Advertisement

الكليات


الكتاب: الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية
المؤلف: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094هـ)
المحقق: عدنان درويش - محمد المصري
الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
خير مَنْطُوق بِهِ أَمَام كل مقَال، وَأفضل مصدر بِهِ كل كتاب فِي كل حَال، مُقَدّمَة تَنْزِيل الْقُرْآن، وَآخر دَعْوَى سكان منَازِل الْجنان، لمن رسمت آيَات جبروته على صفحات الْأَنْفس والآفاق، ورقمت سطور عظموته فِي جباه السَّبع والطباق، ثمَّ أولى مَا قفي بِهِ ذَلِك، وَأَحْرَى مَا شفع بِهِ للسالك، هُوَ التحنن والاستغماد والاستجلاب، حَسْبَمَا سرد رب الأرباب، على أنفس جَوْهَرَة توجت بهَا هَامة تهَامَة، وأصوب سهم استخرج من كنَانَة كنَانَة، وأسنى أنوار السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وأبهى أسرار ملكوته بالطول وَالْعرض، وَأحمد من حمد وَحمد، وأوفى من وعد وعهد، مُحَمَّد الَّذِي ابتهجت بيمن أخمصيه سرة الْبَطْحَاء، وباهت بترب نَعْلَيْه حظائر الْقُدس فَوق الْقبَّة الشماء، وعَلى حواريه الَّذين اجتهدوا فِي تأسيس قَوَاعِد الْكَلم، واستفرغوا فِي تشييد ضوابط الحكم.
وَبعد: فمذ أميطت عني التمائم، ونيطت بِي العمائم، قدر الله لي أَن ألازم الْكتاب وأداوم الْفُنُون، وأكتحل بإثمد اللَّيَالِي لتنوير الْعُيُون، ملتقطا فرائدها، ومرتبطا بِالْكِتَابَةِ فوائدها، مَا رَأَيْت فَنًّا إِلَّا وَكنت فِيهِ خَطِيبًا، مَا ألفيت غصنا إِلَّا وصرت فِيهِ عندليبا. وَالْكتاب إِلَيّ أحب من كل حبيب، وأعجب لدي من كل عَجِيب. فَإِن الْعلم فَخر يبْقى على مُرُور الأحقاب، وَذكر يتوارثه الأعقاب بعد الأعقاب، وَأول الْمجد وَآخره، وباطن الشّرف وَظَاهره، بِهِ يترقى على كل الْمَرَاتِب، وَبِه يتَوَصَّل إِلَى المآرب والمطالب؛ وَهُوَ الأرتع مرعاه، وَهُوَ الأرفع مسعاه يمْلَأ الْعُيُون نورا، والقلوب سُرُورًا؛ وَيزِيد الصُّدُور انشراحا، ويفيد الْأُمُور انفساحا؛ وَهُوَ الْغنم الْأَكْبَر والحظ الأوفر والبغية الْعُظْمَى والمنية الْكُبْرَى، وتعريف الْمَعْرُوف من بَاب الْمَرْدُود، كَمَا أَن الزِّيَادَة على
(1/15)

الْحَد نُقْصَان من الْمَحْدُود، وَأَيْنَ هَذَا الشّرف؟ إِذْ لَا يدْرك بالأماني، وَلَا ينَال بالتهاون والتواني. وَقد يسر الله ذَلِك لأسلافنا الْكِرَام، صُدُور الْأَنَام وبدور الْأَيَّام، حَتَّى صرفُوا جهدهمْ واجتهادهم، وبذلوا أعمارهم وأعصارهم، فبلغوا قاصية الْمَقَاصِد، وملكوا نَاصِيَة المراصد، فألفوا وأجادوا، وصنفوا وأفادوا، فَبَقيَ لَهُم الذّكر الْبَهِي، على مر الدهور وَالْأَيَّام، وَالشُّكْر السّني على كرّ الشُّهُور والأعوام؛ نور الله ضريحهم، وَغفر كنايتهم وصريحهم.
وَلما وفقني الله الْجَمِيل، لهَذَا الْمطلب الْجَلِيل، أدرت أَن أنخرط فِي سلكهم، وأعقد مَعَهم الخناصر، قبل أَن تبلى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بِخِدْمَة الْعلم موسوعا، وَفِي حَملته منظوما، وَفِي رياضه راتعا، وَفِي أفقه طالعا، وأستنير فِي ظلم الزَّمَان بِهَذَا الْمِصْبَاح، وأطير فِي دَرك النجاح بِهَذَا الْجنَاح.
لكني كنت فِي عصر عضت فِيهِ أَبنَاء الْعلم نَوَائِب الزَّمن، ونشبت فيهم مخالب المحن، وخصتني من بَينهم بأصعب أَمر وخيم، ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم.
وَلَوْلَا أَن منّ الله سُبْحَانَهُ علينا فِي هَذَا الزَّمَان بِمن أعنه عنايته معطوفة على تربية أهل الْعرْفَان، وأزمة عاطفته مصروفة إِلَى إسعاف مطَالب الْعلمَاء، كُنَّا فِي زَاوِيَة الخمول وبادية الأفول هباء. وَهُوَ الْوَزير الأكرم والدستور الأفخم، الملكي النسم، الْقُدسِي الشيم، الأصدق الأحق الأوفر. الأعدل الأجمل الأوقر سمي النَّبِي الأوفى فِي عَالم الْإِنْشَاء، مصطفى باشا يسر الله لَهُ مَا يَشَاء، وَمَا زَالَت قُلُوب عنيده أكنة أسنة عبيده. وَهُوَ نظام المفاخر والمآثر. غوث الشاكي وغيث الشاكر؛ إِن لفظ فالإصابة تقدم لفظته. وَإِن لحظ فالإجابة تخْدم لحظته؛ تشْتَمل أردية عواطفه مناكب الْآفَاق. وتمتلي من أَوديَة عوارفه مطامح الأحداق. جلب الْقُلُوب فَصَارَ ظَاهرهَا فِي كل بَاطِن، وحنت إِلَيْهِ الْجَوَارِح فحركت كل سَاكن؛ بل ملك الدَّهْر فامتطى لياليه أداهم. وقلد بيض أَيَّامه صوارم؛ ووهب أقماره دَنَانِير ودراهم. وَجعل أوقاته ولائم؛ ينحني الْهلَال لتقبيل أقدامه، ويمتد كف الثريا لاستحداب صوب غمامه. ويتضاءل كل مِنْهُمَا فَيصير هَذَا غرَّة فرسه وَهَذَا حلية لجامه. وَلما تنبه الدَّهْر لمحاسنه وتيقظ. بَعْدَمَا تحرى وتحقد وَتحفظ. كَاد من الخجل يضيق صَدره وَلَا ينْطَلق لِسَانه. حَتَّى عرق بالندى جبين النسيم. والورد قد احمر مِنْهُ وَجهه الوسيم؛ وابتل جنَاح الْهَوَاء. واغرورقت مقلة
(1/16)

السَّمَاء فابتسمت ثغور الْآفَاق عَن شنب قطرها. وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا. وأرضعت حوامل المزن أجنة الأزهار فِي أحشاء الْأَرَاضِي. فالخلق كلهم فِي التكافي والتصالح والتراضي. وَلِهَذَا صَار لِوَاء النَّصْر فِي كل جَانب مديد. وخاب كل جَبَّار عنيد.
وَلما رَأَيْت فضلاء الأقطار وعلماء الْأَمْصَار يجلبون إِلَى حَضرته الرفيعة وساحته المنيعة مَا زَالَت ملْجأ للأفاضل، وملاذا للأواخر والأوائل، بضائع صنائع أفكارهم، وبدائع رسائلهم وأسفارهم [فصاروا مغمورين بذوارف عوارفه الَّتِي تصل إِلَيْهِم على الدَّوَام، ومنتظمين بهَا أَحْوَالهم غَايَة الانتظام، لَا سِيمَا الراحلين إِلَيْهِ القاطعين السباسب والفلوات عائذين بِهِ من مكاره الدهور والنكبات، فَلم أدر أَي شَيْء أجعله ذَرِيعَة للوصول إِلَى ذَلِك الجناب، وأتشرف بتقبيل أنامله الَّتِي تشاهد مِنْهَا آثَار الهطال من السَّحَاب] . فاستفضت من فياض ذوارف العوارف. واستعنت بالنُّون والقلم فِي تَبْيِين المعارف، [مَعَ مَا بِي من مقاساة الأحزان، ومعاداة الزَّمَان بِحَيْثُ أتجرع كؤوسا علق بهَا العلقم، بل أَشد سما من الأرقم، وأتطلب رضى الْأَيَّام، وَهِي عَليّ أضرّ حقدا من الْكبر، وأتلقى الخطوب عاديا من الْبَصَر فَامْتنعَ الرَّاحَة بِالْكِنَايَةِ بَكَيْت، كامتناع الْفَاء من خبر لَعَلَّ وليت، حَتَّى لقِيت يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا، ووهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا] ؛ فَقَامَ الْقَلَم فِي محراب أَطْرَاف البنان، وَركع وَسجد، على مصلى القرطاس واضطرب وارتعد قَائِلا:
(كَأَن فمي قَوس لساني لَهُ يَد ... كَلَامي لَهُ نزع بِهِ أملي نبل)

(كَأَن دواتي مطفل حبشية ... بناني لَهَا بعل وَنَفْسِي لَهَا نسل)

فَجرى مِنْهُ كتاب بديع الْمِثَال، منيع المنال، مُحِيط تنصب إِلَيْهِ الجداول وَلَا يزْدَاد، وتغترف من لجته السحب فَمَا لَهُ من نفاد، تزهى بِهِ الألسن، وترمق نَحوه الْأَعْين، ويحمله الحذاق على الأحداق. من سَافر فِيهِ نظر، وَكَانَ الذَّوْق السَّلِيم رَفِيقه، علم أَنه تأليف جليل، يضْرب بِهِ الْأَمْثَال على الْحَقِيقَة.
نعم قد جمعت فِيهِ مَا فِي تصانيف الأسلاف من الْقَوَاعِد وَلَا كالروض للأمطار، وتسارعت لضبط مَا فِيهَا من الْفَوَائِد وَلَا كَالْمَاءِ إِلَى الْقَرار، منقولة بأقصر عبارَة وأتمها،
(1/17)

وأوجز إِشَارَة وأعمها، وترجمت هَذَا الْمَجْمُوع الْمَنْقُول، فِي المسموع والمعقول، ورتبتها على تَرْتِيب كتب اللُّغَات، وسميتها بالكليات، راجيا من الله محو السَّيِّئَات، وتخليد الذّكر الْجَمِيل على الْأَيَّام، والتعيش بعد مشارفة الْحمام. وَالْجَامِع الْفَقِير، إِلَى الله الْغَنِيّ الْخَبِير، أَبُو الْبَقَاء الْحُسَيْنِي الكفوي الْحَنَفِيّ، خص باللطف الْجَلِيّ والخفي، يسْأَل مِمَّن نظر فِيهِ أَن يصلح ببنانه مَا عثر عَلَيْهِ فِيهِ من زلل الْقَلَم الفاتر، وخلل الخاطر الضَّعِيف الخائر، أَو يستر بِعَين الْحبّ نقصي كَيفَ مَا كَانَ، فَإِن رقصي على مِقْدَار تنشيط الزَّمَان، وَمَا قل من زل فِي جرداء التَّأْلِيف، بل هُوَ مصايبه.

(وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء نبْلًا أَن تعد معايبه)

وَيَد الأفكار قَاصِرَة عَن تنَاول مَا يرام، والصباغة فِي الصِّنَاعَة على النصاعة أصعب مرام، وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل. نعم الْمولى وَنعم الْوَكِيل.
(1/18)

(فصل الْألف)
الْألف: بِكَسْر اللَّام، هِيَ أول حُرُوف المعجم، وَأول اسْم الله تَعَالَى، وَأول مَا خَاطب الله بِهِ عباده فِي الْوُجُود بقوله: {أَلَسْت بربكم} وَهِي من أقْصَى الْحلق وَهُوَ مبدأ المخارج
و [الْألف] : بِالسُّكُونِ اسْم علم لكَمَال الْعدَد بِكَمَال ثَالِث رُتْبَة، مُذَكّر وَلَا يجوز تأنيثه بِدَلِيل {يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف} ، وَقَوْلهمْ: (هَذِه ألف دِرْهَم) ، لِمَعْنى الدَّرَاهِم وآلفه يؤالفه إلافا، وآلفه يؤلفه إيلافا، والإيلاف فِي التَّنْزِيل لِمَعْنى الْعَهْد وَاللَّام فِيهِ للتعجب أَي: اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْش، أَو مَوْصُولَة بِمَا قبلهَا أَي: لتألف قُرَيْش
وألفه يألفه: أعطَاهُ ألفا
وَألف بَينهمَا تأليفا: أَي أوقع الألفة
والألفة: بِالضَّمِّ اسْم من الائتلاف
والإلف: كالفسق الاليف
ثمَّ الْألف وَسَائِر الْحُرُوف الَّتِي يتركب مِنْهَا الْكَلَام مسميات لأسماء تتهجى، واسميتها لدخولها فِي حد الِاسْم واتصافها بخواصه، وَبِه صرح الْخَلِيل، وَأَبُو عَليّ وَمَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود وَهُوَ: " لَا أَقُول ألف حرف " إِلَخ المُرَاد المسميات، أَي مُسَمّى هَذَا اللَّفْظ حرف من يشهده فَلهُ حَسَنَة، لِأَن النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - بصدد بَيَان ثَوَاب مسميات الْأَلْفَاظ الَّتِي تتهجى بهَا لَا الْكَلِمَات وَلَا المركبات مِنْهَا، إِذْ اللَّائِق بمقام التَّرْغِيب تَكْثِير الْفَائِدَة، فالحسنة بِعَدَد الْحُرُوف مُطلقًا مَكْتُوبَة كَانَت أَو ملفوظة كالألفاظ فِي (الحواميم) و (الطواسين) و (كهيعص) و (طه) و (ص) و (ق) و (الر) وَكَذَا (الرَّحْمَن) و (إِبْرَاهِيم) و (إِسْحَق) و (إِسْمَعِيل) وَكَذَا ألف (هَذَا) و (هَؤُلَاءِ) و (أُولَئِكَ) و (لَكِن) و (لَكِن) و (ثلث) و (ثلثين) وَقد تقرر فِي فنه أَن المُرَاد من مَوْضُوع الْقَضِيَّة ذَاته لَا لَفظه إِلَّا أَن يَقْتَضِي الْمقَام ذَلِك، وَإِطْلَاق الْمُتَقَدِّمين على هَذِه الالفاظ بالحروف بعد الْبُرْهَان على اسميتها
(1/19)

يصرف إِلَى التسامح أَو يدْفع بِالْعرْفِ المتجدد
[ألف الْقطع] : فَكل مَا ثَبت فِي الْوَصْل فَهُوَ ألف الْقطع، ك (أَحْمد) و (أحسن)
[ألف الْوَصْل] : وَمَا لم يثبت فَهُوَ ألف الْوَصْل ك (استخرج) و (استوفى) : [الْألف المجهولة] : كل ألف لإشباع الفتحة فِي الِاسْم أَو الْفِعْل فَهِيَ الْألف المجهولة، كألف (فَاعل) و (فاعول) [الْألف المحولة] : كل ألف أَصْلهَا وَاو أَو يَاء، ك (بَاعَ) و (قَالَ) فَهِيَ المحولة
وكل ألف التَّأْنِيث فَهِيَ على (فعلى) مُثَلّثَة الْفَاء، ك (طُوبَى) و (ذكرى) و (مرضى)
كل كلمة فِي آخرهَا ألف، إِن كَانَت حروفا فَيكْتب الْجَمِيع بِالْألف إِلَّا (بلَى) و (على) و (حَتَّى) وَكَذَا إِذا كَانَت مَبْنِيَّة إِلَّا (أَنى) و (مَتى) و (لَدَى)
وَإِن كَانَت أَسمَاء معربة زَائِدَة على الثَّلَاثَة فَصَاعِدا فَيكْتب جَمِيعهَا بِالْيَاءِ لَا غير، لِأَن الْوَاو تنْقَلب إِلَى الْيَاء فِيهَا إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ قبل الْألف يَاء نَحْو (الْعليا) و (الدُّنْيَا) كَرَاهَة الْجمع بَين الياءين، إِلَّا فِي نَحْو (يحيى) و (رَبِّي) علمين للْفرق
وَإِن كَانَت الْأَسْمَاء المعربة ثلاثية فَحِينَئِذٍ ينظر إِلَى أَصْلهَا الَّذِي انْقَلب مِنْهُ الْألف، فَإِن كَانَ يَاء فَيكْتب بِالْيَاءِ تَنْبِيها على أَصْلهَا ويعدل عَن جَوَاز إمالتها، وَإِن كَانَ واوا فَيكْتب بِالْألف ك (عَصا) وَالْفِعْل الثلاثي ينظر إِلَى أَصله، فَمَا زَاد فبالياء لَا غير، وَقد نظم بعض الأدباء:
(إِذا الْفِعْل يَوْمًا غم عَنْك هجاؤه ... فَألْحق بِهِ تَاء الْخطاب وَلَا تقف)

(فَإِن تَرَ قبل التَّاء يَاء فَكَتبهُ ... بياء وَإِلَّا فَهُوَ يكْتب بِالْألف)

(وَلَا تحسب الْفِعْل الثلاثي وَالَّذِي ... تعداه والمهموز فِي ذَاك يخْتَلف)
وَإِن كَانَ منونا فالمختار أَنه يكْتب بِالْيَاءِ وَهُوَ قِيَاس الْمبرد وَقِيَاس الْمَازِني أَنه يكْتب بِالْألف، وَقِيَاس سِيبَوَيْهٍ أَن الْمَنْصُوب يكْتب بِالْألف وَمَا سواهُ بِالْيَاءِ وَإِن جهل كَون الْألف من الْوَاو وَالْيَاء بِأَن لم يكن شَيْء مِمَّا ذكر، فَإِن أملت فالياء نَحْو (مَتى) وَإِلَّا فالألف وَقد نظمت فِيهِ:
(وَكتب ذَوَات الْيَاء بِالْألف جَائِز ... وَكتب ذَوَات الْوَاو بِالْيَاءِ بَاطِل)

(وَقصر ذَوي مد يجوز بِلَا مرا ... وَمد ذَوي قصر خطاء وعاطل)

(وتذكير تَأْنِيث من الْعَكْس أسهل ... فَلَا تنس واحفظ أَنْت فِي الْعَصْر كَامِل)
كل همزَة بعْدهَا حرف مد: كصورتها فَإِنَّهَا تحذف، وَلذَلِك كتبُوا نَحْو (خطأ) فِي حَال النصب بِأَلف وَاحِدَة و (مستهزؤن) بواو وَاحِدَة و (مستهزئين) بياء وَاحِدَة، وَقد تقلب الْهمزَة فِي نَحْو (مستهزئين) فَيكْتب بياءين، وَلم يَفْعَلُوا فِي (مستهزؤن) كَذَلِك، فكأنهم لما استثقلوا الواوين لفظا استثقلوهما خطأ وَلَيْسَ الْيَاء فِي الاستثقال مثلهَا
كل كلمة اجْتمع فِي أَولهَا همزتان وَكَانَت الْأُخْرَى
(1/20)

سَاكِنة فلك أَن تصيرها واوا إِن كَانَت الأولى مَضْمُومَة، أَو يَاء إِن كَانَت الأولى مَكْسُورَة، أَو ألفا إِن كَانَت الأولى مَفْتُوحَة
كل اسْم مَمْدُود فَلَا تَخْلُو همزته إِمَّا أَن تكون أَصْلِيَّة فتتركها فِي التَّثْنِيَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَتَقول: (خطاآان)
وَإِمَّا أَن تكون للتأنيث فتقلبها فِي التَّثْنِيَة واوا لَا غير فَتَقول: (صفراوان) و (سوداوان)
وَإِمَّا أَن تكون منقلبة عَن وَاو أَو يَاء أَصْلِيَّة مثل (كسَاء) و (رِدَاء) أَو مُلْحقَة مثل (علْبَاء) و (حرباء) ب (سرداح) و (شملال) ، فَأَنت فِيهَا بِالْخِيَارِ إِن شِئْت تقلبها واوا مثل التَّأْنِيث، وَإِن شِئْت تتركها همزَة مثل الْأَصْلِيَّة وَهُوَ أَجود فَتَقول: (كساآن) و (رداآن)
كل كلمة أَولهَا همزَة وصل مَفْتُوحَة دَخَلتهَا همزَة الِاسْتِفْهَام وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: الأولى: لَام التَّعْرِيف
وَالثَّانيَِة: (ايمن الله) و (ايم الله)
فَإِن همزَة الْوَصْل لَا تكون مَفْتُوحَة إِلَّا فيهمَا
[الْألف الفاصلة] : وَالْألف الفاصلة تثبت بعد وَاو الْجمع فِي الْخط ك (شكروا) لتفصل بَين الْوَاو وَمَا بعْدهَا
والفاصلة: بَين عَلَامَات الْإِنَاث وَبَين النُّون الثَّقِيلَة ك (افعلنان)
[ألف الْعِوَض] : وَألف الْعِوَض تبدل من التَّنْوِين ك (رَأَيْت زيدا)
وَألف الصِّلَة: اجتلبت فِي أَوَاخِر الْأَسْمَاء
وَألف الْوَصْل: فِي أَوَائِل الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال
وَألف النُّون الْخَفِيفَة:: ك (نسفعا)
وَألف الْجمع: ك (مَسَاجِد) و (جبال)
وَألف التَّفْضِيل وَالتَّقْصِير: ك (هُوَ أكْرم مِنْك) و (أَجْهَل مِنْهُ)
وَألف النداء: (أَزِيد) تُرِيدُ يَا زيد
وَألف الندبة: (وازيداه)
وَألف التَّأْنِيث: كمدة (حَمْرَاء) وَألف (سكرى) و (حُبْلَى)
وَألف التَّثْنِيَة: كَمَا فِي (يذهبان) و (الزيدان)
وَالْألف مُشْتَركَة: بَين الْعَام وَالْخَاص، وَقد راعوا فِي وضع الِاسْم التشابه حَيْثُ سموا الْهمزَة وَالْألف باسم وَاحِد، والتمييز بِوَضْع الِاسْم للألف، ونبهوا على كَثْرَة الْألف وَقلة الْهمزَة بذلك، حَيْثُ لم يسموا الْهمزَة باسم خَاص
وَقد يُطلق الْألف على الْهمزَة إِمَّا لكَونهَا اسْما للساكنة والمتحركة جَمِيعًا كَمَا قيل، أَو على سَبِيل الْمجَاز، لكَونهَا تكْتب بِصُورَة الْألف إِذا كَانَت فِي أول الْكَلِمَة
وَوضع الْخط: أَن يكْتب كل كلمة على صُورَة لَفظهَا بِتَقْدِير الِابْتِدَاء بهَا وَالْوَقْف عَلَيْهَا نَحْو (مَه أَنْت) إِلَّا إِذا اتَّصل (مَا) الاستفهامية بِحرف الْجَرّ، فَإِنَّهُ لَا يكْتب بِالْهَاءِ نَحْو: (حتام) و (إلام) و (علام) وَذَلِكَ لشدَّة الِاتِّصَال حَيْثُ صارتا كالشيء الْوَاحِد
وللاتصال الْمَذْكُور أَيْضا كتب (مِم) و (عَم) بِغَيْر النُّون وَيكْتب (أَنا زيد) بِالْألف إِذْ الْوَقْف كَذَلِك؛ وَمِنْه: {لَكنا هُوَ الله رَبِّي}
وتاء التَّأْنِيث: فِي نَحْو (رَحْمَة) بِالْهَاءِ إِذْ الْوَقْف بهَا
(1/21)

وَيكْتب الْمنون الْمَنْصُوب بِالْألف، وَغير الْمَنْصُوب بالحذف، إِذْ الْوَقْف كَذَلِك
( [الْألف اللينة وَالْألف المتحركة] )
وَالْألف على ضَرْبَيْنِ: لينَة ومتحركة فاللينة تسمى ألفا، والمتحركة تسمى همزَة
قَالَ بَعضهم: الْألف إِذا تحركت صَارَت همزَة، والهمزة إِذا سكنت ومدت صَارَت ألفا، وَلِهَذَا شبهوهما بالهواء وَالرِّيح وَقد نظمت فِيهِ:
(كألف يُرِيك الدَّهْر فِي أعين الورى ... وَلَو شَاءَ يبدى للعيون كهمزة)

(فكم من سُكُون مد بِالرِّيحِ كالهوا ... إِلَيْك فكم فِي الْغَيْب عون بنصرة)
وَذكر ابْن جني فِي " سر الصِّنَاعَة " أَن الْألف فِي الأَصْل اسْم الْهمزَة، واستعمالهم إِيَّاهَا فِي غَيرهَا توسع
وَاتفقَ العارفون بِعلم الْحُرُوف على أَن الْألف لَيست بِحرف تَامّ، بل هِيَ مَادَّة جَمِيع الْحُرُوف، فَإِن الْحَرْف التَّام هُوَ الَّذِي يتَعَيَّن لَهُ صُورَة فِي النُّطْق وَالْكِتَابَة مَعًا، وَالْألف لَيست كَذَلِك، فَإِن صورتهَا تظهر فِي الْخط لَا فِي النُّطْق، عكس الْهمزَة، فَإِن الْهمزَة تظهر صورتهَا فِي النُّطْق لَا فِي الْخط فمجموع الْهمزَة وَالْألف عِنْدهم حرف وَاحِد
وَالْألف إِن كَانَت حَاصِلَة من إشباع الحركات كَانَت مصوتة، وَإِلَّا فَهِيَ صامتة، سَوَاء كَانَت متحركة أَو سَاكِنة وَالْألف إِذا كَانَت صامتة تسمى همزَة
والمصوتة، هِيَ الَّتِي تسمى فِي النَّحْو حُرُوف الْمَدّ واللين، وَلَا يُمكن الِابْتِدَاء بهَا، والصامتة مَا عَداهَا والمصوتة لَا شكّ أَنَّهَا من الهيئات الْعَارِضَة للصوت، والصوامت فِيهَا مَا لَا يُمكن تمديده كالباء وَالتَّاء وَالدَّال والطاء، وَهِي لَا تُوجد إِلَّا فِي الْآن الَّذِي هُوَ آخر زمَان حبس النَّفس وَأول زمَان إرْسَاله، وَهِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْت كالنقطة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخط والآن بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان
وَهَذِه الْحُرُوف لَيست بِأَصْوَات وَلَا عوارض فِي أصوات، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُور تحدث فِي مبدإ حُدُوث الْأَصْوَات
وَإِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: لَا خلاف فِي أَن السَّاكِن إِذا كَانَ حرفا مصوتا لم يُمكن الِابْتِدَاء بِهِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الِابْتِدَاء بالساكن الصَّامِت، فقد منع إِمْكَان الِابْتِدَاء بِهِ قوم للتجرية، وَجوزهُ الْآخرُونَ
قَالَ الْعَلامَة الكافيجي: " وَالْحق هَهُنَا هُوَ التَّفْصِيل بِأَن يُقَال: إِن كَانَ السّكُون للساكن لَازِما لذاته فَيمْتَنع كالألف، وَإِلَّا فَيمكن؛ لكنه لم يَقع فِي كَلَامهم لِسَلَامَةِ لغتهم من كل لَكِن وبشاعة وَحقّ ألف الْوَصْل الدُّخُول فِي الْأَفْعَال نَحْو: (انْطلق) و (اقتدر) ؛ وَأما الْأَسْمَاء الَّتِي لَيست بِجَارِيَة على أفعالها فألف الْوَصْل غير دَاخِلَة عَلَيْهَا، إِنَّمَا دخلت على أَسمَاء قَليلَة، وجعلوها فِي الْأَسْمَاء الْعشْرَة عوضا عَن اللَّام المحذوفة حَتَّى احتاجوا فِي (امْرِئ) إِلَى حمله على (ابْن) بِجَامِع أَن لامه همزَة ويلحقها الْحَذف فَيُقَال (مر) و (بن) فَجعل همزَة الْوَصْل فِي (اسْم) عوضا عَن الصَّدْر دون الْعَجز، خلاف مَا عهد فِي كَلَامهم من نَظَائِره
وهمزة الْوَصْل مَا عدا الْأَسْمَاء الْعشْرَة: همزَة
(1/22)

الْمَاضِي، والمصدر، وَالْأَمر الخماسي والسداسي، وهمزة أَمر الْحَاضِر من الثلاثي، والهمزة الْمُتَّصِلَة بلام التَّعْرِيف
وتقلب همزَة الْوَصْل ألفا كَمَا يفعل بِالَّتِي مَعَ لَام التَّعْرِيف نَحْو: {آللَّهُ أذن لكم} وهمزة الْقطع: بَاب الإفعال، وهمزة الْجمع، وَنَفس الْمُتَكَلّم من كل بَاب، وهمزة الِاسْتِفْهَام
وَقطعت الْهمزَة فِي النداء ووصلت فِي غَيره لِأَن تَعْرِيف النداء أغْنى عَن تَعْرِيفهَا فجرت مجْرى الْهمزَة الْأَصْلِيَّة فَقطعت
وَفِي غير النداء: لما لم ينخلع عَنهُ معنى التَّعْرِيف رَأْسا وصلوا الْهمزَة
والهمزة فِي الصَّدْر: تكْتب على صُورَة الْألف فِي كل حَال
وَفِي الْوسط: إِذا كَانَت سَاكِنة تكْتب على وفْق حَرَكَة مَا قبلهَا ك (رَأس) و (لؤم) و (ذِئْب) وَإِذا كَانَت متحركة وَسكن مَا قبلهَا تكْتب على وفْق حَرَكَة نَفسهَا نَحْو: (يسْأَل) و (يلؤم) و (يسئم) وَكثر حذف الْمَفْتُوحَة بعد الْألف ك (ساءل) وَقل بعد سَاكن تنقل إِلَيْهِ حركتها ك (مسئلة) وَإِذا كَانَت متحركة بعد متحرك فَهِيَ كتخفيفها ف (مُؤَجل) بِالْوَاو، و (فِئَة) بِالْيَاءِ، وَالْبَاقِي بِحرف حركتها
وَفِي الأول الْمُتَّصِل بِهِ غَيره: لَا يكون كالوسط، فتكتب بِالْألف نَحْو: (بِأحد) و (لأحد) بِخِلَاف (لِئَلَّا) لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله أَو لكَرَاهَة صورته، وَبِخِلَاف (لَئِن) لكثرته
وَفِي الآخر: تكْتب بِحرف حَرَكَة مَا قبلهَا ك (قَرَأَ) و (قرئَ) و (ردؤ) فَإِن سكن مَا قبلهَا حذفت ك (خبء) و (ملْء)
وهمزة ألف التَّأْنِيث الممدودة: ألف فِي الأَصْل بِخِلَاف الْمَقْصُورَة
وَالْألف إِذا كَانَت لاما: وَجَهل أَصْلهَا حملت على الانقلاب عَن الْيَاء بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت عينا فَإِنَّهَا تحمل على الانقلاب عَن الْوَاو
وَألف التَّأْنِيث إِذا كَانَت رَابِعَة: تثبت فِي التكسير نَحْو (حُبْلَى) و (حبالى) و (سكرى) و (سكارى) ، وَلَيْسَت التَّاء كَذَلِك، بل قد تحذف فِي التكسير نَحْو (طَلْحَة وطلاح)
وَلما كَانَت الْألف مختلطة بِالِاسْمِ كَانَ لَهَا مزية على التَّاء فَصَارَت مشاركتها فِي التَّأْنِيث عِلّة، ومزيتها عَلَيْهَا عِلّة أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ تأنيثان، وَلذَلِك منعت الصّرْف وَحدهَا وَلم تمنع التَّاء إِلَّا مَعَ سَبَب آخر
وَألف التَّأْنِيث تبنى مَعَ الِاسْم وَتصير كبعض حُرُوفه ويتغير الِاسْم مَعهَا عَن هَيْئَة التَّذْكِير فزادت على التَّأْنِيث قُوَّة، لَكِن دُخُول تَاء التَّأْنِيث فِي الْكَلَام أَكثر من دُخُولهَا لِأَنَّهَا قد تدخل فِي الْأَفْعَال الْمَاضِيَة للتأنيث وَتدْخل الْمُذكر للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة نَحْو (عَلامَة) و (نسابة)
وتحذف الْألف من الْأَسْمَاء الأعجمية الْكَثِيرَة الِاسْتِعْمَال ك (إِبْرَاهِيم) و (إسرئيل) كَمَا يحذف أحد الواوين من (دَاوُد) لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَلَا تحذف الْألف مِمَّا لَا يكثر اسْتِعْمَاله ك (هاروت) و (ماروت)
وَمَا كَانَ على (فَاعل) ك (صَالح) يجوز إِثْبَات أَلفه وحذفها إِن كثر اسْتِعْمَاله، وَإِلَّا فَلَا يحذف
(1/23)

ك (سَالم)
وَمَا كثر اسْتِعْمَاله ودخله الْألف وَاللَّام يكْتب بِغَيْر الْألف، فَإِن حذفتهما أثبت الْألف تَقول: (قَالَ الْحَرْث) و (قَالَ حَارِث) وَلَا يحذف من (عمرَان) وَيجوز الْحَذف وَالْإِثْبَات فِي (عُثْمَان) و (مُعَاوِيَة) و (سُفْيَان) و (مَرْوَان)
وتكتب الْألف: فِي نفس الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر إِذا كَانَ واويا كَمَا فِي (نرجوا) ، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {أندعوا من دون الله}
وَكتب الْألف فِي (ذووا) وَاقع من الثِّقَات
وزيدت الْألف بعد الْوَاو آخر اسْم مَجْمُوع نَحْو: (بنوا إِسْرَائِيل) و (أولُوا الْأَلْبَاب) بِخِلَاف الْمُفْرد نَحْو: (لذُو علم) إِلَّا (الربوا) ، و {إِن امرؤا هلك} وَآخر فعل مُفْرد أَو جمع مَرْفُوع أَو مَنْصُوب إِلَّا (جاؤ) و (باؤ) {وعتوا عتوا} {وَالَّذين تبوؤ الدَّار} {فَإِن فاؤ} {عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم} فِي النِّسَاء و {سعو فِي آيَاتنَا} فِي سبأ، كَذَا فِي " الاتقان " وتكتب ألف (الصلواة) و (الزكواة) بِمَعْنى (نما) أَو (طهر) ، و (الربوا) غير مضافات بِالْوَاو على لُغَة من يفخم، وزيدت الْألف بعْدهَا تَشْبِيها لَهَا بواو الْجمع
وَيحْتَمل أَن يكون من هَذَا الْقَبِيل كتب الْألف بعد الْوَاو فِي الْأَفْعَال المضارعة المفردة، مَرْفُوعَة كَانَت أَو مَنْصُوبَة فِي كل الْقُرْآن
وَالْحق أَن مثل ذَلِك يكْتب فِي الْمُصحف بِالْوَاو اقْتِدَاء بنقله عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي غَيره بِالْألف، وَقد اتّفقت فِي خطّ الْمُصحف أَشْيَاء خَارِجَة عَن القياسات الَّتِي بني عَلَيْهَا علم الْخط والهجاء قَالَ ابْن درسْتوَيْه: " خطان لَا يقاسان، خطّ الْعرُوض وَخط الْقُرْآن "
وَتدْخل الْألف للْفرق بَين الضَّمِير الْمَرْفُوع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون} فتحذف إِذا أردْت: (كالوا لَهُم ووزنوا لَهُم) ، لِأَن الضَّمِير مَنْصُوب؛ وَإِذا أردْت: (كالوا) فِي أنفسهم و (وزنوا) فِي أنفسهم
أثبت الْألف مثل: (قَامُوا هم) و (قعدوا هم) لِأَن الضَّمِير مَرْفُوع
وزادوها فِي (مائَة) فرقا بَينه وَبَين (مِنْهُ) وألحقوا الْمثنى بهَا بِخِلَاف الْجمع
وَالْألف دَائِما حرف مد ولين، وَالْيَاء بعد الفتحة حرف لين، وَبعد الضمة والكسرة حرف مد ولين
وَإِذا نسبت الابْن: إِلَى لقب قد غلب على أَبِيه أَو صناعَة مَشْهُورَة قد عرف بهَا فَحِينَئِذٍ تحذف الْألف لِأَن ذَلِك يقوم مقَام اسْم الْأَب
وَيكْتب: (هَذِه هِنْد ابْنة فلَان) بِالْألف وَالْهَاء، وَإِذا أسقطت الْألف تكْتب: (هَذِه هِنْد بنت فلَان) بِالتَّاءِ
(1/24)

والحرف الَّذِي عِنْد عد الْحُرُوف قبل (الْيَاء) يرى ابْن جني أَن اسْمه (لَا) ؛ وَقَول المتعلمين: (لَام ألف) خطأ لسبقهما، وَلَيْسَ الْغَرَض بَيَان كَيْفيَّة تركيب الْحُرُوف، بل سرد أَسمَاء الْحُرُوف البسائط قَالَ بَعضهم: لما احتاجوا إِلَى بَيَان مسميات الْحُرُوف جعلوها أَوَائِل أسمائها، ك (ألف) و (بَاء) و (تَاء) إِلَى آخِره، وَلم يَأْتِ هَذَا الطَّرِيق فِي الْألف الهوائية لسكونها فأضافوا اللَّام لذَلِك، وَلما جعل الْألف مظهر اللَّام ناسب أَن يكون اللَّام مظْهرا لَهَا أَيْضا
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: " الْحُرُوف الَّتِي استعملتها الْعَرَب فِي كَلَامهم فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحركات والأصوات تِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا مرجعهن إِلَى ثَمَانِيَة وَعشْرين حرفا، وَأما الْحَرْف التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فحرف بِلَا صرف - أَي بِلَا تصريف - وَهِي الْألف الساكنة "
قَالَت الشَّافِعِيَّة: فَلَو جنى شخص على لِسَان أحد حَتَّى بَطل كَلَامه بِبَعْض الْحُرُوف توزع الدِّيَة على عدد الْحُرُوف
(فصل الْألف وَالْبَاء)

[أَبْلَج] : كل متضح أَبْلَج، وَهُوَ فِي الأَصْل خلاف الأقرن ثمَّ قَالُوا للرجل الطلق الْوَجْه ذِي الْكَرم وَالْمَعْرُوف أَبْلَج، وَإِن كَانَ أقرن ثمَّ استعير للواضح على الْإِطْلَاق، وَمِنْه: صباح أَبْلَج وابتلج الْفجْر وتبلج: إِذا أنار وأضاء والابليجاج: الوضوح
الْأَب: هُوَ إِنْسَان تولد من نطفته إِنْسَان آخر
وَلَا بُد من أَن يذكر الابْن فِي تَعْرِيف الْأَب فالأب من حَيْثُ هُوَ الْأَب لَا يُمكن تصَوره بِدُونِ تصور الابْن كَمَا يُقَال (الْعَمى عدم الْبَصَر عَمَّا من شَأْنه أَن يبصر) فَلَا بُد من ذكر الْبَصَر فِي تَعْرِيف الْعَمى مَعَ أَنه خَارج عَن ماهيته، كَمَا أَن الابْن خَارج عَن مَاهِيَّة الْأَب
وَقد يُرَاد بِالْأَبِ مَا يتَنَاوَل الْأُم، إِذْ كل من نطفتي الْأَب وَالأُم تدخل فِي التولد
وَكَذَلِكَ قد يُرَاد بالابن مَا يتَنَاوَل الْبِنْت عِنْد تَعْرِيفه بحيوان تولد من نُطْفَة شخص آخر من نَوعه من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك
وكل من كَانَ سَببا لإيجاد شَيْء أَو إِصْلَاحه أَو ظُهُوره فَهُوَ أَب لَهُ وأرباب الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة كَانُوا يطلقون الْأَب على الله تَعَالَى، بِاعْتِبَار أَنه السَّبَب الأول، حَتَّى قَالُوا، " الْأَب هُوَ الرب الْأَصْغَر وَالله هُوَ الرب الْأَكْبَر " ثمَّ ظنت الجهلة مِنْهُم أَن المُرَاد بِهِ معنى الْولادَة فاعتقدوا ذَلِك تقليدا، وَلذَا كفر قَائِله وَمنع مِنْهُ مُطلقًا حسما لمادة الْفساد
وَلَا يُرَاد بِالْأَبِ المربي أَو الْعم من غير قرينَة، وَلم يرد فِي الْقُرْآن وَلَا فِي السّنة مُفردا، وَإِنَّمَا ورد فِي ضمن الْجمع بطرِيق التغليب بِالْقَرِينَةِ الْوَاضِحَة
قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن بني يَعْقُوب: {نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق} وَكَانَ إِسْمَاعِيل عَم يَعْقُوب
(1/25)

وَالْعرب تجْعَل الْعم أَبَا وَالْخَالَة أما، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش} يَعْنِي أَبَاهُ وخالته وَكَانَت أمه قد مَاتَت
وَقَالَ أَيْضا حِكَايَة عَن يُوسُف: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب} وَكَانَ إِسْحَق جده وَإِبْرَاهِيم جد أَبِيه
وَالْمرَاد من قَوْله تَعَالَى: {كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة} آدم وحواء
وَورد أَيْضا: الْخَال أحد الْأَبَوَيْنِ
إِلَّا أَنه تَسْمِيَة الْجد أَبَا بِمَعْنى التفرع مِنْهُ بِخِلَاف الْعم وَالْخَال، فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا سميا أَبَا للازم آخر من لوازمه وَهِي التربية وَالْقِيَام بمصالح الْمَرْء؛ وَهَذَا الْمجَاز مَشْهُور فِي الشَّرَائِع السالفة على مَا رُوِيَ فِي الْإِنْجِيل أَن عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: " أَنطلق إِلَى أبي وأبيكم " وَأَرَادَ الرب سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ الْقَائِم بمصالح الْعباد وإتمام أُمُورهم
وَالِابْن: أَصله (بني) بِالْيَاءِ لما قيل أَن مَعْنَاهُ أَنه يبْنى على مَا بني أَبوهُ
والبنوة: لَا تدل على كَونه بِالْوَاو، كالفتوة، والفتى، شبه الْأَب بالأس وَالِابْن بِمَا يبْنى عَلَيْهِ
{ونادى نوح ابْنه} أَي ابْن امْرَأَته بلغَة طَيئ وَقد قرئَ ابْنهَا
ويستعار الابْن فِي كل شَيْء صَغِير فَيَقُول الشَّيْخ للشاب الْأَجْنَبِيّ: (يَا ابْني) ويسمي الْملك رَعيته بالأبناء، والأنبياء فِي بني إِسْرَائِيل كَانُوا يسمون أممهم أَبْنَاءَهُم والحكماء وَالْعُلَمَاء يسمون المتعلمين مِنْهُم أَبْنَاءَهُم
وَقد يكنى بالابن فِي بعض الْأَشْيَاء لِمَعْنى الصاحب كَقَوْلِهِم (ابْن عرس) و (ابْن مَاء) و (بنت وردان) و (بَنَات نعش) على الِاسْتِعَارَة والتشبيه
وَيُقَال أَيْضا لكل مَا يحصل من جِهَة شَيْء أَو تَرْبِيَته أَو كَثْرَة خدمته أَو قِيَامه بأَمْره أَو توجهه إِلَيْهِ أَو إِقَامَته عَلَيْهِ هُوَ ابْنه كَمَا يُقَال: (أَبنَاء الْعلم) و (أَبنَاء السَّبِيل) و (من أَبنَاء الدُّنْيَا) وَمن هُنَا سمي عِيسَى النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - ابْنا، وَذَلِكَ لتوجهه فِي أَكثر أَحْوَاله شطر الْحق واستغراق أغلب أوقاته فِي جَانب الْقُدس
قَالَ الإِمَام الْعَلامَة مُحَمَّد بن سعيد الشهير بالبوصيري - نور الله مرقده وَفِي أَعلَى غرف الْجنان أرقده -: " إِن بعض النَّصَارَى انتصر لدينِهِ وانتزع من الْبَسْمَلَة الشَّرِيفَة دَلِيلا على تَقْوِيَة اعْتِقَاده فِي الْمَسِيح وَصِحَّة يقينه بِهِ فَقلب حروفها، ونكر معروفها، وَفرق مألوفها وَقدم فِيهَا وَأخر وفكر وَقدر، ثمَّ عبس وَبسر، ثمَّ أدبر واستكبر فَقَالَ: قد انتظم من الْبَسْمَلَة: الْمَسِيح ابْن الله الْمُحَرر
فَقلت لَهُ: فيحث رضيت الْبَسْمَلَة بَيْننَا وَبَيْنك حكما وجوزت مِنْهَا أحكاما وَحكما، فلتنصرن الْبَسْمَلَة الأخيار منا على الأشرار، ولتفضلن أَصْحَاب الْجنَّة على أَصْحَاب النَّار قَالَت لَك
(1/26)

الْبَسْمَلَة بِلِسَان حَالهَا: إِنَّمَا الله رب للمسيح رَاحِم النَّحْر لأمم لَهَا الْمَسِيح رب مَا برح الله رَاحِم الْمُسلمين سل ابْن مَرْيَم أحل لَهُ الْحَرَام لَا الْمَسِيح ابْن الله مُحَرر لَا مرحم للئام أَبنَاء السَّحَرَة رحم حر مُسلم أناب إِلَى الله لله نَبِي مُسلم حرم الراح الْحلم ربح رَأس مَاله الْإِيمَان
فَإِن قلت: إِنَّه رَسُول، صدقتك وَقَالَت: إيل أرسل الرَّحْمَة من بِلَحْم وإيل: من أَسمَاء الله بِلِسَان كتبهمْ وترجمة (بِلَحْم) : بَيت اللَّحْم الَّذِي ولد فِيهِ الْمَسِيح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يدل على إبِْطَال مَذْهَب النَّصَارَى
ثمَّ انْظُر إِلَى الْبَسْمَلَة قد تخبر أَن من وَرَاء حولهَا خيولا وليوثا وَمن دون طلها سيولا وغيوثا وَلَا تحسبني استحسنت كلمتك الْبَارِدَة فَنسجَتْ على منوالها، وقابلت الْوَاحِدَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا بل أَتَيْتُك بِمَا يبغتك فيبهتك، ويسمعك مَا يصمك عَن الْإِجَابَة ويصمتك، فتعلم بِهِ أَنه هَذِه الْبَسْمَلَة مُسْتَقر لسَائِر الْعُلُوم والفنون، ومستودع لجوهر سرها الْمكنون أَلا ترى أَن الْبَسْمَلَة إِذا حصلت جملها كَانَ عَددهَا سَبْعمِائة وَسِتَّة وَثَمَانِينَ، فَوَافَقَ جملها مثل عِيسَى كآدم لَيْسَ لله من شريك، بِحِسَاب الْألف الَّتِي بعد لامي الْجَلالَة {وَلَا أشرك بربي أحدا} {يهدي الله لنوره من يَشَاء} بِإِسْقَاط ألف الْجَلالَة فقد أجابتك الْبَسْمَلَة بِمَا لم تحط بِهِ خَبرا، وجاءتك بِمَا لم تستطع عَلَيْهِ صبرا " انْتهى مُلَخصا
ثمَّ اعْلَم أَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للِابْن: هُوَ الصلبي، كَذَا للْوَلَد مُنْفَردا وجمعا، لَكِن فِي الْعرف اسْم الْوَلَد حَقِيقَة فِي ولد الصلب وَاسْتِعْمَال الابْن وَالْولد فِي ابْن الابْن مجَاز، وَلِهَذَا صَحَّ أَن يُقَال: (إِنَّه لَيْسَ وَلَدي بل ولد ابْني) و (لَيْسَ ابْني بل ابْن ابْني) فَلَا بُد من قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِذا استعملا فِي ابْن الابْن أَو فِي معنى شَامِل لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا بني آدم} فَإِن عدم كَون أحد من ولد آدم من صلبه مَوْجُودا عِنْد وُرُود الْخطاب قرينَة صارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، فَيكون المُرَاد أَبنَاء الْأَبْنَاء فَقَط، لَا معنى شَامِلًا للِابْن الصلبي وَابْن الابْن، وَهَذَا لَا يدل على صِحَة اسْتِعْمَال لفظ الْوَلَد فِي الْمَعْنى الشَّامِل للأولاد الصلبية وَأَوْلَاد الْأَبْنَاء وَالْحق أَن إِطْلَاق الابْن على ابْن الابْن لَا يسْتَلْزم إِطْلَاق الْوَلَد على ابْن الابْن قطعا، فَإِن حكم لفظ الابْن مُغَاير لحكم لفظ الْوَلَد فِي أَكثر الْمَوَاضِع
وَتَنَاول لفظ الابْن لِابْنِ الابْن إِنَّمَا يدل على تنَاول الْوَلَد لِابْنِ الابْن أَن لَو كَانَ لفظ الْوَلَد مرادفا للفظ الابْن أَو كَانَ الابْن أخص مُطلقًا من الْوَلَد، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوع، لِأَن الْأَوْلَاد تطلق عرفا على أَوْلَاد الْأَبْنَاء، بِخِلَاف الْأَبْنَاء فَإِنَّهَا تطلق عَلَيْهَا بِدَلِيل دُخُول الحفدة فِي الْمُسْتَأْمن على أبنائه، فبينهما عُمُوم وخصوص وَجْهي فَلَا يلْزم من تنَاول لفظ الابْن لَهُ تنَاول لفظ الْوَلَد لَهُ أَيْضا
وَلَا يُطلق الابْن إِلَّا على الذّكر بِخِلَاف الْوَلَد
والبنون: جمع (ابْن) خَالف تَصْحِيح جمعه تثنيته لعِلَّة تصريفية أدَّت إِلَى حذف الْهمزَة، وَيَقَع على الذُّكُور وَالْإِنَاث كأبناء إِذا اجْتَمعُوا، وَقَوله تَعَالَى: {يذبحون أبناءكم} المُرَاد الذُّكُور خَاصَّة
(1/27)

الْأَب: بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد: مَا رعته الْأَنْعَام، وَيُقَال: الْأَب للبهائم كالفاكهة للنَّاس، أَو هُوَ فَاكِهَة يابسة تؤوب للشتاء: أَي تهَيَّأ لَهُ
وَأب للسير: تهَيَّأ رُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ لما سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى: {وَفَاكِهَة وَأَبا} قَالَ: " أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِن أَنا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم "
وَأب أبه: قصد قَصده
وإبان الشَّيْء: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، حِينه وأوله
يُقَال: (كل الْفَاكِهَة فِي إبانها)
وإبانئذ: بِمَعْنى حِينَئِذٍ
والأباب: بِالضَّمِّ، مُعظم السَّيْل والموج
الإباء: هُوَ امْتنَاع بِاخْتِيَار وأبى الشَّيْء: لم يرضه، و [أَبى] عَلَيْهِ: امْتنع، وَهُوَ غير الاستكبار
وكل إباء: امْتنَاع بِلَا عكس، فَإِن الإباء شدَّة الِامْتِنَاع وإباء الشكيمة: مثل فِيهِ؛ وَيُقَال: أَبى على فلَان وتأبى عَلَيْهِ: إِذا امْتنع
والاستنكاف: تكبر فِي تَركه أَنَفَة، وَلَيْسَ فِي الاستكبار ذَلِك، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل الاستكبار حَيْثُ لَا استخفاف، بِخِلَاف التكبر فَإِنَّهُ قد يكون باستخفاف
والتكبر: هُوَ أَن يرى الْمَرْء نَفسه أكبر من غَيره، والاستكبار: طلب ذَلِك بالتشبع وَهُوَ التزين بِأَكْثَرَ مَا عِنْده
والصفح: أَصله أَن تنحرف عَن الشَّيْء فتوليه صفحة وَجهك أَي ناحيته
كَذَلِك الْإِعْرَاض: وَهُوَ أَن تولي الشَّيْء عرضك أَي جَانِبك وَلَا تقبل عَلَيْهِ
والتولي: الاعراض مُطلقًا وَلَا يلْزمه الادبار، فَإِن تولي الرَّسُول عَن ابْن أم مَكْتُوم لم يكن بالإدبار
والتولي بالإدبار قد يكون على حَقِيقَته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بعد أَن توَلّوا} وَقد يكون كِنَايَة عَن الانهزام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ وليتم مُدبرين}
والتولي: قد يكون لحَاجَة تَدْعُو إِلَى الِانْصِرَاف مَعَ ثُبُوت العقد
والإعراض: الِانْصِرَاف عَن الشَّيْء بِالْقَلْبِ قَالَ بَعضهم: " المعرض وَالْمُتوَلِّيّ يَشْتَرِكَانِ فِي ترك السلوك، إِلَّا أَن المعرض أَسْوَأ حَالا، لِأَن الْمُتَوَلِي مَتى نَدم سهل عَلَيْهِ الرُّجُوع والمعرض يحْتَاج إِلَى طلب جَدِيد، وَغَايَة الذَّم الْجمع بَينهمَا "
والتولي إِذا وصل بإلى: يكون بِمَعْنى الإقبال عَلَيْهِ: {ثمَّ تولى إِلَى الظل} وَإِذا وصل بعن لفظا أَو تَقْديرا اقْتضى معنى الاعراض وَترك الْقرب وَعَلِيهِ {فَإِن توَلّوا فَإِن الله عليم بالمفسدين}
والصد: هُوَ الْعُدُول عَن الشَّيْء عَن قلى يسْتَعْمل لَازِما بِمَعْنى الِانْصِرَاف والامتناع {يصدون عَنْك} {الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله} ، ومتعديا بِمَعْنى الصّرْف وَالْمَنْع الَّذِي
(1/28)

يطاوعه الِانْصِرَاف والامتناع {وَلَا يصدنك عَن آيَات الله} {هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام}
وَنَظِير صد: صدف: حَيْثُ يسْتَعْمل لَازِما بِمَعْنى أعرض، ومتعديا بِمَعْنى صدف غَيره، {فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا} وَالْآيَة مُحْتَملَة لَهَا كآية {فَمنهمْ من آمن بِهِ وَمِنْهُم من صد عَنهُ}
الإبداع: لُغَة، عبارَة عَن عدم النظير وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ إِخْرَاج مَا فِي الْإِمْكَان والعدم إِلَى الْوُجُوب والوجود
قيل: هُوَ أَعم من الْخلق، بِدَلِيل {بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض} و {خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} وَلم يقل بديع الانسان
وَقيل: الإبداع إِيجَاد الأيس عَن الليس والوجود عَن كتم الْعَدَم
والإيجاد والاختراع: إفَاضَة الصُّور على الْموَاد الْقَابِلَة، وَمِنْه جعل الْمَوْجُود الذهْنِي خَارِجا
وَقَالَ بَعضهم: الإبداع: إِيجَاد شَيْء غير مَسْبُوق بمادة وَلَا زمَان كالعقول، فيقابل التكوين لكَونه مَسْبُوقا بالمادة، والإحداث لكَونه مَسْبُوقا بِالزَّمَانِ
والإبداع يُنَاسب الْحِكْمَة
والاختراع يُنَاسب الْقُدْرَة
والإنشاء: إِخْرَاج مَا فِي الشَّيْء بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْل، وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الْحَيَوَان
قَالَ الله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأكم}
{ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر}
وَالْفطر: يشبه أَن يكون مَعْنَاهُ الإحداث دفْعَة كالإبداع
فِي " الْجَوْهَرِي " الْفطر: الشق، يُقَال: فطرته فانفطر، فالفطر الِابْتِدَاء والاختراع
والبرء: هُوَ إِحْدَاث الشَّيْء على الْوَجْه الْمُوَافق للْمصْلحَة
وَقَالَ بَعضهم: الإبداع، والاختراع، والصنع، والخلق، والإيجاد، والإحداث وَالْفِعْل، والتكوين، والجعل: أَلْفَاظ مُتَقَارِبَة الْمعَانِي
أما الإبداع: فَهُوَ اختراع الشَّيْء دفْعَة
والاختراع: إِحْدَاث الشَّيْء لَا عَن شَيْء
والصنع: إِيجَاد الصُّورَة فِي الْمَادَّة
والخلق: تَقْدِير وإيجاد، وَقد يُقَال للتقدير من غير إِيجَاد
والإيجاد: إِعْطَاء الْوُجُود مُطلقًا
والإحداث: إِيجَاد الشَّيْء بعد الْعَدَم
وَالْفِعْل: أَعم من سَائِر اخواته
والتكوين: مَا يكون بتغيير وتدريج غَالِبا
والجعل: إِذا تعدى إِلَى المفعولين يكون بِمَعْنى
(1/29)

التصيير، وَإِذا تعدى إِلَى مفعول وَاحِد يكون بِمَعْنى الْخلق والإيجاد، وَلَا فرق على عرف أهل الْحِكْمَة بَين الْجعل الإبداعي والجعل الاختراعي فِي اقتضائه المجعول وَهُوَ الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ والمجعول إِلَيْهِ وَهُوَ الْوُجُود، وَإِن كَانَ بَينهمَا فرق، من حَيْثُ إِن الأول إِيجَاد الأيس عَن مُطلق الليس، أَي أَعم من أَن يكون مُقَيّدا بِمَا ذكر أَو غير مُقَيّد بِهِ
وَاعْلَم أَن الْحَقَائِق من حَيْثُ معلوميتها وعدميتها، وَتعين صورها فِي الْعلم الإلهي الذاتي الأزلي يَسْتَحِيل أَن تكون مجعولة لكَونه قادحا فِي صرافة وحدة ذَاته تَعَالَى أزلا، غير أَن فِيهِ تحصيلا للحاصل، فالتأثير إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي اتصافها بالوجود، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْكَشْف وَالنَّظَر
والإبداع: من محسنات البديع، هُوَ أَن يشْتَمل الْكَلَام على عدَّة ضروب من البديع، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَرض ابلعي ماءك} إِلَى آخِره، فَإِنَّهَا تشْتَمل على عشْرين ضربا من البديع، وَهِي سبع عشرَة لَفْظَة، كَذَا فِي " الإتقان "
الِابْتِدَاء: هُوَ اهتمامك بِالِاسْمِ وجعلك إِيَّاه أَولا لثان يكون خَبرا عَنهُ، والأولية: معنى قَائِم بِهِ يكسبه قُوَّة إِذا كَانَ غَيره مُتَعَلقا بِهِ، وَكَانَت رتبته مُتَقَدّمَة على غَيره
والبدء: من بَدَأَ الشَّيْء، أنشأه واخترعه قَالَ الله تَعَالَى: {أولم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق} ثمَّ قَالَ: {كَيفَ بَدَأَ الْخلق} هَذَا فِيمَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ
وبدأت بالشَّيْء، وبدأته، وابتدأت بِهِ وابتدأته: بِمَعْنى قَدمته على غَيره وَجَعَلته أَو الْأَشْيَاء، وَمِنْه (بدأت الْبَسْمَلَة) ، وَقَول الخطباء: " إِن الله أَمركُم بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ " إِلَّا أَن فِي الِابْتِدَاء زِيَادَة كلفة كَمَا فِي مثل: (حملت) ، و (احتملت)
وَإِذا شرعت فِي قِرَاءَة الْكتاب مثلا وَقلت: (بدأت الْكتاب، وابتدأت بِالْكتاب) فَلَا اسْتِحَالَة فِي أَن يكون مَعْنَاهُ: أنشأت قِرَاءَته وأحدثته، لَكِن الظَّاهِر الْمَعْقُول أَن هَذَا البدء والابتداء يستعملان فِيمَا لَهُ أَجزَاء أَو جزئيات، وَيكون حُدُوثه على التدريج كالقراءة وَالْكِتَابَة، فالبدء إضافي بِالْإِضَافَة إِلَى سَائِر أَجْزَائِهِ أَو جزئياته
والابتداء: أَمر عَقْلِي وَمَفْهُوم كلي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج إِلَّا فِي ضمن الْأَفْرَاد كَسَائِر الْأُمُور الْكُلية، وَلَا أَفْرَاد لَهُ فِي الْخَارِج حَقِيقَة، كالإنسان مثلا، وَإِنَّمَا أَفْرَاده حصص الْجِنْس الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَزْمِنَة والأمكنة، وَهَكَذَا مفهومات المصادر كلهَا، فَإِنَّهَا لكَونهَا أمورا اعتبارية نسبية لَا وجود لَهَا إِلَّا فِي ضمن النّسَب الْمعينَة، والإضافات الخارجية فالابتداء الْحَقِيقِيّ: هُوَ الَّذِي لم يتقدمه شَيْء أصلا؛ والإضافي: هُوَ الَّذِي لم يتقدمه شَيْء من الْمَقْصُود بِالذَّاتِ، والعرفي: هُوَ الِابْتِدَاء الممتد من زمن الِابْتِدَاء إِلَى زمن الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود، حَتَّى يكون كل مَا يصدر فِي ذَلِك الزَّمَان يعد مُبْتَدأ بِهِ
قَالَ بَعضهم: الإضافي: يعْتَبر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعده شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ
(1/30)

بِخِلَاف الْعرفِيّ: فَإِنَّهُ يعْتَبر شَيْئا وَاحِدًا ممتدا إِلَى الْمَقْصُود
والابتداء بِالِاسْمِ الشريف أَعم من أَن يكون بِالذَّاتِ أَو بالواسطة، وَمَا ورد فِي حَدِيثي الِابْتِدَاء فَفِي صِحَّته مقَال، وَلِهَذَا لم يكْتب فِي " البُخَارِيّ " إِلَّا الْبَسْمَلَة، وَإِن صَحَّ فصورة التَّعَارُض فِي صُورَة ضم الدَّال فِي (الْحَمد) على الْحِكَايَة وَزِيَادَة الْبَاء على بَاء الْبَسْمَلَة وَالدَّفْع إِمَّا بِأَن يحمل الِابْتِدَاء على الشَّامِل للحقيقي كَمَا فِي الْبَسْمَلَة، وللإضافي كَمَا فِي الحمدلة، أَو على الْمُتَعَارف بَين الممتثلين للْحَدِيث فالتنزيل الْجَلِيل مبدؤه عرفا الْفَاتِحَة بكمالها كَمَا يشْعر بِهِ التَّسْمِيَة بهَا، والكتب الْمُدَوَّنَة مبدؤها الْخطْبَة الَّتِي تَضَمَّنت الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد وَالصَّلَاة، أَو تجْعَل الْبَاء فيهمَا للاستعانة؛ وَيجوز الِاسْتِعَانَة بأَشْيَاء مُتعَدِّدَة كَيْفَمَا اتّفقت بِلَا تَرْتِيب لَازم بهَا، أَو للملابسة وَالشَّرْع يعْتَبر المتلبس فِي الأول متلبسا من الأول إِلَى الآخر، كالمتلبس بالبسملة فِي أول الْأكل أَو بِالنِّيَّةِ فِي أول كل عبَادَة، أَو بِأَن يكون أَحدهمَا بالجنان أَو بِاللِّسَانِ أَو بِالْكِتَابَةِ، وَالْآخر بِالْآخرِ مِنْهُمَا أَو كِلَاهُمَا بالجنان مَعًا، لجَوَاز إِحْضَار الشَّيْئَيْنِ بالبال إِذا كَانَ لَهُ حُضُور وَتوجه تَامّ، أَو المُرَاد مِنْهُمَا ذكره تَعَالَى سَوَاء وجد فِي ضمن الْبَسْمَلَة أَو الحمدلة، وَقد صَحَّ رِوَايَة بِذكر الله؛ وَقد تقرر فِي الْأُصُول أَن الْحكمَيْنِ إِذا تَعَارضا وَلم يعلم سبق حمل على التَّخْيِير، فِي " الْقُهسْتَانِيّ " قد ورد أَيْضا: " كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء، وكل كَلَام لَا يبتدأ فِيهِ بِالصَّلَاةِ عَليّ فَهُوَ ممحوق مِنْهُ كل بركَة "
وَلما كَانَ الِابْتِدَاء آخِذا فِي التحريك لم يكن المبدوء بِهِ إِلَّا متحركا، وَلما كَانَ الِانْتِهَاء آخِذا فِي السّكُون لم يكن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِلَّا سَاكِنا كل ذَلِك للمناسبة
الابدال: هُوَ رفع الشَّيْء وَوضع غَيره مَكَانَهُ والتبديل: قد يكون عبارَة عَن تَغْيِير الشَّيْء مَعَ بَقَاء عينه، يُقَال: (بدلت الْحلقَة خَاتمًا) : إِذا أدرتهما وسويتها وَمِنْه: {يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات} {وَيَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض}
وَقد يكون عبارَة عَن إفناء الذَّات الأولى واحداث ذَات أُخْرَى، كَمَا تَقول: (بدلت الدَّرَاهِم دَنَانِير) وَمِنْه: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا}
والتبديل: يتَعَدَّى إِلَى المفعولين بِنَفسِهِ مثل: {فأردنا أَن يبدلهما ربهما خيرا} وَإِلَى المذهوب بِهِ الْمُبدل مِنْهُ بِالْبَاء أَو بِمن مثل: (بدله بخوفه أَو من خَوفه أمنا) وَمِنْه: {بَدَّلْنَاهُمْ بجنتيهم جنتين}
وَيَتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، تَقول: (بدلت الشَّيْء) إِذا غيرته، وَمِنْه: {فَمن بدله بعد مَا سَمعه}
والإبدال والتبدل: إِذا استعملا بِالْبَاء نَحْو (أبدل الْخَبيث بالطيب) و (تبدل بِهِ) فَلَا تدخل الْبَاء حِينَئِذٍ إِلَّا على الْمَتْرُوك والتبديل: مثلهمَا
والإبدال: يكون من حُرُوف الْعلَّة وَغَيرهَا، وَالْقلب لَا يكون من حُرُوف الْعلَّة
والإبدال فِي البديع: إِقَامَة بعض الْحُرُوف مقَام
(1/31)

الْبَعْض وَجعل مِنْهُ ابْن فَارس {فانفلق} أَي الْبَحْر: أَي انفرق بِدَلِيل {كل فرق}
الْأَبَد: الدَّهْر، والدائم، وَالْقَدِيم، والأزلي
والأبد والأمد: متقاربان لَكِن الْأَبَد عبارَة عَن مُدَّة الزَّمَان ألتي لَيْسَ لَهَا حد مَحْدُود، وَلَا يتَقَيَّد فَلَا يُقَال: (أَبَد كَذَا)
والأمد: مُدَّة لَهَا حد مَجْهُول إِذا أطلق، وَقد ينْحَصر فَيُقَال: (أمد كَذَا) كَمَا يُقَال: (زمَان كَذَا)
وأبدا (مُنْكرا) يكون للتَّأْكِيد فِي الزَّمَان الْآتِي نفيا وإثباتا لَا لدوامه واستمراره فَصَارَ ك (قطّ) و (الْبَتَّةَ) فِي تَأْكِيد الزَّمَان الْمَاضِي يُقَال: (مَا فعلت كَذَا قطّ والبتة) و (لَا أَفعلهُ أبدا)
و [الْأَبَد] الْمُعَرّف: للاستغراق، لِأَن اللَّام للتعريف وَهُوَ إِذا لم يكن معهودا يكون للاستغراق قيل: الْأَبَد: لَا يثنى وَلَا يجمع، والآباد مولد، وأبد الآبدين: مَعْنَاهُ دهر الداهرين، وعصر البَاقِينَ، أَي يبقي مَا بَقِي دهر وداهر
وَآخر الْأَبَد: كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي التَّأْبِيد؛ وَالْمعْنَى: الْأَبَد الَّذِي هُوَ آخر الْأَوْقَات
الْإِبَاحَة: أبحتك الشَّيْء: أحللته
وأبحته: أظهرته، والمباح مِنْهُ وَالْإِبَاحَة شرعا: ضد الْحُرْمَة، فِي " النِّهَايَة " ضد الْكَرَاهَة
وَفِي " الْمُضْمرَات " أَن الْحل يتَضَمَّن الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ فَوْقهَا، وكل مُبَاح جَائِز، دون الْعَكْس، لِأَن الْجَوَاز ضد الْحُرْمَة وَالْإِبَاحَة ضد الْكَرَاهَة، فَإِذا انْتَفَى الْحل ثَبت ضِدّه، وَهُوَ الْحُرْمَة فتنتفي الْإِبَاحَة أَيْضا فَثَبت ضدها وَهُوَ الْكَرَاهَة، وَلَا يَنْتَفِي الْجَوَاز لجَوَاز اجْتِمَاع الْجَوَاز مَعَ الْكَرَاهَة، كَمَا فِي نِكَاح الْأمة الْمسلمَة عِنْد الْقُدْرَة على مهر الْحرَّة ونفقتها، وَكَذَا نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة، وَإِن لم يجز كلا النكاحين عِنْد الشَّافِعِي بِنَاء على مَفْهُوم الْوَصْف وَالشّرط اللَّذين ليسَا بِحجَّة عندنَا وَحكم الْمُبَاح عدم الثَّوَاب وَالْعِقَاب فعلا وتركا، بل عدم الْعقَاب
وَالْإِبَاحَة: ترديد الْأَمر بَين شَيْئَيْنِ يجوز الْجمع بَينهمَا وَإِذا أُتِي بِوَاحِد مِنْهُمَا كَانَ امتثالا لِلْأَمْرِ
كَقَوْلِك: (جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين) فَلَا يكون إِلَّا بَين مباحين فِي الأَصْل، وَهِي تدفع توهم الْحُرْمَة، كَمَا أَن التَّسْوِيَة تدفع توهم الرجحان
وَأما التَّخْيِير: فَهُوَ ترديد الْأَمر بَين شَيْئَيْنِ وَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، كَقَوْلِك: (تزوج زَيْنَب أَو أُخْتهَا) فَلَا يكون إِلَّا بَين ممنوعين فِي الأَصْل، وَمن ثمَّة يجوز بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ
وَالْإِبَاحَة والتخيير: قد يضافان إِلَى صِيغَة الْأَمر، وَقد يضافان إِلَى كلمة " أَو " وَالتَّحْقِيق أَن كلمة " أَو " لأحد الْأَمريْنِ أَو الْأُمُور، وَأَن جَوَاز الْجمع وامتناعه إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَحل الْكَلَام وَدلَالَة الْقَرَائِن، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْإِبَاحَةِ الْإِبَاحَة الشَّرْعِيَّة، لِأَن الْكَلَام فِي معنى كلمة أَو بِحَسب اللُّغَة قبل ظُهُور الشَّرْع، بل المُرَاد الْإِبَاحَة بِحَسب الْعقل أَو بِحَسب الْعرف فِي أَي وَقت كَانَ؛ وَعند أَي قوم كَانُوا
الْإِبَاق: من أبق العَبْد كسمع، وَضرب، وَطلب، وَمنع: وَهُوَ هرب العَبْد من السَّيِّد خَاصَّة، وَلَا يُقَال للْعَبد آبق إِلَّا إِذا استخفى وَذهب من غير خوف وَلَا كد عمل؛ وَإِلَّا فَهُوَ هارب
(1/32)

والفرار من محلّة إِلَى محلّة أَو من قَرْيَة إِلَى بلد لَيْسَ بإباق شرعا، وَإِنَّمَا الْإِبَاق من بلد إِلَى خَارج، وَلَا يشْتَرط مسيرَة السّفر
الْإِبْهَام: أبهم الْأَمر: اشْتبهَ، وَأبْهم الْبَاب: أغلقه
وَهُوَ فِي الْيَد والقدم: أكبر الْأَصَابِع والأسماء المبهمة عِنْد النَّحْوِيين أَسمَاء الإشارات
والإبهام البديعي: هُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بِكَلَام مُبْهَم يحْتَمل مَعْنيين متضادين لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر، وسمى السكاكي وَمن تبعه هَذَا النَّوْع بالتورية، كَقَوْلِه فِي خياط أَعور اسْمه عَمْرو:
(خاط لي عَمْرو قبَاء ... لَيْت عَيْنَيْهِ سَوَاء)
وَمِنْه قَوْله:
(تَفَرَّقت غنمي يَوْمًا فَقلت لَهَا ... يَا رب سلط عَلَيْهَا الذِّئْب والضبعا)
الإباتة: من البيتوتة، يُقَال: (أباتك الله بِخَير)
والإبتات: قطع الْعَمَل، وَالْحكم، والعزم
الْإِبِل: فِي الْقَامُوس وَاحِد يَقع على الْجمع لَيْسَ بِجمع وَلَا اسْم جمع، وَقيل: اسْم جمع لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، مُؤَنّثَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين فالتأنيث لَهَا لَازم، وَيَجِيء بِمَعْنى اسْم الْجِنْس كالطير؛ دلّ على ذَلِك: {وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ}
والإبالة: ككتابة، السياسة
والأبلة: كالقرحة، الطّلبَة وَالْحَاجة
والإبلة: بِالْكَسْرِ، الْعَدَاوَة، وبالضم، العاهة
الإبلاغ: الإيصال، وَكَذَا التَّبْلِيغ إِلَّا أَن التَّبْلِيغ يُلَاحظ فِيهِ الْكَثْرَة فِي الْمبلغ، وَفِي أصل الْفِعْل أَيْضا على مَا يظْهر من قَوْله تَعَالَى: {وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين} وَمن قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك}
الإبرام: الإملال من " أبرمه " إِذا أمله وأضجره وأبرم الشَّيْء: أحكمه
الابتهال: الِاجْتِهَاد فِي الدُّعَاء وإخلاصه، قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ نبتهل} أَي نخلص فِي الدُّعَاء
الإبار: اسْم من (أبر نخله) إِذا لقحه وَأَصْلحهُ؛ وَمِنْه: سكَّة مأبورة
الْإِبْرَاء: هبة الدّين لمن عَلَيْهِ الدّين، وكما يسْتَعْمل فِي الْإِسْقَاط يسْتَعْمل فِي الِاسْتِيفَاء يُقَال: أَبرَأَهُ بَرَاءَة قبض وَاسْتِيفَاء، وَلِهَذَا يكْتب فِي الصكوك: وأبرأه عَن الثّمن قبض وَاسْتِيفَاء
وَالْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يجوز، وَعَن دَعْوَاهَا يجوز، فَلَو ادّعى دَارا فَصَالح عَن قِطْعَة مِنْهَا لم يَصح، وَكَذَا لَو أخرج أحد الْوَرَثَة عَن النَّقْد بِأَقَلّ من حِصَّته؛ وَأما لَو قَالَ: (بَرِئت من دعواي فِي هَذِه الدَّار) بِإِضَافَة الْبَرَاءَة إِلَى نَفسه، فَإِنَّهُ يَصح لمصادقة الْبَرَاءَة الدَّعْوَى، وَكَذَا لَو ادَّعَت مِيرَاث زَوجهَا جَازَ الْإِبْرَاء، لِأَن الْمَدْفُوع إِلَيْهَا لقطع الْمُنَازعَة
الإبلاء: الإفناء
الإبادة: الاهلاك
(1/33)

الْإِبِط: هُوَ مَا تَحت الْجنَاح، يذكر وَيُؤَنث
الإبلاس: الانكسار، والحزن، وَالسُّكُوت، يُقَال: (ناظرته فَأبْلسَ) ، أَي سكت وأيس من أَن يحْتَج
الابتهاج: السرُور
الِابْتِلَاء: فِي الأَصْل، التَّكْلِيف بِالْأَمر الشاق من الْبلَاء لكنه لما استلزم الاختبار بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يجهل العواقب ظن ترادفهما
وَقَالَ بَعضهم: الِابْتِلَاء يكون فِي الْخَيْر وَالشَّر مَعًا، يُقَال فِي الْخَيْر: أبليته، وَفِي الشَّرّ: بلوته بلَاء
الْأَبْطَال: إِفْسَاد الشَّيْء وإزالته، حَقًا كَانَ ذَلِك الشَّيْء أَو بَاطِلا
الأبهة: العظمة، وَالْكبر، والنخوة، والبهجة وأبهته تأبيها: نبهته وفطنته، وبكذا: أزننته [أَي: اتهمته]
(نوع فِي بَيَان لُغَات أَلْفَاظ النّظم الْجَلِيل)

أبابيل: قيل: هُوَ جمع وَإِن لم يسْتَعْمل واحده
وطير أبابيل: أَي مُتَفَرِّقَة أَو متتابعة مجتمعة، كَمَا فِي " الْمُفْردَات " و " الْقُرْطُبِيّ "
آب: بِمَعْنى رَجَعَ
وآبت الشَّمْس: لُغَة فِي: غَابَتْ
فَلَنْ أَبْرَح: لن أُفَارِق
وَابْن السَّبِيل: الضَّيْف الَّذِي نزل بِالْمُسْلِمين أَو الْمُسَافِر
وابتلوا: واختبروا
وابتغاء مرضاة الله: طلبا لرضاه
وَمَا أبرئ نَفسِي: أَي مَا أنزهها
ابلعي ماءك: ازدرديه أَو اشربيه
هُوَ الأبتر: أَي الَّذِي لَا عقب لَهُ
وَأبْصر: أَي انْتظر
إِبْرَاهِيم: اسْم سرياني، مَعْنَاهُ، أَب رَحِيم، وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": اسْم أعجمي وعَلى هَذَا لَا يكون معربا
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِن إِجْمَاع أهل الْعَرَبيَّة على أَن منع الصّرْف فِي (إِبْرَاهِيم) وَنَحْوه للعجمة والعلمية، فَتبين مِنْهُ وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ؛ " ولد على رَأس ألفي سنة من خلق آدم وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه اختتن بعد عشْرين وَمِائَة سنة وَمَات ابْن مِائَتي سنة "
(فصل الْألف وَالتَّاء)

الْإِتْيَان: هُوَ عَام فِي الْمَجِيء والذهاب وَفِيمَا كَانَ طبيعيا وقهريا
والذهاب: يُقَابل الْمَجِيء
والمرور: يعمه
وَفِي " الرَّاغِب ": الْمَجِيء: أَعم لِأَن الْإِتْيَان مَجِيء بسهولة وَيُقَال: جَاءَ: فِي الْأَعْيَان والمعاني ويما يكون مَجِيئه بِذَاتِهِ وبأمر وَلمن قصد مَكَانا وزمانا وَذكر " الزَّمَخْشَرِيّ " إِن أَتَى: يَجِيء بِمَعْنى (صَار) ك (جَاءَ) فِي قَوْلك: (جَاءَ الْبناء محكما) : أَي صَار {وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى} : أَي كَانَ
أَتَى وَجَاء: يطلقان بِمَعْنى فعل فيتعديان تعديته؛ وَيُقَال: (أَتَى زيد أَتَيَا وإتيانا) إِذا كَانَ جائيا و (أَتَى بزيد وبمال) مثلا: إِذا أجاءه أَي جعله جائيا
وأتى الْمَكَان: حَضَره
(1/34)

وأتى الْمَرْأَة إتيانا: جَامعهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله}
وأتى على الشَّيْء: أنفذه وَبلغ آخِره أَو مر بِهِ
وأتى عَلَيْهِم الدَّهْر: أهلكهم وأفناهم
{وَمَا آتَاكُم الرَّسُول} أَي أَمركُم بِهِ
وأتى الرجل الْقَوْم: انتسب إِلَيْهِم وَلَيْسَ مِنْهُم
وَأَتَاهُ آتٍ: أَي ملك
وأتيته على الْأَمر بِالْقصرِ: وافقته
وَقد يتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِالْبَاء مثل (أَتَيْته بالبلية) وَيذكر الْإِتْيَان وَيُرَاد بِهِ الزِّيَارَة وَفِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْلِيس {ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم} إِلَى آخِره: عدى الْفِعْل إِلَى الْأَوَّلين ب (من) وَإِلَى الآخرين ب (عَن) لِأَن الْآتِي من الْأَوَّلين مُتَوَجّه إِلَيْهِم، والآتي من الآخرين كالمنحرف عَنْهُم، الْمَار على عرضهمْ
الإتباع: أتبع بِالتَّخْفِيفِ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، وبالتشديد إِلَى وَاحِد قيل: تبع وَاتبع بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ اللحوق
فأتبعهم فِرْعَوْن: أَي لحقهم أَو كَاد
وَاتبعهُ: بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى سَار خَلفه وَقيل: اتبع: بِقطع الْألف بِمَعْنى اللحوق والإدراك؛ وبوصلها بِمَعْنى اتبع أَثَره، أدْركهُ أَو لم يُدْرِكهُ وَفِي " الْأَنْوَار " فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} قَرَأَ نَافِع بِالتَّخْفِيفِ؛ وَقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وتسكين الْعين تَشْبِيها لتَبعه بِقَصْدِهِ يَعْنِي تَشْبِيها بِمَا هُوَ أبلغ فِي ذَلِك الْمَعْنى
وَنَظِير هَذَا التَّشْبِيه قَوْله تَعَالَى: {إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم}
والإتباع: هُوَ أَن تتبع الْكَلِمَة على وَزنهَا أَو رويها إشباعا وتوكيدا حَيْثُ لَا يكون الثَّانِي مُسْتَعْملا بِانْفِرَادِهِ فِي كَلَامهم، وَذَلِكَ يكون على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون للثَّانِي معنى كَمَا فِي (هَنِيئًا) مريئا)
وَالثَّانِي: أَن لَا يكون لَهُ معنى، بل ضم إِلَى الأول لتزيين الْكَلَام لفظا وتقويته معنى نَحْو قَوْلك: (حسن بسن) وَعَلِيهِ {عبس وَبسر} وَمن أَنْوَاع الإتباع: إِدْخَال اللَّام على (يزِيد) للوليد وَمن أحد ضربيه: قسيم وسيم، كِلَاهُمَا بِمَعْنى الْجَمِيل، فَيُؤتى بِهِ للتَّأْكِيد، لِأَن لَفظه مُخَالف للْأولِ وَمن الآخر: (شَيْطَان ليطان) أَي: لصوق لَازم للشر، و (عطشان نطشان) أَي: قلق
فَمَعْنَى الثَّانِي غير الأول، وَهُوَ لَا يكَاد يُوجد بِالْوَاو وَاتِّبَاع ضمير الْمُذكر بضمير الْمُؤَنَّث كَحَدِيث " وَرب الشَّيَاطِين وَمَا أضللن "
وَاتِّبَاع كلمة فِي ابدال الْوَاو فِيهَا همزَة لهمزة فِي أُخْرَى كَحَدِيث: " ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات "
وَاتِّبَاع كلمة فِي ابدال واوها بِالْيَاءِ للياء فِي أُخْرَى كَحَدِيث: " لَا دَريت وَلَا تليت "
وَاتِّبَاع كلمة فِي التَّنْوِين لكلمة أُخْرَى منونة صحبتهَا ك (سلاسلا وأغلالا) وَأما (حياك الله وبياك) فِي حَدِيث آدم حِين قتل ابْنه فَمَكثَ مائَة سنة لَا يضْحك، ثمَّ قيل لَهُ ذَلِك فَلَيْسَ بإتباع
وَقد يُؤْتى بلفظين بعد المتبع كَمَا يُؤْتى بِلَفْظ
(1/35)

وَاحِد، فَيُقَال: (حسن بسن قسن) و (لَا بَارك الله فِيك وَلَا تَارِك وَلَا دَارك)
الاتساع: هُوَ ضرب من الْحَذف إِلَّا أَنَّك لَا تقيم المتوسع فِيهِ مقَام الْمَحْذُوف وتعربه بإعرابه وتحذف الْعَامِل فِي الْحَذف وَتَدَع مَا عمل فِيهِ على حَاله فِي الْإِعْرَاب وَلَا يجْرِي الاتساع فِي الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ يصير مُلْحقًا ببنات الثَّلَاثَة، وَهِي أَفعَال محصورة لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهَا
والاتساع فِي الظّرْف: هُوَ أَن لَا يقدر مَعَه (فِي) توسعا؛ فينصب نصب الْمَفْعُول بِهِ نَحْو: (دخل بَيْتا) و (قَامَ لَيْلًا) و (صَاد يَوْمَيْنِ) و (صَامَ شهرا) و (سرق اللَّيْلَة) وَالْمعْنَى على ظَاهر التَّرْكِيب من غير تَقْدِير (فِي) وَإِن كَانَ أصل الْمَعْنى على الظَّرْفِيَّة وَمن ثمَّة يفهم مِنْهُ غَالِبا قيام اللَّيْلَة بِتَمَامِهَا، وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي؛ وَلَو كَانَ بِتَقْدِير (فِي) لم يفهم التَّمام
وَمعنى التَّوَسُّع فِي الظروف: هُوَ أَن كل حَادث فِي الدُّنْيَا فحدوثه يكون فِي زمَان وَفِي مَكَان، والانفكاك محَال؛ وَلما كَانَ الزَّمَان وَالْمَكَان من ضرورات الحادثات، وَكَانَ بَينهمَا شدَّة الِاتِّصَال وَقُوَّة الالتصاق كَانَ الزَّمَان وَالْمَكَان مَعَ كل شَيْء كجزئه وَبَعضه، لَا أَجْنَبِيّا مِنْهُ، فَهُوَ إِذن كالمحارم يدْخلُونَ حَيْثُ لَا يدْخل الْأَجْنَبِيّ وَلَيْسَ التَّوَسُّع مطردا فِي كل ظروف الْأَمْكِنَة كَمَا فِي الزَّمَان، بل التَّوَسُّع فِي الْأَمْكِنَة سَماع نَحْو (نحا نَحْوك) و (قصد قصدك) و (أقبل قبلك) وَلَا يجوز ذَلِك فِي (خلف) واخواتها، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن ظرف الزَّمَان أَشد تمَكنا من ظرف الْمَكَان [وَإِذا توسع فِي فعل لَهُ مفعول وَاحِد يُقَال للظرف المتوسع فِيهِ مفعول ثَان، وَلَا يتوسع فِيمَا لَهُ ثَلَاثَة مفاعيل لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مَفْعُولا رَابِعا، وَلم يجِئ فِي كَلَام الْعَرَب مَاله أَرْبَعَة مفاعيل]
والاتساع البديعي: هُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر بِبَيْت يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل على قدر قوى الناظرين فِيهِ بِحَسب مَا تحمله الْأَلْفَاظ كَمَا فِي فواتح السُّور وَقد اتَّسع النقاد فِي تَأْوِيل قَول الشَّاعِر:
(إِذا قامتا تضوع الْمسك مِنْهُمَا ... نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل)
فَمن قَائِل: تضوع مثل الْمسك مِنْهُمَا نسيم الصِّبَا
وَمن قَائِل: تضوع نسيم الصِّبَا كالمسك مِنْهُمَا
وَمن قَائِل: تضوع الْمسك مِنْهُمَا كتضوع نسيم الصِّبَا وَهَذَا أَجود الْوُجُوه وَمعنى قَوْلهم: هَذَا على الاتساع: أَي على التَّجَوُّز
الِاتِّحَاد: هُوَ يُطلق بطرِيق الْمجَاز على صيرورة شَيْء شَيْئا آخر بطرِيق الاستحالة، أَعنِي التَّغْيِير والانتقال دفعيا كَانَ أَو تدريجيا، كَمَا يُقَال: (صَار المَاء هَوَاء وَالْأسود أَبيض)
وَيُطلق أَيْضا بطرِيق الْمجَاز على صيرورة شَيْء شَيْئا آخر بطرِيق التَّرْكِيب، وَهُوَ أَن يَنْضَم شَيْء إِلَى شَيْء ثَان فَيحصل مِنْهُمَا شَيْء ثَالِث، كَمَا يُقَال: (صَار التُّرَاب طينا والخشب سريرا) وَلَا شكّ فِي وُقُوع الِاتِّحَاد بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين، وَأما مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ عِنْد الْإِطْلَاق وَهُوَ الْمَفْهُوم الْحَقِيقِيّ لَهُ، وَهُوَ أَن يصير شَيْء بِعَيْنِه شَيْئا آخر من غير أَن يَزُول عَنهُ شَيْء أَو يَنْضَم إِلَيْهِ شَيْء؛ فَهَذَا الْمَعْنى بَاطِل بِالضَّرُورَةِ
(1/36)

قَالَ بَعضهم: الِاتِّحَاد شُهُود الْوُجُود الْحق الْوَاحِد الْمُطلق الَّذِي لكل مَوْجُود بِالْحَقِّ فيتحد بِهِ الْكل من حَيْثُ كَون كل شَيْء مَوْجُودا بِهِ مَعْدُوما بِنَفسِهِ، لَا من حَيْثُ أَنه لَهُ وجودا خَاصّا اتَّحد بِهِ فَإِنَّهُ محَال، واتحاد الشَّيْء بأَشْيَاء كَثِيرَة مُمْتَنع بِخِلَاف انطباق الصُّورَة الْوَاحِدَة على أَشْيَاء كَثِيرَة [وَاعْلَم أَن الْأُمَم قد اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يجوز أَن يتحد موجودان بحث لَا تبقى الأثنينية بَينهمَا أم لَا؟ ، فَذهب الْمُحَقِّقُونَ أَن امْتِنَاعه وَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة من متألهة الفلاسفة فَقَالَ بَعضهم باتحاد النَّفس مَعَ الْبدن، وَذهب بَعضهم إِلَى اتِّحَاد النَّفس مَعَ الْعقل الغول، وَزعم قوم من الْمَشَّائِينَ أَن النَّفس إِذا عقلت شَيْئا اتّحدت مَعَ الصُّورَة المعقولة، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو عَليّ وَذهب قوم من متصوفة الْإِسْلَام إِلَى أَن الْمُنْقَطع عَن الدُّنْيَا المتوجه إِلَى الله تَعَالَى قد يتحد مَعَ الله تَعَالَى؛ وَزعم قوم من النَّصَارَى أَن الِاتِّحَاد هُوَ الممازجة بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر كممازجة المَاء مَعَ اللَّبن، وَهَذَا غير متنازع فِيهِ، إِلَّا إِذا ادعوا ذَلِك فِي الله سُبْحَانَهُ وَالْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء فِي ابطال الِاتِّحَاد هُوَ أَنَّهُمَا بعد الِاتِّحَاد إِن بقيا موجودين فهما اثْنَان وَإِن عدما أَو أَحدهمَا فَلَا اتِّحَاد لِأَن الْمَعْدُوم لَا يتحد بالمعدوم وَلَا بالموجود وَفِيه أَن الاثنينية فِي صُورَة كَونهَا بوجودين وتعينين، وَلم لَا يجوز أَن يَكُونَا بعد الِاتِّحَاد موجودين بِوُجُود وَاحِد وَتعين وَاحِد كَمَا فِي الْجِنْس والفصل فَإِنَّهُمَا حقيقتا مغايرين موجودتان بِوُجُود وَاحِد وَتعين وَاحِد وَهَذَا مَا اتّفق عَلَيْهِ الْحُكَمَاء] وَفِيه مناظرة لبَعض الْفُضَلَاء جرت بِبَعْض النَّصَارَى فهاك ملخصه
قَالَ: قلت لَهُ: هَل تسلم أَن عدم الدَّلِيل لَا يدل على عدم الْمَدْلُول؟ فَإِن انكرت لزمك أَنه لَا يكون الله قَائِما، لِأَن دَلِيل وجوده هُوَ الْعَالم، فَلَزِمَ من عدم الْعَالم، وَهُوَ الدَّلِيل، عدم الْمَدْلُول فَإِذا جوزت اتِّحَاد كلمة الله بِعِيسَى أَو حلولها فِيهِ، فَلم خصصت بِهِ؟ وَكَيف عرفت أَنَّهَا مَا حلت فِي سَائِر الْخلق؟ فَقَالَ: إِنَّمَا اثبتنا ذَلِك بِنَاء على مَا ظهر على يَد عِيسَى من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والابرص وَلم نجد شَيْئا من ذَلِك فِي يَد غَيره
فَقلت لَهُ: قد سلمت أَن عدم الدَّلِيل لَا يدل على عدم الْمَدْلُول، فَلَا يلْزم من عدم ظُهُور هَذِه الخوارق على يَد غَيره من الْمَخْلُوق عدم ذَلِك الْحُلُول، فَثَبت أَنَّك مهما جوزت القَوْل بالاتحاد والحلول لزمك تَجْوِيز حُصُول ذَلِك فِي سَائِر الْمَخْلُوق فَإِن قيل: الْمَعْنى بالإلهية أَنه حلت فِيهِ صفة الْإِلَه، فَالْجَوَاب: هَب أَنه كَانَ كَذَلِك، لَكِن الْحَال هُوَ صفة الْإِلَه، والمسيح هُوَ الْمحل مُحدث مَخْلُوق، فَكيف يُمكن وَصفه بالالهية؟ وَلَو كَانَ الله تَعَالَى ولد فَلَا بُد أَن يكون من جنسه، فَإِذن قد اشْتَركَا من بعض الْوُجُوه، فَإِن لم يتَمَيَّز فَمَا بِهِ الامتياز غير مَا بِهِ الِاشْتِرَاك، فَيلْزم التَّرْكِيب فِي ذَات الله تَعَالَى، وكل مركب مُمكن، فَالْوَاجِب مُمكن، وَهنا خلف هَذَا كُله على الِاتِّحَاد والحلول فَإِن قَالُوا: معنى كَونه إِلَهًا أَنه سُبْحَانَهُ خص نَفسه أَو بدنه بِالْقُدْرَةِ على خلق الْأَجْسَام وَالتَّصَرُّف فِي هَذَا الْعَالم، فَهَذَا أَيْضا بَاطِل، كَيفَ وَإِنَّهُم قد نقلوا عَنهُ الضعْف وَالْعجز، وَأَن الْيَهُود
(1/37)

قَتَلُوهُ، وَإِن قَالُوا: معنى كَونه إِلَهًا أَنه اتَّخذهُ لنَفسِهِ على سَبِيل التشريف وَهَذَا قد قَالَ بِهِ قوم من النَّصَارَى، وَلَيْسَ فِيهِ كثير خطأ إِلَّا فِي اللَّفْظ
انْتهى، وَمِمَّا يقرب إِلَيْهِ مَا يحْكى أَن لهارون الرشيد غُلَاما نَصْرَانِيّا جَامعا لخصال الْأَدَب، فألح الرشيد عَلَيْهِ يَوْمًا بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ان فِي كتابكُمْ حجَّة لما أنتحله، قَوْله تَعَالَى: {وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ} حَتَّى أجَاب عَنهُ عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد بقوله تَعَالَى: {وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ}
فَأسلم النَّصْرَانِي [واتحاد الِاسْم والمسمى بَاطِل سَوَاء كَانَ الْمُسَمّى مُسَمّى بالمطابقة أَو التضمن لِأَن الْمُسَمّى مَدْلُول الِاسْم دَال، وَلَا بُد للدلالة من طرفين]
والاتحاد فِي الْجِنْس: يُسمى مجانسة كاتفاق الانسان وَالْفرس فِي الحيوانية
وَفِي النَّوْع: مماثلة كاتفاق زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية
وَفِي الْخَاصَّة: مشاكلة كاتفاق العناصر الْأَرْبَعَة فِي الكرية
وَفِي الكيف: مشابهة كاتفاق الْإِنْسَان وَالْحجر فِي السوَاد
وَفِي الْكمّ: مُسَاوَاة كاتفاق ذِرَاع من خشب وذراع من ثوب فِي الطول
وَفِي الْأَطْرَاف: مُطَابقَة كاتفاق الأجانين فِي الْأَطْرَاف
وَفِي الْإِضَافَة: مُنَاسبَة كاتفاق زيد وَعَمْرو فِي بنوة بكر
وَفِي الْوَضع الْمَخْصُوص: موازنة وَهُوَ أَن لَا يخْتَلف الْبعد بَينهمَا كسطح كل وَاحِد من الافلاك
الاتقاء: هُوَ افتعال من الْوِقَايَة، وَهِي فرط الصيانة وَشدَّة الاحتراس من الْمَكْرُوه [وَاصل الاتقاء الْحجر بَين شَيْئَيْنِ وَمِنْه يُقَال: (اتَّقى بترسه) وَفِي الحَدِيث " كُنَّا إِذا احمر الْبَأْس اتقينا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " قيل: الصَّحِيح أَنه لَا يعْتَبر فِي مَفْهُوم المتقي اجْتِنَاب الصَّغَائِر، فعلى هَذَا يُقَال، هُوَ من تجنب الْكَبَائِر وَمن الْمَعْلُوم لَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار فيندرج فِي الاجتناب وَالْفرق بَينه وَبَين اسْم الْمُؤمن اظهر ان لم يشْتَرط دُخُول الْأَعْمَال فِي الايمان] والمتقي فِي عرف الشَّرْع اسْم لمن يقي نَفسه عَمَّا يضرّهُ فِي الْآخِرَة وَهُوَ الشّرك المفضي إِلَى الْعَذَاب المخلد، وَعَن كل مَا يؤثم من فعل أَو ترك، وَعَن كل مَا يشغل عَن الْحق والتبتل عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ التقي الْحَقِيقِيّ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {وَاتَّقوا الله حق تُقَاته} وَإِلَى الأول قَوْله تَعَالَى: {وألزمهم كلمة التَّقْوَى} وَإِلَى الثَّانِي قَوْله: {وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا}
وَاتَّقَى: يتَعَدَّى إِلَى [مفعول] وَاحِد، وَوقى، يتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ {ووقاهم عَذَاب الْجَحِيم}
الاتكاء: هُوَ أَعم من الِاسْتِنَاد، وَهُوَ الِاعْتِمَاد على
(1/38)

شَيْء بِأَيّ شَيْء كَانَ وَبِأَيِّ جَانب كَانَ
والاستناد: اتكاء بِالظّهْرِ لَا غير، وَيَتَعَدَّى (اتكأ) ب (على) دون (إِلَى) الِاتِّصَال: هُوَ أَن يكون لأجزاء شَيْء حد مُشْتَرك تتلاقى عِنْده
الإتراع: أترع الْإِنَاء: ملأَهُ، وَهُوَ مَقْصُور على الْحِيَاض، كَمَا أَن الإمراع مَخْصُوص بالرياض
الاتهاب: هُوَ قبُول الْهِبَة والتقبل بعد التقبض
والاستيهاب: سؤالها
الإتقان: هُوَ معرفَة الْأَدِلَّة بعللها وَضبط الْقَوَاعِد الْكُلية بجزئياتها
{آتت أكلهَا ضعفين} : أَعْطَتْ ثَمَرهَا ضعْفي غَيرهَا من الارضين
{وَآتُوهُمْ من مَال الله} : ضَعُوا عَنْهُم من مكاتبتهم
{اتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} : اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كَرَامَة الْخَلِيل عِنْد خَلِيله
{أترفناهم} : نعمناهم
المترف: المتقلب فِي لين الْمَعيشَة والعيش
{أَتَيْنَا بهَا} : أحضرناها
{أَتْرَابًا} : لدات كُلهنَّ بَنَات ثَلَاث وَثَلَاثِينَ كأزواجهن
{أتقن كل شَيْء} : أحكم خلقه وسواه على مَا يَنْبَغِي {لآتوها} : لأعطوها {أتوكأ عَلَيْهَا} أعْتَمد عَلَيْهَا {فَاتبع قرآنه} : اعْمَلْ بِهِ
{وَالْقَمَر إِذا اتسق} : اجْتمع وَتمّ بَدْرًا
{رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا} : اجْعَل إيتاءنا ومنحتنا فِي الدُّنْيَا
{فأتمهن} : فأداهن كملا وَقَامَ بِهن حق الْقيام
{وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم} : أرشدناه إِلَيْهَا وعملناه إِيَّاهَا
{لأت} : لكائن لَا محَالة
{اتل} : اقْرَأ
(فصل الْألف والثاء)

[أثبت] : كل من شدّ فقد أثبت لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْحَرَكَة فِي الذّهاب والمجيء
وَالْإِثْبَات: مصدر أثبت وأفعل يَصح للتعدية وَالنِّسْبَة أَي نِسْبَة ثُبُوت الشَّيْء
وَالْإِثْبَات: هُوَ الحكم بِثُبُوت شَيْء لآخر، وَيُطلق على الإيجاد [وَهُوَ من الْوُجُوه المتعددة للْوَقْف عِنْد الْأَئِمَّة والقراء] وَقد يُطلق على الْعلم تجوزا
يُقَال: الْعلم إِثْبَات الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ
الأثاث: هُوَ مَا يكتسبه الْمَرْء ويستعمله فِي الغطاء والوطاء
وَالْمَتَاع: مَا يفرش فِي الْمنَازل ويزين بِهِ
وَقيل: الأثاث: مَا جد من مَتَاع الْبَيْت
والخرثي: مَا رث
وَذكر بَعضهم أَن الْمَتَاع من متع النَّهَار: إِذا طَال
(1/39)

وَيسْتَعْمل فِي امتداد مشارف للزوال، وَلِهَذَا يسْتَعْمل فِي معرض التحقير، لَا سِيمَا فِي التَّنْزِيل وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَتَاع لُغَة: كل مَا ينْتَفع بِهِ من عرُوض الدُّنْيَا، قليلها وكثيرها فَيكون مَا سوى الحجرين مَتَاعا وَعرفا كل مَا يلْبسهُ النَّاس ويبسط
الْأَثر: فِي " الْقَامُوس ": أثر يفعل كَذَا، كفرح: طفق و [أثر] على الْأَمر: عزم و [أثر] لَهُ: تفرغ
وآثر: اخْتَار
و [أثر] كَذَا بِكَذَا: أتبعه إِيَّاه
واستأثر بالشَّيْء: استبد بِهِ وَخص بِهِ نَفسه
و [اسْتَأْثر] الله بفلان: إِذا مَاتَ ورجي لَهُ الغفران
وَمَا بَقِي من رسم الشَّيْء فَهُوَ أثر بِالْكَسْرِ والسكون وَبِفَتْحِهَا أَيْضا
وَأثر الْجرْح: بِالضَّمِّ والتسكين
وَحَدِيث مأثور: من الْأَثر، بِالْفَتْح والسكون
وآثر على نَفسه: بِالْمدِّ من الإيثار وَهُوَ الِاخْتِيَار
أَو آثاره من علم: بِالْفَتْح أَي بَقِيَّة مِنْهُ وبالكسر أَي مناظرة
وَعَن ابْن عَبَّاس أَن المُرَاد الْخط الْحسن
والأثرة: بِمَعْنى التَّقَدُّم والاختصاص، من الإيثار
والأثرة: بِالضَّمِّ المكرمة المتوارثة ويستعار (الاثر) للفضل، والإيثار للتفضيل
وآثرت فلَانا عَلَيْك: بِالْمدِّ فَأَنا أوثره؛ وأثرت الحَدِيث فَأَنا آثره: أَي أرويه وأثرت التُّرَاب فَأَنا أثيره
[والأثر فِي اصْطِلَاح أهل الشَّرْع قَول الصَّحَابِيّ أَو فعله وَهُوَ حجَّة فِي الشَّرْع]
الْإِثْم: الذَّنب الَّذِي يسْتَحق الْعقُوبَة عَلَيْهِ، وَلَا يَصح أَن يُوصف بِهِ إِلَّا الْمحرم، سَوَاء أُرِيد بِهِ الْعقَاب أَو مَا يسْتَحق بِهِ من الذُّنُوب وَبَين الذَّنب وَالْإِثْم فرق من حَيْثُ أَن الذَّنب مُطلق الجرم عمدا كَانَ أَو سَهوا، بِخِلَاف الْإِثْم، فَإِنَّهُ مَا يسْتَحق فَاعله الْعقَاب فَيخْتَص بِمَا يكون عمدا وَيُسمى الذَّنب تبعة اعْتِبَارا بذنب الشَّيْء، كَمَا أَن الْعقُوبَة بِاعْتِبَار مَا يحصل من عاقبته والهمزة فِيهِ من الْوَاو، كَأَنَّهُ يثم الْأَعْمَال أَي يكسرها وَهُوَ أَيْضا عبارَة عَن الانسلاخ عَن صفاء الْعقل، وَمِنْه سمي الْخمر إِثْمًا، لِأَنَّهَا سَبَب الانسلاخ عَن الْعقل {قل فيهمَا إِثْم كَبِير} أَي فِي تناولهما إبطاء عَن الْخيرَات و {آثم قلبه} أَي ممسوخ
والأثام: كسلام: الاثم وجزاؤه [يلق أثاما: أَي عقَابا]
والأثيم: كثير الْإِثْم
وَالْإِثْم والوزر: هما وَاحِد فِي الحكم الْعرفِيّ، وَإِن اخْتلفَا فِي الْوَضع، فَإِن وضع الْوزر للقوة لِأَنَّهُ من الْإِزَار، وَهُوَ مَا يُقَوي الْإِنْسَان، وَمِنْه الْوَزير
لَكِن غلب اسْتِعْمَاله لعمل الشَّرّ لمَكَان أَن صَاحب الْوزر يتقوى وَلَا يلين للحق وَوضع الْإِثْم للذة، وَإِنَّمَا خص بِهِ فعل الشَّرّ، لِأَن الشرور لذيذة
والذنب وَالْمَعْصِيَة: كِلَاهُمَا اسْم لفعل محرم يَقع الْمَرْء عَلَيْهِ عَن قصد فعل الْحَرَام بِخِلَاف الزلة، فَإِنَّهُ اسْم لفعل محرم يَقع الْمَرْء عَلَيْهِ عَن قصد فعل
(1/40)

الْحَلَال يُقَال: (زل الرجل فِي الطين) : إِذا لم يُوجد مِنْهُ الْقَصْد إِلَى الْوُقُوع وَلَا إِلَى الثَّبَات بعده، وَلَكِن وجد الْقَصْد إِلَى الْمَشْي فِي الطَّرِيق كَمَا وجد فِي الزلة قصد الْفِعْل لَا قصد الْعِصْيَان، وَإِنَّمَا يُعَاتب لتقصير مِنْهُ، كَمَا يُعَاتب من زل فِي الطين
وَقد تسمى الزلة مَعْصِيّة مجَازًا، وَيسْتَعْمل الذَّنب فِيمَا يكون بَين العَبْد وربه، وَفِيمَا يكون بَين إِنْسَان وإنسان وَغَيره، بِخِلَاف الْجنَاح فَإِنَّهُ ميل يسْتَعْمل فِيمَا بَين إِنْسَان وإنسان فَقَط
والحنث: أبلغ من الذَّنب، لِأَن الذَّنب يُطلق على الصَّغِيرَة والحنث يبلغ مبلغا يلْحقهُ فِيهِ الْكَبِيرَة
والجرم بِالضَّمِّ: لَا يُطلق إِلَّا على الذَّنب الغليظ، والمجرمون: هم الْكَافِرُونَ
والعصيان: بِحَسب اللُّغَة هُوَ الْمُخَالفَة لمُطلق الْأَمر لَا الْمُخَالفَة لِلْأَمْرِ التكليفي خَاصَّة، يرشدك إِلَيْهِ قَول عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية:
(أَمرتك أمرا جَازِمًا فعصيتني)
والعاصي: من يفعل مَحْظُورًا لَا يَرْجُو الثَّوَاب بِفِعْلِهِ، بِخِلَاف المبتدع فَإِنَّهُ يَرْجُو بِهِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة والعاصي وَالْفَاسِق فِي الشَّرْع سَوَاء
الاثابة: هِيَ مَا يرجع للْإنْسَان من ثَوَاب أَعماله وتستعمل فِي المحبوب نَحْو: {فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات} وَفِي الْمَكْرُوه أَيْضا نَحْو: {فأثابكم غما} لكنه على الِاسْتِعَارَة
الِاثْنَان: هُوَ ضعف الْوَاحِد، من ثنيت الشَّيْء: إِذا عطفته، حذف اللَّام وَهُوَ الْيَاء؛ والهمزة فِي أَوله كالعوض عَن الْمَحْذُوف والمؤنث (اثْنَتَانِ) بإلحاق التَّاء وَإِن شِئْت قلت: (ثِنْتَانِ) ، كَمَا تَقول (بنتان) فِي (ابنتان) ؛ وَالْجمع (اثانين) ، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا اكْتِفَاء عَنهُ بِالْوَاحِدِ، كَمَا لَا تَثْنِيَة للْوَاحِد
والاثنان: الغيران عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَت الأشاعرة: لَيْسَ كل اثْنَيْنِ غيرين، بل الغيران موجودان جَازَ انفكاكهما فِي حيّز أَو عدم، فَخرج بِقَيْد الْوُجُود الاعدام وَالْأَحْوَال أَيْضا؛ إِذْ لَا يثبتونها فَلَا يتَصَوَّر اتصافها بِالْغَيْر؛ وَخرج بِقَيْد جَوَاز الانفكاك أَيْضا مَا لَا يجوز انفكاكه كالصفة مَعَ الْمَوْصُوف والجزء مَعَ الْكل، فَإِنَّهُ لَا هُوَ وَلَا غَيره
الأثل: الطرفاء لَا ثَمَر لَهُ
والأثال: كسحاب وغراب: الْمجد والشرف
وأثل مأله تأثيلا: زَكَّاهُ
وأثل الرجل: كثر مَاله
الأثمد: بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم: اسْم مَوضِع
و [الإثمد] بكسرهما: حجر يكتحل بِهِ
الأثافي: الصخرات الَّتِي يوضع عَلَيْهَا الْقدر
ورماه بثالثة الأثافي: أَي بِالشَّرِّ كُله
الاثنوي: هُوَ من يَصُوم الِاثْنَيْنِ دَائِما
{اثاقلتم} : تباطأتم
{وأخرجت الأَرْض أثقالها} : مَا فِي جوفها
{يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم} : أَي الْحَرَام أَو الْكَذِب
الأثام: الْعقُوبَة والاثم أَيْضا أَو وَاد فِي جَهَنَّم
{فأثرن بِهِ} : فهيجن بِهِ
{أثخنتموهم} : أَكثرْتُم قَتلهمْ وأغلظتم
(1/41)

{وأثاروا الأَرْض} : قلبوا وَجههَا
{تحمل أثقالكم} : أحمالكم {مناع للخير مُعْتَد أثيم} : متجاوز فِي الظُّلم كثير الآثام
{وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم} : متجاوز عَن التفكر فِي الظُّلم، منهمك فِي الشَّهَوَات
(فصل الْألف وَالْجِيم)
[أجم] : كل بَيت مربع مسطح فَهُوَ أجم
وآجام الْأسد: غاباتها
الْإِجْمَال: أجمل إِلَيْهِ: أحسن
وأجمل الصَّنْعَة وَفِي الصَّنْعَة وأجمله: أَي: حسنه وكثره وزينه
وأجمل الْأَمر: أبهم وَمِنْه: الْمُجْمل: وَهُوَ مَا لَا يُوقف على المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بِبَيَان من جِهَة الْمُتَكَلّم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وآتو حَقه يَوْم حَصَاده}
وَنَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} وَنَوع آخر شرعا لَا لُغَة كالعام الَّذِي خص مِنْهُ بعض مَجْهُول، فَيبقى الْمَخْصُوص مِنْهُ مَجْهُولا فَيصير مُجملا وَالْعَام الَّذِي اقترنت بِهِ صفة مَجْهُولَة مثل قَوْله تَعَالَى: {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} فَإِنَّهُ لما قَيده بِصفة مَجْهُولَة وَهُوَ قَوْله (محصنين) وَلَا يدرى مَا الْإِحْصَان صَار قَوْله (وَأحل لكم) مُجملا
والمجمل يحمل على الْمُحكم، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا أدعى الْمَدْيُون الْإِيفَاء فشهدا بِالْإِبْرَاءِ أَو التَّحْلِيل جَازَت شَهَادَتهمَا؛ فَإِن الْإِبْرَاء أَو التَّحْلِيل يحْتَمل الْبَرَاءَة بالإيفاء والإسقاط، فَيحمل على الْبَرَاءَة الْمقيدَة بالإيفاء، بِقَرِينَة الْقَصْد، فكأنهما شَهدا بالإيفاء بِدلَالَة الْحَال وَهِي تَحْسِين الظَّن بِالشَّاهِدِ، لما أَن ظَاهر حَاله أَنه يُرِيد الْجِهَة الْمُوَافقَة للدعوى فَينزل ذَلِك منزلَة الْبَيَان لمجمل كَلَام الْمُدَّعِي، فَتكون الدَّعْوَى هُنَا مفسرة فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال
والإجمال: إِيرَاد الْكَلَام على وَجه يحْتَمل أمورا مُتعَدِّدَة وَالتَّفْصِيل: تعْيين تِلْكَ المحتملات
الْإِجْمَاع: هُوَ فِي اللُّغَة يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا الْعَزْم التَّام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأَجْمعُوا أَمركُم} وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " لَا صِيَام لمن لَا يجمع الصّيام من اللَّيْل " وَالْإِجْمَاع بِهَذَا الْمَعْنى يتَصَوَّر من الْوَاحِد
وَثَانِيهمَا: الِاتِّفَاق يُقَال: (أجمع الْقَوْم على كَذَا) : إِذا اتَّفقُوا
وَفِي الِاصْطِلَاح: يُطلق على اتِّفَاق الْمُجْتَهدين من أمة مُحَمَّد بعد زَمَانه فِي عصر على حكم شَرْعِي
وَمن عمم اقْتصر على حكم
وَالْإِجْمَاع: اتِّفَاق جَمِيع الْعلمَاء، والاتفاق: اتِّفَاق معظمهم وَأَكْثَرهم
وَلَا خلاف فِي أَن جَمِيع أهل الِاجْتِهَاد وَلَو اجْتَمعُوا على قَول وَاحِد من الْحل وَالْحُرْمَة، أَو الْجَوَاز وَالْفساد، أَو على وَاحِد نَحْو أَن يَفْعَلُوا بأجمعهم فعلا وَاحِدًا وَوجد الرضى من الْكل بطرِيق التَّنْصِيص على حكم من أُمُور الدّين يكون
(1/42)

ذَلِك إِجْمَاعًا وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا نَص الْبَعْض وَسكت الْبَاقُونَ لَا عَن خوف وضرورة بعد اشتهار القَوْل وانتشار الْخَبَر ومضي مُدَّة التَّأَمُّل فَقَالَ عَامَّة أهل السّنة يكون ذَلِك إِجْمَاعًا، وَيكون حجَّة، فَإِن مَا هُوَ حجَّة فِي حَقنا إِن كَانَ من الله يُوحى بِالروحِ الْأمين، وَقد تَوَاتر نَقله فَهُوَ الْكتاب، وَإِلَّا فَإِن كَانَ من الرَّسُول فَهُوَ السّنة؛ وَإِن كَانَ من غَيره، فَإِن كَانَ آراء جَمِيع الْمُجْتَهدين فَهُوَ الْإِجْمَاع، أَو رَأْي بَعضهم فَهُوَ الْقيَاس وَأما رَأْي غير الْمُجْتَهد سَوَاء كَانَ الْحَاكِم وَهُوَ الإلهام، أَو رَأْي غَيره وَهُوَ التَّقْلِيد، فَلَا يثبت بهما الحكم الشَّرْعِيّ، لعدم كَونهمَا حجَّة وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يجوز الْإِجْمَاع إِلَّا عَن سَنَد من دَلِيل أَو أَمارَة، لِأَن عدم السَّنَد يسْتَلْزم الْخَطَأ، إِذْ الحكم فِي الدّين بِلَا دَلِيل خطأ، وَيمْتَنع إِجْمَاع الْأمة على الْخَطَأ
وَمُخَالفَة الْإِجْمَاع حرَام، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى} إِلَى قَوْله: {وَسَاءَتْ مصيرا} وَكفر جَاحد الْإِجْمَاع لَيْسَ بكلي أَلا يرى أَن متروكة التَّسْمِيَة عمدا مُحرمَة عِنْد الْحَنَفِيَّة، ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع؛ مَعَ أَن الشَّافِعِي قَائِل بحلها وَالْخلْوَة الصَّحِيحَة كَالْوَطْءِ عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْإِجْمَاع، وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْد الشَّافِعِي، وترث زَوْجَة الفار عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْإِجْمَاع، وَلم تَرث عِنْد الشَّافِعِي، وَأَشْبَاه ذَلِك
وَالِاسْتِدْلَال على حجية الْإِجْمَاع بقوله تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة} إِلَخ لَيْسَ بتام
[والعامة تمسكوا فِي حجية الْإِجْمَاع بِالدَّلِيلِ النقلي، وَأَنه يَنْقَسِم إِلَى مُصَرح بِهِ وَإِلَى مُقَدّر أما الْمُصَرّح بِهِ فَقَوله تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة} إِلَى قَوْله: {وتنهون عَن الْمُنكر} فَلَو اتَّفقُوا على مُنكر لما نهوا عَنهُ وَكَانَ (لما) نَاقِصَة أَو تَامَّة أَو زَائِدَة فَلَا دلَالَة فِيهَا على عدم كَونهم كَذَلِك فِي الْحَال وَقَوله تَعَالَى: {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَالْحكم الْمجمع عَلَيْهِ سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَا يخْتَار لنَفسِهِ قولا وفعلا فَيجب اتباعهم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى جعل مُخَالفَة سَبِيل الْمُؤمنِينَ أحد أَسبَاب اسْتِحْقَاق النَّار وَأما النقلي الْمُقدر فَهُوَ أَنا نستدل بِالْعَادَةِ المطردة أَن جمعا من الْعلمَاء الْمُتَّقِينَ الْبَالِغين عَددهمْ التَّوَاتُر لم يجز عَلَيْهِم الِاتِّفَاق على الْكَذِب، فَإِذا قطعُوا بتخطئة الْمُخَالف دلنا ذَلِك أَنه بَلغهُمْ نَص من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن لم ينْقل إِلَيْنَا لاحْتِمَال أَنهم استغنوا بِالْإِجْمَاع عَن الدَّلِيل أَو نقل ثمَّ اندرس والتمسك بِهَذَا أولى مِمَّا يحْتَمل وُجُوهًا، على أَن التَّمَسُّك بالظواهر إِنَّمَا بثبت بِالْإِجْمَاع فَلَزِمَ الدّور وَالِاخْتِلَاف على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة إِجْمَاع مِنْهُم على بطلَان القَوْل الرَّابِع؛ وَهَذَا وَارِد فِي كل مَوضِع كاختلاف عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة فِي حكم المَاء الْمُسْتَعْمل على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من كَونه نَجَاسَة غَلِيظَة وخفيفة وطاهر أَو غير طَاهِر فَقَوْل سيدنَا مَالك وَالْإِمَام الشَّافِعِي رَحِمهم الله بِأَنَّهُ طَاهِر ومطهر قَول رَابِع يُخَالف الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فَهُوَ مَحْكُوم بِالْبُطْلَانِ عِنْد الثَّلَاثَة لوُقُوعه مُخَالفا لإِجْمَاع الثَّلَاثَة]
ثمَّ الْإِجْمَاع على مَرَاتِب: إِجْمَاع الصَّحَابَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْآيَة وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر يكفر جاحده ثمَّ
(1/43)

إِجْمَاع من بعدهمْ فِيمَا لم يرو فِيهِ الصَّحَابَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور يضلل جاحده ثمَّ إِجْمَاعهم فِيمَا رُوِيَ خلافهم لَا يضلل جاحده وَنقل الْإِجْمَاع إِلَيْنَا قد يكون بالتواتر فَيُفِيد الْقطع؛ وَقد يكون بالشهرة فَيقرب مِنْهُ وَقد يكون بِخَبَر الْوَاحِد فَيُفِيد الظَّن وَيُوجب الْعَمَل وَالِاخْتِلَاف فِي الْعَصْر الأول لَا يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي الْعَصْر الثَّانِي عندنَا وتخطئة الصَّحَابَة من حَيْثُ الْعَمَل دون الِاعْتِقَاد لَا يُسمى تضليلا، لِأَن التضليل يجْرِي فِي العقليات وَفِيمَا كَانَ من بَاب الِاعْتِقَاد دون الشرعيات، لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ جَازَ أَن يكون على خلاف مَا شرع، وعَلى الْمُجْتَهد الْعَمَل فِي الشرعيات
الِاجْتِهَاد: افتعال من جهد يجْهد: إِذا تَعب؛ والافتعال فِيهِ للتكلف لَا للطوع؛ وَهُوَ بذل المجهود فِي إِدْرَاك الْمَقْصُود ونيله وَفِي عرف الْفُقَهَاء: هُوَ استفراغ الْفَقِيه الوسع، بِحَيْثُ يحس من نَفسه الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لتَحْصِيل ظن بِحكم شَرْعِي، وَلَا يُكَلف الْمُجْتَهد بنيل الْحق وإصابته بِالْفِعْلِ، إِذْ لَيْسَ ذَلِك فِي وَسعه لغموضه وخفاء دَلِيله، بل ببذل الْجهد واستفراغ الطَّاقَة فِي طلبه، وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق أصلا، خلافًا لجمهور الْمُعْتَزلَة والأشاعرة فِي صُورَة عدم تعدد الْحق والتكليف بِالِاجْتِهَادِ فِي العمليات
وأجمعت الْأمة على أَن الْمُجْتَهد قد يُخطئ ويصيب فِي العقليات، إِلَّا على قَول الْحسن الْعَنْبَري من الْمُعْتَزلَة
وَاخْتلفُوا فِي الشرعيات؛ والمروي عَن أبي حنيفَة أَن كل مُجْتَهد مُصِيب، وَالْحق عِنْد الله وَاحِد، مَعْنَاهُ: أَنه مُصِيب فِي الطّلب وَإِن أَخطَأ الْمَطْلُوب
[يحْكى أَن صَاحب " الْبَدَائِع " وَهُوَ أَبُو بكر الكاشاني نَاظر مَعَ فَقِيه فِي مَسْأَلَة وَهِي أَن الْمُجْتَهدين هَل هما مصيبان أم أَحدهمَا مُخطئ؟ فَقَالَ الْفَقِيه: الْمَنْقُول عَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن كل مُجْتَهد مُصِيب؟ فَقَالَ: لَا بل الصَّحِيح عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنَّهُمَا مُصِيب ومخطئ وَمَا تَقوله فِي مَذْهَب الْمُعْتَزلَة]
وَالْإِجْمَاع على عدم الْعذر للمخطئ الْمُجْتَهد فِي طلب عقائد الْإِسْلَام وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِي وفَاقا لِلْجُمْهُورِ أَن الْمُصِيب فِي الشرعيات وَاحِد، وَللَّه تَعَالَى فِيهَا حكم قبل الِاجْتِهَاد، وَأَن عَلَيْهِ أَمارَة، وَأَن الْمُجْتَهد مُكَلّف بإصابته، وَأَن الْمُخطئ لَا يَأْثَم بل يُؤجر لبذله وَسعه فِي طلبه، كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث الِاجْتِهَاد
واتفقنا على أَن الْحق فِي العقليات وَاحِد، وَأَن الْمُجْتَهد فِيهَا يُخطئ ويصيب وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْعَنْبَري من أَن الْحق فِيهَا حُقُوق، وَأَن كل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب بَاطِل لما فِيهِ من تصويب الدهري والثنوي وَالنَّصَارَى والمجسمة والمشبهة، وَجعل كل فريق على الْحق وَهُوَ محَال
وَأما فِي الشرعيات فَمَا ثَبت بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فَالْحق فِيهِ وَاحِد حَتَّى يكفر راده ويضلل جاحده وَمَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فقد اخْتلفُوا فِيهِ قَالَت الْمُعْتَزلَة: الْحق فِيهَا حُقُوق؛ وَقَالَ أهل السّنة: الْحق فِيهَا وَاحِد معِين، لِأَن الْجمع بَين النقيضين المتنافيين وَهُوَ الْحل وَالْحُرْمَة، وَالصِّحَّة وَالْفساد فِي حق شخص وَاحِد، فِي مَحل وَاحِد، فِي زمَان وَاحِد من بَاب التَّنَاقُض؛ وَنسبَة التَّنَاقُض إِلَى
(1/44)

الشَّرْع محَال وَلِهَذَا اتفقنا على أَن الْحق فِي العقليات وَاحِد؛ لِأَن القَوْل بِوُجُود الصَّانِع وَعَدَمه وحدوث الْعَالم وَقدمه تنَاقض بَين
وَمن جملَة مقالتهم الْفَاسِدَة أَن اجْتِهَاد الْمُجْتَهد فِي الحكم كاجتهاد الْمُصَلِّي فِي أَمر الْقبْلَة عِنْد التباسها وَالْحق فِي أَمر الْقبْلَة مُتَعَدد اتِّفَاقًا، فَكَذَا هَهُنَا لعدم الْفرق
وَالْجَوَاب: أَنا لَا نسلم تعدد الْحق فِي أَمر الْقبْلَة، إِذْ لَو تعدد لما فَسدتْ صَلَاة مُخَالف الإِمَام عَالما حَاله؛ إِذْ لَو كَانَ كل مُجْتَهد مصيبا لصَحَّ صَلَاة الْمُخَالف، لإصابتهما جَمِيعًا فِي جِهَة الْقبْلَة، نظرا إِلَى الْوَاقِع؛ وَفَسَاد الصَّلَاة يدل على حَقِيقَة مَذْهَبنَا
وَاخْتلف فِي الِاجْتِهَاد للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
قَالَ بَعضهم: يمْتَنع لَهُ الِاجْتِهَاد لقدرته على الْيَقِين فِي الحكم بالتلقي من الْوَحْي بِأَن ينتظره وَقَالَ بَعضهم بِالْجَوَازِ والوقوع فِي الآراء والحروب فَقَط، جمعا بَين الْأَدِلَّة المجوزة والمانعة وَأكْثر الْمُحَقِّقين على الْوَقْف، حَكَاهُ الإِمَام فِي " الْمَحْصُول "
[وَقَالَ بَعضهم: لَهُ الْوَحْي الْخَاص وَإِنَّمَا الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد حَظّ أمته وَقد قَالَ تَعَالَى: {وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَقَالَ بَعضهم: كَانَ لَهُ الْعَمَل فِي أَحْكَام الشَّرْع بِالْوَحْي لَا الرَّأْي جَمِيعًا وَهُوَ مَنْقُول عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله وَهُوَ مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي - رَحمَه الله - وَعَامة أهل الحَدِيث، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَالنَّبِيّ - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعظم النَّاس بَصِيرَة وأصفاهم فطنة وَأَحْسَنهمْ استنباطا فَكَانَ أولى بِالدُّخُولِ تَحت هَذَا الْخطاب الْعَام، وَالصَّحِيح أَنه كَانَ مَأْمُورا بانتظار الْوَحْي فِي حَادِثَة لَيْسَ فِيهَا وَحي، ثمَّ إِذا انْقَطع طمعه عَن الْوَحْي فِي بَيَان حَال الْحَادِثَة الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِ يعْمل بِالِاجْتِهَادِ كَمَا فِي انْتِظَار الْمُتَيَمم، ثمَّ اخْتلفُوا فِي جَوَاز خطئه فِي اجْتِهَاده]
وَالصَّحِيح جَوَازه لَهُ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، ووقوعه لقَوْله تَعَالَى: {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} أَي: لمن ظهر نفاقهم فِي التَّخَلُّف عَن غَزْوَة تَبُوك، لَكِن لَا يجوز إِقْرَاره على الْخَطَأ، بل يُنَبه عَلَيْهِ فِي الْحَال، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى أَمر الْأمة بِاتِّبَاع الْخَطَأ وَقيل: الصَّوَاب أَن اجْتِهَاده لَا يُخطئ تَنْزِيها لمنصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك واجتهاد الصَّحَابِيّ أقرب من اجْتِهَاد التَّابِعِيّ لما لَهُم من الدرجَة الزَّائِدَة وَلَهُم زِيَادَة جهد وحرص فِي طلب الْحق
وَالِاجْتِهَاد على مَرَاتِب: بَعْضهَا فَوق بعض فَيجب الْعَمَل بِمَا فِيهِ احْتِمَال الْغَلَط أقل، وَلِهَذَا قُلْنَا: خبر الْوَاحِد مقدم على الْقيَاس؛ وَالِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ، لِأَن الثَّانِي لَيْسَ بأقوى من الأول، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يسْتَقرّ حكم، وَفِيه مشقة، فَلَو حكم القَاضِي برد شَهَادَة الْفَاسِق ثمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا لم تقبل، لِأَن قبُول شَهَادَته بعد التَّوْبَة يتَضَمَّن نقض الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ
وَالِاجْتِهَاد قد يكون فِي مورد النَّص: كالاجتهاد فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا
وَالْقِيَاس شَرطه فقد النَّص فالاجتهاد يُوجد بِدُونِ
(1/45)

الْقيَاس، وَلَا يُوجد الْقيَاس بِدُونِ الِاجْتِهَاد؛ وتبدل رَأْي الْمُجْتَهد بِمَنْزِلَة انتساخ النَّص، يعْمل بِهِ فِي الْمُسْتَقْبل لَا فِيمَا مضى
[وَلَا يرجح الِاجْتِهَاد بِكَثْرَة الْمُجْتَهدين بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِنَّهَا ترجح بِكَثْرَة الروَاة]
الِاجْتِمَاع: هُوَ حُصُول المتحيزين فِي حيزين بِحَيْثُ يُمكن أَن يتوسطهما ثَالِث واجتماع المثلين فِي مَوضِع وَاحِد مُسْتَحِيل، وَأما عرُوض أَحدهمَا على الآخر فَلَا اسْتِحَالَة فِيهِ، كَمَا فِي قَوْلهم: (الْوُجُود مَوْجُود) وَأَيْضًا استحالته لَيْسَ مثل اسْتِحَالَة اجْتِمَاع النقيضين واجتماع الضدين محَال كالسواد وَالْبَيَاض، بِخِلَاف الخلافين فَإِنَّهُمَا أَعم من الضدين، فيجتمعان من حَيْثُ الأعمية كالسواد والحلاوة وَيجوز فِي كل من الضدين والخلافين والمثلين ارتفاعهما بضد آخر، أَو بِخِلَاف آخر، أَو بِمثل آخر؛ وَأما النقيضان فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، وشرطهما أَن يكون أَحدهمَا وجوديا وَالْآخر عدميا كالقيام وَعَدَمه
واجتماع النقيضين مَوْجُود فِي الذِّهْن مَعْنَاهُ أَن إِدْرَاك الذِّهْن النقيضين مَوْجُود فِي الْخَارِج، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن اجْتِمَاع النقيضين لَهُ مَاهِيَّة أَو صُورَة مَوْجُودَة فِي الذِّهْن؛ فَإِن الممتنعات لَيست لَهَا ماهيات وحقائق مَوْجُودَة فِي الْعقل، فَإِن الْوُجُود عين الْمَاهِيّة، فَمَا لَا وجود لَهُ مَاهِيَّة لَهُ، لَا سِيمَا إِذا كَانَ مُمْتَنعا، فَإِنَّهُ لَا ثُبُوت لَهُ اتِّفَاقًا
واجتماع الْأَمْثَال مَكْرُوه، وَلِهَذَا قلبت الْيَاء الثَّانِيَة من الْحَيَوَان واوا، وَإِن كَانَ الْوَاو أثقل مِنْهَا، كَذَا فِي (دِينَار) و (قِيرَاط) و (ديوَان) وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي الْجمع: (أخون) و (أبون) حَيْثُ أجري الْجمع على حكم الْمُفْرد حذار اجْتِمَاع ضمات أَو كسرات وَلما كَانَ هَذَا الْمَانِع مفقودا فِي التَّثْنِيَة رد الْمَحْذُوف فَقيل: (أَخَوان) و (أَبَوَانِ)
واجتماع العاملين على مَعْمُول وَاحِد غير جَائِز
وَلِهَذَا رد قَول من قَالَ: إِن الْفِعْل وَالْفَاعِل مَعًا عاملان فِي الْمَفْعُول، والابتداء والمبتدأ مَعًا عاملان فِي الْخَبَر؛ والمتبوع وعامله مَعًا عاملان فِي التَّابِع
وَإِذا اجْتمع العاملان فإعمال الْأَقْرَب جَائِز بالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَبْعَد اخْتِلَاف مَنعه البصريون وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ
وَإِذا اجْتمعت همزتان متفقتان فِي كَلِمَتَيْنِ نَحْو: (جَاءَ أَجلهم) جَازَ حذف إِحْدَاهمَا تَخْفِيفًا وَفِي الْمَحْذُوف اخْتِلَاف فَقيل: الْمَحْذُوف هُوَ الأولى لِأَنَّهَا وَقعت آخر الْكَلِمَة مَحل التَّغْيِير، وَقيل: الثَّانِيَة
وَإِذا اجْتمعت همزَة الِاسْتِفْهَام مَعَ همزَة قطع نَحْو: {أأمنتم من فِي السَّمَاء}
فَإِنَّهَا ترسم بِالْألف الْوَاحِدَة وتحذف الْأُخْرَى
وَاخْتلف فِي المحذوفة فَقيل: الأولى، لِأَن الْأَصْلِيَّة أولى بالثبوت، وَقيل: الثَّانِيَة، لِأَن بهَا يحصل الاستثقال
وَإِذا اجْتمع نون الْوِقَايَة وَنون (إِن) و (أَن) و (كَأَن) و (لَكِن) جَازَ حذف أَحدهمَا وَفِي الْمَحْذُوف قَولَانِ: أَحدهمَا، نون الْوِقَايَة، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَقيل: نون (إِن)
[وَإِذا اجْتمعت الهمزتان فِي كلمة وَاحِدَة: فالمختار عِنْدهم أَن تحذف إِحْدَاهمَا أَو تخفف،
(1/46)

لِأَن حذف إِحْدَاهمَا أَو تخفيفها أخف من الْإِدْغَام إِلَّا فِي بَاب (فعال) بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد فَإِنَّهُ بَاب قيامي حوفظ عَلَيْهِ مَعَ وجود الْمدَّة بعْدهَا فَكَانَت مسهلة لأمرهما]
وَإِذا اجْتمعت همزَة الِاسْتِفْهَام مَعَ حرف الْعَطف [نَحْو: (أَو من كَانَ مَيتا) ] فَحِينَئِذٍ تدخل همزَة الِاسْتِفْهَام فِي الْمُقدر لرعاية حَقّهَا
وَإِذا اجْتمع اسمان من جنس وَاحِد، وَكَانَ أَحدهمَا أخف على أَفْوَاه الْقَائِلين غلبوه فسموا الآخر باسمه ك (العمرين)
[وَإِذا اجْتمع سَبَب الإعلال وَسبب الْإِدْغَام قدم الإعلال، لِأَن سَببه مُوجب وَسبب الْإِدْغَام مجوز يدل عَلَيْهِ امْتنَاع الفتحة فِي (رَضِي) وَجَوَاز الفك فِي (حَيّ) ]
وَإِذا اجْتمع فعلان متقاربان فِي الْمَعْنى، وَلكُل وَاحِد مُتَعَلق على حِدة، جَازَ ذكر أَحدهمَا وَعطف مُتَعَلق الآخر الْمَتْرُوك على [مُتَعَلق] الْمَذْكُور، كَقَوْلِه: (مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَإِذا اجْتمع طالبان نَحْو الْقسم وَالشّرط فَالْجَوَاب للْأولِ
وَإِذا اجْتمع ضميران: مُتَكَلم ومخاطب، روعي الْمُتَكَلّم نَحْو (قمنا)
وَإِذا اجْتمع الْمُخَاطب وَالْغَائِب: روعي الْمُخَاطب نَحْو (قمتما)
وَإِذا اجْتمع الْمُخَاطب وَالْغَائِب: روعي الْمُخَاطب نَحْو (قمتما)
وَإِذا اجْتمع الْمعرفَة والنكرة: روعي الْمعرفَة
تَقول: (هَذَا زيد وَرجل منطلقين) على الْحَال؛ وَلَا يجوز الرّفْع والأعدل فِيمَا إِذا اجْتمعَا أَن يكون الْمعرفَة اسْما والنكرة خَبرا، وَلَا يجوز الْعَكْس إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر
واجتماع المعرفتين جَائِز إِذا كَانَ فِي أَحدهمَا مَا فِي الآخر وَزِيَادَة
وَإِذا اجْتمع الْوَاو وَالْيَاء: روعي الْيَاء نَحْو (طويت طيا) وَالْأَصْل (طويا)
وَإِذا اجْتمع فِي الضمائر مُرَاعَاة اللَّفْظ وَالْمعْنَى بُدِئَ بِاللَّفْظِ ثمَّ بِالْمَعْنَى هَذَا هُوَ الجادة فِي الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى {وَمن النَّاس من يَقُول آمنا} ثمَّ قَالَ: {وَمَا هم بمؤمنين} أفرد أَولا بِاعْتِبَار اللَّفْظ، ثمَّ جمع بِاعْتِبَار الْمَعْنى
وَإِذا اجْتمع الْمُبَاشر والمتسبب: أضيف الحكم إِلَى الْمُبَاشر، فَلَا ضَمَان على حافر الْبِئْر تَعَديا بِمَا تلف بإلقاء غَيره، وَلَا من دلّ سَارِقا على مَال إِنْسَان فسرقه، إِلَّا إِذا تعذر الْوُقُوف على الْمُبَاشر، فَحِينَئِذٍ يعلق الحكم بِالسَّبَبِ الظَّاهِر، كَمَا إِذا اجْتمع الْقَوْم بِالسَّيْفِ وَتَفَرَّقُوا، فَظهر فِي مَوضِع الِاجْتِمَاع قَتِيل حَيْثُ تجب الدِّيَة والقامة على أهل الْمحلة
وَإِذا اجْتمع الْحَلَال وَالْحرَام: غلب الْحَرَام
وَعلله الأصوليون بتقليل النّسخ، لِأَنَّهُ لَو قدم الْمُبِيح لزم تكْرَار النّسخ، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، فَإِذا جعل الْمُبِيح مُتَأَخِّرًا كَانَ الْمحرم نَاسِخا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ثمَّ يصير مَنْسُوخا؛ وَلَو جعل الْمحرم مُتَأَخِّرًا لَكَانَ نَاسِخا للمبيح، وَهُوَ لم ينْسَخ شَيْئا لكَونه وفْق الأَصْل
وَإِذا اجْتمع الحقان قدم حق العَبْد إِلَّا فِي صُورَة صيد الْمحرم قدم حق الله تَعَالَى
(1/47)

الْأجر: الْجَزَاء على الْعَمَل كَالْإِجَارَةِ، وَالذكر الْحسن وَأَجَارَهُ الله من الْعَذَاب: أنقذه وَنعم مَا قَالَ من قَالَ: (من أَجَارَ جَاره أَعَانَهُ الله وَأَجَارَهُ)
وَقَالَ بَعضهم: الْأجر وَالْأُجْرَة يُقَال فِيمَا كَانَ عقدا وَمَا يجْرِي مجْرى العقد، وَلَا يُقَال إِلَّا فِي النَّفْع
وَالْجَزَاء: يُقَال فِيمَا كَانَ عَن عقد وَعَن غير عقد، وَيُقَال فِي النافع والضار
والأجير: هُوَ الْمُسْتَأْجر بِفَتْح الْجِيم، فعيل بِمَعْنى مفاعل بِفَتْح الْعين، أَو فَاعل وَمن الظَّن أَنه مفعول أَو مفاعل بِالْكَسْرِ فَإِنَّهُ سَمَاعي وَاخْتلف فِي قَوْلهم: (أجرت الدَّار أَو الدَّابَّة) بِمَعْنى أكريتها هَل هُوَ (أفعل) أَو (فَاعل) وَالْحق أَنه بِهَذَا الْمَعْنى مُشْتَرك بَينهمَا، لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ لُغَتَانِ: إِحْدَاهمَا (فَاعل) ومضارعه (يُؤَاجر) وَالْأُخْرَى (أفعل) ومضارعه (يُؤجر) ، وَجَاء لَهُ مصدران: فالمؤاجرة مصدر (فَاعل) و (الْإِيجَار) مصدر (أفعل) ، وَالْمَفْهُوم من " الأساس " وَغَيره اخْتِصَاص (آجرت الدَّابَّة) بِبَاب: أفعل واختصاص: (آجرت الْأَجِير) بِبَاب: فَاعل وَاسم الْفَاعِل من الأول (مؤجر) وَاسم الْمَفْعُول (مؤجر) ، وَمن الثَّانِي اسْم الْفَاعِل (مؤاجر) وَاسم الْمَفْعُول (مؤاجر) وَقَالَ الْمبرد: " أجرت دَاري ومملوكي غير مَمْدُود، وآجرت فلَانا بِكَذَا: أَي أثْبته فَهُوَ مَمْدُود " وَقيل: (أجرته) بِالْقصرِ يُقَال إِذا اعْتبر فعل أَحدهمَا، و (آجرته) بِالْمدِّ، يُقَال إِذا اعْتبر فعلاهما، وَكِلَاهُمَا يرجعان إِلَى معنى [وَاحِد]
وَالْإِجَارَة: شرعا: تمْلِيك الْمَنَافِع بعوض
والإعارة: تمْلِيك الْمَنَافِع بِغَيْر عوض
والأجير الْخَاص: هُوَ الَّذِي يسْتَحق الْأُجْرَة بِتَسْلِيم نَفسه فِي الْمدَّة، عمل أَو لم يعْمل، كراعي الْغنم
والأجير الْمُشْتَرك: هُوَ من يعْمل لغير وَاحِد، كالصباغ
الإجراء: مَعْنَاهُ ظَاهر
إِجْرَاء اللَّازِم مجْرى غير اللَّازِم: كَقَوْلِه: الْحَمد لله الْعلي الأجلل وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {لَكنا هُوَ الله رَبِّي} أَصله: (لَكِن أَنا) خففت الْهمزَة بحذفها وإبقاء حركتها على نون (لَكِن) فَصَارَت (لكننا) فَأجرى غير اللَّازِم مجْرى اللَّازِم فاستثقل إبْقَاء المثلين متحركين، فأسكن الأول وأدغم فِي الثَّانِي
[وإجراء الظّرْف مجْرى الْمَفْعُول بِهِ: كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَذَلِكَ يَوْم مشهود} ] وإجراء الْمُتَعَدِّي مجْرى غير الْمُتَعَدِّي: حَيْثُ يكون الْمَفْعُول سَاقِطا عَن حيّز الِاعْتِبَار، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون} أَو يكون الْمُتَعَدِّي نقيضا لغير الْمُتَعَدِّي، فَإِن من دأبهم حمل النقيض على النقيض، كَفعل الْإِيمَان فَإِنَّهُ يعدى بِالْبَاء حَيْثُ قصد التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ نقيض الْكفْر
وإجراء غير الْمُتَعَدِّي مجْرى الْمُتَعَدِّي: هُوَ طَريقَة الْحَذف والإيصال، أَو اعْتِبَار مَا فِي اللَّازِم من معنى الْمُبَالغَة، فَإِن ذَلِك قد يصلح أَن يكون سَببا للتعدية من غير أَن ينْتَقل اللَّازِم من صيغته إِلَى صِيغَة الْمُتَعَدِّي ويتغير مَعْنَاهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي
(1/48)

قَوْله تَعَالَى: {مَاء طهُورا} أَي: بليغا فِي طَهَارَته، وبلاغته فِي طَهَارَته بِأَن كَانَ طَاهِرا فِي نَفسه ومطهرا لغيره، أَو بِاعْتِبَار مَا فِي غير الْمُتَعَدِّي من الاشتهار بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي أَو بِاعْتِبَار التَّضْمِين
وإجراء الْأَكْثَر مجْرى الْكل: إِنَّمَا يجوز فِي الصُّورَة الَّتِي يكون الْخَارِج عَن الحكم حَقِيرًا قَلِيل الْقدر، فَيجْعَل وجوده كَعَدَمِهِ وَيحكم على الْبَوَاقِي بِحكم الْكل
وإجراء الْأَصْلِيّ مجْرى الزَّائِد: كَقَوْلِهِم فِي النّسَب إِلَى (تَحِيَّة) (تحوي) وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِم فِي تَثْنِيَة مَا همزته منقلبة عَن حُرُوف الْإِلْحَاق نَحْو: (علْبَاء) و (حرباء) (عُلَبًا آن) و (حَربًا آن) بِالْإِقْرَارِ تَشْبِيها لَهَا بالمنقلبة عَن الْأَصْلِيّ
وإجراء الْوَصْل مجْرى الْوَقْف: كَمَا فِي قِرَاءَة نَافِع {محياي} بِإِسْكَان الْيَاء
وإجراء الِاسْم مجْرى الصّفة: كَقَوْلِه: (الطير أغربة عَلَيْهِ) أَي: باكية عَلَيْهِ بكاء الْغرْبَان
وإجراء الْموَات وَمَا لَا يعقل مجْرى بني آدم: كَقَوْلِهِم فِي جمع (أَرض) (أرضون) وَفِي التَّنْزِيل: {كل فِي فلك يسبحون}
وإجراء الضَّمِير مجْرى اسْم الْإِشَارَة: كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن أَخذ الله سمعكم وأبصاركم وَختم على قُلُوبكُمْ من إِلَه غير الله يأتيكم بِهِ} أَي بذلك
ومجرى: فِي أَمْثَال هَذِه الْمَوَاضِع مفعول مُطلق، فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَظْهر جعله ك (مُوسَى) دون (مرضِي)
الْإِجْزَاء: بِالْكَسْرِ هُوَ الْفِعْل الْكَافِي فِي سُقُوط مَا فِي الْعهْدَة، ومورده أخص من مورد الصِّحَّة، فَإِن الصِّحَّة يُوصف بهَا الْعِبَادَة وَالْعقد
والإجزاء: لَا يُوصف بِهِ إِلَّا الْعِبَادَة؛ وَهل هُوَ يخْتَص بِالْوُجُوب أَو يعم الْمَنْدُوب فِيهِ قَولَانِ لأهل الْأُصُول
والإجزاء: يُقَابله الْعَدَم، وَالصِّحَّة يقابلها الْبطلَان
والاجتباء: هُوَ أَن تَأْخُذ الشَّيْء بِالْكُلِّيَّةِ، (افتعال) من (جبيت) أَصله: جمع المَاء فِي الْحَوْض
والجباية: الْحَوْض {وجفان كالجواب}
واجتباه: أَي اصطفاه وَاخْتَارَهُ
والإجباء: بيع الزَّرْع قبل أَن يَبْدُو صَلَاحه
وَفِي الحَدِيث: " من أجبى فقد أربى "
الْإِجْبَار: فِي الأَصْل حمل الْغَيْر على الْأَمر، تعورف فِي الْإِكْرَاه الْمُجَرّد فَقيل: (أجْبرهُ على كَذَا) أَي: أكرهه فَهُوَ (مجبر)
(وجبرت الْعظم وَالْفَقِير) : فَهُوَ (مجبور)
والجبر: بِمَعْنى الْملك، سمي بذلك لِأَنَّهُ يجْبر بجوده
الْأَجَل: الْوَقْت الَّذِي كتب الله فِي الْأَزَل انْتِهَاء الْحَيَاة فِيهِ بقتل أَو غَيره؛ وَقيل: يُطلق على مُدَّة
(1/49)

الْحَيَاة كلهَا وعَلى مُنْتَهَاهَا؛ يُقَال لعمر الْإِنْسَان أجل، وللموت الَّذِي يَنْتَهِي بِهِ أجل [قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده} : المُرَاد بالأجل الأول آجال الماضين، وَبِالثَّانِي آجال البَاقِينَ، أَو الأول أجل الْمَوْت وَالثَّانِي أجل الْقِيَامَة والبعث والنشور أَو مَا بَين أَن يخلق إِلَى أَن يَمُوت، وَالثَّانِي هُوَ النّوم؛ أَو مَا انْقَضى من عمر كل وَاحِد وَمَا بَقِي]
وَفِي " الْأَنْوَار ": {ثمَّ قضى أَََجَلًا} أجل الْمَوْت {وَأجل مُسَمّى عِنْده} أجل الْقِيَامَة وَالْأول سماوي لكَونه من الزَّمَان الَّذِي هُوَ مِقْدَار أسْرع الحركات السماوية عِنْد الفلاسفة وَهَذَا بَاطِل على تَقْدِير تقدم خلق الأَرْض على قَول الْأَكْثَرين لتحَقّق الزَّمَان من قبل الأفلاك، وَهَذَا الْأَجَل قدر وَكتب فِي الجباه وَالثَّانِي وَهُوَ (أجل مُسَمّى) أَي معِين فِي حق الْكل، وَهُوَ عِنْده، لَا يُعلمهُ سواهُ، وَلم يكْتب فِي الجباه، بِدَلِيل ترك ذكر (قضى) لعدم اخْتِصَاصه بأربابها، ويكذب المتمسكين بِهَذِهِ الْآيَة من الْحُكَمَاء الإسلامية على أَن للْإنْسَان أجلين: اخترامي، وَهُوَ الَّذِي يحصل بالأسباب الخارجية وطبيعي وَهُوَ الَّذِي يحصل بِفنَاء الرُّطُوبَة وَعدم الْحَار الغريزي قَوْله تَعَالَى: {إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر} الْآيَة وَقَوله تَعَالَى: {وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره} مَحْمُول على إِرَادَة النَّقْص عَن الْخَيْر وَالْبركَة، كَمَا فِي زِيَادَة الرزق ونقصه، أَو مؤول بإرجاع الضَّمِير إِلَى مُطلق المعمر لَا الشَّخْص المعمر بِعَيْنِه، أَي لَا ينقص عمر شخص من أَعمار أضرابه وَعَلِيهِ جُمْهُور الْمُفَسّرين
[وَحَدِيث: " لَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر " فَقيل إِنَّه خبر الْوَاحِد فَلَا يعْتَمد فِي هَذَا الْبَاب وَقد يُقَال: (زِيَادَة الْعُمر ونقصانه) إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أثْبته الْمَلَائِكَة فِي صحيفتهم، إِذْ قد يثبت فِيهِ الشَّيْء مُطلقًا وَهُوَ فِي علم الله مُقَيّد، فيؤول إِلَى مُوجب علم الله على مَا أُشير إِلَيْهِ بقوله: {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت} إِلَخ]
وَقد نظمت فِي زِيَادَة الْأَجَل ونقصه:
(لنا مَوَازِين عِنْد الدَّهْر قد نصبت ... بهَا مقادير أَعمار بِلَا ملل)

(يضم إِن شَاءَ من بعث لنا أَََجَلًا ... وَلَو يَشَاء يزِيد الْبَعْث من أجل)

وَالْأَجَل: حُلُول الدّين
وفعلته من إجلك وإجلاك: بِالْكَسْرِ فيهمَا أَي: من جللك
الْأَجَل فِي الأَصْل: مصدر أجل شرا: إِذا جناه؛ اسْتعْمل فِي تَعْلِيل الْجِنَايَات، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَاسْتعْمل فِي كل تَعْلِيل
الْإِجَابَة: هِيَ مُوَافقَة الدعْوَة فِيمَا طلب بهَا لوقوعها على تِلْكَ الصِّحَّة
والاستجابة: يتَعَدَّى إِلَى الدُّعَاء بِنَفسِهِ كَقَوْلِه:
(1/50)

فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب
وَإِلَى الدَّاعِي بِاللَّامِ نَحْو: {فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك} ويحذف الدُّعَاء إِذا عدي إِلَى الدَّاعِي فِي الْغَالِب فَيُقَال: (اسْتَجَابَ الله دعاءه) و (اسْتَجَابَ لَهُ) وَلَا يكَاد يُقَال: (اسْتَجَابَ لَهُ دعاءه)
ويستجيب: فِيهِ قبُول لما دعِي إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك يُجيب لِأَنَّهُ قد يُجيب بالمخالفة
والإجابة: أَعم من الْقبُول، لِأَنَّهُ عبارَة عَن قطع سُؤال السَّائِل؛ وَالْقطع قد يكون بترتيب الْمَقْصُود بالسؤال، وَقد يكون بِمثل: (سَمِعت سؤالك وَأَنا أَقْْضِي حَاجَتك) وَقد نظمت فِيهِ:
(تقبل سُؤَالِي، لَا تجبه فإنني ... لوعدك فِي ضمن الْإِجَابَة خَائِف)

الْإِجَازَة: أجَاز لَهُ: سوغ لَهُ
و [أجَاز] رَأْيه: أنفذ ك (جوزه)
و [أجَاز] البيع: أَمْضَاهُ
وَالْإِجَازَة: تعْمل فِي تَنْفِيذ الْمَوْقُوف لَا فِي تَصْحِيح الْفَاسِد؛ فَفِيمَا إِذا تزوج أمة بِغَيْر شُهُود وَبِغير إِذن مَوْلَاهَا، ثمَّ أجَازه الْمولى بِحَضْرَة الشُّهُود لَا يجوز النِّكَاح، لِأَن الْإِشْهَاد شَرط العقد، وَلم يُوجد، فَكَانَ بَاطِلا لَا مَوْقُوفا فَلَا تلْحقهُ الْإِجَازَة
وَالْفَسْخ أقوى من الْإِجَازَة، فَإِن الْمجَاز يقبل الْفَسْخ، وَلَا ترد الْإِجَازَة على عقد قد انْفَسَخ؛ لِأَن الْإِجَازَة إِثْبَات صفة النَّفاذ، ويستحيل ذَلِك فِي الْمَعْدُوم
وَالْإِجَازَة فِي الشّعْر: مُخَالفَة حركات الْحَرْف الَّذِي يَلِي حرف الروي؛ أَو أَن تتمّ مصراع غَيْرك
والاستجازة: طلب الْإِجَازَة إِذا سقاك مَاء لماشيتك أَو أَرْضك؛ فَكَذَا الطَّالِب يستجيز الْعَالم علمه فيجيزه لَهُ
وأجزت على الجريح: أجهزت، أَي أسرعت قَتله
الأجيج: هُوَ تلهب النَّار
وَمَاء أجاج: أَي ملح وَمر
أجمع: لَا يُضَاف أجمع الْمَوْضُوع للتَّأْكِيد وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْجَار، بِخِلَاف مَا فِي قَوْلهم: (جَاءَ الْقَوْم بأجمعهم) بِضَم الْمِيم، فَإِنَّهُ مَجْمُوع جمع ك (أفرخ) و (أعبد) فيضاف وَيدخل عَلَيْهِ الْجَار
وَجَمِيع وَأجْمع وأجمعون: يسْتَعْمل لتأكيد الِاجْتِمَاع على الْأَمر
وأجمعون: يُوصف بِهِ الْمعرفَة، وَلَا يجوز نَصبه على الْحَال
وجميعا: ينْتَصب على الْحَال نَحْو قَوْله: {اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا}
أَجْدَر: أَي أليق وَأولى يؤنث ويثنى وَيجمع؛ من الْجِدَار، وَهُوَ الْحَائِط
والجدير: الْمُنْتَهى لانْتِهَاء الْأَمر إِلَيْهِ انْتِهَاء الشَّيْء إِلَى الْجِدَار وَالَّذِي يظْهر أَنه من (الْجدر) وَهُوَ أصل الشَّجَرَة، فَكَأَنَّهُ ثَابت كثبوت الْجدر فِي قَوْلك: (جدير بِكَذَا)
أجاء: هُوَ فِي الأَصْل [مَنْقُول] من (جَاءَ) لكنه خص بالإلجاء فِي الِاسْتِعْمَال ك (أَتَى) فِي (أعْطى) يُقَال: (أجأته إِلَى كَذَا) إِذا ألجأته إِلَيْهِ
(1/51)

{فأجاءها الْمَخَاض} : فألجأها وجع الْولادَة [نوع قَوْله تَعَالَى] {لَوْلَا اجتبيتها} لَوْلَا أحدثتها، لَوْلَا تلقيتها
{بلغن أَجلهنَّ} أَي آخر عدتهن
{وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا} أَي حد الْمَوْت وَقيل حد الْهَرم وهما وَاحِد فِي التَّحْقِيق
{كل يجْرِي إِلَى أجل مُسَمّى} فِي مُدَّة دوره أَو منتهاه أَو يَوْم الْقِيَامَة
{واجنبني} بعدني
{اجترحوا} اكتسبوا
{ملح أجاج} بليغ الملوحة، يحرق لملوحته
{لأي يَوْم أجلت} أخرت
{من الأجداث} من الْقُبُور
{اجتباه} اصطفاه وقربه
{فعلي إجرامي} : وباله
{أُجُورهنَّ} : مهورهن
{من أجل ذَلِك} : من جِنَايَة ذَلِك أَو من سَبَب ذَلِك
{وأجلب عَلَيْهِم} : اجْمَعْ عَلَيْهِم أَو صَحَّ عَلَيْهِم
{فَأَجْمعُوا كيدكم} فأزمعوه واجعلوه جمعا عَلَيْهِ، أَو أحكموه أَو اعزموا عَلَيْهِ
{اجتثت} : استؤصلت وَأخذت جثة بِالْكُلِّيَّةِ
(فصل الْألف والحاء)

[أحدية] : كل مَا يتحد بِهِ فِي الْأُمُور المتكثرة فَهُوَ أحدية جمع جَمِيعهَا كلفظة الْجَلالَة، فَإِنَّهُ أحدية جمع جَمِيع الْأَسْمَاء الإلهية
والحقيقة الإنسانية: فَإِنَّهَا أحدية جمع جَمِيع زيد وَعَمْرو وَبكر وَغَيرهم
وَالْبَيْت: فَإِنَّهُ أحدية جمع جَمِيع السّقف والجدران
الْأَحَد: هُوَ بِمَعْنى الْوَاحِد، وَيَوْم من الْأَيَّام، وَاسم لمن يصلح أَن يُخَاطب، مَوْضُوع للْعُمُوم فِي النَّفْي مُخْتَصّ بعد نفي مَحْض نَحْو: {وَلم يكن لَهُ كفوا أحد} أَو نهي نَحْو: (وَلَا يلْتَفت مِنْكُم
(1/52)

أحد} أَو اسْتِفْهَام يشبهها نَحْو: {هَل تحس مِنْهُم من اُحْدُ} يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْمَجْمُوع والمذكر والمؤنث، وَحَيْثُ أضيف " بَين " اليه أَو أُعِيد إِلَيْهِ ضمير الْجمع، أَو نَحْو ذَلِك يُرَاد بِهِ جمع من الْجِنْس الَّذِي يدل الْكَلَام عَلَيْهِ، فَمَعْنَى: {لَا نفرق بَين أحد من رسله} أَي بَين جمع من الرُّسُل وَمعنى: {فَمَا مِنْكُم من أحد} أَي من جمَاعَة وَمعنى: {لستن كَأحد من النِّسَاء} كجماعة من جمَاعَة النِّسَاء
وَلَا يَقع فِي الْإِثْبَات إِلَّا مَعَ " كل " وَلَا يدْخل فِي الضَّرْب وَالْعدَد وَالْقِسْمَة وَلَا فِي شَيْء من الْحساب
قَالَ الْأَزْهَرِي: " هُوَ صفة من صِفَات الله اسْتَأْثر بهَا فَلَا يشركهُ فِيهَا شَيْء "
وَيَأْتِي فِي كَلَام الْعَرَب بِمَعْنى الأول ك (يَوْم الْأَحَد) وَمِنْه {هَل هُوَ الله أحد} فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَبِمَعْنى الْوَاحِد كَقَوْلِنَا: (مَا فِي الدَّار أحد) أَي من يصلح للخطاب
والأحد: اسْم بني لنفي مَا يذكر مَعَه من الْعدَد
وَالْوَاحد: اسْم بني لمفتتح الْعدَد
وهمزته إِمَّا أَصْلِيَّة، وَإِمَّا منقلبة عَن الْوَاو على تَقْدِير أَن يكون أَصله (وحد) وعَلى كل من الْوَجْهَيْنِ يُرَاد بالأحد مَا يكون وَاحِدًا من جَمِيع الْوُجُوه، لِأَن الأحدية هِيَ البساطة الصرفة عَن جَمِيع أنحاء التَّعَدُّد عدديا أَو تركيبا أَو تحليليا، فاستهلاك الْكَثْرَة النسبية الوجودية فِي أحدية الذَّات، وَلِهَذَا رجح على الْوَاحِد فِي مقَام التَّنْزِيه، لِأَن الْوَاحِد مِنْهُ عبارَة عَن انْتِفَاء التَّعَدُّد العددي، فالكثرة العينية وَإِن كَانَت منتفية فِي الواحدية إِلَّا أَن الْكَثْرَة النسبية تتعقل فِيهَا
وَلَا يسْتَعْمل أحد وَإِحْدَى إِلَّا فِي التنيف أَو مضافين نَحْو (أحدهم) و (إِحْدَاهُنَّ) .
وَلَا يسْتَعْمل وَاحِد وَوَاحِدَة فِي التنيف إِلَّا قَلِيلا وأتى بِإِحْدَى الْأَحَد: أَي بِالْأَمر الْمُنكر الْعَظِيم؛ فَإِن الْأَمر المتفاقم (إِحْدَى الْأَحَد) وَيُقَال أَيْضا: (إِحْدَى من سبع)
الْإِحْسَان: هُوَ فعل مَا ينفع غَيره بِحَيْثُ يصير الْغَيْر حسنا بِهِ، كإطعام الجائع أَو يصير الْفَاعِل بِهِ حسنا بِنَفسِهِ؛ فعلى الأول الْهمزَة فِي أحسن للتعدية، وعَلى الثَّانِي للصيرورة يُقَال: (أحسن الرجل) إِذا صَار حسنا أَو دخل فِي شَيْء حسن
وَأحسن: يتَعَدَّى بإلى وباللام وَيَتَعَدَّى بِالْبَاء أَيْضا
ولطف: لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِاللَّامِ يُقَال: (لطف الله لَهُ) من بَاب نصر، أَي أوصل إِلَيْهِ مُرَاده بلطف، ولطف بِهِ: غير مُسلم
وَالْإِحْسَان أَعم من الْأَنْعَام
وَالرَّحْمَة أَعم من اللطف
والإفضال أَعم من الإنعام والجود، وَقيل: هُوَ أخص مِنْهُمَا لِأَن الإفضال إِعْطَاء بعوض وهما عبارَة عَن مُطلق الْإِعْطَاء.
وَالْكَرم: إِن كَانَ بِمَال فَهُوَ جود. وَإِن كَانَ بكف ضَرَر مَعَ الْقُدْرَة فَهُوَ عَفْو وَإِن كَانَ ببذل النَّفس فَهُوَ شجاعة
(1/53)

الإحساس: هُوَ إِدْرَاك الشَّيْء مكتنفا بالعوارض الغربية واللواحق المادية مَعَ حُضُور الْمَادَّة وَنسبَة خَاصَّة بَينهمَا وَبَين الْمدْرك
والإحساس: للحواس الظَّاهِرَة، كَمَا أَن الْإِدْرَاك للحس الْمُشْتَرك أَو الْعقل
وَالْفِعْل الْمَأْخُوذ من الْحَواس رباعي، كَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَمَّا أحس عِيسَى}
وحس الثلاثي: لَهُ معَان ثَلَاثَة
حسه: قَتله، نَحْو: {إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ} ، أَو مَسحه، أَو ألْقى عَلَيْهِ الْحِجَارَة المحماة لينضج، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة يُقَال فِيهَا للْمَفْعُول محسوس، أما الْمَفْعُول من الْحَواس فمحس وَجَمعهَا محسات لَا محسوسات
والإحساس: إِن كَانَ للحس الظَّاهِر فَهُوَ المشاهدات، وَإِن كَانَ للحس الْبَاطِن فَهُوَ الوجدانيات والمتكلمون أَنْكَرُوا الْحَواس الْبَاطِنَة [وَهِي الْحس الْمُشْتَرك والخيال والواهمة والحافظة والمتخيلة] لابتنائها على أصُول الفلاسفة فِي نفي الْفَاعِل على الْمُخْتَار، وَالْقَوْل بِأَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا الْوَاحِد وَقد صرح الْمُحَقِّقُونَ من متأخري الْحُكَمَاء بِأَن القوى الجسمانية آلَات للإحساس وَإِدْرَاك الجزئيات، والمدرك هُوَ النَّفس وأثبتها بعض الْمُتَكَلِّمين أَيْضا من الماتريدية والأشاعرة وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ يحصل عقيب صرفهَا الإدراكات، الحسية؛ وَلَو أَصَابَت وَاحِدَة مِنْهَا آفَة اخْتَلَّ ذَلِك الْفِعْل كالحواس الظَّاهِرَة وَقَالُوا: إِثْبَات ذَلِك إِنَّمَا يُخَالف الشَّرْع لَو جعلت مُؤثرَة فِي تِلْكَ الفعال وفاعلة لهاتيك الْآثَار
وَلَو جعلت آلَات للإحساس وَإِدْرَاك الجزيئات، والمدرك هُوَ النَّفس كَمَا ذهب إِلَيْهِ متأخرو الفلاسفة فَلَا مُخَالفَة فِيهِ
[وَمن النَّاس من يَقُول: للنَّفس حاسة سادسة تدْرك بهَا عوارض النَّفس كالجوع والعطش والشبع، وَالأَصَح مَا عَلَيْهِ الْعَامَّة وَهُوَ الْخمس، إِذْ لكل من الْخمس يحصل علم مَخْصُوص بِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ آلَة مَخْصُوصَة بِهِ، وَأما مَا يدْرك بِهِ عوارض النَّفس فبخلق الله فِي الْحَيَوَان بِدُونِ اخْتِيَاره إِذا وجد شَرطه]
وَاعْلَم أَن مثبتي الْحَواس الْخمس الْبَاطِنَة لَا يسمون عقليا إِلَّا الْمعَانِي الْكُلية، وَلَا وهميا إِلَّا الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة، وَلَا خياليا إِلَّا الصُّور المحسوسات، ومقالة أَرْبَاب البلاغة لَيست على وفْق مقالتهم، فَإِنَّهُم عدوا الِاتِّحَاد والتماثل والتضايف عقلية سَوَاء كَانَت كُلية أَو جزئية؛ وعدوا شبه التَّمَاثُل والتضاد وَشبهه وهمية، سَوَاء كَانَت كُلية أَو جزئية أَيْضا، وَسَوَاء كَانَت بَين المحسوسات أَو بَين الْمعَانِي؛ وعدوا تقارن الْأَمريْنِ مُطلقًا فِي أَي قُوَّة كَانَ بِسَبَب غير مَا ذكر خياليا كَمَا تقرر فِي فنه
الْإِحْصَار: هُوَ شرعا أَن يعرض للرجل مَا يحول بَينه وَبَين الْحَج أَو الْعمرَة بعد الْإِحْرَام من مرض أَو أسر أَو عَدو، وَيُقَال: (أحْصر الرجل إحصارا فَهُوَ محصر) فَإِن حبس فِي سجن أَو دَار يُقَال: (حصر فَهُوَ مَحْصُور)
وَقيل: الْإِحْصَار: الْمَنْع من أحصره وحصره
(1/54)

وَالْأول فِي الْمَرَض أشهر، وَالثَّانِي فِي الْعَدو أشهر وَآيَة الْإِحْصَار وَردت فِي الْإِحْصَار بِالْمرضِ بِإِجْمَاع أهل اللُّغَة، وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة: من كسر أَو عرج فقد أحْصر، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا وَقَالَ الشَّافِعِي: " لَا يكون الْإِحْصَار إِلَّا عَن عَدو فَإِن إحصار النَّبِي كَانَ بالعدو لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {فَإِذا أمنتهم} وَذَلِكَ زَوَال الْخَوْف من الْعَدو " قُلْنَا: الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب والأمن يكون عَن الْعِلَل أَيْضا
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " الزَّكَاة أَمَان من الجذام "
الْإِحْصَان: الْعِفَّة وتحصين النَّفس من الْوُقُوع فِي الْحَرَام {وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات}
وَالتَّزْوِيج: {فَإِذا أحصن}
وَالْحريَّة: {نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب}
والإصابة فِي النِّكَاح: {محصنين غير مسافحين}
والمحصن من الأحرف: الَّتِي جَاءَ الْفَاعِل مِنْهَا على (مفعل) بِفَتْح الْعين وَإِن كَانَ قِيَاس اسْم الْفَاعِل فِي بَاب الإفعال أَن يَجِيء بِالْكَسْرِ، وَاسم الْمَفْعُول بِالْفَتْح، إِلَّا مَا شَذَّ
وَمِنْهَا المسهب: من (أسهب) أَي: أطنب وَأكْثر من الْكَلَام قيل لِابْنِ عمر: ادْع الله لنا فَقَالَ: " أكره أَن أكون من المسهبين "
والمفلج: من (أفلج) أَي: أفلس
والإحصان: عبارَة عَن اجْتِمَاع سَبْعَة أَشْيَاء: الْبلُوغ، وَالْعقل، وَالْحريَّة، وَالنِّكَاح الصَّحِيح، وَالدُّخُول، وَكَون كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ مثل الآخر فِي صفة الْإِحْصَان وَالْإِسْلَام وَعند الشَّافِعِي: الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط للإحصان؛ وَكَذَا عِنْد أبي يُوسُف فِي رِوَايَة، كَمَا فِي " كِفَايَة الْمُنْتَهى " بِمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله رجم يهوديين وَالْجَوَاب: كَانَ ذَلِك بِحكم التَّوْرَاة ثمَّ نسخ؛ يُؤَيّدهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن "
وأحصنها زَوجهَا: أَي أعفها فَهِيَ مُحصنَة بِفَتْح الصَّاد
وأحصنت فرجهَا: فَهِيَ مُحصنَة بِكَسْرِهَا
{وَالْمُحصنَات من النِّسَاء} بعد قَوْله {حرمت} بِالْفَتْح لَا غير، وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع بِالْفَتْح وَالْكَسْر، لِأَن الَّتِي حرم التَّزَوُّج بهَا المتزوجات دون العفيفات، وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ
الاحتراس: هُوَ أَن يُؤْتى فِي كَلَام يُوهم خلاف الْمَقْصُود بِمَا يدْفع ذَلِك الْوَهم نَحْو {لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ}
(واسلك يدك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء} وَنَحْوهمَا
(1/55)

وَهُوَ أَعم من الإيغال بِاعْتِبَار الْمحل، وأخص مِنْهُ بِاعْتِبَار النُّكْتَة
ومباين للتذييل مفهوما، إِذْ التذييل تَأْكِيد والتأكيد يدْفع التَّوَهُّم والتكميل الَّذِي يُسمى احتراسا يدْفع الْإِيهَام، وَالْإِيهَام غير التَّوَهُّم
الْإِحَاطَة هِيَ إِدْرَاك الشَّيْء بِكَمَالِهِ ظَاهرا وَبَاطنا، والاستدارة بالشَّيْء من جَمِيع جوانبه
قيل: الْإِحَاطَة بالشَّيْء علما: أَن يعلم وجوده، وجنسه، وَقدره، وَصفته، وكيفيته، وغرضه الْمَقْصُود بِهِ، وَمَا يكون بِهِ مِنْهُ وَعَلِيهِ؛ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا الله تَعَالَى وَقَوله تَعَالَى: {أحاطت بِهِ خطيئته} أبلغ اسْتِعَارَة؛ فَإِن الْإِنْسَان إِذا ارْتكب ذَنبا وَاسْتمرّ عَلَيْهِ استجره إِلَى معاودة مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَلَا يزَال يرتقي حَتَّى يطبع على قلبه فَلَا يُمكنهُ أَن يخرج عَن تعاطيه؛ وَقد يتَعَدَّى بعلى لتضمنها معنى الاشتمال
الِاحْتِيَاط: هُوَ فعل مَا يتَمَكَّن بِهِ من إِزَالَة الشَّك وَقيل: التحفظ والاحتراز من الْوُجُوه لِئَلَّا يَقع فِي مَكْرُوه وَقيل: اسْتِعْمَال مَا فِيهِ الحياطة أَي الْحِفْظ هُوَ الْأَخْذ بالأوثق من جَمِيع الْجِهَات وَمِنْه قَوْلهم: (افْعَل الْأَحْوَط) يَعْنِي افْعَل مَا هُوَ أجمع لأصول الْأَحْكَام وَأبْعد عَن شوائب التَّأْوِيل
الإحباب: أحب الشَّيْء وحبه يمعنى: إِلَّا أَنهم اخْتَارُوا أَن بنوا الْفَاعِل من لفظ (أحب) وَالْمَفْعُول من لَفظه (حب) فَقَالُوا للْفَاعِل (محب) وللمفعول (مَحْبُوب) ليعادلوا بَين اللَّفْظَيْنِ فِي الِاشْتِقَاق؛ على أَنه قد سمع فِي الْمَفْعُول (محب)
وأحببت عَلَيْهِ: بِمَعْنى آثرت عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الأَصْل، لَكِن فِي قَوْله تَعَالَى: {أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي} لما أنيب مناب (أنبت) عدي تعديته
وَالْحب: بِالضَّمِّ الْمُحب
و [الْحبّ] بِالْكَسْرِ: المحبوب وَقد وضعُوا للمحبة حرفين مناسبين لَهَا غَايَة الْمُنَاسبَة بَين اللَّفْظ وَالْمعْنَى، حَتَّى اعتبروا تِلْكَ الْمُنَاسبَة فِي الحركات خفَّة وثقلة وَقد نظمت فِيهِ:
(وأثقل يُعْطي للأخف كَعَكْسِهِ ... وَمَا هُوَ إِلَّا من عَدَالَة عَادل)

(فَمَا وَجه ضم الْحَاء فِي الْحبّ عَاشِقًا ... وبالكسر فِي المحبوب عكس التعادل؟)
وَإِذا كَانَ مَا تعلق ب (أحب) فَاعِلا من حَيْثُ الْمَعْنى عدي إِلَيْهِ ب (إِلَى) تَقول: (زيد أحب إِلَى عَمْرو من خَالِد) فَالضَّمِير فِي (أحب) مفعول من حَيْثُ الْمَعْنى، و (عَمْرو) هُوَ الْمُحب و (خَالِد) مَحْبُوب وَإِذا كَانَ مَا تعلق بِهِ معفولا عدي إِلَيْهِ ب (فِي)
تَقول: (زيد أحب فِي عَمْرو من خَالِد) فَالضَّمِير فَاعل و (عَمْرو) هُوَ المحبوب و (خَالِد) محب
و (أفعل من) لَا يفرق فِيهِ بَين الْوَاحِد وَمَا فَوْقه، وَالْمَذْكُور وَمَا يُقَابله بِخِلَاف أخواته، فَإِن الْفرق وَاجِب فِي الْمحلى جَائِز فِي الْمُضَاف
الاحتقار: هُوَ كالتحقير، لِأَن الافتعال قد يَأْتِي
(1/56)

بِمَعْنى التفعيل، وَهُوَ نِسْبَة الحقارة إِلَى شَيْء بِالْقَلْبِ والقالب
والحقارة: عبارَة عَن كَون الشَّيْء سَاقِطا عَن النَّفْع وَالِانْتِفَاع
الاحتضار: هُوَ من احْتضرَ الرجل مَبْنِيا للْمَجْهُول إِذا جعل حَاضرا، فَكَأَن الرجل فِي حَال صِحَّته بدورانه إِلَى حَيْثُ شَاءَ، كالغائب، فَإِذا مرض وَعجز عَن الدوران حَيْثُ شَاءَ صَار كالحاضر عِنْد بواب السُّلْطَان، وَهُوَ ملك الْمَوْت فيمسكه ويدخله إِلَى السُّلْطَان
والإحضار الْمُطلق: مَخْصُوص بِالشَّرِّ عرفا
{وأحضرت الْأَنْفس الشُّح} أَي جعلت حَاضِرَة لَهُ مطبوعة عَلَيْهِ
الاحتباك: هُوَ من الحبك الَّذِي مَعْنَاهُ الشد والإحكام وتحسين أثر الصَّنْعَة فِي الثَّوْب
و [الاحتباك] : من ألطف أَنْوَاع البديع وأبدعها؛ وَقد يُسمى حذف الْمُقَابل: وَهُوَ أَن يحذف من الأول مَا أثبت نَظِيره فِي الثَّانِي، وَمن الثَّانِي مَا أثبت نَظِيره فِي الأول كَقَوْلِه تَعَالَى: {ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم} فَلَا يعذبهم [وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله وَأُخْرَى كَافِرَة}
الِاحْتِمَال: هُوَ يسْتَعْمل بِمَعْنى الْوَهم وَالْجَوَاز فَيكون لَازِما، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى الِاقْتِضَاء والتضمين فَيكون مُتَعَدِّيا نَحْو: (يحْتَمل أَن يكون كَذَا) و (احْتمل الْحَال وُجُوهًا كَثِيرَة)
الاحتساب: هُوَ طلب الْأجر من الله بِالصبرِ على الْبلَاء مطمئنة نَفسه غير كارهة لَهُ
والحسبة: بِالْكَسْرِ، الْأجر وَاسم من الاحتساب
وأحسب عيه: أنكر، وَمِنْه: الْمُحْتَسب
الإحباط: هُوَ إبِْطَال الْحَسَنَات بالسيئات
والتكفير: بِالْعَكْسِ
الْإِحْرَاز: الصيانة والادخار لوقت الْحَاجة
الإحالة: (أحَال الرجل فِي الْمَكَان) : قَامَ فِيهِ حولا و (أحَال الْمنزل إِحَالَة) أَي: حَال عَلَيْهِ حول
وَحَال الشَّيْء بيني وَبَيْنك حولا؛ وَحَال الْحول، وَحَال عَن الْعَهْد حوالا
وحالت النَّاقة والنخلة حيالا: إِذا لم تحمل
وَأحلت زيدا بِكَذَا من المَال على رجل فاحتال زيد بِهِ عَلَيْهِ فَأَنا محيل وَفُلَان محَال ومحتال، وَالْمَال محَال بِهِ ومحتال بِهِ، وَالرجل محَال عَلَيْهِ ومحتال عَلَيْهِ
الأحداد: أحددت السكين احدادا وَكَذَا أحددت إِلَيْك النّظر
وحددت حُدُود الدَّار أَحدهَا حدا
وحدت الْمَرْأَة على زَوجهَا تحد حدا وحدادا: إِذا تركت الزِّينَة
وحددت الرجل أحده حدا، وحددت على الرجل أحده حِدة وحدا
الاحمرار: احمر: يُقَال لما احمر وهلة نَحْو: احمر الثَّوْب
(1/57)

واحمار: لما يَبْدُو فِيهِ اللَّوْن شَيْئا بعد شَيْء على التدريج نَحْو: احمار الْبُسْر، وَكَذَا فِي نَظَائِره فرقا بَين اللَّوْن الثَّابِت والعارض
الْإِحْرَام: الْمَنْع وَقيل: إِدْخَال الْإِنْسَان نَفسه فِي شَيْء حرم عَلَيْهِ بِهِ مَا كَانَ حَلَالا لَهُ وَيُقَال: أحرم الرجل: إِذا دخل فِي الْحرم، وَأحل: إِذا دخل فِي الْحل، أَو الْمَعْنى: صَار ذَا حل: أَي حَلَالا بتحليل الله؛ ومجيء (افْعَل) على كلا الْوَجْهَيْنِ كثير فِي لِسَان الْعَرَب
الإحفاء: الْمُبَالغَة وبلوغ الْغَايَة يُقَال: أحفى شَاربه: إِذا استأصله
الإجحاف: الإذهاب والتنقيص
أَحْمد: هُوَ (أفعل) مُبَالغَة فِي صفة الْحَمد
وَأحمد الرجل: أَي صَار ذَا حمد
وأحمدته: وجدته مَحْمُودًا وَقَوْلهمْ: الْعود أَحْمد: أَي أَكثر حمدا وَهُوَ (أفعل) من الْمَحْمُود؛ لِأَن الِابْتِدَاء إِذا كَانَ مَحْمُودًا كَانَ الْعود أَحَق بِأَن يحمد مِنْهُ، أَو من الحامد، على حذف الْمُضَاف؛ كَأَنَّهُ قيل: ذُو الْعود أَحْمد على الْإِسْنَاد الْمجَازِي؛ لِأَن وصف الْفِعْل بِالْحَمْد وصف لصَاحبه بِهِ وَقد ألغز فِيهِ بعض الْفُضَلَاء:
(واركعه فِي ظلّ غُصْن منوطة ... بلؤلوة نيطت بمنقار طَائِر)
أَحْسَنت: هُوَ بِالْخِطَابِ لَا يُقَال إِلَّا لمن قل صَوَابه حُكيَ أَن مُحَمَّد [بن الْحسن] سَأَلَ فِي حَال صغره أَبَا حنيفَة عَمَّن قَالَ [وَالله] لَا أُكَلِّمك ثَلَاث مَرَّات متعاقبة فَقَالَ الإِمَام: ثمَّ مَاذَا؟ فَتَبَسَّمَ مُحَمَّد وَقَالَ: يَا شيخ انْظُر حسنا فَنَكس الإِمَام رَأسه ثمَّ رفع وَقَالَ: حنث مرَّتَيْنِ
فَقَالَ مُحَمَّد: أَحْسَنت فَقَالَ الإِمَام: لَا أَدْرِي أَي قوليه أوجع لي قَوْله: انْظُر حسنا، أَو قَوْله: أَحْسَنت لِأَن (أَحْسَنت) إِنَّمَا يُقَال لمن قل صَوَابه
[نوع قَوْله تَعَالَى]
{أحصن} : تَزَوَّجن
{لأحتنكن} : لأستولين
{أحاطت بِهِ} : استولت عَلَيْهِ وشملت جملَة أَحْوَاله
[ {فَإِن أحصرتم} : منعتم
{أحسن عملا} : أصوبه وأخلصه
{أحكمت آيَاته} : حفظت من فَسَاد الْمَعْنى وركاكة اللَّفْظ]
{أحقابا} : دهورا متتابعة
ب {الْأَحْقَاف} : الرمال
{أحلامهم} : عُقُولهمْ
(1/58)

{فَلَمَّا أحسوا بأسنا} : أدركوا شدَّة عذابنا إِدْرَاك الْمشَاهد المحسوس
{أَحَادِيث} : حكايات
{أحصى لما لَبِثُوا أمدا} ضبط أمد زمَان لبثهم
{غثاء أحوى} : يَابسا أسود، فَإِن أُرِيد بِهِ الْأسود من الْجَفَاف واليبس فَهُوَ صفة ل (غثاء) أَو من شدَّة الخضرة فحال من (المرعى)
{أَحْصَاهُ الله} : أحَاط بِهِ عددا لم يغيب مِنْهُ شَيْئا
[وَفِي " تَاج المصادر ": الإحصاء أخص من الْعد لِأَنَّهُ الْعد على سَبِيل الِاسْتِقْصَاء، وَظَاهر كَلَام " الصِّحَاح " يدل على الترادف]
(فصل الْألف وَالْخَاء)

[اخشب] : كل شَيْء غليظ فَهُوَ اخشب وخشب
[الِاخْتِصَاص] : كل مركب من خَاص وعام فَلهُ جهتان، قد يقْصد من جِهَة عُمُومه وَقد يقْصد من جِهَة خصوصه؛ فالقصد من جِهَة الْخُصُوص هُوَ الِاخْتِصَاص
وَأما الْحصْر: فَمَعْنَاه نفي غير الْمَذْكُور وَإِثْبَات الْمَذْكُور فَإِذا قلت: (مَا ضربت إِلَّا زيدا) كنت نفيت الضَّرْب عَن غير زيد وأثبته لزيد؛ وَهَذَا الْمَعْنى زَائِد على الِاخْتِصَاص، لِأَن الِاخْتِصَاص إِعْطَاء الحكم للشَّيْء وَالسُّكُوت عَمَّا عداهُ؛ وَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَن الِاخْتِصَاص هُوَ الْحصْر نَفسه لِأَنَّهُ يُفِيد مفاده
والاختصاص يَسْتَدْعِي الرَّد على مدعي الشّركَة، بِخِلَاف الاهتمام فَإِنَّهُ للتبرك لَا للرَّدّ
واختصاص الناعت بالمنعوت: هُوَ أَن يصير الأول نعتا وَالثَّانِي منعوتا، سَوَاء كَانَ متحيزا كَمَا فِي سَواد الْجِسْم أَولا، كَمَا فِي صِفَات الْبَارِي
والاختصاص النَّحْوِيّ: هُوَ النصب على الْمَدْح
و [الِاخْتِصَاص] الْبَيَانِي: هُوَ النصب بإضمار فعل لَائِق، وَأكْثر الْأَسْمَاء دُخُولا فِي النصب على الِاخْتِصَاص (معشر) و (آل) و (أهل) و (بَنو) وَأما (أهل) فِي قَوْله تَعَالَى: {ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت} فَالصَّوَاب أَنه منادى، والمنصوب على الِاخْتِصَاص لَا يكون نكرَة وَلَا مُبْهما
والاختصاص على ثَلَاثَة أوجه: أكمل: وَهُوَ فِي الْإِضَافَة بِمَعْنى اللَّام نَحْو: (غُلَام زيد)
وكامل: وَهُوَ فِي الْإِضَافَة بِمَعْنى (من) أَو (فِي) نَحْو: (خَاتم فضَّة) و (ضرب الْيَوْم)
وناقص: وَهُوَ فِي الْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة نَحْو: (كَوْكَب الخرقاء) وَالْأَصْل فِي لفظ الِاخْتِصَاص وَالْخُصُوص والتخصيص أَن يسْتَعْمل بِإِدْخَال البا على الْمَقْصُور عَلَيْهِ، أَعنِي مَا لَهُ الْخَاصَّة يُقَال: (اخْتصَّ الْجُود بزيد) أَي صَار مَقْصُورا عَلَيْهِ، إِلَّا أَن الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال إِدْخَال الْبَاء على
(1/59)

الْمَقْصُور، أَعنِي الْخَاصَّة بِنَاء على تضمين معنى التَّمْيِيز والإفراد لِأَن تَخْصِيص شَيْء بآخر فِي قُوَّة تَمْيِيز الآخر بِهِ
والاختصاص يتَعَدَّى وَيلْزم
الِاخْتِصَار: اختصر فلَان أَي أَخذ المخصرة
و [اختصر] الْكَلَام: أوجزه بِحَذْف طوله
و [اختصر] السَّجْدَة: قَرَأَ سورتها وَترك آيتها كَيْلا يسْجد، أَو أفرد آيتها فَقَرَأَ بهَا ليسجد فِيهَا، وَقد نهي عَنْهُمَا
وَهُوَ عرفا: تقليل المباني مَعَ إبْقَاء الْمعَانِي أَو حذف عرض الْكَلَام وَهُوَ جلّ مَقْصُود الْعَرَب وَعَلِيهِ مبْنى أَكثر كَلَامهم وَمن ثمَّة وضعُوا الضمائر لِأَنَّهَا أخصر من الظَّوَاهِر خُصُوصا ضمير الْغَيْبَة، فَإِنَّهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {أعد الله لَهُم مغْفرَة} قَامَ مقَام عشْرين ظَاهرا [كَمَا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين]
والاختصار أَمر نسبي، يعْتَبر تَارَة إِضَافَته إِلَى مُتَعَارَف الأوساط وَتارَة إِلَى كَون الْمقَام خليقا بِعِبَارَة أبسط من الْعبارَة الَّتِي ذكرت؛ وَقد أَكْثرُوا من الْحَذف، فَتَارَة لحرف من الْكَلِمَة، وَتارَة للكلمة بأسرها، وَتارَة للجملة كلهَا، وَتارَة لأكْثر من ذَلِك، وَلِهَذَا تَجِد الْحَذف كثيرا عِنْد الاستطالة كحذف عَائِد الْمَوْصُول فَإِنَّهُ كثير عِنْد طول الصِّلَة
الِاخْتِلَاف: هُوَ لفظ مُشْتَرك بَين معَان، يُقَال: (هَذَا الْكَلَام مُخْتَلف) إِذا لم يشبه أَوله آخِره فِي الفصاحة أَو بعضه على أسلوب مَخْصُوص فِي الجزالة وَبَعضه على أسلوب يُخَالِفهُ وَالنّظم الْمُبين على منهاج وَاحِد فِي النّظم مُنَاسِب أَوله آخِره وعَلى دَرَجَة وَاحِدَة فِي غَايَة الفصاحة وَلذَلِك كَانَ أحسن الحَدِيث وأفصحه
{وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا}
وَمَا جَازَ من الِاخْتِلَاف فِي الْقُرْآن هُوَ اخْتِلَاف تلاؤم وَهُوَ مَا يُوَافق الْجَانِبَيْنِ، كاختلاف وُجُوه الْقُرْآن ومقادير السُّور والآيات، وَالْأَحْكَام، من
(1/60)

النَّاسِخ والمنسوخ، وَالْأَمر وَالنَّهْي، والوعد والوعيد، وَمَا يمْتَنع عَلَيْهِ هُوَ مَا يَدْعُو فِيهِ أحد الشَّيْئَيْنِ إِلَى خلاف الآخر وَمَا يُوهم الِاخْتِلَاف والتناقض
وَلَيْسَ كَذَلِك كنفي الْمَسْأَلَة يَوْم الْقِيَامَة وإثباتها وكتمان الْمُشْركين حَالهم وإفشائها، وَخلق الأَرْض وَالسَّمَاء بِدَلِيل قَوْله: {الَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ} إِلَى قَوْله: {وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام} وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ أَيَّام التخليق ثَمَانِيَة، مَعَ أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام
وَنَظِير هَذَا حَدِيث " من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها فَلهُ قيراطان " وَالْمرَاد بهما: الأول وَآخر مَعَه، بِدَلِيل {مثنى وَثَلَاث وَربَاع}
وَنَظِير هَذَا: " من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نصف اللَّيْل، وَمن صلى الْفجْر بِجَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْل كُله " وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي " جَامع التِّرْمِذِيّ أَيهمَا تقدم "
والإتيان بِحرف (كَانَ) الدَّالَّة على الْمُضِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ الله} مَعَ أَن الصِّيغَة لَازِمَة، وَقد أجَاب عَنهُ ابْن عَبَّاس بِأَن نفي الْمَسْأَلَة فِيمَا قبل النفخة الثَّانِيَة وإثباتها فِيمَا بعد ذَلِك والكتمان بألسنتهم فَتَنْطِق جوارحهم وَبَدَأَ خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ غير مدحوة، فخلق السَّمَاوَات فسواهن فِي يَوْمَيْنِ ثمَّ دحا الأَرْض وَجعل مَا فِيهَا فِي يَوْمَيْنِ، تِلْكَ أَرْبَعَة أَيَّام للْأَرْض، فتم خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام
و (كَانَ) وَإِن كَانَت للماضي، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِم الِانْقِطَاع، بل المُرَاد أَنه لم يزل كَذَلِك
وَالِاخْتِلَاف فِي الْأُصُول ضلال، وَفِي الآراء والحروب حرَام وَالِاخْتِلَاف فِي الْفُرُوع هُوَ كالاختلاف فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَنَحْوهمَا؛ والاتفاق فِيهِ خير قطعا وَلَكِن هَل يُقَال إِن الِاخْتِلَاف فِيهِ ظلال؟ كالأولين فِيهِ خلاف
وَالِاخْتِلَاف: هُوَ أَن يكون الطَّرِيق مُخْتَلفا وَالْمَقْصُود وَاحِدًا
وَالْخلاف: هُوَ أَن يكون كِلَاهُمَا مُخْتَلفا
وَالِاخْتِلَاف: مَا يسْتَند إِلَى دَلِيل
وَالْخلاف: مَا لَا يسْتَند إِلَى دَلِيل وَالِاخْتِلَاف من آثَار الرَّحْمَة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَشْهُور وَالْمرَاد فِيهِ الِاجْتِهَاد لَا اخْتِلَاف النَّاس فِي الهمم بِدَلِيل " أمتِي "
وَالْخلاف من آثَار الْبِدْعَة [وَفسّر الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر حَدِيث: " سَأَلت رَبِّي فِيمَا يخْتَلف فِيهِ أَصْحَابِي من بعدِي فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيّ أَن يَا مُحَمَّد إِن أَصْحَابك عِنْدِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم بَعْضهَا أَضْوَأ من بعض فَمن أَخذ بِشَيْء مِمَّا هم عَلَيْهِ فَهُوَ عِنْدِي على الْهدى " رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب عَن سيدنَا عمر بن الْخطاب رَضِي الله تعلى عَنْهُمَا بِأَن من تمسك بِطَاعَة الْأُمَرَاء إِلَّا فِي الْمعْصِيَة، وباتباع الْعلمَاء إِلَّا فِي الزلة والبدعة وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَالْجمعَات إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة، فَهُوَ فِي الْفُرُوع من أهل الْخلاف وَالرَّحْمَة، وَمن ترك شَيْئا مِنْهَا فَهُوَ من أهل الْخلاف والبدعة، فالاختلاف من آثَار الرَّحْمَة، وَالْخلاف من آثَار الْبِدْعَة] وَلَو حكم القَاضِي بِالْخِلَافِ وَرفع لغيره يجوز فَسخه، بِخِلَاف الِاخْتِلَاف، فَإِن الْخلاف هُوَ مَا وَقع فِي
(1/61)

مَحل لَا يجوز فِيهِ الِاجْتِهَاد، وَهُوَ مَا كَانَ مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
الْأَخْذ: التَّنَاوُل
وَأخذ إخذهم: أَي سَار سيرتهم وتخلق بأخلاقهم
وَأخذ يعدى بِالْبَاء نَحْو: {يُؤْخَذ بالنواصي} وبنفسه نَحْو: {خُذْهَا وَلَا تخف} وَإِن كَانَ الْمَقْصُود بِالْأَخْذِ غير الشَّيْء الْمَأْخُوذ حسا فيتعدى إِلَيْهِ بِحرف وَالْفِعْل مَعَ صلته قد يكون بِمَعْنى فعل آخر مَعَ صلَة أُخْرَى ك (أَخذ بِهِ) فَإِنَّهُ بِمَعْنى (حمل عَلَيْهِ) وَعَلِيهِ: {أَخَذته الْعِزَّة بالإثم} وك (تقدم إِلَيْهِ) فَإِنَّهُ بِمَعْنى (أَمر بِهِ) ودائرة الْأَخْذ أوسع من دَائِرَة الِاشْتِقَاق، وكل مَا مادته ثلاثية فلهَا تقاليب سِتَّة، أَرْبَعَة مِنْهَا مستعملة، وَاثْنَانِ مُهْملَة مِثَاله مَادَّة الْكَلَام، فَإِن تقاليب هَذِه الْحُرُوف الثَّلَاثَة تدل على التَّأْثِير بِشدَّة: (كلم) (ملك) (لكم) (كمل) هَذَا معنى الْأَخْذ وَلَيْسَ فِيهِ اشتقاق
الِاخْتِيَار: هُوَ طلب مَا هُوَ خير وَفعله، وَقد يُقَال لما يرَاهُ الْإِنْسَان خيرا وَإِن لم يكن خيرا
وَقَالَ بَعضهم: الِاخْتِيَار: الْإِرَادَة مَعَ مُلَاحظَة مَا للطرف الآخر، كَأَن الْمُخْتَار ينظر إِلَى الطَّرفَيْنِ ويميل إِلَى أَحدهمَا والمريد ينظر إِلَى الطّرف الَّذِي يُريدهُ
وَالْمُخْتَار فِي عرف الْمُتَكَلِّمين: يُقَال لكل فعل يَفْعَله الْإِنْسَان لَا على سَبِيل الْإِكْرَاه فَقَوْلهم (هُوَ مُخْتَار فِي كَذَا) فَلَيْسَ يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرَاد بقَوْلهمْ: (فلَان لَهُ اخْتِيَار) فَإِن الِاخْتِيَار أَخذ مَا يرَاهُ خيرا
وَالْمُخْتَار: قد يُقَال للْفَاعِل وَالْمَفْعُول
وَاعْلَم أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَاعل بِالِاخْتِيَارِ عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على إِثْبَات الصِّفَات الزَّائِدَة لَهُ تَعَالَى من الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة واشتمال أَفعاله على الحكم والمصالح لكَونهَا مبادئ الْأَفْعَال الاختيارية عَن الْفَاعِل الْمُخْتَار؛ وَلَا يلْزم قدم الْمَعْلُول من قدم الْفَاعِل الْمُخْتَار، لِأَن تعلق الْإِرَادَة بِوُجُود الْمَعْلُول عِنْد كَون الْفَاعِل مُخْتَارًا جُزْء من الْعلَّة؛ فَيجوز أَن يتَأَخَّر وجوده مَعَ تَمام استعداده فِي ذَاته، كَمَا فِي الكبريت مثلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّار، عَن وجود الْفَاعِل المستقل بالتأثير بِأَن تتَعَلَّق إِرَادَته بِوُجُودِهِ فِي وَقت معِين دون وَقت سَابق أَو لَاحق، لحكمة اقتضته، فَلَا يلْزم ذَلِك، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُوجبا، فَإِنَّهُ يلْزم من قدم الْفَاعِل الْمُوجب قدم الْمَعْلُول، وَإِلَّا لزم التَّخَلُّف عَن الْعلَّة التَّامَّة وَلِهَذَا ذهب الفلاسفة إِلَى قدم الأفلاك
الآخر: بِكَسْر الْخَاء مُقَابل للْأولِ وَهُوَ فِي حَقنا اسْم لفرد لَاحق لمن تقدمه وَلم يتعقبه مثله؛ يجمع على (آخَرين) بِالْكَسْرِ، وتأنيثه بِالتَّاءِ لَا غير
وَرجل آخر: مَعْنَاهُ أَشد تأخرا فِي الذّكر هَذَا أَصله ثمَّ أجري مجْرى غَيره، ومدلول الآخر فِي اللُّغَة خَاص بِجِنْس مَا تقدمه فَلَو قلت: (جَاءَنِي زيد وَآخر مَعَه) لم يكن الآخر إِلَّا من جنس مَا قلته؛ بِخِلَاف غير فَإِنَّهَا تقع على الْمُغَايرَة مُطلقًا فِي جنس أَو صفة
(1/62)

وَأخر: كزفر جمع أُخْرَى ك (الْكبر) و (الْكُبْرَى) ؛ وَإِنَّمَا لم ينْصَرف لِأَنَّهُ وصف معدول عَن الآخر
وَالْقِيَاس أَن يعرف وَلم يعرف، إِلَّا أَنه فِي معنى الْمُعَرّف وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن من الْأَلْفَاظ المعدولة إِلَّا أَلْفَاظ الْعدَد (مثنى وَثَلَاث وَربَاع) وَمن غَيرهَا: {طوى} وَمن الصِّفَات: (أخر) فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأخر متشابهات} قَالَ الْكرْمَانِي: مَا فِي الْآيَة لَا يمْتَنع كَونهَا معدولة عَن الْألف وَاللَّام مَعَ كَونهَا وَصفا لنكرة، لِأَن ذَلِك مُقَدّر من وَجه وَغير مُقَدّر من وَجه
وَأُخْرَى: مؤنث آخر، الَّذِي هُوَ اسْم التَّفْضِيل يجمع على آخَرين بِالْفَتْح وَقد نظمت فِيهِ:
(مُقَابل الأول قل آخر ... كفاعل تأنيثه الْآخِرَة)

(وَآخر أفعل تأنيثه ... أُخْرَى فهاك درة فاخرة)
وَقَوْلهمْ: (جَاءَ فِي أخريات النَّاس) و (خرج فِي أوليات اللَّيْل) يعنون بهما الْأَوَاخِر والأوائل من غير نظر لِمَعْنى الصّفة
وَالْآخِرَة وَكَذَا الدُّنْيَا: مَعَ كَونهمَا من الصِّفَات الْغَالِبَة قد جرتا مجْرى الْأَسْمَاء إِذْ قل مَا يذكر مَعَهُمَا موصوفهما، كَأَنَّهُمَا ليسَا من الصِّفَات
والأخرة: كالثمرة بِمَعْنى الْأَخير (جَاءَنِي فلَان أخرة وبأخرة) و (عرفه بِأخرَة) أَي: أخيرا
وَهُوَ فِي مَوضِع الْحَال، وَحقّ الْحَال أَن تكون نكرَة و (عَن آخِرهم) فِي قَوْلهم: (اتَّفقُوا عَن آخِرهم) مُتَعَلق بِصفة مصدر مَحْذُوف أَي اتِّفَاقًا صادرا عَن آخِرهم وَهُوَ عبارَة عَن الْإِحَاطَة التَّامَّة
وَوَجهه أَن تَمام الشَّيْء وانتهاءه بِآخِرهِ، فَعبر عَن تَمَامه بِهِ فَيكون من بَاب ذكر الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل، إِذْ آخر الشَّيْء هُوَ الْجُزْء الَّذِي يتم عِنْده الشَّيْء
الْأَخ: هُوَ كل من جمعك وإياه صلب أَو بطن، ويستعار لكل مشارك لغيره فِي الْقَبِيلَة أَو فِي الدّين أَو فِي الصَّنْعَة أَو فِي مُعَاملَة أَو فِي مَوَدَّة أَو فِي غير ذَلِك من المناسبات
وَالْأُخْت: كالأخ و {يَا أُخْت هَارُون} يَعْنِي أُخْته فِي الصّلاح لَا فِي النّسَب، وَالتَّاء لَيست للتأنيث
وَالإِخْوَة: تسْتَعْمل فِي النّسَب والمشابهة والمشاركة فِي شَيْء، وتتناول الْمُخْتَلط من الذُّكُور وَالْإِنَاث، لِأَن الْجمع الْمُذكر يتَنَاوَل الذُّكُور وَالْإِنَاث تَغْلِيبًا، كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كَانُوا إخْوَة رجَالًا وَنسَاء} قيل: الْإِخْوَة جمع الْأَخ من النّسَب والإخوان جمع أَخ من الصداقة
وَلم يعن النّسَب فِي: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة} وَأما {أَو بيُوت إخْوَانكُمْ} فَفِي النّسَب
وَالإِخْوَة: إِذا كَانُوا من أَب وَاحِد وَمن أم وَاحِدَة، يُقَال: بَنو أَعْيَان؛ وَإِذا كَانُوا من رجال شَتَّى يُقَال: بَنو أخياف؛ وَإِذا كَانُوا من نسَاء شَتَّى يُقَال: بَنو علات
واستعارة الْأُخْت للمثل اسْتِعَارَة غَرِيبَة غير مصنوعة للنحاة
(1/63)

{كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا} : أَي مثلهَا {وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا} أَي: من الْآيَة الَّتِي تقدمتها سَمَّاهَا أُخْتا لاشْتِرَاكهمَا فِي الصِّحَّة والإبانة والصدق
الْإِخْبَار: هُوَ تكلم بِكَلَام يُسمى خَبرا، وَالْخَبَر: اسْم لكَلَام دَال على أَمر كَائِن أَو سَيكون
والإخبار كَمَا يتَحَقَّق بِاللِّسَانِ يتَحَقَّق بِالْكِتَابَةِ والرسالة لِأَن الْكتاب من الْغَائِب كالخطاب، ولسان الرَّسُول كلسان الْمُرْسل وَصَحَّ أَن يُقَال: (أخبر الله بِكَذَا) وَإِن كَانَ ذَلِك بِالْكتاب، لكِنهمْ فرقوا بَين كتاب القَاضِي وَبَين رَسُوله من حَيْثُ أَن القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ يعْمل بِالْكتاب وَلَا يعْمل برسالة الرَّسُول، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة الْخطاب مشافهة، لِأَن الْكِتَابَة فِي مجْلِس حكمه فإخباره فِي مجْلِس ولَايَته يقوم مقَام شَاهِدين، لِأَنَّهُ نَائِب رَسُول الله وَقَول المنوب عَنهُ حجَّة على الِانْفِرَاد، فَكَذَا قَول نَائِبه، وَأما أَدَاء الرسَالَة من الرَّسُول فقد وجد فِي غير مَحل ولَايَة الْمُرْسل فَيكون قَوْله شَهَادَة وَلَو ذهب بِنَفسِهِ إِلَى بلد القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ فَلَا تقبل مَا لم يَنْضَم إِلَيْهِ شَاهد آخر، إِلَّا أَن يكون الذَّاهِب الْمخبر قَاضِي الْقُضَاة لِأَن إخْبَاره حجَّة ككتابه
والإظهار والإفشاء والإعلام: يكون بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَة وَالْكَلَام
وَالْإِخْلَاص: هُوَ الْقَصْد بِالْعبَادَة إِلَى أَن يعبد المعبود بهَا وَحده وَقيل: تصفية السِّرّ وَالْقَوْل وَالْعَمَل؛ و {إِنَّه كَانَ مخلصا} بِفَتْح اللَّام أَي: اجتباه الله واستخلصه وبالكسر: أَي أخْلص لله فِي التَّوْحِيد وَالْعِبَادَة
وَمَتى ورد الْقُرْآن بقراءتين فَكل مِنْهُمَا ثَابت مَقْطُوع بِهِ
الاختفاء: الاستخراج وَمِنْه قيل للنباش مختف واستخفيت من فلَان: استترت مِنْهُ
وأخفيت الشَّيْء: كتمته وأظهرته جَمِيعًا
وَبلا ألف: أظهرته الْبَتَّةَ وَقد نظمت فِيهِ:
(إِذا أخفيت شَيْئا فِيهِ ... كتمان وَإِظْهَار)

(وَإِن أخفيت ألفا لَيْسَ ... فِيهِ غير إِظْهَار)
{أكاد أخفيها} بِالضَّمِّ: أكتمها وبالفتح: أظهرها
والخفاء: اسْم مصدر ل (أخفيته) لَا مصدر ل (خفيته)
الاختيان: هُوَ أبلغ من الْخِيَانَة، لتَضَمّنه الْقَصْد وَالزِّيَادَة
الإخراب: التعطيل أَو ترك الشَّيْء خرابا
والتخريب: الْهدم
الاختلاج: هُوَ حَرَكَة الْعين أَو عُضْو آخر بِسَبَب ريح خالط أجزاءها
أخلف الله عَلَيْك هَذَا: يُقَال لمن مَاتَ لَهُ ابْن أَو ذهب لَو شَيْء يعتاض مِنْهُ وَأما لَو مَاتَ أَبوهُ أَو أَخُوهُ أَو ذهب لَهُ من لَا يستعيض مِنْهُ يُقَال لَهُ: خلف الله عَلَيْك أَي: كَانَ الله خَليفَة عَلَيْك من مصائبك
(1/64)

قَوْله تَعَالَى: {وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار} تعاقبهما وانتقاص أَحدهمَا وازدياد الآخر
و {أخبتوا إِلَى رَبهم} : اطمأنوا إِلَيْهِ وخشعوا {أخزيته} : أهلكته [وَالْآيَة خَاصَّة لمن لَا يخرج من النَّار؛ فَمَعْنَى تدخل على الْقلب وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه} ]
{اخسؤوا} : اسْكُتُوا سكُوت الهوان
{الْأُخْدُود} : شقّ فِي الأَرْض
{أخدان} : أخلاء فِي السِّرّ
{أخلد إِلَى الأَرْض} : مَال إِلَى الدُّنْيَا أَو إِلَى السفالة
{اخْتِلَاق} : كذب، وكل مَوضِع اسْتعْمل فِيهِ الْخلق فِي وصف الْكَلَام فَالْمُرَاد بِهِ الْكَذِب، وَمن هَذَا الْوَجْه امْتنع كثير من النَّاس عَن إِطْلَاق لفظ الْخلق على الْقُرْآن
{لَوْلَا أخرتني} : أمهلتني
{واخفض جناحك} : لين جَانِبك وتواضع لَهُم وارفق بهم
{وَأَنا اخْتَرْتُك} : أَنا اصطفيتك للنبوة
{أخرج ضحاها} : أبرز ضوء شمسها
[ {أَخَذته الْعِزَّة بالإثم} : حَملته الْجَاهِلِيَّة على الْإِثْم الَّذِي يُؤمر باتقائه {بنعمته إخْوَانًا} : متحابين مُجْتَمعين على الْأُخوة فِي الله]
(فصل الْألف وَالدَّال)

[الإدلاء] : كل إِلْقَاء قَول أَو فعل فَهُوَ إدلاء يُقَال للمحتج: (أدلى بحجته) كَأَنَّهُ يرسلها ليصل إِلَى مُرَاده إدلاء المستسقي الدَّلْو
وأدليت الدَّلْو: أرسلتها فِي الْبِئْر
ودلوتها: أخرجتها
[الْأَدَب] : كل رياضة محمودة يتَخَرَّج بهَا الْإِنْسَان فِي فَضِيلَة من الْفَضَائِل فَإِنَّهَا يَقع عَلَيْهَا الْأَدَب
[الْإِدْغَام] : كل حرفين التقيا وأولهما سَاكن وَكَانَا مثلين أَو جِنْسَيْنِ وَجب إدغام الأول مِنْهُمَا لُغَة وَقِرَاءَة
كل إدغام مضاعف: ك (مد) وكل مضاعف لَيْسَ بإدغام ك (مددت)
كل مَا جَاءَ من الْأَفْعَال المضاعفة على وزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل فالإدغام فِيهِ لَازم إِلَّا أَن يتَّصل بِهِ ضمير الْمَرْفُوع، أَو يُؤمر فِيهِ جمَاعَة الْمُؤَنَّث فَيلْزم حِينَئِذٍ فك الْإِدْغَام وَقد جوز الْإِدْغَام والإظهار فِي الْأَمر الْوَاحِد ك (رد) و (ارْدُدْ) ؛ وَكَذَلِكَ فِي المجزوم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {من يرْتَد مِنْكُم} (وَمن يرتدد
(1/65)

مِنْكُم} {وَمن يشاق الله} {وَمن يُشَاقق الله} وَفِيمَا عدا هَذِه المواطن الْمَذْكُورَة لَا يجوز إبراز التَّضْعِيف إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر؛ وحروف ضم شفوي يدغم فِيهَا مَا يجاورها دون الْعَكْس
الْأَدَاء: هُوَ فِي عرف أهل الشَّرْع عبارَة عَن تَسْلِيم عين الْوَاجِب فِي الْوَقْت
وَالْقَضَاء: عبارَة عَن تَسْلِيم مثل الْوَاجِب فِي غير وقته، كالحائض، نظر فَخر فَخر الْإِسْلَام إِلَى مَعْنَاهُمَا اللّغَوِيّ وَوجد معنى الْقَضَاء شَامِلًا لتسليم الْعين والمثل فَجعله حَقِيقَة فيهمَا، وَوجد معنى الْأَدَاء خَاصّا فِي تَسْلِيم الْعين فَجعله مجَازًا فِي غَيره
وَنظر شمس الْأَئِمَّة إِلَى الْعرف وَالشَّرْع وَوجد كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا بِمَعْنى فَجعلَا مجَازًا فِي غير مَا اخْتصَّ كل وَاحِد بِهِ؛ ثمَّ الْمُؤَدى بعد فَوَاته عَن الْوَقْت الْمعِين يكون قَضَاء عندنَا، سَوَاء كَانَ الْوَاجِب ثَابتا فِي الْوَقْت أَو لم يكن وَقَالَ أَصْحَاب الحَدِيث: إِن كَانَ وَاجِبا فِي الْوَقْت يكون أَدَاء حَقِيقَة؛ وَهُوَ فرض ثَان، وَإِنَّمَا سمي قَضَاء مجَازًا
الْإِدْرَاك: هُوَ عبارَة عَن الْوُصُول واللحوق يُقَال: أدْركْت الثَّمَرَة: إِذا بلغت النضج وَقَالَ أَصْحَاب مُوسَى: {إِنَّا لمدركون} : أَي ملحقون وَمن رأى شَيْئا وَرَأى جوانبه ونهاياته قيل إِنَّه أدْرك بِمَعْنى أَنه رأى وأحاط بِجَمِيعِ جوانبه وَيصِح: (رَأَيْت الحبيب وَمَا أدْركهُ بَصرِي) وَلَا يَصح: (أدْركهُ بَصرِي وَمَا رَأَيْته) فَيكون الْإِدْرَاك أخص من الرُّؤْيَة
والإدراك: تمثل حَقِيقَة الشَّيْء عِنْد الْمدْرك يشاهدها مَا بِهِ يدْرك، وَإِدْرَاك الجزئي على وَجه جزئي ظَاهر؛ وَإِدْرَاك الجزئي على وَجه كلي هُوَ إِدْرَاك كُلية الَّذِي ينْحَصر فِي ذَلِك الجزئي والإدراك وَمُطلق التَّصَوُّر وَاحِد
وَاعْلَم أَن الْإِدْرَاك هُوَ عبارَة عَن كَمَال يحصل بِهِ مزِيد كشف على مَا يحصل فِي النَّفس من الشَّيْء الْمَعْلُوم من جِهَة التعقل بالبرهان أَو الْخَبَر وَهَذَا الْكَمَال الزَّائِد على مَا حصل فِي النَّفس بِكُل وَاحِدَة من الْحَواس هُوَ الْمُسَمّى إدراكا ثمَّ هَذِه الإدراكات لَيست بِخُرُوج شَيْء من الْآلَة الداركة إِلَى الشَّيْء الْمدْرك وَلَا بانطباع صُورَة الْمدْرك فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ معنى يخلقه الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الحاسة، فَلَا محَالة أَن الْعقل يجوز أَن يخلق الله فِي الحاسة المبصرة، بل وَفِي غَيرهَا زِيَادَة كشف بِذَاتِهِ وبصفاته على مَا حصل مِنْهُ بِالْعلمِ الْقَائِم فِي النَّفس، من غير أَن يُوجب حدوثا وَلَا نقصا فعلى هَذَا لَا يستبعد أَن يتَعَلَّق الْإِدْرَاك بِمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ الإدراكات فِي مجاري الْعَادَات؛ فَأَيْنَ استدعاء الرُّؤْيَة على فَاسد أصُول المنكرين الْمُقَابلَة المستدعية للجهة الْمُوجبَة كَونه جوهرا أَو عرضا
وَقد تبين أَن الْإِدْرَاك نوع من الْعُلُوم بِخلق الله تَعَالَى، وَالْعلم لَا يُوجب فِي تعلقه بالمدرك مُقَابلَة وجهة؛ وَقد وَردت الْأَخْبَار وتواترت الْآثَار من أَن مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يرى جِبْرِيل وَيسمع كَلَامه عِنْد نُزُوله عَلَيْهِ، وَمن هُوَ حَاضر فِي مَجْلِسه لَا يدْرك شَيْئا من ذَلِك، مَعَ سَلامَة آلَة الْإِدْرَاك
وَاعْلَم أَن أول مَرَاتِب وُصُول الْعلم إِلَى النَّفس
(1/66)

الشُّعُور، ثمَّ الْإِدْرَاك، ثمَّ الْحِفْظ: وَهُوَ استحكام الْمَعْقُول فِي الْعقل، ثمَّ التَّذَكُّر: وَهُوَ محاولة النَّفس استرجاع مَا زَالَ من المعلومات، ثمَّ الذّكر: وَهُوَ رُجُوع الصُّورَة الْمَطْلُوبَة إِلَى الذِّهْن، ثمَّ الْفَهم: وَهُوَ التَّعَلُّق غَالِبا بِلَفْظ من مخاطبك، ثمَّ الْفِقْه: وَهُوَ الْعلم بغرض الْمُخَاطب من خطابه، ثمَّ الدِّرَايَة: وَهُوَ الْمعرفَة الْحَاصِلَة بعد تردد مُقَدمَات، ثمَّ الْيَقِين: وَهُوَ أَن تعلم الشَّيْء وَلَا تتخيل خِلَافه، ثمَّ الذِّهْن: وَهُوَ قُوَّة استعدادها لكسب الْعُلُوم غير الْحَاصِلَة، ثمَّ الْفِكر: وَهُوَ الِانْتِقَال من المطالب إِلَى المبادئ ورجوعها من المبادئ إِلَى المطالب، ثمَّ الحدس: وَهُوَ الَّذِي يتَمَيَّز بِهِ عمل الْفِكر، ثمَّ الذكاء: وَهُوَ قُوَّة الحدس، ثمَّ الفطنة: وَهِي التنبه للشَّيْء الَّذِي يقْصد مَعْرفَته، ثمَّ الْكيس: وَهُوَ استنباط الأنفع، ثمَّ الرَّأْي: وَهُوَ استحضار الْمُقدمَات وإجالة الخاطر فِيهَا، ثمَّ التبين: وَهُوَ علم يحصل بعد الالتباسس، ثمَّ الاستبصار: وَهُوَ الْعلم بعد التَّأَمُّل، ثمَّ الْإِحَاطَة: وَهِي الْعلم بالشَّيْء من جَمِيع وجوهه، ثمَّ الظَّن: وَهُوَ أَخذ طرفِي الشَّك بِصفة الرجحان، ثمَّ الْعقل: وَهُوَ جَوْهَر تدْرك بِهِ الغائبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ
والمدرك إِن كَانَ مُجَردا عَن الْمَادَّة كإمكان زيد فإدراكه تعقل أَيْضا، وحافظه مَا ذكر أَيْضا
وَإِن كَانَ ماديا: فإمَّا أَن يكون صُورَة وَهِي مَا يدْرك بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس الظَّاهِرَة، فَإِن كَانَ مَشْرُوطًا بِحُضُور الْمَادَّة فإدراكه تخيل وحافظها الخيال
وَإِمَّا أَن يكون معنى وَهُوَ مَا لَا يدْرك بِإِحْدَى الْحَواس الظَّاهِرَة، فإدراكه توهم وحافظها الذاكرة، كإدراك صداقة زيد وعداوة عَمْرو، وَإِدْرَاك الْغنم عَدَاوَة الذِّئْب، وَلَا بُد من قُوَّة أُخْرَى متصرفة تسمى مفكرة ومتخيلة
الإدماج: هُوَ فِي البديع أَن يدمج الْمُتَكَلّم غَرضا فِي غَرَض، أَو بديعا فِي بديع، بِحَيْثُ لَا يظْهر فِي الْكَلَام إِلَّا أَحدهمَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: {لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة} فَإِن الْغَرَض تفرده سُبْحَانَهُ بِوَصْف الْحَمد، فأدمج فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى الْبَعْث وَالْجَزَاء
وَهُوَ أَعم من الاستتباع: لشُمُوله الْمَدْح وَغَيره، والاستتباع: يخْتَص بالمدح
الإدلاج: بِالتَّخْفِيفِ سير أول اللَّيْل و [الادلاج] : بِالتَّشْدِيدِ سير آخر اللَّيْل
الادعاء: هُوَ مصدر ادّعى افتعال من دَعَا
وَادّعى كَذَا: زعم لَهُ حَقًا وباطلا
وَالدَّعْوَى: على وزن (فعلى) اسْم مِنْهُ وألفها للتأنيث فَلَا تنون؛ يُقَال: (دَعْوَى بَاطِلَة أَو صَحِيحه) وَالْجمع بِفَتْح الْوَاو لَا غير، ك (فَتْوَى) و (فَتَاوَى) وَمَا يدعى: هُوَ الْمُدعى بِهِ، وَالْمُدَّعِي خطأ
وَالدَّعْوَى: فِي الفغة قَول يقْصد بِهِ إِيجَاب حق على غَيره، وَفِي عرف الْفُقَهَاء: مُطَالبَة حق فِي مجْلِس من لَهُ الْخَلَاص عِنْد ثُبُوته؛ وسببها تعلق الْبَقَاء الْمُقدر بتعاطي الْمُعَامَلَات، وَشَرطهَا حُضُور الْخصم ومعلومية الْمُدَّعِي وَكَونه ملزما على
(1/67)

الْخصم، وَحكم الصِّحَّة مِنْهَا وجوب الْجَواب على الْخصم بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات؛ وشرعيتها لَيست لذاتها بل لانقطاعها دفعا للْفَسَاد المظنون ببقائها
الْأَدَب: هُوَ علم يحْتَرز بِهِ عَن الْخلَل فِي كَلَام الْعَرَب لفظا أَو كِتَابَة، أُصُوله: اللُّغَة، وَالصرْف، والاشتقاق، والنحو، والمعاني، وَالْبَيَان، وَالْعرُوض، والقافية. وفروعه: الْخط، وقرض الشّعْر، والإنشاء، والمحاضرات وَمِنْهَا التواريخ، والبديع ذيل للمعاني وَالْبَيَان
الأد: بِالْفَتْح وَالْكَسْر هُوَ الْعَظِيم الْمُنكر
والإدة: الشدَّة
وأدني وآدني: أثقلني وَعظم عَليّ
الأدمة: هِيَ بَاطِن الْجلد والبشرة ظَاهره
والآدمي: مَنْسُوب إِلَى آدم النَّبِي بِأَن يكون من أَوْلَاده وَلَو كَانَ كَافِرًا
الإدام: هُوَ مَا يؤتدم بِهِ مَائِعا كَانَ أَو جَامِدا، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي يطيب الْخبز ويصلحه ويلتذ بِهِ الْآكِل ومدار التَّرْكِيب على الْمُوَافقَة والملاءمة
والصبغ: مُخْتَصّ بالمائع وَهُوَ مَا يغمس فِيهِ الْخبز ويلون
إِدْرِيس: هُوَ نَبِي، وَلَيْسَ من الدراسة لِأَنَّهُ أعجمي، واسْمه خنوخ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: " إِدْرِيس بعد نوح على الصَّحِيح، أعطي النُّبُوَّة والرسالة فَلَمَّا رأى الله من أهل الأَرْض مَا رأى من جَوْرهمْ واعتدائهم فِي أَمر الله تَعَالَى رَفعه إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة "
رُوِيَ أَنه لم ينم وَلم يَأْكُل وَلم يشرب سِتّ عشرَة سنة، وَهُوَ أول من خطّ بالقلم [نوع قَوْله تَعَالَى] {أَو أدنى} : أَي أقرب منزلَة وأدون قدرا
{فادارأتم} : اختصمتم
{وَلَا أدراكم} : لَا أعلمكُم
{ادارك علمهمْ} : غَابَ علمهمْ
{أدنى الأَرْض} : طرف الشَّام
{فأدلى دلوه} : فأرسلها
{ادْعُونِي} : وحدوني
{فَادع لنا} : سل لنا بدعائك]
{وإدبار النُّجُوم} : وَإِذا أَدْبَرت النُّجُوم من آخر اللَّيْل
{وأدبار السُّجُود} : أعقاب الصَّلَاة
آدم: النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سمي بِهِ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض قَالَ بَعضهم: هُوَ التُّرَاب بالعبرانية وَقَالَ بَعضهم: أعجمي مُعرب وَمَعْنَاهُ بالسُّرْيَانيَّة: السَّاكِن قَالَ بَعضهم: أَصله بهمزتين على (أفعل) ، لين الثَّانِيَة؛ وَإِذا احْتِيجَ إِلَى تحريكها جعلت واوا، فَيُقَال فِي الْجمع أوادم
وَأقرب أمره أَن يكون على فَاعل لاتفاقهم على أَنه
(1/68)

لَو جمع ف (أوادم) بِالْوَاو، وَاعْتذر من قَالَ على (أفعل) بِأَنَّهُ لما لم يكن للهمزة أصل فِي الْيَاء مَعْرُوف جعلت الْغَالِب عَلَيْهَا الْوَاو
وَأما الآدم: من الْإِنْسَان لِمَعْنى الأسمر ف (أفعل) جمعه (أدمان)
وَكَونه اسْما أعجميا يمنعهُ كَون الِاشْتِقَاق من خَصَائِص اللَّفْظ الْعَرَبِيّ وَقيل: الْحق صِحَة الِاشْتِقَاق فِي الْأَلْفَاظ العجمية أَيْضا وَالْقَوْل بالاشتقاق قبل وجود الْعَرَب والعجم إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار مَا يحدث
(فصل الْألف والذال)

كل مَا ورد فِي الْقُرْآن: وَإِذ، ف (اذكر) : فِيهِ مُضْمر أَي: اذكر لَهُم أَو فِي نَفسك كَيْفَمَا يَقْتَضِيهِ صدر الْكَلَام و [إِذْ مَنْصُوب بِهِ، وَعَلِيهِ اتِّفَاق أهل التَّفْسِير، مَعَ أَن القَوْل وَاقع فِيهِ، وَلم يَجْعَلُوهُ ظرفا لَهُ بل مَفْعُولا بِهِ على سَبِيل التَّجَوُّز، مَعَ أَنه لَازم الظَّرْفِيَّة فعدلوا عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز لعدم إِمْكَان اعْتِبَار مظروفية الْمُضَاف إِلَيْهِ]
إِذْ: هَل هُوَ ظرف زمَان أَو مَكَان أَو حرف بِمَعْنى المفاجأة، أَو حرف مُؤَكد أَي زَائِد؟ فِيهِ أَقْوَال
وَالْحق ان إِذْ وَكَذَا إِذا كِلَاهُمَا من الْأَسْمَاء اللَّازِمَة الظَّرْفِيَّة؛ بِمَعْنى أَنَّهُمَا يكونَانِ فِي أَكثر الْمَوَاضِع مَفْعُولا فِيهِ؛ وَأما كَونهمَا مَفْعُولا بِهِ وبدلا وخبرا لمبتدأ فقليل لَكِن الْفرق بَينهمَا ان إِذْ ظرف وضع لزمان نِسْبَة مَا ضية وَقع فِيهِ أُخْرَى، وَإِذا: ظرف وضع لزمان نِسْبَة مُسْتَقْبلَة يَقع فِيهِ أُخْرَى؛ وَلذَلِك تجب إضافتهما إِلَى الْجمل، ك (حَيْثُ) فِي الْمَكَان، وبنيا تَشْبِيها بالموصولات، واستعملتا للتَّعْلِيل والمجازاة؛ ومحلهما النصب أبدا على الظَّرْفِيَّة، فَإِنَّهُمَا من الظروف غير المتصرفة لبنائهما؛ وَقد تسْتَعْمل إِذا للماضي نَحْو: {إِذا بلغ بَين السدين} {إِذا سَاوَى بَين الصدفين}
والاستمرار فِي الْمَاضِي دون الشَّرْط نَحْو: {وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا}
وتستعمل للشّرط من غير سُقُوط الْوَقْت ك (مَتى) و (حَيْثُمَا) وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين
وَاسْتدلَّ لإِفَادَة الْوَقْت الْخَاص فِي أَمر مترقب، أَي منتظر لَا محَالة بقوله تَعَالَى {إِذا الشَّمْس كورت}
ولإفادة الْوَقْت فِي أَمر كَائِن فِي الْحَال بقول الْقَائِل:
(وَإِذا تكون كريهة أدعى لَهَا ... وَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب)
هَذَا عِنْد الْإِمَامَيْنِ؛ وَأما عِنْد أبي حنيفَة ف (إِذا) مُشْتَرك بَين الظّرْف وَالشّرط، يسْتَعْمل فيهمَا، وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين؛ وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر فِي نصيحة ابْنه:
(واستغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى ... وَإِذا تصبك خصَاصَة فتجمل)
وَوجه ذَلِك ان إِصَابَة الْخَصَاصَة من الْأُمُور المترددة، وَهِي لَيست مَوضِع (إِذا) فَكَانَت بِمَعْنى (إِن) ؛ وَلم يسْتَدلّ على جَانب الظَّرْفِيَّة اكْتِفَاء بدليلهما
(1/69)

[قَالَ الْمبرد: " وَإِذا جَاءَ (إِذْ) مَعَ الْمُسْتَقْبل كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيا كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذ يمكر بك} (وَإِذ مكروا) وَإِذا جَاءَ (إِذا) مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبلا كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى} و {إِذا جَاءَ نصر الله} ]
وَقد يَجِيء (إِذا) و (إِذا) لمحض الِاسْم، يَعْنِي أَنَّهُمَا يستعملان من غير أَن يكون فيهمَا معنى الظّرْف أَو الشَّرْط، نَحْو: (إِذا يقوم زيد) أَي: وَقت قِيَامه
و (إِذْ) يدل على وَقت مَاض ظرفا نَحْو: (جئْتُك إِذْ طلع الْفجْر)
ومفعولا بِهِ نَحْو: {واذْكُرُوا إِذْ كُنْتُم قَلِيلا} وَكَذَا الْمَذْكُورَة فِي أَوَائِل الْقَصَص، كلهَا مفعول بِهِ بِتَقْدِير (اذكر)
وبدلا نَحْو: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت}
ومضافا إِلَيْهَا اسْم زمَان صَالح للحذف نَحْو: {يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا} وَهِي من إِضَافَة الْأَعَمّ إِلَى الْأَخَص، أَو غير صَالح لَهُ نَحْو {بعد إِذْ هديتنا}
وللتعليل نَحْو: {وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم}
و (إِذْ) فِي قَوْله تَعَالَى: {فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم} للماضي على تَنْزِيل الْمُسْتَقْبل الْوَاجِب الْوُقُوع منزلَة مَا قد وَقع
وَترد للمفاجأة بعد (بَينا) و (بَيْنَمَا) وتلزمها الْإِضَافَة إِلَى جملَة إِمَّا اسمية أَو فعلية فعلهَا مَاض لفظا وَمعنى، أَو معنى لَا لظفا وَقد اجْتمعت الثَّلَاثَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه}
وَإِذا للأمور الْوَاجِبَة الْوُجُود وَمَا جرى ذَلِك المجرى مِمَّا علم انه كَائِن
وَمَتى: لما لم يتَرَجَّح بَين أَن يكون وَبَين أَن لَا يكون تَقول: (إِذا طلعت الشَّمْس خرجت) وَلَا يَصح فِيهِ مَتى وَتقول: (مَتى تخرج اخْرُج) لمن لم يتَيَقَّن بِأَنَّهُ خَارج
[وَفِي إِذا الْمُسْتَعْمل لمُجَرّد الظّرْف لَا بُد أَن يكون الْفِعْل فِي الْوَقْت الْمَذْكُور مُتَّصِلا بِهِ مثل: {وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى} ]
وَفِي إِذا الشّرطِيَّة لَا يلْزم ذَلِك، فَإنَّك إِذا قلت: (إِذا علمتني تثاب) يكون الثَّوَاب بعده زَمَانا؛ لَكِن اسْتِحْقَاقه يثبت فِي ذَلِك الْوَقْت مُتَّصِلا بِهِ؛ وَلَو قَالَ: (أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار [أَو إِذا دخلت الدَّار] لم تطلق حَتَّى تدخل، فقد اسْتَوَت (إِن) و (إِذا) فِي هَذَا الْموضع وَلَو قَالَ: (إِذا لم
(1/70)

أطلقك) أَو (مَتى لم أطلقك فَأَنت طَالِق) وَقع على الْفَوْر بِمُضِيِّ زمَان يُمكن أَن يُطلق فِيهِ وَلم يُطلق
وَلَو قَالَ: (إِن لم أطلقك فَأَنت طَالِق) كَانَ على التَّرَاخِي، فيمتد إِلَى حِين موت أَحدهمَا
[وَاعْلَم أَن كلمة (إِذا) عِنْد نَحْويي الْكُوفَة مُشْتَرك بَين الْوَقْت وَالشّرط، وَإِذا اسْتعْملت للشّرط لم يبْق فِيهَا معنى الْوَقْت أصلا وَيصير بِمَعْنى (إِن) وَهُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله؛ وَعند الْبَصرِيين أَنَّهَا مَوْضُوعَة للْوَقْت وتستعمل فِي الشَّرْط مجَازًا من غير سُقُوط معنى الْوَقْت عَنْهَا مثل (مَتى) فَإِنَّهَا للْوَقْت لَا يسْقط ذَلِك عَنْهَا بِحَال وَهَذَا قَول صَاحِبيهِ رَحِمهم الله]
وَإِذا: بِالنّظرِ إِلَى كَونهَا شرطا تدخل على الْمَشْكُوك وبالنظر إِلَى كَونهَا ظرفا تدخل على الْمُتَّقِينَ كَسَائِر الظروف
وَإِذا: غير جازم فِي الْجَازِم، وَإِن: جازم فِي غير الْجَازِم وَقد نظمت فِيهِ:
(ووعدتني فخلفته ... وَشَكَكْت فِيهِ جزمته)

(بإذا كَأَنَّك عَالم ... وبإن كَأَنِّي جازم)
وَإِذا: المفاجأة تخْتَص بالجمل الإسمية وَلَا تحْتَاج لجواب، وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو: (خرجت فَإِذا زيد وَاقِف) وَهل الْفَاء الدَّاخِلَة فِيهَا زَائِدَة لَازِمَة أَو عاطفة لجملة المفاجأة على مَا قبلهَا أَو للسَّبَبِيَّة الْمَحْضَة كفاء الْجَواب؟ فِيهِ أَقْوَال
إِذن: حرف جَزَاء ومكافأة، وفيهَا اتساعات انْفَرَدت بهَا دون غَيرهَا من نواصب الْأَفْعَال
الأول: أَن تدل على انشاء السَّبَبِيَّة وَالشّرط بِحَيْثُ لَا يفهم الارتباط من غَيرهَا نَحْو: (أزورك) فَتَقول: (إِذن أكرمك) وَهِي حِينَئِذٍ عاملة تدخل على الْجُمْلَة الفعلية فتنصب الْمُضَارع الْمُسْتَقْبل الْمُتَّصِل إِذا صدرت
وَالثَّانِي: أَن تكون مُؤَكدَة بِجَوَاب ارْتبط بِمقدم أَو منبهة على سَبَب حصل فِي الْحَال، فَهِيَ حِينَئِذٍ غير عاملة، لِأَن المؤكدات لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَالْعَامِل يعْتَمد عَلَيْهِ
قَالَ سبويه: إِذن للجواب وَالْجَزَاء مَعًا، قيل دَائِما وَقيل غَالِبا، وَمعنى ذَلِك أَنه يَقْتَضِي جَوَابا أَو تَقْدِير جَوَاب، ويتضمن مَا يَصْحَبهُ من الْكَلَام جَزَاء
وَمَتى صدر بِهِ الْكَلَام وَتعقبه فعل مضارع جَازَ رَفعه ونصبه، وَمَتى تَأَخّر عَن الْفِعْل أَو لم يكن مَعَه الْفِعْل الْمُضَارع لم يعْمل
وَإِذا وَقع بعد الْوَاو وَالْفَاء لَا لتشريك مُفْرد جَازَ فِيهِ الإلغاء والإعمال
وَاخْتلف فِي الْوَقْف على إِذن: قيل يكْتب بِالْألف إشعارا بِصُورَة الْوَقْف عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يُوقف عَلَيْهَا إِلَّا بِالْألف، وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين، وَقيل بالنُّون، وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين اعْتِبَارا بِاللَّفْظِ لِأَنَّهَا عوض عَن لفظ أُصَلِّي فَإِنَّهُ يُقَال (أقوم) فَتَقول: (إِذن أكرمك) ، فالنون عوض عَن مَحْذُوف، وَالْأَصْل: (إِذا تقوم أكرمك) أَو للْفرق بَينهمَا وَبَين إِذا فِي الصُّورَة
وَقَالَ بَعضهم: إِذن إِن أعملت كتبت بالنُّون وَإِن أهملت كتبت بِالْألف
(1/71)

إِذا مَا: فِيهِ إِيهَام فِي الِاسْتِقْبَال لَيْسَ فِي (إِذا) بِمَعْنى أَنَّك إِذا قلت: (آتِيك إِذا طلع الشَّمْس) فَإِنَّهُ رُبمَا يكون لطلوع الْغَد حَتَّى يسْتَحق العتاب بترك الْإِتْيَان فِي الْغَد، بِخِلَاف (إِذا مَا طلعت) فَإِنَّهُ يخص ذَلِك وَلَا يسْتَحق العتاب وَأَيْضًا: إِذا مَا: يكون جَازِمًا فِي السعَة مثل: (إِذا مَا تخرج أخرج) بِخِلَاف (إِذا) فَإِنَّهُ لَا يجْزم إِلَّا فِي الضَّرُورَة
والجزم فِي (إِذا مَا) من (مَا) لِأَن (إِذا) إِذا كَانَ اسْما يُضَاف إِلَى الْجمل غير عَامل فَجعلت (مَا) حرفا من حُرُوف المجازاة عَاملا كمتى، فسميت هَذِه ال (مَا) مسلطة لتسليطها على الْجَزْم وَقد نظمت فِيهِ:
(إِذا جعلت مَا حرفا فسلطت ... على الْجَزْم لولاها لما كَانَ عَاملا)
إِذْ مَا: هِيَ عِنْد النَّحْوِيين مسلوب الدّلَالَة على مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ، مَنْقُول إِلَى الدّلَالَة على الشَّرْط فِي الْمُسْتَقْبل، وَلم تقع فِي الْقُرْآن كمذ ومنذ
الْإِذْن: أذن بالشَّيْء، كسمع: علم بِهِ، وَفعله باذني: بعلمي
وَأذن لَهُ فِي الشَّيْء إِذْنا وأذينا: أَبَاحَهُ بِهِ لَهُ
وَأذنه الْأَمر وَبِه: أعلمهُ
وَأذن إِلَيْهِ وَله: اسْتمع معجبا أَو علم
وَأذنه تأذينا: أَكثر من الْإِعْلَام
وَالْأَذَان: الْإِعْلَام مُطلقًا قَالَ الله تَعَالَى: {وأذان من الله وَرَسُوله} وَفِي الشَّرْع: الْإِعْلَام على وَجه مَخْصُوص {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله} : أَي بإرادته وَأمره أَو بِعِلْمِهِ؛ لَكِن الْإِذْن أخص من الْعلم وَلَا يكَاد يسْتَعْمل إِلَّا فِيمَا فِيهِ مَشِيئَة مَا ضامه الْأَمر أَو لم يضمه {وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله} : فِيهِ مَشِيئَة من وَجه، إِذْ لَا خلاف أَن الله تَعَالَى أوجد فِي الْإِنْسَان قُوَّة بهَا إِمْكَان قبُول الضَّرَر من جِهَة من يظلم فيضره، وَلم يَجعله كالحجر الَّذِي لَا يوجعه الضَّرْب؛ فَمن هَذَا الْوَجْه يَصح أَن يُقَال: بِإِذن الله ومشيئته يلْحق الضَّرَر من جِهَة الظَّالِم
وَالْأَذَان الْمُتَعَارف: من التأذين كالسلام من التَّسْلِيم؛ وَالدَّلِيل على مشروعيته للصَّلَاة قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا} وَلم يشرع إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَقد سنّ فِي الهموم يَأْمر من يُؤذن فِي أُذُنه لِأَنَّهُ يزِيل الْهم، وَكَذَا لمن سَاءَ خلقه وَلَو بَهِيمَة قَالَه ابْن حجر
وَالْأُذن: الضَّم، محبس جَمِيع الصَّوْت، قد خلقت غضروفية، لِأَنَّهَا لَو خلقت لحمية أَو غشائية لم يحفظ شكل التقعير والتعميق والتعريج الَّذِي فِيهَا [فسبحان من أسمع بِعظم كَمَا أبْصر بشحم وأنطق بِلَحْم]
الإذعان: الخضوع والذل وَالْإِقْرَار والإسراع فِي الطَّاعَة والانقياد، لَا بِمَعْنى الْفَهم والإدراك
وَقيل: هُوَ عزم الْقلب؛ والعزم جزم الْإِرَادَة بعد التَّرَدُّد
(1/72)

[نوع قَوْله تَعَالَى] {إِلَّا أَذَى} : ضَرَرا يَسِيرا كطعن وتهديد
{أذن خير} : يُقَال: فلَان أذن خير أَي: يقبل كل مَا قيل لَهُ
{أَذِنت لِرَبِّهَا وحقت} : سَمِعت لِرَبِّهَا وَحقّ لَهَا أَن تسمع
{فضربنا على آذانهم} أَي: أنمناهم إنامة لَا تنبههم فِيهَا الْأَصْوَات
[ {وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ} : بتيسيره أطلق لَهُ من حَيْثُ إِنَّه من أَسبَابه، وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة (الْإِذْن) لحصوله بقوله: " دَاعيا إِلَى الله "]
{يتبعهَا أَذَى} أَي من وتعيير للسَّائِل
{فأذنوا} بِكَسْر الذَّال ممدودا بِمَعْنى أعلمُوا غَيْركُمْ؛ أَصله من الاذن أَي: أوقعوا فِي الْأَذَان وبفتح الذَّال مَقْصُورا بِمَعْنى: أعلمُوا أَنْتُم وأيقنوا
{قل هُوَ أَذَى} أَي: الْحيض مستقذر مؤذ، من يقربهُ نفر مِنْهُ
{آذناك} : أعلمناك
{إِذن} : رخص
(فصل الْألف وَالرَّاء)

[الأَرْض] : كل مَا اسْتَقر عَلَيْهِ قدماك، وكل مَا سفل فَهُوَ أَرض وَرب مُفْرد لم يَقع فِي الْقُرْآن جمعه لثقله وخفة الْمُفْرد كالأرض
وَرب جمع لم يَقع فِي الْقُرْآن مفرده لثقله وخفة الْجمع كألباب
[الأرملة] : كل امْرَأَة بَالِغَة فقيرة فَارقهَا زَوجهَا أَو مَاتَ عَنْهَا، دخل بهَا أَو لم يدْخل فَهِيَ أرملة
والأرمل: يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى قَالَ جرير:
(هذي الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا ... فَمن لحَاجَة هَذَا الأرمل الذّكر)
وَالصَّحِيح مَا قَالَه مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ
وَحكى الْهَاشِمِي عَن صَاحب " الْعين ": وَهُوَ أَنه لَا يُقَال رجل أرمل إِلَّا فِي تلميح الشّعْر
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: لَا يُقَال رجل أرمل إِلَّا فِي الشذوذ
فِي " الْقَامُوس ": رجل أرمل وَامْرَأَة أرملة: محتاجة أَو مسكينة وَلَا يُقَال للعزبة الموسرة أرملة
[الْإِرَادَة: هِيَ من (الرود) والرود يذكر وَيُرَاد بِهِ الطّلب، وَالْوَاو لما سكنت نقلت حركتها إِلَى مَا قبلهَا فَانْقَلَبت فِي الْمَاضِي ألفا وَفِي الْمُسْتَقْبل يَاء وَسَقَطت فِي الْمصدر لمجاورتها الْألف الساكنة، وَعوض مِنْهَا الْهَاء فِي آخرهَا
وراودته على كَذَا: مراودة أَي: أَرَادَتْهُ]
(1/73)

والإرادة: هِيَ فِي الأَصْل قُوَّة مركبة من شَهْوَة وحاجة وخاطر وأمل، ثمَّ جعلت اسْما لنزوع النَّفس إِلَى شَيْء مَعَ الحكم فِيهِ أَنه يَنْبَغِي أَن يفعل أَو أَن لَا يفعل
وَفِي " الْأَنْوَار ": هِيَ نزوع النَّفس وميلها إِلَى الْفِعْل بِحَيْثُ يحملهَا عَلَيْهِ؛ وَيُقَال للقوة الَّتِي هِيَ مبدأ النُّزُوع؛ وَالْأول مَعَ الْفِعْل وَالثَّانِي قبله
وتعريفها بِأَنَّهَا اعْتِقَاد النَّفْع أَو ظَنّه أَو هِيَ ميل يتبع ذَلِك الِاعْتِقَاد أَو الظَّن
كَمَا أَن الْكَرَاهَة نفرة تتبع اعْتِقَاد الضّر أَو ظَنّه، إِنَّمَا هُوَ على رَأْي الْمُعْتَزلَة والاتفاق على أَنَّهَا صفة مخصصة لأحد المقدورين بالوقوع
وَقيل فِي حَدهَا: إِنَّهَا بِمَعْنى يُنَافِي الْكَرَاهَة والاضطرار فَيكون الْمَوْصُوف بهَا مُخْتَارًا فِيمَا يَفْعَله وَقيل: إِنَّهَا معنى يُوجب اخْتِصَاص الْمَفْعُول بِوَجْه دون وَجه لِأَنَّهُ لَوْلَا الْإِرَادَة لما كَانَ وَقت وجوده أولى من وَقت آخر، وَلَا كمية وَلَا كَيْفيَّة أولى مِمَّا سواهَا
والإرادة إِذا اسْتعْملت فِي الله: يُرَاد بهَا الْمُنْتَهى، وَهُوَ الحكم دون المبدأ، فَإِنَّهُ تَعَالَى غَنِي عَن معنى النُّزُوع بِهِ
وَاخْتلف فِي معنى ارادته تَعَالَى: وَالْحق أَنه تَرْجِيح أحد طرفِي الْمَقْدُور على الآخر وتخصيصه بِوَجْه دون وَجه، أَو معنى يُوجب هَذَا التَّرْجِيح
وَهِي أَعم من الِاخْتِيَار فَإِنَّهُ ميل مَعَ تَفْضِيل
ثمَّ إِن إِرَادَة الله تَعَالَى لَيست زَائِدَة على ذَاته كإرادتنا، بل هِيَ عين حكمته الَّتِي تخصص وُقُوع الْفِعْل على وَجه دون وَجه، وحكمته عين علمه الْمُقْتَضِي لنظام الْعَالم على الْوَجْه الْأَصْلَح وَالتَّرْتِيب الْأَكْمَل، وانضمامها مَعَ الْقُدْرَة هُوَ الِاخْتِيَار
والإرادة حَقِيقَة وَاحِدَة قديمَة قَائِمَة بِذَاتِهِ كعلمه؛ إِذْ لَو تعدّدت إِرَادَة الْفَاعِل الْمُخْتَار أَو تعلقهَا لم يكن وَاحِدًا من جَمِيع الْجِهَات ومتعلقة بِزَمَان معِين، إِذْ لَو تعلّقت بِفعل من أَفعَال نَفسه لزم وجود ذَلِك الْفِعْل وَامْتنع تخلفه عَن إِرَادَته اتِّفَاقًا من أهل الْملَّة والحكماء
وَأما إِذا تعلّقت بِفعل غَيره فَفِيهِ خلاف الْمُعْتَزلَة الْقَائِلين بِأَن معنى الْأَمر هُوَ الْإِرَادَة لَا يُوجب الْمَأْمُور بِهِ كَمَا فِي الْقَضَاء وَأما الْإِرَادَة الْحَادِثَة فَلَا توجبه اتِّفَاقًا، وَلَا يلْزم من ضَرُورَة وجود الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة فِي الْقدَم قدم مَا يتخصص بهَا، والتعدد فِي متعلقاتها وتعلقها على نَحْو مُتَعَلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا وَهُوَ المعني بسلب النِّهَايَة عَن ذَات وَاجِب الْوُجُود؛ وَكَذَا فِي غير الْإِرَادَة من صِفَات الذَّات؛ وَأما سلب النِّهَايَة عَنْهَا بِالنّظرِ إِلَى المتعلقات فَمَا يَصح أَن يتَعَلَّق بِهِ الْإِرَادَة من الجائزات فَلَا نِهَايَة لَهُ بِالْقُوَّةِ لَا انه غير متناه بِالْفِعْلِ؛ وَهَذَا لَا مراء فِيهِ وَلَا دَلِيل يُنَافِيهِ
وَاخْتلفُوا فِي كَونه تَعَالَى مرِيدا مَعَ اتِّفَاق الْمُسلمين على إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ على الله تَعَالَى، فَقَالَ النجار: إِنَّه معنى سَلبِي وَمَعْنَاهُ أَنه غير مغلوب وَلَا مستكره؛ وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّه أَمر ثبوتي، وَهَؤُلَاء اخْتلفُوا قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ علم الله باشتمال الْفِعْل على الْمصلحَة أَو الْمفْسدَة، ويسمون هَذَا الْعلم بالداعي أَو الصَّارِف، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه صفة زَائِدَة على الْعلم
تمّ اخْتلفُوا فِي تِلْكَ الصّفة قَالَ بَعضهم: ذاتية،
(1/74)

وَقَالَ بَعضهم: معنوية وَذَلِكَ الْمَعْنى قديم وَهُوَ قَول الأشعرية، وَقَالَ بَعضهم: مُحدث، وَذَلِكَ الْمُحدث إِمَّا قَائِم بِاللَّه وَهُوَ قَول الكرامية؛ وَقَالَ بَعضهم: مَوْجُود لَا فِي مَحل، وَهُوَ قَول أبي عَليّ وَأبي هَاشم وأتباعهما، وَلم يقل أحد إِنَّه قَائِم بجسم آخر؛ فَإِذا اسْتعْمل فِي الله فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ الْمُنْتَهى وَهُوَ الحكم دون الْمُبْتَدَأ، فَإِنَّهُ يتعالى عَن معنى النُّزُوع؛ فَمَتَى قيل: أَرَادَ كَذَا، فَمَعْنَاه حكم فِيهِ أَنه كَذَا وَلَيْسَ بِكَذَا
وَلَفْظَة الْإِرَادَة: تطلق فِي الشَّاهِد وَالْغَائِب جَمِيعًا
وَلَفْظَة الْقَصْد: لَا تطلق إِلَّا فِي الْإِرَادَة الْحَادِثَة
والمشيئة فِي الأَصْل مَأْخُوذَة من الشَّيْء وَهُوَ اسْم للموجود وَهِي كالإرادة عِنْد أَكثر الْمُتَكَلِّمين، لِأَن الْإِرَادَة من ضرورتها الْوُجُود لَا محَالة، وَإِن كَانَتَا فِي أصل اللُّغَة مختلفتين فَإِن الْمَشِيئَة: لُغَة الايجاد والإرادة: طلب الشيئ؛ وَالْفرق بَينهمَا قَول للكرامية، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: مَشِيئَة الله صفة أزلية وإرادته صفة حَادِثَة فِي ذَاته الْقَدِيم وَالْحق أَنَّهُمَا إِذا أضيفا إِلَيْهِ تَعَالَى يكونَانِ بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْإِرَادَة لله تَعَالَى من ضرورتها الْوُجُود لَا محَالة وَالْفرق بَينهمَا فِي حق الْعباد، وَذَلِكَ فِيمَا لَو قَالَ: (شيئي طَلَاقك) فَشَاءَتْ يَقع؛ وَفِي: (أريدي) فَأَرَادَتْ لَا يَقع؛ وَفِي قَوْله تَعَالَى: {يفعل الله مَا يَشَاء} و {يحكم مَا يُرِيد} رِعَايَة لهَذَا الْفرق، حَيْثُ ذكر الْمَشِيئَة عِنْد ذكره الْفِعْل الْمَخْصُوص بالموجود، وَذكر الْإِرَادَة عِنْد ذكره الحكم الشَّامِل للمعدوم أَيْضا
وَفِي " الزِّيَادَات " لمُحَمد فِي: (أَنْت طَالِق بِمَشِيئَة الله) لَا يَقع كَمَا فِي إِن شَاءَ الله؛ ولمشيئة الله بِاللَّامِ يَقع، كَذَا الْإِرَادَة؛ وَأما الْعلم فَإِنَّهُ يَقع من الْوَجْهَيْنِ
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين: وَمن الْفرق بَينهمَا أَن إِرَادَة الانسان قد تحصل من غير أَن تتقدمها إِرَادَة الله تَعَالَى، فَإِن الانسان قد يُرِيد أَن لَا يَمُوت ويأبى الله ذَلِك، ومشيئته لَا تكون إِلَّا بعد مَشِيئَته لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله} وَقَالَ بَعضهم: لَو أَن الْأُمُور كلهَا مَوْقُوفَة على مَشِيئَة الله وَأَن أفعالنا مُتَعَلقَة بهَا وموقوفة عَلَيْهَا لما أجمع النَّاس على تَعْلِيق الِاسْتِثْنَاء بِهِ فِي جَمِيع أفعالنا
والمشيئة: ترجح بعض الممكنات على بعض، مَأْمُورا كَانَ أَو مَنْهِيّا، حسنا كَانَ أَو غَيره
والإرادة: قد يُرَاد بهَا معنى الْأَمر، إِلَّا أَن الْأَمر مفوض إِلَى الْمَأْمُور، إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ لم يفعل، والإرادة غير مفوض إِلَى أحد، بل يحصل كَمَا أَرَادَهُ المريد
والشهوة: ميل جبلي غير مَقْدُور للبشر بِخِلَاف الْإِرَادَة
وَكَذَلِكَ النفرة: فَإِنَّهَا حَالَة جبلية غير مقدورة بِخِلَاف الْكَرَاهَة؛ وَقد يَشْتَهِي الْإِنْسَان مَا لَا يُريدهُ بل يكرههُ، وَقد يُرِيد مَا لَا يَشْتَهِي بل ينفر عَنهُ، وَلِهَذَا قَالُوا: (إِرَادَة الْمعاصِي مِمَّا يُؤَاخذ عَلَيْهَا دون شهوتها) وَكَرَاهَة الطَّاعَات الشاقة يُؤَاخذ عَلَيْهَا دون النفرة مِنْهَا
وَالْكَرَاهَة: طلب الْكَفّ عَن الْفِعْل طلبا غير جازم كَقِرَاءَة الْقُرْآن مثلا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود؛ وَهَذِه
(1/75)

الْكَرَاهَة تصح أَن تَجْتَمِع مَعَ الايجاز فيوجد الله الْفِعْل مَعَ كَرَاهَته لَهُ أَي مَعَ نَهْيه عَنهُ
أما الْكَرَاهَة: بِمَعْنى عدم إِرَادَة الله للْفِعْل فيستحيل أجتماعها مَعَ الايجاد إِذْ يَسْتَحِيل أَن يَقع فِي ملك الله مَا لَا يُرِيد وُقُوعه؛ وَأما رضى الله فَهُوَ ترك الِاعْتِرَاض لَا الْإِرَادَة كَمَا قَالَت الْمُعْتَزلَة، فَإِن الْكفْر مَعَ كَونه مرَادا لَهُ تعلى لَيْسَ بمرضي عِنْده تَعَالَى، لِأَنَّهُ يعْتَرض عَلَيْهِ ويؤاخذ بِهِ وَقد نظمت فِيهِ:
(بِسَهْم الْحَظ معترض لحب ... رِضَاء الله ترك الِاعْتِرَاض)
والمحبة والرضى: كل مِنْهُمَا أخص من الْمَشِيئَة؛ فَكل رضَا إِرَادَة وَلَا عكس؛ والأخص غير الْأَعَمّ؛ وَقَوله تَعَالَى: {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر} إِرَادَة أَمر وتشريع تتَعَلَّق هِيَ بالطاعات لَا بالمعصية؛ وَقَوله تَعَالَى: {وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا} إِرَادَة قَضَاء وَتَقْدِير شَامِلَة لجَمِيع الكائنات
والإرادة: قد تتَعَلَّق بالتكليف من الْأَمر وَالنَّهْي، وَقد تتَعَلَّق بالمكلف بِهِ أَي إيجاده أَو إعدامه؛ فَإِذا قيل إِن الشَّيْء مُرَاد، قد يُرَاد بِهِ أَن التَّكْلِيف بِهِ هُوَ المُرَاد لَا مَجِيئه وذاته، وَقد يُرَاد بِهِ أَنه فِي نَفسه هُوَ المُرَاد أَي إيجاده أَو عَدمه فعلى هَذَا مَا وصف بِكَوْنِهِ مرَادا بِلَا وُقُوع لَهُ، فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ إِلَّا إِرَادَة التَّكْلِيف بِهِ فَقَط
وَمَا قيل: إِنَّه غير مُرَاد وَهُوَ وَاقع فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ إِلَّا أَنه لم يرد التَّكْلِيف بِهِ فَقَط، فَالْمُرَاد بقوله تَعَالَى: {وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد} نفي لإِرَادَة التَّكْلِيف بِهِ لَا من حَيْثُ حُدُوثه، وَلَيْسَ المُرَاد بقوله تَعَالَى: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} وُقُوع الْعِبَادَة، بل الْأَمر بهَا
وَاحْتج أَصْحَابنَا بقوله تَعَالَى: {قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ ... وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ} على أَن الْحَوَادِث بِإِرَادَة الله تَعَالَى، وَأَن الْأَمر قد يَنْفَكّ عَن الْإِرَادَة، وَإِلَّا لم يكن للشّرط بعد الْأَمر معنى وَالْحق أَن دلَالَته على أَن مُرَاد الله تَعَالَى وَاقع لَا ان الْوَاقِع لَيْسَ إِلَّا مُرَاده، وَلَا أَن الْأَمر قد يَنْفَكّ عَن الْإِرَادَة، إِذْ مَحل الْخلاف الْأَمر التكليفي وَالْأَمر هَا هُنَا للارشاد بِدَلِيل {أتتخذنا هزوا} ثمَّ الدَّلِيل على أَن الْأَمر غير الْإِرَادَة قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام} ثمَّ قَوْله: {وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام} ثمَّ قَوْله: {وَيهْدِي من يَشَاء} دَلِيل على أَن الْمصر على الضَّلَالَة لم يرد الله رشده
وَقَوله تَعَالَى: {وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم} دَلِيل صِحَة تعلق الْإِرَادَة بالإغواء وَإِن خلاف مُرَاده محَال
والإرادة قد تكون بِحَسب الْقُوَّة الاختيارية، وَلذَلِك تسْتَعْمل فِي الْجِدَار وَفِي الْحَيَوَانَات نَحْو:
(1/76)

{فوجدوا فِيهَا جدارا يُرِيد أَن ينْقض} وَيُقَال: (فرس يُرِيد التِّبْن)
الْإِرْسَال: التسليط وَالْإِطْلَاق والإهمال والتوجيه؛ وَالِاسْم: الرسَالَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح
وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ مُطلق الإيصال، كَمَا فِي: {يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} وإرسال الْكَلَام: إِطْلَاقه بِغَيْر تَقْيِيد
وإرسال الحَدِيث: عدم ذكر صحابيه
وَفِي إرْسَال الرَّسُول تَكْلِيف دون بَعثه لِأَنَّهُ تكوين مَحْض؛ وَكَفاك شَاهدا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " بعثت إِلَى النَّاس عَامَّة " لَا مُرْسلا إِلَيْهِم كَافَّة، لِأَن تَبْلِيغ الرسَالَة إِلَى أَطْرَاف الْعَالم من أَصْنَاف الْأُمَم كَانَ خَارِجا عَن الوسع قَالَ الله تَعَالَى: {وأرسلناك للنَّاس} وَلم يقل إِلَى النَّاس: وَأما قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا} فَهُوَ بِاعْتِبَار تضمين الْبَعْث؛ وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن: {وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة}
{كَذَلِك أَرْسَلْنَاك فِي أمة} لما أَن الْأمة أَو الْقرْيَة جعلت موضعا للإرسال، وعَلى هَذَا الْمَعْنى جَاءَ (بعث) فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَو شِئْنَا لبعثنا فِي كل قَرْيَة نذيرا} وَيُقَال فِيمَا يتَصَرَّف بِنَفسِهِ أَرْسلتهُ: كَقَوْلِه تَعَالَى: {ثمَّ أرسلنَا رسلنَا}
وَفِيمَا يحمل: (بعثت بِهِ) و (أرْسلت بِهِ) كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم بهدية}
وإرسال الْمثل: هُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم فِي بعض كَلَامه بِمَا يجْرِي مجْرى الْمثل السائر من حِكْمَة أَو نعت أَو غير ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا} {كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ} و {مَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ} {وَقَلِيل من عبَادي الشكُور} {كل نفس بِمَا كسبت رهينة} {وكل يعْمل على شاكلته} {ضعف الطَّالِب وَالْمَطْلُوب} {الْآن حصحص الْحق} [إِلَى غير ذَلِك]
الأَرْض: هِيَ اسْم جنس، لم يَقُولُوا بواحدها، وَالْجمع: أرضات، لأَنهم قد يجمعُونَ الْمُؤَنَّث ألتي لَيست فِيهَا تَاء التَّأْنِيث بِالتَّاءِ ك (فرسات) ثمَّ قَالُوا: (أرضون) بِالْوَاو وَالنُّون عوضا عَمَّا حذفوه وَتركُوا فَتْحة الرَّاء على حَالهَا
وَأَرْض أريضة: أَي زكية
وأرضت الأَرْض: بِالضَّمِّ زكتْ
وَدَلِيل تعددها قَوْله تَعَالَى: وَمن الأَرْض
(1/77)

مِثْلهنَّ} وَقد تؤول بالأقاليم السَّبْعَة أَو بطبقات العناصر الْأَرْبَعَة حَيْثُ عدت سبعا بالصرفة والاختلاط؛ وَلَا دَلِيل فِي قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا} على عدم كرية الأَرْض، لِأَن الكرة إِذا عظمت كَانَت الْقطعَة مِنْهَا كالسطح فِي إِمْكَان الِاسْتِقْرَار عَلَيْهِ
وَالْأَرْض على مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين: مركبة من الْجَوَاهِر المفردة، فلهَا أَجزَاء ومفاصل بِالْفِعْلِ مَوْجُودَة بوجودات مُغَايرَة لوُجُود الْكل، كَمَا هُوَ شَأْن المركبات الخارجية
وعَلى مَذْهَب الْحُكَمَاء: أَن البسائط عِنْدهم، وَإِن لم تكن ذَات أَجزَاء ومفاصل بِالْفِعْلِ، بل مُتَّصِلا وَاحِدًا فِي نفس الْأَمر، إِلَّا أَن الأَرْض ألتي عندنَا لَيست أَرضًا صرفة، فَإِنَّهَا لَا ترى لكَونهَا شفافة، بل مخلوطة بِالْمَاءِ والهواء، فَهِيَ مركبة من أَجزَاء مَوْجُودَة بِالْفِعْلِ
وَالتُّرَاب: جنس لَا يثنى وَلَا يجمع؛ وَعَن الْمبرد: أَنه جمع (ترابة) وَالنِّسْبَة (ترابي)
الْأَرْش: هُوَ بدل الدَّم أَو بدل الْجِنَايَة مُقَابل بآدمية الْمَقْطُوع أَو الْمَقْتُول، لَا بماليته؛ وَلِهَذَا وَجَبت الْقسَامَة فِي النَّفس، وَالْكَفَّارَة فِي الْخَطَأ، ويتحمله الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين بِالْإِجْمَاع، مُخَالفا لضمان الاموال
الأرب: هُوَ فرط الْحَاجة الْمُقْتَضِي للاحتيال فِي الدّفع
وكل أرب حَاجَة بِلَا عكس، ثمَّ اسْتعْمل تَارَة فِي الْحَاجة المفردة وَأُخْرَى فِي الاحتيال وَإِن لم تكن حَاجَة
الإرهاص: هُوَ إِحْدَاث أَمر خارق للْعَادَة دَال على بعثة نَبِي [قبل الْبَعْث] كتظليل الْغَمَام لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الْإِرْث: الْمِيرَاث وَالْأَصْل وَالْأَمر الْقَدِيم توارثه الآخر عَن الأول، والبقية من الشَّيْء؛ [وَمعنى قَوْله تَعَالَى: {وَللَّه مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض} أَنه الْبَاقِي بعد فنَاء خلقه وَزَوَال أملاكهم فيموتون ويرثهم، وَنَظِيره: {إِنَّا نَحن نرث الأَرْض} ]
وَقيل: الْإِرْث فِي الْحسب والورث فِي المَال
الأرذل: الدون الخسيس، أَو الرَّدِيء من كل شَيْء، وأرذل الْعُمر: أسوأه، وَجمعه أرذلون على الصِّحَّة؛ وَفِي قَوْله تَعَالَى: {هم أراذلنا} على التكسير
الإرصاد: الترقب يُقَال: أرصدت لَهُ الشَّيْء: إِذا جعلته لَهُ عدَّة والإرصاد فِي الشَّرّ وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي رصدت وأرصدت: فِي الْخَيْر وَالشَّر جَمِيعًا
والإرصاد فِي البديع: إِيرَاد مَا يدل على الْعَجز {وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ}
الإرداف: هُوَ عبارَة عَن تَبْدِيل كلمة بردفها من غير
(1/78)

انْتِقَال من لَازم إِلَى ملزوم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {واستوت على الجودي}
وأردفته: أركبته خَلْفي وردفت الرجل: ركبت خَلفه، وَقيل: تَقول ردفت وأردفت: إِذا فعلت ذَلِك بِنَفْسِك وَأما إِذا فعلته بغيرك فأردفت لَا غير
وَهُوَ من أَنْوَاع البديع كَقَوْلِه:
(لَيْسَ التكحل فِي الْعَينَيْنِ كالكحل)
الأرق: هُوَ مَا استدعاك
والسهر: مَا استدعيته وَقيل: السهر فِي الشَّرّ وَالْخَيْر، والأرق لَا يكون إِلَّا فِي الْمَكْرُوه
الارتياح: النشاط وَالرَّحْمَة
وارتاح الله لَهُ برحمته: أنقذه من البلية
الإرجاف: الْإِخْبَار الْكَاذِب
الإرفاد: الْإِعَانَة والإعطاء
الارتجال: ارتجل الْكَلَام: تكلم بِهِ من غير أَن يهيئه، وبرأيه: انْفَرد
الارتحال: ارتحل: سَار وَمضى؛ وَالْقَوْم عَن الْمَكَان: انتقلوا، كترحلوا، وَالِاسْم الرحلة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، أَو بِالْكَسْرِ الارتحال، وبالضم: الْوَجْه الَّذِي تقصده
والرحيل: اسْم ارتحال الْقَوْم
أرأيتك: هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل على وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَنَّهَا من رُؤْيَة الْعين، فالكاف إِمَّا مفعول وَالْمعْنَى: هَل أبصرتك، أَو تَأْكِيد للْفَاعِل وَالْمَفْعُول شَيْء آخر، فَالْمَعْنى: هَل أَبْصرت أَنْت فلَانا؟
وَالثَّانِي: أَنَّهَا من رُؤْيَة الْقلب، فالكاف إِمَّا مفعول أول وَالثَّانِي أَمر آخر وَالْمعْنَى: هَل علمتك فَاضلا؟ أَو تَأْكِيد ومفعولاه شَيْء آخر فَالْمَعْنى: هَل علمت أَنْت زيدا فَاضلا؟ وعَلى أَي وَجه كَانَ يجب مُطَابقَة الْكَاف للتاء فِي الْإِفْرَاد والتثنية والتذكير والتأنيث، ثمَّ نقلوه عَن أَصله إِلَى معنى أَخْبرنِي بعلاقة السَّبَبِيَّة والمسببية، لِأَن الْعلم بالشَّيْء سَبَب للإخبار عَنهُ، وَكَذَا مُشَاهدَة الشَّيْء من أبصاره سَبَب وَطَرِيق إِلَى الْإِحَاطَة بِهِ علما، وَهِي إِلَى صِحَة الْإِخْبَار عَنهُ، وَلما نقلت صِيغَة الِاسْتِفْهَام إِلَى معنى الْأَمر وَجب حِينَئِذٍ أَن تتْرك التَّاء مُوَحدَة على كل حَال ليَكُون بَقَاؤُهَا على حَالَة وَاحِدَة وعلامة للنَّقْل [نوع]
أَرِنِي: بِكَسْر الرَّاء: بصرني، وبسكونها: أَعْطِنِي
و {أَرِنِي أنظر إِلَيْك} : أَي أرنيك، وَفِيه بَيَان بعد الْإِبْهَام
أرابه: أَي أوقعه فِي الرِّيبَة
أراب الرجل: كَانَ ذَا رِيبَة
{فارهبون} : خافوني، حذفت الْيَاء لِأَنَّهَا فِي رَأس آيَة، ورؤوس الْآي يُوقف عَلَيْهَا، وَالْوَقْف على الْيَاء يستثقل، فاستغنوا عَنْهَا بالكسرة
{أروني} : أخبروني
{أركسهم} : أوقفهم أَو حَبسهم أَو ردهم أَو نكسهم
(1/79)

{اربي} : أَكثر وأزيد وَمِنْه الرِّبَا
{وارحمنا} : تعطف بِنَا وتفضل علينا
{قَالُوا أرجه} : أَي أخر أمره
{وَإِرْصَادًا} : ترقبا
{فَارْتَد بَصيرًا} عَاد بَصيرًا
{على الأرائك} : أَي على السرر
{أراذلنا} : اسافلنا
{وَالْجِبَال أرساها} : أثبتها
{وَإِلَى رَبك فارغب} : بالسؤال وَلَا تسْأَل غَيره
{فَارْتَقِبْ} : فانتظر
{أريناه آيَاتنَا} : بصرناه إِيَّاهَا أَو عَرفْنَاهُ
{أرذل الْعُمر} : الْهَرم
{غير أولي الإربة من الرِّجَال} أولي الْحَاجة إِلَى النِّسَاء وهم الشُّيُوخ الأهمام والممسوحون، وَفِي الْمَجْبُوب والخصي خلاف، وَقيل: البله الَّذين يتبعُون النِّسَاء لفضل طعامهم وَلَا يعْرفُونَ شَيْئا من أُمُور النِّسَاء
{اركض} : اضْرِب أَو ادْفَعْ
{سَأُرْهِقُهُ صعُودًا} : سأغشيه عقبَة شاقة المصعد
{مَا أريكم إِلَّا مَا أرى} : مَا أُشير إِلَيْكُم إِلَّا مَا أرى وأستصوب
{أرداكم} : أهلككم
[ {إرم} : اسْم بَلْدَة بناها عَاد إِن صَحَّ
{بِمَا أَرَاك الله} : عرفك وَأوحى إِلَيْك]
(فصل الْألف وَالزَّاي)
الْأَزَل: هُوَ اسْم لما يضيق الْقلب عَن تَقْدِير بدايته من الْأَزَل وَهُوَ الضّيق
والأبد: اسْم لما ينفر الْقلب عَن تَقْدِير نهايته، عَن الأبود: وَهُوَ النفور
فالأزل بِالتَّحْرِيكِ: هُوَ مَا لَا بداية لَهُ فِي أَوله كالقدم
والأبد: مَا لَا نِهَايَة لَهُ فِي آخِره كالبقاء يجمعهما وَاجِب الْوُجُود كالاستمرار فَإِنَّهُ مَا لَا نِهَايَة لَهُ فِي أَوله وَآخره؛ وَلما كَانَ بَقَاء الزَّمَان بِسَبَب مُرُور أَجْزَائِهِ بَعْضهَا عقيب بعض لَا جرم أطْلقُوا المستمر فِي حق الزَّمَان، وَأما فِي حق الْبَارِي فَهُوَ محَال لِأَنَّهُ بَاقٍ بِحَسب ذَاته الْعلية
والسرمد: من السرد وَهُوَ التوالي والتعاقب، سمي الزَّمَان بِهِ لذَلِك، وَزَادُوا عَلَيْهِ الْمِيم ليُفِيد الْمُبَالغَة فِي ذَلِك الْمَعْنى، وَلما كَانَ هَذَا الْمَعْنى فِي حق
(1/80)

الله تَعَالَى محالا كَانَ إِطْلَاق السرمد عَلَيْهِ محالا أَيْضا، فَإِن ورد فِي الْكتاب وَالسّنة أطلقناه وَإِلَّا فَلَا
والأزلي: أَعم من الْقَدِيم، لِأَن اعدام الْحَوَادِث أزلية وَلَيْسَت بقديمة قَالَ ابْن فَارس: وَأرى كلمة - يَعْنِي الأزلي - لَيست بمشهورة وَأجِيب أَنهم قَالُوا للقديم: (لم يزل) ثمَّ نسب إِلَى هَذَا فَلم يسْتَقلّ إِلَّا بالاختصار فَقَالُوا: يزلي، ثمَّ أبدلت الْيَاء ألفا لِأَنَّهَا أخف فَقَالُوا أزلي: كَقَوْلِهِم فِي الرمْح الْمَنْسُوب إِلَى ذِي يزن: أزني
وَقيل الأزلي: هُوَ الَّذِي لم يكن ليسَا، وَالَّذِي لم يكن ليسَا لَا عِلّة لَهُ فِي الْوُجُود
والأزليات: تتَنَاوَل ذَات الْبَارِي وَصِفَاته الْحَقِيقَة الاعتبارية الأزلية، وتتناول أَيْضا المعدومات الأزلية مُمكنَة كَانَت أَو ممتنعة وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أزلي وأبدي وَلَا تَقول: كَانَ الله مَوْجُودا فِي الْأَزَل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي كَونه تَعَالَى زمانيا وَهُوَ محَال، وَالْقَوْل بأزليته سُبْحَانَهُ لَا يُوجب الِاعْتِرَاف بِكَوْن الزَّمَان أزليا، وعالم الدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهِ لَا هَذَا وَلَا ذَاك وَمَا هُوَ مُمْتَنع الْوُجُود أزلي لَا أبدي، لِأَن مَا ثَبت قدمه امْتنع عَدمه
وَالْإِنْسَان وَالْملك أبدي لَا أزلي، والقدم بِحَق الْبَارِي بِمَعْنى الأزلية الَّتِي هِيَ كَون وجوده غير مستفتح، لَا بِمَعْنى تطاول الزَّمن، فَإِن ذَلِك وصف للمحدثات كالعرجون الْقَدِيم
وَلَيْسَ الْقدَم معنى زَائِدا على الذَّات فيلزمك أَن تَقول: ذَلِك الْمَعْنى أَيْضا قديم بقدم زَائِد عَلَيْهِ، فيتسلسل إِلَى غير نِهَايَة؛ لَا يُقَال إِثْبَات مَوْجُود لَا أول لَهُ إِثْبَات أَوْقَات متعاقبة لَا نِهَايَة لَهَا، إِذْ لَا يعقل اسْتِمْرَار وجود إِلَّا فِي أَوْقَات، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أثبات حوادث لَا أول لَهَا وَهُوَ بَاطِل لأَنا نقُول: الْأَوْقَات يعبر بهَا عَن موجودات تقارن مَوْجُودا، وكل مَوْجُود أضيف إِلَى مُقَارنَة مَوْجُود فَهُوَ وقته، والمستمر فِي الْعَادَات هُوَ التَّعْبِير بالأوقات عَن حركات الْفلك وتعاقب الجديدين؛ فَإِذا تبين ذَلِك فِي معنى الْوَقْت فَلَيْسَ من شَرط وجود الشَّيْء أَن يقارنه مَوْجُود آخر إِذا لم يتَعَلَّق أَحدهمَا بِالثَّانِي فِي قَضِيَّة عقلية
وَلَو افْتقر كل مَوْجُود إِلَى وَقت وَقدر الْأَوْقَات مَوْجُودَة لافتقرت إِلَى أَوْقَات، وَذَلِكَ يجر إِلَى جهالات لَا ينتحلها عَاقل وَالله سُبْحَانَهُ قبل حُدُوث الْحَوَادِث متفرد بِوُجُودِهِ وَصِفَاته لَا يقارنه حَادث
وَلما كَانَ لفظ الأزلي يُفِيد الانتساب إِلَى الْأَزَل، وَكَانَ يُوهم أَن الْأَزَل شَيْء حصل ذَات الله فِيهِ - وَهُوَ بَاطِل - إِذْ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لكَانَتْ ذَات الله مفتقرة إِلَى ذَلِك الشَّيْء ومحتاجة إِلَيْهِ وَهُوَ محَال فَقُلْنَا: المُرَاد بِهِ وجود لَا أول لَهُ الْبَتَّةَ، فَلم يزل سُبْحَانَهُ أَي لم يكن زمَان مُحَقّق أَو مُقَدّر، وَلم يمض إِلَّا وَوُجُود الْبَارِي مُقَارن لَهُ، فَهَذَا معنى الأزلية والقدم
وَلَا يزَال: أَي لَا يَأْتِي زمَان فِي الْمُسْتَقْبل إِلَّا ووجوده مُقَارن لَهُ، وَهَذَا معنى الأبدية والدوام
الإزجاء: السُّوق، وَمِنْه: (البضاعة المزجاة) فَإِنَّهَا يزجيها كل أحد
الأزر: الْإِحَاطَة، وَالْقُوَّة، والضعف، ضد
والإزار: الملحفة وَيُؤَنث كالمئزر، والإزر، والإزار، بكسرهما، وائتزر بِهِ وتأزر: وَلَا تقل: اتزر وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث وَلَعَلَّه من تَحْرِيف الروَاة
وآزر: قيل: هُوَ اسْم عَم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام،
(1/81)

وَأما أَبوهُ فَإِنَّهُ تارخ
الإزدار: الإصدار، وَقُرِئَ: {يَوْمئِذٍ يزدر النَّاس أشتاتا}
الازدواج: هُوَ فِي البديع تناسب المتجاورين، نَحْو: {من سبإ بنبإ}
الْإِزَالَة: الإذهاب، وأزال، وأزال: يتقاربان فِي الْمَعْنى، غير أَن أزل يَقْتَضِي عَثْرَة مَعَ الزَّوَال، يُقَال: (أزللته فزل) و (أزلته فَزَالَ)
الأزلام: هِيَ القداح الَّتِي على أَحدهَا: " أَمرنِي رَبِّي " وعَلى الآخر: " نهاني رَبِّي " وَالثَّالِث: غفل
فَإِن خرج الْآمِر مضوا على ذَلِك، وَإِن خرج الناهي تجنبوا عَنهُ، وَإِن خرج الغفل أجالوها ثَانِيًا [نوع] {يَوْم الآزفة} : أَي الْقِيَامَة سميت بهَا لأزوفها أَي لقربها]
{احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم} وأشباههم
{أَزوَاج} : ألوان من الْعَذَاب
{ازدجر} : من الزّجر وَهُوَ الِانْتِهَار
{أزلفت الْجنَّة} : قربت من الْمُؤمنِينَ
{فآزره} : فقواه
{أزفت الآزفة} : دنت السَّاعَة
{أزاغ} : صرف
{أزكى طَعَاما} : أحل وَأطيب، أَو أَكثر وأرخص
{اشْدُد بِهِ أزري} : قوتي
[ {أزكى لكم} : أَنْفَع]
(فصل الْألف وَالسِّين)
[الأسف] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الأسف فَمَعْنَاه الْحزن، إِلَّا {فَلَمَّا آسفونا} فَإِن مَعْنَاهُ أغضبونا
[الإسكاف] : كل صانع عِنْد الْعَرَب فَهُوَ إسكاف، إِلَّا الْخفاف، فَإِنَّهُ الأسكف
[الِاسْتِصْحَاب] : كل شَيْء لَازم شَيْئا ولاءمه فقد استصحبه
كل حكم عرف وُجُوبه فِي الْمَاضِي ثمَّ وَقع الشَّك فِي زَوَاله فِي الْحَال الثَّانِي فَهُوَ معنى الِاسْتِصْحَاب، وَله معنى آخر، وَهُوَ كل حكم عرف وُجُوبه بدليله فِي الْحَال وَوَقع الشَّك فِي كَونه على الأول زائلا فِي الْمَاضِي فبعض الْفُرُوع مُفَرع على الأول وَالْبَعْض على الثَّانِي
[الأسلوب] : كل شَيْء امْتَدَّ فَهُوَ أسلوب، وَكَأَنَّهُ
(1/82)

(أفعول) من السَّلب، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من الْمَدّ، وَمِنْه شجر سلب: أَي طَوِيل، لِأَنَّهُ إِذا أَخذ ورقه وسعفه امْتَدَّ وَطَالَ وَهُوَ الْفَنّ والطريقة وَالْجمع أساليب
[الاستخبار] : كل استخبار سُؤال بِلَا عكس، لِأَن الاستخبار استدعاء الْخَبَر، وَالسُّؤَال يُقَال فِي الاستعطاف فَتَقول: سَأَلته كَذَا، وَيُقَال فِي الاستخبار أَيْضا فَتَقول: سَأَلته عَن كَذَا
[الِاسْتِفْهَام] : كل اسْتِفْهَام استخبار بِلَا عكس، لِأَن قَوْله تَعَالَى: {أَأَنْت قلت للنَّاس} إِلَى آخِره استخبار وَلَيْسَ باستفهام، وَقيل: الِاسْتِفْهَام فِي الْآيَة على حَقِيقَته لِأَن طلب الْفَهم كَانَ مصروفا إِلَى غَيره مِمَّن يطْلب فهمه فَلَا يَسْتَحِيل
الاستعلام: كل استعلام اسْتِفْهَام بِلَا عكس، لِأَن الاستعلام طلب الْعلم وَهُوَ أخص من الِاسْتِفْهَام، إِذْ لَيْسَ كل مَا يفهم يعلم، بل قد يظنّ ويخمن كل اسْتِفْهَام دخل فِي جحد فَمَعْنَاه التَّقْرِير
[الِاسْم] : كل كلمة تدل على معنى فِي نَفسهَا وَلَا تتعرض لزمان فَهِيَ الِاسْم، وَلَو تعرضت لَهُ فَهِيَ الْفِعْل، وَالِاسْم أَصله سمو كعلم ومصدره السمو وَهُوَ الْعُلُوّ، وَاحِد الْأَسْمَاء، أَو وسم ووسمه: أعلمهُ، والموسم: الْمعلم، وَالْأول أصح لعدم وُرُود الأوسام، وَكلما وَقع التَّعَارُض بَين المذهبين فمذهب الْبَصرِيين من حَيْثُ اللَّفْظ أصح وأفصح وَمذهب الْكُوفِيّين من حَيْثُ الْمَعْنى أقوى وَأصْلح
وَالِاسْم مُسَمَّاهُ مَا سواهُ، أَو هُوَ مُسَمَّاهُ، أَو مُسَمَّاهُ لَا هُوَ وَلَا مَا سواهُ، [واستعماله فِي التَّسْمِيَة أَكثر من الْمُسَمّى] وَلكُل وَاحِد أصل، وَسَيَجِيءُ تَفْصِيله
قَالَ بَعضهم: الِاسْم مَا انبأ عَن الْمُسَمّى وَالْفِعْل مَا أنبأ عَن حَرَكَة الْمُسَمّى، والحرف مَا أنبأ عَن معنى لَيْسَ باسم وَلَا فعل، وَالْمَشْهُور فِي تَعْرِيف الِاسْم: مَا دلّ على معنى فِي نَفسه دلَالَة مُجَرّدَة عَن الاقتران [بِأحد الْأَزْمَان] وَلَا يخفى أَن الضَّمِير فِي نَفسه سَوَاء عَاد إِلَى الدَّال أَو الْمَدْلُول لَا يَخْلُو عَن خلل، إِذْ لَا معنى لما دلّ على معنى حصل فِي نَفسه لكَون مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ مَا دلّ على معنى هُوَ مَدْلُوله، وَهَذَا عَبث وَكَذَا مَا دلّ على معنى حَاصِل فِي نفس ذَلِك الْمَعْنى لِامْتِنَاع كَون الشَّيْء حَاصِلا فِي نَفسه، وَلَو أُرِيد بِكَوْنِهِ حَاصِلا فِي نَفسه أَنه لَيْسَ حَاصِلا فِي غَيره فينتقض الْحَد بأسماء الصِّفَات وَالنّسب والتعريف بِمَا يَصح الْإِخْبَار عَنهُ ينْتَقض بأين وَإِذا وَكَيف وَالْجَوَاب بِأَن المُرَاد مَا جَازَ الْأَخْبَار عَن مَعْنَاهُ بِدَلِيل صِحَة (طَابَ الْوَقْت) ، وَهُوَ معنى (إِذا) ضَعِيف، إِذْ لَيْسَ (إِذا عبارَة عَن الْوَقْت فَقَط، بل هُوَ يفِيدهُ حَال مَا جعل ظرفا لشَيْء آخر، وَالْوَقْت حَال مَا جعل ظرفا لحادث آخر لَا يُمكن الْإِخْبَار عَنهُ الْبَتَّةَ
وَالِاسْم لُغَة: مَا وضع لشَيْء من الْأَشْيَاء وَدلّ على معنى من الْمعَانِي، جوهرا كَانَ أَو عرضا، فَيشْمَل الْفِعْل والحرف أَيْضا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} أَي: أَسمَاء الْجَوَاهِر والاعراض كلهَا
(1/83)

واشتقاقا: هُوَ مَا يكون عَلامَة للشَّيْء ودليلا يرفعهُ إِلَى الذِّهْن من الالفاظ وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال ووعرفا: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى، سَوَاء كَانَ مركبا أَو مُفردا، مخبرا عَنهُ أَو خَبرا أَو رابطة بَينهمَا وَفِي عرف النُّحَاة: هُوَ اللَّفْظ الدَّال على الْمَعْنى الْمُفْرد الْمُقَابل للْفِعْل والحرف
وَقد يُطلق الِاسْم وَيُرَاد بِهِ مَا يُقَابل الصّفة وَمَا يُقَابل الظّرْف، وَمَا يُقَابل الكنية واللقب وَالِاسْم: هُوَ اللَّفْظ الْمُفْرد الْمَوْضُوع للمعنى على مَا يعم أَنْوَاع الْكَلِمَة؛ وَأما تَقْيِيده بالاستقلال والتجرد عَن الزَّمَان ومقابلته بِالْفِعْلِ والحرف فاصطلاح النُّحَاة
وَالِاسْم أَيْضا ذَات الشَّيْء قَالَ ابْن عَطِيَّة: يُقَال: ذَات، ومسمى، وَعين، وَاسم بِمَعْنى
وَالِاسْم أَيْضا: الصّفة يُقَال: الْحق والخالق والعليم أَسمَاء الله تَعَالَى وَهُوَ رَأْي الاشعري والمسمى: هُوَ الْمَعْنى الَّذِي وضع الِاسْم بإزائه، وَالتَّسْمِيَة: هِيَ وضع الِاسْم للمعنى؛ وَقد يُرَاد بِالِاسْمِ نفس مَدْلُوله، وبالمسمى الذَّات من حَيْثُ هِيَ هِيَ، وبالتسمية نفس الاقوال، وَقد يُرَاد ذكر الشَّيْء باسمه، كَمَا يُقَال: سمي زيدا وَلم يسم عمرا
وَالِاسْم لَا يدل بِالْوَضْعِ إِلَّا على الثُّبُوت والدوام
والاسمتمرار معنى مجازي لَهُ، وَالْفِعْل يدل على التجدد والحدوث؛ وَلَا يحسن وضع أَحدهمَا مَوضِع الآخر؛ وَالِاسْم أَعلَى من صَاحِبيهِ إِذْ كَانَ يخبر بِهِ وَعنهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك صَاحِبَاه
وَالِاسْم إِن دلّ على معنى يقوم بِذَاتِهِ فَهُوَ اسْم عين كَالرّجلِ وَالْحجر، وَإِلَّا فاسم معنى، سَوَاء كَانَ مَعْنَاهُ وجوديا كَالْعلمِ أَو عدميا كالجهل
وَمثل: زيد وَعَمْرو وَفَاطِمَة وَعَائِشَة وَدَار وَفرس هُوَ اسْم علم
وَمثل: رجل وَامْرَأَة وشمس وقمر هُوَ اسْم لَازم، أَي لَا يَنْقَلِب وَلَا يُفَارق وَمثل: صَغِير وكبير وَقَلِيل وَكثير وطفل وكهل هُوَ اسْم مفارق
وَمثل: كَاتب وخياط هُوَ اسْم مُشْتَقّ
وَمثل: غُلَام جَعْفَر وثوب زيد هُوَ اسْم مُضَاف وَمثل: فلَان أَسد هُوَ اسْم مشبه. وَمثل: أَب وَأم وَأُخْت هُوَ اسْم مَنْسُوب يثبت بِنَفسِهِ وَيثبت غَيره
وَمثل: حَيَوَان وناس اسْم جنس
وَالِاسْم بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ على سِتَّة أَقسَام: فنحو: (زيد) جزئي حَقِيقِيّ
وَنَحْو: (الْإِنْسَان) كلي متواطئ
وَنَحْو: (الْوُجُود) كلي مشكك
وَنَحْو (الْعين) : مُشْتَرك
وَنَحْو (الصَّلَاة) : مَنْقُول مَتْرُوك
وَنَحْو (الْأسد) : حَقِيقِيّ ومجاز
وَالِاسْم الْمُفْرد ك (زيد) و (عَمْرو) والمركب إِمَّا من فعل ك (تأبط شرا) وَإِمَّا من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ ك (عبد الله) أَو من اسْمَيْنِ قد ركبا وَجعلا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد ك (سِيبَوَيْهٍ)
وَقد يكون الْمُفْرد مرتجلا، وَهُوَ الَّذِي مَا اسْتعْمل فِي غير العلمية ك (مذْحج) و (أدد)
وَقد يكون مَنْقُولًا إِمَّا من مصدر ك (سعد) و (فضل) أَو من اسْم فَاعل ك (عَامر) و (صَالح) أَو من اسْم مفعول ك (مَحْمُود) و (مَسْعُود) أَو من أفعل التَّفْضِيل ك (احْمَد) و (اِسْعَدْ) أَو من صفة ك (عَتيق) وَهُوَ الدارب بالأمور والظافر بالمطلوب و (سلول) وَهُوَ كثير السل
(1/84)

وَقد يكون مَنْقُولًا من اسْم عين ك (اسد) و (صقر)
وَقد يكون مَنْقُولًا من فعل مَاض ك (ابان) و (شمر) أَو من فعل مضارع ك (يزِيد) و (يشْكر)
وَوُقُوع الِاسْم على الشَّيْء بِاعْتِبَار ذَاته كالأعلام
وَبِاعْتِبَار صفة حَقِيقَة قَائِمَة بِذَاتِهِ كالأسود والأبيض والحار والبارد
وَاعْتِبَار جُزْء من أَجزَاء ذَاته كَقَوْلِنَا للحيوان إِنَّه جَوْهَر وجسم
وَبِاعْتِبَار صفة إضافية فَقَط كَقَوْلِنَا للشَّيْء، إِنَّه مَعْلُوم وَمَفْهُوم ومذكور وَمَالك ومملوك. وَبِاعْتِبَار صفة سلبية كالأعمى وَالْفَقِير
وَبِاعْتِبَار صفة حَقِيقِيَّة مَعَ صفة إضافية كَقَوْلِنَا للشَّيْء إِنَّه عَالم وقادر، فَإِن الْعلم عِنْد الْجُمْهُور صفة حَقِيقِيَّة وَلها إِضَافَة إِلَى المعلومات، وَكَذَا الْقُدْرَة صفة حَقِيقِيَّة وَلها إِضَافَة إِلَى المقدورات
وَبِاعْتِبَار صفتين حَقِيقِيَّة وسلبية كشجاع وَهِي الملكة وَعدم الْبُخْل
وَبِاعْتِبَار صفتين إضافية وسلبية كَالْأولِ لِأَنَّهُ سَابق لغيره وَلم يسْبقهُ غَيره، وقيوم لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَى غَيره ومقوم لغيره
وَبِاعْتِبَار الصِّفَات الثَّلَاث كالإله لِأَنَّهُ دَال على وُجُوبه لذاته وعَلى إيجاده لغيره وعَلى تنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ
وَالِاسْم غير الصّفة: مَا كَانَ جِنْسا غير مَأْخُوذ من الْفِعْل نَحْو: رجل وَفرس وَعلم وَجَهل
وَالصّفة مَا كَانَ مأخوذا من الْفِعْل نَحْو اسْم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول ك (ضَارب ومضروب) وَمَا أشبههما من الصِّفَات الفعلية، و (أَحْمَر) و (أصفر) وَمَا أشبههما من صِفَات الْحِلْية، و (مصري) و (مغربي) وَنَحْوهمَا من صِفَات النِّسْبَة؛ وَهَذَا من حَيْثُ اللَّفْظ، وَأما من حَيْثُ الْمَعْنى فالصفة تدل على ذَات وَصفَة نَحْو: (أسود) إِلَّا أَن دلالتها على الذَّات تَسْمِيَة، ودلالتها على السوَاد من جِهَة أَنه مُشْتَقّ من لَفظه فَهُوَ خَارج، وَغير الصّفة لَا يدل إِلَّا على شَيْء وَاحِد وَهُوَ ذَات الْمُسَمّى
وَالِاسْم الْوَاقِع فِي الْكَلَام قد يُرَاد بِهِ نفس لَفظه كَمَا يُقَال: (زيد) : مُعرب و (ضرب) : فعل مَاض، و (من) : حرف جر
وَقد يُرَاد بِهِ مَعْنَاهُ كَقَوْلِنَا: (زيد كَاتب)
وَقد يُرَاد بِهِ نفس مَا هية الْمُسَمّى مثل (الْإِنْسَان نوع وَالْحَيَوَان جنس)
وَقد يُرَاد بِهِ فَرد مِنْهُ نَحْو: (جَاءَنِي إِنْسَان) و (رَأَيْت حَيَوَانا)
وَقد يُرَاد جزؤها كالناطق، أَو عَارض لَهَا كالضاحك، فَلَا يبعد أَن يَقع اخْتِلَاف واشتباه فِي أَن اسْم الشَّيْء نفس مُسَمَّاهُ أَو غَيره؛ وَفِي مثل: (كتبت زيدا) يُرَاد بِهِ اللَّفْظ، وَفِي مثل (كتب زيد) يُرَاد بِهِ الْمُسَمّى، وَإِذا أطلق بِلَا قرينَة ترجح اللَّفْظ أَو الْمُسَمّى كَمَا فِي قَوْلك: (زيد حسن) فَإِنَّهُ يحتملهما بِلَا رُجْحَان، فالقائل بالغيرية يحملهُ على اللَّفْظ، وبالعينية على الْمُسَمّى، فَعِنْدَ النَّحْوِيين غير الْمُسَمّى، إِذْ لَو كَانَ إِيَّاه لما جَازَ إِضَافَته إِلَيْهِ، إِذْ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه؛ فالاسم هُوَ اللَّفْظ الْمُطلق على الْحَقِيقَة عينا تِلْكَ الْحَقِيقَة أَو معنى، تمييزا لَهَا باللقب مِمَّن يشاركها فِي النَّوْع، والمسمى تِلْكَ الْحَقِيقَة وَهِي ذَات ذَلِك اللقب أَي صَاحبه، فَمن ذَلِك: (لَقيته ذَات مرّة) وَالْمرَاد الزَّمن الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ مرّة، وَالدَّلِيل على التغاير بَينهمَا أَيْضا ثُبُوت كل مِنْهُمَا حَال عدم الآخر، كالحقائق الَّتِي مَا وضعُوا لَهَا اسْما بِعَيْنِه، وكألفاظ الْمَعْدُوم والمنفي، وكالأسماء المترادفة والمشتركة فَإِن كَثْرَة المسميات ووحدة
(1/85)

الِاسْم فِي الْمُشْتَرك، وَبِالْعَكْسِ فِي المترادف يُوجب الْمُغَايرَة، لَا سِيمَا أَن الِاسْم أصوات مقطعَة وصنعت لتعريف المسميات، وَتلك الْأَصْوَات أغراض غير بَاقِيَة، والمسمى قد يكون بَاقِيا، بل يكون وَاجِب الْوُجُود لذاته
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ: " قد يكون الِاسْم عين الْمُسَمّى نَحْو (الله) فَإِنَّهُ علم للذات من غير اعْتِبَار معنى فِيهِ، وَقد يكون غَيره نَحْو: الْخَالِق والرازق مِمَّا يدل على نِسْبَة إِلَى غَيره، وَلَا شكّ أَنه غَيره، وَقد يكون لَا هُوَ وَلَا غَيره، كالعليم وَالْقَدِيم مِمَّا يدل على صفة حَقِيقِيَّة قَائِمَة بِذَاتِهِ " انْتهى لَكِن إِطْلَاق الِاسْم بِمَعْنى الصّفة على مَا مَدْلُوله مُجَرّد للذات بِلَا معنى زَائِد مَحل نظر؛ فَإِن قيل: لَو كَانَ الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى لاستقام أَن يُقَال: إِن الله اسْم، كَمَا يَسْتَقِيم القَوْل بِأَن الله مُسَمّى، واستقام أَن يُقَال بِأَنَّهُ [عبد] اسْم الله، كَمَا يَسْتَقِيم القَوْل بِأَنَّهُ عبد الله قُلْنَا: السَّبِيل فِي مثله التَّوْقِيف وَلم يرد التَّوْقِيف بِأَن اسْم الله هُوَ الله، وَلَا بِأَن (عبد اسْم الله) عبد الله كَذَا فِي " الْكَافِي "
والمحكي عَن الْمُعْتَزلَة أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى، وَلَفظ الِاسْم فِي قَوْله تَعَالَى: {سبح اسْم رَبك} و {تبَارك اسْم رَبك} مقحم؛ وَلنَا أَن تِلْكَ الْآيَة دَلِيل على أَنَّهُمَا وَاحِد، إِذْ لَو كَانَ الِاسْم غير الْمُسَمّى لَكَانَ أمرا بالتسبيح لغير الله؛ وعَلى هَذَا إِذا قَالَ: (زَيْنَب طَالِق) وَاسم امْرَأَته زَيْنَب يَقع على ذَات الْمَرْأَة لَا على اسْمهَا، وَإِذا اسْتعْمل بِمَعْنى التَّسْمِيَة يكون غير الْمُسَمّى لَا محَالة؛ فجواب (مَا اسْمك) زيد لِأَن (مَا) لغير الْعُقَلَاء، وَجَوَاب (من زيد) ؟ أَنا، بِالْإِضَافَة إِلَى الذَّات؛ وَفِي الْجُمْلَة: الِاسْم هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ لَا اللَّفْظ؛ يُقَال زيد هَذَا الشَّخْص، وَزيد جَاءَ؛ وَلَو كَانَ هُوَ اللَّفْظ لما صَحَّ الْإِسْنَاد، فَعلم أَنه عين الْمُسَمّى خَارِجا لَا مفهوما، وَأما اللَّفْظ الْحَاصِل بالتكلم وَهُوَ الْحُرُوف المركبة تركبا مَخْصُوصًا فيسمى بِالتَّسْمِيَةِ
ثمَّ اعْلَم أَن الِاسْم إِمَّا أَن يوضع لذات مُعينَة من غير مُلَاحظَة معنى من الْمعَانِي مَعهَا مثل (الْإِبِل وَالْفرس) ، وَإِمَّا أَن يوضع لذات مُعينَة بِاعْتِبَار صدق معنى مَا عَلَيْهَا، فيلاحظ الْوَاضِع تِلْكَ الذَّات بِاعْتِبَار صدق ذَلِك الْمَعْنى عَلَيْهَا، ثمَّ يوضع الِاسْم بِإِزَاءِ تِلْكَ الذَّات فَقَط خَارِجا عَنْهَا ذَلِك الْمَعْنى، أَو بِإِزَاءِ الذَّات المتصفة بذلك الْمَعْنى دَاخِلا ذَلِك الْمَعْنى فِي الْمَوْضُوع لَهُ فَيكون الْمَعْنى سَببا باعثا للوضع فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ، مَعَ أَنه خَارج فِي الصُّورَة الأولى دَاخل فِي الثَّانِيَة وكل من هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة اسْم يُوصف وَلَا يُوصف بِهِ، إِذْ مَدْلُوله الذَّات الْمعينَة الْقَائِمَة بِنَفسِهَا ممتنعة الْقيام بغَيْرهَا حَتَّى يُوصف بهَا الْغَيْر؛ وَإِمَّا أَن يوضع لذات مُبْهمَة يقوم بهَا معنى معِين على أَن يكون قيام ذَلِك الْمَعْنى بأية ذَات كَانَت من الذوات مصححا للاطلاق فَهَذَا الْقسم هُوَ الصّفة إِذْ مَدْلُوله قَائِم بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ، لِأَنَّهُ مركب من مَفْهُوم الذَّات المبهمة وَالْمعْنَى، وَقيام الْمَعْنى بِغَيْرِهِ ظَاهر، وَكَذَا الذَّات المبهمة معنى من الْمعَانِي، إِذْ لَا اسْتِقْلَال
(1/86)

لَهُ بِنَفسِهِ فَيقوم بِغَيْرِهِ، وَالضَّابِط فِيهِ هُوَ أَن كل ذَات قَامَت بهَا صِفَات زَائِدَة عَلَيْهَا، فالذات غير الصِّفَات، وَكَذَا كل وَاحِد من الصِّفَات، غير الآخر ان اخْتلف بالذوات، بِمَعْنى أَن حَقِيقَة كل وَاحِد، وَالْمَفْهُوم مِنْهُ عِنْد انْفِرَاده غير مَفْهُوم الآخر لَا محَالة، وَإِن كَانَت الصِّفَات غير مَا قَامَت بِهِ من الذَّات، فَالْقَوْل بِأَنَّهَا غير مَدْلُول الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْهَا أَو مَا وضع لَهَا وللذات من غير اشتقاق، وَذَلِكَ مثل صفة الْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُسَمّى الْعَالم أَو مُسَمّى الاله؛ فعلى هَذَا، وَإِن صَحَّ القَوْل بِأَن علم الله غير مَا قَامَ بِهِ من الذَّات لَا يَصح أَن يُقَال: إِن علم الله غير مَدْلُول اسْم الله أَو عينه، إِذْ لَيْسَ هُوَ عين مَجْمُوع الذَّات مَعَ الصِّفَات، وَلَعَلَّ هَذَا مَا أَرَادَهُ بعض الحذاق من الْأَصْحَاب فِي أَن الصِّفَات النفسية لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيره؛ إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: إِن الاله اسْم لَا وصف، مَعَ أَنه صَالح للوصفية أَيْضا، لاشتمال مَعْنَاهُ على الذَّات المبهمة الْقَائِمَة بهَا معنى وَعين وَالدَّلِيل على ذَلِك جَرَيَان الْأَوْصَاف عَلَيْهِ وَعدم جَرَيَانه على مَوْصُوف مَا، وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَونه فِي أصل وَضعه لذات مُعينَة، بِاعْتِبَار وصف الألوهية؛ وَمَعْلُوم أَن الذَّات الْمعينَة قَائِمَة بِنَفسِهَا لَا يحْتَمل قِيَامهَا بغَيْرهَا حَتَّى يَصح إِجْرَاء اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهَا على مَوْصُوف مَا؛ وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين الِاسْم وَالصّفة
اسْم الْجِنْس: هُوَ يُطلق على الْوَاحِد على سَبِيل الْبَدَل ك (رجل) ، وَلَا يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير، وَالْجِنْس يُطلق عَلَيْهِمَا ك (المَاء)
وَاسم الْجِنْس: لَا يتَنَاوَل الْأَفْرَاد على سَبِيل الْعُمُوم والشمول فِي غير مَوضِع الِاسْتِغْرَاق، ويتناول مَا تَحْتَهُ من الْأَنْوَاع كالحيوان يتَنَاوَل الْإِنْسَان وَغَيره مِمَّا فِيهِ الحيوانية
وَاسم النَّوْع: لَا يتَنَاوَل الْجِنْس كالإنسان فَإِنَّهُ لَا يتَنَاوَل الْحَيَوَان
وَاسم الْجِنْس إِذا عرف بِاللَّامِ، فَإِن كَانَ هُنَاكَ حِصَّة من الْمَاهِيّة مَعْهُود حمل عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَإِن لم يكن هُنَاكَ مَا يدل على إِرَادَة الْحَقِيقَة من حَيْثُ وجودهَا فِي ضمن أفرادها حمل على الْحَقِيقَة؛ وَإِن دلّت قرينَة على إرادتها من حَيْثُ الْوُجُود فَإِن كَانَ الْمقَام مناسبا للاستغراق حمل عَلَيْهِ، وَإِلَّا حمل على غير معِين
وشمول اسْم الْجِنْس لكل فَرد ومثنى ومجموع إِنَّمَا يتَصَوَّر على مَذْهَب من يَقُول ان اسْم الْجِنْس مَوْضُوع للماهية من حَيْثُ هِيَ المتحدة فِي الذِّهْن يُمكن فرض صدقهَا على كثيرين فِي الْخَارِج فَهِيَ متعينة فِي الذِّهْن بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر الْحَقَائِق، وَلَيْسَت بمشخصة حَيْثُ تُوجد فِي الْخَارِج فِي ضمن أَفْرَاد كَثِيرَة هَذَا مَا هُوَ مُخْتَار السَّيِّد الشريف وَالْقَاضِي الْعَضُد
وَأما على مَذْهَب من يَقُول إِنَّه مَوْضُوع للماهية مَعَ وحدة شخصية أَو نوعية بِاعْتِبَار وجودهَا فِي الْخَارِج يُسمى فَردا منتشرا فَهُوَ لَيْسَ بمتعين وَلَا بشخص، وَهُوَ مَذْهَب الْأُصُولِيِّينَ ومختار ابْن الْحَاجِب والرضي والتفتازاني
وَاسم الْجِنْس مَوْضُوع للفرد الْمُبْهم، وَعلم الْجِنْس مَوْضُوع للماهية، وَإِذا قَالَ الْوَاضِع: وضعت لَفْظَة (أُسَامَة) لإِفَادَة ذَات كل وَاحِد من أشخاص الْأسد بِعَينهَا من حَيْثُ هِيَ هِيَ على سَبِيل الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ، فَإِن ذَلِك علم الْجِنْس
وَإِذا قَالَ: وضعت لفظ (الْأسد) لإِفَادَة الْمَاهِيّة الَّتِي هِيَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين هَذِه الْأَشْخَاص فَقَط من غير أَن يكون فِيهَا دلَالَة على الشَّخْص الْمعِين كَانَ اسْم الْجِنْس
(1/87)

الِاسْم المتمكن: أَي اسْم راسخ الْقدَم فِي الاسمية، وَهُوَ مَا يجْرِي عَلَيْهِ الاعراب، أَي مَا يقبل الحركات الثَّلَاث ك (زيد)
وَغير المتمكن: مَا لَا يجْرِي عَلَيْهِ الْإِعْرَاب
وَالِاسْم التَّام: مَا يَسْتَغْنِي عَن الْإِضَافَة
والمقصور: مَا فِي آخِره ألف مُفْردَة
والمنقوص: مَا فِي آخِره يَاء قبلهَا كسرة ك (القَاضِي)
وَالِاسْم الْمُشْتَرك: مَا لَهُ وضعان أَو أَكثر بِإِزَاءِ مدلولية أَو مدلولاته، فَلِكُل مَدْلُول وضع
وَالْعَام: مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا وضع وَاحِد يتَنَاوَل كل فَرد ويستغرق الْأَفْرَاد
وَأَسْمَاء الْأَفْعَال: مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ أَلْفَاظ الْأَفْعَال ك (استجب) و (أمْهل) و (أسْرع) و (أقبل) من حَيْثُ يُرَاد بهَا مَعَانِيهَا، لَا من حَيْثُ يُرَاد بهَا أَنْفسهَا، لِأَن مدلولاتها الَّتِي وضعت لَهَا هِيَ أَلْفَاظ لم يعْتَبر اقترانها بِزَمَان؛ وَأما الْمعَانِي المقترنة بِالزَّمَانِ فَهِيَ مدلولة لتِلْك الْأَلْفَاظ، فينقل من الْأَسْمَاء إِلَيْهَا بواسطتها
وَحكم أَسمَاء الْأَفْعَال فِي التَّعَدِّي واللزوم حكم الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ بمعناها، إِلَّا أَن الْبَاء تزاد فِي مفعولها كثيرا نَحْو (عَلَيْك بِهِ) لِضعْفِهَا فِي الْعَمَل، فَيعْمل بِحرف عَادَته إِيصَال اللَّازِم إِلَى الْمَفْعُول
اسْم الْفَاعِل: هُوَ مَا اشتق لما حدث مِنْهُ الْفِعْل
وَالْفَاعِل: مَا أسْند إِلَيْهِ الْمَعْرُوف أوشبهه
ونائب الْفَاعِل: مَا أسْند إِلَيْهِ الْمَجْهُول أَو شبهه وَالْفَاعِل كاسم الْفَاعِل إِذا اعْتمد على الْهمزَة يُسَاوِي الْفِعْل فِي الْعَمَل نَحْو: (أقائم الزيدان) وَالْفَاعِل الَّذِي بِمَعْنى ذِي كَذَا لَا يؤنث لقَوْله تَعَالَى: {السَّمَاء منفطر بِهِ} أَي ذَات انفطار، بِخِلَاف اسْم الْفَاعِل
وَاسم الْفَاعِل مجَاز فِي الْمَاضِي عِنْد الْأَكْثَرين وَحَقِيقَة فِي الْحَال عِنْد الْكل، ومجاز فِي الِاسْتِقْبَال اتِّفَاقًا، وَقيل: حَقِيقَة فِي الْمَاضِي؛ وَقيل: إِن كَانَ الْفِعْل مِمَّا لَا يُمكن بَقَاؤُهُ كالمتحرك والمتكلم وَنَحْو ذَلِك فحقيقة، وَإِلَّا فمجاز؛ وَهَكَذَا اسْم الْمَفْعُول
وكل اسْم دلّ على الْمصدر فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي التّكْرَار كالسارق فِي آيَة السّرقَة فَإِن الْمصدر الثَّابِت بِلَفْظ السَّارِق لما لم يَجْعَل للعدد أُرِيد بهَا الْمرة، وبالمرة الْوَاحِدَة لَا يقطع إِلَّا يَد وَاحِدَة، واليمنى متعينة بِالْإِجْمَاع وبالسنة قولا وفعلا؛ وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {فَاقْطَعُوا أيمانهما}
يَقُول الشَّافِعِي: " الْآيَة تدل على قطع يسرى السَّارِق فِي الكرة الثَّانِيَة " وَهُوَ ضَعِيف؛ وَإِنَّمَا يحمل الشَّافِعِي الْمُطلق على الْمُقَيد هَهُنَا مَعَ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ فِي صُورَة اتِّحَاد الحكم والحادثة، لِأَنَّهُ لَا يعْمل بِالْقِرَاءَةِ غير المتواترة
وَيجوز تَعديَة اسْم الْفَاعِل بِحرف الْجَرّ وَامْتنع ذَلِك فِي فعله نَحْو: {فعال لما يُرِيد}
وَاسم الْفَاعِل الْمُتَعَدِّي لَا يُضَاف إِلَى فَاعله لوُقُوع الالتباس، وَهُوَ مَعَ فَاعله يعد من الْمُفْردَات، بِخِلَاف الْفِعْل مَعَ فَاعله
وَلَا يكون مُبْتَدأ حَتَّى يعْتَمد على الِاسْتِفْهَام أَو
(1/88)

النَّفْي أَو معنى النَّفْي لِأَنَّهُمَا يقربانه بِمَالِه صدر الْكَلَام؛ وَيدل فِي كثير من الْمَوَاضِع على ثُبُوت الْمصدر فِي الْفَاعِل ورسوخه فِيهِ، وَالْفِعْل الْمَاضِي لَا يدل عَلَيْهِ
وَاسم الْفَاعِل مَعَ فَاعله لَيْسَ بجملة لشبهه بالخالي عَن الضَّمِير حَيْثُ لم يتفاوتا فِي الْحِكَايَة وَالْخطاب والغيبة تَقول: (أَنا قَائِم، أَنْت قَائِم، هُوَ قَائِم) كَمَا تَقول: (أَنا غُلَام، أَنْت غُلَام، هُوَ غُلَام) إِلَّا أَنه إِذا وَقع صلَة كَانَ مُقَدرا بِالْفِعْلِ فَيكون جملَة؛ وَإِنَّمَا عدل إِلَى صُورَة الِاسْم كَرَاهَة دُخُول مَا هُوَ فِي صُورَة لَام التَّعْرِيف على صَرِيح الْفِعْل وَالْفِعْل مَعَ فَاعله جملَة لأصالته
ويبنى اسْم الْفَاعِل من اللَّازِم كَمَا يبْنى من الْمُتَعَدِّي
وَاسم الْمَفْعُول إِنَّمَا يبْنى من فعل مُتَعَدٍّ
وَاسم الْفَاعِل المُرَاد بِهِ الْمُضِيّ لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ اللَّام بِمَعْنى (الَّذِي) ويتعرف بِالْإِضَافَة، وَإِذا ثني أَو جمع لَا يجوز فِيهِ إِلَّا حذف النُّون والجر بِخِلَاف اسْم الْفَاعِل المُرَاد بِهِ الْحَال والاستقبال فَإِنَّهُ يعْمل مُطلقًا
وَلَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَيجوز فِيهِ فِي صُورَة التَّثْنِيَة وَالْجمع حذف النُّون والجر وَبَقَاء النُّون وَالنّصب
وَاسْتِعْمَال اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحَاضِر أقوى مِنْهُ بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل
وَاسم الْفَاعِل دون الصّفة المشبهة فِي الدّلَالَة على الثُّبُوت، وَلَا يكون اسْم الْفَاعِل إِلَّا مجاريا للمضارع فِي حركاته وسكناته، وَالصّفة المشبهة تكون مجارية لَهُ ك (منطلق اللِّسَان) و (مطمئن) الْقلب) ؛ وَغير مجارية لَهُ وَهُوَ الْغَالِب
وَاسم الْفَاعِل لَا يُخَالف فعله فِي الْعَمَل وَالصّفة المشبهة تخَالفه فِيهِ، لِأَنَّهَا تنصب مَعَ قُصُور فعلهَا، وَيجوز حذف اسْم الْفَاعِل وإبقاء معموله، وَالصّفة المشبهة لَا تعْمل محذوفة
وَاسم الْفَاعِل لما كَانَ جَارِيا على الْفِعْل جَازَ أَن يقْصد بِهِ الْحُدُوث بمعونة الْقَرَائِن كَمَا فِي (ضايق) وَيجوز أَن يقْصد بِهِ الدَّوَام كَمَا فِي الْمَدْح وَالْمُبَالغَة، وَكَذَا حكم اسْم الْمَفْعُول
وَأما الصّفة المشبهة فَلَا يقْصد بهَا إِلَّا مُجَرّد الثُّبُوت وضعا، والدوام باقتضاء الْمقَام
وَاسم الْفَاعِل يتَحَمَّل الضَّمِير، بِخِلَاف الْمصدر؛ وَالْألف وَاللَّام فِيهِ تفِيد التَّعْرِيف والموصولية؛ وَفِي الْمصدر تفِيد التَّعْرِيف فَقَط
وَيجوز تَقْدِيم معموله عَلَيْهِ نَحْو: (هَذَا زيدا ضَارب) بِخِلَاف الْمصدر
وَيعْمل بشبه الْفِعْل، والمصدر لَا يعْمل بشبه شَيْء لِأَنَّهُ الأَصْل
وَلَا يعْمل إِلَّا فِي الْحَال والاستقبال، والمصدر يعْمل فِي الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة
وَلَا يعْمل مُعْتَمدًا على مَوْصُوف أَو ذِي خبر أَو حَال، والمصدر يعْمل مُعْتَمدًا وَغير مُعْتَمد
وَقد يُضَاف مَعَ الْألف وَاللَّام، والمصدر لَا يُضَاف كَذَلِك.
وَلَا يُضَاف إِلَّا إِلَى الْمَفْعُول، والمصدر يُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول
وَالظَّاهِر من صِيغَة الْفَاعِل غير الْمُضَاف هُوَ الِاسْتِقْبَال، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي (ضَارب غلامك) حَيْثُ قَالُوا: هُوَ عدَّة إِن لم يضف وَإِقْرَار إِن أضَاف
وَاسم الْفَاعِل من الْعدَد: إِذا أضيف إِلَى أنقص مِنْهُ يكون بِمَعْنى الْمصير نَحْو: (ثَالِث اثْنَيْنِ) أَي مصير الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَة؛ وعَلى هَذَا قَول الرضي: الثَّالِث الْمَعْنيين أَي مصير الْمَعْنيين السَّابِقين
(1/89)

ثَلَاثَة؛ وَإِنَّمَا دخل (ال) على الْمُضَاف إِضَافَة لفظية لكَونهَا دَاخِلَة أَيْضا على الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو: (الْجَعْد الشّعْر)
[وَإِذا أضيف إِلَى أَزِيد مِنْهُ أَو إِلَى مُسَاوِيَة يكون بِمَعْنى الْحَال نَحْو: (ثَانِي اثْنَيْنِ) أَو (ثَانِي ثَلَاثَة) أَي أَحدهمَا]
وَاسم الْفَاعِل والمصدر المتعديين إِلَى الْمَفْعُول بأنفسهما قد يقويان بِاللَّامِ، وَيُسمى لَام التقوية فِي غير نَحْو: (عل) و (عرف) و (درى) و (جهل) ؛ وَلَا يقوى الْفِعْل بِاللَّامِ إِذا قدم مَفْعُوله فَيُقَال (لزيدا ضربت)
وَاسم الْفَاعِل يجوز عطفه على الْفِعْل وَبِالْعَكْسِ مثل: {صافات ويقبضن}
وَعمل اسْم الْفَاعِل مَشْرُوط بِشَرْطَيْنِ: أَحدهمَا كَونه بِمَعْنى الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال
وَثَانِيهمَا اعْتِمَاده على أحد الْأَشْيَاء السِّتَّة: حرف النَّفْي، وحرف الِاسْتِفْهَام ملفوظا أَو مُقَدرا، والمبتدأ صَرِيحًا أَو منويا؛ والموصوف؛ وَذُو الْحَال؛ والموصول، كَمَا أَن الظّرْف مَشْرُوط فِي عمله الِاعْتِمَاد على أحد مَا ذكر وَزَاد الْبَعْض فِي اسْم الْفَاعِل الِاعْتِمَاد على حرف النداء نَحْو: (يَا طالعا جبلا) وَبَعْضهمْ على (إِن) نَحْو: (إِن قَائِم الزيدان)
وَاسم الْفَاعِل وَنَحْوه يدل على شخص متصف بِالْمَصْدَرِ الْمُشْتَقّ مِنْهُ، وَلَا دلَالَة لَهُ على الزَّمَان إِذا أُرِيد بِهِ الثُّبُوت، بل هُوَ كَلَفْظِ (أَسد) و (إِنْسَان) فِي الدّلَالَة على الزَّمَان؛ فَمَعْنَى (ضَارب) مرَادا بِهِ الثُّبُوت: شخص متصف بِالضَّرْبِ، صادر مِنْهُ، وَإِن أُرِيد بِهِ الْحُدُوث كَمَا يقْصد بالأفعال بِحَيْثُ يعْمل عمل الْفِعْل دلّ على الزَّمَان
وَقد يُطلق اسْم الْفَاعِل بِاعْتِبَار مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ
وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول والمصدر إِذا وصف بِشَيْء يمْنَع إعماله بعد ذَلِك فِي شَيْء؛ وَلِهَذَا قَالُوا: عَامل (يَوْم) فِي {يَوْم ينظر الْمَرْء} مَحْذُوف، وَهُوَ (اذكر) لَا (الْعَذَاب)
وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول إِذا جرى على غير مَا هُوَ لَهُ كَانَ كالفعل يذكر وَيُؤَنث على حسب مَا عمل فِيهِ، كَمَا فِي قَوْله: {رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا}
وَبِنَاء اسْم الْفَاعِل من (فعل) على (فَاعل) مُتَعَدِّيا كَانَ أَو لَازِما وَمن (فعل) إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا على (فَاعل) أَيْضا؛ وَأما إِذا كَانَ لَازِما فَهُوَ على (أفعل) ك (أبخل) و (أَحول)
وَاسم الْمَفْعُول: هُوَ مَا وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل بِالْقُوَّةِ: وَالْمَفْعُول مَا وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل بِالْفِعْلِ؛ وَالْفَاعِل لَا بُد لَهُ من فعل، وَهُوَ الْمصدر، وَلَا بُد لذَلِك الْفِعْل من زمَان وَمن غَرَض ثمَّ قد يَقع ذَلِك الْفِعْل فِي شَيْء آخر وَهُوَ الْمَفْعُول بِهِ، وَفِي مَكَان وَمَعَ شَيْء آخر هَذَا ضبط القَوْل فِي المفاعيل
وَالْمَفْعُول إِذا كَانَ ضميرا مُنْفَصِلا وَالْفِعْل مُتَعَدٍّ لوَاحِد وَجب تَأْخِير الْفِعْل نَحْو: {إياك نعْبد} وَلَا يجوز أَن يتَقَدَّم إِلَّا فِي ضَرُورَة وَفِي بعض
(1/90)

الشُّرُوح: إِن كَانَ مفعول الْمَجْهُول جارا أَو مجرورا لَا يتَقَدَّم على الْفِعْل لِأَنَّهُ لَو تقدم اشْتغل الْفِعْل بضميره وَلَا يُمكن جعله مُبْتَدأ لأجل حرف الْجَرّ؛ وَمِنْهُم من أجَازه محتجا بقوله تَعَالَى: {كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا} لِأَن مَا لم يسم فَاعله مفعول فِي الْمَعْنى
وَالنّصب بعد حذف الْخَافِض عَلامَة الْمَفْعُول بِهِ، لِأَن حُرُوف الْجَرّ إِنَّمَا تدخل الْأَسْمَاء لإخفاء مَعَاني الْأَفْعَال إِلَيْهَا، فَتكون تِلْكَ الْأَسْمَاء مفاعيل لتِلْك الْأَفْعَال مَنْصُوبَة الْمحَال لعدم ظُهُور النصب فِيهَا لفظا لضَرُورَة وجود آثَار تِلْكَ الْحُرُوف؛ وَلما حذف مَانع ظُهُور النصب عَادَتْ منصوبات على المفعولية
وَيجوز حذف أحد مفعولي أَفعَال الْقُلُوب فِيمَا إِذا كَانَ الْفَاعِل والمفعولان شَيْئا وَاحِدًا فِي الْمَعْنى، ذكره صَاحب " الكاشف "
الِاسْتِثْنَاء: فِي اللُّغَة: الْمَنْع وَالصرْف، فينتظم الوضعي الَّذِي هُوَ مَا يكون بأداته، والعرفي الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى
وَلَفظ الِاسْتِثْنَاء يُطلق على فعل الْمُتَكَلّم وعَلى الْمُسْتَثْنى وعَلى نفس الصِّيغَة، وَالْمرَاد من قَوْلهم: إِن الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل مجَاز فِي الْمُنْقَطع صِيغ الِاسْتِثْنَاء، وَأما لفظ الِاسْتِثْنَاء فحقيقة اصطلاحية فِي الْقسمَيْنِ بِلَا نزاغ
وَالِاسْتِثْنَاء إِيرَاد لفظ يَقْتَضِي رفع مَا يُوجِبهُ عُمُوم اللَّفْظ، أَو رفع مَا يُوجِبهُ اللَّفْظ
فَمن الأول قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة} وَمن الثَّانِي قَوْله الْقَائِل: (وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِن شَاءَ الله) و (عَبده عَتيق وَامْرَأَته طَالِق إِن شَاءَ الله تَعَالَى)
والمخرج بِالِاسْتِثْنَاءِ عينه، وباستثناء الْمَشِيئَة خلاف الْمَذْكُور
وَالِاسْتِثْنَاء من قبيل الْأَلْفَاظ، والتلفظ تكلم بالحاصل بعد الثنيا وَلِهَذَا دخل فِي الْعدَد وَلم يجز إضماره، وَالنِّيَّة لَيست كَذَلِك، لِأَنَّهَا لَيست من قبيل الْأَلْفَاظ وَالثَّابِت بهَا إِذن التَّخْصِيص لَا الِاسْتِثْنَاء، إِذْ التَّخْصِيص لَا يخْتَص بالألفاظ، فَإِنَّهُ يكون تَارَة بِاللَّفْظِ وَتارَة بِغَيْرِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ التَّخْصِيص بِالْعقلِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تدمر كل شَيْء}
وَالِاسْتِثْنَاء يجْرِي حَقِيقَة فِي الْعَام وَالْخَاص، والتخصيص لَا يجْرِي حَقِيقَة إِلَّا فِي الْعَام
وَالِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات، كَقَوْلِك: (لَيْسَ لَهُ على شَيْء إِلَّا عشرَة) فَيلْزمهُ عشرَة؛ وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِك: (لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة) فَيلْزمهُ خَمْسَة هَذَا عِنْد الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا، يَعْنِي أَنه اسْتِخْرَاج صوري وَبَيَان معنوي، إِذْ الْمُسْتَثْنى لم يرد أَولا نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} وَالْمرَاد تسعمئة سنة قَالَ الْبرمَاوِيّ مَا قَالَه الشَّافِعِي وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور مُوَافق لقَوْل سِيبَوَيْهٍ والبصريين، وَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة مُوَافق لقَوْل نحاة الْكُوفَة لِأَنَّهُ كُوفِي
(1/91)

وَأما الْإِجْمَاع المنعقد على أَن (لَا إِلَه إِلَّا الله) يُفِيد التَّوْحِيد وَلَو من الدهري وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بالإثبات بعد النَّفْي، فَالْجَوَاب أَن إِفَادَة كلمة التَّوْحِيد الْإِثْبَات بعد النَّفْي بِالْعرْفِ الشَّرْعِيّ، وكلامنا فِي الْوَضع اللّغَوِيّ، وَلِأَن مُرَاد أهل الْإِجْمَاع بالإثبات فِي قَوْلهم: الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات عدم النَّفْي، ومرادهم بِالنَّفْيِ فِي قَوْلهم: الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي عدم الْإِثْبَات إطلاقا للخاص على الْعَام [أَو نقُول: الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَبِالْعَكْسِ لَكِن بطرِيق الْإِشَارَة على معنى أَن حكم الْإِثْبَات يَنْتَهِي بِهِ كَمَا يَنْتَهِي بالغاية، وَذَلِكَ لِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي الْحَقِيقَة غَايَة للمستثنى مِنْهُ، فَمَتَى دخل على نفي يَنْتَهِي بالإثبات وَمَا دخل على إِثْبَات يَنْتَهِي بِالنَّفْيِ لِانْعِدَامِ عِلّة الْإِثْبَات، وَسمي هَذَا نفيا وإثباتا مجَازًا، وَالْمرَاد أَنه لم يحكم على الْمُسْتَثْنى بِحكم الصَّدْر إِلَّا أَنه حكم عَلَيْهِ بنقيض حكم الصَّدْر فَفِي قَوْله: (لَا إِلَه إِلَّا الله) لما انْتهى نفي الأولوهية عَمَّا سوى الله تَعَالَى بالألوهية ثَبت ألوهية الله تَعَالَى ضَرُورَة لَكِن بطرِيق الْإِشَارَة]
وَالِاسْتِثْنَاء وضع للنَّفْي، لِأَنَّهُ لبَيَان أَن الْمُسْتَثْنى لم يدْخل فِي حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، لَكِن جَعَلْنَاهُ للنَّفْي إِذا كَانَ من الْإِثْبَات، وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ ضَرُورَة المضادة بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ، فَكَانَ النَّفْي ذاتيا؛ أما نفي الْإِثْبَات إِن كَانَ من الْإِثْبَات أَو نفي النَّفْي إِن كَانَ من النَّفْي وَالْإِثْبَات فلعارض المضادة، وَمَا بِالذَّاتِ أولى [مِمَّا بالعارض]
وَجَمِيع كلم الِاسْتِثْنَاء إِذا أدخلت قبل النَّفْي أوجبت نفي الحكم عَمَّا عَداهَا، وَإِذا دخلت بعد النَّفْي أوجبت إِثْبَات الحكم بعْدهَا، وَقد يَجِيء بِلَفْظ يدل على معنى الِاسْتِثْنَاء وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاه مثل: (هَذِه الدَّار لزيد وَهَذَا الْبَيْت مِنْهَا لي) لِأَنَّهُ إِخْرَاج مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ، فَكَانَ كالاستثناء
وَدخُول الْمُسْتَثْنى فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ ثمَّ إِخْرَاجه بإلا وَأَخَوَاتهَا إِنَّمَا كَانَ قبل إِسْنَاد الْفِعْل أَو شبهه إِلَيْهِ، فَلَا تنَاقض فِي مثل: (جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة قَوْلك: (الْقَوْم الْمخْرج مِنْهُم زيد جاؤوني) ، وَذَلِكَ لِأَن الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْفِعْل وَإِن تَأَخّر عَنهُ لفظا، لَكِن لَا بُد لَهُ من التَّقْدِيم وجودا على النِّسْبَة الَّتِي يدل عَلَيْهَا الْفِعْل، إِذْ الْمَنْسُوب إِلَيْهِ والمنسوب سابقان على النِّسْبَة بَينهمَا ضَرُورَة، والمنسوب إِلَيْهِ فِي الِاسْتِثْنَاء هُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَعَ إِلَّا والمستثنى فَلَا بُد من وجود هَذِه الثَّلَاثَة قبل النِّسْبَة، فَلَا بُد إِذن من حُصُول الدُّخُول والإخراج قبل النِّسْبَة، فَلَا تنَاقض
وَالِاسْتِثْنَاء معيار الْعُمُوم، أَي مَا يختبر بِهِ عُمُوم اللَّفْظ، فَكل مَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ مِمَّا لَا حصر فِيهِ فَهُوَ عَام، للُزُوم تنَاوله للمستثنى، وَأما مَا فِيهِ حصر كأسماء الْأَعْدَاد فَإِنَّهُ خَارج عَن مَفْهُوم الْعُمُوم، فَانْدفع مَا يُقَال إِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ قد يكون اسْم عدد نَحْو: (عِنْدِي عشرَة إِلَّا وَاحِدًا) أَو اسْم علم نَحْو:
(كسوت زيدا إِلَّا رَأسه) أَو مشاراً إِلَيْهِ نَحْو: (صمت هَذَا الشَّهْر إِلَّا يَوْم كَذَا) فَلَا يكون الِاسْتِثْنَاء دَلِيل الْعُمُوم، أَو تَقول: إِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي مثل هَذِه الصُّور وَإِن لم يكن عَاما، لكنه يتَضَمَّن صِيغَة
(1/92)

عُمُوم باعتبارها يَصح الِاسْتِثْنَاء، وَهُوَ جمع مُضَاف إِلَى الْمعرفَة أَي جَمِيع أَجزَاء الْعشْرَة وأعضاء زيد وَأَيَّام الشَّهْر
وَالِاسْتِثْنَاء من أَعم عَام الْأَحْوَال نَحْو قَوْلك: (مَا رَأَيْت إِلَّا زيدا) وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء يَقع فِي جَمِيع مقتضيات الْفِعْل؛ أَعنِي فَاعله وَمَا شبه بِهِ
فقولك: (إِلَّا زيدا) مُسْتَثْنى من أَعم عَام الْمَفْعُول بِهِ، وَكَذَلِكَ (مَا لَقيته إِلَّا رَاكِبًا) فَإِنَّهُ اسْتثِْنَاء من أَعم عَام أعراضه
وَالِاسْتِثْنَاء قصر للمستثنى مِنْهُ وَبَيَان لانْتِهَاء حكمه: كَمَا أَن الْغَايَة قصر لامتداد المغيا وَبَيَان لانتهائه
واستثناء الشَّيْء اسْتثِْنَاء لَهُ وَلما دونه فِي الْغَرَض المسوق لَهُ الْكَلَام لَا لمثله وَلَا لما فَوْقه، لِأَن الشَّيْء لَا يستتبع إِلَّا لما دونه؛ أَلا يرى أَن من قَالَ: (مَا رَأَيْت الْيَوْم إِلَّا رجلا) يصدق مَعَ أَنه رأى ثِيَابه وسلاحه وفرسه
واستثناء الْأَمر الْكُلِّي من الحكم السلبي لَا يدل على خُرُوج جَمِيع أَفْرَاده من ذَلِك الحكم، بل خُرُوج الْبَعْض كَاف
واستثناء الشَّيْء من جنسه يَصح وَمن خلاف جنسه لَا يَصح، لِأَن الِاسْتِثْنَاء وضع لمنع دُخُول مَا لولاه لدخل تَحت اللَّفْظ؛ وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي خلاف الْجِنْس
وَيجوز حذف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي النَّفْي لَا فِي الْإِثْبَات يُقَال: (مَا جَاءَنِي إِلَّا زيد) ، وَلَا يُقَال: (جَاءَنِي إِلَّا زيد) لِأَن النكرَة فِي النَّفْي تعم، وَفِي الْإِثْبَات تخص، فالحذف فِي النَّفْي يدل على أَن الْمَحْذُوف لَفْظَة (أحد) وَهُوَ عَام لوُقُوعه فِي سِيَاق النَّفْي، وَلَا يُمكن تَقْدِيره فِي الْإِثْبَات، لِأَنَّهُ خَاص، فَيلْزم اسْتثِْنَاء الْوَاحِد من الْوَاحِد وَهُوَ لَا يَصح
[وَالِاسْتِثْنَاء إِن كَانَ من الْمُثبت يكون لقصر النَّفْي نَحْو: {كل شَيْء هَالك إِلَى وَجهه} أَي انْتِفَاء الْهَلَاك مَقْصُور على ذَات الله وَإِن كَانَ من الْمَنْفِيّ] يكون لقصر الْإِثْبَات نَحْو: (مَا زيد إِلَّا عَالم) فِي قصر الْمَوْصُوف، و (مَا الْعَالم إِلَّا زيد) [فِي قصر الصّفة]
واستثناء الْكل من الْكل لَا يَصح إِذا كَانَ بِلَفْظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بِأَن قَالَ: (نسَائِي طَوَالِق إِلَّا نسَائِي) وَبِغير ذَلِك اللَّفْظ يَصح مثل: (نسَائِي طَوَالِق إِلَّا زَيْنَب) وَكَذَا لَا يَصح (ثلث مَالِي لزيد إِلَّا ثلث مَالِي وَيصِح (ثلث مَالِي لزيد إِلَّا ألف) وَثلث مَاله ألف، لَكِن لَا يسْتَحق شَيْئا وَلَو أقرّ بِقَبض عشرَة دَرَاهِم جِيَاد وَقَالَ مُتَّصِلا: إِلَّا أَنَّهَا زيوف، لم يَصح الِاسْتِثْنَاء وَلَو قَالَ: (غلاماي حران سَالم ويزيغ إِلَّا يزيفا) صَحَّ الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ فصل على سَبِيل التَّفْسِير فَانْصَرف إِلَى الْمُفَسّر، وَقد ذكرهمَا جملَة، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: (سَالم حر ويزيغ حر إِلَّا يزيغا) لِأَنَّهُ أفرد كلا مِنْهُمَا بِالذكر، فَكَانَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء لجملة مَا تكلم بِهِ فَلَا يَصح
وَيبْطل الِاسْتِثْنَاء بأَرْبعَة: بالكستة وبالزيادة على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مثل: (أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا أَرْبعا) ، وبالمساواة، وباستثناء بعض الطَّلَاق واتصال الِاسْتِثْنَاء بالمستثنى مِنْهُ لفظا أَو مَا هُوَ فِي حكم الِاتِّصَال لفظا، وَهُوَ أَن لَا يعد الْمُتَكَلّم بِهِ إثْبَاته بعد فَرَاغه من الْكَلَام قطعا عرفا، بل يعد الْكَلَام وَاحِدًا غير مُنْقَطع اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى: (وَاذْكُر رَبك إِذا
(1/93)

نسيت} ، وَإِن تخَلّل بَينهمَا فاصل بِانْقِطَاع نفس أَو سعال أَو عطاس أَو نَحْوهَا شَرط عِنْد عَامَّة الْعلمَاء؛ وَمَا نقل عَن ابْن عَبَّاس من جَوَاز تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء إِن صَحَّ فعله أَرَادَ بِهِ إِذا نوى الِاسْتِثْنَاء أَولا ثمَّ أظهر نِيَّته بعده فيدين فِيمَا بَينه وَبَين الله فِيمَا نَوَاه؛ وَأما تَجْوِيز التَّأْخِير لَو أصر عَلَيْهِ دون هَذَا التَّأْوِيل فَيردهُ عَلَيْهِ اتِّفَاق أهل اللُّغَة على خِلَافه لِأَنَّهُ جُزْء من الْكَلَام يحصل بِهِ الْإِتْمَام، وَإِذا انْفَصل لم يكن إتماما كالشرط وَخبر الْمُبْتَدَأ، [وَلَو جَازَ الِانْفِصَال لما اسْتَقر شَيْء من الطَّلَاق وَالْعتاق، وَكَذَا علم صدق صَدُوق وَكذب كَاذِب، وَلم يحصل الوثوق بِيَمِين وَلَا وعد ووعيد، وَهُوَ خلاف النَّقْل وَالْعقل وَفِيه حِكَايَة مَشْهُورَة لأبي حنيفَة مَعَ الرشيد] وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء تَغْيِير صدر الْكَلَام من التَّنْجِيز إِلَى التَّعْلِيق أَو إِلَى الْإِبْطَال فَلَا يَصح إِلَّا مَوْصُولا، بِخِلَاف الْعَطف، فَإِنَّهُ تَقْرِير لصدر الْكَلَام وَلَيْسَ بتغيير فَيصح مَفْصُولًا مَا دَامَ الْمجْلس قَائِما دلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (والمقصرين) فِي الْمرة الثَّالِثَة بعد السُّكُوت عطفا على (المحلقين) قَالَ عِكْرِمَة: معنى قَوْله تَعَالَى: {إِذا نسيت} إِذا ارتكبت ذَنبا مَعْنَاهُ: اذكر الله إِذا قصدت ارْتِكَاب ذَنْب يكن ذَلِك دافعا لَك
وَالِاسْتِثْنَاء كَمَا يكون من الْمَنْطُوق يكون من الْمَفْهُوم أَيْضا؛ وَعَلِيهِ حَدِيث: " إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث " إِلَى آخِره
وَقَوله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما} إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ قد فهم من (لَا أجد) معنى (لَا يكون)
وَالِاسْتِثْنَاء إِذا تعقب الْجمل المعطوفة ينْصَرف إِلَى الْأَخِيرَة عندنَا لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن وَهُوَ أولى بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ الْمَذْهَب عِنْد محققي الْبَصْرَة، وَيعود للْكُلّ عِنْد الشَّافِعِي لِأَن الْجمع بِحرف الْجمع كالجمع بِلَفْظ الْجمع مِثَاله آيَة الْقَذْف فَإِن قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذين تَابُوا} منصرف عِنْده إِلَى قَوْله: {وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا} حَتَّى إِن التائب تقبل شَهَادَته عِنْده، وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَهُوَ منصرف إِلَى قَوْله: {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} حَتَّى إِن فسقهم يرْتَفع بِالتَّوْبَةِ، وَلَا تفِيد التَّوْبَة شَهَادَتهم، بل ردهَا من تَمام الْحَد وَفِي الشَّرْط والمشيئة إِجْمَاع على أَنه ينْصَرف إِلَى الْكل، حَتَّى لَو قَالَ: (امْرَأَته طَالِق) و (عَبده حر) و (عَلَيْهِ حج إِن دخل الدَّار) وَقَالَ فِي آخِره: (إِن شَاءَ الله) ، ينْصَرف إِلَى مَا سبق
وَالِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع: حسن فِيهِ دُخُول (إِن) فِي الْمُسْتَثْنى، وَلم يحسن ذَلِك فِي الْمُتَّصِل؛ وَالْعَامِل فِي المفرغ مَشْغُول بالمستثنى مِنْهُ، على أَنه منَاط الحكم ومقصود بِهِ، بِخِلَاف غير المفرغ، وَيقدر الْعُمُوم فِي المفرغ بِالنَّفْيِ فِيمَا تعذر فِيهِ الْإِثْبَات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ} أَي: مَا يهْلك هَلَاك سخط وتعذيب إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ، وَفِيمَا لم يتَعَذَّر جَازَ الْإِثْبَات
(1/94)

نَحْو قَوْلك: (قَرَأت إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة) إِذْ يَصح (قَرَأت كل الْأَيَّام إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة)
وَالِاسْتِثْنَاء كَمَا يتَعَذَّر فِي المحصور نَحْو: (جَاءَنِي مئة رجل إِلَّا زيد) قد يتَعَذَّر فِي غير المحصور أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله} إِلَى آخِره، فيضطر هُنَاكَ إِلَى حمل (إِلَّا) على (غير)
وَالِاسْتِثْنَاء يمْنَع بعض الْكَلَام وَالتَّعْلِيق يمْنَع كُله، وَلِهَذَا صَار التَّعْلِيق أقوى
وَالِاسْتِثْنَاء الصناعي: هُوَ الَّذِي يُفِيد بعد إِخْرَاج الْقَلِيل من الْكثير معنى يزِيد على الِاسْتِثْنَاء ويكسوه بهجة وطلاوة كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس} {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} فَإِن مَعَاني هَذِه الْآيَات الشَّرِيفَة زَائِدَة على مِقْدَار الِاسْتِثْنَاء
وَمن الِاسْتِثْنَاء نوع سَمَّاهُ بعض اسْتثِْنَاء الْحصْر؛ وَهُوَ غير الِاسْتِثْنَاء الَّذِي يخرج الْقَلِيل من الْكثير كَقَوْلِه:
(إِلَيْك وَإِلَّا مَا تحث الركائب ... وعنك وَإِلَّا فالمحدث كَاذِب)
أَي: لَا تحث الركائب إِلَّا إِلَيْك، وَلَا يصدق الْمُحدث إِلَّا عَنْك
اسْم التَّفْضِيل: هُوَ مَا اشتق لما زَاد على غَيره فِي الْفِعْل؛ وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ (من) أَو اللَّام أَو الْإِضَافَة؛ وَلَا بَأْس باجتماع الْإِضَافَة و (من) إِذا لم يكن الْمُضَاف إِلَيْهِ مفضلا عَلَيْهِ كَمَا يُقَال: (زيد أفضل الْبَصْرَة من كل فَاضل) وَلَا يُقَال: (هُوَ أفضل) بِدُونِ هَذِه الثَّلَاثَة إِلَّا أَن يكون الْمفضل عَلَيْهِ مَعْلُوما بِقَرِينَة؛ وَبِالْجُمْلَةِ شَرط حذف (من) أَن يكون (أفعل) خَبرا لَا صفة، فيكثر حذف (من) فِي الْخَبَر، لِأَن الْغَرَض مِنْهُ الْفَائِدَة، وَقد يَكْتَفِي فِي حُصُوله بِقَرِينَة ويقل فِي الصّفة لِأَن الْمَقْصُود من الصّفة إِمَّا التَّخْصِيص أَو الثَّنَاء وَكِلَاهُمَا من بَاب الإطناب والإسهاب لَا من مَوَاضِع الْمُبَالغَة والاختصار
والمعرف ب (ال) يمْتَنع اتِّصَاله ب (من) ، وَالَّذِي مَعَ (من) ملفوظا بهَا أَو مقدرَة أَو مُضَافَة إِلَى نكرَة لَا يسْتَعْمل إِلَّا مُفردا مذكرا على كل حَال، سَوَاء كَانَ لمذكر أم لمؤنث مُفْرد أم مثنى أم مَجْمُوع، لِأَن (من) بِمَنْزِلَة جُزْء مِنْهُ، فَيمْتَنع تثنيته وَجمعه وتأنيثه، وَإِذا ثني أَو جمع أَو أنث طابق مَا هُوَ لَهُ وَلَزِمَه أحد أَمريْن، إِمَّا الْألف وَاللَّام وَإِمَّا الْإِضَافَة لمعْرِفَة
وَالَّذِي بِاللَّامِ لَا يسْتَعْمل إِلَّا مطابقا لاسْتِحْقَاق الْمُطَابقَة وَعدم الْمَانِع؛ وَالَّذِي بِالْإِضَافَة يجوز فِيهِ الْمُطَابقَة، وَذَلِكَ إِذا أضيف وَقصد بِهِ التَّفْضِيل على كل مَا سواهُ مُطلقًا لَا على الْمُضَاف إِلَيْهِ فَقَط، وَالْإِضَافَة لمُجَرّد التَّوْضِيح والتخصيص كَقَوْلِنَا: (نَبينَا أفضل قُرَيْش) أَي: أفضل النَّاس من بَين قُرَيْش، وَيجوز عدم الْمُطَابقَة وَذَلِكَ فِيمَا إِذا أضيف وَالْمَقْصُود تفضيله على الْمُضَاف إِلَيْهِ فَقَط
وأفعل التَّفْضِيل إِذا أضيف وَأُرِيد تَفْضِيل موصوفه فِي معنى الْمصدر الْمُشْتَقّ مِنْهُ على كل وَاحِد مِمَّا بَقِي بعده من أَجزَاء مَا أضيف إِلَيْهِ لم يجز إِفْرَاد
(1/95)

ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ معرفَة ك (أفضل الرجل) إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك الْمُفْرد جِنْسا يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير نَحْو: (البرني أطيب التمرة)
وَاسم التَّفْضِيل مَا كَانَ بعلامة، وَعكس هَذَا أفعل التَّفْضِيل، وَقيل: أفعل التَّفْضِيل هُوَ الَّذِي غلب عَلَيْهِ الفعلية وَاسم التَّفْضِيل هُوَ الَّذِي غلب عَلَيْهِ الإسمية ك (خير مِنْهُ) و (شَرّ مِنْهُ) ، وَذكر صَاحب " الْمغرب " وَغَيره أَن أفعل التَّفْضِيل إِذا وَقع خَبرا يحذف مِنْهُ أَدَاة التَّفْضِيل قِيَاسا وَمِنْه: (الله أكبر)
وَقَول الشَّاعِر:
(دعائمه أعز وأطول)
وَإِذا قلت مثلا: (زيد أعلم الْقَوْم) فقد أردْت أَنه زَائِد فِي الْجُمْلَة على الْمُضَاف إِلَيْهِم فِي الْخصْلَة الَّتِي هُوَ وهم فِيهَا شُرَكَاء
وَأما أَنه زَائِد على الْمُضَاف إِلَيْهِم فِي الْخصْلَة الْمَذْكُورَة بِالزِّيَادَةِ الْكَامِلَة فَلَا يتجاسر عَلَيْهِ عَاقل؛ كَيفَ وَفَوق كل ذِي علم عليم علام
وَأما إِطْلَاق النُّحَاة الزِّيَادَة فِي قَوْلهم: أفعل التَّفْضِيل إِذا أضيف فَلهُ مَعْنيانِ: الأول: أَن يقْصد بِهِ الزِّيَادَة على جَمِيع مَا عداهُ مِمَّا أضيف إِلَيْهِ
وَالثَّانِي: أَن يقْصد بِهِ الزِّيَادَة على جَمِيع مَا عداهُ مُطلقًا فَمن مساهلاتهم لظُهُور المُرَاد
وأفعل يُضَاف إِلَى مَا هُوَ بعضه، وَإِذا كَانَ بِمَعْنى فَاعل جَازَت إِضَافَته إِلَى مَا لَيْسَ بعضه نَحْو: {أعلم بِمَا كَانُوا يكتمون} وأفعل إِنَّمَا يُضَاف إِلَى مَا بعده إِذا كَانَ من جنس مَا قبله كَقَوْلِك: (وَجهك أحسن وَجه) أَي أحسن الْوُجُوه، فَإِذا نصبت مَا بعده كَانَ غير الَّذِي قبله كَقَوْلِك: (زيد أنزه عبدا) فالنزاهة للْعَبد لَا لزيد
وَقد يكون أفعل مَوْضُوعا لمشتركين فِي معنى وَاحِد أَحدهمَا يزِيد على الآخر فِي الْوَصْف بِهِ كَقَوْلِك: (زيد أفضل الرجلَيْن) فزيد وَالرجل المضموم إِلَيْهِ مشتركان فِي الْفضل، إِلَّا أَن فضل زيد يزِيد على فضل المقرون بِهِ
وَقد يجْرِي مثل هَذَا اللَّفْظ من غير مُشَاركَة كَقَوْلِه تَعَالَى: {خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا}
والمشاركة بَين الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ قد تكون تَحْقِيقا وَقد تكون فرضيا نَحْو مَا يُقَال: (زيد أعلم من الْحمار وَعَمْرو أفْصح من الْأَشْجَار) أَي لَو كَانَ للحمار علم وللشجرة فصاحة
وَقَوْلنَا: (هُوَ أَهْون عَلَيْهِ) أَي هَين عَلَيْهِ
وَقد يسْتَعْمل أفعل لبَيَان الْكَمَال وَالزِّيَادَة فِي وَصفه الْخَاص وَإِن لم يكن الْوَصْف الَّذِي هُوَ الأَصْل مُشْتَركا وَعَلِيهِ قَوْلهم: (الصَّيف أبرد من الشتَاء) أَي الصَّيف أكمل فِي حرارته من الشتَاء فِي برودته
وَقد يقْصد بِهِ تجَاوز صَاحبه وتباعده عَن الْغَيْر فِي الْفِعْل لَا بِمَعْنى تفضيله بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بعد الْمُشَاركَة فِي أصل الْفِعْل بل بِمَعْنى أَن صَاحبه متباعد فِي أصل الْفِعْل متزايد إِلَى كَمَاله فِيهِ على وَجه الِاخْتِصَار فَيحصل كَمَال التَّفْضِيل وَهُوَ الْمَعْنى الأوضح فِي الأفاعل فِي صِفَاته تَعَالَى إِذْ لم
(1/96)

يُشَارِكهُ أحد فِي أَصْلهَا حَتَّى يقْصد التَّفْضِيل نَحْو: (الله أكبر)
قَالُوا: أفعل قد يسْتَعْمل لغير الْمُبَالغَة كَمَا فِي صِفَات الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ يُنبئ عَن التَّفَاوُت وَهُوَ لَا يَلِيق بصفاته تَعَالَى؛ وَفِيه نظر لِأَن أفعل قد يكون بِمَعْنى الْفَاعِل كَمَا فِي قَوْلهم: (النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان) أَي عادلاهم وكقولنا: (الله أكبر) أَي: كَبِير، وَقَوله تَعَالَى: {وبعولتهن أَحَق بردهن}
وأفعل التَّفْضِيل إِنَّمَا ينصب النكرات على التَّمْيِيز خَاصَّة كَقَوْلِهِم: (هَذَا أكبر مِنْهُ سنا) وَإِذا نصب مَا بعده لم يكن من جنسه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو أَشد خشيَة}
وأفعل الَّذِي يلْزمه الْفضل لَا يثنى وَلَا يجمع وَلَا يؤنث، وَالَّذِي لَا يلْزمه الْفضل يثنى وَيجمع وَيُؤَنث وَيذكر
قَالَ بَعضهم: صِيغَة (أفعل) إِذا لم يقْصد بهَا المفاضلة وَصَارَت بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل للْعَرَب فِيهِ لحظان
لحظ الأَصْل: فَيلْزم الْإِفْرَاد والتذكير كَيْفَمَا كَانَ قبله نَحْو قَوْله تَعَالَى: {نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ} هَذَا هُوَ الْأَكْثَر
وَالثَّانِي: لحظ عدم الأَصْل فَيلْزم الْمُطَابقَة إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا
وأفعل التَّفْضِيل يجب أَن يكون من الْفَاعِل كَقَوْلِك: (زيد ضَارب وَعَمْرو أضْرب مِنْهُ) وَلَا يجوز أَن تَقول: (زيد مَضْرُوب وَعَمْرو أضْرب مِنْهُ)
وَلَا يسْتَعْمل (أفعل من كَذَا) إِلَّا مِمَّا يسْتَعْمل مِنْهُ (مَا أَفعلهُ) والتعجب لَا يكون مِمَّا هُوَ على أَرْبَعَة أحرف
الِاسْتِفْهَام: الاستخبار، وَقيل: الاستخبار مَا سبق أَولا وَلم يفهم حق الْفَهم، فَإذْ سُئِلَ عَنهُ ثَانِيًا كَانَ استفهاما
قَالَ بَعضهم: حَقِيقَة الِاسْتِفْهَام طلب الْمُتَكَلّم من مُخَاطبَة أَن يحصل فِي ذهنه مَا لم يكن حَاصِلا عِنْده مِمَّا سَأَلَهُ عَنهُ
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: يَنْبَغِي أَن يكون الْمَطْلُوب تَحْصِيل ذَلِك فِي ذهن أَعم من الْمُتَكَلّم وَغَيره كحقيقة الاسْتِغْفَار وَفِيه أَن أعمية السّتْر لغيره أَيْضا عَادَة مُسلم، لَكِن طلب إفهام الْمَطْلُوب للْغَيْر مَعَ كَون الطَّالِب عَالما وَإِن كَانَ مُمكنا إِلَّا أَنه لم تَنْصَرِف إِرَادَة الْوَاضِع إِلَى ذَلِك الْقَصْد لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ غَالِبا
والاستفهام فِي الْمعرفَة عَن الصّفة وَفِي النكرَة عَن الْعين، وَلما اخْتلف الْمَعْنى خالفوا بَينهمَا فِي اللَّفْظ، حَيْثُ استفهموا مخاطبهم فِي النكرات بالحرف عِنْد الْوَقْف وأسقطوا الْحَرْف فِي المعارف عِنْد الْوَصْل
وَمن دَقِيق بَاب الِاسْتِفْهَام أَن يوضع فِي الشَّرْط وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة للجزاء نَحْو: {أَفَإِن مت فهم الخالدون} أَي: أفهم الخالدون إِن مت؟ وَقد يكون استخبارا وَالْمعْنَى تبكيت نَحْو: {أَأَنْت قلت للنَّاس} إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ تبكيت
(1/97)

لِلنَّصَارَى فِيمَا ادعوهُ وَذَلِكَ أَنه طلب بِهِ إِقْرَار عِيسَى فِي ذَلِك المشهد الْعَظِيم بِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك ليحصل فهم النَّصَارَى ذَلِك فيقرر كذبهمْ فِيمَا ادعوهُ
أَو استرشادا نَحْو: {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا}
أَو نفيا نَحْو: {فَمن يهدي من أضلّ الله} أَو إِخْبَارًا وتحقيقا نَحْو: {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر}
وَقد يكون استخبارا وَالْمرَاد بِهِ الافهام والايناس نَحْو: {وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى}
وَقَوله تَعَالَى: {فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا} وَمَا أشبه ذَلِك من الْآيَات فالاستفهام فِيهَا للنَّفْي وَالْمعْنَى خبر، وبتخصيص كل مَوضِع بِالصَّلَاةِ يَزُول التَّنَاقُض، [بَين هَذِه الْآيَة وَبَين مَا أشبه ذَلِك من الْآيَات] وَلَا يلْزم من نفي التَّفْضِيل نفي الْمُسَاوَاة
وَمن مَعَاني الِاسْتِفْهَام التَّقْرِير: أَي حمل الْمُخَاطب على الْإِقْرَار وَالِاعْتِرَاف بِأَمْر قد اسْتَقر عِنْده
وَحَقِيقَة اسْتِفْهَام التَّقْرِير إِنْكَار، وَالْإِنْكَار نفي وَقد دخل على النَّفْي، وَنفي النَّفْي إِثْبَات وَمن أمثلته قَوْله تَعَالَى: {أَلَسْت بربكم}
وَفِي قَوْله تَعَالَى: {أَلا تَأْكُلُونَ} يحْتَمل الْعرض والحث على الْأكل على طَرِيق الْأَدَب إِن قَالَه أول مَا وَضعه، وَيحْتَمل الْإِنْكَار إِن قَالَه حينما رأى إعراضهم
وَمِنْهَا: التَّعَجُّب أَو التعجيب نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه}
والتذكير نَحْو: {ألم أَعهد إِلَيْكُم}
والافتخار نَحْو: {أَلَيْسَ لي ملك مصر}
والتهويل والتخويف نَحْو: {القارعة مَا القارعة}
وَبِالْعَكْسِ نَحْو: {مَاذَا عَلَيْهِم لَو آمنُوا}
والتهديد والوعيد نَحْو {ألم نهلك الْأَوَّلين}
وَالْأَمر نَحْو: {أَتَصْبِرُونَ}
والتكثير نَحْو: {وَكم من قَرْيَة}
والتنبيه وَهُوَ من أَقسَام الْأَمر نَحْو: {ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء}
وَالتَّرْغِيب نَحْو: {هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم}
وَالنَّهْي نَحْو: {مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم}
(1/98)

وَالدُّعَاء نَحْو: {أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء} أَي: لَا تُهْلِكنَا
وَالتَّمَنِّي نَحْو: {فَهَل لنا من شُفَعَاء}
والاستبطاء نَحْو: {مَتى نصر الله}
والتعظيم نَحْو: {من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ}
والتحقير نَحْو: {أَهَذا الَّذِي بعث الله رَسُولا}
والاكتفاء نَحْو: {أَلَيْسَ فِي جنهم مثوى للمتكبرين}
والاستبعاد نَحْو: {أَنى لَهُم الذكرى}
والتهكم والاستهزاء نَحْو {أصلاتك تأمرك}
والتأكيد لما سبق من معنى إِرَادَة الِاسْتِفْهَام قبله نَحْو: {أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب}
والتسوية وَهُوَ بعد (سَوَاء) و (مَا أُبَالِي) و (مَا أَدْرِي) و (لَيْت شعري)
وَالْإِنْكَار التوبيخي نَحْو: {أفعصيت أَمْرِي}
والاستفهام الإنكاري: إِنَّمَا يكون فِي معنى النَّفْي إِذا كَانَ إبطاليا، وَأما إِذا كَانَ توبيخا فَلَا
والاستفهام عقيب ذكر المعايب أبلغ من الْأَمر بِتَرْكِهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ} وَيَقَع بعد كل فعل يُفِيد معنى الْعلم ك (علمت) و (دَريت) و (تبينت) وَبعد كل مَا يطْلب بِهِ الْعلم ك (تفكرت) ، و (امتحنت) ، و (بلوت) وَبعد جَمِيع أَفعَال الْحَواس ك (لمست) ، و (أَبْصرت) ، و (سَمِعت) و (ذقت) و (شممت)
وأدوات الِاسْتِفْهَام: الْهمزَة، و (هَل) ، و (مَا) و (من) و (أَي) و (كم) و (كَيفَ) و (أَيْن) و (أَنى) و (مَتى) و (أَيَّانَ) وَمَا عدا الْهمزَة نَائِب عَنْهَا
وَأما أدوات الِاسْتِفْهَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّصْدِيق والتصور فَثَلَاثَة أَقسَام: مُخْتَصّ بِطَلَب التَّصَوُّر: وَهُوَ (أم) الْمُتَّصِلَة وَجَمِيع أَسمَاء الِاسْتِفْهَام
ومختص بِطَلَب التَّصْدِيق: وَهُوَ (أم) المنقطعة و (هَل)
ومشترك بَينهمَا: وَهِي الْهمزَة الَّتِي لم تسْتَعْمل مَعَ (أم) الْمُتَّصِلَة لعراقتها فِي الِاسْتِفْهَام، وَلِهَذَا يجوز أَن تقع بعد (أم) سَائِر كَلِمَات الِاسْتِفْهَام سوى الْهمزَة
وَمَتى قَامَت قرينَة ناصة على أَن السُّؤَال عَن الْمسند إِلَيْهِ تعيّنت الْجُمْلَة الإسمية، أَو عَن الْمسند تعيّنت الفعلية، وَإِلَّا فَالْأَمْر على الِاحْتِمَال والأرجح الفعلية، لِأَن طلب الْهمزَة للْفِعْل أقوى فَهِيَ بِهِ أولى
وكل مَادَّة يمْتَنع فِيهَا حَقِيقَة الِاسْتِفْهَام يستعملون لفظ الِاسْتِفْهَام هُنَاكَ فِيمَا يُنَاسب الْمقَام ويحيلون دركها على ذوق السامعين، فَلَا تَنْحَصِر المتولدات وَلَا ينْحَصر أَيْضا شَيْء مِنْهَا فِي أَدَاة، فَعَلَيْك
(1/99)

بِالتَّصَرُّفِ وَاسْتِعْمَال الروية
الْإِسْنَاد: هُوَ ضم كلمة حَقِيقَة أَو حكما أَو أَكثر إِلَى أُخْرَى مثلهَا أَو أَكثر يُفِيد السَّامع فَائِدَة تَامَّة
وَقَالَ بَعضهم: الْإِسْنَاد قِسْمَانِ: عَام وخاص
فالعام: هُوَ نِسْبَة إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى
وَالْخَاص: هُوَ نِسْبَة إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى بِحَيْثُ يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا
والإسناد وبالبناء، والتفريغ، والشغل: أَلْفَاظ مترادفة، يدل على ذَلِك أَن سبيويه قَالَ: " الْفَاعِل مَا اشْتغل بِهِ الْفِعْل " وَفِي مَوضِع آخر: " فرغ لَهُ " وَفِي آخر: " بني لَهُ " و " أسْند لَهُ "، وَهُوَ وَالْحكم وَالنِّسْبَة التَّامَّة بِمَعْنى وَاحِد يعم الْإِخْبَار، والإنشاء، والوقوع، واللاوقوع وَأما الْإِيقَاع، والانتزاع، فيختصان بالإخبار دون الْإِنْشَاء
وَالنِّسْبَة التقييدية أَعم من جَمِيع ذَلِك
والإسناد يَقع على الِاسْتِفْهَام وَالْأَمر وَغَيرهمَا، وَلَيْسَ الْإِخْبَار كَذَلِك، بل هُوَ مَخْصُوص بِمَا صَحَّ أَن يُقَابل التَّصْدِيق والتكذيب، فَكل إِخْبَار إِسْنَاد، وَلَا عكس
وَإِن كَانَ مرجع الْجَمِيع إِلَى الْخَبَر من جِهَة الْمَعْنى، أَلا ترى أَن معنى (قُم) أطلب قيامك، وَكَذَلِكَ الِاسْتِفْهَام وَالنَّهْي
والإسناد إِذا أطلق على الحكم كَانَ الْمسند والمسند إِلَيْهِ من صِفَات الْمعَانِي، ويوصف بهما الْأَلْفَاظ تبعا، وَإِذا أطلق على الضَّم كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ
واعتبارات الْإِسْنَاد تجْرِي فِي كلا معنييه على سَوَاء؛ وَأما اعتبارات الْمسند والمسند إِلَيْهِ فَإِنَّمَا جريانها فِي الْأَلْفَاظ
الِاسْتِعَارَة: هِيَ من (استعرت زيدا ثوبا لعَمْرو) لَكِنَّهَا فِي صُورَة إِطْلَاقهَا على لفظ الْمُشبه بِهِ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه نقلت من الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول إِلَى معنى لَا يَصح الِاشْتِقَاق مِنْهُ وَفِي صُورَة إِطْلَاقهَا على نفس اسْتِعْمَال لفظ الْمُشبه بِهِ فِي الْمُشبه نقلت من معنى مصدر إِلَى معنى يَصح الِاشْتِقَاق مِنْهُ
والاستعارة: هِيَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ للمشابهة، وَبِهَذَا فَارَقت الْمجَاز الْمُرْسل
والأصوليون يطلقون الِاسْتِعَارَة على كل مجَاز
قَالَ الرَّازِيّ: الِاسْتِعَارَة هِيَ جعلك الشَّيْء للشَّيْء للْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه، وَقيل: زوج الْمجَاز بالتشبيه فتولد بَينهمَا الِاسْتِعَارَة، وَالأَصَح أَنَّهَا مجَاز لغَوِيّ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة للمشبه بِهِ لَا للمشبه وَلَا لأعم مِنْهُمَا
وَقَالَ بَعضهم: حَقِيقَة الِاسْتِعَارَة أَن تستعار الْكَلِمَة من شَيْء مَعْرُوف بهَا إِلَى شَيْء لم يعرف بهَا إِظْهَارًا للخفي، وإيضاحا للظَّاهِر الَّذِي لَيْسَ بجلي، أَو لحُصُول الْمُبَالغَة، أَو لمجموع ذَلِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب} {واخفض لَهما جنَاح الذل} {وفجرنا الأَرْض عيُونا}
والاستعارة أخص من الْمجَاز، إِذْ قصد الْمُبَالغَة شَرط فِي الِاسْتِعَارَة دون الْمجَاز
وَلَا يحسن الِاسْتِعَارَة إِلَّا حَيْثُ كَانَ التَّشْبِيه مقررا،
(1/100)

وَكلما زَاد التَّشْبِيه خَفَاء زَادَت الِاسْتِعَارَة حسنا وَاعْلَم أَن الِاسْتِعَارَة بِاعْتِبَار ذَاتهَا تَنْقَسِم: أَولا: إِلَى مُصَرح بهَا، ومكنى عَنْهَا
والمصرح بهَا تَنْقَسِم إِلَى قطيعة واحتمالية
والقطيعة تَنْقَسِم إِلَى تخييلية وتحقيقية
ثَانِيًا: إِلَى أَصْلِيَّة وتبعية
وثالثا: إِلَى مُجَرّدَة ومرشحة
أما الِاسْتِعَارَة الْمُصَرّح بهَا التحقيقية مَعَ الْقطع: فَهِيَ أَن تذكر مشبها بِهِ فِي مَوضِع مشبه مُحَقّق مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ مَعَ سد طَرِيق التَّشْبِيه وَنصب قرينَة مَانِعَة من الْحمل على الظَّاهِر احْتِرَازًا عَن الْكَذِب، كَمَا إِذا أردْت أَن تلْحق شجاعا بالأسود فِي شدَّة الْبَطْش وَكَمَال الْإِقْدَام فَقلت: (رَأَيْت أسدا يتَكَلَّم) أَو ذَا وَجه جميل بالبدر فِي الوضوح وَالْإِشْرَاق وملاحة الاستدارة فَقلت: (لقِيت بَدْرًا يتبسم)
وَمن الِاسْتِعَارَة اسْتِعَارَة اسْم أحد الضدين للْآخر بِوَاسِطَة تَنْزِيل التضاد منزلَة التناسب بطرِيق التهكم والتمليح، كَمَا إِذا قلت: (تَوَاتَرَتْ على فلَان البشارات بعزله وَنهب أَمْوَاله وَقتل أَوْلَاده)
وَمِنْهَا اسْتِعَارَة وصف إِحْدَى صُورَتَيْنِ منتزعتين من عدَّة أُمُور لوصف الْأُخْرَى، أَن تَجِد من استفتي فِي مَسْأَلَة فيهم بِالْجَوَابِ تَارَة، ويمسك عَنهُ أُخْرَى، فَيُشبه تردده بتردد من قَامَ لأمر، فَتَارَة يُرِيد الذّهاب فَيقدم رجلا، وَتارَة لَا يُريدهُ فيؤخر أُخْرَى، ثمَّ تَدعِي دُخُول الْمُشبه فِي الْمُشبه بِهِ وتسد طَرِيق التَّشْبِيه قَائِلا: (أَرَاك تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى)
وَتسَمى هَذَا التَّمْثِيل على سَبِيل الِاسْتِعَارَة قَائِلا ذَلِك
وَقد صرح أهل الْبَيَان بِأَن التَّمْثِيل لَا يسْتَلْزم الِاسْتِعَارَة فِي شَيْء من أَجْزَائِهِ، بل لَا يجوز فِيهِ ذَلِك، حَتَّى بنى بعض الْمُحَقِّقين عدم اجْتِمَاع التمثيلية والتبعية على ذَلِك قَالَ القطب: فِي الْمثل شهرة بِحَيْثُ يصير علما للْحَال الأولى الَّتِي هِيَ المورد بِخِلَاف الِاسْتِعَارَة التمثيلية فَكل مثل اسْتِعَارَة تمثيلية، وَلَيْسَ كل اسْتِعَارَة تمثيلية مثلا
[وَحَقِيقَة الِاسْتِعَارَة التمثيلية أَن تُؤْخَذ أُمُور مُتعَدِّدَة من الْمُشبه وَتجمع فِي الخاطر وَكَذَا من الْمُشبه بِهِ وَيجْعَل المجموعات متشاركين فِي مَجْمُوع منتزع يشملهما، وَمذهب السكاكي هُوَ أَن الِاسْتِعَارَة تَشْمَل التَّمْثِيل، وَيُقَال: التَّمْثِيل اسْتِعَارَة تمثيلية، وَأما على مَذْهَب عبد القاهر وجار الله فالاستعارة مُخْتَصَّة بالمجاز فِي الْمُفْرد الْمَبْنِيّ على التَّشْبِيه]
وَأما الِاسْتِعَارَة الْمُصَرّح بهَا التخييلية مَعَ الْقطع: فَهِيَ أَن تذكر مشبها بِهِ فِي مَوضِع مشبه وهمي تقدر مشابهته للمذكور مَعَ الْإِفْرَاد فِي الذّكر والقرينة، كَمَا إِذا شبهت الْحَالة الدَّالَّة على أَمر بالإنسان الَّذِي يتَكَلَّم فيخترع الْوَهم للْحَال مَا قوام الْكَلَام بِهِ ثمَّ تطلق عَلَيْهِ اسْم اللِّسَان الْمُحَقق وتضيفه إِلَى الْحَال قَائِلا: (لِسَان الْحَال الشبيه بالمتكلم نَاطِق بِكَذَا
وَأما الِاسْتِعَارَة الْمُصَرّح بهَا المحتملة للْقطع والتخييل فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف} إِذْ الظَّاهِر من
(1/101)

اللبَاس الْحمل على التخييل، وَيحْتَمل الْحمل على التَّحْقِيق بِأَن يستعار لما يلْبسهُ الْإِنْسَان من امتقاع لون ورثاثة
وَأما الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ: فَهِيَ أَن تذكر الْمُشبه وتريد الْمُشبه بِهِ دَالا على ذَلِك بِإِضَافَة شَيْء من لَوَازِم الْمُشبه بِهِ المساوية إِلَى الْمُشبه مثل أَن تشبه الْمنية بالسبع ثمَّ تفردها بِالذكر مضيفا إِلَيْهَا الأنياب والمخالب قَائِلا: (أَنْيَاب الْمنية أَو مخالب الْمنية قد نشبت بفلان) وَنَحْوه (لِسَان الْحَال نَاطِق بِكَذَا} وَهِي لَا تنفك عَن التخييلية
وَأما الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة فَهِيَ أَن يكون الْمُسْتَعَار اسْم جنس فَيكون الْمُسْتَعَار لَهُ كَذَلِك ك (أَسد) فِي الشجاع، و (حَاتِم) فِي الْجواد، و (قتل) فِي الإيلام الشَّديد
وَأما الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة فَهِيَ مَا تقع فِي غير أَسمَاء الْأَجْنَاس من الْأَفْعَال وَالصِّفَات وَأَسْمَاء الزَّمَان وَالْمَكَان والآلة والحروف، لِأَن مفهومات الْأَشْيَاء مركبات، أما مَفْهُوم الْفِعْل فَمن الْحَدث وَالنِّسْبَة إِلَى ذَات مَا وَالزَّمَان وَأما مَفْهُوم الصّفة فَمن الْحَدث وَالنِّسْبَة إِلَى ذَات مَا وَأما مَفْهُوم أَسمَاء الزَّمَان وَالْمَكَان والآلة فَمن الْحَدث وَالنِّسْبَة إِلَى زمَان مَا أَو مَكَان مَا أَو آلَة مَا وَأما مَفْهُوم الْحَرْف فَمن النِّسْبَة وَالْإِضَافَة إِلَى شخص مَخْصُوص
وَمَعْلُوم أَن مجازية الْجُزْء يسْتَلْزم مجازية الْكل، وَقد تقرر فِي قَوَاعِد الْمعَانِي وَالْبَيَان أَن الِاسْتِعَارَة فِي الصّفة وَالْفِعْل وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَفِي الْحَرْف تَبَعِيَّة، وَفِي الِاسْم أَصْلِيَّة، والاستعارة الْوَاقِعَة فِي الْحُرُوف إِنَّمَا هِيَ وَاقعَة فِي مُتَعَلق مَعْنَاهَا، فَيَقَع فِي المصادر ومتعلقات الْمعَانِي ثمَّ بتبعيتها تسري فِي الْأَفْعَال وَالصِّفَات والحروف فَمَعْنَى الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة أَن يكون الْمُسْتَعَار فعلا أَو صفة أَو حرفا، والمستعار لَهُ لفظ الْمُشبه لَا الْمُشبه بِهِ، إِذا تحققت هَذَا فَاعْلَم أَنَّك إِذا وجدت مثلا (قتل زيد عمرا) بِمَعْنى ضربه ضربا شَدِيدا، وفتشت جَمِيع أَجزَاء مَفْهُومه فَلَا تَجِد المجازية إِلَّا فِي جزئه الْحَدث وَهِي مجازية الْكل، وَلذَلِك تسمى الِاسْتِعَارَة فِي الْفِعْل تَبَعِيَّة وَقس عَلَيْهِ واستوضح مِنْهُ حَال الْمُشْتَقّ والحرف
وأوضح من هَذَا أَنه إِذا أُرِيد اسْتِعَارَة (قتل) لمَفْهُوم (ضرب) لتشبيه (ضرب) بِمَفْهُوم (قتل) فِي شدَّة التَّأْثِير يشبه الضَّرْب بِالْقَتْلِ ويستعار لَهُ الْقَتْل ويشتق مِنْهُ (قتل) فيستعار (قتل) بتبعية اسْتِعَارَة الْقَتْل، وَهَكَذَا بَاقِي المشتقات
وَبَيَان الِاسْتِعَارَة فِي الْحُرُوف هُوَ أَن مَعَاني الْحُرُوف لعدم استقلالها لَا يُمكن أَن يشبه بهَا، لِأَن الْمُشبه بِهِ هُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بمشاركة الْمُشبه لَهُ فِي أَمر فتجري التَّشْبِيه فِيمَا يعبر بِهِ عَنهُ، وَيلْزم بتبعية الِاسْتِعَارَة فِي التعبيرات الِاسْتِعَارَة فِي مَعَاني الْحُرُوف؛ وَقد يكون جَرَيَان التَّشْبِيه فِي مصدر الْفِعْل وَفِي مُتَعَلقَة على التَّسْوِيَة، فَيجوز اخْتِيَار كل من التّبعِيَّة والمكنية كَمَا فِي (نطقت الْحَال بِكَذَا)
وَأما الْمُجَرَّدَة والمرشحة فالاستعارة إِذا عقبت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ فَهِيَ مُجَرّدَة لتجردها عَن روادف الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ نَحْو: (رَأَيْت أسدا شاكي السِّلَاح) وَإِذا عقبت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ فَهِيَ مرشحة لإتباعها بِمَا يرادف الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ نَحْو: (رَأَيْت أسدا لَهُ لبد) وَإِن لم تعقب بِشَيْء من الْمُسْتَعَار مِنْهُ والمستعار لَهُ فَهِيَ مُطلقَة نَحْو: (رَأَيْت أسدا)
وَأما الِاسْتِعَارَة بِاعْتِبَار بنائها على التَّشْبِيه فَهِيَ خَمْسَة أَنْوَاع: فَإِن الْمُسْتَعَار مِنْهُ والمستعار لَهُ إِمَّا حسيان وَالْجَامِع
(1/102)

أَيْضا حسي نَحْو قَوْله تَعَالَى: {واشتعل الرَّأْس شيبا}
أَو الطرفان حسيان وَالْجَامِع عَقْلِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: {إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم} أَو كل مِنْهُمَا عقلية وَكَذَا الْجَامِع نَحْو قَوْله تَعَالَى: {من بعثنَا من مرقدنا} أَو الْمُسْتَعَار مِنْهُ حسي والمستعار لَهُ عَقْلِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: {بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق} وَمِثَال الْخَامِس نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ} فالمستعار مِنْهُ إِلْقَاء الشَّيْء وَرَاءه والمستعار لَهُ التَّعَرُّض للغفلة وَالْجَامِع الزَّوَال عَن الْمُشَاهدَة
والاستعارة أبلغ من الْحَقِيقَة، لِأَن الِاسْتِعَارَة كدعوى الشَّيْء بَيِّنَة، وأبلغ من التَّشْبِيه أَيْضا وأبلغ أَنْوَاعهَا التمثيلية ويليها المكنية
والترشيحية أبلغ من الْمُجَرَّدَة والمطلقة
والترشيح عِنْدهم، ذكر مَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ مَعَه فَهُوَ فِي التصريحية بِمَنْزِلَة التخييل فِي المكنية، كإثبات الْأَظْفَار للمنية فِي (أنشبت الْمنية أظفارها)
والتخييلية أبلغ من التحقيقية، وَالْمرَاد من الأبلغية إِفَادَة زِيَادَة التَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي كَمَال التَّشْبِيه
والاستعارة، وَإِن كَانَ فِيهَا التَّشْبِيه فتقدير حرف التَّشْبِيه لَا يجوز فِيهَا، والتشبيه الْمَحْذُوف الأداة على خلاف ذَلِك، لِأَن تَقْدِير حرف التَّشْبِيه وَاجِب فِيهِ فنحو: (زيد أَسد) يقْصد بِهِ التَّشْبِيه تَارَة، فالأداة مقدرَة ويقصد بِهِ الِاسْتِعَارَة أُخْرَى، فَلَا تكون مقدرَة، فالأسد مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته، والإخبار عَن زيد بِمَا لَا يصلح لَهُ حَقِيقَة قرينَة صارفة إِلَى الِاسْتِعَارَة، فَإِن قَامَت قرينَة على حذف الأداة صرنا إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَنحْن بَين إِضْمَار واستعارة والاستعارة أولى فيصار إِلَيْهَا
الِاسْتِغْرَاق: هُوَ التَّنَاوُل على سَبِيل الشُّمُول لَا على سَبِيل الْبَدَل، وَإِلَّا يلْزم أَن تكون النكرَة فِي الْإِثْبَات كَمَا فِي النَّفْي مستغرقة
وَهُوَ جنسي وفردي وعرفي: فالجنسي مثل: (لَا رجل فِي الدَّار)
والفردي مثل: (لَا رجل فِي الدَّار) بِالتَّنْوِينِ؛ فَلَا يُنَافِي أَن يكون فِيهَا اثْنَان أَو ثَلَاثَة، والجنسي يُنَافِي ذَلِك
والعرفي: هُوَ مَا يكون الْمرجع فِي شُمُوله وإحاطته إِلَى حكم الْعرف مثل: (جمع الْأَمِير الصاغة) ، وَإِن كَانَ بعض الْأَفْرَاد فِي الْحَقِيقَة
وَغير الْعرفِيّ: مَا يكون الْمَدْلُول جَمِيع الْأَفْرَاد فِي نفس الْأَمر
واستغراق الْجمع كاستغراق الْمُفْرد فِي الشُّمُول لِأَن [استغراق] الْمُفْرد أشمل على مَا الْمَشْهُور بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {فَمَا لنا من شافعين وَلَا صديق حميم} فَإِن " مَا لنا من شافعين " يُقيد مَا
(1/103)

أَفَادَهُ " مَا لنا من شَافِع " وَلَو قيل: (مَا لنا من أصدقاء) يُفِيد مَا أَفَادَهُ) (مَا لنا من صديق)
الِاسْتِخْدَام: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ الْمَشْهُور من الْخدمَة؛ وَجوز أَن يكون بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْقطع
سمي حَقِيقَة الِاسْتِخْدَام فِي البديع بِهِ فَكَأَنَّهُ على الْوَجْه الْمَشْهُور جعل الْمَعْنى الْمَذْكُور أَولا تَابعا وخادما للمعنى المُرَاد؛ وعَلى الْوَجْه غير الْمَشْهُور كَأَن الضَّمِير قطع عَمَّا هُوَ حَقه من الرُّجُوع إِلَى الْمَذْكُور فَإِن الِاسْتِخْدَام هُوَ أَن يُؤْتى بِلَفْظ لَهُ مَعْنيانِ فَأكْثر مرَادا بِهِ أحد مَعَانِيه ثمَّ يُؤْتى بضميره مرَادا بِهِ الْمَعْنى الآخر وَهَذِه طَريقَة السكاكي وَأَتْبَاعه؛ أَو يُرَاد بِأحد ضميريه أحد الْمَعْنيين ثمَّ يُرَاد بالضمير الآخر مَعْنَاهُ الآخر، وَهَذِه طَريقَة بدر الدّين بن مَالك فِي " الْمِصْبَاح " فَالْأولى كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين} فَإِن المُرَاد بِهِ آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ أعَاد الضَّمِير عَلَيْهِ مرَادا بِهِ وَلَده فَقَالَ: {ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين} وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل} استخدم سُبْحَانَهُ لَفْظَة (الصَّلَاة) لمعنيين: أَحدهمَا: إِقَامَة الصَّلَاة، بِقَرِينَة (حَتَّى تعلمُوا) وَالْآخر: مَوضِع الصَّلَاة، بِقَرِينَة (وَلَا جنبا) إِلَى آخِره وكقول الْقَائِل:
(إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
وَالثَّانِي كَقَوْل البحتري:
(فسقى الغضا والساكنية وَإِن هم ... شبوه بَين جوانحي وضلوعي)
أَرَادَ بِأحد الضميرين الراجعين إِلَى الغضا وَهُوَ الْمَجْرُور فِي الساكنيه الْمَكَان وبالآخر الْمَنْصُوب فِي (شبوه) النَّار أَي أوقدوا بَين جوانحي نَار الْهوى الَّتِي تشبه نَار الغضا
والاستخدام: اسْتِعْمَال معني اللَّفْظَة مَعًا، بِخِلَاف التورية، فَإِنَّهَا اسْتِعْمَال أحد معنيي اللَّفْظَة وإهمال الآخر
الِاسْتِبْرَاء: هُوَ لُغَة: طلب الْبَرَاءَة؛ وَشرعا: التَّرَبُّص الْوَاجِب على كَامِلَة الرّقّ بِسَبَب تَجْدِيد ملك أَو زَوَال فرَاش مُقَدرا بِأَقَلّ مَا يدل على الْبَرَاءَة، فَلَو بَاعَ جَارِيَة ثمَّ اشْتَرَاهَا فِي الْمجْلس ثَبت الِاسْتِبْرَاء فِيهَا تَقْديرا عِنْد الْحَنَفِيَّة
وَقَالَ غير الْحَنَفِيَّة: الِاسْتِبْرَاء فِي الْجَارِيَة الْمَذْكُورَة تعبد، كَمَا فِي الْمُشْتَرَاة من امْرَأَة، لِأَن الْمُغَلب فِي الِاسْتِبْرَاء جَانب التَّعَبُّد وَقد نظمت فِيهِ:
(وَقد يحصل الْمَقْصُود من شرع حكمنَا ... يَقِينا كَمَا فِي البيع إِذْ كنت مَالِكًا)

(وظنا كَمَا فِي الْقَتْل يقْتَصّ قَاتل ... لينزجروا حَتَّى تحاشوا مهالكا)

(ومحتملا فِي حد خمر مُسَاوِيا ... فكم منته كم مدمن قد تهالكا)

(وَرجح الْقَصْد نَفسه من حُصُوله ... كآيسة لَو أنكح الدَّهْر ذلكا)
(1/104)

(وَيعْتَبر الْمَقْصُود فِي بعض صُورَة ... وَإِن ندرت فَالْحكم صَحَّ هنالكا)

(كمن صَار بِالتَّوْكِيلِ زوج زينبا ... لَهَا الغرب مأوى وَهُوَ فِي الشرق سالكا)

(فَلَو ولدا لما أَتَتْهُ فملحق ... لَهُ نسب ظن اللحوق سوالكا)

(وَجَارِيَة لَو بَاعهَا ثمَّة اشْترى ... من المُشْتَرِي فِي مجْلِس قد تملكا)

(فَيثبت الِاسْتِبْرَاء فِيهَا لجهلنا ... بَرَاءَة رحم مِنْهُ تَقْديرا اذلكا)

(وَلم يعْتَبر تِلْكَ الْجَهَالَة غَيرنَا ... بل اعتبروا فِيهِ التَّعَبُّد مسلكا)
وَيجوز التَّعْلِيل بِمَا لَا يطلع على حكمته وَإِن قطع بانتفائها فِي صُورَة من الصُّور كوجوب اسْتِبْرَاء الصَّغِيرَة لظن وجود الْحِكْمَة فِيهَا
وَقَالَ الجدليون: لَا يثبت الحكم فِيهَا لانْتِفَاء الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ روح الْعلَّة، وَلَا عِبْرَة للمظنة عِنْد تَحْقِيق المئنة
الإسجال: هُوَ الْإِتْيَان بِأَلْفَاظ سجلت على الْمُخَاطب وُقُوع مَا خُوطِبَ بِهِ نَحْو: {رَبنَا وآتنا مَا وعدتنا على رسلك} {رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم} فَإِن فِي ذَلِك إسجالا بالإيتاء والإدخال، حَيْثُ وصف بالوعد من الله الَّذِي لَا يخلف الميعاد
الاستتباع: هُوَ أَن يذكر النَّاظِم أَو الناثر معنى بمدح أَو ذمّ أَو غَرَض من الْأَغْرَاض فيستتبع معنى آخر من ذَلِك الْغَرَض يَقْتَضِي زِيَادَة وصف فِي ذَلِك الْفَنّ كَقَوْلِه:
(نهبت من الْأَعْمَار مَا لَو حويته ... لهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد)
مدحه ببلوغ النِّهَايَة فِي الشجَاعَة إِذْ كثر قتلاه بِحَيْثُ لَو ورث أعمارهم لخلد فِي الدُّنْيَا على وَجه يستتبع مدحه بِكَوْنِهِ سَببا لصلاح الدُّنْيَا ونظامها، حَيْثُ جعل الدُّنْيَا مهنأة بخلوده
الِاسْتِقْصَاء: هُوَ أَن يتَنَاوَل الْمُتَكَلّم معنى فيستقصيه فَيَأْتِي بِجَمِيعِ عوارضه ولوازمه بعد أَن يستقصي جَمِيع أَوْصَافه الذاتية، بِحَيْثُ لَا يتْرك لمن يتَنَاوَلهُ بعده فِيهِ مقَالا كَقَوْلِه تَعَالَى: {أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب} إِلَى آخِره
وَالِاسْتِقْصَاء: يرد على الْمَعْنى التَّام الْكَامِل
والتتميم: يرد على الْمَعْنى النَّاقِص
والاستكانة: قيل هُوَ (افتعل) من (سكن) وَالْألف للإشباع، لِأَن مَعْنَاهُ خضع وتذلل، فَكَأَن الخاضع يسكن لصَاحبه ليفعل بِهِ مَا يُريدهُ
وَقيل: هُوَ (استفعل) من (كَانَ) التَّامَّة، فَكَأَن الخاضع يطْلب من نَفسه أَن يكون وَيثبت على مَا يُرِيد بِهِ صَاحبه، وَالْأول أقوى من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلَكِن لَا يساعده وُجُوه الِاشْتِقَاق والتصريف، وَالثَّانِي أصح لفظا أَو أَضْعَف معنى
واستكان خَاص بالتغير عَن كَون مَخْصُوص، وَهُوَ خلاف الذل
واستحال: عَام فِي كل حَال
الاستقراء: هُوَ تتبع جزئيات الشَّيْء
(1/105)

فالتام مِنْهُ: هُوَ الاستقراء بالجزئي على الْكُلِّي نَحْو: (كل جسم متحيز) فَإِنَّهُ لَو استقريت جَمِيع جزئيات الْجِسْم من جماد وحيوان ونبات لوجدتها متحيزة؛ وَهَذَا الاستقراء دَلِيل يقيني فَيُفِيد الْيَقِين [لَكِن لَا دَائِما فِيمَا هُوَ الْمَشْهُور كَقَوْلِهِم: الْقيَاس يُفِيد الْيَقِين]
والناقص: هُوَ الاستقراء بِأَكْثَرَ الجزئيات نَحْو: (كل حَيَوَان يُحَرك فكه الْأَسْفَل عِنْد المضغ) وَهَذَا الاستقراء دَلِيل ظَنِّي فَلَا يُفِيد إِلَّا الظَّن
وَيُسمى النَّاقِص عِنْد الْفُقَهَاء إِلْحَاق الْفَرد بالأغلب
والاستقراء بجزئي على جزئي هُوَ تَمْثِيل يُسَمِّيه الْفُقَهَاء قِيَاسا، وَهُوَ مُشَاركَة أَمر لأمر فِي عِلّة الحكم
الِاسْتِئْنَاف: هُوَ من الْأنف، لِأَن الْجَواب ذُو شرف وارتفاع، أَو من أنف كل شَيْء، وَهُوَ أَوله، أَو من أنف الْبَاب وَهُوَ طرفه، لِأَن الْجَواب كَلَام مُبْتَدأ مُسْتَقل وطرف من سُؤال
فالاستئناف: هُوَ أَن يكون الْكَلَام الْمُتَقَدّم بِحَسب الفحوى موردا للسؤال فَيجْعَل ذَلِك الْمُقدر كالمحقق، وَيُجَاب بالْكلَام الثَّانِي، فَالْكَلَام مُرْتَبِط بِمَا قبله من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا لفظا
وَالْقطع: كَون الْكَلَام مَقْطُوعًا عَمَّا قبله لفظا وَمعنى
والاستئناف عِنْد أهل الْمعَانِي: ترك الْوَاو بَين جملتين نزلت أولاهما منزلَة السُّؤَال، وَتسَمى الثَّانِيَة استئنافا أَيْضا وَلَا يُصَار إِلَى الِاسْتِئْنَاف إِلَّا لجهات لَطِيفَة، إِمَّا لتنبيه السَّامع على موقعه، أَو لاعتنائه أَن يسْأَل أَو لِئَلَّا يسمع مِنْهُ شَيْء، أَو لِئَلَّا يَنْقَطِع كلامك بِكَلَامِهِ، أَو للقصد إِلَى تَكْثِير الْمَعْنى مَعَ قلَّة اللَّفْظ أَو ترك العاطف
الِاسْتِصْحَاب: هُوَ الحكم بِبَقَاء أَمر كَانَ فِي الزَّمَان الأول وَلم يظنّ عَدمه
واستصحاب الْحَال: هُوَ التَّمَسُّك بالحكم الثَّابِت فِي حَالَة الْبَقَاء، وَهُوَ حجَّة عندنَا حَتَّى يجب الْعَمَل فِي حق نَفسه، وَلَا يصلح حجَّة للإلزام على الْخصم، لِأَن مَا ثَبت فَالظَّاهِر فِيهِ الْبَقَاء، وَالظَّاهِر يَكْفِي لإبقاء مَا كَانَ، وَلَا يصلح أَيْضا حجَّة لإِثْبَات أَمر لم يكن، كحياة الْمَفْقُود، فَإِنَّهُ لما كَانَ الظَّاهِر بَقَاءَهُ منع الْإِرْث وَهُوَ لَا يَرث فَهُوَ إِثْبَات أَمر لم يكن
وَأما عِنْد الشَّافِعِي فَهُوَ حجَّة فِي إِثْبَات كل حكم ثَبت بِدَلِيل ثمَّ شكّ فِي بَقَائِهِ
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: التَّمَسُّك بالاستصحاب على أَرْبَعَة أوجه: الأول: عِنْد الْقطع بِعَدَمِ المغير بحس أَو عقل أَو نقل، وَيصِح إِجْمَاعًا كَمَا نطقت بِهِ آيَة {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ} إِلَى آخِره
وَالثَّانِي: عِنْد الْعلم بِعَدَمِ [دَلِيل مغير ثَابت بِالنّظرِ وبالاجتهاد بِقدر الوسع مَعَ احْتِمَال قيام المغير من حَيْثُ هُوَ لَا يشْعر وَهَذَا بِهِ يَصح إِجْمَاعًا لإبداء عذر لَا حجَّة على الْغَيْر إِلَّا عِنْد الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أبي مَنْصُور الماتريدي وَبَعض مَشَايِخنَا رَحِمهم الله لِأَنَّهُ غَايَة وسع الْمُجْتَهد]
(1/106)

وَالثَّالِث: قيل هُوَ التَّأَمُّل فِي طلب المغير وَهُوَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع، لِأَنَّهُ جهل مَحْض كَعَدم علم من أسلم فِي دَارنَا بالشرائع، وَصَلَاة من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة بِلَا سُؤال وَلَا تحر
وَالرَّابِع: إِثْبَات حكم مُبْتَدأ، وَهُوَ خطأ مَحْض، لِأَن مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ إبْقَاء مَا كَانَ، فَفِيهِ تَغْيِير [حَقِيقَة]
الِاسْتِحْسَان: [هُوَ لُغَة عد الشَّيْء واعتقاده حسنا يُقَال: (استحسنت كَذَا) أَي اعتقدته حسنا
وَقيل] : هُوَ طلب الْأَحْسَن من الْأُمُور
وَقيل: هُوَ ترك الْقيَاس وَالْأَخْذ بِمَا هُوَ أرْفق للنَّاس، وَهُوَ اسْم لدَلِيل نصا كَانَ أَو إِجْمَاعًا أَو قِيَاسا خفِيا إِذا وَقع فِي مُقَابلَة قِيَاس جلي سبق إِلَيْهِ الْفَهم حَتَّى يُطلق على دَلِيل إِذا لم يقْصد فِيهِ تِلْكَ الْمُقَابلَة، وَإِذا كَانَ الدَّلِيل ظَاهرا جليا وأثره ضَعِيفا يُسمى قِيَاسا؛ وَإِذا كَانَ بَاطِنا خفِيا وأثره قَوِيا يُسمى اسْتِحْسَانًا؛ وَالتَّرْجِيح بالأثر لَا بالخفاء والظهور كالدنيا مَعَ العقبى
وَقد يقوى أثر الْقيَاس فِي بعض الْفُصُول فَيُؤْخَذ بِهِ، وَقد يقوى أثر الِاسْتِحْسَان فيرجح بِهِ؛ وَهَذَا اللَّفْظ فِي اصْطِلَاح الْأُصُول فِي مُقَابلَة الْقيَاس الْجَلِيّ شَائِع [يعْمل بِهِ إِذا كَانَ أقوى مِنْهُ سموهُ بذلك لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَب يكون أقوى من الْقيَاس الْجَلِيّ فَيكون قِيَاسا مستحسنا قَالَ الله تَعَالَى: {فبشر عباد} {الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه}
الِاسْتِطَاعَة: استفعال من الطوع، وَهِي عِنْد
(1/107)

الْمُحَقِّقين اسْم للمعاني الَّتِي بهَا يتَمَكَّن الْإِنْسَان مِمَّا يُريدهُ من إِحْدَاث الْفِعْل، وَهِي أَرْبَعَة أَشْيَاء: نِيَّة مَخْصُوصَة للْفَاعِل
وتصور للْفِعْل
ومادة قَابِلَة للتأثير
وَآلَة إِن كَانَ الْفِعْل آليا كالكتابة
ويضاده الْعَجز، وَهُوَ أَلا يجد أحد هَذِه الْأَرْبَعَة فَصَاعِدا
والاستطاعة: هِيَ التهيؤ لتنفيذ الْفِعْل بِإِرَادَة الْمُخْتَار من غير عائق
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هِيَ اسْم للمعاني الَّتِي يتَمَكَّن الْمَرْء بهَا مِمَّا يُريدهُ من إِحْدَاث فعل؛ وَهِي أخص من الْقُدْرَة
وَالْحق مَا صرح بِهِ الإِمَام أَبُو حنيفَة أَن الْقُدْرَة تصلح للضدين بِمَعْنى أَنَّهَا قُوَّة بهَا يتَمَكَّن الْحَيّ مَعَ الْفِعْل وَالتّرْك، وَصِحَّة الْأَمر وَالنَّهْي يعْتَمد عَلَيْهِ
وَلَو قُلْنَا: إِن الْقُدْرَة هِيَ الْآلَات على مَذْهَب الاعتزال لسقط عَمَّن يُوجد لَا الْآلَات وَلَيْسَ بهَا قدرَة كاللسان مثلا حكم التَّكَلُّم وَالْقِرَاءَة
وَقيل: الْقُدْرَة مَا يظْهر من الْقُوَّة بِقدر الْعَمَل لَا زَائِدا عَلَيْهِ وَلَا نَاقِصا مِنْهُ
وَنفي الِاسْتِطَاعَة قد يُرَاد بِهِ نفي الْقُدْرَة والإمكان نَحْو: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ توصية} {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نقبا}
وَقد يُرَاد بِهِ نفي الِامْتِنَاع نَحْو: {هَل يَسْتَطِيع رَبك} على الْقِرَاءَتَيْن أَي: هَل يفعل؟
(1/108)

وَقد يُرَاد بِهِ الْوُقُوع بِمَشَقَّة وكلفة نَحْو: {إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا}
والاستطاعة: مِنْهَا مَا يصير بِهِ الْفِعْل طَائِعا لَهُ بسهولة وَفِي " التَّعْدِيل " وَغَيره: هِيَ جملَة مَا يتَمَكَّن بِهِ العَبْد من الْفِعْل إِذا انْضَمَّ إِلَيْهَا اخْتِيَاره الصَّالِحَة للضدين على الْبَدَل، وَهِي المرادة بِالنَّفْيِ بقوله: {مَا كَانُوا يتسطيعون السّمع} لَا الِاسْتِطَاعَة بِمَعْنى سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات الْمُتَقَدّمَة على الْفِعْل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} لِأَنَّهَا كَانَت ثَابِتَة للْكفَّار
والاستطاعة أخص من الْقُدْرَة
والوسع من الِاسْتِطَاعَة: مَا يسع لَهُ فعله بِلَا مشقة
والجهد مِنْهَا: مَا يتعاطى بِهِ الْفِعْل بِمَشَقَّة
والطاقة مِنْهَا: بُلُوغ غَايَة الْمَشَقَّة يَقُولُونَ: (فلَان لَا يَسْتَطِيع أَن يرقى هَذَا الْجَبَل) و (هَذَا الْجمل يُطيق السّفر) و (هَذَا الْفرس صبور على مماطلة الْحَضَر) وَقد فسر رَسُول الله الِاسْتِطَاعَة بالزاد وَالرَّاحِلَة، وَمَا فسر استطاعة السَّبِيل إِلَى الْبَيْت فِي الْقُرْآن باستطاعة الْحَج فَإِنَّهَا لَا بُد فِيهَا من صِحَة الْبدن أَيْضا
واستطاعة الْأَمْوَال وَالْأَفْعَال كِلَاهُمَا يُسمى بالتوفيقية
واستطاعة الْأَحْوَال: وَهِي الْقُدْرَة على الْأَفْعَال تسمى بالتكليفية
الاسْتوَاء: هُوَ إِذا لم يَتَعَدَّ بإلى يكون بِمَعْنى الِاعْتِدَال والاستقامة؛ وَإِذا عدي بهَا صَار بِمَعْنى قصد الاسْتوَاء فِيهِ، وَهُوَ مُخْتَصّ بالأجسام
[ {واستوت على الجودي} : أَي اسْتَقَرَّتْ
{وَلما بلغ أشده واستوى} : أَي تمّ {فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك} : أَي عَلَوْت وَارْتَفَعت]
وَاخْتلف فِي معنى {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} فَقيل: بِمَعْنى اسْتَقر، وَهُوَ يشْعر بالتجسيم؛ وَقيل: بِمَعْنى استولى، وَلَا يخفى أَن ذَلِك بعد قهر وَغَلَبَة؛ وَقيل: بِمَعْنى صعد، وَالله منزه عَن ذَلِك أَيْضا؛ وَقَالَ الْفراء والأشعري وَجَمَاعَة من أهل الْمعَانِي: مَعْنَاهُ أقبل على خلق الْعَرْش وَعمد إِلَى خلقه؛ وَهَذَا معنى {ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} لَا على الْعَرْش وَقَالَ ابْن اللبان: الاسْتوَاء الْمَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى بِمَعْنى (اعتدل) أَي: قَامَ بِالْعَدْلِ كَقَوْلِه: {قَائِما بِالْقِسْطِ} فقيامه بِالْقِسْطِ وَالْعدْل هُوَ استواؤه تَعَالَى
[وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى أخبر بِأَنَّهُ على الْعَرْش اسْتَوَى، وَأخْبر رَسُوله بالنزول وَغير ذَلِك، فَكل مَا ورد من هَذَا الْقَبِيل دَلَائِل التَّوْحِيد فَلَا يتَصَرَّف فِيهَا بتشبيه وتعطيل، فلولا إِخْبَار الله تَعَالَى وإخبار رَسُوله مَا تجاسر عقل أَن يحوم حول ذَلِك الْحمى، وتلاشى دون ذَلِك عقل الْعُقَلَاء ولب الألباء، فَالله سُبْحَانَهُ وَفِي من عباده بِمَا أخبر وَدلّ على نَفسه بِمَا
(1/109)

أظهر وَرفع حِجَابا من الْحجب عَن وَجه الْكِبْرِيَاء وكشف شَيْئا من سبحات العظمة والْعَلَاء فَكل أَخْبَار الصِّفَات تجليات إلهية وكشوف جلية عقل من عقل وَجَهل من جهل، فَلَا تبعد عَن الله بالتشبيه وَقد قرب مِنْك، وَلَا تَفِر مِنْهُ بالتعطيل وَقد دنا إِلَيْك أطلق لِسَان الاسْتوَاء وَأعْرض عَن الْكَيْفِيَّة، وَهَكَذَا سَائِر الصِّفَات، فَهُوَ سُبْحَانَهُ بِمَا تجلى لِعِبَادِهِ بِهَذَا الْإِخْبَار ظَاهر، وَبِمَا قصرت الْعُقُول عَن إِدْرَاك كنهها وكيفيتها بَاطِن فَلَا ينْكَشف من عظم شَأْنه مَا بطن وَلَا يتشف من علو سُلْطَانه مَا انكمن]
الاستطراد: هُوَ سوق الْكَلَام على وَجه يلْزم فِيهِ كَلَام آخر وَهُوَ غير مَقْصُود بِالذَّاتِ بل بِالْعرضِ، من (استطراد الْفَارِس فِي جريه فِي الْحَرْب) وَذَلِكَ أَن يفر من بَين يَدي الْخصم يُوهِمهُ الانهزام ثمَّ يعْطف عَلَيْهِ، وَهُوَ ضرب من المكيدة
وَفِي الِاصْطِلَاح: أَن يكون فِي غَرَض من أغراض الشّعْر يُوهم أَنه يسْتَمر فِيهِ ثمَّ يخرج مِنْهُ إِلَى غَيره لمناسبة بَينهمَا
وَلَا بُد من التَّصْرِيح باسم المستطرد بِهِ بِشَرْط أَن يكون قد تقدم لَهُ ذكر ثمَّ يرجع إِلَى الأول وَيقطع الْكَلَام فَيكون المستطرد بِهِ آخر كَلَامه
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ معدومان فِي التَّخَلُّص فَإِنَّهُ لَا يرجع إِلَى الأول وَلَا يقطع الْكَلَام بل يسْتَمر فِيمَا تخلص إِلَيْهِ كَقَوْلِه:
(لَهَا برص بِأَسْفَل إسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حِين شَابًّا)

وَحسن التَّخَلُّص والاستطراد: من أساليب الْقُرْآن الْجَلِيل وَقد خرج على الاستطراد قَوْله تَعَالَى: {لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون} فَإِن أول الْكَلَام رد على النَّصَارَى الزاعمين بنوة الْمَسِيح، ثمَّ استطرد الرَّد على الْعَرَب الزاعمين بنوة الْمَلَائِكَة
وَمِنْه أَيْضا قَوْله تَعَالَى: {أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود}
وَمِنْه تَغْيِير الضَّمِير إِلَى الْجمع بعد التَّثْنِيَة وَلَو كَانَت الْقِصَّة وَاحِدَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ} فَإِن مَا بعد قصَّة ابْني آدم كمخلص إِلَى قصَّة الْعَرَب وإشراكهم الْأَصْنَام فَيكون من الْمَوْصُول لفظا والمفصول معنى
[وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله: {فَمَاذَا تأمرون} فَإِنَّهُ قَول فِرْعَوْن {أَن يخرجكم من أَرْضكُم} قَول الْمَلأ
و {أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين} قَول زليخا
و {ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ} كَلَام يُوسُف
و {إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة} كَلَام بلقيس
(1/110)

{وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} كَلَام الله
و {من بعثنَا من مرقدنا} قَول الْكفَّار
و {هَذَا مَا وعد الرَّحْمَن} قَول الْمَلَائِكَة إِلَى غير ذَلِك]
أسلوب الْحَكِيم: هُوَ لُغَة كل كَلَام مُحكم
وَاصْطِلَاحا: هُوَ إِمَّا تلقي الْمُخَاطب بِغَيْر مَا يترقب بِسَبَب حمل كَلَام الْمُخَاطب على خلاف مَا أَرَادَهُ تَنْبِيها على أَنه الأولى بِالْقَصْدِ والإرادة، وَهَذَا عين القَوْل بِالْمُوجبِ، لِأَن حَقِيقَته حمل لفظ وَقع فِي كَلَام الْغَيْر على خلاف مُرَاده مِمَّا يحْتَملهُ بِذكر مُتَعَلقَة؛ وَإِمَّا تلقي السَّائِل بِغَيْر مَا يتطلب تَنْبِيها على أَن الأولى لَهُ والأهم إِنَّمَا هُوَ السُّؤَال عَمَّا أُجِيب عَنهُ
مِثَال الأول قَول القبعثري للحجاج حِين قَالَ متوعدا " لأحملنك على الأدهم ": " مثل الْأَمِير يحمل على الأدهم والأشهب " فَقَالَ الْحجَّاج: " إِنَّه الْحَدِيد " فَقَالَ: " لِأَن يكون حديدا خير من أَن يكون بليدا " وَمِثَال الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج} وَهَذَا على احْتِمَال أَن السَّائِل غير الصَّحَابَة
وَقد رُوِيَ مَا يَقْتَضِي أَنهم لم يسْأَلُوا عَن سَبَب زِيَادَة الْهلَال ونقصانه، بل عَن سَبَب خلقه على مَا هُوَ الْأَلْيَق بحالهم
روى أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الرّبيع عَن أبي عالية قَالَ: بلغنَا أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله لم خلقت الْأَهِلّة؟ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فعلى هَذَا لَيْسَ فِيهَا من اسلوب الْحَكِيم شَيْء بل يصير الْجَواب طبق السُّؤَال، فَصَارَت الْآيَة مُحْتَملَة للوجهين
وَمن أسلوب الْحَكِيم أَيْضا: جَوَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ} الْآيَة: بِأَن الله تَعَالَى خلق آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج من ذُريَّته إِلَى آخر الحَدِيث، فَإِن هَذَا جَوَاب بِبَيَان الْمِيثَاق المقالي، وَالسُّؤَال عَن بَيَان الْمِيثَاق الحالي؛ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى ميثاقين مَعَ بني آدم، أَحدهمَا: يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعقل من نصب الْأَدِلَّة الباعثة على الِاعْتِرَاف الحالي وَثَانِيهمَا: المقالي الَّذِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعقل، بل يتَوَقَّف على أَخْبَار الْأَنْبِيَاء؛ فَأَرَادَ النَّبِي أَن يخبر الْأمة عَمَّا لَا تهتدي إِلَيْهِ عُقُولهمْ من مِيثَاق آخر أزلي فَقَالَ مَا قَالَ، ليعرف مِنْهُ أَن هَذَا النَّسْل الَّذِي يخرج فِيمَا لَا يزَال من أصلاب بني آدم هُوَ الذَّر الَّذِي أخرج فِي ابْتِدَاء خلق آدم من صلبه وَأخذ مِنْهُ الْمِيثَاق المقالي الأزلي كَمَا أَخذ مِنْهُم فِيمَا لَا يزَال بالتدريج حِين أخرجُوا الْمِيثَاق الحالي اللايزالي
وَقَالَ بَعضهم: المخاطبون بقوله: {أَلَسْت بربكم} هم الصُّور العلمية الْقَدِيمَة ألتي هِيَ ماهيات الْأَشْيَاء وحقائقها ويسمونها بالأعيان الثَّابِتَة، وَلَيْسَت تِلْكَ الصُّور مَوْجُودَة فِي الْخَارِج، وجوابهم إِنَّمَا هُوَ بألسنة استعداداتهم الأزلية، فَالْمُرَاد بالذرية هُوَ الصُّور العلمية والأعيان الثَّابِتَة، وباستخراجها هُوَ تجلي الذَّات وظهوره فِيهَا وَنسبَة الْإِخْرَاج إِلَى ظُهُورهمْ بِاعْتِبَار أَن تِلْكَ الصُّور إِذا
(1/111)

وجدت فِي الْأَعْيَان كَانَت عينهم، وَإِن هَذِه المقاولة حَالية استعدادية أزلية لَا قالية لَا يزالية حَادِثَة
وَذكر صَاحب " التَّلْخِيص " أَن القَوْل بِالْمُوجبِ ضَرْبَان: أَحدهمَا: مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَهُوَ المتداول بَين النَّاس
وَالثَّانِي: أَن يَقع صفة من كَلَام الْغَيْر كِنَايَة عَن شَيْء أثبت لَهُ حكم، فَتثبت فِي كلامك تِلْكَ الصّفة لغير ذَلِك الشَّيْء من غير تعرض لثُبُوت ذَلِك الحكم وانتفائه عَنهُ كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ}
الاستئمان: هُوَ طلب الْأمان من الْعَدو، حَرْبِيّا كَانَ أَو مُسلما
قَالَ الشَّافِعِي: صَحَّ أَمَان العَبْد للحربي كَالْحرِّ بِجَامِع الاسلام وَالْعقل فَإِنَّهُمَا مَظَنَّة لإِظْهَار مصلحَة بِالْإِيمَان من بذل الْأمان فيعترضه الْحَنَفِيّ بِاعْتِبَار الْحُرِّيَّة مَعَهُمَا، فَإِنَّهُمَا مَظَنَّة فرَاغ الْقلب للنَّظَر، بِخِلَاف الرّقية، فَإِنَّهَا لَيست مَظَنَّة الْفَرَاغ، لاشتغال الرَّقِيق بِخِدْمَة سَيّده، فيلغي الشَّافِعِي مَا اعْتَبرهُ الْحَنَفِيّ من كَون الْحُرِّيَّة جُزْء علته بِثُبُوت الْأمان بِدُونِهَا فِي الرَّقِيق الْمَأْذُون لَهُ فِي الْقِتَال اتِّفَاقًا، فيجيب الْحَنَفِيّ بِأَن الْإِذْن لَهُ خلف الْحُرِّيَّة، لِأَنَّهُ مَظَنَّة لبذل وَسعه فِي النّظر فِي مصلحَة الْقِتَال والأمان
الاسلام: لُغَة: الانقياد الْمُتَعَلّق بالجوارح كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا}
وَالدّين {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام}
وَالْإِيمَان: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ} ثمَّ ذكر فَاء التَّعْلِيل فَقَالَ: {فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين} فَالْمُنَاسِب أَن يُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُسلمُونَ
وَشرعا: هُوَ على نَوْعَيْنِ دون الْإِيمَان وَهُوَ الِاعْتِرَاف بِاللِّسَانِ، وَإِن لم يكن لَهُ اعْتِقَاد، وَبِه يحقن الدَّم؛ وَفَوق الْإِيمَان؛ وَهُوَ الِاعْتِرَاف مَعَ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ وَالْوَفَاء بِالْفِعْلِ
وَاعْلَم أَن مُخْتَار جُمْهُور الْحَنَفِيَّة والمعتزلة وَبَعض أهل الحَدِيث أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام متحدان، وَعند أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُمَا متباينان؛ وَغَايَة بهَا يُمكن فِي الْجَواب أَن التغاير بَين مفهومي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لَا مَا صدق عَلَيْهِ الْمُؤمن وَالْمُسلم إِذْ لَا يَصح فِي الشَّرْع أَن يحكم على وَاحِد بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَيْسَ بِمُسلم وَلَا بِالْعَكْسِ
وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو مَنْصُور الماتريدي أَن الْإِسْلَام معرفَة الله بِلَا كَيفَ وَلَا شُبْهَة وَمحله الصَّدْر، وَالْإِيمَان مَعْرفَته بالالهية وَمحله دَاخل الصَّدْر، وَهُوَ الْقلب والمعرفة معرفَة الله بصفاته، ومحلها دَاخل الْقلب، وَهُوَ الْفُؤَاد
فَهَذِهِ عُقُود أَرْبَعَة لَيست بِوَاحِدَة وَلَا بمتغايرة، فَإِذا اجْتمعت صَارَت دينا وَهُوَ الثَّبَات على هَذِه الْخِصَال الْأَرْبَع إِلَى الْمَوْت
(1/112)

وَدين الله فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَاحِد وَهُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام}
ثمَّ اعْلَم أَنه ذكر فِي كتب أصُول الشَّافِعِيَّة أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي، أَي بِمَا علم مَجِيء الرَّسُول بِهِ من عِنْد الله ضَرُورَة يَعْنِي الإذعان وَالْقَبُول لَهُ والتكليف بذلك، وَلَا يعْتَبر التَّصْدِيق الْمَذْكُور فِي الْخُرُوج بِهِ من عُهْدَة التَّكْلِيف بِالْإِيمَان إِلَّا مَعَ التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ من الْقَادِر عَلَيْهِ الَّذِي جعله الشَّارِع عَلامَة لنا على التَّصْدِيق الْخَفي عَنَّا حَتَّى يكون الْمُنَافِق مُؤمنا بَيْننَا، كَافِرًا عِنْد الله تَعَالَى وَهل التَّلَفُّظ الْمَذْكُور شَرط للْإيمَان أَو شطر مِنْهُ؟ فِيهِ خلاف للْعُلَمَاء وَالرَّاجِح الأول
وَالْإِسْلَام أَعمال الْجَوَارِح من الطَّاعَات كالتلفظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَغير ذَلِك، فَلَا تعْتَبر الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة فِي الْخُرُوج بهَا من عُهْدَة التَّكْلِيف بالاسلام إِلَّا مَعَ الْإِيمَان أَي التَّصْدِيق الْمَذْكُور
وَعَن بعض الْمَشَايِخ: الْإِيمَان تَصْدِيق الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام تَحْقِيق الْإِيمَان
وَالْحَاصِل أَن بَينهمَا عُمُوما وخصوصا، فالعام هُوَ الْإِيمَان، وَالْخَاص هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ فعل الْجَوَارِح، فَإِن الْمُنَافِق مُسلم وَلَيْسَ بِمُؤْمِن
الْإِسْرَاف: هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي، بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي
والإسراف: تجَاوز فِي الكمية، فَهُوَ جهل بمقادير الْحُقُوق
والتبذير: تجَاوز فِي مَوضِع الْحق، فَهُوَ جهل بمواقعها، يرشدك إِلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي تَعْلِيل الْإِسْرَاف: {إِنَّه لَا يحب المسرفين} وَفِي تَعْلِيل التبذير: {إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين} فَإِن تَعْلِيل الثَّانِي فَوق الأول
الاستدراج: هُوَ أَن يُعْطي الله العَبْد كل مَا يُريدهُ فِي الدُّنْيَا لِيَزْدَادَ غيه وضلاله وجهله وعناده فَيَزْدَاد كل يَوْم بعدا من الله تَعَالَى
الاستعداد: استعداد الشَّيْء كَونه بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة إِلَى الْفِعْل الْبعيد فَيمْتَنع أَن يُجَامع وجوده بِالْفِعْلِ
الِاسْتِسْعَاء: هُوَ أَن يُكَلف العَبْد الِاكْتِسَاب حَتَّى يحصل قيمَة نصيب الشَّرِيك وَمعنى (استسعى) : اكْتسب بِلَا تَشْدِيد فِيهِ، أَو استخدم بِلَا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق
الإستقاء: هُوَ أبلغ من السَّقْي، لِأَن الإسقاء هُوَ أَن يَجْعَل لَهُ مَا يستقى مِنْهُ وَيشْرب، والسقي: هُوَ أَن تعطيه مَا يشرب
وَقيل: سقى لما لَا كلفة فِيهِ؛ وَلِهَذَا ورد فِي شراب الْجنَّة: {وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا}
وأسقي لما فِيهِ كلفة وَلِهَذَا ذكر فِي مَاء الدُّنْيَا {لأسقيناهم مَاء غدقا}
وسقاه من العيمة: أَي من أجل عطشه، وَعَن العيمة: إِذا أرواه حَتَّى أبعده عَن الْعَطش وَهَكَذَا: قسا قلبه من ذكر الله وَعَن ذكر الله فَمَعْنَى الأول: قسا من أجل الشَّيْء وبسببه، وَالثَّانِي غلظ عَن قبُول الذّكر، وَالْأول أبلغ
(1/113)

الْأَسير: الْمَأْخُوذ قهرا، أَصله الشد، فَإِن من أَخذ قهرا شدّ غَالِبا، فَسُمي الْمَأْخُوذ أَسِيرًا وَإِن لم يشد
فِي " الْقَامُوس ": الْأَسير: الأخيذ والمقيد والمسجون قَالَ أَبُو عَمْرو: الأسراء هم الَّذين جاؤوا مستأثرين؛ وَالْأسَارَى: هم الَّذين جاؤوا بِالْوَثَاقِ والسجن
الاستغاثة: من الْغَوْث وَهُوَ النَّصْر والعون يُقَال: استغثته فأغاثني
وَأما استغثته فغاثني فَهُوَ من الْغَيْث وَهُوَ الْمَطَر
وَلم يجيئ (اسْتَغَاثَ) فِي الْقُرْآن إِلَّا مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ
والاستغاثة: طلب الانخراط فِي سلك الْبَعْض والنجاة عَمَّا ابْتُلِيَ بِهِ الْبَعْض الآخر
الإسباغ: يُقَال: أَسْبغ الله النِّعْمَة: إِذا أتمهَا، وَفُلَان الْوضُوء: إِذا أبلغه موَاضعه ووفي كل عُضْو حَقه
الْإِسْعَاف: هُوَ قَضَاء الْحَاجة، يعدى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِالْبَاء
وَقد يتَضَمَّن معنى التَّوَجُّه فيعدى تعديته وَهُوَ (إِلَى)
وساعفه: ساعده أَو وافاه فِي مصافاة ومعاونة
الِاسْتِحْبَاب: هُوَ أَن يتحَرَّى الْإِنْسَان فِي الشَّيْء أَن يُحِبهُ
وَفِي الشَّرِيعَة: هُوَ مثل التَّطَوُّع وَالنَّفْل وَالنَّدْب
وَحكمه الثَّوَاب بِالْفِعْلِ الشَّامِل للترك وَعدم الْعقَاب بترك كل مِنْهَا
الِاسْتِدْلَال: لُغَة: طلب الدَّلِيل وَيُطلق فِي الْعرف على إِقَامَة الدَّلِيل مُطلقًا من نَص أَو إِجْمَاع أَو غَيرهمَا، وعَلى نوع خَاص من الدَّلِيل وَقيل: هُوَ فِي عرف أهل الْعلم تَقْرِير الدَّلِيل لإِثْبَات الْمَدْلُول سَوَاء كَانَ ذَلِك من الْأَثر إِلَى الْمُؤثر أَو بِالْعَكْسِ
الأسف: حزن مَعَ غضب لقَوْله تَعَالَى: {وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا}
سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الْحزن وَالْغَضَب فَقَالَ: مخرجهما وَاحِد وَاللَّفْظ مُخْتَلف، فَمن نَازع من يقوى عَلَيْهِ أظهر غيظا وغضبا، وَمن نَازع من لَا يقوى عَلَيْهِ أظهر حزنا وجزعا
والأسى واللهف: حزن على الشَّيْء الَّذِي يفوت
والكمد: حزن لَا يُسْتَطَاع إمضاؤه
والبث: أَشد الْحزن
وَالْكرب: الْغم الَّذِي يَأْخُذ بِالنَّفسِ
والسدم: هم فِي نَدم
الاستهلال: هُوَ أَن يكون من الْوَلَد مَا يدل على حَيَاته من رفع الصَّوْت أَو حَرَكَة عُضْو، كَذَا فِي " التَّبْيِين "
الإستار: بِالْكَسْرِ فِي الْعدَد أَرْبَعَة، وَفِي الزنة أَرْبَعَة مَثَاقِيل وَنصف
الاساءة: أساءه: أفْسدهُ، وَإِلَيْهِ: ضد أحسن؛ وَهِي دون الْكَرَاهَة
وأسوت بَين الْقَوْم: أصلحت
وَيُقَال: آسى أَخَاهُ بِنَفسِهِ وبماله
والإساءة من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا هِيَ منقولة عَن " سَاءَ "
الأسوة: الْحَالة الَّتِي يكون الْإِنْسَان عَلَيْهَا فِي اتِّبَاع
(1/114)

غَيره إِن حسنا وَإِن قبيحا، إِن سارا وَإِن ضارا
الإسكان: هُوَ جعل الْغَيْر سَاكِنا، وَالْأَصْل أَن يعدى ب (فِي) لِأَن السُّكْنَى نوع من اللّّبْث والاستقرار، إِلَّا أَنهم لما نقلوه إِلَى سُكُون خَاص تصرفوا فِيهِ، فَقَالُوا: أسكن الدَّار
الِاسْتِئْنَاس: هُوَ عبارَة عَن الآنس الْحَاصِل من جِهَة المجالسة
وَهُوَ خلاف الاستيحاش
وَقد يكون بِمَعْنى الاستعلام
الِاسْتِدْرَاك: هُوَ دفع توهم يتَوَلَّد من الْكَلَام الْمُتَقَدّم دفعا شَبِيها بِالِاسْتِثْنَاءِ
إِسْمَاعِيل: هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَمَعْنَاهُ: مُطِيع الله، وَهُوَ الذَّبِيح على الصَّحِيح، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
" أَنا ابْن الذبيحين " أَحدهمَا جده اسماعيل وَالْآخر أَبوهُ عبد الله، فَإِن عبد الْمطلب نذر أَن يذبح ولدا إِن سهل الله لَهُ حفر زَمْزَم، أَو بلغ بنوه عشرَة؛ فَلَمَّا خرج السهْم على عبد الله فدَاه بمئة من الْإِبِل، وَلذَلِك سنت الدِّيَة
[إِسْحَاق: ولد بعد إِسْمَاعِيل بِأَرْبَع عشرَة سنة
وعاش مائَة وَثَمَانِينَ سنة، قيل مَعْنَاهُ بالعبرانية: الضَّحَّاك]
اسرائيل: لقب يَعْقُوب قيل: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن (إيل) اسْم من أَسمَاء الله بالسُّرْيَانيَّة؛ وَقيل صفوة الله، وَقيل سر الله؛ أَو لِأَنَّهُ انْطلق إِلَى حَاله خشيَة أَن يقْتله أَخُوهُ عيصو، فَكَانَ يسري بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، وقصته مسطورة فِي بعض كتب الْأَحَادِيث
قَالَ بَعضهم: لم يُخَاطب الْيَهُود فِي الْقُرْآن إِلَّا ب (يَا بني إِسْرَائِيل) دون (يَا بني يَعْقُوب) لنكتة هِيَ لأَنهم خوطبوا بِعبَادة الله وَذكروا بدين أسلافهم موعظة لَهُم وتنبيها من غفلتهم فسموا بِالِاسْمِ الَّذِي فِيهِ تذكرة بِاللَّه [نوع] {فَكيف آسى} : أَحْزَن
{أسفا} : حَزينًا
{فاستعصم} : امْتنع
{وَمَا اسْتَكَانُوا} : وَمَا خضعوا لِلْعَدو
[وَأَسْبَاب السَّمَاء: مراقيها ونواحيها أَو أَبْوَابهَا]
{فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب} : السَّمَاء
{استيأسوا} : يئسوا
{غير آسن} : أَي غير متغير
{واستغشوا ثِيَابهمْ} : تغطوا بهَا
{إِذا أَسْفر} : أَضَاء
{استحوذ} : استولى
(1/115)

{فاستغلظ} : فَصَارَ من الرقة إِلَى الغلظ
{فاستفتهم} : فاستخبرهم
{أُسْوَة حَسَنَة} : خصْلَة حَسَنَة
{استمسك} : تعلق
{أساطير الْأَوَّلين} : أكاذيبهم الَّتِي كتبوها
{اسْترق السّمع} : اختلسه
{استجارك} : استأمنك وَطلب مِنْك جوارك
{فاسلك فِيهَا} : فَأدْخل فِيهَا
{من إستبرق} : من ديباج غليظ بلغَة الْعَجم، أَصله استبرك
{فَاسْتَوَى على سوقه} : فاستقام على أَصله
{من أسلم وَجهه} : أخْلص نَفسه
{أسفارا} : هِيَ الْكتب بالسُّرْيَانيَّة، وَقَالَ بَعضهم بالنبطية
{أسلنا} : أذبنا
{وأسروا الندامة} : أظهروها وَهُوَ من الأضداد
{واستفزز} : استخف
{فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله} : بَادرُوا بِالنِّيَّةِ وَالْجد، وَلم يرد الْعَدو والإسراع فِي الْمَشْي
{وتقطعت بهم الْأَسْبَاب} : أَي الْوَصْل الَّتِي كَانَت بَينهم
{استهوته الشَّيَاطِين} : ذهبت بِهِ مَرَدَة الْجِنّ فِي المهامه
{فَمَا اسطاعوا} : فَمَا اسْتَطَاعُوا
{وَمَا اسْتَكَانُوا} : فَمَا انتقلوا من حَالهم وَمَا خضعوا
[ {وشددنا أسرهم} : وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب
{استمتع بَعْضنَا بِبَعْض} : أَي انْتفع
{وأسيرا} : يَعْنِي أُسَارَى الْكفَّار
{بِمَا أسلفتم} : بِمَا قدمتهم من الْأَعْمَال الصَّالِحَة
{أَسْفَل سافلين} : أهل النَّار أَو النَّار، أَو أرذل الْعُمر
{فَمَا اسْتَيْسَرَ} : فَمَا تيَسّر
{فاستبقوا الْخيرَات} : فابتدروها انتهازا للفرصة وحيازة لفضل السَّبق والتقديم]
(1/116)

(فصل الْألف والشين)
[اشْترى] : كل من ترك شَيْئا وَتمسك بِغَيْرِهِ فقد اشْتَرَاهُ
وَمِنْه: {اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى}
الِاشْتِقَاق: هُوَ أَخذ شقّ الشَّيْء، وَالْأَخْذ فِي الْكَلَام وَفِي الْخُصُومَة يَمِينا وَشمَالًا
وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ اقتطاع فرع من أصل يَدُور فِي تصاريفه حُرُوف ذَلِك الأَصْل
وَقيل: هُوَ أَخذ كلمة من أُخْرَى بتغيير مَا مَعَ التناسب فِي الْمَعْنى
وَقيل: هُوَ رد كلمة إِلَى أُخْرَى لتناسبهما فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى
وَهُوَ من أصل خَواص كَلَام الْعَرَب، فَإِنَّهُم أطبقوا على أَن التَّفْرِقَة بَين اللَّفْظ الْعَرَبِيّ والعجمي بِصِحَّة الِاشْتِقَاق
قَالَ ابْن عُصْفُور: لَا يدْخل الِاشْتِقَاق فِي سِتَّة أَشْيَاء وَهِي: الْأَسْمَاء الأعجمية: ك (اسماعيل)
والأصوات ك (غاق)
والأسماء المتوغلة فِي الْإِبْهَام ك (من) و (مَا)
والبارزة ك (طُوبَى) اسْم للنعمة
(واللغات المتقابلة ك (الجون) للأبيض وَالْأسود
(والأسماء الخماسية ك (سفرجل)
وَجَاز الِاشْتِقَاق من الْحُرُوف وَقد قَالُوا: (أنعم لَهُ بِكَذَا) أَي قَالَ لَهُ: نعم
وسوفت: الرجل: أَي قلت لَهُ: سَوف أفعل
وَسَأَلْتُك الْحَاجة فلوليت لي أَي: قلت لي: لَوْلَا
وَلَا لَيْت لي: أَي قلت لي: لالا، وَأَشْبَاه ذَلِك
ومحال أَن يشتق الأعجمي من الْعَرَبِيّ أَو بِالْعَكْسِ، لِأَن اللُّغَات لَا تشتق الْوَاحِدَة مِنْهَا من الْأُخْرَى، مواضعة كَانَت فِي الأَصْل أَو إلهاما، وَإِنَّمَا يشتق فِي اللُّغَة الْوَاحِدَة بَعْضهَا من بعض، لِأَن الِاشْتِقَاق نتاج وتوليد، ومحال أَن تنْتج النوق إِلَّا حورانا، وتلد الْمَرْأَة إِلَّا إنْسَانا؛ وَمن اشتق الأعجمي من الْعَرَبِيّ كَانَ كمن ادّعى أَن الطير من الْحُوت
والاشتقاق يعم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، ك (النَّاطِق) الْمَأْخُوذ من (النُّطْق) بِمَعْنى التَّكَلُّم حَقِيقَة، وَبِمَعْنى الدَّال مجَازًا؛ وَمن قَوْلهم: (الْحَال ناطقة بِكَذَا) أَي دَالَّة عَلَيْهِ، فَاسْتعْمل النُّطْق فِي الدّلَالَة مجَازًا ثمَّ اشتق مِنْهُ اسْم الْفَاعِل
وَقد لَا يشتق من الْمجَاز، كالأمر [أَي لفظ الْأَمر] بِمَعْنى الْفِعْل مجَازًا لَا يشتق مِنْهُ اسْم فَاعل وَلَا اسْم مفعول، ويشتقان من الْأَمر بِمَعْنى القَوْل حَقِيقَة
وأركانه أَرْبَعَة: الْمُشْتَقّ والمشتق مِنْهُ والمشاركة بَينهمَا فِي الْمَعْنى والحروف، والتغيير؛ فَإِن فَقدنَا التَّغْيِير لفظا حكمنَا بالتغيير تَقْديرا؛ وَلَيْسَ من شَرط الِاسْم الْمُشْتَقّ اتصاف الذَّات بالمشتق مِنْهُ، بِدَلِيل أَن الْمَعْلُوم مُشْتَقّ من الْعلم، وَالْعلم لَيْسَ قَائِما بالمعلوم، وَشرط صدق الْمُشْتَقّ حُصُول الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِي الْحَال
وَجَوَاز صدق الْمُشْتَقّ مَعَ انْتِفَاء مَأْخَذ الِاشْتِقَاق، كَمَا يذهب إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة القائلة بِأَن الله تَعَالَى عَالم لَا علم لَهُ فَلَيْسَ بمرضي عِنْد الْمُحَقِّقين، بِدَلِيل أَن من كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بِكَافِر، فَدلَّ على أَن بَقَاء الْمُشْتَقّ مِنْهُ شَرط فِي صدق الِاسْم الْمُشْتَقّ، وَوُجُود معنى الْمُشْتَقّ مِنْهُ
(1/117)

كالضارب لمباشرة الضَّرْب حَقِيقَة اتِّفَاقًا
وَقيل: وجوده - أَعنِي فِي الِاسْتِقْبَال - كالضارب لمن لم يضْرب وسيضرب مجَاز اتِّفَاقًا، وَبعد وجوده مِنْهُ وانقضائه - أَعنِي فِي الْمَاضِي - كالضارب لمن قد ضرب قبل وَهُوَ الْآن لَا يضْرب، اخْتلف فِيهِ؛ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّة مجَاز، وَعند الشَّافِعِيَّة حَقِيقَة؛ وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي نَحْو قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا " فَلم يثبت أَبُو حنيفَة خِيَار الْمجْلس بعد انْقِطَاع البيع، وَحمل التَّفَرُّق على التَّفَرُّق بالأقوال، واثبته الشَّافِعِي وَحمله [على التَّفَرُّق] بالابدان
[الِاشْتِقَاق الصَّغِير] : ثمَّ الِاشْتِقَاق ان اعْتبر فِيهِ الْحُرُوف الْأُصُول مَعَ التَّرْتِيب وموافقة الْفَرْع الأَصْل فِي الْمَعْنى فَهُوَ الصَّغِير
[الِاشْتِقَاق الْكَبِير] : وان اعْتبر فِيهِ الْحُرُوف الْأُصُول مَعَ عدم التَّرْتِيب فالكبير
وَيشْتَرط فِي كل مِنْهُمَا الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْنيين فِي الْجُمْلَة وَالْمَشْهُور فِي الْمُنَاسبَة المعنوية أَن يدْخل معنى الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِي الْمُشْتَقّ، وَاخْتِلَاف الاسمين فِي الْمَعْنى بالخصوص والعموم لَا يمْنَع اشتقاق أَحدهمَا من الآخر، لِأَن ذَلِك مُنَاسبَة فِي الْمَعْنى، وَهُوَ شَرط فِي الِاشْتِقَاق
وَقَالَ بَعضهم: يَكْفِي فِي الْأَكْبَر أَن يكون بَين الْكَلِمَتَيْنِ تناسب فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَلَا يَكْفِي ذَلِك فِي الْكَبِير، بل لَا بُد من الِاشْتِرَاك فِي حُرُوف الْأُصُول بِلَا تَرْتِيب
والاشتقاق عدل من اللَّفْظ وَالْمعْنَى، ك (ضَارب) من (الضَّرْب)
وَالْعدْل: اشتقاق من اللَّفْظ دون الْمَعْنى وَجَاز اشتقاق الثلاثي من المتشعبة فِي الْكَبِير لَا فِي الصَّغِير
وَقد جعل صَاحب " الْكَشَّاف " الرَّعْد من الارتعاد، لِأَنَّهُ أشهر فِي معنى الِاضْطِرَاب
واشتقاق الثلاثي من الْمَزِيد فِيهِ شَائِع إِذا كَانَ الْمَزِيد فِيهِ أشهر فِي الْمَعْنى الَّذِي يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَأقرب للفهم من الثلاثي لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، كَمَا فِي الدبر مَعَ التَّدْبِير
والاشتقاق عِنْد أهل البديع أَن يشتق من الِاسْم الْعلم معنى فِي غَرَض قَصده الْمُتَكَلّم من مدح أَو هجاء أَو غير ذَلِك مِثَاله فِي التَّنْزِيل: {فأقم وَجهك للدّين الْقيم} {يمحق الله الرِّبَا ويربي الصَّدقَات}
وَفِي الشّعْر:
(عممت الْخلق بالنعماء حَتَّى ... غَدا الثَّقَلَان مِنْهَا مثقلين)
الِاشْتِرَاك: هُوَ إِمَّا لَفْظِي أَو معنوي
فاللفظي: عبارَة عَن الَّذِي وضع لمعان مُتعَدِّدَة كَالْعَيْنِ
والمعنوي: عبارَة عَن الَّذِي كَانَ وجودا فِي محَال مُتعَدِّدَة كالحيوان
وَالْحَاصِل ان الْمَعْنَوِيّ يَكْفِي فِيهِ الْوَضع الْوَاحِد دون اللَّفْظِيّ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الأوضاع المتعددة
وَاللَّفْظ الْمُشْتَرك بَين مَعْنيين قد يُطلق على أَحدهمَا؛ وَلَا نزاع فِي صِحَّته وَفِي كَونه بطرِيق
(1/118)

الْحَقِيقَة؛ وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ أحد الْمَعْنيين لَا على التَّعْيِين، بِأَن يُرَاد بِهِ فِي اطلاق وَاحِد هَذَا أَو ذَاك
وَقد أُشير فِي " الْمِفْتَاح " بِأَن ذَلِك حَقِيقَة الْمُشْتَرك عِنْد التجرد عَن الْقَرَائِن، وَقد يُطلق إطلاقا وَاحِدًا وَيُرَاد بِهِ كل وَاحِد من معنييه، بِحَيْثُ يُفِيد ان كلا مِنْهُمَا منَاط الحكم ومتعلق الْإِثْبَات وَالنَّفْي، وَهَذَا هُوَ مَحل الْخلاف
وَقد يُطلق إطلاقاً وَاحِدًا وَيُرَاد بِهِ مَجْمُوع معنييه من حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب مِنْهُم، بِحَيْثُ لَا يُفِيد ان كلا مِنْهُمَا منَاط الحكم وَالْفرق بَينه وَبَين الثَّالِث هُوَ الْفرق بَين الْكل الإفرادي وَالْكل المجموعي: وَهُوَ مَشْهُور يُوضحهُ انه يَصح (كل الْأَفْرَاد يرفع هَذَا الْحجر) وَلَا يَصح (كل فَرد)
وَهَذَا الرَّابِع لَيْسَ من مَحل النزاع فِي شَيْء، إِذْ لَا نزاع فِي امْتِنَاعه حقيقه، وَلَا فِي جَوَازه مجَازًا إِن وجدت علاقَة مصححة
[قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: يجْرِي الْعُمُوم فِي الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ بِلَا خلاف، وَلَا يجْرِي فِي اللَّفْظ؛ فَإِن الِاشْتِرَاك الْمَعْنَوِيّ بِأَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى يَشْمَل ذَلِك الْمَعْنى أَشْيَاء مُخْتَلفَة، كاسم الْحَيَوَان يتَنَاوَل الْإِنْسَان وَالْفرس وَغَيرهمَا بِالْمَعْنَى الْعَام وَهُوَ التحرك بالإرادة، وكاسم الشَّيْء يتَنَاوَل الْبيَاض والسواد وَغَيرهمَا بِمَعْنى اللونية
والاشتراك اللَّفْظِيّ بِأَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا بِإِزَاءِ كل وَاحِد من الْمعَانِي الدَّاخِلَة تَحْتَهُ قصدا كاسم الْقُرْء وَالْعين
والمشترك فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء اللَّفْظ فَإِنَّهُ مُشْتَرك فِيهِ وَالْمعْنَى مُشْتَرك أَو الْأَعْيَان
والمشترك الْمَعْنَوِيّ: وَهُوَ أَن يكون الْمَعْنى مُشْتَركا فِيهِ فَلَيْسَ باصطلاح الْفُقَهَاء، وَلَا يشْتَرط فِي ثُبُوت الِاشْتِرَاك فِي لفظ نقل أهل اللُّغَة أَنه مُشْتَرك بل يشْتَرط نقلهم أَنه مُسْتَعْمل فِي مَعْنيين أَو أَكثر وَإِذا ثَبت ذَلِك بنقلهم فَنحْن نُسَمِّيه مُشْتَركا باصطلاحنا
ورجحان بعض وُجُوه الْمُشْتَرك فقد يكون بِوَاسِطَة التَّأَمُّل فِي صيغته، وَقد يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي سِيَاقه، وَقد يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي غَيره]
وَاعْلَم أَن الشَّافِعِي قَالَ: يجوز أَن يُرَاد من الْمُشْتَرك كلا معنييه عِنْد التجرد عَن الْقَرَائِن، وَلَا يحمل عِنْده على أَحدهمَا إِلَّا بِقَرِينَة؛ وَمحل النزاع إِرَادَة كل وَاحِد من معنييه على أَن يكون مرَادا ومناطا للْحكم، وَأما إِرَادَة كليهمَا فَغير جَائِز اتِّفَاقًا
وَعند أبي حنيفَة لَا يسْتَعْمل الْمُشْتَرك فِي أَكثر من معنى وَاحِد، لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يسْتَعْمل فِي الْمَجْمُوع بطرِيق الْحَقِيقَة أَو بطرِيق الْمجَاز، وَالْأول غير جَائِز، لِأَنَّهُ غير مَوْضُوع للمجموع بِاتِّفَاق أَئِمَّة اللُّغَة وَكَذَا الثَّانِي، إِذْ لَا علاقَة بَين الْمَجْمُوع وَبَين كل وَاحِد من الْمَعْنيين؛ وَيمْنَع كَون الصَّلَاة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي} مُشْتَركَة بَين الرَّحْمَة وَالِاسْتِغْفَار، لِأَنَّهُ لم يثبت عَن أهل اللُّغَة، بل هِيَ حَقِيقَة فِي الدُّعَاء، وَلِأَن سِيَاق الْآيَة إِيجَاب اقْتِدَاء الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَمَلَائِكَته فِي الصَّلَاة على النَّبِي، فَلَا بُد من اتِّحَاد معنى الصَّلَاة فِي الْجَمِيع، سَوَاء كَانَ معنى حَقِيقِيًّا أَو معنى مجازيا
أما الْحَقِيقِيّ فَهُوَ الدُّعَاء فَالْمُرَاد: الله يَدْعُو ذَاته بإيصال الْخَيْر إِلَى النَّبِي، ثمَّ من لَوَازِم الدُّعَاء
(1/119)

الرَّحْمَة، فَمن قَالَ إِن الصَّلَاة من الله رَحْمَة أَرَادَ هَذَا الْمَعْنى، لَا ان الصَّلَاة وضعت للرحمة
وَأما الْمجَازِي فكإرادة الْخَيْر وَنَحْوه مِمَّا يَلِيق بِهَذَا الْمقَام
والاشتراك لَا يكون إِلَّا باللفظة الْمُشْتَركَة؛ والتوهم يكون بهَا وبغيرها من تَحْرِيف أَو تَبْدِيل؛ والإيضاح يكون فِي الْمعَانِي خَاصَّة وَهَذَا نوع اشْتِرَاك اللَّفْظَة
واشتراك النكرات مَقْصُود بِوَضْع الْوَاضِع فِي كل مُسَمّى غير معِين
واشتراك المعارف فِي الاعلام اتفاقي غير مَقْصُود بِالْوَضْعِ
والاشتراك فِي البديع ثَلَاثَة أَقسَام: قِسْمَانِ مِنْهَا من الْعُيُوب والسرقات
وَقسم وَاحِد من المحاسن: وَهُوَ أَن يَأْتِي النَّاظِم فِي بَيته بِلَفْظَة مُشْتَركَة بَين مَعْنيين اشتراكا أَصْلِيًّا أَو فرعيا فَيَسْبق ذهن السَّامع إِلَى الْمَعْنى الَّذِي لم يردهُ النَّاظِم فَيَأْتِي فِي آخر الْبَيْت بِمَا يُؤَكد أَن الْمَقْصُود غير مَا توهمه السَّامع كَقَوْلِه:
(شيب المفارق يروي الضَّرْب من دمهم ... ذوائب الْبيض بيض الْهِنْد لَا اللمم)
فلولا (بيض الْهِنْد) لسبق ذهن السَّامع إِلَى أَنه أُرِيد بيض اللمم لقَوْله: " شيب المفارق "
الاشارة: التَّلْوِيح بِشَيْء يفهم مِنْهُ النُّطْق؛ فَهِيَ ترادف النُّطْق فِي فهم الْمَعْنى
وَالْإِشَارَة عِنْد إِطْلَاقهَا حَقِيقَة فِي الحسية، وَإِشَارَة ضمير الْغَائِب وأمثالها ذهنية لَا حسية
وَالْإِشَارَة إِذا اسْتعْملت ب (على) يكون المُرَاد الْإِشَارَة بِالرَّأْيِ، وَإِذا اسْتعْملت ب (إِلَى) يكون المُرَاد الْإِيمَاء بِالْيَدِ
واشار بِهِ: عرفه
وَالْإِشَارَة الحسية: تطلق على مَعْنيين
أَحدهمَا: أَن يقبل الْإِشَارَة بِأَنَّهُ هَهُنَا أَو هُنَاكَ
وَثَانِيهمَا: أَن يكون مُنْتَهى الْإِشَارَة الحسية - أَعنِي الامتداد الخطي أَو السطحي الْآخِذ من المشير - منتهيا إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ
وَالْإِشَارَة عبارَة عَن أَن يُشِير الْمُتَكَلّم إِلَى معَان كَثِيرَة بِكَلَام قَلِيل يشبه الْإِشَارَة بِالْيَدِ، فَإِن المشير بِيَدِهِ يُشِير دفْعَة وَاحِدَة إِلَى أَشْيَاء لَو عبر عَنْهَا لاحتاج إِلَى أَلْفَاظ كَثِيرَة وَمن أمثلتها قَوْله تَعَالَى: {وغيض المَاء} فانه أَشَارَ بِهَاتَيْنِ اللفظتين إِلَى انْقِطَاع مَادَّة الْمَطَر وبلع الأَرْض وَذَهَاب مَا كَانَ حَاصِلا من المَاء على وَجههَا من قبل
وَالْإِشَارَة إِلَى الشَّيْء تَارَة تكون بِحَسب شخص، وَأُخْرَى بِحَسب نَوعه، قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي يَوْم عَاشُورَاء: " هَذَا الْيَوْم الَّذِي أظهر الله فِيهِ مُوسَى على فِرْعَوْن " وَالْمرَاد: النَّوْع وَقَالَ الله تَعَالَى: {وَخلق مِنْهَا زَوجهَا} أَي: من نوع الْإِنْسَان زوج آدم، وَالْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْبِيه على أَنه تَعَالَى جعل زوج آدم إنْسَانا مثله؛ وَقد ورد التَّفْسِير بذلك عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حبر الْأمة
واشارة النَّص مَا عرف بِنَفس الْكَلَام لَكِن بِنَوْع تَأمل وَضرب تفكر، غير أَنه لَا يكون مرَادا بالانزال، نَظِيره فِي الحسيات أَن من نظر إِلَى شَيْء يُقَابله فَرَآهُ وَرَأى غَيره مَعَ أَطْرَاف عينه مِمَّا يُقَابله فَهُوَ مَقْصُود بِالنّظرِ، وَمَا وَقع عَلَيْهِ أَطْرَاف بصر فَهُوَ
(1/120)

مرئي لَكِن بطرِيق الْإِشَارَة تبعا لَا مَقْصُودا
وَالِاسْتِدْلَال باشارة النَّص إِثْبَات الحكم بالنظم غير المسوق لَهُ، كَمَا أَن الِاسْتِدْلَال بِدلَالَة النَّص إِثْبَات الحكم بالنظم المسوق لَهُ، وَبِعِبَارَة النَّص إِثْبَات الحكم بِالْمَفْهُومِ اللّغَوِيّ غير النّظم، وباقتضاء النَّص اثبات الحكم بِالْمَفْهُومِ الشَّرْعِيّ، غير النّظم
[وَدلَالَة النَّص وإشارته بِالنِّسْبَةِ إِلَى عبارَة النَّص من قبيل سوق الْكَلَام لغَرَض على وَجه يتَضَمَّن جَوَابا عَن شَيْء أَو فَائِدَة أُخْرَى وَقَالَ بَعضهم: الْمَعْنى الَّذِي اريد بِاللَّفْظِ إِن كَانَ نفس الْمَوْضُوع لَهُ أَو جزأه أَو لَازمه غير الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ سمي عبارَة إِن سيق لَهُ وَإِشَارَة إِن لم يسق لَهُ، وَإِن كَانَ لَازمه الْمُتَقَدّم فاقتضاء وَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك فَإِن فهم مِنْهُ معنى يعلم اللّغَوِيّ أَن الحكم الْمَنْطُوق لأَجله فدلالة وَإِلَّا فَلَا دلَالَة]
وَالْإِشَارَة تقوم مقَام الْعبارَة إِذا كَانَت معهودة، فَذَلِك فِي الْأَخْرَس دون معتقل اللِّسَان، حَتَّى لَو امْتَدَّ ذَلِك وَصَارَت لَهُ إِشَارَة معهودة كَانَ بِمَنْزِلَة الْأَخْرَس
الاشراك: هُوَ إِثْبَات الشَّرِيك لله فِي الألوهية، سَوَاء كَانَ بِمَعْنى وجوب الْوُجُود أَو اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة، لَكِن أَكثر الْمُشْركين لم يَقُولُوا بِالْأولِ، بِدَلِيل {ليَقُولن الله} وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مُطلق الْكفْر، بِنَاء على عدم خلق الْكفْر عَن شرك مَا
الاشعار: هُوَ بِالنّظرِ إِلَى فهم الْمَقَاصِد لأصل المُرَاد، والتنصيص بِالنّظرِ إِلَى فهم البليغ الَّذِي يقْصد أَولا وبالذات المزايا، وَلَا ينظر إِلَى أصل الْمَعْنى إِلَّا باللمح
الاشفاق: هُوَ عناية مختلطة بخوف، فَإِن عدي ب (من) فَمَعْنَى الْخَوْف فِيهِ أظهر كَمَا فِي {أشفقن مِنْهَا}
وَإِن عدي ب (على) فَمَعْنَى الْعِنَايَة فِيهِ أظهر [نوع] {وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل} : تداخلهم حبه ورسخ فِي قُلُوبهم صورته لفرط شغفهم بِهِ
{وَلما بلغ أشده} : مُنْتَهى اشتداد جِسْمه وقوته، وَهُوَ سنّ الْوُقُوف مَا بَين الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ، فَإِن الْعقل يكمل حِينَئِذٍ
{اشمأزت} : انقبضت ونفرت
{أشتاتا} : مُتَفَرّقين
{وَأشْهدُوا} : أحضروا
{أشحة} : بخلاء
{اشْتَروا بِهِ أنفسهم} : باعوا نصِيبهم
{اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى} : اختاروها عَلَيْهِ واستبدلوها بِهِ
(1/121)

{كَذَّاب أشر} : بطر متكبر؛ والأشر لَا يكون إِلَّا فَرحا بِحَسب قَضِيَّة الْهوى؛ بِخِلَاف الْفَرح فَإِنَّهُ قد يكون من سرُور بِحَسب قَضِيَّة الْعقل
(فصل الْألف وَالصَّاد)
[أَصْحَاب النَّار:] كل مَا فِي الْقُرْآن من أَصْحَاب النَّار فَالْمُرَاد أَهلهَا إِلَّا {وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة} فَالْمُرَاد خزنتها
[الْإِصْرَار] : كل عزم شددت عَلَيْهِ فَهُوَ إِصْرَار
[الإصر] : كل عقد وعهد فَهُوَ إصر
{وأخذتم على ذَلِكُم إصري} أَي: عهدي
وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحمل علينا إصرا} أَي: عُقُوبَة ذَنْب يشق علينا
{وَيَضَع عَنْهُم إصرهم} أَي: مَا عقد من عقد ثقيل عَلَيْهِم مثل قتل أنفسهم وَمَا أشبه ذَلِك من قرص الْجلد إِذا أَصَابَته نَجَاسَة
الأَصْل: هُوَ أَسْفَل الشَّيْء
وَيُطلق على الرَّاجِح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْجُوح
وعَلى القانون وَالْقَاعِدَة الْمُنَاسبَة المنطبقة على الجزئيات
وعَلى الدَّلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدْلُول
وعَلى مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره
وعَلى الْمُحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا يُقَال: (الأَصْل فِي الْحَيَوَان الْغذَاء)
وعَلى مَا هُوَ الأولى كَمَا يُقَال: (الأَصْل فِي الْإِنْسَان الْعلم) أَي: الْعلم أولى وَأَحْرَى من الْجَهْل
وَالْأَصْل فِي الْمُبْتَدَأ التَّقْدِيم، أَي: مَا يَنْبَغِي أَن يكون الْمُبْتَدَأ عَلَيْهِ إِذا لم يمْنَع مَانع
وعَلى المتفرع عَلَيْهِ كَالْأَبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الابْن
وعَلى الْحَالة الْقَدِيمَة كَمَا فِي قَوْلك: الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة وَالطَّهَارَة، وَالْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْعَدَم، أَي: الْعَدَم فِيهَا مقدم على الْوُجُود
وَالْأَصْل فِي الْكَلَام هُوَ الْحَقِيقَة أَي: الْكثير الرَّاجِح وَالْأَصْل فِي الْمُعَرّف بِاللَّامِ هُوَ الْعَهْد الْخَارِجِي
وتخلف الأَصْل فِي مَوضِع أَو موضِعين لَا يُنَافِي أصالته
وَحمل الْمَفْهُوم الْكُلِّي على الْمَوْضُوع على وَجه كلي بِحَيْثُ ينْدَرج فِيهِ أَحْكَام جزئياته يُسمى أصلا وَقَاعِدَة
وَحمل ذَلِك الْمَفْهُوم على جزئي معِين من جزئيات مَوْضُوعه يُسمى فرعا ومثالا
وَالْأُصُول من حَيْثُ إِنَّهَا مبْنى وأساس لفرعها سميت قَوَاعِد
وَمن حَيْثُ إِنَّهَا مسالك وَاضِحَة إِلَيْهَا سميت مناهج
وَمن حَيْثُ إِنَّهَا عَلَامَات لَهَا سميت أعلاما
وَالْأُصُول تتحمل مَا لَا تتحمله الْفُرُوع
وَالْأُصُول تراعى ويحافظ عَلَيْهَا
والملزوم أصل ومتبوع من حَيْثُ ان مِنْهُ الِانْتِقَال، وَاللَّازِم فرع وَتبع من جِهَة أَن إِلَيْهِ الِانْتِقَال
وَالْكل أصل يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْجُزْء فِي الْحُصُول من
(1/122)

اللَّفْظ، بِمَعْنى أَنه يفهم من اسْم الْكل بِوَاسِطَة أَن فهم الْكل مَوْقُوف على فهمه
والجزء أصل بِاعْتِبَار احْتِيَاج جِهَة كَون الْقَصْد إِلَيْهِ؛ وَالسَّبَب أصل من جِهَة احْتِيَاج الْمُسَبّب إِلَيْهِ وابتنائه عَلَيْهِ
وَالسَّبَب الْمَقْصُود أصل من جِهَة كَونه بِمَنْزِلَة الْعلَّة الغائية
وَالْأَصْل فِي الدّين التَّوْحِيد
[وَالْأَصْل فِي الِاعْتِقَاد هُوَ الْإِيمَان بالمبدأ والمعاد]
وَالْأَصْل: بَقَاء الشَّيْء على مَا كَانَ
وَالْأَصْل فِي الْأَشْيَاء التَّوَقُّف - عِنْد أَصْحَابنَا - لَا الْإِبَاحَة حَتَّى يرد الشَّرْع بالتقرير أَو بالغيير إِلَى غَيره، كَمَا قَالَ عَامَّة الْمُعْتَزلَة وَلَا الْحَظْر إِلَى أَن يرد الشَّرْع مقررا أَو مغيرا كَمَا قَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث، لِأَن الْعقل لاحظ لَهُ فِي الحكم الشَّرْعِيَّة؛ وَإِلَيْهِ ذهب عَامَّة أَصْحَاب الحَدِيث وَبَعض الْمُعْتَزلَة، غير أَنهم يَقُولُونَ: لَا حكم لَهُ فِيهَا أصلا لعدم دَلِيل الثُّبُوت، وَهُوَ خبر أَصْحَاب الشَّرْع عَن الله تَعَالَى وأصحابنا قَالُوا: لَا بُد وَأَن يكون لَهُ حكم إِمَّا الْحُرْمَة بِالتَّحْرِيمِ الأزلي وَإِمَّا الْإِبَاحَة، لَكِن لَا يُمكن الْوُقُوف على ذَلِك بِالْعقلِ فَيتَوَقَّف فِي الْجَواب، فَوَقع الِاخْتِلَاف بَيْننَا وَبينهمْ فِي كَيْفيَّة التَّوَقُّف
[وَالْأَصْل فِي الْعرف الشَّرْعِيّ أَن يكون على وفْق الْعرف العادي]
وَالْأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا يعدل إِلَى الْمجَاز لثقل الْحَقِيقَة أَو بشاعتها أَو جهلها للمتكلم أَو الْمُخَاطب، أَو شهرة الْمجَاز، أَو غير ذَلِك، كتعظيم الْمُخَاطب نَحْو: (سَلام على الْمجْلس العالي) وموافقة الروي والسجع والمطابقة والمقابلة والمجانسة إِذا لم يحصل ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ
وَالْأَصْل ان يكون لكل مجَاز حَقِيقَة بِدَلِيل الْغَلَبَة وَإِن لم يجب
وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء التنكير بِدَلِيل اندراج الْمعرفَة تَحت عمومها، كأصالة الْعَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَاص، والتذكير وَالصرْف أَيْضا، وَلذَا لم يمْتَنع السَّبَب الْوَاحِد اتِّفَاقًا مَا لم يعتضد بآخر يجذبه عَن الْأَصَالَة إِلَى الفرعية، نَظِيره فِي الشرعيات أَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَلم تصر مشتغلة إِلَّا بعدلين
وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء المختصة بالمؤنث أَن لَا تدْخلهَا الْهَاء نَحْو: (شيخ) و (عَجُوز) و (حمَار) وَغَيرهمَا؛ وَرُبمَا أدخلُوا الْهَاء تَأْكِيدًا للْفرق ك (نَاقَة) و (نعجة)
وَالْأَصْل فِي الِاسْم، صفة كَانَ ك (عَالم) أَو غير صفة ك (غُلَام) الدّلَالَة على الثُّبُوت؛ وَأما الدّلَالَة على التجدد فَأمر عَارض فِي الصِّفَات
[وَلَا يدل الِاسْم بِالْوَضْعِ إِلَّا على الثُّبُوت، والدوام والاستمرار معنى مجازي]
وَالْأَصْل فِي اسْم الاشارة أَن يشار بِهِ إِلَى محسوس مشَاهد قريب أَو بعيد، وَإِن أُشير إِلَى مَا يَسْتَحِيل إحساسه نَحْو: {ذَلِكُم الله} أَو إِلَى محسوس غير مشَاهد نَحْو: {تِلْكَ الْجنَّة} لتصييره كالمشاهد
وَالْأَصْل فِي الْأَفْعَال التَّصَرُّف، وَمن التَّصَرُّف تَقْدِيم الْمَنْصُوب بهَا على الْمَرْفُوع، واتصال الضمائر
(1/123)

الْمُخْتَلفَة بهَا؛ وَقد اسْتثْنى مِنْهَا (نعم) و (بئس) و (عَسى) وفعلا التَّعَجُّب
وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء الْعَارِية عَن العوامل الْوَقْف على السّكُون
وَالْأَصْل فِي التَّعْرِيف الْعَهْد، وَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا عِنْد التَّعَذُّر
وَالْأَصْل فِي الْجُمْلَة ان تكون مقدرَة بالمفرد
وَالْأَصْل فِي روابط الْجُمْلَة الضَّمِير
وَالْأَصْل فِي حرف الْعَطف أَن لَا يحذف، لِأَنَّهُ جِيءَ بِهِ نَائِبا عَن الْعَامِل وَلَكِنَّك قد تتخير فِي حذفه، وَذَلِكَ فِي عطف الصِّفَات بَعْضهَا على بعض؛ وَفِي الْحَال قد يمْتَنع حذفه، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ بَين الجملتين مُشَاركَة وَلم يكن بَينهمَا تعلق ذاتي، مثل: (فلَان يَقُول وَيفْعل) و (زيد طَوِيل وَعَمْرو قصير) وَقد يجب حذفه، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا لم يكن بَينهمَا مُشَاركَة
وَالْأَصْل فِي الصّفة التَّوْضِيح والتخصيص، وَلَا يعدل عَنهُ مَا أمكن
وَالْأَصْل فِي الْوَصْف التَّمْيِيز، لَكِن رُبمَا يقْصد بِهِ معنى آخر مَعَ كَون التَّمْيِيز حَاصِلا أَيْضا
وَالْأَصْل فِي الرّفْع الْفَاعِل وَالْبَاقِي مشبه بِهِ، قَالَه الْخَلِيل، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الأَصْل هُوَ الْمُبْتَدَأ وَالْبَاقِي مشبه بِهِ
وَالْأَصْل تَقْدِيم الْمَفْعُول بِهِ بِلَا وَاسِطَة ثمَّ ظرف الزَّمَان ثمَّ ظرف الْمَكَان ثمَّ الْمَفْعُول الْمُطلق ثمَّ الْمَفْعُول لَهُ
وَقيل: الأَصْل تَقْدِيم الْمَفْعُول الْمُطلق لكَونه جُزْء مَدْلُول الْفِعْل، وَالْبَاقِي كَمَا ذكر
وَالْأَصْل ذكر التَّابِع مَعَ الْمَتْبُوع لِأَنَّهُ مُتحد بِهِ من جِهَة كَونهمَا بإعراب وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة، وَعند اجْتِمَاع التوابع الأَصْل تَقْدِيم النَّعْت ثمَّ التَّأْكِيد ثمَّ الْبَدَل أَو الْبَيَان
وَالْأَصْل فِي كل من جملتي الشَّرْط وَالْجَزَاء أَن تكون فعلية استقبالية لَا اسمية وَلَا ماضوية
وَالْأَصْل كَون الْحَال للأقرب؛ فَإِذا قلت: (ضربت زيدا رَاكِبًا) ف (رَاكِبًا) حَال من الْمَضْرُوب لَا من الضَّارِب
وَالْأَصْل فِي تَعْرِيف الْجِنْس اللَّام، وَالْإِضَافَة فِي ذَلِك التَّعْرِيف مُلْحقَة بِاللَّامِ؛ وَاللَّام للاختصاص فِي أصل الْوَضع، ثمَّ إِنَّهَا قد تسْتَعْمل فِي الْوَقْت إِذا كَانَ للْحكم اخْتِصَاص بِهِ، وَقد تسْتَعْمل فِي التَّعْلِيل لاخْتِصَاص الحكم بِالْعِلَّةِ
وَالْأَصْل أَن يكون الْأَمر كُله بِاللَّامِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فبذلك فليفرحوا} وَفِي الحَدِيث: " لِتَأْخُذُوا مَصَافكُمْ " وإثباته بِغَيْر لَام كثير
وَالْأَصْل فِي الِاشْتِقَاق أَن يكون من المصادر [عِنْد البصرية]
وَالْأَصْل فِي اللَّفْظ الْخَالِي من عَلامَة التَّأْنِيث أَن يكون للمذكر.
وَالْأَصْل وَالْقِيَاس أَن لَا يُضَاف اسْم إِلَى فعل وَلَا بِالْعَكْسِ؛ وَلَكِن الْعَرَب اتسعت فِي بعض ذَلِك، فخصت أَسمَاء الزَّمَان بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَفْعَال، لِأَن الزَّمَان مضارع للْفِعْل، وَاخْتلفُوا أَي أَقسَام الْفِعْل أصل، فالاكثرون قَالُوا: هُوَ فعل الْحَال لَان الأَصْل فِي الْفِعْل أَن يكون خَبرا، وَالْأَصْل فِي الْخَبَر أَن يكون صدقا، وَفعل الْحَال يُمكن الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَيتَحَقَّق وجوده فَيصدق الْخَبَر عَنهُ وَقَالَ قوم: الأَصْل هُوَ الْمُسْتَقْبل لانه يخبر بِهِ عَن الْمَعْدُوم ثمَّ
(1/124)

يخرج الْفِعْل إِلَى الْوُجُود فيخبر عَنهُ بعد وجدوه، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْمَاضِي لانه كمل وجوده فَاسْتحقَّ أَن يُسمى أصلا [وَبِه قَالَت الكوفية فِي الِاشْتِقَاق]
وَالْأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء الِاتِّصَال
وَالْأَصْل فِي الْحَال أَن تكون نكرَة وَفِي صَاحبهَا أَن يكون معرفَة
وَالْأَصْل فِي المبهمات الْمَقَادِير
وَالْأَصْل فِي بَيَان النّسَب والتعلقات هُوَ الْأَفْعَال
وَالْأَصْل أَن يكون بِنَاء الْجمع بِنَاء مغايرا من مُفْرد ملفوظ مُسْتَعْمل [وَلَو تَقْديرا]
وَالْأَصْل فِي كل معدول عَن شَيْء أَن لَا يخرج عَن النَّوْع الَّذِي ذَلِك الشَّيْء مِنْهُ
وَالْأَصْل فِي اسْم التَّفْضِيل أَن يكون الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ فِيهِ مُخْتَلفين بِالذَّاتِ؛ فَفِي صُورَة الِاتِّحَاد ضعف الْمَعْنى التفضيلي
وَالْأَصْل فِي التوابع تبعيتها لمتبوعاتها فِي الْإِعْرَاب دون الْبناء
وَالْأَصْل فِي الصِّفَات أَن يكون الْمُجَرّد من التَّاء مِنْهَا صفة الْمُذكر
وَالْأَصْل فِي الْمُبْتَدَأ أَن يكون معرفَة، لِأَن الْمَطْلُوب الْمُبْهم الْكثير الْوُقُوع فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ الحكم على الْأُمُور الْمعينَة
وَالْأَصْل فِي الْفَاعِل أَن يَلِي الْفِعْل لانه كالجزء مِنْهُ لشدَّة احْتِيَاج الْفِعْل إِلَيْهِ وَلَا كَذَلِك الْمَفْعُول
وَالْأَصْل فِي الْخَبَر الْإِفْرَاد
وَالْأَصْل فِي الْعَمَل الْفِعْل
وَالْأَصْل فِي اسْتِحْقَاق الرّفْع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَغَيرهمَا من المرفوعات مَحْمُول عَلَيْهِمَا
وَالْأَصْل فِي الظروف التَّصَرُّف، وَهُوَ الصَّحِيح
[وَالْأَصْل فِي التَّاء أَن يكون دُخُولهَا لتأنيث مدخولها كَمَا فِي (ضاربة) فَجعل دُخُولهَا فِي مثل (مَلَائِكَة) كَذَلِك يَجْعَل مدلولها مؤنثا لتأويل الْجَمَاعَة]
وَالْأَصْل فِي كلمة (أَو) أَن تسْتَعْمل لأحد الْأَمريْنِ، والعموم مُسْتَفَاد من وُقُوع الْأَحَد الْمُبْهم فِي سِيَاق النَّفْي لَا من كلمة (أَو)
وَالْأَصْل فِي كلمة (إِذا) الْقطع، أَي قطع الْمُتَكَلّم بِوُقُوع الشَّرْط، وَذَلِكَ لغَلَبَة اسْتِعْمَال (إِذا) فِي المقطوعات، كَمَا أَن غَلَبَة اسْتِعْمَال (إِن) فِي المشكوكات
وَالْأَصْل فِي اسْتِعْمَال (إِذا) أَن يكون لزمان من أزمنة الْمُسْتَقْبل، مُخْتَصّ من بَينهَا بِوُقُوع حدث فِيهِ مَقْطُوع بِوُقُوعِهِ فِي اعْتِقَاد الْمُتَكَلّم
وَالْأَصْل فِي كلمة (غير) أَن تكون صفة، كَمَا تَقول: (جَاءَنِي رجل غير زيد) واستعمالها على هَذَا الْوَجْه كثير فِي كَلَام الْعَرَب
وَالْأَصْل فِي كلمة (من) ابْتِدَاء الْغَايَة، والبواقي متفرعة عَلَيْهِ قَالَه الْمبرد وَقَالَ الْآخرُونَ: الاصل فِيهِ هُوَ التَّبْعِيض والبواقي متفرعة عَلَيْهِ
وَالْأَصْل فِي كلمة (إِن) الْخُلُو عَن الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط أَو لَا وُقُوعه أَيْضا، فانه يسْتَعْمل فِيمَا يتَرَجَّح، أَي يتَرَدَّد بَين أَن يكون وَبَين أَن لَا يكون؛ واللاوقوع مُشْتَرك بَين (إِن) و (إِذا)
وَالْأَصْل فِي فرض المحالات كلمة (لَو) دون (إِن) لِأَنَّهَا لما لَا جزم بِوُقُوعِهِ وَلَا وُقُوعه، والمحال
(1/125)

مَقْطُوع بِلَا وُقُوعه
[وَالْأَصْل فِي (حَتَّى) أَن تكون جَارة لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا
وَالْأَصْل فِي (كَانَ) أَن تكون نَاقِصَة لكَونهَا حَقِيقَة فَلَا يُصَار إِلَى التَّامَّة إِلَّا لضَرُورَة دَاعِيَة]
وَالْأَصْل فِي (إِلَّا) الِاسْتِثْنَاء، وَقد اسْتعْملت وَصفا؛ وَفِي (غير) أَن يكون صفة كَمَا مر، وَقد اسْتعْملت فِي الِاسْتِثْنَاء؛ وَفِي (سَوَاء) و (سوى) الظَّرْفِيَّة، وَقد استعملتا بِمَعْنى (غير)
وَالْأَصْل فِي خبر (أَن) بِالْفَتْح الْإِفْرَاد
وَالْأَصْل فِي الْبناء السّكُون؛ وأصل الْإِعْرَاب أَن يكون بالحركات؛ وَالْأَصْل فِيمَا حرك مِنْهُمَا الْكسر
وَالْأَصْل تَحْرِيك السَّاكِن الْمُتَأَخر، لِأَن الثّقل يَنْتَهِي عِنْده، كَمَا كَانَ فِي صِيغَة الخماسي وتصغيره
وَالْأَصْل فِي (مفعل) للمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان أَن يكون بِالْفَتْح
[وَالْأَصْل أَن يكون الِاسْتِثْنَاء من الْجِنْس وَلذَلِك كَانَ هُوَ الْغَالِب والمتبادر إِلَى الْفَهم من الِاسْتِثْنَاء]
وَالْأَصْل فِي الْجَرّ حُرُوف الْجَرّ، لِأَن الْمُضَاف مَرْدُود فِي التَّأْوِيل إِلَيْهِ
وَالْأَصْل فِي هَاء السكت أَن تكون سَاكِنة، لِأَنَّهَا إِنَّمَا زيدت لأجل الْوَقْف، وَالْوَقْف لَا يكون إِلَّا على سَاكن
وَالْأَصْل فِي (إِن) المخففة الْمَكْسُورَة دُخُولهَا على فعل من الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ من دواخل الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لَا غير مثل (كَانَ) و (ظن) واخواتهما
وَالْأَصْل فِي بَاب الْقصر (إِلَّا) لكَونه مَوْضُوعا لَهُ بالاصالة من غير اعْتِبَار تضمين شَيْء، أَو ابتناء على مُنَاسبَة، ومفيدا لَهُ من غير احْتِمَال وَاخْتِلَاف
وَالْأَصْل فِي التَّشْبِيه الْمُشبه لِأَنَّهُ الْمَقْصُود فِي الْكَلَام ظَاهرا، وَإِلَيْهِ يعود الْغَرَض غَالِبا، والمشبه بِهِ هُوَ الْفَرْع، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي كَونه أصلا وَكَون الْمُشبه فرعا نظرا إِلَى وَجه الْمُشبه
وَالْأَصْل فِي الْمُشبه بِهِ أَن يكون محسوسا سَوَاء كَانَ الْمُشبه محسوسا أَو معقولا
وَالْأَصْل فِي وَجه الشّبَه أَن يكون محسوسا أَيْضا
وَالْأَصْل دُخُول أَدَاة التَّشْبِيه على الْمُشبه بِهِ، وَقد تدخل على الْمُشبه إِمَّا لقصد الْمُبَالغَة مثل: {أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق} وَإِمَّا لوضوح الْحَال نَحْو: {وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى} وَقد تدخل على غَيرهمَا اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب نَحْو: {كونُوا أنصار الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم} أَي: كونُوا أنصار الله خالصين فِي الانقياد كشأن مخاطبي عِيسَى إِذْ قَالُوا. . إِلَخ
وَالْأَصْل فِي الْجَواب أَن يشاكل السُّؤَال، فَإِن كَانَ جملَة اسمية فَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب كَذَلِك
وَيَجِيء كَذَلِك فِي الْجَواب الْمُقدر أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقيل للَّذين اتَّقوا مَاذَا أنزل ربكُم قَالُوا خيرا} حَيْثُ تطابق فِي الفعلية، وَإِنَّمَا لم يَقع التطابق فِي قَوْله: {مَاذَا أنزل ربكُم قَالُوا أساطير الْأَوَّلين} إِذْ لَو طابقوا لكانوا مقرين بالإنزال، وهم من الإذعان على مفاوز
(1/126)

وَالْأَصْل أَن يقدر الشَّيْء فِي مَكَانَهُ الْأَصْلِيّ لِئَلَّا يُخَالف الأَصْل من وَجْهَيْن: الْحَذف وَوضع الشَّيْء فِي غير مَحَله
وَالِاسْم الْمُفْرد هُوَ الأَصْل وَالْجُمْلَة فرع عَلَيْهِ؛ نَظِير ذَلِك شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ على شَهَادَة رجل
وَالْأول من جزأي الْمركب هُوَ الأَصْل فِي التَّسْمِيَة ك (سِيبَوَيْهٍ) و (نفطويه)
وَالْألف أصل فِي الْحُرُوف نَحْو: (مَا) و (لَا) وَفِي الْأَسْمَاء المتوغلة فِي شبه الْحَرْف نَحْو: (اذا) و (أَنى) لَا فِي الْأَسْمَاء المعربة وَلَا فِي الْأَفْعَال
وأصل الِاسْم الْإِعْرَاب
[وأصل الْإِعْرَاب أَن يكون بالحركات]
وأصل الْفِعْل الْبناء وَالرُّجُوع إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْبناء فِي الافعال أيسر من الِانْتِقَال عَن الأَصْل
وأصل الْجمل الْجمل الفعلية
وأصل الْمثنى أَن يكون معربا
وأصل الْخَبَر أَن يتَأَخَّر عَن الْمُبْتَدَأ، وَيحْتَمل تَقْدِيره مقدما لمعارضة أصل آخر، وَهُوَ أَنه عَامل فِي الظّرْف
وأصل الْعَامِل أَن يتَقَدَّم على الْمَعْمُول، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يقدر الْمُتَعَلّق فعلا، فَيجب التَّأْخِير، لِأَن الْخَبَر الْفعْلِيّ لَا يتَقَدَّم على الْمُبْتَدَأ فِي مثل هَذَا
وأصل الْوَاو وَاو الْعَطف الَّتِي فِيهَا معنى الْجمع
وَلِهَذَا وضعُوا الْوَاو مَوضِع (مَعَ) فِي الْمَفْعُول مَعَه
[و (أَو) فِي الأَصْل للتساوي فِي الشَّك ثمَّ اتَّسع فَاسْتعْمل فِي التَّسَاوِي بِلَا شكّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {آثِما أَو كفورا} ]
وَمَا لَا ينْصَرف أَصله الِانْصِرَاف
و (لله دَرك) أَصله الْمصدر ثمَّ منع المصدرية و (وَالِد) و (صَاحب) و (عبد) أَصْلهَا الْوَصْف ثمَّ منعته
وأصل حُرُوف الْعَطف الْوَاو
وأصل حُرُوف النداء (يَا)
وأصل أدوات الشَّرْط (إِن) لانها حرف
وأصل أدوات الِاسْتِفْهَام الْألف
وأصل الْمُضمر أَن يكون على صِيغَة وَاحِدَة فِي الرّفْع وَالنّصب والجر
وأصل الضَّمِير والمنفصل الْمَرْفُوع
وأصل الْفِعْل أَن لَا يدْخل عَلَيْهِ شَيْء من الْإِعْرَاب لعدم الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة لَهُ فِي الْفِعْل
وأصل الْخَبَر أَن يكون نكرَة
وأصل حُرُوف الْقسم الْبَاء، وَلذَلِك خصت بِجَوَاز ذكر الْفِعْل مَعهَا نَحْو: (اقْسمْ بِاللَّه ليفعلن) ودخولها على الضَّمِير نَحْو: (بك لافعلن) واستعمالها فِي الْقسم الاستعطافي نَحْو: (بِاللَّه هَل قَائِم زيد؟)
وأصل الْفِعْل التَّذْكِير، لِأَن مَدْلُوله الْمصدر وَهُوَ مُذَكّر، وَأَنه عبارَة عَن انتساب الْحَدث إِلَى فَاعله فِي الزَّمن الْمعِين
وأصل الْأَسْمَاء أَن لَا تقصر على بَاب دون بَاب، وَلَا يجود هَذَا إِلَّا فِي الظروف والمصادر، وَإِلَّا فِي بَاب النداء لِأَنَّهَا أَبْوَاب وضعت على التَّغْيِير
وأصل الْجُمْلَة أَن لَا يكون لَهَا مَوضِع من الْإِعْرَاب
وأصل حذف حرف النداء فِي نِدَاء الْأَعْلَام، ثمَّ كل مَا أشبه الْعلم
(1/127)

وأصل النواصب للْفِعْل (أَن) وَهِي أم الْبَاب بالِاتِّفَاقِ
وأصل الْحُرُوف أَن لَا تعْمل رفعا وَلَا نصبا لِأَنَّهُمَا من عمل الْأَفْعَال، فَإِذا عملهما الْحَرْف فَإِنَّمَا يعملهما بشبه الْفِعْل، وَلَا يعْمل عملا لَيْسَ لَهُ حق الشّبَه إِلَّا عمل الْجَرّ إِذا كَانَ مضيفا للْفِعْل أَو لما هُوَ فِي مَعْنَاهُ إِلَى الِاسْم
وكل حرف اخْتصَّ باسم مُفْرد فَإِنَّهُ يعْمل فِيهِ الْجَرّ إِن اسْتحق الْعَمَل، وَلم يجِئ من الْحُرُوف المختصة باسم وَاحِد مَا يعْمل فِيهِ غير خفض إِلَّا (أَلا) الَّتِي لِلتَّمَنِّي، فَإِن الِاسْم الْمَبْنِيّ مَعهَا فِي مَوضِع نصب بهَا فِي مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ
وَالْإِعْرَاب أصل فِي الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ يفْتَقر إِلَيْهِ للتفرقة بَين الْمعَانِي نَحْو: (مَا أحسن زيدا) بِالنّصب فِي التَّعَجُّب، وبالرفع فِي النَّفْي، وبرفع (أحسن) وخفض (زيد) فِي الِاسْتِفْهَام عَن الْأَحْسَن
والإيجاب أصل لغيره من النَّفْي وَالنَّهْي والاستفهام وَغَيرهَا، فَإِن الْإِيجَاب يتركب من مُسْند ومسند إِلَيْهِ من غير احْتِيَاج إِلَى الْغَيْر، وَلَيْسَ كَذَلِك غَيره
والعطف على اللَّفْظ هُوَ الأَصْل نَحْو: (زيد لَيْسَ بقائم وَلَا قَاعد) بالخفض
وَالْأُصُول تراعى تَارَة وتهمل أُخْرَى، فمما تراعى قَوْلهم: (صغت الْخَاتم وحكت الثَّوْب) وَنَحْو ذَلِك؛ فلولا أَن أصل هَذَا (فعلت) بِفَتْح الْعين لما جَازَ أَن تعْمل (فعلت) وَمِنْه؛
(ليبك يزِيد ... الْبَيْت)

وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى: {خلق الْإِنْسَان ضَعِيفا} و {خلق الْإِنْسَان من علق}
وَقد يُرَاجع من الْأُصُول إِلَى الْفُرُوع عِنْد الْحَاجة: مِنْهُ الصّرْف الَّذِي يُفَارق الِاسْم لمشابهته للْفِعْل، فَمَتَى احتجت إِلَى صرفه جَازَ أَن تراجعه فتصرفه
وَمِنْه إِجْرَاء المعتل مجْرى الصَّحِيح وَإِظْهَار الضَّعِيف
وَمَا لَا يُرَاجع من الْأُصُول عِنْد الضَّرُورَة كالثلاثي المعتل الْعين نَحْو: (قَامَ) و (بَاعَ) وَكَذَلِكَ مضارعه
وَبَاب (افتعل) إِذا كَانَت فاؤه صادا أَو ضادا أَو طاء أَو ظاء أَو دَالا أَو ذالا أَو زايا حَيْثُ لَا يجوز خُرُوج هَذِه التَّاء على أَصْلهَا بل تقلب
وَالْأَصْل فِي (فعلى) أَن تسْتَعْمل فِي الْجمع بِالْألف وَاللَّام ك (كبرى) و (الْكبر)
وَلَا يَنْبَغِي أَن يجذب الأَصْل إِلَى حيّز الْفَرْع إِلَّا بِسَبَب قوي، وَيَكْفِي فِي العودة إِلَى الأَصْل أدنى شُبْهَة لانه على وفْق الدَّلِيل، وَلذَلِك صرف (أَربع) فِي قَوْلك (مَرَرْت بنسوة أَربع) مَعَ أَن فِيهِ الْوَصْف وَالْوَزْن اعْتِبَارا لأصل وَضعه وَهُوَ الْعدَد
وَالْأُصُول المرفوضة مِنْهَا مصدر (عَسى) لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل، وَإِن كَانَ الأَصْل، لِأَنَّهُ أصل مرفوض؛ وَخبر (لَا) فَإِن بني تَمِيم لَا يجيزون ظُهُوره وَيَقُولُونَ: هُوَ من الْأُصُول المرفوضة؛ و (سُبْحَانَ الله) فَإِنَّهُ إِذا نظرت إِلَى مَعْنَاهُ وجدت الْإِخْبَار عَنهُ صَحِيحا لَكِن الْعَرَب رفضت ذَلِك
وَالْأَصْل فِي الالفاظ أَن لَا تجْعَل خَارِجَة عَن مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّة بِالْكُلِّيَّةِ
(1/128)

[وَالْأَصْل عِنْد اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف مَعَانِيهَا]
وَالْأَصْل فِي الْكَلَام التَّصْرِيح وَهُوَ اظهار، وَلَا شكّ أَن الْمَقْصُود من الْكَلَام إِظْهَار الْمعَانِي، فَإِذا ذكر لفظ التَّصْرِيح مِنْهُ فهم أَنه الأَصْل
وَالْأَصْل فِي قيود التَّعْرِيف تَصْوِير مَاهِيَّة الْمُعَرّف، والاحتراز بهَا إِنَّمَا يحصل ضمنا
[وَالْأَصْل فِي فن الْعرُوض قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ عدم التَّغَيُّر عَن شَيْء، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا يحصل بتكراره بَحر، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا وضع فِي كل بَحر من أَجزَاء الافاعيل مُطلقًا بِدُونِ التَّغْيِير]
وَالْأَصْل فِي مبَاحث الالفاظ هُوَ النَّقْل لَا الْعقل
وَالْأَصْل فِي الْمسَائِل الاعتقادية أَن يُقَال مَا اعتقدته وَقلت بِهِ حق يَقِينا وَمَا قَالَه غَيْرِي بَاطِل يَقِينا
وَالْأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، فَلَو كَانَ لرجل على آخر ألف مثلا فبرهن الْمُدعى عَلَيْهِ على الاداء أَو الْإِبْرَاء فبرهن الْمُدَّعِي على أَن لَهُ ألفا لم يقبل حَتَّى يبرهن على الْحُدُوث بعد الاداء أَو الْإِبْرَاء
وَالْأَصْل الْعَدَم فِي الصِّفَات الْعَارِضَة، فَالْقَوْل للْمُضَارب أَنه لم يربح لِأَن الأَصْل فِيهِ عَدمه، وَكَذَا لَو اشْترى عبدا على أَنه خباز أَو كَاتب وانكر المُشْتَرِي وجود ذَلِك الْوَصْف فَالْقَوْل لَهُ، لِأَن الأَصْل عَدمه، لكَونه من الصِّفَات الْعَارِضَة
وَالْأَصْل فِي الصِّفَات الْأَصْلِيَّة الْوُجُود، فَلَو اشْترى أمة على انها بكر وانكر المُشْتَرِي قيام الْبكارَة وادعاها البَائِع فَالْقَوْل للْبَائِع لِأَن الأَصْل وجودهَا لكَونهَا صفة أَصْلِيَّة
وَالْأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب اوقاته، فَلَو مَاتَ مُسلم وَتَحْته نَصْرَانِيَّة فَجَاءَت مسلمة بعد مَوته وَقَالَت: اسلمت قبل مَوته، وَقَالَت الْوَرَثَة: أسلمت بعد مَوته فَالْقَوْل للْوَرَثَة
[وَالْأَصْل فِي المتعارضين الْعَمَل بهما بِقدر الْإِمْكَان]
وَالْأَصْل فِي الْإِيمَان أَن تكون الشُّرُوط مُتَقَدّمَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها} إِذْ الْمَعْنى: إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها أحللناها لَهُ إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي، لِأَن إِرَادَة الاستنكاح سَابِقَة على الْهِبَة
قَالَ ثَعْلَب: قَوْلهم: (لَيْسَ لَهُ أصل وَلَا فصل) الأَصْل: الْوَالِد، والفصل: الْوَلَد، وَقيل: الأَصْل الْحسب والفصل اللِّسَان
(وَمَا فعلته أصلا) أَي بِالْكُلِّيَّةِ، وانتصابه على الْمصدر أَو الْحَال أَي: (ذَا أصل) فَإِن الشَّيْء إِذا أَخذ مَعَ أَصله كَانَ الْكل، وَكَذَا (رَأْسا)
والأصيل: المتمكن فِي أَصله
و [الْأَصِيل] : مَا بعد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب
الِاصْطِلَاح: هُوَ اتِّفَاق الْقَوْم على وضع الشَّيْء، وَقيل: إِخْرَاج الشَّيْء عَن الْمَعْنى اللّغَوِيّ إِلَى معنى آخر لبَيَان المُرَاد
واصطلاح التخاطب هُوَ عرف اللُّغَة
والاصطلاح: مُقَابل الشَّرْع فِي عرف الْفُقَهَاء، وَلَعَلَّ وَجه ذَلِك أَن الِاصْطِلَاح (افتعال) من (الصُّلْح) للمشاركة كالاقتسام، والأمور الشَّرْعِيَّة مَوْضُوعَات الشَّارِع وَحده لَا يتصالح عَلَيْهَا بَين
(1/129)

الأقوام، وتواضع مِنْهُم
وَيسْتَعْمل الِاصْطِلَاح غَالِبا فِي الْعلم الَّذِي تحصل معلوماته بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال
وَأما الصِّنَاعَة: فَإِنَّهَا تسْتَعْمل فِي الْعلم الَّذِي تحصل معلوماته بتتبع كَلَام الْعَرَب
واللغات كلهَا اصطلاحية عِنْد عَامَّة الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْفُقَهَاء، وَقَالَ عَامَّة الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء وَعَامة أهل التَّفْسِير إِنَّهَا توقيفية
وَقَالَ بعض أهل التَّحْقِيق: لَا بُد وَأَن تكون لُغَة وَاحِدَة مِنْهَا توقيفية ثمَّ اللُّغَات الْأُخَر فِي حد الْجَوَاز بَين أَن تكون اصطلاحية أَو توقيفية، لِأَن الِاصْطِلَاح من الْعباد على أَن يُسمى هَذَا كَذَا، وَهَذَا لَا يتَحَقَّق بِالْإِشَارَةِ وَحدهَا بِدُونِ الْمُوَاضَعَة بالْقَوْل
وَفِي " أنوار التَّنْزِيل " فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} أَن اللُّغَات توقيفية، فَإِن الْأَسْمَاء تدل على الْأَلْفَاظ بِخُصُوص أَو عُمُوم وَتَعْلِيمهَا ظَاهر فِي إلقائها على المتعلم مُبينًا لَهُ مَعَانِيهَا، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي سَابِقَة وضع، وَالْأَصْل يَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك الْوَضع مِمَّن كَانَ قبل آدم، فَيكون من الله تَعَالَى
الْإِصَابَة: فِي الأَصْل هُوَ النّيل والوصول، وَفِي (إِن أصبتك فَكَذَا) مُضَافا إِلَى الْمَرْأَة يحْتَمل وُجُوهًا مُتعَدِّدَة: مِنْهَا إِصَابَة الذَّنب يُقَال: (أصبت من فلَان) وَيُرَاد بِهِ الْغَيْبَة وَالْمَال يُقَال: (أصَاب من امْرَأَته مَالا) وَالْوَطْء وَلِهَذَا يُقَال للثيب: مصابة، والقبلة، وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: " كَانَ رَسُول الله يُصِيب من بعض نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِم " أَرَادَت بهَا الْقبْلَة
[وَفِي " التسديد " لفظ الْإِصَابَة يدل على مَا يَقع من غير اخْتِيَار العَبْد وَكَسبه، وَلَا يكون مَقْدُورًا لَهُ لَا على مَا يَفْعَله العَبْد بِقَصْدِهِ واختياره كَمَا يُقَال: (أَصَابَهُ مرض أَو هم أَو مشي أَو قعُود أَو قيام) بل يُقَال: كسب وَقَول وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَتْكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم} ]
الإصغاء: مَعْنَاهُ (كوش داشتن) لَا السماع؛ وَقد يُرَاد بِهِ السماع للاستلزام بَينهمَا بِالنّظرِ إِلَيْنَا بِنَاء على الْغَالِب؛ وَصَحَّ فِي حق الله تَعَالَى بِالنّظرِ إِلَى أصل اللُّغَة بِمَعْنى الِاسْتِمَاع
الاصطفاء: فِي الأَصْل تنَاول صفوة الشَّيْء، كَمَا أَن الِاخْتِيَار تنَاول خَيره
والاجتباء: تنَاول جابته أَي وَسطه، وَهُوَ الْمُخْتَار
[واصطفاء آدم النَّبِي على الْعَالم بِأَن رَجحه على جَمِيع الْمَلَائِكَة
واصطفاه نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على الْعَالم بِأَن أهلك قومه وَحفظ نوحًا وَأَتْبَاعه
واصطفاء آل إِبْرَاهِيم على الْعَالم بِأَن جعل دينهم شَائِعا وذلل مخالفيهم
واصطفاء مُوسَى وَهَارُون على الْعَالم بِأَن جعل فِرْعَوْن مَعَ عَظمته وَغَلَبَة جُنُوده مَغْلُوبًا
واصطفاء مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَمِيع المكونات بِأَن جعله حبيبا {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} ]
(1/130)

الأصفاد: صفده: قَيده
وَسمي بِهِ الْعَطاء لِأَنَّهُ ارتباط للمنعم عَلَيْهِ
قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: " من برك فقد أسرك، وَمن جفاك فقد أطلقك "
وكل من أَعْطيته عَطاء جزلا فقد أصفدته
وكل من شددته شدا وثيقا فقد صفدته
الاصباح: هُوَ مصدر (أصبح) وَالصُّبْح الِاسْم، يُقَال من نصف اللَّيْل إِلَى نصف النَّهَار: كَيفَ أَصبَحت؟ وَمِنْه إِلَى نصف اللَّيْل: كَيفَ أمسيت؟
وَيَجِيء (أصبح) بِمَعْنى استصبح بِالْمِصْبَاحِ
الاصعاد: السّير فِي مستوى الأَرْض
والانحدار: الْوَضع
والصعود: الِارْتفَاع على الْجَبَل والسطح
أصحت السَّمَاء: فَهِيَ مصحية وَكَذَلِكَ الْيَوْم وَاللَّيْل
وصحا السَّكْرَان: فَهُوَ صَاح
أَصْحَاب الرَّأْي: هم أَصْحَاب الْقيَاس، لأَنهم يَقُولُونَ برأيهم فِيمَا لم يَجدوا فِيهِ حَدِيثا أَو أثرا
آصف: كهاجر كَاتب سُلَيْمَان النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام [نوع] {فِي الأصفاد} : فِي وثاق
{إصرا} : عَبَثا ثقيلا يأصر صَاحبه أَي: يحْبسهُ فِي مَكَانَهُ، وَالْمرَاد التكاليف الشاقة
{اصلوها} : ادخلوها أَو ذوقوا حرهَا أَو احترقوا بهَا
{أصب إلَيْهِنَّ} : أمل إِلَى جانبهن أَو إِلَى أَنْفسهنَّ بطبعي وَمُقْتَضى شهوتي
{أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ} : أهلكناهم
{فَمَا أصبرهم على النَّار} : مَا أجرأهم أَو ادعاهم إِلَيْهَا [أَو أَي شَيْء صبرهم على النَّار]
{واصبروا} : واثبتوا
{واصطبر} : داوم
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر} : فاجهر بِهِ أَو أمضه
{أفأصفاكم} : افخصكم
{أَصْحَاب النَّار} : ملازموها
{وأصروا} : اكبوا
{حَيْثُ أصَاب} : أَرَادَ: من قَوْلهم: أصَاب الصَّوَاب فَأَخْطَأَ فِي الْجَواب {فاصفح} : فَأَعْرض. [ {واصطنعتك لنَفْسي} : واخترتك لمحبتي]
(1/131)

(فصل الْألف وَالضَّاد)
[كل فعل الله تَعَالَى جَاءَ فِي الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَصح اضمار الله تَعَالَى من غير سبق ذكره لتعينه فِي الْعُقُول، وَلَيْسَ فِي اضمار الْمُتَعَيّن المتفرد قبل ذكره اضمار قبل الذّكر]
[الْإِضَافَة] : كل مَا لم يكن فِيهِ الْمُضَاف إِلَيْهِ جنس الْمُضَاف من الْإِضَافَة الْمَحْضَة فالإضافة بِمَعْنى اللَّام
وكل إِضَافَة كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ جنس الْمُضَاف فالإضافة بِتَقْدِير (من) وَلَا ثَالِث لَهما عِنْد الْأَكْثَر
وَالْإِضَافَة فِي اللُّغَة: نِسْبَة الشَّيْء إِلَى الشَّيْء مُطلقًا
وَفِي الِاصْطِلَاح: نِسْبَة اسْم إِلَى اسْم جر ذَلِك الثَّانِي بِالْأولِ نِيَابَة عَن حرف الْجَرّ أَو مشاكله، فالمضاف إِلَيْهِ إِذن اسْم مجرور باسم نَائِب مناب حرف الْجَرّ أَو بمشاكل لَهُ
وَقيل: الْإِضَافَة ضم شَيْء إِلَى شَيْء وَمِنْه الْإِضَافَة فِي اصْطِلَاح النُّحَاة، لِأَن الأول منضم إِلَى الثَّانِي ليكتسب مِنْهُ التَّعْرِيف أَو التَّخْصِيص
وَفِي الْإِضَافَة بِمَعْنى اللَّام لَا يَصح أَن يُوصف الأول بِالثَّانِي وَأَن يكون الثَّانِي خَبرا عَن الأول
وَلَا يَصح انتصاب الْمُضَاف إِلَيْهِ فِيهَا على التَّمْيِيز وَالْكل صَحِيح فِي الْإِضَافَة بِمَعْنى (من)
وَالْإِضَافَة بِمَعْنى (فِي) لم تثبت عِنْد جُمْهُور النُّحَاة، ذكر التَّفْتَازَانِيّ، بل ردهَا أَكثر النُّحَاة إِلَى الْإِضَافَة بِمَعْنى اللَّام
وَصرح الرضي بِأَنَّهَا من مخترعات ابْن الْحَاجِب؛ وَالْقَوْل بِكَوْنِهَا بِمَعْنى (فِي) أَخذ بِالظَّاهِرِ الَّذِي عَلَيْهِ النُّحَاة دون التَّحْقِيق الَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاء الْبَيَان، وَقد نَص عَلَيْهَا صَاحب " الْكَشَّاف " فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَلد الْخِصَام}
وَاللَّام أصل حُرُوف الْإِضَافَة لِأَن أخْلص الإضافات وأصحها إِضَافَة الْملك إِلَى الْمَالِك وَسَائِر الإضافات مضارعة لَهَا
وَقد تكون للاختصاص وَلَا ملك ك (الْحَمد لله) لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يتَمَلَّك
وَالْمذهب الصَّحِيح من الْمذَاهب أَن الْعَامِل فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ هُوَ الْمُضَاف لَكِن بنيابته عَن حرف الْجَرّ وَكَونه قَائِما مقَامه ومكونه بَدَلا مِنْهُ
وَإِضَافَة اسْم الْفَاعِل إِلَى مَفْعُوله أَو الْمَفْعُول إِلَى مَا يقوم مقَام الْفَاعِل إِذا أُرِيد بهما الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال فَهِيَ لفظية
وَإِضَافَة اسْم الْفَاعِل الَّذِي أُرِيد بِهِ الْمَاضِي أَو الِاسْتِمْرَار معنوية مفيدة للتعريف نَحْو (مَرَرْت بزيد ضاربك أمس) أَو (مَالك عبيده)
وَإِذا اعْتبر اسْم الْفَاعِل المستمر من جِهَة حُصُوله فِي الْمَاضِي فإضافته حَقِيقِيَّة وَتَقَع صفة للمعرفة
وَإِذا اعْتبر من جِهَة حُصُوله فِي الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال تكون إِضَافَته غير حَقِيقِيَّة فَيعْمل فِيمَا أضيف إِلَيْهِ
وكل مَا كَانَت الْمَاهِيّة كَامِلَة فِيهِ فإضافته للتعريف
وكل مَا كَانَت الْمَاهِيّة نَاقِصَة فِيهِ فإضافته للتَّقْيِيد
نَظِير الأول: (مَاء الْبَحْر) و (مَاء الْبِئْر) و (صَلَاة الْكُسُوف)
ونظيرالثاني: (مَاء الباقلا) و (صَلَاة الْجِنَازَة)
وَإِضَافَة الصّفة المشبهة إِلَى فاعلها معنوية مفيدة للتعريف أَو التَّخْصِيص إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ معرفَة أَو نكرَة
(1/132)

وَإِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة مَشْهُورَة وَإِن اتحدا كَقَوْلِه: (ولدار الْآخِرَة) و (حق الْيَقِين) و (صَلَاة الأولى) و (يَوْم الْجُمُعَة) و (عنقاء مغرب) لِأَن الصّفة تَضَمَّنت معنى (لَيْسَ) فِي الْمَوْصُوف فتغايرا
وَالْعرب إِنَّمَا تفعل ذَلِك فِي الْوَصْف اللَّازِم للموصوف لُزُوم اللقب للاعلام، كَمَا قَالُوا: (زيد بطة) أَي صَاحب هَذَا اللقب
وَأما الْوَصْف الَّذِي لَا يثبت كالقائم والقاعد وَنَحْو ذَلِك فَلَا يُضَاف الْمَوْصُوف إِلَيْهِ لعدم الْفَائِدَة المصححة الَّتِي لأَجلهَا أضيف الِاسْم إِلَى اللقب
وَإِضَافَة الْمصدر كلهَا معنوية إِلَّا إِذا كَانَ بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول
وَحكم الْإِضَافَة المعنوية تعرف الْمُضَاف، وَلِهَذَا لَا يجوز فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَلَا يُقَال: (الْغُلَام زيد)
وَأما اللفظية الَّتِي هِيَ إِضَافَة الصّفة إِلَى فاعلها أَو مفعولها فَحكمهَا التَّخْفِيف لَا التَّعْرِيف، وَلِهَذَا يجوز الْجمع بَينهَا وَبَين الْألف وَاللَّام نَحْو (الْحسن الْوَجْه) و (الضَّارِب الرجل) وَفِي التَّنْزِيل: {والمقيمي الصَّلَاة}
وَالْإِضَافَة المعنوية عِنْد التَّحْلِيل تعود إِلَى تركيب وصفي؛ أَلا ترى أَن (غُلَام زيد) عِنْد التَّحْلِيل (غُلَام لزيد) بِمَعْنى (كَائِن لزيد) ؛ و (ضرب الْيَوْم) (ضرب فِي الْيَوْم) أَي (كَائِن فِيهِ)
وَالْإِضَافَة بِأَدْنَى مُلَابسَة نَحْو قَوْلك: (لَقيته فِي طريقي) و (كَوْكَب الخرقاء)
وَالْإِضَافَة فِي الْأَعْلَام أَكثر من تَعْرِيف اللَّام. وَإِضَافَة الْجُزْء إِلَى الْكل فِي جَمِيع الْمَوَاضِع بِمَعْنى اللَّام
وَإِضَافَة الشَّيْء إِلَى جنسه بِمَعْنى (من) البيانية مثل: (خَاتم فضَّة) و (ثوب حَرِير) و (خبز شعير)
وَإِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص إِضَافَة إِلَى الْجِنْس، وَهِي أَن يكون الْمُضَاف إِلَيْهِ بعد الْإِضَافَة أَعم من الْمُضَاف مُطلقًا، كإضافة علم الْمعَانِي ذكره التَّفْتَازَانِيّ، كإضافة وَجه الِاخْتِصَار ذكره السَّيِّد الشريف، كإضافة الْبَهِيمَة المفسرة بِكُل ذَات قَوَائِم أَربع إِلَى الْأَنْعَام المفسرة بالأزواج الثَّمَانِية ذكره صَاحب " الْكَشَّاف " و " الْأَنْوَار "
قَالَ ابْن الْكَمَال: وَالَّذِي تقرر عَلَيْهِ رَأْيِي أَن شَرط الْإِضَافَة بِمَعْنى (من) البيانية عُمُوم الْمُضَاف للمضاف إِلَيْهِ وَلغيره سَوَاء كَانَ مَعَ عُمُوم الْمُضَاف إِلَيْهِ أَيْضا أم لَا
وَالْإِضَافَة للْملك ك (غُلَام زيد) والاختصاص ك (حَصِير الْمَسْجِد) و (سحبان الفصاحة) و (فِي دَار زيد) لمن يسكن بِالْأُجْرَةِ مجازية
وَالْإِضَافَة كاللام للتعيين وَالْإِشَارَة إِلَى حِصَّة من الْجِنْس أَو إِلَى الْجِنْس نَفسه وَحِينَئِذٍ قد تدل الْقَرِينَة على البعضية فتصرف إِلَى الْبَعْض وَقد لَا تدل فتصرف إِلَى الْكل وَهُوَ معنى الِاسْتِغْرَاق، فَكَمَا أَن فِي جَانب الْقلَّة تَنْتَهِي البعضية فِي الْمُفْرد إِلَى الْوَاحِد وَفِي الْجمع إِلَى الْقلَّة كَذَلِك فِي جَانب الْكَثْرَة ترتقي إِلَى أَن لَا يخرج مِنْهُ فَرد فِي الْمُفْرد وَفِي الْجمع إِلَى أَن لَا يخرج مِنْهُ جمع
وَالْإِضَافَة الْمَحْضَة على ضَرْبَيْنِ: إِضَافَة اسْم إِلَى اسْم هُوَ بعضه لبَيَان جنس الْمُضَاف لَا لتعريف شخصه وَيقدر لذَلِك بِمن نَحْو: (ثوب خَز) و (بَاب سَاج)
(1/133)

وَإِضَافَة اسْم إِلَى اسْم غَيره بِمَعْنى اللَّام لتعريف شخص الْمُضَاف وتخصيصه، فالتعريف نَحْو: (غُلَام زيد) والتخصيص نَحْو (رَاكب فرس) فَالْمُرَاد بِالْإِضَافَة الأولى التَّبْعِيض وَأَن الثَّانِي من الأول، وبالثانية الْملك أَو الِاخْتِصَاص
والمضاف يكْتَسب من الْمُضَاف إِلَيْهِ التَّخْصِيص نَحْو: (غُلَام رجل) والتعريف نَحْو: (غُلَام زيد) وَالْجِنْس نَحْو: (غُلَام الرجل) والتذكير نَحْو:
(إنارة الْعقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الْهوى يزْدَاد تنويرا)
فَقَوله: (مكسوف) خبر (إنارة) وَهِي مؤنث اكْتسب التَّذْكِير من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلِهَذَا لم يقل: (مكسوفة) وعَلى هَذَا المنوال ورد قَوْله تَعَالَى: {إِن رَحْمَة الله قريب} فِي أحد الْوُجُوه
والتأنيث نَحْو: {يلتقطه بعض السيارة} وكما فِي قَوْله:
(لما أَتَى خبر الزبير تضعضعت ... سور الْمَدِينَة وَالْجِبَال الخضع)
وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُضَاف جُزْء الْمُضَاف إِلَيْهِ فَلَا يُقَال: (جَاءَتْنِي غُلَام هِنْد)
وَقد صرح الرضي بِأَن الْمُضَاف يكْتَسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا صَحَّ حذف الْمُضَاف وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ كَمَا فِي: (سَقَطت بعض أَصَابِعه) وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك على مَا ذكره صَاحب " الْكَشَّاف " فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا تَنْفَع نفسا إيمَانهَا} فِي قِرَاءَة التَّأْنِيث أَنَّهَا لإضافة الْإِيمَان إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الَّذِي هُوَ بعضه أَي بِمَنْزِلَة بعضه لكَونه وَصفا لَهُ
وَذكر فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا أَن مفاتحه لينوء بالعصبة} فِي قِرَاءَة التَّذْكِير أَنه على إِعْطَاء الْمُضَاف حكم الْمُضَاف إِلَيْهِ
ويكتسب أَيْضا الِاشْتِقَاق فِي نَحْو: (مَرَرْت بِرَجُل أَي رجل)
والمصدرية نَحْو: (ضَربته كل الضَّرْب)
والظرفية نَحْو: (مَرَرْت أَي وَقت)
والاستفهام نَحْو: (غُلَام من عنْدك)
وَالشّرط نَحْو: (غُلَام من تضرب أضْرب)
والتنكير نَحْو: (هَذَا زيد رجل)
وَالتَّخْفِيف نَحْو: (ضَارب زيد)
وَإِزَالَة الْقبْح نَحْو: (مَرَرْت بِالرجلِ الْحسن الْوَجْه) فَإِن الْوَجْه إِن رفع قبح الْكَلَام لخلو الصّفة لفظا من ضمير الْمَوْصُوف، وَإِن نصب حصل التَّجَوُّز بإجراء ذَلِك الْوَصْف الْقَاصِر مجْرى الْمُتَعَدِّي
وَمَسْأَلَة إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته وَبِالْعَكْسِ مُخْتَلف فِيهَا، فالبصريون قَائِلُونَ بالامتناع والكوفيون قَائِلُونَ بِالْجَوَازِ
وَحقّ الْمُضَاف إِلَيْهِ أَن لَا يَقع عَنهُ حَال لكَونه بِمَنْزِلَة التَّنْوِين من الْمنون من حَيْثُ تكميله للمضاف إِلَّا أَن يكون مُضَافا إِلَى معموله نَحْو: (عرفت قيام زيد مسرعا) أَو يكون الْمُضَاف جزأه نَحْو: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا} أَو كجزئه نَحْو: {وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا}
وَإِذا كَانَ الْمقَام مقَام الِاشْتِبَاه بِأَن يكون الْكَلَام متحملا لمعنيين على اعتباري رُجُوع الضَّمِير إِلَى
(1/134)

الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فَحِينَئِذٍ لَا يجوز إرجاعه إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم رُجُوعه إِلَى الْمُضَاف لأصالته فِي الْكَلَام
وَالدَّلِيل على أَن لَا رُجْحَان وَلَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر من جِهَة الْعَرَبيَّة أَو الفصاحة قَوْله تَعَالَى: {وَقيل لَهُم ذوقوا عَذَاب النَّار الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون} وَقَوله تَعَالَى: {ونقول للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون} وَالْكَلَام وَاحِد
[وَإِضَافَة كُلية الْأَشْيَاء إِلَى الله تَعَالَى نَحْو قَوْله تَعَالَى {لله ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض} وإضافته إِلَى كُلية الْأَشْيَاء كَقَوْلِه تَعَالَى: {رب الْعَالمين} يخرج مخرج التَّعْظِيم لله والتحميد لَهُ
وَإِضَافَة خَاصَّة الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وَكَذَا إِضَافَته إِلَى خَاصَّة الْأَشْيَاء يخرج مخرج تَعْظِيم ذَلِك الْخَاص كَمَا يُقَال: (إِلَه مُحَمَّد) و (إِلَه مُوسَى) و (إِلَه هرون) و (عبد الله) و (نَاقَة الله) ] الْإِضْمَار: الْإِسْقَاط، والإخفاء، وَالِاسْتِقْصَاء، وَإِسْكَان التَّاء من (متفاعلن) فِي الْكَامِل
والاضمار عِنْد النُّحَاة: أسهل من التَّضْمِين لِأَن التَّضْمِين زِيَادَة بتغيير الْوَضع، والإضمار زِيَادَة بِغَيْر تَغْيِيره
والإضمار: أحسن من الِاشْتِرَاك وَلِهَذَا كَانَ قَول الْبَصرِيين: إِن النصب بعد (حَتَّى) بِأَن مضمرة أرجح من قَول الْكُوفِيّين: إِنَّه ب (حَتَّى) نَفسهَا وَأَنَّهَا حرف نصب مَعَ الْفِعْل وحرف جر مَعَ الِاسْم والإضمار والاقتضاء هما سَوَاء وأنهما من بَاب الْحَذف والاقتصار، لَكِن الْإِضْمَار كالمذكور لُغَة حَتَّى قُلْنَا إِن للمضمر عُمُوما، فَإِن من قَالَ لامْرَأَته: (طَلِّقِي نَفسك) وَنوى الثَّلَاث صَحَّ لِأَن الْمصدر مَحْذُوف فَهُوَ كالمذكور لُغَة فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: (طَلِّقِي نَفسك طَلَاقا) وَأما الْمُقْتَضِي فَلَيْسَ بمذكور لُغَة بل يَجْعَل ثَابتا ضَرُورَة صِحَة الْكَلَام شرعا، فَلَا يعم هَذَا عندنَا وعَلى قَول الشَّافِعِي: للمقتضي عُمُوم لِأَن الْمَذْكُور شرعا كالمذكور حَقِيقَة فَيعم
والإضمار أولى من النَّقْل عِنْد أبي حنيفَة وَبِالْعَكْسِ عِنْد الشَّافِعِي: مِثَاله قَوْله تَعَالَى: {وَحرم الرِّبَا} أَي أَخذ الرِّبَا، وَهِي الزِّيَادَة كَبيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ مثلا، فَيصح البيع إِذا سَقَطت الزِّيَادَة ويرتفع الْإِثْم، هَذَا عِنْد أبي حنيفَة والربا عِنْد الشَّافِعِيَّة تقل شرعا إِلَى العقد فَيفْسد وَيَأْثَم فَاعله
وَمن الاضمار: وضع الْعَرَب (فعيلا) فِي مَوضِع (مفعل) نَحْو (أَمر حَكِيم) بِمَعْنى: (مُحكم) ؛ ومفعل نَحْو: (عَذَاب أَلِيم) بِمَعْنى: مؤلم قَالَ:
(أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع)
بِمَعْنى: المسمع
وَيجوز الْإِضْمَار قبل الذّكر لفظا وَمعنى عِنْد أَرْبَاب البلاغة إِذا قصد تفخيم شَأْن الْمُضمر
وَجَاز عِنْد النَّحْوِيين أَيْضا فِي ضمير الشَّأْن نَحْو: (إِنَّه زيد قَائِم) وَفِي ضمير (رب) نَحْو: (ربه رجلا
(1/135)

لَقيته وَفِي ضمير (نعم) نَحْو: (نعمه رجلا زيد) وَفِي إِبْدَال الْمظهر من الضَّمِير نَحْو: (ضَربته زيدا)
وَفِي بَاب التَّنَازُع على مَذْهَب الْبَصرِيين نَحْو: (ضَرَبَنِي وأكرمت زيدا)
والإضمار قد يكون على مُقْتَضى الظَّاهِر وَقد يكون على خِلَافه؛ فَإِن كَانَ على مُقْتَضى الظَّاهِر فشرطه أَن يكون الْمُضمر حَاضرا فِي ذهن السَّامع بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام أَو مساقه عَلَيْهِ أَو قيام قرينَة فِي الْمقَام لإرادته، أَو أَن يكون حَقه أَن يحضر لما ذكر وَإِن لم يحضر لقُصُور من جَانب السَّامع؛ وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله:
(مِمَّن حملن بِهِ وَهن قَوَاعِد)
وَقَوله تَعَالَى: {عبس وَتَوَلَّى} وَإِن كَانَ على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر فشرطه أَن يكون هُنَاكَ نُكْتَة تَدْعُو إِلَى تَنْزِيله منزلَة الأول، وَتلك النُّكْتَة قد تكون تفخيم شَأْن الْمُضمر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك} وَقَوله تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر} فخم الْقُرْآن بالإضمار من غير ذكر لَهُ شَهَادَة لَهُ بالنباهة الْمُغنيَة عَن التَّصْرِيح
وكما يكون الْإِضْمَار على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر كَذَلِك يكون الْإِظْهَار على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، كَمَا إِذا أظهر وَالْمقَام مقَام الْإِضْمَار، وَذَلِكَ أَي كَون الْمقَام مقَام الْإِضْمَار عِنْد وجود أَمريْن أَحدهمَا كَونه حَاضرا أَو فِي شرف الْحُضُور فِي ذهن السَّامع لكَونه مَذْكُورا لفظا أَو معنى أَو فِي حكم الْمَذْكُور لأمر خطابي كَمَا فِي الاضمار قبل الذّكر، على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، بل لقِيَام قرينَة حَالية أَو مقالية، وَثَانِيهمَا أَن يقْصد الْإِشَارَة إِلَيْهِ من حَيْثُ أَنه حَاضر فِيهِ، فَإِذا لم يقْصد الْإِشَارَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة يكون حَقه الْإِظْهَار، كَمَا فِي قَوْلك (إِن جَاءَك زيد فقد جَاءَك فَاضل كَامِل)
وَمن الْمَوَاضِع الَّتِي تظهر فِي مقَام الْإِضْمَار قَوْله تَعَالَى: {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ} كَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر فَإِن الله عَدو لَهُم، فَعدل إِلَى الظَّاهِر للدلالة على أَن الله تَعَالَى عاداهم لكفرهم، وَأَن عَدَاوَة الْمَلَائِكَة وَالرسل كفر
وإضمار شَيْء خَاص بِدُونِ قرينَة خَاصَّة لَا يجوز
وإضمار الْجَار مَعَ بَقَاء عمله مَرْدُود غير جَائِز اتِّفَاقًا وَأما قَوْلهم (الله لَأَفْعَلَنَّ) شَاذ، وَالْكل مُصَرح بِهِ ومتفق عَلَيْهِ
الِاضْطِرَار: الِاحْتِيَاج إِلَى الشَّيْء، واضطره إِلَيْهِ: ألجأ وأحوجه فاضطر بِضَم الطَّاء
والاضطرار: بِمَعْنى حمل الْإِنْسَان على مَا يكره ضَرْبَان: اضطرار بِسَبَب خَارج، كمن يضْرب أَو يهدد لينقاد
واضطرار بِسَبَب دَاخل، كمن اشْتَدَّ جوعه فاضطر إِلَى أكل ميتَة وَمِنْه: {فَمن اضْطر غير بَاغ}
وَاصل الِاضْطِرَار عدم الِامْتِنَاع عَن الشَّيْء قهرا
والاضطرار لَا يبطل حق الْغَيْر؛ وَلذَا ضمن قَاتل جمل صائل وَإِن كَانَ فِي قَتله مُضْطَرّا لدفع الضَّرَر عَن نَفسه
(1/136)

الإضراب: الْإِبْطَال وَالرُّجُوع
وَعند النُّحَاة لَهُ مَعْنيانِ: إبِْطَال الحكم الأول وَالرُّجُوع عَنهُ إِمَّا لغلط أَو لنسيان، كَقَوْلِك: (قَامَ زيد بل عَمْرو) و (مَا قَامَ زيد بل عَمْرو)
وَالثَّانِي: إبِْطَال الأول لانْتِهَاء مُدَّة ذَلِك، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {أتأتون الذكران} ثمَّ قَالَ: {بل أَنْتُم قوم عادون} كَأَنَّهُ انْتَهَت مُدَّة الْقِصَّة الأولى فَأخذ فِي قصَّة أُخْرَى؛ وَلم يرد أَن الأولى لم تكن
والإضراب يبطل بِهِ الحكم السَّابِق وَلَا يبطل بالاستدراك
الِاضْطِرَاب: الاختلال يُقَال: (اضْطربَ أمره) إِذا اخْتَلَّ، و (اضْطَرَبَتْ أَقْوَالهم) إِذا اخْتلفت، من قَوْلهم: (اضْطربَ حَبل الْقَوْم) بِمَعْنى اخْتلفت كلماتهم
الإضاءة: فرط الإنارة
وأضاء: يرد لَازِما ومتعديا تَقول: (أَضَاء الْقَمَر الظلمَة) و (أَضَاء الْقَمَر) ؛ واللزوم هُوَ الْمُخْتَار
الأضحوكة: مَا يضْحك مِنْهُ
وضحكت الأرنب كفرحت: حَاضَت قيل: وَمِنْه: {فَضَحكت فبشرناها بِإسْحَاق} [نوع]
{أضاعوا الصَّلَاة} : تركوها
{لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة} لَا تَزِيدُوا زيادات مكررة
{أضغانهم} : أحقادهم
{أضلّ سَبِيلا} : أبعد حجَّة
{ثمَّ أضطره} : أَلْجَأَهُ
{فَمن اضْطر} : دَعَتْهُ الضَّرُورَة
(فصل الْألف والطاء)
[أطلس] : كل مَا كَانَ على لَونه فَهُوَ أطلس
[إطار] : كل شَيْء أحَاط بِشَيْء فَهُوَ إطار لَهُ
الْإِطْلَاق: الْفَتْح وَرفع الْقَيْد
وَأطلق الْأَسير: خلاه
و [أطلق] عدوه: سقَاهُ سما
وَإِطْلَاق اسْم الشَّيْء: ذكره
وَإِطْلَاق الْفِعْل: اعْتِبَاره من حَيْثُ هُوَ، بِأَن لَا يعْتَبر عُمُومه بِأَن يُرَاد جَمِيع أَفْرَاده، وَلَا خصوصه بِأَن يُرَاد بعض أَفْرَاده، وَلَا تعلقه بِمن وَقع عَلَيْهِ، فضلا عَن عُمُومه وخصوصه
وَالْإِطْلَاق: التَّلَفُّظ
والاستعمال: ذكر اللَّفْظ الْمَوْضُوع ليفهم مَعْنَاهُ أَو مناسبه، فَهُوَ فرع الْوَضع
إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء كإطلاق اسْم الْقُرْآن على كل آيَة من آيَاته
وَاسم الْعَالم على كل جُزْء من أَجْزَائِهِ، وَفِي التَّنْزِيل نَحْو: {يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم} وَبِالْعَكْسِ نَحْو: (وَيبقى وَجه
(1/137)

(رَبك} أَي: ذَاته. وَإِطْلَاق لفظ (بعض) مرَادا بِهِ الْكل، نَحْو: {ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ} أَي: كُله {وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم}
وَإِطْلَاق اسْم الْخَاص على الْعَام نَحْو: {وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا} أَي: رُفَقَاء {إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين} أَي: رسله
وَبِالْعَكْسِ نَحْو: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض} أَي: الْمُؤمنِينَ بِدَلِيل {وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا}
وَإِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب نَحْو: {وَينزل لكم من السَّمَاء رزقا}
وَبِالْعَكْسِ نَحْو: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع} أَي: القَوْل وَالْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ مسبب عَن السّمع
وَإِطْلَاق اسْم الْحَال على الْمحل نَحْو: {فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ} أَي: فِي الْجنَّة لِأَنَّهَا مَحل الرَّحْمَة
وَبِالْعَكْسِ نَحْو: {فَليدع نَادِيه} أَي: أهل مَجْلِسه
وَإِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم كَقَوْلِه تَعَالَى: {أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا فَهُوَ يتَكَلَّم بِمَا كَانُوا بِهِ يشركُونَ} سميت الدّلَالَة كلَاما لِأَنَّهَا من لوازمه وَمِنْه قيل: كل صَامت نَاطِق أَي: أثر الْحُدُوث فِيهِ يدل على محدثه، فَكَأَنَّهُ ينْطق
وَبِالْعَكْسِ كَقَوْل الشَّاعِر:
(قوم إِذا حَاربُوا شدوا مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت بأطهار)
أُرِيد بشد المئزر الاعتزال عَن النِّسَاء، لِأَن شدّ الْإِزَار من لوزام الاعتزال
وَإِطْلَاق اسْم الشَّيْء على مَا يدانيه ويتصل بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة} فَإِنَّهُ مستعار من بَين جهتي يَدي من لَهُ يدان وَهُوَ جِهَة الإِمَام
وَإِطْلَاق الْفِعْل المُرَاد مقاربته وإرادته نَحْو: {فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} أَي: فَإِذا قرب مَجِيئه {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم} أَي: إِذا أردتم الْقيام
وَإِطْلَاق الْمصدر على الْفَاعِل نَحْو: {فَإِنَّهُم عَدو لي} وعَلى الْمَفْعُول نَحْو: {صنع الله}
وَإِطْلَاق الْفَاعِل على الْمصدر نَحْو: {لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة} أَي: تَكْذِيب
(1/138)

وَإِطْلَاق الْمَفْعُول على الْمصدر نَحْو: {بأيكم الْمفْتُون} أَي: الْفِتْنَة
وَإِطْلَاق فَاعل على مفعول نَحْو: {جعلنَا حرما آمنا} أَي: مامونا فِيهِ
وَبِالْعَكْسِ نَحْو: {وعده مأتيا} أَي: آتِيَا
وَإِطْلَاق الْمُفْرد على الْمثنى نَحْو: {وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه} أَي: يرضوهما
وعَلى الْجمع نَحْو: {إِن الْإِنْسَان لفي خسر} أَي: الأناسي، بِدَلِيل الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ
وَإِطْلَاق الْمثنى على الْمُفْرد نَحْو: {ألقيا فِي جَهَنَّم} أَي: ألق
وعَلى الْجمع نَحْو: {ثمَّ ارْجع الْبَصَر كرتين} أَي: كرات، لِأَن الْبَصَر لَا يحسر إِلَّا بهَا
وَإِطْلَاق الْجمع على الْمُفْرد نَحْو: {قَالَ رب ارْجِعُونِ} أَي: أرجعني
وعَلى الْمثنى نَحْو: {فقد صغت قُلُوبكُمَا} أَي: قلباكما
وَإِطْلَاق الْمَاضِي على الْمُسْتَقْبل لتحَقّق وُقُوعه نَحْو: {أَتَى أَمر الله} أَي: السَّاعَة
وَبِالْعَكْسِ لإِفَادَة الدَّوَام والاستمرار نَحْو: {أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم}
وَإِطْلَاق مَا بِالْفِعْلِ على مَا بِالْقُوَّةِ، كإطلاق الْمُسكر على الْخمر فِي الدن
وَإِطْلَاق الْمُشْتَقّ على الشَّيْء من غير أَن يكون مَأْخَذ الِاشْتِقَاق وَصفا قَائِما بِهِ، كإطلاق الْخَالِق على الْبَارِي تَعَالَى قبل الْخلق وَهَذَا عِنْد الأشعرية من قبيل إِطْلَاق مَا بِالْقُوَّةِ على مَا بِالْفِعْلِ
وَإِطْلَاق اسْم الْمُطلق على الْمُقَيد كَقَوْل الشَّاعِر:
(وَيَا لَيْت كل اثْنَيْنِ بَينهمَا هوى ... من النَّاس قبل الْيَوْم يَلْتَقِيَانِ)

أَي: قبل يَوْم الْقِيَامَة
وَبِالْعَكْسِ كَقَوْل شُرَيْح: " أَصبَحت وَنصف النَّاس عَليّ غَضْبَان يُرِيد أَن النَّاس بَين مَحْكُوم عَلَيْهِ ومحكوم لَهُ، لَا نصف النَّاس على سَبِيل التعديد والتسوية
وَإِطْلَاق اسْم آلَة الشَّيْء عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى حِكَايَة: {وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين} أَي: ذكرا حسنا أطلق اسْم اللِّسَان وَأُرِيد بِهِ الذّكر، هُوَ حَرَكَة اللِّسَان
وَإِطْلَاق لفظ الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص كإطلاق لفظ الْعلم وَإِرَادَة التَّصْدِيق
وَإِطْلَاق الْكَلِمَة على أحد جزأي الْكَلِمَة الْمُضَاف مجَاز مُسْتَعْمل فِي عرف النُّحَاة وَأما إِطْلَاقهَا على الْكَلَام كَمَا يُقَال (كلمة الشَّهَادَة) فمجاز مهمل فِي عرفهم ومستعمل فِي اللُّغَة وَالْعرْف الْعَام
وَإِطْلَاق أحد الْمَعْنيين المتجاورين على الآخر مجَاز مُرْسل كإطلاق النُّكْتَة على اللطيفة فَإِن من
(1/139)

تَأمل شَيْئا بفكره يَجْعَل الأَرْض خُطُوطًا ويؤثر فِيهَا بِنَحْوِ قصب
وَإِطْلَاق الْأسد على الرجل الشجاع مجَاز فِي صفة ظَاهِرَة
وَقد ينزل التقابل منزلَة التناسب بِوَاسِطَة تمليح أَو تهكم كَمَا فِي إِطْلَاق الشجاع على الجبان
أَو تفاؤل كَمَا فِي إِطْلَاق الْبَصِير على الْأَعْمَى
أَو مشاكلة كَمَا فِي إِطْلَاق السَّيئَة على جزائها وَمَا أشبه ذَلِك
وَإِطْلَاق الْأسد على صورته المنقوشة فِي جِدَار مجَاز بالشكل
وَإِطْلَاق اسْم الشَّيْء على بدله كَقَوْلِهِم: (فلَان آكل الدَّم) إِذا أكل الدِّيَة وَمِنْه قَوْله:
( [إِن بِنَا أحمرة عِجَافًا ... يأكلن كل لَيْلَة إكافا)
أَي ثمن إكاف
وَإِطْلَاق الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَإِرَادَة وَاحِد مُنكر كَقَوْلِه تَعَالَى: {وادخلوا الْبَاب سجدا} أَي بَابا من الْأَبْوَاب
وَإِطْلَاق الظّرْف على الْجَار وَالْمَجْرُور شَائِع حَتَّى إِذا ذكر الظّرْف وَأطلق فَهُوَ شَامِل للثَّلَاثَة بِلَا كلفة
وَإِطْلَاق الْمُتَعَلّق بِالْكَسْرِ على الْمَعْمُول وبالفتح على الْعَامِل وَهُوَ الْمُتَعَارف مَعَ أَنه يجوز بِالْعَكْسِ، والسر فِيهِ أَن التَّعَلُّق هُوَ التشبث والمعمول لضَعْفه متشبث على عَامله، وَالْعَامِل لقُوته متشبث فِيهِ
وَإِطْلَاق الْقَوْم على طَائِفَة فِيهَا امْرَأَة وَكَانَ بعلاقة البعضية والكلية فَهُوَ مجَاز مُرْسل، وَإِن كَانَ لادعاء أَنَّهَا مِنْهُم فَفِيهِ تَغْلِيب
[وَلَا بُد فِي إِطْلَاق اللَّفْظ على ذَات الله تَعَالَى من الِاسْتِنَاد على الْإِذْن الشَّرْعِيّ لإِجْمَاع أهل السّنة على أَن أَسمَاء الله تَعَالَى مَأْخُوذَة من التَّوْقِيت الشَّرْعِيّ إِمَّا الْكتاب أَو السّنة المتواترة أَو الْمَشْهُورَة أَو الْإِجْمَاع، وَلَا يجوز بِدُونِ ذَلِك بِخِلَاف إِطْلَاق اللَّفْظ على مَفْهُوم صَادِق عَلَيْهِ كإطلاق الخادع الْمَفْهُوم من قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ خادعهم} فَإِنَّهُ لم يُطلق عَلَيْهِ على وَجه الْحَقِيقَة بل يُطلق على مَفْهُوم مجازي صَادِق عَلَيْهِ) وَأَجَازَ الْغَزالِيّ رَحمَه الله فِي الْوَصْف دون الِاسْم وَتوقف إِمَام الْحَرَمَيْنِ
وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم يجوزون إِطْلَاق كل اسْم يدل على اتصافه تَعَالَى وجودية أَو سلبية أَو فعلية مِمَّا يدْرك سَوَاء ورد بذلك الْإِطْلَاق إِذن شَرْعِي أم لَا، وَجَاز إِطْلَاق الْمُضْمرَات عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات} و {إياك نبعد} وَكَذَا المبهمات: (مثل) و (مَا) و (من) و (أَيْن) و (حَيْثُ)
وَإِطْلَاق البيع على الشِّرَاء وَبِالْعَكْسِ فِيمَا إِذا كَانَ اليدان غير نقدين]
الاطراد: اطرد الْأَمر تبع بعضه بَعْضًا وَجرى
واطرد الْحَد: تَتَابَعَت أَفْرَاده وَجَرت مجْرى وَاحِدًا كجري الْأَنْهَار
والاطراد: هُوَ أَنه كلما وجد الْحَد وجد الْمَحْدُود، وَيلْزمهُ كَونه مَانِعا من دُخُول غير الْمَحْدُود فِيهِ
والانعكاس: هُوَ أَنه كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود، أَو كلما وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، وَهَذَا معنى كَونه جَامعا
(1/140)

والاطراد فِي البديع: هُوَ أَن يذكر الْمُتَكَلّم اسْم الممدوح وَاسم من أمكن من آبَائِهِ فِي بَيت وَاحِد مرتبَة على حكم ترتبيها فِي الْولادَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن يُوسُف: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب} حَيْثُ لم يرد مُجَرّد ذكر الْآبَاء وَلِهَذَا لم يَأْتِ على التَّرْتِيب المألوف بل قصد ذكر ملتهم الَّتِي اتبعتها
وَقَالَ الشَّيْخ صفي الدّين: الاطراد هُوَ أَن يذكر الشَّاعِر اسْم الممدوح ولقبه وكنيته وَصفته اللائقة بِهِ وَاسم من أمكن من أَبِيه وجده وقبيلته، وَشرط أَن يكون ذَلِك فِي بَيت وَاحِد من غير تعسف وَلَا تكلّف وَلَا انْقِطَاع بِأَلْفَاظ أَجْنَبِيَّة؛ وَأورد على ذَلِك قَول بَعضهم:
(مؤيد الدّين أَبُو جَعْفَر ... مُحَمَّد بن العلقمي الْوَزير)

الإطناب: هُوَ أَدَاء الْمَقْصُود بِأَكْثَرَ من الْعبارَة المتعارفة
والإسهاب: تَطْوِيل لفائدة أَو لَا لفائدة
والإطناب: كَمَا يكون فِي اللَّفْظ يكون فِي الْمَعْنى، وَكَذَا الإيجاز
وَمن الإطناب الْمَعْنَوِيّ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى} فَإِن مَا فِي الْيَمين من الْقَيْد الْخَارِج عَن مَفْهُوم الْيَد زَائِد إِلَّا أَنه مُنَاسِب لما سيق لأَجله
الإطلاع: هُوَ بِالسُّكُونِ جعل الْغَيْر مطلعا
[والاطلاع] : بِالتَّشْدِيدِ لَازم، طلع الْكَوْكَب وَالشَّمْس طلوعا أَي ظهر
وتعدية اطلع ب (على) لما فِيهِ من معنى الإشراف
وَحَدِيث: " أطلع فِي الْقُبُور " بِاعْتِبَار تضمنه معنى النّظر والتأمل
وطلع فلَان علينا: أَتَانَا كأطلع، وطلع عَنْهُم: غَابَ، ضد
وَرجل طلاع الثنايا: كشداد، مجرب الْأُمُور
وطليعة الْجَيْش: من يبْعَث ليطلع طلع الْعَدو أَي مِقْدَاره
وَلكُل حد مطلع: أَي مصعد يصعد إِلَيْهِ من معرفَة علمه، والمطلع فِي الأَصْل مصدر بِمَعْنى الِاطِّلَاع
وَيجوز أَن يكون اسْما للزمان و (نَعُوذ بِاللَّه من هول المطلع) : أَي يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ وَقت الِاطِّلَاع على الْحَقَائِق
وطالعه طلاعا ومطالعة: اطلع عَلَيْهِ
وتطلع إِلَى وُرُوده: استشرف
واستطلع رَأْي فلَان: نظر مَا عِنْده وَمَا الَّذِي يبرز إِلَيْهِ من أمره
الإطالة: أَصله إطوال، نقلت حَرَكَة الْوَاو إِلَى الطَّاء وقلبت ألفا ثمَّ حذفت إِحْدَى الْأَلفَيْنِ وأدخلت الْهَاء عوضا عَن الْمَحْذُوف وَمَعْنَاهُ: التَّطْوِيل
الإطاقة: هِيَ الْقُدْرَة على الشَّيْء
والطاقة: مصدر بِمَعْنى الإطاقة يُقَال: (أطقت الشَّيْء إطاقة وطاقة) وَمثلهَا: (أطَاع إطاعة) وَالِاسْم الطَّاعَة و (أغار إغارة) وَالِاسْم الْغَارة و (أجَاب إِجَابَة) وَالِاسْم الجابة
الإطماع: هُوَ فِي البديع أَن يخبر عَن شَيْء لَا يُمكن بِشَيْء يُوهم أَنه يُمكن كَقَوْلِه:
(1/141)

(وَإنَّك سَوف تحلم أَو تناهى ... إِذا مَا شبت أَو شَاب الْغُرَاب)

الإطباق: هُوَ أَن يطبق على مخرج الْحَرْف من اللِّسَان مَا حاذاه من الحنك الْأَعْلَى أَي يلصقه
الْإِطْعَام: هُوَ ظَاهر، وَيسْتَعْمل فِي معنى الشّرْب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني} أَي من لم يشربه [نوع] {أطوارا} : أصنافا فِي الألوان واللغات، وَالطور: الْحَال والتارة والمرة، وَفِي " الْأَنْوَار ": تارات: عناصر ثمَّ مركبات تغذي الانسان ثمَّ أخلاطا ثمَّ نطفا ثمَّ علقا ثمَّ مضغا ثمَّ عضاما ولحوما ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر {مَا أطغيته} : مَا أوقعته فِي الطغيان
[ {فَإِذا اطمأننتم} : سكنت قُلُوبكُمْ من الْخَوْف]
(فصل الْألف والظاء)
[أظل] : كل مَا دنا مِنْك فقد اظلك أَي: ألْقى عَلَيْك ظلاله
كل فعل من (اظتلم) على وزن (افتعل) كَانَ للْعَرَب فِيهِ ثَلَاث لُغَات: الأولى: قلب التَّاء طاء ثمَّ إظهارها مَعَ الظَّاء جَمِيعًا
وَالثَّانيَِة: إدغام الْمُعْجَمَة فِي الْمُهْملَة
وَالثَّالِثَة: قلب الْمُهْملَة مُعْجمَة ثمَّ ادغام الأولى فِيهَا
وأظلم لنسبة الْفَاعِل إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل أَو لدُخُوله فِيهِ تَقول: (أظلم اللَّيْل) : إِذا صَار ذَا ظلام
وأظلم الْقَوْم: إِذا دخلُوا فِي الظلام وَمِنْه: {فَإِذا هم مظلمون}
وأظلم الثغر: تلألأ
وأظلم الرجل: أصَاب ظلما
واظلم: بتَشْديد الظَّاء وَاللَّام لمجانبة الْفَاعِل أصل الْفِعْل، وَالْأَصْل (تظلم) أَي: جَانب الظُّلم وَأحب زَوَاله
و [اظلم] : بتَشْديد الظَّاء فَقَط: الاتصاف بِأَصْلِهِ
الاظلال: أظل يَوْمنَا: أَي صَار ذَا ظلّ
وأظلني الشَّيْء: غشيني
واستظل بالظل: مَال إِلَيْهِ وَقعد فِيهِ
الأظفور: بِالضَّمِّ وَاحِد كالظفر، لأجمع، وَإِنَّمَا جمعه أظفار وأظافير والأظفر: الطَّوِيل الْأَظْفَار العريضها. والأظفار: كواكب قُدَّام النسْر وكبار القردان [نوع] {أَظْفَرَكُم} : أظْهركُم
(1/142)

(فصل الْألف وَالْعين)
[الْأَعْجَم] : كل مَا لَا ينْطق فَهُوَ أعجم وكل نَاطِق فَهُوَ فصيح
[أعيا] : كل من مَشى حَتَّى أعيا إِن كَانَ من التَّعَب يَقُول: (أعييت) ، وَإِن كَانَ من انْقِطَاع الْحِيلَة والتحير من الْأَمر يَقُول: (عييت) مخففا
[الْأَعْرَاف] : كل مُرْتَفع عِنْد الْعَرَب فَهُوَ أعراف
الْإِعْرَاب: لُغَة: الْبَيَان والتغيير والتحسين، يُقَال: (أعرب عَن حَاجته) : إِذا أبان عَنْهَا
و (عربت معدة الفصيل) : إِذا تَغَيَّرت لفساد
وَامْرَأَة عروب: أَي متحببة
وَجَارِيَة عروب: أَي حسناء
وَاصْطِلَاحا: على القَوْل بِأَنَّهُ لَفْظِي: هُوَ أثر ظَاهر أَو مُقَدّر يجلبه الْعَامِل فِي آخر الْكَلِمَة أَو مَا نزل مَنْزِلَته
وعَلى القَوْل بِأَنَّهُ معنوي هُوَ تَغْيِير أَوَاخِر الْكَلم أَو مَا نزل منزلتها لاخْتِلَاف العوامل الدَّاخِلَة عَلَيْهَا لفظا أَو تَقْديرا، وَعَلِيهِ كثير من الْمُتَأَخِّرين
وَالِاخْتِلَاف: عبارَة عَن موصوفية آخر تِلْكَ الْكَلِمَة بحركة أَو سُكُون بعد أَن كَانَ مَوْصُوفا بغَيْرهَا، وَلَا شكّ أَن تِلْكَ الموصوفية حَالَة معقولة لَا محسوسة
وَلِهَذَا الْمَعْنى قَالَ عبد القاهر: الْإِعْرَاب حَالَة معقولة لَا محسوسة، وانما اخْتصَّ الاعراب بالحرف الْأَخير لِأَن العلامات الدَّالَّة على الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة المعنوية لَا تحصل إِلَّا بعد تَمام الْكَلِمَة، وَلِأَن الْإِعْرَاب دَلِيل والمعرب مَدْلُول عَلَيْهِ وَلَا يَصح إِقَامَة الدَّلِيل إِلَّا بعد إِقَامَة الْمَدْلُول عَلَيْهِ، وَلَو جعل أَولا والحرف الأول لَا يكون إِلَّا متحركا لم يعلم أإعراب هُوَ أم بِنَاء، وَمن جملَة الْإِعْرَاب الْجَزْم الَّذِي هُوَ السّكُون، وَهُوَ فِي آخر الْأَفْعَال؛ وَإِنَّمَا لم يَجْعَل وسطا لِأَن بالوسط يعرف وزن الْكَلِمَة مَعَ أَن من الْأَسْمَاء مَا هُوَ رباعي لَا وسط لَهُ
فَإِن قيل: الْكَلَام الْمَنْطُوق بِهِ الَّذِي تعرف الْآن بَيْننَا، هَل الْعَرَب كَانَت نطقت بِهِ زَمَانا غير مُعرب ثمَّ أدخلت عَلَيْهِ الْإِعْرَاب، أم هَكَذَا نطقت بِهِ فِي أَو تبلبل ألسنتها؟ قُلْنَا: بل هَكَذَا نطقت بِهِ فِي أول وهلة، فَإِن للأشياء مَرَاتِب فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، إِمَّا بالتفاضل أَو بِالِاسْتِحْقَاقِ أَو بالطبع أَو على حسب مَا يُوجِبهُ الْمَعْقُول فتحكم لكل وَاحِد مِنْهَا بِمَا يسْتَحقّهُ وَإِن كَانَت لم تُوجد إِلَّا مجتمعة
إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: الْإِعْرَاب فِي الِاسْتِحْقَاق دَاخل على الْكَلَام لما توجبه مرتبَة كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَعْقُول وَإِن كَانَ لم يوجدا مفترقين كالسواد والجسم، لأَنا قد نرى الْكَلَام فِي حَال غير مُعرب وَلَا يخْتل مَعْنَاهُ ونرى الْإِعْرَاب يدْخل عَلَيْهِ وَيخرج وَمَعْنَاهُ فِي ذَاته غير مَعْدُوم؛ فَالْكَلَام إِذن سَابِقَة فِي الرُّتْبَة
وَالْإِعْرَاب الَّذِي لَا يعقل أَكثر الْمعَانِي إِلَّا بِهِ تَابع من توابعه؛ وَالْحَاصِل أَن المعرب لما كَانَ قَائِما بِنَفسِهِ من غير إِعْرَاب بِخِلَاف الْإِعْرَاب صَار المعرب كالمحل لَهُ وَالْإِعْرَاب كالعرض فِيهِ، فَكَمَا يلْزم تَقْدِيم الْمحل على الْحَال كَذَلِك يلْزم تَقْدِيم المعرب على الْإِعْرَاب
قَالَ بَعضهم: وَالصَّحِيح أَن الْإِعْرَاب زَائِد على مَاهِيَّة الْكَلِمَة ومقارن للوضع
وَالْمُخْتَار أَن الْإِعْرَاب نفس الحركات والحروف لَا الِاخْتِلَاف، لِأَنَّهُ عَلامَة من حَقّهَا الظُّهُور والإدراك فِي الْحس هَذَا مَذْهَب قوم من الْمُتَأَخِّرين؛ فالإعراب عِنْدهم لفظ لَا معنى
وَعند من قَالَ: هُوَ اخْتِلَاف يكون معنى لِأَن
(1/143)

الِاخْتِلَاف معنى لَا محَالة، وَهَذَا أظهر لاتفاقهم على أَن قَالُوا: حركات الْإِعْرَاب وَلَو كَانَت نفس الحركات لَكَانَ من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، وَذَلِكَ مُمْتَنع
وللإعراب مَعْنيانِ: عَام: وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ عرُوض معنى بتعلق الْعَامِل ليَكُون دَلِيلا عَلَيْهِ؛ فَإِن لم يمْنَع من ظُهُوره شَيْء فلفظي، وَإِن منع، فَإِن كَانَ فِي آخِره فتقديري، أَو فِي نَفسه فمحلى والمحلى إِنَّمَا يسْتَعْمل حَيْثُ لم تسْتَحقّ الْكَلِمَة الْإِعْرَاب لأجل بنائها على معنى أَنَّهَا وَقعت فِي مَحل لَو وَقع فِيهِ غَيرهَا لظهر فِيهِ الْإِعْرَاب، فالمانع من الْإِعْرَاب فِي الْمحلي مَجْمُوع الْكَلِمَة لبنائه، بِخِلَاف الْمَانِع فِي التقديري فَإِنَّهُ الْحَرْف الْأَخير
ثمَّ الْمحلي فِي الْأَسْمَاء والمضمرات المبنية كالموصولات وَأَسْمَاء الإشارات وكالأفعال الْمَاضِيَة والجمل [والحروف]
والتقديري: فِي الْأَسْمَاء الَّتِي فِي أواخرها ألف مَقْصُورَة
وَفِيمَا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم مُفردا أَو جمعا مَوْصُوفا
وَفِيمَا فِيهِ إِعْرَاب محكي جملَة منقولة إِلَى العلمية
وَفِي الْأَسْمَاء المنقوصة وَفِي الْجمع الْمُصَحح مُضَافا ملاقيا سَاكِنا
وَفِي الْأَسْمَاء السِّتَّة ك (أَبوهُ) إِذا لاقاها سَاكن بعْدهَا
وَفِي التَّثْنِيَة مُضَافا ولاقاها سَاكن بعْدهَا فِي حَالَة الرّفْع
واللفظي: فِيمَا آخِره حرف صَحِيح أَو فِي حكم الصَّحِيح فِي تحمل الحركات الثَّلَاث
وَفِي الْأَسْمَاء السِّتَّة المعتلة المضافة إِلَى غير يَاء الْمُتَكَلّم
وَفِي التَّثْنِيَة وَفِي الْجمع الصَّحِيح، و (أولو) و (عشرُون) وَأَخَوَاتهَا، وَفِي (كلا) مُضَافا إِلَى مُضْمر
وَالْإِعْرَاب مَا بِهِ الِاخْتِلَاف، وكل من الرّفْع وأخواته مِنْهُ
وَالْبناء عبارَة عَن صفة فِي الْمَبْنِيّ لَا عَن الحركات والسكون، وكل من الضَّم وأخواته لَيْسَ نوعا مِنْهُ، بل اسْم لما فِي آخِره من الحركات والسكون
وَالْإِعْرَاب كَمَا يكون بالحروف والحركات يكون أَيْضا بالصيغة والحركات لِأَن (أَنْت) فِي (أَنْت عَالم) ضمير مَنْصُوب يدل على النصب بالصيغة
وَالْإِعْرَاب بالحركة أصل، وبالحرف فرع، واللفظي أصل، والتقديري فرع
وإعراب الْجمع الْمُذكر بالحرف وتقديري
وإعراب الْجمع الْمُؤَنَّث بالحركة ولفظي
والمبنيات لَا تقبل الْإِعْرَاب بِسَبَب مُنَاسبَة بَينهَا وَبَين الْحُرُوف
الِاعْتِرَاض: الْمَنْع، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الطَّرِيق إِذا اعْترض فِيهِ بِنَاء أَو غَيره منع السابلة من سلوكه
وَاعْترض الشَّيْء: صَار عارضا كالخشبة المعترضة فِي النَّهر
وَاعْترض الشَّيْء دون الشَّيْء: حَال دونه
وَاعْترض لَهُ بِسَهْم: أقبل بِهِ قبله فَرَمَاهُ فَقتله
(1/144)

وَاعْترض الشَّهْر: ابتدأه من غير أَوله
وَاعْترض فلَان فلَانا: وَقع فِيهِ وعارضه: جَانِبه وَعدل عَنهُ
والاعتراض: هُوَ أَن يُؤْتى فِي أثْنَاء الْكَلَام أَو بَين كلامين متصلين معنى بجملة أَو أَكثر لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب
وَجوز وُقُوع الِاعْتِرَاض فرقة فِي آخر الْكَلَام، لَكِن كلهم اتَّفقُوا على اشْتِرَاط أَن لَا يكون لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب؛ والنكتة فِيهِ إِفَادَة التقوية أَو التَّشْدِيد أَو التحسين أَو التَّنْبِيه أَو الاهتمام أَو التَّنْزِيه أَو الدُّعَاء أَو الْمُطَابقَة أَو الاستعطاف أَو بَيَان السَّبَب لأمر فِيهِ غرابة أَو غير ذَلِك
والاعتراض عِنْد أهل البديع: هُوَ أَن يَقع قبل تَمام الْكَلَام شَيْء يتم الْغَرَض بِدُونِهِ وَلَا يفوت بفواته، وَسَماهُ قوم الحشو
واللطيف مِنْهُ هُوَ الَّذِي يُفِيد الْمَعْنى جمالا ويكسو اللَّفْظ كمالا وَيزِيد بِهِ النّظم فصاحة وَالْكَلَام بلاغة وَهُوَ الْمَقْصُود مِثَاله قَوْله تَعَالَى: {فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار} إِلَى آخِره فَإِن (وَلنْ تَفعلُوا) اعْتِرَاض حسن أَفَادَ معنى آخر وَهُوَ النَّفْي بِأَنَّهُم لن يَفْعَلُوا ذَلِك أبدا ومثاله من الشّعْر قَوْله:
(وَلما تعامى الدَّهْر وَهُوَ أَبُو الورى ... عَن الرشد فِي أنحائه ومقاصده)

(تعاميت حَتَّى قيل إِنِّي أَخُو الْعَمى ... وَلَا غرو إِذْ يحذو الْفَتى حَذْو وَالِده)
والاعتراض فِي الأول (أَبُو الورى) وَفِي الثَّانِي (أَخُو الْعَمى)
الْإِعَادَة: هِيَ ذكر الشَّيْء ثَانِيًا، وَقد يُرَاد ذكره مرّة أُخْرَى كَقَوْلِه:
(أعد ذكر نعْمَان لنا ... إِلَى آخِره)
وَمَا فعل فِي وَقت الْأَدَاء ثَانِيًا لخلل فِي الأول وَقيل لعذر فَهُوَ إِعَادَة أَيْضا
[وإعادة الشَّيْء: وجود مُسْتَأْنف لَهُ فِي الزَّمَان الثَّانِي
اخْتلف فِي جَوَاز إِعَادَة الْمَعْدُوم عقلا فَذَهَبت الفلاسفة والتناسخية وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَبَعض الكرامية إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، وَذهب أَكثر الْمُتَكَلِّمين إِلَى جَوَازه ثمَّ اخْتلف المجوزون، فالأشاعرة وَمن تَابعهمْ ذَهَبُوا إِلَى جَوَاز إِعَادَة مَا عدم ذاتا ووجودا، وَاخْتلفُوا فِي إِعَادَة الْأَعْرَاض مُطلقًا، فَمنهمْ من منع ذَلِك، وَأَكْثَرهم ذاهبون إِلَى جَوَاز إِعَادَتهَا مُطلقًا
ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا الْقَائِلُونَ بِجَوَاز إِعَادَة الْأَعْرَاض فِي أَنه هَل يجوز إِعَادَتهَا فِي غير محالها أَو أَنَّهَا لَا تُعَاد إِلَّا فِي محالها
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم جَوَاز إِعَادَتهَا فِي غير محالها
وَأما الْمُعْتَزلَة الْقَائِلُونَ بِكَوْن الْمَعْدُوم الْمُمكن ذاتا وَأَن وجوده زَائِد على ذَاته فَإِنَّهُم جوزوا إِعَادَة مَا عدم وجودا، وَمنعُوا من إِعَادَة الْمَعْدُوم ذاتا
وَأما الْأَعْرَاض فقد اتَّفقُوا على جَوَاز إِعَادَة مَا كَانَ على أصولهم بَاقِيا غير متولد، وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز إِعَادَة الْمُتَوَلد مِنْهَا، وَكَذَا فِي جَوَاز إِعَادَة مَا لَا يُعَاد كالحركات والأصوات؛ فَذهب الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم إِلَى الْمَنْع من إِعَادَتهَا، وجوزها الأقلون كالبلخي رَحمَه الله وَغَيره
(1/145)

وتعليل منكري إِعَادَة الْمَعْدُوم بِعَيْنِه بِلُزُوم تخَلّل الْعَدَم بَين شَيْء وَاحِد بِعَيْنِه على تَقْدِير وُقُوعهَا وَهُوَ محَال، إِذْ لَا بُد للتخلل من طرفين متغايرين، فَحِينَئِذٍ لَا يكون الْمعَاد هُوَ الْمُبْتَدَأ بِعَيْنِه فَلَيْسَ بِشَيْء، إِذْ التخلل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لزمان الْعَدَم بَين زماني الْوُجُود الْوَاحِد؛ وَإِذا اعْتبر نِسْبَة هَذَا التخلل إِلَى الْمَعْدُوم مجَازًا كَفاهُ اعْتِبَار التغاير فِي الْوُجُود الْوَاحِد بِحَسب زمانيه
فِي " الاقتصاد ": معنى الْإِعَادَة أَن يُبدل الْوُجُود للعدم الَّذِي سبق لَهُ الْوُجُود
وَمعنى الْمثل أَن يخترع الْوُجُود لعدم لم يسْبق لَهُ الْوُجُود
وَاعْلَم أَن مُقْتَضى ذَات الشَّيْء أَو لَازمه الذاتي لَا يخْتَلف بِحَسب الْأَزْمِنَة، فَلَا يكون مُمْتَنعا فِي وَقت مُمكنا فِي وَقت وكما لَا يكون الْمَاهِيّة الموصوفة بالوجود بعد الْعَدَم وَاجِب الْوُجُود وممتنع الْوُجُود كَذَلِك لَا يكون الْمَاهِيّة الموصوفة بِالْعدمِ بعد الْوُجُود مُمْتَنع الْوُجُود وواجب الْعَدَم، بل هُوَ أقبل للوجود وَقَالَ الله تَعَالَى: {وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ}
وَالْحكم بِصِحَّة عود الْمَعْدُوم لَا على الْمَعْدُوم الْمُطلق، بل على الْمَوْجُود فِي الذِّهْن، لِأَنَّهُ يَصح أَن يُعَاد فِي الْخَارِج
ثمَّ القَوْل بِثُبُوت الْمعَاد الجسماني فَقَط هُوَ لأكْثر الْمُتَكَلِّمين النافين للنَّفس الناطقة؛ وبثبوت الْمعَاد الروحاني فَقَط للفلاسفة الإلهيين، وثبوتهما مَعًا لكثير من الْمُحَقِّقين، وبعدم ثُبُوت شَيْء مِنْهُمَا للفلاسفة الطبيعيين
والتوقف فِي هَذِه الْأَقْسَام هُوَ الْمَنْقُول عَن جالينوس حَيْثُ قَالَ: " لم يتَبَيَّن لي أَن النَّفس هَل المزاج الَّذِي يَنْعَدِم عِنْد الْمَوْت فيستحيل إِعَادَتهَا أَو جَوْهَر بَاقٍ بعد فَسَاد البنية فَيمكن الْمعَاد "
بَقِي احْتِمَال ثُبُوت الْمعَاد مُطلقًا مَعَ التَّوَقُّف فِي خُصُوصِيَّة كل من الجسماني والروحاني
ثمَّ الْمعَاد الروحاني لَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف باعتقاده، وَلَا يكفر منكره، وَلَا منع شَرْعِيًّا وَلَا عقليا من إثْبَاته
وَأما الْمعَاد الجسماني فمما يجب الِاعْتِقَاد بِهِ وَيكفر منكره
وَأما حشر الأجساد اللَّازِمَة على تَقْدِير وُقُوع الْمعَاد الجسماني فقد قَالَ بَعضهم: هُوَ حشر الْمُكَلّفين لَا غير الْمُكَلّفين، لِأَن الْأَخْبَار المنقولة فِيهِ لم تصل إِلَى حد التَّوَاتُر، وَلم ينْعَقد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع، بل كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ فِيمَا بَينهم، وَلم يكن الِاعْتِقَاد بِهِ من شَرَائِط الْإِسْلَام
والمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْحق وُقُوع الْمعَاد الجسماني مُطلقًا، وَأما تعْيين أَنه بالإيجاد بعد الاعدام أَو بِالْجمعِ بعد التَّفْرِيق فمختلف فِيهِ فِيمَا بَينهم؛ والسمع لَا يعين وَاحِدًا مِنْهُمَا على الْقطع
وَالْجُمْهُور على أَن المحشور الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة الَّتِي سَمَّاهَا الْأَوَائِل الْجِسْم لَا الْأَجْزَاء الفضلية الَّتِي سَموهَا أَيْضا الجرم
وَالْحكمَة المحمدية تَقْتَضِي حشرهما جَمِيعًا بِدَلِيل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصّى أَن يجْتَنب الْجنب عَن إِزَالَة
(1/146)

الشّعْر وَالظفر قبل الِاغْتِسَال لكَون أمثالهما معادا، بل جَاوز الحكم من الْبدن إِلَى اللبَاس، وَأمر بتحسين الأكفان؛ فالمعاد حَقِيقَة هُوَ الْبدن بالأجزاء الْأَصْلِيَّة والفضلية، وَلَكِن بِحَسب الْمَاهِيّة وَالِاسْم
وَأما الْوُجُود فمختلف فِيهِ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى:
{وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ} لعدم الإحساس بنظير ذَلِك الْوُجُود والشكل وَهُوَ أَيْضا غير الشكل الأول من عوارض الْوُجُود؛ وَلذَا وُرُود أَن ضرس الْكَافِر يصير مثل أحد، وَجلده أَرْبَعُونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار لما أَن الْغَالِب على الأشقياء خَواص التَّرْكِيب والكثافة لاستهلاك قَوْلهم وصفاتهم الروحانية فِي القوى الطبيعية وتلاشي جوهريتها فَصَارَت كثيفة
كَمَا أَن أَصْحَاب الْجنان لما استهلكت نشآتهم الكثيفة فِي لطائف جواهرها وغلبت خَواص نُفُوسهم وقواهم الروحانية على قوى أمزجتهم الطبيعية صَارُوا يظهرون فِي الْوَقْت الْوَاحِد فِي الْأَمَاكِن الجنانية متنعمين فِي كل طَائِفَة من أَهَالِيهمْ متقلبين فِيمَا اشتهوا من الصُّور كالملائكة يحضر وَاحِد مِنْهُم فِي ألف مَكَان فَصَاعِدا كقابض الْأَرْوَاح ونافخها]
الْإِعَارَة: أَعَارَهُ الشَّيْء، وأعاره مِنْهُ، وعاوره إِيَّاه، وتعور، واستعار: طلبه
واعتور الشَّيْء وتعاوره: تداوله
وعاره يعوره ويعيره: أَخذه وَذهب بِهِ أَو أتْلفه
الِاعْتِبَار: هُوَ مَأْخُوذ من العبور والمجاوزة من شَيْء إِلَى شَيْء، وَلِهَذَا سميت الْعبْرَة عِبْرَة والمعبر معبرا وَاللَّفْظ عبارَة
وَيُقَال: السعيد من اعْتبر بِغَيْرِهِ، والشقي من اعْتبر بِهِ غَيره
وَلِهَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الِاعْتِبَار هُوَ النّظر فِي حقائق الْأَشْيَاء وجهات دلالتها ليعرف بِالنّظرِ فِيهَا شَيْء آخر من جِنْسهَا
وَقيل: الِاعْتِبَار هُوَ التدبر وَقِيَاس مَا غَابَ على مَا ظهر
وَيكون بِمَعْنى الاختبار والامتحان وَبِمَعْنى الِاعْتِدَاد بالشَّيْء فِي ترَتّب الحكم نَحْو قَول الْفُقَهَاء: الِاعْتِبَار بالعقب أَي الِاعْتِدَاد فِي التَّقَدُّم بِهِ
وَالِاعْتِبَار عِنْد الْمُحدثين: أَن تَأتي إِلَى حَدِيث لبَعض الروَاة فتعتبره بروايات غَيره من الروَاة لسير الحَدِيث لتعرف هَل شَاركهُ فِيهِ غَيره
وَالِاعْتِبَار يُطلق تَارَة وَيُرَاد بِهِ مُقَابل الْوَاقِع، وَهُوَ اعْتِبَار مَحْض يُقَال: هَذَا أَمر اعتباري: أَي لَيْسَ بِثَابِت فِي الْوَاقِع
وَقد يُطلق وَيُرَاد مَا يُقَابل الْمَوْجُود الْخَارِجِي؛ فالاعتبار بِهَذَا الْمَعْنى اعْتِبَار الشَّيْء الثَّابِت فِي الْوَاقِع، لَا اعْتِبَار مَحْض وَالْوَاقِع هُوَ الثُّبُوت فِي نفس الْأَمر مَعَ قطع النّظر عَن وُقُوعه فِي الذِّهْن وَالْخَارِج
[والاعتبارية الْحَقِيقِيَّة: هِيَ الَّتِي لَهَا نحقق فِي نفس الْأَمر كمراتب الْأَعْدَاد وَإِن كَانَت من الْأُمُور الْوَاهِيَة
والاعتبارات الْعَقْلِيَّة: عِنْد الفلاسفة
وَأما الاعتبارات الْفَرْضِيَّة: فَهِيَ الَّتِي لَا وجود لَهَا إِلَّا بِحَسب الْفَرْض]
وَالِاعْتِبَار للمقاصد والمعاني لَا الصُّور والمباني،
(1/147)

وَمن فروعها الْكفَالَة بِشَرْط بَرَاءَة الْأَصِيل حِوَالَة، وَهِي بِشَرْط عدم بَرَاءَته كَفَالَة
وَاعْتِبَار الْمَعْنيين من لفظ وَاحِد لَا يجوز بِلَا مُرَجّح فِي الْإِثْبَات وَيجوز فِي النَّفْي؛ وَلِهَذَا من أوصى لمواليه وَله مُعتق بِالْكَسْرِ ومعتق بِالْفَتْح بطلت لتعذر إِرَادَة أحد الْمَعْنيين بِلَا مُرَجّح فِي مَوْضُوع الْإِثْبَات، بِخِلَاف مَا إِذا حلف لَا يكلم موَالِي فلَان حَيْثُ يتَنَاوَل الْأَعْلَى والأسفل، لِأَنَّهُ مقَام النَّفْي وَلَا تنَافِي فِيهِ
الْإِعْلَام: مصدر (أعلم) وَهُوَ عبارَة عَن تَحْصِيل الْعلم وإحداثه عِنْد الْمُخَاطب جَاهِلا بِالْعلمِ بِهِ ليتَحَقَّق إِحْدَاث الْعلم عِنْده وتحصيله لَدَيْهِ
وَيشْتَرط الصدْق فِي الْإِعْلَام دون الْإِخْبَار، لِأَن الْإِخْبَار يَقع على الْكَذِب بِحكم التعارف، كَمَا يَقع على الصدْق قَالَ لله تَعَالَى: {إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}
اخْتصَّ الْإِعْلَام بِمَا إِذا كَانَ بِإِخْبَار سريع
والتعليم بِمَا يكون بتكرير وتكثير حَتَّى يحصل مِنْهُ أثر فِي نفس المتعلم
والإلهام أخص من الْإِعْلَام، لِأَنَّهُ قد يكون بطرِيق الْكسْب، وَقد يكون بطرِيق التَّنْبِيه
وَالْأَمر من (الْعلم) يسْتَعْمل فِي الْكَلَام الْآتِي، وَمن الْفَهم فِي الْكَلَام السَّابِق
وَفِي الأول تَنْبِيه من إيقاظ لأهل الطّلب والترقي على التَّوَجُّه الْكَامِل والإقبال التَّام على إصغاء مَا يرد بعده بقلب حَاضر وإيماء إِلَى جلالة قدره فَحسن موقعه فِي مثل هَذَا الْموضع كَمَا حسن موقع {واستمع يَوْم يُنَادي الْمُنَادِي}
الإعداد: هُوَ التهيئة والإرصاد
وأعده: هيأه
وعدده: جعله عدَّة للدهر
واستعد لَهُ: تهَيَّأ لَهُ
وعدة الْمَرْأَة: أَيَّام أقرائها وَأَيَّام إحدادها على الزَّوْج
وعداد الشَّيْء: بِالْفَتْح وَالْكَسْر: زَمَانه وَعَهده وأفضله
وَيَوْم عداد: أَي جُمُعَة أَو فطر أَو أضحى
وعداده فِي بني فلَان: أَي يعد مِنْهُم فِي الدِّيوَان
وَأكْثر اسْتِعْمَال الاعداد فِي الْمَوْجُود، وَقد يسْتَعْمل فِيمَا هُوَ فِي معنى الْمَوْجُود كَقَوْلِه تَعَالَى: {أعد الله لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما}
والإعداد فِي البديع: إِيقَاع أَسمَاء مُفْردَة على سِيَاق وَاحِد، فَإِن روعي فِي ذَلِك ازدواج أَو مُطَابقَة أَو تجنيس أَو مُقَابلَة فَذَلِك الْغَايَة فِي الْحسن، كَقَوْلِه:
(فالخيل وَاللَّيْل والبيداء تعرفنِي ... وَالضَّرْب والطعن والقرطاس والقلم)
الإعجام: من الْعَجم، وَهُوَ النقط بِالسَّوَادِ، يُقَال: (أعجمت الْحَرْف)
والتعجيم: مثله، وَلَا يُقَال عجمته، وَمِنْه حُرُوف المعجم، وَهِي الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي يخْتَص أَكْثَرهَا بالنقط من سَائِر حُرُوف الْأُمَم، وَمَعْنَاهُ: حُرُوف الْخط المعجم ك (مَسْجِد الْجَامِع)
وَبَعْضهمْ يجْعَلُونَ المعجم بِمَعْنى الإعجام مثل: (الْمخْرج والمدخل) ؛ وَقد يُقَال: مَعْنَاهُ حُرُوف
(1/148)

الإعجام أَي إِزَالَة العجمة وَذَلِكَ بالنقط
[الإعجاز] : أعجزه الشَّيْء: فَاتَهُ، وَفُلَانًا: وجده عَاجِزا، أَو صيره عَاجِزا
ومعجزة النَّبِي: مَا أعجز بِهِ الْخصم عِنْد التحدي، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة
والمعجز فِي وضع اللُّغَة: مَأْخُوذ من الْعَجز، وَفِي الْحَقِيقَة لَا يُطلق على غير الله أَنه معْجزَة، أَي خَالق الْعَجز؛ وَتَسْمِيَة غَيره معجزا ك (فلق الْبَحْر) و (إحْيَاء الْمَيِّت) فَإِنَّمَا هُوَ بطرِيق التَّجَوُّز والتوسع من حَيْثُ أَنه ظهر بِقدر الْمُعَارضَة والمقابلة من الْمَبْعُوث إِلَيْهِ عِنْد ظُهُوره، وَإِن لم يكن هُوَ الْمُوجب لذَلِك تَسْمِيَته للشَّيْء بِمَا بَدَأَ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِنْهُ بِسَبَب فِي ذَلِك، كَمَا فِي تسيمة مخلوقات الله دَالَّة عَلَيْهِ لظُهُور الْمعرفَة بِاللَّه عِنْد ظُهُورهَا وَإِن لم تكن دَالَّة فِي الْحَقِيقَة، إِذْ الدَّال فِي الْحَقِيقَة هُوَ ناصب الدَّلِيل، وَهُوَ الله تَعَالَى، والمخلوقات إِنَّمَا هِيَ أَدِلَّة
وَخلق المعجز لَيْسَ لغَرَض تَصْدِيق الْمُدَّعِي، بل يعرف قيام التَّصْدِيق بِذَات الله
وكما أَن هَذِه الْكَلِمَات الْمَخْصُوصَة صَارَت دَالَّة بِسَبَب الْوَضع والاصطلاح على الْمعَانِي الْقَائِمَة بِذَات الْمُتَكَلّم فَكَذَا هَذِه الْأَفْعَال الخارقة للْعَادَة إِذا حصلت عقيب الدَّعْوَى دَالَّة على قيام التَّصْدِيق من فعل المعجز، فالمعجزة من أَفعاله تَعَالَى قطعا]
والاعجاز: هُوَ فِي الْكَلَام أَن يُؤدى الْمَعْنى بطرِيق أبلغ من كل مَا عداهُ من الطّرق
وإعجاز الْقُرْآن: ارتقاؤه فِي البلاغة إِلَى أَن يخرج عَن طوق الْبشر ويعجزهم عَن معارضته على مَا هُوَ الرَّأْي الصَّحِيح، لَا الْإِخْبَار عَن المغيبات، وَلَا [عدم التَّنَاقُض وَالِاخْتِلَاف، وَلَا] الأسلوب الْخَاص، وَلَا صرف الْعُقُول عَن الْمُعَارضَة، [وَلَا إيجاز اللَّفْظ أَو كَثْرَة الْمَعْنى وَلَيْسَ إعجازه لمعناه فَقَط، بل هُوَ فِي الْمَعْنى تَامّ كَمَا هُوَ فِي النّظم، وَلَو كَانَ حَاصِلا بِدُونِ النّظم لم يكن مُخْتَصًّا بِالْقُرْآنِ، بل يكون بعض الْأَحَادِيث معجزا أَيْضا، وَهَذَا خرق الْإِجْمَاع]
وإفراد الْبشر بِالذكر لمُجَرّد التصدي للمعارضة وَإِلَّا فالمعجزة مَا يكون خَارِجا عَن طوق الْمَخْلُوق
وَالْقُرْآن معجز من حَيْثُ إِنَّه كَلَام الله مُطلقًا، لَا من
(1/149)

حَيْثُ إِن بعضه كَلَام مُتَكَلم آخر حَكَاهُ الله بِلَفْظِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يلْزم أَن يثبت لَهُ الاعجاز من هَذِه الْحَيْثِيَّة
[والإعجاز ذاتي لِلْقُرْآنِ، فَلَا ينْتَقض بِالْآيَةِ القصيرة، لِأَن مَا كَانَ ذاتيا للمجموع لَا يلْزم أَن يُوجد فِي كل جُزْء، أَلا ترى أَن كَون الْقُرْآن كلَاما أَو عَرَبيا ذاتي لَهُ وَلَا يُوجد ذَلِك فِي كل جُزْء مِنْهُ مثل حرف أَو كلمة]
وَاعْلَم أَن دلَالَة المعجزة على صدق الْمبلغ تتَوَقَّف على امْتنَاع تَأْثِير غير قدرَة الله الْقَدِيمَة فِيهَا، وَألا يخبر بِأَنَّهَا فعله فضلا عَن أَنَّهَا تَصْدِيقه، وَالْعلم بذلك الِامْتِنَاع يتَوَقَّف على قَاعِدَة خلق الْأَفْعَال، وَأَن لَا تَأْثِير لقدرة الْعباد، بل لَا مُؤثر فِي الْوُجُود إِلَّا الله، فالمعجزة من أَفعاله تَعَالَى قطعا، وَفِيه أَن من أثبت لغيره قدرَة مُؤثرَة مَعَ تفَاوت مراتبها وتباين آثارها فَهُوَ فِي دلَالَة المعجزة على ورطة الْحيرَة
والمعجزة الحسية:: كإحياء الْمَوْتَى ونبع المَاء من الْأَصَابِع، وَهِي للعوام
والعقلية: كَالْعلمِ بالمغيبات، وَهِي لأولي الْأَلْبَاب
والذوقية الحدسية: كالقرآن، وَهِي لأرباب الْقُلُوب، وَفِي الظَّاهِر الأولى أقوى ثمَّ الثَّانِيَة ثمَّ الثَّالِثَة، وَفِي الْبَاطِن والشرف على الْعَكْس، وَالْإِيمَان بِسَبَب الأولى أقل ثَوابًا، وَتَركه أَشد عقَابا، ثمَّ الثَّانِيَة ثمَّ الثَّالِثَة، فَهُوَ أَكثر ثَوابًا وَتَركه أقل عقَابا، لِأَن الْإِيمَان بِالْغَيْبِ أقوى
والمعجزة الظَّاهِرَة إِدْرَاكهَا أسهل فالإيمان بهَا أيسر، فَيكون أقل ثَوابًا، وَلَا عذر لتاركه فَتَركه أَشد عقَابا
وَأما الْبَاطِنَة فإدراكها أشق، فثواب الْإِيمَان أعظم، لَكِن من لم يُدْرِكهَا فعذره أوضح من عذر تَارِك المعجزة الظَّاهِرَة، فعقابه أقل من عِقَاب تَارِك الْإِيمَان بالمعجزة الظَّاهِرَة
الِاعْتِدَال: هُوَ توَسط حَال بَين حَالين فِي كم أَو كَيفَ
وكل مَا تناسب فقد اعتدل
وكل مَا أقمته فقد عدلته
وَعدل فلَانا بفلان: سوى بَينهمَا
وَعدل عَنهُ: رَجَعَ
وعادل: اعوج
الاعتداء: هُوَ مُجَاوزَة حد مَا، وَذَلِكَ قد لَا يكون مذموما، بِخِلَاف الظُّلم، فَإِنَّهُ وضع الشَّيْء فِي الْموضع الَّذِي لَا يحِق أَن يوضع فِيهِ
وَقيل: هُوَ فِي أصل وَضعه تجَاوز الْحَد فِي كل شَيْء، وعرفه: فِي الظُّلم والمعاصي
الْإِعْتَاق: هُوَ إِثْبَات الْقُوَّة الشَّرْعِيَّة للمملوك
الاعتناق: اعتنقا فِي الْحَرْب وَنَحْوهَا
وتعانقا وعانقا: فِي الْمحبَّة
الاعلال: هُوَ تَخْفيف حرف الْعلَّة بالإسكان وَالْقلب والحذف
الإعصار: الرّيح الَّتِي تنشر السَّحَاب، أَو الَّتِي فِيهَا نَار، أَو الَّتِي تهب فِي الأَرْض كالعمود نَحْو السَّمَاء، أَو الَّتِي فِيهَا العصار وَهُوَ الْغُبَار الشَّديد
الاعتضاد: اعتضدته: أَي جعلته فِي عضدي وَبِه استعنت
(1/150)

الِاعْتِمَاد: قَالَ بعض الْفُضَلَاء: اعْتمد لَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ، بل بِوَاسِطَة حرف الْجَرّ، يُقَال: (اعْتمد عَلَيْهِ) لَكِن فِي " الأساس " وَغَيره: اعْتَمدهُ
وَأما اعْتمد بِهِ فَمن قبيل التَّضْمِين أَو إِجْرَاء الشَّيْء مجْرى النظير، وَهُوَ الْقَصْد إِلَى الشَّيْء والاستناد إِلَيْهِ مَعَ حسن الركون
الِاعْتِقَاد: فِي الْمَشْهُور هُوَ الحكم الْجَازِم الْمُقَابل للتشكيك، بِخِلَاف الْيَقِين
وَقيل: هُوَ إِثْبَات الشَّيْء بِنَفسِهِ
وَقيل: هُوَ التَّصَوُّر مَعَ الحكم
الاعتذاب: هُوَ أَن تسبل للعمامة عذبتين من خلفهَا
الاعتمال: الِاضْطِرَاب فِي الْعَمَل، وَهُوَ أبلغ من الْعَمَل
الِاعْتِرَاف: اعْترف بِذَنبِهِ: أقرّ وَفُلَانًا: سَأَلَهُ عَن خبر ليعرفه، وَالشَّيْء: عرفه، وذل وانقاد، وإلي: أَخْبرنِي باسمه وبشأنه
الاعوجاج: هُوَ فِي المحسوسات عدم الاسْتقَامَة الحسية، وَفِي غَيرهَا: عدم كَونهَا على مَا يَنْبَغِي
والاعوجاج يعم الْأَعْضَاء كلهَا، والانحناء يخْتَص بالقامة، وَهُوَ تقوس الظّهْر، أَو هما مُتَرَادِفَانِ
الاعتباط: هُوَ إِدْرَاك الْمَوْت شَابًّا صَحِيحا وَفِي بعض كتب النَّحْو: ذبح الشَّاة بِلَا عِلّة وَمِنْه: الْحَذف الاعتباطي
الْأَعْيَان الثَّابِتَة: هِيَ حقائق الممكنات فِي علم الله، وَهِي صور حقائق الْأَسْمَاء الإلهية فِي الحضرة الْعلية، لَا تَأَخّر لَهَا عَن الْحق إِلَّا بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ، فَهِيَ أزلية أبدية
الْأَعْلَى: هِيَ من صِفَات الذكران، لِأَنَّهُ (أفعل) ك (الْأَكْبَر) و (الْأَصْغَر) وَعَلِيهِ: الفردوس الْأَعْلَى
والعليا والكبرى وَالصُّغْرَى من صِفَات الْإِنَاث
وَيجمع الْأَعْلَى بِالْوَاو وَالنُّون وعَلى (أفَاعِل) ، وتأنيثه على (فعلى) ، وَيسْتَعْمل ب (من) وَيلْزمهُ أحد الثَّلَاثَة: التَّعْرِيف، أَو الْإِضَافَة، أَو (من) وَلَا يجْرِي ذَلِك فِي (الْأَحْمَر) وبابه ك (الْأَصْفَر) و (الْأَخْضَر)
[الْأَعْشَى: هُوَ من لَا يبصر بِاللَّيْلِ ويبصر بِالنَّهَارِ، ومصدره العشا، والأجهر: ضِدّه، فَإِن البخار يكدر نور الباصرة لَيْلًا ويذوب بِالنَّهَارِ بِسَبَب حرارة الشَّمْس، وَسبب الضِّدّ ضد ذَلِك]
أعجبني كَذَا: يُقَال ذَلِك فِي الِاسْتِحْسَان
وَعَجِبت من كَذَا: فِي الذَّم وَالْإِنْكَار
أعجلته: أَي استعجلته
وعجلته: أَي سبقته [نوع]
{أعدت} : هيئت
{أُعِيذهَا بك} : أجيرها بحفظك
{واعف عَنَّا} : وامح ذنوبنا
{لأعنتكم} : لأحرجكم وضيق عَلَيْكُم
{أعجاز نخل} : أصُول نخل
(1/151)

{وَأَنْتُم الأعلون} : الأغلبون
{اعتدوا مِنْكُم فِي السبت} : تجاوزا الْحَد الَّذِي حد لَهُم من ترك الصَّيْد يَوْم السبت
{إعصار} : ريح عَاصِفَة تنعكس من الأَرْض إِلَى السَّمَاء ملتفة فِي الْهَوَاء، حاملة للتراب، مستديرة كالعمود
{فاعتلوه} : فجروه
{بأعيننا} : بحفظنا
{فظلت أَعْنَاقهم} : رقابهم أَو رؤساؤهم أَو جماعاتهم
{أعثرنا عَلَيْهِم} : أطْلعنَا على حَالهم
{اعْتَمر} : زار الْبَيْت
{أعصر خمرًا} : استخرج خمرًا من الْعِنَب
{اعتراك} : أَصَابَك
{كالأعلام} : كالجبال
(فصل الْألف والغين)

[الأغلف] : كل شَيْء فِي غلاف فَهُوَ أغلف، يُقَال: (سيف أغلف) ، وقوس أغلف، وَرجل أغلف: إِذا لم يختتن
[الإغريض] : كل أَبيض طري فَهُوَ إغريض
قَالَ:
(وثنايا كَأَنَّهَا إغريض)

الْإِغْمَاء: هُوَ غَلَبَة دَاء يزِيل الْقُوَّة [لَا الْعقل فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَار مغمى عَلَيْهِ فِي الْمَرَض الَّذِي توفّي فِيهِ، وَلَا يجوز أَن يكون عديم الْعقل، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا صَاحبكُم بمجنون} ]
{وَمَا بصاحبكم من جنَّة} ] وَالْجُنُون يزِيل الْعقل
والغشي: بِالضَّمِّ والسكون دَاخل فِي الْإِغْمَاء وَكَذَا السكر
الإغلاق: هُوَ يعم الْإِكْرَاه وَالْغَضَب وَالْجُنُون، وكل أَمر يغلق على صَاحبه علمه وقصده مَأْخُوذ من غلق الْبَاب
الإغلال: الْخِيَانَة فِي كل شَيْء، والغلول من الْمغنم خَاصَّة {وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل} أَي: يخون فِي الْمغنم
الإغراق: هُوَ إفراط وصف الشَّيْء بالممكن الْقَرِيب وُقُوعه عَادَة، وَهُوَ فَوق الْمُبَالغَة ربتة، والغلو فَوْقهمَا، لِأَنَّهُ إفراط فِي وصف الشَّيْء بالمستحيل وُقُوعه عقلا وَعَادَة، كَقَوْلِه:
(وأخفت أهل الشّرك حَتَّى إِنَّه ... لتخافك النطف الَّتِي لم تخلق)
وَفِي اصْطِلَاح عُلَمَاء البديع: هُوَ وصف الشَّيْء بالممكن الْبعيد وُقُوعه عَادَة، وكل من الإغراق والغلو لَا يعد من المحاسن إِلَّا إِذا اقْترن بِمَا يقربهُ من الْقبُول، مثل: (كَاد) و (لَو) وَمَا يجْرِي مجراهما
(1/152)

من أَنْوَاع التَّقْرِيب، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يكَاد سنا برقه يذهب بالأبصار} إِذْ لَا يَسْتَحِيل فِي الْعقل أَن الْبَرْق يخطف الْأَبْصَار لكنه يمْتَنع عَادَة وَمن شَوَاهِد تقريب نوع الإغراق قَوْله:
(لَو كَانَ يقْعد فَوق الشَّمْس من كرم ... قوم بأولهم أَو مجدهم قعدوا)
فاقتران هَذِه الْجُمْلَة بامتناع (لَو) من قعُود الْقَوْم فَوق الشَّمْس هُوَ الَّذِي أظهر بهجة شمسها فِي بَاب الإغراق
الإغراء: من (أغريت الْكَلْب بالصيد) : إِذا حرضته عَلَيْهِ
و [الإغراء] : وضع الظّرْف أَو الْجَار وَالْمَجْرُور مَوضِع فعل الْأَمر، وَلَا يجوز إِلَّا فِيمَا سمع من الْعَرَب نَحْو: (عَلَيْك) و (عنْدك) و (دُونك) و (أمامك) و (وَرَاءَك) و (مَكَانك) و (إِلَيْك) و (لديك)
{فأغرينا بَينهم الْعَدَاوَة} فألزمنا من (غري بالشَّيْء) : إِذا لصق بِهِ، وَالْيَاء من وَاو، واشتقاقه من الغراء، وَهُوَ الَّذِي يلصق بِهِ، يُقَال: (سهم مغرو)
الأغلوطة: بِالضَّمِّ الْكَلَام الَّذِي يغلط فِيهِ ويغالط بِهِ [نوع]
{وَاغْلُظْ عَلَيْهِم} : أذهب الرِّفْق عَنْهُم
{أغويتني} : أضللتني
{واغفر لنا} : واستر عيوبنا اغتفر: استتر
[ {أَن اغدوا} : ان أخرجُوا غدْوَة]
{أغطش لَيْلهَا} : أظلم
{واغضض} : وأنقص أَو أقصر
(فصل الْألف وَالْفَاء)

[الْإِفْك] : كل شَيْء فِي الْقُرْآن إفْك فَهُوَ كذب
[الأف] : كل مستقذر بَين وسخ وقلامة ظفر وَمَا يجْرِي مجراهما فَهُوَ الأف وَعَن ابْن مَالك: هُوَ الردئ من الْكَلَام وَيسْتَعْمل عِنْد الضجر، وَعَن مُجَاهِد: {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} : لَا تقذرهما
[الْإِفَاضَة] : كل دفْعَة إفَاضَة
وأفاض النَّاس من عَرَفَات: دفعُوا وَرَجَعُوا وَتَفَرَّقُوا وأسرعوا مِنْهَا إِلَى مَكَان آخر
وأفاض عَلَيْهِ نعمه: وسعهَا
الإفادة: هِيَ صُدُور الشَّيْء عَن نَفسه إِلَى غَيره
والاستفادة: صُدُور الشَّيْء عَن غَيره إِلَى نَفسه
والإفادة: إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي الْمعَانِي المفهومة بِالدّلَالَةِ الْعَقْلِيَّة، أَعنِي الْمعَانِي الثواني، وَهِي الْخَواص والمزايا وَالدّلَالَة تسْتَعْمل فِيمَا يفهم بِالدّلَالَةِ الوضعية، أَعنِي الْمعَانِي الأول الَّتِي هِيَ الْوَسَائِل إِلَى الْمعَانِي الثواني؛ والملحوظ فِي الإفادة إِنَّمَا هُوَ جَانب السَّائِل، وَفِي الدّلَالَة جَانب اللَّفْظ أَو الْمُتَكَلّم
(1/153)

الْأُفق: النَّاحِيَة، وَيجمع على آفَاق بِالْمدِّ وَعَن سِيبَوَيْهٍ أَن الْأَفْعَال للْوَاحِد، فعلى هَذَا الْيَاء فِي (الآفاقي) للْوَاحِد، كَمَا قَالُوا فِي (رومي) وعَلى تَقْدِير الْجمع لَا يجب رده فِي النِّسْبَة إِلَى الْوَاحِد فَإِنَّهُم أَرَادوا بالآفاق الخارجين، وبالآفاقي الْخَارِجِي فَصَارَ كالأنصاري
الْإِفْسَاد: هُوَ جعل الشَّيْء فَاسِدا خَارِجا عَمَّا يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهِ وَعَن كَونه مُنْتَفعا بِهِ وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء عَن حَالَة محمودة لَا لغَرَض صَحِيح؛ وَلَا يُوجد ذَلِك فِي فعل الله؛ وَمَا ترَاهُ فِي فعله تَعَالَى فَسَادًا فَهُوَ بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا، وَأما بِالنّظرِ إِلَيْهِ فكله صَلَاح وَلِهَذَا قَالَ بعض الْحُكَمَاء: يَا من إفساده صَلَاح
الْإِفْضَاء: أَصله: الْوُصُول إِلَى الشَّيْء بسعة، من الفضاء
وأفضى إِلَى امْرَأَة: فِي بَاب الْكِنَايَة أبلغ وَأقرب إِلَى التَّصْرِيح من قَوْلهم: خلا بهَا
والمفضاة: الْمَرْأَة الَّتِي اتَّحد سبيلاها
(وَفِي المفضاة مَسْأَلَة عَجِيبَة ... لَدَى من لَيْسَ يعرفهَا غَرِيبه)

(إِذا حرمت على زوج وحلت ... لثان نَالَ من وَطْء نصِيبه)

(فَطلقهَا وَلم تحبل فَلَيْسَتْ ... حَلَالا للقديم وَلَا خَطِيبه)

(لشك أَن ذَاك الْوَطْء مِنْهَا ... بفرج أَو شكيلته القريبه)

(فَإِن حبلت فقد وطِئت بفرج ... وَلم تبْق الشكوك وَلَا مريبه)

الافتراء: هُوَ الْعَظِيم من الْكَذِب، يُقَال لمن عمل عملا فَبَالغ فِيهِ: إِنَّه ليفري الفرى
وَمعنى افترى: افتعل واختلق مَالا يَصح أَن يكون؛ ومالا يَصح أَن يكون أَعم مِمَّا لَا يجوز أَن يُقَال وَمَا لَا يجوز أَن يفعل. . [وَهل الْإِطْلَاق على القَوْل وَالْفِعْل بالاشتراك الْمَعْنَوِيّ أَو اللَّفْظِيّ، أَو حَقِيقَة فِي الأول مجَاز فِي الثَّانِي؟ رجح التَّفْتَازَانِيّ القَوْل الثَّالِث على الْقَوْلَيْنِ]
والبهتان: هُوَ الْكَذِب الَّذِي يبهت سامعه، أَي: يدهش ويتحير، وَهُوَ أفحش الْكَذِب، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَن قصد يكون إفكأ
والإفك: إِذا كَانَ على الْغَيْر يكون افتراء
والافتراء: إِذا كَانَ بِحَضْرَة الْمَقُول فِيهِ يكون بهتانا
الافتنان: هُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بفنين من فنون الْكَلَام وأغراضه فِي بَيت وَاحِد مثل النسيب والحماسة وَالْفَخْر والمدح كَقَوْلِه:
(وَلَقَد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الْهِنْد تقطر من دمي)
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {كل من عَلَيْهَا فان} الْآيَة: فَإِنَّهُ عزى جَمِيع الْمَخْلُوقَات وتمدح بِالْبَقَاءِ بعد فنَاء الموجودات مَعَ وصف ذَاته بعد الِانْفِرَاد بِالْبَقَاءِ بالجلال وَالْإِكْرَام
والافتنان فِي ضروب الفصاحة أَعلَى من الِاسْتِمْرَار
(1/154)

على ضرب وَاحِد وَلِهَذَا ورد بعض آي الْقُرْآن متماثل المقاطع وَبَعضهَا غير متماثل
الإفلاس: أفلس الرجل: أَي صَار ذَا فلس بعد أَن كَانَ ذَا دِرْهَم ودينار، فَاسْتعْمل مَكَان افْتقر
وفلسه القَاضِي أَي قضى بإفلاسه حِين ظهر لَهُ حَاله
الْإِفَاقَة: أَفَاق من مَرضه: رجعت الصِّحَّة إِلَيْهِ أَو رَجَعَ إِلَى الصِّحَّة، كاستفاق
الإفخام: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: التَّعْظِيم؛ وبالمهملة هُوَ أَن يعجز الْمُعَلل السَّائِل، أَو بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْإِلْزَام
الآفة: هِيَ العاهة
وَقد أيف الزَّرْع: على مَا لم يسم فَاعله: إِذا أَصَابَته آفَة
الإفراط: التجاوز عَن الْحَد ويقابله التَّفْرِيط
الْإِفْتَاء: هُوَ تَبْيِين الْمُبْهم
أفْصح الأعجمي وفصح اللِّسَان [نوع]
{افْتَحْ} : اقْضِ
{قد أَفْلح} : فَازَ وَسعد
{أفلت} : زَالَت الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء
{أَفَضْتُم من عَرَفَات} : دفعتم مِنْهَا بِكَثْرَة
{فِي مَا أَفَضْتُم} : خضتم
{أفرغ علينا} : أفض علينا أَو صب علينا
{أفيضوا} : انفروا
{أَفْوَاجًا} : جماعات
{الْأُفق الْمُبين} : مطلع الشَّمْس
{بالأفق الْأَعْلَى} : أفق الشَّمْس
{أفاك} : شرير كَذَّاب
{أفتوني} : أجيبوني
{أُفٍّ لكم} : تضجر على إصرارهم بِالْبَاطِلِ الْبَين وَمَعْنَاهُ: قبحا ونتنا
{أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض} : [أَي خلا] الافضاء هُوَ الْخلْوَة، من الفضاء وَهُوَ الْمَفَازَة الخالية
{وَمَا أَفَاء} : وَمَا أعَاد
{من إفْك} : من صرف
(فصل الْألف وَالْقَاف)

الاقتباس: هُوَ طلب القبس وَهُوَ الشعلة من النَّار،
(1/155)

ثمَّ يستعار لطلب الْعلم يُقَال: اقتبست مِنْهُ علما وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ أَن يضم الْمُتَكَلّم إِلَى كَلَامه كلمة أَو آيَة من آيَات الْكتاب الْعَزِيز خَاصَّة، بِأَن لَا يَقُول فِيهِ: (قَالَ الله) وَنَحْوه، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْخطب والمواعظ ومدحة الرَّسُول والآل وَالْأَصْحَاب، وَلَو فِي النّظم، فَهُوَ مَقْبُول؛ وَمَا كَانَ فِي الْغَزل والرسائل والقصص فَهُوَ مُبَاح ونعوذ بِاللَّه مِمَّن ينْقل مَا نسب إِلَى الله تَعَالَى إِلَى نَفسه، أَو يضمن الْآي فِي معرض الْهزْل
والتلميح قريب من الاقتباس، إِلَّا أَن الاقتباس بجملة الْأَلْفَاظ أَو بِبَعْضِهَا والتلميح يكون بلفظات يسيرَة وَلَا يكون الاقتباس إِلَّا من الْقُرْآن والْحَدِيث
والتلميح قد يكون مِنْهُمَا وَمن سَائِر كَلِمَات النَّاس من شعر ورسالة وخطبة وَغير ذَلِك كَقَوْلِه:
(لعَمْرو مَعَ الرمضاء وَالنَّار تلتظي ... أرق وأحنى مِنْهُ فِي سَاعَة الكرب)
فقد ضمن كَلَامه كَلِمَات من الْبَيْت الْمَشْهُور وَهُوَ:
(والمستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
وَإِن ترك اللَّفْظ وَأَشَارَ إِلَيْهِ جَازَ
[وَاعْلَم أَن الظَّاهِر من كَلَامهم أَن الاقتباس مَقْصُور على الْقُرْآن والْحَدِيث
وَقد وسع بَعضهم المجال فِي ذَلِك بِذكر أَن الاقتباس يكون فِي مسَائِل الْفِقْه، وَإِذا قُلْنَا بذلك فَلَا معنى للاقتصار على مسَائِل الْفِقْه، بل يكون فِي غَيره من الْعُلُوم أما الاقتباس من مسَائِل الْفِقْه فكقول بَعضهم:
(أَقُول لشادن فِي الْحسن أضحى ... يصيد بلحظه قلب الكمي)

(ملكت الْحسن أجمع فِي نِصَاب ... فأد زَكَاة منظرك الْبَهِي)

(فَقَالَ: أَبُو حنيفَة لي إِمَام ... يرى أَن لَا زَكَاة على الصَّبِي)

(فَإِن تَكُ مالكي الرَّأْي أَو من ... يرى رَأْي الإِمَام الشَّافِعِي)

(فَلَا تَكُ طَالبا مني زَكَاة ... فإخراج الزَّكَاة على الْوَلِيّ)
وَمِنْه قَوْله:
(طلبت زَكَاة الْحسن مِنْهَا فجاوبت ... إِلَيْك فَهَذَا لَيْسَ تُدْرِكهُ مني)

(عَليّ دُيُون للعيون فَلَا ترم ... زَكَاة فَإِن الدّين يسْقطهُ عني)
وَأما الاقتباس من مسَائِل الحَدِيث فَمِنْهُ:
(قَالَت: أعندك من أهل الْهوى خبر؟)
فَقلت: إِنِّي بِذَاكَ الْعلم مَعْرُوف)

(مسلسل الدمع من عَيْني ومرسلة ... على مذبح ذَاك الخد مَوْقُوف)

(قَالَت: حَدِيثك مَرْدُود لِأَنَّك مَا ... بَين الْأَنَام بِجرح الْحبّ مَوْصُوف)
وَمِنْه:
(فضائله صِحَاح فاعتمدها ... فصحة نقلهَا ذَات اتضاح)
(1/156)

(فَمن طرق المسامع عَن جميل ... وَمن طرق الأنامل عَن ريَاح)
وَأما الاقتباس من علم الْأُصُول فَمِنْهُ قَوْله:
(لَا تعجبوا من عُمُوم الْحبّ فِي رشأ ... كل الْجمال لَهُ فِي النَّاس مَخْصُوص)

(بدر وَلَكِن إِلَى الغزلان منتسب ... قد نَص ذَلِك جيد مِنْهُ مَنْصُوص)
وَمِنْه قَوْله:
(جِئْتهَا طَالبا لسالف وعد ... فأجابت لقد جهلت الطريقه)

(إِنَّمَا موعدي مجَاز فَقلت الأَصْل ... يَا هِنْد فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة)
وَأما الاقتباس من علم أصُول الدّين فَمِنْهُ قَوْله:
(عرض الصَّبْر دون جَوْهَر ذَاك الثغر ... من أكبر الْمحَال فجودي)

(أجمع الناظرون فِي ذَاك أَن لَا ... عرض دون جَوْهَر فِي الْوُجُود)
وَأما الاقتباس من علم الْمنطق فَمِنْهُ قَوْله:
(مُقَدمَات الرَّقِيب كَيفَ غَدَتْ ... عِنْد لِقَاء الحبيب متصله)

(تَمْنَعنَا الْجمع والخلو مَعًا ... وَإِنَّمَا ذَاك حكم منفصله)
وَمِنْه:
(قِيَاس غرامي صَادِق مَعَ أَنه ... تركب من تِلْكَ الْعُيُون السوالب)

(وَقد حكمُوا أَن السوالب كل مَا ... تركب مِنْهَا لَا يرى غير كَاذِب)
وَأما الاقتباس من علم النَّحْو فَقَوله:
(أيا قمرا من حسن وجنته لنا ... وظل عذاريه الضُّحَى والأصائل)

(جعلت بالتمييز نصبا لناظري ... فَهَلا رفعت الهجر والهجر فَاعل)
وَمِنْه:
(انْظُر إِلَيّ بِعَين مولى لم يزل ... يولي الندا وتلاف قبل تلافي)

(أَنا كَالَّذي احْتَاجَ مَا تحتاجه ... فاغنم دعائي وَالثنَاء الوافي)
وَأما الاقتباس من علم الْعرُوض فَمِنْهُ:
(وبقلبي من الْجفَاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل)

(لم أكن عَالما بِذَاكَ إِلَى أَيْن ... قطع الْقلب بالفراق الْخَلِيل)
وَأما الاقتباس من علم الموسيقا فَمِنْهُ قَوْله:
(صَوت يشابه ضرب سَوط ... وعود مثل عود النسديان)

(فَقلت لَهُ وَقد غنى حجازا: ... وَدِدْنَا أَن تكون بأصبهان)
وَقد نظمت فِيهِ أَيْضا:
(ثقيل علينا كَانَ فِي مجْلِس الْغِنَا ... يَقُول لعذال لآتي من الهوا)

(فَقلت: أيا ضد الْحُسَيْنِي انْصَرف ... حجازا عراقا والخفيف لنا النَّوَى)
وَأما الاقتباس من علم النُّجُوم فَمِنْهُ:
(يَا حسن ليلتنا الَّتِي قد زارني ... فِيهَا وأنجز مَا مضى من وعده)

(قومت شمس جماله فَوَجَدتهَا ... فِي عقرب الصدع الَّذِي فِي خَدّه)
وَأما الاقتباس من علم الْحساب فَمِنْهُ قَوْله:
(وَلَقِيت كل الفاضلين كَأَنَّمَا ... رد الْإِلَه نُفُوسهم والأعصرا)
(1/157)

(فسقوا لناسق الْحساب مقدما ... وأتى فَذَاك إِذا أتيت مُؤَخرا)
وَأما الاقتباس من علم ضرب الرمل فَمِنْهُ قَوْله:
(تعلمت ضرب الرمل لما هجرتم ... لعَلي أرى شكلا يدل على الْوَصْل)

(فَقَالُوا: طَرِيق، قلت: يَا رب للقا ... وَقَالُوا: اجْتِمَاع، قلت: يَا رب للشمل)
وَأما الاقتباس من علم الْخط وَمَا يتَعَلَّق بذلك من حُرُوف الهجاء وَغَيرهَا فَمِنْهُ قَوْله:
(يَا أَيهَا الْقَمَر الَّذِي بذلك لَهُ ... عشاقه الْأَمْوَال والأرواحا)

(ريحَان خدك فِي حَوَاشِي صُدْغه ... سر بِهِ دمعي غَدا فضاحا)
وَمِنْه:
(لله يَوْم فِي دمشق قطعته ... حلف الزَّمَان بِمثلِهِ لَا يغلط)

(الطير تقْرَأ والغدير صحيفَة ... وَالرِّيح تكْتب والسحاب ينقط)
وَمِنْه:
(كَأَن عذراء فِي الخد لَام ... ومبسمه الشهي العذب صَاد)

(وطرة شعره ليل بهيم ... فَلَا عجب إِذا سرق الرقاد] ... الاقتصاد: هُوَ من الْقَصْد، وَالْقَصْد: استقامة الطَّرِيق
والاقتصاد فِيمَا لَهُ طرفان إفراط وتفريط مَحْمُود على الْإِطْلَاق وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: {واقصد فِي مشيك} ، و {إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا} وَقد يكنى بِهِ عَمَّا تردد بَين الْمَحْمُود والمذموم، كالواقع بَين الْجور وَالْعدْل، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله}
الِاقْتِصَار: هُوَ من أحد الطّرق الْأَرْبَعَة لثُبُوت الْأَحْكَام كثبوتها بالتصرفات الإنشائية بِلَا تخَلّل مَانع
ثَانِيهَا: التبين، وَهُوَ أَن يتَبَيَّن فِي ثَانِي الْحَال أَن الحكم كَانَ ثَابتا من قبل كثبوت حكم الْحيض بعد تَمام ثَلَاثَة أَيَّام
ثَالِثهَا: الِاسْتِنَاد، وَهُوَ أَن يثبت الحكم بعد زَوَال الْمَانِع، مُضَافا إِلَى السَّبَب السَّابِق كثبوت الْملك للْغَاصِب بعد الضَّمَان مُسْتَندا إِلَى الْغَصْب السَّابِق
رَابِعهَا: الانقلاب وَهُوَ تبدل الحكم إِلَى آخر، كتبدل حكم الْبر فِي الْيَمين بعد الْحِنْث إِلَى الْكَفَّارَة وَقد نظمته:
(إِذا كنت لَا تَدْرِي لشرع رَسُولنَا ... بكم طرق تهدى لأحكامه طرا)

(فَخذ من عُلُوم الْأَوَّلين مُصَرحًا ... بأَرْبعَة مِنْهَا عَلَيْك بهَا درا)

(وَكَانَ حكم بِالتَّصَرُّفِ ثَابتا ... بِلَا مَانع فالاقتصار لَهُ أمرا)

(وَبعد ضَمَان الْغَاصِب الْملك ثَابت ... لَهُ باستناد غصب سَابِقَة جرا)

(وَلَو أَن حكما كَانَ من قبل ثَابتا ... تبين فِي ثَان من الْحَال مَا مرا)
(1/158)

(كبعد تَمام الْحيض يثبت حكمه ... يُسَمِّيه شرع بالتبين كن جَهرا)

(وَكم لَك فِي التَّعْلِيق حكم مبدل ... إِلَى مَا غَدا قد كنت تَاركه عذرا)

(تبدل حكم الْبر بعد إِلَى الجزا ... يُسمى انقلابا ذَاك مَا كَانَ لي جبرا)
والاقتصار أَيْضا: الْحَذف لغير دَلِيل
والاختصار: هُوَ الْحَذف لدَلِيل
الِاقْتِضَاء: هُوَ أَضْعَف من الْإِيجَاب، لِأَن الحكم إِذا كَانَ ثَابتا بالاقتضاء لَا يُقَال يُوجب، بل يُقَال يَقْتَضِي
والإيجاب يسْتَعْمل فِيمَا إِذا كَانَ الحكم ثَابتا بالعبارة أَو بِالْإِشَارَةِ أَو بِالدّلَالَةِ فَيُقَال: النَّصْر يُوجب ذَلِك؛ وَأما الاستلزام فَهُوَ عبارَة عَن امْتنَاع الانفكاك فَيمْتَنع فِيهِ وجود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم، بِخِلَاف الِاقْتِضَاء، فَإِنَّهُ يُمكن وجود الْمُقْتَضى بِدُونِ مُقْتَضَاهُ
الاقتصاص: هُوَ أَن يكون الْكَلَام فِي مَوضِع مقتصا من كَلَام فِي مَوضِع آخر، أَو فِي ذَلِك الْموضع، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين} وَالْآخِرَة دَار الثَّوَاب لَا عمل فِيهَا، فَهَذَا يقْتَصّ من قَوْله تَعَالَى: {وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى}
الاقتضاب، اقتضب كلَاما أَو خطْبَة أَو رِسَالَة: ارتجلها، أَصله من قضب الْغُصْن، وَهُوَ اقتطاعه؛ وَمِنْه الاقتضاب فِي اصْطِلَاح أهل البديع: وَهُوَ انْتِقَال من كَلَام إِلَى كَلَام من غير رِعَايَة مُنَاسبَة بَينهمَا، فَإِذا بَدَأَ كَاتب أَو شَاعِر بِكَلَام قبل مَقْصُوده يُسمى هَذَا الْكَلَام تشبيبا، ثمَّ انْتِقَاله مِنْهُ إِلَى مَقْصُوده إِن كَانَ بملاءمة بَينهمَا يُسمى تخلصا، وَإِلَّا يُسمى اقتضابا
وَمن الاقتضاب مَا هُوَ قريب من التَّخَلُّص وَمَا هُوَ بعيد مِنْهُ، وَجَمِيع الْعبارَات الْوَاقِعَة فِي عناوين المباحث من الْأَبْوَاب والفصول وَنَحْوهَا من بَاب الاقتضاب الْقَرِيب من التَّخَلُّص
الْإِقَالَة: هِيَ رفع العقد بعد وُقُوعه، وألفه إِمَّا من الْوَاو فاشتقاقه من (القَوْل) لِأَن الْفَسْخ لَا بُد فِيهِ من قيل وَقَالَ، أَو من الْيَاء فاشتقاقه من لفظ القيلولة، لِأَن النّوم سَبَب الْفَسْخ والانفساخ
وأقلت الرجل فِي البيع إِقَالَة وَقلت من القائلة قيلولة
وَأَقل رجل: أَي لم يكن مَاله إِلَّا قَلِيلا، والهمزة فِيهِ للصيرورة ك (أحصد الزَّرْع) ؛ وَأما فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا " فهمزته للتعدية
الاقتراح: الاستدعاء والطلب يُقَال: (اقترحت عَلَيْهِ شَيْئا) إِذا سَأَلته إِيَّاه وطلبته على سَبِيل التَّكْلِيف والتحكم
واقترح الشَّيْء: ابتدعه وَمِنْه: اقترح الْكَلَام لارتجاله
الْإِقْدَام: الشجَاعَة والجراءة على الْأَمر
والإحجام: كف النَّفس عَنهُ يُقَال: (أقدم الرجل) إِذا صَار إِلَى قُدَّام [والشجاعة على مَا فَسرهَا
(1/159)

الْحُكَمَاء مُخْتَصَّة بذوات الْأَنْفس، كوجوب كَونهَا صادرة عَن ذويه؛ بِخِلَاف الجراءة فَإِنَّهَا أَعم]
الإقحام: هُوَ إِيقَاع النَّفس فِي الشدَّة
والاقتحام: هُوَ أَن تَجِد الْعين الشَّيْء حَقِيرًا كريها
الإقبال: الذّهاب إِلَى جِهَة القدام، والدولة، والعزة
والإدبار: هُوَ الذّهاب إِلَى جِهَة الْخلف، وَقد نظمت فِيهِ:
(وَلَو أَقبلت دنياك جَازَ بِمِثْلِهَا ... وجزها لَهَا الإدبار لَا تَكُ مُدبرا)

والإقبال: التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة، وَكَذَا الِاسْتِقْبَال، وَالسِّين للتَّأْكِيد لَا للطلب
الاقتفاء: هُوَ اتِّبَاع الْقَفَا، كَمَا أَن الارتداف اتِّبَاع الردف
الإقتار: النَّقْص من الْقدر الْكَافِي
والاقتصاد: هُوَ التَّوَسُّط بَين الْإِسْرَاف والتقتير
الاقتناص: هُوَ أَخذ الصَّيْد، وَيُشبه بِهِ أَخذ كل شَيْء بِسُرْعَة
الْإِقْرَار: هُوَ إِثْبَات الشَّيْء بِاللِّسَانِ أَو بِالْقَلْبِ أَو بهما، وإبقاء الْأَمر على حَاله
وَالْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ وَمَا يجْرِي مجْرَاه لَا يُغني بِاللِّسَانِ مَا لم يضامه الْإِقْرَار بِالْقَلْبِ، ويضاده الْإِنْكَار
وَأما الْجُحُود فَإِنَّمَا يُقَال فِيمَا يُنكر بِاللِّسَانِ دون الْقلب
وَالْإِقْرَار الَّذِي هُوَ ضد الْجحْد يتَعَدَّى بِالْبَاء
الاقتدار: هُوَ أَن يبرز الْمُتَكَلّم الْمَعْنى الْوَاحِد فِي عدَّة صور اقتدارا مِنْهُ على نظم الْكَلَام وتركيبه على صياغة قوالب الْمعَانِي والأغراض، فَتَارَة يَأْتِي بِهِ فِي لفظ الِاسْتِعَارَة، وَتارَة فِي صروة الإرداف، وحينا فِي مخرج الإيجاز، وَمرَّة فِي قالب الْحَقِيقَة
وعَلى هَذَا أَتَت جَمِيع قصَص الْقُرْآن
الْإِقَامَة: من أَقَامَ الشَّيْء إِذا قومه وسواه، أَو من أَقَامَهُ إِذا أدامه وَاسْتمرّ عَلَيْهِ، أَو من قَامَ بِالْأَمر وأقامه: إِذا جد فِيهِ وتجلد
وأقمت ببلدة: يُفِيد أَنه كَانَ مخالطا بِالْبَلَدِ، وأقمت فِيهَا: يدل على إحاطتها بِهِ، فَالْأول أَعم، لِأَن الْقَائِم فِيهَا قَائِم بهَا بِلَا عكس
وإقام الصَّلَاة: عوض فِيهِ الْإِضَافَة من التَّاء المعوضة عَن الساقطة بالإعلال
الإقواء: فِي الْقَامُوس: أقوى الشّعْر: خَالف قوافيه، وَهُوَ عيب إِن كثر [نوع] {أقلعي} : اسكني أَو أمسكي
{اقتت} : جمعت أَو عين لَهَا وَقتهَا، أَو بلغت ميقاتها الَّذِي كَانَت منتظرة
{وأقوم قيلا} : أَسد مقَالا أَو أثبت قِرَاءَة بِحُضُور الْقلب وهدو الْأَصْوَات
{إِذْ يلقون أقلامهم} : قداحهم للاقتراع
{من أقطارها} : من جوانبها
{وأقنى} : وَأعْطى الْقنية [أَو أفقر]
(1/160)

{فأقيموا الصَّلَاة} : فعدلوا واحفظوا أَرْكَانهَا وشرائطها وائتوا بهَا تَامَّة
و {إِذا أقلت} : أَي حملت
{فاقذفيه فِي اليم} : أَي ألقيه وضعيه فِيهِ

(فصل الْألف وَالْكَاف)
[الْأكل] : كل مَا يُؤْكَل فَهُوَ أكل؛ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {أكلهَا دَائِم} وَيُقَال: (أكلت الْيَوْم أَكلَة وَاحِدَة وَمَا أكلت عِنْده إِلَّا أَكلَة) بِالضَّمِّ أَي شَيْئا قَلِيلا كاللقمة، والمستعمل فِي الْغَيْبَة الْأكلَة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر
وَالْأكل: هُوَ البلع عَن مضغ، ويعبر بِالْأَكْلِ عَن إِنْفَاق المَال، نَحْو: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} لما أَن الْأكل أعظم مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى المَال؛ وَأكل المَال بِالْبَاطِلِ صرفه إِلَى مَا يُنَافِيهِ الْحق
الِاكْتِسَاب: هُوَ وَالْكَسْب بِمَعْنى عِنْد أهل اللُّغَة؛ وَالْقُرْآن نَاطِق بذلك نَحْو {كل نفس بِمَا كسبت رهينة} {وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا} وَمن فرق بَينهمَا قَالَ: الْكسْب يَنْقَسِم إِلَى كَسبه بِنَفسِهِ وَلغيره، وَلِهَذَا قد يتَعَدَّى إِلَى مفعوليه فَيُقَال: (كسبت فلَانا كَذَا) ؛ والاكتساب خَاص بِنَفسِهِ، فَكل اكْتِسَاب كسب بِدُونِ الْعَكْس وَقيل: الِاكْتِسَاب يَسْتَدْعِي التعمل والمحاولة والمعاناة، فَلم يَجْعَل على العَبْد إِلَّا مَا كَانَ من الْقَبِيل الْحَاصِل بسعيه ومعاناته وبعمله وَأما الْكسْب فَيحصل بِأَدْنَى مُلَابسَة حَتَّى بالهم بِالْحَسَنَة وَنَحْو ذَلِك، فَخص الشَّرّ بالاكتساب وَالْخَيْر بأعم مِنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} وَفِيه تَنْبِيه على لطفه تَعَالَى بخلقه حَيْثُ أثبت لَهُم ثَوَاب الْفِعْل على أَي وَجه كَانَ، وَلم يثبت عَلَيْهِم عِقَاب الْفِعْل الْأَعْلَى وَجه الْمُبَالغَة والاعتمال فِيهِ، [فَإِن النَّفس من شَأْنهَا الْمُبَالغَة فِي تَحْصِيل مَا يَضرهَا من الآثام] : وَاعْلَم أَن الْكسْب يخْتَص بِالْعَبدِ، والخلق بِاللَّه، هَذَا إِذا كَانَ الْخلق بِمَعْنى الإيجاد، فَأَما إِذا كَانَ بِمَعْنى التَّقْدِير فَيجوز من العَبْد أَيْضا، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير} أَي تقدر، وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى: {فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ} أَي المقدرين
(وَقد اخْتلفُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} فالأشعري على أَنه لَا تَأْثِير بقدرة الْبعد فِي مقدوره أصلا، بل الْمَقْدُور وَالْقُدْرَة كِلَاهُمَا وَاقع بقدرة الله، لَكِن الشَّيْء الَّذِي حصل بِخلق الله وَكَونه مُتَعَلق
(1/161)

الْقُدْرَة الْحَادِثَة هُوَ الْكسْب، فالأفعال مُسندَة إِلَى الله تَعَالَى خلقا وَإِلَى العَبْد كسبا لإِثْبَات قدرَة مُقَارنَة للْفِعْل)
والماتريدية يسندون إِلَيْهِ كسبا بِإِثْبَات قدرَة مرجحة وَكَذَلِكَ الصُّوفِيَّة، لَكِن قدرته مستعارة عِنْدهم كوجوده، ومستفادة عِنْد الماتريدية وَقَول الْأَشْعَرِيّ أقرب إِلَى الْأَدَب
وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَن الْقُدْرَة الْحَادِثَة مَعَ الدَّوَاعِي توجب الْفِعْل، فَالله تَعَالَى هُوَ الْخَالِق للْكُلّ، بِمَعْنى أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي وضع الْأَسْبَاب المؤدية إِلَى دُخُول هَذِه الْأَفْعَال فِي الْوُجُود، وَالْعَبْد هُوَ المكتسب، بِمَعْنى أَن الْمُؤثر فِي وُقُوع فعله هُوَ الْقُدْرَة والداعية القائمتان بِهِ، وَهَذَا مُنَاسِب لقَوْل الفلاسفة وَهُوَ أقرب إِلَى التَّحْقِيق، لِأَن نِسْبَة الْأَثر إِلَى الْمُؤثر الْقَرِيب لَا تنَافِي كَون ذَلِك الْأَثر مَنْسُوبا إِلَى مُؤثر آخر بعيد ثمَّ إِلَى أبعد إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى مسبب الْأَسْبَاب وفاعل الْكل
وَزعم جُمْهُور الْمُعْتَزلَة أَن الْقُدْرَة مَعَ الدَّاعِي لَا توجب الْفِعْل، بل الْقُدْرَة على الْفِعْل وَالتّرْك مُتَمَكنًا مِنْهُمَا إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك، وَمِنْه الْفِعْل وَالْكَسْب وَعَن القَاضِي أَن ذَات الْفِعْل وَاقعَة بقدرة الله، ثمَّ يحصل ذَلِك الْفِعْل صفة طَاعَة الله أَو صفة مَعْصِيَته، فَهَذِهِ الصّفة تقع بقدرة العَبْد وَهَذَا القَوْل مُخْتَار محققي الْحَنَفِيَّة، كَمَا فِي " شرح المسايرة " و " التسديد " و " تَعْدِيل " صدر الشَّرِيعَة
[وَالْحَاصِل أَن منَاط التَّكْلِيف بعد خلق الِاخْتِيَار للْعَبد هُوَ قصد الْفِعْل، وَتَعْلِيق قدرته بِهِ بِأَن يَقْصِدهُ قصدا مصمما، طَاعَة كَانَ أَو مَعْصِيّة، وَإِن لم تُؤثر قدرته فِي وجود الْفِعْل الْمَانِع، وقدرة الله لَا يقاومها شَيْء فَلَا اسْتِقْلَال للْعَبد وَلَا اضطرار مَعَ الإقدار على الْعَزْم على كل من الْفِعْل وَالتّرْك؛ وَلَيْسَ لعلم الله السَّابِق بِظُهُور الْمُخَالفَة من الْمُكَلف لأَمره أَو الطَّاعَة لَهُ خاصية التَّأْثِير فِي إِيجَاد الْأَعْمَال، بل تعلق الْعلم تعلق كشف، فَكَانَ أَحَق بِأَن لَا يسلب ذَلِك الْعَزْم وَالْكَسْب الَّذِي هُوَ مَحل قدرَة العَبْد فَلَا جبر]
(1/162)

الْإِكْرَاه: لُغَة حمل الْإِنْسَان على أَمر لَا يُريدهُ طبعا أَو شرعا
وَشرعا: فِي " الْمَبْسُوط " أَنه إسم لفعل من يفعل الْأَمر لغيره فَيَنْتَفِي بِهِ اخْتِيَاره، وَفِي " الوافي ": هُوَ عبارَة عَن تهديد الْقَادِر على مَا هدد غَيره بمكروه على أَمر بِحَيْثُ يَنْتَفِي بِهِ الرِّضَا وَفِي " الْقُهسْتَانِيّ ": هُوَ فعل سوء يوقعه بِغَيْرِهِ فَيفوت رِضَاهُ أَو يفْسد اخْتِيَاره مَعَ بَقَاء أَهْلِيَّته
والتسخير: هُوَ الْقَهْر على الْفِعْل، وَهُوَ أبلغ من الْإِكْرَاه، فَإِنَّهُ حمل الْغَيْر على الْفِعْل بِلَا إِرَادَة مِنْهُ، كحمل الرَّحَى على الطَّحْن
الْإِكْمَال: هُوَ بُلُوغ الشَّيْء إِلَى غَايَة حُدُود فِي قدر أَو عد حسا أَو معنى
أكننت الشَّيْء: أضمرته؛ وَيسْتَعْمل فِي الشَّيْء الَّذِي يخفيه الْإِنْسَان ويستره عَن غَيره، وَهُوَ ضد أعلنت وأظهرت
وكننت الشَّيْء: صنته حَتَّى لَا تصيبه آفَة، وَإِن لم يكن مَسْتُورا؛ يُقَال: (در مَكْنُون) و (جَارِيَة مكنونة)
أكبرته: أعظمته؛ وَأنكر الزّجاج تَفْسِير {أكبرنه} بِالْحيضِ، لِأَنَّهُ عداهُ إِلَى الضَّمِير [نوع]
{أكاد أخفيها} لَا أظهر عَلَيْهَا أحدا غَيْرِي
{أكرمي مثواه} : اجعلي مقَامه عندنَا كَرِيمًا حسنا وَالْمعْنَى: أحسني تعهده
{وأكدى} : كدره بمنه أَو قِطْعَة
{أكواب} : أَبَارِيق بِلَا عُرْوَة
{أكفلنيها} : ملكنيها، وَحَقِيقَته: اجْعَلنِي أكفلها
{من الْجبَال أكنانا} : مَوَاضِع تستكنون بهَا من الكهوف والبيوت المنحوتة فِيهَا، من (الْكن) وَهُوَ الستْرَة
{الأكمام} : أوعية الثَّمر
{أكله} : ثمره وَمَا يُؤْكَل مِنْهُ.
[اكنة: أغطيه
{رَبِّي أكرمن} : فضلني بِمَا أَعْطَانِي]
(فصل الْألف وَاللَّام)
[الم] : كل سُورَة استفتحت ب (الم) فَهِيَ مُشْتَمِلَة على مبدأ الْخلق ونهايته والتوسط بَينهمَا من التشريع بالأوامر والنواهي، وَهَذَا وَسَائِر حُرُوف الهجاء فِي أَوَائِل السُّور إِمَّا أَسمَاء للسور أَو أَقسَام أَو حُرُوف مَأْخُوذَة من صِفَات الله تَعَالَى وَلَا يجوز إِعْرَاب فواتح السُّور إِذا قُلْنَا بِأَنَّهَا من الْمُتَشَابه الَّذِي اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَفِي " التَّيْسِير " أَن كل حرف من المقطعات فِي الْقُرْآن إِشَارَة إِلَى أَمر جليل الْخطر
(1/163)

عَظِيم الْقدر من بَيَان مُنْتَهى ملك تِلْكَ الْأمة وَظُهُور الْحق فيهم وَعدد أئمتهم وخلفائهم، وَعدد الْبِقَاع الَّتِي يبلغ دولة الْإِسْلَام بهَا
[الْأَلِيم] : كل شَيْء فِي الْقُرْآن أَلِيم فَهُوَ الموجع
[الَّذِي وَالَّذين] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الَّذِي وَالَّذين يجوز فِيهِ الْوَصْل بِمَا قبله نعتا وَالْقطع على أَنه خبر إِلَّا فِي سَبْعَة مَوَاضِع، فَإِنَّهُ تعين فِيهَا الِابْتِدَاء بهما، كَمَا تقرر فِي علمه
[الْأَدِلَّة] : كل اسْم اشتق من فعل إسماً لِأَن يستعان بِهِ فِي ذَلِك الْفِعْل فَهُوَ الْأَدِلَّة.
[الْآل] : كل من يؤول إِلَى الرئيس فِي خَيرهمْ وشرهم، أَو يؤولون إِلَى خَيره وشره فَهُوَ الْآل، وَالْقَوْم أَعم مِنْهُ، لِأَن كل من يقوم الرئيس بأمرهم أَو يقومُونَ بِأُمِّهِ فَهُوَ الْقَوْم
[ال التَّعْرِيف ودخولها على مَا أَوله لَام] : كل اسْم كَانَ أَوله لاما ثمَّ أدخلت عَلَيْهِ لَام التَّعْرِيف فَإِنَّهُ يكْتب بلامين نَحْو: (اللَّحْم وَاللَّبن واللجام) إِلَّا (الَّذِي وَالَّتِي) لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَإِذا ثنيت (الَّذِي) تكتبه بلامين، وَإِذا جمعته فبلام وَاحِدَة
وَأما (التان والاتي والائي) فكله يكْتب بلام وَاحِدَة، وَإِنَّمَا كتبُوا (الَّذِي) بلام وَاحِدَة وَلَفْظَة (الله) بلامين مَعَ استوائهما فِي لُزُوم التَّعْرِيف وَغَيره، لِأَن قَوْلنَا (الله) معرف متصرف تصرف الْأَسْمَاء فأبقوا كتباته على الأَصْل، و (الَّذِي) مَبْنِيّ لأجل أَنه نَاقص، إِذْ لايفيد إِلَّا مَعَ صلته فَهُوَ كبعض الْكَلِمَة، وَبَعض الْكَلِمَة يكون مُبينًا؛ وَإِنَّمَا كتبوها فِي التَّثْنِيَة لِأَن التَّثْنِيَة أخرجته عَن مشابهة الْحَرْف فَإِن الْحَرْف لَا يثنى، وَلَا التباس فِي ترك اللَّام الْوَاحِدَة فِي (الَّذِي) وَلَا تفخيم لَهُ فِي الْمَعْنى، بِخِلَاف لَفْظَة (الله) ، فَترك تفخيمه فِي الْخط
وَأَسْمَاء الله تَعَالَى التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ تذكر بِالْألف والام وَإِن لم يَكُونَا من نفس الْكَلِمَة
وَقد أنكر بعض الْمَشَايِخ على من يكْتب أَو يذكر اسْما من أَسمَاء الله مُنْكرا، وحاشا الله أَن يكون اسْمه نكرَة
وَاخْتلفُوا فِي (اللَّيْل) و (اللَّيْلَة) فَكتب بَعضهم بلام وَاحِدَة اتبَاعا للمصحف
وكل شَيْء مِنْهَا إِذا دخلت عَلَيْهِ لَام الْإِضَافَة يكْتب بلامين وتحذف وَاحِدَة استثقالا لِاجْتِمَاع ثَلَاث لامات
و (الَّذِي) يَصح للعاقل وَغَيره، وَكَذَا الْمثنى؛ و (الَّذين) لَا يسْتَعْمل إِلَّا للعقلاء خَاصَّة وَيجوز التَّعْبِير بِلَفْظ (الَّذِي) عَن الْجمع لأَنهم جوزوا فِي الموصولات وَأَسْمَاء الإشارات مَا لم يجوزوا فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس، فيراد بالمفرد مِنْهَا مَا يُرَاد بالتثنية وَالْجمع، وبالمذكر مَا يُرَاد بالمؤنث، وَإِنَّمَا لم يعرب (الَّذِي) لِأَنَّهُ مَوْصُول لَا يتم إِلَّا بصلته، وَلَا إِعْرَاب إِلَّا لتَمام الْكَلِمَة فِي آخِره
وأعرب التَّثْنِيَة لتحَقّق معنى الِاسْم فِيهِ
وَلَيْسَ (اللَّذَان) و (التان) تَثْنِيَة (الَّذِي) و (الَّتِي) على حد لَفْظهمَا، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لقالوا: (اللذيان) و (التيان) وَإِنَّمَا هما صيغتان مرتجلتان للتثنية
وَلَيْسَ (الَّذين) جمع (الَّذِي) الْمُصَحح بل ذُو زِيَادَة زيدت لزِيَادَة الْمَعْنى وَلذَلِك جَاءَ بِالْيَاءِ أبدا فِي اللُّغَة الفصيحة الَّتِي عَلَيْهَا التَّنْزِيل
و (الَّذِي) تدخل على الْجُمْلَة الاسمية والفعلية و (ال) لَا تدخل إِلَّا على الْجُمْلَة المصدرة بِفعل
(1/164)

متصرف مُثبت و (أولاء) كلمة مَعْنَاهَا الْكِنَايَة عَن جمَاعَة نَحْو (هم) جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه بني على الْكسر وَالْكَاف الْمُتَّصِل بِهِ للخطاب
و (اللائي) : وَاحِدهَا (الَّتِي) و (الَّذِي) جَمِيعًا، و (اللَّاتِي) : وَاحِدهَا (الَّتِي) وَقيل هِيَ جمع (الَّتِي) بِحَسب الْمَعْنى دون اللَّفْظ، وَقيل جمع على غير قِيَاس
فِي " أدب الْكَاتِب " وَغَيره: (أولي) بِمَعْنى (الَّذين) واحده (الَّذِي) و (أولو) بِمَعْنى أَصْحَاب واحده (ذُو) و (أولات) وَاحِدهَا (ذَات) وَقَالَ الْكسَائي: من قَالَ فِي الْإِشَارَة: (أولاك) فواحده (ذَاك) وَمن قَالَ: (أُولَئِكَ) فواحده (ذَلِك)
و (بعد التيا وَالَّتِي) : مَعْنَاهُ بعد الخطة الَّتِي من فظاعة شَأْنهَا كَيْت وَكَيْت، وَإِنَّمَا حذفوا ليوهم أَنَّهَا بلغت من الشدَّة مبلغا تقاصرت الْعبارَة عَن كنهه
الْألف وَاللَّام: هِيَ مَتى أطلقت إِنَّمَا يُرَاد بهَا الَّتِي للتعريف، وَإِذا أُرِيد غَيرهَا قيد بالموصولية والزائدة وَكَذَلِكَ التَّنْوِين فَإِنَّهُ مَتى أطلق إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الصّرْف وَإِذا أُرِيد بِهِ غَيره قيد بتنوين التنكير والمقابلة والعوض
وَإِذا دخل الْألف وَاللَّام فِي إسم فَردا كَانَ أَو جمعا وَكَانَ ثمَّة مَعْهُود يصرف إِلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَإِن لم يكن ثمَّة مَعْهُود يحمل على الِاسْتِغْرَاق عِنْد الْمُتَقَدِّمين وعَلى الْجِنْس عِنْد الْمُتَأَخِّرين، إِلَّا أَن الْمقَام إِذا كَانَ خطابيا يحمل على كل الْجِنْس وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق، وَإِذا كَانَ الْمقَام استدلاليا أَو لم يُمكن حمله على الِاسْتِغْرَاق يحمل على أدنى الْجِنْس حَتَّى يبطل الجمعية وَيصير مجَازًا عَن الْجِنْس، فَلَو لم نصرفه إِلَى الْجِنْس وأبقيناه على الجمعية يلْزم إِلْغَاء حرف التَّعْرِيف من كل وَجه، إِذْ لَا يُمكن حمله على بعض أَفْرَاد الْجمع لعدم الْأَوْلَوِيَّة، إِذْ التَّقْدِير (أَن لَا عهد) فَتعين أَن يكون للْجِنْس، فَحِينَئِذٍ لَا يُمكن القَوْل بتعريف الْجِنْس مَعَ بَقَاء الجمعية، لِأَن الْجمع وضع لأفراد الْمَاهِيّة لَا للماهية من حَيْثُ هِيَ، فَيحمل على الْجِنْس بطرِيق الْمجَاز
وَاعْلَم أَن (أل) التَّعْرِيف إِمَّا عهدية وَإِمَّا جنسية
فالعهدية: إِمَّا أَن يكون مصحوبها معهودا ذكريا نَحْو: {فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كوب} أَو ذهنيا نَحْو: {إِذْ هما فِي الْغَار} أَو حضوريا نَحْو {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ}
والجنسية: إِمَّا الِاسْتِغْرَاق الْأَفْرَاد، وَهِي الَّتِي تخلفها (كل) حَقِيقَة نَحْو: {وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا} وَمن دلائلها صِحَة الإستثناء من مدخولها نَحْو: {إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا} وَوَصفه بِالْجمعِ نَحْو: (أَو الطِّفْل
(1/165)

الَّذين لم يظهروا} وَإِمَّا لاستغراق خَصَائِص الْأَفْرَاد وَهِي الَّتِي تخلفها (كل) مجَازًا نَحْو: {ذَلِك الْكتاب} أَي الْكتاب الْكَامِل فِي الْهِدَايَة الْجَامِع لصفات جَمِيع الْكتب الْمنزلَة وخصائصها. وَأما لتعريف الْمَاهِيّة والحقيقة وَالْجِنْس، وَهِي الَّتِي لَا تخلفها (كل) لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا نَحْو: {وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ}
وَقد تَجِيء الْألف وَاللَّام فِي كَلَام الْعَرَب على معَان غير الْمعَانِي الْأَرْبَعَة الْمَشْهُورَة كالتعظيم نَحْو: (الْحسن) ، والتزيين والتحسين نَحْو: (الَّذِي وَالَّتِي)
وَقد يُرَاد من مدخولها مُجَرّد شهرته بَين النَّاس، وَذَلِكَ إِذا كَانَ خَبرا لمبتدأ نَحْو: (ووالدك العَبْد) أَي ظَاهر أَنه على هَذِه الصّفة مَعْرُوف بِهِ
وَالْألف وَاللَّام تلْحق الْآحَاد بِالْجمعِ وَالْجمع بالآحاد ذكره النَّيْسَابُورِي [رَحمَه الله وَغَيره]
وَكَون الْألف وَاللَّام عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ مَذْهَب الْكُوفِيّين، وَالصَّوَاب أَن اللَّام تغني عَن الْإِضَافَة فِي الْإِشَارَة إِلَى الْمَعْهُود، وَإِذا دخلت على اسْم الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول كَانَت بِمَعْنى (الَّذِي وَالَّتِي) لَا للْعهد
وَتدْخل الْألف وَاللَّام فِي الْعدَد الْمركب على الأول نَحْو: (الثَّالِث عشر) ، وَفِي الْعدَد الْمُضَاف على الثَّانِي نَحْو: (خَمْسمِائَة الْألف) ، وَعَلَيْهِمَا فِي الْعدَد الْمَعْطُوف نَحْو قَوْله:
(إِذا الْخمس وَالْخمسين جَاوَزت فَارْتَقِبْ)
وَإِنَّمَا تدخل على الأول فِي الْعدَد الْمركب لِأَن الاسمين إِذا ركبا نزلا منزلَة الِاسْم الْوَاحِد، وَالِاسْم الْوَاحِد يلْحق لَام التَّعْرِيف بأوله
إِلَّا: مشدودة حرف مَحْض و (غير) و (سوى) و (سَوَاء) اسْم مَحْض و (لَيْسَ) و (لَا يكون) و (مَا خلا) و (مَا عدا) فعل مَحْض
وَمعنى الْمُغَايرَة فِي: (غير) و (سوى) و (لَا سِيمَا)
وَمعنى النَّفْي فِي: (لَيْسَ) وَفِي (لَا يكون)
وَمعنى الْمُجَاوزَة فِي: (خلا) و (عدا)
وَمعنى التَّنْزِيه فِي: (حاشى)
وَمعنى التّرْك فِي: (بله)
و (غير) : يسوغ إِقَامَتهَا مقَام (إِلَّا) والإسم الْوَاقِع بعد (غير) لَا يَقع أبدا إِلَّا مجرورا بِالْإِضَافَة، وَضمير الْمَجْرُور لَا يكون إِلَّا مُتَّصِلا، وَلِهَذَا امْتنع أَن يفصل بَينهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك الِاسْم الْوَاقِع بعد (إِلَّا) لِأَنَّهُ يَقع إِمَّا مَنْصُوبًا أَو مَرْفُوعا، وَكِلَاهُمَا يجوز أَن يفصل بَينه وَبَين الْعَامِل نَحْو: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا} نصب مَا بعْدهَا بهَا و {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل} رفع مَا بعْدهَا على أَنه بدل بعض
نقل عَن الْآمِدِيّ أَنَّك إِذا قلت: (لَا رجل فِي الدَّار إِلَّا عمرا) كَانَ نصب (عَمْرو) على الِاسْتِثْنَاء أحسن من رَفعه على الْبَدَل، وَقد قَالُوا: إِذا لم تحصل الْمُشَاركَة فِي الِاتِّبَاع كَانَ النصب على الِاسْتِثْنَاء أولى
فِي " الْمِيزَان ": الْمُسْتَثْنى بإلا على ثَلَاثَة أضْرب: مَنْصُوب أبدا وَهُوَ مَا اسْتثْنى من كَلَام مُوجب نَحْو: (جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا) وَمَا قدم على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ
(1/166)

نَحْو: (مَا جَاءَنِي إِلَّا زيدا أحد) ، وَمَا كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ مُنْقَطِعًا نَحْو: (مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا حمارا)
وَالثَّانِي: جَازَ فِيهِ الْبَدَل وَالنّصب، وَهُوَ الْمُسْتَثْنى من كَلَام غير مُوجب نَحْو: (مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيد وَإِلَّا زيدا)
وَالثَّالِث: جَار على إعرابه قبل دُخُول (إِلَّا) [وَالْمُخْتَار مَعَ الْفَصْل الْكثير بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ النصب على الِاسْتِثْنَاء صرح بِهِ فِي " التسهيل " وَوَافَقَهُ الرضي]
و (إِلَّا) يخرج مَا بعْدهَا مِمَّا أَفَادَهُ الْكَلَام الَّذِي قبلهَا فِي الْكَلَام التَّام الْمُوجب، وَكَذَا فِي غير الْمُوجب، وَمن ثمَّة كَانَ تركيب مثل: (مَا قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا) مُفِيدا للحصر مَعَ أَنَّهَا للاستثناء أَيْضا لِأَن الْمَذْكُور بعد (إِلَّا) لَا بُد أَن يكون مخرجا من شَيْء قبلهَا، فَإِن كَانَ مَا قبلهَا تَاما لم يحْتَج إِلَى تَقْدِير، وَإِلَّا فَيتَعَيَّن تَقْدِير شَيْء قبل (إِلَّا) ليحصل الْإِخْرَاج مِنْهُ، لَكِن إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى هَذَا التَّقْدِير لتصحيح الْمَعْنى، فَعلم مِنْهُ أَن الْمَقْصُود فِي الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بتام إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات الحكم الْمَنْفِيّ قبل (إِلَّا) لما بعْدهَا، وَأَن الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ بمقصود، وَلِهَذَا اتّفق النُّحَاة على أَن الْمَذْكُور بعد (إِلَّا) فِي نَحْو: (مَا قَامَ إِلَّا زيد) مَعْمُول لِلْعَامِلِ الَّذِي قبلهَا
وَإِلَّا: تنقل الْكَلَام من الْعُمُوم إِلَى الْخُصُوص ويكتفى بهَا من ذكر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ إِذا قلت: (مَا قَامَ إِلَّا زيد) فَكَانَت هِيَ الأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء
والا الاستثنائية: قد تكون عاطفة بِمَنْزِلَة الْوَاو فِي التَّشْرِيك كَقَوْلِه تَعَالَى: {لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا} أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا
وَتَكون بِمَعْنى (بل) نَحْو: {إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى}
وَبِمَعْنى (لَكِن) نَحْو {لست عَلَيْهِم بمسيطر إِلَّا من تولى وَكفر} وَنَحْو: {إِلَّا مَا اضطررتم} وَتَكون صفة بِمَعْنى (غير) فيوصف بهَا أَو بتاليها جَمِيعًا جمع مُنكر أَو شبه نَحْو: {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} أَو شَبيهَة وَالْمرَاد بشبه الْجمع الْمُنكر الْجمع الْمُعَرّف بلام الْجِنْس والمفرد غير الْمُخْتَص بِوَاحِد وَكَون (إِلَّا) فِي هَذِه الْآيَة للاستثناء غير صَحِيح من جِهَة اللَّفْظ وَالْمعْنَى، إِذْ الْمَعْنى حِينَئِذٍ (لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة لَيْسَ فيهم الله لفسدتا) وَهُوَ بَاطِل بِاعْتِبَار مَفْهُومه، وَأما اللَّفْظ فَلِأَن (آلِهَة) جمع مُنكر فِي الْإِثْبَات فَلَا عُمُوم لَهُ فَلَا يَصح الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ، [وَحكم ابْن الْحَاجِب بِضعْف (إِلَّا) بِمَعْنى (غير) غير مَا إِذا كَانَت تَابِعَة بِجمع منكور غير محصورة] وَقد يَجِيء بِمَعْنى (بدل) وَعَلِيهِ خرج ابْن الصَّائِغ أَي (بدل الله) أَو (عوضه) فَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ
وَقد يذكر (إِلَّا) وَيُرَاد بِهِ تَأْكِيد الأول بتعليق الثَّانِي بِعَدَمِ الأول، كَقَوْل الإِمَام للمرتد: (تب وَإِلَّا قتلناك)
وَيذكر وَيُرَاد بِهِ التَّخْيِير، كَمَا يُقَال: (اركب هَذِه الدَّابَّة وَإِلَّا هَذِه الدَّابَّة)
وَيَجِيء بِمَعْنى (إِمَّا) كَمَا فِي قَوْلهم: (إِمَّا أَن
(1/167)

تكلمني وَإِلَّا فَاذْهَبْ) أَي وَإِمَّا أَن تذْهب وَقد تكون زَائِدَة
[و (إِلَّا) فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك} قيل بِمَعْنى (سوى) كَقَوْلِه: (عَليّ ألف إِلَّا الألفان القديمان) وَالْمعْنَى سوى مَا شَاءَ رَبك من الزِّيَادَة الَّتِي لَا آخر لَهَا على مُدَّة بَقَاء السَّمَاوَات وَالْأَرْض]
و (إِلَّا) و (الْوَاو) الَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) كل وَاحِدَة مِنْهَا يعدى الْفِعْل الَّذِي قبلهَا إِلَى الِاسْم الَّذِي بعْدهَا مَعَ ظُهُور النصب فِيهِ
[وَقد يكون للشّرط كَمَا فِي قَوْله:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
أَي: إِن لم يُوجد الفرقدان لَكَانَ كل أَخ مفارق أَخِيه، فَلَا شذوذ فِي الْبَيْت على هَذَا الْوَجْه] أَلا بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد: حرف تحضيض مُخْتَصّ بِالْجُمْلَةِ الفعلية الخبرية
وبالكسر وَالتَّشْدِيد مَعَ التَّنْوِين: بِمَعْنى الْعَهْد، وَالْحلف، والقرابة، وَالْأَصْل، والجيد، وَالْجَار، والمعدن، والحقد، والعداوة، والربوبية، وَالْوَحي، والأمان
أَلا أَن: هِيَ مَتى دخلت على مَا يقبل التَّوْقِيت تجْعَل غَايَة نَحْو: {لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم} أَي: حَتَّى، دلّ عَلَيْهِ قِرَاءَة (إِلَى أَن تقطع) وَمَتى دخلت على مَا لَا يقبل التَّوْقِيت، وَهُوَ أَن يكون فعلا لَا يَمْتَد ك (إِلَّا أَن يقدم فلَان) تجْعَل شرطا بِمَنْزِلَة (إِن) لما بَين الْغَايَة وَالشّرط من الْمُنَاسبَة، وَهِي أَن حكم مَا بعد كل مِنْهُمَا يُخَالف حكم مَا قبله
أَلا: تَأتي حرف استفتاح ك (أما) لَكِن يتَعَيَّن كسر (إِن) بعد (أَلا) ، وَيجوز الْفَتْح وَالْكَسْر بعد (أما) كالواقعة بعد (إِذْ)
وَتَأْتِي للتّنْبِيه، وتفيد التَّحْقِيق لتركبها من همزَة الِاسْتِفْهَام الَّتِي هِيَ الْإِنْكَار وحرف النَّفْي الَّذِي لإِفَادَة التَّنْبِيه على تَحْقِيق مَا بعده، فَإِن إِنْكَار الشَّيْء تَحْقِيق للإثبات لكنهما بعد التَّرْكِيب صارتا كلمتي تَنْبِيه يدخلَانِ على مَا لَا يجوز أَن يدْخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي
وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن لَا تركيب فيهمَا، نظيرهما الْهمزَة الدَّاخِلَة على (لَيْسَ) فِي كَونهَا لتحقيق مَا بعْدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر}
وَتَكون للتوبيخ وَالْإِنْكَار والاستفهام عَن النَّفْي وللعرض والتحضيض
وَتَكون اسْما بِمَعْنى (النِّعْمَة) وَالْجمع (آلَاء) ، وفعلا مَاضِيا بِمَعْنى (قصر) أَو اسْتَطَاعَ)
إِلَى: هِيَ نقيضة (من) لِأَنَّهَا بِإِزَاءِ طرف (من) فِي " الْمُفْردَات ": حرف لتحديد النِّهَايَة من الجوانب السِّتَّة وَلكنهَا لَا تخْتَص بِالْمَكَانِ كَمَا اخْتصّت (من)
وَفِي التَّنْزِيل: {وَالْأَمر إِلَيْك} {وَإِلَى الله الْمصير}
(1/168)

وَإِلَى الزمانية، نَحْو: {أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل}
والمكانية، {من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى} وَتَكون بِمَعْنى (مَعَ) وَهُوَ قَلِيل وَعَلِيهِ {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم} وَالتَّحْقِيق أَنه يحمل على التَّضْمِين أَي: (مُضَافَة إِلَى الْمرَافِق) و (ضامين إِلَى أَمْوَالكُم
وَتَكون بِمَعْنى الظّرْف ك (فِي) نَحْو: {ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة}
وَإِذا دخلت على ظَاهر أبقيت ألفها إِذْ الأَصْل فِي الْحُرُوف أَلا يتَصَرَّف فِيهَا
وَإِذا دخلت على مُضْمر قلبت ألفها يَاء حملا على (على) و (لَدَى) فَإِنَّهُمَا لَا تنفكان عَن الْإِضَافَة
وَإِلَى بِمَعْنى على كَمَا فِي حَدِيث: " من ترك كلا وعيالا فَإِلَيَّ "
وَإِلَى وَاللَّام يتعاقبان نَحْو: {وأوحي إِلَى نوح} {أوحى لَهَا} و (إِلَيْك كَذَا) : أَي خُذْهُ
و (اذْهَبْ إِلَيْك) : أَي اشْتغل بِنَفْسِك
و (إِلَيْك عني) : أَي أمسك عني وكف وأصل (إِلَيْك) (إلاك) قلبت الْألف يَاء فرقا بَين الْإِضَافَة إِلَى المكنى وَغَيره
الِالْتِفَات: هُوَ نقل الْكَلَام من أسلوب إِلَى آخر، أَعنِي من التَّكَلُّم أَو الْخطاب أَو الْغَيْبَة إِلَى آخر مِنْهَا بعد التَّعْبِير الأول، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور
مِثَاله من التَّكَلُّم إِلَى الْخطاب قَوْله: {وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين وَأَن أقِيمُوا الصَّلَاة} وَمن التَّكَلُّم إِلَى الْغَيْبَة نَحْو: {إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله} وَمن الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة نَحْو: {ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون يُطَاف عَلَيْهِم}
وَمن الْغَيْبَة إِلَى التَّكَلُّم نَحْو: {وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا وزينا}
وَمن الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب نَحْو: {وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا} وَقَوله تَعَالَى: (إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود، وَإنَّهُ على ذَلِك لشهيد، وَإنَّهُ لحب
(1/169)

الْخَيْر لشديد} يحسن أَن يُسمى الْتِفَات الضمائر، قَالَه ابْن أبي الْأصْبع، وَلم يَقع فِي الْقُرْآن مِثَال من الْخطاب إِلَى التَّكَلُّم، [وَفِي قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أسرى} إِلَى قَوْله: {إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم} أَربع: الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى التَّكَلُّم إِلَى قَوْله (باركنا) ، وَفِي قِرَاءَة (ليريه) بالغيبة من التَّكَلُّم إِلَى الْغَيْبَة وَفِي (آيَاتنَا) بِالْعَكْسِ، وَفِي (إِنَّه) كالمعكوس
وَمن شَرط الِالْتِفَات أَن يكون الضَّمِير فِي الْمُنْتَقل إِلَيْهِ عَائِدًا فِي نفس الْأَمر إِلَى الْمُنْتَقل عَنهُ، وَأَن يكون فِي جملتين]
وَلَا الْتِفَات فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة كَمَا ظن، لِأَن الْمَوْصُول مَعَ صلته كاسم وَاحِد فَلَا يجْرِي عَلَيْهِ حكم الْخطاب بِإِدْخَال (يَا) عَلَيْهِ، إِلَّا بعد ارتباط الصِّلَة بِهِ وعود ضمير الصِّلَة إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة غَائِب، إِذْ الِاسْم الظَّاهِر من قبيل الْغَيْب مَا لم يدْخل عَلَيْهِ مَا يُوجب الْخطاب، فَمُقْتَضى الظَّاهِر أَن يكون الضَّمِير الْعَائِد إِلَيْهِ من الصِّلَة ضمير غيبَة، فلاحقه مُوَافق لسابقه؛ والالتفات لَا بُد فِيهِ من الْمُخَالفَة بَينهمَا، وَكَذَا الِالْتِفَات بَين (الَّذين آمنُوا) وَبَين (إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة) لِأَن الْمَوْصُول مَعَ صلته لما صَار بورود حرف الْخطاب عَلَيْهِ معنى مُخَاطبا اقْتضى الظَّاهِر أَن يكون الْعَائِد إِلَيْهِ فِي هَذِه الْحَالة ضمير خطاب ليُوَافق سابقه فِي الْخطاب والتجريد، بِجَامِع الْكِنَايَة، دون الِالْتِفَات، لِأَن الِالْتِفَات يَقْتَضِي اتِّحَاد الْمَعْنيين، والتجريد يغايرهما؛ وَلِأَن التَّجْرِيد مِمَّا يتَعَلَّق بِمَفْهُوم اللَّفْظ
والالتفات: نقل الْكَلَام من أسلوب إِلَى أسلوب وَهُوَ نقل معنوي لَا لَفْظِي فَقَط فبينهما عُمُوم وخصوص وَجْهي، وَكَذَا وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر وَبِالْعَكْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِالْتِفَات
والعدول من أسلوب إِلَى آخر أَعم من الِالْتِفَات، كَمَا فِي الرّفْع وَالنّصب المعدول إِلَيْهِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ عَامل المنعوت، وسنشبعك من الْبَيَان فِي بحث " التَّجْرِيد " إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[وَمن الِالْتِفَات نقل الْكَلَام من خطاب الْوَاحِد إِلَى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {قَالُوا أجئتنا لتلفتنا} إِلَى قَوْله: {وَتَكون لَكمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْض}
وَإِلَى الْجمع، نَحْو: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء}
وَمن الِاثْنَيْنِ إِلَى الْوَاحِد، نَحْو: {فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى}
وَإِلَى الْجمع، نَحْو: {وأوحينا إِلَى مُوسَى وأخيه أَن تبوأا}
وَمن الْجمع إِلَى الْوَاحِد، نَحْو: {أقِيمُوا الصَّلَاة وَبشر الْمُؤمنِينَ}
وَإِلَى الِاثْنَيْنِ نَحْو: (يَا معشر الْجِنّ
(1/170)

وَالْإِنْس} إِلَى قَوْله: {تُكَذِّبَانِ} ]
الْآل: هُوَ جمع فِي الْمَعْنى فَرد فِي اللَّفْظ يُطلق بالاشتراك اللَّفْظِيّ على ثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: الْجند والأتباع نَحْو (آل فِرْعَوْن)
وَالثَّانِي: النَّفس نَحْو (آل مُوسَى) و (آل هرون) و (آل نوح)
وَالثَّالِث: أهل الْبَيْت خَاصَّة نَحْو: (آل مُحَمَّد) وَرُوِيَ أَن الْحسن كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ صل على ألى مُحَمَّد، أَي على شخصه، وَآل إِبْرَاهِيم: اسماعيل واسحاق وأولادهما، وَقد دخل فيهم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَآل عمرَان: مُوسَى وَهَارُون ابْنا عمرَان بن يصهر ابْن يافث بن لاوي بن يَعْقُوب أَو عِيسَى وَأمه مَرْيَم بنت عمرَان إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى يهودا ابْن يَعْقُوب
وَاصل آل: أهل، كَمَا اقْتصر عَلَيْهِ صَاحب " الْكَشَّاف " أَو من (آل يؤول) إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ بِقرَابَة أَو رَأْي أَو نَحْوهمَا كَمَا هُوَ رَأْي الْكسَائي، وَرجحه بعض الْمُتَأَخِّرين
وعَلى كل من التَّقْدِيرَيْنِ قد دلّت الْأَحَادِيث على أَن آل مُحَمَّد مَخْصُوص بمستحقي خمس الْخمس الَّذين حرمت عَلَيْهِم الصَّدَقَة، وهم بَنو هَاشم فَقَط، هَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَأهل بَيت النَّبِي: فَاطِمَة، وَعلي، وَالْحسن وَالْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لف عَلَيْهِ كسَاء وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي
والمتبادر إِلَى الذِّهْن عِنْد الْإِطْلَاق هم مَعَ أَزوَاجه وَقد نظمت فِيهِ:
(حَقًا بَنو هَاشم آل الرَّسُول فَقَط ... عِنْد الإِمَام فَكُن فِي أَمرهم عسا)

(أما عَليّ وإبناه وَفَاطِمَة ... من أهل بَيت عَلَيْهِم كَانَ لف كسا)

(لَا منع من دَاخل فِي حق خَارِجَة ... وَالنَّص لَا يَقْتَضِي أَن لَيْسَ مِنْهُ نسا)
والآل عرفا: هم الْمُؤْمِنُونَ من هَذِه الْأمة، أَو الْفُقَهَاء الْعَامِلُونَ مِنْهُم، فَلَا يُقَال (الْآل) على المقلدين كَمَا فِي " الْمُفْردَات "
وَآل النَّبِي من جِهَة النّسَب: أَوْلَاد عَليّ وَعقيل وجعفر وَالْعَبَّاس
وَمن جِهَة الدّين: كل مُؤمن تَقِيّ، كَذَا أجَاب رَسُول الله حِين سُئِلَ عَن الْآل
قَالَ بَعضهم: الْآل هم المختصون بِالْقربِ مِنْهُ قرَابَة أَو صُحْبَة أَو خلَافَة عَنهُ فِي مواريثه العلمية والعملية والحالية، وهم ثَلَاثَة أَصْنَاف: صنف مِنْهُم آله صُورَة وَمعنى، وَهُوَ خَلِيفَته وَالْإِمَام الْقَائِم مقَامه حَقِيقَة
وصنف مِنْهُم آله معنى لَا صُورَة، كَسَائِر الْأَوْلِيَاء الَّذين هم أهل الْكَشْف وَالشُّهُود
وصنف مِنْهُم آله صُورَة طينية لَا معنى، كمن صحت نسبته الطينية والعنصرية إِلَيْهِ، وَهَذَا الصِّنْف هم السادات والشرفاء، وَقد نظمت فِيهِ:
(من خص بِالْقربِ مِمَّن قد علا نسبا ... قرب الْقَرَابَة كالسادات والشرفا)

(قرب الْخلَافَة أَو قرب مصاحبة ... كالأولياء وَمن فِي الْعدْل كالخلفا)
قيل لجَعْفَر الصَّادِق: إِن النَّاس يَقُولُونَ: إِن الْمُسلمين كلهم آل النَّبِي فَقَالَ: صدقُوا وكذبوا
(1/171)

فَقيل لَهُ: مَا معنى ذَلِك؟ فَقَالَ: كذبُوا فِي أَن الْأمة كَافَّة هم آله، وَصَدقُوا إِذا قَامُوا بشرائط شَرِيعَته هم آله
وَبَين الْآل والصحب عُمُوم وخصوص من وَجه، فَمن اجْتمع بِالنَّبِيِّ من أَقَاربه الْمُؤمنِينَ فَهُوَ من الْآل والصحب، وَمن لم يجْتَمع بِهِ مِنْهُم فَهُوَ من الْآل فَقَط، وَمن اجْتمع بِهِ من غير الْقَرَابَة بِشَرْط كَونه مُؤمنا بِهِ فَهُوَ من الصحب فَقَط
قَالَ بَعضهم: إِضَافَة الْآل إِلَى الضَّمِير قَليلَة أَو غير جَائِزَة، وَالصَّحِيح جَوَاز ذَلِك
وَلَا يسْتَعْمل مُفردا غير مُضَاف إِلَّا نَادرا
وَيخْتَص بالأشراف دنيويا كَانَ أَو أخرويا من الْعُقَلَاء الذُّكُور، فَلَا يُقَال: (آل الإسكاف) وَلَا (آل فَاطِمَة) وَلَا (آل مَكَّة) ، وَعَن الْأَخْفَش أَنهم قَالُوا: (آل الْمَدِينَة) و (آل الْبَصْرَة)
اللَّهُمَّ: كلمة تسْتَعْمل فِيمَا إِذا قصد اسْتثِْنَاء أَمر نَادِر مستبعد، كَأَنَّهُ يستعان بِاللَّه تَعَالَى فِي تَحْصِيله
حذف حرف النداء وَأخر مَا عوض عَنهُ من الْمِيم الْمُشَدّدَة تبركا بِالِابْتِدَاءِ باسمه سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال من كلمة (يَا) الْمَوْضُوعَة للبعيد، مَعَ أَنه أقرب قرب علم أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط
وأصل اللَّهُمَّ: يَا الله، وَهُوَ قَول أهل الْبَصْرَة فتمحض ذكرا، و (يَا الله أمنا بِخَير) ، أَي: اقصدنا بِخَير، وَهُوَ قَول أهل الْكُوفَة فَلم يَك تَعْظِيمًا خَالِصا
وَاخْتلف فِي لَفْظَة الْجَلالَة على عشْرين قولا، أَصَحهَا أَنه علم [لذاته الْمَخْصُوص جزئي الْمَفْهُوم، فَلَيْسَ لَهُ مَاهِيَّة كُلية، لِئَلَّا يلْزم أَن يكون وجود الْبَارِي مُمْتَنعا إِذا كَانَ وجود بَاقِي الْأَفْرَاد أنفس الْمَاهِيّة، وَأَن يكون وجود الْأَفْرَاد الْبَاقِيَة مُمكنا بِالذَّاتِ، مُمْتَنعا بِالْغَيْر إِذا كَانَ لغير الْمَاهِيّة فَإِنَّهُمَا محَال، و] غير مُشْتَقّ، على مَا هُوَ اخْتِيَار الْمُحَقِّقين، لاستلزام الِاشْتِقَاق أَن يكون الذَّات بِلَا مَوْصُوف، لِأَن سَائِر الْأَسَامِي الْحَقِيقِيَّة صِفَات، وَهَذَا إِذا كَانَ مشتقا يلْزم أَن يكون صفة وَلَيْسَ مَفْهُومه المعبود بِالْحَقِّ كالإله ليَكُون كليا بل هُوَ اسْم للذات الْمَخْصُوص المعبود بِالْحَقِّ الدَّال على كَونه مَوْجُودا أوعليكيفيات ذَلِك الْوُجُود أَعنِي كَونه أزليا أبديا وَاجِب الْوُجُود لذاته، وعَلى الصِّفَات السلبية الدَّالَّة على التَّنْزِيه، وعَلى الصِّفَات الإضافية الدَّالَّة على الْإِيجَاب والتكوين، [وَمن قَالَ أَنه مُشْتَقّ غير علم علل بِأَن الْعلم قَائِم مقَام الْإِشَارَة وَهِي محَال فِي حَقه تَعَالَى] وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أَنه من الْأَعْلَام الْخَاصَّة أَو الْغَالِبَة، وَقد صَرَّحُوا بِأَن لفظ إِلَه مُنْكرا بِمَعْنى المعبود مُطلقًا بِحَق كَانَ أَو بباطل، إِلَّا أَنه يحمل فِي كلمة التَّوْحِيد على المعبود بِالْحَقِّ بِقَرِينَة أَن المراء والجدال إِنَّمَا هُوَ فِي المعبود بِحَق وَهُوَ الْمَقْصُود بِإِثْبَات الْوُجُود وحصره وَيكون مجَازًا مُسْتَعْملا فِي معنى أخص من مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ
وَالْحَاصِل أَن الْإِلَه اسْم لمَفْهُوم كلي هُوَ المعبود بِحَق، وَالله علم لذات معِين هُوَ المعبود بِالْحَقِّ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ قَوْلنَا: (لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة تَوْحِيد) أَي: لَا معبود بِحَق إِلَّا ذَلِك الْوَاحِد الْحق
وَاتَّفَقُوا على أَن لفظ الله مُخْتَصّ بِاللَّه، وأصل اسْم الله الَّذِي هُوَ الله (إِلَه) ثمَّ دخلت عَلَيْهِ الْألف والام فَصَارَ (الْإِلَه) ثمَّ تخفف الْهمزَة التَّخْفِيف الصناعي بِأَن تلين وتلقى حركتها على السَّاكِن قبلهَا وَهُوَ لَام التَّعْرِيف فَصَارَ (اللاه) بِكَسْر اللَّام الأولى وَفتح
(1/172)

الثَّانِيَة، فأدغموا الأولى فِي الثَّانِيَة بعد إسكانها وفخموها تَعْظِيمًا
قَالَ بَعضهم: وَكَذَا الْإِلَه مُخْتَصّ بِهِ تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم: اسْم الْإِلَه يُطلق على غَيره تَعَالَى كَانَ مُضَافا أَو نكرَة {وَانْظُر إِلَى إلهك} {وَاجعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة}
وأصل لَفْظَة الْجَلالَة الْهَاء الَّتِي هِيَ ضمير الْغَائِب، لأَنهم لما أثبتوا الْحق سُبْحَانَهُ فِي عُقُولهمْ أشاروا إِلَيْهِ بِالْهَاءِ؛ وَلما علمُوا أَنه تَعَالَى خَالق الْأَشْيَاء ومالكها زادوا عَلَيْهَا لَام الْملك فَصَارَ (الله)
وَحَاصِل مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ هُوَ أَنه كَانَ وَصفا لذات الْحق بالألوهية الجامعة لجَمِيع الْأَسْمَاء الْحسنى وَالصِّفَات العلى والحيطة بِجَمِيعِ مَعَاني اشتقاقاته الْعُظْمَى، فَصَارَ بِغَلَبَة اسْتِعْمَاله فِيهِ لعدم إِمْكَان تحقق تِلْكَ الجمعيات فِي غَيره علما لَهُ، فَجرى سَائِر أَوْصَافه عَلَيْهِ بِلَا عكس؛ وَتعين كلمة التَّوْحِيد عَلامَة للْإيمَان، وَلم يعلم لَهُ مُسَمّى فِي اللِّسَان لِأَن الله سُبْحَانَهُ قبض الألسن عَن أَن يدعى بِهِ أحد سواهُ
وكما تاهوا فِي ذَاته وَصِفَاته لاحتجابها بأنوار العظمة وأستار الجبروت، كَذَلِك تحيروا فِي اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ أَنه اسْم أَو صفة مُشْتَقّ أَو غير مُشْتَقّ، علم أَو غير علم، إِلَى غير ذَلِك، كَأَنَّهُ انعكس إِلَيْهِ من مُسَمَّاهُ أشعة من تِلْكَ الْأَنْوَار فقصرت أعين المستبصرين عَن إِدْرَاكه
الإلهام: هُوَ إِيقَاع الشَّيْء فِي الْقلب من علم يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِهِ من غير اسْتِدْلَال تَامّ وَلَا نظر فِي حجَّة شَرْعِيَّة وَقد يكون بطرِيق الْكَشْف، وَقد يحصل من الْحق من غير وَاسِطَة الْملك بِالْوَجْهِ الْخَاص الَّذِي لَهُ مَعَ كل مَوْجُود
وَالْوَحي يحصل بِوَاسِطَة الْملك، وَلذَلِك لَا تسمى الْأَحَادِيث القدسية بِالْوَحْي وَإِن كَانَت كَلَام الله
وَقد يُرَاد بالإلهام التَّعْلِيم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فألهمها فجورها وتقواها} وَلَا يُرَاد بِهِ إلهام الْخَواص لِأَنَّهُ لَا يكون مَعَ القدسية، وَأَيْضًا إلهام الْخَواص للروح لَا للنَّفس والتعليم من جِهَة الله تَارَة يكون بِخلق الْعُلُوم الضرورية فِي الْمُكَلف، وَتارَة بِنصب الْأَدِلَّة السمعية أَو الْعَقْلِيَّة وَأما الإلهام فَلَا يجب إِسْنَاده وَلَا استناده إِلَى الْمعرفَة بِالنّظرِ فِي الْأَدِلَّة، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم لما يهجس فِي الْقلب من الخواطر بِخلق الله فِي قلب الْعَاقِل فيتنبه بذلك ويتفطن فيفهم الْمَعْنى بأسرع مَا يُمكن، وَلِهَذَا يُقَال: (فلَان ملهم) إِذا كَانَ يعرف بمزيد فطنته وذكائه مَا لَا يُشَاهِدهُ، وَلذَلِك يُفَسر وَحي النَّحْل بالإلهام دون التَّعْلِيم
والإلهام: من الْكَشْف الْمَعْنَوِيّ، وَالْوَحي: من الشهودي المتضمن لكشف الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحصل بِشُهُود الْملك وَسَمَاع كَلَامه
وَالْوَحي من خَواص النُّبُوَّة والإلهام أَعم
وَالْوَحي مَشْرُوط بالتبليغ دون الإلهام
الِالْتِزَام: هُوَ فِي اصْطِلَاح البديعيين أَن يلْتَزم الناثر فِي نثره والناظم فِي نظمه بِحرف قبل حرف الروي أَو بِأَكْثَرَ من حرف بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدرته مَعَ عدم التَّكَلُّف وَفِي التَّنْزِيل كَقَوْلِه: (فَلَا أقسم
(1/173)

بالخنس؛ الْجوَار الكنس} {وَاللَّيْل وَمَا وسق؛ وَالْقَمَر إِذا اتسق} وَفِي الحَدِيث: " اللَّهُمَّ بك أحاول وَبِك أوصاول " و " زر غبا تَزْدَدْ حبا "
الإلغاء: هُوَ حَقِيقَة ترك الْعَمَل مَعَ التسليط نَحْو: (زيد قَائِم ظَنَنْت)
وَلَا يُنكر إِلْغَاء مَعَاني الْأَلْفَاظ كَمَا يتَأَوَّل فِي الشَّيْء مَا لَا يكون فِي أَصله
وَأما إِلْغَاء الْعَمَل: فَلَا يكون إِلَّا فِيمَا لَا يكون أَصله الْعَمَل، وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام: إِلْغَاء فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى: مثل (لَا) فِي: {لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب}
وإلغاء فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى مثل: (كَانَ فِيمَا كَانَ أحسن زيدا)
وَبِالْعَكْسِ: نَحْو: {كفى بِاللَّه شَهِيدا} نقل ابْن يعِيش عَن ابْن السراج أَنه قَالَ: حق الملغى عِنْدِي أَن لَا يكون عَاملا وَلَا مَعْمُولا فِيهِ حَتَّى يلغى من الْجمع، وَيكون دُخُوله كخروجه لَا يحدث معنى غير التَّأْكِيد، واستغرب زِيَادَة حُرُوف الْجَرّ لِأَنَّهَا عاملة، قَالَ: وَدخلت لمعان غير التَّأْكِيد
الْآلَة: هِيَ مَا يعالج بهَا الْفَاعِل الْمَفْعُول كالمفتاح وَنَحْوه، وَلَيْسَ الْمِنْبَر بِآلَة، وَإِنَّمَا هُوَ مَوضِع الْعُلُوّ والارتفاع، وَالصَّحِيح أَن هَذَا وَنَحْوه من الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة على هَذِه الصِّيغَة لَيست على الْقيَاس
الْأَلَم: الوجع، [والأليم: المؤلم من الْعَذَاب الَّذِي يبلغ إيجاعه غَايَة الْبلُوغ] وَهُوَ مصدر ألم يألم كعلم يعلم: إِذا أَصَابَهُ الوجع
والألم: إِدْرَاك الْمنَافِي من حَيْثُ هُوَ منَاف كَمَا أَن اللَّذَّة إِدْرَاك الملائم من حَيْثُ هُوَ ملائم
وَهَذَا لَا يُنَاسب فن البديع، لِأَن اللَّذَّة حَالَة تدركها عِنْد عرُوض الْمنَافِي لإدراكها، وَيدل عَلَيْهِ قَوْلهم: (فلَان يدْرك اللَّذَّة والألم) وَالْمُنَاسِب لفن البديع أَن يُقَال: الْأَلَم: الوجع، واللذة ضِدّه
وَسبب الْأَلَم عِنْد الْحُكَمَاء تفرق الِاتِّصَال
ورده الْفَخر بِأَن قطع الْعُضْو بسكين حادة بِسُرْعَة لَا يحس مَعَه الْأَلَم إِلَّا بعد حِين، بل تفرق الِاتِّصَال سَبَب المزاج الْمُوجب للألم
الْإِلْحَاق: لحق بِهِ كسمع، ولحقه لَحقا ولحاقا بِالْفَتْح: أدْركهُ، كألحقه وَألْحق بِهِ غَيره، وَمِنْه: (ان عذابك بالكفار مُلْحق) أَي: لَاحق فِي الْقَامُوس: الْفَتْح أحسن أَو الصَّوَاب
والإلحاق: جعل مِثَال على مِثَال أَزِيد مِنْهُ بِزِيَادَة حرف أَو أَكثر موازنا لَهُ فِي عدد الْحُرُوف وَفِي الحركات والسكنات
والملحق يجب أَن يكون فِيهِ مَا يزِيد للإلحاق دون الملحق بِهِ، وَزِيَادَة الْحُرُوف فِي المنشعبة لقصد زِيَادَة معنى
وَفِي الملحق لقصد مُوَافقَة لفظ للفظ آخر ليعامل مُعَامَلَته لَا لزِيَادَة معنى
[والإلحاق بِمَا هُوَ الأَصْل فِي نَوعه أظهر من الْإِلْحَاق فِيمَا هُوَ الأَصْل فِي جنسه]
(1/174)

ألم تَرَ: كلمة تسْتَعْمل لقصد التعجيب، وَكَذَا (أَو كَالَّذي) ، وَفِي زِيَادَة حرف التَّشْبِيه ترق فِي التَّعَجُّب
وَلَا يخفى أَن قَوْلك: (هَل رَأَيْت مثل هَذَا) أبلغ من قَوْلك: (هَل رَأَيْت هَذَا)
وك (ألم تَرَ) (أَرَأَيْت) ، إِلَّا أَن (ألم تَرَ) تتَعَلَّق بالمتعجب مِنْهُ فَيُقَال: (ألم تَرَ إِلَى الَّذِي صنع كَذَا) بِمَعْنى أَنه من الغرابة عَجِيب لَا يرى لَهُ مثل، وَكَذَا يُقَال: (أما ترى إِلَى فلَان كَيفَ صنع) أَي: هَذَا الْحَال مِمَّا يستغرب ويتعجب مِنْهُ فَانْظُر وتعجب مِنْهُ، وَلَا يَصح: (أَرَأَيْت الَّذِي مثله) إِذْ يكون الْمَعْنى: انْظُر إِلَى الْمثل وتعجب من الَّذِي صنع
وَقد يُخَاطب ب (ألم تَرَ) من لم يسمع وَلم ير فَإِنَّهُ صَار مثلا فِي التَّعَجُّب
وتعدية (ألم تَرَ) بإلى إِذا كَانَ من رُؤْيَة الْقلب فلتضمن معنى الِانْتِهَاء [نوع] {ألفينا} : وجدنَا
{أَلْهَاكُم} : أشغلكم
{إلحافا} : هُوَ أَن يلازم المسؤول حَتَّى يُعْطِيهِ
{ألْقى السّمع} : أصغى لاستماعه
{بإلحاد} : عدُول عَن الْقَصْد
{أَلد الْخِصَام} : شَدِيد الْخُصُومَة
{إِلَّا وَلَا ذمَّة} : الإل: الْقَرَابَة، والذمة: الْعَهْد
{فألهمها فجورها وتقواها} : بَين الْخَيْر وَالشَّر
{والغوا فِيهِ} : وعارضوا بالخرافات [أَو ارْفَعُوا أَصْوَاتكُم لتشوشوا على الْقَارئ]
{وَمَا ألتناهم} : وَمَا نقصناهم
{ألفافا} : ملتفة بَعْضهَا بِبَعْض
{فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا} : بِأَيّ نعْمَة الله
[ {وَألقى الألواح} : طرحها من شدَّة الْغَضَب حمية للدّين]
{إلْيَاس} : بِهَمْزَة قطع، اسْم عبراني حُكيَ أَنه من سبط يُوشَع وَفِي " أنوار التَّنْزِيل " هُوَ إلْيَاس بن ياسين سبط هرون أخي مُوسَى بعث بعده قَالَ وهب: إِنَّه عمر كَمَا عمر الْخضر وَأَنه يبْقى إِلَى آخر الدُّنْيَا [وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه هُوَ إِدْرِيس جد نوح]
(فصل الْألف وَالْمِيم)
كل مَوضِع فِي الْقُرْآن وَقع فِيهِ لَفْظَة امْرَأَة إِذا قرنت باسم زَوجهَا طولت تاؤها وَإِلَّا قصرت، كَقَوْلِه
(1/175)

تَعَالَى: {إِذْ قَالَت امرأت عمرَان} و {امرأت الْعَزِيز}
كل آيَة فِي الْقُرْآن فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَهُوَ الْإِسْلَام، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر هُوَ عبَادَة الْأَوْثَان
[الإِمَام] : كل من ائتم بِهِ قوم فَهُوَ إِمَام لَهُم
[الْأمة] : كل جمَاعَة يجمعها أَمر أَو دين أَو زمَان أَو مَكَان وَاحِد، سَوَاء كَانَ الْأَمر الْجَامِع تسخيرا أم اخْتِيَارا فَهِيَ أمة
كل من آمن بِنَبِي فَهُوَ أمة الْإِجَابَة
وكل من بلغه دَعْوَة النَّبِي فَهُوَ أمة الدعْوَة
وَأم كل شَيْء: أَصله
قَالَ الْخَلِيل: كل شَيْء، ضم إِلَيْهِ مَا يَلِيهِ يُسمى أما قَالَ ابْن عَرَفَة: وَلِهَذَا سميت أم الْقُرْآن وَأم الْكتاب
وَقَالَ الْأَخْفَش: كل شَيْء انْضَمَّ إِلَيْهِ أَشْيَاء فَهُوَ أم لَهَا، وَلذَلِك سمي رَئِيس الْقَوْم أما لَهُم
وَأم الدِّمَاغ: مجتمعه
وَأم النُّجُوم: المجرة، هَكَذَا جَاءَ فِي شعر ذِي الرمة، لِأَنَّهَا مُجْتَمع النُّجُوم
وَأم الْكتاب: أَصله أَو اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَو سُورَة الْحَمد لِأَنَّهُ يبتدأ بهَا فِي الْمَصَاحِف وَفِي كل صَلَاة، أَو الْقُرْآن جَمِيعه
وَأم الْقرى: علم لمَكَّة [شرفها الله تَعَالَى وَهِي مأثرة إِبْرَاهِيم، ومنشأة إِسْمَاعِيل، ومفخر الْعَرَب، وسرة جزيرتها، وقبلة جماعتها، ومأمن خائفها، وملاذ هَارِبهَا، وَحرم الله فِي أرضه، وَأم قرى عباده، وَأول بَيت وضع للنَّاس] لِأَنَّهَا توسطت الأَرْض فِيمَا زَعَمُوا، أَو لِأَنَّهَا قبْلَة النَّاس يؤمونها، أَو لِأَنَّهَا أعظم الْقرى شَأْنًا أَو لتقدمها على سَائِر الْقرى
وَأم الدُّنْيَا: علم لمصر لِكَثْرَة أَهلهَا، وَيُقَال لَهَا الْقَاهِرَة، لوُقُوع الْقَهْر على أَهلهَا بِالْقَحْطِ وَالْغَرق، أَو لغلبتها على سَائِر الْبِلَاد
[الْأَمَانَة] كل مَا يؤتمن عَلَيْهِ كأموال وَحرم وأسرار فَهُوَ أَمَانَة
[أمحض] : كل شَيْء أخلصته فقد أمحضته
الْأَمر: هُوَ فِي اللُّغَة اسْتِعْمَال صِيغَة دَالَّة على طلب من الْمُخَاطب على طَرِيق الاستعلاء
وَفِي عرف النُّحَاة: صِيغَة (افْعَل) خَاصَّة بِلَا قيد الاستعلاء والعلو، على مَا هُوَ الظَّاهِر من عبارَة السَّيِّد الشريف
قَالَ الشَّيْخ سعد الدّين: الْأَمر فِي عرف النُّحَاة مَا هُوَ المقرون بِاللَّامِ والصيغة الْمَخْصُوصَة
وَصرح صَاحب " الْمِفْتَاح " بِأَن الْأَمر فِي اللُّغَة عبارَة عَن اسْتِعْمَال نَحْو (لينزل) و (انْزِلْ) و (نزال) على سَبِيل الاستعلاء
وَفِي اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة: هُوَ الصِّيغَة الطالبة للْفِعْل مُطلقًا من الْمُخَاطب
وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُول: هُوَ الصِّيغَة الطالبة لَهُ على طَرِيق الاستعلاء، لَكِن بِشَرْط أَن لَا يُرَاد بهَا التهديد أَو التَّعْجِيز أَو نَحْوهمَا
وَقد يُطلق على الْمَقْصد والشأن تَسْمِيَة للْمَفْعُول بِالْمَصْدَرِ
وَصِيغَة الْأَمر وَهُوَ قَوْله: (افْعَل) على سَبِيل
(1/176)

الاستعلاء دون التضرع ذَاتهَا لَيْسَ بِأَمْر عِنْد أهل السّنة وَإِنَّمَا هِيَ دلَالَة على الْأَمر
وَعند الْمُعْتَزلَة: نفس هَذِه الصِّيغَة أَمر
وَأمر: يسْتَعْمل تَارَة مُجَردا من الْحُرُوف فيتعدى إِلَى مَفْعُوله الثَّانِي بِنَفسِهِ فَيُقَال: (أَمرتك أَن تفعل) وَأُخْرَى مَوْصُولا بِالْبَاء يُقَال: (أَمرتك بِأَن تفعل) ، وَقد يسْتَعْمل بِاللَّامِ، لَكِن التَّعْلِيل وُقُوعه على مفعوليه لَا لتعديته إِلَيْهِمَا أَو إِلَى أَحدهمَا فَيُقَال: (أَمرتك لِأَن تفعل)
وَالْأَمر فِي الْحَقِيقَة: هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم فِي النَّفس فَيكون قَوْله: (افْعَل) عبارَة عَن الْأَمر الْمجَازِي تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول
وَالْأَمر: التَّقَدُّم بالشَّيْء سَوَاء كَانَ ذَلِك بقول (افْعَل) و (ليفعل) ، أَو بِلَفْظ خبر نَحْو: {والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ} ، أَو بِإِشَارَة، أَو غير ذَلِك، أَلا ترى أَنه قد سمي مَا رأى فِي الْمَنَام إِبْرَاهِيم من ذبح ابْنه أمرا حَيْثُ قَالَ: {إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك، قَالَ يَا أَبَت أفعل مَا تُؤمر}
وَالْأَمر حَقِيقَة فِي نَحْو: {وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ} أَي: قل لَهُم صلوا
[وَهُوَ [مجَاز فِي الْفِعْل اللّغَوِيّ نَحْو: {أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله} {وشاورهم فِي الْأَمر} أَي فِي الْفِعْل الَّذِي تعزم عَلَيْهِ
وَالْأَمر فِي الشَّأْن نَحْو: {وَمَا أَمر فِرْعَوْن} وَهُوَ عَام فِي أَقْوَاله وأفعاله
وَفِي الصّفة نَحْو: (لأمر مَا يسود) أَي: لأي صفة من صِفَات الْكَمَال
وَالْأَمر فِي الشَّيْء نَحْو: (لأمر مَا كَانَ كَذَا) أَي لشَيْء مَا
وَيذكر الْأَمر وَيُرَاد بِهِ الدّين نَحْو: {حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله} يَعْنِي دين الله، وَالْقُرْآن، وَمُحَمّد
وَالْقَوْل نَحْو: {فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا}
وَالْعَذَاب نَحْو: {وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر}
وَعِيسَى النَّبِي نَحْو: {إِذا قضى أمرا} أَي: إِذا أَرَادَ أَن يخلق ولدا بِلَا أَب كعيسى بن مَرْيَم
وَفتح مَكَّة نَحْو: {فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره}
وَالْحكم وَالْقَضَاء نَحْو: {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر}
وَالْوَحي نَحْو: {يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض}
وَالْملك الْمبلغ للوحي نَحْو: {يلقِي الرّوح من أمره}
(1/177)

والنصرة نَحْو: {هَل لنا من الْأَمر شَيْء}
والذنب نَحْو: {فذاقت وبال أمرهَا} يَعْنِي عُقُوبَة ذنبها
و {أَتَى أَمر الله} أَي: السَّاعَة، عبر بالماضي تَنْبِيها لقربها وضيق وَقتهَا
وأقسام صِيغَة الْأَمر ثَلَاثَة: الأول: المقترنة بِاللَّامِ الْجَازِم وَيخْتَص بِمَا لَيْسَ للْفَاعِل الْمُخَاطب
وَالثَّانِي: مَا يَصح أَن يطْلب بهَا الْفِعْل من الْفَاعِل الْمُخَاطب بِحَذْف حرف المضارعة
وَالثَّالِث: اسْم دَال على طلب الْفِعْل وَهُوَ عِنْد النُّحَاة من أَسمَاء الْأَفْعَال
والأولان لغَلَبَة استعمالهما فِي حَقِيقَة الْأَمر، أَعنِي طلب الْفِعْل على سَبِيل الاستعلاء سماهما النحويون أمرا، سَوَاء اسْتعْمل فِي حَقِيقَة الْأَمر أَو فِي غَيرهَا، حَتَّى إِن لفظ (اغْفِر) فِي (اللَّهُمَّ اغْفِر لنا) أَمر عِنْدهم
وَأما الثَّالِث فَلَمَّا كَانَ اسْما لم يسموه أمرا تمييزا بَين الْبَابَيْنِ
وَاشْترط الاستعلاء فِي الطّلب بِالْأَمر أَي، عد الطَّالِب نَفسه عَالِيا وَإِن لم يكن فِي الْوَاقِع كَذَلِك ليخرج بِهِ الدُّعَاء والالتماس مِمَّا هُوَ بطرِيق الخضوع والتساوي
وَلم يشْتَرط الْعُلُوّ ليدْخل فِي قَول الْأَدْنَى للأعلى على سَبِيل الاستعلاء (افْعَل) وَلِهَذَا نسب إِلَى سوء الْأَدَب، وَقَول فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ: {فَمَاذَا تأمرون} مجَاز بِمَعْنى (تشيرون) أَو (تشاورون) أَو إِظْهَار التَّوَاضُع لَهُم لغاية دهشته من مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام
وَالْأَمر الملطق للْوُجُوب وَلَا يَنْقَسِم إِلَى أَمر النّدب وَغَيره فَلَا يكون موردا للتقسيم
وَمُطلق الْأَمر يَنْقَسِم إِلَى أَمر إِيجَاب وَأمر ندب
وَالْأَمر الْمُطلق فَرد من أَفْرَاد مُطلق الْأَمر بِلَا عكس
وَنفي مُطلق الْأَمر يسْتَلْزم نفي الْأَمر الْمُطلق بِلَا عكس
وَثُبُوت مُطلق الْأَمر جنس لِلْأَمْرِ الْمُطلق
وَالْأَمر الْمُطلق مُقَيّد باطلاق لفظا مُجَرّد عَن التَّقْيِيد معنى، وَمُطلق الْأَمر مُجَرّد عَن التَّقْيِيد لفظا مُسْتَعْمل فِي الْمُقَيد وَغَيره معنى
وَالْأَمر الْمُطلق هُوَ الْمُقَيد بِقَيْد الْإِطْلَاق، فَهُوَ مُتَضَمّن للإطلاق وَالتَّقْيِيد، وَمُطلق الْأَمر يصلح للمطلق والمقيد، وَهُوَ عبارَة عَمَّا صدق عَلَيْهِ الْأَمر
وَالْأَمر الْمُطلق عبارَة عَن الْأَمر الْخَارِجِي عَن الْقَرِينَة
وَإِذا قلت (الْأَمر الْمُطلق) فقد أدخلت الْألف وَاللَّام على الْأَمر وَهِي تفِيد الْعُمُوم والشمول ثمَّ وَصفته بِالْإِطْلَاقِ بِمَعْنى أَنه لم يُقيد بِقَيْد يُوجب تَخْصِيصه من شَرط أَو صفة أَو غَيرهمَا، فَهُوَ عَام فِي كل فَرد من الْأَفْرَاد الَّتِي هاذ شَأْنهَا
وَأما (مُطلق الْأَمر) فالإضافة فِيهِ لَيست للْعُمُوم، بل للتمييز، بل هُوَ قدر مُشْتَرك مُطلق لَا عَام فَيصدق على فَرد من أَفْرَاده
وَالْأَمر مُطلقًا لَا يسْتَلْزم الْإِرَادَة، وَلَو قُلْنَا بالاستلزام لزم ذَلِك فِي جَمِيع الصُّور وَمن جُمْلَتهَا أَمر الله
(1/178)

تَعَالَى؛ والمعتزلة لما لم يفرقُوا بَين إِرَادَة الرب وَإِرَادَة العَبْد فِي جَوَاز تخلف المُرَاد اتجه لَهُم الْقَوْم بالاستلزام
وَنقل الزَّرْكَشِيّ فِي " الْبَحْر " عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الْحق أَن الْأَمر يسْتَلْزم الْإِرَادَة الدِّينِيَّة وَلَا يسْتَلْزم الْإِرَادَة الكونية، فَإِنَّهُ لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يُريدهُ شرعا ودينا، وَقد يَأْمر بِمَا لَا يُريدهُ كونا وَقدرا، كَإِيمَانِ أبي لَهب، وكأمره خَلِيله بِالذبْحِ وَلم يذبح، وَأمره رَسُوله مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِخَمْسِينَ صَلَاة وَلم يصلها، وَفَائِدَته الْعَزْم على الِامْتِثَال وتوطين النَّفس عَلَيْهِ
وَصِيغَة (افْعَل) ترد للْوُجُوب وَالنَّدْب نَحْو: {فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا وَآتُوهُمْ من مَال الله} ، فالإيتاء وَاجِب وَالْكِتَابَة مَنْدُوبَة
وَالْإِبَاحَة نَحْو: {وَإِذا حللتم فاصطادوا} وَهِي أدنى دَرَجَات الْأَمر، وَهُوَ الْمُخْتَار
والتهديد نَحْو: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} أَي من حرَام أَو مَكْرُوه
والإرشاد نَحْو: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}
وَالْإِذْن كَقَوْلِك لمن طرق الْبَاب: ادخل
والتأديب كَقَوْلِك لصبي تجول يَده فِي الْقَصعَة: كل مِمَّا يليك
والإنذار نَحْو: {قل تمَتَّعُوا فَإِن مصيركم إِلَى النَّار}
وَيُفَارق التهديد بِذكر الْوَعيد والامتنان نَحْو: {كلوا مِمَّا رزقكم الله} وَيُفَارق الْإِبَاحَة بِذكر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ
وَالْإِكْرَام للْمَأْمُور نَحْو: {ادخلوها بِسَلام آمِنين}
والتسخير نَحْو: {كونُوا قردة خَاسِئِينَ}
والتكوين نَحْو: {كن فَيكون}
والتعجيز نَحْو: {فَأتوا بِسُورَة من مثله}
والإهانة نَحْو: {ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم}
والتسوية نَحْو: {فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا}
وَالدُّعَاء نَحْو: {رَبنَا أنزل علينا مائدة} وَالتَّمَنِّي نَحْو:
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي)
تمناه لكَونه مستحيلا بِحَسب ظَنّه واعتقاده وَإِن كَانَ مرجوا
والاحتقار نَحْو: {ألقوا مَا أَنْتُم ملقون} فَإِنَّهُ حقير بِالنِّسْبَةِ إِلَى معْجزَة مُوسَى
والتفويض نَحْو: {فَاقْض مَا أَنْت قَاض}
(1/179)

وَيُسمى أَيْضا التَّحْكِيم
والتعجب للمخاطب نَحْو: {انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال}
وَالِاعْتِبَار نَحْو: {انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر} [وَلما اخْتلفت وُجُوه استعمالات الْأَمر قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: لَيْسَ لَهُ مُوجب خَاص، بل هُوَ مُجمل فِي حق الحكم، فَيتَوَقَّف حَتَّى يتَبَيَّن المُرَاد بِالدَّلِيلِ وَيُسمى الواقفية وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة: إِنَّه حَقِيقَة فِي جَوَاز الْفِعْل، وَالْأَصْل عدم الْوُجُوب وَالنَّدْب فَتثبت الْإِبَاحَة وَقَالَ بعض الأشاعرة: إِنَّه لترجيح الْفِعْل وَالْأَصْل عدم الْوُجُوب بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة فَيحمل على النّدب، وَهُوَ مَذْهَب أبي هَاشم
وَقيل: مُشْتَرك بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب وَقيل: يُطلق عَلَيْهِمَا وَقَالَ أَكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين: إِنَّه حَقِيقَة فِي الْوُجُوب مجَاز فِي الْبَاقِي وَهُوَ الْمُخْتَار]
وَقد يكون الْكَلَام أمرا وَالْمعْنَى وَعِيد نَحْو: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم}
أَو تَسْلِيم نَحْو: {فَاقْض مَا أَنْت قَاض}
أَو تحسير نَحْو: {موتوا بغيظكم}
أَو تعجب نَحْو: {أسمع بهم}
أَو تمن كَمَا تَقول لشخص ترَاهُ: (كن فلَانا)
أَو خبر نَحْو: {فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا} وَاسْتِعْمَال صِيغَة الْأَمر فِي مَوضِع الالتماس سَائِغ شَائِع بِدَلِيل: {وَاجعَل لي وزيرا} وَعَلِيهِ: {وَمن ذريتي} أَي: وَاجعَل بعض ذريتي! وَعطف التَّلْقِين لَا يَخْلُو عَن سوء أدب
وَصِيغَة الْأَمر لَا تدل على فعل الْمَأْمُور بِهِ متكررا، وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء ومختار إِمَام الْحَرَمَيْنِ قَالَ أَبُو اسحاق الاسفرائيني: هُوَ للتكرار مُدَّة الْعُمر إِن أمكن، وَلنَا أَن الائتمار يحصل بالإتيان بالمأمور بِهِ مرّة وَاحِدَة، فَلَا يُصَار إِلَى التّكْرَار، وَإِنَّمَا تَكَرَّرت الْعِبَادَات بِتَكَرُّر أَسبَابهَا، كالشهر للصَّوْم وَالْوَقْت للصَّلَاة
وَلَا يَأْمر بالفحشاء فِي الْأَمر الشَّرْعِيّ و {أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا} فِي الْأَمر الكوني بِمَعْنى الْقَضَاء وَالتَّقْدِير
وَالْأَمر التعبدي: هُوَ أَمر تعبدنا بِهِ، أَي كلفنا الله بِهِ من غير معنى يعقل، وَالْيَاء للنسبة أَو للْمُبَالَغَة
وَالْأَمر الاعتباري: هُوَ مَا يعتبره الْعقل من غير تحقق فِي الْخَارِج، والحكماء يسمون الْأُمُور الاعتبارية معقولات ثَانِيَة وَهِي مَا لَا يكون لَهَا فِي الْخَارِج مَا يطابقها ويحاذي بهَا نَحْو الذاتية والعرضية والكلية والجزئية الْعَارِضَة للأشياء الْمَوْجُودَة فِي الذِّهْن وَلَيْسَ فِي الْخَارِج مَا يطابقها
وَأما المعقولات الأولى فَهِيَ المفهومات الْمَقْصُورَة من حَيْثُ هِيَ عارضة لموجود فِي الذِّهْن
والأمور الْعَامَّة هِيَ مَا لَا يخْتَص بقسم من أَقسَام
(1/180)

الموجودات الَّتِي هِيَ الْوَاجِب والجوهر وَالْعرض
قَالَ الدواني: الْأُمُور الْعَامَّة مشتقات وَهِي لَيست بأحوال وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور أَنَّهَا أَحْوَال كالوجود والماهية الْمُطلقَة والشخص الملطق، وَلَيْسَ مِنْهَا الْحَال عِنْد من يَنْفِيه، وَالْوَاجِب لذاته والقدم ليسَا مِنْهَا أَيْضا، كَمَا هُوَ رَأْي الفلاسفة الْقَائِلين بقدم المجردات وَالْحَرَكَة وَالزَّمَان
وَالْأَمر يسْتَعْمل فِي الْأَفْعَال، والأمور فِي الْأَقْوَال، وَيجمع الْأَمر بِمَعْنى الْفِعْل على أُمُور لَا غير، وَبِمَعْنى القَوْل على أوَامِر لَا غير
[وَاخْتِلَاف الجمعين بِحَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى يدل على اخْتِلَاف الْمَعْنيين، وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لفظ الْأَمر حَقِيقَة فيهمَا بالاشتراك اللَّفْظِيّ أَو مجَازًا فيهمَا أَو حَقِيقَة فِي الْفِعْل مجَازًا فِي الْأَمر أَو بِالْعَكْسِ، لَا سَبِيل إِلَى الأول، لِأَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل، وَلَا إِلَى الثَّانِي وَالثَّالِث لانعقاد الْإِجْمَاع على خِلَافه فَتعين الرَّابِع، فالمتوقف على الصِّيغَة حَقِيقَة عندنَا، فَإِن لكل مَقْصُود صِيغَة تدل عَلَيْهِ كالماضي وَالْحَال والاستقبال وَإِلَّا يلْزم قُصُور الْعبارَات عَن الْمَقَاصِد فيختل الْغَرَض الْمَفْرُوض من وضع الْكَلَام، فَيكون المُرَاد بِالْأَمر صِيغَة تدل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ معنى مَقْصُود، وَذَلِكَ الْمَعْنى الْمَقْصُود مُخْتَصّ بِتِلْكَ الصِّيغَة الْمَوْضُوعَة]
وَالْأَمر لَا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، بِخِلَاف الْخَبَر
وَالْأَمر صِيغَة مرتجلة لَا مقتطع من الْمُضَارع، وَالنَّهْي لَيْسَ بِصِيغَة مرتجلة، وَإِنَّمَا يُسْتَفَاد من الْمُضَارع المجزوم الَّذِي دخلت عَلَيْهِ (لَا) للطلب، لِأَن النَّهْي يتنزل من الْأَمر منزلَة النَّفْي من الْإِيجَاب، فَكَمَا احْتِيجَ فِي النَّفْي إِلَى أَدَاة، كَذَلِك فِي النَّهْي احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، وَلذَلِك كَانَ ب (لَا) الَّتِي هِيَ مُشَاركَة فِي اللَّفْظ (لَا) الَّتِي للنَّفْي
وَالْأَمر وجودي، وَالنَّهْي عدمي
وَالْأَمر استدعاء الْفِعْل بالْقَوْل، وَالنَّهْي استدعاء ترك الْفِعْل بالْقَوْل
وَالْأَمر بالشَّيْء يكون نهيا عَن ضِدّه إِذا كَانَ لَهُ ضد وَاحِد، كالأمر بِالْإِيمَان وَالْأَمر بالحركة
وَالنَّهْي عَن الْفِعْل أَمر بضده بِإِجْمَاع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة إِذا كَانَ لَهُ ضد وَاحِد أَيْضا، كالنهي عَن الْكفْر فَإِنَّهُ يكون أمرا بِالْإِيمَان، وَالنَّهْي عَن الْحَرَكَة فَإِنَّهُ يكون أمرا بِالسُّكُونِ
وَإِن كَانَ لَهُ أضداد يكون أمرا بِوَاحِد مِنْهَا غير عين عِنْد الْعَامَّة من أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الحَدِيث
وأولو الْأَمر: أَصْحَاب النَّبِي وَمن اتبعهم من أهل الْعلم وَمن الْأُمَرَاء إِذا كَانُوا أولي علم وَدين
الْأمة: بِالضَّمِّ، فِي الأَصْل: الْمَقْصُود، الْعُمْدَة وَالْعدة فِي كَونهمَا معمودا ومعدا، وَتسَمى بهَا الْجَمَاعَة من حَيْثُ تؤمها الْفرق كَقَوْلِه: {أمة من النَّاس يسقون}
وَأَتْبَاع الْأَنْبِيَاء أمتهم
وَتطلق على الرجل الْجَامِع لخصال محمودة {إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله}
[وَمن هُنَا قيل: لَو لم يبْق من الْمُجْتَهدين إِلَّا وَاحِد يكون قَوْله إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ عِنْد الِانْفِرَاد يصدق عَلَيْهِ أَنه أمة]
(1/181)

وعَلى الرجل الْمُنْفَرد بدين لَا يشركهُ فِيهِ غَيره
" وَيبْعَث زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده "، الحَدِيث
وعَلى الدّين وَالْملَّة والطريقة الَّتِي تؤم {قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة} وعَلى الْحِين وَالزَّمَان {إِلَى أمة مَعْدُودَة} {وادكر بعد أمة} وعَلى الْقَامَة، يُقَال: (فلَان حسن الْأمة) وعَلى الْأُم، يُقَال: (هَذِه أمة فلَان) يَعْنِي أمه
وعَلى جنس من أَجنَاس الْكَلْب: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها "، الحَدِيث
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: خلق الله ألف أمة، ستمئة فِي الْبَحْر وأربعمئة فِي الْبر
وَفِي حُدُود الْمُتَكَلِّمين: الْأمة هم المصدقون بالرسول دون الْمَبْعُوث إِلَيْهِم فِي " المصفي ": الْكفَّار أمة دَعْوَة لَا أمة إِجَابَة
والأمية: الصّفة الَّتِي هِيَ على أصل ولادَة أمة لم يتَعَلَّم الْكِتَابَة وَلَا قرَاءَتهَا، [وَقيل: هُوَ من لَا يحسن الْكِتَابَة لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهَا] وَنَبِينَا مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يقْرَأ من الْكتاب وَإِن كَانَ لَا يكْتب، على مَا رَوَاهُ جَعْفَر الصَّادِق، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ من معجزاته
وَجمع أم: أُمَّهَات، والأمات: للبهائم، لِأَن الْهَاء تخْتَص بالعقلاء، وَقد سمع فِيهَا الْأَمْرَانِ جَمِيعًا
والإمة، بِالْكَسْرِ: النِّعْمَة وَالْحَالة الَّتِي يكون عَلَيْهَا الآم أَي: القاصد و [الْأمة] بِالْفَتْح: الشَّجَّة
أم: كلمة تفِيد الِاسْتِفْهَام، وَهِي مَعَ الْهمزَة المعادلة تقدر ب (أَي) ، و (أَو) مَعَ الْهمزَة تقدر ب (أحد) ، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَعَ (أم) المعادلة بِالتَّعْيِينِ وَمَعَ (أَو) ب (لَا) أَو (نعم)
وَيَقَع (أم) موقع (بل) {أم يَقُولُونَ شَاعِر} و (أم) الْمُتَّصِلَة لطلب التَّصَوُّر، والمنقطعة لطلب التَّصْدِيق؛ والمتصلة تفِيد معنى وَاحِدًا، والمنقطعة تفِيد مَعْنيين غَالِبا، وهما الإضراب والاستفهام
والمتصلة مُلَازمَة لإِفَادَة الِاسْتِفْهَام أَو لَازِمَة وَهُوَ التَّسْوِيَة والمنقطعة قد تنسلخ عَنهُ رَأْسا لما عرفت أَنَّهَا تفِيد مَعْنيين؛ فَإِذا تجردت عَن أَحدهمَا بَقِي عَلَيْهَا الْمَعْنى الآخر؛ والمتصلة لَا تفِيد إِلَّا الِاسْتِفْهَام، فَلَو تجردت عَنهُ صَارَت مُهْملَة
وَمَا قبل الْمُتَّصِلَة لَا يكون إِلَّا استفهاما، وَمَا قبل المنقطعة يكون استفهاما وَغَيره
وَمَا بعد الْمُتَّصِلَة يكون مُفردا وَجُمْلَة، وَمَا بعد المنقطعة لَا يكون إِلَّا جملَة
والمتصلة قد تحْتَاج لجواب وَقد لَا يحْتَاج؛ والمنقطعة تحْتَاج للجواب
والمتصلة إِذا احْتَاجَت إِلَى جَوَاب فَإِن جوابها يكون بِالتَّعْيِينِ، والمنقطعة إِنَّمَا تجاب ب (نعم) أَو ب (لَا)
وَنقل أَبُو حَيَّان عَن جَمِيع الْبَصرِيين وَهُوَ رَأْي ابْن مَالك أَن (أم) المنقطعة لَا يتَعَيَّن تقديرها ب (بل) والهمزة، ونظيرها قَوْله تَعَالَى: (أم جعلُوا لله
(1/182)

شُرَكَاء} {أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور} ، وَذهب الْكسَائي إِلَى أَن (أم) المنقطعة لَا يتَعَيَّن تقديرها ب (بل) فَقَط، ونظيرها قَوْله تَعَالَى: {أم لَهُ الْبَنَات وَلكم البنون} تَقْدِيره: بل أَله الْبَنَات وَلكم البنون
وَذهب أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ إِلَى أَن (أم) فِي قَوْله تَعَالَى: {أم أَنا خير من هَذَا} زَائِدَة
أما: وضعت لمزيد تَقْرِير لَا يفهم هُوَ لَوْلَا هِيَ، أَلا ترى إِلَى قَوْلك: (زيد منطلق) حَيْثُ يفهم مِنْهُ خبر الانطلاق ساذجا، وَإِذا زِدْت فِي أَوله (أما) يفهم مِنْهُ الانطلاق لَا محَالة، فَعَن هَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي تَقْرِيره: مهما يكن من شَيْء فزيد منطلق، وَهِي حرف وضع لتفصيل الْجمع، وَقطع مَا قبله عَمَّا بعده عَن الْعَمَل وأنيب عَن جملَة الشَّرْط وحرفه فَاسْتحقَّ بذلك جَوَابا، وَجَوَابه جملَة يلْزمهَا الْفَاء، وَلَا بُد أَن يفصل بَين (أما) وَبَين الْفَاء فاصل، مُبْتَدأ أَو مفعول أَو جَار ومجرور؛ فالمبتدأ كَقَوْلِك: أما زيد فكريم وَأما بكر فلئيم؛ وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك: أما زيدا فأكرمت وَأما عمرا فأهنت؛ وَالْجَار وَالْمَجْرُور كَقَوْلِك: أما فِي زيد فرغبت وَأما على بكر فَنزلت، وَهِي على نَوْعَيْنِ فِي الِاسْتِعْمَال: الأول أَنَّهَا مركبة من (أَن) المصدرية و (مَا) كَمَا فِي قَوْلك: أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت، أَي: لِأَن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت، فَحذف اللَّام، كَمَا فِي {أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى} ثمَّ حذف (كَانَ) للاختصار وَزيد (مَا) عوضا عَنهُ
وَالثَّانِي أَنَّهَا متضمنة معنى الشَّرْط وَهِي على نَوْعَيْنِ: إِمَّا للاستئناف من غير أَن يتقدمها إِجْمَال، كَمَا فِي أَوَائِل الْكتب وَهُوَ: (أما بعد) ، وَإِمَّا للتفصيل، وَهُوَ غَالب أَحْوَاله كَقَوْلِك بعد ذكر زيد وَعَمْرو وَبكر: أما زيد فاكسه وَأما عَمْرو فأطعمه وَأما بكر فَأَحبهُ، وَمِنْه: {أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين} {وَأما الْغُلَام} {وَأما الْجِدَار} الْآيَة وللتوكيد، كَقَوْلِك: أما زيد فذاهب، إِذا أردْت أَنه ذَاهِب لَا محَالة وَأَنه مِنْهُ عَزِيمَة وَالْمَشْهُور أَنَّهَا فِي (أما بعد) لتفصيل الْمُجْمل مَعَ التَّأْكِيد وَفِي " الرضي " أَنَّهَا لمُجَرّد التَّأْكِيد، وَمَتى كَانَت لتفصيل الْمُجْمل وَجب تكرارها، ولتضمنها معنى الِابْتِدَاء لم يَأْتِ عقيبها إِلَّا الِاسْم لاختصاصه بِهِ، ولتضمنها معنى الشَّرْط لزم الْفَاء فِي جوابها نَحْو: (أما زيد فمنطلق) ، أَي: مهما يكن من شَيْء فزيد منطلق، بِمَعْنى إِن يَقع فِي الدُّنْيَا شَيْء يَقع ثُبُوت انطلاق زيد، وَمَا دَامَت الدُّنْيَا لَا بُد من وُقُوع شَيْء، فَيدل على انطلاق زيد على جَمِيع التقادير، وَقد تدخل الْفَاء على الْجَزَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون} وَأَن كَانَ الأَصْل دُخُول الْفَاء على الْجُمْلَة، لِأَنَّهَا الْجَزَاء كَرَاهَة إِيلَاء حرف الشَّرْط، والمبتدأ عوض عَن الشَّرْط لفظا، وَلَا تدخل (أما) على الْفِعْل لِأَنَّهَا قَائِمَة مقَام كلمة الشَّرْط وَفعله، وَلَا يدْخل فعل على فعل
(1/183)

وَأما: فِيمَا يُرَاد تَفْصِيل الْمُجْمل كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار} {وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة}
وتركيب (إِمَّا) العاطفة على قَول سِيبَوَيْهٍ من (إِن) الشّرطِيَّة و (مَا) النافية
و (إِمَّا) بِالْكَسْرِ فِي الْجَزَاء مركبة من (إِن) و (مَا) وَقد تبدل ميمها الأولى يَاء كَمَا فِي (أما) بِالْفَتْح، استثقالا لَا للتضعيف كَقَوْلِه:
(يَا ليتما أمنا شالت نعامتها ... إيما إِلَى جنَّة إيما إِلَى النَّار)
وَقد تحذف (مَا) كَقَوْلِه:
(سقته الرواعد من صيف ... وَإِن من خريف فَلَنْ يعدما)
أَي: إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف و (إِمَّا) بِالْكَسْرِ فِيمَا يُرَاد التَّخْيِير أَو الشَّك نَحْو: {فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء} ؛ وَتقول فِي الشَّك: (لقِيت إِمَّا زيدا وَإِمَّا عمرا)
وتجيء للتفصيل ك (أما) بِالْفَتْح نَحْو: {إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا}
وللإبهام نَحْو: {إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم}
وَالْإِبَاحَة نَحْو: (تعلم إِمَّا فقها وَإِمَّا نَحوا) وَنَازع فِي هَذَا جمَاعَة
وَإِذا ذكرت مُتَأَخِّرَة يجب أَن يتقدمها (إِمَّا) أُخْرَى
وَإِذا ذكرت سَابِقَة فقد تذكر فِي اللَّاحِق (إِمَّا) أَو كلمة (أَو) ويبنى الْكَلَام مَعَ (إِمَّا) من أول الْأَمر على مَا جِيءَ بهَا من أَجله، وَلذَلِك وَجب تكرارها، وَقد جَاءَت غير مكررة بقوله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل}
ويقبح الْكَلَام مَعَ (أَو) على الْجَزْم ثمَّ يطْرَأ الْإِبْهَام أَو غَيره، وَلِهَذَا لَا يتَكَرَّر
وَاعْلَم أَن كلمتي (إِمَّا) و (أَو) لَهما ثَلَاثَة معَان فِي الْخَبَر: الشَّك والإبهام وَالتَّفْصِيل وَفِي الْأَمر لَهما معينان: التَّخْيِير وَالْإِبَاحَة، فالشك إِذا أخْبرت عَن أحد الشَّيْئَيْنِ وَلَا تعرفه بِعَيْنِه، والإبهام: إِذا عَرفته بِعَيْنِه وقصدت أَن يبهم الْأَمر على الْمُخَاطب، فَإِذا قلت: (جَاءَنِي إِمَّا زيد وَإِمَّا عَمْرو) ، و (جَاءَنِي زيد أَو عَمْرو) وَلم تعرف الجائي مِنْهُمَا بِعَيْنِه ف (إِمَّا) و (أَو) للشَّكّ؛ وَإِذا عَرفته وقصدت الْإِبْهَام على السَّامع فهما للإبهام؛ وَإِذا لم تشك وَلم تقصد الْإِبْهَام على السَّامع فهما للتفصيل
و (مَا) فِي (أما وَالله) بِالتَّخْفِيفِ مزيدة للتوكيد رَكبُوهَا مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام واستعملوا مجموعهما على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ معنى حَقًا فِي قَوْله: (أما وَالله لَأَفْعَلَنَّ)
وَالْآخر: أَن يكون افتتاحا للْكَلَام بِمَنْزِلَة (أَلا) كَقَوْلِك: (أما زيد منطلق)
وَأكْثر مَا يحذف ألفها إِذا وَقع بعْدهَا الْقسم ليدل على شدَّة اتِّصَال الثَّانِي بِالْأولِ، لِأَن الْكَلِمَة إِذا
(1/184)

بقيت على حرف وَاحِد لم تقم بِنَفسِهَا، فَعلم بِحَذْف ألف (مَا) افتقارها إِلَى الْهمزَة
الْإِمْكَان: هُوَ أَعم من الوسع، لِأَن الْمُمكن قد يكون مَقْدُورًا للبشر، وَقد يكون غير مَقْدُور لَهُ، والوسع رَاجع إِلَى الْفَاعِل والإمكان إِلَى الْمحل، وَقد يكونَانِ مترادفين بِحَسب مُقْتَضى الْمقَام
والإمكان إِمَّا عبارَة عَن كَون الْمَاهِيّة بِحَيْثُ يتساوى نِسْبَة الْوُجُود والعدم إِلَيْهِ، أَو عبارَة عَن نفس التَّسَاوِي على اخْتِلَاف العبارتين، فَيكون صفة للماهية حَقِيقَة من حَيْثُ هِيَ هِيَ، والاحتياج صفة الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار الْوُجُود والعدم، لَا من حَيْثُ هِيَ هِيَ، لِأَن الْمُمكن فِي ترجح أحد طَرفَيْهِ على الآخر يحْتَاج إِلَى الْفَاعِل إيجادا أَو إحداثا لَا فِي نفس التَّسَاوِي، فَإِنَّهُ مَحْض اعْتِبَار عَقْلِي
وللمكن أَحْوَال ثَلَاث: تَسَاوِي الطَّرفَيْنِ، ورجحان الْعَدَم بِحَيْثُ لَا يُوجب الِامْتِنَاع، ورجحان الْوُجُود بِحَيْثُ لَا يُوجب الْوُجُود
[ويستحيل أَن يخرج كل مُمكن إِلَى الْوُجُود بِحَيْثُ لَا يبْقى من الممكنات شَيْء فِي الْعَدَم، بل يجوز أَن يكون مُمكن لَا يُوجد أصلا، وَلم تتَعَلَّق الْإِرَادَة بِوُجُودِهِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها} ونظائره كَثِيرَة
وَهل يُمكن وجود مُمكن لَيْسَ متحيزا أَو لَا قَائِما بالمتحيز كَمَا يَقُول الفلاسفة فِي الْعُقُول والنفوس الفلكية والإنسانية؟ قَالَت الْمُعْتَزلَة وَكثير من أَصْحَاب الأشاعرة: هَذَا مِمَّا لَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل من عقل وَلَا نقل، فَلَا يكون ثَابتا فِي نَفسه؛ وَحَاصِله يرجع إِلَى نفي الْمَدْلُول لانتفاه دَلِيله وَالْأَقْرَب فِي هَذَا الْبَاب أَن يُقَال: وجود مُمكن مثل هَذَا شَأْنه لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته، وَسَوَاء كَانَ ثَابتا فِي نفس الْأَمر أَو لم يكن ثَابتا
وَقَالَ بَعضهم: مَا الْمَانِع من وجود مَا لَيْسَ متحيزا وَلَا قَائِما بالمتحيز، وَيمْتَنع اختراعه بِحَيْثُ المتحيز؛ كَمَا أَنه يمْتَنع اختراع عرض غير قَائِم بالمتحيز، وَمَا الْمَانِع أَيْضا من جَوَاز قِيَامه بالمتحيز إِذا خلق فِي حيثه، وَيكون قَائِما بِنَفسِهِ إِذا لم يخلق فِي حَيْثُ المتحيز وَبِه وينفصل عَن الْعرض، حَيْثُ لَا تصور لوُجُوده إِلَّا فِي حَيْثُ المتحيز]
والإمكان الْعَام: هُوَ سلب الضَّرُورَة عَن أحد الطَّرفَيْنِ
والإمكان الْخَاص: سلب الضَّرُورَة عَن الطَّرفَيْنِ
والإمكان الذاتي: بِمَعْنى التجويز الْعقلِيّ الَّذِي لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال، وَهَذَا النَّوْع من الْمُمكن قد لَا يكون الْبَتَّةَ وَاقعا كمنارة من مَاء، وتمييز ماءين صبا فِي إِنَاء
وَقد يعد محالا عَادَة فتبتنى على امْتِنَاعه أَدِلَّة بعض المطالب الْعَالِيَة، كبرهان الوحدانية المبتنى على التمانع عِنْد وُقُوع التَّعَدُّد، وَلَا يكون احْتِمَال وُقُوعه قادحا فِي كَون إِدْرَاك نقيضه علما، كالجزم بِأَن هَذَا حجر لَا يقْدَح فِي كَونه علما لاحْتِمَال انقلابه حَيَوَانا، مَعَ اشتراطهم فِي الْعلم عدم احْتِمَال النقيض، والخلاء عِنْد الْمُتَكَلِّمين من هَذَا الْقَبِيل
والإمكان الذاتي أَمر اعتباري يعقل الشَّيْء عِنْد انتساب ماهيته إِلَى الْوُجُود، وَهُوَ لَازم لماهية الْمُمكن، قَائِم بهَا، يَسْتَحِيل انفكاكه عَنْهَا، وَبِه يسْتَدلّ على جَوَاز إِعَادَة الْمَعْدُوم، خلافًا
(1/185)

للفلاسفة، وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ تفَاوت بِالْقُوَّةِ والضعف والقرب والبعد
والإمكان الاستعدادي أَمر مَوْجُود من مقولة الكيف، قَائِم بِمحل الشَّيْء الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْإِمْكَان لَا بِهِ، وَغير لَازم وقابل للتفاوت
وَالْمَفْهُوم الْمُمكن الْعَام يصدق على الْوَاجِب والممتنع والممكن الْخَاص، فَالْوَاجِب من أَفْرَاده الضَّرُورِيّ الْوُجُود والممتنع من أَفْرَاده الضَّرُورِيّ الْعَدَم
والممكن الْخَاص من أَفْرَاد اللاضروري الْوُجُود واللاضروري الْعَدَم، [والممتنع من أَفْرَاده الضَّرُورِيّ الْعَدَم] وَلَا يكون الْمَفْهُوم الْمُمكن الْعَام جِنْسا لشَيْء من الْأَشْيَاء لتباين المقولات الَّتِي هُوَ الْجَوَاهِر والأعراض الصَّادِق على جَمِيعهَا الْمُمكن الْعَام
الإِمَام: جمع بِلَفْظ الْوَاحِد، وَلَيْسَ على حد عدل، لأَنهم قَالُوا: إمامان، بل جمع مكسر، وأيمة وآمة: شَاذ، كَذَا فِي " الْقَامُوس " قَالَ بَعضهم: وَالْجمع (أَئِمَّة) بِهَمْزَة بعْدهَا همزَة بَين بَين، أَي: بَين مخرج الْهمزَة وَالْيَاء، وَتَخْفِيف الهمزتين قِرَاءَة مَشْهُورَة وَإِن لم تكن مَقْبُولَة عِنْد الْبَصرِيين وَلَا يجوز التَّصْرِيح بِالْيَاءِ
والإمامة: مصدر (أممت الرجل) أَي: جعلته أَمَامِي، أَي: قدامي؛ ثمَّ جعلت عبارَة عَن رياسة عَامَّة تَتَضَمَّن حفظ مصَالح الْعباد فِي الدَّاريْنِ، يُقَال: (هَذَا أيم مِنْهُ وأوم) أَي: أحسن إِمَامَة، كَمَا فِي " الراموز "
وَقَالَ بَعضهم: الإِمَام من يؤتم بِهِ: أَي يقْتَدى، سَوَاء كَانَ إنْسَانا يقْتَدى بقوله وَفعله، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، أَو كَاتبا، أَو غَيرهمَا وَالصَّوَاب ترك الْهَاء مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصفة، بل هُوَ اسْم مَوْضُوع لذات وَمعنى مُعينين كاسم الزَّمَان وَالْمَكَان، بِخِلَاف نَحْو (الْمُقْتَدِي) فَإِن الذَّات فِيهِ مُبْهمَة
[قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله: هُوَ (فعال) من صِيغ الْآلَة كالإزار والرداء وَغير ذَلِك]
وَالْإِمَام: الْكتاب نَحْو: {أحصيناه فِي إِمَام مُبين} أَي: فِي لوح مَحْفُوظ سمي بِهِ لكَونه أصل كل مَا كتب [من كتب] وصحف، كَمَا سمي مصحف عُثْمَان إِمَامًا لذَلِك
وَأما {يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم} فقد قَالُوا: الإِمَام هُنَاكَ جمع (أم) أَي: يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة بأمهاتهم، رِعَايَة لحق عِيسَى النَّبِي، أَو إِظْهَارًا لشرف الْحسن وَالْحُسَيْن، أَو أَن لَا يفتضح أَوْلَاد الزنية قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهَذَا غلط، لِأَن أما لَا يجمع على إِمَام
{وإنهما لبإمام مُبين} أَي: لبطريق وَاضِحَة
والأمام بِالْفَتْح: نقيض الوراء كقدام، يكون اسْما وظرفا، وَقد يذكر
وأمامك: كلمة تحذير
وَالْإِمَام: إِذا ذكر فِي كتب الْمَعْقُول يُرَاد بِهِ الْفَخر الرَّازِيّ؛ وَفِي كتب الْأُصُول: إِمَام الْحَرَمَيْنِ
الْأَمَانَة: مصدر (أَمن) بِالضَّمِّ: إِذا صَار أَمينا، ثمَّ
(1/186)

يُسمى بهَا مَا يُؤمن عَلَيْهِ وَهِي أهم من الْوَدِيعَة لاشْتِرَاط قصد الْحِفْظ فِيهَا بِخِلَاف الْأَمَانَة
وَالْأَمَانَة عين والوديعة معنى، فيكونان متابنين
وكل مَا افْترض على الْعباد فَهُوَ أَمَانَة كَصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَأَدَاء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الْأَسْرَار
والأمن: فِي مُقَابلَة الْخَوْف مُطلقًا، لَا فِي مُقَابلَة خوف الْعَدو بِخُصُوصِهِ، وَلَا يتَعَدَّى إِلَّا ب (من) ، وَأما {أفأمنوا مكر الله} فَإِنَّمَا هُوَ بتضمين معنى الْفِعْل الْمُتَعَدِّي
الامتلاء: هُوَ مُطَاوع (مَلأ) الَّذِي يتَعَدَّى إِلَى أحد مفعوليه بِنَفسِهِ وَإِلَى الآخر بِحرف الْجَرّ؛ و (مَلَأت الْإِنَاء مَاء) نصب (مَاء) على التَّمْيِيز؛ وَفِي (امْتَلَأَ الْإِنَاء مَاء) الأَصْل (من مَاء) وَإِذا جعل تمييزا فَالْأولى أَن يحمل على أَنه مُمَيّز جملَة جرى مجْرى مُمَيّز الْمُفْرد، فَإِن (من) لَا تدخل على مُمَيّز الْجُمْلَة
الْإِمْدَاد: هُوَ تَأْخِير الْأَجَل، وَأَن تنصر الأجناد بِجَمَاعَة غَيْرك، والإعطاء، والإغاثة
[قيل: مَا كَانَ على جِهَة الْقُوَّة والإعانة يُقَال فِيهِ: أمده إمدادا، وَمَا كَانَ على جِهَة الزِّيَادَة يُقَال فِيهِ: مده مدا، وَمِنْه: {وَالْبَحْر يمده} ]
وَأكْثر مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن الْإِمْدَاد فِي الْخَيْر نَحْو: {وأمددناكم بأموال وبنين}
وَالْمدّ: فِي الشَّرّ نَحْو: {ونمد لَهُ من الْعَذَاب} {ويمدهم فِي طغيانهم} بِخِلَاف أمطر، فَإِنَّهُ فِي الْخَيْر وَالشَّر، ومطر فِي الْخَيْر فَقَط، وَفِي أمطر معنى الْإِرْسَال حَتَّى يعدى إِلَى مَا أَصَابَهُ ب (على) وَإِلَى من أرسل وَأُصِيب بِنَفسِهِ ومطر يعدى إِلَى مَا أَصَابَهُ بِنَفسِهِ
[الإملال والإملاء: لُغَتَانِ فصيحتان مَعْنَاهُمَا وَاحِد جَاءَ بهما الْقُرْآن: {فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بكرَة وَأَصِيلا} من الْإِمْلَاء، {وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} من الإملال
وَلما قلبت اللَّام يَاء فِي (أمللت) تبعه الْمصدر فِي ذَلِك فَصَارَ (إملايا) فَقلب حرف الْعلَّة الْوَاقِع بعد الْألف الزَّائِدَة همزَة]
الْأُم: الوالدة حَقِيقَة: وَفِي مَعْنَاهَا: كل امْرَأَة رَجَعَ نسبك إِلَيْهَا بِالْولادَةِ من جِهَة أَبِيك أَو من جِهَة أمك
الأمل: هُوَ مَا تقيد بالأسباب
والأمنية: مَا تجردت عَنْهَا؛ {ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} أَي: فِي تِلَاوَته
وَالْجمع أماني؛ والأماني أَيْضا مَا يتمناه الْإِنْسَان ويشتهيه، والأكاذيب أَيْضا
الْإِمَارَة: بِالْكَسْرِ، الْولَايَة، وبالفتح: الْعَلامَة
(1/187)

أمس: إِذا أُرِيد بِهِ قبل يَوْمك فَهُوَ مَبْنِيّ لتَضَمّنه معنى لَام التَّعْرِيف، فَإِنَّهُ معرفَة بِدَلِيل (الدابر) ، وَلَوْلَا أَنه معرفَة بِتَقْدِير اللَّام لما وصف بالمعرفة، وَهَذَا مِمَّا وَقعت مَعْرفَته قبل نكرته
وَالَّذِي يُرَاد بِهِ الزَّمَان الْمَاضِي فَهُوَ مُعرب يدْخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام {كَأَن لم تغن بالْأَمْس} وَلَا يُضَاف [نوع] {إِلَّا أماني} : أَحَادِيث آمين: استجب أَو كَذَلِك افْعَل هَذَا الْفِعْل
{وأملي لَهُم} : أطيل لَهُم الْمدَّة وأتركهم ملاوة من الدَّهْر، أَي: حينا من الدَّهْر
وأمرنا وآمرنا: بِمَعْنى وَاحِد أَي: كَثرْنَا وأمرناهم: مشددا جعلناهم أُمَرَاء وَيُقَال: أمرنَا من الْأَمر أَي: أمرناهم بِالطَّاعَةِ
{خشيَة إملاق} : الْفقر أَو الْجُوع
{أمرنَا مُتْرَفِيهَا} : سلطنا شِرَارهَا
{عرضنَا الْأَمَانَة} : الْفَرَائِض، أَو كلمة التَّوْحِيد، وَقيل: الْعَدَالَة، وَقيل: حُرُوف التهجي، وَقيل: الْعقل وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي " الْمُفْردَات "
{نُطْفَة أمشاج} : مُخْتَلفَة الألوان؛ عَن ابْن عَبَّاس: اخْتِلَاط مَاء الرجل وَمَاء الْمَرْأَة
{وأملي لَهُم} : وأمهلهم
{فِي إِمَام مُبين} : يَعْنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ
{أمتعكن} : أعطكن الْمُتْعَة
{لكل أمة} : أهل دين
{بعد أمة} : بعد حِين
{امتكم} : دينكُمْ
{شَيْئا} : أمرا عَظِيما
{يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا} : دوموا على الْإِيمَان
{كل أنَاس بإمامهم} : كتاب رَبهم. {أمتكُم أمة وَاحِدَة} : ملتكم مِلَّة وَاحِدَة، أَي: متحدة فِي العقائد وأصول الشَّرَائِع، أَو جماعتكم جمَاعَة وَاحِدَة، أَي: متفقة على الْإِيمَان والتوحيد فِي الْعِبَادَة
{أمثلهم طَريقَة} : أعدلهم رَأيا أَو عملا
{عوجا وَلَا أمتا} : نتوءا أَو ارتفاعا وهبوطا
{أمدا} : غَايَة
{وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ} : جهلة
{لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني} : أَي إِلَّا كذبا
(1/188)

أَو تِلَاوَة مُجَرّدَة عَن الْمعرفَة من حَيْثُ التِّلَاوَة بِلَا معرفَة الْمَعْنى تجْرِي عِنْد صَاحبهَا مجْرى أُمْنِية يمنيه على التخمين
{فأمه هاوية} : أَي: مثواه النَّار
{امكثوا} : أقِيمُوا مَكَانكُمْ
{أَو أمضي حقبا} : أَو أَسِير زَمَانا طَويلا
{آمين الْبَيْت} : قَاصِدين لزيارته
(فصل الْألف وَالنُّون)
[الْإِنْكَار] : عَن مُجَاهِد: كل شَيْء فِي الْقُرْآن (أَن) فَهُوَ إِنْكَار
[الْإِنْفَاق] : قَالَ بَعضهم: كل إِنْفَاق فِي الْقُرْآن فَهُوَ الصَّدَقَة، إِلَّا {فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا} فَإِن المُرَاد الْمهْر
[انْتهى] : كل شَيْء بلغ الْحَد فقد انْتهى
[أنسي] : كل مَا يؤنس بِهِ فَهُوَ أنسي
[انتحى] : كل من جد فِي أَمر فقد انتحى فِيهِ، وَمِنْه: (انتحى الْفرس فِي عدوه) [إِنَّمَا، أَنما] كل مَا أوجب (إِنَّمَا) بِالْكَسْرِ للحصر أوجب (أَنما) بِالْفَتْح للحصر أَيْضا، لِأَنَّهَا فرع عَنْهَا، وَمَا ثَبت للْأَصْل ثَبت للفرع، مَا لم يثبت مَانع مِنْهُ وَالْأَصْل عَدمه، وَمُوجب الْحصْر مَوْجُود فيهمَا، وَهُوَ تضمن معنى (مَا) و (إِلَّا) أَو اجْتِمَاع حرفي التَّأْكِيد؛ وَقد اجْتمع الحصران فِي قَوْله تَعَالَى: {قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد} وَفَائِدَة الِاجْتِمَاع الدّلَالَة على أَن الْوَحْي مَقْصُور على استئثار الله بالوحدانية؛ والحصر مُقَيّد لِأَن الْخطاب مَعَ الْمُشْركين، لَا مُطلق، لاقْتِضَائه أَنه لم يُوح إِلَيْهِ سوى التَّوْحِيد
وَلَيْسَ كَذَلِك هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ والبيضاوي
[وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ: (إِنَّمَا) لحصر الشَّيْء فِي الحكم أَو لحصر الحكم فِي الشَّيْء، لِأَن (إِن) للإثبات و (مَا) للنَّفْي، وَيَقْتَضِي إِثْبَات الْمَذْكُور وَنفي مَا عداهُ، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن (مَا) فِي (إِنَّمَا) كَافَّة عِنْد النُّحَاة وَلَيْسَت بنافية، لِأَنَّهَا قسيمه، وقسيم الشَّيْء لَا يكون عينه وَلَا قسمه، وَبِأَن دُخُول (إِن) على (مَا) النافية لَا يَسْتَقِيم، لِأَن كلا مِنْهُمَا لَهُ صدر الْكَلَام فَلَا يجمع بَينهمَا]
وَذهب جمَاعَة من الْفُقَهَاء وَالْغَزالِيّ وَغَيرهم إِلَى أَن (إِنَّمَا) بِالْكَسْرِ ظَاهر فِي الْحصْر إِن احْتمل التَّأْكِيد، لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق " و " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "
قُلْنَا: الْحصْر لم ينشأ إِلَّا من عُمُوم الْوَلَاء والأعمال، إِذْ الْمَعْنى: كل وَلَاء للْمُعْتق، وكل عمل بنية، وَهُوَ كلي مُوجب فَيَنْتَفِي مُقَابِله الجزئي السالب
قَالَ الْآمِدِيّ وَأَبُو حَيَّان: (إِنَّمَا) لَا تفِيد الْحصْر وَإِنَّمَا تفِيد تَأْكِيد الْإِثْبَات فَقَط، لِأَنَّهَا مركبة من (إِن) الْمُؤَكّدَة و (مَا) الزَّائِدَة الكافة، وَلَا تعرض لَهَا للنَّفْي الْمُشْتَمل عَلَيْهِ الْحصْر، بِدَلِيل حَدِيث: " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة " فَإِن الرِّبَا فِي غير النَّسِيئَة كربا الْفضل ثَابت بِالْإِجْمَاع وَقَوله تَعَالَى: (إِنَّمَا
(1/189)

حرم رَبِّي الْفَوَاحِش} إِذْ لَيْسَ (إِنَّمَا) فِيهِ للحصر، والحصر فِي {إِنَّمَا إِلَهكُم الله} من أَمر خَارج، وَذَلِكَ أَنه سيق للرَّدّ على المخاطبين فِي اعْتِقَادهم إلهية غير الله وَالْجُمْهُور على أَن (أَنما) بِالْفَتْح لَا يُفِيد الْحصْر؛ وَالْفرع لَا يجب أَن يجْرِي على وتيرة الأَصْل فِي جَمِيع أَحْكَامه وَقيل: الْمَفْتُوحَة أصل الْمَكْسُورَة؛ وَقيل: كل مِنْهُمَا أصل بِرَأْسِهِ، وَأحسن مَا يسْتَعْمل (إِنَّمَا) فِي مَوَاضِع التَّعْرِيض نَحْو: {إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب} إِن: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد هِيَ فِي لُغَة الْعَرَب تفِيد التَّأْكِيد وَالْقُوَّة فِي الْوُجُود، وَلِهَذَا أطلقت الفلاسفة لفظ الإنية على وَاجِب الْوُجُود لذاته، لكَونه أكمل الموجودات فِي تَأْكِيد الْوُجُود وَفِي قُوَّة الْوُجُود، وَهَذَا لفظ مُحدث لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب
(وَإِن) من الْحُرُوف الَّتِي شابهت الْفِعْل فِي عدد الْحُرُوف وَالْبناء على الْفَتْح وَلُزُوم الْأَسْمَاء وَإِعْطَاء مَعَانِيهَا والتعدي خَاصَّة فِي دُخُولهَا على اسْمَيْنِ، وَلذَلِك عملت عمله الفرعي، وَهُوَ نصب الْجُزْء الأول وَرفع الثَّانِي إِيذَانًا بِأَنَّهُ فرع فِي الْعَمَل دخيل فِيهِ
وَهِي مَعَ (مَا) فِي حيزها جملَة وَلَا تعْمل فِي موضعهَا عوامل الْأَسْمَاء
والمفتوحة مَعَ (مَا) فِي حيزها مُفْرد وتعمل فِي موضعهَا عوامل الْأَسْمَاء، وَإِنَّمَا اخْتصّت الْمَفْتُوحَة فِي مَوضِع الْمُفْرد لِأَنَّهَا مَصْدَرِيَّة فَجرى مجْرى (أَن) الْخَفِيفَة
وَقد تنصب الْمَكْسُورَة الِاسْم وَالْخَبَر كَمَا فِي حَدِيث: " إِن قَعْر جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا " وَقد يرْتَفع بعْدهَا الْمُبْتَدَأ فَيكون اسْمهَا ضمير شَأْن محذوفا نَحْو: " إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون " وَالْأَصْل إِنَّه
و (إِن) و (أَن) كِلَاهُمَا حرفا تَحْقِيق، فَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، لأَنا إِذا منعنَا الْجمع بَين (ان) وَاللَّام لاتِّفَاقهمَا فِي الْمَعْنى، مَعَ أَنَّهُمَا مفترقان فِي اللَّفْظ، فَلِأَن نمْنَع الْجمع بَين (إِن) و (أَن) مَعَ اتِّفَاقهمَا لفظا وَمعنى أولى وَقَالَ بَعضهم: (إِن) الشَّدِيدَة الْمَكْسُورَة إِنَّمَا لَا تدخل على الْمَفْتُوحَة إِذا لم يكن بَينهمَا فصل، وَأما إِذا كَانَ فصل فَلَا منع، للاطباق على جَوَاز (إِن عِنْدِي أَن زيدا منطلق)
و (إِن) الْمَكْسُورَة لَا تغير معنى الْجُمْلَة بل تؤكدها، والمفتوحة تغير معنى الْجُمْلَة، لِأَنَّهَا مَعَ الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا فِي حكم الْمُفْرد؛ وَلِهَذَا وَجب الْكسر فِي كل مَوضِع تبقى الْجُمْلَة بِحَالِهَا، وَوَجَب الْفَتْح فِي كل مَوضِع يكون مَا بعْدهَا فِي حكم الْمُفْرد
وَكسرت همزَة (إِن) بعد القَوْل نَحْو: {قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا} لِأَن مقول القَوْل جملَة
وَبعد الدُّعَاء نَحْو: {رَبنَا إِنَّك}
وَبعد النَّهْي نَحْو: {لَا تحزن إِن الله مَعنا}
وَبعد النداء نَحْو: {يَا لوط إِنَّا رسل رَبك}
وَبعد (كلا) نَحْو: {كلا إِنَّهُم}
(1/190)

وَبعد الْأَمر نَحْو: {ذُقْ إِنَّك}
وَبعد (ثمَّ) نَحْو: {ثمَّ إِن علينا}
وَبعد الإسم الْمَوْصُول، لِأَن صلَة الْمَوْصُول لَا تكون إِلَّا جملَة نَحْو: {آتيناه من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه}
وتكسر أَيْضا إِذا دخل اللَّام على خَبَرهَا نَحْو: {إِنَّك لرَسُوله}
وَكَذَا إِذا وَقعت جَوَاب الْقسم نَحْو: {وَالْعصر إِن الْإِنْسَان}
لِأَن جَوَاب الْقسم لَا يكون إِلَّا جملَة
وَكَذَا إِذا كَانَت مبدوءا بهَا لفظا أَو معنى نَحْو: (إِن زيدا قَائِم)
وَكَذَا بعد (أَلا) التنبيهية، وَبعد وَاو الْحَال، وَبعد حَيْثُ
قَالَ بَعضهم: وَالْأَوْجه جَوَاز الْوَجْهَيْنِ بعد (حَيْثُ) : الْكسر بِاعْتِبَار كَون الْمُضَاف إِلَيْهِ جملَة، وَالْفَتْح بِاعْتِبَار كَونه فِي معنى الْمصدر
وَلُزُوم إضافتها إِلَى الْجُمْلَة لَا يَقْتَضِي وجوب الْكسر، لِأَن الأَصْل فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ أَن يكون مُفردا، وَامْتِنَاع إضافتها إِلَى الْمُفْرد إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى؛ على أَن الْكسَائي جوز إضافتها إِلَيْهِ
وَإِن: فعل أَمر للمؤنث مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة
أَن وَأَن الْمَفْتُوحَة الشَّدِيدَة للْحَال، والخفيفة تصلح للماضي والاستقبال
وَأَن الشَّدِيدَة تفِيد التَّأْكِيد، وَأَن الناصبة لَا تفيده، وَلذَلِك وَجب أَن تقرن الشَّدِيدَة بِمَا يُفِيد التَّحْقِيق، والمخففة الناصبة بِمَا يدل على الشَّك والتردد فِيهِ
وَلَا تعْمل الْخَفِيفَة فِي الضَّمِير إِلَّا لضَرُورَة، بِخِلَاف الشَّدِيدَة؛ وَفِي غير هَذَا من الْأَحْكَام حَالهَا كَحال الشَّدِيدَة إِذا عملت
والمفتوحة الشَّدِيدَة تصير مَكْسُورَة بقطعها عَمَّا تتَعَلَّق بِهِ، وَلَا تصير الْمَكْسُورَة مَفْتُوحَة إِلَّا بوصلها بِمَا تتَعَلَّق بِهِ
وَالْجُمْلَة مَعَ الْمَكْسُورَة بَاقِيَة على استقلالها بعائدها، وَمَعَ الْمَفْتُوحَة منقبلة إِلَى حكم الْمُفْرد، وهما سيان فِي إِفَادَة التَّأْكِيد
وتفتح (أَن) وجوبا بِأَن كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا فاعلة نَحْو: (بَلغنِي أَن زيدا قَائِم) لوُجُوب كَون الْفَاعِل مُفردا، وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مُبْتَدأ نَحْو: (عِنْدِي أَنَّك عَالم) لوُجُوب كَون الْمُبْتَدَأ مُفردا.
وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مَفْعُولا نَحْو: (علمت أَنَّك كريم) لوُجُوب كَون الْمَفْعُول مُفردا
وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مُضَافا إِلَيْهِ نَحْو: (أعجبني اشتهار أَنَّك فَاضل) لوُجُوب كَون الْمُضَاف إِلَيْهِ مُفردا
وَكَذَا بعد (لَوْلَا) الابتدائية نَحْو: (لَوْلَا أَنَّك منطلق) لِأَن مَا بعد (لَوْلَا) مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف
وَكَذَا بعد (لَو) التحضيضية نَحْو: (لَوْلَا أَن زيدا قَائِم) بِمَعْنى (هلا) ، لِأَن (لَوْلَا) هَذِه يجب دُخُولهَا على الْفِعْل لفظا أَو تَقْديرا
وَكَذَا بعد (لَو) نَحْو: (لَو أَنَّك قَائِم) لوُقُوعه موقع الْمُفْرد، لكَونه فَاعِلا لفعل مَحْذُوف، أَي: لَو وَقع قيامك
(1/191)

وَجَاز الْكسر وَالْفَتْح فِي مَوضِع جَازَ فِيهِ تَقْدِير الْمُفْرد وَالْجُمْلَة نَحْو: (من يكرمني فَإِنِّي أكْرمه) فَإِن جعلت تَقْدِيره (فَأَنا أكْرمه) وَجب الْكسر لكَونهَا وَاقعَة ابْتِدَاء، وَإِن جعلت تَقْدِيره (فَجَزَاؤُهُ الْإِكْرَام مني) وَجب الْفَتْح لوقوعها خَبرا لمبتدأ وَهُوَ وَاحِد نَحْو: (أول قولي إِنِّي أَحْمد الله)
وَكَذَا إِذا وَقعت بعد (إِذا) الفجائية أَو فَاء الْجَزَاء أَو (أما) أَو (لَا جرم) أَو وَقعت فِي مَوضِع التَّعْلِيل
وَقد تخفف الْمُشَدّدَة فَيبْطل عَملهَا عِنْد النُّحَاة كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَن لعنة الله على الظَّالِمين} (أَن) : بِالْفَتْح مُخَفّفَة تدل على ثبات الْأَمر واستقراره لِأَنَّهَا للتوكيد كالمشددة، فَمَتَى وَقعت بعد علم وَجب أَن تكون المخففة نَحْو: {علم أَن سَيكون}
وَإِذا وَقعت بعد مَا لَيْسَ بِعلم وَلَا شكّ وَجب أَن تكون الناصبة، وَإِذا وَقعت بعد فعل يحْتَمل الْيَقِين وَالشَّكّ جَازَ فِيهَا وَجْهَان باعتبارين: إِن جَعَلْنَاهُ يَقِينا جعلناها المخففة ورفعنا مَا بعْدهَا، وَإِن جَعَلْنَاهُ شكا جعلناها الناصبة ونصبنا مَا بعْدهَا نَحْو: {وَحَسبُوا أَن لَا تكون} قرئَ بِالرَّفْع إِجْرَاء للظن مجْرى الْعلم، وَبِالنَّصبِ إِجْرَاء لَهُ على أَصله من غير تَأْوِيل، وَهُوَ أرجح وَلِهَذَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي {الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا}
وَالَّذِي لَا يدل على ثبات واستقرار تقع بعده الناصبة نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} والمحتمل للأمرين تقع بعده تَارَة المخففة وَتارَة الناصبة لما تقدم من الإعتبارين
وتزاد مَعَ (لما) كثيرا نَحْو: {فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير} ، وَبعد وَاو الْقسم الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ نَحْو: (وَالله أَن لَو قَامَ زيد قُمْت) ، وَبعد الْكَاف قَلِيلا كَقَوْلِه: كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى ناضر السّلم
والفارق بَين (أَن) المخففة والمصدرية: أما من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِن عني بِهِ الِاسْتِقْبَال فَهِيَ الْخَفِيفَة، وَإِلَّا فَهِيَ المصدرية، وَأما من حَيْثُ اللَّفْظ لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْفِعْل الْمَنْفِيّ مَنْصُوبًا فَهِيَ المصدرية، وَإِلَّا فَهِيَ المخففة
وَأَن المصدرية يجوز أَن تتقدم على الْفِعْل لِأَنَّهَا معمولة، وَإِذا كَانَت مفسرة لم يجز ذَلِك لِأَن الْمُفَسّر لَا يتَقَدَّم على الْمُفَسّر
وَأَن الموصولة المصدرية إِذا وصلت بالماضي يؤول بِالْمَصْدَرِ الْمَاضِي، وَإِذا وصلت بالمضارع يؤول بِالْمَصْدَرِ الْمُسْتَقْبل، وَإِذا وليت الْمُضَارع تنصبه وَكَانَ مَعْنَاهَا الِاسْتِقْبَال، وَإِذا وليت الْمَاضِي خلع عَنْهَا الدّلَالَة على الْمُسْتَقْبل، وَلِهَذَا يَقع بعْدهَا الْمَاضِي الصَّرِيح، تَقول: (سرني أَن قُمْت أمس)
وَلَا تدخل (أَن) المصدرية على الْأَفْعَال غير المتصرفة الَّتِي لَا مصَادر لَهَا
و (أَن) المخففة: تكون شَرْطِيَّة وَتَكون للنَّفْي كالمكسورة، وَتَكون بِمَعْنى (إِذْ) ، قيل: وَمِنْه: (بل
(1/192)

عجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر} ؛ وَبِمَعْنى (لِئَلَّا) قيل: وَمِنْه: {يبين الله لكم أَن تضلوا} صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّوَاب أَنَّهَا هَهُنَا مَصْدَرِيَّة، وَالْأَصْل: كَرَاهَة أَن تضلوا
وَتَقَع بِمَعْنى (الَّذِي) كَقَوْلِهِم: (زيد أَعقل من أَن يكذب) أَي: من الَّذِي يكذب
وَتَكون مفسرة بِمَنْزِلَة (أَي) نَحْو: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك}
و (أَن) المفسرة لَا تكون إِلَّا بعد فعل يتَضَمَّن معنى القَوْل أَعم من أَن يكون ذَلِك بِحَسب دلَالَة اللَّفْظ بِنَفسِهِ، كَمَا فِي: (لبيت) و (ناديت) ، أَو دلَالَة الْحَال كَمَا فِي: {وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا} : أَي امشوا
[وَقدر (أَن) بعد لَام (كي) وَلَام الْجُحُود فِي " الرضى ": يقدر فِي أَمْثَاله مَعَ كَونهَا زَائِدَة وَفِي " التسهيل ": تظهر (أَن) وتضمر بعد لَام الْجَرّ غير الجحودية]
وَيجوز إِظْهَار (أَن) مَعَ لَام (كي) ، وَلَا يجوز مَعَ لَام النَّفْي، لِأَن (لم يكن ليقوم) إِيجَابه (كَانَ سيقوم) فَجعلت اللَّام فِي مُقَابلَة السِّين، فَكَمَا لَا يجوز أَن يجمع بَين (أَن) الناصبة وَبَين السِّين وسوف، كَذَلِك لَا يجمع بَين (أَن) وَاللَّام الَّتِي هِيَ مُقَابلَة لَهَا
وَأَن: مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ، وَلذَلِك كَانَت عاملة فِيهِ؛ و (مَا) تدخل على الْفِعْل وَالْفَاعِل والمبتدأ وَالْخَبَر، وَلعدم اخْتِصَاص (مَا) لم تعْمل شَيْئا
و (أَن) فِي (أَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك) كَمَا فِي أَرْكَان الْحَج بِالْفَتْح على التَّعْلِيل كَمَا قَالَه الشَّافِعِي، كَأَنَّهُ يَقُول: أجيبك لهَذَا السَّبَب، وبالكسر عِنْد أبي حنيفَة وَهُوَ أصح وَأشهر على مَا قَالَه النَّوَوِيّ وأحوط عِنْد الْجُمْهُور كَمَا قَالَه ابْن حجر، وَوجه ذَلِك أَنه يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير مُقَيّدَة
وَقد تَجِيء (أَن) بِالْفَتْح بِمَعْنى (لَعَلَّ) حَكَاهُ الْخَلِيل عَن الْعَرَب
(إِن) بِالْكَسْرِ مُخَفّفَة: للشَّكّ مثل: {وَإِن كُنْتُم جنبا} و (إِذا) للجزم مثل: {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} لِأَن الْقيام إِلَى الصَّلَاة فِي حق الْمُسلم قَطْعِيّ الْوُقُوع غَالِبا، وَأما الْجَنَابَة فَإِنَّهَا من الْأُمُور الْعَارِضَة غير المجزوم بوقوعها، حَيْثُ يجوز أَن يَنْقَضِي عمر شخص وَلَا يحصل لَهُ الْجَنَابَة بعد أَن صَار مُخَاطبا بالتكاليف الشَّرْعِيَّة
[وَاسْتشْكل بقوله تَعَالَى: {وَلَئِن متم} {} (أَفَإِن مَاتَ} ، بقوله {وَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ} وَأجِيب بِأَن الْمَوْت لما كَانَ مَجْهُول الْوَقْت أجري المجزوم مجْرى غير المجزوم وَلما قصد التوبيخ والتقريع أَتَى ب (إِذا) تخويفا لَهُم وإخبارا بِأَنَّهُم لَا بُد أَن يمسهم شَيْء من الْعَذَاب، والتقليل مُسْتَفَاد من لفظ (الْمس) وتنكير (الضّر)
قَالَ الْجُوَيْنِيّ: الَّذِي أَظُنهُ أَن (إِذا) يجوز دُخُولهَا على الْمُتَيَقن والمشكوك، لِأَنَّهَا ظرف وَشرط، فبالنظر إِلَى الشَّرْط يدْخل على الْمَشْكُوك، وبالنظر
(1/193)

إِلَى الظّرْف يدْخل على الْمُتَيَقن كَسَائِر الظروف]
وَإِن: تكون بِمَعْنى (إِذْ) نَحْو: {وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين}
وَبِمَعْنى (لقد) نَحْو: {إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين}
وَتَكون شَرْطِيَّة نَحْو: {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف} وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين} فَإِنَّهَا لمُجَرّد الشّرطِيَّة فَلَا تشعر بِانْتِفَاء الطَّرفَيْنِ وَلَا بنقيضه، بل بِانْتِفَاء مَعْلُول اللَّازِم الدَّال على انْتِفَاء ملزومه
وَقد تقترن ب (لَا) فيظن أَنَّهَا (إِلَّا) الاستثنائية نَحْو: {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله}
وَتَكون نَافِيَة وَتدْخل على الْجُمْلَة الاسمية نَحْو: {إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور} و {إِن الحكم إِلَّا لله} والفعلية نَحْو: {إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى} {وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب} وتزاد مَعَ (مَا) النافية نَحْو: (مَا إِن رَأَيْت زيدا) وَحَيْثُ وجدت (إِن) وَبعدهَا لَام مَفْتُوحَة فاحكم بِأَن أَصْلهَا التَّشْدِيد
وَقد تكون بِمَعْنى (قد) ، قيل مِنْهُ: {إِن نَفَعت الذكرى} {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين} وَنَحْو ذَلِك مِمَّا كَانَ الْفِعْل فِيهِ محققا [وَقد تَجِيء للتَّأْكِيد كَمَا فِي حَدِيث: " وَإِن زنى وَإِن سرق]
وَإِذا دخلت (إِن) على (لم) فالجزم ب (لم)
وَإِذا دخلت على (لَا) فالجزم ب (إِن) لَا ب (لَا) ؛ وَذَلِكَ أَن (لم) عَامل يلْزمه معموله، وَلَا يفصل بَينهمَا بِشَيْء؛ و (إِن) يجوز الْفَصْل بَينهَا وَبَين معمولها بمعموله، و (لِئَلَّا) تعْمل الْجَزْم إِذا كَانَت نَافِيَة فأضيف الْعَمَل إِلَى (إِن)
وَقد أجروا كلمة (إِن) مَكَان (لَو) وَعَلِيهِ قَوْلنَا: (وَإِلَّا لما فعلته) ، (وَإِلَّا لَكَانَ كَذَا)
إِن الوصلية: مُوجبهَا ثُبُوت الحكم بِالطَّرِيقِ الأولى عِنْد نقيض شَرطهَا
وَإِن للاستقبال سَوَاء دخلت على الْمُضَارع أَو الْمَاضِي، كَمَا أَن (لَو) للمضي على أَيهمَا دخلت؛ وَقد تسْتَعْمل ك (إِن) فِي الْمُسْتَقْبل فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم} ؛ و (إِن) لكَونه لتعليق أَمر بِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِقْبَال لَا يكون كل من جملتيه إِلَّا فعلية استقبالية، وَقد يُخَالف ذَلِك لفظا لنكتة، كإبراز غير الْحَاصِل فِي معرض الْحَاصِل لقُوَّة الْأَسْبَاب أَو لكَون مَا هُوَ للوقوع كالواقع، أَو للتفاؤل، أَو لإِظْهَار الرَّغْبَة فِي وُقُوعه نَحْو: (إِن ظَفرت بِحسن الْعَاقِبَة) وَإِن جعلت تِلْكَ الجملتين أَو إِحْدَاهمَا
(1/194)

اسمية أَو فعلية ماضوية فَالْمَعْنى على الاستقبالية
وَلَكِن قد يسْتَعْمل (إِن) فِي غير الِاسْتِقْبَال قِيَاسا إِذا كَانَ الشَّرْط لفظ (كَانَ) ، إِذْ قد نَص الْمبرد والزجاج على أَن (إِن) لَا تقلب (كَانَ) إِلَى معنى الِاسْتِقْبَال ومجيء (إِن) للشّرط فِي الْمُضِيّ مطرد مَعَ (كَانَ) نَحْو: {إِن كُنْتُم فِي ريب} ، وَمَعَ الْوَصْل نَحْو: (زيد بخيل وَإِن كثر مَاله) ، وَمَعَ غَيرهمَا قَلِيل كَقَوْلِه:
(فيا وطني إِن فَاتَنِي بك سَابق)
وَقد يُؤْتى بِالشّرطِ مَعَ الْجَزْم بِعَدَمِ وُقُوعه إِقَامَة للحجة بِقِيَاس بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل بئْسَمَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ إِن كُنْتُم مُؤمنين} أَي: إِن كُنْتُم مُؤمنين بِالتَّوْرَاةِ فبئس مَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ، لِأَن الْمُؤمن يَنْبَغِي أَن لَا يتعامل إِلَّا بِمَا يَقْتَضِيهِ إيمَانه، لَكِن الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ لَا يَأْمر بِهِ فَإِذن لَسْتُم بمؤمنين
وَقَول النَّحْوِيين إِن (إِن) إِذا دخل على الْمَاضِي يصيره مُسْتَقْبلا عكس (لَو) ينْتَقض بقوله تَعَالَى: {إِن كنت قلته فقد عَلمته}
[قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِن قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كَانَت لكبيرة} تَأْكِيد يشبه الْيَمين، أَي: وَقد كَانَت، وَلذَلِك دخلت اللَّام فِي الْجَواب]
و (إِن) لَا تسْتَعْمل فِي خطر، بِخِلَاف (كلما) فَإِنَّهَا قد تسْتَعْمل فِي الْأُمُور الكائنة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ} إِلَى آخِره
ونضج الْجُلُود كَائِن لَا محَالة، وَلما كَانَت (إِن) لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي خطر وَالشّرط هُوَ مَا يكون فِي خطر ف (إِن) لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الشَّرْط
قَالَ بَعضهم: وَقع فِي الْقُرْآن (إِن) بِصِيغَة الشَّرْط وَهُوَ غير مُرَاد فِي سِتَّة مَوَاضِع: {إِن أردن تَحَصُّنًا} ، {إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} {وَإِن كُنْتُم على سفر} ، {إِن ارتبتم فعدتهن} {إِن خِفْتُمْ} {وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك إِن أَرَادوا إصلاحا} أَنى ك (حَتَّى) : استفهامية بِمَعْنى (كَيفَ) نَحْو: {أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا}
أَو بِمَعْنى (أَيْن) نَحْو: {أَنى لَك هَذَا}
وَترد أَيْضا بِمَعْنى (مَتى) و (حَيْثُ)
وَيحْتَمل الْكل قَوْله تَعَالَى: {فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} لَكِن لما كَانَت كلمة (أَنى) مُشْتَركَة فِي معنيي (كَيفَ) و (أَيْن) وأشكل الْإِتْيَان فِي الْآيَة تأملنا فِيهِ فَظهر أَنه بِمَعْنى (كَيفَ) لقَرِينَة الْحَرْث، وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان وَغَيره أَنَّهَا فِي هَذِه الْآيَة شَرْطِيَّة حذف جوابها لدلَالَة مَا قبلهَا عَلَيْهِ
(1/195)

الْإِنْزَال: هُوَ نقل الشَّيْء من أَعلَى إِلَى أَسْفَل، وَهُوَ إِنَّمَا يلْحق الْمعَانِي بتوسط لُحُوقه الذوات الحاملة لَهَا
وَيسْتَعْمل فِي الدفعي لِأَن (أفعلته) يكون لإيقاع الْفِعْل دفْعَة وَاحِدَة
والتنزيل: يسْتَعْمل فِي التدريجي، لِأَن (فعلته) يكون لإيقاع الْفِعْل شَيْئا فَشَيْئًا [وَقَوله تَعَالَى: {لَوْلَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة} بِمَعْنى أنزل ك (خبر) بِمَعْنى (أخبر) فَلَا تدافع] قَالَ ابْن كَمَال: تَضْعِيف (نزلنَا) بِمَنْزِلَة همزَة الْفِعْل، وَلَا دلَالَة فِي (نزل) مشددا على النُّزُول منجما فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة، لِأَن مبناه على أَن يكون التَّضْعِيف للتكثير، وَذَلِكَ فِي الْمُتَعَدِّي نَحْو: (قطعت) وَلَا يكون فِي اللَّازِم إِلَّا نَادرا نَحْو: (مَاتَ الْإِبِل) و (موت) إِذا كثر ذَلِك فِيهِ
وَقيل: الْإِنْزَال بِوَاسِطَة جِبْرِيل، والتنزيل بِلَا وَاسِطَة
والتنزيل: النُّزُول على مهل لِأَنَّهُ مُطَاوع (نزل) ، وَقد يُطلق بِمَعْنى النُّزُول مُطلقًا كَمَا يُطلق (نزل) بِمَعْنى (أنزل)
وَالنُّزُول بِاعْتِبَار أَنه من فَوق يعدى ب (على) ، وَبِاعْتِبَار أَنه يَنْتَهِي إِلَى الْمُرْسل إِلَيْهِ يعدى ب (إِلَى) قَالَ الله تَعَالَى فِي خطاب الْمُسلمين: {قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا} و (إِلَى) يَنْتَهِي بهَا من كل جِهَة يَأْتِي مبلغه إيَّاهُم مِنْهَا، وَقَالَ مُخَاطبا للنَّبِي: {قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا} لِأَن النَّبِي إِنَّمَا أُتِي لَهُ من جِهَة الْعُلُوّ خَاصَّة
وَنسبَة التَّنْزِيل إِلَى النَّبِي أَولا وبالذات وَإِلَى الْأمة ثَانِيًا وبالعرض، كالحركة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّفِينَة، فَيكون مجَازًا فيهم، لَكِن قَوْله تَعَالَى: {لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ} يُفِيد الْحَقِيقَة وَيُؤَيِّدهُ عمومات الْخطاب، وَلَا يُنَافِيهِ نزُول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام واختصاص الْوَحْي بِهِ وَهُوَ الْفَرد الْكَامِل الْعُمْدَة مِمَّن أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن الْوَاسِطَة فِي التَّبْلِيغ؛ نَظِيره أَن الْمُسَافِر إِذا نزل بداره وَنزل بِبَلَدِهِ حَقِيقَة
الانسجام: هُوَ أَن يكون الْكَلَام لخلوه من العقادة متحدرا كتحدر المَاء المنسجم لسهولته وعذوبة أَلْفَاظه وَعدم تكلفه ليَكُون لَهُ فِي الْقُلُوب موقع وَفِي النُّفُوس تَأْثِير؛ من ذَلِك مَا وَقع فِي أثْنَاء آيَات التَّنْزِيل مَوْزُونا بِغَيْر قصد
فَمن الطَّوِيل {فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر}
وَمن المديد: {واصنع الْفلك بأعيننا}
وَمن الْبَسِيط: {فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم}
وَمن الوافر: {ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين}
وَمن الْكَامِل: {وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم}
وَمن الهزج: (فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ
(1/196)

بَصيرًا}
وَمن الرجز: {ودانية عَلَيْهِم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا}
وَمن الرمل: {وجفان كالجواب وقدور راسيات}
وَمن السَّرِيع: {أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة}
وَمن المنسرح: {إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة}
وَمن الْخَفِيف: {لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا}
وَمن الْمُضَارع: {تولون مُدبرين}
وَمن المقتضب: {فِي قُلُوبهم مرض}
وَمن المجتث: {نبىء عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم}
وَمن المتقارب: {وأملي لَهُم إِن كيدي متين}
وَمن أَمْثِلَة الانسجام الْجَارِي من أشعار الفصحاء قَول أبي تَمام:
(نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ إِلَّا للحبيب الأول)

الْإِنْشَاء: الإيجاد والإحداث
وَأَنْشَأَ يَحْكِي: جعل وابتدأ
و [أنشأ] الله السَّحَاب: رَفعه
و [أنشأ] الحَدِيث: وَضعه
والنشيئة: مَا غض من كل نَبَات وَلم يغلظ بعد كالنشاءة
والإنشاء: إِخْرَاج مَا فِي الشَّيْء بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْل
وَهُوَ كَمَا يُطلق على الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ لنسبته خَارج تطابقه أول، كَذَلِك يُطلق على فعل الْمُتَكَلّم، أَعنِي إِلْقَاء الْكَلَام الإنشائي كالإخبار، [والإنشاء والإخبار ليسَا بممتنعي الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْفُقَهَاء، كَمَا فِي المنقولات الشَّرْعِيَّة، فَإِنَّهَا من جِهَة أَن مضمونها لَا يثبت إِلَّا بهَا إنْشَاء، وَمن جِهَة أَن الشَّرْع قد اعْتبر إِيقَاع مضمونها من الْمُتَكَلّم لتصحيح الْكَلَام خبر، وَالْفرق بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَمَّا فِي الْخَارِج تَحْقِيقا، كَمَا فِي الإخبارات الْمَحْضَة، وَأما الْفرق بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَن خَارج ضَرُورِيّ لم يُثبتهُ الشَّرْع اقْتِضَاء لتصحيح الْكَلَام فأدق من الْفرق بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَمَّا فِي النَّفس]
ثمَّ الْإِنْشَاء على نَوْعَيْنِ: إيقاعي: أَي مَوْضُوع لطلب الْمُتَكَلّم شَيْئا لم يكن بعد
وطلبي: أَي مَوْضُوع لطلب الْمُتَكَلّم شَيْئا من غَيره
ثمَّ الإيقاعي مِنْهُ على أنحاء، مِنْهَا أَفعَال متصرفة مَاضِيَة، أَو مضارعة حَالية بعد نقلهَا عَن مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّة الإخبارية
أما الْمَاضِي فكألفاظ الْعُقُود والفسوخ الصادرة عَن الْمُتَكَلّم حَال مُبَاشَرَته العقد وَالْفَسْخ
وَأما الْمُضَارع فنحو: (أشهد بِاللَّه) و (أقسم بِاللَّه)
(1/197)

و (أعوذ بِاللَّه) الصادرة عَنهُ حِين أَدَاء الشَّهَادَة وَالْقسم والاستعاذة
وَمِنْهَا أَفعَال غير متصرفة منقولة أَيْضا عَن مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّة الإخبارية بِلَا اسْتِعْمَال فِيهَا بعد النَّقْل كأفعال الْمَدْح والذم والمقاربة والتعجب
وَمِنْهَا حُرُوف كواو الْقسم وبائه وتائه و (رب) و (كم) الخبرية و (لَعَلَّ)
وَمِنْهَا جمل اسمية إخبارية بعد النَّقْل أَيْضا كَقَوْل الْقَائِل: (أَنْت حر) و (أَنْت طَالِق) و (الْحَمد لله) على قَول، أَي حَال إِعْتَاقه وتطليقه وحمده
وَكَذَا الطلبي على أنحاء: أَمر، وَنهي، واستفهام وتمن، ونداء
وَقد يسْتَعْمل مقَام الْأَمر صِيغ الْإِخْبَار من الْمَاضِي والمضارع وَاسم الْمَفْعُول وَالْجُمْلَة الاسمية، وَذَلِكَ لاعتبارات خطابية لَطِيفَة يقتضيها الْمقَام، مثل إِظْهَار الْحِرْص فِي وُقُوع الْأَمر الْمَطْلُوب، والاحتراز عَن صُورَة الْأَمر رِعَايَة لحسن الْأَدَب، بِنَاء على أَن ظَاهر الْأَمر يُوهم علو دَرَجَة الْآمِر على دَرَجَة الْمَأْمُور، وَالْقَصْد إِلَى الْمُبَالغَة فِي الطّلب ليَكُون الْمَأْمُور مسارعا فِي إِتْيَانه بالمطلوب، وَغير ذَلِك من الاعتبارات الْمَذْكُورَة فِي كتب الْمعَانِي
[الْإِنْسَان: هُوَ عَام بِالنّظرِ إِلَى الْأَفْرَاد، خَاص بِالنّظرِ إِلَى نفس الْمَعْنى وَقطع النّظر عَن الْأَفْرَاد]
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِهَذَا الْبدن وَلَا مدْخل للبدن فِي مُسَمَّاهُ، وَلَيْسَ الْمشَار إِلَيْهِ ب (أَنا) الهيكل المحسوس، بل الإنسانية [الَّتِي هِيَ صورتهَا النوعية الْحَالة فِي مادتها المحصلة لنَوْع الْبدن الإنساني، الَّتِي هِيَ كالآلة للنَّفس الناطقة فِي التَّصَرُّف فِي الْبدن فِي أَجْزَائِهِ
وَأما النَّفس الناطقة فَهِيَ وَإِن كَانَت كمالا أَولا ومبدءا للآثار والخواص الإنسانية، لَكِنَّهَا لَيست حَالَة فِي الْمَادَّة، بل هِيَ مُتَعَلقَة بهَا، فَلَا يُسمى صُورَة إِلَّا مجَازًا، وَتلك الإنسانية] المقومة لهَذَا الهيكل هَذَا على مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة وَالْغَزالِيّ، وَهِي لَطِيفَة ربانية نورانية روحانية سلطانية خلقت فِي عَالم اللاهوت فِي أحسن تَقْوِيم، ثمَّ ردَّتْ إِلَى عَالم الْأَبدَان الَّذِي هُوَ أَسْفَل فِي نظام سلسلة الْوُجُود؛ وَتلك اللطيفة هِيَ الْمُكَلف والمطيع والعاصي والمثاب والمعاقب
وَقَالَ جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين: إِن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الهيكل المحسوس، وَيَعْنِي بِهِ هَذَا الْبدن الْمُتَقَوم بِالروحِ وَعبارَة الْأَشْعَرِيّ فِي " الابحار " أَن الْإِنْسَان هُوَ هَذِه الْجُمْلَة المصورة ذَات الأبعاض والصور، وَلَا خلاف لأحد من الْعُقَلَاء فِي أَن مَا عبر عَنهُ ب (أَنا) فِي (أَنا أكلت وشربت وَأمرت ومرضت وَخرجت وَدخلت) وأمثالها لَيْسَ إِلَّا الْبدن، وَالروح الْمُخْتَلف فِيهِ شَيْء آخر غير هَذَا؛ وَأما فِي مثل (أَنا رَأَيْت الْمَنَام) فيراد بِهِ الرّوح، وَذَلِكَ لشدَّة الملابسة بَينهمَا وعَلى هَذَا الأَصْل اخْتلف الْفُقَهَاء فِي مسَائِل
مِنْهَا: أَن مورد الْحل فِي النِّكَاح هَل هُوَ هَذَا الهيكل بأجزائه الْمُتَّصِلَة اتِّصَال خلقه، أَو إنسانية الْمَرْأَة دون الْأَجْزَاء والأعضاء؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة: هُوَ الْبدن بِدَلِيل: {فانكحوهن بِإِذن أهلهن} حَيْثُ أضَاف النِّكَاح إِلَى ذواتهن، والمعني بِالذَّاتِ جَمِيع الْأَجْزَاء والأعضاء الْمَوْجُودَة لَدَى العقد وَعند
(1/198)

الْحَنَفِيَّة: الإنسانية، لِأَن الْأَجْزَاء الْمَوْجُودَة عِنْد العقد تتحلل وتتجدد فَيلْزم تجدّد النِّكَاح كل يَوْم، وَفِيه أَن النِّكَاح عرض فَلَا يبْقى زمانين، فَلَزِمَ التجدد أَيْضا فِي صُورَة كَون الْمَعْقُود عَلَيْهِ إنسانيتها، وَإِنَّمَا لم يضف الْحل إِلَى الْبضْع لِأَن الْبضْع مَوضِع بدل الْعِوَض، مَعَ عدم قطع النّظر عَن الإنسانية؛ وَالْمعْنَى هَهُنَا أَن الإنسانية مورد الْحل؛ وَأَن وُرُود العقد على جسم مُتَقَوّم
وَمِنْهَا: مَسْأَلَة غسل الزَّوْج زَوجته الْميتَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة جَائِز بِدَلِيل غسل عَليّ فَاطِمَة لبَقَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْبدن، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك عِنْد الْحَنَفِيَّة بِنَاء على أَن مورد العقد الْمَعْنى الزائل بِالْمَوْتِ، فَتبْطل أَهْلِيَّة المملوكية، مَعَ أَن لَهَا غسل زَوجهَا الْمَيِّت فِي الْعدة أَلْبَتَّة، إِذْ الزَّوْجِيَّة مَمْلُوكَة لَهُ فَبَقيَ مالكيتها لَهُ إِلَى انْقِضَاء الْعدة
وَمِنْهَا: لَو طلق روحها وَقع على الْمَذْهَب، وَفِيه خلاف مَبْنِيّ على أَن الرّوح جسم أَو عرض
وَمِنْهَا: لَو علق طَلاقهَا على رُؤْيَة زيد فرأته حَيا أَو مَيتا وَقع، وَلم يُخرجهُ الْمَوْت عَن كَونه زيدا
وَمِنْهَا: إِذا وجد بعض الْمَيِّت هَل يَنْوِي الصَّلَاة على جملَة الْمَيِّت أَو على مَا وجد مِنْهُ؟ كالاختلاف بَين الْمُتَكَلِّمين فِي أَن الْعُضْو المبان هَل يحضر مَعَه وَيدخل الْجنَّة إِن كَانَ من أَهلهَا؟ ثمَّ الْإِنْسَان عِنْد عُلَمَاء الشَّرِيعَة جنس وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ نوع
وَعند المناطقة: الْإِنْسَان نوع وَالْحَيَوَان جنس [ثمَّ اعْلَم أَن الشَّيْء هُوَ إِنْسَان فِي الْحَقِيقَة أَجزَاء لَطِيفَة سَارِيَة فِي هَذَا الْبدن، بَاقِيَة من أول الْعُمر إِلَى آخِره، إِمَّا لأجل أَن تِلْكَ الْأَجْسَام أجسام مُخَالفَة للماهية لهَذِهِ الْأَجْسَام العنصرية الكائنة الْفَاسِدَة المتحللة، وَتلك الْأَجْسَام حَيَّة لذاتها، مضيئة شفافة، فَلَا جرم كَانَت مصونة عَن التبدل والتحلل، وَإِمَّا لِأَنَّهَا كَانَت مُتَسَاوِيَة لهَذِهِ الْأَجْسَام العنصرية إِلَّا أَن الْفَاعِل الْمُخْتَار صانها عَن التَّغَيُّر والانحلال بقدرته، وَجعلهَا بَاقِيَة دائمة من أول الْعُمر إِلَى آخِره، فَعِنْدَ الْمَوْت تنفصل تِلْكَ الْأَجْزَاء الجسمانية الَّتِي هِيَ الْإِنْسَان، وَتبقى على حَالهَا حَيَّة مدركة عَاقِلَة فاهمة، وتتخلص إِمَّا إِلَى منَازِل السُّعَدَاء، وَإِمَّا إِلَى منَازِل الأشقياء
ثمَّ إِن الله تَعَالَى يضم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى هَذِه الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة أَجزَاء آخر زَائِدَة كَمَا فعل ذَلِك فِي الدُّنْيَا، ويوصل الثَّوَاب وَالْعِقَاب على مَا كَانَ مُطيعًا أَو عَاصِيا فِي الدُّنْيَا هَذَا على القَوْل بِأَن الْإِنْسَان جسم محسوس سَار فِي هَذَا الْبدن، وَكَذَا على قَول من يَقُول: إِن الْإِنْسَان عبارَة عَن جَوْهَر مُجَرّد عَن الحجمية والمقدار وَسَيَجِيءُ التَّفْصِيل فِي بحث الرّوح وَالنَّفس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَيْضا أَن] من عادات الْقُرْآن أَنه إِذا كَانَ الْمقَام مقَام التَّعْبِير عَن الْمُفْرد يذكر الْإِنْسَان نَحْو: {وكل إِنْسَان ألزمناه} وَإِذا كَانَ مقَام التَّعْبِير عَن الْجمع يذكر النَّاس نَحْو: {إِن الله لذُو فضل على النَّاس} وَلذَلِك لَا يذكر الْإِنْسَان إِلَّا وَالضَّمِير الرَّاجِع إِلَيْهِ مُفْرد، وَلَا يذكر النَّاس إِلَّا وَالضَّمِير الرَّاجِع إِلَيْهِ ضمير جمع
(1/199)

وَإِذا كَانَ الْمقَام مقَام التَّعْبِير عَن طَائِفَة مِنْهُ يذكر الأناس نَحْو: {يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم}
وَأكْثر مَا أَتَى الْقُرْآن باسم الْإِنْسَان عِنْد ذمّ وَشر نَحْو: {قتل الْإِنْسَان مَا أكفره} {وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا} {يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم}
والأناسي: جمع إِنْسَان الْعين، وَهُوَ الْمِثَال الَّذِي بِهِ يرى فِي السوَاد فَيكون الْيَاء عوضا من النُّون، وَقد يعبر بهَا عَن فنون اللطائف وخيارها
الإنباء: هُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى الْإِعْلَام يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل، يجوز الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَلَا يجوز الإكتفاء بإثنين دون الثَّالِث وَفِي جَوَاب {من أَنْبَأَك} {نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير} فضلا عَن كَونه أبلغ تَنْبِيه على تَحْقِيقه وَكَونه من قبل الله
وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْإِخْبَار يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، يجوز الِاكْتِفَاء بِوَاحِد دون الثَّانِي، (وأنبأته كَذَا) : اعلمته كَذَا؛ و (أنبأته بِكَذَا) كَقَوْلِك: (اخبرته بِكَذَا) وَلَا يُقَال: (نبأ) إِلَّا لخَبر فِيهِ خطر
قَالَ المحدثون: أَنبأَنَا أحط دَرَجَة من دَرَجَة أخبرنَا
الْإِنَابَة: أناب فِي الأَصْل بِمَعْنى أَقَامَ غَيره مقَام شَيْء
وناب يَنُوب: بِمَعْنى قَامَ الشَّيْء مقَام غَيره
وَقيل: الْإِنَابَة بِمَعْنى الرُّجُوع، وَلم يُوجد فِي الْكتب المتداولة مَجِيئه بِمَعْنى جعل الْغَيْر نَائِبا عَن نَفسه، وَقد استعملها صَاحب الْكَشَّاف فِي ذَلِك الْمَعْنى وَفِي " الأساس ": أَنْبَتَهُ منابي واستنبته
الْإِنْكَار: ثلاثيه فِيمَا يرى بالبصر، ورباعية فِيمَا لَا يرى من الْمعَانِي؛ وإنكار الشَّيْء قطعا أَو ظنا إِنَّمَا يتَّجه إِذا ظهر امْتِنَاعه بِحَسب النَّوْع أَو الشَّخْص أَو بحث عَمَّا يدل عَلَيْهِ أقْصَى مَا يُمكن فَلم يُوجد
وَالْإِنْكَار التوبيخي: يَقْتَضِي أَن مَا بعده وَاقع، وَأَن فَاعله ملوم على ذَلِك، والإبطالي: يَقْتَضِي أَنه غير وَاقع، وَأَن مدعيه كَاذِب نَحْو: {أفأصفاكم ربكُم بالبنين} [وَالْإِنْكَار من الله تَعَالَى إِمَّا بِمَعْنى أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يعقل أَو بِمَعْنى (لَا يُمكن) ]
الانحصار: الانضباط والتعين؛ وَالْقَوْم بانحصار التَّقْسِيم سَهْو، إِذْ التَّقْسِيم حاصر، إِلَّا أَن يُوَجه بِأَنَّهُ مجَاز من بَاب الْإِسْنَاد إِلَى السَّبَب
الانبجاس: أَكثر مَا يُقَال [ذَلِك] فِيمَا يخرج من شَيْء ضيق
والانفجار: يسْتَعْمل فِيهِ وَفِيمَا يخرج من شَيْء وَاسع وَمَا فِي سُورَة " الْبَقَرَة " لَعَلَّه انبجس أَولا ثمَّ انفجر ثَانِيًا
الانطواء: انطوى عَلَيْهِ: اشْتَمَل؛ وانطوى فِيهِ: اندرج؛ ومنطو تَحت ذَاك: أَي مندرج
الِانْعِقَاد: هُوَ تعلق كَلَام أحد الْعَاقِدين بِالْآخرِ
(1/200)

شرعا على وَجه يظْهر أَثَره فِي الْمحل
والإيجاب: مَا يذكر أَولا من كَلَام الْعَاقِدين، وَبِه يثبت خِيَار الْقبُول للْآخر
الْإِنْذَار: هُوَ إبلاغ الْمخوف مِنْهُ، والتهديد، والتخويف
وَذكر الْوَعيد مَعَ الْإِنْذَار وَاجِب لَا مَعَ التهديد
الإنجاء: قيل: معنى أَنْجَاهُ: أخلصه قبل وُقُوعه فِي الْمهْلكَة؛ ونجاه: أخلصه بعد الْوُقُوع
الإنجاح: أنجح فلَان: بلغ مُرَاده
وأنجح الْحَاجة: قَضَاهَا
وأنجح عمل فلَان: بلغ الْعَمَل إِلَى مَا أُرِيد من النجاح وَالثَّوَاب
الإنارة: جعل الشَّيْء منيرا، وَيَجِيء لَازِما أَيْضا كأضاء
الْإِنَاء: بِالْكَسْرِ مَقْصُور وبالفتح مَمْدُود
وأناه: وقته؛ وَبلغ هَذَا أناءه، وبكسر: غَايَته أَو نضجه إِدْرَاكه كَذَا فِي " الْقَامُوس "
وآناء اللَّيْل: ساعاته
والانفصال: أَعم من الانفكاك
آنِفا: أَي قَرِيبا أَو هَذِه السَّاعَة، أَو أول وَقت كُنَّا فِيهِ، من قَوْلهم: (أنف الشَّيْء) لما تقدم مِنْهُ، مستعار من الْجَارِحَة؛ وَمِنْه: اسْتَأْنف، وَهُوَ ظرف بِمَعْنى وقتا مؤتنفا، أَو حَال، وَالْمدّ أشهر
أنعم صباحا: كلمة تَحِيَّة من (نعم) : طَابَ عَنهُ، وَخص الصَّباح لِأَنَّهُ وَقت الغارات والمكاره
أَنْت: كلمة (أَن) فِي (أَنْت) مَوْضُوع للمخاطب، وَمَا لحقه لخصوصية التَّذَكُّر والتأنيث والإفراد والتثنية وَالْجمع، وَالْخطاب أبلغ فِي الْإِعْلَام والإفهام من النداء، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بِالتَّاءِ أَو الْكَاف، وَهُوَ يقطع شركَة الْغَيْر، والنداء يكون بِالِاسْمِ أَو بِالصّفةِ، وَذَلِكَ لَا يقطع الِاشْتِرَاك
وَأعرف المعارف (أَنا) وأوسطها (أَنْت) وَأَدْنَاهَا (هُوَ) ؛ وَكلمَة التَّوْحِيد قد وَردت بِكُل وَاحِدَة من هَذِه الْأَلْفَاظ، وَلما قَالَ فِرْعَوْن {آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بنوا إِسْرَائِيل} لم يقبل الله مِنْهُ ذَلِك، وَقد نظمت فِيهِ:
(شَأْن الضمائر أَعلَى إِذْ بهَا وَردت ... مفاتح الْخلد فِي الْآيَات تَفْصِيلًا)

(لما خلا اللَّفْظ عَن شَأْن الضَّمِير إِذن ... لم يقبل الله من فِرْعَوْن مَوْصُولا)
[نوع]
{أناسي} : جمع إنسي، وَهُوَ وَاحِد الْإِنْس، جمعه على لَفظه مثل: كرْسِي وكراسي، أَو جمع إِنْسَان، فالياء بدل من النُّون، لِأَن الأَصْل (أناسين) مثل: سراحين، جمع سرحان، وَالنَّاس قد يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ
{أنكاثا} : [النكث هُوَ مَا نقض من غزل الشّعْر وَغَيره]
{أنقض ظهرك} : أَي: كَسره حَتَّى صَار لَهُ
(1/201)

نقيض أَي: صَوت، لِأَن نقيض المفاصل صَوتهَا
{آنستم} : عَرَفْتُمْ
{فانبجست} : انفجرت
{فانفروا ثبات} : فاخرجوا إِلَى الْجِهَاد جماعات مُتَفَرِّقَة
{آنَاء اللَّيْل} : ساعاته
{فَإِذا انسلح} : انْقَضى
{فانبذ إِلَيْهِم} : فاطرح إِلَيْهِم عَهدهم
{فانهار} : فانهدم
{أنكر الْأَصْوَات} : أقبحها وأوحشها
{انكدرت} : انْقَضتْ أَو تَغَيَّرت
{انفطرت} : انشقت
{فانصب} : فاتعب فِي الْعِبَادَة أَو فِي الدُّعَاء
{فانتصر} : فانتقم
{أَنْصتُوا} : اسْكُتُوا
{وأناسي كثيرا} : يَعْنِي أهل الْبَوَادِي الَّذين يعيشون بالحيا
{إِذا انتبذت} : اعتزلت
{فأنظرني} : فأخرني
{لانفضوا من حولك} : لتفرقوا عَنْك وَلم يسكنوا إِلَيْك
{أَنْفقُوا} : تصدقوا
{وأنشأنا} : وأحدثنا
{فَانْتهى} : فاتعظ وَاتبع النهى
{كره الله انبعاثهم} : أَي نهوضهم لِلْخُرُوجِ
{وَقُولُوا انظرنا} : من: نظره: إِذا انتظره، وَأما (انْظُر إِلَيْنَا) فَلَا يُنَاسب الْمقَام
{من عين آنِية} : جَارِيَة
{حميم آن} : هُوَ الَّذِي انْتهى حره
{غير ناظرين إناه} : غير منتظرين وقته أَو إِدْرَاكه
{فَانْتَشرُوا} : تفَرقُوا وَلَا تمكثوا
{انتثرت} : تساقطت مُتَفَرِّقَة
{وأناب} : وَرجع إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ
(1/202)

{انفروا} : اغزوا
{أندادا} : أشباها
[ {أنبتكم من الأَرْض} : أنشأكم مِنْهَا
{إِذْ انْبَعَثَ} : حِين قَامَ رَسُولا
{من أنفسهم} : من نسبهم أَو جنسهم عَرَبيا، أَو من أَشْرَفهم، على قِرَاءَة فَتْحة الْفَاء
والأنصاب: أَي الْأَصْنَام الَّتِي نصبت لِلْعِبَادَةِ
وَالْأَنْصَار: أهل بيعَة الْعقبَة الأولى وَأهل الْعقبَة الثَّانِيَة، وَالَّذين آمنُوا حِين قدم عَلَيْهِم أَبُو زُرَارَة وَمصْعَب بن عُمَيْر]
(فصل الْألف وَالْوَاو)
[أَو] : أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن جريج أَنه قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن (أَو) فللتخيير إِلَّا قَوْله: {أَن يقتلُوا أَو يصلبوا} قَالَ الشَّافِعِي: وَبِهَذَا أَقُول
[الأواه] : كل كَلَام يدل على حزن يُقَال لَهُ التأوه ويعبر بالأواه
[الْأُوقِيَّة] : كل أُوقِيَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالا، ومثقال الشَّيْء: مِيزَانه من عينه كَمَا فِي " الْعباب "
والمثقال فِي الْفِقْه من الذَّهَب عبارَة عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين شعيرَة، قَالَه الْكرْمَانِي
أَو: كلمة (أَو) إِذا كَانَت للشَّكّ أَو التَّقْسِيم أَو الْإِبْهَام أَو التَّسْوِيَة أَو التَّخْيِير أَبُو بِمَعْنى (بل) أَو (إِلَى) أَو (حَتَّى) أَو (كَيفَ) كَانَت عاطفة سَاكِنة
وَإِذا كَانَت للتقرير أَو التَّوْضِيح أَو الرَّد أَو الْإِنْكَار أَو الِاسْتِفْهَام كَانَت مَفْتُوحَة كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعلمُونَ}
قَالَ ابْن عَطِيَّة: هِيَ عاطفة، والزمخشري جعلهَا وَاو الْحَال
[لَو] : و (لَو) الَّتِي تَجِيء هَذَا الْمَجِيء شَرْطِيَّة
وَكلمَة (أَو) إِذا وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي تحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا نفي أحد الْأَمريْنِ، وَذَلِكَ إِذا دخلت قبل تسليط النَّفْي عَلَيْهِ، وَالْآخر: نفي أحد النفيين، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا دخلت بعد تسليط النَّفْي على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، لِأَن النَّفْي لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد تصور الْإِثْبَات فَإِذا قيل: (مَا جَاءَنِي زيد أَو عَمْرو) فَرُبمَا يتَصَوَّر مَجِيء أَحدهمَا، وَلَا يكون إِلَّا بعد مجيئهما؛ وَرُبمَا يتَصَوَّر مَجِيء زيد وينفى ثمَّ يعْطف عَلَيْهِ عَمْرو، فَيجب النَّفْي فِيهِ أَيْضا، فَيكون الْمَعْنى أحد النفيين
وَإِذا وَقعت فِي الْإِثْبَات ذكر بَعضهم أَنَّهَا تخص فِي الْإِثْبَات كَمَا فِي آيَة التَّكْفِير، وَفِي النَّفْي وَالْإِبَاحَة تعم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن}
وَمن قَالَ إِنَّهَا للتشكيك فَهُوَ مُخطئ، لِأَن التشكيك لَيْسَ بمقصود ليوضع لَهُ حرف، بل
(1/203)

مُوجبه إِثْبَات أحد الْأَمريْنِ
ثمَّ القَوْل بِأَنَّهَا تخص فِي الْإِثْبَات ينْتَقض بِالْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهَا إِثْبَات، و (أَو) فِيهَا تفِيد الْعُمُوم كَقَوْلِهِم: (جَالس الْفُقَهَاء أَو الْمُحدثين) وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {إِلَّا مَا حملت ظهورهما أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم} وَالِاسْتِثْنَاء من التَّحْرِيم إِبَاحَة فَتثبت فِي جَمِيع هَذِه الْأَشْيَاء
وَإِذا وَقعت بَين نفي وَإِثْبَات ينظر إِلَى الْمَذْكُور آخرا، فَإِن صلح غَايَة للْأولِ حمل على غَايَة لما بَين الْغَايَة والتخيير من الْمُنَاسبَة، و (أَو) تسْتَعْمل فِي الْغَايَة بِمَعْنى (حَتَّى) نَحْو: {تقاتلونهم أَو يسلمُونَ} {لأذبحنه أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين} وَإِن لم يصلح للغاية كَانَت للتَّخْيِير عملا بِالْحَقِيقَةِ عِنْد عدم الْمَانِع، وَإِذا دخلت بَين المستثنيات كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ} إِلَى آخِره، وَقَوله: {وَلَا يبدين زنينتهن} إِلَى آخِره
وَكَذَا بَين نفيين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا} فَإِن (أَو) فِيهَا بِمَعْنى (وَلَا)
وَكَذَا بَين إباحتين كَمَا فِي (جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين}
فَفِي هَذِه الصُّور أفادت الْجمع كالواو، وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْحَقِيقَة من التَّحْرِيم إِبَاحَة، كَمَا عرفت آنِفا، فَتثبت فِي جَمِيع مَا عَداهَا
وَهَذَا لَيْسَ بِاعْتِبَار أصل الْوَضع، بل بِاعْتِبَار الِاسْتِعَارَة، فَإِنَّهَا تستعار لعُمُوم الْأَفْرَاد فِي مَوضِع النَّفْي بِاعْتِبَار أَنَّهَا إِذا تناولت أَحدهَا غير عين صَار ذَلِك المتناول نكرَة فِي مَوضِع النَّفْي فتعم
وتستعار أَيْضا لعُمُوم الِاجْتِمَاع فِي مَوضِع الْإِبَاحَة بِقَرِينَة طارئة على الْوَضع، وَهِي أَن الْمُسْتَفَاد من الْإِبَاحَة رفع الْقَيْد فَيثبت الْإِطْلَاق على الْعُمُوم
وَالْحَاصِل أَن الْعُمُوم بنوعية طارئة عَلَيْهِ، وَتَنَاول أحد الْمَذْكُورين بِالْوَضْعِ لقَوْله تَعَالَى: {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم}
فَفِيمَا إِذا قَالَ: (لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو لَا أَدخل هَذِه) فَأَيّهمَا دخل حنث، لما أَن دُخُول (أَو) بَين نفيين يَقْتَضِي انتفاءهما وَفِي (لأدخلن هَذِه الدَّار الْيَوْم أَو هَذِه الدَّار الْأُخْرَى) بر بِدُخُول وَاحِدَة مِنْهُمَا، لما أَن دُخُول (أَو) بَين إثباتين يَقْتَضِي ثُبُوت أَحدهمَا
وَأما إِذا دخل بَين نفي وَإِثْبَات ك (لَا أَدخل هَذِه الدَّار أبدا أَو لأدخلن هَذِه الْأُخْرَى الْيَوْم) بر بِدُخُول الثَّانِيَة فِي الْيَوْم، وَحنث بفوت الدُّخُول أصلا، أَو دُخُول الأولى، لِأَنَّهُ ادخل كلمة (أَو) بَين نفي مؤبد وَإِثْبَات مُؤَقّت، والمؤقت لَا يصلح غَايَة للمؤيد، فأفادت مُوجبهَا الْأَصْلِيّ وَهُوَ التَّخْيِير فِي الْتِزَام أَي الشَّرْطَيْنِ شَاءَ، وَإِنَّمَا جعلت هَهُنَا للتَّخْيِير مَعَ أَن الأَصْل أَن (أَو) إِذا دخلت بَين نفي وَإِثْبَات تجْعَل بِمَعْنى (حَتَّى) كَقَوْلِه تَعَالَى: {تقاتلونهم أَو يسلمُونَ} (لأذبحنه أَو
(1/204)

ليأتيني بسُلْطَان مُبين} وَهَكَذَا اسْتِعْمَال الفصحاء وَالْعرْف لِأَنَّهُ امكن فِي الْآيَة جعلهَا بِمَعْنى (حَتَّى) وَتعذر هُنَاكَ فَجعلت للتَّخْيِير، وَكَذَا تجْعَل بِمَعْنى الْغَايَة فِيمَا إِذا دخلت بَين نفي وإثباتين، كَمَا إِذا قَالَ: (وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو أَدخل هَذِه الْأُخْرَى أَو أَدخل هَذِه الْأُخْرَى) فَاقْتضى الْخُصُوص فِي الْإِثْبَات وَيجْعَل الْمُثبت فِي حكم الْغَايَة للنَّفْي، فَإِذا دخل الأولى قبل أَن يدْخل إِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ حنث، وَإِن دخل بعده بر لانْتِهَاء الْحَظْر بِوُجُود الْغَايَة
ثمَّ اعْلَم أَن كلمة (أَو) على مَا بَين فِي الْكتب تَجِيء لسِتَّة معَان: أَحدهَا: التَّسْوِيَة ن فَإِن الْمخبر إِذا جزم بتعلق الحكم بكلا الشَّيْئَيْنِ بطرِيق اسْتِقْلَال كل مِنْهُمَا فِي الثُّبُوت لَهُ مَعَ تساويهما فِي جنس الثُّبُوت ف (أَو) هَذِه للتسوية، وَكَونهَا للإضراب ك (بل) قد أجَازه سِيبَوَيْهٍ بِشَرْطَيْنِ: تقدم نفي أَو نهي، وإعادة عَامل، فَهَذَا الْمَعْنى رَاجع إِلَى معنى التَّسْوِيَة فِي النَّفْي، لِأَن الْجُمْلَة المنفية إِذا ذكرت بعد جملَة أُخْرَى مثلهَا وَحكم بتساويهما يتَوَلَّد مِنْهُ معنى الإضراب أَيْضا، وَكَذَا كَونهَا شَرْطِيَّة نَحْو: (لأضربنه عَاشَ أَو مَاتَ) أَي: إِن عَاشَ بعد الضَّرْب وَإِن مَاتَ، فَإِنَّهُ رَاجع أَيْضا إِلَى معنى التَّسْوِيَة، لِأَن التَّسْوِيَة بَين أَمريْن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا الْإِتْيَان يُفِيد معنى الشّرطِيَّة
وَالثَّانِي: لنفي الشُّمُول، فَإِن الْمخبر إِذا شكّ فِي تعلق الحكم بِكُل من الشَّيْئَيْنِ على التَّعْيِين مَعَ جزمه بِأَصْل الثُّبُوت فَلَا يَسعهُ إِلَّا الْإِخْبَار عَن تعلقه بِوَاحِد مِنْهُمَا لَا على التَّعْيِين؛ ف (أَو) هَذِه لنفي الشُّمُول، وَكَونهَا للتقريب نَحْو: (لَا أَدْرِي أسلم أَو ودع) رَاجع إِلَى معنى نفي شُمُول الْعَدَم، وَلما اسلتزم هَذِه الشَّك لزم مِنْهُ معنى التَّقْرِيب، لِأَن اشْتِبَاه السَّلَام بالوداع لَا يكون إِلَّا من قربهما
وَالثَّالِث: للتشكيك فَإِن الْمُخَاطب إِذا حزم بتعلق الحكم بِوَاحِد من الشَّيْئَيْنِ على التَّعْيِين يُورد الْمخبر كلمة أَو تشكيكا للمخاطب إِمَّا لرد خطئه إِلَى الشَّك إِن أَخطَأ، وَهَذَا جَائِز، وَإِمَّا لرد إِصَابَته إِلَى الشَّك إِن أصَاب، وَهَذَا غير جَائِز ف (أَو) هَذِه تسمى تشكيكية
وَالرَّابِع: للإبهام: فَإِن الْمُخَاطب إِن كَانَ خَالِي الذِّهْن يُورد الْمخبر كلمة (أَو) إبهاما لِلْأَمْرِ عَلَيْهِ صونا عَن الْخَطَأ، وَهَذَا جَائِز، أَو عَن الْإِصَابَة، وَهَذَا غير جَائِز، ف (أَو) هَذِه تسمى إبهامية أَو يُورد إِظْهَار النصفة بَينه وَبَين الْمُخَاطب مثل: (أَنا أَو أَنْت رجل عَالم)
هَذَا كُله إِذا وَردت كلمة (أَو) فِي الْخَبَر، وَأما إِذا وَردت فِي الْإِنْشَاء فلهَا مَعْنيانِ: التَّخْيِير، كَمَا إِذا قَالَ لَك الْأَمِير: (أطلق هَذَا الْأَسير أَو استعبده) وَالْإِبَاحَة، كَمَا إِذا قَالَ صديقك: (خُذ من مَالِي درهما أَو دِينَارا)
فَفِي التَّخْيِير يتَحَقَّق نفي شُمُول الْوُجُود والعدم مَعًا، وَفِي الْإِبَاحَة يتَحَقَّق نفي شُمُول الْعَدَم دون الْوُجُود
ثمَّ إِن كلمة (أَو) لمُطلق الْجمع كالواو وَذَلِكَ من لَوَازِم التَّقْسِيم، مثلا إِذا قلت: (الْكَلِمَة اسْم أَو فعل أَو حرف) بِاعْتِبَار أَنْوَاع متباينة، يجوز لَك جمعهَا فِي جنس الْكَلِمَة بِدُونِ اعْتِبَار توَسط تِلْكَ الْأَنْوَاع
وَكَذَا كَونهَا بِمَعْنى (إِلَّا) للاستثناء رَاجع إِلَى معنى
(1/205)

التَّقْسِيم، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ ينصب الْمُضَارع بعْدهَا بإضمار (أَن) كَقَوْلِه: (لأقتلنه أويسلم) مَعْنَاهُ: حَاله منقسم إِلَى الْقَتْل وَالْإِسْلَام؛ وَلما كَانَ الْقَتْل فِي غير زمَان الْإِسْلَام تولد مِنْهُ معنى (إِلَّا)
وَكَذَا كَونهَا بِمَعْنى (إِلَى) رَاجع إِلَى معنى التَّقْسِيم أَيْضا، إِذْ هِيَ كَالَّتِي قبلهَا فِي انتصاب الْمُضَارع بعْدهَا ب (أَن) مضمرة نَحْو: (لألزمنك أَو تقضيني حَقي) أَي: حَالي مَعَك منقسم إِلَى الْإِلْزَام عِنْد قَضَاء الْحق تولد مِنْهُ معنى (إِلَى)
وَكَذَا كَونهَا للتَّبْعِيض نَحْو: {وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى} من لَوَازِم معنى التَّقْسِيم أَيْضا، لِأَن هَذَا الْمَعْنى تَقْسِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمقسم، وتبعيض بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْسَام
وَلَا ترد فِي كَلَام الله للشَّكّ وَلَا للتشكيك وَلَا للإبهام إِلَى على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر، وَإِنَّمَا ترد فِي أَخْبَار الله إِمَّا لتسوية المستقلين زَمَانا فِي الحكم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم} أَو لتسوية المستقلين علما فِي الحكم أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو كصيب من السَّمَاء} أَو للتقسيم سَوَاء كَانَت كلمة (أَو) بَين المفردين أَو بَين الجملتين، وَالَّتِي تقع بَين الجملتين لَا تكون إِلَّا للتسوية وَلَا تكون لنفي الشُّمُول وَلَا للتشكيك لنبو الْجمل عَنْهَا
ثمَّ إِن التَّخْيِير وَالْإِبَاحَة كل مِنْهُمَا معنى مجازي ل (أَو) ؛ وَأما مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ فالشك
وتستعمل فِي غير الْخَبَر بِالْمَعْنَى الْمجَازِي فَقَط، وَفِي الْخَبَر بِكُل من معنييها الْحَقِيقِيَّة وَالْمجَاز
والمتكلم فِي الشَّك لَا يعرف التَّعْيِين بل هُوَ مُتَرَدّد فِي الَّذِي أخبرهُ، مثل: {لبثنا يَوْمًا أَبُو بعض يَوْم} وَمن ثمَّة يمْتَنع وُرُود كلمة (أَو) للشَّكّ فِي كَلَام الله، إِلَّا أَن يصرف إِلَى تردد الْمُخَاطب، وَعَلِيهِ {فأرسلناه إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ} وَأما الْمُتَكَلّم فِي الْإِبْهَام فَإِنَّهُ يعرف التَّعْيِين لكنه أبهمه على السَّامع لغَرَض الإيجاز أَو غَيره، نَحْو: {وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين}
وَتَكون (أَو) لمُطلق الْجمع كالواو، نَحْو: {لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى} وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كثر اسْتِعْمَال (أَو) فِي الْإِبَاحَة الَّتِي مَعْنَاهَا جَوَاز الْجمع اسْتعْملت فِي معنى الْجمع كالواو، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {أَو تكون لَك جنَّة} الْآيَة، فَإِن الْكفَّار طلبُوا تعنتا جَمِيع مَا ذكر فِي الْآيَة، لَا وَاحِدًا مِنْهَا غير معِين
وَقد تَجِيء للنَّقْل، تَقول لآخر: (افْعَل كَذَا إِلَى الشَّهْر) ثمَّ تَقول: (أَو أسْرع مِنْهُ) ، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا}
و (أَو) فِي مثل قَوْلنَا: (الْجِسْم مَا يتركب من جوهرين أَو أَكثر) لتقسيم الْمَحْدُود؛ وَفِي قَوْلنَا:
(1/206)

(من جوهرين أَو مَاله طول وَعرض وعمق) لتقسيم الْحَد
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ من النُّحَاة: كَون (أَو) للْإِبَاحَة اسْتِحْسَان وُقُوع الْوَاو موقعها مثل: (جَالس الْحسن أَبُو ابْن سِرين)
الأول: أول الشَّيْء جزؤه [الأسبق] وَهُوَ (أفعل) ومؤنثه (أولى) وَأَصلهَا (وَولى) قلبت الْوَاو همزَة ففاؤها وعينها واوان عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَلم يتَصَرَّف مِنْهَا فعل لاعتلال فائها وعينها، وَعند الْكُوفِيّين وَزنه (افْعَل) أَيْضا، وَأَصله (أَو أل) من (وأل) فأبدلت همزته الثَّانِيَة واوا تَخْفِيفًا أَو (أعفل) وَأَصله (أأول) بهمزتين من (آل) ففصل بَينهمَا بِالْوَاو بعد سكونها وَفتحت الْهمزَة بعْدهَا، ثمَّ قلبت واوا وأدغمت فِيهَا الْوَاو
وَفِي " الجمهرة ": هُوَ (فوعل) لَيْسَ لَهُ فعل، وَالْأَصْل (ووول) قلبت الْوَاو الأولى همزَة وأدغمت إِحْدَى الواوين فِي الْأُخْرَى
وَقَالَ ابْن خالويه: الصَّوَاب أَنه (أفعل) بِدَلِيل صُحْبَة من إِيَّاه تَقول (أول من كَذَا)
وَيجمع على (أَوَائِل) و (أوالي) وَهُوَ حَقِيقَة ظرف للزمان، وَلذَلِك يَصح ترك (فِي) فِيهِ، وَإِنَّمَا يُوصف بِهِ الْعين وَالْفِعْل بِاعْتِبَار اشتماله على الْأَزْمِنَة
وَله استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون اسْما فَيَنْصَرِف، وَمِنْه قَوْلهم: (مَا لَهُ أول وَلَا آخر) قَالَ أَبُو حَيَّان: فِي محفوظي أَن هَذَا يؤنث بِالتَّاءِ وَيصرف فَتَقول: (أولة وآخرة) بِالتَّنْوِينِ
وَالثَّانِي: أَن يكون صفة أَي: (أفعل) تَفْضِيل، بِمَعْنى الأسبق، فَيعْطى لَهُ حكم غَيره من صِيغ (أفعل) التَّفْضِيل من دُخُول (من) عَلَيْهِ وَمنع الصّرْف وَعَدَمه، فَأتيت بِالتَّاءِ، فعلى هَذَا يكون من (آل يؤول) إِذا رَجَعَ
وَفِي قَوْلنَا: (أول النَّاس) و (أول الْغَرَض) معنى الرُّجُوع، لِأَن الْجُزْء السَّابِق من الْوَقْت وَغَيره يرجع من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود الْخَارِجِي، كَمَا أَن الْوُجُود الْخَارِجِي، يرجع إِلَى الْعَدَم فَيكون الْجُزْء الثَّانِي آيلا أَي رَاجعا من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، لَكِن الْجُزْء السَّابِق أول مِنْهُ أَي أرجع مِنْهُ، فالتفضيل بِاعْتِبَار السَّبق إِلَى الرُّجُوع
وَنَظِير (أول) فِي المبنيات على الضَّم (فَوق) وَغَيره تَقول: (انحدر من فَوق) و (أَتَاهُ من قُدَّام) و (استردفته من وَرَاء) و (أَخذه من تَحت) فتبنى هَذِه الْأَسْمَاء على الضَّم وَإِن كَانَت ظروف أمكنه لانقطاعها عَن الْإِضَافَة
و (الأول) فِي حق الله تَعَالَى بِاعْتِبَار ذَاته هُوَ الَّذِي لَا تركيب فِيهِ، وَأَنه المنزه عَن الْعِلَل، وَأَنه لم يسْبقهُ فِي الْوُجُود شَيْء، وَإِلَى هَذَا يرجع من قَالَ: هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى غَيره، وَمن قَالَ: هُوَ المستغني بِنَفسِهِ وبإضافته إِلَى الموجودات هُوَ الَّذِي يصدر عَنهُ الْأَشْيَاء
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: الله أول الْأَشْيَاء، وَلَا أول كل شَيْء، لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقهَا وَلَا هُوَ مثلهَا، و (أفعل) يُضَاف إِلَى مَا هُوَ مثله
وَقَالَ الْفَخر: هُوَ أول لكل مَا سواهُ وَآخر لكل مَا سواهُ فَيمْتَنع أَن يكون لَهُ أول وَآخر لِامْتِنَاع كَونه أَولا لأوّل نَفسه وآخرا لآخر نَفسه، بل هُوَ أزلي لَا
(1/207)

أول لَهُ وأبدي لَا آخر لَهُ، بل هُوَ الآخر الَّذِي يرجع إِلَيْهِ الموجودات فِي سلسلة الترقي أَو فِي سلوك السالكين
[وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: لَا معنى لكَونه تَعَالَى قبل الْعَالم إِلَّا أَنه كَانَ وَلَا شَيْء سواهُ، وَلَا معنى لكَون الْعَالم بعده إِلَّا أَنه لم يكن مَعَه تَعَالَى ثمَّ كَانَ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ الرب قبل الْعَالم بِالزَّمَانِ، وَالزَّمَان من الْعَالم، يلْزم أَن يكون مُتَقَدما على الزَّمَان بِالزَّمَانِ وَهُوَ محَال
وَأَيْضًا لَيْسَ وجود الْبَارِي وجودا زمانيا، فَلَا يكون قبل الزَّمَان، كَمَا أَنه لما لم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يكن قبل الْمَكَان، فسبحان من لَا تحد أزليته بمتى، وَلَا تقيد أبديته بحتى، وَهُوَ قيوم أزلي ديوم سرمدي إِن قلت أَيْن فقد سبق الْمَكَان، وَإِن قلت مَتى فقد تقدم الزَّمَان، وَإِن قلت كَيفَ فقد جَاوز الْأَشْبَاه والأمثال والأقران، وَإِن طلبت الدَّلِيل فقد غلب الْخَبَر العيان، وَإِن رمت الْبَيَان فذرات الكائنات لَهُ بَيَان وبرهان]
وَالْأول فِي حَقنا: هُوَ الْفَرد السَّابِق، وَالْأول إِنَّمَا يتَوَقَّف على آخر إِذا صَحَّ اجْتِمَاع الآخر مَعَ الأول، فَإِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا: (هَذِه طَالِق وَطَالِق) وَقع الأول ولغا الثَّانِي لعدم الْمحل، وَإِن كَانَ قد جمع بَينهمَا بِحرف الْجمع لعدم تغير أَوله بِآخِرهِ فَلم يتَوَقَّف على الآخر وَكَذَا قَوْله لشَرِيكه فِي صَغِير: (هُوَ ابْني وابنك) فَإِنَّهُ يكون ابْنا للْأولِ وَلم يتَوَقَّف أَوله على آخِره، لِأَن النّسَب لَا يحْتَمل الشّركَة فَلَا يتَغَيَّر بِهِ الْكَلَام، وَلِأَنَّهُ إِقْرَار على الْغَيْر، وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَيْهِمَا إِذا ادّعَيَا مَعًا لعدم الْأَوْلَوِيَّة وَالنّسب حَقِيقَة من أَحدهمَا
وَنصب (أَولا) فِي قَوْلنَا: (أَولا وبالذات) على الظَّرْفِيَّة بِمَعْنى (قبل) وَهُوَ منصرف حِينَئِذٍ لعدم الوصفية مَعَ أَنه (أفعل) تَفْضِيل فِي الأَصْل بِدَلِيل (الأولى) و (الْأَوَائِل) ، و (بِالذَّاتِ) عطف على (أَولا) وَالْبَاء بِمَعْنى (فِي) أَي فِي ذَات الْمَعْنى بِلَا وَاسِطَة
الأولى: بِالْفَتْح وَاحِد الأوليان، وَالْجمع الْأَولونَ، وَالْأُنْثَى الوليا، وَالْجمع الوليات
وَالْأولَى: يسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الْجَوَاز، كَمَا أَن الصَّوَاب فِي مُقَابلَة الْخَطَأ
وَمعنى قَوْله تَعَالَى: {فَأولى لَهُم} : فويل لَهُم، دُعَاء عَلَيْهِم بِأَن يليهم الْمَكْرُوه، أَو يؤول إِلَيْهِ أَمرهم، فَإِنَّهُ (أفعل) من (الولى) أَو (فعلى) من (آل)
الأوب: لَا يُقَال هَذَا إِلَّا فِي الْحَيَوَان الَّذِي لَهُ إِرَادَة وَالرُّجُوع أَعم
وَتَابَ إِلَى الله: رَجَعَ إِلَيْهِ
وَتَابَ الله عَلَيْهِ: وَفقه للتَّوْبَة، أَو رَجَعَ بِهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف، أَو رَجَعَ عَلَيْهِ بفضله وقبوله، وَهُوَ التواب على عباده
(1/208)

أَوَى: هُوَ بِالْقصرِ إِذا كَانَ فعلا لَازِما، وَهُوَ أفْصح
وآوى غَيره: بِالْمدِّ، وَهُوَ أفْصح وَأكْثر
أوهمت فِي الشَّيْء أوهم إيهاما
ووهمت فِي الْحساب وَغَيره أوهم وهما: إِذا غَلطت فِيهِ
ووهمت إِلَى الشَّيْء أهم وهما: إِذا ذهب قَلْبك إِلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ غَيره أولويته إِيَّاه: أذنيته مِنْهُ. وَوليت إِلَيْهِ وليا: دَنَوْت مِنْهُ
وأوليت بِمَعْنى أَعْطَيْت
أَوَان: هُوَ مُفْرد بِمَعْنى الْحِين، وَجمعه آونة كزمان وأزمنة
الأوابد: الوحوش، سميت بهَا لِأَنَّهَا لم تمت حتف أنفها؛ وَيُقَال للْفرس: قيد الأوابد لِأَنَّهُ يلْحق الوحوش بِسُرْعَة [نوع]
{آوي إِلَى ركن شَدِيد} : أنضم إِلَى عشيرة منيعة
{وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل} : ألهمها
{أوسطهم} : أعدلهم
{أَوْفوا} : الْوَفَاء الْقيام بِمُقْتَضى الْعَهْد، وَكَذَا الْإِيفَاء
{آوى إِلَيْهِ} : ضم إِلَيْهِ
{أواب:} : رجاع
{أوبي مَعَه} : رَجْعِيّ مَعَه
{أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك} : اجْعَلنِي أزع شكر نِعْمَتك عِنْدِي: أَي أكفه وأرتبطه لَا يَنْقَلِب عني بِحَيْثُ لَا أَنْفك عَنهُ
{أوزعني} : ألهمني، وَأَصله أولعني
{فأوجس مِنْهُم خيفة} : وَأدْركَ
{وأوصاني} : وَأَمرَنِي
{فأوجس فِي نَفسه} : فأضمر فِيهَا
{فَأوحى إِلَيْهِم} : فَأَوْمأ إِلَيْهِم
{أَو جفتم} : أجريتم، من الوجيف، وَهُوَ سرعَة السّير
{أَوْفوا الْكَيْل} : أتموه
{لأواه} : هُوَ الْمُؤمن التواب، أَو الرَّحِيم، أَو المسبح، أَو دُعَاء بالعبرانية
[ {فآوعى} : فَجعله فِي وعَاء وكنز حرصا
{أورثتموها} أَي: أعطيتموها]
(1/209)

(فصل الْألف وَالْهَاء)

[الإهالة: كل مَا يؤتدم بِهِ من زَيْت أَو دهن أَو سمن أَو ودك شَحم فَهُوَ إهالة
[أهل وَأَهلي] : كل دَابَّة ألف مَكَانا يُقَال لَهُ أهل وَأَهلي
وَأهل الرجل: من يجمعه وإياهم مسكن وَاحِد، ثمَّ سميت بِهِ من يجمعه وإياهم نسب أَو دين أَو صَنْعَة أَو نَحْو ذَلِك
وَعند أبي حنيفَة، أهل الرجل: زَوجته خَاصَّة، لِأَنَّهَا المُرَاد فِي عرف اللِّسَان
يُقَال: فلَان تأهل، وَبنى على أَهله: تزوج
وَعِنْدَهُمَا: كل من يعولهم ويضمهم نَفَقَته بِاعْتِبَار الْعرف؛ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته} ؛ وَقَوله تَعَالَى فِي جَوَاب قَول نوح: {إِن ابْني من أَهلِي} {إِنَّه لَيْسَ من أهلك} يدل على أَن من لم يدن بدين امْرِئ لَا يكون من أَهله، وَكَذَا قَوْله فِي امْرَأَة لوط: {إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك} لاستثناء الامرأة الْكَافِرَة من الْأَهْل، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا
فِي " الْمُفْردَات " لما كَانَت الشَّرِيعَة حكمت بِرَفْع حكم النّسَب فِي كثير من الْأَحْكَام بَين الْمُسلم وَالْكَافِر قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح}
وَأهل النَّبِي: أَزوَاجه وَبنَاته وصهره عَليّ، أَو نساؤه، وَالرِّجَال الَّذين هم آله
وَأهل كل نَبِي: أمته
وَآل الله وَرَسُوله: أولياؤه، وَأَصله: أهل
وَقيل: الْأَهْل: الْقَرَابَة، كَانَ لَهَا تَابع أَو لم يكن
والآل: الْقَرَابَة يتابعها
وَأهل الْأَمر: ولاته
و [أهل] الْبَيْت: سكانه أَو من كَانَ من قوم الْأَب، وَالْبَيْت بَيت النِّسْبَة، وَبَيت النِّسْبَة للْأَب، أَلا ترى أَن ابراهيم بن مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أهل بَيت النُّبُوَّة وَلم يكن من القبط وأنسابه
وَأهل الْمَذْهَب: من يدين بِهِ
وَأهل الْحق: هم الَّذين يعترفون بِالْأَحْكَامِ الْمُطَابقَة للْوَاقِع، والأقوال الصادقة، والعقائد السليمة والأديان الصَّحِيحَة والمذاهب المتينة
وَالْمَشْهُور من أهل السّنة فِي ديار خُرَاسَان وَالْعراق وَالشَّام وَأكْثر الأقطار هم الاشاعرة أَصْحَاب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ من نسل أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من أَصْحَاب الرَّسُول وَفِي ديار مَا وَرَاء النَّهر وَالروم أَصْحَاب أبي مَنْصُور الماتريدي
[وَأهل الْقبْلَة: من صدق بضروريات الدّين كلهَا عِنْد التَّفْصِيل]
وَأهل الْأَهْوَاء من أهل الْقبْلَة: الَّذين معتقدهم غير مُعْتَقد أهل السّنة، وهم: الجبرية، والقدرية، وَالرَّوَافِض، والخوارج، والمعطلة، والمشبهة، فَكل مِنْهُم إثنتا عشرَة فرقة كلهم فِي الهاوية على مَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " افترق الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين
(1/210)

فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة، وافترق النَّصَارَى على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة، وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة "
وَأهل الْوَبر: سكان الْخيام
وَأهل الْمدر: سكان الْأَبْنِيَة
وَهُوَ أهل لكذا: أَي مستوجب للْوَاحِد والجميع
واستأهله: استوجبه، لُغَة جَيِّدَة
الإهانة: أهانه: استخفه، أَصله: هان يهون: إِذا لَان وَسكن و " الْمُؤْمِنُونَ هَينُونَ ": أَي ساكنون لَا يتحركون بِمَا يضر، " لَينُونَ ": أَي يتعطفون للحق وَلَا يتكبرون، فعلى هَذَا يكون الْهمزَة فِي (أهان) لسلب هَذِه الصّفة الجميلة
الإهداء: أهديت إِلَى الْبَيْت هَديا، وَأهْديت الْهَدِيَّة إهداء، وهديت الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا هداء، وهديت الْقَوْم الطَّرِيق هِدَايَة، وَفِي الدّين: هدى، والاهتداء مُقَابل الإضلال، كَمَا أَن الْهدى مُقَابل للضلال
الإهتاف: هُوَ بريق السراب، والدوي فِي المسامع
الإهمال: أهمله: خلى بَينه وَبَين نَفسه، أَو تَركه وَلم يَسْتَعْمِلهُ
أهيا شراهيا: هُوَ بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وبفتح الشين كلمة يونانية مَعْنَاهَا الأزلي الَّذِي لم يزل
آه: كلمة توجع، أَي: وجعي عَظِيم وتندمي زَائِد دَائِم، وَقد نظمت فِيهِ:
(رميت بلحظ قد أصبت بمهجتي ... فآهي وَمَا من شَاهد لي سوى آهي)
[نوع]
{أهل بِهِ لغير الله} : رفع بِهِ الصَّوْت عِنْد ذبحه للطواغيت
{اهبطوا مصرا} : انحدروا إِلَيْهِ
{واهجرني} : اجتنبني.
{اهون} : أيسر أَو أسهل
{أهواءكم} : آراءكم الزائفة
{هُوَ أهل التَّقْوَى} : حقيق بِأَن يتقى عِقَابه
{وَأهل الْمَغْفِرَة} : حقيق بِأَن يغْفر لِعِبَادِهِ لَا سِيمَا الْمُؤمنِينَ مِنْهُم
{اهتزت وربت} : تزخرفت وَانْتَفَخَتْ بالنبات
{فاهدوهم} : وجهوهم
{أَحَق بهَا وَأَهْلهَا} : والمستأهل لَهَا
{وأهش بهَا} : أخبط الْوَرق بهَا على رُؤُوس غنمي، أَو بِالسِّين، بِمَعْنى أنحي عَلَيْهَا زاجرا لَهَا من (الهس) وَهُوَ زجر الْغنم
{ثمَّ اهْتَدَى} : ثمَّ استقام على الْهدى الْمَذْكُور
(1/211)

{بأهوائهم} : بتشهيهم
[ {قد أهمتهم أنفسهم} : أوقعتهم فِي الهموم، أَو مَا يهمهم إِلَّا أنفسهم وَطلب خلاصها]
(فصل الْألف وَالْيَاء)

[الإيتاء] : كل مَوضِع ذكر فِي وصف الْكتاب (آتَيْنَا) فَهُوَ أبلغ من كل مَوضِع ذكر فِيهِ (أُوتُوا) ، لِأَن (أُوتُوا) قد يُقَال إِذا أُوتِيَ من لم يكن مِنْهُ قبُول، و (آتَيْنَا) يُقَال فِيمَن كَانَ مِنْهُ قبُول
والإيتاء: أقوى من الْإِعْطَاء، إِذْ لَا مُطَاوع لَهُ
[يُقَال: آتَانِي فَأَخَذته، وَفِي الْإِعْطَاء يُقَال: أَعْطَانِي فعطوت؛ وَمَا لَهُ مُطَاوع أَضْعَف فِي إِثْبَات مَفْعُوله مِمَّا لَا مُطَاوع لَهُ]
وَلِأَن الإيتاء فِي أَكثر مَوَاضِع الْقُرْآن فِيمَا لَهُ ثبات وقرار، كالحكمة والسبع المثاني، وَالْملك الَّذِي لَا يُؤْتى إِلَّا لذِي قُوَّة
والإعطاء: فِيمَا ينْتَقل مِنْهُ بعد قَضَاء الْحَاجة مِنْهُ كإعطاء كل شَيْء خلقه لتكرر حُدُوث ذَلِك بِاعْتِبَار الموجودات وَإِعْطَاء الْكَوْثَر للانتقال مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، وَكَذَا {يعطيك رَبك فترضى} للتكرر إِلَى أَن يرضى كل الرِّضَا
الإيلية: كل اسْم إلهي مُضَاف إِلَيّ ملك أَو روحاني فَهُوَ الإيلية وَفِي " الْمُفْردَات ": قيل فِي (جِبْرَائِيل) إِن (إيل) اسْم الله، وَهَذَا لَا يَصح بِحَسب كَلَام الْعَرَب
الْإِيمَان: الثِّقَة، وَإِظْهَار الخضوع، وَقبُول الشَّرِيعَة (إفعال) من الْأَمْن ضد الْخَوْف، [ثلاثية] يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، [نَحْو: أمنته: أَي كنت أَمينا] وَإِذا عدي بِالْهَمْزَةِ يعدى إِلَى مفعولين
تَقول: (آمَنت زيدا عمرا) بِمَعْنى جعلته آمنا مِنْهُ؛ [وَقد يكون بِمَعْنى صَار ذَا أَمن] ثمَّ اسْتعْمل فِي التَّصْدِيق إِمَّا مجَازًا لغويا لاستلزامه مَا هُوَ مَعْنَاهُ، فَإنَّك إِذا صدقت أحد آمنته من التَّكْذِيب فِي ذَلِك التَّصْدِيق؛ وَإِمَّا حَقِيقَة لغوية
وَالْإِيمَان المعدى إِلَى الله: مَعْنَاهُ التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ نقيض الْكفْر، فيعدى بِالْبَاء، لِأَن من دأبهم حمل النقيض على النقيض، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا} أَي بمصدق، وَفِي (مُؤمن) مَعَ التَّصْدِيق إِعْطَاء الْأَمْن، لَا فِي مُصدق، وَاللَّام مَعَ الْإِيمَان فِي الْقُرْآن لغير الله، وَذَلِكَ لتضمين معنى الِاتِّبَاع وَالتَّسْلِيم
وَهُوَ عرفا: الِاعْتِقَاد الزَّائِد على الْعلم، كَمَا فِي (التَّقْوَى) قَالَ الرَّازِيّ: التَّصْدِيق هُوَ الحكم الذهْنِي المغاير للْعلم، فَإِن الْجَاهِل بالشَّيْء قد يحكم بِهِ فقد أشكل مَا قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق الَّذِي قسم الْعلم إِلَيْهِ فِي الْمنطق، ثمَّ التَّصْدِيق مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ هُوَ أَن
(1/212)

ينْسب الصدْق إِلَى الْمخبر اخْتِيَارا، إِذْ لَو وَقع صدقه فِي الْقلب ضَرُورَة، كَمَا إِذا ادّعى النُّبُوَّة وَأظْهر المعجزة من غير أَن ينْسب الصدْق إِلَيْهِ اخْتِيَارا، لَا يُقَال فِي اللُّغَة إِنَّه صدقه؛ وَأَيْضًا التَّصْدِيق مَأْمُور بِهِ، فَيكون فعلا اختياريا
والتصديق وانقياد الْبَاطِن متلازما، فَلهَذَا يُقَال: أسلم فلَان، وَيُرَاد بِهِ آمن
والتصديق يكون فِي الإخبارات، والانقياد يكون فِي الْأَوَامِر والنواهي، فتبليغ الشَّرَائِع إِن كَانَ بِلَفْظ الْإِخْبَار فالإيمان يكون بالتصديق، وَإِن كَانَ بِالْأَمر وَالنَّهْي فالإيمان بانقياد الْبَاطِن
وَالْفرق بَين التَّصْدِيق والإيقان أَن التَّصْدِيق قد يكون مُؤَخرا عَن الإيقان، وَلَا يكون الإيقان مستلزما للتصديق، كَالَّذي شَاهد المعجزة فَيحصل لَهُ الْعلم اليقيني بِأَنَّهُ نَبِي، وَمَعَ ذَلِك لَا يصدقهُ؛ فاليقين الضَّرُورِيّ رُبمَا يحصل وَمَعَ ذَلِك لَا يحصل التَّصْدِيق الِاخْتِيَارِيّ
وَقد يكون التَّصْدِيق مقدما على الْيَقِين، كَمَا فِي أَحْوَال الْآخِرَة، فَإِنَّهُ لَا يحصل الْيَقِين بهَا إِلَّا بِأَن يصدق النَّبِي، فَعلم مِنْهُ أَن الْيَقِين لَيْسَ بِإِيمَان
[والتصديق والمعرفة ليسَا بمتحدين، فَإِن التَّصْدِيق عبارَة عَن ربط الْقلب بِأَنَّهُ على مَا علمه من إِخْبَار الْمخبر بِأَنَّهُ كَذَا، فَهَذَا الرَّبْط أَمر كسبي يثبت بِاخْتِيَار الْمُصدق وَأما الْمعرفَة فَلَيْسَتْ كَذَلِك، لحصولها بِدُونِ الِاخْتِيَار، كَمَا فِي وُقُوع بصر الْإِنْسَان على شَيْء بِدُونِ اخْتِيَاره، فَإِنَّهُ يحصل لَهُ معرفَة المبصر بِأَنَّهُ حجر أَو مدر أَو غير ذَلِك بِدُونِ ربط قلبه عَلَيْهِ بالاشتغال بِأَنَّهُ هُوَ، فالمعرفة لَيست بِإِيمَان، بِخِلَاف التَّصْدِيق، فَإِنَّهُ إِيمَان]
وَالْإِيمَان شرعا: هُوَ إِمَّا فعل الْقلب فَقَط، أَو اللِّسَان فَقَط، أَو فعلهمَا جَمِيعًا، أَو هما مَعَ سَائِر الْجَوَارِح
فعلي الأول: هُوَ إِمَّا التَّصْدِيق فَقَط، وَالْإِقْرَار لَيْسَ ركنا، بل شَرط لإجراء الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ مُخْتَار الماتريدي، وَقَالَ الإِمَام الرضي وفخر الْإِسْلَام: إِنَّه ركن أحط، فَإِنَّهُ قد يسْقط، [بِمَا فِيهِ شَائِبَة العرضية والتبعية]
أَو التَّصْدِيق بِشَرْط الْإِقْرَار، وَهُوَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَأَتْبَاعه وَلَا دلَالَة فِي قَوْله تَعَالَى: {كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا} على أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ خَارج عَن حَقِيقَة الْإِيمَان المصطلح عِنْد أهل الشَّرْع، إِنَّمَا دلالتها على أَنه خَارج عَن الْإِيمَان بِمَعْنى التَّصْدِيق بِاللَّه وبرسوله، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يقبل النزاع
وَالرَّابِع: مَذْهَب الْمُحدثين، وَبَعض السّلف، والمعتزلة، والخوارج، وَفِيه إِشْكَال ظَاهر، وَجَوَابه أَن الْإِيمَان يُطلق على مَا هُوَ الأَصْل والأساس فِي دُخُول الْجنَّة، وَهُوَ التَّصْدِيق مَعَ الْإِقْرَار وعَلى مَا هُوَ الْكَامِل المنجي بِلَا خلاف، وَهُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل وَفِي التَّصْدِيق الْمُجَرّد خلاف، فَعِنْدَ بعض مَشَايِخنَا منج، وَعند الْبَعْض لَا
وَالْمذهب عندنَا أَن الْإِيمَان فعل عبد بهداية الرب وتوفيقه، وَهُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ والتصديق بِالْقَلْبِ، والتصديق بِالْقَلْبِ هُوَ الرُّكْن الْأَعْظَم، وَالْإِقْرَار كالدليل عَلَيْهِ
(1/213)

وَقَوله تَعَالَى: {وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين} يدل على أَن الْإِقْرَار بِغَيْر تَصْدِيق لَيْسَ بِإِيمَان، بِإِشَارَة النَّص واقتضائه، فينتهض حجَّة على الكرامية وَلَيْسَ لَهُم دَلِيل بِعِبَارَة النَّص على خِلَافه حَتَّى يرجح
وَلَيْسَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط، كَمَا زعمت الكرامية، وَلَا إِظْهَار الْعِبَادَات وَالشُّكْر بالطاعات كَمَا زعمت الْخَوَارِج، فَإنَّا نعلم من حَال الرَّسُول عِنْد إِظْهَار الدعْوَة أَنه لم يكتف من النَّاس بِمُجَرَّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَلَا الْعَمَل بالأركان مَعَ تَكْذِيب الْجنان، بل كَانَ يُسَمِّي من كَانَت حَاله كَذَلِك كَاذِبًا ومنافقا؛ قَالَ الله تَعَالَى تَكْذِيبًا لِلْمُنَافِقين عِنْد قَوْلهم: نشْهد أَنَّك لرَسُول الله {وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ} وَمَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال الْأَئِمَّة فِي ذَلِك أَكثر من أَن يُحْصى، وَلَا يخفى قبح القَوْل بِأَن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ لإفضائه إِلَى تَكْفِير من لم يظْهر مَا أبطنه من التَّصْدِيق وَالطَّاعَة، وَالْحكم بنقيضه لمن أظهر خلاف مَا أبطن من الْكفْر بِاللَّه وَرَسُوله، وَأَشد قبحا مِنْهُ جعل الْإِيمَان مُجَرّد الْإِتْيَان بالطاعات لإفضائه إِلَى إبِْطَال مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة من جَوَاز خطاب العَاصِي بِمَا دون الشّرك قبل التَّوْبَة بالعبادات الْبَدَنِيَّة وَسَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وبصحتها مِنْهُ إِن لَو أَتَاهَا، وبإدخاله فِي زمرة الْمُؤمنِينَ، وَبِهَذَا تبين قبح قَول الحشوية أَن الْأَيْمَان هُوَ التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان نعم لَا يُنكر جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْإِيمَان على هَذِه الْأَفْعَال، وعَلى الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} أَي: صَلَاتكُمْ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا، أَوله شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَآخره إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق " لَكِن من جِهَة أَنَّهَا دَالَّة على التَّصْدِيق بالجنان ظَاهرا، فعلى هَذَا مهما كَانَ مُصدقا بالجنان وَإِن أخل بِشَيْء من الْأَركان فَهُوَ مُؤمن حَقًا، وَإِن صَحَّ تَسْمِيَته فَاسِقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أخل بِهِ، وَلذَلِك صَحَّ إدراجه فِي خطاب الْمُؤمنِينَ، وإدخاله فِي جملَة تكاليف الْمُسلمين
[وَاخْتلف فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصه قَالَ بَعضهم:] إِن الْإِيمَان الْكَامِل هُوَ الْإِيمَان الْمُطلق لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
وَمُطلق الْإِيمَان يُطلق على النَّاقِص والكامل، وَلِهَذَا نفى رَسُول الله الْإِيمَان الْمُطلق عَن الزَّانِي وشارب الْخمر وَالسَّارِق، وَلم ينف عَنْهُم مُطلق الْإِيمَان، فَلَا يدْخلُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالله ولي الْمُؤمنِينَ} ، وَلَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} ، ويدخلون فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يقتل مُؤمنا} وَفِي قَوْله تَعَالَى: (فَتَحْرِير رَقَبَة
(1/214)

مُؤمنَة} وَالْإِيمَان الْمُطلق يمْنَع دُخُول النَّار، وَمُطلق الْإِيمَان يمْنَع الخلود
[وَقَالَ بَعضهم: إِيمَان الله الَّذِي أوجب اتصافه بِكَوْنِهِ مُؤمنا لَا يزِيد وَلَا ينقص، إِذْ لَيْسَ محلا للحوادث، وإيمان الإنبياء وَالْمَلَائِكَة يزِيد وَلَا ينقص، وإيمان من عداهم يزِيد وَينْقص إِن فسر الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ، وَإِن فسر بخصلة وَاحِدَة من تَصْدِيق أَو غَيره فَلَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من هَذِه الْحَيْثِيَّة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن ينظر إِلَى كَثْرَة أعداد أشخاص تِلْكَ الْخصْلَة وقلتها فِي آحَاد النَّاس، فَحِينَئِذٍ يكون قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان]
وَأما الْعَمَل فَلَيْسَ بِجُزْء إِلَّا من مُطلق الْإِيمَان، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه} إِلَى قَوْله: {كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان} فَإِن جُزْء الثَّابِت فِي الْقلب يكون ثَابتا فِيهِ، وأعمال الْجَوَارِح لَا تثبت فِيهِ، وَفِي الْمُقَارنَة بِالْإِيمَان فِي أَكثر الْقُرْآن إيذان بِأَنَّهُمَا كالمتلازمين فِي توقف مَجْمُوع النجَاة وَالثَّوَاب عَلَيْهِمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَون الْإِيمَان الْمُجَرّد عَن الْعَمَل الصَّالح منجيا وَحجَّة الشَّافِعِي فِي أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة من الْإِيمَان قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} أَي: صَلَاتكُمْ؛ وَعِنْدنَا مَعْنَاهُ ثباتكم على الْإِيمَان، وَلِأَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} بِخِلَاف الْعَطف فِي: {من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} فَإِنَّهُ عطف تَفْسِير، وَحجَّتنَا فِي أَن الْعَمَل لَيْسَ من الْإِيمَان قَوْله تَعَالَى: {قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة} سماهم مُؤمنين قبل إِقَامَة الصَّلَاة
وَالْإِجْمَاع على أَن أَصْحَاب الْكَهْف وَكَذَا سحرة فِرْعَوْن من أهل الْجنَّة، وَإِن لم يُوجد مِنْهُم الْعَمَل، وَكَذَا من آمن مثلا قبل الضحوة فَمَاتَ قبل الزَّوَال
وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} دَلِيل على نُقْصَان إِيمَان قبل الْيَوْم، وَإِلَّا يلْزم موت الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كلهم على دين نَاقص، بل المُرَاد من الْيَوْم عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ كَانَت قبل ذَلِك فَتْرَة، أَو الْمَعْنى: أظهرت لكم دينكُمْ حَتَّى قدرتهم على إِظْهَاره، أَو التَّكْمِيل لإرعاب الْعَدو
وَأما قَوْله تَعَالَى: {ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم} وَقَوله: {وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا} ، وَمَا رُوِيَ " إِن إِيمَان أبي بكر لَو وزن مَعَ إِيمَان أمتِي لترجح إِيمَان أبي بكر "، فَنَقُول: الْإِيمَان الْمُطلق عبارَة عَن التَّصْدِيق، والتصديق لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، فَقَوله تَعَالَى: {ليزدادوا} إِلَى آخِره فِي حق الصَّحَابَة، لِأَن الْقُرْآن كَانَ ينزل فِي كل وَقت
(1/215)

فيؤمنون بِهِ، فتصديقهم للثَّانِي زِيَادَة على الأول؛ أما فِي حَقنا فقد انْقَطع الْوَحْي وَمَا زَاد بالإلف وَكَثْرَة التَّأَمُّل وتناصر الْحجَج فثمراته لَا أَصله
وَقَوله: {زادتهم إِيمَانًا} المُرَاد بِهِ الْمَجْمُوع الْمركب من التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، لَا التَّصْدِيق وَحَدِيث أبي بكر كَانَ تَرْجِيحا فِي الثَّوَاب، لِأَنَّهُ سَابق فِي الْإِيمَان
وَعدم صِحَة الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَقوم من الْمُتَكَلِّمين [وَقد روى ترك الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام خَمْسَة من الصَّحَابَة الْأَعْلَام]
وَالَّذين قَالُوا: الطَّاعَة دَاخله فِي الْإِيمَان، فَمنهمْ من جوز مُطلقًا وَهُوَ ابْن مَسْعُود وَقوم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيّ، وَمِنْهُم من جوز فِي الاسقبال دون الْحَال، وَهُوَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة والخوارج والكرامية
قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: لَا خلاف فِي الْمَعْنى بَين الْفَرِيقَيْنِ، يَعْنِي الأشاعرة والماتريدية لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بِالْإِيمَان مُجَرّد حُصُول الْمَعْنى فَهُوَ حَاصِل فِي الْحَال، وَإِن أُرِيد مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من النجَاة والثمرات فَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَلَا قطع فِي حُصُوله فَمن قطع بالحصول أَرَادَ الأول، وَمن فوض إِلَى الْمَشِيئَة أَرَادَ الثَّانِي
لنا أَن مثل هَذَا الْكَلَام صَرِيح فِي الشَّك فِي الْحَال، وَلَا يسْتَعْمل فِي الْمُحَقق فَفِي الْحَال، مثل: (أَنا شَاب إِن شَاءَ الله) ؛ والصريح لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، وَمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود من جَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان فَمَحْمُول على الخاتمة، أَو كَانَ زلَّة مِنْهُ فَرجع؛ كَيفَ يسْتَثْنى وَالْإِيمَان عقد فَهُوَ يُبطلهُ كَمَا فِي الْعُقُود، قَالَ الله تَعَالَى: {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} بعد وجود حَقِيقَة الْإِيمَان مِنْهُم [وَلِأَن التَّصْدِيق أَمر مَعْلُوم لَا تردد فِيهِ عِنْد تحَققه، بل فِي التَّرَدُّد فِي الْحَال مفْسدَة جر الِاعْتِبَار بِهِ آخر الْحَيَاة
وَأما الِاسْتِثْنَاء فِي أَخْبَار الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ ثَابتا فِي نَفسه كَائِن لَا محَالة، وَلكنه مُسْتَقْبل فَكَانَ ذَلِك من الله تَعَالَى تَعْلِيما لِعِبَادِهِ أَن يَقُولُوا فِي عداتهم مثل ذَلِك متأدبين بآداب الله تَعَالَى ومقتدين بسننه]
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: إِن للْإيمَان وجودا عينيا أَصْلِيًّا، ووجودا قلبيا ذهنيا، ووجودا فِي الْعبارَة
فالوجود الْعَيْنِيّ للْإيمَان: هُوَ حُصُول المعارف الإلهية بِنَفسِهَا لَا بتصورها فِي الْقلب، فَإِن من تصور الْإِيمَان لَا يصير مُؤمنا، كَمَا أَن من تصور الْكفْر لَا يصير كَافِرًا وَلَا شكّ أَن الصُّور العلمية أنوار فائضة من المبدأ الْفَيَّاض، فَإِذن حَقِيقَة الْإِيمَان نور حَاصِل للقلب بِسَبَب ارْتِفَاع الْحجاب بَينه وَبَين الْحق؛ وَهَذَا النُّور قَابل للزِّيَادَة وَالنَّقْص وَالْقُوَّة والضعف
وَأما الْوُجُود الذهْنِي للْإيمَان فملاحظة الْمُؤمن بِهِ وتصوره للتصديق القلبي وَمَا يتبعهُ من المعارف والأنوار
وَأما الْوُجُود اللَّفْظِيّ: فشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله
وَلَا يخفي أَن مُجَرّد الْوُجُود الذهْنِي وَكَذَا مُجَرّد التَّلَفُّظ بِكَلِمَة الشَّهَادَة من غير أَن يحصل عين
(1/216)

الْإِيمَان والنور الْمَذْكُور لَا يُفِيد، كَمَا لَا يُفِيد العطشان تصور المَاء الْبَارِد وَلَا التَّلَفُّظ بِهِ
وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَيْضا أَن كثيرا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث يدل على أَن الْإِيمَان مُجَرّد الْعلم، مثل قَوْله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} وَقَول رَسُوله: " من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة "
وَالْإِيمَان الْمُجْمل: يتم بِشَهَادَة وَاحِدَة عِنْد أبي حنيفَة، ثمَّ يجب عَلَيْهِ الثَّبَات والتقرر بأوصاف الْإِيمَان، وَعند الشَّافِعِي: يتم بشهادتين ثمَّ يجب عَلَيْهِ سَائِر أَوْصَاف الْإِيمَان وشرائطه [وَلم يثبت التَّعَبُّد من الشَّارِع بِلَفْظ (أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله) بل يَصح بِكُل لفظ دَال على الْإِقْرَار والتصديق وَلَو بِغَيْر الْعَرَبيَّة مَعَ إحسانها، وَكَذَا يَصح بترك القَوْل
وَالْإِيمَان الإجمالي كَافِي فِي الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف فِيمَا لَو خطّ إِجْمَالا، وَيشْتَرط التَّفْصِيل فِيمَا لَو خطّ تَفْصِيلًا، فَيَكْفِي فِي الْإِجْمَال التَّصْدِيق بِجَمِيعِ مَا علم بِالضَّرُورَةِ مَجِيء الرَّسُول بِهِ، أَي بِعلم كل أحد كَونه من الدّين من غير افتقار إِلَى الِاسْتِدْلَال، كوحدة الصَّانِع وَعلمه وَوُجُوب الصَّلَاة وَحُرْمَة الْخمر، وَلَو لم يصدق مِنْهَا عِنْد التَّفْصِيل كَانَ كَافِرًا بالِاتِّفَاقِ، كَمَا فِي شرح " الْمَقَاصِد " وَغَيره]
(وَاخْتلف فِي أَن الْإِيمَان مَخْلُوق أم لَا) فَمن قَالَ إِنَّه مَخْلُوق أَرَادَ بِهِ فعل العَبْد وَلَفظه؛ وَمن قَالَ غير مَخْلُوق - كَمَا هُوَ عندنَا - أَرَادَ بِهِ كلمة الشَّهَادَة، لِأَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق أَي الحكم بِالصّدقِ، وَهُوَ إِيقَاع نِسْبَة الصدْق إِلَى النَّبِي بِالِاخْتِيَارِ
وَأما الاهتداء فَهُوَ مَخْلُوق، لِأَنَّهُ الْحَالة الْحَاصِلَة بالتصديق، فالإيمان مصدر والاهتداء هُوَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة بِالْمَصْدَرِ، فَيكون بخلقه تَعَالَى، لِأَن الْقُدْرَة مُقَارنَة بخلقه، فبمعنى الْهِدَايَة غير مَخْلُوق، وَبِمَعْنى الْإِقْرَار وَالْأَخْذ فِي الْأَسْبَاب مَخْلُوق، وَالْخلاف لَفْظِي
وَأما الْإِسْلَام: فَهُوَ من الاستسلام لُغَة
وَفِي الشَّرْع: الخضوع وَقبُول قَول الرَّسُول؛ فَإِن وجد مَعَه اعْتِقَاد وتصديق بِالْقَلْبِ فَهُوَ الْإِيمَان
وَالْإِيمَان بعد الدَّلِيل أَكثر من الْإِيمَان قبل الدَّلِيل، وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَكِن أَكثر النَّاس} وَفِي مَوضِع آخر: {كثير من النَّاس}
وإيمان الْمَلَائِكَة مطبوع، والأنبياء مَعْصُوم، وَالْمُؤمنِينَ مَقْبُول، والمبتدعين مَوْقُوف، وَالْمُنَافِقِينَ مَرْدُود
وَمثل إِيمَان الْيَأْس كشجر غرس فِي وَقت لَا يُمكن فِيهِ النَّمَاء
وَمثل تَوْبَة الْيَأْس كشجر نابت الثَّمر فِي الشتَاء عِنْد ملائمة الْهَوَاء؛ وَالْحق أَن إِيمَان الْيَأْس مَقْبُول، كَمَا فِي قوم يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام
(1/217)

الإيجاد: هُوَ إِعْطَاء الْوُجُود مُطلقًا
والإحداث: إِيجَاد الشَّيْء بعد الْعَدَم
ومتعلق الإيجاد لَا يكون إِلَّا أمرا مُمكنا، فَلَا يَسْتَقِيم فِي أعدام الملكات، بِخِلَاف الإحداث، فَإِنَّهُ أهم من الإيجاد، كَمَا بَين فِي مَحَله
[وإيجاد الشَّيْء مُتَوَقف على الْقُدْرَة، المتوقف على الْإِرَادَة، المتوقف على الْعلم، المتوقف وجود الْجَمِيع على الْحَيَاة؛ وَالْمرَاد بالتوقف توقف معية نظرا إِلَى صِفَات الْبَارِي، إِذْ كلهَا أزلية يَسْتَحِيل تقدم بَعْضهَا على بعض بالوجود]
وإيجاد شَيْء لَا عَن شَيْء محَال، بل لَا بُد من سنخ للمعلول قَابل لِأَن يتطور بأطوار مُخْتَلفَة؛ لَا يُقَال: هَذَا لَا يتمشى فِي الْجعل الإبداعي الَّذِي هُوَ إِيجَاد الأيس عَن الليس، لأَنا نقُول ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَارِج، وَإِلَّا فالصور العلمية الَّتِي يسمونها أعيانا ثَابِتَة سنخ لَهَا وَأَصلهَا، وَهِي قديمَة صادرة عَنهُ تعاني بالفيض الأقدس، والإبداعيات بالفيض الْمُقَدّس
والإيجاد إِذا لم يكن مَسْبُوقا بِمثلِهِ يُسمى إبداء، وَإِذا كَانَ مَسْبُوقا بِمثلِهِ يُسمى إِعَادَة
والإيجاد بطرِيق الْعلَّة لَا يتَوَقَّف على وجود شَرط وَلَا انْتِفَاء مَانع
والإيجاد بطرِيق الطَّبْع يتَوَقَّف على ذَلِك وَإِن كَانَا مشتركين فِي عدم الِاخْتِيَار؛ وَلِهَذَا يلْزم اقتران الْعلَّة بمعلولها، كتحرك الإصبع مَعَ الْخَاتم الَّتِي هِيَ فِيهِ؛ وَلَا يلْزم اقتران الطبيعة بمطبوعها، كاحتراق النَّار مَعَ الْحَطب، لِأَنَّهُ قد لَا يَحْتَرِق لوُجُود مَانع أَو تخلف شَرط، وَهَذَا فِي حق الْحَوَادِث
والإيجاد بِالِاخْتِيَارِ خَاص بالفاعل الْمُخْتَار وَهُوَ الله تَعَالَى، وَلم يُوجد عِنْد الْمُؤمنِينَ إِلَّا هُوَ
ثمَّ الإيجاد لَو كَانَ حَال الْعَدَم يلْزم الْجمع بَين النقيضين، وَلَو كَانَ حَال الْوُجُود لزم تَحْصِيل الْحَاصِل وَالْجَوَاب أَن الإيجاد بِهَذَا الْوُجُود لَا بِوُجُود مُتَقَدم، كمن قتل قَتِيلا، أَي بِهَذَا الْقَتْل، لَا بقتل سَابق فَيكون حَقِيقَة
وَاعْلَم أَن التَّأْثِير وَهُوَ إِعْطَاء الْوُجُود لَيْسَ إِلَّا فِي حَالَة الْحُدُوث، هَذَا مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَلُزُوم تَحْصِيل الْحَاصِل إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ التَّأْثِير حَال بَقَاء الْوُجُود، كَمَا هُوَ عِنْد الفلاسفة المجوزين ذَلِك فِي حَال الْبَقَاء فَحسب، كالتأثير فِيمَا هُوَ قديم قدما زمانيا والمتكلمون لَا يَقُولُونَ إِن الْبَقَاء لَا يحْتَاج إِلَى سَبَب فَإِن الْبَقَاء أَمر مُمكن، وكل مُمكن مُحْتَاج إِلَى السَّبَب، لَكِن الإيجاد السَّابِق بطرِيق الْأَحْكَام سَبَب للبقاء، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن التَّأْثِير فِي حَال الْعَدَم؛ [لَا يلْزم الْجمع بَين النقيضين] وَإِنَّمَا يلْزم تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة لَو لم يتَّصل الْوُجُود بِتمَام التَّأْثِير، كَمَا فِي قطع حَبل الْقنْدِيل، فَإِن التَّأْثِير من أول الْقطع إِلَى تَمَامه، وَحَال تَمَامه هُوَ حَال ابْتِدَاء الْوُقُوع
الْإِيجَاب: لُغَة الْإِثْبَات
وَاصْطِلَاحا: عِنْد أهل الْكَلَام: صرف مُمكن من الْإِمْكَان إِلَى الْوُجُوب
والإيجاب صفة كَمَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَات الله
(1/218)

وَاعْلَم أَن أَرْبَاب الْحِكْمَة متطابقون وَأَصْحَاب الفلسفة متوافقون على أَن مبدأ الْعَالم مُوجب بِالذَّاتِ، وَالظَّاهِر أَن مُرَادهم من الْإِيجَاب أَنه قَادر على أَن يفعل وَيصِح مِنْهُ التّرْك، إِلَّا أَنه لَا يتْرك الْبَتَّةَ، وَلَا يَنْفَكّ عَن ذَاته الْفِعْل، لَا لاقْتِضَاء ذَاته إِيَّاه، بل لاقْتِضَاء الْحِكْمَة إيجاده، فَكَانَ فَاعِلا بِالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَار، [كَمَا هُوَ الْحق] وَيشْهد لَهُ أَنهم يدعونَ الْكَمَال فِي الْإِيجَاب، وَلَا كَمَال فِيهِ على معنى الِاضْطِرَار، بِحَيْثُ لَا يقدر على التّرْك، فَلَا يَقُولُونَ بِالْإِيجَابِ على الْمَعْنى الْمَشْهُور فِيمَا بَين خصمائهم من فرق الْمُتَكَلِّمين
والمعتزلة مَعَ إيجابهم على الله مَا أوجبوه قَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُخْتَارًا بِلَا خوف مِنْهُم؛ وَعَامة النَّاس كَانُوا معتقدين فِي زمَان دَعْوَى النُّبُوَّة بِأَنَّهُ تَعَالَى قَادر مُخْتَار
وَالْقَوْل بِالْإِيجَابِ الْمَشْهُور إِنَّمَا حدث بَين الْملَّة الإسلامية بعد نقل الفلسفة إِلَى اللُّغَة
والإيجاب فِي عرف الْفُقَهَاء: عبارَة عَن مَا صدر على أحد الْمُتَعَاقدين أَولا
وَإِيجَاب العَبْد مُعْتَبر بِإِيجَاب الله، وَقد صَحَّ النّذر بقوله: (لله عَليّ أَن أعتكف شهرا) وَنَفس اللّّبْث فِي الْمَسْجِد لَيْسَ بقربى، إِذْ لَيْسَ لله من جنسه وَاجِب، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح هَذَا النّذر لِأَن إِيجَاب العَبْد مُعْتَبر بِإِيجَاب الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا صَحَّ إِلْحَاقًا للنذر بِالصَّلَاةِ بِاعْتِبَار الْفَرْض أَو الشَّرْط، وَكَذَا إِذا قَالَ: (مَا لي أَو مَا أملك صَدَقَة) يَقع على مَال الزَّكَاة، وَالْقِيَاس أَن يَقع على كل المَال، لَكِن ترك الْقيَاس بذلك الأَصْل، فَإِن مَا أوجبه الله بقوله: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} انْصَرف إِلَى الفضول، لَا إِلَى كل المَال؛ فَكَذَا مَا يُوجِبهُ العَبْد إِلَى نَفسه
والإيجاب: يَسْتَدْعِي وجود الْمَوْضُوع
وَالسَّلب: لَا يستدعيه، بِمَعْنى أَن الْمُوجبَة إِن كَانَت خارجية وَجب وجود موضوعها محققا، وَإِن كَانَت حَقِيقِيَّة وَجب وجود موضوعها مُقَدرا
والسالبة لَا يجب فِيهَا وجود الْمَوْضُوع على ذَلِك التَّفْصِيل
الْآيَة: هِيَ فِي الأَصْل الْعَلامَة الظَّاهِرَة واشتقاقها من (أَي) لِأَنَّهَا تبين (أيا) عَن (أَي) وتستعمل فِي المحسوسات والمعقولات، يُقَال لكل مَا يتَفَاوَت بِهِ الْمعرفَة بِحَسب التفكر والتأمل فِيهِ، وبحسب منَازِل النَّاس فِي الْعلم آيَة وَيُقَال على مَا دلّ على حكم من أَحْكَام الله سَوَاء كَانَت آيَة أَو سُورَة أَو جملَة مِنْهَا
وَالْآيَة أَيْضا: طَائِفَة حُرُوف من الْقُرْآن علم بالتوقيف انْقِطَاع مَعْنَاهَا عَن الْكَلَام الَّذِي بعْدهَا فِي أول الْقُرْآن، وَعَن الْكَلَام الَّذِي قبلهَا فِي آخِره، وَعَن الَّذِي قبلهَا وَالَّذِي بعْدهَا فِي غَيرهمَا غير
(1/219)

مُشْتَمل على مثل ذَلِك
وَالْآيَة تعم الأمارة وَالدَّلِيل الْقَاطِع، وَالسُّلْطَان يخص الْقَاطِع {وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة} لم يقل آيَتَيْنِ، لِأَن كل وَاحِد آيَة بِالْآخرِ.
[وَقَوْلهمْ: الْآيَة: هُوَ بإعراب ثَلَاثَة تَأْوِيلهَا: اقْرَأ الْآيَة، أَو أتمهَا، أَو الْآيَة إِلَى آخرهَا، وَإِلَى آخر الْآيَة]
الإيجاز: هُوَ الِاخْتِصَار متحدان، إِذْ يعرف حَال أَحدهمَا من الآخر وَقيل بَينهمَا عُمُوم من وَجه، لِأَن مرجع الإيجاز إِلَى مُتَعَارَف الأوساط، والاختصار قد يرجع تَارَة إِلَى الْمُتَعَارف، وَأُخْرَى إِلَى كَون الْمقَام خليقا بأبسط مِمَّا ذكر فِيهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الإختصار أَعم من الإيجاز، وَلِأَنَّهُ لَا يُطلق الِاخْتِصَار إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْكَلَام حذف بِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الإيجاز أَعم، لِأَنَّهُ قد يكون بِالْقصرِ دون الْحَذف
وإيجاز الْقصر: هُوَ أَن يقصر اللَّفْظ على مَعْنَاهُ كَقَوْلِه {إِنَّه من سُلَيْمَان} إِلَى قَوْله: {وأتوني مُسلمين} جَمِيع فِي أحرف العنوان وَالْكتاب وَالْحَاجة
وإيجاز التَّقْدِير: هُوَ أَن يقدر معنى زَائِد على الْمَنْطُوق وَيُسمى بالتضييق أَيْضا نَحْو: {فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف} أَي: خطاياه غفرت فَهُوَ لَهُ لَا عَلَيْهِ
وَالْجَامِع هُوَ أَن يحتوي اللَّفْظ على معَان مُتعَدِّدَة نَحْو: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} إِلَى آخِره
وَمن بديع الإيجاز سُورَة الْإِخْلَاص؛ فَإِنَّهَا نِهَايَة التَّنْزِيه، وَقد تَضَمَّنت الرَّد على نَحْو أَرْبَعِينَ فرقة
وَقد جمع فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ} إِلَى آخِره أحد عشر جِنْسا من الْكَلَام: نادت، كنت، نبهت، سمت، أمرت، قصت، حذرت، خصت، عَمت، أشارت، عذرت وَأَدت خَمْسَة حُقُوق: حق الله، وَحقّ رَسُوله، وحقها، وَحقّ رعيتها، وَحقّ جنود سُلَيْمَان النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
وَقد جمع الله الْحِكْمَة فِي شطر آيَة: {كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا}
وَأما تَكْرِير الْقَصَص فقد ذكرُوا فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا: أَن فِي إبراز الْكَلَام الْوَاحِد فِي فنون كَثِيرَة وأساليب مُخْتَلفَة مَا لَا يخفى من الفصاحة وَعدم تكْرَار قصَّة يُوسُف الَّتِي فِيهَا نسيب النسْوَة بِهِ وَحَال امْرَأَة ونسوة افْتتن بأبدع النَّاس جمالا لما فِيهِ من الإغضاء والستر وَقد صحّح الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " حَدِيث النَّهْي عَن تَعْلِيم النِّسَاء سُورَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام
أَي: بِالتَّشْدِيدِ جُزْء من جملَة مُعينَة بعده مجتمعة مِنْهُ وَمن أَمْثَاله وَهُوَ اسْم ظَاهر وَلَا مُضْمر، بل هُوَ مُبْهَم، لم يسْتَعْمل إِلَّا بصلَة (إِلَّا) فِي الِاسْتِفْهَام والجزء الَّذِي كني بِهِ عَن الْمَنْصُوب
(1/220)

وملحقاته من الْكَاف وَالْيَاء وَالْهَاء حُرُوف زيدت لبَيَان التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة، وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب مثل الْكَاف فِي (أرأيتك)
وَيسْأل ب (أَي) عَمَّا يُمَيّز أحد المتشاركين فِي أَمر يعمهما نَحْو: {أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما} أَي: أَنَحْنُ أم أَصْحَاب مُحَمَّد
وَأي: اسْم للشّرط نَحْو: {أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} وَهِي من جِهَة كَونهَا متضمنة معنى الشَّرْط عَامل فِي (تَدْعُو) ، وَمن جِهَة كَونهَا اسْما مُتَعَلقا ب (تدعوا) مَعْمُول لَهُ
والاستفهام، نَحْو: {أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا}
وموصولة، نَحْو:
(فَسلم على أَيهمْ أفضل)
أَي الَّذِي هُوَ أفضل
ودالة على معنى الْكَمَال، فَتكون صفة للنكرة وَحَالا من الْمعرفَة، وَلَا تسْتَعْمل إِلَى مُضَافَة، فَإِن أضيفت لجامد فَهِيَ للمدح بِكُل صفة، وَإِن أضيفت لمشتق فَهِيَ للمدح بالمشتق مِنْهُ فَقَط
فَالْأول نَحْو: (مَرَرْت بِرَجُل أَي رجل) أَي: كَامِل فِي الرجولية وَالثَّانِي نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَي رجل) أَي: كَامِل فِي صِفَات الرجولية
وَتَكون وصلَة لنداء مَا فِيهِ (ال) نَحْو: (يَا أَيهَا الرَّسُول) و (يَا أيتها النَّفس)
و (أَي) بِمَنْزِلَة (كل) مَعَ النكرَة، وبمنزلة (بعض) مَعَ الْمعرفَة وَالْفِعْل فِي قَوْلك: (أَي عَبِيدِي ضربك فَهُوَ حر) عَام حَتَّى لَو ضربه الْجَمِيع عتقوا لِأَن الْفِعْل مُسْند إِلَى عَام، وَهُوَ ضمير (أَي) وَفِي (أَي عَبِيدِي ضَربته فَهُوَ حر) خَاص، حَتَّى لَو ضرب الْجَمِيع لم يعْتق إِلَّا الأول، لِأَن الْفِعْل مُسْند إِلَى ضمير الْمُخَاطب وَهُوَ خَاص؛ إِذا الرَّاجِع إِلَى (أَي) ضمير الْمَفْعُول، وَالْفِعْل يعم بِعُمُوم فَاعله لكَونه كالجزء من الْفِعْل
وَقد تؤنث (أَي) إِذا أضيفت إِلَى مؤنث، وَترك التَّأْنِيث أَكثر فِيهَا
وَيُقَال: (أَي الرِّجَال أَتَاك) وَلَا يُقَال: (أَتَوا)
إيا: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، حرف لِأَنَّهُ لم يوضع لِمَعْنى حَتَّى يكون كلمة محرفة، بل هُوَ لفظ ذكر وَسِيلَة إِلَى التَّلَفُّظ بالضمير وَالْجُمْهُور على أَن (إيا) ضمير وَمَا بعده اسْم مُضَاف لَهُ يُفَسر مَا يُرَاد بِهِ من تكلم نَحْو: {وإياي فارهبون} ، وغيبة نَحْو: {بل إِيَّاه تدعون} ، وخطاب نَحْو: {إياك نعْبد} ، أَو وَحده ضمير وَمَا بعده حرف يُفَسر المُرَاد، أَو عماد وَمَا بعده هُوَ الضَّمِير
وأيا: بِالْفَتْح مُخَفّفَة حرف نِدَاء ك (هيا)
و (إياك) فِي (رَأَيْتُك إياك) بدل و (أَنْت) فِي (رَأَيْتُك أَنْت) تَأْكِيد
(وَإِيَّاك) فِي (إياك والأسد) مَنْصُوب بإضمار فعل تَقْدِيره اتَّقِ أَو باعد، واستغني عَن إِظْهَار هَذَا الْفِعْل لما تضمن هَذَا الْكَلَام من معنى التحذير، وَهَذَا الْفِعْل إِنَّمَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَإِذا كَانَ قد استوفى عمله ونطق بعده باسم آخر لزم إِدْخَال حرف الْعَطف عَلَيْهِ تَقول: (اتَّقِ الشَّرّ والأسد) وَقد جوز إِلْغَاء الْوَاو عِنْد تَكْرِير (إياك) كَمَا استغني
(1/221)

عَن إِظْهَار الْفِعْل مَعَ تَكْرِير الِاسْم فِي مثل (الطَّرِيق الطَّرِيق)
أَي: بِالتَّخْفِيفِ، يُسمى حرف تَفْسِير، وحرف تَعْبِير، لِأَنَّهُ تَفْسِير لما قبله وَعبارَة مِنْهُ وَشَرطه أَن يَقع بَين جملتين مستقلتين تكون الثَّانِيَة هِيَ الأولى
وَأي: يُفَسر بهَا للإيضاح وَالْبَيَان، و (أَعنِي) لدفع السُّؤَال وَإِزَالَة الْإِبْهَام وَقيل: (أَي) تَفْسِير إِلَى الْمَذْكُور، و (أَعنِي) تَفْسِير إِلَى الْمَفْهُوم، و (أَي) تَفْسِير كل مُبْهَم من الْمُفْرد نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَي أَبُو عبد الله) ؛ وَالْجُمْلَة كَقَوْلِك: (فلَان قطع رزقه أَي مَاتَ) ؛ و (أَن) مُخْتَصَّة بِمَا فِي معنى القَوْل، لَا نفس القَوْل نَحْو: (كتبت إِلَيْهِ أَن قُم) ، ف (أَي) أَعم اسْتِعْمَالا من (أَن) لجَوَاز أَن يُفَسر بهَا مَا لَيْسَ فِي معنى القَوْل وَمَا هُوَ فِي معنى القَوْل صَرِيح وَغير صَرِيح، وَلَا يُفَسر ب (أَن) إِلَّا مَا فِي معنى القَوْل غير الصَّرِيح، وَلَا يُفَسر بِهِ فِي الْأَكْثَر إِلَّا مفعول مُقَدّر نَحْو: {وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم} أَي: ناديناه بقول هُوَ قَوْلنَا يَا إِبْرَاهِيم وَقد يُفَسر بِهِ الْمَفْعُول بِهِ الظَّاهِر كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى أَن اقذفيه} ف (أَن اقذفيه) تَفْسِير لما يُوحى الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول الظَّاهِر ل (أَوْحَينَا)
وَإِذا فسرت جملَة فعلية مُضَافَة إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم ب (أَي) يجب أَن يُطَابق فِي الْإِسْنَاد إِلَى الْمُتَكَلّم، فَتَقول: (استكتمته سري أَي سَأَلته كِتْمَانه) بِضَم تَاء (سَأَلته) لِأَنَّك تحكي كَلَام الْمعبر عَن نَفسه، وَجَاز حِينَئِذٍ فِي صدر الْكَلَام (تَقول) على الْخطاب و (يُقَال) على الْبناء للْمَفْعُول؛ وَإِذا فتسرتها ب (إِذا) فتحت الضَّمِير فَتَقول (إِذا سَأَلته كِتْمَانه) لِأَنَّك تخاطبه، أَي أَنَّك تَقول ذَلِك إِذا فعلت ذَلِك الْفِعْل؛ وَلَا يَصح حِينَئِذٍ أَن يُقَال فِي الصَّدْر (يُقَال)
وَأي: بِالْفَتْح والسكون لنداء الْقَرِيب، قَالَه الْمبرد، والبعيد، قَالَه سِيبَوَيْهٍ، والمتوسط قَالَه ابْن برهَان
وإي: بِالْكَسْرِ بِمَعْنى (نعم) نَحْو: {إِي وربي} وَهُوَ من لَوَازِم الْقسم، وَلذَلِك وصل بواوه فِي التَّصْدِيق فَيُقَال: (إِي وَالله) وَلَا يُقَال: (إِي) وَحده، وَمن هَذَا قَالُوا: كَون (إِي) بِمَعْنى (نعم) مَشْرُوط بِوُقُوعِهِ فِي الْقسم
أَيْن: يبْحَث بِهِ عَن الْمَكَان بطرِيق الشّرطِيَّة نَحْو: (أَيْن تجْلِس أَجْلِس) و (مَتى) يبْحَث بِهِ عَن الزَّمَان
وَأَيْنَ: سُؤال عَن الْمَكَان الَّذِي حل فِيهِ الشَّيْء
وَمن أَيْن: سُؤال عَن الْمَكَان الَّذِي برز مِنْهُ الشَّيْء
و (مَا) فِي (أَيْنَمَا) مَوْصُولَة وصلت ب (أَيْن) فِي خطّ الْمُصحف، وحقها الْفَصْل
أَيَّانَ: يسْأَل بِهِ عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِيمَا يُرَاد تفخيم أمره وتعظيم شَأْنه، نَحْو: {أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة}
وَيكون بِمَعْنى (مَتى) نَحْو: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون}
أيا مَا: (مَا) : زَائِدَة للتَّأْكِيد، أَو شَرْطِيَّة جمع بَينهمَا تَأْكِيدًا كَمَا جمع بَين حرفي الْجَرّ للتَّأْكِيد،
(1/222)


وَحسنه اخْتِلَاف اللَّفْظ
الأيم: ك (كيس) ، من لَا زوج لَهَا، بكرا أَو ثَيِّبًا، وَمن لَا امْرَأَة لَهُ أَيْضا، جمع الأول (أيايم) و (أيامى) كَمَا فِي الْقَامُوس
وَفِي " أنوار التَّنْزِيل ": هُوَ العزب، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، بكرا كَانَ أَو ثَيِّبًا،
وَقَالَ بَعضهم: هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي وطِئت وَلَا زوج لَهَا، سَوَاء وطِئت بحلال أَو بِحرَام، دلّ عَلَيْهِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَابل الأيم بالبكر فِي حَدِيث الْإِذْن حَيْثُ قَالَ: " الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَالْبكْر تستأمر فِي نَفسهَا، وإذنها صماتها " عطف إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَفصل بَينهمَا فِي الحكم، وكل من الْعَطف والفصل دَلِيل على الْمُغَايرَة بَينهمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي مَسْأَلَة النِّكَاح بِغَيْر ولي خلاف بَين أبي حنيفَة وَبَين رَسُول الله، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل " وَقَالَ أَبُو حنيفَة: نِكَاحهَا صَحِيح وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِك لِأَن الْمَرْأَة مالكة لبعضها، فَيصح نِكَاحهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا قِيَاسا على بيع سلعتها، فَحمل بعض الْحَنَفِيَّة الْمَرْأَة فِي الحَدِيث على الصَّغِيرَة، فَاعْترضَ لِأَن الصَّغِيرَة لَيست امْرَأَة فِي لِسَان الْعَرَب، كَمَا أَن الصَّغِير لَيْسَ رجلا فحملها بعض آخر مِنْهُم على الْأمة، فَاعْترضَ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " فَإِن أَصَابَهَا فلهَا مهر مثلهَا " فَإِن مهر مثلهَا لسَيِّدهَا لَا لَهَا فحملها بعض آخر من متأخريهم على الْمُكَاتبَة فَإِن الْمهْر لَهَا وَهَذِه التأويلات بعيدَة عِنْد الشَّافِعِيَّة لما أَنه على كل من التأويلات قصر للعام على صُورَة نادرة مُنَافِيَة لما قَصده الشَّارِع من عُمُوم منع اسْتِقْلَال الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ
فَحَضَرَ أَبُو الْمَعَالِي يَوْمًا مَعَ الصندلي وَسَأَلَ عَن التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة هَل هِيَ وَاجِبَة أم لَا؟ فَقَالَ الصندلي: فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف بَين الشَّافِعِي وَبَين الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ} وَالشَّافِعِيّ قَالَ: كلوا وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي كَذَلِك لِأَنَّهُ ذبح صدر من أَهله فِي مَحَله فَيحل كذبح ناسي التَّسْمِيَة وَالنَّص عِنْده مؤول بِحمْلِهِ على تَحْرِيم مَذْبُوح عَبدة الْأَوْثَان، فَإِن عدم ذكر الله غَالب عَلَيْهِم، فَإِذا انقدح هَذَا التَّأْوِيل عمل بِهِ، لما صَحَّ فِي الحَدِيث من أَن قوما قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن قوما يأْتونَ بِاللَّحْمِ مَا نَدْرِي أذكر اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " سموا عَلَيْهِ وكلوا " وَقد فصلناه فِي بحث الذَّبِيحَة تَفْصِيلًا وافيا حَتَّى ظهر الْحق من قُوَّة التَّحْقِيق
الْإِيلَاء: الْإِعْطَاء، والتقريب
و [الْإِيلَاء] : مصدر (آلَيْت على كَذَا) إِذا حَلَفت عَلَيْهِ بِاللَّه أَو بِغَيْرِهِ من الطَّلَاق، أَو الْعتاق، أَو الْحَج، أَو نَحْو ذَلِك وَالْأَمر مِنْهُ (أول) وتعديته ب (من) فِي الْقسم على قرْبَان الْمَرْأَة بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الِامْتِنَاع من الْوَطْء، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم} أَي: وللمؤلين من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر، فَلَا يلْزم شَيْء فِي هَذِه الْمدَّة؛ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُقُوع الطَّلَاق الْبَائِن عِنْد مضيها، كَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة؛ وَلَا يَقْتَضِي أَن تكون
(1/223)

الْمدَّة أَكثر مِمَّا ذكر بِدلَالَة الْفَاء فِي قَوْله: {فَإِن فاؤوا} كَمَا قَالَه الشَّافِعِي، لِأَنَّهَا للتعقيب
وَالْعَبْد وَالْحر فِي مُدَّة الْإِيلَاء سَوَاء عِنْد الشَّافِعِي
وَأَبُو حنيفَة يعْتَبر رق الْمَرْأَة، وَمَالك يعْتَبر رق الزَّوْج
الْإِيقَاع: هُوَ الْعلَّة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن
والوقوع: هُوَ الْمَعْلُول سَوَاء كَانَ فِي الذِّهْن أَو فِي الْخَارِج
الإيغال: هُوَ ختم الْكَلَام بِمَا يُفِيد نُكْتَة يتم الْمَعْنى بِدُونِهَا وَمن أمثلته فِي الْقُرْآن: {يَا قوم اتبعُوا الْمُرْسلين} إِلَى قَوْله {مهتدون} فَإِن الْمَعْنى قد تمّ بِدُونِ (وهم مهتدون) إِذْ الرَّسُول مهتد لَا محَالة، لَكِن فِيهِ زِيَادَة مُبَالغَة فِي الْحَث على اتِّبَاع الرَّسُول وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَفِي الشّعْر كَقَوْلِه:
(كَأَن عُيُون الْوَحْش حول خبائنا ... وأرحلنا الْجزع الَّذِي لم يثقب)

الْإِيَاس: مصدر الآيسة عَن الْحيض فِي الأَصْل (إئياس) على (إفعال) حذفت الْهمزَة من عين الْكَلِمَة تَخْفِيفًا
الْإِيهَام: هُوَ إِيقَاع الشَّيْء فِي الْقُوَّة الوهمية قيل: هُوَ كالتخييل الَّذِي هُوَ إِيقَاع الشَّيْء فِي الْقُوَّة الخيالية، لِأَن ذَلِك من الصُّور الوهمية، وَهَذَا من الْأُمُور المتخيلة، بل كِلَاهُمَا موهومان لَا تحقق لَهما؛ لَكِن الأول أَن يُوجد لكل مِنْهُمَا وَجه علمي يرجحه فِي مَوْضِعه، وَلَا يحمل على التَّعْيِين
وإيهام التناسب فِي البديع، كَون اللَّفْظ مناسبا لشَيْء بِأحد معنييه لَا بِالْآخرِ
الإيعاء: هُوَ حفظ الْأَمْتِعَة فِي الْوِعَاء
والوعي: لفظ الحَدِيث وَنَحْوه
إيه: تَقول (إيه حَدثنَا) إِذا استزدته، و (إيها كف عَنَّا) إِذا أَمرته أَن يقطعهُ، و (وَبهَا) : إِذا زجرته عَن الشَّيْء أَو أغريته، و (واها لَهُ) : إِذا تعجبت مِنْهُ
أَيْضا: مصدر (آض) ، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ شَيْئَيْنِ بَينهمَا توَافق وَيُمكن اسْتغْنَاء كل مِنْهُمَا عَن الآخر، فَخرج نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَيْضا) و (جَاءَ فلَان وَمَات أَيْضا) و (اخْتصم زيد وَعَمْرو أَيْضا) فَلَا يُقَال شَيْء من ذَلِك
وَهُوَ مفعول مُطلق حذف عَامله وجوبا سَمَاعا كَمَا نقل، وَمَعْنَاهُ: عَاد هَذَا عودا على الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة أَو حَال من ضمير الْمُتَكَلّم حذف عاملها وصاحبها، أَي: (أخبر أَيْضا) أَو (أحكي أَيْضا) أَي: رَاجعا؛ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْتَمر فِي جَمِيع الْمَوَاضِع [نوع]
{من جَانب الطّور الْأَيْمن} : من ناحيته الْيُمْنَى
(1/224)

من (الْيَمين) ، أَو من جَانِبه الميمون، من (الْيمن)
{بأيام الله} : بوقائعه الَّتِي وَقعت على الْأُمَم
{إيابهم} : مرجعهم
{أَيَّانَ مرْسَاها} : مَتى إرساؤها، أَي: إِقَامَتهَا وإثباتها أَو مُنْتَهَاهَا ومستقرها
[ {لِإِيلَافِ قُرَيْش} : أَي اعجبوا عهد قُرَيْش، أَو لئلاف قُرَيْش]
{إيلافهم} : لزومهم
{أَصْحَاب الأيكة} : الغيضة [وهم قوم شُعَيْب]
[ {أيدتك} : قويتك] أَيُّوب [فِي " الْأَنْوَار ": هُوَ ابْن عيص بن اسحاق] : وَالصَّحِيح أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل، وَلم يَصح فِي نسبه شَيْء، إِلَّا أَن اسْم أَبِيه " أَبيض "، وَأَنه مِمَّن آمن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
وعَلى هَذَا كَانَ قبل مُوسَى، وَقيل: بعد شُعَيْب، وَقيل: بعد سيلمان، ابْتُلِيَ وَهُوَ ابْن سبعين، وَاخْتلف فِي مُدَّة بلائه [وَمَا حُكيَ فِيهِ من الجذام فَغير صَحِيح] وَمُدَّة عمره كَانَت ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة
(فصل الْبَاء)

[البروج] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر البروج فَهُوَ الْكَوَاكِب إِلَّا {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة}
فَإِن المُرَاد بهَا الْقُصُور الطوَال الحصينة، وَفِي " الْأَنْوَار " فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا} اثْنَي عشر مُخْتَلفَة الهيئات والخواص على مَا دلّ عَلَيْهِ الرصد والتجربة مَعَ بساطة السَّمَاء
[الْبر وَالْبَحْر] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الْبر وَالْبَحْر فَالْمُرَاد بِالْبرِّ التُّرَاب واليابس، وبالبحر المَاء إِلَّا {ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر} فَإِن المُرَاد من الْبر الْعمرَان، وَقيل: المُرَاد بِالْبرِّ ثمَّة الْبَوَادِي والمفاوز، وبالبحر الْمَدَائِن والقرى الَّتِي هِيَ على الْمِيَاه الْجَارِيَة قَالَ عِكْرِمَة: الْعَرَب تسمي الْمصر بحرا تَقول: أجدب الْبر، وانقطعت مَادَّة الْبَحْر
[البخس] : كل مَا فِي الْقُرْآن من بخس فَهُوَ النَّقْص، إِلَّا {بِثمن بخس} مَعْنَاهُ حرَام، لكَونه ثمن الْحر؛ [وَهُوَ سيدنَا يُوسُف النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام]
[البعل] : كل مَا فِي الْقُرْآن من بعل فَهُوَ زوج، إِلَّا {أَتَدعُونَ بعلا} فَإِن المُرَاد الصم
الْبكم: كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الْبكم فَالْمُرَاد الخرس عَن الْكَلَام بِالْإِيمَان، إِلَّا (بكما
(1/225)

وصما} فِي " الْإِسْرَاء " {أَحدهمَا أبكم} فِي " النَّحْل " فَإِن المُرَاد عدم الْقُدْرَة على الْكَلَام مُطلقًا
[برع] : كل شَيْء تناهى فِي جمال أَو نضارة فقد برع، [يُقَال: برع الرجل إِذا فاق أَصْحَابه]
[البثنية] : كل حِنْطَة تنْبت فِي الأَرْض السهلة فَهِيَ بثنية، بِخِلَاف الجبلية
[الْبغاء] : كل طلبة فَهُوَ بغاء، بِالضَّمِّ وَالْمدّ
[البخار] : كل دُخان يسطع من مَاء حَار فَهُوَ بخار، وَكَذَلِكَ من الندى
[أَبتر] : كل أَمر مُنْقَطع عَن الْخَيْر فَهُوَ أَبتر
[البخر] : كل رَائِحَة ساطعة فَهُوَ بخر والبخور، كصبور، مَا يتبخر بِهِ؛ والبخر، بِالتَّحْرِيكِ: النتن فِي الْفَم وَغَيره
[البهار] : كل حسن مُنِير فَهُوَ بهار، وَنبت طيب الرَّائِحَة
[البرزخ] : كل حاجز بَين شَيْئَيْنِ فَهُوَ برزخ وموبق
البغاث: كل طَائِر لَيْسَ من الْجَوَارِح يصاد فَهُوَ بغاث
[الْبَهِيمَة] : كل حَيّ لَا عقل لَهُ، وكل مَا لَا نطق لَهُ فَهُوَ بَهِيمَة، لما فِي صَوته من الْإِبْهَام، ثمَّ اخْتصَّ هَذَا الِاسْم بذوات الْأَرْبَع وَلَو من دَوَاب الْبَحْر، مَا عدا السبَاع
[الْبكر] : كل امْرَأَة لم يبتكرها رجل فَهِيَ بكر
هَذَا عِنْد الْإِمَامَيْنِ وَأما عِنْد أبي حنيفَة إِذا زَالَت بَكَارَتهَا بِالزِّنَا فَهِيَ بكر أَيْضا وَلَيْسَت بثيب
وَالثَّيِّب: كل امْرَأَة جومعت بِنِكَاح أَو شُبْهَة
وَعِنْدَهُمَا: الثّيّب: كل أمْرَأَة زَالَت بَكَارَتهَا بجماع
[الْبِدْعَة] : كل عمل عمل على غير مِثَال سبق فَهُوَ بِدعَة
[الْبرة] : كل حَلقَة من سوار وقرط وخلخال وأشباهها فَهِيَ برة
[الْبَلَد] : كل مَوضِع من الأَرْض غامر أَو عَامر، مسكون أَو خَال فَهُوَ بلد، والقطعة مِنْهُ بَلْدَة
[البيات] : كل مَا كَانَ بلَيْل فَهُوَ بيات
[البقل] : كل مَا ينْبت الرّبيع مِمَّا يَأْكُلهُ النَّاس، وكل نَبَات اخضرت بِهِ الأَرْض، وكل مَا ينْبت أَصله وفرعه فِي الشتَاء فَهُوَ بقل
[البلاط] : كل شَيْء فرشت بِهِ الدَّار من حجر وَغَيره فَهُوَ بلاط
[الْبُهْتَان] : كل مَا يبهت لَهُ الْإِنْسَان من ذَنْب وَغَيره فَهُوَ بهتان
[الْبذر] : كل حب يبذر فَهُوَ بذر
[الْبَدْر] : كل شَيْء تمّ فَهُوَ بدر، وَسميت البدرة بدرة وَهِي عشرَة آلَاف دِرْهَم لتَمام عَددهَا
[الْبَحْر] : كل مَكَان وَاسع جَامع للْمَاء الْكثير فَهُوَ بَحر، ثمَّ سموا كل متوسع فِي شَيْء بحرا، وَفِي
(1/226)

تقاليبه معنى السعَة
[الْبُسْتَان] : كل أَرض يحوطها حَائِط وفيهَا نخيل مُتَفَرِّقَة وأشجار، يُمكن الزِّرَاعَة فِي وسط الْأَشْجَار فَهِيَ بُسْتَان، مُعرب (بوستان) ؛ وَإِن كَانَت الْأَشْجَار ملتفة لَا يُمكن زراعة أرْضهَا فَهِيَ كرم
[الْبيض] : كل بيض يكْتب بالضاد إِلَّا بيظ النَّمْل فَإِنَّهُ بالظاء
كل مَا كَانَ من حُرُوف الهجاء على حرفين، الثَّانِي مِنْهُمَا ألف فَإِنَّهَا تمد وتقصر، من ذَلِك الْبَاء وَالتَّاء والثاء واشباهها
الْبَاء: هُوَ أول حرف نطق بِهِ الْإِنْسَان وَفتح بِهِ فَمه، وَمن مَعَانِيهَا: الْوَصْل والإلصاق [أَي: تَعْلِيق أحد معنييها بِالْآخرِ] وَقد رفع الله قدرهَا وَأَعْلَى شَأْنهَا وَأظْهر برهانها بجعلها مفتتح كِتَابه ومبتدأ كَلَامه وخطابه وَهِي من الْحُرُوف الجارة الْمَوْضُوعَة لإفضاء مَعَاني الْأَفْعَال إِلَى الْأَسْمَاء وَإِذا اسْتعْملت فِي كَلَام لَيْسَ فِيهِ فعل تتَعَلَّق هِيَ بِهِ يقدر فعل عَام إِذا لم يُوجد قرينَة الْخُصُوص؛ وَإِلَّا فَلَا بُد من تَقْدِير الْخَاص، لِأَنَّهُ أتم فَائِدَة وأعم عَائِدَة نَحْو: (زيد على الْفرس) و (من الْعلمَاء) و (فِي الْبَصْرَة) أَي: هُوَ رَاكب ومعدود ومقيم وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إِن كَانَ تعلقهَا بِهِ بِوَاسِطَة مُتَعَلق عَام أَو خَاص حذف نسيا ومنسيا؛ وَله مَحل من الْإِعْرَاب يُسمى الْجَار وَالْمَجْرُور ظرفا مُسْتَقرًّا، كَمَا فِي صُورَة انْتِفَاء الْفِعْل الأول عَن أَصله: نَحْو: (زيد فِي الدَّار) لاستقرار معنى عَامله فِيهِ وانفهامه مِنْهُ، وَلِهَذَا قَامَ مقَامه وانتقل إِلَيْهِ ضَمِيره؛ وَإِن كَانَ بِالذَّاتِ وَلم يكن لَهُ مَحل من الْإِعْرَاب فلغو؛ كَمَا إِذا ذكر الْفِعْل مُطلقًا
وَالْبَاء الدَّاخِلَة على الِاسْم الَّذِي لوُجُوده أثر فِي وجود متعلقها ثَلَاثَة أَقسَام: لِأَنَّهَا إِن صَحَّ نِسْبَة الْعَامِل إِلَى مصحوبها فَهِيَ بَاء الِاسْتِعَانَة نَحْو (كتبت بالقلم) وتعرف أَيْضا بِأَنَّهَا الدَّاخِلَة على أَسمَاء الْآلَات، وَإِلَّا فَإِن كَانَ التَّعَلُّق إِنَّمَا وجد لأجل وجود مجرورها فَهِيَ بَاء الْعلَّة وتعرف أَيْضا بِأَنَّهَا الصَّالِحَة غَالِبا لحلول اللَّام محلهَا، وَإِلَّا [يكن الْمُتَعَلّق كل ذَلِك] فَهِيَ بَاء السَّبَبِيَّة نَحْو: {فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم}
[وَالْبَاء فِي قَوْله تَعَالَى: {تنْبت بالدهن} للمصاحبة أَي: تنْبت ودهنها فِيهَا؛ وَكَذَا فِي قَوْله: {فانتبذت بِهِ} أَي: اعتزلت وَهُوَ فِي بَطنهَا]
وباء المصاحبة والملابسة أَكثر اسْتِعْمَالا من الِاسْتِعَانَة لاسيما فِي الْمعَانِي وَمَا يجْرِي مجْراهَا من الْأَقْوَال
وَحَقِيقَة بَاء الِاسْتِعَانَة التوسل بعد دُخُولهَا إِلَى تشريف الْمَشْرُوع فِيهِ والاعتداد بِشَأْنِهِ
(1/227)

وَاخْتلف فِي بَاء الْبَسْمَلَة فَعِنْدَ صَاحب الْكَشَّاف للملابسة، كَمَا فِي (دخلت عَلَيْهِ بِثِيَاب السّفر) وَلها مَعْنيانِ: الْمُقَارنَة والاتصال وَعند الْبَيْضَاوِيّ للاستعانة كَمَا فِي (كتبت بالقلم) فعلى الأول الظّرْف مُسْتَقر، وَالتَّقْدِير: (ابتدئ ملابسا باسم الله ومقارنا بِهِ ومصاحبا إِيَّاه) وعَلى الثَّانِي لَغْو، وَالتَّقْدِير: (اتبدئ باسم الله أَي أستعين فِي الِابْتِدَاء باسم الله) وَالْأول لسلامته من الْإِخْلَال بالأدب، لما فِي الِاسْتِعَانَة من جعل اسْم الله آلَة للْفِعْل والآلة غير مَقْصُودَة لذاتها بل لغَيْرهَا وَقيل: الِاسْتِعَانَة أولى، لِأَن الْفِعْل لَا يُوجد إِلَّا بهَا
وَالْبَاء للإلصاق: أَي لتعليق أحد الْمَعْنيين بِالْآخرِ، إِمَّا حَقِيقَة نَحْو: {وامسحوا برؤوسكم} أَو مجَازًا نَحْو: {إِذا مروا بهم} والإلصاق أصل مَعَاني الْبَاء، بِحَيْثُ لَا يكون معنى إِلَّا وَفِيه شمة مِنْهُ، فَلهَذَا اقْتصر عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي " الْكتاب ": [وَفِي شرح " الْمُغنِي ": الْبَاء للإلصاق وَهُوَ مَعْنَاهَا بِدلَالَة الْعرف، وَهُوَ أقوى دَلِيل فِي اللُّغَة، كالنص فِي أَحْكَام الشَّرْع]
وَالْبَاء تكون للتعدية كالهمزة نَحْو: {ذهب الله بنورهم} أَي: أذهبه؛ وَهِي للتعدية، وَهِي الدَّاخِلَة على الْفَاعِل فَيصير مَفْعُولا كَمَا فِي الْآيَة
وللسببية: وَهِي الَّتِي تدخل على سَبَب الْفِعْل ويعبر عَنْهَا بِالتَّعْلِيلِ وَنَحْو: {ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل}
وللظرفية ك (فِي) زَمَانا ومكانا نَحْو: {وَلَقَد نصركم الله ببدر} {وَمَا كنت بِجَانِب الغربي}
وللاستعلاء ك (على) نَحْو: {من إِن تأمنه بقنطار}
{فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك}
وللمجاورة ك (عَن) نَحْو: {فاسأل بِهِ خَبِيرا}
[وَلَا يَجِيء بِهَذَا الْمَعْنى أصلا عِنْد الْبَصرِيين، وَقَوله: {فاسأل بِهِ خَبِيرا} مؤول عِنْدهم بِجعْل الْبَاء سَبَبِيَّة أَو تجريدية وَفِي " الْأَنْوَار ": تعديته بهَا لتَضَمّنه معنى الاعتناء، والتجوز فِي الْفِعْل أولى مِنْهُ فِي الْحَرْف، لقُوته على مَا قيل وَمَا فِي " الْقَامُوس ": (سَأَلَهُ كَذَا) و (عَن كَذَا) و (بِكَذَا) بِمَعْنى (عَنهُ) لَا يُوَافقهُ كَلَام الثِّقَات]
وللتبعيض: ك (من) نَحْو: (عينا يشرب بهَا
(1/228)

عباد الله}
وللغاية ك (إِلَى) نَحْو: {وَقد أحسن بِي}
أَي: إِلَيّ
وللمقابلة، وَهِي تدخل تَارَة على الثّمن نَحْو: {وشروه بِثمن بخس} وَتارَة على الْمُثمن نَحْو: {فَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا}
وللحالية: نَحْو: (خرج زيد بثيابه) قَالَه ابْن اياز وللتجريد نَحْو: (لقِيت زيدا بِخَير)
وللتوكيد، وَهِي الزَّائِدَة، فتزداد فِي الْفَاعِل وجوبا نَحْو: {أسمع بهم وَأبْصر} وجوازا غَالِبا نَحْو: {وَكفى بِاللَّه شَهِيدا} وَفِي الْمَفْعُول نَحْو: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} وَفِي الْمُبْتَدَأ نَحْو: {بأيكم الْمفْتُون} ، وَفِي اسْم (لَيْسَ) فِي قِرَاءَة بَعضهم نَحْو: {لَيْسَ الْبر بِأَن توَلّوا وُجُوهكُم}
وَفِي الْخَبَر الْمَنْفِيّ نَحْو: {وَمَا الله بغافل}
وَالْبَاء الزَّائِدَة لَا تمنع من عمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا وتجيء بِمَعْنى (حَيْثُ) نَحْو: {فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب} أَي: بِحَيْثُ يفوزون
وباء التَّعْدِيَة بَابهَا الْفِعْل اللَّازِم نَحْو: {ذهب الله بنورهم}
الزَّمَخْشَرِيّ يُسَمِّي بَاء التَّعْدِيَة صلَة، وَالَّذِي يَسْتَعْمِلهُ أَكثر المصنفين فِي مثل هَذَا هُوَ أَن الصِّلَة بِمَعْنى الزِّيَادَة، وندرت التَّعْدِيَة بِالْبَاء فِي المعتدي نَحْو: (صككت الْحجر بِالْحجرِ) أَي جعلت أَحدهمَا يصك بِالْآخرِ
وَالْبَاء القسمية: يخْتَص دُخُولهَا الْمعرفَة، ولأصالتها فِي إِفَادَة معنى الْقسم تستبد عَن أختيها بِجَوَاز إِظْهَار الْفِعْل مَعهَا وبدخولها على الْمظهر والمضمر نَحْو: (بِهِ لأعبدنه) وَالْحلف على سَبِيل الاستعطاف نَحْو: (بحياتك أَخْبرنِي) وَالْوَاو لكَونهَا فرعا لَا تدخل إِلَى على الْمظهر وَكَذَا التَّاء، لكَونهَا فرعا عَن الْوَاو لم تدخل إِلَّا على الْمظهر الْوَاحِد
وَمن عَجِيب مَا قيل فِي بَاء الْبَسْمَلَة أَنَّهَا قسم فِي أول كل سُورَة، ذكره صَاحب " الغرائب والعجائب "
وَالْبَاء ابدا تقع فِي الطي نَحْو: (مَا زيد بقائم) بِخِلَاف اللَّام، فَإِنَّهَا تقع فِي الصَّدْر نَحْو: (لزيد منطلق) و {لَأَنْتُم أَشد رهبة}
وَالْبَاء مَتى دخلت فِي الْمحل تعدى الْفِعْل إِلَى الْآلَة، فَيلْزم استيعابها دون الْمحل، كَمَا فِي: {وأمسحوا برؤوسكم} فَيكون بعض الرَّأْس ممسوحا وَهُوَ الْمحل أما إِذا دخلت فِي وَسَائِل غير مَقْصُودَة مثل: (مسحت رَأس الْيَتِيم بِالْيَدِ) فَإِن الْبَاء مَتى دخلت فِي الْوَسِيلَة، وَهِي آلَة الْمسْح
(1/229)

تعدى الْفِعْل إِلَى الْمحل، فَيلْزم استيعابه دون الْآلَة، فَيكون الْمسْح بِبَعْض الْيَد
الْبَيَان: فِي الأَصْل مصدر (بَان الشَّيْء) بِمَعْنى تبين وَظهر، أَو اسْم من (بَين) كالسلام وَالْكَلَام، من (كلم) و (سلم) ثمَّ نَقله الْعرف إِلَى مَا يتَبَيَّن بِهِ من الدّلَالَة وَغَيرهَا؛ وَنَقله الِاصْطِلَاح إِلَى الفصاحة وَإِلَى ملكة أَو أصُول يعرف بهَا إِيرَاد الْمَعْنى الْوَاحِد فِي صور مُخْتَلفَة
وَقيل: الْبَيَان ينْطَلق على تَبْيِين، وعَلى دَلِيل يحصل بِهِ الْإِعْلَام على علم يحصل مِنْهُ الدَّلِيل
وَالْبَيَان أَيْضا: هُوَ التَّعْبِير عَمَّا فِي الضَّمِير، وإفهام الْغَيْر وَقيل: هُوَ الْكَشْف عَن شَيْء وَهُوَ أَعم من النُّطْق؛ وَقد يُطلق على نفس التَّبْلِيغ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم} [وَالْبَيَان قد يكون بالمفعل كَمَا يكون بالْقَوْل، وَهُوَ على خَمْسَة أوجه عرف ذَلِك بالاستقراء وَوجه الْحصْر هُوَ أَن الْبَيَان لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بالمنطوق أَو غَيره الثَّانِي: بَيَان الضَّرُورَة، وَالْأول إِمَّا أَن يكون الْمُبين مَفْهُوم الْمَعْنى بِدُونِ الْبَيَان أَولا.
الثَّانِي: بَيَان التَّقْرِير، وَالْأول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بَيَانا لِمَعْنى الْكَلَام أَو للازم لَهُ كالمدة.
الثَّانِي: بَيَان التبديل؛ وَالْأول إِمَّا أَن يكون بِلَا تَغْيِير أَو مَعَه
الثَّانِي: بَيَان التَّغْيِير وَالْأول بَيَان التَّفْسِير
أما بَيَان التَّقْرِير: فَهُوَ توكيد الْكَلَام بِمَا يقطع احْتِمَال الْمجَاز والتخصيص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ} قرر معنى الْعُمُوم من الْمَلَائِكَة بِذكر الْكل حَتَّى صَارَت بِحَيْثُ لَا يحْتَمل التَّخْصِيص وَكَقَوْلِه: {وَلَا طَائِر يطير بجناحيه} فَإِن قَوْله: (يطير بجناحيه) تَقْرِير لموجب الْكَلَام وَحَقِيقَته قطعا، لاحْتِمَال الْمجَاز، إِذْ يُقَال: الْمَرْء يطير بهمته، وَيُقَال للبريد طَائِر لإسراعه فِي مَشْيه
وَأما بَيَان التَّفْسِير: فَهُوَ بَيَان مَا فِيهِ خَفَاء من الْمُشْتَرك أَو الْمُشكل أَو الْمُجْمل أَو الْخَفي
وَأما بَيَان التَّغْيِير: فَهُوَ تَغْيِير مُوجب الْكَلَام نَحْو التَّعْلِيق وَالِاسْتِثْنَاء والتخصيص
وَأما بَيَان التبديل: فَهُوَ النّسخ، والنسخ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى بَيَان لمُدَّة الحكم الأول، لَا رفع وتبديل؛ وبالنسبة إِلَيْنَا بتبديل كَالْقَتْلِ، فَإِنَّهُ بَيَان مَحْض للأجل فِي حَقه تَعَالَى؛ لِأَن الْمَقْتُول ميت بأجله، وَفِي حَقنا تَبْدِيل للحياة بِالْمَوْتِ، لِأَن ظَاهره الْحَيَاة لَوْلَا مُبَاشرَة قَتله
وَأما بَيَان الضَّرُورَة: فَهُوَ نوع بَيَان يَقع بِغَيْر مَا يوضع لَهُ لضَرُورَة مَا، إِذْ الْمَوْضُوع لَهُ النُّطْق، وَهَذَا يَقع بِالسُّكُوتِ، فَهِيَ على أَرْبَعَة أوجه عرف ذَلِك بالاستقراء: الأول: مَا يعلم بمعونة الْمَنْطُوق لَا بِمُجَرَّد السُّكُوت كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث} أضيف الْإِرْث إِلَيْهِمَا ثمَّ خص الْأُم بِالثُّلثِ فَكَانَ بَيَانا أَن للْأَب مَا بَقِي، وَهَذَا الْبَيَان لم يحصل بمحض السُّكُوت عَن نصيب الْأَب، بل بصدر الْكَلَام الْمُوجب للشَّرِكَة،
(1/230)

إِذْ لَو بَين نصيب الْأُم من غير إِثْبَات الشّركَة بصدر الْكَلَام لَا يعرف نصيب الْأَب بِالسُّكُوتِ بِوَجْه
وَالثَّانِي: مَا يثبت بِدلَالَة حَال الْمُتَكَلّم؛ وَالْمرَاد بالمتكلم الْقَادِر على التَّكَلُّم لَا النَّاطِق، وَاحْترز بِهِ عَمَّن لَا يقدر على التَّكَلُّم كالأخرس
وَالثَّالِث: مَا يثبت ضَرُورَة رفع الضَّرَر، مثل سكُوت الشَّفِيع بعد الْعلم بِالْبيعِ، فَجعل إِسْقَاط الشُّفْعَة ضَرُورَة دفع الضَّرَر عَن المُشْتَرِي
وَالرَّابِع: مَا يثبت بِدلَالَة الْكَلَام، كَمَا قَالَ: (لَهُ عَليّ مئة وَثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ثَلَاثَة أَثوَاب أَو أَفْرَاس) فالمعطوف بَيَان للمعطوف عَلَيْهِ]
وَالْبَيَان مَا يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ، والتبيان مَا يتَعَلَّق بِالْمَعْنَى
الْبر، بِالْكَسْرِ: الصِّلَة، وَالْجنَّة، وَالْخَيْر، الاتساع فِي الْإِحْسَان، وَالْحج، وَالصَّدَََقَة، وَالطَّاعَة، وضد العقوق وكل فعل مرضِي بر
[وَالْبر] ؛ بِالْفَتْح: من الْأَسْمَاء الْحسنى، والصادق، وضد الْبَحْر
والبار: حَيْثُ ورد فِي الْقُرْآن مجموعا فِي صفة الْآدَمِيّين قيل: أبرار، وَفِي صفة الْمَلَائِكَة قيل: بررة
والبرية؛ بتَشْديد الرَّاء: الصَّحرَاء، وَالْجمع براري؛ وبالتخفيف (فعيلة) من برأَ الله الْخلق: أَي خلقهمْ، وَالْجمع: البرايا والبريات
وبر الله الْحَج يبره برورا: قبله وَيُقَال (برحجك) ، بِالْفَتْح وَالضَّم
وبر خالقه: أطاعه
وبررت، بِالْكَسْرِ [كعلمت] : خلاف العقوق وبررت فِي القَوْل وَالْيَمِين أبر فيهمَا برورا أَيْضا: إِذا صدقت فيهمَا؛ وَيَتَعَدَّى بِنَفسِهِ فِي الْحَج، وبالحرف فيهمَا؛ وَفِي لُغَة يتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَال: أبر الله الْحَج، وأبرت الْيَمين، وَأبر القَوْل
وبرئت من الْمَرَض وبرأت أَيْضا برءا وبرءا، وَمن الدّين وَالرجل بَرَاءَة
وأصل الْبُرْء خلوص الشَّيْء عَن غَيره إِمَّا على سَبِيل التَّقَصِّي كَقَوْلِهِم: (برِئ الْمَرِيض من مَرضه، وَالْبَائِع من عُيُوب مبيعه، وَصَاحب الدّين من دينه) ؛ وَمِنْه اسْتِبْرَاء الْجَارِيَة أَو على سَبِيل الْإِنْشَاء كَقَوْلِهِم: (برأَ الله الْخلق) ، و (بريت الْقَلَم وَغَيره) بِفَتْح الرَّاء غير مَهْمُوز، أبريه بريا
الْبَدَل: هُوَ لُغَة: الْعِوَض ويفترقان فِي الِاصْطِلَاح؛ فالبدل أحد التوابع، يجْتَمع مَعَ الْمُبدل مِنْهُ، وَبدل الْحَرْف من غَيره لَا يَجْتَمِعَانِ أصلا، وَلَا يكون إِلَّا فِي مَوضِع الْمُبدل مِنْهُ
والعوض لَا يكون فِي مَوضِع المعوض عَنهُ أَلا ترى أَن الْعِوَض فِي (اللَّهُمَّ) فِي آخر الِاسْم، والمعوض عَنهُ فِي أَوله، لِأَن طَريقَة الْعَرَب أَنهم إِذا حذفوا من الأول عوضوا آخرا: مثل (عدَّة) و (زنة) ؛ وَإِذا حذفوا من الآخر عوضوا أَولا مثل: (ابْن) فِي (بَنو) ؛ وَرُبمَا اجْتمعَا ضَرُورَة، وَرُبمَا استعملوا الْعِوَض مرادفا للبدل فِي الِاصْطِلَاح
وَقد نظمت فِي جَوَاز جمع الْبَدَل والمبدل مِنْهُ:
(1/231)

(جمعت بوصل بَين جسمي وروحه ... وَهَذَا كَلَام لم يجوزه سامعي)

(أبقت كَأَنِّي من يَد الْغَصْب غَارِم ... فعدت وَمِنْه الْإِرْث قد صَار جامعي)
وَالْبدل على ضَرْبَيْنِ: بدل: هُوَ إِقَامَة حرف مقَام حرف غَيره
وَبدل: هُوَ قلب الْحَرْف نَفسه إِلَى لفظ غَيره على معنى إحالته إِلَيْهِ
هَذَا إِنَّمَا يكون فِي حُرُوف الْعلَّة وَفِي الْهمزَة أَيْضا لمقاربتها إِيَّاهَا وَكَثْرَة تغيرها، وَذَلِكَ فِي نَحْو: (قَامَ) و (مُوسر) و (رَأس) و (آدم) ، فَكل قلب بدل، وَلَيْسَ كل بدل قلبا
وَالْبدل والمبدل مِنْهُ إِن اتحدا فِي الْمَفْهُوم يُسمى بدل الْكل من الْكل وَبدل الْعين من الْعين أَيْضا؛ وَإِن لم يتحدا فِيهِ، فَإِن كَانَ الثَّانِي جُزْءا من الأول فَهُوَ بدل الْبَعْض من الْكل، وَإِن لم يكن جُزْءا، فَإِن صَحَّ الِاسْتِغْنَاء بِالْأولِ عَن الثَّانِي فَهُوَ بدل الاشتمال نَحْو: (نظرت إِلَى الْقَمَر فلكه)
وَبدل الْكل من الْكل يُوَافق الْمَتْبُوع فِي الْإِفْرَاد والتثنية وَالْجمع والتذكير والتأنيث، لَا فِي التَّعْرِيف
وَسَائِر الأبدال لَا يلْزم موافقتها للمبدل مِنْهُ فِي الْإِفْرَاد والتذكير وفروعهما
وَالْبدل على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى:
{كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ}
وَبدل الْغَلَط ثَلَاثَة أَقسَام: ندامة كَقَوْلِك: (محبوبي بدر شمس)
وَغلط صَرِيح: كَقَوْلِك: (هَذَا زيد جَار)
ونسيان
والأخيران لَا يقعان فِي كَلَام الفصحاء أصلا، بِخِلَاف الأول، فَإِنَّهُ يَقع فِي كَلَام الشُّعَرَاء مُبَالغَة وتفننا فِي الفصاحة
وَبدل الْمعرفَة من الْمعرفَة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم}
والنكرة من الْمعرفَة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {لنسفعا بالناصية نَاصِيَة كَاذِبَة خاطئة} وَلَا يحسن ذَلِك حَتَّى يُوصف نَحْو الْآيَة، لِأَن الْبَيَان مُرْتَبِط بهما جَمِيعًا
والنكرة من النكرَة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {إِن لِلْمُتقين مفازا حدائق وأعنابا}
والمعرفة من النكرَة، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله}
فَإِن الثَّانِي معرفَة بِالْإِضَافَة
وَلَا يجوز إِبْدَال النكرَة غير الموصوفة من الْمعرفَة، كَمَا لَا يجوز وصف الْمعرفَة بالنكرة هَذَا إِذا لم يفد الْبَدَل مَا زَاد على الْمُبدل مِنْهُ وَأما إِذا أَفَادَ فَجَائِز نَحْو: (مَرَرْت بأبيك خير مِنْك) وَالْأَكْثَر على أَن ضمير الْمُخَاطب لَا يُبدل مِنْهُ
وَالْبدل فِي الِاسْتِثْنَاء من الأبدال الَّتِي تثبت فِي
(1/232)

غير الِاسْتِثْنَاء، بل هُوَ قسم على حِدة، كَمَا فِي قَوْلك: (مَا قَامَ أحد إِلَّا زيد) ف (إِلَّا زيد) هُوَ الْبَدَل، وَهُوَ الَّذِي يَقع فِي مَوضِع (أحد) ، فَلَيْسَ (زيد) وَحده بَدَلا من (أحد) ، وَإِنَّمَا (زيد) هُوَ الْأَحَد الَّذِي نفيت عَنهُ الْقيام، و (إِلَّا زيد) بَيَان للأحد الَّذِي عينته
وَالْبدل مَشْرُوع فِي الأَصْل كالمسح على الْخُف
وَالْخلف لَيْسَ بمشروع فِي الأَصْل كالتيمم
وَالْبدل التفصيلي لَا يعْطف إِلَّا بِالْوَاو كَقَوْلِه:
(وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة ... وَرجل رمى فِيهَا الزَّمَان فشلت)
بَين: كلمة تنصيف وتشريك، حَقّهَا أَن تُضَاف إِلَى أَكثر من وَاحِد، وَإِذا أضيفت إِلَى الْوَاحِد وَجب أَن يعْطف عَلَيْهِ بِالْوَاو، لِأَن الْوَاو للْجمع تَقول: (المَال بَين زيد وَعَمْرو) و (بَين عَمْرو) قَبِيح؛ وَأما (بيني وَبَيْنك) ف (بَين) مُضَاف إِلَى مُضْمر مجرور، وَذَلِكَ لَا يعْطف عَلَيْهِ إِلَّا بِإِعَادَة الْجَار؛ وَقد جَاءَ التكرير مَعَ الْمظهر
وَإِذا أضيف إِلَى الزَّمَان كَانَ ظرفا زمَان، تَقول: (آتِيك بَين الظّهْر وَالْعصر)
وَإِذا أضيف إِلَى الْمَكَان كَانَ ظرف مَكَان، تَقول: (دَاري بَين دَارك وَالْمَسْجِد)
وَلَا يُضَاف إِلَى مَا يَقْتَضِي معنى الْوحدَة إِلَّا إِذا كرر نَحْو: {فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك موعدا} {وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ} أَي: مُتَقَدما لَهُ من الْإِنْجِيل وَنَحْو: {وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سدا} أَي: قرينا مِنْهُ
وَلَا يدْخل الضَّم على (بَين) بِحَال، إِلَّا إِذا عني بالبين الْوَصْل، وَتقول: (بَينا أَنا جَالس جَاءَ عَمْرو) وَلَيْسَ لدُخُول (إِذْ) هَهُنَا معنى وَمَا وَقع فِي الْأَحَادِيث فَمَحْمُول على زِيَادَة الروَاة، وأجازوا
(1/233)

ذَلِك فِي (بَيْنَمَا) وَاعْتَذَرُوا بِأَن (مَا) ضمت إِلَى (بَين) فغيرت حكمهَا؛ كَمَا أَن (رب) لَا يَليهَا إِلَّا الِاسْم، وَإِذا زيدت فِيهَا (مَا) وَليهَا الْفِعْل
و (بَيْنَمَا) : ظرف لمتوسط فِي زمَان أَو مَكَان بِحَسب الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَإِذا قصد إِضَافَة (بَين) إِلَى (أَوْقَات) مُضَافَة إِلَى جملَة حذفت الْأَوْقَات وَعوض عَنْهَا الْألف أَو (مَا) مَنْصُوب الْمحل، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة الَّذِي تضمنته (إِذْ) وَيُقَال فِي التباعد الجسماني: (بَينهمَا بَين) ، وَفِي التباعد الشرفي: (بَينهمَا بون)
والبين: من الأضداد، يسْتَعْمل للوصل والفصل
والبينونة الْخَفِيفَة: تفِيد انْقِطَاع الْملك فَقَط كَمَا يحصل بِوَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ؛ والغليظة تفِيد انْقِطَاع الْحل بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا يحصل بِالثلَاثِ
بل: هُوَ مَوْضُوع لإِثْبَات مَا بعده، وللإعراض عَمَّا قبله بِأَن يَجْعَل مَا قبله فِي حكم الْمَسْكُوت عَنهُ بِلَا تعرض لنفيه وَلَا إثْبَاته، وَإِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ (لَا) صَار نصا فِي نَفْيه
وَفِي كل مَوضِع يُمكن الْإِعْرَاض عَن الأول يثبت الثَّانِي فَقَط
وَفِي كل مَوضِع لَا يُمكن الْإِعْرَاض عَن الأول يثبت الأول وَالثَّانِي
و (بل) فِي الْجُمْلَة مثلهَا فِي الْمُفْردَات، إِلَّا أَنَّهَا قد تكون لَا لتدارك الْغَلَط، بل لمُجَرّد الِانْتِقَال إِلَى آخر أهم من الأول بِلَا فضل، إِلَى إهدار الأول وَجعله فِي حكم الْمَسْكُوت عَنهُ كَقَوْلِه تَعَالَى: {بل هم فِي شكّ مِنْهَا بل هم مِنْهَا عمون}
وَاعْلَم أَن كلمة (بل) إِذا تَلَاهَا جملَة كَانَ معنى الإضراب إِمَّا الْإِبْطَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون} ، وَقَوله تَعَالَى: {أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ}
وَإِمَّا الِانْتِقَال من غَرَض إِلَى آخر: نَحْو قَوْله: {قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا}
وَقَوله: {ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ بل قُلُوبهم فِي غمرة} وَهِي فِي ذَلِك كُله حرف ابْتِدَاء لَا عاطفة على الصَّحِيح؛ وَإِن تَلَاهَا مُفْرد كَانَت عاطفة؛ فَإِن كَانَت بعد إِثْبَات فَهِيَ لإِزَالَة الحكم عَن الأول وإثباته للثَّانِي إِن كَانَت فِي الإخبارات، لِأَنَّهَا الْمُحْتَمل للغلظ دون الإنشاءات تَقول: (جَاءَنِي زيد بل عَمْرو) لَا (خُذ هَذَا بل هَذَا) ؛ وَإِن كَانَت بعد نفي أَو نهي فَهِيَ لتقرير الحكم لما قبلهَا وَإِثْبَات ضِدّه لما بعْدهَا، تَقول: (مَا قَامَ زيد بل عَمْرو) و (لَا تضرب زيدا بل عمرا) تقرر نفي الْقيام عَن زيد وتنهي عَن الضَّرْب لَهُ وتثبته لعَمْرو وتأمر بضربه
قَالَ بَعضهم: (بل) الإضرابية لَا تقع فِي التَّنْزِيل إِلَّا للانتقال وَقَوله تَعَالَى: (وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن
(1/234)

ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون} لَا يتَعَيَّن كَون (بل) فِيهَا للإبطال، لاحْتِمَال كَون الإضراب فِيهَا عَن جملَة القَوْل لَا عَن الْجُمْلَة المحكية بالْقَوْل، وَجُمْلَة القَوْل إِخْبَار من الله تَعَالَى عَن مقالتهم، صَادِقَة غير بَاطِلَة، فَلم يُبْطِلهَا الإضراب، وَإِنَّمَا أَفَادَ الإضراب الِانْتِقَال من الْإِخْبَار عَن الْكفَّار إِلَى الْإِخْبَار عَن وصف مَا وَقع الْكَلَام فِيهِ من النَّبِي وَالْمَلَائِكَة
وَقَالَ ابْن عُصْفُور: (بل) و (لَا بل) وَإِن وَقع بعدهمَا جملَة كَانَا حرفي ابْتِدَاء ومعناهما الإضراب عَمَّا قبلهمَا واستئناف الْكَلَام الَّذِي بعدهمَا ثمَّ قَالَ: و (لَا) المصاحبة لَهَا لتأكيد معنى الإضراب؛ وَإِن وَقع بعدهمَا مُفْرد كَانَا حرفي عطف ومعناهما الإضراب عَن جعل الحكم للْأولِ وإثباته للثَّانِي
وَقد يكون (بل) بِمَعْنى (إِن) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق} ، لِأَن الْقسم لَا بُد لَهُ من جَوَاب
وَقد تكون بِمَعْنى (هَل) كَقَوْلِه تَعَالَى: {بل ادارك علمهمْ فِي الْآخِرَة}
و (بل) لَا يصلح أَن يصدر بهَا الْكَلَام؛ وَلِهَذَا يقدر فِي قَوْله: {بل فعله كَبِيرهمْ} مَا فعلته بل فعله
بلَى: هُوَ من حُرُوف التَّصْدِيق مثل (نعم) ، إِلَّا أَن (نعم) يَقع تَصْدِيقًا للْإِيجَاب وَالنَّفْي فِي الْخَبَر والاستفهام جَمِيعًا و (بلَى) يخْتَص بالمنفي، خَبرا أَو استفهاما على معنى أَنَّهَا إِنَّمَا تقع تَصْدِيقًا للمنفي على سَبِيل الْإِيجَاب، وَلَا تقع تَصْدِيقًا للمثبت أصلا؛ وَلِهَذَا قيل: قَائِل (بلَى) فِي جَوَاب {آلست بربكم} من الْأَرْوَاح مُؤمن، لِأَنَّهُ فِي قُوَّة (بلَى أَنْت رَبنَا) ، وَقَائِل (نعم) مِنْهَا كَافِر، لِأَنَّهُ فِي قُوَّة (نعم لست بربنا)
وَاسْتشْكل بعض الْمُحَقِّقين بِأَن (بلَى) إِذا كَانَت لإِيجَاب مَا بعد النَّفْي لم تكن تَصْدِيقًا لما سبقها، بل تَكْذِيبًا لَهُ وَالْجَوَاب أَنَّهَا وَإِن كَانَت تَكْذِيبًا للنَّفْي، لَكِنَّهَا تَصْدِيق للمنفي
و (بلَى) لَا يَأْتِي إِلَّا بعد نفي؛ و (لَا) لَا يَأْتِي إِلَّا بعد إِيجَاب؛ و (نعم) يَأْتِي بعدهمَا وَقد نظمت فِيهِ:
(بعد نفي قل نعم لَا بعد إِيجَاب كَذَا ... بعد إِيجَاب نعم لَا بعد إِيجَاب بلَى)

بعد: هُوَ من الظروف الزمانية أَو المكانية أَو الْمُشْتَركَة بَينهمَا وَله حالتان: إِمَّا الْإِضَافَة إِلَى اسْم عين، فَحِينَئِذٍ ظرف زمَان، أَو إِلَى اسْم معنى فظرف مَكَان وَإِمَّا الْقطع فَإِن كَانَ مُضَافا فَهُوَ مُعرب على حسب اقْتِضَاء العوامل من النصب أَو الْجَرّ وَلَا يكون مَرْفُوعا، إِلَّا أَن يخرج عَن الظَّرْفِيَّة، أَو يُرَاد مِنْهُ اللَّفْظ؛ وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا عَن الْإِضَافَة فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْمُضَاف إِلَيْهِ منويا أَو منسيا؛ فَإِن كَانَ منسيا فَهُوَ مُعرب على حسب اقْتِضَاء العوامل أَيْضا، وَإِن كَانَ منويا فيبنى على الضَّم وَبِهِمَا قرئَ قَوْله تَعَالَى: {لله الْأَمر من قبل وَمن بعد} وَقَوْلهمْ بعد الْخطْبَة: (وَبعد) بِالضَّمِّ أَو الرّفْع مَعَ التَّنْوِين أَو الْفَتْح على تَقْدِير لفظ
(1/235)

الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي: (واحضر بعد الْخطْبَة مَا سَيَأْتِي) وَالْوَاو للاستئناف، أَو لعطف الْإِنْشَاء على مثله، أَو على الْخَبَر نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَبشر الَّذين آمنُوا}
وتجيء (بعد) بِمَعْنى (قبل) نَحْو: {وكتبنا فِي الزبُور من بعد الذّكر} وَمعنى (مَعَ) يُقَال: (فلَان كريم وَهُوَ بعد هَذَا أديب) وَعَلِيهِ يتَأَوَّل: {عتل بعد ذَلِك زنيم} {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} وَبعد يبعد كعلم يعلم بعدا بِفَتْح الْبَاء وَالْعين: هلك وكحسن يحسن بعدا بِالضَّمِّ: ضد الْقرب
وَهُوَ عبارَة عَن امتداد قَائِم بالجسم أَو بِنَفسِهِ، عِنْد الْقَائِلين بِوُجُود الْخَلَاء
وَالْعَبْد الَّذِي هُوَ بَين الْأَعْلَى والأسفل يُسمى عمقا إِن اعْتبر النُّزُول؛ وسمكا إِن اعْتبر الصعُود
والأبعاد الَّتِي بَين غايات الْأَجْسَام هِيَ ثَلَاثَة: بعد الطول: وَهُوَ الامتداد الْمَفْرُوض أَولا وَبعد الْعرض: وَهُوَ الْمَفْرُوض ثَانِيًا مقاطعا للْأولِ على زَوَايَا قَائِمَة
وَبعد العمق: وَهُوَ الْمَفْرُوض ثَالِثا مقاطعا لَهما عَلَيْهَا، فَلَا يُوجد جسم إِلَّا على هَذِه الأبعاد، فَمَا كَانَ ذَا بعد وَاحِد فَخط، وَذَا بعدين فسطح، وَذَا ثَلَاثَة فجسم تعليمي
و (بعد) فِي (أَفعلهُ بعد) لزمان الْحَال أَي: بَعْدَمَا مضى وَفِي (لَا أَفعلهُ بعد) للاستقبال أَي: بَعْدَمَا نَحن فِيهِ
البلاغة: مصدر (بلغ الرجل) الضَّم: إِذا صَار بليغا [وَأسد عِبَارَات الأدباء فِي حد البلاغة وأوفاها بالغرض قَوْلهم: البلاغة هِيَ التَّعْبِير عَن الْمَعْنى الصَّحِيح لما طابقه من اللَّفْظ الرَّائِق من غير مزِيد على الْمَقْصد وَلَا انتقاص عَنهُ فِي الْبَيَان
فعلى هَذَا فَكلما ازْدَادَ الْكَلَام فِي الْمُطَابقَة للمعنى وَشرف الْأَلْفَاظ ورونق الْمعَانِي والتجنب عَن الركيك المستغث كَانَ بلاغته أَزِيد]
فِي " الْجَوْهَرِي ": البلاغة: الفصاحة
وَعند أهل الْمعَانِي: البلاغة أخص من الفصاحة قَالَ بعض محققيهم: وَلم أر مَا يصلح لتعريفهما، لَكِن الْفرق بَينهمَا أَن الفصاحة يُوصف بهَا الْمُفْرد وَالْكَلَام والمتكلم، والبلاغة يُوصف بهَا الأخيران فَقَط يُقَال: كلمة فصيحة، وَلَا يُقَال بليغة
أما فصاحة الْمُفْرد فخلوصه من تنافر الْحُرُوف ك (مستشزرات) ، وَمن الغرابة: وَهِي كَون الْكَلِمَة لَا يعرف مَعْنَاهَا إِلَّا بعد الْبَحْث الْكثير عَلَيْهِ فِي كتب اللُّغَة، وَمن مُخَالفَة الْقيَاس ك (الأجلل) بفك الْإِدْغَام، وَلم يرتض بَعضهم زِيَادَة أَن لَا تكون الْكَلِمَة مستكرهة فِي السّمع نَحْو (الجرشى) أَي النَّفس
وَأما فصاحة الْكَلَام فخلوصه من ضعف التَّأْلِيف نَحْو أَن يتَّصل بالفاعل ضمير يعود على الْمَفْعُول الْمُتَأَخر، وَمثله مِمَّا لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة إِلَّا بِضعْف، وَمن التنافر بِأَن يعسر النُّطْق بكلماته لعسرها على اللِّسَان، وَمن التعقيد بِأَن يكون الْكَلَام غير ظَاهر الدّلَالَة على المُرَاد مِنْهُ، وَذَلِكَ إِمَّا لتعقيد فِي اللَّفْظ أَو الْمَعْنى؛ ورد بَعضهم زِيَادَة
(1/236)

خلوصه من كَثْرَة التّكْرَار وتتابع الإضافات
وَأما فصاحة الْمُتَكَلّم فملكة يقتدر بهَا على التَّعْبِير عَن الْمَقْصُود بِلَفْظ فصيح
وَأما بلاغة الْكَلَام فمطابقته لمقْتَضى الْحَال مَعَ فَصَاحَته، وَمُقْتَضى الْحَال أَن يعبر بالتنكير فِي مَحَله وبالتعريف فِي مَحَله وَمَا أشبه ذَلِك
وَبِالْجُمْلَةِ أَن يُطَابق الْغَرَض الْمَقْصُود وارتفاع شَأْن الْكَلَام إِنَّمَا يكون بِهَذِهِ الْمُطَابقَة، وانحطاطه بعدمها
وَأما بلاغة الْمُتَكَلّم فملكة يقتدر بهَا على تأليف كَلَام بليغ
[وَاخْتلف فِي رتب البلاغة هَل هِيَ متناهية أم لَا؟ وَالْحق أَنَّهَا إِن نظر إِلَى اللُّغَات الْوَاقِعَة المتناهية فمراتب البلاغة فِيهَا لَا بُد وَأَن تكون متناهية؛ لِأَن البلاغة على مَا ذكرنَا عَائِدَة إِلَى مُطَابقَة الشريف من الْأَلْفَاظ للصحيح من الْمعَانِي من غير زِيَادَة فِي الْمَقْصد وَلَا نُقْصَان عَنهُ فِي الْبَيَان
وَلَا يخفى أَن الْأَلْفَاظ الشَّرِيفَة بالاصطلاح الْمُطَابقَة للمعاني متناهية، فَكَانَت مَرَاتِب البلاغة المترتبة على الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة متناهية
وَأما إِذا نظر إِلَى مَا يُمكن وُقُوعه من اللُّغَات بعد اللُّغَات الْوَاقِعَة الْمَفْرُوضَة فَلَا يبعد فِي علم الله وجود أَلْفَاظ هِيَ أشرف من الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة، وَتَكون مطابقتها لمعانيها أَعلَى رُتْبَة فِي البلاغة من الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة وهلم جرا إِلَى مَا لَا يتناهى] وَتَمام مبَاحث هَذِه النبذ فِي علم الْمعَانِي. ورجحان بلاغة النّظم الْجَلِيل إِنَّمَا هُوَ بإبلاغ الْمَعْنى الْجَلِيل المتسوعب إِلَى النَّفس بِاللَّفْظِ الْوَجِيز؛ وَإِنَّمَا يكون الإسهاب أبلغ فِي كَلَام الْبشر الَّذين لَا يتناولون تِلْكَ الرُّتْبَة الْعَالِيَة من البلاغة [الْبكر] : الْبكر من الْإِبِل: هِيَ الَّتِي وضعت بَطنا وَاحِدًا وَمن بني آدم: هِيَ الَّتِي لم تُوطأ بِنِكَاح، سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أم لم يكن، بَالِغَة كَانَت أم لَا، ذَاهِبَة الْعذرَة بوثبة أَو حيض [أَو وضوء] وَهِي بكر إِلَّا فِي حق الشِّرَاء وَفِي " الْمغرب " أَنه يَقع على الذّكر الَّذِي لم يدْخل بِامْرَأَة؛ وَشرط مُحَمَّد ابْن الْحسن الْأُنُوثَة فِي هَذَا الِاسْم، وَهُوَ إِمَام مقلد؛ وَإِطْلَاق الثّيّب على الذّكر كَمَا فِي حَدِيث " الثّيّب بِالثَّيِّبِ " إِلَى آخِره إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الْمُقَابلَة مجَازًا ك {ومكروا ومكر الله} وَقد حكى الصغاني عَن اللَّيْث أَنه لَا يُقَال للرجل ثيب، وَإِنَّمَا يُقَال: ولد الثيبين تَغْلِيبًا
وَلم يسمع من الْبكر فعل، إِلَّا أَن فِي تركيبها الأولية وَمِنْه: البكرة والباكورة وَأما الباكرة فَلَيْسَتْ من كَلَام الْعَرَب، وَالصَّحِيح: الْبكر، والبكارة بِالْفَتْح فِي " الْقَامُوس ": كل من بَادر إِلَى شَيْء فقد أبكر إِلَيْهِ فِي أَي وَقت كَانَ
وَبكر وأبكر وتبكر: تقدم، وَعَلِيهِ: " فبكروا " فِي الحَدِيث، بِمَعْنى تقدمُوا، لَا بَادرُوا
وَبكر تبكيرا: أَتَى الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا وابتكر أول الْخطْبَة
الْبَقَاء: هُوَ سلب الْعَدَم اللَّاحِق للوجود، أَو اسْتِمْرَار الْوُجُود فِي الْمُسْتَقْبل إِلَى غير نِهَايَة وهما بِمَعْنى، كَمَا فِي شرح " الْإِرْشَاد " وَهُوَ أَعم من الدَّوَام
والدائم الْبَاقِي هُوَ الله تَعَالَى بافتقار الموجودات
(1/237)

إِلَى مديم كافتقار المعدومات إِلَى موجد، وَأما المتغيرات المحسوسة فَهِيَ فِي الماديات دون الإبداعيات: [وَلَو فرض انْقِطَاع فيضان نور الْوُجُود من الله تَعَالَى على الْعَالم فِي آن لم يبْق فِي الْخَارِج] والأشعري جعل الْبَقَاء من الصِّفَات، وَالصَّحِيح [أَنه لَيْسَ صفة وجودية زَائِدَة بل هُوَ نفس] الْوُجُود المستمر [أَي الْمَوْجُود فِي الزَّمَان الثَّانِي، فَيكون أخص من مُطلق الْوُجُود، كَمَا أَن الفناء أخص من مُطلق الْعَدَم لِأَنَّهُ الْعَدَم الطَّارِئ] وتفصيل ذَلِك هُوَ أَن الْبَارِي تَعَالَى بَاقٍ لذاته، خلافًا للأشعري، فَإِن عِنْده هُوَ بَاقٍ بِبَقَاء قَائِم بِذَاتِهِ، فَيكون صفة وجودية زَائِدَة على الْوُجُود، إِذْ الْوُجُود مُتَحَقق دون الْبَقَاء، وتتجدد بعده صفة هِيَ الْبَقَاء؛ والنافون للبقاء قَالُوا: الْبَقَاء هُوَ نفس الْوُجُود فِي الزَّمَان الثَّانِي لَا أَمر زَائِد عَلَيْهِ، إِذْ لَو كَانَ مَوْجُودا لَكَانَ بَاقِيا بِالضَّرُورَةِ، فَإِن كَانَ بَاقِيا بِبَقَاء آخر لزم التسلسل، أَو بِبَقَاء الذَّات لزم الدّور، أَو بِنَفسِهِ والذات بَاقِيَة بِبَقَاء الْبَقَاء فتنقلب الذَّات صفة وَالصّفة ذاتا وَهُوَ محَال، أَو بِبَقَاء قَائِم لَهُ تَعَالَى، فَيكون وَاجِب الْوُجُود لذاته وَاجِبا لغيره، وَهُوَ محَال أَيْضا
وَالتَّحْقِيق أَن الْمَعْقُول من بَقَاء الْبَارِي امْتنَاع عَدمه، [ومقارنة مَعَ الْأَزْمِنَة من غير أَن يتَعَلَّق بهَا كتعلق الزمانيات] ، كَمَا أَن الْمَعْقُول من بَقَاء الْحَوَادِث مُقَارنَة وجودهَا لأكْثر من زمَان وَاحِد بعد زمَان أول، وَذَلِكَ لَا يعقل فِيمَا لَيْسَ بِزَمَان، وَامْتِنَاع الْعَدَم ومقارنة الزَّمَان من الْأُمُور الاعتبارية الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج، ولفضل الْبَقَاء على الْعُمر وصف الله بِهِ، وقلما يُوصف بالعمر وَالْبَاقِي بِنَفسِهِ لَا إِلَى مُدَّة هُوَ الْبَارِي، وَمَا عداهُ بَاقٍ بِغَيْرِهِ وباق بشخصه إِلَى أَن يَشَاء الله أَن يفنيه كالأجرام السماوية، وَالْبَاقِي بنوعه وجنسه دون شخصه وجزئه كالإنسان والحيوانات، وَالْبَاقِي بشخصه فَهِيَ الْآخِرَة كَأَهل الْجنَّة، وبنوعه وجنسه هُوَ ثمار أهل الْجنَّة، كَمَا فِي الحَدِيث؛ وكل عبَادَة يقْصد بهَا وَجه الله فِيهِ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات
والبقية: مثل فِي الْجَوْدَة وَالْفضل، يُقَال: (فلَان بَقِيَّة الْقَوْم) أَي: خيارهم، وَمِنْه قَوْلهم: (فِي الزوايا خبايا وَفِي الرِّجَال بقايا)
وَبَقِيَّة الشَّيْء من جنسه، وَلَا يُقَال للأخر بَقِيَّة الْأَب
وَالْبَاقِي يسْتَعْمل فِيمَا يكون الْبَاقِي أقل، بِخِلَاف السائر، فَإِنَّهُ يسْتَعْمل فِيمَا يكون الْبَاقِي أَكثر؛ وَالصَّحِيح أَن كل بَاقٍ قل أَو كثر فالسائر يسْتَعْمل فِيهِ وَقيل: السائر بِالْهَمْزَةِ الْأَصْلِيَّة بِمَعْنى الْبَاقِي، وبالمبدلة من الْيَاء بِمَعْنى الْجَمِيع؛ وَالْأول أشهر فِي الِاسْتِعْمَال وَأثبت عِنْد أَئِمَّة اللُّغَة وَأظْهر فِي الِاشْتِقَاق
وَفِي " الْقَامُوس ": السائر: الْبَاقِي لَا الْجَمِيع
والبقاء أسهل من الِابْتِدَاء كبقاء النِّكَاح بِلَا شُهُود وامتناعه بِدُونِهَا ابْتِدَاء؛ وَجَوَاز الشُّيُوع فِي الْهِبَة بَقَاء لَا ابْتِدَاء، كَمَا إِذا وهب دَارا وَرجع فِي نصفهَا وشاع بَينهمَا فالشيوع الطَّارِئ لَا يمْنَع بَقَاء الْهِبَة؛ وَبَقَاء الشَّيْء الْوَاحِد فِي محلين فِي زمَان وَاحِد محَال، وَلذَا إِذا تمت الْحِوَالَة برِئ الْمُحِيل من الدّين بِقبُول الْمُحْتَال والمحال عَلَيْهِ، لِأَن معنى الْحِوَالَة النَّقْل، وَهُوَ يَقْتَضِي فرَاغ ذمَّة الْأَصِيل لِئَلَّا يلْزم بَقَاء الشَّيْء فِي محلين فِي زمَان وَاحِد
(1/238)

الْبشر: هُوَ علم لنَفس الْحَقِيقَة من غير اعْتِبَار كَونهَا مُقَيّدَة بالتشخصات والصور
وَالرجل: اسْم لحقيقة مُعْتَبرَة مَعهَا تعينات وصور حَقِيقِيَّة؛ فالمتبادر فِي الأول نفس الْحَقِيقَة، وَفِي الثَّانِي الصُّورَة
وَفِي " الْقَامُوس " الْبشر محركة: الْإِنْسَان، ذكرا أَو أُنْثَى، وَاحِدًا أَو جمعا نَحْو: {بشرا سويا} {فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا}
وَقد يثنى نَحْو: {لبشرين} ؛ وَيجمع على (أبشار)
وباشر الْأَمر: وليه بِنَفسِهِ
[وباشر] الْمَرْأَة: جَامعهَا
الْبشَارَة: اسْم لخَبر يُغير بشرة الْوَجْه مُطلقًا، سارا كَانَ أَو محزنا، إِلَّا أَنه غلب اسْتِعْمَالهَا فِي الأول وَصَارَ اللَّفْظ حَقِيقَة لَهُ بِحكم الْعرف حَتَّى لَا يفهم مِنْهُ غَيره، وَاعْتبر فِيهِ الصدْق على مَا نَص عَلَيْهِ فِي الْكتب الْفِقْهِيَّة؛ فَالْمَعْنى الْعرفِيّ للبشارة هُوَ الْخَبَر الصدْق السار الَّذِي لَيْسَ عِنْد الْمخبر بِهِ علمه، وَوُجُود المبشر بِهِ وَقت الْبشَارَة لَيْسَ بِلَازِم، بِدَلِيل {وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا} قَالَ بَعضهم: الْبشَارَة الْمُطلقَة فِي الْخَيْر، وَلَا تكون فِي الشَّرّ إِلَّا بالتقييد؛ كَمَا أَن النذارة تكون على إِطْلَاق لَفظهَا فِي الشَّرّ
والبشارة بِالْفَتْح: الْجمال
والبشر، بِالْكَسْرِ: الطلاقة
والبشير: المبشر
وأبشر: فَرح، وَمِنْه: أبشر بِخَير
الْبَيْت: هُوَ اسْم لمسقف وَاحِد لَهُ دهليز
والمنزل: اسْم لما يشْتَمل على بيُوت وصحن مسقف ومطبخ يسكنهُ الرجل بعياله
وَالدَّار: اسْم لما اشْتَمَل على بيُوت ومنازل وصحن غير مسقف
(وَالدَّار دَار وَإِن زَالَت حوائطها ... وَالْبَيْت لَيْسَ بِبَيْت بَعْدَمَا انهدما)
وَالْبَيْت يجمع على أَبْيَات وبيوت، لَكِن الْبيُوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر
وَالْبَيْت: علم اتفاقي لهَذَا الْمَكَان الشريف
وكل مَا كَانَ من مدر فَهُوَ بَيت، وَإِن كَانَ من كُرْسُف فَهُوَ سرداق، وَمن صوف أَو وبر فَهُوَ خباء، وَمن عيدَان فَهُوَ خيمة، وَمن جُلُود فَهُوَ طراف، وَمن حِجَارَة فَهُوَ أقبية
والفسطاط: الْخَيْمَة الْعَظِيمَة فَكَانَ من الخباء
والخانة: اسْم لكل مسكن، صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا أَعم من الدَّار والمنزل الَّذِي يشْتَمل على صحن مسقف وبيتين أَو ثَلَاثَة
والحجرة: نَظِير الْبَيْت فَإِنَّهَا اسْم للقطعة من الأَرْض المحجورة بحائط، وَلذَلِك يُقَال لحظيرة الْإِبِل حجرَة
والخان: مَكَان مبيت الْمُسَافِرين
والحانة: بِالْمُهْمَلَةِ مَكَان التسوق فِي الْخمر، وَالنِّسْبَة حاني وحانوي
والحانوت: مَكَان البيع وَالشِّرَاء
والدكان: فَارسي مُعرب، كَمَا فِي " الصِّحَاح "، أَو عَرَبِيّ من: دكنت الْمَتَاع: إِذا نضدت بعضه فَوق
(1/239)

بعض، كَمَا فِي " المقاييس "
والدير: خَان النَّصَارَى وَالْجمع أديار وَصَاحبه: ديار وديراني
وَاسم الدَّار يتَنَاوَل الْعَرَصَة وَالْبناء جَمِيعًا، غير أَن الْعَرَصَة أصل وَالْبناء تبع فَصَارَ الْبناء صفة الْكَمَال، دلّ عَلَيْهِ أَن مرافق السُّكْنَى قد تحصل بالعرصة وَحدهَا بِدُونِ الْبناء، وَلَا ينعكس، وَكَذَا الْعَرَصَة مُمكن الْوُجُود بِدُونِ الْبناء وَالْبناء بِدُونِ الْعَرَصَة غير مُمكن الْوُجُود
وَالْعَقار: بِالْفَتْح فِي الشَّرِيعَة هِيَ الْعَرَصَة، مَبْنِيَّة كَانَت أَو لَا، لِأَن الْبناء لَيْسَ من الْعقار فِي شَيْء؛ وَقيل: هُوَ مَا لَهُ أصل وقرار من دَار وضيعة وَفِي " الْعمادِيَّة ": الْعقار اسْم للعرصة المبنية، والضيعة: اسْم للعرصة لَا غير، وَيجوز إِطْلَاق اسْم الضَّيْعَة على الْعقار
البيع: هُوَ رَغْبَة الْمَالِك عَمَّا فِي يَده إِلَى مَا فِي يَد غَيره وَفِي " الْمِصْبَاح ": أَصله مُبَادلَة مَال بِمَال
يَقُولُونَ: (بيع رابح وَبيع خاسر) ؛ وَذَلِكَ حَقِيقَة فِي وصف الْأَعْيَان، لكنه أطلق على العقد مجَازًا لِأَنَّهُ سَبَب التَّمْلِيك والتملك
وَقَوْلهمْ: (صَحَّ البيع) أَو (بَطل) وَنَحْو ذَلِك أَي: صِيغَة البيع، لَكِن لما حذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَهُوَ مُذَكّر أسْند الْفِعْل إِلَيْهِ بِلَفْظ التَّذْكِير
وَبَاعَ: يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، وَقد تدخل (من) على الْمَفْعُول الأول على وَجه التَّأْكِيد يُقَال: (بِعْت من زيد الدَّار) وَرُبمَا دخلت اللَّام مَكَان (من) فَيُقَال: (بِعْت لَك) وَهِي زَائِدَة
وبعت الشَّيْء: إِذا بِعته من غَيْرك
وبعته: اشْتَرَيْته وَيُقَال: بِعْتُك الشَّيْء وَبَاعَ عَلَيْهِ القَاضِي أَي من غير رضَا
وابتاع زيد الدَّار: بِمَعْنى اشْتَرَاهَا
وأبعته: عرضته للْبيع
والباعة: جمع (بَائِع) كالحاكة والقافة
وباعة الدَّار: ساحتها
والباع: قدر مد الْيَدَيْنِ، والشرف، وَالْكَرم
والبوع: مد الباع بالشَّيْء، وَبسط الْيَد بِالْمَالِ
وَبيع الْعين بالاثمان الْمُطلقَة يُسمى باتا؛ وَالْعين بِالْعينِ مقايضة
وَالدّين بِالْعينِ يُسمى سلما
وَالدّين بِالدّينِ صرفا
وبالنقصان من الثّمن الأول وضيعة
وبالثمن الأول تَوْلِيَة
وَنقد مَا ملكه بِالْعقدِ الأول بِالثّمن الأول مَعَ زِيَادَة ربح مُرَابحَة
وَإِن لم يلْتَفت إِلَى الثّمن السَّابِق مساومة
وَبيع الثَّمر على رَأس النّخل بِتَمْر مجذوذ مثل كيلة خرصا مزابنة
وَبيع الْحِنْطَة فِي سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصا محاقلة
وَبيع الثِّمَار قبل أَن تَنْتَهِي مخاصرة
وَالصَّحِيح من البيع مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ وَوَصفه
وَالْبَاطِل مَا لَا يكون كَذَلِك
وَالْفَاسِد مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ لَا بوصفه
وَالْمَكْرُوه مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ وَوَصفه، لَكِن جاوره شَيْء مَنْهِيّ عَنهُ
وَالْمَوْقُوف: مَا يَصح بِأَصْلِهِ وَوَصفه، لَكِن يُفِيد الْملك على سَبِيل التَّوَقُّف، وَلَا يُفِيد تَمَامه لتَعلق حق الغيرية قَالُوا: الْعَمَل صَحِيح إِن وجد فِيهِ
(1/240)

الْأَركان والشروط وَالْوَصْف المرغوب فِيهِ؛ وَغير صَحِيح إِن وجد فِيهِ قبح؛ فَإِن كَانَ بِاعْتِبَار الأَصْل فَبَاطِل فِي الْعِبَادَات، كَالصَّلَاةِ بِدُونِ ركن أَو شَرط؛ وَفِي الْمُعَامَلَات كَبيع الْخمر؛ وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار الْوَصْف ففاسد، كَتَرْكِ الْوَاجِب وكالربا؛ وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار أَمر مجاور فمكروه، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالْبيع وَقت النداء
وَالْبَاطِل وَالْفَاسِد عندنَا مُتَرَادِفَانِ فِي الْعِبَادَات؛ وَأما فِي نِكَاح الْمَحَارِم فَقيل بَاطِل، وَسقط الْحَد لشُبْهَة الِاشْتِبَاه؛ وَقيل فَاسد، وَسقط الْحَد لشُبْهَة العقد
وَفِي البيع متباينان؛ وَكَذَا فِي الْإِجَازَة وَالصُّلْح وَالْكِتَابَة وَغَيرهَا فَليرْجع إِلَى مَحَله وَعند الشَّافِعِيَّة: هما مُتَرَادِفَانِ إِلَّا فِي الْكِتَابَة وَالْخلْع وَالْعَارِية وَالْوكَالَة وَالشَّرِكَة وَالْقَرْض؛ وَفِي الْعِبَادَات فِي الْحَج، ذكره السُّيُوطِيّ
الْبناء، لُغَة: وضع شَيْء على شَيْء على صفة يُرَاد بهَا الثُّبُوت
وَبنى يبْنى بِنَاء: فِي الْعمرَان
وبنا يبنو بنيا: فِي الشّرف
وَبنى فلَان على أَهله: زفها، فَإِنَّهُم إِذا تزوجوا ضربوا عَلَيْهَا خباء جَدِيدا
وَبنى الدَّار وابتناها: بِمَعْنى
وَهُوَ مبتني على كَذَا، على بِنَاء الْمَفْعُول: كالمرتبط يُقَال: (فلَان مُرْتَبِط بِكَذَا) على بِنَاء الْمَفْعُول، لِأَن (ارْتبط) ك (رابط) اتّفقت عَلَيْهِ أَئِمَّة اللُّغَة
وَالْبناء فِي الِاصْطِلَاح على القَوْل بِأَنَّهُ لَفْظِي: مَا جِيءَ بِهِ لَا لبَيَان مُقْتَضى الْعَامِل من شبه الْإِعْرَاب، وَلَيْسَ حِكَايَة أَو اتبَاعا أَو نقلا أَو تخلصا من ساكنين؛ وعَلى القَوْل بِأَنَّهُ معنوي: هُوَ لُزُوم آخر الْكَلِمَة حَالَة وَاحِدَة من سُكُون أَو حَرَكَة لغير عَامل وَلَا اعتلال
والأسباب الْمُوجبَة لبِنَاء الِاسْم: تضمن معنى الْحَرْف، ومشابهة الْحَرْف، والوقوع موقع الْفِعْل الْمَبْنِيّ فَكل شَيْء من الْأَسْمَاء فَإِنَّمَا سَبَب بنائِهِ مَا ذكر أَو رَاجع إِلَيْهِ
وتنحصر المبنيات فِي سَبْعَة: اسْم كني بِهِ عَن اسْم وَهُوَ الْمُضمر
وَاسم أُشير بِهِ إِلَى مُسَمّى وَفِيه معنى فعل، نَحْو: هَذَا وَهَذَانِ وَهَؤُلَاء
وَاسم قَامَ مقَام حرف وَهُوَ الْمَوْصُول
وَاسم سمي بِهِ فعل نَحْو: (صه) و (مَه) وشبههما
والأصوات المحكية
وظرف لم يتَمَكَّن
وَاسم ركب مَعَ اسْم مثله
والبنية بِالضَّمِّ عِنْد الْحُكَمَاء: عبارَة عَن الْجِسْم الْمركب من العناصر الْأَرْبَعَة على وَجه يحصل من تركبيها مزاج، وَهُوَ شَرط للحياة وَعند جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين: هِيَ عبارَة عَن مَجْمُوع جَوَاهِر فردة يقوم بهَا تأليف خَاص لَا يتَصَوَّر قيام الْحَيَاة بِأَقَلّ مِنْهَا والأشاعرة نفوا البنية بل جوزوا قيام الْحَيَاة بجوهر وَاحِد
وَتجمع البنية على (بنى) بِالْكَسْرِ وَالضَّم
وَقَوْلهمْ (بِنَاء على كَذَا) : نصب على أَنه مفعول لَهُ، أَو حَال، أَو مصدر لفعل مَحْذُوف فِي مَوضِع الْحَال، أَي: لأجل الْبناء: أَو بانيا، أَو يبْنى بِنَاء
الْبَسِيط: هُوَ مَا لَا جُزْء لَهُ أصلا، أَو مَا لَيْسَ لَهُ أَجزَاء متخالفة الْمَاهِيّة، سَوَاء لم يكن لَهُ جُزْء أصلا، أَو كَانَ لَهُ أَجزَاء متفقة الْحَقِيقَة
والبسيط إِمَّا عَقْلِي لَا يلتئم فِي الْعقل من أُمُور عدَّة
(1/241)

تَجْتَمِع فِيهِ، كالأجناس الْعَالِيَة والفصول البسيطة، وَإِمَّا خارجي لَا يلتئم من أُمُور كَذَلِك فِي الْخَارِج، كالمفارقات من الْعُقُول والنفوس
والمركب أَيْضا إِمَّا عَقْلِي يلتئم من أُمُور تتمايز فِي الْعقل فَقَط كحيوان نَاطِق، وَإِمَّا خارجي يلتئم من أَجزَاء متمايزة فِي الْخَارِج كالبيت
والبسيط الْحَقِيقِيّ: مَا لَا جُزْء لَهُ أصلا؛ والبسيط الإضافي: مَا هُوَ أقل جُزْءا
والبسيط الْقَائِم بِنَفسِهِ: هُوَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ، والبسيط الْقَائِم بِغَيْرِهِ كالنقطة؛ والمركب الْقَائِم بِغَيْرِهِ كالسواد
والبسط: الزِّيَادَة فِي عدد حُرُوف الِاسْم وَالْفِعْل؛ وَلَعَلَّ أَكثر ذَلِك لإِقَامَة الْوَزْن وتسوية القوافي
وَالْقَبْض: هُوَ النُّقْصَان من عدد الْحُرُوف كباب التَّرْخِيم فِي النداء وَغَيره
والبسطة: الْفَضِيلَة؛ وَفِي الْعلم: التَّوَسُّع؛ وَفِي الْجِسْم: الطول والكمال؛ وَيضم فِي الْكل
وَبسط يَده عَلَيْهِ: سلط
{وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ} أَي: وَسعه
و {كباسط كفيه إِلَى المَاء} أَي: للطلب
{وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم} أَي: للأخذ
{ويبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم} أَي: للصولة وَالضَّرْب
وبسيط الْوَجْه: متهلل؛ وَالْيَدَيْنِ: سماح
والبسيطة: هِيَ الأَرْض
الْبُخْل: هُوَ نفس الْمَنْع
وَالشح: الْحَالة النفسية الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِك الْمَنْع
و (بخل) : يعدى ب (عَن) وب (على) أَيْضا، لتَضَمّنه معنى الْإِمْسَاك
والتعدي: فَإِنَّهُ إمْسَاك عَن مُسْتَحقّ
وَالْبخل والحسد مشتركان فِي أَن صَاحبهمَا يُرِيد منع النِّعْمَة عَن الْغَيْر، ثمَّ يتَمَيَّز الْبَخِيل بِعَدَمِ دفع ذِي النِّعْمَة شَيْئا، والحاسد يتَمَنَّى أَن لَا يعْطى لأحد سواهُ شَيْئا
وَالْبخل شُعْبَة من الْجُبْن، لِأَن الْجُبْن تألم الْقلب بتوقع مؤلم عَاجلا على وَجه يمنعهُ من إِقَامَة الْوَاجِب عقلا، وَهُوَ الْبُخْل فِي النَّفس
والبخيل يَأْكُل وَلَا يُعْطي، واللئيم لَا يَأْكُل وَلَا يُعْطي
البدء: بَدَأَ الشَّيْء وأبدأه: أنشأه واخترعه
والبداءة: بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ الصَّوَاب [وبادي بدا: بِالْيَاءِ وَالْألف، مَعْنَاهُ مبتدئا بِهِ، فهما اسمان ركبا وَجعلا كاسم وَاحِد، وَأَصله بهمز الأول وَمد الثَّانِي، فقلبت الْهمزَة يَاء ثمَّ اسكنت كَمَا فِي (معد يكرب) وَحذف ألف (بداء) للتَّخْفِيف فقلبت الْهمزَة ألفا لانفتاح مَا قبلهَا؛ وَقيل معنى (بَادِي بدا) أَي: ظَاهرا، وَالْوَجْه هُوَ الأول لِأَنَّهُ جَاءَ مهموزا]
وبدا لي فِي الْأَمر: أَي تغير رَأْيِي فِيهِ عَمَّا كَانَ، قَالَه التبريزي وَنَقله الزَّرْكَشِيّ عَن صَاحب " الْمُحكم " عَن سِيبَوَيْهٍ
وبيد: ك (كَيفَ) : اسْم ملازم بِمَعْنى (على)
(1/242)

و (غير) ؛ وَعَلِيهِ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ بيد أَنهم أُوتُوا الْكتاب من قبلنَا "
وَبِمَعْنى (من أجل) ؛ وَعَلِيهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أَنا أفْصح من نطق بالضاد، بيد أَنِّي من قُرَيْش "
وبيداء، بِالْمدِّ: فِي الأَصْل كَانَت صفة، من (باديبيد) بِمَعْنى هلك، ثمَّ غلب عَلَيْهَا الِاسْتِعْمَال فَصَارَت اسْما لنَفس الفلاة من غير مُلَاحظَة وصف، لَكِن روعي فِيهَا الأَصْل فَجمعت على (فعل) ؛ وَمِمَّا يدل على ذَلِك مَا ذكر بعض أهل اللُّغَة من أَن الْمَفَازَة هِيَ اسْم للبيداء، وَسميت بذلك تَسْمِيَة للشَّيْء باسم ضِدّه تفاؤلا، كَمَا سمي اللديغ سليما؛ (وَالْعرب تَقول: (افْعَل هَذَا بَادِي بدا) بياء وَألف، مَعْنَاهُ: أول كل شَيْء فهما اسمان ركبا ك (خَمْسَة عشر) وَأَصله بهمز الأول وَمد الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ ظَاهرا من (بدا يَبْدُو) وَالْوَجْه هُوَ الأول، لِأَنَّهُ جَاءَ مهموزا وَالْمعْنَى مبتدئا بِهِ قبل كل شَيْء)
والبدا فِي وصف الْبَارِي تَعَالَى محَال، لِأَن منشأه الْجَهْل بعواقب الْأُمُور، وَلَا يَبْدُو لَهُ تَعَالَى شَيْء كَانَ عَنهُ غَائِبا
وَيَجِيء (بدا) بِمَعْنى أَرَادَ، كَمَا فِي حَدِيث الْأَقْرَع وَالْأَعْمَى والأبرص
بدا الله، أَي: أَرَادَ
والبذا، بِالْمُعْجَمَةِ: هُوَ التَّعْبِير عَن الْأُمُور المستقبحة بالعبارات الصَّرِيحَة، وَيجْرِي أَكثر ذَلِك فِي الوقاع
والبدوية: بِالْجَزْمِ، مَنْسُوب إِلَى البدا بِمَعْنى البدو
والبدو: الْبَسِيط من الأَرْض، يظْهر فِيهِ الشَّخْص من بعيد، وَالنِّسْبَة إِلَى الْبَادِيَة بَادِي
الْبِدْعَة: هِيَ عمل عمل على غير مِثَال سبق وَفِي " الْقَامُوس ": هِيَ الْحَدث فِي الدّين بعد الْإِكْمَال أَو مَا استحدث بعد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من الْأَهْوَاء والأعمال قيل: هِيَ أَصْغَر من الْكفْر وأكبر من الْفسق وَفِي " الْمُحِيط الرضوي ": إِن كل بِدعَة تخَالف دَلِيلا يُوجب الْعلم وَالْعَمَل بِهِ فَهِيَ كفر؛ وكل بِدعَة تخَالف دَلِيلا يُوجب الْعَمَل ظَاهرا فَهِيَ ضَلَالَة وَلَيْسَت بِكفْر وَقد اعْتمد عَلَيْهِ عَامَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
ومختار جُمْهُور أهل السّنة من الْفُقَهَاء والمتكلمين عدم إكفار أهل الْقبْلَة من المبتدعة والمؤولة فِي غير الضرورية، لكَون التَّأْوِيل شُبْهَة
والواجبة من الْبِدْعَة: نظم أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين للرَّدّ على الْمَلَاحِدَة والمبتدعين
والمندوبة مِنْهَا: كتب الْعلم وَبِنَاء الْمدَارِس وَنَحْو ذَلِك
والمباحة مِنْهَا: الْبسط فِي ألوان الْأَطْعِمَة وَغير ذَلِك
(1/243)

والمبتدع فِي الشَّرْع: من خَالف أهل السّنة اعتقادا، كالشيعة قيل: حكمه فِي الدُّنْيَا الإهانة باللعن وَغَيره؛ وَفِي الْآخِرَة على مَا فِي الْكَلَام حكم الْفَاسِق، وعَلى مَا فِي الْفِقْه حكم بَعضهم حكم الْكَافِر، كمنكر الرُّؤْيَة وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَغير ذَلِك
والبدع، بِالْكَسْرِ والسكون بِمَعْنى البديع؛ نَظِيره: الْخُف بِمَعْنى الْخَفِيف
الْبَاطِل: هُوَ أَن يفعل فعل يُرَاد بِهِ أَمر مَا، وَذَلِكَ الْأَمر لَا يكون من ذَلِك الْفِعْل وَهُوَ أَيْضا مَا أبطل الشَّرْع حسنه، كتزوج الْأَخَوَات
وَالْمُنكر: مَا عرف قبحه عقلا، كالكفر وعقوق الْوَالِدين
وَالْبَاطِل من الْأَعْيَان: مَا فَاتَ مَعْنَاهُ الْمَخْلُوق لَهُ من كل وَجه بِحَيْثُ لم يبْق إِلَّا صورته
وَالْبَاطِل من الْكَلَام: مَا يلغى وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ لعدم الْفَائِدَة فِي سَمَاعه وخلوه من معنى يعْتد بِهِ، وَإِن لم يكن كذبا وَلَا فحشا
البراعة: هِيَ كَمَال الْفضل، وَالسُّرُور وَحسن الفصاحة الْخَارِجَة عَن نظائرها
وبرع الرجل: فاق أَصْحَابه
وبراعة المطلع: أَن يكون الْبَيْت صَحِيح السبك، وَاضح الْمَعْنى، غير مُتَعَلق بِمَا بعده، سالما من الحشو وتعقيد الْكَلَام، سهل اللَّفْظ، متناسب الْقسمَيْنِ، بِحَيْثُ لَا يكون شطره الأول أَجْنَبِيّا من شطره الثَّانِي، مناسبا لمقْتَضى الْمقَام وَسَماهُ ابْن المعتز حسن الِابْتِدَاء؛ وفرعوا مِنْهُ براعة الاستهلال وَمَعْنَاهَا عِنْد أهل البلاغة أَن يذكر الْمُؤلف فِي طالعة كِتَابه مَا يشْعر بمقصوده، وَيُسمى بالإلماع
وَأما براعة الْمطلب: فَهِيَ أَن يلوح الطَّالِب الطّلب بِأَلْفَاظ عذبة مهذبة منقحه مقترنة بتعظيم الممدوح، خَالِيَة من الإلحاح وَالتَّصْرِيح، بل تشعر بِمَا فِي النَّفس دون كشفه كَقَوْلِه:
(وَفِي النَّفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بَيَان عِنْدهَا وخطاب)

الْبَعْث: الإثارة والإيقاظ من النّوم {من بعثنَا من مرقدنا}
وإيجاد الْأَعْيَان والأجناس والأنواع عَن لَيْسَ يخْتَص بِهِ الْبَارِي
والإحياء والنشر من الْقُبُور
وإرسال الرُّسُل
و (بعث فيهم) : جعله بَين أظهرهم
وَبعث إِلَيْهِم: أرسل لدعوتهم، سَوَاء كَانَ فيهم أم لَا
وَقد يسْتَعْمل كل مِنْهُمَا بِمَعْنى الآخر
وَوصف الْبعْثَة لَا يَنْتَظِم فِي الْأَنْبِيَاء كلهم، بل هِيَ مَخْصُوصَة بالرسل)
الْبَعْض: هُوَ طَائِفَة من الشَّيْء وَقيل: جُزْء مِنْهُ [كَمَا فِي قَوْلك: ضربت رَأس زيد] وَيجوز كَونه أعظم من بَقِيَّته، كالثمانية من الْعشْرَة
وَالْبَعْض يتَجَزَّأ، والجزء لَا يتَجَزَّأ
وَالْكل اسْم لجملة تركبت من أَجزَاء محصورة، وَالْبَعْض اسْم لكل جُزْء تركب الْكل مِنْهُ وَمن غَيره، لَيْسَ عينه وَلَا غَيره
(1/244)

واستحال هَذَا الْمَعْنى فِي صفة الله مَعَ ذَاته لِاسْتِحَالَة التركب، فَلم تكن بَعْضًا لَهُ لِاسْتِحَالَة حد البعضية، وَلَا غَيره لِاسْتِحَالَة حد الغيرية، وَلَا عينه لِاسْتِحَالَة حد العينية وَبِهَذَا تنْدَفع شُبْهَة الْخُصُوم فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة، وَقد يزِيد الْبَعْض على الْكل فِي صُورَة (أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي) فَإِنَّهُ صَرِيح، بِخِلَاف (كأمي) فَإِنَّهُ كِنَايَة وَقيل: لَيْسَ ذَلِك من بَاب زِيَادَة الْبَعْض على الْكل، بل من زِيَادَة الْقَلِيل على الْكثير، كالقطرة من الْخمر إِذا وَقعت فِي دن خل لَا يجوز شربه فِي الْحَال، بِخِلَاف مَا إِذا وَقع كوز من الْخمر فِي دن خل حَيْثُ يجوز شربه، وَمن بَاب زِيَادَة الْبَعْض على الْكل مَسْأَلَة الْمِيزَاب؛ فَإِن الْخَارِج مِنْهُ إِذا وَقع على شخص فَقتله وَجَبت الدِّيَة بِتَمَامِهَا؛ وَإِن وَقع الْجَمِيع لم يجب إِلَّا النّصْف على الصَّحِيح
(وَذكر بعض مَا لَا يتَجَزَّأ كذكر كُله، كَمَا فِي الطَّلَاق وَالْعَفو عَن الْقصاص، بِخِلَاف الْعتْق، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يتَجَزَّأ عِنْد الإِمَام؛ وَأما عدم تجزؤ الْإِعْتَاق فَهُوَ بالِاتِّفَاقِ)
وَقد يُطلق الْبَعْض على مَا هُوَ فَرد من الشَّيْء، كَمَا يُقَال: (زيد بعض الْإِنْسَان)
وَقد يَجِيء الْبَعْض بالتعظيم، وَاسم الْجُزْء يُطلق على النّصْف؛ لَا يُقَال: الثُّلُثَانِ جُزْء من ثَلَاثَة، وَإِنَّمَا يُقَال: جزءان من ثَلَاثَة، فأقصى مَا يَقع عَلَيْهِ هَذَا الإسم النّصْف، وَلَا غَايَة لأَقل مَا يَقع عَلَيْهِ هَذَا الإسم
وَلَفظ البعوض من الْبَعْض لصِغَر جِسْمه بِالْإِضَافَة إِلَى سَائِر الْحَيَوَانَات
الْبَصْرَة: بِالْكَسْرِ: حِجَارَة رخوة فِيهَا بَيَاض؛ وَهُوَ مُعرب (بس رَاه) أَي: كثر الطّرق
والبصري، بِالْكَسْرِ: مَنْسُوب إِلَى الْبَصْرَة، وبالفتح إِلَى الْبَصَر
والبصريون: هم الْخَلِيل، وسيبويه، وَيُونُس، والأخفش وأتباعهم
والكوفيون: هم الْمبرد، وَالْكسَائِيّ، وَالْفراء، وثعلب وأتباعهم
(الْبَحْث: هُوَ طلب الشَّيْء تَحت التُّرَاب وَغَيره
والفحص: طلب فِي بحث؛ وَكَذَا التفتيش
والمحاولة: طلب الشَّيْء بالحيل
والمزاولة: طلب الشَّيْء بالمعالجة وَبحث عَن الشَّيْء بحثا: استقصى طلبه.
و [بحث] فِي الأَرْض: حفرهَا وَمِنْه: {فَبعث الله غرابا يبْحَث فِي الأَرْض}
والبحث عرفا: إِثْبَات النِّسْبَة الإيجابية أَو السلبية من الْمُعَلل بالدلائل، وَطلب إِثْبَاتهَا من السَّائِل إِظْهَارًا للحق ونفيا للباطل
وللبحث أَجزَاء ثَلَاثَة مرتبَة بَعْضهَا على بعض وَهِي: المبادئ والأواسط والمقاطع، وَهِي الْمُقدمَات الَّتِي تَنْتَهِي الْأَدِلَّة والحجج إِلَيْهَا من الضروريات وَالْمُسلمَات مثل الدّور والتسلسل)
الْبَتّ: الْقطع يُقَال فِي قطع الْحَبل والوصل؛ ويقابله البتر؛ لكنه اسْتعْمل فِي قطع الذَّنب
والبتك: يُقَارب الْبَتّ، لكنه اسْتعْمل فِي قطع الْأَعْضَاء وَالشعر [والبتل: الِانْقِطَاع]
(1/245)

وتبتل إِلَى الله وبتل: انْقَطع وأخلص {قل الله ثمَّ دِرْهَم} أَو ترك النِّكَاح وزهد فِيهِ، وَهَذَا مَحْظُور، لَا رَهْبَانِيَّة وَلَا تبتل فِي الْإِسْلَام
والبتول: هِيَ المنقطعة عَن الرِّجَال وَمَرْيَم الْعَذْرَاء كبالتيل، وَفَاطِمَة بنت سيد الْمُرْسلين لانقطاعها عَن نسَاء زمانها وَنسَاء الْأمة فضلا ودينا وحسبا، وانقطاعها إِلَى الله تَعَالَى
وَقَوْلهمْ أَلْبَتَّة: أَي أَبَت هَذَا القَوْل قِطْعَة وَاحِدَة لَيْسَ فِيهَا تردد، بِحَيْثُ أَجْزم مرّة وأرجع أُخْرَى ثمَّ أَجْزم فَيكون قطعتين أَو أَكثر، بل لَا يثنى فِيهِ النّظر وَهُوَ مصدر مَنْصُوب على المصدرية بِفعل مُقَدّر، أَي: (بت) بِمَعْنى (قطع) ثمَّ أَدخل الْألف وَاللَّام للْجِنْس، وَالتَّاء للْمُبَالَغَة، والمسموع قطع همزته على غير الْقيَاس، وَقل تنكيرها؛ وَحكم سِيبَوَيْهٍ فِي " كِتَابه " بِأَن اللَّام فِيهَا لَازِمَة
البضاعة: هِيَ قِطْعَة وافرة من المَال تقتطع للتِّجَارَة وتدفع إِلَى آخر ليعْمَل فِيهَا بِشَرْط أَن يكون الرِّبْح للْمَالِك على وَجه التَّبَرُّع
والبضع، بِالضَّمِّ: الْجِمَاع، أَو الْفرج نَفسه، وَالْمهْر، وَالطَّلَاق، وَعقد النِّكَاح، ضد وَبِمَعْنى المبضوع كَالْأَكْلِ نَحْو: {أكلهَا دَائِم} أَي: مأكولها
وَهُوَ جملَة من اللَّحْم تبضع: أَي تقطع
والبضع، بِالْفَتْح: مصدر (بضعت الشَّيْء) : إِذا قطعته وشققته؛ وَسمي فرج الْمَرْأَة بضعا لشق فِيهِ
والبضع، بِالْكَسْرِ: المتقطع عَن الْعشْرَة، أَو مَا بَين الثَّلَاثَة وَالْعشرَة؛ وَإِذا جَاوَزت الْعشْرَة ذهب الْبضْع؛ فَلَا يُقَال: بعض وَعِشْرُونَ، لَكِن فِي " الْمغرب ": " فِي الْعدَد المنيف بضعَة عشر بِالْهَاءِ للمذكر، وبحذفها فِي الْمُؤَنَّث، كَمَا تَقول: ثَلَاثَة عشر رجلا وَثَلَاث عشرَة امْرَأَة؛ وَكَذَا بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة
الْبدن: بدن الرجل بدنا وبدانة: إِذا ضخم، وَأما إِذا أسن واسترخى فَيُقَال: بدن تبدينا والجسد يُقَال اعْتِبَارا باللون
الْبَدنَة: مَا جعل فِي الْأَضْحَى للنحر وللنذر وَأَشْبَاه ذَلِك؛ وَإِذا كَانَت للنحر فعلى كل حَال هِيَ الْجَزُور
الْبَرْق: هُوَ وَاحِد بروق السَّحَاب
وبرق الْبَصَر: بِكَسْر الرَّاء: أَي