Advertisement

شرح حدود ابن عرفة


الكتاب: الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية. (شرح حدود ابن عرفة للرصاع)
المؤلف: محمد بن قاسم الأنصاري، أبو عبد الله، الرصاع التونسي المالكي (المتوفى: 894هـ)
الناشر: المكتبة العلمية
الطبعة: الأولى، 1350هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مُقَدِّمَة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا قَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْمُدَرِّسُ الْمُصَنِّفُ الْعَلَّامَةُ خَطِيبُ الْخِلَافَةِ الْعَلِيَّةِ وَالْمُفْتِي بِالْحَاضِرَةِ التُّونِسِيَّةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْأَنْصَارِيُّ شُهِرَ الرَّصَّاعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِدَقَائِقِ حَقَائِقِ الْمَعْقُولَاتِ، الْحَكِيمِ الَّذِي أَحْكَمَ بِحِكْمَتِهِ رَقَائِقَ دَقَائِقِ الْمَصْنُوعَاتِ، الْكَرِيمِ الَّذِي عَلَّمَنَا تَعْرِيفَ الْفُصُولِ وَخَاصَّةَ الْمَحْدُودَاتِ، وَأَلْهَمَنَا بِفَضْلِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِخَوَاصِّ الْكَائِنَاتِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْهَادِي لِشَرْحِ بَيَانِ الْمُشْكِلَاتِ، وَخَالِقِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْقُلُوبِ الزَّاهِرَاتِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ مِنَنِهِ الْغَادِيَاتِ السَّابِحَاتِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا سَنَّهُ مِنْ نِعَمِهِ وَعَرَّفَنَا بِهِ حَقَائِقَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً نَصِلُ بِهَا إلَى مَعَارِفِ الْجَنَّاتِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَتَانَا بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَأَرْشَدَنَا إلَى الدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، وَحَقَّقَ لَنَا حَقَائِقَ الْعَقَائِدِ وَدَقَائِقَ الْفَرْعِيَّاتِ، وَأَصَّلَ لَنَا أُصُولَ الدِّيَانَاتِ وَالْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّاتِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ اقْتَبَسُوا مِنْ أَنْوَارِهِ وَالْتَقَطُوا مِنْ أَزْهَارِهِ، وَبَلَّغُوا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مَا تَبَرَّكُوا بِهِ مِنْ نَوَامِي الْبَرَكَاتِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا سَلَامًا نَنْجُو بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ، وَنَصِلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ نُفُوسِنَا الْأَمَّارَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَبَقَتْ مِنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى إلَيَّ وَأَظْهَرَ فَضْلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَيَّ بِمَحَبَّةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَعَلَمِ الْأَعْلَامِ الَّذِي افْتَخَرَتْ بِهِ أُمَّةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الشَّيْخِ الْوَلِيِّ الْعَالِمِ الْأَعْلَمِ الصَّالِحِ الزَّكِيِّ الْقُدْوَةِ الْأُسْوَةِ السُّنِّيِّ السَّنِيِّ الْعَارِفِ عَلَى التَّحْقِيقِ، الْهَادِي إلَى الطَّرِيقِ الدَّالِّ عَلَى التَّدْقِيقِ، صَاحِبِ السَّعْدِ وَالسُّعُودِ وَالْيُمْنِ وَالتَّوْفِيقِ، شَيْخِ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِنَا نِهَايَةِ الْعُقُولِ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ فِي وَقْتِنَا وَقَبْلَ وَقْتِنَا بَقِيَّةِ الرَّاسِخِينَ مِنْ سَادَاتِنَا آخِرِ الْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ سَلَفِنَا سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَبَرَكَتِنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ وَرَحِمَ سَلَفَهُ وَأَعَادَ عَلَيْنَا فَضْلَهُ، وَصَيَّرَنَا
(1/2)

مِمَّنْ عَظُمَ قَدْرُهُ وَعَرَفَهُ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِنَا مَحَبَّتَهُ وَأَسْبَغَ بِهَا عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ لَمَّا تَوَاتَرَ لَدَيْنَا مِنْ حُسْنِ طَرِيقِهِ وَهَدْيِهِ، وَغَزَارَةِ عِلْمِهِ وَبَلَاغَةِ فَهْمِهِ، وَقُوَّةِ عِزِّهِ لِطَاعَةِ رَبِّهِ، فَزَرَعَ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مَحَبَّتَهُ، وَأَلْقَى فِي أَفْئِدَتِهَا مَوَدَّتَهُ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ سُبْحَانَهُ فِي مُعَامَلَتِهِ لِخَاصَّةِ الصَّالِحِينَ، فِي إلْقَاءِ مَوَدَّتِهِمْ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ شَاهَدْنَا شُيُوخَنَا الْآخِذِينَ عَنْهُ يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّهِ مُعَظِّمِينَ لِقَدْرِهِ، مُسَلِّمِينَ لِفَهْمِهِ، لَا يُعَارِضُونَهُ وَلَا يُرَاجِعُونَهُ إلَّا بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وَتَعْظِيمٍ وَإِكْبَارٍ، وَقَدْ قَيَّدْنَا عَنْهُمْ مَا سَمِعْنَا مِنْ كَرَامَاتِهِ وَمَا بَلَغَنَا مِنْ مَحَاسِنِهِ وَسِيَادَاتِهِ وَمَا قُيِّدَ عَنْهُ مِنْ ابْتِكَارَاتِهِ.
وَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ جُمْلَةً صَالِحَةً فِي أَوَّلِ هَذَا التَّقْيِيدِ وَآخِرِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَفَضْلِهِ وَدِينِهِ وَعِلْمِهِ، مَا يَحْمِلُ طَالِبَ الْعِلْمِ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَبِرِّهِ، وَشَاهِدُنَا كُتُبُهُ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ شَافِيَةٌ وَافِيَةٌ الْمُبْرِزُ مِنْ فُقَهَاءِ الزَّمَانِ مِمَّنْ يَفُكُّ رُمُوزَهَا وَيَفْهَمُ إشَارَاتِهَا وَيَتَفَاخَرُونَ بِذَلِكَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَكُلُّ ضَعِيفِ الْعَقْلِ خَبِيثُ سَرِيرَةٍ وَكَبِيرُ جَهْلٍ إذَا رَبَتْ بِهِ نَفْسُهُ الْخَبِيثَةُ عَلَا وَغَلَا، فَيَتَعَرَّضُ بِالِاعْتِرَاضِ لِلْعَطَبِ وَالْبِلَا حَفِظَ اللَّهُ قُلُوبَنَا وَمَلَأَهَا بِمَحَبَّتِنَا فِي سَادَاتِنَا الَّذِينَ فَتَحُوا لَنَا الْأَبْوَابَ وَهَدَانَا اللَّهُ بِهِمْ إلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَلَمَّا كُنْت كَثِيرَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ لِهَذَا السَّيِّدِ الْكَرِيمِ أَكْثَرْت مِنْ النَّظَرِ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحَقَائِقِ الْفِقْهِيَّةِ وَوَلِعْت فِي طَلَبِ تَفْهِيمِ فَوَائِدِهِ اللُّغَوِيَّةِ فَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُحِبِّينَ مِنْ الطَّلَبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَحْصَنِهِمْ عَلَى النَّظَرِ فِي دَقَائِقِهِ وَالتَّفَقُّهِ فِي حَقَائِقِهِ لِأَنَّهَا مُعِينَةٌ عَلَى تَحَصُّلِ الْفَرْعِيَّاتِ، مُحَصِّلَةٌ لِحَقَائِق الْفِقْهِيَّاتِ، لِأَنَّ رُسُومَهُ قَوَاعِدُ مَذْهَبِيَّةٌ كُلِّيَّاتٌ، فَحِفْظُ الطَّالِبِ لِتِلْكَ الْقَوَاعِدِ إعَانَةٌ عَلَى تَحَصُّلِ الْفُرُوعِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ، وَلَمَّا سَمِعَ مِنِّي مِرَارًا بَعْضُ نُبَلَاءِ الطَّلَبَةِ وَنُجْلِ فُضَلَاءِ الْأَحِبَّةِ شَرْحَ كَبِيرٍ مِنْ حَقَائِقِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَبَسْطَ مَوَاضِعَ مِنْ دَقَائِقِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، طَلَبَ مِنِّي شَرْحًا لِحُدُودِهِ، مُبَيِّنًا لِفَرَائِدِهِ، وَفَاتِحًا لِأَبْوَابِ عُقُودِهِ، فَرَأَيْت أَنَّ هَذِهِ مِنْ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيَّ وَهِدَايَةٍ مِنْ الْكَرِيمِ سَاقَهَا الْحَلِيمُ إلَيَّ، بِخِدْمَتِي لِشَيْخِ سُنَّةِ، النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الَّذِي كَانَتْ حَيَاتُهُ بِلُطْفِهِ الْجَمِيلِ وَخَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ فَأَجَبْت السَّائِلَ لِمَا سَأَلَ.
وَاعْتَمَدْت عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَحْفَظَنَا مِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ، فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَرَغِبْت
(1/3)

مِنْ مَوْلَايَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ وَأَنْ يُتَمِّمَ لِي قَصْدَهُ وَعَمَلَهُ وَأَنْ يَجْعَلَنَا فِي حِمَى الْمُؤَلِّفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحِمِ سَلَفِهِ وَأَنْ يُحَصِّنَنَا بِحِصْنِ نَبِيِّهِ الْحَصِينِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَسَمَّيْته " كِتَابَ الْهِدَايَةِ الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ لِبَيَانِ حَقَائِقِ الْإِمَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْوَافِيَةِ " فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةِ يُحْتَاجُ إلَيْهَا، وَيَجِبُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا، لِيُسْتَعَانَ بِهَا فِي فَهْمِ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا وَفِيهَا مَسَائِلُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْوَلِيِّ وَسَائِلُ الْأُولَى فِي مَعْرِفَةِ نَسَبِهِ وَفَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَتَآلِيفِهِ وَسِنِّهِ وَمَوْتِهِ وَكَرَامَاتِهِ وَطَرِيقِهِ فِي هَدْيِهِ فَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً صَالِحَةً يَقِفُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ مَحَبَّةٌ وَشَوْقٌ فِي مَقَامِ هَذَا الْوَلِيِّ السُّنِّيِّ لِيَزِيدَ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَزِيَادَةً فِي بِرِّهِ وَتَخَلُّقًا بِطَرِيقِهِ وَتَحَقُّقًا فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَاحْتِقَارًا لِنَفْسِهِ وَيُعْلَمَ أَنَّ عِلْمَهُ إنَّمَا هُوَ ثَمَرَةُ عَمَلِهِ وَإِخْلَاصٌ لِنِيَّتِهِ وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ لِرَبِّهِ فِي خِدْمَتِهِ.
أَمَّا نَسَبُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهُوَ الشَّيْخُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَمُ الْإِمَامُ الصَّالِحُ الْعَالِمُ الْقُدْوَةُ الْعَلَّامَةُ الْبَرَكَةُ الْفَهَّامَةُ ذُو الْقَدْرِ الْكَبِيرِ وَالْفَخْرِ الشَّهِيرِ الْحَاجُّ لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الْمُعَظِّمُ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ الْوَرِعُ الْأَنْزَهُ الْأَكْمَلُ سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ مَذْهَبًا الْوَرْغَمِّيُّ نَسَبًا التُّونِسِيُّ مَوْلِدًا وَمَنْشَأً تَزَايَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَامَ سِتَّةَ عَشَرَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ عَامَ ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَكَانَ وَالِدُهُ رَجُلًا خَيِّرَا صَالِحًا مُتَعَبِّدًا جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ وَلَازَمَهَا وَتُوُفِّيَ بِهَا وَكَانَ يَدْعُو فِي آخِرِ لَيْلِهِ لِوَلَدِهِ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنَ عَرَفَةَ فِي حِمَاك يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَتَّى صَحِبَهُ اللُّطْفُ الْجَمِيلُ فِي حَيَاتِهِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْبَرَكَةِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَكَانَ صَاحِبَ جَدٍّ وَوِلَايَةٍ وَبَخْتٍ وَيُنَاوِلُ عَصَا الْخَطِيبِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِلشَّيْخِ وَلِيِّ اللَّهِ سَيِّدِي خَلِيلٍ فَإِذَا نَاوَلَهُ ذَلِكَ يُفَكِّرُهُ وَيَقُولُ لَهُ يَا سَيِّدِي مُحَمَّدٌ وَلَدِي اُدْعُ لَهُ وَهَذِهِ سَعَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَعِنَايَةٌ سَمَاوِيَّةٌ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ فَكَانَ بِذَلِكَ لَهُ الْكَرَامَاتُ مِنْ اللَّهِ وَكَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صِغَرِهِ مَشْهُورًا بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالْمُطَالَعَةِ وَالْمُذَاكَرَةِ
(1/4)

وَالْمُلَازَمَةِ لِلشُّيُوخِ الْجِلَّةِ وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مُقَدِّمَاتُ الْفَلَاحِ الْمُنْتِجَةُ لِمَا نَتَجَتْ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالصَّلَاحِ وَأَخَذَ عَنْ شُيُوخٍ جَلِيلَةٍ عَظِيمَةٍ كَرِيمَةٍ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلَمُ الْأَعْلَامِ الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْعَشْرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَدِيثَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَازَمَهُ كَثِيرًا وَأَخَذَ عَنْهُ عِلْمًا غَزِيرًا وَأَخَذَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ سَلَامَةَ وَالشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ وَالشَّيْخِ السَّطِّيِّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْفَرَائِضَ وَأَخَذَ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ عَنْ الشَّيْخِ الْأُبُلِّيِّ وَابْنِ الدَّرَّاسِ وَابْنِ الْحُبَابِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا نَقَلْنَا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا قَرَأْت الْقُرْآنَ بِالسَّبْعِ عَلَى الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ مِنْ طَرِيق الدَّانِي وَابْنِ شُرَيْحٍ وَعَلَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ بْنُ برال بِالسَّبْعِ مِنْ طَرِيقِ الدَّانِي وَقَرَأَ أُصُولَ الْفِقْهِ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَلْوَانَ وَأُصُولَ الدِّينِ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ سَلَامَةَ وَعَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالنَّحْوَ عَلَى ابْنِ قُبَيْسٍ وَالْجَدَلَ وَالْمَنْطِقَ وَالنَّحْوَ عَلَى ابْنِ الْحُبَابِ وَالْفَرَائِضَ عَلَى الشَّيْخِ السَّطِّيِّ وَالْحِسَابَ عَلَى الشَّيْخِ الْأُبُلِّيِّ وَالْفِقْهَ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخِ ابْنِ الْقَدَّاحِ وَالشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ وَالسَّطِّيِّ وَسَائِرَ الْمَعْقُولِ عَلَى الشَّيْخِ الْأُبُلِّيِّ وَكَانَ الْأُبُلِّيُّ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيَّ مِثْلُهُ وَأَمَّا جِدُّهُ وَاجْتِهَادُهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَالسَّعْيِ فِي ثَوَابِهِ فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَصَدَقَتِهِ فَيُقَالُ إنَّهُ بَلَغَ دَرَجَةَ كَثِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَنَالَ دَرَجَةَ الصَّالِحِينَ وَذِكْرُ الْحِكَايَاتِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفٍ وَتَدْوِينِ تَصْنِيفٍ وَأَلَّفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَآلِيفَ عَجِيبَةً وَمُصَنَّفَاتٍ غَرِيبَةً مِنْهَا تَأْلِيفُهُ الْفِقْهِيُّ لَمْ يُسْبَقْ بِهِ فِي تَحْقِيقِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَجَمْعِهِ وَأَبْحَاثِهِ الرَّشِيقَةِ وَحُدُودِهِ الدَّقِيقَةِ وَمَا فِيهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ أَبْحَاثِهِ الْمُبْتَكَرَةِ وَفَوَائِدِهِ الَّتِي هِيَ فِي كُلِّ أَوْرَاقِهِ مُنْتَشِرَةٌ وَتَأْلِيفُهُ الْمَنْطِقِيُّ فِيهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْفَوَائِدِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ كِبَارُ الْفُحُولِ عَلَى صِغَرِ جُرْمِهِ وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَتَأْلِيفُهُ الْفَرْضِيُّ وَتَأْلِيفُهُ الْأُصُولِيُّ الدِّينِيُّ وَالْفِقْهِيُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ إمْلَاءَاتِهِ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَسْعُودًا فِي دُنْيَاهُ مَرَضِيًّا عَنْهُ فِي أُخْرَاهُ أَعَزَّهُ بِطَاعَتِهِ وَأَطَالَ عُمْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَعَظَّمَتْهُ الْمُلُوكُ لِهَيْبَةِ دِيَانَتِهِ وَقَامَتْ بِحَقِّهِ لِقُوَّةِ خِدْمَتِهِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَظُهُورِ كَرَامَتِهِ وَكَانَ مِنْ سَعَادَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ بِفِتْنَةِ الْقَضَاءِ مَعَ
(1/5)

قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهِ حِفْظًا لَهُ مِنْ رَبِّهِ لِدَوَامِ النَّفْعِ بِهِ فِي عِلْمِهِ.
وَقُدِّمَ لِلْإِمَامَةِ بِالْجَامِعِ الْأَعْظَمِ عَامَ سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَقُدِّمَ لِخَطَابَتِهِ عَامَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَقُدِّمَ لِلْفَتْوَى عَام ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ.
وَمِنْ غَرِيبِ كَرَامَاتِهِ أَنَّهُ مِنْ لَدُنْ وَلِيَ الْإِمَامَةَ إلَى مَوْتِهِ لَمْ يَقَعْ لَهُ تَعَذُّرٌ عَنْ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ عَامَ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ وَفِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ وَفِي عَامِ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ وَفِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَفِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ فِي زَمَنِ حَجِّهِ.
وَفِي بَعْضِ صَلَوَاتٍ غَابَ فِي وَقْتِهَا فِي خُرُوجِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعَثَهُ الْمَلِكِ الْهُمَامِ الْمُرْتَضَى لِآيَاتِ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِالسِّيَادَةِ عِنْدَ الْمُلُوكِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُمْ وَبَرَّدَ ضَرِيحَهُمْ وَجَعَلَ الْبَرَكَةَ فِي عَقِبِهِمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَنَصَرَ مَوْلَانَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْأَعْدَلِيَّ الْعُمَرِيَّ الْعُثْمَانِيَّ وَأَدَامَ أَيَّامَهُ الزَّاهِرَةَ وَكَانَ لَهُ وَمَعَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " وَهَذَا التَّأْلِيفُ مِنْ ثَمَرَاتِ حَسَنَاتِهِ وَنَتِيجَةِ بَرَكَاتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَّ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِوُجُودِهِ وَأَعَانَنَا عَلَى حُصُولِ الْخَيْرِ بِسَبَبِ عُلُوِّهِ وَعِزِّهِ وَصُعُودِهِ زَادَهُ اللَّهُ خَشْيَةً وَرَحْمَةً وَعَمَلًا بِالْحَقِّ وَنَصْرًا لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَعَمَّرَ الْأَرْضَ بِبَقَائِهِ وَنَوَّرَ عَدْلَهُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ " وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّيْخُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ آثَارُ السَّعَادَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَجَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنُّصْرَةِ وَالْأَيَادِي الْفَاخِرَةِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَحَشَرَنَا مَعَهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ فِي آخِرِ التَّأْلِيفِ نُذَيِّلُ بِهَا مِنْ تَمَامِ فَضْلِهِ وَدَلِيلِ عِلْمِهِ وَكَرَمِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَمُنُّ عَلَيْنَا بِبَعْضِ عِلْمِهِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَوِّلْ مُخْتَصَرِهِ بَعْدَ خُطْبَتِهِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ تَأْلِيفُ مُخْتَصَرِهِ الَّذِي أَعْجَزَ الْفُحُولَ عَنْ مِثْلِهِ بِجَمْعِهِ وَمَنْعِهِ تَعْرِيفَ مَاهِيَّاتِ الْحَقَائِقِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ لِمَا عَرَضَ مِنْ النَّقْلِ وَالتَّخْصِيصِ عَرَفْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَفَائِهِ بِمَا وَعَدَ بِهِ وَقَدْ وَفَّى بِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجَرَى فِيهِ عَلَى نَهْجِ طَرِيقِ تَحْقِيقِ الْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى تَصَوُّرِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ فَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَعْرِيفُ مَاهِيَّاتِ الْحَقَائِقِ وَلَمْ يَقُلْ حَدُّ مَاهِيَّاتِ الْحَقَائِقِ لِيَشْمَلَ التَّعْرِيفَ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ
(1/6)

وَالرَّسْمِيِّ لِأَنَّ الْمُعَرِّفَ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحَدِّ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ وَرُبَّمَا يُطْلَقُ الْحَدُّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْحَدُّ حَقِيقِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ لَكِنْ قَالَ شُرَّاحُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِيهِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْحَقِيقَةِ بِأَجْزَائِهَا وَذَاتِيَّاتِهَا وَالْمُرَادُ بِمَاهِيَّاتِ الْحَقَائِقِ هُنَا أَيْ مَدْلُولِ الْحَقَائِقِ الْفَرْعِيَّةِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ مَدْلُولِ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالصَّلَاةِ وَمَا شَابَهَهَا وَقَوْلُهُ الْحَقَائِقُ جَمْعُ حَقِيقَةٍ وَهِيَ الْمَاهِيَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَقَائِقَ اللُّغَوِيَّةَ وَالْعُرْفِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالْبَحْثِ
وَالْمُرَادُ هُنَا الشَّرْعِيَّةُ وَلَمَّا كَانَتْ الشَّرْعِيَّةُ رُبَّمَا شَمِلَتْ الدِّينِيَّةَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ زَادَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَيْدَ الْفِقْهِيَّةِ لِتَخْرُجَ الدِّينِيَّةُ ثُمَّ زَادَ فِي الْقَيْدِ الْكُلِّيَّةَ احْتِرَازًا مِنْ الشَّخْصِيَّةِ وَقَوْلُهُ لَمَّا عَرَضَ مِنْ النَّقْلِ وَالتَّخْصِيصِ عِلَّةً فِي كَوْنِهَا صَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً فَرْعِيَّةً لِأَنَّهَا عَرَضَ لَهَا نَقْلٌ مِنْ أَصْلِ اللُّغَةِ كَالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى عِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمِثْلُ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ ثُمَّ خُصِّصَ فِي الشَّرْعِ بِإِمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ فَقَوْلُهُ مِنْ نَقْلِ وَتَخْصِيصِ مَعْنَاهُ مِنْ نَقْلٍ فِي بَعْضِ الْحَقَائِقِ وَتَخْصِيصٍ فِي الْبَعْضِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى الْخِلَافِ فِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ فِيهَا نَقْلٌ مِنْ الشَّارِعِ أَوْ لَيْسَ فِيهَا نَقْلٌ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَيَكُونُ أَشَارَ إلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ وَانْظُرْ الْعَضُدَ وَالتَّفْتَازَانِي وَغَيْرَهُمَا وَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ مِنْ نَقْلٍ وَتَخْصِيصٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ انْحَصَرَتْ فِي النَّقْلِ وَالتَّخْصِيصِ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْوَاقِعَ مِنْهَا إمَّا نَقْلٌ مَعَ مُنَاسَبَةٍ غَلَبَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَنْقُولِ إلَيْهِ حَتَّى تَبَادَرَ فِي الذِّهْنِ مَعْنَاهُ أَوْ مَعَ نَقْلٍ لَا بِشَرْطِ مُنَاسَبَةٍ أَوْ مَعَ وَضْعٍ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ وَهَذَا الثَّالِثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَعَلَّهُ يَمْنَعُ الثَّالِثَ وَفَرَّعَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ وَاقِعَةٌ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي
فَإِنْ قِيلَ هَلَّا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ نَقْلٍ وَتَخْصِيصٍ وَتَعْمِيمٍ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْغَالِبُ فِي الشَّرْعِ إمَّا النَّقْلُ أَوْ تَخْصِيصُ مَعْنَى اللُّغَةِ قَالُوا وَقَدْ وَرَدَ تَعْمِيمُ الشَّرْعِ لِمَا خَصَّصَتْهُ اللُّغَةُ كَالْيَمِينِ فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ قَسَمٌ بِالتَّاءِ أَوْ بِإِحْدَى أَخَوَاتِهَا وَفِي الشَّرْعِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَعَمُّ مِنْ مَدْلُولِ اللُّغَةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ
(1/7)

بِأَنْ نَقُولَ إنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ النَّقْلِ لِنَقْلِ الشَّرْعِ الْمَعْنَى الْأَخَصِّ إلَى مَعْنًى أَعَمَّ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيُقَالُ بِمِثْلِهِ فِي التَّخْصِيصِ وَيُسْتَغْنَى بِالنَّقْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَبِعِلْمِهِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ التَّعْرِيفَ وَالْمُعَرَّفَ مَعْلُومٌ حَدُّهُ وَيَصْدُقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ حَقِيقِيٍّ وَرَسْمِيٍّ وَلَفْظِيٍّ فَإِنْ قُلْت هَلْ مُرَادُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيَانُ الْحَقَائِقِ الْفِقْهِيَّةِ إمَّا بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِلَوَازِم الْمَاهِيَّاتِ أَوْ بِتَبْدِيلِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَشْهَرَ وَيَكُونُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَاهِيَةَ إنْ عُلِمَتْ أَجْزَاؤُهَا وَذَاتِيَّتُهَا صَحَّ حَدُّهَا بِهَا إمَّا تَامَّةً أَوْ نَاقِصَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُرِّفَتْ بِالْحَدِّ اللَّفْظِيِّ أَوْ مُرَادُهُ إنَّمَا هُوَ التَّعْرِيفُ بِالْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمَيِّزُ اللَّازِمَ الدَّاخِلَ مِنْ اللَّازِمِ الْخَارِجِ قُلْت وَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْعَقْلَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُهُ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِقْرَاءِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ فَمَا عُلِمَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ كَانَ ذَاتِيًّا وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ خَارِجٌ كَالشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ كَانَ خَاصَّةً فَصَحَّ أَنَّ الْمَاهِيَةَ يَصِحُّ حَدُّهَا بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ وَالرَّسْمِيِّ وَاللَّفْظِيِّ إنْ وُجِدَ تَرَادُفٌ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَالْحَدِّ فَإِنْ قِيلَ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَةُ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ أَجْزَاءٌ حِسِّيَّةٌ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ وَأَجْزَاءُ الْمَحْدُودِ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلَى مَا حَقَّقَهُ جَمَاعَةٌ فِي الذَّاتِيّ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَقْلًا وَمَا لَيْسَ بِمَحْمُولٍ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَاتِيٌّ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ رَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحُدُودِ حَيْثُ يَقُولُ اسْتَغْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الْحَدِّ بِذِكْرِ الْأَجْزَاءِ عَلَى مَا سَتَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَمَاكِنِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِّ الْأَجْزَاءَ الْحِسِّيَّةَ الَّتِي لَا تُحْمَلُ بَلْ مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فَيَقُولُ الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَلَا يَقُولُ الصَّلَاةُ إحْرَامٌ وَسَلَامٌ وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ الَّذِي حَقَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَأَنَّ النُّطْقَ فِي الْإِنْسَانِ هُوَ الْفِعْلُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ الْجُزْءُ الْمُقَدَّمُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إلَّا بِالِاشْتِقَاقِ مِنْهُ كَالنَّاطِقِ أَوْ ذُو نُطْقٍ وَوَقَعَ فِي كَلَامٍ لِكَاتِبِي أَنَّ الْحَدَّ يَصِحُّ بِالْأَجْزَاءِ الْحَيَّةِ وَالْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ بِالذَّاتِيِّ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَا يَصِحُّ حَمْلُهُ وَلَمَّا كَانَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ يَقُولُ إمَّا حَدُّهُ وَإِمَّا رَسْمُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرَاعِي الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ
(1/8)

وَالرَّسْمِيِّ فِي حُدُودِهِ لَا أَنَّهَا كُلَّهَا عِنْدَهُ رُسُومٌ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَبَّهْنَا بِذَلِكَ هُنَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ثَمَّةَ وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُنَاسِبُ مَقْصِدَنَا
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا كَانَ إمَامًا فِي الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مُحَقِّقًا بِحَقَائِق الدَّقَائِقِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُلَاحِظَ مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ مَعَ حَدِّهِ وَكَانَتْ الْمَقُولَاتُ عَشْرَةً جَوْهَرٌ وَعَرَضٌ وَالْعَرَضُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الْفِعْلِ وَالْكَيْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ وَقَدْ جُمِعَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ
زَيْدٌ طَوِيلٌ أَزْرَقُ ابْنُ مَالِكٍ ... فِي بَيْتِهِ بِالْأَمْسِ كَانَ مُتَّكَى
بِيَدِهِ سَيْفٌ لَوَاهُ فَالْتَوَى ... فَهَذِهِ عَشْرُ مَقُولَاتٍ حَوَى
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَهُوَ
قَمَرٌ عَزِيزُ الْحُسْنِ الطَّفُّ مِصْرُهُ ... لَوْ قَامَ يَكْشِفُ غُمَّتِي لَمَا انْثَنَى
فَكُلُّ حَدٍّ ذَكَرَهُ يَرْجِعُ إلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقُولَاتِ وَلَوْلَا الطُّولُ لَذَكَرْنَاهُ فَلِهَذَا تَجِدُ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يُنَاسِبُ مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ وَيَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْجِنْسِ فَيَذْكُرُ الصِّفَةَ الْحُكْمِيَّةَ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْكَيْفِ أَوْ النِّسْبَةِ وَيَقُولُ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ فِيمَا يُنَاسِبُ الْفِعْلَ مِنْ الْمَحْدُودَاتِ وَيَقُولُ أَمَّا حَدُّهُ اسْمًا إنْ كَانَ مِمَّا يُنَاسِبُ الْجَوْهَرَ كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّيْدِ وَيَظْهَرُ لَك ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ كُلِّ حَدٍّ فِي كِتَابِهِ فَإِنْ قُلْت إذَا صَحَّ لَك مَا أَشَرْت إلَيْهِ فَمَا بَالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَذْكُرُ فِي بَعْضِ حُدُودِهِ اللَّقَبَ كَمَا قَالَ فِي الذَّبَائِحِ لَقَبٌ إلَخْ وَكَمَا ذَكَرَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ فَحَدُّ ذَلِكَ مُضَافًا وَلَقَبًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَوَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ وَاللَّقَبُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ وَلَيْسَتْ بِجِنْسٍ لِلْمَحْدُودِ بِوَجْهٍ وَلَا مِنْ الْمَقُولَاتِ
فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: مَا أَشَرْت إلَيْهِ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ فِي بَيَانِ لَفْظٍ رُكِّبَ وَجُعِلَ عَلَى مَجْمُوعِ أُمُورٍ لَقَبًا عَلَيْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ عَلَى مَعَانٍ مَجْمُوعَةٍ فَهُوَ حَدٌّ لَفْظِيٌّ كَذَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَوْنِ ابْنِ الْحَاجِبِ يُعَبِّرُ بِاللَّقَبِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَرَضَهُ فَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَإِلَّا فَسَلِمَ لَهُ أَنَّهُ حَدٌّ لَفْظِيٌّ لِتَعَذُّرِ التَّعْرِيفِ فِيهِ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ التَّفَطُّنُ لَهُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ فِي حُدُودِهِ وَاخْتِلَافِ عِبَارَاتِهِ فِيهَا وَاَللَّهُ
(1/9)

أَعْلَمُ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) : الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْغَالِبُ فِي حُدُودِهِ أَنَّهَا تَعُمُّ الْمَاهِيَةَ الصَّحِيحَةَ وَالْفَاسِدَةَ مِثْلُ قَوْلِهِ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً وَكَذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ حُدُودِهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُ مَا تَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ يُرَاعَى حَدُّهَا الصَّحِيحُ فَقَطْ أَوْ يُرَاعَى الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فِي الْبُيُوعِ وَانْظُرْ الشَّهَادَةَ هُنَا فَإِنَّا نَقَلْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الرَّسْمِ يَعُمُّ الْفَاسِدَ وَغَيْرَهُ
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) رُبَّمَا وَقَعَ الْحَدُّ مِنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا يَعُمُّ الْمَشْهُورَ وَغَيْرَهُ وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُ الْحَدُّ بِمَا يَخُصُّ الْمَشْهُورَ وَرُبَّمَا اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قُصُورِهِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي الْإِيلَاءِ وَانْظُرْ مَا وَقَعَ فِي الظِّهَارِ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) رُبَّمَا حَدَّ الشَّيْخُ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ بِاعْتِبَارِ أَعَمِّ مَعْنَاهَا وَبِاعْتِبَارِ أَخَصِّهِ عُرْفًا كَمَا قَالَ فِي الْبَيْعِ الْأَعَمِّ وَالْبَيْعِ الْأَخَصِّ الْعُرْفِيِّ وَالْمَقْصِدُ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ وَمَا وَقَعَ فِي تَرَاجِمِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَالْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالصَّرْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي غَلَّبَ عُرْفًا شَرْعِيًّا عَلَى مَسَائِلَ فَرْعِيَّةٍ وَأَمَّا الْبَيْعُ الْأَعَمُّ فَلَمْ يَكُنْ مِثْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَلِذَا قَالَ: وَالْيَمِينُ عُرْفًا إلَى آخِرِهِ وَأَدْخَلَ فِي ذَلِكَ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ لِإِطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ كِتَابَ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهَا وَقَالَ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الشَّرِكَةِ فَحَدُّهَا أَعَمِّيَّةٌ وَأَخَصِّيَّةٌ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) كَثِيرًا مِنْ الْحَقَائِقِ مَا يُذْكَرُ فِيهَا حَدُّ الِاسْمِ وَحَدُّ الْمَصْدَرِ وَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُخَصَّصُ ذَلِكَ فِيمَا غَلَبَ فِيهِ الْعُرْفُ فِي الْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا مَا خَصَّهُ بِأَحَدِهِمَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَدِّ غَيْرِهِ وَيَظْهَرُ لَك ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلَ فِي حُدُودِهِ وَيَأْتِي مَا فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَأَمَّلْ الْعَارِيَّةَ وَمَا ذَكَرْنَا فِيهَا
(الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ قَصَدَ بِالْحَقَائِقِ الْأَلْقَابَ الَّتِي صَيَّرَهَا الشَّارِعُ أَوْ أَهْلُ الشَّرْعِ حَقَائِقَ عَلَى أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَلْحَقْنَا مِنْهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمَّا جُمِعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْفُقَهَاءُ صَيَّرُوا ذَلِكَ كَالرُّسُومِ فَلِذَا اسْتَخْرَجْتُ مِنْ كَلَامِهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ مِنْهُ وَسَتَرَى ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْحَمَالَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ
(1/10)

(الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) تَعْرِفُ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا وَجَدَ مَنْ سَبَقَهُ بِرَسْمٍ لَيْسَ فِيهِ إيرَادٌ يَأْتِي بِهِ وَيَنْسُبُهُ لِقَائِلِهِ مِنْ أَنْصَافِهِ وَخَوْفِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِهِ وَنَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ ثَمَّ حَقَائِقَ لِغَيْرِهِ ارْتَضَاهَا فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا اعْتِرَاضٌ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ وَاسْتَحْضَرَ هُنَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ مِنْ اعْتِرَاضِ عَبْدِ الْحَقِّ وَتَعَقُّبِهِ عَلَى الْبَرَادِعِيِّ وَأَنَّهُ لَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الِاخْتِصَارِ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَدَّ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ مَنْ نَقَلَ قَوْلًا وَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ قَائِلٌ بِهِ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْجَمِيعِ وَلِذَا تَرَى الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ شُرَّاحُهُ فَقِفْ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا بَعْضُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ حُدُودِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَزِدْنَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَاَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَسْأَلُهُ الْقَبُولَ وَالْإِقْبَالَ وَحُسْنَ النِّيَّةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالتَّحَصُّنَ بِمَنْ اتَّصَفَ بِأَشْرَفِ خِصَالٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ.

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
(ط هـ ر) :
(1/11)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ " أَقُولُ وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ الطَّهَارَةُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ حَدُّ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ صِفَةٌ إلَى آخِرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَاكَ طَهَارَةً وَطَهُورِيَّةً وَطَهُورًا وَتَطْهِيرًا وَأَنَّهَا حَقَائِقُ أَرْبَعُ شَرْعِيَّةٌ فَعَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَرْبَعَ وَبَعْضَ أَضْدَادِهَا مُطَابَقَةً وَبَعْضُهَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْتِزَامًا فَقَالَ فِي تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ مَا رَأَيْتَهُ وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفٌ مَعْنَاهَا وَهِيَ النَّزَاهَةُ مِنْ الْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَصَرَ الْحَقَائِقَ الْفِقْهِيَّةَ الَّتِي تَعَرَّضَ لِحَدِّهَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا بِنَقْلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ وَيُمْكِنُ هُنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمَعْنَى الَّذِي غَلَبَتْ فِيهِ بِنَقْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُوصَفُ لُغَةً بِالتَّنْزِيهِ أَوْ النَّزَاهَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا فِي اللُّغَةِ لِلْأَمْرِ الْأَعَمِّ وَهِيَ النَّزَاهَةُ الْمُطْلَقَةُ فَقَصَرَهَا الشَّرْعُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَرِيبٌ مِنْهُ وَالطَّهَارَةُ أَصْلُهَا اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ وَعَلَى ذَلِكَ فَهِمَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا سَيَأْتِي وَعِنْدَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الطَّهَارَةُ غَيْرُ التَّطْهِيرِ لِوُجُودِ مَعْنَاهَا فِي مَحَلٍّ لَا يُوجَدُ فِيهِ التَّطْهِيرُ وَلَمَّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ ذَلِكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ جِنْسًا يُنَاسِبُ مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ وَهُوَ الصِّفَةُ لِأَنَّ مَدْلُولَ الطَّهَارَةِ مَعْنًى لَا فِعْلٌ وَلَا جَوْهَرٌ فَقَالَ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ فَيُطْلَقُ عَلَى النَّعْتِ صِفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَكَرُوا خِلَافًا هَلْ الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ وَالنَّعْتُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ أَمْ لَا وَتُطْلَقُ الصِّفَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالْمَوْصُوفِ إمَّا حِسًّا أَوْ عَقْلًا وَتُطْلَقُ الصِّفَةُ عَلَى أَمْرٍ تَقْدِيرِيٍّ إذَا وُجِدَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ كَمَا يُقَالُ فِي صِفَةِ الْحَدَثِ إذَا وُجِدَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَنْعٌ وَإِذَا ذَهَبَ وَوُجِدَ ضِدُّهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إبَاحَةُ مَا كَانَ مَمْنُوعًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدَثِ الْخَارِجِ نَفْسِهِ بَلْ مَا قُدِّرَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْخَارِجِ وَهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَقِفُ عَلَيْهِ بَعْدُ فِي آخِرِ شَرْحِ الْحَدِّ
(1/12)

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّفَةَ هُنَا الْمُرَادُ مِنْهَا مَعْنًى تَقْدِيرِيٌّ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ حُكْمِيٌّ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْحِسِّيُّ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْمَعْنَى الْعَقْلِيُّ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَيَّدَ الصِّفَةَ بِمَا ذَكَرَهُ وَهَذَا الْجِنْسُ الْمُقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ ذَكَرَهُ فِي حُدُودٍ كَثِيرَةٍ كَالطَّلَاقِ وَإِحْرَامِ الْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَحْدُودَاتِ لَمَّا كَانَتْ صِفَاتٍ نَاسَبَ مَا ذُكِرَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صِفَاتٍ حَقِيقِيَّةً وَالصِّفَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فِي الْحَقِيقِيَّةِ عَدَمِيَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَذَا كَانَ يَمُرُّ لَنَا فِيهِ فِي إطْلَاقِ الصِّفَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَالطَّهَارَةُ عِنْدَهُ كَأَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَلِذَا جُعِلَ جِنْسُهَا الصِّفَةُ وَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ سَبَبٌ فِي حُكْمٍ لِمَوْصُوفٍ كَانَ ضِدُّهُ حَاصِلًا مَعَ ضِدِّ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْحَدَثَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الطَّهَارَةِ أَوْجَبَ مَنْعَ الِاسْتِبَاحَةِ فَلَمَّا حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ ذَهَبَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فَيَثْبُتُ ضِدُّهُ لِلْمَوْصُوفِ وَهُوَ الْجَوَازُ وَقَوْلُهُ اسْتِبَاحَةٌ أَيْ طَلَبُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ طَلَبَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ شَرْعًا مَعَ الْمَانِعِ كَانَ مَمْنُوعًا فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا طَلَبُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ مِفْتَاحِهَا لِأَنَّ مِفْتَاحَهَا هُوَ الطَّهَارَةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ» فَصَحَّ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِفْتَاحٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَوُّرُ عَلَى طَلَبِ إبَاحَةِ الدُّخُولِ فَإِذَا وُجِدَ مِفْتَاحُهَا ثَبَتَ جَوَازُ طَلَبِ إبَاحَةِ الدُّخُولِ كَذَا كَأَنْ يَمُرَّ لَنَا فَهْمُهُ فَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَجِبُ ذِكْرُ جَوَازٍ مَعَ اسْتِبَاحَةٍ لِأَنَّ سِرَّ التَّقْسِيمِ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ نَقُولَ صِفَةٌ تُوجِبُ الصَّلَاةَ أَوْ تُوجِبُ جَوَازَ الصَّلَاةِ أَوْ تُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ صَيَّرَ الصِّفَةَ مُوجِبًا أَيْ عِلَّةً فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مَتَى وُجِدَتْ وُجِدَتْ الصَّلَاةُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا وَلَوْ قَالَ تُوجِبُ جَوَازَ الصَّلَاةِ لَأَفَادَ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْجَبَتْ جَوَازَ الْفِعْلِ فَقَطْ وَالْمَقْصِدُ مِنْهَا أَنَّهَا تُبِيحُ مَا مَنَعَهُ وُجُودَ ضِدِّهَا وَهُوَ الْحَدَثُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ جَوَازَ طَلَبِ إبَاحَتِهَا وَإِذَا مَنَعَ جَوَازَ طَلَبِ إبَاحَتِهَا فَقَدْ مَنَعَ إبَاحَتَهَا فَالْحَدَثُ يَمْنَعُ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَيَمْنَعُ مَا هُوَ أَعَمُّ وَهُوَ طَلَبُ الْإِبَاحَةِ فَالصِّفَةُ تُوجِبُ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ وَلَوْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُوجِبُ طَلَبَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ لَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ جَوَازِ الطَّلَبِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَمْنُوعُ بِالْحَدَثِ كَمَا ذَكَرْنَا فَصَحَّ صِحَّةُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ ذِكْرِ الْأَمْرَيْنِ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

ثُمَّ قَالَ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ أَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ جَوَازَ
(1/13)

اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ جَوَازِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مَعْنَاهُ بِمُقَارَنَةِ شَيْءٍ لِلصَّلَاةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يُقَارِنُ الصَّلَاةَ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى جِلْدِ الْمُصَلِّي لِأَنَّهَا تُقَارِنُ الصَّلَاةَ وَكَذَا جَوَازُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ مَكَانُ الْمُصَلِّي إذَا كَانَ طَاهِرًا وَهَذَانِ يَرْجِعَانِ إلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَكَذَلِكَ جَوَازُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ لِلْمُكَلَّفِ الْمُصَلِّي وَهِيَ طَهَارَةُ حَدَثٍ فَانْقَسَمَتْ الطَّهَارَةُ إلَى طَهَارَةِ حَدَثٍ وَطَهَارَةِ خَبَثٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَالْحَدَثِ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ لِمَوْصُوفِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ فَفِي الْخَبَثِ تُوجِبُ الِاسْتِبَاحَةَ بِمَوْصُوفِهَا وَعَلَى مَوْصُوفِهَا وَفِي الْحَدَثِ تُوجِبُ الِاسْتِبَاحَةَ لِمَوْصُوفِهَا فَضَمِيرُ بِهِ وَفِيهِ وَلَهُ كُلٌّ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَلَمَّا أَبْهَمَ طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَدِّ الْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ إنَّ النَّاظِرِينَ فِي كَلَامِهِ أَوْرَدُوا أَسْئِلَةً أَشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ فِي حَدِّهِ مَعَ أَدَبِهِمْ مَعَهُ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ وَنُشِيرُ إلَى شَيْءٍ مِمَّا تَرَكُوهُ.
(السُّؤَالُ الْأَوَّلُ) كَيْفَ صَحَّ إطْلَاقُ الصِّفَةِ عَلَى الْحُكْمِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ وَالْمَقَادِيرُ الْعَقْلِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ اعْتِبَارِيَّةٌ عَدَمِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِصِفَاتٍ.
(السُّؤَالُ الثَّانِي) كَيْفَ صَحَّ الْإِيجَابُ وَالسَّلْبُ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ وَهِيَ عَدَمِيَّةٌ وَالْعِلَّةُ وُجُودِيَّةٌ.
(السُّؤَالُ الثَّالِثُ) كَيْفَ صَحَّ أَنَّ الْجَوَازَ يَكُونُ مُوجِبًا.
(الرَّابِعُ) كَيْفَ صَحَّ أَنَّ الشَّرْطَ يُوجِبُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ السَّبَبِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ تِلْمِيذُ الشَّيْخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ وَأَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ فِي مَجْلِسِهِ.
(الْخَامِسُ) مَا فَائِدَةُ زِيَادَةِ قَوْلِهِ جَوَازَ اسْتِبَاحَةٍ وَهَلَّا قَالَ تُوجِبُ الِاسْتِبَاحَةَ أَوْ قَالَ مُوجِبُ الصَّلَاةِ.
(السَّادِسُ) أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِّ مَا يُوجِبُ التَّرْدِيدَ وَهُوَ أَوْ وَالتَّرْدِيدُ يُنَافِي التَّحْدِيدَ.
(السَّابِعُ) أَنَّهُ جَمَعَ حَقَائِقَ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ وَهِيَ طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ مِنْ أَنَّ الْحَقَائِقَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا يَصِحُّ جَمْعُهَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ.
(الثَّامِنُ) أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ فِي طَرَفِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فَالذِّمِّيَّةُ إذَا طَهُرَتْ لِزَوْجِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَا تُوجِبُ مَا ذُكِرَ.
(التَّاسِعُ) أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُصَلِّي بِهِ وَلَا يُوجِبُ جَوَازَ الِاسْتِبَاحَةِ.
(الْعَاشِرُ) تَرِدُ عَلَيْهِ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ لِأَجْلِ النَّوْمِ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِيَبِيتَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَكَذَا مَسْأَلَةُ كُلِّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ إذَا
(1/14)

قِيلَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَنُجِيبُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ عَنْهُ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمُمْكِنَةِ.
" أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ " فَجَوَابُهُ أَنْ نَقُولَ وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ سَمَّاهَا صِفَاتٍ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَاتِ وَلِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّهُ سُمِّيَ الثَّوْبُ طَاهِرًا لِمَعْنًى وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ وَالْمَكَانُ عَلِمْنَا أَنَّ ثَمَّ مَعْنًى تَقْدِيرِيًّا سَمَّاهُ طَهَارَةً وَاشْتَقَّ مِنْهُ لِلْمَوْصُوفِ مَا يَتَّصِفُ بِهِ فَصَحَّ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ صِفَةَ قَوْلِهِ فِي الْجِنْسِ صِفَةً يَشْمَلُ الصِّفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ وَيَشْمَلُ الصِّفَةَ التَّقْدِيرِيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ وَلِذَا خَصَّصَهَا بِالْحُكْمِيَّةِ وَالْمَقَادِيرُ الشَّرْعِيَّةُ رُبَّمَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا صِفَاتِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ لَمَّا قَسَّمُوا الْوَصْفَ الَّذِي يَقَعُ التَّقَابُلُ بِهِ إلَى أَقْسَامٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُمْ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مَضَى فِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ الْمَعْقُولَاتِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْأُمُورَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَا وُجُودَ لَهَا وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا صِفَاتٌ خِلَافًا لِلْحُكَمَاءِ وَعَلَيْهِ أَوْرَدُوا مَا أَوْرَدُوا عَلَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ وَلَا يُرَدُّ هَذَا بِوَجْهٍ هُنَا.
" وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي " فَلَا يَصِحُّ إيرَادُهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ جَعَلَهَا الشَّارِعُ كَأَنَّهَا ثُبُوتِيَّةٌ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا وَإِذَا كَانَ التَّعْلِيلُ فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ يَصِحُّ بِالْعَدَمِ الْمُقَيَّدِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فِي الصِّفَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ وَتَعْلِيلُ الْعَدَمِ بِالْعَدَمِ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَمَا الْخِلَافُ إلَّا فِي تَعْلِيلِ الْوُجُودِ بِالْعَدَمِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ وَأَمَّا الْمَنْصُوصَةُ تَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَغَرَّ السَّائِلَ مَا وَقَعَ لِأَهْلِ أُصُولِ الدِّينِ وَالْحُكَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي مَحَلِّهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ هُنَا.
" وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ " فَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ شُرَّاحِ التَّهْذِيبِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا رَأَيْته فَقَالَ تَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اللَّهُ كَيْفَ يَتَقَرَّرُ مِنْهُ أَنَّ الْجَوَازَ يَجِبُ وَالْجَائِزُ لَا يَجِبُ وَتَقْرِيرُ هَذَا السُّؤَالِ عَلَى مَا فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَشْكَلُ أَنَّ الْجَوَازَ يَكُونُ مَعْلُولًا لِلصِّفَةِ الْمُوجِبَةِ وَكَيْفَ يَصِحُّ فِي مَعْلُولِ الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا الْجَوَازُ مَعْلُولٌ لِلْإِيجَابِ أَيْ أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ شَرْعًا كَمَا تَقُولُ الذَّكَاةُ عِلَّةٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ وَالذَّكَاةُ تُوجِبُ جَوَازَ الْأَكْلِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوهِمُ تَنَاقُضًا بِوَجْهٍ ".
وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ " فَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْعَالِمِ سَيِّدِي الْفَقِيهِ الْأَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/15)

وَرَضِيَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ وَتَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ قَالَ تِلْمِيذُهُ: وَالْحَقُّ قَبُولُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ وَالشُّرُوطُ لَا تُوجِبُ وَإِنَّمَا يُوجِبُ السَّبَبُ قَالَ وَتَصْحِيحُهُ أَنْ يُقَالَ تُصَحَّحُ لِمَوْصُوفِهَا وَظَهَرَ لِي أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَرِدُ عَلَى حَدِّ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَعَلَمِ الْأَعْلَامِ صَيَّرَنَا اللَّهُ فِي بَرَكَاتِهِ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ وَبَيَانُ عَدَمِ إيرَادِهِ أَنْ نَقُولَ سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي قَبُولِهَا أَوْ فِي إجْزَائِهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي ذَلِكَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» فَالطَّهَارَةُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا قَبُولُ الصَّلَاةِ وَلَا هِيَ سَبَبٌ فِيهِ بِوَجْهٍ وَلَا عِلَّةٍ كَمَا ذُكِرَ وَهَذَا حَقٌّ وَإِمَّا أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِيمَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ بِوَجْهٍ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ فِيهِ عَامَّةٌ فِي تَقَرُّرِ مَعْنَى وُجُودِهِ وَالشَّرْطِيَّةُ فِي مَعْنًى آخَرَ تَكُونُ شَرْطًا فِيهِ فَنَقُولُ إنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَجْزَائِهَا وَهَذَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّ الشَّرْطَ أَوْجَبَ بِوَجْهٍ وَلَا أَلَمَّ بِهِ لَفْظُهُ وَالصِّفَةُ الْمُوجِبَةُ إنَّمَا أَوْجَبَتْ جَوَازَ طَلَبِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَهُوَ الطَّهَارَةُ لَمَّا حَصَلَتْ جَازَ لِلْمُكَلَّفِ طَلَبُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ كَمَا أَنَّهُ إذَا اتَّصَفَ بِالْحَدَثِ مَنَعَهُ الْحَدَثُ مِنْ جَوَازِ الطَّلَبِ لِمَا ذُكِرَ فَصَحَّ قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صِفَةٌ تُوجِبُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ هُنَا صَارَ سَبَبًا فِي جَوَازِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَطْلُبُ جَوَازَ الْقُدُومِ عَلَى الصَّلَاةِ فَجَوَازُ طَلَبِ الْإِبَاحَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ الصِّفَةِ فَمَا كَانَتْ الصِّفَةُ لَهُ سَبَبًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ شَرْطًا وَإِنَّمَا كَانَتْ شَرْطًا لِقَبُولِ الصَّلَاةِ فَقَوْلُ الشَّيْخِ سَيِّدِي الْفَقِيهِ الْأَبِيِّ الْحَقُّ قَبُولُ الْإِيرَادِ لَمْ يَظْهَرْ بَلْ الْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ يُبَدِّلُ نُوجِبُ بِتَصَحُّحِ لِمَوْصُوفِهَا إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ وَقَصْدُ الشَّيْخِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ".
وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ " فَجَوَابُهُ يُؤْخَذُ بِمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِمَّا ذُكِرَ فَرَاجِعْهُ فِي تَقْرِيرِ مَعْنَاهُ يَظْهَرُ لَك مِنْ لَفْظِهِ وَفَحْوَاهُ ".
وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ " فَهُوَ سُؤَالٌ مَطْرُوقٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ حُدُودِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَيَقُولُونَ التَّرْدِيدُ فِي الْحَدِّ يُنَافِي التَّحْدِيدَ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَرَّرُوهُ عَقْلًا وَقَدْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ النَّظَرِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ حَيْثُ قَالَ هُوَ الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ عِلْمًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ وَأَوْرَدَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي
(1/16)

حَدِّ الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ وَأَجَابَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ التَّقْسِيمَ وَالتَّرْدِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي مُتَعَلِّقِ الْحَدِّ لَا فِي الْحَدِّ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ قَالَ النَّظَرُ يُطْلَبُ بِهِ مَطْلُوبًا مَا وَيَنْقَسِمُ الْمَطْلُوبُ إلَى قِسْمَيْنِ وَكَذَا يُقَالُ هُنَا إنَّ الصِّفَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَوْجَبَتْ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالْإِطْلَاقِ إمَّا بِشَيْءٍ أَوْ فِي شَيْءٍ أَوْ لِشَيْءٍ وَهَذَا لَا إحَالَةَ فِيهِ فِي الْحَدِّ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ سُؤَالًا وَجَوَابًا يُنَاسِبُ مَا هُنَا مِنْ السُّؤَالِ وَتَأَمَّلْ جَوَابَهُ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
" وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ " فَمِثْلُهُ أَيْضًا أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حَدِّهِ لِلْحُكْمِ وَأَنَّ الْحَقَائِقَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا يَصِحُّ جَمْعُهَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ حَقِيقِيٍّ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا لِأَنَّ طَهَارَةَ الْخَبَثِ وَالْحَدَثِ حَقِيقَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ كَخِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَجَابُوا أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ الْجَمْعُ فِيهِ وَالتَّقْسِيمُ لِلْحَقَائِقِ فِي مُتَعَلِّقِهِ وَلِلْمُقْتَرِحِ فِي مِثْلِهِ كَلَامٌ حَسَنٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
" وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ " فَقَدْ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ إنْ قَدَّرْنَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ لِلذِّمِّيَّةِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ بِشَرْطِ إسْلَامِهَا فَقَدْ صَحَّ إدْخَالُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَدِّ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فَالْمُرَادُ إخْرَاجُهَا هَذَا مَعْنَى مَا ذُكِرَ وَتَقْرِيرُ مَا فَهِمْتُهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الطَّهَارَةِ فَقَدْ صَدَقَ الْحَدُّ عَلَى طَهَارَةِ الْكِتَابِيَّةِ وَلَا تَخْرُجُ عَنْ الْحَدِّ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْإِسْلَامِ فَالْمُرَادُ إخْرَاجُهَا لَا دُخُولُهَا فَلَا يَرِدُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الْعَكْسِ وَإِذَا صُحِّحَ مَا مَهَّدْنَاهُ عَنْهُ فَنَقُولُ أَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا فَقَدْ صَدَقَ الْحَدُّ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّ مَعْنَى إيجَابِ السَّبَبِ لِمُسَبِّبِهِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ وَفُقِدَ الْمَانِعُ فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ صِفَةٌ تُوجِبُ جَوَازَ إلَخْ لَكِنْ مَعَ وُجُودِ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَنَّ الذِّمِّيَّةَ إذَا تَطَهَّرَتْ لِزَوْجِهَا وَأَسْلَمَتْ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا فَالْمُرَادُ إخْرَاجُهَا فَيُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ إخْرَاجُهَا مِنْ الْحَدِّ لَكِنْ أَيُّ شَيْءٍ يُخْرِجُهَا وَقَدْ قَرَّرَنَا أَنَّ الْإِيجَابَ الْمَذْكُورَ فِي الذِّمِّيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَفَقْدِ الْمَوَانِعِ كَمَا قَرَّرْنَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إذَا تَقَرَّرَ حُصُولُهَا مَعَ تَقَرُّرِ وُجُودِ مَانِعِ الصُّغْرَى فَإِطْلَاقُ حَدِّ الطَّهَارَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى يُوجِبُ إدْخَالَ طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَصَارَ الْحَدُّ عَلَى هَذَا غَيْرَ مُطَّرِدٍ وَغَايَةُ الْمُجِيبِ أَنَّهُ أَجَابَ
(1/17)

عَنْ عَدَمِ الِانْعِكَاسِ وَوَقَعَ فِي إيرَادِ عَدَمِ الِاطِّرَادِ وَتَقَدَّمَ لَنَا مَا بَحَثَ بِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إذَا تَأَمَّلَ ".

وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ " فَوَقَعَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَوْرَدَهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ جَوَازَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ يَكُونُ لَابِسًا لَهُ أَوْ بِهِ فَلَوْ صَلَّى بِمَاءٍ مُضَافٍ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ لَجَازَ لِلْمُصَلِّي ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الْحَدِّ وَصَدَقَ الْحَدُّ عَلَى طَهَارَتِهِ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا وَعَنْ طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا بِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُقَيَّدَةٌ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ لِلطَّهَارَةِ الْمُطْلَقَةِ وَطَهَارَةُ الذِّمِّيَّةِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا طَهَارَةٌ بِالْإِطْلَاقِ وَلَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِالْإِطْلَاقِ بَلْ طَاهِرَةٌ لِزَوْجِهَا وَالْمُرَادُ حَدُّ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ الْمَحْدُودَةُ هُنَا وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الْمُضَافُ وَمَا شَابَهَهُ لِأَنَّهُ خَاصٌّ تَطْهِيرُهُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ بَلْ يَكُونُ فِي الْعَادَاتِ فَقَطْ (قُلْنَا) هَذَا لَا يُنَجِّي فِي الْجَوَابِ وَيَدُلُّ عَلَى الصَّوَابِ لِأَنَّ الشَّيْخَ الْحَادَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ اسْتَحْضَرَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حَدِّ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ قَوْلُهُ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ فَيَكُونُ حَدُّهُ غَيْرَ مَانِعٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يُجَابُ بِإِطْلَاقِ الْمُطْلَقِ.
لِأَنَّهُ الْمَحْدُودُ فَتَأَمَّلْهُ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَا يَرِدُ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ لِمُطْلَقِ طَهَارَةٍ وَذَلِكَ صَادِقٌ عَلَى طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا لِأَنَّهُ إذَا صَدَقَ الْمُقَيَّدُ صَدَقَ الْمُطْلَقُ فَقَوْلُ السَّائِلِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا مُطْلَقُ طَهَارَةٍ قَطْعًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ فَلَا إشْكَالَ " وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعَاشِرُ " فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ التَّاسِعِ لِأَنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ كَطَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا وَأَمَّا كُلُّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ إذَا قِيلَ بِهِ فَالتَّحْقِيقُ مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ فِي إجْرَاءِ ذَلِكَ عَلَى مَا قِيلَ فِي الْخِيَارِ إذَا أَمْضَى وَبِهِ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ فَرَاجِعْهُ وَفِي الْإِشَارَةِ مَا يُغْنِي اللَّبِيبَ عَنْ التَّطْوِيلِ بِالْعِبَارَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ فِي كَلَامِ هَذَا السَّيِّدِ الْإِمَامِ وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ السَّادَاتِ الْكِرَامِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَبِعِلْمِهِ وَيَمُنُّ عَلَيْنَا فِي الْفَهْمِ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَبَعْدَ أَنْ قَرَّرْتُ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا قَرَّرْتُهُ بِهِ فِيمَا كَانَ الْفَهْمُ يَجْرِي عَلَيْهِ وَقَفْتُ عَلَى مَا رَأَيْته مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَلْنَذْكُرْهُ لِنُكْمِلَ بِهِ الْفَائِدَةَ فَمِمَّا رَأَيْته بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَسْكَنَهُ اللَّهُ دَارَ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ اخْتَلَفُوا
(1/18)

فِي تَقْرِيرِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَاهَا أَنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ بِوُجُودِ مَا أُثِرَ فِعْلُهَا مِنْ صَاحِبِ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ.
لِأَنَّ التَّطْهِيرَ أَوْجَبَ بِهِ الشَّارِعُ صِفَةَ الطَّهَارَةِ وَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ ضَعْفٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَعْنِي أَنَّهَا حُكْمِيَّةٌ أَيْ تَقْدِيرِيَّةٌ لَا وُجُودَ لِهَذَا ذِهْنًا وَلَا خَارِجًا لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ سَلْبِيٍّ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ فَقَدَّرَ الشَّارِعُ وُجُودَ صِفَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ سَلْبًا وَوَجَدْتُ لِلشَّيْخِ الْعَالِمِ الْإِمَامِ شَيْخِنَا أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ قَصَدَ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَحَدِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْوَضْعِ وَأَحْكَامُ الْوَضْعِ تَرْجِعُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ فَالنَّجَاسَةُ تَرْجِعُ إلَى حُرْمَةِ مُلَابَسَةِ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ وَالطَّهَارَةُ تَرْجِعُ إلَى إبَاحَةِ مُلَابَسَةِ الصَّلَاةِ (قَالَ) وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْته وَأَنَّهُ قَصَدَهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مُخْتَصَرِنَا الْفِقْهِيِّ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْلُو فِيهِ مِنْ بَحْثٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ أَنَّهَا صِفَةٌ رَاجِعَةٌ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَا يَخْلُو هَذَا مِنْ نَظَرٍ ذُكِرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اُنْظُرْ الْفَرْقَ التَّاسِعَ وَالْخَمْسِينَ وَمَا ذَكَرَهُ فِيهِ، وَوُجِدَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَنَّ الرَّسْمَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى سَتْر الْعَوْرَةِ وَعَلَى الْقِرَاءَةِ وَعَلَى إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَهَذَا عِنْدِي لَا يُرَدُّ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ يُرَاعِي مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ وَالْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ صِفَةً وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ.
وَكَذَلِكَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَكَانَ هَذَا التِّلْمِيذُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ قَصْدُ شَيْخِهِ فِي رُسُومِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِفُ مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فِي مَعْنًى إمَّا مَصْدَرِيٌّ أَوْ اسْمِيٌّ أَوْ حُكْمِيٌّ وَالْقِرَاءَةُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي أَمْرٍ فِعْلِيٍّ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ وَمَا شَابَهَهَا وَمِمَّا وَجَدْت أَيْضًا مُقَيَّدًا عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ أَنَّ قَوْلَهُ بِهِ الْبَاءُ فِيهِ إمَّا ظَرْفِيَّةٌ أَوْ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ فَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَوْصُوفُ بِالطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُصَاحَبَةِ خَرَجَ الْمَاءُ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ الْعُمُومَ فَيَلْزَمُ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ مَجَازٌ هَذَا سُؤَالُهُ وَقُلْت فِي الْجَوَابِ نَخْتَارُ الْعُمُومَ وَالْمَجَازَ فِي الرَّسْمِ لِقَرِينَةِ سَائِغٍ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ وَلَا يَخْرُجُ الثَّوْبُ فِي طَهَارَتِهِ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ سَبَبٌ فِي جَوَازِ الِاسْتِبَاحَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ كَوْنِهِ طَاهِرًا وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الْمَاءِ فَتَأَمَّلْهُ. وَوَجَدْت لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ سُؤَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ
(1/19)

قَوْلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُوجِبُ فَذَكَرَ الْمُوجِبَ وَصَيَّرَ مُوَجِّهَ جَوَازِ الِاسْتِبَاحَةِ وَذَلِكَ مُتَنَافٍ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يُنَافِي الْجَوَازَ وَالْجَوَازَ يُنَافِي الْإِيجَابَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِلْآخَرِ وَهَذَا كَلَامٌ ضَعِيفٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنْ لَا يُورَدَ مِثْلُهُ عَلَى كَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيجَابِ فِي كَلَامِهِ هُنَا أَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ صُيِّرَتْ سَبَبًا فِي جَوَازِ الْقُدُومِ كَمَا يُقَالُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ سَبَبٌ فِي جَوَازِ الِانْتِشَارِ وَلَيْسَ فِيهِ إحَالَةٌ وَالسَّبَبُ وَإِنْ أَوْجَبَ فَلُزُومُ الْجَوَازِ لِلسَّبَبِ هُوَ الْمُسَبَّبُ وَذَلِكَ لَازِمٌ.
وَلَيْسَ فِيهِ تَنَافٍ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ وَوَجَدْتُ أَيْضًا بِخَطِّ بَعْضِهِمْ أَنَّ فِي لَفْظِ الشَّيْخِ إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْجَوَازُ وَالِاسْتِبَاحَةُ وَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ صَاحِبِهِ وَذِكْرُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ لَا يَصِحُّ وَتَقَدَّمَ لَنَا قَبْلَ هَذَا مَا يَنْفِي هَذَا وَيَرُدُّهُ وَبَيَّنَّا مَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَبِعِلْمِهِ وَمِمَّا وَجَدْته مَا أَوْرَدُوهُ عَلَى عَدَمِ الِانْعِكَاسِ فَذَكَرُوا مَسَائِلَ مِثْلَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ طَهَارَةِ الْحَائِضِ لِلْقِرَاءَةِ وَالذِّمَّةِ لِلْحَيْضِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ وَالْوُضُوءِ لِلتِّلَاوَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصْدُقُ فِيهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لِمَوْصُوفِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ طَهَارَةٌ فَالْمَحْدُودُ مَوْجُودٌ وَالْحَدُّ فِيهِ مَفْقُودٌ ثُمَّ أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ سُؤَالًا بِأَنْ قَالَ إنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ إذَا كَانَتْ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ لَهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا لِشِبْهِ الْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِلَّا فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُصَلِّي وَأَقْرَبُ مَا يُقَرَّرُ بِهِ هَذَا عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ اللَّامَ إذَا كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونُ مَنْ جَازَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِهَا وَذَلِكَ صَادِقٌ فِي الذِّمِّيَّةِ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الرَّسْمِ لِصِدْقِهِ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهَا وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَجَوَابُهُ الْمَذْكُورُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بَلْ لِشِبْهِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَمَا دَخَلَتْ طَهَارَةُ الْمُصَلِّي لِأَنَّ الَّذِي اُسْتُبِيحَتْ الصَّلَاةُ لَهُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْمَوْصُوفِ وَهُوَ الْمُصَلِّي لَا الْمَوْصُوفُ بِالطَّهَارَةِ وَهُوَ الْمُصَلِّي وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ لَائِحٌ عَلَيْهِ الضَّعْفُ وَذَكَرَ سُؤَالًا عَلَى ذَلِكَ وَجَوَابًا لَا نُطِيلُ بِهِ وَذَكَرَ اعْتِرَاضَاتِ ضَعِيفَةً.
(فَإِنْ قُلْت) وُجِدَ بِخَطِّ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَسْمِ النَّجَاسَةِ وَلَا يُنْقَضُ بِالْحَرِيرِ لِأَنَّ صِفَتَهُ إنَّمَا هِيَ مَانِعَةُ لُبْسِهِ لِلذَّكَرِ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِلنِّسَاءِ فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَى أَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَسِتْرَ الْعَوْرَةِ وَالْقِرَاءَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ صِفَاتٌ حُكْمِيَّةٌ وَلِذَا سَلَّمَ إيرَادُهَا وَأَجَابَ بِمَا رَأَيْته فَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ أَوْ لَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ (قُلْت) وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى
(1/20)

مَا ذُكِرَ بِوَجْهٍ بَلْ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ غَيْرُ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ وُجِدَ مَكْتُوبًا بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَرِدُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ صِفَةً حُكْمِيَّةً تُوجِبُ الْمَنْعَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرِيرًا صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خَارِجِيَّةٌ لَا حُكْمِيَّةٌ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ الشَّيْخُ مَسْبُوقٌ بِهِ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَدَثُ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثِ مَعَانٍ الْأَوَّلُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ الثَّانِي الْخُرُوجُ الثَّالِثُ الْمَنْعُ النَّاشِئُ عَنْ الْخُرُوجِ ثُمَّ اُسْتُشْكِلَ عَدَمُ رَفْعِ الْحَدَثِ فِي التَّيَمُّمِ ثُمَّ قَالَ بَقِيَ مَعْنًى رَابِعٌ يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْحَدَثَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يُقَدَّرُ قَائِمًا بِالْأَعْضَاءِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ وَيُنَزِّلُونَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْحِسِّ فِي قِيَامِهِ بِالْأَعْضَاءِ فَمَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ يَقُولُ يُزِيلُ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْحُكْمِيُّ فَيَزُولُ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ الْحُكْمِيِّ وَمَنْ يَقُولُ اللَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ بَاقٍ حُكْمًا وَلَمْ يَزُلْ وَالْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ زَائِلٌ.
فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَقُولُ إنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْحُكْمِيُّ الْمُقَدَّرُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ زَائِلًا (وَالْحَاصِلُ) أَنَّهُمْ أَبْدَوْا لِلْحَدَثِ مَعْنًى رَابِعًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ عَلَى إثْبَاتِهِ فَهَذَا الْكَلَامُ هُوَ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلًا وَأَنَّهُ يُنَاسِبُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي رَسْمِهِ فِي الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ لِلطَّهَارَةِ فَالْحَدَثُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَالطَّهَارَةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَهُمَا صِنْفَانِ تَحْتَ نَوْعٍ أَوْ نَوْعَانِ تَحْتَ جِنْسٍ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ وَأَوْضَحْنَا بِهِ رَسْمَهُ مُخَالِفًا لِمَا قَرَّرَهُ بِهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ إطْلَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَفَهِمُوا الشَّرِيعَةَ عَلَيْهِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَا يَخُصُّ ذَلِكَ بِالطَّهَارَةِ وَلَا الْحَدَثِ بَلْ كُلُّ مَا تُعْقَلُ فِيهِ مَا تُعْقَلُ فِيهِمَا وَاصْطَلَحُوا بِإِطْلَاقِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ صَحَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَحْدُودَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَسْمِ الْحَدَثِ لَمَّا عَرَّفَ النَّجَاسَةَ وَالْحَدَثَ سَيَأْتِي فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَحَالَ مِنْ الْمَوَاضِعِ (قُلْتَ) كَأَنْ يَظْهَرُ لِي فِي الْقَدِيمِ وَرَأَيْتُهُ مُقَيَّدًا أَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَا وَقَعَ لَهُ فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ
(1/21)

فِي قَوْلِهِ وَهِيَ الْقَصْدُ بِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَعْنِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لَا مِنْ جُزْئِيَّتِهِ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ فَلِذَا قَالُوا لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَبِهِ يُرَدُّ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ فِي قَوْلِهِ التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
وَقَوْلُهُمْ لَا يَرْفَعُهُ وَتُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ مُتَنَافٍ فَكَانَ يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنَّ الْحَدَثَ عِنْدَهُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَمْعَنْت النَّظَرَ فِيهِ فَوَجَدْته لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ هَلْ الْمَنْوِيُّ فِي الْوُضُوءِ الرَّفْعُ لِلْحَدَثِ الرَّفْعُ الْمُطْلَقُ أَوْ الرَّفْعُ الْمُقَيَّدُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ رَفْعَ التَّنَاقُضِ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَلَوْ سُئِلَ عَنْ الْحَدَثِ مَا هُوَ لَقَالَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقَلْنَا الْآنَ عَنْ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّ الْحَدَثَ هُوَ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ إلَّا أَنَّ عَدَمَ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ لِمَعْنًى آخَرَ مُغَايِرٍ لِمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ فِي حَدِّ التَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ فَهَذَا الرَّسْمُ اشْتَمَلَ عَلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَهِيَ الْأُولَى وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ وَلَمَّا قَالَ فِيهَا رَفْعُ الْمَانِعِ عُلِمَ أَنَّ الْحَدَثَ هُوَ مَانِعُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ أَعْنِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِمُغَايِرٍ لِمَا ذَكَرَ تَقِيُّ الدِّينِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِمَانِعِ الصَّلَاةِ الصِّفَةَ الْحُكْمِيَّةَ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ أَشَارَ إلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ إذَا تُؤُمِّلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُفَهِّمُنَا عَنْهُ وَيُعَلِّمُنَا مَا يَنْفَعُنَا عَنْهُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَيَنْفَعُنَا بِهِ.

[بَابٌ فِي حَدِّ النَّجَاسَةِ]
(ن ج س) : بَابٌ فِي حَدِّ النَّجَاسَةِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَالنَّجَاسَةُ تُوجِبُ لَهُ مَنْعُهَا بِهِ أَوْ فِيهِ وَالْحَدَثُ يَأْتِي " أَقُولُ لَمَّا ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْخَبَثَ وَالْحَدَثَ فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ احْتَاجَ إلَى تَعْرِيفِهِمَا فَعَرَّفَ الْأَوَّلَ بِمَا ذُكِرَ وَأَحَالَ تَعْرِيفَ الثَّانِي عَلَى مَا يَأْتِي فَقَوْلُهُ " تُوجِبُ إلَخْ " أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ النَّجَاسَةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَجِنْسُهَا كَجِنْسِ الطَّهَارَةِ وَفَصْلُهَا تُوجِبُ مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَعَلَى الِاسْتِبَاحَةِ يَعُودُ الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ (وَقَوْلُهُ بِهِ) يَتَعَلَّقُ بِاسْتِبَاحَةٍ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَكَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ فِيهِ) وَسَبَبُ رَسْمِهِ النَّجَاسَةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ
(1/22)

لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِمَوْصُوفِهَا أَوْ فِي مَوْصُوفِهَا وَهُوَ اخْتِصَارٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِّ ضِدِّ النَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا الْحَدَثُ فَيَأْتِي مَعْنَاهُ فِي حَدِّ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا عَرَّفَ النَّجَاسَةَ قَبْلَ الطَّهُورِيَّةِ لِذِكْرِ النَّجَاسَةِ فِي حَدِّهَا وَالْحَدَثُ لَمْ يُذْكَرْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ رَسْمُهُ هُنَا فَلِذَا أَخَّرَهُ وَتَأَمَّلْ هَذَا الرَّسْمَ وَمَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَمَا فِيهِ فَلْنَزِدْ فِيهِ بَيَانًا وَفَائِدَةً فَنَقُولُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَمَّا عَرَّفَ النَّجَاسَةَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَّمَنَا مَعْرِفَةَ النَّجِسِ بِكَسْرِ الْجِيمِ كَمَا أَنَّهُ إذَا عَلِمْنَا حَدَّ الطَّهَارَةِ عَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ رَسْمَ الطَّاهِرِ فَيُقَالُ فِي رَسْمِ النَّجِسِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ أَوْجَبَتْ لَهُ مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ وَإِذَا عَلِمْنَا سِرَّ ذَلِكَ عَلِمْنَا حَدَّ التَّطْهِيرِ بَعْدَ رَسْمِ النَّجَاسَةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي ذَلِكَ وَالنَّجِسُ الْمَذْكُورُ مُقَابِلُهُ الطَّاهِرُ كَمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ مُقَابِلَةٌ لِلطَّهَارَةِ وَالطَّاهِرُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ أَوْجَبَتْ لَهُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) الطَّاهِرُ يَعُمُّ الْبُقْعَةَ وَالثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالشَّخْصَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَاءٍ وَحَجَرٍ وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ النَّجَاسَةَ مُقَابِلُهُ.
وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ صَادِقًا عَلَى ضِدِّ كُلٍّ مِنْ مَصْدُوقَاتِهِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الشَّخْصِ نَجِسٌ وَيُقَالُ فِيهِ طَاهِرٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا التَّقَابُلُ فِيمَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِالنَّجَاسَةِ وَضِدِّهَا لَا فِي مُطْلَقِ طَاهِرٍ لِأَنَّ الطَّاهِرَ يُقَابِلُهُ النَّجِسُ وَيُقَابِلُهُ الْمُحْدِثُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَطَهَارَةُ خَبَثٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَنْ أَوْرَدَ عَلَى رَسْمِهِ فِي عَدَمِ طَرْدِهِ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ وَالدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ هَلْ يَرِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ أَنَّ بِهِ صِفَةً حُكْمِيَّةً أَوْجَبَتْ مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ (قُلْتُ) كَأَنْ يَظْهَرَ لِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَرِدُ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ فِي الثَّوْبِ أَوْ الدَّارِ مِنْ أَثَرِ الْغَصْبِ يَمْنَعُ أَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَلْ إمَّا نِسْبَةٌ أَوْ فِعْلٌ ثُمَّ وَقَعَ لِي التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّهَارَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ التَّطْهِيرِ وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَثَرُ هَذِهِ صِفَةً حُكْمِيَّةً وَأَثَرُ الْغَصْبِ لَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ الطَّهَارَةُ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِ بَحْثُهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) جِلْدُ الْمَيِّتَةِ إذَا دُبِغَ أَيَصْدُقُ عَلَيْهِ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ.
(قُلْتُ) أَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَنَصَّ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ رَخَّصَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِمَنْ عَبَّرَ عَنْ الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُ يَطْهُرُ طَهَارَةً مُقَيَّدَةً فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ دُخُولُهُ فِي حَدِّ
(1/23)

النَّجَاسَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ يَطْهُرُ طَهَارَةً مُطْلَقَةً يَدْخُلُ فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ وَجِلْدُ الْمُذَكَّى يَصْدُقُ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِالْإِطْلَاقِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَصَدَقَ رَسْمُ الطَّاهِرِ عَلَيْهِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الطَّاهِرَ مَا وُصِفَ بِمَعْنًى يُوجِبُ لَهُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالْجَمَادَاتُ وَالْمَائِعَاتُ غَيْرُ النَّجِسَةِ وَعَرَقُ الْحَيَوَانِ وَالدَّمُ غَيْرُ الْمَسْفُوحِ وَجَمِيعُ مَا وُصِفَ بِالطَّهَارَةِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى الْخِلَافِ كَالْعَظْمِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالنَّجَسُ يُعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَيْضًا وَلَا يَرِدُ عَلَى رَسْمِ الشَّيْخِ ثَوْبُ الْحَرِيرِ وَخَاتَمُ الذَّهَبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَا.
(فَإِنْ قِيلَ) مَاءُ ثَمُودَ مَاءٌ طَاهِرٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ وَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَرْحِ مَا عُجِنَ بِهِ (قِيلَ) ذَلِكَ خَاصٌّ لِمَعْنًى لَا يَرِدُ النَّقْضُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرُوا فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ أَنَّ مِنْ لَازِمِهَا تَعَدُّدًا أَوْ يَمِينًا مَعَ شَاهِدٍ وَلَمْ يُورِدُوا عَلَى ذَلِكَ نَقْضًا مَا ثَبَتَ فِي خُزَيْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْحَدَثُ يَأْتِي) لَمَّا عَرَّفَ الْخَبَثَ وَهُوَ النَّجَاسَةُ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُشِيرَ إلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَأْتِي بَيَانُهُ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأَوَّلَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي حَدٍّ بَعْدَهُ وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ سَيَأْتِي قِيلَ أَشَارَ إلَى مَا يَأْتِي لَهُ فِي رَسْمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ حَيْثُ قَالَ وَهِيَ الْقَصْدُ بِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ ثُمَّ قَالَ أَعْنِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لَا مِنْ جُزْئِيَّةِ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ فَلِذَا قَالُوا لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
(قَالَ وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَقَوْمٌ لَا يَرْفَعُهُ وَتُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ مُتَنَافٍ هَذَا الَّذِي وَجَدْته وَكُنَّا نَفْهَمُ بِهِ مَا أَحَالَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ وَظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ رَسْمِ التَّطْهِيرِ حَيْثُ قَالَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ الْحَدَثُ مَعْنَاهُ مَانِعُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ بِالتَّطْهِيرِ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ وَيُقَوِّي هَذَا عِنْدِي أَنَّ مَا وَقَعَ فِي النِّيَّةِ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ بَيَانَ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا قَصَدَهُ بِهِ أَنَّ الرَّفْعَ فِي الْحَدَثِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ رَفْعًا (كَذَا) مُقَيَّدًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الرَّفْعُ لِلْحَدَثِ الْمُطْلَقِ وَأَمَّا الرَّفْعُ الْمُقَيَّدُ فَهُوَ رَفْعُ التَّيَمُّمِ فَالْمَنْوِيُّ فِي الْوُضُوءِ رَفْعُ مُطْلَقِ مَنْعٍ لَا مَنْعًا (كَذَا) مِنْهُ مُقَيَّدًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
وَمَا قِيلَ إنَّهُ قَصَدَ مَا وَقَعَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ فَهُوَ أَبْعَدُ لَا يُقَالُ إنَّهُ فِي حَدِّ التَّطْهِيرِ لَمْ يُعَرِّفْ الْحَدَثَ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا ذَكَرَ فِي التَّطْهِيرِ طَهَارَةَ الْخَبَثِ أَوَّلًا وَذَكَرَ طَهَارَةَ الْحَدَثِ ثَانِيًا عَلِمْنَا أَنَّ مَانِعَ الصَّلَاةِ
(1/24)

هُوَ الْحَدَثُ فَرَفْعُهُ تَطْهِيرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَتَأَمَّلْ آخِرَ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالنَّجَاسَةُ تُوجِبُ لَهُ مَنْعَهَا بِهِ أَوْ فِيهِ وَالْحَدَثُ سَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّجَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ يُقَالُ فِي رَسْمِهَا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالْمَوْصُوفِ أَوْ فِي الْمَوْصُوفِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ أَوَّلًا بِالْخَبَثِ وَالْحَدَثِ الْمَذْكُورِ ثَانِيًا أَحَالَ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي وَهَذَا الرَّسْمُ حَسَنٌ وَفِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَوْصُوفِ عَلَى لَفْظِهِ فَقَطْ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ وَهُوَ مَجَازٌ ظَاهِرٌ مَعْنَاهُ لِقَرِينَتِهِ وَالِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ ذَكَرُوا مِنْهَا بَعْضَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ وَزَادَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ حَدَّ نَجَاسَةِ الْخَبَثِ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَدَثُ لِصَادِقِيَّةِ الرَّسْمِ عَلَيْهِ (قَالَ) وَلَا يُنَجِّي مِنْهُ قَوْلُهُ الْحَدَثُ سَيَأْتِي (قُلْتُ) هَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ خَاصِّيَّةِ النَّجَاسَةِ بِهِ أَوْ فِيهِ وَهَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَى الْحَدَثِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلَّا قَالَ الشَّيْخُ وَالْحَدَثُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ لَهُ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ الطَّهَارَةُ أَوْ لَا؟ (قُلْتُ) ذَلِكَ صَحِيحٌ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَانِعُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ مَانِعَةٌ وَسَيَأْتِي مَا أَحَالَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ قَدَّمْنَا آخِرَ الطَّهَارَةِ مَا يُنَاسِبُ هَذَا الرَّسْمَ فَانْظُرْهُ.

[بَابُ حَدّ الطَّهُورِيَّة]
(ط هـ ر) : بَابُ حَدِّ الطَّهُورِيَّةِ وَلَمَّا حَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الطَّهَارَةَ بِمَا ذَكَرْنَا ذَكَرَ حَدَّ الطَّهُورِيَّةِ وَحَدَّ التَّطْهِيرِ لِأَنَّهَا حَقَائِقُ مَعْلُومَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ مُتَغَايِرَةٌ فَقَالَ فِي حَدِّ الطَّهُورِيَّةِ " وَالطَّهُورِيَّةُ تُوجِبُ لَهُ كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا " فَقَوْلُهُ " الطَّهُورِيَّةُ تُوجِبُ لَهُ أَيْ لِلْمَوْصُوفِ بِالطَّهُورِيَّةِ وَالْبَاءُ فِي " بِحَيْثُ " بِمَعْنَى فِي وَضَمِيرُ " بِهِ " يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ بِالطَّهُورِيَّةِ أَيْضًا وَضَمِيرُ " نَجَاسَتِهِ " يَعُودُ عَلَى أَلْ الْمَوْصُولَةِ وَنَجَاسَتُهُ نَائِبٌ عَنْ الْفَاعِلِ وَ " طَاهِرًا " خَبَرُ صَارَ فَالْمَوْصُوفُ بِالطَّهُورِيَّةِ هُوَ الْمَاءُ وَ " الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ " هُوَ الثَّوْبُ وَالْمَعْنَى وَالطَّهُورِيَّةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا الَّذِي هُوَ الْمَاءُ مَثَلًا كَوْنَ ذَلِكَ الْمَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ نَجَاسَتُهُ وَهُوَ الثَّوْبُ مَثَلًا بِذَلِكَ الْمَاءِ طَاهِرًا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِ الرَّسْمِ عَلَى الْأَحْجَارِ الْمُسْتَجْمَرِ بِهَا وَعَلَى مَا يُمْسَحُ بِهِ
(1/25)

نَجَاسَةُ السَّيْفِ الصَّقِيلِ وَشِبْهُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُطَهِّرُهُ مَعَ أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ لَا تُوصَفُ بِالطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوُهُ فِي الْإِشْرَافِ وَيُنْظَرُ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي ذَلِكَ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِهِ الْمَاءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ طَاهِرُ الْجِسْمِ فَإِنَّهُ انْتَفَى عَنْهُ الرَّسْمُ مَعَ بَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَنَزِيدُ هَذَا الرَّسْمَ بَيَانًا فِيمَا كُنَّا نُقَرِّرُهُ بِهِ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَيَّرَ جِنْسَ الطَّهُورِيَّةِ كَجِنْسِ الطَّهَارَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَيُقَالُ فِي حَدِّ الطَّهُورِيَّةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ أَيْضًا اتَّصَفَ بِهَا مَوْصُوفُهَا أَوْجَبَتْ لَهُ حَالًا وَهِيَ " كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا " وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَصَارَتْ الطَّهُورِيَّةُ كَالْعِلْمِ وَكَانَ الْمَوْصُوفُ بِحَيْثُ إلَخْ كَالْعَالِمِيَّةِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ هِيَ حَالٌ مِثْلُ الْكَوْنِيَّةِ أَعْنِي قَوْلَهُ " كَوْنُهُ بِحَيْثُ إلَخْ " كَكَوْنِ الْعَالِمِ عَالِمًا إلَّا أَنَّ الْإِيجَابَ هُنَاكَ عَقْلِيٌّ وَهُنَا شَرْعِيٌّ وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُوجِبُ لِلْحَالِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ الطَّهَارَةُ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ فَأَوْجَبَتْ لِلْمَوْصُوفِ حُكْمَيْنِ جَوَازَ الِاسْتِبَاحَةِ وَكَوْنَ الْمَوْصُوفِ بِحَيْثُ إلَخْ وَذَلِكَ سَائِغٌ شَرْعًا (قُلْنَا) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الطَّهُورِيَّةَ إنَّمَا هِيَ مَعْنًى شَرْعِيٌّ حُكْمِيٌّ كَالطَّهَارَةِ إلَّا أَنَّ الْمُوجِبَ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ كَمَا قَرَّرَ فِي خَاصِّيَّتِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَلَوْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الطَّهُورِيَّةَ حَالٌ أَوْجَبَتْهَا الطَّهَارَةُ لَلَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ طَاهِرٍ طَهُورٌ.

[بَابُ حَدّ التَّطْهِير]
(ط هـ ر) : بَابُ حَدِّ التَّطْهِيرِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " التَّطْهِيرُ إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ " إنَّمَا قَالَ " إزَالَةٌ " لِأَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ كَمَا أَنَّ التَّطَهُّرَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا زَادَ " رَفْعُ الْمَانِعِ إلَخْ " لِيَدْخُلَ التَّطْهِيرُ فِي الْحَدَثِ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ تَطْهِيرُ خَبَثٍ وَتَطْهِيرُ حَدَثٍ فَالْأَوَّلُ مِنْ خَاصَّةِ الْخَبَثِ وَالثَّانِي مِنْ خَاصَّةِ الْحَدَثِ وَسُؤَالُ التَّرْدِيدِ هُنَا فِي الْحَدِّ يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ لَا يُقَالُ ذِكْرُ الْجِنْسِ فِي الْحَدِّ يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ فَكَيْفَ يُعَرَّفُ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُعَرَّفُ الْجِنْسُ مِنْ ذَلِكَ
(1/26)

وَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَبَقَ تَعْرِيفُهَا قَبْلَ حَدِّ التَّطْهِيرِ.
وَلَا يُقَالُ إنَّهُ عَرَّفَ النَّجَاسَةَ وَالنَّجَسُ غَيْرُ النَّجَاسَةِ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا عَرَّفَ النَّجَاسَةَ بِقَوْلِهِ " وَالنَّجَاسَةُ تُوجِبُ لَهُ مَنْعَهَا بِهِ أَوْ فِيهِ " عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ حَدُّ النَّجَسِ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَدِّ النَّجَاسَةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ جَوَازِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ هَذَا حَدُّ النَّجَاسَةِ الْخَبِيثَةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ " فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٌ " وَيُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ حَدُّ النَّجَسِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَأَمَّا الْحَدَثُ فِي قَوْلِهِ " وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ " فَقَدْ أَحَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي حَدُّهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَمَا تُعُقِّلَ حَدُّ الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ وَالطَّهُورِيَّةِ يُتَعَقَّلُ حَدُّ أَضْدَادِ ذَلِكَ وَهِيَ النَّجَاسَةُ وَالتَّنَجُّسُ وَالنَّجِسَةُ فَحَدُّ النَّجَاسَةِ مَا ذُكِرَ وَالتَّنْجِيسُ إلْقَاءُ النَّجَسِ بِطَاهِرٍ نَجَّسَهُ لَا يُقَالُ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ إذَا وَقَعَ إنَاءُ بَوْلٍ مَثَلًا عَلَى إنَاءٍ طَاهِرٍ فَنَجَّسَهُ فَهَذَا التَّنَجُّسُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلْقَاءٌ لِأَنَّا نَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ مُلْقٍ كَنُزُولِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ فَلَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ مُحَرِّكٍ وَالنَّجِسَةُ لَمْ تُسْتَعْمَلْ شَرْعًا وَلَوْ اُسْتُعْمِلَتْ لَقَالَ فِي رَسْمِهَا: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ طَهَارَتُهُ نَجَسًا هَذَا خُلَاصَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ التِّسْعَةِ تَصْرِيحًا مِنْهُ وَتَلْوِيحًا وَلَا يَخْلُو مِنْ مُنَاقَشَةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) النَّجَسُ فِي لَفْظِ رَسْمِ الشَّيْخِ هَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الذَّاتُ الْمُتَنَجِّسَةُ الَّتِي هِيَ مُقَابَلَةُ الذَّاتِ الطَّاهِرَةِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النَّجَاسَةُ الْمَحْدُودَةُ قَبْلُ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّنْجِيسُ (قُلْتُ) أَمَّا أَنَّ الْمُرَادَ الذَّاتُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا وَإِنْ قَرَّرَ بِهِ كَلَامَهُ فَهُوَ تَسَامُحٌ لِأَنَّ الرَّفْعَ لَمْ يَقَعْ بِالذَّاتِ بَلْ التَّحَقُّقُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مَا عَرَضَ لَهَا مِنْ صِفَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ النَّجَسَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَالنَّجَاسَةُ يَصِحُّ إزَالَتُهَا بِإِزَالَةِ أَثَرِهَا وَالْحَقُّ أَنَّ النَّجَسَ أُطْلِقَ عَلَى مَا وَقَعَ التَّنَجُّسُ بِهِ وَذَلِكَ يَصِحُّ رَفْعُهُ وَهَذَا مَعْنَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالَ الشَّيْخُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ. إنَّ الْحَدَثَ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُنَا قَالَ " رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ وَمَنْعُ الصَّلَاةِ أَخَصُّ " مَعَ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً وَهِيَ صِدْقُهُ عَلَى طَهَارَتَيْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا يَرْفَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَنْعَ لَا الْمَانِعَ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَالْمَاءُ فِي الْمَانِعِ وَالْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ يَرْفَعُ مَنْعَ الصَّلَاةِ
(1/27)

لَصَحَّ وَكَانَ أَظْهَرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ عُرْيَانًا فَفِيهِ مَانِعُ الصَّلَاةِ فَإِنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ فَصَدَقَ عَلَيْهِ حَدُّ التَّطْهِيرِ فَيَكُونُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ وَكَذَلِكَ يَصْدُقُ أَيْضًا إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ وَيَجْرِي فِي نَقَائِضِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا (قُلْتُ) لَا يَرِدُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَانِعَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَشْهُورٌ وَإِنَّ ذَلِكَ نَشَأَ عَنْ أَحْدَاثٍ وَأَسْبَابٍ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ.

[بَابُ الْمَاءِ الطَّهُورِ]
(ط هـ ر) : بَابُ الْمَاءِ الطَّهُورِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْمَاءُ الطَّهُورُ مَا بَقِيَ بِصِفَةِ أَصْلِ خَلْقِهِ غَيْرَ مُخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ وَلَا مُخَالِطٍ بِغَيْرِهِ " حَدَّ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَاءَ الطَّهُورَ وَعَيَّنَ الْحَدَّ لِلطَّهُورِ وَعَدَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِإِيهَامِ لَفْظِهِ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ وَلَمَّا أَوْرَدُوهُ عَلَى حَدِّهِ وَمَا اسْتَثْنَاهُ أَخْرَجَ بِهِ مَا نُقِضَ بِهِ عَلَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ مَاءِ وَرْدٍ وَشِبْهِهِ وَقَوْلُهُ غَيْرَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْفَاعِلِ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِهِ إلَى قَوْلِهِ " مَا بَقِيَ بِصِفَةِ أَصْلِ خَلْقِهِ إلَخْ " لِلِاحْتِرَازِ مِنْ النَّقْضِ عَلَيْهِ بِمَاءٍ نَقَضَ عَلَى غَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ غَيَّرَ وَاخْتَصَرَ بِقَوْلِهِ " مَا بَقِيَ بِصِفَةِ أَصْلِ خَلْقِهِ " وَلَمْ يَأْتِ بِعِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
(قُلْتُ) لِأَنَّ عِبَارَتَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقَلُّ أَحْرُفًا مِنْ عِبَارَتِهِ وَأَخْصَرُ مِنْهَا وَعَادَتُهُ يُحَافِظُ عَلَى تَمَامِ الِاخْتِصَارِ إذَا وَجَبَ مَسْلَكًا وَقَدْ ظَهَرَ مَا أَوْجَبَ الْعُدُولَ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يَرِدُ عَلَى حَدِّ الشَّيْخِ الْمَاءُ إذَا سَخِنَ أَوْ بَرَدَ أَوْ الثَّلْجُ إذَا ذَابَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَبْقَ عَلَى صِفَةِ أَصْلِ خَلْقِهِ (قُلْنَا) لَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُلْحَقٌ وَمَثَّلَ لِلْمَاءِ الطَّهُورِ وَلِذَا قَالَ " وَمِثْلُهُ إلَخْ " وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا وَإِنَّ الْجَوَابَ لَمْ يَظْهَرْ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمَاءُ إذَا كَانَ عَذْبًا ثُمَّ صَارَ مَالِحًا أَوْ بِالْعَكْسِ كَيْفَ يَصْدُقُ فِيهِ حَدُّهُ.
(قُلْتُ) هَذَا مِثْلُ السُّؤَالِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ " الْمَاءُ الطَّهُورُ مَا بَقِيَ إلَخْ " مَا مَوْصُولَةٌ وَالتَّقْدِيرُ ذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي بَقِيَ بِصِفَةِ خَلْقِهِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَمَا عُصِرَ مِنْ نَبَاتٍ وَمَا خَرَجَ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الدَّمْعِ وَغَيْرِهِ وَلِذَا أُخْرِجَ
(1/28)

ذَلِكَ بِالْقَيْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ " غَيْرَ إلَخْ " لِيَكُونَ حَدُّهُ مُطَّرِدًا (فَإِنْ قُلْتَ) مَاءُ النَّبَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُهُ تَحْتَ الْجِنْسِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ لَمْ يَبْقَ عَلَى صِفَةِ خَلْقِهِ فَإِنَّ صِفَةَ أَصْلِ خَلْقِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْرَجٍ وَلَا مُخَالَطٍ.
(قُلْتُ) لَعَلَّهُ أَشَارَ بِصِفَةِ الْخَلْقِ إلَى مَا لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ لَوْنٍ وَلَا طَعْمٍ وَلَا رَائِحَةٍ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَى التَّقَيُّدِ بِهِ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ الَّذِي أَتَى بِالْحَقِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَشَارَ بَعْضُ شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ هُوَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَلَا رَائِحَتُهُ وَإِنَّ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ اصْطِلَاحًا عُرْفِيًّا وَهُوَ الَّذِي حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْجَوَابِ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ عُرْفًا انْدَفَعَ سُؤَالُ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَالسُّؤَالُ الَّذِي بَعْدَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِصِفَةِ أَصْلِ خَلْقِهِ هَلْ يُقَالُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الصِّفَةَ فِي الشَّيْءِ يُمْكِنُ تَغَيُّرُهَا فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ مَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا خَالَطَهُ بَعْدَ صِفَةِ خَلْقِهِ، وَلَوْ قَالَ بَقِيَ بِصِفَةِ خِلْقَتِهِ لَا يَخْرُجُ بِهِ ذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ الْخِلْقَةِ مَوْجُودٌ فِي الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمَا احْتَاجَ إلَى إخْرَاجِ مَا أَخْرَجَ مِنْ نَبَاتٍ لِأَنَّهُ إذَا عُصِرَ أَوْ قُطِرَ فَلَيْسَتْ فِيهِ صِفَةُ خَلْقِهِ لِتَغَيُّرِهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مَحَلِّهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ هُنَا بِالصِّفَةِ الصِّفَةُ الْحِسِّيَّةُ الَّتِي هِيَ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرَّائِحَةُ لَا الصِّفَةُ النِّسْبِيَّةُ وَإِلَّا لِمَا دَخَلَ فِيهِ الْمَطَرُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ الَّذِي عَصَرَتْهُ السَّحَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَيْرُ مُخَالَطٍ بِغَيْرِهِ.
(قُلْتُ) مُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا طَرَأَ عَلَى الْمَاءِ مِمَّا خَالَطَهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لَا مَا خَالَطَهُ وَغَيَّرَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ " مَا بَقِيَ بِصِفَةِ خَلْقِهِ " لِأَنَّ مَا غُيِّرَ لَمْ يَبْقَ بِصِفَةِ خَلْقِهِ كَالتُّرَابِ عَلَى قَوْلٍ وَكَذَلِكَ مَا خُولِطَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إلَّا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَبْحَرَ إذَا خَالَطَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ يَلْزَمُ عَلَى تَعْرِيفِهِ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَهُوَ خِلَافُ الِاتِّفَاقِ وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ يَبْطُلُ رَدُّهُ مَاءُ الْوَرْدِ هَذَا الْكَلَامُ يُوهِمُ أَنَّ رَسْمَ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلطَّهُورِ وَأَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ يَعُودُ عَلَى الطَّهُورِ وَالشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَمَلَ الضَّمِيرَ أَنْ يَعُودَ عَلَى
(1/29)

الْمُطْلَقِ وَكَانَ يَمْشِي لَنَا فِي الْبَحْثِ هُنَا أَنَّ الشَّيْخَ إذَا فَهِمَ عَنْهُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ وَلَا يُجَابُ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ هُوَ الْمُطْلَقُ لَا الْمَاءُ الطَّهُورُ وَالطَّهُورُ غَيْرُهُ وَأَعَمُّ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ وَالطَّهُورَ مُتَرَادِفَانِ لِمَا ذَكَرْنَا وَتَأَمَّلْ كَوْنَ الشَّيْخِ لَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمَيْتَةِ]
(م وت) : بَابُ الْمَيْتَةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا مَاتَ لَا بِذَكَاةٍ " تَقْدِيرُ ذَلِكَ حَدُّ الْمَيْتَةِ الْمَيِّتُ الَّذِي مَاتَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ فَالْجِنْسُ الْمَيِّتُ وَقَوْلُهُ. بِغَيْرِ ذَكَاةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَيِّتَ الْمُذَكَّى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ وَالْمَيْتَةُ الْمُعَرَّفَةُ أَعَمُّ مِنْ الْمَيْتَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْمُحَرَّمِ أَكْلُهَا النَّجِسَةُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ فِي الرَّسْمِ نَوْعٌ مِنْ دَوْرِ الِاشْتِقَاقِ (قُلْتُ) لَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَا حَلَّ بِهِ الْمَوْتُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَشْهَرُ مِنْ الْمَيْتَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ " بِغَيْرِ ذَكَاةٍ " الذَّكَاةُ تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ شَرْعًا وَيَأْتِي لِلشَّيْخِ تَعْرِيفُهَا فَهَلْ فِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ (قُلْتُ) هَذَا كَثِيرٌ مَا يَقَعُ لَهُ وَأَنَّهُ رَسْمُ هَذِهِ الْمَاهِيَّاتِ لِمَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى كِتَابِهِ وَمَعْرِفَةٌ بِكَثِيرٍ مِنْ حَقَائِقِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمُبْتَدِي وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا سَيَأْتِي فَتَأَمَّلْهُ، وَالذَّكَاةُ أَعَمُّ مِنْ ذَكَاةِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْعَقْرَبُ وَالزُّنْبُورُ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا ذَكَاةَ فِيهِ (قُلْتُ) ذَلِكَ صَحِيحٌ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ مَيْتَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ وَنَظِيرَهُ مُسْتَثْنًى طَهَارَتُهُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مَيْتَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهِ أَنْ يَكُونَ نَجَسًا بِدَلِيلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ وَكَذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا لَا تَنْفَعُ ذَكَاتُهُ أَنَّهُ مُذَكًّى وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ كَالْخِنْزِيرِ الْمُذَكَّى وَغَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) لَوْ قَالَ مَيِّتٌ لَا بِذَكَاةٍ لَأَدَّى مَا ذَكَرَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ أَخَصْرُ (قُلْتُ) الْمَعْنَى عَلَيْهِ لَكِنْ مَا ذُكِرَ أَبْيَنُ وَيَصْدُقُ رَسْمُهُ عَلَى مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَمَيْتَةِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/30)

[بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
ز ول) : بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى حُكْمِهَا وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِعَادَةِ حَدِّهَا أَنَّهُ قَدَّمَ فِي التَّطْهِيرِ أَنْ قَالَ " إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ " فَعُلِمَ مِنْ هَذَا حَدُّ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَيُقَالُ فِي إزَالَتِهَا تَطْهِيرُ النَّجَسِ وَهُوَ إزَالَتُهُ وَإِذَا زَالَ النَّجَسُ زَالَتْ النَّجَاسَةُ إنْ صَدَقَتْ النَّجَاسَةُ الْمُضَافَةُ إلَيْهَا الْمُزَالَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَإِنْ صَدَقَتْ عَلَى الشَّيْءِ النَّجَسِ فَأَظْهَرُ (وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ) إنْ صَدَقَتْ النَّجَاسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الصِّفَةِ فَيُقَالُ فِي رَسْمِهَا أَيْ رَسْمِ إزَالَتِهَا رَفْعُ الصِّفَةِ إلَخْ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ رَسْمُهُ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ وَلِأَضْدَادِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قِيلَ) عَلَى الْأَوَّلِ النَّجَسُ إذَا زَالَ زَالَ عَيْنُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَهَابُ النَّجَاسَةِ (قُلْنَا) الْمُرَادُ بِالتَّطْهِيرِ مَا يُقَالُ فِيهِ مُطَهَّرٌ شَرْعًا وَهُوَ الْمُشْتَقُّ مِنْ الْمَاءِ الطَّهُورِ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدُّهُ وَزَوَالُ النَّجَاسَةِ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ ذَهَابَ النَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قِيلَ) إذَا مُسِحَ سَيْفٌ صَقِيلٌ وَمَا شَابَهَهُ فَهَلْ يُقَالُ فِيهِ تَطْهِيرٌ وَإِزَالَةٌ لِلنَّجَاسَةِ قِيلَ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَسْحَ النَّجَاسَةِ مِنْ الصَّقِيلِ كَافٍ فَقِيلَ لِذَهَابِهِ النَّجَاسَةُ وَقِيلَ اُغْتُفِرَ لِإِفْسَادِ الْمَمْسُوحِ بِالْغُسْلِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْعِلَّةِ الْأُولَى حَصَلَ التَّطْهِيرُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِيَةِ فَيَكُونُ التَّطْهِيرُ هُوَ بَابُ الرُّخْصَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي طُهْرِ مَا بُولِغَ فِي مَسْحِ نَجَاسَتِهِ غَيْرُ بَاقٍ مِنْهَا شَيْءٌ وَطُهْرُهُ أَحْسَنُ وَانْظُرْ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا هُنَا الرُّعَافُ لَمْ يَحُدَّهُ الشَّيْخُ لِوُضُوحِهِ لُغَةً وَشَرْعًا الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ حَدَّهُمَا الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ لِقَضَاءِ فِعْلِ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ وَالْبِنَاءُ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ مِنْهُ فَقَطْ وَفِي بَابِ الْمَسْبُوقِ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُهَا لَهُ قَوْلُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِّ الْقَضَاءِ الرُّعَافُ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ مَعْنَاهُ فِعْلُ الْفَائِتِ مِنْ الصَّلَاةِ بِصِفَةِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ إنْ جَهْرًا فَجَهْرًا وَإِنْ سِرًّا فَسِرًّا وَإِنْ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ فَبِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ.
(قَوْلُهُ) وَالْبِنَاءُ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ فَلَوْ فَاتَتْ الْأُولَى وَأَدْرَكَ الثَّانِيَةَ وَفَاتَتْهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ إنْ قَدَّمَ الْقَضَاءَ وَذَلِكَ صِفَةُ الرَّكْعَةِ الْفَائِتَةِ فَقَدْ أَتَى بِفِعْلِ صِفَتِهَا ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْحَمْدِ سِرًّا وَذَلِكَ فِعْلُ الْبِنَاءِ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ تَالِيَانِ لِلْمَفْعُولِ قَبْلَهُمَا
(1/31)

وَيَجْرِي مَا ذَكَرْنَا فِي كُلِّ صُوَرِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْجُلُوسُ فِي مَحَلِّهِ هَلْ هُوَ مِنْ صِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ (قُلْتُ) ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ تَقْدِيرِ الرَّكْعَةِ هَلْ هِيَ ثَانِيَةٌ لِلْمَأْمُومِ أَوْ ثَالِثَةٌ لِإِمَامِهِ فَيَجْرِي الْخِلَافُ عَلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ أَشْبَعُ مِنْ هَذَا وَتَأَمَّلْ هَذَا الرَّسْمَ لِلْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ فِي الرُّعَافِ هَلْ يَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِفِعْلِ مَنْ قَضَى صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا وَكَذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً خَلْفَ إمَامٍ وَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ مَزِيدُ بَسْطٍ وَبَيَانٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ الْوُضُوءِ]
(وضء) : بَابُ الْوُضُوءِ
تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَحْكَامِ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّهُ هُنَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرْنَاهُ فِي حَدِّ التَّطْهِيرِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ يَرْجِعُ لِرَفْعِ مَانِعِ الصَّلَاةِ وَرَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ إمَّا بِطَهَارَةٍ كُبْرَى أَوْ صُغْرَى كَذَا صَنَعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْغُسْلِ تَكَلَّمَ عَلَى مُوجِبِهِ وَحُكْمِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ حَدِّهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِهِ وَحُسْنِ اخْتِصَارِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ وَثَمَرَةِ عِلْمِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْوُضُوءَ يُطْلَقُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَيُقَالُ فُلَانٌ عَلَى وُضُوءٍ أَيْ عَلَى طَهَارَةٍ وَيُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُتَوَضِّئِ فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الطَّهَارَةِ فَيَكُونُ حَدُّهُ حَدَّهَا وَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّمَا يُقَالُ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ غُسْلِ وَجْهٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ وَمَسْحِ رَأْسٍ وَلَا يُقَالُ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ رَفْعَ مَانِعِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَنْوِيُّ فِي الْوُضُوءِ لَا نَفْسُ الْوُضُوءِ.
(فَالْجَوَابُ) أَنَّ الْإِطْلَاقَ الْأَوَّلَ إنَّمَا يُقَالُ فِيهِ مَجَازًا وَأَمَّا الثَّانِي فَحَقِيقَةً لِأَنَّهُ فِعْلُ التَّطَهُّرِ فِي الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّهِ غُسْلٌ وَمَسْحٌ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْبَحْثِ.

[بَابُ النِّيَّةِ]
(ن وي) : بَابُ النِّيَّةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هِيَ الْقَصْدُ بِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ فَإِنْ قُلْتَ النِّيَّةُ الَّتِي عَرَّفْنَا إنَّمَا هِيَ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فَكَيْفَ يَقُولُ الْقَصْدُ بِهِ أَيْ بِالْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ فَفِيهِ نَوْعُ دَوْرٍ (قُلْتُ) رَأَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْوُضُوءَ جَلِيٌّ مَعْنَاهُ وَمَا وَقَعَ الْجَهْلُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الْمُضَافُ وَحْدَهُ لَا يُقَالُ
(1/32)

يَلْزَمُ أَيْضًا إلَى الْحَدَثِ التَّعْرِيفُ بِهِ فِيهِ إيهَامٌ فِي الْحَدِّ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ قَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الْحَدَثَ بِقَوْلِهِ أَعْنِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لَا مِنْ جُزْئِيَّتِهِ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ وَأَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذَا إلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ مَنْعًا مُطْلَقًا لَا مَنْعًا مُقَيَّدًا جُزْئِيًّا لِأَنَّ الْمَنْعَ الْجُزْئِيَّ يَكُونُ فِي التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمُطْلَقَ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الْمَنْعَ الْمُقَيَّدَ فَصَحَّ قَوْلُهُمْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَيْ لَا يَرْفَعُهُ رَفْعًا مُطْلَقًا وَإِذَا ثَبَتَ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ صَحَّ الْجَوَابُ عَنْ إشْكَالِ اللَّخْمِيِّ حَيْثُ قَالَ التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَأَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ الشَّاذَّ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالصَّلَاةُ تُسْتَبَاحُ بِهِ فِيهِ تَنَافٍ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرَفْعِ الْحَدَثِ إلَّا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِهِ وَلَا مَعْنَى لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ لِلُزُومِ رَفْعِ الْحَدَثِ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَإِذَا وُجِدَ الْمَلْزُومُ وُجِدَ لَازِمُهُ فَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لَوُجِدَ الْمَلْزُومُ وَلَا لَازِمَ لَهُ.
(فَالْجَوَابُ) مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَيْ رَفْعًا مُطْلَقًا وَأَمَّا رَفْعُهُ لِلصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ فَهُوَ ثَابِتٌ وَالصَّلَاةُ مُسْتَبَاحَةٌ وَقَدْ وَقَعَ لِلْقَرَافِيِّ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ رَفَعَ التَّيَمُّمُ إنَّمَا هُوَ رَفْعٌ مُقَيَّدٌ لِمَنْعِ صَلَاةٍ جُزْئِيَّةٍ فَصَحَّ أَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ أَعَمُّ وَرَفْعُ الْحَدَثِ أَخَصُّ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحَدَثُ الْمُفَسَّرُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ الْمُحَالُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ فِي قَوْلِهِ " وَالْحَدَثُ سَيَأْتِي " أَوْ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّاقِضُ الْمُقَسَّمُ إلَى حَدَثٍ وَسَبَبِ حَدَثٍ (قُلْتُ) وُجِدَ ذَلِكَ بِخَطِّ بَعْضِهِمْ وَظَهَرَ أَنَّهُ قَصَدَ هَذَا أَوَّلًا وَتَقَدَّمَ لَنَا فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَقَدَّمْنَا بَعْضَ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا هُنَا وَتَأَمَّلْهُ.

[بَابٌ فِي حَدّ الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا]
(وج هـ) : بَابٌ فِي الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مِنْ مَنْبِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ حَتَّى الذَّقَنِ وَالْعَذَارُ مِنْهُ هَذَا بَيَانٌ لِمُنْتَهَى الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا وَمَعْنَى مُنْتَهَاهُ طُولًا أَوَّلُهُ " مِنْ مَنْبِتِ إلَخْ " وَعَرْضًا مُنْتَهَاهُ مِنْ الْعَذَارِ إلَى الْعَذَارِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ " الْعَذَارُ مِنْهُ " فِي الْعَرْضِ أَخْصَرُ وَأَجْمَعُ وَالصُّورَةُ بَيَانُ عَرْضِهِ وَطُولِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَذَارَ دَاخِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَ " الْمُعْتَادُ " لَا بُدَّ مِنْ
(1/33)

ذِكْرِهِ لِيَخْرُجَ مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَالْمُوَاجَهَةُ تَحْصُلُ فِي الْوَجْهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَنْقُلُ عَنْ الشَّيْخِ سَيِّدِي عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - إشْكَالًا عَلَى لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَرُدُّ عَلَى لَفْظِ الشَّيْخِ فَيَقُولُ إنْ كَانَ مَا بَعْدَ إلَى دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهَا يَلْزَمُ دُخُولُ الْأُذُنِ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ دَاخِلٍ لَزِمَ عَدَمُ دُخُولِ الْعَذَارِ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَوَقَعَ الْجَوَابُ بِالْتِزَامِ الدُّخُولِ فِي الْجِنْسِ وَعَدَمِهِ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجُمْلَةُ " وَالْعَذَارُ مِنْهُ " جُمْلَةٌ كَانَ يَمُرُّ أَنَّهَا حَالِيَّةٌ وَأَصْلُ الْكَلَامِ مُنْتَهَى الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا مَا ذُكِرَ فِي حَالَةِ كَوْنِ الْعَذَارِ مِنْ الْوَجْهِ.

[بَابُ الْمَضْمَضَة]
(م ض م ض) : بَابُ الْمَضْمَضَةِ قَالَ الْقَاضِي " هِيَ إدْخَالُ الْمَاءِ فَاهُ فَيُخَضْخِضُهُ وَيَمُجُّهُ ثَلَاثًا " ارْتَضَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَسْمَ الْقَاضِي وَعَادَتَهُ كَذَلِكَ إذَا ارْتَضَى رَسْمًا لِغَيْرِهِ نَسَبَهُ لَهُ وَذَلِكَ مِنْ تَوَرُّعِهِ وَقَوْلُهُ " ثَلَاثًا " مَعْمُولٌ لِلْإِدْخَالِ وَسُنَّةُ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ مَا ذُكِرَ وَالرَّسْمُ لِلسُّنَّةِ فِيهِ وَلَفْظُ الْإِدْخَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ فِي إدْخَالِهِ فَإِنْ دَخَلَ الْمَاءُ بِغَيْرِ سَبَبِ فَاعِلٍ فَلَا يُعَدُّ مَضْمَضَةً وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الْخَضْخَضَةِ وَالْمَجِّ وَإِنْ عُدِمَ وَاحِدٌ فَلَمْ تَتَقَرَّرْ السُّنَّةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَضَمِيرُ " فَاهُ " عَوْدُهُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَمِنْ سُنَّتِهَا مَجُّ الْمَاءِ وَرَسْمُهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيُوَافِقُ النَّقْلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي الِاسْتِنْشَاق]
(ن ش ق) : بَابٌ فِي الِاسْتِنْشَاقِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَذْبُ الْمَاءِ بِأَنْفِهِ وَنَثْرِهِ بِنَفْسِهِ وَيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ ثَلَاثًا هَذَا رَسْمٌ لِسُنَّةٍ لَيْسَ فِيهَا كَرَاهَةٌ وَ " ثَلَاثًا " مَعْمُولٌ لِلْعَامِلَيْنِ قَبْلَهُ وَعِبَارَتُهُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِخَلَلِ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ (فَإِنْ قُلْتَ) عَادَتُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا كَانَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ يَقُولُ عَلَى رَأْيِ كَذَا وَعَلَى رَأْيِ كَذَا وَهُنَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الِاسْتِنْثَارِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ جُزْءُ سُنَّةٍ فَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ فِي حَدِّ الْجُمُعَةِ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ لِي جَوَابٌ عَنْهُ فِي اصْطِلَاحِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/34)

[الِاسْتِنْجَاءُ]
نَجْو: الِاسْتِنْجَاءُ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إزَالَةُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ عَنْ مَخْرَجَيْهِمَا فَقَوْلُهُ " إزَالَةُ " جِنْسٌ. وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ " فَصْلٌ أَخْرَجَ بِهِ النَّجَاسَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بَوْلًا وَلَا غَائِطًا كَإِزَالَةِ الدَّمِ أَوْ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " عَنْ مَخْرَجَيْهِمَا " احْتَرَزَ بِهِ عَنْ إزَالَتِهِمَا لَا عَنْ مَخْرَجَيْهِمَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءُ أَخَصُّ مِنْهُ وَإِنَّمَا عَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا لِأَنَّهُ صَارَ لَقَبًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَلِهَذَا عَرَّفَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَدُلُّ عَلَى حَدِّهِ بِوَجْهٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ وَلِذَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ إلَى آخِرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) وَلِمَ لَمْ يُقَيِّدْ الْمُزَالَ بِالْمَاءِ قَيَّدَ قَبْلَ هَذَا (قُلْتُ) لِأَنَّ مَقْصِدَهُ مَا يَعُمُّ الِاسْتِجْمَارَ وَإِنَّ الِاسْتِنْجَاءَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْإِزَالَةِ بِالْمَاءِ أَوْ الْحِجَارَةِ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِبْرَاءُ فَالْأَوَّلُ بِالْمَاءِ وَالثَّانِي بِالْحِجَارَةِ وَالثَّالِثُ حَدُّهُ إخْرَاجُ مَا بِالْمَحَلَّيْنِ مِنْ الْأَذَى وَبِذَلِكَ حَدَّهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدُ وَخَصَّصَ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ بَيَانًا لِأَصْلِ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ أَوْ الْمَذْيِ مُلْحَقٌ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلُ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ " إزَالَةُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ " أَيْ إزَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مَجْمُوعِهِمَا لِيَعُمَّ صُوَرَ ذَلِكَ كُلَّهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ:. عَنْ مَخْرَجَيْهِمَا " أَيْ عَنْ الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ وَعَبَّرَ بِالْوَاوِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِأَوْ وَلَوْ عَبَّرَ بِأَوْ لَكَانَ أَظْهَرَ لِأَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ الْجَمْعَ فِي الْإِزَالَةِ وَلَا يُقَالُ لَوْ عَبَّرَ بِأَوْ لَخَرَجَ إزَالَةُ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا تُؤُمِّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]
(ب رء) : بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إزَالَةُ مَا بِالْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَذَى " وَتَقَدَّمَ لَنَا فِي شَرْحِهِ لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْأَذَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا عَبَّرَ هُنَا وَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ
(1/35)

يَعُمُّ إخْرَاجَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْمَنِيِّ وَالِاسْتِنْجَاءُ لَا يَكُونُ فِي الْمَنِيِّ وَلَا فِي الْمَذْيِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[نَاقِضُ الْوُضُوءِ]
نقض: نَاقِضُ الْوُضُوءِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " نَاقِضُ الْوُضُوءِ لِذَاتِهِ حَدَثٌ الْمُعْتَادُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فِي ذَاتِهِ وَوَقْتِهِ وَكَيْفَ خُرُوجُهُ " نَاقِضُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ حَدَثٌ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ وَالْحَدَثُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ. الْمُعْتَادُ إلَخْ " وَأَصْلُهُ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ فَالنَّاقِضُ أُطْلِقَ عَلَى الَّذِي خَرَجَ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَدَثِ وَتَعْرِيفُهُ لِلْحَدَثِ هُوَ كَمَا عَرَّفَهُ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُرَادُ بِنَاقِضِ الْوُضُوءِ مُبْطِلُهُ وَإِبْطَالُهُ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْوُضُوءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا عَرَّفَ الْمُبْطِلَ لِوُضُوءٍ سَابِقًا وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مُوجِبَ الْوُضُوءِ.
(الثَّانِي) أَنَّ الْوُضُوءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَصْدَرَ الَّذِي قَدَّمْنَا قَبْلُ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُ وَهُوَ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى لِأَنَّ الْمَصْدَرَ وَاقِعٌ بِنَقْضٍ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ مَا لَهُ تَقَرُّرٌ وَثُبُوتٌ وَعَبَّرَ الشَّيْخُ بِالنَّاقِضِ وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ نَوَاقِضُ وَجْهَيْنِ.
(الْأَوَّلُ) أَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ لِمَاهِيَّةِ الْمُفْرَدِ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْجَمْعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ بَحْثٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ النَّظَرُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ اُنْظُرْ ابْنَ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ " مِنْ السَّبِيلَيْنِ " يَخْرُجُ بِهِ مَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَكَانَ غَيْرَ مُعْتَادٍ مِنْ مَحَلِّهِ وَتَقَدَّمَ لَنَا سُؤَالٌ سِرُّ كَوْنِهِ عَبَّرَ بِالسَّبِيلَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ الْمَخْرَجَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ مُوجِبَ الْوُضُوءِ كَمَا قَالَ فِي الْغُسْلِ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ لِي قُوَّةُ جَوَابٍ وَمَا أَجَابُوا بِهِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ سِرِّ التَّعْبِيرِ فِي الْغُسْلِ بِالْمُوجِبِ وَمِنْ تَتَعَلَّقُ بِالْمُعْتَادِ وَفِي ذَاتِهِ حَالٌ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُعْتَادًا مِنْ السَّبِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الدُّودِ وَالْحَصَا وَوَقْتُهُ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ جَرَيَانِ الْبَوْلِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فِي
(1/36)

السَّلَسِ وَكَيْفَ خُرُوجُهُ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ خُرُوجِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ فِي كَيْفَ خُرُوجُهُ إذَا كَثُرَ مِنْهُ التَّذَكُّرُ لِعَزَبَةٍ.

[نَاقِضُ الْوُضُوءِ بِمَظْنُونِهِ]
نقض: نَاقِضُ الْوُضُوءِ بِمَظْنُونِهِ حَدَّهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ " سَبَبُ حَدَثٍ ". وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " بِمَظْنُونِهِ " يَعُودُ عَلَى الْحَدَثِ كَاللَّمْسِ وَمَا شَابَهَهُ فَإِنَّهُ يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. سَبَبُ الْحَدَثِ " فَهَذَا التَّعْرِيفُ لَفْظِيٌّ لِنَاقِضِ الْوُضُوءِ لِمَظِنَّةِ الْحَدَثِ فِيهِ قَالَ نَاقِضُ الْوُضُوءِ بِمَظِنَّةِ خُرُوجِ الْحَدَثِ يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ سَبَبُ الْحَدَثِ فَحَدَّ نَاقِضَ الْوُضُوءِ لِذَاتِهِ أَوَّلًا ثُمَّ حَدَّ مَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ هُنَا أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَحْسَنُ مَعْنًى وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ شَيْخُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَلْ اخْتَصَرَ مَا عَبَّرَ بِهِ شَيْخُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ زُبْدَةُ تَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ وَذَلِكَ يُعَرَّفُ بِهِ النَّاقِضُ الْمُقَسَّمُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ مُوجِبِ الْغُسْل]
(غ س ل) : الْغُسْلُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ فَرَاجِعْهُ وَهَلْ يَصِحُّ مَا أَشَرْت إلَيْهِ أَمْ لَا وَتَأَمَّلْ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْغُسْلِ الشَّرْعِيِّ إيصَالُ الْمَاءِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ التَّدَلُّكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ مُوجِبِ الْغُسْلِ]
(وج ب) : بَابُ مُوجِبِ الْغُسْلِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مُوجِبُ الْغُسْلِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَذَّتِهِ وَمَغِيبُ حَشَفَةِ غَيْرِ خُنْثَى أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي دُبُرِ أَوْ قُبُلِ غَيْرِ خُنْثَى وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ مَاتَتْ عَلَى مَنْ هِيَ مِنْهُ أَوْ غَابَتْ فِيهِ وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ ذَاهِبًا عَقْلُهُ وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَإِسْلَامُ
(1/37)

الْكَافِرِ " كَلَامُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذَا الْجَمْعِ لِمُوجِبِ الْغُسْلِ لَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ وَعَبَّرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمُوجِبِ الْغُسْلِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَقُلْ نَاقِضُ الْغُسْلِ كَمَا قَالَ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَاعَى تَقْدِيمَهَا عَلَى الْغُسْلِ سَمَّاهَا مُوجِبًا وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ يَصْدُقُ فِيمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ نَاقِضٌ كَالْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " مُوجِبُ الْغُسْلِ " أَيْ رَسْمُ مُوجِبِ الْغُسْلِ أَوْ ضَابِطُهُ فِي الْجِنَايَةِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْغُسْلِ حَيْضٌ وَإِسْلَامٌ وَجَنَابَةٌ أَيْ السَّبَبُ الَّذِي يَجِبُ الْغُسْلُ بِهِ فِي الْجَنَابَةِ الْخُرُوجُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ خُرُوجِ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَأَخْرَجَ بِالْمَنِيِّ مَا ذُكِرَ وَقَوْلُهُ " بِلَذَّتِهِ " يَتَعَلَّقُ بِالْخُرُوجِ وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَنِيِّ وَهِيَ اللَّذَّةُ الْكُبْرَى الْمَعْهُودَةُ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ لِعِلَّةٍ وَقَوْلُهُ " بِلَذَّةٍ " يَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْمَ وَغَيْرَهُ فَيَدْخُلُ الِاحْتِلَامُ فِي ذَلِكَ لَا يُقَالُ قَدْ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَلَا لَذَّةَ مَوْجُودَةٌ مَعَهُ لِأَنَّا نَقُولُ إنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ نَوْمًا فَقَدْ وُجِدَتْ اللَّذَّةُ وَتَذَّكَّرهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فَاللَّذَّةُ مَوْجُودَةٌ غَالِبًا وَنَسِيَهَا وَقَوْلُهُ " بِلَذَّةٍ " أَخْصَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا إذَا تُؤُمِّلَتْ.
قَوْلَهُ: وَمَغِيبُ حَشَفَةٍ " الْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ سَبَبٌ فِي الْجَنَابَةِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَالْإِنْزَالُ سَبَبٌ وَإِنْ لَمْ تَغِبْ الْحَشَفَةُ فَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ مَعَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ بَيْنَهُمَا مَنَعَ الْخُلُوُّ فِي مُوجِبِ الْجَنَابَةِ وَقَوْلُهُ " غَيْرِ خُنْثَى " مُضَافٌ إلَيْهِ الْحَشَفَةُ أَخْرَجَ بِهِ حَشَفَةَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَإِنَّهُ إذَا غَابَتْ حَشَفَتُهُ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ فَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَقَدْ أَجْرَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ فَجَرَى فِيهِ مَا فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " الْحَشَفَةِ " مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهَا لَا بَعْضُهَا وَهُوَ الْأَصْلُ فِي إطْلَاقِهَا وَلِذَا قِيلَ وَبَعْضُهَا لَغْوٌ قَوْلُهُ " أَوْ مِثْلُهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا " عُطِفَ عَلَى الْحَشَفَةِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مَنْ غَابَ ذَكَرُهُ بَعْدَ قَطْعِ حَشَفَتِهِ وَقَوْلُهُ " فِي دُبُرٍ أَوْ قُبُلٍ غَيْرِ خُنْثَى " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " مَغِيبُ " وَقَوْلُهُ " غَيْرِ خُنْثَى " مُضَافٌ إلَيْهِ الْقُبُلُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ حُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ فِي دُبُرِ غَيْرِ خُنْثَى أَوْ قُبُلِهِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ قَطَعَ اللَّهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا وَأَخْرَجَ بِغَيْرِ خُنْثَى الْخُنْثَى الْمَفْعُولُ بِهِ ذَلِكَ وَحُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا (قُلْتُ) لَا حَذْفَ فِي الدُّبُرِ وَلَا يَصِحُّ مَعْنًى هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ " وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ " مِنْ بَهِيمَةٍ خَبَرٌ لَكَانَ مُقَدَّرَةً بَعْدَ لَوْ وَقِيلَ الْوَاوُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ لِتَحْصِيلِ الْغَايَةِ وَتَقْدِيرُهُ غَابَتْ
(1/38)

فِي دُبُرِ أَوْ قُبُلِ غَيْرِ خُنْثَى آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةً وَلَوْ مَيْتَةً فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى حَالٍ مُقَدَّرَةٍ هُنَا انْتَهَى تَفْسِيرُ مُوجِبِ الْغُسْلِ شَرْعًا ثُمَّ فَسَّرَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِالسَّبَبِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ عَلَى إلَى آخِرِهِ أَيْ الْغُسْلِ الْمَذْكُورِ النَّاشِئِ عَنْ السَّبَبِ يَجِبُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ فَقَوْلُهُ " هِيَ " يَعُودُ عَلَى الْحَشَفَةِ الْمُقَيَّدَةِ وَقَوْلُهُ " فِيهِ " يَعُودُ عَلَى الدُّبُرِ أَوْ الْقُبُلِ الْمُقَيَّدِ وَقَوْلُهُ " وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ ذَاهِبًا عَقْلُهُ " أَيْ وَلَوْ كَانَ مَنْ غَابَتْ مِنْهُ أَوْ فِيهِ مُكْرَهًا أَوْ ذَاهِبًا عَقْلُهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) يَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ هَذَا الرَّسْمَ لِلْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ " بِلَذَّتِهِ " ذِكْرُهُ يُشْكِلُ بِهِ لِأَنَّ الْمَنِيَّ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ خُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْمَرْأَةُ لَا يَخْرُجُ لَهَا مَنِيٌّ بَلْ تَجِدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ " وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ إلَخْ " الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ مُوجِبَ الْغُسْلِ مُتَعَدِّدٌ أَحَدُهَا مَا ذُكِرَ وَتَأَمَّلْ لِمَ لَمْ يَزِدْ غُسْلَ الْمَيِّتِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.

[تَعْرِيفٌ الْحَيْضُ]
حَيْض: الْحَيْضُ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " دَمٌ يُلْقِيهِ رَحِمٌ مُعْتَادٌ حَمْلُهَا دُونَ وِلَادَةٍ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا فِي غَيْرِ حَمْلٍ وَفِي حَمْلِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا وَبَعْدَ سِتَّةٍ عِشْرِينَ وَنَحْوِهَا فَأَقَلَّ فِي الْجَمِيعِ فَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " دَمٌ " جِنْسٌ وَهُوَ مِنْ مَقُولَةِ الْجَوْهَرِ لِأَنَّ الْحَيْضَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الدَّمِ الْمَعْهُودِ وَهُوَ جَوَاهِرُ وَقَوْلُهُ " يُلْقِيهِ رَحِمٌ " أُخْرِجَ بِهِ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْأَنْفِ وَشِبْهِهِ وَلَمْ يَقُلْ فَرْجٌ لِأَنَّ الْحَيْضَ مِنْ الرَّحِمِ لَا مِنْ الْفَرْجِ وَ " مُعْتَادٌ حَمْلُهَا " أَخْرَجَ بِهِ دَمَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ وَدَمَ الْآيِسَةِ وَ " دُونَ وِلَادَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ دَمَ النِّفَاسِ وَ " خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا " أَخْرَجَ بِهِ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ الزَّائِدَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ " فَأَقَلَّ " لِيَدْخُلَ فِيهِ مَا دُونَ الْخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا وَلَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَ " فِي غَيْرِ حَمْلٍ " أَخْرَجَ بِهِ دَمَ الْحَامِلِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَيْضَ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ دَمٌ يُلْقِيهِ رَحِمٌ مُعْتَادٌ حَمْلُهَا دُونَ وِلَادَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلَّ وَحَدُّ حَيْضِ الْحَامِلِ عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّهَا تَحِيضُ دَمٌ يُلْقِيهِ
(1/39)

رَحِمٌ مُعْتَادٌ حَمْلُهَا دُونَ وِلَادَةٍ فِي حَمْلٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ خَمْسَةَ عَشْرَ وَنَحْوَهَا فَأَقَلَّ وَبَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عِشْرِينَ وَنَحْوَهَا فَأَقَلَّ فَصَحَّ مِنْ هَذَا حَدُّ حَيْضِ غَيْرِ الْحَامِلِ وَحَدُّ حَيْضِ الْحَامِلِ فَجَمَعَ ذَلِكَ الشَّيْخُ اخْتِصَارًا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ فَالْحَدُّ الْأَوَّلُ لِغَيْرِ الْحَامِلِ وَالثَّانِي لِلْحَامِلِ فِي جَمِيعِ حَالِهَا وَخَمْسَةَ عَشْرَ الْأُولَى مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ وَالْعَامِلُ يُلْقِيهِ وَفِي غَيْرِ حَمْلٍ يَتَعَلَّقُ بِيُلْقِيهِ أَيْ غَيْرَ زَمَنِ حَمْلٍ وَيَحْتَمِلُ الْحَالِيَّةَ مِنْ الدَّمِ وَقَوْلُهُ " وَفِي حَمْلِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى فِي غَيْرِ حَمْلٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ " وَخَمْسَةَ عَشَرَ " مَعْطُوفَةٌ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَالْوَاوُ عَطَفَتْ شَيْئَيْنِ مَعْمُولَيْنِ عَلَى مَعْمُولَيْنِ لِعَامِلٍ وَاحِدٍ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ حَمْلٍ مُضَافٌ إلَيْهَا لَفْظُ الْحَمْلِ وَقَوْلُهُ " بَعْدَ سِتَّةٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " وَفِي حَمْلٍ " وَقَوْلُهُ " فَأَقَلَّ " أَصْلُ لَفْظَةِ فَأَقَلَّ مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرِ أَيْ مَذْكُورًا لَفْظَةُ فَأَقَلَّ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَنَحْوُهَا فِي الْحَامِلِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ فِي الْحَامِلِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِيَكُونَ الْحَدُّ جَامِعًا لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ وَمَذْكُورًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَتَقْدِيرُ الْحَالِ بِذَاكِرِ أَظْهَرَ وَصَاحِبُ الْحَالِ مُقَدَّرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ تَقْدِيرُهُ حَدُّ الْحَيْضِ كَذَا حَالُ كَوْنِ ذَلِكَ الْحَدِّ مَذْكُورًا فِيهِ لَفْظَةُ فَأَقَلَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَأَقَلَّ فِي الْجَمِيعِ ابْتِدَاءً أَوْ خَبَرٌ (كَذَا) عَلَى الْحِكَايَةِ وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا الْكَلَامُ وَهُوَ فَأَقَلَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَوَجَدْت مُقَيَّدًا بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ حَدَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ الصُّفْرَةَ حَيْضٌ وَقَدْ أُطْلِقَ الْحَيْضُ عَلَيْهَا وَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ جِنْسِ الْحَيْضِ وَوَقَعَ الْجَوَابُ أَنَّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَيْضِ حَيْثُ أُطْلِقَ عَلَيْهَا حَيْضٌ لَا أَنَّهَا حَيْضٌ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْحَيْضِ هَذَا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الصُّفْرَةَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا دَمٌ وَإِذَا مَنَعْنَا ذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ وَظَهَرَ لِي عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَرَادَ حَدَّ الْحَيْضِ فِيمَا يُسَمَّى حَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيُقَالُ أَمَّا مَا عُيِّنَ مِنْ الْعَدَدِ فِي الْحَامِلِ فَصَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ إذَا تَمَادَى الدَّمُ بِالْحَامِلِ وَأَمَّا مَا عُيِّنَ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ فَذَلِكَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ صَحِيحٌ وَأَمَّا فِي الْمُعْتَادَةِ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْعَادَةُ مَعَ الِاسْتِظْهَارِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ
(1/40)

فِي غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ فَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَقَلَّ فِي مُبْتَدَأَةٍ وَفِي مُعْتَادَةٍ عَادَتُهَا بِالِاسْتِظْهَارِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ فَأَقَلَّ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُعْتَادَةُ فِيمَا بَيْنَ أَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ إذْ حَدُّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا وَيَقْتَضِي أَنَّ دَمَهَا حَيْضٌ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا طَاهِرٌ إنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ هِيَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً أَمْ احْتِيَاطًا وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَاعَى أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ فَذَكَرَ مَا يُمَيِّزُ الْحَيْضَ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ وَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ فِي الْمُعْتَادَةِ وَغَيْرِهَا وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) الْعَدَدُ مِنْ الزَّمَانِ الْمُقَيَّدِ لِعَامِلِهِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَدَدِ فَإِذَا قُلْتَ سَافَرَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ اقْتَضَى عُمُومَ السَّفَرِ فِيهَا فَكَذَا إلْقَاءُ الرَّحِمِ الدَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْتَضِي لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الدَّمِ فِي الْجَمِيعِ فَإِذَا كَانَ بَعْضَ أَيَّامٍ دُونَ بَعْضٍ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا (قُلْتُ) الْأَمْرُ كَمَا قَرَّرْنَا وَقَوْلُهُ فَأَقَلَّ يَدْخُلُ مَا عَدَا الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَعْرِيف النِّفَاسُ]
نَفْس: النِّفَاسُ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَحِمَهُ وَنَفَعَ بِهِ " دَمُ إلْقَاءِ حَمْلٍ " فَقَوْلُهُ " دَمُ " جِنْسٌ يَشْمَلُ الْحَيْضَ وَالِاسْتِحَاضَةَ وَقَوْلُهُ " إلْقَاءُ حَمْلٍ " يُخْرِجُهُمَا وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الشَّيْخُ فَيَدْخُلُ فِيهِ دَمٌ إلَى إلْقَاءِ الدَّمِ الْمُجْتَمِعِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِلْقَاءُ حَمْلٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ وَإِضَافَتُهُ إلَى مَفْعُولِهِ أَظْهَرُ هُنَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الدَّمَ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الْوَضْعِ أَوْ بَعْدَ الْوَضْعِ أَوْ مَعَ الْوَضْعِ فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهُ فَحَيْضٌ وَبَعْدَهُ نِفَاسٌ وَمَعَهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ نِفَاسٌ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ وَسَالَ الدَّمُ وَبَقِيَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا ثُمَّ وَضَعَتْ هَلْ دَمُ الثَّلَاثَةِ يُضَافُ إلَى الْحَيْضِ أَوْ إلَى النِّفَاسِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى الْحَيْضِ مَا كَانَ حَيْضًا وَلِلنِّفَاسِ مَا كَانَ نِفَاسًا (فَإِنْ قِيلَ) إنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَلَّا قَالَ دَمَ إلْقَاءِ حَمْلٍ سِتِّينَ يَوْمًا فَأَقَلَّ كَمَا قَالَ فِي الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَقَلَّ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى السِّتِّينَ اسْتِحَاضَةٌ (قُلْنَا) قَرِيبٌ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَوْرَدَهُ شَيْخُهُ عَلَى
(1/41)

ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ هِيَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَمْكَنَ ذِكْرُهَا هُنَاكَ وَهُنَا الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ يُسْأَلُ النِّسَاءُ فَأَمْكَنَ ذَلِكَ هُنَاكَ وَلَمْ يُمْكِنْ هُنَا ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَعَلَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَاعَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ شَيْخُهُ وَصَوَّبَهُ فَلِذَا لَمْ يَزِدْ مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قُلْتَ) شَيْخُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا النَّظَرُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هُنَا الَّذِي لَا يُمْكِنُ هُوَ ذِكْرُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِأَنْ يَقُولَ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَى مَا قَدَّرَتْهُ النِّسَاءُ فَصَحِيحٌ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَالَ هُنَا مِثْلُ ذَلِكَ فَيُقَالُ النِّفَاسُ دَمُ إلْقَاءِ حَمْلِ مَا قَدَّرَتْ النِّسَاءُ الزِّيَادَةَ إلَيْهِ فَأَقَلُّ فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ إنَّ النَّظَرَ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ بِغَيْرِ الْعَدَدِ الْمُحَالَةِ عَلَى تَقْدِيرِ النِّسَاءِ فِيهَا تَعْمِيَةٌ فِي الْحَدِّ وَإِبْهَامٌ فِي مَقَامِ الْإِفْهَامِ وَفِيهِ بَحْثٌ.

[تَعْرِيف التَّيَمُّمُ]
يمم: التَّيَمُّمُ الشَّيْخُ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَحُدَّ التَّيَمُّمَ وَيُمْكِنُ فِي حَدِّهِ عَلَى أَصْلِهِ مَسْحُ الْوَجْهِ بَعْدَ ضَرْبِ صَعِيدٍ بِيَدٍ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ كَذَلِكَ لِإِبَاحَةِ صَلَاةٍ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرْتُ هَذَا وَكَتَبْتُهُ وَقَفْت عَلَى خَطِّ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيِّ تِلْمِيذِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَاقِلًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا كَانَ جَلِيًّا لَمْ أَحُدَّهُ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ فِي حَدِّهِ عَلَى مَا نَقَلَ هَذَا الشَّيْخُ أَنَّهُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِضَرْبٍ بِيَدَيْهِ قَالَ وَقَوْلِي بِضَرْبٍ وَلَمْ أَقُلْ بِضَرْبَةٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فَأَتَى بِالْجِنْسِ مِثْلَ مَا ذَكَرْته (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يُقَيِّدْ الْمَضْرُوبَ مَا هُوَ وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا (قُلْتُ) لَا يَخْلُو مِنْ بَحْثٍ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْقُيُودِ لَمْ يَذْكُرْهَا. - رَحِمَهُ اللَّهُ -

[مَسْحُ الْخُفَّيْنِ]
مسح: مَسْحُ الْخُفَّيْنِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَحُدَّهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ حَدَّهُ إمْرَارُ الْيَدِ الْمَبْلُولَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى خُفَّيْنِ مَلْبُوسَيْنِ عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ بَدَلًا مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُك عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ طُهْرَ الْغُسْلِ يُصَحِّحُ الْمَسْحَ
(1/42)

كَالْوُضُوءِ (قُلْتُ) إنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ مَا لَمْ يَرْفَعْهُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَدْخُلُ فِي الضَّابِطِ إذَا أُسْقَطَ قَوْلُنَا وُضُوءٍ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ أَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى طُهْرٍ وَهُوَ الطُّهْرُ الْأَكْبَرُ فَيَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا إذَا لُبِسَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَأَخْرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ بِقَوْلِنَا عَلَى طُهْرِ وُضُوءًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَبَّرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ " عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ " ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ شَرْطَ الْمَسْحِ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةِ حَدَثٍ بِالْمَاءِ وَلَوْ بِالْغُسْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ فِي الرَّسْمِ.

[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(ص ل و) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي تَصَوُّرِهَا عُرْفًا هَلْ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُحَدُّ أَوْ هُوَ نَظَرِيٌّ فَيُحَدُّ وَعَلَيْهِ مَضَى الشَّيْخُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَظَرِيٌّ بِقَوْلِ الصَّقَلِّيِّ وَغَيْرِهِ وَرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ وَنَصُّهُ وَقِيلَ نَظَرِيٌّ قَالَ لِأَنَّ فِي قَوْلِ الصَّقَلِّيِّ وَغَيْرِهِ وَرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ نَظَرًا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَصَوُّرُهَا نَظَرِيٌّ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْحُكْمُ فِي كَلَامِ مَنْ ذَكَرَ عَلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِكَوْنِهِ صَلَاةً بِالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ لَا بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّ مَنْ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ هَلْ هِيَ صَلَاةٌ أَجَابَ عَنْهَا بِالْبَدِيهَةِ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ وَمَنْ سُئِلَ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ هَلْ هُوَ صَلَاةٌ نَظَرَ وَتَفَكَّرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَصَوُّرَ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ هَذَا مَعْنَى مَا رَأَيْت عَنْ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُقَيَّدًا وَإِنَّ قَوْلَهُ نَظَرًا قَصَدَ بِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ تَفَكُّرًا لَا أَنَّهُ مِنْ نَظَرِ الْإِشْكَالِ وَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ لَوْ كَانَتْ مَاهِيَةُ الصَّلَاةِ الْعُرْفِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ضَرُورِيًّا تَصَوُّرُهَا لَكَانَ إطْلَاقُهَا عَلَى أَفْرَادِ مَاهِيَّتِهَا ضَرُورِيًّا ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَحْدُودَ يَصْدُقُ ضَرُورَةً عَلَى أَفْرَادِهِ وَقَدْ وُجِدَ بَعْضُ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ صِدْقُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ نَظَرًا لَا ضَرُورَةً وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ حَقِيقَتُهَا نَظَرِيَّةٌ لَا ضَرُورِيَّةٌ ثُمَّ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَعَلَيْهِ " أَيْ عَلَى أَنَّهَا نَظَرِيَّةٌ فَحَدُّهَا " قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ " قَوْلُهُ " قُرْبَةٌ "
(1/43)

جِنْسٌ وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ حَرَكَاتٍ وَسَكَنَاتٍ وَأَفْعَالًا قُصِدَ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَتَى بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقُولَةَ وَقَوْلُهُ " فِعْلِيَّةٌ " احْتِرَازًا مِنْ الْعَدَمِيَّةِ كَالصِّيَامِ فِي حَدِّهِ الْأَوَّلِ أَوْ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهَا قُرْبَةٌ لَيْسَتْ فِعْلِيَّةً وَيَدْخُلُ فِيهِ حَجُّ الْبَيْتِ وَالصَّدَقَةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُ ذَلِكَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى وَزِيَارَةُ الْمَرْضَى وَذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ يَخْرُجُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا وَسَائِرُ الْقِرَابَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَقَوْلُهُ " ذَاتُ " أَيْ لَازِمٌ لَهَا إحْرَامٌ وَسَلَامٌ - ثُمَّ قَالَ - " أَوْ سُجُودٌ فَقَطْ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى ذَاتٍ وَأَنْ يَكُونَ مَخْفُوضًا عَطْفًا عَلَى إحْرَامٍ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَزَادَهُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِيَدْخُلَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ كَمَا أَنَّهُ تَدْخُلُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِذِكْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَقَوْلُهُ " فَقَطْ " كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلِانْتِهَاءِ عَنْ الزِّيَادَةِ وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ أَيْ انْتَهِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى لَفْظِ السُّجُودِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَتَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَيْهَا فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَعَلَيْهِ مَضَى ابْنُ هِشَامٍ وَقِيلَ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وَعَلَيْهِ مَضَى التَّفْتَازَانِيُّ وَقِيلَ عَاطِفَةٌ نَقَلَهُ الدَّمَامِينِيُّ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ قُرْبَةٌ هِيَ السُّجُودُ أَوْ ذَاتُ سُجُودٍ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ بَلْ قُرْبَةُ سُجُودٍ مُنْفَرِدٍ إذَا فَعَلَ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ فَقَطْ وَهَلَّا قَالَ أَوْ سُجُودٍ (قُلْنَا) هَذَا مِنْ مَحَاسِنِ إدْرَاكِ الشَّيْخِ وَاخْتِصَارِهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ جَامِعًا مَانِعًا فَزَادَ أَوْ سُجُودٌ لِيَقَعَ الْجَمْعُ فِي أَفْرَادِ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فَلَوْ لَمْ يُزَدْ قَيْدٌ فَقَطْ فَقَدْ يُقَالُ حَافَظَ عَلَى طَرْدِهِ فَأَخَلَّ بِمَنْعِهِ لِأَنَّ سُجُودًا مِنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ سُجُودٍ وَلَيِسَتْ بِصَلَاةِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ بَلْ هُوَ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ جُزْءٌ مِنْ قُرْبَةٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَةُ صَلَاةً لِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فَزَادَ مَا يَخْرُجُ بِهِ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ فَهَذَا مِنْ بَدِيعِ مَحَاسِنِهِ وَحُسْنِ اخْتِصَارِهِ وَجَمْعِهِ وَمَنْعِهِ وَرَسْمِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَبَّرَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَأَخْرَجَ بِهَا مَا ذُكِرَ وَثَمَّ مِنْ الْعِبَارَةِ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْإِخْرَاجِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَوْ سُجُودٌ وَحْدَهُ (قُلْتُ) كَلِمَةٌ فَقَطْ أَخْصَرُ مِنْهَا (فَإِنْ قُلْتَ) فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التَّرْدِيدُ فِي الْحَدِّ وَهُوَ مُنَافٍ لِلتَّحْدِيدِ كَمَا قَدَّمْنَا (قُلْتُ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّرْدِيدُ فِي مُتَعَلِّقِ الْحَدِّ لَا فِي الْحَدِّ وَفِيهِ بَحْثٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَلَا مَانِعَ (فَإِنْ قُلْتَ) الْقُرْبَةُ وَالْعِبَادَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فَإِنَّ الْقُرْبَةَ بِمَعْنَى التَّقَرُّبِ إلَى طَلَبِ الْقُرْبِ
(1/44)

إلَى اللَّهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَتَجَنُّبِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَبَّرَ هُنَا فِي الصَّلَاةِ بِجِنْسِ الْقُرْبَةِ وَفِي الصِّيَامِ بِالْعِبَادَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بِنِسَبٍ اعْتِبَارِيَّةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ الْفَصْلَ أَوْ الْخَاصَّةَ ذَاتَ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَالْإِحْرَامُ وَالتَّسْلِيمُ وَالسُّجُودُ يَأْتِي حَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى إبْهَامٍ فِي الْإِفْهَامِ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ تَأْلِيفُهُ قَدْ عُرِفَ فِيهِ الْحَقَائِقُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَحَالِّهَا فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ فِي حَدِّهِ عَالِمًا بِذَلِكَ فَقَدْ أَحَالَهُ عَلَى مَعْلُومٍ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا فَلْيُنْظَرْ مَا أَحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقَائِقِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي الْتَزَمَ تَعْرِيفُهَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْهَا وَقَدْ قَالَ فِي الْإِحْرَامِ ابْتِدَاؤُهَا مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا وَقَالَ فِي التَّسْلِيمِ مَا مَعْنَاهُ النُّطْقُ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ وَقَدْ عُرِفَ السُّجُودُ الشَّرْعِيُّ بِقَوْلِهِ مَسُّ الْجَبْهَةِ إلَخْ فَكَأَنَّهُ قَالَ الصَّلَاةُ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ ابْتِدَاءٍ لِتِلْكَ الْقُرْبَةِ مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا وَذَاتُ نُطْقٍ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ أَيْ مِنْ لَازِمِهَا هَاتَانِ الْخَاصَّتَانِ وَبِذَلِكَ أَخْرَجَ كَثِيرًا مِنْ الْقُرُبَاتِ الْفِعْلِيَّةِ طَوَافٍ وَجِوَارٍ وَاعْتِكَافٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ فَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ صَلَاةٌ وَيُوجِبُ حُرْمَتَهَا التَّكْبِيرُ وَهُوَ إمَّا شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ كَمَا أَنَّ التَّسْلِيمَ كَذَا فَالْجَارِي عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَاتُ تَكْبِيرٍ وَتَسْلِيمٍ فَمَا سِرُّ عُدُولِهِ عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِّهِ مِنْ الْإِحْرَامِ (قُلْتُ) لَعَلَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُوجِبُ انْعِقَادَهَا إلَّا بِابْتِدَائِهَا بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا فَصَارَ الْمُوجِبُ الْحَقِيقُ لِلِانْعِقَادِ إنَّمَا هُوَ الْإِحْرَامُ كَمَا أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْحِلِّ لَهَا هُوَ التَّسْلِيمُ وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْجَوَابُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّ السَّلَامَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْخُرُوجِ أَوْ مَعَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَحَدُّهُ يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ فِي الصَّلَاةِ وَتَأَمَّلْ هَذَا وَانْظُرْ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي حَدِّ الْحَجِّ وَمَا أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ مِنْ وُرُودِ الْحَجِّ عَلَى الْحَدِّ لِأَنَّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ لَا يُرَدُّ بِوَجْهٍ وَسَيَأْتِي وَسُمِّيَ هَذَا حَدًّا لَا رَسْمًا وَذَكَرَ فِي الْحَجِّ أَمْرَيْنِ الرَّسْمَ وَالْحَدَّ وَفِيهِ بَحْثٌ اُنْظُرْهُ هُنَاكَ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرِدُ عَلَى عَدَمِ طَرْدِهِ حَدَّهُ سُجُودُ الشُّكْرِ لِأَنَّهُ سُجُودٌ فَقَطْ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ لِأَنَّ مِنْ خَاصَّتِهَا وُجُودَ الطَّهَارَةِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ حَدٌّ عَلَى مَا يَعُمُّ الِاتِّفَاقَ وَالْخِلَافَ فَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ عَلَى قَوْلٍ (فَإِنْ قُلْتَ)
(1/45)

السَّجْدَتَانِ لِلسَّهْوِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يَتَقَرَّرُ بِهِمَا عَدَمُ الِانْعِكَاسِ لِأَنَّهُمَا لَا إحْرَامَ فِيهِمَا وَهُمَا صَلَاةٌ (قُلْتُ) بَلْ فِيهِمَا إحْرَامٌ وَتَسْلِيمٌ فَهُمَا صَلَاةٌ دَاخِلَانِ فِي حَدِّ الصَّلَاةِ (فَإِنْ قُلْتَ) أَمَّا السَّلَامُ لَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِهِ فِي الْقُرَبِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا السَّلَامُ فَقَطْ وَهِيَ صَلَاةٌ (قُلْتُ) غَيْرُ ابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ الْخِلَافَ مُطْلَقًا فَيَصْدُقُ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ اشْتَرَطَ الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِحْرَامَ فَيَرَى أَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ مُنْسَحِبٌ فَيَصْدُقُ أَيْضًا أَنَّهَا قُرْبَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ (فَإِنْ قُلْتَ) مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا بِنِيَّتِهِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ النُّطْقِ فِعْلُهُمَا وَقُرْبَتُهُمَا صَلَاةٌ وَلَمْ تُوجَدْ خَاصِّيَّةُ الْمَحْدُودِ (قُلْتُ) الصَّوَابُ أَنْ يُزَادَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ حَدّ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاة]
(وق ت) : بَابُ حَدِّ الْوَقْتِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْوَقْتُ عُرْفًا كَوْنُ الشَّمْسِ أَوْ نَظِيرُهَا بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِدَرَجَةٍ عُلِمَ قَدْرُ بُعْدِهَا مِنْهُ " قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْوَقْتُ عُرْفًا " إنَّمَا قَيَّدَ الْمَحْدُودَ بِالْعُرْفِيِّ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي كِتَابِهِ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ اللُّغَوِيِّ وَلِذَا رَدَّ عَلَى الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَدِّهِ بِأَنَّهُ حَرَكَاتُ الْأَفْلَاكِ لِأَنَّ ذَلِكَ لُغَةً لَا عُرْفًا وَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ بِحَدِّهِ عَنْ سُؤَالِ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَعْنَاهُ فِي الْعُرْفِ كَمَا إذَا قِيلَ مَا وَقْتُ الْعَصْرِ أَوْ الظُّهْرِ وَهَلْ دَخَلَ ذَلِكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ النَّهَارِ وَمَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْجَوَابَ مِنْ حَدِّ الْمَازِرِيِّ إلَّا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْفَهْمُ مِنْ الْحَدِّ الْعُرْفِيِّ وَإِنَّمَا قَالَ عُرْفًا وَلَمْ يَقُلْ شَرْعًا لِأَنَّ هَذَا الِاصْطِلَاحَ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ حَادِثٌ فِي عِلْمِ الْوَقْتِ الْعُرْفِيِّ عِنْدَ أَرْبَابِهِ وَهِيَ أُمُورٌ لَا تُنَافِي شُرُوطَ الشَّرِيعَةِ بَلْ تُحْفَظُ أَزْمِنَتُهَا بِاصْطِلَاحٍ عُرْفِيٍّ وَانْتِصَابُ عُرْفًا كَانْتِصَابِ لُغَةً فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الدَّلِيلُ لُغَةً وَأَمَّا حَدُّهُ لَقَبًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَقَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْوَقْتَ إلَى وَقْتِ أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَقَسَّمُوا وَقْتَ الْأَدَاءِ أَقْسَامًا احْتَاجَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يُعَرِّفَ الْوَقْتَ عُرْفًا
(1/46)

بِمَا ذَكَرَهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْوَقْتُ الْمُقَسَّمُ لَيْسَ هُوَ الْوَقْتَ الْعُرْفِيَّ عِنْدَ الشَّيْخِ فِي رَسْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ لِأَنَّ مُرَادَهُ إنَّمَا هُوَ أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ شَرْعًا وَلَيْسَ الْمُقَسَّمُ هُوَ هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ الزَّمَنُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ إيقَاعُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (قُلْتُ) يَأْتِي ذَلِكَ وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ الْمُقَسَّمِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ إنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِلْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا الْعُرْفُ الْمَذْكُورُ عَلَى مَا سَيَأْتِي اصْطِلَاحٌ لِأَهْلِ الْوَقْتِ فَلَا مَدْخَلَ لِتَعْرِيفِهِ عَلَى مَا شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلَ اخْتِصَارِهِ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَاحْتَاجَ إلَى رَسْمِهِ كَمَا ذَكَرَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلَّا عَرَّفَ الْوَقْتَ الشَّرْعِيَّ كَمَا أَشَرْتَ إلَيْهِ وَيَذْكُرُ الرَّسْمَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا.
(قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْوَقْتَ الشَّرْعِيَّ يُؤْخَذُ مِنْ رَسْمِهِ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ بِاللُّزُومِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ فَلْنَرْجِعْ إلَى رَسْمِهِ فِيمَا رَأَيْته جَارِيًا عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْوَقْتِ وَبِالْحَقِيقَةِ إنَّمَا يُحَقِّقُهُ فَهْمًا مَنْ مَارَسَ الْعَمَلَ بِالْآلَاتِ لَكِنْ لَا نُخْلِي تَبَيُّنَهُ فِيمَا فَهِمْنَا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ شَاهَدْنَاهُ فَنَقُولُ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " كَوْنُ الشَّمْسِ " إلَخْ فَقَوْلُهُ عُرْفًا قَدْ قَدَّمْنَا سِرَّهُ وَهُوَ نُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ عُرْفِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْوَقْتِ وَقَصَدَ بِهِ عُرْفَ أَهْلِ الْوَقْتِ وَالنَّجَّامَةِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا هُوَ عُرْفُ الْفُقَهَاءِ فِي الْوَقْتِ وَمَا هُوَ عُرْفُ أَهْلِ النَّجَّامَةِ (قُلْتُ) الَّذِي كَانَ يَمْضِي لَنَا فِيهِ أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الزَّمَنُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ إيقَاعُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الْمُقَدَّرُ لَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا فَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ زَمَنُ أَخْذِ الِارْتِفَاعِ فِي النَّقْصِ بَعْدَ غَايَتِهِ وَآخِرُهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَآخِرُ وَقْتِهِ الِاصْفِرَارُ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ زَمَنُ مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ أَوَّلُ زَمَنِ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَآخِرُهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَوَقْتُ الصُّبْحِ أَوَّلُ زَمَنِ مُدَّةِ الْفَجْرِ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ. وَوَقْتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عِنْدَ الْمُنَجِّمِ أَوْ الْمُوَقِّتِ هُوَ أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ لَهُ، فَهَذَا الْوَقْتُ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْآلَةِ النُّجُومِيَّةِ وَاصْطِلَاحَاتِ مَعْرِفَةِ الْأَلْقَابِ الْوَقْتِيَّةِ وَلَمَّا كَانَ قَصْدُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الثَّانِي عَلَى مَا فَهِمَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِهَذَا الْفَنِّ ذَكَرَ فِيهِ مَا رَأَيْت مِنْ الدَّرَجَةِ وَالنَّظِيرِ وَدَائِرَةِ الْأُفُقِ وَأَوْرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْعِلْمِ سُؤَالًا قَالَ فِيهِ إنْ صَحَّ مَا فَهِمْتُمْ عَلَيْهِ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَنَّ قَصْدَهُ الْمَعْنَى
(1/47)

الثَّانِي فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَخَلَّ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ وَرُسُومِهِ إنَّمَا هِيَ لِلْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا رَسْمٌ لِلْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنْ قَالَ نَلْتَزِمُ ذَلِكَ فِي هَذَا لِقَرِينَةِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ أَلْفَاظٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَهْمُ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ قَصَدَ إلَى مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْوَقْتِ فِي جَمِيعِ أَزْمَانِ الدَّوْرَةِ إذْ مَا مِنْ زَمَنٍ مِنْ أَزْمَانِهَا إلَّا وَيَصِحُّ السُّؤَالُ فِيهِ عَنْ حَدِّهِ وَحَقِيقَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى كَوْنِ الشَّمْسِ بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِدَرَجَةٍ عُلِمَ قَدْرُ بُعْدِهَا وَالنَّظِيرُ كَذَلِكَ وَإِذَا صَحَّ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ أَوَّلَ أَزْمَانِهَا وَوَسَطَهَا وَآخِرَهَا وَجَمِيعُ زَمَنٍ يَصِحُّ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِيهِ.
(قُلْتُ) : لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ لَا مَا قَصَرَ عَلَيْهِ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ أَوَّلَ زَمَنِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ تَشَاغَلَ بِرَسْمٍ بَعِيدٍ عَنْ قَصْدِ الْفَقِيهِ لَكِنْ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَبَعْد أَنْ شَرَعْنَا فِي تَفْسِيرِ رَسْمِهِ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْقَوْمِ فَالشَّمْسُ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ مَعْلُومٌ وَالدَّائِرَةُ سَطْحٌ مُسْتَوٍ مُحِيطٌ بِهِ خَطٌّ وَاحِدٌ فِي دَاخِلِهِ نُقْطَةٌ كُلُّ الْخُطُوطِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا إلَى الْمُحِيطِ مُتَسَاوِيَةٌ وَالنُّقْطَةُ مَرْكَزُهَا وَالسَّطْحُ مَا تَرَكَّبَ مِنْ خَطٍّ وَلَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَالْجِسْمُ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَسُمْكٌ وَالنُّقْطَةُ مَا لَا جُزْءَ لَهُ وَالْأُفُقُ هُوَ الدَّائِرَةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ مِنْ بَسِيطِ الْأَرْضِ وَهِيَ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْفُلْكِ وَمَا خَفِيَ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّيْخُ بِدَائِرَةِ الْأُفُقِ وَالنَّظِيرُ هُوَ الْجُزْءُ الْمُقَابَلُ بِجُزْءِ الشَّمْسِ وَهُوَ الْمُمَاثِلُ لِمَا أَخَذَتْ الشَّمْسُ مِنْ دَرَجَاتِ بُرْجِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْفُلْكَ قَسَّمَهُ الْأَوَائِلُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا وَسَمَّوْا كُلَّ قِسْمٍ بُرْجًا وَقَسَّمُوا كُلَّ بُرْجٍ بِثَلَاثِينَ دَرَجَةً فَدَوْرُ الْفُلْكِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ دَرَجَةً وَالْبُرُوجُ: الْحَمَلُ - وَالثَّوْرُ - وَالْجَوْزَاءُ - وَالسَّرَطَانُ - وَالْأَسَدُ - وَالسُّنْبُلَةُ - وَالْمِيزَانُ - وَالْعَقْرَبُ - وَالْقَوْسُ - وَالْجَدْيُ - وَالدَّلْوُ - وَالْحُوتُ فَمِنْهَا سِتَّةٌ شَمَالِيَّةٌ الْحَمَلُ إلَى آخِرِ السُّنْبُلَةِ وَسِتَّةٌ جَنُوبِيَّةٌ وَهِيَ الْبَاقِيَةُ وَأَوَّلُ الْحَمَلِ نُقْطَةُ الِاعْتِدَالِ الرَّبِيعِيِّ وَأَوَّلُ الْمِيزَانِ نُقْطَةُ الِاعْتِدَالِ الْخَرِيفِيِّ وَأَوَّلُ السَّرَطَانِ الْمُنْقَلَبُ الصَّيْفِيُّ وَأَوَّلُ الْجَدْيِ الْمُنْقَلَبُ الشَّتْوِيُّ وَالدَّرَجَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى رُبْعِ تُسْعِ عُشْرِ الدَّائِرَةِ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى مَا انْقَسَمَ إلَيْهِ الْفُلْكُ مِنْ الدَّرَجَاتِ لِمُقَابَلَتِهَا الْفُلْكَ هَذَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ رَسْمِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/48)

فَقَوْلُهُ " كَوْنُ الشَّمْسِ " صَيَّرَ الْوَقْتَ الْعُرْفِيَّ نِسْبَةً وَهُوَ كَذَلِكَ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ تَحْقِيقٌ بِهَذَا الْفَنِّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ كَوْنُ الشَّمْسِ هَذَا جِنْسٌ لِاسْتِقْرَارِ الشَّمْسِ بِالْفُلْكِ أَوْ بِالدَّائِرَةِ أَوْ بِسَيْرِهَا وَأَخْرَجَ بِالشَّمْسِ اسْتِقْرَارَ غَيْرِهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ وَقَوْلُهُ " بِدَائِرَةٍ " الْبَاءُ ظَرْفِيَّةٌ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ كَوْنَ الشَّمْسِ بِجُزْءٍ مِنْ الْفُلْكِ وَالظَّرْفِيَّةُ هُنَا مَجَازِيَّةٌ وَالْمُرَادُ الْمُقَابِلَةُ مِنْهَا لِلدَّائِرَةِ وَقَوْلُهُ " أَوْ نَظِيرُهَا " عُطِفَ عَلَى الشَّمْسِ وَهُوَ الْجُزْءُ الْمُقَابِلُ لِجُزْءِ الشَّمْسِ فِي الْبُرْجِ السَّابِعِ مِنْ بُرْجِهَا وَإِنَّمَا زَادَ ذِكْرَ النَّظِيرِ لِيَعُمَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَيْلًا وَنَهَارًا قَوْلُهُ " مُعَيَّنٌ " إشَارَةً إلَى أَنَّ تَعَيُّنَ الْوَقْتِ اعْتِبَارِيٌّ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الْوَقْتِ وَمَعْرِفَتَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَيُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يُعْرَفُ مِنْ الشَّمْسِ وَأَيُّ وَقْتٍ يُعْرَفُ مِنْهَا بِالنَّظِيرِ (قُلْتُ) الَّذِي رَأَيْتُ وَقَرَّرَهُ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى تَحْقِيقِ هَذَا الْفَنِّ مَا نَصُّهُ الرَّسْمُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ كَوْنُ الشَّمْسِ أَوْ نَظِيرِهَا بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ يَتَنَاوَلُ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ خَاصَّةً ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ بِدَرَجَةٍ إلَخْ هَذَا الظَّرْفُ مِنْ الْحَدِّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ فِي الظُّهْرِ بِزَوَالِ جُزْءِ الشَّمْسِ عَنْ دَائِرَةِ نِصْفِ النَّهَارِ وَقَدْرُ ذَلِكَ الْبُعْدِ مِنْ الْأُفُقِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِنِصْفِ النَّهَارِ. قَالَ وَوَقْتُ الْعَصْرِ وُصُولُ جُزْءِ الشَّمْسِ إلَى دَرَجَةِ مُقَنْطَرَةِ الْعَصْرِ وَقَدْرُ ذَلِكَ الْبُعْدِ مَعْلُومٌ مِنْ الْأُفُقِ إمَّا مِنْ أُفُقِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ الْبَاقِي مِنْ النَّهَارِ وَإِمَّا مِنْ أُفُقِ الْمَشْرِقِ فَهُوَ الْمَاضِي مِنْ النَّهَارِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ. قَالَ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ هُوَ بِارْتِفَاعِ النَّظِيرِ عَنْ أُفُقِ الْمَغْرِبِ إلَى مُقَنْطَرَةٍ بَعْدَهَا مِنْ الْأُفُقِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ. قَالَ وَوَقْتُ الصُّبْحِ هُوَ بِارْتِفَاعِ النَّظِيرِ عَنْ أُفُقِ الْمَغْرِبِ إلَى مُقَنْطَرَةِ قَدْرِ بُعْدِهَا مِنْ الْأُفُقِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَقَدْرُ الْبُعْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْأُفُقِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّظِيرَ عُرِفَ بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَوَقْتُ الصُّبْحِ وَالشَّمْسُ عُرِفَ بِهَا وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عُرِفَ بِالشَّمْسِ وَالنَّظِيرُ وَهَذَا عَلَى مَا فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ مَا يَصِحُّ أَنْ تُوقَعَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمُحَقِّقَ أَوْرَدَ أَسْئِلَةً عَلَى فَهْمِهِ - الْأَوَّلِ مِنْهَا - إذَا فَهِمْنَا أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ كَوْنَ الشَّمْسِ أَوْ نَظِيرِهَا بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ خَاصٍّ بِالْمَغْرِبِ قَالَ فَيَكُونُ فِي لَفْظِهِ
(1/49)

مُسَامَحَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِكَوْنِ الشَّمْسِ عَلَى أُفُقِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ الْأُفُقُ الْمُعَيَّنُ إلَّا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ عَنْ ذَلِكَ الْأُفُقِ الْمُعَيَّنِ فَكَيْفَ يَقُولُ كَوْنُ الشَّمْسِ بِالدَّائِرَةِ إلَخْ وَمَا قَالَهُ عَلَى هَذَا الْفَهْمِ ظَاهِرٌ قَالَ الْوَجْهُ الثَّانِي إنَّ لَفْظَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْطِي أَنْ يَكُونَ نَظِيرُ جُزْءِ الشَّمْسِ فِي وَقْتٍ مَا مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ عَلَى أُفُقٍ مُعَيَّنٍ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَهَذَا الثَّانِي لَمْ يَظْهَرْ لِي إيرَادُهُ إلَّا إذَا كَانَتْ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ (قُلْتُ) لَمَّا فَهِمَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مَقْصُورٌ عَلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَذَكَرَ فِيهِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الشَّمْسِ وَالنَّظَرِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّظِيرَ يَلْزَمُ فِيهِ مَا ذُكِرَ وَفِيهِ نَظَرٌ ثُمَّ أَوْرَدَ هَذَا الْمُحَقِّقُ سُؤَالًا يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِهِ عَنْ الْمُسَامَحَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى أُفُقِ الْمَغْرِبِ فَنَظِيرُهَا عَلَى أُفُقِ الْمَشْرِقِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ كَوْنُ الشَّمْسِ أَوْ نَظِيرُهَا بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا يُمْكِنُ إلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ النَّظِيرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عِنْدَ أَرْبَابِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ.
(السُّؤَالُ الثَّانِي) أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ كَوْنُ الشَّمْسِ بِدَائِرَةِ أُفُقٍ أَوْ كَوْنُهَا بِدَرَجَةٍ وَقَرَّرْتُمْ أَنَّ كَوْنَهَا بِالدَّرَجَةِ يَدْخُلُ فِيهِ وَقْتُ الظُّهْرِ فَيُقَالُ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ كَوْنُ الشَّمْسِ بِدَرَجَةٍ وَمَا الشَّمْسُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ إلَّا بِدَائِرَةِ وَسَطِ السَّمَاءِ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا بِدَرَجَةِ مُقَنْطَرَةٍ وَسَطَ السَّمَاءِ لِأَنَّ دَائِرَةَ الْمَدَارِ الْيَوْمِيِّ مَقْسُومَةٌ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ دَرَجَةً تُسَمَّى الْمُقَنْطَرَاتُ وَالْفَصْلُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَائِرَةِ نِصْفِ النَّهَارِ دَرَجَةٌ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ بِدَرَجَةٍ كَمَا ذُكِرَ.
(السُّؤَالُ الثَّالِثُ) إنْ قَالَ إذَا كَانَ ارْتِفَاعُ النَّظِيرِ عَنْ الْأُفُقِ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَفْرُوضِ بِكَوْنِ جُزْءِ الشَّمْسِ بِدَرَجَةِ بُعْدِهَا عَنْ الْأُفُقِ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي بِهِ ارْتَفَعَ النَّظَرُ عَنْ الْأُفُقِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ إذْ ذَاكَ بِدَرَجَةٍ عُلِمَ قَدْرُ بُعْدِهَا مِنْ الْأُفُقِ فَيَسْتَغْنِي الشَّيْخُ عَنْ ذِكْرِ النَّظِيرِ فَيَكُونُ أَخْصَرَ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ذِكْرُ النَّظِيرِ لِاعْتِمَادِ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ فِي تَحَقُّقِ وَقْتَيْ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى ارْتِفَاعِ النَّظِيرِ وَلِذَا قَالَ فِي أَوَّلِ الرَّسْمِ الْوَقْتُ عُرْفًا يَعْنِي عِنْدَ الْمُوَقِّتِينَ، هَذَا بَعْضُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الرَّسْمِ وَرَأَيْتُ تَقْرِيرَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ نَظَرٌ.
(1/50)

[بَابُ حَدّ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ]
وق ت) : بَابُ حَدِّ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَقْتُ الْأَدَاءِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ وَالْقَضَاءُ انْقِطَاعُهُ " الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا حَدَّ الْوَقْتَ الْعُرْفِيَّ الْمُطْلَقَ ذَكَرَ أَنْوَاعَهُ وَأَصْنَافَهُ وَهُوَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَوَقْتُ الْقَضَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ وَأَنَّ الْمُقَسَّمَ إلَى ذَلِكَ هُوَ الشَّرْعِيُّ لَا الْعُرْفِيُّ وَفِيهِ تَسَامُحٌ لَا يَخْفَى الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا قَدَّمْنَا وَقَدْ حَدَّ الْأُصُولِيُّونَ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ بِأَنَّهُمَا مِنْ مُتَعَلَّقِ الْوُجُوبِ أَحَدِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالْفُقَهَاءُ تَعَرَّضُوا لِوَقْتِهِمَا ضَرُورَةَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " ابْتِدَاءُ " عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ضَرُورَةَ أَنَّ الْجِنْسَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ وَابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا أَيْ الزَّمَنُ الَّذِي يُبْتَدَأُ فِيهِ مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ بِهَا فَإِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ فِي تَعَلُّقِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ بِهَا كَمَا يُتَعَقَّلُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَجَمِيعِ أَفْرَادِهِ أَنَّهُ صَالِحٌ لِابْتِدَاءِ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِالْمُكَلَّفِ إذَا ثَبَتَ سَبَبُ تَكْلِيفِهِ بِهَا مِنْ بُلُوغٍ لِصَبِيٍّ أَوْ عَقْلٍ لِمَجْنُونٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمَا مِنْ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ إلَّا وَهُوَ صَالِحٌ لِابْتِدَاءِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ إذَا حَصَلَ سَبَبُ التَّكْلِيفِ فَأَوَّلُ دُخُولِ الْوَقْتِ يَتَقَرَّرُ فِيهِ ابْتِدَاءً تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُ " وَالْقَضَاءُ انْقِطَاعُهُ " مَعْنَاهُ وَوَقْتُ الْقَضَاءِ زَمَنُ انْقِطَاعِ ابْتِدَاءِ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ زَمَنِ الْأَدَاءِ لَيْسَ مَحَلًّا لِتَقَرُّرِ ابْتِدَاءِ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا حَدُّ زَمَنِ الْأَدَاءِ وَحَدُّ زَمَنِ الْقَضَاءِ وَرَسْمُهُ لَهُمَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوُجُوبِ ابْتِدَاءَ تَعَلُّقٍ وَالْوُجُوبُ حُكْمٌ وَالْحُكْمُ يَرْجِعُ إلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَهُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ وَالتَّعَلُّقُ مِنْ صِفَةِ نَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقٍ لَهُ لِإِبْهَامِ الْحُدُوثِ فِيهِ (قُلْتُ) هَذَا لَا يَرِدُ وَجَوَابُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فِي حَدِّ النَّسْخِ وَأَنَّهُ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَغَيْرِهِ وَالتَّنْجِيزِيُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ فَكَذَا نَقُولُ هُنَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ
(1/51)

بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ (قُلْتُ) يَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّقِ أَيْ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ لِلْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ وَهِيَ لِلتَّعْدِيَةِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (فَإِنْ قُلْتَ) وُجُوبُ الصَّلَاةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَمَا قَدَّمْنَا وَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هُنَا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ (قُلْنَا) هَذَا السُّؤَالُ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَإِيرَادُهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ مِمَّا يُقَرِّبُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَرَّرْتَ رَسْمَ الْقَضَاءِ بِمَا قَرَرْته بِهِ وَزَمَنُ الْقَضَاءِ مُتَّسِعٌ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ ذَلِكَ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ زَمَنِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ وَبَاقِيهِ فِيهِ انْقِطَاعُهُ لَا ابْتِدَاؤُهُ (قُلْتُ) الْمَعْنَى الزَّمَنُ الَّذِي لَا يَتَقَرَّرُ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي أَزْمِنَةِ الْقَضَاءِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ فَبَاقِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَقْتِ قِيلَ فِيهِ وَقْتُ أَدَاءً وَقِيلَ قَضَاءٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (قُلْتُ) إطْلَاقُ الْأَدَاءِ عَلَى مَا أُوقِعَ خَارِجَ الْوَقْتِ تَقْدِيرِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْأَدَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ]
(أد ي) : بَابُ الْأَدَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا قُصِدَ فِي حَدِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْ تَأْخِيرِ فِعْلِهَا عَنْهُ وَإِلَيْهِ وَمَعْنَاهُ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْ تَأْخِيرِ فِعْلِهَا عَنْهُ أَوْ إلَيْهِ " فَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَحْدُودَيْنِ الْأَدَاءُ إلَى آخِرِهِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَمُسَامَحَةٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ لِظُهُورِ الْمَعْنَى أَصْلُهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ الِاخْتِيَارِيُّ وَوَقْتُ الْأَدَاءِ الضَّرُورِيُّ وَهَذَا وَاضِحٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ وَقَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْحَدُّ الْأَوَّلُ " ابْتِدَاءُ " جَرَى فِيهِ أَيْضًا عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي حَذْفِ كَلِمَةِ الْمُضَافِ لِلدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ فِي الزَّمَنِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَحْدُودِ وَقَوْلُهُ " ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ " تَقَدَّمَ بَسْطُهُ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ بِالْمَذْكُورِ اخْتِصَارًا وَقَوْلُهُ " غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْ تَأْخِيرِ فِعْلِهَا عَنْهُ " أَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى
(1/52)

أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ الْوَقْتُ الَّذِي لَمْ يَنْهَ الشَّارِعُ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ أَيْ إلَى مَا يَسَعُ إيقَاعَهَا فِيهِ وَهُوَ الْوَقْتُ الْأَخِيرُ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الْوَسَطِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَالْوَقْتُ الْمُوَسَّعُ أَوَّلُهُ وَوَسَطُهُ وَآخِرُهُ كُلُّهُ مَحَلُّ زَمَنِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ وَلَا نَهَى عَنْ التَّأْخِيرِ إلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ لِأَنَّ زَمَنَ مِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ فَلَوْ لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ " إلَيْهِ " لَكَانَ غَيْرَ جَامِعٍ فَزَادَ " أَوْ إلَيْهِ " لِيَدْخُلَ ذَلِكَ فِي الْحَدِّ هَذَا مَعْنَاهُ، هَكَذَا رَأَيْتُ مُقَيَّدًا عَنْ الشَّيْخِ وَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَالضَّرُورِيُّ " أَيْ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ ابْتِدَاءً إلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ زَمَنُ ابْتِدَاءٍ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ " الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إلَيْهِ " يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ وَاوِ الْعَطْفِ مَعْنَاهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَيْ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ أَيْ عَنْ زَمَنِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْ تَأْخِيرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ وَاحْتَرَزَ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ عَنْ زَمَنِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَزَمَنُ الضَّرُورَةِ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ وَزَادَ قَوْلَهُ " وَإِلَيْهِ " حِفْظًا عَلَى طَرْدِ حَدِّهِ لِأَنَّهُ لَوْلَا الزِّيَادَةُ لَصَدَقَ فِي حَدِّهِ الزَّمَنُ الْأَخِيرُ مِنْ زَمَنِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ زَمَنُ نَهْيٍ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْهُ لَكِنَّهُ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ " وَإِلَيْهِ " لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ التَّأْخِيرِ عَنْهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ التَّأْخِيرِ إلَيْهِ هَذَا الَّذِي كَانَ يَظْهَرُ إنَّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَسَبَبُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " عَنْهُ " عَائِدٌ عَلَى " تَأْخِيرِ فِعْلِهَا عَنْهُ " وَعَلَى ذَلِكَ افْتَقَرَ إلَى ذِكْرِ " إلَيْهِ " وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى " تَأْخِيرِ فِعْلِهَا " فَقَطْ وَإِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الصُّورَةُ الَّتِي اُحْتِيجَ مَا يُوجِبُ إخْرَاجُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَأَنْتَ تَرَى حُسْنَ هَذَا الْحَدِّ وَرَشَاقَتَهُ وَإِيجَازَهُ وَنَاهِيك بِحَادِّهِ سَيِّدِ أَهْلِ وَقْتِهِ وَبَرَكَةِ زَمَنِهِ وَالسَّابِقِ فِي فَهْمِهِ وَعِلْمِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ بِمَنِّهِ ثُمَّ مِنْ مَحَاسِنِهِ مَا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ نَتِيجَتِهِ أَنَّهُ لَا تَنَافِي عَلَى حَدِّهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُؤَدِّيًا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَعَاصِيًا لِصِدْقِ حَدِّ الْأَدَاءِ فِيهِ وَصِدْقِ لَازِمِ الْعِصْيَانِ فِيهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ وَالْوُقُوعَ فِي الْمَنْهِيِّ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ لَازِمِ الْعِصْيَانِ مَعَ لَازِمِ الْحَدِّ عِنْدَهُ وَالْمَازِرِيُّ يَلْزَمُهُ التَّنَاقُضَ وَالتَّنَافِي بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْعِصْيَانِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ حَدَّ الْأَدَاءَ بِمُطَابَقَتِهِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَهَذَا وَاضِحٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ تَقْدِيرُ الْمُضَافِ فِي الْحَدِّ
(1/53)

لِأَنَّ الْأَدَاءَ الْفِقْهِيَّ مَحْصُولُهُ يَرْجِعُ لِشَيْءٍ يَقَعُ فِي زَمَانٍ لَا أَنَّهُ زَمَانٌ (قُلْتُ) الْمُحْوِجُ لِلتَّقْرِيرِ أَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ أَقْسَامٌ لِلْوَقْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْأَقْسَامُ مِنْ مَقُولَةِ الْمُقَسِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ وَوَقْتِ التَّوَسُّعَةِ]
ِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَالِاخْتِيَارِيُّ فَضِيلَةٌ إنْ تَرَجَّحَ فِعْلُهَا فِيهِ عَنْ اخْتِيَارِيٍّ آخَرَ وَإِلَّا فَتَوْسِعَةٌ " لَمَّا قَسَّمَ الْوَقْتَ إلَى وَقْتِ أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَعَرَّفَهُمَا وَقَسَّمَ الْأَدَاءَ إلَى اخْتِيَارِيٍّ وَضَرُورِيٍّ قَسَّمَ الِاخْتِيَارِيَّ إلَى فَضِيلَةٍ وَتَوْسِعَةٍ فَهُمَا نَوْعَانِ مِنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ وَقْتٌ اخْتِيَارِيٌّ تَرَجَّحَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِيهِ عَنْ اخْتِيَارِيٍّ آخَرَ وَذَلِكَ الْوَقْتُ هُوَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا وَلِلْمُنْتَظِرَةِ رُبْعُ الْقَامَةِ ثُمَّ عَرَّفَ وَقْتَ التَّوْسِعَةِ بِمَا ذُكِرَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ وَقْتٌ اخْتِيَارِيٌّ لَمْ يَتَرَجَّحْ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى اخْتِيَارِيٍّ آخَرَ وَالْمُوَسَّعُ هُنَا أَخَصُّ مِنْ الْمُوَسَّعِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ الِاخْتِيَارِيَّ قَسِيمًا لِلْفَضِيلَةِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ أَقْرَبُ إلَى عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَسْلَمُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رَسْمِ الْفَضِيلَةِ وَالثَّانِي مَا كَانَ أَوَّلَ فَعَرَّفَ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ أَوَّلَ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (قُلْتُ) كَلَامُ الشَّيْخِ أَبْيَنُ وَأَقْوَى فِي تَحْقِيقِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) ابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ اخْتِيَارِيٍّ وَفَضِيلَةٍ وَضَرُورِيٍّ وَالشَّيْخُ ذَكَرَ فِي تَقْسِيمِهِ وَقْتَيْنِ تَوْسِعَةً وَفَضِيلَةً (قُلْتُ) يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لِأَنَّ الْمُقَسَّمَ عِنْدَهُ الِاخْتِيَارِيُّ الْمُقَابِلُ لِلضَّرُورِيِّ وَالْمُقَسَّمَ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْأَدَاءُ الَّذِي يَعُمُّ الضَّرُورِيَّ فَلِذَلِكَ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ زَوَالِ الشَّمْسِ]
(ز ول) : بَابُ زَوَالِ الشَّمْسِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هُوَ كَوْنُهَا بِأَوَّلِ ثَانِي أَعْلَى دَرَجَاتِ دَائِرَاتِهَا "
(1/54)

قَوْلُهُ " كَوْنُهَا أَيْ كَوْنُ الشَّمْسِ بِأَوَّلِ ثَانِي أَعْلَى دَرَجَاتِهَا " يَعْنِي انْحِطَاطَهَا بَعْدَ نِهَايَةِ ارْتِفَاعِهَا فِي دَرَجَاتِهَا. قَالَ يُعْرَفُ ذَلِكَ الْكَوْنُ بِزِيَادَةِ أَوَّلِ ظِلِّ الشَّمْسِ وَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْوَقْتِ يَزْدَادُ كَلَامُهُ وُضُوحًا.

[بَابُ الْأَذَانِ]
(أذ ن) : بَابُ الْأَذَانِ الْأَذَانُ لَهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَرْسُومَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يَحُدَّ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِيهِ فَيَقُولُ النُّطْقُ أَوْ قُرْبَةٌ بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِإِعْلَامِ وَقْتِهَا وَالْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ حَدُّهُ مَصْدَرًا الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِهِ فِيمَا حُدَّ فِيهِ لَفْظُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَحَدُّهُ اسْمًا اللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّيْخَ رَآهُ جَلِيًّا كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُ فِي عَدَمِ حَدِّهِ لِلتَّيَمُّمِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ اسْتِقْبَال الْكَعْبَةِ]
(ق ب ل) : بَابُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَحُدَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ مَعَ أَنَّهُ خَفِيٌّ وَلَمْ يَحُدَّ مَا عَدَاهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا جَلِيَّةً عِنْدَهُ فِي نَفْسِهَا وَاسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ هُوَ أَخْفَى وَرَأَيْت بِخَطِّ الْأَشْيَاخِ مِنْ أَشْيَاخِنَا مِنْ تَلَامِذَتِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا لَفْظُهُ:. قَالَ لَمَّا قَرَأْنَا عَلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يُنَاسِبُ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ مِنْ التَّهْذِيبِ أَخْرَجَ لَنَا الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَكْتُوبًا بِخَطِّ يَدِهِ قَالَ حَاصِلُ تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ الْقِبْلَةِ أَنْ نَقُولَ الِاسْتِقْبَالُ هُوَ كَوْنُ النَّاظِرِ بِحَيْثُ يُبْصِرُ ذَاتَ الشَّيْءِ أَوْ سَمْتَهُ أَوْ جِهَتَهُ. قَالَ فَعَيْنُ الشَّيْءِ وَاضِحَةٌ وَسَمْتُهُ ذَاتُهُ وَهَوَاهَا وَجِهَتُهُ مَحَلُّهُ الَّذِي لَوْ كَانَ بِهِ رَآهُ مَنْ قَصَدَ رُؤْيَتَهُ مِنْ مَحَلِّهِ وَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَفِي كَوْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ سَمْتُهُ أَوْ جِهَتُهُ الْقَوْلَانِ وَلَمَّا رَأَيْتُ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قُلْت يُمْكِنُ حَدُّ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ كَلَامِهِ أَنْ نَقُولَ كَوْنُ الْمُصَلِّي يُبْصِرُ عَيْنَ الْكَعْبَةِ أَوْ سَمْتَهَا أَوْ جِهَتَهَا فَهَذَا أَقْرَبُ مَا تُعْرَفُ بِهِ عَلَى تَسَامُحٍ فِي الْحَدِّ لَكِنْ يَجِبُ بَيَانُ السَّمْتِ وَالْجِهَةِ وَالْعَيْنِ.
فَنَقُولُ عَيْنُ الْكَعْبَةِ ذَاتُهَا الْمَبْنِيُّ طُولًا وَعَرْضًا وَسَمْتُهَا ذَاتُهَا وَهَوَاهَا وَجِهَتُهَا مَحَلُّهَا الَّذِي يَرَاهَا بِهِ مَنْ قَصَدَ رُؤْيَتَهَا مِنْ مَحَلِّهِ وَأَخَذْتُ ذَلِكَ مِمَّا
(1/55)

وَجَدْتُهُ مُقَيَّدًا عَنْ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ عَيْنُ الشَّيْءِ وَاضِحَةٌ وَسَمْتُهُ ذَاتُهُ وَهَوَاهَا وَجِهَتُهُ مَحَلُّهُ الَّذِي لَوْ كَانَ بِهِ رَآهُ مَنْ قَصَدَ رُؤْيَتَهُ مِنْ مَحَلِّهِ فَقَوْلُنَا كَوْنُ الْمُصَلِّي يُبْصِرُ جِنْسَ الِاسْتِقْبَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرَ وَلَكِنْ حَالَةٌ لِلْمُصَلِّي وَقَوْلُهُ عَيْنُ الْكَعْبَةِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ سَمْتُهَا أَوْ جِهَتُهَا إشَارَةٌ إلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ بَعُدَ عَنْهَا فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ بَعُدَ هَلْ الْمَطْلُوبُ فِي حَقِّهِ سَمْتُهَا أَوْ جِهَتُهَا وَالْأَكْثَرُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْجِهَةِ وَابْنُ الْقَصَّارِ يُرَاعِي السَّمْتَ وَلِلشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُنَا بَحْثٌ فِي كِتَابِهِ قَرَأْنَاهُ عَلَى الْمَشَايِخِ وَفِيهِ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ جَمِيلَةٌ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَفَعَنَا وَإِيَّاهُ بِهَا وَمَنْ بِمَكَّةَ قِيلَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حَقِّهِ الْعَيْنُ وَقِيلَ الْمَطْلُوبُ السَّمْتُ وَرَأَيْت عَنْ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّرُ الْجِهَةَ فِي الْكَعْبَةِ وَيُقَرِّبُ مِثَالَهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِكَوْنِهِ مَثَلًا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الدَّرْسِ فَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ لَيْسَ مُوَاجِهًا وَلَا فِي جِهَةِ الشَّيْخِ وَمَنْ كَانَ مُقَابِلًا لَهُ مِنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ هُوَ فِي جِهَتِهِ وَمُوَاجِهًا لَهُ فَإِذَا انْتَقَلَ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يَرَاهُ هُوَ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ فِي الْجِهَةِ وَقَدْ رَأَيْت لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَقْيِيدًا حَسَنًا فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ وَالسَّمْتِ وَأَشْبَعَ الْكَلَامَ فِيهِ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الْهَنْدَسَةِ فَمَا أَقْوَى هِمَّتُهُ وَأَشَدَّ اهْتِمَامَهُ وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَفَرَ لَهُ وَنَفَعَتَا بِهِ بِمَنِّهِ.

[بَابُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ]
(ك ب ر) : بَابُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مُضَافٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ فَالتَّكْبِيرُ التَّلَفُّظُ بِاَللَّهِ أَكْبَرُ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بَعْدُ " وَالْإِحْرَامُ " قَالَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " ابْتِدَاؤُهَا مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا ". فَقَوْلُهُ " ابْتِدَاؤُهَا " مَصْدَرٌ وَالْإِحْرَامُ مَصْدَرٌ فَرَاعَى مَقُولَتَهُ فِي الْجِنْسِ وَضَمِيرُ الْإِضَافَةِ يَعُودُ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ " لِنِيَّتِهَا " خَاصَّةٌ لِلْمَحْدُودِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْإِحْرَامُ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ نِيَّةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ حَدُّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ الْإِحْرَامَ خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ لَا أَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ أَوْ أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا أَوْ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ؟ وَقَدْ نَقَلُوا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَسَائِلَ مَذْهَبِيَّةً
(1/56)

قُلْت) يَظْهَرُ مِنْ قُوَّةِ لَفْظِهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ أَيْ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِيهَا وَابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِي الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ الشَّيْءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِمْ ابْتِدَاءُ وَقْتِ الصَّلَاةِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَذَلِكَ مِنْ الْوَقْتِ وَرُبَّمَا قَالُوا آخِرُ الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ الشَّيْءِ بِدَلِيلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ آخِرُ الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ خَارِجًا عَنْهُ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ (قِيلَ) هَذَا صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ اللَّفْظَ قَابِلٌ لِلْبَحْثِ.
(فَإِنْ قِيلَ) كَأَنْ يَمْضِيَ لَنَا مِرَارًا مَا وَجْهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا فِي حَدِّ إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَإِنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ وَيَأْتِي لَهُ فِي الْحَجِّ فِي حَدِّ الْإِحْرَامِ أَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ إلَخْ فَيَصِيرُ الْإِحْرَامُ هُنَاكَ صِفَةً تَقْدِيرِيَّةً وَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ فَيُقَالُ عَلَى هَذَا فِي حَدِّ إحْرَامِ الصَّلَاةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُرْمَةَ مَا يُفْسِدُهَا (قُلْنَا) يَظْهَرُ مِنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْفِعْلِ الَّذِي تَتَقَرَّرُ بِهِ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْإِحْرَامِ مَعْنَى مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ مَعَ النِّيَّةِ هُوَ مِثَالُ التَّطْهِيرِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ التَّطْهِيرُ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ الْمَانِعِ حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَكَذَا هُنَا فَكَأَنَّهُ أَرْشَدَ إلَى الْفِعْلِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا يَتَقَرَّرُ بِهِ إحْرَامُهَا وَرَمْزٌ لِلصِّفَةِ وَفِي الْحَجِّ صَرَّحَ بِحَدِّ الصِّفَةِ وَذَكَرَ بَعْضَ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ وَهُوَ ابْتِدَاءٌ إلَخْ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ صَرَّحَ بِالْفِعْلِ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الصِّفَةُ وَرَمَزَ لِلصِّفَةِ وَفِي الْحَجِّ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ ثُمَّ صَرَّحَ بِالْفِعْلِ فَعَلَى ذَلِكَ يَصِحُّ لَك أَنْ تُطْلِقَ الْإِحْرَامَ عَلَى مَعْنَى الْفِعْلِ أَوْ عَلَى مَعْنَى الصِّفَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهَذَا لَا يُنَجِّي لِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ فَيُقَالُ إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ ذَكَرَ فِي الْحَجِّ الصِّفَةَ صَرِيحًا وَهُنَا رَمَزَ إلَى الصِّفَةِ وَصَرَّحَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الِابْتِدَاءُ وَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا وَقَعَ فِي الْحَجِّ وَيُتَأَمَّلُ لَفْظُهُ مَعَ مَا ذُكِرَ هُنَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالَ فِي الْحَجِّ وَعَدَمُ نَقْضِهِ بِإِحْرَامِ الصَّلَاةِ وَاضِحٌ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْفِعْلَ فَقَطْ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّفَةُ فَقَطْ فِي الْحَجِّ.
(قُلْتُ) بَلْ يَدُلُّ عَلَى مَا أَشَرْتُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدَّ الْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ قَالَ وَعَدَمُ نَقْضِهِ بِإِحْرَامِ الصَّلَاةِ وَاضِحٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ وَعَدَمُ نَقْضِ الشَّيْءِ بِكَذَا إذَا كَانَ قَابِلًا لِلدُّخُولِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ بِهِ وَلَا يُشَكُّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ تُخْرِجُ إحْرَامَ الصَّلَاةِ (فَإِنْ قِيلَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي الْحَجِّ أَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ رُكْنٌ
(1/57)

وَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ وَإِحْرَامُ الصَّلَاةِ فِيهِ خِلَافٌ وَمَا الْفَرْقُ (قُلْتُ) الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَمَا نُقِلَ فِي كَلَامِ الصَّائِغِ مِنْ قَوْلِهِ فِي كَوْنِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ فِيهِ تَسَامُحٌ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْخِلَافِ فِي التَّكْبِيرِ الْخِلَافُ فِي الْإِحْرَامِ.

[بَابُ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاة]
(ق ع و) : بَابُ الْإِقْعَاءِ قَالَ الْمُحَدِّثُونَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْجُلُوسُ عَلَى صَدْرِ قَدَمَيْهِ مَاسًّا بِأَلْيَتَيْهِ عَقِبَهُ، وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْرِيفَاتٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ ظَاهِرَةً فِي مَعَانِيهَا.

[بَابُ حَدِّ الرُّكُوعِ]
(ح د د) : بَابُ حَدِّ الرُّكُوعِ
يَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اكْتَفَى بِحَدِّ الْمَازِرِيِّ بِقَوْلِهِ " انْعِطَافُ الظَّهْرِ مُطَأْطِئًا " لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَحْدُودِ فِي مَقُولَتِهِ وَزِيَادُهُ الْحَالِ الْمَذْكُورَةِ لِيَخْرُجَ بِهَا انْعِطَافُهُ غَيْرَ مُطَأْطِئٍ (فَإِنْ قِيلَ) مَنْ كَانَ حَالُ ظَهْرِهِ كَذَلِكَ لَهُ رُكُوعٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِانْعِطَافِ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ وَالْحَاصِلُ لَا يُؤْمَرُ بِهِ (قُلْنَا) ذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ يَنُوبُ فِيهِ الْإِيمَاءُ بِالنِّيَّةِ فَيُزَادُ أَوْ بَدَلُ ذَلِكَ لِيَكُونَ الْحَدُّ مُنْعَكِسًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ حَدّ السُّجُودِ]
(ح د د) : بَابُ حَدِّ السُّجُودِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَسُّ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ سَطْحِ مَحَلِّ الْمُصَلِّي كَالسَّرِيرِ بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ " فَقَوْلُهُ " مَسُّ الْأَرْضِ " هُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ حَصِيرٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلَ فِي السُّجُودِ ثُمَّ زَادَ دُخُولَ مَنْ صَلَّى عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ وَأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَاجِدٌ بِقَوْلِهِ " أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا " أَيْ بِالْأَرْضِ مِنْ سَطْحِ مَحَلِّ الْمُصَلِّي وَانْظُرْ مَا نَقَلُوهُ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ فِي مُجْمَلٍ وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ مَعَ هَذَا الرَّسْمِ. ثُمَّ قَالَ " بِالْجَبْهَةِ
(1/58)

وَالْأَنْفِ " أَشَارَ أَنَّ أَصْلَ السُّجُودِ إنَّمَا هُوَ بِهِمَا وَإِنَّمَا زَادَ " مِنْ سَطْحِ مَحَلِّ الْمُصَلِّي ". إشَارَةً إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَحَلُّهُ بِالْأَرْضِ وَسَجَدَ عَلَى سَرِيرٍ بِالْأَرْضِ لَيْسَ بِسَاجِدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ بِسَطْحِ مَحَلِّ الْمُصَلِّي وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِالْأَرْضِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ حُفْرَةٌ فِيهَا كُرْسِيٌّ مُسَاوٍ لِلْأَرْضِ وَوَضَعَ وَجْهَهُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى حَدِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِسُجُودٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى سَطْحٍ مُتَّصِلٍ بِالْأَرْضِ فِي مَحَلِّ الْمُصَلِّي وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ السُّجُودُ وَفِيهِ بَحْثٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ الْمَاهِيَّةَ الصَّحِيحَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا.

[بَابُ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ]
ِ لَمَّا وَقَعَ حَدُّ الرُّكُوعِ وَحَدُّ السُّجُودِ كَانَ الرَّفْعُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى بِسَبَبِ حَدِّ ضِدِّهِ فَلِذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْ حَدِّهِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يُقَالُ فِي حَدِّ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ (قُلْنَا) يُقَالُ إزَالَةُ انْعِطَافِ الظَّهْرِ بِحَرَكَةِ الْجِسْمِ إلَى أَعْلَى وَيَبْقَى أَعَمَّ مِنْ حُصُولِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرَّفْعِ وَالِاعْتِدَالِ أَمْ لَا (فَإِنْ قُلْتَ) وَكَيْفَ يُقَالُ فِي الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ (قُلْنَا) يُقَالُ أَيْضًا إزَالَةُ مَسِّ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاة]
(س ل م) : بَابُ التَّسْلِيمِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ التَّلَفُّظُ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ كَمَا قَدَّمْنَا فِي التَّكْبِيرِ وَهُوَ جَلِيٌّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ.

[بَابُ ضَوَابِطِ الْمَنْسِيَّاتِ فِي الصَّلَاة]
بَابُ ضَوَابِطِ الْمَنْسِيَّاتِ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدٍ وَبَسْطٍ أَخَّرْته حَتَّى يَقَعَ الْمَقْصِدُ بِتَمَامِهِ وَيُذْكَرُ فِي آخِرِ التَّأْلِيفِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ ضَوَابِطِهِ مِنْهُ مَا يَكُونُ تَأْلِيفًا حَسَنًا مُسْتَقِلًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِنِيَّةِ الشَّيْخِ الْوَلِيِّ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَبِعَمَلِهِ وَبِعِلْمِهِ وَمَنَّ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلِهِ.

[بَابُ حَدّ الْخُشُوع]
(ح د د) : بَابُ حَدِّ الْخُشُوعِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَاقِلًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ " الْخَوْفُ بِاسْتِشْعَارِ
(1/59)

الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَالِقِ " فَقَوْلُهُ " الْخَوْفُ " جِنْسٌ وَقَوْلُهُ " بِاسْتِشْعَارِ إلَخْ " أَخْرَجَ بِهِ الْخَوْفَ مِنْ سَبَبٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخُشُوعٍ وَقَوْلُهُ " الْوُقُوفُ " الْمُرَادُ بِهِ الْحُصُولُ لِيَشْمَلَ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ وَالسُّجُودَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَرُبَّمَا عَبَّرَ بِالْقَائِمِ وَالْوَاقِفِ عَنْ الْمُلَازِمِ لِلشَّيْءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَذَكَرَ الْخَالِقَ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى بِاسْمِ الْجَلَالَةِ أَوْ الرَّبِّ وَهُوَ أَخْصَرُ إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى " {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} [النحل: 17] " وَإِنَّ الْخَوْفَ الَّذِي يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ خَوْفٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالْخَلْقِ وَانْفَرَدَ بِهِ فَلَا يَقَعُ لَك خَوْفٌ مِنْ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَجْلِبُ وَلَا يَدْفَعُ وَإِذَا تَمَكَّنَ هَذَا الْخَوْفُ مِنْ الْقَلْبِ خَشَعَتْ الْجَوَارِحُ وَأَقْبَلَ الْقَلْبُ عَلَى الرَّبِّ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَهُنَا تَتَفَاوَتُ صَلَاةُ الْأَبْرَارِ وَتَتَرَقَّى بِقُوَّةِ الصَّفَاءِ وَالْأَسْرَارِ وَيُكْتَبُ لِلْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ مَا خَشَعَ فِيهِ لُبُّهُ وَحَضَرَ لَهُ قَلْبُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَامِحُ لَنَا مَا نَنْسُبُهُ لِأَنْفُسِنَا مِنْ أَعْمَالِنَا بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.

[بَابُ رَسْمِ الْإِمَامَة]
(ر س م) : بَابُ رَسْمِ الْإِمَامَةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " اتِّبَاعُ مُصَلٍّ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ غَيْرَ تَابِعٍ غَيْرَهُ " اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَسَمَ الْإِمَامَةَ وَهِيَ مِنْ صِفَةِ الْإِمَامِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْحَدِّ يَصْدُقُ عَلَى الْمَحْدُودِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمَذْكُورَ مَسْبُوكٌ مِنْ فِعْلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ وَالْمُصَلِّي هُوَ الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْإِمَامَةُ أَنْ يُتْبَعَ الْمُصَلِّي بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَذَا وُجِدَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالثَّابِتُ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنُسْخَةِ سَيِّدِي عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ أَنْ يَتْبَعَ وَأَصْلَحْت إلَى ذَلِكَ فِي النُّسْخَتَيْنِ مَعًا وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا فَسَّرْنَا بِهِ قَوْلَهُ اتِّبَاعُ وَقَوْلُهُ " فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ " لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمَسْبُوقُ وَمَنْ شَابَهَهُ إذَا أَدْرَكَ مَا يُعْتَدُّ بِهِ وَقَوْلُهُ " غَيْرُ تَابِعِ غَيْرِهِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِمُصَلٍّ لِيَخْرُجَ بِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ اتَّبَعَ غَيْرَهُ، قَالَ الشَّيْخُ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ مَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (فَإِنْ قُلْتَ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ اسْتِدْلَالُ
(1/60)

الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا نَقَلَهُ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ لَا يُوجِبُ الزِّيَادَةَ فِي الْحَدِّ إلَّا إذَا كَانَ الْحَدُّ لِلصَّحِيحِ وَحْدَهُ وَقَدْ شَاهَدْنَاهُ يَرْسُمُ الْحَقِيقَةَ الْمُطْلَقَةَ الْقَابِلَةَ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الزِّيَادَةِ (قُلْنَا) الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَرَّرُ ذَلِكَ إذَا تَعَقَّلَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِثُبُوتِ أَجْزَائِهَا الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ طَرَأَ الْفَسَادُ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا هُنَا فَلَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْإِمَامَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ أَصْلِ وَضْعِهَا أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مَتْبُوعًا وَلَا يَكُونُ تَابِعًا فَإِنْ وَجَدَ مَأْمُومًا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إمَامٌ لِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ إمَامَةٌ حَتَّى تَقْبَلَ الْفَسَادَ كَمَا يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ الْمُنْعَقِدَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ بِنَاءُ الْمَصْدَرِ مِنْ فِعْلِ الْمَفْعُولِ مِنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ (قُلْنَا) هَذَا قَرِيبٌ وَعَلَيْهِ خَرَّجُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِيهِ الْإِضَافَةَ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ وَالشَّيْخُ تِلْمِيذُهُ الْفَقِيهُ سَيِّدِي الْأَبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَرَّجَ عَلَى ذَلِكَ قَضِيَّةُ شَيْخِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَشْهُورَةِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَانَ يَمْضِي لَنَا مِرَارًا إنْ قُلْنَا مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَقُلْ فِي حَدِّ الْإِمَامَةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ مُتَّبِعًا فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ غَيْرَ تَابِعٍ غَيْرَهُ (قُلْنَا) لَعَلَّ الشَّيْخَ أَشَارَ إلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ الشَّيْخِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ مَعَ الْإِمَامِ حَصَلَ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ وَكُلُّ مَأْمُومٍ كَذَلِكَ أَمْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ (قُلْنَا) الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَأْمُومِيَّةِ حُصُولُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْكُبْرَى مَمْنُوعَةٌ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَمَا يُخَالِفُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ الشَّيْخِ حَدُّ الِائْتِمَامِ وَحَدُّ الْمَأْمُومِ وَحَدُّ الْإِمَامِ أَمَّا حَدُّ الِائْتِمَامِ فَيُقَالُ اتِّبَاعُ مُصَلٍّ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَإِنَّمَا زِدْنَا مُنْفَرِدًا لِيَدْخُلَ فِي الْحَدِّ اتِّبَاعُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ وَحَدُّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ظَاهِرٌ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[بَاب حَدّ الْبِنَاء وَالْقَضَاءِ فِي الْمَسْبُوقِ]
(ح د د) : بَابُ حَدِّ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي الْمَسْبُوقِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَالْبِنَاءُ وَالْقَضَاءُ تَقَدَّمَ رَسْمُهُمَا " وَأَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/61)

إلَى فَصْلِ الرُّعَافِ حَيْثُ قَالَ وَالْقَضَاءُ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ وَالْبِنَاءُ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ هُنَا فَقَطْ وَ " فِي الْمَسْبُوقِ " عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُهَا هَذَا الْكَلَامُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَبَسْطِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَهُ وَذِكْرُ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا تَتَوَقَّفُ هَذِهِ الْحُدُودُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَسَائِلُ اجْتِمَاعِ الْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ فِي الرُّعَافِ وَمَا شَابَهَهُ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ.
(الْأُولَى) أَنْ يُدْرِكَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مَعًا وَيَسْبِقَهُ الْإِمَامُ بِالْأُولَى وَتَفُوتُهُ الرَّابِعَةُ فَعَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ يَأْتِي بِرَابِعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَأْتِي بِالْبِنَاءِ بِرَكْعَةٍ سِرًّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَجْلِسُ أَمْ لَا قَوْلَانِ.
(الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ تَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ وَالرَّابِعَةُ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ سِرًّا وَيَجْلِسُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْلِسُ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ يَأْتِي بِالْقَضَاءِ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْهَرُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَتَكُونُ صَلَاتُهُ جُلُوسًا.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يَسْبِقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَتَيْنِ وَيُدْرِكَ مَعَهُ الثَّالِثَةَ وَتَفُوتَهُ الرَّابِعَةُ فَعَلَى قَوْلِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبِنَاءِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْلِسُ اتِّفَاقًا ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ نَسَقًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَأَمَّا الْقَضَاءُ فِي الْمَسْبُوقِ وَالْبِنَاءِ فَقِيلَ قَاضٍ مُطْلَقًا وَقِيلَ بَانٍ مُطْلَقًا وَقِيلَ بَانٍ فِي الْأَفْعَالِ قَاضٍ فِي الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى ذَلِكَ فَنَقُولُ قَوْلُ الشَّيْخِ فِي حَدِّ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الرُّعَافِ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ مَعْنَاهُ فِعْلُ الْفَائِتِ بِصِفَةِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ إنْ جَهْرًا فَجَهْرًا وَإِنْ سِرًّا فَسِرًّا وَإِنْ كَانَ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فَكَذَلِكَ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَقَطْ فَالْقَضَاءُ فِعْلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِصِفَتِهَا بِالْقِرَاءَةِ وَكَذَلِكَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَفَاتَتْهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ صِفَتُهُ مَا ذُكِرَ وَكَذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَتَيْنِ يَأْتِي بِهِمَا بِصِفَتِهِمَا فِعْلًا وَقَوْلًا وَأَمَّا الْبِنَاءُ فِي بَابِ الرُّعَافِ فَهُوَ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَةٍ تَالِي مَا فُعِلَ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَأْتِي بِفِعْلِ مَا فَاتَ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ بِاَلَّذِي فُعِلَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَهَذِهِ رَابِعَةٌ لِإِمَامِهِ فَيَأْتِي فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ التَّالِي لِلَّذِي فُعِلَ وَاَلَّذِي فُعِلَ هُوَ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ هِيَ تَالِي ذَلِكَ فَيَأْتِي بِصِفَتِهَا وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمَا تَالِي مَا فُعِلَ وَذَلِكَ صِفَةُ فِعْلِهِمَا وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ يَأْتِي أَيْضًا بِرَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ فَقَطْ لِأَنَّهَا صِفَةُ الثَّالِثَةِ وَهِيَ التَّالِي لِمَا فُعِلَ.
وَقَوْلُهُ فَقَطْ مِثْلُ مَا قَدَّمْنَاهُ اسْمُ
(1/62)

فِعْلٍ بِمَعْنَى انْتَهِ وَلَا تَزِدْ عَلَى مَا ذُكِرَ أَيْ فَلَا تُقَدِّرُ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ أَوَّلُ صَلَاةِ الْمُصَلِّي وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْبِنَاءِ فِي الْمَسْبُوقِ وَلِذَا قَالَ وَفِي بَابِ الْمَسْبُوقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهَا وَمَعْنَاهُ أَنَّ حَدَّ الْبِنَاءِ فِي بَابِ الْمَسْبُوقِ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ بِشَرْطِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمُدْرَكَةَ يُقَدَّرُ أَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْبِنَاءِ مُطْلَقًا إذَا أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ رَكْعَةً رَابِعَةً خَلْفَ إمَامٍ فَقَامَ يَأْتِي بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَيَصْدُقُ فِي فِعْلِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ فَعَلَ مَا فَاتَ إنْ كَانَ بَانِيًا بِشَرْطِ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ الْمُدْرَكَةَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ نَسَقًا بِالْحَمْدِ فَاَلَّذِي فَعَلَ هُوَ الرَّابِعَةُ وَتَالِيهَا مَا بَعْدَهَا وَصِفَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَةَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ وَالْبَاقِي بِصِفَةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَصَارَ سَبْكُ كَلَامِهِ وَالْبِنَاءُ فِي بَابِ الْمَسْبُوقِ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهَا وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهَا حَالٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ فِي فُعِلَ أَيْ مُقَدَّرًا عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى أَنَّهُ وَبَعْضُهَا عَلَى أَنَّهَا فَأَمَّا نُسْخَةُ أَنَّهُ فَالضَّمِيرُ مُذَكَّرٌ يَعُودُ عَلَى مَا فُعِلَ وَعَلَى التَّأْنِيثُ رَاعَى مَعْنَى الرَّكْعَةِ الْمُدْرَكَةِ وَالضَّمِيرُ فِي أَوَّلِهَا يَعُودُ عَلَى الصَّلَاةِ لِلْعِلْمِ بِهَا فَهَذَا حَدُّ الْبِنَاءِ فِي الْمَسْبُوقِ وَحَدُّهُ فِي بَابِ الرُّعَافِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَصْدُقُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْبِنَاءِ مُطْلَقًا فِي الْمَسْبُوقِ وَمَنْ يَقُولُ بِالْبِنَاءِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْقَضَاءِ فِي الْأَقْوَالِ فَكَيْفَ يَصِحُّ صِدْقُ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ (قُلْتُ) الْأَوَّلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ تَقْدِيرُهَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ غَايَتُهُ أَنَّ قَوْلًا يُطْلِقُهَا وَقَوْلًا يُقَيِّدُهَا فَصَحَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ الْمُطْلَقَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَضَاءُ فِي الْمَسْبُوقِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَضَاءِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَابَيْنِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِذَا أَدْرَكَ الرَّابِعَةَ مَثَلًا وَفَرَّعْنَا عَلَى الْقَضَاءِ فَالْمُدْرَكُ هُوَ آخِرُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِي مَا فَاتَ بِصِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ نَسَقًا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَحْدَهَا وَهِيَ الثَّالِثَةُ فَصَدَقَ حَدُّهُ فِي الْبَابَيْنِ بِقَوْلِهِ فَعَلَ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَعْنِي بِالْقَضَاءِ مَا يَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ عِوَضًا مِمَّا فَاتَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ وَبِالْبِنَاءِ مَا فَاتَ الْمَأْمُومَ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْمَأْمُومُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَمَّا إنْ دَخَلَ مَعَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ رَسْمِ الشَّيْخِ وَكَلَامِ الْمَغْرِبِيِّ وَمَا أَحَالَ عَلَيْهِ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْفَصْلِ وَرَأَيْت مُقَيَّدًا بِخَطِّ
(1/63)

بَعْضِ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الشَّيْخَ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ حَدَّ الْقَضَاءِ يَصْدُقُ عَلَى صُوَرِ الْبِنَاءِ لِأَنَّ الْبَانِيَ إذَا أَتَى بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَأْتِي فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ وَذَلِكَ صِفَتُهَا وَيَأْتِي بِجُلُوسٍ وَهُوَ مِنْ صِفَةِ مَا فَاتَ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ نَسَقًا وَذَلِكَ مِنْ صِفَتِهَا فَيَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فِعْلُ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ هَذَا مَعْنَى مَا رَأَيْته وَنُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ الْفَلَّاحِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْجَوَابُ عَلَى مَا رَأَيْت أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ فِي حَدِّ الْبِنَاءِ مَا قَيَّدَهُ بِهِ مِنْ التَّقْدِيرِ اللَّازِمِ لَهُ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَضَاءِ وَأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَاتَ بِصِفَتِهِ مُطْلَقًا بَلْ فَعَلَ مَا فَاتَ بِصِفَةِ تَالِي مَا فَعَلَ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ فِي فَهْمِهِ وَصِحَّتِهِ وَمِمَّا أَوْرَدَ عَلَى حَدِّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قِرَاءَتِهِ رَسْمَهُ أَنَّ قَبْلَ كَيْفَ يَصْدُقُ رَسْمُهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَالرَّابِعَةَ وَفَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ وَقَدْ سَمَّاهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَضَاءً.
فَإِنْ قِيلَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا حَدُّ الْقَضَاءِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ ابْنَ يُونُسَ نَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ وَلَا يَجْلِسُ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ فَقَطْ وَالْقَضَاءُ لَا يَصْدُقُ فِي الرَّكْعَةِ الْمَأْتِيِّ بِهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ إلَّا إذَا جَلَسَ بَعْدَهَا وَإِنْ قِيلَ يَصْدُقُ فِيهِمَا حَدُّ الْبِنَاءِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ تَالِي مَا فُعِلَ الْجُلُوسَ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ لِلْأُولَى فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِمَا أَنَّهُمَا بِنَاءٌ وَهُوَ الَّذِي حَقَّقَ أَبُو عِمْرَانَ وَغَيْرُهُ وَإِطْلَاقُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِمَا قَضَاءً مَجَازٌ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ وَالْمَغْرِبِيَّ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ هَارُونَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَغْرِبِيُّ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ وَمَا أَوْرَدَ أَيْضًا بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَلَى الْقَضَاءِ مَا إذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ وَفَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ بِتَقْدِيمِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ قَالَ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ وَكَيْفَ يَصِحُّ فِيهِ حَدُّ الْقَضَاءِ مَعَ أَنَّ الْجُلُوسَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مِنْ صِفَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ سَحْنُونًا لَعَلَّهُ مَضَى عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ بَاقٍ فِي الْأَفْعَالِ قَاضٍ فِي الْأَقْوَالِ ثُمَّ نَظَرْنَا الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْبُوقِ فَوَجَدْنَا النَّقْلَ عَنْهُ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ نَسَقًا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ وَانْظُرْ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/64)

[بَاب حَدّ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ]
ح د د) : بَابُ حَدِّ الِاسْتِخْلَافِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " تَقْدِيمُ إمَامٍ بَدَلَ آخَرَ لِإِتْمَامِ صَلَاةٍ " فَقَوْلُهُ " تَقْدِيمُ " جِنْسٌ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَاهِيَةِ الْمَحْدُودِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَقَوْلُهُ " إمَامٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ تَقْدِيمِ غَيْرِ الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ " بَدَلَ آخَرَ " يُرِيدُ عِوَضَ إمَامٍ آخَرَ فَحُذِفَ مَوْصُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ قَوْلُهُ " لِإِتْمَامِ صَلَاةٍ " يَخْرُجُ بِهِ إذَا قُدِّمَ إمَامٌ عِوَضَ إمَامٍ بِمَسْجِدٍ وَبَدَلَ آخِرَ إمَّا مَفْعُولٌ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَآخَرَ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ جَرٍّ أَصْلُهُ بَدَلًا مِنْ آخَرَ أَيْ مِنْ إمَامٍ آخَرَ لَكِنْ حَذَفَ ذَلِكَ اخْتِصَارًا وَالْإِضَافَةُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ تَقْدِيمُ رَجُلٍ إمَامًا أَعَمُّ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يُقَدِّمْ الْإِمَامُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَدَّمَ الْإِمَامُ رَجُلًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ ثُمَّ تَقَدَّمَ رَجُلٌ غَيْرُهُ وَلَمْ يُقَدِّمْهُ الْجَمَاعَةُ وَلَا الْإِمَامُ وَصَلَّى بِهِمْ قِيلَ إنَّ الْمَنْصُوصَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِهِمْ وَلَمْ يَقَعْ تَقْدِيمٌ لَهُ مِنْ أَحَدٍ وَهُوَ اسْتِخْلَافٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ لَهُ التَّقَدُّمُ لَا التَّقْدِيمُ (قُلْنَا) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا صَلَّتْ الْجَمَاعَةُ خَلْفَهُ فَذَلِكَ تَقْدِيمٌ لَهُ الْتِزَامًا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَرَّرْتَ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْمَفْعُولِ وَهَلْ تَصِحُّ الْإِضَافَةُ إلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أَيْ تَقْدِيمُ إمَامٍ رَجُلًا مَنْ صِفَتُهُ أَنَّهُ بَدَلُ إمَامٍ آخَرَ (قُلْتُ) قَوْلُهُ بَدَلَ إمَامٍ آخَرَ يُبْعِدُهُ وَيُفْسِدُهُ إذَا تَأَمَّلْته وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ صُورَةِ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ (فَإِنْ) قُلْتَ حَدُّ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي أَنَّهُ خَاصٌّ بِالِاسْتِخْلَافِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِإِتْمَامِ صَلَاةٍ وَالْإِتْمَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّلَاةَ اُبْتُدِئَتْ وَالثَّانِي أَتَمَّهَا وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ بِمَا إذَا اسْتَخْلَفَ عَلَى الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا فَإِنَّهُ يُسَمَّى اسْتِخْلَافًا وَقَدْ وَقَعَ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْجُمُعَةِ إذَا خَطَبَ إمَامٌ ثُمَّ قَدَّمَ وَالٍ آخَرَ وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ لِلْأَوَّلِ وَصَلَّى أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجَّهَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَهُمَا مَا بِأَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الصَّلَاةِ فَهَذَا اسْتِخْلَافٌ لَيْسَ فِيهِ إتْمَامُ صَلَاةٍ وَإِنَّمَا فِيهِ ابْتِدَاءُ صَلَاةٍ (قُلْنَا) كَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى أَعُمَّ وَعَلَى مَعْنًى أَخَصَّ فَالِاسْتِخْلَافُ الْمَحْدُودُ بِالْمَعْنَى
(1/65)

الْأَخَصِّ وَقَدْ غَلَبَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ فِيهِ وَالْآخَرُ اُسْتُعْمِلَ وَلَمْ يَغْلِبْ وَجَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُحَدُّ مِثْلُ ذَلِكَ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ فِي الْجَوَابِ وَلَا يُقَالُ إنَّ حَدَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِمَا إذَا قَدَّمَ إمَامٌ آخَرَ بَعْدَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ اسْتِخْلَافُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُسْتَخْلِفِ جُزْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ نَمْنَعُ عَدَمَ صَادِقِيَّةِ الِاسْتِخْلَافِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ فِيهَا اسْتِخْلَافٌ وَالْحَدُّ يَعُمُّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ لِأَنَّ شَرْطَ الِاسْتِخْلَافِ قَدْ فُقِدَ (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) الِاسْتِخْلَافُ يَسْتَلْزِمُ مُسْتَخْلِفًا فِيهِ وَمُسْتَخْلَفًا عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَأْمُومُ الَّذِي كَانَ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ مُطَابَقَةً لَكِنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ الْتِزَامًا وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَتْ صُورَةٌ فِيهَا الِاسْتِخْلَافُ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُسْتَخْلَفُ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا ابْنُ الْمَوَّازِ اسْتِخْلَافًا فَيَكُونُ الرَّسْمُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ بِاعْتِبَارِ لَازِمِ الْمَحْدُودِ وَالصُّورَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا الْوَاقِعَةُ فِي رَجُلٍ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ الصُّبْحِ فَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا مَنْ أَمَّهُ وَكَانَ وَحْدَهُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ وَيَجْلِسُ ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى.
(فَالْجَوَابُ) أَنْ نَقُولَ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ فِيهَا فَقِيلَ إنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ فِيهَا وَيَبْنِي عَلَى حُكْمِ إمَامِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ الْمَذْكُورُ وَقِيلَ إنَّهُ يَبْنِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَلَا عَمَلَ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ فَلَا يَصِحُّ انْتِقَالُهُ إلَى الْفِدْيَةِ وَضُعِّفَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقَالَ أَصْبَغُ يَبْتَدِي صَلَاتَهُ وَوُجِّهَ بِأَنَّ قَبُولَهُ الِاسْتِخْلَافَ يُصَيِّرُهُ مُسْتَخْلِفًا وَلَازِمُ ذَلِكَ مُسْتَخْلِفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَإِذَا بَطَلَ اللَّازِمُ بَطَلَ مَلْزُومُهُ وَإِذَا تَقَرَّرَ هُنَا فَلَنَا أَنَّا نَلْتَزِمُ أَنَّ هَذَا اسْتِخْلَافٌ لَكِنَّهُ فَاسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الْإِيرَادَ لَيْسَ هُوَ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَدْلُولِ الِاسْتِخْلَافِ الْمَحْدُودِ مَا مَعْنَاهُ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[بَابُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ]
(ق ص ر) : بَابُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَحُدَّهُ الشَّيْخُ إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْ نَقُولَ " نَقْصُ مُسَافِرٍ نِصْفَ الرُّبَاعِيَّةِ " فَتَأَمَّلْ لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذَا وَلَمْ يُعَرِّفْ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِ السَّنِيَّةِ وَعُلُومِهِ السُّنِّيَّةِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ فِي بَحْثِهِ مَعَ ابْنِ هَارُونَ فِي الْحَجِّ
(1/66)

حَيْثُ قَالَ لَوْ اسْتَغْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ رَسْمِ النُّسُكِ بِرَسْمِ الْهَدْيِ لَصَحَّ لِأَنَّ تَعْرِيفَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ الْمُنْحَصِرِ جِنْسُهُمَا فِيهِمَا تَعْرِيفٌ لِلْآخَرِ كَتَعْرِيفِ الزَّوْجِ بِأَنَّهُ الْمُنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ فَرَدَّهُ الشَّيْخُ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ الْعَقْلِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَنْ يَكُونَ خَاصِّيَّةٌ أَخَصَّ مِنْ الْمُسَاوِي لِنَقِيضِ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ الصَّلَاةُ الرُّبَاعِيَّةُ انْحَصَرَتْ فِي تَمَامٍ وَقَصْرٍ وَخَاصِّيَّةُ التَّمَامِ عَدَمُ نَقْصِهَا عَنْ أَرْبَعٍ وَخَاصِّيَّةُ الْقَصْرِ أَخَصُّ مِنْ نَقْصِهَا لِأَنَّهُ نَقْصُ شَطْرِهَا فَانْظُرْهُ مَعَ مَا ذُكِرَ هُنَا.

[بَابُ حَدّ سَبَبِ الْقَصْر فِي الصَّلَاة]
(ح د د) : بَابُ حَدِّ سَبَبِ الْقَصْرِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ سَفَرُ مَعْزُومٍ عَلَى طُولٍ جَزْمًا " فَقَوْلُهُ " سَفَرُ مَعْزُومٍ إلَخْ " أَيْ سَبَبُ الْقَصْرِ الْمُبِيحِ لَهُ السَّفَرُ الْمَعْزُومُ " عَلَى طُولِهِ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْجَازِمِ كَمَا إذَا خَرَجَ لِطَلَبِ آبِقٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَهُوَ سَفَرُ مَعْزُومٍ عَلَى طُولِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَازِمٍ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ رَجَعَ فَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى طُولِهِ جَازِمًا بِطُولِهِ وَ " جَزْمًا " حَالٌ مِنْ طُولِهِ أَيْ طُولًا مَجْزُومًا بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمُرَادُ بِطُولِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْمَسَافَةِ كَانَ جَازِمًا بِهَا فَمَا فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْجَزْمِ (قُلْتُ) لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ قَصْدَ الطُّولِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَزْمَ بِالطُّولِ (فَإِنْ قُلْت) إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَزْمَ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْعَزْمَ أَخَصُّ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ (قُلْنَا) وَلَوْ قُلْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْعَزْمِ طُولٌ مُطْلَقًا وَالطُّولُ الْمَجْزُومُ بِهِ أَخَصُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قِيلَ بِأَنَّ الْعَزْمَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ أَخَصُّ وَلَمْ يَقُلْ بِالْعَكْسِ عَلَى مَا وَقَعَ هُنَا لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَانْظُرْهُ مَعَ مَا وَقَعَ لَهُ فِي حَدِّ الِاعْتِكَافِ فِي قَوْلِهِ مَعْزُومٍ عَلَى طُولِهِ مَعَ مَا هُنَا وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ قَصَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَبَبَ الْقَصْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَاجَّ مِنْ مَكَّةَ يَقْصُرُ وَالسَّبَبُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ (قُلْنَا) لَعَلَّ الشَّيْخَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ عَدَمُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَأَنَّهُ خَرَجَ بِالسَّنَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الطُّولَ فِي التَّعْرِيفِ وَعَرَّفَ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ (قُلْتُ) قَدْ عَرَّفَهُ بَعْدُ بِقَرِيبٍ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ إطْلَاقُ السَّفَرِ وَلَمْ
(1/67)

يُقَيِّدْهُ بِغَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَإِنَّ مَا نَهَى عَنْهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْقَصْرِ (قُلْنَا) قَدْ زَادَ ذَلِكَ فِي بَيَانِ الطُّولِ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَتَأَمَّلْ لَطَافَةَ رَدِّهِ لِتَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا أَلْزَمَهُ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَازِمٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْقَصْرُ لِلصَّلَاةِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا أَوْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ حُصُولِ السَّبَبِ وَهُوَ بُلُوغُهُ لِلْمَسَافَةِ فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ سَمْعًا وَالثَّانِي بَاطِلٌ عَقْلًا وَفِي كَلَامِهِ اخْتِصَارٌ عَجِيبٌ وَلَفٌّ وَنَشْرٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَدُّهُ لِمَنْ أَجَابَ عَنْ الْإِيرَادِ بِأَنَّ السَّفَرَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَذَفَ قَبْلَهُ لَفْظَةَ الشُّرُوعِ وَالتَّقْدِيرُ شُرُوعٌ فِي سَفَرٍ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ صَائِبٌ وَضَرْبٌ لَازِبٌ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ عَطَفَ الشُّرُوعَ عَلَى السَّفَرِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ وَرَدَّهُ الثَّانِي صَائِبٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ إرَادَةُ سَفَرٍ إلَخْ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إرَادَةُ سَفَرٍ مُرَادٍ وَبَيَانُهُ بِمَا قَرَّرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ.

[بَاب رَسْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
(ر س م) : بَابُ رَسْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " رَكْعَتَانِ تَمْنَعَانِ وُجُوبَ ظُهْرٍ عَلَى رَأْيٍ أَوْ تُسْقِطُهَا عَلَى آخَرَ " هَذَا الْحَدُّ لَا بُدَّ أَنْ نُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ فِي وَقْتِ سَعْيِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ هَلْ يُعِيدُ ظُهْرًا أَرْبَعًا أَبَدًا أَمْ لَا فَالْمَشْهُورُ الْإِعَادَةُ وَالشَّاذُّ عَدَمُهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ وَهْبٍ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ مُخَرَّجٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالْجُمُعَةِ فَعَلَى هَذَا يَقْضِي أَرْبَعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ مُخَرَّجٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالظُّهْرِ وَيُسْقِطُ وُجُوبُ الظُّهْرِ الْجُمُعَةَ فَلَا يَقْضِي لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) يَقَعُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ هَلْ الْجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ فَرْضُ يَوْمِهَا أَمْ لَا وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً وَفُرُوعًا مَسْطُورَةً فَهَلْ هُوَ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمَازِرِيُّ أَمْ لَا (قُلْنَا) يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ فَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنْ الْوُضُوءِ
(1/68)

وَالْوُجُوبُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوُضُوءِ وَمَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بَدَلًا فَهُوَ الْأَوَّلُ وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا فَهُوَ الْأَوَّلُ أَيْضًا وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضَ يَوْمِهَا فَهُوَ الْقَائِلُ بِالْبَدَلِيَّةِ وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي رَسْمِهَا " رَكْعَتَانِ " وَهُوَ جِنْسٌ يَشْمَلُ الصُّبْحَ وَصَلَاةَ الْقَصْرِ وَغَيْرَهُمَا وَ " تَمْنَعَانِ وُجُوبَ ظُهْرٍ " مُخَرَّجٌ لِمَا ذُكِرَ لِعَدَمِ مَنْعِهِمَا ذَلِكَ وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ الْمَشْهُورِ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِذَلِكَ قَالَ " عَلَى رَأْيٍ " وَقَوْلُهُ " أَوْ تُسْقِطُهَا عَلَى آخَرَ " أَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ وَأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الظُّهْرُ فِي الْأَصْلِ وَالْجُمُعَةُ بَدَلٌ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ الشَّيْخُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي مَوْضُوعِهَا تُرَدَّدُ لِمَا وُضِعَتْ فِيهِ بَيْنَ الْمَشَايِخِ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْ تُسْقِطَانِهِ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى الظُّهْرِ (قُلْتُ) إنَّمَا أَنَّثَهُ مُرَاعَاةً لِلصَّلَاةِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ مِنْ تَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الظُّهْرِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ رَدَّهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدُ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الظُّهْرَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِهِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ الظُّهْرَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مَمْنُوعٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَمْنُوعِ بِوَاجِبٍ فَلَا شَيْءَ مِنْ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِوَاجِبٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ فَكَيْفَ يَرْسُمُ بِهِ مَا ذُكِرَ.
(فَالْجَوَابُ) أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ ذَكَرَهُ فِي الرَّسْمِ عَلَى الرَّأْيِ الْآخَرِ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى رَأْيٍ آخَرَ ذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ (فَإِنْ قُلْتَ) حَاصِلُ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَدِّهِ أَنَّهُ يَقُولُ حَدُّ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا وَصْلٌ لَا بَدَلٌ رَكْعَتَانِ تُسْقِطَانِ وُجُوبَهَا عَلَى الرَّأْيِ الْآخَرِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَرُبَّمَا يُقَالُ بِرَدٍّ عَلَى الرَّأْيِ الْأَوَّلِ صَلَاةٌ ظُهْرِ الْمُسَافِرِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ فِي الْقَصْرِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ تُسْقِطَانِ وُجُوبَ ظُهْرٍ (قُلْتُ) لَا يَصِحُّ إيرَادُ ذَلِكَ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ وُجُوبَ ظُهْرٍ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ الْحَضَرِيِّ وَهُمَا ظُهْرٌ لِمُسَافِرٍ.

[بَابٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَة]
ِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ عَلَى طَرِيقِ الْإِقَامَةِ
(1/69)

وَالْكَوْنُ بِمِصْرِهَا أَوْ قُرْبِهِ " وَالْقُرْبُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافُ قَوْلِهَا وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي شُرُوطِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ]
ِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إمَامٌ وَالْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبِنَاءِ وَالْمَسْجِدُ وَخُطْبَةٌ " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَأَمَّلْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ رَسْمِ الْوُجُوبِ وَضَابِطُ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُرُوطِ الْأَدَاءِ وَانْظُرْ الصَّوْمَ فَإِنَّ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
(ر وح) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ رَسْمَ الرُّوحِ بِقَوْلِهِ " ذُو جَسَدٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَعَيْنَيْنِ وَرَأْسٍ " وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَنْ قُطِعَ رَأْسُهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَطْعُ رَأْسِ الرُّوحِ فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الشَّخْصِ الْمَقْطُوعِ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّقَبَةِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَذْكُورٌ فِيهَا الْجِنَازَةُ وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ وَهِيَ حَقَائِقُ وَذُكِرَ فِيهَا الرُّوحُ أَمَّا الْجِنَازَةُ فَهِيَ لَقَبٌ عَنْ الْمَيِّتِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا عَلَى مَا عُلِمَ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ وَالْغُسْلُ الشَّرْعِيُّ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ يُؤْخَذُ تَعْرِيفُهَا مِنْ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ كَقَوْلِهِ ذَاتَ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَهَذِهِ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَصَاحِبَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ مِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ غَيْرُهُمَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَعَهُمَا دُعَاءٌ فَقَطْ (فَإِنْ قُلْتَ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ قَدْ قِيلَ إنَّهَا لَا إحْرَامَ فِيهَا وَإِنَّمَا تَكْبِيرَاتُهَا كَالرَّكَعَاتِ وَلِذَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِتَكْبِيرَةٍ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَكَانَ قَضَاءً فِي صُلْبِهِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ فِيهَا تَسْلِيمًا فَقَطْ لَا إحْرَامَ وَتَسْلِيمٌ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا تَحْتَ الرَّسْمِ (قُلْتُ) هَذَا لَا يَصِحُّ إيرَادُهُ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ غَيْرُ الْإِحْرَامِ وَالتَّكْبِيرَةُ لَا يَلْزَمُ إذَا كَانَتْ كَالرَّكْعَةِ أَنَّهُ لَا إحْرَامَ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ وَالْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي
(1/70)

الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا إنَّ الْمَسْبُوقَ بِالتَّكْبِيرِ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ وَقِيلَ إنَّهُ يُكَبِّرُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ فَتَقْيِيدُ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَوْجُودٌ وَالتَّكْبِيرَةُ صَارَتْ كَالرَّكْعَةِ وَهَذَا فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَالْقَوْلُ الثَّانِي صَيَّرَهَا تَكْبِيرَةَ إحْرَامٍ كَتَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ فَلِذَا قَالَ يُكَبِّرُهَا فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ فِيهَا فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَرِدُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَالْإِحْرَامَ مَوْجُودَانِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَتَأَمَّلْهُ.

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
(ز ك و) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
كِتَابُ الزَّكَاةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الزَّكَاةُ اسْمًا جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ شُرِطَ وُجُوبُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ بُلُوغُ الْمَالِ نِصَابًا وَمَصْدَرًا إخْرَاجُ جُزْءٍ " إلَخْ قَوْلُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الزَّكَاةُ اسْمًا " انْتَصَبَ اسْمًا عَلَى مَا قِيلَ فِي قَوْلِنَا الدَّلِيلُ لُغَةً قِيلَ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ مَرْدُودٌ وَقِيلَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ وَإِنَّمَا قُلْنَا النَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَا يَصِحُّ نَصْبُ التَّمْيِيزِ بَعْدَهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْإِبْهَامِ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اُنْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " جُزْءٌ " هَذَا يُنَاسِبُ الِاسْمِيَّةَ لِأَنَّهُ مِنْ مَقُولَتِهَا وَ " جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ " يَشْمَلُ الْخُمُسَ فِي الرِّكَازِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ " شَرْطُ وُجُوبِهِ إلَخْ " يُخْرِجُ الْخُمُسَ وَمَا شَابَهَهُ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ الثَّانِي " إخْرَاجٌ " مُنَاسِبٌ لِلْمَصْدَرِيَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ لِابْنِ عُصْفُورٍ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ فِي حُدُودِ الْحَقَائِقِ النَّحْوِيَّةِ وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْحِكْمَةِ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالسَّبَبُ مَا لَزِمَ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ مُسَبِّبِهِ لِذَاتِهِ وَلَا يُقَالُ فِيهِ شَرْطٌ لِأَنَّ حَدَّ الشَّرْطِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَمَا بَالُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ " شَرْطُ وُجُوبِهِ " وَلَمْ يَقُلْ سَبَبُ وُجُوبِهِ (قُلْتُ) كَانَ يَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْخَ تَسَامَحَ فِي لَفْظِهِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ رَاعَى الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ وَأَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ قِيلَ لَهُ الْحَدُّ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ صُورَةٍ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ إذَا قَالَ شَخْصٌ إنْ بَلَغَ مَالِي عِشْرِينَ دِينَارًا ذَهَبًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ ذَهَبًا فَيَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْخُمُسَ جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ وَ " شَرْطُ وُجُوبِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ بُلُوغُ الْمَالِ نِصَابًا " وَرَأَيْت فِي الْجَوَابِ عَنْ الشَّيْخِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَرِدُ لِأَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ فَهَذَا سَبَبٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ
(1/71)

فَلَمَّا رَأَيْت هَذَا قَوِيَ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ وَإِنَّ الشَّرْطَ هُنَا مَقْصُودٌ مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا وَيُفَهِّمُنَا عَنْهُ بِبَرَكَتِهِ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) النِّصَابُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُخَاطَبِ (قُلْتُ) لَمَّا ذَكَرَ مِقْدَارَهُ بَعْدُ تَسَامَحَ فِي ذِكْرِهِ الْحَدَّ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا يُقَالُ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ إنَّ الدَّيْنَ إذَا قُبِضَ مِنْهُ دُونَ النِّصَابِ بَعْدَ قَبْضِ النِّصَابِ يَصْدُقُ فِي زَكَاةِ غَيْرِ النِّصَابِ أَنَّهَا زَكَاةٌ وَلَمْ يَبْلُغْ مَا لَهَا نِصَابًا لِأَنَّا نَقُولُ الْمُزَكَّى مُضَافٌ لِلْمَقْبُوضِ تَقْدِيرًا وَفِيهِ نَظَرٌ وَتَأَمُّلٌ لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ الْمَصْرِفَ فِي الرَّسْمِ كَمَا صَنَعَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَيَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ.

[بَابُ مَعْرِفَةِ نِصَابِ كُلِّ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ]
ٍ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ ضَابِطِهِ هُنَا نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ تَأْلِيفِنَا مَعَ مَا فِيهِ طُولٌ مِنْ ضَوَابِطِهِ لِتَتِمَّ الْفَائِدَةُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[بَابُ رَسْمِ الرِّبْحِ الْمُزَكَّى]
(ر ب ح) : بَابُ رَسْمِ الرِّبْحِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " زَائِدُ ثَمَنِ مَبِيعٍ تَجْرٍ عَلَى ثَمَنِهِ الْأَوَّلِ إنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " زَائِدٌ " وَلَمْ يَقُلْ زِيَادَةٌ لِأَنَّ الرِّبْحَ الْمُرَادُ مِنْهُ اصْطِلَاحًا هَذَا الْعَدَدُ الزَّائِدُ لَا الزِّيَادَةُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ عَادَةً فِي الزِّيَادَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَلِذَا لَمْ يَقُلْ اسْمًا وَمَصْدَرًا كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ فَلَا يَرِدُ سُؤَالٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ " ثَمَنُ مَبِيعٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ غَيْرِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ كَنُمُوِّ الْمَبِيعِ وَقَوْلُهُ " تَجْرٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ بَاعَهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَكَانَتْ لِلْقُنْيَةِ وَقَوْلُهُ " عَلَى ثَمَنِهِ الْأَوَّلِ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا نَمَا لَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَتَأَمَّلْ لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَمَنِ مَبِيعٍ تَجْرٍ " فَظَاهِرُهُ أَنَّ " زَائِدُ ثَمَنِ مَبِيعٍ " قُنْيَةٌ لَا يُسَمَّى رِبْحًا وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الرِّبْحَ الْمُزَكَّى فِي حَدِّهِ فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَصْدِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(1/72)

[بَابُ رَسْمِ الْفَائِدَةِ الْمُزَكَّاة]
فيد: بَابُ رَسْمِ الْفَائِدَةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " مَا مُلِكَ لَا عَنْ عِوَضٍ لِتَجْرٍ " مَعْنَاهُ مَالٌ " مُلِكَ لَا عَنْ عِوَضِ مِلْكٍ " إمَّا هِبَةٌ أَوْ صِلَةٌ أَوْ مِيرَاثٌ أَوْ غَلَّةٌ مِنْ مِلْكٍ فَمَا كَانَ عَنْ عِوَضِ مِلْكٍ لِلتِّجَارَةِ فَلَيْسَ بِغَلَّةٍ وَمَا انْتَفَى عَنْهُ ذَلِكَ فَهُوَ نَفْيٌ أَخَصُّ فَهُوَ أَعَمُّ أَمَّا " لَا عَنْ عِوَضٍ " أَصْلًا أَوْ " عَنْ عِوَضِ مِلْكٍ لَا لِتَجْرٍ " وَيَخْرُجُ عَنْهُ الرَّسْمُ لِأَنَّهُ قَالَ " عَنْ عِوَضِ مِلْكٍ لِتَجْرٍ " وَكَذَلِكَ سِلْعَةُ التِّجَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مَا يَتَجَدَّدُ لَا عَنْ مَالٍ مُزَكًّى وَعُدُولُ الشَّيْخِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ حَدُّ ابْنِ الْحَاجِبِ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي عَدَدِ حُرُوفِهِ لَمْ يَظْهَرْ سِرُّهُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الْعِوَضَ وَالْمِلْكَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِمَا وَقُبِلَ فِي سِرِّ عُدُولِهِ عَنْهُ أَنَّ رَسْمَهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ مَا تَجَدَّدَ عَنْ ثَمَنٍ مُزَكًّى فِي الْخَرْصِ عَنْ أَصْلِ قُنْيَةٍ ثَمَنُهُ فَائِدَةٌ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا رَسْمُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا رَسْمُ الشَّيْخِ.

[بَابُ الْغَلَّةِ الْمُزَكَّاة]
(غ ل ل) : بَابُ الْغَلَّةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا نَمَا عَنْ أَصْلٍ قَارَنَ مِلْكَهُ نُمُوُّهُ حَيَوَانٌ أَوْ نَبَاتٌ أَوْ أَرْضٌ " قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. مَا نَمَا " حَسَنٌ فِي الْجِنْسِيَّةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عُرْفًا بِالْغَلَّةِ الْمَالُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ النَّمَاءُ إلَخْ لِأَنَّ النَّمَاءَ مَصْدَرٌ وَقَوْلُهُ " عَنْ أَصْلٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْفَائِدَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْمُ عَنْ أَصْلٍ وَقَوْلُهُ " قَارَنَ مِلْكَهُ نُمُوُّهُ " أَخْرَجَ بِهِ الرِّبْحَ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِنْ " نُمُوُّهُ " الْمِلْكَ بَلْ النُّمُوُّ بَعْدَ انْتِقَالِ الْمَالِكِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّمَاءُ عَنْ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ بِهِ لَكِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِيَّةِ وَأَخْصَرُ لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ زَادَ أَنَّ مَحَلَّ الْغَلَّةِ " حَيَوَانٌ أَوْ نَبَاتٌ أَوْ أَرْضٌ " فَذَلِكَ بَدَلٌ مِنْ أَصْلِ الْمُقَيَّدِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا فَائِدَةُ زِيَادَةِ مَا ذُكِرَ (قُلْتُ) هُوَ بَيَانٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي نَمَا عَنْهُ وَتُوضَعُ لَهُ.
(1/73)

[بَابُ دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ الْمُزَكَّى]
د ي ن) : بَابُ دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ " مَالٌ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ صَادِقٌ عَلَى دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ أَوْ ثَمَنِ مَا مُلِكَ لِتَجْرٍ " يَعْنِي إذَا بَاعَ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ بِدَيْنٍ وَكَانَ الْبَائِعُ مُحْتَكِرًا فَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ وَالْمَقْصِدُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُزَكًّى بِشَرْطِهِ وَالرَّسْمُ أَخَذْته مِنْ لَازِمِ مَا ذَكَرَهُ.

[بَابُ رَسْمِ عَرَضِ التَّجْرِ الْمُزَكَّى]
(ت ج ر) : بَابُ رَسْمِ عَرَضِ التَّجْرِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا مُلِكَ بِعِوَضٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِلرِّبْحِ أَوْ بِهِ لَهُ " قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَا مُلِكَ " صَادِقٌ عَلَى الْعَرَضِ لِلتَّجْرِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَمْلُوكِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَقَوْلُهُ " بِعِوَضٍ " يَخْرُجُ بِهِ مَا مُلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْمَوْهُوبِ وَقَوْلُهُ " ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ " يَخْرُجُ بِهِ مَا مُلِكَ بِغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَرَضِ تَجْرٍ وَقَوْلُهُ " لِلرِّبْحِ " أُخْرِجَ بِهِ عَرَضُ الْقُنْيَةِ وَالْغَلَّةِ وَقَوْلُهُ " أَوْ بِهِ لَهُ " أَيْ وَكَذَلِكَ مَا مُلِكَ بِمَا مُلِكَ مِنْ عَرَضٍ بِعِوَضٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَهُ أَيْ لِلرِّبْحِ كَمَا إذَا اشْتَرَى عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ وَعَاوَضَ بِهِ عَرَضًا آخَرَ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَرَضِ التِّجَارَةِ أَخْرَجَ بِهِ الْمَحْبُوسَ لَا لِارْتِفَاعِ السُّوقِ كَمَا إذَا حَبَسَهُ لِلْإِدَارَةِ وَذَكَرَهُ بِالشَّرْطِ لِصِحَّةِ تَفْرِيعِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَمَقْصِدُهُ بَعْدَ هَذَا التَّعْرِيفِ الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَرَّفِ بِأَنَّ ثَمَنَهُ إذَا بِيعَ حُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْعَرَضِ إذَا كَانَ لِلْإِدَارَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ هَذَا وَإِنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ " ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ " وَلَمْ يَقُلْ عَيْنًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَاصٌّ بِمَا ضُرِبَ مِنْهُمَا وَلِذَا عَبَّرَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إرَادَةً مِنْهُ لِجَمْعِ الرَّسْمِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ ذَكَرَ فِي الْمُبَادَلَةِ لَفْظَ الْعَيْنِ وَفِي الصَّرْفِ لَفْظَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
(1/74)

[بَابُ الِاحْتِكَارِ]
ح ك ر) : بَابُ الِاحْتِكَارِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ مَا مُلِكَ بِعِوَضٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مَحْبُوسًا لِارْتِفَاعِ سُوقِ ثَمَنِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يُعَرِّفْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَرَضَ الْإِدَارَةِ (قُلْتُ) لَمَّا عَرَّفَ عَرَضَ التَّجْرَ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ عَرَضِ الْإِدَارَةِ وَعَرَّفَ عَرَضَ الِاحْتِكَارِ فَيُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِهِ رَسْمُ عَرَضِ الْإِدَارَةِ فَيُقَالُ الْإِدَارَةُ " مَا مُلِكَ بِعِوَضٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِلرِّبْحِ أَوْ بِهِ لَهُ " غَيْرِ مَحْبُوسٍ لِارْتِفَاعِ سُوقِهِ وَتَأَمَّلْ هُنَا الْبَحْثَ الَّذِي لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ هَارُونَ فِي رَسْمِ الْهَدْيِ وَالنُّسُكِ لِأَنَّ الشَّيْخَ هُنَا اسْتَغْنَى بِرَسْمِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ رَسْمِ الْآخَرِ وَهُوَ سُؤَالُ ابْنِ هَارُونَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَأَمَّلْهُ.

[بَابٌ فِي عَرَضٍ الْغَلَّةِ]
(ع ر ض) : بَابٌ فِي عَرَضٍ الْغَلَّةِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا مُلِكَ بِذَلِكَ لِابْتِغَاءِ غَلَّتِهِ " مَعْنَاهُ أَنَّ مَا مُلِكَ بِعِوَضٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ بِعَرَضِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ " لِابْتِغَاءِ غَلَّتِهِ " فَهُوَ عَرَضُ الْغَلَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَرَضُ الْغَلَّةِ إذَا اُشْتُرِيَ لِتَجْرٍ وَقُنْيَةٍ فَقِيلَ يَغْلِبُ التَّجْرُ وَقِيلَ الْقُنْيَةُ وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَحْثٌ لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي تَفْسِيرِ عَرَضِ التَّجْرِ وَعَرَضُ الْغَلَّةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ فِي رَسْمِ عَرَضِ التَّجْرِ عَلَى الْعَرَضِ وَيَصِحُّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَيَصِحُّ رَسْمُ عَرَضِ الْغَلَّةِ بِمَا ذُكِرَ وَالْعَرَضُ إذَا قُصِدَ بِهِ شِرَاءُ عَرَضٍ لِتَجْرٍ فِيهِ خِلَافٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ هُنَا وَفِي كَوْنِ مَا اُشْتُرِيَ لِتَجْرٍ أَوْ قُنْيَةٍ رِوَايَتَا أَشْهَبُ وَغَيْرِهِ إنْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِ اجْتِمَاعِهِمَا لَا مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا قَالَ الشَّيْخُ فِيمَا قُيِّدَ عَنْهُ وَقَصْدُ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ لَيْسَ بِمُحَالٍ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/75)

[بَابُ عَرَضِ القنية الْمُزَكَّى]
ق ن ي) : بَابُ عَرَضِ الْقُنْيَةِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا مُلِكَ لَا لِأَحَدِهِمَا " مَعْنَاهُ مَا مُلِكَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. أَوْ بِعِوَضِهِمَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ غَلَّةً وَلَا رِبْحًا وَعَلَيْهِمَا يَعُودُ الضَّمِيرُ الْمَفْهُومُ مِمَّا تَقَدَّمَ.

[بَابُ الْمُدِيرِ]
(د ور) : بَابُ الْمُدِيرِ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهَا " مَنْ لَا يَكَادُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَالُهُ عَيْنًا " وَرُوِيَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ لَا يُحْصِي مَا يُخْرِجُهُ وَمَا يَدْخُلُهُ وَمَا يَقْتَضِيهِ وَحَدُّهُ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا يَقْصِدُ أَمْرًا وَيَخُصُّهُ بِهِ لِحِكْمَةٍ عِنْدَهُ لِقُوَّةِ فَهْمِهِ وَحُسْنِ تَصَرُّفِهِ فَمَا سِرُّ كَوْنِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى عَرَضِ التَّجْرِ ذَكَرَ حَدَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْمُحْتَكِرِ وَعَرَضُ التَّجْرِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِدَارَةِ وَالِاحْتِكَارِ وَلَمَّا أَتَى إلَى مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ ذَكَرَ الْمُدِيرَ وَعَرَّفَهُ بِمَا ذُكِرَ وَالْجَارِي عَلَى أُسْلُوبِهِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَرِّفَ عَرَضَ الْإِدَارَةِ وَيُعَرِّفَ مِنْ لَازِمِهِ الْمُدِيرَ وَالْحَاصِلُ فِي السُّؤَالِ أَمَّا أَنْ يُعَرِّفَ عَرَضَ الْإِدَارَةِ وَيُعَرِّفَ عَرَضَ الِاحْتِكَارِ وَيُعَرِّفَ الْمُدِيرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنْ يُعَرِّفَ الْمُحْتَكِرَ كَمَا عَرَّفَ الْمُدِيرَ وَيُعَرِّفَ عَرَضَ الِاحْتِكَارِ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّخْصِيصُ بِمَا فَعَلَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سِرٍّ ثُمَّ يُقَالُ أَيْضًا مَا سِرُّ كَوْنِهِ عَرَّفَ الْمُدِيرَ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يَأْتِ بِنَقِيضِ خَاصِّيَّةِ الِاحْتِكَارِ (قُلْتُ) يَحْتَاجُ لِتَأَمُّلٍ فِي الْجَوَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُدُودُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ كُلِّهَا فَرَاجِعْهَا.

[بَابُ الرِّكَازِ]
(ر ك ز) : بَابُ الرِّكَازِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ هُوَ دِفْنٌ جَاهِلِيٌّ وَهُوَ جَلِيٌّ (فَإِنْ قُلْتَ) الرِّكَازُ الْمُرَادُ مِنْهُ عُرْفًا الْمَالُ فَكَيْفَ صَحَّ جَعْلُ الْجِنْسِ مَصْدَرًا لَهُ (قُلْتُ) الدِّفْنِ هُنَا بِكَسْرِ الدَّالِ بِمَعْنَى الْمَدْفُونِ وَهُوَ الْعُرْفُ.
(1/76)

[بَابُ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاة]
خلط: (بَابُ الْخُلْطَةِ)
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " اجْتِمَاعُ نِصَابَيْ نَوْعٍ نَعَمِ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ فِيمَا يُوجِبُ تَزْكِيَتَهُمَا عَلَى مِلْكٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: " اجْتِمَاعُ " تَصْيِيرُهُ الْجِنْسَ لِلْخُلْطَةِ مَا ذُكِرَ صَحِيحٌ قَوْلُهُ " نِصَابَيْ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ نِصَابًا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا يَكُونُ خُلْطَةً شَرْعِيَّةً قَوْلُهُ " نَوْعُ نَعَمٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْخُلْطَةَ فِي غَيْرِ النَّعَمِ وَأَخْرَجَ بِهِ أَيْضًا الْخُلْطَةَ فِي نَوْعَيْنِ قَوْلُهُ " مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ " ظَاهِرٌ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ " فَأَكْثَرَ " قَوْلُهُ " فِيمَا يُوجِبُ " إلَخْ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِمَاعٍ أَيْ الِاجْتِمَاعُ فِيمَا يُوجِبُ التَّزْكِيَةَ " عَلَى مِلْكٍ وَاحِدٍ " فَإِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَالِاجْتِمَاعُ فِي هَذَيْنِ النِّصَابَيْنِ مِنْ نَوْعِ الْغَنَمِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلْخُلْطَةِ مِنْ رَاعٍ وَمَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّزْكِيَةِ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى مِلْكٍ وَاحِدٍ فَتَكُونُ شَاةً عَلَيْهِمَا وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ خَاصِّيَّةَ الْخُلْطَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْ عَرَّفَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَصْدِهِ لِذِكْرِهِ النِّصَابَ فِي مِلْكِ كُلٍّ مِنْ الْمَالِكَيْنِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ أَهْلِيَّةَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَتَخْصِيصُهُ مَسْأَلَةً دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُطْلَقُ وَلَا تَصْدُقُ فِي غَيْرِ النِّصَابِ.

[بَابُ الرِّقَابِ]
رقب: بَابُ الرِّقَابِ " الرِّقَابُ شِرَاءُ رَقِيقٍ يُعْتَقُونَ وَوَلَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ " وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ " شِرَاءٌ " فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ فَأَعْتَقَهُ عَنْ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ مِنْ الرِّقَابِ وَقَدْ وَقَعَ مَا يُوهِمُ الْخِلَافَ فِيهِ.

[بَابُ الْغَارِمِ]
(غ ر م) : بَابُ الْغَارِمِ مَدِينٌ آدَمِيٌّ لَا فِي فَسَادٍ.
(1/77)

[بَابُ ابْنِ السَّبِيلِ]
ب ن ي) : بَابُ ابْنِ السَّبِيلِ يُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ الشَّيْخِ أَنَّهُ ذُو سَفَرِ طَاعَةٍ.

[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
(ز ك و) : بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْفِطْرُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ الْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ " وَاسْمًا صَاعٌ يُعْطَى مُسْلِمًا " إلَخْ فَأَمَّا الْحَدُّ الْمَصْدَرِيُّ فَيُنَاسِبُهُ الْإِعْطَاءُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَسِرُّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الرَّسْمَيْنِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُخْرَجِ وَعَلَى الْإِخْرَاجِ وَقَوْلُهُ " مُسْلِمٍ " أَصْله مَفْعُولٌ فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ اخْتِصَارًا لِيَخْرُجَ بِهِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَا تُسَمَّى زَكَاةَ فِطْرٍ شَرْعًا وَقَوْلُهُ " فَقِيرٌ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْغَنِيِّ أَيْضًا قَوْلُهُ " لِقُوتٍ " يَظْهَرُ أَنَّهَا لَامُ عِلَّةٍ لِلْإِعْطَاءِ لِيَخْرُجَ بِهِ إذَا أُعْطِيَ لِغَيْرِ قُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَإِنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ» وَقَوْلُهُ " صَاعًا " هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْمَصْدَرِ أُخْرِجَ مَا أَعْطَى مَا لَيْسَ بِصَاعٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ بِفِطْرٍ قَوْلُهُ " مِنْ غَالِبِ " صِفَةٌ لِلصَّاعِ اُحْتُرِزَ بِهِ إذَا أَخْرَجَهُ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى زَكَاةً وَالْغَالِبُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ " أَوْ جُزْؤُهُ " مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّاعِ الْمَفْعُولِ وَهَذَا لِيَدْخُلَ بِهِ فِي الْحَدِّ صُورَةُ الشَّرِكَةِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ فِيهِ نِصْفٌ وَلِآخَرَ ثُلُثٌ وَلِآخَرَ سُدُسٌ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحِصَصِ وَالشَّاذُّ عَلَى الرُّءُوسِ وَقِيلَ يَجِبُ صَاعٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى الرُّءُوسِ فَيَكُونُ أَثْلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَلَى الْحِصَصِ فَعَلَى قَدْرِ النِّسْبَةِ فَمَنْ لَهُ نِصْفٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي نِصْفِهِ نِصْفُ صَاعٍ وَمَنْ لَهُ ثُلُثٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ صَاعٍ وَمَنْ لَهُ سُدُسٌ فَالْوَاجِبُ فِي السُّدُسِ سُدُسُ صَاعٍ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْقِسْمَةُ عَلَى الرُّءُوسِ فَالْوَاجِبُ ثُلُثُ صَاعٍ عَلَى قَدْرِ نِسْبَةِ الرُّءُوسِ.
فَقَوْلُهُ " أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى " إلَخْ الضَّمِيرُ
(1/78)

فِي جُزْؤُهُ يَعُودُ عَلَى الصَّاعِ وَجُزْؤُهُ مَفْعُولٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ قَبْلَهُ وَالْمُسَمَّى صِفَةٌ لِجُزْئِهِ وَلِجُزْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى وَ " الْمَقْصُورُ " صِفَةٌ " لِلْجُزْءِ " جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ وَ " وُجُوبُهُ " فَاعِلٌ بِهَا وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى جُزْئِهِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَتِهِ وَضَمِيرُ " عَلَيْهِ " عَلَى الْجُزْءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ إمَّا صَاعًا كَامِلًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَإِمَّا جُزْءَ صَاعٍ سُمِّيَ بِجُزْءٍ قَدْ قَصَرَ وُجُوبَ الْجُزْءِ الْمُسَمَّى عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ فَإِنْ كَانَ جُزْءُ الْمِلْكِ ثُلُثًا فَالْجُزْءُ الْمُسَمَّى ثُلُثٌ مِنْ صَاعٍ وَهُوَ الْوَاجِبُ قَصَرُهُ عَلَى الْجُزْءِ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ نِصْفًا فَنِصْفٌ مِنْ صَاعٍ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ النَّقْصَ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّاعِ هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ وَسَيَظْهَرُ لَك بَعْدُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " عَلَيْهِ " يَعُودُ عَلَى الْمُعْطَى وَهُوَ بَعِيدٌ هَذَا حَدُّ الْمَصْدَرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَ " اسْمَا صَاعٌ " إلَخْ فَيُقَالُ فِيهِ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ الْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ يُعْطَى مُسْلِمًا فَقِيرًا لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَمَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّسْمِ الْمَصْدَرِيِّ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى صُورَةِ إعْطَاءِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى هَذَا الْإِعْطَاءِ زَكَاةَ فِطْرٍ.
قَالَ وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَى الْعَبْدُ مُسْلِمًا كَذَلِكَ. قَالَ وَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّ فِي الْحَدِّ مَا يَخْرُجُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ " الْمَقْصُورُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ " وَالْكَافِرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ يَعُودُ عَلَى الْمُعْطَى الْمَفْهُومِ مِنْ الْكَلَامِ وَالسِّيَاقُ وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ رَاعَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَوْلَ بِالْحِصَصِ أَوْ الْقَوْلَ بِالرُّءُوسِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ رَاعَى الْقَوْلَ بِالْحِصَصِ وَلِذَا قَالَ الْمَقْصُورُ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْ إنَّ الْجُزْءَ الْمُخْرَجَ سُمِّيَ لِلْجُزْءِ الَّذِي قُصِرَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُخْرَجِ إمَّا ثُلُثٌ أَوْ رُبْعٌ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ التَّسْمِيَةُ وَالْقِسْمَةُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَصْرِفِ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ لَمْ يُرَاعِ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ وَلَمْ يُرَاعِ عَدَمَ قُوتِ الْيَوْمِ عَلَى قَوْلِ أَبِي مُصْعَبٍ (قُلْت) رَاعَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُرَاعَى فَقِيرُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَبِذَلِكَ تَأَوَّلُوا كَلَامَ مَنْ أَطْلَقَ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ فَلِذَا قَالَ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يُقَيِّدْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الصَّاعَ بِالْوُجُوبِ فَهَلْ يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ إذَا أَخْرَجَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ صَاعًا إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُقُ
(1/79)

عَلَيْهِ زَكَاةُ فِطْرٍ شَرْعًا وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ أَجْنَبِيٍّ (قُلْتُ) لَعَلَّ الْجَوَابَ يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ الشَّيْخِ فِي صُورَةِ الْكَافِرِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ بَعْدَ رَسْمِهِ وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يُورَدُ عَلَى رَسْمِهِ كَمَا نَذْكُرُهُ وَتَقْدِيرُ السُّؤَالِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ صَاعًا ثَانِيًا بَعْدَ إخْرَاجِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ يُنْتَقَضُ بِهِ عَلَى الرَّسْمِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ هِيَ الْأُولَى فَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ بَلْ هِيَ زَكَاةٌ وَقَدْ عَدَّدَهَا كَمَا يُعَدِّدُ الضَّحِيَّةَ وَالْجَامِعُ أَنْ يُقَالَ عِبَادَةٌ مُقَرَّرَةٌ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهَا لِمَعْنًى فِي زَمَنٍ خَاصٍّ فَيَصِحُّ تَعْدَادُهَا أَصْلُهُ الْأُضْحِيَّةُ قَوْلُهُ وَإِلَّا زِيدَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً أَعْنِي تَعْدَادَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَنْصُوصَةٌ وَكَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ وَعَدَّدَ ثَانِيًا كَذَلِكَ وَأَمَّا إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ ضَحَّى عَنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يُسَمَّى أُضْحِيَّةً شَرْعِيَّةً بِوَجْهٍ كَمَا إذَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الصِّيَامِ]
(ص وم) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الصِّيَامِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " رَسْمُهُ عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ وَقْتُهَا وَقْتُ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ " ثُمَّ قَالَ " وَقَدْ يُحَدُّ بِأَنَّهُ كَفٌّ بِنِيَّةٍ عَنْ إنْزَالٍ يَقَظَةً وَوَطْءٍ وَإِنْعَاظٍ وَمَذْيٍ وَوُصُولِ غِذَاءٍ غَيْرِ غَالِبِ غُبَارٍ أَوْ ذُبَابٍ أَوْ فِلْقَةٍ بَيْنَ الْأَسْنَانِ بِحَلْقٍ أَوْ جَوْفٍ زَمَنَ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ دُونَ إغْمَاءٍ أَكْثَرَ نَهَارِهِ " هَذَا كَلَامُ هَذَا الشَّيْخِ الْإِمَامِ السُّنِّيِّ السُّنِّيِّ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا بَرَكَتَهُ وَأَدَامَ عَلَيْنَا مِنَّتَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَبَّرَ فِي الْأَوَّلِ بِالرَّسْمِ وَفِي الثَّانِي بِالْحَدِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ التَّعْرِيفُ عِنْدَهُ بِالذَّاتِيَّاتِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالْعَرَضِيَّاتِ وَقَدْ قَدَّمْتُمْ فِي
(1/80)

الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالذَّاتِيِّ فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ الشَّرْعِيَّةَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ كَالرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ وَأَيْضًا كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَرَضِيِّ وَالذَّاتِيِّ هُنَا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَخْبَارٍ عَنْ الشَّرْعِ (قُلْتُ) أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الشَّرْعِيَّةَ يُمْكِنُ حَمْلُهَا بِوَاسِطَةِ ذُو كَمَا فَعَلَ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ الثَّانِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَاعَى أَنَّ الْمُعَرَّفَ إذَا كَانَ فِيهِ جِنْسٌ وَخَاصَّةٌ لَازِمَةٌ لِلْمَحْدُودِ مِمَّا عُلِمَ فِي الشَّرْعِ أَنَّهَا لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي تَقْوِيمِ الْمَاهِيَّةِ كَالْوَقْتِ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ شَرْعًا لَازِمٌ لَهَا مِنْ خَاصَّتِهَا عُرْفًا يُطْلِقُ عَلَيْهِ رَسْمًا لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ دَاخِلٍ وَهُوَ الْعِبَادَةُ وَخَارِجٍ وَهِيَ الْخَاصَّةُ وَأَمَّا إذَا عُلِمَ مِنْ الشَّرْعِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ فِي مَاهِيَّةٍ فَيَكُونُ حَدًّا فَلَمَّا ذَكَرَ الْكَفَّ وَقَيَّدَهُ بِالنِّيَّةِ وَذَكَرَ الْمَكْفُوفَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ رَكَّبَ مَاهِيَّةَ الصَّوْمِ بِمَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِهِ فِي مَاهِيَّتِه الْمَطْلُوبَةِ وَصَيَّرَ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوَّلَ اعْتَبَرَ فِيهِ لُزُومَ الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ لِعَادَةٍ مُرَكَّبَةٍ وَالثَّانِي لَاحَظَ فِيهِ ذِكْرَ أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ الْمُجْتَمِعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ " عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عِبَادَةٍ عَدَمِيَّةٍ كَعِبَادَةِ تَرْكِ الزِّنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " وَقْتُهَا " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ الْعَدَمِيَّةِ كَتَرْكِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَدَّمْتُمْ مِرَارًا أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُلَاحِظُ مَقُولَةَ الْمَحْدُودِ فِي جِنْسِ الْحَدِّ مَا أَمْكَنَ وَالصَّوْمُ هُنَا صَيَّرَهُ عَدَمِيًّا وَالصَّلَاةُ صَيَّرَهَا فِعْلِيَّةً وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَبَّدَنَا بِالصَّوْمِ وَتَعَبَّدَنَا بِالصَّلَاةِ وَأَمَرَنَا بِهِمَا لِقَوْلِهِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] «وَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَتَرْتِيبُ ذَلِكَ أَنَّ الصِّيَامَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ أَيْ مَطْلُوبٌ مِنْ مُكَلَّفٍ وَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ بِهِ فِعْلِيٌّ فَالصِّيَامُ فِعْلِيٌّ أَمَّا الصُّغْرَى فَبِظَوَاهِرِ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا الْكُبْرَى فَبِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فَعَلَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَمَّا الْأَمْرُ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا النَّهْيُ فَهُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَإِذَا صَحَّتْ النَّتِيجَةُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَطَلَ قَوْلُنَا إنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ لِإِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ أَوْ الْمُتَضَادَّيْنِ فَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ لَا عَدَمِيَّةٌ (قُلْتُ) كَانَ يَمْضِي لَنَا فِي الْجَوَابِ أَنَّ التَّسَامُحَ وَاقِعٌ فِي قَوْلِهِ عَدَمِيَّةٌ أَيْ أَنَّ وُجُودَهَا فِي الْخَارِجِ لَا صُورَةَ حِسِّيَّةَ لَهُ كَصُورَةِ عِبَادَةِ الصَّلَاةِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْبَةِ الْخَارِجِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَهَذَا أَقْرَبُ
(1/81)

مَا يُجَابُ بِهِ عَنْهُ وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَ بِهِ (فَإِنْ قِيلَ) أَيْضًا مَا سِرُّ كَوْنِهِ قَالَ فِي الصَّلَاةِ قُرْبَةٌ وَهُنَا عِبَادَةٌ مَعَ أَنَّ قُرْبَةً أَخْصَرُ لَفْظًا وَالْقُرْبَةُ وَالْعِبَادَةُ مُتَقَارِبَانِ مَعْنًى. فَظَهَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْقُرْبَةَ وَرَدَتْ فِي الشَّرْعِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا اُشْتُقَّ مِنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] وَقَالَ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» فَذَكَرَ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ شَرْعًا وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى (فَإِنْ قُلْتَ) أَوْرَدَ بَعْضُ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ عَلَى شَيْخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صُورَةً مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَوْمٍ فَرَأَيْت فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ بِنِيَّةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ وَلَا إيرَادُ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ عِبَادَةٌ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْعَدَمِيَّةُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا عِبَادَةٌ بِوَجْهٍ وَأَيْضًا مَا قَدَّمْنَا مِنْ مَعْنَى الْحَدِّ يَرُدُّ هَذَا ثُمَّ قَوْلُهُ " بِنِيَّةٍ " إنَّمَا ذَكَرَ فِي الْحَدِّ الثَّانِي وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ " وَقْتُهَا " إلَخْ مَعْنَاهُ خَاصِّيَّتُهَا الشَّرْعِيَّةُ وَالْوَقْتُ فِي صُورَةِ الْيَمِينِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَجَابَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ مَنْ أَتَى بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ عِبَادَةٌ يَسْتَدْعِي نِيَّةً وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى فَلَا نِيَّةَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الرَّسْمَ الْأَوَّلَ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا يَعُمُّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ فَإِنَّ الصَّوْمَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَاسِدٌ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ التَّحَرُّزَ مِنْ مَوَانِعِهِ وَالثَّانِي قَصَدَ بِهِ الْمَاهِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَظْهَرُ بَعْدَ شَرْحِهِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّسْمِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْحَدُّ الثَّانِي فَقَوْلُهُ " فَقَدْ يُحَدُّ " إلَخْ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْحَدَّ عَلَى الرَّسْمِ فِي الثَّانِي وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهُ " كَفٌّ " الْكَفُّ هُوَ مَدْلُولُ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ هُنَا وَمَدْلُولُ النَّهْيِ مُطْلَقًا فَمَعْنَى قَوْلِهِ صُومُوا أَيْ كُفُّوا وَالْكَفُّ لُغَةً الْإِمْسَاكُ الْمُطْلَقُ وَقُصِرَ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا خَصَّهُ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ هُوَ الْكَفَّ الْمَذْكُورَ وَذَلِكَ مَعْنَى النَّهْيِ عَلَى الْمُخْتَارِ فَيَكُونُ الصَّوْمُ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ النَّهْيِ فَيَرْجِعُ الصِّيَامُ فِي الْمَعْنَى إلَى مَعْنَى
(1/82)

النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ لَا تَأْكُلْ وَلَا تَشْرَبْ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ وَمَدْلُولُ النَّهْيِ كَفٌّ فَالصِّيَامُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَبِلَفْظِ النَّهْيِ وَقَدْ قَرَّرْتُمْ أَنَّهُ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَهُوَ الْحَقُّ (قُلْنَا) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَضَى فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَهُوَ مُخْتَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَنَقْلٌ عَنْ الْقَاضِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُقَالَ صُمْ هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا لَا تَأْكُلْ إلَخْ فَصَحَّ أَنَّهُ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَمِنْ الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقَوْلُهُ " كَفٌّ " هَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ " عَدَمِيَّةٌ " وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْعَدَمِيَّةَ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا مُطْلَقًا بَلْ الَّتِي لَا صُورَةَ لَهَا خَارِجًا وَالْكَفُّ عَنْ الْمَذْكُورِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ " بِنِيَّةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْكَفَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَ " عَنْ إنْزَالٍ " يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ وَ " يَقَظَةً " يَخْرُجُ بِهِ إنْزَالُ النَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ شَرْعًا فِي الصَّوْمِ " وَوَطْءٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى إنْزَالٍ " وَإِنْعَاظٍ " كَذَلِكَ " وَمَذْيٍ " كَذَلِكَ هَذَا مَا يَمْنَعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّائِمِ أَوْ يَمْنَعَ سَبَبَهُ قَوْلُهُ " وَوُصُولِ غِذَاءٍ " هَذَا مَا يَمْنَعُ إدْخَالَهُ عَلَى الصَّائِمِ وَاحْتَرَزَ مِنْ الَّذِي لَيْسَ بِغِذَاءٍ وَلَيْسَ فِيهِ شُغْلُ الْمَعِدَةِ وَيُغَذِّيهَا قَوْلُهُ " غَيْرِ " صِفَةٌ لِلْغِذَاءِ وَ " غَالِبِ غُبَارٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِغَالِبٍ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ تُرَخِّصُهُ لِضَرُورَتِهِ وَكَذَلِكَ " الذُّبَابِ " إذَا غَلَبَ فَرُخِّصَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى غُبَارٍ قَوْلُهُ " أَوْ فِلْقَةٍ بَيْنَ الْأَسْنَانِ " الظَّاهِرُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ غَالِبِ قَوْلُهُ " لِحَلْقٍ " يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وُصُولِ كَأَنَّهُ قَالَ وُصُولٌ إلَى حَلْقٍ. قَوْلُهُ " أَوْ جَوْفٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَلْقِ وَالْمُرَادُ بِالْجَوْفِ الْمَعِدَةُ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا مِنْ مَنْفَذٍ وَاسِعٍ وَلِذَا زَادَ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِالْحَلْقِ ظَاهِرًا وَكَذَلِكَ مَائِعُ الْحُقْنَةِ يَلْزَمُ بِهِ الْقَضَاءُ عَلَى قَوْلِهَا. قَوْلُهُ " زَمَنَ الْفَجْرِ " مَعْمُولٌ لِلْكَفِّ بِنِيَّةٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ كَفٌّ بِنِيَّةٍ مِنْ زَمَنِ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ. قَوْلُهُ " دُونَ إغْمَاءِ أَكْثَرِ نَهَارِهِ " زَادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِيَكُونَ حَدُّهُ جَامِعًا لِصُوَرِ الْإِغْمَاءِ غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْ الصُّورَةِ وَتَأَمَّلْ لَفْظَ دُونَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي أَصْلِهَا وَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ بِهَا هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِّ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَحْضَرَ صُورَةً يَتَوَهَّمُ إيرَادَهَا عَلَى حَدِّهِ وَهِيَ مَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَبَاتَ وَأَكَلَ نَاسِيًا فَيُقَالُ صَوْمُهُ صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَفٌّ عَنْ وُصُولِ الْغِذَاءِ فَقَالَ الشَّيْخُ هَذَا
(1/83)

لَا يُرَدُّ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَجَّهَهُ بِأَنَّهُ رَاعَى فِيهِ لَغْوَ الْأَكْلِ شَرْعًا وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. قَالَ وَإِنْ لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ فَيُزَادُ فِي الْحَدِّ غَيْرُ مَنْسِيِّهِ فِي تَطَوُّعٍ وَيُزَادُ ذَلِكَ أَثَرَ جَوْفٍ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَلْ يَظْهَرُ مِنْ قَصْدِ حَدِّهِ الثَّانِي إنَّهُ إنَّمَا حَدُّ الْمَاهِيَّةِ الصَّحِيحَةِ (قُلْتَ) بَلْ إنَّمَا حَدٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ مُحَافَظَتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْقُيُودِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ وَمَنْ يَقُولُ الْمُعَيَّنُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَلَا تُزَادُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِنْعَاظٍ إنَّمَا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِفَسَادِ الصَّوْمِ إذَا أَنْعَظَ وَفِيهِ خِلَافٌ وَكَذَلِكَ الْمَذْيُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى النَّقْضِ بِهِ إذَا كَانَ عَنْ سَبَبٍ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ الْمَذْيُ أَوْ الْإِنْعَاظُ عَنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ الصَّائِمِ هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ (قُلْنَا) لَا يُرَدُّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ كَفٌّ عَنْ كَذَا فَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِمْسَاكِ عَنْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ وَوُصُولِ غِذَاءٍ إنْ قَصَدَ مَا يُغَذِّي الْمَعِدَةَ وَيُقَوِّيهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا اسْتَثْنَى مِنْ الْغُبَارِ لِأَنَّ الْغُبَارَ غَيْرَ الْغَالِبِ لَا تَغْذِيَةَ فِيهِ لَهَا وَإِنْ عَنَى مَا يَشْغَلُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُغَذِّيهَا فَيُرَدُّ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِهَا (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ إنَّ الْحَدَّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَكُونُ مَا ذَكَرَ هُوَ الْمَشْهُورَ (فَإِنْ قُلْتُ) ظَاهِرُهُ إنَّ غَالِبَ غَيْرِ الْغُبَارِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي غُبَارِ الدَّقَّاقِينَ وَلَمْ يُعَيِّنُوا فِيهِ الْمَشْهُورَ.
(قُلْتُ) هَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ لِحَلْقٍ أَوْ جَوْفٍ قَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوْفَ عَلَى الْمَعِدَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْدُ فِي مُبْطِلِ الصَّوْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَطْلَقَ فِي الْوُصُولِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَنْفَذٍ وَاسِعٍ أَمْ لَا وَقَدْ قَيَّدُوهُ بِالْمَنْفَذِ الْوَاسِعِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إنْ فَسَّرْنَا الْجَوْفَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَعِدَةِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْحُقْنَةَ تُبْطِلُ إنْ كَانَتْ بِمَائِعٍ وَتَأَمَّلْ مَا سِرُّ كَوْنِهِ قَالَ حَتَّى الْغُرُوبِ وَلَمْ يَقُلْ إلَى الْغُرُوبِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ وَقَعَ فِيهَا إلَى اللَّيْلِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا سِرَّ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ حَتَّى اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ أَخْصَرُ وَمُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الْبَيَانَ فِي مَبْدَأِ اللَّيْلِ بِذِكْرِ الْغُرُوبِ وَأَيْضًا فَهُوَ الْمُقَابِلُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَدْ قَالَ فِي وَقْتِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ اُنْظُرْهُ وَتَأَمَّلْ مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/84)

رَسْمَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الِاعْتِكَافِ فَإِنَّ الرَّدَّ الثَّانِيَ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُقَالُ إنَّهُ وَارِدٌ عَلَى رَسْمِهِ هُنَا فِي قَوْلِهِ كَفٌّ إلَخْ فَيُقَالُ يَرُدُّ عَلَيْهِ حَالُ مَنْ أَتَمَّ صَوْمَهُ يَوْمَ الصَّوْمِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَظَهَرَ لِي إذَا تُؤُمِّلَ أَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ مِنْ النَّقْضِ هَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرْحَمُهُ وَيَنْفَعُ بِهِ وَيُفْهِمُنَا عَنْهُ.

[بَابٌ فِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ فِي رَمَضَانَ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ " صَيَّرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوُجُوبَ فِي رَمَضَانَ مَوْقُوفًا عَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَهُمَا عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْإِسْلَامَ " مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَدَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ (قُلْتُ) لَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ مَضَى عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَرَّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ وَهَذَا الْخِلَافُ مَعْلُومٌ خَارِجَ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمَذْهَبِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَرَّ عَلَى قَوْلٍ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَحَّ عِنْدَهُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَ (فَإِنْ قُلْتُ) قَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْفَرْقَ بَيْنَ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ وَأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ كَدُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ مَا لَا يُطْلَبُ فِعْلُهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ كَالْإِقَامَةِ وَعُلِّقَ أَمْرٌ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَمَطْلُوبًا مِنْهُ فَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ كَسِتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَالْإِسْلَامُ الْمَذْكُورُ كَيْفَ تَصْدُقُ فِيهِ خَاصِّيَّةُ شَرْطِ الْوُجُوبِ بَلْ صَادِقِيَّةُ خَاصِّيَّةِ الْأَدَاءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ (قُلْتُ) هَذَا كَانَ يَمْضِي الْبَحْثُ فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ الْفَارِقُ الْمَذْكُورُ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ الْجُمُعَةِ إنَّ الْغَالِبَ فِي التَّفْرِيقِ مَا ذَكَرْنَا
(1/85)

وَكَانَ أَيْضًا يَمْضِي لَنَا فِي الْقَدِيمِ سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْبَجَائِيِّينَ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِنَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّفْرِيقِ الْمَذْكُورِ وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ إذَا صَحَّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ وَقَدْ قُلْتُمْ بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَلَا عَكْسَ فَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ أَخَصُّ وَشَرْطَ الْأَدَاءِ أَعَمُّ وَالْأَخَصُّ يَسْتَلْزِمُ الْأَعَمَّ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَ فِي شَرْطِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِلْمُكَلَّفِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الْأَعَمِّ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِلْمُكَلَّفِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الْأَخَصِّ وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِثُبُوتِ الْإِحَالَةِ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَوَقَعَتْ عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ فِيهَا أَبْحَاثٌ يَطُولُ جَلْبُهَا وَتُخْرِجُ عَنْ الْغَرَضِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَطَرِيقَهُ مَعَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ. - رَحِمَهُ اللَّهُ -

[بَابٌ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْأَوَّلُ وَالْعَقْلُ وَعَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كُلَّ زَمَنِهِ " قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْأَوَّلُ " أَيْ الْإِسْلَامُ فَصَيَّرَهُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ ثَانِيًا كَمَا صَيَّرَهُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ أَوَّلًا وَهَذَا يُقَوِّي السُّؤَالَ وَالْإِشْكَالَ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ لَمْ يَعْمَلْ عَلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ وَذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعَقْلَ فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْوُجُوبِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْوُجُوبِ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي شَرْطِ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ " كُلَّ زَمَنِهِ " يَعُودُ إلَى النَّقَاءِ مِمَّا ذَكَرَ وَإِنَّ النَّقَاءَ مِمَّا ذَكَرَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ فِي جَمِيعِ زَمَنِهِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مِنْهُ بَلْ مَهْمَا كَانَ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ فِي وَقْتِ صَوْمٍ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَمَلَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَهُمَا هَلْ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِهِ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ أَوْ رَاجِعٌ لِلْأَخِيرِ كَمَا ذَكَرْنَا هُنَا وَالْأَظْهَرُ عِنْدَهُ هُوَ الْأَوَّلُ فَهَلْ يَصِحُّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ ذَلِكَ (قُلْتُ) يُمْكِنُ ذَلِكَ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ وَضِدُّهُ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهِ أَصْلِيًّا أَوْ طَارِئًا كَالرِّدَّةِ وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ بِشَرْطِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) أَطْلَقَ فِي الْعَقْلِ وَقَدْ قَدَّمَ شَرْطَ إبْطَالِ الْإِغْمَاءِ فِي
(1/86)

رَسْمِهِ (قُلْتُ) فِيهِ نَظَرٌ كَمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ بَلْ نَصُّهُ أَنَّ النَّقَاءَ الْمَذْكُورَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَدَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ (قُلْتُ) لَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ مَرَّ عَلَى مَا مَرَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَرَّ عَلَى قَوْلِ الْأَقَلِّ وَالْقَاضِي مِنْهُمْ وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَقَرِّرٌ وَلِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ كَذَا قَرَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَشَرْطُ الصِّحَّةِ وَلَك النَّظَرُ فِي ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ هُنَا وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ وَذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْحَائِضِ وَمَنْ وَافَقَهَا.

[بَابٌ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَغَيْرُهُ]
(ص وم) : بَابٌ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَغَيْرُهُ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ فِي مِصْرٍ صَغِيرٍ مُطْلَقًا وَكَبِيرٍ فِي غَيْمٍ أَوْ بِخَبَرِ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ بِإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ مَتَى غُمَّ وَلَوْ شُهُورًا " ذَكَرَ ذَلِكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَوَّلِ عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " وَكَبِيرٍ فِي غَيْمٍ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَكُنْ غَيْمٌ وَرَآهُ عَدْلَانِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ ذَكَرَهُ بَعْدُ قَوْلُهُ " أَوْ بِخَبَرِ " هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ " أَوْ بِإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ " إلَخْ كَذَلِكَ أَيْضًا وَلَا عَمَلَ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِ وَالْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ ذَكَرَهَا لِاسْتِبْعَادِ الشُّهُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْكَثِيرَةِ مَعَ الْغَيْمِ وَأَنَّهُ يُعْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرَ لَا عَلَى غَيْرِهِ.

[بَابٌ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ]
(ش ك ك) : بَابٌ يَوْمُ الشَّكِّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " صَبِيحَةُ لَيْلَةِ غَيْمِ الْتِمَاسِهِ " مَعْنَاهُ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي هُوَ صَبِيحَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا غَيْمٌ فِي جِهَةِ الْتِمَاسِ الْهِلَالِ وَفِي وَقْتِهِ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَطْلَقَ الْجُزْءَ عَلَى الْكُلِّ فَإِنَّ الصَّبِيحَةَ جُزْءٌ مِنْ الْيَوْمِ وَيَوْمُ الشَّكِّ هُوَ الْيَوْمُ
(1/87)

كُلُّهُ الَّذِي صَبِيحَتُهُ مَا ذَكَرَ وَخَصَّ اللَّيْلَةَ بِالْغَيْمِ لِأَنَّ الْتِمَاسَ الْهِلَالِ إذَا لَمْ يُرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَقْتُهُ ذَلِكَ فَإِنْ اُلْتُمِسَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَكَانَ غَيْمٌ عِنْدَ الْتِمَاسِهَا فِي جِهَتِهِ ثَبَتَ الشَّكُّ بِذَلِكَ وَالْغَيْمُ الْحَائِلُ عَنْ الرُّؤْيَةِ بِسَحَابٍ كَثِيفٍ أَوْ رَقِيقٍ.

[بَابٌ فِي مُبْطِلِ الصَّوْم]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يُبْطِلُهُ وُصُولُ غِذَاءٍ لِحَلْقٍ أَوْ مَعِدَةٍ مِنْ مَنْفَذٍ وَاسِعٍ وَمَغِيبُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْمَنِيُّ بِلَذَّةٍ يَقَظَةً " هَذَا أَيْضًا رَسْمٌ لِلْمُبْطِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ ثُمَّ فُرِّعَ الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَكُنْ غِذَاءٌ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي النَّفْلِ وَلَا فِي السَّهْوِ فِي الْفَرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْمَنْفَذِ الْوَاسِعِ (فَإِنْ قُلْتَ) فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ فِي الثَّانِي مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ (قُلْتُ) أَحَالَ عَلَى مَا قَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي مُوجِبِ الْغُسْلِ وَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ لَوْ قَالَ مَغِيبُ حَشَفَةٍ هَذَا إذَا فَهِمْتَ مَا قَدَّمَهُ فِي مُوجِبِ الْغُسْلِ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ اخْتِصَارِهِ وَأَوْرَدَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَسْقَطَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّوْمِ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ وَهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا فِي الْإِبْطَالِ وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بِأَنْ قَالَ إنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ النَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ كَانَ الْحَيْضُ مَانِعًا مِنْ الْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ وَقْتِ الصَّوْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُقَالُ إنَّ الصَّوْمَ أَبْطَلَهُ الْحَيْضُ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ فَرْعُ تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ وَقَدْ انْتَفَى بِمَا قَرَّرْنَا وَلِذَلِكَ حَذَفَ الشَّيْخُ ذَلِكَ وَصَوَّبْنَا ذَلِكَ ثُمَّ تَأَمَّلْت كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي أَوْرَدَ عَلَى كَلَامِهِ السُّؤَالَ فَوَجَدْته خَالَفَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْطِهِ فَإِنَّهُ صَيَّرَ النَّقَاءَ الْمَذْكُورَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ فَتَأَمَّلْهُ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ مُبْطِلِ الصَّوْمِ يُرِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ أَعْنِي صَوْمَ رَمَضَانَ بِقَرِينَةِ ضَمِيرِ يُبْطِلُهُ كَمَا فَعَلَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ بِإِعَادَةِ ضَمِيرِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ وَفِي بَعْضِهَا يَأْتِي بِمَا يَعُمُّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الصَّوْمَ الْمُطْلَقَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي تَطَوُّعِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهُ وَمَضَى لَنَا النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ لِحَلْقٍ أَوْ مَعِدَةٍ وَحَقُّهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهَا مِنْ
(1/88)

الْوَاسِعِ إلَّا بَعْدَ الْحَلْقِ وَوَجَدْت شَيْخَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ الصَّوْمِ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الشُّرُوطَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ضِدَّهَا فِي الْإِبْطَالِ.

[بَابٌ فِي مُوجِبِ الْقَضَاءِ لِرَمَضَانَ]
َ وَوَاجِبُهُ الصِّيَامُ الْمَضْمُونُ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِطْرُهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَوْ مُكْرَهًا " وَالْمَعْنَى بِهِ عَمْدًا اخْتِيَارًا هَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ إلَّا مَا نَقَلَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَضَاءُ مُفْطِرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا قَالَ الشَّيْخُ لَعَلَّ الشَّاذَّ عِنْدَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى فِي الْحَالِفِ اُنْظُرْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ فِي إفْسَادِ رَمَضَانَ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (انْتِهَاكٌ لَهُ لِمُوجِبِ الْغُسْلِ وَطْئًا وَإِنْزَالًا وَالْإِفْطَارُ بِمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ أَوْ الْمَعِدَةِ مِنْ الْفَمِ) قَوْلُهُ " انْتِهَاكٌ لَهُ " إنَّمَا يَكُونُ الِانْتِهَاكُ مَعَ الْعَمْدِ وَأَمَّا النَّاسِي وَالْمُتَأَوِّلُ فَلَا. قَوْلُهُ " لِمُوجِبِ الْغُسْلِ " مِثْلُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ لَكِنْ هُنَا فَسَّرَهُ بِالْوَطْءِ وَالْإِنْزَالِ (فَإِنْ قِيلَ) لَمْ يَزِدْ هَذَا الْقَيْدُ فِي إبْطَالِ الصَّوْمِ (قُلْنَا) لَمَّا ذَكَرَ الِانْتِهَاكَ نَاسَبَ ذَلِكَ لِأَنَّ الِانْتِهَاكَ بِالْإِنْزَالِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ قَوْلُهُ " وَالْإِفْطَارُ " هَذَا مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي مَسَائِلَ.

[بَاب زَمَن قَضَاء الْفِطْر فِي رَمَضَان]
بَابٌ زَمَنُ الْقَضَاءِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (زَمَنُ قَضَائِهِ غَيْرُ زَمَنِهِ وَمَا حَرُمَ صَوْمُهُ) اللَّخْمِيُّ أَوْ وَجَبَ بِنَذْرٍ هَذَا أَخْصَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي قَدْرِ كَفَّارَةِ الْعَمْدِ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَان]
بَابٌ فِي قَدْرِ كَفَّارَةِ الْعَمْدِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قَدْرُهَا سِتُّونَ مُدًّا نَبَوِيًّا لِسِتِّينَ مِسْكِينًا بِالسَّوِيَّةِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]
(ع ك ف) :
(1/89)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمُعَيَّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ " قَوْلُهُ " لُزُومُ " اللُّزُومُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ لُبْثٍ فِي " مَسْجِدٍ " أَوْ غَيْرِهِ وَلِذَا قَيَّدَهُ بِمَسْجِدٍ مُطْلَقٍ وَأَخْرَجَ بِهِ اللُّزُومَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ لِلْمُجَاوِرِ بِهَا أَوْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَقَوْلُهُ " مُبَاحٍ " يُخْرِجُ مَسْجِدَ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَكَفُ فِيهِ وَقَوْلُهُ " لِقُرْبَةٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ مُلَازِمًا لَا لِقُرْبَةٍ وَقَوْلُهُ " قَاصِرَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُتَعَدِّيَةَ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الِاعْتِكَافِ وَمَنْ لَازَمَ لَهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ وَبِهَا اعْتَرَضَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَوْلُهُ " بِصَوْمٍ " الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالصَّوْمُ رُكْنٌ فِيهِ أَوْ شَرْطٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَخْرَجَ بِهِ إذَا لَازِمُ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ صَوْمٍ وَيَخْرُجُ بِهِ الْجِوَارُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صَوْمٌ وَقَوْلُهُ " مَعْزُومٌ ". صِفَةٌ لِلُزُومٍ لِأَنَّ اللُّزُومَ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ وَالْإِقَامَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِنِيَّةِ الْعَزْمِ عَلَى الدَّوَامِ فَلِذَا خُصِّصَ اللُّزُومُ وَقَوْلُهُ " يَوْمًا وَلَيْلَةً " مُتَعَلِّقٌ بِدَوَامِهِ وَهُوَ أَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَقِيلَ وَلَيْلَةٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فَعَرَّفَ الشَّيْخُ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَهُ الْمَشْهُورُ وَانْظُرْ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِاللُّزُومِ مَعْنًى (قُلْتُ) ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لُزُومَ الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَعْزُومٌ عَلَى ذَلِكَ اللُّزُومِ - يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَيَكُونُ اللُّزُومُ الْمُرَادُ بِهِ اللُّبْثُ وَلَوْ رَدَّ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ مَا سِرُّ ذِكْرِ الدَّوَامِ فِي رَسْمِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ حُذِفَ لَصَحَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنِّي ظَهَرَ لِي
(1/90)

أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِإِخْرَاجِ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْعَزْمَ مُتَعَلِّقُهُ دَوَامُ اللُّزُومِ لَا اللُّزُومُ وَمَا يَتِمُّ الْإِخْرَاجُ لِلصُّوَرِ إلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّمَا يَتِمُّ بِذِكْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ " سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ " اُسْتُثْنِيَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا لِيُخْرِجَ هَذِهِ الصُّورَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ " دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً " فَكَأَنَّهُ قَالَ مَعْزُومٌ عَلَى الدَّوَامِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ لَا يَعْزِمُ عَلَى الدَّوَامِ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ لَكَانَ إذَا خَرَجَ فِي حَالَةِ خُرُوجِهِ يَقَعُ النَّقْضُ بِهِ كَمَا اُعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ إنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا عَلَى الشَّاذِّ وَوَقَعَ الْجَوَابُ عَنْهُ وَإِنَّهُ غَيْرُ مُقْنِعٍ وَقَوْلُهُ " لَوْ لِمُعَيِّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ " الَّذِي فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ لِمُعَيِّنِهِ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالنُّونِ وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى لِمَعْنِيِّهِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ بَعْدَ النُّونِ وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَاجَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَاجَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهَا مَا يُمْنَعُ فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْهَا مَا يَجُوزُ فَإِذَا خُصِّصَ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ وَالضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ بِ " فِيهِ " يَعُودُ عَلَى الْمَسْجِدِ وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى الْمَعْنَى الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِيهِ الْخُرُوجُ وَيُضْطَرُّ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسْجِدِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ إذَا احْتَلَمَ فَيَجِبُ الْخُرُوجُ لِلْغُسْلِ وَلِلْحَيْضِ وَلِلْمَرَضِ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ حَتَّى يَزُولَ الْمَانِعُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَخْرُجَ لِشِرَاءِ طَعَامِهِ الضَّرُورِيِّ بِهِ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا الْأَكْلُ الْخَفِيفُ فَلَا يَخْرُجُ لَهُ وَكَذَلِكَ النَّوْمُ وَهُمَا قَرِيبَتَانِ مَعْنًى.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ عَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاعْتِكَافَ الصَّحِيحَ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ حَدُّ مَا هُوَ أَعَمُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ مَا هُوَ أَخَصُّ وَلِذَا زَادَ فِي حَدِّهِ كَافًا إلَخْ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ هُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاتِهِ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ شُرُوطَهُ وَأَرْكَانَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَافًا عَنْ مَوَانِعِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا بَالُ الشَّيْخِ اعْتَبَرَ مَا هُوَ أَعَمُّ وَفِي الصَّوْمِ رَاعَى مَا هُوَ أَخَصُّ (قُلْتُ) فِي الصَّوْمِ أَتَى بِرَسْمٍ أَعَمَّ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِمَنْ زَادَ الْخُصُوصَ أَنْ يَزِيدَ فِي الرَّسْمِ كَافًا عَنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يَعْتَرِضْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا سَكِرَ لَيْلًا وَصَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ مَعَ أَنَّهُ قَصَدَ الْحَدَّ الصَّحِيحَ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّهُ قَصَدَ الْحَدَّ الصَّحِيحَ عَلَى قَوْلٍ وَلَمْ
(1/91)

يَقْصِدْ الْمَشْهُورَ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ قُيُودَ الْمَشْهُورِ كَالْمَسْجِدِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّوْمُ وَفِيهِ خِلَافٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ جَوَابٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَيْضًا بِعَدَمِ اطِّرَادِهِ إذَا اعْتَكَفَ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ وَهُوَ لَيْسَ بِاعْتِكَافٍ شَرْعِيٍّ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ وَلِذَا زَادَ فِي حَدِّهِ مُبَاحٌ (قُلْتُ) أَشَارَ إلَى الْعَهْدِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمُطْلَقَةِ وَهُوَ الْحَقِيقِيَّةُ وَمَسْجِدُ الدَّارِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَسْجِدٌ بِالْإِطْلَاقِ فَحُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ فِيهِ لِلتَّقْيِيدِ وَلِذَا لَمْ يَعْتَرِضْ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى لِوُرُودِ سُؤَالٍ يُقَالُ فِيهِ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ الشَّيْخُ لِوَصْفِ الْمَسْجِدِ بِالْإِبَاحَةِ بَلْ يَقُولُ كَمَا عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (فَإِنْ قُلْتَ) الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ وَالصَّلَاةُ قُرْبَةٌ وَالصِّيَامُ قُرْبَةٌ وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَيَّرَ الْجِنْسَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مُخْتَلِفٌ (كَذَا) فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ قُرْبَةٌ وَقَالَ فِي الصِّيَامِ عِبَادَةٌ وَقَالَ هُنَا فِي الِاعْتِكَافِ لُزُومُ مَسْجِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاسَبَةِ وَسِرِّ عُدُولٍ وَسِرِّ التَّخْصِيصِ (قُلْتُ) أَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ قَدَّمْنَا إنَّ الْقُرْبَةَ وَالْعِبَادَةَ مُتَقَارِبَانِ إلَّا أَنَّ الْقُرْبَةَ أَخْصَرُ لَفْظًا فَعَدَلَ إلَيْهَا كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقَعَ التَّعْبِيرُ فِيهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِاللُّزُومِ لِأَنَّهُ جِنْسٌ أَقْرَبُ لِلِاعْتِكَافِ وَأَصْلُهُ لُغَةً اللُّزُومُ وَفِي الشَّرْعِ حَقِيقَةً فِي لُزُومٍ خَاصٍّ وَعَدَلَ الشَّيْخُ عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ لِلْعِبَادَةِ إلَى قُرْبَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَيَتَأَكَّدُ السُّؤَالُ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) نَقَلَ الشَّيْخِ هُنَا عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ وَهَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ وَالْحُكْمُ لَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيُقَالُ فِي الصَّلَاةِ كَيْفَ صَحَّ التَّعْرِيفُ بِالْقُرْبَةِ وَصُيِّرَتْ جِنْسًا لِلصَّلَاةِ مُقَيَّدَةً بِمَا ذُكِرَ مَعَهَا (قُلْتُ) لَيْسَتْ الْقُرْبَةُ فِي حَدِّ الصَّلَاةِ مَحْكُومًا بِهَا بَلْ الْمُرَادُ ذِكْرُ جِنْسِهَا الْأَقْرَبِ لَهَا وَلَمَّا عَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاعْتِكَافَ بِقَوْلِهِ لُزُومُ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ الْمَسْجِدَ لِلْعِبَادَةِ صَائِمًا كَافًّا عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ يَوْمًا فَمَا فَوْقَهُ بِالنِّيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرَدُّ بِحَشْوِ الْمُسْلِمِ وَالنِّيَّةِ وَالْجِمَاعِ لِإِغْنَاءِ الْعِبَادَةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ عَنْهَا يَعْنِي لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَهَذَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ شَيْخِهِ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ وَقَعَ فِي كَلَامِ شَيْخِهِ أَيْضًا مَا يُومِئُ إلَيْهِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِأَنَّ حَالَ مَنْ اعْتَكَفَ إلَخْ هَذَا لَمْ
(1/92)

يُشِرْ إلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ حَسَنٌ أَدَارَ فِيهِ التَّقْسِيمَ فِي الْخَارِجِ لِلْحَاجَةِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا فَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ فَالرَّسْمُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِعَدَمِ وُجُودِ لُزُومِ الْمَسْجِدِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ عَكْسُهُ أَيْضًا بِاعْتِكَافِهِ سَائِرَ الْيَوْمِ سِوَى وَقْتِ الْخُرُوجِ لِأَنَّهُ لَمْ يُلَازِمْ الْمَسْجِدَ يَوْمًا كُلَّهُ لِخُرُوجِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ شَرْعًا وَلَمْ يَصْدُقْ فِيهِ الرَّسْمُ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُبْطِلُهُ إلَخْ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا هَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِإِبْطَالِ طَرْدِ الرَّسْمِ أَوْ لِإِبْطَالِ عَكْسِهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لِإِبْطَالِ الْعَكْسِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ أَنَّ ثَمَّ صُورَةٌ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي رَسْمِهِ وَغَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي رَسْمِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ الْعَزْمَ الْمَذْكُورَ وَالضَّمِيرُ فِي الْيَوْمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَعُودُ عَلَى الِاعْتِكَافِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَبْطُلُ عَكْسُهُ حَالَ مَنْ أَتَمَّ يَوْمَ الِاعْتِكَافِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَقَبْلَ تَمَامِهِ مَعْمُولٌ لِلْحَالِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَتَمَّ يَوْمَ الِاعْتِكَافِ بِلُزُومِ الْمَسْجِدِ فَحَالَةُ لُزُومِ الْمُعْتَكَفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ شَرْعًا وَانْظُرْ حَدَّ الصَّوْمِ هَلْ يَرِدُ هَذَا عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا بَالُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّ الْجُمُعَةَ بِالذِّكْرِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَتَرَكَ مَا يُوَافِقُهَا كَالْخُرُوجِ لِتَمْرِيضِ الْأَبَوَيْنِ (قُلْتُ) لَعَلَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مُعَيَّنِهِ إلَخْ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَمْ يَأْتِ بِمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (قُلْتُ) لِأَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي مُسَمَّى الِاعْتِكَافِ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ النَّقْلِ وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَلْزَمُهُ إذَا لَازَمَ الْمَسْجِدَ بِشُرُوطِهِ يَوْمًا أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى بِجُزْءِ الِاعْتِكَافِ لَا بِكُلِّ الِاعْتِكَافِ وَالْجُزْءُ غَيْرُ الْكُلِّ فَهَذِهِ صُورَةٌ نُقِضَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ طَرْدِهِ بِقَوْلِهِ يَوْمًا فَمَا فَوْقَهُ فَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمًا وَلَيْلَةً لِأَنَّ قَوْلَهُ فَمَا فَوْقَهُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْيَوْمِ وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ فِي طَرَفَيْ تَقْسِيمِهِ وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْيَوْمَ إنْ أُرِيدَ بِهِ النَّهَارُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى النَّهَارِ شَيْئًا صَحَّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ مَعَ الْيَوْمِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الدَّوْرَةُ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ
(1/93)

لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الدَّوْرَةِ.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ سَيِّدِي عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِثْلُ قَوْلِك فَصَاعِدًا (قُلْتُ) وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ ابْنِ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا إذَا بَاعَ بِعَشَرَةٍ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْعُهْدَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ فَجَوَابُ الشَّيْخِ سَيِّدِي عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْرِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الزِّيَادَةِ وَيَكُونُ الْتَزَمَ أَنَّ الْيَوْمَ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الدَّوْرَةُ فِي كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَفِيهِ بَحْثٌ.

[بَابُ مَا يَجِبُ بِهِ خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ مِنْ الْمَسْجِدِ]
ِ مَعَ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " طُرُوُّ حَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ " وَيُضَافُ لَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ خُرُوجِهِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابُ مُبْطِلُ الِاعْتِكَافِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يُبْطِلُهُ الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلَّذَّةِ وَلَوْ لَيْلًا وَلَوْ سَهْوًا " هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابُ مَا يُوجِبُ ابْتِدَاءَ كُلِّ الِاعْتِكَافِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إفْسَادُ بَعْضِهِ عَمْدًا مُطْلَقًا وَنِسْيَانًا بِغَيْرِ فِطْرِ الْغِذَاءِ " أَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى مَا يُوجِبُ ابْتِدَاءَ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ كُلِّهَا فَإِذَا أَفْسَدَ بَعْضَ الِاعْتِكَافِ عَمْدًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءً كَانَ بِالْأَكْلِ لَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُفْسِدُهُ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فِي غَيْرِ الْأَكْلِ كَذَلِكَ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَكْلُ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَقْضِي وَيَبْنِي عَلَى مَا قَدَّمَ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابُ الْجِوَارِ فِي الِاعْتِكَاف]
بَابُ الْجِوَارِ
لَمْ يَحُدَّهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يُؤْخَذُ حَدُّهُ مِنْ حَدِّ الِاعْتِكَافِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ
(1/94)

الْجِوَارُ كَالِاعْتِكَافِ إلَّا جِوَارَ مَكَّةَ وَالْمُشَبَّهُ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَهُوَ غَيْرُهُ وَيُمْكِنُ رَسْمُهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ مَكَّةَ بِرَسْمِ الِاعْتِكَافِ وَفِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِقَوْلِنَا لُزُومُ مَسْجِدِ مَكَّةَ نَهَارًا لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْحَجِّ]
(ح ج ج) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الْحَجِّ
ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْخِلَافَ فِي صِحَّةِ تَعْرِيفِهِ فَنُقِلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ وَرَدَّهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ بِأَنَّ حُكْمَ الْفَقِيهِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يَسْتَلْزِمُ إدْرَاكَ فَصْلِهِ أَوْ خَاصَّتِهِ فَلَا عُسْرَ قَالَ الشَّيْخُ تِلْمِيذُهُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْآبِيُّ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُهُ قَالَ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ قَدْ يَكُونُ لِوُجُودِ شَرْطٍ أَوْ عَدَمِهِ وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِأَحَدِهِمَا إدْرَاكُ الْفَصْلِ أَوْ الْخَاصَّةِ. قَالَ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إدْرَاكُ ذَلِكَ فَقَدْ يُدْرَكُ أَحَدُهُمَا وَيُجْهَلُ الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ وَالْحَدُّ إنَّمَا هُوَ بِالْجِنْسِ الْأَقْرَبِ وَالْفَصْلِ وَهَذَا كَمَا قِيلَ الْعِلْمُ لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ فَأَحَدُ مَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْعُسْرِ عَدَمُ الْإِحَاطَةِ بِالْجِنْسِ الْأَقْرَبِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ السَّوَادَ لَوْنٌ وَمَعْنًى وَالْمَعْنَوِيَّةُ جِنْسُهُ الْأَبْعَدُ وَاللَّوْنِيَّةُ جِنْسُهُ الْأَقْرَبُ وَلَا نَعْلَمُ فِي الْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُ مَعْنًى وَالْجِنْسُ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلَيْهِ نِسْبَةُ اللَّوْنِيَّةِ إلَى السَّوَادِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
(قُلْتُ) رَدُّ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ وَإِذَا بَسَطْنَاهُ وَعَلِمْنَا قَصْدَهُ ظَهَرَ لَك ضَعْفُ مَا رَدَّ بِهِ تِلْمِيذُهُ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يُقَالُ لِشَيْخِهِ لَا عُسْرَ فِي تَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الْحَجِّ بَلْ فِيهِ يُسْرٌ لِأَنَّ الْفَقِيهَ الْعَارِفَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَاللَّوَازِمِ لَهَا فَإِذَا حَقَّقَ الْفَقِيهُ مَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ لِلْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهَا وَمِنْ وُجُودِهَا وُجُودُهُ مَعَ فَقْدِ الْمَانِعِ فَإِنْ وُجِدَ مَا ذُكِرَ حُكِمَ بِصِحَّتِهَا وَإِنْ عُدِمَ حُكِمَ بِفَسَادِهَا وَذَلِكَ يَتَقَرَّرُ بِمَا ثَبَتَتْ فَصْلِيَّتُهُ أَوْ خَاصِّيَّتُهُ الْمُمَيِّزَةُ لَهُ وَإِذَا تَقَرَّرَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ مِنْ الْفَقِيهِ سَهُلَ عَلَيْهِ إدْرَاكُ مَا يُصَيِّرُهُ فَصْلًا لِلْمَاهِيَّةِ إنْ عَلِمَهُ أَوْ خَاصَّةً لَهَا إنْ
(1/95)

ثَبَتَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهَا فَكَيْفَ يَقُولُ أَنَّهُ يَعْسُرُ ذَلِكَ عَلَى الْفَقِيهِ فَقَوْلُ تِلْمِيذِهِ الرَّادِّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِوُجُودِ شَرْطٍ أَوْ عَدَمِهِ نَقُولُ ذَلِكَ الشَّرْطُ الَّذِي حُكِمَ بِصِحَّةِ الْمَاهِيَّةِ بِوُجُودِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي تَقَرُّرِ الصِّحَّةِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ كَالْخَاصَّةِ لِلْمَاهِيَّةِ فَقَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ إدْرَاكٌ إلَخْ بَلْ يُقَالُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْفَصْلُ ثَبَتَتْ الْخَاصَّةُ وَهُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ الَّذِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ وَالشَّرْطُ إذَا تَقَرَّرَ فِيهِ مُلَازَمَتُهُ لِلْمَشْرُوطِ طَرْدًا وَعَكْسًا كَانَ كَالْخَاصَّةِ أَوْ خَاصَّةً قَوْلُهُ سَلَّمْنَا إلَخْ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ الْحَدُّ التَّامُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَا يَعُمُّ التَّامَّ وَالنَّاقِصَ بَلْ وَالرَّسْمُ وَإِطْلَاقُ الْحَدِّ عَلَيْهِ سَائِغٌ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِمَا اُسْتُبْعِدَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
ثُمَّ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ لَا يُعْرَفُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِلْحُكْمِ بِوُجُودِهِ ضَرُورَةً وَتَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ضَرُورَةً ضَرُورِيٌّ وَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ تَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا وَالْمَطْلُوبُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وَتَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ قِيلَ أَنَّهُ قَالَ لَا يُحَدُّ وَلَا يُرْسَمُ فَنَقُولُ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ هُنَا كَذَلِكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَعْرِفَتَهُ بِوَجْهٍ مَا فَلِذَا أَجَابَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ مَا وَالْمَطْلُوبُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ هَذَا الرَّدَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا شُرِطَ فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِالدَّلِيلِ وَأَمَّا مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ ضَرُورَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا وَهَذَا مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي التَّصْدِيقِ إذَا كَانَ ضَرُورِيًّا أَنْ يَكُونَ التَّصَوُّرُ ضَرُورِيًّا وَتَأَمَّلْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْفَخْرَ فِي قَوْلِهِمْ الْعِلْمُ لَا يُحَدُّ إمَّا لِعُسْرِهِ وَإِمَّا لِضَرُورَتِهِ وَهُمَا قَوْلَانِ وَعَلَيْهِمَا جَرَى الشَّيْخَانِ فِي بَحْثِهِمَا ابْنُ هَارُونَ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ وَيُمْكِنُ رَسْمُهُ " بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ " فَقَوْلُهُ عِبَادَةٌ جِنْسٌ تَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا قَوْلُهُ يَلْزَمُهَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ خَاصَّةً لَهَا لِأَنَّهَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَلَا يُفَارِقُهَا فَتَمْتَازُ عَنْ كُلِّ عِبَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِذَلِكَ وَيَشْمَلُ الرَّسْمَ الصَّحِيحَ مِنْ ذَلِكَ وَالْفَاسِدَ مِنْهُ (فَإِنْ قُلْتُ) لِأَيِّ شَيْءٍ عَبَّرَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ عِبَادَةٌ وَلَمْ يَقُلْ قُرْبَةٌ كَمَا
(1/96)

قَالَ فِي الصَّلَاةِ وَالْقُرْبَةِ أَخْصَرُ وَيَحْصُلُ قَصْدُهُ مِنْهَا (قُلْتُ) تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي حَدٍّ قَبْلَ هَذَا وَلَمْ تَظْهَرْ قُوَّةُ جَوَابٍ وَالْعِبَادَةُ تَشْمَلُ الْقُرُبَاتِ كُلَّهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا قَالَ تَعَالَى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] فِي الصَّلَاةِ أَشَارَ فِيهَا إلَى حِكْمَتِهَا وَهِيَ التَّقَرُّبُ فَلَاحَظَ ذَلِكَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ اللَّهَ خَصَّ بِهِ الصَّلَاةَ لِشَرَفِهَا وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» فَصَارَتْ الْعِبَادَةُ كَأَنَّهَا أَعَمُّ وَالْقُرْبَةُ كَأَنَّهَا أَخَصُّ عِبَادَةً فَأَتَى فِيهَا بِأَخَصَّ جِنْسٍ وَلِذَلِكَ خَصَّ الصَّلَاةَ بِالْقُرْبَةِ لَا يُقَالُ قَدْ قَالَ تَعَالَى {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77] بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ تَقَرَّبُوا لِرَبِّكُمْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ أَوْ حَدِّهَا قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَهُنَا لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ (قُلْتُ) ذَلِكَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ أَرْكَانَهُ كُلَّهَا لَيْسَتْ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ الْخَارِجِيَّةَ الْحِسِّيَّةَ كُلَّهَا أَفْعَالٌ مَحْسُوسَةٌ وَالْحَجُّ أَعَمُّ لِأَنَّ فِيهِ أَرْكَانًا فِعْلِيَّةً كَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ وَفِيهِ رُكْنٌ لَيْسَ فِعْلِيًّا بَلْ صِفَةً تَقْدِيرِيَّةً تُوجِبُ عَدَمًا لِمَا مُنِعَ فِيهِ كَالْإِحْرَامِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْعِبَادَةَ هُنَا وَقَيَّدَ الْقُرْبَةَ هُنَاكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ أَتَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الصَّلَاةِ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّسْلِيمِ وَلَمْ يَأْتِ بِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ (قُلْتُ) لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ وَلَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا وَتَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ بِالْأَوَّلِ وَتَنْحَلُّ بِالثَّانِي لِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فَذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الصَّلَاةِ خَاصِّيَّتَهَا وَمَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَتَتَقَرَّرُ الصَّلَاةُ بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي التَّعْرِيفِ وَذُكِرَ فِي الْحَجِّ لَازِمُهُ الْخَاصُّ بِهِ الَّذِي يَمْتَازُ بِسَبَبِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْحَجِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» فَكَانَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهُ مِنْهُ بِالْخَاصِّيَّةِ (فَإِنْ قُلْتَ) فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهَلَّا اخْتَصَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ عِبَادَةٌ ذَاتُ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ إلَخْ وَيَحْصُلُ الْقَصْدُ مِنْهُ كَمَا حَصَلَ الْقَصْدُ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ ذَاتُ إلَخْ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُهَا أَصْرَحُ فِي الرُّكْنِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ ذَاتُ وُقُوفٍ وَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَاتَ بِمَعْنَى صَاحِبُ وَالصُّحْبَةُ تَقْتَضِي الْمُلَازَمَةَ لَكِنَّ ذَلِكَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ وَخُصَّ ذَلِكَ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِذَاتِ وُقُوفٍ فَقَدْ يُرَدُّ عَلَيْهِ النَّقْضُ بِصَلَاةِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْخُطْبَةِ لِأَنَّهُمَا يَصْحَبُهُمَا وُقُوفٌ فَيُرَدُّ عَدَمُ الطَّرْدِ عَلَى رَسْمِهِ فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُهَا يَقْتَضِي لُزُومًا لِلْعِبَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلُزُومُ الْوُقُوفِ لَيْسَ لِذَاتِ
(1/97)

الْخُطْبَةِ وَلَا الصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِهِ عَرَّفَ الصَّلَاةَ تَعْرِيفًا وَاحِدًا وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْخَاصَّةِ وَالْحَجِّ قَدْ قَرَّرَ فِيهِ تَعْرِيفَيْنِ وَذَكَرَ فِي الثَّانِي جَمِيعَ لَوَازِمِهِ شَرْعًا.
(قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا ذُكِرَ مَا ذُكِرَ مِنْ عُسْرِهِ أَرَادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُبَيِّنَ يُسْرَهُ بِحَدَّيْنِ بِرَسْمٍ تَامٍّ أَوْ بِحَدٍّ عَلَى مَا فِيهِ وَأَنَّ الْفَقِيهَ الْعَارِفَ بِقَوَاعِد الشَّرِيعَةِ لَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ رَسْمُهُ عِنْدَهُ أَوْ حَدُّهُ فَفِي ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ التَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ عَسُرَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَيُكْتَفَى بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
(قُلْتُ) لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ فِيهِ نَوْعَ إجْمَالٍ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ تَعَرَّضَ لِمَا يُفَسِّرُهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَذَلِكَ مُفِيدٌ لِلتَّفْسِيرِ وَأَخْصَرُ مِمَّا فُسِّرَ بِهِ كَمَا قَالَ بَعْدُ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَآهُ أَبْيَنَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اللَّيْلَةُ الْآتِيَةُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يُقَالُ أَنَّ هَذَا يُرَدُّ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الطَّوَافِ لِظُهُورِ عَدَمِ وُرُودِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَحَدُّهُ بِزِيَادَةٍ وَطَوَافٍ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ بِالْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ سَبْعًا بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمِنْهَا إلَيْهَا سَبْعًا بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ لَا بِقَيْدِ وَقْتِهِ بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيُمْكِنُ حَدُّهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ رَسْمِيٌّ وَالثَّانِي حَدِّيٌّ وَلَا فَرْقَ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ بِالْخَاصَّةِ وَالثَّانِي بِالذَّاتِيِّ وَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى الْأَجْزَاءِ الذَّاتِيَّةِ هُنَا وَيَقَعُ التَّعْرِيفُ بِهَا وَقَدْ قَدَّمْنَا إشْكَالَهُ وَمَا فِيهِ وَرَأَيْتُ عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِيهِ تَسَامُحٌ فِي إطْلَاقِ الْحَدِّ هُنَا وَهَذَا صَحِيحٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُمْكِنُ حَدُّهُ بِزِيَادَةٍ إلَخْ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْأَوَّلَ رَسْمِيٌّ وَأَضَافَ إلَيْهِ مَا يُصَيِّرُهُ رَسْمًا شَبِيهًا بِالْحَدِّ بِزِيَادَةِ خَوَاصِّ الْمَاهِيَّةِ كُلِّهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُمْكِنُ رَسْمُهُ رَسْمًا تَامًّا بِالْأَوَّلِ وَرَسْمًا بِالثَّانِي بِزِيَادَةِ هَذِهِ الْخَوَاصِّ فِيهِ اللَّازِمَةِ لَهُ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا وَهَذَا يَرِدُ فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَجْزَاءَ الْحَدِّ وَذَاتِيَّتَه فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ذُكِرَ وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّ الرَّسْمَ أَطْلَقَهُ عَلَى الْحَدِّ النَّاقِصِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يُمْكِنُ حَدُّهُ حَدًّا نَاقِصًا بِالْأَوَّلِ وَحَدًّا تَامًّا بِالثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ ذُكِرَ فِيهِ بَعْضُ ذَاتِيَّاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَالثَّانِي اُسْتُوْفِيَ فِيهِ ذَلِكَ وَرُبَّمَا أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا فَقَالَ إنَّ لُزُومَ الْأَجْزَاءِ لِلْمَاهِيَّةِ خَاصَّةٌ لَهَا فَلَيْسَ ثَمَّ ذَاتِيٌّ وَوَقَعَ هُنَا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمَشَذَّالِيِّ كَلَامٌ قَالَ لَا خَفَاءَ أَنَّ لُزُومَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ذَاتِيٌّ لِلْحَجِّ لِأَنَّهُ
(1/98)

رُكْنٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَسْمًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَى فِي الرَّسْمِ بِالذَّاتِيَّاتِ كُلِّهَا وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ اللُّزُومَ الْمَذْكُورَ خَارِجِيٌّ فَيَلْزَمُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِيِّ ضَرُورَةً قَوْلُهُ أَنَّهُ يُحَدُّ بِزِيَادَةِ مَا ذُكِرَ فَيُضَافُ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ وَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ إنَّا نَلْتَزِمُ صِحَّةَ الرَّسْمِ وَأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ وَالْخَاصَّةُ وَقَوْلُكُمْ ذِي الْوُقُوفِ ذَاتِيٌّ مَمْنُوعٌ إنَّمَا الذَّاتِيُّ فِعْلُ الْوُقُوفِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا ذَكَرْنَا وَمِثْلُ هَذَا وَاقِعٌ لِلْوَانُّوغِيِّ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَطَوَافُ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ يَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ الْحَدَّ لِلْحَجِّ الشَّرْعِيِّ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا قَالَ بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي رُبَّمَا يُفْهَمُ أَنَّ مُرَادَهُ الْمَاهِيَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَجْزَاءِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الطَّائِفَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَالْمُصَلِّي فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ وَالطُّهْرُ الْأَخَصُّ هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْكُبْرَى ثُبُوتُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَلِذَا قِيلَ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذِي طُهْرٍ فَقَطْ لَصَدَقَ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إذَا كَانَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ الطَّوَافُ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَرْعًا وَأَيْضًا لَوْ أَطْلَقَ الطُّهْرَ دَخَلَتْ طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَهِيَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ بَلْ فِي كَمَالِهِ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ هَذَا أَقْرَبُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ وَقَدْ فَسَّرَهُ تِلْمِيذُهُ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ وَيَعْنِي بِطُهْرٍ أَخَصَّ أَنَّ الِاغْتِسَالَاتِ فِي الْحَجِّ لَا تَكْفِي إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ ذَلِكَ الَّذِي اغْتَسَلَ لَهُ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الِاغْتِسَالَاتِ إنَّمَا هِيَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهَا فِي خَاصِّيَّتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ لِأَنَّ اغْتِسَالَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ وَلَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ شَرْطُ الطَّوَافِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قُلْتُمْ بِأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدَّ الْمَاهِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَعَمَّ مِنْ صَحِيحِهَا أَوْ فَاسِدِهَا فَمَا بَالُهُ اشْتَرَطَ فِي الطَّوَافِ شَرْطَ صِحَّتِهِ وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ ذَاتِ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَلَمْ يَقُلْ لِذِي طُهْرٍ أَخَصَّ (قُلْتُ) لَمَّا احْتَاجَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى جَمْعِ أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ وَكَانَ فِيهَا مَا هُوَ جَلِيٌّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ وَذَكَرَ الطَّوَافَ احْتَاجَ إلَى بَيَانِهِ بِمَا صَيَّرَهُ الشَّارِعُ رُكْنًا فِي الْحَجِّ وَأَمَرَ بِهِ فَذَكَرَ صِفَةَ الطَّوَافِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهَا وَفِيهِ بَحْثٌ وَقَوْلُهُ بِالْبَيْتِ أَخْرَجَ بِهِ الطَّوَافَ بِغَيْرِ الْبَيْتِ وَالْبَيْتُ الْكَعْبَةُ عَلَمٌ عَلَى ذَلِكَ مَشْهُورٌ وَقَوْلُهُ عَنْ
(1/99)

يَسَارِهِ بَيَانٌ لِصِفَةِ صِحَّةِ الطَّوَافِ الشَّرْعِيِّ وَنَصَبَ سَبْعًا عَلَى الْمَصْدَرِ كَقَوْلِك ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً وَبَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ أَخْرَجَ بِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ وَبَيَّنَ بِهِ إنَّ ذَاتِيَّ الْحَجِّ مِنْ الطَّوَافِ إنَّمَا هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لِقَوْلِهِ ثُمَّ أَفِيضُوا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ صَحِيحٌ وَأَمَّا تَرْتِيبُ كَوْنِ الْبَيْتِ عَنْ الْيَسَارِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ.
(قُلْتُ) نَعَمْ ذَلِكَ شَرَطَ فِي صِحَّتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلِ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَالَ يَتَخَرَّجُ إذَا طَافَ مَنْكُوسًا عَلَى تَارِكِ السُّنَنِ مُتَعَمِّدًا وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ بَعْدَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ قِيلَ وَأَجْرَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ التَّنْكِيسُ فِي الْعِبَادَةِ أَمَّا فِي تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ فَفِي ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَأَمَّا فِي تَنْكِيسِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ تَقْدِيمِ سُجُودِهَا عَلَى رُكُوعِهَا فَذَلِكَ يُبْطِلُهَا بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ كَانَ فِي تَنْكِيسِ صِفَةِ الْأَقْوَالِ مِثْلُ قِرَاءَتِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِالْحَمْدِ فَقَطْ وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ مُتَعَمِّدًا فَقِيلَ الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ وَقِيلَ بِبُطْلَانِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ مَعَ أَنَّهُ فَرْضُهُ رَكْعَتَانِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَتَى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ تُجْزِئُ عَنْ الظُّهْرِ ثُمَّ قَالَ وَمَسْأَلَةُ الطَّائِفِ بِالْبَيْتِ مَنْكُوسًا أَشَدُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هَذَا الَّذِي رَأَيْته عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ وَيُرَدُّ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَيْفَ يَصِحُّ لَهُ الدَّلِيلُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ الْمُصَلِّي بِالْقَرْيَةِ فَإِنَّ فِيهَا تَرْكَ السُّنَّةِ مُتَعَمِّدًا وَالتَّنْكِيسُ لَمْ يُوجَدْ وَقَصْدُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ تَرْكُ السُّنَّةِ مُتَعَمِّدًا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ فِيمَا يَظْهَرُ وَيُفْهَمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَسَعْيٌ مَعْطُوفٌ عَلَى طَوَافٍ وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الذَّاتِيُّ الثَّالِثُ. ثُمَّ إنَّهُ رَسَمَهُ أَيْضًا كَمَا رَسَمَ الطَّوَافَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلسَّامِعِ فَبَيَّنَهُ بِخَوَاصِّهِ فَقَالَ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ وَهَذَا الرَّتِيبُ وَاجِبٌ وَغَيْرُهُ لَغْوٌ وَمِنْهَا أَيْ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا سَبْعًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْضًا. ثُمَّ أَشَارَ إلَى شَرْطِ السَّعْيِ الذَّاتِيِّ وَهُوَ شَرْطُ صِحَّتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ الطَّوَافِ الْمَذْكُورِ بِصِفَتِهِ وَهُوَ طَوَافُ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ لَا يُقَيَّدُ وَقْتُهُ أَخْرَجَ بِهِ خُصُوصَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّ السَّعْيَ أَنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُصُولُ طَوَافٍ قَبْلَهُ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ لَا خُصُوصَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ
(1/100)

وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ طَوَافًا وَاجِبًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي وَقْتِ السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَقْتُ الطَّوَافِ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ صِفَةٍ لِلْعِبَادَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ عِبَادَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِإِحْرَامٍ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَجْزَائِهَا لَا فِي وُقُوفِهَا وَلَا فِي طَوَافِهَا وَلَا فِي سَعْيِهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُجْتَمِعَةٌ وَأَنَّ الْإِحْرَامَ مَصْحُوبٌ بِكُلٍّ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَزِدْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَكَانَ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الطَّوَافُ جُزْءًا مِنْ الْحَجِّ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ذَاتِ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ فِي الْجَمِيعِ (قُلْتُ) الْفَارِقُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَاتٌ وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِذَا قَالَ عِزُّ الدِّينِ إذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَجْزَائِهَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَلَامُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَسَنٌ جِدًّا وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ فِي كَوْنِهِ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ لِلْمَحْدُودِ الْإِحْرَامَ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ كَمَا بَيَّنَ مَا أُبْهِمَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَجِّ فَأَحَالَ السَّامِعَ عَلَى إبْهَامٍ فِي مَقَامِ الْإِفْهَامِ.
(فَالْجَوَابُ) أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ حُسْنِ إدْرَاكِهِ وَبَلَاغَةِ فَهْمِهِ لَمَّا كَانَ الْإِحْرَامُ فِيهِ أَشْكَالٌ وَأَقْوَالٌ وَاسْتَشْكَلَ فَهْمُهُ عِزُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ احْتَاجَ إلَى تَعْرِيفٍ لَهُ مُسْتَقِلٍّ فِيهِ طُولٌ وَذَكَرَهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا وَحَقَّقَهُ وَعُلِمَ أَنَّ تَأْلِيفَهُ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَلُحَتْ جَوْدَتُهُ وَمُشَارَكَتُهُ وَطَالَعَهُ فَاتَّكَلَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ لِكَثْرَةِ طُولِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَأَفْهَمَ مَقْصِدَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَجْزَاءِ الْحَجِّ وَأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ذَلِكَ فَهَلَّا اشْتَرَطَ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ لَا يَقِفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ عَرَفَةَ مِنْ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ مِنْ الْحِلِّ فَهَلَّا زَادَ ذَلِكَ فِي هَذَا الرُّكْنِ كَمَا ذَكَرَ التَّرْتِيبَ فِي الطُّولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ اتَّكَلَ عَلَى رَسْمِ الْوُقُوفِ الرُّكْنِيِّ لِمَا يَأْتِي لَهُ كَمَا أَشَارَ إلَى الْإِحْرَامِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ.

[بَابٌ فِيمَا يَجِبُ الْحَجُّ بِهِ وَمَا يَصِحُّ بِهِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يَجِبُ بِالتَّكْلِيفِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ وَالْإِسْلَامِ " قَوْلُهُ " بِالتَّكْلِيفِ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مِنْ مَجْنُونٍ وَمَا شَابَهَهُ " وَالْحُرِّيَّةِ " أَخْرَجَ
(1/101)

بِهَا الْعَبْدَ " وَالِاسْتِطَاعَةِ " أَخْرَجَ بِهَا غَيْرَ الْمُسْتَطِيعِ " وَالْإِسْلَامِ " أَخْرَجَ بِهِ الْكَافِرَ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذِهِ شُرُوطُ وُجُوبٍ أَوْ شُرُوطُ صِحَّةٍ (قُلْتُ) شُرُوطُ وُجُوبٍ وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ فِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الشَّيْخُ بَعْدَ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَيَصِحُّ بِالْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ فَيَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَمِنْ الْعَبْدِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَتَأَمَّلْ لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ عَنْ عِبَارَةِ الصِّيَامِ فِي قَوْلِهِ شُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْعَبْدِ وَإِذَا حَجَّ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَالْجُمُعَةُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا الْحُرِّيَّةُ وَإِذَا صَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنْ ظُهْرِهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا (قُلْتُ) الْجُمُعَةُ اُخْتُلِفَ فِي خِطَابِهِ بِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهَا فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِحَقِّ السَّيِّدِ فَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ حَاصِلٌ وَقِيلَ إنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا كَمَا قِيلَ فِي الْحَجِّ وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ إنَّمَا أَجْزَأَتْهُ فِي الْجُمُعَةِ عَنْ الظُّهْرِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ وَالْحَجُّ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب الِاسْتِطَاعَة فِي الْحَجّ]
بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ
قُدْرَةُ الْوُصُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ وَزَادٌ وَرَاحِلَةٌ.

[بَابٌ فِي مُسْقِطِ وُجُوبِ الْحَجّ]
يَسْقُطُ بِطَلَبِ نَفْسٍ أَوْ مُجْحِفٍ أَوْ مَا لَا حَدَّ لَهُ.

[بَابُ شُرُوطِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ]
صِحَّةُ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ أَوْ نَاسٍ.

[بَابُ إحْرَامِ الْحَجِّ]
(ح ر م) : بَابُ إحْرَامِ الْحَجِّ
ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عِزَّ الدِّينِ اسْتَشْكَلَ تَعْرِيفَهُ وَأَنَّهُ أَبْطَلَ كَوْنَهُ التَّلْبِيَةَ لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَالتَّلْبِيَةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَأَبْطَلَ كَوْنَ الْإِحْرَامِ النِّيَّةَ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي الْحَجِّ فَهِيَ خَارِجَةٌ وَالْإِحْرَامُ دَاخِلٌ وَنُقِلَ أَنَّ تَقِيَّ الدِّينِ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ الدُّخُولُ إلَخْ قَالَ وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
(1/102)

بِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ الدُّخُولُ بِهِ النِّيَّةُ وَالتَّلْبِيَةُ وَالتَّوَجُّهُ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ وَالنِّيَّةُ وَالتَّلْبِيَةُ لِلْمَكِّيِّ وَالْوَاجِبُ مِنْ هَذِهِ النِّيَّةِ وَحْدَهَا وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ وَاجِبٍ وَالْإِحْرَامُ جُزْءٌ قَالَ الشَّيْخُ وَيُرَدُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِأَنْ نَقُولَ التَّوَجُّهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي وَالصَّقَلِّيِّ أَنَّهُمَا حَدَّاهُ بِاعْتِقَادِ الدُّخُولِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَمْ يَرْتَضِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْحُدُودِ ثُمَّ رَدَّ حَدَّ تَقِيِّ الدِّينِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ أَدَارَ التَّقْسِيمَ فِي قَوْلِهِ الدُّخُولُ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ إلَخْ فَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ وَهُوَ إنْشَاؤُهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ وَإِذَا دَخَلَ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْإِحْرَامِ حَقِيقَةً بَعْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْرَمٍ بِدُخُولِهِ هَذَا خُلْفٌ وَإِنْ أَرَادَ بِالدُّخُولِ مُطْلَقَ فِعْلِ الْحَاجِّ أَوْ مُطْلَقَ فِعْلِ مَا فِي الْعُمْرَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ الْمُحْصَرِ الْإِحْرَامَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنَّ النَّائِمَ لَا إحْرَامَ لَهُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَدَّ الصَّقَلِّيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِقَوْلِهِ وَيَبْطُلُ الْحَدُّ الثَّانِي بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْغَافِلِ عَنْ الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ جَامِعٍ لِأَنَّهُمْ مُحْرِمُونَ إجْمَاعًا ثُمَّ قَالَ وَلَا يُرَدَّانِ أَيْ الْحَدَّانِ اللَّذَانِ رَدَّهُمَا بِأَنْ يُقَالَ الدُّخُولُ فِي الْحَجِّ مُضَافٌ لِلْحَجِّ وَالْإِحْرَامُ جُزْءٌ مِنْ الْحَجِّ فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْحَجِّ عَلَى الْإِحْرَامِ فَصَارَ الْحَجُّ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْحَجِّ إمَّا أَنَّ الْحَجَّ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ وَالتَّعْرِيفُ لِلْمَاهِيَّةِ يَقَعُ بِهِ وَإِمَّا أَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ وَقَعَ تَعْرِيفُهُ بِمَا أُضِيفَ إلَى الْحَجِّ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الدَّوْرُ وَهُوَ بَاطِلٌ عَقْلًا.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُرَدُّ هَذَا الدَّوْرُ لِأَنَّا نَمْنَعُ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ الْقَائِلَةَ وَالْإِحْرَامُ جُزْءُ الْحَجِّ فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْحَجِّ عَلَيْهِ وَبَيَانُ سَنَدِ الْمَنْعِ أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مُعَرَّفًا بِغَيْرِ الْحَدِّ التَّامِّ إمَّا بِحَدٍّ نَاقِصٍ أَوْ رَسْمٍ تَامٍّ أَوْ نَاقِصٍ وَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ إلَّا إذَا وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِالْحَدِّ التَّامِّ أَوْ بِنَاقِصٍ وَيَكُونُ مُجَرَّدَ الْإِحْرَامِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي اخْتِصَارِهِ مَعَ غَزَارَةِ كَثْرَةِ جَمْعِهِ وَعِلْمِهِ. ثُمَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَغْلَظَ فِي الصَّدْعِ بِالْحَقِّ وَالنُّطْقِ بِالصِّدْقِ إنْ كُلُّهُمْ تَكَلَّمَ بِالْغَلَطِ أَيْ كُلُّ شَخْصٍ حَادٌّ أَوْ بَاحِثٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الْغَلَطِ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الشُّعُورِ بِمُمَيِّزِ مَاهِيَّةِ الْإِحْرَامِ وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ عَنْ الَّذِي يَنْعَقِدُ
(1/103)

الْإِحْرَامُ بِهِ وَبِوُجُودِهِ فَالنِّيَّةُ يَنْعَقِدُ بِهَا الْإِحْرَامُ وَكَذَلِكَ التَّوَجُّهُ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ الْإِحْرَامِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ قَطْعًا كَمَا نَقُولُ الصَّلَاةُ لَهَا إحْرَامٌ وَتَكْبِيرُ إحْرَامٍ فَالتَّكْبِيرُ مَعَ النِّيَّةِ سَبَبٌ فِي حُصُولِ الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ مُسَبَّبٌ فَاحْتَاجَ الشَّيْخُ الْمُحَقِّقُ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ وَذَكَرَ سَبَبَهُ هَذَا مِنْ مَحَاسِنِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَزَارَةِ عِلْمِهِ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَسْمِ الْإِحْرَامِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُرْمَةَ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَالطِّيبِ وَلُبْسِ الذُّكُورِ الْمَخِيطَ وَالصَّيْدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَا يَبْطُلُ بِمَا تَمْنَعُهُ
(أَقُولُ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَى أَنَّ الْإِحْرَامَ مَعْنًى حُكْمِيٌّ تَقْدِيرِيٌّ كَالطَّهَارَةِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلِذَا ذَكَرَ الْجِنْسَ لِيُنَاسِبَ الْمَحْدُودَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَقُولَتِهِ. وَقَوْلُهُ حُرْمَةٌ يَخْرُجُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَهُوَ كَالْفَصْلِ. قَوْلُهُ مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ إذَا حَرُمَ الْمُقَدِّمَاتُ حَرُمَ الْوَطْءُ وَلِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ مُقَدِّمَةُ الْوَطْءِ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَعُمُّ فَيَقُومُ مَقَامَ الْجَمْعِ وَهُوَ أَخْصَرُ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا فَصَرَّحَ بِمَا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فِي الْحَدِّ. قَوْلُهُ مُطْلَقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَجِهَارًا كَانَ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِطْلَاقِ لَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا بِخِلَافِ إلْقَاءِ التَّفَثِ وَالطِّيبِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَقْرَبُ وَلَوْ قَالَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُرْمَةَ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الْإِطْلَاقِ لَصَدَقَ فِي حَالَةِ الطَّوَافِ مَثَلًا فَصَدَقَ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ أَنَّهُ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْمُقَدِّمَاتِ فَمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَجِّ لَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ التَّحْرِيمِ فِيهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ مُطْلَقًا أَيْ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الْحَجِّ قَوْلُهُ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ عَطْفٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ وَالطِّيبِ كَذَلِكَ وَلُبْسِ الذُّكُورِ الْمَخِيطَ إلَى آخِرِهِ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا زَادَ الذُّكُورَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهَا ذَلِكَ لِأَنَّ إحْرَامَهَا غَيْرُ إحْرَامِ الرَّجُلِ وَلِلشَّيْخِ فِي لَفْظِ إحْرَامِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بَحْثٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ وَالصَّيْدُ كَذَلِكَ فِي الْعَطْفُ وَمُرَادُهُ الِاصْطِيَادُ لَا مِلْكُ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ صَيْدٌ ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَمْ يَكُنْ حَامِلُهُ لَا يَسْقُطُ مِلْكُهُ عَنْهُ فَفِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ اُنْظُرْ مَا فِي الصَّيْدِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَطْلَقَ الصَّيْدَ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَرِّ لَا الْبَحْرِ (قُلْتُ) رَأَى أَنَّ الصَّيْدَ الْمُطْلَقَ لَقَبٌ عَلَى صَيْدِ الْبَرِّ. قَوْلُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ رَاجِعٌ لِلْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُمْنَعُ مَعَ الِاخْتِيَارِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
(1/104)

قَوْلُهُ لَا يَبْطُلُ بِمَا تَمْنَعُهُ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ أَوْ حَالٌ وَزَادَ ذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ إحْرَامَ غَيْرِهَا يَبْطُلُ بِمَمْنُوعِهِ كَإِحْرَامِ الصَّلَاةِ وَإِحْرَامِ الِاعْتِكَافِ وَإِحْرَامِ الصَّوْمِ وَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ وَمُرَادُهُ بِالْبُطْلَانِ قَطْعُهَا أَيْ لَا يَجِبُ قَطْعُهَا بِحُصُولِ مَمْنُوعِهَا وَإِنْ كَانَ الْمَمْنُوعُ مِمَّا يُفْسِدُ الْحَجَّ كَالْوَطْءِ لِأَنَّ مَمْنُوعَاتِ الْحَجِّ مِنْهَا مُفْسِدٌ وَغَيْرُ مُفْسِدٍ هَذَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِّ وَفِيهِ بَحْثٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الْأَخِيرُ أَيُّ شَيْءٌ أَخْرَجَ بِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْإِحْرَامَاتِ الَّتِي شَارَكَتْ هَذَا الْإِحْرَامَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصِّفَاتِ (قُلْتُ) كَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مَا يُخْرَجُ بِهِ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ إنْ سُلِّمَ دُخُولُهُ فَلَا يُشَارِكُ الْإِحْرَامَ الْمَذْكُورَ فِيمَا ذُكِرَ وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَالصِّيَامُ وَلَمْ يُبَيِّنْ بِهِ إلَّا زِيَادَةً خَاصَّةً لِهَذَا الْإِحْرَامِ.

[بَابُ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ إحْرَامُ الْحَجِّ]
(ع م ر) : بَابُ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ إحْرَامُ الْحَجِّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَوَجُّهِ الْمَاشِي أَوْ اسْتِوَاءِ الرَّاكِبِ عَلَى رَاحِلَتِهِ " قَوْلُهُ " بِالنِّيَّةِ " هُوَ قَرِيبٌ مِمَّا مُيِّزَ بِهِ إحْرَامُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا وَتَأَمَّلْ مَا سِرُّ تَلْوِينِهِ فِي الْعِبَارَةِ هُنَا مَعَ مَا فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَهُنَا صَيَّرَ مِثْلَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي الْإِحْرَامِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ قَوْلُهُ " ابْتِدَاءِ تَوَجُّهِ الْمَاشِي " يُرِيدُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَاجِلًا. قَوْلُهُ " أَوْ اسْتِوَاءِ إلَخْ " هَذَا فِي الرَّاكِبِ وَلَا يُزَادُ التَّلْبِيَةُ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ إلَّا مَا وَقَعَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاللَّخْمِيِّ (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِيهَا إذَا قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَهُوَ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ نِيَّةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا (قُلْتُ) تَأْوِيلُ بَعْضِهِمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِإِنْشَاءِ إحْرَامٍ وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ إنْشَاءٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ وَعَلَى الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ هُنَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَعْنَاهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/105)

[بَابٌ فِي الْعُمْرَةِ]
ع م ر) : بَابٌ فِي الْعُمْرَةِ
يُؤْخَذُ حَدُّهَا مِنْ كَلَامِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنْ نَقُولَ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ فِي إحْرَامٍ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ فَقَوْلُنَا عِبَادَةٌ جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ وَقَوْلُنَا يَلْزَمُهَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ إلَخْ يَخْرُجُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ (فَإِنْ قُلْتَ) حَجُّ الْقَارِنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجْمَعُ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (قُلْتُ) لَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْحَجِّ بَلْ لِأَجْلِ عُمْرَةِ الْقِرَانِ وَأَيْضًا فَلَا يُرَدُّ حَجُّ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَوَافٌ وَسَعْيٌ فَقَطْ بَلْ لَوَازِمُ الْحَجِّ الْمَذْكُورَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ بِالْعُمْرَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ قَالُوا إنَّهَا عُمْرَةٌ وَيَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ فَكَيْفَ يَصْدُقُ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) لَا يَخْلُو إطْلَاقُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْجَمْعِ مِنْ مُسَامَحَةٍ فِي ذَلِكَ وَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ وَالْمَكَانِيُّ تَعْرِيفُهُمَا جَلِيٌّ.

[بَابُ الْإِفْرَادِ فِي الْحَجِّ]
(ف ر د) : بَابُ الْإِفْرَادِ
فِي الْحَجِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْإِفْرَادُ الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ الْحَجِّ فَقَطْ " قَوْلُهُ " الْإِحْرَامُ " جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْقِرَانُ وَالْمُتْعَةُ. قَوْلُهُ " فَقَطْ " أَخْرَجَ بِهِ مَا ذُكِرَ فَقَوْلُهُ فَقَطْ أَصْلُهُ مَا تَقَدَّمَ مِرَارًا.

[بَابُ الْقِرَانِ]
(ق ر ن) : بَابُ الْقِرَانِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يُقَالُ الْإِرْدَافُ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ قِرَانٌ لَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ قِرَانٌ أَيْ مُلْحَقٌ بِالْقِرَانِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمُتْعَةِ]
(م ت ع) : بَابُ الْمُتْعَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " إحْرَامُ مَنْ أَتَمَّ رُكْنَ عُمْرَتِهِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ
(1/106)

وَلَوْ بِآخِرِ شَرْطٍ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِحَجِّ عَامِهِ لَا حَلْقِهَا " قَوْلُهُ " إحْرَامُ مَنْ أَتَمَّ " جِنْسٌ وَمَا بَعْدَهُ يَخْرُجُ بِهِ الْقِرَانُ وَالْإِفْرَادُ. قَوْلُهُ " وَلَوْ بِآخِرِ " أَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِحْلَالَ مِنْ الْعُمْرَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ أَيُّ رُكْنٍ كَانَ وَلَوْ بِشَرْطٍ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَقَعُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ بَعْدَهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ سَعْيُهُ لَا حَلْقُهُ وَلَوْ بَعْضُ السَّعْيِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا حَلْقِهَا أَيْ لَا حَلْقِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى آخِرِ أَيْ وَلَوْ بِآخِرِ شَرْط لَا بِحَلْقِ وَقَوْلُهُ " لِحَجِّ عَامِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنْ عَامَيْنِ وَهَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ قِيلَ بِاتِّفَاقٍ وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ وَهُوَ إتْمَامُ رُكْنٍ مِنْ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ وَهُوَ جَلِيٌّ كَمَا قَرَّرَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ عَرَّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُتْعَةَ الْمُطْلَقَةَ أَوْ الْمُتْعَةَ الَّتِي يَلْزَمُ الدَّمُ فِيهَا فَإِنْ عَرَّفَ الْمُتْعَةَ الْمُطْلَقَةَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ ثُمَّ يَذْكُرُ شُرُوطَ وُجُوبِ الدَّمِ وَإِنْ عَرَّفَ الْمُتْعَةَ الَّتِي يَجِبُ الدَّمُ فِيهَا فَقَدْ أَسْقَطَ شَرْطَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَقِيقَةُ الْمُتْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَهُ مَا ذُكِرَ وَلَا تَصْدُقُ الْمُتْعَةُ عَلَى غَيْرِهَا وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَشَرْطُ الدَّمِ فِيهَا ذِكْرُهُ بَعْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمُرَاهِقِ]
(ر هـ ق) : بَابُ الْمُرَاهِقِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَنْ خَافَ فَوَاتَ الْوُقُوفِ إنْ طَافَ وَسَعَى " قَالَ الْبَاجِيُّ مَنْ ضَاقَ وَقْتُ إدْرَاكِ وُقُوفِهِ عَنْهُمَا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ. وَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّسْمَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الرَّمَلِ]
(ر م ل) : بَابُ الرَّمَلِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " التَّلْقِينُ هُوَ الْخَبَبُ " الْبَاجِيُّ الْإِسْرَاعُ بِالْخَبِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(1/107)

[بَابٌ فِي الْوُقُوفِ الرُّكْنِيِّ]
وق ف) : بَابٌ فِي الْوُقُوفِ الرُّكْنِيِّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ " كَوْنٌ غَيْرُ مَشْيٍ بِعَرَفَةَ لَيْلًا سِوَى عُرَنَةَ " قَوْلُهُ " كَوْنٌ " جِنْسٌ يَعُمُّ السُّكُونَ وَالْمَشْيَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُقُوفِ وَالْجُلُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ " غَيْرُ مَشْيٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَارَّ بِعَرَفَةَ وَبِعَرَفَةَ يَتَعَلَّقُ بِكَوْن وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ " لَيْلًا " إذَا وَقَفَ بِالنَّهَارِ وَ " سِوَى عُرَنَةَ " مَوْضِعٌ بِالْحَرَمِ وَعَرَفَةَ كُلُّهَا حِلٌّ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ عَرَّفَ الشَّيْخُ الْوُقُوفَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَوْ الْأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ (قُلْتُ) إنْ قَصَدَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ إشْكَالٌ وَإِنْ قَصَدَ الْأَعَمَّ فَفِيهِ الْإِشْكَالُ لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَارَّ إذَا لَمْ يَقِفْ فَفِيهِ خِلَافٌ وَقَالَ فِيهَا قُلْتُ مَنْ مَرَّ بِهَا بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقِفْ أَيُجْزِئُهُ قَالَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ وَقَفَ لَيْلًا بَعْدَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ نَكْشِفْهُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَأَمَّا إنْ نَوَى بِمُرُورِهِ الْوُقُوفَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَصَدَ الْمُخْتَلِفَ فَلَا يَظْهَرُ لِاسْتِثْنَائِهِ عُرَنَةَ سِرٌّ لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا مَرَّ بِعَرَفَةَ جَاهِلًا فَقِيلَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَيَحْتَاجُ هَذَا إلَى تَأَمُّلٍ مَعَ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ اُنْظُرْ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ كَوْنٌ غَيْرُ مَشْيٍ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ الْعَشْرِ مِنْ ذِي حِجَّةٍ إلَخْ لِئَلَّا يَكُونَ رَسْمُهُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ بِمَا لَا يَخْفَى (قُلْتُ) قَرِينَةُ قَوْلِهِ الْوُقُوفِ الرُّكْنِيِّ يَعْنِي فِي الْحَجِّ يُغْنِي عَنْهُ وَلَا يَخْلُو مِنْ تَسَامُحٍ فِيهِ.

[بَابُ وَقْتِ أَدَاءِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ " قَوْلُهُ " يَوْمُ النَّحْرِ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ " طُلُوعِ الْفَجْرِ " لِأَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَهُ. لَغْوٌ قَوْلُهُ " إلَى الْغُرُوبِ " (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ هَلْ يَرْمِي (قُلْتُ) يَرْمِي وَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِ الدَّمِ قَالَ الشَّيْخُ فَعَلَى الدَّمِ يَكُونُ اللَّيْلُ قَضَاءً وَعَلَى نَفْيِهِ يَكُونُ وَقْتَ ضَرُورَةِ أَدَاءً فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/108)

[بَابُ أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْي]
ِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَآخِرُهُ
قَالَ " مِنْ الزَّوَالِ وَآخِرُهُ إلَى الْغُرُوبِ " (فَإِنْ قُلْتَ) مَا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فِيهِ (قُلْتُ) إلَى الِاصْفِرَارِ وَمِنْ الِاصْفِرَارِ إلَى الْغُرُوبِ ضَرُورَةً كَذَا قَالُوهُ.

[بَابُ وَقْتِ الْقَضَاءِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ]
بَابُ وَقْتِ الْقَضَاءِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ " وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ سَوَاءٌ فَلَا قَضَاءَ لِلرَّابِعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ الْأَصْغَرُ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِرَمْيِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ " مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَمَى الْعَقَبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَقَوْلُهُ " بِرَمْيٍ " يَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

[بَابُ فَوْتِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِخُرُوجِ وَقْتِهَا كَفِعْلِهَا فِي الْإِحْلَالِ الْأَصْغَرِ ".

[بَابُ التَّحَلُّلِ الْأَكْبَرِ مِنْ الْحَجّ]
(ط وف) : بَابُ التَّحَلُّلِ الْأَكْبَرِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ سَبْعًا " كَمَا مَرَّ قَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ نِهَايَةُ الْإِحْلَالِ.
(1/109)

[بَابُ طَوَافِ الصَّدْرِ]
طوف: بَابُ طَوَافِ الصَّدْرِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " طَوَافُ الْوَدَاعِ ".

[بَابُ مُفْسِدُ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ]
(ف س د) : بَابُ مُفْسِدُ الْحَجِّ
بِالْوَطْءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَغِيبُ الْحَشَفَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ قَبْلَ الْوُقُوفِ " هَذَا رَسْمُ الْأَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحَشَفَةِ فِي الْغُسْلِ فَرَاجِعْهُ.

[بَابُ مُفْسِدِ الْعُمْرَةِ]
(ف س د) : بَابُ مُفْسِدِ الْعُمْرَةِ
قَالَ " بِهِ قَبْلَ تَمَامِ سَعْيِهَا " قَوْلُهُ " بِهِ " أَيْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ.

[بَابُ مَمْنُوعِ الْإِحْرَام]
ِ غَيْرُ مُفْسِدِهِ
قَالَ " التَّطَيُّبُ وَإِزَالَةُ الشُّعْثِ وَلُبْسُ الرَّجُلِ الْمَخِيطَ لِكَيْفِ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَالْبُرْنُسِ وَالْقَلَنْسُوَةِ " ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَسْمَ مَا يُمْنَعُ فِي الْحَجِّ وَلَا يَكُونُ مُفْسِدًا قَوْلُهُ " وَلُبْسُ الرَّجُلِ " أَخْرَجَ بِهِ الْأُنْثَى وَقَوْلُهُ " لِكَيْفِ لُبْسِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ الْبَاجِيِّ فِي قَوْلِهِ إلَّا الْمَخِيطَ عَلَى صُورَةِ النَّسْجِ كَمِئْزَرٍ وَرِدَاءٍ مُرَقَّعَيْنِ وَأُلْحِقَ بِالْمَخِيطِ الْعُقَدُ، وَالتَّزَرُّرُ وَالْمُلَبَّدُ وَالْمَنْسُوجُ عَلَى صُورَةِ الْمَخِيطِ.

[بَابُ مُوجِبِ الْفِدْيَةِ]
(ف د ي) : بَابُ مُوجِبِ الْفِدْيَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ " فِعْلُ مَمْنُوعٍ غَيْرُ مُفْسِدٍ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ اضْطِرَارًا أَوْ مُخْتَارًا " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/110)

[بَابُ دِمَاءِ الْإِحْرَامِ]
(د م ي) : بَابُ دِمَاءِ الْإِحْرَامِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " دِمَاءُ الْإِحْرَامِ هَدْيٌ وَهُوَ مَا كَانَ لِصَيْدٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ فَسَادٍ أَوْ فَوْتٍ " ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ يَجِبُ فِي الْحَجِّ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِينَ خَصْلَةٍ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ أَرَادَ النَّوْعَ لَمْ يُجَاوِزْ الثَّلَاثِينَ وَإِنْ أَرَادَ الشَّخْصَ فَهِيَ إلَى الْأَلْفِ أَقْرَبُ لِإِمْكَانِ بُلُوغِهِ بِآحَادِ الصَّيْدِ ثُمَّ قَالَ وَنُسُكُ ابْنِ شَاسٍ مَا كَانَ لِإِلْقَاءِ تَفَثٍ أَوْ رَفَاهِيَةٍ يُمْنَعُهَا الْمُحْرِمُ. قَالَ وَهُوَ أَوْجَزُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ رَفَاهِيَةٌ مِنْ الْمَحْظُورِ الْمُنْجَبِرِ وَتَأَمَّلْ بَحْثَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ الطُّرْطُوشِيِّ فَفِيهِ إجْمَالٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ " دِمَاءُ الْإِحْرَامِ " أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ دِمَاءِ الْحَجِّ وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِنَا دِمَاءُ الْإِحْرَامِ لَكَانَ أَسْلَمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا بِالْجَمْعِ فِي الْمَحْدُودِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَدَّ عَلَى ابْنِ هَارُونَ بِمَا حَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ هَارُونَ زَعَمَ أَنَّ تَعْرِيفَ الْهَدْيِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ يُغْنِي عَنْ تَعْرِيفِ النُّسُكِ لِأَنَّ الْهَدْيَ وَالنُّسُكَ نَوْعَانِ تَحْتَ دَمِ الْحَجِّ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ فَتَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا تَعْرِيفٌ لِلْآخَرِ فَإِنَّ مَنْ عَرَّفَ الزَّوْجَ بِأَنَّهُ الْمُنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ فَقَدْ عَرَّفَ الْمُفْرَدَ بِأَنَّهُ الْعَدَدُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرَدُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ الْعَقْلِيَّةِ لِأَنَّ خَاصَّةَ الْآخَرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِنَقِيضِ خَاصِّيَّةِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَمَا انْحَصَرَ جِنْسُهُمَا فِيهِمَا.
وَأَمَّا الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا لِأَنَّهَا جَعْلِيَّةٌ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَاصِّيَّةَ الْآخَرِ مُسَاوِيَةً أَوْ أَخَصَّ ثُمَّ بَيَّنَ الْأَخَصِّيَّةَ فِي صُورَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا جِنْسٌ لِصَلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِتَمَامٍ وَقَصْرٍ مَعَ أَنَّ خَاصِّيَّةَ التَّمَامِ عَدَمُ النَّقْصِ عَنْ أَرْبَعٍ وَخَاصِّيَّةُ الْقَصْرِ لَيْسَ هُوَ النَّقِيضُ الْمُسَاوِي لِخَاصِّيَّةِ الْأَوَّلِ بَلْ خَاصِّيَّةُ الْقَصْرِ أَخَصُّ لِأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْقَصْرِ لَيْسَ هُوَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَنْ أَرْبَعٍ بَلْ نَقْصُهَا بِنَقْصِ شَطْرِهَا وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ نَقْصِهَا لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ نَقْصِهَا عَنْ أَرْبَعٍ فَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ نَوْعَيْ الْجِنْسِ فِي الشَّرْعِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَاصِّيَّتُهُ ثُبُوتَ أَمْرٍ وَخَاصِّيَّةُ النَّوْعِ الْآخَرِ لَيْسَتْ مُسَاوِيَةً لِنَقِيضِ الْآخَرِ بَلْ خَاصِّيَّةُ الْآخَرِ أَخَصُّ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْرَدَ سُؤَالًا خَفِيفًا لِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَا يُقَالُ
(1/111)

وَحَاصِلُهُ أَنْ يُقَالَ خَاصِّيَّتُهُ التَّمَامُ لَيْسَ كَمَا ذَكَرْتُمْ وَهُوَ عَدَمُ نَقْصِهَا عَنْ أَرْبَعٍ بَلْ عَدَمُ نَقْصِ شَطْرِهَا وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَيْهِ فَخَاصِّيَّةُ الْقَصْرِ هِيَ عَيْنُ نَقِيضِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ فِي خَاصِّيَّةِ الْقَصْرِ أَنَّهَا أَخَصُّ ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَحَّ التَّمَامُ بِثَلَاثٍ وَالتَّالِي بَاطِلٌ إجْمَاعًا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ضَرُورَةُ اسْتِلْزَامِ وُجُودِ الْخَاصَّةِ لِمَا هِيَ لَهُ قَطْعًا وَهُوَ جَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ صَرْفُ النُّسُكِ لِلْهَدْيِ وَامْتَنَعَ صَرْفُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ لِلْآخَرِ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الرَّدِّ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّ الْأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَمَا أَنَّ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ شَرْعًا إذَا عُرِفَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ تَعْرِيفِ ضِدِّهِ الْآخَرِ شَرْعًا بِمَا قَرَّرَهُ مِنْ جَوَازِ أَنَّ الشَّرْعَ يَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ الضِّدُّ الْآخَرُ بِأَخَصَّ مِنْ نَقِيضِ ضِدِّهِ لَا بِنَقِيضِ ضِدِّهِ كَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ أَنَّ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ أَوْ النَّوْعَيْنِ يُصْرَفُ لِلضِّدِّ الْآخَرِ شَرْعًا وَيَنُوبُ عَنْهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ عَقْلًا فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ كَمَا لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ إلَّا بِنَقِيضِ مَا عُرِفَ بِهِ الْآخَرُ وَوَجَدْت هَذَا الْأَخِيرَ مَكْتُوبًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ وَهَذَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأُمُورِ الْجَعْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ ضَرُورِيٌّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ إشْعَارِ الْإِبِلِ بِسَنَامِهَا]
(ش ع ر) : بَابُ إشْعَارِ الْإِبِلِ بِسَنَامِهَا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " شَقٌّ يُسِيلُ دَمًا " مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) يَظْهَرُ لَوْ قَالَ شَقٌّ يُسِيلُ دَمًا عَرْضًا عَلَى رَأْيٍ وَطُولًا عَلَى آخَرَ كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ إذَا كَانَ فِي الْأَصْلِ خِلَافٌ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ هَلْ يَكُونُ عَرْضًا أَوْ طُولًا بَعْدُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ أُجْرِيَ عَلَى طَرِيقِهِ وَعَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[بَابُ الطُّولِ وَالْعَرْضِ فِي الْإِبِلِ وَالْحَيَوَانِ]
(ط ول) : بَابُ الطُّولِ وَالْعَرْضِ فِي الْإِبِلِ وَالْحَيَوَانِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَسَّرَ الصَّقَلِّيُّ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ بِعَرْضِ السَّنَامِ فَقَطْ مِنْ الْعُنُقِ إلَى الذَّنَبِ
(1/112)

فَالْعَرْضُ عَلَى هَذَا فِي الْحَيَوَانِ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الذَّنْبِ وَالطُّولُ مِنْ ظَهْرِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَسْفَلِهَا هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ الصَّقَلِّيُّ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ مَالِكًا قَالَ يَكُونُ عَرْضًا وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ طُولًا وَكَذَلِكَ نَقَلَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامَ الصَّقَلِّيِّ وَاللَّخْمِيِّ قَالَ لَمْ أَجِدْ لُغَوِيًّا فَسَّرَ الطُّولَ إلَّا بِضِدِّ الْعَرْضِ وَالْعَرْضَ إلَّا بِضِدِّ الطُّولِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ التَّفْسِيرُ بِهِ لِوُقُوعِ الدَّوْرِ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ الطُّولَ هُوَ الْبُعْدُ الْمَفْرُوضُ أَوَّلًا وَقِيلَ أَطْوَلُ الِامْتِدَادَيْنِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ فِي السَّطْحِ ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ إلَى قَدَمِهِ وَمِنْ ظَهْرِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَسْفَلِهَا طُولٌ ثُمَّ قَالَ وَالْعَرْضُ هُوَ الْمَفْرُوضُ ثَانِيًا أَوْ الِامْتِدَادُ الْأَقْصَرُ فَمِنْ يَمِينِ الْإِنْسَانِ لِيَسَارِهِ وَرَأْسِ الْحَيَوَانِ لِذَنَبِهِ عَرْضٌ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَعَلَّ الْعَرْضَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي النَّعَمِ كَنَقْلِ الْبَيْضَاوِيِّ وَهُوَ الطُّولُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ كَمَا مَرَّ فَيَتَّفِقَانِ (قُلْتُ) فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَفْسِيرَ الطُّولِ فِي الْإِبِلِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ ظَهْرِهَا لِأَسْفَلِهَا وَتَفْسِيرُ عَرْضِهَا مِنْ رَأْسِهَا لِذَنَبِهَا وَتَأَمَّلْ كَيْفَ يَقَعُ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ حَبِيبٍ بِمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ مَحَلِّ ذَكَاةِ الْهَدْيِ الزَّمَانِيِّ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ نَهَارًا " هَذَا رَسْمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي لَيْلَتَيْ تَالِيَيْهِ.

[بَابُ مَحَلِّ ذَكَاةِ الْهَدْيِ الْمَكَانِيِّ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مِنًى بِشَرْطِ كَوْنِهِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ تَالِيَيْهِ فِي حَجٍّ وَهُوَ جَلِيٌّ ".

[بَابُ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ]
(ي وم) : بَابُ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يَوْمُ النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ ".
(1/113)

[بَابُ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ]
ي وم) : بَابُ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " تَالِي يَوْمِ النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ " فَتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ وَالرَّابِعُ مَعْدُودٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْيَوْمَانِ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ.

[كِتَابُ الصَّيْدِ]
(ص ي د) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الصَّيْدِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الصَّيْدُ مَصْدَرًا أَخْذُ غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاسْمًا " مَا أُخِذَ " إلَخْ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَرَكَ ابْنُ الْحَاجِبِ حَدَّهُ لِجَلَائِهِ يُرَدُّ بِأَنَّ الْجَلَاءَ الْمُغْنِي عَنْ التَّعْرِيفِ الْجَلَاءُ الضَّرُورِيُّ لَا النَّظَرِيُّ قَالَ فَإِنْ أَرَادَ الْجَلَاءَ النَّظَرِيَّ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَا يُفِيدُهُ مَا ادَّعَاهُ وَإِنْ قَصَدَ الضَّرُورِيَّ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ لَهُ هَذَا مَعْنَى مَا ذُكِرَ وَهُوَ حَقٌّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الشَّيْخَ فِي التَّيَمُّمِ نَقَلْنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أَحُدَّهُ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ فَكَيْفَ يُرَدُّ مَا قَالَ شَيْخُهُ هُنَا وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ هَذَا الرَّدِّ لَهُ فَقَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْحَدِّ الْمَصْدَرِيِّ " أَخْذُ إلَخْ " الْأَخْذُ مُنَاسِبٌ لِمَقُولَةِ الْمَحْدُودِ وَقَوْلُهُ " غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ الْمَغْرِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ أَنَّ الصَّيْدَ يُطْلَقُ عَلَى الِاصْطِيَادِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ تَرْجَمَتَهَا وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَالِاصْطِيَادُ سَبَبٌ فِي الْأَخْذِ لَا أَنَّهُ أَخْذٌ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهِ الصَّيْدُ وَهُوَ سَبَبٌ عَنْهُ. قُلْتُ. تَقَدَّمَ لَنَا فِي إقْرَائِهَا هَذَا السُّؤَالُ وَوَقَعَ الْجَوَابُ أَنَّ الصَّيْدَ نَمْنَعُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الِاصْطِيَادِ كَمَا ذَكَرَ الْمَغْرِبِيُّ بَلْ بِمَعْنَى أَخْذِ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ فِعْلٍ ثُلَاثِيٍّ بِمَعْنَى أَخَذَ وَاصْطَادَ مَصْدَرُهُ الِاصْطِيَادُ فَصَحَّ كَلَامُ الشَّيْخِ وَكَلَامُ الْمَغْرِبِيِّ فِيهِ بَحْثٌ قَوْلُهُ " بِقَصْدٍ " أَيْ بِنِيَّةِ الِاصْطِيَادِ وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْآتِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَالْإِضَافَةُ الْمَذْكُورَةُ إلَى الْمَفْعُولِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إلَى الْفَاعِلِ لِقَرِينَةِ النِّيَّةِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا فُسِّرَ تَمَّ الصَّيْدُ بِالْأَخْذِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَا بِالِاصْطِيَادِ فَيُقَالُ ذَكَرَ النِّيَّةَ فِيهِ فِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الِاصْطِيَادِ
(1/114)

لَا فِي أَخْذِ الصَّيْدِ بَعْدَ الِاصْطِيَادِ (قُلْتُ) لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ تَجَوُّزٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. فَإِنْ قُلْتَ لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ فِي رَسْمِهِ مِنْ وَحْشٍ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ وَهُوَ أَخْصَرُ وَالْوَحْشُ يَعُمُّ مَا ذَكَرْت قُلْتُ هَذَا سُؤَالٌ أَوْرَدْنَاهُ فِي إقْرَائِهِ وَبَسَطَهُ ثُمَّ ظَهَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْوَحْشَ غَلَبَ فِي وَحْشِ الْبَرِّ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الطَّيْرَ لِئَلَّا يَكُونَ رَسْمُهُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى رَسْمٍ لِبَعْضِ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ قَالَ فِيهِ أَخْذٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشٍ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ مُوجِبُهُ تَمَلُّكُهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ السُّؤَالَ قَوِيٌّ عِنْدَهُ وَزَادَ مَا زَادَ فِي آخِرِ حَدِّهِ وَحَذَفَ قَوْلَهُ " بِقَصْدٍ " لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مَا لَا يُوجِبُ تَمَلُّكَهُ شَرْعًا فَيُخْرِجُ إبْهَامَ الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ مُحَرَّمَاتِ الصَّيْدِ وَفِيهِ بَحْثٌ " فَإِنْ قُلْتَ " أُورِدَ عَلَى رَسْمِ الشَّيْخِ أَنَّ ذِكْرَ الْقَصْدِ فِي رَسْمِهِ إنْ زِيدَ لِإِخْرَاجِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إضَافَةِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ يُوقِعُ فِي إخْرَاجِ صَيْدِ الْبَحْرِ مِنْ مَجُوسِيٍّ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدٌ بِوَجْهٍ حَتَّى لَوْ أَخَذَ مَجْنُونٌ مِنْهُ صَيْدًا لَكَانَ مُبَاحًا شَرْعًا لِأَنَّ مَيْتَتَهُ يَجُوزُ أَكْلُهَا.
(قُلْتُ) صَوَّبْنَا فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْقَصْدَ يُخَصُّ بِهِ الْبَرِّيُّ وَمَا قَبْلَهُ وَلَا يَصِحُّ تَعْمِيمُهُ فَلَوْ زِيدَ بِقَصْدٍ فِي بَرِّيٍّ لَكَانَ صَوَابًا ثُمَّ عَرَضَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قُيِّدَ بِذَلِكَ تُرَدُّ إضَافَةُ الْفَاعِلِ فِي الْبَحْرِيِّ فَإِذَا أَخَذَ حُوتَ غَيْرِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ لِلسَّاحِلِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الرَّسْمُ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ شَرْعًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ رَسْمِ الْمَصِيدِ بِهِ]
(ص ي د) : بَابُ رَسْمِ الْمَصِيدِ بِهِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيَوَانٌ مُعَلَّمٌ أَوْ آلَةٌ غَيْرُهُ قَوْلُهُ (حَيَوَانٌ مُعَلَّمٌ) حَيَوَانٌ جِنْسٌ وَمُعَلَّمٌ فَصْلٌ وَالتَّعْلِيمُ يَأْتِي بَعْدُ فَعُرِّفَ بِجَلِيٍّ يُذْكَرُ بَعْدُ " وَقَوْلُهُ أَوْ آلَةٌ " أَشَارَ بِهَا إلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ ذَاتُ حَدٍّ يَجْرَحُ وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْآلَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرَحُ مِنْ عُودٍ أَوْ حَجَرٍ حَادٍّ صَحَّ الِاصْطِيَادُ بِهِ وَقَوْلُهُ " غَيْرُهُ " يَظْهَرُ أَنَّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى آلَةٍ لَصَحَّ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْآلَةِ مَعَ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا صِيدَ طَيْرٌ بِخَمْرٍ فَجَعَلُوا الْخَمْرَ آلَةً وَلَمْ يُدْخِلْهَا الشَّيْخُ وَيَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْآلَةِ مَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ لَا مَا يُؤْخَذُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/115)

[بَابُ الْمَصِيدِ]
ص ي د) : بَابُ الْمَصِيدِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَقَدَّمَ فِي الرَّسْمِ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ اخْتِصَارِهِ فَإِنْ " قُلْتَ " قَدْ قَالَ فِي رَسْمِ الصَّيْدِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ إلَخْ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ رَسْمُ الْمَصِيدِ مِنْهُ (قُلْتُ) يُقَالُ الْمَأْخُوذُ غَيْرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ فَقَوْلُهُ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَخْرَجَ بِهِ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَحْشِ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا فِي الْبَرِّ مِنْ طَيْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَوَحِّشِ قَوْلُهُ أَوْ حَيَوَانٍ بَحْرِيٍّ أُدْخِلَ بِهِ صَيْدُ الْبَحْرِ فِي جَمِيعِ حَيَوَانِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ الْوَحْشُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ الْمَأْكُولُ فَزَادَ فِي الْقُيُودِ الْمَأْكُولَ وَحَذَفَ حَيَوَانَ بَحْرٍ (قُلْتُ) أَمَّا حَذْفُهُ لِحَيَوَانِ بَحْرٍ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ انْعِكَاسِ رَسْمِهِ لِأَنَّ الْمَصِيدَ شَرْعًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَالْحَدُّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ زَادَهُ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمَّا زِيَادَةُ قَوْلِهِ الْمَأْكُولِ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّيْخُ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الصُّورَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَى جَوَازِهَا شَرْعًا وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ يُفَرِّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ يَذْكُرُ فِيهَا الْخِلَافَ وَيُرَتِّبُهَا عَلَى قُيُودِهِ وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَصَدَ مَا يَعُمُّ الْمَصِيدَ الْمُحَرَّمَ وَالْجَائِزَ وَلِذَا قَالَ بَعْدُ وَالْمُحَرَّمُ أَكْلُهُ صَيْدُهُ لَهُ مِثْلُهُ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْته فَلِأَيِّ شَيْءٍ خُصِّصَ الْوَحْشُ بِالطَّيْرِ وَهَلَّا قَالَ حَيَوَانٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ وَشَمِلَ ذَلِكَ صَحِيحَ الصَّيْدِ وَفَاسِدَهُ عُمُومًا وَيَشْمَلُ مَا نَدَّ مِنْ الْمُتَأَنَّسِ عَلَى قَوْلٍ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى غَلَبَةَ اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ لَفْظَ الصَّيْدِ فِي الْمُتَوَحِّشِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَانْظُرْ لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ مَعْجُوزٌ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ

[بَابُ شَرْطِ الصَّائِدِ فِيمَا تَعَذَّرَتْ ذَكَاتُهُ فِي الْبَرِّ]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إسْلَامُ صَائِدِهِ وَقَصْدُهُ ذَكَاتَهُ قَوْلُهُ " إسْلَامُ صَائِدِهِ " أَخْرَجَ بِهِ الْكَافِرَ الْكِتَابِيَّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمَجُوسِيَّ بِاتِّفَاقٍ قَوْلُهُ " وَقَصْدُهُ ذَكَاتَهُ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ (فَإِنْ قُلْتَ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ
(1/116)

- رَحِمَهُ اللَّهُ - مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لِأَنَّهُ قَالَ أَرْكَانُهُ الصَّائِدُ وَالْمَصِيدُ وَالْمَصِيدُ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَلِذَا قَالَ شَارِحُهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالذَّاتِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَاعِلِ وَمَا بِهِ الْعَمَلُ وَمَحَلُّ الْفِعْلِ قَالَ وَلَمْ يَجْعَلْ مِنْهَا صِفَةَ الِاصْطِيَادِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ بِالذَّاتِ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ وَبَيَانُ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ الْمَصِيدَ بِهِ وَعَرَّفَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَصِيدَ وَأَحَالَ تَعْرِيفَهُ عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّائِدَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ الصَّائِدُ كُلُّ مُسْلِمٍ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى الِاصْطِيَادِ (قُلْتُ) الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ أَتَى بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ بَلْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِظُهُورِ فَسَادِهِ فِي إتْيَانِهِ بِلَفْظِ السُّؤَالِ فِي الْجِنْسِ لِظُهُورِ خَلَلِ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ فِي صَائِدِ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَصِحُّ فِي صَائِدِهِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ قَالَ شَارِحُهُ لِأَنَّ الْبَحْرَ طَهُورٌ مَاؤُهُ حِلٌّ مَيْتَتُهُ فَغَايَتُهُ إذَا صَادَهُ كَافِرٌ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وَهِيَ حَلَالٌ أَكْلُهَا فَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْطِ الصَّيْدِ مَا رَأَيْته وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[كِتَابُ الذَّبَائِحِ]
(ذ ب ح) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الذَّبَائِحِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَقَبٌ لِمَا يَحْرُمُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ وَمَا يُبَاحُ بِهَا مَقْدُورًا عَلَيْهِ قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَقَبٌ " اللَّقَبُ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْأَعْلَامِ الْمُشْعِرَةِ بِالْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَرُبَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى جَمْعِ الْمَعْنَى كَاَلَّذِي اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ صِيغَةُ الذَّبَائِحِ وَأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ لَقَبٌ لَهُ وَلِذَلِكَ عَدَّدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَجْمُوعُ مَا وُضِعَتْ لَهُ الذَّبَائِحُ فَقَالَ لِمَا يَحْرُمُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا يَحْرُمُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ثُمَّ قَالَ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُذَكًّى لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ إمَّا لِعَدَمِ تَذْكِيَتِهِ وَإِمَّا لِتَذْكِيَتِهِ ذَكَاةً فَاسِدَةً وَقَدْ عَرَّفَ الشَّيْخُ الذَّكَاةَ بَعْدُ بِقَرِيبٍ كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ قَوْلُهُ " أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ " أَشَارَ
(1/117)

إلَى مَا كَانَ مُحَرَّمًا مِمَّا لَا تَنْفَعُ فِيهِ الذَّكَاةُ وَلَا يَقْبَلُهَا كَالْخِنْزِيرِ أَوْ مَا شَابَهَهُ ثُمَّ قَالَ وَمَا يُبَاحُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا يَحْرُمُ وَقَوْلُهُ " بِهَا " أَيْ بِالذَّكَاةِ قَوْلُهُ " مَقْدُورًا عَلَيْهِ " حَالٌ مِنْ الْمَوْصُولِ لِيَخْرُجَ الصَّيْدُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْدُوقِ الذَّبَائِحِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ لَقَبَ الذَّبَائِحِ انْحَصَرَ فِي مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ مَا يَحْرُمُ مِمَّا ذُكِرَ وَمَا يُبَاحُ مِمَّا ذُكِرَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَقُولُ فَيُخْرَجُ الصَّيْدُ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّقَبِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ الصَّيْدَ يَكُونُ مَصْدَرًا وَيَكُونُ اسْمًا فَحَدَّهُ بِحَدَّيْنِ فَأَمَّا الْحَدُّ الْمَصْدَرِيُّ فَلَا يَدْخُلُ فِي اللَّقَبِ وَأَمَّا الِاسْمِيُّ فَكَذَلِكَ لِمَا قُلْت فِي تَفْسِيرِ اللَّقَبِ أَوَّلًا (قُلْتُ) أَمَّا الْمَصْدَرِيُّ فَلَا يُرَدُّ كَمَا قُلْتُ وَأَمَّا الِاسْمِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْخُ دُخُولَهُ فِي أَحَدِ أَسْمَاءِ مَدْلُولِ اللَّقَبِ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا يُبَاحُ بِالذَّكَاةِ فَقَوْلُهُ مَا يُبَاحُ بِالذَّكَاةِ يَدْخُلُ فِيهِ الِاسْمِيُّ مِنْ الصَّيْدِ فَأَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ مَقْهُورًا عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرْته تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الصَّيْدِ اسْمًا أَنَّهُ مَا أُخِذَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشٍ طَيْرًا أَوْ بَرًّا أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ يَدْخُلُ الصَّيْدُ عَلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ مَا يُبَاحُ بِهَا حَتَّى يَخْرُجَ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ (قُلْتُ) الَّذِي يُبَاحُ بِالذَّكَاةِ هُوَ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ أَمْ لَا فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الشَّيْخُ فِي الصَّيْدِ حَدَّهُ اسْمًا وَحَدَّهُ مَصْدَرًا وَلَمْ يَقُلْ فِي الذَّبَائِحِ كَذَلِكَ (قُلْتُ) ذَلِكَ جَلِيٌّ لِأَنَّ الصَّيْدَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ وَالْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ الْأَمْرَانِ فَصَحَّ الْجَوَابُ وَالذَّبَائِحُ إنَّمَا هِيَ الْآنَ اسْمٌ وَكَانَتْ جَمْعًا وَمُفْرَدُهَا ذَبِيحَةٌ ثُمَّ سُمِّيَ بِجَمْعِهَا فَصَحَّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ فِيهَا (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ قَصَدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَفْظَةُ الْجَمْعِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ غَيْرُ خَاصٍّ بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْآلَةَ وَالذَّبْحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَهَلَّا قَالَ وَمَا يَقَعُ الذَّبْحُ مِنْ آلَةٍ وَكَيْفِيَّةِ ذَكَاةٍ (قُلْتُ) لِمَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ وَالذَّكَاةُ تَسْتَلْزِمُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِمَّا تَقَعُ التَّذْكِيَةُ بِهِ اكْتَفَى بِذَلِكَ لِمَا يَذْكُرُهُ.

[بَابُ مَعْرُوضِ الذَّكَاةِ]
(ع ر ض) : بَابُ مَعْرُوضِ الذَّكَاةِ
يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ نَقُولَ مَعْرُوضُ الذَّكَاةِ النَّعَمُ غَيْرُ الْجَلَّالَةِ وَالطَّيْرُ وَهُوَ مَا شُرِعَ
(1/118)

فِيهِ الذَّكَاةُ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِهِ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا (فَإِنْ قُلْتَ) ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْمَذْبُوحُ وَالشَّيْخُ قَالَ مَعْرُوضُ الذَّكَاةِ وَالْمَذْبُوحُ أَخْصَرُ فَلِمَ عَدَلَ عَنْهُ (قُلْتُ) عَدَلَ الشَّيْخُ عَنْ قَوْلِهِ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا وَقَعَ الذَّبْحُ فِيهِ فِعْلًا وَلَيْسَ الْقَصْدُ ذَلِكَ هُنَا فَقَوْلُهُ الْمَعْرُوضُ أَدَلُّ عَلَى الْقَصْدِ حَقِيقَةً وَعَدَلَ أَيْضًا عَنْ الذَّبْحِ لِقُصُورِهِ عَلَى مَا ذُبِحَ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا نُحِرَ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الذَّكَاةُ وَلَمْ يَقُلْ الذَّبْحُ فَإِنْ قِيلَ مَا قَصْدَهُ بِقَوْلِهِ مَعْرُوضُ الذَّكَاةِ النَّعَمُ غَيْرُ الْجَلَّالَةِ وَقَصْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذُكِرَ (قُلْتُ) مُرَادُهُ مَا يُشْرَعُ فِيهِ الذَّكَاةُ بِاتِّفَاقٍ وَلَيْسَ فِيهِ كَرَاهَةٌ وَلَا تَحْرِيمٌ وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَرُمَ بِإِجْمَاعٍ كَالْخِنْزِيرِ وَمَا اُتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ فِي الْجَلَّالَةِ (قُلْتُ) نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ الْكَرَاهَةَ فِيهَا وَنَقَلَ غَيْرُهُ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَحْفَظْهُ الشَّيْخُ وَهَذَا أَخَذْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدُ وَالطَّيْرُ كُلُّهُ حَتَّى جَلَّالَتُهُ (فَإِنْ قُلْتَ) الْخُطَّافُ فِيهَا خِلَافٌ فِي كَرَاهَتِهَا مَعَ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا غَيْرُ مُفْتَرِسٍ مِنْ الطَّيْرِ (قُلْتَ) هَذَا صَحِيحٌ وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ غَيْرُ خُطَّافِهِ فَإِنْ قِيلَ الشَّيْخُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْأَنْعَامُ وَالشَّيْخُ قَالَ النَّعَمُ (قُلْتُ) الشَّيْخُ ذُكِرَ مَا هُوَ أَحْسَنُ وَأَخْصَرُ وَقَدْ تَعَقَّبَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ (فَإِنْ قُلْتَ) ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْجَلَّالَةُ وَغَيْرُهَا وَالشَّيْخُ ذَكَرَ مَا رَأَيْت (قُلْتُ) لَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ إنَّمَا رَأَى كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَلَمْ يَرَ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ سِبَاعِ غَيْرِ الطَّيْرِ]
(س ب ع) : بَابُ سِبَاعِ غَيْرِ الطَّيْرِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهِيَ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ لَا الْكَلَأَ هَذَا ظَاهِرٌ وَقَدْ ذُكِرَ الْخِلَافُ فِيهَا وَطُرُقُ الْمَذْهَبِ وَالْكَلَأُ بِالْقَصْرِ هُوَ النَّبَاتُ وَالرَّبِيعُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ.
(1/119)

[بَابُ مَقْطُوعِ الذَّكَاةِ]
قَالَ قَالَ اللَّخْمِيُّ كُلُّ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَالْمَرِيءِ فِي الْجَوْزَةِ أَوْ تَحْتِهَا فَهَذَا مَا يُطْلَبُ قَطْعُهُ فَإِنْ وَقَعَ كَذَلِكَ أَجْزَأَ بِاتِّفَاقٍ إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الذَّبْحِ وَذَبَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ دَخَلَ الْخِلَافُ إلَّا إذَا لَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ قَطَعَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ الْوَدَجَيْنِ اُنْظُرْ ذَلِكَ قَوْلُهُ " فِي الْجَوْزَةِ أَوْ تَحْتِهَا " أَخْرَجَ بِهِ إذَا وَقَعَ الْقَطْعُ فَوْقَهَا وَبَقِيَتْ بِيَدِهِ وَهِيَ الْمُغَلْصَمَةُ وَفِيهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ.

[بَابُ دَلِيلِ الْحَيَاةِ فِي الصَّحِيحِ]
نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ سَيَلَانُ دَمِهَا وَنُقِلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَوْ شَخْبُهُ وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ بِصَوْتٍ.

[بَابٌ فِي الْمَرِيضَةِ الْمُشْرِفَةِ لِلْمَوْتِ]
(م ر ض) : بَابٌ فِي الْمَرِيضَةِ الْمُشْرِفَةِ لِلْمَوْتِ
قَالَ هِيَ الَّتِي إنْ تُرِكَتْ مَاتَتْ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي دَلِيلِ اسْتِجْمَاعِ حَيَاةِ الْمَرِيضَةِ]
قَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ حَرَكَةُ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ طَرَفِ عَيْنِهَا ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ اسْتِفَاضَةُ نَفْسِهَا فِي جَوْفِهَا أَوْ مَنْخِرَيْهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمُقَاتِلِ]
(ق ت ل) : بَابُ الْمُقَاتِلِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْقِطَاعُ النُّخَاعِ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ فِي فَقَارِ الْعُنُقِ أَوْ الظَّهْرِ وَانْتِشَارُ الدِّمَاغِ أَوْ الْحَشْوَةِ وَخَرْقُ الْأَوْدَاجِ وَانْفِتَاقُ الْمَصِيرِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَطْعُ الْوَدَجِ الْوَاحِدِ وَقُيِّدَ بِذَلِكَ بِالْأَعْلَى اُنْظُرْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي الْجَنِينِ الَّذِي تَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ]
(ج ن ن)
(1/120)

بَابٌ فِي الْجَنِينِ الَّذِي تَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ
قَالَ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فِي بَطْنِهَا إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ قَوْلُهُ " هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ يَمُتْ فِيهَا وَخَرَجَ حَيًّا وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ إذَا خَرَجَ حَيًّا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَعِيشُ فَقِيلَ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَوْ ذُكِّيَ وَقَالَ الْجَلَّابُ إنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ذُكِّيَ وَإِلَّا فَلَا يُؤْكَلُ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ بِالذَّكَاةِ اُنْظُرْهُ وَقَوْلُهُ " بِذَكَاةِ أُمِّهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا مَاتَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَقَوْلُهُ " إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَبُتَّ شَعْرُهُ " الْمُعْتَبَرُ شَعْرُ جَسَدِهِ لَا عَيْنَيْهِ وَتَمَامُ خَلْقِهِ إذَا كَمُلَتْ خِلْقَتُهُ وَلَوْ خُلِقَ نَاقِصَ الْيَدِ وَكَانَ تَامًّا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ وَلَا نَبَتَ شَعْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ آلَة الصَّيْد]
(أول) : بَابُ الْآلَةِ
مَا يَقْطَعُ اللَّحْمَ بِضَغْطِهِ لِأَسْفَلَ قَوْلُهُ " مَا يَقْطَعُ اللَّحْمَ " يَشْمَلُ الزُّجَاجَ وَالْحَجَرَ الْحَادَّ وَسَائِرَ الْحَدِيدِ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا قَطَعَ اللَّحْمَ مُطْلَقًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَوْلُهُ " بِضَغْطِهِ لِأَسْفَلَ " أَخْرَجَ بِهِ الْمِنْشَارَ وَالْمِنْجَل لِأَنَّهُمَا يَجْبِذَانِ إلَى فَوْقَ فَإِنْ وَقَعَ الذَّبْحُ بِذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى ذَبْحًا شَرْعِيًّا وَلِذَا قِيلَ إذَا كَانَ الْمِنْجَلُ أَمْلَسَ صَحَّ الذَّبْحُ بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ هَذَا ذَكَرُوهُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْمِنْشَارُ لَيْسَ بِذَكَاةٍ لِأَنَّ فِيهِ خَنْقًا لِلْمَذْبُوحِ. .

[بَابُ الذَّكَاةِ]
(ذ ك و) : بَابُ الذَّكَاةِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الذَّكَاةُ نَحْرٌ وَذَبْحٌ وَفِعْلُ مَا يُعَجِّلُ الْمَوْتَ بِنِيَّةٍ فِي الْجَمِيعِ حَدُّهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ]
(ض ح و) :
(1/121)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْمًا مَا تُقُرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جِذْعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ النَّعَمِ سَلِيمَيْنِ مِنْ بَيِّنِ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ تَالِيَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِ عِيدِهِ لَهُ وَقَدْرُ زَمَنِ ذَبْحِهِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ تَحَرِّيًا لِغَيْرِ حَاضِرٍ.
قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْمًا رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَسَامَحَ فِي قَوْلِهِ اسْمًا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إمَّا التَّضْحِيَةُ أَوْ التَّضَحِّي وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَلَيْسَ مَعْنَاهَا الْمَصْدَرَ بِوَجْهٍ تَصْدُقُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ فِيمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَوْ اسْمَ مَصْدَرٍ مِثْلَ الزَّكَاةِ وَالصَّيْدِ وَاشْتِقَاقُهَا مَعْلُومٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ غَيْرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالِاسْمِ هُنَا أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ لِأَعَمَّ ثُمَّ خَصَّصَهَا الشَّرْعُ وَصَيَّرَهَا اسْمًا عَلَى مَا ذُكِرَ وَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ هَذَا وَرُبَّمَا تُطْلَقُ الْأُضْحِيَّةُ عَلَى التَّقَرُّبِ بِالذَّكَاةِ إلَخْ لَكِنَّهُ لَيْسَ غَالِبًا فَلَا يُقَابَلُ هَذَا الِاسْمُ بِالْمَصْدَرِ بَلْ يُرَادُ بِلَفْظِهَا التَّقَرُّبُ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ قَوْلُهُ " مَا تُقُرِّبَ " هُوَ أَعَمُّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُتَقَرَّبِ بِهِ مِنْ طَاعَةٍ وَقَوْلُهُ " بِذَكَاةٍ " خَرَجَ بِهِ التَّقَرُّبُ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ وَخَصَّ الذَّكَاةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ قَوْلُهُ " مِنْ جِذْعٍ " إلَخْ بَيَانٌ لِلْمُتَقَرَّبِ بِهِ بِالذَّكَاةِ وَذَلِكَ شَرْطٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ " سَلِيمَيْنِ " صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمَعِيبِ الْبَيِّنِ عَيْبُهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ شَرْعًا قَوْلُهُ " مَشْرُوطًا " حَالٌ مِنْ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ وَيَخْرُجُ بِهِ الْعَقِيقَةُ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الْهَدْيِ وَالنُّسُكِ فِي زَمَنِهِمَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِهِ قَالَ نَهَارُ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَلَمْ يَقُلْ نَهَارُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ أَخْصَرُ وَيُؤَدِّي مَعْنَاهُ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ لَنَا نَظِيرُ هَذَا فِي الْحَجِّ وَلَمْ تَظْهَرْ قُوَّةُ جَوَابٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الطَّوَافِ وَفِي غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ " بَعْدَ صَلَاةٍ " إلَى قَوْلِهِ " وَلَوْ تَحَرِّيًا " مَعْمُولٌ لِلذَّكَاةِ احْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا تَقَرَّبَ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ الزَّمَانِ أَوْ مِمَّا إذَا ذَبَحَ الْإِمَامُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالضَّمِيرُ فِي
(1/122)

عِيدِهِ عَائِدٌ عَلَى عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَلَهُ يَعُودُ عَلَى الْإِمَامِ قَوْلُهُ " وَقَدْرِ " مَعْطُوفٍ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ وَبَعْدَ قَدْرِ زَمَنِ ذَبْحِ الْإِمَامِ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ غَيْرِ الْإِمَامِ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ قَوْلُهُ " لِغَيْرِ حَاضِرٍ " مُتَعَلِّقٌ بِقَدْرٍ وَأَدْخَلَ بِهِ إذَا تَحَرَّى مَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ ذَبْحَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا ذَبَحَ إمَامٌ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ خُطْبَتِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ فَحَقُّ الشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ خُطْبَتِهِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْعِيدِ تُلَازِمُهَا الْخُطْبَةُ فَلِذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْهَا وَبِذَلِكَ أَجَابَ الشَّيْخُ سَيِّدِي عِيسَى عَلَى أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَزِدْ فِي هَذَا الْحَدِّ الَّذِي قُصِدَ بِهِ الْمَاهِيَّةُ الصَّحِيحَةُ السَّلَامَةُ مِنْ الشَّرِكَةِ فِي لَحْمِهَا وَذَلِكَ شَرْطٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَا تُجْزِئُ مَعَ الشَّرِكَةِ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ لَنَا إيرَادُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ جَوَابٌ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدَّ ظَاهِرٌ مِنْهُ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَصَدَ فِيهِ رَسْمَ الْمَاهِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ مَا كَانَ مَعِيبًا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ قَالَ فَالرَّسْمُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِيهَا وَقَعَ مَعِيبًا عَلَى مَا وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَنَظِيرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فَعُرِفَ بِمَا يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ لِأَنَّ الْفَاسِدَةَ تَشَارُكُ الصَّحِيحَةَ فِي جُزْءِ خَاصِّيَّتِهَا وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْبَيْعِ فَيُقَالَ فِي تَعْرِيفِهَا " مَا ذُكِّيَ مِنْ نَعَمٍ قُصِدَ بِهِ قُرْبَةُ الذَّكَاةِ الْمَشْرُوطَةِ بِأَنَّهَا فِي نَهَارِ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ " قَوْلُهُ مَا ذُكِّيَ مِنْ نَعَمٍ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِ النِّعَمِ فَلَا يُسَمَّى أُضْحِيَّةً قَوْلُهُ قُصِدَ بِهِ قُرْبَةُ الذَّكَاةِ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ وَأَمَّا قَصْدُ الذَّكَاةِ وَلَيْسَ بِأُضْحِيَّةٍ قَوْلُهُ الْمَشْرُوطَةُ لِيَخْرُجَ بِهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْعَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَاهِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ الشَّامِلَةَ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ ذَكَرَ مَا رَأَيْته وَلَمْ يَقُلْ مَا تُقُرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ نَعَمٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهَا فِي عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ (قُلْتُ) كَأَنْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا أُجْرِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي اخْتِصَارِهِ وَجَمْعِهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَهُ إدْخَالُ مَنْ ضَحَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ كَمَا ذُكِرَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْعَاشِرُ وَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي الرَّسْمِ إلَّا بِعِبَارَتِهِ الَّتِي عَدَلَ إلَيْهَا وَقَدْ أَدَّى فِيمَا يَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ طَرْدًا وَعَكْسًا وَلَعَلَّهُ قَصَدَ مَا نَفْهَمُهُ عَنْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَيَفْتَحُ عَلَى قُلُوبِنَا بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) اسْمُ الْأُضْحِيَّةِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى مَا أُعِدَّ لِلْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ التَّقَرُّبِ بِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا تُقُرِّبَ بِهِ قَالَ فِيهَا
(1/123)

وَمَنْ ضَلَّتْ أُضْحِيَّتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهَا الصَّادِقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الذَّبْحِ وَظَاهِرُ رَسْمِ الشَّيْخِ إنَّمَا هِيَ مَا تُقُرِّبَ بِهِ فِعْلًا (قُلْتُ) رَاعَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأُضْحِيَّةَ الَّتِي لَهَا خَوَاصُّ عَدَمِ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الذَّبْحِ سِيمَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالذَّبْحِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمَأْمُورِ بِالْأُضْحِيَّةِ]
(أم ر) : بَابُ الْمَأْمُورِ بِالْأُضْحِيَّةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْحُرُّ الْقَادِرُ عَلَيْهَا إلَّا الْحَاجَّ بِمِنًى أَخْرَجَ بِالْحُرِّ الْعَبْدَ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ وَبِالْقَادِرِ عَلَيْهَا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى شِرَائِهَا وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِمَّنْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ لَتَسَلَّفَ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَهْلُ مِنًى لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَضَاحِيٌّ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَجِّ فَهُوَ هَدْيٌ.

[بَابٌ فِيمَنْ يُشْرِكُ فِي ثَوَابِ الْأُضْحِيَّةِ]
(ض ح ي) بَابٌ فِيمَنْ يُشْرِكُ فِي ثَوَابِ الْأُضْحِيَّةِ
يُؤْخَذُ مِنْهُ أَهْلُ بَيْتِهِ بِشَرْطِ قَرَابَتِهِمْ وَكَوْنِهِمْ فِي نَفَقَتِهِ وَمُسَاكَنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَذُو الرِّقِّ كَأُمِّ الْوَلَدِ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابُ أَيَّامِ الذَّبْحِ]
(ذ ب ح) : بَابُ أَيَّامِ الذَّبْحِ قَالَ يَوْمُ النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ.

[بَابٌ فِي وَقْتِ الذَّبْحِ]
قَالَ فِي الْأُولَى بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ لِلْإِمَامِ وَلِغَيْرِهِ وَذَبْحُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.

[بَابُ الْعَقِيقَةِ]
(ع ق ق) : بَابُ الْعَقِيقَةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا تُقُرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَذَعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ
(1/124)

النَّعَمِ سَالِمَيْنِ مِنْ بَيِّنِ عَيْبٍ مَشْرُوطٍ بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ سَابِعِ وِلَادَةِ آدَمِيٍّ حَيٍّ عَنْهُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أَوَّلَ الرَّسْمِ فِي الْأُضْحِيَّةِ إلَى قَوْلِهِ فِي نَهَارِ سَابِعٍ وَبِهِ تَخْرُجُ الْأُضْحِيَّةُ " وَقَوْلُهُ وِلَادَةِ آدَمِيٍّ " احْتَرَزَ مِنْ وِلَادَةِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى عَقِيقَةً وَإِنْ سُمِّيَ لُغَةً وَقَوْلُهُ " حَيٍّ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمَوْلُودِ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ عَنْهُ الْعَقِيقَةُ وَقَوْلُهُ " عَنْهُ " الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْآدَمِيِّ وَيَتَعَلَّقُ الْمَجْرُورُ بِقَوْلِهِ تُقُرِّبَ وَيَخْرُجُ الذَّبْحُ مِنْ غَيْرِ تَقَرُّبٍ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ وَعَلَى رِوَايَةٍ إلَخْ أَشَارَ إلَى أَنَّ الرَّسْمَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ أَرَدْت الشَّاذَّ فَاذْكُرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعَقِيقَةُ اسْمًا كَمَا قَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ أَحَالَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَسَامَحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ حَدَّهَا مَصْدَرًا هُنَا بِمَعْنَى أَنَّ مَعْنَاهَا الذَّبْحُ لِلتَّقَرُّبِ بِذَكَاةِ جَذَعٍ إلَخْ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ أَصْلُهَا مَوْضُوعٌ لُغَةً لِلذَّبْحِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ عَنْ وَالِدَيْهِ (قُلْتُ) هَذَا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِشَعْرِ الْمَوْلُودِ ثُمَّ نُقِلَتْ شَرْعًا إلَى ذَبْحِ الْمَوْلُودِ وَهُوَ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلذَّبْحِ وَهُوَ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومُ ثُمَّ خُصِّصَتْ بِمَا ذُكِرَ شَرْعًا وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ بَعْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَإِنْ قُلْتَ) عَادَتُهُ إذْ كَانَ خِلَافٌ مِثْلُ ذَلِكَ يَقُولُ رَسْمُهَا عَلَى رَأْيِ كَذَا وَعَلَى آخَرَ كَذَا وَهُنَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ (قُلْتُ) تَقَوَّى عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَخَصَّصَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَدُّ الْأَوَّلُ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ ذَبْحُ الْوِلَادَةِ وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِكَسْرِ الذَّالِ لَا بِفَتْحِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِهَا وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَسْمَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ بِذَبْحِ غَيْرِ النَّعَمِ وَبِذَبْحِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ وَمَا يُذْبَحُ لِوِلَادَةِ غَيْرِ آدَمِيٍّ قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَوَّلُ إلَّا مَا ذُبِحَ لِلْوِلَادَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَقِيقَةٍ وَإِنَّمَا الْعَقِيقَةُ مَا ذُبِحَ لِلْمَوْلُودِ لَا لِلْوِلَادَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَحْثٌ حَسَنٌ بَاهِرٌ.

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]
(أم ن) :
(1/125)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْيَمِينُ عُرْفًا قِيلَ مَعْنَاهَا ضَرُورِيٌّ لَا يُعْرَفُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي نَظِيرِهِ ثُمَّ قَالَ " وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: التَّعْلِيقُ مِنْهُ لِتَرْجَمَتِهَا كِتَابَ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ " هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي التَّعَالِيقِ هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ الْتِزَامَاتٌ فَحَقَّقَ الشَّيْخُ أَنَّهَا أَيْمَانٌ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَإِطْلَاقَاتِهِمْ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ فَالْمَجَازُ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا أَشْكَلَ عَلَى مَعَ مَا قَرَّرَهُ فِي الْعِدَّةِ وَأَجَابَ عَنْ إطْلَاقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا عَيْنُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ هُنَا لِدَلِيلٍ يَخُصُّ هَذَا الْمَحَلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً مَا لَزِمَ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ دُونَ نِيَّةٍ وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّعَالِيقَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يَلْزَمُ اللَّفْظُ لَهُ حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ رَدَّ مَا أَوْرَدَ عَلَى مَا بَيَّنْت بِهِ الْمُلَازَمَةَ بِأَنَّ اللُّزُومَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إنَّمَا لَزِمَ لِأَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقَصْدُ مِنْ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ حَقَّقَ أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ نَظَرِيٌّ لِأَنَّهُ أَعْنِي الْيَمِينَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَكُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ فَالْيَمِينُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ وَمَا كَانَ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ فَهُوَ نَظَرِيٌّ وَهِيَ دَعْوَاهُ بَيَانَ الصُّغْرَى بِمَا نَقَلَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ التَّعَالِيقِ مِنْ الْأَيْمَانِ أَمْ لَا وَالْكُبْرَى جَلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ صَحَّ الْحَدُّ لَهَا فَحَدُّهَا بِقَوْلِهِ الْيَمِينُ قَسَمٌ أَوْ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ مُعَلَّقٍ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قَسَمٌ " أَشَارَ إلَى أَنَّ الْيَمِينَ فِي الشَّرْعِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ كَمَا تَقُولُ الْعَيْنُ فِي اللُّغَةِ لَهُ ثَلَاثُ مَدْلُولَاتٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ
(1/126)

الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ وَعَيْنُ الذَّهَبِ وَالْعَيْنُ الْمَأْكُولَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْيَمِينُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَسَمِ وَعَلَى الْتِزَامٍ إلَخْ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ عَرَّفَ حَقَائِقَ مَعَانِي الْمُشْتَرَكِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ (قُلْتُ) لَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ حَدٌّ لَفْظِيٌّ فَبَيَّنَ بِهِ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ أَدْخَلَ أَوْ فِي التَّحْدِيدِ وَهُوَ يُنَافِي التَّرْدِيدَ (قُلْتُ) أَوْ هُنَا الْمُرَادُ بِهَا التَّقْسِيمُ كَمَا تَقُولُ تَصْدُقُ الْكَلِمَةُ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَفِي الْجَوَابِ مَا لَا يَخْفَى وَلَعَلَّ مِنْ هَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ الْإِيمَانُ لَقَبٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِحِ وَالْقَسَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ عَرَّفُوهُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَأَصْلُ الْيَمِينِ مَوْضُوعَةٌ عَلَيْهِ لُغَةً (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ فِي الْعُرْفِ وَفِي الشَّرْعِ مِنْ أَنَّ اللُّغَةَ تَكُونُ عَامَّةً فِي مَدْلُولِ مَوْضُوعٍ وَالْعُرْفُ يُخَصِّصُ ذَلِكَ فِي فَرْدٍ مِنْ ذَلِكَ كَالدَّابَّةِ وَالصَّوْمِ وَهُنَا اللُّغَةُ خَصَّصَتْ وَالشَّرْعُ عَمَّمَ اللَّفْظَ الْخَاصَّ (قِيلَ) قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يَأْتِي نَظِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ " أَوْ الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ " قَوْلُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ مَرْفُوعٌ صِفَةً لِلِالْتِزَامِ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي لِلْيَمِينِ فَالْتِزَامُ مَنْدُوبٍ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ النَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ يَخْرُجُ بِهِ النَّذْرُ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ هَذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ وَكَذَا إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِذَا قَالَ إنْ قُلْتُ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ قُرْبَةً وَإِنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ فَهُوَ يَمِينٌ وَالْأَوَّلُ نَذْرٌ فَأَخْرَجَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّذْرَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) يُفْهَمُ مِنْ هُنَا أَنَّ حَدَّ النَّذْرِ الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ وَقَالَ فِي بَابِ النَّذْرِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا تَضَمَّنَهُ رَسْمُهُ هُنَا فَالْجَارِي عَلَى هَذَا الْحَدِّ أَنْ يَقُولَ فِي حَدِّ أَحَدِ أَقْسَامِ الْيَمِينِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ لَا بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ وَذَلِكَ يَحْصُلُ مَعْنَى مَا حُدَّ بِهِ النَّذْرُ فِي بَابِهِ وَهُوَ أَخْصَرُ فِي الْحَدِّ هُنَا فِي الْيَمِينِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ حَدِّ النَّذْرِ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْظُرْهُ هُنَاكَ وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالطَّاعَةِ لِوُقُوعِهَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ» فَجَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ " أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ " إلَخْ مَا مِنْ قَوْلِهِ مَا يَجِبُ إنْشَاءٌ يَظْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى الْأَوَّلِ الْمَرْفُوعِ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْإِنْشَاءِ مَثَلًا الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى أَمْرٍ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ
(1/127)

إلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْدُوبُ تَقْدِيرُهُ الْتِزَامُ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَتَكُونُ مَعَانِي الْيَمِينِ ثَلَاثَةً وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ مِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ وَالْإِنْشَاءُ هُوَ مَا يَقَعُ بِهِ مَدْلُولُهُ مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ وَثَوْبِي صَدَقَةٌ فَأَخْرَجَ الصَّدَقَةَ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الْحَدِّ وَمَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ مِنْ الْمُعْطِي وَبَقِيَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ قَوْلُهُ " مُعَلَّقٌ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا صِفَةً لِالْتِزَامِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ الْمَذْكُورَ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْمَنْدُوبَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِإِنْشَاءٍ فَعَلَى هَذَا وَصْفُ الْإِنْشَاءِ الْمُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ مُعَلَّقًا بِأَمْرٍ كَمَا إذَا قُلْتَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ إنْ سَرَقْتُ فَعَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْرِ وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ تَعْلِيقِ الْإِنْشَاءِ وَإِنْشَاءِ التَّعْلِيقِ وَالْإِنْشَاءُ هَاهُنَا مُعَلَّقٌ ثُمَّ وَصَفَ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ عَدَمُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَا فِي الْحِنْثِ وَلَا فِي الْبَرِّ فَفِي الْبِرِّ فِي قَوْلِك أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ دُخُولُ الدَّارِ وَالْمَقْصِدُ عَدَمُ دُخُولِهَا. وَفِي الْحِنْثِ فِي قَوْلِك إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ عَدَمُ دُخُولِ الدَّارِ وَالْمَقْصِدُ عَدَمُ ذَلِكَ الْعَدَمِ وَهُوَ دُخُولُهَا وَإِنَّمَا وَصَفَ الْأَمْرَ بِمَا ذُكِرَ لِيَخْرُجَ عَنْهُ إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ بَرِئَ ابْنِي مِنْ مَرَضِهِ أَوْ إنْ بَرِئَ ابْنِي مِنْ مَرَضِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَهَذَا نَذْرٌ لَا يَمِينٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ الْمَقْصُودُ عَدَمَهُ بَلْ وُجُودُهُ هَذَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ حَدِّ هَذَا الْإِمَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَسْكَنَهُ دَارَ السَّلَامِ وَمَا قَرَرْت بِهِ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ مَقْصُودُ الْعَدَمِ فِي الْبَرِّ وَفِي الْحِنْثِ فِي قَوْلِنَا إنْ لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ هُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ وَقَعَ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ مَا قَرَرْته وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ تَأْكِيدُ دُخُولِ طَلَبِ الدَّارِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَإِنْ كَانَ نَفْيًا عَلَى دَعْوَى تَحَقُّقِهِ كَفِعْلٍ لَهُ غَيْرِ مُحَرَّمٍ " إلَخْ وَلْنَذْكُرْ مَعْنَى مَا يُمَيِّزُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِاخْتِصَارٍ ثُمَّ نُشِيرُ إلَى كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَيْ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى نَفْيٍ يُمْكِنُ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ غَيْرَ مُحَرَّمٍ مُنِعَ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجِهِ حَتَّى يَقَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَقَسَمُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ أَوَّلًا عَلَى أَقْسَامِ الْأَوَّلِ الْأَمْرُ الْمُحَقَّقُ الثَّانِي الْغَالِبُ وُقُوعُهُ الثَّالِثُ الْمُحْتَمَلُ مِمَّا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ مُثْبَتًا نَحْوَ إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا يَنْتَظِرُ حَتَّى يَجِيءَ زَيْدٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا خِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ نَفْيًا
(1/128)

وَهِيَ الْجُمْلَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا مِنْ كَلَامِهِ قَالَ شَارِحُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالنَّفْيِ هُنَا كَوْنَ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ الْحَالِفُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ مَطْلُوبً الِانْتِفَاءِ لِلْحَالِفِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ مَا عَبَّرَ الْحَالِفُ بِالنَّفْيِ بِصِيغَتِهِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَصَدَ إلَى تَحْصِيلِهِ وَعَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لِيُلْزِمَ نَفْسَهُ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَمُرَادُهُ تَأْكِيدُ طَلَبِ دُخُولِ الدَّارِ لَا تَأْكِيدُ انْتِفَاءِ دُخُولِ الدَّارِ سَبَبُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَهُوَ مَا عُلِمَ مِنْ شُحِّ الْإِنْسَانِ بِإِخْرَاجِ امْرَأَتِهِ مِنْ عِصْمَتِهِ فَإِذَا عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ أَمْرٍ مَا كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى انْتِفَائِهِ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يُوهِمُ هَذَا خِلَافَ مَا قَرَرْته (قُلْتُ) لِأَنَّهُ لَمَّا تَأَوَّلَ النَّفْيَ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ قَسِيمٌ لِلثُّبُوتِ قَبْلَهُ وَالثُّبُوتُ قَبْلَهُ مُعَلَّقُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ وَهُوَ صُورَةُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ عِنْدَهُ عَلَّقَ فِيهِ الطَّلَاقَ عَلَى النَّفْيِ أَوْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا كَمَا قَرَرْتُمْ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُخَالِفُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ بَلْ يُؤَكِّدُهُ وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْطِ فِي الْيَمِينِ مَطْلُوبُ الِانْتِفَاءِ لَا فِي الْبَرِّ وَلَا فِي الْحِنْثِ لَكِنَّ صُورَةَ الْحِنْثِ الشَّرْطُ فِيهَا عُبِّرَ فِيهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ فِي الْفِعْلِ وَالْبِرُّ عُبِّرَ فِيهِ فِي الشَّرْطِ بِصِيغَةِ الثُّبُوتِ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ مُعَلَّقٌ بِأَمْرٍ مَطْلُوبٍ عَدَمُهُ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِتَكُونَ صُورَةُ النَّفْيِ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ صُورَةِ الْحِنْثِ كَمَا أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى فِي الثُّبُوتِ مِنْ الْبِرِّ وَالْمَقْصِدُ فِي الْمِثَالَيْنِ عَدَمُ الْمُعَلَّقِ قَرَّرْنَاهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ صُورَةَ الْحِنْثِ الْمَطْلُوبَ فِيهَا تَأْكِيدُ ثُبُوتِ دُخُولِ الدَّارِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَفْيُ الدُّخُولِ مَقْصُودٌ عَدَمُهُ بَلْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَأْكِيدَ طَلَبِ دُخُولِ الدَّارِ وَلِذَا أَحَالَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ أَعَمُّ مِنْ يَمِينٍ مُعَلَّقٍ وَأَنَّ كُلَّ يَمِينٍ مُعَلَّقٍ تَعْلِيقٌ وَلَا عَكْسَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ مَا رَأَيْت فَإِذَا قَالَ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَصَدَ مَجِيئَهُ لَا عَدَمَ مَجِيئِهِ فِي التَّعْلِيقِ فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ (قُلْتُ) هَذَا الَّذِي كَانَ يَظْهَرُ لَنَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى طَلَاقًا مُعَيَّنًا مُؤَجَّلًا لَا يَمِينًا وَرُبَّمَا يَقُومُ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِقْرَاءِ مِنْ مَسَائِلَ فِقْهِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا حَقَّقَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ
(1/129)

إذَا قَالَ رَجُلٌ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَزَوْجُهُ طَالِقٌ إنْ قَصَدَ جَعْلَ قُدُومِهِ أَجَلًا كَقَوْلِهِ إذَا صَدَرَ الْحَاجُّ طَلُقَتْ عَلَيْهِ الْآنَ وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ الْبَلَدَ فَقَدِمَ مَيِّتًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ صَيَّرَ الْأَوَّلَ طَلَاقًا مُؤَجَّلًا فَعَجَّلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَالثَّانِي يَمِينًا فَلَمْ يُعَجِّلْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الزَّمَنَ الْمُحَقَّقَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذِهِ الصُّورَةُ قَدْ نُقِلَتْ الْآنَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ لَا يُنَجَّزُ فِيهَا الطَّلَاقُ بَلْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَجِيءَ زَيْدٌ أَمْ لَا وَلَا خِلَافَ فِيهِ (قُلْت) يَعْنِي بِذَلِكَ إذَا قَصَدَ الشِّقَّ الثَّانِيَ فِي كَلَامِ سَحْنُونَ فَلَا شَكَّ كَمَا قَرَّرْنَا (فَإِنْ قُلْتَ) وَكَيْفَ يُعَجِّلُ فِيهِ سَحْنُونٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الطَّلَاقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ لَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا مُحَقَّقٍ (قُلْتُ) لَمَّا قَصَدَ تَنْظِيرَهُ بِقُدُومِ الْحَاجِّ دَلَّ عَلَى خُصُوصِ غَلَبَةِ قُدُومِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَعَلَى ذَلِكَ يُقَرَّرُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسَائِلِ الْمُحَقَّقِ أَوْ الْغَالِبِ فِي تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ قَصَدَ الْمُعَلَّقَ إنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ الْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ كَالْمُؤَجَّلِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي شَبَّهُوهُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ إطْلَاقِ الْيَمِينِ عَلَى ذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُسَامَحَةٍ هَذَا الَّذِي كُنْت أَفْهَمُ عَلَيْهِ كَلَامَهُ وَأَعْتَقِدُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا أَيْمَانٌ حَقِيقَةً وَذَكَرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا أَيْمَانٌ بِشَرْطِ الِامْتِنَاعِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِأُمَّهَاتِ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ يَقُولُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِأَيْمَانٍ بِوَجْهٍ وَهُوَ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ وَوَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ الْمُقْرِي حِينَ الْإِقْرَاءِ لِهَذَا الْفَصْلِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَقَّقْنَا مَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّ التَّعْلِيقَ أَعَمُّ مِنْ يَمِينِ التَّعْلِيقِ فَيُقَالُ كَيْفَ صَحَّ لَهُ إنْ قَالَ فِي طَالِعَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ التَّعْلِيقُ مِنْ الْأَيْمَانِ وَهَذِهِ عِنْدَهُ نَتِيجَةٌ وَالصُّغْرَى عِنْدَهُ التَّعْلِيقُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ يَمِينٌ فِي كَلَامِهَا.
وَفِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَهُوَ يَمِينٌ وَالنَّتِيجَةُ كَمَا ذَكَرْنَا وَظَاهِرٌ أَنَّهَا كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَهِيَ دَعْوَاهُ فَكَيْفَ يُثْمِرُ حَدُّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً وَهِيَ بَعْضُ التَّعْلِيقِ يَمِينٌ لَا كُلُّهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ دَعْوَاهُ الَّتِي اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا كُلِّيَّةٌ وَمَا خُصِّصَ بِهِ الْحَدُّ اقْتَضَى أَنَّهَا جُزْئِيَّةٌ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الدَّعْوَى جُزْئِيَّةٌ وَهُوَ التَّعْلِيقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَا قُصِدَ عَدَمُهُ وَيُثْمِرُ كَلَامُهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا قَرَرْتَ بِهِ كَلَامَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَحِيحٌ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَخْرُجُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ إلَخْ وَبِأَيِّ قَيْدٍ يَخْرُجُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ
(1/130)

ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا قُرْبَةَ فِيهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ فَكَيْفَ يَخْرُجُ وَقَدْ الْتَزَمَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ فِيهِ الْتِزَامُ الْقُرْبَةِ فَهُوَ يَمِينٌ فَكَيْفَ صَحَّ إخْرَاجُهُ وَالْقَصْدُ دُخُولُهُ وَكَيْفَ صَحَّ فِيهِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ نَذْرٌ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ (قُلْتُ) هَذَا تَقَدَّمَ لَنَا إشْكَالُهُ مِرَارًا هُنَا وَفِي النَّذْرِ وَيُمْكِنُ فَهْمُهُ مِمَّا وَقَعَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لِابْنِ رُشْدٍ لِأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ إنَّمَا عُيِّنَتْ لِلنَّذْرِ لِقَرِينَةِ صُورَةِ النَّذْرِ فِي قَوْلِنَا لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي فَأَخْرَجَهَا ذَلِكَ عَنْ الْيَمِينِ وَكَانَتْ نَذْرَ الْأَجِيرِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَالنِّيَّةُ هُنَا فِيهِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْقُرْبَةُ وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ إشْكَالِ قَوْلِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا فِيمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ فَيُقَالُ كَيْفَ يَقُولُ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَهُوَ قَابِلٌ لِلْيَمِينِ فَالْجَوَابُ أَنَّ صُورَةَ النَّذْرِ فِيهِ عَيَّنَتْ النَّذْرِيَّةَ وَأَخْرَجَتْهُ عَنْ الْيَمِينِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي النَّذْرِ بِمَا يُنَاسِبُ الْقَوْلَيْنِ فِي النَّاقَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ تَصْدُقُ شَرْعًا عَلَى الْقَسَمِ فِي مِثْلِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت وَتَصْدُقُ فِي قَوْلِنَا إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ وَتَصْدُقُ فِي قَوْلِنَا إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَا تَصْدُقُ فِي إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ طَلَاقُ زَوْجَتِي وَلَا فِي قَوْلِنَا إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَعَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي الْتِزَامُ نَذْرٍ فِي عِتْقٍ لَا الْتِزَامُ قُرْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا نَذْرٌ فَلِذَا كَانَ نَذْرًا لَا يَمِينًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الْيَمِينُ شَرْعًا اتِّفَاقًا]
يُؤْخَذُ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ " قَوْلُهُ " مَا دَلَّ " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ الْحَادِثِ وَالْحَلِفُ بِالصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ فِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَأَمَّا الْحَادِثُ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ.

[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِاتِّفَاقٍ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ " الْحَلِفُ بِمَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ
(1/131)

الْعَلِيَّةِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ مِنْ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُسْلِمٍ حَنِثَ طَوْعًا وَبِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ " قَوْلُهُ " مُسْتَقْبَلٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَاضِي لِأَنَّ الْمَاضِيَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الْغَمُوسُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَاللَّغْوُ كَذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (قُلْتُ) اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ وَزَعَمَ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ لَا لَغْوَ وَلَا غَمُوسَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَرَدَّ عَلَى الشَّيْخِ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ فِي اللَّغْوِ قِيَاسًا عَلَى الْمَاضِي قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَدِّهِ شَأْنُ الْعِلْمِ الْحَادِثِ تَعَلُّقُهُ بِمَا وَقَعَ لَا بِمُسْتَقْبَلٍ لِأَنَّهُ غَيْبٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْكَفَّارَةِ فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا وَقَعَ تَرْكُهَا فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا يَقَعُ لِعُذْرِ الْأَوَّلِ وَجُرْأَةِ الثَّانِي وَهُوَ جَلِيٌّ قَوْلُهُ " مُمْكِنٍ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمُمْكِنِ مِثْلَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدًا فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَهُوَ غَمُوسٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَوْلُهُ " عَاقِلٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ الصَّبِيَّ وَالْكَافِرَ قَوْلُهُ " حَنِثَ طَوْعًا " هَذَا شَرْطٌ فِي الْكَفَّارَةِ أَيْضًا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّرْطَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالطَّوَاعِيَةُ يَظْهَرُ أَنَّهَا فِي الْيَمِينِ وَفِي الْحِنْثِ وَتَأَمَّلْ هَلْ يَرِدُ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَلَا كَفَّارَةَ لَا إذَا قُلْنَا الِاسْتِثْنَاءُ حَلٌّ لِلْيَمِينِ أَوْ رَفْعٌ لِلْكَفَّارَةِ فَلَوْ زَادَ غَيْرَ مُسْتَثْنًى بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَصَحَّ.

[بَابٌ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ وَالْغَمُوسِ]
(ل غ و) : بَابٌ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ وَالْغَمُوسِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِيهَا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ عَلَى مَا يُوقِنُهُ فَيَتَبَيَّنُ خِلَافُهُ وَالْغَمُوسُ الْحَلِفُ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ قَالَ الشَّيْخُ فَيَدْخُلُ الظَّنُّ فِي ذَلِكَ قَالَ وَجَعَلَهُ الْبَاجِيُّ لَغْوًا.

[بَابُ صِيغَة الْيَمِين]
(ص ي غ) : بَابُ الصِّيغَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَا صُرِّحَ فِيهِ بِأَدَاةِ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ بِهِ " كَمَا إذَا قَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ وَأُقْسِمُ بِاَللَّهِ وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ فِي ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ وَانْظُرْ مَا فَرَّعَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَلَوْ قَالَ صِيغَةُ الْقَسَمِ لَكَانَ صَوَابًا.
(1/132)

[بَابٌ فِيمَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ عَلَى وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ بِنِيَّةِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ وَبِتَكَرُّرِ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ عَطْفًا وَغَيْرَهُ وَلَوْ مُعَلَّقًا عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَوْ قَبْلَ ذِكْرِهِ وَبِذِكْرِ الصِّفَةِ مَعَ الذَّاتِ وَالْيَمِينِ مَعَ النَّذْرِ " قَوْلُهُ " بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ " ظَاهِرُ مَعْنَاهُ وَقَوْلُهُ " بِنِيَّةِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا نَوَى تَعَدُّدَ الْيَمِينِ فَقَطْ قَوْلُهُ " عَطْفًا " مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرٌ قَوْلُهُ " وَغَيْرُ عَطْفٍ " مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيَّ عِشْرُونَ نَذْرًا قَوْلُهُ " وَلَوْ مُعَلَّقًا عَلَى مُعَيَّنٍ " مِثْلَ إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرٌ قَوْلُهُ " وَلَوْ قَبْلَ ذِكْرِهِ " كَقَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرٌ إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا قَوْلُهُ " وَبِذِكْرِ الصِّفَةِ مَعَ الذَّاتِ " كَقَوْلِنَا وَاَللَّهِ لَا دَخَلْتُ وَعِلْمِ اللَّهِ لَا دَخَلْتُ وَالْيَمِينُ مَعَ النَّذْرِ وَعَلَيَّ نَذْرٌ إنْ دَخَلْتُ.

[بَابٌ فِيمَا تَتَّحِدُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَقَالَ بَعْدُ مَا مَعْنَاهُ وَكَذَا إذَا كَرَّرَ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَكَذَا إذَا أَقْسَمَ بِالذَّاتِ وَوَصَفَهَا بِصِفَاتٍ اُنْظُرْهُ.

[بَابٌ فِيمَا يَتَعَدَّدُ بِهِ مُوجِبُ الْحِنْثِ كَفَّارَةٌ أَوْ غَيْرُهَا]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ مَعَ تَغَايُرِ مُتَعَلَّقِهَا وَلَوْ بِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ الْآخَرِ أَوْ لَازِمًا لَهُ مُسَاوِيًا عَلَى رَأْيٍ إنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ كَفَّارَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِيَشْمَلَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ وَغَيْرَهَا مِمَّا يُوجِبُ الْحِنْثَ وَقَوْلُهُ " بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ مَعَ تَغَايُرِ مُتَعَلِّقِهَا " أَخْرَجَ بِهِ إذَا اتَّحَدَ الْمُتَعَلَّقُ وَمِثَالُ اخْتِلَافِ الْمُتَعَلَّقِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا غَدًا ثُمَّ لَأُكَلِّمُهُ بَعْدَ غَدٍ قَوْلُهُ " وَلَوْ جُزْءًا مِنْ
(1/133)

الْآخَرِ " أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّعَدُّدَ يَقَعُ بِمُغَايَرَةِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي بِمَا تَتَقَرَّرُ الْمُغَايَرَةُ بِهِ عَقْلًا وَلَوْ بِالْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ فَإِذَا حَلَفَ لَأُكَلِّمُ زَيْدًا غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَأُكَلِّمُهُ غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ فَقَدْ تَعَدَّدَ الْمُتَعَلَّقُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ جُزْءٌ مِنْ الثَّانِي فَإِذَا حَنِثَ فِي غَدٍ فَفِيهِ كَفَّارَتَانِ لِأَنَّ فِيهِ يَمِينَيْنِ لَا إنْ قَدَّمَ وَلَا إنْ أَخَّرَ عَلَى مَا حَقَّقَهُ وَقَدْ رَدَّ عَلَى الصَّقَلِّيِّ قَوْلَهُ فِي زَعْمِهِ إنْ حَلَفَ لَأُكَلِّمُ غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَأُكَلِّمُ غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ حَيْثُ قَالَ إنْ كَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَتَانِ قَالَ وَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا صَحِيحٌ ثُمَّ زَادَ فَقَالَ وَلَوْ قَدَّمَ يَمِينَهُ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا وَقَاسَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَرَّرَ الثَّانِيَةَ فَإِنَّ فِيهَا كَفَّارَةً وَاحِدَةً فَإِذَا ذَكَرَهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَعَادَ الْأُولَى فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ قِيَاسًا عَلَى مَا ذُكِرَ هَذَا عَيْنُ مَا ذُكِرَ.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَادًّا عَلَيْهِ فِي قِيَاسِهِ أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ مَعَ الْمَقِيسِ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ اتَّحَدَ فِيهِ مُتَعَلِّقُ الْيَمِينِ وَالْمَقِيسُ اخْتَلَفَ فِيهِ مُتَعَلِّقُهَا لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ الِاخْتِلَافُ بِهِمَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْمُتَعَلِّقِ فِي الْيَمِينِ وَمَا قَالَهُ حَقٌّ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ لِلصَّقَلِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَقُولَ مَعَ تَقْدِيمِ مَا هُوَ جُزْءٌ إذَا حَنِثَ فِيهِ أَنَّ فِيهِ كَفَّارَتَيْنِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِنَصِّهِ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجِبْ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ فَلَا سَبَبَ لِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ تَحْقِيقِ الِاخْتِلَافِ بِالْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ بِمَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَجَّحَهُ فِي الْحَالِفِ لَأُكَلِّمُ إنْسَانًا ثُمَّ حَلَفَ لَأُكَلِّمُ زَيْدًا أَنَّهُ إذَا كَلَّمَ زَيْدًا لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ " أَوْ لَازِمًا مُسَاوِيًا عَلَى رَأْيٍ " (قُلْتُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي خَتَمَ بِهَا الْفَصْلَ وَنَقَلَ فِيهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا نُقِلَ وَهِيَ إذَا حَلَفَ لَأُكَلِّمُ شَخْصًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي حَلِفِهِ ثُمَّ كَلَّمَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) وَكَيْفَ يَتَقَرَّرُ فِيهَا الْمُسَاوَاةُ فِي اللُّزُومِ (قُلْتُ) لِأَنَّ كَلَامَ زَيْدٍ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَلْزُومٌ لِلْحِنْثِ فِي كَلَامِ زَيْدٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْحِنْثُ فِي كَلَامِ زَيْدٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَازِمٌ مُسَاوٍ لِمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(1/134)

[بَابٌ فِي شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ]
قَالَ مَا مَعْنَاهُ " نِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ وَنُطْقُهُ وَعَدَمُ فَصْلِهِ اخْتِيَارًا فِيهِ وَفِي مُطْلَقِ اسْتِثْنَاءٍ ".

[بَابُ الثُّنْيَا]
(ث ن ي) : بَابُ الثُّنْيَا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ابْنِ رُشْدٍ " اسْتِدْرَاكٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ صُدُورِ الْيَمِينِ دُونَ نِيَّةٍ " وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِصِفَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يَجِبُ اتِّصَالُهُ وَنُطْقُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدُ لِأَنَّ الثِّنْيَا إلَخْ.

[بَابُ الْمُحَاشَاةِ]
(ح ش و) : بَابُ الْمُحَاشَاةِ
قَالَ الشَّيْخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ مَا ذُكِرَ قَبْلُ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ الْمُحَاشَاةَ اُنْظُرْهُ.

[بَابٌ فِي يَمِينِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ]
(ي م ن) : بَابٌ فِي يَمِينِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يَمِينُ الْبِرِّ مَا مُتَعَلِّقُهَا نَفْيٌ أَوْ وُجُودُ مُؤَجَّلٍ وَيَمِينُ الْحِنْثِ خِلَافُهَا " قَوْلُهُ " مَا مُتَعَلِّقُهَا نَفْيٌ " مِثْلَ مَا قَامَ أَوْ وُجُودُ مُؤَجَّلٍ مِثْلَ وَاَللَّهِ إنْ جَاءَ شَهْرٌ لَأَضْرِبَنَّ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيَمِينُ الْحِنْثِ خِلَافُهَا " مَعْنَاهُ فَيُقَالُ فِي رَسْمِهَا " مَا مُتَعَلِّقُهَا وُجُودٌ أَوْ وُجُودُ غَيْرِ مُؤَجَّلٍ " هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى مِنْهُ (فَإِنْ قِيلَ) يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ صَيَّرَ قِسْمَ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ لِأَنَّ الْوُجُودَ أَعَمُّ مِنْ الْوُجُودِ الْمُؤَجَّلِ وَغَيْرُ الْمُؤَجَّلِ وَالْوُجُودُ الْمُؤَجَّلُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ وُجُودٍ (قُلْتُ) لَا شَكَّ فِي إشْكَالِ كَلَامِهِ وَلَوْ قَالَ يَمِينُ الْحِنْثِ مَا مُتَعَلَّقُهُ وُجُودٌ غَيْرُ مُؤَجَّلٍ وَيَمِينُ الْبِرِّ هُوَ بِخِلَافِهِ لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(1/135)

[بَابُ الْكَفَّارَةِ]
ك ف ر) : بَابُ الْكَفَّارَةِ
قَالَ " إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كَالزَّكَاةِ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ تَخْيِيرًا لِمَنْ وَجَدَ ".

[بَابُ الطَّعَامِ]
(ط ع م) : بَابُ الطَّعَامِ
قَالَ " مِنْ الْحَبِّ الْمُقْتَاتِ غَالِبًا " ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَدْرِ الْكَفَّارَةِ.

[بَابُ الْكِسْوَةِ]
(ك س و) : بَابُ الْكِسْوَةِ
قَالَ " فِيهَا مَا تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ لِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَلِلرَّجُلِ ثَوْبٌ ".

[بَابٌ فِي شُرُوطِ الرَّقَبَةِ]
(ش ر ط) : بَابٌ فِي شُرُوطِ الرَّقَبَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ " إيمَانُهَا وَالسَّلَامَةُ مِنْ عَيْبٍ يَمْنَعُ تَمَامَ السَّعْيِ وَغَيْرُ مُلَفَّقَةٍ مُحَرَّرَةٍ لَهُ خَالِيَةً مِنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ وَمِنْ الْعِوَضِ " فَإِنْ تَوَفَّرْت هَذِهِ الشُّرُوطُ أَجْزَأَتْ بِاتِّفَاقٍ وَانْظُرْ مَا فَرَّعَ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(1/136)

[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي الْيَمِينِ مُطْلَقًا]
قَالَ مَا مَعْنَاهُ " الْمُوَافَقَةُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ الْمُخَالَفَةُ لَهُ بِأَشَدَّ " وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابٌ فِي الْبِسَاطِ]
(ب س ط) : بَابٌ فِي الْبِسَاطِ قَالَ " هُوَ سَبَبُ الْيَمِينِ ".

[بَابٌ فِي شَرْطِ النِّيَّةِ]
(ش ر ط) : بَابٌ فِي شَرْطِ النِّيَّةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " حُصُولُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ وَهِيَ بَعْدَهَا وَلَوْ وُصِلْت بِهَا لَغْوٌ ".

[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ الْحِنْثَ فِي تَعَذُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَى فِعْلِهِ]
ِ وَمَا يُوجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ " مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ غَيْرُ مُؤَجَّلٍ وَتَعَذَّرَ بِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ بَعْدَ الْحَلِفِ قَبْلَ إمْكَانِهِ وَبَعْدَ إمْكَانِهِ يُوجِبُ الْحِنْثَ " مِثَالُ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ حَمَامَةً فَقَامَ مَكَانَهُ فَوَجَدَهَا مَيِّتَةً فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ عَلَى ضَرْبِ فُلَانٍ فَأَمْكَنَهُ الضَّرْبُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَهُنَا مُعَارَضَاتٌ وَمُنَاقَصَاتٌ وَأَجْوِبَةٌ اُنْظُرْهَا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَلَفَ لَيَطَأَنَّ امْرَأَتَهُ فَقُطِعَ ذَكَرُهُ وَلَمْ يُفَرِّطْ (قُلْتُ) لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَالنَّصُّ كَذَلِكَ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ لَفْظُهُ وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مُؤَجَّلٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلُهُ مُؤَجَّلًا وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا اُنْظُرْهُ.
(1/137)

[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْيَمِينِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ]
ِ دَائِمًا
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَقْيِيدُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِذَاتِهِ.

[بَابُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ دَائِمًا]
قَالَ مَا مَعْنَاهُ " تَقْيِيدُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِمِلْكٍ مُعَيَّنٍ " فَإِذَا أَشَارَ إلَى شَيْءٍ وَحَلَفَ عَلَى تَرْكه أَوْ سَمَّاهُ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَلِفُ دَائِمًا وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْإِضَافَةِ بِشَخْصٍ فِيهِ خِلَافٌ كَمَا إذَا قَالَ لَا أَسْتَخْدِمُ عَبْدَ فُلَانٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ بَعْدَ عِتْقِ سَيِّدِهِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ اُنْظُرْهُ.

[بَابُ النَّذْرِ]
(ن ذ ر) : بَابُ النَّذْرِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدُّ النَّذْرِ الْأَعَمِّ مِنْ الْجَائِزِ " إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا " مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ يُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَبِمَعْنًى أَخَصَّ وَالْأَعَمُّ يُطْلَقُ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ لِمَا وَرَدَ فِي الْإِطْلَاقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَتَأَمَّلْ هَلْ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بَعْضُ صُوَرِ الْيَمِينِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَأَخَصُّهُ الْمَأْمُورُ بِأَدَائِهِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ " أَشَارَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْيَمِينِ فَانْظُرْهُ وَرَاجِعْهُ قَوْلُهُ " الْتِزَامٌ " جِنْسٌ مُنَاسِبٌ لِلْجِنْسِ شَرْعًا وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْعُمُومُ قَوْلُهُ " طَاعَةٍ " أَخْرُج بِهِ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ وَالْمُحَرَّمَ الدَّاخِلَةَ فِي الْأَعَمِّ قَوْلُهُ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ أَخْرَجَ بِهِ الْتِزَامَ الطَّاعَةِ لَا بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْيَمِينِ ثُمَّ قَالَ لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا قَيْدٌ زَادَهُ الشَّيْخُ يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرَّسْمِ وَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِلَازِمِ صِفَةِ قَيْدِ الْحَدِّ لِأَنَّ الصِّفَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ بِهَا قُرْبَةٌ لَيْسَتْ بِنَذْرٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ فَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى الْأُولَى وَالْحَدُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِصَارِ لَا عَلَى الْإِكْثَارِ مَعَ تَمَامِ الْبَيَانِ وَإِزَالَةِ الْحَشْوِ فَمَا سِرُّ هَذِهِ
(1/138)

الزِّيَادَةِ ثُمَّ مِمَّا يُؤَكِّدُ السُّؤَالَ أَنَّهُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِّ الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ وَلَا يُقَالُ لِمَا قَالَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ ذَكَرَهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إلَى تَحْقِيقِ نَفْيِ الِامْتِنَاعِ بِخِلَافِ مَا هُنَا لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إذَا تَعَيَّنَ التَّعْبِيرُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِذَلِكَ وَهَلَّا عُبِّرَ هُنَا كَمَا عُبِّرَ هُنَاكَ (قُلْتُ) السُّؤَالُ كُنْتُ أُورِدُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ قُوَّةُ جَوَابٍ إلَّا بِتَكَلُّفٍ وَكَانَ يَظْهَرُ قَبْلُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا لِامْتِنَاعٍ إلَخْ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ وَتَأَمَّلْ وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ النَّاقَةِ وَمَسْأَلَةُ النَّاقَةِ قَالَ الشَّيْخُ فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ خَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةً مُحَمَّدٍ لُزُومَ الْهَدْيِ وَعَدَمَ لُزُومِهِ فِي مَسْأَلَةِ امْرَأَةٍ قَالَتْ لِنَاقَةٍ لَهَا وَقَدْ شَرَدَتْ إنْ لَمْ تَقْدَمِي فَأَنْتِ بَدَنَةٌ فَلَمْ تَقْدَمْ فَخَرَّجَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى حَمْلِ لَفْظِهَا عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ بِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْيَمِينِ مِنْ الِامْتِنَاعِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْيَمِينَ بِمَا فِي طَاعَةٍ لَازِمٍ أَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى النَّذْرِ لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ مَنْ كَانَ عَاقِلًا فَكَانَ ذَلِكَ نَذْرًا لَا لَازِمَ لَهُ وَهِيَ النِّيَّةُ فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْيَمِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ النَّذْرِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَرْطُ وُجُوبِهِ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْجِهَادِ]
(ج هـ د) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كِتَابُ الْجِهَادِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْجِهَادُ قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورُهُ لَهُ أَوْ دُخُولُ أَرْضِهِ لَهُ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قِتَالُ مُسْلِمٍ " الْقِتَالُ مَصْدَرُ قَاتَلَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» الْحَدِيثَ " وَقَالَهُ تَعَالَى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] وَقَوْلُهُ " مُسْلِمٌ " اُحْتُرِزَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ كَمَا إذَا قَاتَلَ الْكَافِرُ كَافِرًا وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ وَكَافِرًا مَفْعُولٌ بِهِ وَقَوْلُهُ " غَيْرَ ذِي عَهْدٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُعَاهَدَ إذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ بِجِهَادٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الذِّمِّيِّ إذَا نَقَضَ
(1/139)

عَهْدَهُ وَحَارَبَ فَإِنَّ قِتَالَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ فَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ فِي ذَلِكَ وَالْعَهْدُ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ أَقْسَامَ الْعَهْدِ مِنْ الِاسْتِيمَانِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَأْتِي لَهُ بَعْدُ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ " لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا قَاتَلَ لِدُنْيَا أَوْ لِمَالٍ أَوْ حِمْيَةً فَلَيْسَ بِجِهَادٍ شَرْعِيٍّ كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ " أَوْ حُضُورُهُ " أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ أَوْ الْحُضُورِ لِلْقِتَالِ وَالضَّمِيرُ فِي الْحُضُورِ يَعُودُ عَلَى الْقِتَالِ وَضَمِيرُ لَهُ يَعُودُ عَلَى إعْلَاءِ أَوْ عَلَى الْقِتَالِ الْمُعَلَّلِ وَضَمِيرُ أَرْضِهِ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَهُ عَلَى الْقِتَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْأَوَّلَ عَائِدٌ عَلَى الْقِتَالِ وَالثَّانِي لِلْقِتَالِ أَوْ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْف جُعِلَ الْمَفْعُولُ كَلِمَةَ كَافِرًا وَقَدْ وَقَعَ رَعْيُ أَنَّ الْحَدَّ عِنْدَهُ أَعَمُّ مِنْ الْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ جِهَادَ الْمُحَارِبِ جِهَادٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ لَا حَقِيقَةٌ (فَإِنْ قُلْتُ) الْقِتَالُ الْمَذْكُورُ أَصْلُهُ الْمُفَاعَلَةُ فِي اللُّغَةِ فَهَلْ الْمَقْصُودُ هُنَا ذَلِكَ أَوْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ (قُلْتُ) الَّذِي كَانَ يَمُرُّ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِأَنَّ الْفِعَالَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ وَإِلَّا كَانَ حَدُّهُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ بِمَا إذَا قُتِلَ كَافِرُ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْت) لِأَيٍّ شَيْءٍ قَالَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يَأْتِ بِعِلَّةٍ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ (قُلْتَ) لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ وَعُلِّلَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجِبُ التَّأَدُّبُ وَالِاتِّبَاعُ (فَإِنْ قُلْت) إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» وَهَذَا فِيهِ حَصْرٌ وَقَصْرٌ (قُلْنَا) ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ لِمَا غَلَبَ مِنْ الشَّهْوَةِ فِي الْقِتَالِ لِلَّحْمِيَّةِ وَالْعِلَّةُ تُفِيدُ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُرَادُ بِهَا الْكَلِمَةُ اللُّغَوِيَّةُ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} [آل عمران: 64] الْآيَةُ " وَلَمْ يَقُلْ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ مُحَافَظَةً عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ التَّعَبُّدِ وَذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي الرَّسْمِ لِلْبَرَكَةِ وَإِضَافَةٌ الْكَلِمَةِ إلَى اللَّهِ مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَمَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِأَمْرِهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا اخْتَصَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذِكْرً الْمُسْلِمِ كَمَا اخْتَصَرَهُ ابْنُ هَارُونَ فِي رَسْمِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَلَّمَهُ لَهُ وَمَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهُ لِأَنَّ إعْلَاءَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ قَصْدًا مِنْ مُسْلِمٍ فَذَلِكَ كَمَا قِيلَ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّ الْقُرْبَةَ تَدُلُّ عَلَى الْإِسْلَامِ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ فِيهِ إيضَاحٌ وَبَيَانٌ وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ
(1/140)

قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ قِتَالُ الْعَدُوِّ يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ بِمَنْ قَاتَلَ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ عَدُوٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} [الممتحنة: 1] (قُلْتُ) يَظْهَرُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الرَّسْمُ الْمَذْكُورُ فِيهِ تَقْسِيمٌ بِأَوْ وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا فِيهِ السُّؤَالَ الْمَعْلُومَ.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ الْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِثْلَهُ فِي غَيْرُ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ خَاصَّةً لِلْجِهَادِ فِي قِسْمٍ مِنْهُ وَخَاصَّةً فِي قِسْمٍ آخَرَ كَمَا تَقُولُ الْإِنْسَانُ إمَّا صَقَلِّيٌّ أَوْ زِنْجِيٌّ وَالْإِنْسَانُ مَحْصُورٌ فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إطْلَاقُ الْجِهَادِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ هَلْ هُوَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَأَنَّ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِ تَعْرِيفُ رَسْمٍ نَاقِصٍ لِكُلِّ قِسْمٍ وَلَوْ أَرَادَ الرَّسْمَ التَّامَّ لَقَالَ إتْعَابُ نَفْسٍ بِقِتَالِ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورِهِ لَهُ أَوْ دُخُولِ أَرْضِهِ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) رَأَيْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مُدَوَّنَتِهِ بِخَطِّ يَدِهِ مَكْتُوبًا فِي طُرَّتِهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ الْجِهَادُ قِتَالُ الْكَافِرِ لِكُفْرِهِ أَوْ حُضُورِهِ لَهُ أَوْ دَخَلَ أَرْضَهُ لِذَلِكَ وَهَذَا الرَّسْمُ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَمَّا جِنْسُهُ فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ وَأَمَّا حَذْفُ الْمُسْلِمِ فَقَدْ خَالَفَهُ فِي حَذْفِهِ (قُلْتُ) لَمَّا قَالَ لِكُفْرِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُقَاتَلَ لِلْكُفْرِ مُخَالِفٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَلَمْ يَذْكُرْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُهُ لِأَنَّهُ إذَا قَاتَلَهُ لِكُفْرِهِ فَقَدْ قَصَدَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِصَارُ لَكِنَّ حَدَّهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَرْجَحُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سِرِّهِ وَقَوْلُهُ أَوْ دُخُولُ أَرْضِهِ لِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ لَكَانَ أَوْجَزَ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَالْعَمَلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَأْلِيفِهِ الَّذِي حَقَّقَهُ وَرَوَاهُ وَهُوَ آخِرُ حَدِّهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِنْ الطَّلَبَةِ عَلَى الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ إذَا أَبْقَى الْإِمَامُ جَمَاعَةً فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي إعَانَتِهِمْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ مُجَاهِدُونَ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ مُلْحَقٌ عِنْدَهُمْ بِالْمُجَاهِدِ لَا أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَتَقَدَّمَ لَهُمْ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُتَغَيِّرُ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ وَفِي ضِمْنِهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ ارْتَضَى كَلَامَهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِّهِ الْعَدُوَّ وَقُلْنَا إنَّ
(1/141)

الْعَدُوَّ أَعَمُّ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَقَدْ وَقَفْت حِينَ إقْرَاءِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجِهَادِ فِي قَوْلِهِ قِيلَ فَحَرْبِيٌّ إلَخْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْجَوَابِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَزَلَ بِسَاحِلِنَا مِنْ الْعَدُوِّ وَعَلَى مَا يَرْفَعُ الِاعْتِرَاضَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْعَدُوِّ فَذِكْرُ مَالِكٌ الْعَدُوَّ هُنَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادَفَتِهِ لِلْحَرْبِيِّ (قُلْتُ) يَظْهَرُ ذَلِكَ وَيَكُونُ غَلَبَ ذَلِكَ شَرْعًا وَالْآيَةُ لِعُمُومِ الْعَدُوِّ فِي الْغَالِبِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَدُوَّ مُرَادِفٌ عُرْفًا لِلْحَرْبِيِّ فَهَلَّا قَالَ الشَّيْخُ فِي رَسْمِهِ قِتَالُ مُسْلِمٍ حَرْبِيًّا أَوْ عَدُوًّا وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ.
(قُلْتُ) يَأْتِي مَا يُجَابُ بِهِ عَنْهُ فِي شَرْحِ لَفْظِهِ فِي قَوْلِهِ فَيَخْرُجُ إلَخْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَخْرُجُ قِتَالُ الذِّمِّيِّ الْمُحَارَبِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ يَعْنِي بِقَوْلِهِ غَيْرِ ذِي عَهْدٍ ثُمَّ رَدَّ رَسْم ابْنُ هَارُونَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِالصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فِي رَسْمِهِ قَالَ وَهُمَا جِهَادٌ اتِّفَاقًا وَرَدّ رَسْمُ شَيْخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِذَلِكَ وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرَدٍ إذَا قَاتَلَ لَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الرِّبَاطِ]
(ر ب ط) : بَابُ الرِّبَاطِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " الرِّبَاطُ الْمَقَامُ حَيْثُ يُخْشَى الْعَدُوُّ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ لِدَفْعِهِ وَزَادَ عَنْ الْبَاجِيِّ وَلَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ " قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْمَقَامُ " اسْمُ مَصْدَرٍ وَقَوْلُهُ " حَيْثُ يُخْشَى الْعَدُوُّ " ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُنْتَهَاهُ قِيلَ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ بِالْأَهْلِ وَفِيهِ خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ بَعْدُ وَلَوْ قَالَ بِغَيْرِ أَهْلٍ عَلَى رَأْيٍ وَمُطْلَقًا عَلَى آخَرَ لَصَحَّ قَوْلُهُ حَيْثُ يُخْشَى الْعَدُوُّ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ لَا يُخْشَى مِنْهُ عَدُوٌّ فِي حَالَةِ الرِّبَاطِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رِبَاطًا شَرْعًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ نَزَلَ بِهِ الْعَدُوُّ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ سِنِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرِبَاطٍ كَذَا قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» فِي الْحَثِّ عَلَى طَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عُمُومُ الرِّبَاطِ وَصَدَّقَهُ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ (قُلْتُ)
(1/142)

ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ لَا حَقِيقَةٌ قَوْلُهُ " لِدَفْعِهِ " مَعْنَاهُ لِأَجْلِ قَصْدِ دَفْعِهِ أُخْرِجَ بِهِ مَا إذَا قَامَ بِالْمَوْضِعِ لَا لِذَلِكَ وَانْظُرْ فِيمَا إذَا شَرِكَ فِي نِيَّتِهِ كَمَا إذَا حَجَّ وَنَوَى التَّجْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الدِّيوَانِ]
(د ون) : بَابُ الدِّيوَانِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَقَبٌ لِرَسْمِ جَمْعِ أَسْمَاءِ أَنْوَاعِ الْمُعَدِّينَ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ لِعَطَاءٍ " قَوْلُهُ " لَقَبُ رَسْمٍ " أَيْ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى رَسْمٍ وَهُوَ الرَّسْمُ لِجَمْعِ الْأَسْمَاءِ قَوْلُهُ " أَنْوَاعِ " الْأَنْوَاعُ بِمَعْنَى الْأَصْنَافِ أَيْ أَصْنَافِ الْمُعَدِّينَ قَوْلُهُ " لِقِتَالِ الْعَدُوِّ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ قِتَالِ غَيْرِ الْعَدُوِّ كَقِتَالِ أَهْلِ الْحِرَابَةِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ " لِعَطَاءٍ " مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمْعِ أَيْ الْجَمْعِ لِأَجْلِ الْعَطَاءِ وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يُعْطَى لِلْمُقَاتَلَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْإِمَامِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَصَارَ سُنَّةً بَعْدَهُ وَهُوَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا بِهِ.

[بَابُ الْأَمَانِ]
(أم ن) : بَابُ الْأَمَانِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ وَرِقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً مَا " قَوْلُهُ " رَفْعُ " مَصْدَرٌ مُنَاسِبٌ لِلْأَمَانِ لِأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ قَوْلُهُ " اسْتِبَاحَةُ دَمِ الْحَرْبِيِّ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ دَمِ غَيْرِهِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقَاتِلِ قَوْلُهُ " وَرِقِّهِ " أَخْرَجَ بِالْمُعَاهَدَةِ قَوْلُهُ " حِينَ قِتَالِهِ " إلَخْ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ وَالِاسْتِيمَانِ وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ هَذَا الْحَدِّ قَالَ فَيَدْخُلُ الْأَمَانُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِاسْتِبَاحَتِهَا، الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ النَّفْسُ وَالدَّمُ وَالْمَالُ وَإِنَّمَا دَخَلَ التَّأْمِينُ بِأَحَدِهَا لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ يَتَقَرَّرُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِرَفْعِ كُلِّهِ أَوْ بِرَفْعِ أَحَدِ أَجْزَائِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَمَانَ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ التَّأْمِينِ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَإِذَا أَطْلَقَ الْإِمَامُ الْأَمَانَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يُقَيِّدْ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّفْعَ بِقَوْلِهِ رَفْعُ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لَهُ حِينَ الْقِتَالِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ عَمَّ الْأَمَانَ
(1/143)

الصَّحِيحَ وَغَيْرَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا ذَكَرَ الْأَمَانَ وَرَسْمَهُ ذَكَرَ قَبْلَهُ وَفِي الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْأَشْيَاخِ لَفْظُ الْأَمَانِ وَالْمُهَادَنَةِ وَالصُّلْحِ وَالِاسْتِيمَانِ وَالْمُعَاهَدَةِ وَالْعَهْدِ وَمِنْهَا مُتَبَايِنٌ وَمُتَرَادِفٌ فَحَدُّ الْأَمَانِ فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ (قُلْتُ) هَذَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا وَلَمْ يَعْرِفُوهَا وَهِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ فَذَكَرَ كَلَامَ الْأَشْيَاخِ وَإِطْلَاقَ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالَ الثِّقَاتِ وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ إطْلَاقِهِمْ فَاحْتَاجَ إلَى رَسْمِهَا لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ هَذَا مَوْقِعُ كَلَامِهِ وَحُسْنُ نِظَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ.

[بَابُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ]
يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِكُلِّ لِسَانٍ عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُؤَمَّنُ وَبِالْإِشَارَةِ لَهُ وَبِظَنِّ الْمُؤْمِنِ الْأَمَانَ مِنْ لَفْظِ الْمُؤَمِّنِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ.

[بَابُ الْمُهَادَنَةِ]
(هـ د ن) : بَابُ الْمُهَادَنَةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ الصُّلْحُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ هَاهُنَا أَلْفَاظًا لِلْفُقَهَاءِ الْأَمَانُ وَالْمُهَادَنَةُ وَالصُّلْحُ وَالِاسْتِيمَانُ وَالْمُعَاهَدَةُ إلَّا أَنَّ فِيهَا أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً وَمُتَبَايِنَةً فَالْمُتَرَادِفَةُ مِنْهَا الْمُهَادَنَةُ وَالصُّلْحُ وَالِاسْتِيمَانُ وَالْمُعَاهَدَةُ وَالْبَاقِي مُتَبَايِنٌ قَالَ " الْمُهَادَنَةُ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ " قَوْلُهُ " عَقْدٌ " يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ إيجَابٌ وَقَبُولٌ مِنْ الْمُصْطَلَحَيْنِ وَالْتِزَامٌ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ " الْمُسْلِمُ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ عَقْدِ الْحَرْبِيِّ مَعَ حَرْبِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى ذَلِكَ صُلْحًا هُنَا شَرْعِيًّا وَلَا مُعَاهَدَةً قَوْلُهُ " مُدَّةً إلَخْ " قَالَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ الْأَمَانُ وَالِاسْتِيمَانُ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَمِّنُ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِيمَانُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً يَنْقَضِي بِانْقِضَائِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَقْدُ الْمُسْلِمِ وَالْأَمَانِ قَالَ فِيهِ رَفْعٌ إلَخْ فَمَا شَأْنُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَيَّرَ الْجِنْسَ هُنَا الْعَقْدَ وَفِي الْأَوَّلِ الرَّفْعُ وَمَا سِرُّهُ هُنَا زَادَ الْمُسْلِمُ وَفِي الْأَوَّلِ أَطْلَقَ (قُلْتُ) إنَّمَا قَالَ هُنَا الْعَقْدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ
(1/144)

اسْتِبَاحَةً مُطْلَقَةً وَإِنَّمَا عَقَدَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَعَدَمُ الْقِتَال بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ بِخِلَافِ الْأَمَانُ فَإِنَّهُ اقْتَضَى تَحْرِيمَ الْقِتَالِ وَالرُّقْيَةِ وَأَخْذَ الْمَالِ فَنَاسَبَ الرَّفْعَ هُنَاكَ وَالْعَقْدَ هُنَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمَانَ لَا يُمْكِنُ زَوَالُ مُتَعَلِّقِهِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَا دَامَ شَرْطَ صُلْحِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَإِذَا زَالَ عَادَتْ الْمُسَالَمَةُ حَرْبًا وَتُضْرَبُ رِقَابُ الْكُفَّارِ بَعْدَهَا ضَرْبًا وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يُقَيِّدْ الْأَمَانُ بِالْإِسْلَامِ فَلِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ فِيهِ خِلَافٌ وَالرَّسْمُ لِمُطَلَّقِ أَمَانٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى عَنْك.

[بَابُ الِاسْتِيمَانِ]
(ي م ن) : بَابُ الِاسْتِيمَانِ
قَالَ الشَّيْخُ بَعْدُ وَهُوَ الْمُهَادَنَةُ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّسْمِ " تَأْمِينُ حَرْبِيٍّ يَنْزِلُ لِأَمْرٍ يَنْصَرِفُ بِانْقِضَائِهِ " قَوْلُ الشَّيْخِ تَأْمِينٌ بِمَعْنَى إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ إلَّا أَنَّهُ أَمَانٌ خَاصٌّ لِأَنَّهُ نُزُولٌ لِأَمْرٍ يَنْصَرِفُ بِانْتِفَائِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُؤَمَّنُ بِنُزُولِهِ لِأَرْضِ الْإِسْلَامِ لِشِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ فَإِذَا فَرَغَ مُسَبَّبُهُ انْصَرَفَ الْأَمَانُ وَهَذَا الْقَيْدُ أَخْرَجَ بِهِ الْمُهَادَنَةَ وَغَيْرَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ هَذَا إنَّ الِاسْتِيمَانَ يَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الْمُهَادَنَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ جِنْسِهَا ثُمَّ يَخْرُجُ بِفَصْلِهَا وَكَيْف يَدْخُلُ التَّأْمِينُ تَحْتَ الْعَقْدِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ التَّأْمِينَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ أَعَمُّ مِنْهُ فَيَخْرُجُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَيْدِ فِيمَا قَدَّمَهُ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْعَقْدِ فِي هَذَا الرَّسْمِ فِي الْجِنْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

[بَابُ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ]
(ج ز ي) : بَابُ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا أُلْزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لِأَمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ قَوْلُهُ " مَا لَزِمَ الْكَافِرَ " هُوَ أَعَمُّ مِنْ الَّذِي لَزِمَهُ لِأَجْلِ جِزْيَتِهِ أَوْ لِأَجْلِ تَعْشِيرِهِ قَوْلُهُ " لِأَمْنِهِ مِنْهُ بِاسْتِقْرَارِهِ " يَخْرُجُ بِهِ مَا لَزِمَهُ إذَا بَاعَ أَوْ
(1/145)

اشْتَرَى فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِأَمْنِهِ فَقَطْ وَقَوْلُهُ " تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ " يَخْرُجُ بِهِ الصُّلْحِيَّةُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا لَزِمَ الْكَافِرَ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَافِرٍ عَلَى تَأْمِينِهِ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ قَالَ الشَّيْخُ يَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ بِالْجِزْيَةِ اللَّازِمَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِ لُزُومِهَا وَقَبْلَ أَخْذِهَا فِعْلًا لِأَنَّهَا جِزْيَةٌ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا أَخْذٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ بِهَا بَعْدَ لُزُومِهَا وَقَبْلَ أَخْذِهَا ثُمَّ قَالَ وَغَيْرُ مُطَّرَدٍ بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالٍ عَلَى مُجَرَّدِ تَأْمِينٍ لِلَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى هَذَا حَدُّهُ وَلَيْسَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْجِزْيَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ وَارِدٌ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَلَمْ يَرِدْ عَلَى حَدِّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قُلْتُ) لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ الْجِزْيَةَ هِيَ الْمَأْخُوذَةَ فِعْلًا وَهَذَا ظَاهِرُ خُصُوصِيَّتِهِ بِمَا خَصَّهُ وَالشَّيْخُ صَيَّرَ الْجِزْيَةَ مَا لَزِمَ الْكَافِرَ إلَخْ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَأْخُوذِ فِعْلًا أَوْ مَا لَزِمَ وَلَمْ يُؤْخَذْ وَكَذَلِكَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّقْضُ بَعْدَ الِاطِّرَادِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ وَهِيَ نَوْعَانِ عَنْوَةٌ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجِزْيَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا عَلَى مَا وَقَعَ الْحَدُّ لَهُ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فَهِمَ بَعْضُهُمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ]
(ج ز ي) : بَابُ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ لِمَنْعِ نَفْسِهِ أَدَاءَهُ عَلَى إبْقَائِهِ بِبَلَدِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ " مَا الْتَزَمَ " جِنْسٌ لِلْجِزْيَةِ وَهُوَ مَاضٍ وَعَبَّرَ الشَّيْخُ هُنَا فِي الصُّلْحِيَّةِ بِالْتَزَمَ وَقَالَ فِي الْعَنْوِيَّةِ مَا أَلْزَمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَنْوِيَّةَ كَانَ صَاحِبُهَا مَغْلُوبًا مَقْهُورًا فَأَلْزَمَهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَدَاءَ مَالٍ لِمَصْلَحَةٍ عَلَى بَقَائِهِ بِالْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا لِصَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الصُّلْحِ الْأَرْضُ أَرْضُهُمْ بِالْتِزَامِ مَنْ قَبْلَهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا طَلَبُوا أَنَّهُمْ يُسَالِمُونَ وَالْتَزَمُوا فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا جِزْيَةٌ صِغَارًا لَهُمْ قَالُوا وَيَجِبُ كَفُّ الْقِتَالِ عَنْهُمْ إذَا دَعَوْا إلَى ذَلِكَ وَكَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ " لِمَنْعِ نَفْسِهِ " صِفَةٌ لِكَافِرٍ وَقَوْلُهُ " أَدَاءَهُ " مَفْعُولٌ بِالْتَزَمَ وَقَوْلُهُ " عَلَى إبْقَائِهِ بِبَلَدِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ " هَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ يَتِمُّ تَحْرِيمُ قِتَالِهِمْ وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ
(1/146)

تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إذَا صُولِحَ الْعَدُوُّ بِمَالٍ عَلَى هُدْنَةٍ مَعَ بَقَائِهِ فِي مَحَلِّهِ وَمِنْ لَازِمِ أَنَّهُمْ تَحْتَ الْإِسْلَامِ جَرَيَانُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ قَالُوا وَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِهِمْ وَيُؤْخَذُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْف قُلْتَ يُؤْخَذُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى خِلَافُهُ (قُلْتُ) قَالَ الشَّيْخُ الصَّحِيحُ مَا فِي سَمَاعِ سَحْنُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ حَصَلَ ثَلَاثَةُ أَقُولُ فِي أَسِرْ فِي يَدِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَأَهْلِ الْجِزْيَةِ وَهُنَا مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ يَتَوَقَّفُ فَهْمُهَا عَلَى هَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا لِلْفَهْمِ عَنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.

[بَابُ مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ كَافِرٍ]
(م ول) : بَابُ مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ كَافِرٍ
قَالَ الشَّيْخُ إمَّا غَنِيمَةٌ أَوْ مُخْتَصٌّ أَوْ فَيْءٌ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " مَا كَانَ بِقِتَالٍ " أَيْ مَا مُلِكَ بِقِتَالٍ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ " أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ " لِيَدْخُلَ بِهِ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ قَالَ وَأَمَّا مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ وَمَا انْجَلَى عَنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ فَهُوَ فَيْءٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُخْتَصُّ بِآخِذِهِ مَعْنَاهُ وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَافِرٍ الْمُسَمَّى بِالْمُخْتَصِّ بِآخِذِهِ وَلَا يُسَمَّى غَنِيمَةً وَلَا فَيْئًا " مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ دُونَ عِلْمِهِ أَوْ كُرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالِ مُسْلِمٍ وَلَا قَصْدٍ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ مُطْلَقًا عَلَى رَأْيٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ مِنْ أَحْرَارِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ عَلَى رَأْيٍ " قَوْلُهُ " مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ " جِنْسٌ يَشْمَلُ الْغَنِيمَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَقَوْلُهُ " غَيْرِ مُؤَمَّنٍ " لِيَخْرُجَ بِهِ مَا أُخِذَ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ قَوْلُهُ " دُونَ عِلْمِهِ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا وَهَبَهُ الْحَرْبِيُّ قَوْلُهُ " أَوْ
(1/147)

كُرْهًا " يَعُمُّ الصُّلْحَ وَغَيْرَهُ فَأَخْرَجَ مَا أُخِذَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَوْلِهِ " دُونَ صُلْحٍ " قَوْلُهُ " وَلَا قِتَالٍ " أَخْرَجَ الْغَنِيمَةَ لِأَنَّهَا لِأَجْلِ قِتَالٍ قَوْلُهُ " وَلَا قَصْدِهِ " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ الْمَالُ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ فَإِذَا قُصِدَ الْقِتَالُ أَوْ انْجَلَى أَهْلُ الْمَالِ فَلَا يَخْتَصُّ بِآخِذِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَأَخْرَجَهُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِثَالُ الْمُخْتَصِّ بِآخِذِهِ الدَّاخِلُ فِي حَدِّهِ مَا هَرَبَ بِهِ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجَ بِمَالِهِ أَوْ مَا غَنِمَهُ الذِّمِّيُّونَ وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا عَلَى رَأْيٍ " أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فَإِنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ الْأَحْرَارِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ غَنِيمَةً بِلَا خِلَافٍ وَمَا غَنِمَهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُخْتَصٌّ بِهِمْ وَمَا غَنِمَهُ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قِيلَ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً وَيَخْتَصُّ بِهِمْ وَقِيلَ يُخَمَّسُ فَكَانَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ إنْ أَطْلَقْتُ فِي الْحَدِّ حَتَّى يَدْخُلَ الْخِلَافُ وَيَكُونُ الْحَدُّ الْأَعَمَّ مِنْ الشَّاذِّ وَالْمَشْهُورِ تَرَكْتُ الْإِطْلَاقَ وَلَا تَقْيِيدَ وَإِلَّا قَيَّدْتُ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ مِنْ أَحْرَارِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ فَعَلَى الْإِطْلَاقِ يُخَمَّسُ مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ أَوْ الْمَرْأَةُ عَلَى قَوْلٍ وَلَا يَدْخُلُ وَعَلَى قَوْلٍ لَا يُخَمَّسُ وَيَخْتَصُّ بِأَخْذِهِ وَعَلَى التَّقْيِيدِ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُخْتَصُّ كَمَا يَصْدُقُ عَلَى مَا غَنِمَهُ الذِّمِّيُّ قَالَ الشَّيْخُ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُخْتَصِّ الرِّكَازُ (فَإِنْ قُلْتَ) فَبِأَيِّ قَيْدٍ يَخْرُجُ مَالُ الرِّكَازِ وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُخْتَصًّا بِأَخْذِهِ بَلْ يُخَمَّسُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَيْءِ.
(قُلْتُ) لَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ لِأَنَّ الرِّكَازَ مَالٌ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا مَالِكَ لَهُ وَهَذَا مَالٌ أُخِذَ مِنْ حَرْبِيٍّ حَائِزٍ لَهُ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّكَازِ مَوَاضِعُ يَكُونُ فِيهَا لِآخِذِهِ وَوَاجِدِهِ وَلَا يُخَمَّسُ " فَيُقَالُ " قَدْ وُجِدَ مَالُ مُخْتَصٍّ بِأَخْذِهِ مِنْ حَرْبِيٍّ لَا مَالُ مُخْتَصٍّ بِأَخْذِهِ مُطْلَقًا وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ لَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ بِهِ وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَحْثُهُ فِي الْمُطْلَقِ.

[بَابُ الْفَيْءِ]
(ف يء) : بَابُ الْفَيْءِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْفَيْءُ مَا سِوَاهُمَا مِنْهُ هَذَا رَسْمٌ لِلْفَيْءِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَالِ كَافِرٍ مِمَّا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَسِوَى الْمُخْتَصِّ بِأَخْذِهِ الْمَحْدُودَيْنِ فَلَا يَرِدُ الرِّكَازُ الْمَذْكُورُ عَلَى حَدِّ الْفَيْءِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَتَأَمَّلْ بِأَيِّ شَيْءٍ تَخَرَّجَ مِنْ حَدِّ الْفَيْءِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْهِبَةَ وَغَيْرَهَا فِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْبَحْثِ يُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهَاتٌ: يُذَيَّلُ بِهَا عَلَى مَا
(1/148)

ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مِمَّا أُخِذَ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ.
(الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ فِي التَّقْسِيمِ مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ إمَّا غَنِيمَةٌ أَوْ مُخْتَصٌّ أَوْ فَيْءٌ تَرِدُ فِيهِ أَسْئِلَةٌ.
(الْأَوَّلُ) أَنْ يُقَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ أَخَّرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْكَلَامَ عَلَى الْفَيْءِ وَحَقُّهُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَيُقَدِّمُهُ تَبَرُّكًا كَمَا قَدَّمَ الْغَنِيمَةَ وَيُؤَكِّدُ السُّؤَالَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ فِي رَسْمِ الْفَيْءِ وَالْفَيْءُ مَا لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ وَالْفَيْءُ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي قَسِيمِهِ تَبَرُّكًا بِالْقُرْآنِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ يَأْتِي فِيهَا الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَسْمِهِ بِمَا يُنَاسِبُ مِمَّا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَدِّ الْجِهَادِ الْقِتَالُ إلَخْ.
(وَالْجَوَابُ) أَنْ نَقُولَ إنَّمَا أَخَّرَهُ لِأَنَّ خَاصَّتَهُ لَمَّا كَانَتْ فِيهَا نَفْيٌ لِخَاصَّةِ الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ أَخَّرَ ذَلِكَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(السُّؤَالُ الثَّانِي) أَنَّ التَّقْسِيمَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِي مُلِكَ مِنْ ذِمِّيٍّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثِ وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ الْكَافِرِ وَقَدْ حُصِرَ فِيهَا مَا ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ مَنْعِ الْخُلُوِّ فَهِيَ غَيْرُ صَادِقَةٍ.
(وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْكَافِرَ الْمَذْكُورَ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الرَّسْمِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ ذِي عَهْدٍ السُّؤَالُ الثَّالِثُ إنْ سَلَّمْنَا الْعَهْدَ الْمَذْكُورَ فِي الرَّسْمِ وَهُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ ذِي عَهْدٍ فَمَا أَخَذَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ يَرِدُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا عَدَمُ الصِّدْقِ فِي الْقَضِيَّةِ الْمَانِعَةِ الْخُلُوِّ.
(وَالْجَوَابُ) أَنَّ السِّيَاقَ دَلَّ عَلَى قَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ الْقَهْرِيَّةُ فَالتَّقْدِيرُ مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ قَهْرًا وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ وَلِلْمُخْتَصِّ لَا يُقَالُ إنَّ الْمُخْتَصَّ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَأْخُوذِ دُونَ عِلْمِ الْحَرْبِيِّ وَمَا كَانَ دُونَ عِلْمِهِ فَلَا قَهْرَ فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْقَهْرِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَى دَفْعِهِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي مِمَّا يَدُلُّ بِهِ أَنَّ الشَّيْخَ لَوَّنَ التَّعْبِيرَ فَقَالَ فِي مَحَلِّ التَّقْسِيمِ مَا مُلِكَ وَقَالَ فِي جِنْسِ بَعْضِ الْأَقْسَامِ مَا أُخِذَ وَقَالَ مَا كَانَ وَهَلَّا قَالَ فِي الْجَمِيعِ مَا مُلِكَ أَوْ مَا أُخِذَ (قُلْتُ) أَمَّا الْمُقَسَّمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا مُلِكَ فَهُوَ جِنْسٌ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ وَيَشْهَدُ فِيهِ بِالْمِلْكِ الَّذِي يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِجَمِيعِ خَوَاصِّهِ وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ إنَّ مَنْ عَلِمَ شِرَاءً مِنْ غَنِيمَةٍ يَشْهَدُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ بِالْمُلْكِ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مَمْلُوكَةٌ لِغَانِمِيهَا فَتَصْرِيحُهُ بِالْمِلْكِ فِيهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ أَيْ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمِلْكُ بِقِتَالٍ فَهُوَ يَرْجِعُ إلَى
(1/149)

الْأَوَّلِ وَلَوْ قَالَ مَا مُلِكَ بِقِتَالٍ لَصَحَّ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ مَا أُخِذَ فِي الْمُخْتَصِّ فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ الْمِلْكُ فِي الْمُخْتَصِّ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ الْمُقَسَّمِ ذَكَرَ الْأَخْذَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْمَحْدُودِ الْمُخْتَصِّ بِأَخْذِهِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مَا أُخِذَ وَفِيهِ أَيْضًا الْمِلْكُ.
التَّذْيِيلُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ وَالْفَيْءُ مَا سِوَاهُمَا تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَيْءَ غَيْرُ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرُ الْمُخْتَصِّ مِمَّا مُلِكَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ فَيُقَالُ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ شَيْئًا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَيْئًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالرَّسْمُ غَيْرُ مَانِعٍ.
(وَالْجَوَابُ) أَنْ نَقُولَ قَدْ قَدَّمْنَا فِي الْقِسْمِ الْجَامِعِ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالْقَهْرِيَّةِ وَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ كَانَتْ الْقَهْرِيَّةُ مَوْجُودَةً فِي كُلٍّ أَخَصَّ مِنْ أَقْسَامِهِ ضَرُورَةً وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا تَرِدُ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقَيْدِ الْمَأْخُوذِ فِي الْمُقَسَّمِ ذَكَرُهُ قَوْلُهُ أَوْ كُرْهًا فِي رَسْمِ الْمُخْتَصِّ وَإِذَا تَأَمَّلْته لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَخْرُجَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلِذَا قَيَّدَهُ بِمَا رَأَيْتَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ التَّذْيِيلُ الرَّابِعُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي رَسْمِ الْغَنِيمَةِ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقِتَالَ فِي الْغَنِيمَةِ وَذَكَرَ السَّبَبَ فِيهَا وَقَدْ قَالُوا إنَّ الْقِتَالَ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ مَانِعٌ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْغَنِيمَةُ مَا قُوتِلُوا عَلَيْهِ قَالَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَبَبٌ فِي الْأَخْذِ إلَّا الْقِتَالَ قَالَ وَرُبَّمَا تُعُقِّبَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ تَفْسِيرُ الْغَنِيمَةِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقِتَالَ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ مَانِعٌ مِنْ الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا حَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ انْتَهَى مَعْنَاهُ وَهَذَا الْإِيرَادُ بِعَيْنِهِ يَرِدُ عَلَى تِلْمِيذِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ أَنَّهُ الظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ قَدْ آوَرَدَهُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ عِبَارَةُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَرِدُ عَلَيْهَا مَا أُورِدَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ قَالَ فِيهَا مَا كَانَ بِقِتَالٍ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْنَاهَا مَا كَانَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ بِسَبَبِ قِتَالٍ فَاَلَّذِي أَفَادَهُ السَّبَبُ أَنَّ وُجُودَ مِلْكِ الْمَالِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ وَهَلْ الْقِتَالُ إنَّمَا كَانَ لِذَلِكَ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ الْقِتَالُ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ وَنَشَأَ عَنْهُ أَخْذُ الْمَالِ الْأَمْرُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَعَمُّ لَا إشْعَارَ لَهُ بِأَخَصِّهِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي الْإِشْكَالُ عَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ ظَاهِرٌ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ مَالُ الْغَنِيمَةِ مَا قُوتِلُوا عَلَيْهِ أَنَّ قِتَالَهُ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ بَحْثَ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَا
(1/150)

يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ قَالَ الْغَنِيمَةُ مَا قُوتِلُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذُكِرَ بَلْ مَعْنَاهُ الْمَالُ الْمُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَأَفَادَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ إنَّمَا حُصِّلَ بِالْقِتَالِ وَهَلْ كَانَ قَصْدُ الْقِتَالِ لِأَخْذِهِ أَوْ كَانَ الْقِتَالُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَنَشَأَ عَنْهُ الْأَخْذُ وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا قَرَّرْنَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[بَاب فِي النَّفَل]
(ن ف ل) : بَابٌ فِي النَّفْلِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّفَلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا يُعْطِي الْإِمَامُ مِنْ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا لِمَصْلَحَةٍ قَوْلُهُ: " مَا يُعْطِي الْإِمَامُ مِنْ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ " خَاصٌّ بِالْإِعْطَاءِ مِنْهَا مُسْتَحِقَّهَا احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا يُعْطِيهِ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَفْلٍ قَوْلُهُ " لِمَصْلَحَةٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا يُعْطِيهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ شَرْعًا وَلَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ بِنَظَرِ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا رَبَّ سِوَاهُ لَا بِنَظَرِ هَوَاهُ وَيَنْقَسِمُ إلَى جُزْئِيٍّ وَكُلِّيٍّ فَالْجُزْئِيُّ مَا يَثْبُتُ بِإِعْطَائِهِ بِالْفِعْلِ وَالْكُلِّيُّ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ فَإِنَّ النَّفَلَ لَا يَسْتَحِقُّهُ قَاتَلَهُ عَلَى مَذْهَبِنَا بِقَتْلِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدَّمَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِّ الزَّكَاةِ حَدَّهَا اسْمًا وَمَصْدَرًا وَالنَّفَلُ لَمْ يَصْنَعْ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلِاسْمِيَّةِ وَالْمَصْدَرِيَّةِ فَهَذَا التَّخْصِيصُ مَا سِرُّهُ (قُلْتُ) الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنْهُ فِي غَالِبِ حَالِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إنْ وَقَعَ اسْتِعْمَالُهَا فِي مَصْدَرٍ وَاسْمٍ وَكَثُرَ فِي ذَلِكَ إطْلَاقُ الرُّوَاةِ وَالْفُقَهَاءِ فَيَحُدُّهُمَا مَعًا لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهَا فَإِنْ غَلَّبَ أَحَدًا فَإِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِتَعْرِيفِ مَا غَلَّبَ.

[بَابٌ فِي السَّلَبِ]
(س ل ب) : بَابٌ فِي السَّلَبِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ ثَوْبٍ عَلَيْهِ وَفَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهُ لِوَجْهِ قِتَالٍ عَلَيْهِ لَا مَا تُجُنِّبَ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَانْظُرْ كَلَامَ سَحْنُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/151)

وَكَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَمَا ذَكَر هُنَا مِنْ الْمَسَائِل كُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى مُسَمَّى السَّلَبِ شَرْعًا مَا هُوَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَقَبِلَ الشَّيْخُ رَسْمَ ابْنِ حَبِيبٍ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَصْدِيرَ الرَّسْمِ بِكُلٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب الْغُلُول شَرَعَا]
(غ ل ل) : بَابُ الْغُلُولِ
شَرْعًا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ عُرْفًا أَخْذُ مَا لَمْ يُبَحْ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا وَاحْتُرِزَ مِمَّا أُبِيحَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِغُلُولٍ كَالطَّعَامِ مُطْلَقًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عُرْفًا أَشَارَ بِهِ إلَى مُخَالِفِهِ لِمَا وَقَعَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ وَالْغُلُولُ الْخِيَانَةُ بِأَخْذِ الشَّيْءِ لِلْغَيْرِ عَلَى الِاخْتِفَاءِ (قُلْتُ) وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ وَفِي الْعُرْفِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ يُطْلَقُ الْعُرْفُ عَلَى غَيْرِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا بِهِ.

[كِتَابُ النِّكَاحِ]
(ن ك ح) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ النِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ " النِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ غَيْرِ مُوجِبٍ قِيمَتُهَا بِبَيِّنَةٍ قَبْلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْآخَرِ " هَذَا حَدُّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَرَضِيَ عَنْهُ وَقَدْ رَدَّ عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ حَدَّهُ وَرَدَّهُ حَلِيٌّ طَرْدًا وَعَكْسًا لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِّهِ عَقْدٌ عَلَى الْعُضْوِ بِعِوَضٍ هَذَا لَا شَكَّ فِي نَقْضِهِ طَرْدًا بِبَعْضِ صُوَرِ الزِّنَا وَصَادِقِيَّةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ قَالَ وَعَكْسُهُ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ الَّذِي عُقِدَ عَلَى الْإِصْدَاقِ فَإِنَّهُ نِكَاحٌ، هَذَا إنْ أَرَادَ أَنْ يَحُدَّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ وَإِنْ أَرَادَ
(1/152)

الصَّحِيحَ فَقَطْ بَطَلَ طَرْدُهُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ الْفَاسِدَةِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ اسْتَعْذَرَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ حَدَّهُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ أَرْكَانَهُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْحَدِّ إلَّا ذِكْرُ أَرْكَانِهِ وَقَدْ ذَكَرَهَا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَرْكَانُهُ الْحِسِّيَّةُ وَلَا يَصِحُّ الْحَدُّ بِهَا لِأَنَّهَا لَا تُحْمَلُ عَلَى الْمَحْدُودِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالْأَرْكَانِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ وَالْكَافِرُ بَعْدَ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي الْعُقْدَةِ الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى هَذَا الْكَلَامُ مِنْ تَمَامِ الرَّدِّ عَلَى شَيْخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إنْ سَلِمَ أَنَّ الْحَدَّ يَكُونُ بِذِكْرِ أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْأَجْزَاءِ الْمَحْمُولَةِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ فِي لَفْظِهِ لَا الْأَجْزَاءُ الْمَحْسُوسَةُ وَهِيَ الْأُولَى وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ هُنَا الرَّهُونِيُّ فِي الْمُقَدِّمَةِ عَنْ صَاحِبِ الْقِسْطَاسِ فِي الْحَدِّ بِالْأَجْزَاءِ الْمَحْسُوسَةِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَسْلِيمِهِ أَنَّ الصِّيغَةَ مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ بِمَا نُشِيرُ إلَيْهِ فِي الصِّيغَةِ وَرَأَيْت أَيْضًا لِلشَّيْخِ الْمَذْكُورِ اعْتِرَاضًا يَقُولُ فِيهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ الْأَجْزَاءُ الْمَعْنَوِيَّةُ لَا الْأَجْزَاءُ الْحِسِّيَّةُ مَمْنُوعٌ قَوْلُهُ لِامْتِنَاعِ حَمْلِهَا عَلَيْهِ مُسَلَّمٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ رُكْنِيَّتَهَا لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَجْزَاءِ الْحِسِّيَّةِ إذْ هُوَ عَامٌّ فِيهَا وَفِي الشُّرُوطِ أَلَا تَرَى كَيْفَ تَعَقَّبَ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْغَزَالِيِّ جَعَلَهُمْ الْأَهْلَ وَالْمَحَلَّ وَالْقَصْدَ مَعَ اللَّفْظِ مِنْ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكُلٌّ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ لَيْسَ رُكْنًا لَهُ فَمَا تُعُقِّبَ بِهِ هُنَاكَ يَرِدُ هُنَا فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ بَحْثًا ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى شَرْحِ حَدِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ " عَقْدٌ " عَبَّرَ الشَّيْخُ فِي الْجِنْسِ هُنَا بِالْعَقْدِ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ إيجَابٌ وَقَبُولٌ مِنْ جَانِبَيْنِ وَالْعَقْدُ فِيهِ لُزُومٌ لِلْعَاقِدِ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَأَصْلُ الْعَقْدِ فِي اللُّغَةِ الرَّبْطُ وَمِنْهُ عَقَدَ إزَارَهُ وَقَدْ يُسْتَعَارُ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْمَعَانِي كَمَا قَالَ الْحُطَيْئَةُ
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمْ
الْبَيْتَ وَالنِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِيهَا لُزُومٌ لِلنَّفْسِ فَلِذَا قَالَ عَقْدٌ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَقُولَةِ ثُمَّ قَالَ عَلَى مُجَرَّدِ هَذَا هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " مُجَرَّدٌ " مُجَرَّدٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ جَرَّدَ وَهُوَ صِفَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ لِلْمُتْعَةِ أَيْ الْمُتْعَةُ الْمُجَرَّدَةُ بِمَعْنَى أَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ إلَيْهَا وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالذَّوَاتِ وَالْمُتْعَةُ
(1/153)

مَعْلُومَةٌ مَشْهُورَةٌ فَلِذَا عَرَّفَهُ بِهَا وَهِيَ التَّلَذُّذُ وَالتَّمَتُّعُ أَعَمُّ مِنْ التَّلَذُّذِ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا وَحِسِّيًّا كَتَمَتُّعِ الْجَاهِ وَالْوِلَايَةِ وَتَمَتُّعِ الرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّلَذُّذُ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ فَأَخْرَجَ بِمُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ وَدَخَلَ مَا قَصَدَ فِي أَصْلِهِ التَّمَتُّعُ فَقَطْ ثُمَّ أَخْرَجَ الْأُمُورَ الْمَعْنَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ التَّلَذُّذُ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ الْحِسِّيَّةِ التَّلَذُّذَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِقَوْلِهِ بِآدَمِيَّةٍ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أَخْرَجَ بِهِ الْعَقْدَ عَلَى الْجِنِّيَّةِ وَفِيهِ عِنْدِي بُعْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ " غَيْرُ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا " هَذَا الْقَيْدُ أَخْرَجَ بِهِ تَحْلِيلَ الْأَمَةِ إذَا وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ بِبَيِّنَةٍ لَكِنَّهُ عَقَدَ عَلَى تَلَذُّذٍ بِآدَمِيَّةٍ يُوجِبُ ذَلِكَ التَّلَذُّذُ قِيمَةَ الْآدَمِيَّةِ وَالْقِيمَةُ فِي الْمُحَلَّلَةِ تَجِبُ بِالتَّلَذُّذِ وَقِيلَ بِالْغِيبَةِ عَلَى الْمُحَلَّلَةِ وَإِطْلَاقُ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ يُوجِبُ إدْخَالَ نِكَاحِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ " بِبَيِّنَةٍ " حَالٌ مِنْ التَّلَذُّذِ مَعْنَاهُ فِي حَالِ كَوْنِ التَّلَذُّذِ يَكُونُ بِبَيِّنَةٍ قَبْلَ وُجُودِهِ أَخْرَجَ بِهِ صُورَةَ الزِّنَا قَوْلُهُ " غَيْرَ عَالِمٍ " يُحْتَمَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَقْدٌ عَلَى الْمُتْعَةِ الْمُجَرَّدَةِ فِي التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ حَالَ كَوْنِ الْمُتْعَةِ غَيْرَ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا وَهِيَ حَالٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُتْعَةَ الْمَذْكُورَةَ الْمُقَيَّدَةَ فِي حَالَةِ كَوْنِ الْعَاقِدِ عَلَيْهَا لَا يَعْلَمُ حُرْمَتَهَا وَلَمَّا حَذَفَ الْجَارَّ اتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلَى الصِّفَةِ وَهُوَ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ صُورَةَ الْعَقْدِ عَلَى آدَمِيَّةٍ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا وَالْعَاقِدُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ بِتِلْكَ الْآدَمِيَّةِ كَالْعَقْدِ عَلَى الْأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا وَالسِّفَاحِ فَلَا يُلْحَقُ فِيهِ وَلَدٌ وَلَا يُدْرَأُ فِيهِ حَدٌّ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّحْرِيمِ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا حُرِّمَتْ الْمُتْعَةُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا قَالَ " إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ " وَجُمْلَةُ إنْ حَرَّمَهَا فِيهِ تَقْيِيدٌ وَقَعَ الْحَالُ مَوْقِعَهَا فَكَأَنَّهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ حَالٌ فِي قَوْلِهِ إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا الْبَيْتَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْحَالِ لَا تُصَدَّرُ بِاسْتِقْبَالٍ ثُمَّ أَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكِتَابِ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِيمَا وَقَعَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِمَّا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ وَحْدَهُ مِمَّا عُدَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ
(1/154)

تَعَالَى فَلِذَا قَالَ " أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْآخَرِ " وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكِتَابِ أَيْ مَا حَرَّمَهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُمَا طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي الْمَذْهَبِ بَنَوْا عَلَيْهِمَا مَسَائِلَ فِي النِّكَاحِ وَالزِّنَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحِلِّهِ وَنَذْكُرُ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي فَهْمِ رَسْمِهِ وَمِثَالُ ذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ نَكَحَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَهَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نِكَاحٌ يَثْبُتُ فِيهِ لَوَازِمُ النِّكَاحِ أَوْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الزِّنَا قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ النِّكَاحِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنَا فَالْأَوَّلُ يَقُولُ بِعَدَمِ حَدِّهِ وَبِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ وَالثَّانِي عَكْسُهُ فَالْأَوَّلُ يُرَاعِي الْمُحَرَّمَاتِ بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَطْ وَمَا حُرِّمَ بِالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ وَالثَّانِي يُرَاعِي مَا يَعُمُّ ذَلِكَ فَإِذَا صَحَّ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا رَأَيْته فِي لَفْظِهِ أَوْ الْإِجْمَاعُ بِغَيْرِ وَاوٍ بَعْدَ أَوْ وَكَانَ يَمُرُّ لِبَعْضِهِمْ وَذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ صَوَابَهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَيَقُولُ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ إنَّ صَوَابَهُ أَوْ وَالْإِجْمَاعُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ بَعْدَ أَوْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَقُولُ بِالثَّانِي وَالثَّانِي يَقُولُ بِالْأَوَّلِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْوَاوِ وَعَلَى مَا قَرَّرْته يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَلِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَّلَ التَّحْرِيمَ بِأَمْرٍ خَاصٍّ وَالْآخَرَ عَلَّلَهُ بِأَمْرٍ عَامٍّ فَلَا يَصِحُّ إلَّا كَمَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالدَّلِيلُ الثَّانِي أَعَمُّ وَأَشْمَلُ وَالْأَوَّلُ أَخَصُّ وَأَقَلُّ أَفْرَادًا فَيَتَعَيَّنُ حَرْفُ أَوْ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مَا حَرَّمَ الْكِتَابُ وَأَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ الْمُعْتَدَّةَ وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهَا لَا يُحَدُّ وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ (قُلْتُ) النَّصُّ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَالُوا إنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَا عَارَضُوهَا بِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً خَامِسَةً قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْأَصْلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَا خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ فَهُوَ نَادِرٌ لَا يَقَعُ النَّقْضُ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَلَامُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُنَا فِي حَدِّهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ نِكَاحًا وَيُحَدُّ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ وَذَلِكَ لَازِمُ الزِّنَا وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مَسَائِلَ يَقَعُ فِيهَا الْحَدُّ وَيُلْحَقُ فِيهَا النَّسَبُ فَعَدُّوا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا عَقَدَ عَلَى مَا عَلِمَ تَحْرِيمَهُ وَوَطِئَ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ (قُلْتُ) أَشَارَ إلَى اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
(1/155)

فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا عَلِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَوَابٌ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ضَابِطًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَالنَّسَبُ فِيهِ ثَابِتٌ وَكُلُّ حَدٍّ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَالْوَلَدُ فِيهِ مَنْفِيٌّ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ قَالَ إنَّ الْحَدَّ إذَا ثَبَتَ انْتَفَى الْوَلَدُ (فَإِنْ قُلْتَ) رَأَيْتُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - سُؤَالًا أَظُنُّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ الشَّيْخِ وَهُوَ فِيهِ وَأَجَابَ عَنْهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَدَّ الشَّيْخِ يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ بِصُورَةٍ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجِهِ دُونَ إشْهَادٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِطَلَاقٍ لِإِقْرَارِهِمَا وَإِذَا كَانَ الدُّخُولُ فَاشِيًّا أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ فَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ فِيهَا بَيِّنَةٌ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْفُشُوَّ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ وَالشَّاهِدَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَصْدَ إخْرَاجُ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ عَلَّلَ دَرْءَ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ لَا بِثُبُوتِ النِّكَاحِ فَهَلْ هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ (قُلْتُ) حَاصِلُهُ الْتَزَمَ أَنَّهُ سِفَاحٌ لَا نِكَاحٌ وَدُرِئَ الْحَدُّ فِيهِ لِمَا ذَكَرَ وَفِيهِ بَحْثٌ وَقَدْ أُورِدَتْ عَلَى رَسْمِ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْئِلَةٌ مِنْهَا خُرُوجُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ لَا يَرِدُ بَلْ يَدْخُلُ لِأَنَّهُ لِلْأَعَمِّ مِنْ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ تَتَزَوَّجُ كَافِرًا وَكَذَلِكَ أَنْكِحَةُ الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ وَالْمُوَكِّلُ عَالِمٌ وَلَك النَّظَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَهَلْ يُقَالُ فِيهَا أَنْكِحَةٌ فَاسِدَةٌ وَأُورِدَ عَلَى الْحَدِّ مَنْ حَلَّلَ أُمَّ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَكَذَا إذَا حَلَّلَ أَمَتَهُ لِخَصِيٍّ أَوْ لِمَقْطُوعِ الذَّكَرِ بِبَيِّنَةٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ (فَإِنْ قُلْتَ) تَعْرِيفُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ أَوْ الصَّحِيحُ وَحْدَهُ (قُلْتُ) أَرَادَ عُمُومَ النِّكَاحِ سَوَاءً كَانَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ إنْ حَرَّمَهَا إلَخْ لِأَنَّ الْفَاسِدَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَقِسْمٍ لَا يُوجِبُهُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ وَالنَّاكِحُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نِكَاحٌ بَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ سِفَاحٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالسِّفَاحَ مُتَنَافِيَانِ لِتَنَافِي خَاصَّتِهِمَا لِأَنَّ تَنَافِي اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مِثْلِ بَعْضِ الصُّوَرِ نِكَاحٌ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ النَّاكِحِ فَذَلِكَ لَا
(1/156)

يُخِلُّ بِمَا ذَكَرْنَا فَقَوْلُكُمْ إنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ فَلِذَا زَادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا رَأَيْته (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنْ وَقَعَ كَانَ نِكَاحًا فَاسِدًا لِصَدَاقِهِ وَصُورَتُهُ إذَا عَقَدَ عَلَى الْمُتْعَةِ بِامْرَأَةٍ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مَثَلًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَبِيعَهُ عَبْدَهَا فَهَذَا كَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ قَارَنَ الْعَقْدَ هُنَا مُعَاوَضَةٌ بِمَالٍ فَالْعَقْدُ قَدْ وَقَعَ عَلَى مَجْمُوعِ الْمُتْعَةِ مَعَ الَّذِي انْضَافَ إلَيْهَا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَقْضًا عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ نَقُولَ إنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ إنَّمَا هُوَ الْمُتْعَةُ وَمَا كَانَ بِالْعَرْضِ وَالتَّبَعِيَّةِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَجُعِلَ التَّبَعُ كَأَنَّهُ عَدَمٌ فَلِذَا كَانَ ذَلِكَ نِكَاحًا وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) عَادَةُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَدِّهِ إذَا كَانَتْ أَوْصَافٌ حِسِّيَّةٌ لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهَا يَذْكُرُ مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ وَيُضِيفُهُ إلَى الْأَرْكَانِ مِثْلَ قَوْلِهِ الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ إلَخْ وَهُنَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا رَسْمٌ لِلنِّكَاحِ ذَكَرَ فِيهِ لَوَازِمَ خَاصَّةً بِهِ تُخْرِجُهُ عَنْ الزِّنَا وَمَا شَابَهَهُ مِنْ التَّحْلِيلِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ أَجْزَائِهِ مِنْ صَدَاقٍ وَصِيغَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَارَ فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ لَكِنَّ إسْقَاطَهُ مُنَافٍ وَلِذَا قَالَ إنَّ إمْكَانَ لُزُومِ الصَّدَاقِ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَاعْتَرَضَ هُنَاكَ عَلَى شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَنَافِيًا حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ النِّكَاحَ الصَّدَاقُ فِي مُطْلَقِهِ رُكْنٌ وَأَنَّهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ غَيْرُ رُكْنٍ (فَإِنْ قُلْتَ) النِّكَاحُ الْمُسَمَّى بِالْجَفْنَةِ إمَّا صَحِيحٌ إذَا عُدِمَ الْكَتْبُ أَوْ فَاسِدٌ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ نِكَاحٌ وَلَيْسَ فِيهِ بَيِّنَةٌ قَبْلَ التَّلَذُّذِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ إنَّ الْوَلِيمَةَ فِيهِ الْمَقْصِدُ مِنْهَا إظْهَارُ النِّكَاحِ فَهِيَ كَالْبَيِّنَةِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَانْظُرْ الشَّيْخَ فِي الْوَلِيمَةِ فَإِنَّ لَهُ بَحْثًا يُنَاسِبُ مَا هُنَا.

[بَابُ صِيغَةِ النِّكَاحِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَفْظَةِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ مَعْنَاهُ مَا دَلَّ عَلَى
(1/157)

عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوْ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ كَمَا إذَا قَالَ زَوَّجْتُكهَا أَوْ أَنْكَحْتهَا هَذَا إنْ قَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ وَالْمُغِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِرْ فَيُقَالُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي لَفْظٌ دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ أَبَدًا هَذَا مَعْنَى مَا فَهِمْتُ مِنْهُ فَلَوْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوْ الْإِنْكَاحِ عَلَى رَأْيٍ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ أَبَدًا عَلَى رَأْيٍ لَصَحَّ وَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فَلَا تَصِحُّ عَلَى الرَّأْيِ الثَّانِي الْإِبَاحَةُ أَوْ الْإِجَارَةُ أَوْ الْعَارِيَّةُ لِقَوْلِهِ عَلَى التَّمْلِيكِ أَبَدًا وَلَوْ زِيدَ أَوْ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ لَكَانَ حَسَنًا وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ هُنَا فِي الصِّيغَةِ لَا يَرِدُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِمَّا اعْتَرَضَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَابِ الضَّمَانِ أَنَّ الصِّيغَةَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَجْزَاءِ لَا أَنَّهَا هِيَ الْأَجْزَاءُ وَيُعْتَرَضُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا وَعَلَى مَنْ سَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ وَالشَّيْخُ لَمْ يَعْتَرِضْهُ هُنَا وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ وِلَايَة عَقْدِ النِّكَاح]
(ول ي) : بَابُ الْوِلَايَةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَلِيُّ مَنْ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِلْكٌ أَوْ أُبُوَّةٌ أَوْ تَعْصِيبٌ أَوْ إيصَاءٌ أَوْ كَفَالَةٌ أَوْ سَلْطَنَةٌ أَوْ ذُو إسْلَامٍ قَوْلُهُ " الْوَلِيُّ " يَعْنِي الشَّرْعِيَّ الْحَقِيقِيَّ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " مَنْ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ " أَيْ الَّذِي اسْتَقَرَّ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَفْظُ الْمَرْأَةِ يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَمَةَ وَغَيْرَهَا وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْمَرْءَ أَيْضًا أَيْ اسْتَقَرَّ لَهُ نَظَرٌ عَلَى الْمَرْأَةِ ثُمَّ قَسَمَ النَّظَرَ إلَى أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ نَظَرُ الْمِلْكِ وَقَدَّمَهُ لِقُوَّتِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُقَالُ إنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ أَقْوَى فِي الْجَبْرِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ لِأَنَّهُ إذَا عَقَدَ غَيْرُ الْأَبِ مَعَ وُجُودِهِ يَجِبُ فَسْخُ النِّكَاحِ بِاتِّفَاقٍ عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ (قُلْتُ) الْقُوَّةُ تَحْصُلُ بِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَوْلَى عَلَيْهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ " أَوْ تَعْصِيبٌ " كَالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ أَوْ الشَّقِيقِ وَكَالْعُمُومَةِ قَوْلُهُ " أَوْ إيصَاءٌ " أَيْ مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ الْإِيصَاءَ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ سَلْطَنَةٌ يَعْنِي مَنْ تَقَرَّرَ عَلَيْهَا نَظَرٌ مِنْ سُلْطَانٍ وَهُوَ الْقَاضِي قَوْلُهُ " أَوْ إسْلَامٌ " هُوَ أَعَمُّ الْوِلَايَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) أَوْ الْمَذْكُورَةُ هُنَا لِأَيِّ مَعْنًى هِيَ وَهَلْ مَعْنَاهَا كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا نَقَلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عُمَرَ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا
(1/158)

أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ وَالْوَصِيُّ حَاضِرٌ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الِاخْتِيَارِ لَا فِي الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ (قُلْتُ) كَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَا التَّنْوِيعَ (فَإِنْ قُلْتَ) ذُو الرَّأْيِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ (قُلْتُ) بَلْ ذَكَرَهُ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالرَّجُلِ مِنْ الْعَشِيرَةِ وَابْنِ الْعَمِّ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَتَمَ فِي آخِرِهَا بِذِي الْإِسْلَامِ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ خُتِمَ بِالسُّلْطَانِ (قُلْتُ) السُّلْطَانُ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ تُزَوِّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) بَعْضُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِمَّا عُرِّفَ بِهِ الْوَلِيُّ تَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ عُرْفًا كَالْأَوْصِيَةِ (قُلْتُ) رَآهَا جَلِيَّةً فِي مَعْنَاهَا وَاوٌ هُنَا عَلَى مَا فَسَّرْنَا وَتَجْرِي مَسَائِلُ عَلَى حَدِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَحْكَامٌ يَطُولُ تَنْزِيلُهَا عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمَالِكُ لِعَبْدِهِ يَجْبُرُهُ سَيِّدُهُ وَلَيْسَ هُوَ مَنْ لَهُ مِلْكٌ عَلَى الْمَرْأَةِ (قُلْتُ) الْوَلِيُّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ فِي النِّكَاحِ هُوَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرْته (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ أَوْ كَفَالَةٌ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَافِلَ وَلِيٌّ مُطْلَقًا وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خَصَّهُ بِالدَّنِيَّةِ (قُلْتُ) قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ أَيْضًا بِالْإِطْلَاقِ فِي وِلَايَتِهِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي حَدِّهِ وَلَا يَضُرُّهُ أَيْضًا الْإِطْلَاقُ فِي عَدَمِ الْقَيْدِ بِبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ]
(ن ك ح) : بَابٌ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ
ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَسْمَهُ فَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ نِكَاحَهَا وَيُوقِفَهُ عَلَى إجَازَتهَا وَيَذْكُرُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهَا بِذَلِكَ وَهَذَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ بَابٌ فِي تَفْسِيرِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ الَّذِي فَهِمَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ. وَفَهِمْنَا عَنْهُ أَوَّلًا مِنْ كَلَامِهِ وَآخِرًا أَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ رَسْمُهُ أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ نِكَاحَهَا وَيُوقِفَهُ عَلَى إجَازَتِهَا وَيَذْكُرُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهَا ذَلِكَ أَوْ يُكْمِلُ الْوَلِيُّ الْعَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا بِالْخِيَارِ فَهِيَ مَصْدُوقَةٌ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ وَيُوقِفَهُ عَلَى إجَازَةِ الْمَرْأَةِ وَيَذْكُرَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهَا ذَلِكَ
(1/159)

وَهَذَا مَوْقُوفُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَفَهِمْت مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَنْفَذَ الْإِيجَابَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْقَفَ إنْفَاذَ الْقَبُولِ مِنْ الزَّوْجِ عَلَى إجَازَتِهَا وَلِذَا قَالَ بَعْدُ وَكَذَا لَوْ أَنْفَذَ الزَّوْجُ قَبُولَهُ وَبَقِيَ الْإِيجَابُ مَوْقُوفًا وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَبُولَ وَأَوْقَفَ إيجَابَهُ عَلَى الْوَلِيِّ بِإِجَازَةِ الزَّوْجَةِ فَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَهُ صُورَتَانِ كَمَا قَرَّرْنَا كُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ تُقَرَّرْ فِيهِ صُورَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ بَعْدُ وَالْأَمْرُ الثَّانِي مِنْ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ أَنْ يُكْمِلَ الْوَلِيُّ الْعَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا بِالْخِيَارِ قَالَ فَهَذَا مَوْقُوفٌ طَرَفَاهُ عَلَى الْخِيَارِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ وَحَصَلَتْ صُورَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِيهِ بِقَيْدِ الْخِيَارِ وَلِذَا قَالَ مَوْقُوفٌ طَرَفَاهُ عَلَى الْخِيَارِ مَعْنَاهُ إيجَابُ الْقَبُولِ مِنْ الزَّوْجِ وَإِيجَابُ الْوَلِيِّ الْإِعْطَاءَ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِ الزَّوْجَةِ هَذَا مَعْنَى مَا فَهِمَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِذَا قَالَ بَعْدُ.
(قُلْتُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِيهِ مَجْمُوعُ حَقِيقَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالثَّانِي تَقَرَّرَ فِيهِ مُقَيَّدًا بِخِيَارٍ وَالْأَوَّلُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ تَمَامِهِ إنْ تَمَّ يَوْمَ نُزُولِهِ بَلْ يَوْمَ تَمَّ وَالثَّانِي يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ جَلِيٌّ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ فَهَذَا الَّذِي كُنَّا نَفْهَمُ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ وَيُفْهَمُ أَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ الْبَاجِيِّ إيقَاعُ الْعَقْدِ عَلَى أَمْرٍ يُؤَوَّلُ وَقْفُهُ عَلَيْهِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَا قَرَّرْنَا عَنْ الْبَاجِيِّ وَزَادَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ وَجَدَ فِي تَفْسِيرِ الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الْمَوْقُوفِ فِي كَلَامِ ابْنِ زَرْقُونٍ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ مَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْبَاجِيِّ فَإِنَّ نَصَّهُ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا طَرَفَاهُ عَلَى رِضَا الْمَرْأَةِ وَرِضَا الزَّوْجِ وَيُكْمِلُ الْوَلِيُّ الْعَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا إذَا تَأَمَّلْته تَجِدُهُ مُغَايِرًا لِمَا فَهِمْنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ وَفَهِمَهُ الشَّيْخُ عَنْ الْبَاجِيِّ طَرَفَاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ طَرَفَاهُ أَثْقَلُ مِنْ الْمَوْقُوفِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُر الْبَاجِيُّ خِلَافًا فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِالْقُرْبِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ وَمَا بَعُدَ مِنْهُ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا فِي إمْضَائِهِ وَالْمَوْقُوفُ طَرَفَاهُ فِي إجَازَتِهِ مُطْلَقًا قَوْلَانِ وَالْمَنْعُ هُوَ الصَّحِيحُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ فِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ سَوَاءٌ وَالتَّفْرِيقُ اسْتِحْسَانٌ وَقَيَّدَ الْبَاجِيُّ كَلَامَهُ فِيمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا وَمَعْلُومٌ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الطُّرُقِ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) فَإِذَا حَقَّقْت مَا ذَكَرَهُ وَأَنَّ الْمَوْقُوفَ طَرَفَاهُ
(1/160)

وَقَعَتْ فِيهِ صُورَةُ النِّكَاحِ عَلَى خِيَارِ الزَّوْجَةِ فَيُقَالُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْخِيَارِ الشَّرْطِيِّ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ قَالُوا فِي مِثْلِهِ إنْ شَرَطَ الْوَلِيُّ أَوْ الزَّوْجُ مَشُورَةَ مَنْ قَرُبَ فَهُوَ نِكَاحٌ فِيهِ خِيَارٌ فَإِنْ أَجَازَهُ بِالْقُرْبِ جَازَ كَذَا وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَفْتَرِقَا مِنْ الْمَجْلِسِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْ الصَّرْفِ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ وَلَوْ قَرُبَ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَهُ فِيمَا قَرُبَ فَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ كَيْفَ سَلَّمَ لَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ مِنْ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ وَهُوَ نَظِيرُ النِّكَاحِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ الشَّرْطِيُّ وَقَدْ عَلِمْتَ الْفَرْقَ فِي النَّقْلِ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ طَرَفَاهُ عَلَى خِيَارٍ يَعْنِي مِمَّنْ هُوَ رُكْنٌ فِي النِّكَاحِ كَالزَّوْجَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَاجِيُّ وَنِكَاحُ الْخِيَارِ وَقَعَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالرِّضَى مِنْ الزَّوْجَةِ وَوَقَفَ ذَلِكَ عَلَى مَشُورَةِ أَجْنَبِيٍّ خَارِجٍ عَنْ رُكْنِ النِّكَاحِ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ عَلَى مَا يُعْلَمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْخِيَارُ فِيهِ حُكْمِيٌّ لَا شَرْطِيٌّ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ شَرْطِيٌّ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا عُقْدَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْخِيَارِ لِلزَّوْجَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِيَارٌ شَرْطِيٌّ فِي الثَّانِي وَلِمُرَاعَاةِ هَذَا الْمَعْنَى رَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ اسْتِدْلَالَهُ عَلَى مَنْ قَالَ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ رِضًا أَنَّهُ يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِهِ قَالَ الشَّيْخُ فِي الرَّدِّ عَلَى قَائِلِهِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ زَوَّجْتُ ابْنَتِي إنْ رَضِيَ فُلَانٌ فَقَالَ فُلَانٌ لَا أَرْضَى لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ هَذَا إيقَاعُ الْعَقْدِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِوَقْفِهِ عَلَى أَمْرٍ يُؤَوَّلُ وَقَفَهُ عَلَيْهِ أَقْرَبُ لِلتَّمَامِ وَالصِّحَّةِ مُصَرِّحًا بِوَقْفِهِ عَلَيْهِ.
وَلِذَا خَالَفَ الْخِيَارُ الْحُكْمِيُّ الشَّرْطِيَّ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي كَوْنِهِ صَرَّحَ الْمَوْقُوفُ فِيهِ عَقْدُ خِيَارٍ حُكْمِيٍّ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاتِّفَاقَ عَلَى وَكِيلٍ عَقَدَ النِّكَاحَ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ وَهَذَا مَعَ مَا قَرَّرْته يُخَالِفُ مَا أَصَّلْته (قُلْتُ) قَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْكَلَامَ بَعْدُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ قَسَّمَ الْعَاقِدَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِطَرِيقِ الْبَاجِيِّ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ رَأَيْت مَا فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِي فَهْمِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ السَّيِّدَ إذَا تَزَوَّجَ عَبْدُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ فِي إجَازَتِهِ وَلَوْ طَالَ أَمْرُهُ (قُلْتُ) صُورَةُ الْعَبْدِ تَرِدُ عَلَى
(1/161)

تَفْسِيرِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ الْبَاجِيِّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ فِيهَا إيقَاعُ الْعَقْدِ عَلَى أَمْرٍ إلَخْ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا بِمَا ذَكَرَ وَعَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ لَا تَدْخُلُ هَذِهِ فِي صُورَةِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ فَتَأَمَّلْهُ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا عَلَى الرَّدِّ إذْ لَمْ يَنْبَرِمْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ نِكَاحٌ وَتَزْوِيجُ الْعَبْدِ عَلَى الْإِجَازَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدَّمْنَا عَنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي نِكَاحِ الْخِيَارِ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى التُّونُسِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ فِي تَلَقِّيهمَا كَلَامَ أَشْهَبَ بِالْقَبُولِ فِي قَوْلِهِ قَدْ زَوَّجْتُك وَزَوَّجْتُك وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَلَنَا فِيهِ كَلَامٌ اُنْظُرْهُ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ بَعَثَ فِيهِ سُؤَالًا بَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلَ أَجَبْنَاهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[بَابُ الْعَاضِلِ فِي النِّكَاحِ]
(ع ض ل) : بَابُ الْعَاضِلِ فِي النِّكَاحِ
الْعَاضِلُ الرَّادُّ لِلْأَكْفَاءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَقِيلَ الرَّادُّ أَوَّلُ كُفْءٍ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا اُنْظُرْهُ.

[بَابٌ فِي شُرُوطِ الْوَلِيِّ]
عَقْلُهُ وَبُلُوغُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَذُكُورِيَّتُهُ.

[بَابُ الْكَفَاءَةِ]
(ك فء) : بَابُ الْكَفَاءَةِ قَالَ هِيَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ.

[بَابٌ فِي نِكَاحِ السِّرِّ]
(ن ك ح) : بَابٌ فِي نِكَاحِ السِّرِّ
قِيلَ حَدُّهُ نِكَاحٌ عُقِدَ بِغَيْرِ عَدْلَيْنِ وَقِيلَ مَا أَسَرَّ الشُّهُودُ حِينَ عَقْدِهِ بِكَتْمِهِ وَهُمَا ظَاهِرَانِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ مَانِعِ النَّسَبِ فِي النَّسَبِ]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَرْعُهُ وَأَصْلُهُ وَأَقْرَبُ فَرْعِهِ وَأَبْعَدُ أَقْرَبِهِ
(1/162)

هَذَا الرَّسْمُ أَوْ الضَّابِطُ يَظْهَرُ بَسْطُهُ بَعْدَ بَسْطِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَبْلَهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَالْقَرَابَةُ هِيَ التِّسْعُ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَتْ وَهِيَ أُصُولُهُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَفْهُومٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ الشَّخْصُ أَوْ الْمَوْلُودُ وَيَعْنِي بِالْأَصْلِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلٌ لِلْمَوْلُودِ وَفُصُولُهُ يَعْنِي الْأَوْلَادَ وَإِنْ وَقَعَ انْسِفَالٌ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ يَعْنِي الْأُخُوَّةَ مِنْ أَيْ جِهَةٍ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ يَعْنِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَأَمَّا أَوْلَادُهُنَّ فَيَجُوزُ تَزْوِيجُهُنَّ لِقَوْلِهِ أَوَّلُ فَصْلٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعٌ لِمَا فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ {أُمَّهَاتِكُمْ} [الأحزاب: 4] الْآيَةَ " فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَدُّ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ وَكَذَلِكَ الْجَدَّاتُ مِنْ أَيْ جِهَةٍ وَالْبَنَاتُ فِي قَوْلِهِ وَفُصُولُهُ كَذَلِكَ وَالْأَخَوَاتُ فِي قَوْلِهِ وَفُصُولُ أَوَّلِ الْأُصُولِ وَقَوْلُهُ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ فِي قَوْلِهِ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ فَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِمَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى قُوَّةِ الِاخْتِصَارِ وَتَحَفُّظًا مِنْ الِانْتِشَارِ مَعَ الْجَمْعِ الْبَدِيعِ وَالرَّسْمِ الْمَنِيعِ عَدَلَ إلَى قَوْلِهِ فَرْعُهُ إلَخْ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالْفَرْعُ هُوَ الْفَصْلُ وَحَسُنَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْخِ لِأَنَّ الْأَصْلَ يُقَابِلُهُ الْفَرْعُ وَلَمْ يَجْمَعْ كَمَا جَمَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْعِ مَا يَتَفَرَّعُ عَنْ الشَّخْصِ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ مُطْلَقًا وَأَصْلُهُ الْأَبُ وَالْأُمُّ فَمَا عَلَا (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَدَّمَ الْأَصْلَ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ عَلَى الْفَرْعِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
(قُلْتُ) لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ فِي قَوْلِهِ وَأَقْرَبُ فَرْعِهِ أَيْ فَرْعِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْأَخَوَاتُ مِنْ أَيْ جِهَةٍ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَقْرَبُ فَرْعِ الْأَصْلِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ لِأَنَّهُنَّ يَصْدُقُ فِيهِنَّ أَنَّهُنَّ أَقْرَبُ فَرْعِ الْأَصْلِ قَوْلُهُ " وَأَبْعَدُ " أَيْ أَبْعَدُ أَقْرَبِ فَرْعِ الْأَصْلِ وَزَادَ ذَلِكَ لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ بَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَإِنْ سَفَلْنَ وَالضَّمِيرُ فِي أَقْرَبِهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ يَعُودُ عَلَى فَرْعِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي ضَمِيرُهُ يَعُودُ عَلَى الْأَصْلِ فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَظَهَرَ سِرُّ اخْتِصَارِهِ لِأَلْفَاظِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ كَلَامَهُ أَوْجَزُ وَأَخْصَرُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَبْسَطُ وَأَظْهَرُ وَحَذَفَ مِنْهُ مِنْ أَحْرُفِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِهِ فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ إمَامٍ أَحْيَا اللَّهُ بِهِ قَوَاعِدَ رُسُومِ الْإِسْلَامِ وَالْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي حَقَّقَهَا سَيِّدُ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/163)

[بَابُ مَانِعِ الصِّهْرِ]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - زَوْجَةُ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَمَنْ لَهَا عَلَى زَوْجِهِ وِلَادَةٌ وَفَرْعُ زَوْجَةٍ مَسَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ وَرَأَيْت نُسْخَةً عَنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ فِيهَا عِوَضَ قَوْلِهِ وَمَنْ لَهَا عَلَى زَوْجِهِ وِلَادَةٌ لَفْظَ قَوْلِهِ وَأَصْلُ زَوْجِهِ وَيَظْهَرُ مَعْنَاهُ بَعْدُ وَلَمَّا كَانَتْ مَوَانِعُ الْمُصَاهَرَةِ أَرْبَعًا فِي الْآيَةِ جَمَعَ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ الْأُولَى رَسْمٌ لِقَوْلِهِ وَلَا تَنْكِحُوا الْآيَةَ فَقَالَ زَوْجَةُ أَصْلِهِ أَيْ زَوْجَةُ الْأَبِ وَعَبَّرَ بِالْأَصْلِ لِيَدْخُلَ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِي الْأُبُوَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ وَفَرْعِهِ عَطَفَهُ عَلَى الْأَصْلِ أَيْ وَفَرْعِ أَصْلِهِ وَذَلِكَ رَاجِعٌ لِحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ مِثْلِ الصِّنْفِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلِذَا عَبَّرَ بِالْفَرْعِ وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ " وَمَنْ لَهَا عَلَى زَوْجِهِ وِلَادَةٌ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23] وَذَلِكَ عَامٌّ فِي جِهَةِ أُمِّهَا أَوْ أَبِيهَا هَذَا عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةٍ وَأَصْلُ زَوْجِهِ فَمَعْنَاهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَخْصَرُ وَلِذَا رَجَعَ إلَيْهِ وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ " وَفَرْعُ زَوْجَةٍ مَسَّهَا " وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ {وَرَبَائِبُكُمُ} [النساء: 23] الْآيَةَ وَعَبَّرَ بِالْفَرْعِ لِيَشْمَلَ وَيَعُمَّ الِابْنَ وَالْبِنْتَ وَإِنْ سَفَلَ وَإِذَا وَازَنْت بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلِمْت حُسْنَ اخْتِصَارِهِ لِلَفْظِهِ وَعُدُولَهُ عَنْ أُسْلُوبِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) يُطْلِقُ عَلَى الْمَرْأَةِ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ وَالزَّوْجُ أَخْصَرُ فَمَا بَالُهُ عَبَّرَ تَارَةً بِالزَّوْجَةِ فِي رُسُومِهِ وَتَارَةً بِالزَّوْجِ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ لِي قُوَّةُ سِرٍّ وَلَوْ أَتَى بِزَوْجٍ فِي الْجَمِيعِ لَصَحَّ (فَإِنْ قُلْتَ) ابْنُ الْحَاجِبِ زَادَ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (قُلْتُ) زِيَادَةُ بَيَانٍ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّ الرَّضَاعَ كَالنَّسَبِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ زَادَ ذِكْرَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ (قُلْتُ) لَمَّا وَقَعَتْ ظَوَاهِرُ تَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَفْهُومِ فِي الْآيَةِ زَادَ ذَلِكَ بَيَانًا.

[بَابٌ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ]
(ن ك ح) : بَابٌ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ فِي عَقْدَيْنِ بَيْنَ كُلِّ
(1/164)

فَرْعٍ وَأَصْلِهِ وَأَقْرَبِ فَرْعِهِ وَلَوْ بِرَضَاعٍ هَذَا بِالْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ وَهِيَ أَيْضًا يُطْلَبُ فِيهَا الْجَمْعُ كَالرُّسُومِ وَلَمْ نَتَعَرَّضْ لِأَكْثَرِ ضَوَابِطِ الشَّيْخِ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى جَمْعٍ يَخُصُّهَا وَلَكِنَّ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ احْتَجْنَا إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَيَظْهَرُ هَذَا أَيْضًا بَعْدَ بَسْطِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ (قَالَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - ضَابِطُهُ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ مَا يَمْنَعُ نِكَاحَهُمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَزِيدَ مِنْ الْقَرَابَةِ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ مَعَ أُمِّ زَوْجِهَا وَمَعَ ابْنَتِهِ مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا لِأَنَّ الضَّابِطَ الْمَذْكُورَ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ لِأَنَّا إنْ قَدَّرْنَا إحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَمُنِعَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا ابْنَتُهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ الْجَدَّةِ وَلَوْ عَلَتْ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ ابْنَتِهَا وَلَوْ سَفَلَتْ وَمَعَ أُخْتِهَا لِأَنَّهَا أُخْتٌ لِلذَّكَرِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ ابْنَةِ أَبِيهَا أَوْ جَدَّتِهَا أَوْ جَدِّهَا وَلَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَ الشَّيْخُ ابْنُ الْحَاجِبِ مَعَ الْقَرَابَةِ لِيَصِحَّ طَرْدُهُ وَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَقَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ضَابِطِ ذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فِي النِّكَاحِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ فَرْعٍ وَأَصْلِهِ أَوْ أَقْرَبِ فَرْعِهِ وَلَوْ بِرَضَاعٍ فَقَوْلُهُ " بَيْنَ كُلِّ فَرْعٍ وَأَصْلِهِ " كَالْبِنْتِ مَعَ أُمِّهَا لِأَنَّ الْبِنْتَ فَرْعٌ وَأُمَّهَا أَصْلٌ وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَا ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ ابْنَتِهَا وَلَوْ سَفَلَتْ فَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ بَيْنَ كُلِّ فَرْعٍ وَأَصْلِهِ وَقَوْلُهُ " أَوْ أَقْرَبِ فَرْعِهِ " الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ يَعُودُ إلَى الْأَصْلِ مَعْنَاهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ فَرْعٍ وَأَقْرَبِ وَذَلِكَ صَادِقٌ فِي الْمَرْأَةِ مَعَ الْأُخْتِ مُطْلَقًا مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانَتْ وَكَذَلِكَ ابْنَةُ أَبِيهَا وَجَدِّهَا أَوْ جَدَّتِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ تَمَامِ جَدِّهِ كَالْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا وَجَدَّتِهَا وَلَوْ عَلَتْ وَابْنَتُهَا وَلَوْ سَفَلَتْ وَأُخْتُهَا وَلَوْ مِنْ أُمٍّ وَابْنَةُ أَبِيهَا أَوْ جَدَّتُهَا وَلَوْ بَعُدَ فَقَوْلُهُ كَالْمَرْأَةِ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ سَفَلَتْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَرْعُ أَصْلِهِ وَالْبَاقِي بَيَانٌ لِلْبَاقِي مِنْ رَسْمِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ زَادَ هُنَا وَلَوْ بِرَضَاعٍ وَلَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الْمُصَاهَرَةِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (قُلْتُ) هَذَا السُّؤَالُ كَانَ يَرِدُ قَدِيمًا وَلَمْ يَظْهَرْ قُوَّةُ جَوَابٍ عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَلَامُهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْإِيجَازِ فِي النَّظْمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاخْتِصَارٌ بَاهِرٌ وَاَللَّهُ يَحْفَظُ مِنَّا السَّرَائِرَ وَالظَّوَاهِرَ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(1/165)

[بَابُ النِّكَاحِ الْمُحَلِّلِ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِمُطَلِّقِهَا]
ن ك ح) : بَابُ النِّكَاحِ الْمُحَلِّلِ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِمُطَلِّقِهَا
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هُوَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ وَطْئًا مُبَاحًا يُوجِبُ الْغُسْلَ دُونَ إنْزَالٍ " وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ وَهَذَا الرَّسْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِذَا عُدِمَ قَيْدٌ مِنْ الْقُيُودِ الَّذِي ذَكَرَ جَاءَ الْخِلَافُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ التَّعْرِيضِ فِي النِّكَاحِ]
(ع ر ض) : بَابُ التَّعْرِيضِ فِي النِّكَاحِ
ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ فِيهَا وَالتَّعْرِيضُ خِلَافُ التَّصْرِيحِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ مَا يَصِحُّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَقْصُودِ وَعَلَى غَيْرِ مَقْصُودِهِ إلَّا أَنَّ إشْعَارَهُ بِجَانِبِ الْمَقْصُودِ أَتَمُّ وَأَرْجَحُ وَأَصْلُهُ مِنْ عُرْضِ الشَّيْءِ وَهُوَ جَانِبُهُ كَأَنَّهُ يَحُومُ بِهِ حَوْلَهُ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ يُسَمَّى تَلْوِيحًا لِأَنَّهُ يَلُوحُ مِنْهُ مَا يُرِيدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِنَايَةِ أَنَّ الْكِنَايَةَ يَذْكُرُ الشَّيْءَ بِذِكْرِ لَازِمِهِ كَقَوْلِنَا فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَالتَّعْرِيضُ يَذْكُرُ كَلَامًا يَحْتَمِلُ مَقْصُودَهُ وَغَيْرَ مَقْصُودِهِ وَالْقَرَائِنُ تُفِيدُ الْمَقْصُودَ وَتَأَمَّلْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ مَعَ كَلَامِ أَهْلِ الْبَيَانِ وَكَذَلِكَ التَّعْرِيضُ فِي الزِّنَا وَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ قَالُوا إلَخْ فَكَأَنَّهُ اعْتَرَضَ ذَلِكَ كَعَادَتِهِ.

[بَابُ الْمُوَاعَدَةِ]
ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَارْتَضَاهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ اُنْظُرْهُ.

[بَابُ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا]
(ن ك ح) : بَابُ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا
ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنِكَاحُهَا إلَخْ وَذَلِكَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ اُنْظُرْهُ
(1/166)

قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ مَا عَقَدَهُ الثَّانِي بِنِيَّةِ تَحْلِيلِهَا مَعْنَاهُ نِكَاحٌ عَقَدَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي قَاصِدًا تَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ الْمُثَلَّثَةِ وَأَخْرَجَ بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ قَصْدَ الْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ نِيَّةُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ خَرَجَتْ أَيْضًا وَالنَّصُّ كَذَلِكَ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ بَنَى الشَّيْخُ رَسْمَهُ وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بِالتَّحْلِيلِ يُوجِبُ الْفَسَادَ (فَإِنْ قُلْتُ) الرَّسْمُ الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ هَذَا يَصْدُقُ عَلَى صُورَةٍ لَا يَصِحُّ الْإِحْلَالُ فِيهَا وَهِيَ إذَا أَبَتَّ مُسْلِمٌ زَوْجَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ بِالثَّلَاثِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَبَانَهَا فَإِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِحْلَالٍ وَرَسْمُ الشَّيْخِ يَصْدُقُ فِيهَا أَنَّهُ إحْلَالٌ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّ نِكَاحَ النَّصْرَانِيِّ لَهَا لَيْسَ بِنِكَاحٍ فَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ فِيهَا وَقَدْ أَشَارَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَى هَذَا الْجَوَابِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ ذَلِكَ يَحِلُّهَا وَقَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ أَصْوَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْفِعْلِ وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ نَفْيٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} [البقرة: 282] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهَذَا يَجْمَعُ الدَّيْنَ كُلَّهُ قَالَ الشَّيْخُ فَاسْتُشْكِلَ وَيُجَابُ بِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَذَكَرْنَا هَذَا لِأَنَّ فِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ وَذَلِكَ أَنَّ النَّفْيَ ارْتَفَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُتَكَلِّمُ فِيهَا لِأَنَّ الْغَايَةَ كَالْإِنْشَاءِ بِخِلَافِ آيَةِ الدَّيْنِ فَهِيَ لَيْسَ فِيهَا مَا يَرْفَعُهُ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرًا لِلْأُخْرَى.

[بَابُ الرِّقِّ الْمَانِعِ مِنْ النِّكَاحِ وَقْتًا مَا]
(ر ق ق) : بَابُ الرِّقِّ
الْمَانِعِ مِنْ النِّكَاحِ وَقْتًا مَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " رِقُّهَا مُدَّةَ كُفْرِهَا حَسْبَمَا سَيَأْتِي " قَوْلُهُ " رِقُّهَا " أَيْ رِقُّ الْمَرْأَةِ مُدَّةَ الْكُفْرِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ الْكِتَابِيَّةَ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا مُدَّةَ كُفْرِهَا وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيَّةُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ جَازَ نِكَاحُهَا لِلْعَبْدِ وَأَمَّا الْحُرُّ فَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلٍ أَوْ بِشَرْطِ عَدَمِهِ أَوْ مِنْ الْعَنَتِ وَالطُّولِ عَلَى آخَرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ " حَسْبَمَا سَيَأْتِي "
(1/167)

يَعْنِي عِنْدَ قَوْلِهِ الْكَافِرَةُ إنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَمَةً إلَخْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ الْأَمَةَ تُوطَأُ بِالْمِلْكِ وَلَا يَصِحُّ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَلَا يُزَوِّجُهَا رَبُّهَا مِنْ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَالْمَجُوسِيَّةُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِنِكَاحٍ وَلَا بِمِلْكٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ الْخُنْثَى]
(خ ن ث) : بَابُ الْخُنْثَى
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَنْ لَهُ فَرْجُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى " هَذَا الرَّسْمُ يَعُمُّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَغَيْرُ الْمُشْكِلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الذُّكُورِيَّةِ أَوْ الْأُنُوثِيَّةِ عُمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ مُشْكِلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْجَبِّ]
(ج ب ب) : بَابُ الْجَبِّ
قَالَ قَالَ عِيَاضٌ الْمَجْبُوبُ الْمَقْطُوعُ كُلُّ مَا هُنَالِكَ وَارْتَضَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الرَّسْمَ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُرَدُّ بِقَوْلِهَا إنْ كَانَ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ قَائِمَ الْخَصَا لِأَنَّ الْمُفَسَّرَ الْمُطْلَقَ غَيْرُ مُضَافٍ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمَ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ وَبَحَثَ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ الْخَصِيِّ]
(خ ص ي) : بَابُ الْخَصِيِّ
قَالَ عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - زَوَالُ الْأُنْثَيَيْنِ قَطْعًا أَوْ سَلًّا قَالَ وَيُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَقْطُوعِ أَحَدِهِمَا وَتَأَمَّلْ هَذَا فَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ.

[بَابُ الْعِنِّينِ]
(ع ن ن) : بَابُ الْعِنِّينِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَاصِلُ نَقْلِ عِيَاضٍ وَالْبَاجِيُّ أَنَّ الْعِنِّينَ ذُو ذَكَرٍ لَا يُمْكِنُ بِهِ جِمَاعٌ لِشِدَّةِ صِغَرِهِ أَوْ لِدَوَامِ اسْتِرْخَائِهِ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ الْعِنِّينُ مَا لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ وَلَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
(1/168)

[بَابُ الْحَصُورُ]
ح ص ر) : بَابُ الْحَصُورُ
نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ مَنْ خُلِقَ دُونَ ذَكَرٍ أَوْ بِذَكَرٍ صَغِيرٍ كَالزِّرِّ لَا يُمْكِنُ بِهِ وَطْءٌ قَالَ الْبَاجِيُّ وَانْفَرَدَ بِذِكْرِ الْحَصُورِ وَجَعَلَهُ الْقَاضِي مِنْ مُسَمَّى الْعِنِّينِ قَالَ الشَّيْخُ يَرُدُّ قَوْلَ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ بِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ رَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي الْحَصُورِ لَهُ مِثْلُ التَّالِي لَا أَنَّهُ كَالْخَصِيِّ لَا يُؤَجَّلُ وَتُطْلَقُ عَلَيْهِ مَكَانَهُ يَعْنِي إنْ طَلَبَتْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ الِاعْتِرَاضِ]
(ع ر ض) بَابُ الِاعْتِرَاضِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّلْقِينُ " الْمُعْتَرَضُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ مَنْ يَطَأُ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْدَ وَطْءٍ أَوْ عَنْ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى ". وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهُ عِنِّينًا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَهُوَ جَلِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ عَيْبِ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ]
يُؤْخَذُ مِنْهُ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ وَدَاءُ فَرْجٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[الْغُرُورِ فِي النِّكَاحِ]
(غ ر ر) بَابُ الْغُرُورِ فِي النِّكَاحِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إخْفَاءُ نَقْصٍ مُعْتَبَرٍ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِذِكْرِ ثُبُوتِ نَقِيضِهِ أَوْ تَقَرَّرَ عُرْفٌ بِثُبُوتِهِ قَوْلُهُ " إخْفَاءُ نَقْصٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِنَقْصٍ قَوْلُهُ " مُعْتَبَرٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ إذَا أَخْفَى قَوْلُهُ " بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِخْفَاءَ فِي السِّلْعَةِ قَوْلُهُ " بِذِكْرِ ثُبُوتِ نَقِيضِهِ " كَمَا إذَا صَرَّحَ بِأَمْرٍ مُعْتَبَرٍ بِأَنَّهُ فِيهَا أَوْ لَهَا ثُمَّ ثَبَتَ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ " أَوْ تَقَرَّرَ عُرْفٌ " لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْغُرُورُ وَالْغِشُّ
(1/169)

وَالتَّدْلِيسُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ فِي رَسْمِهَا فِي الْبُيُوعِ إيرَادَ الْبَائِعِ إلَخْ وَهُنَا صَيَّرَ الْجِنْسَ إخْفَاءَ نَقْصٍ وَهَلَّا قَالَ فِي رَسْمِهَا إيرَادٌ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) النَّقْصُ أَجْمَلُ فِيهِ (قُلْتُ) قَدْ ذَكَرَ بَعْدُ مَا يُبَيِّنُهُ وَأَطْلَقَ الْإِخْفَاءَ لِأَنَّهُ يَعُمُّ إخْفَاءَ الزَّوْجِ وَإِخْفَاءَ الزَّوْجَةِ وَإِخْفَاءَ الْوَلِيِّ وَالنَّقْصُ إمَّا بِإِخْفَاءِ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعِ أَوْ بِإِخْفَاءِ أَنَّهَا فِي عِدَّةٍ أَوْ إخْفَاءِ كَوْنِهَا أَمَةً وَقَوْلُهُ " نَقْصٍ مُعْتَبَرٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِنَقْصٍ مُعْتَبَرٍ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا غَرَّ مُسْلِمٌ كِتَابِيَّةً فَإِنَّهُ وَقَعَ الْخِيَارُ لَهَا كَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى وَقِيلَ لَا خِيَارَ لَهَا (قُلْتُ) لِأَنَّ شَرْطَهَا فِيهِ غَرَضٌ لَهَا لَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَيْبٌ وَفِيهِ نَظَرٌ تَأَمَّلْهُ.

[بَابُ شُرُوطِ الصَّدَاقِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِقُرْآنٍ يَقْرَؤُهُ فَإِنْ وَقَعَ فَالنِّكَاحُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَا وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ بِقِصَاصٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ وَتَأَمَّلْ مَا وَجَّهَ بِهِ الشَّيْخُ كَلَامَ سَحْنُونَ فَإِنَّهُ جَارٍ عَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ فِي قَوْلِهِ يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى الدِّيَةِ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ لَا غَرَرَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي قَيْدِهِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَاعَى مَا يَعُمُّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ وَلِذَا قَالَ بَعْدُ وَيُطْلَبُ كَوْنُهُ لَا غَرَرَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَخْلُو مِنْ بَحْثٍ فِيهِ.

[بَابُ الشَّرْطِ الَّذِي يَبْطُلُ فِي النِّكَاحِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الشَّرْطُ غَيْرُ الْمُنَافِي فِيهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِيَمِينٍ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فَأَخْرَجَ بِالْمُنَافِي لِلْعَقْدِ إسْقَاطَ النَّفَقَةِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ النِّكَاحَ وَأَخْرَجَ بِمَا يَقْتَضِيهِ اشْتِرَاطَ النَّفَقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مُؤَكِّدٌ لِلْعَقْدِ وَمِثَالُ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا مُنَافَاةَ فِيهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَهَذَا سَاقِطٌ وَأَخْرَجَ بِالْيَمِينِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ مُعَلَّقًا بِطَلَاقٍ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ وَأَخْرَجَ بِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ بَعْدُ اُنْظُرْهُ.
(1/170)

[بَابٌ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ]
ن ك ح) : بَابٌ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا عُقِدَ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ وَلَا إسْقَاطِهِ وَلَا صَرْفِهِ لِحُكْمِ أَحَدٍ " قَوْلُهُ " مَا عُقِدَ دُونَ تَسْمِيَةٍ " أَصْلُهُ نِكَاحٌ عُقِدَ فَأَطْلَقَ مَا عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّ نِكَاحَ التَّسْمِيَةِ قِسْمٌ مِنْهُ وَهُوَ جِنْسٌ لَهُ وَقَوْلُهُ " دُونَ تَسْمِيَةٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ النِّكَاحِ الْمُسَمَّى قَوْلُهُ " وَلَا إسْقَاطِهِ " احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا تَزَوَّجَ عَلَى أَلَّا صَدَاقَ لَهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسَمًّى قَوْلُهُ " وَلَا صَرْفٍ لِحُكْمِ أَحَدٍ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى حُكْمِ فُلَانٍ فِيمَا يُعِينُهُ مِنْ مَهْرِهَا لِأَنَّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنِكَاحِ التَّحْكِيمِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا عُقِدَ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا جَرَتْ عَادَةٌ بِمَهْرٍ فِي عُرْفٍ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَلَمْ تَقَعْ تَسْمِيَةٌ فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَرِدُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ التَّفْوِيضِ (قُلْتُ) نُقِلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّفْوِيضِ وَنُقِلَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ فَأَمَّا إنْ صَحَّحْنَا مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ فَنَلْتَزِمُ دُخُولَ ذَلِكَ فِي الْحَدِّ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَنَا أَنْ نَقُولَ التَّسْمِيَةُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً وَفِيهِ نَظَرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صُورَةً مُرَكَّبَةً فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ يَكُونُ قَدْ سُمِّيَ النَّقْدُ فِيهِ وَفُوِّضَ الْمُؤَجَّلُ فَكَيْفَ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي حَدِّهِ مَعَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّدَاقَ إمَّا مُسَمًّى أَوْ مُفَوَّضٌ وَهَذَا مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ بِمَنْعِ حَصْرِ الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَدُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُهَا وَيَصْدُقُ فِيهَا فَنَقُولُ النِّكَاحُ بِاعْتِبَارِ الصَّدَاقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ تَسْمِيَةٌ وَتَفْوِيضٌ وَمُرَكَّبٌ مِنْهُمَا (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ النِّكَاحُ فِي التَّفْوِيضِ مَعَ أَنَّ الصَّدَاقَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَهَذَا نِكَاحٌ لَا صَدَاقَ فِيهِ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَإِسْقَاطُهُ يُفْسِدُ النِّكَاحَ وَإِمْكَانُ لُزُومِ الصَّدَاقِ شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ (فَإِنْ قِيلَ) نِكَاحُ التَّسْمِيَةِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الصَّدَاقِ فِيهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (قِيلَ) قَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ عَنْهُ بِأَنَّ اللُّزُومَ لِعَارِضٍ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الْأَصْلِيَّ وَقَدْ رَدَّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ إنَّهُ رُكْنٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّؤَالِ فِي التَّفْوِيض وَالشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/171)

أَرَادَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الشَّيْخُ وَحَاصِلُ جَوَابِهِ أَنَّ الصَّدَاقَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَأَنَّهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ غَيْرُ رُكْنٍ قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْكَلَامَ عَلِمَ تَنَافِيهِ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ رُكْنًا لِمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ غَيْرَ رُكْنٍ لِأَخَصِّهَا مُتَنَافٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إنَّمَا يَصِحُّ التَّنَافِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَمَّا الْجَعْلِيَّةُ فَلَا مَانِعَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْبَحْثُ مَعَهُ بِذَلِكَ وَيُقَوِّيهِ بَحْثُهُ مَعَ الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ فِي بَابِ دِمَاءِ الْحَجِّ فِي الْهَدْيِ وَالنُّسُكِ اُنْظُرْهُ مَعَ هَذِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ فِي رَعْيِ الْخِلَافِ وَتَأَمَّلَ السُّؤَالَ الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى بَحْثِهِ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ قَبْلَ بَحْثِهِ مَعَ شَيْخِهِ فَكَانَ يَمُرُّ فِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَقَوْلُهُ " مَا عُقِدَ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ إلَخْ " هُوَ أَجْمَعُ وَأَمْنَعُ وَأَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ هُوَ أَنْ يَقُولُوا أَنْكَحْنَاك وَلَا يُسَمُّوا صَدَاقًا وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيرٌ بِاعْتِبَارِ مَقُولَةِ الْمَحْدُودِ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ هُوَ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ وَإِنَّمَا هُوَ صِيغَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ وَقَدْ حَرَّرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ عِبَارَتَهُ بِقَوْلِهِ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ بِلَا وَهَبْتُ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ وَزَادَ قَوْلَهُ بِلَا وَهَبْتُ وَأَتَى الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ وَلَا إسْقَاطُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ خَلِيلٌ مَا يُسْقِطُ التَّحْكِيمَ لِأَنَّ الرَّسْمَ عِنْدَهُ لِمَا يَعُمُّهَا لِقَوْلِهِ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ وَالتَّحْكِيمُ عَقْدٌ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ وَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنْ نَقُولَ الصَّدَاقُ فِي النِّكَاحِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَمًّى أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الصَّدَاقُ فَهُوَ مُسَمًّى وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الصَّدَاقُ وَلَا أُسْقِطَ وَلَا صُرِفَ لِحُكْمِ أَحَدٍ فَهُوَ تَفْوِيضٌ وَإِنْ أُسْقِطَ فَهُوَ نِكَاحٌ عَلَى الْإِصْدَاقِ وَإِنْ صُرِفَ لِحُكْمِ أَحَدٍ فَهُوَ تَحْكِيمٌ وَعَدَلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الصَّدَاقِ إلَى الْمَهْرِ لِلِاخْتِصَارِ كَعَادَتِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ هَلْ مَعْنَاهُ لَمْ يُسَمَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ بِمَعْنَى الْكُلِّيَّةِ أَوْ لَمْ يُسَمَّ لِمَجْمُوعِ الْمَهْرِ بِمَعْنَى الْكُلِّ فَإِنْ أَرَادَ لَمْ يُسَمَّ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ وَرَدَّ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ انْعِكَاسِهِ بِصُورَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ عَنْهُ وَصُورَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا نَكَحَهَا عَلَى أَنَّ نَقْدَهَا عِشْرُونَ دِينَارًا وَعَلَى أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ مَهْرِهَا ثُمَّ لَمْ يَرْضُوا بِمَا فَرَضَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الْمِثْلِ ثُمَّ فَارَقَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَبَيَانُ خُرُوجِهَا عَنْ رَسْمِهِ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ قَدْ فَرَضَ لَهَا وَسَمَّى بَعْضَ مَهْرِهَا مَعَ أَنَّهَا تَفْوِيضٌ وَإِنْ أَرَادَ لَمْ يُسَمِّ مَجْمُوعَ مَهْرِ الصَّدَاقِ لِتَدْخُلَ هَذِهِ الصُّورَةُ مُحَافَظَةً عَلَى
(1/172)

الْعَكْسِ فَيَرِدُ عَدَمُ طَرْدِهِ بِصُورَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ مَنْ دَفَعَ نَقْدًا أَوْ هَدِيَّةً وَسَكَتَ عَنْ عَدَدِ الْكَالِئِ وَأَجَلِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ الْمُعَجَّلُ وَالْهَدِيَّةُ وَيَسْقُطُ الْكَالِئُ لِلسُّكُوتِ عَنْهُ فَهَذِهِ الصُّورَةُ مَجْمُوعُهَا لَيْسَ مِنْ التَّفْوِيضِ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا رَسْمُهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ لَفْظَهُ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَخْتَارَ أَنَّ الْمَعْنَى دُونَ تَسْمِيَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يُسَمَّى تَفْوِيضًا وَالنَّقْضُ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَرِدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا تَفْوِيضًا بَلْ لَفْظُهُ إلَى التَّحْكِيمِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ التَّفْوِيضِ فَصُورَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ إنَّمَا هِيَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَإِنْ شَارَكَ التَّحْكِيمَ التَّفْوِيضُ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَفِي لَفْظِ ابْنِ يُونُسَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا تَرِدُ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى صُورَةُ ابْنِ الْحَاجِّ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ لَا يُسَمَّى تَفْوِيضًا وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّفْوِيضُ فِي بَعْضِ الصَّدَاقِ لَا فِي كُلِّهِ وَالْمَحْدُودُ إنَّمَا هُوَ التَّفْوِيضُ فِي الصَّدَاقِ كُلِّهِ وَلَنَا أَيْضًا أَنْ نَقُولَ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ أَيْ لَمْ يُسَمِّ كُلَّهُ فَيَكُونُ كُلًّا لَا كُلِّيَّةً فَمَا وُجِدَتْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ فَلَا يُسَمَّى نِكَاحَ تَفْوِيضٍ وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَا وَقَعَ فِيهَا لَا يُسَمَّى تَفْوِيضًا.
(لَا يُقَالُ) إنَّ الصَّدَاقَ قَدْ انْقَسَمَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا مُسَمًّى أَوْ تَفْوِيضٌ أَوْ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا كَصُورَةِ ابْنِ الْحَاجِّ وَفِيهَا التَّفْوِيضُ وَلَا يَصْدُقُ فِيهَا الرَّسْمُ (لِأَنَّا نَقُولُ) الْمَحْدُودُ إنَّمَا هُوَ تَفْوِيضُ كُلِّ الصَّدَاقِ لَا تَفْوِيضٌ فِي بَعْضِ الصَّدَاقِ وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَيِّدِي الْبُرْزُلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صُورَةَ ابْنِ الْحَاجِّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَذَكَرَ حُكْمَهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ ابْنِ الْمَوَّازِ السَّابِقَةَ وَبَيَانُ الْمُخَالَفَةِ ظَاهِرٌ وَلِذَا لَمْ يُقَرِّرْهُ وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ صُورَةُ ابْنِ الْحَاجِّ فِيهَا صَدَاقٌ مُرَكَّبٌ مِنْ تَسْمِيَةٍ وَمِنْ تَفْوِيضٍ فَأَعْطَى كَلَامًا يَلِيقُ بِهِ شَرْعًا بِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْجَارِي عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ ابْنُ الْمَوَّازِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ صَيَّرَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّفْوِيضِ هَذَا بَيَانُ الْمُخَالَفَةِ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَرِيبٍ مِمَّا فَهِمْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَنَّ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً مِنْ تَسْمِيَةٍ وَتَفْوِيضٍ كَصُورَةِ ابْنِ الْحَاجِّ بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَحْكِيمِ الزَّوْجِ قَالَ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِنِكَاحِ التَّحْكِيمِ فَتَقَوَّى عِنْدِي مَا فَهِمْته أَوَّلًا بِمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ عَرَضَ لِي إشْكَالٌ وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ لِقَائِلٍ
(1/173)

أَنْ يَقُولَ) إذَا قُلْتُمْ وَسَلَّمْتُمْ أَنَّ الصَّدَاقَ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْمُسَمَّى وَالتَّفْوِيضِ يَعْمَلُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ حُكْمُهُ فَيُقَالُ كَذَلِكَ يُقَالُ فِي الصَّدَاقِ الْمُرَكَّبِ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالتَّحْكِيمِ فَالْجَارِي عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُعْطَى كُلُّ قِسْمٍ مَا يَلِيقُ بِهِ فِي حُكْمِهِ وَلَا يُغَلَّبُ التَّحْكِيمُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَمَا لَا يُغَلَّبُ التَّفْوِيضُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَقَدْ عُلِمَ قُوَّةُ الشُّبْهَةِ بَيْنَ التَّحْكِيمِ وَالتَّفْوِيضِ.
(وَقَدْ يُقَالُ) إنَّمَا غُلِّبَ التَّحْكِيمُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى الْمَذْكُورَ لَا تَتِمُّ تَسْمِيَتُهُ إلَّا بِمَا يَفْرِضُهُ الْمُحَكَّمُ فَكَأَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِذَا بَطَلَ شَرْطُهُ بَطَلَ حُكْمُهُ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّى السُّؤَالُ لَوْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا كَانَ الْمُؤَجَّلُ فِيهِ التَّحْكِيمُ يُغَلَّبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا أَظُنُّهُ يَقُولُهُ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ وَالْمُذَاكَرَةُ بِهِ وَلِلنَّاظِرِ النَّظَرُ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابٌ فِي نِكَاحِ التَّحْكِيمِ]
(ن ك ح) : بَابٌ فِي نِكَاحِ التَّحْكِيمِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " قَالُوا مَا عُقِدَ عَلَى صُرِفَ قَدْرُ مَهْرِهِ لِحُكْمِ حَاكِمٍ " بَيَانُهُ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ قَالُوا وَجَرَتْ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ إنَّمَا يُعَبِّرُ بِهِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى تَحْقِيقِ عُمُومِ مَا ذَكَرَ فِي الْمُحَكَّمِ وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ قُلْتُ وَلَوْ كَانَ الْمُحَكَّمُ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فَكَأَنَّ الشَّيْخَ يَقُولُ هَذَا الرَّسْمُ وَقَعَ لَهُمْ مَعَ ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ وَمِنْ ضَابِطِهِمْ مَا ذَكَرْنَا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ قَالُوا أَوْهَمَ أَنَّ رَسْمَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَلَا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِهِ وَقَوْلُهُ " مَا عُقِدَ " مَا عَبَّرَ بِهَا عَنْ نِكَاحٍ عُقِدَ وَعَدَلَ عَنْهُ اخْتِصَارًا وَقَوْلُهُ " قَدْرُ مَهْرِهِ " الْقَدْرُ هُنَا هُوَ صَدَاقٌ عَلَى الْكَمِّ وَلَوْ أَتَى بِمَا يَعُمُّ الصِّفَةَ مِنْ كَيْفِيَّتِهِ أَوْ كَمِّيَّتِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ (فَإِنْ قِيلَ) التَّحْكِيمُ فِيهِ خَاصِّيَّةُ التَّفْوِيضِ مِنْ لُزُومِ صَدَاقِ الْمِثْلِ فِي مَحِلِّهِ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُحَكَّمُ زَوْجًا فَإِنَّ ابْنَ الْكَاتِبِ قَالَ إنَّهُ تَفْوِيضٌ " قِيلَ " التَّفْوِيضُ يُخَالِفُهُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَلِذَلِكَ اُتُّفِقَ عَلَى جَوَازِهِ وَاخْتُلِفَ فِي نِكَاحِ التَّحْكِيمِ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَمَا فُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِخَاصِّيَّةٍ لَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(1/174)

[بَابُ الشِّغَارِ]
ش غ ر) بَابُ الشِّغَارِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُهُ زَوِّجْنِي مُوَلَّاتَك عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك مُوَلَّاتِي وَلَا مَهْرَ بَيْنَنَا شِغَارٌ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُعَرِّفْ الشِّغَارَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِثَالًا لَهُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ مُفَسِّرًا لِنِكَاحِ الشِّغَارِ فَإِنَّهُ قَالَ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ مُحَرَّمٌ ثُمَّ قَالَ فِيهَا إلَخْ فَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْسِيرِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ نِكَاحُ الشِّغَارِ عَقْدٌ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ إلَخْ (فَإِنْ قُلْتَ) فَكَيْفَ يَصْدُقُ ذَلِكَ عَلَى نِكَاحِ الشِّغَارِ وَالنِّكَاحُ الْأَعَمُّ إنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ هُوَ الْعَقْدُ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَفْسِيرٍ لِنِكَاحِ الشِّغَارِ وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ لِصِيغَةِ الشِّغَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ النِّكَاحُ وَذَلِكَ يَصِحُّ فِيهِ أَنْ يُفَسَّرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ مَعْنَاهُ نِكَاحٌ وَقَعَ فِيهِ الْعَقْدُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ اُنْظُرْهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الشِّغَارَ إنَّمَا هُوَ خُلُوُّ الْبُضْعِ عَنْ الصَّدَاقِ لَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ وَإِذَا وَقَعَ قِيلَ يَفُوتُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ مَالِكٍ وَقِيلَ يُفْسَخُ مُطْلَقًا بِطَلَاقٍ وَيَقَعُ فِيهِ الْمِيرَاثُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَظْهَرُ لَك وَجْهُهَا مِنْ حَدِّ رَعْيِ الْخِلَافِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُعَرَّفَ الشِّغَارُ بِقَوْلِنَا نِكَاحٌ يَكُونُ فِيهِ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَهَلْ يَدْخُلُ مَا فِيهِ الْجَبْرُ أَمْ لَا (قُلْتُ) يُمْكِنُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ إنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَأَمَّا إنَّهُ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَنْ فِيهِ الْجَبْرُ أَمْ لَا فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهِ.

[بَابُ الْمُعْتَبَرِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ]
نَقَلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ التَّلْقِينِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَجَمَالٍ وَأُبُوَّةٍ وَأَقْرَانِهَا فِي سِنِّهَا وَنُقِلَ عَنْ الْبَاجِيِّ قَبْلَهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعٌ صِفَةُ الدِّينِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَالْجَمَالِ وَوَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُنْظَرُ لِشَبَابِهَا وَمَوْضِعِهَا وَغَنَائِهَا وَتَأَمَّلْ مَا ذُكِرَ هُنَا وَمَا بَيْنَ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَالتَّلْقِينِ مِنْ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ.
(1/175)

[بَابُ مَتَى يُسَلَّمُ الْمَهْرُ الْحَالُّ لِلزَّوْجَةِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِإِطَاقَتِهَا الْوَطْءَ وَبُلُوغِ زَوْجِهَا " أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ " إطَاقَتِهَا " إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَرِيضَةً فِي السِّيَاقِ وَوَقَعَ لِمَالِكٍ الْمَرِيضَةُ كَالصَّحِيحَةِ وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا ذَكَرْنَا وَانْظُرْ مَا وَقَعَ لِابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ لَكِنَّ تَقْيِيدَ اللَّخْمِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي دَفْعِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرُ هَلْ هُوَ كَالنَّفَقَةِ أَوْ أَقْوَى اُنْظُرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِيهِ وَبُلُوغُ الزَّوْجِ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْبَالِغِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُطِيقُ الْوَطْءَ فَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ أَطَاقَ الْوَطْءَ فَفِيهِ قَوْلَانِ قِيلَ كَالْبَالِغِ وَقِيلَ لَا.

[بَابُ الْبَرَاءَةِ لِمُشْتَرِي الْجِهَازِ]
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِوُجُوهِ الْأَوَّلِ دَفْعُهُ لِلزَّوْجَةِ بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دَفْعُهُ فِي بَيْتِ الْبِنَاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ عَنْ بُعْدٍ كَانَ الدَّافِعُ أَبًا أَوْ وَصِيًّا إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ الثَّانِي أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْبِنَاءِ وَيَقِفَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ دُونَ دَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَتَضَمُّنِ الْبَيِّنَةِ حُضُورَ الزَّوْجِ إلَى آخِرِهِ الثَّالِثُ أَنْ يُوَجَّهَ الْجِهَازُ لِبَيْتِ الْبِنَاءِ بِحَضْرَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ أَنْ يُقَوِّمُوهُ وَيُعَيِّنُوهُ وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يُوَجِّهُوهُ لِبَيْتِ الْبِنَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ الشُّهُودُ، اُنْظُرْهُ.

[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ كُلَّ الْمَهْرِ لِلزَّوْجَةِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِالْتِقَاءِ خِتَانَيْ الزَّوْجَيْنِ وَالزَّوْجُ بَالِغٌ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا " يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ هُنَا مَسَائِلَ مُخْتَلَفًا فِيهَا مِنْهَا طُولُ الْمُدَّةِ مَعَ أَخْلَاقِ شُورَتِهَا اُنْظُرْ مَا فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِيمَا يَثْبُتُ الْوَطْءُ بِهِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِخَلْوَةِ النِّسَاءِ إنْ أَقَرَّ بِهِ وَهَذِهِ خَلْوَةُ الِاهْتِدَاءِ وَأَمَّا الزِّيَارَةُ فَذَكَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ، اُنْظُرْهُ.
(1/176)

[بَابٌ فِيمَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ]
ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الرِّوَايَتَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ طُولًا يَخْرُجُ عَنْ الْمَقْصِدِ.

[بَابٌ فِي رَعْيِ الْخِلَافِ]
(ر ع ي) : بَابٌ فِي رَعْيِ الْخِلَافِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَسْمِهِ " إعْمَالُ دَلِيلٍ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ الَّذِي أُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ " هَذَا الرَّسْمُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ مَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَاعِدَةَ رِوَايَةِ الْبَلَاغِ وَهِيَ كُلُّ نِكَاحٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَيِّنٍ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ وَكُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسَادِهِ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَذَكَرَ رِوَايَةَ السَّمَاعِ الَّتِي قَالَ بِهَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ كُلُّ نِكَاحٍ كَانَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَكُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَكُونَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى فَسْخِهِ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ وَرَتَّبَ الْمَسَائِلَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ بَحْثَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّ عَلَى شَيْخِهِ وَاسْتَطْرَدَ ذِكْرَ الْخِلَافِ الشَّاذِّ وَمُرَاعَاتِهِ وَذَكَرَ مِمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْغَرْنَاطِيَّةِ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ يَسْتَنِدُونَ إلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَجَعَلُوهُ قَاعِدَةً فَسَأَلَ السَّائِلُ عَنْ دَلِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاسْتَشْكَلَ السَّائِلُ مُرَاعَاةَ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلَ غَيْرِهِ وَالْمُرَاعَى فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ لَا قَوْلُ الْقَائِلِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ وَهَلْ يُرَاعَى كُلُّ خِلَافٍ أَوْ مَا يُرَاعَى إلَّا الْخِلَافُ الْقَوِيُّ فِيهِ خِلَافٌ وَكَذَلِكَ هَلْ يُرَاعَى الْخِلَافُ مُطْلَقًا كَانَ مَذْهَبِيًّا أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ وَهَلْ يَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً أَوْ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ كَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ وَقَبِلُوهُ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعُقْبَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ رَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ ثُمَّ وَقَفْت عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَغْرِبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى
(1/177)

كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْبُوقِ هَلْ هُوَ قَاضِيًا أَوْ بَانِيًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ فَإِذَا قَامَ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ إنَّمَا أَجَابَ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَهَا وَرَأَى أَنْ يَحْتَاطَ بِزِيَادَةِ السُّورَةِ فِي السُّورَةِ رَعْيًا لِلْخِلَافِ قَالَ الشَّيْخُ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِكَوْنِهِ رَاعَى الْخِلَافَ قَبْلَ الْوُقُوعِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى بَعْدَ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرِهِ فَذَكَرَ رَسْمَهُ بِمَا نَقَلْنَا عَنْهُ فَقَوْلُهُ " إعْمَالُ دَلِيلٍ " جِنْسٌ لِرَعْيٍ يَصْدُقُ عَلَى رَعْيِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ (قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ فِي الْإِعْمَالِ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لِلرَّعْيِ وَالرَّعْيُ مَعْنَاهُ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ كَمَا تَقُولُ رَاعَى فُلَانٌ فُلَانًا مَعْنَاهُ اعْتَبَرَهُ وَقَامَ لَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ فَالْإِعْمَالُ كَأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ الرَّعْيِ (قُلْتُ) نَمْنَعُ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَى رَعْيِ الْخِلَافِ الْإِعْمَالُ وَمَا أَشَرْت إلَيْهِ إنْ سَلِمَ فَإِنَّمَا هُوَ لُغَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَتُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَسْمِهِ حَقَائِقَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَحْدُودِ إذَا كَانَ مُضَافًا لَقَبٌ عَلَى كَذَا كَمَا قَالَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَغَيْرِهَا فَهَلَّا قَالَ هُنَا لَقَبٌ عَلَى إعْمَالِ إلَخْ (قُلْتُ) غَالِبُهُ كَمَا قُلْتَ وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَضْبِطُ لِي الْمَقَامَ الَّذِي يُعَيَّنُ فِيهِ بِاللَّقَبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ وَقَعَ لَهُ هُنَا أَنْ قَالَ عِبَارَةٌ عَنْ إعْمَالِ إلَخْ وَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّقَبِ لَكِنْ يُرَدُّ أَنْ يُقَالَ لَمْ قَالَ عِبَارَةٌ وَلَمْ يَقُلْ لَقَبٌ وَقَدْ قَدَّمْت وَجْهَهُ عَلَى مَا فِيهِ قَوْلُهُ " دَلِيلٍ " فَصْلٌ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الدَّلِيلِ قَوْلُهُ " فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إعْمَالَ الدَّلِيلِ فِي مَدْلُولِهِ وَالدَّلِيلُ هُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمَدْلُولُ فَالنَّهْيُ الْوَارِدُ مَثَلًا فِي نِكَاحِ الشِّغَارِ دَلِيلُ مَدْلُولِهِ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَلَازِمُ هَذَا الْمَدْلُولِ فَسْخُهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلُ النَّهْيِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَفَسْخِهِ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ إذَا وَقَعَ يَجِبُ فَسْخُهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِطَلَاقٍ فِي رِوَايَةٍ وَبِغَيْرِ طَلَاقٍ فِي أُخْرَى وَمَنْ خَالَفَ مَالِكٌ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فَسْخُهُ وَالْجَارِي عَلَى فَسْخِهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيهِ طَلَاقٌ إذَا وَقَعَ وَلَا مِيرَاثٌ وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَقُولُ يَقَعُ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ وَيَلْزَمُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَيَقَعُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْجَارِي عَلَى أَصْلِ دَلِيلِهِ وَلَازِمِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ بِثُبُوتِ الْمِيرَاثِ فَقَدْ أَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الشِّغَارِ إذَا
(1/178)

وَقَعَ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ فَسْخِ النِّكَاحِ لَازِمُهُ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَأَعْمَلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دَلِيلَ خَصْمِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الشِّغَارِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ وَهَذَا الْمَدْلُولُ الْمَذْكُورُ أَعْمَلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دَلِيلَهُ فِي نَقِيضِهِ وَهُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ وَأَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ نَقِيضِ فَسْخِ النِّكَاحِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ فِيهَا إعْمَالُ دَلِيلِ كُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَأَنَّهُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ رُجْحَانِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا قَرَّرَ الرَّسْمَ وَحَقَّقَ بِهِ الْجَوَابَ عَنْ إشْكَالِ مَنْ سَأَلَ أَوْ رَدَّ سُؤَالًا وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِتَمَامِ فَائِدَتِهِ وَالسُّؤَالُ مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ مَا قَرَّرْتُمْ فِي مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَحَقَّقْتُمْ مِنْ مُلَاحَظَةِ لَازِمِ دَلِيلِ الْمَدْلُولِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى ثُبُوتِ مَلْزُومٍ وَلَا لَازِمَ لَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيُوجَدُ مَلْزُومٌ وَلَا لَازِمَ لَهُ مُحَالٌ وَفَصْلٌ لَمْ يَقُمْ نَوْعُهُ بِهِ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِنَفْيِ الْمِيرَاثِ وَإِذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ انْتَفَى الْمِيرَاثُ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ وَفَسْخُهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا فَقَدْ وُجِدَ الْمَلْزُومُ وَهُوَ الْفَسْخُ بِدُونِ لَازِمِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْإِرْثِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ بِالْجَوَابِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَمَّا الْجَعْلِيَّةُ فَلَا غَرَابَةَ فِي وُجُودِ مَلْزُومٍ وَلَا لَازِمَ لَهُ لِثُبُوتِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ وَهُوَ قَدَحٌ فِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ بَلْ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ أَوْ مِنْ بَابِ وُجُودِ اللَّازِمِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُغَايِرٌ لِمَا أَلْزَمهُ السَّائِلُ وَلَا إحَالَةَ فِيهِ بَيَانُهُ أَنْ نَقُولَ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَدَلِيلُهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِنَفْيِ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مَلْزُومَةٌ لِلْإِرْثِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ صِحَّةُ النِّكَاحِ نَفْيُ اللَّازِمِ الَّذِي هُوَ الْإِرْثُ فَمَا قَالَ بِاعْتِبَارِ مَذْهَبِهِ إلَّا بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ مَعَ نَفْيِ اللَّازِمِ وَبِاعْتِبَارِ رَعْيِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ قَدْ أَثْبَتَ اللَّازِمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْمَلْزُومِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ بَحْثِهِ مَعَ شَيْخِهِ وَذَكَرْنَاهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَرَاجِعْهُ وَبَعْدَ ذِكْرِ مَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ بِمَا ذُكِرَ ظَهَرَ لِي تَلْخِيصُهُ بَعْدَ وُقُوفِي عَلَى مَا بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا حَرَّرَ الرَّسْمَ قَالَ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنْ نَقُولَ هُوَ
(1/179)

حُجَّةٌ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ إشْكَالِ إعْمَالِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَعَمَّ ذَلِكَ وَذَكَرَ مَا يَضْبِطُهُ بِقَوْلِهِ رُجْحَانُ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى دَلِيلِهِ فِي لَازِمِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ كَرُجْحَانِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي ثُبُوتِ الْإِرْثِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى دَلِيلِ مَالِكٍ فِي لَازِمِ مَدْلُولِ دَلِيلِهِ وَهُوَ نَفْيُ الْإِرْثِ قَالَ وَثُبُوتُ الرُّجْحَانِ وَنَفْيُهُ بِحَسَبِ النَّظَرِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ فِي النَّازِلَةِ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا عَلَى مُقْتَضَى مَا اقْتَضَاهُ رَسْمُهُ وَضَابِطُهُ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ فِي كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ يَسْتَعْمِلُ دَلِيلَهُ فِي مَدْلُولِ قَوْلِهِ وَيَسْتَعْمِلُ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِ أَعْمَلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلَ الْمُجْتَهِدِ يَئُولُ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ قَالَ بِوُجُودِ مَلْزُومٍ وَأَبْطَلَ لَازِمَ مَدْلُولِهِ لِدَلِيلِ خَصْمِهِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَلَا يُوجَدُ لَازِمُهُ " وَأَجَابَ " عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَنَعَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ وَنَفْيِ اللَّازِمِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الشِّغَارِ وَشَبَهِهَا لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ وَمِنْ بَابِ إثْبَاتِ اللَّازِمِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ وَالْمَلْزُومُ هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَيُسْتَعْمَلُ دَلِيلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ نَفْيُ اللَّازِمِ وَاللَّازِمُ هُوَ الْإِرْثُ وَالْمَلْزُومُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَاسْتَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ وَذَلِكَ الْمَدْلُولُ اُسْتُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ وَالْمَدْلُولُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي نَقِيضِهِ مَا ذَكَرَ وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَازِمُهُ الْإِرْثُ وَأَمَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ إثْبَاتِ اللَّازِمِ فَلِرَعْيِ مَالِكٍ دَلِيلَ مُخَالِفِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ الْمَذْكُورُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ اللَّازِمِ إثْبَاتُ الْمَلْزُومِ فَحَاصِلُهُ لَيْسَ فِي إعْمَالِ دَلِيلِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إثْبَاتُ مَلْزُومٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ مَلْزُومٍ وَإِثْبَاتُ لَازِمٍ كَمَا قَرَّرْنَا وَلَمَّا قَرَّرْنَا كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَسَطْت سُؤَالَهُ وَجَوَابَهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ دَلِيلِ رَعْيِ الْخِلَافِ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ الْمُرَاجَعَةُ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِهِ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ دَعْوَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا مِنْ ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ عَلَى نَظَرٍ وَبَحْثٍ فَرَاجَعْت كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي لَفْظِهِ فَوَجَدْتُ فِيهِ مَا يُشِيرُ إلَى بَعْضِ مَا وَقَعَ بِالْمَجْلِسِ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ وَأَنَّ السَّائِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ الْأَشْيَاخِ الرَّاسِخِينَ وَبَلَغَهُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ رَاجَعَهُ فِي كَلَامِهِ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ
(1/180)

وَبَعَثَ بِنَصِّ كَلَامِهِ وَتَلْخِيصِ مَا يَخُصُّ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ مَعَ حَذْفِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا أَنَّ السَّائِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ قَوْلُ الشَّيْخِ إنَّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فِي الشِّغَارِ تَرْجِعُ إلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ غَيْرُ بَيِّنٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْبَيَانِ بِوُجُوهٍ حَذْفِنَا الْأَوَّلَ لِطُولِ الْكَلَامِ فِيهِ الثَّانِي مِنْ الْوُجُوهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ أَنَّهُ أَبْطَلَ مَا ادَّعَى الشَّيْخُ مِنْ لُزُومِ الْإِرْثِ لِلنِّكَاحِ وَأَنَّهُ لَازِمٌ أَعَمُّ وَعَلَيْهِ يَتِمُّ الْجَوَابُ فَقَالَ السَّائِلُ اللَّازِمُ هُنَا مُسَاوٍ لِمَلْزُومِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ اللَّازِمَ لِلنِّكَاحِ الْمَخْصُوصِ إرْثٌ خَاصٌّ لَا إرْثٌ مُطْلَقٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِدَوَرَانِهِ مَعَ وُجُودِهِ طَرْدًا وَعَكْسًا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَنَفْيَهُ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ وَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنْ قَالَ الْإِرْثُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِمُطْلَقِ النِّكَاحِ غَيْرِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وَنِكَاحٌ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ الْإِرْثُ مُسَاوٍ لَهُ فَإِنْ قَصَدَ الْأَوَّلَ لَمْ يُعَارِضْ قَوْلَنَا بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى لَيْسَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُدَّعَى فِي أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ مَلْزُومٌ لِلْإِرْثِ وَالْإِرْثُ لَازِمٌ لِنِكَاحٍ مُقَيَّدٍ بِالصِّحَّةِ وَالنِّكَاحُ الْمُقَيَّدُ بِالصِّحَّةِ مَلْزُومٌ لِمُطْلَقِ إرْثِ النِّكَاحِ الْأَعَمِّ الْمُقَابِلِ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهَذَا اللَّازِمُ أَعَمُّ مِنْ الْمَلْزُومِ الْمَذْكُورِ ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمَلْزُومِ مُقَيَّدًا بِالصِّحَّةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّازِمُ مُسَاوِيًا لِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ نِكَاحٍ وَمُطْلَقُ نِكَاحٍ قَابِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ الْمُسَاوَاةَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ إذَا وَقَعَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ بِحَالٍ وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ الضَّرُورِيَّةُ تَنْفِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ هَذَا خُلَاصَةُ رَدِّهِ عَلَى السَّائِلِ الْبَاحِثِ مَعَهُ فِي الرَّدِّ الثَّانِي عَلَى سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَهَذَا الْجَوَابُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مُعَارَضَتُهُ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا إنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ الْإِرْثِ أَوَّلًا لَازِمًا وَهُنَا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُعَارَضٍ فِي التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا جَعَلَ الْمُسْتَلْزِمَ لِمَنْعِ الْإِرْثِ هُوَ الْفَسْخَ وَهُنَا ذَكَرَ أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَلَا تَصِحُّ الْمُعَارَضَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَفْسُوخُ وَالْفَاسِدُ مُتَسَاوِيَيْنِ أَمَّا إذَا لَمْ تَثْبُتْ مُسَاوَاتُهُمَا فَلَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاسِدَ أَعَمُّ مِنْ الْمَفْسُوخِ وَمَا لَزِمَ الْأَخَصَّ قَدْ لَا يَلْزَمُ الْأَعَمَّ قَالَ السَّائِلُ الْمَذْكُورُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْبَحْثِ مَعَ الشَّيْخِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ مَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا مِنْ ثُبُوتِهِ قَالَ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَالسُّؤَالُ بَاقٍ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ أَيْضًا مِنْ إثْبَاتِ الْمَلْزُومِ لِأَنَّ نَفْيَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ هُوَ فَاسِدٌ النِّكَاحَ الْمَلْزُومَ
(1/181)

لِانْقِطَاعِ الْإِرْثِ ثُمَّ قَرَّرَهُ بِمَا حَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا ذَكَرْت مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عِنْدَنَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَذَلِكَ بِادِّعَاءِ أَنَّ فَسَادَ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَنَفْيِ لَازِمِهِ وَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَنْعِ أَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ الْمَلْزُومَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ اللَّازِمِ وَهِيَ هُنَا أَنَّ نِسْبَةَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إلَى عَدَمِ الْإِرْثِ كَنِسْبَةِ النَّظَرِ الْفَاسِدِ إلَى عَدَمِ الْجَهْلِ وَالنَّظَرُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرْثِ لَا لِعَدَمِ الْإِرْثِ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يُوجِبُ تَرَتُّبَ بَعْضِ ثَمَرَاتِ الصَّحِيحِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَرَاتِ الصَّحِيحِ الْإِرْثُ وَذَلِكَ يُنْتِجُ إبْطَالَ قَوْلِكُمْ إنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِاخْتِصَارٍ وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي فَرَدُّ السَّائِلِ عَلَيْهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالنَّقْضِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَكَذَلِكَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَأَنَّ انْفِكَاكَ اللَّازِمِ عَنْ مَلْزُومِهِ جَائِزٌ فِي الْجَمِيعِ قَالَ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ وَلَا يُوجَدُ الْعِلْمُ لِطَرَيَانِ آفَةٍ وَهَذَا كَلَامٌ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ لَا يَصِحُّ وَأَغْلَظَ فِي الْقَوْلِ هُنَا وَأَلْزَمَهُ إلْزَامَاتٍ شَنِيعَةً وَحُقَّ لَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى رَدِّ قَوْلِهِ بِأَدِلَّةٍ جَلِيَّةٍ وَمَا وَقَعَ بِهِ الْوَهْمُ أَنْ بَنَيْنَا عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَنَّ اسْتِلْزَامَ النَّظَرِ عَادِيٌّ فَقَدْ خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ عَنْ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ عَقْلِيٌّ فَإِنَّهُ يَقَعُ الِاسْتِلْزَامُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ الْآفَةِ وَهَذَا الْكَلَامُ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ خُلَاصَةُ الْبَحْثِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَأَشَرْنَا إلَى بَعْضِ مَا يَرِدُ فِي ذَلِكَ وَتَقَعُ الْمُذَاكَرَةُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ عَلَى النَّاظِرِ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرِدُ عَلَى رَسْمِهِ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إذَا أَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ دَلِيلًا فِي لَازِمِ مَدْلُولٍ قَدْ أَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ دَلِيلًا فِي نَقِيضِ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ لِأَنَّ الرَّسْمَ صَادِقٌ عَلَيْهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدٍ بِمُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) رَسْمُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَعُمُّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً أَوْ وُقُوعًا أَوْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْوُقُوعِ وَلَا يَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً (قُلْتُ) رَسْمُهُ يَعُمُّ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمِثَالِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْفَهْمِ وَلَا يُقْصَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَقَدْ أَجَابَ
(1/182)

بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعُقْبَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَدِيهَةً حِينَ سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَرَسْمُ الشَّيْخِ إذَا سَلِمَ يَصْدُقُ فِي ذَلِكَ وَتَنْزِيلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ فَهِمَ الرَّسْمَ وَكَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا حَسَنٌ لِأَنَّهُ قَالَ كَثِيرًا مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ الْحُكْمُ كَذَا لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَيَقُولُونَ هَلْ يُرَاعَى كُلٌّ خِلَافٍ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَإِذَا لَمْ نُرَاعِ كُلَّ خِلَافٍ رَاعَيْنَا الْمَشْهُورَ وَهَلْ الْمَشْهُورُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ أَوْ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فِيهِ خِلَافٌ وَاَلَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يُرَاعِي مَنْ قَوِيَ دَلِيلُهُ وَإِذَا حُقِّقَ فَلَيْسَ بِمُرَاعَاةٍ لِلْخِلَافِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ إعْطَاءُ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ اُنْظُرْهُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى مَا قَرَّرْنَا فِي رَسْمِ الشَّيْخِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ الدَّلِيلِ أَوْ تَجُوزُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ وُجُوبُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَأَمَّلْ بَحْثَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ ابْنِ بَشِيرٍ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ وَسَيَأْتِي.

[بَابٌ فِي الْمُتْعَةِ]
(م ت ع) : بَابٌ فِي الْمُتْعَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَا يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِإِعْطَائِهِ الزَّوْجَةَ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا " قَوْلُهُ مَا " يُؤْمَرُ الزَّوْجُ " جِنْسٌ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُطْلَبُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَقَوْلُهُ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا يُخْرِجُ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَالدُّيُونَ الَّتِي عَلَيْهِ لَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يُخْرِجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ الزَّوْجُ لِأَجْلِ طَلَاقِهِ " إيَّاهَا " وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَلَيْهِ ذَلِكَ (قُلْتُ) لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّصْفَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِأَجْلِ الطَّلَاقِ بَلْ كَانَ وَاجِبًا لَهَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرُدُّ عَلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا أَعْطَتْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مَالًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا ثُمَّ أَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالُوا فَإِنَّهُ يَرُدُّ لَهَا الْمَالَ فَيَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ مَا أُمِرَ الزَّوْجُ بِإِعْطَائِهِ الزَّوْجَةَ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ " لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا " إذَا حَقَّقْت الْعِلَّةَ لَا يَرِدُ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) نَصَّ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي أَصْلِهِ فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ (قُلْتُ) الْأَمْرُ أَعَمُّ مِمَّا يُقْضَى بِهِ أَمْ لَا وَالْمُسْتَحَبُّ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَا يُقْضَى بِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا يُقْضَى بِهَا
(1/183)

وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهَا بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ (فَإِنْ قُلْتَ) مُتْعَةُ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ كَيْفَ يَدْخُلُ فِي رَسْمِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ الزَّوْجَةِ لَا مِنْ الزَّوْجِ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ الرَّسْمُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا مُتْعَةَ لِمَنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَإِنْ قُلْنَا بِالشَّاذِّ فَيُقَالُ الزَّوْجَةُ نَائِبَةٌ عَنْ الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُطَلِّقُ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إيَّاهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.

[بَابُ الْوَلِيمَةِ]
(ول م) : بَابُ الْوَلِيمَةِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَاجِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ طَعَامُ النِّكَاحِ وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهَا طَعَامُ الْإِمْلَاكِ وَقِيلَ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْإِمْلَاكِ (قُلْتُ) تَأَمَّلْ هَذَا فَفِيهِ بَحْثٌ مَعَ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدُ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَحِلِّهَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ فِيهَا أَنْ يُولِمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ» وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابَهَا عِنْدَ الْبِنَاءِ وَعِنْدَ الْعَقْدِ قَالَ وَاسْتَحَبَّهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ لَا يُعَيِّنُ عَقْدًا وَلَا دُخُولًا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي مَدْلُولِهِ خِلَافٌ وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ عَيْنُ الدُّخُولِ وَالْعَقْدِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِيهِ مَا رَأَيْته وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
(ط ل ق) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الطَّلَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبًا تَكَرُّرهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ " ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الرَّسْمَ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يَرْسِمْهُ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَشْعُورٌ بِهَا لِلْعَوَامِّ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَشْعُورَ بِهِ وُقُوعُهُ مِنْ حَيْثُ صَرِيحُ لَفْظِهِ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلَا
(1/184)

وَلَا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ فِي رَسْمِهِ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ " تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْجِنْسِ بِمَا يُنَاسِبُ الْمَحْدُودَ وَهُنَا الْمَحْدُودُ تُنَاسِبُهُ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهَا مَعَانٍ تَقْدِيرِيَّةٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ قَوْلُهُ " تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ " أَخْرَجَ بِهِ الطَّهَارَةَ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَانِعٌ وَالطَّهَارَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ سَبَبٌ وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ وَالطَّلَاقُ لَمَّا كَانَ مَانِعًا نَاسَبَ فِيهِ ذِكْرُ الرَّفْعِ فَلِذَا قَالَ فِيهَا تَرْفَعُ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الْإِحْرَامِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ حُرْمَةَ إلَخْ فَتَأَمَّلْ مَا الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ ثَمَّ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَرْفَعُ الْحِلِّيَّةَ مَعَ تَوَجُّبِ الْحُرْمَةِ أَوْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (قُلْتُ) الرَّفْعُ أَشَدُّ مِنْ إيجَابِ الْمَنْعِ فِي الْحِلِّيَّةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي النَّسْخِ وَذِكْرُ الرَّفْعِ هَاهُنَا أَنْسَبُ بِالطَّلَاقِ وَفِيهِ بَحْثٌ قَوْلُهُ " حِلِّيَّةَ " لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُرْفَعُ وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا قَوْلُهُ " الزَّوْجَةِ إلَخْ " أَخْرَجَ بِهِ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِغَيْرِهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَا يَحِلُّ التَّلَذُّذُ بِهَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا الْخِلَافَ (قُلْتُ) ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشُّيُوخُ مِثْلُ ابْنِ مُحْرِزٍ وَعِيَاضٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الْجُلُوسِ عِنْدَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ فِي رَسْمِ الْعِدَّةِ الرَّأْيَيْنِ وَبَنَى الْحَدَّ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُنَا (قُلْتُ) يَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِهِ بَعْدُ وَفِي الرَّجْعَةِ قَوْلُهُ " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ إلَخْ " صِفَةٌ لِلصِّفَةِ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ عَلَى نُسْخَةِ الرَّفْعِ وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مُوجِبًا فَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ زَادَ ذَلِكَ لِأَوْجُهٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَمْنَعُ أَوْ تَرْفَعُ الْمُتْعَةَ بِالزَّوْجَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ إحْرَامِ الْحَجِّ وَأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ فَزَادَ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ تَكَرُّرِ الصِّفَةِ حُرْمَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الطَّلَاقِ الْمُمْتَازِ بِهِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ فَزَادَ ذَلِكَ لِيُخْرِجَ بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ عَدَمَ طَرْدِ حَدِّهِ بِإِحْرَامِ الصَّلَاةِ أَوْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَصِفَةِ الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ لَا يَرْفَعُ بَلْ يَمْنَعُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنَاهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْمَنْعِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَمَنَعَ قَوْلُهُ " قَبْلَ زَوْجٍ " زَادَ هَذَا الْقَيْدَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُطْلَقَةَ وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا مُقَيَّدَةً فَزَادَ الْقَيْدَ لِيَجْمَعَ خَاصِّيَّتَهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) ضَمِيرُ تَكَرُّرِهَا يَعُودُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَيْفَ تُكَرَّرُ وَإِنَّمَا
(1/185)

يَتَكَرَّرُ التَّطْلِيقُ وَالتَّطْلِيقُ غَيْرُ الطَّلَاقِ (قُلْتُ) إذَا تَكَرَّرَ التَّطْلِيقُ فَقَدْ تَكَرَّرَ الطَّلَاقُ تَقْدِيرًا وَالتَّطْلِيقُ حِسِّيٌّ وَالطَّلَاقُ تَقْدِيرِيٌّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الطَّهَارَةِ التَّطْهِيرَ وَالطَّهَارَةَ فَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا التَّطْلِيقُ وَالطَّلَاقُ فَرَسْمُ التَّطْلِيقِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا عَرَّفَ التَّطْهِيرَ وَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ التَّلَفُّظُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ بِصَرِيحِهِ أَوْ كِنَايَتِهِ ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً وَيَأْتِي حَدُّ الصَّرِيحِ مِنْ كَلَامِهِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) بِمَنْ نَصَبَ مَرَّتَيْنِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْعَدَدِيِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِمَرَّتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ وَالزَّائِدُ لَا أَثَرَ لَهُ وَيُقَالُ فِي الطَّلَاقِ الثَّانِي تَكَرَّرَ وَكَذَا الثَّالِثُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ وَفَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ مَنْعِ حِلِّيَّةِ الْمُتْعَةِ وَبَيْنَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَرَفْعُ حِلِّيَّةِ الْمُتْعَةِ لَا يَسْتَدْعِي التَّحْرِيمَ وَمُقْتَضَى التَّحْرِيمِ يَرْفَعُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ قَطْعًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصِّفَةَ الْحُكْمِيَّةَ فِي الطَّلَاقِ وَالطَّهَارَةِ عِنْدَ الْقَرَافِيُّ يَرْجِعَانِ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ اُنْظُرْ الْقَوَاعِدَ مِنْهُ وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ حَدَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَهَذَا تَطْلِيقٌ وَهُوَ يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَالطَّلَاقُ هُوَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَالْبَتَّةُ لَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يَقَعُ تَكَرُّرٌ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ مِنْ غَيْرِ تَكَرُّرٍ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّبْعِيضِ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ التَّكَرُّرُ فِي التَّطْلِيقِ فَلَا يَقَعُ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ قَالَ مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا فَالْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَمْنَعَ عَدَمَ التَّبْعِيضِ فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِهِ وَلَوْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ إذَا تُؤُمِّلَ لِأَنَّ التَّكَرُّرَ مَوْجُودٌ تَقْدِيرًا وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ إذًا مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا وُجُودًا أَوْ تَقْدِيرًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّهُ عَامٌّ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلَّقَ خُلْعًا أَوْ رَجْعَةً طَلَاقًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثًا مُجْتَمِعًا أَوْ مُفْتَرِقًا.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَكَيْفَ يَصْدُقُ حَدُّهُ عَلَى طَلَاقِ الْخُلْعِ وَالْخُلْعُ هُوَ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ (قُلْتُ) التَّعْرِيفُ يَصْدُقُ عَلَى مَعْنَى الطَّلَاقِ لَا عَلَى مَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَالْخُلْعُ أَوْجَبَ الطَّلَاقَ وَالرَّسْمُ لِلطَّلَاقِ الْمُقْسَمِ إلَى أَقْسَامٍ تَخْتَلِفُ أَسْبَابُهَا (فَإِنْ قُلْتَ) طَلَاقُ الرَّجْعِيَّةِ كَيْفَ رَفَعَ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ فِي حَالِ طَلَاقِهَا إنَّمَا رَفَعَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
(قُلْتُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَقْلَانِ فِي مَذْهَبِنَا فَاَلَّذِي نَقَلَهُ عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَتَّى تَقَعَ حِلِّيَّتُهَا وَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (قُلْتُ) وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا
(1/186)

أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ أَعَمُّ مِنْ إبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَعَدَمِهِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ مَرْغُوبٌ عَنْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ خِلَافٌ يُشِيرُ فِي رَسْمِهِ إلَى الرَّأْيَيْنِ وَيَذْكُرُ فِيهِ رَسْمَيْنِ فَيَحُدُّهُ عَلَى رَأْيٍ بِكَذَا وَعَلَى الْآخَرِ بِكَذَا وَقَدْ قَدَّمْنَا لَهُ نَظَائِرَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَهُنَا لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّك عَلِمْت مِنْ الْخِلَافِ مَا ذُكِرَ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ لَمَّا ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا يَخُصُّهُ وَكَانَ هَذَا يَقَعُ الْجَوَابُ بِهِ هُنَا وَيَقَعُ الْإِقْنَاعُ بِهِ حَتَّى رَأَيْت فِي رَسْمِ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي حَدِّهَا إلَى الرَّأْيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَقْوَى عِنْدِي السُّؤَالُ وَضَعُفَ مِنْ السُّؤَالِ الْحَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَالْمُوَفِّقُ فِي الْأَعْمَالِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالُوا إنَّ الطَّلَاقَ قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ فَهَلْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ عَلَى الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ أَوْ عَلَى التَّطْلِيقِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ الطَّلَاقُ الْمَحْدُودُ وَأَسْنَدَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ التَّطْلِيقِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْإِبَاحَةِ وَبَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَلَالُ مَبْغُوضًا وَالْبُغْضُ مِنْ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَالْمَعْنَى الْمُحَالُ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ تَقَرُّرُهُ وَلَكِنْ فِيهِ الْكِنَايَةُ عَنْ شِدَّةِ الْكَرَاهَةِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْحِلِّيَّةِ (قُلْتُ) هَذَا سُؤَالٌ مَعْلُومٌ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ وَأَصْلُ السُّؤَالِ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى جِنْسِ الْمَوْصُوفِ بِهِ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ أَفْضَلُ الْحَمِيرِ وَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ يَرْجِعُ إلَى الْكَرَاهَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ الطَّلَاقُ أَكْرَهُ الْحَلَالِ وَالْحَلَالُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحَلَالَ مَا نُفِيَ فِيهِ الْحَرَجُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَاجِبُ وَالْمَكْرُوهُ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ مِنْ أَشَدِّ الْمَكْرُوهَاتِ وَقَدْ كَانَ يَمْشِي لَنَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَقَرَّرَ الشَّيْخُ فَهْمَ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمَلُ كَوْنِهِ أَبْغَضَ أَنَّهُ أَقْرَبُ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ فَنَقِيضُهُ أَبْعَدُ عَنْ الْبُغْضِ فَيَكُونُ أَحَلَّ مِنْ الطَّلَاقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ إلْغَاءُ الْبَيَاضِ أَحَلُّ هَذَا لَفْظُهُ وَفِيهِ تَعْقِيدٌ وَكَانَ يَمُرُّ لَنَا فِي فَهْمِهِ أَنَّ خُلَاصَةَ فَهْمِ الْحَدِيثِ أَنَّ عَدَمَ الطَّلَاقِ أَحَلُّ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الطَّلَاقِ مُبَاحًا اسْتَوَتْ فِيهِ الطَّرَفَانِ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ أَبْغَضَ أَقْرَبُ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ لِأَنَّ الْحَلَالَ فِيهِ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْبُغْضِ وَفِيهِ مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ
(1/187)

ذَلِكَ الْقَرِيبِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّرَفَانِ فِيهِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْقُدُومِ لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَا يُوجِبُ الْقُرْبَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَقْرَبَ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ الطَّلَاقُ كَانَ نَقِيضُ الطَّلَاقِ وَهُوَ عَدَمُ الطَّلَاقِ أَبْعَدَ عَنْ الْبُغْضِ فَيَصْدُقُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ عَدَمَ الطَّلَاقِ أَحَلُّ مِنْ الطَّلَاقِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ ثَمَّ حَلَالًا وَأَحَلَّ، أَصْلُهُ مَا قَرَّرَهُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ أَحَلُّهُ هَذَا مَعْنَاهُ وَلِلْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي ذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ هُنَا لِتَمَامِ الْفَائِدَةِ بِمَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ طَلَاقِ الْخُلْعِ]
(ط ل ق) : بَابُ طَلَاقِ الْخُلْعِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ أَنْ قَسَمَ الطَّلَاقَ إلَى نَوْعَيْنِ بِعِوَضٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَدُونَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا مَا كَانَ بِعِوَضٍ سَمَّاهُ كَثِيرٌ خُلْعًا (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ رَسْمٌ لَهُ وَأَنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ مَا كَانَ بِعِوَضٍ وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ " عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الْبُضْعِ تَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا وَيَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجُ الْعِوَضَ " وَهَذَا صَوَابٌ جَارٍ عَلَى قَاعِدَة الشَّيْخُ فِي رَسْمِ الْعُقُودِ (فَإِنْ قُلْتَ) حَدَّ الشَّيْخِ الطَّلَاقَ الْأَعَمَّ مِنْ طَلَاقِ الْخُلْعِ وَغَيْرِهِ فَطَلَاقُ الْخُلْعِ صِنْفٌ أَوْ نَوْعٌ مِنْ الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي رَسْمِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِسَبَبِ عِوَضٍ عَلَى التَّطْلِيقِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ أَنْسَبُ إلَّا أَنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَلَى الْمَعْنَى النَّاشِئِ عَنْ الْعَقْدِ وَعَلَى الْعَقْدِ فَصَحَّ حَدُّهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ يُطْلِقُونَ الْخُلْعَ عَلَى غَيْرِ طَلَاقِ الْخُلْعِ قَالَ فِيهَا مَا الْخُلْعُ وَمَا الْمُبَارَاةُ وَمَا الْفِدْيَةُ قَالَ قَالَ مَالِكٌ الْمُبَارَاةُ الَّتِي تُبَارِي زَوْجَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَالْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي تَخْتَلِعُ مِنْ كُلِّ الَّذِي لَهَا وَالْمُفْتَدِيَةُ الَّتِي تُعْطِي بَعْضَ الَّذِي لَهَا قَالَ وَكُلُّهُ سَوَاءٌ (قُلْتُ) هَذَا اصْطِلَاحٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ فِي النَّقْلِ وَالتَّفْسِيرِ فِي مَدْلُولِ أَلْفَاظِهِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمُبَارَاةُ الَّتِي لَا تَأْخُذُ وَلَا تُعْطِي قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى أَكْثَرِ صُوَرِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ اُنْظُرْهُ وَالتَّحْرِيرُ هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى.
(1/188)

[بَابُ الْمُطَلِّقُ بِالْخُلْعِ]
ط ل ق) : بَابُ الْمُطَلِّقُ بِالْخُلْعِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ " (قُلْتُ) هَذَا فِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ مِنْ مَالِكِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ سُلْطَانٍ وَخَلِيفَةٍ وَهَذَا قَرِيبٌ وَلَا يَجُوزُ الطَّلَاقُ بِالْخُلْعِ مِنْ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَالسَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ الْبَالِغِ فِيهِ خِلَافٌ وَهَذِهِ مَسَائِلُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَرَسْمُهُ فِيهِ بَحْثٌ.

[بَابُ بَاذِلِ الْخُلْعِ]
بَذل بَابُ بَاذِلِ الْخُلْعِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ صَحَّ مَعْرُوفُهُ " قَوْلُهُ (مَنْ صَحَّ مَعْرُوفُهُ) أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا يَصِحُّ مَعْرُوفُهُ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ (فَإِنْ قُلْتَ) لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الرَّسْمَ قَالَ بَعْدَهُ لِأَنَّ عِوَضَهُ غَيْرُ مَالِيٍّ فَمَا مُنَاسَبَتُهُ (قُلْتُ) مُنَاسَبَتُهُ إنَّهُ صَيَّرَهُ مَعْرُوفًا فَاشْتَرَطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْرُوفِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ (قُلْتُ) فِيهِ شَائِبَةُ الْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ قَصَدَ الضَّرَرَ (قُلْتُ) قَيَّدُوهُ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرًا كَشِرَاءِ الْعَدُوِّ الدَّيْنَ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَاعُ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِلَا إذْنٍ مِنْ السَّيِّدِ وَالْمَأْذُونِ لَهَا فِي التَّجْرِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُلْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِيهِ وَفِيهِ بَحْثٌ اُنْظُرْهُ وَأَمَّا الصَّبِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ فَوَقَعَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى أَنَّ خُلْعَهَا مَاضٍ وَالْمَعْرُوفُ رَدُّ الْمَالِ وَلَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمَشْهُورَ فِيمَا يَظْهَرُ وَتَأَمَّلْ خُلْعَ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَمَا فِيهِ وَكَذَلِكَ خُلْعَ الصَّبِيِّ وَهَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا الْحَدُّ كَخُلْعِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ صِيغَةِ الْخُلْعِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَلَوْ إشَارَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْ الْحَفْرِ وَالدَّفْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
(1/189)


[بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ]
طلق بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَا كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بَعْدَ غُسْلِهَا أَوْ تَيَمُّمِهَا وَاحِدَةً فَقَطْ " قَوْلُهُ " مَا كَانَ " مَعْنَاهُ طَلَاقٌ كَانَ فِي طُهْرٍ أَخْرَجَ بِالطُّهْرِ الْحَيْضَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ بِدْعَةٌ وَهُوَ بِدْعِيٌّ وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِيهِ قَوْلُهُ " لَمْ يَمَسَّ فِيهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا مَسَّهَا فِي طُهْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا وَطَلَاقُهَا فِيهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهٌ وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِيهِ كَلَامٌ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ " بَعْدَ غُسْلِهَا " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ تَغْتَسِلْ فَإِنَّ طَلَاقَهَا فِيهِ بِدْعَةٌ قَبْلَ غُسْلِهَا وَهَذَا الشَّرْطُ مَضَى فِيهِ الشَّيْخُ عَلَى مَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا عَلَى مَا قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ وَقَوْلُهُ " أَوْ تَيَمُّمِهَا يَعْنِي " إذَا لَمْ تَجِدْ مَاءً وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُبِيحُ لَهُ طَلَاقَهَا وَنَقَلَ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُبِيحَ لِلصَّلَاةِ يُبِيحُ طَلَاقَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) فَإِذَا صَلَّتْ بِالتَّيَمُّمِ هَلْ يُبَاحُ طَلَاقُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ (قُلْتُ) وَقَعَ لِعَبْدِ الْحَقِّ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّتْ بِحَيْثُ لَا تَتَنَفَّلُ بِهِ وَتَأَمَّلْ فِي جَرْيِ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كَوْنِ التَّيَمُّمِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَوْلُهُ " وَاحِدَةً فَقَطْ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا أَطْلَقَ غَيْرَ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ قَالُوا طَلَاقُهُ اثْنَيْنِ مَكْرُوهٌ وَثَلَاثًا حَرَامٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ ارْتَجَعَ ثُمَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ ارْتَجَعَ ثُمَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً هَلْ ذَلِكَ سُنِّيٌّ وَلَفْظُ الرَّسْمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ (قُلْتُ) نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَك النَّظَرُ فِي صَادِقِيَّةِ لَفْظِ الشَّيْخِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ فَقَطْ وَالظَّاهِرُ خُرُوجُهَا عَنْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِوَضَ قَوْلِهِ بَعْدَ غُسْلِهِمَا أَوْ تَيَمُّمِهَا يَحِلُّ لَهَا فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ (قُلْتُ) يَظْهَرُ إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَرِّحَ بِطُهْرِ التَّيَمُّمِ لِلْغَرَابَةِ فِيهِ لِأَنَّ أَصْلَهُ إنَّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا يَجُوزُ الْوَطْءُ بِهِ وَلَوْ قَالَ فِي رَسْمِهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ طَلَاقٌ فِي طُهْرٍ إلَخْ لَكَانَ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَ.
(1/190)

[بَابٌ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ]
طلق بَابٌ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ " شَرْطُهُ أَهْلٌ وَمَحِلٌّ وَالْقَصْدُ مَعَ اللَّفْظِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ إشَارَةٍ وَسَبَبُهُ: وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَا فَسَّرَ بِهِ الشَّرْطَ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَوْنِهِ صَيَّرَ الْمَذْكُورَاتِ أَرْكَانًا لِلطَّلَاقِ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَذَلِكَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ غَيْرُ رُكْنٍ لَهُ فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ فَرَكَّبَ قِيَاسًا مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ الصُّغْرَى فِيهِ مُحَصَّلَةٌ مُوجِبَةٌ وَالْكُبْرَى مُوجِبَةٌ مَعْدُولَةُ الْمَحْمُولِ وَالصُّغْرَى يُبْحَثُ فِيهَا بِمَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ وَبَعْضُ شُيُوخِنَا عَارَضَ كَلَامَهُ هُنَا بِسُكُوتِهِ عَنْ الرَّدِّ بِمِثْلِ هَذَا فِي النِّكَاحِ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي كَوْنِ الصِّيغَةِ رُكْنًا مِنْ النِّكَاحِ وَعِنْدِي لَيْسَ فِيهِ سُكُوتٌ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَرْكَانَ أَجْزَاءٌ حِسِّيَّةٌ فَالْمُرَكَّبُ حِسِّيٌّ فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا جَعَلَهُ جُزْءًا لَهُ وَفِيمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا مِنْ الْبَحْثِ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَذْكُورَاتِ خَارِجَةً عَنْ حَقِيقَتِهِ إنْ عَنَى عَنْ الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ عِنْدَهُ فَمُسَلَّمٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَمْ يَحُدَّهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَإِنْ عَنَى الطَّلَاقَ الْحِسِّيَّ الَّذِي أَرْكَانُهُ الْحِسِّيَّةُ أَجْزَاءٌ لَهُ فَلَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ دَاخِلَةٌ فِيهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ إنَّمَا شَرْطٌ فِيهِ وَيُطْلَقُ عَلَى صُورَةٍ خَارِجِيَّةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَذْكُورَةَ أَجْزَاءٌ لَهُ وَلَا يَكْتَفِي بِهَذِهِ عَنْ رَسْمِ الْمَعْنَوِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْأَهْلِ]
(أهـ ل) بَابُ الْأَهْلِ
الْأَهْلُ هُوَ الْمُوقِعُ لِلطَّلَاقِ وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَمَا يُفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِ جَلِيٌّ.
(1/191)

[بَابُ الْمَحِلِّ]
ح ل ل) بَابُ الْمَحِلِّ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَهُوَ الْعِصْمَةُ ثُمَّ قَالَ شَرْطُهُ مُقَارَنَةُ إنْشَائِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لِامْتِنَاعِ وُجُودِ حَالٍّ دُونَ مَحِلٍّ " قَوْلُهُ " وَهُوَ الْعِصْمَةُ " (فَإِنْ قُلْتَ) تَفْسِيرُ الْمَحِلِّ بِالْعِصْمَةِ تَفْسِيرٌ بِالْمُسَاوِي أَوْ الْأَخْفَى وَلَمْ يُبَيِّنْهَا بَعْدُ (قُلْتَ) كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْعِصْمَةَ مَشْهُورَةٌ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْك مِمَّا يَرُدُّ بِهِ عَلَى شَيْخِهِ وَغَيْرِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالصَّوَابُ رَسْمُهَا قَوْلُهُ " مُقَارَنَةُ إنْشَائِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ الْمَحِلَّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ وَعِصْمَةٍ تَحْقِيقًا لِوُجُودِهَا حِسًّا وَوَقَعَ الطَّلَاقُ فِعْلًا أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقًا فِي أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَقْدِيرِ تَزْوِيجِهَا وَلِذَا قَالَ فِيهَا إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إنْ تَزَوَّجْتهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ اللَّافِظِ وَلَوْ بِسِيَاقٍ أَوْ نِيَّةٍ وَهَذَا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لِلْمَحَلِّ وَذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَرْطًا آخَرَ بَعْدُ قَالَ فِيهِ وَشَرْطُ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ مُقَارَنَةُ سَبَبِ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا زَادَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ لِيُدْخِلَ صُورَةَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرَهَا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا لَا أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ ثُمَّ أَبَانَهَا فَأَكَلَتْهُ أَوْ لَمْ يُبِنْهَا بِالثَّلَاثِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَاجَعَهَا وَأَكَلَتْ بَقِيَّتَهُ حَنِثَ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنْ أَبَانَهَا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ رَاجَعَهَا وَأَكَلَتْ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ فَلِذَا قَالَ شَرْطُ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ أَيْضًا مُقَارَنَةُ سَبَبِ الطَّلَاقِ فَتَأَمَّلْهُ وَسَبَبُ الطَّلَاقِ هُوَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْقُصُورِ مَعَ اللَّفْظِ وَانْظُرْ مَا هُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهَا أَبْحَاثٌ تَأَمَّلْ ذَلِكَ فِيهِ.

[بَابُ الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي الطَّلَاقِ]
(ق ص د) : بَابُ الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " شَرْطُهُ تَعَلُّقُهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَهُ " قَوْلُهُ " شَرْطُهُ " يَعْنِي شَرْطُ اعْتِبَارِ قَصْدِ الطَّلَاقِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْقَصْدَ الْمُجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ شَرْعًا وَانْظُرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّيَّةِ لَا يَلْزَمُ اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ قَوْلُهُ " تَعَلُّقُهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ " كَمَا إذَا
(1/192)

قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَصَدَ النُّطْقَ بِهِ فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ نَطَقَ بِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ فَظَاهِرُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إذَا قَصَدَ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى قَوْلِهِ كُلِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبْقَ اللِّسَانِ لَغْوٌ وَكَذَا إذَا نَوَى لَفْظًا فَغَلَبَهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ امْرَأَةٌ اسْمُهَا طَالِقٌ فَنَادَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " أَوْ غَيْرِهِ مَعَهُ " مَعْنَاهُ غَيْرُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الطَّلَاقِ مَعَ الْقَصْدِ كَالْإِشَارَةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا قُصِدَ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ بِاللَّفْظِ وَغَيْرُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الطَّلَاقِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ كَيْفَ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَصْلِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.

[بَابُ لَفْظِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ]
(ط ل ق) بَابُ لَفْظِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " هُوَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ بِنِيَّةِ صَرْفِهِ " مَعْنَاهُ مَا لَا تَنْفَعُ فِيهِ النِّيَّةُ فِي رَفْعِهِ.

[بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ]
كني بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ
قَالَ " مَا يُصْرَفُ عَنْهُ بِهَا " مَعْنَاهُ لَفْظٌ يَنْفَعُ صَرْفُهُ عَنْ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ.

[بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ
قَالَ " هِيَ مَا تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهَا " أَيْ لَفْظٌ تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُ عَلَى الطَّلَاقِ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ اللَّافِظِ.

[بَابُ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
(ط ل ق) بَابُ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ " شَرْطُهُ الِاتِّصَالُ وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ " زَادَ اللَّخْمِيُّ وَشَرْطُ نِيَّتِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ قَوْلُهُ " الِاتِّصَالُ " قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَلِذَا قَالَ كَمَا
(1/193)

مَرَّ فِي الْأَيْمَانِ قَوْلُهُ " وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ " قَالَ فِي الْمَحْصُولِ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَسَادِهِ اُنْظُرْ مَا نُقِلَ هُنَا عَنْ الْقَرَافِيُّ مِنْ الْخِلَافِ عَنْ ابْنِ طَلْحَةَ وَعَرَّفَ الشَّيْخُ هُنَا بِهِ وَنُسِبَ الشَّيْخُ إلَى الْوَهْمِ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّ ابْنَ طَلْحَةَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ هُوَ الْمُعَرِّفُ بِهِ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى مَاضٍ الْمُخْتَلَفِ فِي حِنْثِهِ]
طلق بَابٌ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى مَاضٍ الْمُخْتَلَفِ فِي حِنْثِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا مَعْنَاهُ " الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلَى فَرْضٍ مَاضٍ لَمْ يَقَعْ " قَوْلُهُ " الْمُعَلَّقُ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ " قَوْلُهُ عَلَى فِعْلٍ مُرَتَّبٍ " أَخْرَجَ مَا لَيْسَ بِمُرَتَّبٍ عَلَى فَرْضِ قَوْلِهِ " مَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُسْتَقْبِلَ قَوْلُهُ " لَمْ يَقَعْ " أَخْرَجَ بِهِ مَا وَقَعَ فَإِذَا تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْ الْحَالِفِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ أَمْ لَا وَصُورَتُهُ لَوْ جِئْتنِي بِالْأَمْسِ لَقَضَيْتُك حَقَّك وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كُنْت حَاضِرَ الشِّرْكِ مَعَ أَخِي لَفَقَأْتُ عَيْنَك وَيَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْحِنْثُ مُطْلَقًا وَعَدَمُهُ وَالتَّفْصِيلُ إنْ كَانَ الْفِعْلُ مَمْنُوعًا حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّمَا كَانَ حَانِثًا فِي الْمَمْنُوعِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَبَرُّ فِيهِ وَلِأَنِّي مِثْلُهُ كَذَا قِيلَ وَبَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نُشِيرُ إلَى مَا عَادَةُ الطَّلَبَةِ يَمُرُّونَ عَلَى أَشْكَالِهِ لِتَتِمَّ الْفَائِدَةُ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا تَكَلَّمَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَلَامِيِّ عَلَى التَّوْبَةِ وَعَرَّفَهَا فَقَالَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِأَجْلِ مَا يَجِبُ النَّدَمُ لَهُ قَالَ زَادَ الْآمِدِيُّ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ إنْ أَمْكَنَهُ كَتَوْبَةِ الزَّانِي السَّلِيمِ لَا الْمَجْبُوبِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَوْبَتِهِ هَذَا الْعَزْمُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ لَا تُتَصَوَّرُ تَوْبَتُهُ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْخِلَافِ بِالطَّلَاقِ لَوْ كُنْت حَاضِرَ الشِّرْكِ مَعَ أَخِي لَفَقَأْت عَيْنَك إنْ اعْتَبَرْنَا الْعَزْمَ لِذَاتِهِ.
وَإِنْ اُعْتُبِرَ لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَحُصُولُهُ فِي الْمَجْبُوبِ تَمَّ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ الْإِجْرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَمْ يَظْهَرْ لِكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَكُنْتُ أُقَرِّرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ فَإِنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا ذَكَرَ فِي الزَّانِي إذَا جُبَّ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَصِحُّ أَمْ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَنُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَزْمُ
(1/194)

الْمُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَزْمَ الْمَذْكُورَ شَرْطٌ فِي التَّوْبَةِ وَإِذَا تَعَذَّرَ الشَّرْطُ تَعَذَّرَ الْمَشْرُوطُ وَالشَّرْطُ هُنَا مُتَعَذِّرٌ لِاسْتِحَالَةِ الزِّنَا عَادَةً مِنْ الْمَجْبُوبِ وَذَلِكَ الْمُتَعَذِّرُ هُوَ الَّذِي يَعْزِمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَلَمَّا حَقَّقَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ فَصَّلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ لَا يَخْلُو أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا هُوَ مَشْرُوطٌ قَصْدًا أَوْ إنَّهُ مَشْرُوطٌ وَسِيلَةً لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ حُصُولَ تَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْبُوبِ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِهِ فِي غَيْرِ الْمَجْبُوبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَجْبُوبِ ذَلِكَ وَتَصِحُّ مِنْهُ التَّوْبَةُ كَمَا ذَكَرَتْهُ الْجَمَاعَةُ لِأَجْلِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الْعَزْمِ إنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا طُلِبَ فِي التَّوْبَةِ لِذَاتِهِ وَعَلَيْهِ مَضَى أَبُو هَاشِمٍ فِي الْمَجْبُوبِ فَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ لِلْمَشْهُورِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ قَالَ بِالْحِنْثِ فِيهَا مَعَ كَوْنِهِ قَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلٍ مُعَلَّقٍ عَلَى أَمْرٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِيمَا مَضَى مَعَ اسْتِحَالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَالَ الْعَزْمِ مُمْكِنًا فَكَمَا لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ الْمَجْبُوبِ لِاسْتِحَالَةِ تَقْدِيرِ الْعَزْمِ فِيهِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْدُومِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُجُودُ الْبِرِّ مِنْ الْحَالِفِ الْمَذْكُورِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْعَزْمِ فِيهِ الْمَطْلُوبُ لِذَاتِهِ وَلِذَا حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرَادَ التَّقْسِيمَ أَنَّ الْعَزْمَ إنْ طُلِبَ لِذَاتِهِ فِي التَّوْبَةِ صَحَّ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ فِي عَدَمِ صِحَّةِ تَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ وَجَرَى ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيمَا ذَكَرَ وَكَانَ دَلِيلًا لَهُ وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ صَحَّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إنَّ تَوْبَةَ الْمَجْبُوبِ صَحِيحَةٌ بِمَا ذَكَرَ وَكَانَ يَمُرُّ لَنَا أَنَّ الْقَائِلَ بِالْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ إنَّمَا عَلَّلَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَبَرُّ فِيهِ وَلَا فِي مِثْلِهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُغَايِرَةٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ إذَا تَأَمَّلْتَهَا وَفِي ذَلِكَ بَحْثٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّ عِلَّةَ الشَّيْخِ تُوجِبُ الْحِنْثَ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ.

[بَابٌ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ]
(ط ل ق) بَابٌ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ
بِاتِّفَاقٍ " هُوَ مَا عُلِّقَ بِأَجَلٍ يَبْلُغُهُ عَادَةً " هَذَا ظَاهِرٌ كَمَنْ كَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثِينَ
(1/195)

سَنَةً ثُمَّ عَلَّقَ الطَّلَاقَ إلَى الثَّلَاثِينَ فَإِنَّهُ يُنْجَزُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ كَمَا إذَا قَالَ مِائَةُ سَنَةً فَلَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِاتِّفَاقٍ اُنْظُرْهُ.

[بَابُ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ مِنْ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ]
خَلْف بَابُ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ مِنْ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ
قَالَ " الْمُعَلَّقُ عَلَى غَالِبِ الْوُجُودِ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ إذَا قَالَ لِحَامِلٍ إذَا وَضَعْت ".

[بَابُ التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَاقِ]
(وك ل) بَابُ التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " جَعْلُ إنْشَائِهِ بِيَدِ الْغَيْرِ بَاقِيًا مَنْعَ الزَّوْجِ مِنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ صَيَّرَ جِنْسَ الثَّلَاثِ التَّفْوِيضَ وَلَمْ يُعَرِّفْهَا وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَيَّرَ الْجِنْسَ لَهَا الْجَعْلَ وَهُوَ وَالصَّوَابُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ فِي حَدِّ الْوَكَالَةِ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا أَوَّلًا بِلَفْظِ النِّيَابَةِ وَالْمَصْدَرُ فِي الْجَمِيعِ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ الزَّوْجُ أَوْ نَائِبُهُ لِيَدْخُلَ وَكِيلُ الزَّوْجِ إذَا وَكَّلَ آخَرَ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالْمَعْنَى وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَى الْإِنْشَاءِ يَعُودُ عَلَى الطَّلَاقِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَكَذَلِكَ فِي ثُبُوتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " أَيْ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ وَالْجِنْسُ مُنَاسِبٌ لِلْمَحْدُودِ وَذَلِكَ يَعُمُّ التَّمْلِيكَ وَالتَّخْيِيرَ قَوْلُهُ " بَاقِيًا مَنْعَ الزَّوْجِ مِنْهُ " يُخْرِجُهُمَا لِأَنَّ لَهُ الْعَزْلَ فِي التَّوْكِيلِ وَأَخْرَجَ الرِّسَالَةَ بِقَوْلِهِ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ الْإِنْشَاءُ وَهُوَ جَلِيٌّ وَلَا يُقَالُ الَّذِي وَقَعَ بِالْإِنْشَاءِ إنَّمَا هُوَ التَّطْلِيقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا وَهُوَ صَوَابٌ.

[بَابُ الرِّسَالَةِ]
(ر س ل) بَابُ الرِّسَالَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " جَعْلُ إعْلَامِ الزَّوْجَةِ بِثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ " فَقَوْلُهُ " جَعْلُ
(1/196)

إعْلَامِ " أَخْرَجَ الْوَكَالَةَ وَالتَّمْلِيكَ وَالتَّخْيِيرَ وَقَوْلُهُ " بِثُبُوتِهِ " أَيْ بِثُبُوتِ الطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْجِنْسُ مُنَاسِبٌ.

[بَابُ التَّمْلِيكِ]
(م ل ك) بَابُ التَّمْلِيكِ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يَخُصُّ فِيمَا دُونَهَا بِنِيَّةِ أَحَدِهِمَا " فَقَوْلُهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْكِيلُ فَأَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ " حَقًّا لِغَيْرِهِ " وَالْحَقُّ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا ثُمَّ خَرَجَ التَّخْيِيرُ بِقَوْلِهِ " رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ " قَوْلُهُ " يَخُصُّ فِيمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ أَحَدُهُمَا " أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا وَيَصْدُقُ فِيمَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي التَّمْلِيكِ وَإِلَّا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ وَالضَّمِيرُ فِي دُونِهَا يَعُودُ عَلَى الثَّلَاثِ وَضَمِيرُ أَحَدِهِمَا يَعُودُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ.

[بَابُ التَّخْيِيرِ]
(خ ي ر) بَابُ التَّخْيِيرِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ " قَوْلُهُ " نَصًّا أَوْ حُكْمًا " أَخْرَجَ بِهِ التَّمْلِيكَ وَالْحُكْمَ كَقَوْلِهِ خَيَّرْتُك وَمَا شَابَهَهُ وَالنَّصُّ مَلَّكْتُك ثَلَاثًا فَإِنْ (قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ هُنَا جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَقُلْ فِي التَّمْلِيكِ كَذَلِكَ بَلْ حَذَفَ الزَّوْجَ وَأَتَى بِالْكِنَايَةِ عَنْ الطَّلَاقِ وَهَلَّا قَالَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَقُولُ جَعْلُ إنْشَائِهِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا حَقًّا لِغَيْرِهِ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِهِ (قُلْتُ) هَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِتَقْدِيرِ الشَّارِعِ هَذَا الْحُكْمُ لِلْغَيْرِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ الْجَوَابُ هُنَا فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى التَّمْلِيكِ (قُلْتُ) لَا يَرُدُّ إذَا تُؤُمِّلَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِسَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا قَالَ لِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ خَيَّرْتُك فَلَهُ الْمُنَاكَرَةُ وَإِذَا صَحَّتْ الْمُنَاكَرَةُ فِي الْعَدَدِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صُورَةِ التَّمْلِيكِ لِأَنَّ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ الْمُنَاكَرَةُ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثِ حُكْمًا أَوْ نَصًّا (قُلْتُ) لَعَلَّ جَوَابَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الصُّورَةَ مِنْ التَّخْيِيرِ أُلْحِقَتْ بِالتَّمْلِيكِ لِقَرِينَةٍ وَفِي الدَّعْوَى مَا يَصْدُقُهَا وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرِدُ أَيْضًا عَلَى حَدِّ التَّمْلِيكِ إذَا قَالَ لَهَا مَلَّكْتُك طَلْقَةً فَهَذَا تَمْلِيكٌ وَلَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ رَاجِحًا
(1/197)

فِي الثَّلَاثِ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ وَيُقَالُ أَيْضًا إذَا كَانَ التَّمْلِيكُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعُقْدَةِ فَلَا مُنَاكَرَةَ لِلزَّوْجِ وَقَدْ قُلْتُمْ مَنْ لَازِمِهِ صِحَّةُ الْمُنَاكَرَةِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ الرَّسْمُ إنَّمَا هُوَ لِلتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقِ لَا لِتَمْلِيكٍ خَاصٍّ وَهَذَا تَمْلِيكٌ فِي وَاحِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ بَحْثٌ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ أَقْوَى مِنْ أَجْوِبَتِهَا.

[بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ]
(ص وغ) بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " صِيغَتُهُ فِيهَا اخْتَارِي نَفْسَك " وَرُوِيَ أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا أَوْ اخْتَارِي أَمْرَك ثَلَاثًا (فَإِنْ قُلْتَ) مَرَّ لَنَا إشْكَالٌ فِي فَهْمِ سِرِّ تَعْبِيرِهِ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ بِمَا رَأَيْته وَلَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ وَلَمْ يَمْضِ لَنَا قُوَّةُ جَوَابٍ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ]
(ص وغ) بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ " كَذَا وَجَدْت هَذَا الرَّسْمَ أَوْ الضَّابِطَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا سِرُّ تَقْيِيدِهِ بِمَا رَأَيْته مَعَ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ إلَى آخِرِهِ وَفِي الْعُمْرَى الصِّيغَةُ مَا دَلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَعَبَّرَ بِمَا دَلَّ وَعَبَّرَ هُنَا بِمَا رَأَيْته مَعَ أَنَّ مَا دَلَّ أَخْصَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ إنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَى هُنَا بِلَفْظِ كُلٍّ فِي هَذَا الرَّسْمِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَصَدَ الضَّابِطَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ التَّخْيِيرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الرَّسْمَ كَذَلِكَ مَضَى فَهْمُهُ عِنْدِي وَلَوْ قَالَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَدَخَلْت الْإِشَارَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَرِدُ عَلَى رَسْمِهِ صِيغَةُ التَّمْلِيكِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ قَصَدَ الضَّابِطَ كَذَا مَرَّ لَنَا فِي الْجَوَابِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّهُ أَخْرَجَ التَّخْيِيرَ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى.

[بَابُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ فِي قَصْدِ التَّمْلِيكِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ " (قُلْت) أَمَّا الْقَوْلُ فَظَاهِرٌ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ
(1/198)

وَكِنَايَةٍ وَأَمَّا الْفِعْلُ فَكَمَا إذَا نَقَلَتْ مَتَاعًا لَهَا وَارْتَحَلَتْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ الْجَوَابَ فَإِنَّهَا تُسْأَلُ فَإِنْ قَالَتْ أَرَدْتُ الطَّلَاقَ صُدِّقَتْ وَإِنْ أَرَادَتْ الْفِرَاقَ وَلَا نِيَّةَ لَهَا فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْهُ وَتَأَمَّلْ إطْلَاقَ الشَّيْخِ الْفِعْلَ فَفِيهِ مَا يُنْظَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي الرَّجْعَةِ]
(ر ج ع) بَابٌ فِي الرَّجْعَةِ
تُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَوَّبَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَتْحَ وَوَقَعَ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ بِالْكَسْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ لِطَلَاقِهَا قَالَ فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ قَالَ وَعَلَى رَأْيٍ رَفْعُ إيجَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا " ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ حَدَّ الرَّجْعَةَ بِقَوْلِهِ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرُ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَوَطْءٍ جَائِزٍ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِتَزْوِيجِ مَنْ صَحَّ رَجْعَتُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا " فَنَقُولُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَدَّ الْمُعْتَدَّةَ كَأَنَّهُ كَالْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ إذَا رَدَّ مُعْتَدَّةً مَعَ كَوْنِ الطَّلَاقِ بَائِنًا وَيَشْمَلُ غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ الْمُعْتَدَّةُ احْتَرَزَ بِهِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا مُرَاجَعَةٌ لَا رَجْعَةٌ قَوْلُهُ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٍ أَيْ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَوْلُهُ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ احْتَرَزَ بِهِ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ غَايَةِ الطَّلَاقِ إمَّا بِالثَّلَاثِ فِي الْحُرِّ أَوْ بِاثْنَيْنِ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ.
قَوْلُهُ ابْتِدَاءً قَرَّرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِوَجْهَيْنِ اُنْظُرْهُ قَوْلُهُ غَيْرُ خُلْعٍ أَخْرَجَ بِهِ طَلَاقَ الْخُلْعِ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَهُ مُرَاجَعَةٌ لَا رَجْعَةٌ وَكَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ
(1/199)

إلَخْ اُنْظُرْ شَارِحَهُ وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَفِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهَا بَحْثٌ لَا يَخْفَى فَلْنَرْجِعْ إلَى اعْتِرَاضِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى هَذَا الرَّسْمِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ بَعْدَ أَنْ قَبِلَهُ شُرَّاحُهُ قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ إلَخْ مَعْنَاهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ فِيهَا الْحَدُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِرَجْعَةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَقُولُ الشَّيْخُ قَبِلُوهُ وَقَدْ اسْتَحْضَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِثْلَ هَذَا الرَّدِّ وَأَخْرَجَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ الْمُعْتَدَّةُ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ مَضَى عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ إطْلَاقُهُ عَلَى مَا مَضَى حَقِيقَةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا يَنُصُّ عَلَيْهِ فِي اللِّعَانِ وَوَجَدَ بِخَطِّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا فِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُبَيَّضَتِهِ كَلَامٌ يُتَأَمَّلُ فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنْ قِيلَ هِيَ بَعْدَ الْعِدَّةِ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ مُنِعَ لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَعْنًى لَا يَصْدُقُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ حُصُولِهِ لَا قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْقَاتِلِ وَلِقَوْلِهَا إنْ قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ قَدْ دَخَلْت فِي دَمِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ قَالَتْ كُنْت كَاذِبَةً انْتَهَى وَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْزَامَاتٌ شَنِيعَةٌ وَأَمَّا حَدُّ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ فَالْمَحْدُودُ هُوَ الْمَصْدَرُ وَلِذَا أَتَى بِالرَّفْعِ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالرَّفْعُ جِنْسٌ وَذِكْرُ الزَّوْجِ أَخْرَجَ بِهِ رَفْعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَقَعُ بِهِ رَفْعُ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الرَّجْعَةُ وَالْمَرْفُوعُ بِهِ نِيَّةٌ وَلَفْظٌ وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ قَالَ مَتَى طَلَّقْتُك فَقَدْ ارْتَجَعْتُك فَهَلْ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِذَلِكَ قَالَ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ لَا تَصِحُّ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتهَا فَقَدْ طَلَّقْتهَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَازِمٌ فَمَا الْفَرْقُ (قُلْتُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الطَّلَاقُ حَقٌّ عَلَى الرَّجُلِ وَالرَّجْعَةُ حَقٌّ لَهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ وَاَلَّذِي لَهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " أَوْ الْحَاكِمُ " أَشَارَ بِهِ إلَى إدْخَالِ مَا إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ وَامْتَنَعَ مِنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ (قُلْتُ) كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِرَفْعِ الْحُرْمَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ تَرْتَفِعُ بِرَجْعَةِ الْحَاكِمِ فَيَصِحُّ وَطْءُ الزَّوْجِ
(1/200)

بِهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
(قُلْتُ) بَلْ الْأَصَحُّ جَوَازُ الْوَطْءِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلُهُ " حُرْمَةُ الْمُتْعَةِ " هَذَا هُوَ الْمَرْفُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الْحِلِّيَّةِ قَوْلُهُ " بِطَلَاقِهَا " مُتَعَلِّقٌ بِالْحُرْمَةِ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الزَّوْجِ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا رَفَعَ حُرْمَةَ الظِّهَارِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا وَقَعَ الظِّهَارُ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَلَا فَلَا يَدْخُلُ الظِّهَارُ فِي الْحَدِّ فَكَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَا دُخُولَ لَهُ (قُلْتُ) بَلْ تَحْرُمُ الْمُتْعَةُ كَالْقُبْلَةِ وَمَا شَابَهَهَا وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ " إنَّمَا خَرَجَتْ لِأَنَّهَا مُفَاعِلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالرَّجْعَةُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَخَرَجَتْ مِنْ قَوْلِهِ " رَفْعُ الزَّوْجِ " وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَعَلَى رَأْيٍ " إلَخْ هَذَا أَشَارَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ بَشِيرٍ وَأَشَارَ إلَى هَذَا آخِرَ الرَّجْعَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي رَسْمِ الطَّلَاقِ وَهُوَ أَنَّ عِيَاضًا يَقُولُ إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَتَّى يَرْتَجِعَ وَابْنُ بَشِيرٍ يَقُولُ إنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَتَقَدَّمَ إشْكَالُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ هُنَا وَلَمْ يَزِدْهَا فِي الطَّلَاقِ وَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ عِيَاضٍ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهِ لَا يَرَى شَعْرَهَا وَلَا يَتَلَذَّذُ بِهَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الطَّلَاقِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ الرَّفْعَ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ هُنَا فِي الرَّجْعَةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ إبَاحَةَ الْمُتْعَةِ إلَخْ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الرَّجْعَةَ عُرْفًا الْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَذَلِكَ الْمَصْدَرُ يَسْتَلْزِمُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ الزَّوْجُ كَالتَّطْهِيرِ مَعَ الطَّهَارَةِ وَالطَّلَاقُ الْمُرَادُ مِنْهُ عُرْفًا الْمَعْنَى أَوْ الصِّفَةُ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهِ التَّطْلِيقُ أَيْضًا وَالتَّطْلِيقُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَيَصِحُّ مُرَاعَاةُ الصِّفَةِ وَيَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْفِعْلِ فَرَاعَى مَا غَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقِ الِاسْتِعْمَالِ وَغَلَبَتِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَهُوَ أَعْلَمُ.

[بَابٌ فِي الْمُرَاجَعَةِ]
(ر ج ع) بَابٌ فِي الْمُرَاجَعَةِ
لَمْ أَرَ الشَّيْخَ حَدَّهَا وَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا تَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ النِّكَاحِ لِأَنَّ النِّكَاحَ إمَّا بِمُرَاجَعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا فَيُقَالُ فِيهَا نِكَاحٌ مِنْ زَوْجٍ فِي زَوْجَةٍ أَبَانَهَا بِغَيْرِ الثَّلَاثِ.

[بَابُ صِيغَةِ الرَّجْعَةِ]
نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ " رَاجَعْتُهَا وَارْتَجَعْتُهَا ابْنُ شَاسٍ وَرَجَعْتُهَا وَرَدَدْتُهَا إلَى النِّكَاحِ وَلَفْظُ الْإِمْسَاكِ وَكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الِارْتِجَاعَ إذَا نَوَاهُ بِهِ " هَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَسَمَ مَا يَقَعُ الِارْتِجَاعُ بِهِ إلَى قِسْمَيْنِ صَرِيحًا وَمُحْتَمِلًا بِنِيَّةٍ وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ مَا دَلَّ عَلَى
(1/201)

الِارْتِجَاعِ صَرِيحًا أَوْ مُحْتَمِلًا بِنِيَّةٍ كَمَا ذَكَرَ فِي التَّمْلِيكِ ثُمَّ يَذْكُرُ الْأَمْثِلَةَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ رَاجَعْتُك ثُمَّ قَالَ كُنْت لَاعِبًا فَهِيَ رَجْعَةٌ فَظَاهِرُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ (قُلْتُ) لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ادِّعَائِهِ عَدَمَ النِّيَّةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلُ دُونَ نِيَّةٍ لَا تَصِحُّ بِهِ رَجْعَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالظَّاهِرِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ طَلَاقِ الْمُسْتَفْتِي دُونَ نِيَّةٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ لَا يَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْإِيلَاءِ]
(ء ل و) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْإِيلَاءِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ " ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ رَسْمَهُ فِي قَوْلِهِ الْحَلِفُ بِيَمِينٍ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُرْضِعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَلْزَمُ الْحِنْثَ فِيهَا حُكْمًا فَلْنُشِرْ إلَى بَيَانِهِ لِيَظْهَرَ رَدُّهُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ حَلِفُ الْإِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْيَمِينُ مُطْلَقًا وَقِيلَ هُوَ الِامْتِنَاعُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي امْتِنَاعٍ خَاصٍّ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ الْحَاجِبِ فَهِمَ أَنَّ الْإِيلَاءَ اللُّغَوِيَّ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ شَرْعًا بِنَقْلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ وَذِكْرُ الْيَمِينِ ثَانِيًا اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً قَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّضْمِينَ اللُّغَوِيَّ الَّذِي يَعُمُّ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثَ وَزَادَ غَيْرَ الْمُرْضِعَةِ لِيُخْرِجَ بِهِ صُورَةَ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ ضَرَرًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَمَا دُونَهَا قَوْلُهُ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا أَخْرَجَ بِهِ إنْ وَطَأْتُكِ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى السُّوقِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ شَرْعًا وَلِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا كَلَامٌ حَسَنٌ رَتَّبَهُ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ اُنْظُرْهُ وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَذَكَرْنَا مَا يَلِيقُ بِهِ فَإِذَا عَرَّفْنَا كَلَامَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
فَقَوْلُ الشَّيْخِ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَبِلُوهُ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ قَبْلَهُ
(1/202)

صُورَةُ الْمُدَوَّنَةِ دَائِمًا إمَّا أَنْ تَكُونَ وَارِدَةً عَلَى طَرْدِهِ أَوْ وَارِدَةً عَلَى عَكْسِهِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ فِيهَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك فِي هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً فَلَيْسَ بِمُولٍ وَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ لِوَطْئِهَا إنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ فِي هَذَا الْمِصْرِ فَهُوَ مُولٍ وَبَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا يَخْلُو أَنْ تَرِدَ عَلَى الطَّرْدِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَنْ نَقُولَ لِأَيِّ شَيْءٍ قُلْتُمْ إنَّهُ غَيْرُ مُولٍ فِي صُورَةِ الدَّارِ فَإِنْ عَلَّلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ رَسْمُ الْإِيلَاءِ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُدَّةَ الْمَعْلُومَةَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا وَالْحَلِفُ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ وَطْءٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَقَعُ النَّقْضُ عَلَى طَرْدِ الْحَدِّ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَصْدُقُ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَرِدُ عَلَى الْحَدِّ إبْطَالُ عَكْسِهِ بِصُورَةِ الْبَلْدَةِ أَوْ الْمِصْرِ لِأَنَّهَا مِنْ صُورَةِ الْإِيلَاءِ كَمَا نَصَّ فِيهَا وَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا بِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَسْتَدْعِي تَرْكَ الْوَطْءِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِأَخَصَّ.
وَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّ وَطْأَهَا فِي الدَّارِ لَيْسَ بِأَخَصَّ مِنْ مُطْلَقِ الْوَطْءِ بَلْ مُسَاوٍ لَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ وَارِدَةٍ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ وَالْأُولَى تَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ صُوَرَ الْإِيلَاءِ فِيهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْإِيلَاءِ وَفِيهِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهِيَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ غَيْرُ مُولٍ وَقَالَ أَصْبَغُ إنَّهُ مُولٍ فَحَدُّ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لَا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ وَحَدُّ الشَّيْخِ يَجْرِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْحَدِّ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَلَا يَكُونُ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحْدَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا الشَّيْخَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْحَدَّ خَاصًّا بِالْمَشْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الرُّسُومِ أَنَّ الْحَدَّ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَيَبْقَى كَوْنُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِلنَّظَرِ قَالَ وَهُوَ الْحَقُّ اُنْظُرْهُ ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى حَدِّ الشَّيْخِ قَوْلُهُ " حَلِفُ " جِنْسٌ مِثْلُ جِنْسِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ " زَوْجٍ " أَتَى بِهِ مُنْكَرًا وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ " عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِ تَرْكِ الْوَطْءِ قَوْلُهُ " يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا بِمَا هُوَ مِثْلُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/203)

حَلِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَطْءِ فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَلْتَقِي مَعَهَا سَنَةً لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْتِزَامًا وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ بَعْدُ وَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ كَدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابَةٍ سَنَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ الْإِيلَاءِ وَمَا يُقَالُ إنَّ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ مَهْجُورَةٌ فِي الْحُدُودِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ أَوْ اصْطِلَاحٌ وَهُنَا لِلشَّيْخِ بَحْثٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِشَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهَا لَا اغْتَسَلْت مِنْ جَنَابَةٍ هَلْ هُوَ كِنَايَةٌ أَمْ لَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا زَادَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي آخِرِهِ فِي قَوْلِهِ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا لَا بُدَّ مِنْهُ وَكَيْفَ يُوَفِّي بِهِ كَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا مَعَ حَذْفِهِ (قُلْتُ) قَوْلُهُ " يُوجِبُ " إلَخْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا لِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ عَلَى زَوْجِهَا حُكْمًا لَا يُوجِبُ لَهَا خِيَارًا فِي نَفْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَلَفَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيتَ عِنْدَهَا أَبَدًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالْإِضْرَارِ وَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ بِحَالٍ فَظَاهِرُ هَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الِالْتِزَامَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ وَأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُطَابَقَةِ (قُلْتُ) لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَاقِضُهُ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْوَطْءِ وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْوَطْءِ بِلَيْلٍ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ " يُوجِبُ خِيَارَهَا " صِفَةٌ لِحَلِفِ الزَّوْجِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ أَوْجَبَ خِيَارَهَا وَالْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ إنَّمَا هُوَ تَلَوُّمُ الْقَاضِي لَهُ فِي الْوَطْءِ فَإِذَا امْتَنَعَ خُيِّرَتْ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ التَّلَوُّمُ مُسَبَّبًا عَنْ الْحَلِفِ صَحَّ أَنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا» وَهَذَا إطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي شَهْرٍ (قُلْتُ) إنَّمَا ذَلِكَ لُغَةً وَالشَّرْعُ قَرَّرَ فِي الْآيَةِ الْعُرْفِيَّ وَقَدْ قَدَّمْنَا إشْكَالَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْعُرْفِيِّ وَفِي اسْتِدْلَالِ الْفُقَهَاءِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْإِيلَاءِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ شَرْطِ الْمُوَلِّي]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " كَوْنُهُ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا مُمْكِنًا وَطْؤُهُ " وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/204)

[بَابُ التَّلَوُّمِ لِلْمَرْأَةِ فِي الْإِيلَاءِ]
ذَكَرَ الشَّيْخُ رَضِيَ عَنْهُ فِي نُسْخَةٍ تُمَكَّن الزَّوْجَةُ مِنْ وَقْفِ زَوْجِهَا الْمُوَلِّي لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ إيلَائِهِ أَوْ ضَرْبِهَا لَفَيْئَتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ مَعْنَى الرَّسْمِ ظَاهِرٌ إذَا عُرِفَ وَجْهُ الْإِيلَاءِ وَصَرِيحُهُ وَزَمَنُ التَّلَوُّمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.

[بَابُ فَيْئَةِ الْمُوَلِّي]
اُنْظُرْ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[كِتَابُ الظِّهَارِ]
(ظ هـ ر) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الظِّهَارِ
قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " تَشْبِيهُ زَوْجٍ زَوْجَهُ أَوْ ذِي أَمَةٍ حَلَّ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِمَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي تَمَتُّعِهِ بِهِمَا وَالْجُزْءُ كَالْكُلِّ وَالْمُعَلَّقُ كَالْحَاصِلِ " ثُمَّ قَالَ " وَأَصْوَبُ مِنْهُ تَشْبِيهُ ذِي حِلِّ مُتْعَةٍ حَاصِلَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ بِآدَمِيَّةٍ إيَّاهَا أَوْ جُزْؤُهَا بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بِمَنْ حُرِّمَ أَبَدًا أَوْ جُزْئِهِ فِي الْحُرْمَةِ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَفُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَهِيَ الْبَتَاتُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهُ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ لِنَصِّهَا قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ إذَا شَبَّهَ جُزْءَ زَوْجَتِهِ بِأُمِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَبِّهْ الزَّوْجَةَ كُلَّهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهَذَا إيرَادٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمَّا شَرَحَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الرَّسْمَ وَذَكَرَ بَعْضَ اعْتِرَاضَاتٍ وَأَجَابَ عَنْهَا قَالَ وَقَدْ تَرَكْت اعْتِرَاضَاتٍ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ قَوِيٌّ مِنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَكَيْفَ يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا رَأَيْت (قُلْتَ) لَيْسَ هَذَا مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي رَآهَا بَلْ مِمَّا ظَهَرَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَاحِبِ الْفَهْمِ السَّلِيمِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
(1/205)

ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى رَسْمِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ فِي جِنْسِهِ " تَشْبِيهٌ " التَّشْبِيهُ مَصْدَرٌ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى عَامٍّ وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ أَمْرٍ لِأَمْرٍ فِي مَعْنًى وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَرْبَعَةَ أُمُورٍ مُشَبَّهٌ وَمُشَبَّهٌ بِهِ وَوَجْهٌ وَأَدَاةٌ وَهَذَا يَشْمَلُ الِاسْتِعَارَةَ وَغَيْرَهَا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى أَخَصَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتِعَارَةً وَلَا تَجْرِيدًا وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَخَصُّ وَلَمْ يَقُلْ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ وَيَحْتَاجُ لِجَوَابِهِ وَالتَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْوَانُّوغِيِّ أَنَّهُ قَالَ إعْرَابُ هَذَا الرَّسْمِ يَصْعُبُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي وَيَظْهَرُ لَك مِمَّا نَذْكُرُهُ مَعَ كُلِّ جُمْلَةٍ فِي تَقْرِيرِهَا وَقَوْلُهُ " زَوْجٌ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الزَّوْجِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الظِّهَارَ شَرْعًا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ الْخَاصِّ بِهِ فَإِذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَاتِ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ الْأَخَصُّ الْمَذْكُورُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُمِّي (قُلْتُ) قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَقَدْ وَقَعَ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ ظِهَارٌ (قُلْتُ) هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْأَدَاةُ وَلِذَا أَرْبَابُ الْبَيَانِ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِك زَيْدٌ أَسَدٌ هَلْ هُوَ تَشْبِيهٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ فَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْته فَالْمُرَادُ بِالتَّشْبِيهِ الْأَعَمُّ فَتَدْخُلُ الِاسْتِعَارَةُ (قُلْتُ) يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا فَعَلَى هَذَا فِي لَفْظِ التَّشْبِيهِ إجْمَالٌ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَشْبِيهُ زَوْجٍ زَوْجَهُ أَخْرَجَ بِهِ تَشْبِيهَ زَوْجٍ غَيْرَ زَوْجِهِ قَوْلُهُ " أَوْ ذِي أَمَةٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى الزَّوْجِ أَشَارَ بِهِ لِإِدْخَالِ الْأَمَةِ فِي الظِّهَارِ وَاشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ أَنْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا مَلَكَ بَعْضَهَا وَتَخْرُجُ بِهِ الْمُعْتَقَةُ إلَى أَجَلٍ وَتَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ فِيهِمَا كَالْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ قَوْلُهُ " إيَّاهَا " مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ وَطْؤُهُ قَوْلُهُ " بِمَحْرَمٍ مِنْهُ " يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْبِيهِ أَيْ التَّشْبِيهِ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا فِي غَيْرِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّشْبِيهُ الْمُطْلَقُ وَالظَّهْرُ وَغَيْرُهُ كِنَايَةٌ وَصَرِيحًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي قَوْلُهُ " أَوْ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا شَبَّهَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ ظَهْرٍ فَلَا طَلَاقَ وَأَدْخَلَ بِهِ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَهُوَ ظِهَارٌ قَوْلُهُ " فِي تَمَتُّعِهِ بِهِمَا " هَذَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا قَصَدَ التَّشْبِيهَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ
(1/206)

أَوْ فِي قَبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ وَالْجُزْءُ كَالْكُلِّ وَالْمُعَلَّقُ كَالْحَاصِلِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ أَوْ إنَّهُ مِمَّا أَلْحَقَهُ بِالْحَدِّ كَمَا قَصَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُلْحَقٌ بِالْمَحْدُودِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُتَغَيِّرُ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ قَصَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ لِيَكُونَ حَدُّهُ مُنْعَكِسًا وَلِذَا اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ فِي عَدَمِ عَكْسِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ فَهَلَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِعَدَمِ الْعَكْسِ فِي الْمُعَلَّقِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنْ لَا فَرْقَ وَلِذَا كَانَ تَتْمِيمًا لِحَدِّهِ فَتَكُونُ الْجُمْلَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ حَالَيْنِ مِنْ الْمَفْعُولِ مِنْ بَابِ جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَهَذَا تَحَمُّلٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ وَمَا أَوْرَدَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ الْجُزْءِ وَارِدٌ عَلَيْهِ أَوَّلًا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ هَلْ هُوَ ظِهَارٌ مِنْ الْكِنَايَاتِ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ لَيْسَ ظِهَارًا وَلَا طَلَاقًا (قُلْتُ) فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ حَيْثُ تَكَلَّمُوا عَلَى صَرِيحِ الظِّهَارِ وَكِنَايَتِهِ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ طَلَاقٌ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ لِيُخْرِجَ بِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرْته وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَالْحَدُّ عِنْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ قَدَّمْت الْآنَ فِي الْإِيلَاءِ مَا رَجَحَ بِهِ حَدُّهُ عَلَى حَدِّ ابْنُ الْحَاجِبِ (قُلْتُ) هَذَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي حُدُودِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَانْظُرْ مَا لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا فِي أَوَّلِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنَاسِبُ مَا قُلْنَاهُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْوَبُ مِنْهُ يَعْنِي أَصْوَبُ مِنْ حَدِّهِ الْأَوَّلِ وَعَبَّرَ بِالْأَصْوَبِ لَا بِالصَّوَابِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَوَابٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَصَحُّ الْحُدُودِ قِيلَ وَلَوْ قَالَ وَصَحِيحُ الْحُدُودِ لَكَانَ صَوَابًا وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْفَرْعِيَّاتِ يُقَالُ فِيهِ أَصَحُّ وَمُقَابِلُهُ صَحِيحٌ وَفِي غَيْرِهَا يُقَابِلُهُ الْفَاسِدُ وَلِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ اُنْظُرْ السَّلَمَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ الثَّانِي تَشْبِيهٌ إلَخْ التَّشْبِيهُ مِثْلُ التَّشْبِيهِ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ذِي حِلٍّ مُتْعَةً هُوَ أَخْصَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ شَيْئَانِ كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُ حَاصِلَةٌ أَوْ مُقَدَّرَةٌ يَدْخُلُ فِيهِ الظِّهَارُ الْمُعَلَّقُ وَالْحَاصِلُ وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ بِآدَمِيَّةٍ يَتَعَلَّقُ بِمُتْعَةٍ أَخْرَجَ بِهِ إذَا شَبَّهَ الْمُتْعَةَ بِغَيْرِ آدَمِيَّةٍ قَوْلُهُ إيَّاهَا يَظْهَرُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ
(1/207)

بِتَشْبِيهٍ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ الْمُضَافِ إلَى الْمُتْعَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِمَا ذُكِرَ وَعَطَفَ الْجُزْءَ عَلَى ذَلِكَ لِيُدْخِلَ بِهِ تَشْبِيهَ الْبَعْضِ كَمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ وَكُلُّهَا وَهَذَا أَخْصَرُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ " بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ " هَذَا الْمُشَبَّهُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَهُوَ كِنَايَةُ الظِّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ أَوْ بِمَنْ حَرُمَ أَبَدًا وَهَذَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ بِمَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ أَفْرَادًا مِنْ الْمَحْرَمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ بِهَا فِيهَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ أَبَدًا فَإِنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَلِكَ ظِهَارًا عَلَى حَدِّهِ هَذَا وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ هَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ بِتَحْرِيمِ الْأَبَدِ قَوْلُهُ أَوْ جُزْئِهِ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ كُلًّا وَجُزْءًا كَمَا قَدَّمَ فِي الْمُشَبَّهِ وَهَذَا صَرِيحٌ وَلِذَا يَكُونُ تَشْبِيهَ كُلٍّ بِكُلٍّ وَجُزْءٍ بِجُزْءٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَنْ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ قَوْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ هَذَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ تَمَتُّعُهُ بِهِمَا وَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ كَوْنُ الرَّسْمِ الثَّانِي أَصْوَبَ مِنْ الْأَوَّلِ اخْتِصَارًا وَجَمْعًا.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ أَصْوَبُ بِمَعْنَى أَحْسَنَ لِأَجْلِ اخْتِصَارِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ لَا يُخِلُّ بِطَرْدٍ وَلَا عَكْسٍ وَقَدْ زَادَ فِي الثَّانِي مَا لَيْسَ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ بِمَنْ حُرِّمَ أَبَدًا وَقُلْتُمْ ذَكَرَهُ لِيُدْخِلَ بِهِ مَا قَدَّمْنَا فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُقَالَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ غَيْرُ جَامِعٍ فَلَا يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْحُسْنِ وَالصَّوَابِ إلَّا مَا كَانَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ نَقْضٌ لَا طَرْدًا وَلَا عَكْسًا (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْأَصْوَبَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَدُّ الصَّحِيحُ لَا الْأَكْمَلُ لِأَنَّ الصَّوَابَ مُقَابِلُهُ الْخَطَأُ وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَصَحُّ الْحُدُودِ وَمَا قَدَّمْنَا مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ الْأَصْوَبَ وَالْأَصَحَّ مُتَغَايِرَانِ فِيهِ بَحْثٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[بَابُ شَرْطِ الْمَظَاهِرِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إسْلَامُهُ " وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[بَابُ صَرِيحِ الظِّهَارِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ " مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ
(1/208)

كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي " قَوْلُهُ مَا فِيهِ ظَهْرٌ أَيْ الصِّيغَةُ الَّتِي فِيهَا ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ ذَكَرَ " مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ " وَلَمْ يَقُلْ ذَاتُ مَحْرَمٍ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ صَوَّبَ فِي الْحَدِّ الثَّانِي مَا قَدَّمَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَأَجْمَعُ وَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ مَعَ الْمَحْرَمِ.

[بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الظِّهَارِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الظِّهَارِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَا سَقَطَ فِيهِ أَحَدُهُمَا كَأُمِّي أَوْ ظَهْرِ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الصَّرِيحِ.

[بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي الظِّهَارِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي الظِّهَارِ
قَالَ كَاسْقِنِي الْمَاءَ مُرَادٌ بِهِ الظِّهَارُ هَذَا لَفْظُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوَّلًا (فَإِنْ قُلْتَ) الْجَارِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّسْمَيْنِ أَنْ يَقُولَ الْخَفِيَّةُ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا (قُلْتُ) الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَحَذَفَهُ اخْتِصَارًا وَقَالَ بَعْدُ وَكِنَايَتُهُ الْخَفِيَّةُ مَا مَعْنَى لَفْظِهِ إلَخْ اُنْظُرْهُ مَعَ هَذَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ صَرِيحَ الظِّهَارِ مَا يُذْكَرُ فِيهِ الظَّهْرُ فِي ذَاتٍ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهَا وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا ذُكِرَ فِيهِ ذَاتُ مَحْرَمٍ وَلَمْ يُذْكَرْ الظَّهْرُ وَالرَّسْمُ الْمَذْكُورُ لَا يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْهُمَا (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صِدْقِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ مَا يُذْكَرُ فِيهِ الظَّهْرُ فِي ذَاتِ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهَا فَقَوْلُهُ غَيْرِهَا يَعُمُّ الْمُحَرَّمَةَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَإِنْ عَمَّ فِيهَا فَتَدْخُلُ الْأَجْنَبِيَّةُ فَإِذَا ذَكَرَ الظَّهْرَ مَعَهَا كَانَ صَرِيحًا عَلَى النَّقْلِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّسْمِ فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا عَدَمُ صِدْقِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَأَجْلَى مِنْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ النَّقْلَ مَعَ الرَّسْمِ وَحَقُّ الشَّيْخِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالِفَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ شَاسٍ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْحَاجَةُ إلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ (قُلْتُ) الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ لَفْظِهِ فِي إرَادَتِهِ الطَّلَاقَ دُونَ الظِّهَارِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَالصَّرِيحُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ وَيَصِحُّ فِي الْكِنَايَاتِ وَالْكِنَايَةُ يَصْدُقُ فِيهَا مُطْلَقًا وَالصَّرِيحُ إذَا أَتَى مُسْتَفْتِيًا صَدَقَ وَإِنْ حَضَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ بِهِ يَصْدُقُ وَيُؤْخَذُ بِالطَّلَاقِ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَبِالظِّهَارِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ.
(1/209)

[بَابُ الْعَوْدَةِ]
عود: بَابُ الْعَوْدَةِ
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُوَطَّإِ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِمْسَاكِ مَعًا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْوَطْءِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَأَمَّلْ مَا بُنِيَ عَلَى ذَلِكَ.

[بَابُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ]
مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَتَأَمَّلْ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ هُنَا عَنْ إشْكَالِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا فَظَاهَرَ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بَلْ الْعِتْقُ فِيهَا وَاعْتُرِضَتْ بِأَنَّ عِتْقَهَا مَشْرُوطٌ بِالْعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا وَوَطْؤُهَا مَلْزُومٌ لِمُلْكِهَا وَمِلْكُهَا مُنَاقِضٌ لِعِتْقِهَا فَيَلْزَمُ مُنَاقَضَةُ الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ فَتَأَمَّلْ جَوَابَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَمَنْ بَحَثَ فِيهِ لَا عَمَلَ عَلَى قَوْلِهِ إذَا فَهِمَ وَلَوْلَا الطُّولُ لَبَيَّنَّاهُ وَاَ