Advertisement

غريب الحديث للخطابي 001



الكتاب: غريب الحديث
المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388 ه)
المحقق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي
خرج أحاديثه: عبد القيوم عبد رب النبي
الناشر: دار الفكر - دمشق
عام النشر: 1402 ه - 1982 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر ولا تعسر

الحمد لله بارئ النسم، رازق القسم، الحكيم فيما أنشأ ودبر، الخبير بما قدم وأخر، الذي وسع خلقه علمه، وعدل فيهم حكمه، يخلق ويختار، وكل شيء عنده بمقدار، اختص بالأثرة الإنسان فأكرمه بتعليم البيان، ويسره للنطق والكلام، والفهم والإفهام، ليبلو فيها طاعته ويكمل بها سعادته، أحمده على ما عم من نعمه، وخص من مننه، وأشكره على حسن ما اختار لنا من دينه، وأكرمنا به من سنة نبيه، وأخلص القول بأن لا إله إلا الله، شهادة الموحد المستبصر غير المتوقف المتحير، وأشهد أن محمدا عبده الأمين على وحيه، ورسوله الصادع بأمره ونهيه، المؤيد بجوامع الكلم، المبين للناس ما نزل إليهم بلسان عربي مبين، فيه واضح يعرفه السامعون، وغامض لا يعقله إلا العالمون، لتكون آثار الحكمة فيها قائمة، ودلائل الاعتبار عليها شاهدة، وليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات.
وكان أرفعهم في العلم درجة، وأعلاهم قدرا ورتبة أئمة القرون الثلاثة، الذين نالتهم الخيرة، ولحقتهم الدعوة في قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم
(1/46)

الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وهم الصدر الأول، والنمط الأفضل، ورثة علم السنة والحافظون لها على من بعدهم من الأمة، ثم لم يزل أول منهم يلقيه إلى آخر، ويتلقاه خالف عن سالف، ليكون دين الله بهم محروسا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فصلى الله عليه وعلى المصطفين من آله، ورضي الله عن الغر المنتخبين من أصحابه، وغفر للتابعين لهم بإحسان.
ثم إن الحديث لما ذهب أعلامه بانقراض القرون الثلاثة، واستأخر به الزمان، فتناقلته أيدي العجم، وكثرت الرواة وقل منهم الرعاة، وفشا اللحن، ومرنت عليه الألسن اللكن، رأى أولو البصائر والعقول، والذابون عن حريم الرسول أن من الوثيقة في أمر الدين والنصيحة لجماعة المسلمين، أن يعنوا بجمع الغريب من ألفاظه، وكشف المغدَف من قناعه، وتفسير المشكل من معانيه، وتقويم الأود من زيغ ناقليه، وأن يدونوه في كتب تبقى على الأبد، وتخلد على وجه المسند، لتكون لمن بعدهم قدوة وإماما، ومن الضلال عصمة وأمانا.
فكان أول من سبق إليه ودل من بعده عليه أبو عبيد القاسم بن سلام
(1/47)

فإنه قد انتظم بتصنيفه عامة ما يحتاج إلى تفسيره من مشاهير غريب الحديث، فصار كتابه إماما لأهل الحديث، به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون، ثم انتهج نهجه ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم، فتتبع ما أغفله أبو عبيد من ذلك، وألف فيه كتابا لم يأل أن يبلغ به شأو المبرِّز السابق، وبقيت بعدهما صبابة للقول فيها متبرض، توليتُ جمعها وتفسيرها مستعينا بالله ومسترسلا إلى ذلك بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما، وبما نحوته نم التيمم لقصدهما والتقيُّل لآثارهما، وكان ذلك مني بعد أن مضى عليَّ زمان وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحد متكلم، وأن الأول لم يترك للآخر شيئا، وأتكل مع ذلك على قول ابن قتيبة حين يقول في آخر الخطبة من كتابه (وأرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال).
ثم إنه لما كثر نظري في الحديث، وطالت مجالستي أهله، ووجدت فيما يمر بي ويرد علي منه ألفاظا غريبة لا أصل لها في الكتابين، علمت أن خلاف ما كنت أذهب إليه من ذلك مذهبا، وأن وراءه مطلبا فصرفت إلى جمعها عنايتي، ولم أزل أتتبع مظانها وألتقط آحادها وأضم نشرها، وألفق بينها، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفق له، واتسق الكتاب، فصار كنحو من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه، ونحوت نحوهما في الوضع والترتيب، وابتدأت أولا بتفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ثنيت بأحاديث الصحابة، وأردفتها أحاديث التابعين، وألحقت بها مقطعات من الحديث، لم أجد لها في الرواية سندا، إلا أنها قد أخذت عن المقانع من أهل العلم،
(1/48)

والأثبات من أصحاب اللغة، وختمت الكتاب بإصلاح ألفاظ من مشاهير الحديث، يرويها عوام النقلة ملحونة ومحرفة عن جهة قصدها، رأيت داعية الحاجة منهم إلى ذكرها شديدة والفائدة في تقويمها لهم عظيمة، ولم أعرض لشيء فسر في كتابيهما إلا أن يتصل حرف منه بكلام، فيذكر في ضمنه، أو يقع شيء منه في استشهاد أو نحوه، وإلا أحاديث وجدت في تفسيرها لمتقدمي السلف أو لمن بعدهم من أهل الاعتبار والنظر أقاويل تخالف بعض مذاهبهما، وتعدل عن سنن اختيارهما، اقتضى حق هذا الكتاب، وشرط ما هو ضامنه من استيفاء هذا الباب أن يكون مشتملا عليها ومحيطا بها، ويكفي من العذر فيما أَورَده [؟ أُورِده] منها أن الغرض فيه أن يظهر الحق وأن يبين الصواب، دون أن يكون القصد به الاعتراض على ماضٍ أو الاعتداد على باق، ولعل بعضَ ما نأثره منها لو بلغ أبا عبيد وصاحبه لقالا به وانتهيا إليه، وذلك الظن بهما يرحمهما الله، فأما سائر ما تكلمنا عليه مما استدركناه بمبلغ أفهامنا وأخذناه عن أمثالنا فإنا أحقاء بألا نزكية وألا نؤكد الثقة به، وكل من عثر منه على حرف أو معنى يجب تغييره فنحن نناشده الله في إصلاحه وأداء حق النصيحة فيه، فإن الإنسان ضعيف لا يسلم من الخطأ إلا أن يعصمه الله بتوفيقه، ونحن نسأل الله ذلك ونرغب إليه في دركه إنه جواد وهوب.
وقد بقي في هذا الباب كتب غير ما ذكرناه، منها كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب ينسب إلى الأصمعي يقع في ورقات معدودة، وكتاب محمد بن المستنير الذي يعرف بقطرب، وكتاب النضر بن شميل، وكتاب إبراهيم بن إسحاق الحربي، وكتاب أبي معاذ المروزي صاحب
(1/49)

القراءات، وكتاب شمر بن حمدويه، وكتاب الباجُدَّائي، وكتاب آخر ينسب إلى رجل يعرف بأحمد بن الحسن الكندي، إلا أن هذه الكتب على كثرة عددها إذا حُصِّلت كانت كالكتاب الواحد؛ إذ كان مصنفوها لم يقصدوا بها مذهب التعاقب كصنيع القتيبي في كتابه، إنما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم، ثم يتبارون في تفسيره يدخل بعضهم على بعض، ولم يكن من شرط المسبوق منهم أن يفرج للسابق عما أحرزه وأن يقتضب الكلام في شيء لم يفسر قبله، على شاكلة مذهب ابن قتيبة وصنيعه في كتابه الذي عقب به كتاب أبي عبيد، ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيء منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه، ولا أن يكون من شرح [؟ شرج] كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر والتخلص للمعاني، إنما هي أو عامتها إذا انقسمت وقعت بين مقصر لا يورد في كتابه إلا أطرافا وسواقط من الحديث، ثم لا يوفيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يشكل منها شيء، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب فيها.
وفي بعض هذه الكتب خلل من جهة التفسير، وفي بعضها أحاديث منكرة، لا تدخل في شرط ما أنشئت له هذه الكتب، وكتاب شمر أشفُّها [؟ أشفاها] وأوفاها.
وفي الكتابين غنى ومندوحة عن كل كتاب ذكرناه قبل، إذ كانا قد
(1/50)

أتيا على جماع ما تضمنه من تفسير وتأويل، وزادا عليه فصارا أحق به وأملك به، ولعل الشيء بعد الشيء منها قد يفوتهما، إلا أن الذي يُفلتهما من جملة ما فيها إنما هو النبذ اليسير الذي لا يعتد به ولا يؤبه به.
ولابن الأنباري من وراء هذا مذهب حسن في تخريج الحديث وتفسيره، وقد تكلم على أحاديث معدودة وقع إليَّ بعضها، وعامتها مفسرة قبلُ، إلا أنه قد زاد عليها وأفاد، وله استدراكات على ابن قتيبة في مواضع من الحديث، ربما نذكر الشيء منها في أضعاف كتابنا هذا وننسبه إليه، وسيمر بك ذلك في مواضعه إن شاء الله.
وأما كتابنا هذا فقد كان خرج لي بعضُه وأنا إذ ذاك ببخارى في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، فطلب إلي إخواننا بها أن أمكنهم من انتساخه وأحبوا أن يتعجلوا فائدته من غير تعريج علي في إتمامه وتلوم في النظرة لأن يبلغ إناه، فأفرجت لهم عنه ولما يأت النظر بعدُ على استيفاء ملاحظته، ولم يقع الاحتشاد مني لتهذيبه، وقد قال الحكيم: دعوا الرأي حتى يَغِبَّ.
وأخبرني أبو عمر محمد بن عبد الواحد النحوي قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب عن ابن نجدة عن أبي زيد قال: لا يبيضُّ الكتابُ حتى يسود.
وعليها من حال، فلم تكن أيضا كتبي التي أعتمدها معي، ولعلي مع
(1/51)

ذلك لم أكن من فراغ البال وزوال تقسُّم القلب بحيث كنت أتسع لتهذيب ما كنت سبيلُه أن يهذب منه.
ولما تنفس الوقت، ورزق الله التوفيق لما أحب أن يوفق منه، وتصفحت ما في تلك النسخة تبينت في أحرف منها خللا، فغيرتُ وأصلحت، وزدت وحذفت، ورتبت الكتاب على الوجه الذي استقر الآن عليه، فمن وقف على شيء من تلك النسخة فليقف على السبب فيه، والله الموفق للصواب. ولا حول ولا قوة إلا به.
قال أبو سليمان: وقد رأيت أن أقدم هذه الفصول بين يدي ما أنا مفسره من غريب الحديث في كتابنا هذا ليمتثلها أصحاب الحديث وطلاب الأثر، فتكون تقدمة للمعرفة وتوطئة للصناعة، وأجعلها رفدا للمسترفدين وزادا للمقوين، والله ينفعنا وإياهم بمنه.
(1/52)

بسم الله الرحمن الرحيم

القول فيما يجب على من طلب الحديث من تعلم كلام العرب
وتعرف مذاهبها ومصارف وجوهها
إن بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بموجبه لا يصح إلا بإحكام العلم بمقدمته، كان من الواجب على أهل العلم وطلاب الأثر أن يجعلوا أولا عظم اجتهادهم، وأن يصرفوا جل عنايتهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها، والوقوف على مُثُلها ورسومها.
ثم إن فنونها كثيرة، ومنادحها واسعة، والطمع عن الاستيلاء عليها منقطع، والإمعان في طلبها يستغرق العمر، ويصد عما وراءها من العلم، وملاك الأمر فيما تمس بهم إليه الحاجة منها معرفة أبواب ثلاثة: وهي أمثلة الأسماء، وأبنية الأفعال، وجهات الإعراب، فإن من لم يحكم هذه الأصول لم يكمل لأن يكون واعيا لعلم أو راويا له، وبالحريِّ [؟ وبالحرَى] أن يكون ما يفسده منه أكثر مما يصلحه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). فالذاهب عن طريق الصواب فيها كيف
(1/53)

يؤديها كما سمعها، وهو لم يتقن حفظها، ولم يحسن وعيها، وكيف يبلغها من هو أفقه منه وهو لا يملك حملها ولا ينهض بعبئها، فهو إذن مغتصب على الفقيه حقه، قاطعٌ لطريق العلم على من بعده، والله المستعان. وأنا ممثل لك يا طالب الحديث في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة مثلا من الحديث تستدل بها على ما أردت بيانه لك منها إن شاء الله.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
الرواية بتحريك اللام في الخلف، وقد رواه بعضهم بسكون اللام، فأزال الخبر عن جهته، وأحال معناه. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد بقوله هذا ذم عدول حملة العلم، إنما أراد به مدحهم والثناء عليهم. وإنما الخلف بسكون اللام خلف السوء. قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف}، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيتُ في خلف كجلد الأجرب
ويقال: فلان خلف صدق من أبيه، وخلف سوء -متحركة اللام- فإذا لم تذكر خيرا ولا شرا قلت في الخير خلَف، وفي الشر خلْف.
ومن هذا الباب حديثه الآخر، أنه قال: (من تزوج ذات جمال ومال،
(1/54)

فقد أصاب سِدادا من عوز)، رواه هشيم بن بشير سدادا -بفتح السين- فأزال المعنى، وإنما هو السِّداد -مكسورة السين- من سد الخلة، وكل شيء سددت به فرجة، أو ردمت به ثلمة فهو سداد، ولذلك سمي صمام القارورة سدادا، فأما السداد -بفتح السين- فهو مصدر سد رأيُ فلان يسد سدادا. وكان المأمون قد سمع هذا الحديث من هشيم، فرواه ملحونا كما سمعه اتباعا للرواية، فراجعه النضر بن شميل في ذلك، فامتعض من هجنة اللحن.
حدثني أحمد بن عبدوس، ثنا مسبح بن حاتم العكلي، نا حسين بن أحمد الأصبهاني، عن النضر بن شميل قال: لما قدم علينا المأمون خراسان دخلنا عليه فحدثنا عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تزوج ذات جمال ومال، فقد أصاب سَدادا من عوز)، فقلت له: حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تزوج ذات جمال ومال، فقد أصاب سِدادا من عوز). فقال: أتلحنونني؟ فقلت: لحن هشيم، وكان لحانا، فقال: وما حجتك؟ قال: قلت: قول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فسكت.
وأما الغلط في التصريف وأبنية الفعل فكالحديث الذي رُوي أنه
(1/55)

(أتي بأسير يُرعَد فقال لهم أدفُوه)، يريد أدفئوه من الدفاء ولم يكن من لغته الهمز، فذهبوا به فقتلوه، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان يريد به معنى القتل لقال: دافُوه أو دافُّوه بالتثقيل، يقال: دافيت الأسير وداففته إذا أجهزت عليه.
ومما نقل من هذا الباب معدولا به عن سمته حديثه الآخر، حين أتاه قوم من العرب كان لهم طول على آخرين، فقالوا: لا نرضى إلا بأن يقتل بالعبد منا الحر منهم، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يتباوؤوا، يرويه المحدثون: يتباأوْا، وكذلك رواه هشيم وغيره من الرواة، والصواب يتباوؤوا، على مثال: يتقاولوا، من البَواء، وهو التساوي في القصاص؛ قال الأعشى:
إما يصبك عدو في مباوأة يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر
فأما يتباأوا فإنما يكون من بأو الكبر والزهو، وهو ضد المعنى الذي أمرهم به من التساوي.
وأما الإعراب وما يختلف من معاني الحديث باختلافه فكقوله: (ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه). الرواية بضم الذكاتين على مذهب الخبر، وقد حرَّفه بعضهم فنصب الذكاة على مذهب الأمر، لينقلب تأويله فيستحيل به المعنى عن الإباحة إلى الحظر.
(1/56)

وكقوله: (احتج آدم وموسى، فحج آدمُ موسى). الوجه أن ترفع آدم لأن الفعل له، وتنصب موسى لأنه المحجوج، فمن أغفل مراعاة الإعراب ونصب آدم أحال في الرواية وأنكر القدر.
ومن تتبع هذا الباب في الحديث وجد منه الكثير، وفيما أوردت دليل على ما أردت، فواجب على من دأب في طلب الحديث ولهج بتتبع طرقه أن يُعنى أولا بإصلاح ألفاظه وإحكام متونه لئلا يكون حظه من سعيه عناء لا غناء معه، وتعبا لا نُجح فيه.

التصحيف وسوء التأويل
إن طالب الحديث إذا أغفل معرفة الأبواب الثلاثة التي قدمنا ذكرها لم يكد يسلم من التصحيف وسوء التأويل؛ وذلك لأن فيما يرد من الحديث ألفاظا كثيرة متشابهة في الصورة والخط، متنافية في المعنى والحكم، فحق على طالب الحديث أن يرفق في تأمل مواضع الكلام، ويحسن التأني [؟ التأتي] لمحنة اللفظ، ومعرفة ما يليق به من المعنى، ليستوضح به قصده، ويصيب جهته، فإن قوما أغفلوا تفقد هذا الباب فلحقتهم سمة التحريف ولزمتهم هجنة التقصير، وصاروا سُبة على أهل الحديث تُنْثَى زلاتهم وتُذكر عثراتهم.
حدثني عبد العزيز بن محمد المسكي، نا محمد بن عبد الله بن الجنيد نا سويد، نا ابن المبارك، عن ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، يقول: أخبرني عبد الله بن أبي عمار قال: سرقت لي عيبة ومعنا رجل يتهم، فقال
(1/57)

أصحابي: يا فلان، اردد عليه عيبته، فقال: ما أخذتها فجئت إلى عمر بن الخطاب، فأخبرته القصة وقلت: يا أمير المؤمنين، لقد هممت أن آتي به مصفودا، قال: تأتيني به مصفودا بغير بينة، وغضب، فما كتب لي فيها وما سأل.
قال الخليل: هذا مما صحف فيه الرواي، إنما قال له عمر: تعترسه بمعنى تقهره وتظلمه، قال: وذلك لأنه لو أقام عليه البينة لم يكن في الحكم أن يكتفه.
وأخبرنا ابن الأعرابي قال: نا العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين، وذكر حديث أبي الدرداء (أَتْقَنوا عليك البنيان وتركوك لمتَلِّك) أي لمصرعك.
قال يحيى بن معين: صحفه فلان فرواه: لمثلك.
قال يحيى: وصفح فلان حديث أبي عبيدة: (أنه كان على الحُسَّر) فرواه: على الجسر. والحُسَّر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه.
قال: وصحف في حديث يرويه شبابة عن ورقاء فيه عِبْر
(1/58)

الوادي، فقال: عَبَر الوادي، وإنما هو العِبْر، يريد شاطئ الوادي، قال النابغة:
ترمي أواذيُّه العبرين بالزبد
ومن تصحيف بعض الرواة في الحديث الذي يروى (إن صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتى تكونوا كالحنائر).
رواه الجنائز، وإنما هي الحنائر جمع حنيرة، وهي القوس لا وتر عليها. والحنيرة أيضا: الطاق المعقود من طيقان البناء.
وفي حديث يأجوج ومأجوج (أنها إذا هلكت أكلت منها دواب الأرض، فتسمن وتشكر شكرا)، بلغني عن بعضهم أنه كان يقول: تسكر سكرا، من سكر الشراب، وإنما هي تشكر أي تمتلئ شبعا.
أخبرني أبو عمر، أنا أبو العباس ثعلب، عن عمر بن شبة، قال: قيل لمحمد بن واسع: ما للقراء أغلم الناس؟ قال: لأنهم لا يزنون، قال: فما بالهم آكل الناس؟ قال: لأنهم لا يَشكَرون؛ أي لا يمتلئون شبعا.
واستقصاء هذا الباب يطول، وإنما أردت التنبيه لمنتحلي الحديث؛ لئلا
(1/59)

يضاهوا مذهب من ذكرناهم، فيخرجوا به من جملة من عدَّله الرسول في قوله (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ..) الحديث.

ذكر ما درج عليه الصدر الأول من لزوم الإعراب، وما أنكروه من
اللحن وعابوه من أهله
أخبرنا ابن داسة، نا محمد بن عيسى بن السكن، نا أبو عمران الجبلي: موسى بن إسماعيل، نا نوح بن عباد، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن الزهري، عن سالم عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب على قوم يرمون رشقا لهم، فأساؤوا الرمي، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن قوم متعلمين، فقال عمر: لإساءتكم في لحنكم شر من إساءتكم في رشقكم أو رميكم، رحم الله امرأ أصلح من لسانه.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز بن شابور، نا علي بن عبد العزيز، أراه عن رجل، عن عبد الواحد بن زياد، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال عمر: تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل.
حدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثت عن أحمد بن حنبل، نا يحيى بن آدم، نا أبو بكر، عن عاصم قال: كان زر بن حبيش الأسدي من أعرب الناس، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية.
(1/60)

حدثنا عبد الرحمن بن الأسد، نا الدبري، عن عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن.
أخبرني محمد بن المكي: أنا الصائغ، نا سعيد بن منصور، أنا هشيم، أنا حصين، أنا عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت ابن عباس يُسأل عن عربية القرآن فينشد الشعر. قال سعيد: ونا جرير بن عبد الحميد، عن إدريس -وكان من خيار الناس- قال: قيل للحسن: إن لنا إماما يلحن، فقال: أخروه.
حدثنا عبد الله بن شاذان الكراني، أنا زكريا بن يحيى الساجي، نا الحسن بن إدريس، نا العلاء بن عمرو، نا عبد القدوس، عن حجاج قال: قال عطاء: وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.
أخبرني أبو رجاء الغنوي، نا أبي، نا عمر بن شبة، حدثني عفان، عن همام قال: ما سمعتم من حديث قتادة ملحونا فأعربوه، فإن قتادة كان لا يلحن.
أخبرني ابن شابور، نا علي بن عبد العزيز، نا الزبير بن بكار، نا النضر بن شميل، عن الخليل بن أحمد قال: لحن أيوب، فقال: أستغفر الله.
أخبرنا الكراني، نا عبد الله بن شبيب، نا زكريا بن يحيى المنقري، نا
(1/61)

الأصمعي قال: سمعت حماد بن سلمة يقول: (من لحن في حديثي فليس يحدث عني).
أخبرني محمد بن يعقوب المتوثي، نا أحمد بن عمرو الزئبقي، نا أبي، نا الأصمعي قال: قال لي شعبة: إني وصفتك لحماد بن سلمة، وهو يحب أن يراك، قال: فوعدته يوما فذهبت معه إليه فسلمت عليه، فحيا ورحب، فقال له شعبة: يا أبا سلمة، هذا ذاك الفتى الأصمعي الذي ذكرته لك، قال: فحياني بعد وقرب، ثم قال لي: كيف تنشد هذا البيت:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ... فقلت:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
يعني بكسر الباء، فقال لي: انظر جيدا، فنظرت فقلت: لست أعرف إلا هذا، فقال: يا بني، أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنا بضم الباء، القوم إنما بنوا المكارم، ولم يبنوا باللبن والطين، قال: فلم أزل هائبا لحماد بن سلمة ولزمته بعد ذلك.
قال أبو سليمان: وأنشدنيه بعض الأثبات، عن محمد بن حاتم المظفري، أنشدناه الرياشي فقال: البُنا بالضم، قال: وواحدتها بُنية. قال أبو العباس
(1/62)

محمد بن يزيد: واحدتها بِنية وبُنية، فجمع بنية بنى، مثال كسرة وكسر، وجمع بُنية بنى مثل ظلمة وظلم، فأما المصدر من بنيت بناء فممدود، ويشبه أن يكون حماد إنما اختار الضمة وأنكر الكسرة فيها لئلا يلتبس بالبناء الذي هو باللبِن والطين، إذ كان من مذهبهم أن يستجيزوا قصر الممدود في الشعر.
وأخبرنا ابن الأعرابي نا الدوري، عن يحيى بن معين، قال: كان شعبة صاحب عربية وشعر.
وأخبرني أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا الدغولي، نا المظفري، نا أبو بهز بن أبي الخطاب السلمي قال: كان زريع أبو يزيد بن زريع على عَسَس بلال بن أبي بردة، قال: فقال لي: بلغني أن أهل الأهواء يجتمعون في المسجد ويتنازعون فاذهب فتعرَّف ذاك، قال: فذهب ثم رجع إليه فقال: ما وجدتُ فيه إلا أهل العربية حَلَقة حلَقة، فقال له: ألا جلست إليهم حتى لا تقول حلقة حلقة. قال أبو سليمان: وإنما هي الحلْقة، حلقة القوم وحلقة القرط ونحوها.
أخبرني أبو عمر أنا ثعلب، عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: لا أقول حلقة إلا في جمع حالق. وحدثني محمد بن معاذ، أنا بعضُ أصحابنا، عن أبي داوود السنجي: سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدا فليبتوأ مقعده من النار)؛ لأنه لم
(1/63)

يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه، فهؤلاء الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أعلام الحديث وحفاظ الأثر كل منهم يحض على تقويم اللسان وإعراب الكلام، ويذم اللحن ويهجن أهله، وعلى هذا مضى من لم نذكره منهم، حيث كانوا في كل عصر وزمان، وفي كل مصر ومكان إلا عوام الغُثْر الذين لا نظام لهم ولا اعتبار بمذاهبهم، فإن فساد كل صناعة من كثرة الأدعياء وقلة الصرحاء، وطلاب الحديث كثير وأصحابه قليل.
حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: أردت الخروج إلى البصرة فصرت إلى أحمد بن حنبل، وسألته الكتاب إلى مشايخها، فكلما فرغ من كتاب قرأته فإذا فيه: وهذا فتى ممن يطلب الحديث، ولم يكتب من أصحاب الحديث.

ذكر فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وما يؤثر من حسن بيانه
إن الله جل وعز لما وضع رسوله موضع البلاغ من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، اختار له من اللغات أعربها، ومن الألسن أفصحها وأبينها، ليباشر في لباسه مشاهد التبليغ وينبذ القول بأوكد البيان والتعريف، ثم أمده بجوامع الكلم التي جعلها ردءا لنبوته وعلما لرسالته؛ لينتظم في القليل منها علم الكثير، فيسهل على السامعين حفظه ولا يؤودهم حمله، ومن تتبع الجوامع من كلامه لم يعدم بيانها، وقد وصفت منها ضروبا، وكتبت لك من أملتها حروفا تدل على ما وراءها من نظائرها وأخواتها، فمنها في القضايا والأحكام قوله: (المؤمنون تَكافأُ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من
(1/64)

سواهم، وقوله: (المنيحة مردودة، والعارية مؤداة، والدين مقضي، والزعيم غارم)، فهذان الحديثان على خفة ألفاظهما يتضمنان عامة أحكام الأنفس والأموال.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله اليقين والعافية) فتأمل هذه الوصية الجامعة تجدها محيطة بخير الدنيا والآخرة؛ وذلك أن ملاك أمر الآخرة اليقين، وملاك أمر الدنيا العافية، فكل طاعة لا يقين معها هدر، وكل نعمة لم تصحبها العافية كدر، فصار هذا الكلام على وجازته وقلة حروفه أحد شطريه محيطا بجوامع أمر الدين، وشطره الآخر متضمنا عامة مصالح الدنيا.

ضرب آخر:
ومن فصاحته وحسن بيانه أنه قد تكلم بألفاظ اقتضبها لم تُسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، كقوله: (مات حتف أنفه)، وقوله: (حمي الوطيس)، وقوله في المسلم والكافر: (لا تراءى
(1/65)

ناراهما). في ألفاظ ذات عدد من هذا الباب تجري مجرى الأمثال، وقد يدخل في هذا النوع إحداثُه الأسماءَ الشرعية، ولذكرها موضع غير هذا.

ضرب آخر:
ومن فصاحته وسعة بيانه أنه قد يوجد في كلامه الغريبُ الوحشي الذي يعيا به قومه وأصحابه وعامتهم عرب صرحاء، لسانهم لسانه، ودارهم داره.
حدثني عبد الله بن محمد المسكي، نا إسحاق بن إبراهيم، نا عبدوس بن سليمان البلخي، أخبرني الحكم بن المبارك، نا محمد بن حرب الخولاني، حدثني محمد بن الوليد، عن سليم بن عامر، عن فرات البهراني، عن أبي عامر (أن رجلا قال: يا رسول الله، من أهل النار؟ قال: كل قعبري، قال: يا رسول الله، وما القعبري؟ قال: الشديد على الأهل، الشديد على العشيرة، الشديد على الصاحب). وأخبرنا ابن الأعرابي، نا محمد بن منظور بن منقذ الأسدي، نا أبو غسان، نا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم
(1/66)

بأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسدول الله، قال: كل جظ جعظ، قلت: ما الجظ؟ قال: الضخم، قلت: ما الجعظ؟ قال: العظيم في نفسه).

ضرب آخر:
ومن حسن بيانه ترتيب الكلام وتنزيله منازله:
حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا عمر بن حفص السدوسي، نا عاصم بن علي، نا عيسى بن عبد الرحمن، حدثني طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: (جاء أعرابي إلى البي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: أعتق النسمة وفك الرقبة، قال: أوليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها).
حدثنا الأصم، نا الربيع بن سليمان، نا الشافعي، أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه قال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها .. الحديث)، فتأمل كيف رتب الوعي على الحفظ، فاشترط عليه الحفظ أولا، وهو تلقف ألفاظها وجمعها في صدره، ثم أمره بالوعي، وهو مراقبته إياها بالتذكر، وتخولها بالرعاية والاستصحاب لها إلى أن يؤديها فيخرج من العهدة فيها.
(1/67)

وهذا الباب يطول على من يريد أن يتقصَّاه، وإنما نريد الإذكار لا الإكثار.

السبب الذي من أجله كثر غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الذي قدمناه من ذكر جوامع كلامه، وفصلناه من ضروب بيانه يكفي سببا لكثرة ما يوجد من الغريب في حديثه، ثم إنه صلى الله عليه بعث مبلغا ومعلما، فهو لا يزال في كل مقام يقومه وموطن يشهده يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ويشرع في حادثة، ويفتي في نازلة، الأسماع إليه مصغية، والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية، وقد تختلف عباراته، ويتكرر فيها بيانه، ليكون أوقع للسامعين، وأقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها وأقرب بالإسلام عهدا، وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها كلها سمعا، ويستوفونها حفظا، ويؤدونها على اختلاف جهاتها، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ، تحتها معنى واحد، وذلك كقوله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وفي رواية أخرى (وللعاهر الإثلب)، وقد مر بمسامعي ولم يثبت عندي (وللعاهر الكثكث).
وقد يتكلم صلى الله عليه في بعض النوازل وبحضرته أخلاط من الناس قبائلهم شتى ولغاتهم مختلفة ومراتبهم في الحفظ والإتقان غير متساوية وليس كلهم يتيسر لضبط اللفظ وحصره، أو يتعمد لحفظه ووعيه، وإنما
(1/68)

يستدرك المراد بالفحوى، ويتعلق منه بالمعنى، ثم يؤديه بلغته ويعبر عنه بلسان قبيلته، فيجتمع في الحديث الواحد إذا انشعبت طرقه عدة ألفاظ مختلفة موجبها شيء واحد، وهذا كما يروى (أن رجلا كان يُهدي إلى رسول الله كل عام راوية خمر، فأهداها عام حرمت، فقال: إنها حرمت، فاستأذنه في بيعها، فقال له: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: فما أصنع بها؟ قال: سُنَّها في البطحاء، قال: فسَنَّها). وجاء في رواية أخرى (فهَتَّها)، وفي رواية أخرى (فبَعَّها) والمعنى واحد.
ولكثرة ما يرد من هذا ومن نظائره يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى: أعيانا أن نعرف أو نحصي غريب حديث رسول الله صلى الله عليه.
حدثنيه أحمد بن مالك، نا الدغولي، عن المظفري قال: قال ذلك أبو عبيدة. وحدثني إبراهيم بن فراس، نا أحمد بن علي الأعرج، سمعت علي بن خشرم، سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت عن تفسير الحديث خمسين سنة. قال أبو سليمان: وقد كان قد بقي عليه بعدُ ما لم يعرفه.
حدثني محمد بن الحسين الآبري، نا محمد بن إسحاق بن خزيمة، سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سئل ابن عيينة عن قوله: (من استجمر فليوتر) فسكت، فقيل له: أترضى بما قال مالك؟ قال: وما قال
(1/69)

مالك؟ قيل، قال مالك: الاستجمار: الاستطابة بالأحجار، فقال ابن عيينة: مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
قال: وبلغني أن أبا عبيد القاسم بن سلام مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث، والناس إذ ذاك متوافرون، والروضة أنف، والحوض ملآن، ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده، ثم سعى له أبو محمد سعي الجواد إذا استولى على الأمد، فأسأر القَدْر الذي جمعناه في كتابنا هذا، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذات عدد لم أتيسر لتفسيرها، تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكل وقت قوم، ولكل نَشْء علم، قال الله تعالى: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}.

معنى الغريب واشتقاقه
الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل، ومنه قولك للرجل إذا نحيته وأقصيته: اغرُب عني: أي ابعد، ومن هذا قولهم: نوى غربة: أي
(1/70)

بعيدة، وشأو مغرِّب، وعنقاء مغرب: أي جائية من بعد، وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر، فيقال: غرَب الرجل يغرب غربا إذا تنحى وذهب، وغرُب غربة إذا انقطع عن أهله، وغرُبت الكلمة غرابة وغرَبت الشمس غروبا، ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما أن يراد به بعيدُ المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذِّ قبائلِ العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم وقال له قائل: أسألك عن حرف من الغريب، فقال: هو كلام القوم، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه.
أخبرني الحسن بن خلاد، أنا ابن دريد قال: قال أبو زيد: قلت لأعرابي: ما المحبنطئ؟ قال: المتكأكئ. قلت: ما المتكأكئ؟ قال: المتآزف. قلت: ما المتآزف؟ قال: اذهب، أنت أحمق.
(1/71)

المجلد الأول

تفسير غريب حديث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
مارواه أبو سليمان من غريب حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَهُمْ بُغَيْشٌ فَنَادَى مُنَادِيهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي في رحلة فليفعل
...
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير غريب حديث رَسُول الله:
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَهُمْ بُغَيْشٌ فَنَادَى مُنَادِيهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ فَلْيَفْعَلْ 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدَةَ الْبَاهِلِيِّ نا أَبُو الْمُلَيْحِ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ:
قوله: بُغَيْش تصغير بَغْش وهو المَطَر الخفيف قَالَ الأصمعي أخَفُّ المطر وأَضْعَفُه الطَّلُّ ثُمَّ الرَّذَاذُ ثُمَّ البَغْشُ يقال بُغِشَت الأرضُ إذا نَدِيت بالمطر فهي مَبْغُوشَة قَالَ رؤبة:
سِيدًا كَسِيد الرَّدْهَةِ المَبْغُوشِ 2
قَالَ ويقال أرض مبغوشةً من البَغْش وأرضٌ مُرَذٌّ عليها من الرَّذَاذِ ولا يقال مُرَذَّة ولا مَرْذُوذة قَالَ الكسائي يقال أرض مُرَذَّةٌ من الرَّذَاذ ومَطْلُولَة من الطَّلّ ومَوْبُولةٌ من الوابل ومَجْودَةٌ من الجوْدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا معه في بعض المغازي
__________
1 أخرجه البيهقي 3/ 71
2 الديوان /79
(1/72)

فَأَصَابَهُمْ رِكٌّ 1 أي مطر ضعيف يقال مَطَرٌ رِكٌّ وَرَكِيك وجمعه ركاك قال ذو الرمة:
تر شفن دِرّات الذِّهاب الرَّكَائِكِ 2
ومنه قيل للرجل إذا كان ضعيف العقل رَكِيك
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ فِي صَلاةِ الْمُسَافِرِ 3 أَنَّهُ قَالَ: إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ. فالنعل ما غَلُظَ من الأرض 4 في صلابة قَالَ الشاعر:
قَومٌ إذا اخْضَرَّت نِعالُهمُ ... يتناهَقُون تَنَاهُقَ الْحُمُرِ 5
يريد أنهم يَبطَرون إذا أَخْصَبُوا. وإنما قيل للأرض نَعْلٌ لأنها تُنْعَلُ وتُوطَأ ويقال للرجل الذليل نَعْلٌ تَشْبِيهًا له بالنَّعْل التي تُوطَأ وتُداسُ بالأَرجل أنشدني أبو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثعلب:
إني إذا ما الأمرُ كان مَعْلا ... وأَوْخَفَت أَيدي الرجال غِسْلا
وكان ذو الحِلْم أَشدَّ جَهْلا ... من الوُغُولِ لم تَجِدْني وَغلا
ولم أكن دارجة ونعلا 6
__________
1 الفائق "ركك" 2/ 80
2 في الديوان /149, وصدر البيت:"توضحن في قرن الغزالة بعدها" وفي رواية: "درات الرهام". وفي اللسان والتاج "رك": ذرات بالذال.
3 سقط من م
4 ت: "ما غلظ من وجه الأرض"
5 اللسان "نعل"
6 الرجز للقلاخ, وذكر منه البيت الثاني: "وأوخفت أيدي الرجال عسلا", وفي اللسان والتاج "وخف"
(1/73)

قَالَ أبو عمر المَعْل الاخْتِلاسُ وقوله: أَوْخَفَت معناه ارتعشت شبّه ارتعاشَ يَدِ الجبان باضطراب يدي مُوخِف الغِسْل إذا حَرّكه بيده والغِسْلُ الخِطْمِيّ قَالَ والدّارجة الخَسِيس.
وفي الحديث من الفقه أَنَّ المطر الخَفِيفَ عُذرٌ في التخلف عن صلاة الجماعة. وفيه أيضًا أن الاجتماع للصلاة في السفر مندوب إليه كَما هُوَ في الحَضَر.
(1/74)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ أَتَى امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَهَشَّتْ لَهُ صَوْرًا وَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ حَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أُتِيَ بِعُلالَةِ الشَّاةِ فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. 1
أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُهُ.
قوله: أُتِي بعُلالَةِ الشاةِ يريد بَقِيَّةَ لحمِها ويقال لبقية اللبن في الضَّرع ولبقيَّة جَرْي الفرس ولبقيَّة قُوةِ الشيخِ عُلالة قَالَ النجاشيُّ:
ونَجَّى ابنَ حربٍ سابحٌ ذو عُلالَةٍ ... أجشُّ هزيمٌ والرِّماحُ دَواني 2
وقال الطِّرمَّاح:
أبَوْا لشَقائِهم إلا ابتِعاثي ... ومثلي ذو العلالة والمتان 3
__________
1 رواه الحميدي في مسبده 2/ 533 والترمذي 1/ 116 وأحمد 3/ 374 وغيرهم. وفي س: "لم يتوض"
2 اللسان والتاج "جش".
3 اللسان والتاج "متن" برواية: "إلا انبعاثي" وهو في الأساس "متن" أيضا, وفي الديوان /557. يقول: إنني ذو قوة ومعارضة لا أخشى قتال الأعداء.
(1/74)

وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ المُطَيَّنِ 1 بإسناد له أن عقيل بن أبن طَالِبٍ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ وَفِيهِ شَبَابٌ مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ فَتَنَحَّوْا لَهُ عَنِ الأُسْطُوَانَةِ فقالوا اجلس إليها يَا عَمُّ فَقَالَ يَا بُنَيْ أَخِي أَنْتُمْ خَيْرٌ لِشُيُوخِكُمْ مِنْ مَهْرَةَ كَانَ إِذَا كَبُرَ الشَّيْخُ شَدُّوهُ عِقَالا ثُمَّ قَالُوا لَهُ ثِبْ فَإِنْ [15] / وَثَبَ 2 خَلَّوْا سَبِيلَهُ وَقَالُوا فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ عُلالَةٍ وَإِنْ لَمْ يَثِبْ تَرَكُوهُ فِي الْعِقَالِ حَتَّى يَمُوتَ.
والعُلالَةُ مأخوذة من العَلِّ وهو الشُّرْبُ الثاني بعد الأول ومنه سُمِّيت المرأة عَلَّة وذلك أنها تَعْل بعد صاحبتها أي ينتَقِل الزوجُ إليها بعد الأخرى
وأما الصَّوْرُ فإن الأصمعيَّ يقول هُوَ جماعةُ النخّل الصّغار ولا واحد له من لَفظِه ومثله الحائِشُ
وقال ابن الأعرابي واحدة الصَّوْر صَوْرَة وهي النخّلة وقال غَيُره يجمع الصَّور صِيرَانًا.
وفي الحديث من الفقه أنه لم يَرَ فيما مسَّت النارُ وُضُوءًا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا ابْنُ السرح 3 أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ نا عُتْبَةُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ أَنَّ رسول الله مَرَّ بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ تَفُورُ عَلَى النَّارِ فَقَالَ لَهُ أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ قَالَ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً فَلَمْ يَزَلْ يَعْلِكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ 4
أَيْ يَمْضُغُهَا والعِلْكُ مَضْغُ ما لا يُطاوع الأَسنان وسُمِّي العِلْكُ لأنه
__________
1 المطين: لقب مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ الحافظ "المتبه 2/ 596"
2 م: "فإذا وثب"
3 ابن السرح: هو أحمد بن عمرو "التقريب 2/ 509"
4 أخرجه أبو داود 1/ 49
(1/75)

يُعْلَك وفلان يَعْلُكُ أُرَّمَه إذا صَرفَ بأضراسِه من الغَيْظ قَالَ الشاعر:
ظَلُّوا غِضَابًا يَعْلِكون الأُرَّما 1
ومثله يحرِق أُرَّمه
وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النبي مَرَّ عَلَى قِدْرٍ فَانْتَشَلَ عَظْمًا مِنْهَا قَالَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ 2
النشيل: ما أخذ من اللحم قبل النُّضْج قَالَ الشاعر:
إن الشواء والنشيل والرغف ... القينة الحسناء والكأس الأنف
لطاعنين الخَيلَ والخيْل خُنُف 3
والعظم العُراق بما عليه من اللحم [والخناف في الخيل: سُرعة نقل قوائمه في السير] 4
__________
1 في اللسان والتاج "أرم" برواية: "أضحوا غضايا يحرقون الأرما"
2 أخرجه البخاري 7/ 254 وفي س: "ولم يتوض"
3 الرجز اللقيط بن زرارة. والبيتان الأول والثاني في اللسان والتاج "رغف", و"نشل" والبيت الثالث في اللسان والتاج:" "قطف"
4 ليس في ط
(1/76)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ كَانَ مَنْهُوشَ الْكَعْبَيْنِ 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُوسَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أنا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بن سمرة ورواه غندر
__________
1 أخرجه مسلم 4/ 1820, والترذمي 5/ 503, وأحمد 5/ 103,97,88,86 بلفظ العقبين بدل الكعبين.
(1/76)

عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: مَنْهُوسُ الْعَقِبَيْنِ. وَرَوَى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ مَبْخُوصَ الْعَقِبَيْنِ
قوله: مَنهُوش الكعبين أي ناتئ الكعبين معروقها يقال رجل مَنهوشٌ إذا كان مجهودًا سَيِّءَ الحال. قَالَ رؤبة:
كم من خَلِيلٍ وأخٍ مَنْهوشِ ... مُنْتَعِشٍ بفَضْلِكم مَنْعوُشِ 1
فأما المنهوس فإن شُعْبَةَ قَالَ: قلت لسِماك ما مَنْهوسُ العَقِبَيْن قَالَ: قليلُ لحم العَقِب وهو مأخوذ من النَّهسِ وهو عَرْق العَظْم وأخذُ ما عليه من اللَّحم والنَّهْسُ أبلغُ من النَهْشِ والمَبْخوص قريب منهما والبَخْصَة [والبَخَصُ] لَحْمُ أسفَلِ القدمين وقيل للقليل منه مَبخوص عَلَى معنى أنَّ ذَلِكَ قد نِيلَ منه وأُخذ فعَرِيَ مكانه من اللحم [قَالَ ابن السكيت البَخْص مصدر بَخَصت عينه بَخْصًا والبَخَص لحم القدم ولحم الفِرسِنِ] 2 وفيه وجه آخر إن وافَقتْه الرواية وهو منحوض العَقِبين أي قليل لحم العقبين يقال نخضت الْعُضْوَ إذا أخذتَ عنه لحَمه والنحض اللحم.
__________
1 اللسان والتاج "نهش", والديوان /78
2 من ت وم
(1/77)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي قَالَ: "ذَاكِرُ اللَّهَ فِي الْغَافِلِينَ مِثْلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ وَسَطَ الشَّجَرِ الَّذِي قَدْ تَحَاتَّ مِنَ الضَّرِيبِ" 1
أَخْبَرَنَاهُ [16] / إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَبُو عَلِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ مُسْلِمٍ وَعَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ يُحَدِّثَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلا أَنَّهُ قَالَ الضَّرِيدُ وَهُوَ وَهْمٌ.
__________
1 ذكره السيوطي في جامعة الصغير 3/ 558, وعزاه لأبي نعيم في الحلية 4/ 268, 6/ 181.
(1/77)

وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَكَمِ ثنا عَبْدَانُ نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وقال فيه الصَّريف وهو أيضًا غلط وتصحيف ويشبه أن يكون الكاتِب قد فَخَّم الباءَ من الضَّريب فصارت كالفاء لانتفاخها والضّريب الجليد وإنما يقع ذَلِكَ في شدة البرد وأوان سُقوط ورق الشَّجر قَالَ الأعشى:
وهم يطعمون إن قحط القط
...
ر وهبَّتْ بشَمألٍ وضريبِ 1
وقال آخر:
رِجْلا عُقابٍ يوم دَجْنٍ تُضْرَبُ
معناه يُصيبها الضّريب.
والضَّريب أيضًا اللبنُ يُحلَب بعْضُه عَلَى بعض قاله الأصمعي: ولا موضع له في هذا الحديث.
قَالَ ابن أحمر:
وما كُنتُ أخْشى أن تَكُونَ مَنِيَّتي
...
ضَريبَ جِلادِ الشَّوْلِ خمطا وصافيا 2
__________
1 الديوان / 27 واللسان والتاج "قحط".
2 واللسان والتاج "خمط" ولم أقف عليه في ديوانه.
(1/78)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ "مَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا حَمَّادٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدَّثَنِيهِ محمد
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 681 وأبو داود 2/ 124 وأحمد 2/ 262 وغيرهم.
(1/78)

بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: "لَيْسَ فِيهَا عَضْبَاءُ وَلا عَطْفَاءُ"
العَقْصاءُ الملتوية القَرن وكذلك العطفاء هي التي انعطف قَرنُها ورجل عقِص إذا كان عَسِرًا فيه التواء. قَالَ ذو الرُّمَّة:
ومُنْتَابٍ أناخَ إلى بلال ... فلا زُهدًا أصاب ولا اعتلالا
ولا عَقِصًا بحاجَتِه ولكن ... عطاءً لم يكن عدةً مِطالا 1
قَالَ وإنما نفى عنها العَقَص ليكون أنكى في العقوبة وأدنى إلى أن تجرحَ المنطوحَ وتَمور فيه قُرونُها نَعوذ بالله من عذابه. والجَلْحاء التي لا قَرْن لها وهي الجَمَّاءُ أيضًا.
والأَجْلَحُ من الناس هُوَ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعَر عن مُقَدَّم رأسِه فإن انكَشَفَ حتى يتَّصل بموضع الصَّلع فهو أَجْلَى قَالَ العَجَّاج:
وحِفْظَةٍ أَكنَّها ضَمِيرِي ... مع الجَلا ولائح القَتِير 2
والعضباء المكسورة القَرْن وأصلهُ من العَضْب وهو القطع يقال ظبي أعضَب والعرب تَتَشاءم به.
أَنشدونا عن أبي العَبَّاس ثَعْلَب أنشدَني الزُّبيرُ بن بكّار:
غُرابٌ وظَبْيٌ أعضَبُ القرن ناديَا ... بصُرْمٍ وصِردانُ العشي تصيح
__________
1 الديوان / 447,446. وفي الأساس "عقص".
2 اللسان والتاج "حفظ" وديوانه / 221 وجاء البيت الثاني قبل الأول.
(1/79)

[17] / وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ " اتَّقِ .. يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَلا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِكَ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ" 1
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ أنا الرَّبِيعُ أنا الشَّافِعِيُّ نا ابْنُ عُيَيْنَةَ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ.
الثُّؤاجُ صَوْتُ النَّعجة يقال ثَأجَتَ تَثْأَجُ ثَأْجًا وثُؤَاجًا قَالَ الكُميت:
رأيُه فيهم كرَأْيِ ذوي الثل ... ة في الثَّائِجات جُنْحَ الظَّلامِ 2
وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد الله بن شَبِيب نا المِنْقري نا الأصمعيّ قَالَ قَالَ أبو عمرو بن العلاء العرب تقول الفَرس يَصْهَل والبَغْلُ يَشْحَج والحمار يَنْهق والبَعير يرغُو والبقرة تَخُور والشاةُ تَثْغُو والنعجة تَثْأَجُ والأسد يَزْأَرُ والكلب يَنْبَح والسِّنَّور يَمُوء أو يَبْغُم والحمامة تَهْدِر وتنوح وتبكي وتهتف وتُنَقْنِق 3 والدِّيك يَسْقَع ويَصيح والبُلْبُل يُعندِل.
وكان هذا القول منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُبَادَةَ عَلَى وَجْهَ الشفقة لا عَلَى طريق التُّهمَة له وهو تأويل قولهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 4
__________
1 أخرجه الشافعي في سننه كما في بدائع المنن 1/ 242, وذكره البيثمي في معجمه 3/ 86 والسيوطي في جامعه الصغير 1/ 123 وعزاه إلى الطبراني في الكبير إلا أن في الزوائد"أوشاة لها ثغاء".
2 لم أقف عليه في ديوانه ط بغداد, وهو في الأساس "ثأج".
3 ت م "تبقبق" وفي الوسيط "نقنق":نقنق الضفدع ونحوه: رجع صوته. وفي مادة "بقبق" بقبقيت القدر: سمع صوته غليانها, والماء عند نزوله في القلة ونحوها: صوت
4 سورة آل عمران: 161.
(1/80)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " لَمَّا آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ مِنْ شُعَيْبٍ قَالَ لَهُ شُعَيْبٌ لَكَ مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبَ لَوْنٍ قَالَ فَجَاءَتْ بِهِ كُلِّهِ قَالِبَ لَوْنٍ غَيْرَ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا عَزُوزٌ وَلا فَشُوشٌ وَلا كَمُوشٌ وَلا ضَبُوبٌ وَلا ثَعُولٌ" 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ الْمُبَارَكِ نا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ أَنَّ رسول الله قَالَ: "آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ لَكَ مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبَ لَوْنٍ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ السَّقْيِ وَضَعَ مُوسَى قَضِيبًا عَلَى الْحَوْضِ فَجَاءَتْ بِهِ كُلِّهِ قَالِبَ لَوْنٍ وَاحِدٍ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وفي غير هذه الرواية من طريق عُتْبَةَ بن النُّدَّر أن موسى وقف بإزاء الحوض أو عند إزائه فلما وردت الغنمُ لم تصدر شاةٌ إلا طعن جُنْبَها بِعَصاه فوضَعَت قَوالِبَ ألوان
قوله: بشِبْع بَطْنِه أي ما يُشْبعه من الطعام وهو الشِّبْع ساكنة الباء إذا أردتَ الاسم والشِّبَع بفتحها إذا أردتَ المَصْدَر والعَزُوز من الشَّاءِ البَكِيئَةُ التي تُجهَد حتى يَنزِل لها لَبَن ويقال إن اشتقاقها من العَزَازِ وهو الأرضُ الصّلبة يقال تعزَّزَتِ الشَّاة والفَشُوش التي يَنْفَشُّ لبنها بسرعة إذا هي حُلِبَت وذلك لِسَعةِ الإِحْليل ولَبَنُها مع ذَلِكَ قَليل قَالَ رؤبة:
وازجُرْ بَنِي النّجّاخَةِ الفَشُوشِ ... عن مُسْمَهرٍّ لَيْسَ بالفيوش 2
__________
1 ذكره السيوطي في الدرر المنثورة 5/ 126, وأشار ابن الأثير في أسد الغابة 3/ 570 إلى هذه الرواية.
2 اقتصر اللسان "فيش" على البيت الثاني والرجز في الديوان /77
(1/81)

قَالَ أبو زيد والفَتُوح مثل الفَشُوشِ وكذلك الثَّرُور ومنه الثَّرثّرَةُ في الكلام يقال رجل ثَرْثَار إذا كان واسعَ الكلام والكَموشُ [18] / الصغيرة الضّرع وهي الكَمْشَةُ أيضًا وسُمِّيت كُمُوشًا لانكماشِ ضَرْعِها ويقال للفحل إذا كان قَصِيرَ الآلةِ كَمْشٌ 1 والكَشُود 2 أيضًا مثل الكَمُوش والضَّبُوب الضَّيِّقَةُ ثَقْبِ الإِحْليل وسُمِّيَتْ ضَبُوبًا لانها تُضَبُّ عند الحَلَب والضَّبُّ الحَلْبُ بِشِدَّة العَصْر قَالَ أبو زيد والحَصُورُ من الشَّاءِ الضَّيِّقَةُ الإحْليل والمَصُورُ التي يُتَمَصَّر لَبَنُها قَليلًا قليلًا والثَّعول الشاةُ التي لها زيادة حَلَمَة وهي الثَّعْلاء والثَّعْل زيادة السِّنِّ أو اختلاف 3 المنبت لها وتلك الزيادة عَيْب قَالَ الشاعر يذم رَجُلًا يُشَبِّهه بالزِّيادة في الأَطْباء:
وأنتَ مَلِيخٌ كَلَحْم الحُوارِ ... فلا أنت حُلوٌ ولا أنت مُرْ 4
كأنَّك ذاك الَّذِي في الضّروعِ ... قُدَّام ضراتها المنتشر
وقال البزيدي: الثُّعْل: مَخْرج اللَّبَن وأنشد عن الأصمعيّ عن عيسى بن عمر:
يَذُمُّون لي الدنيا وهم يَرْضِعونها ... أفاويقَ حتى ما يَدُرُّ لها ثُعْل 5
هكذا رواه يَرضِع بكسر الضَّادِ وهو لغة يقال رَضِع يرضع ورضع
__________
1 ط:"كمش وكموش".
2 م:"والكشوء" وفي القاموس "كشد":الكشود: ناقة تكشد فتدر, والضيقة الإحليل القصيرة الخلف.
3 س:"زيادة السن واختلاف المنبت لها" والمثبت من ت, م, ط, ح.
4 السان "ضرر" ضمن أربعة أبيات ليس منها البيت الثاني, وفي "مسخ" ضمن أربعة أبيات ليس منها البيبت الثاني أيضا, وهو للأشعر الرقبان:"أسد جاهلي" يهجو ابن عمه رضوان".
5 اللسان "ثعل" وهو لابن السلولي يهجو العلماء.
(1/82)

يرْضِع وقوله: قالبَ لون تفسيره في الحديث أنها جاءت عَلَى غير ألوان أُمَّهَاتِها وإزاء الحوض مَصَبّ الدَّلو قَالَ الأغلب العِجْليّ:
يَغْدوُ بدَلْوٍ ورِشاءٍ مُصْلَح ... إلى إزاءٍ كالمِجَنِّ الرَّحْرَح
وقال آخر:
يُبادِرُ الحوضَ إلى إزائه ... منه بَمَخْضُوبَين من صَفْرائه
يريد بالمخضوبين مِشْفَرَيْه والصَّفْراء بُرَتُه قد أدمت أَنْفَه فسال [الدَّمُ] 1 عَلَى مِشْفَرَيْه
وفي الحديث من الفقه إثبات الإجارات والحديث فيها قليل وقد أبطلها قوم لأنَّها زعموا ليست بعَيْن مرئِيَّة ولا صفةٍ معلومة ومِمَّن ذهب إلى ظاهر هذا الخبر مَعْمَرُ بن راشد قَالَ لا بأس أن تُكرى الماشيةُ عَلَى الثُّلث والرّبع وعن ابن سيرين وعطاء والزُّهري وقتادة جَوازُ أن يَدْفَع الثوبَ عَلَى أن ينسجه بالثلث أو الربع وإليه ذهب أحمدِ بن حنبل رحمه الله وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ غُلامٌ يَخْدِمُهُ بطعام بطنه.
__________
1 من ط.
(1/83)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أنه قَالَ " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا تَحَسَّسُوا" 1
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ نا الْبِرْتِيُّ نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا وُهَيْبٌ نا ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
التَجَسُّسُ البَحثُ عن باطن أُمورِ النَّاس وأكثر ما يُقال ذَلِكَ في الشر.
__________
1 أخرجه البخاري في كتاب النكاح 7/ 24, ومسلم 4/ 1985, وأبو داود 4/ 480 وغيرهم.
(1/83)

أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ أنا أَبُو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي وعن عمرو بن أبي عَمْرو الشَّيباني عن أبيه قالا الجَاسوس صاحِب سِرّ الشَّرَّ والنَّاموس صاحِبُ سِرُّ الخير.
وأما التَّحَسُّس بالحاء فقد اختلفوا في تفسيره فَقَالَ بعضهم هُوَ كالتَّجَسُّسِ سواء وقرأ الحسن {وَلاَ تَجَسَّسُوا} 1 ويقال خرج القوم يتحسُّسُون الأخبارَ ويتحسَّبون ويتَنَحَّسُون أي يطلبونها ويسألون عنها وقال الشاعر:
[19] / تَجَنَّبْتُ سُعْدَى رَهْبَةً أن يُشِيد بي ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس
ومنهم مَنْ فَرَّق بينهما
روى الْوَلِيدُ عن الأَوزاعِيّ عن يَحْيَى بن أبي كَثير أنَّه قَالَ التّجَسُّسُ البَحثُ عن عورات المسلمين والتحسس الاستماع لحديث القوم وكان أبو عمر يقول التَّحَسُّسُ بالحاء أن يطلبه لِنفسِه والتجسس أن 2 يكون رسولًا لغيره وكان يقول في الفرق بين النَّمّام والقَتَّات والقَسَّاس نحوا من ذَلِكَ قَالَ النّمام الَّذِي يكون مع القوم يتحدثون فَيَنُمُّ حديثَهم والقَتَّات الَّذِي يَتَسَّمع عَلَى القوم وهم لا يعلمون ثُمَّ يَنُمّ حَديثهم والقَسَّاسُ الَّذِي يَقُسُّ الأَخبَار أي يسأل الناسَ عنها ثُمَّ يَنثوها عَلَى أصحابها سمعتُه يقول ذَلِكَ.
وقوله: إياكم والظَّنّ فإنه أراد تحقيقَ ظَنِّ السَّوْءِ وتصديقه دون ما يَهْجِس بالقلب من خواطِر الظُّنون فإنها لا تُملَك
وقال تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} 3 فلم يجعل كله إثما.
__________
1 سورة الحجرات: 12
2 ح: "أن لايكون" تحريف
3 سورة الحجرات: 12
(1/84)

أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ ثَلاثٌ لا يُعْجِزُنَّ ابْنَ آدَمَ الطِّيَرَةُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَالْحَسَدُ قَالَ فَيُنْجِيكَ مِنَ الطِّيَرَةِ أَلا تَعْمَلَ بِهَا وَيُنْجِيكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ أَلا تَتَكَلَّمَ بِهِ وَيُنْجِيكَ مِنَ الْحَسَدِ أَلا تَبْغِيَ أَخَاكَ سوءا 1
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 10/ 403.
(1/85)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ نَصَبْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي عَبَاءَةً وَعَلَى مَجَرِّ بَيْتِي سِتْرًا مَقْدَمُهُ مِنْ غَزْوِ خَيْبَرَ أَوْ تَبُوكٍ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَهَتَكَ الْعَرْصُ حَتَّى وَقَعَ إِلَى الأَرْضِ 1
حَدَّثَنَاهُ مُكْرِمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُكْرِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عِمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
هَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي وَالصَّوَابُ عَنْ عَائِشَةَ إِلا أَنَّهُ قَالَ العَرْضَ وَهُوَ غَلَطٌ والصواب العرض وَهِيَ خَشَبَةٌ تُوضَعُ عَلَى الْبَيْتِ عَرْضًا إِذَا أَرَادُوا تَسْقِيفَهُ ثُمَّ تُلْقَى عَلَيْهِ أَطْرَافُ الْخَشَبِ الْقِصَارِ يقال عرصت السقف تعريصا ومجر البيت هُوَ العَرْص بعينه وهو الَّذِي يقال له الجائز وهو حامل البيت وأُراه مُشَبَّها بالمَجَّرةِ لاعتراضها في السّماء وإنما عَنَت بِهَتْكِ العَرْص هَتْكَ سماوةِ البيت التي كانت غَطَّت بها وجْه العَرْص.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُهُ الآخر أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ نُمَيْرٍ نا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله أَتَى فَاطِمَةَ فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سترا فلم
__________
1 لم نجده بهذا السياق, وأخرجه أبو داود 4/ 73 وغيره بنحوه.
(1/85)

في حديث النبي أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ نَصَبْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي عَبَاءَةً وَعَلَى مَجَرِّ بَيْتِي سِتْرًا مَقْدَمُهُ مِنْ غَزْوِ خَيْبَرَ أَوْ تَبُوكٍ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَهَتَكَ الْعَرْصُ حَتَّى وَقَعَ إِلَى الأرض
...
يَدْخُلْ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا وَالرَّقْمُ 1 يُرِيدُ بِالرَّقْمِ النَّقْشَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ كَانَ سِتْرًا مُوَشَّى وَأَصْلُ الرَّقْمِ الْكِتَابَةُ يقال: رقَمْتُ الكتابَ وزبَرْتُ وذَبَرت ونَمَقْتُ ونَمَصْت بمعنى واحد قَالَ الشاعر:
سأَرْقُم في الماء القَراحِ إليكمُ ... عَلَى بُعدِكم إن كان للماء راقم 2
__________
1 سنن أبي داود 4/ 72
2 اللسان والتاج "رقم".
(1/68)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ "عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ [20] / الْبَقَرِ فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ" وَيُرْوَى "تَرْتَمُّ" 1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ نا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٌ وَأُبَيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قوله: تَرُمّ وتَرْتَمُّ أي تَرْعَى وتَتَناول بِالمرمَّة والمَرمَّةُ لذواتَ الظِّلْفِ بمنزلة الْفَمِ للإنسانِ وهي المقمَّة أيضًا ويقال له من ذوات الحافر الجَحْفَلَة ومن السِّباع الخُرطوم
ويقال رمَّت البَقَر تَرُمُّ قَالَ العجّاج:
من سَنَةٍ تَرْتَمُّ كل رم ... تنتسف النابت بعد القَمِّ 2
ويقال للإبل أَرمَت تأرم أرما وللخيل قضمت تقضم.
__________
1 المستدرك 4/ 197, وذكره السيوطي في الجامع الصغير 4/ 347 وعزاه لابن عساكر أيضا.
2 ط: "تننشف" والبيتان لرؤبة وهما في ديوانه /142.
(1/86)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي إِنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيَّ قَالَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمَالُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَبِعَةٌ مِنْ طَالِبٍ وَلا مِنْ ضَيْفٍ قَالَ: "نِعْمَ الْمَالُ أَرْبَعُونَ وَالْكُثْرُ سِتُّونَ وَوَيْلٌ لأَصْحَابِ الْمِئِينَ إِلا مَنْ أَعْطَى الْكَرِيمَةَ وَمَنَحَ الْغَزِيرَةَ وَنَحَرَ السَّمِينَةَ فَأَكَلَ وَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ"
قَالَ وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ "كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطَّرُوقَةِ" قَالَ يَغْدُو النَّاسُ بِجِمَالِهِمْ 1 فَلا يُوزَعُ رَجُلٌ عَنْ جَمَلٍ يَخْطِمُهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى "كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الإِفْقَارِ" قَالَ إِنِّي لأُفْقِرُ الْبَكْرَ الضَّرْعَ وَالنَّابَ الْمُدْبِرَةَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ كِيلَجَةُ نا عَارِمٌ نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيّ
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابن جريج قال حدثث أَنَّهُ قَالَ لَهُ: "فَكَيْفَ أَنْتَ عِنْدَ الْقِرَى" قَالَ: أُلْصِقُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّابِ الْفَانِيَةِ وَالضَّرَعِ 3
قوله: ليس فيه تَبِعة أي ما يَتْبع المالَ من الحقوق وأصلها من تبعث الرجلَ بحَقِّي وتابَعْتُه به إذا طالبتَه والتَّبِيع الَّذِي يَتْبَعُك بحقٍ ويطالبك به
قَالَ الله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} 4 ومنه قَولُه: "إذا أُتْبِع أحدكم على ملئ فَليَتْبَع 5"
يريد إذا أُحيل بحقِه [عَلَى مليءٍ] 6 فَلْيَحْتَل وأكثر المحدّثين يقولون إذا اتُّبِع بتثْقِيل التَّاء والصواب أتبع
__________
1 كذا في جميع النسخ, وفي هامش س:"بحبالهم".
2 انظر المستدرك 3/ 612, وأسد الغابة 4/ 434.
3 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 4/ 30 في حديث طويل.
4 سورة الإسراء: 69.
5 سيأتي تخرجه بعد قليل, وفي س: على ملي بترك الهمزة وتشديد الياء, والمثبت من م ط والنهاية "ملأ".
6 من م وط.
(1/87)

حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ نا حَمْدَانُ الْوَرَّاقُ نا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أتبع أحدكم على ملئ فَلْيَتْبَعْ" 1 وَالتَّبِعَةُ وَالتِّبَاعَةُ تَجْرِيَانِ مَجْرَى الظُّلَامَةِ أنشدني التَّمّارُ أنشدني ابن الأنباري أنشدنا أبو العباس ثعلب:
إذا كنتَ ذا مالٍ ولم تَكُ مُنْفِقًا ... فأنتَ إذًا والمُقْتِرُون سَواءُ
عَلَى أنَّ للأموالِ يومًا تِبَاعَةً ... عَلَى أهلها والمُقْتِرون بُراءُ 2
والكُثْر الكثير كما قيل في القليل قُلِّ قَالَ أبو زيد الكُثْر من المال الكثير قَالَ والحِلْق مِثلُه يقال جاءَ فلانٌ بالحِلْقِ قَالَ وَالذَّوْدُ من الإبل ما بين الثَّلاثة إلى العشرة والصَّرْمَةُ ما بين العشرة إلى الأربعين فإذا بلغت [21] / سِتِّين فهي الصِّدعَةُ والهَجْمَة أولُها أربعون إلى ما زادت وهُنَيْدَةُ المائة قَطٌ
وأخبرني أبو عُمر أنا ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ هُنَيْدة المِائَةُ من الإبل ولا تصرِفْها وهِندٌ مائتان من الإبل واصْرِفْها قَالَ أبو عُمَر صَرْعَيْنَا إبلٌ كثيرة من غير ألف ولامٍ قَالَ وهو نادِرٌ جدًا وأَنشدَنا [يَصِف سائلًا شَبَّهه بالقُراد] 3
مِثلَ البُرام غَدَا في أُصْدَةٍ خَلَقٍ ... لم يَسْتَعِن وحَوامي المَوتِ تَغْشاهُ
فَرَّجتُ عنه بصَرْعَيْنا لأرْمَلَةٍ ... أو بائس جاء معناه كمعناه 4
__________
1 البخاري 3/ 123, ومسلم 31197, وأبو داود 3/ 247 وغيرهم
2 اللسان والتاج "براً": براء مثل عجيب وعجاب. وقال ابن بري: المعروف في براء أنه جمع لا واحد له.
3 من ت.
4 اللسان والتاج "صرع" يصف سائلا شبهه بالبرام وهو القراد. لم يستعن: لم يخلق عانته. وحوامي الموت: أسبابه. وهذا الشعر أورده الشيخ ابن بري عن أبي عمرو.
(1/88)

وقوله: مَنَح الغزيرة أراد المَنِيحَةَ وهي الناقة أو الشَّاة ذاتُ الدَّرِّ تُعارُ للبنها ثُمَّ تُردُّ إلى أهلها ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "المَنِيحَةُ مَرْدُودَة 1" والقانِعُ السائِل يقال قنع قُنُوعًا إذا سأل وقَنِع قَنَاعَةً إذا عف عن المسألة 2 والمُعْتَرُّ الَّذِي يغشاك ويتعرض لك ولا يفصح بحاجته وقوله: كيف "تصنع فِي الطروقة" فإنه يريد فحلالطروقة وهي الناقة التي استحقّت الضِّراب وآن لها أن تُطْرق يقال استطرقني فلان فأطرقْتُه أي أَعطيتُه فحلا يَضرِب في إبله.
وقوله: لا يُوزَع رجل عن جَمَلٍ يخْطِمُه أي لا يُمنَع منه يقال وزَعْتُ الرجلَ عن الأمرِ أي كَففتُه عنه أنشدني محمد بن عَبْد الواحد النحوي أنشدنا المبّرد:
لِسانُ الفتى سَبْعٌ عليه شذاته ... وإلا يزع عن غَرْبِه فهو قاتِلُه
وما الجَهلُ إلا منطقٌ متسرع ... سواءٌ عليه حقٌ أمرٍ وباطِلُه
والمعنى أنه لا يأخذ عَلَى ضِرابِ الفُحُولَةِ عَسْبًا.
وقوله: لا يُوزَع رجل عن جَمَلٍ يخْطِمُه أي لا يمُنَع منه يقال بِحبالهم يعني الحبال التي تقرَن بها الإبِلُ قَالَ سالم بن قُحْفانَ العَنْبَريّ:
فلا تَعذُليني في العطاءِ ويَسِّري ... لكل بَعيرٍ جاء طَالِبُه حَبْلا
ويقال إن سالمًا هذا أَتاه صِهُره أخو امرأته فأعطاه بعيرًا من إِبِله وقال لامرأته هاتي حبلًا يقرُن به ما أعطيناه إلى بعيره ثُمَّ أعطاه بعيرًا آخر
__________
1 أخرجه أبو داود في 3/ 297, والترمذي 4/ 433 وغيرهما بلفظ: "والم نحة مردودة".
2 ت:"عف من المسألة"
(1/89)

وقال هاتي حبلًا ثُمَّ أعطاه ثالثًا وقال هاتي حَبلًا فقالت ما بقي عِندي حَبْلٌ فَقَالَ لها عليّ الجِمالُ وَعَليْكِ الحِبالُ.
وقوله: أُفْقِرُ الضَّرَع فإن الإفقار في الإبل أن تُعار للركوب وَالْحَمْلِ عليه ومنه حديث جابر "أنه باع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جملَه قَالَ وأَفْقَرني ظَهَره إلى المدينة"1 والضَّرَع الصغير ويقال الضعيف والنَّاب المُسِنَّة.
وقوله: أُلصِقُ بالنّاب الفانيةِ معناه إلصاق السِلاح بها وكان من عادتهم أن يُعرقبوها قبل النَّحر قَالَ الراعي:
وقلتُ له أَلصِق بأيْبَسِ ساقِها ... فإن يَجْبُر العرقوبُ لا يرقأ النسا 2
__________
1 أخرجه مسلم في 3/ 1222 بلفظ:"فقار ظهره" وأحمد في 3/ 392 بلفظ:"يفقرني ظهره".
2 الديوان /178 ط. دمشق وفي الديوان /257 ط بغداد, والفئق"تبع" 1/ 146.
(1/90)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "طُولُ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى أَيْلَةَ 1 وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الرَّوْحَاءِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ" 2
حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ نا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ نا أَسَيْدُ بْنُ زَيْدٍ نا سَعِيدُ بْنُ زَرْبِيِّ 3 عَنِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وفي غير هذه الرواية "إنَّي لبِعقْر حوضِي أَذود الناسَ لأهل اليمن أَضرِب بعَصَاي حتى ترفَضَّ" 4
__________
1 ح:"كما بين مكة وأيلة".
2 ام نجد بهذا السياق, وأخرجه مسلم 4/ 1800 - 1801, وغيره بسياق آخر.
3 كذا في م, وفي تقريب التهذيب 1/ 295 "سعيد بن زربي – بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة – الخزاعي البصري".
4 أخرجه مسلم 4/ 1799 وأحمد 5/ 280 - 281.
(1/90)

قوله: يَغُتُّ معناه يَمُدّه ويُتابع دَفْق الماءِ فيه يقال غَتَّ الشَّاربُ الماءَ إذا جَرَعَه جَرْعًا بعد جَرْع ونَفَسًا بعد نَفَس
ومررت بأعرابيٍّ ومعه بُنَيَّةٌ صغيرة وقد رَفَع إليها كُوزًا وهو يقول لها غُتِّي وَيْلَكِ غُتِّي وقال طرفة:
فَبِتُّ كأنَّني من ذِكْرِ سَلْمَى ... أُغَتُّ بِنَاقِع الرُّقْشِ القِزَازِ 1
وعُقْرُ الحوضِ قَالَ أبو عبيدة هُوَ مُؤخّرُ الحوضِ وإزاؤُهُ مَصَبُّ الماء وما بين ذَلِكَ عَضْد الحوضِ قَالَ ويقال للنّاقة التي تشرب من عقر الحَوْض عَقِرَة والتي تشرب من إزائه أَزِيَةٌ عَلَى مثال فَعِلة قَالَ امرؤ القيس:
فرماها في فرائِصِها ... في إزاء الحَوضِ أو عُقُرِهِ 2
وعُقْر الدار أصلُها ومنه قيل لفُلان عَقَارٌ أي أَصلُ مالٍ وقد لَزِمَ عُقْرَ دارِه وفلان يُعاقِر الخَمرَ أي يُلازِمُها ويُداوِم شُربَها ولعن رَسُول الله عاقِرَ الخمر قَالَ النَّضْرُ بن شُمَيْل عاقِرُ الخمر هُوَ الَّذِي إذا وجدها شَرِبها.
وأخبرني محمد بن عَبْد الواحد قَالَ سألت المُبَرّد عن الخمر لِمَ سُمِّيت عُقارًا فَقَالَ لأنها تَعقِر العَقْل فتذهب به.
__________
1 ليس في ط بيروت, وط دمشق.
2 الديوان /124.
(1/91)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ "مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنُّ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَلا ذَاتِ يَدِهِ مِنَ ابْنِ أبي قحافة" 1
__________
1 أخرجه الترمذي في المناقب 5/ 607, الحديث 3659, وأحمد 3/ 478.
(1/91)

حَدَّثَنَاهُ حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ الدَّهْقَانُ نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ التَّمْتَامُ نا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُعَلَّى عَنْ أَبِيهِ.
قوله: أمن علينا يريد أسمَحَ بماله وأبذلَ له ولم يرد به معنى الامْتِنان لأن المِنَّةَ تُفسِد الصَّنِيعَة ولا مِنَّةَ لأحد على رسول الله بل له المِنَّةُ عَلَى الأُمَّة قاطِبة والمَنُّ في كلام العرب الإحسان إلى مَنْ لا تَسْتَثيُبه قَالَ الله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} 1 {وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} 2 أي لا تُعطِ لتأخذَ من المكافأة أكثرَ مما أعْطَيت.
وَمِنَ الْمَنِّ الْمَذْمُومِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا أَبِي عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَحْمَسِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "ثَلاثَةٌ يَشْنَأُهُمُ اللَّهُ الْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ وَالْبَخِيلُ الْمَنَّانُ وَالْبَيِّعُ الْحَلافُ" 3
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْأَعْمَشُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ خَرْشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ 4 وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ" 5 فإنه يقسر سلعته عَلَى وجهين: أحدهما من المِنَّةِ التي هي
__________
1 سورة ص: 39.
2 سورة المدثر: 6.
3 أخرجه أحمد 5/ 151.
4 ح: "الفاجرة".
5 أخرجه مسلم 1/ 102, وأبو داود 4/ 57, والترمذي 3/ 507 وغيرهم.
(1/92)

الاعتداء بالصنعة, ولآخر من المَنِّ, الَّذِي هُوَ النَّقص من الحق والبَخْس له.
قَالَ الله تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} 1 يقال: غير مقطوع, وغير منقوص, وكلاهما 2 قريب ومنه سُمِّي المَوتُ مَنُونًا [23] / وذلك أنه يَنقُص الأعداد ويقطع الأعمار والمَنُون واحد وجَميع 3 وقد يُذَكَّر ويؤنث فمن ذكّر أراد الموتَ ومن أنث أراد المَنيَّةَ.
وقول أبي ذؤيب:
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِه تَتَوَجَّعُ 4 ... يرويه قوم ورَيْبِها عَلَى تأويل المَنِيَّة
وقال عدِيُّ بن زيد:
مَنْ رأيتَ المَنُونَ أبقَيْن أَمْ مَنْ ... ذا عليه من أَن يُضامَ خَفِير 5
فجعله بمعنى الجمع والمنون الدهر في قول الأصمعي
__________
1 سورة القلم: 3
2 س, ط: "وكليهما".
3 م: "وجمع".
4 شرح أشعار الهذليين 1/ 4, وعجزه: "والدهر ليس بمتعب من يجزع" وجاء كاملا في ت.
5 شعراء النصرانية 2/ 455,خلدن بدل أبقين.
(1/93)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ"
__________
6 أخرجه البخاري 9/ 48 ومسلم 4/ 1773, وأبو داود 4/ 305, والترمذي 4/ 532 وغيرهم بلفظ: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤومن تكذب .. " الحديث.
(1/93)

حَدَّثَنَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ نا الْحَسَنُ بْنُ سَلامٍ [السَّوَّاقُ] 1 ثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ نا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
بلغني عن أبي دَاود أنه كان يقول تَقارُبُ الزّمان استواءُ الليل والنهار وهو إن شَاءَ الله معنى سَدِيد والمُعَبِّرون يزعمون أَنَّ أَصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انْفِتاق الأَنْوار ووقت يَنْع الثَّمار وإدراكها وهما الوقتان يتقارب فيهما الزمان ويَعْتَدل الليل والنهار وفيه وجه آخر وهو أن يراد بتَقَارب الزمان قربُ انتهاء أَمَدِه وقد جاء ذَلِكَ مرفوعًا حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ نا الرَّمَادِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرُ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا" 2
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كالساعة" 3
فإن الخريمي حدثني عن علي بن عَبْد العزيز عن حَجّاج بن المِنْهال عن حَمَّاد بن سَلَمة قَالَ سألتُ عنه أَبَا سِنان فَقَالَ ذَلِكَ من استِلْذَاذ العَيْش يُريد والله أعلم زَمانَ خروج المهديّ ووقوع الأَمَنَة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها فَيُسْتَلَذُّ العَيشُ عند ذَلِكَ وتُسْتَقْصَر مُدَّتُه ولا يزال الناس يستَقْصِرون مُدَّة أيام الرخاء وإن طالت وامتدّت ويستطيلون أيام
__________
1 ساقطة من ح.
2 أخرجه الترمذي في الرؤيا 4/ 541.
3 أخرجه الترمذي 4/ 567.
(1/94)

المكروه وإن قَصْرت وقَلَّت والعرب تقول في مِثْل هذا مَرَّ بنا يوم كعُرقُوب القَطَا قِصَرًا 1.
وأخبرني ابن الزِّئبَقِيّ نا موسى بن زَكْرُوَيَّه نا أبو حاتم ثنا العُتْبِيّ سمعت أعرابيًا وذكر امرأته فقال كاد الغزال يكونُها لولا ما تَمّ منها ونَقَص منه وما كانت أيامي معها إلا كأَباهِيم القَطَا قِصرًا ثُمَّ طالت بعدها شوقًا إليها وأسفًا عليها وقد جمع الشاعر طرفَيْ هذا المعنى فَقَالَ:
يطولُ اليومُ لا ألقاكِ فيه ... وشهر نلتقي فيه قصير
__________
1 اللسان "عرقب" والدرة الفاخرة 1/ 249 وروايته فيهما: "مر بنا يوم أقصر من عرقوب القطاة".
(1/95)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَتَتْهُ تَسْتَأْذِنُهُ وَقَدْ خَطَبَهَا أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ فَقَالَ: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَأَخَافُ عَلَيْكَ قَسْقَاسَتَهُ الْعَصَا وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ أَخْلَقُ مِنَ الْمَالِ" قَالَتْ فَتَزَوَّجَتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ فَاطِمَةَ لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَالَ لَهَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ مَكْتُومٍ فَاعْتَدِّي عِنْدَهَا" ثُمَّ قَالَ: " لا إِنَّ أُمَّ مَكْتُومٍ امْرَأَةٌ يَكْثُرُ عُوَّادُهَا وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَعْمَى" فَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ خَطَبَهَا أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ .. الْحَدِيثُ"
قوله: " يكثر عُوَّادُها" يريد زُوَّارها ومَنْ يغشاها من الضيفان وقد
__________
1 أخرجه أحمد 6/ 414 وعبد الرزاق 7/ 19 بهذا السياق وأخرجه مسلم 2/ 1114, وأبو داود 2/ 285, والترمذي 3/ 433 وغيرهم بلفظ: "أما أَبو جَهْم فلا يَضَع عصاه عن عاتِقِه وأما معاوية فصعلوك لا مال له".
(1/95)

روي من طريق آخر أنها امرأة يكثر أضيافُها وكل منْ أتاك مرَّة بعد أخرى فهو عائد قَالَ الأعشى:
فانْهَي خَيالك يا جُبَيْر فإنه ... في كل منزلة يَعُود وسادي 1
أراد أنه يزوره ويَطرقُه ليلًا.
وكان بعض أهل اللغة يقول إنما سُمِّي يوم العِيدِ لهذا المعنى لتكرّره وعَوده لأوقاته من السنة وأنشد لبعضهم:
عَادَ قَلْبِي من التذكر عِيدُ 2
وقال بعضهم إنما سُمِّي عِيدًا لأنه يومٌ يعود فيه الفَرحُ إلى المسلمين وكلاهما قريب
وقوله "أخاف عليك قَسْقَاسَتَه العَصَا" فإن القَسْقَاسَةَ العصا بعينها وذِكْرُهُ العصا عَلَى أثرها تفسيرٌ لها وإبانةٌ عنها كأنه يقول أَعنِي العصا يَقُسُّ دَابَّتَهُ أي يَسوقُها ويقال ما زال يُقَسْقِسُ الليلة كلها إذا أدأب السَّيْرَ قَالَ الشَّمّاخ:
ودَلَجُ اللَّيلِ وهادٍ قَسْقَاس 3
وقال الأصمعي: خَمسٌ قَسْقَاسٌ وحَثْحَاثٌ وقَعْقَاعٌ وصَبْصَابٌ وحصْحَاصٌ كل هذا سَيْر لَيْسَت فيهِ وَتيرَةٌ والمعنى أن أبا جهم سيئ الخلق
__________
1 الديوان /50 برواية: "فانهى خيالك أن يزور فأنه".
2 اللسان والتاج "عود".
3 الديوان /399 برواية:
ودلج الليل وهاد قياس
(1/96)

سريعٌ إلى التأديب والضَّرب وفي أكثر الروايات أنه قَالَ إن أبا جَهْم لا يَضَع عَصَاه عن عاتِقِه يريد هذا المَعْنَى وذلك أن الضارب بالعصا لا يزال رافعًا لها إلى عاتِقه ما دام يضرب
وفيه وجَهْهٌ آخر وهو أن يكون أراد بهذا القول كثرة أسفارِه ودَوامَ غَيْبَتِه عن أهله يقول لا حظ لكِ في صحبته لأنه يُكثِر الظعن ويقل المقام كنى بالعَصَا عن نَوَى السفر يقال رفَعَ فلان عَصَا السَّير إذا سافر وألقى عصاه إذا أقام قَالَ الشاعر:
فألقَتْ عَصاهَا واستَقرَّت بها النَّوَى ... كما قَرّ عَيْنًا بالإياب المُسافِرُ 1
ويقال للرّاعي إذا كان قليلَ الضَّرب لإبله بعصاه إنّه لصُلْب العَصَا يريد 2 أنّ عَصَاه صُلْبَةً صحيحة لأنه لا يُعمِلها فَتُشَظَّى وتكَسَّر فإذا أكثر الضَّربَ بها قيل له ضَعيفُ العصا وهو المحمود لأنه يَحمِلها بذلك عَلَى الرّعْي ويَسوقُها إلى الأماكن المُعْشِبَة قَالَ الشاعر:
ضعَيفُ العَصَا بادِي العروقِ ترى له ... عليها إذا ما أَمْحَل الناسُ إصبْعَا 3
فأما قولُ الآخر:
صُلْبُ العصا بالضَّرب قد دَمَّاها 4 ... تحسِبُه من حُبِّها أخاها
يقول: ليت الله قد أفناها
__________
1 اللسان والتاج "نوى", وهولمعقر بن حمار.
2 م وط وح: "يراد".
3 اللسان "صبع", وعزى للراعي, وهو في ديوانه /185 ط دمشق, وديوانه /222 ط بغداد.
4 اللسان "فني" وفيه البيتان الأول والثالث, والأبيات غير معزوة, وهي في وصف راعي غنم.
(1/97)

فإنه قد أَلْغَزَ في هذا القول وأراد بالضَّرب السَّيَر في البلاد في طلب الرَّعْي ومعنى دماها صَيّرها كالدُّمَى سِمَنًا جمع دُمْية وأَفْناها أنبت لها الفَنَا وهو فيما يقال الزُّعْرور.
وقوله: أخلقُ من المال معناه خِلْوٌ عارٍ منه وأصله في الشيء الأملس الَّذِي لا يُمسِك شيئًا يقال: حجر أخْلقُ أي أملَسُ زلالٌ وصخرة خَلقاءُ قَالَ الشاعر:
قد يترك الدَّهرُ في خلقاءَ راسِيَةٍ ... وَهْنًا ويُنزِلُ منها الأعْصَمَ الجَذَعا 1
وفي رواية أخرى: "أَمَّا معاوية فإنه رجل عائِلٌ" والعائِل الفَقَير يقال عال الرجل يَعِيل إذا افتقر قَالَ الشاعر:
فَما يَدْري الفقيرُ مَتَى غِناه ... ولا يدري الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ 2
وفي الحديث أنواع من الفِقه منها إباحةُ تأدِيب النّساء ولو كان غيرَ جائزٍ لم يذكر ذَلِكَ من فعله إلا مقرونًا بالنَّهي عنه والإِنكار له ومنها أن المالَ مُعْتَبرٌ في بَابُ المكافأة وفيه دلالة على أنه إذا لم يجد نفقةَ أهلهِ وطَلَبتْ فِراقَة فُرِّق بينهما.
وبلغني عن سفيان بن عُيَيْنَة أنه قَالَ لوكيع بن الجرّاح وهو يُذاكِره ما معنى قول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الحَسَب المَالُ" 3 فَقَالَ وَكِيع أراد أن الرجل إذا
__________
1 م: "وهيا" بدل "وهنا" وفي هامش م: "الصدعا" بدل "الجذعا", وهو في اللسان "خلق" برواية: "وهيا وينزل منها الأعصم الجدعا". وفي ديوان الأعشى / 105.
2 اللسان "عيل". وعزى لأحيحة, وهو واحد من أربعة أبيات.
3 في النهاية "حسب" 1/ 381: "الحسب والمال, والكرم التقوى".
وجاء في الشرح: الحسب في الأصل: بالآباء وما يعده الناس من مفاخرهم, وقيل: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف, والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء, فجعل المال بمنزلة شرف النفس أو الآباء, والمعنى أن الفقير ذا الحسب لا يوقر ولا يحتفل به, والغني الذي لا حسب له يوقر ويحل في العيون, أخرجه الترمذي في 5/ 390, والن ماجة في 2/ 1410, وأحمد في مسنده 5/ 10.
(1/98)

كان ذا مالٍ عَظَّمه الناسُ فَقَالَ سفيان ليس كذلك إنما هُوَ قول أهلِ المدينة إذا لم يَجِد نفقةَ زوجتِه فُرِّقَ بَينهما.
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ أنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَحْسَابُ أَهْلِ الدُّنْيَا الْمَالُ" 1
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فِي هَذَا الباب حديث أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق نا الحجاج بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَلْيَبْدَأْ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ تَقُولُ امْرَأَةُ الرَّجُلِ أَطْعِمْنِي أَوْ طَلِّقْنِي يَقُولُ وَلَدُهُ إِلَى مَنْ تَكِلُنِي يَقُولُ خَادِمُهُ اسْتَعْمِلْنِي وَأَطْعِمْنِي" 2.
وفيه من الفقه جَوازُ نِكاح المولى القُرَشِيَّة.
وفيه أيضًا بَابُ من الرُّخصَة ومذهب لَحمْل الكلام عَلَى سَعَة المجاز وذلك أنه قد روي في هذا الحديث من غير هذا الوَجْه أَنَّه قَالَ: "أما أَبو جَهْم فلا يَضَع عصاه عن عاتِقِه وأما معاوية فصُعلوك لا مالَ له" 3. وقد كان لا محالةَ يَضَعُها في حال من الأحوال وقد كان لمعاوية مالٌ وإن قل.
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 5/ 353, 361, والنسائي في النكاح 6/ 64 عن سمرة.
2 أخرجه البخاري 7/ 81, وأحمد 2/ 252, 524, 527.
3 تقديم تخريجه.
(1/99)

وفيه أيضًا من الفقه جَوازُ ذكر ما في الإنسان من عَيْب إذا لم يُقصَد به المَذَمَّةُ له وأنّ ذَلِكَ ليس من بَابُ الغِيبَة.
وفيه أيضًا من الفقه أن للمَبْتُوتَةَ السُّكْنى وذلك أنَّ النَّبِيّ عليه السلام قد أوجبَها لفاطمة بقوله: "اعْتَدِّي عند ابن أم مَكْتُوم". وكانوا لا يُكْرون المنازل ويتبرعون بالإِعارة ثُمَّ إنه قد ذهب عليها معرفة السبب في نقله إيَّاها عن بيت أهلها فتوهَمَتْه إبطالًا لسُكْنَاها فقالت عند ذَلِكَ لم يجعل لي النبي عليه السلام سُكنى ولا نَفَقَةً فكان إخبارُها عن أَحَد الأمرين عِلمًا وعن الآخر وَهْمًا وهو السُّكنى وبيَّن السَّبَبَ في ذَلِكَ سعيد بن المُسَيَّب.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ أنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ وَمَعْمَرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ 1 عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ أَتَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ الثَّلاثَ مِنْ بَيْتِهَا فَقَالَ لا قُلْتُ فَأَيْنَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ قَالَ تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ كَانَتْ لَسِنَةً عَلَى أَحْمَائِهَا 2" يَتَأَوَّلُ قَوْلَ اللَّهِ {وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} 3.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تَبْذُأَ عَلَى أَهْلِهَا.
حَدَّثَنَا مُكْرِمُ بْنُ أَحْمَدَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ نا آدَمُ بْنُ أبي
__________
1 ت: "جعفر بن برقان". وفي التقريب 1/ 129: جعفر بن برقان – بضم الموحدة, وسكون الراء بعدها قاف – الكلابي, أبو عبد الله الرقي, صدوق, يهم في حديث الزهراي مات سنة 250 ه, وقيل: بعدها.
2 أخرجه عبد الرزاق 7/ 26, وأبو داود 2/ 89, والبيهقي 7/ 433.
3 سورة الطلاق: 1
(1/100)

إِيَاسٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ نا سَعْدُ 1 بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ فُرَيْعَةَ وَهِيَ ابْنَةُ مَالِكٍ قُتِلَ زَوْجُهَا بِطَرَفَ الْقَدُومِ 2 فَأَتَتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: زَوْجِي قُتِلَ وَأَنَا فِي وَحْشَةٍ: "فَقَالَ لَهَا لا عَلَيْكِ أَنْ تَنْتَقِلِي" ثُمَّ قَالَ لَهَا: " تعالي لا تبرحي حتى يبلع الْكِتَابُ أَجَلَهُ" 3.
وفي هذا الحديث من الفقه جَوازُ نَسْخ الشيء قبل تنفيذ العمل به
__________
1 ط: "ناسعد بن إسحاق بن كعب, وعجرة عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بن عجرة".
2 معجم البلدان: طرف القدوم, بتشديد الدال وضم القف. وفي معجم ما استعجم 3/ 1052: قدوم, بفتح أوله "على وزن فعول": ثنية بالسراة, وهو بلد دوس, والمحدثون يقولون: قدوم بتثنية ثانيه". قال المعترض بن حنواء الظفري:
فإما تقتلوا نفرا فإنا ... فجعناكم بأصحاب القدوم
3 أخرجه عبد الرزاق 7/ 33 - 34 وأبو داود 2/ 291, والترمذي 3/ 499, ومالك 2/ 591 وغيرهم.
(1/101)

وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الاسْتِجْمَارُ تَوٌّ وَالسَّعْيُ 1 وَالطَّوَافُ تَوٌّ وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ" 2
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي 3 الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثقفي عنه 4
__________
1 كذا في م, ط, س, في ح, ت: "والسعي تو والطواف تو".
2 أخرجه مسلم 2/ 945.
3 م: "ابن الزبير" والصواب أبو الزبير, وهو محمد بن مسلم بن تدرس "أنظر تقريب التهذيب 2/ 207".
4 يلاحظ أن الخطابي هنا ينقل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيِّ صاحب التاريخ, وهو الذي روى الحديث عن الذهلي, مما يدل على أن الخطابي لا بسوق سائر الأحاديث بأسانيده التي تحملها رواية: وإنما ينقل من بعض الكتب أحيانا.
(1/101)

التَّوُّ مَعْنَاهُ الْوِتْرُ قَالَ أبو زيد جاء فلان تَوًّا إذا جاء قاصِدًا لا يُعَرِّجُه شَيءٌ فإن أقام ببعض الطريق فليسبتو يُريد أنه إذا قطَّع مَسِيَره لم يكن سَيْره سيرًا واحدًا فيُعَدٌ وِتْرًا
وقال عمر بن شَبَّةَ قَالَ الشَّعبيُّ دخَلتُ البصرةَ فرأيت حَلْقةً عظيمة في الجامع وإذا هي حَلْقَةُ الأحنف فسلَّمتُ وجلستُ قَالَ فَما مَضَتْ إلا تَوَّةٌ حتى قام الأحنف في قِصَّة ذكرها يريد
بالتَّوَّةِ الساعةَ الواحدةَ [وقال ابن الأعرابي العرب تقول لكل فردٍ تَوٌّ ولكل زَوجٍ زَوٌّ] 1
وقوله: السَّعْيُ والطوافُ تَوُّ يُتَأَوّل عَلَى وجهين أحدهما وهو أظْهرهما أَنَّ الطَّوافَ سَبعةُ أَشْواط وكذلك السَّعْي سَبْعٌ وِتْر غَيرُ شَفْعٍ.
والوجه الآخر أن الطَّوافَ الواجبَ طوافٌ واحد لا يُثَنَّى ولا يكرر وكذلك السّعْيُ سواء كان المُحرِم قارِنًا أو مُفِردًا ويؤيدُ هذا خَبُر عائشة وقولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها: " طوافُك بالبَيْتِ وسَعْيُك بين الصَّفَا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك 2"
__________
1 من ت, م ولم يرد في ط ولا في س ولا في ح.
2 أخرجه أبو داود 2/ 108.
(1/102)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الصَّقُورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلا"3
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ نا مُحَمَّدُ بن قتيبة العسقلاني
__________
3 أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 4/ 1/304, وأنظر أسد الغابة 5/ 9. وفي النهاية"صرف": الصرف: التوبة, وقيل: النافلة. والعدل: الفدية. وقيل: الفريضة.
(1/102)

نا دُحَيْمٌ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ نا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيُّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْبَاهِلِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أُخَامِرٍ 1 الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ.
الصَّقُورُ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ الدَّيُّوثُ. وسألتُ أبا عُمَر عن هذا الحرف فلم يعرفه ثُمَّ بلغني عنه بعدُ أنه كان يُثْبِته ويذكره عن أبي العباسُّ ثَعْلب.
وأخبرني الأزهريّ عن المُنذري فيما أحسِبُ عن أحمدَ بن يحيى عن ابن الأعرابي أنه قَالَ الصَّقْرُ القِيادة عَلَى الحُرَم ومنه الصَّقَّار [27] / الَّذِي جاء في الحديث. قال أبو العباس وأخبرني سَلَمةُ عن الفراء أنه قَالَ الصَّقَّارُ اللَّعَّان لغير المستحِقَيِن والصَّقَّار الكافر والصَّقَّارُ الدَّيّاسُ قَالَ وقرأتُ بخط شَمِر في كتاب غريب الحديث له أنّ الصَّقَّار النَّمّام.
وأخبرني أبو عمر أنا أبو العبّاس عن ابن الأعرابي قَالَ والمماذل الديوث وهو القنذع أيضا.
__________
1 تهذيب التهذيب 10/ 24: مالك بن يخامر, ويقال: ابن أخامر, يقال له صحبة.
(1/103)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَزِمْتُ السِّوَاكَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُدْرِدَنِي" 2
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يَرْفَعُهُ.
قوله: يُدْرِدُني أي يُحِفي أسناني ويُذهِبها فَيترُكُني أَدْردَ
قَالَ الأصمعيّ الدَّرَدُ أن تسقطَ الأسنان واللَّطَع قَرِيب من الدَّرَد وهو أن يذهَب السِّنُّ ويَبقى سِنْخُه والدَّرادِرُ مغَارِزُ الأسنان واحدها دردر وفي
__________
2 ذكر المنذري في ترغيب الترهيب 1/ 167, وقال: رواه الطبراني في الأوسط.
(1/103)

بعض الأمثال "أعييتني بأشر فكيف بدُرْدُرٍ"1 يقول لم تَقْبلِي الريِّاضةَ وأَنت شَابَّةٌ فكيف أرجوها منك بعد الهَرَم قَالَ جرير:
تلقَى الفَتاةُ من الشُّيوخ بَلِيَّةً ... ويَقلن أُفٍّ لِكُلِّ شَيْخ أَدْرَدَا 2
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ "أَوْصَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خِفْتُ عَلَى عُمُورِي" 3.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الأُبُلِّيُّ نا عَبْدَانُ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ تَسْنِيمٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى نا عُمَرُ بْنُ صُبْحٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
العُمُورُ اللّحمُ بين الأسنان 4
والواحِدُ عُمْرٌ وعَمْرٌ قَالَ الشاعر:
ذهب الشَّبَابُ وأخلَف العَمْرُ ... وتَغَيَّر الأزمان والدهر 5
أخلف: تغير.
__________
1 اللسان"أشر, درر", وجمهرة الأمثال 2/ 7, والمستقصي 1/ 275.
2 البيت ملفق من البيتين:
وإذا الشيوخ تعرضوا لمودة ... قلن التراب لكل شيخ أدردا
تلقى الفتاة بليلة ... إن البلية كل شيخ أفندا
وهما في الديوان /181.
3 الفائق "عمر"3/ 27, وجاء فيه جمع عمر, روي فيه الضم, وهو لحم اللثة المستطيل ببين كل سنين.
4 اللسان "عمر": العمور: منابت الأسنان, واللحم الذي بين مغارسها.
5 اللسان "عمر" برواية: "وتبدل الإخوان والدهر", وعزي لابن أحمر وهو في ديوانه /90 ط بغداد.
(1/104)

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: "لَزِمْتُ السِّوَاكَ حَتَّى كِدْتُ أُحْفِي فَمِي 1" يريد بالفم الأسنان. وهذا مثلُ قولِه للعباس: "لا فَضّ الله فاك".
أخبرني أبو عمر أنا ثعلب عن ابن الأعرابي في قولهم لا يَفْضُضِ الله فَاكَ قَالَ أَرادَ لا يكسِر الله أسنانَك التي في فيك فحُذِف لعلم المخاطب كما يقال يا خيل الله اركبي يراد يا ركاب خيل الله اركبي.
__________
1 أخرجه ابن ماجه 1/ 106 بألفاظ متشابهة.
(1/105)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ جَعَلَ نِسَاءَهُ فِي أُطُمٍ.
قَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَطَلَّ عَلَيْنَا يَهُودِيٌّ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَضَرَبْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ ثُمَّ رَمَيْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَتَقَضْقَضُوا وَقَالُوا لَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتْرُكْ أَهْلَهُ خُلُوفًا 2"
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عُرْوَةَ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ صَفِيَّةَ
الأُطُم الحِصْن المبني بالحجارة والجمع الآطام وأَطَلَّ أي أشرف وقوله: تَقَضْقَضُوا أي تفرَّقوا وأصله تَقَضَّضُوا من القَضِّ وهو كَسْر الشيءِ وتَفرِيقُ أجزائه
ومن مذهبهم إدخالُ الحرف بين الحَرْفَين من جِنْسٍ واحد كراهة اجتماعهما وأكثره في المضعف
والقَضَض [28] / والقَضَّةُ ما تَفَتَّت من الحَصَا
وأنشدنا أبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب يَصِف دلوا:
__________
2 ذكر الهيثمي في مجعمه 6/ 114, وقال الطبراني في الكبير والوسط.
(1/105)

قد سقطت في قضة من شَرْجِ ... ثُمَّ استَقَلَّت مِثَل شِدْقِ العِلْجِ 1
يريد أنَّها سَقَطت عَلَى حجارة لا ماءَ فيها والشَّرْجُ مجرى الماء وشَبَّهها بشِدْق العِلْج لانضمامها والعِلْجُ الحمار.
قَالَ وأخبرنا ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين قَالُوا القِضَّةُ بالكسر عُذرَةُ الجارية والقُضَّةُ بالضم العَيْبُ والقَضَّةُ بالفَتْح الحَصَا الصِّغار.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيُقَضْقِضُهَا 2": أَيّ يُقَطِّعُهَا" ويقال أسدٌ قَضْقَاض وهو الَّذِي يُكسِّر الفَرِيسة ويُقَطِّعها قَالَ رؤبة:
جاوزَتْ من حَيَّةٍ نَضْنَاضِ ... وأسَدٍ في غيلِهِ قَضْقَاضِ 3
وقوله: لم يترك أهلَه خُلوفًا أي لم يُخَلِّفْهن لا حامِيَ لهن ولا رجلَ معهن يقال الحَيُّ خُلوفٌ إذا خَلَّفوا أثقالَهم وخرجوا في رَعْيٍ أو سَقْيٍ أو نحو ذلك يقال أخلف الرجل إذ استقى الماء واستخلف مِثله قَالَ ذو الرُّمَّةِ يصِف القَطا:
ومستَخْلِفاتٍ من بلاد تَنُوفَةٍ ... لمِصْفَرَّةِ الأَشْداقِ حمر الحواصل 4
__________
1 اللسان "قضض" دون عزو.
2 أخرجه ابن حبان, انظر موارد الظمآن /205, وذكره المنذر في الترغيب 1/ 540, والهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 164 برواية "فيقضمها" بدل "فيقضقها".
3 اللسان والتاج "قض, نض", والديوان /82.
4 اللسان والتاج "خلف", والديوان /498.
(1/106)

وأنشدنا أَبو عُمَر أنشدنا أبو العباس عن سَلَمَة عن الفرّاء:
ويَهْمَاءَ يَسْتافُ التّرابَ دَلِيلُها ... وليس بها إلا اليَمانِيَّ مُخْلِفُ.
يريد أنهم إذا عَطِشوا بَقَرُوا [بالسيوف] 1 بُطونَ الإبل فشربوا ما في أكراشها.
__________
1 من م, ط, ح.
(1/107)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "اتققوا الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ" 2
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ ثنا عُمَرُ 3 بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ" 4
الْمَوَارِدُ: الطُّرُقُ إِلَى الْمَاءِ وَاحِدُهَا مَوْرِدَةٌ بِالْهَاءِ وإنّما تأولناه عَلَى المَشارِع وطُرُقِ الماء وإن كانت شوارعُ الطّرق قد تُسمَّى الموارد أيضًا لأنَّ ذِكرَ قارعةِ الطَّرِيق قد جاء مقرونًا به في الخَبَر فلم يكن في إعادته فائدة
__________
2 النهاية "برز": البراز: بالفتح: اسم للقضاء الواسع, فكنوا به عن الغائط كما كنوا عنه بالخلاء لأنهم كانوا يتبرزون في الأماكن الخالية من الناس. وعزي للخطابي وقوله: المحدثون يروونه بالكسر وهو خطأ: لأنه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب, وقال الجوهري بخلافه, وهذا لفظه: البراز: المبارزة في الحرب, والبراز أيضا كناية عن ثقل الغذاء, وهو الغائط, ثم قال: والبراز بالفتح: القضاء الواسع, وتبرز الرجل: أي خرج إلى البراز للحاجة, وقد تكرر المكسور في الحديث.
3 هو عمر بن الخطاب السجستاني "بكسر المهملة والجيم وسكون المهملة بعدها مثناة": نزيل الأهواز القشيري, صدوق "ت 264 ه" عن التقريب 2/ 54.
4 سنن أبي داود 1/ 7, وابن ماجة 1/ 119, والفائق "لعن" 3/ 318.
(1/107)

وقال جرير:
أميرُ المؤمنين عَلَى صِراطٍ ... إذا اعوَجَّ المواردُ مُسْتَقيمِ 1
والوارِد الطريقُ أيضًا قَالَ لبيد:
ثُمَّ أصدرناهما في واردٍ ... صادرٍ وَهْمٍ صُواهُ قد مَثَل 2
وَحَدَّثَنَا الْأَصَمُّ نا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [29] / " اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ" قِيلَ يَا: رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمَلَاعِنُ؟ قَالَ: " يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يَسْتَظِلُّ فِيهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ نَقْعِ مَاءٍ" 3
والنَّقْع: مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَشَرَّابٌ بأَنْقُعٍ جَمْعُ النَّقْعِ وَالْمَلاعِنُ جَمْعُ مَلْعَنَةٍ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مَلاعِنَ للعن الناس فاعلها
__________
1 الديوان /507, والبيت من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك.
2 شرح الديوان /185, والوارد أو الصادر: والصوى: أعلام حجارة منصوبة في الفياقي يستدل بها على الطريق.
3 أخرجه أحمد 1/ 299.
(1/108)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ بَعَثَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الأَقْلَحِ وَخُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ فِي أَصْحَابٍ لَهُمَا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَتَخَبَّرُونَ لَهُ خَبَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّجِيعِ اعْتَرَضَتْ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ عَاصِمٌ:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنابِلُ
تَزِلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ ... وَالْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ 4
__________
4 س: "صفحة", والبيت الول في اللسان والتاج "نبل", والأبيات في الجمهرة 3/ 392, وروى البيت الول: "ما علتي وأنا طب نابل". وعاصم هو عاصم بن ثابت بن الأقلح.
(1/108)

وَضَارَبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ وَأَسَرُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ فَكَانَ عِنْدَ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ قَالَ لامْرَأَةِ عُقْبَةَ أَبْغِينِي حَدِيدَةً أَسْتَطِيبُ بِهَا فَأَعْطَتْهُ مُوسِي فَاسْتَدَفَّ بِهَا فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَرْفَعُوهُ إِلَى الْخَشَبَةِ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا 1.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قوله: ما عِلَّتي يقول ما عُذْرِي في تَركِ القِتال وأنا جَلْد ومَعِي سِلاح يقال رجل نابِل إذا كان معه نَبْل وهي السّهام العربية اسم جماعة فإذا أرادوا الواحد منها قَالُوا سَهْم كما قيل لواحد النساء امرأة.
وقوله: وتر عُنَابل معناه مَتِين صُلْب يقال في الوَاحِد عُنابِل بضَم العين وفي الجميعِ عَنَابل بفتحها لأن فُعالِل تُجمَع عَلَى فَعَالل كما قَالُوا جُوَالق وفي الجمع جَوَالق.
والمَعَابِلُ: النِّصال العَرِيضَة التي لا عَيْرَ لها وعَيْرُها المرتَفِع منها في وَسَطِها واحدتها مِعْبَلَة قَالَ الشاعر:
وآخَرَ منهمُ أجررْتُ رُمحي ... وفي البَجْلِيِّ مِعْبَلَةٌ وقِيعُ 2
يقال: أجررتُ الرَّجلَ الرَّمحَ إذا طعنتَه به فتركتَه فيه وقال آخر:
فهذا أَوانُ الشِّعْرِ سُلَّتْ سِهامُه ... معابلها والمرهفات السلاجم
__________
1 ذكر القصة البخاري في 5/ 132, وابن هشام في 3/ 93 وغيرهما مفصلة بسياق آخر وانظر البداية والنهاية 4/ 62 - 67.
2 اللسان والتاج "بجل", وعزي لعننترة وهو شرح ديوانه/105.
(1/109)

وقوله: أَسَتطِيب بها يُرِيد الاحْتلاقَ وسمَّاه استطابةً لِمَا فيه من إزالة الأَذَى وطَهارةِ البَدَن كالاستِنجاء يُسَمِّيه أَهلُ الحجاز استطابةً لهذا المَعْنى ومن هذا قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} 1 أي طاهرًا وسَمَّى رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينَة طابَةً يُرِيد أنّها طاهرة من الخُبْثِ والنِّفاق
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنْصِعُ طَيِّبَهَا" 2
وقوله: استدَفَّ بها يُرِيد حَلْقَ الشَّعْر واستِئصالَه 3 وهو مأخوذ من قولك دافَفْتُ الرجلَ أُدَافُّه وهو إجهازُك عليه ويقال في معناه استَعان الرَّجلُ إذا حَلقَ عانَتَه ويُذكَر عن بشر بن عَمْرو بن مَرْثد أَنَّه حِينَ أُرِيد قَتلُه قَالَ أَجِيُروا لي سَراويلي فإني لم أَستَعِن ومنه قول الشاعر [يصف سائلًا شَبَّهه بالقُراد] 4:
مِثلَ البُرام غَدَا في أُصْدَةٍ خَلَقٍ ... لم يَسْتَعِن وحَوامي المَوْتِ تَغْشاه 5
[30] / وقوله: اقتُلْهم بَدَدًا أي متفرقين واحِدًا واحدًا ومَن رواه بِدَدًا فإنه جمع بِدَّة وهي الحِصَّة كأنه قَالَ اجعَلْه أَقسامًا وحصصا على السواء بينهم
__________
1 سورة النساء: 43 والمائدة: 6.
2 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 266 - 267 والنسائي 7/ 151, وأحمد 3/ 306 - 307.
3 ت: "وهو استئصاله".
4 من ت.
5 اللسان "أصد" دون عزو وقد سبق في اللوحة /21.
(1/110)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ فَمَرَّ فَتًى مِنْهُمْ بِنَاضِحِهِ يُرِيدُ سَقِيَّتَهُ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فَطَوَّلَ مُعَاذٌ فَصَلَّى الْفَتَى ثُمَّ خَرَجَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ "يَا مُعَاذُ أَعُدْتَ فَتَّانًا إِذَا كُنْتَ إِمَامًا لِلنَّاسِ فَخَفِّفْ" 1
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمَرْوَزِيُّ نا النَّضْرُ أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
السَّقِيَّةُ النَّخْل التي تُسقَى بالسَّوانِي قَالَ امرؤُ القَيْس:
وكَشْحٍ لَطِيفٍ كالجديل مُخَصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ 2
وقوله: أَعدُتَ فَتَّانا معناه أَصِرت فَتَّانا يقال عَادَ فلان يَفعَل كذا أي صارَ يَتعاطاه ومن هذا قوله: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} 3: أي صَار كالعُرجُون قَالَ الشاعر:
أَطَعتُ العُرسَ في الشّهوات حتى ... أعادَتْني عَسِيفًا عَبْدَ عَبْدِ 4
وقال أبو الصَّلْت الثَّقَفِيّ:
تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لبن ... شِيبًا بِماءٍ فعادا بَعدُ أبوالا 5
ومنه قَوْلُ كَعب وَدِدْتُ أنّ هذا اللّبنَ يعود قَطِرانًا فقيل لِمَ يا أبا إسحاق قَالَ تَتَبَّعَتْ قُريشٌ أَذنابَ الإِبِل في الشِّعاب وتركوا الجماعات.
- وفيه من الفِقْه أنَ خُروجَ المرء من صَلاةِ إمامه لِعُذْرٍ لا يُفسِد صَلاتَه.
__________
1 لم نجد بهذا السياق, والأصل مخرج في الصحيحين: انظر البخاري 1/ 171 ومسلم 1/ 339 - 340, وأخرج أحمد نحوه في مسنده 3/ 124 و 299, وانظر مجمع الزوائد 2/ 71.
2 الديوان /17.
3 سورة يس: 39.
4 اللسان "عسف", وعزي لنبيه بن الحجاج. والعسيف: الأجير.
5 التاج "قعب" دون عزو. واقتر الأساس "قعب" على السطر الأول.
(1/111)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَجَفِيرَهَا نَفَى اللَّهُ عَنْهُ الْفَقْرَ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَبَلَةَ الْبَاهِلِيُّ نا مَرْدَوَيْهِ بْنُ يَزِيدَ نا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ.
الجَفيرُ الكنِانَة قَالَ عَنْتَرةُ:
ما يَدرِي جُرَيَّة أَنَّ نَبْلِي ... يكون جَفِيَرها البَطَلُ النَّجِيدُ 2
وقال آخر:
وفي جَفِير النَّبْل حَشْراتُ الفُوَقْ ... وخصّ القَوسَ العربية لكراهِيتهِ زيّ العَجَم
ويروى: "أنه رأى رَجُلًا ومعه قوسٌ فارِسِيَّةٌ فَقَالَ أَلْقِها"3
__________
1 الفائق "جفر" 1/ 221 وفيه: الجفير: الواسعة من الكنائس, ومنه الفرس المجفر.
وتقدير قوله: وجفيرها: وجفير سهامها, وأخرجه ابن الأعرابي في مجمعه لوحة 111 ب.
2 الديوان /49.
3 مجمع الزوائد /267, 268.
(1/112)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُمْ حَاسُوا 4 الْعَدُوَّ ضَرْبًا يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى أَجْهَضُوهُمْ عَنْ أَثْقَالِهِمْ وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَمِيعَ اللأمة كان يجوز الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُ اسْتَوْسِقُوا كَمَا يَسْتَوْسِقُ جُرْبُ الْغَنَمِ فَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً بَلَغَتْ وركه" 5
__________
4 ح: "حاشوا" تصحيف.
5 ذكر ابن سيد الناس جزءا من هذا الحديث في عيون الأثر 2/ 6.
(1/112)

حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
قَوْلُهُ: حَاسُوا الْعَدُوَّ ضَرْبًا أَيْ أَسْرَعُوا إِلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ وَالْحَوْسُ الإِقْدَامُ وَالتَّسَرُّعُ
يُقَالُ رَجلٌ أَحْوَسُ أَيْ مِقْدَامٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ وَحَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ يُقَالُ تَرَكْتُ فُلانًا يَحُوسُ بَنِي فُلانٍ وَيَجُوسُهُمْ [وَيَدُوسُهُمْ] 1 أَيْ يَطَؤُهُمْ فَأَمَّا الْحَسُّ فَهُوَ الْقَتْلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} 2
وَمَعْنَى أَجْهَضُوهُمْ نَحَّوْهُمْ [وَبَعَّدُوهُمْ] 3 وَطَرَدُوهُمْ وَالأَصْلُ [31] / فِي الإِجْهَاضِ الإِزْلاقُ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلسِّقْطِ جَهِيضٌ.
وَاللَّأْمةُ الدِّرْعُ تُجْمَع عَلَى اللُّؤَمِ [عَلَى غَيْرِ قياس] 4 ويجوز الْمُسْلِمِينَ: أَيْ يَسُوقُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: اسْتَوْسَقُوا مَعْنَاهُ اجْتَمَعُوا وَانْضَمُّوا يَسُومُهُمُ الانْقِيَادُ وَالاسْتِسْلامُ
يُقَالُ اسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي صِرْمَةَ الأَنْصَارِيِّ:
إِنَّ لَنَا قَلائِصًا نَقَانِقا ... مُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ يَجِدن سَائِقًا 5
شبهها بالظلمان لسرعتها والنقنق الظَّليم وحَبْل العَاتِق رِباطُ مَا بينه وبين المنكب.
__________
1 من ح.
2 سورة آل عمران: 152.
3 من ت وم.
4 من ط. وفي اللسان "لأم": على غير قياس, كأنه جمع لؤمة"كغرفة".
5 اللسان والتاج "وسق" وعزي للعجاج, ولم أقف عليه في ديوانه ط /بيروت.
(1/113)

وَفِي قِصَّةِ أُحُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا يَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ [هَذَا] 1 حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ" 2
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا النُّفَيْلِيُّ نا زُهَيْرٌ نا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ
قوله: يَخْطَفُنَا الطّيرُ مَثَل والمعنى إن رأيتمونا قد انهزمنا وولَّينا [فلا تَبْرحوا يقال فلان ساكنُ الطَّيرُ وواقعُ الطَّير] 3 إذا كان هادِئًا وَقُورًا وضُرِبَ المَثَلُ بالطَّير لأنه لا يَقَع إلا عَلَى الشيء السّاكن.
ويقال للإنسان إذا طاش وأَسْرع قد طار طَيْرُه قَالَ لَقِيطٌ الإياديٌ:
هُوَ الجَلاءُ الَّذِي يجتزُّ أَصلَكم ... إن طار طيرُكُم يومًا وإن وَقَعَا 4
يريد إن أقمتم أَوْ سِرْتم.
وَفِي قِصَّةِ أُحُدٍ: "أَنَّهُ أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَزَجَلَ بِهَا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ"5
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عُثْمَانَ الْجَزْرِيِّ عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
زَجَل بها أي رَمَى بها وأكثَرُ ما يقال ذَلِكَ في الشيء الرّخوِ كالقَصَبة ونحوها.
__________
1 من ط.
2 من سنن أبي داود 3/ 51 والبخاري 5/ 150 وغيرهما.
3 ساقط من ح.
4 الديوان /47 برواية: "هو البلاء الذي ينبغي مذلتكم".
5 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 356 في قصة طويلة بلفظ: "فجزل".
(1/114)

وفي قصة أُحُد أنّه قَالَ لأصحابه "اليوم تُسَرَّوْن" سمعت أبا عمر يقول معناه اليومَ يُقْتَل سَرِيُّكم فَقُتِل حَمْزَةُ. ويقال تُشُرِّفَ القَومُ إذا أُصِيب شَريفُهم وتُكُمُّوا إذا قُتِل كَمِيُّهم وأنشد:
بَلْ لو شهِدْتَ القَومَ إذ تُكُمُّوا 1
ويقال اسْتِيدَ القَومُ إذا أُصِيبَ سَيِّدُهُم واستِيدَ فيهم إذا خَطَب إلى سادَتِهم وأنشَدَ البَاهليُّ:
أرادَ ابنُ كُوزٍ والسَّفَاهَةُ كاسْمِها ... لِيَسْتَادَ مِنَّا أن شَتَوْنا لَيَاليَا
تَبَغَّ ابنَ كُوزٍ في سِوانا فإنه ... غذا الناسُ مذ جاء الرَّسولُ الجَوارِيَا 2
يريد أنهم تركوا وَأْدَ البنات.
__________
1 اللسان "كمم" وعزي للعجاج وهو في ديوان /422.
2 اقتصر اللسان والتاج "سود" على البيت الأول. وجاء في مادة "شتا" أيضا مع اختلاف في الرواية.
(1/115)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَثَلُ الرَّافِلَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا كَالظُّلْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا نُورَ لَهَا"1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا ابْنُ سَالِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الرَّافلَة في غير أهلها المُتَبَرِّجَةُ بالزِّينة لغير زَوْجها يقال رَفَلَ الرجلُ إزارَه وأَغدفَ إزاره وأسبَلَه وأَذَالَه إذا أرخاه والرَّفْل الذَّيْل أيضًا قَالَ الشاعر يمدح المهلب:
__________
1 أخرجه الترمذي 3/ 461.
(1/115)

إذا نادى الشّرَاةُ أبا سَعِيد ... مَشَى في رَفْل مُحْكَمَةِ القَتِيرِ
وفيه أنّه لم يكره لها الزِّينةَ إذا كانت في أهلها.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ [32] /: "أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ تَعَطُّرَ النِّسَاءِ وَتَشَبُّهَهُنَّ بِالرِّجَالِ"
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أَبُو رُوَيْقٍ نا الْقَعْنَبِيُّ نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ تَعَطُّرَ النِّسَاءِ وَتَشَبُّهَهُنَّ بِالرِّجَالِ"1 فوجهه إن كان أَرادَ به العِطْرَ أن يكرهَه لَهُنَّ إذا كان لغَيْر أزواجهن إلا أَنَّي أراه 2 تَعَطُّلَ النِّساء باللام وقد تُبَدل اللامُ رَاءً لأَنهما أُخْتان في قُرب المَخْرج كقولهم سَمَل عينَه وسَمَر عَيْنَه والتَّعَطُّل أن تكون المرأة عُطُلًا لا حُلِيّ عليها ولا خِضَابَ يقال امرأة عُطُل وعَاطِل قَالَ الشَّمَّاخ 3:
دارُ الفتاةِ التي كنّا نَقُول لها: ... يا ظَبْيَةً عُطُلًا حَسَّانَةَ الجِيدِ
ويشهد بصحة هذا التأويل قولُه: وتشبههن بالرجال.
__________
1 النهاية "عطر" 3/ 256, وفيها الذي يظهر ريحه كما يظهر عطر الرجال.
2 في كنز العمال 6/ 398, بلفظ " ... كره التعطل للنساء" وعزاه للسمويه.
3 م: قال الشاعر, والبيت في ديوانه/112.
(1/116)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ نُقَادَةَ الأَسَدِيَّ قَالَ يَا رسول الله إِنِّي رَجُلٌ مُغْفِلٌ فَأَيْنَ أَسِمُ قَالَ: "فِي مَوْضِعِ الْجَرِيرِ مِنَ السَّالِفَةِ" قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اطْلُبْ إِلَيَّ طَلِبَةً فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُطْلِبَكَهَا قَالَ: "أَبْغِنِي نَاقَةً حَلْبَانَةً رَكْبَانَةً غَيْرَ أَنْ لا تُوَلِّهَ ذَاتَ وَلَدٍ عَنْ وَلَدِهَا" 1
يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي مَسَرَّةَ 2 عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسَيْحٍ [الأَسَدِيِّ] 3 عَنْ عُتَيْبَةَ 4 بْنِ عَاصِمِ بْنِ سِعْرِ بْنِ نُقَادَةَ عَنْ أبيه عن جده عن نُقَادَةَ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مسيح مِثْلَهُ وَسَاقَ الْخَبَرَ إِلا أَنَّهُ ل"م يَذْكُرْ إِنِّي رَجُلٌ مُغْفِلٌ وَلا حَلْبَانةً رَكْبَانَةً".
قَوْلُهُ: إِنِّي رَجُلٌ مُغْفِلٌ يُرِيدُ أَنَّهُ صَاحِبُ إِبِلٍ أَغْفَالٍ وَالأَغْفَالُ هِيَ الَّتِي لا سِمَةَ عَلَيْهَا.
قَالَ الأصمعيّ الأَطلاق من الإِبِل التي لا عُقُل عليها والأَعْطال التي لا أَرسانَ عليها وقال الكسائِي الباهلُ من الإبل التي لا سِمَة عليها قَالَ والجَمعُ المَبَاهِيلُ والجَرِيرُ الزَّمامُ والسَّالِفَةُ مُقَدَّمُ صَفْحَةِ العُنُق وسُمِّيت سالِفَةً لأنَّها تتقَدَّم البَدَن قَالَ الشاعر:
إنّا لنَصْفَحُ عن مَجاهِل قومِنا ... ونُقِيم سالِفَةَ العَدُوِّ الأَصْيَدِ
وسالف كل شيء أَوَّلُه وسُلافَةُ الخَمْر ما سال من العِنَب قبل أن يعصر.
__________
1 ذكر البخاري طرفا منه في التاريخ الكبير 4/ 2/127.
2 م: "ابن ميسرة", والمثبت من س وط وح ت.
3 في المشبه 2/ 590: ابن مسيح باثنتين من تحت, وكذلك ذكره الدارقطني في كتابه فقال: عبد العزيز بن مسيح, ويقال: مسيح بكسر السين, وقيل صوابه بالموحدة, وفي ت وس "مسبح" بتشديد الباء المكسورة.
4 ت, ح: "عيينه".
(1/117)

وقوله: حَلْبَانَةً رَكْبَانَةً يُريد [ناقةً] 1 غَزِيرةً تُحلَب وراحلةً تُرْكَب يقال ناقَةٌ حَلْبَاةٌ رَكْبَاةٌ وحَلْبَانَةٌ رَكْبَانَةٌ قال الشاعر:
حلبانة ركبانة ضفوف ... تَخْلِط بين وَبَرٍ وَصُوفِ 2
الضَّفُوفُ الغَزِيرة ويروى صَفُوف وهي التي تَصُفُّ يَدَيْها عند الحلَب والصَّفُوف أيضًا هي التي تجمع بين مَحْلَبَيْن في حَلْبةٍ.
وقوله: تَخْلِط بين وَبَرٍ وصُوفِ يَصِف سَيَرها يقول كأنَّ يَدَيْها يَدَا ناسِجَةٍ تَخْلِط بين وَبَرٍ وَصُوفٍ من سرعتها وقال آخر:
إن الحَرام غَزِيرةٌ حَلْبَانَةٌ ... ووجدتُ حالِبَةَ الحَلالِ مَصُورَا
ويُرْوَى غزِيرَةٌ حَلَبَاتُهُ ومنه المَثَل الحَلالِ يقطر والحرام يَسيل والطَّلِبَةُ الحاجة والإِطلابُ إنجازُها يقال طلب إلي فأطلبتُه أي أسعفْتُه بما طلب [33] /, ومثلُه سأل فأَسْأَلْتُه أعطيته سُؤْلَه ويقال ابغني كذا أي اطلُبه لي وأَبْغِنِي بقَطْع الألف أي أَعِنِّي عَلَى طلبه ومِثْلُه أَحْمِلْنِي أي أَعِنِّي عَلَى حَمُولَتِي وكذلك أَحْلِبْنِي عَلَى الحَلَب ومِثْلُه كثير.
__________
1 من ت وم.
2 اللسان "ضعف", واقتصر على البيت الأول ولم يعزه.
(1/118)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ قَالَ لأبِي بَكْرٍ: "مَتَى تُوتِرُ؟ " فَقَالَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ, وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَتَى تُوتِرُ؟ " فَقَالَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ [1 فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ "أَخَذْتَ بِالْحَزْمِ" وَقَالَ لِعُمَرَ "أخذت بالعزم 2 "
__________
1 ساقط من ح نحو أبع صفحات من حجم الفلوسكاب.
2 أخرجه أبو داود 2/ 66, وفيه: وقال لعمر: "أخذت بالقوة" , والبيهقي في السنن 3/ 35.
(1/118)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيلَحِينِيُّ 1 نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
الحَزْم الحَذَرُ والعَزْم القُوَّة ومنه المَثَل "لا خَيْرَ في عَزْمٍ بغَير حَزْم" معناه أَنَّ القُوَّة إذا لم يكن معها حَذَرٌ أَورَطت صاحِبَها وأَفضَت 2 به إلى العَطَب ومن هذا قول الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ} 3 يقال في تفسيره أُولو القُوَّة والصَّبْر وقال: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} 4 يقال ثَباتًا وقُوَّةً وقال بعضهم الحَزْمُ التَّأَهُبُ للأمْر والعَزْم النَّفَاذُ فيه وفي بعض الأمثال "رَوِّ تَحزِم فإذا استوضَحْتَ فاعْزِم"5
وأخبرني الْكَرَّانِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيب قَالَ قَالَ الأصمَعيُّ سمِعتُ أعرابيَّا يقول أَسْعَدُ الحَزَمَةِ مَنْ جمع إلى حَزْمِه عَزْمًا وقال بعض أهل اللغة قولُهم رجل حازِمٌ معناه جامِع لرأيه مُتَثَبِّت في أمرِهِ من قولهم حَزَمتُ المتَاعَ إذا جَمعتَه ويقال حَزُمَ الرَّجلُ وحَزَم قَالَ الشاعر:
وصاحبٍ قد قَالَ لي وما حَزَمْ
وقد جاء الوَجهُ الَّذِي قدَّمناه أولًا مفسرا في الحديث.
__________
1 في أبي داود 2/ 66: "السلحيني" بالحاء المهملة, وفي التقريب 2/ 342: يحيى بن إسحاق السليحيني بمهملة ممالة, وقد تصير الفا ساكنة وفتح اللام وكسر المهملة, ثم تحتانية ساكنة ثم نون, أبو زكريا أو بكر نزيل بغداد صدوق مات سنة عشرين ومائتين.
2 ت: "وأفضت له" ولم يرد الم ثل بهذا اللفظ في كتب الأمثال, وإنما الذي فيها "قد أحزم لو أعزم" أي إن عزمت الرأي فأمضيته فإنا حازم, وإن تركت الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعني حزمي, والمثل في الميداني 2/ 104, والمستقصى 2/ 189.
3 سورة الأحقاف: 35.
4 سورة طه: 115.
5 المستقصى 2/ 105, وروايته: "تروئ تحزم, فإذا روات فاعزم".
(1/119)

حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ 1 بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ تَذَاكَرَا الْوِتْرَ عند رسول الله فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَنَامُ عَلَى وِتْرٍ فَإِنِ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى الصَّبَّاحِ وَقَالَ عُمَرُ لَكِنِّي أَنَامُ عَلَى شَفْعٍ ثُمَّ أُوتِرُ مِنَ السَّحَرِ فَقَالَ النَّبِيُّ لأَبِي بَكْرٍ: "حَذِرَ هَذَا" وَقَالَ لِعُمَرَ: "قَوِيَ هَذَا" 2
__________
1 م: "محمد بن هاشم الدبري".
2 أخرجه عبد الرزاق 3/ 14.
(1/120)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَزَالُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا أَعْمَالا فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شَرَّ خَلْقِهِ فَلَحَتُوكُمْ كَمَا يُلْحَتُ الْقَضِيبُ" 1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ ثنا يَعْلَى بْنُ عَبَّادٍ نا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ فُلانٍ أَوْ فُلانِ بْنِ الْقَاسِمِ شَكَّ يَعْلَى عَنِ ابْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ 2 وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ فَقَالَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ 3
قوله: لَحَتُوكم من اللَّحْت يقال لَحَتَ فلان عصاه لَحْتًا إذا قَشَرها ولَحَتَه بالعذْل لَحْتًا مِثْلُه واللَّتْح القشر أيضًا. قَالَ أبو النَّجْم:
يَلْتَحْن وَجْهًا بالحصى ملتوحا 4
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 1/ 458 و 5/ 274 بألفاظ متقاربة.
2 في مسنده أحمد 4/ 118: شُعْبَةُ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثابت, عن عبيد الله بن القاسم, أو القاسم بن عبيد الله بن عتبة, عن أبي مسعود.
3 في مسند أحمد 5/ 274: سفيان, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ, عن القاسم بن الحارثة, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بن عتبة, عن أبي مسعود.
4 اللسان والتاج "لتح", يصف عانة طردها مسحلها وهي تعدو وتثير الحصا في وجهه.
(1/120)

وقد يجوز أن يكون من المقلوب كقولهم جَذَبَ وجَبَذَ وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قَالَ كان جَرِيرٌ أَلْتَح أصحابهِ هِجَاءً فأما اللَّحْبُ فهو قَطْعُك الشيء طُولًا ومنه قولهم طِريقٌ لاحِبٌ أي مَسْلُوكٌ مُنْقَادٌ لمن يَسْلكها وقد لَحِبَ جَنْبُ العَجُوز إذا ذَهَبَ لَحمُه وأنشدنا ابن الأعرابيّ أنشدنا ابنُ أبي الدنيا:
[34] / عَجُوزٌ تُرَجِّي أن تَعُودَ فَتِيَّةً ... وقد لُحِبَ الجَنْبان واحْدَوْدَب الظَّهْرُ
تَدُسُّ إلى العَطَّار ِميرةَ أهلِها ... ولن يُصْلِحَ العَطَّارُ ما أفسد الدَّهْرُ 1
وفي بعض الروايات من هذا الحديث "فالتَحوكم كَمَا يُلْتَحى القَضِيبُ" 2 والمعنى واحد يقال لَحوتُ العَصَا والْتَحَيْتُها إذا أخذتَ لحاءَها قَالَ المُتَلَمِّس:
لعمرُك إنِّي في نوائبَ تَلْتَحِي ... لِحَاءَ الفَتَى عن عُودِه لصليب 3
__________
1 اقتصر اللسان والتاج "لحب" على البيت الأول من غير عزو, وهو في الجمهرة لابن دريد 1/ 229, وعزي لجران العود, ولم أقف عليه في ديوانه. ط دار الكتب المصرية.
2 تقدم تخريجه.
3 لم أقف عليه في ديوانه.
(1/121)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ صَلَّى مَعَهُ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مُتَمَزِّقٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ دَعَا لَهُ بِثَوْبٍ فَقَالَ تُوَدِّعُهُ بِخَلَقِكَ هَذَا" 1
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَتُّوثِيُّ نا أَبُو رُوَيْقٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الله بن أنيس
__________
1 في النهاية "ودع" 5/ 166 بروية: "تودعه" بصيغة الأمر, وجاء فيها أي صنه به, يريد البس هذا الذي دفعت إليك في أوقات الاحتفال والتزين.
(1/121)

التَّودِيعُ أن تجعلَ ثَوْبًا وِقَايَةَ ثَوبٍ آخَرَ يقال ثَوبٌ مِيدَعٌ وهو المُبْتَذَلُ قَالَ ذو الرُّمَّة:
هي الشمسُ إشراقًا إذا ما تزينت ... وشبه النقا مُغْتَرَّةٌ في الموادع 1
قَالَ أبو زيد المَبَاذِلُ والمَعَاوِز والمَوَادِع الثِّياب الخُلْقان واحدِتُها مِبْذَلَة ومِعْوَزَة ومِيدَعة.
__________
1 كذا في الديوان /358. وفي هامش م أي أتيتها في حال غرة. وفي اللسان والتاج "ودع" برواية: مفترة".
(1/122)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَمِيرِي مِنَ الْمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ"1
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْهِ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قوله: أَمِيري أي وَليِّي وصاحِبي وكل من فَزِعْتَ إلى مُؤَامرته ومُشَاوَرَته فهو أميرك والعَقْلُ أمِير النَّفس لأنها إذا أرادت أَمرًا راجَعَتْه قَالَ الشَّمّاخُ يذكر رجلًا أُعْطِي بقوسٍ له ثمنا فهو يُؤَامر النَّفسَ في إمضاء البيع أو رده:
فَظَلَّ يُناجي نَفْسَه وأَمِيرَها ... أَيأْتِي الَّذِي يُعطَى بِها أم يُجَاوِزُ 2
يعني عقلَه وقال زُهَير:
وقال أَمِيري هل تَرَى رَأْيَ ما نَرى ... أَنَخْتِلُهُ عن نَفْسِه أَم نصاوله 3
يريد صاحبه.
__________
1 النهاية "أمر" 1/ 66.
2 ديوانه /189.
3 ديوانه/132.
(1/122)

ومِمّا جاء عَلَى وزنِه وَزِيرٌ ونَديم يقال هُوَ وَزِير المَلِك إذا كان يُؤازِرُه وندِيمه إذا كان يُنادِمه وشَرِيبُه إذا كان يُشارِبُه قَالَ الشاعر:
إنا إذا نازَعَنا شَرِيبُ ... لنا ذَنُوبٌ وله ذنوب 1
ونرى والله أغلم أَنه أَرادَ بهذا القول مُخالفَةَ اليَهُود لأنهم كانوا يقولون إنَّ صاحِبَنا مِيكائيل لأنه يأتي بالرّحمة والخير وإن عَدُوَّنا جبريل لأنه يأتي بالبلاءِ والعَذاب فأنزل الله {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ 2}
__________
1 اللسان والتاج "ذنب" برواية: "لها ذنوب ولكم ذنوب".
2 سورة البقرة/97.
(1/123)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّنِي لا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلا أَحْبِسُ الْبُرُدَ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ أَخْبَرَهُ قَالَ بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ أُلْقِيَ فِي قَلْبِي الإِسْلامُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [35] /: "إِنِّي لا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ"1
يقال خاسَ فلان وَعْدَه إذا أخْلَفَه وخاسَ بالعَهْدِ إذا نَقَضَه وأصله في الطَّعام إذا تَغَيَّر وفسد.
يقال خاسَ الشّيءُ في الوِعَاء إذا تَغَيَّر وفَسَد كالتَّمْرِ والجَوْز وما أشبه ذَلِكَ.
وخاسَتِ الجِيفَةُ إذا بدت تُرْوِحُ وكان قد صالح قريشًا عَلَى أن يَرُدَّ إليهم مَنْ أَتاه منهم.
__________
1 سنن أبي داود 3/ 82, وأحمد 6/ 8.
(1/123)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا الصَّائِغُ ثنا الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتَ عُقْبَةَ خَرَجَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِيَ عَاتِقٌ فَقَبِلَ هِجْرَتَهَا وَأَقْبَلَ أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ فَرَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ 1.
الْعَاتِقُ الْجَارِيَةُ حِينَ تُدْرِكُ.
أخبرني أبو عمر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأعرابي عن أبي المكارم قَالَ قالت جارِية لأَبيها اشتر لي لوطا أغطي به فُرْعُلِي فإني قد عَتَقْت تُريدُ أَدرَكْتُ.
واللوط الرِّداء والفُرْعُل ها هنا الشَّعُر. ويقال في ردُّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبا جَنْدل إليهم أنه لم يَخَفْ عليه مَعَرَّتَهم لأنه ردَّه إلى أبيه وأهلهِ.
فأما النِّساءُ فقد نَقَض الله الصُّلحَ في ردِّهن إلى الكُفَّارِ فَقَالَ [تعالى] 2: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} فلذلك لم يَرُدَّها إلى إخوتها.
- وفيه حُجَّةٌ لمنْ رأى نَسْخَ السنة بالكتاب.
__________
1 الفائق "عتق" 2/ 381 وجاء فيه: قال ابن الأعرابي: أنما سميت عاتقا لأنها عتقت من الصبا وبلغت أن تزوج, ذكر السيوطي قصة هجرتهما في الدر المنثورة 6/ 306, وانظر قصة جندل في البداية والنهاية 4/ 169, 175.
2 من ت وم, والآية في سورة الممتحنة: 10.
(1/124)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ انْطَلَقَ لِلْبَرَازِ فَقَالَ لِرَجُلٍ كَانَ مَعَهُ إِيتِ هَاتَيْنِ الأَشَاءَتَيْنِ فقل لهما حتى تجتمعا فاجتمعتا فقضى حاجته" 1
__________
1 أخرجه ابن ماجه 1/ 122 وأحمد 4/ 172 من طريق الأعمش عن منهال بن عمرو, عن يعلى بن مرة عن أبيه.
(1/124)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمُكْتِبُ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إسماعيل نا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ نا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَكِيمَةَ امْرَأَةِ يَعْلَى عَنْ يَعْلَى.
الأشاء النخل الصغار قَالَ ذو الرُّمَّة:
يَسْتَلُّها جَدولٌ كالسيف مُنْصَلِتٌ ... مثلُ الأَشاءِ تَسامى حوله العُشُبُ 1
والواحدة أَشَاءَة قَالَ الشاعر:
كأنَّ هَزِيزَنَا يوم التَقَينَا ... هَزِيزُ أَشاءَةٍ فيها حَرِيقُ
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ جَابِرٌ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بَوَاطٍ قَالَ: "أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَاجَةَ فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ به وإذا شجرتان بشاطئ الْوَادِي فَانْطَلَقَ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ"2
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ نا حَمْدَانُ الْوَرَّاقُ نا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ نا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَذَكَرَ خُرُوجَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بَوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ النَّجْدِيَّ 3 بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ وَفِيهِ إِنَّهُ وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ تَقَدَّمَا فَانْطَلَقَا إِلَى الْبِئْرِ فَنَزَعَا فِي الْحَوْضِ سَجْلا أَوْ سَجْلَيْنِ ثُمَّ مَدَرَاهُ ثم نزعا فيه حتى
__________
1 هامش س: "وسط الأشياء". والبيت في الديوان /14 واللسان "صلت" برواية: "بين الأشياء".
2 أخرجه مسلم 4/ 2306 في حديث طويل طويل. والبيهقي 1/ 94.
3 كذا في ت وم. وفي س وط وح ومسلم 4/ 2304: "المجدي بن عمرو الجهني".
(1/125)

أَنْهَقَاهُ 1 فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ طَالِعٍ فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ وَشَنَقَ لَهَا فَفَشَجَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ [36] / وَقَالَ يَا جَابِرُ انْطَلِقْ إِلَيْهِمَا فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فَانْذَلَقَ لِي فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا 2" فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ.
الْبَعِيرُ الْمَخْشُوشُ هُوَ الَّذِي يُقَادُ بِخِشَاشِهِ وَهُوَ مَا يُجعَلُ فِي أَنْفِهِ مِنَ الْخَشَبِ فَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْرٍ قِيلَ لَهُ خِزَامَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حَدِيدٍ قِيلَ لَهُ بُرَةٌ وَمَدْرُ الْحَوْضِ أَنْ يُطْلَى بِالْمَدَرِ لِئَلا يَتَسَرَّبَ 3 الْمَاءُ مِنْ خَصَاصِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْهَقَاهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ أَفْهَقَاهُ أَيْ مَلآهُ وهو قَولُ الشَّاعر:
كجابِيَةِ الشَّيخ العِراقِيِّ تفْهَق 4
ويروي السَّيْح العِراقِيُّ وهو الماء السَّائح أي الجاري
وَمِنْ هَذَا قوله: "إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ" 5 يريد المُسْهبين في القول المُكثِرِينَ له.
وقوله: شنَق لها أي عَاجَها بالزِّمام والمَشْنُوق الفرسُ الطّويل الرأْس الطامِحُ إلى فوق ومثله الشِّنَاقُ وأنشدني بعضُ أصحابِنا قَالَ أنشدنا ابن دريد:
__________
1 كذا في جميع النسخ, وفي هامش س: "أفهقاه".
2 أخرجه مسلم 4/ 2301 - 2308, والبيهقي ينحوه في السنن 194.
3 ت: "ينسرب".
4 اللسان "فهق" وصدوره:"تروح على آل المحلق جفنة" وعزى للأعسى. وهو في الديوان /121 وصدره فيه: نفي الدم عن آل المحلق جفنة".
5 ابن الأثير "فهق" والفائق "وطأ" 4/ 68.
(1/126)

جَميل المُحَيّا بَخْتَرِيٌّ إذا مَشَى ... وفي الدِّرْع ضَخْمُ المنكبَيْن شِنَاقُ 1
وقوله: فَفَشَجَت أي تَفاجَّت وَفَرّجَت ما بَيْن رِجلَيْها لِتَبُول.
وقوله: حَسَرْتُه أي كَشَطْتُ ما عليه من لِحائه.
وقوله: فانْذلَق أي صار له حَدُّ يُقْطع به وذلق كل شيء حده وأذلقت الشَّيء إذا حددتَه ومنه قولُهم ذَلُق لِسانُه ذَلاقةً إذا فَصُح وذرب [ولسان طلق ذلق] 2
__________
1 اللسان "بختر", وأورد حديث الحجاج لما أدخل عليه يزيد بن المهلب أسير, فقال الحجاج الشطر الأول, فقال يزيد الشطر الثاني.
2 من ت وم. وفي القاموس "طلق": ولسان طلق ذلق ككتف" وطلق ذلق بضمتين. وطليق ذليق. وكضرد: ذو حدة.
(1/127)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ نَهَى فِي الضَّحَايَا عَنِ الْمُصَفَّرَةِ وَالْبَخْقَاءِ وَالْمُشَيِّعَةِ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ نا عِيسَى عَنْ ثَوْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ ذُو مِصْرَ 2 عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ
قَوْلُهُ: الْمُصَفَّرَةُ تَفسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْمُسْتَأْصَلَةُ الأُذُنِ وأُراها سُمِّيت مُصَفرة لأن صِماخَيْها قد صَفِرا من الأُذُنين أي خَلَوا يقال صَفر الوِعاءُ إذا خَلا والعرب تقول نعوذُ بالله من صَفَرِ الإناء 3 وقَرَع الفِناء وقد تكون المُصَفَّرة الهَزِيلَة التي خَلَتْ من السِّمَن
قَالَ والمُشَيِّعَةُ التي لا تزال تَتبع الغَنَم عَجَفًا يريد أنها لا تَلْحق الغَنَمَ فهي أبدًا تُشَيِّعُها أي تكون من وراء القَطِيع والبَخْقَاءُ التي بُخِقَت عينها.
__________
1 سنن أبي داود 3/ 97, أحمد 4/ 185.
2 تهذيب التهذيب 11/ 375: يزيد ذو مصر المقرئي حمصي, كان من وجوه أهل الشام.
3 ح: "صفرة الأناء".
(1/127)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ لا يُصَبِّي رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ وَلا يُقْنِعُهُ"1
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ نا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ أُرَاهُ ذَكَرَ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَهُ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ يقال صَبَّى رأسَه تَصْبيَةً 2 إذا خفضه جدًا وزعم بعضهم أنه مأخوذ من قولهم صَبَا الرجلُ إلى الجاريَة إذا مال إليها وقال آخر بل هو يصبئ مَهموزٌ من قولهم صَبأ الرجلُ عن دين قَومِه [أي خرج] 3 فهو صابئ وعلى هذا تأوَّلَ قولَه عليه السلام حينَ ذكر الفِتَن فَقَالَ "لتَعودُنَّ فيها [37] / أَساوِدَ صُبًّا" 4 وإنما هُوَ صُبَّاء مثالُ فُعَّال جمع صابئ وقال أبو سعيد الضَّرِيرُ بل هُوَ صُبَّى جمع صَابٍ كقولِك غاز وغزى وأنشد:
لا أَشْتِم العُفَّى ولا يُجْدِبُونَنِي ... إذا هرّ دُونَ اللَّحْم والفَرْثِ جَازِرُ
[العُفَّى] 3: جمع العَافِي.
وقوله: ولا يُقْنِعه أي لا يرفع رأْسَه
يقال أَقنعَ رأسَه إذا صَوَّبَه وأقنعه إذا رفعه.
__________
1 أخرجه الترمذي 2/ 106 وأبو داود 1/ 194, وأحمد 5/ 424 بنحوه.
2 كذا في ت وم وط. وفي س: "يصبيه".
3 من ت وم.
4 أخرجه أحمد في مسنده 3/ 477 عن كرز بن علقمة.
(1/128)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي صلى الله عليه وسلمأنه قَالَ: "مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَةً حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نا عقبة المحدر عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ كَاعَةٌ جَمْعُ كَائِعٍ وَهُوَ الجَبَانُ كما يقال بَائِع وبَاعة وقائِد وقَادةٌ يريد أنه كان يحوط رسول الله ويَذُبُّ عَنْه فكانت قُريْش تَكِيع وتَجْبُن عن أذاه يقال كَعَّ الرجلُ عن الأَمر إذا جَبُن وانْقَبَض يَكِعُّ وكَاعَ يَكِيعُ قَالَ الفراءُ كعَعْتُ عن الشَّيء وكَيِئْتُ 2 وأَزَأْتُ بمعنى واحدٍ
قَالَ الأصمَعِيّ: أَزِيَ يأْزَى أُزِيًّا غير مهموز إذا انْقَبَضَ وَدَنَا بعضهُ من بَعْضٍ وأنشدني بعضُ أهل اللغة:
هذا زَمانٌ مُوَلٍّ خَيُره آزي ... صارت رؤوس به أَذنَاب أعْجاز 3
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ قَالَ: "نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النار فأخرجته إلى ضحضاح 4"
__________
1 النهاية "كيع" 4/ 218, أخرجه ابن معين في تاريخه 1/ 24, رقم النص 174.
2 كذا في م. وفي ت وس وط: وكبنت. وفي القاموس"كيأ" كاء: جبن.
3 البيت الأول في اللسان "أزا" برواية: "هذا الزمان .... " وعزى لعمارة.
4 أخرجه الحميدي 1/ 219 ومسلم 1/ 195 وغيرهما.
(1/129)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلاءِ الزبيدي من كتابه
__________
1 سنن أبي داود 2/ 299.
(1/129)

نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [ثنا] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ عَنْ أَبِي الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
قَولُه: صُومُوا الشهرَ أي مُسْتَهَلَّ الشَّهْر والعرب تُسَمِّي الهِلالَ شَهْرًا قَالَ الشاعر أنشده الفَقْعَسِيّ:
ابدَأْنَ من نَجدٍ عَلَى ثِقَةٍ ... والشَّهرُ مِثلُ قُلامَة الظُّفْرِ
[يريد الهلال] 1
وكان أبو زيادٍ الأعرابيّ إذا رأى الهلال أخذ عودا فحدد طَرَفَه وأشارَ به إليه وقال عُود عَدَّى عَنَّا شَرُّكَ أَيُّها الشَّهر 2.
ومن دُعاءِ العَرَب إذا رَأَوْا الهِلالَ لا مَرْحَبًا بحُجَيْن مُحِلّ الدَّيْن ومُقَرِّب الحَيْنِ.
وفي سِرِّ الشَّهر أقوالٌ أحدُها أَنَّ سِرَّه أَوَّلُه هَكَذا رَوَى أبو داود عن الأوزاعيّ قَالَ: "سِرُّه أَوَّلُه 3".
حدّثنِيه ابنُ داسةَ عَنْه نا سليمان بن عَبْد الرحمن الدِمَشْقِيّ عن الوليد عن الأوزاعِيّ وأَنَا أُنكِر هذا التفْسِير وأَراهُ غَلطًا في النَّقْلِ ولا أعرِف له وَجْهًا في اللُّغَة والذي يعرفُه النَّاسُ أن سِرَّهُ آخِرهُ وفيه ثَلاثُ لُغاتٍ يقال سِرُّ الشهر وسرر الشهر وسَرَارُه وسُمِّي آخر الشهر سِرًّا لاسْتسْرارِ القمر فيه.
وقد روى محمودُ بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعيّ أنه قَالَ
__________
1 من ت وم وط وح.
2 ط: "عَدَّى عَنَّا شَرُّكَ أَيُّها الشَّهر" ببناء عدي للمجهول.
3 سنن أبي داود 2/ 299.
(1/130)

في هذا الحديث سِرُّه آخرُه هكذا [38] / حدَّثناه أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل نا محمود بن خالد.
وهذا هُوَ الصَّحِيح من الرِّواية المساوق لمذهب اللغة 1.
وفيه وجه ثالث وهو أنَّ سرَّه وسَطُه وسِرُّ كل شيء جَوفُه يقال قناة سَرَّاءُ أي جوفاء والزَّند إذا كان أجوف قيل زَنْد أَسَرُّ ويقال سُرَّ زَنْدُك وهو أن يُجْعل في جوفه عُودٌ ليُقْدَحَ 2 به ذكره يعقوب بن السِّكَيت.
وأخبرنا أبو رجاء الغَنَوِيّ حدثني أبي ثنا عبّاد بن الحسن 3 حدثني محمد بن عُجْرة سمعت أبي يقول لرجل انْحر البَعِير فلتجدنَّه ذا سِرٍّ أي ذا مُخٍّ ويقال فلان سِرُّ قومه أي أوسطهم حَسَبًا وقال ذو الإصبع:
وهُمْ مَن وَلَدوا أَشْبوْا ... بسرِّ النَّسبِ المْحضِ 4
ويقال فلان في سرارَةِ قَومِه أي في منصب منهم وإذا غَرسْتَ فاغْرِسْ في سَرارة الوادي أي وسطه قَالَ حَسَّان:
أو في السَّرارة من تَيْمٍ رَضيتُ به ... أو من بني عامر الخضر الجلاعيدِ 5
[جمع الجلعاد وهو الضخم] 6
__________
1 ت: "لأهل اللغة".
2 م, ح: "ليقتدح".
3 ح: "عبادة بن الحسين".
4 هامش م: أشبوا أي أنجبوا, والبيت في اللسان "شبا" بروية: إن ولدوا أشبوا ... بسر الحسب المحض" وفي مقاييس اللغة "سرر, شبا" وعزى لذي الإصبع العدواني.
5 الديوان /345, والأغاني 7/ 54 ط دار الكتب, والاستعاب 1/ 293, والكامل / 141, برويات مختلفة.
6 من م.
(1/131)

ومعنى الخبر على هذا الوجه الحثُّ عَلَى صيام أَيَّام البِيضِ إذْ هي وَسط الشَّهر.
وأما حديثه الآخر "أنه قَالَ لرجل: " هل صُمتَ من سَرَرِ شَعْبان شيئًا؟ " فَقَالَ لا قَالَ: "فإذا أفطرت" يعني مِنْ رمضان "فَصُم يَوْمَين" 1
فقد كان بعضُ أهلِ العلم يقول في هذا أَنَّ سؤاله سؤال زَجْر وإنكار لأنه قد نهى أن يُسْتَقْبَل الشهرُ بيوم أو يومين قَالَ ويُشبِه أن يكون هذا الرجلُ قد كان أوْجَبَهما عَلَى نفسه فاستحَب له الوفاءَ بهما وأن يَجْعَل قضاءهما في شوال.
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 820, والبخاري 3/ 298, والدارمي 2/ 18 وغيرهم.
(1/132)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لا يُشَدُّ الْغُرُضُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" 1
يَرْوِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ قَزَعَةَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
هَكَذَا حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حَجَّاجٍ.
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ "لا تُشَدُّ الْعُرَى" الغَرْضُ الْبطَانُ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى بَطْنِ البعير إذا رحل.
__________
1 لم أجده بلفظ "الغرض" وأخرجه البخاري 2/ 77 ومسلم 2/ 976, والترمذي 2/ 148, وأحمد 3/ 7, 34, 45, 51, 53, 64, 71, 77, 93 وغيرهم بلفظ: "لا تشد الرحال, أو لا يعمل المطي" من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
(1/132)

قَالَ الأصمعي: فيه لغتان الغُرْضَةُ والغَرْض والمَغْرِضُ من البعير الموضع الَّذِي ينالُه الحَبلُ قَالَ أبو داود الإياديُّ:
وشِمِلَّةٍ تَمسي مرافِقُها ... عنها إذا ضَمَرت قُوى الغَرْضِ
تمسْي: تَجُرّ وتَجْذِبُ يقال مَسَيْتُ ومَسَوْتُ وقال أوسُ بن حَجَرٍ:
كأنَّ هِرًّا جنبيًا تحت غُرْضَتها ... والتَفّ دِيكٌ برجليها وخنزيرُ 1
وهذا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِدَ" يُريد أنَّ الظَّعنَ والشُّخوصَ إلى غير هذه المساجد لا يَلْزَمُ أحدًا وهذا في النَّذْرِ يَنْذُره الإنسان والصلاةِ يوجِبُها عَلَى نفسه فيها فأما إذا نَذَر صلاةً في غيرها من المساجدِ فله الخيارُ في الوفاء بها 2 أو يصلِّيها في أي مسجد شاء
وَنَرَى - والله أعلم - أنه خَصَّ هذه المساجد بذلك لأنها مساجدُ الأَنبياء وقد أُمرنا بالاقْتداءِ بهم قَالَ الله تعالى: {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} 3
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ [أَبُو عَلِيٍّ] 4 الصَّفَّارُ نا سَعْدَانُ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ نا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [39] / قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلا؟ "قَالَ "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى" قَالَ قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ "أَرْبَعُونَ سَنَةً" قَالَ "فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ فَهُوَ مسجد" 5
__________
1 الديوان /42.
2 س وط: "في الوفاء به".
3 سورة الأنعام: 90.
4 من ت وم وح.
5 أخرجه مسلم 1/ 370 وأحمد 5/ 150, 156, 157, 160.
(1/133)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ أَتَاهُ فَقَالَ أَيُّ السَّاعَاتِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ" ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَغَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ يَدَيْكَ وَأَنَامِلِكَ مَعَ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلْتَ وَجْهَكَ وَمَضْمَضْتَ وَاسْتَنْشَيْتَ وَاسْتَنْثَرْتَ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِكَ وَفِيكَ وَخَيَاشِيمِكَ مَعَ الْمَاءِ"1 [وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى "وَاسْتَنْشَرْتَ"] 2
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْجُرْجَانِيُّ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ 3 عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ.
قوله: أَي السّاعات أَسمعُ؟ يريد أيها أوقع للسَّمْع والمعنى أيها أَوْلَى بالدُّعاء وأرْجى للاستجابة وهذا كقولِ ضمادٍ الأزدي حين عرَض عليه رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم الإسلام قَالَ فسمعتُ كلامًا لم أسمع قولا قَطّ أسمع منه يريد أبلغَ منه ولا أنْجَع في القلْب.
وجوفُ الليل الآخِر إنما هُوَ الجُزء الخامس من أَسْدَاسِ الليل وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَبْقَى الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى! هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ "
وقوله: استَنْشَيت يريد الاسِتِنْشاق وأصله من قولك نَشِيتُ الرائحةَ إذا شممْتها قَالَ الهُذَليّ:
ونَشِيتُ رِيحَ الموتِ من تِلقائكم ... وَخَشِيتُ وقعَ مُهَنَّدِ قرضاب 4
__________
1 لم نجده بهذا السياق وأخرجه أحمد 4/ 112, 114. 385, والبيهقي 1/ 81, 2/ 454, 3/ 4 مفرقا, وأخرجه أيضا أبو داود 2/ 25, والترمذي 5/ 570 بنحوه.
2 من ت وم.
3 م: "عباس". وفي التقريب 1/ 73: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي, أبو عتبة الحمصي ت: 182 ه
4 اللسان "نشي", وعزى لأبي خراش الهذليين 3/ 1240== برواية:
فنشيت ريح الموت من تلقائهم ... وكرهت كل مهند قضاب
(1/134)

ويقال شَمِمتُ نَشْوةَ رَيحانٍ أي رائحته الطيّبة والنَّشوةُ من السّكْر أيضًا قَالَ الأصمعي سُئل أَعرابيٌّ عن أمير فَقَالَ يُطيل النِّشوة ويوطئ العِشْوَةَ ويَقْبَلُ الرِّشوة".
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ [بْنِ شَابُورَةَ] 1 ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لأَبِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ وَكَانَ أَبُو الْحَارِثِ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ أَلا تَذْهَبُ بِنَا إِلَى الحَرَّةِ نَتَخَمَّرُ الرِّيحَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَارِثِ إِنَّمَا يَتَخَمَّرُ الْحَمِيرُ قَالَ فَنَسْتَنْشِي قَالَ إِنَّمَا تَسْتَنْشِي الْكِلابُ قَالَ فَمَا أَقُولُ؟ قَالَ نَتَنَسَّمُ الرِّيحَ فَقَالَ لَهُ نَافِعٌ مَهْ مَهْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ أَلْصَقَتْكَ وَاللَّهِ عَبْدُ مَنَافٍ بِالدَّكَادِكِ ذَهَبَتْ عَلَيْهِمْ 2 بَنُو هَاشِمٍ بِالنُّبُوَّةِ وَأُمَيَّةُ بِالْخِلافَةِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ لِنَافِعٍ يَا نَافِعُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا فَقَالَ نَافِعٌ مَا أَصْنَعُ بِمَنْ صَحَّ نَسَبُهُ وَمَذَقَ 3 لِسَانُهُ.
وقوله: استنشرتُ إن كان محفوظًا فمعناه الاستنشار مأخوذٌ من انتشار الماء وقيل للحَسَن في الوضوء يُصيب الثّوبَ فَقَالَ وَيْلَك وهل يُمْلَك نَشَرُ الإناء أي ما يَنْتَضِح من مائِه ونُشْرَةُ المصاب مأخوذة من هذا وفَرق ما بين الاستنشار والاستنثار كفرق ما بين الاستنشاق والاستنثار وذلك أن الاستنشاق إنما هُوَ إدخال الماء إلى الأنف وإبلاغه الخيَاشيم من قولك نَشِق رائحة [40] / طيبٍ فتَنَشَّقها قال الشاعر:
__________
1 ليست في ت. وفي م: "شابور", والمثبت من س وح.
2 س:"عليكم".
3 الأساس "مذاق":مذاق لسانه: كذب
(1/135)

إذا ما أتاه الركب من نحوِ أرضِها ... تَنَشَّق يَسْتَشْفي برائحةِ الرّكْبِ
والاستِنْثار أن يَمْري الأنفَ يستَخْرج ما قد تنشقه من الماء وزعم بعضهُم أن الاستنثار مأخوذ من النَّثْرة وهي الأنْف فإذا قيل استَنْثِر كان معناه أدخل الماءَ نَثْرَتَه ويقال إن الاسِتنْشار مأخوذ من النَّشْر وهو الريح.
(1/136)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ وَأَمِيرُهُمُ 1 الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَتَاهُمُ انْتَحَى لَهُ عَامِرُ بْنُ طُفَيْلٍ فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَتَلَ الْمُنْذِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ "أَعْنَقَ لِيَمُوتَ" قَالَ: وَتَخَلَّفَ مِنْهُمْ ثَلاثَةٌ فَهُمْ يَتْبَعُونَ السَّرِيَّةَ فَإِذَا الطَّيْرُ ترميهم بالعلف قَالُوا: قُتِلَ وَاللَّهِ أَصْحَابُنَا إِنَّا لَنَعْرِفُ مَا كَانُوا لِيَقْتُلُوا عَامِرًا وَبَنِي سُلَيْمٍ وَهُمُ النَّدِيُّ ... فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ 2
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
قَوْلُهُ: انْتَحى لَهُ: أَيْ عَرَض لَهُ ومثله تَنَحَّى له.
قَالَ ذو الرُّمَّة [يصف ناقة:] 3
نهوضٌ بأُخْراها إذا ما انْتحَى لها ... من الأرض نَهاضُ الحَزَابيّ أغبر 4
وقال أيضا:
__________
1 ت: "وأمرهم".
2 أخرجه البخاري بسياق آخر, انظر 5/ 134, 135. وابن هشام 3/ 103.
3 من ت
4 الديوان /228 برواية: إذا ما انبرى لها. والحزاني: ما غلظ من الأرض.
(1/136)

تَنَحَّى له عَمْروٌ فَشَكَّ ضلُوعَه ... بنافذةٍ نجلاءِ والخيلُ تَضْبِرُ 1
وقوله: "أَعْنَقَ ليموت" 2 مثل يريد أن المَنِيَّةَ ساقته إلى مَصْرَعه والعَنَقُ ضرب من السَّير والعلَق الدَّمُ الجامَد قبل أن ييبْسَ والنَدى القوم المجتمعون ومثله النَّادي ويقال تَنَادَى القومُ إذا اجتمعوا في النادي وهو المجلس وناديتُ الرَّجُلَ إذا جالسته قَالَ الشاعر:
أَلا مَنْ مُبِلغُ الحجّاجِ أَنِّي ... أُنادِي القَومَ من أهلِ العراق
يريد أجالِسُهم في ناديهم وسمِّيت دارُ الندوة لأنهم كانوا يَنْدُون 3 إليها إذا حَزَبهم أمرٌ فيتشاورون قَالَ الفَرَّاء العرب تَقولُ النّادي يشهدون عليك يَجعلَوُن النَّادِيَ والمَجلِسَ والمَشْهَدَ قَوْمَ الرّجل وأنشدّ:
لهم مَجلسٌ صُهْبُ السِّبالِ أَذِلَّةٌ ... سَواسِيَةٌ أَحرارُها وعَبِيدُها
وقال المُهَلْهل يرثي أخاه كُلَيْبًا:
ذهب الخِيَارُ من المعاشِرِ كُلِّهم ... واستَبَّ بعدَك يا كُلَيْب المَجْلِسُ 4
وكان كُلَيب لِعِزِّهِ لا يُرفَع بَحَضْرتِه صَوتٌ ولا تُسْمَع في ناديه كلمةُ خَنى.
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنْزِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ صَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ طَعَامًا فَدَعَاهُ وَدَعَا حَوَارِيَّهُ فأكلوا حتى شبعوا
__________
1 الديوان /231. وتضر: تثب
2 لم أقف عليه في كتب الأمثال.
3 يندون: يجتمعون
4 شعراء النصرانية 2/ 179 برواية "نبئت أن النار بعدك أوقدت" بدل الشطر الأول.
(1/137)

وَإِنَّ مَجْلِسَ بَنِي عَوْفٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ"1 يُرِيدُ جَمَاعَتَهُمْ [41] / ويقال حضر القاضي مَجْلِسَ بَنِي فُلان أي جماعتهم وأنشدني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأعرابي يَصِفُ النُّوقَ:
فأَقْبَلْن إربابًا وأعرضْنَ هَيْبَةً ... صُدُودُ العَذارَى قابَلَتْها المجالِسُ
قَالَ: قلت لابن الأعرابيّ لِمَ يُعرِضْن ومن شَأْنِهِنَّ المُلاقَاة فَقَالَ لأنه أَعنِي الفَحْل إذا رآهن عذمهن أي عضهن.
__________
1 أخرجه الدارمي 1/ 22 - 24. في حديث طويل. وهو في الصحيحين بسياق آخر.
(1/138)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ مَرَضًا حَتَّى يُحْرِضَهُ إِلا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ"1
[رَوَاهُ] 2 يَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أبيه قوله: يحرضه معناه يدنفه والحَرِضُ الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاكِ
قَالَ الله تعالى: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ} 3 ومنه قيل للرَّجُل السَّاقط حارِضٌ قَالَ الأصمعي يقال رجل حارِضَةٌ وهو الأحمقُ وقال أبو عمرو حارِضٌ بلا هاء وقال العَرْجِيُّ:
إنّي امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأَحرضَنِي ... حتى بَلِيتُ وحتّى شَفَّنِي السَّقَمُ 4
وقال امرؤ القيس:
أَرَى المَرءَ ذَا الأَذْوادِ يُصبِح مُحرَضًا ... كإحراضِ بَكْرٍ في الدِّيار مَرِيضِ 5
__________
1 أخرجه أحمد 3/ 346, 386 منحديث جابر بنحوه دون كلمة "يحرصه".
2 من ت
3 سورة يوسف:85.
4 اللسان والتاج "حرض".
5 الديوان /77. وفي الشرح: يصبح محرضا: أي يصير المرء إلى الكبر والضعف بعد أن كان صاحب أذواد ومال.
(1/138)

ويقال: إن الحَرِضَ هُوَ الَّذِي لا يَتَّخِذ سِلاحًا ولا يُقاتل قَالَ الطِّرماح:
مَنْ يَرُمْ جمعَهم يجدهم مراجي ... ح حُماةً لا العُزَّل الأَحْراض 1
[أي ليسوا بالعُزَّل الأحراض] 2
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَمْرَضُ مُؤْمِنٌ إِلا حُطَّ هُدْبَةٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ" 3
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا قُتَيْبَةُ نا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِالْهُدْبَةِ القِطعة والطائِفَةَ مِنْهَا يُقَالُ: هدبتُ الشيءَ إِذَا قَطَعتَه وَمِنْهُ حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ أَنَّهُ قَالَ: "هاجَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنيا لَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا وَمِنَّا مَنْ أينَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا"4 وأرى هدبة الثوب من هذا أخذت.
__________
1 كذا في س, ط, ح. وفي الديوان /277 والصحاح واللسان "حرض" برواية: مراجيح حماة للعزل الأحراض"
2 من ت
3 أخرجه أحمد 3/ 346 من طريق ابن لهيعة بدون لفظ "هدبة"
4 أخرجه البخاري في كتاب الجنائز 2/ 98 وغيره. ومسلم 2/ 649 والنسائي 4/ 38 وغيرهم.
(1/139)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ: "إِنْكَافُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ" 1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ نا عُبَيْدُ
__________
1 الفائق "نكف" 4/ 23.
(1/139)

اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ
قَوْلُهُ: إِنْكَافُ اللَّهِ مَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ وَالتَّبْرِئَةُ لَهُ مِمَّا يُسْتَنْكَفُ مِنْهُ وحكى ابن السّكّيت عن أبي عَمْرو قَالَ نَكِفْتُ من الأمر نَكَفًا إذا استَنْكَفْتَ منه فإذا قلتَ في اللازم نَكفَ قيل في المتعدي أَنكَفَه أَي نَزَّهه عما يُسْتَنكَف منه ويقال تَنكَّفْتُ عن فلان بمعنى تَنَزَّهت قَالَ حاتمٌ الطائيُّ:
وذلك أَنَّي لا أعادي سَرَاتَهمُ ... ولا عن أَخي ضَرّائهم أتنكَّفُ 1
[وقال الزجاج استنكف الرجلُ أي أنف أصلهُ مأخوذ من نكفتُ الدمعَ إذا نحيَّتَه بإصبعك عن خَدِّك] 2
وقولك سبحان الله معناه سَبَّحتُ اللهَ ونزَّهتُه عن كل عيْب فنُصِب عَلَى مذهب المصدر
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [42] / يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ"3
قوله يتأول القرآن يريد قوله عَزَّ وجَلَّ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} 4
وأخبرني الحسن بن خَلاد قَالَ سَأَلتُ الزَّجَّاجَ عن قَولِهم سبحانك اللهم
__________
1 الديوان /75.
2 من ت.
3 سنن أبي داود 1/ 233: "وسجود" بعد ركوعه.
4 سورة النصر:3
(1/140)

وبحمدك والعِلَّة في ظهور الواو فَقَالَ سألتُ أبا العباس محمد بن يزيد عما سألتني عنه فَقَالَ سألت أبا عثمان المازني عما سألتني عنه فَقَالَ المعنى سبّحتُك اللهُمَّ بجمِيع آلائِك وبحَمْدك سبَّحتُك قَالَ ومعنى سُبْحانَك سَبَّحتك.
(1/141)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا فِي وَجْهِهِ مُزْعَةٌ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا حَمْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ نا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ نا وُهَيْبٌ عَنِ النُّعْمَانِ 2 بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أخبرني أبو عمر عن ثَعْلب قَالَ المُزْعَةُ النُّتْفَةُ من اللحم قال غيره يقال ما له جُزْعَة ولا مُزْعة فالجُزْعة ما بَقِيَ في الإناء والمُزْعَةُ القِطعَةُ من الشَّحم وأصله من قولك مَزعْتُ اللحمَ والشيءَ إذا قطعته. قَالَ مُتَمِّمُ بن نُوَيْرة:
بِمَثْنى الأَيادي ثُمَّ لم يُلْفِ مالِكًا ... عَلَى الفَرْثِ يحمي اللحمَ أن يتَمَزّعا 3
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: "أَنَّ رَجُلًا غَضِبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ يَتَمَزَّعُ": أَيْ يَتَقَطَّعُ وَيَتَشَقَّقُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَابِهِ ثُمَّ قال: يتمزع 4
__________
1 ح: "مزعة لحم" أخرجه البخاري 2/ 153 والنسائي 94:5 وأحمد 15:2, 88
2 ح:"المعمر بن راشد". وفي التقريب 2/ 304: "النعمان بن راشد الجزري, أبو إسحاق الرقي, مولى بني أمية, صدوق سيء الحفظ, توفي بعد المائة" – وهو الذي روى عن عبد الله بن مسرلم, وروى عنه وهيب بن خالد
3 الجمهرة لابن دريد 3/ 8 برواية: "قاعدا" بدل "ماكا" والفضليات /267 برواية: "وإن شهد الأيسار لم يلف مالك".
4 غريب أبي عبيد 3/ 184
(1/141)

ليس بشيء إنما يترمع إي يَرْتَعِدُ ولَسْتُ أَدرِي لِمَ أنكرَ الصَّوابَ واختار غيرَه وإنما هُوَ يتَمَّزع كذلك رواه الأثبات.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ" فَقَالَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" 1
ومعنى الحديث الأَوَّل أنه يَأتي الله يومَ القيامة ذليلًا ساقِطَ القدر لا وَجْهَ له عند الله.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَيَلْقَى الله وما في وجهه لُحادَةٌ من لحم": أي قطعة من لحم وفي رواية أخرى "ووجهه عَظْم كُلُّه"
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَرْزَةَ نا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي نا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُ حَتَّى يُخْلَقَ وَجْهَهُ فَيَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ" 2
وهذا في الرجل يسأل عن غير حاجة إنما يقصد الاستكثار من المال ويريد الاستِئْثارَ به عَلَى الناس
فأمّا مَنْ سأل لِفاقَةٍ نزلت به أو جائحة أصابته فالمسألة مُبَاحَةٌ له إلى أن يستغني.
__________
1 سنن أبي داود 4/ 248 وأحمد 5/ 240.
2 ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 96, وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير, وفيه محمد بن أبي ليلى, وفيه.
(1/142)

وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ أَخْبَارٌ مِنْهَا قَوْلُهُ: "لا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إِلا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ [43] / مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ" 1
فالفقر المُدقع هُوَ الفَقْر الشديد المُفْضِي به إلى الدَّقْعاءِ وهو التُّراب والدَّمُ الموجِع أن يتحمَّل الرجلُ الدِّيَةَ فيَسْعى فيها حتى يُؤَدِّيها إلى أولياء المقتول وبيان هذا في حديث قَبِيصَة بن مُخارق الهلالّي.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا هَارُونَ بْنُ رِئَابٍ قَالَ سَمِعْتُ كِنَانَةَ بْنَ نُعَيْمٍ يُحَدِّثُ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: "تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ "نُؤَدِّيهَا أَوْ نُخْرِجُهَا عَنْكَ إِذَا قَدِمَتْ نَعَمُ الصَّدَقَةِ" ثُمَّ قَالَ "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلا فِي ثَلاثٍ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ حَتَّى شَهِدَ أَوْ تَكَلَّمَ ثلاثة منذوي الْحِجَى أَنَّ بِهِ فَاقَةً وَحَاجَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ [أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ] 2 وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ"3
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتَسَاءَلُ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا فَقَالَ: "نَعَمْ يَسْأَلُ فِي الْفَتْقِ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ كَرَبَ أمسك" 4
__________
1 أخرجه أبو داود 2/ 121, والترمذي 2/ 34 وابن ماجه 2/ 741 وغيرهم.
2 من س, م, ط, وليست في ت.
3 أخرجه مسلم 2/ 722, وأبو داود 2/ 120, والنسائي 5/ 97 وغيرهم.
4 أخرجه أحمد 5/ 503, وعبد الرزاق 11/ 93 بلفظ الفتن بدل الفتق.
(1/143)

يريد بالفَتْق التَّشاجُرَ والاختلافَ بسبب الدّماء [وأصل الفتق الشَّقّ يريد شَقّ العصا وتفرّق الكلمة بعد اجتماعها] 1
فَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَخْبَرَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ نا يَعْلَى بْنُ عَبَّادٍ نا شُعْبَةُ وَأَبُو عُوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ "الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا" 2 فَإِنَّ هَذَا فِي سُؤَالِ الْمَرْءِ حَقَّهَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لا يضع هذا الحديث موضعه ويرى أنه رُخْصة في تناول ما تَحْوِيه أيدي بَعضِ السلاطين من غَصْب أموال المسلمين ونعوذ بالله من الجهل.
__________
1 من ت وم.
2 أخرجه أبو داود 2/ 119 والنسائي 5/ 100 والترمذي 3/ 56.
(1/144)

[1 وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ فَأَشْرَفُوا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَةٍ"2
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ نا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عن ربيعة ابن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْهُدَيْرِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
المَحْنِيَةُ مُنْحَنَى الوادي ومنعرجه حيث ينعطف قاله الأصمعي وغيرُه قَالَ الشاعر:
وَمَحْنِيَةٍ كسواد البجا ... د قد خُضْتُ بالليل عُقَّارَها
ومنه حِنْو الوَادِي وكُلُّ شيءٍ فيه اعْوِجاجٌ فهو حِنْوٌ والجمع الأَحْنَاء.
__________
1 سقط من نسخة ح من هنا نحو أربع صفحات من حجم الفولسكاب
2 أخرجه أبو داود 2/ 218 وأحمد 1/ 161 بلفظ: "خرجنا مع رسولا لله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد فبور الشهداء حتى إذا أشرف على حرة واقم ... ".
(1/144)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَتْ نُبُوَّةَ رَحْمَةٍ ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةَ رَحْمَةٍ ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا يُمَلِّكُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ثُمَّ تَكُونُ بَزْبَزِيًّا قَطْعَ سَبِيلٍ وَسَفْكَ دِمَاءٍ وَأَخْذَ أَمْوَالٍ بِغَيْرِ حَقِّهَا" 1
يَرْوِيهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ نا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ عِمَارَةَ بْنَ بِشْرٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَذْكُرُ عن عمير بن هانئ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
قَوْلُهُ: بَزْبَزِيًّا هَكَذَا رَوَاهُ لَنَا الْمُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ فإن كان محفوظًا فهو من البَزْبَزة وهو الإسراع في السير والاستعجالُ فيه يُريد بذلك عَسْفَ الوُلاةِ وإِسراعَهم إلى الظلم قال الشاع:
وساقَها ثَمَّ سِيَاقًا بَزْبَزَا
وقال أبو عمرو الشيباني يقال رجل بزبز وبزابز أي شديد وقال بعضهم إنما هُوَ بِزِّيزَى عَلَى وَزْن فِعِّيلَى من قولهم: "من عز بز"2 أي غَلَب سَلَب.
وممَّا جاء عَلَى وزنه [من المصادر 3] الخِلِّيفَى والرِّمِّيَّا ونظائرها.
__________
1 انظر مجمع الزوائد 5/ 189.
2 اللسان "بزز", المستقصي 2/ 357, مجمع الأمثال 2/ 307,جمهرة الأمثال 2/ 288, الفاخر /89 أمثال الضبي /53.
3 من م
(1/145)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي عليه السلام: أنه كان يمسح الماقيين 1.
__________
1 أخرجه أبو داود 2/ 33 وابن ماجة 1/ 152 أحمد 5/ 267.
(1/145)

حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
الماقِيان: تثنية ماقٍ وهو طرف العين الَّذِي يلي الأنف وهو مَخرَج الدَّمْع فأما الطَّرَف الآخر فهو اللِّحاظ قَالَ الأصمعي: فيه لغات هُوَ المُؤْق ويجمع عَلَى آماق وبعض العرب يقول مأْقٌ كما ترى مهموز مرفوع آخره ويجمع أيضًا كالأَوّل قَالَ وبعض العرب تقول مُؤْقٍ كما ترى مهموزٌ مخفوضٌ ويجمع عَلَى مآقٍ 1
قَالَ وبعض العرب يقول مَاقٍ غير مهموز والجمع مواقٍ مثل قاضٍ والجمع قَواضٍ وبهذه اللغة جاء الخبر قال أبو حية النُّمَيْرِيّ:
لَعيناكَ يوم البَيْن أسرعُ واكفا ... من الفنن الممطور وهو مروح
إذا قلت يفني ماؤها اليوم أصبحت ... غَدًا وهي رَيّا الماقِيَيْنِ نَضُوحُ 2
وقال كُثَيِّر:
كأنه حين مار الماقيان به ... دُرُّ تَسَلْسَل من أسلاكه نسق
__________
1 ساقط من ت. وهو في س, م, ط.
2 شعر أبي حية النميري /128, 130.
3 الديوان /467
(1/146)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: "مَنْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ فِي إِسْلامٍ دَامِجٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ".1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ نا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّالَقَانِيُّ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّنْعَانِيُّ سَمِعْتُ ابْنَ طَاوُسَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عباس
__________
1 ذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 789, وعزاه إلى أمثال الرامهرمذي والطبراني والخطيب في المتفق والمفترق.
(1/146)

الدامِجُ: المجتمع المنتَظِم وأصل الدُّموج دخول الشّيء في الشيء يقال مَتْن مُدْمَجٌ ورجل مُدْمَجُ الخَلق إذا كان مجدول الخَلْق وكلام مُدْمَجٌ وخَطٌّ مُدْمَجٌ وهو المُداخَلُ قَالَ حُمَيْد الأرقط:
حتى اتَّقَوْا بالطَّاعةِ الدُّماجِ ... وتَركَ النَّاسَ عَلَى منْهاج
وقال ابنُ مَيَّادَة:
بِشَعْفٍ عَلَى حين المشيب يهِيجُه ... غِناءُ الحمامِ الدَّامجات الهواتِفِ
يريد الدَّاخِلات في أوكارهن.
وفيه وجه آخر وهو أن يقال وهُمْ في إسلامِ داجٍ أي تامٌّ وافٍ.
وفي كلام بَعضِ الفُصَحاء: كان ذَلِكَ منذ دَجَا الإسلام ومثله قولهم عيش داج ومنه قول الأعرابي وقيل له بأيّ شيء تَعرِف حَمْل شَاتِك فَقَالَ إذا استفاضَتْ خاصِرتَاهَا ودَجَت 1 شعرتها.
__________
1 اللسان "دجا": دجا شعر الماعزة: ألبس وركب بعضه بعضا ولم ينتفش.
(1/147)

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَبْرِقُوا فَإِنَّ دَمَ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ مَهْرَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَسْمُولٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ مَوْلاتِي كَبِيرَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكَتِ الْجَاهِلِيَّةَ وَالإسْلامَ قوله: أَبرِقُوا معناه ضَحّوا بالبَرْقَاء وهي الشَّاة التي يَشُقُ صُوفَها الأبيضَ طاقاتٌ سُودٌ قَالَ رؤبة يصف الأسد:
__________
1 ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 18 بدون لفظ: "أبرقوا" وقال: وراه الطبراني في الكبير وفيه مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَسْمُولٍ وهو ضعيف. وأخرجه أحمد 2/ 417 من حديث أبي هريرة.
(1/147)

دُبْسًا ونُمْرًا في شَمِيط أبرقَا 1
ويقال للمكان الَّذِي يخالط تربتَه حجارةً أبرق وبُرقَةٌ والعَفْراءُ التي يضرب لونُها إلى البياض أُخِذت من عُفْرةِ الأرض وهي لَونُها الأغَبر ومنه قيل للظِّباء العُفْر ولولد البقرة اليَعْفُور يقال أَعْفَر ويَعْفُور وأَخْضَر ويَخْضُور ورُوي هذا الخبر عن أبي هُريرة فَقَالَ: "دمُ بيضاءَ أحبُّ إلى الله من دم سوداوين".
__________
1 الديوان /113.
(1/148)

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَتَبَ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى المهاجر بن أبو أُمَيَّةَ أَنَّ وَائِلا يُسْتَسْعَى وَيَتَرَفَّلُ عَلَى الأَقْوَالِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَكِتَابًا آخَرَ لأَقْوَالِ شَبْوَةَ 1 بِمَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ مُلْكٍ وَعُمْرَانٍ وَمَزاهِرَ وَعُرمَانَ وَمِلْحٍ وَمَحْجِرٍ 2 وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ بِحَضْرمَوْتَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلِهَا 3 مِنَ الْجِوَارِ وَالذَّمَّةِ اللَّهُ لَهُمْ جَارٌ وَالْمُؤْمِنُونَ أَنْصَارٌ إِنْ كُنَّا 4 صَادِقِينَ وَكِتَابًا آخَرَ إِلَى الأَقْوَالِ الْعَبَاهِلَةِ لا شِغَارَ وَلا وِرَاطَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنَ السَّرَايَا مَا يَحْمِلُ القراب من التمر"5
__________
1 ح: شنوه "تصحف".
2 ساقط من ح.
3 ح: "وأوسطها".
4 س: "إن كانوا". والمثبت من ت, م, ح.
5 الفائق "أبو" 1/ 14 وجاء فيه: الأقوال: جمع قيل, وأصله قيل فيعل من القول, فحذفت عينه واشتقاقه من القول كأنه الذي له قول: أي ينفذ قوله. والعباهلة الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. والشغار: أن يشاغر الرجل الرجل, وهو أن يزوجه أخته على أن يتزوجه هو أخته ولا مهر إلا هذا, والورطة, وهي خداع المصدق, بأن يكون له أربعون شاة, فيعطى صاحبه نصفها لئلا يأخذ المصدق شيئا, مأخوذ من الورطة, وهي في الأصل الهوة الغامضة, فجعلت مثلا لكل خطة وإبطاء عشوة, وقيل: هو أن يزعم عند رجل صدقة وليست عنده فيورطه.
(1/148)

هذا حَدِيثٌ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُجْرِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ عَمِّهِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ 1 حدَّثَنِيه غَيُر وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ نا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ حُجْرِ بْنِ عَبْدِ الجَبَّارِ ... الْحَدِيثَ بِطُولِهِ
قوله: يُسْتَسْعَى: أي يُوَلَّى أَمرَ الصدقات ويقال للمصدِّق السَّاعِي قَالَ الشاعر:
يا أيها السَّاعي عَلَى غَيْر قَدم
وقوله: يترفَّل معناه يتَرأسُ قَالَ ذو الرُّمَّة:
إذا نَحن رفَّلْنَا امرأ ساد قَومَه ... وإن لم يكن من قبل ذَلِكَ يُذْكَرُ 2
ويروى رَقَّلنا بالقاف.
واختلفوا في تفسير هذه الأسماء فَقَالَ لي كُعَيْدنَةُ بن مِرْفَد رجل من أهل اليمن إنها بلاد من حَضْرمَوْت أَقطَعَها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيّاهم وقال لي: أنا أَعرِف مَحْجِر وهي قَريةٌ معروفة فيها وقال لي غيرهُ من أهل حَضْرموت بل هُوَ المَحْجِنُ
والاحِتجانُ الاحتِظار 3 للشَّيء وقال أبو عَمْرو هُوَ المَحْجِر وهو الحديقة والمحاجِرُ الحدائِقُ وأَنْشَد للبِيدٍ:
بَكَرتْ به جَرَشِيَّةٌ مَقْطُورَة ... تُروي المحاجِرَ بازِلٌ عُلْكُومُ 4
قَالَ ومحاجِرُ النخل: خظائر تتخذ حولها 5
__________
1 ساقط من ت, والمثبت من م
2 اللسان "رفل" والديوان /238 برواية: "إذا نحن سودنا .. " والفائق "أبو" /1/ 14
3 م: "الاحتضار".
4 ساقط من ط. والبيت في شرح الديوان /122
5 ساقط من ح.
(1/149)

فأما المَحْجَر -بفتح الجيم- فهو المُحَرَّم 1 من الحَجْر قَالَ حُمَيْد بن ثور:
فهمت أن أَغْشَى إليها مَحْجَرًا ... ولَمِثْلُها يُغْشَى إليها المَحْجَرُ 2
قَالَ الحَضْرميّ فأَما العُرمان فإنه يريد المزَارِع قَالَ والعَرِيمُ ما يُرفَع حول الدَّبْرة ويجمع عَلَى العُرمان قَالَ والعُرْمَةُ أيضًا الكَدِيسُ وهو حَصِيد الزرع إذا دُقَّ قبل أن يُذَرَّى يقال نصب فلان عُرْمَتَه وهو أن يجمَعَها فيجعلها هَدَفًا 3 لوَجْه الريح
وأَمَّا العَرمَةُ فهي المُسَنَّاةُ قاله أبو عُبَيْدةَ قَالَ ويُجمَع عَلَى العَرِم ومنه قوله تَعالَى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} 4 وأَنشد لأَبي سُفيان بن الحارِث:
فمزقهم ربهم في البلا ... د وغَرَّق فيها الزُروع العَرِمْ
قَالَ والمزَاهِر الرِّياض وسُمِّيت مَزِاهر لأنها تجمع أصنافَ الزَّهْر والنّبات يقال روضة مُزهِرةٌ إذا خرج أزاهيرُها وجمعها مَزاهِرُ ويقال أزْهَارَّ النَّبتُ قَالَ كُثَيِّر:
سَقَى مُطْفِئاتُ المَحْل جَوْدًا ودِيَمةً ... عِظامَ ابنِ ليلى حيث كان رَمِيمُها
فأمرعَ منها كل وادٍ وتَلْعَةٍ ... سوائِلُ خُضْرٌ مزهئر عميمها 5
__________
1 م: "المحرم" على وزن مفعل كمقعد.
2 الديوان /84, واللسان "حجر", والكامل /414.
3 كذا في, س, ح. وفي هامش س, م, ت: "هدما".
4 سورة سبأ: 16
5 لم أقف عليهما في ديوانه ط دار الثقافة ببيروت. وفي الديوان قصيدة على الوزن والقافية وليس فيها هذان البيتان.
(1/150)

يريد مُزْهارُّ فهَمَز لئَلا يَلْتَقِي السَّاكِنان وكان الأعَمْش يَقْرأ: {مُدْهَامَّتَانِ} 1 وقرأ أَيُّوب السِّخْتِياني ولا الضَّألِّين أنشدني أبو عُمَر عن ثَعْلب:
يا قومِ إني قَدْ رأيتُ عَجَبَا ... حِمارَ قَبّان يسُوقُ أرنَبَا
خاطِمَها زَأَمَّها أن تَهْرُبا 2
يريد زَامَّها من الزِمّام فهَمَز لئَلا يَلتَقِي السَّاكِنانِ.
والعَباهِلُ المُلوكُ وقد فَسَّره أبو عُبَيْد 3 وفَسَّر قولَه: "لا شِغَارَ ولا وَرَاطَ"4
وأما قوله: ما يَحمِل القِرابُ من التَّمر فإن الرِّواية هكذا جاءَتْ بالباء ولا موضع للقراب هاهنا
إنما القِرابُ قِرابُ السَّيفِ وأَرَاهُ القِرافَ بالفاء جمع قَرْف وقد يجمع أيضًا عَلَى القُروف وهي أوعية من جلود يُحمَل فيها الزَّادُ للأَسفار قَالَ الشاعِرُ: هُوَ مُعقِّر بن حمِار البارِقيّ 5
وذَبيانِيَّةٍ وصَّت بنيها ... بأن كَذَبَ القَراطِفُ والقُروفُ
والمعنى أنَّ عليهم أن يُزَوِّدوا السَّرِيَّةَ إذا مرّت بهم لكل عشرة منهم ما يُحمَل في مِزْوَدٍ.
__________
1 سورة الرحمن: 64.
2 اللسان "زمم" و "قبن" برواية: "أن تذهبان" بدل: "أن تهربا".
3 انظر كتابه 1/ 212.
4 كتابه 3/ 128.
5 من ح, والبيت في التاج "قرطف" وعزاه لمعقرالبارقي. واقتصر اللسان على الشطرالثاني, ولم يعزه.
(1/151)

وقوله: إلى المهاجر بن أبُو أُميَّة فقد كان حَقُّه في الإعراب أن يُقالَ ابنُ أَبِي أُمَيَّة لأنه مضاف إلى أبيه ولكن لاشتهاره تُرِك عَلَى حالِه كما قيلَ علي بن أبي طالب.
وأخبرنا ابن الأَعرابي نا العَبَّاس الدُّوريّ نا يَحْيَى بن مَعين 1 قَالَ كان إسماعيل بن أبي خالد يقول حدثنا قيس بن أبو حازم.
__________
1 سقط من ح من هنا نحو أربع صفحات من حجم الفلوسكاب.
(1/152)

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ الدَّجَّالِ الَّتِي حَكَاهَا عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ رَكِبَ الْبَحْرَ وَأَنَّهُ رَآهُ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ مُكَبَّلا بِالْحَدِيدِ بِأَزْوِرَةٍ وَرَأَى دَابَّةً يُوارِيهَا شَعْرُهَا فَقَالُوا مَا أَنْتِ قَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ 1 .. فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ.
حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ نا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ أَبُو الْمُنْذِرِ نا قُرَّةُ 2 بْنُ خَالِدٍ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ أبو عَمْرو: واحد الأزْوِرَة زِوارٌ وهو حبل يُجعَل بين التَّصدير والحقَب ويُدعَى ذَلِكَ الحبل أيضًا الشِّكال.
يقال شكلت عن البعير وهو أن تَجْعَل بين الحقَب والتَّصْدِير خَيْطًا ثُمَّ تَشُدَّه لكيلا يدنو الحَقَبُ من الثِّيل والمعنى أنه رآه وقد جُمِعت يَداه 3 إلى صدره فشدت هناك.
__________
1 أخرجه مسلم 4/ 2261 وأبو داود 4/ 118 وابن ماجه 2/ 1354 وأحمد 6/ 373, 374, 413, 417, 418 وغيرهم.
2 ط: "قروة بن خالد" وفي التقريب 2/ 125: قروة بن خالد السدوسي البصري, ثقة ضايط "ت: 155 ه"
3 س, ط: "يده".
(1/152)

والزِّيارُ أيضًا كاللَّبَبِ للدَّابَّة والشَّيءُ الَّذِي يَشُدّ به البَيْطارُ جَحْفَلَةَ الدَّابَّةِ إذا أراد بَزْغَها يُسَمَّى أيضًا زِيارًا ويقال إن هذه الدَّابَّةَ إنما تُدعَى الجَسَّاسة لأَنَّها تُجَسِّسُ الأَخبارَ للدَّجّال أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ ثنا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن تَمِيمًا الدَّارِيَّ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ رَكِبَ الْبَحْرَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ:
قَالَ ورأى الجَسَّاسة دابَّةً أَهدبَ القِبالِ يريد كَثْرَة الشَّعَر في قِبالها وهو النَّاصيَةُ والعُرْفُ ونحوُه ونحو ذَلِكَ من مُقَدَّمها وقُبالُ الشَّيءِ وقُبْلُه ما استَقْبَلك منه ومنه قِبال النَّعْل وهو زِمامُها ورُوِيَ عن عَبْد الله بن عمر أنه قَالَ الدَّابةُ الهَلباءُ التي كلمت تميمًا هي دابَّةُ الأرض التي تُكلّمُ الناسَ 1 وفي رواية أخرى أنَّه قَالَ لهم أخبِروني عن نَخْل بَيْسَان هل أَطْعَمَ قَالُوا نَعَم قَالَ فأَخبِروني عن حَمَّةِ زُغَر هل فيها مَاءٌ قالوا نعم تتدفق جنبتاها.
قوله: أَطْعَم معناه أَثْمَر ما يُطْعَم والحَمَّةُ العَيْن وهي حَمَّة زغر معروفة.
__________
1 ساقط من ت, وهو في س, م, ط.
(1/153)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ رَجُلا أَحْبَنَ أَصَابَ امْرَأَةً فَسُئِلَ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ بِأُثْكُولِ النَّخْلِ"1
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ أنا الرَّبِيعُ نا الشَّافِعِيُّ أنا سُفْيَانُ عن يحيى بن سعيد
__________
1 أخرجه الشافعي في مسنده: انظر بدائع المنن 2/ 288.
(1/153)

وَأَبِي الزِّنَادِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ أَحَدُهُمَا أَحْبَنٌ وَالآخَرُ مُقْعَدٌ وَقَالَ أَحَدُهُمَا أُثْكُولٌ وَقَالَ الآخَرُ إِثْكَالٌ.
الحَبَنُ: نُتوءُ البَطْن وانْدحاقُه لمرض والأَحْبَن الَّذِي به دَاءُ السَّقْي قَالَ رؤبة:
فَباتَ ذُو الدَّاءِ انتفاخَ الكوْدَنِ ... يَحْكِي من الغَيْظِ زفِيرَ الأَحْبن 1
ويقال إنما سُمِّيت أُمّ حُبَيْن لنُتُوء بطنها.
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ثنا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نا الأَصْمَعِيُّ أَنَّ رَجُلا تَجَشَّأَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ دَعَوْتَ عَلَى هَذَا الطَّعَامِ أَحَدًا فَقَالَ لا قَالَ فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَبَنًا وَقُدَادًا.
قَالَ الأصمعي: القُدادُ وجع في البطن قال أبو عمرو العلوص والعِلَّوْزُ جميعًا الوجَع الَّذِي يقال له اللَّوَى. يقال من ذَلِكَ اعْلَوَّصَ واعْلَوَّزَ إذا اعْتَراه ذَلِكَ.
والأُثْكُول والإثْكَالُ لغتان في العِثْكال والعثكول وهو الشمراخ من شماريخ العذق قَالَ الشاعر:
طَوِيلَةُ الأَقْناءِ والأَثَاكِل 2
ويقال: العِثْكالُ: الإهانُ ما دام رَطْبًا فإذا يَبِس فهو العُرجُون والعَيْن قد تُبَدل همزةً لقرب مخارجهما وكذلك الهَمْزَةُ تُبدَل عَيْنًا كقول الشاعر:
__________
1 الديوان /164.
2 اللسان "ثكل".
(1/154)

فَما أُبالي إذا ما كُنتِ جارَتنا ... عَلا يُجاوِرَنا إلاكِ دَيَّارُ 1
يريد أَلا.
وقال آخر:
ألم تَعْلَمي عَلا يَرُدّ مَنِيَّتي ... قُعُودِي ولا يُدِني المماتَ رَحِيلي
- وفي الحديث من الفقه أَنَّ المريضَ إذا وجب عليه الحدُّ وكان مَرَضُه ممَّا لا يُرجَى له بُرْء أُقِيم عليه الحَدُّ بالضَّرب الخَفِيف بالإثْكالِ ونحوِه وإن كان مما يُرجَى بُرؤُه انْتُظِر به حتى يَبْرأ فيُقام عليه الحَدَّ بالضَّرب الموجِعِ وكذلك إن كان في البَردِ الشديد والحَرِّ المُفرِط اللَّذين يُخافُ معهما التَّلَفُ وأمّا إذا وجب عليه الرَّجْم فلا نَظِرةَ في أمره لأنه إنما يُرادُ به التَّلفُ فلا وجه للاستِينَاءِ به والله أعلم
__________
1 الخصائص 1/ 307, 2/ 195 وخزنة الأدب للبغدادي 2/ 405
(1/155)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ " 1
هذا حديث مشهور وتفسيره عَلَى وجوه منها أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَه في الدنيا أناله الله معروفه في الآخرة. ومنها أن يُرادَ بالمعروف خصوصًا الشَّفاعة في المذنبين وذَوِي الزَّلات التي لا تَبلُغ الحدودَ يَقول مَنْ تَشَفَّع 2 للنَاس في الدنيا شَفّعه الله في المُذنِبِين في الآخرة فيكون وَجِيهًا عند الله كما كان وَجِيهًا عند خلقه. وقد رُوي هذا الوجه عن بعض السَّلَفِ
__________
1 ذكر العجلوني في كشف الخفاء 1/ 262 وقال: رواه الطبراني عن سلمان, وأبو نعيم عن أبي هريرة.
2 س, ط: "يشفع".
(1/155)

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اشْفَعُوا إِلَيَّ فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ" 1
وفيه وجه آخر ذكره أبو العباس ثعلب قَالَ سألتُ ابنَ الأعرابيّ عن هذا فَقَالَ يُروَى عن الشّعْبِيّ أنه قَالَ يأتي أصحابُ المعروف في الدنيا يومَ القيامة فيُغْفَرُ لهم بمعروفهم وتبقى حَسناتُهم جامَّة فَيُعْطُونها لَمنْ زَادَت سَيِّئاتُه عَلَى حَسَناتِه فيغْفُر له ربُّه عَزَّ وجَلَّ.
والمعروف كل ما تعرفه النفوس وتسحسنه العُقولُ من مكارم الأخلاق ومحاسِن الشِّيَم وهي التي كانت لم تَزَل مُسْتَحْسَنَةً في كل زَمان وعند أهل كل مِلَّة فلا تَزال كذلك لا يَجرِي عليها النَّسْخ ولا يجوز فيها التَّبْديل وإلى هذا أشار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "إنَّ مِمَّا بَقِيَ من كلام النُّبُوَّةِ الأُولَى إذا لم تَسْتَحْيِ فاصنع ما شئت" 2 يُرِيد أن الحياءَ لم يَزَلْ مُسْتَحْسَنًا في شرائع الأنبياء الأَوّلين وأنه لم يرفع ولم يُنْسَخْ في جملة ما نُسِخَ من شرائعهم
وقوله: فاصْنَع ما شئتَ فيه وجهان أحدهما أن يكون معناه إخبارًا كأَنَّه قَالَ إذا لم تَسْتَحْيِ صَنَعْت ما شئْت أي أَتيتَ ما يَقْبُح ولم تَسْتَحْي ولم تُبال به وإلى هذا أو نحوه أشار أبو عُبَيد 3
ووجه آخر وهو أَنْ يكون معناه اصنع ما شئت من أمرٍ لا يُسْتَحْيَا منه أي ما يُسْتَحْيَا منه 4 فلا تَفعلْه
وفيه وجه ثالث قَالَه أبو العباس ثعلب وهو أن يكون معناه الوعيد كقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 5 وَمِنَ الْمَعْرُوفِ حَدِيثُ أَبِي تَمِيمَةَ
__________
1 أخرجه البخاري 2/ 134, ومسلم 4/ 2026, وأبو داود 4/ 334 وغيرهم.
2 أخرجه البخاري 4/ 215, وأبو داود 4/ 252, وابن ماجه 2/ 1400
3 عريب الحديث 3/ 31
4 ح: "لا يستحيا به: أي ما بستحيا منه فلا تفعله".
5 من م, ت. والآية من سورة فصلت: 40
(1/156)

الْهُجَيْمِيِّ 1 حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ نا الدُّورِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَوْصِنِي فَقَالَ: "أُوصِيكَ أَنْ لَا تَسُبَّ النَّاسَ وَلَا تَزْهَدْ 2 فِي مَعْرُوفٍ وَإِنِ اسْتَسْقَاكَ أَخُوكَ مِنْ دَلْوِكَ فَصُبَّ لَهُ وَالْقَهْ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ" 3
وفي غير هذه الرواية من طَرِيقِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ فَقَالَ: "لا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلَوْ بِشِسْعِ النَّعْلِ وَلَوْ أَنْ تُعْطِي الْحَبْلَ وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ" 4 قوله: تُؤْنِسُ الوَحْشَان فيه وجهان: أحدهما أن تَلْقَاهُ بما يُؤنِسه من القَوْلِ الجميل وإنما هُوَ فَعْلان من الوَحْشَةِ يقال رجل وَحْشَان من قوم وَحَاشَي والوجه الآخر أنه أُرِيد به المنقطع بأرضِ الفَلاة المستوحِش بها تَحْمِلهُ فتُبَلِّغُه المكانَ الآنِسَ الآهِل والأول أَشْبَه.
__________
1 ح: "الهجمي". وفي التقريب 2/ 403: أبو تميمة, بزيادة هاء, الجيمي, بجيم مصغرا, اسمه طريف بن مجالد.
2 ت: "ولا تزهدن".
3 أخرجه أحمد في مسنده 4/ 65, 5/ 64, 377. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 11/ 28 بنحوه.
4 أخرجه أحمد 3483.
(1/157)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ صُحَارِيَّيْنِ وَثَوْبٍ حَبِرَةٍ"1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بن محمد عن أبيه.
__________
1 مصنف عبد الرزاق 3/ 421.
(1/157)

الصُّحْرَةُ حُمْرةٌ خَفِيَّةٌ كالغُبْرة يقال ثَوبٌ أَصحَرُ وصُحَارِيّ ومُلاءَةٌ صَحْراءُ وصُحارِيَّة وقال بعض أهل اللغة الأصحَرُ ما كان لونُه لونَ الصَّحراء من الأرض قَالَ الأصمعي الأصْحَرُ قريب من الأصهب ويقال إِنَّ الصُّحارِيَّ مَنْسوبٌ إلى صُحار وهي قرية باليمن
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْقَاسِمُ بْنُ نَصْرٍ الْمُخَرَّمِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ نا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَيْطَتَيْنِ وَبُرْدٍ نَجْرَانِيِّ 1
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ وَقَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ 2 .. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ 3 وهي المقصورة من قولك سَحَلْتُ الشيءَ بالمِسْحَل كما تقول بردتُه بالمِبْرَدِ ويقال سَحُولٌ موضع باليمن نُسِبت إليه الثَّياب وهذا أصح الأخبار لأنها أعلم بباطن أمرِه إذا كان قد حُجِب عنه الناسُ ووِليَه نِساؤه وأَهلُ بيتِه وقد مات في بيت عائِشَة وفي حِجْرها ودُفِن في حُجْرتها لم يَخْف عليها شيءٌ من أمره ويشبه أن يكون -والله أعلم- لَمَّا مات سُجِّيَ ببُردٍ فَمَن رآه مُسَجًّى به ظَنَّ أنه قد كُفَّن فيه.
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَتَى الْبَيْتَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ النبي صلى
__________
1 ذكره الهيمي في مجمع الزوائد 3/ 23 وقال: رواه البزار, ورجاله رجال الصحيح.
2 أخرجه أبو داود 3/ 199, ابن ماجه 1/ 472 بنحوهم.
3 أخرجه البخاري 2/ 97 ومسلم 2/ 649, 650 والنسائي 4/ 25 وغيرهم.
(1/158)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ بُرْدَ حِبَرَةٍ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ 1 وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مَا رَفَعَ الإِشْكَالَ فِي هَذَا الْبَابِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا الأَوْزَاعِيُّ نا الزُّهْرِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أُدْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ثُمَّ أُخِّرَ عَنْهُ"2
__________
1 أخرجه عبد الرزاق 3/ 596.
2 سنن أبي داود 3/ 198, ومسلم 2/ 650 بنحوه.
(1/159)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ شَكَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ"1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ السُّرِّيُّ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
قوله: أهلُ البَحْرة يُريد أهلَ المدينة قَالَ الأُمويّ البَحْرةُ الأرضُ والبَلْدَةُ يقال هذه بَحْرَتُنَا أي بَلدَتُنا وقال ابنُ ميّادَةَ:
ورَبْعٍ مُحِيلٍ تَلعبُ الريحُ فوقَه ... قديمًا عَهِدْنا أَهلَه منذ أَعْصُرِ
كأنَّ بَقَاياه بِبَحْرة مالكٍ ... بَقيَّةُ سَحْقٍ من رِداءٍ مُحَبَّرِ
وقوله: يُعَصِّبوه أي يسوِّدوه والسَّيِّد المُطاع يقال له المُعَصَّب لأنه
__________
1 أخرجه البخاري في الأدب, باب كنية المشرك 8/ 56 - 57, وأخرجه مسلم في الجهاد 3/ 1422.
(1/159)

تُعَصَّبُ الأُمورُ برأسه والتاجُ عندهم للمَلِك والعِصَابةُ للسَّيّدِ المُطاع في قومه وقد جَمَعَهما هَوذَةُ بنُ عليٍّ الحَنَفِيّ فَقَالَ الأعشى يَذْكُرُه:
مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسجُدْ غير مُمْتَنعٍ ... إذا تعصّب فوق التَّاج أو وضعا 1
ويقال: لم يكن في مَعَدٍّ مُتوَّج غيرُه ويقال للرئيس أيضًا المُعَمَّم قَالَ الشاعر:
رأيتك هريت العِمامةَ بعدما ... رأيتُك حينًا حاسِرًا لم تُعَصَّب 2
ويقال: إنما سُمِّي الرئيسُ مُعَمَّما عَلَى مثل ما ذكرتُ من مَذْهَبهم في تَسْمِيَته معَصَّبًا ويقال بل سُمِّي مُعَمَّمًا لأنه كان يعتَمُّ بعمامةٍ يُعرَف بها وكان أبو أُحَيْحَة سَعيدُ بن العاص إذا اعتَمَّ لم يعتَمَّ قُرشيٌّ إعظامًا له
وأنشدني بعضُ أهل الأدب قَالَ أنشدنا ابن الأنباري عن أبي العباس ثعلب:
إذا المرءُ أَثْرى ثُمَّ قَالَ لقومه ... أنا السَّيِّد المُفْضَى إليه المُعَمَّمُ
ولم يُعطِهم مَالًا أَبوا أن يسُودَهم ... وهان عليهم فَقْدُه وهو أظْلمُ
وقوله: شَرِق بذلك أي غَصَّ به ويقال: غَصَّ الرجلُ بالطعام وشَرِق بالماء وشَجِي بالعَظْم قَالَ الشاعر:
يحِكي سُعالَ الشَّرِقِ الأَبَحِّ
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: "أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الصبح
__________
1 الديوان /108 برواية: "من يلق هوذة يسجد غير متئب".
2 اللسان "عمم, عصب" والبيت للمخبل في الزبرقان.
(1/160)

بِمَكَّةَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ 1 فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى وَأُمِّهِ أَخَذَتْهُ شَرِقَةٌ فَرَكَعَ"2 يُرِيدُ أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَعِييَ بِالْقِرَاءَةِ
ومن هذا أيضًا حديثه الَّذِي يُروَى في تأخير الصلاة إلى شَرَق الموتى قَالَ ابن الأعرابي هُوَ من شَرَقِ المَيِّت بِرِيقه عند خروج نِفْسِه فَشَبَّه ما بَقِيَ من الوَقْت بما بقي من حياة الشَّرِق بروحه قَالَ غيره شَرِقَت نَفسُ الميِّت إذا زهَقَت وشَرِقَت الشَّمس إذا غابت وشَرِقت إذا بَدت وأشرقت إذا أضاءت
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ نَحْمَةً مِنْ نُعَيْمٍ" 3
قَالَ ابن أبي خَيْثَمَةَ قَالَ مصعب بن عَبْد الله الزُّبَيْرِيّ فسُمِّي النَّحَّام فإن النَّحْمَةَ والنَّحِيمَ صوتٌ من الجَوْفِ قَالَ رؤبة:
بَيَّض عَيْنَيْه الْعَمَى المُعَمِّي ... من نَحَمان السيِّد النِّحَم 4
وقال آخر:
ما لك لا تَنْحَمّ يا رَواحهْ ... إن النحيم للسقاة راحة 5
__________
1 م, ط: "المؤمن".
2 أخرجه مسلم في المساجد 1/ 378, 379 في طويل رقمه"26".
3 أخرجه ابن ماجه 1/ 269 والبخاري 1/ 186 ومسلم 1/ 326 وغيرهما بسياق آخر.
4 ت, م: "من نحمان الحسد النجم" وهو في الديوان /143.
5 من م, ت. والرجز في الأساس واللسان وتهذيب اللغة "نجم"
(1/161)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالْبُرَاقِ فَقَالَ ارْكَبْ يَا مُحَمَّدُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ لأَرْكَبَ فَأَنْكَرَنِي فَتَحَيَّا مِنِّي" 1
__________
1 الفائق "حيا" 1/ 341 والنهاية "حيا" 1/ 472.
(1/161)

حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ نا يُونُسَ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ 1 عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ بَعْضِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قوله: تَحَيَّا مِنّي إنما هُوَ تَحوَّى منّي أبدل الواوَ ياءً والتَّحَوِّي: أن يَلْتَوِيَ ويَسْتَدِير 2 ويقال إنما سُمِّيت الحَيَّةُ لتحوِّيها يقال حَوِيت الحَيَّةُ تَحْوَى إذا استدارت ويقال بل سُمِّيَتْ حَيَّةً لِطُولِ حَياتِها وهي فيما يقال طَوِيلَةُ الحياةِ ويقال إنها من أطول الحيوان ذماء.
__________
1 أبو داود في الطهارة, باب الغسل من الجنابة 1/ 63 ومسلم في الحبض, باب صفة غسل الجنابة 1/ 255 وغيرهما.
(1/162)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلابِ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ
الحِلابُ إناءٌ يَسَعُ حَلْبَةَ ناقةٍ وهو المِحْلب بكسر الميم فأما المَحْلَب بفتح الميم فهو الحَبُّ الطيب الرِّيح قَالَ الشّاعر:
وقَبرٍ تجاوزْتُ نَكْراءَه ... صُدودَ الهِزَبْرِ عن الثَّعلب
ولو شِئتُ بالرِّيح أَذْرَيتُه ... كطَحْن الرَّحا حَبَّةَ المحلب
__________
1 أبو داود في الطهارة, باب الغسل من الجنابة 1/ 63 ومسلم في الحبض, باب صفة غسل الجنابة 1/ 255 وغيرهما.
(1/162)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ صَلَّى صَلاةً فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي يَقْطَعُ الصَّلاةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ" 1
حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ نا شَبَابَةُ نا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَوْلُهُ: ذَعَتُّهُ يُرِيدُ خَنَقْتُهُ أخبرني أبو عمر أنا ثعلب قَالَ: يقال: ذَعَتُّه وسَأَتُّه وسأَبتُه بمعنى خَنَقْتُه وأنشدنا:
ولا تزالُ بَكْرَةٌ تَغَّارَه ... يَسْأَبُها بحَبْلهِ عُمَارَه
قَالَ: وأخبرنا أبو العباس عن عُمَرَ بن شَبَّةَ عن الأصمعيّ قَالَ كان عندنا رجلٌ يَشْتُم أبا بكر وعُمَر فرأى في المنام عمرَ بن الخطاب فَذَعَتَه عُمرُ ذَعْتَةً فأَصْبَح الرجلُ وقد لَوَّثَ فِراشَه وجاءنا تائِبًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْمَرْوَزِيُّ نا عَلِيكٌ 2 الرَّازِيُّ نا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُمَيْعٍ سَمِعْتُ الْوَضِينَ بْنَ عَطَاءٍ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَخْنُقُ أَبَاهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ فَأَرَادَ أن يُخَلِّصَهُ فَقَالَ لَهُ آخَرُ لا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا يَذْغَتُ أَبَاهُ فِي أَصْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ هكذا قَالَ المَرْوَزيُّ يذغت بالغين المعجمة وهو غلط والصواب يذعت من الأول
__________
1 أخرجه البخاري 2/ 81, ومسلم 1/ 384.
2 في المشتبه 2/ 469: علي بن سعيد الرازي يعرف بعليك, والكاف في لغة العجم هي حرف التصغير. وبعض الحفاظ قيده باختلاس كسرة اللام وفتح الياء وخفف. قال ابن نقطة: وهذا عندي أصح, ليس في كتاب الأمير ابن ماكولا تشديد الياء بل أهمل ذلك. وقد ضبطه المؤتمن الساجي بسكون اللام وفتح الياء.
(1/163)

والذَّعْتُ أيضًا أن تُمَعِّكَ الرجلَ في التُّرابِ فأما الذَّعْطُ فهو الذَّبْحُ الوَحِيُّ يقال ذَعَطَه وسَحَطَه إذا ذَبَحه قَالَ الهُذَلِيُّ:
إذا وَرَدُوا مِصْرَهَم عُجِّلُوا ... من الموت بالهِمْيَعِ الذَّاعطِ 1
والهِمْيَع: الموتُ المُعَجَّل ويقال: الهِمْيَغُ بالغين أيضًا
وفي الحديث من الفِقْه أن العَملَ اليَسِير لا يقطع الصَّلاةَ وفيه إباحة دَفْع مَنْ يَمُرّ بين يديك في الصلاة وقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَقَاتِلْه فإنه شيْطان" 2. يريد أن الشَّيطانَ يَحْمِله عَلَى ذَلِكَ وفي بعض الأخبار: "فقاتِلْه فإِنَّ مَعَه القَرِينَ" 3
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُسَدِّدٌ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامُ 4 بْنُ الْغَازِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ "أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى أَلْصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ"5
قَوْلُهُ: يُدَارِئُهَا: أَرَادَ يُدَافِعُهَا مِنَ الدَّرْءِ مَهْمُوزًا وَلَيْسَ مِنَ الْمُدَارَاةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الرِّفْقِ وَالْمُسَاهَلَة فِي الأُمُورِ وَالْبَهْمَةُ: السَّخْلَةُ وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ قَالَ أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعةَ تُوضَع من الضَّأْنِ
__________
1 شرح أشعار الهذليين 3/ 1290 وهو لأسامة بن الحارثة الهذلي.
2 أخرجه مسلم وغيره. صحيح مسلم 1/ 362.
3 أخرجه مسلم وغيره أيضا. صحيح مسلم 1/ 363.
4 م: "هيثم" وفي التقريب 2/ 320: هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة الدمشقي مات سنة مائة وبضع وخمسين.
5 كذا في هامش س, وقال: هو الصواب. وفي بقية النسخ: بطنها بالجدار. والحديث في سنن أبي داود 1/ 188 وأحمد 2/ 196.
(1/164)

والمَعِز ذكرا كان أم أنْثَى سَخْلة وجمعه سِخَالٌ ثُمَّ هي البَهْمَةُ للذكر والأنثى وَجَمعُها بَهْم.
(1/165)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ جَارِيَتَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَاءَتَا تَشْتَدَّانِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَأَخَذَتَا بِرُكْبَتَيْهِ فَفَرَعَ بَيْنَهُمَا"1
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ نا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ صُهَيْبٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَوْلُهُ: فَرَعَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا يقال فرعْتُ بين القوم إذا حَجزتَ بينهم وفرعْتُ الفرسَ إذا قَدَعْتَه باللِّجَام ويقال أَفرعتُه بالألف وفَرعْت رأسَه بالعَصَا إذا علاه بها وافْتِراع 2 البِكْر وهو افتِضَاضُها وهو مأخوذ من الفَصْل بين الشَّيئين ويقال بل هُوَ مأخوذ من إفراع اللِّجام الدَّابَّةَ وهو أن يُدْمِيَ فَاهَا قَالَ الأَعْشى:
صَدَدْتَ عن الأعداء يومَ عُبَاعِبٍ ... صدود المذاكي أفرعتها المساحل 3
__________
1 أخرجه النسائي 2/ 65.
2 ت: "وافراع البكر".
3 م, ط: "صدت عن الأعداء", وهو الديوان /133.
(1/165)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّه مَرَّ بِرَجُلٍ نُغَاشٍ فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: "أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أنا الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
النُّغَاشُ: القَصير النَّاقِص الخَلْق قَالَ النَّضْر بن شميل رجل نغاشي:
__________
1 الفائق "نغش" 4/ 7 وفيه: وروى: "نعاشي" وهو أقصر ما يكون من الرجال.
(1/165)

أي قَصِير وقَلَطِيٌّ وهو فوق النُّغَاشِيّ وسُئِل رجلٌ من أَئِمَّة أهلِ اللغة مِمَّن أدركناه عن تِفْسير هذا الحرف وكان قَصِيرًا فَظَنَّ أنّ السائلَ يعرِّض به فَقَالَ هُوَ أَقَصَرُ منِّي ولم يَزِده 1 عَلَى ذَلِكَ.
ويقال لكل شيء من الطَّير والهوامّ إذا خَفَّ وتَحرَّك في مكانه قد تَنَغَّش.
قَالَ ذو الرُّمَّةِ يَصِف القُرادَ وأنها أحسَّت بِوَطْء الإِبِل فَخَفَّت:
إذا سَمِعَت وَطْءَ المَطِيِّ تَنَغَشَت ... حُشَاشَاتُها في غير لحمٍ ولا دَمِ 2
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي إِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ فَكَانَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ فِي أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ" قَالَ فَمَرَرْتُ بِهِ وَسَطَ الْقَتْلَى صَرِيعًا فِي الْوَادِي فَنَادَيْتُهُ فَلَمْ يُجِبْ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ قَالَ فَتَنَغَّشَ كَمَا يَتَنَغَّشُ الطَّيْرُ 3: أي تحرك.
__________
1 س, ح: ولم يزد.
2 اللسان "نغش", والأساس "وطأ", والديوان /630.
3 كتاب المغازي للواقدي 1/ 292 وفيه: "فتنفس كما يتنفس الكبير".
(1/166)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ أَكَلَ كَتِفًا مُهَرَّتَةً ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ ثُمَّ صَلَّى"1
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: مُهَرَّتة إِنَّمَا هِيَ الْمُهَرَّدَة –بِالدَّالِ- قَالَ الكِسائِيُّ إذا أَنْضَجْت اللحمَ فهو مُهَرَّد وقد هَرَّدْتُه وقد هَرِد اللحمُ إذا نَضِج قَالَ والمُهَرَّأُ مثله.
-قَالَ أبو زيد إذا شَوَيتَ اللحمَ قيل خَمَطْتَهُ خَمْطًا وهو خميط فإن
__________
1 الفائق "هرت" 4/ 99, والنهاية "هرت" 5/ 257.
(1/166)

شويتَه حتى يَيْبَس فهو كَشِيءٌ وقد كَشَأْتُه فإن جعلتَ اللحم عَلَى الجَمْر قيل حَسْحَسْتَه 1 فإن أدخلته النارَ ولم تبالغ في نُضْجِه قيل ضَهَّبْتَه 2 قَالَ امرؤُ القَيْس:
نَمشُّ بأعرافِ الجيادِ أَكفَّنَا ... إذا نحن قُمنا عن شِواءٍ مُضَهَّبِ 3
والأَنيضُ: اللَّحمُ غيرُ النَّضيج يقال أنَضْتُ اللحم وأَنْهَأْتُه وأنأتُه وهو بين النهوءة والنيوءة.
__________
1 س, ط: "حشحشته" والمثبت من م, ت. وفي القاموس "حس": حسست اللحم: جعلته على الجمر كحسحسته.
2 س: "ضهيته" بالياء. وفي القاموس "ضهب" اللحم تضهيبا: شواه على حجارة محماة, وشواه ولم يبالغ في نضجه.
3 الديوان /54.
(1/167)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَإِذَا سَكَبَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ 1
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ سُوَيْد: سَكَبَ يُرِيدُ أَذَّنَ السَّكْب: الصَّبُّ والدَّفْقُ وأصلُه في الماء يُصَبُّ وقد يُسْتَعارُ فيُسْتَعْمَل في القول والكلام كقول القائل: أُفْرِغَ في أُذُنِي كلامٌ لم أَسَمَعْ مَثلَه وأَخَذَ فلان في خُطبةٍ فَسحلَها وما أشبه هذا من الكلام أنشدني الحسن بنُ خَلاد أنشدني ابن دُرَيْد:
لا تُفْرِغَنْ في أُذُنَيّ مِثْلَها ... ما يستفز فأريك فقدها
__________
1 وأخرجه أبو داود في الصلاة 2/ 39 رقم الحديث "1336" بلفظ سكت المؤذن بدل سكب. وأخرجه أحمد 6/ 83.
(1/167)

إنِّي إذا السَّيفُ تَولّى نَدَّها ... لا أَسْتَطيع عند ذَاكَ رَدَّها 1
وهذا رجل أُنشِدَ شِعرًا أعجبه فقام إلى البَرْك بسَيْفه وهي الإبلُ المُنَاخَةُ 2 فجعل يضربها 3 يمينًا وشِمالًا يَعْقِرُها
وفي الحديث: "وَيْلٌ لأَقْماع القَوْل" وهم الذينَ يَسْمَعُون ولا يَعْمَلون به 4 شَبَّه آذانهم بالأَقْمَاع يُصَبُّ فيها الكلامُ صَبَّ الماءِ في الإناءِ
ورواه بعضهم سكت بالأولى أي فَرَغ من الأذان فسكت عنه 5
__________
1 ت: "بدها" بدل "ندها."
2 ت: "المناصة".
3 م, ط: "فجعل يضرب".
4 مسند أحمد 2/ 165, 219.
5 من ت, م.
(1/168)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ بِلالا أَتَاهُ يُؤْذِنُهُ 1 بِصَلاةِ الْغَدَاةِ فَشَغَلَتْ 2 عَائِشَةُ بِلالا بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى فَضَحَهُ الصُّبْحُ فَأَصْبَحَ جِدًّا"3
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ حَدَّثَنِي أَبُو زِيَادَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادَةَ الْكِنْدِيُّ عَنْ بِلالٍ.
قَوْلُهُ: فَضَحه الصُّبْح أَيْ دهَمَتْه فُضْحَةُ الصُّبح والفُضْحَةُ كالغُبْرةِ في
__________
1 م: "يوذنه" من فعل المشددة العين.
2 ت: "فشغلته عائشة بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى فَضَحَهُ الصبح".
3 سنن أبي داود 2/ 20.
(1/168)

اللون وقال أبو عمرو الأَفْضَح الأبيض وليس بشديد البياض ومنه قول ابن مقبل:
أَحَشُّ سِماكِيٌّ من الوَبْل أَفْضَح 1
ورواه بعضهم فَصحه الصُّبح أي بانَ له وغَلَبَه ضوؤه ومنه الفصيح من الكلام 2
__________
1 الديوان /32.
2 من ت, م.
(1/169)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ النَّاسَ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَرْسَالا أَرْسَالا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ"1.
أَخْبَرَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ 2 نا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ ثنا ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ
قوله: أَرسالًا يريد أفواجًا وفِرَقًا مُتَقَطِّعة 3 قَالَ أبو عُبَيْدة إذا أَوردَ الرجلُ إِبِلَه مُتَقَطِّعة قَالُوا أَوردَها أَرسالًا قَالَ امرؤ القيس:
فهُنَّ أَرسالٌ كرِجْل الدَّبَي ... أَو كَقَطَا كاظمة النَّاهِلِ 4
وإذا أورَدها جماعة قَالُوا أوردها عِرَاكًا. وواحد الأَرسَالِ رَسَل كما قيل لما نَشَرْتَه نَشَر ولما أَسْبَلْتَه سَبَل وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ جَرَّ سَبَلَهُ مِنَ الْخُيَلاءِ لَمْ يَنْظُرِ الله إليه يوم القيامة" 5
__________
1 أخرجه أحمد 5/ 81 وابن ماجه 1/ 521 بنحوه.
2 ت: "إبراهيم بن عبد الرحمن العنبري".
3 م: "متقطعة".
4 الديوان /121.
5 لم أجده بلفظ: "من جر سبله" ولكن بلفظ: "من جر ثوبه" وهو مخرج بألفاظ مختلفة في الكتب السنة ومسند أحمد وغيره.
(1/169)

وَقَالَ سَعْدٌ قَتَلْتُ يَوْمَ بَدْرٍ قَتِيلا وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ فَقَالَ رَسُولُ الله عليه السلام: "اطْرَحْهُ فِي الْقَبَضِ 1" يُرِيدُ فِيمَا قُبِضَ وَجُمِعَ مِنَ الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ قَالَ فَنَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالَ فَقَالَ لِي: "اذْهَبْ فَخُذْ سيفك".
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 180
(1/170)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه قَالَ فِيمَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ فَصَلَّى وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِقَصْرِهِ: "إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَهُ جُمُعَتُهُ تِلْكَ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا أَنْ تَكُونَ كَفَّارَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا" 1.
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ كَانَ نُبَيْشَةُ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْلُهُ: بقَصْره مَعْنَاهُ غَايَته ذَلِكَ أَيْ حَسْبه مِنَ الثَّوَابِ أَنْ تُكَفَّر ذُنوبُه
قَالَ أَبو زَيْد يقال قُصارُك أن تفعل ذَلِكَ وقُصَاراك وقَصْرك أي غايتُك وعُنَاناكَ أن تفعل ذَلِكَ بمعناه قَالَ الأعشى:
فَقَالَ له: ماذا تُرِيدُ وقَصْرُه ... عَلَى مائةٍ قد أَكَملتْها وُفَاتُها 2
وقال هُدْبَةُ بن الخشْرم العُذرِيّ:
وأنتَ أَميرُ المؤمنين فَما لَنا ... وَراءَك من مَعْدى ولا عنكَ مِنْ قصْرِ
قَالَ الأصمعي ويقال حَبَابُك أن تفعلَ ذَلِكَ أي جَهدك ومِثلهُ: حماداك.
__________
1 أخرجه أحمد 5/ 75 بالإسناد المذكور بدون لفظ "بقصره".
2 الديوان /32 برواية: "وسخطه" بدل: "وقصره".
(1/170)

حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في اصف الأول ... "
...
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ لاقْتَتَلُوا عَلَيْهِ وَمَا تَقَدَّمُوا إِلا بِنُحْبَةٍ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ: مَا تَقَدَّمُوا إِلا بِنُحْبَةٍ يُرِيدُ الْقُرْعَةَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الأَذَانِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" 2 وأَصلهُ من المُنَاحَبَةِ وهي المحاكمة يقال: ناحَبتُ الرجلَ إذا قاضيتَه وحاكمتَه ويقال: للقِمَار النَّحْبُ لأنه كالمُساهَمَة أنشدني أبو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثَعْلَب عن ابنِ الأعرابي:
ماذا عليه لو أعان بِلِقْحَةٍ ... عَلَى نَحْبِ مولاهُ أَعانَ وأَحربا
قَالَ أبو عمر هذا رجل كان مُقامِرًا فافتَقَر فجاء ابنُ عَمِّه يسأَلُهُ لِقْحَةً لِيُقامِرَ عليها فيُرزقَ مالا فمنعه
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 2/ 92 بلفظ " .. ما صفوا فيه إلا بقرعة أو سهمة".
2 أخرجه البخاري في عدة مواضع منها: 1/ 151 ومسلم 1/ 325 وغيرهما.
(1/171)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَرْوِيهِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ قَالَ: فَدُفِعْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بأزز وَذَكَرَ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ خَطَبَ وَذَكَرَ خُرُوجَ الدَّجَّالِ وَأَنَّهُ يَحْصُرُ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: "فَيُؤْزَلُونَ أَزْلا شَدِيدًا ثُمَّ يَهْزِمُهُ اللَّهُ وَجُنُودَهُ" 1 فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ 2, نا زُهَيْرٌ نا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ نا
__________
1 أخرجه الحاكم في المستدركه 1/ 330 وأحمد في مسنده 5/ 16 بلفظ: "فيزلزلون زلزالا شديدا" وسيأتي تخريجه مفصلا.
2 ت: أحمد بن عبيد الله بن يونس.
(1/171)

ثَعْلَبَةُ 1 بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ ثُمَّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قوله: بأَزَزٍ يريد بجمع كثير ضاق عنهم المَسْجِد يقال الفضاء منهم أزز والبيتُ منهم أَزَزٌ إذا غَصَّ بهم وقال أبو النجم:
واجتمع الأَقْدام في ضَيْقٍ أزَزْ 2
وفي غير هذه الرواية: فإذا المسجد يتأزَّزُ وهو يَتَفَعَّل من الأَزِيز تَمثيلًا له بأزِيزِ المرجَل وهو صَوتُ الغَلَيان وما أُراه محفوظًا
وقوله: يُؤزَلُونَ معناه يُقْحَطُون قَالَ الأصمعي الأَزْل الشِّدَّةُ يقال أَزَلَه يأْزِلُه أَزْلًا إذا ضَيَّق عليه قَالَ زُهَيْر:
وإن أَفْسد المالَ الجماعات والأزل 3
__________
1 ط, س: "عن ثعلبة" والمثبت من م, ت.
2 هامش م: "الأقوام" بدل "الأقدام" وفي التاج واللسان "أز" وقلبه: "أنا أبو النجم إذا شد الحجر" برواية: الأقدام.
3 الديوان /150, وصدره: "تجدهم على ما خليت هم إزاءها". ورواى أبو عمر "يكونوا على ما كان فيها أزءها".
(1/172)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ اهْتَمَّ لِلصَّلاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الأَذَانِ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَابْنُ دَاسَةَ قَالا ثنا أَبُو دَاوُدَ نا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ أنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ قَالا نا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ أبو سليمان قد أكثرت السؤال عن هذا الحرف والنشدة له فلم أجد
__________
1 سنن أبي داود 1/ 134.
(1/172)

فيه إلا دون ما يُقْنِع وقد ذكر في الحديث أَنَّه الشَّبُّور واختلفت الروايات فيه فَقَالَ ابن الأعرابي القُنْع وسمعتُه مرةً أخرى يقول القُنَع.
وأخبرني مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا هُشَيم نا أبو بِشر أخبرني أبو عُمَير بن أنس أخبرني عُمومةٌ لي من الأنصار وذَكَر الحَدِيثَ فَقَالَ فيه القَتَع بالتاء التي هي أخت الطاء.
فأما القُنْع وتفسير الراوي أنه أراد الشَّبُّورَ فإنَّ الروايةَ إذا صَحَّتْ به أمكن أن يقال عَلَى بُعدٍ فيه إنَّما سُمِّي قُنْعًا لإقناع الصَّوت بِه وهو رَفْعُه قَالَ الراعي:
فإذا تعرَّضت المفازَةُ غادرت ... رَبِذًا يُبَغِّل خَلْفَها تَبْغِيلا
زَجِلَ الحُداءِ كأنَّ في حَيْزَومِه ... قضبا ومُقْنِعَةَ الحَنِين عَجُولًا 1
يريد الناقة ترفع صوتها بالحنين.
ورواه عُمارَةُ بن عَقِيل وَمقْنَعة الحَنِين بفتح النون وقال هي النَّأْيُ.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنّما سمي قُنْعًا لأنه أُقْنِع أَطرافُه إلى داخله قَالَ الأصْمَعيُّ: المُقْنَع: الْفَمُ الَّذِي يكون عَطْفُ أسنانِه إلى داخل الفَمِ ويقال: إن الطَّبقَ الَّذِي يُؤكَل عليه الطَّعامُ إنما سُمِّي قُنْعًا لأنه تُقْنَع أَطرافُه إلى داخله.
وإن كانت الرِّواية القُبَع فالوجه في تَخْرِيجه وإن كان في البُعدِ مثلَ الأول أو أشَدّ أن يكون الشَّبُّورُ إنما سُمِّي قُبَعًا إما لأنه يَقْبَع فَا صاحِبِه: أي يُوارِيه إذا نَفَخ فيه يقال قَبَع الرجلُ رأسَه إذا أدخله في قميصه وقبع
__________
1 الديوان /128, 129 ط دمشق, وديوانه ط بغداد /50 واللسان "رقص", والجمهرة 1/ 318.
(1/173)

وراء الجِدارِ إذا تَوَارَى أو لأنه قد ضَمَّ أطرافَه إلى داخله يقال قبعت لجراب والجُوالِقَ ونحوَه إذا ثَنيْتَ أطرافَه فجمعتَها إلى داخل وقد يُسَمَّى لشيء ذو القَعر قُبَاعًا أخبرني ابن الفارسي 1 أخبرني محمد بن خَلَف نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ حَدَّثَنِي عَبْد الله بن محمد الطّائيّ نا خالد بن سعيد قَالَ استعمل ابن الزّبير الحارثَ بن عَبْد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ عَلَى البصرة فأتَوْه بمكيال لهم فَقَالَ إنَّ مِكيالكُم هذا لَقُباعٌ 2 وهو ذو القَعْر فسُمِّي قُبَاعًا فَقَالَ أبو الأسود الدؤليُّ فيه:
أميرَ المؤمنين جُزِيتَ عنا ... أَرِحْنا من قُبَاعِ بَنِي المُغِيرَه 3
وقال لي أَبُو عُمَر إنما هُوَ القَثَع بالثَّاء المثَلَّثة وهو البُوقُ وهذا عَلَى ما ذكره أَصَحُّ الوجوه ورواية سعيد بن منصور تشهد لذلك غَيرَ أَنِّي لم أسْمَعْ هذا الحرفَ من غيره
فأما القَتَع بالتاء فهو دود يكون في الخشب والواحدة قَتَعَةٌ
ومدار هذا الحديث عَلَى هُشَيْم وكان كثيرَ اللحن والتّحريف عَلَى جلالة مَحَلِّه في الحديث رحمه الله.
__________
1 ت: "ابن الفارس".
2 م: "إن مكيالكم هذا القباع".
3 التاج "قبح"من غير غزو. ويروي: "أمير المؤمنين أبا خبيب" قال الصاغاني: ذكر أبو الفرج في الأغاني لعمر بن أبي ربيعة وليس في شعره, وينسب أيضا لأبي الأسود الدؤلي.
(1/174)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: "النزاع من القبائل" 1.
__________
1 أخرجه ابن ماجه 2/ 1320, والدارمي 2/ 311 وأحمد 1/ 398.
(1/174)

حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
النُّزَّاع جَمْعُ نَزِيعٍ وَهُوَ الْغَرِيبُ الَّذِي قَدْ نُزِع مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وقال حُمَيْد بن ثَوْر:
نَزِيعان من جَرْمِ بن زبّان إنهم ... أَبَوْا أَنْ يُمِيُروا في الهَزَاهِزِ مِحْجَما 1
وامرأة نَزِيعةٌ إذا زُوِّجت في غير قبيلتها من نِساء نَزِائع قَالَ الشاعر:
نَمّتْ بِيّ من شَيْبَان أُمٌّ نزيعة ... كذلك ضرب المنجبات النَّزَائِع
وأولاد الغُرَباء عندهم أشدُّ وأقوى قَالَ الشاعر:
فَتًى لم تَلِدْه بنتُ عَمٍّ قرِيبَةٌ ... فَيَضْوَى وقد يَضْوى رَدِيدُ الغرائِب 2
ومنه قَولُ عَنْتَرة:
أَنا الهجينُ عَنْتَرة 3
افتخر بأنه هَجِينٌ لأنه أَقوى من الصَّريح وأَجْلَدُ
قَالَ الأصمعي: والنَّزِائعُ من الإبل الغَرائبُ التي تنقذت من أيدي الغرباء
__________
1 الديوان /28
2 كذا في هامش م, وفي جميع النسخ: "القرائب" بدل: "الغرائب" والبيت في اللسان والتاج "ردد, ضوى" دون عزو برواية: "رديد الغرائب".
3 في الديوان /198
إني أنا عنترة الهجين ... فج الأتان قد علا الأنين
(1/175)

ونُرَى والله أعلم أَنه أَرادَ بذلك المُهاجرين الذين هَجَرُوا دِيَارَهم وأَوطانهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ ضُرَيْسٍ ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَدَّتِهِ مَيْمُونَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ 1 فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" قِيلَ مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ" 2
__________
1 ت: "وسيعود غريبا, فطوبى للغرباء".
2 أخرجه أحمد 4/ 73.
(1/176)

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى سُمِعَ ضَغِيزُهُ أَوْ ضَفِيزُهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"1
هَكَذَا حدثناه محمد بن هاشم بن هشام نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحِنَّائِيُّ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبَّادُ 2 بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
الضَّغِيزُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فأَمَّا الضَّفِيزُ فَهُوَ كَالْغَطِيطِ وَهُوَ الصَّوتُ يُسْمَع مِنَ النَّائِمِ عِنْدَ تَرْدِيدِ النَّفَسِ وأَصْلُ الضَّفْزِ اللَّقْم واللّوك قَالَ رُؤبةُ:
تَبْتَلِع الهامةَ قبل الضفز 3
__________
1 أخرجه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ 1/ 133 بلفظ"قام من الليل يصلي ثم نام فلقد سمعت صفيره ... ".
2 ت: "ابن عباد بن العوام".
3 الديوان /64.
(1/176)

ويقال ضَفَزْتُ البعيرُ إذا علفْتَه الضَفائِزَ وهي اللُّقَمُ الكبِارُ واحدتها ضَفِيزَة وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِوَادِي ثَمُودَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُونٍ مَنْ كَانَ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ فَلْيَضْفِزْهُ بَعِيرَهُ" 1
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى نا خُنَيْسُ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ثنا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَوْفٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ عن فاطمة الكبرى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ: "أَلا إِنَّ قَوْمًا مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَكَ يُضْفَزُونَ الإِسْلامَ ثُمَّ يَلْفِظُونَهُ ثُمَّ يُضْفَزُونَهُ ثُمَّ يَلْفِظُونَهُ ثَلاثًا يُقَالُ لَهُمُ الرَّافِضَةُ" 2
قوله: يُضْفَزُونه معناه يُلقَّنونَه فيَلْفِظُونَه ولا يَقْبَلُونَه ويقال ضَفَزْتُ الفَرسَ لِجامَه إذا أدخلْتَه في فِيهِ
والضَّفْزُ أيضًا بمعنى الجِماع وهو قريب من الأول وفي بعض الكلام: ضَفَزْتُه النَّصِيحةَ فقاءها أي لم يَقبَلْها 3 ولولا أَنَّ حقَّ السّماع الاتّباعُ لقُلتُ: إنَّه الصفير إلا أنَّ الصَّفِيرَ بالشَّفَتَيْن
وقد رُوِي في هذا الحديث أَنَّه نام حتى سُمِع فَخِيخُه وحتى سُمِع غَطِيطُه وهُما من الحَلْق إلا أَنَّ الفَخِيخَ أَخَفُّ من الغَطِيط ويُروى عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول:
__________
1 أخرجه البخاري 4/ 181 معلقا بالاختصار. وقال ابن حجر في الفتح 7/ 189 وصلة البزار.
2 النهاية "ضفز" 3/ 94, أخرجه ابن الأعرابي في معجمه لوحة 153 - م بلفظ"يصغرون" والهيثمي في مجمعه 10/ 22 بلفظ"يرفضون".
3 من ت وم.
(1/177)

طُوبَى لمن كانت له مِزَخَّهْ ... يزخها ثُمَّ ينام الفَخَّهْ 1
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ نا ابن المثنى نا ابن أبي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ 2 قَالَ: وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ 3 فَأَحَدُهُمَا قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ وَالْخاءُ وَالْغَيْنُ أُخْتَانِ في قرب المخرج
وكان مَعْصُومًا فِي نَوْمِهِ مِنَ الْحَدَثِ وَكَانَ يَقُولُ: "تَنَامُ عَيْنِي وَلا يَنَامُ قَلْبِي" 4 وفي ذَلِكَ دليل عَلَى أنّ النَّومَ عَينَه لَيْس بحدث إذ لا فرق بين رَسُول الله وبين أُمَّتِه في الأحداث وإنما النَّومَ مَظِنَّةٌ للحَدَث لأن النائِمَ قد يُوجَد في الأغلب منه الحَدَثُ فَحُمِل عَلَى حكم الأحداثَ وحقيقة النوم هو الغَشْيَةُ الثَّقِيلَةُ التي تَهْجِم عَلَى القلب فتَقْطَعه عن معرفة الأمور الظاهرة والناعِسُ هُوَ الَّذِي رَهِقه ثِقلٌ قطعه عن معرفة الأحوال الباطنة وقد فَصَل الشاعرُ بينهما فَقَالَ:
وَسْنَانُ أقصده النُّعَاسُ فرَنَّقَتْ ... في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائم 5
قَالَ المُفَضَّل السِّنَةُ في الرَّأْسِ والنَّومُ في القَلْب قَالَ ومنه قَولُ الله تعالى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} 6
__________
1 السان والتاج "فخخ" يرواية: "أفلح من كانت له مزحة".
2 أخرجه أبو داود 2/ 45, والبيهقي في سننه 3//28.
3 من م, ت, ط, ح.
4 س, ط: "تنام عيناي", وفي ح: "تنام عيني", والمثبت من ت, م. أخرجه أبو داود 2/ 52.
5 السان"تعس" وعزي لعد بن الرفاع.
6 سورة البقرة: 255.
(1/178)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٍ يُكِنُّهُ وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِرَفِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ" 1
حَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا أَبُو دَاوُدَ نا النَّضْرُ أنا الْحُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حُمْرَانَ 2 عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ فَقَالَ: "جِلَفُ الخُبْزِ وَالْمَاءِ".
قَوْلُهُ: جِرَفُ الْخُبْزِ: يُرِيدُ كِسَرَ الْخُبْزِ وَاحِدَتُهَا جِرْفَةٌ وَكَذَلِكَ الْجِلَفُ وَاحِدَتُهَا جِلْفَةٌ وَهِيَ قِطَعُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ 3 الَّذِي لَيْسَ بلَيِّنٍ وَلا مَأْدُومٍ قَالَ ابنُ الأعرابيّ: وهو مأخوذ من جرفتُ الشيءَ أجرِفُه إذا قَشَرْتَه 4 ويقال جَرَفْتَه السَّنَةُ وجَلَفَتْه إذا أَذهبَتْ ماله 5 قَالَ أبو عُبَيدة المُجَلَّف والمُعَصَّبُ هُوَ الَّذِي أَتى الدَّهرُ عَلَى ماله يقال جَلَّفَتْه السِّنُون وَعَصَّبَتْهُ 6 السُّنُون إذا أكلتْ مالَه وقال غيره المُجَرَّفُ مَنْ بقى له شيء قليل والمجلف المستأصل الحوادثُ جَرَّفَتْني فلم أَرَ هالِكًا كابْنَي زيادِ هما رُمْحان خَطِّيَّانِ كانا من السُّمْر المُثَقَّفَةِ الصِعادِ وقال أبو عُبَيْدةَ يقال أتانا بخُبزٍ كِسَفٍ أي قِطَعٍ ومنه قوله تعالى: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ} قال واحدتها كسفة وقال رجل من طيءٍ يرثي الرَّبيعَ وعمارةَ ابني زياد العَبْسِيَّيْن 7:
__________
1 أخرجه الترمذي 4/ 571, والحاكم 4/ 322, وأحمد 1/ 62 بنحوه, وكليهم بلفظ "جلف الخبر".
2 ت: "حمدان".
3 ت: "قطع الخبز الغليظ اليابس"
4 سقط من ت, وهو في, س, ط, ح.
5 ت: "ذهبت بماله".
6 ح: "وجرفته".
7 م, ط: "العبشميين".
(1/179)

وإن تكن الحوادثُ جَرَّفَتْني ... فلم أَرَ هالِكًا كابْنَي زيادِ
هما رُمْحان خَطِّيَّانِ كانا ... من السُّمْر المُثَقَّفَةِ الصعاد 1
وقال أبو عبيد: يقال: أتانا بخبر كِسَفٍ: أي قِطَعٍ, ومنه قوله تعالى: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ} 2 قال: ويقال أصابتهم جَلِيفَةٌ عظيمة إذا اجْتَلَفت أموالَهم ويُجمَع عَلَى الجَلائِف قَالَ الشاعر:
وإذا تَتَبَّعَتِ الجَلائِفُ مالَنا ... خُلِطَت صَحِيحَتُنَا إلى جَرْبَائِه 3
ومنه قَولُ الفرزدق:
وعَضُّ زمانٍ يا بْنَ مَرْوان لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجُلَّفُ 4
ويروى إلا مُسحَتٌ أو مُجَلَّف فمن روى إلا مُسحتًا بالنصب جعل معنى لم يدع لم يترك ورفع مجلف بإضمار كأنه قال أو هو مجلف 5
__________
1 اللسان "جرف".
2 سورة الشعراء:187.
3 اللسان "جلف", وعزي للعجير.
4 اللسان "جلف", والديوان/31
5 من ت.
(1/180)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَيَتَلَقَّى نَبِيَّ اللَّهِ لَيْلا فَقَالَ لَهُ: "مَنْ أَنْتَ" قَالَ بُرَيْدَةُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ بَرَدَ أَمْرُنَا وَصَلُحَ" ثُمَّ قَالَ: "مِمَّنْ"؟
(1/180)

قَالَ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "سَلِمْنَا" ثُمَّ قَالَ: "مِمَّنْ" قَالَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ قَالَ: "خَرَجَ سَهْمُكَ" 1
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْهِ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ ثنا الحسين بن حريث ثنا أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن بريدة حدثني الحسين بن واقد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عن أبيه.
قوله: رد أَمْرُنَا فِيهِ قَوْلانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ سَهُلٌ أَمْرُنَا وَمِنْهُ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ" 2 ويقال عيش باردٌ أي ناعم سَهْل ومن هذا قولهم في الدعاء للمَيِّت اللهُمَّ بَرِّد عليه مَضْجَعَه وأَنشد الباهليُّ:
قليلة لحم النَّاظِرَيْن يَزِينُها ... شَبابٌ ومَخْفوضٌ من العيش باردُ 3
والوجه الآخر أن يكون مَعْناه ثَبَتَ أمرُنا واستقام من قولهم بَرَد لي عَلَى فلان حَقٌّ أي وجب وثَبَتَ قَالَ الأصمعيّ ما بَرَد لَكَ عَلَى فلان شيء وكذلك ما ذابَ لك عليه شيءٌ ويقال إن أصحابك لا يبالون ما بردوا عليَكَ أي ما ثَبَتُوا عليك قَالَ الشاعر:
اليومَ يومٌ باردٌ سَمُومُه ... مَنْ جَزِع اليومَ فلا نَلُومُه 4
أي ثابت سَمُومُه.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون بَرَد بمعنى ضَعُفَ وفَتَر يريد به أمر
__________
1 ذكر الهثيمي في مجمع الزوائد 6/ 55 بنحوه, وقال: رواه البزار وفيه: عبد العزيز بن عمران الزهري, متروك.
2 أخرجه أحمد 1/ 335, والترمذي 3/ 153.
3 اللسان "برد".
4 اللسان "برد".
(1/181)

قُريش والخارِجِين في أثَره من الطَّلب يقال جدَّ فلان في الأمر ثُمَّ بَرد أي فَتَر واستَرْخَى قَالَ الراجز:
الأبيضان أَبرَدا عِظَامِي ... الفَثُّ والماءُ بلا إدامِ 1
ويقال: ضَرَبَه بالسّيف حتى بَرَد أي مات وسَكَن
وأخبرني أبو عُمَرَ أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ عن ابن الأعرابي قَالَ سمعتُ أبا المكارم قَالَ كان مِنَّا فَتى يقال له في الحَيَّ عَلَق 2 وكان عفيفَ الخَلْوةِ فجاءنا يومًا وهي في بيتها فَدخَل 3 يتَحدَّثُ إليها فأسرع الخروج فقلنا له ما لك قَالَ منعني البَردُ قَالَ فدخلنا فإذا الجارية مَيِّتَةٌ ومن هذا حديث عمر بن الخطاب أنه شَرِب النّبيذَ بعد ما بَرَد غَلْيُه أي سكن وقد يجوز أن يكون النَّومُ إنما سُمِّيَ بَرْدًا لهذا المعنى ذَلِكَ لأنه يُرخي المفاصِلَ ويُسَكِّنُها وزعم بعضهم أنه إنما سُمِّي بَرْدًا لأنه يُبرِّد حرارةَ العطش ويسكِّنها.
وقوله: خَرجَ سَهمُك معناه الفَلْجُ والظَّفَر وأصله في الشيء يتداعاه الجَماعةُ فيستهمون عليه أي يُجيلون السِّهامُ فمن خرج سهمهُ منهم حَازَه دون أصحابه قَالَ الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} 4 وقال: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} 5.
__________
1 اللسان "برد".
2 ح: "كان منا فتى له في الحي غلق" وفي التاج علق: العلق: المحبة.
3 ح: "فدخل في بيتها يتحدث إليها".
4 سورة الصافات: 141.
5 سورة آل عمران: 44.
(1/182)

وفي الحديث من الفقه استحبابُ الفَأْلِ والتيَمّن بالاسْم الحَسَن وكان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الفأْل ويكره التَّطَيُّر 1
أخبرني أبو محمد الكُراني ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأصمعي قَالَ سُئِل ابنُ عَوْن عن الفأل فَقَالَ هُوَ أن يكون مَريضًا فيسمع يا سَالِم أو يكون باغيًا فيَسْمَع يا واجد
والفرق بين الفأل والطِّيَرة أَنَّ الفَألَ إنما هُوَ من طَريق حُسن الظَّنِّ بالله عَزَّ وجَلَّ والطِّيَرَة إنما هي من طريق الاتّكال عَلَى شيء سِواه وفي هذه القِصة أَنَّ بُرَيْدَةَ أَسلَم ومعه سَبْعُون راكِبًا من أهل بيته ثُمَّ قَالَ الحمد لله إذا أَسلَمتْ بَنُو سَهْم طائِعين غير مُكْرَهِين ودعا لهم رَسُول الله فَقَالَ: "أسلَمُ سالَمها اللهُ" 2 وذلك لأن إسلامهم كان سلما ععن غير حَرْب
وأما قوله: "غِفَارُ غَفَر اللهُ لها" 3 فَنُرى -والله أعلم- أَنَّه إنّما خَصَّهم بالدُّعاء بالمغْفِرَة لمُبادرتهم إلى الإسلام وقد أَسلَم أبو ذَرٍّ في أول أَيّامِ رَسُول الله وهو بمكة غير ظاهر وَفِي قِصَّةِ إِسْلامِهِ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ الاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "مَنْ أَنْتَ" قُلْتُ أَنَا جُنْدَبٌ 4 رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ فَكَأَنَّهُ ارْتَدَعَ وَوَدَّ أَنِّي كُنْتُ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِي وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يُقْرَفُونَ 5 بِهِ مِنَ الشَّرِّ وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 332 بلفظ"الطيرة".
2 النهاية "سلم" 2/ 394 وجاء فيها: ويحتمل أن يكون دعاء وإخبارا, إما دعاء لها أن يسالمها الله ولا يأمر بحربها أو أخبر أن الله قد سالمهاومنع من حربها.
3 أخرجه البخاري في مواضع منها 2/ 33, ومسلم 1/ 470 و 4/ 1922, والترمذي 5/ 729 وغيرهم.
4 م: "أبا جندب"
5 ت: "يعرفون".
(1/183)

وَيَسْرِقُونَ الْحَجِيجَ فَيُشْبه أن يكون والله أعلم إنما دعا لهم بالمَغْفِرة ليمحوَ تلك السُّبَّةَ ويُزِيلَها عنهم ثُمَّ حَسُنَ بَلاءُ هاتَين القبيلتين في الإسلام.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى نا الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَيُقَالُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُ مِائَةٍ وَمِنْ غِفَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
(1/184)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَدْغَمَ 1
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ثنا مُحَمَّدُ 2 بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ الْجِيلانِيِّ 3 عَنْ أَبِي سَعْدٍ الزُّرَقِيِّ 4
الأَدْغَمُ مِنَ الْكِبَاشِ مَا اسْوَدَّتْ أَرْنَبَتُهُ وَمَا تَحْتَ حَنَكِهِ والدُّغْمَةُ السَّواد ويقال إنه إنَّما سُمِّي أدغم لأنه أدغم في السَّوادِ أي أُدخِل ومنه إدغام الحُروفِ قَالَ الهُذَليّ:
بمقربات بأيديهم أعنتها ... خوض إذا فَزِعوا أُدْغِمْن في اللُّجُمِ
أي أدخلن.
__________
1 أخرجه ابن ماجه 2/ 1046 بنحوه.
2 كذا في س, قال: وهو الصواب. وفي بقية النسخ: عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ.
3 ح: "عن أبي سعيد الدرقي".
4 اللسان "دغم", وعزاه لساعدة بن جؤية, وهو في شرح أشعار الهذليين 3/ 1233.
(1/184)

وقال أبو زيد إذا اسودَّت نخرة الشاة وحكمتها فهي دغْماء 1 فإن اسودَّ رأْسُها فهي رأساء فإن أبيضٌ رأسُها من بين جَسَدِها فهي رَخْماء ومُرخَّمَة فإن اسودَّت العُنُق فهي دَرْعاء فإن كان بعُرضِ عُنُقِها سَوادٌ فهي لعطاء.
__________
1 اللسان "دغم": النخرة: الأرنبة. والحكمة: الذقن.
(1/185)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ" 1
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامٌ ثنا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَفَّانُ وَكَانَ حَدَّثَنَاهُ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ إِنَّمَا هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عِمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ.
البَرْدان الغَداةُ والعَشِيُّ وهما الأبردان قَالَ الشَّمَّاخ:
إذا الأَرْطَى تَوسَّد أَبْرَدَيْه ... خدود جوازئ بالرَّمْلِ عِينِ 2
وإنما قيل أَبردان لِطِيب الهَواء وبَرْدِه في هذين الوَقْتَين.
وأنشدني أبو رَجَاء الغَنَوِيّ أنشدنا أبو العباس ثَعْلَب:
فلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُحَى نَسْتَطِيعُه ... ولا الفَيْءُ من برد العَشِي نَذُوقُ 3
قَالَ: وقال أبو العباس: أُخْبِرتُ عن أبي عُبَيْدة قَالَ: قَالَ رُؤْبَةُ كُلُّ ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فَيْء وظِلٌّ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل.
__________
1 أخرجه البخاري 1/ 142 ومسلم 1/ 440 وغيرهما.
2 الديوان /331.
3 البيت لحميد بن في ديوانه/ 40 برواية أخرى.
(1/185)

فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فأَبرِدوا بالصّلاة" 1 فليس هذا من بَرْدَي النهار ولا من الجائز تأخير الظُّهر إلى ذَلِكَ الوقت وإنما الإبراد انكسار وهَج الشمس بعد الزوال وسُمِّي ذَلِكَ إبرادًا لأنه بالإضافة إلى حَرِّ الهاجرة بَرْدٌ وقد روينا هذا التّفسيرَ عن محمد بن كعب القُرَظِيّ
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ الْمُقَوَّمُ نا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو نا أَفْلَحُ 2 بْنُ سَعِيدٍ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ قُبَاءٍ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ" قَالَ كلام العرب إذا كان القَومُ في السَّفر فزالت الشَّمسُ وهَبَّت الأَرْوَاح تَنادَوْا أَبْردتُم فالرَّواح
قَالَ وكان يُعَدُّ إبرادًا حين تزول الشّمسُ.
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ" 3
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ نا خَالِدٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ".
وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا فَقُلْتُ وَمَا الْعَصْرَانِ؟ قَالَ: "صَلاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا".
فإن العَصْرَيْن عند العرب الغَدَاةُ والعَشِيِّ قَالَ حُمَيْد بنُ ثَوْر:
ولن يَلْبَثَ العَصْران يَومٌ ولَيْلَةٌ ... إذا طَلَبا أن يُدْرِكَا ما تَيَمَّمَا 4
فجعلهما يومًا وليلةٍ.
__________
1 أخرجه البخاري 1/ 135, وأبو داود 1/ 110, والترمذي 1/ 295 وغيرهم.
2 ت: "الأفلح".
3 سنن أبي داود 1/ 116.
4 الديوان /8, برواية: ولا يلبث العصران يومًا وليلةٍ".
(1/186)

وقال آخر:
أُمَاطِلُه العَصْرَيْن كيما يَملَّني ... ويرضى بِنصف الدَّينِ والأَنفُ راغم 1
وقد ذهب بعضُ أهلِ اللغة في العَصْرَيْن إلى مجاز تَغْليبِ أحدِ الاسمين عَلَى الآخر كقولهم الأسودان للتَّمرْ والماء وسِيرَةُ العُمَريْن يريدون أبا بكر وعُمَر وهو عند أصحاب المعاني عَلَى حقيقة الاسم والوضع في كل واحد منهما كالبَرْدَين والجَديدَيْن وما أشْبَهَهُما من مُثَنَّى الأَسماء
ويقال والله أعلم إن صلاة العَشِيّ 2 إنما سُمِّي عصرًا لأن مَدَى وَقْتِها يُقارِب غُروبَ الشمس من قولهم أعصَرت الجاريةُ إذا قاربت الإدراكَ وجارية مُعْصِرٌ قَالَ الشاعر:
جارية بسَفْوان دَارُها ... قد أَعْصَرَتْ أو قد دنا إعصارها 3
وكذلك هذا المعنى في تسمية صلاة الفجر عَصْرًا وذلك أن الوقت الَّذِي تُصَلَّى فيه قد يمتد إلى طلوع الشمس أو يُقارِبه وقد روي عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} 4 أنه قَالَ: "أَلا وهي العَصْرُ" 5 وذهب عبد الله بن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس في تأويلها إلى أنها صلاة الفجر وتابعهم عَلَى ذَلِكَ من فقهاء الأمصار الشّافعيُّ ولا أراهم توهموه إلا معنى الخبر وهو قوله: "أَلا وهي العَصْرُ" عَلَى أن ضَربًا من الاستنباط قد يشهد لمذهبهم وذلك أَنَّ صَلاةَ الفجر واسِطَةٌ
__________
1 م, ح:" ... حتى يملي". والبيت في اللسان والتاج "عصر" دون عزو.
2 ح:"العشاء".
3 اللسان "عصر". وعزي لمنصور بن مرثد الأسدي. وفي التاج: يقال لمنظور بن حبة, كما في التكملة.
4 سورة اليقرة: 238.
5 أخرجه مسلم 1/ 437. والنسائي 2/ 236, ومالك 1/ 139.
(1/187)

بين صلاتين قبلها تُجْمَعَان في السفر وهما المغرب والعشاء وبين صلاتين بعدها وتجمعان كذلك وهما الظُّهر والعَصْر وصلاة الفجر لا تُجمَع إليها صلاة فهي واسطة بين الصَّلَوات الخمس.
(1/188)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ أَوِ الْقَثَدَ بِالْمُجَاجِ"1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فراس نا جعفر السُّوسِيُّ نا أَبُو بَكْرٍ الأَدَمِيُّ 2 نا شَاذُ بْنُ فَيَّاضٍ نا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
المُجاج فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إِمَّا الْعَسَلُ أَوِ اللَّبَنُ ويُسَمّى العَسَلُ مُجاجًا لأن النَّحلَ يَمُجُّها وكذلك اللبن إنما يُسَمَّى مُجَاجًا لأَنَّ الضَّرْع يَمُجُّه عند الحَلْب وكُلُّ ما تَحَلَّب من شيءٍ فهو مُجاجُه ولذلك قيل للريق مُجاجٌ قَالَ طرفة:
شَهِيَّةُ طَعْم الرِّيق يجري سِواكُها ... عَلَى بَرَدٍ عذب المُجاجَةِ أَشْنَب 3
وقال آخر:
وماءٍ قَدِيمِ العَهْدِ أَجْنٍ كأنَّه ... مُجاجُ دَبى لاقى بهاجرةٍ دَبَى 4
وللجراد لُعابٌ يسيل من أفواهها. قَالَ أبو ثَروان العُكْلِيُّ في كلام له أقويتُ فلم أَطْعَم ثلاثًا إلا لَثا الإِذخِر ومُجاجَةَ صَمْغ الشَّجَر أي ما يتحلب من الصمغ
__________
1 ذكره ابن حبان في المجروحين 2/ 158: ترجمة عباد بن كثير , وكان يأكل القثاء إذا أكله بالملح, وبلفظ المجاج في الفائق 3/ 346
2 م, ح: "الأمي".
3 لم أقف عليه في الديوان ط بيروت أو دمشق.
4 اللسان والتاج "مجج" دون عزو.
(1/188)

وخُبزُ مُجَاجًا خُبزُ الذُّرة يُفَتُّ فيُروَّى بالَّلبن ثُمَّ يُؤكلُ ولذلك يقول قائلُهم:
أَطْيبُ شيءٍ باليَمَنْ ... خُبزُ مُجاجَا بالّلبن
(1/189)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ وَأَنَّهُمَا لَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ حَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ"1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرٌ نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
قوله: بغير نَوْل يريد بغير جُعْلٍ والنَّوْلُ والنَّالُ المَنالةُ وأما النَّيْلُ والنَّوال فإنهما العطاء ابتداءً يقال رجل نَالٌ إذا كان كثيرَ النَّوال ورجلان نالان وقوم أَنوالٌ كما قَالُوا رجلٌ مالٌ أي كثيرُ المال وكبشٌ صافٌ كثيرُ الصُّوف ويقال نُلتُ الرَّجلَ أَنُولُه نَوْلًا ونِلْتُ الشيءَ أَنالُه نيلا.
__________
1 ت: "حملوه" بدل: "حملوهم" أخرجه الحميد في مسنده 1/ 182, 183 في حديث طويل.
(1/189)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ نَابِغَةَ بَنِي جَعْدَةَ أَنْشَدَهُ شِعْرًا فَقَالَ لَهُ: "أَجَدْتَ لا يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ" قَالَ فَنَيَّفَ عَلَى الْمِائَةِ وَكَأَنَّ فَاهُ الْبَرَدُ الْمُنْهَلُّ تَرِفُّ غُرُوبُهُ
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَمَا سَقَطَتْ لَهُ سِنٌّ إِلا فَغَرَتْ مَكَانَهَا سِنٌّ 1
__________
1 اللسان "فغر": قوله: ففرت أي طلعت, قال الأزهري: صوابه ثغرت بالثاء ألا أن تكون الفاء مبدلة في استيعاب 4/ 1516 وأسد الغابة 5/ 292.
(1/189)

حَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ نا إِسْمَاعِيلُ بن يعقوب الصفار نا سوار بن سهل نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَشِيُّ 1 نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن حبيب الكعبي عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ قَالَ سمعتُ نابغةَ بَنِي جَعْدَةَ يَقُولُ أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَوْلِي:
عَلَوْنَا السَّمَاءَ عِفَّةً وَتَكَرُّمًا ... وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا 2
قَالَ فغَضِب رسول الله وقال لي: "إلى أَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى" قُلْتُ إِلَى الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ:
فَلا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ ... بَوَادِرُ تَحمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا
وَلا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... حَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الأَمْرُ أَصْدَرَا
قَالَ: "أجَدْتَ لا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاكَ" قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَكَأَنَّ فَاهُ الْبَرَدُ الْمُنْهَلُّ تَرِفُّ غُرُوبُهُ المظهر المَصْعَد والمُرْتَقَى قَالَ الله تعالى: {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} 3
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِي قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ"4
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ أنا أَبُو دَاوُدَ نا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ وَتَصْعَدَ إِلَى شعف الجدر 5
__________
1 س, ت, ط: "الجرسي", والمثبت من م, ح.
2 الديوان /72.
3 سورة الزخرف: 33.
4 أخرجه البخاري 1/ 132, ومسلم 1/ 426, وأبو داود 1/ 111 وغيرهم.
5 سقط من ح. وشعف الجدار: أعلاها.
(1/190)

ورواه سفيان عن الزهري فقال: وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ 1 حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادِهِ
وقال محمد بن إسحاق: لم يَظْهر أي لم يَغِلب الفَيْءُ عَلَى الشّمس في حجرتها وليس هذا عندي بالوَجْه لأن الفَيْءَ وَقْتَ العَصْر في الأبنية لا محالةَ أَغلبُ من الشمس وإنما معناه لم يصعد الفَيْءُ بعد إلى أعالي الحيطان
فأما قَولُه: إنه كان يُصَلِّي والشَّمسُ حَيَّةٌ 2 فإِنَّ حَياتَها صَفاءُ لونِها قبل أن تَصْفَرَّ أو تَتغَيَّر قَالَ ذو الرُّمَّة:
يُرِيك نُجومَ الَّليل والشمسُ حيَّةٌ ... زِحامٌ ببابِ الحارِثِ بنِ عُبادِ 3
وقوله: بَوَادِرُ تَحمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا فإنها جمع بادِرَة وهي الكلمة تكون من الإنسان في حال الغضب. يقول إنَّ الحليمَ إذا لم تكن منه بادرةٌ يَقمَع بها السَّفِيهَ استُضْعِف واستُذِلَ كقول الشاعر:
إذا أنتَ لم تَخْشِفُ مع الحِلْمِ خَشْفَةً ... من الجَهْلِ لم يَعْزِز أَخٌ أنتَ ناصِرُه
وقوله: لا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ أنا أَبُو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي قَالَ معناه لا يكسِر اللهُ أسنانَك التي في فيك ثُمَّ حُذِف لعلم المخاطب كما يقال يا خَيلَ الله اركبي أي يا رُكَّابَ خيل الله ومثل هذا في الاختصار قوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} 4 أي حب
__________
1 أخرجه البخاري 1/ 136 ومسلم 1/ 246.
2 البخاري 1/ 140 ومسلم 1/ 447 وأبو داود 1/ 111.
2 لم أقف عليه في ديوانه ط كمبردج.
3 ت: "واستبذل".
4 سورة البقرة: 93.
(1/191)

العجل وقال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} 1 أي: أهلَ القَريَة: وأنشدنا أبو عُمَر 2:
حَسِبتَ بُغامَ راحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هيَ وَيْبَ غَيرِك بالعَناقِ 3
يريد بُغَامَ عَناقٍ
وفيه لغتان لا يَفْضُضِ اللهُ فاك ولا يُفضِ اللهُ فَاكَ فَمنَ قَالَ يَفْضُض فمعناه يكسر ويَفُلُّ ومن قَالَ يُفْضِي أَراد لا يجعل الله فَاكَ فَضاءً لا سِنّ فيه والبَرَد المُنْهَلُّ هُوَ الَّذِي سَقط لوقْتِه وفيه بَيَاضُه ورونَقُه يقال هَلَّ السَّماءُ بالمَطرِ هَلا وانهل انهلالا وهو شِدَّة انْصبابه
وقوله: تَرِفُّ غُروبهُ معناه تَبرُق وتَلأْلأُ يقال رفَّ الثَّغْرُ يَرفُّ قَالَ عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
يَرِفّ إذا تَفْتَرُّ عنه كأنّه ... حَصَا بَرَدٍ أو أُقْحوانٌ مُنَوَّرُ 4
وقال نَصْرُ بنُ حَجَّاج وقد حَلَقَه عُمرُ بن الخطاب:
فَصَلَّع رأْسًا لم يُصَلِّعْه رَبُّه ... يَرِفُّ رفيفًا بعد أسودَ جاثلِ 5
وغُروبُه ماؤُهُ وأشره قال المرؤ القيس:
فتور القيام قطيع الكلا ... م تَفْتَرُّ عن ذي غُرُوبٍ خَصِرْ 6
وقوله: فَغَرت يُرِيد طَلَعت ويقال فَغَر الوردُ إذا تَفَتَّق ومنه فغر
__________
1 سورة يوسف: 82.
2 ح: ابن عمر.
3 اللسان والتاج "بغم", وعزي لذي الحرق.
4 الديوان /124, برواية: "تراه" بدل: "يرف".
5 ط: "لم يحلقه ربه". بدل "لم يصلعه ربه".
6 الديوان / 157
(1/192)

الفم وهو فَتْحُه ويجوز أن يكون ثغَرتْ أي طَلَع ثَغْرُه والفاءُ تُبدَل من الثّاء في لغة كثير من العرب كقولهم جَدَثٌ وجَدَفٌ وثُومٌ وفُومٌ.
(1/193)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ صَلَّى فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: "أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ" فَأَرَمَّ الْقَوْمُ وَيُرْوَى فَأَزَمَّ الْقَوْمُ 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا عَيَّاشُ بْنُ تَمِيمٍ السُّكَّرِيُّ نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ
قوله: حَفَزَه: أي جَهَده النَّفَس وعَلاه البُهر وأصل الحَفْز الحَثُّ والاستِعْجالُ يقال احْتَفَزتُ للأمر إذا انزعَجْتَ له قَالَ الشاعر:
وقد أَغدُو غَداةَ الرَّوْع هَشًّا ... بمُنكَفِت الثَّمِيلَة ذي احتَفازِ
وقوله: فأَرمَّ القومُ معناه سَكَتُوا ولم يُجيبوا يقال للساكت المُطرِق مُرِمٌّ قَالَ ذو الرُّمَّة:
مُرِمِّين من لَيْثٍ عليه مهابَةٌ ... تَفَادى الأُسُودُ الغُلبُ منه تَفادِيًا 2
وقال آخر:
يَردْنَ واللَّيلُ مُرِمٌّ طائِره ... مُرْخى رِواقَاهُ هُجُودٌ سامِرُهْ 3
فأما قولُه: أَزَمَ فمعناه راجع إلى الأول والأَزْمُ: الإمساك عن الكلام وعن الطعام ولذلك سُمّيَت الحمْية أَزْما وقيل للحارث بن كَلَدة ما الطِّبُّ؟
__________
1 أخرجه مسلم 1/ 419, 420, وأبو داود 1/ 203, والنسائي 2/ 133.
2 اللسان "فدي" والديوان 654
3 اللسان والتاج "رمم", وعزي لحميد الأرقط.
(1/193)

قَالَ الأزم يريد الحِمْيَة ويقال إن الأصلَ في الأزم العَضّ وذلك أن العَاضَّ عَلَى الشّيء يَشُدّ أحد لِحْيَيه عَلَى الآخر فَشُبِّه المُمْسِك عن الطعام به
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا الْقُرْآنَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهُوَ زَامٌّ لا يتكلم 1
فمعناه أنه رافع رأسه لا يُقْبِل عليه ولا يستِمع إليه يقال حَمَل الذِّئبُ السّخْلَةَ زامًّا بها أي رافِعًا بها رأسه.
__________
1 الفائق "زمخ" 2/ 123.
(1/194)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه ذكر قارئ الْقُرْآنِ وَصَاحِبَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَكَ النَّجْدَةَ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَقَالَ: "لَيْسَتْ لَهُمَا بِعَدْلٍ إِنَّ الْكَلْبَ يَهِرُّ مِنْ وَرَاءِ أَهْلِهِ" 1
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ نا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَخْنَسِ
قَوْلُهُ: أَرَأَيْتَكَ هُوَ كَقَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ ويَجرِي فِي الْكَلامِ مَجْرَى الاسْتِخْبَارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} 2
وقوله: إنّ الكلبَ يَهِرُّ من وراء أهله مَثَل ومعناه أن النَّجدةَ والشَّجَاعَةَ غَريزَةٌ في الإنسان فهو قد يَلْقَى الحربَ ويُقاتِلُ حمية لا حسبة
__________
1 أخرجه أحمد 4/ 105, إلى قوله: فقال رجل با رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَكَ النَّجْدَةَ تَكُونُ في الرجل ثم قال: وسقط باقي الحديث. وذكره الهيثمي 3/ 108 وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط.
2 سورة الإسراء: 62.
(1/194)

وضرب الكلبَ مثلا إذْ كان من طَبْعه أن يَهِرّ دون أهله ويَذُبَّ عنهم
وقوله: لَيْسَت لهما بِعَدْل أي بِمِثْل قَالَ الفَرّاء ما كان من جِنْس الشيء فهو عِدْلُه وما كان من غيرِ جِنْسِه فهو عَدْله يقال عندي عِدْل غُلامِك أي عندي غُلامٌ مِثلُه وعَدْل غُلامِك أي قيمته من الدراهم والدَّنانِير.
(1/195)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ عَادَ سَعْدًا فَوَصَفَ لَهُ الْوَجِيئَةَ 1.
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ فَأْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلْدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ"
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَةَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَصَفَ لَهُ الْفَرِيقَةَ.
قوله: فَلْيَجأْهُنَّ الوَجيئَةُ التّمرُ يُبَلّ بلبَن أو سَمْن حتى يلزَمَ بعضُه بعضا ويؤكل واللدود كلّ ما يوجَرُه الإنسان من أَحدِ شِقَّيه ومنه قيل لجانبي الوادي اللَّدِيدان يقال لَدَّه لدًّا ولَدُودًا والاسم اللِّداد ويُجمَع أَلِدَّة قَالَ ابن أحمر:
شَرِبْتُ الشُّكَاعَى والتَدَدتُ أَلِدَّةً ... وأَقْبلتُ أَفواهَ العُروقَ المكاوِيَا 2
والفَرِيقَةُ نَحوٌ من الوَجيئة قال ذو الرمة 3:
__________
1 سنن أبي داود 4/ 807, والفائق "فأد" 3/ 85, والنهاية "وجأ" 5/ 152.
2 اللسان والتاج "شكع", الديوان /171 ط دمشق. والشكاعي: نبت يتداوي به.
3 لم أقف عليه في الديوان ذي الرمة. وعزي في اللسان والتاج "فرق" لأبي كبير الهذلي.
قال ابن بري: صوابه: لقد وردت الماء بفتح التاء لأنه يخاطب المري, وهو في شرح أشعار الهذليين 3/ 1086 برواية "فوق جمامة" ومثل الفريقة. زجاء الشرح: الفريقة: حلبة تطبخ للنفساء مع حبوب, فشبه ماء ذلك المكان بالفريقة لصفرته.
(1/195)

ولقد وردتَ الماءَ لونُ جمامِه ... لون الفريقة صفيت للمُدْنَفِ
وقوله: مَفْئُود يريد أنه أُصيبَ بداءٍ في فؤاده يقال منه فُئِد الرَّجلُ إذا أُصيبَ فُؤادُه وصُدِر إذا أُصِيبَ صَدرُه ومنه المَثَل لا بد للمَصْدُور من أَنْ يَنْفِثَ 1 ومثلُه جُنِب وبُطِن فهو مَجْنُوبٌ ومَبْطون قَالَ الشاعر:
إذا ضَرَبتَ موُقَرًا فابطُنْ لَهْ ... بَيْنَ قُصَيْراه وبَيْن الجُلَّهْ 2
وزعم بعضهم أن الفؤادَ غِشاءُ القلب وأن القَلْبَ حَبَّتُه وسُوَيْداؤه وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً" 3
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ: أَنَّ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ دَخَلَتْهُ خَشْيَةٌ مِنَ النَّارِ فَحَبَسَتْهُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْفَرَقَ مِنَ النَّارِ فَلَذَ كَبِدَهُ" 4
فإنه يريد أنَّ الخَوفَ قد خَلَع كَبِدَه وقَطَعَها والفِلْذَةُ القِطْعَةُ منها ويقال فَلَذ له من العَطاءِ أي قَطَع له قَالَ الشاعر, وهو كُثَيِّر 5:
إذا المالُ لم يوُجِبْ عليك عَطاءَه ... صَنيِعَةُ تَقْوَى أو صديق توامقه
__________
1 اللسان "صدر" ومجمع الأمثال 2/ 241, ويروي: "أن يسعلا"
2 اللسان "جلل" ولم يعز.
3 أخرجه البخاري 5/ 219, ومسلم 1/ 73 وغيرهما.
4 النهاية "فلذ" 3/ 470.
5 من ح: والشعر في اللسان "فلذ", وعزي لكثير, وهو في ديوانه 308, 309.
(1/196)

بَخِلتَ وبَعضُ البُخل حَزمٌ وقُوَّةٌ ... ولم يَفْتَلِذْك المالَ إلا حَقَائِقُهْ
ويروى يَفْتَلتْك:
يقال افتَلَتُّ الشيءَ إذا أَخَذتَه فُجاءةً قَالَ الشاعر:
فإن يَفْتِلتْها والخِلافَةُ تَنْفِلت ... بأكرم عِلْقَي مِنْبَرٍ وسَرِيرِ
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ: "أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا"1: أَيْ أُخِذَتْ نَفْسُهَا فُجَاءَةً
وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ نا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ نا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ صُبَيْرَةُ يَقُومُ عَلَى الْمَجَالِسِ فَيَقُولُ هَلْ تَرَوْنَ بِي بَأْسًا إِعْجَابًا بِنَفْسِهِ فبينا هو كذلك إذا فَجِئَهُ الْمَوْتُ أَصَحَّ مَا كَانَ فَقِيل فيه:
مَنْ يأمَنِ الحَدَثان بع ... د صُبَيْرةَ القُرَشيِّ ماتَا
سَبَقَت مَنِيَّتُه المشي ... ب وكان مِيتَتُه افْتِلاتَا 2
قَالَ العَنْبرِيّ: صُبَيْرة وقال غيره: ضُبَيْرةَ بالضَّادَ المعجمة
__________
1 أخرجه أبو داود 3/ 118, والبخاري 2/ 121, 4/ 10, ومسلم 2/ 696, 3/ 1254 بلفظ أن رجلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ...
2 للاشتقاق /125 برواية: "صبيره السهمي".
(1/197)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَمْ يَشْعُرْ بعسكر رسول الله يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى تَصَايَحَ الْفَرِيقَانِ فَفَزِعَ أَبُو الْحَكَمِ فَقَالَ مَا الْخَبَرُ فَقِيلَ مُحَمَّدٌ فِي الدَّهْمِ بِهَذَا الْقَوْزِ قَالَ فَأَخَذَتْهُ خَوَّةٌ فلا ينطق"1
__________
1 الفائق "دهم" 1/ 448.
(1/197)

يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ الْغَطَفَانِيُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ الضَّمْرِيِّ.
الدَّهْمُ العدد الكثير يقال جيش دَهْم: أي كَثِير قَالَ طرفة:
وأنا امرؤ أكْوِي من القصر ال ... بادي وأغشى الدَّهْمَ بالدَّهْمِ 1
وقال آخر:
جِئْنَا بِدَهْمٍ يَدْحَرُ الدُّهُومَا ... مَجْرٍ كأنَّ فوقه النجوما 2
المجر: جيش شَاكُّونَ
وأخبرني أبو عمر أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ عَنْ ابن الأعرابي قال: بدهم الخَلْق الكَثِيرُ وقال أَعرابِي وقد سَبَقَ النَّاسَ إلى عَرفَةَ اللَّهُمّ اغْفِر لي قبل أَنْ يدهَمَك النَّاسُ
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَرَادَ الْمَدِينَةَ بِدَهْمٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ" 3
والقَوْزُ الكَثيبُ من الرَّمْل ويجمع عَلَى القِيزانِ والخَوَّةُ الفَتْرَةُ أصله من الخَوَى قَالَ ابن الأعرابي: الخَوَّةُ الجوع كانت في الأصل خَوْية يقال خَوِي فلان يَخْوَي خَوًى إذا جاعَ فشُدِّدت الواو وتركت الياء
__________
1 الديوان /87.
2 اللسان والتاج "دهم" برواية: "يدهم الدهوم".
3 في ح: "من أراد أهل المدينة". وأخرجه أحمد 1/ 180.
(1/198)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِهَذَا الْقُرْآنِ شِرَّةً ثُمَّ إِنَّ لِلنَّاسِ عَنْهُ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الْقَصْدِ فَنِعِمَّا هُوَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الإِعْرَاضِ فَأُولَئِكُمْ بُورٌ" 1
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 7/ 168 وقال: رواه أبو يعلى.
(1/198)

أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ 1 نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ 2 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قوله: إن للقرآن شِرَّةً معناه إن للقارئ المبتدئ فيهِ رَغْبةً ونشاطًا ومنه شِرَّةُ الشَّبَابِ وهي مَيْعَتُه ونشاطُه قَالَ الشاعر:
رأت غلامًا قد صَرَى في فقْرتهْ ... ماءُ الشَّباب عُنْفُوان شِرَّتِهْ 3
والمعنى: مَدْحُ الاقتصاد في القراءة والأَمرُ بالمواظبة عليه
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى الاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ أَخْبَارٌ مِنْهَا قَوْلُهُ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أَبْقَى" 4
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَسْأَمُ حَتَّى تَسْأَمُوا" 5 ومعناه لا يَسأمُ إذا سَئِمْتُم كقول الشَّنْفَرَى:
صَلِيَت مِنّي هُذَيلٌ بِخِرْقٍ ... لا يَملُّ الشَّرَّ حتى يَمَلُّوا
يريد أنه لا يَمَل إذا مَلُّوا ولو أَراد به النِهاية لم يكن فيه مَدْحٌ ولا له عليهم فَضلٌ
وفيه وجه آخر وهو أن يكون معناه أن اللهَ لا يسأَمُ الثَّوابَ ما لم تَسْأَمُوا العَمَلَ أي لا يترُك الثَّوابَ ما لم تَتركُوا العَمَل ومَثَل العَرَب في هذا قولهم: القَصْدُ أنجى للسير 6 قال الأعشى:
__________
1 ح: ابن الصائغ.
2 ح: "سعد بن أبي سعيد".
3 اللسان والتاج "صري" وعزي للأغلب العجلي.
4 أخرجه أحمد 3/ 199 مختصرا. وذكره السيوطي في الجامع الصغير 2/ 544 وعزاه للبزار.
5 أخرجه مسلم 1/ 542. وأحمد 6/ 247.
6 المستقصى 1/ 339.
(1/199)

إذا حاجةٌ ولَّتْك لا تَسْتَطِيعها ... فخُذ طَرَفًا من غيرها حينَ تُسْبَقُ
فذلك أَحرَى أن تَنالَ جَسِيمَها ... وللْقَصْد أَنَجى في المسير وأَلحقُ 1
وقال مَرّارٌ الفَقْعَسِيُّ:
نُقَطِّع بالنُّزولِ الأرضَ عَنَّا ... وبُعدُ الأَرضِ يَقْطعُه النُّزُول 2
يقول إن إِجمامَ المَطِيَّةِ بالنُّزول مَعُونَةٌ لها 3 عَلَى السير عند الرحيل
وقوله: فأولئكم بُورٌ يقال: رجل بائِرٌ أي هالِكٌ وقوم بُورٌ هَلْكَى ويقال أيضًا للواحد بُورٌ قَالَ ابنُ الزِّبَعْرَى:
يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لساني ... راتق ما فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ 4
والبوار: الكساد أيضا ومنه الحديثُ: "نَعُوذُ بالله من بَوارِ الأيم"5
__________
1 الديوان /119.
2 شعراء أمويون 2/ 472.
3 ت: "معونة له"
4 اللسان والتاج "بور".
5 ط, ح: "تعوذوا بالله". والحديث في النهاية "بور" 5/ 161, وفيه: أي كسادها, من بارت السوق إذا كسدت. والأيم: التي لا زوج لها, وهي مع ذلك لا يرغب فيها أحد.
(1/200)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ مَضَغَ وَتَرًا فِي رَمَضَانَ وَرَصَفَ بِهِ وَتَرَ قَوْسِهِ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَضْرَمِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ الْقَوَّاسُ نا أَبِي مَرْدَوَيْهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنِ الْحَسَنِ عن أنس بن مالك.
__________
1 النهاية "رصف" 2/ 227, وجاء فيها: أي شده به وقواه. والرصف: السد والضم. ورصف السهم إذا شده بالرصف السهم إذا شده بالرصاف".
(1/200)

الرَّصْفَةُ: عَقَبَةٌ تُلوَى عَلَى مَدْخل النَّصل في السَّهم, يقال: رصَفْتُ السَّهمَ فهو مَرْصُوف وكذلك هي تُلوَى عَلَى مَوِضع الفُوقِ من الوَتَرِ ويُشَدُّ بها
وفي الحديث من الفَقْه أَنَّ مَضْغَ العِلْك لا يُفْطِر الصائم.
(1/201)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا يُعْرَفُ فِي مَشْيِهِ أَنَّهُ غَيْرُ غَرِضٍ وَلا وَكَلٍ"1
يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
الغَرِضُ: المَلُول الضَّيِّق الصَّدر والغَرَضُ المَلالَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ حَدَّثَنَاهُ أحمد بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانَ أنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ لَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ أَشَدَّ كَرَاهِيَةٍ فَسِرْتُ حَتَّى نَزَلْتُ أَقْصَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَقَمْتُ بِهَا حَتَّى اشْتَدَّ غَرَضِي .. "2 ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ قُدُومِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِسْلامِهِ يُرِيدُ اشْتَدَّ ضَجَرِي والغَرَضُ أيضًا شِدَّةُ النِّزاعِ إلى الشيء والاشتِياق إلى قُربِه ومنه قول أعرابيّ من بني كلاب:
فَمَنْ يَكُ لم يَغْرَض فإنيّ وناقَتِي ... بحَجْرٍ إلى أهْلِ الحِمَى غَرِضان
تَحنُّ فتُبْدي ما بها من صَبَابَةٍ ... وأُخْفِي الَّذِي لولا الأُسَى لقَضَانِي 3
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 1/ 328 بلفظ."كَانَ إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا ليس فيه كسل" وزاد البزار على أحمد فقال: "لم يلتفت يعرف في مشيه أنه كسل ولا وهن" ذكر ذلك الهيثمي في مجمعه 8/ 281.
2 أخرجه أحمد 4/ 257.بنحوه.
3 اللسان والتاج "غرض". وفي هامش س: "إلى أرض الحمى غرضان".
(1/201)

وأنشدنا أَبو عُمَر: أنشدنا أبو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي:
مَنْ ذا رَسُولٌ ناصِحٌ فُمبَلِّغٌ ... عَنّي عُلَيَّةَ غيرَ قِيلِ الكاذب
إنّي غَرِضتُ إلى تَنَاصُفِ وَجْهِها ... غَرَضَ المُحِبّ إلى الحبيبِ الغائبِ 1
قوله: تَنَاصُفِ وَجْهِها: أي تَنَاسُب مَحاسِنِها وتَشَاكُلِها.
وقوله: غير وَكَلٍ معناه غير ضَعيفٍ ولا ثَقِيلِ الحركات قال الراجز:
تكونن كهلوف وكل ... صبح في مصْرعه قد انْجَدَلْ 2
ويقال: إنَّ الوَكَل هُوَ الَّذِي يَكِل الأمَر إلى غيره ولا يباشره بنفسه
__________
1 البيت الثاني في اللسان والتاج"غرض" وعزي لابن هرمة, وهو في ديوانه /71, 72.
2 اللسان والتاج "هلف" قالته امرأة من العرب وهي ترقص ابنها, الرجز لزوجها قيس بن عاصم ...
(1/202)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "ابْتَغُوا الرِّزْقَ فِي خبايا الأرض" 1
حَدَّثَنِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ نا ابْنُ مَنِيعٍ ثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ نا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَة الْمَخْزُومِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
يُتأول عَلَى وجهين: أحدهما الحَرْثُ والزراعة والآخر استخراج ما في المعان من جواهر الأرض.
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 63, والعجلوني في كشف الخفاء 1/ 138 وقالا: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بلفظ: "اطلبوا الرزق".
(1/202)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه ذكر خروج الرجال وَأَنَّهُ يَدْعُو رَجُلا مُمْتَلِئًا شَابًّا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ غرض ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يضحك 1.
__________
1 في ت: "متلئا شبابا". أخرجه مسلم 4/ 2253, وأحمد 4/ 182 في حديث طويل.
(1/202)

مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلابِيِّ.
قَالَ الأصمعي: يقال ضرب الصّيدَ فقطعه جَزْلَتَيْن: أي قِطعَتَينْ. قَالَ ويقال جَازَ من الجزَال وهو زَمن صِرام النَّخْل وأنشد:
حتى إذا ما حَانَ من جِزَالِها ... وحَطّت الجُرَّامُ من جِلالِها 1
يريد أوعِيَتها
وقوله: رَمْيَة الغَرَض يريدُ أَنَّ بُعدَ ما بين القطعتين رمية غرض.
__________
1 اللسان والتاج"جزل" دون عزو.
(1/203)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مِعْنَقًا صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ ثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ دَهْقَانَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ
قوله: بَلَّحَ معناه أَعيَا وانْقَطَع يقال بلَّح الفرسُ إذا انقطع جَرْيُه وبلَّحَتِ الرَّكِيَّةُ إذا ذهب ماؤُها وَبَلَّحَ الغَريمُ إذا أَفْلَس والمَعْنَى في هذا كله يرجع إلى شيءٍ واحدٍ قَالَ مُتِّمم بن نُوَيْرَة يصف فرسًا:
مُلِحٌّ إذا بلَّحْنَ في الوعث لاجق ... سنابِكُ رِجليْه بِعَقْد حزام
وقال قَيسُ بن الخَطِيم:
وإنَّا إذا ما مُمْتَرُو الحَرْب بَلَّحُوا ... نُقِيمُ بآساد العرين لواءها 2
__________
1 كذا في م, وفي س, ط, والفائق والنهاية "عنق" معنقا, اسم فاعل من أعنق. والحديث في سنن أبي داود 4/ 104.
2 الديوان /11.
(1/203)

وَمِنْ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَدْخُلُ آخِرَ النَّاسِ الْجَنَّةَ: "فَيُقَالُ لَهُ اعْدُ مَا بلغت قدماك فيعدو حَتَّى إِذَا بَلَّحَ ... " 1
وقوله: مِعْنَقًا مأخوذ من العَنَق وهو انبساط السَّيْر يقال دابَّة مِعْنَاقٌ قَالَ الشاعر:
ومن سَيْرها العَنَق المُسْبَطِرُّ ... والعَجْرَفيَّةُ بعد الكَلال 2
والمِعْنقُ من أوصافِ المبالغة 3
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ فِي قِصَّةِ الْغَارِ حَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ نا عَبْدَانُ الْجُوَالِقِيُّ 4 نا دَاهُرُ بْنُ نُوحٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَرَادَةَ ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ نا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ رَهْطًا ثلاثة انطلقوا فأصابتهم السماء فلجؤوا إِلَى غَارٍ فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهِ إِذِ انْقَلَعَتْ صَخْرَةٌ مِنْ قُلَّةِ الْجَبَلِ حَتَّى تَدَهْدَهَتْ حَتَّى جَثَمَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ" قَالَ: "فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كُفَّ الْمَطَرُ وَعَفَا الْأَثَرُ وَلَنْ يَرَاكُمْ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَفْضَلَ عَمَلٍ عَمِلَهُ قَطُّ فليذكره ثُمَّ لِيَدْعُ اللَّهَ" 5 وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ قَالَ فَانْفَجَرَتِ الصَّخْرَةُ فَانْطَلَقُوا مُعَانِقِينَ أَيْ مُسَارِعِينَ مِنَ الْعَنَقِ
__________
1 ذكر ه الحافظ في المطالب العالمية 4/ 368 و 412, وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة وذكره الهيثمي في مجمعه 10/ 401 بنحوه وعزاه للطبراني.
2 اللسان والتاج "عجرف" وعزف لأمية بن أبي عائد. وهو في شرح أشعار الهذليين 2/ 498.
3 سهقط من ت, وهو في س, م, ح.
4 م: "الجوالقي" والمثبت من ت, س, ح.
5 حديث الغار هذا من حديث أبي هريرة, ذكره الهيثمي 8/ 142, بألفاظ متقاربة, وعزاه إلى البزار والطبراني في الأوسط. وأخرجه البخاري في 8/ 3, ومسلم في 4/ 2099 من حديث ابن عمر.
(1/204)

وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَمْ يَتَنَدَّ مِنْ دِمَاءِ الْحَرَامِ بِشَيْءٍ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ" 1
فمعناه لم يُصِب منها شيئًا يقال ما نَدِيَني من فلان بَأسٌ أي ما أصابَني وما نَدِيتُ بشيء قَالَ النَّابِغَةُ:
وما نَدِيتُ بشيءٍ أَنتَ تكرَهُه ... إذًا فلا رفَعتْ سَوْطِي إليَّ يدي 2
فأما قولهم: فلان يَتَنَدَّى عَلَى أصحابه فمعناه يَتَسَخَّى عليهم 3 والنَّدَى العَطاء
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" 4 فإنَّ شَطْرَ الْكَلِمَةِ نِصْفُهَا
وحدثني محمد بْنُ سَعْدَوَيْهِ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ عن قُتَيْبَةَ أنا الحُمَيْديّ عن سفيان بن عُيَيْنَة قَالَ هُوَ أن يقول أُقْ .. أي اقْتُل وهذا كقوله: كَفَى بالسَّيْفِ شا .. يريد شاهدا
__________
1 أخرجه ابن ماجه 2/ 873, وأحمد 4/ 148,152.
2 الديوان 86.
3 من ت, م, ح.
4 أخرجه ابن ماجه 2/ 874.
(1/205)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ آخِرَ الْخَلْقِ قَالَ: "فَيَسْأَلُ رَبَّهُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَأَكُونَ تَحْتَ نِجَافِ الْجَنَّةِ" 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا أَبُو بَكْرِ بن
__________
1 أخرجه أحمد 3/ 27.
(1/205)

أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ 1 ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قَالَ الأصمعي: النِّجَافُ أُسْكُفَّة الباب قَالَ والنِّجاف في غير هذا القِطعةُ من الجِلد أو الخَصَفَةُ تُرْبَطُ عَلَى التَّيْس إذا كَرِهُوا سفاده لئلا يسفد.
__________
1 ت: "يحيى بن أبي بكر".
(1/206)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُؤَرِّضْهُ مِنَ اللَّيْلِ" 1
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثنا ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ حَازِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ
قوله: يؤَرِّضه معناه يُهَيِّئه ويُقَدِّم النِّيَّة له من اللَّيل كقوله: "لا صِيام لمن لم يُبَيِّتْه من الليل" 2 ويقال أَرَّضْتُ المكانَ إذا سَوَّيتَه وَهَيَّأْتَه وقال الأصمعيّ مكان أرِيضٌ إذا كان خَلِيقًا للخَيْر جَيِّدَ النّبات ويقال: تأرَّضَ الرجلُ إذا لزِم الأرضَ ولم يَبْرحْ وأنشد أبو زيد:
وصاحب نَبَّهتُه ليَنْهَضَا ... إذا الكَرَى في عينْهِ تَمَضْمَضَا
فقام عَجلانَ وما تَأرَّضا ... يَمْسَحُ بالكَفَّيْنِ وجْهًا أَبْيضا 3
وقال ابن السِّكِّيتِ يقال تَركتُ القومَ يتأرَّضُونَ المنزل 4: أي يختارون
__________
1 أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 32, والدارقطني في سننه 2/ 172 بلفظ: "لم يفرضه".
2 أخرجه النسائي 4/ 196, 198, والدارمي 2/ 7, والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 202 بألفاظ متقاربة
3 اللسان والتاج "أرض".
4 ح "يتأرضون للمنزل".
(1/206)

فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: "أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ"1
حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثنا هَمَّامٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ" فإنه يُتَأَول أيضًا عَلَى تقْديم النِّيَّة له من الليل إذ كان الليلُ غيرَ مَحَلٍّ للصَّوم وفيه وجه آخر وهو أن تُذكَرَ اللَّيالي ويُرادَ بها الأَيَّام كقولهم خرجنا لَياليَ الفِتْنَة وخِفنا ليالي إمارَةِ فلان
وقال أبو عمرو بن العلاء: هَرَبنا لَيالِيَ إمارَةِ الحَجَّاج وإنما يُراد في هذا كله الأَيّام بلياليها وعلى هذا يُتَأَوَّلُ قَولُه تَعالَى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} 2 يُرِيد والله أعلم الأيّامَ بلياليها. وكان المُبرَّد يقُول إنما أَنّث العَشْرَ لأَنَّ المرادَ به المُدَّةَ وذهب بعضُ الفقهاء إلى أنه إذا انقَضَى لها أربعة أشهر وعَشْرُ ليالٍ حَلَّت للأَزْواج وذلك لأَنَّه رأَى العَددَ مُبْهَمًا فغَلَّبَ مَعنَى التّأنيث وتأوّلها عَلَى اللّيالي وإليه ذهب الأوزاعِيُّ من الفقهاء وأبو بكر الأَصَمّ من أهل الكلام.
أخبرني به الحسنُ بنُ يَحْيى عن ابن المُنذِر ويقال إنهم إنما اعْتَبروا إنشاءَ التَّاريخ من اللَّيالي لأَنَّ الأَهِلَّةَ تَسْتَهِلُّ فيها 3.
__________
1 أخرجه النسائي 4/ 224, 225, وأبو داود 2/ 328, وأحمد 5/ 27.
2 سورة البقرة: 234
3 هامش م: "تستهل بها".
(1/207)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ مَكَثَ فِي الْغَارِ وَأَبُو بَكْرٍ ثَلاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ
(1/207)

لَقِنٌ ثَقِفٌ يُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ كَبَائِتٍ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مِنْحَةً فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِهَا وَرَضِيفِهَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا بِغَلَسٍ"1
حَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ 2 نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا حَرْمَلَةُ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلا قَوْلَهُ: وَرَضِيفُهَا فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِ مِنْحَتِهَا ورَضِيفِهَا هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْهُ
يقال رجل لَقِن إذا كان حَسَن التَّلَقُّن لِمَا يَسْمَعُه وثَقِفٌ إذا كان ذا فِطْنَةٍ وفَهم قَالَ طَرفَةُ:
أَوَما عَلِمْتَ غَداةَ تُوعِدُني ... أنيَّ بحَرْبك عالِمٌ ثَقِفُ 3
ويقال رجل ثَقِف وامرأة ثَقَافٌ
وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ قَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ لَمَّا جَاوَرَتْ أُمَّ جَمِيلٍ بِنْتَ حَرْبٍ: إِنِّي لَحَصَانٌ فَمَا أُكَلَّمُ وَثَقَافٌ فَمَا أُعَلَّمُ وَكِلْتَانَا مِنْ بَنِي الْعَمِّ ثُمَّ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْلَمُ 4 ومِثلُه رجل رزِينٌ وامرأةٌ رزَانٌ قَالَ حسان:
__________
1 الجامع الصحيح للبخاري 5/ 77,73.
2 ت: "عبد الرحمن".
3 الديوان /176.
4 مسند الحميدي /154.
(1/208)

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِريبَةٍ ... وتُصْبح غَرْثَى من لُحومِ الغَوَافل 1
والرَّضيف: اللَّبَن المرضوف وهو الَّذِي يُحقَن في السِّقاء حتى يصير حازِرًا ثُمَّ يُصبّ في القَدَح وقد سُخِّنَت له الرِّضاف فَتُوضَعُ فيه الرِّضْفَةُ المُحماةُ فتكْسِر من بَرْدِه وتذهْبُ بوخَامَتِه ورواه بعضهم وصَرِيفها والصَّريفُ اللَّبَنُ ساعةَ يُحلَبُ قَالَ الراجز:
لكن غَذَاها لَبَنُ الخَريف ... المَحْضُ والقَارِصُ والصَّرِيف 2
والنَّعْق دُعاء الغَنَم 3 بلَحْن تُزْجَر به قال الشاعر:
انعق بضَأْنِك يا جَرِيرُ فإنَّما ... مَنَّتْكَ نفْسُكَ في الخلاء ضَلالا 4
يهجو جَرِيرًا وجعله راعِيًا لأَنَّ بني كليب أصحاب غنم
__________
1 الديوان /242.
2 كذا في النسخ وفي اللسان والتاج "خرف" وعزي لسلمة بن الأكوع. وقال الهروي: الرواية: اللبن الخريف.
3 م: "دعاؤك الغنم".
4 اللسان والتاج "نعق" وعزي للأخطل وهو في شعر الأخطل /392.
(1/209)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ" 1
قوله: مدَاد كلماتِه يريد قَدْر كلماتِه أو مِثْلَها في العدد كثرة والمداد مَصْدر كالمَدد. يقال مَددتُ الشيءَ أَمُدُّه مَدَدًا ومِدَادًا
ومن هذا حديثه الآخر في ذكر الحَوْض أنه قَالَ: "ينْثَعِب فيه مِيزَابَان من الجَنَّة مِدادُهما الجَنَّةُ" 2: أي تمدّهما أنهارُ الجَنَّة قَالَ الشاعر:
__________
1 أخرجه مسلم 4/ 2090, والنسائي 3/ 77, واين ماجه 2/ 1251 وغيرهم.
2 أخرجه أحمد 4/ 424, وعبد الرزاق 11/ 406, والحاكم 1/ 76 بنحوه.
(1/209)

رَأَوْا بَارقاتٍ بالأكُفِّ كأنَّها ... مَصابيحُ سُرْجٍ أُوقِدَت بمدادِ 1
أي بزَيْت يَمُدُّها
ورواه سَلَمَةُ عن الفَرَّاء قَالَ: قَالَ الحارثي: يجمعون المُدَّ مِدادا قَالَ: وأنشد:
ما يَرن في البحر بخير سِعْر ... وخير مُدٍّ من مِدادِ البَحْر 2
ويقال: بني القومُ بيوتَهم عَلَى غِرار واحد وعلى مِداد واحد: أي عَلَى نَسَقٍ واحد وأنشدني بعض أهل الأدب:
ومن طِرازِ الرّجَزِ الأجاوِدِ ... عَلَى غِرارٍ ومدادٍ واحدِ 3
__________
1 اللسان والتاج "مدد" وعزي للأخطل وهو في "شعر الأخطل" 1/ 174.
2 ساقط من ح, ط وفي هامش م: ما يرن, من الميرة.
3 اللسان والتاج "مدد" وعزي لجندل
(1/210)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا هَوْمَ الأَرْضِ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ" 1
مِنْ حَدِيثِ مُسَدِّدٍ نا خَالِدُ 2 بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قوله: هَوْم الأرض هكذا رواه لنا المحدِّث عن أبي خليفة عن مسدَّدٍ ولَستُ أدري ما هَوْم الأَرْض ولا سمعت فيه من ثِقَةٍ ما أَعتمده إلا أن بعض أهل اليمن قَالَ لي هَوْم الأَرْض مشهور في لُغَتِنا وهو بُطْنَانُ الأرض وقال بعض أهل اللغة الهَوْمَةُ والهَوْمَات اسم يقع عَلَى جميع الفَلَواتِ 3 وقال بعضهم هذا تصحِيفٌ وإنما هُوَ فاجتَنِبُوا هوى
__________
1 أخرجه مسلم 3/ 1525, والترمذي 5/ 143, وأحمد 2/ 378 بلفظ "فاجتنبوا الطريق" وانظر الفائق 3/ 103.
2 س: "خلف بن عبد الله" والمثبت من ت, م, ح, ط.
3 من ت, م, س.
(1/210)

الأرْض جَمْعُ هُوَّة وهي الحُفْرةُ يشرف عليها أَسنادٌ غِلاظٌ وقال آخر بل هُوَ هَزَم الأرض وهو ما تَهَزَّمَ منها أي تكسَّر وتَشَقَّق ومنه حديث أسعد بن زُرارَة: "أن أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في هَزَم بني بياضَة"1
وجاء في الحديث: "أن زَمْزَمَ هَزْمَةُ جبريل"2: أي من ضَرْبِه الأرضَ وشَقِّه إياها قَالَ الأصمعي يقال سمعت هَزْمَةَ الرَّعْد وهو صوته الَّذِي كأنَّ فيه تشققا.
__________
1 سنن ابن ماجه 1/ 244, وأبو داود 1/ 280.
2 أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 2/ 50 عن مجاهد.
(1/211)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ مَرَّ بِغُلامٍ يَسْلَخُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: "تَنَحَّ حَتَّى أُرِيكَ" فَدَحَسَ بِيَدِهِ حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبِطِ ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ الْمَعْنِيُّ 2 قَالُوا ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا هِلالُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ قَالَ هِلالٌ لا أَعْلَمُهُ إِلا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ أَيُّوبُ وَعُمَرُ وَأُرَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: دَحَس بها يريد أنه أدخل يدَه دَسًّا بين اللَّحم والجِلد.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: "حَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْحَسُوا الصُّفُوفَ حَتَّى لا يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرَجٌ"3.
__________
1 سنن أبي داود 1/ 47, وسنن ابن ماجه 2/ 1061. وفي س, ح: "ولم يتوض". والمثيت من م.
2 ساقطة من ح. م
3 مصنف عبد الرزاق 2/ 50.
(1/211)

قال الأصمعي: يت دِحاسٌ أي مَمْلُوءٌ ويقال قد أَدْحسَ الزَّرعُ إذا امتلأت أَكَّمتهُ من الحَبّ ودحَسَ الرجلُ بالشَّرِّ إذا دسَّه من حيثُ لا يعلم به قال الشاعر:
إن دَحَسُوا بالشَّرِّ فاعْفُ تَكَرُّمًا ... وإن كَتَمُوا عنك الحَدِيثَ فلا تَسَلْ 1
__________
1 اللسان والتاج "دحس", وعزي للعلاء بن الحضرمي, أنشده النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(1/212)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّه كَانَ أَسْجَرَ الْعَيْنَيْنِ 1
حَدَّثَنِيهِ الثِّقَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ زَكَرِيَّا التُّسْتَرِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ نا خَالِدٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ الأصمعي السَّجر أن يكون سوادُ العين مُشرَبًا حُمرةً يقال رجلٌ أَسْجرُ وامرأةٌ سَجراءُ وقال غيره السَّجَر والسُّجْرَةُ حُمرةٌ في بياضِ العين وهذا أشبَه بمَعْنى الحديث لأنه قد رُوِي في نعتِه: أنه كان أَشْكَلَ العَيْنَيْن 2 والشُّكْلَةُ: حُمرةٌ في بياض قَالَ الشاعر:
فَما زالَت القَتْلَى تَمُورُ دِماؤُها ... بدِجْلَةَ حتى ماءُ دِجلةَ أَشْكلُ 3
وأخبرني أبو بكر 4 الخُوارِي قَالَ سألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن قوله: أشكل العَيْنَين فَقَالَ كانت بعينيه سُجْرة فجعل السُّجْرة والشُّكْلَةَ واحدة على خلاف مذهب الأصمعي ويقال إِبِل سُجْر أي حمر قال ذو الرمة:
__________
1 الفائق "مغط" 3/ 376.
2 أخرجه مسلم 4/ 1820, والترمذي في الشمائل 43.
3 اللسان والتاج والأساس "شكل" وعزي لجرير, وهو في ديوانه/367.
4 من ت. م, ح.
(1/212)

إذا ما ادَّرَعْنا جَيْبَ خَرْقٍ نَحَتْ بِنَا ... غُريْرِيَّة أُدْمٌ هَجَائِنُ أَو سُجر 1
ويروى نَجَتْ بَنَا
وَمِنْ نُعُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ فِي خَاصِرَتَيْهِ انْفِتَاقٌ"2
حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "كَانَ فِي خَاصِرَتَيْهِ انْفِتَاقٌ"2 قَالَ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ مَعْنَاهُ اسْتِرْخَاءٌ
ورُوِي في حديث آخر: "أَنَّه كان مُفَاضَ البَطْن"3 وهو أن يكون فيه امتلاء والعرب تَمدح به السادة وتقول اندِحَاقُ البَطْن من علامات السُّؤْدَدِ وتَذُمُّه في النِّساء قَالَ امرؤ القيس:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ 4
وقد وُصِف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غير هذين الخَبَرَيْن 5 بالخَمَص وقد يَتَّفِق أن يُجمَع بين النَّعْتَين بأن يكون الضُّمر في أعلى البَطْن والوُفورُ في أَسفَله يَدُلُّ عَلَى صِحَة ذَلِكَ قولُهُ: "كان في خاصِرَتَيْه انفِتاق"
ومنها خَبرَ أنس "أنه كان أسمر"6
__________
1 الديوان /217, وجاء في الشرح: غريرية: منسوبة إلى بني غرير, وهو حي من اليمن, لهم نجائب أدم بيض.
2 النهاية "فتق" 3/ 409, وفيها: أي اتساع.
3 الفائق"مغط" 3/ 376, وأخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 240 بلفظ: سوي البطن.
4 الديوان /15
5 س: "الحديثين". وذكره الهيثمي في مجمعه 8/ 273 بلفظ: "خمصان الأخمصين" في حديث طويل, وكذلك دلائل النبوة للبيهقي 1/ 240.
6 ابن حبان في الموارد /521, وذكره الهيثمي في مجمعه 8/ 272, وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار, ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(1/213)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْحَرْبِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَرَ". وَهَذَا خَبَرٌ تَفَرَّدَ بِهِ خَالِدٌ الطَّحَّانُ وَفِي نَعْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب رسول الله "أَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا"1.
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: "أَنَّهُ كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ"2.
والسُّمْرَةُ لَونٌ بين البياض 3 والأُدْمَةِ وقد يُجمعَ بين الخَبَرين بأن تكون السُّمرةُ فيما يبرز للشَّمسِ من بدنه والبَياضُ فيما واراه الثِّيابُ ويُستَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بقول ابن أَبي هَالَةَ في وصفِه: "أَنَّه كان أَنْوَر المُتَجَرَّد"4 ويُتَأَوّل قولُه: كان أزهرَ عَلَى إشراق اللون ونُصُوعه لا عَلَى البَياضِ.
وفيه وجه آخر وهو أنه مُشرَبُ الحُمرة والحُمرةُ إذا أُشْبِعَت حَكَت سُمْرَة ويدُلّ عَلَى هذا المعنى قَولُ الواصِفِ له لم يكن بالأبيض الأمهق 5.
ومنها ما رُوِي عن بعض الصحابة قَالَ رأيتُ رَسُول الله وافرَ السَّبَلَة 6.
أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو الْمَقَّرِيُّ 7 نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ حدثني أبو يحيى
__________
1 مجمع الزوائد 8/ 272, موارد الظمآن /521, الطيالسي 1/ 25 بنحوه.
2 البخاري 4/ 228, مجمع الزوائد 8/ 283, موارد الظمآن /521.
3 ت: "السواد", والمثبت من س, م.
4 مجمع الزوائد 8/ 283, دلائل النبوة للبيهقي 1/ 240.
5 أخرجه البخاري 4/ 228, ومسلم 4/ 1824 وغيرهما من حديث أنس.
6 الفائق "مغط" 3/ 376.
7 م: "الحيري" بدل "المقري".
(1/214)

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ نا سُلَيْم بْنُ الْحَارِثِ أَخُو خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ نا جَهْضَمُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّجِيجِ فَرَأَيْتُ شَيْخًا قَالُوا هَذَا الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدٍ قُلْتُ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: صِفْهُ قَالَ: كَانَ حَسَنَ السَّبَلَةِ قَالَ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي اللِّحْيَةَ السَّبَلَةَ 1.
وقد يدفعه قوم ويرونه مخالفًا لسُنّته في قص الشوارب وليس بينهما خلاف وإنما يتوهم ذلك من أجل أن السَّبَلة عند العامة الشَّاربُ وهي عند العرب مُقَدَّم اللِّحْية قَالَ الأصمعيّ السَّبَلَةُ ما أُسْبل من مُقَدَّم اللَّحْيةِ عَلَى الصدر يقال للرجل الطَّويلِ السَّبَلَة: إنه لأسْبَلُ ومُسبلٌ قَالَ الشاعر:
تَرى لِحْيةَ الجَرْميّ من تحت حَلْقِه ... فَما نبَتَت من لؤم جَرْمٍ سِبالُها
أي لحاؤها 2.
وَمِنْهَا خَبَرُ جَابِرِ بن سمرة: "أنه كان أَخْضَرُ الشَّمَطِ"3.
حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ 4 نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ نا ابْنُ يَمَانٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرٍ وَإِنَّمَا كَانَ يُخَضِّرُ شَيْبَتَهُ 5 بِالطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَالنَّرْجِيلِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَإِذَا ادَّهَنَ
__________
1 من ت, م. أخرجه الهيثمي في مجمعه 8/ 281, وعزاه للطبراني.
2 من م.
3 الفائق 3/ 376. "مغط"
4 ت: "حسين بن مصعب".
5 م, ط: "يخضر شيبه بالطيب".
(1/215)

وَامْتَشَطَ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ رَأَيْتَهُ مُتَبَيِّنًا".1 والخُضْرة أيضًا السواد ولا موضع له هاهنا
ومنها في خَبَرٌ لِعَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ تَبْرُقُ أَكَالِيلُ وَجْهِهِ"2
يَرْوِيهِ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ 3 لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وَهِيَ جَمْعُ إِكْلِيلٍ تُرِيدُ بِهِ نَاحِيَةَ الْجَبْهَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْجَبِينِ كَحَدِيثِهَا الآخَرِ: "أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا تَبُرقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ"4؛ وَهِيَ خُطُوطٌ بَيْنَ الْحَاجِبَيْن وَقُصَاصُ الشَّعَرِ وَذَلِكَ أَنَّ الإِكْلِيلَ إِنَّمَا يُوضَعُ 5 هُنَاكَ وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِالشَّيْءِ وَتَكلَّلَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ 6 فَهُوَ إِكْلِيلٌ وَيُقَالُ: إِنَّمَا أُخِذَتِ الكلالة من تكلل النسب
__________
1 صحيح مسلم 4/ 1823, ومسند أحمد 5/ 104, والبيهقي في الدلائل 1/ 182.
2 الفائق "كلل" 3/ 273, وفيه: الإكليل: شبه عصابة مزينة بالجوهر جعلت لوجهه صلى الله عليه وسلم آكاليل على سبيل الاستعارة. وهو نوع من الاستعارة. لطيف دقيق المسلك. وقيل: أردت نواحي وجهه وما أحاط به من التكلل وهو الإحاطة.
3 م: "يرويه عاصم بن علي بن ليث بن سعد".
4 أخرجه البخاري 4/ 229, ومسلم 2/ 1081.
5 س: " .. أن الأكليل إنما توضع هناك". والمثبت من بقية النسخ.
6 ساقط من ت.
(1/216)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُقَصَّدًا"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ نا يَزِيدُ بن
__________
1 أخرجه مسلم في الفضائل 4/ 1820, رقم الحديث"99".
(1/216)

هَارُونَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الطُّفَيْلِ: أرأيت رسول الله؟ ققال نَعَمْ قُلْتُ كَيْفَ كَانَتْ صِفَتُهُ قَالَ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا"
الْمُقَصَّدُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي لَيْسَ بِجَسِيمٍ وَلا قَصِيرٍ
ورواه بعضهم مُقْصَدًا ساكنة القاف مخففة الصاد مفتوحتها قَالَ: وهو الرَّبَعَة من الرجال.
قَالَ: وكل شيء مستوٍ غير مُسرف ولا ناقص فهو قَصَد ومُقْصَد 1
ورواه يحيى بن معين: معضدا وهو الموثق الخل والمحفوظ هو الأول
__________
1 من ت.
(1/217)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِعُطْبُولٍ وَلا بِقَصِيرٍ"1
حَدَّثُونَا عَنِ الْحَضْرَمِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ
العُطبولُ: الطَّويل. يقال: رجل عُطبولٌ, وجاريَةٌ عُطبول, ويقال: هُوَ الَّذِي جَمَع امتدادَ القامَةِ وطولَ العُنُق أنشدنا أبو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي:
قد أبصرتْ سُعدَى بها كتائلي ... مثل الجواري الحُسَّر العَطَابِل 2
الكتائل جمع كتيلة, وهي بلغة طيئ النخلة التي قد فاتت اليد, أراد
__________
1 أخرجه مسلم 4/ 1818, والترمذي 4/ 219, 5/ 598, بلفظ: "لم يكن بالطويل ولا بالقصير".
2 اللسان التاج "كتل"
(1/217)

أنّه كان رَبْعَةً من الرجال من غير طولٍ بائن ولا قِصَر شائنٍ وهذا كما وصفه هِنْد بن أبي هالة فَقَالَ كان أَطْولَ من المَرْبوع وأَقْصَر من المُشَذَّب 1 وفَسَّره ابنُ قتيبة 2 فَقَالَ المُشَذَّبُ الطَّويلُ البائِنُ الطُّولِ وأخبرني بعض أصحابنا عن ابن الأنباري أنه قَالَ هذا غلط لأنه لا يقال للبائن الطّول إذا كان كثير اللحم مُشَذَّبٌ حتى يكون في لَحْمه بعضُ النُّقْصانِ فَوصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه يخالف المُشَذَّبَ في طوله ولا يخالفه في نُقْصان بَعضِ لحمهِ إذ كان المُشَذَّبَ عندهم مُشَذَّبًا لنُقْصانِ بعض الَّذِي عليه والعرب تقول جِذْعٌ مُشَذَّب إذا قُشِر ما عليه من الشَّوكِ وغيره ويقولون فرسٌ مُشَذَّبٌ إذا كان طويلًا ليس بكثير اللحم في أعضائه فالرجل المُشَذَّبُ بمنزلة الفرس المُشَذَّب في المعنى الَّذِي وصفناه قَالَ الشاعر يصف فرسًا:
أَمَّا إذا استَقْبَلْتَه فكأنّه ... في العَيْن جِذعٌ من أَراكٍ مُشَذَّب
وقال امرؤ القيس:
له جؤجؤ حشر كأنّ لِجامَه ... يُعالَى به في رأس جذع مشذب 3
__________
1 أخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 240, وذكره الهيثمي في مجمهع 8/ 273.
2 1/ 489
3 الديوان /48
(1/218)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الرِّبَا بِالْبَيْعِ وَالْخَمْرُ بِالنَّبِيذِ وَالْبَخْسُ بِالزَّكَاةِ وَالسُّحْتُ بِالْهَدِيَّةِ وَالْقَتْلُ بِالْمَوْعِظَةِ" 1
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ عَنِ ابن المبارك عن الأوزاعي
__________
1 الفائق "بخس" 1/ 82, والنهاية "بخس" 1/ 102.
(1/218)

أصل البَخْسِ النُّقصانُ قَالَ الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} 1 وإنما أريد به المَكْسُ وما يأخذه الوُلاةُ باسم العُشْر ويتأوَّلون فيه مَعنَى الزكاة والصّدقات وهو مكس وظلم وقد قال "لا يَدخُل الجَنَّةَ صاحبُ مَكْسٍ 2"
قَالَ الشاعر:
وفي كُلِّ أَسواقِ العِراقِ إتَاوَةٌ ... وفي كلّ ما باع امرؤٌ بخْسُ دِرْهَم 3
ويروى: مكْس دِرْهم
وأَصلُ المكس النُّقصان يُقالُ مَكسَني حَقِّي وبَخَسَني ومنه أُخِذَ المِكاسُ في البَيْع وهو أن يَسْتَوْضِعَه المُشتَري شيئًا من الثمن قَالَ الأخفش العرب تَقولُ في الرجلين بينهما نِزاعٌ وتجاذُبٌ بينهما عِكاسٌ ومِكَاسٌ وأَنْشَد أو غيرُه 4 لِقُلاخ بن حَزْن المِنْقَرِيّ:
حتى تَقُولَ الأَزْدُ لا مِسَاسَا ... إن نَحنُ خِفْنا مِنْهُمُ مِكَاسا
وقوله: والسُّحْتُ بالهَدِيَّة: أي الرِّشْوة في الحكم والشهاداتِ وما أشبهها من الأمور اللازِمَة لأَهلِها الواجبِ عليهم القيامُ بها
والقَتْلُ بالمَوِعظَة أن يُقْتَل البَرِيءُ ليتَّعظَ به العامة
__________
1 سورة يوسف: 20
2 أخرجه أبو داود 3/ 133, وأحمد 4/ 143, 150 وغيرهما.
3 اللسىان والتاج والأساس"أتى", وعزي لجابر بن حنى التغلبي, والشطر الثاني في الفائق 1/ 82.
4 ت: "وأنشده غيره".
(1/219)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ رَجُلا كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاةٍ فَأَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَمَكَثَ مُعَالَجًا فَجَزِعَ مِمَّا بِهِ فَعَدَا عَلَى سَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ فَقَطَعَ رواهشه"1
__________
1 الفائق"غرب" 3/ 62.
(1/219)

مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عُمَارَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قال أبو عمرو: الرواهِشُ والنّواشِرُ: عُروقُ باطِنِ الذِّراع والأَشاجعُ: عروق ظاهر الكَفِّ
وقال الأصمعيّ: الرّواهِشُ: العَصَب الَّذِي في ظاهر الذِّراع وأَنشد:
أَعددت للحرب فَضْفَاضَةً ... دِلاصًا تَثَنَّى عَلَى الرَّاهِشِ 1
قَالَ والنَّواشِرُ: عَصَبُ الذِّراع من باطن وخارج والواحدةُ ناشِرَة قَالَ الشاعر:
ودارٌ لها بالرَّقْمَتَيْن كأنها ... مَراجِعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ 2
وَنَحْوَ هَذَا حَدِيثُ الدُّوسِيِّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا هَاجَرَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ هَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَى الْمَدِينَةَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ فقَطَعَ بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ 3
قَالَ الأصمعي: البَرَاجِم واحدها بُرْجُمة وهو مُلْتَقَى رُؤوسِ السُّلامِيات من ظَهْر الكَفّ إذا قَبَض الإنسانُ كَفَّه نَشَزَت وارتَفَعَت وبها سُمَّيت البَراجِمُ من بني تميم
وأخبرني أبو عمر عن أبي العباس ثعلب قَالَ البَراجِمُ العقد
__________
1 االلسان التاج "رهش" ولم يعز
2 اللسان والتاج "رقم" وعزي لزهير, وهو في الديوان /5 برواية: "ديار لها بالرقمتين".
3 أخرجه مسلم: الإيمان, حديث رقم 184, ومسند أحمد 3/ 370.
(1/220)

المتشنِّجةُ والرَّواجبُ ما بين البَراجِم والواحدة راجِبَة فأما الأَرجابُ فهي الأَمعاءُ واحدها رُجْبٌ 1
وَمِنَ الرَّوَاجِبِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَاهُ الْأَصَمُّ ثنا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ أَبِي كَعْبٍ 2: مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ أَبْطَأَ عَنْكَ جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: "ولم لا يبطئ عَنِّي وَأَنْتُمْ حَوْلِي لا تَسْتَنُّونَ وَلا تُقَلِّمُونَ وَلا تَقُصُّونَ شَوَارِبَكُمْ وَلا تُنَقُّونَ رَوَاجِبَكُمْ" 3
أراد ما يجتمع في تَشَانِيجِها من الوَسَخ
وقوله: سَهْمُ غَرْبٍ فإنه ما أصاب الرجلَ وهو لا يعرف راميه قَالَ أبو زيد يقال أصابه سَهمُ غَرْبٍ ساكنة الراء إذا أتاه من حيثُ لا يَدْري وسهم غَرَب –بالفتح- إذا رماه فأصاب غيره.
__________
1 س: "وحدها رجيب", والمثبت من م, ت, ح.
2 س, ح: "أبي بن كعب".
3 أخرجه أحمد 1/ 243, ومجمع الزوئد 5/ 167.
(1/221)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ حين غاب الشفق وايتطأ الْعِشَاءَ"1
يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ الْمُقَوَّمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عن الحسن
قوله: ايتطأ وَزنُه افْتَعَل من وطَّأتُ الشَّيءَ إذا هيأته وأصلحته فايتطأ:
__________
1 النهاية "وطأ" 5/ 202, وجاء فيها: في الفائق 4/ 69: "حين غاب الشفق وأنطى العشاء", قال: وهو من قول بني قيس: لم يأتط الجداد. ومعناه لم يأت حينه. وقد أئتطى يأتطي كائيلي يأتلي. بمعنى الموافقة والمساعفة.
(1/221)

أي تهيَّأ وصَلَح والمعنى أنه صلَّى حين غاب الشَّفَقُ وأدركَ وَقت العِشاء فَصَلَح أن تُصَلِّي.
وقال أبو زيد يقال إيتطأ الشَّهرُ وذلك قبل النصف بيوم وبعده بيوم بوزن إيتطع 1
__________
1 من ت, م.
(1/222)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ الْخِضْرَ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءُ" 1
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ نا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ نا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ أبو عُمَر: الفَروةُ: الأرضُ البيضاء لا نباتَ فيها. وقال غيرُه: أراد بالفَرْوَةِ الهَشيمَ اليابِسَ شَبَّهه بالفَرْوَة ومنه قيل فَروةَ الرأسِ وهي جِلدتُه بما عليها من الشعر قَالَ الراعي:
ولقد تَرَى الحَبَشِيَّ حولَ بيوتِنا ... جَذلًا إذا ما نَالَ يوما مَأْكَلا
صَعْلا أَسكَّ كأن فروةَ رأسه ... بُذِرَت فأنبت جانباه فلفلا 2
__________
1 أخرجه البخاري 4/ 190, والترمذي 5/ 321 وغيرهما.
2 الديوان /117 ط دمشق, وديوان ط وديوانه ط بغداد /176.
(1/222)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ حَتَّى يَدَعَهَا مِثْلَ الْقِدْحِ أَوِ الرَّقِيمِ"1
حَدَّثَنَا 2 إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا وهب
__________
1 أخرجه مسلم: الصلاة, رقم الحديث 28, وأبو داود 1/ 178, وابن ماجه 1/ 318 وغيرهم بدون لفظ: "الرقم".
2 من ت, م.
(1/222)

بْنُ جَرِيرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ويُروَى: مِثلَ الرُّمْح
أولُ ما يُقْطَع السَّهمُ ويُقْتَضَبُ يُسَمَّى قِطْعًا ويجمع عَلَى القُطُوع فإذا بري سمي بريا فإذ قُوِّم وأَنَى 1 له أن يُراشَ ويُنْصَل فهو القِدْح فإذا رِيشَ ورُكِّبَ نصلُه صار سَهْمًا
والرَّقيم: الكِتابُ فعيل بمعنى مَفْعول يقال: رقمت أرقم رَقْمًا إذا كتبت قَالَ الله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} 2 وقال الشاعر:
سأرقُم في الماء القَراحِ إليكمُ ... عَلَى بُعدِكم إن كان للماء راقِمُ 3
والمعنى أنه كان يسوّي الصفوفَ حتى لا يترك فيها عِوَجًا ولا حَدَبًا كما يُصلِح البارِي القِدْح ويُقِوِّمُ الكاتب السطر
__________
1 ت: "وآن".
2 سورة المطففين: 9
3 سبق في اللوحة 19.
(1/223)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ عَنِ امْرَأَةٍ أَرَادَ نِكَاحَهَا فَقَالَ لَهُ: "بِقَدْرِ أَيِّ النِّسَاءِ هِيَ"؟ قَالَ قَدْ رَأَتِ الْقَتِيرَ قَالَ: "دَعْهَا" 1
حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ نا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي سَارَّةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ: "بِقَرْنِ أَيِّ النِّسَاءِ هي"؟ 2
__________
1 أخرجه أحمد في 6/ 366, ورواه أبو داود في 2/ 233 في النكاح.
2 من ت, م.
(1/223)

القَتير الشَّيب قَالَ الأصمعيّ: يقال: لَهزَه القَتِيرُ ووخَزَه وَخْزًا إذا بدا به الشَّيبُ قَالَ العَجَّاجُ:
مع الجَلا ولائِحِ القَتِير 1
والقَتِيرُ في غير هذا رُؤُوس حَلَقِ الدِّرع قَالَ الهْذَليّ:
وعَلَيَّ سابِغةٌ كأنَّ قَتِيرها ... حَدَقُ الأَساودِ لونُها كالمِجْوَلِ 2
وقوله: "بقَرْنِ أيّ النّساء هي"؟ يريد السِّنَّ وكل نَشْءِ زمان متقاربةٌ أسنانهم فهم قَرْن.
أنشدني أبو عمر قَالَ أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب:
إذا ما مضى القرن الَّذِي أنت منهم ... خلفت في قرن فأنت غريب 3
__________
1 ديوانه /221.
2 لم أقف عليه في شرح أشعار الهذليين.
3 من ت, م. والبيت في اللسان والتاج "قرن".
(1/224)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ فِيهَا مِثْقَالُ نَمْلَةٍ مِنْ خَيْرٍ إِلا طِينَ عَلَيْهِ طِينًا 1"
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ نا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَلْهَانِيُّ: أَبُو أَنَسٍ نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي ابْنُ ثَوْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ أبي يرده إلى مكحول إلى الحارث بن الحارث إِلَى مَالِكِ بْنِ يُخامِرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ
قوله: طِينَ عليه أي جُبِل عليه ويروى طِيَم عليه يقال طانه الله وطَامَه قَالَ الأصمعي يقال طانني الله عَلَى غير طينتك 2, وأنشد الأحمر:
__________
1 ذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 731 وعزاه للطبراني.
2 س: "طانني الله على طينتك", والمثبت من ت, م.
(1/224)

لئن كانت الدنيا له قد تزيَّنَت ... عَلَى الأرض حتى ضاق عنها فَضَاؤُها
لقد كان حُرًّا يَسْتَحِي أن يَضِيمَه ... أَلا تِلكَ نَفْسٌ طِينَ مِنْهَا حَياؤُها 1
وقوله: طِينًا مصدر عَلَى فِعْل كقولك حان ذلك منه حِينًا وكقولك حَرَص حِرْصًا وسَحَر سحرا.
__________
1 س: "طين فيها حياؤها" والمثبت من باقي النسخ. والبيتان في اللسان والتاج "طين".
(1/225)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فِي قِصَّةِ الْمُلاعَنَةِ: "إِنْ وَلَدَتْهُ أُحَيْمِرَ مِثْلَ الْيَنَعَةِ فَهُوَ لأَبِيهِ الَّذِي انْتُفِيَ مِنْهُ وَإِنْ تَلِدْهُ قَطَطَ الشَّعْرَ أَسْوَدَ اللِّسَانِ فَهُوَ لابْنِ السَّحْمَاءِ"
قَالَ عَاصِمٌ فَلَمَّا وَقَعَ أَخَذْتُ بفَقْوَيْهِ فَاسْتَقْبَلَنِي لِسَانُهُ أَسْوَدُ مِثلُ التَّمْرَةِ 1"
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
اليَنَعَةُ: خَرَزَةٌ حَمْرَاءُ. واليَنَع: ضَرْب مِنَ الْعَقِيقِ مَعْرُوفٌ
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ 2 فَقَالَ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ" 3
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوِرْكَانِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ
الوَحَرَةُ: الوزغة
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 5/ 332 بلفظ "بفقمة" بدل "بفقويه" وبلفظ: "مثل النبقة" بدل "مثل الينعة".
2 ح, م: "عن الزهري".
3 أخرجه أبو داود في 2/ 274, والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 399.
(1/225)

وقوله: أخذت بفَقْويه غلط والصواب أخذت بفقميه والفققم: الحَنَك.
(1/226)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ لاثَ بِهِ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ الله: "الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا 1".
حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ
قوله: لاثَ به النَّاسُ معناه أَحاطُوا به واجتمعوا عليه وكلُّ شيءٍ اجْتَمع والتَبَس بعضُه ببعض فهو لائِثٌ
قَالَ الراجز:
لاثٍ به الأَشَاءُ والعِبْرِيُّ 2
يريد لائث فقلب كما قَالَ: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} 3 وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ كَانَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ 4 وَهُوَ يَقُولُ يَا حَدْرَاهَا يَا حدراها"5
__________
1 أخرجه البخاري في الأذان 1/ 159 - 160: والدارمي 1/ 338, وأحمد 5/ 345, إلا أن أحمد والدارمي لم يذكر جملة"آلصبح أربعا إلا مرة واحدة". وقال الحافظ في شرحه 2/ 148: آلصبح أربعا "بهمزة ممدودة" ويجوز قصرها, وهو استفهام إنكار, وأعاده تأكيدا للإنكار, أي الصبح منصوب بإضمار فعل: أي أتصلي الصبح, وأربعا منصوب على الحال, ويجوز رفع الصبح تصلي أربعا؟
2 اللسان والتاج "لوث"
3 سورة التوبة: 109
4 من م, ت, ح.
5 أخرجه ابن معين في تاريخه 1/ 196, نص رقم 1132.
(1/226)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ بِلالا سَمِعَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ يَقُولُ ذَلِكَ
قوله: يا حَدْرَاها قَالَ أبو عبيدة يريد هل أحدٌ رأى مثل هذه ومِنْ هذا قوله تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا} 1 عطية السَّاميّ أنشدنا أبو حاتم:
أيا قَاتَلَ اللهُ الحَمَامَةَ غُدوةً ... عَلَى الغُصْنِ ماذا هَيَّجتْ حين غَنَّتِ
أراد يا هؤلاء قاتَلَ اللهُ هذه الحَمامَة
وأَنْشَدَ أيضًا:
عَلَّقتُ بالذِّئب حَبْلًا ثُمَّ قلتُ له ... يا لْزَم طريقَك واسْلَم أيها الذيب
__________
1 سورة النمل: 25. وألا هنا استفتاحية, وما بعد "يا" منادى محذوف, وهذه قراءة الكسائي وحده وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 156, 157.
(1/227)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: "إِنَّ عَهْدِي بِهِ فِي رُكْبَتَيْهِ حَوْرَاءُ 1 فَانْظُرُوا ذَلِكَ فنظروا فرأوه" 2
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ
قوله: حَوْرَاء يُريدُ أَثَر كَيَّة كُوِي بها يقال: حَوَّرَ عَينَ دابَّتِه إذا حجَّر حَولَها وذلك من داء يُصيبها وسُمِّيت الكَيَّة حَوْراء لأن موضعَها من البَدَنِ يَبْيَضُّ والتَّحوِير التَّبْييض قَالَ الراجز:
__________
1 س: "في ركبته حور". والمثبت من ت, م, ح.
2 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 5/ 351 بلفظ: "إِنَّ عَهْدِي بِهِ فِي رُكْبَتَيْهِ حور" وأخرجه ابن سعد في طبقاته 2/ 26 بألفاظ مختلفة.
(1/227)

يا وَردُ إنِّي سأموت مَرَّهْ ... فَمَن حَلِيفُ الجَفْنَةِ المحورَّهْ 1
يريد المبيضة من ترعيب 2 السنام.
__________
1 اللسان والتاج "حور", وعزي لأبي المهوش الأسدي, وورد ترخيم وردة, وهي امرأته, وكانت تنهاه عن إضاعة ماله ونحر إبله.
2 ترغب السنتام: تقطيعة.
(1/228)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَتَبَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ كِتَابًا فَلَمَّا أَخَذَ كِتَابَهُ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتُرَانِي حَامِلا إِلَى قَوْمِي كِتَابًا كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ! "1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنِي النُّفَيْلِيُّ نا مِسْكِينٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ 2 السَّلُولِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ
يَقُولُ لا أَحْمِلُ إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لا عِلَم لِي بِمُضَمَّنه وكان من قِصَّة المُتَلَمِّس وصَحِيفتِه أَنَّه وطرفَة بن العبد كانا ينادمان عمرَو بن هند مَلِك الحيرة فهجواه فكتب لهما إلى عامله بالبَحْرين كتابَين وهَّمَهُما أَنَّه أَمَر لهما فيهما بجوائز وكتب إليه يأمرُه بقتلهما فخرجا حتى إذا كانا ببعض الطريق إذا هما بشيخ عَلَى يسار الطَّريق يُحدِث ويأكُل من خُبزٍ في يده فَقَالَ المتلِّمس ما رأيتُ كاليوم شَيْخًا 3 أحمق فَقَالَ الشيخ أحمَقُ منّي من يَحمِل حتْفَه بِيَدِه 4 فاسترابَ المُتَلَمِّس بقوله, وطلع عليهما غلام
__________
1 أخرجه أبو داود 2/ 117, وأحمد في 4/ 181,180 إلا أنه قال: إن الكتابة كانت للأقرع.
2 ح: "ابن كبشة". وفي التقريب 2/ 465: أبو كبشة السلولي الشامي ثقة, توفي قبل المائة.
3 س: "شيخ".
4 ت: "بيديه".
(1/228)

من أَهلِ الحِيرة فَقَالَ المتلَّمس أَتَقْرأُ يا غلام قَالَ نعم ففَكَّ صَحِيفَتَه ودَفَعها إلى الغلام فإذا فيها أما بعد فإذا أَتاكَ المتَلَمِّس فاقطع يَدَيْه ورِجْلَيْه وادْفِنْه حَيًّا فَقَالَ لِطرفَةَ ادفَع إليه صَحِيفَتَك يقْرأْها ففيها واللهِ ما في صَحِيفتي فَقَالَ طرَفَة كلا لم يكن ليجترئ عليَّ فقذف المُتَلَمِّس بصحِيفته في نهرِ الحِيرة وقال:
قذفتُ بها في الثِّنْي من جَنْبِ كافرٍ ... كذلك أَقْنُو كُلَّ قطَّ مُضَلَّلِ 1
وأَخذَ نحوَ الشام وأخذ طَرفةُ نحو البَحْرين فلما وافى صاحبَ الملك سَقَاه الخمرَ وفَصَدَ أَكْحَلَيه إلى أن مات ويقال بل ضرب عُنُقَه فَقَالَ المُتَلَمِّس يذكره:
كطُرَيْفَةَ بنِ العَبْد كان هَدِيَّهم ... ضَرَبوا صَمِيمَ قَذالِهِ بمُهَنَّد 2
فَضُرِب المثل بصَحِيفة المُتَلَمِّس
وأخبرني ابن الزِّئبَقي نا الحسين بن حُمَيْد اللَّخْمي نا مِنجابُ بن الحارث ثنا محمد بن زائدة عن رقبةَ بن مَسْقَلة عن سِماك بن حَرْب عن يحيى عن أبي يحيى 3 قَالَ إنّي لأسِيرُ عَلَى فرسٍ لي في الجاهلية إذا أنا بطرفةَ بن العَبْد فَقَالَ يا أبا يحيى احْمِلني خَلْفَك قلت أين تريد؟ قَالَ أُريدُ قلائدَ الخَيْل أتحدَّث إليهن وقلائدُ الخيل جوارٍ من بني تَيْم الله كُنَّ يُسَمَّين قلائِدَ الخَيْل قَالَ فحملتُه حتى إذا حاذى أبياتهن نزل
__________
1 السان "قنا" برواية: "ألقيتها بالثني ... ". وفي الديوان /65 برواية: "وألقيتها في الثني". وجاء الشرح: الثني: منثنى النهر, وهو, جانبه, والكافر هاهنا النهر, وذلك غطى ما حوله وما به وكل شيء غطى شيئا فقد كفره. والقط: الصحية.
2 الديوان /144, برواية: "ضربوا قذالة رأسه بمهند".
3 س, ط "عن يحيى", والمثبت من ت, م, ح.
(1/229)

وقال هذا المكان الَّذِي أُرِيد ونَزَلَ فإذا غلام آدمُ أَزرقُ أوقَصُ أزورُ أَفدعُ قَالَ قلت ويلك يا طرفَةُ ما أشَدَّ تشاؤل خَلْقِك فَقَالَ: كيف لو أريتُك مِنْ خَلْقي ما هُوَ أَعجبُ من هذا قلتُ وأيُّ شيءٍ هُوَ قَالَ فيُخرِجُ لسانَه فإذا هُوَ أَسودُ كأنه لِسانُ ظَبْي قَالَ قلت ما رأيتُ كاليوم قطّ شَيئًا أعجبَ قَالَ فأهوى بيده إلى رقبته وقال ويْلٌ لنا مما يَجنِي ذا قَالَ فكان الَّذِي جَنَى عليه فقُتِل
قَولُه: تَشَاؤُلَ خَلْقِك يريد اختلافَه وأُراه من قَوْلِهم شَالَ الميزانُ إذا ارتفع قَالَ الشاعر أنشدنيه أبو عمر 1:
فَشَاوِلْ بِقَيْسٍ في الطِّرادِ ولا تكُنْ ... أَخاهَا إذا ما المَشْرِفيَّةُ سُلَّتِ 2
يريد خَالِفْها
قَالَ ومعنى قَلائِدِ الخَيْل أنهن كِرامٌ وذلك لأنه لا يُقلَّد من الخيل إلا سابقٌ كريم 3
__________
1 ح: أبو عمرو.
2 اللسان التاج "شول" وعزي لعبد الرحمن بن الحكم.
3 من ت, م.
(1/230)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَّقِي الأَرْضَ بِشَيْءٍ إِلا فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ أَلْقَيْنَا تحت بِنَاءً"1
حَدَّثَنِيهِ الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ثنا الصَّغَانِيُّ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ شُرَيْحِ بن هانئ عَنْ عَائِشَةَ
البِنَاء النَّطع والمشهور منه المِبناة يقال للنِّطع مِبناة ومبناة -بكسر
__________
1 أخرجه أحمد 6/ 58.
(1/230)

الميم وفَتْحِها- وممّا جاء عَلَى وزنها: مِثْنَاةٌ ومَثناة ومِرْقَاةٌ ومَرْقَاةٌ قَالُوا وإنما سُمِّي النّطع مِبْناةً لأنها تُتَّخذ من أَدِيمَيْن يُوصَل أَحدهُما بالآخر والمِبْنَاةُ في قَولِ أبي عُبَيْدة خَيْمة وهي العَيْبَة أيضًا قَالَ النابغة:
عَلَى ظَهرِ مِبناةٍ جَديدٍ سُيورُها ... يَطُوفُ بها وَسْطَ اللَّطِيمَة بائع 1
قَالَ أبو عبيدة هي الخَيْمة وقال غيره: أراد الحصير.
__________
1 اللسان "بنى" والديوان /63.
(1/231)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا تَأَوّلَ قَوْلَهُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 1 "إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَطَوِيلٌ عَرِيضٌ" 2
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُسَدِّدٌ نا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ ونا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ إِدْرِيسَ الْمَعْنِيُّ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 1. أَخَذْتُ عِقَالا أَسْوَدَ وَعِقَالا أَبْيَضَ فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادِي فَنَظَرْتُ فَلَمْ أتبين فذكرت ذلك للنبي فَقَالَ: "إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَطَوِيلٌ عَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ 2"
قَوْلُهُ: "إنَّ وِسَادَك إذًا لَعَرِيضٌ" مَعْنَاهُ أَنَّ نَوْمَكَ إِذًا لَطَوِيلٌ كَنَّى بِالْوِسَادِ عَنِ النَّوْمِ لأَنَّ النَّائِمَ يَتَوَسَّدُهُ كَمَا يُكَنَّى بِالثِّيَابِ عَنِ الْبَدَنِ لأَنَّ الإِنْسَانَ يَلْبَسُهُ أنشدني بعضُ أصحابنا أنشدنا ابن الأنباري
__________
1 سورة البقرة: 187.
2 أخرجه أبو داود في الصيام 2/ 304 بدون كلمة "إذا", والبخاري 6/ 31 بدون كلمة: "لطويل"
(1/231)

رَموْها بأثوابٍ خِفَافٍ فلَنْ تَرى ... لها شبها إلا النعام المنفرى 1
أراد بأبدانٍ خِفافٍ
وقال آخر:
عي كُلُّ فَضْفَاضِ القَمِيص كأنه ... إذا ما سَرَى فيه المُدامُ فَنِيقُ 2
وقد يكون فيه وجهٌ غَيرُ هذا وهو أن يكون الوِسادُ كنايةً عن موضع الوِسادِ من رأسِه وعُنُقِه يَدُلّ عَلَى صِحَّة هذا المعنى قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ "إِنَّكَ إِذًا عَرِيضُ الْقَفَا" 3
حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ 4 بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ قَالَ: "إِنَّكَ لَعَرِيضُ القفا إن أبصرت الخيطين".
وعرض 5 القفا يُتَأَوّلُ عَلَى وَجْهَين أحدهما أن يكون كناية عن الغَباوَةِ وسلامة الصَّدر يقال للرجل الغبِيّ إنّه لعَرِيض القفا والوجه الآخر أن يكون أراد إنك غَلِيظ الرَّقبةِ وافر اللحم لأَنَّ مَنْ أكل بعد الصبح لم ينْهَكْه الصَّومُ ولم يَبن 6 له أثرٌ فيه وقد بين أن الخيط الأبيض إنما
__________
1 س: "رموها بأبدان". وفي ح: "رمونا بأثواب". والمثبتمن م. والبيت في اللسان والتاج "ثوب" كما في رواية م وجاء في التاج: نقل شيخنا عن السهلي أنه قد تطلق الأثواب على لابسيها.
2 الكامل للمبرد 1/ 40 وعزي "لطخيم بن أبي الطحماء الأسدي ".
3 أخرجه البخاري 6/ 31.
4 س: "خالد بن محمد الخيام" والمثبت من م, ط,
5 ت: "وعري القفا".
6 ت: "ولم يكن له أثر فيه".
(1/232)

أُريدَ به بياضُ النَّهارِ وهو أَولُ ما يبدو مُعتَرِضًا في الأُفُق له وشائع كالخُيوطِ قَالَ أبو دُوادٍ الإياديّ:
فلّما أضاءَت لنا سُدْفَةٌ ... ولاحَ من الصُّبْح خيطٌ أَنارَا 1
وأنشدني الحَسَنُ بن خَلاد أنشدني ابن دُرَيْد أنشدنا ابن أخي الأَصْمَعِيّ عن عمه لرجل يصف ليلا:
كأنَّ بقايا الليل في أخرياته ... ملاء تُنَقَّى من طيالِسَةٍ خُضْرِ
بقاياه التي أسأَرَ الدُّجَى ... تَمُدُّ وِشِيعًا فوق أردية الفَجْرِ
فشبّهه بالوَشِيع لما يتراءى في خلاله من خيوط سواد وبياض.
__________
1 اللسان والتاج "خيط".
(1/233)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ عَدِيًّا الْجُذَامِيَّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ لِي امْرَأَتَانِ اقْتَتَلَتَا فَرَمَيْتُ إِحْدَاهُمَا فَرُمِيَ فِي جِنَازَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اعْقِلْهَا وَلا تَرِثْهَا" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ عَدِيٍّ الْجِذَامِيِّ
قَوْلُهُ: رُمِيَ فِي جِنَازَتِهَا يُرِيدُ أَنَّ الرَّمْيَةَ أَصَابَتْهَا فَمَاتَتْ وهي كَلمة للعَرَب تقولها إذا أَخْبَرت عن موتِ الرَّجُل يقال رُمِي في جِنازِته وطُعِن في نَيْطه: أي مات
وقال أبو زيد النَّيْط مفتوحة النون قَالَ وهو اسم من أسماء
__________
1 أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة 4/ 7, وابن حجر في الإصابة 2/ 472. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 407 بسياق آخر.
(1/233)

المَوْت ويقال إنَّ النَّيْطَ عِرقُ الوَتِين إذا انقطع مات صاحبُه فأمَّا نيَاط القَلْب فهو رِباطُه.
وفي الجنازة لغتان الكسر والفتح ومنهم مَنْ يَفرقُ بينهما فيجعل الجَنازة بفتح الجيم بَدَنَ الميِّت والجِنازة بالكَسْر السَّريرُ أخبرني أبو عمر نا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قَالَ الجنازَة بالكسر السرير 1 وبالفتح المِّيت قَالَ ومنه قول الكُمَيت يذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كَانَ مَيْتًا جَنازةً خَيْرَ مَيْتٍ ... غَيَّبَتْه حفائِرُ الأقوام 2
قَالَ: ومَرَّ أعرابيّ بامرأة ثَكْلَى فَقَالَ أَثْكَلتْها الجنائز يريد المَوْتَى وقال صَخْر الغَي:
أَرى أُمَّ صَخْرٍ لا تَمَلُّ عِيَادَتي ... وملَّت سُلَيْمى مَضْجَعي ومَكانِي
وما كنتُ أخشى أن أكون جَنازةً ... عليك ومن يَغْتَرُّ بالحَدَثانِ 3
وفي الحديث من الفقه أَنَّ قاتِلَ الخطأ لا يَرِث كالعامِد وأن النفس إذا تلفت بالتعزيز والتأديب وما في معناهما مما لا يلزم لُزومَ حُكْم كانت مضمونة.
__________
1 من ت, م, ح.
2 لم أقف عليه في ديوانه, ط بغداد, وهو اللسان والتاج "جنز", وفيه يذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حيا وميتا.
3 الكامل للمبرد 2/ 266, ونهاية الأرب 15/ 368.
(1/234)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَانْكِحُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ أَفْتَحُ أَرْحَامًا وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا وأغر غرة" 1
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 6/ 159, وسعيد بن منصور في سننه 1/ 128 بلفظ: "عليكم بالجواري الشواب ... وأعز أخلاقا".
وأخرجه ابن ماجه مرفوعا في 1/ 159 عن عتبة بن عويم.
(1/234)

أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ.
قوله: أَغَرُّ غُرَّةً فيه وَجْهان أحدهما أن يكون من غُرَّةِ البَياضِ ونُصوع اللون وذلك أنّ الأَيْمَةَ وطُولَ التَّعْنِيس يُحيِلان اللون ويُبْلِيان الجِدَّة والوجه الآخر أن يكونَ من حسن الخُلُق والعِشرة ويَشْهد لذلك قولُه: في رواية أُخْرى: "عليكم بالأَبكار فإنهن أَغرُّ أخلاقًا وأَرضَى باليَسِير" 1
وغُرَّةُ كل شيء خِيارُه يقال هذا غُرَّةُ المَتَاعِ وغُرَّةُ العَبِيد وقد يُكْنى بها عن المحاسن والمكارم ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إيَّاكم ومُشَارَّةَ الناس فإنها تَدفِنُ الغُرَّة وتُظْهِر العُرَّةَ" 2. ووجه ثالث إن ساعدته الرِّواية وهو أن يقال فإنهن أغَرُّ غِرَّةً بكسر الغَين يريد أَنَّهنّ أبعد من معرفة الشَّرِّ وأَقَلُّ فِطْنَةً له.
فأما حكمه في الجنين بِغُرَّة فإن تِفْسير عامَّةِ العلماء 3 لها أَنّها عَبْدٌ أو أَمَة من غَيْر تقْييد له بصفة وذهب بعضُهم إلى أَنه أراد الخِيارَ من العَبِيد والإماء دون الأراذل 4 منهم.
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 6/ 160 مرسلا, ولم يذكر الجملة الأخيرة, وهي موجودة في رواية ابن ماجه المتقدم.
2 أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للبيهقي, انظر فيض القدير 3/ 121, والفائق "غرر" 3/ 62, وجاء فيه: والعرة: القذر, فاستعيرت للعيب والدنس في الأخلاق وغيرها, فقالوا: فلان من العرر. والمعنى أنهم إذا نالهم منك مكروه كتموا محاسنك ومنقبك وأبوا مسوئك ومثالبك.
3 س, ط, ح: "العامة", والمثبت من م, ت.
4 ح: "الأرذال".
(1/235)

وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ ثنا عَبْد الله بن شَبِيب ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأصمعيّ قَالَ قَالَ أبو عمرو بن العلاء قول رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِي الجِنَيِن غُرَّة عَبْد أو أَمَة" لولا أن رَسُولَ الله أراد بالغُرَّةِ مَعْنى لقال في الجنين عَبْد أو أَمَة ولكنه عَنى البياضَ حتّى لا يُقْبَل في الدِّيَة إلا غلام أبيضُ أو جارية بيضاء ولا يُقبَل فيها أسود ولا سوداء.
قَالَ أبو سليمان وهذا شَبِيه بالمعنى الأول لأنّ البَياض مما يُبْتَغَى في الرَّقيِق ويُزادُ له في القِيمة وكانت العرب تَقْتَني الحَبَش والنُّوبة والبياضُ فيهم عَزِيز فمن أَراد البياضَ في الجِنْس كالرّوم والصَّقَالِبَة لم يقدر عليه إلا بأن يرفَعَ في الثَّمَنِ.
(1/236)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيِّرَ قَالَ أَتَانَا أَعْرَابِيٌّ وَمَعَهُ كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِبَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَعْطَيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ وَالصَّفِيَّ فَأَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ 1 فَلَمَّا قَرَأْنَاهُ انْصَاعَ مُدْبِرًا".
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْفَضْلُ بْنُ عَمْرٍو ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمْحِيُّ قَالَ ذَكَرَ خَلادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ عَنْ أَبِيهِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيِّرِ عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ خُمْسُ الْخُمْسِ مِنَ الْمَغْنَمِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ وَالصَّفِيَّ فَأَمَّا خُمْسُ الْخُمْسِ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} 2 الآيَةَ وَأَمَّا سَهْمُ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ كان يسهم له
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في 5/ 77,78, 363. وأبوداود في 3/ 153, والنسائي في 7/ 134.
2 سورة الأنفال: 41.
(1/236)

أُسْوَةَ مَنْ حَضَرَ الوَقْعَةَ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ شَهِدَهَا أَوْ غَابَ عَنْهَا وَالصَّفِيُّ: مَا كَانَ يَصْطَفِيهِ وَيَخْتَارُهُ مِنْ عُرْضِ الْمَغْنَمِ من فرس أو غلام أَو سَيْفٍ أَوْ مَا أَحَبَّ من شيء وذلك مِنْ رَأْسِ الْمَغْنَمِ قَبْلَ أَنْ يخمس كان مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الثَّلاثِ عُقْبةً وَعِوَضًا عَنِ الصَّدقَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِ
وقوله: فانصاع مُدبرًا يريد أَنَّه وَلَّي في سُرْعَة قَالَ ذو الرُّمَّة:
رَمَى فأَخْطَأَ والأقدارُ غالِبَةٌ ... فانْصَعْن والوَيْلُ هِجَيراهُ والحَرَبُ 1
قَالَ محمد بن سلام الأَعرابيّ صاحب الكتاب هُوَ النَّمِر بنُ تَوْلَب الشاعر وقد وَفَد عَلَى رَسُول الله وله يقول:
إنّا أتيناك وقد طَالَ السَّفَرْ ... نَقُودُ خَيْلًا ضُمَّرًا فيها ضَرَرْ
نُطْعِمُها اللَّحمَ إذا عز الشجر 2
__________
1 الديوان /16.
2 اقتصر اللسان والتاج "لحم" على البيت الأخير. قال الأصمعي: أراد باللحم اللين سمي به؛ لأنها تسمن على اللبن.
وأنكر ما قاله الأصمعي وقال: إذا لم يكن الشجر لم يكن اللبن.
(1/237)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ بِلالا قَالَ أَذَّنْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ فقال رسول الله: "مَا لَهُمْ يَا بِلالُ"؟ قُلْتُ: كَبَدَهُمُ الْبَرْدُ قَالَ: "فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يتروحون في الضحاء" 1
__________
1 الفائق "كبد" 3/ 244, والنهاية "كبد" 4/ 139, وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة /19, وعزاه للعقيلي.
(1/237)

يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ مَهْرَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سَيَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ بِلالٍ
قوله: كَبَدُهم البَردُ معناه غلبهم وشَقَّ عليهم ومنه قولُهم فلان يكابِدُ مَعِيشَتَه أي يقاسي مَشَقَّتَها ومنه قولهُ تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} 1 يقال في شِدَّةِ مُقاساة ومكابدةٍ لأمور الدنيا والآخرة وقد يكون قولُهم كبَدَهم بمعنى أصاب أكبادهم وذلك في أشد ما يكون من البَرْد لأنّ الكَبِد مَعدِنُ الحرارة والدَّم ولا يَخلُص إليها من البرد إلا الشديدُ المجحفُ والضَّحاءُ ممدودًا قريبٌ من نصف النهار والضُّحَى إذا تعالى النهار والضَّحْو عند ارتفاع النهار قَالَ بشر بن أبي خَارَم:
هُدُوًّا ثم لأْيًا ما استَقَلُّوا ... لوِجْهَتِهم وقد تَلع الضَّحاءُ 2
وإنما صاروا يتروَّحُون لحرِّ الهواء يريد أنّ رَسُولَ الله دَعَا لهم فانكشف البردُ عنهم.
__________
1 سورة البلد: 4
2 الديوان /1, الفائق 3/ 244 برواية: "هدوءا".
(1/238)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ حَائِلٍ"1
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ أنا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ عَنْ أَبِيهِ 2 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود
__________
1 أخرجه البيهقي في سننه 1/ 108, 110, وأبو داود في 1/ 10 بألفاظ متقاربة بدون كلمة "حائل".
2 من ت, م, ط, ح.
(1/238)

الحائل: المتغَيِّر من البِلَى وكلُّ مُتغيِّر اللّونِ حائِل يقال: حال لَونُه يَحولُ إذا تَغَيَّر فإذا أردتَ أنه قد أَتَى عَلَى الشيء حَولٌ كامِلٌ قلت قد أَحالَ الشيءُ ويقال: دارٌ مُحِيلَة إذا لم تُسكَن حولًا وربما رُدّ إلى الأصل فِقيلَ أَحولَ فهو مُحِول كقَوْل عُمرَ بن أبي ربيعة:
عُوجَا نُحَيِّ الطَّللَ المُحْوِلا ... والرَّبعَ من أَسماءَ والمنزلا 1
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ: "أَنَّهُ نَهَى عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوَثِ وَالرِّمَّةِ"2. والرِّمَّةُ العظام البالية
وَرَوَى عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَنْ يَتَمَشَّعَ الرَّجُلُ بِرَوْثِ دَابَّةٍ أَوْ بِعَظْمٍ" قَالَ والتَمَشُّع الاستِنجاء.3
ويقال إنه إنما مَنَع الاستنجاء بالرَّميم لأنه إذا أصاب المكانَ عَلِق به بعض أَجزائِه ولهذا كُرِه الاستنجاء بفتات المدر ونحوه
__________
1 الديوان /310.
2 أخرجه أبو داود في 1/ 3, والنسائي في 1/ 38, وابن حبان في المورد /62, والبيهيقي في سننه 1/ 102, 112 وغيرهم.
3 من ت, م والحديث في النهائية "مشع" 2/ 334 وجاء فيها: التشمع: التمسح في الاستنجاء. وتشمع وامتشع إذ أزال عنه الأذى. وقد أخرجه أبو داود في 1/ 10. واليهيقي 1/ 110 بلفظ "نهانا رسول الله أن نتمسح بعظم أو بعر".
(1/239)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ الأَعْشَى وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَعْوَرِ الْحِرْمَازِيُّ خَرَجَ فِي رَجَبٍ يَمِيرُ أَهْلَهُ مِنْ هَجَرٍ فَهَرَبَتِ امْرَأَتُهُ بَعْدَهُ نَاشِزًا عَلَيْهِ فَعَاذَتْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُطَرِّفُ بْنُ بُهْصُلٍ فَجَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ فَلَمَّا قَدِمَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَاذَ بِهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(1/239)

يَا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ الْعَرَبْ ... إِلَيْكَ أَشْكُو ذِربَةً مِنَ الذِّرَبْ
كَالذِّئْبَةِ الْغَبْسَاءِ فِي ظِلِّ السَّرَبْ ... خَرَجْتُ أَبْغِيهَا الطَّعَامَ فِي رَجَبْ
فَخَلَفَتْنِي بِنِزَاعٍ وَحَرَبْ 1 ... أَخْلَفَتِ الْوَعْدَ ولطت بالذنب
وقذفتني بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشَبْ ... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ 2
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبَ".
فَشَكَا امْرَأَتَهُ وَمَا صَنَعَتْ بِهِ وَأَنَّهَا عِنْدَ مُطَرِّفَ بْنِ بُهْصُلٍ فَكَتَبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُطَرِّفٍ: "انْظُرِ امْرَأَةَ هَذَا مُعَاذَةً فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ"3
حَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ مُكْرَمٍ نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلاسُ نا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ أُمَيْنِ بْنِ ذَرْوَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ بُهْصُلٍ الحِرْمَازِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي أُمَيْنُ بْنُ ذِرْوَةَ حَدَّثَنِي أَبِي ذِرْوَةُ بْنُ نَضْلَةَ عَنْ أَبِيهِ نَضْلَةَ بْنِ طَرِيفٍ
الدَّيَّانُ: الملِكُ المُطاع وهو الَّذِي يَدِين النَّاسَ: أي يَقْهَرهُم عَلَى الطاعة. يقال: دَانَ الرجلُ القومَ إذا قهرهم فَدانُوا له إذا انْقَادوا اللازِم والمُتعدِّي فيه سَواء والدَّيَّانُ الَّذِي يَلي المُجازاةَ والدِّينُ الجَزاء والله مالك يوم الدين أي يوم الجزاء, ولذلك للحاكم الدَّيَّان وفي بعض الكلام مَنْ دَيَّانُ أَرْضِكم؟ أي مَن الحاكم بين أَهلِها وأنشدني الرُّهَنيّ أنشدني ابنُ كَيْسَان أو غيره:
__________
1 ت: "وهرب"
2 في اللسان والتاج "ذرب" هذا الرجز ما البيت الثالث. وجاء فيه: أراد بالذرية امرأته, كنى بها عن فسادها وخيانتها إياه, والبيت الثالث في اللسان والتاج "غبس" والبيت الثاني والسادس في اللسان والتاج "لط".
3 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 201, 202.
(1/240)

لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عَنّي ولا أنت دَيَّاني فَتَخْزُوني 1
يقال خَزَاه يَخْزُوه إذا ساسَه ومنه قَولُ زيَاد قد خَزَوْنا وخزانا الخَازُون أي وَلِينَا الناس وَوُليَ علينا فَعلِمْنَا 2 ما يُصلِح الرَّاعي والمَرْعَى وقوله: ذِرْبَة من الذِّرَب يُرِيد السَّلِيطَةَ والذَّرَبُ والذَّرابةُ حِدَّةُ الِّلسان يقال سِنَان ذَرِبٌ أي حدِيد وسَيفٌ ذَرِبٌ أي ماضٍ قَالَ الأصمعي الذَّرِبُ فَسادُ الِّلسان وسُوءُ لَفْظِه وهو من قولهم ذَرِبتْ مَعِدتُه إذا فَسدت وأنشد:
ولقد طويتُكُم عَلَى بُلَلاتِكم ... وعلِمتُ ما فِيكم من الأَذْراب 3
وحُكِي عن أَبي عُبَيدة أَنُّه سُئِل عن الذَّرَب فَقَالَ: هُوَ سُرعةُ اللِّسان بكلامه حتى لا يَثْبُتَ الكلام فيه كَذَرَب المَعِدة إذا فَسَدت فصار الغِذاءُ لا يَثْبُت فيها فهو مَعنى واحد يُحمَد في الِّلسان ويُذَمُّ في المَعِدة والذئبة الغَبساءُ هي التي في لَوْنِها طُلسَة وكذلك ألوان الذِّئاب والفعل منه اغباسَّ وكذلك هُوَ في كل لون مُتَمَيِّل بين لونين كالصُّهْبَة والصحرة ونحوهما يقال اصهاب واصحار فأما اللون الخالص كالحمرة والبياض ونحوهما فالفِعْل منه احَمَّر وابيضَّ هذا إذا أردتَ أنه قد تَمَكَّن واستقرّ فإذا أردتَ التَّغَيُّرَ والاستحالةَ قُلتَ احْمارَّ واصْفَارَّ كقولك ما زال يَحمارُّ وَجْهُه ويصفارُّ فمن هذا حديثُ عَبْد الله قَالَ أَتيتُ رسولَ الله وهو نائِمٌ في ظل
__________
1 اللسان والتاج والأساس "خزى", وعزي لذي الإصبع العدواني. وهو في شعراء النصرانية 4/ 636, وفي هامش م: يقول: صفحت عنكم بعد معرفتي بعيوبكم.
2 س: "فعملنا" والمثبت من ت, م, ط.
3 اللسان والتاج "بلل" وعزي لحضرمي بن عامر الأسدي, وجاء في الأساس من غير عزو.
(1/241)

الكعبة, فاستيقظ مُحمارًّا وجَهُه 1 وفي رواية أخرى: فاحمار وجهُه حتى صار كأنه الصِّرْف 2, وهو شَيءٌ أَحمرُ يُصْبَغُ به الأديمُ قَالَ الشاعر:
كَلَوْن الصِّرْفِ عُلَّ به الأديم 3
والعامة تجعل الصَّرفَ من أسماء الخَمْر وإنَما هُوَ نَعتُ لونِها ومعنى قولهم شَرِب الخَمرَ صِرْفًا أي شربها بلونِها لم يُغيِّره بمزَاج وكذلك قولهم في الجِرْيَالِ يجعلونَه من أَسْماءِ الخمر وإنما هُوَ لونها قَالَ الأعشى:
وسَبِيئةٍ مِمَّا تُعتِّق بابلٌ ... كَدَمِ الذَّبِيح سلبتُها جِريالَها 4
أخبرني ابن الزِّئْبَقيّ نا الحسين بن حميد اللّخْمي نا التَّوَّزيّ 5 نا الحِرمازي نا شعبة عن سِماك بن حرب عن أبيه حرب قَالَ لقيتُ الأعشى في الجاهلية فقلتُ له ما عَنَيْتَ بقولك سَلبتُها جِريالَها قَالَ شربتُها حمراءَ وبُلتُها بيضاءَ
وقوله: أَبْغِيها الطّعامَ معناه أَمتارُه وابْغِيه لها كقوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} 6 المعنى كالوا لهم, كقولهم: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} 7: أي من قومِه قال الشاعر:
__________
1 أخرجه البخاري بلفظ: "فقعد محمرا وجهه" من حديث خباب. وأبو داود 3/ 47 وغيرهما.
2 أخرجه مسلم 2/ 739 بلفظ: "فتغير وجهه حتى كان كالصرف".
3 اللسان والتاج "صرف". وصدره: "كميت غير محلفة ولكن". وعزي للكلحبة اليربوعي. وهو في المفضليات /33.
4 الديوان /150.
5 ط: الثوري, والمثبت من بقية النسخ.
6 سورة المطففين: 3.
7 سورة الأعراف: 155.
(1/242)

أمرتُك الخَيَر فافعَل ما أُمِرْتَ به ... فقد تركْتُك ذا مالٍ وذا نَشَب 1
فحذف حرفَ الصِّفة يريد أمرتُك بالخَيْر وقال حُميدُ بن ثور:
أنتَ الَّذِي اخْتَارَه الرحمن أُمَّتَه ... فذاكَ غَيظٌ عَلَى مَنْ قلبُه حَسِك 2
وأكثر ما يقال البَغْي في طلب الشرّ وأقَلُّه ما جاء في طلب الخير كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَقِيلَ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ" 3
وكقول زيد بن عمرو بن نُفَيْل وكان رَغِب في الجاهلية عن عِبادةِ الأوثان وطَلب الدِّين فتنصَّر فكان يقول:
البِرَّ أَبِغي لا الخَالْ ... وهل مُهجِّرٌ كَمن قَالْ
وقوله: لَطَّت بالذَّنَب يريد أنها تَوارَت عنه وأَخْفَت شَخصَها دونَه يقال: لَطَّ الغَرِيمُ دُوني إذا استَخْفَى عنك وغَيَّب شَخصَه وأصلُه من قولهم: لَطَّت الناقةُ بذنَبِها إذا ألزقتْه بحيائها
وفيه وجه آخر وهو أن يكون أراد أنها قد نَشَزت عليه وامتنعت عن التّمكين من نفسها كما تمتنع الناقة عَلَى الفحل إذا حملت بأن تلصق ذنبها بحيائها 4
__________
1 الكامل للبرد 1/ 32, وعزي لأياس بن عامر. وفي الخزانة 1/ 344: إياس بن موسى وهو أعشى طرود, وقيل: لعمرو بن معد يكرب.
2 ليس في الديوان ط دار الكتب, وفيه قصيدة على الوزن والقافية, وليس فيها هذا البيت.
3 الحديث في الفائق "صفد" 2/ 302, وفي النهاية "صفد"3/ 35 وجزء من الحديث. وجاء في الفائق: والصفد والصفاد: القيد, ومنه قيل للقيد, ومنه قيل للعطية صفد لأنها قيد للمنعم عليه.
4 من ت, م.
(1/243)

قَالَ أبو عبيدة يقال لَطِطْتُ به أَلَطُّ لَطًّا وأَلَظَّ به إلظاظًا بمعنى واحد وهو لزوم الشَّيء.
قَالَ الشاعر:
أَلا إنّ قومي لا تُلَطُّ قدورُهم ... ولكنها تُوقَدْنَ بالعَذِرات
أي لا تُسْتَر قُدورُهم لكنها تُنْصَب بالأَفْنِية
وقوله: قذفَتْني بين عِيصٍ مُؤتَشِب فالعِيصُ أُصولُ الشَّجَر والمُؤتَشِب الملتَفُّ المُلْتَبس قَالَ جرير:
فَما شَجَراتُ عِيصِكَ من قُرَيْشٍ ... بعَشَّاتِ الفُروعِ ولا ضَوَاحي 1
وضَربَ الشّجَر وإئتشابه مَثَلًا في التِبَاس أمره عليه ورواه لنا المحدِّثُ: بَين غِيضٍ مُؤْتَشِب والرّواية بين عِيصٍ عَلَى ما فَسَّرناه وقَولُه: لمن غَلَب فإنما وحَّد الفِعلَ وذكَّره لأنّه ردّه إلى غالبٍ فكأَنَّه قَالَ وهُنّ شَرُّ شيءٍ غالبٍ لِمَنْ غَلَب.
__________
1 الديوان /99.
(1/244)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَرَادَ وَطْأَهَا فَقَالَتْ إِنِّي حَامِلٌ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا سَجَعَ ذَلِكَ الْمَسْجَعَ فَلَيْسِ بِالْخِيَارِ عَلَى اللَّهِ وَأَمَرَ بِرَدِّهَا" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ غَيْلانَ بْنِ أنس عن أبي بكر
__________
1 في مصنف عبد الرواق 7/ 134 بلفظ: "انتجع بذلك المنتجع" وهو في الفائق "سجع" 2/ 155".
(1/244)

وقوله: سَجَع ذَلِكَ المَسْجَع معناه سَلَك ذَلِكَ المَسْلَك أو ذَهَب ذَلِكَ المذهب أو نحو هذا من الكلام وأصلُ السَّجْع القَصدُ لجهةٍ واحدة قَالَ ذو الرُّمَّة:
قَطعتُ بها أَرضا تَرَى وجه رَكْبها ... إذا ما علَوْها مُكفَأ غيرَ ساجِعِ 1
أي غير قاصِد ومنه سَجْع الكَلامِ وهو أن تَأتَلِفَ أواخِرُه عَلَى نَسقٍ واحد وكذلك سَجْعُ الحمامة إذا صَدحَت وهو مُوالاة الصّوت عَلَى نَمَط واحد ومثله سَجْع الإِبِل إذا حَنَّت قَالَ متِّمم بن نُوَيْرَة:
فَما وَجْد أَظآر ثلاثٍ رَوائمٍ ... رأيْن مَجَرًّا من حُوارٍ ومَصْرعَا
يذكِّرن ذا البَثِّ الحَزينَ بِبَثِّه ... إذا حَنَّت الأولى سَجَعْن لَهَا مَعَا 2
-وفي الحديث من الفِقْه كَراهَةُ وَطْءِ الحَبالي من السَّبْي وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "لا يَسْقِيَنَّ أَحَدُكُمُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" 3: أَيْ يَطَأَنَّ حَامِلا مِنْ غَيْرِهِ
وفيه أيضًا من الفقه أَنَّ الحملَ في الآدميات عَيبٌ تُردُّ به الجاريةُ وأَنَّها مخالِفَة للمَواشي والدوابِّ
__________
1 اللسان والتاج "سجع" والديوان /359.
2 المفضليات/270
3 أخرجه أبو داود في النكاح, باب وطء السبايا 2/ 248, والإمام أحمد في مسنده 4/ 108.
(1/245)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيَّ جَاءَهُ فَقَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيرًا"1
__________
1 أخرجه مسلم في التوبة, باب فضل دوام الذكر 4/ 2106 رقم الحديث "12" والترمذي في القيامة 4/ 666 رقم الحديث "2514". وفي الفائق 3/ 5 "عفس": حنظلة الأسدي, "خطأ" والمثبت "الأسيدي" في جميع النسخ.
(1/245)

يَرْوِيهِ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيِّ
الْمعافَسَةُ مُلاعَبَةُ النِّسَاءِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ وَبَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ إِنَّ فِيهِ دُعابةً فَقَالَ زَعَمَ ابْنُ النَّابِغَةِ أَنِّي تِلْعَابةٌ تِمْزَاحَةٌ أُعافِسُ وَأُمَارِسُ هَيْهَاتَ يَمْنَعُ مِنَ الْعِفَاسِ وَالْمِرَاسِ خَوْفُ الْمَوْتِ وَذِكْرُ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ ومَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ فَفِي هَذَا عَنْ هَذَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ 1
وَنَحْوَ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ ثنا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نا زُهَيْرٌ نا سَعْدٌ الطَّائِيُّ ثنا أَبُو الْمُدِلَّةِ مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا وَإِذَا فَارَقْنَاكَ شَمِعْنَا أَوْ شَمِمْنَا النِّسَاءَ وَالأَوْلادَ 2 والشَّمَاعُ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ يقال جارية شَمُوع وقد شَمَعَت قَالَ أبو ذؤيب:
فتَجِدّ حِينًا في العلاج وتشمع 3
__________
1 الفائق 2/ 319, وقيه: التلعابة الكثير اللعب كقولهم: التلقامة للكثير اللقيم, وهذا كقول عمر فيه: فيه دعاية. وفي النهاية 1/ 194, 196 هو من المرح, والمرح: النشاط والخفة, والتاء زائدة, وهو من أبنية المبالغة, ولكن الثابت في جميع النسخ تمزاحه بالزاي. والمزاح: الدعاية "وانظر اللسان: مزح".
2 أخرجه أحمد في مسنده 2/ 304/305.
3 شرح أشعار الهذليين 1/ 14, وصدره: فلبثن حينا يعتلجن بروضه.
(1/246)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا والبر بالبر مدي بمدي" 1
__________
1 أخرجه أبو داود في البيوع 3/ 248, والنسائي 7/ 276.
(1/246)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ نا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
التِّبْر: جوهَر الذَّهب والفِضَّة يقال للقِطعة منها تبْرة ما لم يُطْبَع فإذا ضَرِبت دراهَم أو دنانير سُمِّيت عَيْنًا حرم التَّفَاضُلَ فيها سواء كان تِبرًا بمضروب أو عَينًا بعَيْن والمُديُ مِكيال لأهلِ الشَّام يقال إنه يَسَع خَمسةَ عَشَر مَكُّوكًا والمَكُّوك صَاعٌ ونِصف والصّاعُ خمسة أرطال وثلث وهو صاع الحَرَمين
أخبرنا ابن الأعرابي نا أبو داود قَالَ قَالَ أحمدُ بن حنبل صاع النبي خمسةُ أرطال وثلث وأما الصّاع في قول أهل العِراق فإن إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ نا قَالَ نا الحسن بن علي بن عَفّان العامِرِيّ عن يحيى بن آدم قَالَ الصَّاعُ عند أصحابِنا ثمانيةُ أَرطال وهذا صاعُ الحَجّاج صَوَّعه لمَّا وُلَّي العراقَ وسَعَّر به عَلَى أهلها وكانت الوُلاةُ يتحمَّدونَ بالزِّيادة في الصِّيعان يُرِيدون به التّوسعةَ عَلَى الناس ولذلك قَالَ بعضُهم في ولاية سَعِيد العراق:
يا ويلنا قد ذَهَبَ الوليد ... وجاءنا مُجوِّعًا سَعِيد
يَنقُص في الصاع ولا يَزِيدُ
قَالَ أبو سليمان فصاعُ: الحَجَّاج صاعُ التَّسعير عَلَى أهل الأسواق لا صاعُ التَّوقيف الَّذِي تُقدُّر به الكَفَّارات وتُخرَجُ به الصدقات
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْد الرزاق نا أبو داود نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خلاد نا مُسدَّد عن أميَّة بن خالد قَالَ لما وَلِي خالدٌ أضعَفَ الصّاعَ فصار الصاعُ سِتَّةَ عشر رِطلًا فهذا تفسير المُدْي.
(1/247)

وأما المدُّ فهو رُبع الصّاع ويقال إنه مُقَدَّر بأن يُمدَّ الرجلُ يَدَيْه فيملأ كفّيه طَعامًا ولذلك سُمِّي مُدًّا وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ: " لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِلْءَ الأَرْضِ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ" 1
والنَّصِيفُ: النّصفُ ورواه بعض أهل اللغة "ما بَلَغ مَدَّ أحدِهم" –بفتح الميم- يُريد الغاية. يقال فلان لا يبلغ مَدَّ 3 فلان أي لا يلحقُ شَأوَه ولا يدرك غايته
__________
1 أخرجه البخاري في فضائل أبي سعيد الخدري 5/ 10, ومسلم 4/ 1968 وغيرهما.
2 ت: مدي.
3 أخرجه ابن ماجه في الفتن في باب الملاحم 2/ 1371.
(1/248)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ قِتَالَ الرُّومِ فَقَالَ: "يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رُوقَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ"
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ السُّرِّيُّ ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
رُوقَةُ القوم: خيارهم وسراتهم يقال رأيتُ رائقةَ بني فُلانٍ أي وجوهَهم وأعيانَهم وأصل هذا في الرَّقيق يقال وصيفٌ رُوقَةٌ وَوُصَفاء رُوقةٌ أي حِسانٌ ويستعار ذَلِكَ في الخيل يقال خَيْل رُوقَةٌ وأُراه مأخوذًا من راقَنِي الشَّيء إذا أعجبك ويقال أيضًا رأيتُ جَبْهة بني فلان إذا رأيتَ سادتَهم وأَعيانَهم ومِثُله رأيتُ نواصِيَ بني فُلان قَالَ الشاعر:
في مجلس من نَواصِي الحَيّ مشهود 1
__________
1 اللسان والتاج والأساس "نصا" وعزي إلى أم قبيس الضبية.
(1/248)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ خِلافَةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ مُلْكٌ أَعْفَرُ ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرُوَّةٌ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الْفَرْجُ وَالْحَرِيرُ 1".
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الأُمَوِيُّ نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُلاعِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ
قوله: مُلك أَعفَر معناه الإِرْبُ والدّهاء أُخِذ من العَفَارَة وهي الشَّيْطَنَة والدَّهاء يقال رجل عَفْرٌ وعِفْرٌ ومنه قيل للشيطان المتمرّد عِفرِيت ويوصَف به الرَّجلُ الدَّاهي الخَبِيث فيقال رجل عِفْريت نِفْريت وعِفْرِيَة نِفْرِيَة والمعنى أَنَّ المُلك يُفْضي إلى قوم يَسُوسُون النّاسَ بالدَّهاء والنُّكْر والجبَرُوَّةَ مَصْدَر يقال جبَّارٌ بيّن الجَبْريَّة والجِبْرِيَّة والجَبَروت والجَبْروَّة وهو الجَبَروتا أيضًا كقولهم رَحَمُوتا ورَهَبُوتا والعرب تقول: "رَهَبُوتا خير من رَحَمُوتا"2, معناه لأن تُرهَب خير من أن تُرحَم
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُهُ الآخَرُ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا زَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي الْعَلاءُ بْنُ الْمِنْهَالِ الْعَبْدِيُّ ثنا مُهَنَّى بْنُ هِشَامٍ الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنِي قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ فِي نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ 3 ثُمَّ يَكُونُ خِلافَةُ رَحْمَةٍ ثُمَّ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا ثم يكون ملوكا عضوضا 4
__________
1 أخرجه الدارمي 2/ 114 بنحوه. وذكره الهيثمي في مجمعه 5/ 189 بنحوه, عن معاذ أبي عبيدة, وانظر كنز العمال 11/ 215.
2 هامش كتاب الأمثال لأبي عبيد برواية: "رهبوت خير من رحموت".
3 م, ح: "في نبوة رحمة" بالإضافة.
4 في النهاية "عض": ثم يكون ملك غضوض, بفتح العين. قال: وفي روابة: "ثم يكون ملوك غضوض" وهو جمع عض بالكسر.
(1/249)

يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَلْبَسُونَ الْحَرِيرَ وَفِي ذَلِكَ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ" 1
العُضُوض جمع عضٍّ وهو الرِّجلُ الخَبِيث الشَّرِسُ الخُلُق.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي صِفَةِ الْخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ ثنا كثير بن حفص ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ بَيْنَا أَنَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَلْمَانُ 2 جلوسا ننتظر رسول الله إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا فِي الْهَجِيرِ مَرْعُوبًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ الْخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ بَعْدَهُ فَقَالَ: "أَوْهِ لفراخ محمد من خَلِيفَةٍ يُسْتَخْلَفُ عِتْرِيفٍ مُتْرَفٍ يَقْتُلُ خَلَفِي وَخَلَفَ الْخَلَفِ" 3. فَإِنَّ الْعِتْرِيفَ الْغَاشِمُ يُقَالُ رَجُلٌ عِتْرِيفٌ وعِتْريس أَيْ غاشِمٌ ويقال إنه مقلوب من العِفْرِيت. ورواه بعضهم غِترِيفٍ مترفٍ بالغين المعجمة والغَتْرفَة والغَطْرفَة واحدة ورجل مُتَغَتْرف أي متكبِّر وأنشد عن الأحمر:
فإنك إن عاديتني غضب الحصا ... عليك وذو الجُبُّورَة المُتَغَتْرف 4
وقوله: يقتُل خلَفي وخَلَف الخَلَف فإنه يُتَأَوّلُ عَلَى ما كان مِنْ يَزِيد في أمر الحسين بن علي وفيما جَرَى منه عَلَى أولادِ المُهاجرين والأَنصار يوم الحَرَّة وهم خَلَف الخلف رحمهم الله
__________
1 ذكره الحافظ في المطالب العالمية 4/ 265, بلفظ: "ومع ذلك ينصرون إلى قيام الساعة" وعزاه لأبي بكر. وأخرجه أحمد بنحوه في مسنده 4/ 273. وذكره الهيثمي في مجمعه 5/ 188 وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان, والبزار أتم منه, والطبراني ببعضه في الأوسط.
2 ت: "سليمان".
3 ذكره الهيثمي في مجمه 5/ 189 بنحوه, عن أبي ثعلبة قال: كان معاذ بن جبل وأبو عبيد ........ وانظر كذلك المطالب العالية 2/ 197.
4 من, ت, م, والبيت في اللسان والتاج "غترف" وعزي للمغلس بن لقيط.
(1/250)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ" 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ نا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ثنا عَفَّانُ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَابْنُ عَائِشَةَ قَالُوا ثنا حَمَّادٌ ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ.
قوله: استُحْلَلتُم فروجَهن بكلمة الله يريد -والله أعلم- ما شَرَطه لهنّ في كَلِمته وهو قَولُه تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} 2 وقد تتَصَرَفُ الكلمة عَلَى وجوه جِماعُها ما أمر الله به ودعا النّاسَ إليه قَالَ الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} 3 ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} 3 .. الآية.
وأما قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} 4. فإن المفسرين يذكرون أنها عَشْر خصال في الطَّهارة أمره الله بهن خَمس في الرأْسِ وخَمسٌ في سائرِ الجَسَد فأما التي في الرأس ففَرْق الرَّأسِ 5 وقَصُّ الشارب والسِّواكُ والمَضْمَضَةُ والاستِنْشاق وأما التي في الجسد فَتَقْلِيمُ الأظفارِ ونَتْف الإِبِط وحَلْقِ العانةِ والاستِنجاءُ والاختِتانُ
فأَتَّمهن أي وَفَّاهن ثُمَّ قال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} 6 أي أَدَّى ما فُرِض عليه.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/ 72.
2 سورة البقرة: 229.
3 سورة آل عمران: 64, وفي م: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}.
4 سورة البقرة: 124.
5 س, ط: "الشعر". والمثبت من ت, م.
6 سورة النجم: 37.
(1/251)

وأما قولُه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ} 1 فبيان ذلك قوله تعالى: {ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} 2 الآية وأما قوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} 3 فإنها أربعُ كلماتٍ تكلم بها عيسى في المهد صَبِيًّا: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} 4 إلى قوله: {مَا دُمْتُ حَيًّا} 5
وأما قولُه: {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} 6 فكلماته عِلمُه
وأما قوله: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ} 7 فإنه يريد -والله أعلم- أنه أوجدَه بالكلمة وكوَّنَه بها وهي قوله: كُنْ من غير تَوْلِيدٍ من فَحْل أو تَنْسِيلٍ من ذكر وهو معنى قولِه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} 8 ولم يُرِد -واللهُ أَعْلَم- أنَّ عِيسَى هُوَ الكلمةُ نَفسُها ألا تراه يقول اسمُه المَسِيح ولو أَرادَ الكلمةَ لقال اسمُها المسيح.
فأما قَولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعوذُ بكَلماتِ الله التَّامَّات" 9 فإِنّ كلمتَه القُرآنُ وصَفَةُ بالتّمام تنزيهًا له عن أن يَلحقَه نقصٌ أو عيبٌ كما يوجد ذَلِكَ في كلام الآدمِيِّين.
__________
1 سورة البقرة: 27.
2 سورة الأعراف: 23.
3 سورة التحريم: 12
4 سورة مريم:30.
5 سورة مريم: 31.
6 سورة الكهف: 109.
7 سورة آل عمران: 45.
8 سورة آل عمران: 59.
9 رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء 4/ 2080 – 2080 - 2081 وغيره.
(1/252)

وقد يَحتَجُّ بهذا الخبر مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكاحَ لا ينعَقِد إلا بَلْفظِ النِّكاح أو التِّزويج.
(1/253)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ 1 لِلرَّجُلِ الَّذِي بَاعَ لَهُ الْقَدَحَ وَالْحِلْسَ فِي مَنْ يَزِيدُ: "انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَلا تَدَعْ حَاجًا وَلا حَطَبًا وَلا تَأْتِنِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا" 2
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ نا الأَخْضَرُ بْنُ عَجْلانَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
الحاجُ أيضًا جمع حاجَةٍ قَالَ الراعي:
من حَسَكِ التَّلعَةِ أو من حَاجِها
والحاجُ أيضًا: جمع حاجَةٍ قَالَ الراعي:
وحاجَةٍ غيرِ مُزْجاةٍ من الحَاجِ 3
فأما الحوائج فهي جَمعٌ عَلَى غير قياسٍ إلا أَنَّ من العرب من يقول في الواحدة منها حائِجَة فمن قَالَ ذَلِكَ أصابَ القياسَ في جمعها عَلَى الحَوائج ذكره أَبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا تَرَكْتُ حَاجَةً ولا داجة إلا أتيتها.
__________
1 ط: "أنه قال للذي باع له".
2 أخرجه ابن حبان في التجارات 2/ 740 بدون قوله: "انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَلا تدع حاجا ولا حطبا" , وأخرجه الترمذي في البيوع 3/ 513 مختصرا, وكذلك أحمد في 3/ 100.
3 الديوان /32 ط دمشق. وصدره: "ومرسل ورسول غير متهم". وديوانه /119 ط بغداد وعجزه في اللسان "زجا" دون عزو.
(1/253)

حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا مَسْتُورُ بْنُ عَبَّادٍ الْهُنَائِيُّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلا جَاءَ رَسُولَ الله فَقَالَ مَا جِئْتُكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْ حَاجَةً وَلا دَاجَةً إِلا أَتَيْتُهَا فَقَالَ لَهُ: "أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ كُلَّ حَاجَةٍ وَدَاجَةٍ" 1
هكذا رواه ابن قُتَيبَة بالتّخفيف 2, وفَسِّره فَقَالَ: أَراد أنه لم يَدَعْ شيئًا دعتْه نفسه إليه من المعاصي إلا رَكِبَه 3, قَالَ وداجة إتباعٌ كقولهم: شَيطانٌ لَيْطانٌ وأخواتها
وقد روي هذا الحرف من غير هذا الطريق مُثقَّلًا وفُسِّر عَلَى غير هذا المعنى
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَوْصِلِيُّ نا أَبُو نَشِيطٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْمَرْوَزِيُّ أنا أَبُو الْمُغِيرَةَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ 4, عَنْ أَبِي الطَّوِيلِ شَطْبِ 5 الْمَمْدُودِ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: يا رسول
__________
1 النهاية "دجج" 1/ 101.
2 جاء في النهاية بالتشديد, وقال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية بالتشديد ... والمشهور بالتخفيف. قال: وأراد بالحاجة, وبالداجة الحاجة الكبيرة ولم أقف عليه في غريب ابن قتيبة المطبوع.
3 ت: "ركبها".
4 ليس في, م, ح.
5 ت: "شطب", كزفر. وجاء في الإصابة 2/ 152 قال البغوي: أظن أن الصواب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ أن رجلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وسلم طويلا شطبا, والشطب يعني اللغة الممدود فظنه الراوي اسما فقال فيه: عن شطب أبي طويل.
(1/254)

اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لا يَتْرُكُ حَاجَّةً وَلا دَاجَّةً إِلا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ: "هَلْ أَسْلَمْتَ"؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: "نَعَمْ نَعَمْ 1 فَاعْمَلِ الْخَيْرَاتِ بِتَرْكِ الشِّرَّاتِ 2 يَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا" 3
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُبَشِّرَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ الحاجة الحجاج إذا أقبلوا والداجة إذا رجعوا وقال غيره الحاجَّةُ القاصدون البيت والدّاجَّةُ من كان في ضمنهم من مُكارٍ وتاجرٍ وتابع
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا فِي الْحَجِّ لَهُمْ هَيْئَةٌ أَنْكَرَهَا فَقَالَ: هَؤُلاءِ الدَّاجُّ فَأَيْنَ الْحَاجُّ 4؟ وَسُمُّوا دَاجًّا لأنَّهُمْ يَدُجُّونَ عَلَى الأرْضِ والدَّجَجَانُ الدبيب في السير أنشدني:
بعضهم عِصابةٌ إن حَجَّ موسى حجُّوا ... وإن أقام بالعراق دَجُّوا
ما هكذا كان يكون الحجّ
يُريد موسى بن عيسى الهاشميّ قَالَ أبو عمر: قَالَ أبو العبَّاس: يقال لهم الحاجُّ والدَّاجُّ والنّاجُّ
فالحاجُّ أصحاب النِّيّاتِ والدَّاجُّ الأتباع والناج المراؤون
__________
1 ت, م, ح: "نعم من غير تكرار والمثبت من س, ط.
2 ح: "الشهوات".
3 أخرجه ابن عبد البر في الاستعاب 2/ 708. وذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة الطويل 2/ 152.
4 الفائق 1/ 412.
(1/255)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" 1
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالا ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْمُخَرَّمِيُّ ثنا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ 2 بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ 3
هذا يفسّر عَلَى وَجْهَين أحدهما أن تُخسَف به الأرضون السَّبعُ فتكون البُقعةُ المغصوبةُ منها في عنقه كالطَّوق والوَجْه الآخر أن يكون ذَلِكَ من طَوْقِ التَّكليف لا من طَوْق التَّقْليد وهو أن يُكلَّف حملها يَومَ القيامة وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرْبَتَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ" 4
وفي الحديث من الفِقْه أنّ مَنْ ملك بُقعةً من الأرض ملك أسفلها كما يَملِك أعلاها وأن ليس لأحدٍ أن يتّخِذَ سَرْبًا تحت أرضه وإن كان لا يتضَرّر به كما لَيْس له أن يُشرِع جَناحًا أو ظُلَّة في هواء داره وإن كان لا يتضَرّر به.
__________
1 أخرجه الدارمي 2/ 267, والبخاري 4/ 130 بلفظ: "من أخذ" بدل"من ظلم", ومسلم 3/ 1230 وغيرهم, واللاحظة أن الدرامي أتى بهذا الحديث عن طريق الزهري إلا أنه أدخل بين طلحة عبد الله , وسعيد بن زيد, عبد الرحمن بن سهل.
2 ح: "عن عبد الله"؟.
3 كذا في س, ت, ط, ح. وفي م: سعيد بن زيد, عن عمرو بن نفيل. وفي تقريب التهذيب 296:.سعيد بن ريد بن عمرو بن نفيل العدوي, أبو الأعور, أحد العشرة, مات سنة خمسين أو بسنة أو بسنتين.
4 أخرجه أحمد في مسنده 4/ 172, 173 عن يعلى بن مرة. وذكره الهيثمي في مجمعه 4/ 175 وعزاه للطبراني في الكبير.
(1/256)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنَةٌ بِرَبْوَةٍ وَإِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلَةٌ بِسَهْوَةٍ" 1
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ نا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحٍ الْحَضْرَمِيُّ أُرَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ ثنا سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ ابْنِ الْبُجَيْرِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ
السَّهوةُ الأرض اللَّيِّنة التُّربَةِ 2 ويقال للدّابة الذلول المِذعان سَهوة قَالَ امرؤ القيس:
وخَرقٍ بعيدٍ قد قَطعتُ نياطَه ... عَلَى ذاتِ لَوْثٍ سَهْوةِ المشيْ مذعانِ 3
وهذا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النار بالشهوات" 4
__________
1 ذكره ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة ابن البحير 6/ 335 وقال: أخرجه ابن مندة وأبو نعيم.
2 من م, ت, ط, ح.
3 الديوان /91.
4 أخرجه مسلم في كتاب الجنة 4/ 2174 وغيره.
(1/257)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَتَبَ لِلْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ كِتَابًا هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لا دَاءَ وَلا خِبْثَةَ وَلا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ"1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ يَحْيَى بْنِ
__________
1 أخرجه البخاري تعليقا في 3/ 76, والترمذي 3/ 511, وابن ماجة 2/ 756 وغيرهم.
(1/257)

ضُرَيْسٍ 1 ثنا عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ ثنا عَبَّادُ بْنُ اللَّيْثِ صَاحِبُ الْكَرَابِيسِ ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو وَهْبٍ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ
قوله: لا داءَ يريد أن المَبيع بريءٌ من داءِ في بدنه أو عيبٍ يُرَدُّبِهِ وقوله: لا غائلةَ فإنها كلُّ شيءٍ يُقصَد به الخداع والتَّدليس وأصل ذَلِكَ من قولهم غالَتْه غولٌ إذا أذهبتْه فهي غائلته ولذلك قيل الغَضَب غُولُ العقل قَالَ ذو الرُّمَّة:
أعاذلُ قد جَرَّبتُ في الدّهر ما كَفَى ... ونظَّرتُ في أَعقابِ حَقٌ وباطلِ
فأيْقَنَ قلبي أنني تابعٌ أبي ... وغائلتي غَوْلُ الرِّجالِ الأوائلِ 2
فالغائلة في البيع كلّ ما أَدَّى إلى تلَف الحقِّ وذهابه
وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَرَانِيُّ ثنا عَبْد الله بن شَبِيب ثنا زكريا بن يحيى المِنْقَريّ عَنِ الأَصْمَعي قَالَ سألتُ سعيدَ بن أبي عَروُبة عن الغائلة فَقَالَ الإباقُ والسَّرَقُ والزِّنا
وقال قتادةُ الإباق قَالَ الأصمعي وسألته عن الخِبْثَةِ فَقَالَ بيع أهل عهد المسلمين يريد سبي من أعطى عهدًا أو أمانًا وسمَّاه خبْثةً لحُرمته وكلُّ مُحرّمٍ خبيث. ويقال سَبْيٌ خِبْثَةٌ: أي خبيث وسَبْيٌ طِيبَةٌ وهو ما طاب ملكه وحل 3
__________
1 ط: "الضريس" والمثبت من باقي النسخ.
2 الديوان /501.
3 من ت, م.
(1/258)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُوزَنَ"1
حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا آدَمُ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَريِّ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: حتى تُوزَن الثمار لا تُوزنُ إنما تُكال ومعنى تُوزن تُخرصُ وسماه وزنًا لأن الخارص يَحزرُها ويقدِّرها فيحُلّ ذَلِكَ مَحَلّ الوزْن لها والمعنى في النَّهي عن بَيْعها قَبْل الخرصِ شيئان أحدهما تحصين الأموال وذلك أنها في الغالب لا تأمنُ العاهةَ إلا بعد الإدراك وهو أوان الخرْص والمعنى الآخر أنّه إذا باعها قَبْل بُدُوِّ الصَّلاح عَلَى القَطْع سقط حقوقُ الفقراء لأنّ الله تعالى أوجب إخراجها وقت الحصاد
__________
1 أخرجه البخاري في السلم بلفظ: "بيع النخل" بدل "بيع الثمار" 3/ 112, ومسلم 3/ 1167, وأحمد في 1/ 341.
(1/259)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ أَذِنَ فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ"1
قَالَ سَبْرَةُ الْجُهَنِيُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ شَابَّةٍ كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ.
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ ثنا مَسْعَدَةُ بْنُ سَعْدٍ الْعَطَّارُ ثنا سَعِيدُ بْنُ 2
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 1023, والنسائي 6/ 126, وابن ماجه 1/ 631, وأحمد 3/ 405.
2 ح: "سعد بن منصور".
(1/259)

مَنْصُورٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ثنا الْمُعْتَمِرُ سَمِعْتُ عِمَارَةَ بْنَ غَزِيَّةَ يُحَدِّثُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي وَمَعِي بُرْدٌ قَدْ بُسَّ مِنْهُ فَلَقِينَا فَتَاةً مِثْلَ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ 1
وَحَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا 2 حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ نا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ 3 الْوَاسِطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ الْجُهَنِيَّ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَسَاقَهُ وَقَالَ فَجَعَلَ ابْنُ عَمِّي يَقُولُ لَهَا بُرْدِي أَجْوَدُ مِنْ بُرْدِهِ قَالَتْ بُرْدُ هَذَا غَيْرُ مَفْنُوخٍ ثُمَّ قَالَتْ بُردٌ كَبُرْدٍ 4
العيطاءُ: الطَّويلةُ العُنُق وطولها يُستَحسن ما لم يُفرِط قَالَ قيسُ بنُ الخَطيم:
عيتاء جَيداء يُسْتَضاء بها ... كأنها خوطُ بانةٍ قَصِفُ 5
فأما قول ذي الرُّمَّة:
والقُرطُ في حُرَّةِ الذِّفرى مُعَلَّقةٌ ... تَباعد الحبلُ منها فهْو يضطرب 6
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 1024, والبيهقي في سننه 7/ 202.
2 س, ح: "أصحابي".
3 ح: "عبد العزيز بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ".
4 أخرجه مسلم 2/ 1025, والبيهقي في سننه 7/ 202.
5 هامش س: "عيطاء" بد "عيناء" والمثبت من النسخ كلها. وفي الديوان /57: "حوراء.
6 الديوان /6, والسان والتاج "حبل".
(1/260)

فهذا إفراط وقد عِيبَ به.
والعُطْبوُل أيضًا الطَّويلُ العُنُق وهو العيطل والبكرة العَنَطْنَطة مثل العيطاءِ سواء ويقال عُنُق عَنَطْنَطٌ قَالَ الشاعر:
تَمطُو السُّرَى بعُنُقِ عَنَطْنَطِ 1
وقوله: قد بُسَّ منه أي قد نَالَ منه البِلَى فَرقَّ ونَهِك ومن هذا قوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} 2, قَالُوا: معناه فُتَّت 3 ودُقَّت ومنه البَسِيسَةُ وهي السُّوِيقُ ونحوُه وقال الأصمعي: هي كل شيءٍ خَلطَته بغيره مثل السَّوِيق والأَقِط ثُمَّ تبلُّه أو مثل الشَّعير بالنَّوى للإبل يقال: بَسَسْت أَبُسُّ بَسًّا قَالَ الراجز:
لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّابَسَّا ... ولا تُطِيلا بمقامٍ حَبْسَا 4
يقول: تَزوَّدا السَّويق 5 ولا تَصْنَعا خبزًا لئلا يطول المَكْثُ يأمرهما بالنَّجاء في السَّير ويروى لا تَخْبِزَا خَبْزًا "بفتح الخاء", والخَبز: الدَّفْعُ بالأَيْدي في السَّوْقِ والبَسُّ السَّيرُ أيضًا.
قَالَ أبو زَيْد: البَسُّ والبَشْكُ جميعًا: السَّيرُ الرَّقِيق يقال بَسَسْتُ أَبُسُّ وبَشَكْتُ أَبْشُك وأنشد:
لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسَّابسَّا
__________
1 اللسان والتاج "عنط" وعزي لرؤية.
2 سورة الواقعة: 5
3 ت, م, ح: "فتتت".
4 اللسان والتاج "بسس" ولم يعز.
5 ت, م, ح: "تزودوا السويق" والمثبت من م.
(1/261)

ويُروى أيضًا: ونُسَّانَسَّا "بالنون" والنَّسُّ: السَّوقُ
وقوله: غير مَفْنُوخ: أي غَير مَنْهوك. ويقال للرجل الضعيف: إنه لفَنِيخٌ ومنه قيل: فَنَخْتُ رأسَه إذا شَدخْتَه, قَالَ العَجّاج:
لَعَلِم الجُهال أَنّيَ مِفْنَخُ 1
وقد استَدلَّ بعضُ أهل العلم بقوله: "أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي المُتْعة عامَ الفتَح" عَلَى أَنّ حَظرًا قد كان تَقَدّمه واحتج بخبر عليّ بن أبي طالب
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ 2
وذهب آخرون إلى أن حَظْرًا لم يكن تَقدمَّه وإنما كان النَّهي عنه عامَ الفَتْح وتأوّلوا الخبَر عَلَى أنَّ ذِكْر خَيْبَر ليس عَلَى التَّوقيت للنَّهي عن المُتعة لكنه على التوقيت له في لحوم الحُمُر وإنما أدرجه الراوي إدراجًا كأنه قَالَ نهى رسول الله عن نكاح المتعة ثُمَّ قَالَ ونهى عن لُحومِ الحُمُر الأَهلية زَمنَ خَيْبَر فكان التَّوقيتُ مُنصِرفًا إلى حُرْمَةِ الحُمُر لا إلى المُتعة قَالُوا ومما يدل عَلَى صِحَّة ذَلِكَ أَنَّ المُتْعَة لم يكن لها زمَن خَيْبر سببٌ فيجب تحريمها له وكان السببُ في تحريم لحوم الحمر معلوما يوم خَيْبر وذلك أنهم أسرعوا فيها وأَغْلَوْا بها القُدور قَالَ الراوي فنهانا رَسُول الله عنها فأكفَأْنَا القُدورَ وهي تَغْلِي بها.
__________
1 السان والتاج "فنخ", والديوان 459.
2 أخرجه مسلم 2/ 1027, والحميدي في مسنده 1/ 22 وغيرهما.
(1/262)

ومَّما احتجوا به أَنْ قَالُوا: ليس في الشَّريعة أمرٌ تَوالَى عليه التَّحريمُ مرتين. ويروى هذا القولُ عن أبي بكر الأَثْرم ورأيتُ ابنَ أبي هُرَيرة يَنْصُره ويَمِيل إليه وقد روى مالِكٌ هذا الخبر فذكر النَّهي عن المُتْعة يوم خَيْبر, فجرَّده من غير تَضْمينٍ له بالنَّهي عن لُحومِ الحُمُر الأَهْلِية
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْحَسَنَ وعبد الله أخبراه أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مُتْعَةَ النِّسَاءِ يَوْمَ خيبر"1.
__________
1 أخرجه مالك في الموطأ /335, والبخاري 5/ 173, والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 201.
(1/263)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَكَنَفَهَا فَضَرَبَ بِالْمَاءِ وَجْهَهُ"1
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ نا عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ
قوله: كنَفَها معناه جَمَع كَفّه لِيَصير كِنْفًا للماءِ والكِنْفُ الوِعاء ومنه قولهُ: عليه السلام 2 في عبد الله: "كنيف ملئ علمًا" 2 المعنى أنه أَسبغَ الوُضُوء وأَخذ الماءَ له غَرْفًا بِمِلْءِ كَفِّه.
ويقال: كنف الكَيَّال يَكْنُفُ كَنْفًا وهو أن يجعل عَلَى يديه رأس القفيز يُمسِك بهما الطعام 3
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 3/ 443, بلفظ: "فكفها" وكذلك في 4/ 237 بلفظ: "بكفها".
2 من ت. وفي النهاية "كنف" 4/ 205: "ومنه حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لابْنِ مسعود: كنف ملئ علما. وهو تصغير تعضيم للكنف.
3 من م.
(1/263)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ قَالَ: "وَكَانَتِ امْرَأَةً مُلاحَةً" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابن إسحاق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قوله: مُلاحة هي الموصوفة بالمَلاحة يقال مَلِيح ومُلاح وكَرِيمٌ وكُرامٌ قَالَ أبو عُبَيْدة العرب تحوّل لفظ فَعِيل إلى فُعَال ليكون أشدَّ مبالغةً في النَّعت قَالَ غيره فإذا أرادوا التأكيد شَدَّدُوا فقالوا كُرَّام وحُسَّانٌ قَالَ الشَّمّاخُ:
دارُ الفتاةِ التي كنّا نَقُول لها ... يا ظَبْيَةً عُطُلًا حَسَّانَةَ الجِيدِ 2
ويقال: رجل أُمَّان أي أَمِين ثِقَة قَالَ الأعشى:
ولقد شَهِدتُ التَّاجِرَ الأُمَّانَ مَوْرودًا شَرابُه 3
وقال الفَرَّاء يقال رجل وُضَّاء مُشَدَّدٌ من وَضَاءَةِ الوَجْه ورجل قراء للقارئ قَالَ وأنشدني أبو صَدَقَةَ النُّميْريّ:4
بيضاءَ تَصْطادُ العَفِيفَ وتَسْتَبِي ... بالحُسْنِ قلب المسلم القراء 5
__________
1 أخرجه أبو داود في كتاب العتق 4/ 22, والإمام أحمد 6/ 277.
2 الدبوان /112.
3 الديوان /22.
4 اللسان والباج "قرأ, وضأ": أبو الدبيري.
5 اللسان التاج "قرأ, وضأ", وجاء في اللاسان والتاج "قرأ": تصطاد الغوي, والقراء يكون من القراءة جمع قارئ, ولا يكون من التنسك, وهو أحسن. قال ابن بري: صواب إنشاده: بيضاء بالفتح, لأن قبله:
ولقد عجبت لكاعب مودونة ... أطرافها بالحلي والحناء
(1/264)

وفي هذه القصيدة:
والمرءُ يُلحِقُه بفِتْيان النَّدى ... خُلُقُ الكَريم وليس بالوُضَّاءِ
ويُحكى عن الأصمعيّ أنه قَالَ قُلتُ لجارية من الأَعراب أين أبوك؟ فقال عند الكُبَّار وأشارت إلى جَبَل قريب منها ومن هذا قولُه تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً} 1
__________
1 سورة نوح: 22.
(1/265)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ زَوَّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَاهَا فَجَاءَتْ خَرِقَةً مِنَ الْحَيَاءِ فَقَالَ لَهَا: "اسْكُنِي فَقَدْ زَوَّجْتُكِ أَحَبَّ أَهْلِ بَيْتِي ودعا لهما" 1
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ نا صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ
قوله: خَرِقة معناه خَجِلة من فَرْط الحَياء. أخبرني أبو عمر عن أبي العَبّاس ثعلب قَالَ يقال خَرِقَ الرجلُ وبَعِل وبَحِر وبَقِر إذا نزل به أَمرٌ فَبِقي مُتحَيِّرا
وفي حديث آخر: أنّها أَتَتْه تَعثر في مِرْطِها من الخَجِل 2 وقال أبو دواد الإيادي
__________
1 ذكر الهيثمي في مجمعه 9/ 210/, بلفظ: "عرقة" أو "حزقة"بدل "خرقة" وفي م, ط, ح: "فقد أنكحتك" بدل "فقد زوجتك".
2 رواه ابن رهويه في مسنده ل 12 – ب, وذكر الهيثمي في مجمعه 9/ 209 بلفظ: "من الحياء" بدل "من الخجل".
(1/265)

والجُونُ في ألجائها خُرُقٌ ... والطَّيرُ في الأوكار قد خَرِقَت
أي تحيرت من الفزع فبقيت في أماكنها لا تَتحرَّك يعني بالجون هنا الحُمُر والإلجاء مواضعها قد تحيرت فيها لا تدري أين تذهب 1
__________
1 من ت.
(1/266)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "تَيَاسَرُوا فِي الصَّدَاقِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطِي الْمَرْأَةَ حَتَّى يَبْقَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهَا حَسِيكَةً" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ بِذَلِكَ.
قوله: تَياسَرُوا يريد تَراضْوا بما استَيْسَر منه ولا تُغَالُوا به 2 والحَسِيكَةُ العداوة يقال فلان حَسِكُ 3 الصّدرِ عليَّ إذا كان مُضمِرًا لك عَلَى حِقْدٍ وقال الكِسائيّ المِئْرةُ الذّحْلُ وجمعها مِئَرٌ والضَّمَد الحِقْد والكَتِيفَةُ الضَّغِينَةُ ومثله الحَسِيفَةُ والحَسِيكَة والسَّخِيمَةُ قَالَ الأُموِيّ الحِشْنَةُ الحِقْد وأنشد:
أَلا لا أَرَى ذا حِشْنَةٍ في فؤاده ... يجمجمها إلا سيبدوا دَفينُها 4
يقال جمجم الرجلُ إذا لم يبيّن كلامه من غيْر عي 5
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 6/ 174.
2 من ت, ط.
3 ح: "حسيك الصدر".
4 اللسان والتاج "حشن".
5 من ت, م.
(1/266)

ومنه الوَحَر والوغَر والوَغْم الذّحْلُ قَالَ الأعشى:
يَقُوم عَلَى الوَغْم في قومه ... فيعفو إذا شَاءَ أو ينتَقِم 1
قَالَ أبو عبيدة معناه يطلب لقومه الوِتْر وهو من قَولِه تعالى: {لَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} 2 أي طالبًا.
وَنَحْوَ هَذَا حَدِيثُ عُمَرَ: "أَلا لا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغَالِي بِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ لَهَا فِي قَلْبِهِ عَدَاوَةً"3
يقول جَشِمتُ إليك عَلَقَ القِرْبَةِ أو عَرَق القربَةِ وقد فسّره أبو عُبَيْد في كتابه 4
__________
1 الديوان /198.
2 سورة: آل عمران: 75.
3 أخرجه أبو داود 2/ 235, والنسائي 6/ 117, وعبد الرزاق 6/ 175, والحميدي في مسنده 1/ 12, وسعيد بن منصور في سننه 1/ 150 غيرهم.
4 3/ 285 والمعنى لقيت منه الشدة.
(1/267)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ ثنا هَمَّامٌ نا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ تأوله أحمدُ بن حَنْبل علي الشَّفاعة يقول إن مات الغُلام ولم يُعَقَّ عنه لم يُشَفَّع في والديه
وقال غيره معنى قوله: كلُّ غلام رهينةٌ بَعَقيقَتِه أي بأَذَى شَعَره واستدل بقوله: "فأميطوا عنه الأذى"
__________
1 أخرجه أبو داود في الأضاحي 3/ 106, والترمذي 4/ 101, والنسائي 7/ 166, وابن ماجه 2/ 1075, والدارمي 2/ 81.
(1/267)

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "أَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" أَيْ مَا عَلِقَ بِرَأْسِهِ مِنْ دَمِ الرَّحِمِ 1
والرَّهِينَة الرَّهْنُ 1 فعيل بمعنى مفعول أي مرهون والهاء في هذا وفيما أشبهه للمبالغة يقال فلان كريمةُ قومه أي يَحُلُّ مَحَلُ العقدة الكريمة عندهم وهذا عَقِيلَةُ المتَاع أي غُرَّتُه قَالَ المُبَّرد وروى فُصحاءُ أصحاب الحديث في قِصَّة جَرِير: "إذا أتاكم كَريمةُ قوم فأكرمُوه" 2 وقال صَخْر بن الشَّريد يذكر أخاه معاوية:
أَبَى الشَّتْمَ أَنّي قد أصابُوا كَرِيمَتي ... وأن لَيْس إهداءُ الخَنَى من شِمَالِيَا 3
والعَقِيقةُ: شَعَر الصَّبِيّ كما يُولَد من أُمِّه قَالَ الشاعر:
أيا هِنْدُ لا تَنْكَحِي بُوهَةً ... عليه عَقِيقَتُه أَحْسَبَا
ويقال بل العَقِيقَةُ الشَّاةُ التي تُذبَح عنه وأصل العَقِّ القَطْع 4 قَالَ الشاعر:
بلادٌ بها عَقَّ الشّبابُ تَمِيمَتِي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي تُرابُها 5
ومنه قولهم: عقَّ الرجلُ والدَه إذا قطعه ويقال قد انعق البرق إذا
__________
1 من م.
2 أخرجه ابن ماجه 2/ 1223 عن ابن عمر مرفوعا.
3 اللسان والتاج "كرم" برواية: "أبي الفخر". ويعني بقوله: كريمتي أخاه معاوية بن عمرو والشمال بكسر الشين, والخلق.
4 ساقط من ت, وهو في م, س. والبيت واللسان والتاج "عق", وعزي لامرئ القيس, وهو في ديوانه /128.
5 اللسان والتاج "عق", "نوط", "تمم".
(1/268)

تَبَسَّم وانْشَقَّ والسُّيوفُ تُشَبَّه به فيقال: سَيفٌ كأنه عَقِيقَةُ بَرْقٍ أي لَمعَةُ بَرْق قَالَ الصَّلَتَانُ:
ألا يا اصْبِحَاني قبل عَوْق العَوائِق ... وقبل اخْتِراط القوم مثل العقائقِ
ولهذا سُمِّي الوادي الَّذِي بالمدينة عَقِيقًا وذلك لانْشِقاقه في الأرض طُولًا فإذا كان أَصلُ العَقِّ القطع والشّقّ صَلُحَ أن تكون العقيقةُ اسمًا للذَّبيحة لأنها تُعَقُّ أي تُقطَع مذابِحُها وتُشَقّ وأن تكون اسمًا للشَّعر لأنه يُقْطَع عن الصّبي فيُحذفُ عنه.
(1/269)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَمُ الإِيمَانِ الصَّلاةُ فَمَنْ فَرَّغَ لَهَا قَلْبَهُ وَحَاذَ عَلَيْهَا بِحُدُودِهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ" 1
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الشَّافِعِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ نا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ 2 نا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
المشهور من هذا حافظ عليها فإن صحّ قولُه: حاذَ فمعناه ومعنى الأَوَّل سواء
يقال حاذ عَلَى الشيء إذا حافظ عليه ومنه قَولُه تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} 3 قال حميد بن ثور:
__________
1 ذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 574 بلفظ: "حافظ" بدل "حاذ" وعزاه لابن شاهين في الأفراد, وتاريخ الخطيب والن النجار والديلمي.
2 في التقريب التهذيب 1/ 199: حمزة بن حبيب الزيات القارئ. أبو عمارة الكوفي التيمي. مات سنة 156 أو 158 ه.
3 سورة المجادلة: 19.
(1/269)

عَلَى أَحْوَذِيَّيْن استَقَلَّت عليهما ... نَجاةٌ تراها لَمعةً فَتَغِيبُ 1
يريد جَناحَي القطاة.
وقد وصفت عائشَةُ عُمَر بذلك فقالت: "كان أَحوَذِيًّا نَسِيجَ وحدِه 2", ويروى: "أحْوَزِيًّا" قَالَ: بعض أهل اللغة: الأَحوَذِيُّ: القَطَّاعُ للأُمور والأَحْوَزِيُّ: الجامِعُ لِمَا شَذَّ.
وأخبرنا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ثنا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأسود 3 أنا وَهْب بن جَرِير قَالَ: سألتُ أعرابيًّا عن قَولِ عائشةَ في عُمَر بن الخَطَّاب: كان أَحوزِيًّا قلت: ما الأَحَوزِيُّ؟ قَالَ: الَّذِي يَحتَازُ بالأمر دون الناسِ ومّما جاء عَلَى وزنه من النّعوت الأَلْمَعيّ: الَّذِي يَظن الظن فلا يخطئ قَالُوا: واشتِقاقه من لَمعان النَّار وتوقُّدها ومثله اللَّوذَعِيّ وهو المُتوقِّد واشتقاقه من لذع النار
__________
1 الديوان /55, واللسان والتاج"حوذ" برواية: "فما هي إلا لمحة وتغيب".
2 ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء /120. وفي مجمع الزوائد 9/ 50, وابن حجر في المطالب العالية 4/ 39.
3 ح: "أبو بكر بن الأسود". والمثبت من بقية النسخ. وفي التقريب 1/ 446 هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبي الأسود البصري أبو بكر, ثقة حافظ"ت: 223 ه".
(1/270)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّبْنَةِ فِي السَّفَرِ وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ" 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان رسول الله يقول ذلك.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 256, 300.
(1/270)

الضِّبْنَةُ: عِيال الرجل ومَنْ تلزمُه نَفَقَتُه وسُمُّوا ضِبْنَةً لأنهم في ضِبْنِ مَنْ يعولهم والضِّبْنُ ما بَيْن الكَشْح والإِبِط تَعَوَّذَ بالله من كثرة العيال وخصَّ به السَّفَر لأنه مَظنَّة الإِقواء
وقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" 1
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنَّما تَعَوَّذَ من صُحْبَةِ مَنْ لا غَناءَ عنده ولا كِفاية إنما هُوَ كَلٌّ وعيال عليه وقال بعضهم: إنما هو الضّمْنَة بالميم وهي العلَّة المزمِنة وهذا وجه إلا أن الرّواية جاءت بالباء
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: "أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الشِّطَّةِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ"2
حَدَّثَنِيهِ مُحَدِّثٌ نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُحَيْرَةَ نا سُلَيْمَانُ 3 بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ عَلِيًّا 4 الأَسَدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
هَكَذَا قَالَ: الشِّطَّةُ وَهِيَ بُعدُ المسافة يقال: شط المكان إذا بَعُدَ يَشُطُّ ويَشِطُّ وَيُقَالُ: شَطَّتْ بِهِ النَّوَى أَيْ بَعُدَتْ بِهِ المسافة قال الشاعر:
تشط غدا دَارُ جِيرَانِنَا ... وَلَلدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أبعد 5
__________
1 أخرجه أبو داود 2/ 132, وأحمد 2/ 160, 193, 195. والإقواء: والفقر.
2 أخرجه مسلم 2/ 978 بلفظ: " ... وكآبة المنظر وسوء المنقلب" وأبو داود 3/ 33 مختصرا, وأحمد في مسنده 2/ 150.
3 ت: "سفيان بن داود أبو الربيع", والمثبت من س, م, ط, ح.
4 ت, س, ط,: "علباء", والمثبت من م, ح, والإصابة في تمييز الصحابة, القسم الرابع /169, قال: وهون علي بن عبد الله البارقي الأزدي, مشهور في التابعين, معروف بروايته لهذا الحديث عن ابن عمر.
5 اللسان والتاج"شطط" دون عزو.
(1/271)

وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ أَشَطَّ الرَّجُلُ فِي الْحُكْمِ إِذَا تَبَاعَدَ عَنِ الْحَقِّ قَالَ الأَحْوَصُ:
أَلا يَا لَقَوْمٍ قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي ... وَيَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّيَ بَاطِلِي 1
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي تَعدِيلِ النَّفَقَةِ: لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ فَإِنْ رَوَاهُ رَاوٍ كَآبَةَ الشُّقَّةِ فَمَعْنَاهَا مَشَقَّةُ السَّفَرِ.
يُقَالُ شُقَّةٌ شَاقَّةٌ: أَيْ طريق بعيدة ذات مشقة.
__________
1 الديوان /179.
(1/272)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ مَعَهُ دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الكُتَّابِ فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنَّاسَ يَقُولُونَ الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ الثَّقَفِيُّ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ حَدَّثَتْنِي سَارَةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ
قولها: يقولون الطَّبْطَبِيَّةَ إنما هُوَ حِكاية وَقْع الأَقدام تُريد إقبالَ الناس إليه يسْعون ولأَقْدامهم طَبْطَبَة كقول القائل:
جَرَت الخيلُ فقالت حَبَطِقْطِق .. 2
يُرِيد حِكايةَ وقعِ سنابكها وكقول آخر:
أصابت رِجلُها الطَّستَ فقالت طَنَنِنَّه ..
وأخبرني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأعرابي قال قال أبو
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/ 366, وأبو داود في النكاح 2/ 233.
2 اللسان والتاج"طقق".
(1/272)

المُكارِم مررتُ بقوم وهم تِغٍ تِغٍ أي يَضحكون وفيه وَجْه آخر وهو أن يُرادَ بها الدِّرَّة التي كانت معه سمتها الطَّبْطَبِيَّة لصوتها ومنه طَبْطَابُ اللَّعِب.
(1/273)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ نَزَلَ الْحُدَيْبِيَةَ وَهِيَ نَزَحٌ"1
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الربذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَشَيْخٍ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ جُنْدَبِ بن ناجية أو ناجية بنت جُنْدَبٍ قَالَ: لَمَّا كُنَّا بِالْغَمِيمِ عَدَلْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ فَأَخَذْتُ بِهِ فِي طَرِيقٍ لَهَا فَدَافِدُ فَاسْتَوَتْ بِيَ الأَرْضُ حَتَّى أَنْزَلْتُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ نَزَحٌ 1
قَالَ الكسائي: يقال بئر نَزَحٌ إذا لم يكن فيها ماء وجمعها أَنْزاح وأنشدنا أبو عُمَر:
لا تَسْتَقي في النَّزَح المَضْفُوفِ ... إلا مُداراتُ الغُروبِ الجُوفِ 2
مُدارات جمع مُدَارة إذا أُدِيرت فهي مُدارة قَالَ الفراء نزحَتِ البئْرُ ونَزَحتُها اللازم والمتعدي سواء ومثله غاضَ الماءُ وغِضْتُه وهَبَطَ الشيءُ وهَبَطْتُه سواء 3 فالنَّزَحُ المَنْزوح كما أَنَّ النَّضَح المَنْضُوح ويقال للحوض النَّضَح. قَالَ أَيْمنُ بن خريم:
__________
1 ذكره الحافظ في الإصابة 3/ 541 في ترجمة ناجية. وذكره السيوطي في الجامع الكبير 2/ 613 وعزاه إلى ابن أبي شيبة وأبي نعيم.
2 اللسان"دور", "نزح".
3 من ح, م.
(1/273)

فاسَتوْرَدْتهم سيوفُ المسلمين عَلَى ... تمام ظِمءٍ كما يُسْتَورَدُ النَّضَح
وقوله: طريق له فَدافِدُ. الفَدْفَدُ المكان المرتفع وفيه صَلابَةٌ وحُزونةٌ.
(1/274)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ أَصْحَابَ النَّجَاشِيِّ كَلَّمُوا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَسَأَلُوهُ عَنْ عِيسَى فَقَالَ جَعْفَرٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى عَلَى مَا يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ النُّفَاثَةِ مِنْ سِوَاكِي هَذَا"1
النُّفَاثَةُ مَا يُنْفَثُ مِنْ شَظَايَا السِّوَاكِ قَالَ أبو زيد تقولُ العرب لو سألتَني نُفاثةً وقصامَةً 2 وضُوارةً ما أعطيتُك ومعناها ما يبقى في فِيك من السِّواك
وفي هذه القصة: "أَنّ عَمْرو بن العاص دخل عَلَى النَّجاشيِّ وهو إذا ذاك مُشرِك فَقَالَ النَّجاشِيُ نَخِّروا"3
قَالَ عمير بن إسحاق يريد تَكَلَّموا
حدثنيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا أَبُو دَاوُدَ نا النَّضْرُ أنا ابن عَوْن عن عُمَيْر بن إسحاق وهذه اللفظة إن كانت من كلام العرب فإني أَحسِبُها من النَّخير ويروى نَجِّروا بالجيم أيضا
__________
1 أخرجه أحمد 1/ 202, 203 مطولا بلفظ: "هذا العود". بدل "هذه النفاثة", وكذلك في 1/ 461, 5/ 290 بلأفاظ متقاربة.
2 س: قصاصة, والمثبت من ت, م, ح.
3 ذكره الحافظ في المطالب العالية 4/ 193, وعزاه لأبي يعلى, وذكره الهيثمي في مجمعه 6/ 29 بلفظ: "نجروا".
(1/274)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظلَّمٌ مُزَوَّقٌ فَقَامَ بِالْبَابِ ثم انصرف ولم يدخل"1
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 11/ 32.
(1/274)

أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ.
قوله: مُظَلَّم معناهُ مُمَوَّه مُزَوّق مأْخوذ من الظَّلْم وهو مُوهَةُ الذَّهب والفِضَّة ويقال للماء الَّذِي يَجرِي عَلَى الثَّغْر ظلم قال الشاعر:
تجلوا عَوارضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتَسَمت ... كأَنَّه مُنهَلٌ بالرَّاح مَعْلولُ 1
وقال بِشْرُ بن أبي خَازِم:
لَياليَ تَسْتَبيك بذي غُروبٍ ... يُشَبَّه ظَلْمُه خضل الأقاحي 2
__________
1 اللسان والتاج"ظلم" وعزي لكعب بن زهير, وهو في ديوانه /7.
2 الديوان /43.
(1/275)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْد قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: "هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلا" ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ" 1. يَعْنِي المُحَصَّبَ
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
الخَيْف: ما انحدر عن الجبل 2 وارتفع عن المَسِيل وبه سُمِّي مَسْجدُ الخَيْف
__________
1 أخرجه أبو داود في الفرائض 3/ 125, والأمام أحمد 5/ 202 وغيرهما.
2 ت: "من الجبل".
(1/275)

وقوله: "هل ترك لنا عَقِيلٌ من دارٍ" فإنما قَالَ ذَلِكَ لأنّه قد كان باع دُورَ عَبْدِ المطلب وذلك لأنه وَرِث أبا طالب ولم يَرِثْه عليٌّ لتقدم إسلامه موتَ أبيه فلما ورثه عَقِيلٌ باعها ولم يكن لرسول الله فيها مَورِث لأن أباه عَبْد الله هَلَك وأبوه عَبْد المطلب حَيٌّ وهلك أكثرُ أولاده ولم يُعْقِبوا فحاز رِباعَه أبو طالب وحازها بعد موته عَقِيل وقد كان كُفّارُ قُريش يَعمِدون إلى مَنْ هاجر من المسلمين ولَحِق بالمدينة منهم فيَبِيعون دَارَه وعَقارَه
قَالَ الواقدي هاجرتْ بنو جَحْش حتى لم يَبْقَ منهم بمكةَ أحدٌ فصارت دارُهم خَلاءً تَخْفِق أَبوابُها 1. فَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّتِهِ قَالَتْ لَمَّا هَاجَرْنَا عَمَدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى دَارِنَا فَبَاعَهَا مِنْ عمرو بن علقمة بأربعمائة مِثْقَالٍ عَجَّلَ لَهُ مِائَةَ مِثْقَالٍ وَنَجَّمَ عَلَيْهِ سَائِرَهَا فِي ثَلاثِ سِنِينَ قَالَ فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا أَحْمَدَ عَبْدَ بْنَ جَحْشٍ 2 مَشَى وَبَنُو جَحْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ صَنِيعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يُعْطِيَكُمُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا وَاللَّهِ لا نُقِيلُ وَلا نَسْتَقِيلُ فَمَا ذَكَرُوهَا إِلَى هَذَا الْيَوْمِ 3 قَالَ وقال الزُّهري فَقَالَ أبو أحمد لأَبي سفيان بن حرب:
دارَ ابنِ عَمِّك بعْتَها ... تَقْضِي بها عنك الغَرَامَهْ 4
اذْهَب بها اذْهَب بها ... طُوِّقْتَها طوق الحمامه
__________
1 س: "تخفق الرياح فيها", والمثبت من باقي النسخ.
2 س: "أبا أحمد عبد الله بن جحش", والمثبت من باقي النسخ.
3 لم تقف عليه في كتب الحديث التي بين أيدينا.
4 اقتصر اللسان على البيت الأول "غرم" دون"عزو.
(1/276)

وفي الحديث من الفِقْه جَوازُ بَيْع دُورِ مكة وكانت مُقاسَمَة قريش عَلَى الكفر أنهم قَالُوا لا نُناكِحُ بَني هاشم ولا نبايِعهم مُعاداةً لهم في رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(1/277)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الاخْتِصَارُ فِي الصَّلاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ" 1
يَرْوِيهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الاختِصار: وَضْع اليدِ عَلَى الخَاصِرة والمعنى أَنَّه فِعْلُ اليهود في صلاتهم وهم أَهلُ النار ليس عَلَى أَنَّ لأَهْل النّار الذين هم أَهلُها خالدِين فيها راحةً قَالَ الله تعالى: {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} 2 فأما قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} 3 فمعناه إلا ما شَاءَ رَبُّك من زِيادة التَّأْبِيد بعد زَوالِهِما والله أعلم
أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى خَاصِرَتِي فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلاةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ 4
وقد يُفَسَّر الاخُتِصَار في الصّلاة تَفسِيرًا آخر وهو أن يأخُذَ بيده عصا يتكئ عليها 5
__________
1 أخرجه البيهقي في سننه 2/ 287.
2 سورة الزخرف: 75.
3 سورة هود: 107. 108
4 أخرجه أبو داود في 1/ 237, والنسائي 2/ 127 بلفظ: "خصري" بدل "خاصرتي" والإمام أحمد في مسنده 2/ 106.
5 من ت, م.
(1/277)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 1 أَنَّ أُصَيْلا الْغِفَارِيَّ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ: "يَا أُصَيْلُ كَيْفَ عَهِدْتَ مَكَّةَ" فَقَالَ عَهِدْتُهَا وَاللَّهِ قَدْ أَخْصَبَ جِنَابُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا وَأَسْلَبَ ثُمَامُهَا وَأَمَشَّ 2 سَلَمُهَا فَقَالَ: "حَسْبُكَ يَا أُصَيْلُ" 3
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّهْرِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قَالَ أبو سليمان قوله: أَعذَق إذخِرُها أي صارت له أَفْنان كالعُذوق.
يقال أَعْذَقَت النخلة إذا كثر أغذاقها وهي جمع عِذْق وأَعْذَقَ الرجلُ إذا كَثُر عُذوقُه أي نَخْله وهي جمع عَذْق 4 وأَسْلبَ ثُمامُها أي أَخْوَص والسَّلَبُ: خُوصُ الثُّمامِ
وقوله: أَمشَّ سَلَمُها هكذا قَالَ الخزاعي قال يُرِيدُ أَنَّه قد أَخرج مُشَاشَه وهو ما يخرج في أطرافه ناعما رخصا كالمشاس وهو غَلَط وإنما هُوَ أَمْشَر سَلَمُها أي أورق واخُضَرَّ روى أبو عُبَيْد عن أبي زياد والأَحْمَر قالا أَمشَر الشَّجرُ وأمشرت الأَرضُ إذا خرج نَبتُها ويقال ما أحسن
__________
1 سقط هنا من ط, ح هذا الحديث وشرحه, وجاء في ط, لوجة 55 ب, وح لوحة 69
2 النهاية"مش": والرواية: أمشر.
3 أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 2/ 155 بلفظ "أغدق ... وأسلت ثمامها". ونقله الحافظ في الإصابة 1/ 53 بلفظ اخضرت أجنابها ... وانتشر سلمها" وعزاه لغريب الحدييث للخطابي.
4 من م.
(1/278)

مَشرتها وقد رُوي هذا في حَدِيثٌ آخَرُ يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ الْحُدَيْبِيَةَ أَهْدَى لَهُ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ وَبُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيَّانِ غَنَمًا وَجَزُورًا مَعَ غُلامٍ مِنْهُمْ فَأَجْلَسَهُ رسول الله وَهُوَ فِي بُرْدَةٍ لَهُ فَلْتَةٍ فَقَالَ: "يَا غُلامُ كَيْفَ تَرَكْتَ الْبِلادَ"؟ فَقَالَ تَرَكْتُهَا قَدْ تَيَسَّرَتْ وَقَدْ أَمْشَرَ عِضَاهُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخَرُهَا وَأَسْلَمَ ثُمَامُهَا وَأَبْقَلَ حَمْضُهَا فَشَبِعَتْ شَاتُهَا إِلَى اللَّيْلِ وَشَبِعَ بَعِيرُهَا إِلَى اللَّيْلِ مِمَّا جَمَعَ مِنْ خَوْصٍ وَضَمْدٍ وَبَقْلٍ 1
قَالَ الخَطّابيّ: البُرْدَةُ الفَلْتَةُ هِيَ الضَّيَّقَةُ الَّتِي لا ينضم طرفاها لِصِغَرِهَا تُفْلِتُ مِنَ الْيَدِ يُقَالُ بُرْدَةٌ فَلْتَةٌ وَفَلُوتٌ
وَقَوْلُهُ: تَيَسَّرتْ مَعْنَاهُ أَخْصَبَتْ وَأَصْلُهُ مِنَ الْيُسْرِ وَقَدْ تَيَسَّرَ الرَّجُلُ إِذَا حَسُنَتْ حَالُهُ وَيَسَّرَ غَنَمُهُ إِذَا كَثُرتْ ألبابها قَالَ الشَّاعِرُ:
هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وَإِنَّمَا ... يَسُودَانِنَا أَنْ يَسَّرَتْ غَنمَاهُما 2
والحَمْض مِنَ النّباتِ مَا فِيهِ مُلُوحَةٌ وَيُقَالُ أَبْقَلَ الْمَكَانُ فَهُوَ بَاقِلٌ وَلَمْ يَقُولُوا مُبْقِلٌ وَمِثْلُهُ أَوْرَسَ الشَّجَرُ فَهُوَ وَارِسٌ الضَّمْدُ رطب الشجر ويابسه قال يعقوب يقال شبعت الإبل من ضمد الأرض وهو رطب النبت وَيَابِسُهُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ وَيُقَالُ قَد أُضْمِدَ الْعَرْفَجُ إِذَا تَجَوَّفَتْهُ الْخُوصَةُ وَلَمْ تَنْدُرْ مِنْهُ أَيْ كَانَتْ فِي جَوْفِهِ وَالسَّلَمُ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ يُدْبَغُ بِوَرَقِهِ الأَدِيمُ يُقَالُ أَدِيمٌ مَسْلُومٌ إِذَا دُبِغَ بِالسَّلَمِ.
__________
1 أخرجه الواقدي في مغازيه 2/ 591, 592 بلفظ "في بردة له بلية" وبلفظ "أسلب ثمامها".
2 اللسان والتاج "يسر" وعزي لأبي أسيد الدبيري.
وقبله:
إن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجدي علينا غناهما
(1/279)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ هَكَذَا" وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى 1
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ نا عَاصِمٌ 2 نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وهذا يُفَسر عَلَى وجهين:
أحدُهما وهو قول قتادة أنه أراد الوُسطَى عَلَى السَّبَّابة يقول سبَقْتُ السّاعةَ بقدر ما بينهما من الفضل والمعنى تَقْريب مُدَّة مَجِيء الساعة
والوجه الآخر أن يكون أَرادَ انْقِطاع النُّبُوة بعدَه وأَلا نَبِيَّ بينَه وبين السَّاعة كما لا حائل بين الوُسْطَى والسَّبَّابة
__________
1 أخرجه البخاري 8/ 131, ومسلم 4/ 2269 بنحوه. والترمذي 4/ 496 وغيرهم
2 ساقط من ط.
(1/280)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَتَبَ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الأَقْيَالِ الْعَبَاهِلَةِ وَالأَرْوَاعِ الْمَشَابِيبِ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتٍ بِإِقَامِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَ مَحِلِّهَا فِي التِّيعَةِ شَاةٌ لا مُقَوَّرَةُ الأَلْيَاطِ وَلا ضِنَاكٌ وَأنْطُوا الثَّبَجَةَ وَفِي السُّيُوبِ الْخُمْسُ وَمَنْ زَنَى مِم بِكْرٍ فَاصْقَعُوهُ مِائَةً وَاسْتَوْفِضُوهُ عَامًا وَمَنْ زَنَى مِم ثَيِّبٍ فَضَرِّجُوهُ بِالأَضَامِيمِ وَلا تَوْصِيمَ فِي الدِّينِ وَلا غُمَّةَ فِي فَرَائِضِ اللَّهِ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ يَتَرَفَّلُ عَلَى الأَقْيَالِ أَمِيرٌ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَاسْمَعُوا وأطيعوا 1
__________
1 أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 287 بنحوه.
(1/280)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ كتابًا فِي أَدَمٍ ذَكَرَ أَنَّهُ كِتَابٌ كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِجَدِّهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ إِمْلاءً عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ قَلَّدَنِي أَبِي هَذَا الْكِتَابَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ يَا بُنَيَّ تَوَاصَيْنَا بِهَذَا الْكِتَابِ كُبْرًا عَنْ كُبْرٍ حَتَّى صَارَ إِلَيَّ.
الأَرْواع جمع الرَّائع مثل شَاهِد وأَشْهاد ونَاصِر وأَنْصار يُرِيد ذَوِي المناظر والهَيئات منهم وهم الرؤساء والعظماء الذين يَرُوعُون بِجمَالهم وبَهائِهم يقال جَمالٌ رائِع وأصلُه من قولك راعَني رَوْعًا أي أفزعَنِي وهو أن يُفرِط حتى يَرُوعَ
قَالَ الله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} 1 والمَشَابِيب واحدهم مَشْبوبٌ وهو الزَّاهر المتوقد اللون من قولك شببت النَّارَ إذا أَوقَدْتَها قَالَ العَجَّاج:
ومن قُريشٍ كلَّ مَشْبوبٍ أغَرّ ... حُلوِ المُساهَاةِ وإن عَادَى أَمَرّ 2
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أنا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ يَقُولُ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ حَكِيمَةَ 3 بِنْتُ أَسِيدٍ عَنْ أُمِّهَا عَنْ مَوْلًى لَهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ جَعَلْتُ عَلَيَّ صَبِرًا حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلا تَجْعَلِيهِ إلا بالليل وتنزعيه بالنهار" 4
__________
1 سورة النور: 43
2 الديوان /32.
3 في أبي داود 2/ 292 والتقريب 2/ 621 "أم حكيم بنت أسيد"
4 أخرجه أبو داود 2/ 292 بلفظ: "وتنزعينه", والبيهقي في سننه 7/ 440.
(1/281)

يُرِيدُ أَنَّهُ يُوَقِّدُهُ وَيُلَوِّنُهُ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْتَزَرَ بِبُرْدَةٍ سَوْدَاءَ فَجَعَلَ سَوَادُهَا يَشُبُّ بَيَاضَهُ وَجَعَلَ بَيَاضُهُ يَشُبُّ سَوَادَهَا"1 أَيْ يَزْهَاهُ ويَجْلُوهُ 2
والتِّيعَةُ: الأربعون من الغَنَم وقد فَسَّره أبو عُبَيْد 3. والمُقَوَّرَة الأَلْياطِ الهَزِيلُ المُسترخِي جلدُها والاقْوِرار في الجِلْدِ الاستِرخاء واللِّيطُ القِشْر اللَّازِق بالشَّجَر والقصب ونحوهما والقِطعة لِيطَة قَالَ ذُو الرُّمَّة:
بمَجْلُوزَةِ الأَفْخاذِ بعد اقوِرارِها ... مُؤَلَّلَةِ الآذان عُفْرٍ نزائع 4
وقال بشر بن أبي خازم يصف فرسًا:
يُضَمَّر بالأَصائِل فهو نَهدٌ ... أَقَبُّ مُقَلّصٌ فيه اقوِرَار 5
أي ضُمورٌ.
والضِّنَاكُ: الكثير اللّحم وأنشد الفَرَّاء:
لَعمرِي لأعرابِيَّةٌ بَدَوِيَّةٌ ... تَظَلُّ بِسِجْفَي بَيْتها الرِّيحُ تَخفِق
أحبُّ إلينا من ضِنَاكٍ ضِفِنَّةٍ ... إذا فَتَرتْ عنها المَراوِحُ تعرَقُ
ويقال: ضُنْأَك عَلَى وزن فُعْلَلٍ يقال: رجل ضُنْأك وامرأة ضُنْأَكَةٌ.
وقوله: أنْطُوا الثَّبَجَةَ يريد أَعْطُوا الوَسَط في الصَّدَقَة لا من خِيار المال ولا من رُذالَتِه وثَبَجُ كل شيء: وسطه.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/ 122, 144, 219 عن قتادة, عن مطرف, عن عائشة بنحوه.
2 من ت, م.
3 غريب الحديث لأبي عبيد 1/ 213.
4 الديوان /269.
5 الديوان /77. واللسان "فور, قلص".
(1/282)

وقوله: مَنْ زَنَى مِمْ بكر يريد مِنْ بِكْر وقد تتعاقب الميمُ والنّون كقولهم حُلانٌ وحُلامٌ وذام وذان.
وقوله: فاصقعوه فاضْرِبوه وأصل الصَّقْع الضَّربُ عَلَى الرَّأسِ.
وقوله: استَوِفضُوه عامًا يريد النَّفْيَ والتَّغريبَ وأصله في الإبل إذا نَفَرت يقال استوفَضَتِ الإبلُ إذا تفرَّقَت من ذُعْرِ ومنه قيل للأخلاط من الناس الأوفاض وفي الحديث: "أَنَّه أَمر بصَدَقة تُوضَعَ في الأَوْفاضِ"1 وهم الفِرقُ من الناس قَالَ ذو الرُّمَّة يصف الثَّورَ والكِلابَ:
طَاوِي الحَشَى قَصَّرتْ عنه مُحَرَّجَةٌ ... مستوفَضٌ من بنات الأَرْض مِشْهُومُ 2
المستوفَض النَّافرُ من الذُّعْر والمُحَرَّجَةُ الكِلاب التي عليها قَلائِدُ والحِرجُ قِلادة الكَلْب والمَشْهومُ الحديد الفؤادِ.
وقولُه: ضَرّجُوه بالأَضاميم يريد الرّجْمَ بالحجارة والتَّضْريجُ: التَّدمِيَةُ والأَضاميمُ جماهير الحجارة واحدتها إضمامَة وسُمِّيت إضمامةً لأنَّ بعضَها قد ضُمَّ إلى بعضٍ ويقال هذا إضمامَةٌ من الكُتُب كالإضبَارَةِ ورأيتُ إضمامةً من الناس أي جماعةً منهم وكذلك هي في الدّوابِّ وغيرها قَالَ ذو الرُّمَّة يصف الصائدَ والحُمُر:
وبات يلهَفُ مِمَّا قد أصِيبَ به ... والحُقبُ يَرفضُّ منهنّ الأَضَامِيمُ 3
وقَولهُ: لا تَوْصِيم في الدِّين أي لا هَوادَةَ فيه وأَصلُه الفُتورُ والكَسَل,
__________
1 ساقطة من س ,وهي في م, ط. والحديث أخرجه في مسنده 6/ 390, بلفظ: "تصدق بوزن شعره من فضة على المساكين والأوفاض .... ".
2 اللسان التاج "وفض, شهم", والديوان /581.
3 اللسان والتاج "ضمم" والديوان /581.
(1/283)

وهو معنى قولِه: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} 1 قَالَ لَبِيدٌ:
وإِذَا رُمْتَ رحيلًا فارتَحِل ... واعْصِ ما يأمرُ تَوصِيمُ الكَسَل 2
وقوله: يترفَّل معناه يَتَأَمَّر ويترأس وقد فَسَّرْناه فيما مضى من الكتاب.
__________
1 سورة النور: 2.
2 شرح الديوان /179.
(1/284)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" 1
حَدَّثَنَاهُ الأصَمُّ نا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
إسباغُ الوضوء عَلَى المَكَاره فيه وَجْهان:
أحدهُما أن يكون ذَلِكَ في البَرْد الشَّديد والعِلَّة تُصِيب الإنسان فيتأذى بِمَسِّ المَاءِ ويتضرَّر به.
والوَجه الآخر أن يُراد به إعوازُ الماء وضِيقُه حتى لا يُقدَر عليه إلا بالغالي من الثمن.
وأما قولهُ: فذلكم الرِّباط فإنهُ يُتَأَوّلُ عَلَى وَجْهَين:
أحدهما أن يكون ذَلِكَ مَصْدرًا من قولك رابطتُ إذا لازمتَ الثّغَر وأقمتَ به رباطا جعل المواظبة معناه والله أعلم عَلَى الصلاة والمحافَظَةَ عَلَى أوقاتها كرباط
__________
1 أخرجه النسائي 1/ 219, والترمذي 1/ 73 وغيرهم.
(1/284)

المجاهد وهو تأويل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} 1 ومعناه –والله أعلم- اصبروا عَلَى دينكم وصابروا عَدُوَّكم ورابِطُوا أيْ أقيموا عَلَى جهادكم.
والوجه الآخر أن يُجعلَ الرِّباطُ اسمًا لما يُربطُ به الشيءُ كالعِقَالِ لما يُعقَل به والعِصَام لما يُعْصَم به يريد أَنَّ هذه الخِلالَ تَربِط صاحِبها عن المعَاصي وتكُفّه عن المَحارِم.
وفيه وجه ثالث وهو أن يكون الرباط جمع الرُّبْط والعرب تسمي الخيلَ إذا رُبطت بالأقنية وعُلِّقَت رُبْطًا واحدها رَبِيطٌ وتجمع الرُّبْط رِباطا وهو جمع الجمع يُريد أَنَّ مَنْ فعل ذَلِكَ كان كَمنْ رَبَط الخَيلَ إِرصادًا للجهاد 2
وكرّر القولَ بها ثلاثًا ليُقابِلَ بها الخِصالَ الثلاث المذكورة قبلها.
__________
1 سورة آل عمران: 200.
2 من ت, م.
(1/285)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الصَّخْرَةُ أَوِ الشَّجَرَةُ أَوِ الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ" 1
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ عَنْ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنِ الْمُشْمَعِلِّ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ.
الصَّخْرَةُ: صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْعَجْوَةُ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ يُروَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أنه قال هي الكرم.
__________
1 أخرجه ابن ماجه في 2/ 1143 بدون "الشجرة" وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 31.
(1/285)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} 1 قَالَ: "كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ قَرْقَرَةُ وَجْهِهِ فِيهِ" 2
يَرْوِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
قَرْقَرَةُ وَجْهَه جِلْدةُ 3 الوجه والأصل فيها قَرْقَرُ المرأة وهو ثَوبٌ لها والمُعرِبُون يقولون قَرْقَلٌ بالَّلام والجِلْدَةُ للوَجْه كاللِّباسِ له وقال بَعضُهم إنما هي رَقْرَقَةُ وَجْهِه يريد ما يَتَرقْرَق من محاسِنِ وَجْهِه
ويقال امرأة رَقْراقَةٌ وهي التي كأنَّ الماء يَجرِي في وَجْهِها والرَّقرقَانُ السَّرابُ قَالَ العَجَّاج:
ونَسَجتْ لوامعُ الحَرورِ ... من رقْرقَانِ آلِها المَسْجُورِ
سَبَائِبًا كَسَرَقِ الحَرِير 4
وقال السُّدِّيُّ في تفسير هذه الآية أَنّه إذا قَرّبَه سقطت فيه مكارِمُ وجهه يريد حِلْيَة وجهه
__________
1 سورة الكهف: 29.
2 أخرجه الترمذي في 4/ 704, 706, وفي 5/ 426 بلفظ: "فروة وجهه", وأحمد في مسنده 3/ 71.
3 ت: "جلد".
4 س, ت, م: "من رقرقان الهاجر المسجور" والمثبت من هامش س, والديوان /225, 226 واللسان والتاج "رق".
(1/286)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ الْفِتَنَ حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاسِ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلاسِ؟ قَالَ: "هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي إِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ ثُمَّ يَصْطَلِحُ
(1/286)

النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءَ لا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا لَطَمَتْهُ"1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ حَدَّثَنِي الْعَلاءُ بْنُ عُتْبَةَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هانئ الْعَنْسِيِّ 2 قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "كُنَّا عِنْدَ رسول الله فَذَكَرَ الْفِتَنَ"
قوله: فِتنَةُ الأَحْلاس إنما شبهَّها بالحِلْس لظُلمِتها والتِباسها أو لأَنها تركُدُ وتَدُوم فلا تقلع يقال فلان حِلْسُ بَيْتِه إذا كان يلازِم قَعْرَ بيتِه لا يَبْرحُ وهم أَحلاسُ الخَيل إذا كانوا يلزمون ظُهورَها ويتعهدونها بالرُّكوب
وقوله: دَخَنُها مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهلِ بيتي فإنَّ الدَّخَنَ الدُّخَان يريد أنه سَبَبُ إثارتِها وهَيْجِها
وأما قوله: كَورِكٍ عَلَى ضِلَع فإنه مَثَل يريد -والله أعلم- أَنّهم يجتمعون عَلَى رجل غَير خليق للمُلكِ ولا مُسْتَقِلٍّ به وذلك لأنَّ الوَرِكَ لا يَستقر عَلَى الضَّلَع ولا يُلائِمها وإنما يقال في بَابُ المُشاكلة والملاءَمَةِ هُوَ كَرأْسٍ في جَسَدٍ أو كف في ذراع أو نحوهما من الكَلام
والدُّهَيْماء تصغير الدّهماء وأَحسِبُه صَغَّرها عَلَى طريق المَذَمّةِ لها
__________
1 أخرجه أبو داود في الفتن 4/ 94, وأحمد في مسنده 2/ 133.
2 ت: "العنيسي" والمثبت من س, م, ط, ح.
وفي التقريب 2/ 87: عمير بن هانئ العنسي –بسكون النون ومهملتين– أبو الوليد الدمشقي الداراني, ثقة, قتل سنة 127 ه, وقيل قبل ذَلِكَ.
(1/287)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ مَالِكًا الْجُشَمِيَّ قَالَ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي: "أَرَبُّ إِبِلٍ أَنْتَ أَوْ رَبُّ غَنَمٍ"؟ فَقُلْتُ: مِنْ كُلٍّ قَدْ
(1/287)

آتاني الله فأكثر وأيطب 1 فَقَالَ: "أَلَسْتَ تَنْتِجُهَا وَافِيَةً أَعْيُنُهَا وَآذَانُهَا فَتَجْدَعُ هَذِهِ وَتَقُولُ: صَرْبَى وَتَهُنٌ هَذِهِ وَتَقُولُ بَحِيرَةٌ" 2
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ ثنا أَبُو الزَّعْرَاءِ عَمْرُو بْنُ عُمَرَ 3 عَنْ عمه أبي الأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ
قوله: صَرْبَى فَسَّره ابنُ قُتَيْبة في كتابه 4
وقوله: تَهُنّ هذه معناه تُصِيب هَنَ هذه أي الشيءَ منها كالأُذُن والعَيْن ونحوهما وهَنٌ كِنايةٌ عن الشيء لا تذكره باسمه تقول أتاني هَنٌ وهَنَةٌ للأُنْثى وهَنَنْتُه أهُنُّه إذا أصبتَ منه هَنًا أي موضِعًا كما تقول بَطَنْتُه إذا أصبتَ بَطْنَه ورأستُه إذا أصبتَ رأسَه
ورواه عَبْد الجبار بن الْعَلاء عن سُفيان فَقَالَ فيه فتجدَع هَنَ هذه وتقول صربى وتَشُقّ هَنَ هذِه وتقول بَحِيرة وكان مَذهَبَ القَوم فيما يتعاطَوْنه منها شُكرُ الله والتَّقَرّبُ إليه قال الشاعر يذكر صَنِيعَهم:
فكان شُكرُ القَوم عند المِنَنِ ... كَيّ الصَّحيحات وفَقْءَ الأَعْيُنِ
وكان الرجلُ منهم إذا بلغت إبُله ألفًا فَقًا عَينَ الفَحِل فإذا زادت على ألف
__________
1 ت ومسند أحمد 4/ 136: "وأطيب" والمثبت من س, م.
2 أخرجه الحميدي في مسنده 2/ 390 بلفظ: "صرم" وأخرجه أحمد في مسنده 4/ 136, والبيهقي في سننه 10/ 10 بلفظ: "صرم وصرمي".
3 ح: "ثنا عمرو بن عمرو".
4 في غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 427: وصربي, وهو من قولك: صربت اللبن في الضرع, إذا أنت جمعته فيه ولم تحلبه ... وإنما قيل للبحيرة صربي؛ لأنهم كانوا لا يحلبون إلا لضيف فيجمتع اللبن في ضرعها.
(1/288)

عَمَّوْه بالعين الأخرى ويسمونه المُفَقَّأَ والمُعَمَّى وكيُّ الصّحيحات أن تَجْرَبَ الإبل فيأخذون الصحيح فيكوُونَه قَالَ النابغة:
لحَّملْتَنِي ذَنْبَ امرئ وتَركَته ... كَذِي العُرِّ يُكْوَى غيرُه وهو راتع 1
__________
1 الديوان /168.
(1/289)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ خَطَبَ للاسْتِسْقَاءِ فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللَّهُ سحابة فأمطرت فلما رأى لَثَقَ الثِّيَابِ 1 عَلَى النَّاسِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ"2
مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الأَيْلِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
اللَّثَق الوَحْل يقال لَثِقَت رِجْلي ولَثِق الطّائرُ بالمطَر إذا ابتل ريشه
ومن هذا الحديث الَّذِي يُروَى في مقتَل عثمان: "أَنَّ أصحابَ رَسُول الله بالشام لمَّا بلغهم ذَلِكَ بكَوْا حتى تَلَثُّق لِحاهُم"3 أي: اخْضَلَّتْ لِحاهم بالدُّموع.
وأخبرني أبو عمر أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ عَنْ ابن الأعرابي قَالَ العرب تقول يَدِي من الوَحَل لَثِقَة ومن اللحم غَمِرَة ومن السَّمَك صَمِرةٌ ومن اللبن والزُّبْد شَتِرَة ومن العَجِين وَرِخَة ومن الدَّم سَطِلَة وسلطة ومن
__________
1 هامش س, ت, ح: "الطين" بدل "الثياب" وهما روايتان. وفي النهاية "لثق": "لثق الثياب".
2 أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في المورد /160 بلفظه, وأخرجه أبو داود في 1/ 304 بلفظ: "فلما رأي سرعتهم إلى الكن ضحك"
3 النهاية "لثق" 4/ 231.
(1/289)

الثَّريد مَرِدَة ومن الحْمأَةِ ذَوِطَة ومن الأُشْنانِ قَضِضَة ومن المِدَادِ وَحِرَة ومن الماء بَلِلَة ومن البزر والنفط نمسة ونسمة ومن الزَّعْفران رَدِعَة ومن العِطْرِ عَبْقَة.
(1/290)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ" 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْذَانِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ عِنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
العُبِّيَّةُ الكِبْر والنَّخوة يريد بهذا القول ما كان عليه أَهلُ الجاهلية من التَّفاخر بالأَنساب والتَّباهِي بها
وفيها لغة أخرى وهي العِبِّيَّةُ بالكَسْرِ وأَصله مهموز من العِبْءِ وهو الحِمْلُ الثَّقيل ولكن الهَمزة قَد تركت فيه كالبَرِيّةِ والذُّرِّيّة قَالَ الشَّنْفَرى:
خَلَّف العِبْءَ عليَّ وَوَلَّى ... أنا بالعِبْء له مُسْتَقِلُّ
ويقال ألقى فلان عليَّ عِبْأَه أي ثِقَلَه ومِثلُه أَلقَى عليه عَبالَّتَه
أخبرني أبو رجاء الغَنَوِيّ أنا أبو العباس ثعلب عن التَّوَّزيّ قَالَ قَالَ لي أبو زيد أنت أَحق مَنْ أَلقينَا عليه عَبالَّتَنا
وقوله: مؤمِنٌ تَقِيٌ وفاجِرٌ شَقِيّ يقول إن الناسَ رَجُلانِ مؤمن تَقِيٌّ فهو الكَرِيمُ وإن لم يكن شَرِيفًا في قومهِ وفاجِرٌ شَقِيٌّ فهو اللَّئيِمُ وإن كان رفيعا في أهله
__________
1 أخرجه أبوداود في الأدب 4/ 331, وأحمد في مسنده 2/ 361, 524.
(1/290)

وهذا كحديثه الآخر: "الكرم التقوى" 1
__________
1 أخرجه الترمذي في التفسير 5/ 390, وابن ماجه في الزهد 2/ 1410.
(1/291)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَمَّا خَطَبْتُ فَاطِمَةَ قال النبي: "عِنْدَكَ شَيْءٌ"؟ قُلْتُ لا قَالَ: "فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ"؟ قَالَ قُلْتُ: هَا هِيَ ذِه قَالَ: "أَعْطِهَا".
قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَعَلَيْنَا قَطِيفَةٌ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَحَشْحَشْنَا فَقَالَ: "مَكَانَكُمَا" 1
وَفِي الْخَبَرِ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنِّي قَالَ: "هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ وَأَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ".
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ نا عَبْدُ الْجَبَّارِ نا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَذْكُرُهُ
الدِّرعُ الحُطَمِيَّةُ قَالَ هي الثقيلة العريضة وقال بعضُهم هي التي تُحطِّم السيوف أي تكسِرها وقيل 2 منسوب إلى حُطمَةَ بن محارب بَطْن من عَبْد القيس كانوا يعملون الدروع نُسِبَتُ إليهم كما نُسِبَتِ التُّبَّعِيَّة إلى تُبَّع قَالَ الهُذَليُّ:
وعليهما مَسْرُودَتان قَضَاهما ... داوُدُ أو صَنَعُ السوابغ تبع 3
__________
1 أخرجه الحميدي في مسنده 1/ 23 بلفظ: "تخشخشنا", وأبو داود في النكاح 2/ 240, 241, وأحمد في مسنده 1/ 80 مختصرا. وفي الفائق "حطم" 1/ 291.
2 من ت, م.
3 شرح أشعار الهذليين 1/ 39 وهو لأبي ذؤيب برواية: "وعليهما ماذيتان".
ورواية الأصمعي: "وتعاورا مسرودتين" وجاء في الشرح: المسرودتان: الدرعان. وقضاهما: فرع من عملهما, والصنع ها هنا تُبَّعُ.
(1/291)

قَالَ ابنُ الكلبيّ: إنما سُمِّيت الأَسِنَّةُ يَزَنِيَّة لأن أوَّل مَنْ عُمِلت له ذوَ يزَن وهو مَلِك من مُلوكِ حِمْير وقيل للسِّياط الأَصْبَحِيَّة لأنَّ أولَ مَنِ اتّخذها ذو أَصْبَح مَلِكٌ من حِمْيَر
وأخبرنا التَّمّار: غُلامُ ابن الأنباري عنه عن أبي العباس ثعلب قَالَ حُبِس رجل فكَتَبَ إلى أبيه:
إذا ذبّالةٌ المصباح لاحَت ... فإنَّ الأَصْبَحِيَّةَ لا تُخافُ
فَدُونَك روِّها عنيّ سَلِيطًا ... لتقعدَ عنِّيَ السُّمْرُ العِجَافُ
قَالَ فَرشَا عنه فَخَلَّى سَبِيلَه
قَالَ أبو عُبَيْدةَ: إنما قيل لملوك حِمْير التَّبابع لأن بعضَهم يتبع بعضًا ولذلك سُمِّي الظِّلُّ تُبَّعًا قَالَ الشاعر:
يَتْبَع رَوْقَيْه كفِعْل التُّبَّعِ
وأنشد الأصمعي:
تَرِدُ المِياهَ حَضِيرَةً وَنَفِيضَةً ... وِرْدَ القَطَاةِ إذا اسمَأَلَّ التُّبَّعُ 1
فالتُّبَّع الظِّلُّ والحَضِيرَةُ ما بَيْن السَّبْعة الرِّجال إلى الثمانية. والنَّفيضَةُ: الواحد مِمَّن يَنفض الطريق.
والمُسْمَئِلُّ: الضَّامر
وقوله: تَحَشْحَشْنَا يريد تَحرَّكْنا للنّهوض قَالَ الأصمعيّ تَحَشْحَش القوم إذا تحركوا وأصله تحشش زيدت فيه الحاء لئلا يَجْتَمِع حرفان من جِنْسٍ واحدٍ كما قَالُوا تَكَعْكَع وأصله من كَعَّ وكفكفتُ فلانًا عن كذا وأَصله كففته قال النابغة:
__________
1 اللسان والتاج "تبع", وعزي لسعدى الجهنية ترثي أخاها أسعد.
(1/292)

فَكفْكَفْتُ منِّي عَبرَةً فَرددتُها ... عَلَى النحر منها مستهل ودامع 1
لا يكاد يوجَد ذَلِكَ إلا في المُضَعَّف وقد جاء حَرْفان شاذَّان نَخْنَخْتُ البعيرَ من أنَخْتُه وفي بعض الأمثال: "تَعَظْعَظِي ثُمَّ عِظِي"2
وقوله: "هي أحبُّ إليَّ منك" معناه أَنها أقربُ إلَيَّ وأَلْوَطُ بالقلب منك وهذا كقول أبي بكر حين قَالَ ما عَلَى الأرض أحدٌ أحبُّ إليَّ من عُمَر ثُمَّ قَالَ اللهُمَّ والولَدُ أَلْوَطُ 3: أي ألصَقُ بالقَلْبِ.
وقوله: أنتَ أعزُّ عليّ معناه أنتَ أعْظمُ قَدْرًا وأَرفَعُ مَحَلًا وتَحقيقُهُ أنتَ أشَدُّ فَقْدًا وأَصْلُ العِزِّ الشِّدَّةُ والمَنَعَةُ
ومنه قولك للرَّجْل عَزَّ عَلَيَّ ما أَصَابَكَ أي اشتَدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ وأنشد أبو عَمرو الشَّيبانِيّ:
أُجُدٌ إذا ضَمَرَت تَعَزَّزَ لَحمْها ... وإذا تُشَدُّ بِنِسْعَةٍ لا تَنْبِسُ 4
يريد أنها إذا هُزِلَت صَلْب لحُمها ولم يَسْترخِ جلدُها.
وقال أبو كبير الهُذَلِيُّ يَصِفُ العُقابَ:
حتى انتَهَيْتُ إلى فراش عَزِيزَةٍ ... سوداءَ رَوْثَةٌ أَنْفِها كالمِخْصَفِ 5
سمّاها عَزيزةً لأنّها من أقوى الجوارِح وأَشَدِّها بأْسًا ومن هذا قَولُهم مَنْ عَزَّ بَزَّ 6: أي مَنْ غَلَبَ سَلَب قَالَ الله تعالى: {وَعَزَّنِي فِي
__________
1 الديوان /163.
2 اللسان "وعظ", وجمهرة الأمثال 2/ 213, والممستقصي 2/ 257. وروايته في جميعها "لا تعظعني وتعظعظي": أي اتعظي ولا تعظيني. قال الأزهري: وقوله: وتعضعضي وإن كان كمكرر المضاعف فأصله من الوعظ.
3 ذكره السيوطي في تارخ الخلفاء/120, وعزاه لابن عساكر.
4 اللساهن والتاج "عزز", وعزي للمتلمس, وهو في ديوانه /180.
5 شرح أشعار الهذليين 3/ 1089.
6 سبق في اللوحة 44.
(1/293)

الْخِطَابِ} 1 ويقال صار أعَزّ مِنِّي وأَشَدٌ يقال: عازَزْتُه فَعَزَزْتُه قَالَ الشاعر:
قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فَباتَتْ ... تُجاذِبُه وقد علق الجناح
__________
1 سورة ص: 23.
(1/294)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَلا يُضَافِرُ الدُّنْيَا إِلا الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" 1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى نا كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
قوله: لا يُضافِر الدُّنيا إلا القتيل أي لا يُحِب أن يعاودها ويلابسها إلى القَتِيل يقال فلان يضافر فلانًا إذا كان يُداخلُه ويُعاشره ومنه قولهم تَضَافَر القومُ وتَضَابَرُوا إذا تجمَّعوا وتألَّبُوا ومن هذا ضَفْر المرأةِ شَعْرَها إذا أدخلَتْ بعضه في بَعضٍ وقيل للعَقِيصة من شَعرها ضَفِيرة وللحَبْل المَفْتُول من الشَّعر ضَفِير ومنه الخَبَر: "إذا زَنَت الأَمةُ فَبِعْها ولو بِضَفِير" 1
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 255, والنسائي في 6/ 35 وغيرهما.
2 أخرجه البخاري في مواضع منها 8/ 213, ومسلم في 3/ 1329, وأبو داود في 4/ 160 وغيرهم.
(1/294)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَّحَ إِنْسَانًا قال: "بارك الله عليك" 1.
__________
1 في الفائق "رفأ" 2/ 70 برواية: "رفأ" وجاء فيه: وروى "رفح" بدل "رفأ" وفي الشرح: تصرفوا فيه بقلب همزته حاء.
(1/294)

حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ ثنا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
سأَلتُ عن هذا الحَرْف عامَّة مَنْ أدركتُه من أهل اللغة فلم أجد في ذَلِكَ عندهم شيئًا يُعتَمد إلا أن أبا عُمَر قَالَ لي إنما هُوَ رَقَّح بالقَاف قَالَ والتَّرِقيحُ إِصلاح المَعِيشَة ولهذا قيل للتّاجرِ رَقَاحِيّ وأنشد للحارث بن حِلِّزة:
يَتْرُك ما رَقَّحَ من عَيْشِه ... يَعيث فيه هَمَجٌ هامِجُ 1
قَالَ ومعناه أنّه كان إذا دعا للإنسان بالصَّلاح قَالَ: "بارك الله عليك"
وأخبرني ابن مالك سمعتُ محمد بن النَّضْر يقول سألتُ ابنَ الأَعرابي وسُئِل عن هذا الحرف فَقَالَ: معناه دعا له بخير
قَالَ أبو سليمان: وهذا التفسير ليس عَلَى التَّحقيق ولكن عَلَى وجه التَّخمين والتَّقريب إذا كان معقولًا أَنَّ قَولَه: "بَارَكَ الله عليك" دعاء بالخَيْر لا محالة ولم يكن عندي في ذَلِكَ شيء هُوَ أَشَفُّ ممّا ذكره أبو عُمَر إِلَى أَنْ وَجَدْتُ هَذَا الْحَرْفَ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ 2, نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ" 3. فعلمت أن الحاء من
__________
1 اللسان "رقح". والديوان /21.
2 من م.
3 أخرجه أبو داود في 1/ 491, والترمذي 3/ 391, وابن ماجه 1/ 614, والدرامي 2/ 134.
(1/295)

قوله: رفَّح بدل من الهمزة في قوله: رفَّأَ والحاء والهاء أُختان في قُربِ المَخْرج وقد يَتَعاقَبَان في مواضع كقولهم مَدَحَ وَمَده وفَرِح وفَرِه
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب عن سَلَمَةَ عن الفَرَّاء عن الكسائي قَالَ سَمِعتُهم يقولون بَاقِلّي هَارّ فقلت من التَّهرِّي فقالوا لا لكن من الحَرَارة قَالَ وأنشدنا:
تَمَدَّهِي ما شِئْتِ أن تَمدَّهِي ... فلَسْتِ منْ هَوْئي ولا ما أَشْتَهِي 1
وقال رؤبة:
لله دَرُّ الغَانِيات المُدَّهِ 2
يُريد المدَّح
وكذلك الهاء والهمزة يتعاقبان أيضًا كقولهم: هَراقَ الماءَ وأَراقَه وهِبْرِيَةُ الرأس وإبريته وإيّاك وهِيَّاك فعلى هذا قيل رفَّح بمعنى رَفَّأ وهو قَوْلُ الرجل للمتزوِّج بالرِّفاء والبنين كان الأصل فيه رفَّأَ ثُمَّ قُلِبَت الهمزة هَاءً فصار رفَّه ثُمَّ أُبدِلَت الهاء حاء فصار رفَّح ويقال أصل قولهم بالرِّفاء والبنين مأخوذ من رَفَوْتُ الثوبَ أَرفُوه رَفْوًا أي لأَمتُه وأصلحتُه وفيه لغة أخرى رفأتُ أَرفأُ بالهمز,3 وعلى هذا جاء الحديث قَالَ الشاعر:
بُدِّلتُ من جِدَّة الشَّبِيبَة وال ... أبدال ثوب المشيب أردؤها
__________
1 اللسان والتاج وت "مدة" والبيتان في ملحق ديوان رؤبة/187 برواية: "تمتهي ما شئت أن تمتهي". وفي س, م: "فلست من هوى". وفي القاموس "هاء": الهوء: الهمة والرأي الماضي.
2 اللسان والتاج "مدة" والديوان /165.
3 سقط من ت من هنا تسع عشرة صفحات من حجم الفلوسكاب.
(1/296)

مُلاءةً غيرَ جِدِّ واسعةٍ ... أَخيطُها تارةً وأرفَؤُها
قَالَ أبو زيد في كتاب الهمز يقال رفأتُ الثوبَ أرفأة ورفّأت المَمَلَّك ترفِئَةً وترفيئا إذا دعوت له 1
__________
1 من م.
(1/297)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَّهُ دَخَلَ إِلَى خَدِيجَةَ يَخْطُبُهَا ودخلت عليها مُسْتَنْشِئَةٌ مِنْ مُوَلَّدَاتِ قُرَيْشٍ فَقَالَت أَمُحَمَّدٌ هَذَا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنْ جَاءَ لَخَاطِبًا"1
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلا أَنَّهُ قَالَ مُنْتَشِئة وَالصَّوَابُ الْمُسْتَنْشِئَةُ هَكَذَا أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
المُسْتَنْشِئَةُ الكاهِنَةُ وسُمِّيت بها لمطالعتها الأخبار وتَعاطِيها عِلَم الحَوادث والأكوان يقال فلان يستنشئ الأخبارَ إذا كان يبحث عنها قَالَ الكسائيُّ رجل نَشْيانُ للخَبَر ونَشوان ويقال من أَينَ نَشِيتَ هذا الخبرَ
وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ لا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ دَخَلَ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "هَذَا الْبُضْعُ لا يُقْرَعُ أَنْفُهُ" 2
قوله: "لا يُقرَعُ أَنْفُه" يريد أَنه الكُفءُ الَّذِي لا يُرَدُّ ولا يُرغَبُ عنه
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 5/ 320 في حديث طويل بلفظ: "منتشية من مولدات قريش". والمنتشية: الناهد التي تشتهي الرجل.
2 أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 132, والطبراني بلفظ: "هذا الفعل لا بقرع أنفه" , أنظر مجمع الزوائد 9/ 219.
(1/297)

وأصلُه في الفَحْلِ الهَجِين إذا أراد أن يَضْرِبَ في كرائم الإبل قَرعُوا أنفه بعَصا ليرتدَّ عنها. ويروى لا يُقدَع أَنفُه ومعناه قريب من الأول. والقَدُوع الفَحلُ الهَجِين إذا قرب كرائمَ الإِبِل قُدِعَ عنها قَالَ الشَّمّاخُ وذكر الحَمِيرَ:
إذا ما استافَهُنَّ ضَربْن منه ... مكان الرُّمْح من أَنْفِ القَدُوع 1
يريد المَقْدُوع كما قَالُوا: فرس رَكُوب وشاةٌ حَلُوب.
ويقال قَدعْتُ الرجلُ وأَقدعتُه لُغتان. قالت ليلى الأَخْيَلِيَّةُ:
كأنّ فَتَى الفِتيان توبةَ لم يُنِخْ ... بنَجد ولم يَطلُع مع المُتغوِّر
ولم يقدع الخصم الألد ويملأ ال ... جفان سديفا يوم نكباء صرصر
__________
1 الديوان /229.
(1/298)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي صَلاةَ الْبَصَرِ حَتَّى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا رَمَى بِنَبْلِهِ أَبْصَرَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ 1".
حَدَّثُونَا بِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ نا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَمُرَةَ حَدَّثَنِي أَبُو طَرِيفٍ قَالَ كُنْتُ شاهد النبي وَهُوَ مُحَاصِرٌ أَهْلَ الطَّائِفِ وَكَانَ يُصَلِّي بِنَا صَلاةَ الْبَصَرِ حَتَّى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا رَمَى بِنَبْلِهِ أَبْصَرَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ 1.
صلاةُ البَصَر تُتأوّل عَلَى صلاة الفجر ونرَى والله أعلم أَنَّه سمَّاها صلاة البَصَر لأنها إنما تُصَلّى عند إسفار الظّلام وإثبات البَصَر الأَشْخاص ويقال
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 3/ 416 بلفظ العصر: بدل البصر وسياق الحديث يدل على أنه تصحيف من البصر وذكره الحافظ في الإصابة 4/ 114 بلفظ: "المغرب" بدل البصر. وفي الفائق "بصر" 1/ 114 وجاء فيه: البصر بمعنى الإبصار. يقال: بصر به بصرا.
(1/298)

في صلاة البَصَر أنه أراد بها صَلاة المغرب والقولُ الأَولُ أشهر والله أعلم وأحكم 1
__________
1 من ح.
(1/299)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَقَدْ ظَاهَرَ عَنِ امْرَأَتِهِ: "أَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا" فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَامٌ 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْمَعْنِيُّ قَالا نا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ.
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَحْوَجُ مِنِّي 2.
قوله: وَحْشَيْن أي مُقفرين. يقال: رجل وحْشٌ إذا لم يكن عنده طعام من قوم أوحاش. قَالَ حُمَيد بن ثور:
وإن بات وَحْشًا لَيْلَةً لم يَضِق ... بها ذِراعًا ولم يُصْبِح لها وهو خاشِع 3
وقال أبو زيد: يقال رجل وحشٌ وهو الجائع من قوم أَوحَاشٍ وهو المُوحِشُ أيضًا.
ويقال: توحَّشَ الرجلُ إذا استجاع واحْتَمَى.
قَالَ الأحْمَرُ: يقال للجائع الشَّحْذان.
قال الأصمعي: المسحوت الجائع والمجؤوف مثله.
__________
1 أخرجه أبو داود في الطلاق 2/ 265 والترمذي 5/ 403 بلفظ: "وحشا" والدارمي في 2/ 163 وأحمد في مسنده 4/ 37 بلفظ: "وحشاء".
2 أخرجه البخاري في الأدب 8/ 47 بلفظ "مابين لابنيها".
3 الديوان/104 برواية: "وهو خاضع" بدل "وهو خاشع".
(1/299)

وقد جُئِفَ الرجلُ. ومن أسماه الجُودُ والجُوسُ وقال أبو خِراش الهُذَلِيّ:
تَكادُ يداه تُسلِمانِ رداءَه ... من الجُودِ لمّا استقبلتْه الشَّمائل 1
والدَّيْقُوع من الجوع أشدّه. يقال جوع دَيقوعٌ وقال بعض الأعراب:
أقول بالمِصْر لمَّا ساءَني شِبَعِي ... أَلا سَبِيلَ إلى أرضٍ بها الجُوع
أَلا سَبِيل إلى أرضٍ بها غَرَثٌ ... جوعٌ يُصَدَّعُ منه الرأس ديقوع 2
وقوله: بين طُنُبَي المدينة: أي بين طرفي المدينة والطُّنُبُ من أَطْناب الفُسطاط شبَّه حَوْزَةَ المدينة بالفُسطاط قَالَ ذو الرُّمّة وذكر ثَورًا أَوَى إلى شجرة:
إذا أراد انكِنَاسًا فيه عَنَّ ... له دون الأَرومة من أَطْنابها طُنُب 3
جعل أصول الشَّجر وعُروقها أطنابًا لها وقال ابنُ هرمة:
إن امرأ جَعَل الطريقَ لبَيْتِه ... طُنُبًا وأنكر حقَّه لَلَئِيمُ 4
والأصل في هذا أن العربَ نازلة العَمَد وإنما كانوا يضربون بيوتهم بأطناب ويثبِّتونها بأوتاد ومن هذا قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي
__________
1 شرح أشعار الهذليين 3/ 1222. يقول يداه لاتحبسان شيئا من ماله: أي يعطي إذا هاجت الشمال في الشتاء.
2 اللسان والتاج "دقع".
3 الديوان/21 برواية: "إذا أراد انكراسا". وجاء في شرح الديوان: انكراسا أي دخولا وانضماما.
4 الديوان /194.
(1/300)

الْأَوْتَادِ} 1 البناء المُحكم ومنه قولهم مُلكٌ ثابتُ الأوتاد قَالَ الأسودُ بن يَعفُر:
في ظِلِّ مُلكٍ ثابتِ الأوتاد 2.
__________
1 سورة الفجر: 10.
2 المفضليات /217 وصدره: "ولقد غنوا فيه بأنعم عيشة".
(1/301)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر فَالْجُمُعَةُ حَقٌّ عَلَيْهِ إِلا عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ.
أخبرني بعضُ أصحابِنا عن ابن الأَنْبارِي قَالَ قوله: استَغْنَى الله عنه يريد طَرَحَه الله ورمى به من عَيْنه
لأن المستَغْنِي عن الشيء تاركٌ له قَالَ الله تعالى: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} 2. يريد هذا المعنى وقال غيره جازاهم جزاءَ استِغْنائِهم كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} 3.
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 172, 173 وابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 109.
2 سورة التغابن: 6.
3 سورة التوبة: 67.
(1/301)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ رَضِيَ لَكُمْ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَكَرِهَ لَكُمْ سفسافها" 1.
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 8/ 188 بلفظ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها". وعزاه للطبراني.
(1/301)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو رِفَاعَةَ الْعَدَوِيُّ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَيْرِيُّ 1 عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ.
الأصل في السَّفْسافِ ما تَهَبَّأَ من غُبارِ الدَّقيق إذا نُخل. يقال: سَفْسَفْتُ الدَّقيقَ إذا تَنَخَّلتَه ثُمَّ شُبِّه به الوتح الرديء من كل شيء يقال رجل سَفْسَافٌ ومسفسف إذا وصفْتَه برِقَّة المُروءةِ وكذلك هُوَ إذا وصفتَه بفُسُولة الرَّأي وضَعف العَقْل وكلام سَفْسافٌ وثوبٌ سَفسافٌ إذا كان هَلْهَلَ النَّسج وهو نَعْت مُطَّرِد في كل شيء لم يُحْكَم صُنعهُ.
__________
1 في تقريب التهذيب 2/ 385: يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَيْرِيُّ الليثي أبو عبد الرحمن البصري صدوق.
(1/302)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "رأيت عيسى ابن مَرْيَمَ فَإِذَا رَجُلٌ أَبْيَضُ مُبَطَّنٌ مِثْلَ السَّيْفِ".1
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّتِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
المُبطَّنُ الضامِرِ البَطْن الَّذِي كأنه قد لَصِقَ بطنُه بظَهره. قَالَ الأصمعيّ: رجل مُبَطَّن إذا كان خَمِيصًا قَالَ: فإذا كان لا يزال ضَخْم البَطْن لا يَنْهِشم بطنه لجوع أو غيره قِيل له: مِبْطان. قَالَ متِّمم بن نُوَيْرة:
لقد غَيَّبَ المِنْهالُ تحت ردائِه ... فَتًى غيرَ مِبْطان العَشِيَّات أروعَا 2
ويقال إنَّ مالكَ بنَ نُوَيْرة كان ذا بطن وإنما أراد أنه كان لا يأكل
__________
1 لم أقف عليه في المغازي للواقدي وقد أخرجه أحمد في مسنده 1/ 374 عن ابن عباس بلفظ: "ورأيت رجل أبيض أجعد الأس حديد البصر مبطن الخلق".
2 اقتصر اللسان بطن على الشطر الثاني. والبيت في المفضليات /265.
(1/302)

آخرَ نهاره انتظارًا للأضياف وقال: بعضُهم المِبْطَانُ هُوَ الَّذِي يَغيب بالعَشِيَّات عن الناس في الشُّرب ويَتْبَع الرِّيَب.
(1/303)

وقال أَبُو سُلَيْمَانَ: فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ قَالَ: كُنْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ فَسِرْتُ مَعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَرُبْتُ مِنْهُ فجعل يسألني عن من تخلف مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَقَالَ وَهُوَ يَسْأَلُنِي: "مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْحُمْرُ الطِّوَالُ النَّطَانِطُ" فَحَدَّثْتُهُ بِتَخَلُّفِهِمْ فَقَالَ: "مَا فَعَلَ النَّفَرُ السُّودُ الْجِعَادُ الْقِصَارُ" فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ هَؤُلاءِ فِينَا.1
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنِ ابْنِ أَخِي أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ يَقُولُ ذَلِكَ.
النَّطَانِطُ: الطِّوَالُ وَاحِدُهُمْ نَطْنَاطٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُم مَا فَعَلَ النَّفَرُ الطوال الثطاط 2 كذلك رواه لنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الْبُوسَنْجِيُّ ثنا النُّفَيْلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ إسحاق 3 والمحفوظ هو الأَوَّلُ.
والثطاط جمع ثط وهو الكوسج والعامة تقول أثط بالألف وهو السناط 4 والسنوط أيضًا والجعاد القصار رجل جعد أي قصير.
__________
1 أخرجه أحمد 4/ 349, 350 بطوله. وفيه: "مافغل النفر الحمر الطوال القطاط أو القصار" ... الخ. وذكره الهيثمي في مجمعه 6/ 192.
2 أخرجه ابن حبان في صحيحه بهذه الألفاظ. انظر الموارد /418, 419.
3 ح: عن أبي إسحاق.
4 ط: "السناط" بضم السين. وفي القاموس: "سنط": السناط بالكسر والضم.
(1/303)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي صلى الله علي وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ فَقَالَ: "اللَهُمَّ قَاتِلْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاجْعَلْ قُلُوبَهُمْ كَقُلُوبِ نِسَاءٍ كَوَافِرَ" 1.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ عَنْ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُهُ
قوله: كقُلُوب نِساءٍ كوافِر معناه والله أعلم كقلوبهن في الاختلاف قلة الائْتِلاف وأُراه عَنَى الضَّرائرَ منهن لأَنَّ ذَلِكَ أشدُّ لاختلافهن ومُنافسةِ بعضِهِنّ بعضًا.
وأخبرني بعض أصحابنا أخبرنِي ابن الأنباري عن أبي العباس ثَعْلَب قَالَ: من دُعاءِ الأَعراب اللهم حَبِّبْ بين نِسائِنا. وبغض بين رعائنا قال: مالك أَنَّ الحُبّ يدعوهن إلى التَّعاون في العمل والاجتماع عَلَى السّمَر والغزل.
الرعاء إذا تباغَضَت تفرَّقَت في المَراعِي فكان أسمَنَ للغنم.
ومن دعائهم: اللهم أقِللْ صِبْيَاننا وأكثر جرذاننا.
ومن دعائهم: اللهمَّ ضَبُعًا وذِئبًا 2 وذلك أنهما إذا اجتمعا في غنم منع كل واحد منهما صاحبه ومنه قول الشاعر:
كان لها جَارَان لا يُخْفِرانها ... أَبو جَعْدَةَ العادِي وعَرفاءُ جَيْأَلُ 3
أبو جَعْدَةَ: الذِّئب وعَرفاءُ: الضَّبُع وجيألُ: اسم للضبع. قال الشاعر:
__________
1 الفائق "كفر" 3/ 266.
2 المستقصي للزمخشري 1/ 342.
3 اللسان "عرف" برواية: لها راعيا سوء مضيعان منهما. وعزي للكميت ولم أقف عليه في ديوانه ط بغداد.
(1/304)

وجاءت جَيْأَلٌ وأبو بَنِيها ... أَجَمُّ الماقِيَيْن به خُماعُ 1
وفي الكوافر قَوْلان: أَحدهما الكُفْر بالله وذلك أَشَدُّ لاخْتِلافِهِنّ قَالَ الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} 2.
والقَولُ الآخر: أن يكون من كُفران النِّعَم وهُنَّ مِنْ أقلِّ الناس شُكْرًا للعوارف ولذلك قَالَ لَهُنَّ: "إنّكُنَّ تُكْثِرنَ اللَّعنَ وتَكْفُرن العَشِير" 3.
وفيه وجه آخر وهو أن الكوافر يُرَعْنَ أَبدًا بالصَّباح والبَيَاتِ في عُقْر دارهنَّ فقُلُوبُهن تجب أبدا
__________
1 اللسان "جأل" وعزى لمشعت برواية:
وجاءت جيأل وبنو بنيها ... أجم الماقيين بها خماع
وجاء في "خمع" معزوا لمثقب على رواية الكاتب وهو في ديوانه /278.
2 سورة المائدة /64.
3 أخرجه البخاري 1/ 80 ومسلم 1/ 87 وغيرهما.
(1/305)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحُهَا فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ: "الْمُبْتَاعُ قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ وأصاب قُشَامٌ" فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النبي قَالَ: "لا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا" 1.
كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ زَيْدِ بن ثابت
__________
1 أخرجه البخاري 3/ 100 وأبو داود في البيوع 3/ 253 وغيرهما.
(1/305)

وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ: الذُّمَارُ 1 مَكَانُ الدُّمَانِ قَالَ الأصمعي: إذا أنْسغَت النخلَةُ عن عَفَنٍ وسواد قيل: قد أصابه الدمان قَالَ: وقال ابنُ أبي الزِّناد هُوَ الأُدْمانُ قَالَ الأصمعيّ: إذا انْتَفَض ثَمرُ النَّخل قبل أن يصير بَلَحًا قيل قد أصابه القُشَامُ وإذا كثر نَفْض النَّخلة وعَظُم ما بَقِيَ من بُسْرها قيل خَرْدَلَت فهي مُخَرْدِلٌ قَالَ الأصمعي: والدَّمَالُ 2 التَّمرُ العَفِن قَالَ غيرُه القُشَامُ أُكالٌ يَقَع في التَّمر من القَشْم وهو الأَكْلُ فإمّا الذُّمَارُ في رواية ابنِ داسة فلا مَعْنَى لَهُ ويقال: أَنْسغَتِ 3 النَّخلةُ إذا أخرجت قُلْبَها.
__________
1 في سنن أبي داود: "الدمان".
2 كذا في "ط" وفي القاموس: الدمال كسحاب: التمر العفن. وفي م, س: الدمان.
3 ح: انشقت النخلة.
(1/306)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ مُنشِدًا أَنْشَده:
لا تأْمَنَنَّ وَإِنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَمٍ ... حَتَّى تُلاقِيَ مَا يَمْنِي لَكَ المَانِي
فَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ ... بِكُلِّ ذَلِكَ يَأْتِيكَ الْجَدِيدَانِ 1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ: نا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ نا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْخُزَاعِيُّ ثُمَّ الْمُصْطَلِقِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله وَمُنْشِدٌ يُنْشِدُ هَذَا الشِّعْرَ قَالَ فقال النبي: "لو أدرك هذا لإسلام" فَبَكَى أَبِي فَقُلْتُ أَتَبْكِي لِمُشْرِكٍ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَبِي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مُشْرِكَةً تَلَقَّفَتْ مِنْ مُشْرِكٍ خَيْرًا مِنْ سُوَيْدِ بن عامر.
__________
1 ذكره ابن الأثير في أسد الغابة 5/ 167 وابن حجر في الإصابة 3/ 414 في ترجمة مسلم بن الحارث الخزاعي. قال ابن حجر: رواه البغوي والطبراني وابن السكن وابن شاهين وابن الأعرابي وابن منده. والبيتان في اللسان "منى". وعزيا في التاج لسويد ابن عامر المصطلقي.
(1/306)

قوله: يَمْنِي لَكَ المَانِي معناه يَقضِي لك القَاضي ويُقدِّر لك المُقدِّر.
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس ثَعلَب عن ابن الأعرابي قَالَ: يقال: مَنَى الله عليك الخيرَ يَمْنِي مَنْيًا أي قَضَاه قَالَ وسُمِّيَتْ مِنًى لأَنَّ الأَقدارَ وقعت عَلَى الضَّحايا بها فذُبِحَت ومنه أُخِذت المَنِيّةُ وقال هدبة بن خَشْرم العُذرِيّ:
رُمِينا فَرامَيْنَا فوافَق رَمْيُنَا ... مَنِيَّةَ نَفْسٍ في كِتابٍ وفي قَدْر
وقال لَبِيد 1:
وعَلِمتُ أَنَّ النَّفسَ تلقى حَتْفَهَا ... ما كان خالِقُهَا المَليكُ مَنَى لَها
أي: قَضَى لها
ومن هذا قوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} 2 أي: تُقَدَّر وتُخْلَقُ. ويقال: إنَّما سُمِّيت مِنًى لأنَّ الدِّماءَ تُمنَى بها أي تُسالُ. ومنه سُمِّي المَنِيُّ وهو المَاءُ الدَّافِق والجَدِيدان اللَّيلُ والنهار وهما الفَتَيان أيضًا ويقال لهما المَلَوَان.
قَالَ ابنُ مُقبِل:
ألا يا دِيارَ الحَيِّ بالسَّبُعانِ ... أملَّ عليها بالبِلَى المَلَوانِ 3
وقوله: تلَقَّفت من مُشرِك أي حَمَلت ولدًا منه والتَّلَقُّفُ سُرعةُ التناولِ لما يُلْقَى إليك من شيء.
__________
1 ح, م: قال الأعشى وفي هامش م, س: لبيد ولم أقف عليه في ديوان لبيد ط الكويت ولا ديوان الأعشى ط دار صادر.
2 سورة النجم: 46.
3 الديوان /335.
(1/307)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ عُوَيْرَثَ أَوْ غُوَيْرَثَ 1 بْنَ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيَّ أَرَادَ أَنْ يَفْتِكَ بالنبي فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَهُ السَّيْفُ قَدْ سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْفِنِيهِ بِمَا شِئْتَ" قَالَ فَانْكَبَّ مِنْ وَجْهِهِ مِنْ زُلَّخَةٍ زُلِّخَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَنَدَرَ سَيْفُهُ 2.
يَرْوِيهِ أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ نا أَبُو عُمَرَ الْمُقْرِي نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا الصَّائِغُ نا الْحِزَامِيُّ ثنا مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إلا أَنه قَالَ: فْدُلِجَ بين كتفيه وهو غَلَط والصوّاب زُلِّخ قَالَ أبو زيد: يقال: رمى الله فُلانًا بالزُّلَّخة وهو وَجَع يأخذ في الظهرْ لا يتحرك الإنسان من شِدَّته وأنشد:
كأنما أَصابَ ظَهْرِي زُلَّخَة 3
وأنشدَ ابنُ الأعرابي:
دَاوِ بها ظَهرَك من تَوجاعِهِ ... من زُلَّخاتٍ فيه وانقطاعِهِ
وروى أبو الهيثم الرازي عن أم الهيثم الأعرابية أنها اعتّلت فزارها أبو عبيدة فقال لها: عم عِلَّتُكِ فقالت: شهدتُ مأدبة فأكلت جبجبة من صفيف
__________
1 كذا في جميع النسخ وفي الإصابة 3/ 188 والقاموس "غرث" غورث بن الحرث. وكذلك في السيرة النبوية لابن كثير 3/ 161 وتبصير 3/ 1052.
2 أخرج البخاري 4/ 48, 5/ 146 - 147 ومسلم 1/ 576 وأحمد 3/ 311 - 364 وسعيد بن منصور في سننه 2/ 214 هذه القصة بسياق آخر عن جابر وانظر السيرة النبوية لابن كثير 3/ 161
3 اللسان "زلخ" برواية: "كأن ظهري أخذته زلخة" وبعده: "لما تمطى بالفري المفضحة".
(1/308)

هِلّعة فاعترتني زُلَّخةٌ فَقَالَ لها ما تقولين يا أمّ الهيثم فقالت سبحان الله أَوَ للناس كلامان 1.
__________
1 من م.
(1/309)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ" 1.
ذكره أبو عُبيد في كتابه 2 وقال الأجذم: المقطوع الي: د واحتّجَّ بقول الشاعر:
وهل كنتُ إلا مِثلَ قاطِعِ كفّه ... بكَفٍّ له أُخرى فأصبحَ أجذمَا 3
واعترض عليه ابنُ قَتَيْبَةَ في كتابه الَّذِي سمَّاه إِصلاحَ الغَلطِ وزعم أنه تدبَّر هذا التفسير فرآه إنما أُتِي فيه من قبل البيت الَّذِي استشْهَده قَالَ وَليْسَ كلُّ أجذم أقطع اليد قال وإذا حملنا الحديث على ما ذهب إليه رأينا عقوبة الذَّنب لا تشاكل الدنب لأنَّ اليدَ لا سببَ لها في نِسْيَانِ القرآن والعُقوباتُ من الله عَزَّ وجَلَّ تكون بحَسب الذُّنُوب كقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} 4 يُريد أَنَّ الرِّبا الَّذِي أكلوه رَبَا في بطونِهِم وأَثْقَلَهم وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ كُلَّمَا قُرِضَتْ وَفَتْ فَقَالَ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ" 5. لأَنهم قَالُوا بأفواههم فعوقبوا فيها ومثل هذا كثير.
__________
1 أخرجه أبو داود في الصلاة 2/ 75 والدارمي في 2/ 437 وأحمد في 5/ 284, 285, 323, 328.
2 غريب الحديث لأبي عبيد 3/ 48.
3 اللسان "جذم" وعزي للمتلمس وهو في ديوانه /32.
4 سورة البقرة: 275.
5 أخرجه أحمد 3/ 120, 180, 231, 239 بنحوه.
(1/309)

قال ابن قتيبة والأجذم ها هنا المجذُومُ يقال: رجل أَجذمُ وقوم جَذْمى مثل أحْمَق وحَمْقَى وأَنْوك ونَوْكى وإنما سُمِّيَ مَنْ به هذا الدَّاء أَجذم لأنّه يَقْطَع أصابع يديه وينقُص خَلْقَه وكل شيء قطعته فقد جذمته لأنه يقطع أصابه يديه وينقُص خَلْقَه وكل شيءٍ قطعتَه فقد جَذَمْتَه وهذا أشبه بالعقوبة لأنَّ القرآن كان يدفع عن جسمه كُلِّه العاهةَ ويحفَظ له صحته فلما نسيه فارقه ذَلِكَ فنالَتْه الآفةُ في جميعه ولا داء أَشملَ للبدن من الجُذام ولا أَفسد للخِلْقَة.
قَالَ أبو سليمان: أمّا التَّفسير فعلى ما ذكره أبو عبَيْد لم يُؤْتَ فيه من قِبَل البيت إلا أنه أغفل بيان المعنى واقتصر عَلَى اللفظ وسنذكر المعنى فيه إذا أتينا عَلَى الاحْتِجاج لقوله: وانفصلنا له من ابن قتيبة إن شَاءَ الله وقد سُبق أبو عُبَيد إلى هذا التفسير ورُوي معناه عن سويد بن جبلة الفزاريّ أخبرنا محمد بن المكي ثنا الصائغ نا سعيد بن منصور نا فرج بن فُضالةَ عن لقمان بن عامر عن سُوَيد بن جبلة قَالَ: سمعته يقول: ما أُبالي تَعَلّمتُ سورةَ من القرآن ثُمَّ تركتها أو مَشيتُ في الناس مقطوعةً يدي فمعلوم أن سُوَيدًا إنّما تلقّاه من الخبر وأَن الأَجذمَ عنده المقطوعُ اليدِ دُونَ الَّذِي أصابه الجذام وكذلك تفسير الأَجْذَم إنما هُوَ الأقطع في عامّة ما ورد من الأخبار مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ أَجْذَمُ" 1. أي أَقْطَعُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شهادة كاليد الجذماء" 2.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عبد الرحمن بن
__________
1 أخرجه ابن ماجه 1/ 610 بلفظ: "أقطع".
2 أخرجه أبو داود في الأدب 4/ 261 بلفظ: "تشهد" وكذلك الترمذي 3/ 405. وأما أحمد في 2/ 302 و 343 فخرجه بلفظ: "شهادة".
(1/310)

المبارك السدوسي ثنا عبد الواحد بْنُ زِيَادٍ ثنا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ كَالْيَدِ الجذماء".
وحدثنا عبد الرحمن بن الأسد ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَمْ تَزَلْ مُحِيطَةً بِمَدِينَتِكُمْ هَذِهِ مُنْذُ قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى الْيَوْمَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَذْهَبَنَّ ثُمَّ لا تَعُودُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ لا يَقْتُلُهُ رَجُلٌ إِلا لَقِيَ اللَّهَ أَجْذَمَ لا يَدَ لَهُ ومثله 1. في الحديث كثير.
وأما القول فيه عَلَى مذهب أهل اللغة فإن تقديرَ الأَجذَم عندهم من الجَذْمِ تِقْدير الأقطع من القَطْع لا يكادون يقولون أقطع وهم يريدون مقطوعَ الأذن أو مجدوع الأنف إنما يُنزِلُونه خصوصًا عَلَى المقطوعِ اليدِ هذا هُوَ الظاهر في عُرْف اللغة فأما مَنْ أُبَين منه عُضْو غير اليَدِ فإنما يَضاف القطع إليه باسمه وكذلك الأَجذَم إذا أطلق فإنما يَلْقى مَنْ جُذِمَت يده أي قُطعت وقلَّ ما يقال: فيمن أصابه داءُ الجذام أَجذم إنما يقال مَجْذوم وبه جاء الخبر وهو ما يروى أَنَّهُ قَالَ: فِرَّ من المجذومِ فِرارك من الأسَدِ 2.
فأما قوله: في مشاكلة العقوبات الذنوبَ واطّراد القياس فيها عَلَى ما تمثَّل به من آية الربا ففيه نظر وقد جاء في الحديث: "مَنْ تحلمَّ كاذبا فَقَالَ رأيتُ ما لم يَرَ كُلِّفَ عَقد شعيرة في النار" 3.
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 11/ 445.
2 أخرجه البخاري 7/ 164 بنحوه وأحمد 2/ 443 بمثله.
3 أخرجه البخاري 9/ 54 وأبو داود 4/ 206 والترمذي 4/ 538 وغيرهم.
(1/311)

وكان الواجب عَلَى هذا القياس أن تناله العقوبةُ في عينه 1 إلا أنَّا لم نُكَلَّف القياس في أمر الآخرة وإنما ننتهي من علمه إلى ما نطق به القرآن ووردت به الأخبار الصحيحة ولو كان القياس الَّذِي اعتبره في مشاكلة العقوبات الذنوب معنى صحيحًا لكانت أحكام الدُّنيا بها أَولى إذ كُنا متعبدين بالقياس فيها وقد وجدنا كثيرًا من الحدود والعقوبات الواجبة فيها معدولًا بها عن مواقعة الأَعْضاء التي باشرت تلك الذّنوب المُوجبة لتلك العقوبات ألا تَرَى أنّ القاذفَ يقذِفُ بِلسانه فيُجلدُ ظهرهُ والزَّانِي يزني بفرْجه فيفرَّق الحدُّ عَلَى أعضائه ويُجْتَنَب الفرجُ خاصة مَعَ سائر المَقَاتِل والله أعلم بالمصالح وله أن يتَعَبَّدنا بما شَاءَ من حُكمه وكل ذَلِكَ حكمةٌ وصَوابٌ وإن زَلّت عنه أفهامنا لم تُدركْه عقولنا مَعَ أن قَولَ ابن قتبية إذ يقول ولا سبب لليد في نسيان القُرآن ينقض كلامه في الفصل الآخر حين يقول لأَنَّ اليد لم تخرج عن رعاية القرآن ولم تخلُ من حفطه والعجَبُ منه حين لم يَقْنَع من عقوبته بقطع اليد وإبانة الكَفّ ثُمَّ رَضِيَ بقَطْع الأصابع والنَّقص العارض لبعض الأعضاء ومعلوم أن الجُذامَ داء يعالَجُ فيَزُول وأن العُضْوَ المقطوع تالِفٌ لا يعود.
قَالَ أبو سليمان: ومعنى الخبر ما ذهب إليه ابن الأعرابي: محمد بن زياد.
قَالَ ابن الأعرابي: هذا مَثَلٌ والمعنى أنّ مَنْ نَسِيَ القرآن لَقِيَ الله خالِيَ اليَدِ من الخَيْرِ صَفِرها من الثواب كَنَى باليد عَمَّا تَحويه اليَدُ وتشتمل عليه من الخير كقولهم إذا وصَفُوا الرجلَ بانقطاع القُدرَة فُلانٌ لا يَدَ له وإنه لقَصير اليَدِ إذا كان بخيلًا كما قَالُوا جَعدُ البَنَان وكَزُّ البنانِ وفلان طويل اليد
__________
1 س: "عينيه".
(1/312)

إذا وصف بالجودِ وبسط المَقْدِرة وقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِنِسَائِهِ أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" 1. فَكَانَتْ سَوْدَةُ وَكَانَتِ امْرَأَةً تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
ويدُلّ عَلَى صِحَّة ما ذهب إليه حَدِيثٌ حَدَّثَنِيه بُكَيْرُ بْنُ الْحَدَّادِ نا أَبُو السَّرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الأنْصَارِيُّ نا عِصْمَةُ بنُ فَضَالَةَ الزُّرَقِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ لَا تَعَجَّلُوا ثَوَابَ الْقُرْآنِ فِي الدُّنْيَا فَتَلْقَوُا اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَيْدِيكُمْ مِمَّا حَمَلْتُمْ صِفْرٌ" 2.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ: مُجَاهِدٍ حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا قُتَيْبَةُ نا الْفُضَيْلُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقُرْآنُ يَشْفَعُ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ رَبِّ جَعَلْتَنِي فِي جَوْفِهِ فَأَسْهَرْتُ لَيْلَهُ وَمَنَعْتُهُ كَثِيرًا مِنْ شَهَوَاتِهِ وَلِكُلِّ عَامِلٍ عُمَالَةٌ فَيَقُولُ ابْسُطْ يَدَكَ أَوْ يمينك فيملوؤها مِنْ رِضْوَانِهِ وَلا يَسْخَطُ عَلَيْهِ بَعْدَهَا.
وفيه وجه آخر وهو أن تكون اليدُ ها هنا بمعنى الحُجَّةِ والبرهان وإلى هذا أشار طَلْقُ بن حبيب أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عن عَبْد الكريم أَبِي أُميَّة 3 عن طَلْق بن حبيب قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ من غير عُذْر جاء يوم القيامة مخصوما 4.
__________
1 أخرجه البخاري 2/ 131 والنسائي 5/ 67 وأحمد 6/ 121.
2 لم أقف عليه في كتب الحديث التي بين أيدينا.
3 عبد الكريم بن أبي المخارق بضم الميم وبالخاء المعجمة أبو أمية المعلم البصري "عن تقريب التهذيب" 1/ 516.
4 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 360.
(1/313)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَمُوتُ لِمُؤْمِنٍ ثَلاثَةٌ 1 مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ 2". وهذا أيضًا مِمّا فَسَّره أبو عبيد في كتابه 3 فقال: نرى قوله: "تَحِلَّةَ القَسَمِ" يعني قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} 4 يقول: فلا يرِدُها إلا بِقَدْرِ ما يبرُّ اللهُ قَسَمَه فيه.
وعارضه ابنُ قُتَيبة في كتابه الموْسُوم بإصلاح الغَلَط كما عارضه في الحديث الأول فَقَالَ هذا مذهب الحسن من الاستخراج إن كان هذا قَسَمًا قَالَ: وفيه مذهب آخر أشبهُ بكلام العرب ومعانيهم وهم وإذا أرادوا تَقليل مَكثِ الشيء وتقصيرَ مُدَّته شَبَّهوه بتحليل القسم وذلك أن يقول الرجل بعد إن شَاءَ الله فيقولون ما يقيم فلانٌ عندنا إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ وما ينام العليلُ إلا كتَحْليل الأَلِيَّةِ وكَحَسْوِ الطير وهو كثير مَشْهور في الكَلامِ والشِّعر قَالَ: ومعناه عَلَى هذا التأويل أَنَّ النارَ لا تمسّه إلا قليلًا كتحليل اليمين ثُمَّ يُنجيه اللهُ منها.
قَالَ أبو سليمان: ولا إِشكال أنّ معنى الحديث ما ذهب إليه أبو عبيد إلا أنه أغفل بيان موضع القَسَم فتوَهَّم ابن قتيبة أنه ليس بقسم وقد جاء ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ حَدَّثَنِيه الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلَانِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ نا رشدين بن سعد نازبان بن فايد
__________
1 م, ط: "ثلاثة أولاد".
2 أخرجه البخاري 2/ 93, 8/ 167 ومسلم 4/ 2028 والترمذي 3/ 365 والنسائي 4/ 25 وغيرهم.
3 غريب الحديث 2/ 16.
4 سورة مريم: 71.
(1/314)

عَنْ سَهْلِ 1 بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَرَسَ لَيْلَةً مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَأْخُذْهُ السُّلْطَانُ لَمْ يَرَ النار تسمه إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ 2". قَالَ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} 3 وَفِي هَذَا مَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا معاذ بن المثنى نا عبد الرحمن الْمُبَارَكِ السَّدُوسِيُّ نا سَعْدُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ كَيْسَانَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لابْنِ الزُّبَيْرِ لِصَنِيعٍ كَانَ مِنْهُ: "لا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلا قَسَمَ الْيَمِينِ". وهذا اللفظ خارجٌ عَن جملة ما حكاه ابن قُتَيْبَة من مذاهبهم فِي تحلة القسم لأنهم لم يقولوا إذا أرادوا تَقليل مَكثِ الشيء وتقصيرَ مُدَّته لم يكن ذَلِكَ إلا قسمَ اليَمِين كما قَالُوا لم يكن ذَلِكَ إلا تحِلَّة القَسَم وإنما هُوَ عَلَى التَّفْسير الأول الَّذِي ذهب إليه أبو عُبَيد.
قَالَ أبو سليمان فإن قيلَ: فأين موضع القَسَم من قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا َعلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} 3 قيل هُوَ مَردودٌ إلى قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} 4 ... الآية.
وفيه وجه آخر وهو أن العرب تَحلف وتُضْمِر المُقْسَم به كقوله: {وَإِنْ
__________
1 م: "عن سهل عن معاذ بن أنس". وفي تقريب التهذيب 1/ 337: سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الجهني نزيل مصر لابأس به إلا في روايات زبان عنه.
2 أخرجه أجمد في مسنده 3/ 137 بلفظ: "من حرس من وراء المسلمين" الخ.
3 سورة مريم: 71.
4 سورة مريم: 68.
(1/315)

مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} 1 معناه وإنّ منكم واللهِ لمَنْ ليبطئَن فأضمر والله وكذلك قَولُه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} 2 المعنى وإن منكم واللهِ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا قيل: هُوَ مَردودٌ إلى قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} الآية 3
__________
1 سورة النساء: 72.
2 سورة ميرم: 71.
3 ساقط من نسخة م, ط.
(1/316)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى أُحُدٍ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ انْخَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي كَتِيبَةٍ كَأَنَّهُ هَيْقٌ يَقْدُمُهُمْ 1.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
الهَيْقُ الظَّليمُ قَالَ امرؤُ القَيس:
كجُؤْجُؤِ هَيْقٍ زِفُّهُ قد تَمَوَّرا 2
وقال آخَرُ يصف فرسًا:
ولها برْكَةٌ كجُؤْجُؤِ هيق ... ولبان مضرج بالخضاب
__________
1 المغازي للواقدي 1/ 219.
2 الديوان /267 وصدره: "وخد أسيل كالمسن وبركة".
(1/316)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا خَرَجَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلُوا الأَبْوَاءَ قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ لأَبِي سُفْيَانَ بن حرب لو نجثم قَبْرَ آمِنَةَ أُمِّ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ بالأبواء 1.
__________
1 أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 2/ 273 بلفظ: "لو بحثتم" بدل "لو نجثتم".
(1/316)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَاصِمٍ الأَسْلَمِيِّ.
قَوْلُهَا: نَجَثْتُمْ أَيْ نَبَشْتُمْ وَالنَّجْثُ اسْتِخْرَاجُ الدَّفِينِ وَمِنْهُ النجيثة وهو تُرابُ الْبِئْرِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيُقَالُ: نَجَثْتُ مَا عِنْدَ فُلانٍ إِذَا اسْتَنْبَطْتَ رَأْيَهُ وَرَجُلٌ نَجِثٌ إِذَا كَانَ يَسْتَخْرِجُ الأَخْبَارَ قَالَ الأَصْمَعِيُّ فِي أُرْجُوزَتِهِ:
لَيْس بِقَسَّاسٍ وَلا قَمٍّ نَجِثْ ... وَلا بِجَوَّاظِ العشيات مغث 1
__________
1 م: "ولا تم نجث". وكذلك روي في اللسان والتاج "نجث".
(1/317)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ الْخَيْلِ الْحُوَّةُ" 1.
ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ طَلْحَةَ 2 بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ.
الحُوَّةُ: سواد ليس بالشَّديد والنَّعتُ منه أحوى وهو الكميث الَّذِي يعلوه سَوادٌ قَالَ الطِّرمَّاح يصف ثورًا:
أَحَمُّ بأطرافه حُوَّةٌ ... وسائِرُ أجلادِه واضِحَه 3
وقال ذو الرمة يصف روضة:
__________
1 م, ح: "الحو" وذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 516 بلفظ: "الحر" ولعله تحريف من الحو وعزاه لابن أبي شيبة. وفي النهاية 1/ 465 بلفظ "الحو".
2 م: "عن طلحة عن عمرو" وفي التقريب 1/ 379: طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي مات سنة 152 ه.
3 الديوان /77.
(1/317)

قَرحاءُ حَوّاءُ أَشراطِيَّةٌ وكَفَت ... فيها الذِّهابُ وحَفَّتْها البَراعِيم 1
يريد أنها لرِيِّها وخُضرتِها تَضْرِب إلى السّواد.
قَالَ الأصمعي: يقال: حَوِي الفرسُ يَحْوَى حُوَّةً. وقال أبو حاتم: يقال: احووى واحواوى.
__________
1 اللسان والتاج "قرح" والديوان /573.
(1/318)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ الأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ فَقَالَ: "لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ" 1. قَالَ بُرَيْدَةُ: فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَوْ علمت أن نبي الله اسْتَمَعَ لِقِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهَا.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: آل داود أراد داودَ نَفسَه لأنَّا لا نعلم أحدًا من آله أُعطِي من حُسْن الصّوت ما أُعطِيه داود.
أخبرني أبو رَجَاء الغَنَويّ نا أَبِي نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ سمعتُ أبا عُبَيْدةَ معمر بن المثنى وسأله رجلٌ عن رجل وصَّى 2 لآل فلان أَلِفُلان نَفسِه المُسَمَّى من هذا الشيء قَالَ نعم قَالَ الله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} 3 ففرِعَوْن أولُهم وأنشد:
ولا تَبكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أَجَنَّه ... عَلِيٌّ وعبَّاسٌ وآلُ أَبي بكرِ
يريد أبا بكر نفسه.
__________
1 أخرجه مسلم 1/ 546 وأحمد 5/ 439, 351, 359 ومصنف عبد الرزاق 2/ 485.
2 م: "أوصى".
3 سورة غافر: 46.
(1/318)

قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ. وثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ثنا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ كَانَ الْحَسَنُ إِذَا صلى على النبي قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ أَحْمَدَ 1 كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ يريد بآل أحمد نِفْسَه لأن المفروضَ من الصلاة ما كان عليه قَالَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 2 وقد يكون آلُ الرجل أهلَ بيته الأدنَين.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو سَعِيدِ بن الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا شَاذَانُ نا شَرِيكٌ عَنِ الأَعْمَشِ عن يَزِيدُ قَالَ قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ قَالَ آلُ عَبَّاسٍ وَآلُ عُقَيْلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} 3 قال: من أهل دين قَالَ: وَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلا فِي الرَّئِيسِ الَّذِي الْبَاقُونَ لَهُ تبع. قال: وكذلك آلُ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هُمْ أُمَّتُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ قَالَ فَإِذَا جَاوَزْتَ هَذَا فَآلُ الرَّجُلِ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً.
وَقَوْلُهُ: لحبَّرتُها يريد تحْسِينَ القِراءةِ وتَحْزِينَ الصَّوتِ بها يقال: حَبَّرتُ الشيءَ إذا حَسَّنتَه وكان طُفَيْلٌ الغنويّ في الجاهلية يُدعى المحبر لتجويده الشعر وتحسينه إياه.
وأخبرني ابن الفارسيّ هُوَ محمد بن القاسم بن الحكيم أبو بكر 4 نا محمد بن يحيى المَرْوَزِيّ نا أبو بلال الأَشْعريّ نا عامِرُ بن سَيَّار عن يَحْيَى بن أبي كَثير في قوله تعالى: {فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} 5 قال الحبر: السماع في
__________
1 ط: "آل محمد".
2 سورة الأحزاب: 256.
3 سورة البقرة: 49.
4 من م.
5 سورة الروم: 15.
(1/319)

الجَنَّة. وقال غَيرُه: يُحبَرون يُسَرُّون. والحَبْرَةُ والحَبَرُ السُّرور وأَنشد:
الحمدُ لله الذي أعطى الحبر 1
__________
1 اللسان والتاج "حبر" وعزي للعجاج وهو في ديوانه /4.
(1/320)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ وَالأَفْنُ وَالذَّامُ 1.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ نا الرَّمَادِيُّ نا سُفْيَانُ أَخْبَرَنِي أَبُو هَارُونَ الْمَدِينِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ ذَلِكَ.
قوله: السَّامُ فسَّره أبو عُبَيد في كتابه وقال: هُوَ الموتُ. قَالَ أبو سليمان: وتأوَّله قتادةُ عَلَى خلاف هذا.
حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتّاب العَبْدِيّ نا يحيى بن أَبِي طَالِبٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ أنا سعيدُ بن أبي عَرُوبة قَالَ: كان قتادةُ يُفسِّر السَّام عليكم تسأمون دينكم وهو مصدر سَئِمتُه سآمةً وسَآمًا مثل رَضَاعةٍ ورضاع ولذاذة ولذاذ والأَفْن النَّقْصُ ومنه قَولُهم رجلٌ أَفِين أي ناقِصُ العقل وفي مَثَل للعرب إنَّ الرِّقِينَ تُذهِب أَفْن الأَفِين 2 قَالَ قَيسُ بن الخَطيم:
رددنا الكتيبةَ مَفْلُولَةً ... بها أفنها وبها ذامها 3
__________
1 البخاري 8/ 71, 104 والترمذي 5/ 60 وأحمد 6/ 37, 199 وغيرهم بدون لفظ: "الأفن".
2 اللسان "رقن" وجمهرة الأمثال 2/ 339 ومجمع الأمثال 2/ 367 والمستقصي 2/ 372. وروايته فيها: "وجدان الرقين يغطي أفن الأفين". وفي ت: "إن وجان الرقين .. " وفي ط: " ... تذهب الأفن الأفين".
3 اللسان والتاج "ذيم" برواية: "يرد الكتيبة مفلولة". ولم أقف عليه في ديوانه.
(1/320)

ويقال أفنت الناقة إذا استوعبت حَلَبًا قَالَ الشاعر:
إذا أُفِنَت أَروَى عِيالَك أَفْنُها ... وإن حُيِّنَتْ أَرْبَى عَلَى الوَطْبِ حينُها 1
وهذا راجع أيضًا إلى النَّقْص. والذّامُ العَيْب وهو الذَّابُ والذَّانُ ومنه قولهم: "لا تَعْدَم الحسناء ذَامًا"2.
قال لبيد:
وكثيرة غرباؤها مجهولةٌ ... تُرجَى نَوافِلُها ويُخْشَى ذامُها 3
يقال: ذَامَة يذِيمُه وذَمَاهُ يَذْمِيه مَقلوبًا وفيه لُغَة أخرى ذَأَمَه يَذْأَمُه ذَأْمًا مهموز وَرُوِيَ أَنَّ رسول الله قَالَ لِعَائِشَةَ: "لا تَقُولِي ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَاحُشَ" 4. أراد بالفُحش عُدْوَان 5 الجوابِ لا الفُحْش الَّذِي هُوَ من قَذَع الكلام والفُحشُ زيادة الشيء عَلَى مقداره
ومنه قول الفقهاء: يصلى في دم البَراغيث إذا لم يكن فاحِشًا أي كثيرًا غالبًا وقال النُّمِرُ بن تولَبِ:
وقد تَثَلَّمَ أنيابِي وأدركني ... قِرنٌ عليَّ شَدِيدٌ فاحِشُ الغلبة 6
__________
1 اللسان والتاج "أفن" وعزي للمخبل.
2 جزء من بيت جاء في اللسان "ذيم" والبيت:
وكنت مسودا فينا حميدا ... وقد لاتعدم الحسناء ذاما
وهو مثل جاء في الفاخر /155 وجمهرة الأمثال 2/ 398 ومجمع الأمثال 2/ 213, والمستقصي 2/ 256 واللسان "ذيم".
3 شرح الديوان /317.
4 رواه مسلم 4/ 1707 وغيره.
5 س: "عدو الجواب".
6 الديوان /37.
(1/321)

وقال امرؤُ القيس:
وجِيدٍ كجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحشٍ ... إذا هي نَصَّتْه ولا بُمعَطَّلِ 1
جعل زِيادَةَ الجِيدِ عَلَى مقداره المُسْتَحْسن فُحشًا.
وَفِي خَبَرِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ 2 عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ" قَالَتْ: أَوَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالُوا: قَالُوا السام عليك قَالَ: "قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ" 3.
قَالَ أبو سليمان وهذا أحسن من رِواية مَنْ قَالَ وعليكم بالواو لأَنّ هذا مَعْناه رددتُ ما قلتموه عليكم وإذا أدخلتَ الواوَ صار المعنى فعلي وعليكم لأن الواو حرف الجمع 4 والتشريك.
__________
1 الديوان /16. ونصته: مدته وأبرزته
2 ساقط من م.
3 أخرجه مسلم في 4/ 1706 وغيره.
4 من ت, م.
(1/322)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيَّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آيَاتُ الإِسْلامِ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ إِلَى اللَّهِ وَتَخَلَّيْتُ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ كُلُّ مُسْلِمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ أَخَوَانِ نَصِيرَانِ" فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا دِينُنَا قَالَ: "هَذَا دِينُكُمْ وَأَيْنَ مَا تُحْسِنُ يَكْفِكَ" 1.
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ نا ابن عُلَيَّةُ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عن أبيه عن جده.
__________
1 م: "بكفك" وفي الهامش: "أينما تحسن ماتعمله بيدك فاعمل ولاتنسه". أخرجه أحمد في مسنده 5/ 4, 5.
(1/322)

قوله: تَخَلَّيتُ معناه تَبَرَّأْتُ من الشِّركِ وانْقَطَعْتُ عنه وفي هذا حُجَّةٌ لَمنْ ذَهَب إلى أن المُشرِكَ لا يكون مُسلِمًا حتى يتكَلَّم بالشَّهادةِ ويتبرَّأَ من دِينهِ لأن بعضَ أهلِ الشرك يُؤمِن بالله وهو يُنِدُّ 1 معه ويؤمن برسوِله وهو لا يراه خَاتِم الأَنْبياء.
وقوله: كل مُسلِم عن مسلم مُحرِم فإن المُحرِمَ في أشياء يقال أَحرَم الرجلُ إذا دخل في الحَرَم وأَحرَم إذا دخل في الشهر الحَرَام وأَحْرَم إذا اعْتَصَم بحُرْمَةٍ وقال الشاعر:
فَيَعلُم حَيَّا مالكٍ ولَفِيفُها ... بأَنْ لَستُ عن قَتْل الحُتاتِ بمُحرِم
وقال آخر:
قَتَلُوا ابنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحرِمًا ... ودَعَا فلم أَرَ مثلَه مَخذُولًا 2
يريد أنهم قتلوه في الشَّهر الحرام. وقال زُهَيْر:
وكَمْ بالقَنان من مُحِلٍّ ومُحرِم 3
والمحل: المحارب هاهنا والمُحرِم: المُسالِم.
ومعنى الحديث أَنَّ المُسِلمَ مُعتَصِم بالإسلام مُمتنِع بحُرْمِته مِمَّن أراد دَمَه أو مالَه.
وقوله: "أَخوان نَصِيران" معناه أنّ من حَقّ المُسلِمَيْن أن يَتعاونَا ولا يَتخاذَلا وهذا كقوله: "وهم يد على من سواهم" 4.
__________
1 يند معه: يتخذ معه أندادا.
2 ح: "مقتولا" بدل "مخذولا. وهو في اللسان والتاج "حرم" وعزي للراعي. وهو في ديوانه /144.
3 في الديوان /11. وصدره: "جعلن القنان عن يمين وحزنه". والقنان جبل لبني أسد.
4 أخرجه أبو داود في مواضع منها في الديات 4/ 181 والنسائي في 8/ 19 وأحمد في مسنده 1/ 122 وغيرهم.
(1/323)

وقوله: وأَينَ ما تُحْسِن يَكْفِك يقول لا تَعْجَز أن تَفْعَل خَيرًا وإن لم يكن عليك فرضًا.
(1/324)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ قَالَ: "لا يَكُونُ لِرَجُلٍ إِبِلٌ لا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ ثُمَّ جَاءَتْ كَأَكْثَرِ مَا كَانَتْ وَأَغَذِّهِ وَأَبْشَرِهِ فَوَطِئَتْهُ بِأَخْفَافِهَا" 1.
أَخْبَرَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا إسحاقُ بن إبراهيم نا أَبو الأَشْعَثِ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ 2 عَنْ أَبِي هريرة.
قوله: وأبشره يريد وأَحسَنه وأَسْمَنه والبَشارةُ الجَمالُ قَالَ الأَعْشَى:
ورأَت بأَنَّ الشيبَ خَالَطَه البَشَاشَةٌ والبَشَارَهْ 3.
ويقال: رجل بَشِير أي جميل وامرأةٌ بَشِيرَةٌ من نِساءٍ بَشائِر. وقال جَرير:
يا بَشْرُ حُقَّ لوجهك التَّبشِيرُ ... هلا غَضِبت لَنَا وأَنتَ أمير 4
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 680, 681 وأبو داود 2/ 125 والنسائي 5/ 13 وغيرهم بنحوه في حديث طويل.
2 هامش س: "هو أبو عمر الغداني وفيل أبو عمرو ذكره ابن حبان في كتاب الثقات".
3 الديوان /76 ط دمشق وديوانه ط بغداد /57.
4 الديوان /301.
(1/324)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُمَّ حَكِيمَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ أَتَتْهُ بِكَتِفٍ فَجَعَلَتْ تَسْحَلُهَا لَهُ فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يتوضأ 1.
__________
1 أخرجه السيوطي في الجامع الكبير 2/ 758 وعزاه إلى ابن عساكر في تاريخه بلفظ: "تسحاها" وذكره الهيثمي في مجمعه 1/ 253 بلفظ: "فجعلت أسحاها له وعزاه للطبراني في الكبير".
(1/324)

يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ نا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ الزُّبَيْرِ.
قوله: تَسحَلُها أي: تَكْشِط ما عليها من اللّحم ومنه أُخِذَ المِسْحَل وهو المِبردُ ومن هذا ساحِلُ البحر وذلك أن الماء قد سَحَله جاء بلفظ فاعل ومعناه مَسحولُ ويُروَى فجعلتْ تَسْحَاها أي تَقشِرها
يقال: سَحوتُ الشيءَ أسحُوه وأسحاه ومن هذا سُمِّيت سِحاءَةُ القِرطاس وكذلك المِسحاةُ التي يُعمَل بها الطِّين.
وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ نا الأَصْمَعِيُّ قَالَ: قول العامة ليس لمِسْحاتِك عندي طين خَطَأ إنما هُوَ ليس لسحاتك 1 عندي طين.
__________
1 س: لسحائك.
(1/325)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا لِلْمُضَمَّرِ الْمُجِيدِ" 1.
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلانِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى يَزِيدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ.
المُضَمِّر هُوَ الَّذِي ضَمَّر خيلَه إذا أعدَّها لِغزْوٍ أو سِبَاق وهو أن يُظاهِر عليها بالعَلَفِ حتى تسمن وتَقوَى ثُمَّ لا تُعلَفُ إلا قُوتًا ليكون أَنْجَى لها وأَخفّ والمُجِيدُ صاحب الجِياد من الخَيْل يقال: رجل مُجِيد كما يقال:
__________
1 أخرجه النسائي في 4/ 174 بلفظ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام". وقد ذكره الهيثمي في مجمعه 3/ 194 بلفظ: "المضمر الجواد" ... عن معاذ بن أنس وعزاه لأبي يعلى وعن أبي أمامة ونحوه وعزاه للطبراني في الكبير.
(1/325)

مقو إذا كانت دوابه أَقْوياء ومُضعِفٌ إذا كانت ضِعافًا. وفي بعض الحديث: المُضعِف أَمِيرُ القوم 1. وقال الفرزدقُ لجرير:
ولقد شَدَدتَ عَلَى المراغَةِ سَرْجَها ... ولقد نزلْتَ وأنتَ غيرُ مُجِيد 2
أي غَير مُنجِب وقال آخر:
إنَّ النّجابةَ والإجادةَ فاعْلَمي ... عند العَقائل من بَنِي أَنمار 3
ومعنى الحديث أَنَّ الصائمَ يُباعِدُه الله من النّار مسافة سَبْعين سَنَةً رَكْضَ المضامير من الخيل.
__________
1 الفائق "ضعف" 2/ 340 برواية: "المضعف أمير على الصحابة" يعني في السفر لأنهم يسيرون بسيره. وفي النهاية "ضعف" 3/ 88 برواية: "الضعف أمير الركب".
2 لم أقف عليه في ديوانه ط بيروت.
3 في هامش س: "والنجادة" بدل "والإجادة" والمثبت من م, ح, ط, ت.
(1/326)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الصِّلاةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي الْكَبْشَ ثُمَّ الَّذِي عَلَى أَثَرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ ثُمَّ الَّذِي عَلَى أَثَرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سعدان نا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ 2
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ مَالِكٍ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا
__________
1 البخاري 2/ 3, 14 ومسلم 2/ 582, 587 والنسائي 3/ 97 - 99 وغيرهم.
2 انظر صحيح مسلم 2/ 587.
(1/326)

ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ 1 عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ.
وَأَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً" 2.
قد يعرض الإِشكالُ من هذا الحديث في مَوْضِعَين أحدهما قوله: مَنْ راح في الساعة الرابعة والخامسة لأَنَّه يوهّم جواز تأخير صَلاة الجمعة عن أول وقتها إلى الساعة الرابعة أو الخامسة وهذا فاسِدٌ.
والموضِع الآخر أنه لمّا فاضل بين الساعات جعل الرائحَ في الساعة الرابعة كَمَن أَهدى دجاجة وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ كمن أَهْدَى بَيْضَة واسمُ الهَدْي لا يقع عَلَى الدَّجاجة والبيضة غالبًا.
وأما الغَنَم فقد اختلف الفقهاءُ فيها فَقَالَ بعضهم: ليست بهَدي والأكثرون منهم يجعلونها هَدْيًا وثمرة هذا الخلاف أن يوجب الرجل عَلَى نفسه هديًا فإذا ذبح شاة أجزاه عن نَذْره في قولِ مَنْ رآها هَدْيًا ولا يُجزِيه في قول الآخرين إلا بَدَنةٌ أو بقرةٌ.
أما قوله: راح في الساعة الرابعة والخَامِسَة ففيه وجْهَان أحدهما
__________
1 التقريب 2/ 184: ابن أبي ذئب هو مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المغيرة القراشي العامري أبو الحارث المدني ثقة فقيه فاضل "ت 158 ه".
2 أخرجه البخاري في 2/ 3 وأبو داود 1/ 96 وغيرهما.
(1/327)

ما ذَهَب إليه مالكُ بن أنس. أخبرني الحسنُ بنُ يَحْيى عن ابنِ المُنذِر قَالَ: كان مالِكُ بنُ أنس يقول في هذا الحديث: لا يكون الرواح إلا بعد الزَّوال قَالَ وهذه الساعات كلّها في ساعةٍ واحدةٍ من يوم الجمعة يذهَبُ إلى قولِ القائل جِئتُ منذ ساعة وقَعدتُ عند فلانٍ ساعةً وتحدَّثتُ معه ساعةً وما أشبه ذَلِكَ يريدُ به جُزءا من الزمان غَيَر مَعلُوم دُونَ الساعاتِ التي هي أوراد الليل والنهار وأقسامهما.
والوَجْهُ الآخرُ ما ذهب إليه محمدُ بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِيّ.
أخبرني أحمدُ بنُ الحُسيْن التّيمِيّ قَالَ: قَالَ أبو عَبْدِ الله قولُه: راحَ إلى الجُمُعة وهَجَّر إلى الجُمُعة في هذا الحديث إنما هُوَ بعدَ طلوعِ الشّمس كأنه يذهبُ إلى معنى القَصْد منه دُونَ الفِعْل وذلك أَنَّه إنما تُصلَّى الجُمُعة بعد الرَّواح فسُمِّي رائحًا بالقَصْد وهذا كما قيل للمتساوِمَيْن مُتَبايَعَان لِقَصْدِهما البَيْعَ وللمُقْبِلينَ إلى مكَّةَ حُجَّاج ولمّا يَحُجُّوا بَعْد وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" 1 يُرِيد مَنْ أشرفَ عَلَى المَوْت ومثلُه كَثِير وزعم بعضُهم أَنَّ الرّائح هُوَ الخارِجُ عن أَهلِه وكلُّ مَنْ خرج في وقت من الأوقات فقد رَاحَ قَالَ وعلى هذا مَذْهَب العَرَب إذا أرادوا الرَّحِيل أيَّ وقت كان من ليلٍ أو نهارٍ قَالُوا: الرَّواح.
قَالَ أبو سليمان: والأَمرُ في هذا واضح غيرُ مُشكِلٍ والفَرقُ بين الأمْرين موجودٌ في مُسْتَفِيض كَلامِ النَّاس أَلا تراهم يَقُولُون غَدوْنا ورُحْنا إلى بَابُ فُلان وغَدوتُ إلى السُّوق ورُحتُ إلى أهِلي.
قَالَ الله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ
__________
1 أخرجه مسلم 2/ 631 وأبو داود 3/ 190 والترمذي 3/ 306 والنسائي 4/ 5 وابن ماجه 1/ 464 وغيرهم.
(1/328)

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} 1. وقال النابِغَةُ:
أمن آلِ ميّةَ رائحٌ أو مُغتدي 2
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أمنْ آلِ نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فُمهَجِّر 3
وكان أبو الدرْداء إذا رَأَى جنَازةً قَالَ: رُوحِي فإنّا غادون 4 وهذا أبْيَنُ من أن يُستَشْهد له
فأما قَولُهم عند الرَّحِيل الرُّواح فإنَّما يقال ذَلِكَ لأَنَّ رِحيلَ المسافر إنّما يكون في الغالب وَقتَ الرَّواحِ والإِبْراد ثُمَّ كثرُ ذَلِكَ حتى استَجازوا أن يقولوه في غير حِينِه وهذا كقولهم في الاستغاثَةِ عند مُفاجَأة العَدُوِّ أيّ وَقْتٍ كانت واصَبَاحَاه لأن الغالِبَ أن العدوَّ إنما يُصبِّحُ القومَ ويأْتِيهم حالَ الغرة والأمن.
وأما قول ابن أَبِي رَبِيعة:
أيّها الرائحُ المُجدّ ابتكَارَا ... قد قضى من تِهامَة الأَوْطارا
ليتَ ذا الحجَّ كان فرضًا علينا ... كُلَّ يوميْن حِجَّةً واعْتِمارا 5
فإنّه أراد الرّائح إلى منزله المُزْمِعَ الرَّحيلَ بُكْرةَ غَدِه.
وأما قَولُه: أَهْدَى دجاجةً وأَهدَى بيْضةً فمن المحمول عَلَى حُكْم ما تَقدَّمه من الكلام كقولكَ: أكَلْتُ طعامًا وشَرابًا والأكلُ إنما ينصرف إلى الطعام
__________
1 سورة سبأ: 12.
2 ملحق بالديوان /102.
3 الديوان /120.
4 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 549 عن أبي هريرة بمثله.
5 الديوان /176.
(1/329)

دون الشَّراب إلا أَنّه لمَّا عُطِف به عَلَى المذكور قبلَه حُمِل عَلَى حُكْمِهِ كقول الشاعر:
ورأيْتُ بَعْلكِ في الوغَى ... مُتقلّدًا سيفا ورمحا 1
والرمح لا يتقلد لكن يُحْملُ. وقال الآخر:
إذا مَا الغانِياتُ بَرزْنَ يَوْمًا ... وزَجّجْن الحَواجِبَ والعُيونا 2
أي كحّلْن العُيونَ. ومثلُ هذا كَثِيرٌ
فأما حَدِيثُه الآخر في الجُمُعة أنه قَالَ: "مَن بَكر وابْتَكَر وغَسَل واغْتسل" 3. فقد قيل: إنه أراد به بكور الوقت وقيل وأراد إدْراكَ باكورة الخُطْبة وهي أوّلها.
وأخبرني بعض أصحابنا عن ابن الأنباري أنه قَالَ: أَرادَ تقدِيمَ الصَّدقة من قوله: "باكِرُوا بالصَّدَقة فإنّ البَلاءَ لا يتخَطَّاها" 4.
وقوله: غَسَل فقد قيل: أراد غَسْل أَعضاءِ الطَّهارة وقيل أراد غَسْلَ الرأسِ لِمَا في رؤوس العرب من الشَّعَر وقِيل معناه جامع أهله من قولهم فحلَ غُسَلَة إذا كان كثير الضِّراب
وقوله: اغْتَسَل أراد غَسْلَ سائرِ البَدَن. وقال الأثرَمُ هما لفظان بمعنى واحدٍ كُرِّرَا للتَّأكيد أَلا تراه يقول في هذا الحديث: "ومَشَى ولم يَرْكب" وفي خبر آخر: "واسْتَمَع وأَنْصَت". وهذا كُلّه واحِد.
__________
1 اللسان والتاج "قلد". وينسب لعبد الله بن الزبعري.
2 اللسان والتاج "زجج". وينسب للراعي النميري.
3 ت والنهاية 2/ 148: "بكر بتشديد الكاف. وأخرجه أبو داود 1/ 95 والنسائي 3/ 97 وابن ماجه 1/ 346 والدارمي 1/ 363 وابن خزيمة 3/ 128 وغيرهم.
4 ذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 457 وعزاه للطبراني في الأوسط عن علي.
(1/330)

وأما قوله: فالمُهَجِّر إلى الصلاة فإنّ أكثر الناس يذهبون في معناه إلى أنّه من الهَاجِرَة وقت الزوال.
وقد روى أبو داود المَصاحِفِيّ عن النَّضْرِ بن شُمَيْل قَالَ التَّهجِيرُ إلى الجُمُعة وغيرِها التَّبْكِيرُ قَالَ: سمعتُ الخلِيلَ يقول ذَلِكَ في تفسير هذا الحديث.
(1/331)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَجَاضَ الْمُسْلِمُونَ جَيْضَةَ فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ" 1.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قوله: أنتم العَكَّارون يريد أَنتُم الكَرَّارُون والعَكْرُ الانْصراف 2 بعد المُضيّ. يقال: عَكَرْتُ عَلَى الشيء بمعنى عَطفتُ عليه. قَالَ الشاعر:
لما رأيت النفس جاشت عكرتها ... على مسحل وأي ساعة معكر
وأخبرني ابنُ الزِّئبَقِيّ نا محمد بن يونس الكُدَيْمِي نا الأصمعيّ قَالَ: رأيت أعْرابيًّا وهو يَفْلي ثوْبَه فجعل يلتَقِط البَراغِيثَ ويدعُ القَمْلَ فقلت له أتأخذُ هؤلاء وتَدَعُ هَؤُلاء قَالَ: أبدأُ بالفُرسان ثُمَّ أَعكِرُ عَلَى الرَّجَّالةِ.
وقوله: جَاضَ المُسْلمون جَيْضةً 3 فسّره أبو عُبَيْد ومعناه مالوا مَيْلةً وحادوا حيدودة.
__________
1 أخرجه الترمذي 4/ 215 وأحمد 2/ 70, 100, 111 بلفظ: "خاص".
2 ط: الاصراف.
3 ليست في ت, م, ط, ح.
(1/331)

وحدثناه ابنُ دَاسَة نا أبو داود نا أحمد بن يُونُس نا زُهَير نا يزيدُ بن أبي زِياد بإسنادِه مثله وقال: حاصَ النّاسُ حيْصة 1. وهما سَواء.
يقال: حاص الرجل عن الشيء وجاض عنه إذا حاد عنه حذرا أو خوفا. قال أبو عبيدة: خرج أعرابِيٌّ وكانت له امرأةٌ تَفْرَكُهُ وكان يصلفها فأتبعته نواة وقالت شَطَّت نَوَاك ونَأَى سَفَرُك ثم أتبعته رؤثة وقالت رَثَيْتك وراثَ خَبرك ثُمَّ أَتبعَتْه حَصاةً وقالت حاصَ رِزْقُكَ وحُصَّ أَثَرُكَ.
وقوله: "أنا فِئَتُكُمْ" تأويل قوله جل ثناؤه: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} 2 يمهد بذلك عذرهم.
__________
1 أخرجه أبو داود 3/ 46.
2 سورة الأنفال: 16.
(1/332)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ يَتَبَهَّنُونَ بِهِ 1.
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ الرَّاوِي لَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْهُ وأَحسِبه غلطًا إنّما هُوَ فيما أحْسِبه يتَبهْنَسُون به. والتَّبَهْنُس: كالتَّبخْتر في المَشْي يُرادُ أنهم كانوا يَقُودون به راحِلتَه عَلَى رُودٍ ومَهَلٍ فَيَحْكُون سِيرةَ المُتَبَخْتِر ويشبه أن يكون الكاتِب قد مَشَق السِّين من يَتَبهْنَسُون فتوهّمه الرّاوي يتبهَّنُون.
ورَوَى الواقِدِيّ عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلم الزُّهْرِي في إسناد له أَنَّهم أخرجوا دُرَيدًا يوم حُنَين يقاد به في شَجارٍ فَقَالَ: بأيّ وادٍ أنتم قالوا:
__________
1 النهاية 1/ 169.
(1/332)

بأَوْطَاس قَالَ: نِعْمَ مَجالُ الحَرْب 1 لا حَزْنٌ ضَرِسٌ ولا سَهْلٌ دهس ما لي أسمعُ رغاءَ البَعِير ويُعارَ الشَّاء.
قيل ساق مالكُ بنُ عَوْف مع الناس الظُّعُن والأَموالَ فَقَالَ: ما هذا يا مالك قَالَ: أردتُ أن أُحفِظ الناسَ وأن يُقاتِلوا عن أَهْليهم وأموالِهم فأَنْقَض به. وقال راعي ضأن ما له ولِلْحرْب وقال: أنت مُحِلٌّ بقَوْمِك وفاضحٌ عورتَك 2 لو تركتَ الظُّعْن في بلادهم والنَّعَم في مَرِاتعها ثُمَّ لِقيتَ القومَ بالرِّجال عَلَى متُونِ الخَيْل والرّجّالة بين أضعاف الخيل أو متقدّمةً دَرِيَّةً أمام الخيل كان الرأي 3.
الشِّجار: مَرْكب يُهيَّأ للنِّساء وهو أَعوادٌ يُخالَف بينها وهو المِشْجَرُ أيضًا فإن غَشِي بغِشاء صار هَوْدَجًا والضَّرِسُ الخَشِنُ الَّذِي يَعْقِرُ القوائمَ. والدَهِسُ اللَّيِّن الَّذِي تَسوخُ فيه الأَرجلُ قَالَ الأصمعيُّ: الدَّهَاسُ كل لَيّنِ لَيْس يَبلُغ أن يكون رَمْلًا وليس بتُراب ولا طيْنٍ والظُعُنُ النساء يقال للمرأةِ الظَّعِينَةُ لأَنَها تَظْعَنَ مع زوجها إذا ظعَن وقوله: أُحفِظ النَّاسَ أي أَذْمِرُهم للحرب من الحفيظة يقال هذا أمر محفظ 4.
قَالَ الشاعر:
وتَرفَضُّ عندَ المُحْفِظَاتِ الكتَائِفُ 5
وقوله: أَنْقَضَ به أي صَفَّق بإحدى يَدَيْه عَلَى الأُخرى حتى سُمِع لها نَقِيض وهو الصّوْت ويقال: بل أراد بالإنقاض أن ينقر بلسانه في فيه كما
__________
1 الفائق 1/ 138 وهامش م بلفظ: "الخيل" بدل "الحرب".
2 ت: "وفاح بعورتك".
3 المغازي للواقدي 3/ 886 - 888 والسيرة لابن هشام.
4 ت: "محفوظ".
5 اللسان والتاج "رفض" ومقاييس اللغة "كتف" 5/ 160 وعزي للقطامي وهو في ديوانه /55 وصدره:
أخوك الذي لاتملك الحس نفسه
(1/333)

يزجر الحمار ونَحوُه وراعِي ضَأنٍ يَسْتَجْهِله وَيُقَصّر 1 به عن رُتبة من يَقودُ الجيوش ويَسوسُها. ويُقال: أجْهلُ من راعي ضَأن. وقوله: أنتَ مُحِلٌّ بقَومِك يريد أَنَّك قد أبحْتَ حَرِيمَهم وعرَّضْتَ بهم للهلاك. يقال: أحلّ الرَّجلُ إذا خرج من حُرْمةٍ كان فيها فهو مُحِلُّ وأَحْرم إذا اعْتَصَم بحُرْمة فهو مُحِرم قَالَ زُهَيْر:
وكَمْ بالقَنان من مُحِلٍّ ومُحْرِمِ 2
أراد بالمُحِلّ الَّذِي يحلُّ قَتلُه وبالمُحرِم الَّذِي يَحرُم قتلُه.
وقوله: دَرِيَّةً أمام الخيل أي مُقدِّمة لها وستْرًا دونها. والدَّريَّةُ البعير الَّذِي يستَتِر به الرَّجل إذا أراد أن يرمِيَ الوحْشَ فيتركَه يرعَى مع الوحْش حتى إذا بَسِئَت به 3 الوحش وأمكنت من مقاتلها رماها وهي الذَّرِيعة أيضًا قَالَ الشاعر:
وَلِلْمَنيَّةِ أَسْبَابٌ تُقَرّبُهَا ... كما تُقَرِّبُ للوحشية الذرع 4
وأما الدريئة مهموزة فالحَلْقة التّي يُتعلّم عليها الطِعانُ قَالَ عَمرُو بنُ مَعْد يكرب:
ظللت كأني للرماح درئية ... أُقاتل عن أبناء جَرْمٍ وَفَرَّت 5
وفي يتبهَّنون وجْهٌ آخر وهو أن تكون الرَّواية يتيمَّنُون به: أي يَتَبَرَّكون بَرأيه ومَشْهدِه أو يتَهَّبْون به قَالَ الأصمعي: جاء فلان يتهبى إذا
__________
1 س: ويستقصر.
2 الديوان /11 وصدره: "جعلن القنان عن يمين وحزنه" وقد تقدم في اللوحة 116.
3 ح: "نشئت". وبئست به: انت.
4 اللسان والتاج "ذرع" دون عزو.
5 الديوان /45 ط بغداد. وديوانه ط دمشق /55 وأوردا روايات أخرى.
(1/334)

جاء ينفُش يديْه والأَوّل أشبَه والله أعلم. ويدل عَلَى ذلك ما رواه إبراهيم بن مسعد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حضر حُنَينًا دريدُ بن الصّمّة شيخٌ كبير فانٍ ليس فيه شيءٌ إلا التيمُّنَ برأيه ومَعرفتهِ بالحرب وكان شيخًا مُجربًا مِحْرَبًا 1.
__________
1 السيرة لابن هشام 4/ 60 والمغازي للواقدي 3/ 688. وهو من ت, م.
(1/335)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيَّ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَوْتًا بِاللَّيْلِ يَعْنِي رَجُلا يَقْرَأُ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ: "أَتَقُولُهُ: مُرَائِيًا" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: أتقُولُه: يريد أَتظُنُّه قَالَ الشاعر:
متى تَقُولُ القُلُصَ الرَّوَاسِمَا ... يَلْحقْنَ أمَّ عَاصمٍ وَعَاصَما 2
أي متى تَظُنّ القُلُصَ تلْحَقُهما ولذلك نَصَب القُلُصَ.
قَالَ الفرّاء: العرب تجعل ما بعْد القول مَرْفُوعًا عَلَى الحِكاية فتقول قلتُ عبدُ الله ذاهب وقلت إنك قائِم هذا في جميع القَوْل إلا في أَتَقُول وَحْدَها في حرفِ الاستفهام فإنّهم يُنزّلُونها مَنْزلةَ أتظُنّ فيقولون أتقول: إنك خارج ومَتَى تَقُولُ إنّ عَبْد اللهّ منطلق وأنشد:
أَمَّا الرَّحيلُ فدُونَ بَعْد غَدٍ ... فمتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا 3
بنصب الدّار كأنّه قَالَ فمتى تَظُنُّ الدار تجمعنا.
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 485 والإمام أحمد في 5/ 349.
2 اللسان والتاج "قول" برواية: "يدينين أم قاسم وقاسما" وعزي لهدبة بن خشرم.
3 اللسان "رحل" دون عزو.
(1/335)

وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أن رسول الله أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبِ فَقَالَ: "الْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ" ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ.1
قوله: "البِرَّ تَقولُون بهِنّ" معناهُ البِرّ تظنون بهن.
__________
1 أخرجه البخاري في 3/ 63 وغيره.
(1/336)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّاسَ قُحِطُوا عَلَى عَهْدِهِ فَخَرَجَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا 1 ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ ضَاحَتْ بِلادُنَا وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَهَامَتْ دَوَابُّنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْ بَهَائِمَنَا الْحَائِمَةَ وَالأَنْعَامَ السَّائِمَةَ وَالأَطْفَالَ الْمُحْثَلَةَ".2 فِي كَلامٍ غَيْرِ هَذَا.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِقِيُّ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بَزِيعٍ الْخَفَّافُ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنِي سَلامُ بْنُ سَلَمَةَ وكان يقرئ عُمُومَتِي فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قوله: ضاحت بِلادُنا إنما هُوَ فاعَلَت من ضَحَا المكان إذا بَرَز للشمس وَضَحِيَ الرجلُ يَضْحَى إذا أصابه حَرُّ الشَّمس قَالَ الله تعالى: {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} 3 والضَّحَيانُ: البارِزُ للشَّمس يريد أنّ السَّنَة قد أحرقَتِ النَّباتَ والشجَر فبرزت الأرض للشمس.
__________
1 س, ط: فيهما.
2 النهاية "حثل" /399 "ضحا" 3/ 77 "حوم" /465.
3 سورة طه: 119.
(1/336)

وقوله: هامت دوابُّنا أي عَطِشت. والهيمان العطشان والحائمة: هي التّي تنْتابُ أماكنَ الماء فتحومُ عليه أي تطوف ولا تَرِدُ يُرِيد أنّها لا تجد ماء تَرِدُه.
وأخبرني ابنُ الفارسيّ حدثني بعضُ شُيوخِنا عن الزُّبَير بن بَكَّار قَالَ: كان عُمرُ بنُ أبي ربيعة عَفِيفًا يَصِفُ ويَقِفُ 1 ويَحُومُ ولا يَرِدُ قَالَ الشاعر:
وإنّ بِنَا لو تَعْلمِينَ لَغُلّةً ... إِلَيكِ كَما بالحَائِمَاتِ غَليلُ
والأطفال المحثَلَة هم الذين انقطع رضاعهم والحَثْلُ: سوء الرضاع.
قَالَ ذو الرُّمَّة:
بِهَا الذِّئبُ مَحْزُونًا كأَنّ عُوَاءَه ... عُوَاءُ فَصِيلٍ آخِرَ اللّيل مُحْثَلِ 2
والحَثْل أيضًا: سوءُ الحال ومنه قيل لِرُذالةِ النّاس الحثالة ويقال: للصبي السيئ الغِذاء الجَحِن والجَدِع قَالَ أَوسٌ:
تُصْمتُ بالماءِ تَوْلبًا جَدِعَا 3
يقول تُسكِتَ ولدها بالماء من الجوع 4.
قَالَ أبو زيد: والجَحِنُ 5 البطيء الشباب وهو المُقَرقَم قَالَ الراجِز:
__________
1 ط: "ويعف".
2 الديوان /515.
3 الديوان /515 وصدر البيت: "وذات هدم عار نواشرها". والبيت في اللسان "تلب". يصف صبيا.
4 من ت.
5 س: "الحجن" بتقديم الحاء على الجيم. والتصويب من الهامش وكتب اللغة.
(1/337)

أَشْكُو إلى الله عِيَالًا دَرْدقَا ... مقرقمين وعجوزا سملقا 1
__________
1 س: "سملقا" والمثبت من باقي النسخ والرجز في اللسان "قرقم" ولم يعزه والسملق: الفقيرة.
(1/338)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا عَلَى عَهْدِهِ فَقَدِمُوا بِلَحْمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَحَيَّشَتْ أَنْفُسُ أَصْحَابِهِ مِنْهُ وَقَالُوا: لَعَلَّهُمْ لَمْ يُسَمُّوا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: "سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا" 1.
مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ. قوله: تَحيَّشت معناه نَفَرت يقال: حاشَت نفسُه تَحِيشُ حَيْشًا وسمعتُ بعضَهم يرويه تَجيَّشَتْ بالجِيم فإن صحّ فمن قولهم جاشَتْ نَفْسُه أي خَبُثَت وجاشَت نفْسُ الجَبانِ إذا ارتدّتْ من الرُّعُب قَالَ الشاعر:
وجاشَتْ إليَّ النَفْسُ أوَّلَ مرَّةٍ ... فردت على مكروهها فاستقرت
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 4/ 480 بلفظ: "فأنفت" بدل "فتحيشت".
(1/338)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ عَرِبَ بَطْنُهُ فَقَالَ: "اسْقِ ابْنَ أَخِيكَ عَسَلا" 1.
يَرْوِيهِ يُونُسُ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي 2 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أبو زَيْد: يُقال عَرِبَتْ مَعِدتُه تعرب عربا وذريت ذريا فهي عَرِبَةٌ وذَرِبَةٌ أي فسَدَت.
__________
1 أخرجه مسلم 4/ 1737 وأحمد 3/ 19.
2 ح: ابن الصديق الناجي "تحريف" وفي التقريب 2/ 437 أبو الصديق "بتشديد الدال المكسورة" هو بكر بن عمر الناجي بالنون والجيم.
(1/338)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ مَعَهُ فَدَخَلَتْ شَاةٌ لِجَارٍ لَنَا فَأَخَذَتْ قُرْصًا تَحْتَ دَنٍّ لَنَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا
(1/338)

فَأَخَذْتُهُ مِنْ بَيْنِ لَحْيَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكِ أَنْ تُعَنِّقِيهَا إِنَّهُ لا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ هَارُونَ النَّوَّاءُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ نا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
التَّعِنيقُ الأخْذُ بالعُنُق مع شدّة العَصْر لها وبه سُمّي جُحْرُ الضّبّ العانِقاء وهو جُحْرٌ مملوءٌ تُرابًا فإذا خاف شيئًا دخل تحت ذَلِكَ التّراب فتعنَّق: أي دَسَّ عُنقَه فيه ومضى حتّى يتوارى 2.
ورواه لي بعضهم تُعنّكيها وفسره من قولهم اعتَنك البعيرُ إذا ارتطم في رمْل لا يقْدر عَلَى الخلاص منه ولا أراه محفوظا.
__________
1 ذكر الهيثمي الفقرة الأخيرة: "لا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ" في مجمعه 8/ 170 وقال: رواه الطبراني وأخرج البخاري في الأدب المفرد قصة شبيهة بهذه عن عائشة. انظر فضل الله الصمد 1/ 212.
2 في الفائق 3/ 33: ويجوز أن يكون التعنيق بمعنى التخييب من العناق وهو الخيبة. ولو روى: تعنفيها "بالفاء" من العنف لكان وجها.
(1/339)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَبْسُطَ 1 اللَّهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالا: نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك.
__________
1 ت: "أن يبسط له في رزقه".
2 أخرجه البخاري 3/ 73 ومسلم 4/ 1982 وأبو داود 2/ 133 وغيرهم.
(1/339)

قوله: يُنسَأ في أَثَره ومعناه يُؤَخَّر في أجله وسُمِي الأجّلُ أَثَرًا لأنه تابعُ الحياة وسائِقُها. قَالَ كَعْبُ بنُ زُهَيْر:
يَسْعَى الفتَى لأُمُورٍ ليس يُدْرِكُها ... والنَفْسُ وَاحِدَةٌ وَالَهمُّ مُنْتَشرُ
والمرءُ ما عاشَ ممدودٌ له أمَلٌ ... لا تَنْتَهِي العَينُ حتى يَنْتَهِي الأثَرُ 1
__________
1 شرح الديوان /299.
(1/340)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تُجَارِ أَخَاكَ وَلا تُشَارِهِ" 1.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ أنا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ عَمْرٍو يَرْفَعُهُ.
قوله: "لا تُجارِ أخاك" هُوَ من الجِراء في الخيْل وهو أن يتجارى الرجُلان للمسابقة يقول: لا تطاوِلْه ولا تُغالبْه ويروى عن بعض الحكماء أنّه سئل ما الحِلْمُ فَقَالَ أن تكون ذا أناةٍ وأن تلاين الولاة فقيل: ما الخُرْق قَالَ: مجاراةُ أميرك ومُمَارَاةُ مَنْ يَضِيرك.
وقوله: "لا تُشارِه" أي لا تلاجِّه يقال: قد اسْتشْرى الرجلُ إذا لجَّ في الأمر فإن شددته كان وزنه مُفاعلةً من الشّرّ قَالَ الأصمعيّ: سأل أبو الأسود الدّؤلي عن رجل فَقَالَ: ما فَعلَتِ امرأتُه التي كانت تُشارّه وتُهارُّه وتزاره وتماره فتُشارُّه من الشَّرِّ وتُهارُّه من الهَرِيرِ وتُزارُّه من الزَّرِّ وهو العَضُّ وتُمارُّه معناه تَلَوّى عليه ومنه الشيء المُمَرُّ وهو المَفْتُول.
__________
1 كذا في الفائق 1/ 203 بتخفيف الراء في الكلمتين وقال الزمخشري: "ورويا متشددين". وفي النهاية 1/ 258 بتشديد الراء فيهما ... ويروى بتخفيف الراء من الجري والمسابقة وذكره السيوطي في الجامع الصغير 6/ 389 وعزاه لأبي الدنيا في ذم الغيبة.
(1/340)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الَّذِي تَرْوِيهِ قَيْلَةُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: "أَيُغْلَبُ أُحَيْدُكُمْ أَنْ يُصَاحِبَ صُوَيْحِبَهُ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا فَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَه مَا هُوَ بِهِ أَوْلَى اسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ رَبِّ أُسْنِي مَا أَمْضَيْتَ وَأَعِنِّي عَلَى مَا أَبْقَيْتَ" 1.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ الْعَنْبَرِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللاحِقِيُّ قَالُوا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ أَنَّ قَيْلَةَ أَخْبَرَتَهُمَا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: "أُسْنِي" مَعْنَاهُ عَوِّضْنِي. وَالأَوْسُ الْعِوَضُ.
قَالَ رُؤْبَةُ:
أُسْنِي فقَدْ قَلَّتْ رِفَادُ الأَوْسِ 2
وَيُقَالُ: أَنَا أَسْتَئِيسُ 3 اللَّهَ مِنْكَ أَخًا أي أَسْتَبْدِلُهُ بِكَ أَخًا وَاللَّهُ مُسْتَأَسٌ أَيْ مُسْتَعَاضٌ قَالَ الْجَعْدِيُّ:
لَبِسْتُ أُنَاسًا فَأَهْلَكْتُهُمْ ... وَأَفْنَيْتُ بَعْدَ أُنَاسٍ أُنَاسَا
ثَلاثَةُ أَهْلِينَ أَفْنَيْتُهُمْ ... وَكَانَ الإلَهُ هُوَ الْمُسْتَآسَا 4
وَرُوِي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ الْمُقْرِي فَقَالَ رَبِّ أثبني مكان قوله: أسني
__________
1 ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة 4/ 391 - 393 في ترجمة قيلة: بلفظ: "إحداكن أن تصاحب" وبلفظ: "رب أنسني ما أمضيت" وعزاه للطبراني وابن مندة.
2 الديوان /74 وقبله: "ياقائد الجيش وزين المجلس".
3 م: "اسنيأس".
4 الديوان /77, 78 واللسان أوس
(1/341)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ سَمِعْتُ جَدَّتَّي صَفِيَّةَ وَدُحَيْبَةَ ابْنَتَيْ عُلَيْبَةَ عَن قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ فَقَالَ 1: "رَبِّ أَثِبْنِي عَلَى مَا أَمْضَيْتَ وَأَعِنِّي على ما أبقيت".
__________
1 م: "فقالت".
(1/342)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَوْلٍ لا يُسْمَعُ" 1.
حَدَّثَنَاهُ الصَّفَّارُ نا الرَّمَادِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَنَسٍ.
قوله: "لا يُسْمَع" أي لا يُجابُ ولا يُقْبَلُ. ومنه قول المُصَلّي سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه معناه الدُّعاءُ بقَبُولِ الحَمْد واستجابةِ الدُّعاء. قَالَ شُتَيرُ بن الحارث الضّبيّ:
دَعَوْتُ الله حتّى خِفْتُ ... أَلا يكونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ 2
قَالَ أبو زَيْد معناه يَقبَل ما أَقولُ. وعلى هذا المعنى يُتأوَّل قولُهُ تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} 3. يريد والله أعلم الكُفّارَ أي إنك لا تقدِرُ أن تَهْدِيَهم وتوفقَهم لقبول الحق وقد كانوا يسمعون كَلامَ الله بآذانِهم إذا تُلِي عليهم إلا أنهم إذ لم يقْبلُوهُ 4 صاروا كأَنْ لم يسمَعُوه. قَالَ الشاعر:
أصَمُّ عَمَّا ساءه سميع 5
__________
1 أخرجه عبد الرزاق 10/ 439 والنسائي 8/ 264 وأحمد 3/ 192, 255, 283 وغيرهم.
2 اللسان "سمع".
3 سورة الروم: 52.
4 س: "إلا أنهم إذا لم يقبلوه" والمثبت من م.
5 اللسان والتاج "صمم".
(1/342)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا" 1.
فيه قولان: أَحدُهُما أن يكون معنى الوراثة فيهما أن تبقَى صحَّتهُما عند ضعْف الكبَر فيكونا وارثي سائرِ الأَعضاء والباقِيَيْن بعدها.
وقال نَضْر بن شُمَيْل: معناه أَبقِهما معي حَتَّى أَمُوت. وقال غيره: أراد بالسَّمع وَعْيَ ما يسمَع والعَمَل به وبالبصر الاعتبار بما يرى ويبصر 2. والآخر أن يكون دعا بذلك للأعقاب والأولاد والأَولُ أَصحُّ.
وقوله: "واجعلهُ الوارث" بلفظ الواحِد وقد تقدّم ذكر الأَسْماع والأَبصار بلفظ الجماعة فيه وجهان أحدهما أن تكون الهاء راجعة إلى ضمير الفِعْل وهو الاستِمْتاع 3 بهما. والوجْهُ الآخر أن تكون الإشارة بها إلى واحدٍ واحدٍ من كلِّ سَمْعٍ ومن كلّ بَصَر. قال الشاعر:
إن شرخ الشبهاب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جُنُونا 4
ولم يَقُلْ: يُعاصَيَا لأنّه أرادَ ما لم يُعاص كل واحد منهما.
__________
1 أخرجه الترمذي 5/ 528 وعبد الرزاق في مصنفه 10/ 441 بلفظ: "بسمعي وبصري" وغيرهما.
2 ساقط من ط.
3 م: الاستماع.
4 اللسان والتاج "شرخ" وعزي لحسان بن ثابت وهو في ديوانه /252.
(1/343)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلاعِ وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصدقة 1.
__________
1 أخرجه أبو داود في الجهاد 3/ 3 وفي الأدب 4/ 255 والإمام أحمد 6/ 58, 222.
(1/343)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالا نا شريك عن أبي الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
التِّلاعُ: جَمْعُ تَلْعَةٍ وهي مَسِيل الماءِ من فوق إلى أسْفل. ويُقال لِمَا ارتفع من الأَرض تَلعَةٌ وكذلك لما انخفض منها. والبَداوةُ الخُروجُ إلى البادية وفيها لَغَتان قَالَ أبو زَيْد البِداوة والحِضارة بالكَسْر. وقال الأصْمعيّ البَداوة والحَضارة بالفَتْح وأنشد:
فَمن تَكُن الحَضَارَةُ أعجَبْتهُ ... فأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرانَا 1
والناقةُ المُحرَّمة: هي التي لم تُرْكَبْ ولم تُذلَّل ويقال سَوْطٌ مُحرَّم وهو الَّذِي لم يُكْمَل دِباغُه قَالَ مالك بن خُرَيْم:
فإنّ قليلَ المالِ للمرءِ مُفْسِدٌ ... تحزُّ كما حَزَّ القَطِيعُ المُحرَّمُ 2
وذلك أنه إذا لم يُبالَغْ في دباغه كان أشدَّ لضرْبه. ويقال أَعْرابيّ مُحرَّم إذا لم يُخَالط أهلَ الحَضَر قَالَ أبو العَبَّاس ثَعْلَب: قَالَ أبو عُبَيْدة أنشد الأخفَشُ أبو الخطّاب أَبَا عَمْرو بن العلاء:
قالت قتيلة: ما له قد ... جُلِّلَتْ شَيبًا شوَاتُهْ 3
قَالَ أبو عُبَيدة: قَالَ أبو عَمروٍ لأَبِي الخَطَّاب لمّا أنشده شواته صَحَّفْتَ إنما هي سَرَاتُه ولكنّك رأيت الراءَ منتفِخَةً فصيَّرتَها واوًا قَالَ فغَضِب أبو الخَطَّاب وأَقْبل عليَّ فَقَالَ بل هُوَ شَواتُه وإنّما هُوَ الَّذي صَحَّف وقال:
__________
1 اللسان والتاج "حضر" وعزي القطامي وهو في ديوانه /76 برواية: "فأي أناس بادية ترانا".
2 حماسة المرزوقي 3/ 171.
3 اللسان والتاج "شوا". ونسب للأعشى ولم أقف عليه في ديوانه ط دار مصادر وعزي لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان في شرح مايقع فيه التصحيف والتحريف 73, 74.
(1/344)

والله لقد سمعتُ هذا باليَمامة من عِدّةٍ من الناس
قَالَ أبو عُبَيْدة: فأخذنا بقول أبي عمرو فَما مَضَت إلا أيّامٌ حتّى قدم علينا رَجلُ مُحرَّمٌ من آلِ الزُّبيْر فسمعْته يُحدِّث بحديثٍ فَقَالَ اقشعرّت شَواتِي فَعلِمت أنّ أبا الخطّاب وأبا عمرو أَصابَا جميعًا وسَراةُ كلّ شيء أعلاه.
(1/345)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ وَتَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعَهَا مِنَ الشَّبْعَانِ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَسْوَاسُ 2 نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قوله: "تقع من الجائع موقعها من الشّبعان" يُتأَوَّل عَلَى وجْهَيْن أحدهما أنّ شِقّ التَّمرة لا يُغني من جُوعٍ ولا يَبِينُ له كبيرُ مَوْقِع 3 من الجائع إذا أكله كما لا يَبِين أثرُه عَلَى الشبْعان إذا تناوَله يقول فلا تَعجِزوا أن تَتَصدَّقوا به مع قِلّةِ خَطَره وعدَم غَنائِه. والوَجْهُ الآخر أن هذا القَدْرَ من الطّعام وإن كان يسيرًا فإن فيه عَلَى قِلَّتِهِ ما يمسك من الرمق كما أن له أن يكِظّ عَلَى الشِّبَع يقول: فلا تستَقِلُّوا من الصدقة شيئًا وإن قَلَّ فإنّ القليلَ منه إذا اجتمع إلى مثله لم يلبث أن يُشْبِع الجائع.
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 3/ 105 وقال: رواه أبو يعلى والبزار.
2 س: "الوساوسي" والمثبت من ت, م, ط, ح.
3 س: "موضع".
(1/345)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَمْدُ رَأْسُ الشُكْرِ مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ تَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرو عن رَسُول الله.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الحمد: نوع والشُكر جِنْس فكلّ حَمْدٍ شُكْرٌ وليس كل شُكْرٍ حمدًا. وهو عَلَى ثلاث منازل شُكرُ القَلْب وهو الاعتقاد بأن الله وليّ النِعَم قَالَ الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} 2.
وشُكْرُ اللسان وهو إظْهارُ النِّعْمة بالذِّكْر لها والثَّناءِ عَلَى مُسْدِيها. قَالَ الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} 3 وهو رأس الشكر المذكور في الحديث وشكر العمل وهو إدآب النفس بالطاعة قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} 4. وقام رَسُول الله حتى تَفطَّرت قدماه فقيل له يا رَسُول الله أليس قد غَفَر اللهُ لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر قَالَ: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكُورًا". وقد جمع الشَّاعُر أنواعَه الثلاثَة فَقَالَ:
أفادَتْكم النَّعْماءُ مِنّي ثلاثةً ... يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحجَّبا
ويقالُ: إنّ الحمدَ ما كان على غير مقابلة والشُّكرَ عن مقابلة 5
__________
1 مصنف عبد الرزاق 10/ 424 وذكره السيوطي في الجامع الصغير 3/ 418 وعزاه أيضا للبيهقي.
2 سورة النحل: 52.
3 سورة الضحى: 11.
4 سورة سبأ: 13.
5 كذا في س ولم يرد في ت, م, ط, ح وجاء في الفائق للزمخشري "حمد": الشكر لايكون إلا على نعمة وهو مقابلتها قولا وعملا ونية وذلك أن يثني على المنعم بلسانه ويدئب نفسه في الطاعة له ويعتقد أنه ولي النعمة ... وأما الحمد فهو المدح والوصف بالجميل وهو شعبة واحدة من شعب الشكر وإنما كان رأسه لأن فيه إظهار النعم والنداء عليها والإشادة بها. والبيت في الفائق دون عزو.
(1/346)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِشَكْوَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: خَرَجَ عَلَى حِمَارِهِ يَعْفُورَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَدِيفُهُ فَمَرَّ بِمَجْلِسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ إِنَّمَا هِيَ سِبَاخٌ وَبَوْغَاءُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ جَاءَتِ الْعَجَاجَةُ فَجَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ طَرَفَ رِدَائِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ يَذْهَبُ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ بِلادِهِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ وَكَانَ قُدُومُهُ كَثَّ مِنْخَرِهِ فَلا يَغْشَاهُ 1.
يَرْوِيهِ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ الأصمعيُّ: البَوغاءُ التُرْبةُ الرِّخوةُ التي كأنها ذَرِيرة قَالَ أبو زيْد: الدَّقعاءُ والتَّرباءُ والثَّرياءُ التُراب وأُراه قَالَ اللَّيِّن قَالَ عمُر بن أبي ربيعة:
في ظلّ دَانِيَةِ الغُصُون ... وريقَةٍ نبتَتْ بأبْهِر طَيِّب الثَّرْياء 2
وقوله: كَثَّ مِنْخَرِه إنما هُوَ بمنزلة قولك رَغْم أنفِه قَالَ الشاعر:
ومَولاكَ لا يُهْضَم لَدَيْك فإنّما ... هَضِيمةُ مَولَى القَومِ كَثُّ المَناخِر
وأُرَى أصْل هذا من الكَثْكَث وهو التُّرابُ يقال للكاذب بِفِيه الكَثْكَثُ والكِثْكِثُ يقال ذَلِكَ بفَتْح الكَاف وكَسْرِها وحكى اللحياني عن أعرابي فصيح أنَّ رجلًا قَالَ له ما تصنع بي قَالَ ما كَتَّك وأرغمك هكذا قَالَ بالتاء التي هي أخت الطاء ويشبه أن يكونا لغتين 3 وإنما سُمِّي حِمارُه اليَعْفُور لعُفرةِ لونِهِ والعُفْرةُ حُمرةٌ يخالطها بياضٌ يقال: أعفر
__________
1 لم أقف عليه في المغازي للواقدي وهو في النهاية 1/ 162.
2 الديوان /467.
3 من ت, م.
(1/347)

ويعْفورٌ وأخضَرُ ويخْضُور وأَصفَر ويَصْفُور وأَحَمُّ ويَحْموم قَالَ الشاعر:
عيدانُ شَطَّي دِجْلةَ اليَخْضُورِ
(1/348)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَانَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ أَصْلٌ فَلْيَتَمَسَّكْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَجْعَلْ لَهُ بِهَا أَصْلا وَلَوْ قَصَرةً" 1.
يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ نا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ 2 نا كَثِيرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
أراد بالقَصَرة النَّخْلةَ وتُجمع عَلَى القَصَر والقَصَرات. وقرأ الحسنُ: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} 3 فسروه كأعناق النخل.
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 3/ 301 بدون لفظ: "ولو قصرة". وعزاه للطبراني في الكبير.
2 ساقطة من ح.
3 سورة المرسلات: 23.
(1/348)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا يَحْكِي 1 عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا بَعَثْتُكَ أَبْتَلِيكَ وَأَبْتَلِي بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ" 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ وَرْدَانَ 3 الدِّمَشْقِيُّ نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ نا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُرَشِيُّ نا هِشَامٌ الدُّسْتُوَائِيُّ 4 عَنْ قَتَادَةَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المجاشعي.
__________
1 ح: "حكى".
2 أخرجه أحمد في مسنده 4/ 162, 266.
3 م, س, ط, ح: "قردان" وفي هامش س: صوابه "وردان" وكذلك في ت.
4 تقريب التهذيب 2/ 319: "الدستوائي" بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد.
(1/348)

قوله: لا يَغسِلهُ الماء يريد أَنَّ القرآن وإن مُحي رَسمُه بالماء وغُسِل لم يذهب عن الصُّدُور ولم يُنْسَخْ حِفظُه من القلوب وكان أهلُ الكتب المتقدّمة لا يكادُ الواحدُ منهم يجمع كتابَه حِفْظًا بقَلْبه ويقال: إن اليهودَ إنّما قالت الفِرْيَة والقَوْلَ المُنْكَر في عُزَيْر تَعجُّبًا منه حين استدركَ التَّوراة حِفْظًا وأَملاها عَلَى بني إسرائيل من ظَهْر قلبِه بعد ما درسَتْ في عهد بُخت نَصَّر فأما هذه الأمّة فقد منَّ الله عليهم بأنْ يَسَّر لهم ذِكْرَ الكتاب وتكفَّل بحفظه عليهم فَقَالَ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1.
وقوله: تقرؤُه نَائِمًا وَيقظَانَ معناه والله أعلم تَجمَعُه حِفظًا وأنت نائم كما تجمعُه وأنتَ يَقظانُ من قولهم قرأت في الحوضِ أي جَمعتُه فيه وما قرأت النافة جنينا أي رحمُها عَلَى ولدٍ قَالَ الشاعر:
ذِراعَي عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ... هجانِ اللون لم تَقرأ جنينًا 2
وقال حميد بن ثور:
أراها غلاماها الخلا فتَشَذَّرت ... مِراحًا ولم تقرأ جنينا ولا دما 3
__________
1 سورة الحجر: 9.
2 اللسان والتاج "عطل" وعزي لابن كلثوم وهو في شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر الأنباري /380.
3 الديوان /21.
(1/349)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ كَانَ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يَحُشُّ عَلَيْهَا فِي بَيْدَاءِ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذ عدا عليه ذئب فانتوع شَاةً مِنْ غَنَمِهِ فَجَهْجَأَهُ الرَّجُلُ فرماه بالحجارة ختى الستنفذ مِنْهُ شَاتَهُ.1 وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي كلام الذئب.
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 3/ 88, 89 بلفظ: "يهش" وذكره الهيثمي في مجمعه 8/ 291 كذلك وعزاه للبزار أيضا وأخرجه ابن حبان بنحوه كما في الموارد /519.
(1/349)

يَرْوِيهِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ بِذَلِكَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ 1.
قَالَ: فَقَالَ الذِّئْبُ: أَمَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ أَنْ تَنْتَزِعَ مِنِّي شَاةً رُزِقْتُهَا فَقَالَ الرَّجُلُ تَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ 2 كَالْيَوْمِ قَطُّ فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ هَذَا الرَّسُولُ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا خَلا وَيُحَدِّثُهُمْ بِمَا هُوَ آتٍ فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ قَوْلَ الذِّئْبِ سَاقَ غَنَمَهُ يَحُوزُهَا حَتَّى جَاءَ الْمَدِينَةَ.
قوله: يحُشُّ عليها إنّما هُوَ يَهُشُّ بالهاء. والهِشُّ أن تُضْرب أغْصانُ الشجرة بِعصًا حتى يَتَحاتَّ ورقُها فتَرعاه الغنم ومنه قوله تعالى: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} 3. والهاءُ والحاءُ أُختان في قُربِ المخرج.
وقَولُه: جَهْجَأَه إنما هُوَ جَهْجَهَه أَبدَل الهاءَ همزةً يقال جَهْجَهْتُ السَّبُعَ إذا زجَرْتَهُ. قَالَ عمرو بنُ الإِطنَابَة:
والضارِبيْن الكَبْشِ يَبْرِقُ بَيْضُهُ ضرْب ... المُجَهْجِهِ عن حِياض الآبِل
وفيه لغة أخرى هَجْهَجْتُ وهو في زَجْر الإِبل أكْثر. وأمّا الغَنمُ فإنما يقال في الزَّجْر لها: حاحَيْتُ قَالَ امرؤ القيس:
قَومٌ يُحَاحُون بالبِهِام ونس ... وان صِغارٌ كهَيئَة الحَجِلِ 4
وقوله: يحوزها أي يسُوقُها قَالَ الشاعر:
يَحُوزُهُنَّ وله حوزي 5
__________
1 راجع مسند أحمد 3/ 88.
2 ساقط من نسخة ط من هنا نحو ست صفحات من حجم الفلوسكاب.
3 سورة طه: 18.
4 الديوان /348 برواية: "زنسزان قصار".
5 اللسان والتاج "حوز, حوذ" وعزي للعجاج وهو في ديوانه /332 برواية: "يحوذها وهو لها حوذي". وفي اللسان "حوز": قال ابن سيدة: والمعروف "يَحُوزُهُنَّ وله حُوزيُّ".
(1/350)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ صَعَّارٍ مَلْعُونٌ" 1.
ذَكَرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وفَسَّره فَقَالَ هُوَ النَّمّام وفيه وجْهٌ آخر وهو أنَّ الصَّعَّار ذو الكِبْر والأُبّهة لأنه يميل بخدّه ويُعرضُ عن الناس بوَجْهه قَالَ اللهُ تَعالَى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً} 2.وقال بِشْرُ بن أبي خَازِم:
ألا يا عَيْن فابْكي لي سُميْرًا ... إذا صَعِرَتْ من الغَضَب الأُنُوفُ 3
وسُمَيْرٌ: أخوه. قَالَ المُتلّمس:
وَكُنَّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خدَّه ... أَقَمْنَا له مِن مِيله فتَقوَّما 4
ورواه أبو إسحاق الزَّجّاج ضَفَّارٌ قَالَ: ومعناه النَّمَّام مشتقٌ من الضَّفْز وهو شَعِير يُجَشُّ ليُعْلَفَه البعيرُ
وقيل للنَّمَّام ضَفّاز لأنه يُزوِّر القولَ كما يُهيّأ هذا الشعير لعلف الإبل 5.
__________
1 النهاية صعر 3/ 31.
2 سورة لقمان: 18.
3 الديوان /151 برواية: "ألا ياعين ما فابكي سميرا".
4 الديوان /24.
5 ساقط من ح.
(1/351)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّهُ أَفْحَجُ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلا جَحْرَاءَ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ نا بَقِيَّةُ حدثني
__________
1 أخرجه أبو داود وأحمد بنحوه 5/ 324.
(1/351)

بَحِيرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ 1 عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَالَ الأصمعي: الفَحَجُ تَباعُدُ ما بَيْن الفَخِذين. يقال: رجل أَفحَجُ. قَالَ: فإذا كَثُر لحم الفخِذيْن فتباعد ما بينهما فذلك البدَدُ ورجلٌ أبدُّ وامرأةٌ بَدّاءُ.
وقوله: مطموسُ العَيْن أي ذاهِبُ البَصَر من غير بَخَقٍ ويقال: إنّه إنّما سُمّي مَسِيحًا لأنه مَمْسُوحُ البَصَر من إحدى عَينيْه. جاء فَعِيل بمعنى مفعول.
وقوله: ليست بناتئة ولا جحراءَ يريد أنّها ليست بمُنْجحرةٍ غائرة.
ورواه نُعَيْم بنُ حَمَّاد عن بَقِيَّة بنِ الوليد فَقَالَ حَجراء الحاء قبل الجِيم هكذا حدثناه الأصم نا الصّغاني 2 نا نُعَيم عن بقِيّة فإن كان محفوظًا فمعناه أنّها ليست بصُلْبة متحجرة لكنها رخوة لينة.
__________
1 ت: جنادة بن أمية "تحريف". وفي التقريب 1/ 134: جنادة بضم أوله ثم نون ابن أبي أمية الأزدي أبو عبد الله الشامي مختلف في صحبته فقال العجلي: تابعي ثقة والحق أنهما اثنان صحابي وتابعي متفقان في الاسم وكنية الأب. ورواية جنادة الأزدي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في سنن النسائي ورواية جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ عبادة بن الصامت في الكتب الستة.
2 ت, م, ح: محمد بن إسحاق الصغاني.
(1/352)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ جَائِزَتُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَلا يَثْوِي عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ" 1.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا ابْنُ عَجْلانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الكعبي.
__________
1 أخرجه البخاري 8/ 39 وأبو داود 3/ 342 والترمذي 4/ 345 وابن ماجه 2/ 1212 وغيرهم.
(1/352)

قوله: جائزته يومَهُ وليلَتَه تفسيره ما قَالَ مالك أخبرني محمد بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أبو داود عن الحارث بن مسكين عن أَشْهَب قَالَ سُئِل مالك بن أَنَس عن قوله: "جائزَتُه يَومَه وليلَتَه" قَالَ يُكرِمُه ويُتحِفه ويَخُصُّه يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة قسم أَمَره إلى ثلاثة أَقْسام إذا نزل به الضَّيفُ أَتحفَه في اليَوْم الأَوَّل وتكلَّف له عَلَى قدْر وُجْدِه فإذا كان اليومُ الثّاني قدّم إليه ما يَحْضُره فإذا جاوز مُدَّةَ الثّلاث كان مُخَيّرًا بين أن يتِمّ عَلَى وَتَيرتِه وبَيْن أن يُمْسك وجعله كالصَّدَقة النَّافِلة وقوله: لا يَثْوِي عنده حتى يُحْرجَهُ فإن الثّواءَ الإقامةُ بالمكان يقول لا يُقيم عنْدَه بعد الثلاث حتّى يُضَيِّق صَدْرَه وأصل الحَرَج الضِّيق وقد روي في هذا الحديث من طريق عَبْد الحميد بن جعفر: "ولا يَحِلّ لأحدِكم أن يُقيم عنْد أَخِيه حتى يُؤثِمَه" قَالُوا وكيفَ يُؤثِمُه؟ قَالَ: "يُقِيم عندَه وليس عنده شيءٌ يَقْريه" 1. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" 2.
قَالَ أبو سليمان وأَنَا أُنكِر هذا التفسيرَ وأُراه غَلَطا وكَيفَ يأثَم في ذَلِكَ وهو لا يتَّسع لِقِراه ولا يَجِد سَبِيلًا إليه وإنما الكُلْفَةُ عَلَى قَدْر الطَّاقة
قَالَ الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} 3
وَوجْه الحديث أَنَّه إنّما كَره له المقام عند بعد الثَّلاث لئَلَّا يَضيق صَدْرُه بُمقامِه فتكونَ الصَّدَقَة منه عَلَى وَجْه المَنّ والأَذَى فيُبْطل أَجْرُه قَالَ اللهُ تَعالَى: {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} 4.
__________
1 ذكره الهيثمي في مجمعه 8/ 176 بلفظ: "وعلى الضيف أن يرتحل ولا يؤثم أهل منزله". وقال: رواه أبو داود باختصار ورواه أبو يعلى والبزار.
2 أخرجه البخاري 8/ 13 وغيره.
3 سورة الطلاق: 7.
4 سورة البقرة: 264.
(1/353)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْغُلُوطَاتِ وَيُرْوَى الأُغْلُوطَاتِ 1
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَيْرَكَ نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيِّ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ نا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ 2 عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ الأوزاعيّ هي صعاب المسَائل.
الغَلُوطَاتُ: جَمْع غَلُوطَةٍ: وهي المسألة التي يعيا بها المسؤول فَيغْلَطُ فيها كرِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُعْتَرضَ بها 3 العلماء فيُغَالَطُوا ليُسْتَزلُّوا ويُسْتَسْقَط رأيُهُم فيها. يقال: مسألة غلوط إذا كان يُغْلَطُ فيها كما يُقال شاةٌ حَلُوبٌ وفرسٌ رَكوبٌ إذا كانت تُركب وتُحْلَبُ فإذا جَعَلْتَها اسْمًا زِدْتَ فيها الهاء فقلتَ غَلُوطَةٌ كما يُقال رَكُوبَةٌ وحَلُوبَةٌ وتجمَع عَلَى الغَلُوطات كما تُجمَعُ الحَلُوبَةُ عَلَى الحَلُوبات قَالَ الشاعر:
أَوْدَى الزمانُ حَلوبَاتِي ومَا جَمَعت ... كفَّايَ من سَبَد الأَمْوالِ واللَّبَدِ
والأُغْلُوطَةُ أفْعُولَةٌ من الغَلَط كالأحدوثة والأحموقة ونحوهما.
__________
1 أخرجه أبو داود 3/ 321 وأحمد 5/ 435.
2 س: "عن عبد الله بن سعهد الصناجي" وفي م وسنن أبو داود ومسند أجمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عن الصناجي.
3 ت: يعترض فيها.
(1/354)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَعَا عَلَى عُتَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فَقَالَ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلابِكَ" فَخَرَجَ عُتَيْبَةُ فِي تَجْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَزَلُوا بِمَكَانٍ مِنَ الشَّأْمِ يُقَالُ لَهُ الزَّرْقَاءُ لَيْلا فَعَدَا عَلَيْهِ الأسَدُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَضَغَمَهُ ضَغْمَةً فَدَغَهُ 1.
__________
1 ذكره السيوطي في جمع الجوامع 2/ 804 وعزاه لابن عساكر في تاريخه.
(1/354)

يَرْوِيهِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْعَلاءِ عَنْ سعيدَ بن أبي عَروُبة عن قَتَادَةَ.
الضَغْمُ شِدَّةُ العَضِّ عَلَى الشَّيء والتَّناوُل له بالأسنان وبه سُمِيّ الأَسَدُ ضَيْغمًا قَالَ رُؤبَةُ يَصِف بَعِيرًا:
أَشْدَقُ يَفْتَرُّ افْتِرارَ الأَفْوَهِ ... عَن عَصِلات الضَيْغَمِيِّ الأَجْبَه 1
العَصِلاتُ: الأَسْنَانُ العوجُ 2.
والضَيْغميُّ الشَدِيدُ العض ويحكى أن كثيرا دخل عَلَى عَبْد الملك بن مروان وعنده الأَخْطل فأنشدَه فالتفَت عَبْد الملك إلى الأخطل فقال: كيف ترى فَقَالَ: حِجازيٌّ مُجوَّعٌ مَقرُورٌ دَعْني أضْغَمْه يا أمير المؤمنين فَقَالَ: كُثيّر مَنْ هذا يا أمير المؤمنين فَقَالَ هذا الأخطل فَقَالَ له فَهلا ضَغَمْتَ الّذي يقول:
لا تطلبن خؤولة في تَغلبٍ ... فالزَّنْجُ أَكْرَمُ مِنْهمُ أَخْوَالَا 3
فسَكتَ الأَخْطَلُ وما أَجابَه بحرْف.
وقوله: فَدغَه أي شَدِخه. والفدغ: الشدخ.
__________
1 الديوان /166.
2 ط: "الأسنان المعوجة".
3 القائل جرير وهو في ديوانه /363.
(1/355)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي الَّذِي يَرْوِيهِ الأَعْمَشُ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قال: "زينوا القرآن بأصواتكم" 1.
__________
1 أخرجه أبو داود 2/ 74 والنسائي 2/ 179 وابن ماجه 1/ 426 والدارمي 2/ 474 وأحمد 4/ 283, 285, 296, 304 والحاكم في المستدرك 1/ 572.
(1/355)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو 1 دَاوُدَ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ.
قوله: "زَيّنُوا القرآن بأصْوَاتِكم" المَعْنَى زَيّنوا أَصواتَكم بالقُرآن فقدّم الأصوات عَلَى مذهبهم في قَلْب الكَلام وهو كَثِير في كلامهم.
يقال: عَرضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الحوض أي عرضْتُ الحَوضَ عَلَى النَّاقةِ وإذا طلعت الشِّعْرى واستَوى العُودُ عَلَى الحِرباءِ أي استوى الحِرباءُ عَلَى العود قَالَ الشاعرُ 2:
وتُركَبُ خَيلٌ لا هوادة بَيْنَها ... وتَشْقَى الرِّماحُ بالضَّياطِرَة الحُمْرِ
وإنّما هُو تَشْقَى الضّيَاطِرَةُ بالرِّمَاحِ.
وقال الفرزدق:
غَداة أحلَّتْ لابنِ أَصْرَم طَعْنةً ... حُصْينٍ عَبيْطاتُ السَّدائف والخُمْرُ 3
روى الأَثْرمُ عن أبي عُبَيْدة أنه حضر يُونُس والكِسائي فأَلقاهُ يونُسُ عَلَى الكسائيّ فرفَع الكِسائيُّ الطَّعْنةَ ونَصبَ العَبِيطات ورفَع الخمرَ فَقَالَ يونس للكسائي: لِمَ رفعتَ الخمرَ فَقَالَ: أردْت وحلّتْ له الخَمْر فَقَالَ يونس ما أحسن ما قلت ولكن سَمِعْت الفرزْدقَ يُنشِده فنصب الطعنة
__________
1 م: ابن داود "تحريف".
2 اللسان "ضطر": هو خداش بن زهير والرواية في اللسان: "وتركب خيلا لاهوادة بينها". وقال ابن سيدة: يجوز أن يكون عنى أن الرماح تشقى بهم: أي أنهم لا يحسنون حملها ولا الطعن بها ويجوزون على القلب: أي تشقى الياطرة الحمر بالرماح يعني أنهم يقتلون بها. والهوادة: المصالحة والموادعة. والضيطار: التاجر لايبرح مكانه وقيل: الضوطري: الحمقى. قال ابن سيدة: وهو الصحيح ويقال للقوم إنما كانوا لا يغنون غناء: بنو ضوطري.
3 الديوان 1/ 254.
(1/356)

ورفع العَبِيطات والخَمْر جعل الفاعلَ مفعولًا والمفعولَ فاعلًا كقول الآخر:
كانت عُقُوبَةَ ما فَعلْتَ كما ... كان الزناء عُقُوبةَ الرِّجْمِ 1
وإنما هُوَ كما كان الرجم عقوبة الزنى.
وإنما تأوّلْنا الحديثَ عَلَى هذا المعنى لأنّه لا يجُوزُ عَلَى القرآن وهو كَلامُ الخالقِ أن يُزيّنَه صَوْتُ مَخْلوقٍ بل هُوَ بِالتَّزْيين لغَيْره والتَّحْسين له أَوْلى.
وقد تَوقَّى هذه الرِّوايَة قَومٌ لأَنَّ فيه إثبات مَذْهَب من يقول باللَّفظ.
وأخبرنا ابنُ الأعرابيّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِين نا أبو قَطَن عن شُعْبَةَ قَالَ: نَهانِي أَيّوبُ أنْ أُحدِّث: زَيّنوا القُرآنَ بأصواتكم ورواه مَعْمَرٌ عن منصور عن طلحةَ فقدّم الأصْواتَ عَلَى القُرآن.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ البراء أن رسول الله قَالَ: "زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ" 2.
وَهَكَذَا رَوَاهُ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَقْدِيمِ الأَصْوَاتِ عَلَى الْقُرْآنِ. والمعْنى أَشْغلُوا أَصْواتَكُم بالقرآن والهَجُوا بقراءَتِه واتَّخِذوه زينةً وشِعارًا ولم يُردْ تطريبَ الصوْت به والتَّحزِينَ له إذ ليس
__________
1 اللسان "زنى" وعزي للجعدي برواية:
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم
وهو في شعر النابغة الجعدي /235 برواية: كانت فريضة ما أتيت كما.
2 أخرجه عبد الرزاق 2/ 485 والحاكم في المستدرك 1/ 572.
(1/357)

هذا في وُسْع كلِّ أحد فلعلّ من الناس مَنْ إذا أراد التَّزْيين له أَفضَى به إلى التَّهْجِين وإنما المعنى في ذَلِكَ ما ذكرناه لقوله:
"ليسَ مِنّا مَنْ لم يتغَنَّ بالقُرآن" 1 إنّما هُوَ أن يَلْهَج بتلاوته كما يَلْهَج الناسُ بالغِناء والطَّرَب عليه وإلى هذا المْعنى ذَهَب ابنُ الأعرابيّ صاحُبنا.
أخبرني إبراهيمُ بن فِراسٍ قَالَ سألْتُ ابنَ الأعرابيّ عن هذا فَقَالَ: إنّ العرب كانت تتغَنَّى بالرُّكْبَاني وهو النَّشيد بالتَّمطِيط والمَدِّ إذا رَكِبت الإِبل وإذا تبطَّحت 2 عَلَى الأرْضَ وإذا جَلَسَتْ في الأَفْنِية وعلى أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحبَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون القرآن هِجِّيراهُم 3 مكان التغني بالركباني.
__________
1 أخرجه البخاري في التوحيد 9/ 188 وغيره.
2 ط: "انبطحت".
3 القاموس "هجر": يقال هذا هجيراه: أي دأبه وشأنه.
(1/358)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لآلِ رَسُولِ اللَّهِ وَحْشٌ فَإِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لَعِبَ وَجَاءَ وَذَهَبَ فَإِذَا جَاءَ رَبَضَ فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ مَا دَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْبَيْتِ 1.
حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ أَبُو عَلِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ الضَّبِّيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ.
قوله: لم يترمْرَمْ معناه لم يتحرّك ولم يبْرح مكانَه قَالَ حُميْدُ بن ثوْر:
صَلْخَدًا لو أنَّ الجِنَّ تَعْزِفُ تَحْتَه ... وضَرْبَ المغني دفه ما ترمرما 2
__________
1 أخرجه أحمد 6/ 113, 150 بلفظ: "لعب واشتد وأقبل وأدبر فإذا أحس برَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قد دخل ربض".
2 الديوان /11. برواية:
صَلْخَدًا لو أنَّ الجِنَّ تَعْزِفُ حوله ... وضرب المغني والصدى ما تَرمْرَما
(1/358)

وقد يُحْتَمل أن يكون هذا مبْنِيًّا من رَامَ يَرِيم إذا برح المكانَ إلا أَنَّ التَّكْرِيرَ أكثَرهُ إنَّما يَجْري في المُضَعَّفِ دُونَ المعتل وقد جاء في أحرف إلا أنّها يَسِيرة ويقال في مَثلٍ تَعَظْعَظِي ثُمَّ عِظِي 1 ويقال: خَضْخَضْتُ الإناء وأصْله من خُضْتُ. ونَخْنَخْتُ البَعِيرَ إذا أنخْتَه. وقد يكون تَرَمْرَم بمعنى تحرّكَت مِرَمّتُه بالصَّوت أو بالقضْم أو نَحوِ ذَلِكَ قَالَ الشاعر:
ومُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى من أناتِنا ... وَلو زَبنَتْهُ الحَرْبُ لْم يَتَرمْرَمِ 2
أي لم ينطق.
__________
1 غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 227 تقول العرب في مثل لها: "تعظعظي ثم عظيني". وقال الأصمعي: لا تعظيني وتعظعظي من الوعظ ولا أعلم أنه جاء له في مثل. وانظر جمهرة الأمثال 2/ 386 وفصل المقال: 244 وتفسيره: اتعظي ثم عظيني أو لاتوصيني وأوصي نفسك وقد تم تخريجه.
2 الللسان "رمم" وعزي لأوس ابن حجر وهو في ديوانه /112.
(1/359)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ شَقَّ الْمَشَاعِلَ يَوْم خَيْبَرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ أَهْلَ خَيْبَرَ يَنْتَبِذُونَ فِيهَا 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَذْكُرُهُ.
المشاعِلُ: الزِقاقُ واحِدُها مِشْعَلٌ وقال بعضهم: المِشْعَلُ شيءٌ من جلود له أربعُ قوائِمَ يُنْتَبَذُ فيه قَالَ ذو الرُمَّةِ:
أَضعْنَ مواقتَ الصَلَواتِ عَمدًا ... وحَالَفْنَ المَشاعِلَ والجِرارَا 2
وأخبرني أبو عُمر قَالَ: قَالَ بعض الأعراب: اللهم أمتني ميتة أبي
__________
1 أخرجه عبد الرزاق 9/ 204.
2 الديوان /200.
(1/359)

خارجَة فقيل: وكيف مات أبو خارِجَة قَالَ أَكَلَ بذَجًا وشَرِب مِشْعَلًا ونام في الشَّمْس فلقِي الله شَبْعانَ رَيَّان دفْآن.
والبذَجُ: الحَمَل. قَالَ الراجز:
قدْ هَلَكتْ جَارَتُنا من الهَمَجْ ... وإن تَجُعْ تأكُلْ عَتُودًا أوْ بَذَجْ 1
ومن أوعية الخمر الذَّوارع وهي زِقاقٌ صِغارٌ. قَالَ ابن قُتَيبَةَ لا واحد لها من لفظها. وأخبرني الرُّهَني قَالَ: قَالَ ثعْلب: واحدُها ذارع وأنشد أبو العباس:
كأن الذارع المشكوك فيه ... سليب من رجال الدَّيبُلانِ 2
فأما الحَمِيتُ فهو ما يُجعَل فيه السَّمْن والزَّيْت ونحوهما ومثْله النِّحْيُ وفي مَثلٍ أَشْغَلُ من ذَاتِ النِّحْيَين 3. ولها قِصَّة.
وأَنْشَدَني أبو عُمَر عن أبي العبَّاس عن ابنِ الأَعرابي لبعض الأعراب:
تَسْلأُ كُلّ حُرّةٍ نِحيَيْن ... وإنما تَسْلأُ عُكّتَين
ثُمَّ تَقُول اشْترِ لي قُرطَيْن ... قرّطكِ الله عَلَى الأذنيْن
عُقاربًا صما وأرقمين 4
__________
1 اللسان "همج, بذج" وعزي لأبي محرز المحاربي واسمه عبيد.
2 من ت, م.
3 اللسان "نحا" والدرة الفاخرة 1/ 260 وجمهرة الأمثال 1/ 564 ومجمع الأمثال 1/ 276 والمستقصي 1/ 196.
4 ما بين المعقوفين ساقط من ط, ح, م والبيتان في اللسان "قرط" برواية:
عقاربا سودا وأَرقَمَيْن
(1/360)

فأمّا نَهْيُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الشُرب في النَّقِير والمُزَفَّت والحَنْتم وإباحتُه أن يُشرب في السِّقاء المُوكَأ 1 فقد فَسَّرها أبو عُبَيْدٍ في كتابه 2 إلا أنّه لم يذكر المْعنى فيها ولا السبب الَّذِي من أجْله فَرَّق بينها وبين المُوكأ والمعنى في ذَلِكَ والله أعلم أَنَّ النَّقِيرَ والمُزَفَّت والحَنْتَم أوعيةٌ ضارية تُسْرِعُ بالشِّدّة إلى الشّراب وقد يَحدُث فيه التّغيّر ولا يَشْعُر به صاحِبُه فهو عَلَى خطر من شُرب المُحرَّم فنهى عن استِعمالها استبراءً للشَّكّ وأَخذًا باليقين فيه. فأمّا المُوكأ 3 فإنما يُراد به السِّقاء الرقيق الَّذِي لم يُربَّبْ فإذا انتُبِذ فيه وأُوكِي رأْسُه لم يُدرك الشَّراب ولم يَشْتدَّ حتّى يَنْشقّ السِّقاء فلا يخفي حينئذٍ تغيُّره وقد روينا هذا المعنى عن ابن سِيرِين.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا أَيُّوبُ قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: مَنْ أَوْكَأَ السِّقَاءَ لَمْ يَبْلُغِ السُّكْرَ حَتَّى يَنْشَقَّ السقاء.
__________
1 أخرجه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر. انظر صحيح مسلم 2/ 1577 - 1584 وابن ماجه 2/ 1127.
2 غريب الحديث 2/ 182.
3 ح: "الموكى".
(1/361)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي صلى الله علبه وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ 1 فأبيدوا خضراءهم" 2.
__________
1 ت: عن عواتقكم "تحريف".
2 ذكره السيوطي في الجامع الصغير وعزاه لأحمد. انظر فيض القدر 1/ 498 ولم أجد في مسند أحمد إلا قوله: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم". انظر مسند أحمد 5/ 277. وذكره الهيثمي في مجمعه 5/ 195 وعزاه للطبراني في الأوسط والصغير.
(1/361)

أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ 1 بْنُ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ نا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ.
الخوارِجُ ومَن يَرَى رأيَهم يتأوّلُونه في الخروج عَلَى الأَئِمّة. ويحملون قولَه: "ما استَقَامُوا لكم" عَلَى العَدْلِ في السِّيرة وإنما الاستِقامةُ هاهنا الإقامةُ عَلَى الإسْلام. يقال: أقام واستقام بمعنى واحد كما يُقال أجاب واستْجاب. قَالَ الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 2. وقال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى ... فلم يسْتَجِبْهُ عِند ذاك مُجِيبُ 3
والمعنى اسْتَقِيموا لهم ما أقَاموا عَلَى الشريعة ولم يُبدِّلوها ويدل عَلَى صحّة ما تأوّلْنَاه في الاستقامة حديث أبي بكر الصديق.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ نِمْرَانَ البَجَلِيِّ قَالَ قُرِئَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ. {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} 4. قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا.
ويؤيد هذا المعنى حديثُه الآخر حَدَّثَنَاه إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْبَيَاضِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِّيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سيليكم أمراء تقشعر منهم
__________
1 ط: "الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ".
2 سورة غافر: 60.
3 م: "وداع دعانا من يجيب الندى". والبيت في اللسان "جوب" وعزي لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار.
4 سورة فصلت: 30.
(1/362)

الْجُلُودُ وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: "لا مَا أَقَامُوا الصَّلاةَ" 1.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْرَارُهَا أُمَرَاءُ أَبْرَارِهَا وَفُجَّارُهَا أُمَرَاءُ فُجَّارِهَا" 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ نا الْفَضْلُ بْنُ يُوسُفَ الْجُعْفِيُّ ثنا الْفَيْضُ بْنُ الْفَضْلِ 3 الْبَجَلِيُّ نا مِسْعَرٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي صَادِقٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِذٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْرَارُهَا أُمَرَاءُ أَبْرَارِهَا وَفُجَّارُهَا أُمَرَاءُ فُجَّارِهَا".
وَحَدَّثَنَا ابْنُ شَوْذَبٍ نا شُعَيْبُ بْنُ أيوب الصريفيني نا أَبُو أُسَامَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ خِيَارُهُمْ تَبَعٌ لِخِيَارِهِمْ وَشِرَارُهُمْ تَبَعٌ لِشِرَارِهِمْ" 4. فإنما هُوَ عَلَى جهة الإخْبار عنهم لا عَلَى طريق الحُكْم فيهم. يقول: إذا صلح الناسُ وبَرُّوا وَلِيَهم الأَبرارُ وإذا فَسَدُوا وفَجَروا سلَّط الله عليهم الأشرار.
وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الآخَرِ: "كَمَا تَكُونُونَ كذلك يسلط عليكم".
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 2/ 28, 29 بلفظ: "يكون عليكم أمراء" الخ.
2 أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 76 والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 143 بلفظ: "الإئمة من قريش" فقط وعبد الرزاق في المصنف 11/ 58 بلفظ آخر.
3 كذا في ت, م السنن الكبرى 8/ 143 وفي س: الفيض بن الفيض "تحريف".
4 أخرجه أحمد بهذا اللفظ في مسنده 12/ 261 وكذلك في 2/ 433 وأخرجه مسلم 2/ 1451 بلفظ آخر.
(1/363)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُنَيْفًا سَأَلَهُ عَنْ نَحْرِ الإِبِلِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْوِيَ رُؤُوسَهَا 1 وَيَفْتُقَ لَبَّتَهَا 2.
حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الدَّغْوَلِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ نا مَعْرُوفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُزَابَة حَدَّثَتْنِي بُهَيْسَةُ 3 عَنْ أُنَيْفٍ:
قوله: يَعْوِي رؤوسَها أي يَعْطِفها ويلوي أعناقَها لتَبْرُزَ اللبَّةُ وهي المَنْحر يُقال عَويْتُ الناقةَ إذا عُجْتَها قَالَ القُطاميّ:
فرَحَلتُ يَعْملَةَ النَّجاءِ شِمِلَّةً ... تُرْضي الزَّمِيلَ إذا الزِّمامُ عواها 4
ويقال عَويْتُ الحبْلَ: إذا ثَنيْتَهُ ويُقال: إنّما سُمِّيت العوّاء لانعطافها وهي خمسة كواكب كأنها أَلِفٌ معطوفة الذنب.
__________
1 س, ط: رأسها.
2 ذكر صاحب كنز العمال حديث أنيف هذا بلفظ آخر في 6/ 140 والإصابة 1/ 78.
3 م: "بهيسة" كجميلة والمثبت من باقي النسخ وفي الإصابة 1/ 78 نهيشة بالنون.
4 الديوان /118.
(1/364)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَرْوِيهِ جَابِرُ فِي رَجْمِ مَاعِزٍ: أَنَّهُ لَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ 1. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَرَمَيْنَاهُ بِجَلامِيدِ الْحَرَّةِ حَتَّى سَكَتَ 2
حَدَّثَنِيهِ حلف بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّامُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل
__________
1 أخرجه مسلم 3/ 1318 وأحمد في مسنده 2/ 453 بلفظ: "هرب". والترمذي 3/ 37 بلفظ: "فر".
2 أخرجه مسلم 2/ 1321
(1/364)

الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنِي أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ.
قوله: أَذْلقَتْه: أي عضّتْه وأوجَعَتْه.
وقوله: جَمزَ: أي أَسْرَعَ يُهَرْوِلُ. وقال بعضُ السّلف: لرَجُل اتَّقِ الله قبل أن يُجْمَزَ بك يُريدُ المشْيَ السريع في جنازته. قال الكسائي: الناقة تعدو الجَمزَي والوَلَقَى وهو العَدْوُ الّذي كأنّه يَنْزُو قَالَ غيره: ناقَةٌ جَمزَى وبَشَكَى وَوَثَبَى أي سريعَةٌ. قَالَ الشاعر:
وخَيلٍ تلافَيْتُ رَيْعانَها ... بِعِجْلِزَةٍ جَمزَى المُدَّخَرْ
وقال رؤبة:
فإن تَريْنِي اليَوْمَ أُمَّ حَمْزِ ... قَارَبْتُ بعْدَ عَنَقِي وجَمْزِي 1
وقوله: حتّى سَكَت: يريد سُكوتَ 2 الموْت. يُقال: أَسْكتَ اللهُ نَأْمتَه إذا دعا عَلَيْهِ بالموت.
قَالَ المُتَلِّمس يَذكُر مقْتل عَديّ بْن زَيْد 3:
ولقَدْ شفَى نَفسِي وَأَبرأَ دَاءها ... أَخْذُ الرِّجَال بحلْقِه حتّى سَكَتْ
وقال الأصمعي سَكَت الرَّجلُ إذا لم يتكلّم وأَسْكَتَ إذا أطرقَ وأنْشد:
أبُوكَ الَّذِي أجْدَى عَليَّ بِنَصْرِه ... فأسكتَ عنّي بعْدَه كُلّ قائل 4
__________
1 الديوان /64.
2 ت, م: "سكون الموت".
3 ت: "علي بن زيد"ز ولم أقف على البيت في ديوانه.
4 الجمهرة لابن دريد 3/ 437.
(1/365)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ رَجُلا كَانَ فِي يَدَيْهِ مَالُ يَتَامَى فَاشْتَرَى بِهِ خَمْرًا فَلَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا انْطَلَقَ إِلَى النبي فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا" وَكَانَ الْمَالُ نَهْزَ عَشْرَةَ آلافٍ"1.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ نا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ عَنِ عبد الله عن جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قوله: نَهْزَ عَشْرَة آلاف: أي قريبًا من عَشْرة آلاف من قولهم: يُناهِزُ الشَّرفَ أي يُطالعِه وناهَزَ الغُلامُ الحُلُمَ إذا قارَبَه قَالَ الشاعر:
تُرضِعُ شِبْلَيْن في مَغارِهما ... قد نَاهَزَا للفِطام أَوْ فُطِمَا 2
وفي الحديث من الفِقْه أَنَّهُ لم يأمُرْه بالاستِينَاء بها حتى تتخلل وفيه أن الوصي لاغرامة عَلَيْهِ فيما لم تَجْنِ يَدُه 3.
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 2/ 119, 118, 3/ 260 بدون "وَكَانَ الْمَالُ نَهْزَ عَشْرَةَ آلافٍ" وعبد الرزاق مرسلا 6/ 76.
2 اللسان والتاج "نهز" دون عزو.
3 ت: "تجزيده".
(1/366)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ أُتِيَ بِشَارِبِ خَمْرٍ فَخُفِقَ بِالنِّعَالَ وَبُهِزَ بِالأَيْدِي"1.
مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قوله: بُهِزَ أي وجئ بها. والبَهْزُ الدَّفْعُ العَنِيف قَالَ رُؤبةُ:
صَكِّي حِجَاجِي رأسِه وبَهْزِي 2
__________
1 أخرجه أجمد في مسنده 2/ 24 بلفظ: "فنهز بالأيدي" وكذلك أخرجه في 3/ 46 مختصرا.
2 الديوان /64.
(1/366)

وفيه من الفِقْه أنّ حَدَّ السَّكران 1 أخفُّ الحُدودِ وأنّهُ لا يُضرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا كما يُضْرَبُ في سائر الحُدود.
وفي حديث آخر: أَنَّهُ أُتي بِشارِب فَقَالَ: "بكتوه" فبكتوه.
والتبكيت هاهنا 2 التقريع باللّسان وهو أن يُقال: لَهُ 3 أَمَا اتّقيْتَ الله أما خَشِيتَ اللهَ أما استَحيَيتَ من النّاس ونحو هذا من الكلام.
__________
1 ت, م: "حد السكر".
2 أخرجه أبو داود في الحدود 4/ 163.
3 من ت, م.
(1/367)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلا مَشْعُوفٍ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَعْدَانُ نا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ.
قوله: "بي تُفْتَنُون": أي تُمْتَحنُون يُريُد سْؤالَ المَلَك إيَّاه. وقوله: "مَنْ رَبُّك ومن نَبيُّك".
وأخبرني أبو عُمَر عَنْ ثَعْلب عَنِ ابن الأعرابي قَالَ: يُقال فتَنْتُ الفِضَّةَ إذا أدْخَلْتَها النار لتعرف بها جودتَها هذا أَصْل الفِتْنة.
وقوله: غيْر مَشْعُوف: أي غير فَزِع ولا مَذعُورٍ
والشَعَفُ الفَزَع وقد يُسْتعَارُ فيُوضَعُ مَوْضع الحُبِّ يُقالُ شُعِفَ فلانٌ بفُلانةَ إذا أحبَّها
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 6/ 140 بلفظه في حديث طويل وابن ماجة 2/ 1426 مختصرا.
(1/367)

فوَجَدَ بها كما يَجِدُ الفَزِعُ في قَلْبه. قَالَ أبو زَيْد: الشَعَفُ: أن يذهب الحُبُّ بالقَلْب.
قَالَ امرؤُ القيْس:
لتَقتُلَنِي وقد شَعَفْتُ فُؤادَها ... كما شعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَجُلَ الطَالي 1
قَالَ فشَعَفُ المرأة من الحُبّ وشَعفُ المَهْنُوءَةِ من الذُّعْر شبَّه لَوْعةَ الحُبّ وجَواهُ بذلك.
__________
1 الديوان /23 برواية:
أتقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما المهنوءة والرجل الطالي
(1/368)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لا إِسْعَادَ وَلا عَقْرَ فِي الإِسْلامِ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: لا إِسْعَادَ: مِنْ إِسْعَادِ النِّسَاءِ فِي الْمَنَاحَاتِ وَهُوَ أَنْ تَقُومَ الْمَرْأَةُ فِي الْمَأْتَمِ فَتَقُومُ مَعَهَا أُخْرَى فَيُقَالُ قَدْ أَسْعَدَتْهَا وَهِيَ مُسْعِدَةٌ.
وَيُرْوَى فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةَ أَسْعَدَتْنِي أَفَأُسْعِدُهَا فَقَالَ: "لا" وَنَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ.
فالإِسْعَادُ خَاصٌّ في هذا المعنى كقول الشاعر:
ألا يَا عين ويحك أسعديني
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 560, 6/ 184 مختصرا وأحمد في مسنده 3/ 197.
(1/368)

وكقول الأحُوَص:
بكيتُ الهَوى جَهْدِي فمنْ شَاءَ لامَنِي ... ومَنْ شاءَ آسى في البكاءِ وأَسْعَدا 1
فأمّا المساعدة فهي عامّة في كل مَعُونةٍ. ويقال: إنّها مأخوذة من وَضْع الرَّجُل يدَه عَلَى ساعِد صاحِبِه إذا تماشَيا في حاجة.
وقوله: لا عقر فهو ما كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الجاهِلَّية من عَقْر الإبل عَلَى قبُور المَوْتى كانوا إذا مات الرَّجُل الشَّريفُ الجوادُ عَقرُوا عنْد قَبْره وكانوا يقولون إنَّ صاحبَ القَبْر كَانَ يَعْقِرُهَا للأَضْياف يَقرِيهم أيّام حياتِه فيُكَافأُ عَلَيْهِ بمثل صَنِيعه ويُقال إنّما كانوا يعقِرونها لتَطعَمَها السِّباعُ والطيرُ عند قبْره فيُدْعَى مُطْعِمًا حَيًّا ومَيّتًا ويقال بل كَانَ من مَذْهَبهم أَنَّ صَدَى الميّت يُصِيبُ من ذَلِكَ الطّعام وذلك من تُرَّهاتِ الجاهليّة وقد تَتَابَع الشُّعراءُ في هذا فَقَالَ بعضُهم ومرَّ عَلَى قَبْر النجاشي فعَقَر ناقَتَه:
نحَرْتُ عَلَى قَبْر النَجاشيّ نَاقَتِي ... بأبْيَض عَضْبٍ أَخلصَتْه صَيَاقِلُهْ
عَلَى قَبر مَنْ لو أنّني مِتُّ قَبْلَه ... لَهانَتْ عَلَيْهِ عندَ قَبِري روَاحِلُهْ
وقال حسّان بْن ثابت ومرّ بقبْر ربيعةَ بْنِ مُكَدَّم:
لا يَبْعدنَّ رِبيعَةُ بْنُ مُكَدَّمٍ ... وَسَقَى الغَوادي قبرَهُ بذَنُوبِ
نفرت قَلُوصي من حِجَارةِ حرة ... بُنِيَتْ عَلَى طَلق اليَديْن وَهُوب
لَوْلا السِّفَارُ وبُعْدُ خَرْقِ مَهْمَهٍ ... لتَركتُها تحْبُو عَلَى العُرقُوبِ 2
وقال زِياد الأعجم يَرثِي المُغيرةَ بْن المهلَّب أنشدنيه أبو عُمَر:
إنّ السمَاحَةَ والمُروءةَ ضُمِّنا ... قبرًا بِمرْوَ عَلَى الطريق الوَاضح
__________
1 الديوان /98 برواية: بكيت الصبا.
2 الديوان /364.
(1/369)

فإِذَا مَررْتَ بِقَبْره فَاعقِرْ بهِ ... كُوم الهِجَان وكلَّ طِرْفٍ سَابح 1
ومثله كثيرٌ.
وكان من مذاهبهم أن يَعْمِدوا إلى راحلة الميِّت فيَعقلُوهَا عَلَى قبره لا يَسقُونَها حتّى تَهْلِك عطشًا وكانوا يُسَمُّونها البلية قال الشاعر:
كالبلايا رؤوسها في الوَلايا ... مَانِحات السَّمُومِ حُرَّ الخُدُود 2
والولايا البَراذِعُ واحدتها وَلِيَّةٌ كانوا يُعلِّقونها في أعناقها وكان من تأويلهم في ذَلِكَ أنَّ صاحبَها يُحْشر في القيامة عليها وأَنَّ مَنْ لَم يُفْعل بِهِ ذَلِكَ بعد موته حُشِر مَاشِيًا وكان هذا صنِيع مَنْ يؤمن بالبَعْث منهم ورووا في هذا لِخْزَيْمَة 3 بْن أُشَيْم الفَقْعَسيّ أَنَّهُ أوصى ابنه سعدا عند موته فَقَالَ:
يا سَعْدُ إمّا أَهْلِكَنَّ فإنَّنِي ... أُوصيكَ إنّ أخا الوَصَاةِ الأقْرَبُ
لا أعرفنّ أباكَ يُحْشَرُ بَعدَكُم ... نَقِبًا يَخِرُّ عَلَى اليَديْن ويُنكَبُ
واحْمِلْ أَباكَ عَلَى بعير صَالح ... وتَقِ الخِيانةَ إنّ ذَلِكَ أَصْوَبُ
فلقَلَّ لي مِمَّا جمعت مطية ... في الحشر أركبهاإذا قِيل ارْكَبُوا
فأما الحديثُ في معاقرة الأعراب 4 فهي أن يتبارى الرجلان
__________
1 ت: "فاعقر له" بدل "فاعقر به".
2 اللسان والتاج "بلا" وعزي لأبي زبيد. وهو في شعر أبي زبيد /56 وجاء بروايات مختلفة.
3 س: "لجذيمة بن أشعف الفقعسي".
4 أخرجه أبو داود في الأضاحي 3/ 101 بلفظ: "نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم عن معاقرة الأعراب".
(1/370)

فيَعْقِر كلُّ واحدٍ مِنْهُما يُجاوِدُ بِهِ صاحبَه فأكثرهُما عَقْرًا أجودُهما نُهِي عَنْ أكْلِه لأنّه مِمّا أُهِلَّ بِهِ لغير الله.
(1/371)

وَقَالَ أَبُو سليمان في حديث النبي أَنَّهُ لاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ وَامْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ: "انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَحْتَمَ فَلا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا" 1. قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ بِهِ فَكَانَ يُنْسَبُ بَعْدُ إِلَى أُمِّهِ.
مِنْ حَدِيثِ الْفِرْيَابِيِّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ.
الأسْحَمُ الأسْوَدُ والسُّحْمَةُ السَّوادُ والأَحْتَم الخالص السواد وأراه شُبِّه بلون الغُراب لأَنَّ الغُراب يُسمَّى حاتِمًا قَالَ الشاعر:
ولقَد غَدوْتُ وَكنْتُ لا ... أَغْدُو عَلَى واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا شرٌّ ولا خَيْرٌ عَلَى أحَدٍ بِدائم 2
ويقال: إنّه سُمّي حاتما: لأنّه في مذْهَبِهم يَحْتِم بالفِراق كما سَمَّوه غُرابَ البيْن.
__________
1 أخرجه البخاري 6/ 125 في تفسير سورة النور بلفظ: "أسحم أدعج العينين ... فا أحسب عويمرا إلا قد صدق" وابن ماجه في مسنده 5/ 334 والبيهقي في سننه 7/ 339, 400.
2 زيادة من ت ليست في س, م, ط والبيتان الأولان في اللسان والتاج "وقى" معزوان لمرقش وفي هاشم م: الواقي: الطائر يشبه الغراب.
(1/371)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 1 أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ وَتَكْلِيلِهَا 2.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلاءِ عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بن سعد.
أما التقصيص فإنه التجصيص. ومنه الحديثُ في الحائض. إنّها لا تغتَسِلُ حتّى ترى القَصَّة البَيْضاء 3
يُريد النَّقاء. وأما التَّكلِيل فمعناه بناء الكِلَل عليها وهي القِبابُ والصّوامعُ التي تُبْنَى عَلَى القبُور.
وقال الدَّبَرِيّ: قَالَ بعضهم: التكليل أن يطلى عليه شيء يُشبه القَصّةَ. قَالَ غيره: إنما هُوَ التَّكلْيِس والكِلْسُ الصّاروجُ. قَالَ عِديُّ بنُ زيد:
شَادَهُ مَرْمرًا وَجَلّلَهُ كِلْسًا ... فلِلطَّيْر في ذُراه وُكُورُ 4
وكان الأصْمعيّ يُنشدُه: وخَلّلَهُ بالخاء مُعجمة أي صيرَّ الكِلْس في خلل الحجارة وكان يتعجب مِمَّن رواهُ بالجيم ويقول متى رأوا حصنا مصهرجا.
__________
1 سقط من نسخة ت حديثان وأسنادهما وشرحهما ويقعان في نحو ثلاث صفحات من حجم الفلوسكاب.
2 أخرجه عبد الرزاق في مصتفه 3/ 507 ومسلم في 2/ 667 بدون لفظ: تكليلها وغيرهما.
3 الموطأ للإمام مالك /60 وأخرجه البخاري تعليقا 1/ 83 والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 336 وكلهم بلفظ: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".
4 اللسان والتاج "كلس".
(1/372)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَصَابَ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ الأَرَاكِ ضَوَى إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَهُ غَنَائِمَهُمْ حَتَّى عَدَلُوا نَاقَتَهُ إِلَى سَمُرَاتٍ فَمَرَشْنَ ظَهْرَهُ 1.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نا أَبُو عَرُوبَةَ نا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
قوله: ضَوَى إِلَيْهِ المُسْلمون: أي مالوا إِلَيْهِ يُقالُ: ضوَيْتُ إلى فُلانٍ أَضْوِي إِلَيْهِ ضُوِيًّا إذا أوَيْتَ إِلَيْهِ.
وقوله: مَرشْنِ ظهْرَه فإنّ المَرشَ الخَدْشُ الخَفِيف كالتَّناوُلِ بالأَظافِير ونحوِها ويُقال: فُلانٌ يَمْتَرِشُ الطَّعام إذا كَانَ يتناوله من أَطْراف الصَحْفَة وكذلك يمتَرِشُ المالَ إذا كَانَ يكسِبُه ويجمَعُهُ من كل وجْهٍ ومثله يقْتَرِشُ المالَ ويُقال إنّما سُمِّيَتْ قُريشٌ قريْشًا للتجارة وجَمْع المال قَالَ الشّاعُر:
إِخْوَةٌ قرَّشُوا الذُّنُوبَ علينا ... في حَديثٍ من عَهْدهم وقَدِيم
والتَّقْرِيشُ أيضًا: التَّفتيشُ. وقال معروف بْن خَرَبُوذ إنما سُمِّيت قُريْشًا لأنّهم كانوا يُفتِّشون الحاجَّ عَنْ خَلَّتِهم فيَسدُّونها يُطعمون جائعَهم ويَكْسُون عَارِيَهم ويَحْمِلُون المُنْقطَعَ بِهِ. قَالَ الحارثُ بْن حِلِّزة:
أيُّها الشَامِتُ المُقَرِّشُ عنَّا ... عِنْدَ عَمرو وهل لِذاك بَقاءُ 2
ويُقال: بل سُمِّيت قُريشًا لأنها تقرَّشَتْ: أي اجتمعَتْ بعد التفرق وكانوا
__________
1 أشار ابن كثير في السير ة النبوية إلى هذه الرواية 3/ 672 وانظر النهاية 3/ 319 برواية: "إلى شجرات" بدل "إلى سمرات".
2 اللسان والتاج "قرش". والديوان /11.
(1/373)

مُتبدِّدين في الأرض حتّى جمعهم قُصَيُّ بْن كلاب في الحرَم فسُمِيّ بذلك مُجمِّعا قَالَ الشاعر:
أبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجمِّعا ... بِهِ جَمعَ الله القبائلَ منْ فِهْر 1
وهذا راجع إلى المعنى الأول.
__________
1 اللسان والتاج "جمع" دون عزو. والعقد الفريد 3/ 313 وعزي لحذاقة بن غانم القرشي والاشتقاق /155.
(1/374)

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ فَتُجَلِّي وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتِمِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الإِخْوَانِ 1 لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا يَا مُؤْمِنُ وَيَقُولُ هَذَا يَا كَافِرُ 2 ".
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قوله: "تَخْطِم أنفَ الكافر": يريد أَنَّها تَسِم أنفَه بسِمَة يُعرف بها والخِطام: سِمَة في عُرضِ الوَجْه إلى الخَدِّ
قَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيل يقال: جَملٌ مَخْطومُ خِطام ومَخْطومُ خِطامَيْن عَلَى الإضافة. قَالَ: ورُبَّما وُسِم بخِطام وربّما وُسِم بِخطَامَينْ 3
وقوله: أهل الإخوان يُرِيد الخِوانَ الَّذِي يُنصبُ لِلطَّعام ويؤكل عليه قال الشاعر:
__________
1 في مسند أحمد 2/ 295: "أهل الإخوان" وفي ابن ماجه 2/ 1351: "أهل الحواء". وفي القاموس "خون": الخوان كغراب وكتاب: مايؤكل عليه الطعام كالإخوان.
2 أخرجه ابن ماجه في الفتن 2/ 1351 بلفظ: "فتجلو وجه المؤمن" وأحمد في مسنده 2/ 295, 491. وفي الفائق 1/ 382: "فتحلي وجه المؤمن".
3 ساقط من ط, ح.
(1/374)

ومَنْحَرِ مِئناتٍ تَجُرُّ حَوَارَها ... ومَوضِعِ إِخْوَانٍ إلى جَنْبِ إخْوانِ 1
يُريدُ جفنة إلى جنب جفنة.
__________
1 اللسان والتاج "خون" والفائق "خطم" 1/ 382.
(1/375)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ لاعَنَ امْرَأَتَهُ فَلَمَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُرَيْصِحَ أُثَيْبِجَ فَهُوَ لِهِلالٍ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الأُريْصِح تصغير الأَرسَح وهو الخفِيفُ الأَلْيتين أُبْدلَتْ سِينُه صادًا أو يكون تصْغَير الأَرصَع أُبْدِلَت عَيْنُه حَاءً قَالَ الأصْمَعيُّ: الأرصَعُ والأَرسَحُ قَالَ: والأَزلّ مِثلُه. وأنشد:
في القَلْب مِنه لِكُلّهِنّ موَّدةٌ ... إِلا لكُلّ دَمِيمَةٍ زَلاءِ
والأُثَيْبِجُ 2: مُفَسَّرٌ في كتاب أبي عبيد
__________
1 أخرجه أبو داود في الطلاق "باب اللعان" 2/ 277 في حديث طويل.
2 في النهاية "ثبج" 1/ 206: الأثيبج تصغير الأثبج وهو الناتيء الثبج: أي ما بين الكتفين والكاهل. ورجل أثبج أيضا: عظيم الجوف ولم أقف عليه في كِتاب أَبِي عُبَيْدٍ.
(1/375)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ فَقَالَ: "حَلالٌ" فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ فِي أَيِّ الْخُرْبَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الْخُرْزَتَيْن". وَفِي غَيْرِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ: "أَوْ فِي أَيِّ الْخُصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فِي دبرها فلا" 1
__________
1 أخرجه الإمام الشافعي في مسنده. كما في بدائع المنن 2/ 360.
(1/375)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَنِي محمد بن النصر نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَمْرِو 1 بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلاحِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ.
كُلُّ ثَقْب مستدير خُربَةٌ والجميعُ خُرَب قَالَ ذُو الرُّمَّة:
كأنّه حَبَشِيٌّ يبتغي أَثَرًا ... أوْ من مَعاشرَ في آذانها الخرب 2
والخرزة مِثْلُ الخُرْبة وهو من خَرْزِ الأديم 3. فالخرزة بفتح الخاء: الطعنة بالإشْفَى والخُرْزَةُ الثُقْبَةُ والعَربُ تَقُولُ: سَيْريْن في خُرزةٍ تُرِيدُ حاجَتيْن في حاجةٍ. والخُصْفَةٌ مِثْلُ الخُرْزَة وهو من قولك خصَفْتُ النّعْلَ ومنه المِخْصَفُ وهو الحديدة التي يُثقَبُ بها النِّعالُ قَالَ الهُذَليُّ يَصِفُ العُقابَ:
حتى انتَهَيْتُ إلى فراش عَزِيزَةٍ ... سوداءَ رَوْثَةٌ أَنْفِها كالمخصف 4
__________
1 ت, عن عمر بن أحيحة "تحريف" وفي التقريب 2/ 65: عمرو بن أحيحة بمهملتين مصغرا ابن الجلاح "بضم الجيم وتخفيف اللام" الأنصاري المدني المقبول ووهم من زعم أن له صحبة فكأن الصحابي جد جده وافق هو اسمه واسم أبيه.
2 اللسان والتاج "خرب" والديوان /29.
3 م: "الأدم".
4 البيت لأبي كبير الهذلي وهو في شرح أشعار الهذليين 3/ 1089.
(1/376)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: "آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَدْعَجُ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثدي المرأة تدردر" 1.
__________
1 أخرجه البخاري 8/ 47, 9/ 22 ومسلم 2/ 744 وأحمد في مسنده 3/ 65 وكلها بألفاظ متقاربة دون لفظ أدعج.
(1/376)

حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ 1 نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
الدُعْجَةُ عند العامَّة سَوادُ الحَدَقة فَقط وهي عند العرب السَّوادُ العامُ يُقال: رجلٌ أدعَجُ إذا كَانَ أسْوَد الجِلد وَلَيْلٌ أدْعَجُ أي أَسْوَدُ مُظْلم. قَالَ الشاعر:
حتَّى تَرى أعناقَ صُبْحٍ أَبْلَجَا ... تَسُورُ في أَعجازِ لَيلٍ أَدْعَجا 2
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ الْمُلاعَنَةِ حَدَّثَنَاهُ الأصَمُّ نا الرَّبِيعُ نا الشَّافِعِيُّ أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ 3 بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِصَّةِ الْمُلاعَنَةِ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُمَيْغِرَ سَبْطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُدَيْعَجَ جَعْدًا فَهُوَ لِلَّذِي يُتَّهَمُ".4 فجاءت بِهِ أُدَيْعِج فالأُدَيْعجُ: تصْغيرُ الأَدْعَجِ وهو الأَسْوَدُ. والأُمَيْغِرُ: تصْغِيرُ الأَمْغَر وهو الأحمر.
والسبط: التامُّ الخَلْق. والجَعْدُ القصيرُ وإنّما تأوّلْنا الخبرَ في قصّة الخوارج عَلَى سواد 5 الجِلْد لأنّه قدْ رُوي في خَبرٍ آخر: "آيتُهُم رَجُلٌ أَسْوَدُ" 6. وفي خبر آخر: "رَجُل أَسمرُ". ويُقال في معناه: رجل دغمان
__________
1 ت: أحمر بن إبراهيم بن فراس.
2 اقتصر اللسان والتاج "دعج" على البيت الثاني وعزي للعجاج يصف انفلاق الصبح وهما في الديوان /368, 369.
3 ت: وعبد الله بن عبد الله "تحريف" والمثبت من س, م, ط, ح.
4 أخرجه الإمام الشافعي في مسنده بلفظ: "إن جاءت به أشقر سَبْطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ به أديعج فهو للذي يتهمه" كما في بدائع المنن 2/ 391, 392.
5 ت: كل سواد جلد.
6 أخرجه البخاري في المناقب 4/ 243 وأحمد في مسنده 3/ 56.
(1/377)

ودُحْسُمانُ. وَيُقَالُ دُحْمُسَانُ وليل دَحْمسٌ ودُحُمسٌ. قَالَ أبو نُخَيلَةَ الراجزُ:
وَادَّرعي جِلْبَابَ لَيْلٍ دِحْمَس 1
وَمِنْهُ حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُوسَ نا الْمَكِّيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ نا سُفْيَانُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أُنْفِرَ بِنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ دُحْمُسَةٍ فَأَضَاءَتْ إِصْبَعِي حَتَّى جَمَعُوا عَلَيْهَا ظُهُورَهُمْ 2 ومثْل هذا حدِيثُه الآخر:
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الزَّعْفَرَانِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ فَتَحَدَّثْنَا عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا خَرَجَا أَضَاءَتْ لَهُمَا عَصَا أَحَدُهُمَا فَمَشَيَا فِي ضَوْئِهَا فلما تفرق بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَصَاهُ فَمَشَى فِي ضَوْئِهَا 3
يُقَالُ ليْلَةُ حِنْدِسٌ: أي شديدة الظلمة قال الشاعر:
ليلة من اللَّيالي حِنْدِس ... لَوْنُ حَواشِيها كَلَوْنِ السُّنْدُسِ
ويُقالُ: لَيْلةٌ غَيْهَبٌ وغَيْهَمٌ: أي مُظْلِمه وليلةٌ دَيْجورٌ وديجوج مثله
__________
1 اللسان والتاج "دحمس" من غير عزو وبعده: "أسود داجن مثل لون السندس".
2 أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 2/ 1/46 بلفظ: "كنا مع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فتفرقنا فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ دُحْمُسَةٍ فَأَضَاءَتْ أصابعي .. ".
3 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/ 190, 272 وأخرجه في 3/ 183 بلفظ: "شديد الظلمة". أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 288.
(1/378)

ويُقَالُ: ليلةٌ طَخْياءُ بيَّنةُ الطَّخاء إذا كَانَ فيها سحابٌ ولا قَمَر فتشتدُّ ظُلمتُها وقال:
وَليْلةٍ طَخْياءَ تَرْمَعِلُّ ... فيها عَلى السَّاري نَدًى مُخْضَلُّ
كأَنّما طَعْمُ سُراها الخلُّ 1
وقوله: "مِثل ثَدْي المرأة تَدَرْدَرُ" أي تَضْطَرب وتتحرَّك. ومنه دردور الماء.
__________
1 اقتصر اللسان "خضل" على البيت الأول برواية: "وليلة ذات ندى مخضل".
(1/379)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أَصْحَابَهُ أَسَرُوا رَجُلا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعَضْبَاءُ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي وَثَاقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَلامَ تَأْخُذُنِي وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجِّ قَالَ: "نَأْخُذُكَ بَجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ" وَكَانَ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فلما مضى النبي عليه السلام نَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ" قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاحِ" فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي إِنِّي ظَمْآنُ فَاسْقِنِي قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ: "هَذِهِ حَاجَتُكَ" أَوْ قَالَ: "هَذِهِ حَاجَتُهُ" قَالَ: فَفُدِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالا نا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي 2 الْمُهَلَّبِ عن عمران بن حصين.
__________
1 أخرجه مسلم مطولا في كتاب النذر 3/ 1262 وأبو داود في الأيمان والنذور 2/ 239 والإمام أحمد أحمد في مسنده 4/ 430, 433 وغيرهم.
2 ت: ابن المهلب "تحريف".
(1/379)

قوله: نأخذك أُخِذْت 1 بجرِيرة حُلفائك فيه قولان:
أحدهما ما ذَهَب إِلَيْهِ الشافعي وذكره في بعض كتبه فَقَالَ وذلك لأَنَّ المأخوذ مُشرِكٌ مُباحُ الدم والمال ولما كَانَ حَبْسَه حلالا بغَيْر جِنايَةٍ جاز أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذَلِكَ بنفسه.
والقولُ الآخر ما ذهب إِلَيْهِ بعضُ أهل العلم حَدَّثَني الحسن بْن يَحْيى عن ابنِ المُنذِر قَالَ: قَالَ بعض أهل العلم قولُه: "أُخِذْتَ بجريرة حُلفائك دَلالةٌ" 2 أنّه كَانَ بيْنه وبيْنَهُم مُوادَعةٌ أو صُلحٌ فَنَقَضَتْ ثَقِيفٌ المُوادعةَ والصُّلْحَ وترك بنو عُقَيل الإنْكارَ عليهم ومنْعَهم من صَنِيعهم ذَلِكَ فصاروا كأنَّهم نَقَضُوا العهْد.
قَالَ أبو سليمان: وفيه وجْهٌ ثالث: وهو أن يكون معناه أُخِذْتَ لِتُدْفَع بك جَرِيرةُ حُلفائِك من ثقيف وأَضمرَه في الكلام كقوله:
مَن شاءَ دَلَّى النَفْسَ في هُوَّةٍ ... ضَنكٍ وَلَكنْ مَن لهُ بالمَضِيق 3
يُريدُ مَنْ لَهُ بالخروج من المَضِيق ويدُلّ عَلَى صحّة هذا التّأويل قولُه:
ففُدِي بعدُ بالرَّجْلَيْن. والمعنى أُخِذْتَ ليُسْتنقَذ بك مَنْ أَسرَتْه ثقيف.
وقَولُه: "لو قُلتَها وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلاح" معناه لو أسْلَمْتَ قَبْل الإِسَار أفْلحْتَ الفَلاح التامَّ بأن تكون مُسْلِمًا حُرًّا وذلك أَنَّه إذا أُسِرَ كافرًا كَانَ عبْدًا وإن أسْلم فأما فِداؤُه إِيّاه بالرّجْلَينْ ورده إلى دار الكُفْر بعْدَ إظهاره كلمة الإسْلام فإن هذا المعنى خاصٌّ للنبي صَلَّى الله عليه وسلم,
__________
1 هامش م: نأخذك.
2 م: دلالته.
3 اللسان والتاج "ضيق" من غير عزو برواية: "من شا يذلي النفس في هوة".
(1/380)

وذلك أَنَّهُ قد علم أَنَّهُ غيرُ صادق في قوله: وأَنّه إنّما أظهر كلمة الإسلام رَغْبةً أو رهبة ألا تراه حين استطْعَمه واستسْقاه هذه حاجَتْك فأمّا اليوم فقد انْقَطَع الوحْيُ ولا سبيلَ إلى علم ما في الضمائر فَمنْ أظهر الإسْلام قُبِل منه ووُكِلَتْ سريرَتُهُ إلى ربّه.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ أَسَرَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ قَصْرًا فَأَعْتَقَهُ فَأَسْلَمَ 1.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أنا الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ففيه دليل عَلَى أن للإمام أن يُمنَّ عَلَى الأَسِير من غير فِداءٍ ولا مَال.
وقولهُ: قَصرًا معْنَاهُ حَبْسًا عَلَيْهِ وإجْبارًا يُقال: قَصَرتُ نَفْسِي عَلَى الشيء إذا حَبسْتَها عَلَيْهِ 2.ومِنْ هذا قوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} 3. أي مَحْبُوساتٌ عَلَى أَزْواجِهنّ مُخدَّرات.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُبَيْدٍ 4 الأَشْهَلِيَّةِ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا مَعْشَرَ النِّسَاءِ مَحْصُورَاتٌ مَقْصُورَاتٌ قَوَاعِدُ بُيُوتِكُمْ وَحَوَامِلُ أَوْلادِكُمْ فَهَلْ نُشَارِكُكُمْ فِي الأَجْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
__________
1 أخرجه سعيد بن منصور في سننه 2/ 252 بلفظ: "وإن أسلم قصرا فلا" وقد أخرجه البخاري في 5/ 215 ومسلم 3/ 1386 وأبو داود في مسنده 2/ 246/452 في قصة إسلام ثمامة بألفاظ متقاربة ولم يذكروا: "فأبى أن يسلم قصرا".
2 ت: "قصرت نفسي عن الشئ إذا حبستها عنه".
3 سورة الرحمن: 72.
4 لاتوجد في الصحابيات واحدة بهذا الاسم ولعله تحريف والصواب: "أسماء بنت يزيد الأشهلية".
(1/381)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ إِذَا أَحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُنَّ وَطَلَبْتُنَّ مَرْضَاتَهُمْ" 1. ويُقال: امرأةٌ قَصُوَرة 2 وقَصِيرة أي مُخدّرَةٌ أنشدني أبو عُمر أنشدنا ثعلب عَن ابن الأعرابي:
وأَنْتِ التي حبَّبْتِ كُلَّ قَصيرة ... إلَيَّ وَلم تعْلَم بذاكَ القَصائرُ
عنَيْتُ قَصِيرَاتِ الحِجَال ولم أُرِد ... قِصارَ الخُطَا شَرُّ النِساء البَهاتِرُ 3
البَهاترُ: القِصارُ يُقالُ للقَصِير بُهْتُرٌ وَبُحْتُرٌ.
وقال آخرُ:
أُحِبُّ منَ النِّسْوان كُلَّ قَصيرةٍ ... لها نسَبٌ في الصَّالحين قَصِيرُ 4
أراد بالقصيرة المُخدَّرة وقِصرُ نسَبِها أن تُعرَف بأوّل آبائها كقوله: رُؤبة أتَيْتُ النَّسابَةَ البَكْريَّ فَقَالَ من أَنْتَ قلت ابنُ العجّاج قال قصرت وعرفت 5 فَقَالَ رؤبة:
قَدْ نوَّه العجَّاجُ باسمي فادْعُنِي ... باسْمٍ إذا الأنسابُ طالتْ يَكْفِني 6
وقد يحْتملُ أن يكون أَرادَ قَسْر الغَلَبة والقَهْر أَبْدَل السِّينَ صَادًا. وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد الله بْنُ شَبِيبٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ يحيى
__________
1 ذكر هذا الحديث ابن الأثير في أسد الغابة 7/ 19 في ترجمة أسماء بنت يزيد الأشهلية.
2 كذا في س, ت. وفي م: "مقصورة" وفي القاموس قصر: قصير من قصراء وقصار. وقصيرة من قصلر وقصارة أو القصارة: القصير "نادر".
3 اللسان والتاج "بهتر" وعزي لكثير وهما في الديوان /369.
4 اللسان والتاج "قصر" دون عزو.
5 م: "قصرت وعرفت". وفي ط: قصرت وعرقت.
6 الديوان /16 وروي البيت الأول: "قد رفع العجاج ذكرا فادعني".
(1/382)

المِنْقَرِيَ نا الأصمعيّ قَالَ: اختلف رجلٌ من مُضَرَ ورجلٌ من ربيعةَ فَقَالَ المضَرِيّ السَّقْر وقال الرَّبعيُّ الصَّقْرُ فأقبلَ رجلٌ من قُضاعةَ فأخبراهُ فَقَالَ لا أقُولُ كما قُلتُما إنّما هُوَ الزَّقْرُ وقد قرئ الصِراطُ والسِّراطُ ورُوِي عَنْ بعضهم الزِّراطُ وهذه الحروف متقاربة في مخارجها من اللِّسان فلذلك جَرَى 1 فيها الإبدال.
__________
1 ت: جاز.
(1/383)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ فَاطِمَةَ خَرَجَتْ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِ جِيرَانِهَا عَلَى مَيِّتٍ لَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَتْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: "لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُرَى". قالت: معاذا اللَّهِ وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ.1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُدَ نا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ نا الْمُفَضَّلُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هكذا قَالَ الكُرَى وقال: سألتُ ربيعةَ عَن الكُرى فَقَالَ: القبور.
وأخبرناه ابن داسة عَنْ أَبِي داود بإسْنَادِه إلا أَنَّهُ قَالَ الكُدَى بالدال.
أمّا الكُرَى وقوْل ربيعة: إنّها القبُور 2 فإنّما هُوَ من قولك كرَوْتُ الأرضَ إذا حَفْرتَها وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: أَنَّ الأَنْصَارَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِي نهر
__________
1 أخرجه أبو داود في الجنائز 3/ 192 وأحمد في مسنده 2/ 169 وكلاهما بلفظ: "الجدى" بدل "الكرى". والنسائي في الجنائز 4/ 27.
2 ط: "إنها من القبور".
(1/383)

يَكْرُونَهُ لَهُمْ سَيْحًا.1
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الدَّقِيقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أنا الْمُبَارَكُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الأَنْصَارَ أَتَوْهُ فِي نَهْرٍ يَكْرُونَهُ لَهُمْ سَيْحًا فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالأَنْصَارِ مَرْحَبًا بِالأَنْصَارِ" 1.
يُقال: كروت نهرا إذا استحدثت حفره وكريته وكروت البئر إذا طويتها فالكُرَى جَمْعُ كُرْيَةٍ وهو ما يُكْرَى من الأرض كالحُفْرة لِمَا يُحْفَرُ ومثلها الأُكره يقالُ: أكَرْتُ بمعنى حَفْرتُ وبه سُمِّي الأَكّار
قَالَ الشاعر:
... وَيَتَأَكّرْنَ الأُكَرْ 2
وفي بعض الحديث: نُهِي عَن المُؤاكَرة 3. وهي المُخَابَرة.
وأمّا الكُدَى فهو جمع كُدْيَةٍ وهي القِطْعَةُ الصُلْبَةُ من الأرض تُحفَرُ فيها القبُور
ويقالُ ما هُوَ إلا ضَبُّ كُديَةٍ وذلك أَنَّهُ لا يتخذ جحره إلا في المواضع الصلبة لئلا ينهار عَلَيْهِ وقال بعضُ الأعراب:
سَقَى اللهُ أرضًا يعلم الضَّبُّ أنّها ... عَذِيَّةُ تُرْبِ الطِّين طَيّبَةُ البقل
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/ 139.
2 اللسان "أكر" والجمهرة 2/ 414 وعزي للعجاج والبيت:
"من سهله ويتأكرن الأكر
وهو قي الديوان /21.
3 في النهاية "أكر" 1/ 57 وفيها: يعني المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض وهي المخابرة. يقال: أكرت الأرض: أي حفرتها والأكرة الحفرة وبه سمي الأكار. وأخرجه النسائي 7/ 37 بلفظ: "نهى عن المخابرة ونهى عن كراء الأرض". وانظر كذلك 7/ 49 وغيره.
(1/384)

بَنَى بَيْتَهُ في رأس نَشْزٍ وكدية ... وكل امرئ في حرفة العَيْش ذُو عَقْل
وكُدِيّ وكَدَاءُ: جبلان بمكة قَالَ الشاعر:
أنت ابن معتلج البطا ... ح كديها وكدائها 1
__________
1 من ت, م والبيت في اللسان "كدا" وعزي لابن قيس الرقيات وجاء في هامش اللسان: في التكملة قال عبيد الله بن قيس يمدح عبد اللملك بن مروان:
فاسمع أمير المؤمنين لمدحتي وثنائها
وهما في الديوان /117 وتهذيب اللغة 10/ 325.
(1/385)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرِنْ وَاعْجَلْ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ أَوْ ظُفْرٌ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا مُسَدِّدٌ نا أَبُو الأَحْوَصِ نا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ دَاسَةَ أَرِنْ مَكْسُورَةُ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ عَرِنْ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: أَرْنِ سَاكِنَةُ الرَّاءِ على وزن عرن.
هكذا حدثني خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْهُ.
وهذا حَرفٌ طالما اسْتَثْبَتُّ فيه الرُّواةَ وسألْتُ عَنْهُ أهلَ العلم باللُّغَة فلم
__________
1 أخرجه البخاري في مواضع منها الذبائح 7/ 120 ومسلم في الأضاحي 3/ 1558 وأبو داود 3/ 102 وغيرهم.
(1/385)

أجد عند واحدٍ منهُم شيئًا يُقطَعُ بصحّته وقد طلَبْتُ لَهُ مخرجا فرأيته يتجه لوجوه:
أحدها أن يكون مأخوذًا من قولهم: أَرانَ القَومُ فهُم مُرِينُون إذا هَلَكت مَواشيهم فيكون مَعْناهُ أَهْلِكْهَا ذَبْحًا وأَزْهقْ أَنفُسَها بكُلِّ ما أَنْهرَ الدَّمَ غير السِّنِّ والظُّفْر هذا إذا رَوَيْتَه أَرِنْ بكسر الرَّاء عَلَى ما رَواه أبو داود.
والوجْهُ الثاني أن يُقال: ائْرَنْ مَهمُوز عَلَى وزن اعْرَنْ من أرِنَ يأرَنُ أَرَنًا إذا نَشِطَ وَخفَّ يَقُولُ: خفَّ واعْجَلْ لِئلّا تَقْتُلَها خَنْقًا وذلك أن غيْرَ الحديد لا يَمُور في الذَّكاةِ مَوْرَه والأَرَنُ الخِفَّةُ والنَّشَاطُ ويُقَالُ: في مثَل: سَمِنَ فأَرِنَ 1 أي بَطِر.
قَالَ الفَرَّاءُ: العَرَصُ والهَبَصُ والأَرَنُ والتَّرمُّعُ 2 والتَّقلُّزُ كُلّهُ النَّشاط وقد هَبِصَ وعَرِصَ وأَرِن وَرَجُلٌ أَرونٌ: أي نَشِيطٌ خَفِيفٌ ومُهْرٌ أَرونٌ قَالَ حُمَيْدُ بْن ثَورٍ:
يظَلُّ خباؤنا وكأنَّ حَبْلًا ... بِهِ مُتعَلِّقٌ مُهْرًا أَرُونَا 3
والوجْهُ الثالثُ: أن يكون ارْنُ 4. بمعنى أدِمِ الحزَّ ولا تِفْتُرْ من قولك رَنَوْتُ النّظرَ إلى الشيء إذا أَدَمْتَه. وكَأسٌ رَنْوَنَاةٌ: دائِبةٌ لا تفتر
__________
1 مجمع الأمثال 1/ 388 والمستقصي 2/ 122 ويوى: سمنوا فأرنوا".
2 كذا في م وفي بقية النسخ: "الترصع". وفي القاموس: "رصع": الترصيع النشاط وفي "رمع": رمع فلانا رمعا ورمعانا: سار سريعا.
3 ط: "تظل جيادنا .. " ولم أقف على البيت في ديوانه.
4 كذا في ت, وفي س, ط: "ارْنُ بمعنى أدِمِ الحزَّ".
(1/386)

ولا تنقْطَع أو يكون أراد أَدِم النظرَ إليْه وراعِهِ بِبَصرك لا يزِلّ عَن المَذْبح.
قَالَ: وأقرب من هذا كُلّه أن يكون أَرِزَّ بالزّاي: أي شُدَّ يَدَكَ عَلَى المحزِّ واعْتمِدْ بها عَلَيْهِ.
من قولك: أَرزَّ الرَّجُلُ إصْبَعه إذا أثاخَها في الشَّيء وأرزَّت الجَرادةُ إرْزَازًا إذا أَدْخلَتْ ذَنَبَها في الأرض لكي تَبيضَ. وارتز السَّهْمُ في الجِدار إذا ثبت. هذا إن ساعدته الرِّواية واللهُ أعْلَمُ بالصواب.
(1/387)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلا عَلَى الصَّدَقَةِ فجاءه 1 بفصيل مخلول أو محلول سيئ الحال مهزول فقال هذا مِنْ صَدَقَةِ بَنِي فُلانٍ فَقَالَ: "لا بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي إِبِلِهِ" فَبَلَغَ الرَّجُلَ دُعَاءُ النَّبِيِّ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ يَتُلُّهَا حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَتَلَّهَا إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ بِالْبَرَكَةِ.2
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ عَنْ علي بن عَبْد العزيز عن أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ.
قوله: فصيل مخلول هو المَضُرور المَنْهُوك يقالُ: رَجُلٌ خَلٌّ إذا كَانَ باديَ الضُّرِّ والهُزال قَالَ الشَّنفرى:
فاسْقِيَاني يا سَوادَ بْن عَمرٍو ... إن جسمِي بَعْدَ خالي لخل 3
__________
1 م: "فجاء".
2 أخرجه النسائي في الزكاة بلفظ "ناقة حسناء" بدل "كوماء" وبدون قوبه: "يتلها" وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 4/ 157 بنحوه.
3 ت, م واللسان "خلل": فاسقنيها.
(1/387)

وثَوْبٌ خَلٌّ وهو الَّذِي أَخَذ منه البِلَى. ومنه سُمِّي الفَقِيرُ خَلِيلًا. قَالَ زُهَيْرٌ:
وإِنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مسِألةٍ ... يقُول لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ 1
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المَخْلول هُوَ الَّذِي فُطِمَ حديثًا وذلك أنّهْم إذا أرادُوا فِطامَه عَمَدوا إلى خِلالٍ فشَدُّوه فوق أَنفِه وتركوه ناتئًا منه حتّى إذا أراد الرّضاع نَخَس الخِلالُ ضَرْعَ النَّاقة فَزَبَنَتْهُ فيُهْزَل عند ذَلِكَ الفَصِيل وأما المَحْلُولُ فهو الَّذِي حُلَّ عَنْ أوْصَالِه اللَّحْمُ فعَري منه.
وقوله: فتّلها إِلَيْهِ معناه أناخها إِلَيْهِ من قولك: تلَلْتُ الرَّجُلَ إذا صرَعْتَه. قَالَ الله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} 2.
وكلُّ شيءٍ ألقيتَه عَلَى الأرضِ مِمَّا لَهُ جثّةٌ فقد تَللْتَه ومنه سُمِّي التَّلُّ من التُّراب قَالَ حُمَيْد بنُ ثور يَصفُ الظَلِيمَ:
كأَنَّه بالبِيد لَمَّا أنْ دَمجْ ... مُروَّقٌ في الرِّيح مَتْلُولُ الشَّرَجْ 3
يريد حِبالَة 4 رِواقٍ مُلْقَى الشَّرَج.
ومن هنا حديثه الآخر أنّه قَالَ: "أُتِيتُ بمفاتيحِ الأرضِ فَتُلَّتْ في يَدي" 5. أي أُلْقِيَت إليَّ وتُرِكَت في يَدِي.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ حَدَّثَنِيهِ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدّ نا حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ نا أَبُو مُصْعَبٍ نا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ
__________
1 اللسان والتاج "حرم" والديوان /53.
2 سورة الصافات: 103.
3 في الديوان /63 قصيدة على الوزن والقافية وليس فيها هذان البيتان.
4 ت, ح: "يريد خباء له رواق" والمثبت من س, م, ط.
5 أخرجه الإمام أحمد في مسنده بهذا اللفظ 2/ 502 وفي البخاري 9/ 43 ومسلم 1/ 371 وغيرهما بلفظ: "فوضعت في يدي".
(1/388)

بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ فَقَالَ للْغُلامُ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ" فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي يَدِهِ 1.
والكوماءُ المرتَفِعَةُ السَّنام يقال: كوَّمتُ الشيءَ إذا جعَلْتَ بَعْضَه فوْقَ بَعْضٍ وكوَّمْتُ التُرابَ إذا جمعته.
__________
1 أخرجه البخاري في المظالم 3/ 170 وفي الهبة 3/ 211 وأخرجه مسلم في الأشربة 3/ 1604 والإمام أحمد في مسنده 5/ 333.
(1/389)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مُلَمْلَمَةٍ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا 1.
يَرْوِيهِ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نا شَرِيكٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ.
المُلمْلَمة وهي المُستَدِيرة سِمَنًا أُخِذَتْ من اللَّمِّ وهو الجَمْعُ. قَالَ الله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً} 2 أي: أَكْلًا كثيرًا مُجْتَمِعًا
وإنّما ردّها لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهى المُصدِّقَ عَنْ أخذِ خيارِ المالِ ونَهى صاحبَ المال أن يُعْطِيَ من رُذَالَتِه ولكن وسَطًا بينهما 3 لا يَضُرُّ بأهْل الصدقة ولا يُجْحِفُ بأَرْبَاب المال.
__________
1 أخرجه ابن ماجه في الزكاة 1/ 576 والنسائي 5/ 30 بلفظ "بناقة كوماء" وكذلك أحمد في مسنده 4/ 315.
2 سورة الفجر: 19.
3 ت: بينها.
(1/389)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ سَعْرَ 1 بْنَ دَيْسَمَ وَيُقَالُ سَعْنُ قَالَ: كُنْتُ فِي غَنَمٍ لِي فَجَاءَ رَجُلانِ عَلَى بَعِيرٍ فَقَالا: إِنَّا رَسُولا رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكَ لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ فَقُلْتُ: مَا عَلَيَّ فِيهَا فَقَالا شَاةٌ فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةٍ مَحْضًا وَشَحْمًا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا فَقَالا: هَذِهِ شَاةٌ شَافِعٌ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفْنَةَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ سَعْرِ بْنِ دَيْسَمٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هُوَ مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ وَأَخْطَأَ فِيهِ وَكِيعٌ هَكَذَا قَالَ بِشْر بْن السَّريّ ورَوْح بْن عُبَادَة قَالَ وأَخْطَأَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ مَحْضًا وَإِنَّمَا هُوَ مَخَاضًا وَشَحْمًا.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّقْرِ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى التَّيْمِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي مُرَارَةَ الْجُهَنِيِّ عَنِ ابْنِ سَعْنٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ فِي غَنَمٍ لِي فَجَاءَ رَجُلٌ يَعْنِي مصدق النبي قَالَ فَجِئْتُهُ بِشَاةٍ مَاخِضٍ خَيْرُ مَا وَجَدْتُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: لَيْسَ حَقُّنَا فِي هَذِهِ فَقُلْتُ: فَفِيمَ حَقُّكَ قَالَ: فِي الثنية والجذعة اللَّجْبَةِ 3.
المْحضُ اللبَن قَالَ الحطيئةُ:
قَرَوْا جَارَك العَيْمانَ لما جفَوْتَه ... وَقَلَّصَ من بَرْدِ الشِّتاء مشَافرُه
__________
1 ح: "سعد بن دسيم". وفي القريب 1/ 291: سعر بفتح أوله وآخره راء ابن سوادة أو ابن ديسم الكناني الديلي مخضرم وقيل: له صحبة.
2 أخرجه أبو داود في الزكاة 2/ 103 والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 96 وغيرهما.
3 أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 2/ 2/199 بنحوه.
(1/390)

سَنَامًا ومَحْضًا أَنْبَتا اللَّحْم فاكتسَتْ ... عظام امرئ ما كَانَ يشبع طائرُه 1
وأمّا قوله: مَخاضًا فإنّه مَصْدَر مَخَضَت الشاةُ مَخاضًا ومِخاضًا إذا دنا نتاجُها يريد أَنَّها قد امتلأتْ حَمْلًا وسِمَنًا.
وروايةُ إبراهيم بْن المنذر تَشْهَدُ لقول يَحْيَى بْن مَعِين والمخاضُ في غير هذا الإِبِلُ الحَواملُ واحدتُها خَلِفةٌ عَلَى غير قياسٍ كما قَالُوا للواحدة من النِّساءِ امرأةٌ. واللَّجْبَةُ التي لا لبن لها. قَالَ الأصمعيُّ: هي التي أَتَى عليها بعْد نِتاجها أَربعة أشْهُرٍ فخفَّ 2 لَبَنُها. والشَّافِعُ تفسيره في الحديث هي التي في بَطْنها وَلَدٌ يريد أنّها بِوَلَدِها قَدْ صارتْ شَفْعًا.
__________
1 الديوان /184.
2 ت, م: "فجف" والمثبت من س, ط.
(1/391)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْمًا يَؤُمُّونَ الْبَيْتَ وَرَجُلٌ مُتَعَوِّذٌ بِالْبَيْتِ قَدْ لَجَأَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ الطَّرِيقُ قَدْ تَجْمَعُ التَّاجِرَ وَابْنَ السَّبِيلَ وَالْمُسْتَبْصِرَ وَالْمَجْبُورَ قَالَ: "يَهْلِكُونَ مَهْلِكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى" 1.
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ يَسْأَلانِ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخْبَرَتْهُمْ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.
المُسْتَبْصِرُ المُسْتَبِينُ للشيء قَالَ الله تعالى: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
__________
1 أخرجه مسلم في الفتن 4/ 2208 - 2210 ثم أخرجه عن عائشة بسياق أقرب إلى هذا. وانظر مسند أحمد 6/ 105 و 6/ 259.
(1/391)

وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} 1: أي كانوا عَلَى بصيرةٍ من ضلالتهم 2. يريد أن تِلْكَ الرُّفقة قد تَجمَع مَنْ لَيْسَ قَصْدُه الإِلحادَ في الحَرَم من عابرِ سبيل وتاجرٍ ومُستبْصِرٍ بالحقّ مفارق لهم في النِّيَّةِ والقَصْدِ. والمَجْبُورُ مَنْ جَبَروه كَرْهًا عَلَى الخروج معهم يُقالُ: جَبَره وأَجْبره لُغَتان وأعلاهما بالأَلف أنشدني أبو عُمَر عَنْ ثَعْلب:
قد أجْبر القاضي بحْكمٍ فَصْلِ ... أَنْ يَمْخَنُوها بثَلاثٍ أدل 3
__________
1 سورة العنكبوت: 28.
2 ت, م: ضلالهم.
3 ت: "أن يمتحوها" وفي هامش م: أي ينزحوها. والبيتان فس اللسان والتاج "مخن" برواية:
قد أمر القاضي بأمر عدل ... أن تمخنوها بثمان أَدْلِ
(1/392)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ الأَرْثَمُ طَلْقُ الْيَدِ الْيُمْنَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نا بُنْدَارٌ نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ نا أَبِي سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عُلَيِّ 2 بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ.
الأَقْرَحُ من الخَيْل: ما كَانَ في جَبْهَته قُرْحَةٌ وهي بياضٌ يَسِيرٌ في وسط
__________
1 أخرجه ابن ماجه في الجهاد 2/ 932 بلفظه وأخرجه الترمذي في الجهاد أيضا 4/ 203 والدارمي 2/ 212 بألفاظ متقاربة.
2 في التقريب 2/ 36: علي بن رباح بن قصير ضد الطويل اللخمي ثقة والمشهور علي بالتصغير مات سنة بضع عشرة ومائة.
(1/392)

الجَبْهَة. والأَرثَمُ: ما كَانَ بجِحْفَلِته وأنْفِه بَياضٌ كأنّه رُثِمَ بِهِ أي لُطِخَ.
قَالَ الشاعر:
كأَنَّ مَارِنَها بالمِسْك مَرْثُومُ 1
فإن كَانَ البَياضُ بالجَحْفَلة ولم يَفْشُ إلى الأَنْف فهو أَلْمَظُ: لأَنَّ لسانَه ينالُه إذا تلّمظَه. والمُحجَّلُ: أن يكون في قوائِمه تَحجيلٌ وهو بياضٌ يبلُغ الرُّسْغَ أُخِذَ من الحِجْل وهو الخَلخَال. قوله: طَلق اليَدِ اليُمْنى أي مُطْلقُها. ويقال: في هذا مُمسَكُ الأَياسِرِ مُطْلَقُ الأَيامنِ وهو مُسْتَحبٌّ. ومُمْسك الأَيامن مُطْلَقُ الأياسر وهو مكروه. ويقال: بَعِير طَلْق اليَدَيْن غيرُ مُقَيَّد وجمعه أَطْلاق. ورجل طليق الوجه وطَلْق الوَجْه وهو طليق اللسان وطِلْق وطَلْق ورَجُل طَلْق اليَدَيْن إذا كَانَ سخِيًّا وقد طَلَقَت يدُه ولسانه طُلُوقَةً وطُلوقًا 2.
وكان رَسُولُ الله يكْرَهُ الشِّكالَ في الخَيْل: وهو أن تكون يَدا الفرسِ وإحدى رجلَيْها مُحجَّلةً. قَالَ الشاعر:
أَبغِضُ كُلَّ فَرَسٍ مشْكُولِ ... تَعادَت الثَّلاثُ بالتّحجيلِ
مِنه ورِجلٌ ما بها تَشْكِيل
فوصفَه بهذا النعت.
__________
1 اللسان والتاج "رثم" والبيت:
تثني النقاب على عرنين أرنبة ... شماء مارنها بالمسك مرثوم
وعزيزلذي الرمة وهو في الديوان /572 والمازن: الأنف أو مالان منه.
2 ساقط من س, ط أثبتناه من نسخة ت, م.
(1/393)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ إِبْلِيسُ فِيهَ أَدْحَرُ وَلا أَدْحَقُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ" قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ.
قوله: أَدْحرُ معناه أذلُّ وأبْعَدُ. يُقال: دَحرْتُ الرَجُلَ إذا طردته ونحيته عن المكان ومنه قولُ الله تعالى: {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} 2.
يريد والله أعلم مَهجُورًا مُقْصى. والدحق قريبٌ: من الدَّحْر يُقال أَدْحَقَهُ اللهُ أي أبْعَدَه ورجُلٌ دَحِيقٌ سَحْيقٌ أي مُبْعَدٌ مَطْرودٌ. قَالَ حسّانُ بْن ثابت:
رَجَمْتُكَ في الشعر حتى خضع ... ت وصِرْتَ لحْينكَ فذًّا دَحِيقا 3
وقوله: يَزعُ الملائكة يريد أَنَّه جاء يَتَقَدَّمُهُم فيكُفُّ ريْعَانَهُم 4.
ومن هذا قولهم: وزَعْتُ الرَجْلَ عَن الضَلالَة وَوَزَعْتُ القَلْبَ عَن الهَوَى 5 قَالَ عُمَرُ بْن أَبِي ربيعة:
زَعِ القَلْبَ واستَبْق الحياءَ فإنّما ... يُبَعِّدُ أو يدني الرباب المقادر 6
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 4/ 378 والإمام مالك في الموطأ مرسلا 1/ 422.
2 سورة الإسراء: 29.
3 لم أقف عليه في ديوانه ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.
4 في النهاية 5/ 180: "أي يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار".
5 ت: وزعت القلب عن الهم.
6 الديوان /133.
(1/394)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ فُرْسَانًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ مُسَوَّمِينَ وَفُرْسَانًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مُعْلَمِينَ فَفُرْسَانُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ قَيْسٌ إِنَّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللَّهِ" 1.
حَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ نا قُتَيْبَةُ نا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ الْعَبْسِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ غَالِبٍ الأَبْجَرِ.
المُسَوَّمُ: المُعْلَمُ. يقالُ: سَوَّم الفارسُ فَرَسَه إذا أعْلَمه بعلامةٍ يُعْرَفُ بها من غَيْرِه والاسم منه السُّومَة
والضِّراءُ جمع ضِرْوٍ وهو من السِّباع ما لهج بالفَرائس ومن الكلاب ما ضَرِي بالصَّيْد. قَالَ ذُو الرُمَّة:
مُقَزَّعٌ أطْلسُ الأَطْمار لَيْسَ لَهُ ... إلا الضِّراءَ وإلا صَيْدَها نَشَبُ 2
المُقَزَّع: الخفيف الشّعر 3 وأما الضَّراء مفتوحة الضّاد فهو ما وَاراك منْ شجرٍ
ويقال فُلانٌ يَمشي الضَّراءَ إذا كَانَ يَخْتِل الصَّيْد في استِخفاء حتى يأخذه قَالَ الكميت:
وإِنّي عَلَى حُبّيْهم وَتَطلُّعي ... إلى نَصْرِهُم أَمْشي الضَّراءَ وأَخْتِلُ 4
وقيس توصف بالفروسة.
__________
1 أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 4/ 1/98 مختصرا وذكره الهيثمي في مجمعه 10/ 49 بأطول منه وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط.
2 اللسان والتاج "قزع" والأساس "ضرى" والديوان /24.
3 من ت.
4 لم أقف عليه في شعر الكميت ط بغداد.
(1/395)

أخبرني محمد بْن الطَّيب المَرْوَزي نا عَلِيّك الرَّازي نا داود بْن رُشَيْد نا سلَمةُ بْنُ بشر نا حُجْرُ بْن الحَارِث عَنْ عَبْد الله بْن عَوْف القاري قَالَ: كَانَ يُقال: يُسَوَّدُ السَّيِّد في تمِيم بالحِلْم وفي قَيسٍ بالفُروسَةِ وفي رَبيْعة بالجُود.
(1/396)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ عِنْدَ هَذِهِ الضِّلَعِ الْحَمْرَاءِ مِنَ الْجَبَلِ" 1.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فَلَمَّا دَنَا الْقَوْمُ وَصَافَنَّاهُمْ إِذَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَسِيرُ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَهُوَ يَنْهَى عَنِ الْقِتَالِ وَيَقُولُ لَهُمْ يَا قَوْمُ إِنِّي أَرَى قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ. يَا قَوْمُ اعْصُبُوهَا الْيَوْمَ بِرَأْسِي وَقُولُوا جَبُنَ عُتْبَةُ. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هذا لأعضضته قد ملئ جَوْفُكَ رُعْبًا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قد ملئ سَحْرُكَ فَقَالَ عُتْبَةُ: إِيَّايَ تَعْنِي 2 يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا الْيَوْمَ أَجْبَنُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ 3.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الزَّعْفَرَانِيُّ نا شَبَابَةُ نا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيٍّ.
قَالَ الأصمعيّ: الضِّلَعُ جُبَيْلٌ صَغيرٌ ليْس بمُنْقادٍ. وقال غيره إنما سُمِّي ضِلَعًا لمَيْله وانْحرافِه تَمثِيلًا لَهُ بضِلَع الإِنسان. والضَّلْعُ المَيْلُ. ومن هذا قولُك ضَلْعُك مَعَ فُلانٍ أي صغوك وميلك إليه. قال النابغة:
__________
1 كذا في مسند أحمد 1/ 117 م, ت وفي س: من الخيل.
2 في مسند أحمد 1/ 117: تعير بدل تعني.
3 أخرجه أحمد في مسنده 1/ 117 والبيهقي في دلائل النبوة 2/ 341 - 343 والطبري في تاريخه 2/ 269. وذكره الهيثمي في مجمعه 6/ 75, 76 وعزاه للبزار أيضا.
(1/396)

أتُوعدُ عبْدًا لم يَخُنْك أَمانةً ... وتَتْرُكُ عبْدًا ظالما وهْو ضَالعُ 1
وقوله: صَافَنَّاهم أي واقفْناهم في مركز القِتال. والصّافنُ الواقفُ. ومنه الحديثُ: "مَن سرَّه أن يَقْومَ له الرِّجالُ صُفُونًا فليتبوّأ مقْعدَه من النار" 2.
وقال حُمَيد بْن ثَورٍ:
كأنّ سَمُومَها سَرَعَانُ نَارٍ ... إذا ما شَمْسُها صفَنَتْ صُفُونَا 3
يُقالُ: صَفَن الفَرسُ إذا قام عَلَى ثلاث قوائم قَالَ الله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} 4.
فأمّا قَولُ الفرزْدق:
فلما تَصافَنَّا الإداوة أجهشت ... إلي عضون العَنبرَيّ الجُراضم 5
فالتَّصَافُن: أن يُطرحَ في الإناء حَجرٌ ثُمَّ يُصَبَّ فيه من الماء ما يَغْمرُه لِئلّا يتغابنُوا يَفْعَلُون ذَلِكَ في الأَسْفار عند ضِيقِ الماء وإعوازِه. واسمُ تِلْكَ الحَصاةِ المُقْلَةُ.
وقوله: أَرَى قومًا مُستَمِيتين أي مُسْتَقْتِلين. والمُسْتَمِيتُ الَّذِي يُقاتِلُ عَلَى المَوْت. قَالَ حَمزةُ بْن عَبْد المُطَّلب:
بِكَفَّي مَاجدٍ لا عَيْبَ فيه ... إذا لقي الكريهة يستميت
__________
1 الديوان /169.
2 أخرجه البخاري في الأدب المفرد 2/ 453 وأبو داود 4/ 358 بلفظ: "من أحب أن يمتثل له الناس قياما فليتبوأ" وأخرجه الحاوي في مشكل الآثار 2/ 40 بلفظ: "من أحب أن يستجم له الرجال قياما وجبت له النار".
3 ليس في الديوان ط دار الكتب المصرية وفيه مقطوعة على الوزن والقافية.
4 سورة ص: 31.
5 اللسان والتاج "صفن" والديوان 2/ 297.
(1/397)

وقوله: اعْصِبُوهَا برأسِي يُريدُ الحرْبَ وهي تُؤنَّثُ أو يكون أرادَ السُبَّةَ التي تَلحقُهم بالفِرار من الحَرْب. والجُنُوحِ إلى السَّلْم فأَضمَرها في الكلام اعتمادًا عَلَى مَعْرِفه المخاطبين بها. وقوله: ملئ سحْرُكَ. قَالَ أبو زَيْد: يقالُ للرّجلُ: إذا جَبُنَ وانْكَسَر قد انتفَخ سَحْرُه. قَالَ: والسَّحْرُ ما تعلَّق بالحُلْقُوم وَالرِّئَة.
قَالَ الشاعر:
ونارٍ كسَحْر العَوْدِ يرفَعُ ضَوْءَها م ... ع اللَّيْل هَبَّاتُ الرِّياحِ الصَواردِ
وقال أبو عُبيدةَ في قولِه: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} 1. يريد ممن لَهُ سَحْرٌ ممّا تَعَلَّقَ بالحُلْقُوم. قَالَ: وكُلُّ من احْتاجَ إلى غِذاء فهْو مُسحَّرٌ. وأنشد للبِيدٍ:
فإن تسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فإِنَّنا ... عَصافِيرُ من هذا الأَنامِ المُسحَّرِ 2
ويُقالُ: انصرف الرجلُ من حاجته صَرِيمَ سَحْرٍ إذا صار آيسًا منها. قَالَ قَيسُ بنُ الخَطِيم:
تقولُ ظَعِينَتي لمَّا استقلَّتْ ... أَتترُكُ ما جَمعْتَ صَرِيمَ سَحْر 3
وأما قوله: يا مُصَفِّر اسْتِه فقد قِيلَ إنّه نَسَبَه إلى التَّوضِيع والتَّأنيث.
وقد قَالَ فيه بعضُ الأنصار:
ومِن جَهْلٍ أبو جَهْلٍ أخوكم ... غَزا بدرًا بِمِجْمَرةٍ وَتَوْرِ 4
__________
1 سورة الشعراء: 153.
2 شرح الديوان /56.
3 الديوان /120.
4 الكامل للمبرد 1/ 177. والمجمرة: إناء يوضع فيه الجمر مع البخور. والتور: إناء يشرب فيه "القاموس, الوسيط".
(1/398)

وقد قيلَ إنّه لم يُرِد بهِ ذاك وإنّما هُوَ كلمةٌ. يُقالُ للرّجُل المُتَرف الَّذِي يُؤْثِر الراحَةَ ويَمِيل إلى التَنعُّم.
(1/399)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا رأى كثرة استشارة النبي أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ظَنَّ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَنْطِقُ الأَنْصَارَ شَفَقًا أَنْ لا يَسْتَحْلِبُوا مَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ أَمْرِهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَفِيهِ أَنَّ خَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ الصَّفْرَاءَ فَأَصَابَ سَاقَهُ نَصِيلُ حَجَرٍ فَرَجَعَ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِسَهْمِهِ 1
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ نا الصَّائِغُ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عن محمد بن فلح عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
يقال: أَحْلبَ القَومُ واستحْلَبُوا إذا اجتمعوا لأمْرٍ وتَعاونوا عَلَيْهِ. قَالَ الأُمَويُّ: يقال: هُم يَحْفِشُون عليكَ ويُحْلِبُونَ عليك أي يجتمِعُون عليك.
قَالَ الكُمَيْتُ:
عَلى تِلْكَ إجْرِيَّايَ وَهْي ضَريبَتي ... وَإنْ أَجْلَبُوا طُرًّا عَليَّ وَأَحلَبُوا 2
يُقالُ: فلان على إجرياء حسَنةٍ: أي حالٍ وطريقةٍ حسنةٍ.
وقوله: أحْلَبُوا: أي أَعانَ بعضُهم بعْضًا والنَّصِيلُ حجرٌ مُحدَّدُ الأَطْرافِ كأنه نصل لحدته.
__________
1 لم أقف على رواية موسى بن عقبة هذه والقصة ذكرها الواقدي في مغازيه 1/ 48 والطبري في تاريخه 2/ 274 وابن كثير في السير ة النبوية 2/ 392 بألفاظ أخرى. والفائق "حلب" 1/ 307.
2 اللسان والتاج "جرى" ولم أقف عليه في شعر الكميت ط بغداد.
(1/399)

وفي قصَّة بَدْرٍ بهذا الإسْناد أن أبا سفيان خرج في ثلاثين فارسًا حتى نزل بجَبَل من جِبال المدينة فبعث رجُلَيْن من أصحابه فأحْرقُوا صَوْرًا من صِيران الغُرَيْض فخرج رَسُول الله في أصحابه حتى بلغ قَرقَرة الكُدْر فأَغْدَرُوهُ 1.
يُقالُ أغدرْت الشيء وأخدَرْتُه إذا خلّفْتَهُ قَالَ الشاعرُ:
كأَنّها أمُّ سَاجي الطَّرْف أَخْدرَها ... مستودع خمر الوعساء مرخوم 2
__________
1 ذكر ابن هشام هذه القصة في السيرة بألفاظ متقاربة 3/ 44 - 45 وفي الفائق "صور" 2/ 318.
2 اللسان والتاج "رخم" وعزي لذي الرمة وهو في ديوانه /570 وأم ساجي الطرف يعني الظبية.
(1/400)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَاعْتَشَى فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَانْقَطَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ 1.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا سُوَيْدٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يَذْكُرُهُ.
قوله: اعْتَشَى يُرِيدُ أَنَّهُ سارَ في وقْت العَشاء.
قَالَ الشاعر:
وجُوهٌ لو أنَّ المعتفين اعتشوا بها ... صَدَعْنَ الدُّجَى حتى يُرَى الليل ينجل 2
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 4/ 168, 169 مختصرا وأخرجه المزي في تهذيب الكمال 1/ 228 بطوله في ترجمة: زياد بن نعيم عن زياد الصدائي.
2 اللسان والتاج "عشا" وعزي لمزاحم العقيلي جعل الإعتشاء بالوجوه كالاعتشاء بالنار يمدح قوما بالجمال وقبله:
يزين نسا الماوي كل عشية ... على غفلات الزين والمتجمل
(1/400)

ومثلهُ اغُتَدَى إذا سارَ غُدْوةً وابتكر إذا سار بُكْرَةً واستَحَر إذا سار سُحْرةً. قَالَ زُهيْرٌ:
بَكرْنَ بُكُورًا واستحْرنَ بسُحْرَةٍ ... فهُنَّ لوَادِي الرَّسِّ كالْيَد للْفَمِ 1
وفسَّرهُ بَعْضُهُم فقال: يريدُ أَنَّهُ نزل ليتعشّى أو ليُصَلّي العِشاء وهذا غَلطٌ لأنّ في الخَبَر أَنّ زيَادا الصُّدائي قَالَ اعْتشى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَانْقَطَعَ عَنْهُ أصحابُه ولَزِمْتُهُ فلما كَانَ وقتُ الأَذان أمرني فأذّنْتُ فلمّا نزل للصلاة لحِقه أصحابُه فأرادَ بلالٌ أن يُقيِم فَقَالَ لَهُ: "إنّ أَخَا صُدَاء هُوَ أذّن ومن أذن فهو يقيم".
__________
1 الديوان /10 برواية: "فهن ووادي الرس كاليد في الفم".
(1/401)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الْخِلافَةُ فِي قُرَيْشٍ وَالْحُكْمُ فِي الأَنْصَارِ وَالدَّعْوَةُ فِي الْحَبَشَةِ" 1.
يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ بْنِ ثَوْبٍ الْحَضْرَمِيِّ 2 عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ.
الدَّعْوَةُ الأَذان وجعله في الحبشة تَفضِيلًا لِبلال مؤذِّنه وجعل الحُكْمَ في الأَنصارِ لأَنّ أكثر فُقهاء الصّحابة منهم مُعَاذٌ وأُبَيُّ بنُ كعب وزيد بْن ثابت وغيرهم.
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده 4/ 185 وذكره الهيثمي في مجمعه 4/ 192 وعزاه للطبراني أيضا.
2 م: اسماعيل بن عياش بن ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ بْنِ ثَوْبٍ الحضرمي.
وفي التقريب 1/ 73: "اسماعيل بن عياش بن سليم العنسي".
وفيه أيضا 1/ 375: "ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ بْنِ ثَوْبٍ "يضم المثلثة وفتح الواو ثم موحدة" الحضرمي الحمصي. فيها اثنان لا واحدِ.
(1/401)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا فِي تَزْوِيجِ فَاطِمَةَ وَقَالَ لِبِلالٍ: "أَدْخِلِ النَّاسَ عَلَيَّ زُفَّةً زُفَّةً" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلاءِ الْبَجَلِيِّ عَنْ عَمِّهِ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ الْمُسَيِّبِ 2 عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: "زُفّةً زُفّةً" أي فَوْجًا فَوجًا وزُمْرةً زُمْرةً وأُراها سُمِّيَتْ زُفَّةً لِزَفِيفها وهو إقْبالُها في سُرْعةٍ. ومنه زَفيفُ النّعَامَة. يقال: زَفَّت النّعامةُ تَزِفُّ زَفِيفًا
ومن هذا قوله: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} 3. أي: يُسْرِعُون
وأخبرني أبو عُمَر أنا أبو موسى عَنْ أَبِي العَبَّاس ثَعْلب قَالَ: يُقالُ: للجماعَةَ كُبْكُبَةٌ وكبكبة وهلتاة 4 وزَرافَةٌ وغَيْثَرةٌ وبِرزِيقٌ وَصَتٌ وصَتيتٌ ولُمَةٌ 5 ولُمعَةٌ وثُبَةٌ وحَضيرَةٌ وثُلّةٌ ولِبْدَةٌ وقِدَّةٌ وصَرْمٌ وعُنُقٌ من النّاس وعنْوٌ وأَعْناء وفِنْوٌ وأَفْناءٌ 6 وعِرْوٌ وأعْراء وقَنيفٌ من الناس وهم الأخلاط والأشابات. وروى غير أَبِي عُمَر هِلثاءة بالثاء المثلثة 7.
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 487 وذكره الهيثمي في مجمعه 9/ 207 - 209 في حديث طويل.
2 في المصنف لعبد الرزاق 5/ 487 "سمرة بن المسيب" والمثبت في جميع النسخ.
3 سورة الصافات: 94.
4 القاموس "هلت": الهلتات الجماعة يقيمون ويظعنون.
5 س: "وأمة" والمثبت من م, ت, ط. وفي القاموس "لما": اللمة "كثبة": الجماعة من الثلاثة إلى العشرة.
6 ح: "وقنو وأقناء". وفي القاموس "قنو": القنو بالكسر والضم والقناء بالكسر والفتح: الكباسة جمعه أقناء وقنينان وقنوان مثلين.
7 من م وفي القاموس "هلث": الهلثي والهلثاء والهلثاءة ويكسران والهلثة بالضم: جماعة علت أصواتهم.
(1/402)

وقال أبو حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرَادَ أن يأتيها
...
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَبَتْ إِلا أَنْ تُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا أَبُو الإِصْبَغِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: شَرِي أمرُهُما أي عَظُمَ أمْرُهُما وَارتفع إلى رَسُول الله. وأصْلهُ من قولك شَرِي البَرْقُ إذا تتابع لمعَانُه ثُمَّ كَثُر حتى قِيلَ لِكُلّ مَنْ لجَّ في أَمْرٍ وتَمادى فيه قد شَرِي في الأَمْر واسْتَشْرى فيه.
__________
1 أخرجه أبو داود في المناكح 2/ 249 وغيره. والآية في سورة البقرة: 223.
وفي الفائق 1/ 274: الحرف: الطرف والناحية والممعنى إتيانها على جنب وقيل: معنى على حرف ألا يتمكن منها تمكن النتوسط المتبجح في الأمر. والشرح: أن يتمكن منها من شرح الأمر وهو فتح ما انغلق منه. وشرح المرأة إذا سلقها على قفاها ثم غشيها.
(1/403)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُحَدِّثُهُ 1 قَيْلَةُ: أَنَّهَا خَرَجَتْ بِابْنَتِهَا تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ قَالَتْ: فَلَحِقَنَا أَثْوَبُ بْنُ أَزْهَرَ عَمُّ بَنَاتِهَا يَسْعَى بِالسَّيْفِ صَلْتًا فَوَأَلْنَا إِلَى حِوَاءٍ ضَخْمٍ قَالَتْ وَمَضَيْتُ إِلَى أُخْتٍ لِي نَاكِحٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ أَبْتَغِي الصَّحَابَةَ فَذَكَرُوا حُرَيْثَ بْنَ حَسَّانٍ الشَّيْبَانِيَّ فَنَشَدْتُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ الصُّحْبَةَ وَذَكَرَتْ قُدُومَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِالدَّهْنَاءِ اعْتَرَضْتُ فِيهِ فَأَمَرَ أَنْ لا يكتب له فتمثل
__________
1 ت: "ترويه".
(1/403)

حُرَيْثٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ كَمَا قَالَ حَتْفَهَا ضَأْنٌ تَحْمِلُ بِأَظْلافِهَا 1.
فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ سَائِرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ 2.
حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ ضُرَيْسٍ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ الْعَنْبَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ اللاحِقِيُّ قَالُوا: نا عَبْدُ اللَّهِ 3 بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ أَنَّ قَيْلَةَ أَخْبَرَتْهُمَا بِذَلِكَ.
قولُها: وأَلْنا معناه لَجأنا إِلَيْهِ. يُقال: وَأَلَ الرَّجُلُ إلى المكان إذا لَجأ إِلَيْهِ. والمَوْئِلُ المَلْجَأُ والمَهْرَبُ. يقال: لا وألَتْ نفْسُهُ أي لا نَجَتْ. وفُلانّ يُوائِلُ أي يُسابِقُ ويُبَادِرُ لِيَنْجُو. قَالَ الأعْشى:
وقد أُحاذِر ربَّ البيتِ غَفْلتَه ... وقد يُحَاذر منّي ثُمَّ لا يَئِل 4
أي: لا يَنْجُو.
والحِواء: بُيوتٌ مجتمعة عَلَى ماءٍ وتُجمَعُ عَلَى أَحْويه. قَالَ ذو الرمّة:
إلى لَوائح من أطْلال أَحْويَةٍ ... كأَنَّها خلل موشية قشب 5
__________
1 في النهاية 1/ 388: "حتفها تحمل ضأن بأظلافها" هذا مثل وأصله أن رجلا كان جائعا بالبلد القفر فوجد شاة ولم يكن معه مايذبحها به فبحثت الشاة بالأرض فظهر فيها مدية فذبحها بها فصارت مثلا من أعان على نفسه بسوء تدبيره وهو في اللسان حتف وجمهرة الأمثال 1/ 363 ومجمع الأمثال 1/ 192 والمستقصي 2/ 95.
2 أخرج البخاري في الأدب المفرد 2/ 607 في باب القرفصاء طرفا منه. والترمذي 5/ 120 جزء منه. وذكره الحافظ في الإصابة 4/ 391 بطوله وكذلك المزي في تهذيب الكمال 2/ 431 ولم أقف عليه في غريب الحديث لأبي عبيد.
3 كذا في ت, م وفي س, ط, ح: علي بن عثمان اللاحقي.
4 ت, م: "وقد أخالس .. ثم مايئل". وكذلك في الديوان /147.
5 اللسان والتاج "قشب, خلل". والديوان /3.
(1/404)

وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلَبَ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ نا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاسِطِيُّ نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ نا أَبِي نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلَبَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَفِيضَ الْمَالُ وَيَكْثُرَ وَتَفْشُوَ التِّجَارَةُ وَيَظْهَرَ الْقَلَمُ" 1.
قَالَ عَمْرٌو: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلانٍ وَيُلْتَمَسُ فِي الْحِوَاءِ الْعَظِيمِ الْكَاتِبُ فَمَا يُوجَدُ.
قولُها ناكحٌ في بني شيبان تريد أنّها ذاتُ زوج وقد تَسقُط الهاءُ في مثل هذا من نعت المؤنث إذ أَرَدْتَ الحال الرَّاهِنَة 2 كقولك امرأةٌ طالقٌ وحاملٌ فإذا جَعَلتَه للمُسْتَقْبَل قلت حامِلةٌ وطالِقةٌ. قَالَ الأَعشَى:
أجَارتَنا بِيني فإنّكِ طالقَه 3
وَقَولُها: فنَشَدتُ عَنْه أي سأَلْتُ عَنْهُ وطَلبتُ. يقال: نشَدْتُ الضَالّةَ أَنْشُدُها إذا طَلَبْتَها وأنشَدْتُها إذا عرَّفْتَها.
وأخبرني ابنُ الزِّئْبَقي نا الكُدَيْمي نا الأصمَعي قَالَ ضَلَّ بعير لرجُلٍ من الأَعراب فجَعَل ينْشُدُه وهو يَقُولُ: مَن وجدَهُ فهو لَهُ فقيل: لَهُ فَما تَتَعَنّى في طلبه قَالَ فأينَ فَرحةُ الوجدان.
__________
1 أخرجه النسائي في البيوع 7/ 244 بلفظ: "يفشو المال .. ويظهر العلم بدل: "القلم" ويلتمس في الحي العظيم الكاتب فلا يوجد.
والطبراني بلفظ .. "أن يقبض العلم ويظهر القلم وتفشو التجارة". وابن عساكر في التاريخ بلفظ: "يفيض المال ويكثر الجهل وتظهر الفتن وتفشو التجارة". "انظر الجامع الكبير 1/ 271
2 هامش س, ط, ت: "الذاهبة" والمثبت من م, ح.
3 الديوان /122 والبيت فيه:
ياجارتي بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه
(1/405)

وأما قَولُه: حَتْفَها ضَأنٌ تحمِلُ بأظلافها فإنّه مَثَل 1 ضربَهُ لها ولِصَنِيعها بِهِ حينَ اعتَرضَتْ عَلَيْهِ في الدَّهناء وَحالَت بينه وبينها. وأَصلُ هذا أَنّ النُّعمانَ بنَ المنذر عمد إلى كبش فَعلَّق في عُنقة مُدْيةً ثُمَّ أَرْسَلَه ونذَر أن يَقتُل من عَرَض لَهُ فكان الكبْشُ يَسْرَحُ ولا يُمَسّ ثُمَّ إنّهُ مَرَّ عَلَى أَرقَم بْن عِلباءَ اليَشْكُريّ فَقَالَ: كَبْشٌ يحمِلُ حَتْفَهُ بأظْلافه ثُمَّ وثَب عَلَيْهِ فذَبَحه واشْتَواه وقال شِعْرًا طويلًا فيه:
أُخَوَّفُ بالنّعْمان حتّى كأنّني ... قَتَلْتُ لَهُ خَالًا كِريْمًا أو ابنَ عَمّ
__________
1 سبق تخريجه.
(1/406)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَسُولا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَبَلَّغَهُ رِسَالَتَهُ فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ لأَبِي سُفْيَانَ مَا أَتَاكَ بِهِ ابْنُ عَمِّكَ قَالَ أَتَانِي بِشَرٍّ سَأَلَنِي أَنْ أُخَلِّيَ مَكَّةَ لِجَعَاسِيسِ أَهْلِ يَثْرِبَ 1
يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ.
الجَعاسيسُ اللِّئامُ واحدهم جُعْسُوس قَالَ الراعي:
ضِعافُ القُوَى لَيْسُوا كَمنْ يبتَني العُلا ... جعَاسيسُ قَصَّارون دون المَكَارِم 2
فأمّا الجُعْشُوشُ بالشِّين مُعجمة فهو الطويل الدقيق قاله الأصمعي.
__________
1 في الفائق 1/ 217 برواية: "لجعاسيس مضر". والحديث برواية كتابنا هذا في النهاية "جعسس" 1/ 276.
2 لم أقف عليه في شعره ط دمشق. وهو في ديوانه /245 ط بغداد وفي الفائق "جعسس" 1/ 217.
(1/406)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ فَلَمَّا انْفَتَلَ تَنَاوَلَ قَرَدَةً مِنْ وَبَرِ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَقَالَ: "إِنَّهُ لا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مَا يَزِنُ هَذِهِ إِلا الْخُمْسُ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" 1.
يَرْوِيهِ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زِيَادٍ الْمُصَفَّرِ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْمِقْدَامِ الرُّهَاوِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
القَرَدَةُ: القِطعةُ من الوَبَر تَنْسُلُ منه. قَالَ رُؤبَةُ:
مَدَّ بخَيْطَيْ قَرَدٍ وصُوف 2
ويُقالُ إنَّ القَرَدَ أرْدَأُ الصُّوفِ والوَبَر قَالَ الشاعر يهْجُو قَوْمًا:
لَوْ كُنْتُمُ ماء لكنتم زَبَدا ... أو كنتم صوفا لكنتم قردا 3
ومن أمثالهم في التَّفرِيط في الحاجة وهي مُمْكِنَةٌ ثُمَّ تُطلَبُ بعد الفَوت قَولُهم:
عثَرتْ عَلَى الغَزْل بأَخَره ... فلم تَدعْ بنَجْدٍ قَرَدَه
قَالَ الأَصمَعِيُّ: وأصْلُه أن تَدَعَ المرْأةُ الغَزْلَ وهي تَجِدُ ما تغْزله من قطْن أو كِتّان حتّى إذا فَاتَها تتبَّعت القَرَدَ في القُمامات تَلْتقطها فتغْزلها.
ويُقالُ: سنامٌ قَردٌ أي جَعْدُ الوَبَر. قَالَ بشر بن أبي خازم يصف ناقة 4:
__________
1 أخرجه ابن ماجه /950 بنحوه وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بلفظه كما ذكر السيوطي في الجامع الكبير 2/ 425.
2 في الديوان أرجوزة على هذه القافية ليس منها هذا البيت.
3 في الفائق 3/ 170 واللسان والتاج "قرد" برواية: "عكرت" بدل "عثرت". وعكرت: عطفت والمثل في جمهرة الأمثال 2/ 48 ومجمع الأمثال 2/ 5 والمستقصي 2/ 157.
4 ت: "ناقته".
(1/407)

لها قِردٌ كَجُثْو النَّمْل جَعْدٌ ... يَغَصٌ بِهِ العَراقي والقُدُوحُ 1
والعَراقي: عيدان الرحل.
__________
1 ح: "كجثو النخل" وهو في الديوان /50 باختلاف في بعض الألفاظ. وفي هامش م: القدوح جمع قدح خشيبات تكون في الرحل.
(1/408)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ لِعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بن اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَأَصَابَتْه رَمْيَةٌ يَوْمَ الطَّائِفِ فَضَمِنَ مِنْهَا فَقَالَ النبي لأُمِّهِ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ نَسُوءٌ: "أَبْشِرِي بِعَبْدِ اللَّهِ خَلَفًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ" فَوَلَدَتْ غُلامًا فَسَمَّتْهُ عَبْدَ اللَّهِ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرَ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ.
قولهُ: ضَمِنَ منْها أي زَمِنَ يُقالُ: ضَمِنَ الّرجُلُ ضَمانةً ورجلٌ ضمِنٌ ورِجَالٌ ضَمْنَى. ومنه الحديثُ: "من اكْتَتَب ضَمِنًا بعثَه اللهُ زَمِنًا" وهذا في الرجل يضرب عليه البعث فيتعالل ويتمارَض وليْس بِهِ مَرَضٌ.
وأخبرني أبو عُمَر عن أبي العباس ثعلب أن أعرابيا جاء إلى صاحب الفَرْضِ فَقَالَ:
إِنْ تَكْتُبوا الضَّمْنَى فإنّي لَضَمِن ... مِنَ داخِل القَلْب ودَاءٍ مُسْتَكِنْ 2
وقوله: وهي نَسْوءٌ أي مَظْنُونٌ بها الحَمْل 3. قال الأصمعي: يقال
__________
1 أخرجه ابن معين في تاريخه 1/ 21 رقم النص: 123 وذكره الحافظ في الإصابة 2/ 329.
2 الفائق 2/ 347.
3 ت: الحبل.
(1/408)

للمرأة أوّلَ ما تَحْمِلُ قد نُسِئَتْ فهي نَسْءٌ. قَالَ غيره: امرأَةٌ نَسْءٌ ونِساءٌ نِسَاءٌ 1 جَمْعُ نَسْءٍ وفيها ثلاثُ لُغات نَسْءٌ ونُسْءٌ ونِسْءٌ 2 وإنما قِيلَ لها نَسْءٌ لأنّ حيْضَها تأخَّر عَنْ وقْتِه من نَسَأَ فُلانٌ الشيء إذا أَخَّره. ومنه النَسِيئَةُ في البَيْع. قَالَ الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} 3 وهو تأْخيرهُم الأَشْهُر الحْرُم إلى أشهُر الحِلٌ واستِحلالُهم فيها القِتال. قَالَ الشاعر:
ألَسْنا النَّاسِئينَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الحِلّ نجْعلُها حَرامَا 4
ويُقالُ في الدُّعَاء: نَسَأَ اللهُ في أَجَله وأَنْسَأه اللهُ.
وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ أنا أَبِي عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمُرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرْسَلَهَا إِلَى أَبِيهَا وَهِيَ نَسُوءٌ فَأَنْفَرَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ بَعِيرَهَا حَتَّى سَقَطَتْ فَنَفِثَتِ الدِّمَاءَ مَكَانَهَا وَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَلَمْ تَزَلْ مِنْهُ 5 ضَمِنَةً حَتَّى مَاتَتْ عند رسول الله 6.
__________
1 ط, س: ونساء ونسوء بكسر النون وفتح السين والمثبت من ت, م, ح.
2 اللسان "نسأ": امرأة نسء ونسوء ونسوة نساء إذا تأخر حيضها ورجي حبلها.
3 سورة التوبة: 37.
4 اللسان والتاج "نسأ" وعزي لعمير بن قيس بن جذل الطعان.
5 ت: "منها".
6 ذكر الحاكم في المستدرك 4/ 42 - 44 قصة هجرة زينب بألفاظ متقاربة وبطرق متعددة وذكره الهيثمي كذلك في مجمعه 9/ 216 عن عروة بألفاظ متشابهة.
(1/409)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُضَرَ بِالسَّنَةِ" فَجَاءَهُ مُضَرِيٌّ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا يَخْطِرُ لَنَا جَمَلٌ وَمَا يَتَزَوَّدُ لَنَا رَاعٍ 1. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يَغِطُّ لَنَا بَعِيرٌ 2.
قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ فَمَا مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ حَتَّى مُطِرُوا وَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى أَعْطَنَ 3 النَّاسُ فِي الْعُشْبِ.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. وَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ 4 بْنِ سَعِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ.
السَّنَةُ الجَدْبُ. يقال: أَسْنَتَ القومُ إذا أجْدَبُوا فهم مُسْنِتون قَالَ الشاعر:
عَمرُو العُلا هَشَمَ الثّريدَ لِقَوْمه ... ورجالُ مَكَّة مُسْنِتُون عِجَافُ 5
وقوله: ما يَخْطِرُ لنا جَمْلٌ يريد أَنَّ الفُحُولَة لِمَا بها من الضُرِّ والهُزال لا تَغْتَلم فتَهْدِر وإنّما يَخْطِر البَعِيرُ بذَنَبِه إذا اغتلم. وقال عبد الملك بنُ مَرْوان لمّا قَتَل عَمرو بْنَ سَعِيد: لَقدْ قَتَلْتُه وإنَّهُ لأَعَزُّ عليَّ من جِلْدَةِ ما بين عيْنَيَّ ولكن لا يَخْطِرُ فَحْلان في شَوْلٍ
وحدثني أحمد بْن إبراهيم بْن خُزَيْمة نا إسحاق بْن إبراهيم نا أحمد بْن مُصعَب المروَزِيّ نا الفَضلُ بْن مُوسَى السِّيناني عَنْ داودَ العطار قال:
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 3/ 89.
2 أخرجه عبد الرزاق في المصنف 3/ 91.
3 ت: "أغطى" "تحريف".
4 في المصنف 3/ 91 عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ سالم بن أبي الجعد. وفي س: "عن ابن عبد الله عن عمر بن سعيد".
5 اللسان والتاج "سنت" وعزي لابن الزبعري وانظر للكامل في المبرد 1/ 252.كذا في م, ت والمشتبه 1/ 382. وفي س: "السينابي. وفي ط: "السيباني".
وفي التقريب 2/ 111: الفضل بن موسى السيناني بمهملة مكسورة ونونين أبو عبد الله المروزي ثقة ثبت مات سنة 292 ه.
وفي اللباب: ينسبإلى سينان إحدى قرى مرو.
(1/410)

سَمِعَ سُليمانُ بْن عَبْد الملك في مُعَسكره صوتَ غِناء فدعا بهم ثُمَّ قَالَ لهم: أَمَا إنَّ الفَرسَ ليَصْهَل فتسْتَودِقُ لَهُ الرَّمَكةُ وَإِنَّ الجَمَل ليَخْطِر 1 فتَضْبَع لَهُ النّاقَةُ. وإنّ التَيْسَ ليِنبُّ فتستحْرم لَهُ العَنْزُ وإنّ الرجُل ليُغَنّي فتشتاق إِلَيْهِ المرأة اخصوهم. فَقَالَ عُمَرُ بْن عَبْد العزيز: إنّها مُثْلَةٌ وطلب إِلَيْهِ فَخَلَّى سَبيلهم ويقال: خَطَر البَعيرُ بذَنَبه خَطْرًا وخَطِيرًا وخَطَر الشيءُ ببالي خُطُورًا وخَطَر الرجلُ في مِشْيته خَطَرَانا 2.
قَالَ أبُو زيْدٍ: يُقَالُ غَطَّ البَعيرُ إذا هَدرَ في الشِقْشِقَةِ فإذا لم يَكُنْ في الشّقْشِقَة فهو هَدِيرٌ
والناقةُ تَهْدِرُ ولا تَغِطُّ لأنّه لا شِقْشِقَةَ لها. وقال الأصمعيُّ: إذا بلغَ الذَّكرُ من الإبل الهديرَ فأوَّلُه الكَشِيشُ فإذا ارتَفَع قَلِيلًا فهو الكَتِيتُ فإذا أَفْصَح بالهَدْر قِيلَ هدَرَ هَدِيرًا فإذا صَفَا صوتُه قِيلَ قَرْقَر فإذا جَعَل يَهْدِرُ هَدِيرًا كأنه يُقَصَّره قِيلَ زَغَد يَزْغَدُ زَغْدًا 3 فإذا جَعل كأنّه يَقْلَعُه قَلْعًا قِيلَ قَلَخَ وبعيرٌ قَلاخٌ 4. ويُقالُ لكُلّ ذَاتِ ظِلْفٍ
__________
1 اللسان "خطر": خطر الفحل بذنبه يخطر من باب ضرب خطرا وخطرانا وخطيرا رفعه مرة بعد مرة وضرب به حاذيه وهو ماظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب وقيل ضرب به يمينا وشمالا.
وقد ذكر ابن كتير هذه القصة في البداية والنهاية 9/ 180 بلفظ: "ليهدر" بدل "ليخطر" فتستخذي" بدل "فتستحرم.
2 ساقط من س, أثبتناه من ت, م.
3 ت, ح: "رغديرغد رغدا "تصحيف وفي القاموس "زغد": زغد البعير كمنع: هدر شديدا.
4 ت: "فلخ وبعير فلاخ". تصحيف وفي القاموس "قلخ": قلخ الفحل كمنع قلخا وقليخا هدر وفي س: بعير قلاخ بدون تشديد.
(1/411)

إذا أرادَت الفَحْلَ استحْرمَتْ ولِكُلّ ذات حافز استَودقَتْ ولِكُل ذاتَ مِخْلَبٍ كالكَلْب ونحْوه صَرفَتْ واستَجْعلَتْ ويُقال للناقة ضَبِعَتْ.
وقولُه: حتى أَعْطنَ الناسُ في العُشْب يُريدُ أَنّ الغُدران قد امتلأت ماءً فصارت أعْطانُ الإبل في مراعيها والعَطَنُ مناخُ الإِبل عنْد الحَوْض بعد الصَّدَر وإنّما يُعْطَنُ بَعْدَ الري قَالَ عُمَرُ 1 بْنُ لَجأ:
يْمشي إلى رواء عاطناتها 2
__________
1 ت: "عمرو".
2 اللسان والتاج "عطن".
(1/412)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ يَوْمًا: "هَلْ مِنْ وَضُوءٍ" فَجَاءَ رَجُلٌ بِنُطْفَةٍ فِي إِدَاوَةٍ فَاقْتَضَّهَا فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ فَصُبَّتْ فِي قَدَحٍ قَالَ: فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً نُدَغْفِقُهَا دَغْفَقَةً 1.
حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِسْكِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ الْمُقَوَّمُ نا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ.
النُّطْفَةُ القَلِيلُ من الماء قَالَ بِشرُ بْن أَبِي خَازمٍ:
مُعّرسُ أَرْبَعٍ متقابلات ... يُبادِرْنَ القَطَا سَمَلُ النِّطَاف 2
يريدُ بقايا الماء ويُقال للماء الكثير أيْضًا نُطْفَةٌ والحرفُ من الأضداد.
__________
1 أخرجه مسلم في كتاب اللقطة 3/ 1354 بلفظ: "فأفرغها" بدل "فاقتضها".
2 الديوان 146.
(1/412)

وقوله: اقْتَضّها هكذا قَالَ بالقافِ فإن كَانَ محفُوظًا فمعناه أنّه فَتَح رأسَ الإِداوَة ومن هذا اقْتِضاضُ البِكْر واقتِضاضُ اللُؤلؤة ونحْوِها. وإن كانت الرِّوايةُ بالفاء فمعناه أنّه قد صَبَّ شَيئًا منْها يُقال فَضَّ الماءَ وافتضَّهُ إذا صَبَّ شيئًا منه بعْدَ شيء. قَالَ حُمَيد بْن ثَوْر:
إذا النُّوقُ لم تملك سِجالا تَفُضُّها ... من البَوْل واهْتَزَّ الخُفافُ السَّميْدَعُ 1
يُريدُ أنّها لم تَمِلك البَوْل من شدَّة السَّيْرِ.
وقال جِميلُ بْن مَعْمَرٍ:
قامَتْ تودّعْنا والعَيْنُ سَاجِمَةٌ ... إنْسَانُها بفَضِيض الدَمْعِ مكتحلُ
يُريدُ الدّمْع المُتَفرق.
والدَغْفَقَةُ الكَثْرَةُ والسعة. يقال فلان في نَعيم دَغْفَقٍ أي واسعٍ. قَالَ الشاعر:
بعد التَّصابي والشَّباب الغَيْدَقِ ... أَزْمَانَ إذ نَحْنُ بعَيْشٍ دَغْفَقِ 2
والغَيْدَقُ والغَيْداقُ مِثْلهُ. يُقال: مَطرٌ غَيْداقٌ أي واسِعٌ كثيرٌ.
وشَبِيةٌ بهذا حَدِيثُ المِيضَأة وَهُوَ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي سفر مع رسول الله فَبَيْنَا نَحْنُ لَيْلَةً مُتَسَاتِلِينَ عَنِ الطَّرِيقِ نَعِسَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَدَلْتَ فَنَزَلْتَ حَتَّى يَذْهَبَ كَرَاكَ. قَالَ: "فَابْغِنَا مَكَانًا خَمِرًا" قَالَ: فَعَدَلْتُ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِذَا أَنَا بِعُقْدَةٍ مِنْ شَجَرٍ قَالَ: فَنَزَلْنَا فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إِلا بِالشَّمْسِ فَقُمْنَا وَهِلِينَ من
__________
1 في الديوان قصيدة على الوزن والقافية وليس فيها هذا البيت.
2 اللسان والتاج "غدق" واقتصرا على البيت الأول.
(1/413)

صَلاتِنَا. قَالَ: وَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْعَطَشَ فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَهَا فِي ضِبْنِهِ ثُمَّ الْتَقَمَ فَمَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَفَثَ فِيهَا أَمْ لا فَشَرِبَ النَّاسُ حَتَّى رَوَوْا 1.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَتَكَابَّ النَّاسُ عَلَى الْمِيضَأَةِ فَقَالَ: "أَحْسِنُوا الْمَلأَ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى" 2.
قولُهُ: مُتساتلين مَعْناهُ مُتَقاطِرِين واحدًا في إثر واحدٍ. وكلُّ شيء تَبِع بعضُه بَعْضًا فقد تَساتَل كالدَّمْع إذا تتابع قَطْرهُ والعِقْد إذا انْقَطَع سِلْكُهُ. والخمر ما واراك من الشجر ومكان خَمِرٌ أي أَشِبٌ. قَالَ الأصمعيُّ: والعُقْدَةُ من الأرْض البُقْعَةُ الكَثِيرةٌ الشَّجَر. فأمّا العَقِدَةُ فالقِطْعَةُ من الرَّمْلِ قد تراكم بعضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَجَمْعُها عَقِدٌ. وقال أبُو عَمْرو هُوَ العَقَدُ بالفَتْح. وقوله: وَهِليْن مَعْناه فَزِعيْن.
والوَهَل الفَزَعُ. والمِيضَأةُ مِطْهَرةٌ غَيرُ كَبِيرة يُتَوضَّأُ منها. والضَّبْنُ ما بيْن الكَشْح والإِبْطِ. وقال: اضْطَبَنْتُ الشّيءَ إذا حَمَلْتَه فأمْسَكْتَه عَلَى ضِبْنِك.
وقوله: أَحْسِنُوا المَلأَ. قَالَ أبُو زَيدٍ: يُقال لِلرجُل: أَحْسِنْ مَلأَكَ أي خلقك.
__________
1 خرجه مسلم بطوله في 1/ 472 بنحوه وأبو داود في 1/ 119, 120 وابن ماجه طرفا منه وأحمد في مسنده 5/ 298, 302, 307.
2 في صحيح مسلم 1/ 472 هذه الرواية متداخلة في الأولى التي تقدمت.
(1/414)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِهِ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ" فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَاللَّهِ لأَضْرِبَنَّهُ بِالسَّيْفِ وَلا أَنْتَظِرُ أَنْ آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا هَذَا مَا يَقُولُ" 1.
يَرْوِيهِ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ بُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "انظُروا إلى سيّدنا" يُريدُ إلى مَنْ سَوَّدْنَاه عَلَى قَوْمه ورأَسْناهُ عليهم كما يَقولُ السلْطَانُ الأعظمُ فُلانٌ أمِيرُنا وقائدُنا أي مَن أَمَّرناه عَلَى الناس وَرتّبْنَاه لِقيادة الجُيُوش وكان سعدُ بنُ عُبادَة سيِّد الخَزرَج في الجاهليّة وجَعله رَسُولُ الله نَقِيبًا في الإسْلام. فعلى هذا يُتأوّلُ قولهُ: سيّدنا لا أعْلمُ للحَديثِ وَجْهًا غيره.
وكيف يَجُوزُ أن يكونَ أحدٌ يسوده وهو سيّدُ وَلَدِ آدَم أَحمرِهم وأَسْودِهم وإنما جاء في أكثر الرّوايات انظروا إلى ما يَقُولُ سَيّدُكُم.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ: أَنَّ وَفْدَ بَنِي عَامِرٍ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ.
حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ الْبُنَانِيُّ نا عَبْدُوسُ الْمَدَائِنِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ نا غَيْلانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قدمنا على رسول الله فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ. قَالَ: فَقُلْنَا: أَنْتَ وَالِدُنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ أَطْوَلُنَا طُولًا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ فَقَالَ: "قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ". وَرُبَّمَا قَالَ: "لا يستجرينكم الشيطان" 2.
__________
1 لم أقف على رواية أسلم بن جرة وقد أخرجه مسلم في اللعان 2/ 1135, 1136 بنحوه من حديث أبي هريرة وأخرجه أبو داود في الديلت 4/ 181.
2 أخرجه الإمام أحمد في 4/ 25 بلفظ: "ولينا" بدل: "والدنا", وأبو داوود في 4/ 254 مختصرا.
(1/415)

وإنما أنكر هذا القَوْلَ: مِنْهُم لأنّه من تحيّةِ أَهلِ الجاهليّة كانوا يحيون بذلك ملوكهم ويثنون بِهِ عَلَى رؤسائِهم فَقَالَ لهم قُولوا بقَولِكُم أي بِقَول أهْل دينكم ومِلَّتِكُم يأمرهم بأن يُثْنوا عَلَيْهِ بالدِّين وأن يُخاطِبُوه بالنبيّ والرَسُول كما ذكره اللهُ في كتابه وعلى ما جَرتْ بِهِ عادةُ قومهِ وأَصحَابِه وقد يكون معناه كراهةَ التَّشْدِيق في الخُطَب يأمرهم بالاقتصاد في القول لئلا يذهب بهم المَقالُ إلى ما لا تَعْتَقِدُه قُلُوبُهُم. وهذا كما روي في حديث هند بن أَبِي هَالَة أنّه كَانَ لا يقبل الثناء إلا من مكافئ 1.يُرِيد واللهُ أعلم أنّه لا يقبَلُه إلا من مَقْتَصِدٍ في القَوْل يعرفُ حقيقةَ إِسْلامِه ولا يَدْخُل عنده في جُملَة المُنافقين الّذين يقولون بألسنَتِهم ما لَيْسَ في قُلوبهم وقد تأوّلَه ابن قُتيبة عَلَى غير هذا فَقَالَ معناه أَنَّه كَانَ إذا أَنعَم عَلَى رَجُلٍ نِعْمةً وكافأَة وأثنَى عَلَيْهِ قَبِل ثناءَه وإذا أثْنَى عَلَيْهِ الرَّجُلُ قَبْل أن يُنعِمَ النبي لم يقبل ثَناءَه.
قَالَ ابنُ الأنباري: وهذا غَلَطُ بيِّنٌ لأنَّه لَيْسَ في الأرض أحدٌ من جميع الناس ينفكُّ من إنعام رسول الله إذْ كَانَ اللهُ قد بَعَثَه إلى جميع الناس ورحِم بِهِ الخَلْق وانتاشهم وأنقذهم ببعثته 2 إليهم من المهالك والمعاطب فنعمته سابقةٌ إلى كُلِّ الخَلْق لا يَخْرُج منها مكافئ ولا غير مكافئ وغير جائز أن يُقال مَن كافأ رَسُولَ الله بالثَّناء عَلَى نعمة سبقت منه قبل ثناءه ومن لا فلا لأن الثناء عَلَى رسول الله فرض عَلَى جميع الناس لا يَتِمُّ إسلامُهُم إلا بِهِ ولا يتحقّقُ دُخُولُهُم في الشريعة إلا من جهته.
__________
1 أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 1/ 244 والهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 275 وغيرهما.
2 ت: "يبعثه" والمثبت من س, م, ح.
(1/416)

وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ البغل فحلمني عليه ثم انطلق يهوي بِي كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلاهُ مَعَ يَدَيْهِ 1 وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ 2 " 3.
أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ قَنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيِّ نا أَبُو ظِبْيَانَ الْجَنْبِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قولهُ: "يهوي بنا" معناهُ يَسِيرُ بنا وقد يكون ذَلِكَ في الصُّعُود والهبُوط معًا وإنّما يختلِفُ في المَصْدر فيُقال هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا إذا هَبَطَ وهُويًّا بالضَّمِّ إذا صَعِد. أنشدني 4 أبو رَجَاء الغَنَويّ عَنْ أَبِي العَبَّاس ثَعْلب:
وَالدَّلْوُ في إصعَادِهَا عَجْلى الهُوِيّ 5
وقال بعضُ القرشيين:
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعًا والعِيسُ تَهْوِي هَوِيَّا
خطرَتْ خطرة على القلب من ذكرا ... ك وهْنًا فَما استَطعْتُ مَضِيّا 6
وقوله: كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلاهُ مَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَداه مَعَ رجْلَيْه فيه قولان:
__________
1 م, ط, ,ح: يده.
2 ط: "زجله" والنثبت من م.
3 ذكره السيوطي في الدر المنثور 4/ 147 وعزاه لابن عرفة في جزئه كما ذكره أبو نعيم في الدلائل وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 606 والهيثمي في مجمعه 1/ 74 بنحوه.
4 م: "أنشد".
5 ت: "على الهوي". وهو في اللسان "هوى".
6 اللسان والتاج "بلكث".
(1/417)

أحدهما: أن تكون مَسافَةُ العَقَبة كُلّها خُطْوَة واحدة من خُطَاهُ إذا هُوَ صَعد أو هبَط 1.
والقولُ الآخَرُ أن يكون سيرها بِهِ في العِقَاب كَسَيْرها في مُسْتوى الأَرْض وذلك أن الدَّابّة إذا هبَطتْ من ثِنيَّةٍ أكبَّتْ عَلَى مُقدَّمها وإذا صَعِدَت أوْفَتْ عَلَى مُؤخّرها فَيَعْنَتُ لذلك راكبُها فأخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّها قد سُخِّرَت لَهُ فسارت بِهِ في العِقَاب سَيْر الدّوابِّ على متون الأرض.
__________
1 م: "إذا هي صعد أو هبطت" والدابة تذكر وتؤنث.
(1/418)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ خَشَبَةٌ يَقُومُ عِنْدَهَا إِذَا خَطَبَ فَقَالُوا: لَوْ جَعَلْنَا لَكَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى تُسْمِعَ النَّاسَ فَحَنَّتِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ النَّاقَةِ الْخَلُوجِ فَأَتَاهَا النَّبِيُّ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ 1.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمُقْرِي نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ 2 نا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ نا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ.
الناقةُ الخَلُوجُ هي التي اختُلِج ولَدُها أي انْتُزِع منها. والخَلْجُ الجَذْبُ وإنّما سُمِيّ الوتدُ خَلِيجًا لأنَّهُ يَخْلِجُ الدَّابّةَ إذا رُبِطَتْ. قَالَ ابنُ مُقْبلٍ:
وَباتَ يُغَنّي في الخليج كأَنَّهُ ... كُمَيْتٌ مُدَمًّى نَاصِعُ اللّوْن أَقْرَحُ 3
__________
1 أخرجه الدارمي في المقدمة 1/ 17 بلفظ: "حنين الناقة الخلوج" وبلفظ: "حنين العشار". وأخرجه البيهقي في دلائب النبوة 2/ 274.
1 من م.
3 الديوان /38.
(1/418)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لأبي ذر: "ما لي أَرَاكَ لَقًّا بَقًّا كَيْفَ بِكَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الْمَدِينَةِ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ.
قوله: "لَقَّا بَقًّا" معناهُما كَثرةُ الكَلامِ والإِسْهَابُ فيه يُقال رَجلٌ لقٌّ بَقٌّ ولَقْلاقٌ بَقْباقٌ وبه سُمِّيَ اللِسّانُ لَقْلقًا.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا سَهْلُ بْنُ عَلِيٍّ الدُّورِيُّ نا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ثنا الأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيِّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ نَظَرَ ابْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَابٌّ فَقَالَ يَا شَابُّ إِنْ وُقِيتَ شَرَّ لَقْلَقِكَ وَقَبْقَبِكَ وَذَبْذَبِكَ فَقَدْ وُقِيتَ شَرَّ الشَّبَابِ 2.
قَالَ الأَصمعيُّ: فاللَقْلَقُ اللِّسان والقَبْقَبُ البَطْنُ والذَبْذَبُ الفَرجُ والبَقاقُ 3: كثّرَةُ الكلام. ويُقالُ رَجُلٌ مِبَقُ إذا كَانَ كَثِيرَ الكَلامِ.
وكان أبو ذَرٍّ رحمه الله فيه شدة على الأمراء إغلاظ لهم وكان عُثمانُ رضي الله عَنْهُ يُبَلَّغُ عَنْهُ إلى أن استأذنه أبو ذر في الخروج إلى الرَّبَذةِ فأذن لَهُ في ذَلِكَ عَلَى النَّظَر لَهُ.
ورَوَاه بَعضُهم لقًا بقًا مُخفَّفيْن ومعناه عَلَى هذه الرواية ما لي أَراكَ مُلقى وكُلُّ شيء أَلقيتَه فهو لقى قال الشاعر:
__________
1 ذكره السيوطي في الجامع الكبير 1/ 711 وانظركنز العمال 5/ 471 وعزاه لنعيم في الفتن ولم نقف عليه في مصنف عبد الرزاق.
2 أخرجه ابن الأعرابي في معجمه لوحة 168 - ب.
3 ت, ط: البقباق: كثرة الكلام تحريف وفي القاموس "بق": بق على القوم بقا وبقاقا: كثر كلامه.
(1/419)

لَقى بْين أيْدي الطائِفين حَريمُ 1
وقوله: بقًا إتْبَاع ليزْدَوجَ بِهِ الكلام كقولهم شيْطَانٌ لَيْطانٌ وعَطشانُ نَطْشَان وجائعٌ نائعٌ.
أخبرني أبو عُمَر عن أبي العباس ثَعْلب عَنِ ابن الأعرابي قَالَ: قلتُ لأبي المُكارِم ما قَولُكُم جائعٌ نائعٌ قَالَ: إنما هُوَ شيء نَتِدُ 2 بِهِ كَلامَنا ويدلُ عَلَى صحّة هذا التأويل مَا رَوَاهُ مُعْتَمِرُ 3 بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ 4 عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قال: أتاني نبي الله عليه السلام وَأَنَا نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: "أَلا أَرَاكَ نَائِمًا فِيهِ" قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ غَلَبَتْنِي عَيْنِي قَالَ: "فَكَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهُ". قُلْتُ: مَا أَصْنَعُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَضْرِبُ بِسَيْفِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْرَبُ رُشْدًا تَسْمَعُ وَتُطِيعُ وَتَنْسَاقُ لَهُمْ حَيْثُ سَاقُوكَ" 5.
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ الْعَبْقَسِيُّ 6 نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْبَيَاضِيُّ نا
__________
1 اللسان والتاج "حرم" دون عزو وصدر البيت: "كفى حزنا كرى عليه كأنه".
والحربم: ماكان المحرمون يلقونه من الثياب كانت العرب في الجاهلية إذا حجت البيت تخلع ثيابها التي عليها إذا دخلوا الحرم ولم يلبسوها ما داموا في الحرم.
2 القاموس "وتد": وتد الوتد يتده وتدا وتدة: ثبته.
3 ت: "معمر بن سليمان" وفي تهذيب التهذيب 10/ 227 وهو معتمر بن سليمان بن طرخان بفتح طاء مهملة وقيل بكسرها وبخاء معجمة وبراء وبنون التميمي أبو محمد البصري قيل: إنه كان يلقب بالطفيل روى عن أبيه ... وداود بن أبي هند وغيرهما.
4 كذا في جميع النسخ. وفي مسند أحمد 5/ 156 وتهذيب التهذيب 12/ 69: "ابن أبي الأسود الديلي". وفي التقريب 2/ 391: أبو الأسود الديلي "بكسر امهملة وسكون التحتانية" ويقال: الدؤلي بالضم بعدها همزة مفتوحة البصري. اسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان ثقة فاضل مخضرم. مات سنة 69 ه.
5 أخرجه أحمد في مسنده 5/ 156 وكذلك في 5/ 144 بسند آخر بألفاظ متقاربة.
6 ت: "الهنقسي" تحريف والمثبت من س, م, ط.
(1/420)

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ 1: سَمِعْتُ كَهْمَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِمَعْنَاهُ.
__________
1 من م.
(1/421)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَزَلَ وَأَبُو بَكْرٍ بِأُمِّ مَعْبَدَ وَذْفَانَ مَخْرَجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ شَاةً فَرَأَى فِيهَا بُصْرَةً مِنْ لَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَى ضَرْعِهَا فَقَالَ: "إِنَّ بِهَذِهِ لَبَنًا وَلَكِنْ أَبْغِينِي 1 شَاةً لَيْسَ فِيهَا لَبَنٌ" فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِعَنَاقٍ جَذَعَةٍ فَقَبِلَهَا 2 قَالَ هِشَامُ بْنُ حُبَيْشٍ الْكَعْبِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ الشَّاةَ وَإِنَّهَا لَتَأْدُمُهَا وَتَأْدُمُ صِرْمَتَهَا.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا الدَّغُولِيُّ نا غِيَاثُ بْنُ حَمْزَةَ نا أَبُو الأَشْعَثِ حَفْصُ بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ نا حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَعْبِيُّ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ بِذَلِكَ.
قوله: وَذْفَان مَخْرجه مَعْنَاهُ حِدثان مَخْرجه أو عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ من الوَقْت أوْ ما يُشْبِهُ هذا من الكلام وقال بعضهم أَصْلهُ من الخِفّة والإِسْراع في السَّيْر. ومنه قِيلَ: تَوذَّفَ الرجل إذا مَرَّ مرًّا سَرِيعًا وهذا كقولهم سَرْعَانَ ما فعَلْتَ ذَلِكَ ووَشْكَانَ ما رأيتَ كَذَا قَالَ الشاعرُ:
أتَخْطُب فيهم بعد قَتْلِ رِجَالهم ... لسَرْعانَ هذا والدّماءُ تصبب 3
__________
1 س, ط: "أبغني".
2 لم أجده بهذه الألفاظ وقد ذكره الهيثمي 6/ 55 - 58 بطوله بألفاظ متقاربة وعزاه للطبراني وذكره ابن الأثير في أسد الغابة 1/ 451 بنحوه.
3 اللسان والتاج "سرع" وعزي لبشر بن أبي خازم وهو في ديوانه /12 برواية:
وحالفتم قوما هراقوا دماءكم ... لوشكان هذا والدّماءُ تَصبَّبُ
(1/421)

وفي بعض الأمثال: سَرْعانَ ذِي إهَالَة 1. وأَصْلُه أَنَّ رجلًا كَانَ يُحمَّقُ فاشترى شاةً عجْفاء يَسيلُ مُخَاطُها هُزَالًا فَقَالَ هذه الإِهَالَةُ تِسيلُ فقيل سَرْعان ذي إهالة أي ما أَسْرَع هذه الإِهَالَة من إِهالة وذي بمعنى هذه. قَالَ الأصمعيُّ: ليْسَ في الكلام نُونٌ تُشْبهُ نُونَ الاثنين إلا جَاءَتْ مَكْسُورةً غير نُون شَتّانَ وأَخواتِها. قَالَ: ويُشْبهُ أن يكون شتانَ مصْدرًا ونُونُها مَفْتُوحةٌ في الأحْوال كُلّها وكذلك وشكانَ وسَرْعَان وبَطْآن.
وقولهُ: بُصْرةً من لبَن فإنّه يُريدُ أَثرًا من لَبنٍ يُبْصَرُ في الضّرْع فأمّا البَصِيرَةُ فهي الطريقة من طرائف الدم إذا سالت عَلَى الجَسَد وجَمْعُها البصَائر والصِّرْمُ النّفرُ يَنْزِلُون بإبلهم عَلَى ماء. والصِّرمَةُ القَطِيعُ من الإبل ليسَ بالكثير. ويُقال: أَدَمْتُ الخُبْزَ آدُمُهُ والاسْمُ الإِدَام والأُدُمُ ويقال من اللّبْن لبَنْتُه أَلْبِنُهُ وأَلْبُنُه ومن التَّمْر تَمْرتُه أَتْمُره ومن اللَّحْم أَلْحَمْتُه بالأَلِف.
__________
1 اللسان "وشك" وجمهرة الأمثال 1/ 519 ومجمع الأمثال 1/ 336 والمستقصي 2/ 301 ويروى: "لوشكان ذا إهالة".
(1/422)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ" 1.
حَدَّثَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ نا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ القتباني أن شييم 2
__________
1 أخرجه أبو داود في الطهاة 1/ 9 والنسائي في الزينة 8/ 135 وأحمد في مسنده 4/ 108, 109.
2 ط: شيم "بضم الشين". وفي تقريب التهذيب 1/ 357: شبم بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها ابن بيتان بلفظ القتباني بكسر القاف وسكون المثناة المصري ثقة.
(1/422)

بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ أَنَّ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
عَقْد اللِّحَى يُفسَّرُ عَلَى وجهين:
أحَدُهما أَنَّهم كانوا يعقدونها في الحروب نَهاهُم عَنْ ذَلِكَ وأمَرهم بإرسالها.
والوجه الآخر أن يكون أراد تَعقِيدَ الشَّعْر وهو مُعَالَجتُه ليتعقَّد ويتَجَعَّد. وأمّا تَقْلِيدُ الوتَر فإنّ مالكَ بْن أنس كَانَ يرى كراهيةَ ذَلِكَ من أجْلِ العَيْن عَلَى ما كَانَ من مذهبهم في تَعْلِيق التَّمائم ونحْوِها. ويُقال: إنّما نَهاهم عَنْ ذَلِكَ للأجْراس التي كانت تُعَلَّق فيها.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ الله فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولا أَنْ لا تَبْقَى فِي رَقَبَةِ بَعيِرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ إِلا قُطِعَتْ 1. ويُقال: بل نَهَى عَنْ ذَلِكَ في الخَيْل 2: لئلًا تَخْتَنِقَ بها عنْد الركض.
__________
1 رواه البخاري في الجهاد 4/ 72 وأبو داود في الجهاد 3/ 24 وأحمد في مسنده 5/ 216.
2 أخرجه البخاري وأو في الجهاد "باب إكرام الخيل" 3/ 24.
(1/423)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى الْغَارِ مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَاهُ مِنَ اللَّبَنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي شَاةٌ تُحْلَبُ غَيْرُ عَنَاقٍ حَمَلَتْ 1 أَوَّلَ الشِّتَاءِ فَمَا لَهَا لَبَنٌ وَقَدِ اهْتُجِنَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِيتِنَا بِهَا فدعا عليها رسول الله بالبركة ثم حلب عسا" 2.
__________
1 م: "حبلت".
2 أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 224 وابن عبد البر في الاستيعاب 3/ 1301 والهيثمي في مجمعه 6/ 58 والسيوطي في الخصائص الكبرى 1/ 470 بألفاظ متقاربة.
(1/423)

مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ ثنا عبيد الله بن إياد سمعت إيادا يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْ قَيْسِ بْنِ النعمان السدوسي.
قولُه: اهتْجِنَتْ معناه أنّ الحَمْلَ قد ظهر بها والهاجِنُ العَنَاق التي حَمَلتْ قبْلَ وَقْتِها. قَالَ الأُمَويُّ: من أمْثال العرب جَلّت الهاجِنُ عَنِ الولد 1. والهاجن الصَّغيرةُ يريدون أنّها صَغُرَتْ عَنِ الوِلادة يُقالُ للصَّغير: جَللٌ كما يُقالُ ذَلِكَ للكَبير. ويُقال: اهتُجِنَتِ الجاريَةُ إذا افْتُرِعَت قبلَ الأوَان. وقال الأَصْمَعِيُّ: إذا حَمَلت النخْلَةُ وهي صغيرة قِيلَ: هي مُهْتَجنَةٌ. ويقال أيضا: متهجنة.
__________
1 جمهرة الأمثال 1/ 307 ومجمع الأمثال 1/ 159 والمستقصي 2/ 53 واللسان "هجن".
(1/424)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْد قَالَ: لَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ الرَّوْحَاءِ عَارَضَتْ رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَةٌ تَحْمِلُ صَبِيًّا بِهِ جُنُونٌ قَالَ: فَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاحِلَةَ ثُمَّ اكْتَنَعَ إِلَيْهَا فَوَضَعْتُهُ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ 1.
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِنُخْرَةِ الصَّبِيِّ فَقَالَ: "اخْرُجْ بِاسْمِ اللَّهِ" فَعُوفِيَ.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمِ نا زَكَرِيَّا بْنُ حَمْدَوَيْهِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى الصَّدَفِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ.
قوله: اكْتَنَع إليها أي دنا منها. والكُنُوعُ: القُرْبُ والدُّنُوُّ من الشيء. والنُخْرَةُ الأنْفُ. قَالَ ذو الرمة:
__________
1 رواه أبو يعلى كما في المطالبة العالية 4/ 8 والسيوطي في الجامع الكبير 2/ 248.
(1/424)

قِيامًا تَذُبُّ البَقّ عَنْ نخُراتِها ... بنهز كإيماء الرؤوس الموانعِ 1
قَالَ الأصمعيّ: النَّخُورُ من الإبل: هي التي لا تدرّ حتى يضرب أنفها.
__________
1 الديوان /363 برواية "صياما" بدل قياما".
(1/425)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِي أَسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَأَنَا الْعَاقِبُ" وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ في كتابه 2 إلا أنّه لم يُفسِّرْ قَوْلَهُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ" وفيه قولان:
أحدهما أَنَّهُ أول من يُحشر من الخَلْق ثُمَّ يُحْشَرُ الناس عَلَى قدمِه: أي عَلَى أَثَره. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى رِوَايَةُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبَيَّ" 3.
والآخر أن يكون أراد بقَدَمه عَهدَه وزَمانَه. قَالَ بعضُ أهلِ اللغة: يُقال: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رِجْلِ فُلانٍ وعلى قَدَمِ فُلان وعلى حَيَّ فُلان أي في عهده وزمانه.
__________
1 أخرجه البخاري في المناقب 4/ 225 ومسلم في الفضائل 4/ 1828 وأحمد في مسنده 4/ 80, 81. وفي النهاية "حشر": وأنا الحاشر: أي الذي يحشر الناس خلفه وعلى ملته دون ملة غيره.
2 2/ 242 وفيه: العاقب آخر الأنبياء .. وآخر كل شئ عقبه.
3 رواية أبي خيثمة رواها مسلم في الفضائل 4/ 1828.
(1/425)

وحُكِي عَنِ الأصمعي قَالَ: قَالَ سعيدُ بْن المُسَيَّب ذات يوم إني رأيت في المنام 1 موسى يمشي عَلَى البحر حتّى صَعِد إلى قَصْرٍ ثُمَّ أخذ برِجْل شيْطانٍ فألقَاه عَلَى 2 البحر وإني لا أعْلُم نِبيًّا هلكَ عَلَى رِجْله من الجبَابرة ما هلكَ عَلَى رِجْل مُوسَى وأظن هذا قد هلك يعني عَبْد الملك بْنَ مروان فجاء نَعِيُّه بعد أربَعٍ.
قَالَ الأصمعيُّ قَولُه: عَلَى رِجْل مُوسَى أي في زَمانه والمعنى أَنَّ شَرِيعَته لا تُنْسَخُ إلى يَومِ القيامة.
وأمّا قولُهُ: إنّ لي أسماءَ فإنه أَرادَ والله أعلم أَنَّ هذه الأسماءَ مذكورة في كُتُب الله المُنزّلَة على الأمم التي كذبت بنبوته حُجّة عليهم.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ لَهُ اسْمَانِ غَيْرُ الْمَسِيحِ وَيَعْقُوبِ إِسْرَائِيلَ.
وقال غَيرهُ: خمسةٌ من الأنبياء لهم اسمان: أحمدُ ومحمد وعِيسَى والمسيح وذو الكِفْل وإلياس وإسرائيل ويَعْقوب ويُونُس وذُو النون.
__________
1 من ح.
2 م: "في البَحْر".
(1/426)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: مَرَرْنَا بِخِبَاءِ أَعْرَابِيَّةٍ عَجُوزٍ فَجَلَسْنَا قَرِيبًا مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ مَعَ 1 الْمَسَاءِ جَاءَ بُنَيٌّ لَهَا يَفَعَةٌ بِأَعْنُزٍ مَعَهُ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الشَّفْرَةَ وَالْعَنْزَ 2 فَأَتَانَا بِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: "رُدِّ الشَّفْرَةَ وَأْتِنِي بقدح أو قعب" قال:
__________
1 م: "عند".
2 ساقطة من ح.
(1/426)

يَا هَذَا إِنَّ غَنَمَنَا قَدْ غَرَزَتْ قَالَ: "انْطَلِقْ فَأْتِنِي بِهِ" فَأَتَاهُ فَمَسَحَ عَلَى ظَهْرِ الْعَنْزِ ثُمَّ حَلَبَ حَتَّى مَلأَ الْقَدَحَ 1.
يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ الرحمن بن الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
يُقال غَرزَتِ الغَنمُ غِرازًا إذا قلٌ لبَنُها وغَرَّزَها صاحبُها إذا ترك حَلْبَها ليذهبَ رِفْدُها. وقال الأصمعيُّ: إذا أُتِي عَلَى الشّاةِ بَعْد نِتاجها أربعَةُ أَشْهُرٍ فجَفَّ لَبَنُها وقلّ فهي لَجْبَةٌ وجَمعُها لِجَابٌ ولَجَبَاتٌ.
قَالَ أبو زَيد: اللَّجْبَةُ من المَعِز خاصّةً. قَالَ: والمَصُورُ مِثلُ اللَّجْبَة وهي في المَعِز أيضًا ومِثْلُها من الضَّأن الجَدُودُ وجَمعُها جَدائِدُ. قَالَ الأَصْمَعيُّ: فإن كانت أَلبانُها قد يَبَّسَها أَصحابُها عَمْدًا فذلك التَّصْويَةُ
وقد صَوَّيْتُها وإنما يُفعَل ذَلِكَ ليكون أسمن لها.
__________
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 222 بلفظ: "وقد عزبت" بدل "غرزت" وبدون كلمة يفعة.
(1/427)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي سَنَةً فَتُرْمِدَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا" 1.
يَرْوِيهِ أَبُو الْوَلِيدِ 2 عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
قوله: تُرمِدُهُم معناهُ تُهْلكهُم والرَّمْدُ الهَلاكُ وبه سُمّيَ عامُ الرمادة.
__________
1 ذكره السيوطي في الدر المنثور 3/ 19 بلفظ: "فتهلكهم عامة" وقال: أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وابن المنذر واللفظ له.
2 ح: ابن الوليد.
(1/427)

وقال قائلٌ: قد رأيْنا عَالمًا من أمته هَلَكُوا هُزْلًا 1 وجُوعًا في عام الرَّمادَة في عهد عُمَر بْن الخطاب. ثُمَّ في الغَلاء الَّذِي كَانَ بالبَصْرة أيّامَ زياد ثُمَّ هَلُمَّ جَرًّا إلى عَصْرِنا هذا لم يَزَل النّاسُ تُصِيبهُم الجَوائحُ في البُلْدَان والقُرَى والأَعْرابُ تُقحِمهُم السَّنَةُ وتُصِيبهُم المَجاعةُ وأقْربُ ما عَهِدْنَا من ذَلِكَ ما وقع بمدينة السَّلام من الغَلاء الَّذِي أَجْلَى أهْلَها وأَتَى عَلَى أكْثَرهم فأين بَيَانُ استِجابةِ دُعَائِه فيُقالُ له إنما دعا النبي بأن لا يُهْلِك أمَّته هَلاكًا عَامًّا وأن لا يُسْتَأصَلُوا فيجْتَاحُوا أَصْلًا سُنَّةَ مَنْ هلك من الأُمَم الخالِية والقُرُونِ الماضية. وأمّا أن يقحط قوم ويُخصَبَ آخرُون ويُجدبَ بلدٌ مُدّةً من الزمان ثُمَّ يَحيَا بعد فليس مِمَّا جرت بِهِ الدعوة ولا عرضت لَهُ المسألة ولم يزل من سُنَّة الله في خَلْقه أن يختلفَ أمرُ بلاده في الجَدْب والخِصْب وأحْوال عِباده في الجدة 2 والعسر فمرفة 3 لَهُ ومُقتَّرٌ عَلَيْهِ أَمرٌ قد جَرتْ بِهِ المقاديرُ فلا مَردَّ له ولا اعْتراض عَلَيْهِ.
وهذا كالمُفسّر في حَديثٍ آخر. حَدَّثَنَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ نا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيُهْلِكَهُمْ وَأَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي أَعْطَيْتُكَ عَطَاءً لا مَرَدَّ لَهُ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا يُهْلَكُوا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ
__________
1 ت: "هزالا" والمثبت من م, س, ح.
2 ح: "في الحديث" بدل "في الجدة".
3 ح: "فمروة له" بدل "فمرفه".
(1/428)

يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي 1 بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَبَعْضُهُمْ يُفْنِي بَعْضًا" 2. فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ. وَالسَّنَةُ الْعَامَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ وَلا هِيَ كَائِنَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأن 3 الله رؤوف بالعباد غير مخلف للميعاد.
__________
1 م, ط, ح: "ويسبي بعضا".
2 أخرجه مسلم في الفتن في 4/ 2215 وأبو داود كذلك في 4/ 97 والترمذي 4/ 472 وابن ماجه 2/ 1403 باختلاف بعض الألفاظ.
3 م: "لأنه رؤوف بالعباد".
(1/429)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ السِّبَاعِ 1. حَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ أنا ابْنُ الْجُنَيْدِ نا قُتَيْبَةُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجِ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْحُورِيِّ 2.
السِّبَاعُ تفسيره في الحديث المُفَاخَرةُ بالجِماع ولا أُراهُ أخِذ إلا من قَوْلهم سبعت الرجل إذا وقعْت فيه وذكرتَهُ بما يَكْرَه وذلك لأنّ هذا المعنى ممّا يُكْرَهُ ذكْرُه 3 ويُسْتَرُ عَنِ الناس أَمرهُ. وروى أبو عُمَر ولم أسمعْهُ منه عَنْ أَبِي العبَّاس عَنِ ابن الأعرابيّ قَالَ السِّبَاعُ كَثْرَةُ الجماع. ورُوي في حديث آخر أَنَّهُ اغْتَسل من سِباعٍ كَانَ منه في رَمَضان أي من مُقَارفَةِ جماع.
وقال بعض أههل اللغة: السِّبَاعُ في الجِماع معناه راجع إلى الكثرة قَالَ والتّسبيع التّضْعيف والعرب تَقُولُ سبَّع الله لك الأجْرَ أي ضاعَفَه.
قَالَ: ولم يريدوا بهذا عَدَدَ السَّبْع حتى لا يجاوزوه قَالَ ومن هذا قوله: سُبْحَانْه: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ} 4. هو من باب
__________
1 أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة "دراج" والكامل لوحة 4/ 339 –ب وأخرجه العقيلي في الضعفاء "السباع حرام" لوحة 73 - ب.
2 من م.
3 ساقظة من ح.
4 سورة التوبة: 80.
(1/429)

تكثير العدد وتضعيفه لا من بَابُ حَصْر العَدَد. والمعنى لا يغفر لهم وإن استكثرت من الدعاء 1.
__________
1 من م.
(1/430)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْخُرَّاصِ إِذَا بَعَثَهُمُ: "احْتَاطُوا لأَهْلِ الأَمْوَالِ فِي النَّائِبَةِ وَالْوَاطِئَةِ" 1.
قَالَ ابن قُتَيبة: الوَاطِئةُ المارَّةُ والسَّابِلَةُ سُمُّوا بذلك لِوَطْئهم الطريقَ.
قَالَ: ومعنى الحديث أنّه أَمَر خُرّاصَ النَخْل أن يَسْتَظْهِروا لأصْحَاب النخل في الخَرْص لِمَا يَنُوبُهْم ويَنزِلُ بهم من الأَضْياف ويَجْتازُ عليهم من أبناء السبيل.
قَالَ: وفيه وجْهٌ آخر هُوَ أشْبَه بمعنى الحدَيث وهو أَنَّ الواطِئَة هي سُقاطةُ التَمْر وما يَقَع منه بالأرضِ فيُوطأُ ويُداس جاء بلْفظ فاعِل وهو بمعنى مَفْعول كقولِه: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} 2. أي لا مَعْصُومَ وكَقَوله: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 3. أي مَرْضيّة.
والعربُ تَقُولُ: ماءٌ دَافِقٌ أي مَدْفُوقٌ وسِرٌّ كاتمٌ أي مَكْتُومٌ ولَيلٌ نائِمٌ أي يُنَامُ فيه. قَالَ الشّاعُر:
لقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ عِمْرانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ ومَا لَيْلُ المَطيِّ بنائم 4
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 4/ 129 والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 124 بدون النائبة.
2 سورة هود: 43.
3 سورة الحاقة: 21.
4 البيت لجرير وهو في ديوانه /454. وخزانة الأدب 1/ 465.
وفي س: "ياأم غيلان". وفي هامشه ت, م, ط: "يا أم عمران".
(1/430)

ومما جاء بلفْظ مفعولٍ ومَعْناهُ معنى فاعل قوله: {حِجَاباً مَسْتُوراً} 1. أيْ سَاتِرًا. وقَولُه: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} 2. أي آتِيًا والله أعلم.
وإنّما صِرْنَا إلى هذا لأنّ المعنى الَّذِي تأوَّلهُ ابنُ قُتيبة قد استُفِيد بالنّائبة ووقَع بيانُه بها فلم يَكُنْ لِحَمْل الكلام الثاني عَلَيْهِ وَجْهٌ وقد رُوِي معنى ما ذهَبْنَا إِلَيْهِ عَنْ عُمَر بْن الخطاب.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ نا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ لِلْخَارِصِ دَعْ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَقَعُ وَقَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ 3
وفيه وَجهٌ ثالث عَنْ أَبِي سَعِيد الضَّرِير قَالَ هي الوَطَايا واحِدَتُها وطِيَّةٌ وهي تَجْرِي مجْرَى العَرِيَّة وسُمِّيَتْ وطِيّةً لأَنَّ صَاحِبَها وطّأها لنفسه أو لأَهْلِه فهي لا تَدْخُل في الخَرص إذا خَرصَ الخارصُ يُعْفَى لَهُ عنها وذلك عَلَى قَدْر النَّخْل يكون فيها وَطَايَا عِدَّةٌ أو وَطِيَّةٌ واحدة.
__________
1 سورة الإسراء: 45.
2 سورة مريم: 61.
3 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 4/ 129.
(1/431)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ" 1.
قد وَقَع هذا الحديث أولا في كتاب أَبِي عُبَيْد وثانيا في كتاب ابن
__________
1 أخرجه البخاري في مواضع منها مناقب عمره 5/ 13 ومسلم في الفضائل 4/ 1860 وغيرهما.
(1/431)

قُتيبَة وفَسَّر كُلُّ واحدٍ منهما طائِفةً من لفظه ولَمْ يعرِض واحدٌ منهما لمَعْناه. وقد علمْنا أنّ هذا مَثلٌ في رُؤْيا أريها وإنما يُرادُ بالمَثَل تَقْريبُ علمِ الشيء وإيضَاحُه بِذكر نَظِيره وفي إغفال بيانهِ والذَّهاب عَنْ معناه وعن مَوضِع التَّشْبِيه فيه إبْطالُ فَائدةِ المَثَل وإثباتُ التَّفْضِيل 1 لعُمَر عَلَى أَبِي بَكْرٍ إذ قد وُصِف بالقُوَّة من حَيْثُ وُصِفَ أبو بَكْر بالضَّعْف وتلك خُطَّةٌ أَبَاها المُسْلِمُون. والمَعنى والله أعلم أنه إنّما أراد بهذا القوْل إثباتَ خِلافَتِهما والإِخْبارَ عَنْ مُدّة ولايتِهما والإبانةَ عمّا جَرَى عَلَيْهِ أحْوَالُ أُمّته في أيّامهما فشَبّه أمرَ المسلمين بالقَليب وهو البِئُر العادِيَّة وذلك لِمَا يكون فيها من الماء الَّذِي بِهِ حَياةُ العِباد وصلاحُ البِلاد وشَبَّه الوَالي عليهم والقائَم بأمورهم بالنَّازعِ الَّذِي يستَقِي الماءَ وَيَقْرِيهِ 2 للوَاردة ونَزع أبو بَكْر ذَنُوبًا أو ذَنُوبَين عَلَى ضعف فيه إنّما هُوَ قِصَرُ مُدّةِ خِلافَته والذَنُوبَان مثَلٌ في السَّنَتْين اللَّتين ولِيَهُما وأَشْهُرًا بعدهما وانْقضَتْ أيامُه في قِتال أهلِ الردة واستِصْلاح أهلِ الدَّعوة ولم يتفَرَّغ لافتِتاح الأَمْصارِ وجِبايةِ الأَمْوال فذلك ضَعْفُ نَزْعِه. وأمّا عُمَر فقد طالت أيّامُه واتّسعَتْ وِلايتُهُ وفتح اللهُ عَلَى عهده العِراقَ والسَّوَادَ وأرضَ مصْر وكثيرًا من بلاد الشام وقد غنِم أموالَها فقسَّمَها في المسْلمين فأخصبَت رِحالُهم وحَسُنَتْ بها أحوالُهُم فكان جَوْدَةُ نَزْعِه مَثلًا لما نالُوهُ من الخَيْر في زمانه واللهُ أعلم.
والعرَبُ تضربُ المثلَ في المُفاخرة والمغالبة بالمُساقاة والمساجَلة فتَقولُ فلان يُسَاجلُ فُلانًا أي يُقاوِمُهُ ويُغَالبِه وأَصْلُ ذَلِكَ أن يسْتقيَ ساقِيَان فيُخرج كلّ واحد مِنهما في سَجْله مثل ما يُخرِج الآخرُ فأيُّهما نَكَل غُلِبَ. وقال العبّاسُ بنُ الفضل اللهبي يذكر ذلك.
__________
1 ت, م: "الفضيلة".
2 س, ت, ط: "ويقربه".
(1/432)

مَن يُسَاجِلْني يُساجِلْ ماجدًا ... يَمْلأُ الدلو إلى عقد الكرب 1
__________
1 اللسان والتاج "سجل" وعزي للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب.
(1/433)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَرْمِي وَهُوَ يُقَتِّرُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ رَامِيًا وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُشَوِّرُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ لَهُ 1 إِذَا رَفَعَ شَخْصَهُ هَكَذَا بِأَبِي وَأُمِّي لا يُصِيبُكَ سَهْمٌ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ 2.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا عَفَّانُ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
قولهُ: يُقَتِّرُ معناه يجمع لَهُ الحَصَا والتُرابَ يجعله قُتَرًا وكُلُّ كُثْبَةٍ منْها قُتْرَةٌ وهي العَلامَة. وقال الأَصمعيُّ: القِتْرُ: نَصْلُ الأَهْدَاف.
وأنشد لأَبي ذُؤَيبٍ:
كَقِتْر الغِلاء مُسْتَدِرًا صِيَابُها 3
وزعم محمدُ بْن السَّائب الكلبيّ أنّ يكسوم ابن أخي الأشرم أهدى للنبي سِلاحًا فيه سَهْمٌ لَغْبٌ وقد رُكّبتْ مِعْبَلَةٌ في رُعْظِه فقَوَّم فُوقَه وقال هُوَ مستحِكم الرِّصاف وسمَّاهُ قِتْرَ الغِلاء. يُقال للسَّهْم الَّذِي لم يَلْتَئِمْ رِيشُهُ لَغْبٌ وهو اللغاب.
__________
1 من م.
2 أخرجه البخاري في المغازي 5/ 125 ومسلم في الجهاد 3/ 1443 بدون "يقتر, ويشور".
3 شرح أشعار الهذليين 1/ 50 وصدره: "إذا نهضت فيه تصعد نقرها" أي نهضت هذه النحل في هذا الموضع شق على نفر منها. والقتر: "نصال سهام الأهداف. ومستدر: ذاهب. وصيابها: قواصدها.
(1/433)

قَالَ بِشْرُ بْن أَبِي خازِم:
وإِنَّ الوَائليَّ أصَابَ قَلْبي ... بسَهْمٍ لم يَكُنْ نِكْسًا لُغَابَا 1
فإذا التأم ريشُهُ وهو أن يكونَ بَطْنُ الرِّيشَة إلى ظهر الأُخرى فهو اللُّؤَامُ. والمِعْبَلَةُ نَصْلٌ عَرِيضٌ وَالرُّعْظُ. مَدْخَل النَّصْل في السَّهْم. والرِّصافُ عقَبةٌ تُلْوَى عَلَى الرُّعْظ. والغِلاءُ الرِّماء. يقال: غالَيْتُه أغالِيه غِلاءً أي رامَيْتُه. والغَلْوَةُ مَدَى الرَّمْيَة.
وقوله: يُشَوِّرُ نفسه: أي يَسْعَى ويَخفّ يُظْهِرُ بذلك قُوَّتَه.
يقال شُرْتُ الدابَّة إذا أَجْرَيْتَها لتنظر إلى سيرها 2.
__________
1 اللسان "لغب" برواية:
فإن الوائلي أصاب قلبي ... بسهم ريش لم يكس اللغابا
2 م, ط: سيرتها.
(1/434)

وَقَال أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ" 1.
أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُهُ.
قولُه: تأكُل القُرى يُريدُ أَنَّ الله يَنْصُرُ الإِسلام بأهل المدينة وهم الأنْصار ويفتح عَلَى أيديهم القُرَى وَيُغنِّمُها إيَّاهُم فيأكُلونَها وهذا في الاتّساع والاخْتِصار كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} 2. يريد أهل القرية
__________
1 أخرجه البخاري في فصل المدينة 2/ 26 ومسلم في الحج 2/ 1006 والحميدي في مسنده 2/ 488 وغيرهم.
2 سورة يوسف: 82.
(1/434)

وكقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} 1. وكانوا يُسَمُّون المدينة يَثْرِبَ وهي اسمُ أَرضٍ بها فغيَّر رَسُولُ الله اسمها وسماها طيبة كراهية للتثريب.
__________
1 سورة الأنبياء: 11.
(1/435)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ خَطَبَ فِي أَضْحَى فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحًا ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَجَزَّعُوهَا 1.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قوله: تجزَّعُوها أي تَوزَّعُوها واقْتسمُوها وأصْلُه من جَزعْتُ الشيءَ إذا قَطعْتَه والجُزعَةُ القِطْعَةُ من الشيء.
__________
1 أخرجه البخاري في الأضاحي 7/ 129, 130 ومسلم كذلك 3/ 1554 والنسائي في العيدين 3/ 193.
(1/435)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَد