Advertisement

الأنواء في مواسم العرب لابن قتيبة الدينوري


الكتاب: الأنواء في مواسم العرب
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] محتويات كتاب الانواء لابن قتيبة الدينورى
الموضوع/ الصفحة
التصدير العام (فى الانكليسية) . (6-)
مقدمة المصححين
جدول اسماء المنازل والنجوم المقدرة لها يب
كتب الأنواء فى الأدب العربى يج
جدول اسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» يد
مكانة ابن قتيبة يط
منهاج ابن قتيبة كج
هل سرق ابن قتيبة شيئا من الدينورى؟ كد
إلزام البيرونى على ابن قتيبة كح
المخطوطات من كتاب الأنواء لا
ترجمة ابن قتيبة م
مقدمة المصنف وغرض التأليف 1
ذكر منازل القمر 4
معنى النوء 6
كيف يكون الطلوع والغروب؟ 9
(الفهرس/1)

فرق ما بين الغروب الذى هو أفول وبين الغروب الذى له النوء 12
تحديد الوقت الذى فيه يسقط النجم بالغداة 13
معنى العرب فى نسبة المطر إلى النوء 13
أسماء المنازل وهيئاتها: 16
1- الشرطان 17
2- البطين 20
3- الئريا 23
4- الدبران 7
3 5- الهقعة 41
6- الهنعة 42
ذكر كواكب الجوزاء 45
7- الذراع 48
8- النثرة 54
9- الطرف 55
10- الجبهة 56
11- الزبرة 58
12- الصرفة 59
13- العواء 60
14- السماك 62
15- الغفر 67
(الفهرس/2)

16- الزبانى 68
17- الإكليل 69
18- القلب 70
19- الشولة 71
20- النعائم 74
21- البلدة 75
22- سعد الذابح 76
23- سعد بلع 77
24- سعد السعود 78
25- سعد الأخبية 79
26- الفرغ الأول 82
27- الفرغ الثانى 83
28- الحوت 84
كيف يكون نزول القمر بهذه المنازل؟ 85
ما ينسب إليه البوارح من هذه المنازل 88
أوقات النتاج 94
أوقات تبدّى العرب ورجوعها إلى محاضرها 96
ذكر الأزمنة الأربعة وتحديد أوقاتها 100
الأزمنة وتحديد أوقاتها عند العرب 103
ذكر نجوم الأزمنة ورقائبها ونجوم أنوائها 109
فصل الربيع 109
(الفهرس/3)

فصل القيظ 114
فصل الخريف 115
فصل الشتاء 118
ذكر البروج 120
القطب 122
المجرّة 123
الفلك والسماء 124
ذكر الكواكب الخنس 126
مكث الخنس والشمس والقمر فى البروج 128
صفات الخنس 128
ذكر الشمس والقمر 128
الشمس 136
ذكر المشارق والمغارب 141
الفجران 142
الشفقان 143
ذكر مشاهير الكواكب وما داناها: 145
بنات نعش الصغرى 145
بنات نعش الكبرى 147
الحران 148
العوائذ 148
القرن 149
(الفهرس/4)

الشاء 149
الضباع 149
الحية 150
الأبيض 150
الفكة 150
النسقان 150
النسران 151
الفوارس والردف 151
الصليب 151
سهيل 152
الكواكب المنسوبة الى سهيل والمشبهة به 157
ذكر الرياح وتحديد مهابها 158
أفعال الرياح 161
اللواقح من الرياح والحوائل 163
ذكر السحاب والبرق والمطر 169
مخايل السحاب 169
الاستدلال بالبرق 177
الاستدلال بالحمرة على الغيث 179
الأوقات التى تحمد للنوء والمطر 180
اختلاف مناظر النجوم 182
(الفهرس/5)

الاهتداء بالنجوم والمسير بطلوعها وغروبها 186
كيف يكون الاهتداء بالنجوم؟ 190
ذيل للمؤلف مجهول 191
الفهارس:
فهرس المآخذ والمصادر 195
الفهرس الجامع المشتمل على الأعلام والقبائل والأماكن والكتب وغيرها 201
فهرس أسماء النجوم والكواكب وما يليها 211
فهرس القوافى والبحور (1- 18)
(الفهرس/6)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
(مقدمة المصححين)
إذا حاول مؤرخ الآداب والعلوم العربية أن يدلى ببيان عاجل عما بلغه العرب من معلومات ومعارف وألفوه من كتب وتآليف فيما يخص علم النجوم والهيئة، وجب عليه بادى ذى بدء أن يميّز أدقّ تمييز بين المعارف المتداولة فى الأوساط المترقية المتخصصة والمؤلفات المعدّة لها من جهة، وبين تقاليد العامة ومعلوماتها المتوارثة والكتب المدوّنة لها من جهة اخرى فاستمع إلى ما يقول الجاحظ فى «كتاب الحيوان» (ج 6، ص 30) عن الأعراب، حيث يذكر أنهم:
«عرفوا الآثار فى الأرض والرمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس، حيث لا أمارة ولا هادى مع حاجته إلى بعد الشقة، مضطرّ إلى التماس ما ينجيه ويؤدّيه، ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة، اضطرّته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث؛ ولأنه فى كل حال يرى السماء وما يجرى فيها من
(المقدمة/1)

الكواكب، ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا، وما يسير منها فاردا، وما يكون منها راجعا ومستقيما» .
هذا قول الجاحظ. ولا بأس بأن نعتمد عليه فيما نحن بصدده.
فجعل الأعرابى إذن يستدل بالشمس نهارا، وبالقمر والكواكب والرياح ليلا، فعرف من الشمس أوقات شروقها وغروبها، ومن القمر ليالى ظهوره واستسراره، ومن أنوار الكواكب أوقات طلوعها وسقوطها ومواقعها من الفلك. ثم لا حظ أن حوادث تخص البرد والحر، والشتاء والجدب. وأحوال الحيوان والنبات، لها علاقة ظاهرة بدوران الشمس وبطلوع القمر والكواكب وسقوطها، حتى استنبط من مشاهداته وتجاربه نواميس بسيطة لا تتجاوز دائرة الاختبار ولا تخرج عن نطاق المعطيات العملية.
هذا كله شأن الامم الساذجة، كما بيّنه الجاحظ. غير أننا، وإن ضربنا صفحا عن عبادة النجوم الشائعة فى بطون من العرب القدماء، سنرى بعد قليل أن البدو عرفوا أكثر مما ذكرناه من معرفة أحوال النجوم. ولكنهم لم يفضوا إلى ذلك استنباطا، بل اقتباسا على الأكثر.
مهما كان هذا، إن غرض العرب من علم الأنواء لم يكن فى أول الأمر إلا معرفة أوقات المطر وأسمات السفر يهتدون بسير النجوم.
فلما ظهر الاسلام، زاد مقصدا آخر، وهو معرفة القبلة وأوقات الصلاة والصوم من حركات الكواكب ومن الفجرين والشفقين، وطلوع الشمس وزوالها وغروبها، وطلوع الهلال والسحر، إلى غير ذلك من
(المقدمة/2)

سائط هذا العلم. ثم خرجوا من جزيرتهم وفتحوا قسما لا يستهان به من المعمورة، وظهروا على امم كانت قد بلغت درجه عالية من الحضارة، واهتمت بالنجوم اهتمام علماء مضاربين لا اهتمام شعراء متبدّين.
فتمتّنت حينئذ العلاقات بينهم وبين العجم، ونشأ من اختلاط العناصر المختلفة تطوّر عام ظهرت نتائجه فى جميع ميادين الحياة وأصناف المعارف، فضلا عن نشوء العلوم المرتكزة على القرآن، منها الحديث والنحو والفقه والتأريخ، حتى مبادئ علم الهيئة لحاجة المسلمين إلى الصوم والصلاة. غير أن أقوى حافز لتقدم معارفهم بالفلك والهيئة جاءهم من الخارج. وذلك أن بعيد فتح السند ادخل إلى العراق، فى أواسط القرن الثانى للهجرة، الكتابان المعروفان عند العرب بالسندهند وأرجبهد، فنقلا إلى العربية ببعض التصرف، وانتشر مضمونهما فى الدوائر المثقفة الراغبة فى العلوم رغبة صحيحة. وفى الوقت نفسه، أو بعده بقليل، عرف العرب الأزياج الفارسية، وبصفة خاصة كتبا يونانية منها «المجسطى» لبطولموس (المعروف ببطلميوس) الذى نقله إلى العربية الحجاج بن يوسف بن مطر سنة 212 للهجرة.
لسنا بحاجة إلى الإطالة فى ذكر جميع الكتب اليونانية والهندية التى عرّبت فى القرون الوسطى، بل كفى بما قلنا إشارة إلى هذا العامل القوى الذى حمل المسلمين- ومنهم عرب وعجم- على البحث عن علم الهيئة. ولسنا بحاجة أيضا إلى ذكر جميع الفلكيين الذين اشتهرت أسماؤهم فى هذا الفرع من العلوم وأكسبوا الامة العربية فخرا خالدا
(المقدمة/3)

فمنهم يحيى بن أبى منصور وتلامذته. ومحمد بن موسى الخوارزمى (المتوفى م 236) ، موسى بن شاكر وابناؤه، والبتّانى (م 317) ، وثابت بن قرّة (م 288) ، وعبد الرحمن الصوفى (م 376) ، وأبو الوفاء (م 388) ، وابن يونس (م 399) ، ومسلمة المجريطى (م 398) ، وابن الهيثم (م 430) ، والبيرونى (م 440) ، وأشباههم.
جميع هؤلاء الفلكيين قاموا برصد وحساب، حتى أنهم حققوا معطيات بطولموس وصحّحوها، فزادوا طريفا على تالد واكتسبوا بذلك شهرة لا تزال حية إلى أيامنا، غير أنهم لم يغيروا نظريات بطولموس تغييرا يذكر، بل أبقوها على حالها فى الجملة وإن صحّحوا أحسابه فى التفصيل. فالأرض عندهم وعند من سبقهم من الفلكيين القدماء كرة ثابتة لا تتحرك: وهى مركز العالم يحيط بها الأفلاك التسعة. وهى، كما يقول القزوينى فى «عجائب البلدان» (ص 16) . «كرات محيطة بعضها بالبعض، حتى حصلت من جملتها كرة واحدة يقال لها العالم ... [ف] يماس السطح الأدنى من كل واحدة منها السطح الأعلى من التى دونها.
وأدناها إلى العناصر [أى الأرض] فلك القمر، ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى، ثم فلك زحل، ثم فلك الثوابت، ثم فلك الأفلاك» - هـ، فهذا الفلك التاسع يدور حول القطبين، وبالأخرى حول الأرض؛ وتتحرك معها جميع الأفلاك الأخرى.
ومما يهمنا هنا من هذا الجهاز العلوى، الفلك الثامن وهو فلك
(المقدمة/4)

الثوابت. سمّيت ثوابت لأنها فى ظاهر العين لا تتحرك إلا بحركة جميع الفلك، إذ أن الكواكب فيه «مركوزة كالفص فى الخاتم» كما قال القزوينى (ص 17) .
ذهب الفلكيون هذا المذهب وسلكوا هذا المسلك إلى أن سقط نجمهم افولا، وطلع نجم الغرب شروقا حوالى القرن التاسع للهجرة.
إن نحن ألقينا نظرة إجمالية على المؤلفات التى نتجت من تلك الحركة العلمية الحميدة، استطعنا أن نقسمها قسمين رئيسيين:
(القسم الأول) يحتوى على المؤلفات التى لا تخرج عن نطاق العلم المحض؛ وفيها قيّد الفلكيون المذكورون آنفا نتائج أعمالهم وجهودهم فى سبيل الحقيقة، وهى التى تكوّن قطعة من التراث العلمى الذى تفخر به العرب، فنقلت من العربية إلى اللاتينية فى القرون الوسطى وبقيت قبلة يصلّى إليها علماء الغرب إلى عهد كوپرنيك (Copernicus) وجليل (غليليو، (Galileo) (فأبطلت حينئذ المتكشفات الجديدة المذهب القديم. وهيهات بين إبطال نظريات فانية موقتة، وإبطال أشغال توالت عليها أجيال متعددة! وبقيت ذكرى العرب حية حتى أن عددا غير قليل من المصطلحات وكثيرا من أسماء النجوم اقتبستها اللغات الغربية، وإن شوّهتها تشويها قبيحا جعلها غير مفهومة، بيد أن العرب لم يأخذوا من العجم إلا عددا قليلا من مصطلحاتهم.
ليس قصدنا فى هذه العجالة ذكر جميع الكتب والأزياج التى خلفها الفلكيون القدماء. وفى الحقيقة تغنينا شهرتها عن ذكرها، بل
(المقدمة/5)

يجدر بنا أن نبين تأثيرها فى (القسم الثانى) من الكتب، أى المؤلفات التى تقع بين العلم المحض والأدب المحض، وتأخذ من هذا ومن ذاك لتكوّن فنّا متوسطا يتّصل بالعلم بقدر ما يتصل بالأدب. وإنه ليجب علينا، ليفى الموضوع حقّه، ألّا ننسى أن الفلاسفة والمتكلمين التفتوا إلى مذاهب الفلكيين لما وجدوا فيها من آراء تبعثهم على التأمل فى خلق العالم، فأدخلوا المسائل الفلكية فى مناقشاتهم ومجادلاتهم الكلامية.
وزيادة على ذلك، أثرت المذاهب الفلكية فى فن آخر- نعنى الجغرافيا- تأثيرا أقوى؛ فان جميع أصحاب المؤلفات الجغرافية، أو على الأقل معظمهم أبوا إلا أن يفتحوا بابا خاصا بصورة العالم حسب التصورات المعاصرة، فتوغلوا فى علم التقويم والأطوال والأعراض، معتمدين على نظريات الفلكيين، آخذين بأقوال سلفهم فى هذا الشأن، لأنهم قلّما نظروا بأنفسهم فى علم لا يخلو من صعوبة على عامة الأدباء. فتجد الفصل المذكور حتى فى الكتب الرامية إلى وصف البلدان والممالك والمسالك، فضلا عن المؤلفات التى قد اكتسبت أصحابها من علم الهيئة نصيبا لا بأس به، كالبلخى والبيرونى. ثم تلفى أيضا مادة علمية فى الموسوعات المحتوية على جميع المعارف والعلوم الواجب اكتسابها على من تقدّم إلى خدمة السلطان مثلا مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى- كما تجدها فى تآليف رجال منسوبين إلى الصوفية يجتهدون فى وصف ما خلقه الله ويعتبرون العالم بأسره مظهرا من مظاهر فضل الله على عباده ونعمته عليهم. فأحسن ممثّل لهذا الفن هو القزوينى (م 682) الذى يقول فى مقدمة كتابه «عجائب البلدان» (ص 5- 6)
(المقدمة/6)

«فمن أراد صدق هذا القول [أى تعجب الإنسان مما خلقه الله] ، فلينظر بعين البصيرة إلى هذه الأجسام الرفيعة، وسعتها، وصلابتها، وحفظها عن التغير والفساد إلى أن يبلغ الكتاب أجله. فانّ الأرض والهواء والبحار، بالإضافة إليها، كحلقة ملقاة فى فلاة. قال الله تعالى [سورة الذاريات 51/47] : (والسماء بنينها بأييد وإنّا لموسعون) .
ثم إلى دورانها مختلفا؛ فان بعضها يدور بالنسبة إلينا رحوية، وبعضها حمائلية، وبعضها دولابية، وبعضها يدور سريعا، وبعضها يدور بطيئا.
ثم إلى دوام حركاتها من غير فتور. ثم إلى إمساكها من غير عمد تتعمد به، أو علاقة تتدلى بها. ثم لينظر إلى كواكبها وشمسها وقمرها، واختلاف مشارقها ومغاربها لاختلاف الأوقات التى هى سبب نشوء الحيوان والنبات. ثم إلى عدد كواكبها فى منازل مرتبة، بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص. ثم إلى عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها ... ثم إلى مسير الشمس فى فلكها مدة سنة، وطلوعها وغروبها كل يوم لاختلاف الليل والنهار، ومعرفة الأوقات، وتمييز وقت المعاش عن وقت الاستراحة. ثم إمالتها عن وسط السماء إلى الجنوب وإلى الشمال، حتى وقع الصيف والشتاء والربيع والخريف. وقد اتفق الباحثون على أنها مثل كرة الأرض مائة مرة ونيّف وستّون مرة ...
ثم لينظر إلى جرم القمر وكيفية اكتسابه النور من الشمس. لينوب منها بالليل؛ ثم إلى امتلائه وانمحاقه، ثم إلى كسوف الشمس وخسوف القمر ... » هـ-.
(المقدمة/7)

إنّ جميع منتجات الفكر العربى، التى ذكرناها إلى الآن، تستفيد قليلا أو كثيرا من أبحاث الفلكيين. وكأن بعضها يعمّم أسهل المعلومات وأقربها إلى أذهان الناس. وينشر فى طبقات أوسع من الدوائر المختصة جملة من المعارف يتوارثها خلف عن سلف. ولكن العامة ما تبرح، على اختلاف الأجيال والبلدان، تتمسك بالماضى. وينضم إليها فى هذا الشأن عدد غير قليل من المثقفين المحافظين، الذين لا يقبلون «البدع» إلا بطول المدة، ويقولون (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) فماذا كان عليه آباؤهم؟
لقد سبق أن قلنا إن الأعراب فى صحاريهم يستدلون بالشمس والقمر والنجوم، فسمّوا أعظمها وأشدها نورا بأسماء عادية مأخوذة من الحياة اليومية. وتداولت بينهم معرفتها منذ أقدم الزمان. ثم لاحظوا أن بعض النجوم تطلع أو تسقط، ويحدث مع طلوعها أو سقوطها حوادث تمّس الحياة البدوية من نتاج المواشى ومعالجة النخيل وهطول المطر إلى غير ذلك، مما يهتم به البدوى أشد الاهتمام؛ فشاهدوا أن تلك النجوم الخاصة تتقارن اثنين اثنين، حتى يطلع أحدها فى المشرق غداة حينما يسقط أخوه فى المغرب؛ فسمّوا الطالع «رقيبا» ، كأنه يرقب سقوط الآخر؛ وسمّوا الساقط «نوءا» ، من «ناء» . «وإنما قيل باء، إذا سقط. لأنه يميل، والميل هو النوء، ومعنى قول الله عزّ وجلّ [سورة القصص 28- 76] : لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ
أى لتميل بها من ثقلها» (فقرة «11» من متن هذا الكتاب على صفحة 7) .
(المقدمة/8)

وكذلك عدّوا فى السنة الشمسية عددا غير معلوم- يكاد يكون 28 «1» - من أوقات مختلفة المدة، يدلّ على ابتدائها سقوط نجم معلوم؛ وأطلقوا على كل واحد منها اسم النوء «2» (وجمعه أنواء) ، فنشأ من ملاحظاتهم أسجاع «3» تخصّ طلوع الرقائب وسقوط الأنواء، وتشير إلى الحوادث التى يمتاز بها كل نوء. وعلاوة على الأسجاع البسيطة المتداولة بين الناس، نشأ أيضا علم على حدة، كالقيافة والعرافة وغير هما من علوم البادية، فتخصّص فيه بعض الأشخاص فى كل قبيلة. وربما تميزت بالخبرة فيه قبيلة بأجمعها، كبنى ماوية وبنى مرة (راجع فقرة «3» من متن هذا الكتاب صفحة 2) .
هذا ما كان العرب قد بلغه استنباطا فى قديم الزمان. ثم أخذوا من اليونان معرفة البروج، وذلك قبل الإسلام إذ ذكرها القرآن أربع مرات، حتى ورد مثلا فى الآية 16 من سورة الحجر: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ
. ولفظ البرج يونانى الأصل وفى اللاتينية (burgus) غير أنه ليس من المستبعد أن العرب لم يأخذوا البروج من اليونان مباشرة، بل بواسطة بابل أو إيران، كما أنه من الأكيد أنهم اقتبسوا منازل القمر من الهند
(المقدمة/9)

بواسطة الفرس. وذلك قبل الإسلام أيضا، حيث يذكرها القرآن مرتين: وقد ورد فى الآية 5 من سورة يونس: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
؛ ويشبه الجهاز الهندىّ الأنواء العربية، غير أن القرآن لا يذكر الأنواء. ولذلك السكوت سببان: أولهما لإبطال التقاليد المناقضة لتعاليم الإسلام، لأن العرب كانوا يعتقدون أن النوء هو الذى ينشىء المطر؛ وثانيهما الاختلاط بين الأنواء والمنازل واندماج المذهب القديم فى المذهب الهندى المأخوذ مؤخرا. ومما يلقى ضوءا لا بأس به على هذه المعضلة قول الفلكى الشهير عبد الرحمن الصوفى (صور الكواكب، ص 11- 12) .
«والعرب لم تستعمل صور البروج على حقيقتها. وإنما قسّمت دور الفلك على مقدار الأيام التى يقطع القمر فيها الفلك، وهى ثمانية وعشرون يوما على التقريب، وطلبت فى كل قسم منها علامة تكون أبعاد ما بينها فى رأى العين مقدار سير القمر فى يوم وليلة. وبدأت بالشرطين، وكانت أول العلامات من عند نقطة الاعتدال [الربيعى] .
ثم طلبت بعد الشرطين علامة اخرى، يكون بعدها من الشرطين مقدار سير القمر فى يوم ليلة؛ فوجدت البطين. وبعد البطين، الثريا. ثم الدبران؛ وكذلك المنازل كلها. ولم تلتفت إلى البروج وأقسامها ومقادير صورها، إلا أنها أدخلت الهقعة فى جملة المنازل وليست من البروج وإنما هى من الصور الجنوبية على رأس الجبار. وكذلك الفرغان، هما
(المقدمة/10)

من صورة الفرس فى ناحية الشمال. ونسبت كواكب كثيرة إلى أعضاء الأسد. هى من صور غير صورة الأسد: فجعلت الكوكبين اللذين على رأس التوأمين واللذين يسميان الكلب المتقدم: ذراعى الأسد؛ واللطخة التى على صدر السرطان سمّتها نثرة الأسد، وهى مخطمه. وصيّرت العواء وركيه؛ والسماكين ساقيه، فصيّرت صورة الأسد ثمانية منازل من ثلاثة أبراج. فقدّر أبو حنيفة أن هذه المنازل كلها على الحقيقة من صورة الأسد، فأنكر أن تكون صورة واحدة على ثلاثة أبراج، كل برج منها يسمّى باسم آخر؛ ولم يعرف صورة السرطان، ولا صورتى الأسد والعذراء» - هـ.
ومهما كان من أمر، فقد أصبحت الأنواء جهازا متماسك الأجزاء. يفسره ابن قتيبة (فقرة «13» ص 9 من متن هذا الكتاب) كما يلى:
كأن الشمس حلّت الثريا بالغداة، فسترت الثريا والبطين قبلها، فيكون الطالع بالغداة الشرطين، ويكون الغارب بالغداة رقيب الشرطين وهو الغفر. ويكون النوء للغفر. وتقيم الشمس بالثريا ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الدبران، فتستره؛ وتستر الثريا أيضا، لأنها تستر المنزل الذى حلّت به ومنزلا قبله، على ما أعلمتك. فتقيم فى الدبران ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الهقعة. فتنكشف الثريا بعد ستة وعشرين يوما. فتكون الثريا الطالع بالغداة. ويسقط رقيب الثريا وهو الإكليل.
ويكون النوء للاكليل» - هـ.
(المقدمة/11)

جدول اسماء المنازل والنجوم المقدرة لها
رقم: اسم المنزل: النجوم المقدرة للمنزل: يوم الطلوع حسب ابن قتيبة: يوم السقوط، وهو ابتداء النوء حسب ابن قتيبة: مدة النوء فى الأيام حسب ابن قتيبة
1: الشرطان 16:arietis:نيسان: 16 تشرين الأول: 3
2: البطين 29:arietis:نيسان: 30 تشرين الأول: 3
3: الثريا:: 13 أيار: 13 تشرين الثانى: 5 أو 7
4: الدبران 26:tauri:أيار: 26 تشرين الثانى: 1 أو 3
5: الهقعة 9:orionis:حزيران: 9 كانون الأول: 6
6: الهنعة 22:geminorum:حزيران: 21 كانون الأول: 3
7: الذراع 4:geminorum:تموز: 4 كانون الثانى: 3 أو 5
8: النثرة 17:cancri:تموز: 17 كانون الثانى: 7
9: الطرف 1:canceri G leonis:آب: 31 كانون الثانى: 6
10: الجبهة 14:leonis:آب: 12 شباط:
11: الزبرة 27:leonis:آب: 25 شباط: 4
12: الصرفة 9:leonis:أيلول: 9 آذار: 3
13: العواء 22:virginis:أيلول: 22 آذار: 3
14: السماك 5:virginis:تشرين الأول: 4 نيسان: 4
15: الغفر 18:virginis:تشرين الأول: 17 نيسان: 1 أو 3
16: الزبانى 31:librae:تشرين الأول: 30 نيسان: 3
17: الإكليل 13:librae:تشرين الثانى: 13 أيار: 4
18: القلب 26:scorpii:تشرين الثانى: 26 أيار:
19: الشولة 9:scorpii:كانون الأول: 9 حزيران:
20: النعائم 22:sagittarii:كانون الأول: 22 حزيران: 1
21: البلدة 4:sagittarii:كانون الثانى: 4 تموز: 1 أو 3
22: سعد الذابح 17:capricorni:كانون الثانى: 17 تموز: 1
23: سعد بلع 30:aquarii capricorni:كانون الثانى: 1 آب: 1
24: سعد السعود 12:aquarii:شباط: 14 آب: 1
25: سعد الأخبية 25:aquarii:شباط: 27 آب:
26: الفرغ الأول 9:andromedae G pegasi:آذار: 9 أيلول: 3
27: الفرغ الثانى 22:pegasi G andromedae:آذار: 22 أيلول: 4
28: بطن الحوت 4:andromedae:نيسان: 5 تشرين الأول:
(المقدمة/12)

كتب الأنواء فى الأدب العربى.
لقد سبق أن قلنا ان القرآن لا يذكر الأنواء، فلا ينهى صريحا عن الاعتقاد بها، غير أن الآية (50) من سورة النجم: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى
تجبر المسلمين على الاعتقاد بأن الله هو الذى يقدر تغيرات الحالة الجوية، بيد أن العرب فى الجاهلية كانوا يجعلون النجوم مقدرة لها. ثم أبطل رسول الله ثلاثا من امور الجاهلية: الطعن فى الأنساب، والنياحة، والأنواء ومع ذلك لم تزل المعرفة بالأنواء والعمل بها فى القبائل العربية إلى أيامنا. أما الأوساط المثقفة، فلولا كتب خاصة بها، لنسيتها تماما.
عند ما كانت مبادئ علم الهيئة تنتشر فى الدوائر العربية بفضل السند هند وغيره من المؤلفات المنقولة إلى لغة الضاد، كان العلماء المتخصصون بالنحو والشعر واللغة يجمعون ما يقدرون عليه من الوثائق الصحيحة المحفوظة فى صدور الأعراب خاصة، والعرب عامة، ولم يلبث بعضهم أن دوّنوا كتبا قائمة على مفهوم بسيط واحد كالخيل والإبل والمطر وغيرها.
ومن المعلوم أن تلك الآثار المتقدمة، المحتوية على أشعار ومصطلحات قديمة، هى التى مكّنت اللغويين المتأخرين من تدوين قواميسهم الضافية.
وهكذا انقاد العلماء إلى طلب الأشعار والأسجاع والألفاظ المتعلقة بالنجوم وتدوينها فى كتب يسمى كل واحد منها بكتاب الأنواء.
والراجح أن أول من اعتنى بجمع المعلومات عن الأنواء هم اللغويون والأدباء. ثم استفاد منهم آخرون، مثل الفقهاء والنباتيين وأصحاب الخراج والمال، ومؤلفى جغرافيا. وهاك فهرست هذه المؤلفات:
(المقدمة/13)

جدول اسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» :
رقم/ أسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» / سنة الولادة/ سنة الوفاة مع الاختلاف، / صفحة ابن النديم/ صفحة بروكلمان المجلد الأول اصل/ صفحة بروكلمان المجلد الأول ذيل
1/مؤرج بن عمر أبو فيد السدوسى العجلى/؟ / 195، 174، 200/48/102/160
2/النضر بن شميل المازنى التميمى المروزى القاضى/؟ / 203، 204/52/102/161
3/ابن كناسة أبو يحيى محمد بن عبد الله الأسدى الكوفى/ 133/207/71/63/0
4/الأصمعى، عبد الملك بن قريب الباهلى/ 122/216، 213/55/104/163
5/محمد بن زياد ابن الأعرابى (وكان أبوه عبدا من أهل السند) / 150/230، 231، 232/88/116/179
6/محمد بن حبيب البغدادى/؟ / 245/88، 106/106/165
7/أبو محلّم بن هشام الشيبانى/؟ / 248/46/0/0
8/المبرّد، محمد بن يزيد الأزدى/ 210/258/59/108/168
9/أبو معشر البلخى، جعفر بن محمد بن عمر (وكان قد جاوز المائة) /؟ / 272/277/221/394
10/ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم القاضى/ 213/276// 120/184
11/أبو حنيفة الدينورى/؟ / 282/78/123/187
12/المرثدى أبو أحمد بن بشر [الذى كتب إليه ابن الرومى (المتوفى سنة 276 أو 283 أو 284) الأشعار. وكتابه «كبير فى نهاية الحسن» كما قال ابن النديم] . /؟ /؟ / 129/0/0
13/ابن خرّداذبه، عبيد الله بن عبد الله أبو القاسم/ 230/300/148/225/404
14/الزجّاج، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق (فى أكثر من 80 عاما) /؟ / 310، 316/88/110/170
15/الأخفش الصغير، (الأصغر) أبو الحسن على بن سليمان بن المفضّل/؟ / 315/83/125/189
16/ابن عمّار الثقفى/؟ / 319/88، 148/0/0
17/ابن دريد، أبو بكر بن حسن الأزدى البصرى/ 223/321/88/111/172
18/وكيع القاضى (محمد بن خلف بن حيّان) /؟ /؟ / 88/0/0
19/القاسم بن معن/؟ /؟ / 69/0/0
20/الحسن بن سهل بن نوبخت/؟ /؟ / 275/0/0
21/الدهنى/؟ /؟ / 88/0/0
22/المزيدى/؟ /؟ / 88/0/0
23/أبو غالب أحمد بن سليم الرازى/؟ /؟ / 88/0/0
24/ابن الأجدابى/؟ /؟ / كشف الظنون 5: 54
(المقدمة/14)

وجميع هذه الكتب لم يبق منها إلا الأسماء ما عدا كتاب ابن قتيبة. ولكن يسوغ لنا أن نفترض أن كل هذه الكتب تضمنت بيانا عن جهاز الأنواء، وذكر المنازل، والأيام التى تطلع وتسقط فيها النجوم المقدرة للمنازل، والاستدلال بالكواكب، وذكر الرياح والأمطار. نعم منهم من اقتصر على النقل أو السرقة دون أن ينظر فى علم النجوم حق النظر. ومما يؤيد ظنّنا قول عبد الرحمن الصوفى فيهم، فقال:
«إنى رأيت كثيرا من الناس يخوضون فى طلب معرفة الكواكب الثابتة ومواقعها من الفلك وصورها، ووجدتهم على فرقتين: إحداهما تسلك طريق المنجمين [يعنى الفلكيين] ، ومعولها على كرات مصورة من عمل من لم يعرف الكواكب بأعيانها، وإنما عولوا على ما وجدوه فى الكتب من أطوالها وعروضها ... » (ص 1- 2) . «وأما الفرقة الاخرى فانها سلكت طريقة العرب فى معرفة الأنواء ومنازل القمر، ومعولهم على ما وجدوه فى الكتب المؤلفة فى هذا المعنى. ووجدنا فى الأنواء كتبا كثيرة، أتمها وأكملها فى فنه كتاب أبى حنيفة الدينورى، فانه يدل على معرفة تامة بالأخبار الواردة عن العرب فى ذلك وأشعارها وأسجاعها فوق معرفة غيره ممن ألفوا الكتب فى هذا الفن. ولا أدرى كيف كانت معرفته بالكواكب على مذهب العرب عيانا، فانه يحكى عن ابن الأعرابى وابن كناسة وغير هما أشياء كثيرة من أمر الكواكب تدل على قلة معرفتهم بها. وإن أبا حنيفة أيضا لو عرف الكواكب،
(المقدمة/15)

لم يسند الخطأ اليهم. ثم كل من عرف من الفرقتين إحدى الطريقتين، لم يعرف الاخرى» (أيضا، ص 7- 8) .
ثم بعد أن أتى بأمثلة عن جهل بعض المنجمين، قال:
«ولما رأيت هؤلاء القوم، مع ذكرهم فى الآفاق وتقدمهم فى الصناعة واقتداء الناس بهم واستعمالهم مؤلفاتهم، قد تبع كل واحد منهم من تقدمه من غير تأمل لخطائه وصوابه بالعيان والنظر، حتى ظن كل من نظر فى مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة بالكواكب ومواقعها.
ووجدت فى كتبهم من التخلف، ولا سيّما فى كتب الأنواء من حكاياتهم عن العرب والرواة عنهم، أشياء من أمر المنازل وسائر الكواكب ظاهرة الفساد، ولو ذكرتها، لطال الكتاب بلا فائدة. عزمت مرات كثيرة على إظهار ذلك وكشفه، فكان يعترينى فتور فى حال، وأشغال تصدّنى عن المراد فى اخرى، إلى أن شرقى الله تعالى بخدمة الملك الجليل عضد الدولة ... ولم أجد بحضرته، زاد الله فى جلالتها، من المنجمين من يعرف شيأ من الصور الثمانى والأربعين التى ذكرها بطلميوس فى كتابه المعروف بالمجسطى على حقيقتها، ولا شيئا من الكواكب التى فى الصور على مذهب المنجمين ولا على مذهب العرب إلا اليسير ... ولم أجد لمن تقدمنى من العلماء أيضا فى أحد الفنّين كتابا يوثق بمعرفة مؤلفه ...
فرأيت أن أتقدم إليه بتأليف كتاب جامع يشتمل على وصف الصور الثمانى والأربعين» - هـ.
يظهر من هذا النص الواضح أن كتب الأنواء التى ذكرنا أسماء
(المقدمة/16)

مؤلفيها لم تكن خليقة بارضاء متخصص كعبد الرحمن الصوفى. ويبدو منه أيضا أن الفلكيين لم يلتفتوا إلى إصلاح الخطا المتوارث. زد على ذلك: إن بعض المنجمين- ونعنى بذلك أصحاب التنجيم- كانوا قبل عهد الصوفى قد استعملوا الأنواء فى حساباتهم التنجيمية، دون مراعاة الحقيقة العلمية. وألفوا بدورهم كتبا موسومة بكتب الأنواء، نذكر منهم الحسن بن سهل بن نوبخت، وأبا معشر البلخى، وثابت بن قرة «1» . ثم جاء البيرونى (362- 440) فحذا حذو الصوفى، وأصلح بعض الأخطاء فى فصوله المتعلقة بالمنازل عند مختلف الامم.
ونشأ من كتب الأنواء القديمة فنّ جديد يحتوى على تقويمات حقيقية. وذلك أنه كان من المحتوم أن تنتشر عند العرب التقويمات المعروفة فى بلاد اخرى، كمصر والصين واليونان. وأغلب الظن أنها دخلت فى الأدب العربى لتقضى حاجة المنجمين. ثم انتشرت واتسعت، فركزت على السنة الشمسية، واستعملت أسماء الشهور السريانية فى العراق، والقبطية فى مصر «2» ، اللاتينية فى الأندلس، والفارسية فى إيران؛ وقس على هذا.
ولا ندرى هل كان كتاب الأنواء المعزو إلى ابن خرّداذبه على شكل تقويم. ولكن أول تقويم بلغنا، ولو جزئيا، هو تأليف سنان بن ثابت بن
(المقدمة/17)

قرة (المتوفى 331) «1» ، الذى ألّف للمعتضد كتابا فى الأنواء، رتبه على الأيام، وذكر لكل يوم ما يخصه من أحوال الأرض والجو، فنقل كتابه إلى الأندلس حيث كان تعرف كتب ابن قتيبة، وأبى حنيفة الدينورى «2» وابن دريد، وثابت بن قرّة، وابن خرّداذبه «3» ؛ حتى نرى حينئذ مؤلفين أندلسيين يؤلفون تقويمات شتّى، أشهرها ما نشره المستشرق دوزى Dozy تحت عنوان «4» Calendrier de cordoue de iannee 96 i مستندا إلى نص عربى معزو إلى عريب بن سعد وربيع بن زيد، وإلى ترجمة لاتينية متأخرة. ثم أخذ منه، أو اعتمد عليه، جميع المؤلفين الأندلسيين الذين ألفوا كتبا للأنواء على شكل تقويمات، منهم عبد الله ابن حسين بن عاصم المعروف بالغربال (م 403) «5» ، والخطيب الاموى القرطبى (م 602) «6» ؛ وابن العوّام فى كتاب الفلاحة، وابن البنّاء المرّاكشى (654- 721) «7» . وإلى جانب ذلك يجدر بنا أن نذكر أيضا الارجوزة فى «تعريف منازل القمر» لمحمد المقرى، نشرها موتيلنسكى بالجزائر «8» ، والتقويمات الشعبية التى تصدر كل سنة وتستعمل المعطيات القديمة.
(المقدمة/18)

مكانة ابن قتيبة
أما ما يختص بمؤلفنا ابن قتيبة، فلم يكن منجما من أصحاب الحساب ليشتغل بدقائق الرياضيات الفلكية؛ ولا نباتيا ولا موظفا فى ديوان الخراج يعنى بما يعنى به أصحاب الفلاحة والرعى من الحضر والبدو.
أما مسائل الفقه، فقد ألف فيه كتابا خاصا، سمّاه «كتاب الصيام» (كما ذكر فى فقرة «147» من كتابه هذا) . فلم يبق له إلا مبادئ علم مناظر النجوم التى فيها ما يفيد الطلاب المبتدئين والعوام المتثقفين الذين يريدون أن يعرفوا شيأ من كل شىء بدون أن يغوصوا إلى غوامض الفن ودقائق العلم مع ما فيها من الاختلاف والنزاع فيما بين المتخصصين به.
لم يصل إلينا مع الأسف كتب من سبقه، فنعرف نشأة العلم العربى عن الأنواء وتطوّره منذ أول عهده إلى عصر ابن قتيبة.
ولا يقارن تأليف ابن قتيبة أيضا بكتب الهند والفرس واليونان والقبط وغيرهم، فيطول البحث إلا أننا نعجب من أن ابن قتيبة لا يذكر بتاتا الأوهام والخرافات التى لا بد منها فى ذكر النجوم والأجرام الفلكية عند سائر الامم القديمة. فكتاب ابن قتيبة علم محض، ولو كان بسيطا لا يشتمل إلا على المبادئ.
ولا يجدر بنا أن نقارن كتاب ابن قتيبة بكتب المتأخرين أيضا لأسباب: الأول منها أنه لم يصل إلينا الكثير منها؛ وثانيا أن المقارنة تليق بين كتابين فى نفس الموضوع، فابن قتيبة يؤلف لطلاب مبادئ هذا العلم بوجه عام، وكتب غيره، التى وصلت إلينا، تعنى بموضوعات خاصة.
(المقدمة/19)

على كل حال، ما لا يدرك كله، لا يترك كله. عاش ابن قتيبة فى القرن الثالث للهجرة. ولم يبدإ العرب بتدوين علمهم بالأنواء إلا فى أواخر القرن الثانى كما يتّضح من فهرست ابن النديم. فلم يمض عليه نصف قرن إلا وقد توفّر من الكتب فى هذا الموضوع ما يدهش المؤرخ. فنجد تآليف اسم كل واحد منها «كتاب الأنواء» لتسعة قبل ابن قتيبة، ولأربعة عشر ممن ماتوا بعده فى النصف الأول من القرن التالى. وكتب الأنواء الأربعة والعشرون هذه، سوى التى تبحث فى نفس الموضوع بأسماء اخرى مثل «الزبج على سنى العرب» للفزارى (المتوفى 180) ، وكتاب الأمطار والرياح لما شاء الله اليهودى (م 303) ، وكتاب الأزمنة لقطرب (م 206) ، وكتاب الأيام والليالى لابن السكّيت (م 244) ، وكتب أبى حاتم السجستانى (م 255) فى الشتاء والصيف، والحر والبرد، والشمس والقمر، والليل والنهار، إلى غير ذلك مما ذكره ابن النديم. وليتبيّن فرق ما بين كتاب ابن قتيبة فى الأنواء، وكتب المتأخرين الموسومة بنفس العنوان، رأينا أن نورد ههنا صفحة مما قال ابن البنّاء المرّاكشى فى كتابه (ص 8) :
«شهر أبريل: اسمه بالسريانية، نيسان وعدد أيامه ثلاثون يوما، وبرجه الحمل، ودرّيه الأحمر [أى المريخ] . وله من المنازل النطح [أى الشرطان] والبطين وثلث الثريا. والمتوسط للفجر فيه أول يوم منه إلى ثلاثة عشر يوما منه: الشولة، ثم النعائم إلى آخره مع أوحد من مايه [أى شهر أيار] .
(المقدمة/20)

ويستهل القمر فيه بالثريا. وصلاة الظهر فيه على أربعة أقدام، والعصر على عشرة أقدام. وهو أول تأريخ أبينا آدم عليه السلام.
والنهار فيه من اثنتى عشرة ساعة وثلثى ساعة. والليل من إحدى عشرة ساعة وثلث ساعة.
1) [أى فى اليوم الأول من الشهر] تكتب بطائق العقرب [أى الطلاسم] ، ونصّها: (ضجّت، عقّت، قرست، غير ان قطّ فقطّ.
سلام على نوح فى العالمين) . من قرأها ومسّ العقرب لم يضرّه. وإن كتبت على موضع اللدغ، سكن الوجع.
وتكتبها من هذا اليوم إلى ثلاثة مايه [أى شهر أيار] ، وتعلق فى البيوت، فلا تكاد توجد. وإن وجدت، قتلت.
4) بخنس من بخانس البحر.
6) نوء السماك. ومدته خمس ليال. ومطره محمود، به يخلص العام.
وقد تقدم أنه أحد الأربعة المحمودة المعتمد عليها فى خصب العام.
وإن نقص أحدها، يؤثر [أى فى خصب السنة] .
11) يحذر فيه على الزرع من ريح تفسده. وهو يوم رجز. ومطره يقتل الخطاطيف ...
14) عيد النصارى الكبير.
15) يطلق الفحول من الخيل على الرماك بعد تمام الوضع بسبعة أيام. ومدة حمل الرماك من يوم علقها إلى يوم وضعها أحد عشر شهرا، بل ثلاثة عشر شهرا.
(المقدمة/21)

19) نوء الغفر. ومدته ثلاث ليال. وتزعم العرب أن كل ما فيه من نتاج الإبل فهو شرّ نتاج، لاستقباله الحرّ. ويسمى ما ينتج فيه هبعا.
20) يوم رجز 27) أول مطر النيسان. وإن كان فيه مطر، أصلح الزرع صلحا عظيما. وما عجن من الخبز بماء مطر النيسان اختمر بدون خمير.
30) عيد القبط، يقال له الفسيح بمصر «1» وإن كسف القمر فى هذا الشهر، دلّ على هلاك البهلئم، ويكثر المطر، ويقع الدود فى النبات. وإن كان فيه رعد، والقمر فى الزيادة، يشتد من العام آخره. وإن كان فى نقصانه، فالخير عامّ. ويستحب فى هذا الشهر الحمام-[أو الجماع، حسب رواية اخرى]- ويجتنب أكل كل ذى عرق يخرق من تحت الأرض، والأحوات [أى السمك] ، والموالح. ولا يؤكل اللحم إلا طريا. ويؤكل الشواء والدجاج والبيض ولحوم الطير. ويجتنب الحلاوة والفجل. وفيه تبيض إناث الطواويس.
ويغرس الزيتون فى هذا الشهر، والرمان، والآس. وهو لذلك محمود، لا يكاد يخيب. وفيه يعمل ماء الورد، فيأتى فى غاية من الطيب والنفحة، وشرابه ومربّاه ودهنه. وفيه يزرع اللفّاح والخيار، ويذكّر النخل، ويقلم سعفه. وتزعم العرب أن النخلة إذا قلمت فى هذا الشهر، جنى منها التمر فى الشهر مثله من العام الآتى» - هـ.
(المقدمة/22)

منهاج ابن قتيبة
قال ابن قتيبة فى مقدمة هذا التاليف (فقرة «هـ» ص 4) : «وقد قيّدت بهذا الكتاب أطرافا من هذا الفن، أدركت بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاعتبار، واستخرجت بعضها من الأشعار» .
فاذا نظرنا إلى أسماء الرجال والرواة من هذا الكتاب، وجدنا أن ابن قتيبة حكى عمن سلفه من مؤلفى كتب الأنواء عن ابن الأعرابى، وابن كناسة، والأصمعى، ومؤرّج، ولم يكن لقى أحدهم. وروى كذلك عن أبى زياد، وأبى زيد، أبى عبيدة، وأبى عمرو، وأدهم بن عمران العبدى، وأيوب بن موسى بن طلحة، والشعبى، والمعقّر البارقى فى مسائل اللغة وعلم النجوم.
ولكنه لا يسمى ولا مرة واحدة، أحدا من أساتذته أو معاصريه مثل محمد بن حبيب، وأبى محلم، والمبرّد، والدينورى والمرثدى.
إن ابن قتيبة لا يثق بأصحاب الحساب مثل أبى إسحاق إبراهيم بن حبيب الفزارى، وأبى معشر البلخى، وثابت بن قرّة وغيرهم، فلا يروى عنهم. ولكن مسائل علم النجوم كانت قد بدأت تسرى فى عوام المسلمين، يقرّ ابن قتيبة ببعضها (مثلا فقرة «21» ص 15: «وكعمل القمر فى المدّ والجزر» ) ، ولا يدرى ماذا يقول فى اخرى (مثلا فقرة «139» ص 124:
«وقد سمعت من يذكر أن الأفلاك أطواق تجرى فيها النجوم والشمس والقمر؛ والسماء فوقها. ولست أدرى كيف هذا، ولا وجدت عليه شاهدا من الكتاب ولا من الحديث ولا قول العرب» ) .
(المقدمة/23)

هل سرق ابن قتيبة شيئا من الدينورى؟
قال المسعودى فى مروج الذهب (ج 3، ص 442 طبع اوربا) :
«فأما قبلة أهل المشرق والمغرب والتيمن والجدى، فقد ذكرنا جملا من ذلك فى كتابنا أخبار الزمان. وقد جرّد ذلك فى كتابه أبو حنيفة الدينورى. وقد سلب ذلك ابن قتيبة، فنقله إلى كتبه وجعله من نفسه.
فقد فعل ذلك فى كثير من كتب أبى حنيفة الدينورى هذا. وكان أبو حنيفة ذا محل من العلم كبير» - هـ.
مع الأسف لم يصل إلينا إلا القليل النزر من كتب الدينورى (الأخبار الطوال، وقطعة من كتاب النبات، فحسب) لنحكم فى النزاع بيقين. وقال المستشرق الروسى الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكى فى مقدمة فهارسه للاخبار الطوال ما يأتى ترجمة:
« ... إن ابن قتيبة كان معاصرا لأبى حنيفة الذى عاش طويلا فى دينور، حيث سكن أيضا ابن قتيبة مدّة كقاضى تلك البلدة. ولكن من الصعب أن يقال إن بينهما صلة السارق العلمى والمسروق منه فى أمر الكتب التأريخية. وكان وستنفلد قد ظنّ (فى طبقات المؤرخين العرب.
Geschichts chreiber der Araber
ص 27، رقم 29/2) أن هذا يكاد يتعلق بعيون الأخبار. ولكن منذ ما طبع عيون الأخبار [لابن قتيبة] والأخبار الطوال [للدينورى] وجب إسقاط هذا الظن السوء. نعم هناك كتب اخرى تأريخية للدينورى لم تصل إلينا، مثل كتاب البلدان وتكاد أن تكون هى موضوع هذه السرقة. ولكن الأحسن فى رأينا أن تترك
(المقدمة/24)

هذا الاحتمال تماما فى شأن الكتب التأريخية، لأنه كان مبنيّا على سهو من حاجى خليفة، واعتمد عليه أهل اوربا زائدا عن اللازم. والعبارة من كشف الظنون التى أولدت هذا الوهم هى هذه:
تاريخ أبى حنيفة الخ. قال المسعودى: هو كبير. أخذ ابن قتيبة ما ذكره، وجعله عن نفسه (2/105، رقم 2117) .
ولكن بيان المسعودى، الذى اعتمد عليه حاجى خليفة، معروف موجود فى مروج الذهب (3/442) إلا أنه لم يعين كتابا خاصا، ولم يسمه أبدا. وكل هذا من اختلاق صاحب كشف الظنون. ويظهر على كل حال أن المسعودى لم يرد الكتب التأريخية لهذين المؤلفين فى هذا الصدد، لأن كلام المسعودى هذا فى باب المسائل الفلكية الذى فى «ذكر القول فى تأثير النيرين فى هذا العالم، وجمل مما قيل فى ذلك مما لحق بهذا الباب» .
ونحن نعرف أن العرب اهتموا بالأنواء بصورة خاصة، وأن كتاب أبى حنيفة يعد من امهات الكتب فى هذا الفن. فلا يستبعد أن يقال إن كتابا من هذا الموضوع [لأبى حنيفة] هو الذى عزى إلى ابن قتيبة. إن أبا حنيفة الدينورى لم يشتهر أبدا كمؤرخ، إذ ليس فى الألقاب التى يدعى بها لقب المؤرخ؛ فكثيرا ما يسمى نباتيا أو لغويا، وأحيانا أيضا فلكيا ولم بك يسمى مؤرخا قط. إنا نعرف أسماء كتب ابن قتيبة فى علم النجوم.
ولعلى سبب خمولها هو الذى ذكره المسعودى فقد ظهرت هذه السرقة قبل أن تمضى على وفاتهما خمسون عاما-[أى عند تأليف مروج الذهب]-
(المقدمة/25)

ونعلم أن لابن قتيبة فى علم النجوم كتاب الأنواء «1» (ذكره بروكلمان فى تاريخ الآداب العربية ... ج 1، ص 122، رقم 8؛ وزوتر فى طبقات الرياضيين والفلكيين العربsuter ,Die Mathematiker u.،
Astronomen der Araber
طبع ليبسك سنة 1900، ص 31، رقم 57) ، وكتاب فى علم الفلك «2» [ذكره زوتر أيضا] . نعم لن يقال بكل ثقة أن المسعودى أراد هذين التألفين [لابن قتيبة] ولكن بيانه يتعلق بالكتب التأريخية لابن قتيبة بثقة أقل من هذا» هـ-.
هذا ما قال كراتشكوفسكى ولم يكن قد رأى نسخة كتاب الأنواء لابن قتيبة ولا للدينورى. مع الأسف لم يصل إلينا كتاب أبى حنيفة الدينورى بتمامه فنقضى فيه بالجزم. ولكن نقل عنه ابن سيده، والمرزوقى، وابن منظور، وصاحب تاج العروس، وعبد القادر البغدادى وغيرهم. وهذه الملتقطات قد جمعت لدينا فى مجلد على حجم كتاب الأنواء لابن قتيبة إن الدينورى توفى بعد ابن قتيبة بست سنوات ولكن لا نعرف تأريخ ولادته فنعلم هل كان أكبر من ابن قتيبة سنّا أم أصغر منه. وكذلك نجهل تأريخ تاليف كتاب الأنواء لابن قتيبة كما للدينورى.
نعم إن أبا حنيفة الدينورى كان معنيا بعلم الفلك ومشاهدة الكواكب، فقد ذكر عبد الرحمن الصوفى (فى صور الكواكب، ص 7- 9) :
«ووجدنا فى الأنواء كتبا كثيرة أتمّها وأكملها فى فنّه كتاب
(المقدمة/26)

أبى حنيفة الدينورى ... وقد كنت أظنّ بأبى حنيفة أن له رياضة بعلم الهيئة والرصد. فقد كنت بالدينور فى سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة من سنى الهجرة فى صحبة الاستاذ الرئيس أبى الفضل محمد بن الحسين رحمه الله، وكان نازلا فى حجرته [أى حجرة الدينورى] . وحكى لى جماعة من المشايخ أنه كان يرصد الكواكب على سطح هذه الحجرة سنين كثيرة.
فلما ظهر تأليفه، وتأملت ما أودعه كتابه، علمت أن الذى كان يراعيه إنما كان طلب الظاهر المشهور من الكواكب، وما كان يجده فى كتب الأنواء من ذكر المنازل وما أشبهها» هـ-.
مهما كان الأمر، فلم يذكر عن ابن قتيبة انه اشتغل بالرصد وبالنجوم ولو بظواهرها. وكذلك سافر الدينورى فى القفار والبرارى، كما فى البلاد والعمارات من العرب والعجم، طلبا للعلم فجمع مواد لدائرة معارفه النباتية الشهيرة؛ وكانت قسمين: قسم القاموس الأبجدى لأسماء النبات وأوصافه، وقسم الأبواب المختصة بشتى احوال النبات من نموه إلى هلاكه مع ما يتعلق بالسحائب والأمطار، والسيول والأنهار، والرياح والفصول وأصناف الأرضين مقدمة لتجنيس النبات. وكان الكتاب فى ست مجلدات ضخمة (توجد الآن الخامسة منها فى 465 صفحة) .
وكان قد بحث فيه عن الأنواء أيضا، كما يظهر من اقتباسات البصرى فى التنبيهات على أغلاط الرواة. وكان من مواد كتاب النبات التى هذّبها ونشرها على حدة مع زيادات بأسم كتاب الأنواء فيما يظهر.
إذا كانت الصلة بين سلف وخلف صلة الغارة العلمية. لسهل تعيين
(المقدمة/27)

السارق والمسروق منه. وليس كذلك بين معاصرين حيث يحتمل أن يكون كل واحد منهما على سبيل البدل أغار على صاحبه بدون أن نقدر على تعيينه؛ ويمكن كذلك أن يكونا قد اقتبسا المواد عن عين المصدر وهو كتب من تقدمهما مثل مؤرج والأصمعى وابن كناسة.
ومما يؤيد بيان المسعودى أن عبارات عديدة من أنواء ابن قتيبة توافق حرفا حرفا ما زوى عن أبى حنيفة الدينورى. وفى كثير من الأحيان بيان الدينورى أكمل وأكثر إطنابا، وبيان ابن قتيبة أوجز وأقصر.
والذى يدعونا خاصة إلى قبول بيان المسعودى أن الأخطاء أيضا مشتركة بينهما. ولا يقال إن الدينورى نقل خطأ ابن قتيبة بدون أن ينتبه إليه، لأنه توجد منها أمثلة تدل على أن بيان الدينورى أطول، فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة سرقه، بل عكس ذلك، مثلا فى رواية حديث نبوى عن أصناف السحاب وأمارات الغيث (فقرة «196» ص 169) ، أو فى تفسير كلمة إمّرة» (فقرة «66» ص 52) إلى غير ذلك مما يطول ذكره ههنا.
إلزام البيرونى على ابن قتيبة
إن البيرونى حمل على ابن قتيبة من ناحية أخرى فقال فى ذكره المنازل عند أهل خوارزم (فى كتاب الآثار الباقية، ص 238) :
«وهم أعرف بها كانوا من العرب. يدلّك على ذلك موافقة تسميتهم لها للاسماء التى سمّاها متولى تصويرها ومخالفة فى ذلك من العرب وتصورهم إياها بغير صورها حتى أنهم عدوّا الجوزاء فى جملة البروج مكان التوأمين ... وكذلك لو تأملت أساميهم للكواكب الثابتة، لعلمت أنهم كانوا
(المقدمة/28)

من علم البروج والصور بمعزل وإن كان أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجبلى يهوّل ويطول فى جميع كتبه، وخاصة فى كتابه فى تفضيل العرب على العجم. وزعم أن العرب أعلم الامم بالكواكب ومطالعها ومساقطها. ولا أدرى أجهل أم تجاهل ما عليه الزراعون والأكرة فى كل موضع وبقعة من علم ابتداء الأعمال وغيرها ومعرفة الأوقات على مثل ذلك. فان من كان السماء سقفه، ولم يكنّه غيرها، ودام عليه طلوع الكواكب وغروبها على نظام واحد، علّق مبادئ أسبابه ومعرفة الأوقات بها. بل كان للعرب ما لم يكن لغيرهم، وهو تخليد ما عرفوه أو حدسوه، حقا كان أو باطلا، حمدا كان أو ذمّا، بالأشعار والارجوزة والأسجاع.
وكانوا يتوارثونها فتبقى عندهم أو بعدهم. ولو تأملتها من كتب الأنواء.
وخاصة كتابه الذى وسمه بعلم مناظر النجوم «1» ومما أوردنا بعضه فى آخر الكتاب، لعلمت أنهم لم يختصوا من ذلك بأكثر مما اختص فلّاحو كل بقعة. ولكن الرجل مفرط فيما يخوض فيه، وغير خال عن الأخلاق الجبلية فى الاستبداد بالرأى. وكلامه فى هذا الكتاب المذكور يدل على إحن وترات بينه وبين الفرس إذ لم يرض بتفضيل العرب عليهم حتى جعلهم أرذل الامم وأخسّها وأنذلها؛ ووصفهم بالكفر ومعاندة الإسلام بأكثر مما وصف الله به الأعراب فى سورة التوبة، ونسب إليهم من القبائح ما لو تفكر قليلا وتذكّر أوائل من فضل عليهم، لكذّب نفسه فى أكثر ما قاله فى الفريقين تفرّطا وتعدّيا» - هـ.
(المقدمة/29)

لم يصل إلينا مع الأسف كتاب «فضل العرب» بتمامه. والذى نشره المرحوم محمد كرد على (فى رسائل البلغاء، طبعة جديدة للجنة التأليف والترجمة بمصر سنة 1946، ص 344 إلى 377) ليس إلا قطعة منه نلتقط منها ما سيبين القارئ اسلوب ابن قتيبة فى هذا البحث السياسى من الجدال الشعوبى من ذلك العصر:
«فلا يمنعنى نسبى فى العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها (ص 356) .
ولم أر فى هذه الشعوبية أرسم عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف ثابتا (ص 345) . وعدل القول فى الشرف أن الناس لأب وامّ، خلقوا من تراب واعيدوا إلى التراب، وجروا مجرى البول، وطووا على الأقذار. ثم إلى الله مرجعهم، فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله (ص 356) . فهذه حالها فى الجاهلية مع أحوال كثيرة فى العلم والمعرفة سنذكرها بتمامها بعد إن شاء الله» (ص 373) .
فليس فى هذا كله ما يستوجب الحملة الشديدة التى أباحها البيرونى.
والحقّ أن ابن قتيبة، الذى كان عجمى النسب، كما ذكر هو فى أول الكلام، لم يرد بهذه الرسالة الانتصار الروح الإسلامية. ولم يكن قصده تفضيل العرب على أحد، بل تسكيت الذين كانوا ينقمون من العرب تعصبا، وينسبون إليهم الأقذار والتوحش.
كما قلنا آنفا لم يصل إلينا مع الأسف قسم العلوم من كتاب
(المقدمة/30)

ابن قتيبة فى تفضيل العرب على العجم فنحكم فيه بعين اليقين. أما ما فى كتابنا هذا؛ فجميع ما قال ابن قتيبة عن الموضوع، هو كما يلى:
«وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف العرب فى ذلك وتستعمله، دون ما يدعيه المنسوبون إلى الفلسفة من الأعاجم، ودون ما يدعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان» (فقرة «2» ص 1، 2) .
فلا توجد فيه داعية كافية للحملة الشعواء التى حمل بها البيرونى على مؤلفنا. ولو صح ما روى البيرونى، فهو أمر سياسى، يتعلق بجواب غلاة الشعوبية الذين أنكروا جميع الفضل للعرب، بدوّيهم وحضريّهم، وكان فى الحقيقة دسيسة وسترا ينقمون من ورائه الإسلام وتسويته بين جميع أبناء آدم. فلا فائدة ههنا فى البحث عن هذه المغالاة والتنافس.
المخطوطات من كتاب الأنواء
استفدنا فى تهيئة هذا الطبع من جميع ما يعرف من محظوطات هذا الكتاب. وهى أربعة: الاثنتان منها فى اوكسفورد (إنكلترا) ، والثالثة فى بغداد، والرابعة فى مصر:
(1) مخطوطة اوكسفورد TNUH.) رقم 480) . هى نسخة جميلة الخط، فى 85 ورقة، من القطع المتوسط، بسبعة عشر سطرا فى كل صفحة، يقع كتاب الأنواء فيها من ورقة 1/ب إلى 83/الف؛ ثم يجيىء بعد ذلك كتاب ناقص الآخر، مجهول العنوان، مجهول المؤلف فى وصف الفصول الأربعة وما يقابلها من شهور السنة الشمسية السريانية.
يبتدئ:
(المقدمة/31)

«الحمد لله. أزمنة السنة الأربعة» ، وينتهى؛ «ولسبع عشرة منه يدخل الشمس الجوزاء فيكون» .
والكتاب نوع من التقويمات، ولا بأس بنشره كما هو، فانه صغير وفيه بعض الفوائد. وفى أول المخطوطة ورقة فيها تسجيلات مكتبة بودليان باوكسفورد، وبعض الأشعار البسيطة، والتوقيع الآتى:
«ملكه الفقير نور الدين بن نوح غفر الله لهما آمين» . وأهم من هذا، عبارتان باللغة العربية ولكن بالخط العبرانى قرأهما الاستاذ جورج وجده، وننقلهما إلى الأحرف العربية:
الف) «تأليف أبى محمد المسلم بن قتيبة الدينورى فى علم النجوم ومطلعها ومسقطها فى الفلك. مشترى فى الموصل نصف قرش آمدى» .
ب) «من الموصل من عنت الشين (؟) فتح الله. مشترى نصف قزش» .
والراجح أن فتح الله هذا كان يهوديا. ثم فى الورقة التالية اسم الكتاب وعدة توقيعات، اندرس بعضها؛ وبعضها بالعربية وبعضها بالتركية.
وهاك أهمها:
ج) «كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه» .
د) «من كتب نعمن أبوبكر المغيالى (؟) سنة 868»
(المقدمة/32)

هـ) «بو تاليف ... محمد بن مراد ابو ... عفا الله عنهما ...
ابو ...
ملكه أبو الوفا العرضى فى آخر شوال سنة 921» .
و) « ... رقوم البروج حمل، ثور، جوزه، سرطان، اسد، سنبله، ميزان، عقرب، قوس، جدى، دلو، حوت.
ملكه الفقير؟؟؟ (؟) نور الدين، ثم يبدأ الكتاب بالقلم الجلىّ الواضح. والعبارة مشكّلة أحيانا، ومهملة اخرى. وتمت كتابة هذه النسخة بالعبارة الآتية:
تم كتاب علم النجوم بأسره
والحمد لله رب العلمين كثيرا كما هو أهله وكان الفراغ منه فى التاسع عشر من شهر ربيع الاول سنة عشرين وسبعمئة وحسبنا الله ونعم الوكيل والنسخة جيدة، ولكن فيها أغلاط أهمّها فى تمييز الأرقام المذكرة والمؤنثة عشرات من المرات، فقد سها فى النحو فى أكثر الأحيان عند ذكر الأرقام. وصححناه بدون ذكر الكلمة فى الأصل. ولن يقال إن
(المقدمة/33)

الإمام الأديب ابن قتيبة ارتكب هذه الأغلاط. وفى رأينا أن ورّاقا أملى عليه أحد هذا الكتاب على سبيل الاستعجال، فكتب الأعداد بالارقام بدل الكلمات. ثم نقل الكتاب كاتب آخر من تلك النسخة، فردّ الأرقام إلى الكلمات، ولم يتقن النحو فكتب ما شاء وجاء بما جاء ونسى، كذلك حرف الألف أحيانا فى آخر الجمع المذكر الغائب وكتبها فى آخر الواحد المذكر الغائب، وهو كثير، مثل «تسحوا» بدل «تسحو» . وكتب «بنوا إسرائيل» وكرّر كلمات مرّة، ونسى كتابتها اخرى. ولم يشعر أن «الشعريين» تثنية الشعرى فكتب فى أكثر الأحيان «شعرتين» بالتاء المثناة الفوقانية، إلى غير ذلك مما هو من المعتاد فى المخطوطات. فصححنا حسب ما استطعنا.
(2) النسخة الثانية فى اوكسفورد هى L marsh LL) رقم 531) .
وهى فى 78 ورقة بالقطع المتوسط بخط ردئ وأغلاط لا نهاية لها.
ونجد على الورقة الاولى منها العبارة الآتية:
كتاب فى علم الفلك لابن قتيبة رحمه الله كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه
(المقدمة/34)

وقال الكتاتب فى آخر النسخة:
وكان الفراغ منه فى الثالث عشر خلون من ربيع الآخر سنة ثمانية وعشرين بعد الألف من الهجرة على يد الفقير الحقير الراجى عفو ربّه المستجير العبد الضعيف الفانى أبى بكر بن؟؟؟ (؟) غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين يا رب العالمين سنة 1028 وفى رأينا أن هذه النسخة منقولة من النسخة المذكورة سالفا فانه لا يوجد بينهما فرق؛ وجميع الأغلاط من النسخة الاولى موجودة منقولة ههنا مع زيادات من الأغلاط من سهو الكتابة وسوء القراءة وغير ذلك. ولعل أبابكر، كاتب هذه النسخة، هو من أحفاد أبى بكر مالك النسخة الاولى. نحن قابلناها مع صاحبتها. ولم نجد فائدة فى تسجيل اختلافاتهما فان المنقول عنه موجود، وهو مغن. فالنقل نقل لا أصل له.
(3) النسخة الثالثة محفوظة فى مكتبة الآباء الكرمليين فى بغداد، وصفتها مجلة سومر البغدادية فى عددها (سنة 1951، ص 281) . وهى النسخة التى استنسخها المرحوم أحمد زكى باشا المصرى. وليست فى الحقيقة إلا نقل النسخة الاولى التى هى الآن فى بودليان (اوكسفورد) ، كما سنبين فيما يلى. ومن المحتمل أن نسخة بودليان كانت فى ملك الرجل
(المقدمة/35)

الذى نقل هذه النسخة فأبقى النقل وباع الأصل الذى جلبه الإنكليز إلى اوكسفورد، فانه لم يغير صفحات الأصل فى نقله وهى تبتدئ بعين الكلمات فى كلتا النسختين.
(4) النسخة الرابعة كان وصفها أولا الاستاذ أحمد زكى العدوى رئيس القسم الأدبى بدار الكتب المصرية، فى المجلد الرابع (ص 30- 31) من عيون الأخبار لابن قتيبة، المطبوع سنة 1930، حين وصف ذلك الكتاب وأراد أن يتكلم عن حياة المؤلف وتآليفه. وكان فيما قال:
«27) كتاب الأنواء: ذكره ابن النديم، وابن خلكان، والداودى، والسيوطى، والسمعانى، والقفطى، ومؤلف طبقات فقهاء السادة الحنفية، وصاحب كشف الظنون. وهو من تحف النوادر. المحفوظة بالخزانة الزكية لواقفها صاحب السعادة الاستاذ أحمد زكى باشا. ويقع فى 168 صفحة ويظهر أنه ناقص من آخره «1» . ولم يعلم كاتبه، غير أنه ثابت من الصفحة الاولى أن الاستاذ الكبير السيد محمود الآلوسى قابله على أصله وعنى بتصحيحه. وفيه تعليقات كثيرة على هوامشه. وأوله بعد البسملة الخ» إنا طلبنا هذه النسخة، فتفضلت دار الكتب المصرية بارسال الشرائط المصغّرة (ميكرو فلمات) فوجدنا فى صفحتها الاولى ما يأتى:
«حضرة المحترم سكرتير معالى وزير المعارف احتراما. الكتاب جيد. منقولة من صورة (لا عن أصل) مصححة
(المقدمة/36)

بمعرفة السيد محمود الألوسى المتوفى سنة 1270. ولا توجد نسخة منه فى دار الكتب.
ونودّ لو أن معالى الوزير يتفضل ليسمح للدار بأخذ صورة عنها.
وتقبلوا فائق احترامى. فقط. المخلص (إمضاء) أحمد العدوى 18/5/1930» ثم على الورقة التاليه ما نصه:
«كتاب الأنواء تاليف أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه فى الأصل مكتوب هذه الكلمات م حمل، ثور، جوزه، سرطان، أسد، سنبلة، ميزان، عقرب، قوس، جدى، دلو، حوت» وتحته بخط جديد:
قابله على أصله وعنى بتصحيحه العلامة الكبير السيد محمود شكرى الآلوسى البغدادى حفظه الله وأبقاه هذا الكتاب من تحف النوادر المحفوظة بالخزانة الزكية لواقفها كاتب هذه السطور (إمضاء) أحمد زكى باشا
(المقدمة/37)

وفى أسفل الصفحة:
مطبعة دار الكتب المصرية قسم التصوير كما سيرى القارئ، إن كلمة «مسلم ابن قتيبة» و «رضى الله عنه» ، وخاصة «جوزة» - بدل «جوزاء» الذى كان الصحيح منها- كل هذا يوجد على النسخة الاولى فى اوكسفورد. والذى يقطع الظن هو ما وقع فى آخر النسخة المصرية:
«صورة ما فى الأصل: تم كتاب النجوم بأسره.
والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله. وكان الفراغ من تأليفه فى التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد وقع فراغ كتابة هذه النسخة سنة 1338 من الهجرة» فهو عين ما فى النسخة الاولى فى اوكسفورد، سوى أنه صحّف كلمة المنقول عنه «كان الفراغ منه» ، فقال «كان الفراغ من تأليفه» ثم لما قابلنا هذه النسخة بالنسخة الاوكسفوردية وجدنا أن نسخة بغداد (وعكسها الشمسى المصرى) أبقى الأصل تماما حتى الصفحة للصفحة، ونقل جميع الأغلاط فيها بعينها (مع بعض التصحيحات من عنده) . إن القيمة الوحيدة إذن لهذه النسخة هى هوامش المرحوم الآلوسى، وليست
(المقدمة/38)

بكثيرة؛ وأكثرها للمراجعة إلى لسان العرب، سوى مرتين أو ثلاث. وكنا ايضا قد وصلنا إلى ما وصل إليه الشيخ، بل إلى أكثر من ذلك. وسنثبت فى تعليقاتنا من هوامش الشيخ الآلوسى ما فيه فائدة.
عنوان الكتاب
وقد بقى سؤال نبحث فيه الآن. وهو الاسم الحقيقى لهذا الكتاب. وقد رأينا فيما مضى ما قال البيرونى عن كتاب ابن قتيبة:
«لو تأملتها من كتب الأنواء، وخاصة كتابه الذى وسمه بعلم مناظر النجوم الخ» وكذلك رأينا أن المخطوطة الاولى من اوكسفورد تذكر فى العنوان «كتاب الأنواء» ، ثم تقول فى آخر الكتاب؛ «تم كتاب علم النجوم بأسره» .
ورأينا أيضا أن المخطوطة الثانية من اوكسفورد يعنون الكتاب.
«كتاب فى علم الفلك لابن قتيبة رحمه الله. كتاب الأنواء تأليف ابى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى رضى الله عنه» .
فما الصحيح من اسمه؟ إن راجعنا إلى كتب ابن قتيبة نفسه، وجدنا فى كتاب المعانى الكبير ذكرا لكتابنا مرتين، حيث قال:
الف) «وقد ذكرناه فى كتاب الأنواء» (راجع ص 375) ب) «ونجم الأخذ مفسر فى كتاب الأنواء» (ص 738) .
فهو كما قال. وكذلك فى كتاب معروف الّف للسلطان صلاح الدين الأيوبى ما يأتى:
(المقدمة/39)

«وهذا فيه علم وحساب يطول شرحه. فمن أراد معرفة ذلك فعليه بكتاب الأنواء لابن قتيبة، فلا غنى «للمؤذن فى معرفته ليحتاط على معرفة الصبح» . (نهاية الرتبة فى طلب الحسبة لعبد الرحمن بن نصر الشيزرى، مصر، طبع مصر، ص 112) لا نظن أن ابن قتيبة ألف كتابين أو ثلاثة فى نفس الموضوع.
والذى قاله البيرونى ليس إلا إشارة إلى محتويات الكتاب، لا إلى إسمه. لأنه قال «كتب الأنواء» ، وهذا اسم عشرات من الكتب لشتّى المؤلفين، مختلفة فى المادة والتفصيل. فأراد البيرونى أن فى كتاب الأنواء لابن قتيبة علم مناظر النجوم، أكثر من أنواء المطر، كما هو الحال عند غيره من مؤلفى كتب الأنواء. أما الذى كتبه ناسخا المخطوطتين فى اوكسفورد، فليس له أهمية فعندهما تناقض وتعارض، فمرة يقولون كذا ومرة خلافه.
ولما صرّح ابن قتيبة نفسه فى تأليف له أن اسم كتابه هو «كتاب الأنواء» ، وهذا هو الاسم الذى عرف به بعده من لدن ابن النديم والشيزرى وابن خلكان وغيرهم فلا يعتنى إلى عنوان آخر ولو ذكره أبو الريحان البيرونى. والعصمة لله.
ترجمة ابن قتيبة
أما ترجمة حياة المؤلف، فقد أثبتها ناشر وكتاب الميسر، وكتاب عيون الأخبار، وكتاب المعانى الكبير ما فيه غنى عن إعادتها. ولا نعرف كثيرا من سوانح حياته إلا أنه ولد سنة 213، وكان قاضيا فى دينور،
(المقدمة/40)

وتوفى فى سنة 276 هـ. وله تآليف عديدة نشر منها بعضها، وهذا آخرها؛ وبعضها مخطوطة لم تطبع إلى الآن، وضاعت أخرى على أيدى الزمان.
ومما لا بأس بذكره أن ابن قتيبة يشكو أهل زمانه ويقول: «وقد كان هذا الشأن عزيزا، والمعنيّون به قليلا، والأدب غضّ والزمان زمان. فكيف به اليوم مع دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس» (فقرة «4» ص 4 من هذا الكتاب) .
وليس هذا إلا من عادة المؤلفين منذ قديم الزمان فى جميع البلدان، وحسن ظنّهم بمن مضى. وقال مثله الحريرى فى مقاماته، بل هى بأجمعها قصة الأديب المفلس. وعصر ابن قتيبة والحريرى عصر الذهب للعلوم والمعارف العربية. ومثله أيضا شكوى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى السنة الثامنة للهجرة عند فتح النبى عليه الصلاة والسلام مكّة المكرّمة شرفها الله حيث قال: «فو الله ان الأمانة فى الناس اليوم لقليل» (سيرة ابن هشام، ص 815) .
هذا ما تيسر لنا من تحقيق هذه المخطوطة وتنقيحها، والعصمة لله.
(المقدمة/41)

[الخطبة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقى.
1) هذا كتاب أخبرت فيه بمذاهب العرب فى علم النجوم: مطالعها، ومساقطها، وصفاتها، وصورها، وأسماء منازل القمر منها، وأنوائها، وفرق ما بين يمانيها وشاميها، والأزمنة وفصولها، والأمطار وأوقاتها، وأختلاف أسمائها فى الفصول، وأوقات التبدّى لتتبع مساقط الغيث وارتياد الكلاء وأوقات حضور المياه، وما أودعته العرب أسجاعها فى طلوع كل نجم من الدلالات على الحوادث عند طلوعه، وعن الرياح وأفعالها، وتحديد مهابّها، وأوقات بوارحها، وعن الفلك والقطب والمجرّة والبروج والنجوم الخنّس «1» والشمس والقمر، ودرارى الكواكب ومشاهيرها «2» والاهتداء بها، وعن السحاب ومخايله ما طره ومخلفه، والبروق خلّبها وصادقها، وأمارات خصب الزمان وجدوبته، إلى غير ذلك- ن.
2) وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف
(المتن/1)

2/الف العرب فى ذلك وتستعمله؛ دون ما يدّعيه المنسوبون إلى الفلسفة/ من الأعاجم، ودون ما يدّعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان، النافع لنازل البرّ وراكب البحر وابن السبيل. يقول الله جلّ وعزّ: «وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البرّ والبحر» «1» . فكم من قوم حاد بهم الليل عن سواء السبيل فى لجج البحار، وفى المهامه القفار، حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أحياهم الله بنجم أمّوه أو بريح استنشوها. قال ابن أحمر «2» وذكر فلاة:
يهلّ بالفرقد ركبانها كما يهلّ الراكب المعتمر «3» وهؤلاء قوم ضلّوا الطريق وتمادت بهم الحيرة حتى خشوا الهلكة، ثم لاح لهم الفرقد فعرفوا به سمت وجهتهم، فرفعوا أصواتهم بالتكبير كما يرفع المعتمر صوته بالتلبية- ن.
3) ويقال إن أعلم العرب بالنجوم كاب وبنوشيبان وإن العلم من كلب فى بنى ماوية: ومن شيبان فى مرّة. وصحبنى رجل من الأعراب فى فلاة ليلا/ فأقبلت أسئله عن محالّ قوم من العرب ومياههم؛ وجعل
(المتن/2)

يدلّنى على كل محلّة بنجم، وعلى كل ضياء «1» بنجم. فربما أشار إلى النجم وسمّاه، وربما قال لى: تراه، وربما قال لى: ولّ وجهك نجم كذا، أى اجعل مسيرك بين «2» نجم كذا حتى تأتيهم. فرأيت النجوم تقودهم إلى موضع حاجاتهم، كما تقود مهايع الطريق سالك العمارات.
ولحاجتهم إلى التقلب فى البلاد والتصرف إلى المعاش وعلمهم، أن لا تقلّب ولا تصرّف فى الفلوات إلا بالنجوم، عنوا بمعرفة مناظرها. ولحاجاتهم إلى الانتقال عن محاضرهم إلى المياه وعلمهم، أن لا «3» نقلة إلا لوقت صحيح يوثق فيه بالغيث والكلاء، عنوا بمطالعها ومساقطها. هذا مع الحاجة إلى معرفة وقت الطرق ووقت النتاج ووقت الفصال، ووقت غور مياه الأرض وزيادتها [و] تأبير النخل، ووقت ينع الثمر ووقت جداده، ووقت الحصاد، ووقت وباء السنة فى الناس وفى الإبل وغيرها من النعم بالطلوع والغروب.
4) وقد يحتاج نازل المدن «4» وسالك العمارات، وإن كان مستغنيا/ فى بعض الأحوال عن هذا الشأن إلى معرفته، مستظهرا به النوائب فى الأسفار والنكبات ومعرفة ما يعرفون من علامات الخصب والجدب، وعلامات السحاب الماطر والسحاب المخلف، والبروق الصادقة «5» والكاذبة، والرياح اللاقحة «6» والحائلة، ومعرفة المغارب والمشارق
(المتن/3)

والزوال والفجرين والشفقين ومعرفة سمت القبلة. وقد كان هذا الشأن عزيزا، والمعنيوّن به قليلا والأدب غضّ والزمان زمان، فكيف به اليوم مع دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس- ن.
5) وقد قيّدت بهذا الكتات أطرافا من هذا الفن أدركت بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاعتبار، واستخرجت بعضها من الأشعار ونبّهت على إغفال من أغفل من الشعراء وخالف ما عليه أكثرهم لشبهة دخلت عليه. وما أبرأ إليك بعد من العثرة والزلّة. وما أستغنى منك «1» إن وقفت على شىء من التنبيه والدلالة ولا إستنكف من الرجوع إلى الصواب عن الغلط. فان هذا الفن لطيف خفىّ، وابن آدم إلى العجز والضعف والعجلة «وفوق كل ذى علم عليم» «2» . ونحن نسأل الله أن ينفعنا/ وإياك بالعلم، ويعرفنا قدره، ويجعل شغلنا بالعمل المقرّب منه، ويؤتينا بفضله أفضل ما آتاه من أمّله بخير نية عليه، وأرشد هدى إليه. إنه واسع كريم.
ذكر منازل القمر «3»
6) ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا. ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها من مهلّه إلى ثمان وعشرين ليلة. فان كان الشهر تسعا وعشرين ليلة، استسرّ ليلة ثمان وعشرين ليلة تمضى من الشهر. وإن كان ثلاثين استسرّ ليلة تسع وعشرين. وهو فى السرار نازل بالمنازل. فاذا بدا
(المتن/4)

من الشهر الثانى هلالا، طلع وقد قطع ليلة السرار منزلا من هذه المنازل. وسأبيّن هذا فى باب القمر. ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هلال شعبان وهلال رمضان:» إذا غمّ عليكم فاقدروا له وإذا غمّ عليكم. فأكملوا العدّة- ن «1» » .
7) وهذه المنازل تسمّى «نجوم الأخذ» «2» لأخذ القمر كل ليلة فى منزل منها. ويقال إن نجوم الأخذ هى التى يرمى بها مسترق السمع «3» ، لأنها تأخذه. قال الشاعر يصف وحشية فى عدوها ويشبّهها بكوكب منقّض:
نفدت كنجم الأخذ يرقد شأوها «4» .
يشبهها من يستنكف «5» شهابا/ فان كانت نجوم الأخذ هى التى يرمى بها مسترق السمع، فقد أصاب هذا الشاعر فى التشبيه. وإن كانت نجوم الأخذ منازل القمر. فقد غلط، لأن النجوم التى ينزل بها القمر لا يرمى بها مسترق السمع ولا تنقّض «6» إلا للمغيب. وما أرى نجوم الأخذ إلا منازل القمر على ما ذكر أولا. يقول الآخر:
وأخوت نجوم الأخذ إلا أنضّة ... أنضّة محل ليس قاطرها يثرى «7»
(المتن/5)

ألا تراه يقول «وأخوت نجوم الأخذ» أى فاءت «1» من غير أن يكون مطر. ويقال: أخوى النجم يخوى إخواء، وخوى يخوى خيّا، إذا سقط ولم يكن مع سقوطه مطر. والنجوم المنقضّة للرمى لا يكون لها نوء ولا إخواء وقوله «إلا أنضّة» ، يريد: أخوت إلا من ندى قليل. يقال: وهل نضّ إليك من حقك شىء. «والمثرى» «2» من الثرى، وهو الندى يريد أن قاطرها لا يبلّ تراب الأرض فيثريه- ن.
8) وهذه المنازل الثمانية والعشرون تبدو للناظر منها فى السماء أربعة عشر منزلا، وتخفى عنه أربعة عشر منزلا. وكلما غاب منها واحد، طلع من المشرق رقيبه فلست تعدم منها أبدا أربعة عشر منزلا. / وكذلك البروج. وهى اثنا عشر برجا. كل برج منزلان وثلث من هذه الثمانية والعشرين. وإنما يبدو لك منها ستة بروج.
وهذا يدل على أن الظاهر لنا من السماء لأبصارنا نصفها، والله أعلم.
وسأذكر هذا عند ذكر الرقائب إن شاء الله. وهم يعدّون أربعة عشر منزلا من هذه المنازل شاميّة، وأربعة عشر يمانية. فأول الشامية الشرطان، وآخرها السماك الأعزل. وأول اليمانية الغفر، وآخرها الرشاء.
معنى النوء «3»
9) معنى النّوء سقوط النجم منها فى المغرب مع؟؟؟، وطلوع آخر يقابله من ساعته فى المشرق. وسقوط كل نجم منها فى ثلاثة
(المتن/6)

عشر يوما، خلا الجبهة، فان «1» لها أربعة عشر يوما. فيكون انقضاء سقوط الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة. ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول فى ابتداء السنة المقبلة. وكانت العرب تقول لا بدّ لكل كوكب من مطر، أو ريح، أو برد، أو حرّ، فينسبون ذلك إلى النجم. وإذا مضت مدة النوء، ولم يكن فيها مطر، قيل: خوى نجم كذا، وأخوى- ن.
10) واختلفوا فى ذى النوء من النجمين. فقال بعضهم: هو الطالع لأنه إذا طلع، ناء أى [مال] بثقل طلوع. ناء،/ أى طلع.
كما يقال ناء بحمله، إذا نهض به وقد أثقله. واحتجّ بقول الله عز وجل «2» :
«ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ»
. قال أراد لتنوء بها العصبة فقلب «3» أى تنهض بها وهى مثقلة. وهو قول أبى عبيدة. وهذا قول قد بيّنت فساده فى كتابى المؤلّف فى «تأويل مشكل القرآن «4» -. ن.
11) وقال آخر: هو النجم الغارب. وهذا أعجب إلىّ، والشاهد عليه أكثر. وإنما قيل ناء إذا سقط، لأنه يميل، والميل هو النوء ومعنى قول الله عزّ وجلّ: «لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ»
أى لتميل بها من ثقلها.
قال الراجز:
حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء فى شقّ الشّمال كاهله «5»
(المتن/7)

أى مال كاهله فى شقّ الشمال لما انحنى على القوس. ويدل على أن النوء الساقط، قول ذى الرمّة بصف مطرا:
أصاب الأرض منقمس الثريا ... بساحية وأتبعها طلالا «1»
و «منقمس الثريا» غروبها. يقال قمس فى الماء، إذا غاص فيه.
و «الساحية» مطر [5] شديدة الوقع تسحو الأرض، أى تقشر وجهها، كما تسحو القرطاس إذا قشرته. وكذلك قوله أيضا:
جدا قضّة الآساد وارتجست له ... بنوء السماكين الغيوث الروايح «2»
و «الجدا» المطر العام الغزير/ وقوله «قضّة الآساد» يريد سقوط نجم الأسد، فجعلها آسادا، ونسب المطر إلى مغيبها. وقال الراعى «3» :
إذا لم يكن رسل يعود عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المتقوّب
بقايا الذرى «4» حتى تعود عليهم ... عزالى سحاب فى اغتماسة كوكب
أى حتى تمطروا «5» فى سقوط كوكب. و «الشوحط المتقوب» يعنى القداح التى «6» يضرب بها. وقد بينت هذا فى «كتاب الميسر» «7» - ن.
(المتن/8)

12) واختلفوا ايضا فى قدر مدة النوء. فقال بعضهم: إذا سقط النجم فما بين سقوطه إلى سقوط التالى له، هو نوؤه. وذلك ثلثة عشر يوما على ما بيّنت. فكل ما كان فى هذه الثلثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حرّ أو برد، فهو فى نوء ذلك النجم الساقط. فاذا سقط بعده «1» التالى له، نسب ما كان بعده إلى انقضاء ثلثة عشر يوما إلى نوئه. وقال آخرون: بل لكل نجم من هذه الثمانية والعشرين وقت لنوئه من الثلثة عشر يوما. فما كان فى ذلك الوقت، نسب إلى النجم. وما كان بعد مضيى ذلك الوقت فى الثلثة عشر يوما، لم ينسب إليه. وأنا مبيّن ما حدّوه فى أوقات أنواء الكواكب عند تسميتى منازل القمر ووصفى لها إن شاء الله. وهذا القول أعجب إلىّ من الأول لقول الكميت:
تصل النتاج إلى اللقاح مزيّة «2» ... لخفوق كوكبها وإن لم تخفق
و «خفوق الكوكب» ، سقوطه. فأخبرك أنها تمطر بالنوء وبغير النوء. وفى هذا البيت أيضا دليل على أن النوء منسوب إلى الساقط، لا إلى الطالع. وكان ابن كناسة يقول: إذا سقط نجم مع الصبح، ذهب نوؤه؛ يذهب إلى أن مدة النوء تكون قبل سقوطه- ن.
باب كيف يكون الطلوع والغروب
13) والشمس تحلّ بالغداة فى منزل من هذه المنازل، فتستر المنزل الذى حلّت به وتستر منزلا قبله. فترى ما قبل هذين المنزلين ظاهرا بالغداة. وهذا المرئىّ هو الطالع. وهو المراد من قولهم: إذا
(المتن/9)

طلع كذا، كان كذا. والساقط فى المغرب بالغداة إذا طلع هذا هو رقيبه. والنوء منسوب إليه. ومقام الشمس فى المنزل الذى تحلّ به حتى تفارقه وتصير إلى المنزل الذى بعده ثلثة عشر يوما. فكل منزل حلت به الشمس فانه يطلع بالغداة بعد ستة وعشرين يوما. فيكون بين حلول الشمس به وبين طلوعه هذا المقدار. وهو نوآن. وسامثّل لك ما قلت لتزداد له فهما. كأن الشمس حلّت الثريا بالغداة، فسترت «الثّريا» «والبطين» قبلها «1» فيكون الطالع بالغداة، الشرطين؛ ويكون الغارب بالغداة، رقيب الشرطين وهو الغفر. ويكون النوء للغفر.
وتقيم الشمس بالثريا ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى «الدبران» فتستره وتستر الثريا أيضا. لأنها تستر المنزل الذى حلت به ومنزلا قبله، على ما أعلمتك. فتقيم فى الدبران ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الهقعة فتنكشف الثريا بعد ستة وعشرين يوما. فتكون الثريا الطالع بالغداة ويسقط رقيب الثريا وهو الإكليل. ويكون النوء للاكليل- ن.
14) وليس ما أذكر من الطلوع لوقت والغروب لوقت عند ذكرى طلوع المنازل وسقوطها بمستو فى جميع المنازل من البلدان على تحديد هذه الأوقات. ولكنه يختلف. فربما طلع النجم ببلد فى وقت، وطلع فى غير ذلك البلد [فى] وقت آخر، إما قبله وإما بعده بأيام. فهذان الهرّازان، وهما النسر الواقع وقلب العقرب، يطلعان معا بنجد. ويطلع النسر الواقع على أهل الكوفة بعد قلب العقرب
(المتن/10)

بسبع. ويطلع قلب العقرب على أهل الربذة قبل النسر بثلث. / وربما طلع النجم ببلد، ولم يطلع ببلد آخر. كسهيل، فانه يظهر بأرض العرب وباليمن، ولا يرى بأرمينية. وبين رؤيته بالحجاز وبين رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة. وبنات نعش تغرب بعدن، ولا تغرب بأرمينية.
15) وبلغنى أن كل بلد جنوبى، فالكواكب اليمانية فيه تطلع قبل طلوعها فى البلد الشمالى. وكل بلد شمالى، فالكواكب الشأمية فيه تطلع قبل طلوعها فى البلد الجنوبى. وفى الكواكب الشامية ما يكون له فى الليلة الواحدة غروب من أولها فى المغرب فطلوع من آخرها بالمشرق. كالعيّوق والسماك الرامح والقكّة «1» والعوائذ والنسر الواقع والفوارس والردف والكف الخضيب. ومددها فى ذلك تختلف.
فمنها ما يرى كذلك أياما، ومنها ما يرى شهرا، ومنها ما يرى أكثر من شهر.
وإذا نزل القمر فى استوائه ليلة أربع عشرة أو ثلث عشرة بمنزل من المنازل، فهو سقوط ذلك المنزل. لأن القمر يطلع من أول المشرق ليلة أربع عشرة أو ثلث عشرة «2» مع غروب الشمس، ويغيب صبحا مع طلوع الشمس، فيسقط ذلك النجم الذى كان به نازلا.
(المتن/11)

فرق ما بين الغروب الذى/ هو أفول وبين الغروب الذى له النوء
16) الغروب نوعان: أحدهما الغروب الذى يكون له النوء.
وهو سقوط النجم بالغداة فى المغرب بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وطلوع رقيبه فى المشرق فى ذلك الوقت. ولا يكون هذا إلّا فى غداة واحدة من السنة للكوكب الواحد. فأما السقوط الذى هو أفول واستسرار. فانه يكون من أول الليل. وذلك أن هذا النجم الساقط بالغداة فى افق المغرب يرى هذا «1» اليوم الذى سقط فيه متأخر السقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله. ولا يزال يتأخر فى كل يوم حتى يكون سقوطه فى آخر الليل، ثم يتأخر فى الليل إلى أن يسقط أول الليل فى المغرب، ثم يستسرّ بعد ذلك فلا يرى ليالى كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا فى المشرق خفيا. فهذا سقوط الأفول.
17) ومقادير استسرار الكواكب مختلفة. وكل منازل القمر لها استسرار فأما غيرها، فمنه ما يستسرّ، ومنه ما لا يستسرّ. وبين العرب وبين أصحاب الحساب فى مقادير استسرارها اختلاف، كاختلافهم فى مدة استسرار الثريا. فان العرب تذكر أنها تستسرّ أربعين ليلة؟
وتزعم أصحاب الحساب/ أنها تستسرّ ثلثا وخمسين ليلة. ولا أرى ذلك إلّا لأن العرب عملت فيه على مفارقة الشمس لها بثلثة عشر يوما.
وقد بيّنت هذا فى باب الطلوع والغروب- ن.
(المتن/12)

تحديد الوقت الذى يسقط فيه النجم بالغداة
18) وسقوط النجم ذى النوء بالغداة بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وانمحاق الكواكب بضوئها وقد بقى من غلس الظلام شىء يسير. فقد حدّ ذلك الشاعر فى قوله، وهو ابن الرقاع:
وأبصر الناظر الشعرى مبيّنة ... لما دنا من صلوة الصبح ينصرف «1»
فى حمرة لا بياض الصبح أغرقها ... وقد علا الليل عنها فهو منكشف «2»
لا ييأس الليل منها حين تتبعه «3» ... ولا النهار بها للّيل يعترف
يريد أنها طلعت فى الفجر ببقية من سواد الليل وابتداء شىء من ضوء النهار. فالليل لا ييأس منها لبقيّته، والنهار لا يسلمها للّيل لابتدائه فكأنها شىء بين اثنين يتجاذبانه- ن.
معنى العرب فى نسبة «4» المطر إلى النوء
19) وقد تدّبرت ما جاء فى الشعر من نسبة العرب المطر إلى نوء النجم، فوجدته نوعين: أحدهما أن يجعلوا نوء النجم علما للمطر ووقتا [له] ، كما يجعلون الشتاء للبرد وقتا، والقيظ للحرّ وقتا/ وكما يقولون لمطر الشتاء «الشتىّ» ، فينسبونه إليه لأنه وقت له. ومن ذهب منهم إلى هذا المذهب، ونوى فى النوء هذه النيّة، فقال: «مطرنا بنوء الثريا» يريد حين تبيّن «5» ناءت، لم يكن بذلك بأس، ولا عليه فيه إن شاء الله جناح، وإليه ذهب ابن عباس فى قوله للمرأة التى جعل زوجها أمرها
(المتن/13)

فى يدها؛ فطلقته. «خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها» ، يريد: أخلى الله نوءها من المطر. والمعنى حرمها الله الخير كما حرم من لم يمطر وقت المطر، وكذلك قول عمر للعباس حين استسقى به: «يا عمّ رسول الله، كم بقى من نوء الثريا» فان العلماء بها يزعمون أنها تعترض فى الافق سبعا كأنه علم أن نوء الثريا وقت يرجا فيه المطر ويؤمّل فسأله عنه: «أخرج، ام بقيت منه بقيّة؟» - ن.
20) والنوع الآخر هو أن يجعل الفعل للكوكب فيكون عنده هو الذى أنشأ السحاب، وأتى بالمطر وهذا من امور الجاهلية. وإياه أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلث من امور الجاهلية: الطعن فى الأنساب، والنياحة، والأنواء» «1» وقال: «إن الله عز وجل يقول ما انعمت على عبادى نعمة إلّا اصبحت طائفة منهم بها كافرين، يقولون:
مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فأما من آمن بى/ وحمدنى على سقياى، فذلك الذى آمن بى وكفر بالكواكب «2» » وقال «لو أن الله حبس القطر عن
(المتن/14)

الناس سبع سنين، ثم أرسله، أصبحت به طائفة كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء المجدح «1» وقال ابن عباس فى قول الله جلّ وعزّ «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»
«2»
أراد الأنواء والرزق ها هنا بمعنى الشكر أى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكواكب. فمن ذلك قول رؤبة:
وجفّ أنواء السحاب المرتزق «3»
أى جفّ البقل الذى كان بالنوء المرتزق. وقول الآخر:
مقابلة فى الأكرمين وبعلها ... أبو الأنجم المستمطرات نوالها
21) ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذمّ مذاهب العرب فى الأنواء، فدلّ ذلك على أنه لا عمل للنوء فى السحاب والرياح والمطر، لساغ للظانّ باكثار العرب فى هذا أن يظنّ أن للنوء عملا فى المطر كعمل الريح فى إنشاء السحاب واستنزال المطر وإلقاح الشجره، وكعمل القمر فى المدّ والجزر وهذه اشياء سخّرها الله عزّ وجلّ ووصف الخلق بها، فلم تعد ما سخّرت له، والأفعال مضافة إليها، والفعل/ لله عزّ وجلّ بها. وكل هذه الثمانية والعشرين لها نوء، غير أن بعضها عندهم أحمد وأغزر، وهم بذكره ألهج؛ كنوء الثريا، وأنواء نجوم الأسد.
(المتن/15)

ويجعلونها إناثا، وذوات. نتاج. ويجعلون ما لا نوء له ذكرا و «1» منحوسا قال ذو الرمة:
تربّع من حنبى قبا «2» فعوارض ... نتاج الثريا نوءها غير مجدح «3»
وقال آخر:
سقتها من الجوزاء والدلو خلفة ... مباكير لم يندب بهن صرار
«والمباكير» اللواتى يبكرن بالحمل. «والصرار» أعواد تصرّ بها الضروع فتندبها، أى تبقى فيها آثارا. وهى الندوب. واحدها ندب. فأعلمك أنها حوامل، ولا كحمل الابل التى تندب اخلافها الأصرّة. وقال الآخر فى تذكير ما لا نوء له:
فانك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور «4»
وربما نسبوا إلى بعض هذه المنازل المنحوسة «5» إذا لم يكن نوؤها محموذا كالدبران، وقلب العقرب. وسترى هذا كله عند ذكرنا أسماء المنازل وصفاتها.
أسماء المنازل وهيئاتها «6»
22) /وهذه المنازل الثمانية والعشرون ذوات الأنواء. هى التى ذكرها الله جلّ وعزّ فقال: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ
(المتن/16)

الْقَدِيمِ»
«1» يريد أنه ينزل كل ليلة منزلا منها، حتى يصير فى آخر ليلة من الثمانى والعشرين كالعذق القديم. والعذق إذا قدم، دقّ واستقوس:
فشبه القمر به عند استسراره. وربما كان المنزل منها نجوما، فيسمى كلها نجما. وإنما أفردوا، وهى عدد. لأنهم ذهبوا إلى أنها منزل واحد. وربما جمعوا على العدد. وسترى ذلك إن شاء الله.
1- الشرطان «2»
23) فأول ما يعدون منها الشرطان. وهما أول الشأمية. والشرطان كوكبان. يقال إنهما قرنا الحمل. ويسميان النطح والناطح. ويسمى النطيح أيضا. وبينهما فى رأى العين قاب قوس «3» إذا صار فى كبد السماء. وكذلك كل مقدار أذكره بين كوكبين فانما مسافة ما بينهما إذا حلقا وصارا فى وسط السماء. والكواكب تتدانى فى جو السماء، وتتباعد فى الافقين «4» - ن.
24) وأحد الشرطين فى ناحية الشمال، والآخر فى ناحية الجنوب وإلى جانب الشمال/ كوكب صغير يعد معهما أحيانا، فيقال الأشراط قال العجاج:
(المتن/17)

من باكر الأشراط أشراطىّ «1»
وربما نسبوا إلى أحدهما فيقال شرطى. وإذا أحببت أن تعرفهما، طلبتهما بين الحوت والثريا. وإذا حلت الشمس بهما، فقد حلت برأس الحمل. وهما أول نجوم فصل الربيع. من عند ذلك يعتدل الزمان، ويستوى الليل والنهار. يقول ساجع العرب: إذا طلع الشرطان، استوى الزمان، وحضرت الأوطان، وتهادى الجيران» . «2» وطلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. وسقوطهما لست عشرة ليلة تخلو من تشرين الاول. وحلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من آذار.
ومعنى قول الساجع «إذا طلع الشرطان حضرت الأوطان» يريد أنهم يرجعون عن البوادى الى أوطانهم ومياههم. لأن الغدران بالبوادى حينئذ قد قلت، والحرّ قد رقّ، وكاد النبات يهيج باقبال أوائل الحرّ «وتهادى الجيران» يكون حينئذ لأنهم كانوا متفرقين فى النجع. وإذا رجعوا إلى مياههم، التقوا وتقاربوا، فأهدى بعضهم إلى بعض. ويدل
(المتن/18)

على أن المياه تقل فى نيسان عند طلوع الشرطين قول/ عدى بن الرقاع يصف حميرا رعت مكانا «1» ذكره:
شباطا وكانونين حتى تعدّرت ... عليهن فى نيسان باقية الشّرب «2»
وذكر شهور الروم لأنه كان ينزل الشأم، فعرفها. والعرب تقول:
إذا طلعت الأشراط، نقصت الأنباط» «3» ، يريدون نقصان الماء المستنبط- ن.
25) ويقال إن الله عزّ وجلّ خلق الخلق كله، والشمس برأس الحمل والزمان معتدل والليل والنهار متساويان. فأول الأزمنة فصل الصيف. وهو الذى يدعوه الناس الربيع. فكلما حلت الشمس برأس الحمل، فقد مضت للعالم سنة. ولذلك قال الحسن بن هانىء «4» :
ألم تر الشمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزمان واعتدلا
وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا
يريد، استوقت الخمر حول الشمس كملا. فالهاء فى قوله «حولها» كناية عن الشمس لأنه «5» ذكر الشمس فى البيت الأول، فحسنت الكناية
(المتن/19)

عنها فى البيت الثانى. وإذا حلت الشمس برأس الحمل، فقد مضت سنة الشمس مذحلت برأسه فى السنة التى قبلها. / فان قال قائل فان الخمر فى وقت حلول الشمس بالحمل إنما يأتى لها منذ اعتصرت ستة أشهر، فكيف تستوفى حولا كملا «1» . قلنا الاستيفاء هو استتمام العدد واستقصاء آخره لحقت أوله أو لم تلحقه. ألا ترى أنك تقول لرجل، أخذت بقية له من دين على آخر: «استوفيت حقك من فلان» ، وأنت لم تأخذ الحق كله، لأن تلك البقية وفاء الشىء فاذا أخذتها، فقد استوفيتها- ن.
26) ونوء الشرطين نوء غير محمود. ومدته ثلاثة أيام إلا عند من جعل مدة النوء من سقوط النجم إلى سقوط التالى له. وذلك ثلاثة عشر يوما على ما قدمت من القول. قال الشاعر، وأحسبه الكميت:
ومن شرطىّ مرثعّن «2» تحللت ... غزال بها منه بثجّاجة سجل
وهذا يدل على غزارة هذا النوء عندهم. وقدام الشرطين كوكبان، بينهما وبين الحوت، يقال لهما الأنيسان «3» . فيهما اعوجاج. وليسا على استواء الشرطين- ن.
2- البطين «4»
27) ثم «البطين» . وهو ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافىّ.
(المتن/20)

ويقال إنها «بطن الحمل» . وإذا أنت آثرت أن تعرفها، التمستها بين الشرطين وبين الثريا. وطلوعه لليلة تبقى من نيسان. وسقوطه لليلة تبقى من/ تشرين الأول [و] عند سقوطه يرتج البحر «1» ، ولا تجرى فيه جارية وتقطع الحدأ والرخم والخطاطيف إلى الغور، وتسكن النمل. يقول ساجع العرب: «إذا طلع البطين، اقتضى الدّين، وظهر الزّين، واقتفى بالعطار «2» والقين «3» » واقتضاؤهم الدين عند طلوع البطين، لأنهم يرجعون عن البوادى إلى أوطانهم. وإذا طلع الشرطان، على ما قد أعلمتك فيتهادون ويتلاقون ولا يزالون كذلك ثلاثة عشر يوما، حتى يطلع البطين فيطمئنون ويقتضى بعضهم بعضا ما له عليه من الدين. وقوله «ظهر الزين» ، يريد أنهم عند التلاقى يتجملون بأحسن ما يقدرون عليه. ويقال: تزينها «4» بالنبات. و «اقتفاؤهم بالعطار «5» والقين» برّهم بهما لحاجتهم إلى ابتياع الطيب من العطار، وإصلاح القين ما رثّ من
(المتن/21)

آلاتهم وأمتعتهم- ن.
28) ونوءه ثلث ليال إلا فى قول من جعل النوء ما بين سقوط النجم وسقوط التالى له. وهو نوء غير مذكور «1» ، لا أعلم أنى سمعته إلا فى شعر مجهول أنشده ابن الأعرابى فى وصف ناقة:
لها موفد وفّاه واص كأنه ... زرابىّ قيل قد تحومى مبهم «2»
وفا «3» عليه الليث أفلاذ كبده ... وكهّله فلذ من البطن مردم
«موفد» ، سنام مشرف. «وفّاه» ، تمّمه. «واص» ، نبت كثير متصل يقال: وصى النبت ووصل «4» ، إذا اتصل. «زرابى قيل» ، أى طنافس ملك. شبه النبت لما فيه من التهاويل بالطنافس. و «مبهم» ، ذوبهمى.
وقوله «وفا «5» عليه الليث» ، يريد مطر بنوء الأسد. و «والأفلاذ» ، القطع. «وكهله» أى جعله كهلا تامّا، من قوله: اكتهل النبات، إذا تم. «فلذ» أى عطاء. يقال: فلذ له، إذا أعطاه. «والبطن» ، أراد البطين، فكبّره. «مردم» ، لازم. يقال أردمت عليه الحمىّ، إذا لزمته. ويروى:
وكهّله فلذ من البطن مرزم
«والفلذ» ، «6» المطر لوقت. «والمرزم» ، ذو الإرزام. وهو صوت الرعد. وأصله صوت الناقة. وحكى ابن الأعرابى عنهم أنهم كانوا
(المتن/22)

يقولون: «ما ناء البطين، إذا كان منه مطر لم يضر مع أنواء الأسد.» «1»
قال مؤرج: «هو شر الأنواء وأنزرها مطرا. وقل ما أصابهم إلا أخطأهم نوء الثريا» «2» ونوءها أشرف الأنواء وأغزرها. فهم لا يذكرون نوء البطين فى شعر ولا غيره.
3- الثريا «3»
29) ثم الثريّا. ويقال إنها ألية الحمل. وهى أشهر هذه المنازل وذكرهم لها أكثر من ذكرهم غيرها. وجاءت مصغرة لاجتماعها.
ولم يتكلم بها إلا كذلك، كما قيل حميّا الكأس، وسكيّت الخيل. وأصلها من/ الثروة «4» ، وهى كثرة العدد. وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خللها نجوم كثيرة خفية. ويسمونها نجما. كما قال الراعى وذكر امرأة أضافها:
فباتت تعدّ النجم فى مستحيرة ... سريع بأبدى الآكلين جمودها «5»
(المتن/23)

فقوله «تعد النجم» دليل على الجمع، لأن العدد لا يقع إلّا على ذلك.
و «مستحيرة» ، جفنة قد تحير فيها الدسم، فهى ترى نجوم السماء فيها.
لأن الثريا فى الشتاء تصير فى كبد السماء وإذا كبّدت السماء صارت على قمّة الرأس فرأيتها فى الماء وفى المرآة وفى كل شىء صفا.
30) قال ذو الرمة يشبه بيض النعام بالنجوم:
تعاليه فى الأدحىّ بيضا بقفرة ... كنجم الثريا لاح بين السحائب «1»
وقال المرّار:
ويوم من النجم مستوقد ... يسوق إلى الموت نور الظباء «2»
يريد يوما من أيام الثريا. فسماها كلها نجما. فاذا سمعتهم يذكرون «النجم» من غير أن ينسبوه إلى شىء، فاعلم أنهم يريدون الثريا.
وهم يكثرون تشبيهها. فمن أحسن ما قيل فى ذلك، قول امرئ القيس:
إذا ما الثريا فى السماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل «3»
أراد وقت مغيب الثريا، وعند ذلك تتعرض. وهى إذا طلعت تستقبل
(المتن/24)

الناظر إليها بأنفها. فاذا غربت تعرّضت، أى تحرّفت كأنها جانحة كتحرف ثى الوشاح إذا القى. والوشاح خيط فيه خرز منظوم قد جمع طرفاه فأسفله أوسع من أعلاه. وكذلك الثريا.
31) وقال ذو الرمة:
قطعت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق «1»
شبهها بطائر ماء. وقال ابن الزبير الأسدى «2» :
وقد خرّم الغدر الثريا كأنها ... له راية بيضاء تخفض «3» للطعن
شبهها حين تدلت للمغيب براية خفضت «4» بيضاء. وهذا نحو قول الآخر:
وتدلّت كأنها عنقود
وقال عقبة بن رؤبة فى بعض كلامه: «والنجم قد تصوّب كأنه عنقود ملاحىّ» بتخفيف اللام وتشديد الياء. وقال آخر:
سرى بعدما غار الثريا وبعد ما ... كأن الثريا حلّه الغور منخل
«حلّه الغور» أى قصده. قال الأصمعى: لم يحسن فى التشبيه.
32) /وللعرب فيها أسجاع. قولهم: إذا طلع النجم، فالحرّ «5» فى حدم والعشب فى حطم» يريد أنه حينئذ يهيج وينكسر «والعانات فى
(المتن/25)

كدم» «1» ، أى تتعاضّ.
33) وطلوعها لثلث عشرة ليلة تخلو من أيار. وسقوطها لثلث عشرة تخلو من تشرين الأخر. وأما الاستسرار من الثريا فتظهر «2» من أول الليل فى المشرق عند ابتداء البرد. ثم ترتفع فى كل ليلة حتى تتوسط السماء مع غروب الشمس. وذاك الوقت أشد ما يكون البرد. ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون كل ليلة أقرب من افق المغرب وأبعد من وسط السماء إلى أن يهلّ معها الهلال لأول ليلة. ثم تمكث شيئا يسيرا، ثم تغيب فلا تظهر نيفا وخمسين ليلة. وهذا المغرب هو استسرا [ر] ها. ثم تبدو بالغداة من المشرق فى قوة الحرّ. وفى جميع هذه الأحوال قد قالت الشعراء. قال حاتم يذكر ظهورها من أول الليل فى أشد البرد، ويدلّ بذلك على شدة الزمان:
إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا ... ولم يك برق فى السماء ينيرها «3»
يقول: إذا ارتفعت الثريا مع غروب الشمس فى المغرب و «4» لم يكن فى ذلك الوقت برق، يريد لم يكن فيه مطر. وفى هذا الوقت يقول
(المتن/26)

الساجع: «طلع النجم عشاء، ابتغى الراعى كساء» «1» /. وقال الأعشى:
يراقبن من جوع جلاء مخافة ... نجوم الثريا الطالعات الشواخصا «2»
يريد أنهن يعلمن أن الضيق وظلف العيش دائم ما دامت الثريا طالعة عشاء. فهن يراقبنها ويقدّرن لهن «3» وينتظرن لين الزمان.
34) وفى توسلطها للسماء مع غروب الشمس فى شدة البرد يقول ساجع العرب «اذا أمست الثريا قمّ رأس، ففى الدّثار فاخنس، وعظماهنّ فاحدس، وإن سئلت فاعبس ثم اعبس» «4» «قمّ رأس» ، يريد إذا صارت الثريا عند المساء حذاء رأس القائم، «فاخنس فى الدثار» ، يريد استتر من البرد ولا تظهر ولا تسافر. وقوله «وعظماهن» فاحدس يريد عظمى الإبل فاصرع للنحر. قال مؤرّج «عند ذلك تقول الماعزة» الاست جهرى- أى عارية- والنبت ألوى، والشّعر دقاق، والجلد رقاق. ثم ثغت فرقا منه اى من هذا الوقت، وقوله «وإن سئلت فاعبس» ، يريد. أظهر العبوس لمن سألك، أمره بالمنع إبقاء على نفسه من كلب الزمان. وقال الكميت:
(المتن/27)

وأنت ابن زاد الركب «1» فى كل شتوة ... أميره «2» والساقى إذا النجم أفغرا
يريد. إذا صارت الثريا فى وسط السماء، فمن نظر إليه فغرفاه أى فتح فاه. وذلك من شدة البرد/ وصفه بالإحسان فى هذا الوقت.
35) وقال القطامىّ فى مثل ذلك:
إذا كبّد النجم السماء بشتوة ... على حين هرّ الكلب والثلج خاشف «3»
قوله «على حين هرّ الكلب» يريد أنه لا يقدر على النباح من شدة الجهد، فهو يهرّ ونحوه قال الاعشى يصف المرأة:
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها «4» الكلب إلا هريرا»
وقال الكميت فى مثل ذلك يصف سنة جدب:
كأن الثريا أطلعت فى اغتشائها «6» ... بوجه فتاة الحى ذات المجاسد «7»
(المتن/28)

«اطلعت» ، طلعت والحمرة محيطة بها فشبّه بياض الثريا فى الحمرة ببياض وجه الفتاة فى «المجاسد» ، وهى الثياب الحمر. فهذا من أمارات الجدب. وكذلك قول خداش بن زهير «1» :
إذا ما الثريا أظلمت فى اجتماعها ... فويق رؤوس الناس كالرفقة السّفر
«أظلمت» ، دخلت فى شدة الظلام، يريد نصف الليل حين صارت على قصد رؤوسهم. وفى مقارنة الهلال لها ليلة مهله، وذلك «2» قبل استسرارها بأيام، يقول كثيّر عزّة» :
/ فدع عنك سعدى إنما تسعف «3» النّوى قران «4» الثريا مرّة ثم تأفل «5» يقول إنما تلاقيها مرة واحدة فى السنة، ثم تفترقان كما يفارق «6» الثريا الهلال لأول ليلة مرة واحدة فى السنة، ثم تغيب.
36) وظهورها بالغداة عندهم بعد الاستسرار وذلك عند قوة الحرّ يقول الساجع «إذا طلع النجم غديّه، ابتغى الراعى شكيّه «7» » «وشكيه» تصغير شكوة، وهى قريبة صغيرة. يريد أنه لا يستغنى عن الماء لشدة
(المتن/29)

الحرّ إذا خرج للرعى. وقال ذو الرمة:
أقامت به حتى ذوى العود والتوى ... وساق الثريا فى ملاءته الفجر «1»
ويقال ذوى العود يذوى، [و] وذى يذى، اذا بدى «2» يجف.
وقال أيضا:
فلما رأى الرائى الثريا بسدفة ... ونشّت نطاف المبقيات الوقائع «3»
قوله «بسدفة» يريد طلعت وقد بقى من سواد الليل شىء قبيل الفجر. و «نشت النطاف» يعنى نضبت المياه و «المبقيات» الحافظات للماء من جلد الأرض. وإذا نضب «4» ماء المبقيات، فغيره أنضب. وهم يرجعون عن البوادى إلى محاضرهم إذا استقلّت الثريا بالغداة، وإذا تقدمت للفجر قليلا ببقية من السواد. ويبتدئون فى الرجوع من طلوع الشرطين/ إلى هذا الوقت. وسأذكر ذلك فى باب تبدّيهم ان شاء الله.
37) و [أوبى «5» ] أوقات السنة عندهم ما بين مغيب الثريا إلى طلوعها. وقال طبيب العرب: اضمنوا لى ما بين سقوط «6» الثريا وطلوعها، أضمن لكم سائر السنة» . وسئل «7» يهود خيبر: «بم «8» صححتم بخير؟»
(المتن/30)

فقالوا: «بشرب الخمر وأكل الثوم وسكون اليفاع وتجنّب بطون الأودية والخروج من خيبر عند طلوع النجم وسقوطه «1» .
38) ويقال ما طلعت ولا ناءت إلّا بعاهة فى الناس والإبل.
وغربها أعيه من شرقها. وأما قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إذا طلع النجم، لم يبق فى الأرض [من «2» ] العاهة شئ إلّا رفع «3» » فانه أراد بذلك عاهة الثمار. لأنها تطلع بالحجاز وقد أزهى السر وأمنت عليه العاهة، وحلّ ينع النخل. وقال طبيبهم: «إذا طلع النجم، اتّقى اللحم، وخيف السّقم، وجرى السراب على الأكم «4» » .
أمرهم بالحمية، وأخبرهم «5» أن السراب يجرى عند طلوعها، ولا يجرى قبل ذلك- ن.
39) فأما نوءها فنوء محمود غزير مذكور. يقال إنه خمس ليال، ويقال سبع ليال. فهو خير نجوم الوسمىّ، لأن مطره فى زمن تريد الارض فيه الماء. فهو يمسك ثرى سنته. وفى الثريا إذا جادتهم خلف مما قبلها ولا خلف منها، يقولون: إنه ما اجتمع مطر الثريا/ فى الوسمىّ ومطر الجبهة فى الربيع إلّا كان ذلك العام تامّ الخصب
(المتن/31)

كثير الكلاء. قال ذو الرمة:
مجلجل الرعد عرّاصا إذا ارتجست ... نوء الثريا به أو نثرة الاسد «1»
وقال أيضا:
ولا زال من نوء السماك عليكما ... ونوء الثريا مثجم متبطّح «2»
40) الكواكب المنسوبة إلى الثريا:
للثريا كفان. يقال لإحديهما «الكفّ الحذماء» ، وهى أسفل من الشرطين. وعن يمينها «البقر» «3» وهى كواكب متفرقة تتصل بالثريا «وعناق الارض» أسفل من البطين، فيما بينه وبين «مرفق الكف الخضيب» ؛ وهو كوكب مضىء فى رقعة ليس بها إلّا كوكبان إذا وصلته بهما أشبه ذلك «النسر الواقع» . فكان كأنه أثافىّ. ويقال للأخرى «الكف الخضيب» . وهو كف الثريا المتوسطة، خمسة كواكب بيض فى المجرّة «حيال الحوت» . وقد ذكرها رجل من أهل الشأم كان حسن المعرفة بمناظر «4» النجوم، يعرف بالحصنى «5» ، فى شعر له فقال:
(المتن/32)

/
حتى إذا ما الحوت فى ... حوض من الدلو كرع
ووازن الكفّ التى ... فيها خضاب قد نضع «1»
قال الدليل عرّسوا ... فليس فى صبح طمع
وهذه الكف الخضيب من الثريا تجعل «سنام الناقة» فهى لمن شاء كفّ للثريا، ولمن شاء سنام للناقة. ورأس الحوت فى «لبّة الناقة» و «الناقة» على خلقة النجيب الضامر، الدقيق العنق الصغير الرأس.
و «عنق الناقة» كواكب ابتدأن من السنام، ثم هبطن حيال «السمكة» الصغرى، ثم ارتفعن ارتفاع «العيوق» ، ثم صرن كهيئة الرأس فوق «السمكة الصغرى» .
41) وعلى إثر الكف الخضيب «المعصم» . وهو للكفّ معصم. ويسمى «وشم المعصم» . وهو لطخة كلطخة السحاب.
وقد يجعل وشما فى «فخذ الناقة» . وعلى إثر المعصم، «الذراع» ؛ ثلثة كواكب خفية. وعلى إثر الذراع، المأبض» ، وهما كوكبان متقاربان بينهما فى رأى العين نحو ذراع. وعلى إثر المأبض، «المرفق» ،
(المتن/33)

وهو كوكب أبيض. وتحته كوكب أصغر منه يقال له «إبرة المرفق» .
والشرطان عن يمين المرفق. و «عضد الثريا» كواكب مستطيلة، خفية ككواكب الذراع بين المرفق والثريا. ثم «المنكب» / وهما كوكبان يشبهان «المأبض» . «والبطين» عن يمين المنكب. ثم «العاتق» ، وهو كوكب ليس. بالنيّر. ثم «الثريا» . ويقال هى الرأس. قال ذو الرمة يذكر لمية «1» أيدى الثريا:
ألا طرقت مىّ هيوما بذكرها ... وأيدى الثريا جنّح فى المغارب «2»
يريد آخر الليل حين عرّسوا. والثريا تغرب فى كل أوقات الليل إلّا أن الشاعر أراد وقتا يكون غروبها فيه آخر الليل. وقد يجوز أن يكون أراد بأيدى الثريا هاتين الكفين، وأن يكون أراد أوائلها، يعنى الشرطين.
42) العيوق. ومن الكواكب التى تنسب إلى الثريا، «العيّوق» ، وليس منها، ولا من ذوات الأنواء، ولكن يطلع إذا طلعت. قال حاتم طىء:
وعاذلة هبّت بليل تلومنى ... وقد غاب عيّوق الثريا فعرّدا «3»
قوله «عردا» أى غاب. وقد يكون التعريد، العدول والميل.
(المتن/34)

يقال عرّد الرجل، إذا عدل ليفرّ. قال ذو الرمة يذكر أصحابه:
نبّهتهم من مهجع مردود «1» ... والنجم بين القمّ والتعريد «2»
يريد بالنجم، الثريا. «والقم» ، جمع قمة، الرأس. يريد أنها بين أن تكون فى وسط وبين أن تعدل عن الوسط. ويجوز أن يكون حاتم/ أراد: وقد عرد عيوق الثريا فغاب أى مال فغاب؛ فقلب. والقلب يأتى كثيرا فى كلام العرب والشعر والقرآن قال الله جلّ ثناؤه: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى «3» )
أى تدلى فدنا.
43) وموضع العيّوق وراء الثريا فى جانب المجرّة الأيمن.
وهو كوكب أبيض ازهر منير. وهو إلى القطب اقرب من الثريا كثيرا. قال أبو ذؤيب يذكر حميرا:
فوزدن والعيّوق مقعد رابئ ... الضّرباء خلف النجم لا يتتلّع «4»
«رابئ الضّرباء» ، هو الأمين على أصحاب القداح. وهو يقعد وراءهم
(المتن/35)

ويشرف عليهم. فان أحسّ من أحد منهم باحتيال، أخبر به، فاستأنفوا الافاضة. والرابئ، المشرف. يقال ربأت على القوم، أى أشرفت عليهم شبه العيّوق وراء «1» الثريا بالرقيب وراء الضاربين بالقداح. «لا يتتلع» أراد لا يتقدم.
44) ومما يدلّ على أنهما يطلعان معا، قول الأخطل، وذكر الابل:
إذا طلع العيّوق والنجم أولجت ... سوالفها بين السماكين والقلب «2»
يريد أن الثريا والعيوق يطلعان صبحا عند اشتداد الحر، فاذا طلعا، كان قلب العقرب والسماكان حينئذ طالعين «3» /ليلا فجعل مسيره ليلا، وأخبر مع هذا بسمته فى وجهه وانه مستقبل القبلة. قال بشر ابن أبى خازم «4» :
وعاندت الثريا بعد هدى ... معاندة لها العيّوق جار «5»
«عاندت» ، عدلت عن الطريق. «بعد هدئ» ، بعد ليل. «معاندة لها العيوق جار» ، أى معاندة من أجلها جاور العيوق، [والعيّوق «6» ] الثريا. ولم يرد أنهما اجتمعا أو تقاربا قربانا لأنه [....] عن تجاورهما أو زال به «7» احدهما. ولكن الكواكب إذا كبّدت السماء، تقارب ما بينهما «8»
(المتن/36)

فى رأى العين.
45) وعلى إثر العيوق ثلثة كواكب زهر، يقال لها «الأعلام» وهى «توابع العيوق» وأسفل العيوق نجم يقال له «رجل العيّوق» - «1» ن.
4- الدبران
46) ثم «الدّبران» وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا. ويسمّى «تابع النجم» ، و «تالى النجم» وباستدباره الثريا سمّى دبرانا ويسمّى أيضا «المجدح» . والمجدح هو الذى ذكر فى الحديث «2» «لو أن الله حبس القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله، أصبحت طائفة به كافرين، يقولون: مطرنا بنوء المجدح» . وقال الشاعر:
وأطعن والقوم «3» شطر الملو ... ك حتى إذا خفق المجدح «4»
«خفق» ، أى غاب ونوءه ثلاث ليال. ويقال: ليلة. وهو غير محمود، ولا مذكور النوء. وقد ذكرته الشعراء بالنحوسة. قال بعضهم يذكر عبيد بن الأبرص حين تعرّض للملك فى يوم بؤسه «5» يريد حياه. فقتله:
(المتن/37)

غداة توخّى الملك يلتمس الحيا «1» ... فصادف نحسا كان كالدبران
وقال الأسود بن يعفر:
ولدت «2» بحادى النجم يتلو قرينه ... وبالقلب قلب العقرب المتوقّد «3»
«قلب العقرب» قريب «4» الدبران. يقول: ولدت «5» بغروب هذا وبطلوع هذا. وهما منحوسان. و «حادى النجم» ، الدبران، مثل تابع «النجم» .
47) وقال الأخطل، وذكر امرأة وسيمة من قومه، يقال لها برّة، تزوّجها رجل منهم دميم:
وكيف يداوينى الطبيب من الجوى ... وبرّة عند الأعور بن بنان
فهلّا زجرت الطير ليلة جئته ... بضيقة بين النجم والدبران «6»
(المتن/38)

و «ضيقة» ما بين الدبران والثريا، يقال إنه ليس فى السماء منزلان أشدّ تقارب طلوع من النجم والدبران «1» . وهذا الطلوع طلوعهما من أول الليل. قال رجل من بنى العنبر: «إنى لأصر إبلى، وما هى بالكثيرة، حين يطلع النجم فما أفزع «2» من صرّها/ حتى يطلع الدبران» .
48) وقال أبو زياد «3» : «الضيقة» كوكبان، كالملتصقين، صغيران بين النجم والدبران. وسمّاهما غيره «الكلبين» . قال: وربما قصر القمر، فنزل بالضيقة. وقال ساجع العرب: إذا طلع الدبران توقدت الحزّان، وكرهت النيران، واستعرت «4» الذبان، ويبست الغدران، ورمت بأنفسها حيث «5» شاءت الصبيان «6» . وطلوعه لست وعشرين ليلة تخلو من أيار فى قبل الحرّ فيتوقد «الحزّان» وهى الأرضون الصلبة،
(المتن/39)

واحدها حزيز لشدّة وقع الشمس. ويكره الدنو من النيران. وتهيج الذبّان. ولا يبالى الصبيان حيث رموا بأنفسهم لأنهم لا يخافون بردا ولا مطرا. وسقوطه لست وعشرين ليلة تخلو من تشرين الآخر- ن.
49) الكواكب المنسوبة إلى الدبران:
وبين يدى الدبران كواكب كثيرة مجتمعة. فيها كوكبان صغيران يكاد ان يتماسّان لقرب ما بينهما، تقول الأعراب: هما كلباه. ويقال للبواقى:
هى قلاصه. ويقال: غنمه. وقد ذكر ذلك ذو الرّمة «1» فقال:
قطعت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق «2»
يدبّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق «3»
[بعشرين من صغرى النجوم كأنها ... واياه فى الخضراء لو كان ينطق «4» ]
قلاص حداها راكب متعمّم ... [هجائن قد كادت عليه تفرّق
قرانى «5» وأشتاتا وحاد يسوقها «6» ] ... إلى الماء من قرن التنوفة مطلق
(المتن/40)

«مطلق» ، من الطّلق، أى داخل فيه. وهو يومان قبل القرب فاليوم الأول، الطلق، واليوم الثانى القرب. و «قرن التنوفة.» ،
أعلاها.
50) وحذاء الدبران كواكب. يقال لها «البقر» - ن «1» .
5- الهقعة
51) ثم الهقعة «2» رأس الجوزاء. وهى ثلثة كواكب تشبه الأثافى، صغار. وقال ابن عباس لرجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء: «يكفيك منها هقعة الجوزاء» يريد أنها تبين منك بعدد كواكب الهقعة وهى ثلثة. وإنما سمّيت هقعة تشبيها بدائرة من دوائر الفرس يقال لها الهقعة. ويقال فرس مهقوع.
52) وتطلع لتسع ليال تخلو من حزيران، وتسقط لتسع ليال تخلو من كانون الأول. ونوءها ست ليال. ولا يكادون يذكرون نوءها إلّا بنوء الجوزاء. والجوزاء غزيرة النوء، مذكورة. وقال الساجع/ «إذا طلعت الهقعة تقوّض الناس للقلعة، ورجعوا عن النّجعة، وأردفتها الهنعة» «3» ومع طلوعها يرجع الناس إلى مياههم.
(المتن/41)

6- الهنعة
53) ثم الهنعة «1» وهى كوكبان أبيضان بينهما قيد سوط، على إثر الهقعة، فى المجرّة، وبينهما وبين الذراع المقبوضة «2» . ويقال لأحد الكوكبين [الزرّ] «3» وللآخر الميسان. وقال ابن كناسة: «انما ينزل القمر بالتحايي» وهى كواكب ثلثة حذاء الهنعة، الواحدة منها تحياة «4» وقال أدهم بن عمران العبدى: «الهنعة قوس الجوزاء ترمى بها ذراع الأسد. وهى ثمانية أنجم فى صورة قوس ففى مقبض القوس النجمان اللذان «5» يقال لهما الهنعة. وطلوعهما لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران، وسقوطهما لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول.
ونوءها ثلث ليال. وهو فى إثر الجوزاء: لا يفرد والضباب تصاد ما بين طلوع النجم إلى طلوع الهنعة. فاذا تتامّت الجوزاء، امتنعت هزالا.
(المتن/42)

54) وتقول العرب؛ «إذا طلعت الجوزاء، توقّدت المعزاء، وكنست الظباء، وعرقت العلباء، وطاب «1» الخباء» «2» وإنما يعنون بطلوع «الجوزاء» ، الهقعة والهنعة. و «المعزاء» الأرض الصلبة، تتوقّد بحرّ الشمس وقوله «كنست/ الظباء» يريد أنها تدخل فى الكنس من شدة الحرّ. واحدها كناس. فتصاد فيه. ولها مكنسان: مكنس الضحى ومكنس العشى. وإنما ترعى فى هذا الوقت ليلا، وفى برد النهار.
وتلزم الرمل، وتدع الحزن، فاذا وقع آخر الوسمى، صارت إلى الحزن، لأن نباته يطلع قبل طلوع نبات الرمل. قال مضرّس الأسدى: «3»
ويوم من الشعرى كأن ظباءه ... كواكب مقصور عليها سقورها «4»
يريد أنها قد كنست. وقد ذكرت هذا «فى كتاب الوحش» «5» بأكثر من هذا الشرح. وقوله «عرقت العلباء» ، يريد العباوين فى العنق. والعلباء يذكّر ويونث. و «طاب الخباء» لأنه يكنّ من الحرّ.
قال أبو زبيد «6» :
(المتن/43)

أىّ ساع سعى ليقطع شربى ... حين لاحت للصابح الجوزاء «1»
«الصابح» ، الذى يصبح إبله، أى يسقيها بالغداة. والجوزاء تطلع صبحا فى أشدّ الحرّ. يريد قطع شربى أحوج ما كنت إليه فى أشدّ الحرّ. ثم قال:
واستكنّ العصفور كرها مع ال ... ضبّ وأوفى فى عوده الحرباء «2»
وقال الكميت:
فلما رأى الجوزاء أول صابح ... وضرّتها «3» فى الفجر كالكاعب الفصل
وخبّ السفا واستبطن الفحل والتفت ... بأمعزها بقع الجنادب ترتكل «4»
«ضرتها» ، «5» جماعة كواكبها. وشبهها بالكاعب لأن الجوزاء فى مثل إنسان. و «الجنادب» الجراد «6» «ترتكل» ، لا تستقرّ من شدة الرمضاء.
«والسفا» ، شوك البهمى يسقط، فحبّت به الريح، «واستبطن الفحل» ،
(المتن/44)

أى أودع بطونها نطفته. قال النابغة يذكر الثور:
سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشّمال عليه جامد البرد «1»
«من الجوزاء» ، يعنى سقوط الجوزاء. وسقوطها فى كانون الأول على ما حددت من الوقت فى باب الهقعة وباب الهنعة. «سارية» ، سحابة نشأت ليلا- ن.
ذكر كواكب الجوزاء
55) والجوزاء تعدّ فى الكواكب اليمانية. وهى تسمّى «الجبّار» تشبيها لها بالملك. لأنها فى صورة رجل على كرسى عليه تاج. فالرأس هو الهقعة ثلثة كواكب خفيّة هى فى هيئة الأثافى. وفوق الرأس كواكب كثيرة صغار مستديرة واسعة متناسقة كالعقد، تسمّى «تاج الجوزاء.» ثم ثلثة كواكب بيض متتابعة فى صدر الجوزاء عرضا، تسمّى «النظم» ، «2» وقد تسمّى «نطاق الجوزاء» . وتحتها ثلثة كواكب طولا، تسمّى «الجوازى» . «3» و «يد الجوزاء» كوكبان أزهران، فى أحدهما حمرة. والأحمر هو مرزم الجوزاء» . و «رجلا الجوزاء» بحيال يديها، كوكبان/ نورهما نحو نور اليدين. قال دكين «4» ؛
(المتن/45)

قطعت والجوزاء تعطو باليد
وقال أبو زبيد:
لما استتمّت الجوزاء أكرعها
يريد رجليها.
56) وفيها «الشعرى العبور» و «مرزم الشعرى» وهى التى ذكر [ها] الله عزّ وجلّ فى كتابه إذ يقول: «وإنه هو ربّ الشعرى» «1» لأن قوما فى الجاهلية عبدوها ففتنوا بها. وكان أبو كبشة الذى كان المشركون ينسبون رسول الله صلّى الله عليه [وسلّم] إليه، أول من عبدها، وقال: «قطعت السماء عرضا، ولم يقطع السماء نجم غيرها» فعبدها وخالف قريشا فلما بعث النبى صلّى الله عليه [وسلّم] ودعاهم إلى عبادة الله عزّ وجلّ وترك أوثانهم، قالوا: «هذا ابن أبى كبشة» «2» أى شبهه ومثله فى الخلاف.
كما قالت بنو اسرائيل لمريم: «يا أُخْتَ هارُونَ، ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ»
«3» يريدون يا شبه هرون فى الصلاح- ن.
57) وهما شعريان: إحداهما هذه التى ذكرت فى الجوزاء.
(المتن/46)

وهى التى تسّمى العبور. والشعرى الاخرى هى الغميصاء؛ وهى تقاباها وبينهما المجّرة. والغميصاء من الذراع المبسوطة فى نجوم الأسد، لا فى الجوزاء. وتقول الأعراب فى/ أحاديثهم «1» : «إن سهيلا والشعريين كانت مجتمعة، فانحدر سهيل فصار يمانيا وتبعته العبور، فعبرت المجّرة وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد سهيل، حتى غمصت عينها، فهى أقل نورا من العبور» والغمص مثل الرّمص. والشعرى العبور نجم كبير يزهر. قال ذو الرمة يذكر طلوعها أول الليل فى الشتاء:
إذا أمست الشعرى العبور كأنها ... مهاة علت من رمل يبرين رابيا «2»
وقال الفرزدق:
وأوقدّت الشعرى مع الليل نارها ... وأضحت محولا جلدها يتوسّف «3»
يعنى السماء «أضحت محولا» لا تمطر «جلدها يتوسّف» أراد بالجلد، السحاب؛ وبالتوسّف أنه ينقشع فكأنه يتقشّر.
58) وقال أبو النجم وذكر عينى أسد:
كالشعريين لاحقا «4» بعد الشّفا شبّه حمرة عينيه بالشعريين بعد دنوّ الشمس للمغيب. وذلك أنهما فى أول الليل حمراوان. فاذا انتصف الليل ابيضّتا. و «الشفا» دنو
(المتن/47)

الشمس للمغيب.
59) والعبور تسمّى «كلب الجبّار» يعنون «الجوزاء» ويقال إن الكلاب والذئاب تكلب عند طلوع الشعرى- ن.
60) ثم «كرسى الجوزاء» . وهى أربعة كواكب/ غير مستوية التربيع، أسفل الجوزاء- ن.
61) والعذرة، عذرة الجوزاء. خمسة كواكب بيض أسفل من الشعرى العبور فى المجّرة. ويقال لها «العذارى» .
62) وحيال العذرة إذا توسطت السماء إسفل منها «سهيل اليمانى» تقول العرب: «إذا طلعت العذره، لم يبق بعمان بسره، إلّا رطبه أو تمره» «1» عمان شديدة الحرّ. فاذا أبسر النخل بالبصرة صرم «2» بعمان.
7- الذراع
63) الذراع «3» . وهى ذراع الأسد المقبوضة. وللاسد ذراعان:
مقبوضة ومبسوطة. والمبسوطة تلى اليمن والمقبوضة تلى «4» الشأم. والقمر ينزل بالمقبوضة وهما كوكبان، بينهما قيد سوط. وكذلك المبسوطة
(المتن/48)

مثلها فى الصورة، إلّا أنها أرفع فى السماء. وسمّيت مبسوطة لأنها أمدّ منها. وبين الذراعين كواكب، يقال لها «1» «الأظفار» ، تقرب من «المقبوضة» وربما عدل القمر، فنزل بالذراع المبسوطة. فأحد كوكبى الذرع المبسوطة النيّر هو «الشعرى الغميصاء» . والكوكب الآخر الأحمر الصغير يسمّى «المرزم» يقال له مرزم الذراع وفى الجوزاء/ كوكب مع الشعرى، يقال له «مرزم العبور» . فالشعريان تتحاذيان.
والمرزمان معهما يتحاذيان، إلّا أن «مرزم الذراع» قد ينزل به القمر.
و «مرزم العبور» ليس من منازل القمر. قال الشاعر:
وأخلف نوء المرزم الأرض قوّة ... لها شيم فيه شقيف وجالد «2»
يعنى «مرزم الذراع» . يقول ساجع العرب: «إذا طلعت الذراع، حسرت الشمس القناع، وأشعلت فى الافق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع «3» » - ن.
64) فطلوع الذراع لأربع ليال تخلو من تمّوز. وسقوطها لأربع ليال تخلو من كانون الآخر. ونوءها خمس ليال، ويقال ثلث ليال. وهو أول أنواء الأسد. وهو نوء محمود قلّ ما يخلف. وتزعم
(المتن/49)

العرب أنه إذا لم يكن فى السنة مطر، لم يخلف الذراع، وإن لم يكن، إلا بغشة. قال ذو الرّمة:
وأردفت الذراع لها بنوء ... سجوم الماء فانسجل انسجالا «1»
وربما نسبوا النوء إلى الشعرى، يعنون الغميصاء. وهى أحد كوكبى الذراع المبسوطة. لأن القمر ربما عدل عن الذراع/ المقبوضة، فنزل بها. قال بشر بن أبى خازم:
جادت له الدلو والشعرى ونوءهما ... بكل أسحم دانى الودق مؤتجف
وليس يجوز أن يكون أراد بالشعرى ها هنا العبور، لأن العبور ليست من منازل القمر، ولا من ذوات الأنواء. ولكنهم ربما جمعوهما فنسبوا النوء إليهما. يقولون «مطرنا بالشعريين، وبنوء الشعريين» .
والعرب تفعل ذلك كثيرا. ومثله فى القرآن. يذكر الله عزّ وجلّ «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ»
«2» . ثم قال: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ»
«3» وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء الملح، لا من الماء العذب. وقال:
«وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ»
«4» .
ثم قال: «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها»
«5»
(المتن/50)

والحلية تستخرج من أحدهما. وهذا كما يقال «1» فى الكلام «هذه تمرة نخلنا» ، وهى تمرة نخلة منها، «وهذا الرخل «2» من شأئنا» ، وإنما هو لواحدة منها. وكذلك قوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«3» .
والرسل من الانس دون الجنّ. نسب النوء إلى الشعريين معا.
65) قال أبو وجزة السعدى «4» :
زئير ابى شبلين فى الغيل أثجمت ... عليه نجاء الشعريين والحما
«أثجمت» ، دامت. و «ألحم» ، أقام. و «النجا» ، السحاب. وقال «5» :
حنت «6» بها الجوزاء فى عدّانها ... والشعريان بها وحىّ المرزم
«عدّانها» ، وقتها. وذكر المرزم مع الشعرى، وهما كوكبا الذراع. وربما فعلوا مثل هذا فى الذراعين، فنسبوا النوء إليهما، لاتفاق الاسمين وتقارب المعنيين، وإنما النوء للمقبوضة منهما. قال ذو الرمة:
جدا قضّة الآساد وارتجست له ... بنوء الذراعين الغيوث الروائح «7»
وقال الراعى:
بأسحم من هيج الذراعين أتأمت «8» ... مسايله حتى بلغن المناجيا
(المتن/51)

وقد يفعلون مثل هذا فى السماكين، فيضيفون «1» النوء إليهما، وإنما النوء للأعزل، ولا نوء للرامح. وسأذكر ذلك إذا صرت إلى السماك إن شاء الله- ن.
66) وإذا رأيتهم يذكرون الشعرى بالحمرة وبالضوء، ويشبّهونها بالنار، فانما يريدون الشعرى العبور. لأنها أشعر «2» عندهم من الغميصاء وأبين لعين الناظر/ فأما قولهم «إذا طلعت الشعرى، نشف الثرى، وأجن الصّرى، وجعل صاحب النخل يرى» «3» فيحتمل أن يكونوا أرادوا العبور. ويحتمل أن يريدوا الغميصاء «أجن الصرى» يريدون تغيّر الماء المجتمع فى الغدران والمناقع لشدّة الحرّ وانقطاع المرار عنه. وتبيّن لصاحب النخل تمرّ «4» فخله، لأنه حينئذ يكبر. وكذلك قولهم: «إذا طلعت الشعرى سفرا، ولم تر مطرا، فلا تغذونّ إمّرة ولا إمّرا، وأرسل العراضات أثرا، يبغينك فى الأرض معمرا» «5» ، يحتمل أن يكون أراد
(المتن/52)

العبور، ويحتمل أن يكون أراد الغميصاء «1» . وقولهم «سفرا» ، يريدون إذا رأيتها صبحا؛ وهى ترى صبحا فى شدّة الحرّ. و «إلامّر» الخروف و «العراضات» أثر إلابل. و «المعمر» المنزل، الابل عريضات الآثار، لأنها تطأ بمياسم «2» وآثارها عراض.
67) وبين الذراعين مدة فى الطلوع والسقوط لامتداد إحديهما وانقباض الأخرى. وما بين الشعريين متقارب فى الطلوع والسقوط.
والغميصاء تطلع لأربع ليال تخلو من تموز. والعبور تطلع لسبع عشرة ليلة تمضى منه، لتقارب الوقتين، احتمل/ أن يكون قول الساجع فى كل واحدة منهما. وكانوا يقولون: «إذا رأيت الشعريين يحوزهما الليل، فهناك لا يجد القرّ مزيدا. وإذا رأيتهما يحوزهما النهار، فهناك لا يجد الحرّ مزيدا» . وكانوا يقولون: «إذا طلعت الشعرى والعبور «3» ،
(المتن/53)

نقعت الأجواف، ونسئت الأظماء، وأدّت الأرض بعد «1» الندى» .
هذا من قولهم يدل على أن الحرّ فى هذا الوقت قد همّ بالانكسار، وأذن بالادبار. و «نقوع الأجواف» بردها وريّها. و «نسؤهم الأظماء» ، هو أن يؤخّروا سقى إلابل عن الربع إلى الخمس، أوعن الخمس إلى السدس، أوغن الورد إلى الغبّ، هذا «وما أشبهه، لأنها فى وقت طلوع الشعرى العبور أقوى على العطش وأصبر عن الماء.
وقولهم «وأدّت الأرض بعد «2» الندى» ، يريدون أن الرجل يصبّ الماء على الأرض من أول الليل ويصبح فى الارض بقية منه ولم تنشفه كله كما كانت تنشفه قبل ذلك- ن.
8- النثرة
68) ثم النثرة «3» ، بعد الذراع. وهى ثلثة كواكب متقاربة.
أحدها كأنه لطخة، وهو «أنف الأسد» . وأنواء الأسد غزار محمودة.
قال ذو الرمّة:
/ نوء الثريا به أو نثرة الأسد «4» وقال بعض الأعراب يذكر سنة الجدب:
تواضع «5» ما قد بنته اليدان ... حولين والأنف والكاهل
(المتن/54)

أراد باليدين، ذراعى الأسد. واراد بالأنف النثرة وأراد بالكاهل زبرة الأسد، وهى كاهله. ونوء النثرة سبع ليال. يقول ساجع العرب:
«إذا طلعت النثرة، قنأت البسره وجنى النخل بكره، وأوت المواشى حجره، ولم تترك فى ذات درّ قطره «1» » وطلوعها مع طلوع الشعرى العبور، لسبع عشرة ليلة تمضى من تموز. وتسقط لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر قوله «قنأت البسره» ، يريد اشتدّ حمرتها حتى تكاد تسودّ. وذلك أول وقت الصرام، فيجنون النخل بكرة لأنه فى ذلك الوقت بارد ببرد الليل. وقوله «أوت المواشى حجره» ، أى ناحية منهم لحاجتهم إلى ألبانها. وإنما يحلبونها فى هذا الوقت، ويستنفضون ما فى ضروعها «2» ، لأنهم قد همّوا فيه بفصال الأولاد، فلا يبقون فى الضروع لها شيئا.
لتنال من الرعى وتسلو عن الامّهات. وإذا سقطت النثرة، جرى الماء فى العود، وصلح تحويل الفسيل- ن.
9-/ الطرف
69) ثم الطرف «3» ، طرف الأسد. وهما كوكبان بين يدى الجبهة. وقدام الطرف كواكب كثيرة، بقال لها «الأشعار» . وطلوعه [ل] ليلة تخلو من آب. وسقوطه لليلة تبقى من كانون الآخر. يقول ساجع العرب: «إذا طلعت الطرفه «4» ، بكرت الخرفه، وكثرت الطّرفه
(المتن/55)

وهانت للضيف الكلفه «1» » . يريدون أن خرقة الثمر تبكر فى وقت طلوعه، وتكثر الطرفة عندهم، وتهون الكلفة للضيف لكثرة الثمر فى ذلك الوقت، وكثرة اللبن الذى يستنفضونه من الضروع لفصال الأولاد عن الامّهات. وعند طلوع الطرف قطاف أهل مصر. وأنّث الطرف، لأن العين مؤنّثة، وليستوى له السجع. ونوء الطرف ستّ ليال.
ولم أسمع به مفردا. وإنما ينسب النوء فى الشعر إلى الأسد.
10- الجبهة
70) ثم الجبهة «2» . جبهة الأسد. وهى أربعة كواكب خلف الطرف. فيها اختلاف بين كل كوكبين فى رأى العين قيد سوط «3» وهى معترضة من الجنوب إلى الشمال. والجنوبى منها/ يدعوه المنجمون قلب الأسد. وحيال الجبهة كوكب منفرد يسمى «الفرد» . وقال الشاعر يذكره وأحسبه أبا الهندى «4» .
(المتن/56)

وقد غابت الجوزاء بالكوكب الفرد
وطلوعها لأربع عشرة ليلة تمضى من آب، مع طلوع سهيل.
يقول الساجع: «إذا طلعت الجبهه، تحانّت الولهه «1» وتنازت السّفهه وقلّت فى الأرض الرّفهه» «2» . وإنما «تحانّت الولهة» لأن أولادها قد ميّزت عنها وفصلت، فتسمع حنين الأمهات. ويكثر أيضا عند الفصال الموت فى الأولاد، والأمهات تحنّ. و «تتنازى السفهة» ، لأنهم فى خصب من اللبن والتمر، فيبطرون. قال الشاعر:
يا ابن هشام أهلك الناس اللبن ... فكلّهم يعدو بقوس وقرن «3»
وإذا تنازت السفهة، قلّت الرفاهة، واحتاجوا إلى حفظ أموالهم وجمع مواشيهم ونعمهم خوف الغارة.
71) وسقوط الجبهة لاثنتى عشرة ليلة من شباط. وعند سقوطها ينكسر حدّ الشتاء، ويوجد أول الكمأة بنجد، وتورق الشجر، وتهبّ الرياح اللواقح، ويزقو المكّاء. قال مؤرج؛ وهو الزمن الذى ذكرته امرأة من العرب/ فقالت: «لم أر كالربيع مضى، لم تقم عليه الماتم»
(المتن/57)

وفيه ينتجون ويولدون. وتقول العرب: «لولا نوء الجبهة، ما كان للعرب إبل» «1» . ونوءها سبع ليال. ووقت طلوعها وسقوطها محمود. يقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة ماء إلّا امتلأ عشبا» .
وقال بغض العرب:
إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته او الخراة والكتد
بال سهيل فى الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد» «2»
«الخراة» ، نجم من الأسد، وسأذكره فيما بعد. و «سهيل» يطلع بالحجاز مع طلوع الجبهة. ومع طلوعها «3» يذهب البسر ويصير رطبا. و «الفضيخ» يتخذ من السر. فلما كان الفضيخ ينقطع مع طلوع سهيل، وكان الشراب يفسد بأن يبال فيه، فقد جعل سهيلا كأنه بال فيه- ن.
11- الزبرة
72) ثم الزّبرة «4» ، زبرة الأسد، أى كاهله. والكاهل مغرز العنق وهى كوكبان نيّران على إثر الجبهة، بينهما قيد سوط. ويسميان
(المتن/58)

الخراتين. والواحدة خراة. وهى التى ذكرها الشاعر مع الجبهة.
ويقال: زبرته، شعره الذى يزبئرّ عند الغضب فى قفاه، أى ينتفش.
وتحت النجمين نجوم صغار، / يقال هى الشعر الذى ينتفش. وبه سمّيت زبرة. وطلوعها لأربع ليال يبقين من آب. وسقوطها لخمس وعشرين ليلة تخلو من شباط. ونوءها أربع ليال؛ ولم نسمعه منسوبا إليها فى الشعر:
إنما ينسب إلى الأسد. قالوا: ويكون فى نوء الزبرة مطر شديد. فان أخلف، فقد. وعند طلوع الزبرة يرى سهيل بالعراق.
12- الصرفة
73) ثم الصّرفة «1» ، وهى كوكب واحد على إثر الزبرة، مضىء؛ عنده كواكب صغار طمس. «ويذكرون أنه قنب الأسد» . والقنب وعاء القضيب. وسمّى صرفة لانصراف الحرّ [عند طلوعها غدوة وانصراف البرد عند سقوطها غدوة] «2» وطلوعها لتسع ليال تخلو من أيلول وسقوطها لتسع تخلو من آذار. ويقال: «الصرفة ناب الدهر» ، لأنها تفترّ «3» عن فصل الزمانين. والبرد ينصرف مع سقوطها عند طلوع الشمس. وينقطع الحرّ مع طلوعها عند غروب الشمس. ومع
(المتن/59)

طلوعها يزيد النيل، وينبت الربل. وأيام العجوز فى نوئها، وسنذكرها فى باب الأزمنة. والعرب تقول: «إذا فطم الصبى بنوء الصرفة، لم يكد يطلب اللبن» . ونوءها/ ثلث ليال، ويذكر فى أنواء الأسد. وقال ساجع العرب: «إذا طلعت الصرفة، احتال كلّ ذى حرفة، وجفر كلّ ذى نطفه، وامتيز عن المياه زلفه» «1» . قوله «احتال كل ذى حرفة» ، يريد أن الشتاء قد أقبل، فكل ذى حرفة يضطرب ويحتال للشتاء ما يصلحه فيه. وكانت العرب تقول: «من غلا دماغه فى الصيف، غلت قدره فى الشتاء» . وقوله «جفر كل ذى نطفة» ، يريد عدل عن الضراب فى هذا الوقت، لأن المخاض فيه، وهى الحوامل من الابل قد ظهر بها الحمل وعظمت بطونها، فليس يدنو منها الفحل. وقوله «امتيز عن المياه زلفة» ، يريد أنهم يخرجون متبدّين ويفارقون المياه التى كانوا عليها لطلب الكلأ والانتجاع.
13- العواء
74) ثم العوّاء «2» . وهى أربعة أنجم على إثر الصرفة، تشبه
(المتن/60)

كافا غير مشقوقة. وقد تشبه أيضا بكتابة ألف ممدودة الأسفل.
وقد يجعلونها كلابا تتبع الأسد. وقال قوم: وهى «وركا الأسد» وطلوعها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من أيلول، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من آذار/ ونوءها ليلة. ولم أسمع لها بذكر فى الشعر القديم. وقد ذكرها الحصنى فى شعره، فقال:
وانتثرت عوّاؤه ... تناثر العقد انقطع «1»
وقال آخر:
وقد برد الليل التمام عليهم ... فأصبحت العوّاء للشمس تستتر «2»
وقال الساجع: «إذا طلعت العواء، ضرب الخباء، وطاب الهواء وكره العراء، وشنّن «3» السقاء» «4» قوله «ضرب الخباء» لأن البرد حينئذ بالليل يؤذى. و «يكره العراء» يريد النوم فى الصحارى الباردة.
و «شنّن السقاء» أى يبس لأنهم قد أقلّوا استقاء «5» الماء فيه- ن.
(المتن/61)

14- السماك
75) ثم السماك «1» وهما سماكان. فأحدهما السماك الأعزل، وهو الذى ينزل به القمر، وله النوء، وهو كوكب أزهر. والآخر السماك الرامح، والقمر لا ينزل به، ولا يكون له نوء. وسمّى رامحا لكوكب بين يديه، صغير، يقال له «راية السماك» فصار ذا «رامحا «2» » به، وصار الآخر «أعزل» ، لأنه لا شىء بين يديه والأعزل هو الرجل الذى لا سلاح معه. وأصحاب الحساب»
يسمّون السماك الأعزل «السنبله» العرب تجعل السماك الأعزل «ساق الأسد» والسماك الرامح «الساق الاخرى» ، / قال ابن كناسة: «وربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد» وهى أربعة كواكب بين يدى السماك الأعزل منحدرة عنه فى الجنوب مربعة على صورة النعش، يقال لها «عرش السماك «4» «وتسمّى الخباء» وقد نسب ابن أحمر النوء إليها. قال يذكر الثور:
باتت عليه ليلة عرشية ... شربت «5» وبات إلى نقا متهدد
«شربت «6» » لجّت بالمطر «متهدد» متهافت، لا يتماسك. و «النقا»
(المتن/62)

الرمل. قال مؤرج: العرش للثريا. وهى كواكب قريبة منها. وأنشد فى وصف هضبة:
حقباء يدفع عرش النجم منكبها ... لا يستطيع ذراها الأعصم الوقل
والذى عندى أن الأمر كما قال ابن كناسة. وقد رأيت عرش السماك ظاهرا بيّنا، ولم أر للثريا عرشا؛ ولا أراه «أراد بالنجم إلا السماك الّا أنه لم يستقم الشعر له بذكر السماك، فقال «النجم» .
76) وربما نسبوا النوء إلى السماكين جميعا، كما فعلوا فى الذراعين والشعريين. فمن «1» نسب النوء إلى السماك وهو يريد الأعزل، عدى بن الرقاع؛ [قال] «2» :
وشربن كل بقية صادفنها ... فى الأرض من مطر السماك الأعزل
وممن نسبه إلى السماك، هو يريد الأعزل ولم يتبين «3» ذو الرمة.
قال:
ولا زال من نوء السماك عليكما ... ونوء الثريا مثجم متبطّح «4»
وممن نسبه إلى السماكين، وهو يريد أحدهما، ابن مقبل. قال:
وغيث مريع لم يجدّع «5» نباته ... ولته أهاليل السماكين معشب «6»
وقال ذو الرمة.
جدا قضّة الآساد وارتجست له ... بنوء السماكين الغيوث الروائح «7»
(المتن/63)

وقال الطرّماح:
محاهنّ صيّب نوء الربيع ... من الأنجم العزل والرامحه «1»
وهذا أبعد مخرجا من الأول. ولو قال من السماكين، كما قال غيره، كان أحسن من أن يقول من الأعزل والرامح «2» ، فيميز هذا التمييز. وأما من نسب إلى الرامح، وجعل النوء له دون الأعزل فالقائل:
هنأ ناهم حتى أعان عليهم ... سوا فى السماك ذى السلاح السواجم «3»
وهذا وضع الأمر غير موضعه- ن.
77) والسماك الأعزل أحد «4» ما بين الكواكب الشامية «5» . فما كان/ منها أسفل من مطلعه، فهو من اليمانية، لأن ذلك النصف من الفلك فى شقّ الجنوب وشقّ اليمن وما كان مطلعه منها فوق السماك فهو من الشامية، لأن ذلك النصف من الفلك فى شق الشمال وشق الشام.
وإنما جعل الشمال حد القربة «6» من مشرق الإستواء وطلوع السماك الاعزل لخمس «7» ليال يمضين من تشرين الأول. وسقوطه لأربع ليال يمضين من نيسان. ونوءه أربع ليال. وهو نوء غزير مذكور، قلّ
(المتن/64)

ما يخلف. ومطره يصل الخطائط «1» ، إلا أنه يذمّ من قبل أن النشر ينبت عنه. والنشر «2» نبت يطلع بمطره فى اصول كلاء قد هاج ويبس.
فاذا رعته الإبل، مرضت وسهمت. قال الشاعر فى جمل «3» كان له رعى النشر فى نوء السماك، فسهم، فمات:
ليت السماك ونوءه لم يخلقا ... ومشى الاويرق فى البلاد سليما
«الاويرق» جمله.
78) يقول ساجع العرب: «إذا طلع السماك، ذهبت العكاك، وقلّ على الماء اللكاك «4» » . و «العكاك» . الحرّ. يريد أنه لا يبقى منه شىء عند طلوعه. «وقلّ على الماء اللكاك» ، يريد الازدحام عليه/ لقلة شرب إلابل فى ذلك الوقت. قال أيوب بن موسى بن طلحة: «إذا طلع السماك، ذهب العكاك، وبرد ماء الخرقاء» يريد أن الخرقاء لا تبرّد الماء، فيبرد حينئذ من غير تبريد. وقالوا: «لا يطلع السماك إلا وهو مادّ عنقه فى قوة» . وقال الشعبى: «لا يطلع السماك إلا وهو غارز ذنبه فى برد» - ن.
فأما السماك الرامح، فيطلع مع طلوع العوّاء، ويسقط مع طلوع الفرغ المؤخّر. قال الشاعر:
(المتن/65)

حتى رأيت عراقى الدلو ساقطة ... وذا السلاح مصوح الدلو قد طلعا «1»
يقول طلع السماك ذو السلاح حين مصح الدلو، أى حين سقط الدلو، والسماك الرامح بين يدى الفكّة «2» ، وهى «قصعة المساكين» .
79) بقية الكواكب المنسوبة إلى الأسد والمقارنة له: منها «كبد الأسد» ، وهو كوكب أحمر بين العوّاء وبين بنات نعش ومنها «هلبة الأسد» ، يعنون ذنبه، وهى كواكب ملتفّة تسمّيها العامة «السنبلة» وهى تقرب من «القرائن» «3» ، والقرائن تسمّى القفزات «4» ، وتسمّى «الثعلبيات» ، وهى أربعة كواكب، إذا ارتفعت بنات نعش كانت تحتها اثنان بيّنان واثنان خفيّان، وسمّيت نفزات «5» الظباء لأن كل كوكبين منها فى هيئة أثر ظلفى/ الظبى فى مقافز الظباء. ويقولون ضرب الأسد بهلبته، يعنى ذنبه، فنفرت الظباء. والظباء كواكب مستطيلة أسفل من نفزات
(المتن/66)

الظباء. و «أولاد الظباء» كواكب صغار، فيما بين الظباء والنفزات.
وعن يمين نفزات الظباء كواكب مستديرة غير متقارنة، تسمّى «الحوض» .
و «الخباء» ، أسفل من الحوض، كواكب فى مثل هيئة «الخباء اليمانية» - ن.
15- الغفر
80) ثم الغفر «1» ، وهو ثلثة كواكب خفية بين السماك الأعزل وبين زبانى العقرب على نحو من خلقة العوّاء. وطلوع الغفر لثمانى عشر [ة] ليلة تخلو من تشرين الأول. وسقوطه لست عشر [ة] ليلة تخلو من نيسان ونوءه ثلث ليال. وقيل ليلة، وقال ساجع العرب: «إذا طلع الغفر، اقشعرّ السفر، وتربّل «2» النضر، وحسن فى العين الجمر «3» » «السفر» المسافرون و «تربّل النضر» يريد ذهاب النضارة عن الأرض والشجر بتغيّر الكلاء
(المتن/67)

وتغيّر الورق. ويقولون: «شرّ النتاج ما نتج بعد سقوط الغفر» لأنه يستقبل الحرّ ويعجله الشتاء عن القوة. وإذا نتج فى هذا الوقت، سمّى هبعا. والرّبع أكبر منه وأقوى. وإذا نزل القمر بالغفر، كانت تلك السنة عندهم من السعود، ولا سيّما فى استنباط المياه. وقالوا: بالغفر/ تولد «1» النبيّون عليهم السلام ويقولون: «خير منزلة فى الأبد، بين الزبانى وبين الأسد» «2» لأنه يليه من الأسد ذنبه وليس يضرّ، ومن العقرب الزبانى وليس يضرّ.
16- الزبانى
81) ثم الزبانى «3» زبانيا العقرب أى قرناها. وهما كوكبان مفترقان، بينهما فى رأى العين مقدار خمسة أذرع. وطلوع الزبانى آخر ليلة من تشرين الأول. وسقوطهما «4» [ل] لميلة تبقى من نيسان. ونوءها ثلث ليال. وهم يصفون نوءها بهبوب البوارح، وهى الشّمأل الشديدة الهبوب، وتكون فى الصيف حارّة. قال ذو الرّمة:
ورقرقت «5» للزبانى من بوارحها ... هيف أنشّت بها الأصناع والخبرا «6»
(المتن/68)

و «الهيف» ، الريح الحارّة. «أنشّت بها الأصناع» ، وهى مصانع الماء «1» . و «الخبر» ، جمع خبرة، وهى أرض يكون فيها ماء قائم، وينبت فيها السدر. وقال ساجع العرب، «إذا طلعت الزبانى، أحدثت لكل ذى عيال شأنا، ولكل ذى ماشية هوانا، وقالوا: كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا توانا «2» » يريدون أن البرد قد هجم، فشغل صاحب العيال، وابتذل صاحب الماشية نفسه فى تتّبع مصالحها، وأكثر الحديث والقول، وإذا سقط الزبانيان، حصد أهل الحجاز البرّ والشعير.
وسقوطه لثلث عشر [ة] لبلة تخلو من أيّار.
17/- الاكليل
82) ثم الاكليل «3» إكليل العقرب، وهو رأسها، ثلثة «4» كواكب وهى مصطفّة معترضة، قد ذكرها جران العود فقال يذكر صحابته:
لمطرقين على مثنى أيامنهم ... راموا النزول وقد غاب الأكاليل «5»
فجمع لأنها ثلثة كواكب، كأنه جعل كل واحد منها إكليلا.
وطلوع الاكليل لثلث عشر [ة] ليلة تخلو من تشرين الآخر. وسقوطه
(المتن/69)

لثلث عشر [ة] ليلة تخلو من ايّار. يقول ساجع العرب: «إذا طلع الاكليل، هاجت الفحول، وشمّرت الذيول، وتخوّفت السيول «1» » ونوءه أربع ليال. وهو من العقرب. وإذا سقط إلاكليل غارت مياه الأرض. ولا تزال تغور إلى سقوط الحوت. وذلك لخمس يمضين من تشرين الأول- ن.
18- القلب
83) ثم القلب «2» قلب العقرب. وهو الكوكب الأحمر وراء الاكليل بين كوكبين يقال لهما «النياط «3» » فأول النتاج بالبادية مع طلوع قلب العقرب وطلوع النسر الواقع. وهما معا يطلعان فى البرد، وذلك لست وعشرين ليلة تخلو من تشرين الآخر، ويسقطان لست وعشرين ليلة تخلو من أيار، ويسمّيان «الهرّارين» ألا ترى أن الساجع قال فى الاكليل/ «إذا طلع الاكليل، هاجت الفحول» «4» وإنما تهيج فى وقت الطرق، إذا كان وقتا لأول الضراب. ولذلك يكون وقتا لأول النتاج. وما نتج فى هذا الوقت، كان سيّىء الغذاء لشدة البرد، وقلة اللبن والنبت قال ساجع العرب: «إذا طلع القلب، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل
(المتن/70)

البوادى فى كرب، ولا يمكّن الفحل إلا ذات ثرب «1» » وتشبيههم الشتاء بالكلب دليل على أنهما سمّيا هرّارين، لهرير الشتاء عند طلوعهما. قال أبوالنجم يصف امرأة:
وسنى سخون مطلع الهرّار
يريد أنها سخون فى شدة البرد. وقوله «ولا يمكّن الفحل إلا ذات ثرب» يريد ذات سمن وشحم، لأنها أحمل للبرد من الهزيلة، فهى تتقدمها فى الضبغة ونوؤه ليلة. وهو نوء غير محمود. وهو أيضا يتشاءم به وينسب إلى النحوسة. قال الشاعر «2» :
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنه ... سواء عليكم بالنحوس وبالسعد «3»
وقال آخر «4» :
ولدت بحادى النجم يتلو قرينه ... وبالقلب قلب العقرب المتوقّد «5»
ويكرهون السفر إذا كان القمر نازلا بالعقرب.
19- الشولة
84) ثم الشولة «6» . وهى كوكبان متقاربان يكادان يتماسّان فى
(المتن/71)

ذنب العقرب/ وسميت شولة، من قولك شال بذنبه، إذا رفعه. وهى فى ذنب العقرب. وبعدها إبرة العقرب كأنها «1» لطخة غيم. وهى تطلع [لتسع ليال تخلو من كانون الأول وتسقط] «2» لتسع ليال تخلو من حزيران. يقول ساجع العرب: «إذا طلعت الشولة» أعجلت الشيخ البوله، واشتدت على العائل العوله» «3» و «العولة» الحاجة. و «العائل» ، المحتاج الفقير «وقيل شتوة زوله» ، أى عجيبة منكرة، لشدة البرد فى ذلك الوقت. قال الكميت:
فقد صرت عمّا لها بالمشيب ... زولا لديها هو الأزول «4»
ونوءها ثلاث ليال. وهو فى أنواء العقرب. وقد جمع الساجع أنواء اعضاء العقرب كلها، فنسبها «5» إلى العقرب وحدها، فقال: «إذا طلعت العقرب، جمس «6» المذنب،» وقرب الأشيب، ومات الجندب ولم يصرّ الأخطب» «7» . «جمس المذنب» ، أى جمد الماء فى مذانب الأودية. و «الجندب» ، الجرادة «8» - ن.
(المتن/72)

85) الكواكب المنسوبة إلى العقرب والمقاربة لها: فيما بين زبانى العقرب وبين الكواكب الفرد الذى يحاذى جبهة الأسد، كواكب يقال لها «الخباء» . وهى غير الخباء الذى ذكرته مع الحوض فى كواكب الأسد. و «الشراسيف» كواكب مثل الحبل مستطيلة بين الكواكب الفرد وبين الخباء./ وهناك «1» «عرش السماك» . وبين الشراسيف والخباء كواكب مستنيرة «2» متبددة ليست على نسق، يقال لها «المعلف» . وهناك «الشماريخ» ، وهى كواكب كثيرة تجرى مجرى العقرب أمامها وتحتها. ثم «القبّة» ، وهى أسفل من شولة العقرب. ويقال للكواكب المتفرقة أسفل من شولة العقرب «الخيل» ، وهى تسقط فى القبلة. ووراء القبّة، «الصّردان» . وهما يطلعان [مع] الزبانيين، يجرى أحدهما قريبا من الافق، والآخر فوقه بحياله. وخلف الصّرد الأعلى «اليمانيان» . وبينهما وبين الصرد «3» فى رأى العين نحو من عشرين ذراعا. ثم الظّليمان» فوق ذلك.
وهما كوكبان نيران فى رأى العين إذا استويا فى السماء قدر مائة ذراع وبينهما «الرئال» ، كواكب مدرجة. وبعد الرئال، «النعامات» ، وهى خمسة كواكب على تربيع النعش. وعلى إثرها «الأدحىّ» ،
(المتن/73)

وهى كواكب مستديرة على قدر دارة القمر. وعند الصرد الأعلى.
مما يلى المشرق، «المكاكى» ، وهى تشبه كواكب الشراسيف. و «القطا» فوق المكاكى. وهى كواكب متقاطرة كتقاطر القطا فى طيرانها، غير نيرة، أكثرها كوكبان كوكبان «1» .
20- النعائم
86) ثم النعائم «2» . وهى ثمانية كواكب على إثر الشولة. أربعة فى المجرة، وهى النعام «3» الوارد. وسمّى واردا/ لأنه شرع فى المجرة [وأربعة خارجة عن المجرة] «4» ، وهى النعام «5» الصادر. وسمّى صادرا كأنه شرب ثم صدر، أى رجع عن الماء. وكل أربعة منها على تربيع وفوق الثمانية كوكب، إذا تأملته معها شبهته بناقة «6» . وطلوعها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران. يقول ساجع العرب: «إذا طلعت النعائم، توّسفت التهائم «7» ، وخلص البرد إلى كل نائم، وتلاقت
(المتن/74)

الرعاء بالنمائم «1» » «توسّفت» تشققت؛ يريد أنها تتشعث وتتغير.
و «تلاقى الرعاء بالنمائم» ، لأنهم حينئذ يفرغون ولا يشغلهم رعى فيتلاقون ويدسّ بعضهم إلى بعض أخبار الناس. ونوءها ليلة. وهو «2» نوء غير مذكور.
21- البلدة
87) ثم البلدة. «3» وهى رقعة فى السماء، لا كواكب بها «4» ، بين النعائم وبين سعد الذابح، ينزل القمر بها. وربما عدل فنزل بالقلادة.
وهى ستة كواكب مستديرة صغار خفية، تشبه بالقوس. ويسميها قوم «القوس» ، وتسمّى «الأدحىّ. وحيال القوس كوكب يقال له «سهم الرامى» . وإياه عنى الحصنى «5» بقوله حين ذكر السعود، فقال:
أمامها رام إذا ... اغرق ذا فوق نزع
يتلو نعاما واردا ... وصادرا حيث سطع «6»
(المتن/75)

/وهى أمام «سعد الذابح» وطلوع البلدة لأربع ليال تخلو من كانون الآخر. وسقوطها لأربع ليال يمضين من تمّوز. ويقول ساجع العرب «إذا طلعت البلده، حمّمت الجعده، واكلت القشده، وقيل للبرد:
اهده «1» » قوله «حممت الجعدة» وهى نبت، يريد طلعت فاخضرّت الأرض لها. يقال حمم وجه الغلام، إذا بقل. وحمّم الرأس، إذا اسودّ بعد الحلق من غير أن يطول. و «القشدة» ما خلص من السمن عن الزبد فى أسفل القدر. وهى القلدة. يريد أن الزبد عندهم فى ذلك الوقت يكثر «وقيل للبرد اهده» أى يقال اهدأ عنّا، لشدة ما يقاسون منه. ونوء البلدة ثلاث ليال. ويقال ليلة- ن.
22- سعد الذابح
88) ثم سعد الذابح «2» . وهو كوكبان غير نيرين، بينهما فى رأى العين قدر ذراع وأحدهما مرتفع فى الشمال، والآخر هابط فى الجنوب وبقرب الأعلى منهما كوكب صغير قد كاد يلزق به. وتقول الأعراب هو «شاته» التى يذبحها. وطلوعه لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر وسقوطه لسبع عشرة ليلة تخلو من تموّز. يقول ساجع العرب «إذا طلع سعد الذابح، حمى أهله النابح، ونفع أهله الرائح، وتصبّح السارح
(المتن/76)

وظهر فى الحى الأنافح» / «1» يريدون أن الكلب يلزم حينئذ اهله، فلا يفارقهم لشدة البرد، وكثرة اللبن فهو يحميهم وينبح دونهم ونفع أهله الرائح» يريد أنه يأتيهم بالحطب إذا راح «وتصبّح السازج» أى لم يبكر بما شيته لشدة البرد. والنتاج فى هذه الوقت محمود. وهو الوقت الأوسط. وإذا طلع سعد الذابح بالغداة، طلع سهيل مغرب الشمس. قال الراجز:
إذا سهيل مغرب الشمس طلع ... فابن اللبون الحقّ والحقّ جذع «2»
وإذا أخبرك أن الأسنان تنقل فيه، فقد خبرّك أنه وقت النتاج ووقت الأولاد. ونوءه ليلة. وقلّ ما يذكر وقد ذكره الطرمّاح فقال:
ظعائن شمن قريح الخريف ... من الفرغ والأنجم الذابحه «3»
23- سعد بلع
89) ثم سعد بلع «4» . وهو نجمان مستويان فى المجرى. أحدهما
(المتن/77)

خفى، ويسمّى «بالعا» «1» لأنه كان بلع الآخر الخفىّ وأخذ ضوءه.
وطلوعه لليلة تبقى من كانون الآخر. وسقوطه لليلة تمضى من آب.
يقول ساجع العرب: «إذا طلع سعد بلع، اقتحم الرّبع، ولحق الهبع وصيد المرع، وصار فى الأرض لمع» «2» واقتحام الربع، أنه يقوى فى مشيه ويسرع فلا يضبط. و «الربع» ما نتج فى أول النتاج. وقوله «لحق الهبع» يريد أن الهبع أيضا قد قوى شيئا فهو يلحقه/ و «الهبع» ما نتج فى أول النتاج وهو ضعيف. وانما سمّى هبعا، لأنه إذا مشى خلف امّه هبع، أى استعان بعنقه لضعفه. و «المرع» طير، واحده مرعة. كأنه فى هذا الوقت يقطع «3» وصار فى الأرض تلمّع من الكلاء. ونوءه ليلة- ن.
24- سعد السعود
90) ثم سعد السعود «4» . وهى ثلثة «5» كواكب. أحدها نيّر،
(المتن/78)

والآخران دونه. وقيل له سعد السعود لتيّمنهم به. وطلوعه لاثنتى عشر [ة] ليلة تمضى من شباط، وسقوطه لأربع عشرة تمضى من آب يقول ساجع العرب: «إذا طلع سعد السعود، نضر العود، ولانت الجلود، وذاب كل محمود، وكره الناس فى الشمس القعود» «1» «نضر العود» يريد أن الماء قد جرى فيه قبل ذلك، فصار ناضرا غضّا و «تلين الجلود» بذهاب يبس الشتاء وقحله، ونوءه ليلة، وليس بالمذكور، لا أعلمنى سمعت فى الشعر القديم من ينسب إليه نوءا ما خلا الكميت فانه يقول:
ولم يك «2» نشؤك لى إذ نشأت ... كنوء الزبانى عجاجا ومورا
ولكن بنجمك سعد السعود ... طبقت أرضى غيثا درورا «3»
وقد يجوز أن يكون أراد «ولكن بنجمك السعد طبقت أرضى غيثا» كأنه قال: ببركتك ويمنك، ولم يرد نوء النجم ويكون أراد وقت طلوعه، فجعل النوء له إذا طلع. قال جرير:
أسقى المنازل بين الدم والأدما ... عين تحلب بالسعدين مدرار «4»
/قال مؤرج: تفاءل إلى الاسم الى حسنه، ولم يرد النوء- ن.
25- سعد الاخبية
91) ثم سعد الأخبية «5» . وهو أربعة كواكب متقاربة. واحد
(المتن/79)

منها فى وسطها «1» . وهى تمثل برجل بطّة. ويقال إن السعد منها واحد. وهو أنورها. والثلثة أخبيته. ويقال: بل سمّى سعد الأخبية لأنه يطلع فى قبل الدفاء «فيخرج من الهوام ما كان مختبئا. وهذا التأويل أعجب إلىّ من قول القائل:
قد جاء سعد موعدا بشرّه ... مخبرة جنوده بحرّه «2»
قوله «موعدا «بشرّه» ، يريد بالحرّ. وقوله «مخبرة جنوده» يعنى الهوام التى تظهر تخبر بأقبال الحرّ. وطلوعه لخمس وعشرين ليلة تخلو من شباط. وسقوطه لأربع ليال تبقى من آب. يقول الساجع:» إذا طلع سعد الأخبيه، ذهنت الأسقيه، ونزلت الأحويه، وتجاورت الأبنيه» «3» . وانما «تدهن الاسقية» لانها فى الشتاء قد يبست وشننت لتركهم الاستقاء فيها، فتدهن فى هذا الوقت عند الحاجة إليها.
و «الأحوية» جمع حواء، وهى جماعات بيوت الناس. والحلال مثلها وهى تكون من مدر، لا من وبر وشعر. قال ذو الرمة:
/ إلى لوائح من أطلال أحويه «4»
(المتن/80)

كأنهم فى هذا الوقت ينتقلون من مشتاهم ويتجاورون. ونوءه ليلة، وليس بمحمود. فأما قول الشّمردل اليربوعى «1» :
اذ عارض سبّح صوت رعده ... بالدلو بين حوته وسعده
فانه أراد ان العارض أمطر بنوء الدلو؛ وان موضع الدلو فى الفلك بين سعد الأخبية وبين الحوت- ن.
92) باقى السعود المتصلة بهذه وليست من المنازل، وهى السعود الاربعة: ستة سعود. أولها سعد ناشرة، وهو يطلع مع الشرطين.
ثم سعد الملك. ثم سعد البهائم، «2» وتحته كواكب صغار مستديره تسمّى «الربق» «3» . ثم «سعد الهمام» . ثم «سعد البارع» . ثم «سعد مطر» . وكل سعد منها كوكبان. بين كل كوكبين منها فى رأى العين قدر ذراع- ن.
93) الكواكب المقاربة «4» لهذه السعود: منها «العانة» وهى كواكب بيض أسفل من السعود إلى الافق و «السلم» أسفل من «العانة» عن يمينها و «السفينة» كواكب خفية متتابعة من عند الدلو إلى سعد السعود، تشبه السفينة/ وعند أولها «الضفدع المقدّم» وآخرها «الضفدع المؤخر» . ويقول أصحاب النجوم: إن سهيلا طرف المجداف- ن.
(المتن/81)

26- الفرغ الاول
94) ثم الفرغ الأول «1» وهو فرغ الدلو المقدم. والدلو أربعة كواكب، واسعة مربعة. فاثنان منها هو الفرغ الأول، واثنان منها الفرغ المؤخر. وفرغ الدلو مصبّ الماء بين العرقوتين. وقد يقال للفرغ الأول «عرقوة الدلو العليا» وللفرغ الآخر «عرقوة الدلو السفلى» قال الكميت:
يا ارضنا هذا أو ان تحيين «2» ... قد طال ما حرمت نوء الفرغين
وقال عدى بن زيد:
فى خريف سقاه نوء من الدلو ... تدلى ولم توار العراقى «3»
وطلوع الفرغ الأول لتسع ليال تخلو من اذار، وسقوطه لتسع ليال يمضين من ايلول. وقال ساجع العرب، «إذا طلع الدلو، هيب الجزو وأنسل العفو، وطلب اللهو الخلو» «4» فجمع فى السجع القول للفرغين جميعا بذكره الدلو. قوله «هيب الجزو» / يريد أن الرطب «5» جفّ، وخيف أن لا يكتفى به الابل من الماء. و «انسل العفو» أى
(المتن/82)

سقط نسله، أو حان أن يسقط. وهو وبره الذى يستجدّ مكانه كل سنة. «والعفو» ولد الجمار. وقوله «طلب اللهو الخلو» يريد طلب التزويج. واللهو، المرأة، وهو النكاح. قال الله تعالى: «لو أردنا أن نتّخذ لهوا لاتّخذناه من لدنّا» «1» أى لو أردنا صاحبة لاتّخذنا ذلك عندنا، ولم نتخذه عندكم إن كنّا فاعلين» وقال امرؤ القيس:
الأزعمت بسباسة اليوم أننى ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالى «2»
يريد النكاح. ويروى أيضا «السرّ» «3» وهو مثله. وإنما يطلب الخلو التزويج فى هذا الوقت، لأنه قد خرج من ضيق الشتاء وشدّته وأمكنه التصرف وابتغاء الرزق، فطلب التزوج. ونوء الفرغ الأول ثلاث ليال. وهو نوء محمود مذكور.
27- الفرغ الثانى
95) ثم الفرغ الثانى «4» وقد وصفته فى الباب الأول. وطلوعه لاثنتين وعشرين ليلة تمضى من أذار، وسقوطه لاثنتين وعشرين ليلة تمضى من أيلول. ونوءه أربع ليال. وهو نوء محمود/ غزير. وطلوع الفرغين وغروبهما يكون فى إقبال البرد وإدباره. وقد خالف هذا
(المتن/83)

الشاعر فجعله فى شدّة الحرّ. قال أمية بن أبى عائذ الهذلى «1» وذكر حميرا.
وذكّرها فيح نجم الفروع «2» ... من صيهد الصّيف برد الشّمال «3»
و «الصيهد» شدة الحرّ. وهذا غلط، لأن الفرغ لا يكون فى طلوعه ولا فى سقوطه صيهد. وقال آخر «4» من الهذليين:
وظلّ لها يوم كأن اواره ... ذكا النار من فيح الفروع «5» طويل
وقد تابعه هذا على مثل ما قال. وعند سقوط الفرغ الآخر يجدّ النخل بالحجاز وتهامة وكل غور، ويشتار العسل.
28- الحوت
96) ثم الحوت «6» وهو كواكب كثيرة فى مثل خلقة السمكة.
(المتن/84)

وفى موضع البطن من أحد شقىّ كواكبها نجم منير، يسمّى «بطن السمكه» ويسمّى «قلب الحوت» وقد يسمّى الحوت «الرشاء» . وطلوعه لأربع ليال تخلو من نيسان، وسقوطه لخمس يمضين من تشرين الأول. وعند سقوطه ينتهى غور المياه. ثم يطلع، بعد طلوع الحوت، «الشرطان» ويعود الأمر إلى ما كان عليه فى السنة الأولى «1» /وقال الساجع: «اذا طلعت السمكه، نصبت الشبكه، وأمكنت الحركه، وتعلّقت بالثوب الحسكه، وطاب الزمان للسنسكه» «2» . «تعلّقت الحسكة» ، يريد شوكة السّعدان؛ يعنى أن النبت قد اشتدّ وقوى، فعلقت الحسكة بالثوب وغيره. و «نصبت الشباك» للطير لأنها حينئذ تسقط فى الرياض وتصوّت. و «طاب الزمان للنسكة» ، يريد النساك المتقللين الذين يسيحون فى الأرض ولا يبالون كيف أخذوا، ولا يتأذون بحزّ ولا برد.
ونوء الحوت ليلة. وربما عدل القمر، فنزل بالسمكة الصغرى، وهى اعلاها «3» فى الشمال على مثال صورة الحوت إلا أنها أعرض وأقصر.
وهى تحت «نحر الناقة» ، وتحت «الكفّ الجذماء» . انقضت المنازل- ن.
كيف يكون نزول القمر بهذه المنازل؟
97) القمر ينزل بهذه المنازل مقارنا لها. وربما نزل مقارنا
(المتن/85)

للمنزل، وربما نزل بالفرج. وهى الفرجة بين المنزل والمنزل «1» . وهم يستحبون ذلك، ويكرهون أن ينزل مقارنا. وذلك المكالحة. يقال:
قد كالح القمر، اذا لم يعدل عن المنزل./ فربما عدل عن «الدبران» فنزل بالضيقة؛ وهى النجمان الصغيران المتقاربان «2» . وربما عدل عن الهنعة، بالتحايى؛ وهى ثلثة كواكب حذاء الهنعة. الواحدة منها تحياة؛ وهى بين المجرّة وبين «توابع العيوق» . وكان أبو زياد الكلابى يقول: «التحايى هى الهقعة» . وربما عدل عن الذراع المقبوضة، فنزل بالذراع المبسوطة؛ وهى الغميصاء ومرزمها. وربما عدل عن السماك، فنزل بعرش «3» السماك. وربما عدل عن الشولة، فنزل بالفقار فيما بين القلب والشولة. وربما عدل عن البلدة، فنزل بالقلادة؛ وقد ذكرتها ووصفتها. وربما قصر عن سعد «4» السعود، فنزل بسعد ناشرة؛ وهما كوكبان أسفل من سعد السعود «5» نحو اليمن. وربما قصر عن الفرغ الثانى، فنزل بالكرب؛ وهو وسط الفرغين «6» . وربما نزل ببلدة الثعلب، وهو بين الدلو والسمكة.
98) وقد يستدلّون بنزول القمر على انصرام الحرّ، وانصرام البرد، وعلى سقوط النجم. قال الشاعر «7» :
(المتن/86)

إذا ما قارن القمر الثريا ... لخامسة فقد ذهب الشتاء
وذلك يكون إذا انحدرت على وسط السماء إلى ناحية المغرب، فقارنت القمر فى الليلة الخامسة/ من اول الشهر. وحينئذ يذهب البرد، ويطيب الزمان. وكذلك أيضا يقارن القمر لخامسة من أول الشهر عند انصرام الحرّ. قال آخر:
إذا ما قارن القمر الثريا ... لخامسة فقد ذهب المصيف
وقال كثير:
فدع عنك سعدى إنما يسعف «1» النوى ... قران الثريا مرة ثم تأفل «2»
يريد مقارنة الثريا الهلال لليلة. وذلك يكون فى السنة مرة واحدة ثم تغيب فلا ترى نيفا وخمسين ليلة. يقول فكذلك سعدى إنما تلاقيها مرة فى الحول. ويقال إن القمر يحلّ «3» بالثريا فى نوء السماك الأعزل، فى أول نيسان. فأما قول الآخر:
إذا ما الثريا وقد أقرنت ... أحس السماكان منها افولا
فان هذا من الاقران، وهو الارتفاع؛ لا من القران يقال: قد أقرن الدمّل إذا ارتفع رأسه. وإنما أراد أن الثريا إذا ارتفعت، سقط
(المتن/87)

السماك. كأنه قال «أحس السماكان» من أجل ارتفاعهما، «افولا» أى سقوطا. وقد يستدلون بنزول القمر بالمنزل على أول ليلة من الشهر.
وسأبيّن هذا فى باب القمر إن شاء الله. ن.
ما ينسب اليه البوارح من هذه المنازل
99) وهم ينسبون البوارح- وهى الشمأل الحارّة فى الصيف الشديدة المرّ. ذات العجاج- إلى طلوع نجوم معلومة. وربما نسبوا ذلك الى/ غروبها. وسميت الشمال بارحا فيما روى، لأنها تبرح، أى تأتى من شمال الكعبة كما «يبرح» الظبى إذا أتاك من يسارك: ويسنح إذا أتاك من يمينك. فأما الأمطار، فلا ينسبون شاميها إلى النجم الساقط.
قال النابغة:
سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشمال عليه جامد البرد
أراد بالسارية سحابة تسرى ليلا. «من الجوزاء» . يريد عند سقوطها.
وهى تسقط فى شدة البرد. فنسب المطر والبرد الى سقوط الجوزاء. «1»
وقال آخر فى مثله:
أو مثل نشر اسود الطل اليفها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول «2»
يريد عند سقوطها. «مشمول» ، ذو شمال. فنسب المطر الى السقوط.
100. فاذا ذكروا الحرّ، نسبوه إلى الطلوع. قال علقمة بن عبدة:
(المتن/88)

وقد علوت قتود الرحل يسفعنى ... يوم تجىء به الجوزاء مسموم «1»
فنسب الحرّ الى الطلوع. وقال أبو النجم:
فى «2» يوم قيظ ركدت جوزاؤه
يريد ركد بارحها فلم تهبّ، وأراد وقت الطلوع. وقال المرّار:
ويوم من النجم مستوقد ... يسوق إلى الموت نور الظباء «3»
تراها تدور بغير انها ... ويهجمها بارح ذوعماء «4»
/ «ويوم من النجم» ، يريد من الثريا حين طلعت. «يسوق إلى الموت» ، يريد يسوق الظباء إلى كنسها، فشبّه الكنس بالقبور لها، وجعلها كالموتى. و «النور» ، النفار «5» واحدها نوار. و «ذوعماء» أى ذو غبار. وأصل العماء السحاب؛ شبّه ما يثيره البارح من العجاج بالسحاب، فنسب البارح والحرّ إلى الطلوع. وقال ذو الرمة يصف مطرا:
أصاب الناس منقمس الثريا ... بساحية وأتبعها طلالا «6»
يريد أنه أصاب الناس حين سقطت الثريا. فنسب المطر إلى
(المتن/89)

السقوط.
101) فأما أوقات هبوب البوارح المنسوبة إلى الطلوع، فأولها طلوع الثريا، وذلك فى أيّار. وحينئذ يبدأ النبات يهيج. قال الأخطل:
شرّقن إذ عصر العيدان بارحها ... وأيبست غير مجرى السنّة الخضر «1»
ويروى «مجرى السكّة» . و «أيبست» ، يبست. يقول جفّ الخضر الا «مجرى السنّة، وهى سكّة الحرّاث. يريد لم يبق منها إلا ما زرع بالسكة، فهو يسقى. وقال ذو الرمة:
ألفن اللّوى حتى اذا البروق ارتمى ... به بارح راح من الصيف شامس «2»
«البروق» ، نيت خفيف، فالرياح تترامى به. والعرب تقول:
/ فلان» أشكر من البروق،» «3» لأنه ينبت بالغيم. و «الراح» ، الشديد الريح. يريد أنهن أقمن الربيع حتى هبّت بوارح الصيف، فأيبست النبت وأطارته. وقال يذكر الحمير:
يصك السرايا من عناجيج شفّها ... هبوب الثريا والتزام التنائف «4»
أراد هبوب بوارح الثريا. ثم يذكرون بعد ذلك بارح الجوزاء
(المتن/90)

يريدون طلوعها. قال ذو الرمة:
حدا بارح الجوزاء أعراض موره ... بها وعجاج العقرب المتناوح «1»
ويروى «اعراف موره» . و «المور» ، الغبار. وأعراضه» «2» ، أوائله. و «المتناوح» ، المتقابل. وقال آخر «3» :
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوّعا «4»
وهذا كان لصّا، وكان يخرج إذا هبّت البارح لأنها تعفى الآثار بشدة مرّها، فيأمن أن يقتفوا أثره ويقال بل كانت تنثرلهم «5» الثمرة فيأكلونها «6» . فلما سكنت، استبطأها.
102) ثم يذكرون بعد ذلك بارح الشعرى، يريدون ذراع الأسد.
قال الراعى:
يمانية هو جاء أو قطرية ... لها من هباء الشعريين نسيج
يريد من هباء بارح الشعريين. فهذا ما ينسبون البوارح إلى طلوعه.
103) فأما ما ينسبون البوارح إلى سقوطه، فزبانى العقرب/ وهى تسقط فى آخر نيسان مع طلوع «البطين» وهذا الوقت يتقدم
(المتن/91)

طلوع الثريا بثلثة عشر يوما. فكان البارح الذى ينسب إلى الغروب قبل البارح الذى ينسب إلى الطلوع بقدر هذه المنازل والمدة قال ذو الرمة:
ورقرقت «1» للزبانى من بوارحها ... هيف أنشّت بها الأصناع والخبرا
«أنشت» ، أيبست. و «الأصناع» ، مصانع الماء. و «الخبر» جمع خبرة، وهى كالهوة فى الأرض يكون فيها ماء وسدر. وقال:
فلما رأين القنع «2» أسفى وأخلفت ... من العقربيات الهيوج الأواخر
«أسفى» ، كثر سفاه. والسفا، شوك البهمى.
104) قال:
فلما مضى نوء الثريا واخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
رمى أمهات القرد لذع من السفا ... وأحصد من قريانه الزهر النضر «3»
و «مضى نوء الثريا» لثلث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر.
(المتن/92)

وذلك. إذا سقطت يقول: فلما مضى هذا الوقت وسقطت، أيضا أوائل الجوزاء ثم «انغمس الغفر» أى سقط، وسقوطه لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. فجعل بين أول تحديده وبين آخره ستة أشهر. وهذا عندى يقبح. وإنما هو بمنزلة رجل قال: أفعل كذا وكذا. قال: فلما مضى المحرم وتبعه صفر، ودخل رجب/ فعلنا كذا وكذا. وسقوط الغفر قبل سقوط الزبانى بثلثة عشر يوما. وأراد ذو الرمة لما مضت هذه الأوقات وسقط الغفر فى نصف نيسان، «رمى امهات القرد لذع من السفا» يريد أن السفا، وشوك البهمى، جفّ وسقط فطارت به الريح حتى ضربت به مآخر فراسن «1» الإبل، فأصابها لذع منه. و «امهات القرد» جمع امّ «2» القردان، وهى النّقرة التى تكون فى مؤخر فرسن «3» البعير. ويسمّى من البراذين الاسكرّجة وسمّيت ام القردان لاجتماع القردان فيها. فان كان أراد بهذه الريح التى فعلت هذا: البارح، فقد قدّم وقتها قبل بارح الزبانى بنوء واحد، وذلك ثلثة عشر يوما وهذا يدلّ على أن الحرّ عندهم يشتدّ فى نيسان حتى يهيج به النبت.
105) وقال الكميت:
ولم يك نشؤك لى إذ نشأت ... كنوء الزبانى عجاجا ومورا
ولكن بنجمك سعد السعود ... طبّقت أرضى غيثا درورا «4»
(المتن/93)

قدّم الكميت، كما ترى، نوء الزبانى، وجعله لا مطر فيه ولا خير وإنما يكون فيه البوارح والتراب. وهو، مع هذا، يصف نوء العقرب بالغزارة. قال:
تذكّرن بالميث الأداحى مقصرا ... وهاج لهن العقربى المغرّب
لغبية صيف لا يؤتىّ نطافها ... ليبلغها ما أخطأته المضبّب «1»
و «الغيبة» ، المطرة الشديدة. يريد أن «المضبّب» ، وهو صائد الضباب، لا يحتاج إلى أن يطرق الماء إلى جحر الضبّ حتى يدخل عليه فيخرجه، لأن السيل كبير قد طبّق الأرض وبلغ مواضع الضباب فكفاه المؤونة، وأسقط عنه التعب والعناء، وكأنه قال «لا يؤتى نطافها، المضبب ليبلغ الغيبة ما أخطأته. فقدّم وأخّر. وهذا خلاف قول الأول فى الزبانى، وهى من العقرب. قال ذو الرّمة وذكر الريح:
حدتها زبانى الصيب حتى كأنما ... تمدّ باعناق الجمال الهوارم «2» :
«حدتها» ، ساقت هذه الريح. والابل «الهوارم» ، التى تأكل الهرم، وهو ضرب من الحمض. وإذا أكلته، غلظ وبرها وانتشر.
أراد أن الريح تجرّ من الغبار مثل أعناق هذه الابل- ن.
اوقات النتاج
106) للنتاج ثلثة أوقات. وقتان مذمومان، وهما «3» الأول والآخر، ووقت محمود، وهو الأوسط. فالوقت الأول ما كان منه
(المتن/94)

عند طلوع قلب العقرب. وذلك لست وعشرين ليلة تخلو من تشرين الآخر. وما نتج فى هذا الوقت، كان سيىء الغذاء لاستقبال/ البرد وقلة اللبن فيه والنبت. وحواره ربع. والوقت الآخر ما كان منه عند سقوط الغفر. وذلك لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. وما نتج فيه كان ضعيفا لاستقباله الحرّ وإعجال الشتاء إياه عن القوة. وحواره هبع، لأنه إذا مشى خلف امه، هبع أى استعان بعنقه لضعفه فأرقل والوقت الأوسط المحمود منه ما كان عند طلوع سعد الذابح. وذلك لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر إلى سقوط الجبهة. وذلك لاثنتى عشرة ليلة تخلو من شباط. ولذلك تقول العرب: «القر فى بطوت الابل. فاذا وضعت، ذهب» . يريدون أن القرّ يكون فى أيام الحمل.
فاذا مضت من شباط هذه الأيام، ذهب البرد، ووضعت.
107) وكانوا يقولون: إذا انزى على الشاة عند طلوع نجم من النجوم بالغداة، نتجت حين ينوء ذلك النجم. وإذا أبّرت نخلة عند طلوع نجم من النجوم بالغداة، جذّت حين ينوء ذلك النجم. والنعجة والنخلة فى ذلك سواء» . وقالوا: «مع طلوع الجبهة يهيج الظليم، ويسمع عراره. فاذا طلعت العوّاء، باض النعام. فتبيض منها الواحدة الثلثين إلى الأربعين،/ فى أربعين ليلة. وترائكها ما بين الثلث إلى السبع.
وهى التى تتركها «1» من البيض فلا تثقبها قال ذو الرمة:
(المتن/95)

كأنه خاضب بالسىّ مرتعه ... أبو ثلثين أمسى وهو منقلب «1»
وقالوا: «فى سقوط طرف الأسد تزدوج الطير، وتنّقى الضفادع وتهبّ الجنائب» . وذلك فى آخر كانون الآخر. وقالوا: «إذا رأيت النجم بقبل، فشهر فتى وجمل» «2» . يريدون إذا رأيت الثريا فى أول الليل فى ربع افق السماء [الشرقى] ، اغتلم الفتيان، وهاجت الابل.
وقالوا: «إذا أمسى النجم بدبر، فشهر نتاج ومطر» «3» . يريدون إذا رأيتها أول الليل فى ربع الافق الغربى مدبرة للغروب، فهو وقت نتاج الغنم ووقت المطر» .
أوقات تبّدى العرب ورجوعها إلى محاضرها
108) معنى «التبدّى» أن يخرجوا إلى البوادى يبتغون الكلأ ومساقط الغيث، فلا يزالون كذلك إلى هيج النبات، وانقطاع الرطب وجفوف الغدران. ثم يرجعون الى محاضرهم ومياههم التى كانوا عليها وأول التبدّى طلوع سهيل بالغداة. وهو يطلع بالحجاز لأربع عشر [ة] ليلة تمضى من آب. ويطلع بالعراق لأربع يبقين من آب. / وكان
(المتن/96)

أو لهم تبدّوا «1» قبل دخول الربيع الأول، وهو الخريف فى تحديد أزمنتهم، بسبعة أيام. ومن خرج منهم فى هذا الوقت، نال شيئا من الرطب. ثم يتتابع جمهور الناس إلى سقوط الفرغ المؤخر.
وهو يسقط لاثنتين وعشرين ليلة تمضى من أيلول. وفى هذا الوقت يكون أول الوسمى. قال ذو الرمة:
إذا عارض الشعرى سهيل بجهمة ... وجوزاءها استغنين عن كل منهل «2»
يريد إذا رئى سهيل بقية من آخر الليل، فقد استغنت الابل عن المناهل، وهى المياه التى كانوا عليها، وخرج الناس إلى البوادى للانتجاع.
109) وقال طفيل:
على إثر حىّ لا يرى النجم طالعا ... من الليل إلا وهو قفر منازله «3»
يريد أن من تبدّى فى هذا الوقت، لم ير الثريا من أول الليل إلا وهو نازل بالقفر، وقد ترك محضره، وتبدّى. والثريا تظهر أول الليل فى النصف من تشرين الأول. فلا يزالون بادين. ثم يحضر أو لهم. أى يرجعون إلى محاضرهم ومياههم، عند طلوع الشرطين.
(المتن/97)

وطلوعها بالغداة لست عشر [ة] ليلة تخلو من نيسان ثم يتتابعون فى الرجوع إلى طلوع الثريا بالغداة وإلى/ أن تتقدم الفجر قليلا بالطلوع وطلوعها لثلث عشرة ليلة تخلو من أيّار. وتقدّمها الفجر بعد طلوعها بالغداة بمدة إلى أن تطلع الهقعة، فيرجع آخر الناس. وطلوع الهقعة لتسع ليال تخلو من حزيران. وفى هذا الوقت تنضب المياه وينقطع الرطب. فلا يجدون بدّا من الرجوع إلى مياههم. وقال ذو الرّمة:
حتى إذا ما استقلّ النجم فى غلس ... وأحصد البقل ملوىّ ومحصود
ظللت تخفق أحشائى على كبدى ... كأننى من حذار البين مورود «1»
قوله «استقل النجم فى غلس» ، يريد ارتفعت الثريا فى السماء ببقية من غلس الليل. و «احصد البقل» ، حان أن يحصد لجفوفه.
«ملوى ومحصود» ، يقول: بعضه ملوى، وهو المتهىء للجفوف وفيه شىء من ندى؛ وبعضه محصود. وقوله «ظللت تخفق أحشائى على كبدى» ، أى تجب «2» خوفا من فراق من جاورته بالبادية لرجوعهم إلى محاضرهم، فكأننى «مورود» . محموم.
110) وقال أيضا يذكر المرأة وموضعها بالبادية:
أقامت به حتى ذوى العود والتوى ... وساق الثريا فى ملاءته الفجر «3»
(المتن/98)

وحتى اعترى البهمى من الصيف نافض كما نفضت خيل نواصيها شقر «1» وقال الآخر:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا «2»
«أردفت» وردفت واحد. يريد إذا طلعت، وبقى من الليل فضل حتى تظهر الجوزاء بعدها، «ظننت» بهذه المرأة «الظنونا» لأن هذا وقت لا يبقى «3» فيه أحد بالبادية فلا أدرى إلى اىّ المياه قصدت ولا أيّها حضرت. فأقول مرة هى على ماء كذا، ومرة على ماء كذا
(المتن/99)

من غير يقين- ن.
111) قال الساجع: «إذا طلعت الهقعة، تقوّض الناس للقلعة ورجعوا عن النجعة» «1» والهقعة، رأس الجوزاء. وطلوعها لتسع تخلو من حزيران، وذاك أول القيظ. وإذا كان خروج أول البادين قبل الخريف، ورجوع آخر الحاضرين آخر القيظ، كان المقام فى النجعة ثلثة أزمنة كملا الربيع الأول وهو الخريف، والشتاء، والربيع الثانى وهذه تسعة أشهر لمن تقدم فى الخروج وتأخر عن الحضور، ولا أرى مقامه على مائه إلا شهور القيظ، حسب.
ذكر الازمنة الاربعة وتحديد أوقاتها
112) أما أصحاب «2» الحساب فيحد [د] ون أوقات فصول السنة بحلول الشمس بنجم من هذه النجوم الثمانية والعشرين، ويجعلون لكل زمان/ من الأزمنة الأربعة سبعة أنجم منها. ويبدؤن من الأزمنة بالفصل الذى تسميه عوام الناس الربيع. وهو عند العرب الصيف.
ونجوم هذا الفصل الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع. والشمس تحلّ بالشرطين بالغداة لعشرين ليلة تخلو من أذار، فتسترها «3» وتستر المنزل قبلها «4» فلا يزال الشرطان مستورين إلى أن يطلعها بالغداة لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. فيكون بين حلول
(المتن/100)

الشمس بهذا المنزل وبين أن تبدو لعيون الناظرين بالغداة ستة وعشرون يوما. وذلك نوءان. وعلى هذا سائر هذه المنازل فى حلول الشمس بها وطلوعها.
113) وإذا حلّت الشمس برأس الحمل، اعتدل الليل والنهار، فصار كل واحد منهما اثنتى عشرة ساعة يوما واحدا وليلة واحدة. ثم يزيد النهار وينقص الليل إلى أن يمضى من حزيران اثنتان وعشرون ليلة. وذلك بعد أربع وتسعين ليلة من وقت اعتدالهما. وينتهى طول- النهار وينتهى قصر الليل. وينقضى فصل الربيع، ويدخل الفصل الذى يليه، وهو الصيف. ودخول الصيف بحلول الشمس برأس السرطان ونجومه النثرة/ والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوّاء، والسماك. ثم يأخذ الليل فى الزيادة والنهار فى النقصان إلى ثلث وعشرين ليلة تخلو من أيلول. وذلك ثلث وتسعون ليلة. وعند ذلك يعتدل الليل والنهار ثانية، فيكون كل واحد منهما اثنتى عشرة ساعة يوما واحدا وليلة واحدة. وينقضى فصل الصيف ويدخل فصل الخريف ودخول فصل الخريف بحلول الشمس برأس الميزان. ونجومه الغفر، والزبانى، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة. ثم يأخذ الليل فى الزيادة، والنهار فى النقصان إلى أن يمضى من كانون الأول أحد وعشرون يوما وذلك تسع وثمانون ليلة. وعند ذلك ينتهى طول الليل، وينتهى قصر النهار، وينقضى فصل الخريف. ويدخل فصل
(المتن/101)

الشتاء بحلول الشمس برأس الجدى [وهو سعد الذابح] «1» ونجومه سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم والفرغ المؤخّر والحوت «2» ويأخذ النهار فى الزيادة والليل فى النقصان، الى أن تعود الشمس إلى رأس الحمل، ويعتدل الليل والنهار، وينقضى فصل الشتاء. وذلك تسع وثمانون ليلة وربع.
114) فجميع أيام السنة على هذا العدد ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع. وهذا/ الحساب لا يتغير ولا يزول على مرّ الدهور.
وليس كحساب الأهلة «3» وحساب الفرس «4» وحساب القبط «5» وعدد شهوره اثنا عشر شهرا: تشرين الأول، وهو واحد وثلثون يوما. تشرين الثانى، وهو ثلثون يوما. وكانون الأول، وهو أحد وثلثون يوما.
وكانون الثانى، وهو أحد وثلثون يوما. [وربع] «6» وشباط وهو ثمنية وعشرون يوما [وربع] «7» فاذا مضت له أربع سنين، انجبر الكسر فيه وجبر الكسر اجود فصار فى السنة الرابعة تسعة وعشرين يوما؛ فتكون تلك السنة ثلاثمائة وستة وستين يوما؛ وتسمّى كبيسة. أذار واحد وثلاثون يوما. نيسان ثلاثون يوما. أيّار واحد وثلاثون يوما.
(المتن/102)

حزيران ثلاثون يوما. تموز واحد وثلاثون يوما. آب واحد وثلاثون يوما أيلول ثلاثون يوما. وهذا حساب الروم.
115) وفى هذه الأيام تقطع الشمس دور السماء، فيكون ذلك سنة شمسية. يراد قد حلّت الشمس برأس الحمل إلى أن عادت برأس الحمل فى أول السنة الثانية. وقد ذكر عدى بن الرقاع فى شعره بعض شهور الروم، ووصف حميرا رعت البقل فى الشتاء إلى أن نضبت المياه وذوى البقل «1» ، فقال:
شباطا وكانونين حتى تعذّرت ... عليهن فى نيسان باقية الشرب
وكان ينزل الشام فأخذ هذا عن أهله- ن.
116) /وذكر المرّار الفقعسى حلول الشمس بأعلى منازلها فى شدة الحر. وذلك إذا حلّت بأول السرطان، فقال:
إذا طلعت شمس النهار فأنها ... تحلّ بأعلى منزل وتقوم
يريد أن الشمس فى منتهى صعودها فى القيظ. فاذا طلعت، حلّت بأول منازلها. وإذا انتصف النهار، قامت على قمّة الرأس.
وهذا يدل على معرفتهم بحلول الشمس رؤوس الأرباع «2» ، وإن كان حساب فصولهم على غير ذلك- ن.
الازمنة وتحديد اوقاتها عند العرب
117) والعرب «3» لا تذهب فى تحديد أوقات الأزمنة الى مثل هذا
(المتن/103)

ولا تجعل أول عدد السنة، الربيع. ولكنها تذهب فى تحديد أوقاتها الى ما تعرف فى أوطانها من إقبال الحرّ والبرد، وادبارهما؛ وطلوع النبات واكتهاله، وهيج الكلأ ويبسه. وتذهب فى عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف، وتسميه الربيع. لأن اول الربيع، وهو المطر، يكون فيه. ثم يكون بعده فصل الشتاء. ثم يكون بعد الشتاء فصل الصيف؛ وهو الذى يسمّيه الناس الربيع، وتأتى فيه الأنوار.
وانما سمّوه صيفا لأن المياه عندهم تقلّ فيه، والكلأ يهيج، وقد يسميه بعضهم الربيع الثانى. ثم يكون/ بعد «1» فصل الصيف، فصل القيظ؛ وهو الذى يسمّيه الناس الصيف. وبعض العرب يقسم السنة نصفين: شتاء وصيفا. ويبدأ بالشتاء لأنه ذكر؛ والصيف انثى، لأن النبات يكون فيه. ثم يقسم الشتاء نصفين، فيكون الشتاء أوله، والربيع آخره. ويقسم الصيف نصفين، فيجعل الصيف أوله والقيظ آخره- ن.
118) فأول «2» وقت الربيع الأول عندهم، وهو الخريف، ثلثة ايام تخلو من أيلول. وأول الشتاء عندهم ثلثة ايام تخلو من كانون الأول. وأول الصيف عندهم، وهو الربيع الثانى، خمسة ايام تخلو من أذار. واول وقت القيظ عندهم اربعة ايام تخلو من حزيران.
والخريف عندهم المطر الذى يأتى فى آخر القيظ. ولا يكادون يجعلونه اسما للزمان. وقد قال عدى بن زيد:
(المتن/104)

فى خريف سقاه نوء من الدا ... وتدلّى ولم يوار العراقى «1» فجعله اسما للزمان. وسماه خريفا لاختراف الثمار فيه. وممن جعله المطر الحطيئة قال وذكر امرأة:
تصيّف ذروة مكنونة ... وتبدو مصاب الخريف الحبالا «2»
يريد أنها تبدو لمصاب هذا المطر. فهذه حدود الأزمنة عند العرب وأسماؤها.
119) ثم يجعلون صميما يخلص فيه طبعه/ فيذكرون منه شهرين ويدعون شهرا لأن نصف الشهر من أوله مقارب لطبع الزمان الذى قبله.
ونصف الشهر من آخره مقارب لطبع الزمان الذى بعده. فالخالص منه شهران. فيسمّون شهرى الشتاء الخالص شهرى قماح. قال الهذلى «3» .
فتى ما ابن الأغرّ إذا شتونا ... وحبّ الزاد فى شهرى قماح
وسمّيا بذلك لأن الابل ترفع فيهما رؤوسها عند الماء لشدة برده والابل القماح، التى ترفع رؤوسها. قال بشر بن ابى خازم يذكر سفينة [وركبانها] :
(المتن/105)

ونحن على جوانبها قعود ... نغضّ الطّرف كالابل القماح «1»
والابل إذا رفعت رؤوسها عن الماء، غضّت أبصارها. ويدعون هذين الشهرين ملحان، وشيبان، لبياض الأرض بالجليد والصقيع.
قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جوبها ... لملحان أو شيبان واليوم اشهب «2»
فهذان شهرا الشتاء.
120) ويسمّون شهرى القيظ اللذين يخلص فيهما حرّه، شهرى ناجر. وسميّا بذلك لأن الابل تشرب، فلا تكاد تروى لشدة الحرّ.
والنّجر «3» والبغر متقاربان، وهو أن تشرب فلا تروى. يقال نجر من الماء/ إذا امتلأ منه فكظّه، وهو مع ذلك يشتهيه. قال ذوالرمة يصف ماء:
صرى آجن يزوى له المرء وجهه ... ولو ذاقه ظمآن فى شهر ناجر «4»
(المتن/106)

وقال الأخطل يذكر عيرا:
رعين بصحراوين حتى تقيّظت ... وأقبل شهرا وقدة وعكان «1»
وهذان الشهران هما بيضة القيظ. قال الشمّاخ:
طوى ظمأها فى بيضة القيظ بعدما ... جرى فى عنان الشعريين الأماعز «2»
فهذان شهرا القيظ- ن.
121) ولا أعلم أنهم سمّوا شهرى الربيع الثانى باسم، إلا أنهم يقولون: حللنا بلد كذا وكذا فى حد الربيع. وبطنان الربيع، يريدون شهريه. وقد ذكروهما من غير تسمية. قال أبو ذؤيب يصف ظبية رعت مكانا:
به أبلت شهرى ربيع كليهما ... فقد مار فيها نسؤها واقترارها «3»
(المتن/107)

«أبلت» جزأت بالرطب. و «النسؤ» بدوّ السمن. و «الاقترار» «1» أن يخثر بولها، وهو من علامات السمن. قال رؤبة يصف حميرا وأتنا:
شهرين «2» مرعاها بقيعان السّلق ... مرعى أنيق النبت مجّاج الغدق «3»
وقال ابن مقبل «4» :
أقامت به حدّ الربيع وجارها ... أخو سلوة مسّى به الليل املح
/ يريد بأخى السلوة، الندى لأنهم فى سلوة ورخاء وطمأنينة ما كان الندى عندهم. و «مسّى به الليل» أى جاء الندى عند مجىء الليل و «أملح» فى لونه، أى هو أبيض. وربما ذكروا استيفاءها شهور الربيع الثانى كله. قال حميد بن ثور «5» :
(المتن/108)

رعين المرار الجون من كل مذنب ... شهور جمادى كلّها والمحرّما «1»
«الجون» الأسود من شدة خضرته. و «المحرّم» رجب. وقال «شهور جمادى» وهما شهران. كما قال الله جلّ ثناؤه «فان كان له إخوة فلامّه السّدس» «2» يريد أخوين فصاعدا. ولم يفعلوا مثل هذا فى زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. ولا أحسب ذلك، إلا أنه لم يدعهم إلى ذكره شىء كما دعا اليه شدة البرد فى الشتاء، وشدة الحرّ فى القيظ، ووقت الجزّ فى الربيع- ن.
ذكر نجوم الازمنة ورقائبها ونجوم أنوائها
122) فصل الربيع قد أعلمتك «3» أن نجوم هذا الفصل سبعة أنجم أولها الشرطان، وآخرها الذراع. ورقائبها سبعة، أولها الغفر، وآخرها البلدة. والرقيب هو الذى يغرب بالغداة فى المغرب إذا طلع هذا بالغداة
(المتن/109)

فى المشرق. وسمّى رقيبا، لأنه/ كأنه يرقبه: فاذا طلع، غرب هو.
قال بشر بن أبى خازم:
قدورهم تغلى أمام بيوتهم ... إذا ما الثريا غاب قصرا رقيبها «1»
«غاب قصرا» أى عشيا. ورقيب الثريا إكليل العقرب. وإذا طلعت الثريا عشاء، سقط إكليل العقرب عشاء، وإذا طلعت بالغداة، سقط إكليل العقرب بالغداة. وإنما أراد أنهم يقرون الضيف فى البرد.
ولا فرق بين «الثريا غاب قصرا رقيبها» وبين قوله «إذا طلعت الثريا» لأن فى غروب كل واحد منهما طلوع الآخر. قال جميل:
أحقّا، عباد الله، ان لست لاقيا ... بثينة أو يلقى الثريا رقيبها
يقول: لست لاقيها أبدا، لأن رقيب الكوكب يغرب إذا طلع هذا بالمشرق والآخر بالمغرب.
123) وقال آخر:
حتى رأيت عراقى الدلو ساقطة ... وذا السلاح مصوح الدلو قد طلعا «2»
فأخبرك أن السماك الرامح، وهو «ذو السلاح» ، رقيب الدلو.
«مصح الدلو» ، أى سقط لما طلع السماك. فاذا آثرت «3» أن تعرف رقيب كل كوكب، عددته وما بعده من كواكب المنازل على تواليها فجعلته الخامس عشر فصار أول نجوم/ الربيع الشرطين، وآخرها الذراع. وصار أول رقائبها الغفر، وآخرها البلدة. وصارت نجوم
(المتن/110)

أنواء هذا الفصل العوّاء، والسماك. والغفر، والزبانى، والاكليل، والقلب، والشولة. وإنما صارت أنواؤه. غير رقائب نجومه لأن الشمس إذا حلّت بالمنزل، سترته وسترت منزلا آخر قبله. كأنها «1» إذا حلّت بالشرطين، سترتهما وسترت الحوت قبله. فظهر للناظر بالغداة الفرغ المؤخر ورقيب الفرغ المؤخر العوّاء. فلذلك صارت أول نجوم أنوائه العوّاء- ن.
وأمطار هذا الفصل كلها صيّف، لأن العرب تدعوه الصّيف لاقبال الحرّ فيه ويبس النبات، وهبوب البوارح فى النجم الثالث من نجوم أنوائه، وهو الغفر. قال النمر بن تولب، وذكر وعلا:
سقته الرواعد من صيّف ... وإن من خريف فلن يعدما
124) فاذا كان المطر بأول نجوم أنوائه، كالعوّاء والسماك، جاز أن يجعلوه ربيعا لقربه من آخر الشتاء ومن أمطاره. قال الطرماح:
محاهنّ صيّب نوء الربيع ... من الأنجم العزل والرامحه «2»
فسمّى مطر السماك ربيعا لما أعلمتك. وقد جعله غيره صيفا وإن كان قريبا من الشتاء، ولم يعدم الاسم الذى يجب أن يسمّى به قال الجعدى:
تجرّى عليه رباب السما ... ك شهرين من صيّف مخضب «3»
(المتن/111)

وكان ابوعبيدة يروى بيت زهير:
وغيث من الوسمىّ حوّ تلاعه ... وجادته من نوء السماك هواطله «1»
أراد أن النبت جاد عليه الوسمى فى الخريف، وتتابعت عليه الأمطار فى الشتاء إلى أن سقاه «2» نوء السماك فى الربيع. ولا يجوز أن يكون الوسمى فى نوء السماك لأن الوسمى أول أمطار الخريف. وسأذكره فى فصل الخريف إن شاء الله- ن.
ومن أنواء هذا الفصل نو لعقرب. وهو مذكور بالغزارة [ونوء السيل] «3» . قال الكميت، وجعل مطره صيفا والزمان صيفا، وذكر النّعام:
تذكّرن بالميث الأداحى مقصّرا ... وهاج لهن العقربىّ المغرّب
بغبية صيف لا يؤتّى نطافها ... ليبلغها ما أخطأته المضّبب «4»
وقد فسّرت البيت فيما تقدم من الكتاب:
125) وأما قول الأسود بن يعفر:
جاد السماكان بقريانه ... للنجم والنثرة والعقرب
فمن الناس من يقضى عليه بالغلط، لأن السماك من أنواء فصل
(المتن/112)

الربيع. والثريا من أنواء فصل الخريف، والنثرة من أنواء فصل الشتاء ثم رجع إلى العقرب. وهى من أنواء/ فصل الربيع. والذى عندى أنه أراد جاد السماكان بقريان هذا الموضع، أى امطره جودا فى الربيع بنوئه. ثم نسب قريان هذا الموضع إلى النجم، وهى الثريا لأنها أيضا قد جادته فى الخريف؛ وإلى النثرة لأنها جادته فى الشتاء؛ وإلى العقرب لأنها جادته بعد السماك فى الربيع. فجمع له الأزمنة النافعة المطر. كما قال آخر:
فلا زال نوء الدلو يسكب ودقه ... بكنّ ومن نوء السماك غمام
فجمع لها أول الأنواء وآخرها. واحد القريان: قرىّ؛ والقريان مجارى الماء إلى الروضة. قال بعض الرجاز:
بشّر بنى عجل بنوء العقرب ... إذ أخلفت. أنواء كل كوكب
على الأخاديد بماء زغرب «1»
يريد أن النجوم أخلفت كلها. فلم يمطروا، ثم أتاهم المطر فى آخر الربيع بنوء العقرب وما جاء من المطر فى آخر هذا الفصل عند إقبال القيظ فهو دفئّ «2» ودثئّ «3» وكذلك الميرة إذا كانت فى قبل الحرّ والنتاج، فهو دفئّ «4» قال الشاعر:
(المتن/113)

بل البرق يبدو فى ذرى دفئيّة ... تضىء نشاصا مشمخر الغوارب
فصل القيظ
126) وأول نجوم فصل القيظ «النثرة» وآخرها «السماك» .
وأول رقائبها «سعد الذابح» وآخرها «الحوت» ونجوم أنوائه النعائم والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدم. وأمطار هذا الفصل تسمّى الحميم قال مالك بن خالد الهذلى «1» :
هنالك لو دعوت أتاك منهم ... رجال مثل أرمية الحميم
والأرمية سحائب شديدة وقع المطر. واحدها رمىّ. وكذلك الأسقية، واحدها سقىّ. وقد يسمّى مطر هذا الزمان صيّفا أيضا.
ويسمّى رمضيا وشمسيا. وبمطر القيظ حياء أهل اليمن، لأنهم يمطرون فى القيظ فيخصبون فى الخريف. وأما غير أهل اليمن، فلا أعلمهم ينتفعون بالحميم. والعرب تقول: كل أمطار السنة تنبت له الأرض، وتمشر له العضاه إلا مطر الحميم يقال: أمشرت الأرض، إذا أنبتت.
وأمشرت الشجرة، إذا أورقت. ولا أعلم فى أنوائه نوء مذكورا موصوفا إلا الفرغ، فانهم يحمدونه. وهو آخر أنوائه. وذلك لقربه من الخريف/ وقد ذكر الكميت سعد السعود، ولم يحسن فى ذلك إلا أن يكون أراد ما تأولناه له. وقد ذكر أوس بن حجر هذا المطر
(المتن/114)

أيضا، فقال:
ألم تر أن الله أنزل مزنة ... وعفر الظباء فى الكناس تقمّع «1»
يقول: خصّنا بهذه المزنة فى غير وقت مطر، والذباب لم يذهب ولم يخفّ، «والظباء فى الكنس تقمّع، أى تطرد عنها القمعة، وهو ذباب أزرق- ن.
فصل الخريف
127) وأول نجوم فصل «2» الخريف الغفر، وآخرها البلدة.
وأول رقائبها الشرطان، وآخرها الذراع. ونجوم أنوائه الفرغ المؤخر والحوت، والشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة» فالفرغ المقدّم آخر أنواء القيظ، والفرغ المؤخر أول أنواء نجوم الخريف.
ولذلك سمّوا المقدّم فرغ القيظ، وسمّوا المؤخّر فرغ الخريف.
فصار فصلا بين الزمانين. ويسمّى مطر هذا الفصل ربيعا وخريفا.
ويسمّى وسميّا، لأنه يسم الأرض بالنبات. يقال أرض موسومة،
(المتن/115)

إذا أصابها الوسمى. وقال ابن كناسة: خمسة أنواء من أنواء الخريف الفرغ المؤخر، والحوت، والشرطان، والبطين، والثريا./ وليس بعد الثريا وسمىّ. وذكر أن النجمين الباقيين من نجوم أنواء هذا الفصل للولىّ وهو المطر الذى يأتى بعد الوسمى. وقد بين العجاج هذا بقوله:
جادلها بالدّبل الوسمىّ ... من باكر الأشراط أشراطىّ
من الثريا انقضّ أو دلوىّ ... وبالحجور وثنى الولىّ «1»
وقال عبد الله «2» : فعدّد أنواء الوسمى من الدلو إلى الثريا «وثنى الولىّ» ، فجعله لوقت معلوم غير وقت الوسمى. وقال عبد الله بن خلاس فى مثل ذلك:
جرّت به الأنواء أذيال السمىّ ... باكورها الأول من فرع الدلىّ
وعقب مغدقة من الولىّ
128) ويسمى اول مطر الوسمى عهادا. واحدها عهدة وعهد.
ثم الرّصد. والفتوح «3» أكثرها. يقولون: قد فتح الله علينا فتوحا
(المتن/116)

كثيرة، واحدها فتح، اذا تتابعت الأمطار. قال ابو النجم، وذكر حمارا:
يرعى سحاب العهد والفتوحا «1»
ولا ينفع الوسمى الا بالولىّ لان اول الوسمى يقع وللحرّ سلطان، فيجعل النبات. وان لم يأت الولىّ، جفّ. قالوا: وبمطر الوسمى تخصب الأرض، وبه تنبت الكمأة. وقالوا: مطر الصيف يعنون الربيع،/ أشد وابلا، وأشد سيلا، وأحفش حفشا، وأقل دواما. ومطر الوسمى أقل وألين وأبلغ فى الأرض وأروى. وهو خصب أهل الحجاز وأهل البادية فأما أهل العراق فيمطرون الشتاء كله، ويخصبون فى الصيف. ويقال أيضا لأول الأمطار عند طلوع سهيل «صفرّ» قال عمرو بن الأهتم:
تسبيح لنا أرماحنا كلّ عازب ... من الصّفرىّ سوقه قد تدلّت «2»
والسحائب المبكرات بالمطر يقال لها المرابيع، واحدها مرباع
(المتن/117)

كمرابيع الإبل وهى التى تنتج فى أول الزمان. قال لبيد:
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها «1»
ويقال للمكان السريع النبات مرباع. وقالوا فى مطر الوسمى «شهر ثرى، وشهر نزى، وشهر مرعى وشهر استوى» . كأنه يكتهل فى اربعة أشهر.
فصل الشتاء
129) وأول نجوم فصل الشتاء سعد الذابح، وآخرها الحوت واول رقائبها النثرة وآخرها السماك ونجوم أنوائه الهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة. / وهى الأنواء الغزار المذكورة. وأمطاره الشتىّ. قال النّمر بن تولب:
عزبت وباكرها الشتىّ بديمة ... وطفاء تملأها إلى أصبارها «2»
ويسمّى ربيعا أيضا. والعرب تسمى المطر فى اى وقت سقط ربيعا، حتى الحميم، وهو مطر القيظ. ولهذا الفصل ثلث عقارب؛ الاكليل، والقلب، والشولة. واحدها فى هلال الشهر الذى يهلّ فى تشرين الآخر. والثانية فى هلال الشهر الذى يهلّ فى كانون الآخر
(المتن/118)

وقال ابن احمر «1» . وذكر المرأة:
لم تدر ما برد الشتاء وجدبه ... ومضت عقاربه ولم تتحدّد
وإياها أراد الكميت فى وصف الثور:
باتت له العقرب الاولى بشرتها ... وبلّه مع طلوع الجبهة الأسد
يريد العقرب الأول من عقارب البرد. ويدلّك على أنه لم يرد برج العقرب قوله «الاولى» . وهذا يدلّ على أكثر من واحد وان العقرب ليست من أنواء هذا الفصل. فكيف يجتمع هو والأسد فى ليلة واحدة.
130) والجمرات ثلاث: أولهنّ لسبع من شباط. والثانية لأربع عشرة ليلة تخلو منه. والثالثة لاحدى وعشرين ليلة تخلو منه وهى دفاء يخرج من الأرض. أيام العجوز فى نوء الصرقة/ ونوؤها آخر أنواء الشتاء. وهى عند العرب خمسة «2» أيام صنّ، وصنّبر، وأخوهما «3» ووبر، ومطفئ الجمر ومكفى الظعن والبرد فيها يشتد، وذلك لانصرافه. وبه سمّيت الصرفة ويشبه ذلك بالسراج بشدة ضوئه قبل أن يطفأ؛ والعليل يقوى شيئا قبل أن يموت. وكما جعلوا للبرد عقارب؛ جعلوا للحرّ وغرات. فهى وغرة النجم، ووغرة الدبران،
(المتن/119)

ووغرة الشعرى- وهى أشدها؛ يقال «إن الرجل يعطش فيها بين الحوض والبئر، - ووغرة الجوزاء، ووغرة سهيل. فاذا طلع السماك، ذهبت الوغرات.
ذكر البروج
131) البروج، الحصون والقصور. قال الله جلّ ذكره «وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»
«1» وقال جل وعزّ «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً»
«2» وقال «وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ»
«3» وهى اثنا عشر برجا عند العرب وعند جميع الامم. وأسماؤها:
الحمل/ والثور/ والجوزاء/ والسرطان والأسد/ والسنبلة/ والميزان/ والعقرب والقوس/ والجدى/ والدلو/ والحوت 132) / «4» وقد يسمّى قوم الحمل «الكبش» والجوزاء «التوأمين»
(المتن/120)

والسنبلة «العذراء» والعقرب «الصورة» والقوس «الرامى» والحوت «السمكة» وتسمّى أيضا «الرشاء» .
133) ولكل «1» برج منزلان وثلث من منازل القمر الثمانية والعشرين. فللحمل: الشرطان، والبطين، وثلث الثريا. وللثور: ثلثا الثريا، والدبران، وثلثا الهقعة. وللجوزاء: ثلث الهقعة، والهنعة، والذراع. وللسرطان: النثرة، والطرف، وثلث الجبهة. وللأسد:
ثلثا الجبهة، والزبرة، وثلثا الصرفة. وللسنبلة: ثلث الصرفة، والعوّاء والسماك. وللميزان: الغفر، والزبانى، وثلث الاكليل. وللعقرب: ثلثا الاكليل، والقلب، وثلثا الشولة. وللقوس ثلث الشولة. والنعائم، والبلدة. وللجدى: سعد الذابح، وسعد بلع، وثلث سعد السعود.
وللدلو: ثلثا سعد السعود، وسعد الأخبية، وثلثا الفرغ المقدم.
وللحوت: ثلث الفرغ المقدم، والفرغ المؤخر، والرشاء.
134) ولكل برج من هذه البروج رقيب منها، كما كان لكل منزل من المنازل رقيب منها. فرقيب كل برج، البرج السابع. فالحمل رقيبه الميزان. والثور رقيبه العقرب/ والجوزاء رقيبها القوس.
والسرطان رقيبه الجدى. والأسد رقيبه الدلو. والسنبلة رقيبها الحوت.
135) ومن هذه البروج ما يشاكل اسمه صورته. ومنها ما لا يشاكل اسمه صورته. ومن المشاكل الاسم للصورة ما يكون بعض
(المتن/121)

صورته له وبعضها لغيره، كالعقرب؛ وهى أربعة منازل: الزبانى، والاكليل والقلب، والشولة. وبرج العقرب منزلان وثلث، فصار بعضها للميزان، وبعضها للقوس. وكالأسد، ينسب إليه ثمانية منازل: أولها الذراع، وآخرها السماك. وبرج الأسد منزلان وثلث. وكالحوت هو منزل واحد، وصورة واحدة؛ وبرج الحوت منزلان وثلث- ن.
القطب
136) وللفلك قطبان: قطب فى الشمال، وقطب فى الجنوب.
فالقطب الشمالى ظاهر، يدور حوله بنات نعش الصغرى والكبرى.
ويتصل ببنات نعش الصغرى كواكب خفية. إذا أنت جمعتها إليه، صارت فى صورة سمكة. وهذه الكواكب تسمّى فأس القطب، تشبيها بفأس الرحى. وتسمّى «قوس القطب» وأحد طرفى الفأس هو الجدى والطرف الآخر أحد الفرقدين. وإذا أنت تأملت ذلك رأيت صورة سمكة؛/ أعلاها الفرقد الأدنى إلى القطب، وأسفلها الجدى الذى يعرف به القبلة. والقطب هو وسط السمكة. فالصورة، والجدى، والفرقدان تدور على القطب، وبنات نعش تدور عليه. قال الشاعر «1» :
مالت إليه طلابا واستطيف به ... كما تطيف نجوم الليل بالقطب
فأعلمك أن النجوم تدور حول القطب، وهو لا يزول: وإنما الزائل والدرّار، الفلك ومثال القطبين فى الفلك مثال العود الذى
(المتن/122)

تدور عليه البكرة؛ فرأس العود من كل ناحية. ومثال ذلك أيضا مثل كرة أنفذت فيها عودا على نقطتين متقابلتين. ثم أدرتها فى العود.
فرأس العود من كل جانب. والكرة تدور، والعود لا يدور. كما أن الفلك يدور، فالقطب لا يدور. وليس يبلغ موضع القطب شمس ولا قمر. فهذا هو موضع القطب الشمالى.
137) والقطب الجنوبى يقابل القطب الشمالى. تدور حوله كواكب، أسفل من سهيل. وليس يظهر القطب الجنوبى لشىء من جزيرة العرب. وسأصف لك بنات نعش الصغرى، وبنات نعش الكبرى، وما داناهما من الكواكب إن شاء الله- ن.
المجرّة
138) يقال فى المجرّة إنها «شرج السماء» ، كشرج القبّة.
وسمّيت مجرّة على التشبيه، كأنها مجرّ، ومسحب. وهى ترى فى الشتاء اول الليل، / فى ناحية السماء. وترى فى الصيف اول الليل فى وسط السماء. ولذلك قيل: «سطى مجر، ترطب هجر» «1» لأن توّسطها السماء وقت لارطاب النخل بهجر. وتنتقل المجرّة آخر الليل فتراها فى آخر كل ليلة فى غير موضعها من اوله. ولذلك قال ذوالرمّة:
بشعث يشّجون الفلا فى رؤوسه ... إذا حوّلت امّ النجوم الشوابك «2»
(المتن/123)

يريد أنهم يركبون الفلا آخر الليل عند تحوّل المجرّة عن موضعها وسماها ام النجوم، لاجتماع النجوم فيها وكثرتها. ويقال إن النجوم تقاربت فى المجرّة، فطمس بعضها بعضا، فصارت كأنها سحاب.
الفلك والسماء
139) والفلك هو مجرى النجوم. قال الله جلّ وعزّ بعد ذكر الشمس والقمر والمنازل: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»
«1» وسمّى فلكا لاستدارته. وكذلك الفلك فى العربية هو ما استدار. والفلك قطعة من الأرض مستديرة. قال ذوالرمة:
حتى أتى فلك الخلصاء دونهم ... واعتمّ قور الضحى بالآل واختدرا «2»
ومنه فلكة المغزل. ومنه قيل «فلّك ثدى الجارية» ، إذا استدار وقد سمعت من يذكر أن الأفلاك أطواق تجرى فيها النجوم والشمس والقمر؛ والسماء فوقها. ولست أدرى كيف هذا. ولا وجدت عليه شاهدا/ من الكتاب ولا من الحديث ولا قول العرب. والله جلّ وعزّ يقول: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ»
«3» . فلولا أنه قد يجوز ان يسمّى الفلك سماء، كما يسمّى السجاب سماء، لم أر
(المتن/124)

ما ذهبوا إليه إلا باطلا. والله أعلم. والسماوات طباق، كما ذكر الله ولذلك تسمّى السماء رقيعا، لأنها رقيع لما فوقها. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسعد «1» : «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة» يريد من فوق سبع سماوات.
140) وتسميها أيضا «الجرباء» ، لكثرة الكواكب فيها. قال الهذلى «2» يذكر الأتن والحمار:
أرته من الجرباء فى كل منظر ... طبابا فمثواه النهار المراكد
يريد أن الأتن «3» ادخلت العير مضايق، فليس يرى من السماء إلا قطعة كالطبابة، وهى طرة من الأديم تثنيها الخارزة على مجمع الأديمين. ويقال للسماء أيضا «جربة النجوم» . والجربة القراح. قال بشر بن أبى خازم:
تحدّر ماء البئر عن جرشية ... على جربة تعلو الدبار غروبها «4»
(المتن/125)

وقال الشاعر:
وخوت جربة النجوم فما ... تشرب أروية بمرى الجنوب «1»
يريد: «وخوت» السماء. وخيّها، ألا تمطر. و «مرى الجنوب» استدرارها الغيث.
ذكر الكواكب الخنس
141) قال الله جلّ ثناؤه: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ»
. «2» وهى زحل، والمشترى. والمرّيخ، وعطارد، والزّهرة. وهذه سيارة فى البروج. كما تسير الشمس والقمر، غير أن بعضها أبطأ سيرا من بعض. وكل ما كان منها فوق الشمس، فهو أبطأ من الشمس. وما كان دون الشمس، فهو أسرع من الشمس. ويقال إن زحل أعلاها؛ ثم المشترى، ثم المريخ، ثم الشمس. ودون الشمس، الزهرة. ودون الزهرة، عطارد. ودون عطارد، القمر. فالشمس متوسطة لها، ثلاثة فوقها، وثلاثة تحتها. وقد يسمّى بعضها بغير هذه الأسماء، فيسمّى المريخ «بهراما» ، ويسمّى المشترى «البرجيس» ، وتسمّى الزهرة «أناهيد» . قال رؤبة بن العجاج:
اسقى أنضاخ الصبا بحيسا ... كافح بعد النثرة البرجيسا «3»
(المتن/126)

«البجيس» المتفجر «1» و «كافح» واجه و «النثرة» من ذوات الأنواء. و «البرجيس» هو المشترى؛ ولاحظ له فى المطر عندهم.
وكأن رؤبة ظنّ أنه من ذوات الأنواء. وقال الكميت يذكر ثورا فى عدوه:
ثم استمرّ وللأشباه تذكرة ... كأنه الكوكب المرّيخ أو زحل
وانما أراد أن يشبهه بكوكب منقّض، فظنّ أن المريخ وزحل منها وهما لا ينقضّان، كما ظنّ «2» . وانما سمّيت هذه الكواكب خنّسا لأنها تسير فى الفلك ثم ترجع. بينا ترى أحدها فى آخر البرج كرّ راجعا الى أوله. ولذلك لا ترى الزهرة فى وسط السماء أبدا؛ وانما تراها بين يدى الشمس أو خلفها. وذلك انها اسرع من الشمس، فتستقيم فى سيرها حتى تجاوز الشمس فتصير من ورائها. فاذا تباعدت عنها، ظهرت بالعشيات فى المغرب. فترى كذلك حينا، ثم تكرّ راجعة نحو الشمس بالغدوات حتى تجاوزها فتصير بين يديها، فتظهر حينئذ فى المشرق بالغدوات. هكذا هى أبدا. فمتى ما ظهرت فى المغرب فهى مستقيمة. ومتى ما ظهرت فى المشرق. فهى راجعة. وكل شىء استمرّ. ثم انقبض. فقد خنس. ومنه سمّى الشيطان خنّاسا.
لأنه يوسوس فى القلب. فاذا ذكر الله. خنس. وسمّيت كنّسا بالاستتار كما تكنس الظباء أى تدخل فى الكنس- ن.
(المتن/127)

مكث الخنس والشمس والقمر فى البروج
142) أعلاها زحل. ومسيره فى كل برج اثنان وثلاثون شهرا. ثم يليه المشترى، ومسيره فى كل برج سنة. ثم يليه المرّيخ، ومسيره فى كل برج خمسة وأربعون يوما. ثم تليه الشمس، ومسيرها فى كل برج شهر. ثم تليها الزهرة، ومسيرها فى كل برج سبعة وعشرون يوما. ثم يليها عطارد، ومسيره فى كل برج سبعة أيام.
ثم يليه القمر، ومسيره فى كل برج ليلتان وثلث ليلة. وتزعم أصحاب الحساب أن «التنّين» يسير فى كل برج ثمنية عشر شهرا.
صفات الخنس
143) الزهرة أعظمها فى المنظر، وأشدها نورا وبياضا. ثم المشترى فى مثل هيئتها. وفى زحل صفرة «1» . وفى المريخ حمرة. وفى عطارد حمرة «2» وقلّ ما يرى. لانه فى الاحتراق.
ذكر الشمس والقمر
144) . والشمس تقطع السماء فى سنة، وتقيم فى كل برج شهرا. وفى كل منزل من المنازل التى ذكرت، ثلاثة عشر يوما- ن.
145) والقمر يقطع السماء فى كل شهر، ويقيم فى كل برج ليلتين وثلثا. وفى كل منزل ليلة. ويستسرّ اذا كان الشهر ثلاثين يوما ليلة تسع وعشرين. ويستسر إذا كان الشهر تسعة وعشرين [يوما] ليلة ثمان وعشرين
(المتن/128)

ويقطع المنازل فى استسراره كما يقطعها فى ظهوره. والعرب تسمّى آخر ليلة فى الشهر «البرّاء» «1» لتبرّء القمر فيه من الشمس. قال الشاعر:
يا عين فابكى عامرا وعبسا ... يوما إذا كان البراء نحسا «2»
يريد إذا لم يكن فيه مطر. والمطر يستحب فى سرار الشهر.
146) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى هلال شهر رمضان:
«إذا غمّ عليكم فاقدروا له» «3» ، رواية ابن عمر. وقال فى حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدّة» «4» ، رواية ابن عباس. وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عمر. ومعنى «اقدروا له» [المسير] «5» ، أى قدّروا له المسير والمنازل «6» . يقال قدرت الشىء وقدرّته، بمعنى واحد.
والتقدير له أن يكون إذا غمّ على الناس ليلة ثلثين، فى آخر شعبان، بأن تعرف مستهلّه فى شعبان لليلته. ويعلم أنه يمكث فيها ستة أسباع ساعة من أولها. ثم يغيب. وذلك فى أدنى مفارقته للشمس.
ولا يزال فى كل/ ليلة «7» يزيد على مكثه فى الليلة التى قبلها ستة أسباع
(المتن/129)

ساعة. فاذا كان فى الليلة السابعة غاب فى نصف الليل. وإذا كان فى ليلة أربع عشر [ة] ، طلع مع غروب الشمس، وغرب مع طلوعها ثم يتأخر طلوعه عن أول ليلة خمس عشر [ة] ستة أسباع ساعة.
ولا يزال فى كل ليلة يتأخر طلوعه عن الوقت الذى طلع فيه فى الليلة التى قبلها ستة أسباع ساعة إلى أن يكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين.
مع الغداة. فان لم ير صبح ثمان وعشرين علم أن الشهر ناقص. وعدّته تسعة وعشرون يوما. وإن رئى. علم أن الشهر تامّ. وعدّته ثلثون- ن.
147) وقد يتعرّف أيضا بمكث الهلال فى ليالى النصف الأول من الشهر. ومغيبه من الليل. وأوقات طلوعه ليالى النصف الآخر من الشهر وتأخّره عن أول الليل. ويتعرف من المنازل بأن الهلال إذا طلع فى أول ليلة من شعبان فى الشرطين، وكان شعبان تامّا، طلع فى أول ليلة من شهر رمضان فى الثريا. وإن كان شعبان ناقصا، طلع فى البطين. وهذا أمر يضيق ويصعب على الناس: ويكثر فيه التنازع والاختلاف. فنسخه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدّة ثلثين» . وقد ذكرت مثل هذا «1» فى الكتاب الذى ألّفته فى الصيام «2» . ولا يمكن «3» أن يرى الهلال بالغداة فى المشرق بين يدى الشمس، وبالعشىّ فى المغرب خلف الشمس فى يوم واحد.
ولكن يمكن ذلك فى يومين، وفى ثلثة. فاذا كان ذلك فى يومين،
(المتن/130)

فهو حين يستسرّ ليلة واحدة [واذا كان فى ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين] «1» - ن.
148) وللعرب أسجاع «2» فى مقدار طلوع القمر من أول الشهر إلى عشر ليال تخلو منه. قالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ليله، عتمة سخيله، حداها «3» أهلها برميله» و «السخلة» الصغيرة من ولد المعز قبل أن تفطم، و «عتمته» رضاعه من أول الليل. يريدون أن مكثه من حين يطلع الى حين يغيب مقدار رضاع سخيلة من أول الليل.
149) وقالوا فى الهلال «إذا كان ابن ليلتين، حديث أمتين، بكذب ومين» . يريدون أن مكثه من حين يطلع إلى حين يغيب مقدار حديث أمتين بكذب ومين والأمتان إذا تلاقتا، استسرعتا الكلام والحديث، للتعجّل إلى أهلهما وخوف الاستبطاء منهما ولكثرة ما قد جمعتا فى صدورهما من حديث الكذب- ن.
150) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ثلث، حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات» . وقيل أيضا: «قليل اللباث «4» » والأول رواية أبى زيد. يريدون أن مكثه مقدار حديث فتيات غير مؤتلفات، لأن المؤتلفات يطلن الحديث حتى ربما مضى أكثر الليل./ وربما ظهر شطره.
(المتن/131)

وغير المؤتلفات لا يطول حديثهن- ن.
151) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن اربع، عتمة «1» ربع، غير جائع ولا مرضع» . و «الربع» من أولاد الابل ما نتج فى أول اوقات النتاج. و «عتمته» عشاؤه. وإذا لم يكن عشاؤه، تعلل فى الأكل، ولم يحدّ.
152) وقالوا فى الهلال: إذا كان ابن خمس، عشاء خلفات قعس» وهذه رواية أبى زيد. وقال غيره «حديث انس» «2» و «الخلفات» الحوامل. و «القعس» جمع قعساء، وهى التى قد مال عنقها نحو ظهرها.
153) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ست، سر وبت» «3» يراد أنه يصلح أن يسار فيه إلى أن يغيب، ثم يبات إلى الصبح. أى فيه اتساع للمبيت والمسير.
154) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن سبع، دلجة الضبع» «4» و «الدلجة» ، المسير بالليل. يقال: أدجلنا، إذا سرنا ليلا. وإذا كان المسير قبل الصبح، قيل: ادّلجنا، بتشديد الدال. وإذا كان ابن سبع، غاب نصف الليل. ويقال إن الضبع تدور إلى نصف الليل- ن.
155) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ثمان، قمر إضحيان» «5» و «الاضحيان» الشديد الضو. يقال: قمر إضحيان وليلة إضحيان، إذا كانت
(المتن/132)

مضيئة بالقمر. وإضحيانة وضحياء.
156) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن تسع، يلتقط فيه الجزع» «1» يقال إنه لشدة ضوئه يلتقط الجزع فيه. وخصّوا الجزع، لأنه أخفى شىء فى القمر. وفى قول القائل طرف من هذا المعنى:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه «2»
(المتن/133)

157) وقالوا فى الهلال «إذا كان ابن عشر، يؤدّيك إلى الفجر» «1» 158) وهو هلال أول ليلة، والثانية والثالثة. ثم هو قمر بعد ذلك.
قال الشاعر:
وقمير بدا ابن «2» خمس وعشري ... ن فقالت له الفتاتان قوما «3»
فصغّره لصغره فى ذلك الوقت، وهو يطلع لخمس وعشرين آخر الليل، وكنّ يتحدّثن. فلما طلع، آذن بالصبح، فقالت الفتاتان للرجل الذى كان يتحدّث إليهما: «قوما» ؛ أراد «قومن» ، بالنون الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا. كما قال الله عزّ وجل: «لنسفعا بالناصية» «4» وليلة السواء ليلة ثلث عشرة، لاستواء القمر فيها. وليلة البدر ليلة أربع عشرة. وسمّى بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع. فكان الناس يتبايعون على طلوع الشمس وغروب القمر صبح ثلث عشرة ليلة تخلو من الشهر، [أ] تطلع الشمس قبل غروب القمر، او يغرب القمر قبل طلوع الشمس. وفيه جرى المثل: «إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر» . ويقال سمّى بدرا لتمامه؛ وكل شىء تمّ فهو بدر. يقال عين بدرة، إذا كانت عظيمة. ومنه يقال لعشرة آلاف درهم «بدرة» لأنها تمام العدد.
159) والعرب تسمى كل ثلاث فى الشهر باسم على حسب
(المتن/134)

عمل القمر» وعلى محلها من العدد. فتقول «1» : «ثلاث غرر» . وغره/ كل شىء اوله. «وثلث نفل «2» . وثلث تسع» ، لأن آخرها اليوم التاسع. «وثلث عشر» لأن أولها العاشرة «وثلث بيض» لأنها تبيضّ بالقمراء من اولها إلى آخرها. «وثلث درع» . والقياس درع الا انهم أتبعوا «3» ذلك ما قبله فأخرجوه مخرجه. والواحدة درعاء.
سميّت بذلك لأسوداد اوائلها، وابيضاض سائرها بالقمر. ويقال شاة درعاء، إذا اسودّ رأسها وابيضّ سائرها «وثلث دآدئ» وثلث ظلم لاظلامها.
«وثلث حنادس» لشدة سوادها. «وثلث دآدئ» لأنها بقايا. والدأدأ، البقية. وثلث محق» ، لانمحاق القمر فيها- ن.
160) والساهور يقال انه كالغلاف للقمر، يدخل فيه إذا كسف. وهو الغاسق اذا وقب، إذا دخل فى ساهوره فكسف.
قال امية بن أبى الصلت:
قمر وساهور يسلّ ويغمد «4»
وقال النبى صلّى الله عليه وسلّم لعائشة، وأشار الى القمر: «تعوّذى بالله من هذا فانه الغاسق اذا وقب» «5» يريد انه يسودّ اذا كسف.
(المتن/135)

وكل شئ اسودّ، فقد غسق. قال الشاعر يصف المرأة:
كأنها عرق سام عند ضاربه ... او شقّة خرجت من جوف ساهور «1»
و «السام» ، الذهب. و «الشقة شقة» القمر.
161) والزبرقان، القمر. وبه سمّى الزبرقان بن بدر.
والدارة حوله يقال لها الهالة./ والفخت، ضوءه- ن.
162) والشمس يقال لها «ذكاء» . سمّيت بذلك لأنها تذكو كما تذكو النار. ويقال للصبح ابن ذكاء، لأنه من ضوئها. قال الراجز:
فوردت قبل انبلاج الفجر ... وابن ذكاء كامن فى كفر «2»
أى مستتر بسواد الليل. و «الكفر» ، الغطاء. والليل كافر، لأنه يغطّى بظلمته كل شىء. ويقال للشمس «الجونة» ، لبياضها. ويقال للاسود جون، وللابيض جون. وهذا من الأضداد. و «الغزالة» ، الشمس. وأياة «3» الشمس، ضوءها. وقرن الشمس، أول ما يبدو منها فى الطلوع. وحواجبها، نواحيها. والسراب ما تراه نصف النهار كأنه ماء. والآل ما تراه بالغداة يرفع الشخوص. سمّى آلا لأن
(المتن/136)

الشخص يقال له «1» الآل. فلما رفع الشخص الذى هو الآل سمى آلا.
ولعاب الشمس ما تراه فى الحرّ كأنه ينحدر فى الجوّ. قال الراجز:
وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان النهار فاعتدل «2»
و «ميزان النهار» وقت الزوال. وقال ذوالرمة يصف ثورا:
إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها ... بأفنان مربوع الصريمة معبل «3»
«صقرات الشمس» شدة وقعها. يقال صقرته الشمس/ و «الأفنان» أغصان الشجر. و «الصريمة» قطعة من الرمل، منفردة «معبل» خرج عبله، أى ورقه.
163) وللشمس أحوال فى الطلوع والغروب والزوال. وقد ذكرتها الشعراء. منها أنك ربما رأيتها عند طلوعها تطرف «4» وذلك لقربها من الافق؛ وكذلك الكوكب تراه كأنه يطرف «5» . وقال بعض الرّجاز يصفها حين طلعت:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
يقول حين طلعت فهى ترتعد ارتعاد المرآة فى كفّ الأشلّ،
(المتن/137)

لأن يده ضعيفة. ومنها أنها أحسن ما تكون وأشدّ إمكانا للناظر إليها إذا طلعت. قال أبو النجم يصف امرأة:
كالشمس لم تعد سوى ذرورها
يريد أنها مثل الشمس حين طلعت. فاذا ارتفعت، حال الشعاع بينها وبين الناظر. قال المرّار:
وبيضاء تنفّل «1» عنها العيون ... تطالعنا من وراء الخباء
يعنى الشمس تنكسر العيون عن النظر إليها. وقال الآخر:
ومولى كأن الشمس بينى وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن اعاتبه «2»
يقول لا أقدر أنظر إليه بغضا له، فكأن الشمس بينى وبينه. ومثله:
إذا أبصرتنى أعرضت عنّى ... كأن الشمس من قبلى تدور «3»
ومنها أن للشمس عند الزوال وقعة «4» وإبطاء. قال ذوالرمّة:
/ والشمس حيرى لها بالجوّ تدويم «5»
و «التدويم» الاستدارة. وقال؛
إذا حرّم القيلولة الخمس وارتقت ... على رأسها شمس طويل ركودها «6»
(المتن/138)

يريد أنه لا يقدر أن يقيل من العجلة فى سير الخمس.
164) ومنها أن لها عند المغيب شعاعا يحول بينها وبين الناظر والنظر إليها حتى يستشرف. والاستشراف أن يضع يده فوق حاجبه وكذلك الاستكفاف. قال ابو خراش:
فلما رأين الشمس صارت كأنها ... فويق البضيع فى الشعاع خميل «1»
«البضيع» ، جزيرة من جزائر البحر. يقول: لما همّت بالمغيب رأين لشعاعها مثل الخميل. و «الخميل» ، القطيفة. وقال الآخر:
هذا مقام قدمى رباح ... غدوة حتى دلكت براح «2»
(المتن/139)

يريد حتى غابت. و «الدلوك» الغروب. وقوله «براح» يريد أنه وضع كفّه على حاجبه ليتمكن من النظر. قال العجاج:
والشمس قد كادت تكون دنفا ... أدفعها بالراح كى تزحلفا «1»
أى هى كالدنف الذى قد قارب الموت، لأنها قد همّت بالغروب قال ابن مقبل:
لحقنا بحىّ أوّبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح
«التأويب» سير النهار إلى الليل «دفعنا شعاع الشمس» بالراح لنستمكن/ من النظر إليها و «الطرف مجنح» أى ممال إليها ينظر متى تغيب. والشمس عندهم تغيب فى البحر. قال الشاعر «2» :
المطعمون الشحم كلّ «3» عشية ... حتى تغيب الشمس فى الرّجاف
يريد البحر. والله عز وجل يقول «وجدها تغرب فى عين
(المتن/140)

حمئة» «1» أى ذات حمأة. ويقرأ أيضا «حامية» أى حارّة. وقد يجوز أن تكون هذه العين من البحر «2» . ويجوز أن تكون الشمس أن تغيب وراءها أو معها أو عندها. فيقام حرف الصفة مقام صاحبه. والله أعلم.
ذكر المشارق والمغارب
165) قال الله جلّ ثناؤه: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ»
«3» وقال: «بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ»
«4» فأما المشرقان فمشرقا الصيف والشتاء فمشرق الشتاء مطلع الشمس فى أقصر يوم من السنة. وهو قريب من مطلع قلب العقرب. منحدر عنه قليلا فى الجنوب. وكذلك مغرب الشتاء على نحو ذلك من مغرب قلب العقرب. ومشرق الصيف مطلع الشمس فى أطول يوم فى السنة. وذلك قريب من مطلع السماك الرامح، مرتفع عنه قليلا فى الشمال. وكذلك مغرب الصيف على نحو ذلك من مغرب السماك الرامح. فهذان المشرقان والمغربان. قال الله عزّ وجلّ: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها»
«5» يريد غاية منتهاها. فى الشروق والغروب الذى لا تجاوزه. وإذا بلغته، رجعت. وهما مشرقا الصيف والشتاء، ومغرباهما «6» - ن.
166) وأما المشارق والمغارب فمشارق الأيام ومغاربها فى جميع
(المتن/141)

السنة بين هذين المشرقين والمغربين، اللذين هما غاية منتهاها «1» فاذا طلعت الشمس من أخفض مطالعها فى أقصر يوم من السنة، لم تزل بعد ذلك ترتفع فى المطالع، فتطلع كل يوم من مطلع فوق مطلعها بالأمس، يريد مشرق الصيف، فلا تزال كذلك حتى تتوسط المشرقين. فحينئذ يستوى الليل والنهار فى الربيع. وكذلك مشرق الاستواء. وهو قريب من مطلع السماك الأعزل. ثم تستمرّ على حالها من الارتفاع فى المشارق إلى أن تبلغ مشرق الصيف الذى هو غايتها. وإذا بلغته، رجعت فى المشارق منحدرة إلى نحو مشرق الاستواء. حتى إذا بلغنه، استوى الليل والنهار فى الخريف ثم استمرّت منحدرة حتى تبلغ مشرق الشتاء الذى هو غايتها. ثم ترجع. فهذا دأبها أبدا وشأنها فى المغارب على قياس شأنها فى المطالع- ن.
167) وأما القمر فمتجاوز فى مشرقيه ومغربيه مشرقى الشمس ومغربيها، فيخرج عنها فى الجنوب والشمال قليلا. فمشرقاه ومغرباه أوسع من مشرقى الشمس ومغربيها- ن.
الفجران
168) وهما فجران. أحدهما قبل الآخر/ فالفجر الأول هو الفجر الكاذب. وهو مستدقّ صاعد فى غير اعتراض. ويسمّى ذنب السرحان لدقته. وهو لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه. والفجر الثانى هو الفجر الصادق والمصدّق. وقال أبو ذؤيب وذكر الثور والكلاب:
(المتن/142)

شعف الكلاب الضاريات فؤاده ... فاذا يرى الصبح المصدّق يفزع «1»
«شعف الكلاب فؤاده» ، كأنها ذهبت به. فاذا رأى «الصبح المصدّق» يفزع، لأن القنّاص يأتون نهارا. وهذا الفجر الثانى هو المستطير. ومنه الحديث «ليس بالمستطيل» يعنى الفجر الأول «ولكن المستطير» . يريد المنتشر الضوء. ومع طلوعه يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال أبو داود:
فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا «2»
وقال آخر:
نميت إليها والنجوم شوابك ... تداركتها قدّام صبح مصدّق
الشفقان
169) وهما شفقان، أحدهما قبل الآخر. ومثالهما من أول الليل مثال الفجرين من آخره. فالأول هو الأحمر. واذا غاب، حلّت صلاة العشاء الآخرة. والثانى هو الأبيض. والصلاة جائزة إلى غروبه. وهو يغرب فى نصف الليل. وآخر أوقات العشاء الآخرة نصف الليل. قال الله جلّ ثناؤه: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ»
الليل «3» . و «دلوك الشمس» غروبها وزوالها. فدلّ بدلوك الشمس
(المتن/143)

إذ كان الغروب والزوال على صلاة الظهر وعلى صلاة المغرب.
ودلّ بقوله: «إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ»
،/ وهو ظلامه، على صلاة العشاء الآخرة وقال: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى»
«1» . وهى العصر.
جعلها وسطى، لأنها بين صلاتين بالنهار وصلاتين بالليل. وقال:
«وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً»
«2» . فدلّ على صلاة الصبح.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلى الظهر إذا دحضت الشمس» «3» ، إذا زالت وأصل الدحض، الزلق. وذلك أنها لا تزال ترتفع حتى تصير فى جوّ السماء فتراها كأنها تقف شيئا، ثم تنحطّ. فحينئذ تزول، ويتحول الظلّ من جانب الى جانب. ويسمّى فيئا. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أمّنى جبريل مرتين. فصلى الظهر حين مالت الشمس قيد الشراك، وصلى العصر وظله مثله، وصلى المغرب حين وقعت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشفق، وصلى الصبح حين طلع الفجر. فلما كان من الغد، صلى الظهر وظلّه مثله، وصلى العصر وظلّه مثلاه، وصلى المغرب حين وقعت الشمس، وصلى العشاء حين ذهب ثلث الليل أو نصف الليل، وصلى الغداة فأسفر بها. وقال: إن الصلاة فيما بينهما.» «4»
وقوله «حين مالت الشمس قيد الشراك» ، يريد أنها زالت فصار
(المتن/144)

للشخص فئ يسير قدر الشراك. وليس يكون هذا فى كل بلد.
إنما يكون فى البلد الذى ينتقل فيه الظل عند الزوال، فلا يكون للشمس فئ أصلا. قال الشاعر.
إذا رقا الحادى المطىّ اللعبا «1» ... وانتعل الظل فصار جوربا
وقال ابن مقبل وذكر فرسا:
يثنى على حامييه ظلّ حاركه ... يوم توقده الجوزاء مسموم
و «الحاميان» ، جانبا حافره. «والحارك» ، فروع كتفيه واذا قام ظلّ كل شىء تحته، صار ظلّ الحارك على حامى «2» حافره. وقال المرّار:
إلى أن تنعّل أظلالها ... ولم تعد أظلالها بالحذاء
والحجاز وما يليه ينتقل فيه الظل. فأما البلد الذى تزول الشمس وللشخص فيه ظل، فانه يعرف قدر الظلّ الذى زالت عليه. واذا زاد عليه مثل طول الشخص، فذاك آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. واذا زاد عليه مثلا طول الشخص، فذاك آخر وقت العصر، على ما روى فى الحديث.
ذكر مشاهير الكواكب وما داناها بنات نعش الصغرى
170) وبنات نعش الصغرى من الكواكب الشامية. وهى أقرب
(المتن/145)

مشاهير الكواكب إلى القطب. وهى سبعة كواكب على شبيه بتأليف بنات نعش الكبرى. اربعة منها «نعش» ، وثلثة «بنات» . ومن الاربعة «الفرقدان» ، وهما المتقدمان «1» ؛ والآخران وراءهما خفيّان ومن البنات «الجدى» «وهو آخره» ، المضىء والاثنان خفيّان. ويقال لهذا «2» الجدى، «جدى بنات نعش» «3» وبه تعرف القبلة. وبه يقع الاستدلال، لأنه لا يزال. قال مهلهل:
كأن الجدى جدى بنات نعش ... يكبّ على اليدين بمستدير «4»
وقال الأخطل «وذكر بنى سليم:
وما يلاقون فرّاصا إلى نسب ... حتى يلاقى جدى الفرقد القمر «5»
نسب الجدى الى الفرقد/ لأنه والفرقدين فى بنات نعش الصغرى وهذا الجدى ليس من البروج، ولا من منازل القمر الثمانية والعشرين فهو لا يلقى القمر أبدا. وكذلك بنات نعش الصغرى والكبرى.
وقال آخر يهجو قوما:
(المتن/146)

اولئك معشر كبنات نعش ... خوالف لا تنوء مع النجوم «1»
يقول: لا نفع عندهم ولا ضرّ. وذكر أنهم كبنات نعش لا نوء لها ولا ينسب إليها مطر، ولا برد، ولا حر؛ «خوالف» متخلّفة عن النجوم و «الخالفة» ما لا خير عنده. قال بشر بن أبى خازم يذكر دورانها حول القطب:
أراقب فى السماء بنات نعش ... وقد دارت كما عطف الظؤار «2»
يريد أنه سهر ليلته كلها الى أن دارت بنات نعش، وهى تنقلب فى آخر الليل. وخضّ بنات نعش لأنها تغيب. ولذلك يجعلون الاهتداء بها وبالفرقدين قال الراعى:
لا يتخذن إذا علون مفازة ... الابياض الفرقدين دليلا «3»
بنات نعش الكبرى
171) وبنات نعش الكبرى بالقرب من الصغرى. وهى سبعة أنجم ظاهرة. «النعش» منها أربعة، والثلثة «بنات» . ويسمّى الاول من البنات، «القائد» . ويسمّى الأوسط، عناق «4» . والذى
(المتن/147)

يلى النعش، «الجوزاء» «1» . والى جانب الكوكب الأوسط من البنات كوكب صغير جدّا، يكاد يلزق به؛ يسمّى السّها. ومنه قيل: «اربها السها، وترينى القمر» . ويقال له «الصيدق» . أيضا «ونعيش» «2» والمنجمون يسمّون بنات نعش الصغرى، / «الدبّ الأصغر» ؛ ويسمّون الكبرى، الدبّ الأكبر- ن.
الحران
172) الحرّان كوكبان بين العوائذ وبين الفرقدين. بينهما قدر ثلثة أذرع فى رأى العين. ويسمّيان «الذئبين» أيضا. وقدّامهما كواكب صغار، تسمّى «أظفار الذئب» هذا قول أبى زياد الكلابى.
وقال غيره، هما نجمان عن يمين الناظر إلى الفرقدين، إذا انتصب الفرقدان اعتراضا وإذا اعترض الفرقدان، انتصبا- ن.
العوائذ
173) العوائذ من الشامية عن يسار النسر الواقع، فيما بينه وبين بنات نعش. وهى أربعة كواكب على تربيع مختلف، وفيها تقارب.
وفى الوسط منها نجم شبيه باللطخة، يسمّى «الربع» شبّهن بأنيق عطفن على ربع- ن.
(المتن/148)

القرن
174) والقرن كوكبان، بعد ما بينهما كبعد «1» ما بين الحرّين. وهما حيال الجدى مما يلى المشرق، إذا كان الجدى يلى الافق و «القرحة» «2» كوكب أسفل من. كوكبى القرن كموضع قرحة الدابة بين الاذنين.
وإذا طلعت القرحة، استقبلت قبلة الكوفة. ورأس الثور فيه «القرن» و «القرحة» و «لسان الثور» وأحد قرنيه «الجدى» و «العنق» كواكب مستديرة قدّام بنات نعش الكبرى. وهى تطلع مع طلوع الجبهة- ن.
الشاء
175) والشاء كواكب صغار فيما بين «القرحة» والجدى» و «الراعى» أنور من «3» كواكب الشاء بينها، وكلب الراعى كوكب صغير قريب منه- ن.
الضباع
176) والضباع أسفل من بنات نعش، كواكب «4» مختلفة. و «أولاد
(المتن/149)

الضباع» كواكب صغار عن يمين الضباع. بينها وبين بنات نعش.
و «الذيخ» كوكب أحمر فوق الضباع بين بنات نعش وبين النسر الواقع- ن.
الحيّة
177) وفيما بين الفرقدين وبنات نعش كواكب يقال لها «الحيّة» و «رأس الحيّة» مثل رأس الخلخال.
الابيض
178) والأبيض كوكب فى حاشية المجرّة يستقبل الجدى. بينه وبين الجدى قدر رمح.
الفّكة
179) والفكّة كواكب مستديرة خلف السماك الرامح. فيها كوكب منير، يسمّى الفكّة «1» . والفكّة هى التى تسمّى قصعة المساكين- ن.
النسقان
180) والنسقان يبتدئان من قرب الفكّة. وأحد النسقين شآم والآخر يمان. وهما يشرعان فى المجرّة. ولهما كوكبان، أو لطخة فى شبيه بالرواية «2» . وفى وسط النسقين كوكب يقال له «الراعى» «3» . ويقال لما بين النسقين. «الروضة» - ن.
(المتن/150)

النسران
181) أحدهما الواقع، والآخر الطائر. وهما شاميّان. فأما الواقع فكوكب منير، خلفه كوكبان أصغر منه منيران. فكأن الثلثة أثافىّ. ويقولون: هما جناحاه، وقد ضمّهما إليه حين وقع. وقدّامه كواكب يقال لها الأظفار. وأما الطائر، فهو أزاء الواقع. وبينهما المجرّة. وهو كوكب منير بين/ كوكبين عن جانبيه. فهى ثلثه مصطفّة يقال: إن الكوكبين جناحاه قد بسطهما. وسقوط النسر الواقع مع طلوع الذراع. وطلوعه مع طلوع قلب العقرب. ويسقط الطائر مع طلوع النثرة؛ ويطلع مع سقوط الذراع- ن.
الفوارس والردف
182) وخلف النسر الواقع خمسة «1» كواكب مصطفّة قد قطعت المجرّة عرضا. يقال لها «الفوارس» «2» . وخلفها فى المجرّة، بالقرب منها، كوكب يقال له «الردف» . ويسمّيه المنجمون «ذنب الدجاجة» وتسقط الفوارس والردف مع طلوع النثرة، وتطلع مع طلوع الشولة- ن.
الصليب
183) وخلف النسر الطائر كواكب أربعة يقال لها الصليب.
(المتن/151)

وتسمّى العقود «1» . ويسقط الصليب مع طلوع سهيل، ويطلع مع سقوط الشعرى.
سهيل
184) وسهيل كوكب أحمر يمان. قال عمر بن أبى ربيعة «2» فى الثريا التى كان شبّب بها، وكان تزوّج بها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يتّفقان
هى شامية إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان
هذا يقال له سهيل اليمن. ومعه نجم يقال له «بلقين» . و «سهيل اليمن» يقرب من الافق، منفرد عن الكواكب، لا يقطع إلى المغرب كما يقطع غيره، ولكنه يغيب فى مطلعه. قال ذو الرّمة:
وقد لاح للسارى سهيل كأنه ... قريع هجان عارض الشول جافر «3»
شبّهه بفحل قد جفر وانفرد. وقال:
(المتن/152)

إذا سهيل لاح كالوقود ... فردا كشاة البقر المطرود «1»
وقال الكميت يمدح رجلا:
ولا أنت من حجرات البنات ... منهم ولا كسهيل فريدا
و «الفريد» الوحيد. ولقربه من الافق تراه أبدا يطرف «2» .
قال الشاعر «3» :
أرقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا فى ظلمة الليل يطرف «4»
وهو يطلع فى قرب البرد بالغداة عن يسار مستقبل قبلة العراق وطلوعه بالعراق لأربع ليال يبقين من آب، مع طلوع الزبرة ويطلع بالحجاز لأربع عشرة ليلة من آب مع طلوع الجبهة. قال الشاعر:
إذا أهل الحجاز رأوا سهيلا ... وذلك فى الحساب لشهر آب «5»
185) ويسمّى سهيل «كوكب الخرقاء» قال الشاعر:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أشاعت غزلها فى القرائب «6»
وقالت سماء البيت فوقك منهج ... ولمّا نيسّر أحبلا للركائب «7»
(المتن/153)

يريد أن الخرقاء لعبت صيفتها، وضيعت وقتها ولم تغزل فلما طلع سهيل وجاء الشتاء، فضاق الوقت، استغزلت قرائبها. ونحوه قال:
علّك أن تنسّجى وتد أبى ... إذا سهيل فاق كلّ كوكب
فتعلى قرضك غير معجب «1»
/يريد أنها لما طلع سهيل، استقرضت غزلا، فلم تعط. وهذا يعارض الشعرى العبور ببقية من الليل. قال ذو الرمة:
إذا عارض الشعرى سهيل بجهمة ... وجوزاءها استغنين عن كل منهل «2»
يريد أنهم فى هذا الوقت قد بدوا، وانتجعوا، واستغنوا عن محاضرهم. ومعارضة سهيل الشعرى العبور مع طلوع السماك لأيام تمضى من تشرين الأول بجهمة من الليل، كأنه الثلث الباقى من الليل ولا يزال سهيل يتأخّر طلوعه الى أن يطلع مع غروب الشمس.
ويطلع مغرب الشمس لسبع عشرة تخلو من كانون الآخر.
186) واذا طلع مغرب الشمس، استبدلت الابل الأسنان قال الشاعر:
اذا سهيل مغرب الشمس طلع ... فابن اللبون الحقّ والحقّ جذع «3»
وقد دلّك بهذا القول على أنه وقت النتاج العام، ووقت اللقاح والطرق. فكان بين طلوع سهيل بالغداة وبين طلوعه مع مغرب الشمس خمسة أشهر وأيام «4» . ثم يستسرّ. والعرب تقول «إذا طلع
(المتن/154)

سهيل، برد الليل، وخيف السيل، وكان للحوار الويل» «1» يريدون طلوعه بسحر.
وإذا طلع فصلوا الأولاد عن الامهات، فصار للحوار الويل ويروى «إذا طلع سهيل، فلأم الحوار الويل» لأنه يفرّق بينها وبين ولدها، فتحنّ. وكذلك قالوا «إذا طلعت الجبهه/ تحانت الولهه «2» ومع طلوع الجبهة يطلع سهيل. قال بعض من كان يرجو برد ليل سهيل، وانكسار الحرّ عنده فأخلفه فى أول طلوعه:
جاء سهيل بالحرور والفزع ... قد كنت أرجو نفعه فما نفع
ويقال «طلع سهيل ورفع كيل، ووضع كيل» يراد ذهب زمان وجاء زمان أى ذهب الحرّ وجاء البرد. ويقولون «قال سهيل لأغرّن أحمق من فصيله» يريد أنه يمنعه من الرضاع والقيام عليه فيقتله الحرّ وكانوا إذا أرادوا فصال الحوار عند طلوع سهيل، استقبلوا به سهيلا وأخذ أحدهم بأذنه أو لطمه، ثم حلف ألّا يرضع بعد يومه ذلك قطرة ثم يصر أخلاف امّه كلها ويفصله. وقال الشاعر:
(المتن/155)

ألا قالت نهار ولم تأبّق ... نعمت ولا يليط بك النعيم «1»
بنون وهجمة كأشاء بسّ ... صفايا كثّة الأوبار كوم
يبكّ الحوض علّاها ونهلى ... ودون ذيادها عطن منيم
(المتن/156)

إذا اصطكّت يضيق حجزتاها «1» ... تلاقى العسجدية والفطيم «2»
«فالعسجدية» كبارها. و «الفطيم» «3» الذى يفصل عند طلوع سهيل: «4»
الكواكب المنسوبة الى سهيل والمشبهة به
187) وأسفل من سهيل «قدما سهيل» . وفى مجرى قدمى «5» سهيل، من خلفهما كواكب زهر كبار، لا ترى بالعراق، يسميها أهل تهامة «الأعبار» «6» و «حضار و «الوزن» كوكبان يطلعان قبل سهيل.
تقول العرب «حضار والوزن محلفان «وذلك أنهما يطلعان قبله، فيظن الناس بكل واحد منهما أنه سهيل، ويتمارون حتى يحلف قوم أنه سهيل، ويحلف قوم أنه ليس به و «الفرود» «7» كواكب صغار مع
(المتن/157)

حضار. قال الشاعر:
أرى نار ليلى بالعتيق كأنها ... حضار إذا ما أعرضت وفرودها «1»
وحضار مكسورة، مثل قطام وقطاش «2» .
ذكر الرياح وتحديد مهابّها
188) امّهات الرياح، وهى معاظمها، أربع: وهى الشّمأل.
والجنوب، والصّبا، والدّبور. فالشّمأل تأتى من ناحية القطب الأعلى. والجنوب تأتى من ناحية القطب الأسفل. والصّبا تأتى من وسط المشرقين. والدّبور تأتى من وسط المغربين.
وقد بيّنت موضعهما «3» . وما هبّ بين حدّين من هذه الحدود فهى «4» نكباء، أى عادلة. وهذا قول أصحاب الحساب، وهو مقارب لتحديد العرب. قال الأصمعى: الشّمأل تأتى من قبل الحجر، والجنوب
(المتن/158)

تقابلها، والصّبا تأتى من تلقاء الكعبة يريد أنها تستقبلها اذا هبت:
ويقال لها ايضا القبول والدّبور تأتى من دبر الكعبة. وكل ريح من هذه انحرفت فوقعت بين ريحين، فهى نكباء. قال رؤبة:
ومخفق من لهله ولهله ... جالت به مختلفات الأوجه «1»
يريد الرياح الأربع التى تختلف وجوهها. والعرب تسمّى الشمأل شامية، لأنها تأتى من ناحية الشام؛ والجنوب يمانية، لأنها تأتى من اليمن؛ والصبا شرقية لأنها تأتى من مطلع الشمس. قال ذو الرمة «2» وجمع الرياح الأربع والنكب،
أهاضيب أنواء وهيفان جرّتا ... على الدار أعراف الحبال الأعافر
وثالثة تهوى من الشام حرجف ... لها سنن فوق الحصا بالأعاصر
ورابعة من مطلع الشمس أجفلت ... عليها بدقعاء المعا فقراقر
فحنت لها النكب السوافى فأكثرت ... حنين اللقاح القاربات العواشر
«أهاضيب» ، جلبات مطر «3» . «هيفان» ، ريحان حارّتان، وهى
(المتن/159)

الجنوب، والدبور. التى تهب من الشام هى الشمأل، والتى تأتى من مطلع الشمس هى الصبا. «النكب» جمع نكباء، وهى ريح تجىء بين مهبّى ريحين.
189) وقال ايضا:
وهاجت له من مطلع الشمس حرجف ... توجّه أسباط الحقوف التياهر «1»
يعنى الصبا «توجّه» ، تسوق و «الأسباط» شجر واحده سبط.
و «التياهر» جمع تيهور وهو ما ارتفع من الرمل. وقال آخر:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجنى ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
/ وقال ضابئ «2» وذكر الثور:
فتأت إلى أطارة خفف «3» تلفّه ... شاميّة تذرى الجمان المفصّلا
«تذرى» تطير. يريد أن الشمأل تسقط من البرد مثل الجمان الذى فصل. وقال العجّاج وذكر الشّمال:
حدواء جاءت من جبال الطور «4» .
يريد أنها جاءت من الشام. والطور بالشام. وجعلها حدواء،
(المتن/160)

لأنها تحدو السحاب، أى تسوقه. وقال ذو الرّمة:
وصوّح البقل نأّج تجئ به ... هيف يمانية فى مرّها نكب «1»
«صوّح البقل» شققه ويبّسه. و «الهيف» الريح الحارّة ونسبها إلى اليمن، أراد أنها جنوب.
أفعال الرياح
190) قال مؤرّج «من خواصّ الجنوب أنها تثير البحر حتى تسوّده وتظهر كل ندا كامن فى بطن الأرض حتى تلين الأرض. وإذا صادفت بناء بنى فى الشتاء والأنداء، أظهرت نداه، وحتّته حتى يتناثر وتطيل الثوب القصير. ويضيق لها الخاتم فى الإصبع ويسلس بالشّمال «والجنوب تسرى بالليل. تقول العرب» إن الجنوب قالت للشمال إن لى عليك فضلا، أنا أسرى وأنت لا تسرين. فقالت الشمال إن الحرّة لا تسرى» وقال الهذلى «2» :
وقد حال دون دريسيه مؤوّبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزيز
(المتن/161)

«المؤوبة» ، التى تهبّ بالنهار كله إلى الليل ثم تسكن «1» . ومنه قول الله جل ثناؤه «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ»
«2» ، أى سبّحى النهار كله إلى الليل. ونسع، الشّمال. و «الدريس» ، الثوب الخلق. والشمال يستذرى منها بادنى شىء، ويسترك منها رحلك، وذرى الشجرة.
والجنوب لا يستر منها شىء. وربما وقع الحريق بالبادية فى اليبيس، فان كانت الريح جنوبا، احترق أياما. وكان لحريقه عرض وطول.
وإن كانت شمالا، فانما يكون خطا، لا يذهب عرضا. وللشّمال ذرى الشجر. وذلك أن يجتمع التراب من قبلها فيستذرى بالشجر. فان كان الشجر عظاما، كانت له جراثيم. وإن كان صغارا، ساوى التراب غصونه ولا ذرى للجنوب. ترى ما يلى الجنوب منها عاريا مكشوفا متحفّرا.
والشمال تذمّ بأنها تقشع الغيم وتجىء بالبرد. ويحمد منها أنها تمسك الثرى وأنها تصاحب الضباب فتصبح الأرض عنها كأنها ممطورة وتصبح الغصون تنطف. وأكثر ما يكون ذلك عن غبّ المطر، فاذا ارتفعت الشمس، ذهب الندى، وتقطع الضباب/ والشّمال أدوم الرياح فى الشتاء والصيف. والدبور عندهم فى الشتاء والصيف. وهى إحدى الهيفين إلا أنها قليلة الهبوب. وليس من الرياح شىء أكثر عجاجا ولا أكثر سحابا لا مطر فيه. وهى هيف «3» تيّبس الأرض. وتحرق العود من النكباء التى بين الدبور والجنوب التى تجئ من مغيب سهيل- ن.
(المتن/162)

اللواقح من الرياح والحوائل
191) قال الله جلّ ذكره «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ»
«1» قال أبو عبيدة: لواقح جمع ملقحة. يريد أنها تلقح السحاب، أى تنتجه الماء؛ فجمع مفعلة على فواعل. ورأيت العرب تجعل السحاب نفسه «2» لقاحا للرياح لأنها تنشىء السحاب وتقلبه وتصرفه وتحلّه. قال الطرمّاح، وذكر بردا مدّه على أصحابه فى الشمس:
قلق لأفنان الريا ... ح للاقح منها وحائل «3»
فاللاقح، الجنوب لأنها تلقح السحاب. والحائل، الشمأل لأنها عنده لا تنشىء سحابا. وكما سمّوا الجنوب لاقحا، سمّوا الشمال عقيما لأنها عندهم لا تحمل كما تحمل «4» وقال كثّير:
ومرّ بسفساف التراب عقيمها «5»
يعنى الشمال. وقال أبو وجزة، وذكر حميرا وردت:
حتى سلكن الشوى منهن فى مسك ... من نسل جوّابه الآفاق مهداج
/ «الشوى» ، قوائمهن. يريد أنهن أدخلن قوائمهن كلها فى الماء حتى صار الماء لها كالمسك، وهى الأسورة. وهذا الماء من
(المتن/163)

نسل ريح تجوب البلاد، أى هى أخرجته من الغيم واستدرّته. فجعل الماء لها نتاجا وولدا. فالرياح على هذا هى اللواقح.
192) وأكثر العرب تجعل الجنوب هى التى تنشىء السحاب باذن الله عزّ وجلّ، وتستدرّه وتصف بواقى الرياح بقلّة المطر وبالهبوب فى سنى الجدب قال أبو كبير «1» الهذلى:
إذا كان عام مانع القطر ريحه ... صبا وشمال قرّة ودبور
وأخبرك أن هذه الثلث لا قطر معها. وأن القطر مع الجنوب وهذا كما ذكر فى الأشهر والأغلب، إلا الصبا فانها تفعل ما تفعل الجنوب. قال طرقة: «2»
فأنت على الأدنى شمال عريّة ... شامية تزوى الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرّة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل «3»
فأخبرك أنها إذا لم تكن باردة، كان معها القطر. ولعل الأول ايضا أراد مثل هذا فقال «صبا وشمال قرّة» . يريدهما جميعا بالقرّ، فاكتفى بوصف إحديهما. وقال آخر «4» من هذيل:
(المتن/164)

فسائل سبرة الشجعى عنا ... غداة تخالنا نجوا جنيبا
/ و «النجو» ، السحاب. والجنيب» . الذى أصابته جنوب.
فشبّه حفيفهم فى القتال بحفيف المطر. وقال المتنخّل الهذلى:
حارّ وعقّت مزنه الريح وان ... قار به العرض ولم يشمل «1»
«حار» تحير وتردد. و «عقّت مزنه» شقت و «مزنه» سحاب. و «انقار به» أى وقعت منه قطعة. «ولم يشمل» ، أى لم تصبه الشمال فتقشعه.
193) وقال أبو كبير:
حتى رأيتهم كأن سحابة ... صابت عليهم ودقها لم يشمل «2»
«ودقها» ، مطرها. «لم يشمل» . لم تصبه الشمال فتقشعه. وقال آخر «3» من هذيل:
مرّتها النعامى فلم تعترف ... خلاف النعامى من الشام ريحا
«النعامى» الجنوب ومرتها» استدرتها. ثم قال «لم تعترف ريحا من الشام» يعنى الشمال فتقشع الغيم. فهذه هذيل كلها تجعل العمل فى المطر للجنوب، وتجعل الشمأل تقشع السحاب. ويسمّونها «محوة»
(المتن/165)

لأنها تمحو السحاب. وقال العجّاج:
سفر الشّمأل الزبرج المزبرجا «1»
و «السفر» القشر، و «الزبرج» السحاب. وهذا شبيه بما كان الأصمعى يحكيه عن العرب. حكى أن ما كان من أرض الحجاز فالجنوب هى التى تمرى السحاب فيه وما كان من أرض العراق فالشمأل تمرى فيه/ السحاب وتؤلفه. ولم يقل إن الجنوب تقشعه ولا أنه لا عمل [لها] فيه. وأحسبه أراد أن الشمأل والجنوب تفعلان ذلك جميعا بأرض العراق دون الحجاز.
194) وعلى هذا وجدت بعض الشعراء. قال الكميت، وكان ينزل الكوفة:
مرته الجنوب فلما اكفهرّ ... حلّت عزاليه الشمأل «2»
فجعل الجنوب تستدرّه، والشمأل تحلّه. وقال عدى بن زيد، وكان ينزل الحيرة وينتقل فى أرض العراق:
وحبىّ بعد الهدوّ تزجّيه ... شمال كما يزجى الكسير «3»
فاستدرت به الجنوب على ال ... حزنة فالحنو سيره مقصور
و «الحبىّ» سحاب قد حبا، أى قد أشرف «تزجيه شمأل» أى تسوقه. يريد أنه ثقيل من الماء وليس يسير إلا كسير «الكسير» وقوله
(المتن/166)

«سيره مقصور» يريد أنه بطئ قد قصّر فى سيره هناك. فجعل هذا الشمأل تسوقه والجنوب تستدرّه لأن الجنوب عند أهل الحجاز وما يليه هى التى تأتى بالغيث يتيمنّون بها ويجعلونها مثلا للخير. قال حميد ابن ثور:
ليالى أبكار الغوانى وسمعها ... إلىّ وإذ ريحى لهنّ جنوب «1»
وقال آخر:
فتى خلقت أرواحه مستقيمة ... له نفحات ريحهن جنوب
/ وعلى حسب تيمنّهم بالجنوب وتصييرهم إياها مثلا للخير، تشأؤمهم بالشمأل وتصييرهم إياها مثلا للشر. قال أبو وجزة، وذكر امرأة:
مجنوبة الانس مشمول مواعدها «2» «مجنوبة» من الجنوب، أى انسها مبذول صحيح محمود، تجود به كما تجود الجنوب بالمطر. وقوله «مشمول مواعدها» أى هى باطلة «3» إذا وعدتك لم تنجز وعدها كما أن الشمأل لا تأتى بشىء من الغيث.
195) وقال زهير:
جرت سنحا فقلت لها أجيزى ... نوى مشمولة فمتى اللقاء «4»
(المتن/167)

يريد بنوى مشمولة، أى لا لقاء معها من الريح الشمال. ويقال أراد جرت الطير به من ناحية الشمال، وهم يتيمّنون باليمنى ويتشأمون بالشمال ولذلك قالوا اليمن والشؤم. فاليمن من اليمين، والشؤم من اليد اليسرى «1» ، وهى الشمال. الجانب الأيسر هو الجانب الأشأم. وقد يتشأمون بها ايضا من جهة البرد. قيل لبعضهم: ما أشدّ البرد؟ فقال:
«ريح جريباء، فى إثر عماء، فى غبّ سماء» . «الجربياء» ، الشمال: «والعماء» السحاب. يريد شمالا هبّت بعد مطر. وقيل لآخر: أى الأيام أقرّ؟
فقال: «الأحص الورد، والأزب الهلوف» . قال أبو عمرو: «الأحص الورد» ، يوم يطلع فيه شمسه ويصفو شماله، ويحمرّ فيه الافق، ولا تجد لشمسه مسّا. و «الأحص» ، الذى لا سحاب فيه، كالرأس الأحصّ الذى لا شعر عليه. قال: و «الهلوف» ، يوم تهبّ النكباء فيه تسوق الجهام. والصراد لا تطلع شمسه. و «الأزبّ» من الابل، الكثير الوبر على وجهه وحاجبه. و «الهلوف» ، ايضا الجمل المسنّ الكثير الوبر. يقال لحية هلوفة، إذا كانت كثيرة الشعر.
واليوم إذا كان بهذه الصفة، كان ذا زمهرير. وكانوا يقولون مع هذا:
إذا كثرت المؤتفكات، زكت الأرض، وإذا زخرت الأودية بالماء، كثر الثمر» و «المؤتفكات» ، الرياح البوارح، وهى شمال حارة فى الصيف، وذات عجاج. سمّيت بتقلبها وتقليبها العجاج» ، «مؤتفكات» .
(المتن/168)

والإئتفاك، الانقلاب. ومنه قيل لمدائن قوم لوط، «المؤتفكات» .
ولا أحسبهم يريدون أن لها عملا فى ذلك: وانما يريدون أن عصوفها إذا كثر واشتدّ، كان علامة للزكاء. ويجوز أن يكون أرادوا بالمؤتفكات، الرياح كلها اذا اشتدّت.
[ذكر السحاب والبرق والمطر] «1» مخايل السحاب
196) إذا كان السحاب ناشئا من العين، وثقوا بالمطر. والعين ناحية القبلة. وقال ابن كناسة: «هى عن يمينك اذا انت استقبلت القبلة قليلا» . تقول العرب: مطرنا «بالعين» ، و «من العين» إذا نشأ السحاب من ناحيتها قال العجاج:
سار سرى من قبل العين فجرّ ... عيط السحاب والمرابيع الكبر «2»
و «العيط» ، الطوال الأعناق من السحاب. و «المرابيع» ، التى يجىء مطرها فى أول الربيع. وقال الأخطل:
ومظلم تعلق الشكوى حوامله ... مستفرغ لسجال العين منشطب «3»
«مظلم» ، سحاب أسود. و «الشكوى» ، صوت الرعد. «حوامله» ما حمل منه الماء. و «العين» ، ناحية المغرب. والعين مطر أيام لا تقلع. وفى الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال:
(المتن/169)

«إذا نشأت [السحابة] بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة «1» » يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشأم، فتلك عين [غديقة] ، أى مطرجود. و «الغديق» الكثير الماء. قال الله جلّ وعزّ: «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً»
«2» وإذا كان السحاب أسود، فذلك من علامات الغيث. وفى الحديث الذى سأل [فيه] رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن السحاب، فقال:
أجون أم غير ذلك؟ فقالوا: جون فقال: جاءكم الحياء «3» .
(المتن/170)

197) قال أبو النجم، وذكر السحاب:
جون تلوذ الطير من حدائه
و «حداؤه» صوت رعده. والطير يفزعها صوت الرعد.
فتستخفى. وقال آخر:
وكلّ سماكىّ كأن ربابه ... متالى مهيب من بنى السيد أوردا «1»
/ «سماكى» مطر بنوء السماك و «ربابه» سحابه و «المتالى» الابل التى تتلوها أولادها. و «المهيب» الراعى. ونعم «بنى السيد» سود؛ فشبّه العيم بها. قال أبو ذؤيب:
سقى امّ عمرو كلّ آخر ليلة ... حناتم سود ماؤهنّ ثجيج «2»
و «الحناتم» السود؛ واصله الخضر وكل أخضر عندهم أسود.
وقيل للعراق سواد، لخضرة النخل بها. وقوله «كل آخر ليلة» ، يريد آخر الليالى أى أبدا؛ كما تقول: لا اكلّم فلانا آخر الليالى، أى ما بقيت من الزمان ليلة. وقال أيضا يذكر برقا:
يضىء ربابا كدهم المخا ... ض جلّلن فوق الولايا الوليحا «3»
(المتن/171)

و «الوليّة» البرذعة و «الوليحة مسح يجعل فوق البرذعة. فشبّه السحاب فى شدة سواده بسواد الابل وقد عليّت بالمسوح و «الرباب» سحاب متدلّ دون سحاب فوقه. وقال الشاعر:
كأن الرّباب دوين السحاب ... نعام تعلّق بالارجل «1»
198) وإذا كان السحاب أبيض يبرق بضوء. فذلك دليل على مائه. يقولون: «إذا رأيت السماء كأنها بطن أتان قمراء فذلك الجود» قال الشاعر يصف مطرا:
وأضحى تحط المعصمات خريره ... وأصبح رجّاف اليمامة أقمرا
و «الرجاف» ، ما رجف/ من السحاب. وقال الهذلى، وذكر مطرا:
تمدّ له حوالى «2» مشعلات ... يجلّلهن أقمر ذو انعطاط
199) وإذا كانت السحابة تبرق كأنها حولاء ناقة، وهو
(المتن/172)

ما يخرج من الولد، فذلك من علامات المطر. وقال المعقّر البارقى «1» بعد ما كفّ، لابنته، وسمع صوت رعد: «أىّ شىء ترين؟» .
قالت: «أرى سحماء عقّاقة، كأنها حولاء ناقة، ذات هيدب دان، وسير وان» . فقال: «يا بنيّة، ميلى وائلى بى إلى جنب قفلة» ؛ فانها لا تنبت إلا ممنجاة من «السيل» . «القفل» ، ضرب من الشجر لا ينبت إلا مرتفعا عن السيل- ن.
200) وإذا كانت السحابة نمرة، فهى مخيلة للمطر. يقول قائلهم: «أرنيها نمرة، أرتكها «2» مطرة» . و «النمره» ، التى ترى سحابها صغارا ينأى «3» بعضه من بعض. ونحوها الكرفىء، ويكون كلون النمر.
201) وإذا كان السحاب بطيّا فى سيره، فذلك دليل على كثرة مائه. قال الهذلى:
(المتن/173)

فأقبل منه طوال الذّرى ... كأنّ عليهن بيعا جزيفا «1»
وأقبل ينزو إلى مجدل ... سياق المقيّد يمشى رسيفا
وقال عدى بن زيد:
وحبّىّ بعد الهدوّ تزّجيه ... شمال كما يزجى الكسير «2»
أى تسوقه الشمأل وهو بطىء كالكسير إذا سيق.
202) وإذا كان شبيها بالهدب وبالخمل، متدليا، فذلك من علامات المطر./ قال الهذلى «3» :
له هيدب يعلو الشّراج وهيدب ... مسفّ بأذناب التلاع خلوج
و «الشراج» ، مسايل الحرار؛ الواحد شرج. «مسف» ، دان من الأرض. «خلوج» ، حدور للماء. قال عبيد بن [الأبرص أو] أوس «4» [بن حجر] :
(المتن/174)

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
فمن بنجوته كمن بعقوبته ... والمستكنّ كمن يمشى بقرواح
يريد أنه طبق الارض. فمن كان فى الارتفاع، ومن كان فى الاستواء سواء. ومن استكنّ منه فهو كمن ظهر فى الصحراء. يريد أنه لم يسلم من مطره أحد. وهذا مثل قول الهذلى:
أسدف منشقّ عراه فذو ال ... أدماث ما كان كذى الموئل
«الأسدف» ، الأسود. «منشّق عراه» بالماء. و «الأدماث» جمع دمث. وهو المكان السهل اللين. و «الموئل» ، المكان المرتفع الذى يئل الناس فيه من السيل. يقول: فقد استوى فى سيله من كان عاليا ومن كان منحطّا- ن.
203) وإذا كان السحاب أصهب إلى البياض، فذلك دليل على أنه لا ماء فيه، ودليل على الجدب. قال النابغة:
صهبا ظماء أتين التين عن عرض ... يزجين غيما قليلا ماؤه شبما «1»
/والتين» جبل بالشام «2» . وهو الذى أقسم الله عزّ وجلّ [به] ، فقال
(المتن/175)

«والتين والزيتون» «1» وهو جبل مستطيل: وإذا ساقت الشّمال السحاب أتته من «عرض شبم» بارد. وقال امية بن ابى الصلت يذكر شدة الزمان وبرده فى الشتاء:
وشوّذت شمسهم إذا طلعت ... بالخلب هفّا كأنه كتم «2»
«شوّذت» ، عمّمت. والمشوذ، العمامة. و «لخلّب» ، سحاب لا ماء فيه. و «الهفّ» ، الرقيق. شبّهه بالكتم فى حمرته.
وذلك من علامات الجدب. وقد تعترض فى الأفق حمرة بالغداة والعشى من غير سحاب فى الشتاء، فيكون ذلك علامة للجدب.
قال النابغة:
لا يبرمون إذا ما الافق جلله ... صرّ الشتاء من الامحال كالأدم «3»
يريد لا يبخلون فى هذا الوقت. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها ... لشيبان او ملحان فاليوم اشهب «4»
(المتن/176)

وقال الفرزدق يذكر مسافرين:
يغضّون أطراف العصىّ تلفّهم «1» ... من الشام حمراء الضحى والأصائل
وإنما «يغضون أطراف العصى» للخصر فى ايديهم فيغض أحدهم على عصاه ويدخل يده فى ثيابه لشدة البرد. وقوله «تلفهمّ «2» من الشام» يريد ريحا من الشام. وهى الشّمال. «حمراء الضحى والأصائل» .
أى حمراء الآفاق أول النهار وآخره.
الاستدلال بالبرق
204) وكانوا يشيمون البرق، فاذا لمعت سبعون برقة، انتقلوا ولم يبعثوا رائدا. لثقتهم بالمطر. وإذا كان البرق عندهم وليفا وثقوا بالمطر. والوليف الذى يلمع لمعتين لمعتين. قال الهذلى «3» :
لشمّاء بعد شتات النوى ... وقد بتّ أخيلت برقا وليفا
وإذا تتابع لمعانه. كان مخيلا للمطر. يقال: ارتعج البرق، إذا كثر وتتابع.
(المتن/177)

قال الراجز:
سحّا أهاضيب وبرقا مرعجا «1»
وإذا تتابع بلمعتين لمعتين، شبّه بلمع يدين. قال امرؤ القيس:
أصاح ترى برقا اريك وميضه ... كلمع اليدين فى حبىّ مكلل «2»
و «الحسبىّ» ، سحاب مشرف: «مكلّل» بعضه على بعض. ويقال مكلّل بالبرق.
205) وإذا كان خفوا، كان دليلا على الغيث. قال حميد ابن ثور يذكر البرق:
خفا «3» كاقتذاء الطير وهنا كأنه ... سراج إذا ما يكشف الليل أظلما
و «اقتذاء الطير» تغميضها أعينها وفتحها إياها كأنها تلقى القذى منها.
(المتن/178)

206) وكلهم يجعل البرق يمانيا، ولا يجعله أحد منهم شاميا، / لأن الشامى أكثره خلّب عندهم. وهذا يدل على أن المطر للجنوب لأنها يمانية «1» قال عمرو بن معدى كرب «2» :
ألم تأرق لذا البرق اليمانى ... يلوح كأنه مصباح بانى
أى رجل قد «3» بنى باهله، فمصباحه لا يطفى. قال الراجز:
أرّقنى الليلة برق يلمح ... برق يمان ما يكاد يبرح
وقال آخر:
ألا حبّذا البرق اليمانى وحبذا ... جنوب أتانا بالعشى نسيمها
الاستدلال بالحمرة على الغيث
207) قد ذكرت الحمرة التى تدل على جدب فى الآفاق بغيم وغير غيم. وقد يستدلّ بالحمرة إذا اشتدت جدا فى السحاب المخيل وكانت «4» تلك الحمرة من شعاع الشمس عند الطلوع والغروب على
(المتن/179)

المطر. فاعرف الفرق بينهما. فان تلك الحمرة الدالة على الجدب تكون بغير سحاب. وإذا كانت مع سحاب، فمع شىء منه رقيق، كما قال عمرو ابن قميئة يذكر زمان جدب:
وغاب شعاع الشمس فى غير جلبة ... ولا غمرة إلا وشيكا مصوحها «1»
يقول: ذهب الشعاع فى غير غيم ولا غمرة إلا شيئا يمصح عنها، أى يذهب سريعا من السماحيق. فهذه حمرة الجدب.
208) /فاما حمرة الغيث فانها شديدة عند الطلوع والغروب فى سحاب متكاثف مخيل- ن.
الاوقات التى تحمد للنوء والمطر
209) وإذا كان «2» المطر عندهم فى سرار الشهر، كان محمودا، ورجوا غزارته وكثرة الكلأبه. قال الراعى:
تلقىّ نوءهنّ سرار شهر ... وخير النوء ما لقى السرارا
وقال الكميت:
هاجت له من جنوب الليل رائحة ... لا الضبّ ممتنع منها ولا الورل «3»
فى ليلة مطلع الجوزاء أوّلّها ... دهماء لا قرح فيها ولا رجل «4»
يريد أن هذه الليلة من السرار، فلا ضوء فى أولها، وهو القرح
(المتن/180)

و «القرح» بياض يكون بوجه الدابة. ولا ضوء فى آخرها، وهو الرجل و «الرجل» بياض يكون برجل الدابة، وقوله «مطلع الجوزاء أولها» يريد أنها من الشتاء والجوزاء تطلع فى الشتاء أول الليل. قال الحطيئة:
باتت له بكثيب خربة ليلة ... وطفاء بين جماديين درور «1»
قوله «بين جماديين» يريد أنها ليلة لا يدرى أهى آخر ليلة من الشهر الأول، أم هى أول ليلة من الشهر الثانى. وأراد أن المطر كان فى السرار أو فى الغرة. وإذا كان أيضا فى الغرة/ كان محمودا. قال الكميت «2» :
والغيث بالمتألقات ... من الأهلة فى النواحر
و «النواحر» جمع ناحرة، وهى الليلة التى تنحر الشهر، أى تكون فى نحره. قال ابن احمر:
ولا مكلّلة راح الشّمال بها ... فى ناحرات سرار بعد إهلال «3»
وقال الكميت:
مرفوعة مثل نوء السما ... ك وافق غرّة شهر نحيرا «4»
(المتن/181)

وقد تتابعوا كلهم على هذا إلا أبا وجزة، فانه ذكر نصف الشهر وأحمد المطر فيه، فقال:
فى ليلة لتمام النصف من رجب ... خوّارة المزن فى أقتادها «1» طول
وليس يحمدون محاق الشهر إلا فى المطر وحده. وقال جران العود أو الرّحال وذكر امرأة تزوجها «2» :
أتونى بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشهر «3»
وقال آخر:
نحن صبحنا عامر فى دارها ... عشية الهلال أو سرارها «4»
إختلاف مناظر النجوم
210) - والنجوم إذا ابتدأت من المشرق، رايتها متباعدة متبددة فاذا توسطت السماء، اجتمعت/ وتدانت. وإذا انحطت للغروب، تباعدت أيضا وتبددت. وقال الشاعر:
وقد كانت الجوزاء وهنا كأنها ... ظباء أمام الذئب طرّدها النفر
(المتن/182)

شبّهها لتباعدها بظباء نوافر، وذلك فى وقت قربها من الافق فى أول الليل. وإذا قرب الصبح، خفيت صغار الكواكب، وبقيت كبارها فشبهت بالبقر والظباء. قال ذو الرمة:
وردت وآفاق السماء كأنها ... بها بقر أفتاؤه وقراهبه «1»
وخصّ «الأفتاء والقراهب» وهى المسانّ، دون الصغار، لأن وروده كان فى الصبح فقد خفيت الصغار وبقيت الكبار. وقال أيضا.
وردت وأرداف النجوم كأنها ... وراء السماكين المها واليعافر «2»
وقال:
حسرت «3» القلاص الليل حتى وردنه ... بنا قبل أن يخفى صغار الكواكب «4»
يريد وردنه بليل. وقال المرقش «5» ؛
بأن بنى الوخم ساروا معا ... بجيش كضوء نجوم السحر
«نجوم السحر» كبار النجوم ودراريها، لأن الصغار قد غابت.
211) - وقال ابو ذؤيب، وذكر امرأة:
(المتن/183)

بأطيب منها إذا ما النجو ... م اعنقن «1» مثل توالى البقر
يريد آخر الليل. والنجوم يتصو بن للغروب، فترى/ مآخيرهن كما ترى مآخير البقر إذا اعنقت «2» . و «التوالى» ، الأواخر. وإذا كان فى الجو قتام، خفيت كبار النجوم فى رأى العين وتخاوصت.
قال ذو الرمة:
أقمت له سراه بمدلهمّ ... أمقّ إذا تخاوصت النجوم «3»
يريد أنها تتخاوص كما يتخاوص الرجل، وذلك إذا غمض واحدة ونظر بالاخرى للقتام الحائل دونها. ويقال إذا تخاوص الناظر إليها لخفائها، فجعل التخاوص لها.
وقال الآخر فى نحو ذلك:
يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب فى هبّى قباع «4»
شبّه النجم بعين الكلب لكثرة نعاس الكلب، فأنت تراه يفتح عينه ساعة بعد ساعة ثم يغمّض. كذلك النجم، يظهر ساعة ثم يخفى للقتام ساعة. و «هبّى» ، نجوم قد حال الهباء دونها؛ الواحد هاب، مثل غاز وغزّى. و «قباع» ، دواخل فى القتام. والقبوع، الدخول.
(المتن/184)

212) - قال ذو الرمة:
وحيران ملتجّ كأن نجومه ... وراء القتام العاصب الأعين الخزر «1»
و «الحيران» . ليل كأنه قد تحير فليس يكاد ينقضى. «وملتجّ» له لجّة. وإذا رطب الهواء، زال القتام، فرأيتها كبارا. ولذلك تقول العوام: «إن الكواكب تنتفخ فى الشتاء» . قال ذو الرمة:
ألمّت بنا والعيس تهوى كأنها ... أهلّة محل زال عنها قتامها «2»
جعلها أهلّة محل» . لأن الأهلة فى سنة الجدب أدقّ فى المنظر ليبس الهواء وكدورته. وقال أبو زيد:
أصلتىّ تسمو العيون اليه ... مستنير كالبدر عام العهود «3»
و «العهود» الأمطار شبّهه بالقمر سنة الأمطار لنقاء الجوّ وحسن القمر. ولذلك قال الحسن بن هانئ يصف الخمر:
كأنها الشمس إذا صفقت ... وبيتها الكبش أو الحوت «4»
يريد أن الجوّ ينقى فى حلول الشمس بالحوت وبالحمل لكثرة
(المتن/185)

الأمطار، فتحسن الشمس. وقال آخر:
وليل فيه تحسب كل نجم ... بدالك من خصاصة طيلسان
وليس هذا لشىء حال دون النجوم وإنما أراد شدة ظلمة.
الليل، فشبّه الظلمة بالطيلسان لخضرته. كما قال الشمّاخ:
بليل كلون الساج أسود مظلم ... قليل الوغا داج كلون الأرندج «1»
و «الساج» ، الطيلسان. و «الوغا» ، الصوت. يريد أنهم من هيبته لا يتكلمون. و «الارندج» ، جلود سود- ن.
الاهتداء بالنجوم والمسير بطلوعها وغروبها
213) وكانوا يتعاقبون «2» إذا سروا بطلوع النجوم وغروبها فكلما غرب/ نجم، ركب واحد، ونزل آخر. ولذلك قال قائلهم:
وندلج الليل على قياس
أى نجعل مقادير ركوبنا ومسيرنا بسقوط النجوم. وقال آخر لناقته:
سامى سمامات النهار واجعلى ... ليلك أدراج النجوم الأفّل «3»
و «السمام» ، طير. أى ساميها فى السير وسيرى ليلا على «أدراج النجوم» الغاربة. ونحوه قول سلامة بن جندل فى المسير ليلا:
(المتن/186)

ونحن نعشو لكم تحت المصابيح «1»
أى نسرى إليكم تحت الكواكب. ومثله قول الاخر:
وقيّلوا تحت بطون الكوكب
وقال آخر يذكر امرأة:
كأنها بين السجوف معقب ... أو شادن ذو بهجة مرقّب
«المعقب» نجم يعتقب به. وقال ابن مقبل:
فأصبحن لم يتركن من ليلة السرى ... لذى الشوق إلا عقبة الدبران «2»
وقال آخر فى الاهتداء بمنازل القمر:
إنى على أونى وانجرارى ... أؤمّ بالمنزل والدرارى «3»
«الأون» الرفق. و «الانجرار» أن تسير الابل وعليها أحمالها وهى ترعى. «أؤمّ» أقصد. «بالمنزل» يعنى منزل القمر. و «الدرارى» الكواكب/ الكبار. واحدها درّىّ.
214) وقال آخر:
قلت لخرق لم أخف أن يعجزا ... لا تنسينّ الأمّ والتجوّزا
حتى ترى لاحبه قد فوّزا
«لا تنسينّ الأمّ» أى لا تترك الايتمام بالنجوم ما أمكن ذلك.
(المتن/187)

و «التجوّز» إذا لم يمكن حتى ترى «لا حب الطريق قد فوّزا» ، أى بدا بالمفازة. وقال ذو الرّمة يذكر الابل:
تياسرن عن جدى الفراقد فى السرى ... ويامنّ شيئا عن يمين المغاور «1»
يعنى أنهن قد قصدن وسطا فيما بين الفرقدين وبين المغاور. وهى المغارب. وذلك أن أول ابتداء المغارب قريب من منحدر بنات نعش.
وقال لناقته:
فقلت اجعلى ضوء الفراقد كلها ... يمينا ومهوى النسر من عن شمالك «2»
أخبرها أنه يريد مسيرها ما بين منحدر النسر للمغيب وبين الفرقدين.
وقال لبيد، وذكر رجلا:
حالف الفرقد شركا فى الهدى ... خلّة باقية دون الخلل «3»
يقول يهتدى به، فهو أصدق له من كل صديق. وخصّ الفرقد لأنه لا يغيب، ولا يطلب فى وقت من أوقات الليل إلا وجد. وقال أبو النجم، وذكر إبلا ترعى:
وهى حيال الفرقدين تعتلى «4» .
يريد انها تستقبل الريح الشمالية/ فى المرعى «5» لتردها. و «الاعتلاء» بعد الخطو.
(المتن/188)

215) وقال آخر:
جعلت سهيلا محمل السّيف
أعلمك انه ترك سهيلا ذات اليسار، وسار على ذلك. قال أبو النجم:
أقبلت من مجرى سهيل قاصدا ... إلى أمير المؤمنين وافدا
و «سهيل» من نحو اليمن والحجاز، فأخبرك أنه قصد من الحجاز أو اليمن إلى الشام. وقال آخر وذكر ناقة:
كأن سهيلا أمّها «1» وكأنها ... حليلة وخم جنّ منه جنونها
يقول هذه الناقة لها هوى فى ناحية اليمن، فكأنها تؤمّ سهيلا، وكأنها امرأة «وخم من الرجال، وهو المستثقل المبغض. فهى تطالع الرجال وتنفلت إليهم. وقال ذو الرّمة يذكر إلابل:
إذا اغتبقت نجما فغاب تسحّرت ... علالة نجم آخر الليل طالع «2»
يعنى أنه يؤمّ بكوكب طالع أول الليل، حتى إذا غاب حوّل
(المتن/189)

أمّه إلى كوكب آخر طلع فى السحر. فشبّه ذلك بالغبوق من الشراب والسّحور. وقال الراعى:
أرى إبلى تكالا راعياها ... مخافة جارها طبق النجوم «1»
«تكالا راعياها» يريد تحارسا. وذلك بأن ينام واحد ويسهر واحد. «طبق النجوم» أى حالا بعد حال، من قول الله عزّ وجلّ:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ»
«2» وهو مثل قول الآخر:
سامى سمامات النهار واجعلى ... ليلك أدراج النجوم الافّل «3»
كيف يكون الاهتداء بالنجوم
216) الاهتداء بالنجوم يكون بمعرفة آفاق السماء. وهى أربعة آفاق لكل ريح من الرياح الأربع أفق تأتى منها. فالشمال تأتى عن يمينك إذا استقبلت القبلة. والجنوب تأتى عن يسارك. والصبا تستقبل الكعبة والدبور تستدبرها. واعرف البلد الذى تؤمّه، «4» وفى أىّ افق هو فان كان فى ناحية المشرق، كخراسان وما صاقبها، استقبلت منازل الشمس والقمر، إن كان مسيرك ليلا والسماء مصحية وجعلت الجدى وبنات نعش على يسارك، والشعريين وسهيلا على يمينك، وإن كان فى ناحية المغرب استدبرت منازل القمر وجعلت الجدى وبنات نعش على يمينك والشعريين وسهيلا على يسارك. وإن كان فى ناحية اليمن، جعلت منازل القمر
(المتن/190)

على [يسارك، وجعلت الجدى وبنات نعش وراءك، وسهيلا أمامك وإن كان فى ناحية الشام. جعلت منازل القمر على] «1» يمينك، وجعلت الجدى وبنات نعش أمامك، وسهيلا وراءك. فاذا أنت فعلت ذلك فانت على سمت الوجه الذى تريد وإن لم تكن على/ الطريق غير راجع ولا جائز- ن.
217) [وإن كان مسيرك نهارا، استدللت ايضا بالمشرق] «2» وإن كان مسيرك ليلا، والسماء غائمة. استدللت بالمشرق والمغرب.
فان اشتبها عليك، استدللت على المشرق بنسيم الصبا وروحها، فانها تأتى من ناحيته. وعلى المغرب بريح الدبور وحرّها فى الصيف وعجاجها. وعلى اليمن بريح الجنوب وليونتها. وعلى الشام بالشّمال وبردها فى الشتاء، وبارحها فى الصيف- ن.
218) فأما القبلة فالاستدلال عليها بالجدى. وذلك أن تجعله حذاء منكبك الأيمن أو أخدعك. وأن كان مسيرك نهارا، فبالشمس فان ما بين المشرق والمغرب قبلة للمسافر- ن.
219) قال محمد بن كناسة «3» إذا سقط منزل من منازل القمر بالغداة عند نوئه، فعدّ منه سبعة أنجم على موالاة العدد، فالسابع هو
(المتن/191)

القبلة، الا «1» أن تسقط العقرب. فاذا سقطت العقرب، فالنعائم قبلة والبلدة بعد تلك الساعة قليلا قبلة ايضا. ثم يعود الحساب. فاذا سقط سعد الذابح، فالحوت قبلة، وهو السابع. ومثال ذلك أنه إذا سقط الشرطان، كان السابع منه الذراع، فهو/ القبلة. وإذا سقط البطين، فالنثرة قبلة [واذا سقطت الثريا فالطرف قبلة واذا سقطت الدبران فالجبهه قبلة] «2» وإذا سقط الهقعة، فالزبرة قبلة. وإذا سقطت النثرة، فالسماك قبلة. وإذا سقط الطرف، فالغفر قبلة. وإذا سقطت الجبهة، فالزبانى قبلة. وإذا سقطت الزبرة، فالاكليل قبلة. ثم يقع الشكّ فى القبلة عند سقوط الصرفة والعوّاء والسماك والغفر والزبانى والاكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. وذلك لأن العقرب تسقط جميعا فلا يستقيم الحساب على سبعة أنجم. غير أنه إذا سقط العقرب كلها، كانت النعائم قبلة. ثم البلدة قبلة والقبلة قريب منها ثم يسقط سعد الذابح، فيكون رأس الحوت قبلة. وهو مزموم بالكف الخضيب، فيرجع الحساب الى السابع. قال ابن كناسة فى ذلك، وذكر طريق مكة.
يؤم النجوم السابعات من التى ... تأوّب الا ان تأوّب عقرب
فان هى آبت فالنعائم امّها ... وبلدتها ثم السوابع اصوب «3»
(المتن/192)

قال: وكواكب العقرب أربعة منازل تطلع فى الأوقات التى بيّنت، وتسقط كلها فى وقت واحد.
[آخر الاصل الذى جعله مصححا الكتاب أساسا للمسودة المنقولة عن مكتبة بودلين بجامعة اوكسفورد Hunt) رقم: 480) ما نصه.] :
تمّ كتاب علم النجوم بأسره والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله، وكان الفراغ منه فى التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة وحسبنا الله ونعم الوكيل وفى آخر الاصل الألوسى للسيد محمود شكرى المتوفى سنة 1342 هـ-، ما نصه:
«وقد وقع فراغ كتابة هذه النسخة سنة 1338 هـ- من الهجرة» .
ووقع الفراغ من طبعه بمطبعة دائرة المعارف العثمانية (بالهند) لاثنتى عشرة ليلة خلت من رجب سنة 1375 هـ- والحمد لله رب العالمين.
(المتن/193)

فهرس المآخذ والمصادر
(المتن/194)

فهرس المآخذ والمصادر
(الف) المصادر العربية
ابن الأبار: التكملة- ط الجزائر 1920 م
ابن البنّاء: رسالة فى الأنواء- ط باريس 1948 م.
ابن حبيب: كتاب المحبّر- ط حيدر آباد 1361 هـ-.
ابن حبيب: كتاب المنمق- خطية فى مكتبة ناصر حسين المجتهد لكهنو (بالهند) .
ابن حبيب: نقائض جرير والفرزدق- ط ليدن 1907 م.
ابن حنبل: المسند- ط مصر 1313 هـ- ج 6.
ابن خير الإشبيلى: الفهرسة.
ابن سعد: الطبقات- ط ليدن.
ابن سيده: المحكم- خطيات فى إستانبول ومصر وتونس.
ابن سيده: المخصص- ط مصر 1316 هـ- ج 17.
ابن الشجرى: المختارات- ط مصر 1306 هـ.
ابن قتيبة: الشعر والشعراء- ط ليدن 1902 م
: المعانى الكبير- ط حيدر آباد 1368- 1369 هـ- 3 ج.
(المتن/195)

ابن قتيبة: الميسر والقداح- ط مصر 1343 هـ.
ابن ماجد: كتاب الفوائد فى اصول علم البحر والقواعد. ط باريس.
ابن المعتز: طبقات الشعراء- ط كيمبرج 1939 م.
ابن منظور: لسان العرب- ط مصر 1300 هـ- 2 ج.
ابن النديم: الفهرست- ط ليبسك 1871 م- ج 2.
ابن هشام: سيرة رسول الله- ط گوئتنگن 1859 م- ج 2.
ابو داود: كتاب السنن- ط مصر 1371 هـ- 2 ج.
ابو ذؤيب: ديوان- ط هانوفر بألمانيا 1926 م.
ابو زيد: جمهرة أشعار العرب- ط مصر 1308 هـ-.
ابو كبير الهذلى: ديوان (ومجلة زورنال آزياتيك) سنة 1923 م.
ابو نواس: ديوان- ط مصر 1277 هـ-.
الأخطل: شعر الأخطل- ط بيروت 1891 م.
الاصبهانى: الأغانى- ط بولاق فى مصر.
الأعشى: ديوان- سلسلة كب ميموريل، لوندرا 1927 م.
امرؤ القيس: ديوان (فى العقد اليمين) - ط لوندرا- 1870 م.
امية بن أبى الصلت: ديوان- ط ليبسك 1911 م.
أوس بن حجر: ديوان- ط ويئن (فى النمسا) 1792 م.
البخارى: الصحيح.
(المتن/196)

البصرى على بن
حمزة: التنبيهات على أغلاط الرواة خطيات مصر ولوندرا وإستراسبورغ.
البغدادى عبد القادر: خزانة الأدب- ط مصر 1299 هـ
البكرى: المعجم- ط مصر 1945- 4 ج.
البيرونى: الآثار الباقية- ط ليبسك 1876- 20 ج.
البيرونى: الجماهر فى معرفة الجواهر- ط حيدر آباد 1355 هـ.
البيرونى: القانون المسعودى- ط حيدر آباد 1953 وما بعد.
الثعالبى: ثمار القلوب- ط مصر 1326 هـ.
الجاحظ: كتاب البخلاء- ط مصر 1948 م.
الجاحظ: البيان والتبيين- ط مصر 1366 هـ.
الجاحظ: كتاب الحيوان- ط مصر- 7 ج.
جران العود: ديوان- ط دار الكتب بمصر.
جرير: ديوان- ط مصر 1313 هـ-.
حاتم الطائى: ديوان- ط ليبسك 1897 م.
الحصرى: زهر الآداب- ط مصر 1344 هـ.
الحطيئة: ديوان- ط ليبسك 1893 م.
حميد بن ثور: ديوان- ط دار الكتب بمصر 1952 م.
حميد الله: الوثائق السياسية فى العهد النبوى والخلافة الراشدة- ط مصر 1941 م.
ذو الرمة: ديوان- ط كيمبرج بانكلترا 1919 م.
(المتن/197)

الراغب: محاضرات- ط مصر 1326 هـ-.
رؤبة بن الحجاج: ديوان- ط برلين 1903 م.
الزفيان راجع تحت الحجاج.
زهير بن أبى سلمى: ديوان (فى العقد الثمين) - ط لوندرا 1870 هـ-.
سلامة بن جندل: ديوان- ط بيروت 1910 م.
السهيلى: الروض الانف- ط مصر 1332 هـ-.
الشماخ بن ضرار: ديوان- ط مصر 1327 هـ-.
صاعد الأندلسى: طبقات الأمم.
الصغانى: العباب- خطية استانبول.
الصوفى عبد الرحمن: صور الكواكب- ط حيدر آباد 1953 م وما بعدها.
الطبرى: تاريخ الرسل والملوك- ط ليدن.
طرفة: ديوان (فى العقد الثمين) - ط لوندرا 1870 م.
الطرماح: راجع تحت الطفيل
الطفيل: ديوان الطفيل والطرماح- ط لندن 1927 م (سلسلة گب ميموريل)
عبيد بن الأبرص: ديوان- ط ليدن 1913 م.
العجاج: ديوان العجاج والزفيان- ط برلين 1908 م.
عريب بن سعد: كتاب الأنواء- وهو تقويم قرطبة لسنة 961.
وربيع بن زيد Calenderier de Cordou ط ليدن 1873 م.
علقمة: ديوان (فى العقد الثمن) - ط لوندرا 1870 م.
(المتن/198)

عمرو بن قميئة: ديوان- ط كيمبرج بانكلترا 1919 م.
عنترة: ديوان (فى العقد الثمين) - ط لوندرا 1870 م.
الفرزدق: ديوان- باريس 1870 م مونيك بألمانيا 1901 م.
فنسنك: المعجم المفهرس- ط ليدن.
فنسنك: مفتاح كنوز السنة- ط مصر.
القزوينى: عجائب المخلوقات- ط گوئتنگن 1848 م.
القطامى عمير بن شييم: ديوان- ط ليدن 1902 م.
الكتبى، ابن شاكر: فوات الوفيات- بولاق بمصر 1283 هـ- 2 ج.
كثّير: شرح ديوان كثّير بن عبد الرحمن الخزامى المشهور
بكثير عزة- باريس 1930 م- 2 ج.
لبيد: ديوان- ط ويئن بالنمسا 1880 م.
مالك بن انس: الموطأ- ط مصر 1370 هـ- 2 ج.
المبرد: الكامل- ط ليبسك 1864 م.
مرتضى السيد: تاج العروس- ط مصر 1306 هـ- 10 ج.
المرزبانى: معجم الشعراء- ط مصر 1354 هـ-.
المرزوقى: الأمنة الأمكنة- ط حيدر آباد 1332 هـ- 2 ج.
مسلم بن الحجاج: الصحيح- ط إستانبول.
المقريزى: الخبر عن البشر- خطية بدار الكتب المصرية.
المقريزى: المواعظ والاعتبار- ط مصر 1911- 1927- ج 4
الميدانى: معجم الأمثال.
(المتن/199)

الميمنى، عبد العزيز: الطرائف الأدبية- ط مصر 1937 م.
النابغة الذبيانى: ديوان (فى العقد الثمين) - ط لوندرا 1870 م.
النابغة الجعدى: ديوان- ط روما 1953 م.
الهذليين: أشعار الهذليين.
ياقوت: معجم الأدباء (إرشاد الأدب) ط مصر 1908- 7 ج (سلسلة گب ميموريل) .
(ب) المصادر باللغات الافرنجية:
Benhamouda, Les noms arabes des etoiles (in AIEO) Aiger, I 95 I.
Brokelmann, Geschchte der arabischen Literatar
Supplement, 7 vogs., Leiden.
Encyclopaedia of Islam, Leiden. I. ed.
Krathkowky, Introduction aux index.
(مقدمة الأخبار الطوال للدينورى)
Motylinski, Les mansions lunaires des Arabes, Alger, I 899.
Suter, Mathematiker und Astronomen der Araber,
Leipzing, I 900.
(المتن/200)

الفهرس الجامع
لكتاب الانواء لابن قتيبة الدينورى مشتمل على الأعلام والقبائل والأماكن والجبال والكتب وغيرها المذكورة فى المتن والحواشى
رموز: (ح) - الحاشية- (م) - المقام
(المتن/201)

الأعلام وغيرها الصفحة
ابن أبى كبشة 46
ابن أحمر الشاعر 2، 62، 119 181
ابن الأعرابى الراوى 22
ابن الرقاع الشاعر 13
ابن الزبير الأسدى الشاعر 25
ابن عباس 13، 15، 41 129
ابن عمر 129
ابن كناسة الراوى 9، 42، 62 116، 169
ابن مقبل الشاعر 63، 108، 140 145، 187
ابن هشام 57
أبو بكر 158 ح
أبو جندب الهذلى الشاعر 114 ح
أبو خراش الشاعر 139
أبو دؤاد الشاعر 143
أبو ذؤيب الشاعر 35، 107، 142 161 ح، 171 ح، 183
أبو زبيد الشاعر 43، 46، 185
أبو زياد الكلابى الراوى 39، 86، 148
أبو زيد الراوى 132
أبو شبلين 51
أبو الطمحان الشاعر 133 ح
أبو عبيدة الراوى 7، 112، 163
أبو عمرو الراوى 168
أبو كبشة 46
أبو كبير الهذلى الشاعر 164، 165
أبو النجم الشاعر 47، 71، 89 117، 138، 171، 188، 189
ابو نواس- راجع الحسن بن هانئ
أبو وجزة السعدى الشاعر 51، 163، 167، 182
أبو هريرة 116 ح
أبو الهندى الشاعر 56
اخت هارون 46
الأخطل الشاعر 36، 38، 90 107، 146
أدهم بن عمران العبدى الراوى 42
أرمينية (م) 11
اسامة بن حبيب الهذلى
(المتن/203)

- الشاعر 125 ح
الأسود بن يعفر الشاعر 38، 71 ح، 112
اسيد بن الحلاحل الشاعر 86
الأصمعى الراوى 25، 158، 166
الأعشى الشاعر 27، 28
أعشى بنى نهشل الشاعر 38 ح (ويسمى أيضا الأسود ابن يعفر)
الأعور بن بنان 38 ح
ام عمرو 171
امرؤ القيس الشاعر 24، 83، 178
أمير المؤمنين 189
امية بن أبى الصلت الشاعر 135، 176
امية بن ابى عائذ الهذلى الشاعر 84
أوس بن حجر الشاعر 114، 174
الاويرق (اسم جمل) 65
أيوب بن موسى بن طلحة الراوى 65
باهلة (قبيلة) 146 ح 179 ح
بثينة (معشوقة) 110
برة (امرأة من أهل الأخطل) 38
بس (م) 156
بشر بن أبى خازم الشاعر 50، 105، 110 125، 147
البصيع (جزيرة) 139 ح
البضيع (جزيرة) 139
بنو إسرائيل 46
بنو زهير بن اقيش 118 ح
بنو سليم 146
بنو السيد 171
بنو شيبان 2
بنو عجل 113
بنو العنبر 39
بنو ماوية 2
بنو مرة بن عوف
بنو الوخم 183
بهان (اسم امرأة) 156 ح
تغلب (قبيلة) 146 ح
تهامة (م) 84، 157
التين (جبل) 175
التينة (عين ماء) 175 ح
الثريا (معشوقة) 152
(المتن/204)

حران العود الشاعر 69، 153 وح
182
جرير الشاعر 79
الجعدى (النابغة) الشاعر 111
جميل الشاعر 110
حاتم طئى الشاعر 26، 34
الحارث بن أبى امية
الحجاز (م) 11، 31، 58 69، 84، 96، 117، 145، 153، 166، 167، 189
الحجر (م) 158
حديث النبى عليه السلام 5، 14، 31، 37 125، 129، 135، 143، 144، 169، 170
الحديبية (م) 14 ح
حسان بن ثابت الشاعر 139 ح، 172 ح
الحسن بن هانئ أبو نواس الشاعر 19، 185
حصن مسلمة (م) 33 ح
الحصينى الشأمى الشاعر 32، 61، 75
الحصينى الشاعر 61 ح
الحطيئة الشاعر 105، 181
حميد بن ثور الشاعر 108، 167، 178
حنين (م) 156 ح
حومل (م) 139 ح
الحيرة (م) 166
خداش بن زهير الشاعر 29
خراسان (م) 190
خربة (م) 181
خرق (اسم رجل؟) 187
الخرقاء 153
خزيمة بن مالك بن نهد الشاعر 99 ح
الخصى الشأمى- راجع الحصينى
خيبر (م) 30
درهم بن زيد الأنصارى الشاعر 37 ح
دكين الشاعر 45
دمشق (م) 139 ح
ذروة (م) 105
ذو الرمة الشاعر 28، 16، 24 25، 30، 32، 34، 35، 40، 47، 50، 51، 54، 63، 68، 80، 89، 90، 92، 93، 94، 95، 97، 98، 106، 123، 124، 137، 138، 152، 154، 159
(المتن/205)

ذو الرمة الشاعر 161، 183.
184، 185، 188، 189
الراعى الشاعر 8، 23، 51، 91 147، 180، 190
رباح 139
الربذة (م) 11
الرحال الشاعر 182
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 14، 15، 31 46، 129، 130
أيضا ابن أبى كبشة، حديث النبى، النبى
رؤبة بن العجاج الشاعر 15، 108، 127 159
الروم 19، 103
رهم بن عامر 99 ح
الزبرقان بن بدر 136
زهير الشاعر 124، 167
ساجع العرب 18، 21، 25 27، 29، 39، 41، 43، 48، 49، 52 ح، 53، 55، 57، 60، 61 ح، 65، 67، 69، 70، 72، 74، 76، 78، 79، 80، 82، 85، 95، 100، 131 إلى 134
سجاح التميمية 158 ح
سعد (بن معاذ الأنصارى) 125
سعدى (معشوقة) 35، 87
سفار (م) 158 ح
سلامة بن جندل الشاعر 186، 187 ح
سواد، فى العراق (م) 172
سهيل بن عبد الرحمن ابن عوف 152
الشأم (م) 19، 32، 48، 64، 103، 139 ح، 159، 160، 165، 175، 176 ح، 177، 189، 191
شبم (جبل) 175
الشعبى الراوى 65
الشماخ الشاعر 107 وح، 186
الشمردل اليربوعى الشاعر 81
صخر الغى الشاعر 174 ح، 177 ح
صخر بن الجعد الشاعر
ضابئ الشاعر 160، ح
طبيب العرب، وهو لقمان الحكيم 30، 31، وح
طرفة الشاعر 164 وح
الطرماح الشاعر 64، 77، 111، 163
(المتن/206)

طفيل الشاعر 97، وح
الطور (جبل) 160
عامر (اسم رجل) 129
عامر (قبيلة) 182
عامر بن تميم بن يقدم 99 ح
عامر بن كعب بن عمر ابن سعد 156 ح
عاهان بن كعب 156 ح
العباس [بن عبد المطلب] 14
عباس بن مرداس السلمى 156 ح
عبد الله، هو المؤلف
ابن قتيبة 116 ح
عبدا لله- راجع ابن الزبير، ابن عباس، ابن عمر
عبد الله بن خلاس الشاعر 116
عبد الله بن طاهر 33 ح
عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر 172 ح
عبد المطلب 140 ح
عبس (اسم رجل) 129
العبلات
عبلة بنت عبيد بن جاذب
عبيد بن الأبرص الشاعر 37، 174 وح
العجاج الشاعر 17، 116، 140، 160، 166، 169
أعاجم 2
عدن (م) 11
عدى بن الرقاع 19، 63، 103
عدى بن زيد الشاعر 82، 104، 166، 184
العراق (م) 11، 59، 96، 117، 157، 166، 171
العرب 1، 2، 12، 13، 15، 19، 43، 47، 48، 49، 50 57، 58، 60، 62، 70، 72، 74، 76، 78، 79، 82، 90، 95، 96، 103، 105، 120، 123، 129، 131، 154، 169، 157، 158، 161، 163، 164، 166
عقبة بن رؤبة الشاعر 25
العقيق (م) 158
علقمة [الفحل] بن عبدة الشاعر 88
عمان (م) 48
عمر [بن الخطاب] 14
(المتن/207)

عمر بن أبى ربيعة الشاعر 152 وح
عمر بن الأهتم الشاعر 117
عمرو بن قميئة الشاعر 180
عمرو بن معدى كرب الشاعر 179
عمير بن شييم التغلبى 28 ح
عنزة (قبيلة) 99 ح
غطفان (قبيلة) 105 ح، 176 ح
غور (م) 84
الغور (م) 21
فاطمة (بنت يذكر) 99
فراص (الباهلى) 146
فرد (م) 158 ح
الفرزدق الشاعر 47، 177
فرود (م) 158 ح
الفرس 102
فلك الخلصاء (م) 124
القبط (أهل مصر) 102، ح
القبلة 4، 10، 36، 73 122، 146، 149، 153، 169 190، 191، 192
قراقر (م) 159
القرآن 2، 4 ح، 5، ح- 7، وح، 14، 15، ح 16، 17، ح
35 وح، 46 وح، 50 وح، 83 وح، 109 ح، 120 وح، 124 وح، 126 وح، 134 وح، 140، 141 وح، 143 وح، 162 وح، 163 وح، 170 وح.
176 وح، 190 وح.
قرن التنوفة (م) 40
قريش 46
قطاش 158
قطام 158
القطامى الشاعر 28
قول العرب أو ضرب المثل 118، 119، 123 وح، 134، 148، 161، 168، 172، 185
كتاب تأويل مشكل
القرآن لابن قتيبة 7
كتاب الصيام، له 130
كتاب المسير، له 8
كتاب الوحش، له 43
كثير عزة الشاعر 29 وح، 87 وح، 163 وح
الكعبة 88، 159، 190
كلب (قبيلة) 2.
(المتن/208)

الكميت الشاعر 9، 20، 27، 28، 44، 72، 79، 82، 93، 106، 112، 114، 119، 127، 153، 166، 176، 180
الكوفة (م) 10، 149
لبيد الشاعر 188
لقمان الحكيم 31 ح
لقيط الشاعر 133 ح
لوط النبى عليه السّلام 169
ليلى 158
مالك 129 ح
مالك بن خالد الهذلى الشاعر 105 ح، 114 125 ح
المأمون 33 ح
المتنخل الهذلى الشاعر 161 ح، 165
محمد بن كناسة الراوى 191
مدرك بن حصين الشاعر 189 ح
المرار الفقعسى الشاعر 30، 100، 116، 163، 169
المرقش الشاعر 183
مرة (قبيلة)
مريم عليها السلام 46
مزاحم العقيلى الشاعر 119 ح
مصر (م) 56
مضر (قبيلة) 33 ح
مضرس الأسدى الشاعر 43
مطرود بن كعب الخزاعى الشاعر 140 ح
المعا (م) 159
المعقر البارقى 173
مكة (م) 192
المنذر بن ماء السماء 37 ح
المؤتفكات (م) 168
مؤرج الراوى 23، 27، 57، 63، 97، 161
مهلهل الشاعر 146
مى، مية 34
النابغة (الذبيانى) الشاعر 45، 88، 175، 176
النابغة- راجع الجعدى
نافذ 129 وح
نبى، أنبياء 68
النبى صلّى الله عليه وسلّم 46 (ايضا ابن ابى كبشة)
(المتن/209)

نجد (م) 10، 57
النضر بن الحارث
النمر بن تولب الشاعر 161، 118
نهار (اسم امرأة) 156
هارون عليه السّلام 46
هجر (م) 123
الهذلى (الشعراء) 84، 105، 125، 161، 164، 172، 173، 174
هذيل (قبيلة) 164، 165
يبرين (م) 47
يذكر بن عنزة 99 وح
يزيد بن عبيد أبو وجزة الشاعر 51 وح
اليمامة (م) 172
اليمن (م) 11، 48، 114، 159، 161، 189، 190، 191
اليهود 30
الأعلام وغيرها الصفحة
؟ (المجاهيل من شعراء الشواهد) 5، 7، 15، 16 22، 25، 37، 49، 51، 54، 57، 58، 61، 62، 63، 65، 71، 77، 80، 87، 88، 90، 98، 110، 112، 113، 122، 125، 129، 133، 134، 136، 137، 138، 139، 143، 145، 146، 152، 153، 154، 158، 160، 166، 171، 172، 177، 179، 180، 182، 184، 185، 186، 187، 189
(المتن/210)