخضر والياس كه پيشرو او بودند در آن رسيدند وآب آن خوردند وباز از چشم ايشان خداى تعالى مخفي گردانيد وسكندر أز آنجا بى نصيب بازگشت ودر اصطلاح سالكان كنايت است از چشمه عشق ومحبت كه هركه از آن بچشد هرگز معدوم وفاني نگردد ونيز اشارات بدهن معشوق ميكنند. كذا في كشف اللغات.
(1/78)

عن الواجب الموسّع والمخيّر فإنّ تركهما وإن كان جائزا لكن مع بدل. وفيه أنه صادق على ترك الواجب الموسّع في أول الوقت على المختار فإنه لا بدل له وهو العزم، وكذا المخيّر كلّ منهما واجب أصالة لأنّ أحدهما بدل عن الآخر على المختار.
واعلم أنّ المباح عند المعتزلة «1» فيما يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل وهو ما لم يشتمل شيء من طرفيه على مفسدة ولا مصلحة وسيجيء في لفظ الحسن.
فائدة: اتّفق الجمهور على أنّ الإباحة حكم شرعيّ. وبعض المعتزلة قالوا لا معنى لها إلّا نفي الحرج عن الفعل والترك، وهو ثابت قبل الشرع وبعده فليس حكما شرعيا. قلنا انتفاء الحرج ليس بإباحة شرعية، بل الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير، وهو ليس ثابتا قبل الشرع، فالنزاع بالحقيقة لفظي لأنه إن فسّرت الإباحة بانتفاء الحرج عن الفعل والترك فليست شرعية، وإن فسّرت بخطاب الشارع بانتفاء الحرج عنهما فهي من الأحكام الشرعية.
فائدة: الجمهور على أنّ المباح ليس جنسا للواجب لأنّ المباح ما خيّر بين الفعل والترك وهو مباين للواجب. وقيل جنس له لأنّ المباح ما لا حرج في فعله وهو متحقّق في الواجب، وما زاد به الواجب وهو كونه يذمّ على تركه فصل، والنزاع لفظي أيضا. فإن اريد بالمباح ما اذن في فعله مطلقا من غير تعرّض لطرف الترك بالإذن فيه فجنس للواجب والمندوب والمباح بالمعنى الأخص، وهو ما خيّر بين فعله وتركه. وإن اريد به ما اذن فيه ولم يذمّ على تركه فليس بجنس.
فائدة: المباح ليس بمأمور به عند الجمهور خلافا للكعبي «2» قال: لا مباح في الشرع، بل ما يفرض مباحا فهو واجب مأمور به لهم أنّ الأمر طلب وأقلّه ترجيح الفعل والمباح لا ترجيح فيه، هكذا يستفاد من العضدي «3» وغيره.
الإباحيّة:
[في الانكليزية] Ibahiyya (sect)
[ في الفرنسية] Ibahiyya (secte)
هي فرقة من المتصوّفة المبطلة. قالوا ليس قدرة لنا على الاجتناب عن المعاصي ولا على الإتيان بالمأمورات، وليس لأحد في هذا العالم ملك رقبة ولا ملك يد. والجميع مشتركون في الأموال والأزواج، كذا في توضيح المذاهب «4». ولا يخفى أنّ هذه الفرقة من أسوأ
__________
(1) المعتزلة: فرقة كلامية تنسب إلى واصل بن عطاء من حيث النشأة مع اختلاف بين الباحثين وعلماء الفرق في ذلك. وقد امتازت بدفاعها عن الإسلام، لا سيما ضد الفرق الملحدة إلا أنها اختلفت في بعض معتقداتها عمّا أجمع عليه اهل السنة والجماعة (السلف وأهل الحديث والأشاعرة). واعتقادها يقوم على أصول خمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم افترقت المعتزلة إلى فرق عديدة، ذكرها كل من البغدادي في الفرق بين الفرق 114 - 201، الشهرستاني في الملل والنحل 43 - 84، طبقات المعتزلة 28 وما بعدها. تميّزت بحرية العبد المطلقة في خلق أفعاله.
(2) الكعبي هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، ابو القاسم. ولد في بلخ عام 273 هـ/ 886 م وفيها مات عام 319 هـ/ 931 م. أحد أئمة الاعتزال، وشيخ الفرقة الكعبية. له عدة مؤلفات. الاعلام 4/ 65، معجم المفسرين 1/ 303، تاريخ بغداد 9/ 384، خطط المقريزي 2/ 348، وفيات الأعيان 1/ 252، لسان الميزان 3/ 255، اللباب 3/ 44، هدية العارفين 1/ 444، طبقات المعتزلة 88،
(3) العضدي أو العقائد العضدية لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (- 756 هـ/ 1355 م). كشف الظنون 2/ 1144، معجم المطبوعات العربية 1332.
(4) توضيح المذاهب: يرجح أنه رسالة في بيان المذاهب الاربعة. نقلا من كتاب (حلويات) للامير ابي الحسن اسماعيل من آل اسفنديار. اولها: پس بودرت مذهب ديديكمز حقدر ديمك بويولون اولور كه الخ. نسخة مخطوطة، بدون تاريخ. فهرس-
(1/79)

الخلائق خذلهم الله تعالى «1».
الإباضيّة «2»:
[في الانكليزية] Al -Ibadiyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Ibadiyya (secte)
هي فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض «3». قالوا فخالفونا من أهل القبلة كفار غير المشركين يجوز مناكحتهم. وغنيمة أموالهم من سلاحهم وكراعهم حلال عند الحرب دون غيره. ودارهم دار الإسلام إلّا معسكر سلطانهم. وقالوا تقبل شهادة مخالفيهم عليهم.
ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن لأنّ الأعمال داخلة في الإيمان والاستطاعة قبل الفعل، وفعل العبد مخلوق لله تعالى. ويفنى العالم كلّه بفناء أهل التّكليف. ومرتكب الكبيرة كافر نعمة لا كافر ملّة. وتوقّفوا في تكفير أولاد الكفّار، وفي النّفاق أهو شرك أم لا، وفي جواز بعثة رسول بلا معجزة، وتكليف أتباعه فيما يوحى إليه.
وكفّروا عليا وأكثر الصّحابة. وافترقوا فرقا أربعة: الحفصيّة «4» واليزيدية «5» والحارثيّة «6» والرابعة العباديّة «7» القائلون بطاعة لا يراد بها الله، أي الزاعمون أنّ العبد إذا أتى بما أمر به ولم يقصد الله كان ذلك طاعة. فالحفصيّة زادوا على الإباضية أنّ بين الإيمان والشرك معرفة الله فإنها خصلة متوسّطة بينهما فمن عرف الله وكفر بما سواه من رسول أو جنّة أو نار أو بارتكاب كبيرة فكافر لا مشرك. واليزيديّة زادوا عليهم وقالوا سيبعث نبيّ من العجم بكتاب يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة، ويترك شريعته إلى ملّة الصّابئة «8» المذكورة في القرآن. وقالوا أصحاب الحدود مشركون وكلّ ذنب شرك كبيرة
__________
- المخطوطات التركية العثمانية القسم الثاني (خ- س) ص 184. ومعه لمحمد بن محمد الزبيدي حكمة الاشراق إلى كتاب الآفاق، القاهرة 1954.
(1) الإباحية: وتعرف بالمحمّرة، ومنها البابكية والمازيارية وبعض الصوفية، حيث يجتمعون في عيد لهم، ذكورا وإناثا، فإذا ما اطفئت السرج والنيران افتضّ فيها الرجال النساء على تقدير (من عزّ بزّ). وكانوا لا يصلّون ولا يصومون ولا يرون الجهاد ضد الكفار. الفرق بين الفرق 266 وما بعدها.
(2) الإباضية: لمزيد من التفصيل عن هذه الفرقة مبادئها ومعتقداتها، انظر ما ذكره: الفرق بين الفرق 103، الملل والنحل 134، مقالات الاسلاميين 1/ 170، التبصير في الدين 34، المعارف لابن قتيبة 622، مروج الذهب 3/ 258.
(3) هو عبد الله بن إباض المقاعسي المري التميمي، من بني مرة بن عبيد بن مقاعس. توفي حوالي العام 86 هـ/ 705 م. رأس الاباضية، اضطرب المؤرخون في سيرته، كان معاصرا لمعاوية. وناظر العلماء. الاعلام 4/ 61، الكامل 2/ 179، الأغاني 7/ 230، خطط المقريزي 2/ 355، شذرات الذهب 1/ 177.
(4) الحفصية: من فرق الخوارج الإباضية، قالوا بإمامة حفص بن أبي المقدام، كان يعتقد أن بين الشرك والإيمان معرفة الله تعالى وحدها. فمن عرفه ثم كفر بما سواه أو عمل بجميع المحرمات فهو كافر بريء من الشرك. ومن جهل الله تعالى وأنكره فهو مشرك. وكانت لهم تأويلات غريبة في تفسير القرآن والصحابة. الفرق بين الفرق 104، مقالات الاسلامية 1/ 170، الملل والنحل 135.
(5) اليزيدية فرقة من الخوارج الإباضية، أصحاب يزيد بن أنيسة الذي زعم أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا ويترك شريعة المصطفى محمد عليه السلام ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن. الملل والنحل 136، الفرق 104.
(6) الحارثية فرقة من الخوارج الإباضية، أتباع حارث بن يزيد الإباضي، الذي اعتنق رأي المعتزلة في القدر، فخالفت الإباضية، وكذلك قالوا بالاستطاعة قبل الفعل، وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى. الملل 136، الفرق 105، مقالات 1/ 171، التبصير 35.
(7) العبادية لم يعثر على ترجمة لهذه الفرقة تعرف بهذا الاسم. ولعلّها الفرقة التي ذكرها كل من الأشعري والبغدادي تحت اسم: ذكر أصحاب طاعة لا يراد الله بها. ولها آراء مبتدعة كثيرة. المقالات 1/ 172، الفرق 105، التبصير 35.
(8) الصابئة هم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية بعيدة عن الشرع. ولا يقرّون بالاسلام ولا بأية شريعة أخرى. يؤمنون بالمحسوس والمعقول. وربما يتّصلون بعاذيمون وهرمس. ولقد كانت لهم مناظرات مع الحنفاء ذكرها الشهرستاني.
الملل 259، 263، 311.
(1/80)

[كانت] «1» أو صغيرة. والحارثيّة خالفوهم في القدر أي كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وكون الاستطاعة قبل الفعل، كذا في شرح المواقف.
الإباق:
[في الانكليزية] Escaping slave
[ في الفرنسية] Esclave qui se sauve
بالكسر وبالموحدة لغة الاستخفاء وشرعا استخفاء العبد من المولى كذا في جامع الرموز في فصل: صحّ شراء ما لم يره. وفيه في كتاب اللّقيط: والآبق صفة من آبق إباقا أي ذهب بلا خوف ولا كدّ عمل، أو استخفى ثم ذهب.
وشرعا مملوك فرّ من مالكه تمرّدا وعنادا لسوء خلقه.
آبان:
[في الانكليزية] Aban (octobre)
[ في الفرنسية] Aban (Octobre)
اسم شهر في التاريخ اليزدكردي، وهو الشهر الثاني من أشهر فصل الخريف في التقويم الإيراني الحالي «2».
الابتداء:
[في الانكليزية] Beginning -Initiation
[ في الفرنسية] Commencement ،debut
هو لغة الافتتاح وفي عرف العلماء يطلق على معان منها ذكر الشيء قبل المقصود وهو المسمّى بالابتداء العرفي. ومنها ما يكون بالنسبة إلى جميع ما عداه وهو المسمّى بالابتداء الحقيقي. ومنها ما يكون بالنسبة إلى بعض ما عداه وهو المسمّى بالابتداء الإضافي، وهذا على قياس معنى القصر الحقيقي والإضافي.
فالابتداء بالبسملة حقيقي وبالتحميد إضافي. ولا يرد ما قيل إنّ كون الابتداء بالتسمية حقيقيا غير صحيح إذ الابتداء الحقيقي إنّما يكون بأوّل أجزاء البسملة، إذ الابتداء الحقيقي بالمعنى المذكور لا ينافي أن يكون بعض أجزائها متّصفا بالتقديم على البعض، كما أنّ اتّصاف القرآن بكونه في أعلى مرتبة البلاغة بالنسبة إلى ما سواه لا ينافي أن يكون بعض سوره أبلغ من بعض.
ثم الابتداء العرفي أمر ممتدّ يمكن الابتداء به بأمور متعددة من التسمية والتحميد وغيرهما، وقد يتحقّق في ضمن الابتداء الحقيقي، وقد يتحقّق في ضمن الإضافي، هكذا يستفاد من حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم. ومنها مقابل الوقف كما سيجيء مع بيان أنواعه وهو من مصطلحات القرّاء. ومنها الرّكن الأوّل من المصراع الثاني على ما في المطوّل وغيره، وهذا من مصطلحات العروضيّين. ومنها الزّحاف الواقع في الصدر على ما سيجيء وهذا أيضا من مصطلحات أهل العروض. ومنها ما هو مصطلح النحاة وهو تجريد الاسم عن العوامل اللفظيّة للإسناد أي ليسند إلى شيء أو ليسند إليه شيء.
وقولهم للإسناد لإخراج التجريد الذي يكون للعدّ، فإنّ الأسماء المعدودة مجرّدة عن العوامل اللفظية لكن لا للإسناد، وذلك الاسم يسمّى بالمبتدإ وذلك الشيء يسمى بالخبر.
إن قيل التّجريد عدميّ فلا يؤثّر والابتداء من العوامل المعنويّة، والعامل لا بدّ أن يكون مؤثّرا، فالأولى أن يفسّر الابتداء بجعل الاسم في صدر الكلام تحقيقا أو تقديرا للإسناد إليه أو إسناده إلى شيء.
قلنا العوامل علامات لتأثير المتكلّم لا مؤثّرات فإنّ المؤثّر هو المتكلّم ولا محذور فيه، مع أنّ ما جعله أولى أمر اعتباري فلا يصحّ أن يكون مؤثّرا.
ثمّ المبتدأ عندهم على قسمين: أحدهما الاسم المجرّد عن العوامل اللفظيّة معنى من
__________
(1) [كانت] (+ م).
(2) آبان اسم ماهى است در تاريخ يزدجردى چنانكه گذشت.
(1/81)

حيث هو اسم للإسناد إليه. والاسم أعمّ من اللفظي والتقديري فيتناول نحو: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ «1». والمجرّد معناه الذي لم يوجد فيه عامل أصلا حتى يئول إلى السّلب الكلّي.
واحترز به عن الاسم الذي فيه عامل لفظي كاسمي إنّ وكان. ومعنى تمييز عن المجرّد أي المجرّد عنها معنى سواء لم يكن فيه عامل لفظا نحو زيد قائم أو كان لكنه معدوم معنى وحكما بأن لا يكون مؤثّرا في المعنى كالمبتدإ المجرور بحرف الجر الزائد نحو بحسبك درهم. وقولهم من حيث هو اسم قيد للتجريد أي إنما يعتبر التجريد للإسناد إليه من حيث هو اسم. أمّا إذا كان صفة كما هو القسم الثاني فلم يعتبر فيه التجريد عنها للإسناد إليه إذ المبتدأ هو المسند في القسم الثاني، كذا قيل. وفيه أنّه إن أريد بالاسم مقابل الصفة مطلقا فلا يجب في التّجريد لأجل الإسناد أن يكون اسما بل يجوز أن يكون صفة أيضا، نحو حاتم من قريش. وإن أريد مقابل الصفة المعتمدة على الاستفهام والنفي فهو استعمال غير واقع فالأولى أن يقال إنّه قيد في المبتدأ «2» ليدخل في تعريفه الناس في قول الشاعر:
سمعت الناس ينتجعون غيثا.
برفع الناس على حكاية الجملة. فالناس مبتدأ وهو من حيث هو اسم واحد مجرّد عن ملابسة سمعت معنى. وأمّا من حيث هو مع خبره جملة فيكون غير مجرّد عن ملابسته معنى لأنّ المسموع هو هذه الجملة. وإنما كان الناس مجرّدا عن ملابسته معنى لأنّ المراد على تقدير رفعه حكاية الجملة فلا يكون بسمعت تأثير في الناس وحده، كما كان لباب علمت تأثير في كلّ «3» واحد من جزئي الجملة، لأنّ المراد منه مضمونها. وإنما قيّد التّجريد بالإسناد إليه إذ لو جرّد لا للإسناد لكان حكمه حكم الأصوات التي ينعق بها غير معربة، وفيه احتراز عن الخبر وعن القسم الثاني. وثانيهما الصفة المتعمدة على أحد ألفاظ الاستفهام والنفي رافعة لاسم ظاهر أو ما يجري مجراه من الضمير المنفصل، نحو: أقائم الزيدان وأَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي «4». والمراد بالصفة أعمّ من الوصف المشتقّ كضارب ومضروب وحسن أو جارية مجراها كقريشي. وإنما قلنا أحد ألفاظ الاستفهام والنفي ولم نقل على أحد حرفي الاستفهام والنفي لأنّ الشّرط الاعتماد على الاستفهام حرفا كان أو اسما متضمّنا له كمن وما، وعلى النفي سواء كان مستفادا من حرفه أو ما هو بمعناه نحو إنما قائم الزيدان. وقولنا رافعة لظاهر احتراز عن نحو: أقائمان الزيدان لأن قائمان رافع لضمير عائد إلى الزيدان، ولو كان رافعا لهذا الظاهر لم يجز تثنيته. وعن سيبويه جواز الابتداء بالصّفة بلا اعتماد مع قبح نحو: قائم زيد. والأخفش «5» يرى ذلك حسنا.
وعن البعض جواز الابتداء باسم الفعل نحو:
هيهات زيد، فهيهات مبتدأ وزيد فاعل سادّ مسدّ الخبر.
واعلم أنّ العامل في المبتدأ والخبر عند
__________
(1) البقرة/ 184.
(2) المعتمدة (م، ع).
(3) كل (- م).
(4) مريم/ 46.
(5) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط. توفي حوالي العام 215 هـ/ 830 م. نحوي، عالم باللغة والأدب، وكان معتزليا. له عدة مؤلفات هامة. الأعلام 3/ 101، وفيات الاعيان 1/ 208، إنباه الرواة، 2/ 36، معجم الأدباء 11/ 224، بغية الوعاة 258، مرآة الجنان 2/ 61، معجم المفسرين 1/ 210، طبقات المفسرين للداودي 1/ 185، شذرات الذهب 2/ 36 وغيرها.
(1/82)

البصريين هو الابتداء. وأما عند غيرهم، فقال بعضهم الابتداء عامل في المبتدأ والمبتدأ في الخبر. وقال بعضهم كلّ واحد منهما عامل في الآخر. وعلى هذا لا يكونان مجرّدين عن العوامل اللفظية، وعلى القول الثاني لا يكون الخبر فقط مجرّدا عنها. هذا كله خلاصة ما في العباب «1» والإرشاد «2» والفوائد الضيائية «3» وغيرها.
الابتدائي:
[في الانكليزية] Subjective (belonging to the subject of the sentence)
[ في الفرنسية] Subjectif (qui appartient au sujet de la phrase)
عند أهل المعاني هو الكلام الملقى مع الخالي عن الحكم والتردّد فيه سواء نزل منزلة المنكر أو المتردّد أو لا، كقولك: زيد قائم لمن لا يعلم قيامه ولا يتردّد فيه. وقوله تعالى:
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ «4» من الابتدائي أيضا. وإنما سمّي به لأنّه ابتداء كلام من غير سبق طلب أو إنكار. كذا في الأطول وسيجيء في لفظ المقتضى أيضا.
الابتدائية:
[في الانكليزية] Subjective sentence (replacing the subject)
[ في الفرنسية] Phrase subjective (tenant lieu du sujet)
عند النحاة تطلق على جملة من الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب وتسمّى مستأنفة أيضا، وعلى الجملة المقدّرة بالمبتدإ.
الابتداء الجزئي:
[في الانكليزية] Incubation ،inhibition
[ في الفرنسية] Incubation ،inhibition
عندهم هو الزّمان الذي لا تظهر فيه أعراض النوبة، كذا في بحر الجواهر.
الابتداء الكلّي:
[في الانكليزية] Time of immaturity
[ في الفرنسية] Temps d'immaturite
عند الأطباء هو الزمان الذي لا تظهر فيه دلائل النضج.
ابتداء المرض:
[في الانكليزية]
Beginning of the sickness( manifestation of the first symptoms )
[ في الفرنسية]
Declenchement de la maladie( debut des symptomes de la maladie
هو عند الأطباء وقت ظهور ضرر الفعل قبل التّزايد وهو أوّل زمان حدوث المرض، وهو الوقت الذي لا جزء له، ويقال على الأيام الثلاثة الأول. قال النفيس «5»: هو وقت ظهور ضرر الفعل لا الوقت الذي يطرح العليل نفسه على الفراش، فإنّ من الناس من لا يطرح نفسه على الفراش في المرض.
__________
(1) العباب الزاخر واللباب الفاخر للحسن بن محمد العمري الصاغاني (- 650 هـ/ 1252 م)، كتاب في اللغة يقع في عشرين مجلدا ألفه لابن العلقمي وزير المستعصم العباسي. وقد رتبه مؤلفه على ترتيب صحاح الجوهري لكن المنيّة وافته قبل أن يتمّه. كشف الظنون 2/ 1122، الاعلام 2/ 214، اكتفاء القنوع 321، Gals ,I ، (4) 614.
(2) الإرشاد أو إرشاد الهادي في النحو، لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 792 هـ/ 1389 م) ألّفه سنة 778 هـ وعليه شروح كثيرة منها شرح تلميذه شاه فتح الله الشرواني وعلاء الدين البخاري وعلاء الدين علي بن محمد البسطامي المعروف بمصنفك ... وغيرهم. كشف الظنون 1/ 67 - 66.
(3) الفوائد الضيائية أو شرح ملا جامي على الكافية لنور الدين ملا عبد الرحمن بن أحمد بن حمد الجامي (- 898 هـ/ 1492 م) وهو من أحسن الشروح على كافيه ابن الحاجب. فرغ منها سنة 897 هـ. بومباي 1278 هـ. معجم المطبوعات العربية 672.
(4) هود/ 37، المؤمنون/ 27.
(5) النفيس: هو علي بن أبي الحزم القرشي، علاء الدين الملقب بابن النفيس. ولد في دمشق وتوفي بمصر عام 687 هـ/ 1288 م. أعلم أهل عصره بالطب. له الكثير من المصنفات الطبية، والمنطقية وغيرها. الاعلام 4/ 270 - 271، طبقات السبكي 5/ 129، شذرات الذهب 5/ 401، النجوم الزاهرة 7/ 377، مفتاح السعادة 1/ 269، معجم الأطباء 292.
(1/83)

الابتزاز:
[في الانكليزية] Zenith ،zodiacal force of a star
[ في الفرنسية] Zenith ،puissance zodiacale d'un astre
بالذي المعجمة عند المنجّمين هو عبارة عن زينة أحد الكواكب بقوته الذّاتيّة أو العرضية في صورة الطّالع. ويقال لذلك الكوكب مبتزا.
وأقواها ذلك الذي يكون صاحب طالع في الطالع، أو صاحب شرف الطالع في الطالع، أو أرباب الخطوط الأخرى في الطالع، أو صاحب العاشر في العاشر، أو صاحب حادي عشر أو صاحب شرف فيه. وهكذا إلى الخامس والسابع أو التاسع أو الثالث.
وأمّا إن كان كوكبا له قوى ذاتيّة، ولكنه سقط من الطالع، فإنه يبقى له أثر ولكن إذا اجتمع عدة كواكب لكلّ منها صفة الابتزاز، فالأقوى هو المقدّم، والباقون شركاؤه.
والأحكام العامة للطوالع مبناها الكلي على المبتز، ثم على المستولي، ثم صاحب الطالع، وإن كان ساقطا ثم على كوكب غريب الذي «هو ناظر». قال ذلك في «الشجرة».
وجاء في «كفاية التعليم»: الابتزاز هو وجود كوكب في أقوى بيت من بيوت الطالع، أو ناظرا إلى الطالع، ونظر أكثر الكواكب له وأقوى البيوت بيت الطالع ثم يليه العاشر، ثم الحادي عشر ثم السابع ثم التاسع ثم الرابع، ثم الخامس ثم الثالث لا دخل له في القوة، والأربعة الأخرى ساقطة. وأيّ واحد من الثوابت يصل إلى بيت كوكب في البيت الخامس أو التاسع أو الرابع ولم يكن مبتزا ما لم يكن قوي الحال بواسطة البيت أو الشرف أو النظر من أكثر الكواكب إليه راجعا أو محترقا فلا يكون مبتزا ابدا، لأنّ خاصية الابتزاز هي القوة في مكانه، ونظر أكثر الكواكب إليه، كما أنّ خاصية الاستيلاء خط للكوكب ونظره لذلك المكان «1».
الابتلاء:
[في الانكليزية] Hardship ،supernatural
[ في الفرنسية] Epreuve ،surnaturel
در لغت آزمايش- في اللغة الاختبار- وعند أهل الشرع هو الخارق الذي يظهر من المتألّه، كذا في الشمائل المحمدية «2» في فصل معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم.
الأبد:
[في الانكليزية] Eternity
[ في الفرنسية] Eternite
بفتح الأول والموحدة دوام الوجود في المستقبل، كما أنّ الأزل دوام الوجود في الماضي، على ما في شرح المطالع في بيان القضايا الموجهة، وهكذا في بعض كتب اللغة.
وفي الإنسان الكامل اعلم أنّ أبده تعالى عين
__________
(1) نزد منجمان عبارتست از آراسته شدن كوكب به قوتهاى ذاتي وعرضي در صورت طالع وآن كوكب را مبتز گويند وقويتر همه آن بود كه صاحب طالع در طالع بود يا صاحب شرف طالع در طالع بود يا ارباب حظوظ ديكر در طالع بود يا صاحب عاشر در عاشر بود يا صاحب شرف عاشر در وى بود يا صاحب حادي عشر يا صاحب شرف در وى بود تا همچنين در خامس يا سابع يا تاسع يا ثالث. واما اگر كوكبي قوتهاى ذاتي دارد واز طالع ساقط بود اثر او هم باشد اما وقتي بود كه چند كواكب شايسته ابتزازيت باشند وقويتر را مقدم دارند وديگران را شريك او دارند ومدار احكام كلي طالع بر مبتزّ است پس بر مستولي پس بر صاحب طالع اگرچهـ ساقط بود پس بر كوكب غريب كه ناظر بود اين در شجرة گفته. ودر كفاية التعليم مى گويد ابتزاز بودن كوكبي است در قويترين بيتي از بيتهاى طالع يا نظر او بطالع ونظر اكثر كواكب بدو وقويترين بيتها بيت طالع پس دهم پس يازدهم پس هفتم پس نهم پس چهارم پس پنجم پس سيوم را در قوت مدخلي نيست وجهار ديگر ساقطاند واز ثوابت هركه با درجة طالع بر آيد يا با درجة عاشر ميان آسمان باشد او مبتز باشد واگر كوكبي در پنجم يا نهم يا چهارم باشد مبتز نبود تا قوي خال نبود به بيت يا شرف يا بنظر اكثر كواكب بدو وراجع ومحترق هرگز مبتز نگردد چرا كه خاصيت ابتزاز قوت است در مكان خود ونظر اكثر كواكب بدو چنانكه خاصيت استيلا خط كوكب است ونظر او بدان مكان.
(2) الشمائل النبوية والخصائص المصطفوية وتعرف بشمائل الترمذي لأبي عيسى بن محمد عيسى بن سورة السلمي الترمذي (- 129 هـ/ 834 م)، استانه 1264 هـ. وعليها شروح كثيرة. معجم المطبوعات العربية 632 - 633.
(1/84)

أزله وأزله عين أبده لأنّه عبارة عن انقطاع الطرفين الإضافيين عنه ليتفرّد بالبقاء لذاته.
فسمّي تعقّل الإضافة الأوليّة «1» عنه ووجوده قبل تعقّل الأوليّة أزلا. وسمّي انقطاع الإضافة الآخريّة عنه وبقائه بعد تعقل الآخرية ابدا.
والأزل والأبد لله تعالى صفتان أظهرتهما الإضافة الزمانية لتعقّل وجوب وجوده، وإلّا فلا أزل ولا أبد، «كان الله ولم يكن معه شيء» «2».
وفي تعريفات «3» السيّد الجرجاني الأبد مدة لا يتوهّم انتهاؤها بالفكر والتأمّل البتّة.
الإبداع:
[في الانكليزية] Creativity
[ في الفرنسية] Creativite
في اللغة إحداث شيء على غير مثال سبق. وفي اصطلاح الحكماء إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، ويقابله الصّنع وهو إيجاد شيء مسبوق بالعدم، كذا ذكر شارح الإشارات في صدر النمط الخامس. قال الشيخ ابن سينا في الإشارات «4» الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره متعلّق به فقط دون متوسّط من مادّة أو آلة أو زمان، وما يتقدّمه عدم زمانا لم يستغن عن متوسّط. وقال شارحه هذا تنبيه على أنّ كل مسبوق بعدم فهو مسبوق بزمان ومادة، والغرض منه عكس نقيضه، وهو أنّ كلّ ما لم يكن مسبوقا بمادة وزمان فلم يكن مسبوقا بعدم.
وتبيّن من إضافة تفسير الإبداع إليه أنّ الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره من غير أن يسبقه عدم سبقا زمانيا. وعند هذا يظهر أنّ الصّنع والإبداع يتقابلان على ما استعملهما الشيخ في صدر هذا النمط الخامس.
ثم الإبداع أعلى رتبة من التكوين والإحداث، فإنّ التكوين هو أن يكون من الشيء وجود مادّي، والإحداث أن يكون من الشيء وجود زماني، وكلّ واحد منهما يقابل الإبداع من وجه. والإبداع أقدم منهما لأنّ المادة لا يمكن أن تحصل بالتكوين، والزمان لا يمكن أن يحصل بالإحداث لامتناع كونهما مسبوقين بمادّة أخرى وزمان آخر. فإذا التكوين والإحداث مترتبان على الإبداع، وهو أقرب منهما إلى العلّة الأولى، فهو أعلى رتبة «5» منهما، وليس في هذا البيان موضع خطاب «6» كما وهم، انتهى.
وقال السيّد السند في حاشية شرح خطبة الشمسية «7» الإبداع في الاصطلاح إخراج الشيء من العدم إلى الوجود- بغير مادة، انتهى. أقول والمراد بالعدم السابق على ذلك الشيء المخرج هو السابق سبقا غير زماني، فإنّ المجرّدات قديمة عندهم، فلا يخالف هذا ما سبق، وسيجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ التكوين.
وعند البلغاء هو أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع. قال ابن أبي الإصبع «8»
__________
(1) الأزلية (م).
(2) كان الله ولم يكن معه شيء: أخرجه العجلوني في الخفاء 2/ 171، رقم 2011، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، 8/ 4، عن عمران بن حصين، بلفظ: وليس شيء غيره، واخرجه الحاكم من مستدركه، 2/ 341، عن بريدة الاسلمي، كتاب التفسير/ هود، بلفظ: ولا شيء غيره، وقال عقبه: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(3) التعريفات لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م). كشف الظنون 1/ 422.
(4) الإشارات والتنبهات لأبي على الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا، الشيخ الرئيس (- 428 هـ/ 1036 م). نشره P .J .Forget مع ترجمة إلى الفرنسية في ليدن سنة 1892 م في 224+ 10 صفحة. كشف الظنون 1/ 94 - 95 معجم المطبوعات العربية 128.
(5) مرتبة (م).
(6) خطأ (م).
(7) حاشية خطبة القطبي أو حاشية على شرح القطب الرازي على شمسية القزويني لعلي بن محمد بن علي السيد الشريف الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م)، استانه 1289 هـ. معجم المطبوعات العربية 679.
(8) هو عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن أبي الإصبع العدواني البغدادي ثم المصري، أبو محمد. ولد بمصر عام
(1/85)

ولم أر في الكلام مثل قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ «1» الآية، فإنّ فيها عشرين ضربا من البديع وهي سبع عشرة لفظة. المناسبة التامة في ابلعي وأقلعي، والاستعارة فيهما، والطباق بين الأرض والسماء، والمجاز في قوله يا سماء فإنّه في الحقيقة يا مطر، والإشارة في وغيض الماء فإنّه عبّر به عن معان كثيرة لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع [الأرض] «2» ما يخرج منها من عيون الماء فينتقص الحاصل على وجه الأرض من الماء، والإرداف في واستوت، والتمثيل في وقضي الأمر، والتعليل فإنّ غيض الماء علّة الاستواء، وصحة التقسيم فإنّه استوعب أقسام الماء حالة تغيّضه إذ ليس احتباس ماء السماء والماء النابع من الأرض وغيض الماء الذي يظهر على ظهرها، والاحتراس في الدّعاء لئلّا يتوهّم أنّ الغرق لعمومه مشتمل من لا يستحق الهلاك، فإنّ عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق، وحسن النّسق، وائتلاف اللفظ مع المعنى، والإيجاز فإنه تعالى قصّ القصّة مستوعبة بأخصر عبارة، والتسهيم لأنّ أول الآية تدل على آخرها، والتهذيب لأنّ مفرداتها موصوفة بصفات الحسن، وكلّ لفظة سهلة المخارج عليها رونق الفصاحة مع الخلوّ من البشاعة وعقادة التركيب، وحسن البيان من جهة أنّ السامع لا يتوقف في فهم المعنى ولا يشكل عليه شيء منه، والتمكين لأنّ الفاصلة مستقرّة في محلها مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا مستدعاة ولا انسجام. وزاد صاحب الإتقان أنّ فيها الاعتراض أيضا. وفي جامع الصنائع «3» ومجمع الصنائع «4» ما هو قريب منه حيث وقع فيهما «5» إبداع. والاختراع هو إيجاد المعاني والتشبيهات الجديدة، وصناعة الأشياء المبتكرة.
والكلام المشتمل على مثل هذه المعاني والتشابيه يسمّى بديعا ومخترعا «6».
الإبدال:
[في الانكليزية] Substitution
[ في الفرنسية] Substitution
بكسر الهمزة بدل كردن والتبديل مثله.
وقيل التبديل تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل شيء مكان آخر، هكذا في بعض كتب اللغة. وقد عرفت معناه عند الصرفيين وأهل العربية وكذا عند النحاة منهم فإنّ حاصل معناه إيراد الشيء بدلا عن شيء سواء كان ذلك الشيء المبدل حرفا أو كلمة. وأما معناه عند المحدّثين فهو أن يبدل راو براو آخر أو إسناد بإسناد آخر من غير أن يلاحظ معه تركيب بمتن آخر، كما يستفاد من شرح شرح النخبة «7»،
__________
595 هـ/ 1198 م وفيها توفي عام 654 هـ/ 1256 م. عالم بالأدب، له تصانيف حسنة. الاعلام 4/ 30، فوات الوفيات 1/ 294، النجوم الزاهرة 7/ 37، شذرات الذهب 5/ 265، حسن المحاضرة 1/ 567، معاهد التنصيص 4/ 180.
(1) هود/ 44.
(2) [الأرض] (+ م).
(3) جامع الصنائع: لحاذق الملك محمد كاظم بن حكيم حيدر التستري الدهلوي (- حوالي 1149 هـ) GALS ,II ، 627.
(4) مجمع الصنائع في علم البلاغة لنظام الدين أحمد بن محمد صالح الحسيني الهندي كان يعيش في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري. والكتاب فارسي. إيضاح المكنون 1/ 434.
(5) فيها (م).
(6) واختراع آنست كه معاني وتشبيهات نو انگيزد وچيزهاى نو أز صنائع وغيره انگيخته خود پيدا كند واين كلام كه مشتمل بر چنين معاني وتشبيهات است اين را بديع ومخترع نامند.
(7) من شروح شرح النخبة، المعروف بنزهة النظر في توضيح نخبه الفكر لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (- 852 هـ) الذي شرح فيه كتاب نخبه الفكر في مصطلح أهل الأثر. شرح لعبد الرءوف المناوي الحدادي (- 1031 هـ/ 1621 م) ويعرف باليواقيت والدرر، وشرح آخر لعلي بن سلطان محمد الهروي القاري (- 1014 هـ/ 1605 م) سمّاه مصطلحات أهل الأثر على شرح نخبه الفكر. كشف الظنون 2/ 1936.
(1/86)

وسيجيء أيضا في لفظ القلب. ويطلق أيضا عندهم على البدل كما عرفت. وأما عند المهندسين فهو اعتبار نسبة المقدّم إلى المقدّم والتالي إلى التالي، وسيجيء في لفظ النسبة.
الأبدال:
[في الانكليزية] Substituted
[ في الفرنسية] Substitues
بفتح الألف جمع البدل والبديل وكذا البدلاء بالضمّ على ما عرفت. ومولوي عبد الغفور «1»
في حاشية نفحات الأنس للجامي إنّ لفظ الأبدال في اصطلاح الصوفية هو لفظ مشترك، فهو يطلق تارة على جماعة بدّلوا صفاتهم الذميمة بالصفات الحميدة وليس عددهم محصورا، وتارة يطلق على عدد معيّن؛ وعلى هذا فبعضهم يطلق هذا الاصطلاح على أربعين شخصا لهم أوصاف مشتركة، وبعضهم يطلق اسم الأبدال على سبعة رجال، ومن هؤلاء قوم، على أنّ الأبدال هم غير الأوتاد، بينما يقول آخرون: إن الأوتاد هم من جملة الأبدال. واثنان من الأبدال هما إمامان وهما وزيرا القطب والآخر هو القطب. وهؤلاء السّبعة إنما يقال لهم الأبدال لأنهم إذا ذهب واحد حلّ محله الذي يليه في الرتبة، وينال رتبته. ويقول قوم: إنّ تسمية هؤلاء بالأبدال لأنّ الحق جل وعلا أعطاهم قوة بحيث يتنقّلون حيث يشاءون، وإذا أرادوا أمكنهم وضع صورتهم في موضع، فإنهم يضعون شخصا على مثالهم بدلا عنهم. وإذا اكتشف بعضهم الأشخاص المتشابهين فبدون إرادتهم لا يقولون لهم أبدالا، وإنّ كثيرا من الأولياء هم هكذا. انتهى «2».
وفي بعض التفاسير سئل أبو سعيد «3» عن الأوتاد والأبدال أيهما أفضل فقال الأوتاد.
فقيل كيف. فقال لأنّ الأبدال ينقلبون «4» من حال إلى حال ويبدلون «5» من مقام إلى مقام.
والأوتاد بلغ بهم النهاية وثبتت أركانهم فهم الذين بهم قوام العالم وهم في مقام التمكين.
وفي مرآة الأسرار «6» يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بدلاء أمّتي سبعة» «7». بدلاء في سبعة أقاليم يبقون. فذلك الذي في الإقليم الأول على قلب إبراهيم عليه السلام واسمه عبد الحي، والثاني
__________
(1) عبد الغفور: هو عبد الغفور بن صلاح اللاري الأنصاري. توفي حوالي العام 912 هـ/ 1507 م. أديب، نحوي. كان تلميذا للملّا جامي. له عدة تصانيف. الاعلام 4/ 32، كشف الظنون 1372.
(2) در حاشيه نفحات مىرد لفظ ابدال در عرف صوفيه مشترك لفظي است تارة اطلاق ميكنند بر جمعي كه تبديل كرده اند صفات ذميمه را بصفات حميده وعدد ايشان منحصر نيست وتارة اطلاق ميكنند بر عددي معين وبر تقدير اطلاق بر عدد معين بعضي بر چهل شخص اطلاق ميكنند كه ايشان را اشتراك است در صفت مخصوص وبعضي بر هفت اطلاق ميكنند وازين بعض بعضي بر اينند كه اوتاد از ابدال خارج اند وبعضي گويند كه اوتاد از جملة ابدال اند ودو ديگر از ابدال امامان اند كه وزيران قطب اند وديگرى قطب است. واين هفت تن را ابدال بنا بر آن گويند كه چون يكى ازينها برود ديگرى كه بحسب مرتبه فروتر از أو بود وبجاى أو نشيند وحفظ مرتبه وى كند. وبعضي ميگويند كه تسميه ايشان بابدال از آن جهت است كه حق سبحانه تعالى ايشان را قوتي داده كه چون خواهند به جائى روند وبنا بر باعثي خواهند كه صورت ايشان درين موضع بود شخصي مثالي بر صورت خود در آن موضع بگذارند بدل خود. اما جماعتى كه بدل ايشان شخصي مثالي پيدا شود بي اراده ايشان آنها را ابدال نگويند وبسيارى از اوليا چنين باشند انتهى.
(3) أبو سعيد الخراز: هو أحمد بن عيسى الخراز، أبو سعيد. توفي عام 286 هـ/ 899 م. من مشايخ الصوفية. قيل إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء، وله عدة تصانيف. الاعلام 1/ 191، شذرات 2/ 192، اللباب 1/ 351، العبر 2/ 77، الشعراني 1/ 102، القشيري 29.
(4) يتقلبون (م).
(5) ويبدل لهم (م).
(6) مرآة الأسرار (تصوف). كتاب فارسي لم نعثر له على مرجع يذكره.
(7) ذكره الهندي في كنز العمال، 12/ 190، حديث رقم 34610، بلفظ: «بدلاء أمتي أربعون رجلا: اثنان وعشرون منهم بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كلما مات واحد أبدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا» وعزاه الهندي لابن عساكر عن أنس بن مالك.
(1/87)

على قلب موسى عليه السلام واسمه عبد العليم، والثالث على قلب هارون عليه السلام واسمه عبد المريد، والرابع اسمه عبد القادر وهو على قلب إدريس عليه السلام، والذي في الاقليم الخامس على قلب يوسف عليه السلام واسمه عبد القاهر، والذي في السادس هو على قلب عيسى عليه السلام واسمه عبد السميع، وأمّا الذي في السابع فهو على قلب آدم واسمه عبد البصير.
وهؤلاء السبعة هم أبدال الخضر ووظيفتهم معاونة الخلق، وكلهم عارفون بالمعارف والأسرار الإلهية التي في الكواكب السبعة التي جعل الله فيها التأثير في مجريات الأمور. وإن اثنين من الأبدال السبعة المذكورين أي عبد القاهر وعبد القادر، عند نزول مصيبة أو نازلة على قوم أو ولاية، فإنهم يسمّون، والسبب في قهر وعذاب إحدى الولايات أو بعض الأقوام بسبب قيامهم بذلك الأمر. وإذا مات أحد هؤلاء السبعة فإنه ينصّب مكانه أحد الصوفية من عالم الناسوت، ويدعى باسم ذلك الذي مات، أي محبوب ثلاثمائة وسبعة وخمسين رجلا من الأبدال، وكلّهم من سكان الجبال. وطعامهم ورق السّلم وبقية الأشجار وجرار الصحراء، وهم ملتزمون بكمال المعرفة، وهم لا يسيرون ولا يطيرون. وإنّ منهم ثلاثمائة على قلب آدم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق ثلاثمائة نفس قلوبهم على قلب آدم. وله أربعون على قلب موسى. وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم. وله خمسة قلوبهم على قلب جبرائيل. وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل. وله واحد قلبه على قلب محمد» «1» عليه الصلاة والسلام. فإذا مات يحلّ محلّه واحد من الثلاثة، وإذا مات واحد من الثلاثة يحلّ محله واحد من الخمسة، وإذا مات أحد الخمسة يحلّ محلّه أحد السبعة، وإذا مات أحد السبعة قام مقامه أحد الأربعين، وإذا مات واحد من الأربعين يرتقي مكانه واحد من الثلاثمائة، وإذا مات أحد الثلاثمائة يحلّ مكانه رجل من زهّاد الصوفية. وإنّ هؤلاء البدلاء حسب الترتيب المذكور يستمدّون الفيوضات الإلهية من القطب الذي قلبه على قلب إسرافيل وهو محبوب الأربعمائة وأربعة البدلاء؛ وقد ذكرنا منهم ثلاثمائة وأربعة وستين، وثمة أربعون آخرون كما قال عليه الصلاة والسلام «بدلاء أمتي أربعون رجلا اثنا عشر بالشام وثمان وعشرون بالعراق» «2».
ويقول في «لطائف أشرفي»: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد قسّم العالم إلى قسمين: نصف شرقي ونصف غربي، ومن العراق النصف الشرقي كما أن بلاد خراسان والهند والتركستان وسائر بلاد الشرق داخلة في العراق، ومن الشام النصف الغربي ويشمل الشام ومصر وسائر بلاد الغرب. وهكذا تغمر فيوضات هؤلاء الأربعين المذكورين على جميع العالم، ويدعى أكثر هؤلاء الأبدال بالأبدال الأبرار «3».
__________
(1) ابن الجوزي (- 597 هـ)، كتاب الموضوعات، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت، دار الفكر، 1403 هـ- 1983 م، كتاب الزهد، باب عدد الاولياء، 3/ 150 بلفظ يختلف عما ورد في «لله تعالى ... ولله تعالى ... ولله تعالى في الخلق واحد قلبه على قلب اسرافيل عليه السلام
(2) ورد سنده في لفظ الابدال.
(3) ودر مرآة الاسرار ميگويد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بدلاء أمتي سبعة» هفت بدلاء در هفت اقليم ميمانند آنكه در اقليم اوّل است بر قلب ابراهيم عليه السلام است ونام او عبد الحي وآنكه در دوم است بر قلب موسى است عليه السلام ونام او عبد العليم وآنكه در سيوم است بر قلب هارون است عليه السلام ونام او عبد المريد وآنكه در چهارم است نام او عبد القادر است وأو بر قلب ادريس است عليه السلام وآنكه در پنجم است بر قلب يوسف است عليه السلام ونام او عبد القاهر وآنكه در ششم است بر قلب عيسى است عليه السلام نام او عبد السميع وآنكه در هفتم است بر قلب آدم است عليه السلام ونام او عبد
(1/88)

أبر:
[في الانكليزية] Cloud ،Veil
[ في الفرنسية] Nuage ،Voile
ومعناها بالفارسية: السحاب، وعند السالكين يقال للحجاب الذي يمنع الوصول «1».
الأبرار:
[في الانكليزية] Benefactors ،the chosen
[ في الفرنسية] Les bienfaiteurs ،les elus
بفتح الألف وبالراء المهملة بمعنى نيكوكاران- المحسنين- وفي اصطلاح السّالكين يرادف الأخيار على ما سيجيء. وقيل: يرادف الأبدال على ما سيجيء أيضا.
الإبراز:
[في الانكليزية] Manifestation
[ في الفرنسية] Manifestation
بكسر الهمزة لغة هو الإظهار. وعند النحاة هو الإتيان بالضمير البارز. والبارز هو ما يلفظ به على ما سيجيء في لفظ الضمير.
إبراز اللفظين:
[في الانكليزية] Pun ،paronomasia
[ في الفرنسية] Calembour ،jeu de mots
عند البلغاء هو أن يأتي الشاعر في لفظ مشترك على نحو يكون معناه مرة محبوسا وأخرى مقبولا. ومثاله في البيتين الفارسيين التاليين:
من يمينك اليم ظهر كما النار في منار ومن وجودك الجود ظهر كما الماء من الغمام فالمعنى المحبوس في يمين يم وفي منار نار وفي وجود جود، وفي غمام ماء. وأما المعنى المقبول فظاهر، كذا في جامع الصنائع «2».
الإبردة:
[في الانكليزية] Frigidity
[ في الفرنسية] Frigidite
بكسر الهمزة وسكون الموحدة وكسر الراء المهملة هي فتور في الجماع من غلبة الرطوبة والبرودة، والهمزة زائدة كذا في بحر الجواهر.
آبروي:
[في الانكليزية] Illumination ،Inspiration
[ في الفرنسية] Illumination ،inspiration
ومعناها ماء الوجه، وهو عند السالكين الإلهام الغيبي الذي يرد على قلب السالك «3».
__________
- البصير واين هفتم ابدال خضر است وظيفه ايشان مدد خلائق است همه عارف بمعارف واسرار إلهي كه در كواكب سبعه است الله تعالى در ايشان همه تاثير داده است. ودو ابدال از هفت مذكور يعني عبد القاهر وعبد القادر در هر ولايتي ويا بر هر قومي كه قهر نازل شود نامزد ميشوند وسبب مقهوري آن قوم ولايت اقدام ايشان باشد وچون يكى ازينها بميرد يكى را از عالم ناسوت كه صوفي باشد به جايش نصب كنند وبه نام آن ميرنده بخوانند اي محبوب سيصد وپنجاه وهفت ديگراند از ابدال وهمه در كوه ساكن وخوراك ايشان برگ سلم وديگر درختان است وملخ بيابان وبا كمال معرفت مقيداند سيري وطيري ندارند وسيصد ازين بر قلب آدم اند قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انّ الله خلق ثلاثمائة نفس قلوبهم على قلب آدم، وله أربعون قلوبهم على قلب موسى، وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم، وله خمسة قلوبهم على قلب جبرئيل، وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، وله واحد قلبه على قلب محمد» عليه وعليهم الصلاة والسلام چون اين بميرد از سه تن يكى را به جايش رسانند وچون از سه يكى بميرد از پنج يكى را به جايش رسانند وچون از پنج يكى بميرد از هفت يكى را به جايش رسانند وچون از هفت يكى بميرد از چهل يكى را به جايش رسانند وچون از چهل يكى ميرد از سيصد يكى را به جايش رسانند وچون از سيصد يكى ميرد يكى از زهاد كه صوفي سيرت باشد به جايش رسانند واين جمله بدلاء بترتيب مذكور فيض از قطب ابدال ميگيرند كه دل او بر دل اسرافيل است اي محبوب بدلاء وچهار صد وچهاراند سيصد وشصت وچهار را ذكر كرديم وچهل ديگراند كما قال عليه الصلاة والسلام «بدلاء أمتي أربعون رجلا اثنا عشر بالشام وثمان وعشرون بالعراق». ودر لطائف اشرفي گويد حضرت رسالت پناه صلى الله عليه وسلم عالم را دو قسم كرده نصف شرقي ونصف غربي واز عراق نصف شرقي خواسته چنانچهـ خراسان وهندوستان وتركستان وسائر بلاد شرقي در عراق داخل اند واز شام نصف غربي خواسته چون شام وبلاد مصر وسائر بلاد غربي پس فيض اين چهل تن مذكور بر تمام عالم ناشي است واكثر اين چهل تن بدلاء را چهل ابرار خوانند.
(1) نزد سالكان حجابى را گويند كه مانع وصول باشد.
(2) نزد بلغا آنست كه شاعر لفظ مشترك را در ربط بر نمطى آرد كه از تركيب يك معني محبوس ودوم مقبول مفهوم شود مثاله.
شعر. از يمينت يم پديد آمد چونار اندر منار. وز وجودت جود پيدا گشت چون ماء از غمام. معنى محبوس در يمين يم ودر منار نار ودر وجود جود واز غمام ماء ومعني مقبول ظاهر است.
(3) نزد سالكان إلهام غيبي را گويند كه بر دل سالك وارد شود.
(1/89)

الأبزار:
[في الانكليزية] Spices
[ في الفرنسية] Epices
بالزاء المعجمة هي ما يطيب بها الغذاء وكذا التوابل إلّا أنّ الأبزار تستعمل في الأشياء الرّطبة واليابسة، والتوابل في اليابسة، كذا في بحر الجواهر.
الأبعاد الثلاثة:
[في الانكليزية] The three dimensions
[ في الفرنسية] Les trois dimensions
هي الطّول والعرض والعمق. والطّول عبارة عن الامتداد الأول المفروض في الجسم، والعرض عن الامتداد الثاني فيه، والعمق عن الامتداد الثالث. وإنما عبّر بالأول والثاني والثالث ليشتمل الجسم المربّع وقد يعبّر عنها بالجهات الثلاث.
الأبنة:
[في الانكليزية] Anusmania ،homosexuality
[ في الفرنسية] Anusmania ،homosexualite
بالضمّ وسكون الموحدة مثل الحمرة وهي عند الأطباء علّة يشتهي صاحبها أن يؤتى في دبره وأن يرى المجامعة تجري بين الأنثيين.
وهي إما طبعي «1» أي جبلّي وهو قد يكون لأمر في الأبوين. كما إذا كان الأب مبتلى بها وكما إذا جومعت أمّه في دبرها كثيرا خاصة حال حبله أو مدة رضاعه، وقد يكون لحصول مزاج أنوثي في خلقته فتكون آلات تناسله مائلة إلى داخل البطن، كما أنّ آلات الإناث تكون غائرة تعرض له عند كثرة المني أو حدته دغدغة في ناحية ويشتهي إحكاكها، فهو مع أنه رجل في الحقيقة امرأة، ولذلك يكون المأبون الجبلّي صغير القضيب والخصيتين. وإمّا عرضي وهو يكون إمّا لاعتياده بذلك الأمر وإمّا لحكّة تعرض في أسافل أمعائه. وأحوال أصحاب هذه العلّة مختلفة، فمنهم من لا يقدر على الجماع بدونه فيلتذّ مع تلك اللّذّة القذرة، ومنهم من ينزل بذلك فيلتذّ لذة الإنزال، ومنهم من يلتذّ بنفس الجماع فقط حتى يحبّ رؤيته بين الأنثيين، ومنهم من يلتذّ بإنزال الفاعل لتسكين المني حكة أمعائه، كذا في حدود الأمراض.
ابنة المخاض:
[في الانكليزية] One year old she -camel
-
[ في الفرنسية] Chamelle de lait
بالفتح وتخفيف الخاء المعجمة لغة ما أتى عليه حولان من الإبل وشريعة حول واحد، كما في شرح الطحاوي. لكن في جامع الأصول «2» أنها ناقة تمّ لها سنة إلى تمام سنتين لأنّ أمّها ذات مخاض أي حمل. وفي المغرب «3» المخاض وجع الولادة، هكذا في جامع الرموز.
ابن اللّبون:
[في الانكليزية] Two or three years old (Camel)
[ في الفرنسية] Agee de deux ou trois ans (Chamelle)
بالباء الموحدة لغة ما أتى عليه ثلاث سنين من الإبل وشريعة ما أتى عليه سنتان، كذا في شرح الطحاوي «4». وفي جامع الرموز لكن في عامّة كتب الفقه واللغة أنّه ما تمّ له سنتان
__________
(1) الطبيعي (م).
(2) جامع الأصول لأحاديث الرسول لأبي السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (- 606 هـ/ 1209 م)، دمشق 1969. معجم المطبوعات العربية 34، أسماء الكتب 118.
(3) المغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي المطرزي (- 610 هـ/ 1213 م)، اختصره المؤلف من كتابه المعرب. وقد ذكر فيه الألفاظ التي يستعملها فقهاء الحنفية من التريب. حيدرآباد، 1328 هـ. معجم المطبوعات العربية 1760 - 1761.
(4) شرح الطحاوي هو كتاب في الفقه الحنفي يسمى مختصر الطحاوي في فروع الحنفية للإمام ابي جعفر احمد بن محمد الطحاوي (- 321 هـ) وقد شرحه كثيرون منهم: شيخ الاسلام السمرقندي الاسبيجابي (- 535 هـ)، والشيخ الحافظ أبو نصر أحمد بن منصور الطبري السمرقندي، والإمام الكبير محمد بن أحمد الخجندي الاسبيجابي، والامام الجصاص (- 370 هـ) وشمس الأئمة السرخسي (- 483 هـ). كشف الظنون 2/ 1627 - 1628؛ هدية العارفين 1/ 58؛ معجم المطبوعات 1232.
(1/90)

إلى تمام ثلاث لأنّ أمه ذات لبن بولد آخر، وبنت اللّبون ما هو المؤنّث من هذا الجنس.
أبيب:
[في الانكليزية] Abib (Egyptian month)
[ في الفرنسية] Abib (mois Egvptien)
بياء مثناة تحتانية وبعدها باء موحّدة. وهو اسم شهر في تقويم القبط المحدث «1».
أبيقي:
[في الانكليزية] Abiqui (Egyptian month)
[ في الفرنسية] Abiqui (mois Egvptien)
بباءين بينهما قاف. وهو اسم شهر في تاريخ القبط القديم «2».
الاتّباع:
[في الانكليزية] Assertion
[ في الفرنسية] Assertion
هو مصدر من باب الافتعال وهو عند النحاة قسم من التأكيد اللفظي.
الاتّحاد:
[في الانكليزية] Union
[ في الفرنسية] Union ،fusion
هو في عرف علماء الظاهر يطلق على خمسة معان، على ثلاثة منها على سبيل الاستعارة، وعلى اثنين على سبيل الحقيقة.
فنقول المفهوم الحقيقي للاتحاد هو أن يصير شيء بعينه شيئا آخر. ومعنى قولنا بعينه أنّه صار من غير أن يزول عنه شيء أو ينضمّ إليه شيء شيئا آخر. وإنّما كان هذا مفهوما حقيقيا لأنه المتبادر من الاتحاد عند الإطلاق. وإنّما يتصوّر هذا المعنى الحقيقي على وجهين: أحدهما أن يكون هناك شيئان كزيد وعمرو مثلا فيتّحدان بأن يقال زيد عمرو أو بالعكس. ففي هذا الوجه قبل الاتحاد شيئان وبعده شيء واحد كان حاصلا قبله. وثانيهما أن يكون هناك شيء واحد كزيد فيصير بعينه شخصا آخر غيره فيكون قبل الاتحاد أمر واحد وبعده أمر آخر لم يكن حاصلا قبله بل بعده، وهذا المعنى الحقيقي باطل بالضرورة. ولذا قالوا الاثنان لا يتّحدان.
وأمّا المفهوم المجازي له فهو إمّا صيرورة شيء ما شيئا آخر بطريق الاستحالة، أعني التغيّر والانتقال دفعيّا كان أو تدريجيا، كما يقال صار الماء هواء والأسود أبيض. ففي الأوّل زال حقيقة الماء بزوال صورته النوعية عن هيولاه وانضمّ إلى تلك الهيولى الصورة النوعية للهواء، فحصل حقيقة أخرى هي حقيقة الهواء. وفي الثاني زال صفة السواد عن الموصوف بها واتّصف بصفة أخرى هي البياض. وإمّا صيرورة شيء شيئا آخر بطريق التركيب وهو أن ينضمّ شيء إلى ثان فيحصل منهما شيء ثالث كما يقال صار التراب طينا والخشب سريرا.
والاتحاد بهذين المعنيين لا شك في جوازه بل في وقوعه أيضا. وإمّا ظهور شخص في صورة شخص آخر كظهور الملك في صورة البشر وربما يعبّر عنه بالخلع واللّبس فلا خفاء في جوازه أيضا عند المتكلّمين. هكذا يستفاد من شرح المواقف وحاشيته «3» لمولانا مرزا زاهد «4» في بحث الوحدة.
وفي عرف السالكين عبارة عن شهود وجود واحد مطلق من حيث أنّ جميع الأشياء موجودة بوجود ذلك الواحد معدومة في أنفسها، لا من حيث أنّ لما سوى الله تعالى وجودا خاصا به يصير متّحدا بالحق، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. قال الشاعر:
__________
(1) به ياى مثناة تحتانيه وبعد ان باى موحده وان اسم ماهيست در تاريخ قبط محدث چنانكه گذشت.
(2) به دو ياى مثناة تحتانيه كه در ميان آن هر دو قاف است وان اسم ماهيست در تاريخ قبط قديم.
(3) حاشية شرح المواقف لمحمد بن محمد أسلم الحسيني الهروي المعروف بميرزاهد (- 1101 هـ/ 1689 م) علّق فيها على شرح المواقف لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ/ 1413 م). الاعلام 7/ 65.
(4) ميرزا زاهد: هو محمد (مير زاهد) بن محمد أسلم الحسيني الهروي، من الأفغان توفي بكابول حوالي العام 1101 هـ/ 1689 م. باحث، له علم بالحكمة والمنطق، وله عدة مصنفات. الاعلام 7/ 65، معجم المفسرين 2/ 629، هدية العارفين 2/ 301، الذيل 2/ 621
(1/91)

حاشا لله أن يكونوا قائلين بهذا أو أنهم يسعون لمثل هذا الاتحاد «1»
كذا في كشف اللغات.
الاتّساع:
[في الانكليزية] Dilation
[ في الفرنسية] Dilatation ،elargissement
هو عند الأطباء أن تتسع العصبة المجوّفة مع سعة الحدقة. وقيل هو اتساع ثقبة العنبية عن وضعها الطبيعي. وقد اختلف الأطباء في الاتساع والانتشار فيخصّ بعضهم الاتساع باتساع العصبة المجوّفة والانتشار باتساع ثقبة العنبية، ويعكس البعض. وإنّما يظهر من كلام المتقدمين الترادف. والتحقيق أنّ الاتساع يحدث في العنبة أو العصبة ويلزمه الانتشار في النور فالاتساع مرض والانتشار عرض، والفرق بين اتساع العصبة واتساع الثقبة أنّ في الأول يظهر النور منتشرا في أجزاء العين وفي الثاني لا يتبيّن فيها من النور أصلا حتى يظن من لا دراية له أنّ العين قد اسودّت، كذا في حدود الأمراض.
وعند أهل العربية يطلق على نوع من أنواع البديع وهو أن يؤتى بكلام يتّسع فيه التّأويل بحسب ما يحتمله ألفاظه من المعاني كفواتح السور، ذكره ابن أبي الأصبع، وهو مما يصلح أن يعدّ من أنواع الإيجاز، كذا في الإتقان في نوع الإيجاز. وعلى اتساع الظرف، قال السيد السند: الاتساع في الظرف بأن لا يقدر معه في فينصب نصب المفعول به أو يضاف إليه إضافة بمعنى اللام كما في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «2».
والمعنى على الظرفية يعني أنّ الظرف وإن قطع في الصورة عن تقدير في وأوقع موقع المفعول به إلّا أنّ المعنى المقصود الذي سبق الكلام لأجله على الظرفية لأنّ كونه مالكا ليوم الدين كناية عن كونه مالكا فيه للأمر كلّه، فإنّ تملّك الزمان كتملّك المكان يستلزم تملّك جميع ما فيه. ومن قال الإضافة في مالك يوم الدين مجاز حكمي ثم زعم أنّ المفعول به محذوف عام يشهد بعمومه الحذف بلا قرينة خصوصه.
وردّ عليه أنّ مثل هذا المحذوف مقدّر في حكم الملفوظ فلا مجاز، كذا ذكر أبو القاسم في حاشية المطوّل في بحث الالتفات في باب المسند إليه. وهذا هو المراد بالتوسّع في قولهم: أما دخلت الدار فتوسع. وإن شئت الزيادة فارجع إلى شروح الكافية «3» في بحث المفعول فيه.
الاتصال:
[في الانكليزية] Junction ،communication
[ في الفرنسية] Jonction ،communication
في اللغة پيوستن ضد الانفصال وهو أمر إضافي يوصف به الشيء بالقياس إلى غيره.
ويطلق على أمرين: أحدهما اتحاد النهايات بأن يكون المقدار متّحد النهاية بمقدار آخر سواء كانا موجودين أو موهومين، ويقال لذلك المقدار إنّه متّصل بالثاني بهذا المعنى. وثانيهما كون الشيء بحيث يتحرّك بحركة شيء آخر ويقال لذلك الشيء إنّه متّصل بالثاني بهذا المعنى. وهذا المعنى من عوارض الكمّ المنفصل مطلقا أو من جهة ما هو في مادة كاتّصال خطّي الزاوية واتّصال الأعضاء بعضها ببعض واتصال اللحوم بالرباطات ونحوها. هكذا يستفاد من شرح الإشارات والمحاكمات «4»
__________
(1) حاش لله كه اين چنين گويند. يا باين اتحاد آن جويند.
(2) الفاتحة/ 3.
(3) شرح الكافية لجمال الدين ابي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- 646 هـ/ 1248 م). وقد شرح فيها مختصره المعروف الكافية في النحو. وعلى الكافية شروح وحواشي كثيرة. كشف الظنون 2/ 137.
(4) المحاكمات لقطب الدين محمد بن محمد الرازي (- 766 هـ/ 1364 م) وهو شرح حكم فيه المؤلف بين فخر الدين الرازي ونصير الدين الطوسي في شرحيهما على الاشارات لابن سينا. استانة، 1290 هـ. كشف الظنون 1/ 95. معجم
(1/92)

والصدري «1» في بيان إثبات الهيولى.
وعند السالكين هو مرادف للوصال والوصول كما عرفت. وعند المحدّثين هو عدم سقوط راو من رواة الحديث ومجيء إسناده متّصلا، ويسمّى ذلك الحديث متّصلا وموصولا، هكذا في ترجمة المشكاة «2»، وهو يشتمل المرفوع والموقوف والمقطوع وما بعده. وقال القسطلاني «3» والموصول ويسمّى المتّصل هو ما اتّصل سنده رفعا أو وقفا، لا ما اتّصل للتابعي.
نعم يسوغ أن يقال متّصل إلى سعيد بن المسيّب «4» أو إلى الزهري «5» مثلا انتهى. فلا يشتمل حينئذ المقطوع وما بعده. وسيجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ المسند.
وعند المنطقيين هو ثبوت قضية على تقدير قضية أخرى كما وقع في شرح المطالع.
فالمتصلة عندهم قضية شرطية حكم فيها بوقوع الاتصال أو بلا وقوعه، أي حكم فيها بوقوع اتصال قضية بقضية أخرى وهي الموجبة، أو نفيه بلا وقوع ذلك الاتصال وهي السّالبة.
ويقابل الاتصال الانفصال وهو عدم ثبوت قضية على تقدير أخرى. وسيجيء في لفظ الشرطية.
وعند الحكماء هو كون الشيء بحيث يمكن أن يفرض له أجزاء مشتركة في الحدود.
والحدّ المشترك بين الشيئين هو ذو وضع يكون نهاية لأحدهما وبداية لآخر كما مرّ في محله.
ومعنى الكلام أنه يكون بحيث إذا فرض انقسامه يحدث حدّ مشترك بين القسمين كما إذا فرض انقسام الجسم يحدث سطح هو حدّ مشترك بين قسميه. والمتّصل بهذا المعنى يطلق على ثلاثة أمور. الأول فصل الكمّ يفصله من الكم المنفصل الذي هو العدد. الثاني الصورة الجسمية لأنها مستلزمة للجسم التعليمي المتّصل فسمّيت به تسمية للملزوم باسم اللّازم. الثالث الجسم الطبعي وإنما يطلق عليه المتّصل لأنه لمّا أطلق المتّصل على الصورة الجسمية والمتصل معناه ذو الاتصال، وكانت الصورة ذات الجسم التعليمي، أطلق الاتصال على الجسم التعليمي.
وإذا أطلق الاتصال على الجسم التعليمي أطلق الاتصال على الصورة أيضا إطلاقا لاسم اللّازم على الملزوم. ولما أطلق الاتصال على الجسم التعليمي وعلى الصورة الجسمية أطلق المتّصل على الجسم الطبيعي لأنه ذو الاتصال حينئذ.
هكذا يستفاد من شرح الإشارات والمحاكمات والصدري في بيان إثبات الهيولى.
__________
- المطبوعات 919.
(1) الصدري أو شرح وقاية الرواية في مسائل الهداية لصدر الشريعة الثاني عبيد الله بن مسعود المحبوبي (- 750 هـ). وقد فرغ من وضعه سنة 743 هـ، وقد سمي الصدري لغلبة نعته على شرحه حتى صار اسما للشرح. كشف الظنون 2/ 2021.
(2) مشكاة المصابيح لولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب كمّل فيه مصابيح السنة للحسين بن مسعود الفراء البغوي (- 516 هـ/ 1122 م). كشف الظنون 2/ 1698 - 1700.
(3) القسطلاني: هو محمد بن أحمد بن علي القيسي الشاطبي، أبو بكر، قطب الدين التوزري القسطلاني. ولد بمصر عام 614 هـ/ 1218 م وتوفي بالقاهرة عام 686 هـ/ 1287 م. عالم بالحديث ورجاله، كما تولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة. له العديد من المصنفات الهامة. الاعلام 5/ 323، طبقات الشافعية 5/ 18، فوات الوفيات 2/ 181، شذرات الذهب 5/ 397، النجوم الزاهرة 7/ 373، التاج 8/ 80.
(4) هو سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد ولد عام 13 هـ/ 634 م وتوفي بالمدينة عام 94 هـ/ 713 م، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع. الاعلام 3/ 102، طبقات ابن سعد 5/ 88، وفيات الاعيان 1/ 206، صفة الصفوة 2/ 24، حلية الاولياء 2/ 161.
(5) هو محمد بن أحمد بن سليمان بن ابراهيم الزهري الاندلسي الإشبيلي، ابو عبد الله. ولد بمالقة بالأندلس وتوفي شهيدا عام 617 هـ/ 1220 م. عالم بالأدب، والنحو والتفسير. طاف كثيرا في البلاد، وله عدة مصنفات. الاعلام 5/ 320، معجم المفسرين 2/ 476، نفح الطيب 1/ 430، الصلة 2/ 563.
(1/93)

وبالجملة فالمتّصل في اصطلاحهم يطلق على فصل الكمّ وعلى الصورة الجسمية وعلى الجسم الطبيعي، والاتصال على كون الشيء بحيث يمكن إلخ وعلى الجسم التعليمي وعلى الصورة الجسمية.
ثم قال في المحاكمات وهاهنا معنى آخر للاتصال وهو كون الشيء ذا أجزاء بالقوّة. لكن هذا المعنى يلازم المعنى الأول ملازمة مساوية، وكلا المعنيين غير إضافيين انتهى. وبالنظر إلى هذا المعنى يقال هذا الجسم متّصل واحد أي لا مفصل فيه بالفعل.
وعند المنجّمين كون الكوكبين على وضع مخصوص من النّظر أو التّناظر. والأول يسمّى باتصال النّظر وهو الذي يذكر هو مع أقسامه هنا. والثاني يسمّى بالاتصال الطبيعي والتناظر.
وباتصال المحلّ أيضا. قالوا: إذا كان كوكب متوجها نحو كوكب آخر من باب النظر أو التناظر وتبيّن أنّ بعده عنه بمقدار جرمه فذلك التوجّه يسمى اتصالا. وهذا الكوكب متّصلا.
وجرم الكوكب هو عبارة عن نوره في الفلك من أمام ووراء. وهذا جعلوه معينا. وعليه، فنور جرم الشمس خمس عشرة درجة، ونور كرة القمر اثنتا عشرة درجة، ونور كلّ من زحل والمشتري تسع درجات، والمريخ ثمان درجات، ونور الزهرة وعطارد كلّ منهما سبع درجات، وعقدة الرأس والذنب كلّ منهما عشرة درجات.
والاتصال له ثلاث أحوال: متى وصل نور كوكب إلى كوكب آخر فهذا ابتداء الاتصال.
ويقال له: الاتّصال الأول. ومتى وصل النور إلى بعد بينهما بنصف جرمين فهو بداية اتصال القوة، وهو ما يقال له وساطة اتّصال، ومتى وصل المركز إلى المركز فهو اتصال تام وهو الغاية في قوة الاتصال. وإذا كان كوكب بطيء الحركة وآخر سريع الحركة يعبران فهو بداية الانصراف. وحين يصل إلى نصف الجرمين فهو نهاية قوة الاتصال، ومتى انقطع جرم من جرم آخر فهذا نهاية تمام الاتصال وانتهاء الانصراف.
أمّا اعتبار نصف الجرمين فجائر في جميع الاتصالات. وبعضهم يقول: قلّما يفيد نصف الجرم ومثاله: إنّ جرم المشتري تسع درجات، وجرم القمر اثنتا عشرة درجة، فيكون المجموع اثنا عشر+ تسع واحد وعشرون. ونصف هذا الرقم هو عشرة ونصف. إذا كلما كانت المسافة بين المشتري والقمر إحدى وعشرين درجة فإنّ نور كلّ منهما يتّصل بالآخر. وهذا بداية الاتصال، وحين يصير عشر درجات ونصف فهو بداية القوة، وحينما يبتعد القمر إحدى وعشرين درجة فهو منصرف.
وأمّا إذا كان اعتبار نصف الجرم أقلّ مثل أربع درجات ونصف فذلك البعد هو بداية القوة. وهذا القول أكثر إحكاما. وهذا مثال على اتصال المقارنة. وعلى هذا المنوال ينبغي أن تقاس بقية الأقسام، مثل اتصال التسديس والتربيع والتثليث. اعلم أن أنواع الاتصال كثيرة، والمشهور أنها اثنا عشر نوعا.
أولها: القبول. وتفسيره: أن يكون كوكب في حظوظ كوكبية. وذلك هو: البيت أو الشرف أو المثلثة أو الحد أو الوجه، وأن يتّصل بصاحب الحظ. وعندئذ (الكوكب) صاحب الحظ يقبله، لأنه يراه في حظّه. وهذا دليل على جواز (قضاء) الحاجة وتمام المحبة بين شخصين.
ثانيها: السرد؛ وذلك مثل حال كوكب ضعيف كأن يكون في الوبال أو الهبوط أو راجعا أو محترقا فهو يبعد عنه نظر كوكب آخر متّصل به لعدم وجود قابلية القبول لديه. وهذا الحكم هو ضد القبول.
ثالثها: دفع القوة. وهو أن يكون كوكب في حظوظه ويرى كوكبا آخر صاحب حظّ
(1/94)

فيعطيه قوة، فإذا كان كلّ منهما في حظوظه.
فكلّ واحد منهما يعطي لصاحبه قوّته، كما في حال القمر في برج السرطان والزهرة في برج الثور وهذا غاية في الدفع. وهو دليل على الصداقة بين شخصين من الطرفين وانتهاء الأعمال من الجد والجهد.
رابعها: دفع الطبيعة. وذلك بأن يكون كوكب في الحظوظ وأن يكون كوكب آخر في أحد حظوظ الكوكب الأول، وكوكب ثالث بالتسديس يتبادل طبيعته مع الآخرين. ويسمّي بعضهم هذا النور: دفع القوة، وهو أقوى من دفع القوة وهو من حيث السعادة وبلوغ الآمال الكليّة أزيد من أوضاع ذاتها الأخرى.
خامسها: الإنكار، وذلك بأن يرى كوكب كوكبا آخر في الوبال والهبوط لذلك فإنّ الكوكب ينكر هذا لأنّه يراه في وباله وهبوطه.
وهذا ضد دفع الطبيعة.
سادسها: نقل النور؛ وهو عبارة عن رؤية كوكب خفيف الحركة لكوكب ثقيل الحركة، ولم ينصرف عنه تماما، بحيث يرى كلّ منهما الآخر؛ ومن ثمّ فإنّ نور الكوكب الأول يعطي للثاني مع أن كلا منهما ساقط بالنسبة للآخر.
وهذا بمثابة الاتصال بين كلا الكوكبين. ومثال ذلك: أن يكون كوكب في الحمل وآخر في العقرب وكوكب ثالث أسرع منهما في السرطان.
فالأول يرى ذلك الكوكب الذي في الحمل، وقبل انصرافه يتّصل بكوكب آخر في العقرب، فحينئذ ينتقل النور من الأول إلى الثاني. وفي هذا دليل على حالة الوسط في الأعمال.
سابعها: الانتكاث: وهو أن يكون كوكب خفيف الحركة يرغب أن يرى كوكبا ثقيل الحركة. ثم قبل الوصول المركز للمركز يرجع الكوكب الخفيف ويودّ الاتصال بثقيل الحركة.
ويصير مستقيما ولا يتم الاتصال. وفي هذا دلالة على نقض العهود والندم واليأس من الأعمال.
ثامنها: بعيد الاتصال: وذلك بأن يكون كوكب في برج وفي أوائل البرج لا يرى أي كوكب، ثم يرى في آخر البرج كوكبا في حال ضعيفة.
تاسعها: خالي السّير: وهو أن يرى في أول البرج كوكبا. ولا يتصل بأي كوكب آخر في ذلك البرج، وأن يكون الكوكب في هذا الوقت ضعيفا، وأسوأ من ذلك أن يكون ذلك الكوكب كوكبا منحوسا.
عاشرها: وحشي السّير: وهو أن يأتي كوكب إلى برج ثم يخرج منه دون أن يتّصل به كوكب ما. وهذه الحال تتجه نحو القمر وهو نحس. وأسوأ منه أن يظهر في القوس.
وفي هذا دلالة على عدم حصول المراد ونقصان المال والكسب، وهذا كله بحسب بيوت الطوالع ونظرات المودّة أو العداوة.
الحادي عشر: التربيع الطبيعي: وهو أن يكون عطارد في برج الجوزاء وأن يرى كوكبا آخر في السنبلة، أو أن يكون هو نفسه في السنبلة ويرى كوكبا آخر في الجوزاء، وهذا التربيع هو بقوة التثليث. وتكون هذه الحالة للمشتري أيضا في برجي القوس والحوت.
ثاني عشر: دستورية: وذلك أربعة أنواع:
أحدها: جيّد بعيد، والثاني جيد ضعيف.
والجيّد البعيد هو ما ذكره صاحب المجمل. ثم إن النوعين الآخرين اللذين هما أقرب فأحدهما أن يقع صاحب الطالع في العاشر وصاحب العاشر في الطالع. والثاني: هو أن يكون كوكب في وتد، وذلك الوتد شرف أو بيت وأن يرى كوكبا آخر في وتده، وذلك البيت أو الشرف له، وهذا كمال القوة.
وهو دليل على السعادات الكبرى وحكم السلطنة والسعادات الداخلية والخارجية. وهذه
(1/95)

الدستورية منقولة بكاملها من شجرة الثمرة «1».
اتصال التّربيع:
[في الانكليزية] Disputed contiguous
2Lwalls -Contiguite contestee des murs
هو عند الفقهاء أن يكون أنصاف لبنات الحائط المتنازع فيه متداخلة في أنصاف لبنات
__________
(1) گفته اند چون كوكب متوجه از روي نظر يا تناظر به كوكبي ديگر شود وبعد بقدر جرم خود از متصل به پيدا كند ان توجه را اتصال گويند واين كوكب را متصل وجرم كوكب عبارت است از نور او در فلك از پس وپيش واين را معين ساخته اند پس نور جرم آفتاب پانزده درجه است ونور جرم ماه دوازده درجه ونور زحل ومشترى هريك نه درجه ومريخ هشت درجه وزهرة وعطارد هريك هفت درجه وعقده راس وذنب هريك دوازده درجه واتصال را سه حال بود هرگاه كه نور كوكبي به كوكبي رسد آغاز اتصال بود واين را اوّل اتصال گويند وچون بعد ميان هر دو بنصف جرمين رسد آغاز قوت اتصال بود واين را وساطت اتصال هم گويند وچون مركز بمركز رسد اتصال تمام گردد وغايت قوت اتصال بود وچون كوكب سبك رو وتيزرو بگذرد آغاز انصراف بود وچون بنصف جرمين رسد نهايت قوت اتصال بود وچون جرم از جرم منقطع شود نهايت تمام اتصال بود ونهايت انصراف اما اعتبار نصف جرمين روا بود در جميع اتصالات وبعضي گويند نصف جرم كمتر مفيد باشد
مثال او آنست كه جرم مشترى نه درجه است وجرم قمر دوازده درجه پس دوازده را با نه جمع كنند بيست ويك شود ونصف هر دو ده ونيم درجه پس هرگاه كه ميان مشترى وقمر به بيست ويك درجه بعد ماند نور هر دو بهم رسد وآغاز اتصال بود وچون ده درجه ونيم ماند آغاز قوت بود وچون قمر بيست ويك درجه بعد پيدا كند منصرف گشته بود واما اگر نصف جرم كمتر اعتبار كنند چون چهارم درجه ونيم بعد ماند آغاز قوت بود واين قول محكم تر است واين مثال اتصال مقارنه است وبر همين طريق قياس بايد كرد در اقسام باقي مثل اتصال تسديس وتربيع وتثليث بدان كه انواع اتصالات بسيار است
وآنچهـ اشهر است دوازده است اوّل قبول ونظر قبول آنست كه كوكبي در حظوظ كوكبي بود وان خانه است يا شرف يا مثلثه يا حد يا وجه يا صاحب ان حظ اتصال كند پس ان صاحب حظ آن را قبول كند چون او را در حظ خود بيند واين دليل بود بر روا شدن حاجت وتمامي محبت ميان دو كس دوم رد وان آنست نگه كوكبي ضعيف شده باشد مثل آنكه در وبال يا در هبوط يا راجع يا محترق باشد ونظر كوكبي كه بدو پيوندد از خود دور كند كه قوت قبول ندارد وحكم اين ضد حكم قبول است سيم دفع قوت وان آنست كه كوكبي كه در چنانچهـ حظوظ خويش بود وكوكبي ديگر بيند صاحب حظ أو را قوت دهد واگر هر دو در حظوظ خود باشند هريك قوت خود به ديگرى دهد چنانچهـ قمر در سرطان بود وزهره در ثور واين غايت دفع. قوت بود ودليل باشد بر دوستى ميان هر دو كس از طرفين وتمام شدن كارها از جد وجهد چهارم دفع طبيعت وان آنست
كه كوكبى در حظوظ كوكبي بود وديگرى در حظ ان كوكب وهم ديگر بتسديس هريك طبيعت خود به ديگرى دهد وبعضي كسان دفع قوت خوانند اين را واين وضع قوى تر است از دفع قوت واو را در سعادت وعطيت اميدها ورسانيدن به اميد كلى زياده از اوضاع همديگر باشد پنجم انكار وان آنست كه كوكبى ديگر را ببيند از وبال وهبوط پس ان كوكب اين را انكار كند چون در وبال وهبوط خودش بيند واين ضد دفع طبيعت است واگر هر دو در وبال وهبوط يكديگر باشند انكار از هر دو جانب بود وحكم ان ضد دفع طبيعت باشد
ششم نقل النور وان آنست كه كوكبى سبك رو گران رو را بيند وازو تمام منصرف نشده باشد كه ديگرى را بيند پس نور اوّل كوكب بثاني دهد اگرچهـ ان هر دو كوكب از همديگر ساقط باشند واين به مثابه اتصال باشد ميان ان هر دو كوكب مثلا كوكبى بود در حمل وديگرى در عقرب وكوكبى سبك روتر از هر دو در سرطان باشد اوّل ان كوكب را بيند كه در حمل است وهنوز ازو منصرف نشده باشد كه به كوكبى كه در عقرب است پيوندد پس نور اوّل به دوم نقل كرده باشد واين دليل بر توسط كارها است هفتم انتكاث وان آنست كه كوكبى سبك رو خواهد كه كوكب گران رو را بيند پس هنوز مركز بمركز نرسيده باشد كه كوكب سبك رو راجع شود يا راجع بود خواهد كه بگران رو پيوندد ومستقيم شود واتصال تمام نكند واين دليل شكستن عهد وپشيمانى ونوميدى از كارها بود هشتم بعيد الاتصال وان آنست كه كوكبى كه در برجى آيد وبا اوائل برج هيچ كوكب را نبيند وبآخر برج كوكبى را بيند در ان حال كوكب ضعيف بود نهم خالى السير وان آنست كه در اوّل برج كوكبى را بيند وبه هيچ كوكب ديكر نه پيوندد در آن برج واين وقت نيز كوكب ضعيف باشد وبدتر ان بود كه ان كوكب نحس بود
دهم وحشي السير وان آنست كه كوكبى در برجى آيد وبيرون رود كه هيچ كوكبى بدو نه پيوندد واين حال بقمر بسيار روى دهد ونحس بود وبدتر آنكه اين حال او را در قوس روى دهد واين دليل است بر عدم حصول مراد ونقصان مال وكسب واين همه بحسب خانهاى طالع بود ونظرهاى مودت وعداوت يازدهم تربيع طبيعي وان آنست كه عطارد در جوزا بود وكوكبى ديكر را بيند كه در سنبله است يا خود در سنبله باشد وكوكب ديكر را بيند كه در جوزا است اين تربيع بقوت تثليث باشد واين حالت مر مشترى را نيز باشد در قوس وحوت دوازدهم دستوريه وان چهار نوع است يكى آنكه نيك بعيد است ويكى نيك ضعيف ونيك بعيد ان است كه صاحب مجمل ياد كرده است پس دو نوع ديكر است كه نزديكتر است يكى آنكه صاحب طالع در عاشر افتد وصاحب عاشر در طالع ونوعى ديكر ان است كه كوكبى در وتدي باشد وان وتد خانه يا شرف
(1/96)

الحائط الغير المتنازع فيه إن كان الحائط من نحو الحجر، أو يكون ساجة أحدهما مركّبة في الأخرى إن كان من الخشب. وعن أبي يوسف «1» رحمه الله أنّ اتصال التربيع اتصال الحائط المتنازع فيه بحائطين آخرين لأحدهما واتصالهما بحائط آخر، كذا في جامع الرموز في كتاب الدعوى في فصل ولو اختلف المتبايعان.
اتصال الملازقة:
[في الانكليزية] Contiguous walls
[ في الفرنسية] Contiguites des murs
ويقال له اتصال الجوار أيضا، هو عند الفقهاء مجرّد اتصال بين الحائطين غير اتصال التربيع، هكذا يستفاد من جامع الرموز والبرجندي.
الاتّفاق:
[في الانكليزية] Agreement ،concord
[ في الفرنسية] Accord ،concordance
في اللغة: مرادف للموافقة، وهو عند المنجّمين نوعان: أحدهما، اتّفاق قوّة، ويسمّونه: تناظر مطلعي. والتالي: اتفاق طريقة وهو ما يقولون له تناظر زماني «2». وسيجيء ذكرهما في لفظ التناظر.
الاتفاقية:
[في الانكليزية] Convention
[ في الفرنسية] Convention
بياء النسبة هي عند المنطقيين قضية شرطية متّصلة حكم فيها بوقوع الاتصال بين الطرفين أو بلا وقوعه لا لعلاقة تقتضي الاتصال. وهذا التفسير يشتمل الصادقة والكاذبة والموجبة والسّالبة. ثم الاتفاقية الموجبة الصادقة إن وجب في صدقها صدق الطرفين تسمّى اتفاقية خاصّة وتعرف بأنّها التي يكون صدق التالي فيها على تقدير صدق المقدّم لا لعلاقة تقتضي الاتصال، بل بمجرّد توافق صدق الجزءين، كقولنا إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق، فإنه لا علاقة موجبة بين ناهقية الحمار وناطقية الإنسان حتى يجوّز العقل كل واحد منهما بدون الآخر. وليس فيهما إلّا توافق الطرفين على صدق، لكن يجب أن يصدق ويتحقق التالي على تقدير صدق المقدّم حتى لو كان التالي الصادق منافيا للمقدّم كقولنا إن لم يكن الإنسان ناطقا فهو ناطق لم يصدّق اتفاقية. وإن اكتفى في صدقها بصدق التّالي فقط تسمّى اتفاقية عامّة وتفسّر بأنها التي يكون فيها صدق التالي على تقدير صدق المقدّم لا لعلاقة بل بمجرد صدق التالي سواء كان المقدم فيها صادقا أو كاذبا سمّيت بذلك لأنها أعمّ من الأولى. فإنّه متى صدق المقدّم والتّالي فقد صدق التّالي بلا عكس كلّي. وتطلق الاتفاقية أيضا على قسم من الشرطية المنفصلة وهي التي حكم فيها بالتنافي لا لذات الجزءين بل بمجرد أن يتفق في الواقع أن يكون بينهما منافاة وإن لم يقتض مفهوم أحدهما أن يكون منافيا للآخر كقولنا للأسود اللاكاتب إما أن يكون هذا أسود أو كاتبا فإنه لا منافاة بين الأسود واللاكاتب، لكن تحقق السّواد وانتفاء الكتابة. وعلى هذا فقس السّالبة الاتفاقية فإنها رفع هذا المفهوم. هكذا يستفاد من شرح
__________
- او باشد وكوكبي ديكر را بيند كه ان كوكب هم در وتد وى باشد وان خانه يا شرف او باشد واين كمال قوت بود ودليل سعادتهاى بزرگ وحكم سلطنت باشد وسعادتهاى داخلي وخارجي واين دستوريه است اين همه منقول است از شجره ثمره.
(1) أبو يوسف هو الإمام يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الانصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف. ولد بالكوفة عام 113 هـ/ 731 م وتوفي ببغداد عام 182 هـ/ 798 م. صاحب أبي حنيفة النعمان وتلميذه، فقيه حنفي، أصولي، حافظ للحديث وقاض، لقب بقاضي القضاة. له الكثير من الكتب الهامة. الأعلام 8/ 193، مفتاح السعادة 2/ 100، أخبار القضاة 3/ 254، النجوم الزاهرة 2/ 107، البداية والنهاية 10/ 180، تاريخ بغداد 4/ 242، وفيات الأعيان 2/ 303، مرآة الجنان 1/ 382، شذرات الذهب 1/ 298، معجم المفسرين 2/ 739، هدية العارفين 2/ 536.
(2) در لغت مرادف موافقت است ونزد منجمان دو نوعست يكى اتفاق قوت كه آن را تناظر مطلعي خوانند دوم اتفاق طريقت وان را تناظر زماني گويند.
(1/97)

الشمسية وغيره وسيجيء في بيان معنى العلاقة ما يتعلق بهذا المقام.
الإثبات:
[في الانكليزية] Confirmation
[ في الفرنسية] Confirmation
عند القرّاء ضدّ الحذف كما في شرح الشاطبي «1» وعند الصوفية ضدّ المحو كما سيجيء.
الأثر:
[في الانكليزية] Sign ،effect ،news
[ في الفرنسية] Signe ،effet ،nouvelle
بفتح الألف والثاء المثلثة في اللغة الفارسيّة العلامة، وعلامة الجرح، وسنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام «2» كذا في الصراح «3».
وفي مجمع السلوك الرواية تطلق على فعل النبي وقوله صلى الله عليه وسلم، والخبر على قول النبي لا على فعله، والآثار على أفعال الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي مقدمة ترجمة شرح المشكاة «4» الأثر عند المحدّثين يطلق على الحديث الموقوف والمقطوع كما يقولون جاء في الآثار كذا. والبعض يطلقه على الحديث المرفوع أيضا كما يقال جاء في الأدعية المأثورة كذا. وفي خلاصة الخلاصة «5» ويسمّي الفقهاء الموقوف أثرا والمرفوع خبرا وأطلق المحدّثون الأثر عليهما. وفي الجواهر وأما الأثر فمن اصطلاح الفقهاء فإنهم يستعملونه في كلام السلف وسيجيء في لفظ الحديث. وفي تعريفات السيد الجرجاني الأثر له أربعة معان الأول بمعنى النتيجة وهو الحاصل من الشيء، والثاني بمعنى العلامة، والثالث بمعنى الخبر، والرابع ما يترتّب على الشيء وهو المسمّى بالحكم عند الفقهاء.
الاثنا عشري:
[في الانكليزية] Duodenum
[ في الفرنسية] Duodenum
عند الأطباء اسم معاء متصل بقعر المعدة وله فم يلي المعدة يسمّى بوابا يندفع الثفل من المعدة إليه. وهو مقابل للمريء لأن المريء للدخول في المعدة وهو للخروج منها، ويسمّى بالاثنا عشري لأنّ طوله في عرض «6» البدن بهذا القدر من أصابع صاحبه إذا كانت منضمّة، كذا في بحر الجواهر. واثنا عشرية البروج والكواكب لدى المنجمين اسم لقسم من أقسام البروج الاثني عشر، وكلّ برج يقسم إلى اثني عشر قسما، وكل قسم من هذه الأقسام ينقسم إلى درجتين ونصف أيضا. وعليه فإن القسم الأول يطلق على كلّ صاحب بيت، والقسم الثاني على كلّ صاحب البرج الثاني الذي بعده بمقدار برج. وهكذا إلى اثني عشر برجا. هذا ما قاله في الشجرة. وهو ما يقال له في الفارسية اثنا عشر حصة «7».
__________
(1) شرح الشاطبي أو شرح الشاطبية لشهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد الحلبي المعروف بابن سمين (- 756 هـ/ 1355 م). والشاطبية قصيدة في القراءات وتعرف بحرز الاماني. الاعلام 5/ 180. اسماء الكتب 207.
(2) نشان ونشان زخم وسنت رسول.
(3) الصراح من الصحاح لأبي الفضل محمد بن عمر المعروف بجمال القرشي والصراح مختصر لصحاح الجوهري. الهند 1328 هـ. معجم المطبوعات العربية 707.
(4) شرح المشكاة في الحديث سترد لاحقا.
(5) خلاصة الخلاصة لعلي بن محمود بن محمد الرائض البدخشاني، قازان، 1851، باعتناء المستشرق الالماني فلا يشر.
اكتفاء القنوع 354.
(6) عرض (- م).
(7) نزد منجمان اسم قسمي است از دوازده اقسام يك برج وآن چنانست كه هر برجي را به دوازده قسمت كرده اند هر قسمي دو درجه ونيم باشد. پس قسم اوّل بهر صاحب بيت بود. وقسم دوم بهر صاحب بروج دوم كه بعد ان برج باشد همچنين تا به دوازده برج داده شود اين در شجره گويد واين را در فارسي دوازده بهره گويند.
(1/98)

الاثنينيّة:
[في الانكليزية] Dualism
[ في الفرنسية] Dualisme
هي كون الطبيعة ذات وحدتين ويقابلها كون الطبيعة ذات وحدة أو وحدات. والاثنان هما الغيران. وقال بعض المتكلّمين ليس كل اثنين بغيرين. وستعرف تفصيله في لفظ التغاير.
أثور:
[في الانكليزية] Athur (Egyptian month)
[ في الفرنسية] Athur (mois Egyptien)
اسم شهر في تقويم القبط القديم «1».
الإجارة:
[في الانكليزية] Lease ،fees
[ في الفرنسية] Loyer ،redevance ،bail
بحركة الهمزة وبالجيم كما في القاموس وهي بيع المنافع كما في الهداية، فإنها وإن كانت في الأصل مصدر أجر زيد يأجر بالضم أي صار أجيرا إلّا أنّها في الأغلب تستعمل بمعنى الإيجار إذ المصادر قد يقام بعضها مقام بعض، فيقال آجرت الدار إجارة أي أكريتها، ولم يجيء من فاعل هذا المعنى على ما هو الحق كما في الرضي. لكن في القاموس «2» وغيرها أنّها اسم الأجرة يقال آجره المملوك أجرا كآجره إيجارا، أي أكراه أي أعطاه ذلك بأجرة، وهي كالأجر أي ما يعود إليه من الثواب. وشرعا بيع نفع معلوم بعوض معلوم دين أو عين. والنفع المنفعة وهي اللّذة والراحة من دفع الحرّ والبرد وغيرهما. والمراد بالدّين المثلي كالنقود والمكيل والموزون والمعدود المتقارب وبالعين القيمي وهو ما سوى المثلي.
والعوض أعمّ من المال والنفع. وخرج به العارية والوصيّة بالنفع. والأصل أنّ كلّ ما يصلح ثمنا في البيع يصلح أجرة في الإجارة وما لا فلا، إلّا المنفعة فإنها تصلح أجرة إذا اختلف الجنس ولا تصلح ثمنا. وقولنا معلوم أي جنسا وقدرا. وقيد لا على التأبيد مراد هاهنا، كما أنّ قيد التأبيد مراد في البيع فخرج بيع حق المرور.
الإجازة:
[في الانكليزية] Licence ،permission
[ في الفرنسية] Licence ،permission
هي مصدر أجاز وهي لغة بمعنى: طيّ المسافة وترك المكان، والانقضاء وإعطاء الإذن لشخص. وفي الشعر إتمام المصراع الثاني والمجيء في حرف الروي بطاء وفي آخر بحرف دال «3»، كما في الصراح. وحقيقتها عند المحدّثين الإذن في الرّواية لفظا أو كتابة.
وأركانها المجيز والمجاز له ولفظ الإجازة. ولا يشترط القبول فيها. فقيل هي مصدر أجاز.
وقيل هي مأخوذة من جواز الماء، يقال استجزته فأجاز لي إذا سقاك ماء. وهي عندهم خمسة أقسام: أحدها إجازة معيّن لمعيّن سواء كان واحدا كأجزتك كتاب البخاري، أو أكثر كأجزت فلانا جميع ما اشتمل عليه فهرستي.
وثانيها إجازة معيّن في غير معيّن كأجزتك مسموعاتي. والصحيح جواز الرّواية بهذين النوعين ووجوب العمل بهما. وثالثها إجازة العموم كأجزت للمسلمين وجوّزها الخطيب «4» مطلقا وخصّصها القاضي أبو الطيّب «5» بالموجودين عند الإجازة. ورابعها إجازة
__________
(1) اثور اسم ماهيست در تاريخ قبط قديم.
(2) القاموس المحيط والقاموس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن ابراهيم الفيروزآبادي الشيرازي (- 817 هـ/ 1414 م). طبع في كلكوتا باعتناء M .Lumsden سنة 1230 - 1232 هـ. معجم المطبوعات العربية 1470.
(3) الاجازة بريدن مسافت وپس افگندن جاي بگذشتن از وى وگذرانيدن واجازت دادن بر نام كسي ودر شعر مصراع ديگرى را تمام كردن ويكى روي طا آوردن ويكى دال.
(4) الخطيب: سبق التعريف به في المقدمة تحت اسم الخطيب القزويني أو خطيب دمشق.
(5) القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر، الطبري، ولد بطبرستان عام 348 هـ/ 960 م. وتوفي ببغداد عام 450 هـ/-
(1/99)

المعدوم كأجزت لمن يولد. والصحيح بطلانها.
ولو عطفه على الموجود كأجزت لفلان ولمن يولد له فجائز على الأصح. وخامسها إجازة المجاز كأجزت لك جميع مجازاتي وهي صحيحة. ومن محسّنات الإجازة أن يكون المجيز عالما بما يجيزه، والمجاز له من أهل العلم. وينبغي للمجيز بالكتابة أن يتلفّظ بها فإن اقتصر على الكتابة مع صدق الإجازة صحّت، كذا في خلاصة الخلاصة وغيره.
الاجتباء:
[في الانكليزية] Election .illumination
[ في الفرنسية] Election ،illumination
بباى موحده مصدر است از باب افتعال بمعنى بركزيدن- الانتخاب- كما في المنتخب «1». وهو في اصطلاح أهل السّلوك من الصوفية عبارة عن فيوضات ربّانية خاصة لبعض عباده. فتحصل لهم النعم بدون اجتهاد منهم.
وذلك فقط للأنبياء والرسل والشهداء والصدّيقين لا غير. والاصطفاء الخالص هو الاجتباء الخالي من أي شائبة، كذا ورد في مجمع السلوك في بيان التوكّل «2».
الاجتماع:
[في الانكليزية] Union ،determination ،neighbourhood
[ في الفرنسية] Union ،determination ،voisinage
عند أهل الرّمل اسم شكل صورته هكذا: عند المنجّمين وأهل الهيئة هو جمع النيّرين أي الشمس والقمر في جزء من فلك البروج، وذلك الجزء الذي اجتمع النّيران فيه يسمّى جزء الاجتماع، وسيجيء في لفظ النظر. وعند بعض الحكماء يطلق على الإرادة كما وقع في شرح الإشارات، وهكذا ذكر في شرح حكمة العين وحاشيته للسيّد السّند في آخر الكتاب. وعند المتكلّمين قسم من الكون ويسمى تأليفا ومجاورة ومماسّة أيضا، كما سيجيء.
الاجتماع بالدّليل:
[في الانكليزية] Demonstration by the examples
[ في الفرنسية] Demonstration par l'exemple
عند البلغاء هو أن يورد الشاعر صفة أو مقدمة ادّعائية، ثم يؤيّد ذلك بالبراهين العقلية أو الأدلة النقلية. ومثاله في البيت الفارسي الآتي:
الحديقة تمتزج بك وإن طلب أحد البرهان؛ فقدّك شجرة سرو وسالفتك سنبلة ووجهك الورد «3». كذا في جامع الصنائع.
اجتماع السّاكنين:
[في الانكليزية] Existence of two consonants together
[ في الفرنسية] Rencontre de deux consonnes
على حدّه وهو جائز وهو ما كان الأول حرف مدّ والثاني مدغما فيه كدابّة وخويصة في تصغير خاصّة. واجتماع الساكنين على غير حدّه وهو غير جائز، وهو ما كان على خلاف الساكنين على حده. وهو إمّا أن لا يكون الأول حرف مدّ أو لا يكون الثاني مدغما فيه، كذا في السيّد الجرجاني.
__________
- 1058 م. قاض، من فقهاء الشافعية له عدة مؤلفات هامة. الاعلام 3/ 222، وفيات الاعيان 1/ 233، طبقات الشافعية 3/ 176.
(1) منتخب تكميل الصناعة في القوافي (فارسي) لعطاء الله بن محمود الحسيني كان قد ألف التكميل ثم انتخب منه رسالة في القافية عرفت بمنتخب تكميل الصناعة. كشف الظنون 1/ 471.
(2) ودر اصطلاح سالكان عبارتست از آنكه حق تعالى بنده را بفيضي مخصوص گرداند كه از ان نعمتها بي سعي بنده را حاصل آيد وآن جز پيغامبران وشهداء وصديقان را نبود. واصطفاء خالص اجتبائى را گويند كه در ان به هيچ وجهي از وجوه شائبه نباشد كذا في مجمع السلوك في بيان التوكل.
(3) نزد بلغاء آنست كه شاعر صفتي يا مقدمه ادعائيه ايراد كند بعده آن را به براهين عقلية يا دلائل نقلية ثابت كند مثاله. شعر.
بياميزد ز تو باغي وگر برهان كسي خواهد. قدت سرويست وزلفت سنبل وگل رخ.
(1/100)

الاجتهاد:
[في الانكليزية] Ijtihad (independent judgement) jurisprudence
[ في الفرنسية] Ijtihad (jugement independant) jurisprudence
في اللغة استفراغ الوسع في تحصيل أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقّة. ولهذا يقال اجتهد في حمل الحجر ولا يقال اجتهد في حمل الخردلة. وفي اصطلاح الأصوليين استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي.
والمستفرغ وسعه في ذلك التحصيل يسمّى مجتهدا بكسر الهاء. والحكم الظنّي الشرعي الذي عليه دليل يسمّى مجتهدا فيه بفتح الهاء.
فقولهم استفراغ الوسع معناه بذل تمام الطّاقة بحيث يحسّ من نفسه العجز عن المزيد عليه، وهو كالجنس، فتبين بهذا أنّ تفسير الآمدي ليس اعمّ من هذا التفسير كما زعمه البعض. وذلك لأنّ الآمدي عرّف الاجتهاد باستفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد عليه.
وبهذا القيد الأخير خرج اجتهاد المقصّر وهو الذي يقف عن الطلب مع تمكنه من الزيادة على فعل من السعي، فإنه لا يعدّ هذا الاجتهاد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا. فزعم هذا البعض أنّ من ترك هذا القيد جعل الاجتهاد أعمّ. وقيد «1» الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه وسعه كاستفراغ النّحوي وسعه في معرفة وجوه الإعراب واستفراغ المتكلّم وسعه في التوحيد والصفات واستفراغ الأصولي وسعه في كون الأدلة حججا. قيل والظاهر أنّه لا حاجة لهذا الاحتراز. ولذا لم يذكر هذا القيد الغزالي والآمدي وغيرهما فإنه لا يصير فقيها إلّا بعد الاجتهاد، اللهم إلّا أن يراد بالفقه التهيّؤ بمعرفة الأحكام. وقيد الظن احتراز من القطع إذ لا اجتهاد في القطعيّات. وقيد شرعي احتراز عن الأحكام العقليّة والحسيّة. وفي قيد بحكم إشارة إلى أنّه ليس من شرط المجتهد أن يكون محيطا بجميع الأحكام ومدارها بالفعل، فإنّ ذلك ليس بداخل تحت الوسع لثبوت لا أدري في بعض الأحكام، كما نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ستّ وثلاثين منها لا أدري. وكذا عن أبي حنيفة قال في ثمان مسائل لا أدري، وإشارة إلى تجزئ الاجتهاد لجريانه في بعض دون بعض. وتصويره أنّ المجتهد حصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها، فهل له أن يجتهد فيها أو لا، بل لا بدّ أن يكون مجتهدا مطلقا عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل من الأدلة. فقيل له ذلك إذ لو لم يتجزّأ الاجتهاد لزم علم المجتهد الآخذ بجميع المآخذ ويلزمه العلم بجميع الأحكام، واللازم منتف لثبوت لا أدري كما عرفت. وقيل ليس له ذلك ولا يتجزّأ الاجتهاد، والعلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام لجواز عدم العلم بالبعض لتعارض، وللعجز في الحال عن المبالغة إمّا لمانع يشوّش الفكر أو استدعائه زمانا.
اعلم أن المجتهد في المذهب عندهم هو الذي له ملكة الاقتدار على استنباط الفروع من الأصول التي مهّدها أمامه كالغزالي ونحوه من أصحاب الشافعي وأبي يوسف ومحمد «2» من أصحاب أبي حنيفة، وهو في مذهب الإمام
__________
(1) قيل (م، ع).
(2) محمد بن حسن الشيباني هو محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبد الله. ولد بواسط عام 131 هـ/ 748 م وتوفي بالري عام 189 هـ/ 804 م. فقيه، أصولي مجتهد صاحب أبي حنيفة. تولى القضاء للرشيد. وكان فصيحا. له تصانيف هامة. الاعلام 6/ 80، الفوائد البهية 163، وفيات الاعيان 1/ 453، البداية والنهاية 10/ 202، الجواهر المضيئة 2/ 42، لسان الميزان 5/ 121، تاريخ بغداد 2/ 172 وغيرها.
(1/101)

بمنزلة المجتهد المطلق في الشرع حيث يستنبط الأحكام من أصول ذلك الإمام.
فائدة:
للمجتهد شرطان: الأول معرفة الباري تعالى وصفاته وتصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزاته وسائر ما يتوقّف عليه علم الإيمان، كلّ ذلك بأدلة إجماليّة وإن لم يقدر على التّحقيق والتفصيل على ما هو دأب المتبحّرين في علم الكلام. والثاني أن يكون عالما بمدارك الأحكام وأقسامها وطرق إثباتها ووجوه دلالاتها وتفاصيل شرائطها ومراتبها وجهات ترجيحها عند تعارضها والتقصّي عن الاعتراضات الواردة عليها، فيحتاج إلى معرفة حال الرّواة وطرق الجرح والتعديل وأقسام النّصوص المتعلقة بالأحكام وأنواع العلوم الأدبية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك، هذا في حقّ المجتهد المطلق الذي يجتهد في الشرع.
وأمّا المجتهد في مسألة فيكفيه علم ما يتعلّق بها ولا يضرّه الجهل بما لا يتعلّق بها، هذا كلّه خلاصة ما في العضدي وحواشيه وغيرها.
الأجرام الأثيريّة:
[في الانكليزية] Stars ،heavenly bodies
-
[ في الفرنسية] Astres ،corps celestes
هي الأجسام الفلكية مع ما فيها وتسمّى عالما علويّا أيضا، كذا ذكر الفاضل [عبد] «1» العلي البرجندي في بعض تصانيفه. وجرم الكوكب يطلق أيضا على نوره في الفلك وورد مشروحا في لفظ الاتصال، ويسمّى نصف الجرم أيضا، فإنّ جرم الشمس مثلا خمسة عشر درجة ممّا قبلها وكذا ممّا بعدها. ولا شك أنه نصف لمجموع مما قبلها ومما بعدها، كذا في كفاية التعليم «2».
الأجزاء:
[في الانكليزية] Parts
[ في الفرنسية] Parties
هو جمع الجزء، والأجزاء الأصلية والزائدة يذكر تفسيرهما في لفظ المنو.
الأجساد السّبعة:
[في الانكليزية] The seven elements
[ في الفرنسية] Les sept elements
عند الحكماء هي الذهب والفضّة والرصاص والأسرب «3» والحديد والنحاس والخارصيني «4»، كذا في شرح المواقف في فصل ما لا نفس له من المركبات.
الأجسام:
[في الانكليزية] Bodies
[ في الفرنسية] Corps
المختلفة الطبائع العناصر وما يتركب منها من المواليد الثلاثة. والأجسام البسيطة المستقيمة الحركة التي مواضعها الطبيعية داخل جوف فلك القمر، ويقال لها باعتبار أنها أجزاء للمركّبات أركان إذ ركن الشيء هو جزؤه وباعتبار أنها أصول لما يتألّف «5» منها أسطقسات وعناصر لأنّ الأسطقس هو الأصل بلغة اليونان، وكذا العنصر بلغة العرب، إلّا أنّ إطلاق الأسطقسات عليها باعتبار أنّ المركبات تتألّف منها وإطلاق العناصر باعتبار أنّها تنحلّ إليها فلوحظ في إطلاق لفظ الأسطقس معنى الكون وفي إطلاق لفظ العنصر معنى الفساد، كذا في تعريفات السيد الجرجاني.
الأجل:
[في الانكليزية] Term ،death time ،destiny
[ في الفرنسية] Terme ،l'heure de la mort ،destin
بفتح الألف والجيم لغة هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل. وأجل
__________
(1) [عبد] (+ م).
(2) كفاية التعليم في وضع التقويم لشهاب الدين أحمد بن غلام الحاسب الكوم الريشي (- 836 هـ/ 1432 م). إيضاح المكنون 2/ 371.
(3) الأجساد السبعة: يعني الرصاص الأسود.
(4) الخارصين (م).
(5) يتوقف (م).
(1/102)

الحيوان عند المتكلّمين هو الوقت الذي علم الله بموت ذلك الحيوان فيه. فالمقتول عند أهل السنّة ميّت بأجله وموته بفعله تعالى، ولا يتصوّر تغيّر هذا المقدّر بتقديم ولا تأخير. قال الله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ «1». وقال المعتزلة بل تولّد موته من فعل القاتل فهو من أفعاله لا من فعل الله، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي قدّره الله له. فالقاتل عندهم غيّر الأجل بالتقديم.
وفي شرح المقاصد إن قيل إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى كان المقتول ميّتا بأجله قطعا، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك قطعا من غير تصوّر خلاف، فكان النزاع «2» لفظيا على ما يراه الأستاذ «3» وكثير من المحققين. قلنا المراد بأجله زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدّم ولا تأخّر. ومرجع الخلاف إلى أنه هل يتحقّق في حقّ المقتول مثل ذلك أم المعلوم في حقّه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش، فالنزاع معنوي، انتهى. وقيل مبنى الخلاف هو الاختلاف في أنّ الموت وجودي أو عدمي. فلما كان الموت وجوديا نسب إلى القاتل إذ أفعال العباد مستندة إليهم عند المعتزلة.
وأما عند أهل السنّة فجميع الأشياء مستندة إلى الله تعالى ابتداء. فسواء كان الموت وجوديا أو عدميا ينسب موت المقتول إلى الله. وبعض المعتزلة ذهب إلى أنّ ما لا يخالف العادة واقع بالأجل منسوب إلى القاتل كقتل واحد بخلاف قتل جماعة كثيرة في ساعة فإنه لم تجر العادة بموت جماعة في ساعة. وردّ بأنّ الموت في كلتا الصّورتين متولّد من فعل القاتل عندهم فلماذا كان أحدهما بأجله دون الآخر. ثمّ الأجل واحد عند المتكلّمين سوى الكعبي حيث زعم أنّ للمقتول أجلين القتل والموت، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت. ولا يتقدّم الموت على الأجل عند الأشاعرة «4» ويتقدّم عند المعتزلة، انتهى.
وزعم الفلاسفة أن للحيوان أجلا طبيعيا ويسمّى بالأجل المسمّى والموت الافترائي وهو وقت موته بتحلّل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيّتين، وأجلا اختراميّا ويسمّى بالموت الاخترامي أيضا وهو وقت موته بسبب الآفات والأمراض، هكذا يستفاد من شرح المواقف وشرح العقائد وحواشيه، ويجيء أيضا في لفظ الموت.
الإجماع:
[في الانكليزية] Consensus ،unanimous agreement
[ في الفرنسية] Consensus ،accord unanime
في اللغة هو العزم، يقال أجمع فلان على كذا أي عزم. والاتفاق، يقال أجمع القوم على كذا أي اتفقوا. وفي اصطلاح الأصوليين هو
__________
(1) الاعراف/ 34.
(2) الخلاف (م).
(3) الأستاذ الأسفراييني هو ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران، أبو إسحاق. مات بنيسابور عام 418 هـ/ 1027 م. عالم بالفقه والأصول. تنقّل بين البلاد، وله عدة مؤلفات. الاعلام 1/ 61، وفيات الأعيان 1/ 4، شذرات الذهب 3/ 209، طبقات السبكي 3/ 111.
(4) الأشاعرة: فرقة كلامية تنسب للإمام أبي الحسن الأشعري الذي انشق عن مذهب الاعتزال وعاد إلى الحق كما قال، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وقد كانت لهم آراء واضحة ضد جميع الفرق المبتدعة. وتطورت هذه الفرقة وظهر من أعلامها: الجويني، الباقلاني، الغزالي، الأسفراييني والرازي وغيرهم، ووضعوا العديد من المؤلفات التي كشفت عن معتقد أهل السنة والجماعة كما كتب الكثير عنهم مثل ابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما ينسب للامام الأشعري، جلال موسى في نشأة الأشعرية وتطورها، وغير ذلك وقد أفرد لهم الشهرستاني فصلا هاما في كتابه: الملل والنحل 92 - 103.
(1/103)

اتفاق خاص، وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر على حكم شرعي. والمراد بالاتفاق الاشتراك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأفعال أو السكوت والتقرير. ويدخل فيه ما إذا أطبق البعض على الاعتقاد والبعض على غيره مما ذكر بحيث يدلّ على ذلك الاعتقاد. واحترز بلفظ المجتهدين بلام الاستغراق عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق غيرهم من العوام والمقلّدين، فإنّ موافقتهم ومخالفتهم لا يعبأ بها. وقيد من أمة محمد للاحتراز عن اتفاق مجتهدي الشرائع السالفة.
ومعنى قولهم في عصر في زمان ما قلّ أو كثر، وفائدته الإشارة إلى عدم اشتراط انقراض عصر المجمعين. ومنهم من قال يشترط في الإجماع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، فلا يكفي عنده الاتفاق في عصر بل يجب استمراره ما بقي من المجمعين أحد، فلا بدّ عنده من زيادة قيد في الحدّ، وهو إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم، والإشارة إلى دفع توهم اشتراط اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيمة. وقيد شرعي للاحتراز عن غير شرعي إذ لا فائدة للإجماع في الأمور الدنيوية والدينية الغير الشرعية، هكذا ذكر صدر الشريعة. وفيه نظر لأنّ العقلي قد يكون ظنيّا، فبالإجماع يصير قطعيا، كما في تفضيل الصحابة وكثير من الاعتقاديات. وأيضا الحسّي الاستقبالي قد يكون ممّا لم يصرّح المخبر الصادق به بل استنبطه المجتهدون من نصوصه فيفيد الإجماع قطعيته. وأطلق ابن الحاجب وغيره الأمر ليعمّ الأمر الشرعي وغيره حتى يجب اتّباع إجماع آراء المجتهدين في أمر الحروب وغيرها. ويردّ عليه أنّ تارك الإتباع إن أثم فهو أمر شرعي وإلّا فلا معنى للوجوب.
اعلم أنهم اختلفوا في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حيّ أو ميّت أم لا. فقيل لا يجوز بل يمتنع مثل هذا الإجماع فإنّ العادة تقتضي بامتناع الاتفاق على ما استقرّ فيه الخلاف. وقيل يجوز. والقائلون بالجواز اختلفوا، فقال بعضهم يجوز وينعقد، وقال بعضهم يجوز ولا ينعقد أي لا يكون إجماعا هو حجة شرعية قطعية. فمن قال لا يجوز أو يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه.
أمّا على القول الأول فلعدم دخوله في الجنس.
وأمّا على الثاني فلكونه من أفراد المحدود.
وأمّا من يقول يجوز ولا ينعقد فلا بدّ عنده من قيد يخرجه بأن يزيد في الحدّ لم يسبقه خلاف مستقر من مجتهد.
ثم اعلم أنّ هذا التعريف إنّما يصحّ على قول من لم يعتبر في الإجماع موافقة العوام ومخالفتهم كما عرفت. فأما من اعتبر موافقتهم فيما لا يحتاج فيه إلى الرأي وشرط فيه اجتماع الكلّ، فالحدّ الصحيح عنده أن يقال هو الاتفاق في عصر على أمر من الأمور من جميع من هو أهله من هذه الأمة. فقوله من هو أهله يشتمل المجتهدين فيما يحتاج فيه إلى الرأي دون غيرهم، ويشتمل الكلّ فيما لا يحتاج فيه إلى الرأي فيصير جامعا مانعا. وقال الغزالي الإجماع هو اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أمر ديني. قيل وليس بسديد، فإنّ أهل العصر ليسوا كلّ الأمة وليس فيه ذكر أهل الحلّ والعقد أي المجتهدين، ولخروج القضيّة العقلية والعرفية المتّفق عليهما. وأجيب عن الكلّ بالعناية، فالمراد بالأمة الموجودون في عصر فإنه المتبادر، والاتفاق قرينة عليه، فإنه لا يمكن إلّا بين الموجودين. وأيضا المراد المجتهدون لأنهم الأصول والعوام أتباعهم فلا رأي للعوام. ثم الأمر الديني يتناول الأمر العقلي والعرفي لأنّ المعتبر منهما ليس بخارج عن البيّن، فإن تعلّق به عمل أو اعتقاد فهو أمر ديني وإلّا فلا يتصوّر حجّيته فيه إذ المراد
(1/104)

بالإجماع المحدود الإجماع الشرعي دون العقلي والعرفي بقرينة أنّ الإجماع حجّة شرعية، فما دلّ عليه فهو شرعي، هذا كله خلاصة ما في العضدي وحاشيته للمحقق التفتازاني والتلويح.
اعلم أنّه إذا اختلف الصحابة في قولين يكون إجماعا على نفي قول ثالث عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال بعض المتأخرين أي الآمدي المختار هو التفصيل، وهو أن القول الثالث إن كان يستلزم إبطال ما أجمعوا عليه فهو ممتنع، وإلّا فلا إذ ليس فيه خرق الإجماع، حيث وافق كلّ واحد من القولين من وجه، وإن خالفه من وجه. فمثال الأوّل أنهم اختلفوا في عدّة حامل توفّي عنها زوجها، فعند البعض تعتدّ بأبعد الأجلين وعند البعض بوضع الحمل. فعدم الاكتفاء بالأشهر قبل وضع الحمل مجمع عليه.
فالقول بالاكتفاء بالأشهر قبل الوضع قول ثالث لم يقل به أحد لأنّ الواجب إمّا أبعد الأجلين أو وضع الحمل، ومثل هذا يسمّى إجماعا مركّبا. ومثال الثاني أنهم اختلفوا في فسخ النّكاح بالعيوب الخمسة وهي الجذام والبرص والجنون في أحد الزوجين والجبّ والعنّة في الزوج والرّتق والقرن في الزوجة. فعند البعض لا فسخ في شيء منها وعند البعض حقّ الفسخ ثابت في الكلّ. فالفسخ في البعض دون البعض قول ثالث لم يقل به أحد ويعبّر عن هذا بعدم القائل بالفصل وإجماع المركّب أيضا.
وبالجملة فالإجماع المركّب أعمّ مطلقا من عدم القائل بالفصل لأنه يشتمل على ما إذا كان أحدهما أي أحد القائلين قائلا بالثّبوت في إحدى الصّورتين فقط والآخر بالثّبوت فيهما أو بالعدم فيهما، وعلى ما إذا كان أحدهما قائلا بالثبوت في الصّورتين والآخر بالعدم في الصّورتين وعدم القائل بالفصل هذه الصورة الأخيرة. وإن شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح والتلويح. وقال الجلبي في حاشية التلويح: وقيل الإجماع المركّب الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في العلّة، وعدم القول بالفصل هو الإجماع المركّب الذي يكون القول الثالث فيه موافقا لكلّ من القولين من وجه كما في فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، فكأنهم عنوا بالفصل التفصيل، انتهى. وفي معدن الغرائب «1» الإجماع على قسمين مركّب وغير مركّب.
فالمركّب إجماع اجتمع عليه الآراء على حكم حادثة مع وجود الاختلاف في العلّة، وغير المركّب هو ما اجتمع عليه الآراء من غير إختلاف في العلّة. مثال الأول أي المركّب من علّتين الإجماع على وجود الانتقاض عند القيء ومسّ المرأة. أما عندنا معاشر الحنفية فبناء على أنّ العلّة هي القيء. وأمّا عند الشافعي فبناء على أنّها المسّ. ثم هذا النوع من الإجماع لا يبقى حجة بعد ظهور الفساد في أحد المأخذين أي العلّتين، حتى لو ثبت أن القيء غير ناقض فأبو حنيفة لا يقول بالانتقاض. ولو ثبت أنّ المسّ غير ناقض فالشافعي لا يقول بالانتقاض لفساد العلّة المبني عليها الحكم. ثم الفساد متوهّم في الطرفين لجواز أن يكون أبو حنيفة مصيبا في مسألة المسّ مخطئا في مسألة القيء والشافعي مصيبا في مسألة القيء مخطئا في مسألة المسّ، فلا يؤدّي هذا الإجماع إلى وجود الإجماع على الباطل. وبالجملة فارتفاع هذا الإجماع جائز بخلاف الإجماع الغير المركّب.
ثم قال: ومن الإجماع قسم آخر يسمّى عدم «2» القائل بالفصل وهو أن تكون المسألتان
__________
(1) معدن الغرائب، شرح كنز الدقائق في فروع الحنفية، لمؤلف مجهول. أما الكنز فلأبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بالنسفي (- 710 هـ/ 1310 م).
(2) عدم (- م).
(1/105)

مختلفا فيهما، فإذا ثبت أحدهما على الخصم ثبت الآخر لأنّ المسألتين إمّا ثابتتان معا أو منفيّتان معا، وهو نوع من الإجماع المركّب.
وله نوعان أحدهما ما إذا كان منشأ الخلاف في المسألتين واحدا كما إذا خرّج العلماء من أصل واحد مسائل مختلفة، ونظيره إذا أثبتنا أنّ النهي عن التصرّفات الشرعية كالصلاة والبيع يوجب تقريرها، قلنا يصحّ النذر بصوم يوم النّحر والبيع الفاسد يفيد الملك عند القبض بعدم القائل بالفصل لأنّ من قال بصحة النذر قال بإفادة الملك كما قال أصحابنا. فإذا أثبتنا الأول ثبت الآخر إذ لم يقل أحد بصحّة النّذر وعدم إفادة الملك، ومنشأ الخلاف واحد وهو أن النهي عن التصرفات الشرعية يوجب تقريرها. والثاني ما «1» إذا كان منشأ الخلاف مختلفا وهو ليس بحجة كما إذا قلنا القيء ناقض فيكون البيع الفاسد مفيدا للملك بعدم القائل بالفصل، ومنشأ الخلاف مختلف فإنّ حكم القيء ثابت بالأصل المختلف فيه، وهو أنّ غير الخارج من السبيلين ينقض الوضوء عندنا بالحدث، وحكم البيع الفاسد «2» متفرّع على أنّ النهي عن التصرفات الشرعية يوجب تقريرها.
الأجوف:
[في الانكليزية] Vena cava
[ في الفرنسية] Veine cave
هو عند الصرفيين لفظ عينه حرف علّة ويسمّى معتلّ العين وذا الثلاثة أيضا كقول وبيع وقال وباع. فإن كان حرف العلّة واوا يسمّى الأجوف الواوي وإن كان حرف العلّة ياء يسمّى الأجوف اليائي. وعند الأطباء اسم عرق نبت من محدّب الكبد لجذب الغذاء منه إلى الأعضاء، وإنما سمّي به لأنّ تجويفه أعظم من باقي العروق، وهما أجوفان الأجوف الصاعد والأجوف النازل، وكلّ منهما منشعب بشعب مختلفة. والأجوفان أيضا البطن والفرج والعصبان المجوّفان الكائنان في العينين، وليس في البدن غيرهما عصب مجوّف نابت من الدماغ، كذا في بحر الجواهر. وقد يطلق الأجوف على معاء مخصوص أيضا كما تقرّر في علم التشريح.
الأجير:
[في الانكليزية] Salaried employee
[ في الفرنسية] Salarie
فعيل بمعنى الفاعل أي آخذ الأجرة ويسمّى المستأجر أيضا بفتح الجيم. وهو في الشرع نوعان: أجير المشترك بالإضافة على أنّ المشترك مصدر ميمي، ويقال الأجير المشترك على التوصيف أيضا وهو الذي ورد العقد على عمل مخصوص منه يعلم ببيان محلّه. فالمعقود عليه هو العمل فهو يستحق الأجرة بالعمل. وله أن يعمل للعامة أيضا ولذا سمّي مشتركا كالقصار ونحوه. والأجير الخاص وهو الذي ورد العقد على منافعه مطلقا وهو يستحق الأجر بتسليم نفسه مدة عقد الإجارة وإن لم يعمل ويسمّى أجير وحد أيضا بسكون الحاء بمعنى الوحدة أو بفتحها بمعنى الواحد أي أجير المستأجر الواحد، فالتركيب على الوجهين إضافي. هذا كلّه خلاصة ما في جامع الرموز وغيره من شروح مختصر الوقاية.
الإحالة:
[في الانكليزية] Transformation
[ في الفرنسية] Transformation
عند الحكماء عبارة عن تغيير الشيء في الكيفيات كالتسخين والتبريد ويلزمها الاستحالة كالتسخّن والتبرّد وقد يقال على ما يعمّ ذلك، وتغيير صورة الشيء أي حقيقته وجوهره المسمّى بالتكوين والإفساد، ويلزمها الكون والفساد.
وهذا المعنى هو المراد بالإحالة الواقعة في تعريف الغاذية، كذا في شرح حكمة العين في
__________
(1) ما (- م).
(2) الفاسد (- م،- ع).
(1/106)

مبحث النفس النباتية.
الاحتباس:
[في الانكليزية] Constipation
[ في الفرنسية] Constipation arret
بالباء الموحدة عند الأطباء هو احتقان المواد في البدن ويجيء لازما ومتعديا ومنه احتباس الطّمث، كذا في حدود الأمراض.
الاحتباك:
[في الانكليزية] Ellipsis
[ في الفرنسية] Ellipse
بالباء الموحدة وهو عند أهل البيان من ألطف أنواع الحذف وأبدعها وقلّ من تنبّه أو نبّه عليه من أهل فن البلاغة، وذكره الزركشي في البرهان ولم يسمّه هذا الاسم بل سمّاه الحذف المقابلي، وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي «1». وقال الأندلسي «2» في شرح البديعة «3» ومن أنواع البديع الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ «4» الآية. التقدير ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الذي ينعق عليه ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه. وقوله: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ «5» التقدير تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء، فحذف من الأول تدخل غير بيضاء ومن الثاني وأخرجها. وقال الزركشي هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كلّ واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، نحو أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ «6» التقدير إن افتريته فعليّ إجرامي وأنتم براء منه وعليكم إجرامكم وأنا برئ ممّا تجرمون. ونحو وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ «7» أي يعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. ونحو وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ «8» أي حتى يطهرن من الدم ويتطهرن بالماء فإذا تطهّرن ويتطهّرن فأتوهن. ونحو خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً «9» أي عملا صالحا بسيّئ وآخر سيئا بصالح. ومأخذ هذه التّسمية من الحبك الذي معناه الشدّ والإحكام وتحسين أثر الصّبغة في الثوب فحبك الثوب سدّ ما بين خيوطه من الفرج وشدّه وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق. وبيان أخذه منه أنّ مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج من الخيوط فلمّا أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في
__________
(1) برهان الدين البقاعي: هو ابراهيم بن عمر بن حسن الرّباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن. ولد بقرية خربة روحا بالبقاع عام 809 هـ/ 1406 م، وتوفي بدمشق عام 885 هـ/ 1480 م. مؤرخ، مفسّر، محدّث وأديب، له الكثير من المؤلفات. الاعلام 1/ 56، معجم المفسرين 1/ 17 البدر الطالع 1/ 19، الضوء اللامع 1/ 101، شذرات الذهب 7/ 339، معجم المؤلفين 1/ 71، هدية العارفين 1/ 21، معجم المصنفين 3/ 277.
(2) هو أحمد بن يوسف بن مالك الرّعيني الغرناطي ثم البيري، أبو جعفر الأندلسي ولد بعد سنة 700 هـ/ بعد 1300 م. وتوفي عام 779 هـ/ 1378 م. أديب، عارف بالنحو، شاعر، تنقل إلى المشرق، وله تأليف كثيرة. الأعلام 1/ 274، الدرر الكامنة 1/ 340، بغيه الوعاة 14.
(3) شرح البديعية لأحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الأندلسي، وهي في علم البلاغة والمعاني. النجوم 11/ 189، كشف الظنون 1/ 233.
(4) البقرة/ 171.
(5) النمل/ 12.
(6) هود/ 35.
(7) الأحزاب/ 24.
(8) البقرة/ 222.
(9) التوبة/ 102.
(1/107)

نظمه وحوكه، فوضع المحذوف مواضعه، كان حائكا له مانعا من خلل يطرقه، فسدّ بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسي من الحسن والرونق كذا في الإتقان في نوع الإيجاز والإطناب.
الاحتراس:
[في الانكليزية] Prolixity by precaution
[ في الفرنسية] Prolixite par precaution
بالراء المهملة عند أهل المعاني نوع من إطناب الزيادة ويسمّى التكميل. وهو أن يؤتى في وسط الكلام أو آخره الذي يوهم خلاف المقصود بما يرفع ذلك الوهم. وقولهم الذي صفة الكلام وقولهم بما يرفع متعلّق بيؤتى، كقوله تعالى: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ «1» فالجملة الوسطى احتراس لئلّا يتوهّم أنّ التكذيب لما في نفس الأمر. قال في عروس الأفراح «2» فإن قيل كل من ذلك أفاد معنى جديدا فلا يكون إطنابا قلنا هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهّم غيره وإن كان له معنى في نفسه. وكقوله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «3»
فقوله وهم لا يشعرون احتراس لئلّا يتوهّم نسبة الظلم إلى سليمان. وإنما سمّي بالاحتراس لأنّ الاحتراس هو التحفظ، وفيه تحفّظ الكلام عن نقصان الإيهام. ووجه تسميته بالتكميل ظاهر. ثم النسبة بينه وبين الإيغال أنّ الاحتراس أعمّ منه من جهة أنه يكون في البيت وغيره ويكون في أثناء الكلام وآخره، بخلاف الإيغال فإنّه يجب أن يكون في آخر البيت وأخصّ منه من جهة أنّه يجب أن يكون لرفع إيهام خلاف المقصود بخلاف الإيغال فإنه لا يجب أن يكون لرفع الإيهام المذكور، فبينهما عموم وخصوص من وجه. وأما النسبة بينه وبين التذييل فالظاهر أنها المباينة لأنه يجب أن يكون الاحتراس لرفع إيهام خلاف المقصود، ويجب أن يكون التذييل للتأكيد، اللهم إلّا أن يجوز كون الشيء مؤكّدا لشيء ورافعا لإيهام خلاف المقصود أيضا، فتكون النسبة بينهما حينئذ عموما من وجه. هذا كله خلاصة ما في الإتقان والأطول والمطوّل وحواشيه.
الاحتراق:
[في الانكليزية] Combust planet
[ في الفرنسية] Planete combuste ou brullee
مصدر من باب الافتعال، وعند المنجّمين هو جمع الشمس مع إحدى الخمسة المتحيّرة في درجة واحدة من فلك البروج وهو من أنواع النّظر كما يجيء.
الاحتساب، والحسبة:
[في الانكليزية] Calculation ،religious practices
[ في الفرنسية] Calcul ،pratiques religieuses
في اللغة بمعنى العدّ والحساب ويجيء الاحتساب بمعنى الإنكار على شيء والحسبة بمعنى التدبير. وفي الشرع هما الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.
ثم الحسبة في الشريعة عامّ يتناول كلّ مشروع يفعل لله تعالى كالأذان والإمامة وأداء الشهادة إلى كثرة تعداده. ولهذا قيل القضاء باب من أبواب الحسبة. وفي العرف اختصّ بأمور أحدها إراقة الخمور وثانيها كسر المعارف وثالثها إصلاح الشوارع، كذا في نصاب الاحتساب «4».
__________
(1) المنافقون/ 1.
(2) عروس الأفراح بشرح تلخيص المفتاح لأبي حامد بهاء الدين أحمد بن علي السبكي (- 773 هـ/ 1371 م). مصر، مطبعة الخانجي. د. ت. معجم المطبوعات العربية 1002 و1983.
(3) النمل/ 18.
(4) نصاب الاحتساب لضياء الدين عمر بن محمد بن عوض الشافي السمناني. كلكوتا، د. ت. باعتناء Sprenger . كشف الظنون 2/ 1953؛ معجم المطبوعات 2023؛ اكتفاء القنوع 504؛ Gals ,II ، 427.
(1/108)

الاحتكار:
[في الانكليزية] Monopoly
[ في الفرنسية] Monopole
هو لغة احتباس الشيء [انتظارا] «1» لغلائه والحكرة بالضم وسكون الكاف اسم له. وشرعا اشتراء قوت البشر والبهائم وحبسه إلى الغلاء.
وقوت البشر كالأرزّ والذّرة والبرّ والشعير ونحوها دون العسل والسمن. وقوت البهائم كالتّبن ونحوه. ومدّة الحبس قيل أربعون يوما وقيل شهر وقيل أكثر من سنة. وهذه المقادير في حقّ المعاقبة في الدنيا، لكن يأثم وإن قلّت المدّة، فإنّ الاحتكار مكروه شرعا بشرائط معروفة. وشرط البعض الاشتراء وقت الغلاء منتظرا زيادته كما في الاختيار، فلو اشترى في الرّخص ولا يضرّ بالناس لم يكره حكره، هكذا يفهم من جامع الرموز والدّرر «2» في كتاب الكراهية.
الاحتياط:
[في الانكليزية] Preservation
[ في الفرنسية] Preservation
في اللغة هو الحفظ وفي الاصطلاح حفظ النفس عن الوقوع في المآثم، كذا في اصطلاحات السيد الجرجاني.
الأحد:
[في الانكليزية] Somebody ،nobody
[ في الفرنسية] L'un ،personne
بفتح الأول والحاء المهملة في اللغة بمعنى «يكى» وهو في الأصل وحد ويجئ مع ذكر الأحدية.
الأحد:
[في الانكليزية] Somebody ،nobody
[ في الفرنسية] L'un ،personne
يكى ونام خداى تعالى- واحد، وهو اسم الرب تعالى- وأصله وحد بفتح الواو والحاء.
في الإتقان الأحد اسم أكمل من الواحد. فإذا قلت لا يقوم لفلان واحد جاء في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف لا يقوم له أحد.
وأيضا هو مخصوص بالآدميين بخلاف الواحد فإنه عامّ وأيضا يستوي فيه المذكّر والمؤنث، بخلاف الواحد وأيضا هو ممتنع الدخول في الضرب والقسمة والعدد وفي شيء من الحساب بخلاف الواحد، وأيضا له جمع يقال أحدون وآحاد، ولا يقال واحدون. واختار أبو عبيد «3» أنهما بمعنى واحد، فلا يختص أحدهما بمكان الآخر وإن غلب استعمال أحد في النفي، انتهى. والواحد في اصطلاح أرباب السلوك:
اسم ذات، باعتبار انتفاء تعدّد الصفات والأسماء والنّسب والتعيّنات.
قال الشاعر:
هاهنا لا صفات ولا تعدد للأسماء أجل، ولا نسب ولا تعيّنات هاهنا.
فالذات بدون اعتبار الصفات يقال له الأحد. وأمّا باعتبار جمع الصفات فيقال له الواحد «4». كذا في كشف اللغات.
__________
(1) انتظارا (+ م).
(2) درر الحكام في شرح غرر الاحكام لمحمد بن فراموز المعروف بملا خسرو، فرغ من تأليفه سنة 883 هـ، القاهرة، مطبعة مصطفى وهبي، 1294 هـ. معجم المطبوعات العربية 1790.
(3) أبو عبيد: هو القاسم بن سلّام الهروي الأزدي الخزاعي الخراساني البغدادي ابو عبيد. ولد بهراة عام 157 هـ/ 774 م، وتوفي بمكة عام 224 هـ/ 838 م. من كبار علماء الحديث والأدب واللغة والفقه، تنقل في البلاد. وله الكثير من المؤلفات الهامة. الاعلام 5/ 176، تذكرة الحفاظ 2/ 5، تهذيب التهذيب 7/ 315، وفيات الاعيان 1/ 418، طبقات النحويين واللغويين 217، غاية النهاية 2/ 17، طبقات الحنابلة 1/ 259، تاريخ بغداد 12/ 403، طبقات السبكي 1/ 270.
(4) واحد در اصطلاح سالكان اسم ذات است باعتبار انتفاى تعدد صفات واسما ونسب وتعينات.
اينجا صفت وتعدد اسما نيست. ارى نسب وتعينات اينجا نيست.
ذات را بىعتبار صفات احد گويند وباعتبار جمع صفات واحد گويند كذا في كشف اللغات.
(1/109)

الإحداث:
[في الانكليزية] Creation ،generation
[ في الفرنسية] Creation ،generation
بكسر الألف هو مرادف للتكوين، وقيل لا. وسيجيء بعد، وقد سبق أيضا في لفظ الإبداع.
الأحدية:
[في الانكليزية] Unicity
[ في الفرنسية] Unicite
بياء النسبة عند الحكماء عبارة عن عدم قسمة الواجب لذاته إلى الأجزاء ويجيء في لفظ الواحدية أيضا. وعند الصوفية هي المرتبة التي هي منبع لفيضان الأعيان واستعداداتها في الحضرة العلمية أولا، ووجودها وكمالاتها في الحضرة العينية بحسب عوالمها وأطوارها الروحانية والجسمانية ثانيا. وهي أقدم مراتب الإلهية وإن كانت كلها في الوجود سواء، لكن العقل يحكم بتقدّم بعضها على بعض كالحياة على العلم والعلم على الإرادة. وعلى هذا القياس، كذا في شرح الفصوص. وفي الإنسان الكامل الأحدية عبارة عن مجلى ذاتي ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور، فهي اسم لصرافة الذّات المجرّدة عن الاعتبارات الحقيّة والخلقية، وليس لتجلّي الأحدية في الأكوان مظهر أتمّ من ذلك إذا استغرقت في ذاتك ونسيت اعتباراتك وأخذت بك فيك عن خواطرك، لكنت أنت في أنت من غير أن تنسب إليك شيئا مما تستحقه من الأوصاف الحقيّة، أو هو لك من النعوت الخلقية. فهذه الحالة من الإنسان أتمّ مظهرا للأحدية في الأكوان، والأحدية أول ظهور ذاتي، وامتنع الاتصاف بها للمخلوق لأنها صرافة الذات المجرّدة عن الحقيّة والمخلوقية والعبد قد حكم عليه بالمخلوقية، فلا سبيل إلى ذلك. وإن شئت الزيادة فارجع إلى الإنسان الكامل. وفي التحفة المرسلة: للوجود الحق سبحانه مراتب: الأولى مرتبة اللّاتعيّن والإطلاق والذات البحت لا بمعنى أنّ قيد الإطلاق ومفهوم سلب التعيّن ثابتان في تلك المرتبة، بل بمعنى أنّ ذلك الوجود في تلك المرتبة منزّه عن إضافة جميع القيود والنعوت إليه حتى عن قيد الإطلاق أيضا، ويسمّى بالمرتبة الأحدية وهي كنه الحق سبحانه، وليس فوقها مرتبة أخرى بل كلّ المراتب تحتها. الثانية مرتبة التعيّن الأوّل وتسمّى بالوحدة والحقيقة المحمّدية وهي عبارة عن علمه تعالى لذاته وصفاته ولجميع الموجودات على وجه الإجمال من غير امتياز بعضها عن بعض. الثالثة مرتبة التعيّن الثاني وتسمّى بالواحدية والحقيقة الإنسانية وهي عبارة عن علمه تعالى لذاته وصفاته ولجميع الموجودات على التفصيل وامتياز بعضها عن بعض. فهذه ثلاث مراتب كلها قديمة والتقديم والتأخير عقلي لا زماني. الرابعة مرتبة الأرواح وهي عبارة عن الأشياء الكونية المجرّدة البسيطة التي ظهرت على ذواتها وعلى أمثالها كالعقول العالية والأرواح البشرية. الخامسة مرتبة عالم المثال وهي الأشياء الكونية المركّبة اللطيفة الغير القابلة للتجزي والتبعيض ولا الخرق والالتيام.
السادسة مرتبة عالم الأجسام وهي الأشياء الكونية المركّبة الكثيفة القابلة للتجزي والتبعيض. السابعة المرتبة الجامعة لجميع المراتب المذكورة الجسمانية والنورانية والوحدة والواحدية، وهي الإنسان. فهذه سبع مراتب، الأولى منها هي مرتبة اللاظهور والباقية منها هي مراتب الظهور الكليّة، والأخير منها وهي الإنسان إذا عرج وظهر فيه جميع المراتب المذكورة مع انبساطها يقال له الإنسان الكامل.
والعروج والانبساط على الوجه الأكمل كان في نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا كان خاتم الأنبياء.
اعلم أنه لا يجوز إطلاق أسماء مرتبة الألوهية وهي الأحدية والواحدية والوحدة على مراتب الكون والخلق وهي المراتب الباقية وكذا
(1/110)

العكس ولو في الحقيقة، كلها واحدة، لحفظ المراتب الشرعية وهذا هو الفرق بين الصديق والزنديق، انتهى كلامه. قال الشاعر
لكلّ مرتبة في الوجود شأن فإن لم تحفظ المراتب فأنت زنديق وفي كشف اللغات: إنّ هذه المراتب السّتّ الأخيرة تسمّى مراتب كلية ومظاهر كلية.
وقيل: إنّ مرتبة الوحدة هي مرتبة الصفات، والحقيقة المحمدية والمرتبة الواحدية هما مرتبة أسماء، كما يقال لآدم بأنه صاحب مقام قاب قوسين «1».
الإحراق:
[في الانكليزية] Combustion
[ في الفرنسية] Combustion
هو أن تميّز الحرارة الجوهر الرّطب عن الجوهر اليابس بتصعيد الرّطب وترسيب اليابس.
والمحرق بكسر الراء عند الأطباء دواء يحرق أي يفني بحرارته لطيف الأخلاط بتصعيدها وتبخيرها ويبقي رماديتها كالفرفيون، كذا في بحر الجواهر والمؤجز «2».
الإحرام:
[في الانكليزية] Proscription
[ في الفرنسية] Proscription
بكسر الهمزة لغة المنع وشرعا تحريم أشياء وإيجاب أشياء عند قصد الحج، كذا في جامع الرموز. وفي البرجندي المذهب عند الحنفية أن الإحرام عبارة عن نية الحج مع لفظ التلبية والقاصد للإحرام يسمّى محرما، انتهى.
والإحرام عند الصوفية عبارة عن ترك شهوة المخلوقات والخروج عن الإحرام عندهم عبارة عن التوسّع للخلق والنزول إليهم بعد العندية في مقعد الصدق وسيأتي في لفظ الحج.
الإحساس:
[في الانكليزية] Sensation
[ في الفرنسية] Sensation
بكسرة الهمزة هو قسم من الإدراك، وهو إدراك الشيء الموجود في المادّة الحاضرة عند المدرك مكنوفة بهيئات مخصوصة من الأين والكيف والكم والوضع وغيرها. فلا بدّ من ثلاثة أشياء: حضور المادة واكتناف الهيئات وكون المدرك جزئيا، كذا في شرح الإشارات.
والحاصل أنّ الإحساس إدراك الشيء بالحواس الظاهرة على ما يدلّ عليه الشروط المذكورة.
وإن شئت زيادة التوضيح فاسمع أنّ الحكماء قسّموا الإدراك على ما أشار إليه شارح التجريد إلى أربعة أقسام: الإحساس وهو ما عرفت، والتخيّل وهو إدراك الشيء مع تلك الهيئات المذكورة في حال غيبته بعد حضوره، أي لا يشترط فيه حضور المادة بل الاكتناف بالعوارض وكون المدرك جزئيا، والتوهّم وهو إدراك معان جزئية متعلّقة بالمحسوسات، والتعقّل وهو إدراك المجرّد عنها كليا كان أو جزئيا، انتهى. ولا خفاء في أنّ الحواس الظاهرة لا تدرك الأشياء حال غيبتها عنها ولا المعاني الجزئية المتعلّقة بالمحسوسات ولا المجرّد عن المادة، بل إنما تدرك الأشياء بتلك الشروط المذكورة. وإنّ المدرك من الحواس الباطنة ليس إلّا الحسّ المشترك فإنه يدرك الصور المحسوسة بالحواس الظاهرة ولكن لا يشترط في إدراكه حضور المادة، فإدراكه من قبيل التخيّل إذ في التخيّل لا يشترط حضور المادة. ولذا قيل في بعض حواشي شرح الإشارات إنّ التخيّل هو إدراك الحسّ المشترك الصور الخيالية إلّا الوهم فإنه يدرك المعاني لا الصور، فإدراكه من قبيل
__________
(1) هر مرتبه از وجود شاني دارد. گر حفظ مراتب نكني زنديقى. ودر كشف اللغات اين شش مراتب اخيره را مراتب كليه ومظاهر كليه ناميده وگفته مرتبه وحدت مرتبه صفات است وحقيقت محمديه ومرتبه واحديت مرتبه اسما وآدم عليه السلام كه آن را مقام قاب قوسين نيز گويند.
(2) المؤجز: الأرجح أنه كتاب موجز القانون في الطب لعلاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النفيسر- 687 هـ/ 1288 م)، وعليه شروح كثيرة- ولفظ المؤجز تصحيف- كشف الظنون 2/ 1899 - 1900.
(1/111)

التوهّم. وأما إدراك العقل فلا يكون إلّا من قبيل التعقل فإنه لا يدرك الماديات، فثبت أنّ الإحساس هو إدراك الحواس الظاهرة، والتخيّل هو إدراك الحسّ المشترك، والوهم هو إدراك التوهّم، والتعقّل هو إدراك العقل، والله تعالى أعلم. هذا وقد يسمّى الكلّ إحساسا لحصولها باستعمال الحواس الظاهرة أو الباطنة، صرح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشية القطبي «1» في مبحث الكليّات. وبالجملة فللإحساس معنيان أحدهما الإدراك بالحواس الظاهرة والآخر بالحواس الظاهرة أو الباطنة، وأما التعقّل فليس إحساسا بكلا المعنيين.
إحصاء الأسماء الإلهية:
[في الانكليزية] Counting the divine names
[ في الفرنسية] Denombrement des noms divins
هو التحقق بها في الحضرة الوحدية بالفناء عن الرسوم الخلقية والبقاء ببقاء الحضرة الأحدية. وأما إحصاؤها بالتخلّق بها فهو يوجب دخول جنّة الوراثة بصحّة المتابعة، وهي المشار إليها بقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ «2». وأما إحصاؤها بتيقّن معانيها والعمل بفحاويها فإنه يستلزم دخول جنّة الأفعال بصحّة التوكّل في مقام المجازاة. هكذا في الاصطلاحات الصوفية لكمال الدين.
الإحصار:
[في الانكليزية] Exclusion ،excommunication
[ في الفرنسية] Exclusion ،bannissement excommunication
لغة المنع من كلّ شيء ومنه المحصر بفتح الصاد وهو الممنوع من كلّ شيء كما في الكشاف وغيره. والإحصار في الشرع منع الخوف أو المرض من وصول المحرم إلى تمام حجّه أو عمرته. والمحصر في الشرع الممنوع عن الحج أو العمرة لخوف أو مرض بعد الإحرام، كذا في جامع الرموز والدّرر.
الإحصان:
[في الانكليزية] Abstinence ،chastity
[ في الفرنسية] Abstinence ،chastete
بالصّاد المهملة لغة يقع على معان كلّها ترجع إلى معنى واحد وهو أن يحمى الشيء ويمنع منه وهو الحريّة والعفاف والإسلام وذوات الأزواج، فإنّ الحرية تحصّن عن قيد العبودية، والعفة عن الزنى، والإسلام عن الفواحش، والزوج يحصّن الزوجة عن الزنى وغيره، كذا في بعض كتب اللغة. وفي فتح القدير الإحصان في اللغة المنع، قال تعالى:
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ «3» وأطلق في استعمال الشارع بمعنى الإسلام وبمعنى العقل وبمعنى الحريّة وبمعنى التزويج وبمعنى الإصابة في النكاح وبمعنى العفة. وإحصان الرّجم أي الإحصان الموجب للرّجم عند الحنفية أن يكون الشخص حرا عاقلا بالغا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما على صفة الإحصان. قال في المبسوط «4»: المتقدمون يقولون إنّ شرائط الإحصان سبعة وعدّ ما ذكر سابقا ثم قال: فأما العقل والبلوغ فهما شرطان لأهلية العقوبة والحريّة شرط لتكميل العقوبة لا شرط الإحصان على الخصوص وشرط الدخول ثبت بقوله عليه السلام «الثّيب بالثّيّب لا يكون
__________
(1) حاشية على القطب على الشمسية لعبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي (- 1067 هـ). معجم المطبوعات العربية 1069.
(2) المؤمنون/ 10 - 11.
(3) الأنبياء/ 80.
(4) المبسوط لشمس الائمة محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي (- 483 هـ/ 1090 م)، مصر، 1324. أملى السرخسي كتابه المبسوط وهو في السجن بأوزجند. معجم المطبوعات العربية 1016.
(1/112)

إلا بالدخول» «1»، انتهى.
واختلف في شرط الإسلام وكون كلّ واحد من الزوجين مساويا للآخر في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح فهما شرطان عندنا خلافا للشافعي، فلو زنى الذمّي الثيّب بالحرّة يجلد عندنا ويرجم عنده، ولو تزوج الحرّ المسلم البالغ العاقل أمة أو صبيّة أو مجنونة أو كتابية ودخل بها لا يصير الزوج محصنا بهذا الدخول حتى لو زنى بعده لا يرجم عندنا خلافا له. وقولنا يدخل بها في نكاح صحيح يعني تكون الصحّة قائمة حال الدخول، حتى لو تزوّج من علّق طلاقها بتزوّجها يكون النكاح صحيحا، فلو دخل بها عقيبه لا يصير محصنا لوقوع الطلاق قبله.
واعلم أنّ الإضافة في قولنا شرائط الإحصان بيانية أي الشرائط التي هي الإحصان، وكذا شرط الإحصان. والحاصل أنّ الإحصان الذي هو شرط الرّجم هي الأمور المذكورة، فهي أجزاؤه أو هيئته تكون باجتماعها فهي أجزاء علّية، وكل جزء علّة، وكلّ واحد حينئذ شرط وجوب الرّجم، والمجموع علّة لوجود الشرط المسمّى بالإحصان. وإحصان القذف أي الإحصان الموجب لحد القذف عندهم هو أن يكون المقذوف حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا عن فعل الزنى، انتهى كلام فتح القدير.
وفي البرجندي ليس المراد بالزنى هاهنا ما يوجب الحدّ بل أعمّ منه، فكل وطئ امرأة حرام لعينه فهو زنى، ولا يحدّ قاذفه وإن كان حراما لغيره لا يكون زنى ويحدّ قاذفه، فوطئ المكاتبة زنى عند ابي يوسف رحمه الله خلافا لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ووطئ الأمة التي هي أخته من الرضاعة زنى على الصحيح لأن الحرمة مؤبّدة. وذكر الكرخي «2» أنّه لا يكون زنى، ويشترط أن لا يكون المقذوف رجلا مجبوبا ولا امرأة رتقاء إذ لو كان كذلك لا يجب الحدّ، وكذا يشترط أن لا يكون في دار الحرب وعسكر أهل البغي، فإنه لا يجب الحدّ هناك، كما في الخزانة «3» وتفصيل الأحكام يطلب من الكتب الفقهية.
وفي رسالة السيد الجرجاني: الإحصان هو التحقّق بالعبودية على مشاهدة حضرة الرّبوبية بنور البصيرة، أي رؤية الحق موصوفا بصفاته بعين صفته، فهو يراه يقينا ولا يراه حقيقة.
ولهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«صلّ كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «4» لأنه يراه من وراء حجب صفاته فلا يرى الحق
__________
(1) الثيب بالثيب لا يكون إلا بالدخول، الشطرة الأولى من الحديث اخرجها مسلم في صحيحه 3/ 1316، عن عبادة بن الصامت، كتاب الحدود 29، باب حد الزنى 3، الرقم 12/ 1690 ورقم 14 عن قتادة وتمام الحديث: «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائه ونفي مائة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». أما الشطرة الثانية فقد اخرجها الترمذي بلفظ يفيد معناها 4/ 39 - 40 عن أبي هريره وزيد بن خالد وشبل، كتاب الحدود 15، باب ما جاء في الرجم على الثيب 8، رقم 1433 ... فقال النبي: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ... وأغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها». وانظر الزيلعي في نصب الراية 3/ 329، حيث تتبع هذه الرواية عند اصحاب الكتب السنة وغيرهم، ولم يشر إلى الشطرة الثانية في هذا الحديث.
(2) الكرخي هو محمد بن محمد الكرخي، بدر الدين. ولد بمصر عام 910 هـ/ 1504 م. وفيها توفي عام 1006 هـ/ 1598 م.
فقيه، عارف بالتفسير. الاعلام 7/ 61، معجم المفسرين 2/ 627، خلاصة الاثر 4/ 152، هدية العارفين 2/ 263، إيضاح المكنون 1/ 304، معجم المؤلفين 11/ 261.
(3) خزانة المفتين في الفروع للحسين بن أحمد السمنقاني الحنفي كان يعيش في سنة 740 هـ/ 1339 م. كشف الظنون 1/ 703.
(4) «أصل كأنك تراه ... » أخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 37 - 38، عن عمر بن الخطاب، كتاب الايمان (1)، باب بيان الايمان والاسلام (1)، حديث رقم 1/ 8، من حديث طويل بلفظ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك».
(1/113)

بالحقيقة لأنه تعالى هو الرائي وصفه بوصفه، وهو دون مقام المشاهدة في مقام الروح.
الإحياء:
[في الانكليزية] Vivification ،resurrection
[ في الفرنسية] Vivification ،resurrection
لغة جعل الشيء حيّا أي ذا قوة إحساسية أو نامئة. وفي عرف الشرع التصرّف في أرض موات بالبناء أو الغرس أو الزرع أو السقي أو غيرها، كما في الخلاصة وغيرها، كذا في جامع الرموز. وعند الصوفية حصول التجلّي للنفس وتنوّرها بالأنوار الإلهية كما عرفت.
الإخالة:
[في الانكليزية] Convenience
[ في الفرنسية] Convenance
عند الأصوليين هي المناسبة وتسمّى تخريج المناط أيضا.
الإخبار:
[في الانكليزية] Narration
[ في الفرنسية] Recitation ،narration
هو عند المحدّثين مرادف للتّحديث. وقيل مغاير له. وعند أهل العربية يطلق على الخبر وهو الكلام الذي لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه. وقد يطلق على إلقاء هذا الكلام وهو فعل المتكلّم أي الكشف والإعلام وهذا ظاهر.
وأما المعنى الأول فقد قال سعد الملّة في التلويح في تعريف أصول الفقه المركّب التّام المحتمل للصدق والكذب يسمّى من حيث اشتماله على الحكم قضية، ومن حيث احتماله الصدق والكذب خبرا، ومن حيث إفادته الحكم إخبارا، ومن حيث كونه جزء من الدّليل مقدمة، ومن حيث يطلب بالدّليل مطلوبا، ومن حيث يحصّل من الدليل نتيجة، ومن حيث يقع في العلم ويسأل عنه مسألة. فالذات واحدة وإختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات، انتهى.
الإخباريّة:
[في الانكليزية] Al -Ikhbariyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Ikhbariyya (secte)
فرقة من الإمامية «1». وسيأتي ذكرها.
الاختراع:
[في الانكليزية] Invention ،creation
[ في الفرنسية] Invention ،creation
قد سبق في لفظ الإبداع. ويجئ أيضا في لفظ التكوين. والمخترع عند أهل العروض اسم بحر ويجئ في لفظ المتقارب.
الاختزال:
[في الانكليزية] Reduction
[ في الفرنسية] Reduction
في اللغة القطع. وعند أهل المعاني يطلق على نوع من الحذف.
الاختصار:
[في الانكليزية] Concision ،abreviation
[ في الفرنسية] Concision ،abreviation
بالصّاد المهملة هو عند بعض أهل العربية مرادف للإيجاز. وقيل أخصّ منه لأنه خاص بحذف الجمل بخلاف الإيجاز. وقيل الإيجاز عند السكاكي «2» ما يكون بالنسبة إلى المتعارف والاختصار عنده ما يكون بالنسبة إلى مقتضى المقام. وقال عبد العلي البرجندي في حاشية شرح الملخّص «3»: الإيجاز بيان المعنى المقصود بأقلّ ممّا يمكن من اللفظ من غير حذف.
والاختصار عبارة عن الحذف مع قرينة تدلّ على
__________
(1) الإخبارية: فرقة من الشيعة الامامية كانت تعتقد بالأصول ثم أعرضت عنها بعد الاختلاف فيما نقل عن الأئمة وتخبطوا فيما نسبوه إلى الأئمة زورا. الملل 165، الفرق 53، مقالات 1/ 98، التبصير 20.
(2) السكّاكي هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي، أبو يعقوب سراج الدين. ولد بخوارزم عام 555 هـ/ 1160 م وفيها توفي عام 626 هـ/ 1229 م. عالم بالعربية والأدب. له عدة تصانيف. الاعلام 8/ 222، إرشاد الأريب 7/ 306، مفتاح السعادة 1/ 163، الجواهر المضيئة 2/ 225، شذرات الذهب 5/ 122، بغية الوعاة 425.
(3) حاشية شرح الملخص لعبد العلي البرجندي علّق فيها على شرح موسى بن محمود المعروف بقاضي زاده الرومي الذي كان يعيش في مطالع القرن التاسع الهجري. والملخص في الهيئة البسيطة هو لمحمود بن محمد الجغميني الخوارزمي. كشف الظنون 2/ 1819 - 1820.
(1/114)

خصوص المحذوف. والاقتصار عبارة عن حذف لا يكون كذلك. وقد يستعمل الاختصار مرادفا للإيجاز انتهى.
وقد يراد بالاختصار الحذف بدليل وبالاقتصار الحذف بغير دليل كما سبق في لفظ الحذف. فعلى هذا يكون الاختصار أعمّ مما ذكره عبد العلي البرجندي لأنه يشتمل الحذف لقرينة لا تدلّ على خصوص المحذوف أيضا، بخلاف ما ذكره. وفي بعض الحواشي المعلّقة على الضوء ما حاصله الاقتصار ترك بعض الشيء نسيا منسيّا كأنه لم يكن كترك الفاعل في المجهول. وبعبارة أخرى الحذف عن اللفظ والنيّة جميعا. وبعبارة أخرى الحذف مع كون المحذوف غير مراد. وعلى هذا قيل لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي باب علمت إذ حذف أحد مفعوليه عن اللفظ لا عن المعنى جائز كما في قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً أي لا تحسبنّ الذين قتلوا أنفسهم أمواتا. والاختصار ترك بعض الشيء صورة لا حقيقة. ويعبّر عنه أيضا بالحذف عن اللفظ دون النيّة، وبالحذف مع كون المحذوف مرادا.
وفي شرح هداية النّحو «1» في الخطبة قيل الاختصار قلة اللفظ والمعنى. وقيل هو مختصّ بالألفاظ. وقيل هو الحذف لدليل. وقيل الحذف عن اللفظ دون النيّة. وقيل قلة الألفاظ وكثرة المعاني، والاقتصار عكسه في الكل، انتهى.
وفي الحاشية المنقولة عنه قوله في الكلّ أي في جميع الوجوه المذكورة في الاختصار. أمّا عكس الأول فلأنّ الاقتصار قلة اللفظ وكثرة المعنى. وأمّا الثاني فلأنّ الاقتصار غير مختصّ بالألفاظ. وأمّا الثالث فلأنّ الاقتصار الحذف بدون الدليل. وأمّا الرابع فلأنّ الاقتصار الحذف عن اللفظ والنية جميعا. وأمّا عكس الخامس فلأنّ الاقتصار كثرة الألفاظ وقلة المعاني، انتهى.
الاختصاص:
[في الانكليزية] P articularisation ،exclusivity
[ في الفرنسية] P articularisation ،exclusivite
في اللغة امتياز بعض الجملة بحكم. وعند بعض أهل البيان هو الحصر. وبعضهم فرّق بينهما ويجيء في لفظ القصر. قال النّحاة: من المواضع التي يضمر فيها الفعل قياسا باب الاختصاص. ويكون الاختصاص على طريقة النّداء بأن يكون منقولا وذلك بأن يذكر المتكلّم أولا ضمير المتكلّم ويؤتي بعده بلفظ أيّ ويجري مجراه في النداء من ضمه والإتيان بعده بهاء التنبيه ووضعه بذي اللام، أو يذكر بعد ضمير المتكلّم في مقام لفظ أيّ اسم مضاف دالّ على مفهوم ذلك الضمير، وذلك إمّا أن يكون لمجرّد بيان المقصود بذلك الضمير، نحو أنا أفعل كذا أيّها الرجل، أي أنا أفعل كذا مختصا من بين الرجال بفعله. فإنّ قولك أيّها الرجل لتوكيد الاختصاص لأن الاختصاص قد وقع أولا بقولك أنا وليس بنداء، لأنّ المراد بصيغة أيّ هو ما دلّ على ضمير المتكلّم السابق لا المخاطب، فهو أي قولك أيّها الرجل في محلّ النصب لأنه حال في تقدير مختصا من بين الرجال، وحكمه في الإعراب والبناء حكم المنادى لأنّ كلّ ما انتقل من باب إلى باب فإعرابه على حسب ما كان عليه. أو يكون لبيان المفهوم من الضمير مع افتخار نحو أنا أكرم الضيف أيّها الرجل، وكذا إنّا معشر العرب نفعل كذا. فإنّ المعشر المضاف إلى العرب فيه قائم
__________
(1) هداية النحو شرح هداية النحو، مجهول المؤلف، الهند، د. ت. أما هداية النحو فهو مختصر مضبوط في النحو موضوع على ترتيب الكافية مجهول المؤلف أيضا، كانپور 1900 م. ونسبه البعض لأبي حيان الأندلسي النحوي. معجم المطبوعات العربية 2024، هامش رقم 1 نفس الصفحة.
(1/115)

مقام أيّ في محل النصب على الحال ودالّ على مفهوم ضمير المتكلم وعلى الافتخار أيضا، أو مع التصاغر نحو أنا المسكين أيّها الرجل، ويجب حذف حرف النداء في باب الاختصاص.
وقد يكون الاختصاص على غير طريقة النداء بأن لا يكون منقولا عنه نحو نحن العرب أقرب «1» الناس للضيف، فإنّه ليس منقولا من النداء لأنّ المنادى لا يكون معرّفا باللام فيكون نصبه بفعل مقدّر، أي أخص العرب ولا يجوز إظهاره، كذا في العباب.
الاختصاصات الشّرعية:
[في الانكليزية] Legal competences ،(juridical)
[ في الفرنسية] Competences legales (juridiques)
عند الأصوليين هي الأغراض المترتّبة على العقود والفسوخ كملك الرقبة في البيع وملك المنفعة في الإجارة والبينونة في الطلاق، كذا في التلويح في باب الحكم.
اختصاص النّاعت:
[في الانكليزية] Proper quality
[ في الفرنسية] Qualite propre
وهو التعلّق الخاص الذي يصير به أحد المتعلّقين ناعتا للآخر والآخر منعوتا به، والنعت حال والمنعوت محلّ، كالتعلّق بين لون البياض والجسم المقتضي لكون البياض نعتا للجسم والجسم منعوتا به بأن يقال جسم أبيض، كذا في السيّد الجرجاني.
الاختلاج:
[في الانكليزية] Palpitation ،ataxia
[ في الفرنسية] Palpitation ،ataxie
هو حركة العضو كما في المنتخب. قال الأطباء هو حركة عضلانية بغير إرادة وقد يتحرّك معها ما يلتصق بها من الجلد ويسرّع انقضاءها.
كذا في بحر الجواهر. والفرق بينه وبين الرّعشة يجيء فيما بعد. واختلاج القلب هو أن يتحرّك القلب حركة منكرة لفرط الامتلاء. واختلاج المعدة هو حركة شبيهة بالخفقان تحدث في المعدة لا كما تحدث في الأعضاء العضلانية، كذا في حدود الأمراض.
الاختلاس:
[في الانكليزية] Praise by gallant poetry
[ في الفرنسية] Louange par poesie galante
هو بالفارسية: «ربودن»، وذلك يكون بأن يتغزّل القائل بأسلوب المدح أو أن يمدح بالتغزل. ومثال الأوّل: إن رمحك مستقيم مثل قامة الفاتنات الجميلات. ومثال الثاني: إن قدّك يشبه رمح ملك الدين من حيث الاستقامة. كذا في جامع الصنائع. والاختلاس عند القرّاء هو عدم تكميل الحركة «2». كما في شرح الشاطبي.
الاختلاف:
[في الانكليزية] Parallax
[ في الفرنسية] Parallaxe ،desaccord
لغة ضدّ الاتفاق. قال بعض العلماء إنّ الاختلاف يستعمل في قول بني على دليل، والخلاف فيما لا دليل عليه كما في بعض حواشي الإرشاد، ويؤيّده ما في غاية التحقيق «3» منه أنّ القول المرجوح في مقابلة الراجح يقال له خلاف لا إختلاف. وعلى هذا قال المولوي عصام الدين «4» في حاشية الفوائد الضّيائية في
__________
(1) أقرب (م).
(2) الاختلاس: بمعنى ربودن است وآن چنان باشد كه معني غزل بمدح آرد ويا معني مدح بغزل آرد مثال اوّل. ع. رمح تو راست چون قد زيباى دلبران. مثال دوم. ع. همي از راستى قدت برمح شاه دين ماند. كذا في جامع الصنائع. واختلاس نزد قراء ترك تكميل حركت را گويند.
(3) غاية التحقيق لمحمد بن عمر الاخسيكتي حسام الدين (- 644 هـ/ 1246 م) معجم المؤلفين 11/ 253، الفوائد البهية 188.
(4) المولى عصام الدين: هو ابراهيم بن محمد بن عرب شاه الأسفراييني، عصام الدين. ولد في إسفرايين بخراسان عام
(1/116)

آخر بحث الأفعال النّاقصة: المراد بالخلاف عدم اجتماع المخالفين وتأخّر المخالف، والمراد بالاختلاف كون المخالفين معاصرين منازعين. والحاصل منه ثبوت الضعف في جانب المخالف في الخلاف، فإنه كمخالفة الإجماع وعدم ضعف جانب في الاختلاف لأنه ليس فيه خلاف ما تقرر، انتهى.
وعند الأطباء هو الإسهال الكائن بالأدوار. وإختلاف الدّم عندهم يطلق تارة على السّحج وتارة على الإسهال الكبدي، كذا في حدود الأمراض.
وعند أهل الحق من المتكلّمين كون الموجودين غير متماثلين أي غير متشاركين في جميع الصفات النفسيّة وغير متضادّين أي غير متقابلين ويسمّى بالتخالف أيضا. فالمختلفان والمتخالفان موجودان غير متضادين ولا متماثلين، فالأمور الاعتبارية خارجة عن المتخالفين إذ هي غير موجودة، وكذا الجواهر الغير المتماثلة لامتناع اجتماعها في محلّ واحد إذ لا محلّ لها، وكذا الواجب مع الممكن.
وأما ما قالوا الاثنان ثلاثة أقسام لأنهما إن اشتركا في الصفات النفسية أي في جميعها فالمثلان، وإلّا فإن امتنع اجتماعهما لذاتيهما في محلّ واحد من جهة واحدة فالضّدّان، وإلّا فالمتخالفان، فلم يريدوا به حصر الاثنين في الأقسام الثلاثة فخرج الأمور الاعتبارية لأخذ قيد الوجود فيها. وأيضا تخرج الجواهر الغير المتماثلة والواجب مع الممكن، أمّا خروجها عن المثلين فظاهر، وأمّا خروجها عن المتخالفين فلما مرّ، وأما خروجها عن الضدّين فلأخذ قيد المعنى فيهما. بل يريدون به أن الاثنين توجد فيه الأقسام الثلاثة.
وقيل التخالف غير التماثل فالمتخالفان عنده موجودان لا يشتركان في جميع الصفات النفسية، ويكون الضدّان قسما من المتخالفين فتكون قسمة الاثنين ثنائية بأن يقال الاثنان إن اشتركا في أوصاف النفس فمثلان وإلّا فمختلفان. والمختلفان إمّا متضادان أو غيره.
ولا يضرّ في التخالف الاشتراك في بعض صفات النفس كالوجود فإنه صفة نفسية مشتركة بين جميع الموجودات، وكالقيام بالمحل فإنه صفة نفسية مشتركة بين الأعراض كلها وكالعرضية والجوهرية. وهل يسمّى المتخالفان المتشاركان في بعض أوصاف النفس أو غيرها مثلين باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردّد وخلاف، ويرجع إلى مجرد الاصطلاح لأن المماثلة في ذلك المشترك ثابتة بحسب المعنى، والمنازعة في إطلاق الاسم ويجيء في لفظ التماثل.
واعلم أنّ الاختلاف في مفهوم الغيرين عائد هاهنا أي في التماثل والاختلاف فإنه لا بدّ في الاتصاف بهما من الاثنينية فإن كان كل اثنين غيرين تكون صفاته تعالى متصفة بأحدهما، وإن خصّا بما يجوّز الانفكاك بينهما لا تكون متصفة بشيء منهما. ثم اعلم أنه قال الشيخ الأشعري «1» كلّ متماثلين فإنهما لا يجتمعان.
__________
- 873 هـ/ 1468 م وتوفي بسمرقند عام 945 هـ/ 1538 م. عالم باللغة والأدب والتفسير له مؤلفات عديدة. الاعلام 1/ 66، كشف الظنون 477، شذرات الذهب 8/ 291، معجم المطبوعات 1330.
(1) الأشعري هو علي بن اسماعيل بن اسامه بن سالم، ابو الحسن، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري. ولد في البصرة عام 260 هـ/ 874 م وتوفي ببغداد عام 324 هـ/ 936 م. مؤسس المذهب الأشعري، وإمام متكلم مجتهد. كان معتزليا ثم تاب عنه. له الكثير من المؤلفات الهامة. الاعلام 4/ 263، معجم المفسرين 1/ 354، طبقات الشافعية 2/ 245، وفيات الأعيان 1/ 326، البداية والنهاية 11/ 187، الجواهر المضيئة 1/ 353، اللباب 1/ 52، تاريخ بغداد 11/ 346، النجوم الزاهرة 3/ 259، العبر 2/ 202.
(1/117)

وقد يتوهّم من هذا أنه يجب عليه أن يجعلهما قسما من المتضادين لدخولهما في حدّهما، وحينئذ ينقسم اثنان قسمة ثنائية بأن يقال:
الاثنان إن امتنع اجتماعهما فهما متضادّان وإلّا فمتخالفان. ثم يقسم المتخالفان إلى المتماثلين وغيرهما. والحق عدم وجوب ذلك ولا دخولهما في حدّ المتضادين. أمّا الأوّل فلأنّ امتناع اجتماعهما عنده ليس لتضادّهما وتخالفهما كما في المتضادين، بل للزوم الاتّحاد ورفع الاثنينيّة، فهما نوعان متباينان وإن اشتركا في امتناع الاجتماع. وأمّا الثاني فلأن المثلين قد يكونان جوهرين فلا يندرجان تحت معنيين. فإن قلت إذا كانا معنيين كسوادين مثلا كانا مندرجين في الحدّ قطعا، قلت لا اندراج [أيضا] «1» إذ ليس امتناع اجتماعهما لذاتيهما بل للمحلّ مدخل في ذلك، فإنّ وحدته رافعة للاثنينية منهما، حتى لو فرض عدم استلزامهما لرفع الاثنينية لم يستحل اجتماعهما. ولذا جوّز بعضهم اجتماعهما بناء على عدم ذلك الاستلزام. وأيضا المراد بالمعنيين في حدّ الضدّين معنيان لا يشتركان في الصفات النفسية. هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف وحاشيته للمولوي عبد الحكيم.
وعند الحكماء كون الاثنين بحيث لا يشتركان في تمام الماهية. وفي شرح المواقف قالت الحكماء كلّ اثنين إن اشتركا في تمام الماهية فهما مثلان، وإن لم يشتركا فهما متخالفان. وقسّموا المتخالفين إلى المتقابلين وغيرهما، انتهى. والفرق بين هذا وبين ما ذهب إليه أهل الحق واضح. وأما الفرق بينه وبين ما ذهب إليه بعض المتكلمين من أنّ التخالف غير التماثل فغير واضح، فإنّ عدم الاشتراك في تمام الماهية وعدم الاشتراك في الصفات النفسية متلازمان، ويؤيده ما في الطوالع وشرحه من أنّ كل شيئين متغايران. وقال مشايخنا أي مشايخ أهل السنة الشيئان إن استقلّ كلّ منهما بالذات والحقيقة بحيث يمكن انفكاك أحدهما من الآخر فهما غيران وإلّا فصفة وموصوف أو كلّ وجزء على الاصطلاح الأول، وهو أنّ كل شيئين متغايرين إن اشتركا في تمام الماهية فهما المثلان كزيد وعمر فإنهما قد اشتركا في تمام الماهية التي هي الإنسان وإلّا فهما مختلفان، وهما إمّا متلاقيان إن اشتركا في موضوع كالسواد والحركة العارضين للجسم أو متساويان إن صدق كل منهما على كل ما يصدق عليه الآخر كالإنسان والناطق، أو متداخلان إن صدق أحدهما على بعض ما يصدق عليه الآخر، فإن صدق الآخر على جميع أفراده فهو الأعمّ مطلقا وإلّا فهو الأعمّ من وجه أو متباينان إن لم يشتركا في الموضوع والمتباينان متقابلان وغير متقابلين، انتهى. وقال السيّد السند في حاشيته إن اعتبر في الاشتراك في الموضوع إمكان الاجتماع فيه في زمان واحد لم يكن مثل النائم والمستيقظ من الأمور المتّحدة الموضوع الممتنعة الاجتماع فيه داخلا في التساوي لخروجه عن مقسمه، وإن لم يعتبر ذلك يكون السواد والبياض مع كونهما متضادين مندرجين في المتلاقيين لا في المتباينين، فلا تكون القسمة حقيقية، فالأولى أن يجعل اعتبار النسب الأربع قسمة برأسها واعتبار التقابل وعدمه قسمة أخرى كما هو المشهور.
الاختلاف الأول:
[في الانكليزية] First parallax
[ في الفرنسية] le parallaxe
عند أهل الهيئة هو التعديل الأول ويسمّى بالتعديل المفرد أيضا.
__________
(1) [أيضا] (+ م، ع).
(1/118)

الاختلاف الثالث:
[في الانكليزية] 3 rd parallax
[ في الفرنسية] 3 e parallaxe
عندهم هو التعديل الثالث، ويجيء الكل فيما بعد.
الاختلاف الثاني:
[في الانكليزية] 2 nd parallax
[ في الفرنسية] 2 e parallaxe
عندهم هو التعديل الثاني ويسمى بإختلاف البعد الأبعد والأقرب أيضا وباختلاف البعد الأقرب أيضا وباختلاف المطلق أيضا كما في الزيجات.
إختلاف الممر:
[في الانكليزية] Path parallax
[ في الفرنسية] Parallaxe de passage
عندهم قوس من فلك البروج فيما بين درجة الكوكب ودرجة ممرّه، ويجيء في لفظ الدرجة.
إختلاف المنظر:
[في الانكليزية] Perspective parallax
[ في الفرنسية] Parallaxe de perspective
عندهم هو التفاوت بين الارتفاع الحقيقي والارتفاع المرئي، وهو قوس من دائرة الارتفاع من الجانب الأقل بين موقعي الخطّين المارّين بمركز الكوكب المنتهيين إلى سطح الفلك الأعلى الخارج أحدهما من مركز العالم والآخر من منظر الإبصار، والزاوية الحادثة من تقاطع الخطّين عند مركز الكوكب يسمّى زاوية إختلاف المنظر، وينعدم هذا الاختلاف عند كون مركز الكوكب على سمت الرأس، ويبلغ غاية عند كونه على الأفق الحسّي. والارتفاع المرئي ناقص عن الحقيقي بمقدار هذه الزاوية، وهذا هو إختلاف المنظر في دائرة الارتفاع. وقد يكون إختلاف المنظر في الطول والعرض لأنّا إذا أخرجنا دائرتي عرض تمرّان بطرفي الموضع المرئي والموضع الحقيقي من الكوكب في دائرة الارتفاع، فالقوس الواقعة من منطقة البروج بين تقاطعي الدائرتين العرضيتين المذكورتين من الجانب الأقل هو إختلاف المنظر في الطول، فإن اختلف القوسان الواقعتان من العرضيتين بين طرفي الخطّين المذكورين ومنطقة البروج فمجموعهما أو التفاضل بينهما على إختلاف المذهبين إختلاف المنظر في العرض. وإن شئت التوضيح فأرجع إلى تصانيف الفاضل عبد العلي البرجندي.
إختلاف المنظر:
[في الانكليزية] Perspective parallax
[ في الفرنسية] Parallaxe de perspective
قد سبق في لفظ الاختلاف.
الاختناق:
[في الانكليزية] Suffocation ،convulsion
[ في الفرنسية] Etouffement ،convulsion
على وزن الافتعال في اللغة خفه كردن.
وفي الطّب هو امتناع نفوذ النفس إلى الرية والقلب أو تعسره. واختناق الرحم هي سعي الرحمن بالتقلص إلى فوق أو ميلها بالاسترخاء إلى أحد الجانبين. وقيل هذه علّة شبيهة بالصّرع والغشي تنوب كنوائبه لاستحالة المادّة إلى كيفيّة سميّة تلدغ الدّماغ عند ارتفاعها إليه وتؤذيه، وتحصل من ذلك حركة تشنّجية وتؤذي القلب، ويحصل له من ذلك غشي متواتر. وهذه العلّة تعرض للنساء اللواتي يحبس فيهنّ الطّمث والمني، كذا في بحر الجواهر.
الاختيار:
[في الانكليزية] Choice ،free will
[ في الفرنسية] Choix ،libre arbitre
لغة الإيثار يعني بركزيدن- الانتخاب- ويعرف بأنّه ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره، وهو أخصّ من الإرادة. وعند المتكلّمين والحكماء قد يطلق على الإرادة كما سيجيء. وقد يطلق على القدرة ويقابله الإيجاب. والمشهور أنّ له معنيين:
الأول كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن
(1/119)

لم يشأ لم يفعل، فعدم الفعل لم تتعلق به المشيئة بل هو معلّل بعدم المشيئة على ما ورد به الحديث المرفوع «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» «1» وهذا المعنى متّفق عليه بين المتكلّمين والحكماء، إلّا أنّ الحكماء ذهبوا إلى أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض والجود لازمة لذاته تعالى كلزوم العلم وسائر الصفات الكماليّة له تعالى، فيستحيل الانفكاك بينهما، وإنّ مشيئة الترك وعدم مشيئة الفعل ممتنع. فمقدّمة الشرطية الأولى وهي إن شاء واجبة الصدق عندهم ومقدمة الشرطية الثانية وهي إن لم يشأ ممتنعة الصدق، وصدق الشرطية لا يتوقّف على صدق شيء من الطرفين، فكلتا الشرطيتين صادقتان.
والمتكلمون قالوا بجواز تحقّق مقدّم كل من الشرطيتين. فالمختار والقادر على هذا المعنى هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
والثاني صحة الفعل والترك. فالمختار والقادر هو الذي يصحّ منه الفعل والترك. وقد يفسّران بالذي إن شاء فعل وإن شاء ترك. وهذا المعنى مما اختلف فيه المتكلّمون والحكماء فنفاه الحكماء، لاعتقادهم أنّ إيجاده تعالى العالم على النظام من لوازم ذاته فيمتنع خلوّه عنه، وزعموا أنّ هذا هو الكلام التام، ولم يتنبّهوا على أنّ هذا نقصان تام، فإنّ كمال السلطنة يقتضي أن يكون الواجب قبل كل شيء وبعده كما لا يخفى على العاقل المنصف، وأثبته المتكلمون كلّهم وهو الحق الحقيق اللائق بشأنه تعالى لأن حقيقة الاختيار هو هذا المعنى الثاني، لأنّ الواقع بالإرادة والاختيار ما يصحّ وجوده وعدمه بالنظر إلى ذات الفاعل. هكذا يستفاد من شرح المواقف وبعض حواشيه ومما ذكره الصادق الحلواني «2» في حاشية الطيبي «3».
وقال مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف في بحث امتناع استناد القديم إلى الواجب:
اعلم أنّ الإيجاب على أربعة أنحاء. الأول وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل من حيث هي مع قطع النّظر عن إرادة الفاعل وغاية الفعل، وهو ليس محلّ الخلاف لاتفاق الكلّ على ثبوت الاختيار الذي هو مقابله لله تعالى، بل هو عند الحكماء غير متصوّر في حقه تعالى، فإنه لا يمكن النّظر إلى شيء وقطع النّظر عما هو عينه. والثاني وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل بأن يكون الإرادة والغاية عين الفاعل.
وبعبارة أخرى وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل مع قطع النظر عن الخارج وهذا محلّ الخلاف بين الحكماء والمتكلمين. فالحكماء ذهبوا إلى هذا الإيجاب في حقه تعالى وزعموا أنه تعالى يوجد العالم بإرادته التي هي عينه، وذاته تعالى غاية لوجود العالم بل علّة تامة له.
والمتكلمون ذهبوا إلى الاختيار المقابل لهذا الإيجاب وقالوا إنه تعالى أوجد العالم بالإرادة الزائدة عليه لا لغرض، أو بالإرادة التي هي عينه لغرض هو خارج عنه. والثالث وجوب الصدور نظرا إلى إرادة الفاعل والمصلحة المترتّبة على الفعل، وهذا محلّ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة. فالأشاعرة قالوا بالاختيار المقابل لهذا الإيجاب حيث لم يقولوا بوجود الأصلح وجوّزوا الترجيح بلا مرجّح، والمعتزلة
__________
(1) أخرجه الترمذي في إتحاف السادة المتقين، 6/ 404، بلفظ: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن».
(2) الصادق الحلواني: أو الحلوائي، هو يوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلوائي، عز الدين. ولد في تبريز عام 730 هـ/ 1330 م وتوفي بالجزيرة عام 804 هـ/ 1402 م. مفسّر، فقيه شافعي، زاهد. له عدة مؤلفات. الاعلام 8/ 224، بغية الوعاة 421، الضوء اللامع 10/ 309، هدية العارفين 2/ 559.
(3) حاشية الطيبي أو حاشية على فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب ليوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلواني.
(- 804 هـ)، وفتوح الغيب شرح لكشاف الزمخشري في التفسير للحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي (- 743 هـ).
(1/120)

قالوا بهذا الإيجاب حيث ذهبوا إلى وجوب الأصلح وامتناع الترجيح بلا مرجّح. والرابع وجوب الصدور بعد الاختيار، وهذا الوجوب مؤكّد للاختيار ولا خلاف في ثبوته والاختيار الذي يقابله. وإذا تعيّن ذلك علمت أنّ أثر الموجب على النحوين الأوّلين يجب أن يكون دائما بدوامه، أي بدوام ذلك الموجب لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامة وأثر الموجب على المعنيين الأخيرين، وكذا أثر المختار على هذه المعاني كلّها يحتمل الأمرين. هذا ما ظهر لي في هذا المقام، والجمهور في غفلة عنه فظنّ بعضهم أنّ محلّ الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين هو الإيجاب بالمعنى الأول، وكلام أكثرهم مبني عليه، وظنّ بعضهم أنه لا خلاف بين الحكماء والمعتزلة إلّا في قدم العالم وحدوثه مع اتفاقهما على أنّ إيجاد العالم ممكن بالنسبة إلى ذاته تعالى بدون اعتبار الإرادة وواجب مع اعتبار الإرادة التي هي عينه، انتهى كلامه.
فالاختيار على المعنى الأول إمكان الصدور بالنظر إلى ذات الفاعل مع قطع النظر عن الإرادة التي هي عين الذات، وكذا عن الغاية، ومرجعه إلى كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وعلى المعنى الثاني إمكان الصدور بالنظر إلى ذات الفاعل مع قطع النظر عن الخارج ومرجعه إلى كون الفاعل بحيث يصحّ منه الفعل والترك وهو الذي نفاه الحكماء عنه تعالى. وأما تفسيرهم القدرة بصحة صدور الفعل ولا صدوره بالنسبة إلى الفاعل فمبني على ظاهر الأمر أو بالنسبة إلى ما وراء الصادر الأول. هكذا ذكر مرزا زاهد أيضا. وعلى المعنى الثالث إمكان الصدور نظرا إلى إرادة الفاعل والمصلحة. وعلى المعنى الرابع إمكان الصدور بعد الاختيار.
هذا ثم الاختيار عند المنجّمين يطلق على وقت لا أحسن منه في زعم المنجّم من الأوقات المناسبة لشروع أمر مقصود فيها، وتعيّن مثل ذلك الوقت يحصل بملاحظة أمور كثيرة، منها ملاحظة الطالع. هكذا ذكر الفاضل عبد العلي البرجندي في شرح بيست باب «1».
- العشرين بابا-.
الأخذ:
[في الانكليزية] Theft
[ في الفرنسية] Vol
بفتح الأول وسكون الخاء المعجمة هو السرقة كما سيجيء.
الآخذة:
[في الانكليزية] Numbness ،drowsiness
[ في الفرنسية] Engourdissement
بالهمزة الممدودة والخاء والذّال المعجمتين والهاء هي الجمود، كذا في حدود الأمراض.
الإخفاء:
[في الانكليزية] Disguise
[ في الفرنسية] Deguisement
لغة السّتر. وفي اصطلاح القرّاء نطق حرف بصفة هي بين الإظهار والإدغام عارية من التّشديد مع بقاء الغنّة في الحرف الأول.
ويفارق الإدغام بأنه بين الإظهار والإدغام وبأنه إخفاء الحرف عند غيره لا في غيره بخلاف الإدغام. واعلم أنه يجب الإظهار في النون الساكنة والتنوين عند حروف الحلق نحو: من آمن، ويجوز الإدغام عند حروف يرملون نحو من وّال، والإقلاب بالميم عند حرف واحد وهو الباء الموحدة نحو من بعد، والإخفاء عند باقي الحروف، كذا في الدقائق المحكمة «2» والإتقان.
__________
(1) شرح بيست باب لنظام الدين بن حبيب الله الحسيني كان حيا سنة 873 هـ. والكتاب بالفارسية. كشف الظنون 1/ 264.
(2) الدقائق المحكمة في شرح المقدمة (الجزرية) لأبي يحي زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري (- 925 هـ). القاهرة، المطبعة الميمنية، 1308 هـ. معجم المطبوعات العربية 485.
(1/121)

الإخلاص:
[في الانكليزية] Faithfulness
[ في الفرنسية] Devotion ،loyaute
بكسر الهمزة هو عند السالكين إخراج الخلق عن معاملة الله تعالى أي لا يفعل فعلا إلّا لله تعالى، هكذا في مجمع السلوك. وفي مواضع أخر منه الإخلاص أن تكون جميع حركاته وسكناته وقيامه وقعوده وتقلّباته وأفعاله وأقواله لله تعالى. وفي الصحائف «1» في الصحيفة التاسعة عشرة الإخلاص تجرّد الباعث للواحد ويضادّه الاشتراك وكمال إخلاص صدق است- وكمال الإخلاص هو الصدق- انتهى.
ومآل العبارات واحد.
وفي شرح القصيدة الفارضية «2» اعلم أنّ كل ما يظهر من العبد قولا كان أو فعلا عملا كان أو حالا فله وجه إلى الخلق ووجه إلى الحقّ سبحانه. فمن أخلص وجه الحق عن وجه الخلق يسمّى مخلصا بالكسر وفعله يسمّى إخلاصا، وينقسم إلى إخلاص وإخلاص إخلاص.
أما الأول فينقسم بحسب ما يظهر من العبد أربعة أقسام: الأول إخلاص في الأقوال بأن يخلص عبارة فعل الحق فيما يظهر على لسانه من الأقوال عن عبارة فعل نفسه وعبارة نظره تعالى عليه عن عبارة نظر غيره. والثاني إخلاص في الافعال إلى المباحات بأن يخلص في كلّ عمل وجه طلب رضاء الحق تعالى فيما يفعله عن وجه طلب حظه من الدنيا من جرّ نفع أو دفع مضرّة ولا يفعله إلّا لوجه الله تعالى.
والثالث إخلاص في الأعمال أي العبادات الشرعية بأن يخلص في كل عمل وجه طلب رضا الحق عن وجه طلب حظه وتربّص حسن ثوابه في الآخرة. والرابع إخلاص في الأحوال أي الإلمامات القلبية والواردات الغيبية بأن يخلص في كل حال وجه نظر الحق عليه عن وجه نظر الخلق، ولا يبالي بنظرهم أصلا مبالاته بوجودهم.
وأما الثاني أي إخلاص الإخلاص فهو أن يخلص وجه فعل الله تعالى في إخلاصه عن فعله فلا يرى الإخلاص فعله بل يراه محض فعل الله تعالى. فالمخلص بالكسر حقيقة هو الله تعالى وهو مخلص بالفتح لا مخلص وهذا نهاية الإخلاص، انتهى. وفي مجمع السلوك:
الإخلاص في العمل هو أن لا يطلب صاحبه العوض عنه في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا إخلاص الصدّيقين، وأمّا من كان مخلصا راجيا للجنة وخائفا من النار فهو أيضا مخلص، ولكنّه ليس من جملة الصّدّيقين المخلصين. وأمّا من عمل مرائيا فهو في سبيل الهالكين «3».
وهذا معنى ما قيل: الخالص ما أريد به وجه الله تعالى. وهذا معنى قول رويم «4»
__________
(1) الصحائف (تصوف) بالفارسية.
(2) شرح القصيدة الفارضية أو منتهى المدارك ومشتهى كل لب وعارف وسالك. وهو شرح لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المعروف بسعد الدين الفرغاني للتائية الكبرى لابن الفارض. فرغ منه سنة 730 هـ. القاهرة 1293 هـ. معجم المطبوعات العربية 1445.
(3) ودر مجمع السلوك ميگويد اخلاص در عمل آنست كه صاحب آن در دنيا وآخرت بر ان عوض نخواهد واين اخلاص صديقان است أما كسى كه بر اميد بهشت وبيم دوزخ عمل كند. او نيز مخلص است ليكن از جمله مخلصان صديقان نباشد وهركه عمل براى مجرد ريا كند در معرض هالكان باشد.
(4) هو رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم البغدادي، أبو محمد. توفي عام 330 هـ/ 941 م وقيل عام 303 هـ/ 915 م. صوفي شهير، من جلة مشايخ بغداد، مقرئ، مفسّر، فقيه ظاهري. الاعلام 3/ 37، طبقات الصوفية. 180، حلية الاولياء.
10/ 26، صفة الصفوة 2/ 249، تاريخ بغداد 8/ 430، البداية والنهاية 11/ 125، معجم المفسرين 1/ 192، المنتظم 6/ 136.
(1/122)

الإخلاص أن لا يرضى صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظّا في الملكين. وقول بعض المشايخ الخالص هو الذي لا باعث له إلّا طلب القرب من الحق. وفي السيد الجرجاني الإخلاص في اللغة ترك الرّياء في الطاعات وفي الاصطلاح تخليص القلب عن شائبة الشّوب المكدّر لصفائه وتحقيقه أنّ كل شيء يتصوّر أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه يسمّى خالصا ويسمّى الفعل المخلص إخلاصا.
قال الله تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً «1» فإنما خلوص اللّبن أن لا يكون فيه شوب من الفرث والدم. وقال الفضيل بن عياض «2» ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص الخلاص من هذين. وأيضا فيها الإخلاص أن لا تطلب لعملك شاهدا غير الله. وقيل الإخلاص تصفية الأعمال من الكدورات. وقيل الإخلاص ستر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. والفرق بين الإخلاص والصدق الصدق أصل وهو الأول والإخلاص فرع وهو تابع، وفرق آخر أنّ الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل.
الإخلال:
[في الانكليزية] Litotes
[ في الفرنسية] Litote
بكسر الهمزة عند أهل المعاني هو أن يكون اللفظ ناقصا عن أصل المراد غير واف ببيانه كقول الشاعر: «3»
والعيش خير في ظلا ل النّوك ممن عاش كدّا النّوك الحمق والكدّ أي المكدود والمتعوب، فإن أصل مراده أنّ العيش الناعم في ظلال النّوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل، ولفظه غير واف بذلك فيكون مخلّا، كذا في المطول في بحث الإيجاز والإطناب.
الأخنسيّة:
[في الانكليزية] Al -Akhnassiyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Akhnassiyya (secte)
بفتح الألف وسكون الخاء وفتح النون فرقة من الخوارج الثعالبة «4» أصحاب اخنس بن قيس «5»، هم كالثعالبة في الأحكام إلّا أنّهم امتازوا عنهم بأن توقّفوا فيمن هو في دار البعثة «6» من أهل القبلة فلم يحكموا عليه بإيمان ولا كفر إلّا من علم حالة من إيمانه وكفره.
وحرّموا الاغتيال بالقتل لمخالفيهم والسّرقة من أموالهم. ونقل عنهم تجويز تزويج المسلمات من مشركي قومهم «7»، كذا في شرح المواقف.
__________
(1) النحل/ 66.
(2) هو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، أبو علي. ولد في سمرقند عام 105 هـ/ 723 م وتوفي عام 187 هـ/ 803 م. شيخ الحرم المكي، فقيه، ثقة في الحديث، من الصالحين. الاعلام 5/ 153، طبقات الصوفية 6، تذكرة الحفاظ 1/ 225، صفة الصفوة 2/ 134، حلية الاولياء 8/ 84، وفيات الاعيان 1/ 415، الجواهر المضيئة 1/ 409.
(3) الحارث بن حلزة اليشكري: هو الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي. توفي نحو 50 ق. هـ نحو 570 م.
شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، أحد أصحاب المعلقات، وأشتهر بالفخر، له ديوان شعر مطبوع. الاعلام 2/ 154، الأغاني 11/ 42، خزانة البغدادي 1/ 158، الشعر والشعراء 53، سمط اللآلئ 638.
(4) فرقة من الخوارج اصحاب ثعلبة بن عامر كما يراه الشهرستاني والمقريزي، أو ثعلبة بن مشكان كما يرى البغدادي والأسفراييني. انشقوا عن العجاردة من الخوارج بسبب الحكم على الاطفال والولاية عليهم. وقد انشقت الثعالبة وتفرقت إلى ست فرق يخالف بعضها بعضا. الملل والنحل 131، الفرق 100، مقالات الاسلاميين 1/ 167، التبصير في الدين 33.
(5) اخنس بن قيس: من زعماء الخوارج، إليه تنسب الفرقة الأخنسية من الخوارج الثعالبة. كانت له آراء مبتدعة ولا نعرف له ميلادا ولا وفاة. الفرق بين الفرق 101، التبصير في الدين 57، الملل والنحل 132، مقالات الإسلاميين 1/ 167.
(6) التقية (م، ع).
(7) الأخنسية: لمزيد من تفصيل آرائهم، انظر ما ذكره الشهرستاني في الملل 132، البغدادي في الفرق 101، الأشعري في مقالات الاسلاميين 1/ 167، والأسفراييني في التبصير 33.
(1/123)

إخوان الصّفا:
[في الانكليزية] Brethren of purity (Ikhwan Al -Safaa)
[ في الفرنسية] Les freres de la purete (Ikhwan Al -Safaa)
وهم الأصدقاء والإخوان الذين صفت مودتهم من كدورات البشر وتحلّوا بأوصاف الكمال الروحي «1». كذا في لطائف اللغات «2».
الأخيار:
[في الانكليزية] The rightous ،the chosen
[ في الفرنسية] Les justes ،les elus
بفتح الألف جمع خيّر، وفي اصطلاح أهل السّلوك: الأخيار سبعة رجال من أصل ثلاثمائة وستة وخمسين رجلا من رجال الغيب. كذا في كشف اللغات. كما ورد فيه أيضا شرح لفظ أولياء بأنهم ثلاثمائة شخص. ويقال لهم أيضا الأبرار. وسيجيء أيضا في لفظ الصوفي «3».
الأداء:
[في الانكليزية] Practice ،execution
[ في الفرنسية] Pratique ،execution
هو والقضاء: بحسب اللغة يطلقان على الإتيان بالمؤقّتات كأداء الصلاة الفريضة «4» وقضائها، وبغير المؤقتات كأداء الزكاة والأمانة وقضاء الحقوق والحج للإتيان به ثانيا بعد فساد الأول ونحو ذلك. وأما بحسب اصطلاح الفقهاء فهما أي الأداء والقضاء عند أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى يختصّان بالعبادات المؤقتة. ولا يتصوّر الأداء إلّا فيما يتصوّر فيه القضاء وأما ما لا يتصور فيه القضاء، كصلاة العيد والجمعة فلا يطلقون الأداء فيه. وهما والإعادة أقسام للفعل الذي تعلّق به الحكم فتكون أقساما للحكم أيضا. لكن ثانيا وبالعرض فيقال الحكم إمّا متعلّق بأداء أو قضاء أو إعادة ولهذا قالوا الأداء ما فعل في وقته المقدّر له شرعا أولا. واختيار فعل على وجب ليتناول النوافل المؤقتة. وقيد في وقته للاحتراز عمّا فعل قبل الوقت أو بعده.
وقيد المقدّر له للاحتراز عمّا لم يقدّر له وقت كالنوافل المطلقة والنذور المطلقة والأذكار القلبية إذ لا أداء لها ولا قضاء ولا إعادة، بخلاف الحجّ فإنّ وقته مقدّر معيّن لكنه غير محدود فيوصف بالأداء لا بالقضاء لوقوعه دائما فيما قدّر له شرعا أولا. وإطلاق القضاء على الحج الذي يستدرك به حجّ فاسد من قبيل المجاز من حيث المشابهة مع المقضي في الاستدراك. وقيد شرعا للتحقيق دون الاحتراز عمّا قيل وهو المقدّر له لا شرعا كالشهر الذي عيّنه الإمام لزكاته، والوقت الذي عيّنه المكلّف لصلاته لأن إيتاء الزكاة في ذلك الشهر وأداء الصلاة في ذلك الوقت أداء قطعا. اللهم إلّا أن يقال المراد أنه ليس أداء من حيث وقوعه في ذلك الوقت، بل في الوقت الذي قدّره الشارع كما في الحجّ، حتى لو لم يكن الوقت مقدّرا شرعا لم يكن أداء كالنوافل المطلقة والنذور المطلقة. وقولهم أولا متعلّق بفعل واحترز به عن الإعادة فإن الظاهر من كلام المتقدمين والمتأخرين أنّ الإعادة قسيم للأداء والقضاء.
وذهب بعض المحققين إلى أنها قسم من الأداء، وأن قولهم أولا متعلّق بالمقدّر احتراز عن القضاء فإنه واقع في وقته المقدّر له شرعا ثانيا حيث قال عليه الصلاة والسلام «فليصلها
__________
(1) اخوان الصفا ياران وبرادران روشن يعني جماعتي كه از مقتضيات كدورت بشري رسته باشند وباوصاف كمالات روحاني آراسته.
(2) لطائف اللغات لعبد اللطيف بن عبد الله الروحي الأديب (- 1100 هـ). إيضاح المكنون 2/ 405.
(3) بفتح الألف جمع خيّر است ودر اصطلاح سالكان اخيار هفت تن را گويند از جملة سيصد وپنجاه وشش مردان غيب كذا في كشف اللغات ونيز در ان در بيان لفظ اولياء واقع شده كه اخيار سيصد تن اند وايشان را ابرار نيز خوانند،
(4) الفريضة (- م).
(1/124)

إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» «1» فقضاء صلاة النائم والناسي عند التذكّر قد فعل في وقتها المقدّر لها ثانيا لا أولا. ولا يرد أنّ القضاء موسّع وقته العمر فلا يتقدّر بزمان التذكّر لأنه لا يدّعي انحصار الوقت فيه، بل المراد أن زمان التذكّر وما بعده زمان قد قدّر له ثانيا. فإن قلت فالنوافل لها على هذا وقت مقدّر أولا هو وقت العمر، كما أن لقضاء الظهر وقتا مقدّرا ثانيا هو بقية العمر. قلت البقية قدّرت وقتا له بالحديث المذكور إذا حمل على أن ذلك وما بعده وقت له. وأما أنّ العمر وقت للنوافل فمن قضية العقل لا من الشرع. والقضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا.
فبقولهم بعد وقت الأداء خرج الأداء «2» والإعادة في وقته. وبقولهم استدراكا خرجت إعادة الصلاة المؤداة في وقتها خارج وقتها، فإنها ليست قضاء ولا أداء ولا إعادة اصطلاحا وإن كانت إعادة لغة. وبقولهم لما سبق له وجوب خرج النوافل. وقولهم مطلقا تنبيه على أنه لا يشترط في كون الفعل قضاء الوجوب على المكلّف بل المعتبر مطلق الوجوب، فدخل فيه قضاء النائم والحائض إذ لا وجوب عليهما عند المحقّقين منهم، وإن وجد السبب لوجود المانع، كيف وجواز الترك مجمع عليه وهو ينافي الوجوب. وأمّا عند أبي حنيفة فالنوم لا يسقط نفس الوجوب بل وجوب الأداء، والحيض وكذا النفاس لا يسقطان نفس الوجوب بل وجوب الأداء إلّا أنه ثبت بالنصّ أن الطهارة عنهما للصلاة فحينئذ لا حاجة إلى قيد مطلقا.
وبالجملة فالفعل إذا كان مؤقّتا من جهة الشرع لا يجوز تقديمه لا بكلّه ولا ببعضه على وقت أدائه، فإن فعل في وقته فأداء وإعادة وإن فعل بعد وقته فإن وجد في الوقت سبب وجوبه سواء ثبت الوجوب معه أو تخلّف عنه لمانع فهو قضاء، وإن لم يوجد في الوقت سبب وجوبه لم يكن أداء ولا قضاء ولا إعادة. فإن قلت إذا وقعت ركعة من الصلاة في وقتها وباقيها خارجة عنه فهل هي أداء أو قضاء. قلنا ما وقعت في الوقت أداء والباقي قضاء في حكم الأداء تبعا وكذا الحال فيما إذا وقع في الوقت أقل من ركعة. والإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانيا لخلل في الأول، وقيل لعذر كما يجيء في محله. وعند الحنفية من أقسام المأمور به مؤقّتا كان أو غير مؤقّت «3» فالأداء تسليم عين ما ثبت بالأمر إلى مستحقّه، فإنّ أداء الواجب إنما يسمّى تسليما إذا سلم إلى مستحقّه والقضاء تسليم مثل ما وجب بالأمر. والمراد بما ثبت بالأمر ما علم ثبوته بالأمر لا ما ثبت وجوبه، إذ الوجوب «4» إنما هو بالسبب، وحينئذ يصحّ تسليم عين ما ثبت، مع أنّ الواجب وصف في الذمّة لا يقبل التصرّف من العبد، فلا يمكن أداء عينه، وذلك لأن الممتنع تسليم عين ما وجب بالسبب وثبت في الذمة لا تسليم عين ما علم ثبوته بالأمر كفعل الصلاة في وقتها وإيتاء ربع العشر.
وبالجملة فالعينية والمثلية بالقياس إلى ما علم من الأمر لا ما ثبت بالسبب في الذمّة فلا حاجة إلى ما يقال إنّ الشرع شغل الذمّة بالواجب ثم أمر بتفريغها، فأخذ ما يحصل به فراغ الذمّة حكم ذلك الواجب كأنه عينه. ثم
__________
(1) أخرجه مسلم في الصحيح، 1/ 477، عن انس بن مالك، كتاب المساجد (5)، باب قضاء الصلاة الفائتة (55)، حديث رقم 314/ 684، بلفظ: «من نسي صلاة فليصلها إذ ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
(2) خرج الأداء (- ع).
(3) كان أو غير مؤقت (- م).
(4) الواجب (م، ع).
(1/125)

الثابت بالأمر أعم من أن يكون ثبوته بصريح الأمر نحو وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ «1» أو بما هو في معناه نحو وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «2».
ومعنى تسليم العين أو المثل في الأفعال والأعراض إيجادها والإتيان بها، كأنّ العبادة حقّ الله تعالى، فالعبد يؤدّيها ويسلّمها إليه تعالى. ولم يعتبر التقييد بالوقت ليعمّ أداء الزكاة والأمانات والمنذورات والكفارات.
واختيار ثبت على وجب ليعمّ أداء النفل. قيل هذا خلاف ما عليه الفقهاء من أنّ النفل لا يطلق عليه الأداء إلّا بطريق التوسّع، نعم موافق لقول من جعل الأمر حقيقة في الإيجاب والندب. واختيار وجب في حدّ القضاء بناء على كون المتروك مضمونا والنفل لا يضمن بالترك. وأما إذا شرع فيه فأفسده فقد صار بالشروع واجبا فيقضى، والمراد بالواجب ما يشتمل الفرض أيضا. ولا بدّ من تقييد مثل الواجب بأن يكون من عند من وجب عليه كما قيده به البعض، وقال إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور وهو حقه هو القضاء احترازا عن صرف دراهم الغير إلى دينه، فإنه لا يكون قضاء، وللمالك أن يستردّها من ربّ الدّين.
وكذا إذا نوى أن يكون ظهر يومه قضاء من ظهر أمسه أو عصره قضاء من ظهره لا يصحّ مع قوّة المماثلة بخلاف صرف النفل إلى الفرض مع أن المماثلة فيه أدنى. وإنّما صحّ صرف النفل إلى الفرض لأن النفل خالص حقّ العبد وهو قادر على فعله، فإذا صرفه إلى القضاء جاز.
فإن قيل يدخل في تعريف الأداء الإتيان بالمباح الذي ورد به الأمر كالاصطياد بعد الإحلال، ولا يسمّى أداء إذ ليس في العرف إطلاق الأداء عليه. قلت المباح ليس بمأمور به عند المحققين، فالثّابت بالأمر لا يكون إلّا واجبا أو مندوبا، لكن عند من قال بأنه مأمور به فينبغي أن يسمّى أداء كما ذكر صاحب الكشف.
واعلم أنه قد يطلق كل من الأداء والقضاء على الآخر مجازا شرعيا لتباين المعنيين مع اشتراكهما في تسليم الشيء إلى من يستحقه وفي إسقاط الواجب، كقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ «3» أي أدّيتم. وكقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ «4» أي أدّيت صلاة الجمعة، وكقولك نويت أداء ظهر أمس. وأما بحسب اللغة فقد ذكروا أنّ القضاء حقيقة في تسليم العين والمثل وأنّ الأداء مجاز في تسليم المثل.
واعلم أيضا أنهم لم يذكروا الإعادة في هذا التقسيم لأنها داخلة في الأداء والقضاء على ما يجيء في محلها.
والأداء ينقسم إلى أداء محض وهو ما لا يكون فيه شبه من القضاء بوجه من الوجوه من حيث تغيّر الوقت ولا من حيث التزامه، وإلى أداء يشبه القضاء. والأول أي الأداء المحض ينقسم إلى كامل وهو ما يؤدّى على الوجه الذي شرع عليه كالصلاة بجماعة وردّ عين المغصوب، وقاصر وهو بخلافه كالصلاة منفردا فإنه أداء على خلاف ما شرع عليه، فإن الصلاة لم تشرع إلّا بجماعة لأن جبرائيل عليه السلام علّم الرسول عليه السلام الصلاة أوّلا بجماعة في يومين، وكرد المغصوب مشغولا بالجناية أو بالدّين بأن غصب عبدا فارغا ثم لحقه الدّين في الجناية في يد الغاصب. والأداء الذي يشبه القضاء كإتمام الصلاة من اللاحق فإنه أداء من
__________
(1) يونس/ 87: النور/ 56. الروم/ 31.
(2) آل عمران/ 97.
(3) البقرة/ 200.
(4) الجمعة/ 10.
(1/126)

حيث بقاء الوقت شبيه بالقضاء من حيث أنه لم يؤدّ كما التزم، فإنه التزم الأداء مع الإمام.
والقضاء أيضا ينقسم إلى قضاء محض وهو ما لا يكون فيه معنى الأداء أصلا لا حقيقة ولا حكما، وقضاء في معنى الأداء وهو بخلافه. والأول ينقسم إلى القضاء بمثل معقول وإلى القضاء بمثل غير معقول. والمراد بالمثل المعقول أن يدرك مماثلته بالعقل مع قطع النّظر عن الشرع، وبغير المعقول أن لا يدرك مماثلته إلّا شرعا. والمثل المعقول ينقسم إلى المثل الكامل كقضاء الفائتة بجماعة وإلى القاصر كقضائها بالانفراد. والقضاء الغير المحض كما إذا أدرك الإمام في العيد راكعا كبّر في ركوعه فإنه وإن فات موضعه وليس لتكبيرات العيد قضاء إذ ليس لها مثل، لكن للركوع شبها بالقيام لبقاء الاستواء في النصف الأسفل فيكون شبيها بالأداء، فصارت الأقسام سبعة. ثم جميع هذه الأقسام توجد في حقوق الله وفي حقوق العباد فكانت الأقسام أربعة عشر. هذا كلّه خلاصة ما في العضدي وحواشيه والتلويح وكشف البزدوي «1». ثم الأداء عند القرّاء يطلق على أخذ القرآن عن المشايخ كما يجيء في لفظ التلاوة.
الأداة:
[في الانكليزية] Particle
[ في الفرنسية] Particule
عند النحاة والمنطقيين هو الحرف المقابل للاسم والفعل «2».
الأدب:
[في الانكليزية] Literature ،good manners
[ في الفرنسية] Litterature ،bonnes manieres
بفتح الأول والدّال المهملة وهو بالفارسية العلم والثقافة والرعاية والتعجّب والطريقة المقبولة والصالحة ورعاية حدّ كل شيء، كما في كشف اللغات. وهو أيضا علم من علوم العربية يتعلّق بالفصاحة والبلاغة «3». كذا ذكر الشيخ عبد الحق «4» المحدّث في رسالة حلية النبي «5» صلى الله عليه وسلم. وفي الجواهر: الأدب حسن الأحوال في القيام والقعود وحسن الأخلاق واجتماع «6» الخصال الحميدة انتهى. وفي العناية «7» الأدب اسم يقع على كلّ رياضة محمودة فيخرج بها الإنسان إلى فضيلة من الفضائل. وقال أبو زيد «8» ويجوز أن يعرّف بأنه ملكة تعصم من قامت به عمّا يشينه. وفي فتح
__________
(1) كشف الأسرار أو كشف بزدوي لعبد العزيز بن أحمد بن محمد علاء الدين البخاري (- 730 هـ)، طبع مع أصول البزدوي في 4 مجلدات في الآستانة سنة 1307 هـ. معجم المطبوعات العربية 537 - 538.
(2) المقابل للاسم والفعل (- م).
(3) دانش وفرهنگ وپاس وشگفت وطريقه كه پسنديده وباصلاح باشد ونگاهداشت حد هر چيزى كما في كشف اللغات وعلم عربي كه تعلق بعلم زبان عرب وفصاحت وبلاغت دارد.
(4) هو عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي. ولد بدهلي (الهند) عام 959 هـ/ 1552 م. وتوفي عام 1052 هـ/ 1642 م. محدّث الهند في عصره، فقيه حنفي. له الكثير من المصنفات. الاعلام 3/ 280، معجم المطبوعات 899.
(5) الرسالة لعبد الحق بن سيف الدين أبي محمد الدهلوي (- 1052 هـ) وقد ورد ذكر المؤلف وبعض مؤلفاته في هدية العارفين ج 1، ص 503. لكن رسالة حلية النبي لم ترد ضمن مجموعة المؤلفات، فالارجح أنها رسالة صغيرة. وورد ذلك في:
معجم المؤلفين، 5/ 91.
(6) اجتماع (- م).
(7) العناية بشرح الهداية لأكمل الدين محمد بن محمد البابرتي (- 786 هـ) شرح فيه كتاب الهداية لبرهان الدين المرغيناني.
كلكوتا، 1831 م. كشف الظنون 2/ 2035. معجم المطبوعات العربية 504.
(8) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو زيد. ولد بالبصرة عام 119 هـ/ 737 م. وفيها مات عام 215 هـ/ 830 م. أحد أئمة اللغة والأدب، وكان قدريا، له عدة مؤلفات هامة. الاعلام 3/ 92، وفيات الأعيان 1/ 207، جمهرة الأنساب 352، تاريخ بغداد 9/ 77، نزهة الألباء 173، ابناه الرواة 2/ 30، تهذيب التهذيب 4/ 3، العبر 1/ 367، معجم الادباء 11/ 212، البداية والنهاية 10/ 269، معجم المفسرين 1/ 207، هدية العارفين 1/ 387 وغيرها.
(1/127)

القدير الأدب الخصال الحميدة. والمراد بالأدب في قول الفقهاء كتاب أدب القاضي أي ما ينبغي للقاضي أن يفعله لا ما عليه انتهى. والأولى التعبير بالملكة لأنها الصفة الراسخة للنفس، فما لم يكن كذلك لا يكون أدبا كما لا يخفى، كذا في البحر الرائق شرح الكنز «1» في كتاب القضاء.
والفرق بينه وبين التعليم أن التأديب يتعلّق بالمرادات «2» والتعليم بالشرعيّات، أي الأول عرفي والثاني شرعي، والأول دنيوي والثاني ديني، كما في الكرماني «3» شرح صحيح البخاري «4» في باب تعليم الرجل. وفي التلويح في بحث الأمر التأديب قريب من النّدب إلّا أنّ النّدب لثواب الآخرة والتأديب لتهذيب الأخلاق وإصلاح العادات انتهى.
وقد يطلقه الفقهاء على المندوب في جامع الرموز وما وراء ما ذكر من الفرائض والواجبات في الحجّ سنن تاركها مسيء وآداب تاركها غير مسيء وقد يطلقونه على السّنة في جامع الرموز في بيان العمرة وما سوى ذلك سنن وآداب تاركها مسيء. وفي البزازية «5» في كتاب الصلاة في الفصل الثاني الأدب ما فعله الشارع مرة وتركه أخرى، والسنة ما واظب عليه الشارع، والواجب ما شرع لإكمال الفرض والسنة لإكمال الواجب والأدب لإكمال السنة انتهى كلامه.
وقيل الأدب عند أهل الشرع الورع وعند أهل الحكمة صيانة النفس. وحكي أنّ حاتم الأصم «6» قدّم رجله اليسرى عند دخوله المسجد فتغيّر لونه وخرج مذعورا وقدّم رجله اليمنى، فقيل ما ذلك فقال: لو تركت أدبا من آداب الدين خفت أن يسلبني الله جميع ما أعطاني.
وقال حكيم الأدب مجالسة الخلق على بساط الصدق ومطابقة الحقائق. وقال أهل التحقيق الأدب الخروج من صدق الاختيار والتضرّع على بساط الافتقار كذا في خلاصة السلوك «7». وقيل ليس الأدب في كسب الأعمال التّعبدية ولا السعي في طلب الحق، بل التواضع إلى حدّ التراب، وما عدا ذلك فقلّة أدب «8».
وفي تعريفات الجرجاني الأدب عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ، وأدب القاضي وهو التزامه لما ندب إليه الشرع من بسط العدل ورفع الظلم وترك الميل انتهى.
وآداب البحث يجيء في ذكر علم المناظرة.
__________
(1) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين العابدين بن ابراهيم بن محمد بن نجم المصري الحنفي (- 970 هـ). القاهرة، المطبعة العلمية 1311. كشف الظنون 2/ 1515.
(2) بالعادات (ع)، بالمروءات (م).
(3) الكرماني هو محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني. ولد بكرمان عام 717 هـ/ 1317 م. وتوفي بالقرب من بغداد عام 786 هـ/ 1384 م. عالم بالحديث له عدة تصانيف. الاعلام 7/ 53، الدرر الكامنة 4/ 310، بغية الوعاة 120، مفتاح السعادة 1/ 170.
(4) مجمع البحرين وجواهر الحبرين في شرح البخاري لتقي الدين يحي بن شمس الدين محمد بن يوسف بن علي البغدادي المعروف بابن الكرماني (- 833 هـ). هدية العارفين 2/ 527.
(5) الفتاوي البزازية أو البزازية في الفتاوي وتعرف أيضا بالجامع الوجيز لحافظ محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردري الشهير بالبزازي أو بابن البزاز (- 827 هـ)، فرغ من تأليفه سنة 812 هـ. قازان 1308. كشف الظنون 1/ 242. معجم المطبوعات 555 - 556.
(6) هو حاتم بن عنوان، أبو عبد الرحمن، المعروف بالأصم. توفي 237 هـ/ 851 م. زاهد، اشتهر بالورع والتقشف وكان يقال له: لقمان هذه الأمة. الاعلام 2/ 152، اللباب 1/ 57.
(7) خلاصة السلوك في نيل الرفعة والسموك لحاجي بن سعيد القرشي (- 967 هـ)، GALS ,II ، 1020.
(8) ادب نه كسب عبادت نه سعي حق طلبي است. بغير خاك شدن هرچهـ هست بي ادبي است.
(1/128)

الإدبار:
[في الانكليزية] Decline
[ في الفرنسية] Declin
عند المنجّمين عبارة عن كون الكوكب في زائل الوتد، وكونه في الوتد يسمّى إقبالا وكونه في مائل الوتد يسمّى توسّطا كذا في كفاية التعليم.
لإدراك:
[في الانكليزية] Perception
[ في الفرنسية] Perception
في اللغة اللقاء والوصول، وعند الحكماء مرادف للعلم بمعنى الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل، أعم من أن يكون ذلك الشيء مجردا أو ماديا، جزئيا أو كليا، حاضرا أو غائبا، حاصلا في ذات المدرك أو في آلته. والإدراك بهذا المعنى يتناول أقساما أربعة: وهي الإحساس والتخييل والتوهّم والتعقّل. ومنهم من يخص الإدراك بالإحساس، وحينئذ يكون أخص من العلم بالمعنى المذكور وقسما منه، هكذا في بحر الجواهر وشرح الطوالع «1» وشرح التجريد «2». وفي كشف اللغات الإدراك بالفارسية: دريافتن، وبلوغ الصبي، ونضوج الفاكهة. وفي اصطلاح الصوفية الإدراك نوعان:
الإدراك البسيط «3» وهو إدراك الوجود الحق سبحانه مع الذهول عن هذا الإدراك، وعن أن المدرك هو الوجود الحق سبحانه. وليس ثمة خفاء في ظهور وجود الحق سبحانه بحسب الإدراك البسيط، لماذا؟ لأنه حيثما تدرك الوجود الأول فهو الحق، ولو أنك عن هذا الإدراك غافل، ولشدة ظهوره فهو يخفى «4». وإدراك مركّب وهو عبارة عن إدراك الوجود الحق سبحانه مع الشعور بهذا الإدراك وبأن المدرك هو الوجود الحق سبحانه، وهذا النوع من الإدراك يحتمل الخطأ والصواب، والحكم بالإيمان والكفر عائد لذلك، ويتفاضل ذوو المراتب من أهل المعرفة بتفاوت مراتبهم فيه «5».
الأدرة:
[في الانكليزية] Testicle hernia
[ في الفرنسية] Hernie du testicule
بضم الألف وسكون الدال المهملة نفخة في الخصية ويقول لها الناس القبل فارسيها دبه.
وأدرة الماء وتسمّى بأدرة الدّوالي هي انصباب رطوبات متوفّرة إلى عروق الخصيتين، كذا في بحر الجواهر. وقد يفرّق بين الأدرة والقبلة.
الإدغام:
[في الانكليزية] Contraction
[ في الفرنسية] Contraction
بالغين المعجمة هو في اللغة إدخال الشيء في الشيء. وهو إما مصدر من باب الإفعال كما ذهب إليه الكوفيون، وإما مصدر من باب الافتعال على أنّه بتشديد الدّال كما ذهب إليه البصريون. وبالجملة بتخفيف الدّال من عبارات الكوفيين وبتشديدها من عبارات البصريين كما في شرح اللباب «6» في بحث العلم. وفي
__________
(1) لطوالع الأنوار للبيضاوي (- 685 هـ) شروح كثيره منها شرح شمس الدين محمود بن عبد الرحمن الاصفهاني (- 749 هـ) وقد سماه مطالع الانظار وللشريف علي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ) شرح عليه، وكذلك شرحه عصام الدين ابراهيم بن محمد الأسفرايني (- 943 هـ) ... كشف الظنون 2/ 1116 - 1117.
(2) شرح التجريد لعلاء الدين علي بن محمد القوشجي (- 879 هـ) وتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي (- 672 هـ). الهند 1307 هـ. معجم المطبوعات العربية 1531. اسماء الكتب 210.
(3) دريافتن ودر رسيدن كودك ببلوغ وميوه به پختگى. ودر اصطلاح صوفيه إدراك بر دو نوع است ادراك بسيط.
(4) ودر ظهور وجود حق سبحانه بحسب إدراك بسيط خفا نيست چرا كه هرجا كه ادراك كني اوّل هستى حق مدرك شود اگرچهـ از ادراك ابن ادراك غافل باشي واز غائب ظهور مخفي ماند.
(5) واين ادراك مركب محل فكر وخطا وصواب است وحكم ايمان وكفر راجع باين است وتفاضل ميان ارباب معرفت بتفاوت مراتب اين است.
(6) اللباب في النحو لتاج الدين محمد بن محمد بن أحمد بن السيف المعروف بالفاضل الأسفراييني (- 684 هـ). وعليه شروح كثيرة. كشف الظنون 2/ 1543.
(1/129)

اصطلاح الصرفيين والقرّاء وهو إلباث الحرف في مخرجه مقدار إلباث الحرفين في مخرجهما، كذا نقل عن جار الله، ونقض بمدة مدّ بها مقدار الحرفين كالسماء. وأيضا المقصود من الإدغام التخفيف ورفع الثقل، فلو كان هو عبارة عن الإلباث المذكور لعاد إلى موضوعه بالنقض.
ولذا قيل إنّ الحرف المشدّد زمانه أقصر من زمان الحرف الواحد، فالأولى في تعريفه ما قيل من أنّه عبارة عن إدراج الحرف الأول في الثاني، والحرف الأول يسمّى مدغما والثاني مدغما فيه، هكذا في شرح مراح الأرواح «1»، وضد الإدغام الاظهار.
والإدغام ينقسم إلى كبير وصغير. فالكبير هو ما كان فيه المدغم والمدغم فيه متحرّكين، سواء كانا مثلين أو جنسين أو متقاربين، سمّي به لأنه يسكن الأول ويدغم في الثاني، فيحصل فيه عملان فصار كبيرا. وقيل سمّي به لكثرة وقوعه إذ الحركة أكثر من السكون. وقيل لما فيه من الصعوبة. والصغير هو ما كان فيه المدغم ساكنا فيدغم في الثاني فيحصل فيه عمل واحد. ولذا سمّي به كذا في الإتقان وشرح الشاطبي.
الإدماج:
[في الانكليزية] Combination ،entanglement
[ في الفرنسية] Combinaison ،enchevetrement
بتخفيف الدّال كما يستفاد من المطوّل حيث قال: الإدماج من أدمج الشيء في الثوب إذا لفّه فيه. وفي جامع الصنائع ذكر أنه بتشديد الدّال وليس هذا ببعيد أيضا، لأن الإدماج بتشديد الدّال الدخول في الشيء والاستتار فيه كما ذكر في بعض كتب اللغة. وكلا المعنيين يناسبان المعنى الاصطلاحي لتقاربهما، وهو أي المعنى الاصطلاحي الذي هو اصطلاح أهل البديع أن يضمّن كلام سيق لمعنى مدحا كان أو غيره معنى آخر، وهذا المعنى الآخر يجب أن لا يكون مصرّحا به، ولا يكون في الكلام إشعار بأنه مسوق لأجله، فهو أعم من الاستتباع لشموله المدح وغيره واختصاص الاستتباع بالمدح كقول أبي الطيب «2»:
أقلّب فيه أجفاني كأني أعدّ بها على الدهر الذّنوبا فإنه ضمّن وصف الليل بالطول الشّكاية من الدّهر يعني لكثرة تقلّبي لأجفاني في ذلك الليل كأني أعد على الدهر ذنوبه. ثم المراد «3» بالمعنى الآخر الجنس أعم من أن يكون واحدا كما مرّ أو أكثر كما في قول ابن نباتة «4»:
ولا بدّ لي من جهلة في وصاله فمن لي بخلّ أودع الحلم عنده
__________
(1) شرح مراح الأرواح لشمس الدين أحمد المعروف بديكتقوز من أبناء القرن التاسع الهجري. ومراح الأرواح في الصرف لأحمد بن علي بن مسعود، القاهرة، المطبعة الميمنية، 1309 هـ.، معجم المطبوعات العربية 906.
(2) أبو الطيب المتنبي هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب المتنبي. ولد بالكوفة عام 303 هـ/ 915 م، وقتل بالقرب من بغداد عام 354 هـ/ 965 م. الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال والأشعار والحكم، وطبع له الكثير من القصائد ضمن دواوين، كما ألّف الكثير من العلماء عنه. الاعلام 1/ 115، وفيات الاعيان 1/ 36، لسان الميزان 1/ 159، تاريخ بغداد 4/ 102، المنتظم 7/ 24، دائرة المعارف الاسلامية 1/ 363، فضلا عن الدراسات العديدة عنه.
(3) المقصود (م، ع).
(4) هو محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري، ابو بكر جمال الدين. ولد بالقاهرة عام 686 هـ/ 1287 م وفيها مات عام 768 هـ/ 1366 م. شاعر وأحد الكتاب والأدباء. له الكثير من المؤلفات الهامة. الاعلام 7/ 38، حسن المحاضرة 1/ 329. البداية والنهاية 14/ 322، الدرر الكامنة 4/ 216، النجوم الزاهرة 11/ 95، طبقات الشافعية 6/ 31، الوافي 1/ 311.
(1/130)

فقد أدمج ثلاثة أشياء الأول وصف نفسه بالحلم، والثاني شكاية الزمان «1» بأنه لم يجد فيهم صديقا، ولذلك استفهم عنه منكرا لوجوده كما يشعر به قوله فمن لي بخلّ، الثالث وصف نفسه بأنه إن جهل لواصل المحبوب لا يستمرّ على جهله بل يودع حلمه قبل ذلك عند صديق أمين ثم يسترده بعد ذلك كما ينبئ عنه قوله أودع، هذا ما قالوا. وأيضا فيه إدماج رابع وهو وصف نفسه بأنه لا يميل إلى الجهل بالطبع وإنّما يجهل لوصال المحبوب للضرورة لأنه لا بدّ منه. وإدماج خامس وهو أن لا يفعله إلّا مرة واحدة كما أشار إليه بقوله جهلة. هذا خلاصة ما في المطول وشرح الأبيات المسمّى بعقود الدّرر «2».
الإذالة:
[في الانكليزية] Supplementary consonant
[ في الفرنسية] Consonne supplemenraire
عند أهل العروض هي أن يزاد على آخر الجزء حرف ساكن إذا كان آخره وتدا مجموعا، فإن كان آخره سببا فهو التّسبيغ، كذا في بعض رسائل العروض العربي. والجزء الذي فيه الإذالة يسمّى مذالا بضم الميم، كما في عروض سيفي، بعد بيان معنى الإذالة على الطريق المذكور. وصاحب عنوان الشرف عرف التذييل بهذا التعريف حيث قال التذييل هو زيادة حرف ساكن على الوتد المجموع. ولم يذكر الإذالة فعلم منه أنّ الإذالة والتذييل مرادفان. فمستفعلن إذا زيد قبل نونه ألف يصير مذالا، وأما أنّه هل يسمّى مذيلا أم لا فمحتمل. وفي رسالة قطب الدين السرخسي «3» الإذالة أن يزاد على التّعرية حرف ساكن. وفسّر التعرية بكون الجزء سالما من الزيادة، وهذا بظاهره مخالف لما سبق.
الآذان:
[في الانكليزية] Call to the prayer
[ في الفرنسية] Appel a la priere
بالفتح لغة الإعلام وشرعا الإعلام بوقت الصلاة بوجه مخصوص معروف. ويطلق أيضا على الألفاظ المخصوصة المعروفة كذا في الدرر شرح الغرر.
آذر:
[في الانكليزية] March
[ في الفرنسية] Mars
بالذال المعجمة وبعدها راء مهملة، وهو اسم شهر في التقويم الميلادي واليزدكردي الايراني، وهو الشهر الثالث من أشهر فصل الشتاء. وفي التاريخ اليهودي «4».
الإذعان:
[في الانكليزية] Determination
[ في الفرنسية] Determination
الاعتقاد بمعنى عزم القلب، والعزم جزم الإرادة بعد تردّد. وللإذعان مراتب فالأدنى منها يسمّى بالظنّ والأعلى منها يسمّى باليقين، وبينهما التقليد والجهل المركّب ويجيء تفصيله في مواضعه، كذا في الجرجاني وغيره.
الإذن:
[في الانكليزية] Permission
[ في الفرنسية] Permission
بالكسر وسكون الذال المعجمة لغة الإعلام بإجازة رخصة في الشيء، وشريعة فكّ الحجر أيّ حجر كان، أي سواء كان حجر الرّقّ أو الصّغر أو غيرهم، والذي فكّ منه الحجر يسمّى مأذونا، هكذا يستفاد من جامع الرموز.
الإرادة:
[في الانكليزية] Will
[ في الفرنسية] Volonte
هي في اللغة نزوع النفس وميلها إلى
__________
(1) أبناء الزمان (م).
(2) عقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر لحسين بن شهاب الدين حسين بن جاندار العاملي (- 1076 هـ) وهو شرح على شرحي التفتازاني المطول ومختصر المطول، طهران، 1269 هـ. الاعلام 2/ 235. معجم المطبوعات العربية 1264.
(3) رسالة في العروض والقافية يرجّح أنها بالفارسيّة. اما قطب الدين فلم نعثر له على ترجمة.
(4) آذر بذال معجمة وبعد ان راى مهمله است وان اسم ماهيست در تاريخ رومي ويزدجردى وتاريخ يهود چنانكه گذشت.
(1/131)

الفعل بحيث يحملها عليه. والنزوع الاشتياق، والميل المحبة والقصد، فعطف الميل على النزوع للتفسير. قيل وفائدته الإشارة إلى أنها ميل غير اختياري، ولا يشترط في الميل أن يكون عقيب اعتقاد النفع كما ذهب إليه المعتزلة، بل مجرد أن يكون حاملا على الفعل بحيث يستلزمه، لأنه مخصّص للوقوع في وقت ولا يحتاج إلى مخصّص آخر. وقوله بحيث متعلق بالميل، و [معنى] «1» حمل الميل للنفس على الفعل جعلها متوجهة لإيقاعه. وتقال أيضا للقوة التي هي مبدأ النزوع، وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور.
والإرادة بالمعنى الأول أي بمعنى الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده تكون مع الفعل وتجامعه وأن تقدم عليه بالذات، وبالمعنى الثاني أي بمعنى القوة تكون قبل الفعل، وكلا المعنيين لا يتصوّر في إرادته تعالى. وقد يراد بالإرادة مجرد القصد عرفا، ومن هذا القبيل إرادة المعنى من اللفظ. وقال الإمام: لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية، فإنّ الإنسان يدرك بالبداهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذّته.
وقال المتكلّمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترز بالقيد الأخير عن القدرة، كذا ذكر الخفاجي «2» في حاشية البيضاوي «3» في تفسير قوله تعالى: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا «4» في أوائل سورة البقرة. وقال في شرح المواقف: الإرادة من الكيفيات النفسانية، فعند كثير من المعتزلة هي اعتقاد النفع أو ظنه. قالوا إن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على السوية، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجّح على الآخر عند القادر وأثّرت فيه قدرته.
وعند بعضهم الاعتقاد أو الظنّ هو المسمّى بالداعية. وأما الإرادة فهي ميل يتبع ذلك الاعتقاد أو الظنّ، كما أن الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضرر أو ظنه، فإنّا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أنّ الفعل الفلاني فيه جلب أو دفع ضرر ميلا إليه مترتبا على ذلك الاعتقاد، وهذا الميل مغاير للعلم بالنفع أو دفع الضرر ضرورة.
وأيضا فإن القادر كثيرا ما يعتقد النفع في فعل أو يظنه، ومع ذلك لا يريده ما لم يحصل له هذا الميل.
وأجيب عن ذلك بأنّا لا ندّعي أنّ الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه مطلقا، بل هي اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خيره بحيث يمكن وصوله إلى أحدهما بلا ممانعة مانع من تعب أو معارضة. والميل المذكور إنما يحصل لمن لا يقدر على الفعل قدرة تامة، بخلاف القادر التام القدرة، إذ يكفيه العلم والاعتقاد على قياس الشوق إلى المحبوب، فإنه حاصل لمن ليس واصلا إليه دون الواصل إذ لا شوق له.
وعند الأشاعرة هي صفة مخصّصة لأحد
__________
(1) [ومعنى] (+ م، ع).
(2) هو أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي المصري. ولد بمصر عام 977 هـ/ 1569 م، وتوفي فيها عام 1069 هـ/ 1659 م. قاضي القضاة، أديب لغوي. له رحلات كثيرة ومصنفات عديدة. الاعلام 1/ 238، خلاصة الأثر 1/ 331، آداب اللغة 3/ 286، الريحانة 361.
(3) حاشية البيضاوي وتعرف بعناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي للقاضي شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري (- 1069) شرح فيها أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (- 691 هـ)، بولاق 1283 هـ. اكتفاء القنوع 114 - 115.
(4) البقرة/ 26.
(1/132)

طرفي المقدور بالوقوع في وقت معين، والميل المذكور ليس إرادة، فإن الإرادة بالاتفاق صفة مخصّصة لأحد المقدورين بالوقوع، وليست الإرادة مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه، فإن الهارب من السبع إذا ظهر له طريقان متساويان في الإفضاء إلى النجاة فإنه يختار أحدهما بإرادته ولا يتوقف في ذلك الاختيار على ترجيح أحدهما لنفع يعتقده فيه ولا على ميل يتبعه انتهى. وفي البيضاوي والحق أنّ الإرادة ترجيح أحد مقدوريه على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه، أو معنى يوجب هذا الترجيح، وهي أعم من الاختيار، فإنه ميل مع تفضيل انتهى. أي تفضيل أحد الطرفين على الآخر كأنّ المختار ينظر إلى الطرفين والمريد ينظر إلى الطرف الذي يريده، كذا في شرح المقاصد «1». والمراد من الميل مجرّد الترجيح لا مقابل النفرة.
وقال الخفّاجي في حاشيته ما حاصله: إن هذا مذهب أهل السنّة، فهي صفة ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له وللقدرة.
وقوله بوجه الخ، احتراز عن القدرة، فإنّها لا تخصّص الفعل ببعض الوجوه، بل هي موجدة للفعل مطلقا، وليس هذا معنى الاختيار كما توهم، بل الاختيار الميل أي الترجيح مع التفضيل، وهو أي التفضيل كونه أفضل عنده ممّا يقابله لأن الاختيار أصل وضعه افتعال من الخير. ولذا قيل: الاختيار في اللغة ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره وهو أخصّ من الإرادة والمشيئة. نعم قد يستعمل المتكلمون الاختيار بمعنى الإرادة أيضا حيث يقولون إنه فاعل بالاختيار وفاعل مختار. ولذا قيل: لم يرد الاختيار بمعنى الإرادة في اللغة، بل هو معنى حادث، ويقابله الإيجاب عندهم، وهذا إمّا تفسير لإرادة الله تعالى أو لمطلق الإرادة الشاملة لإرادة الله تعالى؛ وعلى هذا لا يرد عليه اختيار أحد الطريقين المستويين، وأحد الرغيفين المتساويين للمضطر لأنّا لا نسلّم ثمّة أنّه اختيار على هذا، ولا حاجة إلى أن يقال إنه خارج عن أصله لقطع النظر عنه. وقد أورد على المصنّف أنّ الإرادة عند الأشاعرة الصفة المخصّصة لأحد طرفي المقدور وكونها نفس الترجيح لم يذهب إليه أحد. وأجيب بأنه تعريف لها باعتبار التعلّق، ولذا قيل: إنها على الأول مع الفعل وعلى الثاني قبله، أو أنه تعريف لإرادة العبد انتهى.
ثم اعلم أنّه قال الشيخ الأشعري وكثير من أصحابه: إرادة الشيء كراهة ضدّه بعينه، والحق أن الإرادة والكراهة متغايرتان، وحينئذ اختلفوا، فقال القاضي أبو بكر «2» والغزالي: إنّ إرادة الشيء مع الشعور بضدّه يستلزم كون الضدّ مكروها عند ذلك المريد، فالإرادة مع الشعور بالضدّ مستلزمة لكراهة الضدّ، وقيل لا تستلزمها، كذا في شرح المواقف.
وعند السالكين هي استدامة الكدّ وترك الراحة كما في مجمع السلوك. قال الجنيد «3»:
الإرادة أن يعتقد الإنسان الشيء ثم يعزم عليه ثم
__________
(1) شرح مقاصد الطالبين في علم أصول الدين لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (- 792 هـ) وهو في علم الكلام شرح فيه كتابه مقاصد الطالبين شرحا وافيا. الآستانة 1277 هـ[1 - 2] وبهامشه متن المقاصد. معجم المطبوعات العربية 637 - 638.
(2) ابو بكر الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، ولد في البصرة عام 338 هـ/ 950 م، وتوفي في بغداد عام 403 هـ/ 1013 م. قاض، من كبار علماء الكلام الأشعري. ناظر علماء النصارى وله العديد من المؤلفات الهامة.
الاعلام 6/ 176، معجم المفسرين 2/ 542، وفيات الأعيان 1/ 481، قضاة الأندلس 37، تاريخ بغداد 5/ 379، دائرة المعارف الاسلامية 3/ 294، الديباج المذهب 267، تبيين كذب المفتري 217، الوافي بالوفيات 3/ 177.
(3) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، ابو القاسم. ولد ومات ببغداد عام 297 هـ/ 910 م. صوفي عالم
(1/133)

يريده. والإرادة بعد صدق النيّة، قال عليه الصلاة والسلام: «لكل امرئ ما نوى» «1» كذا في خلاصة السلوك. وقيل الإرادة الإقبال بالكليّة على الحقّ والإعراض عن الخلق، وهي ابتداء المحبة كذا في بعض حواشي البيضاوي.
فائدة:
الإرادة مغايرة للشهوة، فإن الإنسان قد يريد شرب دواء كريه فيشربه ولا يشتهيه، بل يتنفّر عنه، وقد تجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم من وجه. وكذا الحال بين الكراهة والنفرة إذ في الدواء المذكور وجدت النفرة دون الكراهة المقابلة للإرادة، وفي اللذيذ الحرام يوجد الكراهة من الزهاد دون النفرة الطبعية، وقد تجتمعان أيضا في حرام منفور عنه.
فائدة:
الإرادة غير التمنّي فإنها لا تتعلّق إلّا بمقدور مقارن لها عند أهل التحقيق، والتمنّي قد يتعلّق بالمحال الذاتي وبالماضي: وقد توهم جماعة أن التمني نوع من الإرادة حتى عرّفوه بأنه إرادة ما علم أنه لا يقع أو شكّ في وقوعه. واتفق المحققون من الأشاعرة والمعتزلة على أنهما متغايران.
فائدة:
الإرادة القديمة توجب المراد «2»، أي إذا تعلّقت إرادة الله تعالى بفعل من أفعال نفسه لزم وجود ذلك الفعل وامتنع تخلّفه عن إرادته اتفاقا من الحكماء وأهل الملّة. وأمّا إذا تعلّقت بفعل غيره ففيه خلاف. المعتزلة القائلين بأن معنى الأمر هو الإرادة فإنّ الأمر لا يوجب وجود المأمور به كما في العصاة.
وأمّا الإرادة الحادثة فلا توجبه اتفاقا، يعني أنّ إرادة أحدنا إذا تعلّقت بفعل من أفعاله فإنها لا توجب ذلك المراد «3» عند الأشاعرة، وإن كانت مقارنة له عندهم، ووافقهم في ذلك الجبائي «4» وابنه «5» وجماعة من المتأخرين من المعتزلة. وجوّز النّظام «6» والعلّاف «7» وجعفر بن
__________
- بالدين، إمام في الزهد والوعظ. له عدة كتب ورسائل. الاعلام 2/ 141، وفيات الاعيان 1/ 117، حلية الاولياء 1/ 255، صفة الصفوة 2/ 235، تاريخ بغداد 7/ 241، طبقات السبكي 2/ 28، طبقات الحنابلة 89، طبقات الشعراني 1/ 72.
(1) اخرجه البخاري في صحيحه، 3/ 290، كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان معلقا.
(2) المقصود (م، ع).
(3) المقصود (م، ع).
(4) ابو علي الجبائي: هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، أبو علي. ولد في جبى عام 235 هـ/ 849 م، وتوفي فيها عام 303 هـ/ 916 م، من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره. له آراء تفرّد بها، وله بعض المؤلفات. الاعلام 6/ 256، خطط المقريزي 2/ 348، وفيات الاعيان 1/ 480، البداية والنهاية 11/ 125، اللباب 1/ 208، مفتاح السعادة 2/ 35، دائرة المعارف الاسلامية 6/ 270، معجم المفسرين 2/ 570.
(5) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي. ولد عام 247 هـ/ 861 م وتوفي عام 321 هـ/ 933 م. من كبار علماء المعتزلة. تبعثه فرقة سمّيت: الهشمية نسبة لكنيته أبي هاشم. له آراء انفرد بها، وكتب كلامية، الاعلام 4/ 7، خطط المقريزي 2/ 348، وفيات الأعيان 1/ 292، البداية والنهاية 11/ 176، ميزان الاعتدال 2/ 131، تاريخ بغداد 11/ 55.
(6) النظّام: هو ابراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظّام. توفي عام 231 هـ/ 845 م. من أئمة المعتزلة. فيلسوف متكلم، انفرد بآراء كثيرة وله عدة مصنفات. الاعلام 1/ 43، تاريخ بغداد 6/ 97، آمالي المرتضى 1/ 132، اللباب 3/ 230، خطط المقريزي 1/ 346، سفينة البحار 2/ 597، النجوم الزاهرة 2/ 234، تاريخ المسعودي 6/ 371.
(7) العلّاف: هو محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، أبو الهذيل العلّاف. ولد في البصرة عام 135 هـ/ 753 م.
وتوفي بسامراء عام 235 هـ/ 850 م. من أئمة المعتزلة. عالم في الكلام. كفّ بصره آخر حياته، وله كتب كثيره. الاعلام 7/ 131، وفيات الاعيان 1/ 480، لسان الميزان 5/ 413، مروج الذهب 2/ 298، تاريخ بغداد 3/ 366، آمالي المرتضى 1/ 124، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 416، نكت الهميان 277.
(1/134)

حرب «1» وطائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها للمراد «2» إذا كانت قصدا إلى الفعل، وهو أي القصد ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، لا عزما عليه، ليقدم العزم على الفعل، فلا يتصوّر إيجابه إياه؛ فهؤلاء أثبتوا إرادة متقدّمة على الفعل بأزمنة هي العزم ولم يجوّزوا كونها موجبة، وإرادة مقارنة له هي القصد وجوّزوا إيجابها إياه. وأمّا الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة، بل أمرا مغايرا لها.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا في إرادته تعالى، فقال الحكماء: إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد، وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل، وبكيفية صدوره عنه تعالى حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النّظام، من غير قصد وشوق، ويسمون هذا العلم عناية. قال ابن سينا: العناية هي إحاطة علم الأول تعالى بالكلّ وبما يجب أن يكون عليه الكلّ حتى يكون على أحسن النظام، فعلم الأول بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكلّ منبع لفيضان الخير والجود في الكلّ من غير انبعاث قصد وطلب من الأول الحقّ. وقال أبو الحسين «3» وجماعة من رؤساء المعتزلة كالنّظام والجاحظ «4» والعلّاف وأبي القاسم البلخي «5» وو محمود الخوارزمي «6»: إرادته تعالى علمه بنفع في الفعل، وذلك كما يجده كلّ عاقل من نفسه إن ظنّه، أو اعتقاده لنفع في الفعل، يوجب الفعل؛ ويسميه أبو الحسين بالداعية، ولما استحال الظنّ والاعتقاد في حقّه تعالى انحصرت داعيته في العلم بالنفع. ونقل عن أبي الحسين وحده أنّه قال: الإرادة في الشاهد زائدة على الدّاعي، وهو الميل التّابع للاعتقاد أو الظنّ.
وقال الحسين النّجّار «7»: كونه تعالى مريدا أمر عدميّ، وهو عدم كونه مكرها ومغلوبا، ويقرب منه ما قيل: هي كون القادر غير مكره ولا ساه.
وقال الكعبي: هي في فعله العلم بما فيه من المصلحة، وفي فعل غيره الأمر به.
وقال أصحابنا الأشاعرة ووافقهم جمهور معتزلة البصرة: إنها صفة مغايرة للعلم والقدرة، توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع بأحد
__________
(1) جعفر بن حرب: هو جعفر بن حرب الهمداني. ولد ببغداد عام 177 هـ/ 793 م. وتوفي فيها عام 236 هـ/ 850 م. من أئمة المعتزلة. متكلم. الاعلام 2/ 123، تاريخ بغداد 7/ 162، مروج الذهب 2/ 298.
(2) للمقصود (م، ع).
(3) أبو الحسين البصري: هو محمد بن علي الطيب، أبو الحسين البصري. ولد في البصرة وتوفي في بغداد عام 436 هـ/ 1044 م. أحد أئمة المعتزلة. له تصانيف هامة، وكان مشهورا بالذكاء والديانة. الاعلام 6/ 275، وفيات الأعيان 1/ 482، تاريخ بغداد 3/ 100، لسان الميزان 5/ 298.
(4) الجاحظ: هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، أبو عثمان الملقب بالجاحظ. ولد في البصرة عام 163 هـ/ 780 م.
وتوفي فيها عام 255 هـ/ 869 م. من كبار أئمة الأدب والبيان. عالم كلامي على مذهب الاعتزال، وزعيم الفرقة الجاحظية. أصيب بالفالج آخر حياته ومات تحت كتبه. له مؤلفات عديدة وهامة. الاعلام 5/ 74، إرشاد الأديب 6/ 56، وفيات الأعيان 1/ 388، أمراء البيان 311، آداب اللغة 2/ 167، لسان الميزان 4/ 355، تاريخ بغداد 12/ 212، آمالي المرتضى 1/ 138، نزهة الألباء 254.
(5) أبو القاسم البلخي: هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني. وقد سبقت ترجمته تحت اسم الكعبي.
(6) الخوارزمي: هو محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان، أبو محمد، مظهر الدين العباسي الخوارزمي. ولد بخوارزم عام 492 هـ/ 1099 م. وفيها توفي عام 568 هـ/ 1173 م. فقيه شافعي، مؤرخ، عارف بالحديث. له عدة مؤلفات. الاعلام 7/ 181، طبقات الاسنوي 2/ 352.
(7) الحسين النجار: هو الحسين بن محمد بن عبد الله النجار الرازي، أبو عبد الله. توفي حوالي العام 220 هـ/ 835 م. من أئمة المعتزلة. رأس الفرقة النجارية. له مناظرات مع العلماء، وعدة كتب كلامية. الاعلام 2/ 253، اللباب 3/ 215، الامتاع والمؤانسة 1/ 58، خطط المقريزي 2/ 350.
(1/135)

الأوقات، كذا في شرح المواقف. ويقرب منه ما قال الصوفية على ما وقع في الإنسان الكامل من أنّ الإرادة صفة تجلّي علم الحقّ على حسب المقتضى الذاتي، وذلك المقتضى هو الإرادة، وهي تخصيص الحقّ تعالى لمعلوماته بالوجود على حسب ما اقتضاه العلم، فهذا الوصف فيه يسمّى إرادة. والإرادة المخلوقة فينا هي عين إرادته تعالى، لكن بما «1» نسبت إلينا، كان الحدوث اللازم لنا لازما لوصفنا، فقلنا بأنّ إرادتنا مخلوقة، وإلّا فهي بنسبتها إلى الله تعالى عين إرادته تعالى، وما منعها من إبراز الأشياء على حسب مطلوباتها إلّا نسبتها إلينا، وهذه النسبة هي المخلوقية «2»، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا ونسبت إلى الحقّ على ما هي عليه انفعلت بها الأشياء، فافهم. كما أنّ وجودنا بنسبته إلينا مخلوق وبنسبته إليه تعالى قديم، وهذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف والذوق، إذ «3» العلم قائم مقام العين، فما ثم إلّا هذا فافهم.
واعلم أنّ الإرادة الإلهية المخصّصة للمخلوقات على كل حال وهيئة صادرة عن غير علّة ولا سبب، بل بمحض اختيار إلهي، لأن الإرادة حكم من أحكام العظمة ووصف من أوصاف الألوهية، فألوهيته وعظمته لنفسه لا لعلّة، وهذا بخلاف رأي الإمام محي الدين «4» في الفتوحات «5»، فإنه قال: لا يجوز أن يسمّى الله تعالى مختارا فإنه لا يفعل شيئا بالاختيار، بل يفعله على حسب ما يقتضيه العالم من نفسه، وما اقتضاه العالم من نفسه إلّا هذا الوجه الذي هو عليه، فلا يكون مختارا، انتهى.
واعلم أيضا أنّ الإرادة أي الإرادة الحادثة لها تسعة مظاهر في المخلوقات، المظهر الأول هو الميل، وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه، فإذا قوي ودام سمّي ولعا وهو المظهر الثاني.
ثم إذا اشتدّ وزاد سمّي صبابة، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنّه انصبّ الماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب، وهذا مظهر ثالث. ثم إذا تفرّغ له بالكليّة وتمكّن ذلك منه سمّي شغفا، وهو المظهر الرابع. ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذه من الأشياء سمّي هوى، وهو المظهر الخامس. ثم إذا استولى «6» حكمه على الجسد سمّي غراما، وهو المظهر السادس. ثم إذا نمى وزالت العلل الموجبة للميل سمّي حبّا، وهو المظهر السابع. ثمّ إذا هاج حتى يفنى المحبّ عن نفسه سمّي ودّا، وهو المظهر الثامن. ثم إذا طفح حتى أفنى المحبّ والمحبوب سمّي عشقا، وهو المظهر التاسع. انتهى كلام الإنسان الكامل.
__________
(1) لما (م).
(2) المخلوقة (م).
(3) أو العلم (م).
(4) الإمام محي الدين: هو محمد بن علي بن محمد ابن عربي، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحي الدين بن عربي. ولد في مرسية بالأندلس عام 560 هـ/ 1165 م. وتوفي في دمشق عام 638 هـ/ 1240 م. لقب بالشيخ الأكبر.
فيلسوف صوفي، من علماء الكلام والأصول والتصوف. قام برحلات عديدة وتنقل، وقابل العلماء، وله أكثر من أربعمائة مؤلف ورسالة. الاعلام 6/ 281، فوات الوفيات 2/ 241، جذوة الاقتباس 175، مفتاح السعادة 1/ 178، ميزان الاعتدال 3/ 108، لسان الميزان 5/ 311، جامع كرامات الأولياء 1/ 118، نفح الطيب 1/ 404، شذرات الذهب 5/ 190، آداب اللغة 3/ 100، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 231.
(5) الفتوحات المكية في معرفة الاسرار المالكية والملكية لأبي بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي المعروف بابن عربي (- 638 هـ). آخر كتبه وأهمها. فرغ من تأليفه سنة 629 هـ. بولاق 1293 هـ. معجم المطبوعات العربية 178 - 179.
(6) أستوفي (م).
(1/136)

آرام أي:
[في الانكليزية] Aram -Ay (Turkish month)
[ في الفرنسية] Aram -Ay (mois Turc)
بالراء المهملة. اسم شهر في تقويم الترك «1».
الأربعة الأحرف:
[في الانكليزية] Four letters poetry
[ في الفرنسية] Poesie de quatre lettres
هي عند بعض البلغاء أن يلتزم بإيرادها الكاتب أو الشاعر في كلامه، وهي عبارة عن الدال والهاء والألف والنون، وأن لا يورد سواها. وهذا النوع من الالتزام من اختراع الشاعر الفارسي أمير خسرو دهلوي، وقد ذكر ذلك في كتاب إعجاز خسروي «2».
الأربعة المتناسبة:
[في الانكليزية] The inversely proportional
[ في الفرنسية] Les inversement proportionnels
هي عند المحاسبين أربعة أعداد أو مقادير نسبة ما فرض منها أوّلا إلى ما فرض منها ثانيا، تكون كنسبة ما فرض منها ثالثا إلى ما فرض منها رابعا، والأول والرابع يسمّى بالطّرفين، والثاني والثالث يسمّى بالوسطين.
مثلا نسبة الأربعة إلى الثمانية كنسبة الخمسة إلى العشرة، فهذه الأعداد أربعة متناسبة، فكما أنّ نسبة الأربعة التي هي الأولى فرضا إلى الثمانية التي هي الثانية فرضا نسبة النصف إلى الكلّ، كذلك نسبة الخمسة إلى العشرة، وتلزمها مساواة مسطّح الطّرفين لمسطّح الوسطين. وأما ما في حكم الأربعة المتناسبة فثلاثة أعداد أو مقادير نسبة أولها إلى ثانيها كنسبة ثانيها إلى ثالثها، مثلا نسبة الأربعة إلى الثمانية كنسبة الثمانية إلى الستة عشر، وتسمّى متناسبة الفرد أيضا، وكونها في حكم الأربعة المتناسبة لمساواة مربّع الوسط فيها لمسطّح الطّرفين، وتحقيق ما ذكرنا بما لا مزيد عليه يطلب من شرحنا على ضابط قواعد الحساب المسمّى بموضح البراهين «3».
الأربعة المتناسبة: ما يكون نسبة أوّلها إلى ثانيها كنسبة ثالثها إلى رابعها.
الارتثاث:
[في الانكليزية] To be dangerously wounded
[ في الفرنسية] Etre blesse gravement
في اللغة مصدر ارتثّ الجريح أي حمل من المعركة وبه رمق، وفي الشرع أن يرتفق الجريح بشيء من مرافق الحياة، أو يثبت له حكم من أحكام الأحياء، كالأكل والشرب والنوم وغيرها، كذا في شرح الوقاية في باب الشهيد.
الارتسام:
[في الانكليزية] Image ،impression
[ في الفرنسية] Image ،impression
في اللغة الامتثال، واستعمله المنطقيون بمعنى الانطباع والانتقاش، وهذا لتصوير المعقول بالمحسوس، كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية.
الارتفاع:
[في الانكليزية] Height
[ في الفرنسية] Hauteut
عند المهندسين يطلق على عمود من رأس الشيء على سطح الأفق أو على سطح مواز للأفق بشرط أن يكون قاعدة الشيء على ذلك السطح، ولذا قيل: ارتفاع الشكل هو العمود الخارج من أعلى الشكل مسطّحا كان ذلك الشكل أو مجسّما على قاعدة ذلك الشكل.
__________
(1) براى مهملة اسم ماهيست در تاريخ ترك چنانكه گذشت.
(2) نزد بعضي بلغاء آنست كه منشي يا شاعر در كلام خود چهار حرف يعني د هـ ان را لازم گيرد وسواي اين چهار هيچ حرفى نيارد واين صنعت از مخترعات حضرت أمير خسرو دهلويست كه در إعجاز خسروي ذكر كرده.
(3) موضح البراهين أو ضابط قواعد الحساب لعصمة الله بن أعظم بن عبد الرسول سهار بنوري (- 1086 هـ) شرح فيه البهائية أو خلاصة الحساب لبهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي البهائي (- 1031 هـ) GALS ,II ، 96 - 595.
(1/137)

ومسقط الحجر قد يطلق على الارتفاع مجازا كما يجيء، كذا في شرح خلاصة الحساب «1».
وعند أهل الهيئة يطلق على معنيين:
أحدهما ما يسمّى ارتفاعا حقيقيا وهو قوس من دائرة الارتفاع محصورة بين الكوكب وبين الأفق من جانب، لا أقرب منه إذا كان الكوكب فوق الأفق. ودائرة الارتفاع دائرة عظيمة تمرّ بقطبي الأفق وبكوكب ما، والمراد «2» بالكوكب رأس خط يخرج من مركز العالم مارا بمركز الكوكب إلى سطح الفلك الأعلى. وقيل المراد «3» بالكوكب مركز الكوكب، والأمر فيه سهل، وقيد الكوكب إنما هو باعتبار الأغلب، وإلّا فقد تعتبر نقطة أخرى غير مركز الكوكب كالقطب، والمراد «4» من جانب لا أقرب منه وهو الجانب الذي ليس فيه قطب الأفق. والقيد الأخير احتراز عن الانحطاط فإنه قوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب والأفق من جانب، لا أقرب منه إذا كان الكوكب تحت الأفق. ثم القوس المذكورة إن كانت من جانب الأفق الشرقي فهي ارتفاعه الشرقي، وإن كانت من جانب الأفق الغربي فهي ارتفاعه الغربي، وعلى هذا القياس، الانحطاط الشرقي والغربي يعني أنّ القوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب والأفق تحت الأرض من جانب الشرق هو الانحطاط الشرقي، ومن جانب الغرب هو الانحطاط الغربي. ثم إنّ الارتفاع الشرقي قد يخصّ باسم الارتفاع ويسمّى الغربي حينئذ انحطاطا، وهذا اصطلاح آخر مذكور في كثير من كتب هذا الفن. وبالنظر إلى هذا قال صاحب المواقف: والقوس الواقعة من دائرة الارتفاع بين الأفق والكوكب الذي فوق الأرض من جانب المشرق ارتفاعه ومن جانب المغرب انحطاطه، فلا يرد عليه تخطئة المحقق الشريف في شرحه.
ثم القوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب وبين سمت الرأس تسمّى تمام ارتفاع الكوكب، فإن انطبقت دائرة الارتفاع على نصف النهار والكوكب فوق الأفق فتلك القوس المحصورة من دائرة الارتفاع بين الأفق والكوكب هي غاية ارتفاع الكوكب، فإن مرّ الكوكب بسمت الرأس فارتفاعه في ربع الدور، وليس هناك تمام ارتفاع، وإن لم يمرّ به كان ارتفاعه أقلّ من الربع، وكان له تمام ارتفاع، وعلى هذا القياس تمام الانحطاط فإنه قوس منها بين الكوكب وبين سمت القدم، فإن انطبقت دائرة ارتفاعه على نصف النهار والكوكب تحت الأفق، فتلك القوس منها بين الأفق وبين الكوكب، فإنه انحطاطه إلى آخر ما عرفت. فالكوكب إذا طلع من الأفق يتزايد ارتفاعه شيئا فشيئا إلى أن يبلغ نصف النهار، فهناك غاية ارتفاعه عن الأفق وإذا انحطّ منها يتناقص ارتفاعه إلى غروبه، وإذا غرب ينحطّ عن الأفق متزايدا انحطاطه إلى أن يبلغ نصف النهار تحت الأرض، فهناك غاية انحطاطه عنه؛ ثم إنّه يأخذ في التّقارب منه متناقصا انحطاطه إلى أن يبلغ الأفق من جهة الشرق ثانيا.
ثم الظاهر أنّ المراد «5» بالأفق الأفق الحقيقي لأنهم صرّحوا بأن تمام الارتفاع قوس
__________
(1) خلاصة الحساب والهندسة لبهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (- 1031 هـ). كلكوتا، 1812 م.
معجم المطبوعات العربية 1263.
(2) المقصود (م، ع).
(3) المقصود (م، ع).
(4) المقصود (م، ع).
(5) المقصود (م، ع).
(1/138)

أقل من تسعين درجة دائما، فلو كان المعتبر الأفق الحسيّ بالمعنى الثاني لزم أن يكون تمام الارتفاع أكثر من تسعين فيما إذا رأي الكوكب فوق تلك الأفق وتحت الأفق الحقيقي، لكن لا يخفى أنه إذا رأى الكوكب تحت الأفق الحقيقي وفوق الأفق الحسّي فإطلاق الانحطاط عليه مستبعد. والتحقيق أنّ عند أهل الهيئة المعتبر في الارتفاع أن يكون فوق الأفق الحقيقي، وعند العامّة أن يكون فوق الأفق الحسّي بالمعنى الثاني. واعلم أيضا أنه إذا كان الكوكب على الأفق فلا ارتفاع له ولا انحطاط. وثانيهما ما يسمّى بالارتفاع المرئي وهو قوس من دائرة الارتفاع بين الأفق وبين طرف خطّ خارج من بصر النّاظر إلى سطح الفلك الأعلى مارّا بمركز الكوكب من جانب لا أقرب منه. والارتفاع المرئي أبدا يكون أقل من الارتفاع الحقيقي، إلّا إذا كان الكوكب على سمت الرأس، فانهما حينئذ يتساويان، وعلى هذا فقس حال الانحطاط المرئي.
اعلم أنّ الارتفاع والانحطاط بالحقيقة هو بعد نقطة مفروضة على سطح الفلك الأعلى عن الأفق، وذلك البعد هو خطّ مستقيم في سطح دائرة الارتفاع يصل بين تلك النقطة ومحيط الأفق، إن كان المراد «1» بدائرة الأفق محيطها، أو عمود يخرج من تلك النقطة على سطح الأفق إن كان المراد «2» سطحها، وهذا ارتفاع النقطة وانحطاطها. وأما ارتفاع مركز الكوكب وانحطاطه فهو خطّ مستقيم خارج من مركز الكوكب، إمّا واصل إلى محيط الأفق وسطح دائرة الارتفاع، أو عمود على سطح الأفق، لكن القوم اصطلحوا على أخذ الارتفاع والانحطاط من الخطوط المفروضة على سطح الفلك الأعلى؛ ولا يمكن فرض الخطّ المستقيم على سطحه، ولم تكن في سطحه قوس تصل بين تلك النقطة والأفق أقصر من قوس الارتفاع والانحطاط، فلذلك أقامهما أهل الصناعة مقام البعد. هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في تصانيفه كشرح التذكرة «3» وشرح بيست باب «4» - عشرين باب- وحاشية الجغميني «5».
ارتفاع الخصية:
[في الانكليزية] Testicle swelling
[ في الفرنسية] Gonflement du testicule
عند الأطباء هو أن يرتفع إحداهما أو كلتاهما من كيسهما إلى العانة فتؤلم وتمنع أكثر الحركات، ويخرج البول بالعسر والتقطير، وسببها استيلاء المزاج البارد والضعف عليها.
فإن كان السبب ضعيفا تنقص وتتصغّر الخصية في نفسها، كما يكون عند الخوف الشديد والغوص في الماء البارد، وإن كان السبب قويا ترتفع وتغيب إلى المراق يكون ذلك كلها
__________
(1) المقصود (م، ع).
(2) المقصود (م، ع).
(3) للتذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين الطوسي (- 672 هـ) عدة شروح منها: شرح التذكرة النصيرية لعبد العلي البرجندي، كشف الظنون 1/ 392، ولها شرح لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ) وشرح نظام الدين علي بن محمود اليزدي وسمّاه توضيح التذكرة ... كشف الظنون 1/ 391 - 392.
(4) من شروح بيست باب (العشرين باب) شرح لنظام الدين بن حبيب الله الحسيني كان يعيش في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، شرح فيه بيست باب في معرفة الأسطرلاب لنصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (- 673 هـ). وبيست باب وشرحه بالفارسية. كشف الظنون 1/ 264.
(5) حاشية الجغميني لعبد العلي البرجندي علّق فيها على شرح الملخص في الهيئة لموسى بن محمود المعروف بقاضي زاده الرومي (- 815 هـ). والملخص في الهيئة البسيطة لمحمود بن محمد الجغميني الخوارزمي. كشف الظنون 2/ 1819 - 1820. هدية العارفين 586.
(1/139)

ليكتسب حرارة من الأحشاء والأعضاء الباطنة، وكذلك قد يرتفع القضيب بتمامه إلى فوق بأسباب مذكورة، كذا في حدود الأمراض.
الارتقاء:
[في الانكليزية] Climax
[ في الفرنسية] Gradation
بالقاف هو ما يقال له بالفارسية:
«بر آمدن»، وفي اصطلاح البلغاء: هو البدء بالوصف ثم الارتقاء إلى أعلى. ومثاله من الشعر الفارسي، بالمعنى، إذا وقعت قطرة من ماء شفتك من السراب. فإنّه يتولّد منها عين ماء الحياة وينمو النبات. فهو أولا وصف شفة المعشوق ثم ارتقى بعد ذلك فقال: إذا سقطت قطرة من تلك الشفة على أرض السراب، تخرج منها عين ماء، ولكنها عين ماء الحياة، ومن ذلك الماء ينبت النبات. ثم إنّ لفظ نبات له معنيان: أحدهما الخضرة وهو معروف، والثاني سكر النبات. فقد ارتقى الشاعر إذا في هذا البيت بالصفة إلى ثلاث درجات. كذا في جامع الصنائع «1».
ارتماطيقي:
[في الانكليزية] Arithmetic
[ في الفرنسية] Arithmetique
هو علم الحساب النظري كما مرّ في المقدمة «2».
الإرداف:
[في الانكليزية] Metonymy
[ في الفرنسية] Metonymie
عند أهل البيان هو أن يريد المتكلّم معنى فلا يعبّر عنه بلفظه الموضوع له ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه، كقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ «3»، والأصل وهلك من قضى الله هلاكه ونجّى من قضى الله نجاته، وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أنّ هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع وقضاء من لا يردّ قضاؤه. والأمر يستلزم الآمر، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وإنّ الخوف من عقابه والرجاء من ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص، وكذا قوله وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ «4» وحقيقة ذلك جلست، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس، وكذا فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ «5» والأصل عفيفات، وعدل عنه للدلالة على أنهنّ مع العفّة لا تطمح أعينهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفة.
قال بعضهم: الفرق بينه وبين الكناية أنّ الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والإرداف من مذكور إلى متروك، كذا في الاتقان في نوع الكنايات.
ارديبهشتماه:
[في الانكليزية] Ardi -Bahshatmah (Persian month)
[ في الفرنسية] Ardi -Bahshatmah (mois perse)
اسم شهر في تاريخ الفرس، وهو الشهر الثاني من اشهر الربيع في التقويم الايراني الحالي «6».
__________
(1) الارتقاء بالقاف در لغت بر آمدن است ودر اصطلاح بلغاء آنست كه صفتى آغاز كند وبمراتب بالا برد مثاله. بيت. در سراب افتد اگر يك قطرة خوي از لبت. چشمه را آب حياتش زائد وخيزد نبات. أول صفت لب معشوق مى كند وبترقي آن صفت را بالا برد كه اگر قطرة از لب تو بر زمين سراب افتد از وچشمه بيرون آيد وليكن چشمه آب حيات واز آن آب نبات خيزد لفظ نبات دو معنى دارد يكى سبزه دوم نبات از شكر پس درين بيت درين صفت بسه درجه ارتقا نموده كذا في جامع الصنائع.
(2) ارتماطيقى: هو علم الحساب النظري كما مرّ في المقدمة.
(3) البقرة/ 210.
(4) هود/ 44.
(5) الرحمن/ 56.
(6) ارديبهشت ماه: اسم ماهيست در تاريخ فرس چنانكه گذشت.
(1/140)

الأرش:
[في الانكليزية] Compensation
[ في الفرنسية] Dedommagement
بفتح الأول وسكون الراء المهملة هو بدل ما دون النفس من الأطراف، وقد يطلق على بدل النفس وحكومة العدل، ويجيء في لفظ الدّية.
الإرصاد:
[في الانكليزية] Control ،supervision
[ في الفرنسية] Controle ،surveillance
لغة نصب الرّقيب في الطريق، من رصدته رقبته. وعند أهل البديع هو أن يجعل قبل العجز من البيت أو الفقرة ما يدلّ عليه إذا عرف الرّويّ، ويسميه البعض بالتّسهيم، نحو وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «1» وقيد إذا عرف الرّوي إشارة إلى أنه إنما يجب فهم [في الإرصاد] «2» العجز بالنسبة إلى من يعرف الرّوي فإنه قد يكون من الإرصاد ما لا يعرف فيه العجز لعدم معرفة حرف الرّوي، كقوله تعالى وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «3» فإنه لو لم يعرف أن حرف الرّوي النون لربما توهّم أنّ العجز هاهنا فيما فيه اختلفوا [أو فيما اختلفوا فيه] «4»، وكقول الشاعر «5»:
أحلّت دمي من غير جرم وحرّمت بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل وليس الذي حرمته بحرام فإنه لو لم يعرف أن القافية مثل سلام وكلام، لربما توهم أنّ العجز بمحرم، كذا في المطول. قيل: يفهم من هذا أن معرفة الرّوي قد لا يكفي بل لا بدّ معها من معرفة القافية، فإنّ مجرد معرفة أنّ الرويّ في البيت الميم لا يكفي في معرفة أنّ القافية حرام، لجواز أن يتوهم أنه محرم. ويمكن أن يقال إنه ليس المراد به أنّ هذه الدلالة محصورة على معرفة الرويّ، بل المراد به أنه لا تحصل بدونها وان توقف على شيء آخر، كذا ذكر الچلپي.
ارمينياس:
[في الانكليزية] De interpretation
[ في الفرنسية] De l'interpretation
هو باب القضايا وأحكامها، كما مرّ في تعريف المنطق.
الإرهاص:
[في الانكليزية] Supernatural deeds
[ في الفرنسية] Faits Surnaturels
شرعا قسم من الخوارق، وهو الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة، سمّي به لأنّ الإرهاص في اللغة بناء البيت، فكأنه بناء بيت إثبات النبوة، كذا في حواشي شرح العقائد.
الأرواح:
[في الانكليزية] Spirits
[ في الفرنسية] Esprits
جمع روح، وهي كما تطلق على ما عرفت كذلك تطلق على قسم من المعدنيات، فإن الحكماء قسّموا المعدنيات إلى أرواح وأجساد وأحجار.
__________
(1) العنكبوت/ 40
(2) [في الأرصاد] (+ م، ع).
(3) يونس/ 19.
(4) [أو فيما اختلفوا فيه] (+ م، ع).
(5) البحتري: هو الوليد بن عبيد بن يحي الطائي، أبو عبادة البحتري. ولد بمنبج قرب حلب عام 206 هـ/ 821 م وتوفي فيها عام 284 هـ/ 898 م. شاعر كبير من شعراء العباسيين، كان يقال لشعره سلاسل الذهب. له ديوان شعر مطبوع وكتاب الحماسة. وكتب عنه الكثيرون. الأعلام 8/ 121، وفيات الأعيان 2/ 175، معاهد التنصيص 1/ 234، تاريخ بغداد 13/ 446، مفتاح السعادة 1/ 193، دائرة المعارف الإسلامية 3/ 365.
(1/141)

آزاد:
[في الانكليزية] Free man
[ في الفرنسية] Homme libre
ومعناها الحرّ. وهو عند السالكين الحر.
وآزادگى: الحرية، كما سيأتي. ووقع في بعض الرسائل أن الحرية هي مقام امّحاء العاشق من ذاته وصفاته وحلوله في ذات وصفات المعشوق «1».
الأزارقة:
[في الانكليزية] Al -Azariqa (sect)
[ في الفرنسية] Al -Azariqa (secte)
فرقة من الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق «2»، قالوا كفر عليّ بالتحكيم وابن ملجم «3» محقّ في قتله، وكفّرت الصحابة أي عثمان «4» وطلحة «5» وزبير «6» وعائشة «7» وعبد الله بن عباس وسائر المؤمنين معهم وقضوا بتخليدهم في النار، وكفّروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لهم، وقالوا: تحرم التقية في القول والعمل، ويجوز قتل أولاد المخالفين ونسائهم، ولا رجم على الزاني المحصن ولا حدّ للقذف على النساء، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم، ويجوز اتّباع نبي كان كافرا وإن علم كفره بعد النبوة، ومرتكب الكبيرة كافر،
__________
(1) آزاد نزد سالكان حر را گويند وآزادگى حريت را چنانكه خواهد آمد ودر بعضى رسائل واقع شده كه آزادگى وآزادى مقام محويت عاشق از ذات وصفات خود در ذات وصفات معشوق است.
(2) هو نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري، أبو راشد. ولد في البصرة ومات قتلا بالقرب من الأهواز عام 65 هـ/ 685 م. رأس الأزارقة من الخوارج. كان فتاكا، خرج على الأمويين وحاربهم بشدة إلى أن قتل. الأعلام 7/ 352، الكامل للمبرد 2/ 172، لسان الميزان 6/ 144، جمهرة الأنساب 293، ابن الأثير 4/ 65، تاريخ الطبري 7/ 65، خطط المقريزي 3/ 354.
(3) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري. مات قتلا بالكوفة عام 40 هـ/ 660 م. ثائر، من أشداء الفرسان.
أدرك الجاهلية وهاجر زمن خلافة عمر، وكان من القراء وأهل الفقه والعبادة. تشيّع لعلي بن أبي طالب ثم خرج عليه وقتله، فقتل بذلك. الأعلام 3/ 339، المبرد 2/ 136، طبقات ابن سعد 3/ 23، لسان الميزان 3/ 439، النجوم الزاهرة 1/ 120.
(4) عثمان بن عفان: هو عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية، أمير المؤمنين، ذو النورين. ولد بمكة عام 47 ق. هـ/ 577 م.
وتوفي بالمدينة مقتولا شهيدا عام 35 هـ/ 656 م. ثالث الخلفاء الراشدين، أحد العشرة المبشّرين بالجنة. صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه وشهد المواقع. كان تاجرا غنيا ويتصدق كثيرا. في عهده تم تدوين القرآن بشكل رسمي ونسب الرسم إليه فقيل:
الرسم العثماني، الأعلام 4/ 210، تاريخ ابن الأثير حوادث سنة 35 هـ، غاية النهاية 1/ 507، شرح نهج البلاغة 2/ 61، البدء والتاريخ 5/ 79، تاريخ اليعقوبي 2/ 139، حلية الأولياء 1/ 55، تاريخ الطبري 5/ 145، صفة الصفوة 1/ 112، تاريخ الخميس 2/ 254، وغيرها.
(5) طلحة هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، أبو محمد. ولد بمكة عام 28 ق. هـ/ 596 م وتوفي مقتولا بالبصرة يوم الجمل عام 36 هـ/ 656 م. صحابي شجاع، جواد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وثامن المسلمين لقّبه الرسول صلى الله عليه وسلم بطلحة الجود، وطلحة الفياض، وطلحة الخير. وشهد المعارك مع النبي صلى الله عليه وسلم. الأعلام 3/ 229، طبقات ابن سعد 3/ 152، تهذيب التهذيب 5/ 20، البدء والتاريخ 5/ 82، غاية النهاية 1/ 342، صفة الصفوة 1/ 130، حلية الأولياء 1/ 87.
(6) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله. ولد عام 28 ق. هـ/ 594 م، وتوفي غيلة عام 36 هـ/ 656 م.
صحابي جليل، أحد العشرة المبشّرين بالجنة. شهد المعارك وأبلى بلاء حسنا، وكان كثير المتاجر والأملاك، روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. الأعلام 3/ 43، تهذيب ابن عساكر 5/ 355، صفة الصفوة 1/ 132، حلية الأولياء 1/ 89، ذيل المذيل 11، تاريخ الخميس 1/ 172.
(7) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان. ولدت عام 9 ق. هـ/ 613 م وتوفيت بالمدينة عام 58 هـ/ 678 م. أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب، تكنى بأم عبد الله. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية بعد الهجرة، وروت عنه الكثير من الأحاديث. كانت تفتي الصحابة ولها مواقف مشهودة. الأعلام 3/ 240، الإصابة رقم الترجمة 701 في كتاب النساء، طبقات ابن سعد 8/ 39، تاريخ الطبري 3/ 67، ذيل المذيل 70، أعلام النساء 2/ 760، حلية الأولياء 2/ 43، تاريخ الخميس 1/ 475، الدر المنثور 280.
(1/142)

كذا في شرح المواقف «1».
الأزل:
[في الانكليزية] Eternity
[ في الفرنسية] Perennite ،eternite
بفتح الألف والزاء المعجمة دوام الوجود في الماضي كما أنّ الأبد دوامه في المستقبل على ما مرّ. وفي شرح الطوالع في بيان حدوث الأجسام هو ماهية تقتضي اللّامسبوقية بالغير، وهذا معنى ما قيل: الأزل نفي الأولية. وقيل هو استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي، انتهى. والمعنى الأخير بعينه هو المعنى المذكور سابقا. وقال أهل التصوّف: الأعيان الثابتة وبعض الأرواح المجرّدة أزلية، والفرق بين أزليتها وأزلية المبدع أنّ أزلية المبدع تعالى نعت سلبي بنفي الأولية، بمعنى افتتاح الوجود عن العدم لأنه عين الوجود، وأزلية الأعيان والأرواح دوام وجودها مع دوام مبدعها مع افتتاح الوجود عن العدم، لكونه من غيرها، كذا في شرح الفصوص «2» للمولوي الجامي «3» في الفص الأول.
الأزلي:
[في الانكليزية] Eternal
[ في الفرنسية] Sempiternel ،eternel
ما لا يكون مسبوقا بالعدم. اعلم أنّ الموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها، فإنه إما أزلي أبدي وهو الله سبحانه وتعالى، [أو] «4» لا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، أو أبدي غير أزلي وهو الآخرة، وعكسه محال. فإنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، كذا في تعريفات السيد الجرجاني.
الاستتار:
[في الانكليزية] Disguise
[ في الفرنسية] Deguisement
هو في اللغة الفارسية: در يرده شدن.
وهو عند الشعراء أن يغطّى حرف بحرف آخر من أجل استقامة الوزن مثل أن تقرأ العين أيضا.
وهذا من العيوب. وأما المستتر عند النحاة فهو نوع من الضمائر، ويسمّى أيضا مستكن.
وسيجيء في لفظ الضمير «5».
الاستتباع:
[في الانكليزية] Praise followed by another one
[ في الفرنسية] Louange completee par une autre
هو مصدر من باب الاستفعال، وهو عند أهل البديع من المحسّنات المعنوية، ويسمّى بالمدح الموجّه أيضا كما في مجمع الصنائع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر، كقول أبي الطيب:
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنّئت الدنيا بانك خالد مدحه بالنهاية في الشجاعة إذا كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخلّد في الدنيا على وجه يستتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها حيث جعل الدنيا مهنّأة لخلوده، ولا معنى لتهنئة أحد بشيء لا فائدة له فيه، كذا في المطول.
الاستثناء:
[في الانكليزية] Exclusion ،exception
[ في الفرنسية] Exclusion ،exception
ويسمّى بالثنيا بالضم أيضا على ما يستفاد
__________
(1) لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ) شرح فيه كتاب المواقف في علم الكلام لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (- 756 هـ) وعلى شرح الجرجاني حواش كثيرة، كشف الظنون 2/ 1891.
(2) شرح الفصوص لعبد الرحمن بن أحمد الجامي (- 898 هـ) شرح فيه كتاب فصوص الحكم لمحي الدين أبي عبد الله محمد بن علي الطائي المعروف بابن عربي (- 638 هـ).
(3) الجامي هو عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي، نور الدين. ولد في جام من بلاد ما وراء النهر عام 817 هـ/ 1414 م، وتوفي بهراة عام 898 هـ/ 1492 م. مفسر، فاضل، له عدة تصانيف وشروحات، الأعلام 3/ 296، الفوائد البهية 86، شذرات الذهب 7/ 360، معجم المطبوعات 671، كشف الظنون، 137، معجم المفسرين 1/ 262.
(4) أو (+ م).
(5) الاستتار: در لغت در پرده شدن است ونزد شعرا آنست كه حرفي بجهت استقامت وزن بحرفي بپوشد مثلا عين را الف خواند واين از عيوب است. ومستتر نزد نحويان قسمي است از ضمير وآن را مستكن نيز نامند ويجيء في لفظ الضمير.
(1/143)

من الصراح، قال الثّنيا بالضم والثّنوى بالفتح اسم من الاستثناء، هو عند علماء النحو والأصول يطلق على المتّصل والمنقطع. قيل إطلاقه عليهما بالتواطؤ والاشتراك المعنوي.
وقيل بالاشتراك اللفظي. وقيل في المتّصل حقيقة وفي المنقطع مجاز، لأنه يفهم المتصل من غير قرينة وهو دليل المجاز في المنقطع.
وردّ بأنه إنما يفهم المتصل لكثرة استعماله فيه، لا لكونه مجازا في المنقطع، كالحقيقة المستعملة مع المجاز المتعارف. وقيل لأنه مأخوذ من ثنيت عنان الفرس أي صرفته، ولا صرف إلّا في المتصل. وقيل لأنّ الباب يدلّ على تكرير الشيء مرتين أو جعله ثنتين متواليتين أو متنائيتين، ولفظ الاستثناء من قياس الباب.
وذلك أنّ ذكره يثنى مرة في الجملة ومرة في التفصيل لأنك إذا قلت خرج الناس ففي الناس زيد وعمرو، فإن قلت إلّا زيدا فقد ذكرت مرة أخرى ذكرا ظاهرا وليس كذلك إلّا في المتصل، فعلى هذا هو مشتق من التثنية. وردّ بأنه مشتق من التثنية كأنه ثنى الكلام بالاستثناء بالنفي والاستثناء وهو متحقّق في المتصل والمنقطع جميعا. وأيضا على تقدير اشتقاقه من ثنيت عنان الفرس لا يلزم أن لا يكون حقيقة إلّا في المتصل لجواز أن يكون حقيقة في المنقطع أيضا، باعتبار اشتقاقه من أصل آخر كما عرفت.
والقائل بالتواطؤ، قال العلماء، قالوا:
الاستثناء متصل ومنقطع ومورد القسمة يجب أن يكون مشتركا بين الأقسام. وردّ بأنّ هذا إنما يلزم لو كان التقسيم باعتبار معناه الموضوع له، وهو ممنوع، لجواز أن يكون التقسيم باعتبار استعماله فيهما بأي طريق كان، وهذا كما أنهم قسّموا اسم الفاعل إلى ما يكون بمعنى الماضي والحال والاستقبال مع كونه مجازا في الاستعمال بالاتفاق، قالوا وأيضا الأصل عدم الاشتراك والمجاز فتعين التواطؤ. وردّ بأنه لا يثبت اللغة بلوازم الماهية كما أثبتم ماهية التواطؤ للاستثناء، بأن من لوازمها عدم مخالفة الأصل، بل طريق إثباتها النقل، فهذا الكلام يدلّ على أنّ الخلاف في لفظ الاستثناء. وظاهر كلام كثير من المحققين أنّ الخلاف في صيغ الاستثناء لا في لفظه، لظهور أنه فيهما مجاز بحسب اللغة، حقيقة عرفية بحسب النحو، هكذا ذكر المحقق التفتازاني في حاشية العضدي. فمن قال بالتواطؤ عرّفه بما دلّ على مخالفته بإلّا غير الصفة وأخواتها أي إحدى أخواتها نحو سوى وحاشا وخلا وعدا وبيد. وإنما قيد إلّا لغير الصفة لتخرج إلّا التي للصفة، نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «1» فهي صفة لا استثناء. وفي قوله بإلّا وأخواتها احتراز من سائر أنواع التخصيص، أعني الشرط والصفة والغاية وبدل البعض والتخصيص بالمستقل.
الاستثنائي:
[في الانكليزية] The excluded ،the exceptional
[ في الفرنسية] L'exclu ،l'exceptionnel
عند المنطقيين قسم من القياس ويجيء ذلك مستوفى مع بيان أقسامه من المتصل والمنفصل والمقدمة الاستثنائية.
الاستحاضة:
[في الانكليزية] Menstruation
[ في الفرنسية] Menstruation
لغة مصدر استحيضت المرأة على لفظ المجهول، أي استمر بها الدمّ، وشريعة دم أو خروج دم من موضع مخصوص غير حيض ونفاس، ومنها دم الآيسة والمريضة والصغيرة، كذا في جامع الرموز. ومنها دم تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام في الحيض، ومن أربعين في النفاس، كذا في
__________
(1) الأنبياء/ 22.
(1/144)

اصطلاحات السيد الجرجاني.
الاستحالة:
[في الانكليزية] Transformation
[ في الفرنسية] Transformation
عند الحكماء هي الحركة الكيفية، وهي الانتقال من كيفية إلى كيفية أخرى تدريجا، وهذا أولى ممّا قيل من أنها انتقال الجسم من كيفية إلى كيفية أخرى على التدريج، لأنه كما ينتقل الجسم من كيفية إلى كيفية كذلك الهيولى والصورة أيضا قد ينتقلان من كيفية إلى كيفية.
ثم الاستحالة لا تقع في الكيفيات، بل إنما تقع فيما يقبل الاشتداد والضعف كالتسخّن والتبرّد العارضين للماء مثلا فلا بد في الاستحالة من أمرين، الانتقال من كيفية إلى كيفية، وكون ذلك الانتقال تدريجا لا دفعا. ومن الناس من أنكر الاستحالة، فالحار عنده لا يصير باردا، والبارد لا يصير حارا، وزعم أنّ ذلك الانتقال كمون واستتار لأجزاء كانت متّصفة بالصفة الأولى كالبرودة، وبروز، أي ظهور لأجزاء كانت متّصفة بالصفة الأخرى كالحرارة، وهما موجودان في ذلك الجسم دائما إلّا أنّ ما يبرز منها أي من تلك الأجزاء يحسّ بها وبكيفيتها وما كمن لا يحسّ بها وبكيفيتها، فأصحاب الكمون والبروز زعموا أنّ الأجسام لا يوجد فيها ما هو بسيط صرف، بل كل جسم فإنه محيط من جميع الطبائع المختلفة، لكنه يسمّى باسم الغالب الظاهر، فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه يبرز ذلك المغلوب من الكمون ويحاول مقاومة الغالب حتى يظهر، وتوسّلوا بذلك إلى إنكار الاستحالة وإنكار الكون والفساد.
وذهب جماعة من القائلين بالخليط إلى أنّ الحار مثلا إذا صار باردا فقد فارقته الأجزاء الحارة. ومنهم من قال إن الجسم إنما يصير حارا بدخول أجزاء نارية فيه من خارج، ومنهم من قال تنقلب أجزاؤه أولا نارا وتخلط بالأجزاء المائية، فهذه الطائفة معترفون بالكون والفساد دون الاستحالة، وهذه الأقوال باطلة.
ثم الاستحالة كما تطلق على ما مرّ، أي على التغيّر في الكيفيات، كذلك تطلق على الكون والفساد، كما في بحر الجواهر، وكذلك تطلق على التغيّر التّدريجي في العرض، كما وقع في بعض حواشي شرح الطوالع، فهذا المعنى أعمّ من الأول لكون العرض أعم من الكيف، ومباين من الثاني لاشتراط التدريج فيه وعدمه في المعنى الثاني، وكذا المعنى الأول مباين من الثاني.
الاستحذام:
[في الانكليزية] Modality of use
[ في الفرنسية] Mode d'emploi
بالذال المعجمة هو الاستخدام وسيجيء ذكره.
الاستحسان:
[في الانكليزية] Appreciation
[ في الفرنسية] Appreciation
هو في اللغة عدّ الشيء حسنا. واختلفت عبارات الأصوليين في تفسيره وفي كونه دليلا، فقال الحنفية والحنابلة بكونه دليلا، وأنكره غيرهم، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرّع، قيل معناه: إنّ من أثبت حكما بأنّه مستحسن عنده من غير دليل شرعي فهو الشارع لذلك الحكم، وأبو حنيفة رحمه الله أجلّ قدرا من أن يقول في الدين من غير دليل شرعي ومن غير أن يرجع إلى أصل شرعي. وفي ميزان «1» الشعراني «2» في بحث ذمّ الرأي: وقد روى
__________
(1) الميزان الكبرى الشعرانية المدخلة بجميع أقوال الأئمة المجتهدين وتعديلهم ومقلديهم في الشريعة المحمدية لأبي المواهب عبد الوهاب بن أحمد بن علي المعروف بالشعراني (- 973 هـ). بولاق 1275. كشف الظنون 2/ 1918. معجم المطبوعات العربية 1133 - 1134.
(2) الشعراني: هو عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبة إلى محمد بن الحنفية، الشعراني، أبو محمد. ولد بمصر عام
(1/145)

الشيخ محي الدين العربي في الفتوحات بسنده إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول: إياكم والقول في دين الله بالرأي، وعليكم باتباع السنّة، فمن خرج منها ضلّ؛ فإن قيل إن المجتهدين قد صرّحوا بأحكام في أشياء لم يصرّح في الشريعة بتحريمها ولا بإيجابها فحرّموها وأوجبوها، فالجواب: أنهم لولا علموا من قرائن الأدلّة بتحريمها أو بإيجابها ما قالوا به، والقرائن أصدق الأدلة، وقد يعلمون ذلك بالكشف أيضا فتشاهد به القرآن، وكان الإمام أبو حنيفة يقول: القدرية مجوس هذه الأمة والشيعة الدّجال، وكان يقول: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، وكان إذا أفتى يقول: هذا رأي أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدّرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب، وكان يقول: إياكم وآراء الرجال، إلى قوله «1» فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له كتاب ولا سنّة. وكان يقول: عليكم بآثار السلف، وإياكم ورأي الرجال، وكان يقول: لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أنّ شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله، وكان يجمع العلماء في كل مسألة لم يجدها صريحة في الكتاب والسنّة ويعمل بما يتفقون عليه فيها، وكذلك كان يفعل إذا استنبط حكما فلا يكتبه حتى يجمع عليه علماء عصره فإن رضوه قال لأبي يوسف: اكتبه، فمن كان على هذا القدم من اتّباع السنّة كيف يجوز نسبته إلى الرأي، معاذ الله أن يقع في مثل ذلك عاقل، فضلا عن فاضل، انتهى من الميزان. ولذا قيل: الحقّ أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلا للنزاع.
أما من جهة التسمية فلأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وقد قال الله تعالى:
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «2»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» «3» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» «4» رواه مسلم «5». ونقل عن الأئمة إطلاق
__________
- 898 هـ/ 1493 م. وتوفي بالقاهرة عام 973 هـ/ 1565 م. من علماء الصوفية. له تصانيف هامة، الأعلام 4/ 180، خطط مبارك 14/ 109، آداب اللغة 3/ 335، شذرات الذهب 8/ 372، معجم المطبوعات 1129.
(1) إلى قوله (- م، ع).
(2) الزمر/ 18.
(3) أخرجه أحمد في المسند، 1/ 379، عن عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فأبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ». وعند أبي داود الطيالسي بلفظ: «فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه قبيحا فهو عند الله قبيح». المسند 33.
(4) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح، 4/ 2059، عن جرير بن عبد الله، كتاب العلم (47)، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة (6)، حديث رقم 15/ 1017، وتمامه «من سن في الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل آخر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء».
(5) مسلم: هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين. ولد بنيسابور عام 204 هـ/ 820 م. وتوفي بضواحي نيسابور عام 261 هـ/ 875 م. حافظ من أئمة الحديث وعلمائه. له العديد من المصنفات خاصة الصحيح في الحديث. الأعلام 7/ 221، تذكرة الحفاظ 2/ 150، تهذيب التهذيب 10/ 126، وفيات الأعيان 2/ 91، تاريخ بغداد 13/ 100، طبقات الحنابلة 1/ 337، البداية والنهاية 11/ 33.
(1/146)

الاستحسان في دخول الحمام وشرب الماء من يد السقّاء ونحن ذلك. وعن الشافعي أنه قال:
استحسن في المتعة أن يكون ثلاثين درهما واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة.
وأما من جهة المعنى فقد قيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه، فإن أريد بالانقداح الثبوت فلا نزاع في أنه يجب العمل به، ولا أثر لعجزه عن التعبير عنه، وإن أريد به أنه وقع له شك فلا نزاع في بطلان العمل به. وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا مما لا نزاع في قبوله.
ويردّ عليه أنه ليس بجامع لخروج الاستحسان الثابت بالأثر كالسّلم والإجارة وبقاء الصوم في النسيان، أو بالإجماع كالاستصناع، أو بالضرورة كطهارة الحياض والآبار. وقيل هو العدول إلى خلاف الظنّ لدليل أقوى. ولا نزاع في قبوله أيضا. وقيل تخصيص القياس بدليل أقوى منه فيرجع إلى تخصيص العلّة. وقال الكرخي هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لدليل أقوى يقتضي العدول عن الأول ويدخل فيه التخصيص والنسخ. وقال أبو الحسين البصري هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه وهو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول. واحترز بقوله غير شامل عن ترك العموم إلى الخصوص، وبقوله وهو في حكم الطارئ عن القياس فيما إذا قالوا تركنا الاستحسان بالقياس. وأورد على هذه التفاسير أن ترك الاستحسان بالقياس تكون عدولا عن الأقوى إلى الأضعف، وأجيب بأنه إنما يكون بانضمام معنى آخر إلى القياس به يصير أقوى من الاستحسان، وقيل هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة والمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين مدة المكث، والعادة إن كانت معتبرة شرعا، فلا نزاع في أنها مقبولة، وإلّا فلا نزاع في كونها مردودة.
والذي استقرّ عليه رأي المتأخرين هو أنه عبارة عن دليل يقابل القياس الجليّ نصا كان أو إجماعا أو قياسا خفيا أو ضرورة، فهو أعمّ من القياس الخفي، هذا في الفروع، فإنّ إطلاق الاستحسان على النصّ والإجماع عند وقوعها في مقابلة القياس الجلي شائع في الفروع. وما قيل إنه لا عبرة بالقياس في مقابلة النصّ والإجماع بالاتفاق فكيف يصحّ التمسك به؟
فالجواب عنه أنه لا يتمسك به إلّا عند عدم ظهور النصّ والإجماع، وأما في اصطلاح الأصول فقد غلب إطلاقه على القياس الخفي كما غلب اسم القياس على القياس الجلي تمييزا بين القياسين. وبالجملة، لما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان مع أنه قد يطلق لغة على ما يميل إليه الإنسان وإن كان مستقبحا عند الغير وكثر استعماله في مقابلة القياس الجلي وعلى القياس الخفي، كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه. وبعد ما استقرت الآراء على أنه اسم لدليل متفق عليه سواء كان قياسا خفيا أو أعم منه إذا وقع في مقابلة القياس الجلي حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة، فهو حجة عند الجميع من غير تصوّر خلاف.
فائدة:
الفرق بين المستحسن بالقياس الخفي والمستحسن بغيره أن الأول يعدى إلى صورة أخرى لأن من شأن القياس التعدية، والثاني لا يقبل التعدية لأنه معدول عن سنن القياس، مثلا إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، فالقياس أن يكون اليمين على المشتري فقط لأنه المنكر، فهذا قياس جليّ إلّا أنه ثبت بالاستحسان التحالف، أي اليمين على كل منهما، أمّا قبل القبض فبالقياس الخفي، وهو أنّ البائع ينكر وجوب تسليم المبيع بما أقرّ به المشتري من
(1/147)

الثّمن، كما أنّ المشتري ينكر وجوب زيادة الثمن فيتحالفان، وأمّا بعد قبض المبيع فلقوله عليه السلام «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادّا» «1» فوجوب التحالف قبل القبض يتعدّى إلى ورثة المشتري والبائع إذا اختلفا في الثمن بعد موت المشتري والبائع، وأما بعد القبض، فلا يتعدى إلى الورثة، هذا كله خلاصة ما في العضدي وحاشيته للتفتازاني والتوضيح والتلويح وغيرها.
الاستخبار:
[في الانكليزية] Information
[ في الفرنسية] Renseignement
عند أهل العربية هو الاستفهام وهو طلب الفهم. وقيل الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما، حكاه ابن فارس «2» في فقه اللغة «3»، كذا في الاتقان في أنواع الإنشاء. وفي بعض الكتب الاستخبار هو طلب الخبر.
الاستخذام:
[في الانكليزية] Break ،syllepsis
[ في الفرنسية] Coupure ،syllepse
بالخاء والذال المعجمتين من خذمت الشيء قطعته، ومنه سيف مخذوم. ويروى بالحاء المهملة والذال المعجمة أيضا من حذمت أي قطعت، ويروى بالمعجمة والمهملة أيضا من الخدمة، هكذا ذكر السيد السّند في حاشية المطول. وهو عند أهل البديع من أشرف أنواع البديع، وكذلك التورية. والبعض فضّله على التورية أيضا، ولهم فيه عبارتان: إحداهما أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به «4» أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مرادا به «5» المعنى الآخر، وهذه طريقة السكاكي وأتباعه. والأخرى أن يأتي المتكلّم بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر الآخر، وهذه طريقة بدر الدين بن مالك «6» في المصباح «7» ومشى عليها ابن أبي الأصبع، ومثّله بقوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ «8» الآية، فلفظ كتاب يحتمل الأمد المختوم والكتاب المكتوب، فلفظ أجل يخدم المعنى الأول، ويمحو يخدم
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في السنن، 2/ 737، كتاب التجارات (12)، باب البيعان يختلفان (19)، حديث رقم 2186، عن عبد الله بن مسعود بلفظ: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، والبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع، أو يزاد البيع».
(2) ابن فارس: هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين، ولد بقزوين عام 329 هـ/ 941 م. وتوفي بالري عام 395 هـ/ 1004 م. من أئمة اللغة والأدب. له عدة تصانيف هامة. الأعلام 1/ 193، وفيات الأعيان 1/ 35، يتيمة الدهر 3/ 214، آداب اللغة 2/ 309، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 247.
(3) فقه اللغة أو الصاحبي لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي القزويني (- 395 هـ)، عنونه بالصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها لأنه ألفه للصاحب إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة البويهي سنة 385 هـ.
طبع في القاهرة في مطبعة المؤيد سنة 1328 هـ. كشف الظنون 2/ 1068 - 1069. معجم المطبوعات العربية، 200.
(4) مقصودا (م، ع).
(5) مطلوبا (م، ع).
(6) هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، أبو عبد الله، بدر الدين، ويعرف بابن الناظم، أي ناظم الألفية. ولد في دمشق ومات فيها عام 686 هـ/ 1287 م. من كبار علماء النحو. له تصانيف هامة. الأعلام 7/ 31، مفتاح السعادة 1/ 156، النجوم الزاهرة 7/ 373، مرآة الجنان 4/ 203، شذرات الذهب 5/ 398، بغية الوعاة 96، معجم المطبوعات 234.
(7) المصباح لمحمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، أبو عبد الله بدر الدين (- 686 هـ). الأعلام 7/ 31. معجم المطبوعات العربية 232 - 233.
(8) الرعد/ 38.
(1/148)

الثاني. قيل ولم يقع في القرآن على طريقة السكاكي. قال صاحب الاتقان وقد استخرجت أنا بفكري آيات على طريقة السكاكي، منها قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «1» فإنّ المراد «2» به آدم عليه السلام، ثم أعاد الضمير عليه مرادا به ولده، فقال ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً «3» الآية. ومنها قوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «4»، ثم قال: قد سألها قوم من قبلكم أي أشياء أخر لأن الأوّلين لم يسألوا عن الأشياء التي سألوا عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها. ومنها قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ «5» فأمر الله يراد به قيام الساعة والعذاب وبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم. وقد أريد بلفظ الأمر الأخير كما روي عن ابن عباس وأعيد الضمير عليه في تستعجلوه مرادا به قيام الساعة والعذاب، انتهى. فعلم من هذه الأمثلة أنّ المراد «6» بالمعنيين أعمّ من أن يكونا حقيقيّين أو مجازييّن أو مختلفين، وقد صرّح بذلك في حواشي المطول.
وقال صاحب المطوّل: الاستخدام أن يراد «7» بلفظ له معنيان أحدهما ثم يراد بضميره المعنى الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد المعنيين، ثم بالضمير الآخر معناه الآخر، فالأول كقوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا «8» أراد بالسماء الغيث وبالضمير الراجع إليه من رعيناه النبت، والثاني كقوله:
فسقى الغضا والسّاكنية وإن هم شبوه بين جوانح وضلوع «9» أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنية المكان وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا بين جوانحي نار الغضا، يعني نار الهوى التي تشبه بنار الغضا، انتهى.
الاستدارة:
[في الانكليزية] Circular
[ في الفرنسية] Circulaire
هي كون الخطّ أو السطح مستديرا، ويجيء في لفظ الخط.
الاستدراج:
[في الانكليزية] The supernatural
[ في الفرنسية] Le surnaturel
هو في الشرع أمر خارق للعادة يظهر من يد الكافر أو الفاجر موافقا لدعواه، كذا في مجمع البحرين. وفي الشمائل المحمدية:
الاستدراج هو الخارق الذي يظهر من الكفار وأهل الأهواء والفسّاق. والمشهور هو أنّه أمر خارق للعادة يقع من مدّعي الرسالة. فإن كان موافقا للدعوى والإرادة يسمّى معجزة، وإن كان مخالفا لدعواه وقصده فهو إهانة. كما حصل مع مسيلمة الكذّاب الذي قال له أتباعه: إن محمدا
__________
(1) المؤمنون/ 12.
(2) المقصود (م، ع).
(3) المؤمنون/ 13.
(4) المائدة/ 101.
(5) النحل/ 1.
(6) المطلوب (م، ع).
(7) يطلب (م، ع).
(8) البيت لجرير: هو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم. ولد في اليمامة عام 28 هـ/ 640 م.
وفيها مات عام 110 هـ/ 728 م. من فحول الشعراء في عصره، أحد ثلاثة شعراء شكلوا المثلث الأموي (جرير، الأخطل والفرزدق) كان له مع الشعراء مساجلات ونقائض. له ديوان شعر مطبوع. الأعلام 2/ 119، وفيات الأعيان 1/ 102، الشعر والشعراء 179، خزانة البغدادي 1/ 36، شرح شواهد المغني 16.
(9) البيت للبحتري من قصيدة طويلة. وقد سبقت ترجمته.
(1/149)

رسول الله قد تفل في بئر فارتفع فيه الماء إلى سطح البئر، فافعل أنت هكذا، ففعل ذلك في بئر، فغار الماء فيه حتى جفّ. وأمّا ما يصدر من غير الأنبياء مقرونا بكمال الإيمان والتقوى والمعرفة والاستقامة فهو ما يقال له كرامة. وما يقع من عوامّ المؤمنين فيسمّى معونة، وأما ذاك الذي يقع من الكفار والفسّاق فهو استدراج «1».
كذا في مدارج النبوة «2» من الشيخ عبد الحق الدهلوي «3». وسيأتي في لفظ الخارق.
وعند أهل المعاني هو الكلام المشتمل على إسماع الحق على وجه لا يورث مزيد غضب المخاطب سواء كان فيه تعريض أو لا، ويسمّى أيضا المنصف من الكلام نحو قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي «4» أي ما لكم أيها الكفرة لا تعبدون الذي خلقكم بدليل قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «5» ففيه تعريض لهم بأنهم على الباطل ولم يصرّح بذلك لئلّا يزيد غضبهم حيث يريد المتكلم لهم ما يريد لنفسه، كذا في المطول وحواشيه في بحث إن ولو في باب المسند.
الاستدراك:
[في الانكليزية] Restriction ،metonymy Restriction ،metonymie
في عرف العلماء يطلق على ذكر شيئين يكون الأول منهما مغنيا عن الآخر، سواء كان ذكر الآخر أيضا مغنيا عن الأول، كما إذا كان الشيئان متساويين، أو لم يكن، كما إذا ذكر أولا الخاصّ ثم العامّ، كما تقول في تعريف الإنسان الناطق الحيوان، بخلاف ذكر الخاصّ بعد العامّ فإنه ليس باستدراك، إذ الأول ليس مغنيا عن الثاني، كما تقول في تعريف الإنسان الحيوان الناطق. وهو قبيح إلّا أن يتضمن فائدة إذ حينئذ لا يبقى الاستدراك بالحقيقة، هكذا يستفاد مما ذكره المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في تعريف الحال في مقدمة الأمور العامة.
ويطلق أيضا عند النحاة على دفع توهّم ناشئ من كلام سابق، وأداته لكن، فإذا قلت:
جاءني زيد مثلا فكأنه توهّم أنّ عمرا أيضا جاءك لما بينهم من الإلف، فرفعت ذلك الوهم بقولك لكن عمرا لم يجئ، ولهذا يتوسّط لكن بين كلامين متغايرين نفيا وإثباتا تغايرا لفظيا، كما في المثال المذكور، أو معنويا كما في قولك: زيد حاضر لكن عمرا غائب، هكذا في الفوائد الضيائية في بحث الحروف المشبّهة بالفعل. وفي الضوء شرح المصباح «6»: الفرق بين الاستدراك والإضراب أنّ الإضراب هو الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه، فإذا
__________
(1) وسخن مشهور آنست كه أمر خارق عادت كه از مدعي رسالت واقع شود أكر موافق دعوى وإرادة أو باشد معجزة خوانند واگر مخالف دعوى وقصد أو باشد إهانت نامند چنانچهـ از مسيلمة كذاب صادر شده بود كه وقتى تابعانش گفتند كه محمد رسول خدا در چاهى خوي خود انداخت آبش بجوش آمد تا آنكه تا لب چاه برآمد تو نيز آن چنان كن پس أو در چاهى تف خود انداخت آبش فرورفت تا آنكه خشك شد وآنچهـ از غير نبي صادر شود پس اگر مقرون بكمال إيمان وتقوى ومعرفت واستقامت باشد كرامت گويند وآنچهـ از عوام مؤمنان از أهل صلاح وقوع يابد آن را معونت شمارند وآنچهـ از فاسقان وكافران صدور يابد استدراج خوانند.
(2) مدارج النبوي لعبد الحق بن سيف الدين بن سعد الله الدهلوي أبو محمد (- 1052 هـ).
(3) هو عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي. ولد بدهلي (الهند) عام 959 هـ/ 1552 م. وتوفي عام 1052 هـ/ 1642 م. محدّث الهند في عصره، فقيه حنفي. له الكثير من المصنفات. الأعلام 3/ 280، معجم المطبوعات 899.
(4) يس/ 22.
(5) يس/ 22/ 83، يونس/ 56، هود/ 34.
(6) الضوء على المصباح لتاج الدين محمد بن محمد بن أحمد الأسفراييني (- 684 هـ) شرح فيه كتاب المصباح في النحو للمطرزي. الهند، 1850 م. كشف الظنون 2/ 1708، معجم المطبوعات العربية 436.
(1/150)

قلت: ضربت زيدا كنت قاصدا للإخبار بضرب زيد، ثم ظهر لك أنك غلطت فيه فتضرب عنه إلى عمرو، وتقول بل عمرا، ففي الإضراب تبطل الحكم السابق، وفي الاستدراك لا تبطله، انتهى. يعني أن في الاضراب تجعل المعطوف عليه في حكم المسكوت عنه فلا تحكم عليه بشيء لا ينفي ولا بإثبات، فقد أبطلت الحكم السابق الذي قصدت الإخبار به قبل الإضراب بكلمة بل، وليس المراد «1» ببطلان الحكم السابق إثبات نقيض الحكم السابق في المعطوف عليه، ويؤيده ما في الأطول من أن معنى الإضراب جعل الحكم الأول موجبا كان أو غير موجب كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه، وما في المطول من أن معنى الإضراب أن يجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه يحتمل أن يلابسه الحكم وأن لا يلابسه، فنحو جاءني زيد بل عمرو يحتمل مجيء زيد وعدم مجيئه انتهى.
اعلم أنّ الاستدراك بهذا المعنى إن تضمن ضربا من المحاسن يصير من المحسّنات البديعة معدودا في علم البديع، قال صاحب الإتقان:
شرط كون الاستدراك من البديع أن يتضمن ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي، نحو: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «2» فإنه لو اقتصر على قوله لم تؤمنوا لكان منفّرا لهم لأنهم ظنّوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب واللسان وأن انفراد اللسان بذلك يسمّى إسلاما ولا يمّى إيمانا، وزاد ذلك إيضاحا بقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ «3» فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن، انتهى.
ويطلق الاستدراك على معنى آخر أيضا ذكره صاحب جامع الصنائع، قال: الاستدراك هو أن يبدأ المدح بلفظ يظن أنه قدح، ثم يعود للإتيان بألفاظ تعود للمدح. ومثاله:
علمك مكسور الرأس لانّه قد طلع فوق الفلك ويقول صاحب مجمع الصنائع إن هذا النوع يسمّى التدارك «4».
الاستدلال:
[في الانكليزية] Research ofthe proof (inference)
[ في الفرنسية] Recherche de la preuve (inference)
في اللغة طلب الدليل، وفي عرف الأصوليين يطلق على إقامة الدليل مطلقا من نصّ أو إجماع أو غيرهما، وعلى نوع خاص منه أيضا، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس؛ ولا يتوهّم أنّ هذا التعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء بسبب كونه تعريف بعض أنواع منه ببعض، بل ذلك تعريف للمجهول بالمعلوم بسبب سبق العلم بالأنواع المذكورة في التعريف، إذ قد علم تعريف كل من النصّ والإجماع والقياس في موضعه. وقيل مكان قولنا ولا قياس، ولا قياس علته، فيدخل في الحدّ القياس بنفي الفارق المسمّى بتنقيح المناط، وبالقياس في معنى الأصل، وكذا يدخل قياس التلازم المسمّى بقياس الدّلالة، لأن نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم،
__________
(1) المقصود (م، ع).
(2) الحجرات/ 14.
(3) الحجرات/ 14.
(4) استدراك آنست كه بلفظي مدح آغاز كند كه پنداشته آيد مگر قدح خواهد كرد وبعده الفاظى آرد كه بمدح بازگرداند مثاله.
شعر.
علمت را شكسته سر ز آنست. كه سر او رسيد بر افلاك. وصاحب مجمع الصنائع اين را مسمّى بتدارك نموده.
(1/151)

فالتعريف المأخوذ به هو الأول، أي نفي الأعم لأنه أخصّ، هكذا في العضدي وحاشيته للمحقق التفتازاني. وبالجملة فالاستدلال في عرفهم يطلق على إقامة الدليل مطلقا وعلى إقامة دليل خاصّ، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس، وهو المأخوذ به، وقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس علته.
ثم في العضدي وحاشيته المذكورة ما حاصله أن الفقهاء كثيرا ما يقولون وجد السّبب فيوجد الحكم أو وجد المانع أو فقد الشرط فيعدم الحكم. فقيل هذا ليس بدليل إنما هو دعوى دليل، فهو بمثابة قوله وجد دليل الحكم فيوجد الحكم ولا يكون دليلا ما لم يعيّن، وإنما الدليل ما يستلزم الحكم وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص. وقيل هو دليل إذ لا معنى للدليل إلّا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول، وقولنا وجد السبب فوجد الحكم ونحوه بحيث يلزم من العلم به العلم بالمدلول، غاية ما في الباب أن إحدى مقدمتيه وهو أنه وجد السبب يفتقر إلى بيان، والقائلون بأنه دليل اختلفوا، فقيل هو استدلال مطلقا لأنه غير النصّ والإجماع والقياس. وقيل هو استدلال إن ثبت وجود السبب أو المانع أو فقد الشرط بغير هذه الثلاثة، وإلّا فهو من قبيل ما ثبت به وليس باستدلال، بل نصّ إن ثبت به وإجماع إن ثبت به وقياس إن ثبت به، وهذا هو المختار، لأن حقيقة هذا الدليل هو أنّ هذا حكم وجد سببه، وكلّ حكم وجد سببه فهو موجود، والكبرى بيّنة فيكون مثبت الحكم هو ما ثبت به الصغرى، فإن كان غير النصّ والإجماع والقياس كان مثبت الحكم غيرها، فيكون استدلالا، وإن كان أحدها كان هو مثبت الحكم فلم يكن استدلالا.
اعلم أنّه اختلف في أنواع الاستدلال، والمختار أنه ثلاثة: الأول التلازم بين الحكمين من غير تعيين علّة وإلّا كان قياسا، وحاصله الأقيسة الاستثنائية. والثاني استصحاب الحال.
والثالث شرع من قبلنا. وقالت الحنفية والاستحسان أيضا. وقالت المالكية والمصالح المرسلة أيضا. وقال قوم انتفاء الحكم لانتفاء مدركه. ونفى قوم شرع من قبلنا. وقوم الاستصحاب. وقال الآمدي منها قولهم وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط، ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه، ومنها الدليل المؤلّف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر، ثم قسّمه إلى الاقتراني والاستثنائي، وذكر الأشكال الأربعة وشروطها وضروبها والاستثنائي بقسميه والمنفصل بأقسامه الثلاثة، ثم قال: ومنها استصحاب الحال، انتهى.
ثم اعلم أنّه قد عرّف الاستدلال في شرح العقائد بالنظر في الدليل سواء كان استدلالا من العلّة على المعلول أو من المعلول على العلّة، وقد يخصّ الأول باسم التعليل والثاني باسم الاستدلال. وقال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد: والأولى أن يفسّر بإقامة الدليل ليشتمل ما يتعلّق بالدليل، بمعنى قول مؤلّف من قضايا يستلزم لذاته قولا آخر، فإنه ليس الاستدلال به النظر في الدليل، انتهى.
وبالجملة فتعريفه بالنظر في الدليل يختص بمذهب الأصوليين والمتكلّمين، وتعريفه بإقامة الدليل يشتمل مذهب المنطقيين أيضا.
وفي كشف البزدوي: الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثّر وقيل بالعكس. وقيل مطلقا، وبهذا المعنى قيل: الاستدلال بعبارة النصّ وإشارة النصّ ودلالة النصّ واقتضاء النصّ، انتهى؛ إذ النص علّة ومؤثّر وأثره ومعلوله الحكم كما لا يخفى، وبالنظر إلى المعنى الأول وقع في الرشيدية «1» أن المدعي إن
__________
(1) الرشيدية لعبد الرشيد بن مصطفى شمس الحق الجانبوري (- 1083 هـ) وهي شرح لرسالة الشريف الجرجاني في آداب
(1/152)

شرع في الدليل الآنيّ يسمّى مستدلّا انتهى، إذا الدليل الآني هو الذي يكون الاستدلال فيه من المعلول على العلّة كما عرفت، والتعليل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر ويسمّى ذلك الدليل دليلا لمّيّا، وقد يطلق المستدل على المعلّل وهو الشارع في الدليل اللّميّ، وقد يطلق المعلّل على المستدل كما ستعرف في لفظ الدعوى.
الاسترخاء:
[في الانكليزية] Asystoly ،hemiplegia
[ في الفرنسية] Asystolie ،hemiplegie
عند الأطباء ترهّل وضعف يظهر في العضو عن عجز القوّة المحرّكة، وهو مرادف للفالج عند القدماء. وأمّا المتأخرون فيطلقون الفالج على استرخاء يحدث في أحد شقّي البدن طولا، ويضاف الاسترخاء بكل عضو حدث فيه كاللّثة واللهاة واللّسان وغيرها، كذا في حدود الأمراض.
الاستسقاء:
[في الانكليزية] Dropsy ،hydrocephalus
[ في الفرنسية] Hydropisie ،hydrocephalie
في اللغة طلب السّقي وإعطاء ما يشربه، والاسم السّقيا بالضم، وشرعا طلب إنزال المطر من الله تعالى على وجه مخصوص عند شدّة الحاجة بأن يحبس المطر عنهم ولم تكن لهم أودية وأنهار وآبار يشربون منها ويسقون مواشيهم وزروعهم، كذا في جامع الرموز. وعند الأطباء هو مرض ذو مادّة باردة غريبة تدخل في خلل الأعضاء فتربو بها الأعضاء، إمّا الظاهرة من الأعضاء كلها كما في اللحمي، وإمّا المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط كفضاء البطن التي فيها المعدة والكبد والأمعاء، وإمّا فضاء ما بين الشرب والصفاق، وأقسامه ثلاثة: اللحمي والزقّي والطّبلي المسمّى بالاستسقاء اليابس أيضا، لأنّ المادة الموجبة لها إمّا ذات قوام أو لا، الثاني الطّبلي، والأول إمّا أن تكون شاملة لجميع البدن وهو اللحمي، وإلّا فهو الزّقي. وبالجملة فالزقّي استسقاء تنصبّ فيه المائية إلى فضاء الجوف، سمّي به تشبيها لبطن صاحبه بالزقّ المملوء ماء، ولهذا يحسّ صاحبه خفخفة الماء عند الحركة.
واللحميّ استسقاء يغشو فيه الماء مع الدم إلى جملة الأعضاء فيحتبس في خلل اللحم فيربو، سمّي به لازدياد لحم صاحبه من حيث الظاهر بخلاف السّمن فإنه ازدياد حقيقة، وهذا تربّل يشبه الازدياد الحقيقي. والطبلي ما يغشو فيه المادة الريحية في فضاء الجوف مجففة فيها، ولا تخلو تلك المواضع مع الرياح عن قليل رطوبة أيضا. وأيضا الاستسقاء ينقسم إلى مفرد ومركّب، لأن تحقّقه إمّا أن يكون من نوعين فصاعدا أو لا، الثاني المفرد، والأول المركّب إمّا من اللحمي والزقّي، أو من اللحمي والطبلي، أو الزقي والطبلي، أو من الثلاثة، هكذا يستفاد من بحر الجواهر وحدود الأمراض.
الاستصحاب:
[في الانكليزية] Antecedent judgement
[ في الفرنسية] Jugement base sur un antecedent
هو عند الأصوليين طلب صحبة الحال للماضي بأن يحكم على الحال بمثل ما حكم على الماضي، وحاصله إبقاء ما كان على ما كان بمجرد أنه لم يوجد له دليل مزيل، وهو حجّة عند الشافعي وغيره كالمزني «1» والصّيرفي «2» والغزالي في كل حكم عرف وجوبه
__________
- البحث، الهند، 1298 هـ. الاعلام 3/ 353، هدية العارفين 1/ 568. معجم المطبوعات العربية 1282 و1963.
GALS ,II، 305.
(1) المزني هو إسماعيل بن يحيى بن اسماعيل، أبو إبراهيم المزني. ولد بمصر عام 175 هـ/ 791 م. وتوفي فيها عام 264 هـ/ 878 م. صاحب الإمام الشافعي. زاهد، عالم مجتهد. له عدّة مؤلّفات هامّة. الاعلام 1/ 329، وفيات الأعيان 1/ 71.
(2) هو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر. توفي العام 330 هـ/ 942 م. فقيه متكلّم، عالم باللغة، من الشافعية
(1/153)

بدليله ثم وقع الشكّ في زواله، من غير أن يقوم دليل بقائه أو عدمه مع التأمل والاجتهاد فيه.
وعند أكثر الحنفية ليس بحجة موجبة للحكم، ولكنها دافعة لإلزام الخصم لأن مثبت الحكم ليس بمبق له، يعني أنّ إيجاد شيء أمر وإبقاءه أمر آخر، فلا يلزم أن يكون الدليل الذي أوجده ابتداء في الزمان الماضي مبقيا في زمان الحال، لأن البقاء عرض حادث بعد الوجود وليس عينه. ولهذا يصحّ نفي البقاء عن الوجود فيقال:
وجد فلم يبق، فلا بد للبقاء من سبب على حدة، فالحكم ببقاء حكم بمجرد الاستصحاب يكون حكما بلا دليل، وذلك باطل، هكذا في نور الأنوار «1». وفي الحموي «2» حاشية الأشباه «3» في القاعدة الثالثة: الاستصحاب وهو الحكم بثبوت أمر في وقت آخر، وهذا يشمل نوعيه، وهما جعل الحكم الثابت في الماضي مصاحبا للحال أو جعل الحال مصاحبا للحكم الماضي.
واختلف في حجيته، فقيل حجة مطلقا، ونفاه كثير مطلقا، واختير أنه حجة للدفع لا للاستحقاق، أي لدفع إلزام الغير لا لإلزام الغير. والوجه الأوجه أنه ليس بحجة أصلا لأن الدفع استمرار عدمه الأصلي لأن المثبت للحكم في الشروع لا يوجب بقاءه، لأن حكمه الإثبات، والبقاء غير الثبوت، فلا يثبت به البقاء، كالإيجاد لا يوجب البقاء، لأن حكمه الوجود لا غير، يعني أنّه لمّا كان الإيجاد علة للوجود لا للبقاء فلا يثبت به البقاء حتى يصحّ الإفناء بعد الإيجاد، ولو كان الإيجاد موجبا للبقاء كما كان موجبا للوجود لما تصوّر الإفناء بعد الإيجاد لاستحالة الفناء مع البقاء، ولما صحّ الإفناء بعد الإيجاد لا يوجب البقاء، انتهى.
فإن قيل إن قام دليل على كونه حجة لزم شمول الوجود أعني كونه حجة للإثبات والدفع وإلّا لزم شمول العدم، أجيب بأن معنى الدفع أن لا يثبت حكم، وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، والأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا بيع شقص من الدار وطلب الشريك الشّفعة فأنكر المشتري ملك الطالب في السهم الآخر الذي في يده، ويقول إنه بالإعارة عندك، فعند الحنفية القول قول المشتري ولا تجب الشّفعة إلّا ببيّنة لأن الشفيع يتمسّك بالأصل ولأن اليد دليل الملك ظاهرا، والظاهر يصلح لدفع الغير لا لإلزام الشّفعة على المشتري في الباقي، وعند الشافعي تجب بغير بيّنة لأن الظاهر عنده يصلح للدفع والإلزام جميعا فيأخذ الشفعة من المشتري جبرا، وإن شئت الزيادة فارجع إلى كتب الأصول كالتوضيح ونحوه.
الاستصناع:
[في الانكليزية] Asking to manufacture
[ في الفرنسية] Faire fabriquer
هو استفعال من الصّناعة ويعدّى إلى
__________
- والأصوليين. له بعض المؤلفات. الاعلام 6/ 224، وفيات الأعيان 1/ 458، الوافي بالوفيات 3/ 346، طبقات الشافعية 2/ 169، مفتاح السعادة 2/ 178.
(1) نور الأنوار في شرح المنار للشيخ أحمد جيون شمس الدين شيخ الربوة الدمشقي (- 1130 هـ). الهند، 1293 هـ. معجم المطبوعات العربية 1964.
(2) الحموي: هو أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني الحموي. توفي بالقاهرة عام 1098 هـ/ 1687 م.
مدرّس، من علماء الحنفية، تولى الإفتاء وله كتب عديدة وهامّة. الاعلام 1/ 239، الجبرتي 1/ 167، معجم المطبوعات 375، هدية العارفين 1/ 164.
(3) حاشية الأشباه أو غفر عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر لأحمد بن محمد الحموي (- 1098 هـ) شرح فيها الأشباه والنظائر في فروع الفقه الحنفي لابن نجيم المصري (- 970 هـ). القسطنطينية 1290. اكتفاء القنوع 386.
(1/154)

مفعولين، وهو في اللغة طلب العمل، وفي الشرع بيع ما يصنعه الصانع عينا، فيطلب من الصانع العمل والعين جميعا، فلو كان العين من المستصنع كان إجارة لا استصناعا كما في إجارة المحيط. وكيفيته أن يقال للصانع كخفاف مثلا اخرز لي من أديمك خفّا صفته كذا بكذا درهما ويريه رجله، ويقبل الصانع سواء أعطى الثمن أو لا، كذا في جامع الرموز والبرجندي في فصل السّلم.
الاستطاعة:
[في الانكليزية] Faculty ،power
[ في الفرنسية] Faculte ،pouvoir
هي تطلق على معنيين: أحدهما عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، وهي علّة للفعل، والجمهور على أنها شرط لأداء الفعل لا علّة. وبالجملة هي صفة يخلقها الله تعالى عند قصد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد فعل الخير خلق الله قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشرّ خلق الله قدرة فعل الشرّ، وإذا كانت الاستطاعة عرضا وجب أن تكون متقارنة للفعل بالزمان لا سابقة عليه، وإلّا لزم وقوع الفعل بلا استطاعة وقدرة عليه لامتناع بقاء الأعراض.
وقيل هي قبل الفعل. وقيل إن أريد بالاستطاعة القدرة المستجمعة لجميع شرائط التأثير فالحقّ أنها مع الفعل، وإلّا فقبله. وأما امتناع بقاء الأعراض فمبني على مقدّمات صعبة البيان.
وثانيهما سلامة الأسباب والآلات والجوارح كما في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «1» وهي على هذا يجوز أن تكون قبل الفعل، وصحة التكليف مبني على هذا. فإن قيل الاستطاعة صفة المكلّف، وسلامة الأسباب ليست صفة له، فكيف يصحّ تفسيرها بها؟ قلنا: المراد سلامة أسباب وآلات له والمكلّف كما يتّصف بالاستطاعة يتصف بذلك، حيث يقال: هو ذو سلامة الأسباب، إلّا أنه لتركّبه لا يشتق منه اسم فاعل يحمل عليه، بخلاف الاستطاعة، هكذا في شرح العقائد النسفية في بحث أفعال العباد.
والاستطاعة الحقيقية وهي القدرة التّامة التي يجب عندها صدور الفعل فهي لا تكون إلّا مقارنة للفعل. والاستطاعة الصحيحية وهي أن يرتفع الموانع من المرض وغيره، كذا في الجرجاني.
الاستطراد:
[في الانكليزية] Digression
[ في الفرنسية] Digression
عند البلغاء هو أن يذكر عند سوق الكلام لغرض ما يكون له نوع تعلّق به، ولا يكون السّوق لأجله، كذا في حواشي البيضاوي في تفسير قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها «2» وهو قريب من حسن التخلّص كقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «3». قال الزمخشري هذه الآية وردت على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السّوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنّة فيما خلق من اللّباس ولما في العري وكشف العورة من الإهانة والفضيحة، وإشعارا بأنّ السّتر باب عظيم من أبواب التقوى. وقد خرّج على الاستطراد صاحب الإتقان قوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ «4» فإنّ أول
__________
(1) آل عمران/ 97.
(2) البقرة/ 189.
(3) الاعراف/ 26.
(4) النساء/ 172.
(1/155)


الكلام ذكر الردّ على النصارى الزاعمين بنوّة المسيح، ثم استطراد الردّ على الزاعمين بنوّة الملائكة. وفي بعض التفاسير، مثال الاستطراد هو أن يذهب الرجل إلى موضع مخصوص صائدا فعرض له صيد آخر فاشتغل به وأعرض عن السّير إلى ما قصد وأشباهه، انتهى كلامه.
والفرق بينه وبين حسن التّخلّص سيأتي في لفظ التّخلّص. وفي الجرجاني: الاستطراد سوق الكلام على وجه يلزم منه كلام آخر وهو غير مقصود بالذات بل بالعرض، فيؤتى على وجه الاستتباع، انتهى.
الاستظهار:
[في الانكليزية] Bringing up
[ في الفرنسية] Vomissement ،vidage
اعلم أنّ الأطباء يأمرون بالاستظهار وإن لم يكن الأخلاط زائدة زيادة شديدة توجب الاستفراغ، ولكن زيادة ما يستحبّ فيه الاستفراغ ليحصل أمن من حصول امتلاء القوى الموجب للأمراض دفعة وفجأة. والفرق بين الاستظهار والتقدم بالحفظ أنّ الاستفراغ في الاستظهار يكون خارجا عن غير حدّ الاعتدال وفي التقدم بالحفظ لا يكون خارجا عنه، بل يكون إلى حدّ يقطع السبب فقط من أن ينقل البدن إلى الستّة المضادة، وكلاهما يكون لمن يعتاده مرض قبل حدوثه به، كذا قال النفيس.
وقال الآقسرائي «1»: الفرق بين الاستظهار والتقدم بالحفظ أنّ الأول في غير المعتاد والثاني في حق المعتاد، كذا في بحر الجواهر.
الاستعارة:
[في الانكليزية] Metaphor
[ في الفرنسية] Metaphore
في اللغة: هو أخذ الشيء بالعارية أو عند الفرس: هو إضافة المشبّه به إلى المشبّه، وهذا خلاف اصطلاح أهل العربية. وهو على نوعين:
أحدها: استعارة حقيقية، والثاني: مجازية.
فالاستعارة الحقيقية هي أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وهما نوعان:
ترشيح وتجريد. فالترشيح هو أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وأن تراعى فيها لوازم الجانبين. ومثاله:
يا ملك البلغاء إن تجرّد سيف لسانك نلت وطرك وفتحت العالم فالسيف مستعار واللسان مستعار منه، وقد راعى اللوازم للسيف واللسان. وأمّا التجريد فهو أن يراعي جانبا واحدا من اللوازم وأن يكون أحد الموجودات من الأعيان والثاني من الأعراض. ومثاله: من ذلك السكّر الشفهي الذي هو غير مأكول، نأكل في كل لحظة سمّ الغصة.
فالسكر مستعار والشفه مستعار منه. فهنا راعى جانب السكر، والغصة ليست من الأعيان فتؤكل ولم يراع الغصة.
وأمّا المجاز فهو أن يكون كلّ من المشبّه والمشبّه به من الأعراض، يعني أن يكون محسوسا بأحد الحواسّ الظاهرة أو من المتصوّرة أي محسوسا بالحواس الباطنة. أو يكون أحدها عرضا والثاني متصوّرا. ومثاله: حيثما يوجد أحد في الدنيا سأقتله كي لا يرد كلام العشق على لسان أحد. فالكلام عرض والعشق هو من الأشياء التي تصوّر في الذهن. وكلاهما أي الكلام والعشق من المتصوّرات التي لا وجود مادي لها في الخارج.
واعلم أنّ كلّ ما ذكرناه هاهنا عن الحقيقة والمجاز هو على اصطلاح الفرس، وقد أورده
__________
(1) الأقسرائي: هو محمد بن محمد بن محمد بن فخر الدين، جمال الدين المعروف بالأقسرائي. توفي بعد العام 776 هـ/ 1374 م. عالم بالطب والتفسير واللغة والأدب. حفيد الإمام فخر الدين الرازي. له الكثير من المؤلّفات. الاعلام 7/ 40، الفوائد البهية 191، كشف الظنون 1900، الشقائق النعمانية بهامش ابن خلكان 1/ 20.
(1/156)

مولانا فخر الدين قواس في كتابه. وهذا أيضا مخالف لأهل العربية. كذا في جامع الصنائع «1». والاستعارة عند الفقهاء والأصوليين عبارة عن مطلق المجاز بمعنى المرادف له. وفي اصطلاح علماء البيان عبارة عن نوع من المجاز، كذا في كشف البزدوي وچلپي المطول. وذكر الخفاجي في حاشية البيضاوي في تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ «2» الآية الاستعارة تستعمل بمعنى المجاز مطلقا، وبمعنى مجاز علاقته المشابهة، مفردا كان أو مركّبا، وقد تخصّ بالمفرد منه وتقابل بالتمثيل حينئذ كما في مواضع كثيرة من الكشاف «3». والتمثيل وإن كان مطلق التشبيه غلب على الاستعارة المركّبة، ولا مشاحّة في الاصطلاح انتهى كلامه. والقول بتخصّص الاستعارة بالمفرد قول الشيخ عبد القاهر «4» وجار الله. وأمّا على مذهب السكّاكي فالاستعارة تشتمل التمثيل ويقال للتمثيل استعارة تمثيلية، كذا ذكر مولانا عصام الدين في حاشية البيضاوي. وسيأتي في لفظ المجاز ما يتعلّق بذلك.
قال أهل البيان: المجاز إن كانت العلاقة فيه غير المشابهة فمجاز مرسل وإلّا فاستعارة.
فالاستعارة على هذا هو اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي أي الحقيقي، ولما سبق في تعريف الحقيقة اللغوية أن استعمال اللفظ لا يكون إلّا بإرادة المعنى منه، فإذا أطلق نحو المشفر على شفة الإنسان وأريد تشبيهها بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، وإن أريد أنّه إطلاق المقيّد على المطلق كإطلاق المرسن على الأنف من غير قصد إلى التشبيه فمجاز مرسل، فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد يجوز أن يكون استعارة وأن يكون مجازا مرسلا باعتبارين، ولا يخفى أنك إذا قلت: رأيت مشفر زيد، وقصدت الاستعارة، وليس مشفره غليظا، فهو حكم كاذب، بخلاف ما إذا كان مجازا مرسلا. وكثيرا ما يطلق الاستعارة على فعل المتكلّم أعني استعمال اسم المشبّه به في المشبّه. والمراد بالاسم ما يقابل المسمّى أعني اللفظ لا ما يقابل الفعل والحرف. فالاستعارة
__________
(1) الاستعارة: في اللغة بعاريت خواستن چيزي ونزد فارسيان عبارتست از اضافت مشبه به بمشبه واين خلاف اصطلاح عربيان است واين بر دو گونه است يكى حقيقت دوم مجاز حقيقت آنست كه مستعار ومستعار منه ثابت ومعلوم باشند وآن را بر دو نمط يافته اند يكى ترشيح دوم تجريد ترشيح آنست كه مستعار ومستعار منه ثابت ومعلوم باشند ولوازم جانبين را رعايت كنند مثاله.
شعر.
اي شاه سخنوران گر از تيغ زبان. تو كام براندى وجهان بگرفتي. تيغ مستعار است وزبان مستعار منه ورعايت لوازم تيغ وزبان نيز كرده است وتجريد آنست كه بيك جانب رعايت لوازم كنند ويكى از موجودات يعنى از اعيان باشد ودوم از اعراض مثاله. شعر.
ز ان شكر لب كه خوردني نيست. هر لحظه خوريم زهر غصه. شكر مستعار است ولب مستعار منه اينجا رعايت شكر كرده وغصه از اعيان نيست كه خورده شود ورعايت غصه هيچ نكرده ومجاز آنست كه مشبه به ومشبه هر دو عرض باشند يعني محسوس حواس ظاهره ويا آنكه از متصورات باشند يعني محسوس حواس باطنه ويا يكى عرض باشد ودوم متصور مثاله. شعر.
هرجا كه كسي است در جهان خواهم كشت. تا كس سخن عشق نيارد بزبان. سخن عرض است وعشق از انها است كه آن را در ذهن تصور كنند وسخن وعشق نيز از متصوراتست كه در خارج وجودي ندارد بدان كه آنچهـ اينجا از تعريف حقيقت ومجاز ذكر كرده شده بر اصطلاح پارسيانست واين را مولانا فخر الدين قواس در كتاب خود آورده است واين نيز مخالف عربيان است كذا في جامع الصنائع.
(2) البقرة/ 7.
(3) الكشاف عن حقائق التنزيل لمحمود بن عمر بن محمد بن عمر أبو القاسم جار الله الزمخشري (- 538 هـ). فرغ من تأليفه سنة 528 هـ. بولاق، 1281. معجم المطبوعات العربية 974 - 975.
(4) عبد القاهر الجرجاني: هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر. توفي عام 471 هـ/ 1078 م. واضع أصول البلاغة، إمام في اللغة له شعر ومصنّفات هامة. الاعلام 4/ 48، فوات الوفيات 1/ 297، مفتاح السعادة 1/ 143، بغية الوعاة 310، آداب اللغة 3/ 44، مرآة الجنان 3/ 101، طبقات الشافعية 3/ 242، نزهة الألباء 434، إنباه الرواة 2/ 188.
(1/157)

تكون بمعنى المصدر فيصحّ منه الاشتقاق، فالمتكلّم مستعير واللفظ المشبّه به مستعار، والمعنى المشبّه به مستعار منه، والمعنى المشبّه مستعار له، هكذا في الأطول وأكثر كتب هذا الفن.
وزاد صاحب كشف البزدوي ما يقع به الاستعارة وهو الاتصال بين المحلّين لكن في الاتقان أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار وهو اللفظ المشبّه به، ومستعار منه وهو اللفظ المشبّه، ومستعار له وهو المعنى الجامع. وفي بعض الرسائل المستعار منه في الاستعارة بالكناية هو المشبّه على مذهب السكاكي انتهى.
ثم قال صاحب الاتقان بعد تعريف الاستعارة بما سبق، قال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ، أو حصول المبالغة أو المجموع. مثال إظهار الخفي: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ «1» فإنّ حقيقته وإنّه في أصل الكتاب فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا فينتقل السامع من حدّ السّماع إلى حدّ العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليّا: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ «2» فإن المراد منه أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة فاستعير للذّلّ أولا جانب ثم للجانب جناح، أي اخفض جانب الذلّ أي اخفض جانبك ذلّا؛ وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان.
ولمّا كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقى الولد من الذلّ لهما والاستكانة متمكنا، احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى جهة السّفل أدنى ميل صدق عليه أنّه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجنب بالأرض ولا يحصل ذلك إلّا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً «3» أي فجّرنا عيون الأرض، ولو عبّر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيونا. انتهى.
فائدة:
اختلفوا في الاستعارة أهي مجاز لغوي أو عقلي، فالجمهور على أنها مجاز لغوي لكونها موضوعة للمشبّه به لا للمشبّه ولا لأعمّ منهما.
وقيل إنها مجاز عقلي لا بمعنى إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له بتأوّل، بل بمعنى أنّ التصرّف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لم تطلق على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به فكان استعمالها فيما وضعت له، لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة، وردّ بأن الادعاء لا يقتضي أن تكون مستعملة فيما وضعت له للعلم الضروري بأن الأسد مثلا موضوع للسبع المخصوص، وفي صورة الاستعارة مستعمل في الرجل الشجاع، وتحقيق ذلك أنّ ادعاء دخوله في جنس المشبّه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين: أحدهما المتعارف وهو الذي له غاية الجرأة ونهاية القوّة في مثل تلك الجثة وتلك الأنياب والمخالب إلى غير ذلك. والثاني غير المتعارف وهو الذي له تلك
__________
(1) الزخرف/ 4.
(2) الاسراء/ 24.
(3) القمر/ 12.
(1/158)

الجرأة وتلك القوة، لكن لا في تلك الجثة والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال في غير ما وضع له، كذا في المطول.
وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يقال: إذا قلت: رأيت أسدا وحكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان: أحدهما أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع، والثاني أن يستعمل فيما وضع له الأسد ويجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع، ويعتبر تجوّزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع، فيكون التركيب بين الرجل الشجاع ومفهوم الأسد مبنيا على التجوّز العقلي، فلا يكون هناك مجاز لغوي. ألا ترى أنه لا تجوّز لغة في قولنا: لي نهار صائم فقد حقّ القول بأنه مجاز عقلي ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فائدة:
الاستعارة تفارق الكذب بوجهين: بالبناء على التأويل، وبنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر.
التقسيم
للاستعارة تقسيمات باعتبارات: الأول باعتبار الطرفين أي المستعار منه والمستعار له إلى وفاقية وعنادية، لأن اجتماع الطرفين في شيء إمّا ممكن وتسمّى وفاقية لما بين الطرفين من الموافقة نحو أحييناه في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ «1» أي ضالّا فهديناه، استعار الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيّا للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب؛ والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء. وإمّا ممتنع وتسمّى عنادية لتعاند الطرفين كاستعارة الميّت في الآية للضالّ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال. ومنها أي من العنادية التهكّمية والتمليحية، وهما الاستعارة التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه تنزيلا للتضادّ والتناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكّم نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «2» أي أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدّها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكّم، وكذا قولك: رأيت أسدا وأنت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة. والاستهزاء الثاني باعتبار الجامع إلى قسمين لأن الجامع إمّا غير داخل في مفهوم الطرفين كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع، فإن الشجاعة خارجة عن مفهوم الطرفين، وإمّا داخل في مفهوم الطرفين نحو قوله عليه السلام:
«خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة طار إليها، أو رجل في شعفة في غنيمة له يعبد الله حتى يأتيه الموت» «3». الهيعة الصوت المهيب، والشّعفة رأس الجبل. والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعدّ للجهاد، أو رجل اعتزل الناس وسكن في رأس جبل في غنم له قليل يرعاها ويكتفي بها في أمر معاشه ويعبد الله حتى يأتيه الموت. استعار الطّيران للعدو والجامع وهو قطع المسافة بسرعة داخل في مفهومهما. وأيضا باعتبار الجامع إمّا عامّية وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو: رأيت
__________
(1) الانعام/ 122.
(2) آل عمران/ 21.
(3) أخرجه أحمد في المسند، 2/ 396، عن أبي هريرة بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير البرية، قالوا بلى يا رسول الله، قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله عز وجلّ، كلّما كان هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بالذي يليه، قالوا بلى: رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية، قالوا بلى، قال: الذي يسأل بالله ولا يعطي به.
(1/159)

أسدا يرمي، أو خاصيّة وهي الغريبة أي البعيدة عن العامة. والغرابة قد تحصل في نفس الشّبه كما في قول يزيد بن مسلمة «1» يصف فرسا بأنّه مؤدّب وأنّه إذا نزل عنه صاحبه وألقى عنانه في قربوس سرجه أي مقدّم سرجه وقف على مكانه حتى يعود إليه. قال الشاعر:
واذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر علك أي مضغ والشكيم اللّجام، وأراد بالزائر نفسه، فاستعار الاحتباء وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السّرج، فصارت الاستعارة غريبة لغرابة التشبيه. وقد تحصل الغرابة بتصرّف في العامّية نحو قوله:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى، أي أخذت المطايا في سرعة المضي. استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرا سريعا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والتشبيه فيها ظاهر عامي، وهو السرعة لكن قد تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة، إذ أسند سالت إلى الأباطح دون المطيّ وأعناقها حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، وأدخل الأعناق في السير حيث جعلت الأباطح سائلة مع الأعناق، فجعل الأعناق سائرة إشارة إلى أنّ سرعة سير الإبل وبطؤه إنما يظهران غالبا في الأعناق.
الثالث باعتبار الثلاثة، أي المستعار منه والمستعار له والجامع إلى خمسة أقسام:
الأول استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «2» فالمستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والوجه أي الجامع هو الانبساط الذي هو في النار أقوى، والجميع حسّي، والقرينة هو الاشتعال الذي هو من خواص النار، وهو أبلغ مما لو قيل: اشتعل شيب الرأس لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس.
والثاني استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ «3» فالمستعار منه السّلخ الذي هو كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسّيان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر، كترتّب ظهور اللحم على الكسط وترتّب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتّب أمر عقلي؛ قال ابن أبي الإصبع: هي ألطف من الأولى.
والثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي؛ قال ابن ابي الإصبع: هي ألطف الاستعارات نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا «4» فإن المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل، والكلّ عقلي.
الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي نحو: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ استعير المسّ وهو صفة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشّدّة، والجامع اللحوق، وهما
__________
(1) هو يزيد بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبو مكشوح، المعروف بابن الطثرية متوفى 126 هـ/ 744 م. شاعر مطبوع ظريف، عفيف، حسن الوجه والشعر، من شعراء الأمويين. جمع شعره في ديوان.
الأعلام 8/ 183، معجم الادباء 20/ 46، وفيات الأعيان 2/ 299، الشعر والشعراء 392، طبقات الشعراء 150، الأغاني 8/ 155.
(2) مريم/ 4.
(3) يس/ 37.
(4) يس/ 52.
(1/160)

عقليان.
الخامس استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ «1» المستعار منه التكبّر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسّي، والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضا. هذا هو الموافق لما ذكره السكاكي، وزاد الخطيب قسما سادسا وهو استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسّي وبعضه عقلي، كقولك رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فحسن الطلعة حسّي ونباهة الشأن عقلية ومعنى الحسّي والعقلي قد مرّ في التشبيه الرابع باعتبار اللفظ إلى قسمين لأن اللفظ المستعار إن كان اسم جنس فاستعارة أصلية كأسد وقتل للشجاع والضرب الشديد، وإلّا فاستعارة تبعية كالفعل والمشتقّات وسائر الحروف.
والمراد باسم الجنس ما دلّ على نفس الذّات الصالحة لأن تصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف، والمراد بالذات ما يستقلّ بالمفهومية. وقولنا من غير اعتبار وصف أي من غير اعتبار وصف متعلّق بهذا الذات فلا يتوهّم الإشكال بأنّ الفعل وصف وهو ملحوظ فدخل علم الجنس في حدّ اسم الجنس، وخرج العلم الشخصي والصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة. ثم المراد باسم الجنس أعمّ من الحقيقي، والحكمي أي المتأوّل باسم الجنس نحو حاتم فإن الاستعارة فيه أصلية، وفيه نظر لأن الحاتم مأوّل بالمتناهي في الجود فيكون متأوّلا بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جود فيكون ملحقا بالتبعية دون الأصلية. وأجيب بأنّ مفهوم الحاتم وإن تضمّن نوع وصفية لكنه لم يصر به كليّا بل اشتهر ذاته المشخصة بوصف من الأوصاف خارج عن مدلوله كاشتهار الأجناس بأوصافها الخارجة عن مفهوماتها بخلاف الأسماء المشتقّة فإن المعاني المصدرية المعتبرة فيها داخلة في مفهوماتها الأصلية فلذلك كانت الأعلام المشتهرة بنوع وصفية ملحقة بأسماء الأجناس دون الصفات.
والحاصل أنّ اسم الجنس يدلّ على ذات صالحة للموصوفية مشتهرة بمعنى يصلح أن يكون وجه الشبه، وكذا العلم إذا اشتهر بمعنى، فالاستعارة فيهما أصلية والأفعال والحروف لا تصلح للموصوفية وكذا المشتقات.
وإنما كانت استعارة الفعل وما يشتق منه والحرف تبعية لأنّ الفعل والمشتقات موضوعة بوضعين: وضع المادة والهيئة فإذا كان في استعاراتها لا تتغير معاني الهيئات فلا وجه لاستعارة الهيئة، فالاستعارة فيها إنما هي باعتبار موادّها، فيستعار مصدرها ليستعار موادّها تبعية استعارة المصدر، وكذا إذا استعير الفعل باعتبار الزمان كما يعبر عن المستقبل بالماضي تكون تبعية لتشبيه الضّرب في المستقبل مثلا بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع، فيستعار له ضرب، فاستعارة الهيئة ليست بتبعية استعارة المصدر، بل اللفظ بتمامه مستعار بتبعية استعارة الجزء، وكذا الحروف، فإن الاستعارة فيها تجري أولا في متعلق معناها وهو هاهنا ما يعبّر عنها به عند تفسير معانيها، كقولنا: من معناه الابتداء وإلى معناه الانتهاء نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً «2» شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتّب علته الغائية عليه، ثم استعير في المشبه اللّام الموضوعة
__________
(1) الحاقة/ 11.
(2) القصص/ 8.
(1/161)

للمشبّه به فيكون الاستعارة في اللّام تبعا للاستعارة في المجرور.
ثم اعلم أنّ الاستعارة في الفعل على قسمين: أحدهما أن يشبّه الضرب الشديد مثلا بالقتل ويستعار له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا، والثاني أن يشبّه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي مثلا في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجودا في كلّ من المشبّه والمشبّه به، لكنه قيّد في كل واحد منهما بقيد مغاير للآخر فصحّ التشبيه لذلك، كذا أفاده المحقق الشريف «1». لكن ذكر العلامة عضد الملة «2» والدين في الفوائد الغياثية «3» أنّ الفعل يدلّ على النسبة ويستدعي حدثا وزمانا، والاستعارة متصوّرة في كلّ واحد من الثلاثة، ففي النسبة كهزم الأمير الجند، وفي الزمان كنادى أصحاب الجنّة، وفي الحدث نحو فبشّرهم بعذاب أليم، انتهى؛ وذلك لأن الفعل قد يوضع للنسبة الإنشائية نحو اضرب وهي مشتهرة بصفات تصلح لأن يشبه بها كالوجوب، وقد يوضع للنسبة الإخبارية وهي مشتهرة بالمطابقة واللامطابقة، ويستعار الفعل من أحدهما للآخر كاستعارة رحمه الله لا رحمه، واستعارة فليتبوّأ في قوله عليه السلام «من تبوّأ عليّ الكذب فليتبوّأ مقعده على النار» «4» للنسبة الاستقبالية الخبرية فإنه بمعنى يتبوّأ مقعده من النار، صرّح به في شرح الحديث، وردّه صاحب الأطول بأنّ النسبة جزء معنى الفعل فلا يستعار عنها، بخلاف المصدر فإنه لا يستعار من معناه الفعل بل يستعار من معناه نفس المصدر ويشتق منه الفعل، ولا يمكن مثله في النسبة، فالحقّ عدم جريانها في النسبة كما قاله السيد السّند.
فائدة:
قال الفاضل الچلپي: القوم إنما تعرّضوا للاستعارة التبعية المصرّحة، والظاهر تحقق الاستعارة التبعية المكنيّة كما في قولك: أعجبني الضارب دم زيد، ولعلهم لم يتعرضوا لها لعدم وجدانهم إياها في كلام البلغاء.
فائدة:
لم يقسموا المجاز المرسل إلى الأصلي والتبعي على قياس الاستعارة لكن ربما يشعر بذلك كلامهم. قال في المفتاح: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «5» استعمل قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة من إرادتها استعمالا مجازيا، يعني استعمال المشتقّ بتبعية المشتقّ منه، كذا في شرح بعض رسائل الاستعارة.
الخامس باعتبار المقارنة بما يلائم شيئا
__________
(1) الجرجاني: هو علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني. ولد قرب استراباد عام 740 هـ/ 1340 م. ومات بشيراز عام 816 هـ/ 1413 م. فيلسوف، من كبار علماء العربية. له أكثر من خمسين مصنّفا. الأعلام 5/ 7، الفوائد البهية 125، مفتاح السعادة 1/ 167، دائرة المعارف الإسلامية 6/ 333، الضوء اللامع 5/ 328، آداب اللغة 3/ 235.
(2) عضد الدين الإيجي: هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عضد الدين الإيجي. توفي عام 756 هـ/ 1355 م. مسجونا بقلعة كرمان. عالم بالأصول والمعاني والعربية والكلام. له تصانيف هامة. الاعلام 3/ 295، بغية الوعاة 296، مفتاح السعادة 1/ 169، الدرر الكامنة 2/ 322، طبقات السبكي 6/ 108.
(3) الفوائد الغياثية (معاني وبيان) لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (- 756 هـ) كشف الظنون 2/ 1299. أسماء الكتب 229.
(4) أخرجه مسلم في الصحيح، 1/ 10، عن أبي هريرة، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، حديث رقم 3/ 3، بلفظ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
(5) النحل/ 98.
(1/162)

من الطرفين وعدمها إلى ثلاثة أقسام: أحدها المطلقة وهي ما لم يقترن بصفة ولا تفريع مما يلائم المستعار له أو المستعار منه، نحو عندي أسد، والمراد بالاقتران بما يلائم الاقتران بما يلائم مما سوى القرينة، وإلّا فالقرينة مما يلائم المستعار له، فلا يوجد استعارة مطلقة، والمراد بالصفة المعنويّة لا النعت النحوي، والمراد بالتفريع ما يكون إيراده فرع الاستعارة سواء ذكر على صورة التفريع وهو تصديره بالفاء أو لا، وثانيها المجرّدة وهي ما قرن بما يلائم المستعار له، وينبغي أن يقيّد ما يلائم المستعار له بأن لا يكون فيه تبعيد الكلام عن الاستعارة وتزييف لدعوى الاتحاد إذ ذكروا أنّ في التجريد كثرة المبالغة في التشبيه كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ «1» فإنّ الإذاقة تجريد اللباس المستعار لشدائد الجوع والخوف بعلاقة العموم لجميع البدن عموم اللباس، ولذا اختاره على طعم الجوع الذي هو أنسب بالإذاقة. وإنما كانت الإذاقة من ملائمات المستعار له مع أنه ليس الجوع والخوف من المطعومات لأنه شاعت الإذاقة في البلايا والشدائد وجرت مجرى الحقيقة في إصابتها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضرّ، وأذاقه العذاب، شبّه ما يدرك من أثر الضرّ والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع، واختار التجريد على الترشيح، ولم يقل فكساها الله لباس الجوع والخوف لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة ليست في الكسوة. وثالثها المرشّحة وتسمّى الترشيحية أيضا وهي ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «2» فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من فوت الرّبح واعتبار التجارة. ثم أنهم لم يلتفتوا إلى ما يقرن بما يلائم المستعار له في الاستعارة بالكناية مع أنه أيضا ترشيح لأنه ليس هناك لفظ يسمّى استعارة، بل تشبيه محض، وكلامهم في الاستعارة المرشّحة التي هي قسم من المجاز لا في ترشيح يشتمل ترشيح الاستعارة والتشبيه المضمر في النفس. وأما عدم التفات السكّاكي فيوهم ما ليس عنده وهو أنّ المرشّحة من أقسام الاستعارة المصرّحة، إذ التحقيق أنّ الاستعارة بالكناية إذا زيد فيها على المكنيّة ما يلائمها تصير مرشّحة عنده، كذا في الاطول.
فائدة:
قال أبو القاسم: تقسيمهم الاستعارة المصرّحة إلى المجردة والمرشحة يشعر بأنّ الترشيح والتجريد إنما يجريان في الاستعارة المصرّح بها دون المكنيّ عنها، والصواب أنّ ما زاد في المكنية على قرينتها أعني إثبات لازم واحد يعدّ ترشيحا لها؛ ثم التجريد والترشيح إنما يكونا بعد تمام الاستعارة، فلا يعدّ قرينة المصرح بها تجريدا ولا قرينة المكني عنها ترشيحا، انتهى.
فائدة:
قال صاحب الأطول: إذا اجتمع ملائمان للمستعار له فهل يتعيّن أحد للقرينة أو الاختيار إلى السامع يجعل أيهما شاء قرينة والآخر تجريدا؟ قال بعض الأفاضل: ما هو أقوى دلالة على الإرادة للقرينة والآخر للتجريد. ونحن نقول أيهما سبق في الدلالة على المراد قرينة والآخر تجريد، كيف لا والقرينة ما نصب للدّلالة على المراد، وقد سبق أحد الأمرين في الدلالة، فلا معنى لنصب اللاحق، والاوجه أنّ كلّا من الملائمين المجتمعين إن صلح قرينة فقرينة، ومع
__________
(1) النحل/ 112.
(2) البقرة/ 16.
(1/163)

ذلك الاستعارة مجرّدة، ولا تقابل بين المجرّدة ومتعددة القرينة، بل كل متعددة القرينة مجرّدة.
فائدة:
قد يجتمع التجريد والترشيح كقول زهير «1»:
لدى أسد شاكي السلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم ووجه اجتماعهما صرف دعوى الاتحاد إلى المشبّه المقارن بالصفة والتفريع والمشبّه به حتى يستدعى الدعوى ثبوت الملائم للمشبه به أيضا.
فائدة:
الترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق ومن جمع الترشيح والتجريد لاشتماله على تحقيق المبالغة في ظهور العينية التي هي توجب كمال المبالغة في التشبيه، فيكون أكثر مبالغة وأتمّ مناسبة بالاستعارة، وكذا الإطلاق أبلغ من التجريد. ومبنى الترشيحية على أن المستعار له عين المستعار منه لا شيء شبيه به.
فائدة:
في شرح بعض رسائل الاستعارة الترشيح يجوز أن يكون باقيا على حقيقته تابعا في الذّكر للتعبير عن الشيء بلفظ الاستعارة ولا يقصد به إلّا تقويتها، كأنّه نقل لفظ المشبه به مع رديفه إلى المشبّه، ويجوز أن يكون مستعارا من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له، ويكون ترشيح الاستعارة بمجرد أنه عبّر عن ملائم المستعار له بلفظ موضوع لملائم المستعار منه. هذا ولا يخفى أنّ هذا لا يخصّ بكون لفظ ملائم المستعار منه مستعارا، بل يتحقّق الترشيح بذلك التعبير على وجه الاستعارة كان أو على وجه المجاز المرسل، إمّا للملائم المذكور أو للقدر المشترك بين المشبّه والمشبّه به، وأنّه يحتمل مثل ذلك في التجريد أيضا، ويحتمل تلك الوجوه قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ «2» حيث استعير الحبل للعهد في أن يكون وسيلة لربط شيء لشيء، وذكر الاعتصام وهو التمسك بالحبل ترشيحا إما باقيا على معناه للوثوق بالعهد أو مجازا مرسلا في الوثوق بالعهد، لعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون مجازا مرسلا بمرتبتين، أو في الوثوق، كأنه قيل ثقوا بعهد الله، وحينئذ كلّ من الترشيح والاستعارة ترشيح للآخر.
السادس باعتبار أمر آخر إلى أربعة أقسام:
تصريحية ومكنية وتحقيقية وتخييلية. فالتصريحية وتسمّى بالمصرّحة أيضا هي التي ذكر فيها المشبّه به. والمكنية ما يقابلها وتسمّى الاستعارة بالكناية أيضا. اعلم أنه اتفقت كلمة القوم على أنه إذا لم يذكر من أركان تشبيه شيء بشيء سوى المشبّه وذكر معه ما يخصّ المشبّه به كان هناك استعارة بالكناية واستعارة تخييلية، كقولنا:
أظفار المنيّة أي الموت نشبت بفلان، لكن اضطربت أقوالهم في تشخيص المعنيين اللذين يطلق عليهما هذان اللفظان. ومحصّل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها ما ذهب إليه القدماء وهو أنّ المستعار بالكناية لفظ المشبه به المستعار للمشبه في النفس المرموز إليه بذكر لازمه من غير تقدير في نظم الكلام، وذكر اللازم قرينة على قصده من غرض وإثبات ذلك
__________
(1) زهير بن أبي سلمى: هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني المضري. توفي عام 13 ق. هـ/ 609 م. من حكماء العرب في الجاهلية وشعرائهم. له شعر جيد ومنه المعلقة المعروفة. ابنه كعب واخته سلمى. وقد طبع له ديوان. الاعلام 3/ 52، الأغاني 10/ 88، شرح شواهد المغني 48، جمهرة الانساب 25، معاهد التنصيص 1/ 327، آداب اللغة 1/ 105، الشعر والشعراء 44.
(2) آل عمران/ 103.
(1/164)

اللازم للمشبّه استعارة تخييلية. ففي المثال المذكور الاستعارة بالكناية السبع المستعار للمنيّة الذي لم يذكر اعتمادا على أنّ إضافة الأظفار إلى المنيّة تدل على أن السبع مستعار لها.
والاستعارة التخييلية إثبات الأظفار للمنية، فحينئذ وجه تسميتها بالمكنية وبالاستعارة بالكناية ظاهر لأنها استعارة بالمعنى المصطلح ومتلبسة بالكناية بالمعنى اللغوي، أي الخفاء، وكذا تسميتها بالتخييلية لاستلزامها استعارة لازم المشبه به للمشبّه، وتخييل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به. وثانيها ما ذهب إليه السكّاكي صريحا حيث قال: الاستعارة بالكناية لفظ المشبّه المستعمل في المشبّه به ادعاء أي بادعاء أنه عينه بقرينة استعارة لفظ هو من لوازم المشبّه به بصورة متوهّمة متخيّلة شبيهة به أثبتت للمشبّه، فالمراد بالمنيّة عنده هو السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار التي من خواص السبع إليها. ولا خفاء في أن تسميتها بالاستعارة بالكناية أو المكنية غير ظاهر حينئذ، وفي جعله إياها قسما من الاستعارة التي هي قسم من المجاز، وجعل إضافة الأظفار قرينة الاستعارة نظرا لأنّ لفظ المشبه فيها هو المستعمل في ما وضع له تحقيقا، والاستعارة ليست كذلك. واختار السكّاكي ردّ التبعية إلى المكني عنها بجعل قرينتها استعارة بالكناية وجعلها أي التبعية قرينة لها، على عكس ما ذكره القوم في مثل نطقت الحال من أنّ نطقت استعارة لدلّت والحال قرينة لها. هذا ولكن في كون ذلك مختار السكاكي نظرا لأنه قال في آخر بحث الاستعارة التبعية:
هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا، فجعلوا في قولهم نطقت الحال هكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلّم بواسطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة، كما تراهم في قولهم: وإذا المنيّة انشبت أظفارها، يجعلون المنيّة استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط فتدبر، انتهى كلامه. وهو صريح في أنه ردّ التبعية إلى المكْنية على قاعدة القوم، فحينئذ لا حاجة له إلى استعارة قرينة المكنية لشيء حتى تبقى التبعية مع ذلك بحالها، ولا يتقلّل الأقسام بهذا أيضا.
فإن قلت لم يجعل السلف المكنية المشبّه المستعمل في المشبّه به كما اعتبره في هذا الرّدّ، فكيف يتأتى لك توجيه كلامه بأنّ ردّه على قاعدة السلف من غير أن يكون مختارا له؟
قلت: لا شبهة فيما ذكرنا والعهدة عليه في قوله، كما تراهم في قولهم: وإذا المنية أنشبت أظفارها، يجعلون المنية استعارة بالكناية، ولا يضرّنا فيما ذكرنا من توجيه كلامه.
وأما التخييلية عند السكاكي فما سيأتي.
وثالثها ما ذهب إليه الخطيب وهي التشبيه المضمر في النفس الذي لم يذكر شيء من أركانه سوى المشبّه ودل عليه أي على ذلك التشبيه بأن يثبت للمشبه أمر مختصّ بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر متحقق حسّا وعقلا يجري عليه اسم ذلك الأمر، ويسمّى إثبات ذلك الأمر استعارة تخييلية، والمراد بالتشبيه التشبيه اللغوي لا الاصطلاحي، فلا يردّ أن ذكر المشبّه به واجب البتة في التشبيه، وإنما قيل: ودلّ عليه الخ ليشتمل زيدا في جواب من يشبه الأسد؛ وعلى هذا التسمية بالاستعارة غير ظاهر وإن كان كونها كناية غير مخفي. وبالجملة ففي المكنية ثلاثة أقوال، وفي التخييلية قولان: أحدهما قول السكاكي كما يجيء، والآخر قول غيره. وعلى هذا المذهب الثالث كلّ من لفظي الأظفار والمنيّة في المثال المذكور حقيقتان مستعملتان
(1/165)

في المعنى الموضوع له، وليس في الكلام مجاز لغوي، وإنما المجاز هو إثبات شيء لشيء ليس هو له، وعلى هذا هو عقلي كإثبات الإنبات للربيع. والاستعارة بالكناية والتخييلية أمران معنويان، وهما فعلا المتكلم، ويتلازمان في الكلام لأن التخييلية يجب أن تكون قرينة للمكنية البتة، وهي يجب أن تكون قرينة للتخيلية البتة.
فائدة:
قال صاحب الأطول: ومن غرائب السوانح وعجائب اللوائح أن الاستعارة بالكناية فيما بين الاستعارات معلومة مبنية على التشبيه المقلوب لكمال المبالغة في التشبيه، فهو أبلغ من المصرّحة، فكما أنّ قولنا السبع كالمنيّة تشبيه مقلوب يعود الغرض منه إلى المشبّه به، كذلك أنشبت المنية أظفارها استعارة مقلوبة استعير بعد تشبيه السبع بالمنية المنية للسبع الادعائي، وأريد بالمنية معناها بعد جعلها سبعا تنبيها على أنّ المنيّة بلغت في الاغتيال مرتبة ينبغي أن يستعار للسبع عنها اسمها دون العكس، فالمنية وضعت موضع السبع، لكن هذا على ما جرى عليه السكاكي.
والتحقيقية هي ما يكون المشبّه متحققا حسّا أو عقلا نحو: رأيت أسدا يرمي، فإنّ الأسد مستعار للرجل الشجاع وهو أمر متحقق حسّا، ونحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «1» أي الدين الحقّ وهو أمر متحقق عقلا لا حسّا. أما التخييلية فعند غير السكّاكي ما مرّ، وأما عند السكّاكي فهي استعارة لا تحقّق لمعناها حسّا ولا عقلا، بل معناها صورة وهمية محضة.
ولما كان عدم تحقّق المعنى لا حسّا ولا عقلا شاملا لما لم يتعلّق به توهّم أيضا أضرب عنه بقوله بل معناها إلخ، والمراد بالصورة ذو الصورة فإن الصورة جاءت بهذا المعنى أيضا.
والمراد بالوهمية ما يخترعه المتخيلة بأعمال الوهم إياه فإن للإنسان قوة لها تركيب المتفرّقات وتفريق المركّبات إذا استعملها العقل تسمّى مفكرة وإذا استعملها الوهم تسمّى متخيّلة. ولما كان حصول هذا المعنى المستعار له بأعمال الوهم سمّيت استعارة تخييلية، ومن لم يعرفه قال المناسب حينئذ أن تسمّى توهمية، وعدّ التسمية بتخييلية من أمارات تعسّف السكّاكي وتفسيره، وإنما وصف الوهمية بقوله محضة أي لا يشوبها شيء من التحقق الحسّي والعقليّ للفرق بينه وبين اعتبار السلف، فإن أظفار المنية عندهم أمر متحقق شابه توهّم الثبوت للمنية، وهناك اختلاط توهّم وتحقق بخلاف ما اعتبره فإنه أمر وهميّ محض لا تحقّق له لا باعتبار ذاته ولا باعتبار ثبوته، فتعريفه هذا صادق على لفظ مستعمل في صورة وهمية محضة من غير أن تجعل قرينة الاستعارة، بخلاف تفسير السلف والخطيب فإنها لا تنفك عندهم عن الاستعارة بالكناية. وقد صرّح به حيث مثّل للتخييلية بأظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا، والسلف والخطيب إمّا أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعا أو يجعلوا الأظفار ترشيحا لتشبيه لا استعارة تخييلية. وردّ ما ذكره بأنه يقتضي أن يكون الترشيح استعارة تخييلية للزوم مثل ما ذكره فيه مع أنّ الترشيح ليس من المجاز والاستعارة، وأجيب بأن الأمر الذي هو من خواصّ المشبّه به لمّا قرن في التخييلية بالمشبّه كالمنيّة مثلا حملناه على المجاز وجعلناه عبارة عن أمر متوهّم يمكن إثباته للمشبّه، وفي الترشيح لمّا قرن بلفظ المشبّه به لم يحتج إلى ذلك لأنه جعل المشبّه به هو هذا المعنى مع لوازمه. فإذا قلنا: رأيت أسدا يفترس أقرانه ورأيت بحرا يتلاطم أمواجه، فالمشبه به هو
__________
(1) الفاتحة/ 6.
(1/166)

الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي، بخلاف أظفار المنيّة فإنها مجاز عن الصورة الوهمية ليصحّ إضافتها إلى الوهمية ليصح إضافتها إلى المنيّة.
ومحصّله أنّ حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارة لما يصحّ إثباته للمشبّه ولا يحتاج إلى تجوّز في ذلك الإثبات، وليس هذا الداعي في الترشيح لأنه أثبت للمشبّه به فلا وجه لجعله مجازا، ولا يلزم عدم خروج الترشيح عن الاستعارة وعدم زيادته عليها لأنه فرّق بين المقيد والمجموع والمشبّه به هو الموصوف والصفة خارجة عنه لا المجموع المركب منهما، وأيضا معنى زيادته أن الاستعارة تامة بدونه.
ويردّ على هذا أنّ الترشيح كما يكون في المصرّحة يكون في المكنية أيضا ففي المكنية لم يقرن المشبّه به فلا تفرقة هناك، ويمكن أن يفرّق بأن التخييلية لو حملت على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكني عنها كما عرفت بخلاف المصرّحة فإن قولنا جاءني أسد له لبد، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد، فإن مآله جاءني رجل شجاع لما شبّهه به لبد، لكنه لا يتم في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً «1» فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قصد بيانه للعهد، فلا بدّ من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد.
فائدة:
التصريحية تعمّ التحقيقية والتخييلية، والكلّ مجاز لغوي ومتباين، هذا عند السكّاكي.
والمكنية داخلة في التحقيقية عند السلف لأنّ اللفظ المستعار المضمر في النفس وهو محقق المعنى. والتصريحية عند الخطيب ترادف التحقيقية وتباين التخييلية لأنها عنده ليست لفظا، فلا تكون محقق المعنى، وكذا تباين المكنية لأنها عنده نفس التشبيه المضمر في النفس فلا تكون محقق المعنى.
فائدة:
في تحقيق قرينة الاستعارة بالكناية ذهب السلف سوى صاحب الكشاف إلى أنّ الأمر الذي أثبت للمشبه من خواصّ المشبه به مستعمل في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في الإثبات ويحكمون بعدم انفكاك المكني عنده عنها، وإليه ذهب الخطيب أيضا، وجوّز صاحب الكشاف كون قرينتها استعارة تحقيقية وكذا السكاكي، ووجه الفرق بين ما يجعل قرينة للمكنية ويجعل نفسه تخييلا أو استعارة تحقيقية أو إثباته تخييلا وبين ما يجعل زائدا عليها وترشيحا قوّة الاختصاص بالمشبه به، فأيّهما أقوى اختصاصا وتعلّقا به فهو القرينة وما سواه ترشيح، وكذا الحال بين القرينة والترشيح في الاستعارة المصرّحة، والأظهر أنّ ما يحضر السامع أولا فهو القرينة وما سواه ترشيح، ذلك أن تجعل الجميع قرينة في مقام شدة الاهتمام بالإيضاح، هكذا في شرح بعض رسائل الاستعارة.
فائدة:
في الإتقان أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهاما للحاجة، ولأنه لم يرد في ذلك إذن الشارع، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي «2»، انتهى.
__________
(1) آل عمران/ 103.
(2) القاضي عبد الوهاب المالكي: هو عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي، أبو محمد. ولد ببغداد عام 362 هـ/
(1/167)

خاتمة
إذا جرى في الكلام لفظة ذات قرينة دالّة على تشبيه شيء بمعناه فهو على وجهين:
أحدهما أن لا يكون المشبّه مذكورا ولا مقدّرا كقولك: لقيت في الحمام أسدا أي رجلا شجاعا، ولا خلاف في أنّ هذا استعارة لا تشبيه. وثانيهما أن يكون المشبّه مذكورا أو مقدّرا وحينئذ فاسم المشبّه به إن كان خبرا عن المشبّه أو في حكم الخبر كخبر باب كان وإنّ والمفعول الثاني لباب علمت والحال والنعت، فالأصح أنه يسمّى تشبيها لا استعارة، لأن اسم المشبّه به إذا وقع هذه المواقع كان الكلام مصوغا لإثبات معناه لما أجري عليه أو نفيه عنه، فإذا قلت زيد أسد فصوغ الكلام لاثبات الأسدية لزيد وهو ممتنع حقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد له، فيكون الإتيان بالأسد لإثبات التشبيه فيكون خليقا بأن يسمّى تشبيها لأن المشبه به إنما جيء به لإفادة التشبيه بخلاف نحو لقيت أسدا، فإنّ الإتيان بالمشبه به ليس لإثبات معناه لشيء بل صوغ الكلام لإثبات الفعل واقعا على الأسد، فلا يكون لإثبات التشبيه، فيكون قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعرف إلّا بعد نظر وتأمّل.
هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة، وعليه جميع المحققين. ومن الناس من ذهب إلى أن الثاني أيضا أعني زيد أسد استعارة لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه، والخلاف لفظي مبني على جعل الاستعارة اسما لذكر المشبّه به مع خلوّ الكلام عن المشبّه على وجه ينبئ عن التشبيه أو اسما لذكر المشبّه به لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه.
ثم إنه نقل عن أسرار البلاغة أنّ إطلاق الاستعارة في زيد الأسد لا يحسن لأنه يحسن دخول أدوات التشبيه من تغيير بصورة الكلام، فيقال: زيد كالأسد، بخلاف ما إذا كان المشبّه به نكرة نحو زيد أسد، فإنه لا يحسن زيد كأسد، وإلّا لكان من قبيل قياس حال زيد إلى المجهول وهو أسد ما؛ ولهذا يحسن كأنّ زيدا أسد لأن المراد بالخبر العموم فالتشبيه بالنوع لا بفرد، فليس كالتشبيه بالمجهول، وإنما يحسن دخول الكاف بتغيير صورته وجعله معرفة بأن يقال زيد كالأسد، فإطلاق اسم الاستعارة هاهنا لا يبعد، ويقرب الإطلاق مزيد قرب أن يكون النكرة موصوفة بصفة لا تلائم المشبه به نحو فلان بدر يسكن الأرض فإن تقدير أداة التشبيه فيه يحتاج إلى كثرة التغيير، كأن يقال هو كالبدر إلّا أنه يسكن الأرض، وقد يكون في الصلات والصفات التي تجيء في هذا القبيل ما يحول تقدير أداة التشبيه فيه فيشتد استحقاقه لاسم الاستعارة ويزيد قربه منها، كقوله أسد دم الأسد الهزبر خضابه، فإنه لا سبيل إلى أن يقال المعنى إنه كالأسد للتناقض لأن تشبيه بجنس السبع المعروف دليل على أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس خضاب يده دليل على أنه فوقه فليس الكلام مصوغا لإثبات التشبيه بينهما، بل لإثبات تلك الصفة، فالكلام فيه مبني على أنّ كون الممدوح أسدا أمر تقرّر وثبت، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة. فمحصول هذا النوع من الكلام أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور إلّا أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهّم جوازها، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى. ولقد ضعّف هذا الكلام صاحب الأطول والمطول وقالا الحقّ أن
__________
- 973 م. وتوفي بمصر عام 422 هـ/ 1031 م. قاض، فقيه مالكي، له نظم ومعرفة بالأدب. كذلك له كتب كثيرة وهامة.
الاعلام 4/ 184، فوات الوفيات 2/ 21، البداية والنهاية 12/ 32، وفيات الأعيان 1/ 304، شذرات الذهب 3/ 223، تبيين كذب المفتري 249، قضاة الأندلس 40.
(1/168)

امثال زيد أسد تشبيه مطلقا، هذا إذا كان اسم المشبّه به خبرا عن اسم المشبّه أو في حكم الخبر وإن لم يكن كذلك نحو لقيت من زيد أسدا ولقيني منه أسد فلا يسمّى استعارة بالاتفاق، لأنه لم يجر اسم المشبه به على المشبه لا باستعماله فيه كما في لقيت أسدا ولا بإثبات معناه له كما في زيد أسد على اختلاف المذهبين، ولا يسمّى تشبيها أيضا لأن الإتيان باسم المشبّه به ليس لإثبات التشبيه إذ لم يقصد الدلالة على المشاركة، وإنما التشبيه مكنون في الضمير، لا يظهر إلّا بعد تأمّل خلافا للسكّاكي فإنه يسمّي مثل ذلك تشبيها، وهذا النزاع أيضا لفظي راجع إلى تفسير التشبيه؛ فمن أطلق الدلالة المذكورة في تعريف التشبيه عن كونها لا على وجه التجريد والاستعارة وعن كونها على وجه التصريح سمّاه تشبيها، ومن قيّده لا. قال صاحب الأطول ونحن نقول في لقيت من زيد أسدا تجريد أسد من زيد بجعل زيد أسدا وهذا الجعل يتضمّن تشبيه زيد بالأسد حتى صار أسدا بالغا غاية الجنس حتى تجرّد عنه أسد، لكن هذا التشبيه مكنون في الضمير خفيّ لأن دعوى أسديته مفروغ عنها منزلة منزلة أمر متقرّر لا يشوبه شائبة خفاء، ولا يجعل السكّاكي هذا من التشبيه المصطلح، وكذلك يتضمّن التشبيه تجريد الأسد الحقيقي عنه إذ لا يخفى أن المجرد عنه لا يكون إلّا شبه أسد، فينصرف الكلام إلى تجريد الشّبه فهو في إفادة التشبيه بحكم ردّ العقل إلى التشبيه بمنزلة حمل الأسد على المشبّه فهو الذي سمّاه السكّاكي تشبيها، ولا ينبغي أن ينازع فيه معه؛ وكيف لا وهو أيضا في تقدير المشبّه والأداة كأنه قيل لقيت من زيد رجلا كالأسد، ولا تفاوت في ذلك بينه وبين زيد أسد، انتهى. وهاهنا أبحاث تركناها خوفا من الإطناب.
الاستعانة:
[في الانكليزية] Borrowing a verse from another poet
[ في الفرنسية] Emprunt d'un vers a un autre poete
هي عند أهل البديع تضمين البيت لغيره أو ما زاد عليه ليستعين به على إتمام مراده.
الاستعداد:
[في الانكليزية] Disposition
[ في الفرنسية] Disposition
هو الذي يحصل للشيء بتحقق بعض الأسباب والشرائط وارتفاع بعض الموانع، كما ذكر العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة «1» في تعريف موضوع الحكمة. وفي شرح القانونچة «2» النطفة إنسان بالقوة، يعني أن من شأنها أن يحصل فيها صورة الإنسان، فبحسب ارتفاع الموانع وحصول الشرائط يحصل فيها كيفية مهيّئة لتلك الصورة، فتلك الكيفية تسمّى استعداد، والقبول اللازم لها إمكانا استعداديا وقوة أيضا انتهى. ويسمّى أيضا بالقبول وإمكان الاستعداد، والاستعداد كما يجيء في لفظ الإمكان؛ فالاستعداد على هذا معنيان: الكيفية المهيّئة والقبول اللازم لها المقابل للفعل، ويجيء أيضا في لفظ القبول ولفظ القوة. قال شارح المواقف: الكيفيات الاستعدادية إمّا استعداد نحو القبول والانفعال ويسمّى ضعفا ولا قوة كالممراضية، وإمّا استعداد نحو الدفع واللاقبول ويسمّى قوة ولا ضعفا كالمصحاحية.
وأمّا قوة الفعل كالقوة على المصارعة فليست
__________
(1) حاشية شرح هداية الحكمة، لعلي بن محمد الشريف الجرجاني (- 816 هـ) وهداية الحكمة لأثير الدين مفضل بن عمر الأبهري (- 663 هـ). الضوء اللامع 5/ 328، كشف الظنون 2/ 2028 - 2029، معجم المؤلفين 4/ 63.
(2) شرح القانونچة للحسن بن محمد بن علي الأسترآبادي المعروف بشايد، والقانونجة كتاب في الطب لمحمود بن عمر الجغميني (- 745 هـ) اختصر فيه القانون في الطب لابن سينا (- 428 هـ). فهرست نسخ خطي كتابخانه ملي، طهران، 1357، نهم 9/ 157 - 158. وعن القانونجة أنظر كشف الظنون 2/ 1311.
(1/169)

منها وإن ظنّه قوم، وجعلوا أقسامها ثلاثة، فإنّ المصارعة مثلا تتعلّق بعلم هذه الصناعة وصلابة الأعضاء لئلا يتأثر بسرعة، ولا يمكن عطفها بسهولة وتتعلّق بالقدرة على هذا الفعل، وشيء من هذه الثلاثة التي تعلّق بها المصارعة ليس من الكيفيات الاستعدادية لأن العلم والقدرة من الكيفيات النفسانية، وصلابة الأعضاء من الملموسات.
الاستعلاء:
[في الانكليزية] Preeminence ،height -elevation
[ في الفرنسية] Preeminence ،hauteur ،elevation
لغة عدّ النفس عاليا كما سيأتي في لفظ الأمر. وعند المنجمين وأهل الهيئة يطلق على ازدياد بعد الكوكب على بعده الأوسط، ويقابله الانخفاض، وهو انتقاص بعده عنه، أي عن بعده الأوسط، وهذا هو المشهور. وقد يسمّيان بالصعود والهبوط أيضا ويجيء في لفظ الصعود.
وقد يطلق الاستعلاء على قرب أحد الكوكبين المتقاربين من أوجه، أو ذروة تدويره أكبر من قرب الآخر من أوجه، أو ذروة تدويره أيضا، وعلى كون الكوكب فوق الأرض، وعلى كونه في عاشر الطالع أو حادي عشره، وعلى كونه في عاشر كوكب آخر أو حادي عشره، ويطلق الانخفاض على مقابلات هذه المعاني الأربعة، كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة «1» في بحث النظائر.
الاستعمال:
[في الانكليزية] Use
[ في الفرنسية] Emploi
قيل مرادف العادة وقيل لا، وسيأتي في تعريف الحقيقة اللغوية. وأما الماء المستعمل فعند الفقهاء كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة كما وقع في كتب الفقه.
الاستغراق:
[في الانكليزية] Meditation
[ في الفرنسية] Recueillement ،abandon
بالراء هو عند الصوفية أن لا يلتفت قلب الذاكر إلى الذكر في أثناء الذكر ولا إلى القلب، ويعبّر العارفون عن هذه الحالة عن الفناء، كذا في مجمع السلوك. وتعريف الاستغراق سيأتي في لفظ المعرفة.
الاستفتاء:
[في الانكليزية] Consultation ،appreciation
[ في الفرنسية] Consultation ،appreciation
هو عند الأصوليين والفقهاء مقابل الاجتهاد، والمستفتي خلاف المفتي، والمفتي هو الفقيه، فإن لم نقل بتجزؤ الاجتهاد وهو كونه مجتهدا في بعض المسائل دون بعض فكل من ليس مجتهدا في الكلّ فهو مستفت في الكل، وإن قلنا بتجزؤ الاجتهاد فالأمر واضح أيضا فإنه مستفت فيما ليس مجتهدا فيه مفت فيما هو مجتهد. وبالجملة فالمفتي والمستفتي إنما يكونان متقابلين ممتنعي الاجتماع عند اتحاد متعلّقهما. وأمّا إذا اعتبر كونه مفتيا في حكم مستفتيا في حكم آخر فلا، والاستفتاء في المسائل العقلية على القول الصحيح كوجوب العلم بها بالنظر والاستدلال، هكذا في العضدي وبعض حواشيه. والمفتي الماجن هو الذي لا يبالي أن يحرّم حلالا أو بالعكس فيعلّم الناس حيلا باطلة كتعليم الرجل والمرأة أن يرتدّ فيسقط عنه الزكاة أو تبين من زوجها، كما في الذخيرة «2»، فكل حيلة تؤدي إلى الضرر لم تجز في الديانة وإن جاز في الفتوى، كذا في جامع الرموز في كتاب الحجر.
__________
(1) شرح التذكرة النصيرية في الهيئة لعبد العلي البرجندي شرح فيها تذكرة نصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- 672 هـ) في الهيئة. كشف الظنون 1/ 391 - 392.
(2) ذخيرة الفتاوى المشهورة بالذخيرة البرهانية لبرهان الدين محمود بن عبد العزيز البخاري (- 616 هـ) وهي مختصر لكتاب المؤلف المعروف بالمحيط البرهاني. كشف الظنون 1/ 823.
(1/170)

الاستفراغ:
[في الانكليزية] Vomitting
[ في الفرنسية] Vomissement
بالراء المهملة عند الأطباء هو انتقاص المواد من البدن والاستفراغ الكلّي قد يعنى به ما يكون من البدن كله فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ من عضو مخصوص كالسعوطات والعطوسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يعنى به ما يستفرغ الأخلاط كلها فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ خلطا خاصا، كما يكون بالإسهال والقي، كذا في بحر الجواهر.
الاستفسار:
[في الانكليزية] Explication ،information
[ في الفرنسية] Explication ،renseignement
لغة طلب الفسر، وعند أهل المناظرة طلب بيان معنى اللفظ، وإنما يسمع إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة وإلّا فهو تعنّت مفوّت لفائدة المناظرة إذ يأتي في كلّ ما يفسّر به لفظ ويتسلسل، هكذا في العضدي في بيان الاعتراضات.
الاستفهام:
[في الانكليزية] Interrogation
[ في الفرنسية] Interrogation
هو عند أهل العربية من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الانشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب، فلا يصدق على افهم، فإنّ المطلوب ليس فهم ما اتصلت به لأن أداة الطلب صيغة الأمر وقد اتصلت بالفهم، وليس المطلوب به طلب فهم الفهم، بخلاف أزيد قائم فإن المطلوب به طلب فهم مضمون زيد قائم؛ وسمّي استفهاما لذلك.
وهذا الطلب على خلاف طلب سائر الآثار من الفواعل فإنّ العلم في علّمني مطلوب المتكلّم وهو أثر المعلّم، لكن يطلب فعله الذي هو التعليم ليترتب عليه الأثر، وكذا في اضرب زيدا المطلوب مضروبية زيد، ويطلب من الفاعل التأثير ليترتب عليه الأثر، وفي أزيد قائم يطلب نفس حصول قيام زيد في العقل لأن الأداة إنما اتصلت بقيام زيد بخلاف علمني، فإن الأداة فيه متّصلة بالتعليم، كذا في الأطول وفي الاتقان.
ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أن لا يكون حقيقة إلّا إذا صدر عن شاكّ يصدق بإمكان الإعلام فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام. قال بعض الأئمة: وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب على معنى أنّ المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل، انتهى.
الاستقامة:
[في الانكليزية] Probity ،integrity
[ في الفرنسية] Droiture ،honnetete ،probite
هي عند أهل السلوك أن تجمع بين أداء الطاعة واجتناب المعاصي. وقال السّري «1»:
الاستقامة أن لا تختار على الله شيئا؛ وقيل هي الخوف من العزيز الجبّار والحب للنبي المختار؛ وقيل: حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلّا الأنبياء وأكابر الأولياء لأن الاستقامة الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام في أمر الله بالنوافل والمكتوبات. وقال يحيى بن معاذ «2»: هي على ثلاثة أضرب: استقامة اللسان
__________
(1) السّريّ: هو سريّ بن المغلس السقطي، أبو الحسن. ولد ومات ببغداد عام 253 هـ/ 867 م. من كبار المتصوّفة، خال الجنيد. له أقوال في الزهد والحكمة والتصوّف والنصيحة. الاعلام 3/ 82، طبقات الصوفية 48، وفيات الأعيان 1/ 200، تهذيب ابن عساكر 6/ 71، صفة الصفوة 2/ 209، حلية الأولياء 10/ 116، لسان الميزان 3/ 13، طبقات الشعراني 1/ 63، تاريخ بغداد 9/ 187.
(2) يحيى بن معاذ: هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، أبو زكريا. ولد بالري ومات بنيسابور عام 258 هـ/ 872 م. واعظ، زاهد. لم يكن له نظير في وقته. له أقوال في الزهد والنصيحة والأخلاق. الاعلام 8/ 172، طبقات الصوفية 107، صفة الصفوة 4/ 71، العروس على شرح الرسالة القشيرية 1/ 119.
(1/171)

على كلمة الشهادة، واستقامة الجنان على صدق الإرادة، واستقامة الأركان على الجهد في العبادة، كذا في خلاصة السلوك. وعند أهل الهيئة والنجوم حركة الكوكب إلى التوالي. وعند المحاسبين كون الخط مستقيما. والمستقيم كما يطلق على الكوكب المتحرك إلى التوالي وعلى الخط كذلك يستعمل في القياس، فيقال القياس مستقيم وغير مستقيم مسمّى بالخلف.
الاستقبال:
[في الانكليزية] Future
[ في الفرنسية] Avenir
هو في العرف اسم للزمان الآتي، ومنه الفعل المستقبل، وهو الفعل الدالّ على الزمان الآتي. وعند المنجمين مقابلة الشمس والقمر، والجزء الذي يقع فيه القمر وقت الاستقبال يسمّى جزء الاستقبال إن كان الاستقبال واقعا في الليل، وإن كان واقعا في النهار فموضع الشمس يسمّى بجزء الاستقبال وإن كان الاستقبال في أحد طرفي الليل فالجزء الذي يكون أقرب إلى الأفق الشرقي يسمّى بجزء الاستقبال. وسيأتي في لفظ الجزء.
الاستقراء:
[في الانكليزية] Induction
[ في الفرنسية] Induction
لغة التتبّع من استقريت الشيء إذا تتبعته.
وعند المنطقيين قول مؤلف من قضايا تشتمل على الحكم على الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي. وقولهم الاستقراء هو الحكم على كلّي لوجوده في أكثر جزئياته، وكذا قولهم هو تصفّح الجزئيات لإثبات حكم كلّي لا يخلو عن التسامح لأن الاستقراء قسم من الدليل فيكون مركّبا من مقدمات تشتمل على ذلك الحكم والتصفّح، فالأول تعريف بالغاية المترتبة عليه، والثاني تعريف بالسبب، والمراد بالجزئي الجزئي الإضافي. ثم الاستقراء قسمان: تام ويسمّى قياسا مقسّما بتشديد السين المكسورة، وهو أن يستدل بجميع الجزئيات ويحكم على الكل وهو قليل الاستعمال، كما يقال كل جسم إمّا حيوان أو نبات أو جماد وكلّ واحد منها متحيّز ينتج كل جسم متحيّز، وهو يفيد اليقين. وناقص وهو أن يستدل بأكثر الجزئيات فقط ويحكم على الكلّ وهو قسيم القياس. ولذا عدّوه من لواحق القياس وتوابعه، وهو يفيد الظن كقولنا كل حيوان يتحرك فكّه الأسفل عند المضغ لأن الإنسان والفرس والحمار والبقر وغير ذلك مما تتبعناه كذلك، فإنه يفيد الظن لجواز التخلّف كما في التمساح.
قال السيّد السّند في حاشية شرح التجريد «1» لا بدّ في الاستقراء من حصر الكلّي في جزئياته ثم إجراء حكم واحد على تلك الجزئيات ليتعدّى ذلك الحكم إلى ذلك الكلّي، فإن كان ذلك الحصر قطعيا بأن يتحقق أن ليس له جزئي آخر كان ذلك الاستقراء تاما وقياسا مقسّما، فإن كان ثبوت ذلك الحكم لتلك الجزئيات قطعيا أيضا أفاد الجزم بالقضية الكلية، وإن كان ظنيا أفاد الظنّ بها، وإن كان ذلك الحصر ادّعائيا بأن يكون هناك جزئي آخر لم يذكر ولم يستقرأ حاله لكنه ادعى بحسب الظاهر أن جزئياته ما ذكر فقط أفاد ظنا بالقضية الكلّية، لأن الفرد الواحد ملحق بالأعمّ للأغلب في غالب الظن، ولم يفد يقينا لجواز المخالفة، انتهى.
قال المولوي عبد الحكيم: هذا تحقيق نفيس يفيد الفرق الجلي بين القياس المقسّم والاستقراء الناقص والشّكّ الذي عرض لبعض الناظرين من أنه لا يجب ادّعاء الحصر في الاستقراء الناقص كما يشهد به الرجوع إلى
__________
(1) حاشية شرح تجريد الكلام لعلي بن محمد الجرجاني (- 816 هـ) علّق فيها على شرح شمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني (- 746 هـ) المسمّى بتشييد القواعد في شرح تجريد العقائد. وتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي (- 672 هـ). وتعرف حاشية الجرجاني بحاشية التجريد. كشف الظنون 1/ 342 - 343.
(1/172)

الوجدان فمدفوع بأنه إن أراد به عدم التصريح به فمسلّم، وإن أراد عدمه صريحا وضمنا فممنوع فإنه كيف يتعدى الحكم إلى الكلّي بدون الحصر.
الاستقصاء:
[في الانكليزية] Investigation
[ في الفرنسية] Investigation
بالصاد المهملة عند أهل المعاني هو من أنواع إطناب الزيادة، وهو أن يتناول المتكلّم معنى فيستقصيه فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا. قال ابن أبي الإصبع: والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتمّمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه، والاستقصاء يرد المعنى التام فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه حتى يستوعب جميع ما تقع الخواطر عليه، فلا يبقى لأحد فيه مساغ، مثاله قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ «1» الآية، فإنه لو اقتصر على جنة لكفى، ولم يقتصر حتى قال في تفسيرها من نخيل وأعناب، فإن مصاب صاحبها بها أعظم، ثم زاد تجري من تحتها الأنهار متمّما لوصفها بذلك، ثم كمّل وصفها بعد التتميمين فقال، له فيها من كل الثمرات، فأتى بكل ما يكون في الجنان، ثم قال في وصف صاحبها: وأصابه الكبر، ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر: وله ذرية، ولم يقتصر حتى وصفها بالضّعفاء، ثم ذكر استئصال الجنة التي ليس بهذا المصاب غيرها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال:
فأصابها إعصار، ولم يقتصر على ذكره للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك فقال: فيه نار، ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يفي احتراقها لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله: فاحترقت. فهذا أحسن استقصاء وقع في القرآن وأتمّه وأكمله، كذا في الاتقان في نوع الإطناب.
الاستناد:
[في الانكليزية] Reference ،support
[ في الفرنسية] Reference ،appui
عند الأصوليين هو أن يثبت الحكم في الزمان المتأخر ويرجع القهقرى حتى يحكم بثبوته في الزمان المتقدم، كالمغصوب فإنه يملكه الغاصب بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب حتى إذا استولد الغاصب المغصوبة فهلكت فأدّى الضمان يثبت النسب من الغاصب، كذا في التوضيح في فصل المأمور به المطلق والمؤقت.
اعلم أن الأحكام تثبت بطرق أربعة:
الأول الاقتصار وهو أن يثبت الحكم عند حدوث علّة الحكم لا قبله ولا بعده كما في تنجيز الطلاق [والعتاق] «2»، والطلاق بأن قال أنت طالق. والثاني الانقلاب وهو صيرورة ما ليس بعلّة علّة كما في تعليق الطلاق بالشرط بأن قال: إن دخلت فأنت طالق، فعند حدوث الشرط ينقلب ما ليس بعلّة علّة، يعني أن قوله أنت طالق في صورة التعليق ليس بعلّة قبل وجود الشرط وهو دخول الدار وإنما يتّصف بالعلية عند الدخول. والثالث الاستناد وهو أن يثبت الحكم في الحال بوجود الشرط في الحال ثم يستند الحكم في الماضي بوجود السبب في الماضي، وذلك كالحكم في المضمونات فإنها تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجود سبب الضمان وهو الغصب، وكالحكم في النصاب فإنه تجب الزكاة عند تمام الحول
__________
(1) البقرة/ 266.
(2) والعتاق (+ م، ع).
(1/173)

بوجود الشرط عنده مستندا إلى وقت وجود سبب الزكاة وهو ملك النصاب. والرابع التبيين وهو أن يظهر في الحال أنّ الحكم كان ثابتا من قبل في الماضي بوجود علّة الحكم والشرط كليهما في الماضي، مثل أن يقول في يوم الجمعة: إن كان زيد في الدار فأنت طالق ثم تبيّن يوم السبت وجوده فيها يوم الجمعة فوقع الطلاق في يوم الجمعة ويعتبر ابتداء العدّة منه، لكن ظهر هذا الحكم يوم السبت، هكذا في الأشباه وحاشية الحموي.
الاستنطاق:
[في الانكليزية] Fortune telling with letters ،Onomancy
[ في الفرنسية] Onomancie
مصدر من باب الاستفعال وهو لدي أهل الجفر عبارة عن صنع الحروف من عدد حرف لفظي «1». وسيأتي في لفظ البسط.
الاستيفاء:
[في الانكليزية] Exhaustion of the subject
[ في الفرنسية] Epuisement du sujet
هو عند البلغاء أن يسعى الشاعر أقصى جهده في المدح والوصف حتى يبلغ الغاية التي ليس وراءها غاية. وهذا عين البلاغة. ونظائره مثل نظائر البلاغة. أمّا في الصنائع فقد أورد الاسم للضرورة. كذا في جامع الصنائع «2».
الاستيلاء:
[في الانكليزية] Zodiacal superiority
[ في الفرنسية] Superiorite Zodiacale
عند المنجّمين هو كون الكوكب مستوليا والمستولي على جزء من أجزاء فلك البروج عندهم كوكب يتّصل بذلك الجزء بالنظر أو التناظر ويكون له في ذلك الجزء حظ بأن يكون ذلك الجزء في بيته وفي شرفه، أو في مثلثته الأولى أو الثانية أو الثالثة أو في حدّه أو في وجهه، ويكفي في النظر اتصال البرجية، وفي التناظر يشترط اتصال الجزئية، وعند البعض يكفي اتصال البرجية فيه أيضا، وعند البعض يشترط في النظر أيضا اتصال الجزئية كما في التناظر، والبعض لا يشترط الاتصال أصلا لكن الأكثرين على اشتراط الاتصال فإن الساقط الذي له حظ في جزء لا يسمّى مستوليا على ذلك الجزء، والكوكب الذي يكون حظه أقوى مقدم على الذي يكون حظه أضعف، والكوكب الذي له حظ في ذلك الجزء إن وقع في حظه يكون قوته مضاعفة. هذا خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في شرح زيج الغ بيگى «3» وغيره.
الاستيلاد:
[في الانكليزية] Requirement of having a baby
[ في الفرنسية] Exigence d'enfantement
لغة طلب الولد مطلقا، وشرعا جعل الأمة أم الولد وهو بشيئين: ادعاء الولد وتملّك الأمة، كذا في جامع الرموز في فصل التدبير.
الاستئناف:
[في الانكليزية] Renewal of a prohibition
[ في الفرنسية] Renouvellement d'une proscription
هو في اللغة الابتداء على ما في الصراح.
وعند الفقهاء تجديد التحريمة بعد إبطال التحريمة الأولى، وبهذا المعنى وقع في قولهم: المصلي إذا سبقه الحدث يتوضأ ثم يتم ما بقي من الصلاة مع ركن وقع فيه الحدث أو يستأنف، والاستئناف أفضل، وذلك الإتمام يسمّى بالبناء.
وإن شئت الزيادة فارجع إلى البرجندي وجامع الرموز.
وعند أهل المعاني يطلق بالاشتراك على
__________
(1) وان نزد أهل جفر عبارت است از ساختن حروف از عدد حرف لفظي.
(2) الاستيفاء: نزد بلغا آنست كه شاعر در مدح وصفت هر چيزي بنهايت كوشد چنانكه زيادة ازين نتواند كرد واين عين بلاغت است ونظائر أو نظائر بلاغت أما در صنائع نام آورده بضرورت گفته شد كذا في جامع الصنائع.
(3) شرح زيج الغ بيك، لعبد العلي بن محمد بن الحسين البرجندي وهذا الزيج من وضع ألوغ بيك محمد بن شاه رخ بن تيمور (- 853 هـ)، وعليه شروح كثيرة GALS ,II ، 298.
(1/174)

معنيين. أحدهما فصل جملة عن جملة سابقة لكون تلك الجملة جوابا لسؤال اقتضته الجملة السابقة. وثانيهما تلك الجملة المفصولة وتسمّى مستأنفة أيضا. وبالجملة فالاستئناف يطلق على معنيين والمستأنفة على المعنى الأخير فقط.
والنحاة يطلقون المستأنفة على الابتدائية ويجيء في لفظ الجملة. ثم الاستئناف بالمعنى الأول ثلاثة أضرب لأن السؤال إما عن سبب الحكم مطلقا أي لا عن خصوص سبب، فيجاب بأي سبب كان، سواء كان سببا بحسب التصوّر كالتأديب للضرب أو بحسب الخارج نحو:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل. سهر دائم وحزن طويل.
أي ما سبب علتك أو ما بالك عليلا لأن العادة أنه إذا قيل فلان عليل أن يسأل عن سبب علته وموجب مرضه، لا أن يقال هل سبب علته كذا وكذا. وإما عن سبب خاص للحكم نحو وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «1» فكأنه قيل هل النفس أمّارة بالسوء؟ فقيل نعم إن النفس لأمّارة بالسوء. والضرب الأول يقتضي عدم التأكيد والثاني يقتضي التأكيد. وإما عن غيرهما أي عن غير السبب المطلق والسبب الخاص نحو قوله تعالى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ «2» أي فماذا قال إبراهيم في جواب سؤالهم فقيل قال سلام. وقول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة. صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي.
ففصل قوله صدقوا عما قبله لكونه استئنافا جوابا للسؤال عن غير السبب، كأنه قيل أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا فقيل صدقوا. ثم السؤال عن غير السبب إمّا أن يكون على إطلاقه كما في أول هذين المثالين ولا يقتضي التأكيد، وإمّا أن يشتمل على خصوصية كما في آخرهما.
فإن العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب؛ وإنما السؤال عن تعيينه وهذا يقتضي التأكيد.
والاستئناف باب واسع متكاثر المحاسن.
ومن الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه أي أوقع عنه الاستئناف نحو: أحسنت أنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان. ومنه ما يبنى على صفته أي على صفة ما استؤنف عنه دون اسمه أي يكون المسند إليه في الجملة الاستئنافية من صفات من قصد الحديث عنه نحو أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك. والسؤال المقدّر فيهما لماذا أحسن إليه؟
أو هل هو حقيق بالإحسان؟ وهذا أبلغ من الأول. وقد يحذف صدر الاستئناف نحو:
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، رِجالٌ «3» كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل رجال أي يسبحه رجال.
هذا كله خلاصة ما في الأطول والمطول في بحث الفصل والوصل.
الإسجال:
[في الانكليزية] Dialectics
[ في الفرنسية] Dialectique ،polemique
بالجيم في علم الجدل هو الإتيان بألفاظ يسجل على المخاطب وقوع ما خوطب به نحو رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ «4» ورَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ «5» فإن في ذلك أسجالا بالإتيان والإدخال حيث وصفا بالوعد من الله الذي لا يخلف وعده، كذا في الإتقان في نوع جدل القرآن.
__________
(1) يوسف/ 53.
(2) هود/ 69.
(3) النور/ 36 - 37.
(4) آل عمران/ 194.
(5) غافر/ 8.
(1/175)

الإسحاقية:
[في الانكليزية] Al -Is'haquiyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Is'haquiyya (secte)
هم النصيرية فرقة من غلاة الشيعة قالوا حلّ الله في علي رضي الله عنه.
الإسراف:
[في الانكليزية] Excess ،surplus
[ في الفرنسية] Exces
هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس وقيل الإسراف صرف شيء فيما ينبغي زيادة على ما ينبغي بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي، كذا في الجرجاني.
أسطرلاب:
[في الانكليزية] Astrolabe
[ في الفرنسية] Astrolabe
بالسين المهملة في اصل اللغة، وبعضهم يبدّلها بالصاد. ومعناه ميزان الشمس. ومن هنا ظنّ بعضهم أن أصله في اللغة اليونانية أسترلابوه، ومعناها: مرآة الكواكب.
ويقول بعضهم أسطر: معناها تصنيف، ولاب اسم ابن هرمس الحكيم الذي اخترع الأسطرلاب.
ويقول بعضهم: لما كان لاب قد رسم الدوائر الفلكية على سطح مستو سأله هرمس:
من سطّر هذا فقال في جوابه: سطّره لاب.
ولهذا السبب يقال له: أسطرلاب. كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح العشرين بابا.
ويقول في كشف اللغات: أسطرلاب بضم الهمزة والطاء: آلة بها يوضح الحكماء والمنجمون أسرار الفلك. ومعناه ميزان الشمس.
لأن في اليونانية أسطر ميزان. ولاب- الشمس.
وقيل ابن أرسطو لاب. وقيل: ابن إدريس عليه وعلى نبينا السلام. والصحيح أن واضعه أرسطو طاليس. انتهى.
إذن علم الأسطرلاب من أقسام علم الأرغنوة الذي هو فرع من الرياضيات. وعلم الأرغنوة هو علم اتخاذ الآلات الغريبة كما مرّ في المقدمة «1».
أسطقس:
[في الانكليزية] Element
[ في الفرنسية] Element
هو لفظ يوناني بمعنى الأصل، وتسمّى العناصر الأربع التي هي الماء والأرض والهواء والنار أسطقسات لأنها أصول المركبات التي هي الحيوانات والنباتات والمعادن، كذا في تعريفات السيد الجرجاني.
الأسطوانة:
[في الانكليزية] Cylinder
[ في الفرنسية] Cylindre
بضم الهمزة في اللغة ستون وهي أفعوالة مثل أقحوانة، ونونه أصلية لأنه يقال أساطين مسطنة كذا في الصراح. وعند المهندسين يطلق على معان. منها الأسطوانة المستديرة وهي جسم تعليمي أحاطت به دائرتان متوازيتان متساويتان وسطح مستدير وأصل بينهما بحيث لو أدير خط مستقيم واصل بين محيطيهما من جهة واحدة على محيطيهما لماسّه في كل الدورة.
وقولهم على محيطيهما متعلق بأدير، وقولهم
__________
(1) اسطرلاب: بسين مهملة است در اصل لغت وبعضى آن را بصاد بدل كنند ومعني او ترازوي آفتاب است وازينجا بعضى گمان برده اند كه اصل او در لغت يونان استرلابون است ومعني او آئينه كواكب وبعضى گويند كه اسطر تصنيف است ولاب اسم پسر هرمس حكيم است كه اسطرلاب اختراع اوست. وبعضى گويند كه چون لاب دوائر فلكي را در سطح مستوي مرتسم ساخت هرمس از ان سؤال كرد كه من سطر هذا او در جواب گفت سطره لاب وبدين سبب آن را اسطرلاب گويند كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح بيست باب ودر كشف اللغات ميگويد اسطرلاب بضم همزة وطا آلتي است مر حكماء ومنجمان را كه بدان راز فلكي روشن مى شود ومعنى ان ترازوي آفتاب است چهـ بيوناني اسطر ترازو را گويند ولاب آفتاب را وبعضي گويند لاب نام حكيمى ديگر است كه به تدبير سكندر اسطرلاب را ساخته بود وقيل پسر ارسطو است وقيل نام پسر ادريس است على نبينا وعليه السلام وصحيح آنست كه واضعش ارسطاطاليس است انتهى پس علم اسطرلاب از اقسام علم ارغنوه كه از فروع رياضي است وعلم الارغنوة هو علم اتخاذ الآلات الغريبة كما مر في المقدمة.
(1/176)

لماسّه جواب لو أي ماسّ ذلك الخط المستقيم ذلك السطح الواصل، وهو احتراز عن كرة قطعت من طرفيها قطعتان متساويتان متوازيتان بدائرتين كذلك. وما قيل إن الأسطوانة المستديرة شكل يحدث من وصل خط من جهة بين محيطي دائرتين متوازيتين متساويتين كل منهما على سطح وإدارة ذلك الخط عليهما، أي على محيطيهما إلى أن يعود إلى وضعه الأول، ففيه أنه يحدث من حركة الخط شكل مسطح لا مجسّم. ثم الأسطوانة المستديرة إن كانت مجوّفة متساوية الثّخن وقطر قاعدة تجويفها الذي هو أيضا على شكل الأسطوانة المستديرة أكبر من نصف قطر قاعدة الأسطوانة بحيث يكون ثخنها أقل من سمكها، أي من ثخن تجويفها فتسمّى بالذّوقية. والدائرتان قاعدتان للأسطوانة والخط الواصل بين مركزي الدائرتين سهم الأسطوانة ومحورها. فإن كان ذلك الخط عمودا على القاعدة فالأسطوانة قائمة وهي جسم يتوهّم حدوثه من إدارة ذي أربعة أضلاع قائم الزوايا على أحد أضلاعه المفروض ثابتا حتى يعود إلى وضعه الأول، وإلّا فمائلة وهي جسم يتوهّم حدوثه من إدارة ذي أربعة أضلاع غير قائم الزوايا على أحد أضلاعه المفروض ثابتا إلى أن يعود إلى وضعه الأول. ومنها الأسطوانة المضلّعة وهي جسم تعليمي أحاط به سطحان مستويان متوازيان كثير الأضلاع، أضلاع «1» كل من السطحين موازية لأضلاع السطح الآخر وأحاطت به أيضا سطوح ذوات أضلاع أربعة متوازية بأن يكون كل ضلعين منها متوازيين، عدة تلك السطوح عدة أضلاع إحدى القاعدتين، وقاعدتاهما السطحان المتوازيان، فإن كانت تلك السطوح التي هي ذوات الأربعة الأضلاع قائمة الزوايا فالأسطوانة قائمة وإلّا فمائلة.
ومنها الأسطوانة التي تكون مشابهة للمستديرة أو المضلّعة بأن لا تكون قاعدتها شكلا مستقيم الأضلاع ولا دائرة بل سطحا يحيط به خط واحد ليس بدائرة كالسطح البيضي. ومنها أسطوانة تكون سطحا تحيط به خطوط بعضها مستدير وبعضها مستقيم. هكذا يستفاد من ضابطة قواعد الحساب وغيره، والحكم في أن إطلاقها على تلك المعاني بالاشتراك اللفظي أو المعنوي كالحكم في المخروط.
إسفندارمذماه:
[في الانكليزية] Isfindar Madhmah (Persian month)
[ في الفرنسية] Isfindar Madhmah (mois perse)
اسم شهر في تاريخ الفرس، ويقال له اليوم إسفند ماه، وهو الشهر الأخير من السنة والثالث من أشهر الشتاء «2».
إسقاط الإضافات وإسقاط الاعتبارات:
[في الانكليزية] Annihilation of all relations and considerations
[ في الفرنسية] Annulation des relations ,et des considerations
هو اعتبار أحدية الذات في كل الذوات، وهو التوحيد الحقيقي كما قال بعضهم:
بيت:
الخير تقول والخير قال بالذات إن التوحيد هو إسقاط الإضافات «3»
الإسكافية:
[في الانكليزية] Al -Iskafiyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Iskafiyya (secte)
__________
(1) اضلاع (- م، ع).
(2) اسفندار مذ ماه: اسم ماهيست در تاريخ فرس.
(3) نكوگوئى نكو گفته است بالذات. كه التوحيد إسقاط الإضافات.
(1/177)

فرقة من المعتزلة أصحاب أبي جعفر إسكاف «1» قالوا: الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء بخلاف ظلم الصبيان والمجانين فإنه يقدر عليه، كذا في شرح المواقف «2».
الإسلام:
[في الانكليزية] Islam
[ في الفرنسية] L'Islam
هو لغة الطاعة والانقياد، ويطلق في الشرع على الانقياد إلى الأعمال الظاهرة، كما بين ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت» «3».
وحاصل ذلك أن الإسلام شرعا هو الأعمال الظاهرة من التلفظ بكلمتي الشهادة والإتيان بالواجبات والانتهاء عن المنهيات. وعلى هذا المعنى، هو يغاير الإيمان وينفك عنه، إذ قد يوجد التصديق مع انقياد الباطن بدون الأعمال، وقد يطلق على الأعمال المشروعة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «4» وخبر أحمد «5»: «أيّ الإسلام أفضل؟ قال:
الإيمان» «6»، وخبر ابن ماجة «7» «قلت ما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلّا الله وتشهد أنّ محمدا رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها حلوها ومرّها» «8»، وعلى هذا هو يغاير الإيمان ولا ينفك عنه، أي عن الإيمان لاشتراطه لصحتها وهي لا تشترط لصحته خلافا للمعتزلة.
وأما الإسلام المأخوذ بالمعنى اللغوي الذي قد يستعمله به أهل الشرع أيضا فبينه وبين الإيمان تلازم في المفهوم، فلا يوجد شرعا إيمان بلا إسلام ولا عكسه وهو الظاهر.
وقيل بينهما ترادف لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد للأحكام بمعنى قبولها والإذعان بها، وذلك حقيقة التصديق، فيترادفان. فالإسلام يطلق على ثلاثة معان والإيمان أيضا يطلق شرعا على كلّ من تلك
__________
(1) أبو جعفر الإسكافي: هو محمد بن عبد الله، أبو جعفر الإسكافي. أصله من سمرقند، وتوفي في بغداد عام 240 هـ/ 854 م. أحد أئمة المعتزلة. عالم بالكلام. له عدة مناظرات مع علماء الكلام. الأعلام 6/ 221. خطط المقريزي 2/ 346.
لسان الميزان 5/ 221.
(2) سبقت الإشارة إليه.
(3) أخرجه مسلم في الصحيح، 1/ 37 - 38، عن عمر بن الخطاب، كتاب الإيمان (1)، باب بيان الإيمان والإسلام (1)، حديث رقم 1/ 8.
(4) آل عمران/ 19.
(5) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني الوائلي. ولد في بغداد عام 164 هـ/ 780 م وتوفي فيها عام 241 هـ/ 855 م. أحد الأئمة الأربعة في الفقه الإسلامي، وإمام المذهب الحنبلي أصولي، متكلم، كثير الأسفار، له عدة مؤلفات هامة. الأعلام 1/ 203، ابن عساكر 2/ 28، حلية الأولياء، 9/ 161، صفة الصفوة 2/ 190، وفيات الأعيان 1/ 17، تاريخ بغداد 4/ 412، البداية والنهاية 10/ 325، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 491، معجم المفسرين 1/ 57.
(6) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند، 3/ 372، عن جابر بن عبد الله بلفظ: «أي الإسلام أفضل؟ قال أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك».
(7) ابن ماجة: هو محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله ابن ماجة. ولد بقزوين عام 209 هـ/ 824 م. وتوفي عام 273 هـ/ 887 م. أحد الأئمة في علم الحديث. تنقل في البلاد. وله عدة مؤلفات. الأعلام 7/ 144، وفيات الأعيان 1/ 484، تهذيب التهذيب 9/ 530، تذكرة الحفاظ 2/ 189، المنتظم 5/ 90، سنن ابن ماجة 2/ 1520، كشف الظنون 300، معجم المفسرين 2/ 639.
(8) أخرجه ابن ماجة في سننه، 1/ 34، عن عدي بن حاتم، المقدمة، باب في القدر (10) الحديث رقم 87، قال عدي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عدي بن حاتم! أسلم تسلم. قلت وما الإسلام؟ فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها، خيرها وشرها، حلوها ومرها.
(1/178)

المعاني الثلاثة، وإذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدلّ على تغايرهما كما في قوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «1» الآية، وكما في بعض الأحاديث، فهو باعتبار أصل مفهوميهما، فإنّ الإيمان عبارة عن تصديق قلبي، والإسلام عبارة عن طاعة وانقياد ظاهر كما صرّح بذلك في شروح صحيح البخاري.
فصحّ ما قاله ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنهم لم يكونوا منافقين بل كان إيمانهم ضعيفا، ويدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «2» الآية، الدالّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وحينئذ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه. ومما يصرح به قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» «3» وفيه قولان لأهل السنة، أحدهما هذا، والثاني لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله ولا يطلق عليه مؤمن لإيهامه كمال إيمانه، بل يقيّد فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، وهذا بخلاف اسم الإسلام فإنه لا ينتفي بانتفاء ركن من أركانه ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين. وكأنّ الفرق أنّ نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفي الإيمان. وحيث ورد ما يدلّ على اتحادهما كقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ «4» فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما. ومن هاهنا قال كثيرون إنهما على وزان الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودلّ بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرا كما في خبر أحمد «الإسلام علانية والإيمان في القلب» «5»، وحيث فسّر الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لما تقرر أنه تصديق بأمور مخصوصة، ومنه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «6»، واتفقوا على أنّ المراد «7» به هنا الصلاة ومنه حديث وفد عبد القيس: «هل تدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمسا من المغنم» «8» ففسّر فيه الإيمان بما فسر في حديث جبرائيل الإسلام، فاستفيد منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعا باعتبار أنها متعلقة مفهوميهما المتلازمين وهما التصديق والانقياد، فتأمّل ذلك حق التأمّل لتندفع به عنك الشكوك الواردة هاهنا. وممّا أطلق فيه الإيمان على
__________
(1) الحجرات/ 14.
(2) الحجرات/ 14.
(3) أخرجه البخاري في الصحيح، 8/ 293، عن أبي هريرة، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إثم الزناة، حديث رقم 9/ 6810، بلفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة معروضة.
(4) الذاريات/ 35 - 36.
(5) أخرجه أحمد في مسنده، 3/ 134، عن أنس، وتمامه: «والإيمان في القلب، قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، قال: ثم يقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا»، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، 1/ 52، باب الإسلام والإيمان، عن أنس، وقال عقبه: رواه أحمد وأبو يعلي بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح.
(6) البقرة/ 143.
(7) المقصود (م، ع).
(8) حديث وفد عبد القيس حديث طويل ورد بصيغ متعددة وروايات كثيرة، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق رواية أبي جمرة. بينما يذكره أحمد بن حنبل في مسنده من طريق رواية أبان العطار عن قتادة. ذكر كل هذه الروايات وعلّق عليها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري، في كتاب الإيمان 1/ 129 - 135.
(1/179)

الأعمال المشروعة ما روي «الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان» «1». هذا كله خلاصة ما ذكر ابن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث الثاني.
أسلوب الحكيم:
[في الانكليزية] The method of the wise (pun)
[ في الفرنسية] La methode du sage (calembour)
عند أهل المعاني هو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها له على أنه هو الأولى بالقصد، وهو من خلاف مقتضى الظاهر، كقول القبعثرى «2» للحجاج «3» حين قال الحجاج له مخوّفا إيّاه: لأحملنّك على الأدهم، يعني به القيد، مثل الأمير يحمل على الأدهم والاشهب. فأبرز القبعثرى وعيد الحجاج في معرض الوعد وتلقاه بغير ما يترقب بأن حمل لفظ الادهم الذي في كلام الحجاج على الفرس الأدهم، أي الذي غلب سواده حتى ذهب البياض الذي فيه، وضم إليه الأشهب أي الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد قرينة على تعيين مراد القبعثرى ودفعا لمراد الحجاج، فإن مراد الحجاج إنما هو القيد، فنبّه على أنّ الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصده الأمير؛ اي من كان مثل الأمير في السلطنة وبسط اليد فجدير بأن يقصد بأن يعطى المال لا أن يقصد بأن يقيد ويعذب بالنكال. ثم قال الحجاج له ثانيا: أردت به الحديد، فقال القبعثرى: الحديد خير من البليد، فحمل الحديد أيضا على خلاف مراد الحجاج أي الجلد الماضي في الأمور.
وأصل القصة أن القبعثرى الشاعر كان جالسا في بستان مع جملة الأدباء، وكان الزمان زمان الحصرم فجرى ذكر الحجاج في ذلك المجلس فقال القبعثرى تعريضا على الحجاج:
اللهم سوّد وجهه واقطع عنقه واسقني من دمه، فأخبر الحجاج بذلك فأحضر القبعثرى وهدّده، فقال القبعثرى أردت بذلك الحصرم. فقال له الحجاج لأحملنك إلى آخر القصة. فانظر إلى ذكاوة القبعثرى فقد سخر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته وأحسن إليه وأنعم عليه، هكذا في المطول وحاشية الجلبي في آخر الباب الثاني.
ولفظ الأسلوب بضم الهمزة وسكون السين بمعني روشن وراه،- المنير والطريق- ووجه التسمية ظاهر. وفي اصطلاحات الجرجاني أسلوب الحكيم هو عبارة عن ذكر الأهمّ تعريضا للمتكلم على تركه الأهم كما قال الخضر عليه السلام حين سلّم عليه موسى عليه السلام إنكارا لسلامه لأن السلام لم يكن معهودا في تلك الأرض بقوله: إنّى بأرضك السلام. فقال موسى عليه السلام: في جوابه أنا موسى، كأنه قال أجبت عن اللائق بك وهو أن تستفهم عني لا عن سلامي بأرضي، فقول موسى هو أسلوب الحكيم انتهى.
وفي المطول ويلقى السائل بغير ما يترقب «4» تنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنّ
__________
(1) أخرجه الطبراني بلفظ: «الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان»، برواية علي بن أبي طالب. كنز العمال، 1/ 23.
(2) هو الغضبان بن القبعثرى الشيباني، كان حيا في نهاية القرن الأول الهجري. وهو من الذين هجوا الحجاج. أنساب الأشراف/ 114 - 124.
(3) الحجاج: هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد. ولد بالطائف عام 40 هـ/ 660 م. وتوفي بواسط عام 95 هـ/ 714 م. قائد، داهية، خطيب. ومن ولاة الأمويين الشداد. فتك بالثورات وأحمد الفتن. وهو الذي بني مدينة واسط بين الكوفة والبصرة، وكتب عنه الكثيرون. الأعلام 2/ 168، معجم البلدان 8/ 382، وفيات الأعيان 1/ 123، تاريخ المسعودي 2/ 103، تهذيب التهذيب 2/ 210، ابن الأثير 4/ 222، البدء والتاريخ 6/ 28.
(4) يتطلب (ع) يتطلب غيره (م).
(1/180)

ذلك الغير هو الأولى بحال السائل أو المهم له كقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ «1» فقد سألوا عن السبب في إختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه حيث قالوا: ما بال الهلال يبدأ دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلأ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف، وهو أنّ الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يؤقّت بها الناس أمورهم من المزارع والمتاجر وآجال الديون والصوم [وغير ذلك] «2» ومعالم الحج [يعرف بها وقته] «3» وذلك للتنبيه على أنّ الأولى بحال السائلين أن يسألوا عن الغرض لا عن السبب، فإنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على ما هو من دقائق علم الهيئة، وأيضا لا يتعلّق لهم به غرض، وأيضا لم يعط الإنسان عقلا بحيث يدرك به ما يريد من حقائق الأشياء وماهياتها، ولهذا لم يجب في الشريعة البحث عن حقائقها، انتهى.
الإسلام:
[في الانكليزية] Name ،noun
[ في الفرنسية] Nom
بالكسر والضمّ لغة بمعنى اللفظ الدال على الشيء كما في قوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، كذا ذكر المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية. وحاصله أنه يطلق لغة على مقابل المهمل، كما صرّح به في باب منع الصرف. وفي شرح المقاصد: الاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى وهو يعم جميع أنواع الكلمة، والمسمّى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه، والتسمية هو وضع الاسم للمعنى. وقد يراد به ذكر الشيء باسمه، يقال سمّى زيدا ولم يسم عمروا، ولا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، انتهى. وفي جامع الرموز في جواز اليمين باسم الله تعالى: الاسم عرفا لفظ دال على الذات والصفة معا كالرحمن والرحيم، والله اسم دال على ذات الواجب فهو اسم للذات انتهى. وفي كشف اللغات: الاسم بالكسر والضم، هو بالفارسية: نام، وفي اصطلاح أهل السلوك:
ليس لفظا يدلّ على شيء بالوضع، بل هو اسم الذّات للمسمّى باعتبار الصّفة. والصّفة إمّا وجودية كالعليم والقدير أو عدميّة كالقدوس والسّلام يقول الشاعر:
العارفون الذين يعرفون علمنا يقولون: الصفة والذات هي الاسم «4» انتهى.
اعلم أنه قد اشتهر الخلاف في أنّ الاسم هل هو نفس المسمّى أو غيره، ولا يشكّ عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ ف ر س أنه هل هو نفس الحيوان المخصوص أو غيره فإن هذا ممّا لا يشتبه على أحد، بل النزاع في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي هي أم هو الذات باعتبار أمر صادق عليه عارض له ينبئ عنه؛ فلذلك قال الأشعري قد يكون الاسم أي مدلوله عين المسمّى أي ذاته من حيث هي نحو الله، فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره نحو الخالق والرازق ممّا يدلّ
__________
(1) البقرة/ 189.
(2) [وغير ذلك] (+ م، ع).
(3) [يعرف بها وقته] (+ م، ع).
(4) ودر كشف اللغات اورده اسم بالكسر والضم نام ودر اصطلاح سالكان اسم نه لفظي است كه دلالت كند بر شيء بالوضع بلكه اسم ذات مسمى است باعتبار صفت وصفت يا وجوديه است چون عليم وقدير ويا عدميه چون قدوس وسلام. بيت.
عارفانى كه علم ما دانند. صفت وذات اسم را خوانند. انتهى.
(1/181)

على نسبة إلى غيره. ولا شك أنّ تلك النسبة غيره وقد يكون لا هو ولا غيره كالعليم والقدير ممّا يدلّ على صفة حقيقية قائمة بذاته، فإنّ تلك الصفة لا هو ولا غيره عنده فهكذا الذات المأخوذة معها.
قال الآمدي: اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية والمسمّى، وذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة، وإنّ الاسم هو نفس المدلول، ثم اختلف هؤلاء، فذهب ابن فورك «1» وغيره إلى أن كل اسم فهو المسمّى بعينه. فقولك: الله دالّ على اسم هو المسمّى، وكذلك قولك عالم وخالق فإنه يدلّ على ذات الربّ الموصوف بكونه عالما وخالقا. وقال بعضهم من الأسماء ما هو عين كالموجود والذات ومنها ما هو غير كالخالق، فإنّ المسمّى ذاته، والاسم هو نفس الخلق وخلقه غير ذاته، ومنها ما ليس عينا ولا غيرا كالعالم فإن المسمّى ذاته والاسم علمه الذي ليس عين ذاته ولا غيرها. وتوضيح ذلك أنهم لم يريدوا بالتسمية اللفظ وبالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف وبالصفة مدلوله، ثم إنّ ابن فورك ومن يوافقه اعتبروا المدلول المطابقي وأرادوا بالمسمّى ما وضع الاسم بإزائه، فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمّى. والبعض أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، وأخذ المدلول أعمّ من المطابقي واعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة، فزعم أنّ مدلول الخالق الخلق وأنه غير ذات الخالق بناء على ما تقرّر من أنّ صفات الأفعال غير الموصوف، وأن الصفات التي لا عينه ولا غيره هي التي يمتنع انفكاكها عن موصوفها. ثم إنّ الأشعري أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، أعني الذات، وأعتبر المدلول المطابقي وحكم بغيرية هذا المدلول أو بكونه لا هو ولا غيره باعتبار المدلول التضمني. وذهب المعتزلة إلى أنّ الاسم هو التسمية ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا. وذهب الأستاذ أبو نصر بن أيوب إلى أنّ لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمّى، فيطلق على كل منهما ويفهم المقصود بحسب القرائن. ولا يخفى عليك أن النزاع على قول أبي نصر في لفظ اس م، وأنها تطلق على الألفاظ فيكون الاسم عين التسمية بالمعنى المذكور، أي القول الدال لا بمعنى فعل الواضع وهو وضع الاسم للمعنى، أو تطلق على مدلولاتها فيكون عين المسمّى، وكلا الاستعمالين ثابت، كما في قولك:
الأسماء والأفعال والحروف، وقوله تعالى:
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ «2» أي مسمّاه، وقول لبيد: «3» اسم السلام عليكما. وقال الإمام الرازي:
المشهور عن أصحابنا أن الاسم هو المسمّى، وعن المعتزلة أنه التسمية، وعن الغزالي أنه مغاير لهما لأن النسبة وطرفيها مغايرة قطعا، والناس قد طوّلوا في هذه المسألة، وهو عندي فضول لأن الاسم هو اللفظ المخصوص والمسمّى ما وضع ذلك اللفظ بإزائه، فنقول:
الاسم قد يكون غير المسمّى، فإنّ لفظ الجدار مغاير لحقيقة الجدار وقد يكون عينه، فإن لفظ الاسم اسم للفظ دال على معنى مجرّد عن
__________
(1) هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر. توفي بالقرب من نيسابور عام 406 هـ/ 1015 م واعظ، عالم بالأصول والكلام، فقيه شافعي. له كتب كثيرة ومتنوعة. الأعلام 6/ 83، طبقات السبكي 3/ 52، تبيين كذب المفتري 232، النجوم الزاهرة 4/ 240، وفيات الأعيان 1/ 482، اللباب 2/ 226، معجم المفسرين 2/ 514.
(2) الرحمن/ 78.
(3) لبيد (الشاعر العامري) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري. توفي عام 41 هـ/ 661 م. أحد فحول الشعر في الجاهلية. أدرك الإسلام وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. له معلّقة مشهورة، طبع شعره في ديوان. الأعلام 5/ 240، خزانة 1/ 337، مطالع البدور 1/ 52، سمط اللآلي 13، آداب اللغة 1/ 111، الشعر والشعراء 231، جمهرة أشعار العرب 30.
(1/182)

الزمان، ومن جملة تلك الألفاظ لفظ الاسم، فيكون لفظ الاسم اسما لنفسه فاتّحد هاهنا الاسم والمسمّى. قال: فهذا ما عندي، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف والچلپي وما في تعليقات جدّي رحمة الله عليه.
التقسيم
اعلم أنّ الاسم الذي يطلق على الشيء إمّا أن يؤخذ من الذات بأن يكون المسمّى به ذات الشيء وحقيقته من حيث هي، أو من جزئها، أو من وصفها الخارجي، أو من الفعل الصادر عنه؛ ثم أنظر أيّها يمكن في حق الله تعالى، فالمأخوذ من الوصف الخارجي الداخل في مفهوم الاسم فجائز في حقه تعالى، سواء كان الوصف حقيقيا كالعليم، أو إضافيا كالماجد بمعنى العالي، أو سلبيا كالقدوس، وكذا المأخوذ من الفعل كالخالق. وأما المأخوذ من الجزء كالجسم للإنسان فمحال لانتفاء التركيب في ذاته، فلا يتصوّر له جزء حتى يطلق عليه اسمه. أمّا المأخوذ من الذات فمن ذهب إلى جواز تعقّل ذاته جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقّلها لم يجوّز لأن وضع الاسم لمعنى فرع تعقله ووسيلة إلى تفهيمه، فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم فلا يتصوّر اسم بإزائه. وفيه بحث لأن الخلاف في تعقّل كنه ذاته ووضع الاسم لا يتوقف عليه إذ يجوز أن يعقل ذاتا ما بوجه ما، ويوضع الاسم لخصوصية ويقصد تفهيمها باعتبار ما لا بكنهها، ويكون ذلك الوجه مصحّحا للوضع وخارجا عن مفهوم الاسم، كما في لفظ الله، فإنه اسم علم له موضوع لذاته من غير اعتبار معنى فيه، كذا في شرح المواقف.
وفي شرح القصيدة الفارضية في علم التصوف: الأسماء تنقسم باعتبار الذات والصفات والأفعال إلى الذاتية، كالله والصفاتية كالعليم والأفعالية كالخالق، وتنحصر باعتبار الأنس والهيبة عند مطالعتها في الجمالية كاللطيف والجلالية كالقهار. والصفات تنقسم باعتبار استقلال الذات بها إلى ذاتية وهي سبعة:
العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، وباعتبار تعلّقها بالخلق إلى أفعالية، وهي ما عدا السبعة ولكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء دون الكلّ كحظ الملائكة من اسم السبّوح والقدّوس. ولذا قالوا نحن نسبّح بحمدك ونقدس لك، وحظّ الشيطان من اسم الجبار والمتكبر، ولذلك عصى واستكبر واختص الإنسان بالحظ من جميعها ولذلك أطاع تارة وعصى أخرى وقوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «1» أي ركّب في فطرته من كل اسم من أسمائه لطيفة وهيّأه بتلك اللطائف للتحقّق بكل الأسماء الجلالية والجمالية، وعبّر عنهما بيديه فقال للإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ «2» وكلّ ما سواه مخلوق بيد واحدة لأنه إمّا مظهر صفة الجمال كملائكة الرحمة أو الجلال كملائكة العذاب. وعلامة المتحقق باسم من أسماء الله أن يجد معناه في نفسه كالمتحقق باسم الحق علامته أن لا يتغيّر بشيء، كما لم يتغير الحلاج «3» عند قتله تصديقا لتحققه بهذا الاسم انتهى. وفي الإنسان الكامل قال
__________
(1) البقرة/ 31.
(2) ص/ 75.
(3) الحلّاج: هو الحسين بن منصور الحلّاج، أبو مغيث. مات مقتولا عام 309 هـ/ 922 م. فيلسوف زاهد صوفي ومتكلم.
تكلم الناس في معتقده ووشوا به حتى قتل وأحرقت جثته. له عدة تصانيف. الأعلام 2/ 260، الفهرست 1/ 190، طبقات الصوفية 307، روضات الجنان 226، البداية والنهاية 11/ 132، لسان الميزان 2/ 314، ابن الأثير 8/ 39، وفيات الأعيان 1/ 146، ميزان الاعتدال 1/ 256، تاريخ بغداد 8/ 112، مرآة الجنان 2/ 253.
(1/183)

المحققون أسماء الله تعالى على قسمين يعني الأسماء التي تفيد في نفسها وصفا فهي عند النحاة أسماء لغوية: القسم الأول هي الذاتية كالأحد والواحد والفرد والصمد والعظيم والحيّ والعزيز والكبير والمتعال وأشباه ذ